ghaemiyeh.com
سرشناسه : فسوی فارسی،محمد بن محمد، - 1134ق.
عنوان قراردادی : الشافیة .شرح
عنوان و نام پديدآور : شرح شافیه ابنحاجب المشهور: بکمال/ تالیف محمدالشهیر بکمال الدین بن محمد الشهیر بمعین الدین الفسوی؛ اخراج، تحقیق و تعلیق سعدی محمودی هورامانی.
مشخصات نشر : تهران : نشر احسان، 1423ق. = 2002م .= 1381.
مشخصات ظاهری : 584 صفحه
شابک : 35000 ریال964-356-050-3 : ؛ 70000 ریال : چاپ سوم978-964-356-457-5 :
يادداشت : عربی.
يادداشت : چاپ دوم.
يادداشت : چاپ سوم: 1431 ق.= 2010 م.= 1388.
موضوع : ابن حاجب، عثمان بن عمر، 646 - 570ق . الشافیة -- نقد و تفسیر
موضوع : زبان عربی -- صرف
شناسه افزوده : محمودی، سعدی، 1353 -
شناسه افزوده : ابن حاجب، عثمان بن عمر، 646 - 570ق . الشافیة. شرح
رده بندی کنگره : PJ6131/الف2ش20217 1386
رده بندی دیویی : 492/75
شماره کتابشناسی ملی : م80-21461
توضیح : «شرح شافیة ابن حاجب المشهور بکمال»، اثر محمد کمال الدین بن محمد معروف به معین الدین فسوی، شرح مزجی کتاب شافیه ابن حاجب میباشد که به زبان عربی و در قرن دوازدهم هجری، نوشته شده و با تحقیق و تعلیقات سعدی محمودی هورمانی، در سال 1377 ش، عرضه گردیده است.
کتاب شافیه که به زبان عربی نوشته شده است، با تعریف« علم صرف» آغاز میشود، سپس مباحث دیگری در حوزه علم صرف با موضوعاتی از این دست تشریح میگردد: صحیح و معتل، معانی افعال، ساختمان فصلها، صفت مشبهه، مصادر ثلاثی و رباعی، اسمهای زمان و مکان، احکام تصغیر، احکام منسوب، جمع مکسر، احکام اعلال، مبحث ابدال و احکام ادغام.شارح کتاب شافیه نیز کوشیده است تا مطالب اصلی کتاب را با مثالها و شواهد متعدد، شرح و تفسیر نماید.
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى دعاة الحق وقادة الخير بإحسان إلى يوم الدين.
وأما بعد،
تعد مقدمة العلامة المعروف بابن الحاجب الكردي - المسماة بالشافية التي جمع فيها خلاصة فن الصرف في أوراق قليلة - من أفضل المتون في هذا الفن، وقد اهتم بها العلماء بالشرح والتعليق عليها ما بين مطول ومختصر ومتوسط، وأفضل هذه الشروح هو شرح رضي الدين(1)، وهذا الشرح الذي بين أيدينا من شروح هذه المقدمة لم يطبع - فيما نعلم - حتى الآن، وهو شرح نفیس موسوم «بالكمال» هو اسم اشتهر به مؤلفه محمد الشهير بكمال الدين، ومعروف في كردستان لدى علمائه وطلابه وان كان شارحه من الفرس.
وقد اهتم بهذا الشرح علماء الكرد وطلابه بالتعليق والتوضيح عليه ، ومنهم من حفظه كله «كان ذلك في مدرسة بيارة الدينية بكردستان العراق»، ومنهم من قال فيه:
کسب کمال کن که عزیز جهان شوی***کس بی کمال و علم نیرزد به نیم جو
ص: 5
1) وقد طبع هذا الشرح - رضي الدين - لأول مرة بصورة محققة عام 1975م في بيروت وأعيد طبعه في إيران حوالي عام 1363 ه ش.
ويوجد من هذا الشرح في كردستان نسخ مخطوطة كثيرة، وكان لديّ منها ثلاث نسخ مخطوطة للتحقيق والإخراج والمطابقة بصورة مضبوطة، وعلى طرفي صفحاته عدة حواشي لعلماء الكرد كالعلامة الملا علي القزلجي والملا جامي الجوري ، وابن الحاج وغيرهم - رحمهم الله - وما استغنيت عنها لتوضيح وإخراج الكتاب مستفيدة من تعليقاتهم وتقاريرهم.
ولا يزال هذا الشرح يعرفه طلاب العلوم الدينية في كردستان، ويستفيدون منه بصورة مخطوطة ویهتمّون به، ولهذا رأی بعض الخيّرين إخراجه وطبعه لمزيد الفائدة ولشمولها.
وإذ وكّل إليّ أمر كتابته ومراجعته لم أعزم على تحقيقه ومقابلة نسخه لأن لذلك أهله ورجاله وهذا ما ليس في وسعي بل الغرض إخراجه بصورة تليق به، ولست ادّعي إكمال «الكمال»، فإن يكن هذا العمل شافياً بما قصدنا مؤدّيا الغرض كان ذلك أملنا وان تكن الأخرى فهذا جهد المقلّ «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفساً إلَّا وُسعَهَا).
وهذا الشرح ربّما توجد فيه مميّزات تجعله جديراً بأن يهتمّ به بطبعه وإخراجه والتعليق عليه ، وبأن يستفاد منه في مجال الدراسة في كافّة مدارس العلوم الشرعية .
وأهمّها - فيا أعلم -:
1- كثرة الاستشهاد بآيات القرآن الكريم، وأحيانا بالأحاديث النبوية .
2- كثرة الاستشهاد بالشواهد الشعرية.
3- الوسطية، بمعنى انه ليس بالمختصر کالشرح النظام، ولا بالمطول کشرح رضي الدين - أي هو بين هذا وذاك - وخير الأمور أوسطها.
4- مزج الشرح بالمتن كالشرح النظام وغيره، وهذا أرجح الأساليب في تبين المتون وإن كان من جهة أخرى أصعب من غيره.
5- اهتمامه ببيان المعاني اللغوية وبيان لفظ الكلمة وتشكيلها، فقلّما تمر عليه كلمة إلا ويبين معناها اضافة إلى بيان المعاني الشعرية أحيانا.
ص: 6
على الرغم من قلة المراجع لتحقيق الكتاب بصورة كاملة قمت:
1- بترتيب الكتاب بعناوین لرؤوس المطالب.
2- بجعل المتن بين قوسين ( )، والآيات بين ( )، ورؤوس المطالب بين المعكوفين []، والموازين الصرفية بين «».
3- بتخريج الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة على قلّته.
4 - بتصحيح ألفاظ الكتاب بمقابلة النسخ التي معنا.
5- بتوضيح المعاني اللغوية للكلمات التي قد يخفي معناها على القارئ.
6- ببيان وتوضيح معنى الشاهد ولغته بصورة مختصرة فيا لابد منه لبيان مفردات الشاهد ومعناه ، وعزونا الشعر إلى قائله ان كان منسوباً معتمداً على كتب أهل هذا الفن.
7- اعتمدت في تصحيح المتن والساقط منه وفي بيان أن الكلمة من المتن أو الشرح على شرحي الرضي والنظام.
8- وما استغنيت من الحواشي لعلماء الكرد على طرفي الصفحات في الشرح مستفيداً من تعليقاتهم.
وفي بعض المواضع كتبت وجمعت بعض الأبيات التي كانت ضمن الحواشي الملا علي القزلجي (رحمه الله) أداءً لحق له علينا نحن معشر الطلاب.
9- رأيت من الخير ان نقدم الشرح بترجمتين للماتن والشارح.
10- وأخيراً أرجو من الأساتذة الكبار وأهل الاختصاص أن يتفضلّوا علىّ بكل ملاحظة تظهر لهم على الكتاب ، شاكراً لهم ذلك.
سعدي محمودي هوراماني
مریوان 25 / 9 / 1377 ه.ش
ص: 7
هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، الفقيه المالكي، المعروف بابن حاجب الملقب بجمال الدين، كان والده الأمير عز الدين موسك من بيك الصلاحي وكان كردياً. [ويقال : انّ أباه كان من أهل مریوان بكردستان الإيران من قرية «موسك» قرب مدينة مریوان ].
واشتغل ولده أبو عمر المذكور بالقاهرة بالقرآن الكريم، ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك (رحمه الله)، ثم بالعربية ، ثم بالقراءات ، وبرع في علومها وأتقنها غاية الإتقان، ثم انتقل إلى دمشق ودرس بجامعها في زاوية المالكية ، و تبحّر في الفنون وكان الأغلب عليه علم العربية.
وصنّف مختصراً في مذهبه، ومقدمة وجيزة في النحو وسمّاها «الكافية » وأخرى مثلها في الصرف وسمّاها «الشافية» وشرح المقدمتين، وصنّف في أصول الفقه، وكلّ تصانيفه في نهاية الحسن، وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة عنها.
وكان مِن أحسن خلق الله ذهناً ، ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها، ثم انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها فلم تطل مدته هناك. وتوفّي ضاحي نهار الخميس السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وستمائة. ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ صالح ابن أبي سامة.
وكان مولده في آخر سنة سبعين وخمسمائة ب ( أسنا) - رحمه الله تعالى -، وأسنا بليدة من أعمال القوصية بالصعيد الأعلى من مصر.(1)
ص: 8
1) علمائنا في خدمة العلم والدين لملا عبدالكريم المدرّس. نقلاً عن وفيات الأعيان لابن خلّكان الكردي .
هو میرزا کمال الدین محمد بن معين الدين الفارسي الشيرازي (الفسائي)(1)الأصفهاني (2)المشهور بمیرزا کمالا(3)، و میرزا کمال الدين(4)من علماء الإمامية في القرن الهجري الثاني عشر، وصهر الملا محمد تقي المجلسي الأول، وصاحب يدٍ بيضاء في الفقه والتفسير، وأدیب فاضل.
من خلال الآثار والتواريخ وأقوال الطلبة والعلماء الذين عاصروا میرزا کمال الدين، يتّضح بأنه كان من أشهر فضلاء عصره(5)، وأستاذاً وباحثاً ورِعاً(6)وعالماً حاذقاً (7)، وشیخاً محقّقاً(8)، وأديباً مفوّهاً (9).
ولكنّه لم تتوفّر أي معلومات حول تفاصيل حياة ميرزا كمال الدين و مسانیده
ص: 9
الروائية وإجازاته (1)، إلا أنّه أشير في تاريخ فاضل الهندي (2)إلى شخص باسم ميزا ابراهيم القاضي، تتلمذّ على يد العلامة كمال الدين الفسائي (3). وذكر العلامة النوري في كتابه «الفيض القدسي» عن إجازة السيد محمد باقر هزار جریبي، والتي منحها للعلامة بحر العلوم، حيث ينقل عن استاذه الحاج الشيخ محمد بواسطة واحدة بأنه كُتِب في إجازته: «ولولدي العزيز أن يروي بهذه أسانيد وغيرها والتي قرأتها عن أستاذي المحقق المتقي العلامة ميرزا كمال الدين محمد بن معين الفسوي الفارسي من التفسير وغيره» (4)
وأيضا يمكن من خلال البحث في أقوال المحققين والعلماء المشهورين، الإشارة إلى عالِمَين وهما: محمد زمان الكاشاني(5)و محمد رضي ابن میرزا محمد مسیح طبيب (6)، اللذان تتلمذا على يد العلامة الفسائي. ويذكر أنّ محمد رضي تمكّن من قراءة كتاب «مطول التفتازاني» في درس الأستاذ العلامة الفسائي ، وقد أيّد الأستاذ هذا الكتاب من خلال التوقيع على إنهاء الدراسة، وهذا الكتاب موجود حاليّاً في المكتبة الوطنية الايرانية تحت رقم (42170) (7).
المحدث النيشابوري يقول: كان العلامة الفسائي من أجلّ المشايخ ، وكان يروي
ص: 10
1) روضات الجنات، ج 6، ص 325
2) بهاء الدين محمد بن تاج الدین حسن بن محمد الأصفهاني، المشهور بفاضل الهندي ، من علماء أواخر عهد الصفوية ، وكان أستاذاً بارزاً في العلوم الرسمية والحكمة والفنون الدينية . وُلِد عام 1062 هجرية ، وقضى فترة الطفولة في الهند ، ولذلك سُمّي بالهندي، روضات الجنات، ج 7، ص 357.
3) روضات الجنات، ج 6، ص 325
4) مفاخر الاسلام، ج 8، ص 355
5) طبقات أعلام الشيعة ، ص 618.
6) المصدر السابق .
7) المصدر السابق .
عن نجيب الدين محمد السراوي، وروى عنه نور الدين علي السراوي.(1)
هو الصهر الرابع (2)للعلامة المجلسي الأول، وزوج إحدى بناته (3)، ولكنه كان غريباً بين أصهار العلامة المجلسي، حيث لم يتمّ التطرّق إلى سيرته الذاتية حتى في المصادر الرئيسية، رغم أنه كان من فطاحل العلماء ، إنه كان قوياً في الأدب(4).
وهو كسائر العلماء والفضلاء الذين عاصروه، كان كاتباً، فبالاضافة إلى التدريس وتربية التلاميذ، إشتغل بالتأليف والتصنيف وشرح الآثار، ومن خلال ما جاء في التواريخ، فإنّ العلامة كانت له الآثار والتأليفات التالية :
1- شرح تائية دعبل الخزاعي، تم تأليفه عام 1103 هجري (5)، و تمّ طبعه في طهران عام 1308 هجري شمسي (6).
2- شرح شواهد المطول، الذي كان يدرّسه لتلميذه محمد رضي بن میرزا مسیح طبيب على الظاهر ووقع عليه.
3- شرح قصيدة عينية الحميري(7).
4 - بیاض الکمالي، الذي يشمل أبحاث متنوعة في الرجال والتاريخ (8). وهذه المجموعة القيمة التي كتبها المؤلف بخطه کوصية لبعض أبنائه، أو أحد تلاميذه أو
ص: 11
1) روضات الجنات، ج 6، ص 326.
2) أصهاره الثلاثة الباقين حسب سنة الوفاة، هم: الملا محمد صالح المازندراني، الملامحمدعلي الاسترابادي، الملاميرزا الشيرواني ، مفاخر الاسلام، ج 8، ص 343-347
3) الذريعة، ج 3، ص 170.
4) مفاخر الاسلام، ج 8، ص 355.
5) ريحانة الأدب، ج6، ص 63.
6) طبقات أعلام الشيعة، ص 618.
7) المصدر السابق ، ص 619.
8) ریحانة الادب، ج 6، ص 63.
أصدقائه، وذلك لأن أكثر ماجاء فيه من عناوين وفوائد، على شكل خطابٍ لمخاطب واحد. فمثلا يقول: «يجب أن تقرأ الكتاب ... الذي كتبه الكاتب ... في الموضوع... والموجود لدى فلان»، أو يقول: «يجب أن تؤلف في الموضوع الفلاني». وقد ألّف هذا الكتاب في حياة العلامة المجلسي والسيد مير علاء الدین الگلستانة، وذلك لأنه يذكر العلامة المجلسي فيه بهذا التعبير «مولانا حفظه الله ورعاه !»، وقد جعل الكتاب في أكثر من ألف بيت ، وقد رأيت هذا الكتاب في مكتبة السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني (1).
5- شرح کافية ابن الحاجب (2).
6- شرح شافية ابن حاجب: حيث ألّف كتابين منفصلين يشرح فيها شافية ابن حاجب. تسمّى أحدهما «العجالة» وألّفه عام 1108، والكتاب الثاني «القيود الوافية»، ويختلف إلى حدّ ما مع الكتاب الأول (3).
يبدأ هذا الشرح بجملة «الحمد لله المنعوت بكمال الجلال والجبروت ...»، وكتبه في مدينة أحمد آباد في الهند، وفرغ من كتابته وتأليفه في الثالث والعشرين من جمادي الأولى عام 1118(4). ولكن يا للأسف، ليست لدينا ما يؤيّد يوم بدء شروعه بالتأليف. ويعود تاريخ النسخة الموجودة في مكتبة المولا محمد علي الخوانساري إلى عام 1122(5).
ص: 12
1) الذريعة، ج 3، ص 170.
2) جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر النحوي المعروف (646-570)، وهو ايراني الأصل وكردي القومية، وّلد في مصر، وله تألیفات في النحو والصرف والفقه والأصول. قاموس دهخدا ، الطبعة القديمة، ج 1، قاموس المعين ، الأعلام، ج 5، دائرة المعارف الاسلامية الكبيرة ، ج 6، ص 296 - 299.
3) طبقات أعلام الشيعة ، ص 619.
4) الذريعة ، ج 17، ص 227.
5) المصدر السابق .
يقول الشيخ آغا بزرك الطهراني أيضا في كتاب طبقات أعلام الشيعة: «لقد رأيتُ حاشية حبیب الله المشهور ميرزا جان الشيرازي مكتوباً بخط میرزا کمال على شرح مختصر العضدي. ونسخة هذا الكتاب موجودة ضمن ممتلكات الحاج على محمد نجف آبادي، وكذلك رأيتُ بعض ممتلكاته وخاتمه الذي حُکّت عليه العبارة التالية (أغِثنا يا من له القدرة والكمال) »(1).
فيما مضى تكلّمنا عن الإبهام الموجود في حياة الأستاذ، وغربته العجيبة ، والآن يجب أن نعرف بأن سلالة میرزا کمال الدين تعرّضوا لنفس الغربة التي تعرّض لها الأستاذ، وعلى العكس باقي أصهار العلامة المجلسي.
وذكر ميرزا حيدر علي المجلسي، المتوفى عام 1214، في ختام رسالته التي كتبها عام 1194، وعندما يتطرّق إلى أحفاد العلامة المجلسي الأول من بناته الأربعة يقول: «ولم يبقَ أحد من أبناء ميرزا كمال الفسائي، وفي حال وجود أحدهم فلا عِلمَ لي بذلك». .
السيد أحمد البهبهاني حفيد العلامة المجلسي الأول من ابنته آمنه بیکم، وكذلك الملا محمد صالح المازندراني الذي ألّف كتاب «مرآة الأحوال» في الهند عام 1220 وأنته عام 1225، يقول فيه: «وأما أبناء المرحوم المغفور له العلامة ميرزا کمال محمد الفسائي، فأمرهم مجهول» (2).
وحول كيفية حياة ميرزا كمال، والمواضيع والحوادث التي تعرّض لها، والمواقف التي اتخذها والتي تحصل غالباً للعلماء والعارفين وتجعل حياتهم شيّقة وذات معانٍ و عِبَرٍ تختلف عن حياة الآخرين، فإنه لم تصلنا أي معلومات عن ذلك، بل إننا نجد اختلافاً كبيراً في تاريخ وفاته، وعلى أي حال فإنّ طول حياته وتاريخ وفاته تحوم حوله غيوم من الشك والإبهام.
ص: 13
لو قلنا بصحة قول الشيخ آغا بزرك الطهراني في «طبقات أعلام الشيعة»، والذي يذكر فيه تاريخ تأليف كتاب «شرح العجالة» في عام 1108، وكتاب «شرح القيود الوافية» عام 1118، عند ذلك يمكن القول بأنّ تاريخ وفاة ميرزا كمال، كان بعد تاريخ تأليف الكتاب المذكور . كما أنّ مؤلف كتاب «مفاخر الاسلام» يعتبر تاريخ تأليف كتاب «شرح قصيدة الخزاعي» دليلاً على حياة ميرزا كمال في عام 1103، أي تاريخ الانتهاء من تأليف الكتاب. لذلك يمكن القول على أقوى الاحتمالات، بأن الاستاذ میرزا كمال الفسائي خلال الفترة بين 1103 - 1118 كان على قيد الحياة ، والله أعلم بالصواب.(1)
سعدي محمودي هوراماني
ص: 14
1) استفدت في شرح أحوال الشارح من مقالة الأخ زاهد ویسي، فجزاه الله خيراً.
1- دائرة المعارف الاسلامية الكبيرة، ج 3 (ابن أرق - ابن سیرین)، تحت إشراف کاظم بجنوردي ، طهران 1374 ه ش.
2- روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، العلامة المحقق آية الله العظمی میر سید محمد باقر الخوانساري الأصفهاني، انتشارات کتابفروشي اسلاميه.
3- ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية أو اللقب، تأليف الاستاذ العلامة میرزا محمد علي مدرّس، الطبعة الثانية ، تبریز .
4 - قاموس الدكتور محمد معين ، الأعلام، انتشارات امیر کبیر ، طهران.
5- طبقات أعلام الشيعة، تأليف الشيخ آغا بزرك الطهراني، انشارات جامعة طهران.
6 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة، تأليف الشيخ آغا بزرك الطهراني، انتشارات کتابفروشي اسلاميه.
7- مفاخر الاسلام، تأليف الشيخ علي دواني، الطبعة الأولى، نشر مرکز فرهنگي قبله.
8- لغت نامه دهخدا، علي أكبر دهخدا، الطبعة القدية.
9- علماؤنا في خدمة العلم والدين الملا عبدالكريم المدرّس.
ص: 15
الصورة
ص: 16
الصورة
ص: 17
الصورة
ص: 18
الصورة
ص: 19
الصورة
ص: 20
ص: 21
بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه ثقتي
ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري ، إنّك على كلّ شيء قدير ، وبالإجابة جدير.
الحمد لله الّذي أمال قلوبنا برحمته إلى صرف الهمم نحو إقتناء الكمال ، وتفضّل علينا برأفته بادغام النّعم في النّعم على كلّ حال.
والصّلاة على من ختم به الرّسالة ، وحفظ شريعته عن تطرّق النّسخ والأبدال ، وأيّده لتكسير جموع أهل الغيّ ، ونقض أبنية الضلال ، وآله الطّاهرين الّذين باتّباع كلّهم وامتثال أمرهم ونهيهم يفاز بالصحّة ، ويصان عن الإعتلال.
أمّا بعد :
فيقول أفقر المذنبين إلى عفو ربّه ورحمته ، وشفاعة سيّد المرسلين وعترته ، محمّد الشهير بكمال الدّين بن محمّد الشهير بمعين الدّين الفسويّ (1)، [أفاض الله عليهما شئآبيب (2)الغفران ومنّ عليهما بالعفو والإحسان].
هذه عجالة أجريتها مجرى الشرح لشافية «جمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر ابن أبي بكر المعروف بابن الحاجب» ، راجيا من الله عمّت آلائه أن ينفع بها كلّ
طالب ، واقتصرت فيها على كشف المقاصد ، وطويت الكشح عن الزوائد ، إلّا ما ناسب المقام واقتضته الحال من النّكت والفوائد ، ليوافق مبتغى من حداني ابتغائهم على هذا التّعليق ، مع كثرة الشواغل عن الأمعان في التحقيق والتدقيق وقلّة البضاعة خصوصا في هذه الصناعة.
والمرجوّ من الناظر أن يمنّ عليّ بصالح الدّعوات ، ويعفو عمّا عثر (1)عليه من العثرات (2).
وها أنا اشرع ، وعليه أتوكّل ، وإليه أفزع.
فأقول : إفتتح المصنف بالتّسمية والتحميد ، لما ورد في الرّوايات من الحثّ عليه.
واختار الأسلوب الواقع في الكتاب العزيز ، تيمّنا وحيازة لما فيه من الحكم والفوائد الّتي لا تحصى ، وفصّل ما اهتدى إليه العقول في موضعه.
وقال :
[بسم الله الرّحمن الرّحيم]
[ألحمد لله ربّ العالمين] ثمّ عقّبه بقوله : [والصّلاة على سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين ، وصحبه أجمعين] ليتوسّل بهم في رفع حمده إلى درجة القبول ، واستفاضة التوفيق لما رامه (1)من هذا التأليف ، بل لنيل كل مأمول.
وبعد :
(فقد إلتمس منّي) والفاء لتوهّم : أما ، أو تقديرها ، (من لا يسعني مخالفته) أي : لا أطيق مخالفته لجلالة قدره ، أو كثرة إنعامه ، أو فرط ألفته ، [أن ألحق بمقدّمتي] الكائنة[في] ما يسمّى علم [الاعراب] من جملة النحو وهي الكافية.
التسمية بالاعراب مع الاشتمال على البناء أيضا ناظرة إلى أعظم الأبواب ، وأهمّها ، وربّما زعم بعضهم أنّ مباحث المبني فيه استطرادية.
[مقدّمة] كائنة[في التصريف] الّذي هو القسم الآخر من النحو ، فإنّه داخل فيه بالاتفاق ، [على نحوها] أي : على مثلها وطريقتها في وجازة اللّفظ ، وغزارة المعنى والجودة ، ولفظ النحو لا يخلو عن لطف ، ولذا إختاره على المثل ونحوه.
[ومقدّمة] كائنة[في الخط] وبيان رسمه ، ويجوز تعلّق الظرف في المواضع الثلاثة بالمقدّمة ، ولو باعتبار معنى المؤلف ونحوه مثل : أسد عليّ ، وفي الحروب نعامة ، وترك قوله : على نحوها أو ما يؤدّي معناه ههنا إشعارا بأنّ الاعتناء بالخط دون الاعتناء بالاعراب والتصريف ، فلذلك لم يكلّفه السائل غير مقدّمة ، كيف كانت ، وان قدّرته فيه حصل الإشعار المذكور من ترك التصريح ههنا ، وعدم المبالاة بالغفلة عنه.
1) رامه أي : قصده.
(فاجبته سائلا) وترك ذكر المسؤل عنه لظهور أنّه لا يصلح لذلك غير الله تعالى - سبحانه - ، (متضرّعا) أي : مبتهلا ، متذلّلا ، (أن ينفع بهما) أي : بالمقدّمتين (كما نفع بأختهما) الكافية ، وما مصدريّة أي : نفعا كالنفع بالأخت.
وقوله : (والله الموفّق) إنقطاع إلى الله - جلّ إسمه - وحصر للتوفيق فيه على ما يفيده تعريف الخبر ، وإشعار بأنّه لا يستبدّ في إجابة الالتماس والتأليف ولا غيرهما.
وليعلم ان أسماء العلوم تطلق على المسائل ، وعلى التصديق بها ، وعلى الملكة الحاصلة من ممارستها.
ثمّ إنّ الجزئيات لما كانت غير محصورة ولا منضبطة قصدوا في كلّ علم إلى قواعد كليّة تشترك في رجوع أحكامها إلى البحث عن أحوال أمر ، أو امور متناسبة على وجه فصّل في موضعه ، وتلك القواعد تسمّى اصولا لبناء الأحكام الجزئيّة المستنبطة عنها ، الّتي تسمّى فروعا عليها.
وتلك الاصول مسائل العلم ، وما يكون البحث فيها عن أحواله موضوع ذلك العلم ، ثمّ إنّ تعريف العلم ، وبيان موضوعه ، ووجه الحاجة إليه ممّا يفيد زيادة البصيرة للشارع ، فلذلك بادر المصنّف إلى تعريف هذا العلم على وجه يشعر بموضوعه ، وجهة الاحتياج إليه (1)، وتبع الاستعمال الوارد في تعليق العلم بالكليّ ، والمعرفة بالجزئيّ.
وقال :
1) وجهة الاحتياج إليه هو : الاحتراز عن الخطأ في أحوال الأبنية.
[التصريف : علم باصول تعرف بها أحوال أبنية الكلم الّتي ليست بإعراب].
(التصريف علم) أي : تصديق باصول ، أو ملكة متعلّقة ، (باصول) موصوفة بأنّها : (تعرف بها) الأحكام الجزئية ، الّتي هي : (أحوال أبنية الكلم) لا مطلقا بل أحوالها(الّتي ليست باعراب) أي : ليست من أحوالها المتعلقة بعلم الاعراب ، إعرابا كانت أو بناء.
والمراد ببناء الكلمة هو : اللفظ باعتبار ما فيه من الحروف الأصليّة والزائدة والحركات ، والسّكنات الوضعيّة من حيث كونه مادّة ، لما يعرضه من الأحوال العارضة له في نفسه.
واضافتها إلى الكلم إمّا بيانية : أي الكلم الّتي هي الأبنية كالمصدر ، والمفرد ، والمكبّر ، من حيث كونها موادّ لما يعرضها من الأحوال ، وإمّا بمعنى اللّام : أي الأبنية التي للكلم ، والاصول الّتي ترجع هي إليها ، فالكلم على هذا (1)هي : الألفاظ المخصوصة الحاصلة بطريان الأحوال على الأبنية ، بحسب الدواعي السانحة المختلفة ، كألفاظ المشتقّات من المصدر ، والجمع ، والمصغّر.
وأحوال الأبنية هي : العوارض الّتي إعتبر الواضع بالوضع النّوعي طريانها عليها لحصول ألفاظ مخصوصة اخر بحسب الدواعي والأغراض ، كالإبدال ، والإعلال ، وما يتعلّق - بتحصيل صيغ الماضي والمضارع ، والمصغّر ، والجمع وغيرها - من الحركات والسكنات والزيادات وغيرها ، ممّا يطرء على الأبنية طريانا جاريا على
1) أي بناء على انّ الاضافة لاميّة.
قانون الوضع ، فيحصل الماضي والمضارع وغيرهما ، وهو المراد (1)من عدّ نحو ذلك من «الأحوال» فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
ثمّ إنّه لا يجب كون البناء لفظا مستعملا جاريا على القياس ، بل قد يكون على خلافه كصون فانّه بناء لما يحصل بالتصرّف الاعلاليّ الواجب فيه كصان ، ولا يقدح في كون تلك الأحوال مبحوثا عنها زوال صور الأبنية وتغيّرها عند طريانها ، فإنّ الأحوال المبحوث في العلوم تشمل نحو ذلك.
إذا تمهّد هذا فنقول : (العلم) في التعريف كالجنس ، وخرج بالتقييد(بالاصول) ، ما ليس متعلّقا بها ، كالعلم بالجزئيات.
والمراد ب(أحوال الأبنية) أحوالها العارضة لها من حيث أنّها أبنية ، كما تشعر به إضافتها إليها مع شيوع اعتبار الحيثية في التعريفات ، فحيث قيّدت [الاصول] بكونها[تعرف بها] تلك [الأحوال] ، خرج ما لا دخل له في معرفة حال البناء أصلا ، كالاصول المتعلّقة بمعرفة أحوال الأجسام والأعراض ، وما يعرف به أحواله من غير تلك الحيثيّة ، كالعارضة له من حيث كونه لفظا وصوتا ، والأحوال الاعرابيّة الطّارية في أواخره باعتبار التركيب مع الغير فإنّها خارجة عن الحالات الوضعيّة المعتبرة في كون اللّفظ بناء.
فتلك الحيثيّة مغنية عن التقييد بكونها[ليست باعراب] كما ذكره بعض المحققين ، ولعلّه صرّح بنفي الاعراب من جملة ما نفى بتلك الحيثية لزيادة الاهتمام بالتنصيص على الاحتراز عن علم الاعراب ، لأنّه أنسب من غيره بالمعرّف ، واحتمال الالتباس فيه أظهر ، فتأمّل (2).
بقي ههنا كلام وهو : انّه عدّ المصدر فيما بعد من الأحوال ، مع ظهور أن صيغ مثل : النّصر ، والضّرب ، ليست أحوالا طارية على بناء أخر ، ولعلّه عدّه منها باعتبار ما يشتمل من جنسه ، على التغيّر عمّا يفرض أصلا له كالانتصار ، فإنّ ماله مدخل في حصول صيغته من الأحوال الطارية على المصدر المجرّد الّذي هو أصله وبنائه ، وإن جعل لفظه من حيث كونه مادّة لما يعرضه من ماضيه ومضارعه وغيرهما بناء لها ، ولا منافاة بين كون لفظه بناء لشيء وكون صيغته حالا لبناء آخر كما لا يخفى.
ويكفي للحكم بكونه من الأحوال كونه منها في الجملة ، وكأنّه إنّما تعرّض للمجرّد عن التغيير من المصدر ، فيما بعد حيث انتهى الكلام إليه ، استتماما للبحث ، فيه استطرادا كما استطرد بيان الادغام والتحريك بالكسر العارضين بمدخلية كلمة اخرى نحو : إضرب بّعده ، واضرب الرّجل ، في بابي الادغام والتقاء الساكنين ، فإنّ التحقيق انّ مثل ذلك ليس من أحوال الأبنية المقصودة ههنا ، كالاعراب.
ثمّ المقصود من [أحوال الأبنية] في التعريف جميعها ، كما هو المتبادر ، ومن معرفتها التمكّن منها ، بحيث يقتدر على معرفة أيّة حال اريدت من تلك الأحوال.
ويكفي في معرفة حال البناء من أصل أن يرجع حكم ذلك الأصل إلى حاله بالآخرة ، وإن لم يكن ذلك البناء موضوعا بالفعل في القضيّة الّتي هي ذلك الأصل ، فقولنا : كل واو كذا انقلب ألفا ، في قوّة قولنا : كلّ بناء مشتمل على واو كذا يعرضه ذلك الإعلال.
والقصد في علم التصريف إنّما توجّه إليه بهذا الاعتبار ، وحيث أشير في التعريف إلى أنّ التصريف باحث عن أحوال الأبنية العارضة لها من حيث انّها أبنية ، علم أن موضوعه هي الأبنية ، من تلك الحيثية.
ولمّا كانت معرفة كلّ شيء يفيد الاقتدار على الاحتراز عن الحظأ فيه والاحتياج إلى هذا العلم ليس إلّا للاحتراز عن الحظأ في أحوال الأبنية كان التعريف كأنّه مشير اشارة ما إلى وجه الحاجة ، فقد تمّ الحدّ جمعا ومنعا ، على وجه يشير إلى الموضوع ، والحاجة بوجه ما كما ذكرنا.
ثمّ إنّهم لم يتعرّضوا لأبنية الحروف لندور تصرّفها ، وكذا الأسماء الغير المتمكّنة الغريقة في البناء كمن ، وما ، بل إنّما تعرّضوا لأبنية الاسم المتمكّن والفعل لكثرة التصرّف فيهما.
والأبنية تنقسم إلى الاصول والمزيد فيها ، [وأبنية الاسم] المتمكن الموصوفة تلك الأبنية بأنّها : [الاصول : ثلاثية] موضوعة على ثلاثة أحرف وإن عرض النقصان ، كأب ، ويد[ورباعية] على أربعة[وخماسية] على خمسة.
وليس فيها أنقص من الثلاثي ، لأنّ الأوفق بالطبع أن يتحقّق في اللّفظ ما يبتدأ به ، وما يوقف عليه ، ولا يتحدان للزوم الحركة في الأوّل ، والسكون في الثاني ، ثمّ الأوفق به أن لا يتصل الابتداء بالانتهاء ، والشروع بالانقطاع.
ولا أزيد من الخماسي حذرا من الثقل في أصل الوضع ، ولئلّا يتوهّم انّه كلمتان.
وقيد بالاصول لجواز الزائد على الخماسي في المزيد إلى السباعي ، كاستخراج ، واحرنجام ، لأنّه ليس في أصل الوضع ، والطوارئ يتسامح فيها ما لا يتسامح في الأصل ، والثلاثي أعدل الأبنية.
[وأبنية الفعل] الاصول ، واكتفي في التقييد بما ذكر في الاسم ، [ثلاثية] اصالة وان طرء النقص نحو : ق ، [ورباعية] ، ولم يزيدوا عليها لكثرة تصرّفاته المناسبة لخفّته ، ولأنّ الضمير المرفوع المتصل به كالجزء منه ، فيجري الخماسي منه مجرى السداسي المرفوض في الاسم لثقله ، والمزيد فيه منه يجوز إلى السّداسيّ ، كاستخراج ، واحرنجام.
والعارف بالاصول والزوائد في الأسماء والأفعال - إذا أراد إعلام ذلك لمن لا يعرف - لو تعرّض للتفصيل في كل لفظ لأدّى إلى التطويل ، فوضعوا لذلك قانونا يسهل به (1).
1) هذه العبارة أوجز واحسن ممّا تكلف الشراح السابقة فيه بأنّه لا بدّ من ميزان يتميّز به الزائد عن الأصلي مثل : فعل ، وإلى آخر ما ذكروه.
[و] هو ان الاصول (1)[يعبّر عنها] عند الاعلام [بالفاء والعين واللّام] (وما زاد) من الاصول على تلك الثلاثة يعبّر عنه (بلام ثانية) ولام (ثالثة) وذلك لأنّهم ابتدؤا في ذلك بالفعل لكثرة تصرفاته بالزيادة والنقصان.
وأخذوا الزنة من لفظ فعل ، على الترتيب ، لاشتراك مفهومه بين جميع الأفعال ، ولم يخرجوا عن مادّته - فيما يحتاج إليه من الزائد - على حروفه في الرباعي ، فالتجأوا إلى تكرير بعض حروفه ، واختاروا اللّام لطريان الحاجة عنده ، ثمّ (2)حملوا الاسم في ذلك على الفعل.
(ويعبّر عن الزائد) على الاصول (بلفظه) أي : بلفظ ذلك الزائد فرقا بين الزائد والأصليّ ، وهذه القاعدة مطردة عندهم في كل زائد ، كما يقال : ناصر على «فاعل» ومنصور على «مفعول».
إلّا المدّغم في أصليّ فانّه يعبّر عنه بما بعده ، مثل : إدّارك ، وازّيّن ، في تدارك وتزيّن ، فان وزنهما «افّاعل» و «افّعّل» ، بتشديد الفاء ، لا ادفاعل وازفعّل.
[وإلّا] الزائد[المبدّل من تاء الافتعال] كالدال في ادّكر والطاء في إصطلح ، [فانّه] أي : المبدّل المذكور يعبّر عنه في الزنة[بالتاء] لا بلفظه فيقال : في المثالين مثلا : انّهما على زنة «افتعل» لا افدعل وافطعل رعاية للأصل ، وحذرا عن الثقل فيما هو كثير في الاستعمال ، بخلاف ما ارتكبوه في فزد ، وفحصط ، فإن أصلهما فزت وفخصت ، وأبدل الدّال والطاء من ضمير المتكلّم ، وقالوا : في وزنهما «فلد» و «فعلط» ، لأنّه تصرّف نادر ، قليل ، فلم يبالوا فيه بالثقل ، وعدم رعاية الأصل ، وعبّروا عنه بلفظه الحاقا له بالغالب فيما ليس بأصليّ.
[وإلّا] الزائد[المكرّر] الّذي حصل بتكرير حرف أصليّ [للالحاق] بكلمة اخرى ، كالباء في جلبب للالحاق بدحرج ، [أو لغيره] أي : غير الالحاق من
الأغراض الداعية إلى زيادة ما يفضي إلى التكرير ، - كالرّاء - في كرّم بالتشديد فان تكريرها ليس للالحاق ، بدليل الادغام ، فانّ المكرّر للالحاق لا يدغم حفظا لبناء الملحق به ، بل التكرير لحصول الغرض المتعلّق ببناء باب التفعيل من التعدية والمبالغة وغيرهما ، فالمكرّر لأحد الوجهين - أيضا - مستثنى عن القاعدة المطّردة في التعبير عن الزائد.
[فانّه] أي : المكرّر المذكور يعبّر عنه في الزنة[بما تقدّمه] أي : بما عبّر به ما وقع قبله ، فيقال : جلبب على زنة فعلل لا فعلب ، وكرّم على زنة فعّل لا فعرل.
والداعي إلى ذلك (1)، أن التكرير مستكره عندهم جدّا ، فلا يرتكب إلّا مع شدّة العناية بما يتوصّل به إليه ، فارتكابه يدل على انّ الاهتمام بالمكرّر كالّذي قبله ، فيعبّر عنه بما عبّر هو به ، وهذا مطرد في كلّ ما كرّر.
[وان كان من حروف الزيادة] وهي : حروف سألتمونيها ، - كاللّام - في شملل - للالحاق - وفي علّم بالتشديد - للغرض الحاصل من بناء الباب - ، فيعبّر عنه بالمقدم.
فلا يتوهّم من شيوع التعبير من حروف الزيادة بلفظها أنّ التعبير عن المكرّر بما قبله مختص بما إذا لم يكن منها.
ولكون الظاهر في المكرّر بتكرير الأصليّ أن يكون تكريره عن قصد - مع عموم ما ذكر من الداعي إلى التعبير بالمتقدّم في كلّ ما كرّر قصدا - أعتبر ذلك الحكم في المكرّر المذكور متلبسا بأيّ حال من الأحوال ..
[إلّا] حال كونه متلبسا[بثبت] أي : دليل دالّ على انّ التكرير لم يقصد من حيث هو تكرير ، بل أرادوا زيادة حرف ، من حيث خصوصيّة ذلك الحرف ، فاتّفق كونه مكرّرا لوجود أصليّ مثله ، كالنون الّذي يقصد زيادته من حيث خصوص ذاته ، التحصيل بناء فعلان ، فربّما اتّفق تكريره لوجود مثله في المزيد عليه ، كما في
1) أي : التعبير بما تقدم ، دون التعبير بلفظه.
سمنان ، فحيث كان هذا التكرير اتفاقيا غير مقصود من حيث هو تكرير لم يجز فيه ذلك الداعي ، حتّى يخالف لأجله القاعدة المطّردة في التعبير عن الزائد بلفظه.
[ومن ثمّة] أي : لأجل انّ المكرّر يعبّر عنه بما قبله ، إلّا بثبت [كان «حلتيت»] - لصمغ الأنجدان - [«فعليلا»] ملحقا بقنديل (1)ونحوه ، [لا فعليتا] بالتاء كعفريت ، لعدم وجود دليل يقتضي العدول عن الظاهر الّذي هو وقوع التكرار قصدا.
(وعثنون) وهو : اللحية ، أو بعض مخصوص منها ، أو شعرات طوال تحت حنك البعير ، (وسحنون) يقال : لأوّل الرّيح والمطر ، [فعلول] بضمّ الفاء وتكرير اللّام ، ملحق بعصفور وغضروف (2)ونحوهما ، [لا فعلون] بالنون [لذلك] الّذي ذكرناه من التعبير عن المكرّر بالمتقدّم لما ذكر ، (ولعدمه) أي عدم «فعلون» بالنون في كلامهم ، ووجود «فعلول» باللّام ، كالمثالين.
وهذا من باب الاستظهار ، إذ لو فرض وجود فعلون أيضا لم ينفع في ارتكاب خلاف الظاهر ، مع فقد الدليل المقتضي على ما قيل.
فقد بيّن إلى ههنا ما هو مقتضى التعبير عن المكرّر بالمتقدّم.
ثمّ أشار إلى بيان الثبت للعدول عنه بقوله :
[وسحنون إن صحّ الفتح] في أوّله على ما روي [ففعلون] بالنون ، [ك - حمدون ،] وزيدون ، وعبدون ، [وهو] أي فعلون بالنون ، [مختص بالعلم] اسما كان أو لقبا ، وان كان الصحيح في «سحنون» الضم كما هو المشهور ، فهو «فعلول» بتكرير اللّام ك - عثنون.
وإنّما قلنا : انّه على تقدير الفتح «فعلون» بالنون لا «فعلول» باللّام [لندور فعلول] باللّام ولم يأتي منه بناء محقّق الّا واحد ، نادر.[وهو] : [صعفوق] علم
لحيّ باليمامة ، أو لقرية ، وقيل : انّه أعجميّ ولذا جعل السببان في منع صرفه العلميّة ، والعجميّة ، ولم يعتبر فيه التأنيث باعتبار القبيلة ، أو القرية لأنّ العجمة أقوى ، والصعفوق - أيضا - اللّئيم وهو : حينئذ اسم جنس منصرف ، وان فرض انّه أعجميّ الأصل.
فندور هذا البناء دليل مقتضي للعدول عن قاعدة التعبير بالمتقدّم ، إذ لا تحمل الكلمة على ما ندر وجوده.
[وخرنوب] - بفتح الخاء المعجمة - وهو : - نبت يتداوى به - لا ينافي ما ذكرناه من وحدة البناء المتحقّق في فعلول ، لأنّه [ضعيف] لم يثبت في اللّغة الفصيحة ، حتّى انّ الجوهري منع فيه الفتح ، والفصيح المشهور فيه الضم ، ويروى بالفتح مع تشديد الراء من غير نون ، وهذا يدل على انّ النون عند لحوقه زائدة ، فلا تثبت به «فعلول».
[وسمنان] بفتح السين ، وهو - : ماء لبني ربيعة - غير منصرف للعلمية ، والألف والنون المزيدتين ، [فعلان] بالنون ، لعدم اعتبار «فعلال» باللّام في كلامهم ، في غير المضاعف ، نحو : زلزال ، وخلخال ، وكثرة «فعلان». وهذا أيضا دليل مقتض للعدول عن التعبير بالمتقدّم.
[وخزعال] وهو - : ناقة بها ظلع (1)- على زنة فعلال باللّام لا يقدح في عدم اعتبار هذا البناء ، لأنّه (نادر).
وقال الفرّاء : لم يأت فعلال من غير المصاعف سواه. والشقراق بفتح الشّين : - الطائر - ، لم يثبت ، بل قال البطليوسي : انّ الأقيس فيه كسر الشّين ، وكذا القهقار - للحجر الصلب - على ما حكاه ثعلب ، إذ الأكثرون على أنّه القهقرّ بتشديد الرّاء من غير ألف.
1) الظلع : ضرب من العرج ومنه ظلع البعير كمنع إذا مال في رجله عند المشي.
وأمّا القسطال - للغبار - على ما حكاه أبو مالك ، فكأنّه ممدود القسطل ، والألف فيه مدّوا شباع للفتحة.
[ويطنان] - بضم الموحّدة - [فعلان] بالنون ، لعدم وجود «فعلال» باللّام في كلامهم ، وجودا يعتنى به.
[وقرطاس] - بضم القاف - وإن كان على «فعلال» باللّام لكنّه [ضعيف] والفصح كسره ، وربّما يقال : انّه روميّ ، وقرطاط - للبردعة - وقسطاط - للسرادق - أيضا وان روي فيهما الضمّ ، ولكنّ الفصيح المعتبر كأنّه الكسر.
وبالجملة فعدم وجود هذا البناء وجودا يعتني به دليل مقتض للعدول في بطنان ، عن اعتبار قصد التكرير ، والتعبير بالمتقدّم ، [مع] وجود أمر آخر وهو : [انّه نقيض ظهران] ، لأن ظهرانا اسم لظاهر الريش وبطنانا لباطنه ، وظهران «فعلان» بالنون من غير شكّ لعدم التكرير فيه حتّى يكون فعلالا بالالحاق ، فبطنان - أيضا - مثله ، حملا للنقيض على النقيض ، لتنزيلهم التناقض منزلة التناسب ، لتقارن المتناقضين في الخطور القلبي ، ولا يخفى انّه وجه ضعيف ، في العدول عن الظاهر فكأنّه كالمؤيّد.
والّذي يظهر من «الصّحاح» أن ظهرانا وبطنانا جمعان ، للظهر والبطن من الرّيش ، مثل : عبد وعبدان ، فهو على «فعلان» بالنون لعدم «فعلال» باللّام في أبنية الجموع أصلا ، وان فرض وجوده في المفرد.
ثمّ انّ ما ذكر في الزنة إلى ههنا مطّرد عند الجمهور ، واعتبر الجميع في التصغير أوزانا اخر لمجرّد بيان صورة الحروف والحركات مع قطع النظر عن بيان الأصلي والزائد ، ليكتفوا بها عن ذكر الأوزان المختلفة المتكثرة بحسب الأبنية المختلفة الّتي لا تكاد تحصى كثرة ، ولم يخرجوا في مقابل الزائد - سوى الياء الّتي تقع في صيغ التصغير - عن الفاء والعين واللّام ، استغناء بها عن غيرها ، فاضطروا إلى تكرير أحدها ، ولم يكرّروا اللّام كما هو المعهود في باب الزنة ، تنبيها على مخالفة الغرض من
وضعها للغرض في ذلك الباب ، فكرّروا ما يتّصل به وهو العين.
فأوزان التصغير : فعيل ، وفعيعل ، وفعيعيل ، ويشترك في فعيل مثل : دريهم ووزنه الحقيقي في مقابلة الاصول والزوائد فعيلل ، واحيمر ووزنه أفيعل ، وجويرب ووزنه فويعل إلى غير ذلك ، وفي فعيعيل عصيفير ووزنه فعيليل ، ومفيتيح ووزنه مفيعيل إلى غير ذلك ، فهذا تحقيق الزنة.
[ثمّ ان كان قلب في الموزون] بتغير مواضع اصوله - بالتقديم والتأخير - وأكثر ما يقع في المعتلّ ، والمهموز على ما ذكره نجم الأئمّة - رضيّ - ، [قلبت الزنة] قلبا(مثله) للتنبيه عليه ، وذلك [كقولك : في آدر] - بالمدّ في أوّله - وهو : جمع دار ، وهو المحلّ الجامع للبناء والعرصة - [أعفل] بتقديم العين على الفاء - لأنّ أصل آدر أدور بالواو في وسطه على زنة «أفعل» لأنّه أجوف واويّ ، وأصله من الدّوران ، فقلبوا الواو همزة جوازا ، لجواز قلب الواو المضمومة همزة كما يجيء - إنشاء الله تعالى - ، ثمّ قلبوها إلى موضع الفاء فقلبت ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها.
(ويعرف القلب) في الموزون :
[1] (بأصله) المعلوم الّذي اشتقّ منه ذلك الموزون وذلك : (ك - ناء يناء) بمعنى بعد يبعد(مع النأي) الّذي هو مصدره وأصله المعلوم ، بعدم سماع مصدر له سواه ، فبذلك علم انّه مقلوب ممّا هو على ترتيب ذلك المصدر ، وهو نأي ينأي ، بجعل اللّام إلى موضع العين ، فوزن ناء يناء «فلع يفلع».
[2] [و] يعرف القلب أيضا في الموزون [بأمثلة إشتقاقه] ، وهي : الكلمات الواردة من مادّته فيما يتعلّق بمعناه ، كالماضي ، والمضارع ، واسم الفاعل ، وأبنية المزيد فيه إلى غير ذلك ، [كالجاه والقسيّ والحادي] فانّ قولهم : وجه يوجه وهو وجيه إلى غير ذلك ، - عند الدلالة على حصول الجاه ، وهو : القدر والمنزلة - يدلّ على عود الجاه معها إلى أصل واحد كالوجه.
فيعلم انّه مقلوب من الوجه ، على «عفل» ، والقياس بعد القلب أن يقال : «جوه»
وكذلك قولهم : استقوسوا أي : صاروا كالقسيّ في الانحناء من الشيخوخة ، وتقوسوا أي : معهم قسيّ ، ومتقوّس ، ومستقوس إلى غير ذلك ، يدلّ على رجوع القسي إلى أصل واحد هو القوس.
فيعلم انّه مقلوب قووس - بواوين - على «فعول» ، وبعد نقل اللّام إلى موضع العين - لكراهتهم اجتماع الواوين ، والضّمّتين - حصل قسوو ، فقلبت الواو الثانية ياء - لتطرّفها - وقلبت الاولى - بعد اجتماعها مع الياء وسكون السابقة منها - ياء ، ثمّ كسرت السين للمناسبة ، والقاف للاتباع (1)فوزنه «فليع».
وكذلك : توحّد ، ووحّد ، والواحد ونحوها ، ممّا يناسب الحادي ، يدلّ على عوده معها إلى أصل واحد ، وهو الوحدة ، فاصله الواحد ، فقلبت الحاء إلى موضع الواو ، والواو إلى موضع الدال ، وقلبت ياء - لتطرّفها وانكسار ما قبلها - فوزنه «عالف».
وجملة القول : انّه إذا لم يرد تصاريف لفظ إلّا على خلاف ترتيبه ، علم انّه مقلوب من أصل يكون على ترتيبها ، وهو يشاركها في العود إلى ذلك الأصل.
ففي المعرفة بأمثلة الاشتقاق ، ينتقل من ملاحظة الأمثلة إلى الأصل والقلب معا ، وفي المعرفة بالأصل يعرف القلب بالأصل المعلوم قبله ، فلذلك جعلهما وجهين (2)، فتأمّل.
[3] [و] يعرف القلب - أيضا - في الموزون ، [بصحّته] أي : عدم اعلاله مع وجود سبب الاعلال ، ووجود ما يوافقه معنى وحروفا ويخالفه في ترتيب الحروف ، حتّى يمكن اعتبار القلب ، فلا قلب في مثل : حور ، واحتور والحيرى ونحوها ، ممّا
يصح - مع اشتماله على سبب الاعلال - لفقد الموافق معنى وحروفا مع الاختلاف في الترتيب ، بخلاف ما يوجد فيه الموافق على هذا الوجه ، (ك - أيس) ، فانّه مشتمل على سبب الاعلال ، وهو : تحرّك الياء وانفتاح ما قبلها - مع وجود ما يوافقه معنى وحروفا ، ويخالفه في ترتيبها وهو يئس ، فعدم قلب يائه ألفا ، يدلّ على انّه مقلوب منه ، وترك الاعلال فيه لعدمه ، لعدم السبب في ذلك الأصل ، فلذلك (1)لو وقع الاعلال في الأصل وقع في المقلوب «ك - ناء ونأى» بقلب الياء فيهما ألفا.
فهذا (2)هو الفارق ، مع أنّ العلامة لا يلزم إنعكاسها أي تحقّقها في جميع موارد ما هي علامة له ، فلا يلزم من الصحّة الّتي هي علامة القلب في أيس تحقّقها في كلّ مقلوب كذا قيل.
نعم ، اطراد العلامة - وهو عدم تحقّقها في غير ما هي علامة له - واجب ، وإلّا لم يكن علامة له ، وعدم مصدر لأيس بهذا المعنى - سوى اليأس - يدلّ على القلب فيه أيضا.
[4] [و] يعرف القلب أيضا في الموزون المقلوب (بقلّه استعماله) أي كون استعماله قليلا في نفسه ، مع كثرة ما يمكن إعتبار قلبه منه ، فلو كثر استعمال كلمة - ولكن كان أقل من إستعمال ما يمكن قلبها منه - لم يحكم بالقلب بمجرّد هذا.
وذلك : (ك - آرام ،) - بالهمزة الممدودة في أوّله - فانّه قليل الاستعمال ، والكثير هو : الأرآم ، - بتقديم الراء السّاكنة على المدّ - وهو جمع رئم ، وهو - : الظبي الخالص البياض - ، فهو مقلوب منه ، ووزنه «أعفال» ، وعدم أصل له سوى - الرّئم - يدلّ على قلبه أيضا ، كناء مع النأي.
(و) مثل : (أدر) ، فانّه قليل ، والكثير أدور ، فهو مقلوب منه ، وعدم أصل له
سوى - الدّار - يدلّ عليه أيضا.
ولا حجر في اجتماع العلامات الّتي هي امارات ، وهذه العلامة أيضا غير منعكسة ، فانّ المقلوب قد يكون كثير الاستعمال كالجاه ، والحادي ، وقد يكون الأصل مرفوضا كالقسيّ ، فانّ أصله غير مستعمل أصلا ، فضلا عن الكثرة.
ثمّ انّ هذه الوجوه الأربعة لمعرفة القلب متّفق عليها.
[5] [و] يعرف أيضا(بأداء تركه إلى اجتماع همزتين) ، ولكن ليس ذلك إتفاقيا بل ، (عند الخليل) ، وذلك في اسم الفاعل من الأجوف المهموز اللّام ، (نحو : جاء) وهو : اسم فاعل من جاء يجيئ ، فزعم الخليل ، انّ اللّام قلب إلى موضع العين ، فحصل جاءي - بتقديم الهمزة على الياء - على وزن «فالع» ، ثمّ أعلّ اعلال قاض ، إذ لو لم يقلب لوجب أن يقلب يائه همزة - على ما هو القاعدة في اسم الفاعل الأجوف - فتجتمع همزتان ، وذلك مستثقل.
وسيبويه : امتنع من القلب واعتبر اعلال اسم الفاعل الأجوف ، واعتذر عن استثقال اجتماع الهمزتين بزواله بانقلاب الثانية - ياء - على ما هو القياس في تخفيفهما عند اجتماعهما متحركين ، مع انكسار الاولى ، ثمّ يعلّ اعلال قاض ، وكأنّه - مع تعدّد الاعلال - أحسن من القلب الّذي اعتبره الخليل ، وان لم يكن فيه سوى اعلال قاض ، لندور القلب وشيوع تلك الاعلالات.
واعترض عليه أصحاب الخليل : بأن كل ياء - منقلبة عن الهمزة ، المكسور ما قبلها - يجوز فيها الاعلال المناسب ، للياء الحاصلة بعد القلب ، كالحذف رفعا وجرّا في جاء ، وتركه مع رجحان الترك ، ومن ثمّة كان الأفصح تركه في : داري ، ومستهزيون ، عند قلب همزتهما - ياء - مع لزوم اعلال قاض في باب جاء.
وأجيب عنه : بمنع تلك الكلمة ، بل ان كان إنقلاب الياء عن الهمزة على سبيل الجواز - كما في المثالين - لوحدة الهمزة فيهما ، جاز الاعلال المناسب للياء الحاصلة بعد الانقلاب ، مع رحجان الترك كما ذكر.
ويشترط مع ذلك ، أن لا يكون الداعي إلى الانقلاب إلى الياء مقتضيا للاعلال لوجوبه عند اقتضاء ذلك الداعي ، كما في خطيئة ، فإن انقلاب همزتها ياء ، وإن كان جوازا - كما سيجيء إنشاء الله تعالى.
لكن لمّا كان الداعي إليه التوسّل به إلى الادغام ، وجب الاعلال بالادغام حيثما وقع الانقلاب وإن (1)كان الانقلاب إلى الياء وجوبا - كما في جاء - وجب الاعلال ، إلّا عند تحقّق ما يقتضي تركه ، كما إذا كانت الهمزة المنقلبة إلى الياء فاء الكلمة - كما في أيّمة - وأصلها القريب أئمّة ، - بهمزتين وميم مشدّة - فانّ همزته الثانية - الّتي تقلب ياء ، للمقتضي عن اجتماع الهمزتين - فائه فلذلك لم يعلّ بقلبها ألفا مع تحرّكها وانفتاح ما قبلها ، وذلك لاختصاص انقلاب الواو والياء المتحركتين ، المفتوح ما قبلهما - ألفا - ، بما إذا كانتا عينين أو لامين ، ولذلك : لم يعلّ في أودّ مضارع ودّ ونحوه ، كما يجيء في باب الاعلال - إنشاء الله تعالى -.
وقال المصنف : انّ ترك الاعلال في أيّمة لأن أصلها - أءممة - بسكون الهمزة - على زنة «أفعلة» ، ثمّ نقلت حركة الميم الاولى إليها للادغام ، فكانت حركة الياء المنقلبة عنها عارضة ، فلم يعتبر كما لم يعتبر الحركة العارضة لملاقات الساكنين في «أخشي الله» ، للتحرّز عن التقاء الساكنين.
هذا بعض ما يقال ههنا ، ولا يتعلّق لنا غرض بزيادة الاطالة ، بل الغرض مقصور على أنّ القلب عند البعض يعرف بأداء تركه إلى همزتين.
[6] [أو] بأداء تركه (إلى منع الصرف - بغير علّة) ، وان لم يكن الأداء إليه على جميع الوجوه المحتملة ، على تقدير الترك ، بل كان أدائه إليه (على الأصحّ) من جملة تلك الوجوه.
فانّ منع الصرف بلا علّة لم يعرف في لغتهم أصلا ، فيحكم بالقلب الّذي ثبت في لغتهم في الجملة ، تفاديا عن ذلك الأصح ، لذلك ، وعن غيره من الوجوه المحتملة
1) عطف على قوله : إن كان انقلاب الياء عن الهمزة إلخ.
بالطريق الاولى ، لكونها أضعف منه.
وذلك (نحو : أشياء ، فإنّها : «لفعاء») - عند الخليل وسيبويه - لأنّها ممنوعة من الصرف في الاستعمالات ، وليس فيها سبب ظاهر لمنع الصرف ، فحكما بأنّ أصلها شيئآء - بهمزتين - على «فعلآء» كحمراء ، وانها اسم جمع لشيء ، كالطرفاء لطرفة - وهي شجرة - ، فقلبت لامها - وهي الهمزة الاولى - إلى موضع الفاء ، كراهة إجتماع همزتين بينهما حاجز ضعيف ، وهو الألف ، مع كثرة استعمال هذه اللفظة ، ومنع صرفها لألف التأنيث الممدودة.
وذهب جماعة إلى ترك القلب فيها.
(وقال الكسائي) من هؤلاء انّها جمع قلّة لشيء ، ووزنها(أفعال) ك - بيت وأبيات ، فليس فيها سبب لمنع الصرف (1).
(وقال الفرّاء) والأخفش انّها جمع كثرة ، ووزنها(أفعاء ،) - بحذف اللّام - (وأصلها «أفعلاء») لزعمهما انّ أصلها - أشيئآء - حذفت الهمزة الاولى - لضعف الحاجز ، لكنّها عند الأخفش جمع شيء بالتخفيف على خلاف القياس.
وعند الفرّاء : جمع ل - شيّء ، - بالتشديد - على «فيعل» ك - بيّن وليّن ، وأبيناء ، وألينآء ، ولكثرة احتياجهم إلى استعماله استغنوا عنه بمخفّفه أعني : شيئا - بالتّخفيف - كما يخفّف بيّن ونحوه ، وهو تكلّف.
فمنع الصرف عندهما - أيضا - للعلّة ، لأنّ «أفعلآء» من صيغ الممدود المؤنّث ، لكن قول الكسائيّ مع تأديته إلى عدم العلّة أصحّ من هذا (2)، لأنّ جهات الضّعف فيه أكثر ، لما فيه من حذف الهمزة الأصليّة من غير سبب ، ولأنّها تصغر على لفظها ،
كما هو شأن اسم الجمع ، وجمع القلّة.
ولو كانت «أفعلاء» لصغرت على شييئات ، لأنّ جمع الكثرة لما لا يعقل ، - وليس له جمع قلّة ك - شيء على هذا القول - يردّ في التّصغير إلى المفرد ، ويجمع مصغرّ ذلك المفرد ، - بالألف والتّاء ، مع مخالفة القياس في قول الأخفش ، والتكلّف فيما ذكره الفرّاء.
وقد يرجّح مختار سيبويه : بمجيئ جمعها على أشايا وأشاوى ، بقلب الياء واوا ، على خلاف القياس ، كجباوة في جباية ، فيمكن على مختاره كونه «لفاعى» مقلوب «فعالى» وهو قياس في «فعلآء» الأسميّة ك - صحراء ، وصحاري.
وأمّا على القولين الآخرين ، فهو : إمّا «أفاعل» أو مقلوب «فعالى» ، ولا يقاس ، بل لم يسمع شيء منهما في جمع «أفعال» أو «أفعلاء».
وربّما ايّد مختاره - أيضا - بمجيئ أشياوات ، - وفعلاوات قياس في فعلآء الاسميّة - كصحراوات ، وجمع الجمع بالألف والتّاء - كما يلزم على قول غيره - مقصور على السّماع ، والمقيس أولى.
وغاية توجيه القولين (1)، - في هذين الجمعين (2)، وقول الكسائي في منع الصّرف ، وقول الفرّاء : في التّصغير - انّ الكلّ (3)لتوهّم انّها «فعلآء» ، كما بني تمندل من منديل ، لتوهّم اصالة الميم.
ويزيد في التّصغير احتمال توهّم كونها على «أفعال» ، وقد يوجّه أشايا في قول الكسائي ، باحتمال كون أصله : أشاييئ على «أفاعيل» ك - أنعام وأناعيم ، فقلبت
1) أي : قول الكسائي وقول الفرّاء معا ، فلا يرد أنّ هذا ليس غاية توجيه قول الكسائي ، إذ قد يوجه بتوجيه آخر كما سيأتي.
2) أي الجمع بالألف والتاء والجمع على فعالى أو أفاعل.
3) أي كل من تصرفاته المذكورة من الجمعين ، ومنع الصرف ، والتصغير يثبت له لتوهم أنّها ... والبناء على التوهم كثير في كلامهم كما سيأتي بعضها في هذا الشرح إنشاء الله تعالى.
الهمزة المتطرّفة - ياء - فاجتمعت ثلاث ياءآت ، فحذفت الوسطى الزّائدة السّاكنة ، وقلبت الأخيرة ألفا ، والاولى - حيث يقال : أشاواى - واوا ، ولا يتمشى هذا في القول الآخر ، لعدم جمع «أفعلآء» على «أفاعيل» ، هذا.
لكن ذكر سيبويه : أنّ أشاوى جمع إشاوة ، كأداوة وأداوى ، أو أصلها إشاية ك - جباوة مقلوبة لشياءة ، كأنّها لغة في شيء ، وأشايا جمع اشاية.
وقوله : (على الأصحّ) ، على ما فسّرناه - وفاقا لبعض الشّارحين - متعلّق بالاداء ، وقد يجعل متعلّقا بيعرف ، والمعنى : يعرف القلب على أصحّ الأقوال بأداء تركه - على أيّ وجه كان - إلى منع الصّرف بغير علّة بناء على أنّ «أفعاء» ليس من صيغ الممدود المؤنث ، ولا يفيد أن الأصل «أفعلاء» لصيرورتها في حكم العدم.
وقد يضعّف هذا بأنّ فيه مع عدم ملائمته لما في شرح المفصّل ، - حيث لم يورد التأدية إلّا على الكسائي - أن مناط العلّية لمنع الصّرف - هو ألف التّأنيث - باقية بعد حذف اللّام ، فتأمّل فيه.
ثمّ : انّ القلب ليس شيء منه قياسا ، إلّا باب جاء عند الخليل ، وكيف كان ، إذا اعتبر في الموزون ، اعتبر في الزّنة.
(وكذلك الحذف) ، فانّه - أيضا - يعتبر في الزنة عند اعتباره في الموزون (ك - قولك في قاض) وقد حذفت لامه (فاع) بحذف اللّام ، وهذه الطريقة لازمة في القلب ، والحذف على كلّ حال ، إلّا في حال (ان يبيّن فيهما الأصل) كما يقال : آدر ، «أفعل» ، وقاض «فاعل» في الأصل ، ونحو ذلك.
فهذا بيان الأبنية باعتبار انقسامها ، بحسب عدد الحروف ، ثلاثيّة ، ورباعيّة ، وخماسيّة ، وكيفيّة اعلام زنتها.
وتنقسم الأبنية إنقساما آخر ، والنّظر فيه إلى الحروف الاصول.
(و) ذلك أنّها(تنقسم إلى صحيح ، ومعتل).
(فالمعتل : ما فيه حرف علّة) ، ويكون من حروفه الاصول.
وحروف العلّة هي : الواو ، والألف ، والياء (1).
(والصحيح : بخلافه) فهو ما ليس أصل من اصوله حرف علّة.
ثمّ ينقسم المعتل إلى سبعة أقسام :
لأنّ حرف العلّة فيه ، أمّا واحد ، أو أكثر ، والواحد ، أمّا فاء ، أو عين ، أو لام ، والأكثر : أمّا فاء وعين ، أو عين ولام ، أو فاء ولام ، أو فاء وعين ولام.
(فالمعتل بالفاء - مثال) ، لمماثلته الصحيح ، في خلوّ ماضيه عن الاعلال ، مثل : وعد ، ويسر.
(و) المعتل (بالعين أجوف) ، لخلوّ جوفه - أي وسطه - عن الصحيح ، فشبّه بالشيء الّذي أخذ ما في داخله ، وبقي أجوف.
(وذو ثلاثة) ، لكون ماضيه على ثلاثة أحرف ، نحو - : قلت ، وبعت - عند الاتصال بضمير المتكلم ، وهو أوّل تصاريف الكلمة في الغالب ، عند الصرفيين ، لأنّ نفس المتكلّم أقرب الأشياء إليه.
1) وانّما سمّى هذه الحروف ، حروف العلّة لأنّها لا تسلم ولا تبقى على حالها في كثير من المواضع ، بل تتغيّر بالقلب والاسكان ، والحذف ، والهمزة وان شاركتها في ذلك لكن لم يجر الاصطلاح بتسميتها حرف علّة ، كذا قال نجم الأئمّة.
(و) المعتل (باللّام - منقوص) ، وناقص ، لنقصان حرفه الأخير في الجزم ، نحو - : أغز وارم - ، ونقصانه عن قبول بعض الاعراب ، وهو الرفع ، والجرّ.
(وذو الأربعة) لكون ماضيه - مع ضمير المتكلّم - على أربعة أحرف ، مع اعتلال لامه (1)، وكون اللّام أحق بالتغيّر من العين ، نحو - : رميت ، وغزوت.
(و) المعتل (بالفاء ، والعين) ك - يوم ، وريح ، ولا يبني منه فعل مجرّد ، (أو بالعين ، واللّام) نحو - : نوى ، وحيي - ، (لفيف مقرون) - لالتفاف حرفي العلّة ، واقترانهما -.
(و) المعتل (بالفاء ، واللّام) نحو : ولي ، ووقى - ، (لفيف) لالتفاف حرفي العلّة - ، (مفروق) - لافتراقهما فيه -.
ولم يعتبر المعتل بالفاء ، والعين ، واللّام ، كالواو ، والياء ، لا سمّي الحرفين ، لندوره.
هذا في الثلاثي ، وأمّا الرّباعي الغير المضاعف ، والخماسي ، - اسمين كانا أو فعلين - فلا يوجد فيهما معتل ، إلّا المعتل الفاء في الخماسي ، اتفاقا على ما يلوح من كلام البعض ، ك - ورنتل - للداهية - وفي الرّباعي على رأي.
وأمّا نحو : حوقل ، وبيطر ، فملحق بالرّباعي ، بزيادة حرف العلّة وليس برباعيّ.
1) قوله مع اعتلال لامه وكون الخ : خلاصة الكلام انّ الأجوف لما كان مع اعتلال عينه مع ضمير المتكلم على ثلاثة أحرف وكان الناقص مع اعتلال لامه وكونه أحق بالحذف والاعلال - في ظاهر الأمر - من الأجوف على أربعة أحرف فكونه على الأربعة ، كأنّه لا يخلو عن غرابة في بادي الرأي ، فلذلك : سمّي بهذا الاسم ، بخلاف الصحيح فان كونه على أربعة أحرف ليس فيه غرابة في ظاهر الأمر. فتدبر.
وتنقسم الأبنية - أيضا - إلى المهموز ، وهو : ما أحد اصوله همزة ، كأمر ، وأود ، ووئل ، وقرء ، وغير المهموز ، وهو : بخلافه ، وذكر انّ المهموز الفاء لم يوجد في الرّباعي أصلا ، بخلاف الخماسي ، فانّه يوجد فيه ، ك - إصطبل ، فيمن جعله خماسيا.
وإلى المضاعف وغيره ، والمضاعف : ما فيه أصليّان متماثلان مع الاتصال ، إن كان ثلاثيا ، سواء كان العين واللّام - كما هو الكثير الشائع - نحو - : مدّ ، وحيّ ، وودّ - أو الفاء ، والعين ، وهو نادر جدّا ك - يين - لواد -.
ويشترط الفصل بأصليّ آخر في الرباعي ، صحيحا كان ك - زلزل ، أو معتلّا ، ك - وسوس ، ولم يوجد المضاعف في الخماسي على ما صرّح به نجم الأئمّة - رضي -.
(وللاسم الثّلاثي - المجرّد -) ، إنقسام آخر ، وذلك باعتبار البناء ، وله (عشرة أبنية).
(والقسمة) العقلية(تقتضي إثنى عشر - قسما -) حاصله من ضرب الحالات الثلاثة المتصوّرة في الفاء - وهي : الحركات الثلاث دون السكون لتعذّر الابتداء به - ، في الحالات الأربعة في العين ، وهي : تلك الثلاث مع السكون ، ولم يعتبر الحرف الأخير ، لأنّه محل الاعراب ، ولكن سقط إثنان على المختار عند المصنف ، وهما : «فعل» بكسر الفاء ، وضمّ العين ، «وفعل» بعكس ذلك استثقالا للانتقال من ثقيل وهو الضمّة ، أو الكسرة إلى ثقيل يخالفه ، مع لزوم ذلك (1)، بخلاف ما إذا كانا متوافقين ، ك - عنق ، - بضمّتين - وإبل ، - بكسرتين - وبخلاف ما إذا كان عارضا ، كما في المبني للمفعول في الفعل ، نحو : ضرب -.
وإنّما جوّزوا فيه الانتقال من الضمة إلى الكسرة دون العكس ، لكون الضمّة أثقل ، لافتقارها إلى تحريك العضلتين ، بخلاف الكسرة ، والانتقال من الأثقل إلى الأخف أسهل ، وأهون على النفس من العكس ، وأمّا نحو : يضرب فلم يبالوا به ، لكونه في معرض الزوال بالجازم والناصب.
ولسقوط البنائين ارتكبوا التأويل فيما ورد عليهما ، (وجعل ، الدّئل) ، - بضم الدال المهملة ، وكسر الهمزة - ، وهو : اسم لجنس من الحيوان ، يشبه ابن عرس ، وعلم - أيضا - ، لابن محلم أبي قبيلة من خزيمة ، على ما قيل ، منقولا من الفعل الماضي المجهول ، يقال : دئله يدئله - ك - منعه - دألا ، - إذا ختله وخدعه -.
وجوّز بعضهم : أن يكون منقولا من دأل ، دألانا - إذا مشى على تقارب
1) أي كل واحد من الضمّة والكسرة.
الخطى - وهو وان كان لازما مبنيا للفاعل ، لكن لمّا غيّر من الفعليّة إلى الاسميّة ، غيّرت صورته.
وحكى : على «فعل» - بضمّ الفاء وكسر العين - إسمان آخران ، وهما : رئم - بالراء المهملة والهمزة - للاست - ، والوعل على ما حكاه الخليل في الوعل ، - وهو : تيس الجبل -.
وقيل : انّهما أيضا منقولان من الفعل.
ومنهم من زعم : ثبوت هذا الوزن في اللّغة ، على قلّة ، تمسّكا بنحو ذلك.
(و) قالوا : (الحبك) - بكسر الحاء وضمّ [الباء] الموحدة - كما يحكى القراءة به عن أبي السمال ، وأبي مالك الغفاري ، في الشواذ ، - في جمع الحباك - بكسر الحاء ، - وهو : الطريقة في الرمل والماء - إذا ضربته الريح ، وتثنّى الشعر وتكسره ، (ان ثبت) وروده (فمحمول على تداخل اللّغتين - في حرفي الكلمة) ، وهما : الحاء ، والباء ، وذلك : انّه ورد «الحبك» - بضمّتين - في الجمع ، - وبكسرتين - كأبل في المفرد ، فالمتكلّم : كأنّه أراد التكلّم بالمفرد فكسر الحاء ، ثمّ ذهل وتوهّم انّه يتكلّم بالجمع ، فضمّ الباء ، وتكرّر ذلك حتّى صار كالبناء المقرّر ، فوردت القراءة به في الشواذ ، وحمل على معنى الجمع حيث وقع الانتقال - عند ضم الموحّدة - إلى لفظ الجمع ، فهو مركّب من المفرد والجمع ، ولذا قيل : انّه من التداخل البعيد.
(و) الأبنية العشرة الّتي إعتبروها «هي : فلس» - بفتح الفاء وسكون العين - (وفرس) - بفتحهما - (وكتف) - بفتح الأوّل وكسر الثاني - (وعضد) - بالفتح والضمّ - (وحبر) - بالكسر فالسكون - وهو : النقس الّذي يكتب به ، (وعنب) - بالكسر فالفتح - (وإبل) - بكسرتين - (وقفل) - بالضم فالسكون - (وصرد) - بالضم فالفتح -. - لطائر - (وعنق) ، - بضمّتين - فهذه اصول الأبنية.
(وقد يرد بعض) منها(إلى بعض) آخر ، في لغة تميم ، دون الحجازيّين ، لكن ورد بعض وجوهه في بعض القراآت ، في بعض ألفاظ من الكتاب العزيز ، مع وروده
على لغة الحجاز.
ويقال : للحاصل بالرّد ، انّه فرع لما هو الأصل في الكلمة الّتي وقع فيها الرّد ، ولعلّ العمدة في معرفة الأصل من الفرع ، توافق اللّغتين ، وكثرة الاستعمال ، في لغة التفريع ، فما اتفق الحجازيّون ، وبنو تميم ، على استعماله من الأوزان الواردة في الكلمة ، أو كان إستعماله في لغة تميم أكثر ، فهو الأصل في تلك الكلمة ، وما عداه فرع.
وإذا تمهد ذلك ، (ففعل) - بفتح الفاء وكسر العين - (ممّا ثانيه حرف حلق ك - «فخذ» يجوز فيه) ثلاثة أوزان ، أحدها : (فخذ) - بحذف حركة العين - للتخفيف ، وثانيها : (فخذ) - بكسر الفاء وسكون العين - بنقل حركة العين إلى الفاء ، وثالثها : (فخد) - بكسرهما معا على - اتباع الفاء للعين. (1)
(وكذلك الفعل :) الّذي على هذه الزنة ، وثانيه حرف حلق (ك - شهد) يجوز فيه الفروع الثلاثة المذكورة.
(ونحو كتف) ممّا هو على تلك الزنة - وليس ثانيه حرف حلق - (يجوز فيه) فرعان من تلك الثلاثة ، أحدهما : (كتف) - بسكون العين - من غير نقل الحركة ، وثانيهما : (وكتف) - بنقل حركة العين إلى الفاء - ولا يجوز فيه الاتباع الجائز فيما ثانيه حرف حلق.
والفرق انّ الحرف الحلقي ، لقوّته يقوى على اتباعه ما قبله لنفسه ، حتّى يحصل المشاكلة الّتي بها يجبر كراهة النقل من الأخف ، - الّذي هو البناء الأصلي - إلى الأثقل ، الّذي هو الاتباع - ، بخلاف غيره ، فانّه ليس مثله في القوّة.
(ونحو عضد) - بفتح الأوّل وضمّ الثاني - (يجوز فيه) فرع واحد ، وهو :
1) والفرق بين هذه الأوزان الثلاثة ، وبين فلس وحبر ، وإبل أن هذه فروع في الأوزان المردودة إليها ، وتلك اصول. «نظام الدين»
(عضد) - بإسكان الثاني - تخفيفا.
ويجوز ذلك (1)، في الفعل الّذي يكون على هذا الوزن ، نحو : كرم ، ولم يجوّزوا الاتباع في هذا البناء ، اسما كان أو فعلا.
وأمّا نقل حركة العين إلى الفاء : ففي الاسم جوّزه بعض تميم ، ومنعه بعضهم ، كراهة تحصيل الابتداء بالثقيل القويّ في الثقل ، وهو الضمّة بعد ما لم يكن في أصل الكلمة ، وإن أدّى إلى شيء من التخفيف ، بحذف حركة العين.
وقد يقع في الفعل الّذي فيه معنى التعجب ، - وهو على هذه الزنة - كما يقال : حبّ بفلان ، - بضم الحاء - ، وأصله : حبب ، - بفتحها وضمّ الموحدة الاولى - ، وهو : فعل لازم من المحبّة - ، فنقلت ضمتها إليها ، وادغمت ، والمراد به : التعجّب ، ولذلك تزاد الباء في فاعله ، تشبيها بقولهم : أحسن به ، في التعجّب.
(ونحو عنق) - بضمّتين - (يجوز فيه) فرع واحد ، وهو : (عنق) - باسكان الثاني - تخفيفا ، وهذا الفرع في الجمع الوارد في هذه الزنة أكثر ، لجمعه بين ثقل المعنى واللفظ.
(ونحو إبل ، وبلز) - بكسرتين - (يجوز فيهما) فرع واحد ، هو : «إبل وبلز» ، - بتسكين العين - (ولا ثالث لهما) ، قيل : المراد لا ثالث لهما في هذا الوزن (2)، فيما ثبت في اللّغة الفصيحة.
فانّ سيبويه قال : لا يعرف لهذا الوزن إلّا إبل ، وهو من الأسماء ، وزاد الأخفش : بلزا ، - للقصير ، والمرأة الضخمة - في الصفات.
وأمّا الألفاظ الاخر المحكية على هذا الوزن : ك - الإطل - للخاصرة - ، - والإبط
ولفظ(نحو) في قوله : (ونحو إبل) ، وان أشعر بالتعدّد ، لكنّه ناظر إلى ما يفرض وروده بكسرتين ، فصيحا كان أم لا ، ولا يخفى ما فيه من التعسّف.
وقيل ابل - باللّام - في المتن تصحيف إبد ، - بالدال المهملة - ، بمعنى ولود ، والمعنى : لا ثالث لهما في هذا الوزن من الصفات ، - على ما قال ثعلب - ، وان كثر في الأسماء ، وكأنّه اختار التمثيل بهما ، توطئة للاشعار بهذه الفائدة ، والمراد بنحوهما : ما كان على وزنهما ، ولو من الأسماء.
وقيل : المعنى لا ثالث لابل - باللّام - ، وبلز ، في جواز تسكين الوسط ، لوجوب التكلّم على الأصل وحده ، فيما عداهما ، ممّا كان على هذا الوزن ، وأورد عليه ، - مع - مع عدم التدليل على هذا التخصيص - انّ لفظ(نحو) من المتن ينافيه (3)، لدلالته على انّ كل ما يوازن المثالين ، يأتي فيه هذا الفرع.
وقيل : المعنى ، لا ثالث لهذين الوزنين ، - وهما الأصل - والفرع الوارد بتسكين الوسط ، في جميع ما كان نحو المثالين في الوزن ، والمقصود : أن لهذا البناء فرعا واحدا ، فقط ، وأورد عليه ، ان نحو عنق - بضمّتين - أيضا ليس له سوى فرع واحد ، فما وجه ترجيح نحو ابل بالتعرّض لذلك.
ومن المتحمل : أن يكون الضمير المثنّى في قوله : (لهما) راجعا ، إلى نحو ابل ، وما
1) ولعل في بعض النسخ بدل (فلعلّها) وكلّها لم يثبت.
2) أمّا لعدم الثبوت مطلقا ، أو لثبوته لا في اللّغة الفصيحة والمراد بيان اللّغة الفصيحة.
3) فان أوّل كلامه اعني قوله : ونحو إبل الخ ، صريح في ان كل ما كان على «فعل» بكسرتين يجوز فيه الاسكان ، وآخره اعني قوله : ولا ثالث لهما ، على هذا التفسير يدل على انّه لا يجوز الاسكان إلّا في ابل ، وبلز.
قبله ، أي نحو عنق كليهما ، أي : لا ثالث لهذين البنائين ، وهما ما كان - بضمّتين - ، وما كان - بكسرتين - ، بل لكل منهما وزنان ، أي الأصل فيهما وتسكين الوسط ، والمقصود انّ لكل واحد منهما فرعا واحدا فقط.
وفي تخصيصهما بالتعرّض لوحدة الفرع ، مع انّه لم يذكر لما قبلهما ، - أيضا - وهو نحو عضد سوى فرع واحد - ، إيماء لطيف إلى أنّ الفرع فيما قبلهما لا ينحصر في ذلك الواحد ، كما نقلنا انّ بعضهم جوّز فيه نقل حركة العين إلى الفاء ، ففي الاقتصار على ما ذكره من الفرع ثمّة ، - مع الاشعار ههنا بوجود غيره فيه - ، إشارة ما إلى أنّ ترك غير ما ذكره ثمّة للضعف ، أو الخلاف.
ولعلّ هذا المعنى ، أسلم - ممّا ذكروه - ، عن الايراد ، وألطف ، لكن اشتهار انحصار الوارد على كسرتين في المثالين ، ربّما يؤيّد أن يكون المراد هو الوجه الأوّل ، ولذا ، اختاره جماعة من أفاضل الشارحين ، ومنهم نجم الأئمّة رضي.
(ونحو - قفل -) - بضمّ الأوّل وسكون الثاني - (يجوز فيه) فرع واحد ، وهو (قفل) - بضمّتين - ، (على رأي) - يحكي عن عيسى بن عمرو ، وعن الأخفش ، إذا لم يكن صفة ، ك - حمر - ، أو معتل العين ، ك - سوؤ - ، وإنّما زعما جواز هذا الفرع - مع انّه أثقل من الأصلي - ، (لمجيئ عسر ، ويسر) ، ونكر ، ونحوها ، - بضمّتين - في كلامهم ، مع انّ البناء الأصلي المعلوم فيهما ، بكثرة الاستعمال ، وهو : ضمّ الأوّل وسكون الثاني - ، فانّ الاستعمال - بضمّتين - فيها قليل ، فزعما أنّهم ضمّوا الثاني ، ولم يبالوا بالثقل ، لتحصيل المشاكلة ، كما فتحوه من «فعل» - بالفتح فالسكون - ، إذا كان حلقيّا ، لمناسبة حرف الحلق للفتحة ، كما قال لبيد :
فقوما ، وقولا بالّذي تعلمانه
ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر (1)
1) البيت للبيد بن ربيعة العامري ، يخاطب ابنتيه ويوصيهما بما تفعلان بعد موته يعني : إذا مت فقوما بالنياح وقولا في أثناء النوحة ما تعلمانه في صفاتي ، ولا تخمشا وجها ، ولا تحلقا شعرا ، وترك الألف في الوقف على المنصوب أعني شعرا ، على لغة ربيعة ، وفي القاموس : خمش وجهه : خوشه وضربه ، وقطع عضوا. والظاهر : ان هذا البيت من أبياته الّتي قالها في عصر الجاهلية ، لأنّه أسلم - رضياللهعنه - مع وفد بني عامر ، وحفظ القرآن وترك الشعر.
ومن منع هذا الفرع ، جعل الأصل في مثل ذلك ما كان - بضمّتين - والفرع ما هو - بتسكين العين - ، كما في نحو : عنق.
وكثر الاستعمال ، انّما تكون علامة للأصالة لو لم يعارضه أمر آخر ، مثل : كراهة تفريع الأثقل من الأخف ، ومخالفته للمعهود بينهم ، فلعلّ قلّة الأصلي لثقله ، وكثرة الفرع لخفته ، فتأمّل.
(وللرّباعي - المجرّد - خمسة) أبنية اصول ، ولم يرد فيه بناء أصليّ ، بحكم الاستقراء ، والقسمة العقلية تقتضي في بادي الرأي ثمانية وأربعين ، حاصلة من ضرب الاثني عشر المحتملة - في الثلاثي - في الأحوال الأربع ، من اللّام الاولى ، أي الحركات الثلاث والسكون ، وان نظر إلى المنع من التقاء الساكنين ، سقطت ثلاثة منها ، هي الحاصلة من اعتبار الحالات الثلاثة الّتي للفاء ، مع سكون العين ، واللّام الاولى كليهما.
وليس بناء أصليّ في غير الثلاثي ، عند الفرّاء ، والكسائي - ، لزعمهما انّ جميع أبنية الرباعي ، والخماسي مزيد فيها ، وأصلها ثلاثة أحرف.
(و) الخمسة الاصول - في الرباعي - كما ذهب إليه سيبويه ، والأكثرون ، (هي :) (جعفر) ، - للنهر الصغير - ، في الأصل ، (وزبرج) - بكسر الفاء واللّام الاولى ، وسكون العين - ، للزينة - من وشي ، أو جوهر ، وقيل : الذهب ، (وبرثن) - بضمّ الفاء واللّام الاولى وسكون العين - ، - لمخلب الأسد - ، (ودرهم) ، وهو معروف معنى ووزنا ، (وقمطر) - بكسر الفاء وفتح العين وسكون اللّام الاولى - ، - لما يصان
فيه الكتب -.
(وزاد الأخفش) بناءا سادسا(نحو : جخدب) - بضمّ الجيم في أوّله وسكون الخاء المعجمة ، وفتح الدال المهملة - ، وهو : - الضخم الغليظ - ، - أو الجراد الأخضر الطويل الرجلين -.
واجيب عنه : بأنّه فرع مخفّف من «جخادب» ، وقد يرجح ثبوت هذا البناء بما حكي عن الفرّاء من «طحلب» - للخضرة الّتي تعلو الماء المزمن - «وبرقع» ، وإن كان المشهور فيهما الضم ، ك - برثن ، وبما روي : من نحو : دخلل ، - لطائر - ، وسؤدد على هذه الهيئة ، ولو لا أن تكرار اللّام للالحاق بجخدب لزم الادغام ، ومنع فصاحة هذه مشكل.
(وأمّا نحو : جندل) - بفتح الجيم والنون ، وكسر الدال - ، - لموضع فيه الحجارة - ، (وعلبط) - بضمّ العين وفتح اللّام وكسر الموحدة -. للغليظ من اللبن وغيره ، والقطيع من الغنم - فهما ليسا بنائين أصليين ، لتوالي أربع حركات فيهما ، مع عدم تواليهما (1)في كلمة من كلامهم.
(فتوالي الحركات) - الأربع - (حملهما على) ان يكونا مخفّفي ، (جنادل) - بفتح الجيم - (وعلابط) - بضمّ العين - بحذف الألف ، والجنادل : جمع جندل ، ك - جعفر - للحجارة - ، ففي جندل - للموضع - جعل المكان لكثرة الحجارة فيه ، كأنّه نفسها ، وعلابط لفظ مفرد من مزيد الرباعي.
(وللخماسي) - المجرّد - (أربعة) أبنية اصول ، بالاستقراء ، والقسمة العقلية تقتضي في بادي النظر ، مائة واثنين وتسعين - حاصلة من ضرب الثمانية والأربعين المحتملة - في الرباعي - ، في الأحوال الأربع المحتملة في اللّام الثانية ، ويسقط - بملاحظة
1) هكذا في النسخة الّتي بأيدينا ، أي بلفظ التثنية ، والظاهر : بخلافه أي تواليها.
امتناع التقاء الساكنين - أحد وعشرون ، وهي : التسعة الحاصلة من ضرب الثلاثة الساقطة في الرباعي ، في الحركات الثلاث المحتملة في اللّام الثانية ، مع الاثنى عشر المحتملة في الثلاثي ، إذا اعتبر فيها سكون اللّام الاولى ، والثانية كلتيهما ، وفي ثلاثة من هذه - وهي الحاصلة من الحركات الثلاث للفاء مع سكون العين واللّامين جميعا - ، تلتقي ثلاث سواكن.
والأربعة الموجودة وهي : (سفرجل) - بسكون الراء وفتح ما عداها - ، - لثمرة معروفة - (وقرطعب) - بكسر القاف وفتح الطاء ، وسكون الراء والعين - للشيء القليل - ، ويقال : ما في السماء قرطعب أي سحابة ، وقال ثعلب : هو دابّة ، (وجحمرش) - بفتح الجيم ، وسكون الحاء ، وفتح الميم ، وكسر الراء - ، - للعجوز المسنّة - ، (وقذعمل) - بضمّ القاف ، وفتح الذال المعجمة وسكون العين ، وكسر الميم - ، - للإبل الضخم -
(وللمزيد فيه) - من الثلاثي ، والرباعي ، والخماسي - في الاسم (أبنية كثيرة) يرتقي في قول سيبويه : إلى ثمانية وثلاثة مائة ، وزيد عليها بعده كثير ، وفي تفصيلها تطويل ، والمهم ذكر قانون يعرف به الأصلي من الزائد ، - كما يجيء إنشاء الله تعالى -.
(ولم يجيئ) - المزيد فيه - (في الخماسي إلّا) بزيادة حرف واحد ، - كما أسلفنا - ، ويشترط فيه أن يكون حرف مدّ ، سواء كان قبل الآخر أو بعده ، كأنّهم راموا قلّة الزائد فيه وخفّته ، لكثرة اصوله ، فلذلك لم يجيء فيه إلّا مثل هذه الأمثلة.
وهي :
(عضرفوط) - بزيادة الواو - ، للذكر من العظاية - (وخزعبيل) - بزيادة الياء قبل اللّام - ، - للباطل - (وقرطبوس) - بكسر القاف وزيادة الواو - ، - للداهية العظيمة الشديدة - ، وفيه لغة - بفتح القاف - لكنّه مثل : عضرفوط ، فالمراد ههنا لغة الكسر ، لئلّا يتكرّر ، (وقبعثرى) - بفتح القاف وزيادة الألف في آخره - ، - للجمل الضخم الشديد - ، والألف فيه ليس للالحاق ، لعدم سداسيّ يلحق به ، ولا للتأنيث ، إذ يلحقه ما لا يجامع (1)
والظاهر ان لفظة (مع) سقطت من العبارة ، وان (لقولهم قبعثراة) مقتحمة.
- لقولهم قبعثراة - ألف التّأنيث ، أعني : التنوين والتاء معا.(وخندريس) - للخمر القديمة - (عند الأكثر) القائلين بأنّ نونه أصلية ، وهي من مزيد الخماسي ، ووزنه «فعلليل» ، خلافا لمن جعلها زائدة ، وجعله من مزيد الرباعي ، وقال وزنه «فنعليل».
ودليل الأكثر ، أن النون متردّد بين الزيادة والأصالة ، والحكم في مثله بالزيادة ، إنّما يكون أولى فيما يكون فيه المزيد فيه أكثر ، من أبنية الاصول بكثير ، حملا للمتردّد على الأكثر ، والمزيد فيه الخماسي قليل ، فحمله على الأصالة أولى ، رجوعا إلى أصالة عدم الزيادة ، وأورد عليه انّه إنّما يتم لو أراد الخصم إلحاقه بمزيد الخماسي ، وليس كذلك ، فانّه إنّما يريد إلحاقه بمزيد الرباعي ، فانّ الياء فيه زائدة اتفاقا ، والمزيد فيه في الرباعي أكثر من الأصل كثرة يعتد بها ، و «برقعيد» - لبلد - «فعلليل» من مزيد الخماسي اتفاقا ، إذ ليس فيه من حروف الزيادة سوى الياء ، وكأنّه لم يمثل به لما قيل : انّه أعجميّ ، وأمّا الّذي زيد فيه أكثر من حرف واحد من الخماسي ك - قرعبلانة (2)- لدويبة - ، فنادر ، لا يقاس.
وإذ قد فرغ من بيان الأبنية ، تصدّى لأحوالها.
(وأحوال الأبنية قد تكون) عارضة لها ، (للحاجة) معنوية كانت أو لفظية ، والمعنوية : ما هي باعتبار فهم المعنى ، وذلك : (كالماضي ، والمضارع ، والأمر ، واسمي الفاعل والمفعول ، والصفة المشبّهة ، وأفعل التفضيل ، والمصدر ، واسمي الزمان والمكان ، والآلة ، والمصغّر ، والمنسوب ، والجمع) ، فان كلّ ذلك لحصول المعاني الّتي لا تحصل إلّا بها ، والحاجة اللفظية : ما هي باعتبار التلفّظ بالكلمة ، إمكانا ، أو استحسانا ، (و) الأوّل مثل : (التقاء الساكنين ، والابتداء) ، أي ما يجب اعتباره فيهما ، وهو التحريك في الأوّل ، فإنّ التلفّظ بأذهب ، «إذهب مثلا» ، من غير تحريك الباء متعذر ، والاتيان بما يتفصّي به عن الابتداء بالساكن في الثاني ، (و) الاستحسان مثل : (الوقف) إذ لا تعذر في عدمه ، وإنّما هو استحسانيّ.
(وقد تكون) أحوال الأبنية لغير حاجة ، بل ، (للتوسّع) الحاصل بكثرة الأبنية ليتوسّع بها في الشعر ، والسجع وغير ذلك ، (ك - المقصور ، والممدود) ، إذا لم يكن حصولهما باعلال يقتضيه ، كالمصطفى في المقصور ، الحاصل بالاعلال ، والاعطاء في الممدود ، الحاصل به ، فإن مثل هذا ، يرجع إلى الاعلال الّذي يذكره بعد ذلك ، وليس من المقصور والممدود المرادين ههنا ، (وذي الزيادة) الّتي لم تكن لحاجة ك - زيادات اسمي الفاعل والمفعول ، لظهور ان مثلها داخل فيما هو للحاجة.
(وقد تكون) أحوال الأبنية(للمجانسة) ، ك - الإمالة.
(وقد تكون للاستثقال - ، ك - تخفيف الهمزة ، والإعلال ، والإبدال ، والإدغام ، والحذف ،) على التفصيل الّذي يأتي - إنشاء الله تعالى -.
وابتدأ في التفصيل بما هو للحاجة ، لكونه أهم ، ومن جملته بما يتعلق بالثلاثي المجرّد الّذي هو أوّل الأبنية ، وبالفعل لكثرة تصاريفه ، وبالماضي ، لأنّه أقدم الأحوال ، فقال :
(الماضي للثلاثي المجرّد ثلاثة أبنية) ، لالتزامهم الفتح - لخفّته - في أوّله ، إلّا عند طريان داع ، كالبناء للمفعول ، ونقل الحركة - للاتباع - ، ك - شهد ، والآخر محل الحركة البنائية ، وكأنهم حيث التزموا تسكينه - عند اتصال الضمير المرفوع المتحرّك ، الجاري مجرى الجزء من الفعل ، لشدّة امتزاجه به - إحترزوا عن السكون في الوسط ، لئلّا يكون في معرض التقاء الساكنين ، في هذه الصورة.
فاختلاف الأبنية إنّما هو باعتبار الحركات الثلاث في الوسط ، فحصلت ثلاثة باعتبارها ، وهي :
(فعل) - بفتح الوسط - (وفعل) - بكسره - (وفعل) - بضمّه - والأوّلان يجري فيهما التعدّي ، واللّزوم ، والثالث : لازم البتة.
والمتعدّي من الأوّل مع كسر العين في المضارع ، (نحو : ضربه) ، يضربه ، (و) مع ضمّه نحو : (قتله) ، يقتله ، واللّازم منه مع كسر العين في المضارع نحو : (جلس) ، يجلس ، ومع ضمّه ، نحو : (قعد) ، يقعد ، ولم يذكر مثالا لمفتوح العين من المضارع ، لأنّه بناء فرعي عند الأكثر ، يحصل مع حرف الحلق كما يجيئ - إنشاء الله تعالى -.
(و) المتعدّي من الثاني ، مع فتح العين في المضارع ، نحو : (شربه) ، يشربه ، (و) مع كسره - لا يكون قياسا ، إلّا في معتل الفاء - نحو : (ومقه) ، - إذا أحبّه - يمقه ، (و) اللّازم منه ، مع فتح العين المضارع نحو : (فرح) ، يفرح ، (و) مع كسره ، نحو : (وثق) ،
يثق ، وليس فيه المضارع المضموم ، كما يأتي - إنشاء الله تعالى -.
(و) الثالث : - لا يكون إلّا مضموم العين في المضارع - نحو (كرم) ، يكرم ، فهذه أبنية المجرّد الثلاثي.
(وللمزيد فيه) - من الثلاثي - في الفعل (خمسة وعشرون) بناء ، يكثر دورانها ، وربّما جاء غير هذه.
ثمّ ان بعض هذه : (ملحق ب - دحرج نحو : شملل) على زنة «فعلل» - إذا أسرع - (وحوقل) على «فوعل» ، إذا ضعف ، وهرم -.
(وبيطر) على «فيعل» - إذا عمل البيطرة وعالج الدواب -.
(وجهور) على «فعول» - إذا جهر صوته -.
(وقلنس وقلسى) على «فعنل» - بالنون بعد العين - ، و «فعلى» يقال : قلنسته ، وقلسيته ، إذا ألبسته القلنسوة -.
ومن الملحق بدحرج على ما في - المفتاح - نحو : شريف فلان الزّرع - على «فعيل» - بالياء بعد العين - ، - إذا قطع شريافه - وهو : ورقه إذا طال وكبر حتّى يخاف فساده فيقطع.
(و) بعضها(ملحق ب - تدحرج) - من مزيد الرباعي - وذلك : (نحو تجلبب) ، على وزن «تفعلل» - إذا لبس الجلباب - ، وهو القميص ، (وتجورب) على «تفوعل» إذا لبس الجورب.
(وتشيطن) على «تفعيل» - إذا صار كالشيطان في تمرّده -.
(وترهوك) على «تفعول» - إذا تبختر ومشى كأنّه يموج في مشيه -.
(وتمسكن) على «تمفعل» - إذا ظهر الذل والمسكنة ، (وتغافل ، وتكلّم) على «تفاعل» و «تفعّل».
وناقشوا في عدّ هذه الثلاثة من الملحق ، لأنّ الميم في «تمسكن» ، ليس للالحاق ، بل لتوهّم إصالتها - كما مرّ في تمندل - ، وكذا الألف في «تفاعل» لأنّها لا تكون للالحاق إلّا بدلا من الياء في الطرف كما في اسلنقى ، ووقوع الادغام في هذا الباب - أيضا - نحو : تمادّ ، وتحابّ ، يدل على عدم كونه ملحقا ، وكذا ادغام العين المكرّرة في «تفعّل» لأنّ الزائد للالحاق لا يدغم ، حفظا لزنة الأصل.
(و) بعضها(ملحق باحرنجم) من مزيد الرباعي - يقال : إحرنجم القوم - إذا ازدحموا - ، وحرجمت الإبل ، فاحرنجمت ، - إذا رددتها فارتدّ بعضها على بعض - ، ويقال : أيضا احرنجم ، - إذا رجع عن أمر بعد ارادته -.
والملحق به من مزيد الثلاثي (نحو : إقعنسس) على «افعنلل» ، - إذا تأخّر ورجع إلى خلفه - وأصله : من القعس ، وهو : خروج الصدر ودخول الظهر ، ضدّ الحدب ، ويقال : إقعنسس الجمل ، - إذا أبى أن يقاد - ، كذا قيل.
(واسلنقى) على «افعنلى» - إذا نام على قفاه - وهو قاصر لا يتعدّى ، وشذّ قوله :
قد جعل النعاس يغرنديني
أطرده عنّي ويسرنديني (1)
ولا ثالث لهما ، وقيل : انّه مصنوع لا حجّة فيه.
فهذه - الخمسة عشر - ملحقات بما ذكر.
(و) بعض المزيد الثلاثي - وهو العشرة - الباقية(غير ملحق) ، بشيء(نحو : أخرج) ك - أفعل ، (وجرّب) ، على «فعّل» - بتضعيف العين - (وقاتل) على «فاعل» وليست هذه الثلاثة ملحقة بدحرج ، لوقوع الادغام فيها ، أمّا في الثاني فدائما ، وأمّا
1) هذا البيت : أورده الأندلسي في شرح المفصل ، وقال السخاوي : انشده أهل اللّغة على تعدية «افعنلي» وقال بعضهم : انّه مصنوع ، وقوله : جعل من أفعال المقاربة ويغرنديني - بالغين المعجمة - أي يعلوني أي يغلبني ، وبمعناه يسرنديني ، كذا قال ابن هشام ، واطرده عنّي : أي امنعه عن نفسي.
في الآخرين : ففي نحو : أعدّ ، ومادّ ، ولعدم موافقتها له في المصدر المطرّد - وهو الدحرجة ، والاخراج ، وان وافق الدحراج ، لكنّه غير مطرد في الرباعي.
(وانطلق) على «انفعل» ، (واقتدر) - من القدرة - على «افتعل» ، (واستخرج) ك - استفعل ، (واشهابّ ، واشهبّ) - بتشديد الباء فيهما - على «إفعالّ» و «افعلّ» - بتشديد اللّام - ، - إذا غلب بياضه على سواده -.
وهذان البناءآن : في اللّون ، والعيب الحسّي ، إلّا أن الغالب في الثاني أن يكون في اللّازم منهما ، وفي الأوّل أن يكون في العارض ، وكلاهما قاصران لا يتعدّيان.
(وإغدودن) الشعر - بمعجمة ومهملتين - ، على «افعوعل» - إذا تمّ وطال - ، وهذا قاصر ، وجاء من هذا البناء لفظان متعديان ، هما : اعروريت الفرس ، - أي ركبته عريانا - ، واحلوليته ، - إذا استطبته وعددته حلوا.
(واعلوّط) فلان البعير ، على «افعوّل» - بتشديد الواو - ، - إذا تعلّق بعنقه وعلاه - ، وفي الصحاح : اعلوّطني فلان - أي لزمني - ، وهو متعدّ في المعنيين ، واجلوّز بهم السير - أي دام مع السرعة - ، واخروّط بهم السير - أي امتّد - وهذان لا زمان.
وليعلم أنّه يجب في الالحاق - مع موافقة الفرع للأصل في صورة الحركات والسكنات - أن يقع الفاء ، والعين ، واللّام في الفرع مواقعها في الأصل الملحق به ، وأن يكون فيه ما يماثل زيادة الأصل ، فلذلك : حكم على «إقعنسس» ب - إلحاقه ، «ب - احرنجم» لمقابلة اصوله باصوله واشتماله على النون الزائدة فيه ، في موقعها منه ، ولم يحكم على «استخرج» بذلك ، لعدم التقابل في الاصول ، وعدم النون كذا قيل ، فتأمّل.
(واستكان) - بمعنى ذلّ وخضع - فيه خلاف ، و (قيل :) أصله : استكن وهو : (إفتعل - من السكون ،) فالخاضع الذليل - كأنّه - سكن عن الصعود إلى مدارج
العزّ ، على وجه المبالغة ، كما يقتضيه الافتعال ، وعلى هذا ، (فالمدّ) الواقع فيه بعد الكاف ، (شاذ) ، حاصل من اشباع فتحة الكاف ، مثله في منتزاح ، في قول ابن هرمة يرثي إبنه :
وأنت من الغوائل حين ترمى
ومن ذم الرّجال بمنتزاح
فانّ أصله : المنتزح ، بلا مدّ ، - بمعنى المبعد -.
وقولهم : مستكين ، - بالياء المبدلة عن الألف مثلا ، في اسم الفاعل منه ، مبني على لزوم الزيادة ، وتوهّم أصالتها.
(وقيل : إنّه «استفعل من كان) ولم يذكر المصدر المجرّد المأخوذ منه ، كما في قول الأوّل ، لأنّ أصحاب هذا القول ، إختلفوا : في انّه من الكون ، أو من الكين ، يقال : كان ، يكين ، كينا ، - إذا خضع - فذكر الماضي المجرّد الصالح لهما إختصارا. فعلى الأوّل : معنى الاستفعال فيه ، التحوّل من كون إلى كون ، لكن خصّ في العرف بالتحوّل من كون «العزّ» إلى كون «الذلّ» ، وعلى الثاني : كأنّه بمعنى «فعل» كقرّ واستقرّ ، وبزيادة الحروف حصل شيء من المبالغة ، ويمكن اعتبار التحوّل - أيضا - كما لا يخفى.
وقيل انّه من «الكين» - بمعنى لحم الفرج - ، أي صار مثله ، وانتقل إلى حاله ، في الذلّ ، فهو على هذا من قبيل التحوّل إلى مدلول اسم العين مجازا ك - استحمر» أي صار حمارا ، أي مثله.
ولعلّ الأنسب بقوله : «من كان» ما ذكرناه ، إلّا أن يكون «كان» بمعنى ذلّ - أيضا - مأخوذا من «الكين» ، فتأمّل.
وإذا جعل استكان ، «استفعل» من «كان» واويا أو يائيا(فالمدّ فيه قياس) ، لأن أصله على هذا «استكون» أو «استكين» ، فالمدّ منقلب عن الواو ، أو الياء ، كاستقام ، واستمال.
وإذا علمت أبنية المجرّد ، والمزيد فيه ، من الفعل ، فاعلم انّها ترد لمعان مختلفة.
(ففعل) - بالفتح - من جملتها ، يكون (لمعان كثيرة) ، لأنّه لخفّته كثر استعماله ، فاستعملوها في معان مختلفة ، لا تكاد تحصى بحسب أغراضهم ، حتّى قيل : انّه ما من معنى من معان الأفعال ، إلّا وقد استعمل هو فيه.
وباب المغالبة (1):
وهو : ما يسند - لبيان الغلبة - إلى الغالب ، بعد المفاعلة الدالّة على وقوع فعل ، من كل من الفاعلين.
(يبنى على : «فعلته .. افعله» ،) بفتح عين الماضي ، وضمّها في المضارع ، من المتعدي ، وإن لم يكن الفعل المجرّد منه على هذه الزنة ، أو لم يكن متعديا ، وذلك (نحو : كارمني) فلان ، (فكرمته - أكرمه -) ، لبيان انّ الغلبة من المتكلّم.
والمجرّد في «كارم» وإن كان لازما ، مضموم العين ، لكن عند بيان الغلبة يبني منه المتعدي ، - بالفتح - لأنّه معنى متجدّد ، فقصدوا له بناء جديدا ، فاختاروا الأخف الّذي هو مفتوح العين ، وآثروا المضارع المضموم ، لقوّة الضمّ ، ومناسبته للغلبة ، مع شيوعه ، وكثرته.
قيل : وقد يقال : ضاربني فلان ، فضربته ، إذا ضربا (2)غيرهما ، وكانت الغلبة في ضربه من المتكلّم.
ثمّ انّ البناء للمبالغة على ذلك الوجه (3)، قاعدة مطرّدة ، في كلّ باب يؤتي فيه - بعد المفاعلة الّتي وقعت فيها المغالبة - بالفعل المجرّد الّذي هو أصلها ، لبيان الغلبة ،
(إلّا باب : وعدت ،) من المثال ، واويّا كان أو يائيّا ، (و) باب (بعت ، ورميت) - من الأجوف ، والناقص - اليائيّين - (فانّه) أي كل واحد منها ، - عند بيان الغلبة - (فعلته) - بفتح العين في الماضي - (أفعله) - بالكسر - في المضارع - ، دون الضم ، لئلّا يلزم خلاف لغتهم ، إذ لم يجيء في شيء منها «يفعل» - بالضم - ، بل كل منها مكسور العين ، فابقي على حاله ، فيقال : واعدني ، وبايعني ، وراماني ، فأعده ، وأبيعه ، وأرميه.
(و) حكي (عن الكسائي) مخالفة تلك القاعدة ، - أيضا - فيما عينه ، أو لامه أحد حروف الحلق ، زعما منه أنّه يلزم في كل ما عينه ، أو لامه ، أحدها طريقة واحدة ، هي : فتح العين في الماضي ، والمضارع ، فيبقى على حاله ، (نحو : شاعرني .. فشعرته ، أشعره - بالفتح -) فيهما ، وليس الأمر كما زعمه ، لورود خلاف تلك الطريقة في اللّغة ، ك - برء ، يبرء ، مع ان أبا زيد حكى في باب المغالبة شاعرته أشعره - بالضم - وكذا فاخرته أفخره وإنّما خصّصنا اطراد القاعدة بما يؤتى بمجرّد المفاعلة - بعدها - لأنّ ذلك مقصور على السماع ، وقد لا يكون في بعض الأبنية ، كما قال سيبويه : انّك لا تقول ، : نازعني ، فنزعته ، بل تقول : غلبته ، فانّهم استغنوا ب - غلبته» عن إيراد مجانس من باب المغالبة ، ويؤتي بمضارعه على ما هو عليه ، فيقال : «أغلبه» - بكسر العين -.
وقد يقتصر على المجرّد - لبيان الغلبة - من غير سبق المفاعلة لفظا. كما يقال : لأحد المتخاصمين ، «خصمك فلان» ، أي غلبك في الخصومة ، - كأنّه - قيل : خاصمك ، فخصمك.
وقد يجعل منه (1)قول جرير في مرثية عمر بن عبد العزيز(رحمهالله تعالى) :
الشّمس طالعة ليست بكاسفة
تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا
1) أي من الاقتصار على المجرّد.
كأنّه قال : تباكى النجوم ، والقمر عليك ، فتغلبهما في البكاء وما فيها من الكدر لذلك ، لا للكسوف.
(وفعل) بكسر العين - اللّازم فيه أكثر من المتعدي ، (ويكثر فيه العلل) أي الأمراض ، (والأحزان ، وأضدادهما) ، أي الصحّة ، والسرور ، فالأمراض ، «نحو : سئم ، ومرض» ، والأحزان نحو : (حزن) ، وضدّ المرض نحو : (سلم) ، وبرئ ، وضدّ الحزن نحو : (فرح).
(وتجيء : الألوان والعيوب ، والحلي) ، وهي : العلامات الظاهرة للعيون ، في أعضاء الحيوان ، جمع الحلية ، (كلّها عليه) ، فالألوان نحو : كدر ، وشهب ، والعيوب : ك - عرج ، وعمي ، والحلي : كدعج ، من الدّعج لشدّة سواد العين.
(وقد جاء أدم ، وسمر) ، من الأدمة ، والسمرة ، في الألوان ، (وعجف) من العجف ، وهو الهزال ، من عيوب البدن ، (ورعن) - بالراء والعين المهملتين - بمعنى : حمق ، (وخرق) من الخرق وهو ضدّ الرفق ، (وعجم) من العجمة وهي : العيّ في اللسان ، من عيوب النفس ، (وبلج) من البلجة وهي : نقاوة ما بين الحاجبين ، في الحلي ، (بالكسر ، والضم) ، فهذه الأمثلة وردن على الأصل فيها ، وهو : الكسر ، ووجه آخر وهو الضم ، وهذه المعاني المذكورة - لمكسور العين - كلّها لازمة.
وامّا فرقته ، وفزعته ، فقال سيبويه : انّه على حذف الجار (1)، أي فرقت منه ، وفزعت منه.
(وفعل) - بضمّ العين - (لأفعال الطّبائع) ، جمع الطبيعة وهي : - الغريزة المخلوقة - ،
1) وفي نسخة : على انّه حذف الجار.
أي المعاني الّتي هي من جنس الغرايز الّتي خلق عليها الشيء من غير مدخل لاختياره فيها ، ولا تنفك عنه ، (ونحوها) ، ممّا يقوم بموصوفه مع اللبث ، ولا يتجاوز إلى غيره ، ويجري مجرى الغرائز ، - (ك - حسن ، وقبح ، وكبر ، وصغر) - فانّها تدل على الغرائز الّتي هي : الحسن ، والقبح ، والكبر ، والصغر ، و «طهر» و «نظف» ، من الطهارة ، والنظافة ، الجاريتين مجراها.
هذا ما يقال هنا. (1)
ومنهم من فسّر أفعال الطبائع بالأفعال الصادرة عن الطبيعة ، بمعنى القوّة الموجودة في الشيء - الّتي لا شعور لها بما يصدر عنها - ويكون أثرها على نهج واحد ، ولا يختلف باختلاف الأوقات ، فتأمّل.
(ومن ثمّ) أي ومن أجل أنّه لأفعال الطبائع ونحوها ، وهي : معان قائمة بموصوفاتها ، من غير أن يتعدّى إلى الغير ، وان وقع التعدّي في آثارها في بعض الأوقات ، لا في نفسها ، (كان لازما) دائما ، في لغة جميع العرب الّا هذيل فيما حكاه أبو علي من وقوع التعدّي فيه ، في لغتهم ولأجل اللزوم فيه يتحوّل المتعدّي لازما ، إذا حوّل إليه للمبالغة ، والتعجّب ، نحو : فهم زيد - بضمّ العين - بمعنى ما أفهمه.
(وشذ رحبتك (2)الدار) ، وهو إنّما تعدّى في الظاهر ، وإلّا فأصله لازم ، والتعدّي فيه بواسطة الخافض المحذوف ، (أي رحبتك بك). أي إتّسعت بك ، فحذف الجار واوصل الضمير بالفعل ، فشذوذه للالباس ، حيث استعمل في صورة المتعدّي على ما قيل.
وقيل : إنّ التعدّي فيه لتضمين معنى وسع ، وكذا : التعدّي في طلع - بالضم - في انّ
بشرا طلع اليمن (1)، بتضمين معنى بلغ.
(وأمّا باب : سدته) ، أسوده ، سيادة ، - وهو الأجوف الواوي المتعدّي الّذي مضارعه مضموم العين ، والحرف الأوّل من ماضيه مضموم عند الاتصال بالضمير المرفوع المتحرّك - فهو وإن كان معرضا لاحتمال ضم عين الماضي - مع التعدّي - ونقله إلى الفاء عند اتصال الضمير ، لكنّ ما تقرّر عندهم من الحاق ما يتردّد في حاله من المعتل بالصحيح ، اقتضى إلحاقه بالصحيح المعلوم فيه انتفاء الماضي المتعدّي المضموم ، فلذلك (2)جعلوه من مفتوح العين أصالة.
ثمّ انّ ظاهر كلام سيبويه والجمهور انّه حوّل من المفتوح العين إلى مضموم العين ، لبيان انّه واوي ، لمناسبة الضم للواو ، ونقل الضم إلى الفاء مع الضمير ، وهذا تعسف ، بل غير صحيح ، إذ لم يعهد في لغتهم تحويل باب إلى باب من غير عروض تغيّر في المعنى ، وبيان الواويّ يحصل بنفس الضم ، وإن لم يكن منقولا من العين.
(فالصحيح) مع جعل ماضيه مفتوح العين ، (أنّ الضم) الحق بأوّله بعد حذف الألف المنقلبة عن العين ، عند تسكين اللّام ، للاتصال به بالتقاء الساكنين والتزموا إلحاقه به (لبيان بنات (3)الواو) أي الواوي ، (لأنّ (4)الضم) في أوّله حاصل (للنقل) من العين إليه بأن تكون مضموم العين أصالة أو تحويلا.
(وكذلك باب بعت) وهو الأجوف اليائي الّذي مضارعه مكسور العين ، وأوّل ماضيه مكسور عند الاتصال بالضمير ، والمقصود انّ الكسرة ملحقة بأوّله - بعد
قلب عينه ألفا ، وحذفها بالتقاء الساكنين - للدلالة على انّه يائي ، وليس منقولة من العين إليه ، على أن يكون مكسور العين أصالة أو تحويلا لندرة «فعل» «يفعل» - بكسر العين - في غير المعتل الفاء ، وهذا (1)مذكور استطرادا بمناسبة الواوي.
ثمّ (2)انّ إلحاق الضم بأوّل الواوي من غير النقل ، وكذا الكسر بأوّل اليائي إنّما هو فيما تعذّر فيه بيان البنية أي بيان الكلمة ، ك - باب : سدته ، وبعته ، فان حركة عينه - الفتح - مثل فائه ، فلا فائدة في النقل.
ثمّ بعد قلب العين ألفا ، وحذفها عند الاتصال بالضمير المرفوع - لو ابقي أوّله على الفتح لم يعرف حركة العين ، حتّى يعلم البنية ، إذ الواو المتحركة آية حركة كانت تقلب ألفا عند انفتاح ما قبلها ، وتحذف عند الاتصال به ، وكذا الياء ، فحيث تعذّر بيان البنية ضمّوا ، أو كسروا الأوّل لبيان الواو ، والياء ، كراهة الخلوّ عن البيان رأسا ، وأمّا إذا أمكن بيان البنية فلا يلتفت إلى بيان الواوي ، واليائي ، بالوجه المذكور ، بل يراعي بيان البنية ، (و) هذا كما أنّهم :
(راعوا - في باب خفت -) وهو الأجوف الواوي ، على «فعل» - بكسر العين - في الماضي ، و- الفتح - في المضارع ، (و) باب (هبت) ، وهو الأجوف اليائي على تلك الزنة ، (بيان البنية) الّتي هي : «فعل» - بالكسر - لأنّ بيانها أهم ، لتعلّقها بالمعاني المختلفة باختلافها ، وتعلّق الواوي ، واليائي أوّلا (3)باللفظ ، واعتبار الأهم واجب عند إمكانه ، - كما يمكن في هذا الباب بنقل الكسرة من العين إلى الفاء - ، فلذلك اعتبروا ذلك النقل فيهما من غير مبالاة بعدم معرفة الواوي ، واليائي.
1) أي قول المصنف وكذلك باب بعت.
2) وهذا تمهيد لجواب المصنف عن دليل سيبويه ، والجمهور ، للنقل.
3) وانّما قلنا : أوّلا إذ قد يظهر له أثر في بيان المعنى باعتبار اختلاف معنى الواوي واليائي نحو : قلت - بالضم - من القول - وقلت - بالكسر - من القيلولة ، وبمعنى أقلت البيع فانّ الضم والكسر يدل أوّلا على كون اللفظ واويا أو يائيا ويظهر بذلك حال المعنى.
ولم يقولوا خفت - بالضم - ك - صنت ، والالتباس بنحو : بعت يدفعه فتح عين المضارع ، نحو : يخاف ، ويهاب.
فهذا بيان معاني أبنية المجرّد الثلاثي.
وأمّا المزيد فيه : فما كان منه على زنة إشهبّ ، واشهابّ ، واغدودن ، واعلوّط ، فلا يزيد معناه على المجرّد إلّا في المبالغة الحاصلة بالحرف الزائد لئلّا يخلو عن الفائدة ، فلهذا لم يتعرّض لها ههنا ، وكذا الملحق إلّا «تفاعل» و «تفعّل» فيما زعمه المصنف من كونهما ملحقين ، فلذا لم يتعرّض منه إلّا لهما.
ثمّ انّ الغالب في المزيد أن يكون له فعل مجرّد ثلاثي ، ويتخلّف ذلك نحو : استحجر ، من الحجر ، وليس بناء كلّ مزيد قياسا مطرّدا من أيّ لفظ كان ، فلا يقال : أنصر ، وأطرف ، ك - أكرم ، ودخّل - بالتشديد - من باب التفعيل ، ولذلك : ردّ على الأخفش ، حيث أثبت باب الأفعال في حسب ، وزعم ، وظنّ ، بالقياس.
ويختلف معاني الأبنية الّتي تشتمل - من جملته - على معنى زائد. (و «أفعل») منها يكون (للتعدية) وهي : أن يضمّن الفعل معنى الجعل ، والتصيير ، ويجعل فاعل أصله المجرّد مفعولا للتصيير ، فإن كان المجرّد لازما تعدّى إلى واحد (نحو : أجلسته) ، فقولك : جلس زيد ، يفيد انّه فاعل للجلوس ، فإذا قلت أجلسته ، أفاد أنّك صيّرته جالسا ، وإن كان المجرّد متعدّيا إلى واحد ، تعدّى إلى اثنين ، نحو : عطا زيد دينارا أي تناوله ، وأعطيته إيّاه ، وإن تعدّى إلى إثنين ، تعدّى إلى ثلاثة ، نحو : علم فلان زيدا منطلقا ، واعلم فلان زيدا عمروا منطلقا.
وقد يفيد جعل الشيء نفس أصله ، ك - أهديته ، من الهدية أي جعلته هديّة.
(و) يكون أفعل - أيضا - (للتعريض) ، وهو : جعل مفعول المجرّد معرضا
للمفعولية له ، (نحو : أبعته) أي جعلته معرضا لأن يباع.
(ولصيرورته) أي صيرورة الشيء الّذي هو فاعله (ذا كذا) أي صاحب كذا ، إمّا بأن يكون صاحب ما اشتقّ منه (نحو : أغدّ البعير) أي صار ذا غدّة ، وهي العقدة الّتي في اللّحم ويحيط بها الشحم ، وغدّة البعير طاعونه ، وأمّا بأن يكون صاحب ما هو صاحب لما اشتقّ منه ، نحو : أجرب الرجل ، أي صار ذا إبل ذات جرب ، وأخبث أي صار ذا أصحاب ذوي خبث ، ويقرب منه أنجب إذا ولد نجيبا ، كأنّه صار ذا ولد ذي نجابة.
(ومنه :) أي من أفعل الّذي بمعنى صار ذا كذا ما اشتهر جعله قسما آخر ، وهو «أفعل» بمعنى جاء وقت استحقاق فاعله أن يوقع عليه أصله المجرّد نحو : (أحصد الزرع) إذا جاء وقت أن يوقع عليه الحصاد ، كأنّه لاستحقاقه إيّاه صار ذا حصاد ، فجعل صاحبا له وإن لم يحصل له بالفعل ، وبهذا فارق نحو : أغدّ البعير ، ولذا فصّله عنه بقوله : منه.
قيل : ومنه - أيضا - ما كان بمعنى دخل فاعله في نفس أصله ، أو وقته ، نحو : أصبح زيد بمعنى دخل في الصباح ، وأشمل بمعنى دخل في وقت الشمال ، أي ريح الشمال ، وما يكون بمعنى وصل إلى أصله مكانا كان ك - أنجد ، وأجبل ، أي وصل إلى النجد ، وإلى الجبل ، أو عددا ك - أعشر غنم زيد ، وأتسع ، أي وصل إلى العشرة والتسعة ، كأنّه صار ذا صباح ، وشمال ، ونجد ، وجبل ، وعشرة ، وتسعة.
(و) يكون أفعل (لوجوده) بالإضافة إلى المفعول ، من قولهم وجده وجودا ووجدانا ، أي لوجدانك إيّاه ، أي شيئا هو مفعول أفعل (عليها) أي على صفة وهي كونه مفعولا لما هو أصله ، إن كان الأصل متعدّيا ، وفاعلا إن كان لازما ، فالأوّل (نحو : أحمدته) أي وجدته محمودا ، مفعولا للحمد ، والثاني نحو : (أبخلته) أي وجدته نجيلا ، فاعلا للبخل ، بمعنى انّه قائم به ، وأعمرت الأرض ، أي وجدتها عامرة.
وقد تكون تلك الصفة هي الفاعلية لنفس أفعل لا لما هو أصله ك - أفحمته أي وجدته مفحما ، فاعلا للافحام ، وهو العيّ.
(وللسّلب) أي سلب الفاعل أصل الفعل عن المفعول (نحو : أشكيته) أي أزلت شكايته ، وقد يكون بمعنى زوال أصله ، وهذا لا يكون إلّا لازما ، نحو : أفلس زيد أي زال فلسه ، أي لم يبق عنده مال ، وقيل : معناه صار ذا فلوس ، كأنّه قيل : صارت دراهمه فلوسا.
(وبمعنى أصله المجرّد وهو «فعل» ،) من غير زيادة إلّا المبالغة كما مرّ ، متعدّيا كان (نحو : قلته وأقلته) ، يقال : قلت البيع - بكسر القاف - وأقلته ، أي فسخته ، أو لازما نحو : أسرع ، وأبطاء ، بمعنى سرع ، وبطؤ. وقيل : انّ الاسراع ، والابطاء ، متعدّيان في الأصل : أي أسرع المشي ، وأبطأه ، غير انّه لمّا كان معروفا عند المخاطب استغنى عن اظهاره.
ويجيء «أفعل» بمعنى الدّعاء ك - أسقيته ، أي دعوت له بالسقيا.
ولمطاوعة فعّل - بتشديد العين - نحو : فطّرته ، فأفطر ، وبشّرته ، فأبشر ، وزعم بعضهم انّه لا يجيء للمطاوعة أصلا.
(وفعّل) - بتشديد العين - ، يكون (للتكثير غالبا) ، أي لتكثير أصل الفعل ، أمّا باعتبار ايقاعه على متعدّد ، وان اتّحد الفاعل ، وهذا متعدّ ، (نحو : قطّعت) الأثواب ، (وغلّقت) الأبواب ، أو باعتبار تكرار الفعل واكثاره ، وان اتّحد الفاعل ، - أيضا - [و] ذلك قد يكون لازما نحو : (جوّلت ، وطوّفت) ، أي أكثرت الجولان ، والطّواف ، وقد يكون متعدّيا نحو : غلّقت الباب ، إذا اغلق مرّات كثيرة ، على ما يظهر من شرح المفصل.
فان اتّحد - الباب - مع اتّحاد وقوع الفعل فالأصحّ التخفيف ، على ما قيل.
(و) أمّا باعتبار تعدّد الفاعل وكثرته ، نحو : (موّت المال) ، - بالرّفع - إذا مات مال كثير من الحيوان ، وهذا لازم البتّة ، ويجب في فاعله أن يكون صادقا على الكثير.
(و) يكون (للتعدية : نحو : فرّحته ، ومنه) : ما عدّه أهل التصريف معنى آخر برأسه ، وهو نسبة المفعول إلى الأصل ، سواء كان مصدرا مجرّدا ، نحو : (فسّقته) ، أي - نسبته إلى الفسق ، وسمّيته فاسقا - ، أو اسم عين نحو : تمّمته - أي نسبته إلى تميم - ، وهو قبيلة - ، فهذه النسبة كأنّها نوع من الجعل والتصيير ، فيرجع الى التعدية ، وإن لم يكن على نهج غيره منها ، فلذلك فصّله بقوله : منه ، فتأمّل. (1)
(وللسلب : نحو : جلّدت البعير) ، - أي أزلت جلده ، وسلخته ، وقرّدته - أي أزلت قراده ، والسلب في هذا الباب كثير في الأعيان ، قليل في المعاني ، وفي باب الأفعال بالعكس.
(و) يكون هذا الباب - أيضا - (بمعنى) أصله المجرّد ، أعني : «فعل» من غير تفاوت إلّا في المبالغة ، (نحو : زلته) ، - بكسر الراء - من الأجوف البائيّ لا الواويّ ، (وزيّلته) ، فانّ كليهما بمعنى : - فرقته -.
ويكون بمعنى صاحب أصله ، نحو : قيّح الجرح ، - صار ذا قيح -.
وبمعنى صيرورة فاعله أصله المشتقّ منه ، ك - روّض المكان ، - صار روضا - ، وعجّزت المرأة ، - صارت عجوزا -.
وبمعنى تصيير مفعوله على ما هو عليه ، نحو : سبحان الّذي ضوّء الأضواء ، وكوّف الكوفة ، - أي جعلهما أضواء ، وكوفة.
ولعمل شيء ك - الاتيان وغيره - في المشتق منه ، نحو : صبّح ، أتى صباحا وغلّس ، - فعل في الغلس - ، ولمعان أخر غير مضبوطة.
1) لعل وجه التأمّل هو انّه يحتمل ان يكون للتعدية كما في فرّحته بلا تفاوت كما أشار الفاضل المصري حيث قال : يمكن ان يقال في نحو فسّقته انّه للتعدية أي جعلته فاسقا والجعل أمّا بالقول ، أو الاعتقاد ، أو الفعل.
(و «فاعل») كائن (لنسبة أصله) المجرّد الّذي اشتقّ هو منه ، (إلى أحد الأمرين) حال كون ذلك الأصل ، (متعلّقا بالآخر للمشاركة) ، والمقصود انّه لنسبة أصله من حيث اعتبرت مشاركة أحد الأمرين فيه للآخر - إلى الأمر الأوّل بالفاعلية ، متعلّقا - من تلك الحيثية - ، بالآخر على جهة المفعوليّة.
وملخّصه : انّه لنسبة المشاركة المذكورة في أصله إلى أحد الأمرين ، متعلّقة بالآخر صريحا ، (فيجيء العكس) ، وهو نسبة المشاركة إلى الآخر ، متعلّقة بالأمر الأوّل (ضمنا) ، لأنّ مشاركة الأمر لآخر يتضّمن مشاركة الآخر إيّاه ، ويلازمها ، فكل منها فاعل من وجه ، ومفعول من وجه ، وذلك ، (نحو : ضاربته ، وشاركته) ، فضارب في المثال ، لنسبة أصله وهو الضرب من حيث اعتبرت مشاركة المتكلّم فيه ، لمرجع الضمير ، أي لنسبة المشاركة في الضرب الّتي هي المضاربة - إلى المتكلّم متعلّقة بالمفعول ، ومنطوقه الصريح : انّ الأوّل مضارب - بالكسر - ، والآخر مضارب - بالفتح - ، لا لنسبة نفس الضرب إليه ، متعلّقا بالمفعول ، ليكون المنطوق : أنّ أحدهما ضارب ، والآخر مضروب ، كيف وقد يمتنع التعلّق بالمفعول في أصل المفاعلة ، فانّها قد تؤخذ من أصل لازم ، نعم يحصل التعدّي قطعا عند بنائها ، باعتبار معنى المشاركة المتعدّية الحادثة ، كما يحصل التعدّي في باب الأفعال ، والتفعيل ، لما يحدث عند بنائهما.
(ومن ثمّ جاء غير المتعدّي) من المجرّد - إذا بنى منه هذا الباب - متعدّيا(نحو : كارمته) - من كرم - (وشاعرته) ، من شعر فلان - ، ك - نصر وكرم ، فهو شاعر إذا قال : شعرا - أي كلاما منظوما - ، فانّ مجموع قول الشعر الّذي هو معناه لا يتعدّى ، وقد جاء التعدّي فيهما عند بناء المفاعلة ، هذا.
لكن الغالب في المتعارف انّ المشاعرة للمشاركة في انشاد الشعر ، وان كان من
نظم الغير ، فلعلّ الأصل حوّل إلى هذا المعنى ، بضرب من التوسّع ، ثمّ اشتقّت منه (1)المشاعرة.
(و) من ثمّ - أيضا - جاء(المتعدّي) من المجرّد(إلى واحد - مغاير للمفاعل - ،) (2)على صيفة المفعول من المفاعلة - على ما ذكره نجم الأئمّة - ، نظرا إلى أنّ الكلام فيما يصير مفعولا بعد بناء المفاعلة ، فالمعنى : جاء المتعدّي إلى واحد غير المشارك - بفتح الراء - (متعدّيا إلى اثنين نحو : جاذبته الثوب) ، لاعتبار تعدّي الجذب فيه إلى الثوب ، وهو لا يصلح لمشاركة الفاعل في الفاعلية ، وبدونها لا يتم معنى المفاعلة ، فلا جرم تعدّي جاذب إلى آخر يصلح لذلك ، حتّى يتم معناها.
(بخلاف) ما كان أصله متعدّيا إلى واحد يكون مفاعلا ، بعد بناء المفاعلة ، فانّه يتعدّى إليه دون غيره ، لتمام معناها به نحو : (شاتمته) فانّ الشتم متعدّ إلى ما يكون مفاعلا في المشاتمة ، ونحو : جاذب زيد عمروا ، إذا فرض انّ كلّا منهما جذب الآخر.
(و) قد يكون (بمعنى «فعّل») - بتشديد العين - ، (نحو : ضاعفته) ، فانّه للتكثير مثل : ضعّفته ، وناعمه الله ، بمعنى : نعّمه - أي أكثر نعمه - وهو الإبل ، والشاة ، أو والإبل خاصّة.
(وبمعنى أصله المجرّد ، وهو «فعل)) ، - بالتخفيف - سواء استعمل أصله المجرّد في كلامهم نحو : ناولته الشيء - أي نلته - بضمّ النون - ، أي أعطيته - ، أم لا ، (نحو: سافرت) ، فانّه لنسبة السفر إلى المتكلّم من غير معنى زائد آخر سوى المبالغة ، ولم يستعمل سفرت في كلامهم ، على ما في شرح المفصل ، مخالفا لما ذكره الجوهري.
وقد جاء «فاعل» لجعل الشيء ذا أصله ، كما يجيء «أفعل» أيضا - لذلك ، نحو : عافاك الله ، - أي جعلك الله ذا عافية - وعاقبه - أي جعله ذا عقوبة.
«وتفاعل» يكون (لمشاركة أمرين فصاعدا في) فاعليّة(أصله) المجرّد(صريحا) ، بخلاف فاعل ، فانّ نسبة الفاعليّة إلى أحدهما صريحا ، وإلى الآخر ضمنا ، لكونه مفعولا في صريح اللّفظ ، نحو : (تشاركا) ، فانّه يدلّ على مشاركة اثنين في فاعليّة أصله ، وهو الشركة صريحا ، بخلاف شارك زيد عمروا.
(ومن ثمّ) ، - أي ومن أجل أنّ «تفاعل» للمشارك في الفاعلية صريحا - ، (نقص مفعولا) واحدا (عن «فاعل») ، وهو المشارك الّذي كان مفعولا صريحا ، لأنّه يصير فاعلا في «تفاعل» صريحا ، كما تقول : ضارب زيد عمروا - بنصب عمروا - ، وتضارب زيد وعمرو - برفع الاسمين -.
فان كان «فاعل» متعدّيا إلى آخر - أيضا - تعدّى «تفاعل» أيضا ، إلى ذلك الآخر فقط ، تقول : عاطيته الدراهم ، - بالتعدّي إلى اثنين - ، وتعاطينا الدراهم ، فالبابان تشاركان في إفادة المشاركة في الفاعلية ، مفترقان على الوجه المذكور.
ولعلّ الدلالة على فاعلية أحد الأمرين ، إن كانت أهم عند المتكلّم لفرض - ، عبّر بالمفاعلة ، ليجعل الأهم فاعلا والآخر مفعولا ، وإن تساويا عنده عبّر بالتفاعل ، ويحتمل أن يكون البابان كعبارتين لمعنى واحد يتخيّر المتكلّم بينهما.
وأمّا الفرق : بأنّ المفاعلة تدلّ على أن أحد الأمرين - وهو ما وقع فاعلا صريحا - ، سابق في مباشرة الفعل على الآخر ، بخلاف «تفاعل» فالتحقيق خلافه ، كما أفاده نجم الأئمّة رضي - ، متمسّكا بما ورد من المفاعلة على خلاف ذلك.
(و) قد يكون «تفاعل» (ليدل على أنّ الفاعل أظهر انّ أصله) المجرّد(حاصل له) والحال انّه (هو منتف عنه ، نحو : تجاهلت ، وتغافلت) - أي أظهرت من نفسي الجهل ، والغفلة ، مع انتقائهما في الواقع.
(وبمعنى) أصله المجرّد ، وهو (فعل) ، سواء كان لازما ، (نحو : توانيت) بمعنى :
ونيت ، من الوني وهو الضعف ، أو متعدّيا ، كقول إمراء القيس :
تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا
عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي (1)
فانّ الظاهر ان تجاوزت بمعنى : جزته.
(ومطاوع «فاعل») ، المطاوع - بالكسر - وحقيقة المطاوعة : أن يدلّ أحد الفعلين الراجعين إلى أصل واحد - في الاشتقاق - ، على التأثير ، ويدلّ الآخر على قبوله ، فالثاني كأنّه طاوع الأوّل ، ومفعول الأوّل فاعل الثاني ، ويقرب من ذلك ، أنّ المطاوعة حصول الأثر عند تعلّق الفعل المتعدّي بمفعوله ، لظهور انّ المراد الأثر المدلول بما يرجع في الاشتقاق إلى أصل ذلك المتعدّي ، ليخرج عنه ضربته ، فتألّم ، وحيث علمت أن فاعل المطاوع - بالكسر - ما كان مفعول المطاوع - بالفتح - ، علمت انّه ينقص عنه درجة ، فمطاوع المتعدّي إلى واحد قاصر ، (نحو : باعدته ..
فتباعد) ، ومطاوع المتعدّي إلى اثنين يتعدّى إلى واحد ، نحو : ألبسته الثوب ... فلبسه ، وقد يتكلّم بالمطاوع بدون ذكر المطاوع ، نحو : إنكسر الاناء.
والمعنى الّذي لا يكون قبول أثر فعل متعدّ ، لا يكون مطاوعا له ، وإن رجع إلى أصل اشتقاقه.
(و «تفعّل») يكون (لمطاوعة فعّل») ، - بالتشديد - (نحو : كسّرته ... فتكسّر).
(وللتكلّف) ، وهو أن يحمل الفاعل نفسه على أصله ، على وجه الكلفة والمشقّة ،
1) الاحراس : يجوز ان يكون جمع حارس بمنزلة صاحب وأصحاب ، ويجوز ان يكون جمع حرس بالتحريك بمنزلة جبل وأجبال ، والمعشر : القوم ، والجمع المعاشر ، والحراص : جمع حريص ، والاسرار : الاظهار والاضمار جميعا ، وهو من الاضداد ، والمقتل : مصدر ميمي بمعنى القتل ، يقول : تجاوزت في ذهابي إليها وزيارتي إيّاها أهوالا كثيرة وقوما يحرسونها ، وقوما حراصا على قتلى لو قدروا عليه في خفية ، لأنّهم لا يجرؤن على قتلى جهارا. هذا من كلام امراء القيس وهو من معلقته المشهورة.
ليحصل له ، (نحو : تشجّع ، وتحلّم) - أي حمل نفسه على الشجاعة والحلم ، وكلّفها إيّاهما ، - حتّى يحصل له ، لكونهما مطلوبين ، وهذا بخلاف نحو : تجاهل ، فانّ معناه مجرّد اظهار الجهل من غير دلالة على حمل النفس عليه ، لكونه مطلوبا.
(وللاتّخاذ) ، وهو : أن يجعل الفاعل المفعول أصل الفعل ، وذلك إذا كان الأصل إسما ، لا مصدرا(نحو : توسّدت التراب) ، - أي جعله وسادة -.
(وللتجنّب) ، - يعني مجانبة أصله - ، (نحو : تأثّم ، وتحرّج) - أي تجنّب الأثم والحرج -.
(وللعمل المكرّر في مهلة) ، - أي ليدل على مباشرة عمل وهو أصله المجرّد مرّة بعد اخرى - ، (نحو : تجرّعته) - أي شربت الشراب جرعة بعد جرعة - ، فيدلّ على تكرّر مباشرة أصله ، وهو الجرع الكلّي ، باعتبار تحصيله في ضمن فرد منه ، بعد تحصيله في ضمن آخر ، فانّ الواحد بالشخص لا يتكرّر حصوله.
(ومنه - : تفهّم ، وتعلّم) ، المسألة ، فانّ أصل الفعلين أعني فهمها والعلم بها بعد تماميّة الاستعداد له ، وإن كان دفعيا ، لكن نزل التوسّل إليه على مهلة منزلة تكرّره في مهلة ، فعبّر بالتفهّم ، والتعلّم ، فلذا فصّل بقوله : منه ، - وقيل : انّ الفصل باعتبار انّ التكرّر في مهلة ليس بظاهر في مثل هذا ، لأنّ الفهم ليس بمحسوس ، كالتجرّع ، ويمكن أن يكونا مطاوعي فهم ، وعلم.
(وبمعنى - «استفعل» ، نحو : تعظّم ، وتكبّر) ، - أي طلب أن يكون عظيما ، وكبيرا ، نحو : إستكبر ، واستعظم ، وقد يقال : تعظّمته ، - أي أعتقدت فيه انّه عظيم - ، وقد يكون بمعنى صيرورة الشيء نفس أصله ، نحو : تزبّب العنب ، - أي صار زبيبا - وتكلّل الزند ، - أي صار أكليلا -.
وبمعنى صيرورة الشيء ذا أصله ، نحو : تأهّل ، وتأصل ، - أي صار ذا أهل ، وذا أصل - ، وتأكّل ، - أي صار ذا أكل ، أي مأكولا ، ويقال : ترجّلت المرأة ، - أي صارت كالرّجل - ، وهو راجع إلى صيرورة الشيء أصله مجازا.
(و «إنفعل» لازم) كلّه ، لأنّه بشهادة الاستقراء موضوع لحصول أثر الفعل المتعدّي ، إلى واحد مطاوع له ، فيلزم اللّزوم.
ثمّ انّه في الغالب ، (مطاوع «فعل») المتعدّي إلى واحد ، (نحو : كسرته فانكسر).
(وقد جاء : مطاوع «أفعل» ، نحو : أسفقته ... فانسفق) ، يقال : أسفقت الباب ، أي رددته ، (وازعجته) - أي أقلعته عن مكانه وأبعدته - (فانزعج) ، مجيئا(قليلا).
(ويختصّ) «انفعل» (بالعلاج والتأثير) ، - أي بأن يكون من الأفعال الظاهرة الّتي هي أفعال الجوارح ، وقبول أثر حاصل من تأثير يكون من جنس تلك الأفعال ، كأنّهم لمّا خصّوه بالمطاوعة التزموا كونها جليّة واضحة ، فلا يقال : - علمته فانعلم -.
(ومن ثمّ) - أي من جهة إختصاصه بقبول الأثر ، والمطاوعة - (قيل : - إنعدم خطأ) ، لأنّ العدم ليس أثرا متحقّقا (1)حتّى يكون قبوله مطاوعا لشيء ، لكنّه نزل منزلته ، وغالب استعماله في كلام أرباب المعقول ، ولا يستعمل إلّا في العدم الطارئ على الوجود ، لأنّ العدم الأزليّ لا يشبه الأثر بوجه ، فلا ينزل منزلته.
(و «افتعل» : للمطاوعة - غالبا) ، من غير اختصاص بالعلاج ، (نحو : غممته) - أي أحدثت فيه الغم - (فاغتّم).
ويكثر اغناء «افتعل» عن «انفعل» في مطاوعة ما فائه ما يدغم فيه النون (2)
الساكنة ، نحو : لأمت الجرح - أي أصلحته - فالتئم ، ورميته فارتمى ، ووصلته فاتّصل ، فلا يقال : انلأم ، وانرمى ، وإنوصل ، مثلا - لئلّا تنطمس علامة المطاوعة ، أعني نون الانفعال - بالإدغام.
(وللاتّخاذ) ، - وقد عرفت انّه جعل الشيء أصل الفعل من غير المصدر - (نحو : إشتوى) - أي اتّخذ لنفسه شواء - ، وهو المشويّ بالنار - ، وامتطائه - أي اتّخذه مطيّة -.
(وبمعنى «تفاعل» ، نحو : إجتوروا) ، فانّه - بمعنى تجاوروا - ولكونه بمعنى ما لا إعلال فيه ، لم تقلب واوه ألفا ، مع تحرّكها وانفتاح ما قبلها ، (واختصموا) - أي تخاصموا -.
(وللتصّرف) ، وهو : الاجتهاد في تحصيل أصله والمبالغة والاعتمال (1)والاحتيال فيه ، (نحو : إكتسب) ، عند سيبويه - ، ولذلك قيل : انّ قوله تعالى : (2)(لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)(3)تنبيه على لطفه تعالى بخلقه ، حيث أثبت لهم الثواب على فعل الحسن كيف صدر ، ولم يثبت العقاب على القبيح إلّا إذا صدر على وجه الاعتمال والمبالغة.
وجاء بمعنى «فعل» نحو : قلعه واقتلعه.
(و «استفعل» : للسؤال غالبا ، إمّا صريحا ، نحو : إستكتبته) ، - أي سألته الكتابة - ، (أو تقديرا ، نحو : إستخرجت الوتد) ، فانّه لا يتصوّر فيه طلب ، بل نزّل الاحتيال في تحصيله واللّطف فيه منزلة الطلب ، والمعنى : لم أزل أتلطّف في إخراجه ،
حتّى خرج.
ومن مجاز الطلب : إسترقع الثوب ، إذا إخلولق واستحقّ أن يرقع ، كأنّه سأل يرقع.
(و) يكون (للتحوّل) إلى الشيء الّذي هو أصله ، حقيقة ، أو مجازا ، وهذا لا يكون متعدّيا أصلا ، (نحو : إستحجر الطين) ، - أي صار حجرا حقيقة أو مجازا - وذلك إذا لم يتحوّل إليه ، بل صار مثله في الصلابة ، ونحو قول الشاعر :
إنّ البغاث بأرضنا تستنسر
والاتن في أسواقنا تستحمر (1)
البغاث : - بالحركات الثلاث في أوّله - طائر ضعيف أغبر ، وتستنسر : - أي تصير نسرا - ، وهو من جوارح الطير ، معروف بالقوّة ، والأتن : جمع الاتان أنثى الحمار ، وأسواق : جمع السوق ، والمعنى : أنّ الضعيف يتقوّى بجوارنا ، كذا قيل.
(وبمعنى «فعل») المجرّد ، (نحو : قرّ وإستقرّ).
(وللرّباعي المجرّد بناء واحد) ، وهو «فعلل» ، لالتزامهم فيه فتح الأوّل والآخر - كما في المجرّد من الثلاثي - واضطرارهم إلى تسكين أحد الآخرين ، لئلّا يتوالى أربع حركات في كلمة واحدة ، وقد إطرد عندهم تسكين الآخر عند اتصال الضمير المرفوع المتحرّك ، فلو سكّنوا اللّام الاولى التقى الساكنان عند إتصاله ، ففتحوها لتعادل خفّة الحركة ثقل الرباعي ، وسكّنوا العين.
ثمّ انّه يكون متعدّيا(نحو : دحرجته) (و) لازما نحو : (دربخ) الرجل - بالدال والراء المهملتين والموحّدة والمعجمة - أي خضع وذلّ ، وطأطأ رأسه ، وبسط ظهره
1) لم أقف على نسبته إلى قائل معين.
خاضعا ، و- دربخت الحمامة لذكرها - طاوعته للسّفاد.
(وللمزيد فيه) من الرّباعي (ثلاثة) أبينة ، وهي : «تفعلل» نحو : (تدحرج) ، (و) «افعنلل» ، نحو : (احرنجم) ، (و) «افعللّ» ، - بتشديد اللّام الثانية - نحو : (إقشعرّ) الرّجل - أي أخذته قشعريرة أي رعدة واضطراب - ، و- واقشعرّت السنة - أمحلت (1).
(وهي) - أي الثلاثة - (لازمة) كلّها بشهادة الاستقراء.
(المضارع) سمّي به لمشابهته الاسم في قبول الإبهام والتخصيص ، لاحتماله الحال والاستقبال ، وجواز تخصيصه بأحدهما ، والجريان على حركات اسم الفاعل وسكناته ، في نحو : ضارب ، ويضرب ، وناصر ، وينصر ، فكأنّهما متواخيان ، أي ارتضعا من ضرع واحد ، وهو يحصل : (بزيادة حرف المضارعة على الماضي) ، في أوّله.
ثمّ انّ الماضي والمضارع لمّا تخالفا معنى راموا تخالفهما لفظا - أيضا - في حركة العين الّتي عهد إختلافها باختلاف الأغراض في الماضي الثلاثي المجرّد الّذي هو أوّل أبنية الأفعال.
(فإن كان) الماضي ثلاثيا(- مجرّدا - على «فعل» - بفتح العين - (كسرت
1) المحل : الشدّة والجدب وانقطاع المطر.
عينه) في المضارع ، (أو ضمّت) ، والكسر أوفق بغرض الاختلاف (1)، لأنّ مخالفته للفتحة أتمّ من مخالفة الضم له ، إذ الضمّة علويّة كالفتحة ، بخلاف الكسرة فانّها سفليّة.
(أو فتحت) عين المضارع ، (إن كانت العين أو اللّام حرف حلق غير ألف) ، بل أحد الستّة الباقية ، وهي : الهمزة ، والهاء ، والعين والحاء ، والغين والخاء ، ليعارض خفّة الحركة ثقل الحرف الحلقي ، ولم يفتحوا العين إذا كانت الفاء حرف حلق ، لأنّ فاء المضارع المجرّد الثلاثي ساكنة فهي ضعيفة بالسكون ، فلا حاجة إلى تخفيف العين.
وأمّا الألف : فهي - مع خفّتها - ليست متأصلة بل منقلبة عن الواو والياء ، ولم يعتدّوا بها في مخالفة الأصل - الّذي هو مخالفة حركة عين المضارع للماضي - ، فضمّت في واوي الأصل ، وكسرت في اليائيّ على القياس ، وأدّى ذلك إلى ظهور الواو والياء ، ك - صان يصون ، وباع يبيع ، ودعا يدعو ، ورمى يرمي ، والفتح في عين المضارع فيما (2)ذكر على وجه الرخصة ، لا على وجه اللّزوم ، لجواز الضم ، نحو : دخل يدخل ، وصرخ يصرخ ، والكسر ، نحو : نبح ينبح ، لأنّه جاء على الكسر - أيضا -.
(وشّذ : أبى ... يأبى) ، حيث فتحت عين مضارعه وليس عينه أو لامه حرف حلق غير ألف ، فهو مخالف القياس ، وإن كان كثيرا شايعا ، ك - استحوذ ، بترك الاعلال - ومثل هذا فصيح في حكم المستثنى عن القياس الّذي هو على خلافه ، على ما تقرّر في موضعه.
ولعلّ السّر في فتح العين فيه - على ما قيل - انّه بمعنى إمتنع الّذي هو فرع على منع ، فحمل على أصل مرادفه في فتح عين المضارع.
(وأمّا - قلى يقلى) - بفتح العين في الماضي والمضارع - على ما حكاه سيبويه ، (فعامرية) - أي لغة بني عامر - والفصيح المشهور : قلي يقلي بالكسر في المضارع ، والقلى : البغض الشديد.
(وركن ... يركن) ركونا - بفتح العين في الماضي والمضارع - على ما حكاه أبو عمرو ، (من التداخل) ، لأنّه ورد بضمّ العين في المضارع مثل : نصر ينصر ، لغة مشهورة ، وحكى عن قوم : ركن يركن ، مثل : علم يعلم ، فالماضي من الأوّل ، والمضارع من الثاني ، فتداخلت اللّغتان الواردتان فيه ، والركون : الميل.
وجعل الأخفش قنط ... يقنط مثله ، في التداخل.
ثمّ انّ الضم والكسر في مضارع الفتح قد يكون سماعيّا ، موقوفا على السماع ، ك - نصر ينصر ، وضرب يضرب ، وقد يكون قياسيّا ، غير موقوف على السماع ، في آحاد الأبنية الواردة على أحدهما ، (و) من القياسي أنّهم (لزموا الضم) ، ولم يفارقوه ، (في مضارع الأجوف بالواو) ، (1)مع نقله إلى ما قبلها لثقله عليها ، نحو : صان يصون.(و) لزموا الضم - أيضا - في (المنقوص بها) - أي بالواو مع إسكانها رفعا - نحو : دعا يدعو ، (و) لزموا(الكسر فيهما) أي الأجوف والمنقوص - (بالياء) ، نحو : باع يبيع ، ورمى يرمي ، لمناسبة الضم للواو والكسر للياء ، ولئلّا يؤدّي الكسر في الواويّ إلى إنقلابها ياء ، والضم في اليائيّ إلى انقلابها واوا.
(ومن قال :) في بناء التفعيل وبناء اسم التفضيل من طاح - بمعنى هلك - وتاه ، - بذلك المعنى أو بمعنى ضلّ - ، (طوّحت ، وأطوح) ، (وتوّهت ، وأتوه) - بالواو - فذلك يدلّ على أنّهما واويان ، لأنّ الواو والياء تبقيان من غير تغيير في البنائين من الأجوف ، وعلى هذا(فطاح يطيح ، وتاه يتيه شاذ عنده) ، إن زعم انّ الأصل في مضارع كل واحد منهما الواو المكسورة ، ونقلت كسرتها إلى ما قبلها وقلبت ياء ، فيكون مخالفا للقياس الّذي ذكر من ضم عين المضارع في الأجوف الواويّ ، - وإن
1) ولا ينقض هذا بخاف يخاف ونحوه لأنّ الكلام فيما عين ماضيه مفتوح.
كان مطردا في الاستعمال - ، وكسر فاء الماضي المتّصل به الضمير المرفوع - وإن لم يكن من بنات الياء - للمناسبة مع الصورة الطارية للمضارع ، أو لتوهّم أصالة الياء فيه ، (أو) ذلك عنده (من التداخل) ، على ما في بعض النسخ ، وذلك : إن زعم في كل منهما ثبوت الواويّ ك - صان يصون ، واليائيّ ، ك - باع يبيع ، وزعم مع ذلك انّ المتداول في الاستعمال الطاري هو المضارع اليائيّ مع الضم في أوّل ماضيهما عند اتصال الضمير المرفوع المتحرّك ، - على قاعدة الأجوف الواويّ - بأن يقال طحت ، وتهت ، مثل : صنت ، فيكون ماضيهما من الواوي ومضارعهما من اليائيّ على سبيل التداخل ، وهو ضعيف ، لتصريح الثقاة بأنّ الضم في أوّل ماضيهما عند اتصال الضمير لم يسمع قط ، بل المسموع هو الكسر.
وزعم الخليل : أنههما واويان على هذه اللّغة (1)وردا من الأجوف على «فعل» «يفعل» - بكسر العين في الماضي والمضارع - ، ك - حسب يحسب من الصحيح.
وأمّا في لغة من قال : في التفعيل والتفضيل طيّحت وتيّهت ، وأطيح وأتيه ، فالأمر ظاهر.
(و) من القياس انّهم (لم يضمّوا) - عين المضارع - (في المثال) ، واويّا كان أو يائيّا ، استثقالا للجمع بين ياء المضارعة والياء والواو مع الضمّة بعدها ، ولا طريق إلى التخفيف بالحذف ، فانّ علّة الحذف في نحو : - يعد - انّما هو الوقوع بين الكسرة والياء ، كذا قيل ، فهذا هو القياس.
(و) أمّا : (وجد يجد) - بضمّ العين في المضارع - (فهو ضعيف) ، مخالف للقياس ، وتفرّد به بنو عامر ، قال شاعرهم لبيد بن ربيعة :
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة
تدع الصوادي لا يجدن غليلا (2)
1) أي على لغة طوحت وتوهت.
2) وهذا البيت للبيد كما نسبه الشارح ، وقال بعضهم : انّ البيت لجرير ، اللّغة : نقع ، يقال : نقع فلان بالماء أي روى ضد عطش ، والصدى : العطش ، وأراد بشربة : ريقها ، والغليل : حرارة العطش ، كأنّه أراد أنّها تترك العطاش بحيث لا يجدن بعدها غليلا أبدا. وقد يفسّر الصوادي : بالنخيل الطويل وهو بعيد كما لا يخفى.
وحذف الواو : امّا لكون الوقوع بين الياء والضمّة - أيضا - موجب للحذف عندهم ، أو لأنّ الأصل عندهم فيه الكسر ، والضم طرء بعد حذف الواو عوضا عنها.
(و) من القياس انّهم (لزموا الضم) في عين مضارع (المضاعف المتعدّي) ، لأنّه كثيرا ما يلحقه هاء الضمير المضموم المشبع إلى الواو مع انّ لامه مضمومة - أيضا - ، (نحو : يشدّه ويمدّه) ، فلو كسروا لزم الانتقال من الكسرة المنقولة إلى الفاء - للادغام - إلى ضمّة بعدها ضمّة اخرى ، والحرف المدغم واسطة ضعيفة لا تجدي في معارضة مثل ذلك الثقل ، لكنّها تكفي مع وحدة الضمّة ، كما في اللّازم ، لعدم لحوق الضمير ، ومن ثمّ كان الأكثر فيه الكسر الأوفق ، لتخالف الماضي والمضارع ، نحو : يفرّ ويكلّ ، وربّما جاء الفتح قليلا ، نحو : عضّ يعضّ ، وكعّ يكعّ كوعا ، - إذا جبن - على لغة حكاها يونس ، ولم يسمع الكسر في المتعدّي إلّا في قليل ، نحو نمّ الحديث - رفعه اشاعة وافسادا - ينمّه ، ومنه النّمام ، وعلّه يعلّه ، من العلّ - وهو الشرب - وهدّه يهدّه ، - أي كسره - وصرّه يصرّه ، - إذا جمعه - ، وحبّه يحبّه - بمعنى أحبّه - ، ومنه المحبوب ، وهذه المباحث كلّها في مضارع الماضي المفتوح.
(وإن كان) الماضي المجرّد (على «فعل») - بكسر العين ، (فتحت عينه) في المضارع ، ليتخالفا ، نحو : علم .. يعلم ، وخاف .. يخاف ، ورضي يرضى. وكأنّهم لم يضمّوا مع حصول التخالف به كراهة الجمع بين الكسر الثقيل في الماضي والضم الثقيل في المضارع ، (أو كسرت إن كان مثالا) واويّا ، ليتوسّل به إلى حذف الواو ، حيث يقع بين كسرة لازمة وياء المضارعة فيحصل التخفيف ، نحو : وثق يثق ، ومق .. يمق ، بخلاف اليائيّ ، فانّه جاء الفتح فيه مجيئا شائعا ، نحو : يئس ... ييئس ،
ويمن .. ييمن ، ويقن الأمر - أي علمه - ييقنه ، لأنّ الياء ليست مستثقلة بين الكسرة والياء حتّى يتوسّل بالكسرة إلى حذفها ، وربّما جاء الفتح في الواويّ - أيضا - نحو : وجل يوجل.
(وطيّ) يقلب كل ياء مفتوحة قبلها كسرة ألفا. ولذلك (تقول : في باب : بقي يبقى) - ك - علم يعلم - (بقى يبقى) ، بقلب الياء المفتوحة المكسور ما قبلها - في الماضي - ألفا ، ومنه قول الحماسيّ :
نستوقد النّبل بالحضيض ونصط
اد نفوسا بنت على الكرم
فقوله : بنت ماض مجهول ، أصله بنيت قلبت يائه - بعد نقل الفتحة إلى ما قبلها - ألفا ، (1)أي نرمي سهامنا المصقولة الشبيهة بشعل النيران من أعلى الجبل وتصل إلى الحضيض فتقع على الأحجار فتخرج منها النار ، فكأنّنا نستوقد النّبل بها في الحضيض ، ونصيد نفوسا مبنيّة على الكرم ، أي نقتل الرؤساء.
(وأمّا : فضل ... يفضل) من الفضالة - بمعنى البقيّة - (2)(ونعم .. ينعم) ، ودمت .. تدوم ، ومتّ .. تموت ، كلّها - بكسر العين في الماضي وضمها في المضارع - (فمن التداخل) ، لأنّ الأوّل جاء مثل : نصر ينصر ، وعلم يعلم ، والثاني جاء مثل : كرم يكرم ، - بضمّها - وعلم يعلم ، وجاء دام يدوم ك - صان يصون ، ودام يدام ك - خاف يخاف ، وكذا مات يموت ويمات ، كما قال الشاعر :
بنيّتي سيّدة البنات عيشي
ولا نأمن أن تماتي (3)
وأمّا : الفضل - ضدّ النقص - فالفعل منه ك - نصر ينصر ، لا غير على ما قيل.
1) وحذفت الألف لملاقاتها تاء التأنيث الساكنة.
2) يقال : فضل الماء في الاناء بعد الشرب فضالة أي بقيت بقية.
3) البيت استشهد به - رضي - النيّة : تصغير البنت ، وبنيتي بحذف حرف النداء ، وعيشي : في الوحدة المخاطبة والمقصود منه الدعاء بالبقاء والحياة كقولهم : عش غانما سعيدا. ولا نأمن : بصيغة المضارع للمتكلم كأنّه قال : نحن ندعو لك بالبقاء ولا نأمن موتك.
وجاء في نعم ينعم الكسر - في الماضي والمضارع كليهما - وكأنّه حمل في المضارع على مرادفه من المثال ، وهو وعم .. يعم ، ويقال : عم صباحا وأنعم صباحا - أي ليكن صباحك ذا نعومة ولين -.
وجاء حسب يحسب ، ويئس .. ييئس - كلاهما - على الكسر في الماضي والمضارع.
(وإن كان) الماضي المجرّد (على «فعل») - بضمّ العين - (ضمّت عينه) في المضارع لا غير ، وذلك قياس لم يخالف إلّا في كلمة واحدة شاذّة ، وهي : كدت - بضم الكاف - أكاد ، والمشهور كدت - بكسر الكاف - ، وذلك لأنّ وضع هذا الباب لما كان للصفات القويّة اللّازمة ، اختيرت حركة قويّة للماضي والمضارع فيه ، للتناسب بين المعاني والألفاظ.
ولم يجيء من هذا الباب اليائيّ من الأجوف ، والناقص إلّا واحدة في كل منهما ، أعني - هيوء - الرّجل يهيؤ من غير قلب الياء ألفا ، - أي صار ذا هيئة - ، وبهو .. يبهو في بهي يبهي - أي صار بهيّا - فقلبت الياء واوا للضمّة قبلها ، ويحتمل كونه واويّ الأصل مرادفا ل - بهى يبهى.
والمضاعف فيه قليل ، نحو : لببت .. ألبّ ، على ما حكاه يونس.
فهذه أحكام المضارع الّذي ماضيه مجرّد ثلاثي.
(وإن كان) الماضي (غير ذلك) - بأن يكون ثلاثيّا مزيدا فيه ، أو رباعيّا مجرّدا ، أو مزيدا فيه - (كسر - ما قبل الآخر في المضارع) ، لتطرّق التغيير إلى أوّله عمّا كان في الماضي ، أمّا بحذف همزة الوصل المكسورة مع فتح حرف المضارعة الّذي صار أوّله ك - يجتمع ، ويحرنجم ، وإمّا بضمّ حرف المضارعة الّذي صار أوّله ك - يدحرج ، ويكرم ، فكأنّهم كرهوا سلامة الآخر الّذي هو محل التغيير مع تغيير الأوّل ، وحيث كان الآخر محلّا للإعراب الّذي لا مدخل له في بناء الكلمة أجري التغيير على ما
قبله المتّصل به ، من الفتح إلى الكسرة ، استثقالا للضمّة.
وهذا مطرد(ما لم يكن أوّل ماضيه تاء زائدة ، نحو : تعلّم ، وتجاهل ، وتدحرج ، فلا يغيّر) ذلك عن حاله الّذي في الماضي ، لعدم التغيير في أوّله.
(أو لم يكن اللّام مكرّرة) - للإدغام - (نحو : إحمرّ ، وإحمارّ) ، فانّ ما قبل الآخر في نحو ذلك يسكّن لمماثلته للآخر ، (فيدغم) في الآخر - كما في الماضي - وان تغيّر أوّله بحذف الهمزة - مع انّ ما قبل آخره مكسور في الأصل وزالت الكسرة بالادغام ، ويكسر ما قبل آخر ما كرّرت اللّام فيه للالحاق بغيره ، نحو : يسحنكك اللّيل - أي يظلم - ، فانّه ملحق ب - يحرنجم ، لعدم الادغام في المكرّر له.
(ومن ثمّ) - أي جهة ما ذكر في أوّل المبحث من انّ حصول المضارع بزيادة حرف المضارعة على ما هو الماضي - ، (كان أصل مضارع «أفعل») - ك - أكرم - (يؤفعل) ، لأنّه الحاصل بزيادة حرف المضارعة على الماضي ، (إلّا انّه) - أي ذلك الأصل - (رفض) - أي ترك - (لما يلزم من توالي همزتين - في المتكلّم -) ، وهو مستثقل ، فحذفت همزة الافعال فيه لذلك - وإن كان القياس في تخفيف مثل هاتين الهمزتين قلب الثانية واوا ، كما يجيء إنشاء الله تعالى - لأنّ مضارع هذا الباب كثير فناسب التخفيف البليغ ، وهو الحذف ، ثمّ جروا على قاعدتهم من اجراء الباب على وتيرة واحدة ، (فخفّف الجميع) بحذفها ، - وان لم يكن العلّة إلّا في المتكلّم - وصار حذفها قياسا مطردا.
(وقوله) :
شيخا على كرسيّه معمّما
فانّه أهل لأن يؤكرما (1)
واعلم انّ من عدا الحجازيين يجوزون كسر ما عدا الياء من حروف المضارعة
1) هذا البيت أورده الجوهري ولم نقف على قائله - شرح رضي - ج 1.
فيما كان ماضيه على «فعل» - بكسر العين - ، نحو : إعلم ، وايجل ، واخال ، وانسى ، وإعضّ (1)، تنبيها على كسر عين الماضي ، ولم يكسروا العين لئلّا يلتبس بمضارع «فعل» - بالفتح - ، واستثقلوا الضمّتين في مضارع «فعل» - بالضم - فلم يضمّوا فيه ، للتنبيه على ضمّ العين.
(الأمر ، واسم الفاعل ، واسم المفعول ، وأفعل التفضيل تقدّمت) في مقدّمة الاعراب ، فانّ البحث عن عملها لما كان متعلّقا بها استطرد فيها بيان كيفيّة وضعها وهيئآتها.
1) وهي مضارعات علم ، ووجل ، وخال ونسى ، وعضّ ، وتعدد الأمثلة للتنبيه على اطراد ذلك في الصحيح والمثال والناقص والأجوف والمضاعف.
وكذلك الصفة المشبّهة ، ذكر حدّها هنالك ولم يستطرد معه بيان هيئآتها ، لكثرتها ، فذكر هاهنا.
(الصفة المشبّهة) لا تبنى إلّا من لازم ، أو متعدّ يجعل كاللّازم ، بأن يقتصروا في معناه على مجرّد الثبوت ، ك - الأكول من الأكل. (1)
ثمّ انّها وردت على أوزان مختلفة وبعض التفصيل فيها أنّها تكون :
(من نحو : فرح) - بكسر العين - (على فرح) - بكسرها - أيضا - (غالبا) ، حتّى قيل : انّه قياس فيما كان من نحوه ، من غير حرارة الباطن ، والامتلاء من الادواء الباطنة ، ك - الحزن ، والعسر ، ومن الهيجانات (2)والخفة ، ك - القلق ، والسلس ، والشبق ، والفرح.
(و) قد(جاء معه الضمّ في بعضها) - أي جاء مع الوزن المذكور ضمّ العين في بعض ما كان من نحو : فرح في غير ما قياسه الكسر ، نحو : ندس ، - للفطن - وحذر ، - من الحذر بمعنى الخوف - وعجل - للسريع - ، فهذه الثلاثة وردت على الوجهين.
(وجائت) الصفة المشبّهة من نحو : فرح - أيضا - (على) أوزان اخر ، نحو : (سليم) على «فعيل» ، وهو في المضاعف والمنقوص اليائيّ أكثر ، مثل : طبيب ، ولبيب ، وتقيّ وغنيّ ، (و) نحو : (شكس) - بفتح الفاء وسكون العين - لسيّئ الخلق ، - وفي القاموس : انّه على وزن ندس ، (وحرّ) - بضمّ الفاء وسكون العين مع الادغام - ،
(وصفر) - بكسر الأوّل وسكون الثاني - للخالي - ، (وغيور) من الغيرة.
هذا في غير ما كان من نحو : «فعل» - بالكسر - من الألوان والعيوب والحلية - أي الصورة والخلقة - ، (ومن الألوان والعيوب ، والحلي) من نحوه جاءت (على «أفعل») ، نحو : أسود ، وأبيض ، وأعمى ، وأعرج ، وأبلج ، وأكحل.
(و) الصفة المشبّهة(من نحو : كرم) ، - بضمّ العين - (على) «فعيل» ، نحو : (كريم - غالبا -).
(وجائت) من نحوه (على : خشن) مثل : كتف - من الخشونة - ، (وحسن) - بفتحتين - من الحسن - ، (وصلب) - بضم الأوّل - ، وسكون الثاني - (وصعب) - بالفتح والسكون - ، (وجبان) - بفتح الأوّل - ، (وشجاع) - بضمّه - (ووقور) - من وقر وقارا - (وجنب) بضمّتين.
(وهي من «فعل») - بفتح العين - (قليلة) ، استغناء عنها باسم الفاعل.
(وجائت) منه على قلّتها(على نحو حريص) ، (وأشيب) ، ك - أبيض من الشيب - وهي الشيخوخة - (وضيّق) - بفتح الفاء وتشديد الياء - على «فيعل» ، بياء ساكنة زائدة بعد الفاء وكسر العين ، وهذا مختص بالأجوف ، كما انّه بفتح العين مختص بالصحيح اسما كان ك - الشيلم (1)- بالشين المعجمة - للزوان الّذي يخالط الحنطة - ، أو صفة ، ك - الصّيرف - لصراف الدراهم -.
ولم يجيء في الأجوف مثله إلّا لفظ واحد هو قولهم : سقآء عيّن - بالمهملة والتحتانية المشدّدة المفتوحتين - إذا كان من أديم يسيل ماؤه - وهو عيب فيه ، والفعل من الأمثلة الثلاثة في كلام المصنّف بفتح العين في الماضي والكسر في المضارع.
(وتجيء من الجميع) - أي من «فعل» بالكسر والضم والفتح ، (بمعنى : الجوع
1) بالكردي شيلمه.
والعطش) ونحوهما ممّا يشتمل على حرارة الباطن ك - الأسف ، واللهف ، (وضدّهما) - أعني الشبع والرّيّ ونحوهما ممّا فيه معنى الامتلاء ك - السكر(على فعلان) - بفتح الفاء - (نحو : جوعان ، وعطشان ، وشبعان ، وريّان) ، واسفان ، وسكران ، والفعل من الجوع ك - نصر ينصر ، ومن غيره من هذه الأمثلة ، ك - علم يعلم.
قيل : وقد ينزّل غير هذه منزلتها ، نحو : غضبان ، فانّ الغضب من الهيجانات ، لكنّه يلزمه في الغالب حرارة الباطن ، فنزل منزلتها.
ويقال : قدح قربان - إذا قارب الامتلاء - حملا على معناه.
وربّما جاءت الصفة المشبّهة من «فعل» - بالكسر وغيره - على «فاعل» بمعنى الثبوت ، - وإن كان الأصل في هذا الوزن الحدوث - وذلك : كخاش من الخشية وساخط ، وجائع ، وطاهر.
(المصدر : أبنية الثلاثي المجرّد) منه (كثيرة) ، والّتي يشتقّ منها الفعل المشتمل على معناها وزيادة سماعيّة.
فمنها : ما هو بسكون العين من غير زيادة ، أو مع زيادة تاء التأنيث ، أو ألف التأنيث ، أو الألف والنون ، وهذه أقسام أربعة ، والفاء في كل واحد منها إمّا مفتوح ، أو مكسور ، أو مضموم ، وأمثلتها بتقديم مفتوح الفاء على المكسور ، والمكسور على المضموم في كلّ منها ، (نحو : قتل ، وفسق ، وشعل ، ورحمة ، ونشدة) ، - لطلب الضّالّة وتعريفها - (وكدرة) - لضدّ الصفاء في اللّون - ، (ودعوى ، وذكرى ، وبشرى).
(وليّان) - بتشديد الياء - مصدر لوى - إذا مطل - (وحرمان) مصدر حرمه - منعه - (وغفران).
(و) منها : متحرّك العين ، وفيه - أيضا - أقسام ، لأنّه قد يكون مع زيادة الألف والنون ، وهذه لم يوجد إلّا مفتوح الفاء والعين كليهما وذلك نحو : (نزوان) ، - للوثوب -.
(و) قد يتجرّد عن الزائد رأسا ، وهذا جاء نحو : (طلب) - بفتحتين - (وخنق) مثل : كتف مصدر خنقه - أخذ بحلقه - (وصغر) - بكسر الأوّل وفتح الثاني - (وهدى) مثل : صرد.
ولم يجيء مفتوح الفاء مضموم العين أصلا ، ولا بكسرهما معا ، ولا بضمّهما.
(و) قد يكون مع زيادة تاء التأنيث فقط ، نحو : (غلبة) - بفتحتين - (وسرقة) - بفتح الأوّل وكسر الثاني - ، ولم يجيء منه مضموم العين.
(و) قد يزاد فيه مدّة أمّا ألف فقط ، أو مع تاء التأنيث ، وأمثلتهما بتقديم مفتوح الفاء ، فالمكسور ، فالمضموم ، نحو : (ذهاب ، وصراف) ، مصدر صرفت الكلبة تصرف ، ك - ضرب ، يضرب ، - إذا إشتهت الفحل - (وسؤال وزهادة ، ودراية ، وبغاية) - للطّلب - ، وأمّا واو ، أو ياء - فقط - أو مع تاء التأنيث ، (و) ذلك نحو : (دخول) - بضمّ الفاء - ومضيّ - بضمّ الميم - فانّ أصله مضوي ، قلبت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها ، (ووجيف) - بفتح الأوّل - لضرب من سير الابل - (وقبول) - بفتحه أيضا - (وصهوبة) - بضمّ الأوّل - للحمرة أو الشقرة - وفضيحة ، ونصيحة - بفتحة أيضا - ولم يجيء مع الواو كسر الفاء ، لثقل الانتقال من الكسرة إلى الضمّة. ولا مع الياء سوى الفتح.
(و) قد يزاد الميم - فقط - مع فتح العين ، نحو : (مدخل) ، (و) كسرها نحو : (مرجع) ، وضمّها كمكرم ، ان ثبت انّه مصدر ، أو مع تاء التأنيث (و) ذلك نحو: (مسعاة ومحمدة) ، - بكسر الميم الّتي هي عينها وفتحها -.
(و) قد يزاد غير ما ذكر - أيضا - ، نحو : (كراهية) ، وكينونة ، في مصدر كان ، والبلهنية - بضمّ الموحّدة وفتح اللّام وسكون الهاء - بمعنى السعة - على «فعلنية» ، والضارورة - بمعنى الضرر - على زنة «فاعولة» ، والتّهلكة ، والجبروت.
والكل مقصور على السماع ، وليس شيء منها قياسا سوى نحو : مدخل ، وذكره ههنا غير مناسب.
(إلّا انّ الغالب) بحسب الاستقراء على ما سمع ، (في) مصدر(فعل) - بفتح العين - (اللّازم) - إذا لم يكن للمعاني الّتي نذكرها بعد ذلك من الأصوات ، والاضطراب ، وغيرهما - ان يكون «فعول» - بضمّ الفاء - (نحو : ركع على ركوع) ، وسجد على سجود.
(و) الغالب (في) مصدر «فعل» (المتعدي) أن يكون على «فعل» - بفتح الفاء وسكون العين - (نحو : ضرب على ضرب).
(وفي) ما يعدّ من (الصنائع) جمع الصناعة - بالكسر - وهي الحرفة ك - رسالة ورسائل ، (ونحوها) - ممّا ليس معدودا في الحرف لكن يشبهها أو يضادّها كأنّه جعل نحوها ، تنزيلا للتضاد منزلة التناسب ، - أن يكون على «فعالة» بكسر الفاء - فالصنائع (نحو : كتب ... على كتابة) ، وصاغ على صياغة ، وخاط على خياطة ، وما يشبهها ك - عبر الرؤيا على عبارة ، وما يضادّها نحو : بطل على بطالة.
و «فعال» - بكسر الفاء بدون التاء - غالب فيما فيه النفرة ، وفي الهياج وشبّهه ك - الشراد ، والشماس ، والنكاح. (1)
الشماس : يقال : شمس الفرس شموسا وشماسا منع ظهره من الركوب.
(و) الغالب (في الاضطراب) ، والحركة أن يكون على «فعلان» - بفتح الفاء والعين - (نحو : خفق) - أي اضطراب - (على خفقان) ، - بتحريك العين - تنبيها بالحركة فيه على الحركة في مسمّاه ، ولذلك حوفظ على حركة الواو ولم يقلبوها في - دوران - ألفا.
(و) الغالب (في الأصواب) : أن يكون على «فعال» - بضمّ الفاء - (نحو : صرخ على صراخ) ، ونبح على نباح ، و «فعيل» أيضا فيها كثير ، ك - الصهيل ، والنهيق ، وجاء فيها «فعال» - بكسر الفاء - أيضا.
(وقال الفرّاء : إذا جاءك «فعل») - بفتح العين - متعدّيا كان أو لازما ، ممّا(لم يسمع مصدره فاجعله) - أي المصدر - (فعلا) - بفتح الفاء وسكون العين - (للحجاز) ، (و «فعولا») - بضمّ الفاء - (لنجد) ، حملا للمجهول شأنه على الغالب
1) الهياج : من هاج يهيج هيجا أي ثار ، وهاجت الابل : عطشت ، والنبت : يبس ، والهيجاء : الحرب. والهياج بالكسر القتال.
المشهور ، عند كل من الطائفتين ، وإن لم يبلغ حدّ القياس ، والمشهور عند الجمهور : انّ الأوّل مصدر المتعدّي من غير المسموع في أيّة لغة كانت ، والثاني مصدر اللّازم في أيّة لغة كانت كما مرّ.
(ونحو : هدى) - بضمّ الأوّل - (وقرى) - بكسره - للضيافة - وكلّاهما بفتح العين ، (مختص بالمنقوص) - إذا كان الماضي مفتوح العين - ، فانّ الكلام فيه ، لكنّهما قليلان ، والصغر : وإن كان مثل : قرى - وليس بمنقوص - إلّا أنّ ماضيه مضموم العين ، فلا يردّ به النقض.
(ونحو : طلب) - بفتحتين - ممّا فيه الكلام ، (مختص ب - يفعل) ، - أي بما كان مضارعه مضموم العين ، لم يجيء في غيره (إلّا) لفظان هما : (جلب - الجرح -) بالاضافة إلى الفاعل ، مصدر جلب الجرح يجلب ك - ضرب يضرب ، إذا أخذ في البرء وعلاه الحلبة وهي : جليدة تعلوه عند البرء ، (والغلب) ، مصدر غلب ... يغلب على تلك الزنة أيضا ، وجاء : يجلب - بالضم أيضا - ، والجلب بالسكون ، فلعلّ الجلب - بالتحريك - مصدر المضموم ، وبالسكون مصدر المكسور.
وقال الفرّاء : يجوز ان يكون الغلب أصله الغلبة - بالتاء -.
(و) الغالب في ما سمع - وان لم يبلغ حدّ القياس - في مصدر(فعل) - بكسر العين - (اللّازم ، نحو : فرح) ان يكون (على) «فعل» - بفتحتين - نحو : (فرح).
(و) الغالب في (المتعدّي) فيه ان يكون على «فعل» - بسكون العين - (نحو : جهل ، على جهل).
(و) الغالب (في الألوان ، والعيوب) منه ، (نحو : سمر ، وادم) ، أن يكون (على) «فعلة» - بضمّ الفاء وسكون العين وزيادة تاء التأنيث - مثل : (سمرة ، وادمة).
(و «فعل») - بضمّ العين - ، (نحو : كرم) يكون مصدره (على كرامة) - بفتح الفاء - غالبا - ، (و) يجيء على غيرها ، نحو : (كرم) ، - بفتحتين - (وعظم) - بكسر
الأوّل وفتح الثاني - (كثيرا) ، وحسن - بالضمّ فالسكون -.
هذا تفصيل مصادر الثلاثي المجرّد بوجه يليق بهذا المختصر.
(و) مصادر الثلاثي (المزيد فيه ، والرّباعي) مجرّدا كان أو مزيدا فيه ، (قياس) كلّها.
(فنحو : اكرم .. على إكرام).
(ونحو : كرّم .. على تكريم ، وتكرمة ، وجاء كذّاب ، وكذاب) ، - بالتشديد والتخفيف - في مصدر هذا الباب.
وقرئ بالوجهين قوله تعالى : (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ،) وقيل : انّه في قراءة التخفيف مصدر كاذب اقيم مقام مصدر كذّب ، نحو : تبتّل إليه تبتيلا.
(والتزموا الحذف ، والتعويض في) الناقص من باب التفعيل ، والأجوف من الأفعال ، والاستفعال ، ان التزم الاعلال في فعلهما(نحو : تعزية ، واجازة ، واستجازة) ، فاصل الأوّل تعزيّ - بتشديد الياء - ك - تكريم ، فحذفوا إحديهما تخفيفا ، وعوّضت عنها التاء ، وهذا مبنى على اصالة «التفعيل» في الباب.
وفي شرح المفصل : انّ الوجه ان يحمل نحو : تعزية على «تفعلة» من غير حاجة إلى الحمل على «التفعيل» ، واعتبار الحذف والتعويض ، فانّه تعسف بلا داع إليه.
ولعل التحقيق : ان قياس «فعّل» أمّا «التفعيل» وهو فيما عدا الناقص ، والمهموز ، وإمّا «تفعلة» وهي فيهما ، ك - تعزية ، وتخطئة ، على ما قال بعض المحقّقين ، مصرحا بكونها في غيرهما ، نحو : تعزية ، وتكرمة ، مقصورة على السماع.
وامّا إجازة ، واستجازه : فأصلهما إجواز ، واستجواز ، فنقلت حركة حرف العلّة إلى ما قبلها ، وقلبت ألفا ، وحذفت إحدى الألفين المتلاقيتين وعوّض عنها التاء.
وقد جاء الأوّل (1)على «تفعيل» ، للضرورة ، في قول من يصف ناقة مذللّة في العمل بجودة الاستقاء من البئر وعدم القلق :
فهي تنزّي دلوها تنزيّا
كما تنزّي شهلة صبيّا (2)
يقول : المرأة تحرك دلوها لتملأها كما تحرك المرأة العجوز صبيها في ترقيصها إيّاه ، والاستشهاد به على مجيء مصدر فعّل من الناقص على التفعيل شذوذا من حيث الاستعمال.
تنزّي : - أي تحرّك -. والشهلة : - النصفة العاقلة -.
ويجيء الآخران على الأصل - أيضا - فيما ترك الاعلال في فعله ، نحو : أروح اللحم .. ارواحا - إذا أنتن - ، وأروحه .. أرواحا - أدخله في الرّاحة - واستصوب .. استصوابا ، واستحوذ ، استحواذا.
وقد يترك التاء في نحو : إجازة ، وفي نحو : استجازة ، بناء على ما قيل : عند الاضافة لا بدونها ، على ما صرح به الفرّاء ، وساعده القراء ، وذلك نحو : (وَإِقامَ الصَّلاةِ*)(3)كأنّه أقيم المضاف إليه مقام العوض.
ولم يرد ذلك في نحو : تعزية ، لما فيه من جعل الياء معرضا للحذف في الرفع والجرّ بالتقاء الساكنين عند الاضافة إلى المعرّف باللّام ، مع ما فيه من الاجحاف بالجمع بين الحذفين.
(ونحو : ضارب .. على مضاربة ، وضراب) ، على «مفاعلة ، وفعال» - بكسر الفاء وتحفيف العين - ، والثاني نادر فيما فائه ياء ، لثقل الكسرة عليها ، نحو : ياوم (4).. مياومة ، ويواما ، حكاه ابن سيّدة.
(ومرّاء) - بالتشديد - في مصدر ما راه - إذا جادله - (شاذّ).
(وجاء : قيتال) ، على «فيعال» - بالياء بعد الفاء - وقيل : إنّه الأصل والقياس ، وهذه - الياء - مبدلة عن ألف «فاعل» ، لانكسار ما قبلها في المصدر ، ولذلك جعل سيبويه : «فعالا» - بدون الياء - مبنيّا على حذفها ، للتخفيف.
(ونحو : تكرّم .. على تكرّم ، وجاء : تملّاق) ، - بزيادة الألف قبل الآخر - في مصدر تملّق ، قال الشاعر :
ثلاثة أحباب .. فحبّ علاقة ، وحبّ تملّاق وحب هو القتل (1).
والضابط في كل ما أوّله - تاء - نحو : تكرم ، وتدحرج ، وتغافل ، ان يكون مصدره على طريقة الماضي ، إلّا أنّه يضم ما قبل الآخر إلّا في الناقص فيكسر فيه ، ك - التمنّي ، والتلاقي.
(والباقي) - من أبواب المزيد فيه الثلاثي - (واضح).
أمّا الملحق بالرّباعي المجرّد منها فحكمه مثله.
وأمّا ما فيه همزة وصل فللكلّ قياس واحد ، وهو ان يؤتى بحروف الماضي مع كسر همزة الوصل ، ويكسر ما بعد الساكن الأوّل ، ويزاد - قبل الآخر - ألف.
ثمّ ان كان الماضي ألف زائدة ووقعت في المصدر بعد ما كسر فيه أبدلت ياء ، ك - احمارّ ، احميرارا ، وكذا الواو في نحو : اغدودن ، اغديدانا -.
واعلم انّ من المصدر ما ليس مبداء للاشتقاق الفعل بل يعتبر اشتقاقه من مبدأ يتصرّف فيه ، (و) من هذا القبيل من مصدر الثلاثي المجرّد ما هو على «تفعال» - بفتح التاء - (نحو : التّرداد) ، - بمعنى الرّد - ، (والتّجوال) - بمعنى الجولان - ، أو على «تفعلة» - بفتح التاء ، وسكون الفاء ، وضمّ العين - ك - التهلكة - بمعنى الهلاك - على ما حكاه أبو عليّ عن أبي عبيدة ، لكنّه قليل ، ومثله : ما حكاه سيبويه من
1) لم أقف على نسبته إلى قائل معيّن ، والشاهد فيه قوله : تملّاق ، وهو التودّد والتلطّف.
التّضرّة ، والتّسرّة - بضمّ الضاد والسين ، وتشديد الراء - بمعنى الضرور ، والسرور - أو على «فعّيلي» - بكسر الفاء وتشديد العين وزيادة الياء بعدها ، والألف في آخره - وهو كثير يكاد يكون قياسا ، على ما نقل من الزمخشري ، (و) ذلك نحو : (الحثّيثي) ، (والرّمّيّاء) - من الحث ، والرّمي - ، وما كان من مصدره على أحد الوزنين (1)فهو كائن (للتكثير).
وحكى الكسائي : الخصّيصآء - بالمدّ - في الوزن الثاني ، وانكره الفراء.
وزعم الكوفيّون : ان نحو : الترداد مصدر «فعّل» - بالتشديد - ، وأصلهما الترديد ، والتجويل ، مثلا ، فلهذا أفاد التكثير ، وقلبت الياء ألفا ، وردّ بمجيء كسر التاء في بعض هذا ، ك - التلعاب ، مع لزوم الفتح في «التفعيل» ، وقد يجاب بشذوذ مثل ذلك (2)
والتلعاب : بمعنى اللعب.
.وقال سيبويه : في التبيان - بالكسر - انّه اسم أقيم مقام مصدر بيّن ، كما أقيم - غارة - مقام - اغارة -.
(ويجيء) من هذا القبيل - أيضا (1)- (المصدر من الثلاثي المجرّد على «مفعل») - بفتح العين مع التجرّد عن التاء - (قياسا مطردا) من غير توقف على السماع ، (ك - مقتل ، ومضرب) - بمعنى القتل ، والضرب - ، وما عداه شاذ ، موقوف على السماع ، كالمرجع - بالكسر في العين - ، وك - المسعاة - بالتاء - ، والمحمدة ، والمظلمة - بالكسر في العين أيضا والتاء - ، والميسرة - بالضمّ والتاء - ، وجاء في هذه الثلاثة الفتح ، - أيضا -.
وربّما جاء الكسر مع التاء فقط في الناقص ، ك - المعصيّة ، والأجوف ، ك - المعيشة.
وقد دلّ الاستقراء على اهتمامهم في التحرز عن غير ذلك القياس ، وخصوصا عن الضم مع التجرّد عن التاء.
(وأمّا : مكرم ، ومعون) - بالضمّ مع التجرّد عنها - (ولا غيرهما) ثابتا في الأفصح - (فنادران) ، والضم في غيرهما ك - المألك للألوكة وهي الرسالة - غير ثابت في الأفصح.
ونوقش في المكرم ، والمعون - أيضا - (حتّى جعلهما الفراء - جمعا ل - مكرمة ، ومعونة) ، ك - ميسرة ، - بالضم - استبعادا ل - مفعل - بالضم - في المصدر ، وسيبويه : انكر ورودهما جمعين أيضا ، فكأنّه يحمل ورودهما في بعض الأشعار على الضرورة.
ويظهر من كلام الجوهري : ان مكرمة ليست من المصادر ، فانّه قال : يقال أرض
1) أي المصدر الّذي ليس مبدأ الاشتقاق.
مكرمة للنبات - أي جيّدة - ، ولم يتعرض لمجيئه مصدرا.
وقيل : المعونة اسم بمعنى الاعانة ، ك - الغارة - للاغارة -.
وأمّا : احتمال كون معون مصدرا على زنة «مفعول» ك - ميسور فاستضعفه بعضهم بلزوم كثرة التغير بنقل الحركة وحذف الواو ، مع مشاركته ل - «مفعل» - بالضم - في الندور.
هذا (1)فيما عدا المثال ، وامّا فيه فانّما ينقاس فتح العين بأحد الشرطين : أمّا بثبوت فائه في المضارع ، ك - الموجل ، في يوجل ، على ما حكاه يونس ، وأمّا بكون لامه - أيضا - حرف علّة ، ك - الموقي من وقى ، يقي ، ومع انتفائهما قياسه الكسر ، ك - الموعد ، والموضع ، والموجل فيمن قال : يجل - بحذف الواو - ، ولعل المصنف لم يلتفت إلى استثنائه ، لشهرة أمره.
ويقال : لهذا النوع من المصادر المصدر الميميّ ، وحكمه في الثلاثي المجرّد ما ذكر.
(و) يجيء قياسا مطردا ، (من غيره) - سواء كان ثلاثيا مزيدا فيه أو رباعيا مجردا أو مزيدا فيه - (على زنة المفعول) منه ، (ك - مخرج ، ومستخرج) - بمعنى الاخراج والاستخراج - (وكذلك البواقي) ، ك - مدحرج ، ومحرنجم - بمعنى الدحرجة ، والاحرنجام -.
(وأمّا ما جاء) من مصدر الثلاثي المجرّد(على) زنة(مفعول) (كالميسور ، والمعسور ، والمجلود ، والمفتون) - بمعنى اليسر ، والعسر ، والجلادة ، والفتنة - ، كما قيل : في قوله تعالى : (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)(2)(فقليل) مقصور على السماع ، وكأنّه للتشبيه بما مصدره الميمي على زنة اسم المفعول وانكره بعضهم ، وجعل الأوّلين بمعنى الحال والشأن الّذي يوسر فيه أو يعسر فيه ، والمجلود : بمعنى الصبر الّذي يجلد
فيه ، وقال : انّ الباء في (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) زائدة ، والمفتون : اسم مفعول.
(وفاعلة) - بالتاء - في مصدر الثلاثي المجرّد وغيره (كالعافية) مصدر عافاه ، (والعاقبة) مصدر : عقب فلان مكان أبيه مثلا - ، (والباقية) ، (والكاذبة) - بمعنى البقاء والكذب أو التكذيب - (أقلّ) ممّا جاء على زنة «مفعول» ، لعدم مصدر من غير الثلاثي المجرّد على زنة اسم الفاعل منه حتّى يشبّه به ، وقيل : يجوز ان يكون العاقبة اسم فاعل من : عقب وكانه صفة النهاية ، والباقية ، والكاذبة في قوله تعالى : (فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ)(1)، (لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ)(2)- بمعنى نفس باقية ، ونفس كاذبة -.
وقد يقام «فاعل» بدون التاء مقام المصدر نحو : قول امرأة ترقص ولدها : قم قائما قم قائما* صادفت عبدا نائما
أي قم قياما ، وقد يقال انّه حال مؤكدة ، وقوله :
على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما
ولا خارجا من فيّ زور كلام (3)
أي ولا يخرج خروجا على ما قال سيبويه.
(و) الرّباعي المجرّد مطلقا (1)يجيء مصدره على «فعللة» - بفتح الفاء - قياسا مطردا - ، (نحو : دحرج ، على دحرجة) وزلزل على زلزلة.(و) يجيء أيضا فيما ليس بمضاعف منه على نحو : (دحراج) - بكسر الفاء فقط - ، (و) في المضاعف منه (نحو :
زلزل ، على زلزال) ، (بالكسر) كثيرا ، (والفتح) - أيضا - على قلّة ، ولعل أصله الكسرة ، وقلبت فتحة تخفيفا ، لثقل المضاعف ، على ما في شرح المفصل.
وأمّا الرّباعي المزيد فيه فظهر حكم نحو تدحرج منه من «تفعل ، وتفاعل» ، وحكم الباقي ممّا فيه همزة وصل من مصدر الثلاثي المزيد فيه نحو : اقشعرّ واقشعرارا ، واحرنجم احرنجاما ، وأمّا اقشعر قشعريرة ، واطمأنّ طمأنينة ، وهما على «فعلّيلة» - بضمّ الفاء وتشديد اللّام الاولى - فالمنصو بأن فيهما اسمان واقعان مقام المصدر كما في نحو : أغطي عطاء ، كذا قال نجم الأئمّة رضي.
1) سواء كان مضاعفا أو لا.
ثمّ انّهم كثيرا ما يقصدون الدلالة في المصدر على واحدة من مرّات الفعل باعتبار حقيقته من غير قصد إلى خصوصيّة نوع منه ، وقد يقصد الدلالة على النوع ، والمراد بالنوع الحالة الّتي يوقع الفاعل الفعل عليها ، (والمرّة) المذكورة(من الثلاثي المجرّد ممّا لا تاء فيه) يكون في استعمالاتهم (على «فعلة») - بفتح الفاء - وان لم يكن مفتوحا قبل بناء المرّة - ، لأنّه الأصل في المصدر ، وزيادة التاء للوحدة ، (نحو : ضربة ، وقتلة) ، فان كان فيه زيادة حذفت للرد إلى «فعلة» ، نحو : جلسة ، ودخلة في : جلوس ، ودخول - بحذف الواو - ، وحسبة في : حسبان.
(وبكسر الفاء - للنوع -) ، فرقا بينه وبين المرة(نحو : ضربة وقتلة) بمعنى نوع منهما ، ثمّ إذا أريد الدلالة على التعدّد في المرّة والنوع ثنّى أو جمع ، نحو : ضربتين ، وضربات ، فهذا حكم الثلاثي المجرّد الخالي عن التاء.
(وما عداه) سواء كان ثلاثيا مجرّدا مشتملا على التاء في الأصل - قبل اعتبار المرة والنوع نحو : رحمة ، ونشدة - أو ثلاثيا مزيدا فيه ، أو رباعيا مجرّدا ، أو مزيدا فيه ، يكون المرّة والنوع منه (على المصدر المستعمل) منه ، فان اشتمل على التاء فذاك ، والتفاوت بالقرائن ، (نحو : إناخة) واحدة ، ورحمة واحدة للمرة ، ولطيفة للنوع ، وقيل : ان مكسور الفاء من المجرّد الثلاثي كنشدة يفتح فائه في المرّة ، ومقتضى كلام سيبويه والجماعة : فيما اشتمل على زيادة ، نحو : دراية ، وبغاية ، حذف الزوائد والردّ إلى «فعلة» كدرية وبغية.
(فان لم تكن - تاء -) في المصدر المستعمل فيما عدا المجرّد الثلاثي المذكور ، نحو : إكرام ، واستخراج ، وتدحرج ، (زدتها) ، فتقول : اكرامة ، واستخراجة ، وتدحرجة.
ثمّ ان كان للرباعي وذي الزيادة مصدران : فالوحدة تكون على المصدر الأشهر ان كان ، فيقال : دحرجة ، لا دحراجة ، ومقاتلة ، لا قتالة ، كذا قيل.
(و) ما جاء من مصدر المجرّد الثلاثي الخالي عن التاء المشتمل على الزوائد باثباتها وزيادة التاء للمرة ، (نحو : أتيته إتيانة ، ولقيته ... لقاءة) - بالحاق التاء على : إتيان ، ولقاء للمرة - (شاذ) ، والقياس : أتية ، ولقية ، - بحذف الزوائد -.
(أسماء الزّمان والمكان) ما :
وضعت للزّمان والمكان باعتبار وقوع الفعل فيه مطلقا ، من غير تقييد أصلا ، فلا يكون لها مفعول ولا ظرف ، ولا نحوهما ممّا يفيد التقييد.
وقد يقال : انّ الذات الّتي ليست من شأنها العمل لما تعينت فيها بالزمانيّة والمكانيّة ، وتأصّلت في القصد خرجت عن حكم الصفات العاملة الّتي تكون الذات فيها على صرافة الإبهام ، ك - ضارب فان معناه شيء ماله الضرب ، والعمدة في القصد فيها معنى الفعل الّذي من شأنه العمل في نحو ذلك ، على ما حقق في موضعه ، فلذلك لم تجر مجراها في العمل فيها.
وحمل قول النابغة :
كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولها
عليه قضيم نمّقته الصوانع (1)
على المصدر الميمي ، ليعمل النصب في «ذيولها» ، وحذف مضاف ليصح حمل قضيم عليه ، وهو جلد أبيض يكتب فيه ، أي كأن موضع جرّ الرياح الّتي ترمس الاثار بالتراب ذيولها عليه قضيم زيّنته بالكتابة الصانعات الماهرات.
والتشبيه لأجل ما حصل في ذلك الموضع في التراب من نحو الخطوط ، بسبب الرّياح.
ثمّ ان هذه الأسماء تكون (ممّا مضارعه - مفتوح العين -) ك - يشرب ، وينام ،
1) هذا البيت قائله النابغة كما ذكره المؤلف وشرحه الشارح بتمامه بحيث لا يحتاج إلى بيان. ترمس الاثار : أي يدفنها وتخفيها.
(أو مضمومها) ، ك - يقتل ، ويدور ، (ومن المنقوص) بالحركات الثلاث في عين مضارعه ، ك - يسعي ، ويرمي ، ويغزو ، (على «مفعل») - بفتح العين -.
أمّا في مفتوح العين ، فلمناسبتها ، وأمّا في مضمومها : فلأنّهم حيث عدلوا عن الضم المناسب فيه ، استثقالا له - كما في المصدر الميمي الّذي هو نظير له - اختاروا الفتح ، لخفته ، وأمّا في المنقوص مطلقا : فلمّا فيه - مع الخفة - من التوسل به إلى انقلاب حرف العلّة ألفا ، مبالغة في التخفيف فيما يكثر دورانه.
وذلك (نحو : مشرب) ، ومنام ، (ومقتل) ، ومدار ، (ومرحى) ، ومسعى ، ومغزى ، وجاء : مأوى الابل من المنقوص بالكسر.
(و) هي (من مكسورها) - في المضارع - ك - يضرب ، ويسيل ، (و) من (المثال) الواوي الّذي ليس بمنقوص وحذفت فائه في المضارع ، ك - يعد ، ويضع ، (على «مفعل») ، - بكسر العين - لمناسبته حركة المضارع في غير المثال المذكور ، وأمّا فيه فلمّا ذكروه من كون الكسر أخف مع الواو من الفتح ، مع المناسبة للمضارع في نحو : يعد منه ، وذلك (نحو : مضرب) ، ومسيل ، (وموعد) ، وموضع.
والمثال اليائي في حكم الصحيح في التفصيل المذكور سابقا ، فيقال : في يقظ - من اليقظ ضدّ النوم - ك كرم ، وفرح ، ييقظ - بضمّ العين وفتحها - الميقظ - بالفتح - والمنقوص من المثال كغيره من المنقوص في لزوم الفتح ، ك - الموقى ، من وقى يقى ، وما يثبت فائه في المضارع ك - يوجل حكمه ههنا حكمه في المصدر الميمي.
(و) قد(جاء) : بعض الأسماء ممّا مضارعه مضموم العين على خلاف القياس - الّذي هو فتح العين - حيث جاء فيها كسر العين ، وهي : (المنسك) - لموضع النسك الّذي هو الذبح -.
(والمجزر) - بالجيم وتقدم المعجمة على المهملة - لموضع الجزر وهو نحر الابل -.
(والمنبت) - لموضع النبات - ، (والمطلع ، والمشرق ، والمغرب ، والمفرق) ،
لوسط الرأس لأنّه موضع فرق الشعر - (والمسقط) - لموضع السقوط - ويقال : مسقط الرأس لموضع الولادة ، (والمسكن ، والمرفق) - لموضع الرفق ضدّ العنف - ويقال : لموصل الذراع والعضد ، كأنّه موضع الرفق والملائمة ، (والمسجد ، والمنخر) - بالنون والمعجمة فالمهملة - لثقب الأنف - لأنّه موضع النخير وهو صوت يخرج من الخيشوم.
فالكسر على خلاف القياس في هذه الأسماء ، لضم عينها في المضارع ، وجاء الفتح على القياس في المنسك ، والمرفق ، والمرفق ، والمسكن والمطلع ، والمسجد.
وقال الفرّاء : يجوز فيها الفتح وان لم يسمع.
وقد يوجّه خروجها عن القياس في اللفظ بأنّه باعتبار خروجها عن الأصل في أسماء المكان من حيث المعنى ، وهو الكون لمكان وقوع الفعل مطلقا مع اعتبار القصد إلى وقوعه فيه ، وذلك لاختصاص المنسك مثلا بموضع نسك مخصوص ، أي عبادة مخصوصة وهي الذبح ، والمفرق بوسط الرأس ، والمشرق ، والمغرب ، بمواضع مخصوصة للشروق والغروب ، والمنخر صار اسما للأنف ، من غير قصد إلى وقوع النخير فيه ، كما قال نجم الأئمّة رضي ، والمسجد مخصوص بما هو المعروف ، ولذلك يتعيّن الفتح عند إرادة موضع السجود مطلقا ، كما قال سيبويه ، ويمكن اعتبار نظير ما ذكر في البواقي.
وقد علم ممّا ذكر انّ الميم من أسماء الزمان والمكان مفتوح ، كيف ما كانت العين.
(وامّا منخر) - بكسر الميم والخاء كليهما - لموضع النخير - (ففرع) على منخر - بفتح الميم وكسر الخاء - ، لطريان كسرة الميم لاتباع كسرة الخاء ، وذلك (كمنتن) - بكسر الميم وسكون النون وكسر التاء - في غير هذا الباب ، فإنّه فرع على منتن - بضمّ الميم - اسم فاعل ، من انتن كأكرم - من النتن ضدّ الفوح - ، وليس في كلامهم «مفعل» - بكسر الميم والعين معا - سوى هذين ، (ولا غيرهما) موجودا في كلامهم ، فلذلك جعلا فرعين على البناء المتحقّق.
وأمّا مجيء مطبخ ، ومربد - بكسر الميم مع فتح الموحدة فيهما - فعلى الشذوذ ، وقال سيبويه : انّهما ليسا لموضع وقوع الطبخ والربود على الاطلاق ، كما هو قياس الباب ، بل المطبخ للموضع المعمول للطبخ ، والمربد لمحبس الابل ، والربود : الاقامة.
ثمّ انّ الأصل في أسماء الزمان والمكان التجرّد عن التاء ، كما في الأمثلة المذكورة على قياس المصادر الميمية ، (ونحو : المظنّة) - بكسر الظاء نقلا من النون المدغمة الّتي هي العين إليها - لما يظن فيه الشيء - لكونه مألوفا فيه ، (والمقبرة - فتحا ، وضما -) في العين - (ليس بقياس) ، لوجود التاء.
وفي كسر المظنة ، وضمّ المقبرة ، شذوذ آخر ، لضم عينهما في المضارع ، فقياسهما الفتح ، فتعميم الشذوذ في المقبرة - فتحا وضما - للاشعار بأنّها - وان كانت متحركة بالفتح الّذي هو القياس - شاذّة للتاء ، وزعم بعضهم : انّ الفتح - أيضا - فيها حركة خارجة عن القياس ، لأنّ المقبرة ليست اسما لموضع وقوع الفعل ، أي ما يقبره فيه الانسان - أعني الحفرة - كما هو الأصل في الباب ، بل هي المكان المعدّ لذلك ، والقياس بالاستقراء - في ما خرج عن الأصل واريد به المكان المعدّ للفعل - «مفعلة» - بضمّ العين - ، وخروج الضم فيها (1)عن القياس باعتبار انما يستتبعه ويؤدّي إليه - أعني إرادة المكان المعدّ من المشتق الّذي يراد به المكان - خارج عن القياس ، وان كان قياسا طاريا بعد هذه الإرادة ، هذا كلامه مع نوع من التوجيه ، فتأمّل فيه.
وقد يقال : انّ المقبرة - فتحا - لمكان وقوع الفعل ، فشذوذها للتاء ، - وضما - للمكان المعدّ له ، فشذوذها للخروج عن الأصل في معنى اسم المكان.
ثمّ انّ التاء عند لحوقها ، أمّا بتأويل البقعة ، أو للمبالغة ، كما شاع في ما أريد به ما يكثر فيه جنس من الأجناس ، ك - المأسدة ، والمذأبة ، والمسبعة ، والمطبخة ، لما يكثر
1) أي في المقبرة.
فيه الأسد ، والذئب ، والسبع ، والبطيخ ، وهذا مع شيوعه ليس قياسا في كل ما يكثر فيه الشيء ، فلا يقال : مقطنة - لما يكثر فيه القطن - مثلا.
واستغنوا في ما زاد على ثلاثة أحرف بقولهم : كثير الضفدع ، والثعلب مثلا ، عن بناء صيغة لذلك ، فلم يقولوا : مثعلبة ، ومضفدعة مثلا ، فهذا تحقيق بناء أسماء الزمان والمكان - من الثلاثي المجرّد -.
(وما عداه ، فعلى لفظ) اسم (المفعول) منه ، ك - مدحرج ، ومستخرج ، ومحرنجم ، كأنّهم قصدوا مضارعته للفعل في الزنة ، فاجروه على لفظ اسم المفعول ، لمناسبته له من حيث انّ الزمان والمكان مفعول فيه الفعل.
فمثل هذه يحتمل المصدر الميمي ، والزمان والمكان ، واسم المفعول ، والفرق بالقرائن.
(الآلة) : «ما يستعان بها ، بوجه ما في تحصيل فعل من الأفعال».
والاسم الّذي يشتق لها من ذلك الفعل يكون : (على «مفعل») ، - بكسر الميم وسكون الفاء وفتح العين - (ومفعال) - بكسر الميم - (و «مفعلة») - بالحاق التاء على الوزن الأوّل - ، (ك - محلب) - لما يستعان به على حلب اللبن - وهو وعاء يحلب فيه - ، (والمفتاح) - لآلة الفتح - ، (والمكسحة) - لآلة الكسح - ، يقال : كسح البيت إذا كنسه.
وهذه الثلاثة هي الصيغ المطردة ، وقيل : انّ الأخير سماعي ، لكنّه فيما سمع فيه جار كالأخيرين ، على ما هو القياس في اسم الآلة من حيث المعنى ، وهو العموم لكل ما يستعان به في مأخذه ، وامكان الاطلاق على كل منها.
(و) هذا بخلاف ما جاء بضمّ الميم والعين كليهما ، (نحو : المسعط) - لما يجعل فيه السّعوط ، وهو الدواء الّذي يصب في الأنف - (والمنخل) - يما ينخل به ، كالغربال - (والمدق) - لما يدق به الشيء - (والمدهن) - يما يجعل فيه الدهن ، كالقارورة - (والمكحلة) - لما يجعل فيه الكحل - (والمحرضة) - لما يجعل فيه الحرض ، وهو الاشنان -.
فان نحو : ما ذكر(ليس بقياس) أصلا ، لا في الزنة والبناء ، إذ القياس - كسر الميم وفتح العين - ، ولا في المعنى لاختصاصها ببعض ما يستعان به في مأخذ اشتقاقها - ك - الوعاء - ، مع خروج بعضها عن قياس اشتقاق اسم الآلة - أيضا - وهو الاشتقاق من المصدر ، لاشتقاقه من اسم العين ، ك - الكحل ، والدهن ، والأخير حكاه الزمخشري ، وصححه الجوهري - بكسر الميم وفتح الراء على الأصل ، ولم
يثبت - عند سيبويه - سوى الخمسة الاول ، وقال : انّها لم يذهب بها مذهب الفعل (1)، بل هي أسماء وضعت لهذه المذكورات ، ك - المنصل - بضمّ الميم والصاد - للسيف - وحكى عنه ابن دريد : انّها لو كسرت على الأصل جاز.
وجاء : «الفعال» - بكسر الفاء - للآلة - أيضا - ك - الخياط ، والنّظام ، على ما قيل.
وقد يجيء على «فاعلة» ، ك - الباصرة ، والسماعة ، على ما يقال ، وقد يجعل منه الفاتحة ، والخاتمة ، وقال الراغب : كثيرا ما يجيء «فاعل» - بفتح العين - اسما للآلة ، وذلك ك - الخاتم - لآلة الختم - والقالب - لما يقلب به - ومنه العالم - لما يعلم به الصانع تعالى من الجواهر والاعراض -.
ولم يبن اسم الآلة ممّا عدا الثلاثي المجرّد ، والله أعلم.
1) لأن ما يذهب بها مذهب الفعل لا يختص بآلة مخصوصة وهذه مخصوصة.
(المصغّر) هو : الاسم (المزيد فيه) - أي الّذي وقعت الزيادة فيه - ليدل ذلك المزيد فيه من حيث انّه مزيد فيه ، أو الزيادة المفهومة منه ، (على) نوع (تقليل) في مفهومه ومسمّاه.
أمّا حقيقة ، وذلك فيما يدل على معنى يقبل الزيادة والنقصان ، ك - العلم ، والزّهد ، في نحو : عويلم ، وزويهد ، فيقصد بالتصغير نقصان ذلك المفهوم على التعيين من لفظ المصغر ، ومثله : قبيل ، وقويق ، ونحوهما.
وأمّا : ادعاء ، باعتبار تنزيل نقصان شيء - ممّا يليق به - منزلة نقصانه ، وذلك فيما يمتنع فيه التفاوت ، ك - حقيقتي الانسان ، والرجل ، فاذا أطلق مصغّر الانسان على أحد علم انّه لنقصان شيء من كمالات نوعه فيه على الاجمال ، ولا يتعيّن إلّا بقرينة ، كما إذا دلّت قرينة على انّ المراد نقصان فهمه مثلا ، وكذلك تصغير الاعلام ، ك - خويلد ، فتصغيره (1)لنقصان شيء ممّا يليق بالشخص الكائن من نوعه.
وقد يكون المقصود نقصان المقدار واستصغاره ، فينزل نقصانه منزلة نقصان المسمّى ، ك - جبيل - للجبل الصغير - ، ومن هذا تصغير الملاطفة ، نحو : يا خويلد ، ويا بنيّ ، لأنّ الصغار في معرض التلطف.
وربّما كان التحقير على - التهكم - ، كما يقال : في قول لبيد :
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم
دويهية تصفرّ منها الأنامل (2)
1) وفي نسخة : فتحقيره.
2) هذا البيت للبيد بن ربيعة العامري. وقوله : دويهية هو تصغير داهية ، ويروي مكانه خويخية مصغر خوخة وهي الباب الصغير ، أي انّه سينفتح عليهم باب يدخل إليهم منه الشر ، والمراد بالأنامل الاظفار وصفرتها تكون بعد الموت. والشاهد : قوله دويهية فقد حقق المؤلف ان تصغيرها للتحقير ، وحكي ان تصغيرها للتعظيم.
انّه صغر الداهية الّتي أراد بها الموت - تهكّما - لتهاون الناس به ، واستصغارهم إيّاه ، وزعم بعضهم : انّ التصغير قد يكون للتعظيم ، وجعل تصغيرها في البيت من ذلك.
وقد يكون التقليل عائدا إلى الكثرة الداخلة في مدلول اللفظ المكبّر بالصيغة ، ويرجع إلى تقليل العدد ، ويجب بقاء مقتضى تلك الصيغة الحاصل نوعها بعد التصغير - أيضا - ، وهو مختص بالجمع ، ك - دريهمات لدراهم استحق المتكلم عددها ، وان صحّ اطلاق الجمع المكبر عليه مع قطع النظر عن ذلك ، ويختلف ذلك (1)باختلاف الاعتبارات والمقامات.
ويمتنع هذا التصغير في المثنى ، لامتناع اطلاقه بعد النقصان عن الاثنين ، نعم قد يصغر لارادة اثنين محقّرين ، نحو :
خويلدين ، وقوله :
إنّ بها أكتل أو رزاما
خوير بين نيقفان الهاما (2)
ومثله صغر ثمّ ثنيّ.
والتصغير على أيّ وجه كان توصيف في المعنى ، كأنّهم لكثرة دواعيهم إلى التقليل بأحد الوجوه - وضعوا بناء يدل على الموصوف والصفة بلفظ واحد ، تخفيفا ، ك - رجيل مقام رجل حقير ، فالمصغر موصوف في المعنى فكان محكوما عليه بالصفة ، فلذلك اختصّ بالاسم ، وكان ما ورد في غيره نحو : ما أحيسنه ، وما
اميلح كذا ، محمولا على الشذوذ والضرورة.
ويختلف بنائه في الأسماء المتمكّنة وغيرها ، ويكون على القياس وخلافه.
(فالمتمكّن :) والمراد به ههنا ما ليس بلازم البناء ، على ما قيل ، إذا صغّر على القياس (يضم أوّله) ، تشبيها بالمبنى للمفعول حيث انّه فرع للمبنى للفاعل ، وبعض العرب : يكسر أوّل المصغر في ذوات الياء ، نحو : شييخ ، استثقالا للضم فيه ، كما كسر بعضهم أوّل الجمع فيها ، نحو : شيوخ ، وبيوت ، وقرء به في قرآن المجيد ، (ويفتح ثانيه) تخفيفا ، وان كسر ثاني المبنّى للمفعول - حذرا عمّا استثقلوه من الانتقال من الضم إلى الكسر بمجرّد تلك المشابهة.
ثمّ لو اقتصر على ذلك التبس بالمكبّر في نحو : صرد ، فاحتيج إلى شيء آخر ، (و) اختير ان يكون (بعدهما) - أي بعد الأوّل والثاني - (ياء ساكنة) ، إذ حيث احتيج إلى شيء - بعد العدول عن الكسر المناسب للمفعول - ناسب أن يكون ذلك الشيء ما يناسبه ويكون كالعوض عنه ، وهو - الياء - متصلا بالثاني الّذي عدل فيه عنه ، ليجري مجرى تلك الحركة اللّاحقة له ، وسكونها لحصول الغرض بنفسها فالحركة زيادة من غير حاجة.
والواقع بعدها - فيما كان على ثلاثة أحرف - هو الحرف الأخير الّذي هو محل الاعراب والبناء ، فيبقى على حاله.
(ويكسر ما بعدها) (في) ما اشتمل على (الأربعة) - اصولا كانت كلّها ك درهم أولا ، ك - مكرم ، وذلك لأن ما بعدها فيها ليس محلا للاعراب والبناء فيكسر ، لمناسبتها ، فيقال : دريهم ومكيرم مثلا ، فالكسر هو الأصل - فيما بعد ياء التصغير - في ذي الأربعة ولا يعدل عنها(إلّا في) ما يقع ما بعدها فيه قبل (تاء التأنيث) متصلا بها ، (و) كذا قبل (ألفيه) - المقصورة والممدودة - (والألف والنون) - المزيدتين - (المشبهتين بهما) - أي بألفي التأنيث - والأصل في المشابهة لهما هو المماثلة لهما في عدم المجامعة مع تاء التأنيث قطّ ، وذلك في العلم المرتجل الغير المنقول
عن معنى آخر وان كان فكانه لفظ مستحدث غير ما كان ، فهو لم يجامع مع التاء قبل العلمية ، لارتجالها ، ولا بعدها لكونها مانعة ، ك - سعدان ، وعثمان ، وعمران ، أعلاما مرتجلة من - السعادة ، والعثن ، - بمعنى جبر المكسور أو معنى آخر - والعمارة ، وفي الصفة الممنوعة من التاء ، ك - سكران. (1)
(وألف «أفعال») ، فانّه يفتح ما بعد ياء التصغير الواقع قبل هذه الحروف من غير فصل ، وذلك إذا وقعن في المكبّر رابعة ، ك - طليحة ، وحبيلي ، وحميراء ، وعميران ، وسكيران ، واجيمال ، محافظة على الفتح الواجب قبل تاء التأنيث ، وعلى الألفات المذكورة ، إذ لو كسر ما بعدها المتصل بهنّ انقلبنّ ياء ، وقلب الألف في الممدودة يستلزم قلب الهمزة ياء ، كما يجيء في جمع صحراء - على الصحارى - إنشاء الله تعالى - مع ان حقّ علامة التأنيث والمشبّهة بها ، وعلامة الجمع الّذي حوفظ على بنائه في التصغير من غير ردّ إلى بناء آخر - عدم التغيير ، فان وقعن في المكبر خامسة - فما فوقها - وذلك انّما يتصور في غير ألف «أفعال» - كسر ما بعد الياء ، لعدم منعه من تلك المحافظة ، ك - دحيرجة ، وحجيجب ، في حججبي - كما سيجيء إنشاء الله تعالى - وخنيفساء ، وزعيفران ، وعبيثران ، في عبوثران - بحذف الواو - لزيادتها.
وان كانت الألفان لغير التأنيث انقلبتا ياء ، ك - المعيزي في معزي ، - بالألف - للالحاق بدرهم - فيمن صرفه - ، والعليبيّ في العلباء ، - الملحلق بقرطاس -.
وحمل على نحو : سكران ، نحو : ندمان - للنديم - وصميان ، - بالتحريك - للشجاع - من الصفات الّتي تلحقها التاء ، للتشابه في الوصفية ، وكذا حمل عليه اسم
1) فان قلت : بحثنا عن الألف والنون المشبهتين ، وقد مرّ انّهم أمّا في الاعلام المرتجلة أو في الصفات الممنوعة ، وزعفران وعبرثران ليسا منهما ولا من اللّاتي تحمل على سكران فلا يكونان ممّا نحن فيه ، قلت : انّهما إذا وقعتا في الأسماء خامسة فلا طريق إلّا ان يقال انّهما مشبهتان بألفي التأنيث.
الجنس الّذي يكون على «فعلان» - بتحريك العين - على أيّة هيئة وجد إلّا مفتوح الفاء والعين ، ك - ظربان - بكسر الراء - لدويبة - ، وكأنّه لتشبيه معنى الجنسي الحاصل في كل فرد بالمعنى الوصفيّ في أحاد الموصوفات ، فتأمّل ، فيقال : نديمان ، وظريبان مثلا ، لا نديمين ، وظريبين.
ولعلّه اقتصر على ما هو الأصل في المحافظة على الألف ، وهو المشابهة لا لفي التأنيث ، أو أراد[بالمشبّهة (1)بهما] ما يعم المشبهة بهما أصالة ، أو بواسطة الحمل على المشابه لهما ، وهو تكلّف ، لكنّه مفيد في هذا المقام ليشمل هذين.
واحترز بذلك (2)عن أسماء أجناس الاعلام والمعاني الّتي هي على «فعلان» - بسكون العين - كيف ما كان أوّلها ، ك - سعدان - لنبت - ، وغفران ، وسرحان ، فان ألفها تقلب ياء ، ويكسر ما قبلها كما هو الأصل في - ما بعد ياء التصغير في ذي الأربعة - تشبيها بألف المدّة الزائدة قبل لام الأسماء الّتي تساويها في عدد الحروف ، والحركات ، والسكنات ، ك - صلصال - للطين - وطومار (3)، وسربال ، على ما يقال : فيقال : سعيدين ، ك - صليصيل مثلا.
وعن اسم الجنس الّذي هو على «فعلان» - بفتح الفاء والعين - ك - ورشان ، وكروان - لطائرين - فان ألفها تقلب - أيضا - ياء ، ك - وريشين وان لم يوجد في لغتهم اسم يساوي شيئا من الهيئآت المقصودة في «فعلان» - بتحريك العين - زيدت ألف قبل لامه حتّى يشبّه به شيء منها - ويطوي الكشح عن المشابهة لنحو : سكران - لكنّه يوجد لخصوص هذا الصنف منه موازن من الصفات ، ك - صميان ، ويحافظ على ألف تلك الصفات في التصغير ، وكأنّهم أرادوا الفرق بين مصغريهما ، وكأنّه لم يعكس ، لمدخليّة الهيئة في الصفات - كغيرها من المشتقات - في الدلالة
على المعنى المقصود من بنائها ، فكأنّها أولى بالمحافظة بقدر الامكان من هيئة غيرها ، مع ان بناء المحافظة على الألف في مثل هذه الصفات ، وهذه الأسماء على الحمل على نحو : سكران على ما يقال ، وحمل الصفة على الصفة أولى من حمل الاسم عليها.
وعن العلم المنقول عمّا تقلب ألف (1)ياء في التصغير ، فانّه في حكم المنقول منه ، فنحو : سرحان ، وسلطان - علمين - يصغر على سريحين ، وسليطين ، وسكران - علما - على سكيران ، وينصرف سريحين - مصغر ذلك العلم - وان كان المكبّر في حال العلميّة ممنوعا من الصرف ، لزوال الألف من الألف والنون المزيدتين.
وقد يجعل الضابط ، في حفظ الألف الواقعة - رابعة - في المصغر من ذي الألف والنون المزيدتين - ان لا يجمع على «فعالين» ، وقيل : هو ضعيف ، لحفظها في مصغّر نحو : ظربان مع انّه يجمع على ظرابين ، فتأمّل.
ويكسر ما قبل ألف «أفعال» غير الجمع ، ك - أعيشير في أعشار ، يقال : برمة أعشار - أي منكسرة -.
ويستثنى - أيضا - من حكم كسر ما بعدها ذو الأربعة الّذي وقع ما بعدها فيه مدغما ، فيبقى على سكونه - حفظا للادغام - ك - أصيمّ ، في أصمّ ، وهو من التقاء الساكنين على حدّه.
(ولا يزاد) المصغّر - في غير تلك الصور المستثنات - على أربعة ، أو لا يوقع الزيادة - في غير تلك الصور - في المصغر(على أربعة) ، بمعنى انّه لا يجعل ما يلحقه علامة التصغير زائدا على أربعة أحرف ، بحيث يكون مع العلامة زائدا على خمسة ، حذرا عن الثقل فيما يكثر دورانه ، بل يردّ المشتمل على الزائد إلى الأربعة بأن يحذف شيء منه - وان كان أصليا كما في الخماسي - ثمّ يصغر ، إلّا أن يكون الزيادة
1) وفي نسخة : ألفه.
بمدّة قبل آخره ، ك - مفتاح ، وعصفور ، وقنديل ، فانّها لا يعباء بها وتنزل منزلة اشباع الحركة وتقلب ياء ان لم تكن إيّاها.
(فلذلك) الّذي ذكر من كيفيّة بناء التصغير ، وعدم الزيادة على الأربعة في غير الصور المستثنات (لم يجيء) في بنائه - من الأوزان - (في غيرها) - أي في غير تلك الصور - (إلّا «فعيل») - في ذي الثلاثة - ك - رجيل ، (و «قعيعل») - في ذي الأربعة - ك - دريهم ، ومكيرم ، (وفعيعيل) - في الزائد على الأربعة بتلك المدّة - ك - مفيتيح ، وعصيفير ، وقنيديل ، ولانحصار بنائه في هذه يجعل الموضوع على حرفين ثلاثيا - بزيادة حرف - ليمكن بناء أقل تلك الأبنية ، وهو «فعيل» ، فان كان آخره حرف علّة تعيّن تضعيفه ويعوض عن التضعيف الهمزة ، ان كان ألفا كما في ما ، ولا ، لئلّا يلتقي ألفان ، ثمّ يصغر فتقلب الألف الّتي بعد ضمّة المصغر واوا ، لمناسبتها ، وهكذا تقلب واوا كلّ ألف مجهولة الأصل بعد ضمّة المصغر ، كألف صاب - لشجر - عند سيبويه ، خلافا لأخفش حيث قلبها ياء ، لأنّها أخف ، فيقال : في تصغير ما ، وكي ، ولو ، - أعلاما - مويأ ، وكييّ ، - بثلاث ياءات - ولويّ - بتشديد الياء - وأصله : لويو فتقلب الواو الأخيرة ياء وادغمت لاجتماعها مع الياء السابقة الساكنة.
وإن كان الآخر صحيحا فوجهان : التضعيف ، وزيادة الياء ، فيقال : في هل ، وكم - اسمين - هليل ، وكميم ، وهليّ ، وكميّ - بتشديد الياء -.
(وإذا صغر - الخماسي -) الاصول - (على ضعفه) لثقله وندوره حذف منه حرف للردّ إلى الأربعة ، وإذا تقرّر هذا ، (فالأولى : حذف) - الحرف - (الخامس) الّذي حصل الثقل والزيادة على الأربعة عنده ، أيّا ما كان ، فيقال : في فرذدق فريذد.
(وقيل :) حكاية عن بعض العرب بحذف (ما أشبه الزائد) في الجنس ، بأن يكون من جنس حروف الزيادة ، وهي : حروف [سألتمونيها] ، أو في المخرج ،
ك - الدال - في فرزدق ، فانّها من مخرج - التاء - فتحذف ، فيقال : - فريزق -.
وظاهر اطلاق المتن ما حكاه الزمخشري ، وهو حذف ما اشبهه أين كان ، لكن نصّ السّيرافي والأندلسيّ على إشتراط حذفه ان لم يكن طرفا بالقرب منه بأن يكون رابعا ، وبدونه يحذف الخامس ، ففي - جحمرش - يقال : جحيرش على مقتضى الاطلاق ، و- جحيمر - على ما قالاه ، لكون الميم - ثالثة - الحروف.
وان لم يكن ما زاد على الأربعة - اصولا كلّها - حذف الزائد ، ك - دحيرج في - مدحرج - على ما يأتي - إنشاء الله تعالى -.
وتحذف زيادة الخماسي - غير علامة التأنيث ، والمدّ الرابعة في المكبر - فيقال : - في قرعبلانة - قريعبة - وفي - عضرفوط - عضيرف - ، والمدّة الرابعة تقلب ياء ان لم تكن إيّاها ، ك - جحيمير في - جحمارش - مثلا.
(وسمع الأخفش :) من بعض العرب اثبات حروف خماسيّ الاصول كلّها في التصغير ، كراهة حذف الأصلي ، نحو : (سفيرجل) - بكسر الراء وفتح الجيم - كما كان ، وعن الخليل : انّ المناسب - كسر الجيم - حملا على ما قبل آخر الرّباعي.
(ويردّ) ما اشتمل مكبّره على اعلال غير لازم - وهو ما يزول سببه عند التصغير - (نحو : باب ، وناب ، وميزان ، وموقظ ، إلى أصله لذاهب المقتضى) للاعلال ، فيقال : بويب ، ونييب ، - برد الواو والياء - المنقلبتين - ألفا - في المكبر لتحرّكها وانفتاح ما قبلهما ، لذهاب ذلك عند التصغير بانضمام ما قبلهما ، لكونه أوّل المصغر.
وكذلك : مويزين ، - بردّ الواو - لأنّ المقتضى لقلبها - ياء - سكونها وانكسار ما قبلها وقد زالا بانفتاحها - لكونها ثانية المصغر - وانضمام ما قبلها ، لكونه أوّله ، وفي موقظ : - من اليقظ - مييقظ - بردّ الياء - لأنّ المقتضي لقلبها واوا سكونها وانضمام ما قبلها ، وقد زال بانفتاحها ، لكونها ثانية المصغر.
وهذا الباب (بخلاف) ما اشتمل مكبره على اعلال لازم يبقى سببه بعد التصغير ، فانّه لا يردّ إلى الأصل ، وذلك نحو : (قائم ، وتراث) - للمال الموروث - وأصله : وراث ، (وأدد) - وأصله ودد - لأبي قبيلة من اليمن - وهو أدد بن زيد بن كهلان بن سباء بن حمير ، فانّ المقتضى لقلب العين - في قائم - وهو الواو همزة - كونه اسم فاعل من الأجوف ، ولقلب الواو في - تراث ، وأدد - تاء ، وهمزة - ضمّها في أوّل الاسم ، وتلك المقتضيات باقية بعد التصغير ، فلذلك يقال : فيها قويئم ، واديد ، - بالهمزة - وتريّث - بالتاء والياء المشدّدة -.
وقد يناقش في كون المقتضى - لقلب العين - في قائم - مجرّد ما ذكر ، بل ذلك مشروط بوقوعها بعد الألف ، وقد زال بالتصغير ، فلذلك ذهب بعضهم : إلى ان تصغيره قويم - بتشديد الياء -.
ثمّ ان اعترض على ما ذكر من الردّ إلى الأصل - في الاعلال الغير اللّازم - بالعيد - لليوم المعروف - فانّه مشتق من العود - لعود الفرح والسرور بعوده ، أو لكثرة عوائد الله تعالى فيه لعباده - ، ويزول سبب انقلاب واوه - ياء - عند التصغير ، كما ذكر في الميزان بعينه ، فلو كان الحكم هو الردّ إلى الأصل لصغر على عويد ، فالجواب انّ الأمر كذلك لكنّهم عدلوا عنه ، (وقالوا) : في تصغيره (عييد) - بيائين - (لقولهم) : في جمعه المكسر(أعياد) - بالياء - فرقا بين جمعه وجمع العود - بضمّ الأوّل - على أعواد ، فحملوا التصغير على التكسير ، لتشابههما من حيث ان كلّا منهما لزيادة معنى ، ومن حيث انّ الغالب في كلّ منهما الردّ إلى الأصل ، فلذلك أجروهما مجرى واحدا في كثير من الأحكام ، مع إمكان ان يكون قولهم : عييد للفرق بين تصغيره وتصغير عود ، كما في الجمع ، بل هذا الوجه أقرب على ما في شرح المفصل.
(فان كانت) - في المكبر - (مدّة ثانية) من حروفه ، وهي زائدة(فالواو) ثابتة مكانها في المصغر ، بقلبها إليها ان لم تكن إيّاها ، لأنّهم إضطروا إلى تحريكها
والمدّة الثانية الأصلية يردّ إلى أصلها ، كما مرّ في باب ، وموقظ.
(والاسم) المتمكّن الّذي حذف منه حرف من غير تعويض يعتدّ به ، فكان (على حرفين) ، (يردّ محذوفه) في التصغير ، - فاء كان ، أو عينا ، أو لاما - ليصير على ثلاثة أحرف ، فيأتي فيه «فعيل» الّذي هو أقل الأوزان حروفا ، (تقول :) - في المحذوف فائه - نحو : (عدة ، وكل) حالكونه (إسما) بأن جعل علما مثلا لا فعل أمر - فانّ التصغير من خواص الأسماء - (وعيدة) - بردّ الواو - (وأكيل) - بردّ الهمزة - فانّهما من الوعد ، والأكل.
(وفي) - المحذوف عينه - ، نحو : (سه ، ومذ) حالكونه (إسما) - لا حرف جر - (ستيهة ، ومنيذ) - بردّ التاء والنون - فانّ الأوّل اسم لحلقة الدبر ، أو الفخذ ، وأصله : سته بدليل جمعه على أستاه ، وفيه ثلاث لغات : سه - بحذف العين - وهو التاء - كما اورد ههنا ، وسة - بحذف اللّام - وهو الهاء - مع فتح السين ، واست - بحذفه واسكان السين والاتيان بهمزة الوصل - ، ومذ أصله : منذ - بالنون - وحذفت تخفيفا بدليل ضمّ الذال عند ملاقات الساكن ، نحو : مذ اليوم ، كما يجيء - إنشاء الله تعالى - في التقاء الساكنين.
(و) تقول : (في) - المحذوف لامه - نحو : (دم) وأصله : (دمي) بدليل قولهم في التثنية دميان ، (وحر) - للفرج - وأصله : حرح - بحائين - بدليل جمعه على أحراح ، (دميّ ، وحريح).
(وكذلك) - في ردّ المحذوف - (باب) ما عوّض عن محذوفه شيء تعويضا يعتد
به ، لكن يتعذّر مع بناء «فعيل» (1).
نحو : (إبن ، واسم ، وأخت ، وبنت ، وهنت) ، فان أصل - ابن - : بنو - بالتحريك - ، واصل - اسم - سمو - بسكون الميم وكسر السين أو فتحها أو ضمّها - فحذف لامها وعوّض عنه همزة الوصل ، بعد تسكين فائهما للتخفيف ، فان صغرتهما بدون فتح - الثاني - منهما لم يحصل بناء «فعيل» ، وان فتح سقطت الهمزة ، لأنّها انّما كانت لتعذر الابتداء بالساكن ، فيجب حذفها وردّ المحذوف فيهما ، كما في المحذوف بدون التعويض ، فيقال : سميّ ، وبنيّ ، ك - دميّ ، وأصلهما : سميو ، وبنيو.
وأصل : أخت ، وبنت - أخوة ، وبنوة - بالتحريك -.
وهنت - كناية عن الشيء - وأصلها : هنوة - بالسكون - فحذفت لامها وجعلت تاء التأنيث عوضا عنها ، فلذلك يوقف عليها بالتاء من غير القلب هاء ، وطوّلت في الكتابة في غير - هنة - ، ولو بنيت «فعيلا» منها - بدون ردّ المحذوف - لزم الاعتداد - في بنائه المتوقف على ثلاثة أحرف - بتاء التأنيث الّتي هي في حكم كلمة اخرى حقيقة ، فردّ المحذوف ، فقيل : أخيّة ، وبنيّة ، وهنيّة ، - بتشديد الياء - وأصلها : أخيوة ، وبنيوة ، وهنيوة - بالواو قلبت ياء بالاعلال المعروف -.
وعند ردّه يزول التعويض عن التاء ويتمحّض للتأنيث ، فلذلك تنقلب - هاء - في الوقف ، ولو سمّيت مؤنثا بأخت ، وبنت الحقت التاء في التصغير ، لتأنيث المسمّى من غير تعويض ، وان سمّيت بهما - المذكر - قلت : أخيّ ، وبنيّ - بدون التاء - ، لتذكير المسمّى ، وإذا لم يعتد - بالتاء - في هذه فنحو : عدة أولى بأن لا يعتد بها فيها ، لضعف التعويض ، بل هي فيها كالعوض ، على ما سيجيء - إنشاء الله تعالى -.
وهذا(بخلاف باب) ما حذف منه شيء ، ويتم بناء «فعيل» فيه باعتبار زيادة
1) هكذا في نسخ الّتي بأيدينا ولكن لا يستقيم المعنى ويمكن ان يكون في الأصل هكذا : [لكن يتعذّر معه بناء فعيل].
فيه لا يتعذّر معها بنائه ، فانّه يصغر من غير ردّ المحذوف ، نحو : (ميت) - بالتخفيف - على زنة «فيل» وأصله : ميّت - بالتشديد - على زنة «فيعل» ، (وهار) على زنة «فال» وأصله : هائر على زنة «فاعل» ، - لمعان منها المشرف على السقوط والتهدم - ، وهي اسم فاعل من هار ، يهور ، فحذفت العين ، تخفيفا.
(وناس) على زنة «عال» من الأنس ، وأصله : الاناس ، على زنة «فعال» ، وأرى ، ويضع - اسمين - فيقال : في تصغيرها مييت ، وهوير ، ونويس ، واريّ ، ويضيع ، كلّها على «فعيل» من غير حاجة إلى ردّ المحذوف.
ولو كان تصغيرها بردّ المحذوف لقيل : مييّت - بتشديد الياء الثانية - وهويئر ك - قويئم ، وانيّس - بالهمزة وتشديد الياء - كلّها على «فعيعل».
ومن قال : إن هارا مقلوب هاور نقلت الواو إلى موقع اللّام قلبت - ياء - ، لتطرفها ، ثمّ حذفت الياء ك - قاض يلزمه ان يقول : هويريا - في النصب - باثبات الياء على ما هو حكم مثله ، وقيل : ان هارا في الأصل هور مثل كتف مخفّف هاور - بحذف الألف - ك - خلف ، وخالف فقلبت الواو ألفا ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، وعلى هذا لو صغر بردّ المحذوف من غير اعتبار الرد إلى قياس اسم الفاعل الأجوف كان تصغيره : هويّرا - بتشديد الياء بدون الهمزة - إذ المحذوف ألف فاعل فتنقلب بعد ردّها - واوا - كما في ضارب ، ويقع بعدها ياء التصغير ، ويقع بعدها الألف المنقلبة عن الواو الأصليّة ، فيردّ إلى الواو ويقلب ياء.
ولو صغرت الأمثلة الباقية على الأصل لقيل : أريئي ، ويويضع كلّها على «فعيعل» ، (و) كذا(إذا ولي - ياء - التصغير واو أو ألف منقلبة) عن ياء أو واو أصلية(أو) ألف (زائدة) بأن وقعت كل منهما بعد ياء التصغير متصلة بها ، ووقعت كل منهما - مع ذلك - موقع اللّام من «فعيل» بأن لم يكن بعدها حرف أصلا إلّا علامة التأنيث - ان كانت - ، أو وقعت موقع العين الثانية من «فعيعل» ، بأن لم يكن بعدها إلّا حرف واحد ، (قلبت) كل منها(ياء) وادغمت فيها ياء التصغير ، امّا
الواو : فلوقوعها بعد ياء التصغير الساكنة ، وأمّا الألف : فلاضطرار إلى تحرّكها ، لوقوعها بعد ياء التصغير ، فلا بدّ من ردّها إلى الواو والياء ، وقد علمت انّ - الواو - ههنا تنقلب ياء ، فالمآل إلى - الياء - فقلبت الألف إليها من أوّل الأمر ، وان كانت زائدة ، أو منقلبة عن الواو.
(وكذلك الهمزة المنقلبة) عن واو ، أو ياء أصيلة(بعدها) - أي بعد الألف الزائدة - الواقعة بعديا التصغير ، تقلب ياء ، إذ حيث قلبت الألف المذكورة ياء زال المقتضي لانقلاب الواو ، والياء همزة ، وهو وقوعها بعد الألف في الطرف ، فردّت إلى أصلها ، فان كانت - ياء - فذاك ، وان كانت - واوا - انقلبت ياء ، لتطرفها وانكسار ما قبلها ، (نحو : عريّة ، وعصيّة ، ورسيّلة) ، وقتيّل ، - بتشديد الياء فيهنّ - في تصغير عروة ، وعصا ، وأصله : عصو بدليل قولهم : عصو ان - في التثنية - ، ورسالة ، وقتالة ، مصدر قاتل ، وأصل الأوّلين : عريوة ، وعصيوة والحقت تاء التأنيث لكونها مؤنثة ، ك - قدم وقديمة ، والألف في الأخيرين زائدة ، والهمزة المنقلبة بعد الألف الزائدة ، نحو : عطاء ، وأصله : عطا و- بالواو - قلبت همزة ، لتطرفها بعد ألف الزائدة ، وبعد لحوق ياء التغصير ، وقلب الألف والهمزة - يائين - يجتمع ثلاث ياءآت ، وحكمه يجيء - إنشاء الله تعالى -.
ويحذف الألف ، والواو ، والياء بعد ياء التصغير ، ان تعقبها حرفان (1)
واليا بعديا
تصغير احذفنّها ان وليا
إيّاها حرفان نحو عصوبر
حباب ، سميدع فاخبر
، ك - علابط ، وحبوكر ، وتصالح ، وتجورب ، وتشيطن ، ومضاربة فيقال : عليبط (2)وحبيكر ، وتصيلح ، وتجيرب ، وتشيطن ومضيربة ، مثلا لئلّا يزاد على «فعيعل» من غير المدّة الّتي يحصل بها «فعيعيل» ، ك - عصيفير.ثمّ ان اعلال الواو الّتي - تلى ياء التصغير - بقلبها ياء ، والادغام هو الأصل ، (وتصحيحها في باب : اسيّد ، وجديّل - قليل) ، والمراد ببابهما ما كانت الواو المذكورة في مكبّره مصحّحة غير طرف ، مع عدم ما يقتصي تصحيحها في المصغر ، نحو : اسود ، وجدول ، فان عدم قلبها ألفا في الأوّل - كما في أقام - لئلّا يلتبس بنحوه ، وفي الثاني لحفظ صورة الملحق به ، ك - جعفر ، وقد زال ذلك في المصغر لاختصاص التصغير بالاسم ، فلا إلتباس فيه بالفعل ، وعدم خروج نحو : جديّل بالتصغير عن حركة مصغر الملحق به وسكونه ، ك - جعيعر ، ولا داعي إلى تصحيحها فيه ، فلذلك كان الشائع أن يقال : اسيّد ، وجديّل - بالاعلال المذكور الّذي هو مقتضى التصغير - ، وجاء : على قلّة اسيود ، وجديول - بالتصحيح - للحمل على المكبّر ، وعدم الاعتداد بياء التصغير لعروضها.
وأمّا الواو المصحّحة في - المكبر - الّتي كانت طرفا ، ك - عروة ، ودلو ، فلم يرد تصحيحها في المصغر قط ، كراهة ذلك في الطرف الّذي هو محل التغيير مع سبب الاعلال.
(فان اتّفق) - في المصغر الزائد مكبّره على ثلاثة أحرف غير تاء التأنيث - (اجتماع ثلاث ياآت) - في آخره - (حذفت الأخيرة) المتطرفة الّتي عرض الثقل عندها ، وجوبا على كل حال لاستثقال إجتماعها فيه ، وهي تحذف (نسيا) - منسيّا - في الأحوال كلّها ، في جميع موارد اجتماع الثلاث (على الأفصح) ، ومعنى ذلك ان لا يعتد بها حتّى كأن لم يكن شيئا مذكورا وصار ما قبلها آخر الكلمة ، وذلك باجراء الحركة الاعرابية على ما قبلها ان لم تله - تاء - التأنيث ، وفتحها (1)ان وليته ، على خلاف ما يعتد بالمحذوف من آخره ، فان ما قبل المحذوف فيه يبقى على ما كان عليه ، ك - قاض - بالكسر والتنوين - رفعا وجرّا.
وقد ورد - في غير الأفصح - عن أبي عمرو حذف الأخيرة عند الاجتماع مع
1) وفي نسخة : وفتح.
الاعتداد بها في بعض الموارد ، وهو باب : احيّ - كما يأتي إنشاء الله تعالى -.
وان زعم المصنف صحّة ما نقل عن بعضهم - من تجويز اثبات الثلاث كلّها في جميع موارد اجتماعها ، واسكانها - رفعا وجرّا - وترك التنوين فيما حقّه ان ينون لانصرافه ، ك - عطيّ لئلّا تحذف الياء بالتقاء الساكنين ، حرصا على بقاء حروف الكلمة في التصغير الّذي شأنه مراعاة الأصل - أمكن أن يكون هذا مقابل الأفصح.
والحذف نسيا كائن ، (كقولك في) - تصغير - (عطاء) ، وكساء ، (واداوة) - للمطهرة - وسقاية ، (وغاوية) - من الغيّ ضدّ الرشد - (ومعاوية) : (عطيّ) ، وكسى ، (واديّة) ، وسقية ، (وغويّه) ، (ومعيّة) - بتشديد الياء - فيهن ، واجتماع الثلاث في مصغر - عطاء - كما مرّ ، فتحذف الأخيرة نسيا وتجري الحركات - الثلاث - الاعرابية مع تنوين الصرف على ما قبلها ، والألف : تقلب ياء وتدغم فيه - ياء التصغير - في إداوة ، وسقاية ، كما في رسالة ، وواوا ، في غاوية كما في ضارب ، وتحذف في - معاوية - كما في علابط ، وتقلب الواو في غير - سقاية - ياء وتدغم ، امّا في اداوة فلتطرفها وانكسار ما قبلها ، وأمّا في الأخيرين فكما في عروة ، فتجتمع الثلاث وتحذف الأخيرة ، ويفتح ما قبلها - الواقعة قبل تاء التأنيث في الجميع ، وعلى قياس أسيود يقال : في الأخيرين غويوية ، ومعيوية ، على ما في شرح المفصل.
ويثبت الثلاث المجتمعة كلّها في مصغر ذي - ثلاثة - أحرف ، مثل : ميّة - لامرأة - إذ لو حذفت الأخيرة بقي على حرفين سوى ياء التصغير ، ونقص عن حروف «فعيل» ، وكذا تثبت لو اجتمعت - في الزائد على الثلاثة - قبل الآخر ، ك - اييّب ، وعييّيق ، - بأربع ياآت - في ايّوب ، وعيّوق ، وسييّد ، بثلاث - في سيّد ، على ما ذكره الجوهري وغيره. (1)
وتثبت الثلاث عند الخيّر
في نحو ايّوب كذاك نيّر
(وقياس) - مصغر باب : (أحوي) - من الحوّة بالتشديد - للسواد المائل إلى
1) كما قال القزلجي (رحمهالله) :
الخضرة ، أو الحمرة المائلة إلى السواد - وهو كل صفة من اللفيف المقرون في أوّلها زيادة كزيادة أوّل الفعل ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن الفعل ، (احيّ) وأصله : احيوو - بواوين - قلبت الثانية - ياء - لتطرفها وانكسار ما قبلها ، ثمّ قلبت الاولى - أيضا - إيّاها - كما في عريوة - ، فاجتمعت الثلاث فحذفت الأخيرة نسيا اعتباطا - أي بلا اعتبار وسبب - للاعلال ، بل لمجرّد التخفيف لتقدم منع الصرف على الاعلال ، فلا يكون فيه تنوين يؤدّي إلى الحذف بالاعلال ، فحصل احيّ حال كونه (غير منصرف) ، ممنوعا من التنوين ، ويجري إعراب ما لا ينصرف على ما قبل المحذوفة ، وذلك عند سيبويه وجماعة ، لبقاء علّة منع الصرف بعد الحذف وهي : الوصفية ووزن الفعل ، وان زالت صورة «افعل» ، لبقاء زيادة الّتي في أوّله كأوّل الفعل وهي الهمزة ، كما يقال : افيضل منك ، ممنوعا من الصرف.
(وعيسى) بن عمرو يوافق اولئك في الحذف نسيا إعتباطا ، لكنّه (يصرفه) باجراء الحركات الثلاث وتنوين الصرف على ما قبل المحذوفة ، للخروج - بعد حذفها نسيا - عن صورة «افعل» ، ونقصانه عن حروفه في اللفظ والبنية (1)نقصانا لازما ، كما صرف خير ، وشرّ لذلك ، بخلاف الارس - بحذف الهمزة - جوازا على قياس تخفيف الهمزة بعد نقل حركتها إلى ما قبلها ، في - ارأس - فانّه ممنوع من الصرف إتفاقا ، وردّ بأن مناط المنع من الصرف زيادة أوّل الفعل ، وهي باقية ههنا (2)بخلاف خير ، وشرّ.
(وقال أبو عمرو) : بن العلا(احيّ) - بالكسر والتنوين - رفعا وجرّا ، ك - قاض ، وباثبات الثلاث كلّها ، وفتح الأخيرة بدون التنوين - نصبا - ، والأصل عنده : بعد حصول الياءآت الثلاث - ممّا ذكر من الاعلال - احيّي - بالتنوين - وضمّ الأخيرة - رفعا - وكسرها - جرّا - ، لتقدّم الاعلال عنده على منع الصرف
واعتباره ما كان في معرض الاعلال منصرفا منوّنا في أوّل أمره على الأصل الغالب في الكلمات ، وطريان منع الصرف بعد الاعلال ان وجد سببه ، فحذفت الحركتان استثقالا لهما ، بخلاف الفتح ، وحذفت الياء الأخيرة بالتقاء الساكنين ، وحيث تحققت علّة منع الصرف بعد حذفها - كما تقدم - فحقّه حذف التنوين وعود الياء ، لزوال التقاء الساكنين ، وهو غير مناسب في مثله من غير المنصرف المستثقل - لفظا - باعتلال اللّام ، ومعنى - بالفرعية - ، فاعتبر تعويض التنوين عنها ، فالتنوين فيه بعد الاعلال للعوض ، ولا ينافي منع الصرف ، وتعاد الياء مع الاضافة واللّام لعدم التنوين.
وهكذا الحكم عنده في اعيل مصغر الاعلى ، على ما صرح به بعض المحقّقين ، خلافا لمن قدّم منع الصرف على الاعلال ، فانّه أثبت الياء في مصغر الأعلى مع إعراب ما لا ينصرف في الأحوال الثلاث.
ثمّ ان ما اعتبره عمرو في احيّ ، واعيل هو الّذي ذكر السيرافي انّه مذهب سيبويه في باب جوار ، لكن عدل عنه في باب احيّ ادراجا (1)له في القاعدة الكلية فيما اجتمعت فيه الياآت الثلاث من المصعر من حذف الأخيرة - نسيا - ، ومن ثمّ اعترض سيبويه على أبي عمرو : بأنّ الفرق بينه وبين نحو عطيّ تحكّم ، واعتذر عنه أبو علي الفارسي : بأن نحو : احيّ بسبب المشابهة للفعل بزيادة أوّله كان كالجاري (2)
1 - الجاري على الفعل في الحركات والسكنات.
2 - الجاري على الفعل في عملها عمل الفعل.
3 - الجاري على الفعل من حيث الاطلاق والتقييد.
على الفعل ، ك - المحيي ، فلذلك جعل الحذف فيه اعلاليّا ، واعتد في نحوه بالياء المحذوفة كما يعتد بالمحذوف من آخر الفعل ويبقى ما قبله على ما كان عليه ، نحو : لم يرم ، ولم يرض ، بخلاف نحو : عطيّ ممّا ليس فيه تلك الزيادة.ويجري الأقوال في يحيى ونحوه ممّا في أوّله زيادة أوّل الفعل وتجتمع الياآت
(و) قال أبو عمرو : في تصغير أحوى عند تصحيح الواو (2)المصحّحة في مكبره (على قياس اسيود ، احيو) - بالكسر والتنوين - في الرفع والجرّ ، وأصله : احيوو قلبت الواو الثانية - ياء - كما مرّ - ، وحذفت مع تعويض التنوين على الوجه المتقدّم ، ويقال : أحيوي - باثبات الياء مفتوحة في النصب ، ولو اجري قياس اسيود فيه في قول سيبويه كان الجرّ كالنصب بالفتحة على الياء ، لتقدم منع الصرف ، فلا كسرة ولا حذف ولا تعويض للتنوين ، والرفع باثبات الياء - ساكنة - ، لحذف الضمّة المستثقلة ، وكما تحذف الأخيرة عند اجتماع الثلاث تحذف المشدّدة لغير النسبة (3)
إذا مشدّد مشددا تلا
لغير نسبة احدفنّه اجعلا
المثل مريّا المرويّا
عليّيا وهكذا علويّا
الواقعة بعد مشدّدة اخرى ، كما إذا صغر - مرويّ - اسم مفعول - من روى - فحصل - مريويّ - واعلّ اعلال - عريوة - فاجتمعت مشدّدتان ، فانّ الأخيرة تحذف ويقال : مريّ ، بخلاف ما كانت للنسبة فانّها تثبت للمحافظة على معناها ، ويقال في مصغر عدويّ ، عديّيّ - بمشدّدتين - وأصله : عديويّ ، واعل اعلال - عريوة -.(ويزاد) وجوبا(في) مصغر(المؤنث - الثلاثي -) الكائن (بغير تاء - تاء -) ، ان لم يؤدّ زياتها إلى التباس ، ك - خمس ، وسبع من أسماء العدد فان الحاق التاء بمصغره يؤدّي إلى الالتباس بمصغر المذكر المشتمل عليها ، وكاسم الجنس المؤنث الّذي واحده بالتاء ، ك - بقر فيمن أنّثه ، فان الحاقها يؤدّي إلى الالتباس بمصغر ذلك الواحد ، وذلك (كعيينة ، وأذينة) في تصغير - عين ، واذن - للحاسّتين المعروفتين - ويديّة - بتشديد الياء - في يد - للجارحة - وأصلها : يدي ، وقديمة ودويرة ، في قدم ، ودار ، والوجه في الحاقها كونها في حكيم المقدّر في المكبر على الأصل في المؤنث من
الاشتمال على علامة التأنيث ، والتصغير يرد الأشياء إلى اصولها ، مع انّ المصغر وصف في المعنى - كما مرّ - وصفة المؤنث تلزمها العلامة.
ولو اشترك ثلاثي - بغير تاء - بين المذكر والمؤنث فتصغيره بدون التاء للمعنى المذكر ، ومعها للمؤنث ، خلافا ليونس فيما إذا سمّى المذكر بمؤنث ، كعين فزعم ان تصغير كلّا المعنيين في هذه الصورة بالتاء ، لزعمه ان قولهم : عيينة ، واذينة - تصغير عين واذن - علمي رجلين ، والجمهور : على انّهما انّما سمّيا بالمصغرين المقترنين بالتاء ، كما سمّى بطلحة ونحوه ، وكما جازت تسمية المذكر بمصغر المؤنث مع التاء ، فالقياس جواز تسمية المؤنث بمصغر المذكر الخالي عن التاء لكنّها لم تقع بالاستقراء إلّا مع الحاقها ، ك - زييدة - من زيد - على ما قيل.
والمصدر المذكر عند وصف المؤنث به يصغر بدون - التاء - ، ك - إمرأة عدل ، وعديل ، لبقائه على معناه ، وكون التوصيف به مجازا قصد به المبالغة في اتصافها به حتّى كأنّها هو كالاسناد المجازيّ في : زيد عدل.
(وعريب ، وعريس) ، ونييب ، وحريب ، ونعيل ، ودريع ، في عرب - للطائفة المعروفة - ، وعرس - بكسر الأوّل - لامرأة الرجل - ، وناب - للابل المسنّة - ، وحرب ونعل ، ودرع ، وقد وردت مؤنثة - سماعا - (شاذ) ، وقياس الجميع الحاق التاء ، وان وقع فيها النقل عن المذكر ، كما يقال : انّ العرب والحرب في الأصل مصدران مذكران ، والعرس كأنّها كانت اسما للمصدر الّذي هو الإعراس ، والناب منقولة عن ناب الأسنان إلى تلك الابل لطول نابها ، غاية الأمر : انّ القصد إلى تغليب المعنى المذكر على المؤنث بتصغيرها على قياس تصغيره من ترك التاء كأنّه يسهّل الخطب في ارتكاب الشذوذ ، ولو تجدّد وضع آخر لمؤنث في شيء من هذه - مثل ان يجعل عرس علما لامرأة - وجبت التاء في تصغيره.
وما ذكر من المؤنث (1)- الثلاثي - بغير تاء ، (بخلاف) المؤنث بغيرها - من
1) وفي نسخة : وما ذكر في المؤنث الخ. والفاء هنا أنسب.
(الرباعي) المشتمل على أربعة أحرف ، وان لم يكن جميعها اصولا ، فانّ القياس تجرّد مصغره عن التاء استثقالا ، لكثرة حروفه ، وتنزيلا للحرف الرابع منزلة العوض عنها ، وذلك : (ك - عقيرب) - في عقرب - من الرباعي الاصول ، وجحيمر في جحمرش - للعجوز - من الخماسي الاصول المردود إلى الرباعي ، وزيينب في - زينب - من مزيد الثلاثي على «فيعل» ، وان رجع ذو الأربعة المؤنث في التصغير إلى ذي الثلاثة وجب الحاق التاء ، ك - سميّة - في السماء - فان همزتها منقلبة عن الواو فيعود باعلال مصغر - كساء - إلى ذي الثلاثة - كما مرّ - ، وك - عقيبة ، وزنيبة في تصغير الترخيم - لعقاب وزينب - لحذف الزوائد فيه - كما سيأتي -.
(و) قولهم : في تصغير وراء - لجهتي الأمام ، والخلف (وريّئة) - بالياء المشدّدة فالهمزة - (و) في تصغير قدّام - لجهة الأمام - (قديديمة) - بقلب ألف المدّة ياء - (وقديدمة) - بحذف المدّة - كما روى عليه قوله :
قديدمة التجريب والحلم انّني
أرى غفلات العيش قبل التّجارب (1)
واميّمة - بالتشديد - في أمام من الجهات ، على ما حكاه أبو حاتم ، (شاذّ) ، وقياس الجميع التجرّد عن التاء ، لبقاء الأربعة في التصغير.
ثمّ ان ذلك التصغير لوراء يناسب كونها مهموزة كما اختاره جماعة ، ليكون بقاء الهمزة فيه قياسا ، وينحصر الشذوذ في التاء ، فانّ القياس فيه (2)- ان كانت من الناقص اليائي ، أو الواوي كما هو رأي آخرين - ردّ الهمزة إلى أصلها ، أو الحذف
1) لم أقف لهذا البيت على قائل. الظاهر : ان قديدمة التجريب : بالنصب مفعول لمحذوف ان لم يكن له عامل في الأبيات السابقة. والحلم : مجرور معطوف على التجريب أي أحذر قديدمة التجريب أو جاوزه أو نحو ذلك ، يريد الأمر بالحذر والتجاوز عن الدخول في الامور قبل التجربة واستعمال الحلم لأن غفلات الانسان في حياته الداعية إلى سوء العواقب يكون بسبب الدخول في الامور قبل التجارب.
2) والضمير في الموضعين - أي في قوله : ليكون الهمزة فيه قياسا وفي قوله : فانّ القياس فيه - راجع إلى قوله : ذلك التصغير الخ.
والحاق التاء لتحصل وريّة كسميّة - في السماء - ففي ذلك التصغير شذوذان على هذا الرأي : بقاء الهمزة ، والحاق التاء ، ولعلّهم يجعلون بقائها - مع انقلابها عندهم عن الياء أو الواو - لتوهم أصالتها بنفسها بلا انقلاب عن شيء ، والبناء على التوهّم كثير في لغة العرب.
وقيل : (1)انّ الجهات كلّها مذكرة دائما سوى - وراء ، وقدّام - فانّهما يؤنّثان فجاء تصغيرهما - بالتاء - على اعتبار التأنيث ، لرفع توهّم كونهما كغيرهما من الجهات ، مع ما في الحاقها من التحرز عن الالتباس بمصغر - قدّام - للسيّد المتقدم في الشرف - ووراء لولد الولد - فانّهما يصغران بدونها ، ولعلّ الأمام حمل على قدّام للاتحاد في المعنى فتأمّل.
وان وجدت تاء التأنيث في لفظ المكبر ظهرت في المصغر وان كان رباعيا ، ك - دحيرجة في دحرجة.
وأمّا ألف التأنيث : فالمقصورة تبقى ان كانت رابعة لخفة الاسم ، ك - حبيلى ، (وتحذف ألف التأنيث المقصورة - غير رابعة -) خامسة فما فوقها ، استثقالا لها ، وينصرف الاسم بعد حذفها ، لأنّ المنع من الصرف انّما كان لها ، وذلك : (ك - جحيجب ، وحويليّ) - بتشديد الياء الأخيرة - (في) - تصغير - (جحجبى) - بجيمين بينهما الحاء المهملة - لأبي قبيلة من الأنصار - وفي الأصل بمعنى : السيّد ، والألف خامسة ، (وحولايا) - بفتح المهملة وسكون الواو - وهي : قرية من نهروان ، وألفها سادسة ، ولمّا حذفت عن آخرها عند ارادة التصغير بقي : حولاي ، والألف الباقية قبل الياء تنقلب - ياء - لوقوعها بعد كسرة التصغير ، فتدغم في الياء ، ويحصل حويليّ - بالتشديد - ، وقد يقع الألف سابعة ك - بردرايا ، - لموضع - كما حكى عن سيبويه ، فتقول : في التصغير بريدر - بحذف الألف وغيرها - أيضا -
1) وقوله قيل : أي قيل في وجه الشذوذ.
للردّ إلى الأربعة ، ليمكن بناء التصغير ، وهكذا في نحوها.
والألف الخامسة : ان تقدّمتها مدّة ثالثة في الكلمة كحبارى - لطائر - فأنت مخيّر في حذف أيّتهما شئت ، فان حذفت المدّة المتقدّمة (1)
وتاء تأنيث أتي ملفوظا
يثبت في تصغيرهم محفوظا
طليحة ، دحيرجة قذيعمة
فطيمة ، قريعبه ، حريحمه (في طلحةٍ ودحرجةٍ وقذعملةٍ وفاطمةٍ وقرعبلانة.)
ويجعل مهما أتى مستورا
في ذي ثلاث ههنا مذكورا
اخرج بعض نحو تمر خمس
ونحو طالق لأجل اللّبس
ووضع تذكير نحو عيينه
سميّة ، زنيبة ، قيينه
عقيرب ، جحيمر ونحوذا
قديدمه ، عريبهم قد شذّا
والألف المقصورة للانثى
رابعة ثانية (هكذا في نسخة الّتي كانت لديّ ولكن الظاهر : ثابتة ، لا ثانية. ) انيسى
وفوقها محذوقة لا تجعلا
التاء تعويضا لها وجعلا
إيّاها إيّاه أبو عمرو كذا
ونجل أنبار جحيجبا حذا
والألف المدودة قط ذكرت
وهي لدى النّجل كما ذي قصرت
وحين ترخيمهمو قد حذفا
فذكر تا التأنيث حتما الفا
في ذي ثلاثة نحو حبيرة
حبيلة خبيرة ، حميره (في حبارى ، وحبلى ، وخابوراء ، وحمراء.)
وقعت الألف رابعة ، فتقول : حبيرا مثلا على زنة : حبيلى ، وان حذفت الألف إنقلبت المدّة ياء ان لم يكن إيّاها ، لوقوعها بعد ياء التصغير ، وتدعم فيها ياء التصغير ، كحبيّر - بتشديد الياء - ، وأبو عمرو يبدل التاء من الخامسة المقصورة ، فيقول : حبيّرة مثلا.(وتثبت) ألف التأنيث (الممدودة) (مطلقا) رابعة كانت ك - حمراء أم فوقها ك - خنفساء - عند الجمهور ، لأنّها لمّا كانت على حرفين كانت بمنزلة كلمة اخرى ركّبت مع ما قبلها فأثبتوها (ثبوت) - الجزء - (الثاني) من المركب (في) نحو : (بعلبكّ) - لبلدة بالشام - وهو مركب من - بعل - لصنم - وبكّ - لصاحب تلك البلدة - ، وكذا خمسة عشر ، واثنا عشر ، وأبو عمرو ، وعبد الله ، فيقال : حميراء ، وخنيفساء ، كما يقال : بعيلبكّ ، وخميسة عشر ، وعبيد الله ، وثنيّا عشر ، وابيّ عمرو - بتشديد الياء فيهما -.
وقد أدرج في الكلام ان تصغير المركب بتصغير جزئه الأوّل ويبقى الثاني على حاله ، وزعم الفراء : أنّه ان كان كنية صغّر جزئه الثاني ، نحو : أبي عميرو ، وامّ الحكيم - في أبي عمرو ، وامّ الحكم - وكأنّه نظر إلى أمثال هذين من الكنى ، وهو ضعيف ، إذ الظاهر تقدم التصغير - في نحوها - على التركيب والعلمية.
وكما نزلت - ألف التأنيث - الممدودة منزلة كلمة اخرى فكذلك علامة التثنية والجمع المذكر والمؤنث الصحيحين ، ك - خويلدين ، ومسيلمين ، ومسيلمات. (2)
(والمدّة الواقعة بعد كسرة التصغير) - وهي : الكسرة الواقعة اللّاحقة على ما بعد ياء التصغير في ذي الأربعة - (تنقلب - ياء -) (ان لم تكن إيّاها) لسكونها مع وقوعها بعد الكسرة ، (نحو : مفيتيح) في مفتاح ، وتريديد في ترداد ، (وكريديس) في كردوس ، - للقطعة العظيمة من الخيل ، وكلّ عظمين التقيا في مفصل - كالمنكبين والركبتين ، والجماعة من الخيل.
وان كانت المدّة بعد الكسرة المذكورة - ياء - ك - منديل ، وتفريح - مصدر فرّح - ابقيت على حالها ، فيقال : منيديل ، وتفيريح.
(والمدّة الواقعة بعد كسرة التصغير) - وهي : الكسرة الواقعة اللّاحقة على ما بعد ياء التصغير في ذي الأربعة - (تنقلب - ياء -) (ان لم تكن إيّاها) لسكونها مع وقوعها بعد الكسرة ، (نحو : مفيتيح) في مفتاح ، وتريديد في ترداد ، (وكريديس) في كردوس ، - للقطعة العظيمة من الخيل ، وكلّ عظمين التقيا في مفصل - كالمنكبين والركبتين ، والجماعة من الخيل.
وان كانت المدّة بعد الكسرة المذكورة - ياء - ك - منديل ، وتفريح - مصدر فرّح - ابقيت على حالها ، فيقال : منيديل ، وتفيريح.
(وذو الزيادتين - غيرها -) - أي غير المدّة الواقعة بعد كسر التصغير - (من) - المزيد - (الثلاثي) لا بدّ فيه من حذف أحديهما ، ليمكن بناء «فعيعل» ، وقالوا :(يحذف) منه (أقلهما فائدة) ، لأنّها لقلّة فائدتها أولى بالحذف ، وذلك : (ك - مطيلق ، ومغيلم ، ومضيرب ، ومقيدم ، في) - تصغير - (منطلق ، ومغتلم ،) وهو اسم فاعل من الاغتلام - لهيجان شهوة الضرّاب - (ومضارب ، ومقدّم) - بتشديد الدال - فيبقى - الميم - ويحذف النون ، والتاء ، والألف ، والدال ، منها على الترتيب ، لأنّ الميم يلحق اسمي الفاعل ، والمفعول لبيان المسمّى ، وهو الفاعل والمفعول ، والنون ، والتاء ونحوهما ، لبيان عارض ، وهو معنى «الانفعال والافتعال ، والتّفعيل ، والمفاعلة» ، ونحوها ، وايضاح المسمّى أولى من ايضاح العارض ، والوقوع في الأوّل - أيضا - يرجّح ابقاء الميم ، لئلّا يبتدء بالحذف ، وهو المرجح لابقاء الهمزة وحذف النون من نحو : ألندد - أي خصم - من اللّدد بمعنى الخصومة -. (1)
والاوّليّة مرجّح كما
ألندد اليدد قد علما
وان كانت إحدى الزيادتين هي المدّة المذكورة فلا حذف ، لا مكان بناء «فعيعيل» ، ك - مفتاح -.
1) وذكر القزلجي ذلك - أي الأوّليّة - في بيت واحد بقوله :
(فان تساويا) - أي الزيادتان غير المدّة المذكورة - في الفائدة (فمخيّر) أنت في حذف أيّتهما شئت ، (ك - قلينسة) - بالنون بعد ياء التصغير - (وقليسية) - بالياء بعد السين من غير نون - في تصغير - قلنسوة - ، فالنون والواو زائدتان من غير فضل لأحديهما ، فان شئت حذفت النون وتنقلب الواو - ياء - لانكسار ما قبلها الواقع بعد ياء التصغير ، وان شئت حذفت الواو.
(و) مثل قولك : في تصغير حبنطى - لصغير البطن أو الممتلى غيظا - (حبينط) - بالنون بعد ياء التصغير - (وحبيط) - بدونها - أصله : الحبيطي - بالياء - وتحذف - كما حذفها المصنف ، حيث وقع مجرورا بالكاف - باعلال قاض.
وجواز الوجهين فيه : لأنّ النون والألف فيه زائدتان للالحاق - بسفرجل - ، ولا فضل لأحديهما ، فتحذف أيّهما شئت ، وان أبقيت الألف قلبت - ياء - لانكسار ما قبلها في المصغر ، وليس الألف فيه للتأنيث ولذا يلحقه التنوين (1).
وممّا يرجّح إحدى الزيادتين بالحذف ضعفها (2)
وضعف حرف حذفه دليل
فقال سيبويه والخليل
قبائل ثمانيه إذ جعلا
علما الثمينية قبيئلا
كما قال سيبويه والخليل : في قبائل ونحوه : انّه إذا جعل علما حذفت الألف لضعفها ، وكذا قال سيبويه : يحذف الألف في نحو ثمانية ، لأنّها أضعف من الياء ، ويقال : في صحارى - علما - صحيّر - بحذف الألف الثانية من الألفين المزيدتين لغير معنى - لتطرفها ، وقلب الاولى ياء ، خلافا لبعضهم ، وفي مطايا - علما - مطيّ ، بحذف الألف الثانية كذلك مع حذف إحدى الياآت - الثلاث - المجتمعة فيه.(وذو) الزيادات (الثلاث غيرها) - أي غير المدّة الواقعة بعد كسرة التصغير من المزيد الثلاثي - (تبقى) فيه (الفضلي) الّتي لها فضل ومزيّة ، وتحذف الأخريان ،
ليمكن بناء التصغير ، ك - مقيعس في مقعنسس - بابقاء الميم - لأنّها فضلى ، وحذف النون واحدى السينين ، وفي نحو : مغدودن ان حذفت الدال الاولى حذفت الواو - أيضا - فيقال : مغيدن ، وان حذفت الدال الثانية أبقيتها ، لبقاء حرف واحد بعدها ، وانقلابها إلى مدّة «فعيعيل» فيقال : مغيدين.
وان كانت إحدى الزيادات - الثلاث - هي المدّة الواقعة بعد كسرة التصغير أبقيت مع الفضلى من الأخيرين ، كما يقال : في مقاديم - علما - مقيديم - ب حذف الألف وابقاء الميم والمدّة -.
(ويحذف زيادات الرّباعي كلّها مطلقا) سواء كان لبعضها فضل أم لا ، لكفاية اصوله لبناء التصغير ، وكون الزائد مخلّا ببنائه مطلقا (1)، (غير المدّة) المعهودة الواقعة بعد كسرة التصغير ، وذلك ك - قشيعر في مقشعرّ ودحيرج ، وحريجم ، في مدحرج ومتدحرج ، ومحرنجم ، وتحذف الميم - أيضا - مع كونها فضلى (2)ونحو : عنيكب - في عنكبوت - لأن أصله : عنكب.
وأمّا المدّة المعهودة فتبقى ، لعدم اخلالها ببناء «فعيعيل» وذلك نحو : قشيعيرة في قشعريرة ، (وحريجيم في إحرنجام) - باثبات المدّة وقلبها ياء وحذف همزة الوصل والنون -.
وهكذا في جميع الأبواب من الثلاثي ، والرّباعي ، يحذف في تصغيرها همزة الوصل وتنزّل منزلة العدم وتقلب المدّة الزائدة قبل أواخرها ياء ، إذ في الحاق ضم أوّل المصغر بالهمزة وحذفها - درجا - انكسار لبنائه ، بخلاف همزة القطع ، ك - اكيريم في إكرام.
ثمّ ان انحصرت الزيادة - غير الهمزة الوصلية والمدّة - في واحدة ك - تاء
«الافتعال» ونون «الانفعال» أبقيت ، كما يقال : فتيقير - في افتقار - ونطيليق - في انطلاق - ، ويردّ المبدل عن تاء «الافتعال» إليها ، كما يقال : في اططلاح ، وازدجار ، صتيليح ، وزتيجير ، وان وجدت - غير الهمزة والمدّة - زيادتان اخريان أبقيت الفضلى ، كالتضعيف للأصليّ في اقعنساس ، واغديدان ، واحميرار ، فيقال : قعيسيس ، وغديدين ، وحميرير ، بابقاء المكرّر فيها وحذف النون من الأوّل والياء من الأخيرين ، وكالتاء في استخراج لكثرة زيادتها صدرا بخلاف السين ، فيقال : تخيريج ، والكلّ على «فعيعيل».
وفي نحو : اعلوّاط بحذف إحدى - الواوين - فيقال : عليّط - بتشديد الياء - وأصله : بعد حذف إحدى الواوين - عليويط ، قلبت الواو ياء ، كما في عريوة ، فاجتمعت ثلاث ياآت فحذفت الأخيرة كذا قيل ، وعلى ما أسلفنا في مصغر نحو : أيّوب ، وسيّد تبقى الثلاث ، لكونها في غير الآخر ، والتاء تحذف من أوّل المصدر في الرّباعي كسائر زياداته ، ك - دحيرج في تدحرج ، وتبقى فيما عداه ، كما يقال : تكلمة ، تكيلمة.
ويقال : في نحو : كذّاب - بالتشديد - كذيذيب كما يقال في دينار دنينير ، لأن أصله : دنّار - بنون مشدّدة -.
واختلف في إبراهيم ، وإسماعيل ، فردّهما سيبويه إلى برهم ، وسمعل كأنّهما رباعيان ، وصغّرهما على بريهم ، وسميعل (1)، وردّه المبرد بأنّ الهمزة الّتي بعدها أربعة اصول أصليّة في لغتهم ، واختار انّهما خماسيان وأصلهما : إبرهم ، واسمعل ، ك - اصطبل فيحذف الياء الزائدة مع آخر الاصول - على ما هو حكم الخماسي - والألف الزائدة تقلب ياء لكونها مدّة بعد كسرة التصغير ، فتصغيرهما :
ابيرية ، واسيميع ، وهذا وان وافق القياس لكنّ المسموع ما قاله سيبويه.
1) الظاهر : بريهيهم ، وسميعيل ، كما في الرضى.
ويقال : في الاستبرق - وهو معرّب - تبيرق - بالتاء في أوّله وحذف السّين - حملا على نحو استخراج.
(ويجوز التعويض عن حذف الزائد) والأصلي - أيضا - على ما حكى عن يونس ، ويمكن ادراجه في كلام المصنف - أيضا - بحمل الزائد على الزائد على ما يبني منه المصغر - أي الزائد على الأربعة أصليّا كان أم زائدا ، فيعوض عنهما بعد حذفهما (بمدّة بعد الكسرة) الواقعة بعد ياء التصغير ، (فيما ليست) تلك المدّة (فيه ك - مغيليم) - بالمدّة قبل الميم - (في) تصغير (مغتلم) بعد حذف تاء الافعتال ، وسفيريج في تصغير سفرجل ، وان كانت تلك المدّة فلا يجوز التعويض بها ، لاشتغال المحلّ بها ك - حريجيم في احرنجام.
فما ذكر إلى هنا حكم تصغير ما هو مفرد في اللفظ ، ومنه أسماء الجموع فان ألفاظها ألفاظ المفردات وان كانت دالّة على المتعدّد فلا معنى للعدول عن حكمها فيها ، كذا في شرح المفصل ، وذلك يعم ماله واحد من لفظه من أسماء الجموع ك - ركب عند من قال انّه اسم جمع لراكب - ، وما ليس له ذلك ك - قوم ، ورهط ، وكلّها يصغر على لفظه كالمفرد بالتفاصيل المتقدّمة ، ك - ركيب ، وقويم ، ورهيط.
وأمّا الجمع : فيقسم إلى كثرة وجمع قلّة ، وله أوزان مخصوصة ، والجموع الصحيحة من جمع القلّة ، (ويردّ جمع الكثرة - لا اسم (1)الجمع) - الّذي هو في حكم المفرد (إلى جمع قلّته) ان كان له جمع قلّة (فيصغر) جمع قلّته كراهة ما يختلج في القلب في بادي الرأي من التنافي بين صيغة (2)الكثرة والتصغير الدال على التقليل.
وذلك (نحو : غليمة في) تصغير (غلمان) وهو جمع كثرة للغلام فردّ إلى - غلمة -
وهو جمع القلّة فصغر ، (أو) يردّ جمع الكثرة(إلى واحده) ان كان له واحد ، (فيصغر) ذلك الواحد(ثمّ يجمع) مصغر الواحد(جمع السلامة) - بالواو والنون أو الياء - ان كان مذكرا عاقلا ، وان لم يصلح المكبر لذلك الجمع ، أو بالألف والتاء ان لم يكن مذكرا عاقلا سواء كان مذكرا أم مؤنثا ، كذا قال نجم الأئمّة رضي. (1)
وذلك (نحو : غليّمون) - بتشديد الياء - في تصغير الغلمان بالردّ إلى واحده - وهو الغلام - وتصغيره على غليّم بانقلاب ألفه - لوقوعها بعد ياء التصغير - ياء ، وادغام ياء التصغير فيها ، ثمّ جمعه بالواو والنون لعروض الوصفية بالتصغير كما مرّ ، وان لم يجز جمع الغلام بهما حيث لم يكن علما لمذكر عاقل ولا صفة يقبل التاء باطراد ولا في معنى ما يقبلها.
(ونحو دويرات) في تصغير دور وهو جمع كثرة للدار فردّ إليها وصغرت ثمّ جمع مصغرها بالألف والتاء ، فأنت في جمع الكثرة الّذي له جمع القلّة والواحد بالخيار ، وان لم يكن له جمع القلّة وكان له الواحد تعيّن الردّ إليه ، كما يقال : في شعراء ، ومساجد ، شويعرون ومسيجدات ، وان لم يكن له شيء منهما ردّ إلى ما يقدّر واحدا له ، كما يقال : في تصغير عباديد - في قولهم جاء القوم عباديد - بمعنى متفرقين - عبيديدون ، لأن «فعاليل» جمع «فعلول» أو «فعليل» فردّ إلى أحدهما وصغر ثمّ جمع ذلك المصغر ، وان أهمل واحده القياسي واستعمل ما ليس بقياس ردّ إلى المستعمل ، كما يقال : في محاسن - ومفرده القاسيّ المهمل محسن بفتح الميم ، والمستعمل المخالف للقياس في واحده حسن - حسينون أو حسينات.
وأمّا جمع القلّة : مكسرا كان أو صحيحا فيصغر على لفظه ، ك - اكيلب في اكلب ، واجيمال في اجمال ، وغليمة في غلمة ، واقيفزة في اقفزة.
فهذه قوانين التصغير الجاري على القياس ، (وما جاء على غير ما ذكر) من
1) وفي نسخة : أو بالألف والتاء ان لم يكن عاقلا الخ ، وفي اخرى ان لم يكن مذكرا عاقلا سواء كان مذكرا غير عاقل أم مؤنثا مطلقا.
القياس ، (كأنيسيان) - في تصغر انسان - (وعشيشية) - بمعجميتين بعد كل منها ياء - على فعيعلة ، في تصغير - عشيّة - بفتح العين وتشديد الياء - ، لآخر النهار ، (واغيلمة ، واصيبية) في تصغير غلمة - جمع غلام - ، وصبية - جمع صبيّ - (شاذ) ، وقياس الأوّل : انيسين كسر يحين - في سرحان - لكن صغر كذلك على توهّم انّه تصغير انسيان - بالياء بعد السين - فيبقى الألف والنون - خامسة ، كزعفران ، فيبقى في التصغير ، ومنهم جعل أصل انسان ذلك على انّه «افعلان» ، وبعد حذف الياء «افعان» فذلك التصغير قياس عنده ، وسيجيء الكلام فيه ، - إنشاء الله تعالى -.
وقياس الثاني : عشيّة - بضمّ العين وتشديد الياء - وأصله : بعد مجيء ياء التصغير ثلاث ياآت ، فتحذف الأخيرة ، لكن لو صغرت كذلك التبس بتصغير - عشوة - للربع الأوّل من اللّيل - فقلبوا إحدى الياآت الثلاث شينا معجمة ، لوجودها في الكلمة ، كما يقال : في خبّب عن الظهيرة - بثلاث موحدات - من باب التفعيل - بمعنى ابرد - خبخب - بمعجمتين وموحدتين - لوجود الخاء في الكلمة.
وقياس الأخيرين : غليمة ، وصبيّة - بضمّ الصاد من غير همزة في أوّله - على «فعيلة» ، لأن مكبرهما جمع القلّة ، فيصغر على لفظه ، لكن لمّا كان الأصل في «فعال» ك - غلام ، و «فعيل» كصبيّ ان يجمع في القلّة على «أفعلة» - بالهمزة - ردّوهما في التصغير إليها.
فهذه ونحوها خلاف القياس مقصورة على السماع ، وقد ورد بعضها على القياس - أيضا -.
ومن الشواذ : مغيربان - في مغرب - وعشيّان - في عشيّ - وابينون ، - في بنون -.
ثمّ انّ التصغير قد تقرّر انّه يدل على استصغار الشيء وتحقيره ، (وقولهم : هذا أصيغر منك) - في تصغير أصغر - ، (ودوين هذا) ، - في تصغير دون - ، (وفويق هذا) - في تصغير فوق - ، وان لم يكن المراد بها استصغار المسمّى والتحقير لكنّها مع ذلك داخلة في الّذي ذكرناه ، لأنّها(لتقليل ما بينهما) - أي بين الأمرين الّذين نسب
أحدهما إلى الآخر(من التفاوت) ، فانّ الأصغرية ، والدونية ، والفوقية ، ربّما فهم منها كثرة التفاوت ، فالتصغير لتقليل تلك المعاني واستصغارها ، وان لم يفد استحقار الذات الموصوفة بها بل ربّما أفاد تقليل استحقارها من بعض الوجوه.
وقد مرّ - أيضا - انّ التصغير من خواص الاسم ، (ونحو : ما احيسنه) - ممّا صغر فيه الفعل - (شاذ) كما ذكرنا ، (والمراد) به على شذوذه استصغار الشخص (المتعجب منه) ، فيرجع إلى اعتبار الاستصغار من جهة الحسن ، للملاطفة في الموصوف الّذي هو من معاني الاسم ، هذا عند البصريين القائلين : بأن صيغة التعجّب فعل ، وأمّا الكوفيّون : فهي عندهم من الأسماء.
(ونحو : جميل ، وكعيت - لطائرين -) الأوّل لطائر يشبه العصور ، والثاني للعندليب أو ما يشبهه ، كما قال المبرد ، (وكميت) (- للفرس -) الذكر والانثى ، من الكمتة - وهي اللّون الّذي بين الحمرة والسواد - (موضوع على) صيغة(التصغير) من غير قصد إلى الاستصغار والتحقير.
وقد يقال : لعل اختيار تلك الصيغة - لطائرين - لصغرهما ، وللفرس المذكور لنقصان كل من اللونين فيه ، على ما حكاه سيبويه عن الخليل ، ثمّ استعملت فيها من غير قصد إلى ذلك ، وإذا جمع مثل هذا جمع التكسير قدّر له مكبّر وجمع ذلك المكبّر ، لأنّهم لم يجمعوا المصغر الأجمع السلامة ، فلذا جمع الأولان في التكسير على جملان ، وكعتان على «فعلان» - بكسر الفاء - بردّهما إلى جمل ، وكعت ، وجمع هذين على ذلك ، ك - صرد ، وصردان ، وجمع الثالث على - كمت - بالرد إلى الأكمت ، ك - أحمر ، وحمر.
(وتصغير الترخيم) مختص بذي الزيادة ، فلا يكون في المجرّد عنها ، ك - رجل ، وجعفر ، وخصّه جماعة بذي الزيادة الصالحة للبقاء في التصغير لغير الترحيم ، بخلاف
نحو : مدحرج ، ومتدحرج ، ومحرنجم ، والاستقراء دلّ على بطلان تخصيصه بالعلم كما توهّم الفرّاء.
وعند بنائه في الاسم (يحذف منه كلّ الزوائد) ، ويقتصر على الاصول ، (ثمّ يصغر) على اصوله ، ولالتزام الحذف فيه سمّى بذلك (1)، لأنّ الترخيم التقليل ، ومنه صوت رخيم - إذا لم يكن قويّا - وهو في المزيد الثلاثي على «فعيل» أبدا(كحميد - في - أحمد) ، وحامد ، ومحمود ، والتعيين بالقرائن ، وك - اريق في اورق فيما حكاه الأصمعي من قولهم : في غول زعموا انّه جاء على جمل أورق - جاء بام الرّبيق على اريق ، وامّ الرّبيق الداهية ، وهمزة اريق منقلبة عن الواو المضمومة ، كما - في - ادد.
وفي المزيد الرّباعي على «فعيعل» أبدا ، كقريطس في قرطاس.
والزيادات في هذه صالحة للبقاء في التصغير لغير الترخيم ، ك - احيمد ، وحويمد ، ومحيميد ، واويريق ، وقريطيس.
ونحو : دحيرج في - مدحرج - عند من لم يشترط صلاحية الزيادة للبقاء في المصغر. (2)
ويمتنع «فعيعيل» في هذا التصغير ، لأنّ المدّة قبل اللّام فيه من الزوائد في المكبّر ، ك - قنيديل ، ومفيتيح ، مع وجود تجرّد هذا (3)التصغير عنها.
ويلحق التاء إذا حذفت في هذا التصغير علامة التأنيث ، ك - حبيلة ، وحميرة - في حبلى ، وحمراء - كما انّها تلحق إذا رجع المؤنث الزائد على - ثلاثة - إلى الثلاثي ، ك - عقيبة - في عقاب - وعنيقة - في عناق - للانثى من ولد المعز - ، إلّا ان يكون وضعه على التذكير ، ك - حييض ، وطميث - في حائض وطامث -.
(وخولف باسم الاشارة ، والموصول) ما هو القياس في بناء التصغير ، لأنّ الأصل فيها عدم التصغير ، لغلبة شبه الحرف وعدم التمكّن ، فحيث خولف ذلك الأصل في تصغيرهما خولف القياس في بنائه ، (فالحقت - قبل آخرها - ياء) ، ساكنة ، هي ياء التصغير ، وان وقعت ثانية في بعضها ، نحو : ذا على خلاف القياس من كونها - ثالثة - ، وابقيت أوائلها على ما كانت عليه من الحركة وهي الفتحة في الجميع سوى - اولى - للاشارة إلى الجمع ، (وزيدت بعد آخرهما ألف) عوضا عن ضمّ الأوّل عند الخلوّ عن علامة التثنية والجمع ، واختاروها لكون هذه الأسماء مبنيّة ، ومناسبة الألف - باعتبار لزوم سكونها - للأصل في البناء ، وهو السكون ، ويقع في كلّها - بعد ياء التصغير - أمّا ياء للاضطرار إلى تحريكها - لوقوعها بعد ياء التصغير كما مرّ في نحو : رسالة - فتدغم ياء التصغير فيها على التقديرين ، ولذلك حصلت ياء مشدّدة في الجميع مفردا ، أو مثنى ، أو جمعا ، (فقيل : ذيّا وتيّا) - في - ذا ، وتا - ، ويلحقها علامة التثنية في المثنى ، وهي ساكنة ، فتحذف الألف الزائدة - للعوض - بالتقاء الساكنين ، فيقال : ذيّان ، وتيّان ، وقد يزاد اللّام والكاف في المفرد ، كقول رؤبة : مخاطبا لامرأته في صبيّ شك في أمره :
أو تحلفي بربّك العليّ
إنّي أبو ذيّالك الصبيّ (1)
(واوليّا) - بضمّ الهمزة - كما كانت والياء المشدّدة والقصر - وبالمدّ أيضا على اللّغتين في أولى - للجمع -.
1) هذا البيت للرؤبة كما قال الشارح ، وأو : في - أو تحلفي - للعطف على تقعدنّ قبله ، وقيل انّه بمعنى إلى ان - أي إلى ان تحلفي. وقال النحاة يجوز في - إنّي - الكسر على انّه جواب للقسم ، والفتح على اضمار - على - الجارة - أي تحلفي على أنّي أبوه. وحاصل المعنى : لتقعدنّ مقعد البعيد الّذي هو كذا وكذا ، أي بيعدة مسخوطة مبغوضة أو تحلفي على ان هذا الصبيّ منّي.
وألف العوض في مصغر الممدود زيدت قبل الهمزة عند المبرد ، لأنّه لمّا تصرّف فيه بالتصغير نزّل منزلة الأسماء المتمكّنة وقدّرت همزته منقلبة عن الواو ، أو الياء ، كعطاء ، ورداء ، قتنقلب ياء في التصغير كالهمزة فيهما ، ويحذف باجتماع الثلاث ، كما في مصغرهما ، فلو زيدت الألف بعدها بأن يقال : اوليّا التبس بمصغر المقصور ، بخلاف ما إذا قلبت ألفه ياء وادغمت فيها ياء التصغير ، زويدت بعدها ألف العوض قبل الهمزة ، وفتحت الياء المشدّدة للمحافظة عليها ، فانّهما - أي ألف العوض والهمزة - تبقيان حينئذ ، إذ لا داعي إلى قلب الهمزة ياء ، لأنّها انّما تنقلب إليها بعد الألف الزائدة قبل التصغير ، كألف رداء ، لا بعد غيرها.
وقال الزجاج : بزيادتها في الآخر كما في غيره ، لكنّه يقدّر همزته ألفا في الأصل ، ولا دليل عليه ، قال : فإذا ردّت إلى أصلها في التصغير اجتمعت ثلاث ألفات ، فتنقلب الاولى - ياء - وتدعم فيها ياء التصغير ، وتنقلب الأخيرة الزائدة - عوضا - همزة ، كما في الأخيرة من نحو : حمراء ، بناء على ان همزته منقلبة عن الألف ، وتبقى الوسطى.
فالحكم بأن زيادة ألف العوض بعد الآخر امّا ناظر إلى قول الزجاج ، أو إلى الغالب في الأسماء المذكورة.
وقد تلحق الهاء فيقال : هؤليّا. ولم يصغر من أسماء الاشارة إلّا هذه الخمسة. (1)
(واللّذيّا ، واللّتيّا) - في الّذي ، والّتي - والاقتصار - على ما قرّر في تصغير هذه الأسماء يقتضي كسر الذال والتاء ، لكنّهم فتحوهما ، فلعلّ الفتح ليكون باب تصغير المبهم على نهج واحد من فتح ما قبل ياء التصغير كما قيل ، ويحذف منهما ألف العوض عند لحوق علامتي التثنية والجمع بالتقاء الساكنين ، وتبقى الياء المشدّدة قبل علامتهما ، كما في اسم الاشارة ، (و) يقال : (اللّذيّان واللّتيّان) - رفعا - واللّذيّين ،
1) وهي ذا ، وتا ، وذان ، وتان ، وأو لاء ، هذا عبارة ابن هشام في الأوضح ، والاولى ان يقول الشارح : إلّا هذه الثلاثة ، أعني : ذا ، وتا ، وأولاء.
واللّتيّين ، - نصبا وجرّا - في المثنى ، (واللّذيّون) - رفعا - واللّذيّين - نصبا وجرّا - في الجمع ، وأجرى عليه هذا الاعراب مع شذوذ الواو في المكبّر ، لقوّة الاسميّة بالتصغير الّذي هو من خواص الأسماء ، فاجرى جمع المصغر مجرى جمع الأسماء المتمكّنة ، ولمّا كانت ألف العوض محذوفة - عند سيبويه - نسيا - إعتبر ضمّ الياء المشدّدة قبل الواو ، وكسرها قبل الياء ، وهو المسموع ، والأخفش : يحذفها مع الاعتداد بها ، فيبقى فتح المشدّدة الّتي كانت قبلها في الأحوال الثلاث ، ك - المصطفون ، والمصطفين ، والفرق : في حالتي النصب ، والجرّ بين الجمع والمثنى - عنده - بفتح النون وكسره.
(واللّتيّات) - للجمع المؤنث ، بالحاق علامته ، وهي الألف والتاء على اللّتيّا الّتي كانت للمفرد ، وحذف إحدى الألفين بالتقاء الساكنين.
واستغنوا بذلك - على الأصح - عن تصغير اللّائي ، واللّواتي.
(ورفضوا) - أي تركوا - (تصغير الضمائر) ، لعدم جواز وقوعها صفة ولا موصوفة ، كما يجوز في أسماء الاشارة والموصولات ، والتصغير في المعنى موصوف مع الصفة كما مرّ.
(و) كذلك رفضوا - أيضا - تصغير أسماء الشرط والاستفهام ، (نحو : اين ، ومتى ، وما ، ومن) ، (و) تصغير(حيث ، ومنذ) ، وعند ، واذا ، واذ ، (ومع) ، فان شيئا من هذه لا يقع صفة ولا موصوفة ، ومن ، وما ، وان استعملتا موصولتين أو موصوفتين في بعض الأوقات لكنّهما لا تقعان صفتين.
(و) رفضوا تصغير(غير) ، لتوغله في معنى الحرف وهو الاستثناء ، ولذلك كان قاصرا في التمكّن ولا يدخله اللّام ، ولا يثنى ولا يجمع في العربي الفصيح ، بخلاف مثل.
(و) رفضوا - أيضا - تصغير(حسبك) ، لتضمنه معنى الفعل ، لأنّه بمعنى : إكتف - ، وكذا كلّ ما يتضمن معنى الفعل من أسماء الأفعال.
(و) رفضوا تصغير(الاسم) حالكونه (عاملا عمل الفعل) ، سواء كان اسم فاعل ، أو مفعول ، أو صفة مشبّهة ، لأنّ المصغر في حكم الموصوف والصفة ، فقولنا : ضويرب في قوّة ضارب حقير ، كما مرّ ، والاسم العامل عمل الفعل إذا وصف انعزل عن العمل ، لبعده عن مشابهة الفعل ، فلا يقال : ضارب عظيم زيدا ، فالمصغر المشتق لا يجوز اعماله إلّا في الفاعل الّذي لا بدّ منه في المشتق ، (فمن ثمّ جاز ضويرب زيد) من غير أعمال في غير الفاعل ، (وامتنع ضويرب زيدا) باعمال النصب في - زيدا - على المفعولية ، خلافا للكسائي حيث جوّز ذلك كما جوّز أعمال المشتق المنعوت.
وحكى عن بعض العرب : أظنّني مرتجلا وسويّرا فرسخا (1).
ومنعوا من تصغير أمس ، وغد ، لأنّ الغرض الأهم منهما كون أحد اليومين قبل الآخر أو بعده بلا فصل ، وهذا لا يقبل الزيادة والنقصان ، ولذلك منع سيبويه : من تصغير أيّام الأسابيع ، كالسبت ، والأحد ، وأسماء الشهور ، ك - المحرم إلى ذي الحجّة ، فان معناها غير قابل للزيادة والنقصان ، وهي تجري مجرى أن يقال : اليوم الأوّل ، والثاني ، والشهر الأوّل ، والثاني ، وهكذا.
خلافا للجرميّ والمازنيّ حيث جوّزا تصغيرها.
1) فان سويّرا تصغير سائر ، وقد عمل النصب بالمفعولية في - فرسخا -.
(المنسوب) هو الاسم (الملحق آخره - ياء - مشدّدة) المركب معها تركيبا صار معها في حكم كلمة واحدة ، (ليدل) ذلك الملحق آخره الياء - من حيث كونه ملحقا بآخره الياء - أو الحاقها بآخره ، (على نسبته) - أي نسبة ذلك المركب من الملحق والملحق به - يعني نسبة ما أريد به (إلى المجرّد عنها) - أي عن الياء - وهو المنسوب إليه أبا كان ، ك - علويّ ، أو أمّا ، كسلوليّ (1)، أو بلدة ، كبصريّ ، أو صناعة ك - كسائيّ ، فقولنا : بصريّ مركب من البصرة والياء المشدّدة الّتي الحقت آخره ، ليدل الحاقها إيّاها وتركيبها معها على نسبة الشخص الّذي أريد به - إلى المجرّد عن الياء ، وهو البصرة.
فالياء علامة النسبة العارضة للمنسوب إليه ، لأنّها لكثرة وقوعها يناسبها خفة العلامة ، وكونها من حروف اللين ، واختيرت منها الياء لأنّها أخف من الواو وقابلة للإعراب ، بخلاف الألف ، وتشديدها للامتياز عن ياء المتكلم على ما قيل.
وخرج بقوله : ليدل ... الخ ما لحقته ياء مشدّدة للوحدة ، كروميّ - للواحد من الرّوم - على ما ذكره جماعة ، أو للمبالغة ك - احمريّ ، أو لمجرّد تكثير حروف الكلمة ، كبرديّ (2)، وكرسيّ.
والمراد بإلحاق المشدّدة اعتبار لحوقها أوّلا ، وان عرض له التغيير بعد ذلك ، ك - يمان ، وشام - في النسبة إلى اليمن والشام - على ما سيجيء إنشاء الله تعالى ،
والمقصود ان هذا هو القياس الغالب في المنسوب ، فلا يرد نحو : عوّاج (1)، وتامر.
وهو كالمصغر محكوم عليه في المعنى ، فانّ البصريّ مثلا معناه : المحكوم عليه بأنّه منسوب ، أو منتسب إلى البصرة ، فلذلك اختصّ بالاسم ، وأمّا قولهم : اخشوشنيّ ، وتمعدديّ ، في النسبة إلى الفعلين من قولهم : اخشو شنو ، وتمعددوا (2)- أي كونوا ذا خشونة وغلظة في المطعم والملبس واتركوا التنعم وتشبهوا في ذلك وبمعدّ بن عدنان - فالنسبة فيه إلى لفظي الفعلين على ما يقال ، وكلّ كلمة اسم بالنسبة إلى نفس لفظها ويجري عليها خواص الاسم ، إذا أريد بها لفظها ، كالوقوع مبتدأ في نحو : - من - حرف ، - وضرب - فعل ، ويحتمل الشذوذ.
ولمّا كان المنسوب المعرّف بما ذكر في قوّة الموصوف : بأنّه منسوب أو منتسب إلى شيء - وهما لا يعملان النصب بالمفعولية - لم يعمل إلّا في المرفوع المضمر فيه ، أو المظهر ، كما في رجل مصريّ حماره ، مثل : رجل قائم أبوه ، وفي الظرف ، نحو : انا قريشيّ أبدا ، لكفاية رائحة الفعل فيه ، وفي الحال ، نحو : انا هاشميّ منتسبا ، لمشابهتها للظرف.
ثمّ انّه يكون فيه تغييرات قياسيّة وغير قياسيّة ، (وقياسه حذف تاء التأنيث) - وجوبا - (مطلقا) سواء كان المنسوب إليه المشتمل عليها مؤنثا حقيقيّا ، ك - عزّة - لامرأة - ومكّة (3)أم لا ، كطلحة - لرجل - ، وسواء كان علما كتلك الأمثلة ، أم لا ، كغرفة ، وصفرة ، وسواء كان مفردا ، أم جمعا ، كمسلمات ، فيقال : مكيّ ، ومسلميّ مثلا.
(و) قياسه - أيضا - حذف (زيادة التثنية والجمع) المصحح ، فيقال : في -
ضاربان ، وضاربون - مثلا ضاربيّ ، لأن كل من ياء النسبة ، وعلامة التأنيث ، والمثنى والمجموع شأنها لحوق آخر الكلمة وكونها في عداد أجزائها ، فلو اجتمعت مع إحدى تلك العلامات كانت المتقدّمة منها في حكم المتوسطة بين أجزاء الكلمة ، لكون المتأخرة عنها في عداد الأجزاء مع ان التوسط خلاف شأنها المألوف ، فكان المناسب حذف تلك العلامات واثبات الياء ، لأن اعتبارها (1)في مقام النسبة أهمّ ، وقد يذكر نكاة اخر تجري مجرى ما ذكر ، فتأمّل.
ولم يوجبوا حذف ألف التأنيث - على ما سيجيء - لأنّها من حروف العلّة الّتي يكثر فيها التغيير ، فقد يكتفي في دفع كراهة توسطها بالتغيير عن صورتها وقلبها واوا - كما سيجيء إنشاء الله تعالى - مع ان لفظ الألف ليست في الاختصاص بالمؤنث بمنزلة التاء على ما قيل.
ثمّ ان حذف تاء التأنيث حكم كلّي من غير استثناء شيء ، وحذف زيادة كلّ من المثنى والمجموع مطرد على كلّ حال ، (إلّا) حالكونه (علما قد اعرب بالحركات) الجارية على النون ، ك - قنّسرين - بالقاف وفتح النون المشدّدة أو كسرها وعلامة الجمع - لموضع بالشام - ، وماطرون - لموضع آخر بها - ، ونصيبين - لموضع آخر - ، وسبعان بضم الموحدة - لموضع ببلاد قيس - فانّها لا يجب حذفها في مثل ذلك (2)، بل يجوز اثباتها لصيرورتها من أجزاء الكلمة عند العلمية ، حيث جعل المجموع علما ، ومن ثمّ أجازوا إعرابها بالحركات على النون من دون مراعاة مقتضى الإعراب بالحرف ، كما قال :
طال ليلي وبتّ كالمجنون
واعترتني الهموم بالماطرون (3)
1) وفي نسخة : لأن اعتبار هذه الخ.
2) أي إذا كانت اعلاما لا بقيد الإعراب بالحركة.
3) البيت لأبي دعبل واسمه وهب بن وهب بن ربيعة ، على ما ذكره العيني. ونسبه الجوهري : إلى عبد الرّحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري. ويروي : بالمجنون - بالباء - وهو على ما قيل في هذه الرواية مصدر على زنة المفعول ، أي بت متلبّسا بالجنّة.
وقال آخر :
الا يا ديار الحيّ بالسّبعان
أملّ عليها بالبلي الملوان (1)
فالجر فيهما - بكسر النون - من غير مبالاة بالواو والألف الّتي هما علامتا الرفع ، ويجوز حذفها للنظر إلى كونها علامات في الوضع الأوّل ، كما جاز إعرابها بالحرف لهذا (2).
(فلذلك) - الّذي ذكر من جواز الوجهين - (جاء قنّسريّ) - بحذف زيادة الجمع - ، (وقنّسرينيّ) - بإثباتها - ، وما طريّ ، وما طرينيّ ، ونصيبيّ ، ونصيبينيّ ، وسبعيّ ، وسبعانيّ.
(ويفتح) - وجوبا - ما قبل الآخر ، وهو الحرف (الثاني من) الاسم الّذي كان في عدد الحروف وكسر الحرف الثاني على (نحو : نمر) ، على زنة - كتف - للحيوان المعروف من السباع - سواء وافقه في فتح الحرف الأوّل أم لا ، كإبل ، (ودئل) ، فيقال : نمريّ ، وإبليّ ، ودئليّ ، - بفتح الحرف الثاني - ، لئلّا يجتمع كسرته مع كسرة ما قبل الياء النسبة المشدّدة ، فيجتمع كسرتان وياآن ، وهو مستثقل لتتابع الأمثال.
ومنهم من يبقى الكسرة في نحو : إبليّ ، لانجبار الثقل بجريان اللسان على نهج واحد.
وأبقوا ضمّ الثاني من نحو : عضديّ ، وعنقيّ ، لعدم اجتماع الأمثال ، واغتفر الانتقال من الضم إلى الكسر ، لعروضه ، كما في المبنى للمفعول.
وذلك : (بخلاف) ما زاد على ثلاثة أحرف وما قبل آخره مكسور ، سواء كان
على أربعة أحرف - مع سكون الثاني - نحو : (تغلبيّ) - في النسبة إلى تغلب بن وائل ابن قاسط - ، ومغربيّ ، أو مع تحرّكه ، ك - علبطيّ ، أو فوق الأربعة ك - جحمرشي ، ومستخرجيّ ، فان كسرة ما قبل الآخر تبقى فيه - وجوبا - على خلاف نحو : نمر ، (على الأفصح) ، وان اجتمعت كسرتان وياآن ، لعدم الاعتناء بالخفة الحاصلة من ابدال الكسرة - فتحة - في الكلمة الّتي بنائها على الثقل وكثرة الحروف ، خلافا للمبرد ، حيث أجاز فتح ما قبل الآخر قياسا مطردا في ذي الأربعة مع سكون الثاني ، إلحاقا له بذي الثلاث ، لتنزيل الحرف الثاني - لسكونه - منزلة المعدوم ، ولم يساعده السماع إلّا في لفظ واحد ، وهو : تغلبيّ ، وتنزيل الساكن من غير حروف المد واللين منزلة المعدوم ضعيف.
(ويحذف) - وجوبا - (الياء ، والواو ، من «فعيلة ، وفعولة» ،) ويفتح العين منهما ، لأنّ المدّة الجارية مجرى اشباع الحركة - الواقعة بين العين واللّام - كالمعدوم ، لضعفها ، فشبّه الأوّل بنحو : نمر ونسب إليه كما ينسب إليه ، وحمل عليه الثاني لمواخاة واو المدّ ليائه ، ولذلك جعلتا (1)رديفين في الفواصل والقوافي ، هذا عند سيبويه ، وزعم المبرد : انّ النسبة إلى «فعولة» فعوليّ ، فرقا بينها وبين «فعيلة» كما فرقوا بين نمر ، وعضد.
ثمّ انّ المصنف اكتفى عن التعرّض لحذف تاء التأنيث بما مرّ ، وكذا فيما يذكره بعد ذلك.
وحذف الواو ، والياء ممّا ذكر مشروط : (بشرط صحّة العين ،) - بأن لا يكون معتلة - (ونفي التضعيف ، ك - حنفيّ) - في حنيفة - (وشنئيّ) - في شنوئة - ، بالمعجمة والنون من مهموز اللّام - لحيّ من الأزد - ، وقع بينهم شنآن وهو البغضاء.
(و) يحذف - الياء - أيضا - وجوبا (من «فعيلة») مصغرة ، حملا على ما تقدّم ، لتشابههما في زيادة الياء الساكنة ، حالكونها (غير مضاعفة) وان كانت معتلة العين ،
1) وفي نسخة : جعلا.
فالشرط فيها نفي التضعيف فقط ، (ك - جهنيّ) في : جهينة - مصغرة - ، لأبي قبيلة ، ورجل آخر ، قيل ورد فيه قوله :
تسائل عن حصين كلّ ركب
وعند جهينة الخبر اليقين (1)
ويقال : ان جهينة آخر رجل يخرج من النار ويدخل الجنّة.
والمجرّد عن التاء في الثلاثة يبقى فيه الواو ، والياء ، نحو : تميميّ ، وسلوليّ ، وحسينيّ ، للفرق بين النسبة إلى المذكر في اللفظ والمؤنث فيه ، ولم يعكس ، لأنّ المذكر أولى بعدم التغيير ، ولأنّ المؤنث أثقل وبالتخفيف أجدر.
وعند تحقّق الشرايط المذكورة لا مانع فيه من التخفيف بالحذف ، (بخلاف) : ما فقد فيه بعض الشروط ، نحو : (شديديّ) وملوليّ ، - في شديدة ، وملولة - على «فعيلة ، وفعولة» من - الملال - لوجود التضعيف ، (وطويليّ) ، وقووليّ ، في طويلة وقوولة - ، لاعتلال العين ، فانّه لو حذفت الواو ، والياء منها اجتمع مثلان في المضاعف فحكمه الادغام ، وانقلبت العين المعتلة - ألفا - ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، فيحصل : شديّ ، ومليّ ، وطاليّ ، وقاليّ ، فمع الاشتمال على كثرة التغييرات يقع الالتباس بالنسبة إلى : شدّ ، وطال ، وملّ ، وقال ، - اعلاما - مثلا ، ولا ينقلب العين من طويلة ، وقوولة ، ونحوها مع تحرّكه وانفتاح السابق - ألفا - ، لعدم موازنة الفعل الّتي هي شرط في القلب ، كما يجيء في باب الاعلال.
وكذا لو حذفت - الياء - من «فعيلة» مصغرة إذا كانت مضاعفة لزم الادغام وكثرة التغيير والالتباس ، بخلاف المعتلة العين منها ، ك - عيينة - بيائين - فالنسبة إليها : عينيّ كجهنيّ ، ولا يلزم قلب الياء الباقية ألفا لانضمام ما قبلها.
1) والظاهر ان هذا البيت لأخنس. قد يقال : ان حصين بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن كلاب خرج ومعه رجل من بني جهينة يقال له الأخنس فنزلا منزلا فقام الجهنيّ إلى الكلابي فقتله وأخذ ماله وكانت صخرة بنت عمرو بن معاوية تبكيه في المواسم فقال الأخنس : تسائل عن حصين الخ.
وهذه الأحكام قياسيّة يحكم بالشذوذ على ما خالفها ، (و) من ذلك : (سليقيّ) كما وقع في قول الشاعر :
ولست بنحويّ يلوك لسانه
ولكن سليقيّ أقول فأعرب (1)
(وسليميّ) - بفتح السين وكسر ما بعدها واثبات الياء فيهما - في النسبة إلى : السليقة - وهي الطبيعة - وسليمة ، - بفتح السين - لحيّ (في) قبيلة(الأزد ، وعميريّ) - بفتح الأوّل وكسر الثاني واثبات الياء - في عميرة - بفتح الأوّل - أيضا لحيّ (في) قبيلة(كلب ، شاذ) ، والقياس فيها : سلقيّ ، وسلميّ ، وعمريّ ، كحنفيّ ، ويقتصر فيها على السماع ، فلو نسب إلى سليمة من غير الأزد ، وعميرة من غير كلب وجب ان يكون على ما هو القياس ، وكأنّهم قصدوا بالمخالفة له فيهما الفرق بين النسبة إلى سليمة وعميرة منهما وإليهما من غيرهما على ما قيل.
(وعبديّ ، وجذميّ) كلّاهما - بضمّ الأوّل وفتح الثاني وحذف الياء - كجهنيّ ، على ما حكاهما سيبويه (في) النسبة إلى (جذيمة) على «فعيلة» بفتح الفاء وكسر العين والذال المعجمة - لأبي حيّ من بني أسد ، (وعبيدة) بتلك الزنة - لأبي حيّ من بني عديّ - (أشذّ) من نحو : سليميّ ، وعميريّ ، إذ غاية ذلك إبقاء الياء وفيه رجوع إلى أصل الكلمة ، والشذوذ ههنا بالعدول عن الفتح الّذي هو أصل الكلمة إلى الضم الثقيل ، والقياس : فيهما الفتح ك - حنفيّ. (2)
والقصد في ارتكاب ذلك إلى الفرق بين النسبة إليهما - من القبيلتين المذكورتين - وإلى عبيدة بن معاوية بن قشير وغيره ، وإلى جذيمة من بني عبد القيس ، فانّ النسبة
1) لم أعثر على نسبة هذا البيت إلى قائل معيّن. ومعناه : أي لست بمنسوب إلى علم النحو ويلوك : في محل الجر نعت لنحوي وهو مضارع لاك يقال : لاك الفرس اللجام في فمه إذا علكه. يريد انّه ليس ممّن يتكلّم بلغة العرب بسبب معرفة النحو بل هو ممّن يتكلّم بسليقة فيعرب.
2) وفي بعض النسخ خلاف في المتن. وفي نسخة يكون المتن هكذا : وعبديّ وجذميّ في بني عبيدة وبني جزيمة. وعلى هذه النسخة شرح الرضي.
إليهما على القياس ، وكذلك قول العامّة : - في خليفة - خليفتيّ - بإثبات الياء وتاء التأنيث - أشذ من نحو : سليقيّ ، لشذوذه من جهة تاء التأنيث - أيضا -.
(وخريبيّ) - بضمّ الخاء المعجمة واثبات الياء - على صيغة التصغير ، - في خريبة - مصغرة ، لموضع بالبصرة يقال له : بصيرة الصغرى ، وردينيّ - في الرمح المنسوب إلى ردينة - (شاذ) ، والقياس حذف الياء ، كجهنيّ لوجود تاء التأنيث ، والمقصود في خريبيّ الفرق بين النسبة إليها وإلى خريبة - لقبيلة - وإلى خرب كصرد ، جمع خربة - بضمّتين - لعروة المزادة - إذا جعلت علما -.
(وثقفيّ) - بحذف الياء - كحنفيّ ، في النسبة إلى ثقيف - بفتح الأوّل - كتميم ، - إلى قبيلة منهم المختار بن عبيدة ، (وقرشيّ) كجهنيّ - بحذف الياء - في النسبة إلى قريش - ، (وفقميّ) - بتقديم الفاء على القاف - كقرشيّ (في) النسبة إلى فقيم ، - مصغّرا - لأبي حيّ من (كنانة) ، (وملحيّ) كقرشيّ - أيضا - (في) النسبة إلى مليح - مصغّرا - لأبي حيّ من (خزاعة) (شاذ) ، والقياس اثبات الياء في الكلّ ، للخلوّ عن تاء التأنيث ، بأن يقال : ثقيفيّ كتميميّ ، والباقي كحسينيّ.
ولعلّهم أرادوا الفرق بين النسبة إلى المذكورين وإلى قريش - لدابة في البحر - وفقيم بن جرير بن دارم بن تميم ومليح بن عمرو بن ربيعة من بني سكون ، ومليح ابن الهون من خزيمة ، فانّ النسبة إلى كلّ ذلك على القياس ، وكذا هذليّ في - هذيل - شاذ.
فهذا حكم الواو والياء فيما حروفه مع أحديهما أربعة ، ولا عبرة بتاء التأنيث.
وأمّا ان زادت الحروف معهما عليها ك - تكريت - لموضع - وسكّيت - بتشديد الكاف - لرجل - ، وصعفوق - لحيّ باليمامة - أبقيت في النسبة ، فيقال : تكريتيّ ، وسكّيتيّ ، وصعفوقيّ ، لأنّ الوضع بكثرة الحروف يشعر بعدم المبالات بمثل الثقل الحاصل منها في مثله.
والحكم المتقدم ليس مطردا في كلّ - ذي الأربعة - مع إحديهما ، بل يختص
بالصحيح اللّام من ذلك.
(وتحذف) - وجوبا - (الياء) الاولى الزائدة الساكنة من «فعيل» - بفتح الفاء وكسر العين - و «فعيل» - مصغرا - (من معتل اللّام من المذكر والمؤنث) من غير فرق ، استثقالا للياآت الأربعة المجتمعة ، (وتقلب الياء الأخيرة) الأصيلة الباقية(واوا) ، لئلّا تبقى ثلاث ياآت مجتمعة ، ولم يستغنوا بذلك عن حذف الزائدة ، حذرا عن مخالفة قياس الاعلال ان لم تقلب الواو ياء مع مقارنتها للياء الساكنة السابقة ، والوقوع فيما هرب عنه من اجتماع أربع ياآت ان قلبت إليها.
وتفتح ما قبل الواو كما في - نمريّ - ، ولم تقلب ألفا للاضطرار إلى تحريكها ، لالتزام كسر ما قبل ياء النسبة ، وذلك (كغنويّ) مثل : حنفيّ ، في - غنيّ ، وغنيّة - بفتح الأوّل - ، (وقصويّ ، وامويّ) كلّاهما بضمّ الأوّل ، كجهنيّ في : قصيّ ، وأميّة - مصغرين - لقبيلتين -.
لكن قد خولف هذا الحكم في المصغر نادرا ، (و) من ذلك النادر أنّه (جاء اميّيّ) - بضمّ الأوّل ويائين مشدّدتين - من غير حذف ولا قلب ، لانفتاح ما قبل المشدّدة الاولى ، فكأنّه انجبر به شيء من الثقل.
(بخلاف) «فعيل» - بفتح الفاء وكسر العين - ، نحو : (غنويّ) ، فانّ الحذف والقلب لا زمان فيه ، ولم يجيء خلافه على ما زعمه المصنف ، لانكسار ما قبل المشدّدة ، فيجتمع الكسرتان والياآت ويزداد الثقل ، وقال السيرافي : بعضهم يقول : غنيّيّ - بمشدّدتين وانكسار ما قبلهما - إلّا انّه أثقل من - اميّيّ - ، للكسرة ، ومثله حكى عن يونس.
(وامويّ) - بفتح الهمزة مع الحذف والقلب في المشدّدة الاولى - على ما حكاه سيبويه عن بعض العرب ، ردّا إلى المكبر طلبا للخفة ، (شاذ) ، والقياس ضمّ الهمزة.
(و) إذ قد عرفت حكم «فعيل ، وفعيلة» من معتل اللّام فاعلم أنّه قد(اجرى تحويّ) - بالفوقانيّة والمهملة المفتوحتين - (في تحيّة) وهي «تفعلة» لا «فعيلة» لأنّ
التاء في أوّلها زائدة ، - وهي مصدر حيّي ، يحيّي - بالتضعيف ، (مجرى غنويّ) في الحذف والقلب ، لمشابهتها الغنيّة في عدد الحروف ، والحركات ، والسكنات ، ووقوع الياء المشدّدة بعد الحرف الثاني ، مع انّ العلّة المذكورة للحذف والقلب ثمّ جارية ههنا.
(وامّا) «فعول» من معتل اللّام المذكر(نحو : عدوّ ، فعدويّ) ، كقعوليّ من غير حذف ولا قلب ، هو الّذي يقال : في النسبة إليه (اتفاقا) ، إذ ليس فيه اجتماع الأمثال المستثقلة ، (و) المؤنث : (نحو : عدوّة) فيها خلاف ، (قال المبرد) : حكمها حكم المذكر وهي (مثله) في النسبة من غير فرق ، نظرا إلى عدم الداعي إلى حذف الواو ، (وقال سيبويه) : انّها تجري مجرى «فعولة» من الصحيح اللّام ، على ما اختاره من حذفد واو المدّ وفتح الحرف الثاني فيقال : (عدويّ) ، كشنئيّ فرقا بين المذكر والمؤنث.
(وتحذف) - وجوبا - (الياء الثانية) المتحرّكة(من) كلّ ما وقع قبل آخره ياء مشدّدة ، (نحو : سيديّ ، وميتيّ) ، - بياء واحدة ساكنة - في : سيّد ، وميّت - بتشديد الياء - ، (ومهيميّ) - بياء واحدة ساكنة - أيضا ، في : مهيّم اسم فاعل ، (من هيّم) من الهيمان ، لكراهتم اكتناف يائين مشدّدتين بالحرف الأخير من المنسوب إليه ، كالدال في - سيّد - في النسبة الّتي مبناها على التخفيف مع كسرة الاولى ، ولانفتاحها في - مهيّم اسم مفعول - أبقيت على حالها من غير حذف.
وحذفت المتحرّكة ، مع انّ الساكنة لسكونها وجريانها مجرى المعدوم الّذي لا يعتنى به أولى بالحذف ، إذ لو أبقيت المتحرّكة انقلبت - ألفا - ، لانفتاح ما قبلها ، فيلزم - مع كثرة التغيير - كونه في معرض الالتباس بالنسبة إلى : ساد ، ومات ، مثلا ، ولقربها من الطرف على ما قال شارح اللباب.
فان قيل : لو كانت الباقية هي الاولى الساكنة كان - طيئيّ - بياء ساكنة قبل الهمزة هو الأصل في النسبة إلى طيّئ على زنة سيّد - لأبي قبيلة - فلم يجز قلب الياء ألفا ، لاشتراطه بالتحرّك مع انّها قلبت إليها ، حيث قيل : طائيّ ، قلنا : الحكم
المذكور أصل ثبت بالاستقراء ، فالباقية هي الياء الساكنة ، (وطائيّ شاذ) ، لوقوع الاعلال المخالف للقياس أعني : قلب الياء الساكنة ألفا فيه ، ولو لا حكمه في باب الاعلال بأنّ شذوذه للاعلال أمكن الحمل على ان أبقاء المتحرّكة ، وقلبها ألفا ، وحذف الساكنة فيه شاذ لمخالفته لتلك القاعدة (1)، وان كان الاعلال قياسيا ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها على ما قيل.
(فان كان نحو : مهيّم ، تصغير - مهوّم) - بتشديد الواو - اسم فاعل من هوّم الرجل - بتشديدها - إذا حرّك رأسه من النعاس - (قيل) : في النسبة إليه (مهيّميّ) بإبقاء المشدّدة مع علامة النسبة ، والحاق ياء ساكنة بعدها ، (بالتعويض) بها عن الواو المحذوفة بالتصغير.
وتوضيح ذلك : ان تصغير مهوّم - مهيوم - بحذف الواو الزائدة - كما مرّ في تصغير مقدّم من قدّم - ، ثمّ قلبت الواو الواقعة بعد ياء التصغير - ياء - ، وقد تقدّم جواز التعويض عن المحذوفة بمدّة زائدة بعد كسرة التصغير وهي : الياء ، وهذا التعويض واجب في النسبة ههنا عند المصنف والزمخشري ، إذ مع عدمه تكتنف المشدّدتان بالميم فيلزم الحذف على القاعدة ، ويلتبس بالنسبة إلى - مهيّم - اسم فاعل - من هيّم - ، ومع التعويض لا حاجة إلى الحذف ، لتوسّط مدّة العوض الّتي هي كالاستراحة بين المشدّدة الاولى وكسرتها ، والميم وكسرته ، ولم يعكس ، لأن اسم الفاعل من - هيّم - لم يحذف منه شيء قبل النسبة حتّى تعوّض عنه بعدها ، كما حذف من مصغر - مهوّم -.
وأمّا تصغير - مهيّم - من هيّم - فهو بصورة المكبّر ، إذ بعد حذف الياء الزائدة وادغام ياء التصغير في الباقية تحصل تلك الصورة ، واكتفوا في النسبة إليهما (2)بالقرائن من غير تعويض في المصغر ، لئلّا يلتبس بالنسبة إلى الواوي ، لأن عدم
الالتباس به للمخالفة في المادّة والمعنى أولى بالرعاية من عدمه بين المصغر والمكبر اللّذين تخالفهما بالعارض.
(وتقلب) وجوبا - (الألف الأخيرة الثالثة) سواء كانت منقلبة عن أصليّ - كما هو الغالب - ، أو ما يجري مجراها من الأصلية الغير المنقلبة - كما في اسم الغير المتمكّن - ، ك - متى ، واذا ان سمّى بهما ، والعجمي الأصل مثل : فسا (1)- لموضع بخراسان - (و) الألف الأخيرة(الرابعة المنقلبة (2)) عن الأصليّ وما في حكمها من الأصلية الغير المنقلبة ، ك - حتّى ، وكلّا - بالتشديد - اسمين ، (واوا) ، لامتناع الألف عن قبول الكسرة الملتزمة ، وقلبها - ياء - يؤدّي إلى اجتماع الياآت الثلاث والكسرة ، فأمّا ان يقلب همزة أو واوا ، واختيرت الواو ، لأنّها أخف مع ياء النسبة من الهمزة ، مع ان حروف العلّة بعضها أنسب ببعض من غيرها.
وذلك : في الثالثة المنقلبة عن الأصلي (كعصويّ) - في عصا ، في المنقلبة عن الواو ، (ورحويّ) - في رحى ، في المنقلبة عن الياء ، ونحو : متويّ ، واذويّ ، في الأصلية ، وفسويّ ، في العجمي ، (و) في الرابعة المنقلبة عن الأصلي نحو : (ملهويّ) - في ملهى لموضع اللهو - ، واعشويّ - في اعشى من العشاوة لسوء البصر باللّيل - في المنقلبة عن الواو ، (ومرمويّ) في مرمى - لموضع الرّمى - في المنقلبة عن الياء ، ونحو : كلويّ ، وحتّويّ ، في الأصلية.
(ويحذف غيرهما) من الألفات الأخيرة ، سواء كانت رابعة زائدة للتأنيث ، مع سكون العين ، (كحبليّ) - في حبلى - (و) مع تحرّكها ، مثل : (جمزيّ) - في جمزى - بالتحريك ، - لضرب من الحركة السريعة - ومنها الجمّازة - للناقة - ، أم للالحاق كمعزيّ في معزي أم فوق الرابعة سواء كانت منقلبة عن أصليّة(و) هذه كالخامسة المحذوفة في (مراميّ) ، والسادسة المحذوفة في - مسلنقيّ - في النسبة إلى مرامي ،
ومسلنقي ، اسمي مفعول من المراماة والاسلنقاء ، أم زائدة - للتأنيث - كالخامسة المحذوفة - في حباريّ - في النسبة إلى : حبارى ، أو للالحاق ، كالمحذوفة - في حبركيّ - في النسبة إلى الحبركي الملحق بسفرجل - للقراد - ، أو غيرهما(و) هذا كالسادسة المحذوفة المزيدة ، في (قبعثريّ) في النسبة إلى قبعثري.
فالحريّ بها في كلّ ذلك الحذف ، لتردّد أمرها - لامتناع قبولها عن الكسرة الملتزمة قبل ياء النسبة - بين الحذف والقلب إلى ما يقبلها ، والحذف أولى.
أمّا في الرابعة الزائدة ، فللفرق بينها وبين الأصليّة والمنقلبة عن الأصليّ الّتي يعتنى بحفظها ولو بما يبدل عنها أعني الواو ، وأمّا فيما فوقها - مطلقا - فللاستثقال بكثرة الحروف.
ثمّ ان ما ذكر من حكمها هو الأشهر ، (وقد جاء) في الرابعة المزيدة مع سكون الوسط(نحو : حبلى) ، ودنيا ، ومعزي ، (حبلويّ) ، ودنيويّ ، ومعزويّ ، بالقلب واوا ، حملا على الأصليّة والمنقلبة عن الأصليّ ، للتشابه في الصورة ، بل قيل : انّ القلب أولى بالّتي للالحاق من الحذف ، لكونها بحذاء الأصلي من الملحق به ، وقد يعكس ، فتحمل الأصليّة والمنقلبة على الزائدة في الحذف على قلّة ، نحو : ملهيّ ، ومرميّ ، وكلّيّ ، وحتّيّ.
(و) جاء - أيضا - في نحو ما ذكر من الزائدة(حبلاويّ) ، ودنياويّ ، ومعزاويّ ، بالألف قبل الواو ، تشبيها لها بالممدودة ، كحمراويّ ، وربّما جاء ذلك في الأصليّة - أيضا - نحو : كلّاويّ ، والمنقلبة ك - ملهاويّ ، ومرماويّ.
وجوّز المصنف في مثل هذا كون الواو منقلبة عن الألف الّتي كانت ، والألف زائدة قبلها ، وكون الألف هي الّتي كانت ، والواو مزيدة بعدها ، وان كان الأولى في بعض صوره - وهو ما إذا كانت مزيدة - للتأنيث - هو الأوّل ، ليقع علامة التأنيث في آخر الكلمة ، فتأمّل.
وجعل يونس : الخامسة المنقلبة عن الأصلي المسبوقة بحرف مشدّد نحو : المعلّى
وهذا الّذي ذكر في الرابعة مع سكون الوسط كائن (بخلاف) الرابعة مع تحركه ، (نحو : جمزيّ) ، وبخلاف ما فوق الرابعة كمراميّ ، لتعيّن الحذف فيهما للاستثقال فيما فوقها ، وتنزيلها - مع تحرّك الوسط - منزلة ما فوقها ، لتنزيل تلك الحركة منزلة الحرف كما نزلت منزلته في تحتّم تأثير المعنوي في منع الصرف - في نحو : سقر ، وقولهم : مصطفويّ - بقلب الخامسة واوا - شاذ ، أو خطاء كما قيل ، والوجه مصطفيّ بالياء للنسبة وحذف الألف.
(وتقلب الياء الأخيرة الثالثة - المكسور ما قبلها - واوا) ، للاستثقال الكسرتين والياآت الثلاث ، ولم تحذف ، كراهة بقاء الاسم على حرفين ، (ويفتح ما قبلها) ، كما في نحو : نمريّ ، (كعمويّ ، وشجويّ) - في العمي والشجي - كلّاهما صفتان على زنة كتف ، من عمي البصر أو القلب ، وشجي - إذا حزن - ، وقيل : ان ما قبل الياء يفتح من أوّل الأمر - كما في نمر - ثمّ تقلب هي ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، فيجري عليها حكم الألف الثالثة من القلب واوا.
(وتحذف) - وجوبا - أيضا الياء(الرابعة) المكسور ما قبلها ، أصليّة كانت أو منقلبة عن الواو ، (كقاضيّ) ، وراميّ ، وغازيّ ، ويرميّ ، - في القاضي ، والرامي ، والغازي ، ويرمي اسما منقولا عن المضارع ، (على الأفصح) الّذي اختاره خليل وسيبويه ، كراهة اجتماع الكسرتين والياآت الثلاث ان أبقيت على حالها ، ولزوم كثرة التغيير ان قلبت واوا ، وفتح ما قبلها ، استثقالا لكسرته مع كسرة الواو قبل ياء النسبة ، كما هو خلاف الأفصح الّذي صار إليه المبرّد ، وعليه ورد قوله :
وكيف لنا بالشّرب ان لم يكن لنا
دراهم عند الحانويّ ولا نقد (1)
1) البيت نسبه تغلب إلى الفرزدق ، وقيل انّه لغيره ، وقيل ان قائله مجهول ، وزعم سيبويه انّ الوجه الحانيّ لأنّه منسوب إلى الحانة وهي موضع بيت الخمر وانّما جاز له ان يقول الحانوي لأنّه بني واحده على فاعلة من حنا يحنو إذا عطف. وكيف : للتعجّب أو للانكار. وقوله بالشرب متعلّق بمحذوف أي كيف لنا التلذّذ بالشرب. وأراد بالنقد مقابل ما في الذمّة. أي إذا لم يكن لنا عنده دارهم أعطيناها إيّاه من قبل وتكون في ذمّته فناخذ بها الخمر ولم يكن لنا نقد نشتري بها فكيف لنا التلذّذ بشربها.
حيث نسب إلى الحانية - وهي الخمر - بعد حذف تاء التأنيث بالقلب واوا ، كقاضويّ ، وأراد بيّاع الخمر كالكسائيّ - لمن يبيع الكساء - ، وقيل : انّه مجهول وان نسب إلى الفرزدق.
(وتحذف ما سواهما) من الياآت المكسور ما قبلها الواقعة آخر الكلمة ، - اتفاقا - خامسة كانت أم فوقها ، (كمشتريّ) ، ومسلنقيّ - بياء النسبة وحذف الياء الأخيرة - من المشتري ، والمسلنقي - اسمي فاعل - ، استثقالا للزائدة على الرابعة - كما في الألف الزائدة عليها مع كونها أخف.
(وباب محيّ) وهو : ما كانت الياء الزائدة على أربعة فيه مسبوقة بياء مشدّدة ، فانّ المحيّي - اسم فاعل - من حيّي ، يحيّي ، تحيّة ، فالياء الأخيرة الخامسة منه المحذوفة في المتن في الجرّ باضافة باب إليه مسبوقة بمشدّدة هي العين مع التضعيف ، (جاء) بعد حذف الخامسة والحاق ياء النسبة ، (على : محويّ) - بحذف الاولى المدغمة من المشدّدة وقلب الثانية منها واوا - ، (ومحيّيّ) - باثبات المشدّدة بتمامها مع ياء النسبة - ، فالأوّل (كامويّ) ، (و) الثاني اميّيّ على ما مرّ ، لأنّه بعد حذف الخامسة مثل : اميّ في عدد الحروف والسكنات ، ووقوع الياء المشدّدة أخيرا مع فتح ما قبلها ، فيجري مجراها ، وليس في كلامهم (1)اسم متمكّن في آخره واو مكسور ما قبلها فلا يجري فيها هذه الأحكام.
نعم ، قد تقع أخيرة وما قبلها مضموم إمّا : ثالثة نحو : سروة ، أو رابعة كترقوة ، أو ما فوقها كقلنسوة ، فيفتح ما قبلها - تخفيفا - في الأوّل فيقال : سرويّ كعمويّ ،
1) وفي نسخة : في الكلام.
وتحذف في الأخيرين فيقال : ترقيّ كقاضيّ ، وقلنسيّ كمشتريّ ، فانّ الواو أثقل من الألف والياء وبالحذف والتخفيف أجدر ، وربّما جاء في الثاني : ترقويّ - بفتح القاف - مثلا كقاضويّ.
وقد يقال : يكسر ما قبلها في الأقسام الثلاثة وتقلب ياء ثمّ يجري عليها أحكام تلك الأقسام من الياء (1)فيحصل ما ذكرنا.
(و) المنقوص الثلاثي الّذي ثانيه صحيح ساكن وثالثه واو أو ياء ان كان مقرونا بتاء التأنيث ، (نحو : ظبية ، وقنية) - بكسر القاف - للاقتناء - وهو الاكتساب - ، ورقية - بضمّ الراء - ، للعوذة ، (وغزوة) - بفتح الأوّل - للجهاد - ، (وعروة) - بضمّ الأوّل - لمعان منها : مقبض الدلو والكوز ، (ورشوة) - بكسر الأوّل - ، ففي النسبة إليه خلاف ، وهي كائنة(على القياس) ، بمعنى انّه لا يغيّر عمّا هو عليه إلّا بحذف تاء التأنيث ، فيقال : ظبييّ ، وعرويّ مثلا ، (عند سيبويه) ، لأن حرف العلّة إذا سكن ما قبله فهو في حكم الصحيح ، فالنسبة إلى مثل ما ذكر كالنسبة إلى طلحة ، وغرفة ونحوهما.
(وزنويّ) - بكسر الزاي وفتح النون وقلب الياء واوا - في النسبة إلى زنية - بكسر المعجمة وسكون النون - لأبي حيّ من العرب - ، (وقرويّ) - بفتح الأوّلين والقلب واوا - في القرية(شاذ عنده) ، والقياس : زنييّ ، وقرييّ من غير تغيير.
(وقال يونس) : بفتح العين في الجميع واويّا كان أو يائيّا ، ومع ذلك يقلب الياء واوا في اليائيّ ، فيقال : (ظبويّ ، وعرويّ) في ظبية وعروة - بانفتاح الحرف الثاني منهما والقلب واوا في ظبية ، واحتج على ذلك بقولهم : زنويّ ، وقرويّ ، وباجتماع الياآت الثلاث في اليائي لو لم تقلب واوا ، واجيب عن الأوّل : بالندور والشذوذ ،
1) وفي نسخة : من اليائيّ.
وعن الثاني : بانجباره بسبق السكون.
(و) سيبويه ويونس (اتّفقا) على كون النسبة على القياس من غير تغيير كالصحيح ، (في باب ظبي ، وغزو) ممّا ليس فيه تاء التأنيث ، ولعلّ الفارق عند يونس بين ذي التاء والمجرّد عنها مع السماع أنّ التغيير عندهم قد يجري على التغيير ، فحيث انفتح باب التغيير في ذي التاء بحذفها سومح فيه بوقوع غيره - أيضا وهو كما ترى.
(وبدويّ) - بفتح الأوّلين - في النسبة إلى : بدو - بسكون الدال - للبادية - (شاذ) عندهما ، لتجرّده عن التاء ، والقياس : بدويّ - بسكون الدال -.
(وباب : طيّ ، وحيّ) وهو : الثلاثي الّذي آخره ياء مشدّدة بعد حرف واحد ، (تردّ) فيه (الاولى) المدغمة(إلى أصلها) وهو الواو ان كانت منقلبة عنها ، (وتفتح) سواء اشتملت على الردّ أم لا ، وتقلب الأخيرة واوا ، والمقصود انّه يلزم جميع ما ذكر في النسبة إلى هذا الباب وان كان اعتبارها على عكس الترتيب المذكور ، فانّه يعتبر من أوّل الأمر قلب الأخيرة واوا ، كراهة اجتماع الياآت ، ثمّ لو أبقيت الاولى على السكون لزم قلب هذه الواو ياء والوقوع في المهروب عنه ، لمجامعتها الياء الساكنة المتقدّمة فحركت بالفتح لخفته ، فان كانت منقلبة عن الواو ردّت إليها ، لزوال سبب قلبها ياء وهو سكونها مع مجامعة الياء الّتي بعدها ، (فيقال : طوويّ) - في طيّ - لأنّه مصدر طوى يطوي ، وأصله : طوي - بالواو الساكنة - ، (وحيويّ) - في حيّ - لأنّه صفة من حيي يحيى ، وذلك : (بخلاف) ما آخره واو مشدّدة بعد حرف واحد ، نحو : (دويّ ، وكوّيّ) في النسبة إلى دوّ - للمفازة - وكوّة بفتح الكاف - لثقب البيت - ، فمثل ذلك يبقى على حاله ، لأن اجتماع الواو المشدّدة مع الياء المشدّدة الّتي للنسبة ليس كاجتماع اليائين المشدّدتين في الثقل ، لعدم التماثل ، ولا
فرق في هذين بين ذي التاء ، كطيّة ، وكوّة ، والمجرّد عنها كطيّ ودوّ.
(وما آخره ياء مشدّدة - بعد ثلاثة -) أحرف ان كانت في (نحو : مرميّ) - اسم مفعول - من الرّمي بأن يكون الثانية المدغمة فيها من تلك المشدّدة أصليّة ، (قيل) : في النسبة إليه (مرمويّ) بابقاء تلك الأصليّة ، محافظة عليها مع قلبها واوا ، لئلّا يجتمع ثلاث ياآت ، وحذف الاخرى المدغمة ، استثقالا لها مع الواو وياء النسبة ، وفتح ما قبل الواو ، استثقالا للكسرتين معهما ، كما فتح في قاضويّ ، (و) يقال : فيه (مرميّ) - بحذف تلك المشدّدة باسرها - أيضا كما تحذف الواحدة من القاضي ، ترجيحا للخفة على مراعاة الأصلي ، وهذا أفصح.
(وان كانت) تلك المشدّدة الواقعة بعد الثلاثة(زائدة) بتمامها(حذفت) ، استثقالا مع عدم اصالة شيء يحافظ عليه ، وذلك (ككرسيّ) ، وشافعيّ ، (وبخاتيّ) حالكونه (اسم رجل) ، فان كانت في مثل ذلك تاء التأنيث فالفرق بين حالتي النسبة وعدمها بحذف التاء في النسبة ، كاسكندريّ ، وقسطنطنيّ - في اسكندريّة وقسطنطنيّة ، وإلّا فلا فرق بين الحالتين إلّا بالقرائن ومنها : الانصراف في بخاتيّ لدلالته على النسبة باعتبار ان ياء النسبة ليست من بناء الكلمة حتّى يكون على صيغة الجمع الأقصى المقتضية لعدم الانصراف ، بخلاف ما إذا منع من الصرف ، فانّه يدل على اعتبار انّ الياء ليست للنسبة بل هي من بناء الكلمة ، ليكون على صيغة الجمع الأقصى الّذي نقلت منه إلى العلمية وبقيت على عدم الانصراف ، كحضاجر - علما لجنس الضبع -.
وان لم يكن اسم رجل ، بل أريد به المعنى الجمعي ردّ إلى مفرده ، وهو البختيّ - للابل الخراسانيّة -.
(وما آخره همزة بعد ألف ان كانت) مزيدة(للتأنيث) في الأصل - وان عرض
تذكير المسمّى بأن سمّى به مذكّر - (قلبت واوا) ، (كحمراويّ) ، وبيضاويّ ، (وصحراويّ) في - حمراء ، وبيضاء ، وصحراء ، ومنه : ذكريّاويّ - في ذكريّاء - على تقدير المدّ على ما يقال ، وذلك لكراهة بقائها على صورتها وسطا في ما هو في حكم كلمة واحدة ، مع ان شأنها اللحوق بعد تمام الكلمة ، وقلبها ياء يؤدّي إلى اجتماع الثلاث فقلبت واوا ، ولم تحذف روما ، للفرق بينها وبين المقصورة ، فانّ الهمزة لو حذفت تبعتها الألف في الحذف كما في ترخيم المنادي ، لتنزيلهما في كلامهم منزلة حرف واحد ، ولهذا لا يقع الانفكاك بينهما ، فيحصل : حمريّ مثلا كحبليّ ، ولم يعكس ، لأنّ حذف حرف واحد - وهو المقصورة - أهون من حذف حرفين ، فما ذكر هو الأصل والقياس.
(وصنعانيّ ، وبهرانيّ ، وروحانيّ) - بفتح الرّاء - كلّها بالنون بعد الألف ، في - صنعاء - للبلدة المعروفة باليمن ، - وبهراء - لقبيلة من قضاعة ، - وروحاء - لموضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلا من المدينة ، وآخر بالشام ، (وجلوليّ) في النسبة إلى جلولاء - لموضع ببغداد بخانقين (1)- وآخر بفارس على ما قيل ، (وحروريّ) - في حروراء - بالمدّ وقد يقصر ، - لموضع بالكوفة - ينسب إليه الحرورية من الخوارج ، لأن أوّل اجتماعهم كان فيه حين فارقوا أمير المؤمنين عليّا - رضياللهعنه - (شاذ) ، والقياس : صنعاويّ ، وبهراويّ ، وروحاويّ ، وجلولاويّ ، وحروراويّ.
(وان كانت) الهمزة الواقعة في الآخر بعد الألف (أصليّة) ، (تثبت - على الأكثر -) ، فرقا بينها وبين الّتي للتأنيث (2)، ويجوز - على قلّة - قلبها واوا تشبيها بها ، (كقرّائيّ) ، وقرّاويّ ، في النسبة الواقعة إلى : قرّاء - بضمّ القاف وتشديد الراء -
كرمّان ، - للنّاسك المتعبد - من قرء إذا تنسّك ، (والّا) تكن للتأنيث ولا أصلية بل كانت منقلبة عن واو أو ياء أصليّة أو زيدت للالحاق (فالوجهان) وهما : اثباتها على حالها والقلب واوا جائزان من غير تفاوت في القلّة والكثرة ، (ككسائيّ) ، وكساويّ - في كساء - وهمزته منقلبة عن الواو الأصليّة ، لأنّه من - الكسوة - وأصله : كساو قلبت الواو همزة لوقوعها طرفا بعد الألف الزائدة ، (وعلباويّ) ، وعلبائيّ ، - في علباء - بتنوين الصرف - لعصب العنق - ، والهمزة فيه زيدت للالحاق بقرطاس فاثباتها للتشبيه بالأصليّة لانقلابها عن أصليّ في الأوّل وكونها كالأصلي في الثاني ، والقلب للتشبيه بالّتي للتأنيث.
ومثل ذلك لو جعل علما للمؤنث - كما إذا جعل كساء اسم امرأة - فالوجهان فيه - أيضا - على السواء ، لأنّ التأنيث للعلميّة للمؤنث لا للهمزة.
(وباب : سقاية) وهو : ما في آخره ياء بعد ألف زائدة ، ولم يقلب يائه همزة لعدم وقوعها طرفا بسبب تاء التأنيث اللّازمة الّتي وضع اللفظ معها ، (1)(سقائيّ) - يقلب ياء آخره همزة - عند النسبة ، لزوال تاء التأنيث المانعة عن تطرفها وانقلابها إليها ، ولم تقلب الهمزة واوا ، لئلّا يلزم كثرة التغيير ، والسقاية : مشربة يسقى بها.
(وباب : شقاوة) وهو : ما فيه واو لم تقلب همزة ، للزوم التاء بعدها ، (شقاويّ) - بالواو من غير القلب همزة بعد حذف التاء - ، فرقا بين اليائي والواويّ ، ولم يعكس ، لأن اجتماع الواو مع ياء النسبة أهون من اجتماع الياء معها.
(وباب : راي ، وراية) ، وآي ، وآية ، غاي ، وغاية ، ممّا وقعت الياء فيه بعد ألف منقلبة عن أصليّ ، سواء كان مجرّدا عن التاء - للجنس - أو مقرونا بها - للواحد -
1) احتراز عمّا لم يوضع اللفظ معها بل قد تلحقه نحو كساء وكساوة فانّ الواو مثلا في مثلها تقلب همزة بعد الألف.
فيه ثلاثة أوجه : (رائيّ) - بقلب الياء همزة - تشبيها لها بالواقعة بعد الألف الزائدة ، كسقاية ، (وراويّ) - بقلبها واوا - استثقالا لها ، والياء الثالثة المتطرفة المستثقلة في النسبة تقلب واوا ، كعمويّ ، (وراييّ) - باثباتها من غير قلب - ، تشبيها لها بظبي وظبية ، والراي ، والراية العلم - بالتحريك - ، ويجمع الراية : على الرايات - أيضا - (1)، وألفهما منقلبة عن الواو الأصليّة ، على ما صرّح به بعضهم ، وربّما أشعر كلام بعضهم بأن أصلها الياء.
ثمّ انّ المنسوب إليه : قد يكون على حرفين ، أمّا بالوضع أو بحذف شيء منه ، فما بالوضع - ان كان ثانية حرف علّة - فأمّا ألف فتزاد بعدها همزة في الأكثر ، وقد تزاد الواو ، فيقال : في - لا - مثلا لائيّ ، ولاويّ ، ومنه المائيّة - لذات الشيء - المنسوبة إلى لفظة ما المستفهمة عن الحقيقة ، وامّا : الماهيّة فمن قلب الهمزة هاء للتناسب في المخرج ، وأمّا واو أو ياء وحكمهما التضعيف ، فيرجع اليائيّ إلى باب : طيّ ، وحيّ فيقلب الثانية المدغمة فيها من المشدّدة واوا ، فيقال : في - كي ، وفي - اسمين - كيويّ ، وفيويّ ، وأصلهما : كيّيّ ، وفيّيّ - بيائين مشدّدتين - هما : المضعفة وعلامة النسبة ، وفي - لو - اسما - لوّيّ ، بالتشديد - كدوّيّ.
وان كان صحيحا جاز التضعيف وتركه ، فيقال : في كم كميّ بالتضعيف والتخفيف.
(وما كان على حرفين) لحذف شيء منه ، فالضابط فيه : انّه (ان كان متحرّك الأوسط - أصلا -) - أي في أصله قبل أن يحذف منه شيء - (والمحذوف هو اللّام) سواء كانت حرف علّة أم لا ، (ولم يعوّض) عنها(همزة وصل) ، (أو كان المحذوف - فاءا - ، وهو معتل اللّام ، وجب ردّه) للمحذوف عند النسبة ، أمّا في الأوّل : فلئلّا يلزم الاجحاف بحذف اللّام وحذف حركة العين ، بطريان الكسرة الملتزمة
1) وفي نسخة : على الرايات والرّوايا أيضا.
قبل ياء النسبة من غير ضرورة ، لكون اللّام محلا للتغيير صالحا للردّ والحذف ، وأمّا في الثاني : فلعدم اسم معرب على حرفين ثانيهما حرف علّة في كلامهم ، لكونها كالعدم وفي معرض السقوط بالتقاء الساكنين - رفعا ، وجرّا - كما في قاض ، فيبقى على حرف واحد ، فلذلك التزم التعويض في مثله بتاء التأنيث واجراء الاعراب عليها ، وهي تحذف عند النسبة ، فلو لم تردّ الفاء المحذوفة التحق المنسوب إليه بمعدوم النظير فالأوّل فيما لامه المحذوفة حرف علّة(كأبويّ ، وأخويّ) - في أب ، وأخ - وأصلهما : أبو ، وأخو - بفتح العين - ، وذوويّ - بواوين - كأبويّ ، - في ذو - ، وذا ، وذي ، بمعنى صاحب.
والأصل : ذوي - بالتحريك - ولامه المحذوفة ياء ، عند سيبويه والأخفش ، حملا على ما هو الغالب في اللفيف المقرون من كون عينه واوا ولامه ياء ، نحو : طويت ، وقد ردّت في النسبة وقلبت واوا ، لئلّا يجتمع الثلاث من غير سبق السكون ، وعادت العين في - ذا ، وذي - إلى أصلها وهو الواو ، كراهة اعلال العين واللّام معا في النسبة الّتي شأنها تكميل الحروف.
وكذا - ذات - بمعنى صاحبة - للمؤنث ، لرجوعها بعذ حذف تاء التأنيث في النسبة - وجوبا - إلى المذكر ، وليس في أصل اللّغة المشهورة لفظ - ذات - سوى هذه ، على ما صرّح به جماعة ، فمن ثمّ كانت ذات الشيء - بمعنى حقيقته - منقولة عنها عرفا ، فالحق في النسبة إليها : ذوويّ ، على ما صرّح به جماعة منهم ابن هشام حاكما بأن قول المتكلمين : ذاتيّ في النسبة إليها لحن ، وكأنّه مبني على توهّم اصالة التاء ، وقد اعتذر بعضهم : بأنّهم لم يريدوا به النسبة اللّغوية حتّى يراعي أحكامها ، بل كأنّهم اصطلحوا على جعل لفظ - الذاتيّ - مع الياء اسما لما ليس بخارج عن الشيء ، ومن ثمه يطلقونه على نفس الذات مع انّ الشيء لا ينسب إلى نفسه ، والتحقيق في ذلك له موضع آخر.
(و) الأوّل فيما لامه المحذوفة حرف صحيح ، نحو (ستهيّ - في ست -) ، وأصله :
سته ، وشاهيّ - في شاة - للغنم - ، وأصله : شوهة - بسكون الواو - بدليل الجمع على شياه ، ثمّ حركت لتقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، لزيادة التخفيف ، ولعلّ المراد : بتحريك الأوسط ما يشمل هذا ، وحذفت لامه وهي الهاء ، فتردّ في النسبة وتحذف تاء التأنيث.
وليعلم انّ الضابط - عند جماعة - في وجوب ردّ اللّام المحذوفة أحد الأمرين ، الأوّل : اعتلال العين نحو : شاة ، من غير ان يبدل من العين المعتلة قبل النسبة حرف صحيح ، كالميم المبدلة عن الواو قبل النسبة في - فم - وأصله : فوه ، لعدم ردّ اللّام في مثله عندهم ، فلا يقال : فوهيّ ، بل فميّ مثلا ، الأمر الثاني : ردّ اللّام في موضع من المواضع ، كما في المثنى ، كأبوان ، أو في جمع التصحيح ، نحو : سنوات ، واستضعفه المصنف بأنّه ردّ إلى الجهالة ، لعدم ضابطة معتمدة عنده يعرف بها ما يردّ اللّام في مثناه أو جمعه ، ولذا عدل إلى جعل الضابط ما ذكره من تحرّك الأوسط مع عدم التعويض بالهمزة ، وأورد عليه انّ الجهالة لازمة فيه - أيضا - لجهالة حال الأوسط من الحركة والسكون في أكثر ما كان على نحو : ثبة ، ومائة ، وسنة ، على ما ذكره بعض النحاة.
وان تردّدت اللّام المحذوفة بين حرفين ردّت على الوجهين ، كتردّدها بين الهاء والواو في - سنة - لمجيء جمعها على سنهات - في لغة الحجازيين - على ما قيل ، وسنوات - فيما عداها - ، فيقال : سنهيّ ، وسنويّ.
(و) الثاني : أعني المحذوف الفاء المعتل اللّام - نحو : (وشويّ) - بكسر الواو مع فتح الشين المعجمة - (في شية) بكسرها ، - لكل لون في الشيء يخالف معظم لونه - ، وأصلها : وشية - بكسر الواو وسكون الشين - فحذفت الواو الّتي هي الفاء بعد نقل كسرتها إلى ما بعدها على قاعدة الاعلال في مثلها ، فاعيدت الواو المكسورة في النسبة ، ولو اعيد سكون الشين لزم بقاء الواو مع موجب حذفها ففتحت ، لخفة الفتحة ، فلزم قلب الياء الّتي هي اللّام واوا ، لئلّا يجتمع الثلاث من غير سبق
سكون ، هذا عند سيبويه من تبعه.
(وقال الأخفش : وشييّ على الأصل) - بكسر الواو مع سكون الشين وابقاء الياء - لسبق السكون ، وزعم : اغتفار اثبات هذه الواو - مع موجب حذفها - لعروض موجب الحذف في النسبة الّتي هي في معرض الزوال.
وكما يجب ردّ الفاء المحذوفة مع اعتلال - اللّام - يجب ردّ العين المحذوفة مع اعتلال - اللّام - ، نحو : يرى مضارع - رأى - إذا جعل اسما - وان لم يكن ممّا نحن فيه وهو ما على حرفين ، وأصله : يرأى ، فحذفت عينه - وهي الهمزة - ، فتردّ عند النسبة ويبقى حركة الراء بعد الردّ ، - عند سيبويه - ، فتحذف الألف الرابعة - وجوبا - وان كانت منقلبة عن أصليّة ، لتحرّك الأوسط : نحو : جمزي ، فيقال : يرأيّ - بفتح الأوّلين وكسر الهمزة - ، والأخفش : يسكن الراء ، للردّ إلى أصلها ، فيجوز حذف تلك الألف ، وقلبها واوا ، لسكون الوسط ، كيرئيّ ، ويرأويّ ، كمرميّ ، ومرمويّ.
(و) الكائن على حرفين لحذف شيء(ان كانت لامه صحيحة والمحذوف غيرها) فاء كان أو عينا(لم يردّ) المحذوف ، وان بقى الاسم على حرفين ، لأنّ الحرف الثاني ليس حرف علّة ، وله نظير في اللّغة في الأسماء المعربة المحذوفة الاعجاز من غير تعويض التاء ، كيد ، ودم ، مع انّ المحذوف ليس ما هو محل التغيير - أعني اللّام - ولا ضرورة اخرى إلى الردّ ، وذلك : (كعديّ ، وزنيّ) - في عدة ، وزنة - ، وأصلهما : وعدة ، ووزنة ، والمحذوف منهما - الفاء - ، (وسهيّ في - سه -) ، والمحذوف منه - العين - ، وقال عبد القاهر : ليس اسم ثنائي محذوف العين في كلامهم غير سه ، ومذ - في منذ - الاسميّة.
(وجاء :) في مثل عدة في كلام بعض العرب (عدويّ) - بالواو - قبل علامة النسبة ، قال المصنف : في شرح المفصل كأنّهم لما تعذر عليهم الردّ في موضع الحذف - إذ ليس موضع التغيير - قلبوا إلى موضع التغيير ، أو زادوا في موضع التغيير ،
انتهى ، والاحتمال الأوّل : اشارة إلى ما اختاره الفراء من جعل الفاء المحذوفة من الصحيح اللّام ومعتلها إلى الآخر الّذي هو موضع التغيير ، ليصح ردّها ، كعدويّ ، وشيويّ ، والوزن علفيّ ، والثاني : اشارة إلى ما يقال : من الواو مزيدة - عوضا -.
والظاهر ان قوله : ههنا(وليس) ذلك (بردّ) إختيار للزيادة ، لما في اعتبار القلب والردّ من التكلّف ، ومعناه : ان ذلك ليس بردّ للواو المحذوفة ، بل هي زائدة - عوضا - كما قال بعض الشارحين ، والوزن علويّ ، وقد يقال : ان مختاره ان هذه الواو هي المحذوفة ، وكأنّه لانقباض العقل عن رفض ما كانت في جوهر الكلمة وزيادة غيرها من جنسها ، ومراده : انّه ليس بردّ ، لأن الردّ يكون في موضع الحذف ، بل هو قلب مكانيّ ، فكأنّه مجرّد اعتبار لفظي وهو أنّه لا يسمّى ردّا ، وهو بعد تسليمه قليل الجدوى.
وقد علم إلى ههنا أمران هما : الواجب الردّ وهو كلّ من الصورتين الاوليين ، والممتنع الردّ وهو الصورة الأخيرة.
(وما سواهما) - وهو صورتان - محذوف اللّام من غير تعويض الهمزة لكن مع سكون الوسط ، ومحذوفها مع التعويض كيف ما كان الوسط(يجوز فيه الأمران) الردّ ، رعاية للأصل وحملا على ما يرد فيه ، وتركه ، لعدم الاجحاف اللّازم فيما تقدم ، لوجود العوض عند اللّام المحذوفة ههنا في صورة التعويض ، وعدم حذف حركة العين في صورة سكونها ، لعدم الحركة ، ويجب حذف العوض مع ردّ اللّام المعوّضة ، لئلّا يجتمعا ، ويلزم التعويض مع عدم ردّها ، لتحققه قبل النسبة فالتزم بعدها ، لأنّها أولى بذلك ، إذ شأنها الغالب اكمال الحروف ومراعاة المحذوفات.
وذلك : (نحو : غديّ) ، ودميّ ، - بالحذف - (وغدويّ) ، ودمويّ ، بالردّ - في غد - لليوم الّذي بعد يومك - ، وأصله : غدو - بسكون الوسط - ، ودم وأصله : دمي - بالياء مع سكون الأوسط - عند سيبويه والأخفش ، ويؤيّده الجمع على - دماء ، ودميّ ، كظباء وظبيّ ، ودلاء ودليّ - في ظبي ، ودلو - ، وأمّا دميان - بالتحريك - في
المثنى فشاذ ، لا يثبت به ما تمسّك المبرد به من كونه على «فعل» بتحريك العين ، ولانفتاح الوسط في النسبة - عند سيبويه - كما يجيء - إنشاء الله تعالى - قلبت الياء واوا ، كراهة اجتماع الثلاث من غير سبق السكون ، (و) نحو : (ابنيّ) ، واسميّ ، واستيّ - بالهمزة المعوضة عن اللّام - ، (وبنويّ) ، وسمويّ - بالحركات الثلاث في السين - على ما قال نجم الأئمّة رضي ، وفتح الميم ، وستهيّ ، كلّها بالردّ وحذف الهمزة ، وأصلهما : بنو ، وستة ، بالتحريك فيهما ، وسمو - بسكون الوسط ، ولم يعتنوا بتعويض الميم - في ابنم - فلم يتكلموا قط بابنميّ - بالهمزة والميم معا - بل يقال فيه : أيضا ابنيّ - بالهمزة فقط وبنويّ بالردّ.
(و) نحو : (حريّ ، وحرحيّ) بالحذف والردّ ، وشفهيّ ، وشفيّ - بالوجهين - ، في حر - وأصله : حرح - بكسر الحاء المهملة وسكون الراء - لفرج المرأة - ، وشفة وأصلها : شفهة - بسكون الوسط - للجمع على شفاة ، وربّما يقال : شفويّ - بالواو - لورود شفوات في الجمع والأشفى كأروى - لمن لا تنضم شفتاه - ، وقال الجوهريّ : لا دليل على صحّته ، والمشافهة وتصاريفها يؤيّد الأوّل.
ثمّ انّهم اتفقوا على تسكين العين عند ردّ اللّام المحذوفة في المضاعف ، لما يؤدّي إليه تحريكها من فك الادغام والثقل ، وذلك : كربّيّ - بتشديد الموحدة - في ربّ - مخفف ربّ - بالتشديد - من الحروف الجارة ، إذا سميّ به ، واختلفوا في غيره ، فسيبويه : يفتحها نظرا إلى انّها بعد حذف اللّام صارت معرضا للحركات الاعرابية ، وان طرأ مانع في البعض مثل : تاء التأنيث فيما لحقته ، فالمناسب عدم خلوها عن الحركة فحركت بالفتح الأخف ، فيقال : عليه عدويّ ، وحرحيّ ، ودمويّ ، ونحوها بفتح الأوسط.
(وأبو الحسن) الأخفش (يسكّن ما أصله السكون) ، ردّا إلى الأصل ، (فيقول : غدويّ ، وحرحيّ) ، ودمييّ - بالسكون وابقاء الياء المردودّة - في دم -.
واعلم انّ النسبة في المؤنث الثلاثي المحذوف اللّام المعوض عنها الهمزة كالنسبة
في المذكر بالاتفاق ، فيقال : في ابنة ، ابنيّ ، وبنويّ ، كما في ابن ، (و) كذلك (اخت ، وبنت) وما يجري مجراهما من المؤنث الثلاثي الّذي عوّضت التاء عن لامه المحذوفة ، اشعارا بالتأنيث ، حكمها كالمذكر - أيضا - ، (كأخ ، وابن ، عند سيبويه) ، وفاقا للخليل ، لأنّ التاء - وان كانت عوضا ولذا تكتب مطولة ويوقف على لفظها من غير القلب - هاء - ولم يفتح الحرف الصحيح الواقع قبلها بل سكن ، ولم تؤثر في منع الصرف عند جعل ما هي فيه علما ، وغيّرت صورة المذكر كضمّ الهمزة - من اخت - وكسر الباء - في بنت - ، اشعارا بأنّها على خلاف قياس المتمحضة للتأنيث في جميع ذلك - لكن فيها رائحة التأنيث ، بدليل الاختصاص بالمؤنث ، فيستكره ابقائها في النسبة فيجب حذفها وردّ اللّام ، كما وجب ردّها في - بنويّ - عند حذف العوض ، ويزول التغييرات التابعة للتعويض بها ويرجع إلى صورة المذكر ، فيجري عليه حكمه ، فيقال : اخويّ ، وبنويّ ، كما في أخ وابن.
(و) وجب عنده بناء(عليه) ان يقال : في كلّتا للمؤنث - (كلويّ) ، - بكسر الكاف وفتح اللّام وياء النسبة - كما في - كلّا - للمذكر ، فان أصله : عنده كلوى - بالألف المقصورة - على «فعلي» بكسر الفاء وسكون العين ، كذكرى ، فحذفت الواو وعوض عنها التاء فلم يتمحض للتأنيث ، ولذا لم يكن فيه جميع بين العلامتين ، واختير تعويضها ، اشعارا بالتأنيث ، ولم يكتف بالألف ، لانقلابها ياء - جرّا ونصبا - فيخرج عن صورة العلامة ، فالتاء فيه مثلها في اخت ، ويلزم ردّ - الواو - المحذوفة ، كما في - بنويّ - وبعد ردّها يفتح الأوسط على مذهبه ، فيلزم حذف الألف ، ويمتنع قلبها واوا لوقوعها رابعة مع تحرّك الأوسط ، كما في - جمزى - مع كراهة اجتماع الواوين لو قلبت ههنا ، فيقال : كلويّ كما - في كلا -.
(وقال يونس) : في اخت ، وبنت ، (اختيّ ، وبنتيّ) - بالتاء - على سبيل التجويز ، كما وقع في كلام بعض المحقّقين ، لا الوجوب كما يقال ، وانّما جوّز ذلك لمنع وجوب حذفها بمجرّد رائحة التأنيث ، وتجويزه اقامتها فيهما مقام ما هي عوض له لعدم
غلبة جهة التأنيث فيها في اللّغة ، بدليل وقوع ساكن صحيح قبلها واثباتها وقفا ، بخلاف ما غلبت فيه جهة التأنيث ، نحو : هنة ، حيث التزم ابدالها فيها - هاء - عند الوقف في كلامهم ، كما في المتمحضة للتأنيث ، فلذلك : تعين فيه هنويّ ، فلا يرد الاعتراض بها عليه ، وقد يعترض عليه بأنّه لو صحّ ما ذكره في - اخت وبنت - لجاز تصغيرهما على - اخيت ، وبنيت ، على زنة كعيت - للطائر - من غير ردّ المحذوف ، لقيام التاء مقامه ، لعدم اعتبار رائحة التأنيث ، كما قامت في النسبة مع اعترافه بعدم جواز ذلك ، وبأنّه يتعيّن اخيّة وبنيّة بالردّ وادغام ياء التصغير ، اللهمّ إلّا ان يخص تجويز الاقامة مقام المعوض عنه بما إذا لم يطرد السماع على خلافه ، كالتصغير ان أمكن الفرق بين التصغير والنسبة فيهما بحسب السماع ، ولم ينقل عنه في - كلّتا - شيء.
(و) لكن ان صحّ ما ذكره جاز قياسا(عليه) ان يقال : (كلتيّ) على الأفصح ، (وكلتويّ وكلتاويّ) على غيره ، لأنّ التاء فيه عوض ، كما في - اخت - فيجوز اقامتها مقام المعوض عنه ، كما جاز ، والف التأنيث المقصورة رابعة في اسم ساكن الوسط فتأتي فيه تلك الوجوه ، كحبليّ ، وحبلويّ ، وحبلاويّ.
وذهب الجرمي : إلى انّ الألف فيه أصليّة وهي لامه ، والتاء متمحضة للتأنيث ووزنه «فعتل» وجعلت وسطا ، لئلّا يعرب بالحركات فيزيد على المذكر المعرب بالاعراب الحرفي الفرعي ، وهو ضعيف ، لعدم «فعتل» في كلامهم أصلا ، لكن عليه ان يقال : كلتويّ على الأفصح ، وكلتيّ وكلتاويّ على غيره ، لأصالة الألف ، كملهويّ ، وملهيّ ، وملهاويّ.
وزعم الأخفش : - في اخت ، وبنت - انّ النسبة إليهما بحذف التاء وردّ المحذوف وابقائهما وزنهما ، فيقال : أخويّ - بضمّ الهمزة وسكون الخاء - ، وبنويّ - بكسر الباء وسكون النون -.
(والمركّب) : الّذي يقصد النسبة إليه (ينسب) - أي يوقع النسبة - (إلى صدره) ، لاستثقال النسبة إلى كلمتين ، فيحذف الجزء الثاني الّذي حصل الثقل عنده الواقع موقع ما يحذف في النسبة ، كعلامة التأنيث ، والمثنى والجمع ، وهذا بخلاف الكلمة الواحدة المستثقلة بكثرة الحروف ، كقرعبلانة ، لعدم مفصل يجري بسببه بعضها مجرى العلامات.
وذلك مطرّد في كلّ مركب سواء كان - مزجيّا - غير متضمّن لحرف ، (كبعليّ) - في بعلبكّ - ، ومعديّ ، ومعدويّ - بحذف الياء أو قلبها واوا - لوقوعها بعد الكسرة ، كقاضيّ ، وقاضويّ ، - في معدي كرب - ، أو اسناديّا ، (و) ذلك نحو : (تأبّطيّ) - في تأبّط شرّا - أي وضع تحت إبطه - أي باطن منكبه - لقب جابر بن ثابت الفهميّ ، لزعمهم انّه قتل الغول وتأبطها وأتى أصحابه فألقاها بينهم ، وقيل : لأنّه تأبّط سكينا أو سهاما وأتى قوما وضربهم بها ، أو مزجيّا - متضمنا لحرف في الأصل (و) ذلك نحو : (خمسيّ ، في خمسة عشر) حالكونه (علما) وهو في الأصل متضمن للواو ، لأنّه بمعنى خمسة وعشر ، ونحو : إثنيّ ، وثنويّ ، كابنيّ وبنويّ - في اثنى عشر - علما - ، لأن أصله : ثنو ، والهمزة الوصلية في أوّله عوض عن اللّام المحذوفة ، - كما في ابن - والف آخره يحذف في النسبة ، كعلامة التثنية (1)، وذلك لبطلان معنى الجزئين بالعلمية فلا يفوت بحذف جزء منه شيء من المعنى.
(و) مثل هذا(لا ينسب إليه) حالكونه (عددا) ، عند الجمهور لتعلّق القصد بمعنى كل من الجزئين ، فعند الالتباس بالنسبة إلى العدد المفرد ، كخمسة ، واثنين يفوت المقصود الأصلي ، وأمّا الالتباس في حال العلمية بالمنسوب إلى ما سمّي بالجزء الأوّل فلم يبالو به ، لندرته ، بخلاف المعنى العددي الكثير الشائع على ما
1) وفي نسخة : كعلامة التأنيث.
شرح المفصل.
وجوز الجرمي : النسبة إلى كل من الجزئين بانفراده ، كبعليّ أو بكيّ ، وأبو حاتم والسيرافي وجماعة : النسبة إليهما معا في حالة واحدة ، مثل : بعليّ بكيّ ، وهؤلاء جوزوا النسبة إلى مجموع جزئي العدد المركب مع تسكين الشين من - العشرة - في المؤنث وفتحها في المذكر ، وجاء على قلّة النسبة إلى مجموع المزجي مع قلّة حروفه ، كبعلبكيّ ، تشبيها له بالمفرد ، وإلى مجموع الاسنادي الّذي أريد به نفس لفظه ، لانسلاخ المعنى التركيبي ، كقوله :
فاصبحت كنتيّا واصبحت عاجنا
وشرّ خصال المرأ كنت وعاجن (1)
وما انا كنتيّ وما انا عاجن. والعاجن : الّذي لا يقدر على النهوض من الكبر إلّا بعد ان يعتمد على يديه اعتمادا تاما كأنّه يعجن. والاستشهاد : في قوله : كنتيّا حيث نسب إلى المركب الاسنادي على لفظه.
والكنتى : الشيخ العاجز الّذي يقول كنت في شبابي كذا وكذا ، كأنّه منسوب إلى هذا القول ، كذا قاله الجوهري.
وقال الجرمي : انّما جاز ذلك لأنّ تاء الضمير كالجزء من الفعل ، وكسر تاء الضمير لعلامة النسبة ، وربّما يحافظ على ضمّه بنون الوقاية ، فيقال : كنتنيّ ، والقياس في النسبة إلى صدره كانيّ ، لأنّه أصله ، وانّما تغيّر لملاقات الضمير ، كما في - قلت ، وسدت ، فعند حذفه يرجع إلى أصله ، وعاجنا : - أي معتمدا على الأرض عند القيام للضعف -.
(و) المركب الاضافي الّذي يقاله له (المضاف) بمعنى المشتمل على الاضافة ، (ان كان) الجزء(الثاني) منه (مقصودا أصلا) - أي في أصل الوضع الّذي هو مناط
1) لم أقف لهذا البيت على نسبة إلى قائل معيّن ، ويروي صدره :
لاطلاق ذلك المركب على المنسوب إليه ، وان طرء زوال ذلك ثانيا ، وذلك : (كابن الزّبير ، وأبي عمرو) ، وامّ كلثوم ، فانّ الجزء الثاني مقصود - في الأصل حتّى في الوضع العلمي الّذي هو مناط الاطلاق - فيما يكون كنية من ذلك ، ليعرف به الجزء الّذي أضيف إليه ويميّز به ، فاذا نسب إليه (قيل : زبيريّ ، وعمريّ) ، وكلثوميّ ، بالنسبة إلى الجزء الثاني ، إذ لو نسب إلى الأوّل بأن يقال : ابنيّ ، وابويّ ، مثلا لفات ذلك المقصود وكثر الالتباس بحيث لا يتسامح به ، لعدم التعيين بوجه ، ولو طرء في نحو ذلك الغلبة في شيء ممّا يشتمله في الوضع الاضافي الّذي هو مناط الاطلاق بحيث ينصرف إليه - وان لم يخطر المعنى الاضافي بالبال كابن الزّبير في عبد الله - على ما قال المصنف ، كانت النسبة إلى الثاني - أيضا - لاعتبار مقتضى الأصل في وضعه وعدم الالتفات إلى هذه الحالة العارضة ، وكذا كنية من لم يولد له ولد أصلا ، إذ الأصل في وضع الكنى ما ذكر من التعريف والتميز ، وهذا المعنى كأنّه ملحوظ في مثل ما ذكرا ادّعاء على سبيل التفأل بأن يعيش ويولد له من يتميّز به ، فاعتبر فيه - أيضا - مقتضى الأصل.
(وان كان كعبد مناف ، وامرأ القيس) بأن لا يكون الجزء الثاني كمناف - لصنم - وقيس - لأبي قبيلة - أو صنم مقصودا أصلا لعدم ملاحظة المعنى التركيبي في الوضع العلمي ، (قيل : عبديّ وامرئيّ) - بكسر الهمزتين والراء أيضا اتباعا للثانية الّتي بعدها ، وسكون الميم - ، وهذا شاذ عند سيبويه ، والمطرد عنده مرئيّ - بفتح الميم والراء كليهما وحذف الهمزة الاولى الوصلية - فالنسبة في مثل ذلك على الأصل في المركب من كونها إلى الجزء الأوّل ، لعدم المانع عنه ، وقد يعترض عليه بجريان ما ذكر سابقا ههنا ، إذ لعل التسمية في مثله يقصد بها : العبوديّة لمناف مثلا ، ولو تعنتا (1)كما في جدّ النبيّ - صلىاللهعليهوسلم - عند الشيعة ، والمرئية - أي الرياسة لقيس - ان أريد به القبيلة ، ولا ريب في احتمال التفأل المذكور - ثمّة - ههنا من غير
1) وفي نسخة : ولو تقيّة.
كلفة ، فتأمّل.
ولو أمكن اسناد التفرقة في النسبة بين القسمين إلى الاستقراء كان أحسن ، وهو على تقدير تماميّته قياس غالب ، وقد يعدل عنه إلى النسبة إلى الجزء الثاني عند خوف اللبس ، كأشهليّ - في عبد الأشهل - ، ومنافيّ في عبد مناف - ، وقد يصاغ من المجموع لفظ على «فعلل» كجعفر ، وينسب إليه ، وهو مقصور على السماع ، كعبدريّ ، وعبشميّ ، وعبقسيّ - في عبد الدار ، وعبد شمس ، وعبد قيس ، ومرقسيّ - في امراء القيس بن حجر الكندي - خاصّة -.
واعلم انّ اللفظ الدال على المتعدّد ان كان مفرد اللفظ نسب إليه على لفظه ، سواء كان اسم جمع ، كقوميّ ، ورهطيّ أو اسم جنس كشجريّ ، وتمريّ ، وان كان جمعا فالمصحّح يحذف منه العلامة ، كما مرّ ، فيرجع إلى الواحد.
(والجمع) المكسر - أيضا - (يردّ إلى الواحد) الّذي اشتقّ منه ذلك الجمع ، لأنّ المقصود من النسبة إلى الجمع الدلالة على الملابسة بين المنسوب والّذي بنى منه ذلك الجمع ، وهذا يحصل بالنسبة إلى الواحد مع كونه أخف ، فيقع لفظ الجمع ضائعا مع ثقله ، كذا يقال فتأمّل فيه ، والعمدة الاستقراء ، (فيقال : في كتب ، وصحف ، ومساجد ، وفرائض) ، وأقوام ، (كتابيّ ، وصحفيّ ، ومسجديّ ، وفرضيّ) - بالردّ إلى الصحيفة والفريضة - والنسبة إليهما ، كحنفيّ ، - في حنيفة - ، وقوميّ وان لم يستعمل له واحد أصلا ، كعباديد ، فالأقوى عند سيبويه النسبة إليه على لفظه ، كعباديديّ ، وأمّا الردّ في التصغير إلى - عبديد - ونحوه فلتعذر بنائه بدونه ، (1)وان استعمل له مفرد غير قياسي كمحاسن فالأقوى عند أبي زيد النسبة على لفظه
1) وفي نسخة : بدون الرد.
ثمّ انّ الردّ إلى الواحد انّما يكون في ما أريد به المعنى الجمعي ، (وامّا باب : مساجد - علما -) ونحوه ممّا نقل إلى العلمية بالغلبة أو ابتداء(فمساجديّ) ونحوه ، بالنسبة إليه على لفظه ، لأنّ الاعلام لا يتغيّر ، ويدل عليه ما سمع منهم في مثل ذلك (كأنصاريّ) - في الطائفة المخصومة من أصحاب النبيّ - صلىاللهعليهوسلم - لصيرورة أنصار علما لهم بالغلبة ، واعرابيّ - في اعراب - لأهل البدو - لأنّه علم فيهم بالغلبة ، وان كان في الأصل جمعا للعرب شاملا للبادي والحاضر ، ونحو : أبناويّ - لبني سعد بن زيد مناة - (1)وأنماريّ - في بني أنمار بن نزاد ، (وكلابيّ) - في كلاب - لقبائل - ، ومدائنيّ - في مدائن - لبلد ، لكون الجميع اعلاما على أحد الوجهين.
ويظهر من كلام بعض المحقّقين الاكتفاء في النسبة إلى الجمع على لفظه بكونه موازنا لمفرد في اللفظ ، نحو : كلاب ، ورباب ، - لقبائل - على زنة كتاب.
فهذه أحكام النسبة على القياس.
(وما جاء على غير ما ذكر فشاذّ) ، كالشواذ الّتي مرّت ، واليماني - بتخفيف الياء - في يمن - ، وأصله : يمنيّ - بتشديد الياء - فحذفت إحدى اليائين وعوّضت عنها الألف المتوسطة على خلاف القياس ، ثمّ تحذف الياء الاخرى الباقية - رفعا وجرّا - باعلال قاض ، وقد يقال : يمانيّ - بتشديد الياء - على الجمع بين العوض والمعوض عنه على خلاف القياس ، أو زيادة الألف - اشباعا - نحو : ينباع - في ينبع - ، ونحو :
1) وفي نسخة : زيد بن مناة وهو الظاهر.
مروزيّ - بزيادة الزاء المعجمة - في مرو - ، فرقا فيه بين الانسان والثياب ، حيث يقال : مرويّ ، وأمّا رازيّ - بالزاء - في الّريّ - ، فقيل : انّه نسبة إلى - راز - على القياس لاشتراك اثنين في بنائه ، اسم أحدهما - راز - والآخر - ريّ - ، واشتراطهما ان يراعي في النسبة إليه اسم أحدهما وفي غيرها الآخر ، هندوانيّ - في السيف المنسوب إلى الهند - ، ودهريّ - بضمّ الدال - في الرجل المسنّ - ، فرقا بينه وبين - الدهريّ - الملحد - ، وبحرانيّ - بالألف - في البحرين - ، على ما قيل ، وازليّ - في لم يزل - ، اختصارا بحذف الجازم وقلب الياء همزة ، كأزنيّ - في الرمح المنسوب إلى - ذي يزن - (1)على ما يقال ، وقيل : انّه منسوب إلى - الأزل - بمعنى : القدم على القياس.
ومن خلاف القياس : ما يكون بزيادة الألف والنون ، مثل : الربّانيّ ، والفوقانيّ ، والتحتانيّ ، والسّفلانيّ ، والرّوحانيّ ، بضمّ الراء - في النسبة إلى الربّ ، والفوق ، والتحت ، والسفل ، والرّوح - بضمّ الراء - بمعنى الملك - فانّه قد يطلق عليهم لاستتارهم ولطافتهم ، وزيادة الألف والنون ، للفرق بين النسبة إليهم وإلى روح الانسان.
ومنه (2)الثلاثيّ ، والرّباعيّ فما فوقهما ، فانّ الظاهر على ما قيل أنّها منسوبة إلى - الثلاثة ، والأربعة فما فوقهما - لا إلى - ثلاث ، ورباع - وغيرهما من الاعداد المعدولة ، إذ الظاهر عدم التكرار المأخوذ في المعدول فيما هي منسوبة إليها ، فتأمّل.
(وكثر مجيء «فعّال») - بفتح الفاء وتشديد العين - للنسبة ، ويفسّر بذي الشيء الّذي يراد النسبة إليه ، لأن ذا الشيء منسوب إليه ، ولكونه في الأصل للمبالغة اختصّ
بصاحب شيء يلازمه ويزاوله ويحترف به ، وذلك : (في الحرف) - أي الصناعات - ، والمراد بها : ههنا ما يزاول مطلقا ، (1)وبالاحتراف : مطلق المزاولة سواء كانت في عمل المنسوب إليه الّذي اشتقّ منه الصيغة معنى كان ، كالنجّار - لذي النجارة - على ما قيل ، أو عينا يعمل عملا في حصول صورتها الصناعية ، (كبتّات) - لذي البت - ان أريد به من يعمله ، وقد يقال : لمن يبيعه ، وهو : - بالموحّدة والمثنّاة المشدّدة - الطّيلسان من خزّ ونحوه ، أو في بيعه ، (و) ذلك : مثل : (عوّاج وثوّاب) - لمن يبيع العاج والثوب - على ما قال سيبويه ، والعاج : عظم الفيل - ، أو في القيام بأمره ، (و) ذلك نحو : (جمّال) ، وبغّال - لمن يقوم بأمر الجمل والبغل - ، أو في استعماله ، وهذا شاذ عند بعضهم ، وذلك : كنبّال ، وسيّاف - لمن يزاول الرمي بالنبل - وهو السهم ، والضرب بالسيف ، كما قال امرأ القيس :
وليس بذي رمح فيطعنني به
وليس بذي سيف وليس بنبّال (2)
ومجيء «فعّال» للنسبة على كثرته ليس قياسا ، فلا يقال : فكّاه ، ودقّاق - لصاحبي الفاكهة والدّقيق.
(وجاء «فاعل») مجيئا دون «فعّال» (بمعنى ذي كذا) ، من دون اعتبار الاحتراف والمزاولة ، ولذا عدل إليه عن صيغة المبالغة ، وهذا(كتامر ، ولابن ، ودارع) ، - لذي التمر واللّبن والدرع - وليس شيء منها بمعنى اسم الفاعل ، لعدم الاشتقاق من المصدر.
(ومنه : (عِيشَةٍ راضِيَةٍ)) (3)باسناد الراضية إلى مفعول الرضا ، وهو ضمير العيشة ، فانّها مرضيّة يقع عليها الرضاء ، فعدل إلى معنى ذات رضا بأن يرضاها صاحبها ،
ليتأتي بناء اسم الفاعل على ما قال الخليل.
ومنه : [ماء دافق] ، فانّه مدفوق ، وقد يقال : مثل ذلك من اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول من غير ان يعتبر النسبة ، وجعله علماء المعاني : من المجازي العقلي باعتبار اسناد اسم الفاعل الباقي على معناه إلى ملابس غير ما هو له ، على ما فصّل في موضعه.
(و) منه : قولهم في مقام الذم فلان (طاعم ، وكاس) على ما قاله الخليل ، في قول الحطيئة يهجو الزبرقان :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فانّك أنت الطّاعم الكاسي (1)
والبغية : الطلب. ولا ترحل : أي لا تذهب. الطاعم : من طعم إذا أكل.
فان مقام الذم قرينة على عدم إرادة صدور الأكل واللبس على وجه الحدوث ، كما هو معنى اسم الفاعل ، إذ لا مذمّة في مجرد ذلك ، مع ان - الكاسي - من يكسو غيره ، لأنّه من - كساه الثوب - وهو ليس بذم ، فذلك قرينة على إرادة النسبة بمعنى ذي الأكل والكسوة وانحصار أمره في الأكل واللبس كما يناسبه ضمير الفصل وتعريف الخبر باللّام ، وقد يقال : لعلهما بمعنى اسم الفاعل مسلوبا عنه معنى الحدوث ، واريد بالكاسي - من يكسو نفسه بقرينة مقام الذم ، وان كان على خلاف الغالب في الفعل المتعدّي من الوقوع على غير الفاعل مع جواز كونه بمعنى اسم المفعول ، وهو المكسوّ على ما قال الفراء ، واحتمال كونه من كسي كرضي - إذا التبس -. (2)
ومن ذلك ما كان للمؤنث بدون التاء ، كحائض ، وحامل وطالق ، - بمعنى ذات حمل وحيض وطلاق - وإلّا لزمت علامة التأنيث على ما هو شأن الصفات ، وقال
الكوفيون : ان مثل ذلك بمعنى اسم الفاعل ، وترك التاء لعدم الحاجة لاختصاص المعنى بالمؤنث ، وان اتفق الحاقها في البعض ، كحاملة على الأصل ، حملا على غيرها من الصفات ، واورد عليهم تركها في بعض الصفات المشتركة ، كما حكاه الفراء من قولهم : امرأة محبّ لزوجها وعاشق ، وقولهم : رجل عانس وامرأة عانس - إذا طال مكثها في منزل أهله غير متزوجة - ، وقولهم : جمل شائل ، وناقة شائل ، والحمل على الشذوذ بعيد لكثرة مثله.
وجاء «فعل» بفتح الفاء وكسر العين - أيضا - للنسبة ، ك - نهر - بمعنى نهاريّ - لمن يعمل في النهار ، كما في قوله :
لست بليليّ ولكنّي نهر
لا ادلج اللّيل ولكن ابتكر (1)
ومنه : حرح ، وسته - بمعنى حريّ ، واستيّ - لمن يلازم ذلك الشغل.
وهذا ، و «فعّال» و «فاعل» كلّها مختصّة بالثلاثي المجرّد ، لعدم امكان بنائها من غيره ، فلا يتأتى افادة الاحتراز في غيره ، نعم قد يجيء اسم الفاعل منه للنسبة ، كمرضع ، ومنفطم ، - بمعنى ذات ارضاع وانفطام - ، ويمكن ادراجه في كلام المصنف بحمل الفاعل على اسم الفاعل وان بعد.
وممّا جاء للنسبة ما جرى على شيء للمبالغة نحو : عزّ عزيز ، وذلّ ذليل ، وهمّ ناصب ونحو ذلك على ما قال نجم الأئمّة رضي.
1) أي لست منسوبا إلى اللّيل أي لست عاملا في اللّيل ، ولكنّي عامل في النهار منسوب إليه. وادلج : مضارع أدلج كاكرم أي سار أوّل اللّيل ، وأمّا السير آخر اللّيل فهو الادّلاج بتشديد الدال وهمزة الوصل. وابتكر : مضارع الابتكار وهو المبادرة إلى الشيء والاتيان بكرة.
(الجمع الثلاثي) ، قال نجم الأئمّة : لا اعراب لقوله : - الجمع - ولا لقوله : - الثلاثي - ، لعدم تركبهما مع الغير ، بل هما من قبيل دار ثوب ونحوهما من الأسماء المعدودة ، وجوّز ارتفاعهما على الخبرية لمحذوف أي هذا باب الجمع ، هذا باب الثلاثي ، أي باب انّ الثلاثي كيف يجمع.
ثمّ انّ الجمع أمّا : مصحح وقد مرّ حكمه في مقدّمة الاعراب ، وربّما انساق إليه الكلام ههنا بالمناسبة ، وامّا : مكسر وهو ما تغيّر فيه بناء الواحد بنقص كتخم وتخمة ، أو زيادة كصنو وصنوان ، أو تبديل صورة كاسد بضمّ الهمزة - في اسد - ، أو بالنقص والتبديل معا كرسل - في رسول - ، أو بالزيادة والتبديل كرجل ورجال ، أو بجميع ذلك كغلام وغلمان.
ويرتقى بنائه بالاستقراء إلى - أربعة وعشرين - أكثرها موقوف على السماع ، وقد يغلب بعضها غلبة تلحق بالقياس في بعض أوزان المفردات.
ولنبدأ من جملته بما كان في الاسم الّذي ليس بصفة ، فنقول : (الغالب في) ما كان اسما من الثلاثي على «فعل» - بفتح الفاء وسكون العين من غير الأجوف - (نحو : فلس) ان يجمع (على) «أفعل» - بضمّ العين - في قلّة ، نحو : (افلس).
وقد يجيء على «أفعال» كزند وأزناد ، وفرخ وأفراخ ، وأنف وآناف ، وجوّز سيبويه : بنائه وان لم يسمع عند الاضطرار في الشعر ونحوه ، لكنّه قليل بالنسبة إلى «افعل» ، وزعم ابن جنّي : انّه ليس أصلا في «فعل» بسكون العين - ، بل لتشبيهه
«ب - فعل» - بفتحها - حيث لم يختلفا إلّا بالفتح والسكون ، وقد يحمل مثل ذلك على ما يناسبه ممّا يجمع كذلك ، فهذا يسمّي تداخلا في باب الجمع ، وذلك مثل : ان يحمل فرخ على طير وولد ، وزند على عود ، وانف على عضو ، ونحو ذلك ، وكل ذلك تكلّفات ركيكة مع الاستغناء.
(و) الغالب في - جمع الكثرة - فيه ان يكون على «فعول» - بضمّ الفاء - نحو : (فلوس).
(وباب) : الأجوف منه واويّا كان أو يائيّا ، نحو : (ثوب) ، وبيت ، الغالب فيه ان يجمع في - القلّة - (على) «افعال» نحو (اثواب) ، وابيات.
(وجاء) في - جمع الكثرة - من «فعل» - بالفتح والسكون - أوزان اخر ان اضطرّ إليها في شعر أو سجع جمع عليها ، وان لم يسمع على ما قال سيبويه ، وهي على ما ذكر ههنا خمسة ، وهي : «فعال» - بكسر الفاء - كما جاء(زناد) في جمع الزند - وهو العود الّذي يقدح به النّار - لكنّه انّما جاء(في غير باب) أجوف اليائي نحو : (سيل) ، على ما سيجيء - إنشاء الله تعالى - سواء كان صحيح العين كزناد ، أو أجوفا واويّا كحياض ، وثياب ، - في حوض ، وثوب - ، وتقلب الواو - ياء - لكسرة قبلها.
(و) «فعلان» - بكسر الفاء وسكون العين - كما جاء(رئلان) - في رئل - لولد النعامة - ، (و) «فعلان» - بالضمّ والسكون - وهو أكثر من «فعلان» - بالكسر - على ما قال سيبويه ، كما جاء(بطنان) - في البطن - للمطمئن في الأرض ، وفي بطن الريش - ، (و) «فعلة» - بكسر الفاء وفتح العين - كما جاء(غردة) في - الغرد - بفتح الغين المعجمة - لضرب من الكمأة ، على ما قال الفراء ، وزعم الكسائي انّه جمع الغرد - بالكسر - كقرد وقردة.
(و) «فعل» - بضمّتين - كما جاء(سقف) - في سقف البيت - على ما قال الأخفش حاكما بشذوذه ، وقال الفراء : انّه جمع سقيف - بفتح السين وكسر القاف وزيادة الياء - مثل : كثيب وكثب ، وجمع السقف سقوف ، ومثله : رهن - بضمّتين -
عند أبي عمرو في الرهن ، وقال الأخفش : انّه جمع الرّهان جمع الرّهن مثل : كتب وكتاب ، فهو جمع الجمع.
(و) «أفعلة» - في جمع القلّة - من «فعل» بالفتح والسكون - كما ورد(أنجدة) - في نجد - للمرتفع من الأرض - (شاذ) ، وحمله الجوهري : على انّه جمع - نجود - جمع نجد ، تشبيها لفعول - بضمّ الفاء - في هذا الجمع بفعول - بالفتح - ، فهو جمع الجمع ، لأن هذا الجمع مخصوص بما يكون قبل آخره مدّة ، كحمار واحمرة ، وعمود واعمدة ، ورغيف وارغفة.
(و) الغالب في «فعل» - بكسر الفاء وسكون العين - (نحو : حمل) ان يجمع في - القلّة - (على) «افعال» في الصحيح والأجوف وغيرهما ، وفي - الكثرة - على «فعول» نحو : (احمال ، وحمول) ، والحمل : - بكسر الحاء - ما يحمل على الظهر أو الرأس ، و- بفتحها - ما كان في بطن أو شجر (1)ونحوه.
(وجاء) جمعه في - الكثرة - مجيئا أقلّ من «فعول» (على) نحو : (قداح) - بكسر القاف - في القدح - بكسرها - للسهم قبل ان يراش ويركب نصله ، ولقدح الميسر ، (و) ربّما جاء جمعه - في القلّة - على «افعل» نحو : (ارجل) في - الرّجل - ، (و) في - الكثرة - على «فعلان» أيضا - بكسر الفاء - نحو : (صنوان) في - الصنو - قال الجوهري : إذا خرج نخلتان أو ثلاث من أصل واحد فكل واحدة منها صنو ، والنون في الجمع يجري عليها الاعراب بالحركة.
(و) على «فعلان» - بالضم - كذئب ، و (ذؤبان) ، (و) «فعلة» - بكسر الفاء وفتح العين - نحو : (قردة) في - القرد - لما يقع على البعير.
(و) الغالب في «فعل» - بضمّ الفاء وسكون العين (نحو : قرء) - للحيض والطهر - ان يجمع (على) «أفعال» في - القلّة - في الأجوف وغيره ، و «فعول» في - الكثرة -
1) وفي نسخة : أو على شجر.
نحو : (اقراء وقروء).
(وجاء) - في الكثرة - (على) «فعلة» بكسر الفاء وفتح العين - نحو : (قرطة) - في القرط الّذي يتعلّق في شحمة الاذن - ، (و) على «فعال» - بكسر الفاء - وهو كثير في المضاعف ، نحو : (خفاف) - في الخف الّذي يلبس في الرّجل دون الّذي هو للبعير ، كالحافر للفرس ، فانّه يجمع على - اخفاف - على ما يشعر به كلامهم ، (و) على وزن المفرد من غير تفاوت ، نحو : (فلك) - للسفينة - فانّه يأتي مفردا ، كما يقال : في قوله تعالى : (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)(1)، وجمعا كما يقال في قوله تعالى : (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ)(2)، والتغيير الّذي يكون في الجمع المكسر فيه إعتباريّ ، كما قالوا : ان ضمّ الفاء وسكون العين فيه حال الافراد مثلهما في - قفل - ونحوه من المفردات ، وجمعا مثلهما في - اسد - جمع اسد ، فحمل «فعل» - بالضمّ والسكون - على «فعل» بفتحتين - في هذا الجمع ، لاشتراكهما في المجيء مصدرا بمعنى واحد ، كسقم وسقم ، واشتراكهما في الجمع على «أفعال» ، كقرء وأقراء ، وجمل وأجمال ، وشذ في جمع القلّة بهذه الزنة «افعل» كأركن - في الرّكن -.
(وباب : عود) - وهو ما كان أجوف - (3)ولا يكون في هذا الوزن إلّا واويّ اللفظ ، إذ لا يكون ياء ساكنة ما قبلها مضموم ، يجمع في الكثرة(على) «فعلان» بكسر الفاء - ولذلك تنقلب واوه ياء ، نحو : (عيدان) ، وحيتات - في حوت - ، وأمّا في القلّة فعلي «افعال» كاعواد ، واقوات - في القوت -.
(و) الغالب في «فعل» - بفتح الفاء والعين معا - (نحو : جمل) ، وحجر ، ان يجمع في - القلّة - على «افعال» ، وفي الكثرة(على) «فعال» - بكسر الفاء - ، وقد تلحقه التاء ، نحو : (اجمال ، وجمال) ، وحجارة.
(وباب : تاج) وهو : الأجوف الّذي على الزنة المذكورة وانقلب حرف العلّة منه ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، يجمع في - القلّة - (على) «افعال» أيضا ، كاتواج ، واقواع - في القاع - للمستوى من الأرض - ، وفي الكثرة على «فعلان» - بكسر الفاء - كثيرا شائعا ، فتنقلب الواو ياء نحو : (تيجان) ، وجيران ، وقيعان ، - في الجار والقاع - ، (وجاء) جمع هذه الزنة في - الكثرة - على «فعول» وعلى «فعلان» - بكسر الفاء - من غير الأجوف على قلّة ، و «فعلان» - بالضمّ فالسكون - و «فعلي» - بالكسر فالسكون والالف المقصورة - ، وفي - القلّة - (على) «افعل» و «فعلة» - بالكسر فالسكون - ، نحو : (ذكور) - في الذكر - لبعض أصناف الحديد وهو أجودها - ، وامّا الذكر خلاف الانثى فهو - وان جمع كذلك كما جمع على ذكران - لكنّه صفة فليس ممّا فيه الكلام ، وأمّا جمعه : إذا كان بمعنى العضو فالمذاكير على خلاف القياس ، وزعم الأخفش : انّه جمع بلا واحد كعباديد ، كذا قال الجوهري ، ويمكن ان يكون جمعا لمذكار - لآلة الذكورية - وان هجر هذا المفرد ، وقيل : انّ الذكر بمعنى العضو يجمع على ذكور - أيضا -.
(وحربان) بكسر الخاء المعجمة - في الخرب - لذكر الحباري - ، (وحملان) - بضمّ الحاء المهملة - في الحمل لولد الضأن ، (وازمن) - في الزمن - بمعنى الزمان ، وقيل : يجوز ان يكون - أزمن - جمعا للزمان كمكان وأمكن ، (وجيرة) - في الجار - وقيعة - في القاع - ، (وحجلى) - بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم - في الحجل وهو الذكر من القبج ، وقيل : انّه اسم جمع ولا نظير له سوى - ظربى - ، وقال الأصمعي : انّه لغة في الحجل ، وقال نجم الأئمّة : لم يأت في - قلّة المضاعف ولا كثرته من هذه الزنة إلّا «افعال» كافنان - في الفنن - لغصن الشجر -.
(و) الغالب في جمع «فعل» - بفتح الفاء وكسر العين - (نحو : فخذ) ان يكون (على) «افعال» نحو : (أفخاذ فيهما) - أي في القلّة والكثرة - ، والتعويل على القرائن ، (وجاء) في - الكثرة - على «فعول» و «فعل» - بضمّ الفاء والعين - ، وكأنّه
مخفف الأوّل بحذف الواو ، كما جاء جمع - نمر - للسبع المعروف من السباع - (على نمور ونمر).
(و) الغالب في «فعل» - بفتح الفاء وضمّ العين - (نحو : عجز) ان يجمع (على) «أفعال» ، نحو : (اعجاز فيهما) - أي في القلّة والكثرة - ، (وجاء) في الكثرة «فعال» بكسر الفاء ، كما يقال : (سباع) - في السّبع -.
(وليس رجلة) - بفتح الرّاء وسكون الجيم - (بتكسير) فيهما ، يعني : انّه ليس جمعا مكسّرا - للرجل - في القلّة والكثرة ، لأن هذه الزنة ليست من أوزان الجمع ، بل هو اسم جمع له ، خلافا لابن السراج حيث جعله جمعا له معدوم النظير ، ثمّ انّ الظاهر من التعرّض له في أثناء الكلام على الأسماء انّه من الرجل - خلاف المرأة - ، وقيل : هو اسم جمع للرجل الّذي هو صفة ، كندس - بضمّ العين - من رجل يرجل ، كفرح يفرح - إذا لم يكن له ما يركبه - كما في قوله :
اما اقاتل عن ديني على فرسي
او هكذا رجلا إلّا بأصحابي (1)
والشاهد : في رجلا حيث وقع حالا بمعنى الراجل. ولم أقف على نسبته إلى قائل.
ولعلّ من يصغره (2)على رويجل حمله على راجل ، لأنّه بمعناه ، والمشهور في جمع - رجل - خلاف المرأة رجال ، وجاء رجالات واراجل كأكالب.
(و) الغالب في «فعل» - بكسر الفاء وفتح العين - ان يجمع في - القلّة والكثرة - على «أفعال» ، (نحو : عنب على : اعناب) فيهما.
(وجاء) : - في قلّته - «افعل» ، وفي كثرته «فعول» كما جاء(اضلع ، وضلوع) - في ضلع - بكسر الضاد المعجمة وفتح اللّام - وهو : لغة - في ضلع - بسكون اللّام - واحد الأضلاع ، واروم في - ارم - كعنب ، وهو حجارة تنصب - علما - في المفازة ،
ويمكن ان يكون الأضلع جمع الضلع - بالسكون - كرجل وارجل.
(و) الغالب في «فعل» - بكسرتين - (نحو : إبل) ان يجمع (على) «أفعال» (نحو : آبال فيهما) - أي في القلّة والكثرة -.
(و) في «فعل» - بضمّ الفاء وفتح العين - (نحو : صرد) أن يكون (على) «فعلان» - بكسر الفاء - نحو : (صردان فيهما) وهذا هو الجمع الشائع لهذه الزنة.
(و) ربّما(جاء) : في قلّته «أفعال» ، كما جاء(أرطاب) ، في - الرّطب - (و) في كثرته «فعال» - بكسر الفاء - كما جاء(رباع) في - الرّبع - بضمّ الراء وفتح الموحدة - ، وهو : الفصيل الّذي ينتج في الربيع ، وهو أوّل النتاج ، وقد حكم بعض المحققين بشذوذ هذين الجمعين في هذه الزنة.
(و) الغالب في «فعل» - بضمّتين - (نحو : عنق) إذا أريد بناء جمع القلّة أو الكثرة منه أن يجمع (على) «أفعال» مثل : (اعناق - فيهما -).
وتلخيص القول : ان كلّ بناء من الأبنية يكون أكثر دورانا «كفعل» - بفتح الفاء وسكون العين - فالتوسيعة في أبنية الجمع فيه أكثر ، لكثرة الاحتياج إليها في الاستعمالات على وجوه متفاوتة يضطر إليها في الأشعار والاسجاع وغيرهما.
(وامتنعوا) في جمع القلّة(من «افعل» في) اسم (المعتل العين) واويا كان أو يائيا ، على أيّ وزن كان ، لاستثقال الضمّة على الواو والياء.
(وأقوس ، واثوب) - في «فعل» بسكون العين من الواوي - ، (وأعين) فيه من اليائي - ، وكذا اسيف - في السّيف - كقوله :
كأنّهم أسيف بيض يمانية
عضب مضاربها باق بها الأثر (1)
1) البيت لم أقف على نسبته إلى قائل معين. العضب : القاطع. ومضرب السيف : نحو شبر من طرفه. والأثر : بضمّ الهمزة والمثلثة الجرح. وكأنّه أراد به الآثار الباقية فيها من كثرة القراع والضرب.
(وأنيب) في الناب من اليائي المتحرك العين ، وأصوع ، وأدور في - الصاع والدار - من الواوي المتحرك العين ، (شاذ) مخالف للقياس ، وان كان بعضها فصيحا مطردا في السماع ، كأعين ، والقياس «أفعال» في كلّها.
(وامتنعوا من «فعال») - أيضا - بكسر الفاء - في الكثرة في المعتل العين ، لكن (في الياء) ، لاستثقال الكسرة على ما قبل الياء المتحركة.
وشذّ ضياف - في ضيف - ان ثبت وروده ، (دون الواو) ، كحياض - في حوض - ، لتأديته إلى قلب الواو - ياء - فتحصل الخفة ، فلذلك لم يبالوا بثقل الكسرة قبل الياء مع انّ الطواري قد يتسامح فيها بما لا يتسامح به في الأصليّة ، وهو في اليائي «كفعول» - بضمّ الفاء - (في الواو) ، فانّهم امتنعوا منه فيه ، استثقالا للضمة على ما قبل الواو المتحرّكة المضمومة الّتي بعدها واو ، (دون الياء) ، ولذلك كثر فيها ذلك ، كنيوب في ناب - ، وعيون ، وسيوف ، ونحوها ، بخلاف الواوي ، (وفؤوج) - في الفوج - بالفاء والجيم ، وهو واويّ ساكن الوسط - بمعنى الجماعة من الناس - (وسؤوق) - في ساق - وهو واويّ متحرك الوسط ، (شاذ) ، وتقلب الواو الأصلية همزة ، لثقل الضمّة ، فيقال : سؤق - بالهمزة - كما قلبها بعض العرب همزة في نحو : أثؤب ، وأدؤور ، وأسؤق ، ممّا هو على «أفعل».
وكلّ واو مضمومة ضمّة غير اعرابيّة ولم يهرب بها عن التقاء الساكنين يجوز قلبها همزة ، والتزمت في نحو : سؤق (1)للاستثقال ، وقد يجمع فوج على أفواج ، وفي جمع الجمع : على أفاوج ، وأفاويج ، على ما في الصحاح ، وقد يجمع دار على : دور ، وساق على سوق ، - بضمّ السين - كاسد ، واسوق ، وسيقان (2).
وإذ قد وقع الفراغ عن الاسم الثلاثي المجرّد إذا كان مذكرا مجرّدا عن التاء ، فنقول :
(المؤنث) المقرون بها ، (نحو : قصعة) ، ممّا كان على «فعلة» - بفتح الفاء وسكون العين - يجمع في - الكثرة - غالبا(على) «فعال» - بكسر الفاء - ، وقد يجمع على «فعول» - بضمّها - نحو : (قصاع ، وبدور) - في البدرة - وهي : جلد السخلة ، وكيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم ، أو سبعة آلاف دينار ، (و) على «فعل» - بكسر الفاء وفتح العين - ، وقيل : انّه مقصور «فعال» بحذف الألف ، وذلك نحو : (بدر) ، وحلق ، من - الصحيح - وخيم ، وضيع ، من - الأجوف - في البدرة ، والحلقة ، والخيمة ، والضّيعة ، وهي - العقار -.
وجمعت الحلقة على : حلق - بفتح الحاء واللّام كليهما - ، كالبكرة - بفتح الموحدة - للمحالة الّتي يستسقي عليها في البئر - على بكر - بفتحتين - ، وهذه الزنة في جمع هذا البناء في غاية القلّة ، وحكى يونس : حلقة - بالتحريك - في الواحد ، والحلقات في جمعها.
وجمعت الضّيعة على : ضياع ، والخيمة على : الخيمات ، وامّا الخيام : فقال الجوهري : انّه جمع الخيم بدون التاء ، - بمعنى الخيمة - كفرخ وفراخ.
(و) يجمع الأجوف الواوي من «فعلة» بالفتح والسكون - على «فعل» - بضمّ الفاء وفتح العين - (نحو : نوبة على نوب) ، وجوبة - بالجيم والموحدة - للمنكشف من الأرض ذات الحجارة - على جوب.
ويجمع الناقص من هذا الباب على هذه الزنة - أيضا - على قلّة ، نحو : قرية على قري ، وبروة - بالموحدة والراء المهملة - وهي أصل البرة على ما قال أبو علي ، للحلقة من الصّفر أو من الشعر في أنف البعير - على بري.
(و) «فعلة» - بكسر الفاء وسكون العين - صحيحا كانت (نحو : لقحة) - للناقة الّتي تحلب - ، أو معتلة ، كلحية ، ورشوة(على) «فعل» بكسر الفاء وفتح العين - في القلّة والكثرة ، نحو : (لقح) ، ولحي ، ورشا ، (غالبا).
وذكر بعض النحاة جمع هذا البناء على «فعل» بضمّ الفاء - أيضا - نحو : لحي - بضمّ اللّام - ، (وجاء) جمعه (على) «فعال» - بكسر الفاء - وهو في غاية القلّة ، نحو : (لقاح) ، وقد يقال : انّه جمع لقوح ، كقلاص وقلوص ، (و) على «افعل» ، نحو:(انعم) - في النعمة - بكسر النون - على ما ذكره سيبويه ، وقيل : انّه جمع النّعم - بضمّ النون وسكون العين بدون التاء - لخلاف البؤس -.
(و) «فعلة» - بضمّ الفاء وسكون العين ، (نحو : برقة) - للأرض الغليظ فيها حجارة ورمل وطين - (على) «فعل» - بضمّ الفاء وفتح العين - نحو : (برق - غالبا -) ، ومنه : رشا - بضمّ الراء - في الرشوة - بضمّها - ، ويجوز عند بعضهم كونه جمعا للرشوة - بكسرها - ، وهذا الجمع يستعمل في القلّة بهذه الزنة - أيضا - ، نحو : ثلاث غرف ، والاولى ثلاث غرفات.
(و) ربّما(جاء) جمعها(على) «فعول» ، نحو : (حجوز) في - الحجزة - ، (و) «فعال» - بالكسر - ، نحو : (برام) - في البرمة - وهي القدر من الحجر.
(ونحو : رقبة) ممّا كان على «فعلة» - بفتح الفاء والعين - يجمع (على) «فعال» - بكسر الفاء - غالبا ، نحو : (رقاب).
(وجاء على) : «أفعل» - في الصحيح - ، كآكم - بالمد - وأصله : بهمزتين قلبت الثانية الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا ، - في اكمة - للتلّ من الحجارة - ، وفي الأجوف نحو : (أينق) - في الناقة - وأصلها : نوقة محركة ، فجمعت على انوق فقدمت الواو استثقالا للضمّة عليها فحصل اونق ، ثمّ قلبت - حيث انفتح باب التغيير - ياء ، لأنّها أخف فحصل اينق ، ووزنه «اعفل» ، وقيل : حذفت الواو وزيدت الياء قبل النون ، فوزنه ايفل.
(و) جاء : جمع هذه الزنة على «فعل» - بكسر الفاء وفتح العين - ، نحو : (تير) - بكسر المثناة الفوقانية وفتح التحتانية - في جمع تارة ، - بمعنى المرّة - وألفها منقلبة عن الياء ، وقيل : عن الواو ، فالياء في - تير - أيضا منقلبة عنها ، لانكسار ما قبلها ، ويجمع على - تارات - أيضا ، كما قال : تقوم تارات وتمشى تيرا ، وهذان كالقيم والقامات - في القامة - بمعنى البكرة بأداتها -.
(و) جاء : جمع تلك الزنة على «فعل» - بضمّ الفا وسكون العين - ، نحو : (بدن) - في البدنة - متحرّكة ، لما ينحر بمكّة - زادها الله شرفا - ، ناقة كانت أو بقرة ، من البدن - بمعنى السمن - ، لأنّهم كانوا يسمّنونها ، وقد يجمع على - بدن - بضمّتين - ، وقرأ به بعضهم قوله تعالى : (وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ)(1).
(و) «فعلة» - بفتح الفاء وكسر العين - (نحو : معدة) - بفتح الميم وكسر العين - على ما حكى عن ابن السكيت ، وهي موضع الطعام قبل انحدارها إلى الأمعاء ، ونقمة - بفتح النون وكسر القاف - يجمع (على) وزن المفرد من غير تغيير سوى حذف التاء ، نحو : (معد) ، ونقم ، على زنة كتف ، وقيل : على زنة «فعل» - بكسر الفاء وفتح العين - ، وقال السيرافي : انّه في جمع هذه الزنة قليل ، والشائع كونه على مثال كتف كما قلنا ، وامّا المعد والنقم (2)- بكسر أولهما وفتح ثانيهما - فكأنّهما جمعان لما ورد في لغة الكلّ - أعني المعدة والنقمة - بكسر الأوّل وسكون الثاني - ، وأمّا غيرهما ممّا كان على «فعلة» - بفتح الفاء وكسر العين - ، نحو كلمة ، وخلفة - للناقة الحامل - فجمعه على نحو : كتف فقط ، إلّا في لغة تميم بناء على ما ورد في لغتهم من نقل كسرة العين إلى الفاء على قاعدتهم في التفريع ، فالجمع على «فعل» - بكسر الفاء وفتح العين - على لغتهم كأنّه بعد اعتبار التفريع وحصول «فعلة» بكسر الفاء
وسكون العين - نحو : لقحة ولقح.
(ونحو : تخمة) (1)من مضمون الفاء ومفتوح العين - يجمع (على) زنة المفرد ، أيضا من غير تغيير إلّا حذف التاء ، نحو : (تخم) ، والتخمة داء يصيب الانسان من طعام استوخمه أي لم يعدّه مرئيا ، وأصلها : الوخمة - بالواو - قلبت تاء لثقل الضمة ، كما في تراث ، ويجمع على تخمات - أيضا - ، وقد يتوهّم اصالة التاء ويبني الفعل معها ، فيقال : اتخمت من الطعام.
فهذا بيان جمع التكسير في تلك الأبنية (2)، ولمّا كان لجمعها الصحيح بالألف والتاء أحكام لم يتبيّن في مقدّمة الاعراب - لرجوعها إلى أبنية الكلم دون الاعراب - كان المناسب ان يتعرّض لها ههنا.
(و) التفصيل انّه (إذا صحّ (3)باب : تمرة) من الاسم الثلاثي المؤنث المفتوح الفاء الساكن العين ، أي جمع جمعا صحيحا ، (قيل : تمرات بالفتح) - في العين - ، فرقا بين الاسم والصفة ، ولم يعكس ، لأنّ الاسم أولى بالتغيير ، لخفته وثقل الصفة باقتضائها الموصوف والمشابهة للفعل ، ولذلك كانت من علل منع الصرف.
(والاسكان) - في العين - الوارد في مثل قوله :
وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها
وما لي بزفرات العشيّ يدان (4)
1) ولمّا فرغ من مفتوح الفاء ذكر مضمومها ولم يذكر منه إلّا ما كان عينه مفتوحا.
2) أي المذكورة بالتاء وبدونها.
3) وفي جميع نسخ هذا الشارح : وإذا صحّح - بحائين - وكذا في المتن الشافية المطبوعة بدون الشرح ، والّذي كتبناه هو متن شرح الرضي وهو مرجوح أو ساقط ، والظاهر : بحائين وهو الراجح والصحيح.
4) البيت لاعرابي من بني عذرة ، وقوله : فاطقتها من الاطاقة بالقاف. وحمّلت : ماض مجهول من التحميل وهو التكليف. ويدان : تثنية اليد والمراد بها القدرة. وأراد انّه لا يقدر ان يتحمّل شدائد العشق في العشي لأنّها يتضاعف في اللّيالي وما قرب منها.
(ضرورة) ، لانكسار الوزن بالحركة ، والزّفرة : من زفر ، يزفر - إذا خرج نفسه بأنين - ، والمعتل اللّام من هذه الزنة أيضا - بالفتح - كالصحيح ، نحو : ظبيات - في ظبية - ، وركوات - في ركوة الماء - بالراء المهملة وسكون الكاف - ، وركوات - بالسكون -.
(والمعتل العين : ساكن) - عينا - في الجمع كما في المفرد ، كجوزات ، وبيضات ، وعورات ، لاستثقال الحركة على الواو والياء المفتوح ما قبلهما ، ومن ثمّ تقلب ألفا.
(وهذيل) : من القبائل (تسوّي) بين الأجوف وغيره ، فيفتح العين في الجميع ، ترجيحا للفرق المذكور على مراعات ذلك الثقل القليل ، لخفة الفتحة ، ولا تقلب الواو والياء - ألفا - ، لعروض الحركة عليهما ، وعلى لغتهم : قرء في الشواذ (ثَلاثُ عَوْراتٍ) - بفتح الواو - (1).
(و) ما كان مكسور الفاء ساكن العين (نحو : كسرة) - للقطعة من الشيء المكسور - تحرك عينه في الجمع ، فرقا بين الاسم والصفة ، فيجمع (على كسرات - بالفتح -) - في العين - ، للخفة وهو الشائع ، (والكسر) - أيضا - إتباعا ، لكنّه قليل جدّا ، والفراء : منعه لتأديته إلى كون المفرد الحاصل في ضمن الجمع ، كابل - بكسرتين - وهو بناء نادر ، فكأنّهم كرهوه.
(والمعتل العين) من هذا الباب ، ولا تكون حرف العلّة فيه إلّا الياء وان كانت منقلبة عن الواو ، لعدم واو ساكنة ما قبلها مكسور ، (والمعتل اللّام بالواو) يمتنع فيهما كسر العين - اتباعا - بالاتفاق ، لثقل الكسرة على الياء المكسور ما قبلها في الأجوف ، واستثقالا للكسرتين في الناقص الواوي قبل الواو ان ابقيت ، والالتباس لو قلبت ياء ، وإذا تعذّر الاتباع الّذي هو الأصل الغالب في موارد تحريك العين
1) الآية : 58 من سورة النور.
الساكنة من الألفاظ فكلّ منهما : (يسكن) عينا - اتفاقا على الأصل ، (ويفتح) أيضا ، عند الجمهور ، للفرق المذكور وخفة الفتحة ، فيقال : في - بيعة - لمعبد النصارى - من الأجوف اليائي ، وديمة من الواوي ، منقلبة واوه ياء عند بعضهم ، - للمطر الخالي عن الرعد والبرق ، أو المطر الدائم قدرا من الزمان - ، ورشوة على تقدير كسر فائها من الناقص الواويّ ، بيعات ، وديمات ، ورشوات ، - بالفتح والسكون -.
وأمّا الناقص اليائي : فيجوز فيه كسر العين - اتباعا - ، كما يقال : جزيات - بكسرتين - في جزية - على ما ذكره السيرافي ، خلافا لمن منع ذلك وجعله كالواوي من غير فرق.
(ونحو : حجرة) - ممّا كان مضمون الفاء ساكن العين - يحرك عينه ، للفرق المذكور ، فيجمع (على) نحو : (حجرات) (بالفتح) في العين ، للخفة - اتفاقا - ، (والضم) فيها على الاتباع ، والاتباع ههنا أكثر منه في مكسور الفاء عند من جوّزه ، لأن مثل : عنق أكثر من نحو : ابل.
(والمعتل العين) - من هذا الباب - ولا يكون حرف العلّة في لفظه إلّا الواو ، لعدم ياء ساكنة مضمون ما قبلها ، نحو : دولة - بضمّ الدال - وهي : اسم لما يتداول ، كالدّولة - بفتحها - من غير فرق ، وقال أبو عمرو : وهي في المال ، والمفتوحة في الحرب ، (والمعتل اللّام - بالياء -) ، نحو : رقية - للعوذة - ، ودمية - للصورة المنقّشة من الرّخام ، أو أيّة صورة كانت - ، (يسكن) كلّ منهما - عينا - على الأصل بالاتفاق ، (ويفتح) للخفة ، ويمتنع فيهما الضم - اتباعا - بالاتفاق ، لثقل الضمة على الواو المضموم ما قبلها في الأجوف ، وثقل الضمّتين في الناقص اليائي قبل الياء لو أبقيت ، وحصول الالتباس لو قلبت واوا ، وأمّا الواوي : نحو : خطوات وعروات - في الخطوة والعروة - فكالصحيح في جواز الفتح - اتفاقا - والضم عند غير الفراء.
(وقد يسكن) - العين - (في) - لغة(تميم) في جمع «فعلة» - بكسر الفاء
وضمّها - ، (نحو : كسرات ، وحجرات) ، وخطوات ، اعتبارا للأصل ، والاسكان بعد اعتبار التحريك - على ما مرّ - من قاعدتهم في التفريع باسكان العين من نحو : ابل ، وعنق ، بخلاف مفتوح العين نحو : تمرات ، لخفة الفتحة ، فيرجّح فيه الفرق بين الاسم والصفة.
(والمضاعف ساكن) - عينا - (في الجميع) ، سواء كان مفتوح الفاء ، نحو : شدّة وشدّات ، أو مضمومه ، نحو : غدّة وغدّات ، أو مكسوره نحو : عدّة وعدّات ، لتأدية التحريك إلى فكّ الادغام مع لزومه لاجتماع المثلين. (1)
(وأمّا الصفات :) الثلاثية المقرونة بالتاء الساكنة العين (فبالاسكان) ، - في العين - إذا صحّحت على أي وزن كانت ، نحو : صعبة وصعبات ، وصفراة وصفرات ، وصلبة وصلبات ، فهذا هو القياس.
وقد خالفوه (وقالوا : لجبات) - بفتح اللّام والجيم معا - في قولهم : شاة لجبة - بسكون الجيم - إذا أتى عليها من نتاجها أربعة أشهر فخفّ لبنها - ، والفعل منه : لجبت الشاة - بضمّ الجيم - ، (وربعات) - بفتح الراء المهملة والموحّدة معا - في ربعة ، بسكون الموحدة - من قولهم : رجل ربعة وامرأة ربعة - بالتاء فيهما - إذا كان كل منهما مربوع الخلق - أي سالما عن القصر والطول - ، (للمح اسميّة أصليّة) - أي للنظر إليها - ، وذلك : انّهما اسمان في الأصل عندهم على ما قال الجوهري وغيره ، فوصف بهما فبقي التحريك في الجمع على الأصل ، كما وصف بالاسم في قولهم : امرأة كلبة ، فحرك جمعها للمح الأصل ، ويجوز في مثل ذلك التسكين على القياس ، للوصفية على ما في شرح المفصل ، ولو انعكس الأمر بأن صارت الصفة اسما جاز الوجهان - أيضا - على قياس ذلك.
1) وكان يمكنه اختصار هذا مع ما بعده. بأن يقول : والمضاعف والصفات ساكنة لكن لما كان كل منهما قسما برأسه أفرده.
(وحكم) المؤنث السماعي - الثلاثي - المجرّد عن التاء من الاسم والصفة(نحو : أرض ، وأهل) - لزوجة الرجل - ، (وعرس) - بضمّ الأوّل وسكون الثاني ، لطعام الوليمة - إذا روعي تأنيثه فانّه يذكر ويؤنث ، ويجمع على الأعراس ، والعرسات على ما في الصحاح ، (وعير) - بكسر الأوّل وسكون الثاني - للّتي تحمل الطعام المجلوب من مكان إلى آخر ابلا كانت أو غيرها ، ويقال : للقافلة أيضا ، ويجمع على : عيرات - بالتا - ، وعيران - بالنون - ، (كذلك) أي مثل ما يظهر فيه التاء في الوجوه المذكورة ، فيقال : ارضات - بفتح الوسط - كتمرات ، لكونها اسما ، واهلات - بالفتح والاسكان - ، لكونها وصفا في الأصل صارت اسما ، وعرسات - بالضم - اتباعا ، و- الفتح - للخفة ، والاسكان في لغة تميم ، كحجرات ، وعيرات - بالاسكان والفتح - من غير جواز الاتباع لاعتلال العين ، وجمعت الأرض على : مثال الجمع المذكر السالم ، فيقال : ارضون ، وارضين - بفتح الرّاء - ، حملا على أرضات ، وعلى اروض كقلوس ، وآراض - بالمدّ في أوّله - أيضا - على ما قيل كفرح وافراخ ، وعلى الأراضي على خلاف القياس كاللّيالي والأهالي - في اللّيل والأهل - ، وجاء آهال - بالمدّ في أوّله - في الأهل - كافراخ في الشعر ، ولم نجعل - الغرس - بكسر الأوّل ، لمرأة الرجل ، ولبوة الأسد - ، ليشمل الكلام على أمثلة المفتوح والمضموم والمكسور.
(وباب : سنة) ، ممّا حذف لامه وفيه التاء(جاء فيه سنون) ، - بكسر السين - على الأكثر ، وضمّها - على قلّة ، على ما قيل في سنة - بفتحها - ، (وقلون) - بضمّ القاف وكسرها - ، في قلّة - بضمّها - ، وأصلها : قلو - بفتح القاف - على ما قال الفراء ، وانّما ضمت ليدل على الواو المحذوفة ، والمقلاة والقلّة : عودان يلعب بهما الصبيان ، والمقلاة : العود الّذي يضرب به ، والقلّة : الّتي تنصب في الأرض ، (وثبون) - بضمّ المثلثة وكسرها - في ثبة - بضمّها ، أيضا للجماعة من الناس - ، وأصلها : ثبي - بضمّ المثلثة ، وفي آخره الياء على ما قال الجوهري ، وقيل : أصلها الواو.
وزيادات جمع السلامة في أواخر هذه الجموع ونظائرها كأنّها عوض المحذوف ، وغيرت الأوائل من بعضها تنبيها على أنّ الأصل في جمعها التكسير وان تلك الزيادات ليست لجمع السلامة على الحقيقة.
(وجاء) في هذا الباب الجمع بالألف والتاء مع ردّ اللّام المحذوفة ، كما يقال : (سنوات) - بفتح السين والنون - ، (وعضوات) - بكسر العين وفتح الضاد المعجمة - في عضة - على زنة عدّة ، وأصلها : عضو فحذفت الواو ، وهي : الفرقة والقطعة والكذب ، ومنه قوله تعالى : (جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)(1)، لأنّ المشركين فرقوا أقاويلهم فيه فجعلوه كذبا وشعرا وسحرا ، وقد يقال : في الجمع عضهات ، بناء على ان أصلها العضه - بالهاء - بدليل الجمع على عضاة أيضا ، فالعضه هو الكذب والبهتان ، ومنه : يعضه بعضهم بعضا ، ويقال للسحر أيضا ، يقال : عاضه - أي ساحر -. (2)
(و) جاء بالألف والتاء من غير ردّ المحذوف أيضا ، كما يقال : (ثبات) - بضمّ المثلثة - ، وقلات - بضمّ القاف - في ثبة وقلة ، (وهنات) - في هنة - ، وأصلها : هنوة فحذفت الواو ، وجمعت الثبة على : الاثابي أيضا ، وكأنّه جمع اثبية على «افعلة».
(وجاء) في ذلك الباب في - القلّة - «افعل» ، كما يقال : (آم) - بالمدّ في أوّله - في الأمة خلاف الحرّة ، كآكم - بالمدّ في أوّله - في الأكمة ، وأصل الامة : اموة محرّكة ، وآم في الأصل أءمو - بهمزتين - قلبت الثانية الساكنة ألفا ، والواو المتطرفة ياء وكسر ما قبلها ، ثمّ تحذف الياء - رفعا وجرّا - وتثبت - نصبا - كما في قاض ، وتجمع على : اماء ، وعلى اموان أيضا على «فعلان» بالكسر -.
(الصفة) الّتي كانت على ثلاثة أحرف يجمع في التكسير على أوازن مختلفة ،
وأعمّها «أفعال» ، لمجيئه لجميع أوزان الصفات.
والتفصيل : ان ما كان منها على «فعل» - بفتح الفاء وسكون العين - ، (نحو : صعب) يجمع (على) «فعال» - بكسر الفاء - ، نحو : (صعاب غالبا) ، ان لم يكن من الأجوف اليائي.
(وباب : شيخ) ، وضيف من الأجوف اليائي يجمع - غالبا - (على) «أفعال» في القلّة والكثرة ، نحو : (اشياخ ،) وأضياف.
(وجاء) «فعلان» - بكسر الفاء - في ذلك الأجوف وغيره ، كما يقال : (ضيفان) - في الضيف - ، (و) «فعلان» - بضمّ الفاء - كما يقال : (وغدان) في الوغد - بالغين المعجمة ، بمعنى الأحمق اللئيم - ، وجاء وغدان - بكسر الواو - أيضا ، (و) جاء في جمع هذه الزنة من الصفة «فعول» - بضمّ الفاء - مجيئا أقل من مجيئه في الاسم ، كما جاء(كهول) ، - في الكهل - إذا خالطه الشيب - ، (و) «فعلة» - بكسر الفاء وفتح العين - كما يقال : (رطلة) ، في جمع - رطل - للشاب الناعم الّذي لم يشتدّ عظامه ولم تستحكم قوته - ، (و) «فعلة» - بكسر الفاء وسكون العين - ، كما جاء(شيخة) ، في جمع شيخ ، (و) جاء «فعل» - بضمّ الفاء وسكون العين - ، كما جاء(ورد) في - ورد ، للمتوسط الأشقر والكميت من الفرس - ، (و) «فعل» - بضمّتين - ، كما جاء(سحل) في - سحل ، للأبيض من الثوب من القطن - ، (و) جاء «فعلاء» - بضمّ الفاء وفتح العين وفي آخره المدّ - ، كما جاء(سمحاء) في - سمح ، أي جواد -.
(و) ما كان من الصفة على زنة «فعل» - بكسر الفاء وسكون العين - ، (نحو : جلف) - بالجيم ، من الجلافة - يجمع (على) «افعال» ، نحو : (اجلاف كثيرا) ، (و) جمعه على «افعل» كما يقال : (اجلف نادر).
(ونحو : حرّ) من مضموم الفاء ساكن العين - يجمع (على) «افعال» ، نحو : (احرار).
(ونحو : بطل) - للشجاع ، كأنّه يبطل عنده دماء الاقران - ممّا كان مفتوح الفاء
والعين معا يجمع (على) «افعال» ، نحو : (ابطال) ، (و) «فعال» - بكسر الفاء - وهو الغالب في جمع هذه الزنة من الصفات ، على ما قال سيبويه ، نحو : (حسان) ، في - الحسن - ، (و) «فعلان» - بكسر الفاء - ، نحو : (اخوان) في - أخ - وأصله : اخو - بالتحريك - ، (و) بضمّها ، نحو : (ذكران) في - ذكر - بخلاف الانثى ، (و) «فعل» - بضمّ الفاء والعين كليهما - ، نحو : (نصف) - بضمّتين - في نصف - بفتحتين ، للمتوسط بين حداثة السن والكبر - ، ويطلق بدون التاء على المذكر والمؤنث ، وتجمع على أنصاف أيضا ، وحكي في جمع المذكر نصفون أيضا عن يعقوب.
(ونحو : نكد) - وهو العسر - ممّا كان مفتوح الفاء مكسور العين ، يجمع (على) نحو : (انكاد ، ووجاع) - بكسر الأوّل ، في الوجع ، بكسر الجيم - (وخشن) - بضمّتين - في الخشن ، من الخشونة -.
والغالب في جمع هذه الزنة هذه الثلاثة ، (وجاء) في جمعها «فعالى» بفتح الفاء والألف المقصورة ، كما جاء(وجاعى) - في الوجع - (وحباطى) في - حبط ، للمنتفخ البطن من الماشية من كثرة أكل الربيع ، أو من كثرة بقلّة (1)يقال لها الزرق - ، (وحذارى) في - حذر ، من الحذر ، وهو الحوف - ، وكأنّها حملت في هذا الجمع على «فعلان» بفتح الفاء - من الصفات ومؤنثه «فعلى» كسكارى في - سكران وسكرى ، لتشاركهما كثيرا في المجيء من «فعل ، يفعل» - بكسر العين في الماضي ، وفتحها في المضارع - ، يقال : رجل فرح وفرحان ، وعجل وعجلان ، وعطش وعطشان ، والأصل في جمع «فعلان» «فعالى» بفتح الفاء - لكن قد يضم ، كما في سكارى وكسالى ، فانّهما وردا بالضم والفتح كليهما ، ولم يرد الضم فيما حمل عليه إلّا اسارى ، فانّهم التزموا فيه الضم ، وقد يجمع وجع على وجعى أيضا كجرحى.
(و) ما كان على «فعل» - بفتح الفاء وضمّ العين - (نحو : يقظ) - من اليقظة ضدّ
1) وفي نسخة : أو من أكل بقلّة ، وفي أخرى : أو من كثرة أكل بقلّة.
النوم - يجمع (على) «أفعال» ، نحو : (ايقاظ) ، (و) هذا الوزن من الصفات (بابه التصحيح) بأن يجمع جمعا صحيحا ، نحو : يقظون ، والتكسير فيه قليل حتّى ذكر بعضهم انّه لم يسمع منه إلّا ايقاظ ، في يقظ ، وانجاد في نجد - للشجاع - ، وحكى في جمع - يقظ - يقاظ كسبع وسباع ، وقيل : انّه جمع يقظان ، كعطاش في عطشان.
(ونحو : جنب) - بضمّتين - وهو قليل في الصفات ، يجمع (على اجناب) ، وحكى فيه جناب ، ولم يسمع قط تكسير لما كان من الصفات موازنا لصرد كحطم - أي ظالم على الماشية - ، أو موازنا لعنب ك - زيم - أي متفرّق - ، أو لإبل كأبد - أي ولود - ، وهذه الأوزان في غاية القلّة من الصفات ، وكأنّهم لذلك لم يعتنوا بالتصرّف فيها ولم ترد صفة على «فعل» - بضمّ الفاء وكسر العين -.
(ويجمع الجميع) من الأوزان المذكورة في الصفات المذكّرة الثلاثية الّتي تقترن بالتاء للمؤنث ، (جمع السّلامة للعقلاء الذكور) ، نحو : صعبون ، وحسنون ، وغيرهما. (1)
(وامّا مؤنثه : فبالألف والتاء - لا غير -) ، أي يجمع مؤنث الجميع جمعا مصححا بالألف والتاء ، (نحو : عبلات) - في عبلة ، بفتح المهملة وسكون الموحدة ، للضخمة - ، (وحذرات ، ويقظات) ، والحاصل : انّ المؤنث المقرون بالتاء من تلك الصفات يجمع جمع التصحيح لا غير - أي لا يجوز تكسير شيء منها - ، (إلّا) ما كان مفتوح الفاء ساكن العين ، (نحو : عبلة ، وكمشة) ، - بالمعجمة ، للسريعة الماضية في الامور من النّساء ، وللصغيرة الضرع من النوق - ، (فانّه) لكثرته تصرّفوا فيه ، ولذلك ، (جاء) تكسره (على) «فعال» - بكسر الفاء - ، نحو : (عبال ، وكماش).
1) فهذا حكم مذكر الصفات.
(وقالوا) : أيضا(علج) - بكسر المهملة وفتح الوسط - (في جمع علجة) - بكسر المهملة وسكون الوسط - فجمعوها جمع تكسير بحذف التاء وفتح الأوسط ، لجرية مجرى الأسماء ، نحو : لقحة ولقح ، والعلجة : العظيمة من الأتن الوحشية ، والكافرة من العجم.
قال سيبويه : لا يجمع على «فعال» من المؤنث إلّا ما جمع مذكره عليه ، فيقال : حسنة وحسان ، كما يقال : حسن وحسان ، وهذا يدل على عدم انحصار تكسير المقترن بالتاء فيما ذكره المصنف ، وان سمي بصفة ، أو فعل فجمعه على قياس جمع الأسماء.
فهذا حكم ما كان على ثلاثة أحرف من الأسماء والصفات (1)، وما فوقها قد يكون حروفه - كلّها - اصولا ، وقد يشتمل على الزيادة سواء كانت مدّة أم غيرها ، ولكلّ منها حكم.
(وما زيادته مدّة ثالثة) يختلف حكمه في الاسم والصفة ، (والاسم) (2)من ذلك (نحو : زمان) ، من - مفتوح الفاء الّذي مدّته الثالثة الزائدة ألف - يجمع (على) «أفعلة» ، نحو : (ازمنة - غالبا -) ، وهذا الجمع قد يستعمل في القلّة والكثرة كليهما.
(وجاء) في جمعه «فعل» - بضمّتين - كما يقال : (قذل) في - القذال - بالقاف والذال المعجمة ، لمؤخر الرأس - ، وقيل : هو ما بين نقرة القفا إلى الاذن ، وهما قذالان عن يمين وشمال ، ويجمع على - اقذلة - أيضا ، (و) جاء في جمعه «فعلان» - بكسر الفاء أيضا - ، كما جاء(غزلان) في - الغزال - لولد الظبية - ، (و)
«فعول» - بالضم - كما يقال : (عنوق) ، - بضمّ الأوّل ، في العناق ، لأنثى من ولد المعز - ، وفي المثل : العنوق بعد النوق ، للّذي يفتقر بعد الغني ، وليس هذا موضعه ، لأنّ العناق مؤنث كذا قال نجم الأئمّة رضي.
(ونحو : حمار) ممّا كان مكسور الفاء يجمع في القلّة(على) «افعلة» ، نحو : (احمرة) ، (و) في الكثرة على «فعل» بضمّتين - نحو : (حمر - غالبا -) ، وقد يستغني بجمع الكثرة عن القلّة ، كما يقال : أربعة كتب ، وثلاثة جدر ، في - كتاب ، وجدار -.
(وجاء) في نحو حمار «فعلان» - بكسر الفاء - كما يقال : (صيران) - في الصوار ، للقطيع من بقر الوحش - ، والياء منقلبة عن الواو ، (و) «فعائل» ، كما جاء شمائل في - الشمال ، لخلاف اليمين - ، وقال نجم الأئمّة رضي : حمل الشمال المؤنث المجرّد عن التاء على ذي التاء ، نحو رسالة ، فقيل : شمائل كرسائل ، قال : وحمل أيضا على «فعال» المذكر ، فقيل : شمل - بضمّتين - كحمر ، والناقص الواوي واليائي من «فعال» - بفتح الفاء وكسرها - يكون على «افعلة» في القلّة والكثرة ، كسماء وأسمية ، ودواء وأدوية ، وخباء - بكسر الخاء ، للخيمة ، وأخبية.
(نحو : غراب) من - مضموم الفاء - يجمع (على) «افعلة» في القلّة - غالبا - ، نحو : (أغربة).
(وجاء) في الكثرة منه «فعل» - بضمّتين - على ندرة ، و «فعلان» - بكسر الفاء وبضمّها - ، كما جاء : (قرد) - بضمّتين ، في القراد ، لدويبة تقع على البعير - ، (وغربان) - بكسر الأوّل ، في الغراب - ، (وزقّان) - بضمّ الأوّل وتشديد القاف ، في الزقاق ، للطريقة المنسدة - ، (و) «فعلة» - بكسر الفاء وسكون العين - كما يقال : (غلمة) في - الغلام - (قليل) ، (و) «فعل» بضمّ الفاء وسكون العين كما يقال : (ذبّ) - بتشديد الموحدة - في الذباب - (نادر) ، وقيل : ان أصله : ذبب بضمّتين نحو سرر بفك الادغام ، والادغام إنّما هو على لغة تميم في اسكان العين من مثله ، وجاء لفظان على «فواعل» ، وهما : دواخن ، وعواثن ، في الدخان والعثان - بمعناه -.
(وجاء) «افعل» (في) جمع القلّة لما كان بدون التاء للمؤنث من هذه الأوزان الثلاثة (1)الّتي هي : «فعال» بالحركات الثلاث في الفاء ، وهو المراد من (مؤنث الثلاثة) في هذا المقام ، كما جاء : (اعنق) في عناق على «فعال» بفتح الفاء - ، (واذرع) في ذراع ، ليد - على «فعال» - بالكسر - قال الجوهري : يذكر ويؤنث ، وقال سيبويه : انّها مؤنثة وجمعها اذرع - لا غير - ، (واعقب) في عقاب - بضمّ الأوّل - لطائر ، هي مؤنثة ، وتجمع في الكثرة على عقبان.
وامّا المقرون بالتاء من الأوزان - الثلاثة - ، كحمامة - للطائر - ، ورسالة ، وذؤابة - للشعر - ، فليس له جمع مكسر في القلّة أصلا ، بل يجمع بالألف والتاء ، وفي الكثرة يطرد فيه «فعائل» بقلب مدّة المفرد همزة بعد ألف الجمع ، كحمائم ، ورسائل ، وذوائب ، والواو في الذوائب منقلبة عن الهمزة الأصليّة ، كراهة وقوع ألف الجمع بين الهمزتين.
وقد يجمع على «فعل» - بضمّتين - ، كحمل ، وحمالة ، - بفتح الحاء المهملة ، للدية التي يحملها قوم عن قوم -.
(و) «افعل» في القلّة للمذكر من تلك الأوزان خلاف القياس بشهادة الاستقراء ، ولذلك قالوا : (امكن) جمع مكان - للموضع - (شاذ) ، فانّه على «مفعل» من الكون ، ولمّا كثر لزوم الميم توهمت أصليّة ، وتوهمت الألف زائدة ، ومن ثمّه بنى منه : تمكن ونحوه من المشتقات ، وصار كأنّه على «فعال» فجمعوه على - أمكن وأمكنة ، واماكن ، كأنّها «افعل ، وافعلة ، وأفاعل» ، والأوّل خلاف القياس المناسب ل - فعال ، ولو كان له تكسير بالنظر إلى زيادة الميم كان مكائن كمساجد على «مفاعل» ، وزعم صاحب القاموس : انّ المكان - للموضع - جاء من الكون ومكن بأصالة الميم كليهما ، وذكر في كلّا الوجهين جمعه على : أمكنة ، وأماكن.
(ونحو : رغيف) من الاسم الّذي مدّته الثالثة الزائدة هي الياء ، وتنحصر في
1) أي «فعال ، وفعال ، وفعال».
مفتوح الفاء ، لعدم «فعيل» - بضمّ الفاء وكسرها في لغتهم - يجمع في القلّة(على) «افعلة» و «أفعل» أيضا قليلا ، وفي الكثرة على «فعل» - بضمّتين - و «فعلان» - بالضم - ، نحو : (ارغفة) ، وأجبن ، في الجبين - لما فوق الصدغ - ، (ورغف ، ورغفان - غالبا -).
(وجاء : أنصباء) في النصيب - على «أفعلاء» بالمدّ ، (وفصال) - في الفصيل ، لولد الناقة إذا فصل من امّه - على «فعال» - بالكسر - ، (وأفائل) على «فعائل» ، في الافيل - بالفاء ، للصغير من الابل - ، (و) امّا «فعلان» - بالكسر - كما يقال : (ظلمان) في - الظليم ، بالظاء المعجمة ، لذكر النعامة - ، على ما حكاه أحمد بن يحيى ، فهو (قليل) ، ويحكي فيه الضم أيضا ، وكذا يحكي عرضان - بالضاد المعجمة ، في العريض ، لولد المعز الّذي أتى عليه سنة - على الوجهين.
(و) هذا الوزن (ربّما جاء مضاعفه) في الجمع على «فعل» - بضمّتين - كغير المضاعف منه ، وذلك كما جاء سرير(على سرر) ، وذليل - بالمعجمة - وذلل بفك الادغام ، والأصل عدم هذا الجمع في المضاعف مطلقا ، استثقالا بفك الادغام ، ولو ادغم التبس «ب - فعل» بالسكون ، وليس في الناقص «فعل» بضمّتين - مطلقا ، لعدم ما آخره حرف علّة قبلها ضمّة في لغتهم ، وحكى أبو عبيدة وأبو زيد : سررا ونحوه - بفتح العين - كصرد عن قوم.
(ونحو : عمود) ممّا مدته الثالثة هي الواو ، وتنحصر أيضا في مفتوح الفاء ، لعدم المكسور في كلامهم ، وكون المضموم من أوزان الجمع دون الواحد في غير المصدر الّذي هو خارج عن المقصد ، كقعود ، وركوب ، إلّا ما شذ من نحو : سدوس - بضمّ الأوّل - عند غير الأصمعي ، - للطيلسان الأخضر ، وأبي قبيلة من طيّ - على ما قال ابن الكلبي ، وبالفتح عنده ، وبالجملة : فنحو : عمود يجمع غير الناقص الواوي منه في القلّة(على) «أفعلة» ، وفي الكثرة على «فعل» بضمّتين - نحو : (اعمدة ،
وعمد) ، وبه قرأ حمزة والكسائي في قوله تعالى : (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)(1)، وجاء «فعل» بفتحتين في جمعه أيضا ، وهو قراءة غيرهما من السبعة : في عمد ممددة.
(وجاء :) في الكثرة على «فعلان» - بكسر الفاء - أيضا كقولهم : (قعدان) في - قعود ، للبكر من الابل حين يصلح للركوب - وقال أبو عبيدة : هو الّذي يقتعده الراعي في كل حاجة ، ويجمع على اقعد ، وقعد ، وقعائد ، أيضا ، وجاء في الناقص الواوي منه «فعول» قليلا ، و «أفعال» كثيرا حتّى قيل انّه بابه كما جاء في فلوّ - بفتح الفاء وتشديد الواو ، للمفطوم من ولدي الحمار والفرس - فليّ - باللّام المكسورة وتشديد الياء - وأصله : فلوّ - بالواو المشدّدة - على «فعول» فقلبت الواو الأخيرة ياء على ما هو القياس في جمع الناقص الواوي الكائن على «فعول» ، كما يجيء في باب الاعلال - إنشاء الله تعالى - ، فحصل فلوي ثمّ اعل الاعلال المعروف.
(وافلاء) ، بقلب الواو المتطرفة بعد الألف الزائدة همزة ، وجاء في ذلك الناقص وغيره «فعائل» للمؤنث ، كما جاء : في ذنوب - بفتح الذال المعجمة ، للمتلئة من الماء من الدلو - في القلّة ، (و) في الكثرة(ذنائب) ، وفي قلوّة فلاوى مثل خطايا ، فانّه في الأصل : «فعائل» على ما قال الجوهري ، فأصله : فلائو فقدمت الواو لئلّا يكون في معرض الحذف كجوار ، وفتحت لثقل الكسرة ، وقلبت الهمزة ألفا.
(الصفة) الّتي زيادتها مدّة ثالثة يجري فيها الأوزان المذكورة في الاسم.
فما مدّتها ألف وهي مفتوحة الفاء على «فعال» (نحو : جبان) - لخلاف الشجاع - يجمع في القلّة والكثرة(على) «فعلاء» بالضمّ - و «فعل» بضمّتين - واسكان العين في الأجوف ، و «فعال» بالكسر ، (نحو : جبناء ، وصنع) - بضمّتين - في صناع للمرأة الماهرة الحاذقة بعمل اليدين - ويقال : للرجل بهذا المعنى صنيع على «فعيل» ، وصنع - بكسر الصاد وسكون النون - ، (وجياد) بكسر الجيم وقلب الواو ياء ،
1) الآية : 9 من سورة الهمزة.
لانكسار ما قبلها ، في جواد للفرس ، وامّا الجواد للسخيّ والسخيّة من الناس فيجمع على اجواد ، وجود - بالضم - كقذل في قذال ، واجاود ، وعون على «فعل» - بضمّ الفاء وسكون العين - في عوان ، للمتوسطة في سنها من كلّ شيء.
ومن قال : جبانة - بالتاء - للمؤنث أجاز فيه جمع السلامة للمذكر والمؤنث ، وليعلم ان «فعلاء» - بالضم والمد - كثير في باب «فعيل ، وفاعل» وفي غيرهما قليل حتّى قيل : انّه شاذ ، وأكثر مجيئه في أي باب كان انّما هو في الغرائز وما يجري مجراها ، كالجبن ، والعقل ، والجهل ، والكرم ، والشعر ، والسماحة والصلاح.
(و) ما هي مكسورة الفاء(نحو : كناز) - للمكتنز اللحم ، أي المجتمع اللحم - ، (وهجان) - للأبيض من الإبل - ويستوي فيهما المذكر والمؤنث ، يجمع (على) «فعل» - بضمّتين - ، نحو : (كنز) ، (و) على زنة المفرد ، بعينها نحو : (هجان) ، فالكسرة فيه جمعا مثلها في كرام ، ومفردا مثلها في كناز كما مرّ في الفلك ، وجاء فيه : هجائن على «فعائل» ، وهذا يجوز ان يكون جمعا لهجان مفردا وجمعا.
(و) ما هي مضمومة الفاء ، (نحو : شجاع) ، يجمع (على) «فعلاء» - بالضم والمد - ، و «فعلان» - بكسر الفاء وضمّها - ، نحو : (شجعاء ، وشجعان) على الوجهين.
(و) الّتي مدتها الثالثة هي الياء ، وتنحصر في مفتوحة الفاء ، كما مرّ ، (نحو : كريم) يجمع (على) «فعلاء» - بالضم والمد - مع سلامة اللّام عن التضعيف والاعتلال ، وشذّ نقواء في نقيّ - بالنون والياء المشدّدة - من النقاوة ، وعلى «فعال» بالكسر والتخفيف - وهو القياس في الأجوف ، و «فعل» - بضمّتين - ، وقد يسكن العين في المضاعف للادغام ، وعلى «فعلان» - بضمّ الفاء وبكسرها - ، وعلى «افعال ، وافعلاء» - بالمد - وهو قليل في الصحيح كثير في المضاعف والناقص ، وعلى «افعلة» في المضاعف ، وربّما جمع على «فعول» - بالضم - ، نحو : (كرماء ، وكرام) في كريم ، وطوال في طويل ، ونقاء في نقيّ - بالنون - ، (ونذر) في نذير ، وجدد ، ولذذ
في جديد ولذيذ - بمعجمتين ، من اللذّة ، وقد يقال : لذّ - بالادغام - ، ولذاذ ، (وثنيان) - بضمّ المثلثة وسكون النون - في ثنيّ - بتشديد الياء ، للّذي يلقي ثنيّته ، وذلك في الابل عند الدخول في السادسة ، وفي الفرس عند الدخول في الرابعة ، والثنيّة : واحدة الثنايا وهي الاضراس الأربعة الّتي تلى مقدّم الفم ، (وخصيان) - بكسر الخاء المعجمة - في الخصيّ - ، (واشراف) في - شريف - ، (واصدقاء) ، واقوياء ، واتقياء ، في صديق ، وقويّ ، وتقيّ - بالفوقانية المثناة - ، واشحّاء كاصدقاء ، (واشحّة) في الشحيح ، للبخيل ، ويجمع على شحاح ككرام ، (وظروف) في ظريف - بالظاء المعجمة - من الظرافة على ما قال الجرميّ ، ويجمع على ظرفاء ، وظراف ، مثل كرماء ، وكرام ، وقال الخليل : ان ظروفا على «فعول» جمع ظرف بدون الياء بمعنى الظريف وان لم يستعمل بمعناه ، كما انّ المذاكير جمع المذكار بمعنى الذكر وان لم يستعمل.
(ونحو : صبور) ، ورسول ، ممّا مدّته الثالثة هي الواو ، وتنحصر - أيضا - في مفتوح الفاء كما مرّ ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث ، وفي كليهما يجمع (على) «فعل» - بضمّتين - نحو : (صبر) ، ورسل (- غالبا -) ، وجاء في مضاعفه ذلك أيضا ، نحو : ذلل في - ذلول - ، (وعلى) «فعلاء» - بالضم والمد - على قلّة حتّى قيل : انّه شاذ ، وذلك نحو : (ودداء) ، في ودود من المودّة ، وفيه شذوذ آخر وهو ندور هذه الزنة في جمع المضاعف ، وعلى «أفعلاء» نحو : اعداء ، في عدوّ ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث ، وقد يقال : عدوّة حملا على ضدّه وهو صديقة ، وقد يجمع العدوّ على لفظ المفرد ، قال الله تعالى : (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي)(1)، وقال (هُمُ الْعَدُوُّ)(2)وقد يجمع على عدى - بكسر الأوّل وفتح الثاني وقلب الواو ألفا - ، وقال ابن السكيت : لم يأت على هذا الوزن في الصفات جمع سوى هذا.
وما ذكر إلى الآن حكم «فعيل ، وفعول» إذا كانا بمعنى الفاعل.
(و «فعيل» بمعنى «مفعول» بابه «فعلى») - بفتح الفاء وسكون العين والألف المقصورة - ، وهذا ان خلا عن التاء للنقل إلى الاسميّة وكان من الآفات والمكاره ، (كجرحى ، واسرى ، وقتلى) ، في - جريح ، وأسير ، وقتيل ، بمعنى : مجروح ، ومأسور ، ومقتول - بخلاف ما ليس من الآفات والمكاره ، كحميد - بمعنى محمود - ، وما دخلته التاء للنقل ، كذبيحة ، فلا يقال : حمدي ، وذبحى ، وحكى سيبويه : شاة ذبيح وغنم ذبحى ، في الوصف بدون النقل.
(وجاء) فيه «فعالى» - بضمّ الفاء والألف المقصورة - ، نحو : (اسارى) ، وكأنّه حمل الأسير على عطشان ، لمناسبتهما في حرارة الجوف الحاصلة للأسير بالحزن ، فجمع على هذا كما جمع عطشان على عطاشى ، فانّ الأصل في هذا الجمع «فعلان» ومؤنثه «فعلى» ، (وشذ) فيه «فعلاء» - بالضمّ والمد - ، نحو : (قتلاء ، وأسراء) ، (ولا يجمع) «فعيل» بمعنى «مفعول» (جمع التصحيح) بالواو والنون ، ولا بالألف والتاء ، (فلا يقال : جريحون) ، (ولا جريحأت ، ليتميّز عن «فعيل» الأصل) ، وهو ما كان بمعنى الفاعل ، فانّه الأصل لكون المفعول فرع الفاعل ، ويجمع جمع التصحيح ، نحو : رحيمون ، ورحيمات ، وكريمون ، وكريمات ، فلم يجمع الّذي بمعنى المفعول كذلك ، فرقا بينهما ، ولم يعكس ، لأنّ الأصل أحق بالصحيح.
واعلم ان «فعلى» من الجموع انّما بالاصالة «لفعيل» بمعنى «المفعول» على الوجه المتقدّم ، (ونحو : مرضي) ، في مريض ، وهو «فعيل» بمعنى «الفاعل» ليس واردا على الأصل ، بل هو (محمول على) ما يناسبه ممّا هو بمعنى المفعول ، نحو : (جرحى) ، لمناسبة المرض والجراحة في الألم ، (و) يتقوى ذلك بأنّهم (إذا حملوا عليه) - أي على جرحى - نحو : (هلكي) - في الهالك - ، (وموتي) في الميّت ، على «فيعل» ، (وجربي) في الأجرب ، وعجفي في الأعجف ، وحمقى في الأحمق ، وزمني في الزّمن ، بمجرّد المناسبة في المعنى مع تخالف المفردات في الوزن ، (فهذا) - أي المرضي -
(اجدر) بالحمل عليه ، لتوافق المفردين في الزنة - أيضا - وكذا حملوا عليه سكرى في سكران.
والحاصل ان حمل بعض الأبنية على بعض في الجمع للمناسبة واقع في كلامهم ، وان تخالفا في الزنة فمع التوافق أولى ، وذلك : (كما حملوا : أيامي) وهو جمع - ايّم - بتشديد الياء - مثل : سيّد على «فيعل» - لمن لا زوج له من الرجال والنّساء - من أيم يأيم أيما ، وأيمة ، وأيومة ، (ويتامى) وهو جمع يتيم مثل كريم - لفاقد الأب من الانسان ، وفاقد الام من الحيوانات ، وفاقد الاخت من الدرّة - ، (على وجاعى ، وحباطى) ، في وجع ، وحبط كلّاهما على زنة كتف ، لما يقارن الايومة واليتم من الحزن والوجع مع تقارب أوزان المفردات وان تخالفت ، وزعم الزمخشري : ان أصلهما أيائم ، ويتائم ، على «فعائل» فقلبت الهمزة إلى موضع اللّام وقلبت ألفا ، وفاقا للجوهري في الايامى ، ويخدشه شدوذ «فعائل» في جمع «فعيل» من المذكر من الصفة ، كنظير ونظائر ، وكريه - بمعنى مكروه - وكرائه على ما يقال.
(المؤنث) ممّا مدته الثالثة هي الياء يجمع على «فعال». كالمذكر ، (نحو : صبيحة) من الصّباحة وهي : الجمال ، (على صباح) ، كصبيح وصباح ، (و) على «فعائل» ، نحو : (صبائح) ، وذبائح ، في ذبيحة بمعنى مذبوحة - ، (و) قال بعضهم : (جاء) في جمع هذه الزنة «فعلاء» ، كقولهم : (خلفاء) في خليفة ، لكنّه غير ثابت ، (وجعله جمع - خليف -) كما وقع في قوله :
إنّ من القوم موجودا خليفته
وما خليف أبي موسى بموجود (1)
(أولى) ، لشيوع هذه الزنة في جمع المذكر وندرتها في المؤنث حتّى قيل : لم يأت إلّا قولهم : نسوة فقراء وسفهاء ، وقيل : انّ الخليفة لما لم يطلق إلّا على المذكر جمعوه
1) هذا البيت لأوس بن حجر ، وحاصل كلامه ان من القوم من هو موجود خليفته ولا خليفة لأبي موسى ، والاستشهاد في البيت على انّه قد ورد عنهم خليف بغير التاء بمعنى خليفة.
على هذه الزنة على اعتبار اسقاط الهاء ، ويجمع الخليفة على خلائف - أيضا -.
(و) المؤنث الّذي مدّته الثالثة هي الواو ولا تدخله تاء التأنيث ، وذلك (نحو : عجوز) - وعجوزة بالتاء من كلام العوام - ، ونحو : قلوص ، يجمع (على) «فعائل» غالبا نحو (عجائز) ، وقلائص ، وجاء على «فعّل» بضمّ الفاء وفتح العين المشدّدة ، نحو : قلّص ، كما قال :
متى تقول القلّص الرّواسما
يحملن أمّ قاسم وقاسما. (1)
(2) (وفاعل الاسم) - أي الّذي على زنة «فاعل» ومعناه الاسم دون الصفة - ان كان مجردا عن التاء(نحو : كاهل) - لما بين الكتفين - يجمع (على) «فواعل» ، (نحو : كواهل) قياسا مطردا ، وقد يزاد الياء ، لاشباع كسرة العين كخواتيم - في الخاتم - بكسر التاء ، ودوانيق - في الدانق - لسدس الدرهم ، وقد يقال : انّهما جمعان للداناق والخاتام ، كما في قوله : أخذت خاتامي بغير حقّ (3).
(وجاء) في جمعه «فعلان» - بالضم - كما جاء(حجران) في الحاجر ، - بالمهملتين بينهما الجيم ، للموضع الّذي يمسك ماء المطر من شفة الوادي - ، وحوران - في الحائر ، بالمهملتين ، لمجتمع الماء - ، وركبان في راكب ، وقد صار بالغلبة اسما لراكب البعير ، (و) «فعلان» - بالكسر - وهو أقل من «فعلان» - بالضم - وذلك كما جاء(جنّان) - بكسر الجيم وتشديد النون بعدها - في الجانّ - بتشديد النون ، لأبي الجنّ ،
1) هذا البيت لم أقف على قائله ، قيل : ان قوله : تقول من القول بمعنى الظن ومفعول الأوّل القلص. وقوله : يحملن في محل النصب على انّه مفعول ثان له. والرسم : ضرب من سير الابل ومنه الرواسم جمع الراسمة.
2) لمّا فرغ ممّا مدّته زيادة ثالثة شرع فيما زيادته مدّة ثانية هي ألف «فاعل».
3) هذا بيت من الرجز المشطور وقبله : ياميّ ذات الجورب المنشقّ.
وعظيم الجثّة - ، وحيطان في الحائط - للجدار - ، وحيران في الحائر - لمجتمع الماء أيضا -.
(والمؤنث :) المقرون بالتاء علي زنة «فاعلة» من الاسم ، (نحو : كاثبة) - بالمثلثة والموحدة ، وهي من الفرس حيث يقع عليه مقدم السرج ، ويقع عليه يد الراكب ، يجمع (على) «فواعل» أيضا ، مثل : (كواثب). (1)
(وقد نزّلوا «فاعلاء») - بالمدّ - (منزلته) - أي منزلة المؤنث بالتاء - تنزيلا لألف التأنيث الممدودة فيه منزلة التاء ، (فقالوا : قواصع ، ونوافق ، ودوامّ) ، - بتشديد الميم - ، (وسواب) في القاصعاء ، - لحجر من حجرة اليربوع ، وهو الّذي يقصع - أي يدخل - فيه - ، والنّافقاء - بالنون والفاء والقاف ، وهي اخرى من حجرته يكتمها ويظهر غيرها ، وهي موضع يرققه ، فاذا أتى من جانب القاصعاء ضرب الناققاء برأسه فانتفق ، أي خرج كذا في الصحاح - ، والدامّاء - بالدال المهملة وتشديد الميم ، وهي اخرى من حجرته يخرج منها التراب - ، والسابياء - بالسين المهملة والموحدة والتحتانية ، وهي المشيمة الّتي تخرج مع الولد -.
وأصل : دوامّ دوامم - بميمين - فادّغمت ، وسواب أصله : السوابي فاعلّ اعلال قاض كجوار.
(الصفة) : ممّا كان على زنة «فاعل» مجرّدا عن التاء ، (نحو : جاهل على) «فعّل» و «فعّال» ، كلّاهما - بضمّ الفاء وتشديد العين - نحو : (جهّل ، وجهّال - غالبا -) ، وذلك في صحيح اللّام ، ويندر الوزنان مع اعتلال اللّام ، كغزي وغزاء في - الغازي - ، (و) على «فعلة» - بفتحتين - في صحيح اللّام ، لذوي العقول ، نحو : (فسقة) في -
1) بالكردية : يالى اسپ.
الفاسق - (كثيرا).
(وعلى) «فعلة» - بضمّ الفاء وفتح العين - ، نحو : (قضاة) - في القاضي - (في المعتل اللّام) لذوي العقول ، وينقلب اللّام ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، (وعلى) «فعل» - بضمّتين واسكان العين - عند تميم ، نحو : (بزل) - بالموحدة والزاي المعجمة ، في البازل ، للمنشق الناب من الابل ذكرا كان أو أنثى ، وذلك في السنة التاسعة - ، (و) على «فعلاء ، وفعلان» - بالضم - نحو : (شعراء ، وصحبان) في شاعر وصاحب ، وشبّان - بالتشديد - في شابّ ، ورعيان في راع ، (و) على «فعال» - بكسر الفاء وتخفيف العين - نحو : (تجار) - بالفوقية والجيم - في التاجر ، من التجارة - ، ورعآء في راع ، (و) على «فعول» - بالضم - نحو : (قعود) في القاعد.
فهذه الأوزان كثير الوقوع في جمع «فاعل» من الصفة المجرّدة عن التاء ، (وامّا) «فواعل» ، فقد صرّح به سيبويه بعدمه - قياسا - في «فاعل» من صفات العقلاء إذا لم يكن مقرونا بالتاء ، ولا مختصا بالمؤنث ، وامّا قولهم : رجال (فوارس فشاذ) على ما ذكره ، وكأنّهم نزلوا الفارس من - الصفة - منزلة «فاعل» من الاسم ، لبعده عن الصفة حيث اختصّ في استعمالاتهم بالمذكر ، فلم يتّفق اقترانه بالتاء فيها مع ان شأن الصفة - مع عدم اختصاص أصل المعنى بالمؤنث - ان توجد مقرونة بها في الاستعمال ، وقالوا : على الشذوذ في المثل هالك من الهوالك ، إذ الأمثال كثيرا ما تخرج عن القياس.
وجاء نواكس - في الناكس ، للمطأطأ رأسه - في الشعر للضرورة ، كما في قول الفرزدق :
واذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم
خضع الرّقاب نواكس الأبصار (1)
1) البيت من كلمة رائية للفرزدق يمدح بها آل المهلب بن أبي صفرة وبخاصّة يزيد بن المهلب. والاستشهاد بالبيت هنا في قوله : نواكس حيث جمع ناكسا - وهو وصف لمذكر عاقل - على فواعل وذلك شاذ لم يرد إلّا في حروف قليلة.
وقد يقال : انّهما جمعان لهالكة وناكسة باعتبار الجماعة والطائفة ونحوهما ، كما قالوا ذلك في الخوارج.
و (المؤنث) المقرون بالتاء من الصفات ، (نحو : نائمة) يجمع (على) «فواعل» من غير شدوذ ، وعلى «فعّل» - بضمّ الفاء وتشديد العين المفتوحة - ، نحو : (نوائم ، ونوّم) (وكذلك) المختص بالمؤنث المجرّد عن التاء ، كما يقال : (حوائض وحيّض) ، وجاء «فواعل» في «فاعل» للمذكر من غير العاقل ، كجمال بوازل ، وايّام مواض ، وان سمّى بالصفة للعاقل جاز جمعه على «فواعل» ، كعوالم في عالم - اسما -.
و (المؤنث بالألف) من الاسم حال كون ألفه (رابعة) ان كانت ألفه مقصورة ، (نحو : أنثى) يجمع (على) «فعال» نحو : (اناث) ، وقد جاء انث - بضمّتين - وكأنّه جمع اناث ، نحو : كتب في كتاب على ما قيل.
(و) ان كانت ممدودة ، (نحو : صحراء) جمع (على) «فعالى» - بالفتح وآخره الألف المقصورة - ، نحو : (صحارى) في الأكثر ، بيان ذلك : ان علامة التأنيث في الممدودة هي الألف المتطرفة على ما ذكره سيبويه ، فزيدت قبلها ألف لتكثير أبنية المؤنث باشتمالها على المقصورة والممدودة للتوسع وتمايز صيغ التأنيث ، فاجتمعت الفان يتعلّق بكل منهما غرض يهتم به فلم يحذف شيء منهما بالتقاء الساكنين ، وقلبت الأخيرة همزة ، لوقوعها بعد الألف كما يجيء في اعلال نحو كساء - إنشاء الله تعالى - ، واجريت عليها الحركات.
وإذا بني الجمع الأقصى من نحو ذلك انقلبت الألف إلى الياء الساكنة ، لوقوعها بعد كسرة ما بعد ألف الجمع كما في مصابيح ، وعادت الهمزة إلى أصلها ، وهو الألف ، لذهاب سبب القلب إليها وهو الوقوع بعد الألف ، والتقى ساكنان فيقلب الألف إلى ما يقبل الحركة كما في المفرد ، ليتطابقا في عدم الحذف بالتقاء الساكنين ،
لكنّها يقلب في الجمع ياء وتدغم فيها الياء الاولى ، لأن انقلاب بعض حروف العلّة إلى بعضها أولى ، مع عدم سبب القلب همزة وهو الوقوع بعد الألف فيه ، فيحصل ما هو على زنة «فعاليّ» - بالتشديد - ، ثمّ انّهم استثقلوا الياء المشدّدة في الجمع الأقصى مع عدمها في المفرد ، فحذفت المدغمة المنقلبة عن الزائدة ، وحوفظ على المنقلبة عن العلامة ، فحصل ما يوازن «الفعالى» - بتخفيف الياء - كالصحارى ، كما هو لغة بعض العرب ، رعاية لحفظ كسرة ما بعد ألف الجمع ، ويحذف الياء - رفعا وجرّا - عند التنوين كما في باب جوار ، والأكثر : يردّونها إلى الألف لتسلم عن الحذف ، ترجيحا لحفظ العلامة ، وينفتح ما قبلها ، فيحصل «الفعالى» - بالألف -.
وجاء «فعاليّ» بالتشديد - على قلّة في الشعر ، كقوله :
لقد اغدوا على اشق
ر يغتال الصّحاريّا. (1)
ويتعيّن «الفعالي» - بالياء مشدّدة ومخفّفة - فيما كانت الألف الممدودة فيه للالحاق ، كالعلابيّ في العلباء ، لأنّها ليست في استحقاق المحافظة كالّتي هي للتأنيث حتّى يردّ إليها لحفظها.
و «الفعاليّ» - بالتشديد - مطرد في جمع ما كان ثلاثيا ساكن الوسط مزيدا في آخره ياء مشدّدة خالية عن معنى النسبة ، كبختيّ ، وكرسيّ ، وكذا مهريّ ، لصيرورته بالغلبة اسما لنوع من الابل وان كان في الأصل لنسبة ذلك النوع إلى مهرة ابن حيدان.
وجاء : في البخاتيّ والمهاريّ - بخصوصهما - الأوجه الثلاثة الواردة في الصحارى ، ويطرد «الفعالي» - بتخفيف الياء - في جمع «فعلاة» كسعلاة - لا خبث الغول - ،
1) هذا البيت للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ، وأراد بالأشقر : الفرس الّذي لونه الشقرة ، وهي حمرة صافية بخلاف الشقرة في الانسان ، فانّها فيه حمرة يعلوها بياض. ويغتال : يهلك ، واستعاره لقطع المسافة بسرعة شديدة. وفي جميع نسخ «الكمال» يجتاب بدل قوله يغتال ، ومعناه : يقطع.
و «فعلية» كهبرية - لوسخ أسفل الشعر شبه النخالة - ، و «فعلوة» كعرقوة. (1)
(و) أمّا(الصفة) المؤنثة بالألف : فما كانت منها مقصورة الألف - وليس لها مذكر على «أفعل» - ان كان لها مذكر على «فعلان» (نحو : عطشي) مؤنث عطشان يجمع (على) «فعال» - بالكسر - ، نحو : (عطاش) ، (و) ان لم يكن لها مذكر كذلك (نحو) : شاة(حرمي) بالحاء والراء المهملتين - على زنة عطشي - أي مشتهية للفحل - يجمع (على) «فعالى» - بفتح الفاء والألف المقصورة - ، نحو (حرامي) ، وربّما جاء : حرام كعطاش بناء على اعتبار المذكر تقديرا ، كأنّه لو قيل : للمذكر لقيل : حرمان كعطشان ، كذا قال الجوهري ، وكذلك يقال : في حبلى ، وخنثى - بضمّ الأوّل منهما - حبالى ، وخناثي ، لعدم مذكر لهما على «أفعل» وعلى «فعلان».
(و) ما كانت ممدودة الألف : فان كانت على «فعلاء» - بفتح الفاء وسكون العين - ، (نحو : بطحاء) - للواسعة من مسيل الماء الّتي فيه دقاق الحصى - يجمع (على) «فعال» بالكسر - نحو : (بطاح) ، (و) ان كانت على «فعلاء» - بضمّ الفاء وفتح العين والمدّ - (نحو : عشراء) - للناقة الّتي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر وزال عنها اسم المخاض - ، ونفسآء : للّتي وضعت حملها ، يجمع (على) «فعال» بالكسر - نحو : (عشار) ، ونفاس ، لمناسبته لنحو الأنثى في ضمّ الأوّل ، ولنحو بطحآء في المدّ ، لكنّه لم يرد في جمع هذه الزنة إلّا في عشرآء ، ونفسآء على ما صرّح به بعض اللّغويين.
وجاء في النفسآء : نفس - بضمّتين - ، ونفاس - بالضم - ، وهو جمع نادر ، ويجوز فيهما عشراوات ، ونفساوات - بالألف والتاء وقلب الهمزة واوا - ، وهكذا في كل همزة منقلبة عن ألف التأنيث عند الجمع بالألف والتاء ، تحرّزا عن اجتماع علامتي التأنيث وهما الهمزة والتاء ، كصحراوات وغيرها.
والجمع بالألف والتاء مطرد في المؤنث الّذي ألفه - رابعة - وليس له مذكر على
1) وهي الخشبة المعترضة على رأس الدلو.
«أفعل» سواء كانت ألفه مقصورة أو ممدودة على ما ذكره بعض المحقّقين.
(و «فعلى») من الصفة المقصورة الألف الّتي لها مذكر على «افعل» وذلك في اسم التفضيل ، (نحو : الصّغري) مؤنث الأصغر ، والكبرى مؤنث الأكبر ، والفضلي مؤنث الأفضل ، يجمع (على) «فعل» - بضمّ الفاء وفتح العين - ، نحو : (الصّغر) ، والكبر ، والفضل ، ولم يرد هذا الجمع في «افعل» للمذكر إلّا فيما لا يعقل ، كقوله تعالى : (مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ*)(1)فانّه جمع الآخر - لليوم - وأجرى مجرى اخرى على ما في شرح المفصل ، لأن ما لا يعقل يجري مجرى المؤنث.
والمصنف عرّف هذا الجمع باللّام على خلاف سائر ما ذكره ، لأن اسم التفضيل المجرّد عن الاضافة لا يجمع إلّا معرّفا ولذا قال سيبويه : لا يقال : نسوة صغر ولا قوم أصاغر إلّا مع اللّام.
(و) المؤنث (بالألف) حالكونها(خامسة) : ان كانت مقصورة فالمسموع منهم فيه هو الجمع بالألف والتاء ، ولم يوجد في كلامهم تكسير لمثله أصلا ، وذلك : (نحو : حبارى) - لطائر - ، فان ألفها خامسة للتأنيث - ومخالفة الجوهري في ذلك ضعيفة - للاجماع على منعها من الصرف والتنوين ، يجمع (على حباريات) بالاتفاق ، وقلبت المقصورة ياء ، وهكذا كل ألف مقصورة للتأنيث عند الجمع بالألف والتاء كجبليات ، لتحرز عن اجتماع العلامتين.
واختيرت الياء لها والواو للمدودة ، لأنّ الواو أقوى وبالهمزة احرى ، وذو المقصورة الزائدة الّتي ليست للتأنيث ومعها زيادة اخرى كسرندى - للشديد - وحبنطى على «فعنلى» بالألف المزيدة للالحاق بسفرجل يجوز فيه حذف كل منهما ، فيقال : سراند ، وحبانط - ان حذفت الألف - ، والحباطي والسّرادي - بقلب الألف ياء وكسر ما قبلها - على «فعالي» - بالياء - ان حذفت النون.
وان كانت - الخامسة - في المؤنث الممدود جازان يجمع ما هي فيه بالألف والتاء ،
1) الآية : 184 - 185 من سورة البقرة.
كقاصعاوات ، وخنفساوات ، وان تحذف مع الهمزة ويجمع الاسم على صيغة منتهى الجموع ، كقواصع ، وخنافس في - قاصعآء وخنفسآء ، ولم يجوّزوا في نحوه خنافسآء مثلا وان صغر على خنيفسآء ، كراهة الزيادة على صيغ الجمع الأقصى ، وكذا يقال : في زعفران زعافر وان صغّر على زعيفران.
وفيما فوق الألف الخامسة يتعيّن الحذف كيف كانت ، كالحواليّ في حولايا.
(و «افعل») : (الاسم : كيف تصرّف) في حركة الهمزة والعين ، (نحو : اجدل) - بفتح الهمزة والدال ، للصقر - ، (واصبغ) - مثلثة الهمزة ومع كل حركة تثلث الباء - تسع لغات كذا في القاموس ، ويذكّر ويؤنث ، (واحوص) علما ، ليكون اسما ، يجمع (على) «افاعل» ، نحو : (اجادل ، وأصابع ، وأحاوص).
(وقولهم : حوص) على «فعل» - بالضم والسكون - في الأحوص ، كما في قول الأعشي ميمون بن القيس يخاطب عبد عمرو بن شريح الاحوص :
أتاني وعيد الحوص من آل جعفر
فيا عبد عمرو لو نهيت الأحاوصا (1)
فهو وان كان جمع الأحوص الّذي صار علما بالغلبة بقرينة الجمع على الأحاوص لكنّه لا يرد اعتراضا على ما ذكرنا ، لأنّه (للمح الوصفية الأصلية) ، فانّه في الأصل وصف من الحوص - بالتحريك - وهو ضيق في مؤخّر العين ، أو في إحدى العينين - ، والفعل : حوص كفرح ، ورجل أحوص وامرأة حوصاء ، والجمع : حوص.
وقد وقعت مناظرة بين علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص وعامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر فهجا الأعشي علقمة ومدح عامرا فأوعده علقمة بالقتال ، فقال : أبياتا منها هذا البيت ، وحذف الجزاء ، لظهور المراد - أي لووددت ذلك ، أو
1) هذا البيت لا يحتاج إلى شيء من التوضيح والشرح وذكر المؤلف قائله وشرحه.
امنت أو نحو ذلك ، وأراد بقوله : من آل جعفر من أجلهم - أي من أجل مودّتهم ومدحهم - ، والمراد بالحوص والأحاوص : قوم عبد عمرو بن شريح ومنهم علقمة.
(والصفة) : المجردة عن معنى التفضيل من العيب واللون الّتي هي على «افعل» للمذكر ، (نحو : احمر) ، واسود ، وابيض ، واعرج ، واعمى ، يجمع (على) «فعلان» ، نحو : (حمران) ، وسودان ، وعرجان ، وعميان ، (و) على «فعل» - بضمّ الفاء وسكون العين - مطردا ، كما يجمع مؤنثها أعني «فعلاء» - بالمدّ - كحمرآء ، وعرجآء ، وعميآء ، على ذلك ، وتقلب ضمّة الفاء كسرة في الأجوف اليائي للياء ، نحو : (حمر) ، وسود ، وبيض ، وعرج ، وعمي ، في المذكر والمؤنث.
وكذلك يطرد «فعل» في جمع «افعل» ممّا ليس له «فعلآء» ، لعدم تحقق معناه في المؤنث ، كآدر - من الادرة - لانفتاق الخصية ، وفي جمع «فعلاء» ممّا ليس له «افعل» ، لعدمه في المذكر ، كرتقاء - في الرتق من عيوب النّساء - ، بخلاف ما لم يتفق فيه إلّا أحدهما وان تحقق معناه في المذكر والانثى ، كآلى (1)- لعظيم الآلية - ، وعجزآء - لعظيمة العجز - ، فان عظمهما يتصوّر في القبيلتين ، وعدم بناء المقابل ليس لمانع خلقيّ.
(و) لا يجمع المذكر من الصفة المذكورة جمع السلامة ، فلذلك (لا يقال : احمرون) ، واعرجون مثلا عند الجمهور إلّا في الضرورة ، كقوله :
فما وجدت بنات بني نزار
حلائل أسودين وأحمرينا (2)
1) الآلى : بالمد في أوّله أصله : اءلى بهمزتين فقلبت الثانية الساكنة ألفا ، فلم يتّفق فيه البناء للمؤنث ، والعجزاء بالعكس.
2) هذا البيت من قصيدة لحكيم الأعور بن عياش أحد شعراء الشام يهجو بها مضر ، وبنات : فاعل وجدت ، وحلائل : جمع حليل وهو الزوج ويقال للزوجة حليلة ، وسميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل للآخر ، وهو مفعول وجدت ، وأسودين : جمع أسود ، وأحمرين : جمع أحمر ، وهما صفتان لحلائل ، والاستشهاد بالبيت في قوله : أسودين وأحمرين حيث جمع أسود وأحمر جمع المذكر السالم بالواو والنون ، وهو عند ابن كيسان ممّا يسوغ القياس عليه وعند غيره خاص بضرورة الشعر.
وذلك (للتّميز (1)عن «أفعل» التفضيل) الّذي يجمع جمع السلامة ، (و) كذلك (لا) يجمع مؤنثها أيضا جمع السلامة ، ومن ثمّة لا يقال : (حمراوات) ، وعرجاوات مثلا ، لكن ليس ذلك لتميز عن مؤنث اسم التفضيل ، لأنّه لا يجمع على هذه الصورة ، فان ألف مؤنث اسم التفضيل مقصورة تنقلب ياء في الجمع بالألف والتاء ، كما يقال : هنّ الفضليات ، وهي متميّز عن حمراوات ، بل (لأنّه فرعه) - أي قولهم : حمراوات فرع قولهم : احمرين - لأنّ المؤنث فرع المذكر فاذا منع الأصل عن التصحيح فكيف يصحّح الفرع.
(وجاء : الخضراوات) - بالألف والتاء - في جمع الخضرآء ، على ما روى عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم انّه قال : [ليس في الخضراوات صدقة] (2)، (لغلبته اسما) للبقول الرطبة الّتي تؤكل - ، و «فعلآء» الممدودة إذا كانت اسما يجمع كذلك ، كصحراوات.
(و) «افعل» للمذكر من صيغة التفضيل ، (نحو : الأفضل) يجمع في التكسير(على) «الأفاعل» ، نحو : (الأفاضل) ، (و) في التصحيح على نحو : (الافضلين) وان كان الأصل عدم التصحيح فيه ، لعدم قبوله التاء ، ولعل تصحيحه جبر لما فاته من ان يعمل عمل الفعل في الفاعل والمفعول مع ان معناه في الصفة أبلغ وأتم من اسم الفاعل الّذي انّما يعمل فيهما لأجل معنى الصفة ، كذا قال بعض المحقّقين.
وما كان على «أفعل» مجرّدا عن التفضيل ويفرق بين مذكره ومؤنثه بالتاء ، كارمل - لمن لا زوجة له - ، وارملة - لمن لا زوج لها - ، يجمع جمع السلامة كأرملين ، وارملات ، وعلى «أفاعل» ، كأرامل ولو في المؤنث.
(و) اسم الجنس الّذي زيد في آخره الألف والنون (1)، (نحو : شيطان) - ان كان من شاط ، إذا هلك - ، (وسلطان ، وسرحان) - بكسر الأوّل ، للذئب والأسد - يجمع (على) «فعالين» ، نحو : (شياطين ، وسلاطين ، وسراحين) ، وان كان الشيطان من شطن - إذا بعد لبعده عن رحمة الله تعالى - فهو «فيعال» لا «فعلان» ، ووزن جمعه «فياعيل».
(وجاء) : في جمع سرحان (سراح) - بالكسر والفتح - أيضا ، على ما قيل ، وأمّا أسماء الاعلام من هذا القبيل فلا يجمع جمع التكسير ان كانت مرتجلة كسلمان ، وعثمان ، بخلاف المنقول.
(والصفة) الّتي على «فعلان» - بالفتح - في المذكر : ان كان مؤنثه بالتاء كندمان - بمعنى النديم - وندمانة جاز تصحيحها كندمانون وندمانات ، قياسا فقط عند سيبويه ، وسماعا - أيضا - عند بعضهم ، وان كان مؤنثه «فعلى» (نحو : غضبان) وغضبى ، وسكران وسكرى ، امتنع فيها التصحيح إلّا في الضرورة ، وكلّاهما يكسّران في المذكر والمؤنث (على) «فعال» - بالكسر - نحو : (غضاب) ، وندام ، (و) «فعالى» - بالفتح والألف المقصورة في آخره - نحو : (سكارى) ، وغضابى ، وندامى ، وليس شيء منهما مطردا في قسم من القسمين.
ثمّ انّ الأصل فتح الفاء من «فعالى» ، (وقد ضمّت أربعة) من جموع هذه الزنة
1) سواء كان الفاء مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة ، وسواء كان العين ساكنة أو متحرّكة.
مع جواز الفتح فيها ، وهي : (كسالى) - في كسلان ، من الكسل - ، (وسكارى ، وعجالى) - في عجلان من العجل - ، (وغيارى) - في غيران ، من غار على أهله يغار غيرة.
وربّما جاء الضم في جمع ما يلحق بها ، كأسارى في اسير ، وجاء : قدامى - الطير : لقوادم ريشه - في قادمة ، والزموا الضم في هذين ، للدلالة على شدّة مخالفتهما لما كان ينبغي ان يجمعا عليه على ما قيل ، وربّما حكي : ضعافى ، وبه قرأ قوله تعالى : (ذُرِّيَّةً ضِعافاً)(1)على ما في الكشاف ، وكأنّه حمل الضعيف في هذا الجمع على كسلان ، للمناسبة في المعنى.
وما كان من الصفات على «فعلان» - بضمّ الفاء - يتعيّن في مؤنثها «فعلانة» - بالتاء - ، كعريان وعريانة ، وخمصان - لضامر البطن - وخمصانة ، ويجوز تصحيحها ، نحو : عريانون وخمصانون ، إذ ليس أصلها عدم لحوق التاء ، وجاء تكسيرها على «فعال» كخماص في المذكر والمؤنث ، واستغنوا بتكسير العارى على عراة كقضاة عن تكسير العريان ، لأنّه بمعناه ، ولم يرد في هذه الزنة «فعالى» كسكارى قط.
(و «فيعل») - بكسر العين - وهو مختص بالأجوف كما مرّ ، (نحو : ميّت) ، وجيّد ، وأصلهما : ميوت وجيود ، فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء الساكنة ، ونحو : بيّن ، يجمع (على) «أفعال» ، وهذا الجمع تشترك فيه المذكر والمؤنث ، نحو : (أموات) فيهما ، وردّت الواو ، لزوال ما كان (2)سبب انقلابها إلى الياء في المفرد ، (و)
على «فعال» - بالكسر - ، نحو : (جياد) ، (و) على «افعلآء» ، نحو : «أبينآء» - بفتح الهمزة وسكون الباء وكسر الياء وفتح النون - ، والأصل في هذه الزنة جمع السلامة نحو : ميّتون وميّتات.
(و) صيغ المبالغة الّتي يفرق بين المذكّر والمؤنث في واحدها بالتاء ، (نحو : شرّابون) - بفتح الأوّل - ، (وحسّانون) - بفتح الأوّل وضمّه - ، (وفسّيقون) - بكسر الأوّل وتشديد الحرف الثاني من الثلاثة - للمبالغة في الشرب ، والحسن ، والفسق.
(و) أسماء المفعولين والفاعلين الّتي في أوّلها الميم ، (نحو : مضربون ، ومكرمون (1)استغنى فيها بالتصحيح) في المذكر كما ذكر ، وفي المؤنث كشرّابات ، ومكرمات ، عن التكسير ، وكأنّهم أرادوا أن يكون من صيغ المبالغة هذه الصيغ المذكورة الصالحة للتصحيح في المذكر والمؤنث لقبولها التاء على عكس صيغها الّتي يستوي فيها المذكر والمؤنث (2)، وكمهذار - لمن يكثر الهذر في الكلام - ، ومنطيق ، وصبور ، حيث التزم فيها التكسير كمهاذير ، ومناطيق ، وصبر ، ومنع التصحيح في غير الضرورة.
وكرهوا التكسير الّذي هو من خواص الاسم في نحو : مكرمون ، للجريان على معنى الفعل ولفظه إلّا في الميم موقع حرف المضارعة ، وحملوا عليه : نحو : مضروبون ، للتشابه في الميم الزائدة ، فهذا هو الأصل ، (و) قد(جاء) : التكسير في بعض صيغ المبالغة ، كما جاء في - عوّار - بضمّ العين وتشديد الواو ، للجبان الضعيف - (عواوير) - بواوين وقلب مدّة المفرد ياء - وقد تحذف تلك الياء ، (و) في بعض أسماء المفعولين والفاعلين ، كقولهم : (ملاعين ، وميامين ، ومشائيم) في : ملعون ، وميمون ، ومشئوم ، من الشئوم ضدّ اليمن ، (ومياسير ، ومفاطير) ، في : الموسر ، ضدّ المعسر ، والمفطر ، من أفطر الصائم ، وهما اسمان للفاعل ، (ومناكير) في : منكر ، اسم مفعول من
الانكار ، (ومشادن) - بالشين المعجمة والدال المهملة - في : مشدن اسم فاعل ، من اشدنت الظبية إذا شدن ولدها أي قوي وطلع قرناه ، فهي مشدن بدون التاء كحائض ، وولدها شادن ، (ومطافل) في : مطفل ، اسم فاعل من اطفلت الظبية إذا كان معها طفلها وهي قريبة العهد بالنتاج ، وقد يقال : مشادين ، ومطافيل بزيادة الياء قبل الآخر.
والغالب فيما هو على زنة «مفعل» إذا أختص بالمؤنث التجرد عن التاء ، فلذلك لا يصحّح ، بل يجمع على «مفاعل» ، كذا قال نجم الأئمّة رضي. (1)
(والرّباعيّ : نحو : جعفر ، وغيره) من أوزانه ، كدرهم ، وزبرج ، وبرثن ، يجمع (على) «فعالل» نحو : (جعافر) ، ودراهم ، وزبارج ، وبراثن ، (قياسا) (2)مطردا في القلّة والكثرة ، في المجرّد عن التاء وفي ذي التاء ، يجمع للقلّة جمع الصحّة وفي الكثرة على «فعالل».
(و) ما فيه من الرّباعي الاصول مدّة زائدة رابعة - ألفا كانت (نحو : قرطاس) ، أو واوا نحو : عصفور ، أو ياء نحو : قنديل ، يجمع (على) «فعاليل» بقلب المدّة ياء ان لم تكن إيّاها ، نحو : (قراطيس) ، وعصافير ، وقناديل.
(وما كان) من المزيد الثلاثي (على زنته) - أي زنة الرّباعي - ، والمراد : عدد حروفه أمّا مع الموازنة أو مع القرب منها على سبيل التجوّز ، سواء كان (ملحقا) به (أو غير ملحق) (بمدّة) - رابعة - (أو غير مدّة يجري مجراه) في صورة الجمع ،
(نحو : كوكب ، وجدول) - للنهر الصغير - ، بزيادة الواو فيهما للالحاق بجعفر ، (وعثير) للغابر ، بزيادة الياء للالحاق بدرهم ، (وتنضب) - بفتح التاء الزائدة وسكون النون وضمّ المعجمة وفي آخره الموحدة ، لشجر يتّخذ منه السهام - ، وليس ملحقا بشيء ، لعدم الموازنة لوزن من أوزان الرّباعي لكنّه قريب منها ، (ومدعس) - بكسر الميم وفتح العين - ، للرّمح الّذي يدعس به - أي يطعن - ، وليس ملحقا بشيء لوقوع الزيادة في أوّله لمعنى الآلة ، وحكم الزائدة للالحاق ان لا يكون زيادته لمعنى ، على ما سيجيء إنشاء الله تعالى ، وهذه الخمسة مجرّدة عن المدّة ، وجمعها : كواكب ، وجداول ، وعثاير ، وتناضب ، ومداعس.
(ونحو : قرواح) - بزيادة الواو والمدّة ، للأرض المستوية الّتي تبرز للشمس ، والطويلة القوائم من النوق - ، (وقرطاط) - بزيادة إحدى الطائين مع المدّة ، للبرذعة ، وقال الخليل : الحلس الّذي يلقي تحت الرجل - ، وهذان ملحقان ، فالأوّل : بقرطاس على لغة كسر القاف ، والثاني : به على لغة ضمها ، (ومصباح) - بزيادة الميم والمدّة - ، وهذا غير ملحق بشيء ، لأنّه آلة كمدعس ، وجمعها : قراويح ، وقراطيط ، ومصابيح مثل ذوي المدّة من الرّباعي (1)، وجاء : قراوح ، وقراطط ، بحذف الياء.
ونحو : جمجمة ، ومكرمة ، وسروالة ، ممّا فيه التاء من الرّباعي وما على زنته حكمه أيضا ما ذكر ، فيقال : جماجم ، ومكارم ، وسراويل.
واحترز بقوله : على زنته - عمّا لا يقارب الرّباعي وزنا ولا يجري مجراه في الجمع «كفعول ، وفعيل ، وفاعل ، وفعال» ونحوها.
ثمّ انّ الرّباعي وما يقاربه : ان كان أعجميا كجورب ، أو منسوبا نحو : أشعثي ، وبربريّ ، في : أشعث ، لرجل ، وبربر - لبلد - وجمع على صيغة منتهى الجموع الحقت
1) يعني : هذه الأمثلة تكسيرها كتكسير الرّباعي الّذي قبل آخره مدّة نحو : قرطاس وان لم تكن رباعية.
التاء - غالبا - في الأعجمي ، وجوبا - في المنسوب بالاستقراء ، وقيل : في وجه المناسبة انّ الأعجمي فرع العربي فيناسبه التاء الّتي هي امارة الفرعية ، وياء النسبة كالتاء لمجيئهما (1)للفرق بين الواحد والجنس كروم وروميّ على قياس تمر وتمرة ، وحيث حذفت في الجمع ناسب ان يخلفها التاء ، (و) على هذا(نحو : جواربة ، واشاعثة) ، وبرابرة ، يحصل (في) جمع (الأعجمي والمنسوب) من الرّباعي وما يقاربه.
وتحذف مدّة المفرد ، استثقالا ، فيقال : في تبريزيّ ، وبغداديّ ، وشيرازيّ ، وبهلوليّ ، مثلا ، تبارزة ، وبغاددة ، وشيارزة ، وبهاللة ، وفي الثلاثي يتعيّن التصحيح ، نحو : بصريّون وبصريّات.
وقد ظهر إلى ههنا حكم الثلاثي والرّباعي المجردين والمزيدين عند امكان بناء الجمع.
وقد يتعذّر التكسير في المزيد منهما ، كما في : منطلق ، ومستخرج ، ومدحرج ، واحرنجام ، وقلنسوة ، وحكمه كالتصغير ، فتبقى الفضلي كالميم في منطلق ، والألف من الندد ، وتحذف غيره في المزيد الثلاثي ، والزائد كلّها في المزيد الرّباعي ، ويتخيّر في نحو : قلنسوة ممّا لا فضل فيه لإحدى الزيادات ، فيقال : مطالق ، ومخارج ، ودحارج ، وحراجم ، والادد ، وقلانس أو القلاسي مثلا ، لتعذّر منتهى الجموع مع بقاء الزيادات فكيف بما دونه من الجموع.
وإذا كان حذف إحدى الزيادتين مغنيّا عن حذف الاخرى دون العكس تعيّن حذف المغنى ، كخيزران فيقال : خزارين - بحذف الياء وابقاء الألف مع قلبها ياء كما في عصافير ، ولو حذف الألف لزم حذف الياء أيضا ، لئلّا يقع بعد ألف الجمع المزيدة بعد الياء أكثر من ثلاثة أحرف ، فانّه ليس بجائز.
1) وفي نسخة : لمجيئتها.
(وتكسير الخماسي مستكره كتصغيره ، بحذف خامسه) ، فيقال : في سفرجل سفارج ، وفي : فرزدق فرازد - عند من يجوّز حذف الأخير ، وفرازق - عند من يحذف ما يشبه الزائد - وهو الدال كما في التصغير ، ومعنى الاستكراه : انّهم لا يرتكبونه في سعة الكلام إلّا إذا سئلوا وقيل : لهم كيف تكسيره أو تصغيره.
(ونحو : تمر ، وحنظل ، وبطّيخ - ممّا يميز واحده) عنه (بالتاء ليس بجمع) تكسير لذي التاء ، كتمرة ، وبطّيخة ، كما زعمه الكوفيّون ، بل هو اسم جنس (على الأصح) ، بدليل صحّة اطلاقه على القليل إلى الواحد (1)، وتصغيره على لفظه من غير ردّ إلى ذي التاء مع وجوب الردّ إليه لو كان جمعا له ، لعدم كونه من أوزان القلّة ، (وهو) - أي هذا النحو من اللفظ المميّز فيه الواحد عن غيره بالتاء - (غالب في) المخلوق لله تعالى (غير المصنوع) للناس ، لأنّه تعالى كثيرا ما يخلق جملة من الجنس كالتّفاح والتّمر أوّل ما يخلقه فيناسبه وضع لفظ صالح للقليل والكثير ، ثمّ يلحق علامة ليتميز الواحد ، بخلاف مصنوعاتهم ، فانّ الغالب ان يصنع واحد واحد فيناسبها كون الدال على الواحد مقدّما على الصالح للكثير ، فينبغي كون المجرّد عن التاء فيها للواحد ، فانّ اللفظ المجرّد عنها مقدم على المقرون بها ، هذا ملخص ما يقال ومثله - على ضعفه - ربّما يكتفي به في النكات.
(و) على هذا(نحو : سفين) للجنس ، وسفينة للواحد ، مثل : تمر وتمرة ، (و) كذلك (لبن) بفتح اللّام وكسر الموحدة - لما يعمل من الطين ويبني عليه - ، ولبنة ،
1) وقوله : إلى الواحد ، فإلى هنا بمعنى «مع» أي مع الواحد.
وقد يقالان بكسر اللّام وسكون الموحّدة ، (وقلنس) وقلنسوة ، (ليس بقياس) لأنّها مصنوعات.
(وكمء) - بفتح الكاف وسكون الميم وفي آخره الهمزة - (وكمأة) (وجبأ) - بفتح الجيم وسكون الموحّدة وفي آخره الهمزة - للحمر من الكمأ - (وجبأة) (عكس تمر وتمرة) ، لكونها مجرّدين من التاء للواحد ومعها للجنس ، هذا عند بعضهم ، وقيل : انّها مثل : تمر وتمرة.
(ونحو : ركب) - بفتح الرّاء وسكون الكاف ، لركبان الإبل أو الخيل - ، (وحلق) - بفتح الأوّلين ، للمتعدّد من الحلقة ، بسكون الوسط وقد يفتح - ، (وجامل) - بالجيم ، للقطيع من الإبل مع رعاته وأربابه - ، (وسراة) - بفتح المهملة الاولى ، في سريّ بتشديد الياء ، للسيّد - (وفرهة) - بضمّ الأوّل وسكون الرّاء ، في : فاره للحاذق الماهر بالشيء - كصحبة في صاحب ، والفعل منه : فره - بضمّ العين - ولذا كان الوصف منه على : «فاعل» غير قياسي ، والقياس : فريه ككريم ، (وتؤام) - بضمّ الفوقانية المثنّاة بعدها الهمزة الممدودة على «فعال» بالضم - في : توأم - بفتح الفوقانية وسكون الواو - ، (وغزيّ) - بفتح المعجمة الاولى وكسر الثانية وتشديد الياء - في : غاز من الغزو للجهاد ، (ليس بجمع على الأصح) ، بل هي أسماء جموع :
لتصغيرها على ألفاظها.
ووقوعها مميزة للعشرين ونحوه ممّا لا يميّز بالجمع.
ولغلبة التذكير في الضمير العائد إليها.
وانّما لم تكن أسماء أجناس ، لعدم ورود الفرق بينها وبين واحدها بالتاء فيها أصلا ، وعدم صحّة اطلاقها على الواحد.
(ونحو : اراهط) ، وارهيط بزيادة الياء في : رهط - للقبيلة - ، (واباطيل) في : باطل ، (واحاديث) في : حديث ، (وأعاريض) في : عروض ، - بفتح الأوّل ، للجزء الّذي في آخر النصف الأوّل من البيت - ، (واقاطيع) في : قطيع ، للطائفة من البقر والغنم وغيرهما ، (واهال ، وليال) في : اهل ، وليل ، وحوائج في : الحاجة ، (وحمير) - بفتح الحاء - في حمار ، (وأمكن) في : مكان ، ومحاسن في : حسن ، ومشابه في : شبه ، إلى غير ذلك من الجموع الّتي لها آحاد من ألفاظها وليس قياس أوزان تلك الآحاد ان يجمع على أوزان تلك الجموع ، كائنة(على غير الواحد (1)) ، كالجموع الّتي لا واحد لها من لفظها كنساء في جمع امرأة ، فانّها جمع على غير المفرد ، وقد حكى في بعضها ما يجمع عليه ، مثل : ليلاة في : ليال كما قال :
يا ويحه من جمل ما أشقاه
في كلّ ما يوم وما ليلاه (2)
وقال الفراء : واحد الأحاديث كأنّه أحدوثة ثمّ جعلوه جمعا للحديث ، وحمير اسم جمع عند الجمهور ، لأن «فعيلا» ليس من أوزان الجموع ، خلافا لسيبويه فانّه جعله من أوزان الجمع ، لكن القياس كون مفرده على «فعل» - بالفتح - مثل : كلب وكليب ، ومعز ومعيز ، وقد يعتبر في بعض ما ذكر الواحد المناسب المقدّر الغير
1) هكذا وجدنا العبارة في جميع نسخ الكمال ، لكن في غير هذا الشرح هكذا العبارة : [على غير الواحد منها] أي على جمع غير صيغ جمع واحدها.
2) هذا البيت لم أعثر على قائله ، وفي رواية اخرى لهذا البيت : في كلّ يوم ما وكلّ ليلاه ، والظاهر انّ المعنى انّه يعمل جمله في جميع أوقات اللّيل والنهار من كل يوم وكل ليلة حتّى يرثي له كل من رآه ويترحم عليه قائلا : ويحه ما أشقاه ، و «ما» في قوله : في كل يوم «ما» زائدة ، والاستشهاد بالبيت على ان ليال جمع ليلاة بمعنى ليلة.
المستعمل ، كإبطيل ، وإقطيع ، وإعريض ، واهلاة ، وحائجة ، ومكن كفلس ، وحمر ، ومحسن ، ومشبه.
(وقد يجمع الجمع) ، وليس بقياس مطرد على ما يستفاد من لفظة «قد» المفيدة للتقليل ، وصرّح به سيبويه وغيره ، سواء كان على وجه التكسير(نحو : أكالب) في جمع : أكلب جمع كلب ، ومثل : اراهط في ارهط في رهط عند بعضهم ، (وأناعيم) في : أنعام جمع نعم - بفتح النون والعين - ، وقد يسكن عينه للمال الراعية ، وأكثر اطلاقه على الإبل ، وهو مذكر لا يؤنث على ما قال الفراء ، ومثل : أراهيط في ارهاط في رهط على ما قيل ، وأقاويل في : أقوال في : قول ، (وجمائل) في : جمال - بكسر الجيم - في جمل - للذكر من الإبل ، أم على جهة التصحيح ، (و) ذلك نحو : (جمالات) في جمال أو جمالة في جمل أيضا ، (وكلابات) في : كلاب في كلب ، (وبيوتات) في : بيوت في بيت ، (وحمرات) في : حمر - بضمّتين - في : حمار ، (وجزرات) في : جزر - بضمّتين - في الجزور من الإبل هي الصالحة للجزر.
وحيث كان أقل ما يطلق عليه الجمع ثلاثة أمثال ما هو جمع له فاقل الجمع ثلاثة من الآحاد ، وأقل جمع الجمع تسعة منها ، ولا يخفى - اجراء قياس أوزان القلّة والكثرة فيه (1)بالنظر إليه وإلى ما هو جمع له على حسب اختلاف الصيغ - على المتأمّل.
1) وفي بعض النسخ : فيها. والضمير في قوله فيه راجع إلى جمع الجمع وفي قوله : فيها راجع إلى الآحاد وقوله : على المتأمّل متعلّق بقوله : ولا يخفى.
(التقاء السّاكنين : يغتفر في الوقف) لكون الوقف على الحرف جاريا مجرى حركته ، إذ يحصل عنده من توفّر الصوت عليه ما ليس له عند الوصل بحرف آخر على ما يشهد به الوجدان ، والتقائهما فيه يغتفر(مطلقا) ، سواء كان أوّلهما حرف لين كالمؤمنون ، والمؤمنين ، والمؤمنات ، أم لا كعمرو وبكر ، وذكر نجم الأئمّة رضي : انّ الساكنين إذا كان أوّلهما حرفا صحيحا يمتنع التقائهما إلّا مع كسرة مختلسة ضعيفة على الأوّل منهما ، لكن السامع والمتكلم يحسبانهما ساكنين في بادي الرّأي ، وسواء كان الثاني مدغما أم لا.
(و) يعتفر - أيضا - إذا كان على حدّه وصفته الّتي يستحق الاغتفار إذا كان عليها وذلك (في المدغم) الّذي (قبله) حرف (لين) وهو الساكن من حروف العلّة ، سواء جانستها حركة ما قبلها ليكون حرف مدّ أم لا ، والحركة المجانسة للألف هي الفتحة ، وللواو هي الضمّة ، وللياء هي الكسرة ، والألف حرف مدّ أبدا ، للزوم الفتح قبلها ، بخلاف الأخيرين لجواز الحركة المخالفة قبلهما كقول وبيع ، فحرف اللين أعم من حرف المد ، وقد يطلق على تلك الحروف - مطلقا - حروف المد واللين ، لما فيها من اللين ومدّ الصوت ، وان كان المدّ عند تحرّك ما قبلها بمجانستها (1)من الحركة أكثر.
ويشترط في الاغتفار ههنا كون اللين والمدغم (في كلمة) واحدة ، (نحو : خويصّة) - بالصاد المشدّدة المسبوقة بياء التصغير الساكنة - في : تصغير خاصّة - لما يختص بالشيء - ، (والضّالّين) ، خاصّة ، ودابّة ، (وتمودّ الثوب) - بالدال المشدّدة -
1) وفي نسخة : بمجانسها.
على صيغة الماضي المجهول : من تماددنا الثوب ، - أي مدّ كلّ منّا بعضا منه - ، وانّما اغتفر في هذه الصورة ، لما في حروف اللين من المدّ الّذي يتوصّل به إلى النطق بالساكن بعدها مع استمرار الصوت ، بخلاف الصحيح ، وما في حرف المشدّد من سهولة النطق وكونه في حكم حرف واحد متحرّك ، لشدّة الالتصاق.
واشتراط وحدة الكلمة : للاحتراز عمّا لو كانا في كلمتين ، إذا لا يتصوّر ذلك إلّا بوقوع اللين في آخر الكلمة الاولى والمدغم في أوّل الثانية والآخر محل التغيير فآثروا فيه التحرّز عن التقاء الساكنين بتحريك ذلك اللين ان لم يكن مدّة ، نحو : ولا تخشوا النّاس ، وحذفه ان كان مدّة (إِذْ قالُوا اللهُمَ)(1)، و(يا أَيُّهَا النَّبِيُ)(2)، و(ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(3)، بحذف اللين الملاقي للام التعريف المدغمة في الثلاثة.
وان وقع المدغم فيه في آخر الكلمة في صورة الاغتفار اجتمعت ثلاثة سواكن - وقفا - ، كما في اصيمّ - تصغير الأصمّ - ودوابّ - جمع دابّة - ، ويمتنع الجمع بين أربع سواكن فما فوقها في جميع اللّغات.
(و) يغتفر - أيضا - (في) الأسماء المعدودة من غير اختصاص باللين والمدغم ، سواء كانت أسماء حروف التهجي ، (نحو : ميم ، وقاف ، وعين) ، أم غيرها ، نحو : بشر ، بكر ، عمرو ، إلى غير ذلك ، (ممّا بنى لعدم التركيب) مع الغير ، فانّ التركيب فرع الاتصال والارتباط المعنوي والأسماء المعدودة لا يتصل بعضها ببعض ولا بغيرها معنى ، وان اتّفق اتصالها لفظا ، والتركيب مع الغير شرط في الاعراب فبنيت تلك الأسماء على السكون الّذي هو الأصل في البناء ، وسكونها للبناء في حال
الوقف والوصل ، نحو : كم ، وهل وغيرهما ممّا بني على السكون ، وأثر الوقف هو السكوت عليها والقطع عمّا بعدها.
واغتفر فيها التقاء الساكنين (وقفا ووصلا) ، فرقا بينها وبين المبنى لوجود المانع عن الاعراب ، أعني : المشابهة لمبنى الأصل ، ولم يعكس ، لأنّ المبني للمانع أكثر ، وبالتحرّز عن التقاء الساكنين أجدر.
وبعض النحاة - كالزمخشري - لم يشترط التركيب مع الغير في الاعراب ، بل اكتفى بمجرّد الصلاحية لاستحقاق الاعراب بعد التركيب ، ولذلك زعم : انّ السكون في هذه الأسماء ليس للبناء ، بل للوقف ولو بالنيّة ، كما في حالة الوصل ، فانّ الوصل في تلك الأسماء بنيّة الوقف ، كما يدل عليه : كونه فيها كالوقف في وجوب قلب التاء في أواخرها نحو : ثلاثه ، أربعه ، بغله ، ناقه - هاء ساكنة ، وفي اثبات همزة الوصل في أوائلها ، نحو : واحد ، واثنان ، رجل ، امرأة ، لكنّه في الوقف على وجه الوجوب ، وفي الوصل على الجواز ، فانّه يجوز فيه حذفها بعد نقل حركتها إلى ما قبلها جوازا راجحا على ما يقال.
ومن لم يجعل وصل تلك الأسماء بنيّة الوقف زعم انّ الواضع كما أثبت تلك الأحكام (1)للوقف مطلقا أثبتها للوصل في هذه الأسماء من غير ان يكون في نيّة الوقف والقطع فتأمّل.
وفرق سيبويه : بين ما سكونه منظور بالوضع كأسماء حروف التهجّي ، فانّ المنظور في وضعها ان يلقى كل منها بانفراده إلى المتعلم لينطق به ويقف ويكرّر حتّى يتعلمه ثمّ يلقى إليه آخر ، وبين ما يعرض سكونه عند قصد التعديد ، فجوّز في القسم الثاني الّذي أصله الاعراب ان يشمّ فيه الرفع الّذي هو أقوى الاعراب ، كما يقال : واحد ، اثنان ، زيد ، بكر ، بالاشمام ، بخلاف الأوّل ، خلافا للأخفش ، حيث
1) أي قلب التاء هاء واثبات الهمزة مرجوحا.
منعه في القسمين. (1)
(و) يغتفر التقاء الساكنين - أيضا - عند دخول همزة الاستفهام على همزة وصل مفتوحة في الاسم مع لام التعريف ، كما(في نحو : آلحسن عندك) ، (و) بدونها ، كما في نحو : (آيمن الله يمينك) ، وآيم الله يمينك ، وانّما اغتفر عند ذلك (للإلتباس) بالخبر لو حذفت همزة الوصل ، كما هو حكمها في الدرج ، فحيث منع عنه اللبس قلبت ألفا ، ليجري ذلك مجرى حذفها لما في القلب من اذهابها بالكلية ، مع انّ الألف - لضعفها - في حكم العدم.
وبعض العرب يكتفي بترقيقها وتسهيلها على وجه يكون بين الهمزة والألف ، وهو المراد بقولهم : بين بين ، والأوّل أشهر واولى ، لكونه أقرب إلى أصلها الّذي هو الحذف ، وقرأ على الوجهين قوله تعالى : (الْآنَ)(2)، وقوله : (آلذَّكَرَيْنِ*)(3)وآيمن الله - بضمّ الميم والنون - لفظ موضوع للقسم ، ويلزم اضافته إلى اسم الله - سبحانه - عند الجمهور ، وكذا : آيم - بحذف النون - ، وهمزتها للوصل كما يجيء - إنشاء الله تعالى -.
ورفعهما (4)بالابتداء في المشهور ، ويلزم حذف خبرها في الجملة القسميّة في كلام الحالف ، كما يقال : آيمن الله لأفعلنّ كذا ، والتقدير : آيمن الله قسمي مثلا ، وهذا القسم في كلام المستفهم مبتدأ والخبر يمينك ونحوه ، وكأنّه قال : أهذا القسم يمينك.
فهذه مواقع اغتفاره حتما.
(و) هو (في نحو : لاها الله ، وإي الله ، جائز) ، فان لاها الله أصله : لا والله فحذفت واو القسم وهي شفوية وعوّضت عنها هاء وهي حلقيّة ، لما بينهما من التناسب في الطرفية للمخرج ، ولتمحّضها للعوضيّة امتنع الجمع بينهما ، ويتعيّن الجر فيما بعدها ، وتنزّل كحرف القسم منزلة الجزء ممّا بعدها ، فيجوز حذف ألفها عند ملاقات اللّام المدغمة من الجلالة ، لكونها في كلمتين حقيقة كالألف في (أَيُّهَا النَّبِيُّ ،) واثباتها ، لتنزيلها منزلة الجزء فكأنّهما في كلمة واحدة ك - (الضَّالِّينَ ، *) وأي : حرف جواب بمعنى نعم ، والأصل : إي والله فحذف حرف القسم ، ثمّ انّهم جوّزوا حذف الياء لملاقاتها اللّام المدغمة في كلمتين ، فيقال : إ الله - بكسر الهمزة - وهي همزة أي : وابقائها ، كراهة الحذف لاحتمال الغفلة عن المقصود ، والكون على صورة الجلالة المزالة عن صورتها بكسر أوّلها فتبقى إمّا : مع التحرّك للتوسل إلى تفخيم الجلالة ، أو التسكين ، كأنّه جعل حرف الجواب كالقائم مقام حرف القسم ، نازلا منزلة الجزء من الاسم كالألف من ها ، ولكن هذا مجرد اعتبار لابقاء الياء من غير تمحّض التعويض ، فلذلك جاز الجمع (1)، وكان حرف القسم في حكم المحذوف من غير عوض ، ومن ثمّه (2)
أي الأفصح إي الله بنصب الله لأن أي ليس عوضا كالهاء. ونظيره قوله تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) أي من قومه.
قالوا : الأفصح نصب الاسم كنظائره بعد نزع الخافض من غير تعويض.ومنعوا من التقاء الساكنين في غير الصور المذكورة ، (و) قولهم : في المثل عن الشدّة وتفاقم الشرّ التقت (حلقتا البطان) باثبات ألف التثنية وملاقاتها اللّام الساكنة(شاذ) ، والقياس : حذفها كما في قولك : غلاما الرجل ، وثوبا بنك ، لكن الأمثال قد يجرى على خلاف القياس لبعض الأغراض ، فلعلهم استسهلوا خلاف
القياس في هذا المثل للتنبيه على تفظيع الشر باتمام الحروف ومدّ الصوت.
والبطان : - بكسر الموحّدة - الحزام الّذي يجعل تحت بطن البعير ، وفيه حلقتان ، والتقائهما يدل على فرط الهزال ، أو المبالغة في الشدّة ، أو اضطراب البطان عند الاضطرار إلى السير وعدم التمكّن من اصلاحه ، وكلّ هذه أحوال تناسب الشدّة فاستعير التقائهما لها ، كما قال أوس بن حجر :
وازدحمت حلقتا البطان بأقوام
وجاشت نفوسهم جزعا (1)
وشاع حتّى صارت مثلا.
وإذا كان الأمر على ما ذكر من المنع عن التقاء الساكنين في غير ما ذكر من الصور ، (فإن كان غير ذلك) المذكور لزم : امّا الحذف ، وامّا التحريك ، والأصل فيه أن يقع الحركة على أوّل الساكنين لما سيأتي إنشاء الله تعالى.
والتفصيل : انّهما ان التقيا في غير ذلك (وأوّلهما مدّة) ، فالحركة ثقيلة عليها منافية للتخفيف المطلوب من وضعها على السكون ، ومجانسة حركة ما قبلها لها فاضطروا إلى الحذف ، والساكن الثاني : قد يكون حرفا صحيحا وقد يكون كلمة اخرى جيء بها لمعنى مقصود يفوت بالحذف ضميرا كانت أو غيرها كنون التأكيد الثقيلة ولام التعريف كما ترى في الأمثلة ، ولا شك انّ المدّة أولى بالحذف من جميع ذلك مع شيوع حذفها في كلامهم ، فلذلك (حذفت) المدّة ، وذلك (نحو : خف ، وقل ، وبع) على صيغة الأمر من الأجوف ، وأصلها : تخاف ، وتقول ، وتبيع ، وبعد حذف حرف المضارعة واسكان الآخر بالجزم التقى ساكنان فحذف أوّلهما وهو المدّة ، (وتخشين) - للواحدة المخاطبة من الناقص - على زنة «تفعين» بفتح العين ، وأصلها : تخشيين -
1) هذا البيت من قصيدة لأوس يرثي بها فضالة بن كلدة ، ومعناه : اشتدّ الأمر لموته بأقوام كانوا في كنف حمايته واحسانه واضطربت نفوسهم جزعا. فاستعير في هذا البيت «حلقتا البطان» للشدّة والكرب.
بيائين - على «تفعلين» ، وقلب الاولى ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، وياء الضمير ساكنة فحذفت المدّة الّتي هي أوّل الساكنين أعني الألف ، وامّا تخشين - لجماعة النّساء المخاطبات ، فوزنه «تفعلن» ، ولم يحذف منه شيء ، وكذا يخشين للغائبات.
(و) نحو : (اغزوا) على صيغة الأمر المتصلة بضمير المخاطبين من الناقص ، (وارمي) بياء المخاطبة منه ، وأصلهما : اغزووا - بواوين - ، وارميي - بيائين - ، فحذفت ضمّة الواو الاولى من الأوّل وكسرة الياء الاولى من الثاني استثقالا ، فصارت كل واحد منهما مدّة ملاقية للضمير الساكن بعدها فحذفت وبقى الضمير ، ووزنهما : «أفعوا ، وافعي» ، وكذا إرموا ، وأغزي ، واخشوا ، واخشي ، وأصلهما : إخشيوا ، واخشيي بالياء المفتوح ما قبلها قبل الضميرين فقلبت ألفا وحذفت.
(واغزنّ ، وارمنّ) بالحاق نون التأكيد الثقيلة على الأمر ، للجماعة أو المخاطبة الواحدة من الناقص المضموم عينه في المضارع أو المكسور عينه فيه ، وكذا في المضارع على صيغة المعلوم المجزوم للجمع والمخاطبة منهما ، نحو : لا تغزنّ ولا ترمنّ ، فانّ الأصل : بعذ حذف اللّام اغزونّ واغزينّ ، ولا تغزونّ ، وارمونّ وارمينّ ، ولا ترمونّ مثلا ، فالتقى الضمير الساكن والنون المدغمة ، ولو حذف الضمير دلّت عليه ضمّة ما قبله في الجمع وكسرته في المحاطبة ، لانضمام ما قبل واو الجمع وانكسار ما قبل ياء المخاطبة فيما ذكر ، بخلاف النون ، لعدم الدليل عليها عند الحذف فيفوت معنى التأكيد المقصود منها ، فلذلك حذف الضمير دونها ، ولم ينزلوها - من جهة عدم استقلالها (1)- منزلة الجزء من الفعل كما ينزّل الضميران منزلته ، حتّى يكونا كجزئين من كلمة واحدة فيغتفر التقائهما ، كراهة جعل كلمات ثلاث بمنزلة الواحدة من غير داع ، وامّا اعتبار ذلك (2)في المثنى لتبقى الألف فلئلّا يلتبس بالمفرد ، لانفتاح ما قبل النون فيهما فلا يدل الفتحة على الألف لو حذفت ، وكذا في جماعة النّساء
بزيادة الألف ، كراهة اجتماع النونات ، فقالوا : إضربانّ ، واضربنانّ مثلا بكسر النون منهما ، تشبيها بنون التثنية للوقوع بعد الألف ، وتفتح النون فيما عداها. (1)
وأمّا المؤكّد بالنون من الأمر الناقص المفتوح العين في المضارع ، والمضارع المجزوم منه ، والمجهول مطلقا ، فما قبل الضميرين فيها - لانفتاحه - لا يدل عليهما لو حذفا كالنون ، فلذلك تبقيان وتضمّ الواو ، وتكسر الياء تحرّزا عن التقاء الساكنين ، نحو : إخشونّ ، واخشينّ ، ولا تخشونّ ، ولا تخشينّ ، ونحو : لتبلونّ ولامه واو محذوفة بعد قلبها ألفا.
(و) نحو : (يخشي القوم ، ويغزوا الجيش) ، (و) فلان (يرمي الغرض) وهو الهدف الّذي يرمي إليه السهم ، وحذفت المدّة لملاقاتها اللّام الساكنة.
وحيث كان حذف المدّة فيما ذكر من الصور لالتقاء الساكنين فلو تحرّك ما بعدها حركة يعتد بها اعيدت ، لزوال علّة الحذف ، (والحركة في نحو : خف الله) ، وقلّ اللهمّ ، وبع المال ، (واخشوا الله ، واخشي الله ، واخشونّ ، واخشينّ) ، ونظائرها من المضارع ، نحو : لم يخف القوم ، ولا يخشووا الناس ، ولا تخشونّ ، وإمّا ترينّ ، ونحوها ، (غير معتدّ بها) ، وهي في حكم المعدوم ، فلذلك لم تعد المدّة المحذوفة (2)، فلم يقولوا : خاف الله ، وقول اللهمّ مثلا.
والوجه في عدم الاعتداد بها في نحو هذه الأمثلة عروضها فيها ، بسبب مجيء ساكن من كلمة اخرى منفصلة ، كالاسم الظاهر المعرف باللّام ، ونون التأكيد الثقيلة ، فانّها مع الضمير البارز كلمة منفصلة في نحو ذلك (3).
وهذا(بخلاف نحو : خافا) ، وقولا ، وبيعا ، وخافوا ، وقولوا ، وبيعي ، ونظائرها من المضارع ، نحو : لم يخافا ، ولم يقولوا ، ولا تبيعوا ونحوها ، فانّ الحركة فيها معتد بها ، لعروضها باتصال الضمير المرفوع المتصل الّذي يجري مجرى الجزء من الفعل.
(و) بخلاف نحو : (خافنّ) ، وقولنّ ، وبيعنّ ، ولا تخافنّ ، ولا تقولنّ ، ولا تبيعنّ ، بالنون الثقيلة وفتح ما قبلها في الجميع للمفرد وضمّه للجمع وكسره في المخاطبة فان عود المحذوف فيها ، لأنّ الحركة فيها معتد بها ، لحصولها باتصال النون الّتي اتصلت بالفعل وجرى مجرى الجزء منه : امّا : في المفرد فظاهر ، وامّا في الأخيرين فبعد حذف ما كان مانعا عن تنزيلها منزلة الجزء أعني : الضميرين ، وامّا في نحو : غزتا ، ورمتا من الناقص المثنى في المؤنث فعدم الردّ لكون ألف التثنية الّتي لأجلها تحرك التاء في حكم المنفصل بحيلولة التاء ، ومع ذلك جوّز بعضهم فيه الردّ بأن يقال : غزاتا ، ورماتا ، كما في قول امرأ القيس :
لها متنتان خظاتا كما
أكبّ على ساعديه النّمر (1)
(وان لم يكن) أوّل الساكنين (مدّة حرّك) ذلك الأوّل ، لعدم ثقل الحركة وعدم منافاتها لوضعه مع حصول الغرض الّذي هو التحرّز عن التقاء الساكنين بها ، فلا وجه للحذف ، ولكن يستثنى من ذلك ما إذا كان أوّلهما تنوين العلم الموصوف بابن مضافا إلى علم آخر كزيد بن عمرو ، فانّه يحذف ، أو كان أوّلهما نون التأكيد الخفيفة ، فانّها تحذف أيضا كما تقدّم في مقدّمة الاعراب ، وذلك كقول الأضبط بن قريع :
1) هذا البيت من قصيدة تنسب لامرئ القيس ، وهو في وصف فرس. المتنتان : تثنية متنة ، وهي بمعنى المتن وأراد جانبي ظهرها. وخظاتا : اكتنزتا وارتفعتا. وقوله : «كما أكب على ساعديه النمر» قال ثعلب : أي في صلابة ساعد النمر إذا اعتمد على يديه ، فكأنّه قال : لها جانبا ظهر مكتنزان شديدان. والاستشهاد بالبيت في قوله : «خظاتا» فالقياس ان تقول : خظتاكما تقول رمتا ولكن الشاعر أعاد الألف الّتي هي لام الفعل نظرا إلى تحرّك التاء ولم يبال بعراقة التاء في السكون.
لا تهين الفقير علّك أن
تركع يوما والدّهر قد رفعه (1)
فانّ أصله : لا تهينن بالنون الخفيفة بقرينة وجود الياء ، وفي حكم نون التأكيد الخفيفة نون «لدن» غالبا على ما ذكره ابن مالك في التسهيل ، وربّما يقال : من لدن الصباح - بكسر النون - ، وقال الجرمي : حذف التنوين - إذا كان أوّل الساكنين - لغة قوم ، وعليها ورد ما روى عن أبي عمرو : (أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ) بحذف التنوين من أحد ، وقراءة عمارة بن عقيل : (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ)(2)بحذف التنوين ونصب النهار.
ويجب على الأكثر تحريك الأوّل في غير المدّة في غير تنوين العلم المذكور والنونين المذكورتين ، وذلك (نحو : إذهب اذهب) على صيغتي الأمر وكسر آخر الاولى بعد حذف همزة الثانية درجا ، (ولم أبله) ، وأصله : ابالي - للمتكلّم المعلوم - من المبالاة ، فحذفت الياء بالجازم ، وكثر استعماله فناسبه التخفيف ، فجعل كأنّه أجوف لم يحذف منه شيء واعتبر عمل الجازم مرّة اخرى فسكن اللّام وحذفت الألف بالتقاء الساكنين ، فلمّا دخلت هاء السكت الساكنة - وقفا - التقى ساكنان فحركت اللّام بالكسر.
(و(الم اللهُ)) (3)، إذا لم يوقف على : ألم ، ولم يجعل آية برأسها ، فانّه عند عدم الوقف يوصل بالجلالة فتحذف همزتها درجا ، وآخره ميم ساكن ، لمّا عرفت من بناء أسماء المعدودة على السكون وقفا ووصلا ، فعند ملاقاته اللّام المدغمة يلتقى ساكنان ، فحرك الأوّل ، والكسر - وان كان هو الأصل - لكنّه فتح على ما اختاره
سيبويه وسمع منهم ، توسلا إلى تفخيم الجلالة ، ولأنّ الياء قبله من جنس الكسرة وما قبل الياء أيضا مكسورة ، فلو كسر كان من قبيل توالي الأمثال ، وأجاز الأخفش الكسر على الأصل وبه قرأ عمرو بن عبيد في الشواذ.
ومن زعم انّ السكون في تلك الأسماء للوقف لا للبناء فالوصل عنده بنيّة الوقف ، فالجلالة مبتدأ بها عنده في النيّة كما في الوقف ، فلا تسقط همزتها درجا حتّى يلتقي ساكنان ، فلذلك قال : ان فتحة الميم منقولة من الهمزة وحذفت الهمزة على القياس في حذفها ، حيث لم يقع الابتداء بها في التلفظ ، وذلك كما نقلت من همزة القطع في قولهم : في التعبير عن كلمة لا النافية لام ألف - بفتح الميم وحذف الهمزة عند الوقف بنيّة الوصل ، كما في قول أبي النجم :
أقبلت من عند زياد كالخرف
تخطّ رجلاي بخطّ مختلف
تكتتبان في الطريق لام ألف (1)
وهذا مختار الزمخشري في تفسيره ، وزيّفه المصنف في شرح المفصل بأن فيه حمل ما اجتمع عليه القراء على الوجه الضعيف ، لأن اجراء الوصل مجرى الوقف يعني : جعله في نيّة القطع - ليس بقوي في اللّغة.
(و) نحو : (إخشوا الله) يا قوم ، (واخشي الله) أيّتها المرأة ، فانّ الضميرين الساكنين فيهما ليستا مدّتين ، لعدم مجانسة حركة ما قبلهما لهما ، لكونه مفتوحا ، فحرك الأوّل - ضمّا - لثقل الكسرة على الواو ، والثاني كسرا على الأصل ، لعدم المانع منه لمناسبة الكسرة له ، بخلاف نحو : اغزوا القوم ، وارموا القوم من مضموم العين في المضارع ومكسورها فيه ، فانّ الضمير فيهما مدّة للمجانسة فتحذف ، (ومن ثمّ) - أي من أجل لزوم التحريك إذا لم يكن أوّل الساكنين مدّة - (قيل) : في المؤكّد بالنون (اخشونّ) يا رجال ، (واخشينّ) يا فلانة ، بتحريك الواو - ضمّا - والياء
1) لم أقف على أصل القصيدة حتّى يتبيّن مراد الشاعر ومعناه. والخرف : فاسد العقل.
وبالجملة فتحريك الأوّل لازم في كل ساكنين متلاقيين ليس أوّلهما مدّة غير النون الخفيفة(إلّا في نحو : إنطلق) - بسكون اللّام وفتح القاف - ، (ولم يلده) - بسكون اللّام وفتح الدال - ، (وفي نحو : ردّ ، ولم يردّ - في) لغة(تميم) ، ونظائرها(ممّا فرّ) فيه (من تحريكه) - أي تحريك الأوّل - واسكن (للتخفيف) (فحرّك) الساكن (الثاني) في نحوها ، للتحرّز عن التقاء الساكنين ، لما في تحريك الأوّل من نقض ذلك الغرض ، والأصل : في انطلق كسر اللّام وسكون القاف على الأمر ، وفي لم يلد : كسر اللّام وسكون الدال ، فشبه طلق ، ويلد بكتف ، وخفّفا بتسكين الوسط مثله والتقى ساكنان ، وتحريك الأوّل نقض لذلك الغرض فحرّك الثاني منهما - فتحا - اتباعا لأوّل متحرّك منهما ، وتحصيلا للأخف من الحركة الّتي فرّ منها أعني الكسرة ، مع كراهة عروضها لآخر الفعل ، واستثقالا للضمّة.
وهذا في - يلد - غير مختص بصورة لحوق الضمير وانّما أراد الاشارة إلى ما وقع في قوله :
عجبت لمولود وليس له أب
وذي ولد لم يلده أبوان (1)
والمراد : بفاقد الأب : عيسى على نبيّنا وآله وعليهالسلام - ، وبفاقد الأبوين : آدم - على نبيّنا وآله وعليهالسلام -.
والأصل : في ردّ - بصفة الأمر - ، ولم يردّ - من المضارع - اردد ، ولم يردد ، بفك الادغام على ما يتكلم به الحجازيون ، فاختار تميم نقل حركة المجانس الأوّل إلى ما
1) هذا البيت لرجل من أزد السراة. ومعناه واضح.
قبله ، توسلا إلى التخفيف بالادغام ، ولو حرك الأوّل انتقض ذلك الغرض فادغم وحرّك الثاني بالحركات الثلاث - كما سيجيء إن شاء الله تعالى -.
(وقراءة حفص) في سورة النور الشريفة : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ) (وَيَتَّقْهِ) - بسكون القاف وكسر الهاء - (فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ)(1)(ليست منه) - أي ممّا فرّ فيه من تحريك الأوّل للتخفيف وحرّك الساكن الثاني لالتقاء الساكنين - ، وذلك لأنّ الهاء فيه ضمير راجع إلى الله ، والأصل : فيه ما قرأه بعضهم به وهو : يتقه - بكسر القاف والضمير - مع الوصل بالياء أي النطق به على وجه يظهر معه ياء يقال لها : الصلة ، كما هو حكمه عند انكسار ما قبله ، نحو : مررت به وبغلامه ، فحفص سكّن القاف تشبيها لتقه بكتف وبقيت كسرة الضمير وحذفت ياء الصلة على ما هو حكمه إذا عرض السكون لما قبله نحو : عليه ، وإليه ، (2)فالكسرة في - يتّقه - هي الّتي كانت ولم يلتق ساكنان أصلا ، هذا(على الأصح) ، خلافا للزمخشري وأبي عليّ ، حيث زعما ان قرائته ممّا فرّ فيه من ذلك لزعمهما انّ الأصل : يتّق فادخلت هاء السكت الساكنة وسكّن القاف تشبيها بكتف فالتقى ساكنان فحرّك الثاني وهو هاء السكت دون الأوّل لئلّا ينتقض الغرض من تخفيفها بالاسكان ، وهذا ضعيف ، لما فيه من اثبات هاء السكت - وصلا - وتحريكها.
(والأصل) في تحريك الساكن إذا قصد تحريكه (الكسر) ، لأنّ الجزم في الفعل عوض عن الجر في الاسم في لغتهم ، فكأنّهما متناسبان عندهم تناسبا يخلف به أحدهما مكان الآخر ، فاذا تعذّر أحدهما ناسب ان يقام مقامه الآخر ، مع انّ الانسان إذا خلّي وطبعه وجد من نفسه الالتجاء عند تعذّر النطق بالساكن - إلى
الكسرة المختلسة فكأنّه مجبول على ذلك ، وهي أخف على النفس بالطبع عند تحريك الساكن ، فلذلك جعلت أصلا فيه.
(فان خولف) ذلك الأصل (فلعارض) يتفق في بعض الصور ، (كوجوب الضم في : ميم الجمع) المتلاقية لساكن آخر مثل : لام التعريف في : (لَكُمُ الْيَوْمَ ،) و(عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ*) و(أَنْتُمُ الْفُقَراءُ ، ) و(هُمُ الْمُؤْمِنُونَ) ونحو ذلك ، فان تلك الميم أصلها الضم بدليل قراءة أهل مكّة إيّاها بالضم مع الوصل بالواو ، نحو : عليكمو ، فالتزم الأكثرون عند تحريكها الرجوع إلى أصلها ، وربّما جاء كسرها في بعض اللّغات على الأصل في تحريك الساكن.
هذا إذا لم تكن تلك الميم مسبوقة بهاء بعد ياء ، نحو : (عَلَيْهِمُ الْقِتالُ*) و(إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ،) أو بهاء بعد كسرة ، نحو : (بِهِمُ الْأَسْبابُ ،) و(فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ،) فانّ الأشهر في هاتين الصورتين الكسر ، لاعتضاد الأصل في الساكن فيهما بمراعاة اتباع الهاء ، لكن القرّاء خالفوا ذلك وأتوا فيهما أيضا بالضم ، ترجيحا لمراعات الحركة الأصليّة ، إلّا ان أبا عمرو قرأ نحو ذلك بكسر الميم كما هو الأشهر.
(و) كوجوب الضم عند الأكثر في (مذ) عند ملاقاة الساكن ، نحو : مذ اليوم - اتباعا للميم ، أو حملا على الغايات الّتي تبني على الضم كقبل ، وبعد ، للتناسب في المعنى ، كما حمل عليها - حيث - في البناء على الضم في الأفصح الأشهر ، مع اصالة الضم فيه ان كان أصله : منذ - بالنون - ، وجاء فيه الكسر على أصل التحريك أيضا.
(وكاختيار الفتح) - أي كونه راجحا مختارا - (في) الميم من (ألم الله) (1)، توسلا إلى تفخيم الجلالة وان أجاز الأخفش الكسر كما مرّ.
(وكجواز الضم) في الساكن الأوّل للاتباع لما بعد الساكن الثاني من رجحان
1) الآية : 1 من سورة آل عمران.
على الكسر ، (إذا كان بعد الثاني منهما) - أي من الساكنين - (ضمّة أصليّة في كلمته) - أي في كلمة الساكن الثاني - سواء بقيت تلك الضمّة ، (نحو) قوله تعالى : (وَقالَتِ اخْرُجْ ،)(1)و(قُلِ انْظُرُوا)(2)، أو انقلبت إلى غيرها لعارض ، (و) ذلك نحو : قولك (قالت اغزي) أيّتها المرأة ، فانّ الأصل : فيما وقع بعد الساكن الثاني من - أغزى - الضمّة ، لأنّه من «يفعل» - بضمّ العين - ، وان انقلبت كسرة لمصادفة ياء المخاطبة ، ولم يلتزم الاتباع في نحو ذلك ، لكون الضم في غير الكلمة الّتي فيها الساكن الأوّل مفصولا عنه بحاجز هو الساكن الثاني وان ضعف بالسكون ، فجواز الوجهين في : الساكن الأوّل - أيّ حرف كان - في نحو ذلك هو القياس الموافق للسماع.
وقرأ حمزة وعاصم ما ورد من هذا القبيل في القرآن العزيز بكسر الساكن الأوّل ان كان تاء ، أو دالا ، أو واوا ، أو لاما ، أو نونا ، أو تنوينا ، نحو : قالت «اخرج» «لقد استهزء أو انقص» «قل ادعوا ، أن اعبدوني ، محظورا انظر» ووافقهما أبو عمرو إلّا في الواو من - أو - العاطفة ، واللّام من - قل - ، فانّه يضمّهما ، وقرأ الباقون بالضم في جميع هذه إلّا في التنوين في رواية ابن ذكوان عن ابن عامر ، فانّه يكسره على الوجه المفصل في موضعه.
ثمّ انّ ما ذكر(بخلاف) ما إذا لم يكن الضمّة أصليّة في كلمة الساكن الثاني ، فان تحريك الساكن فيه بالكسر واجب على الأصل ، لعدم اصالة الضمّة حتّى يتبع ، وذلك نحو : (إن امرؤ) ، فان أصله : مرء - بسكون الراء - ، وعند تسكين الميم والاتيان بهمزة الوصل يعرضها حركة ما بعدها اتباعا - رفعا ونصبا وجرّا - ، (و) نحو : (قالت ارموا) ، فانّه من «يفعل» بالكسر - ، وأصله : إرميوا - بكسر الميم - ، والضمّة منقولة إليها من الياء وليست أصليّة ، (و) بخلاف ما إذا كانت الضمّة أصليّة
لكن لم يكن في كلمة الساكن الثاني في نحو : (إِنِ الْحُكْمُ ) ، و(قُلِ الرُّوحُ)(1)
والثانية : الآية 85 من سورة الإسراء.
فان ضمّة الحاء والرّاء وان كانت أصليّة لكنّها ليست في كلمة الساكن الثاني أعني : اللّام ، لأن لام التعريف كلمة وما عرّف بها كلمة اخرى فيقع الفصل بين الضمّة والساكن الأوّل بكلمة ، فلا وجه للاتباع فيكسر - وجوبا - على الأصل.(و) نحو (اختياره) - أي الضم - فيما إذا كان الأوّل فيه واو الجمع المفتوح ما قبلها ضميرا كانت كما(في نحو : اخشوا القوم) و(لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)(2)و(دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ)(3)، أو علامة كما في نحو : هؤلاء مصطفوا «القوم» ، إذ قد حذفت قبلها واو أو ياء مضمومة في الأصل لالتقاء الساكنين بعد انقلابها ألفا لانفتاح ما قبلها ، فيتقوّى مناسبة الضمّة لها بمناسبتها لحركة ما حذف قبلها فيترجّح فيها الضم عند تحريكها ، وجاء على قلّة فيها الكسر على الأصل ، (عكس : لو استطعنا) ، ولو انطلقت ونحوهما ، ممّا ليست فيه الواو للجمع ولم يحذف مضموم قبلها ، فانّ المختار فيها الكسر على الأصل ، والضم لمناسبة الواو قليل ، للفرق بين الواوين ، ولم يعكس ، لأنّ الضم بما هي للجمع أجدر ، فانّها تنوب عن الضم في الجمع عند وقوعها علامة للرفع في الجمع المصحّح ، مع انّه قد حذف بعدها في نحو : «لو استطعنا» همزة وصل مكسورة ، فالكسرة تناسبها في نحوه لذلك - أيضا - ، وربّما ضمّ أوّل الساكنين - اتباعا لضمّة قبله ، وعليه قرأ في الشواذ : قُمُ الليل (4).
(وكجواز الضم والفتح) مع الكسر(في نحو : ردّ ، ولم يردّ) ، ومدّ ، ولم يمدّ ، إلى غير ذلك من الأمر والمضارع المجزوم المدغمين من مضموم العين في المضارع ، وقد
نقلت ضمّة العين إلى ما قبلها للتوسل إلى الادغام ، وحذفت همزة الوصل في الأمر للاستغناء عنها لتحرّك ما بعدها وليس في أصل الساكن الثاني الّذي اضطر إلى تحريكه حركة قبل الادغام ، كما في نحو : اردد ، ولم يردد ، لسكونه بالجزم ، فحيث لم يكن حركة أصليّة يراعى إبقائها جوّزوا فيه الضمّ اتباعا لما قبله ، والفتح تخفيفا ، والكسر على الأصل في تحريك الساكن.
وفي مفتوح العين نحو : عضّ وجهان : الفتح للاتباع والتخفيف ، والكسر على الأصل ، وفي مكسورها نحو : فرّ : الكسر للأصل والاتباع ، والفتح للتخفيف ، ويمتنع فيهما الضم.
هذا إذا كان مثل ما ذكر غير ملاق لساكن بعده ، (بخلاف) ما إذا لاقى ذلك كاللّام في نحو : (ردّ القوم) ، فانّه يتعيّن فيه الكسر(على الأكثر) ، لأنّه لو فك الادغام وقيل : اردد القوم تعين الكسر فابقي على حركته بعد الادغام أيضا ، ومن العرب من يفتح بعد الادغام وعليه روي قول جرير :
فغضّ الطرف إنّك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا (1)
وقوله أيضا :
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوي
والعيش بعد أولئك الأيّام (2)
والاستشهاد بقوله : ذمّ فقد روى بالفتح كما روى بالكسر والضم.
(وكوجوب الفتح في) المضاعف المذكور في لغة جميع العرب إذا اتّصل بالضمير المفرد المؤنث الغايب المنصوب ، وهو : ها ، (نحو : ردّها ، وعضّها ، واستعدّها) ، لأنّ الهاء - لخفائها - كالمعدوم فآخر الفعل كأنّه قبل الألف فيفتح ، (و) وجوب (الضمّ)
فيه إذا اتّصل بالضمير المفرد الغائب المذكر المنصوب كما(في نحو : ردّه) ، وعضّه ، واستعدّه ، (على الأفصح) ، إذ الأصل والقياس انضمام هذا الضمير مع الوصل بالواو فآخر الفعل كأنّه ولي تلك الواو لخفة الهاء فيضم.
(والكسر) فيه - كما هو لغة بني عقيل - على الأصل في تحريك الساكن لغة ضعيفة ، ولذا صغّرها وقال : (لغيّة) ، إذ في هذه اللّغة يكسر هاء الضمير ، لانكسار ما قبلها وهو آخر الفعل فيوصل بالياء كما في به ، وبغلامه على ما مرّ ، فيخرج ذلك الضمير عن أصله الّذي مراعاته كأنّها أهمّ عندهم من مراعات الأصل في تحريك الساكن.
(وغلّط) على صيغة المجهول من باب التفعيل - أي نسب إلى الغلط - (ثعلب) (1)(في) دعوى (جواز الفتح) ، في نحو : ردّه ، وعضّه ، واستعدّه ، قياسا على الخالي عن الضمير معترفا بعدم السماع يعني انّهم حكموا بكونه غالطا في هذه الدعوى ، لكونه ضعيفا ، لضعف ذلك القياس بسبب وجود واو الصلة وضعف الحاجز مع الضمير ، بخلاف الخالي عنه.
(و) كوجوب (الفتح) تخفيفا ، (في : نون - من -) الجارة(مع لام التعريف ، نحو : من الرّجل ، والكسر ضعيف) ، لما يلزم من توالي الكسرتين مع كثرة استعمالها مع اللّام ، وهذا(عكس) ما إذا لقيت ساكنا غير اللّام نحو : (من ابنك) بحذف همزة الوصل ، فانّ الكسر فيه أكثر من الفتح ، لقلّة الاستعمال فمراعاة الأصل في تحريك الساكن فيه - لقلّته - كأنّها أولى من المبالات بالكسرتين بخلاف الكثير الشايع.
(وعن) الجارة ثابتة(على الأصل) الّذي هو الكسر مع اللّام وغيرها من غير فرق ، لأن ما قبل النون فيها مفتوح فلا يجتمع الكسرتان حتّى يخالف الأصل ، للتحرّز عنه.
1) هو بالثاء المثلثة ، وضبطه المازندراني : بالتاء في : قرشت والغين في : ضظغ.
(وعن الرّجل - بالضم -) على ما حكاه الأخفش عن بعض العرب اتباعا للجيم من - الرّجل - ، وتشبيها له بنحو : قل انظروا ، (ضعيف) لتوسط لام التعريف - وهي كلمة اخرى - بين النون ورجل ، فهو من قبيل «إن الحكم» وقد مرّ انّه لا يجوز فيه الضم ، وهكذا كل ما كان أوّله مفتوحا ، كهل الاستفهامية ومن الاستفهامية والشرطية يكسر على الأصل ، نحو : هل الرّجل ، ومن الرّجل ، هل ابنك ، ومن ابنك.
(وجاء في) نوعين من التقاء الساكنين (المغتفر) تحريك الساكن الأوّل : النوع الأوّل : الوقف ، فانّه جاء فيه تحريك أوّل الساكنين ان كان حرفا صحيحا بالحركة الساقطة عن الموقوف عليه بالوقف إن كانت ضمّة أو كسرة ، كالنّقر - بسكون القاف - وهو : صويت من طرف اللسان وما يليه من الحنك الأعلى يسكن به الفرس إذا اضطرب ، فيقال : فيه عند الوقف - رفعا - (هذا النّقر) - بضمّ القاف - ، كقوله :
أنا ابن ماويّة إذ جدّ النّقر
وجائت الخيل أثابيّ زمر (1)
(و) في الوقف - جرّا - (من النّقر) - بكسر القاف - وكذا جائني بكر - بضمّ الكاف - ومن بكر - بكسرها - ، ومثله قراءة أبي عمرو في رواية عنه : (وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ)(2)بنقل الكسرة إلى الباء ، (و) كما يقال : لم (اضربه) - بضمّ الباء وسكون هاء الضمير - في : اضربه - بسكون الباء وضمّ الهاء - ، قال الشاعر :
يا عجبا والدّهر جمّ عجبه
من عنزيّ سبّني لم أضربه (3)
1) هذا البيت نسبه الجوهري إلى عبد الله بن ماوية الطائي ، وقال سيبويه هو لبعض بني سعد. وماوية : اسم امرأة. والثبة : الجماعة وأصلها ثبى ومن جموعها إلّا ثابي ، والزمر : جمع الزمرة وهي الفوج والجماعة ، إذ جدّ : أي اشتدّ.
2) الآية : 3 من سورة العصر.
3) البيت هكذا انشده الجوهري في الصحاح. وقوله : جمّ عجبه أي كثير عجبه ، والعنزي : كأنّه نسبة إلى عنزة أبي قبيلة من ربيعة. وقد يروي المصرع الأوّل هكذا : عجبت والدهر كثير عجبه.
ومنه ، وعنه - بضمّ النون وسكون الهاء - في : منه ، وعنه ، لأن أوّل الساكنين ان كان صحيحا فهو يتحرّك بالطبع بكسرة مختلسة على ما قالوا وان لم يدرك لضعفها وغاية خفائها ، ولذلك جعلت كالعدم وحكم بالتقاء الساكنين ، فكأنّهم قصدوا اتمام تلك الكسرة ان كانت الساقطة عمّا بعده كسرة ، وحمل عليها الضم ان كانت هي الساقطة ، لما بينهما من التواخي والتناسب ، واستحقاقها للرعاية ، لكونها حركة قويّة شأنها ان يكون للعمدة ، بخلاف الفتح ، لكونه للفضلة بعيدا عن المناسبة للكسرة المختلسة الثابتة بالطبع ، فلذلك لم يجيء نحو : رأيت النّقر - بفتح القاف - إلّا على الشذوذ.
(و) النوع الثاني : المدغم قبله لين بشرط ان يكون ألفا ، فانّه جاء قلبها همزة مفتوحة للمبالغة في الهرب عن التقاء الساكنين فيما يكثر وقوعه وهو الألف قبل المدغم على ما قال المصنف والزمخشري ، فلذلك جاء : (دأبّة ، وشأبّة) بقلب ألفهما همزة مفتوحة على ما حكاهما أبو زيد ، وعليه قرأ في الشواذ ولا الضَأَلين ، و(إِنْسٌ وَلا جَانٌ)(1).
(بخلاف :) ما إذا كان اللين واوا نحو : (تَأْمُرُونِّي) على قرائة تشديد النون ، أو ياء ، نحو : خويصّة ، فانّهما يبقيان على حالهما من غير قلب ولا تحريك ، لقلّة وقوعهما بالنسبة إلى الألف على ما قال نجم الأئمّة ، فلا يبالي فيهما بالتقاء الساكنين ويعتبر الاغتفار.
1) الآية : 39 من سورة الرّحمن.
(الابتداء) والمراد به الأخذ في النطق بعد الصّمت ، (لا يبتدأ) في النطق (إلّا بمتحرّك) وجوبا صناعيّا موافقا لحكم العقل ، لتعذّر الابتداء بالساكن بشهادة الذوق ، وما زعمه ابن جني من جوازه مع التعسر ووقوعه في الفارسية مع كون أوّل الكلمة مدغما ضعيف ، ولعل الحركة فيما زعم وقوعه فيه ضعيفة خفيّة على ما قيل ، لا يقال الحرف في أوّل وجوده يجب ان يكون ساكنا؟ ، ثمّ يعرضها الحركة ضرورة تأخر العارض عن المعروض ، لأنّا نقول : العروف انّما يقتضي التأخّر بالطبع ، ولا ينافي المعيّة الزمانيّة الواقعة بين الحركة والحرف المتحرّك كحال حركتي اليد والمفتاح بالوجدان. (1)
(كما لا يوقف إلّا على ساكن) ، وجوبا صناعيا موافقا لاستحسان العقل ، ليكون حكم الابتداء والانتهاء متضادّين كتضاد أنفسهما ، والمراد بالوقف : قطع الحركة عند السكوت لا ما يشمل الرّوم وغيره.
ولوجوب التحرّك فيما يبتدأ به كان المناسب والأصل تحرك ما هو أوّل الكلمة حقيقة ، وقد خولف في بعض الكلمات ، (فان كان الأوّل ساكنا) على خلاف ذلك الأصل ، وذلك فيما ليس مدلوله حدثا من الاسم سماعيّ ، (وذلك في عشرة اسماء محفوظة) منهم بالاستقراء دون غيرها ، (وهي : ابن ، وابنة) ، والأصل : بنو بالتحريك بدليل أبناء في الجمع ، لدلالة بنون في الجمع على فتح الأوّل ، وما فتح أوّله من صحيح العين لا يقاس «أفعال» في جمعه إلّا مع فتح العين - أيضا - كجبل
1) وبالوجدان متعلّق بقوله : ولا ينافي.
وأجبال ، وبنت : في المؤنث تدل على كون اللّام واوا ، لأن ابدال التاء منها أكثر من ابدالها عن الياء فحذفت وابدلت عنها همزة الوصل بعد تسكين الأوّل ، (وابنم) - بزيادة الميم - للتأكيد على ما قيل ، كزرقم في : الأزرق ، لا عوضا عن المحذوف والألم يجمع (1)همزة الوصل ، واجراء الميم مجرى حرف الاعراب بعيد ، (واست) في سته ، بالتحريك بدليل أستاه كأبناء ، (واسم) ، وأصله : عند البصريين سمو - بسكون الميم وضمّ السين وكسرها - بدليل سم بدون الهمزة بضمّها وكسرها ، فجمعه على أسماء قياس كقفل وأقفال ، وجذع وأجذاع ، (واثنان ، واثنتان) ، والأصل : ثني وثنية بالتحريك كشجر وشجرة ، بدليل ثنويّ بالتحريك المفتوح مع قلب الياء واوا في النسبة ، ولو كانت الفاء مضمونة أو مكسورة لظهر ذلك في النسبة ، ولو كانت العين ساكنة لقالوا : ثنييّ (2)- بالاسكان - كظبييّ كما مرّ.
(وامرؤ ، وامرأة) ، والأصل : مرؤ ، والآخر لما كان همزة في معرض التخفيف بالحذف - كما يقال : مرة - صالحة بترك الهمزة حمل على ما حذفت لامه في تسكين الأوّل وإلحاق همزة الوصل ، والغالب عند الحاقها اتباع حركة الراء الهمزة في الأحوال الثلاث الاعرابية ، وقد يلتزم فتح الراء على جميع الأحوال كما حكاه الفرّاء ، وقد يضم على الأحوال كلّها ، (وايمن الله) عند البصريين ، فانّه عندهم اسم مفرد من اليمن - بمعنى البركة - أي وبركة الله ، وهو على زنة أشدّ - بتشديد الدال - ، وآنك - بالهمزة الممدودة في أوّله بعدها النون - للرصاص ، بدليل التصرّف فيه حيث يقال فيه : ايم ، وام كلّاهما بفتح الهمزة وكسرها ، ولو كان جمعا لم يتصرّف ، وقالوا : الهمزة فيه للوصل ، لحذفها درجا ، كما قال نصيب :
فقال فريق القوم لمّا نشدتهم :
نعم وفريق ليمن الله ما ندري (3)
1) وفي نسخة : وإلّا لم يجامع همزة العوض.
2) أي بحذف همزة الوصل واثبات الياء من دون القلب واوا مع اسكان العين.
3) البيت لنصيب شاعر مشهور من طبقات الشعراء الاسلاميّة كان عبدا أسود ، والمراد بالقوم : الرعيان ذكر قبل البيت انّه سألهم عن ناقته الّتي ادعى كاذبا انّها ضلّت للتعليل بالمحبوبة الّتي كانت هناك. والرعيان : جمع الراعي ، ونشدتهم : من النشدان وهو طلب الضالّة.
أي لأيمن الله ، فحذفت الهمزة بعد اللّام المؤكّدة وبقيت الياء الساكنة.
واسكان الأوّل في الاسم الدال على الحدث كثير قياسيّ (و) ذلك (في كل مصدر بعد ألف فعله الماضي) - أي همزة المزيدة في أوّله - (أربعة) أحرف (فصاعدا) من الأصليّة والزائدة المحققة في مرتبة زيادة تلك الهمزة ، (كالاقتدار) - فيما بعد همزته في الماضي أربعة - ، (والاستخراج) ، والاحرنجام ، - فيما بعدها فيه أكثر من أربعة.
(وفي :) الفعل - أيضا - كثير قياسي كما في ، (أفعال تلك المصادر من ماض) ، نحو : اقتدر ، واستخرج ، واحرنجم ، (وأمر) كاقتدر ، واستخرج ، واحرنجم ، وفي : «تفعّل وتفاعل» إذا ادغم تاؤهما في الفاء ، كاطّيّر ، واثّاقل ، وذلك بخلاف ما يكون بعد همزته في مرتبة زيادتها في الماضي ثلاثة أحرف هي اصول أصله المجرّد ، كأكرم ، فان همزته للقطع ، ومنه أسطاع ، وأهراق ، ان كان أصلهما : أطاع ، أراق ، ثمّ زيدت السين والهاء ، فليستا متحققتين في مرتبة الهمزة.
(وفي : صيغة أمر الثلاثي) المجرّد ، ان سكن ما بعد حرف المضارعة فيه ، نحو : إضرب ، واعلم في : يضرب ، ويعلم ، بخلاف ما تحرك فيه ذلك ، كالأجوف والمثال ، نحو : يصون ، ويعد ، فانّ الأمر منهما : صن ، وعد.
(وفي :) الحرف قليل سماعيّ لم يوجد سوى لفظين : (لام التعريف ، وميمه) ، نحو : ليس من امبرّ امصيام في امسفر (1).
وقوله : (الحق) جواب الشرط - أي فان كان أوّل الكلمة ساكنا - وذلك في تلك العشرة وما ذكر بعدها الحق (في الابتداء خاصّة) لا في الدرج (همزة وصل) ،
1) كذا رواه النمر بن تولب (رضياللهعنه) والحديث في مسند أحمد : باب الصوم في السفر من مسند كعب بن عاصم ، والنمر شاعر مخضرم عمّر طويلا في الجاهليّة ثمّ أسلم وكانت له صحبة ومات سنة 14.
لكونها أقوى الحروف ، والابتداء بها أولى ، وسميت بذلك ، للتوصل بها إلى الابتداء بالساكن ، ولهذا سمّاها الخليل : سلّم اللسان ، ولأنّها تسقط في الدرج فيتصل ما قبلها بما بعدها في النطق ، (مكسورة) ، لمناسبة الكسر للسكون ، ولذا كان هو الأصل في تحريك الساكن ، فهو أنسب بالساكن بعدها فزيدت متحرّكة بالكسر لذلك على ما ذهب إليه سيبويه ، وقال الكوفيّون : انّها زيدت ساكنة لتقليل الزيادة ثمّ حركت على أصل التقاء الساكنين ، وعلى أيّ حال هي مكسورة في كل ما تزاد فيه للابتداء(إلّا فيما) كانت (بعد ساكنه) الّذي في أوّله (ضمّة أصليّة فانّها تضم) فيه ، اتباعا لتلك الضمّة ، سواء بقيت (نحو : أقتل ، وأغز) ، أو زالت لعارض كالاتصال بياء المخاطبة(و) ذلك نحو : (أغزي) ، وفي ضمّها في مثله فائدة اخرى هي الدلالة على تلك الضمّة ، وما كانت الضمّة في أوّل حروفه الاصول الأصليّة - في بناء دون بناء كانطلق على البناء للمفعول دون الفاعل - يضم الهمزة في البناء الّذي هي أصليّة فيه ، وذلك (بخلاف : ارموا) ممّا كانت الضمّة فيه عارضة ، فانّه من «يفعل» بكسر العين - والضمّة عرضت للوقوع قبل واو الضمير.
(وإلّا في : لام التعريف) وميمه ، (وأيمن الله ، فانّها تفتح) في هذه الثلاثة ، تخفيفا لكثرة استعمالها ، هذا على الأشهر ، ومنهم من يجعل الهمزة فيها للقطع ، وهي : الهمزة الّتي تثبت في الدرج فينقطع بها ما قبلها عمّا بعدها في النطق ، ولهذا سميت بذلك ، وحذفت في هذه - درجا - تشبيها بهمزة الوصل ، لكثرة الاستعمال مع انّ القسم موقع التخفيف ، ولذلك وجب حذف الخبر في : أيمن الله ، ولعمرك ، وذلك (1)لزعمه ان - أل - بتمامها حرف تعريف كما ذهب إليه الخليل ، وكذلك - أم - ، والأيمن : جمع يمين لعدم هذه الزنة في المفرد ، وآنك أعجميّ ، والأشدّ : جمع للشدّة عند سيبويه ، يقال : بلغ الغلام شدّته ، لكن هذا الجمع ليس قياسيّا ، وقيل : انّه جمع الشدّ - بالفتح أو الكسر - نحو : كلب في أكلب ، وذئب وأذئب ، وان لم يستعمل هذان المفردان فيما
1) أي جعل الهمزة فيها للقطع.
يناسب معناه ، فهو كأبابيل ممّا لم يستعمل مفرده القياسي ، وحكى يونس كسر الهمزة في : أيمن - ، وذهب الزجاج والرمانيّ : إلى ان - أيمن - حرف لا اسم ، وهو ضعيف.
(و) همزة الوصل في أيّ كلمة كانت (اثباتها - وصلا - لحن) - أي خطاء - ، لأنّها انّما وضعت للتوصل بها إلى الابتداء فزيادتها - وصلا - زيادة في موضع الاستغناء ، على خلاف الأصل في وضعها.
(وشذّ) اثباتها(في الضرورة) ، كما في قول قيس بن الحطيم :
إذا جاوز الإثنين سرّ فانّه
بنثّ وتكثير الوشاة قمين (1)
وقول الآخر :
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة
على حدثان الدّهر منّي ومن جمل (2)
ومنى : صلة أحسن لأنّه اسم تفضيل. ومن جمل عطف عليه وجمل بضمّ الجيم اسم امرأة.
وعدلوا عن حذفها(والتزموا) - في الأفصح - (جعلها ألفا) محضة ، (لا) جعلها(بين بين في :) ما وقعت فيه مفتوحة بعد همزة الاستفهام ، (نحو : آلحسن عندك ، وآيمن الله يمينك ، للبس) اللّازم من حذفها ، إذ لو حذفت لم يعلم انّ الباقية هي الاستفهاميّة ، لانفتاح الهمزتين ، فيلتبس بالخبر ، وخلاصة المعنى : انّهم التزموا - لأجل اللبس اللّازم من الحذف والتحرّز عنه - الجعل الأوّل في الأفصح ، لا الثاني ، وان اندفع اللبس بكل من الجعلين ، وانّما اختاروا الأوّل لما مرّ في التقاء الساكنين.
ولو خالفت حركتها حركة همزة الاستفهام حذفت ، لعدم اللبس ، نحو : (أَصْطَفَى
1) البيت لقيس بن الخطيم من قصيدة ، النث : بنون فمثلثة مصدر نث الخير ينثه إذا أفشاه ويروي بدله «ببث» بالمعنى نفسه ، والوشاة : جمع واش وهو النمام ، وقمين : معناه جدير ، والباء في بنث متعلّق بقمين. والمعنى : انّ السر إذا جاوز الاثنين فهو جدير بالنشر أي إذا كان بين اثنين سرّ فعليهما ان يكتماه وإلّا انتشر ، وقد يقال المراد بالاثنين : الشفتان أي انّ السر ينبغي ان لا يتكلّم به.
2) البيت لجميل ، الشيمة : الخلق والطبيعة. ونصبها على التميز. وحدثان الدهر : حوادثه.
الْبَناتِ)(1)، و(أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ)(2)، لأن همزتهما مكسورة ففتحة الهمزة الباقية تدل على انّها استفهاميّة ، وكذا : أستحرج المال - بضمّ التاء - على البناء للمفعول وفتح الهمزة ، لأن همزة الأصليّة (3)مضمومة ، وهكذا : أبنك صالح - بفتح الهمزة - ، لأنّ الوصلية منه مكسورة.
ثمّ ان ما ذكر من قاعدة زيادة همزة الوصل للابتداء بالساكن انّما هو فيما اعتبر سكون أوّله بنفسه من غير ان يكون طاريا بعد لحوق شيء آخر اعتبارا متأصّلا بحيث يتحقق عند الابتداء وعدمه كما في : اسم ، وابن ، (وامّا سكون) أوائل الضمائر في قولهم : (فهو ، وفهي ، وهو ، ووهي ، ولهو ، ولهي ، فعارض) طار بعد لحوق العاطف ولام الابتداء المشبّهين بالجزء ممّا يلحقانه ، لعدم استقلالهما بالمفهومية وعدم صحّة الوقف عليهما ، وبعد تنزيل تلك الضمائر معهما منزلة كلمة واحدة موازنة لنحو : عضد ، وكتف ، وصيرورة أوائلها أوساطا فيما نزل منزلة كلمة واحدة ، وسكّنت - تخفيفا - كأوساط ما يوازنها من الكلمات ، ويزول ذلك السكون عند الابتداء وانفرادها عن اللواحق ، فلذلك لم تلحق الهمزة ، فلا يرد النقض به (4)على تلك القاعدة.
ثمّ ان هذا السكون العارض فيما ذكر(فصيح) كثير في كلام الفصحاء ، وبه قرأ الكسائي وأبو عمرو ، وقالوان عن نافع في الكتاب العزيز : (وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(5)(وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ*)(6)، (فَهِيَ كَالْحِجارَةِ ، لَهِيَ الْحَيَوانُ)(7)واسكن الهاء
من : (ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ) الكسائي وقالون ، تشبيها لثم بالواو والفاء.
(وكذلك) في العروض والكثرة في كلام الفصحاء(لام الأمر) بعد الفاء والواو العاطفين ، فانّها تسكن تشبيها لها مع العاطف وحرف المضارعة بكتف ، (نحو : (وَلْيُوفُوا﴾) (1)، (فَلْيَنْظُرْ*)(2).
(وشبّه به) أي بما ذكر ما هو قليل في كلامهم ولم يبلغ حدّا يستحق معه ان يجعل أصلا في التنزيل منزلة كلمة واحدة ، فكأنّه شبّه بما ذكر في ذلك ، وذلك هو الضمير مع همزة الاستفهام ، (نحو : أهو ، وأهي) كما قال زياد بن المنقذ أو غيره :
فقمت للطّيف مرتاعا فأرّقني
فقلت أهي سرت أم عادلي حلم (3)
وارقني : اسهرني والضمير فيه يرجع إلى الطيف. وهمزة أهي للاستفهام وسكنت الهاء تشبيها بكتف. والمعنى : رأيت الحبيبة في المنام وظننت انّها أتتني فلمّا يقظت قلت أهي أتتني أم أتاني خيالها في النوم.
فكأنّهما شبها بنحو : فهو وفهي للمشابهة في الزنة في الالحاق بنحو : عضد ، وكتف.
(و) كذلك لام الأمر مع ثمّ العاطفة ، نحو : (ثُمَّ لْيَقْضُوا)(4)تشبيها لميم الأخيرة المدغمة فيها - من ثمّ - مع لام الأمر وحرف المضارعة بالواو ولام الأمر وحرف المضارعة ، للمناسبة في الاشتمال على العاطف المفيد للاشتراك ، ولام الأمر.
(ونحو : (أَنْ يُمِلَّ هُوَ)) (5)- باسكان هاء الضمير ، تشبيها (6)للجزء الأخير من
الفعل معه منزلة عضد ، (قليل) في كلامهم ، لاستقلال الفعل وجواز الوقف على آخره فيبعد تنزيل جزء منه منزلة الجزء من الضمير ، ولذلك اتّفق السبعة على ضمّ الهاء في الآية المذكورة إلّا ما روي عن قالون من اسكانه.
(الوقف) في اللّغة : الحبس ، يقال : وقفت الدابة وقفا أي حبستها فوقفت هي وقوفا ، وفي الاصطلاح : (قطع الكلمة عمّا بعدها) ولو تقديرا ، أي السكوت عليها ، أو جعلها آخر الكلمة (1)بحيث لو كان بعدها شيء لم يكن متصلا بها بل كان مبتدأ به ، فيشمل الوقف على ما لم يكن بعدها شيء ، ولا ينتقض طرده بما ليس وقفا اصطلاحا ، وهو اسكان الكلمة من غير سكوت عليها ، ولا عكسه بالوقف بالحركة ولو خطاء ، فانّه يسمّى وقفا اصطلاحا كما قيل ، والنقضان يتوجّهان على تعريفه : بأنّه قطع الكلمة ولو تقديرا ، كما في الوقف على الساكن ، نحو : من ، وكم ، ولعل مراد قائله تعريف الوقف بالاسكان خاصّة فيندفع نقض العكس.
(وفيه وجوه مختلفة في الحسن ، والمحلّ) ، فان بعضها أحسن من بعض ، ومحالها متفاوتة كما يظهر لك إنشاء الله تعالى ، وتلك الوجه تنحصر في أحد عشر وجها ، وهي : الاسكان ، والروم ، والاشمام ، وابدال الألف ، وابدال تاء التأنيث - في الاسمية - هاء ، وزيادة الألف ، والحاق هاء السكت ، واثبات الواو والياء ، أو حذفهما ، وابدال الهمزة ، والتضعيف ، ونقل الحركة.
وهذه حالات تقارن الوقف الّذي هو قطع الكلمة عمّا بعدها بحسب ما علم من استقراء كلامهم.
وعدّ الوقف من أحوال الأبنية الكلم باعتبار ما يعرض من تلك الحالات للأبنية ، كالوقف بالتضعيف ، وابدال الحرف من الكلمة ، ولا يقدح في ذلك عدم كون بعضها من أحوالها ، كضمّ الشفتين في الاشمام ، واخفاء الحركة الخارجة عن البناء اللّاحقة
1) وفي بعض النسخ : آخر الكلام.
لآخر الكلمة في الروم ، وذكر مثل ذلك لاستتمام البحث عن الوقف ، كبعض أحكام التقاء الساكنين على ما مرّ في أوّل الكتاب فتأمّل.
وامّا ما يظهر من كلام بعض المحقّقين : انّ الوقف ليس من أحوال الأبنية فذلك كأنّه ناظر إلى نفس الوقف الّذي هو القطع.
1 - (فالاسكان المجرّد) عن الروم ، والاشمام ، وهو أوّل الوجوه انّما هو (في المتحرّك) ، يعني : محله المتحرك لا غير ، إذ لا يتصوّر اسكان الساكن بل الوقف عليه بالسكوت وقطع الكلام ، ثمّ انّ الوقف بالاسكان يجري في المنون وغيره ، وفيما سكن ما قبل آخره أو تحرك ، والمعرب والمبني ، وهذا الوجه هو الأصل ، لأن سلب الحركة أبلغ في تحصيل غرض الاستراحة ، وقد يعدل عنه لتحصيل غرض آخر ، أو لخصوصيّة المحل الّذي وقع العدول عنه فيه على ما سيظهر لك - إنشاء الله تعالى -.
2 - (والرّوم) وهو ثاني الوجوه أيضا كائن (في المتحرّك ، وهو) في اللّغة : القصد ، وفي الصناعة : (أن تأتي) أنت (بالحركة) حالكونها(خفيّة) ، بحيث يسمعها من كان قريبا منك ، بصوت ضعيف كأنك قصدتها ثمّ اختلستها للوقف ، فلذلك اختصّ بالمتحرّك ، والداعي إليه قصد التنبيه على الحركة الكائنة حال الوصل ، (وهو في المفتوح قليل) ، حتّى انّ الفراء منعه ، إذ المناسب له كون الحركة قويّة تامّة القبول للتبعيض ، والفتح حركة خفيفة سريعة الجري على اللّسان ، ومع ذلك فالروم فيه يشبه الثؤباء ويؤدّي إلى هيئة مستكرهة في الفم ، ولذلك لم يعتبره القرّاء في القرآن ، وانّما حكاه سيبويه عن بعض العرب وأجازه في الكلام دون القرآن.
3 - (والاشمام) وهو الثالث ، وأصله : من الشم ، أيضا مختص بالمتحرك لكن لا مطلقا بل انّما يكون (في المضموم) ، (وهو ان) لا تأتي بالحركة أصلا بل (تضمّ الشفتين بعد الاسكان) ، للتنبيه على انّ حركة الوصل ضمّة تحصل بانضمام الشفتين ، فكأنك أشممتها كما تشمّ الرائحة ، فهو مجرد أحداث هيئة في الشفتين ، ولا يحصل في النطق به شيء بخلاف الروم ، فانّه ينطق بالحركة فيه خفيّة ، ومن ثمّ قيل : وقد يدرك
الروم البصير وغيره ولا يدرك الاشمام غير بصير.
(والأكثرون على ان لا روم ، ولا اشمام في هاء التأنيث) ، أي الهاء المنقلبة عن تاء التأنيث في الوقف ، كنعمة ، ورحمة.
(و) في (ميم الجمع) ، نحو : لكم ، وعليكم ، ومنهم.
(و) في (الحركة العارضة) ، كالّتي عرضت في نحو :
(قُلِ ادْعُوا اللهَ)(1)، لملاقاة الساكن.
امّا في هاء التأنيث : فلان الروم والاشمام لبيان حركة آخر الموقف عليه في الوصل والتاء الّتي كانت لها الحركة فيه قد زالت ، والهاء حادثة بعد الوقف بلا حركة ، وعبر بالهاء للاشعار بجوازهما في التاء الّتي لم تبدل هاء وقفا ، كأخت ، وبنت ، وامّا في ميم الجمع : فلأنها في الوصل امّا ساكنة ، وامّا مضمومة بضمّة عارضة للوصل بالواو الساكنة ، نحو : عليكموا ، وعلى أي حال لا حركة أصليّة للآخر - وصلا - حتّى ترام أو تشم ، وامّا في الحركة العارضة : فلأنها انّما عرضت فيما أصله السكون لعلّة هي ملاقاة الساكن وقد زالت في الوقف ، لقطعه عمّا بعده فعاد إلى أصله ، فهي كالعدم غير صالحة للاعتناء والبيان.
ثمّ انّ نسبة المنع من الروم والاشمام في الثلاثة إلى الأكثر يقتضي وقوع الخلاف فيها ، كما توهّمه بعض شرّاح الشاطبية (2)مع انّهم اجمعوا على المنع في الهاء والحركة العارضة بل قد يدّعي الاجماع في - الثلاثة - ، ومن ثمّ ردّ الحافظ أبو عمرو علي مكّي (3)في تجويزهما في ميم الجمع بأنه خالف الاجماع ، ولعل المصنف اعتبر مخالفته ،
وكأنه قال : الأكثر على عدمهما في جميع هذه الثلاثة خلافا لبعضهم في خصوص - الميم -.
4 - (و) الوجه الرابع الّذي هو (إبدال الألف) عن النون كائن - وجوبا - (في المنصوب المنون) المجرّد عن تاء التأنيث ، عوضا عن نون التنوين المحذوفة ، لخفتها ومناسبتها للفتحة فيحصل بابدالها الجمع بين الخفة المطلوبة في الوقف وابقاء الحركة والتعويض عن المحذوف ، وخالف فيه ربيعة ، فانّهم يقفون على المنصوب - أيضا - بحذف الحركة والتنوين معا من غير ابدال ، كما قال :
ألا حبّذا غنم وحسن حديثها
لقد تركت قلبي به هائما دنف (1)
فانّه وقف على دنف وهو منصوب من غير تعويض ، وغنم : إمرأة ، وكما قال :
ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر (2)
فقوما وقولا بالّذي تعلمانه
وقد مرّ توضيحه في (ص 28) من هذا الكتاب.
(وفي إذن) عوضا عن نونه ، تشبيها لها بتنوين المنصوب ، وأجمع عليه القرّاء السبعة ، خلافا للمازني ، حيث أوجب الوقف عليها بالنون ، واختاره ابن عصفور ، والمبرد جوّز الوجهين.
(وفي إضربن) - بالنون الخفيفة - عوضا عنها ، تشبيها بذلك التنوين أيضا ، وهذا لازم شائع ، وجعل منه بعضهم قوله تعالى : (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ)(3).
(بخلاف المرفوع ، والمجرور) المنونين (في الواو والياء) المتناسبتين لهما ، فانّهما لم
يبدلا عن تنوينهما - وقفا - ، فلا يقال : هذا رجلو - بالواو - ، ولا مررت برجلي - بالياء - ، بل يوقف عليهما بالاسكان ، وذلك (على الأفصح) ، استثقالا للواو والياء في مقام الوقف والتخفيف ، وحكى أبو الخطاب عن ازد السراة : انّهم يبدلونهما عن تنوينهما ، فيقولون : رجلو ، ورجلى ، مثلا ، حرصا على بيان الاعراب.
(ويوقف على الألف) في الأحوال الثلاث (في باب) المنون الّذي آخره ألف مقصورة ، نحو : (عصا ، ورحى) ، ومصلّى ، ومعلّى ، ومعزى - فيمن صرفه - ، فيقال : عصا - بالألف - في جميع الأحوال ، (باتفاق) وان اختلفوا في تحقيق تلك الألف ، فزعم أبو عليّ في بعض كتبه وفاقا لسيبويه فيما زعمه المصنف ورجّحه : انّها في النصب مبدلة عن التنوين ، وفي الرفع والجر هي المحذوفة الّتي كانت فاعيدت بعد سقوط التنوين وقفا ، حيث زال موجب حذفها وهو التقاء الساكنين ، قياسا لهذا الباب - حيث أشكل الأمر في ألفه - على الصحيح المنون المعلوم أمره في إبدال الألف عن تنوينه في النصب دون الرفع والجرّ.
وزعم المازني وبعضهم : انها مبدلة عن التنوين في الأحوال الثلاث ، لوقوعه في جميعها بعد فتح ما قبل الألف المحذوفة ، كما وقع بعد الفتحة في الصحيح المنون المنصوب ، ويضعف بأنّ الشائع في لغتهم : هو اعتبار الحركات المقدرة ، والتنوين فيما نحن فيه واقع في الرفع والجر بعد الضمّة والكسرة الاعرابيتين المقدرتين على الألف المحذوفة فلا عبرة بفتحة ما قبلها.
وزعم المبرد : وفاقا لسيبويه فيما فهمه بعضهم من كلامه ، أنها في الأحوال الثلاث هي المحذوفة المعادة بعد سقوط التنوين كما مرّ ، متمسّكا بكثرة امالتها في الأحوال كلّها ، وقوعها رويّا في الشعر مع قلّة امالة المبدلة عن التنوين وامتناع وقوعها رويّا عندهم ، فامالتها كما يروي في : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى)(1)، والرويّ
1) الآية : 125 البقرة.
كما في سرى من قول الشماخ :
وربّ ضيف طرق الحيّ سري
صادف زادا وحديثا ما اشتهى (1)
وقد يمنع كثرة امالتها ويحمل الرويّ على الشذوذ ، ومنهم من يخص امالتها بما عدا النصب على ما يناسب قول أبي عليّ ، وقد تحذف الألف - وقفا - للضرورة ، كما حذفها لبيد عن المعلّى في قوله :
وقبيل من لكيز شاهد
رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ (2)
ولكيز : مصغرا بالزاي المعجمة - ابن قصي بن عبد القيس أبو قبيلة ، ورهط مرجوم : بالجيم -.
(و) الألف المقصورة الكائنة في الوقف على المنصوب المنوّن (قلبها وقلب كلّ ألف) مقصورة ، كألف - حبلى - ويضربها ، وعصا ، وغير ذلك في الوقف (همزة) ساكنة مثل أن يقال رأيت رجلا ، وهذه عصاء ، ويضربهأ ، بهمزة ساكنة في آخرها كما هو لغة قوم (ضعيف) يحترز عنه الفصحاء.
(وكذلك) في الضعف (قلب ألف نحو : حبلى) وهو المقصورة الكائنة للتأنيث (همزة) ساكنة على ما مرّ ، (أو واوا) كما هو لغة بعض طيّ ، (أو ياء) كما هو لغة فزارة وبعض قيس ، وتخصيص الحكم بألف نحو : حبلى باعتبار القلب واوا أو ياءا ، فانّه مختص بتلك الألف ، بخلاف القلب همزة ، فانّه يعمّ الألفات كألف المثنى وغيره ، صرّح بذلك في شرح المفصل ، وذكر نجم الأئمّة رضي : ان هذا التخصيص خطأ ،
1) البيت للشماخ بن ضرار الغطفاني في عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. الطرق : الاتيان ليلا. والسري : بضمّ السين السير تمام اللّيل وألفه منقلبة عن الياء. والاستشهاد : على انّ الألف من المقصور لام الكلمة في الأحوال كلّها لأنها وقعت رويا وليست مبدلة من التنوين في الوقف.
2) ينسب هذا البيت إلى لبيد بن ربيعة الصحابي المعروف يصف فيه مقاما فاخرت فيه قبائل ربيعة قبيلة من مضر. ومرجوم وابن المعلّ : سيدان من سادات لكيز. والاستشهاد بالبيت في قوله : (ابن المعلّ) حيث أراد ابن المعلّى فحذف الألف المقصورة في الوقف.
لأنّ الحكم يعمّ كل ألف في الآخر على ما فصله.
والداعي لهم إلى القلب إلى هذه الحروف كونها أظهر من الألف مع التناسب ، فانّ الهمزة تناسبها في المخرج ، والواو والياء تناسبانها في المدّ وسعة المخرج ، وضعف الجميع لكراهة اقامة هذه الحروف - خصوصا الهمزة - مقام الألف التي هي أخف منها في الوقف الذي يناسبه الخفة ، ولضعفها لم يعدّها من الوجوه الّتي اعتبرها للوقف ، وبعض العرب قد يجرون الوصل في قلب الألف إلى الواو والياء فيه مجرى الوقف.
وقد اعترض بأن قوله : قلب كلّ ألف همزة يغني عن قوله : همزة ههنا ، وعن قوله : قلبها - سابقا - ، واجيب : بأن قوله : قلبها ثمّه لئلّا يتوهّم ان قوله : كلّ ألف تعميم للالفات المبدلة عن تنوين المنصوب ، بناء على استبعاد القلب همزة مع ثقلها في الجميع ، وقوله : همزة ههنا لئلّا يتوهّم ان ألف نحو حبلى إنّما تقلب واوا أو ياء دون الهمزة ، وانّ الحكم العام السابق مخصّص بما عدا تلك الألف.
5 - (و) الخامس من الوجوه المعتبرة وهو (ابدال تاء التأنيث) في الاسم (1)(هاء) كائن (في) ما ليست التاء فيه عوضا عن اللّام المحذوفة ، (نحو : رحمة) ، ونعمة ، في الرفع والنصب والجر(على الأكثر) ، فرقا بينها وبين تاء التأنيث في الفعل ، كضربت فانّها يوقف عليها على لفظها بعينها ، إذ لو قلبت هاء كضربه التبس بضمير المفعول ، واختيرت الهاء في الإبدال ، لمناسبتها الخفة المطلوبة في الوقف بما فيها من الهمس واللّين في النطق ، وبذلك قد تزاد هاء السكت وقفا.
وهذا بخلاف ما ليست للتأنيث أصليّة كانت كما في : وقت ، وسمت ، أو زائدة كعنكبوت ، وعفريت ، وبخلاف المعوضة ، كأخت ، وبنت ، فانّ الوقف في الجميع على لفظها من غير ابدال ، لكون الأوّلين من أجزاء الكلمة ولو بعد الزيادة ، وقيام
1) وفي نسخ المتن : ابدال تاء التأنيث الاسميّة هاء.
الثالثة مقام الجزء.
ومقابل الأكثر : ما حكى عن بعض العرب من الوقف على تاء نحو : رحمة ، ونعمة ، على لفظها بدون الإبدال ، فيقولون : هذا طلحت ، وخبز الذّرّت مثلا ، وعليه روى قول الراجز :
الله نجّاك بكفّى مسلمت
من بعد ما وبعد ما وبعدمت
صارت نفوس القوم عند الغلصمت
وكادت الحرّة أن تدعي أمت (1)
ومسلمة : رجل ، والغلصمت : الحلقوم ، وبعدمت : أصله بعد ما لتكرير ما قبله ، فقلبت الألف تاء لموافقة القوافي ، وكما جاء : في مواضع من القرآن عن بعض السبعة ، كالوقف على ان (شَجَرَةُ الزَّقُّومِ)(2)و(امْرَأَتَ نُوحٍ)(3)بالتاء عن جماعة منهم.
(وتشبيه تاء - هيهات - به) أي بما ذكر من تاء نحو رحمة في الابدال - هاء - في الوقف (قليل) ، وبه قرأ الكسائيّ ، والبزيّ وافقه في الموضعين في القرآن المجيد ، وقيل : في الثاني فقط ، والأكثر على الوقف عليها بلفظها من غير ابدال ، وبه قرأ الآخرون ، وذلك انّه اسم فعل بمعنى : بعد ، وأصله الّذي نقل عنه مجهول ، فربّما قدر مفردا تشبيها له بنحو : تورية ، وقوقاة (4)، من المفردات الّتي توازنها ، على أن
1) هذا الأبيات من الرجز المشطور ولم أقف على نسبتها إلى قائل ، ومسلمت : بفتح الميم واللّام - اسم شخص ، وأصله مسلمة ، و «ما» في قوله : «من بعد ما» يجوز ان تكون مصدرية ، وان تكون كافة مسوغة لبعد ان يليها الفعل ، وقد كرّر «بعد ما» ثلاث مرات لقصد التهويل وتفخيم الحال ، يريد نجاك الله من الاعداء بكف هذا الرجل المسمّى مسلمة بعد ما كاد يتعسر عليك الافلات وكادت النّساء الحرائر يسبين فيصرن اماء. والاستشهاد على انّ الألف قلبت تاء في قوله : «وبعدمت».
2) الآية : 62 الصافات.
3) الآية : 10 التحريم.
4) مصدر قوقت الدجاجة إذا صوتت عند البيض وأصلها : قوقية فقلبت الياء ألفا.
أصله : هيهية كدحرجة ، فقلبت يائه الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فالوقف بالهاء.
ويقدره الأكثر جمعا ، لوقوع التاء فيه بعد ما غالب وقوعها بعده في الجمع ، وهو الألف ، فالمناسب تقدير الجمعيّة والوقف بالتاء ، على ان أصله : هيهيات - بيائين - على «فعللات» فحذفت الثانية على خلاف القياس ، ووزنه «فعللات» فحذفت الثانية على خلاف القياس ، ووزنه «فعلات» ، مع ان في الوقف بالتاء رعاية لمشابهة الفعل في الوقف على تائه بلفظها ، ولرسم الخط حيث كتب مطولة.
(و) تشبيه التاء(في) الجمع المؤنث بالألف والتاء ، نحو : (الضاربات) بالّتي في نحو : رحمة في الوقف بالهاء على ما حكاه قطرب عن بعض طيّ (ضعيف) ، لعدم تمحضها للتأنيث فانّها للجمعية والتأنيث معا على ما حققوه.
(وعرقات) - بكسر المهملة الاولى وسكون الثانية بعدها القاف - بمعنى : الأصل ، (ان فتحت تاؤه في النصب) وهو الأكثر(فبالهاء) في الوقف ، لأنّ الفتحة تدل على اعتبار الإفراد كسعلاة ، (1)(وإلّا) أي وان لم يفتح تاؤه في النصب بل كسرت (فبالتاء) من غير ابدال ، لدلالة الكسرة - نصبا - على اعتبار الجمعيّة لعرقة مثل : كسرة وكسرات ، فيجوز في الراء على هذا الفتح والكسر والاسكان.
واعلم انّ الحكم بكون إبدال تاء نحو : رحمة هاء من وجوه الوقف يدل على عدم إبدالها إيّاها إلّا في الوقف ، أو فيما أجرى مجراه من الوصل في الوضع (2)كما في الأسماء المعدودة ، وهكذا غيره من وجوهه على ما تقرّر بينهم واشتهر ، وهذا يقتضي لزوم السكون في الهاء ، للزومه في الوقف والجاري مجراه.
(وأمّا ثلاثة ... أربعة) عند ذكر العددين على طريقة الأسماء المعدودة من غير
اعراب ، وقلب التاء من - ثلاثة - هاء - كما مرّ(في) قول (من حرّك) الهاء من ثلاثة وحذف الهمزة من - أربعة - على ما حكاه سيبويه ، (فلأنّه) أبدل التاء من ثلاثة - هاء - ساكنة اجراء للوصل مجرى الوقف ، ثمّ (نقل حركة همزة القطع) الّتي هي جزء من الأربعة(لما وصل) ثلاثة بأربعة ، فلذلك حذف تلك الهمزة على قياس حذفها ، إذ لو لا ذلك النقل لم تحذف ، لكونها همزة القطع ، فليس فيه ما ينافي ما دلّ عليه جعلها من وجوه الوقف مع انّ الضدّ قد يحمل على الضدّ. (1)
وهذا(بخلاف (الم اللهُ)(2)، فانّه لمّا وصل) الم بالجلالة وحذفت همزتها - درجا - لكونها وصليّة(التقى ساكنان) ، فحركت الميم بالفتحة للتفخيم كما مرّ ، والمقصود ان لا يتوهّم من كون حذف الهمزة في ثلاثة ... أربعة وتحريك ما قبلها لنقل الحركة أنّ الحذف والتحريك ههنا كذلك كما توهمه بعضهم ، بل حذف الهمزة ههنا للدرج ، والهمزة الساقطة - درجا - تسقط مع حركتها من غير نقل إلى ما قبلها ، فتحريك الميم ليس لنقل الحركة بل لالتقاء الساكنين ، وقد مضى الكلام فيه.
6 - (وزيادة الألف) الّتي هي السادسة من جهات الوقف - كائنة وجوبا(في أنا) وهو ضمير المتكلم ، حفاظا للفتحة البنائية في النون عن السقوط بالوقف ، مع ان سقوطها مظنة الالتباس بأنّ المخفّفة الساكنة النون. (3)
وقد تزاد - وصلا - في لغة بعض العرب في السعة (4)، وفي لغة غيرهم للضرورة ، كما في قوله :
أنا سيف العشيرة فاعرفوني
حميدا قد تذرّيت السّناما (5)
1) أي لو فرض عدم الاجراء في الوضع فالضدّ قد يحمل على الضدّ.
2) الآية : 1 آل عمران.
3) هذا كلّه على قول من حرك النون وصلا امّا من سكّنها فيه فالوقف بالسكون لا غير.
4) وفي بعض النسخ : في السبعة والظاهر الصحيح : في السعة بقرينة قوله للضرورة.
5) البيت لحميد بن حريث الكلبي ، وتذرّيت : علوت وأصله من بلوغ الذروة وهي أعلى الشيء ، والسنام للبعير معروف. وهو استعارة للارتقاء إلى المراتب العليّة وعلوّ المجد والرفعة. والشاهد : أنا حيث جاء بالألف مع الوصل.
وزعم الكوفيون : انّ الألف جزء من - أنا - في الوضع فحذفت - وصلا - تخفيفا ، واعيدت - وقفا - للحاجة.
وقال سيبويه : تزاد الألف - وقفا - في حيّهل من أسماء الأفعال أيضا ، فيقال : حيّهلا ، وجوز بعضهم كون ألفها بدلا من التنوين في - حيّهلا - كابدالها من نون التأكيد الخفيفة.
(ومن ثمّ) أي ومن أجل زيادتها وقفا في - أنا - (وقف على) قوله تعالى : ((لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي)(1)بالألف) ، لأن أصله : لكن أنا - بسكون النون المخفّفة - من لكن ، فحذفت همزة - أنا - بعد نقل حركتها إلى النون وادغمت النونان ، وانّما صاروا إلى ذلك؟ إذ لو كانت لكن هي المشدّدة النون - والألف لاشباع فتحها - لزم النصب في اسمها فلا يكون الضمير الغائب المرفوع المذكور بعدها اسما لها ، واعتبار حذف ضمير الشأن المنصوب ضعيف عندهم فكيف يعتبر في أفصح الكلام.
وتحذف الألف من - لكنّا - وصلا ، خلافا لابن عامر وحده من السبعة ، حيث أثبتها في الحالتين لئلّا يلتبس بلكنّ المشدّدة ، وقوله تعالى : هو ضمير الشأن ، والجملة بعده خبر له ، وهو مع ما بعدها خبر أنا ، والعائد الياء من ربّي - أي لكن انا الشأن الله ربّي - كأنه قال : لكني مؤمن موحد.
(وأنه) بالهاء الساكنة في - انا - مكان الألف وقفا كما في لغة بعض طيّ ، ومنه قوله :
لو كنت أدري فعليّ بدنة
من كثرة التّخليط أنّي من أنه (2)
(ومه) في - ما - الاستفهامية الّتي ليست بمجرورة ، كما يحكي عن أبي ذؤيب انّه : ورد المدينة عند وفات النبيّ - صلىاللهعليهوسلم - فسمع أصوات الناس فقال : مه يعني : أيّ شيء ، فاخبروه بالقصّة ، (قليل) في كلامهم ، والشائع : الألف.
ثمّ ان هذه الهاء مبدلة عن الألف عند الزمخشري ، للقرب في المخرج ، وقيل : الاولى أنها في - مه - هاء السكت حملا على المجرورة الّتي يأتي حكمها - إن شاء الله تعالى -.
7 - (و) الوجه السابع وهو (الحاق هاء السكت) (لازم في) كل كلمة بقيت بعد حذف شيء منها على حرف واحد ، من غير ان يصير كالجزء ممّا قبلها ، امّا لعدم شيء قبلها(نحو :) قولك : مبتدئا(ره) - بفتح الرّاء - ، (وقه) - بالكسر - ، في : ر ، وق ، أمرين من رأي ووقي ، وقد صارا بالاعلال على حرف ، (و) امّا لوجود ما يستقل بالمفهومية ، نحو : (مجيء مه) بنصب المجيء على المفعول المطلق لقولك : جئت ، مضافا إلى - ما - الاستفهامية ، (ومثل مه) برفع المثل على الخبرية لقولك : أنت ، مضافا إلى - ما - أيضا ، (في) قولك : (مجيء م جئت) - أي مجيء أي شيء جئت - ، (ومثل م أنت) - أي مثل أيّ شيء أنت - ، وتقديم المصدر والخبر على الفعل والمبتدأ لاشتمالهما على الاستفهام المقتضي للصدر ، إلّا فيما يضطر إلى تقديمه ، كالمضاف إلى اداته ، لامتناع تقديم المضاف إليه.
1) وبعض العرب لا يحذف الألف من «ما» الاستفهامية المجرورة.
أحدهما زائدة ، نحو : لم يعه في لم يعي من وعي ، فان حرف المضارعة زائدة ، وردّ بالاجماع على وجوب الوقف على نحو : (لَمْ أَكُ) بدون الهاء.
(و) الحاق - هاء السكت (جائز في نحو : لم يخشه ، ولم يغزه ، ولم يرمه) ، وهيه ، نحو : (ما أَدْراكَ ما هِيَهْ)(1)، وهوه ، كما قال حسان :
إذا ما ترعرع فينا الغلام
فما إن يقال له من هوه (2)
(وغلاميه) باضافة الغلام إلى ضمير المتكلم ، وضربنيه بصيغة الماضي مع تلك الياء ونون الوقاية ، (وعلامه ، وحتّامه ، وإلّا مه) بما الاستفهامية المخفوضة بحرف الجر الّتي هي : على ، وحتّى ، والى ، ونحو : فيمه أنت (3)، وعمه يتساءلون (4)ونحوهما في القرآن المجيد في رواية عن البزّيّ عن ابن كثير ، خلافا لجميع من عداه من السبعة ، تبعا للرسم في المصاحف بدونها.
وبالجملة فالحاقها جائز في كلامهم في الأمثلة المذكورة ونحوها ، (ممّا) ليس بساكن بل متحرك و (حركته غير اعرابيّة ، ولا مشبّهة بها) ، سواء كانت تلك الحركة - الّتي ليست باعرابية ولا مشبهة بالاعرابية - بنائيّة ، كالّتي في هو وهي ، وفي ياء المتكلم عند تحريكها بالفتح على ما هو الأصل فيها ، أم كانت في جزء من الكلمة بالوضع قبل آخرها المحذوف ، سواء زاد ما بقي منها بعد حذف آخرها على واحد ، نحو : لم يخش ، ولم يغز ، ولم يرم ، أم بقى على واحد صار كالجزء ممّا قبلها
1) الآية : 10 القارعة.
2) البيت نسبه الشارح لحسان ، وما في قوله : إذا ما زائدة ، وترعرع الغلام : كتدحرج إذا أنشاء وقارب الحلم ، فما ان يقال : جواب الشرط ، وإن بكسر الهمزة مزيدة لتأكيد النفي ومن الاستفهامية مبتدأ خبرها هو ، يريد الغلام منهم إذا بلغ كان معروفا للناس ولا يحتاج إلى ان يستفهم عنه.
3) الآية : 43 النازعات.
4) الآية : 1 النبأ.
لعدم استقلال ما قبلها بالمفهومية ، نحو : حتّام ، وما يتلوه ، فيجوز في جميع ما ذكر الحاقها ، لحفظ الحركات الّتي يعتني بها ، للزومها كالبنائيّة ، أو لدلالتها على الآخر المحذوف من الكلمة أيضا ، كما في الأفعال المذكورة ، فان لاماتها حذفت بالجزم وبقيت حركات ما قبلها دالّة عليها.
ويجوز تركها والوقف بالاسكان للخفة ، مع عدم الاضطرار إلى زيادتها ، ويكتفي للدلالة على المحذوف بالقرائن.
وهذا بخلاف الساكن ، نحو : إضرب ، ولم يضرب ، وكم ، وكأيّن ، لعدم الداعي إلى الحاقها ، وبخلاف ما تحرك حركة اعرابية ، نحو : زيد ، وبكر ، وبخلاف ما حركته مشبهة بالاعرابية وذلك (كالماضي ، وباب : يا زيد ، ولا رجل) فان حركة الماضي مشبهة بحركة المضارع ، لأن بناء الماضي على الحركة - مع انّ الأصل في البناء السكون - لتشبيهه بالمضارع في الوقوع موقع الاسم ، كزيد ضرب ، وزيد يضرب ، كما يقال : زيد ضارب ، ووقوعه موقعه في الشرط ، فان قولك : إن ضربت ضربت معناه : إن تضرب أضرب.
وحركة المنادي ، واسم لا النافية للجنس عارضتان كالاعرابية ، فالوقف على الجميع بالاسكان بدون الهاء ، لعدم الاعتناء بالمحافظة على حركاتها ، لكونها عارضة أو مشبهة بها ، وما حكاه سيبويه عن بعض العرب : من الحاقها مع الحركة الاعرابية شاذ ، وكذا لحوقها مع الحركة البنائية العارضة (1)، نحو : من عله في قوله :
يا ربّ يوم لي لا اظلّله
ارمض من تحت واضحى من عله (2)
1) أي الحركة المشبهة بالاعرابية.
2) البيت قد ينسب إلى أبي مروان ، وأنا لا أدري من أبو مروان؟ ولا أظلّله : على البناء للمفعول أي لا أظلّل فيه ، وارمض وأضحى : مضارعان مجهولان على ما زعمه العينيّ من رمضت قدمه إذا أحرقت من شدّة الرمضاء ، وهي الأرض الّتي تقع عليها شدّة حرارة الشمس ، - وأضحى فلان : برز للشمس ، ومن عله : أي من فوق ، والهاء للسكت عند بعضهم ، وبناء - عل - بمعنى فوق عارض ويزول عند الاضافة. وقال ابن الخشاب : الهاء في عله مبدلة عن الواو.
عند بعضهم.
(و) كذا الحاق - هاء - السكت وقفا جائز(في) كل اسم آخره ألف مقصورة ، لبيان تلك الألف ، بشرط كون ذلك الاسم غريقا في البناء بحيث يمتنع اضافته إلى شيء ، (نحو : ههناه ، وهؤلاه) بالقصر ، وذاه ، ويا ربّاه ، بخلاف ما يجوز اضافته ، لامتناعه فيه أيضا ، لئلّا يلتبس بالمضاف إلى الضمير نحو : عصاه ، فتاه.
وقد يجري الوصل مجرى الوقف في الحاق هاء السكت ، نحو : (لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ)(1)، (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ)(2)، على قراة غير حمزة والكسائي ، بالهاء وصلا أيضا ، ويجب اسكانها فيه كما في الوقف ، وتحريكها في قول عروة :
يا ربّ يا ربّاه إيّاك أسل
عفراء يا ربّاه من قبل الأجل (3)
فان عفراء من الدّنيا الأمل
لحن ، وربّما اعتذر له بأنه للتحرز عن التقاء الساكنين وصلا على غير حده ، ويناسبه كسرها على الأصل في تحريك الساكن على ما يروي ، وربّما يروي مضمومة ، تشبيها بهاء الضمير.
8 - (و) الوجه الثامن وهو حذف الواو والياء قد يكون - وجوبا - وقد يكون - جوازا - فمن ذلك (حذف الياء) كائن - جوازا - (في) كل ياء مكسور ما قبلها
تكون جزء من الكلمة ملفوظة في الأحوال كلّها وصلا ، (نحو : القاضي) ، والعمى ، والجواري ، أي معرّفة باللّام - ، أو تكون ضميرا للمتكلم (و) ذلك كالياء في نحو : (غلامي) ، واكرمني ، سواء(حرّكت) الّتي هي ضمير المتكلم في الوصل ، (أو سكّنت) فيه ، فيجوز فيما ذكر حذف الياء واسكان ما قبلها ، نحو : (رَبِّي أَكْرَمَنِ ، رَبِّي أَهانَنِ)(1)لأنّ الوقف محل الاستراحة مع ما في حذفها من ظهور الفرق بين الوصل والوقف ، ويجوز اثباتها ، لثبوتها في الوصل مع عدم حدوث موجب للحذف في الوقف ، (واثباتها أكثر) في الجميع في كلامهم ، كراهة الحذف من غير موجب ، والفرق بين الحالين (2)بقطع الكلمة عمّا بعدها وعدمه.
ثمّ ان جواز الحذف في نحو : القاضي مختص بحالتي الرفع والجر ، ويتعين في المنصوب الوقف باثبات الياء وحذف حركتها ، لعدم تطرق الحذف إليها على حال حتّى مع التنوين ، فهي في حكم الصحيح.
وربّما أشعر كلام بعضهم : بلزوم اثبات ياء المتكلم وقفا ، فيمن حرّك وصلا مع حذف حركتها ، أو الحاق هاء السكت ، نحو : ضربنيه ، وغلاميه ، ولزوم الحذف فيمن أسكن ، فقوله : حرّكت أو سكنت للردّ على هذا ، لا لدلالة الاستقراء على فساده ، ولذلك حذفها ورش (3)بلا خلاف - وقفا - ، مع انّه فتحها - وصلا - في قوله تعالى : (فَما آتانِيَ اللهُ)(4)، وأثبتها ساكنة في أكثر ما في القرآن - وقفا - من أسكنها وصلا.
وحكم الياء فيما ذكر(عكس) حكم الياء الّتي هي جزء من الكلمة ، وتحذف - رفعا وجرّا - ، نحو : (قاض) ، وجوار ، وعم ، بالتنوين ، فان حذف الياء في نحوه
وقرأ ابن كثير : ولكل قوم هادي) (2)وما لهم من دونه من والي (3)، بالاثبات.
وتثبت - وجوبا - نصبا عند الجميع مع قلب تنوينه ألفا في غير لغة ربيعة ، خلافا للزمخشري فيما يفهم من كلامه من ورود الحذف فيه على قلّة ، وردّه المصنف بأنه مخالف لما ذكروه.
وإذا نودي المنقوص المفرد المعيّن فالوجه في الياء : الاثبات عند الخليل والمبرد ، لامتناع التنوين في هذا المنادي ، فهو كالقاضي - معرّفا باللّام - ، والحذف عند يونس وسيبويه ، لأنّ المنادي موضع تخفيف ولذلك يلحقه الترخيم.
والمنادي المضاف : حكمه حكم المنصوب من نحو : القاضي ، وغير المعين ، وشبه المضاف : في المنصوب المنون من نحو : قاض ، لكونهما منونين منصوبين.
(واثباتها) فيما حذف منه حرف آخر قبل الوقف وليس فيه ما يوجب حذف الياء ، (نحو : يامري إتّفاق) منهم ، لئلّا يلزم إلّا جحاف بكثرة الحذف والتغيير من غير اعلال موجب للحذف ، و- يا - للنداء ، والمري : اسم فاعل من الاراءة ، وأصله : المرئي - بسكون الراء وكسر الهمزة - فنقلت كسرتها إلى الراء وحذفت ، وتحذف يائه عند التنوين بالاعلال - رفعا وجرّا - كقاض ، وتثبت في غير ذلك كما في حال النداء.
(واثبات الواو والياء ، وحذفهما في الفواصل) الّتي هي رؤوس الآي ،
ومقاطع الكلام ، (والقوا في) الّتي هي أواخر الأشعار ، (فصيح) في الوصل والوقف ، ويكتفي بحركة ما قبلهما وصلا ، ويحذف تلك الحركة وقفا.
وقال سيبويه : يجوز (1)في الفواصل والقوافي حذف جميع ما يمتنع فيه الحذف في الكلام ، وما يختار فيه تركه فيه ، وذلك لمراعاة الازدواج والتجانس ، نحو قوله تعالى : (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ)(2)- بكسر الرّاء - وصلا ، وسكونها - وقفا - ، وأصله : يسري ، لأن إذا ليست جازمة.
وحذف اللّام من المعتل المرفوع في غير الفواصل والقوافي لم يرد في كلامهم وقفا ولا وصلا إلّا على قلّة ، كقولهم : لا أدر ما فعل فلان ، وقرأ : (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ)(3)و(ما كُنَّا نَبْغِ)(4)بحذف الياء ، ومن حذف اللّام من المعتل الغير المرفوع في الوصل قوله تعالى : (يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ)(5)(وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ)(6).
(وحذفهما فيهما) أي حذف الواو والياء في الفواصل والقوافي عند كونهما للجمع والمخاطبة كما(في نحو : لم يغزوا) للجمع ، (ولم ترمي) للمخاطبة ، (وصنعوا قليل) ، لاخلاله بالفهم وكونه في معرض اللبس.
ومن حذف القليل ما أنشد سيبويه وهو قوله :
لا يبعد الله أقواما تركتهم
لم أدر بعد غداة البين ما صنع (7)
أي ما صنعوا ، وانشد بعضهم قول عنترة :
يا دار عبلة بالجواء تكلّم
وعمى صباحا دار عبلة وأسلم (1)
بحذف الياء.
وأمّا الألف كما في : عصا ، ورحى ، ومعلّى ، ومسمّى ، فلا يحذف في الفواصل والقوافي ولا في غيرهما - اتفاقا - إلّا للضرورة نحو :
رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ
كما مرّ.
(وحذف الواو) الّتي توصل بالضمير المفتوح ما قبله حال الوصل ثابت - وجوبا - إلّا للضرورة مع اسكان ما قبلها عند الوقف ، (في) نحو : (ضربه ، وضربهم ، فيمن ألحق) الواو في هذا الأخير - أيضا - وقال : ضربهموا ، كما هو قراءة ابن كثير في كل القرآن ، إذا وقع ميم الجمع قبل حرف متحرك ، نحو : منهمو ، اميون ، عليهمو أأنذرتهم.
(و) كذا(حذف الياء) الموصولة بالضمير المكسور ما قبله ، نحو : به ، وأهل الحجاز قد يوصلون مثل هذا بالواو ، نحو : بهو ، وكذا حذف الياء الموصولة باسم الاشارة ، (في نحو : ته ، وذه ، وهذه) ، للاشارة إلى المؤنث ، فتحذف الواو والياء من نحو ذلك مع اسكان ما قبلها بعد حذفها ، فيقال : ضربه ، وبه ، وذه ، مثلا - بسكون الهاء - لأن هذه الصلة ضعيفة تجري مجرى اشباع الحركة ، سواء جعلت من نفس الاسم - كما زعم بعضهم فيما يوصل بالضمير - أو زائدة ، كما هو الظاهر من
1) هذا مطلع قصيدة طويلة لعنتره بن شداد العبسي ، وعبلة : اسم امرأة وهي محبوبته ، والجواء : بكسر الجيم ممدودا اسم موضع ، وعمى صباحا : أي ليكن صباحك ذا نعمومة ولين ، والاستشهاد بالبيت في قوله «تكلم» و «اسلم» حيث حذف ياء الضمير منهما ، وأصلهما : تكلمي وأسلمي فحذف الياء كما حذف الشاعر الّذي قبله الواو في قوله «صنع».
كلام سيبويه ، ولذلك قد تحذف وصلا ، فالمناسب حذفها واسكان ما قبلها في الوقف.
ومن اثبات ما يوصل بالضمير وصلا في الوقف للضرورة قول رؤبة :
ومهمه مغبرّة أرجاؤه
كأنّ لون أرضه سماؤه (1)
واعلم ان اتصال الواو والياء بالضمير المتحرّك ما بعده شائع كثير في الوصل إلّا مع سبق الساكن ، نحو : عصاه ، وخذوه ، وعليه ، ومنه ، وفيه ، وأكرمه ، - بصيغة الأمر - فانّه في مثل ذلك قليل ، فيهي هدى (2)، عن ابن كثير وفيهي مهانا (3)في سورة الفرقان ، عنه وعن حفص ، ولم يقع أصلا في الساكن ما بعده ، نحو : له الحكم ، ونصره الله.
9 - (و) التاسع من وجوه الوقف وهو (ابدال الهمزة حرفا) ساكنا من حروف العلّة(من جنس حركتها) ثابت (عند قوم) من العرب ، ليظهر الموقوف عليه مع الخفة ، فانّ الهمزة مخرجها أقصى الحلق فلا يكمل ظهورها عند سكونها إلّا إذا نطق بها على وجه القوّة والاعتماد وحينئذ يكون مستثقلة وهي بدون ذلك في معرض الخفاء ، بخلاف تلك الحروف.
وهذا الابدال انّما يكون فيما انفتح فيه ما قبل الهمزة أو سكن ، وهو فيما سكن ما قبله أكثر ، وتقلب واوا كيف ما كانت حركة نفسها عند انضمام ما قبلها ، نحو : الأكمؤ جمع كمأ ، و- ياء - عند انكسار ما قبلها في جميع الأحوال ، نحو : الظّمئ كالكتف - للعطشان - على ما ذكره بعضهم ، ثمّ إذا انفتح ما قبلها أبقى على حاله مفتوحا ، وان سكن نقلت حركة الهمزة إليه ، لأن حروف العلّة لينة فربّما أدى
سكونها - وقفا - مع سكون ما قبلها إلى خفائها مع ابتناء هذا الابدال على قصد الظهور ، وتبقى حركة الحرف الواقع قبل ما وقع قبلها على حالها أيّة حركة كانت ، (مثل) : قولك في الرفع (هذا الكلو) في : الكلاء محرّكة بالتحريك المفتوح - للعشب والنبات - (و) هذا(الخبو) في : الخبأ - بفتح المعجمة وسكون الموحدة لما خبئ أي - اخفي - ، (و) هذا(البطو) في : البطؤ - بضمّ الموحدة وسكون الطاء بعدها الهمزة ، ضدّ السرعة - ، (و) هذا(الرّدو) في : الردء - بكسر المهملة الاولى وسكون الثانية ، للعون والناصر - ، ففي الجميع ابدلت الهمزة واوا ساكنة من جنس حركتها في الرفع مع ابقاء فتحة ما قبلها في الأوّل ونقل ضمّتها إليه في البواقي.
(ورأيت الكلا ، والخبا ، والبطا ، والرّدا) في النصب ، (ومررت بالكلي ، والخبي ، والبطي ، والرّدي) في الجر ، بابدالها - ألفا - نصبا ، و- ياء - ساكنة جرّا مع ابقاء فتحة ما قبلها في الأوّل على التقديرين ، ونقل فتحتها في النصب ، وكسرتها في الجر إليه في البواقي ، وحركة الحرف المتقدّم على ما قبلها أبقيت على حالها في الرفع والنصب والجرّ.
(ومنهم) من يحترز في نحو : الرّدء - من الثلاثي المكسور الفاء - عن نقل حركة الهمزة والقلب واوا في حال الرفع ، فلا يقول : هذا الرّدو ، لكونه على «فعل» بكسر الفاء وضمّ العين - ، وفي نحو : البطؤ - من الثلاثي المضمومة الفاء - عن النقل والقلب ياء في الجر ، فلا يقول : من البطي ، لكونه على «فعل» بضمّ الفاء وكسر العين - ، وهما مرفوضان ، بل (يقول : هذا الرّدي) على زنة إبل ، (ومن البطو) على زنة عنق ، (فيتبع) عينهما فائهما في الحركة ، فيكسرهما في الرّدي ، ويضمّهما في البطو ، وهؤلاء قوم من تميم ، ولم يكتفوا باسكان الهمزة ، لكونها في معرض الخفاء مع ثقل الهمزة الساكنة عند سكون ما قبلها ثقلا واضحا لا يكاد يخفى.
والأكثرون لم يبالوا بالبنائين المرفوضين ، لعروضهما في الوقف لغرض (1)كما مرّ.
1) وهو ظهور الموقوف عليه.
10 - (و) العاشر من وجوه الوقف وهو (التضعيف) والاسكان في لغة بني أسد ، (في المتحرّك الصحيح غير الهمزة المتحرّك ما قبله).
اشترط فيه كون الموقوف عليه متحرّكا ، لأنّ الوقف بالتضعيف عندهم كالعوض عن الحركة الساقطة بالوقف ، وكونه صحيحا ، لاستثقال التضعيف في حرف العلّة ، وكونه غير همزة ، لئلّا يجتمع همزتان عند التضعيف ، وكون ما قبله متحرّكا ، لئلّا يجتمع ثلاث سواكن.
ثمّ إن كانت حركته ضمّة أو كسرة جاز فيه التضعيف مطلقا ، وإن كانت فتحة اشترط عدم التنوين ، إذ المنصوب المنون يتعين فيه الوقف بحذف التنوين والتعويض بالألف في لغة غير ربيعة ، فلا يجوز تضعيفه في سعة الكلام ، وربّما جاء في الضرورة(مثل : جعفرّ) - بتشديد الراء مع الاسكان - ، (وهو قليل) ، لما فيه من أحداث الثقل في محل التخفيف فحقّه أن لا يرتكب أصلا ، لكنّهم تسامحوا على قلّة للتعويض عن الحركة الساقطة.
ولم ينقل عن أحد من القرّاء إلّا عن عاصم في : (مُسْتَطَرٌ)(1)في سورة القمر.
(و) التضعيف في الوصل (نحو) : قول رؤبة أو ربيعة يصف كثرة الدّبا وهو أصفر الجراد :
...
كأنّه السّيل إذا اسلحبّا
أو الحريق وافق (القصبّا)
والتّبن والحلفاء فالتهبّا (2)
بتضعيف الباء من - القصب والتهب - مع كونه في مقام الوصل بقرينة التحريك فانّ التحريك في القوافي لا يكون إلّا مع نيّة الوصل.
(شاذّ ضرورة) ، وقد يمنع كونه في الوصل ، فان ادخال ألف الاطلاق وتحريك ما حقّه السكون لأجل إدخالها كثير في الأشعار.
فلعلّه وقف بالتضعيف الّذي حقّه السكون ، والتحريك للألف ، وهذا لا يدفع الشذوذ عن البيت لشذوذ التحريك مع التضعيف وقفا.
والدبّ : من الدببيب ، واسلحبّ : إمتد ، والتبن : ورق الزرع ، والحلفاء : كصحراء نبت ، يريد انّه أفنى الزرع والثمار كالحريق الّذي صادف هذه الأشياء الثلاثة فاشتعل.
11 - (و) الحادي عشر من الوجه وهو (نقل الحركة) عن الموقوف عليه إلى ما قبله ، جمعا بين السكون للوقف وبيان الحركة بالنقل مع ما فيه من التفادي عن التقاء الساكنين وان كان في المغتفر للوقف ، كائن (1)(في ما قبله ساكن) ، إذ المتحرّك لا يقبل حركة إلّا بعد الحذف وفيه زيادة تغيير في بناء الكلمة ، وذلك الساكن (صحيح) ، لأن حرف العلّة لا ينقل إليه الحركة ، لثقلها عليه ، وهذا النقل عند حصول الشرط المذكور يعمّ كل حركة(إلّا الفتحتة) ، فانّها لا تنقل إلى الساكن المتقدّم بل تحذف في أي حرف كانت ، لاغتفار حذفها لضعفها ، خلافا للكوفيين والأخفش حيث جوزوا نقلها إلى ما قبلها مطلقا.
والأكثر منعوا ذلك حالكونها كائنة في أيّ حرف كان (إلّا في الهمزة) الّتي يوقف عليها ، فانّها تنقل منها إلى ما قبلها الساكن ان كانت خالية عن التنوين - اتفاقا - ، كما تنقل الضمّة والكسرة لاستثقال الهمزة الساكنة عند سكون ما قبلها ثقلا واضحا كما مرّ ، وليعلم ان نقل الضمّة والكسرة مختص بما لا يلزم فيه البناءان المرفوضان (2)- إلّا في مهموز اللّام - للتحرّز عنهما مع فقد الحاجة وان كانا عارضين.
(وهو) - أي الوقف بنقل الحركة - (أيضا قليل) ، كالوقف بالتضعيف ، (مثل : هذا بكر ، وخبؤ) بنقل الضمّة من الراء والهمزة إلى الكاف والباء - ، (ومررت
ببكر ، وخبئ) - بنقل الكسرة منهما إليهما - ، (ورأيت الخبأ) - معرفا باللّام - ليكون خاليا عن التنوين ، بنقل الفتحة من الموقوف عليه - لكونه همزة غير منوّنة - إلى ما قبله.
(ولا يقال : رأيت البكر) - بنقل حركة الموقوف عليه لكونها فتحة في غير الهمزة ، (ولا) يقال : فيما أوّله مكسور من الثلاثي الغير المهموز اللّام في الرفع (هذا حبر) ، في حبر - للمداد - بنقل الضمّة ، لصيرورته على «فعل» بكسر الفاء وضمّ العين - ، (ولا) فيما أوّله مضموم من الثلاثي في الجر من غير المهموز ، نحو : (من قفل) بنقل الكسرة مثلا ، لكونه على «فعل» بضمّ الفاء وكسر العين -.
(ويقال :) في المهموز(هذا الرّدؤ) ، (ومن البطئ) وان حصل البناء ان كما تقدم.
(ومنهم من يفرّ) عن البنائين في المهموز أيضا(فيتبع) عينه فائه ، فيقول : الردؤ ، والبطؤ ، كالإبل والعنق ، ولم يتبعوا في غير المهموز ، لعدم استثقال السكون فيه عند سكون ما قبله.
وقد يوقف على حرف واحد ، كالفاء ، والواو ، وحرف المضارعة مع زيادة الألف بعدها ، وتركه المصنف لندرته ، وذلك كقوله :
بالخير خيرات وإن شرّ فشا
ولا اريد الشرّ إلّا أن تشا (1)
قوله : وان شرّ فشا - أي وان شرّ فشرّا - فوقف على شر من قوله : فشرّا بالشين وحدها مع زيادة الألف.
ويروي : فاءا ، وإلّا ان تاءا ، بالوقف على الفاء وحدها في الأوّل ، وحرف المضارعة وحدها في الثاني مع زيادة الهمزة والألف فيهما ، وت ، أمر من الاتيان وأصله : إئت.
1) هذا البيت لم أعثر على قائله. والشارح بين محل الشاهد فيه ويروي بغير ذلك.
(المقصور) : سمّي به ، لكونه مقصورا بالنسبة إلى الممدود ، ولكونه مقصورا - أي ممنوعا - من الاعراب اللفظي ، من القصر بمعنى : المنع ، والأوّل أحسن بقرينة التقابل كما قيل.
وهو (ما كان آخره ألف مفردة) منقلبة كانت عن الواو والياء ، أو مزيدة للتأنيث ، أو للالحاق ، واحترز بالمفردة عن صحراء ، وحمراء ، فانّ الأصل في نحو : ذلك ألف واحدة فزيدت ألف اخرى وقلبت همزة ، لئلّا يلتقى ساكنان كما مرّ في الجمع ، فما هو الآخر في نحو ذلك في الأصل هو الألف لكنّها ليست مفردة ، إذ قبل الألف ألف اخرى في الأصل كذا قيل ، فتأمل.
وامّا نحو : سقاء ، وكساء ، فالآخر فيه ليس ألفا في الأصل ، لكونه واوا أو ياء ، ولا في الحال ، لكونه همزة.
وذلك (كالعصا ، والرّحى) ، وحبلى ، ومعزى.
(والممدود : ما كان بعدها) - أي بعد الألف - (فيه همزة) من المذكر والمؤنث والملحق وغيره ، سمّى به لما فيه من مدّ الألف لأجل الهمزة بعدها ، (كالكساء ، والرّداء) ، والصحراء ، والحمراء ، والعلباء.
وهما - في الصناعة - مخصوصان بالاسم المتمكن ، فلا يطلقان على نحو : اسلنقي ، وجاء ، وشاء ، ومتى ، وهؤلاء ، إلّا على سبيل التسامح والتوسع ، أو جريا على مقتضى اللّغة.
والاولى ان يقيد الألف في تعريف الممدود بكونها زائدة ، لئلّا ينتقض بنحو : ماء ، وشاء ، وأصلهما : موه ، وشوه ، فان مثلهما ليس من الممدود - اصطلاحا - كذا
قال نجم الأئمّة ، فكأنه اكتفى بالتمثيل وشهرة أمره بينهم.
وكل منهما قياسي : يدخل تحت ضابطة يعلم بها وهو وظيفة النحاة ، وسماعي : غير داخل تحت ضابطة بل يفتقر إلى السماع.
(والقياسي : - من المقصور - ما يكون) معتل اللّام ، ويكون (ما قبل آخر نظيره من الصحيح) اللّام (فتحة) ، فينقلب لامه الّتي هي واو أو ياء - ألفا - لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
(و) القياسي (من الممدود ما يكون) من معتل اللّام (ما قبله) أي ما قبل آخر نظيره من الصحيح (ألفا) ، فيقع حرف العلّة فيه بعد الألف فينقلب همزة ، والمراد بنظير المعتل من الصحيح : ما يكون مع ذلك المعتل من صنف واحد من أصناف الأبنية له قياس مقرر معلوم في الحركات والسكنات كاسم المفعول من باب الأفعال مثلا.
وإذا كان القياسي منهما ما ذكر(فالمعتل اللّام من أسماء المفاعيل - من غير الثلاثي المجرّد -) سواء كان ثلاثيا مزيدا فيه ، أو رباعيا مجرّدا أو مزيدا فيه ، (مقصور) ، (كمعطى ، ومشترى) ، ومستقصى ونحوها ، (لأن نظائرهما) من الصحيح (مكرم ، ومشترك) ، ومستخرج ونحوها ، على صيغة اسم المفعول - بفتح ما قبل الآخر - على ما هو شأن حكم أسماء المفاعيل منها ، بخلاف اسم المفعول من الثلاثي المجرّد ، كمرميّ ، وأسماء الفاعلين من غيره ، كالمعطي ، والمشتري ، (و) المعتل اللّام من (أسماء الزمان والمكان) مقصور - أيضا - ، (و) كذلك (المصدر) الميمي منه بشرط كونه (ممّا قياسه «مفعل») - بفتح الميم والعين من الثلاثي المجرّد ، (و «مفعل») - بضمّ الميم وفتح العين - وغيره من أوزان اسم المفعول من غير الثلاثي المجرّد ، ولم يعتبر هذا القيد (1)في أسماء الزمان والمكان ، لأنها من المنقوص
1) وهو ممّا قياسه الخ.
لا يكون إلّا على هذين الوزنين ، بخلاف المصدر الميمي منه ، إذ قد يكون على غيرهما كالمعصية ، وذلك (كمغزى) - بمعجمتين - على «مفعل» - بفتح الميم - بمعنى : المقصد ، (وملهى) - بضمّ الميم - من قولك : ألهيته عن كذا كاكرمته سواء كان بمعنى المصدر ، أو الزمان ، أو المكان ، وانّما كان المصدر المذكور وتلك الأسماء مقصورات (لأنّ نظائرهما) من الصحيح (مقتل ، ومخرج) من الاخراج.
(و) المعتل اللّام من (المصادر) الّتي (من : فعل) بكسر العين في الماضي (فهو أفعل ، أو فعلان ، أو فعل) ككتف ، مقصورة - أيضا - ان كانت ممّا تقلب لامه ألفا بأن يكون عينها مفتوحة ، بخلاف غيره كالرّيّ - بالتشديد - مصدر قولك : روي - ضد عطش - فهو ريّان ، لعدم الألف في مثله فضلا عن القصر والمدّ ، والمراد بقوله : فهو كذا وكذا كون الصفة منه بمعنى الفاعل للمذكر على أحد الأوزان الثلاثة ، وذلك (كالعشي ، والصّدي ، والطّوي) كلّها بالألف على «فعل» بفتحتين - من عشي فهو أعشى ، - إذا أبصر بالنهار ولم يبصر باللّيل - ، وصدي - إذا عطش - فهو صد وأصله الصّدي ككتف واعلاله كقاض ، وطوي ... فهو طيّان - أي ضامر البطن - وانّما كانت هذه مقصورة(لأن نظائرها) من الصحيح (الحول) من حول فهو أحول ، (والعطش) من عطش فهو عطشان ، (والفرق) من فرق - إذا خاف - فهو فرق ككتف.
(و) امّا(الغراء) - بفتح الأوّل والمدّ - في مصدر غري به - بالمعجمة فالمهملة - إذا أولع به - فهو غر كصد ، كما قال كثير :
إذا قلت أسلو فاضت العين بالبكا
غراء ومدّتها مدامع حفّل (1)
1) البيت لم أقف على قائله. اسلو : مضارع للمتكلم من السلو ، يقال : سلا عن الأمر يسلو - إذا نسيه - ومنه التسلّي ، والبكا : جاء مقصورا وممدودا وهو في البيت مقصور ، أي إذا أردت توطين نفسي على التسلّي عن شدائد العشف وقلت في نفسي اسلو عنها لم أمسك نفسي عن البكاء.
فهو لا يرد اعتراضا على تلك القاعدة ، لأنّه (شاذّ) ، وكذا ظمئ .. ظماء - بالمدّ - كغراء - أي عطش - على ما حكاه سيبويه.
(والأصمعي : يقصره) ويقول : غرى كصدى على القياس ، وحكى أبو عبيدة عن بعضهم روايته في البيت بكسر الأوّل على انّه مصدر : غاريت بين الشيئين غراء - أي واليت موالاة -.
والحفل : - بالمهملة وتشديد الفاء - جمع الحافل - بمعنى : الممتلى - كركّع وراكع.
(و) المعتل اللّام من (جمع) ما كان على «فعلة» - بضمّ الفاء وسكون العين - (و «فعلة») - بالكسر والسكون - مقصور أيضا ، وذلك : (كعرى) - بضمّ العين وفتح الرّاء - في : عروة ، ودمى في : دمية - بضمّ الدال - للصورة والصّنم - ، (وجزى) - بكسر الجيم وفتح الزاي المعجمة - في : جزية - بالكسر والسكون - ، (لأن نظائرهما قرب) - بضمّ القاف وفتح الرّاء - جمع قربة - بالضمّ والسكون - ، (وقرب) - بكسر القاف وفتح الرّاء - جمع القربة - ، وهي يستسقي فيها الماء.
ومن المقصور القياسي : مؤنث اسم التفضيل ، كالفضلى ، والمؤنث بغير هاء من الصفة الّتي مذكرها على «فعلان» ، كسكران ... وسكرى ، وجمع «فعيل» بمعنى المفعول ، كجريح وجرحى ، والصفة المعتلة اللّام من اللون على «أفعل» كأحوى ، وكل مؤنث بالألف من أنواع المشي ، كالقهقرى ، والدال على مبالغة المصدر من المكسور رفاؤه المشدّد عينه ، كالحثّيثى ، والخلّيفى ، وروى الكسائي المدّفى : الخصّيصي.
وممّا الغالب فيه القصر كل مفرد معتل اللّام يجمع على «أفعال» كالنّدى والأنداء ، والقفا والأقفاء.
(و) المعتل اللّام من المصادر المزيدة فيها ، (نحو : الأعطاء ، والرّماء) مصدر رامي على زنة «فاعل» (والاشتراء ، والاحبنطاء ، ممدود ، لأن نظائرها) من الصحيح : (الإكرام ، والطّلاب) مصدر طالب ، (والافتتاح ، والاحرنجام) ،
والاحبنطاء : - وإن كان مادته الأصلية الحبط لكن لما كانت زوائده للالحاق بنحو الاحرنجام - كانت في حكم الأصلي ، فلذا عدّه من المعتل اللّام ، تنبيها على انّ المراد ما يعمه.
(و) المعتل اللّام من (أسماء الأصوات المضموم أوّلها) أيضا ممدود(كالعواء) - بالعين المهملة - لصوت الذئب - ، (والثغاء) - بالمثلثة والغين المعجمة ، لصوت الشاة وما شاكلها - ومنه الشاغية للشاة ، (لأن نظائرهما) من الصحيح (النّباح ، والصّراخ).
(و) المعتل اللّام من (مفرد) جمع القلّة الّذي كان على «أفعلة» من غير شذوذ أيضا ، (نحو : كساء) ، - بكسر الكاف - مفرد : أكسية ، وقباء - بفتح القاف - مفرد : أقبية ، (لأن نظائرهما) من الصحيح (حمار) - بالكسر - وأحمرة ، (وقذال) - بالفتح - وأقذلة.
(و) امّا(أندية) على «أفعلة» مع كون مفرده - وهو النّدى - مقصورا كما قال مرّة بن محكان :
في ليلة من جماداي ذات أندية
لا يعرف الكلب من ظلمائها الطّنّبا (1)
فهو (شاذ) ، وكذا رحى وأرحية ، وقفا وأقفية ، وقال الأخفش : انّها من كلام المولّدين ، وجمادي : - بضمّ الجيم - من شهور السنة ، والأندية : الأمطار ، والطنب : جمع الطّناب ، وزعم بعضهم انّ النّدى جمع على : نداء بكسر النون والمدّ كجمل وجمال ، ثمّ هذا الجمع الممدود جمع على أندية فلا شذوذ ، لكن استبعده بعضهم ، لعدم الظفر بنداء - جمعا - في اللّغة.
1) هذا بيت من قصيدة لمرة بن محكان وهو من شعراء الحماسة. وقوله : في ليلة من جمادي : اراد في ليلة من ليالي الشتاء وذلك لأنّ الشتاء عندهم زمان الجدب والحاجة ، والطنب : الحبل الّذي تشد به الخيمة ، والاستشهاد بالبيت في قوله : أندية حيث جمع ندى عليه وذلك شاذ.
ومن القياسي للممدود : مؤنث الصفة على «أفعل» من اللون والعيب ، كحمراء ، وعرجاء.
(والسماعي) من المقصور : (نحو : العصا ، والرّحي) والفتى واحد الفتيان ، والسنا - للضوء - ، والثّرى - للتراب - ، إلى غير ذلك ، (و) من الممدود : نحو : (الخفاء) مصدر خفي ، (والأباء) مصدر أبي يأبى ، والسّناء - للشرف - ، والفتاء - لحادثة السّنّ ، والثراء - لكثرة المال - إلى غير ذلك (ممّا ليس له نظير) من الصحيح على الوجه المذكور(يحمل عليه) حتّى يكون مقصورا قياسيا ، أو ممدودا قياسيّا ، بل يفتقر إلى السماع.
ثمّ انّهم اتفقوا على جواز قصر الممدود للضرورة ، كقوله :
لا بدّ من صنعاوان طال السّفر
وإن تحنّى كلّ عود ودبر (1)
والعود : بفتح العين المهملة وسكون الواو ، المسن من الإبل.
وامّا مدّ المقصور للضرورة : فاجازه الكوفيون محتجين بشواهد ، كقوله :
سيغنيني الّذي أغناك عنّي
فلا فقر يدوم ولا غناء (2)
حيث مدّ الغني ، ومنعه البصريون وجعلوا الغناء في البيت مصدر غانيته أي فاخرته في الغنى ، وهو تعسف كما لا يخفى ، وامّا قراءة : سناء برقه (3)فشاذة ، ولعلّه لغة اخرى فيه ، والله أعلم.
(ذو الزيادة) (1)يكثر في الاسم والفعل دون الحرف ، لعدم التصرّف فيه بالاشتقاق ونحوه ، و (حروفها) عشرة يجمعها قولك : (اليوم تنساه ، أو سألتمونيها ، أو السّمان هويت) ، على «فعلت» بالكسر - أي احببت -.
وقد يحكي : ان تلميذا سأل شيخه عنها فقال : سألتمونيها ، فقال ما سألتك إلّا هذه النوبة ، فقال الشيخ : اليوم تنساه فقال : والله ما أنساه فقال : اجبتك مرّتين.
وانشد المازني للمبرد حيث سأله عنها :
هويت السمان فشيبنني
وقد كنت قدما هويت السمان
وقد ركبت منها ألفاظ أخر ، نحو : هم يتسائلون ، ويا أوس هل نمت ، ولم يأتنا سهو ، وغير ذلك.
وقيل : انّما اختيرت هذه الحروف للزيادة؟ لخفة الثلاثة الّتي هي حروف اللين منها ، ومناسبة البواقي لها في المخرج والصفة ، فانّ الهمزة والهاء تجاوران الألف في المخرج ، والميم شفوية كالواو. والتاء والسين : مهموسان تناسبان لين حروف اللين ، والنون : لغنتها يمتد في مخرجها وهو الخيشوم امتداد الألف في الحلق.
واللّام : مخرجها ما دون طرف اللسان فكانها قريبة من الشفوية مع انّها تناسب النون ، فلذلك تدغم هي فيه نحو : من لدنه ، وتحذف معها نون الوقاية كما تحذف مع
1) ينسب إلى المصنف انّه قال : ان باب ذي الزيادة باب عظيم مشكل اضطرب في كثير منه أقوال العلماء لاشكاله وتشعب طرقه.
النون فيقال : لعلّي كما يقال : انّي ، كأنّي ، فاجريت مجراها في الزيادة.
ثمّ فسّر كونها حروف الزيادة بقوله : (أي الّتي لا تكون الزيادة لغير الإلحاق ، و) غير(التضعيف إلّا منها) ، لئلّا يتوهّم انّها يلزمها الزيادة ولا تكون أصليّة ، وانّ الزائد كيف كان منحصر فيها مع انّها قد تكون أصليّة نحو : سأل ، وسلم ، وهمل ، ونام.
والزائد قد يكون من غيرها إذا كانت الزيادة للالحاق ، نحو : قردد بزيادة الدال للالحاق بالرباعي ، أو للتضعيف نحو : عرّف - بالتشديد وزياده الراء - للتضعيف ، وان جاز كون ما زيد للالحاق والتضعيف منها أيضا ، نحو : شملل ، وعلّم ، بالتضعيف.
(ومعنى الالحاق) بالزيادة : (انّها انّما زيدت لغرض جعل مثال على مثال ازيد منه) ، بأن يزاد فيه بقدر نقصانه عن الأزيد في الحروف الاصول على وجه يحصل به توافقهما في عدد الحروف والهيئة من غير تفاوت ، فلذلك منع الادغام فيه مع التجانس ، وكذلك الاعلال مع موجبه ، ومن ثمّه لم يقلب الواو في : جدول ألفا بنقل حركتها إلى ما قبلها كما في مقام ونحوه ، للمحافظة على وزن جعفر.
واضافة الغرض إلى الجعل بيانية - أي لغرض هو جعل مثال على مثال أزيد(ليعامل معاملته) على وجه الكمال من غير تفاوت في جميع التصاريف من الماضي ، والمضارع ، والأمر ، واسم الفاعل واسم المفعول ، والمصدر ، ونحو ذلك ان كان فعلا ، والتصغير والتكسير ونحوهما ان كان اسما ، للتوسع في السجع والشعر ونحوهما.
ثمّ ان الأصل الّذي يلحق به غيره امّا رباعي أو خماسي ، وليس في الأسماء المتكّنة والأفعال ثنائيّ بالاصالة حتّى يراد الحاقه بالثلاثي بزيادة الحرف.
وقد يشتمل الملحق به على زائد فيزاد مثله في الملحق أيضا بالتبع فكانه تابع للالحاق ، والأصل فيه : المقابلة بالاصول كما في الحاق - علباء (1)بسرداح ، وقرطاس.
1) علباء : البعير. السرداح : بالكسر الناقة الطويلة أو الكريمة.
وكلمة - انّما - للحصر - أي ما زيدت إلّا لغرض هو التماثل في عدد الحروف والهيئة - ، للتشريك في المعاملة ، فيجب عدم كون الحرف المزيد قياسا في موضع زيادته لافادة معنى ، وإلّا لم ينحصر الغرض من زيادته في التماثل المذكور.
فان خالف الملحق أصله المجرد في المعنى كما في : شملل وشمل (1)فذلك باعتبار وضع تمام لفظه لذلك المعنى وتتبعه التصاريف لاعتبار قياس الزيادة لذلك المعنى ، وقد لا يكون لأصله معنى بالوضع أصلا ، نحو : كوكب ، فان أصله وهو ككب لم يوضع لمعنى أصلا ، ويحتمل في مثله ومثل : شملل ممّا خالف معناه معنى أصله كون استعمال الأصل بمعناه مهجورا ، استغناء به عنه ، فلذلك لم يظفر به ، فتأمّل.
وإذا عرفت هذا(فنحو : قردد) - للمكان الغليظ المرتفع - (ملحق بجعفر) ، لانحصار الغرض من زيادة الدال الاخرى فيه في مماثلته له ليعامل معاملته في التصغير على قريدد ، والتكسير على قرادد ، كجعيفر وجعافر ، وعدم الادغام فيه دليل على الالحاق أيضا على ما في الصحاح.
(ونحو : مقتل غير ملحق) به ، وان صغر على مقيتل ، وجمع على : مقاتل ، (لما ثبت) عندهم (من قياسها) أي قياس الزيادة فيه - وهي الميم - (لغيره) - أي لغير الالحاق - في موضع زيادتها ، لكونها قياسا في ذلك الموضع لافادة المكان والزمان ، والمصدر الميمي ، ولذا وقع الادغام في مثله ، نحو : مردّ ، والاعلال نحو : مقام.
(ونحو : أفعل ، وفعّل) - بتشديد العين - (وفاعل ، كذلك) ليست ملحقة بنحو دحرج ، (لذلك) الّذي ذكرناه من قياس الزيادة فيها لافادة معنى كما مرّ في أوّل الكتاب ، ويلزم من ذلك ان لا يكون «تفاعل ، وتفعّل» ملحقين بتدحرج مع ان المصنف جعلهما ملحقين كذا قيل ؛ (و) لعدم معاملتها معاملة نحو : دحرج في جميع التصاريف ، (لمجيء مصادرها مخالفة) لمصدره ، لمخالفة مصادرها «للفعللة» الّتي هي المصدر المطرد في الرّباعي مع كفاية المخالفة فيه في عدم التوافق في جميع
1) شملل : بمعنى أسرع ، وشمل من الشمول وشملهم الأمر : عمّهم.
التصاريف - بمعنى رفع الإيجاب الكلّي -.
(ولا تقع الألف للالحاق) في الأوّل في شيء ، لتعذّر الابتداء بها ، وتركه لظهوره ، ولا تقع - أيضا - للالحاق أصالة(في الاسم حشوا) - أي وسطا - ، فلا يقال : كتاب ملحق بقمطر ، ولا خاتم بجعفر ، ولا علابط بقذعمل ، لتعذر الموافقة التامّة للملحق به ان بقيت على حالها من غير قلب في جميع التصاريف ، (لما يلزم من تحريكها) في بعض التصاريف ، كالتصغير والتكسير ، لوقوعها قبل ياء التصغير ان زيدت ثانية ، وبعدها ان زيدت ثالثة ، وكلّاهما موضع الحركة.
وزيادتها - رابعة - في الوسط انّما يكون للالحاق بالخماسي الّذي يحذف الخامس منه في التصغير والتكسير ، كسفارج وسفيرج في : سفرجل ، ويجري الاعراب اللفظي على الرابع منه الّذي وقعت الألف في مقابله من الملحق ، والاعراب التقديري فيها مع اللفظي فيما يقابلها من الملحق به مخل بالتناسب التام بين الملحق والملحق به كما هو المناسب للالحاق.
وبالجملة فوقوعها للالحاق حشوا يؤدّي إلى ما يمتنع فيها وهو تحريكها فيما ذكر من التصاريف ، وقلبها إلى ما يقبل الحركة كما يقلب ألف ضارب في التصغير واوا أيضا ليس بمناسب لتناسب المذكور ، لأن ما يقابلها من الملحق به حرف صحيح قابل للحركة بدون القلب ، لما عرفت انّ الملحق به رباعي أو خماسي ، ولا يتصور الاعلال في شيء من اصولهما إلّا في الفاء من الخماسي كما مرّ ، فلا يكون في وسط شيء منهما إلّا الحرف الصحيح وهو قابل للحركة بنفسه.
وامّا زيادتها حشوا في نحو : علباء فقد مرّ أنها ليست للالحاق بالاصالة ، لكونها بازاء الزائد في الملحق به ، وامّا جواز زيادتها آخرا للالحاق فلأنه محل التغيير ، فكأنهم لم يعتنوا بتطرق شيء من المخالفة فيه في بعض التصاريف ؛ هذا غاية التوجيه ، والتعويل على الاستقراء ، وقد يقال : انّ الألف لما لم تكن أصليّة قط كرهوا وقوعها موقع الأصلي للالحاق حتّى في الآخر ، والحكم بزيادتها فيه له تجوز
وتوسع ، لكونها منقلبة عن ياء هي المزيدة للالحاق في الحقيقة عند المحقّقين ، كذا في شرح المفصل.
و «من» في قوله : من تحريكها - لبيان «ما» في قوله : لما يلزم - ، والتقييد بالاسم ، لأنه زعم الجواز في الفعل ، نحو : تفاعل ، لأنّ الفعل محل التغيير فلا يبالي بعروض القلب والتغيير فيه في بعض التصاريف ، وكذلك لا يبالي بتغيير غيرها ممّا زيد فيه للالحاق في التصاريف ، كحوقل حيقالا. (1)
(ويعرف الزائد) من الأصلي : (بالاشتقاق) :
وهو : ان تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى وتركيب الحروف ، فترد أحدهما إلى الآخر ، أو كليهما إلى ثالث ، فاذا كان في المشتق من الحروف العشرة ما لم يكن في المشتق منه حكم عليه بالزيادة ، كناصر ، ومنصور ، من نصر.
(وعدم النظير) بأن يلزم - من الحكم بأصالة حرف أو زيادته - بناء غير موجود في كلامهم ، كالحكم باصالة النون من - قرنفل - ، فانّه يلزم منه خماسي على : «فعلّل» - بضمّ اللّام الثانية - كسفرجل - بضمّ الجيم - وهو ليس بموجود ، وفي حكمه ندرة النظير.
(وغلبة الزيادة فيه) بأن يكون الغالب في حرف وقع موقعا من الكلمة كونه زائدا في ذلك الموقع ، كالهمزة في الأوّل بعدها ثلاثة اصول ، كاحمر ، فانّ الغالب في هذا الموضع كونها زائدة.
فهذه الثلاثة طرق المعرفة.
وقد يقع فيها التعارض فيدل بعضها على زيادة حرف أو اصالته والباقي على
1) والغرض من باب ذي الزيادة معرفة حرف الزائد من الحرف الأصلي في الأسماء والأفعال.
خلاف ذلك ، (والترجيح) كائن (عند التعارض) ، أي يطلب الترجيح ويحكم بمقتضاه ، فالترجيح مبتدأ خبره الظرف ، وقد يصحّح بالجر بالعطف على الاشتقاق على انّه وجه آخر ، والأوّل أظهر.
والمصنف بدء في التفصيل بالاشتقاق ، لأنه أقوى ، وقد يتعارض اشتقاقان ، ثمّ ان ترجّح أحدهما فهو راجح ، وان تساويا سمّى بالواضح ، وقد يكون بين اللفظين شبه الاشتقاق كما إذا بعدت المناسبة ، كالهجرع كدرهم وجعفر - للطويل - عند من جعله من الجرع - للمستوى من الرمل - ، وقد يطلق الاشتقاق على مثله ، فيحترز عنه إذا أريد الاشتقاق الحقيقي بالتقييد بالمحقق.
(والاشتقاق المحقّق : مقدّم) في الاعتبار على غيره من الوجوه عند التعارض ، لأنه أقوى فيحكم بمقتضاه ويطرح المعارض ، (فلذلك) الّذي ذكر من تقديمه (حكم بثلاثية - عنسل) - على زنة «فنعل» - بالنون بعد الفاء - على هيئة جعفر ، - للناقة السريعة - من العسلان وهو السرعة ، (وشأمل) - بتقديم الهمزة على الميم - ، (وشمأل) عكسه ، كلّاهما - لريح الشمال - على زنة «فأعل» بسكون الهمزة - و «فعأل» بفتحها - ، على هيئة جعفر أيضا من قولهم : شملت الريح : إذا هبت شمالا ، (ونئدل) - بالهمزة بين النون والدال - ، على «فأعل» بسكون الهمزة بعد الفاء - كهيئة زبرج - للكابوس الّذي يقع على الانسان باللّيل فلا يقدر على الحركة والقيام - من النّدل ، وهو الاختلاس ، كأنه يأخذ الانسان بغتة.
(ورعشن) - للمرتعش - من الرعشة ، على «فعلن» - بالنون في آخره - على هيئة جعفر وفرسن ، على «فعلن» بالنون - ، كزبرج - لمقدم خف البعير - من الفرس - بسكون الرّاء من غير نون ، وهو الدق ، لأنه يدق الأرض ، (وبلغن) بالنون في الآخر ، على «فعلن» كرعشن - للبلاغة - من البلوغ ، لما فيها من البلوغ
إلى حدّ كامل في الكلام ، (وحطائط) بالهمزة ، على : «فعائل» كهيئة علابط ، من الحط ، للصغير ، كأنّه منحط من الكبير ، (ودلامص) على : «فعامل» بالميم قبل اللّام ، على تلك الهيئة أيضا - للبراق اللين من الدرع - من : دلصت الدرع : إذا لانت ، (وقمارص) - بالميم بعد القاف والمهملتين بعد الألف - ، على تلك الهيئة ، قال الزمخشري : القارص : اللّبن الّذي يقرص اللّسان - أي يقبضه - لحموضته ، والقمارص : أشد منه لزيادة الميم ، (وهرماس) على : «فعمال» بالميم بعد العين - كهيئة قرطاس ، للشديد من الأسد - من الهرس ، وهو الدق ، لأنّه يدق الفريسة ، (وزرقم) - للأزرق والزرقاء - على : «فعلم» بضمّ الفاء في آخره الميم ، كبرثن ، من الزرقة ، (وقنعاس) على هيئة هرماس ، على زنة «فنعال» - بالنون بعد الفاء - للعظيم من الإبل لثباته ، من : القعس بمعنى الثبات ، كذا قال نجم الأئمّة ، ومنه : عزّ قاعس - أي ثابت - ، (وفرناس) على : «فعنال» بالنون بعد العين - على تلك الهيئة أيضا - ، للغليظ الرقبة من الأسد ، من : الفرس بمعنى الدق ، ومنه : المفترس ، (وترنموت) على : «تفعلوت» بالتاء في الأوّل والآخر - على هيئة قرطبوس في الحركة والسكون ، لصوت القوس عند الرمي والنزع ، من : الرنم - وهو الصوت.
فالاشتقاق المحقّق المدلول عليه بالتناسب اللفظي والمعنوي بين هذه المذكورات وما ذكر معها يقتضي كونها - ثلاثية - أي كونها من المزيد الثلاثي على الأوزان المذكورة ، وعدم نظير أو ندرته لشيء من تلك الأوزان في الأبنية الثلاثية المزيد فيها في كلامهم يقتضي ان يكون ترنموت - خماسيا - مزيدا كقرطبوس ، وحطائط ، وتالياه (1)، وهرماس وموازناه (2)من المزيد الرباعي ، كعلابط ، وقرطاس ، والبواقي من المجرّد الرّباعي ، كجعفر ، وزبرج ، وبرثن ، فحكم الجمهور على الجميع بالثلاثية ، ترجيحا للاشتقاق على عدم النظير.
(و) لذلك الّذي ذكر من تقديم الاشتقاق عند التعارض (كان ألندد) - لشديد الخصومة - ثلاثيا ملحقا بالخماسي ، وكان وزنه «أفنعلا» - بفتح الهمزة والفاء وسكون النون - ، ترجيحا لاشتقاقه من : اللّد بمعنى الخصومة المناسب له في اللفظ والمعنى على عدم النظير لهذه الزنة في المزيد الثلاثي المقتضي لكونه خماسيا ، كسفرجل ، وغلبة الزيادة في الهمزة الواقعة أوّل الكلمة قبل الثلاثة اصول أيضا يؤيّد كونه ليس بخماسي ، لكنها لا يكفي في كونه «أفنعلا» ، لاحتمال كونه من : اللّند وان لم يرد في اللّغة مثل : ككب ، كذا قيل : ويلندد - بالياء - بمعنى : ألندد أيضا ملحق بالخماسي ، بدلالة الاشتقاق ، كما ذكر.
(و) لذلك المذكور من تقديم الاشتقاق أيضا كان (معدّ) - لابن عدنان وغيره - (فعلّا» - بفتح الفاء والعين وتشديد اللّام - كما ذكره سيبويه ، كهبيّ - بالموحدة وتشديد الياء ، للصبي الصغير - ، وجربّة - بالجيم والمهملة وتشديد الموحدة مع تاء التأنيث ، لجماعة الحمير - ، وذلك (لمجيء تمعدد) ، مشتقا منه ، بمعنى : تشبّه به في القوّة أو غيرها ، قال الراجز :
ربيّته حتّى إذا تمعددا
كان جزائي بالعصا أن اجلدا (1)
فالميم منه وان كانت تحتمل الزيادة والاصالة في بادئ النظر لكن اشتقاق هذا الفعل منه يدل على اصالتها وكونها فاء الكلمة ، إذ لو كانت زائدة كان هذا على : «تمفعل» - بالميم الزائدة قبل الفاء - ، وليس بموجود في كلامهم وجودا يعتد به بل هو في حكم المعدوم ، وإذا كانت أصليّة فيه فهي أصليّة في - معدّ - أيضا ، لأنه مأخذه ، فمعدّ «فعلّ» - بالتشديد - كما ذكر ، من الثلاثي المزيد - بزيادة إحدى الدالين - ، دون الرباعي ، لأنه ليس من أبنية الرباعي الاصول ، وتمعدد على : «تفعلل» ملحق بتدحرج.
1) البيت للعجاج ، وتمعدد : أراد اشتد وقوى. والاستشهاد بالبيت في قوله : «تمعددا» إذ هو على وزن تفعلل لقلّة تمفعل فتكون الميم أصلا ، وإذا كان كذلك كان معد فعلّا.
فقدم الاشتقاق على ندرة النظير لهذه الزنة في المزيد الثلاثي الجارية مجرى عدم النظير الدالّة على كونه «مفعلا» بزيادة الميم في الأوّل مع الادغام في الآخر - ، كمقرّ ، ومردّ ، كما ذهب إليه بعضهم ، وقد يجعل غلبة الزيادة في الميم الواقعة أوّل الكلمة قبل ثلاثة أحرف أيضا دالّة على كونه «مفعلا».
وانّما حكم على «تمفعل» بالميم الزائدة بعدم الوجدان في كلامهم وجودا يعتد به ، حتّى دلّ اشتقاق تمعدد من معدّ على اصالة الميم من معدّ ، (ولم يعتدّ بتمسكن) - إذا صار مسكينا - ، (وتمدرع) - إذا لبس المدرعة ، وهو ثوب ضيّق صغير الكمّين - ، (وتمندل) - إذا مسح عضوا بالمنديل - ، وتمنطق - إذا لبس المنطقة - ، وتمغفر - إذا لبس المغفر - ، ونحو ذلك ممّا لا شك في زيادة الميم في مأخذ اشتقاقه ، كالمسكنة والمنديل ، والملبوسات المذكورة ، لكون زيادتها فيه في غاية الظهور ، ومن ثمّ اتفق على ان وزنه «تمفعل» ، (لوضوح شذوذه) أي شذوذ ما ذكر من الأفعال ، أو شذوذ كل منها وندرة مجيئه ، والفصيح الكثير فيها : تسكّن ، وتندّل ، وتدرّع ، وتغفّر ، وتنطّق ، كلّها على «تفعّل» بتشديد العين - ، فهي لشذوذها الواضح في حكم العدم غير صالحة لأن يعتد بها ، فمن ثمّ حكموا على تلك الزنة بعدم الوجدان (1)، وعلى تلك الشواذ بأنّ بنائها - لتوهم اصالة الميم في مأخذها - فكأنها «تفعلل» بدون زيادة الميم ، فتدبر.
(و) لذلك المذكور من تقديم الاشتقاق أيضا كان (مراجل) - لثياب الوشي - ، جمع مرجل ، (فعالل) عند سيبويه ، بلامين - كجعفر ، وجعافر ، على اصالة الميم بدلالة الاشتقاق ، (ل -) مجيء(قولهم) : (ثوب ممرجل) ، على صيغة اسم المفعول ، مشتقا منه بمعنى : موشيّ ، منقوش ، قال العجاج :
بشية كشية الممرجل (2)
والحكم بزيادة الميم فيه يؤدّي إلى كونه على «ممفعل» - بميمين - ، وهو غير موجود أصلا ، فرجّح الاشتقاق على غلبة الزيادة في الميم الواقعة في الأوّل قبل ثلاثة اصول المقتضية لكونه على «مفاعل» ، وقد يقال : لعل بناء ممرجل لتوهّم اصالة الميم في : مرجل ، للزومها ، كما بنى لذلك تمندل مثلا ، فتأمّل.
(و) لذلك أيضا كان (ضهيأ) - بالمعجمة وفي آخره الهمزة - ، على هيئة جعفر ، - للمرأة الّتي لا يتدلّى ثديها ولا تحيض - ، (فعلأ) - بفتح الفاء واللّام وسكون العين وفي آخره الهمزة - ، على اصالة الياء وزيادة الهمزة ، (لمجيء : ضهياء) من لفظها ، بمعناها ممدودا ، كحمراء ، والهمزة فيها مزيدة بعد الألف بدليل منع الصرف ، والياء أصليّة لئلّا تنقص الاصول عن ثلاثة ، والتناسب اللفظي والمعنوي بينهما يدل على رجوعهما في الاشتقاق إلى أصل واحد ، مع المناسبة لقولهم : ضاهيت - بالياء - أي شابهت ، كأنها تضاهي الرجل في الثدي وعدم الحيض ، فرجّح سيبويه ذلك على عدم النظير «لفعلاء» المقتضي ليكون رباعيا على «فعلل» كجعفر ، والزجاج : جعله من : ضاهأت - بالهمزة - ، ومنه : قراءة عاصم : (يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا)(1)- بالهمزة بعد الهاء - ، وهو بمعنى : ضاهيت - بالياء - ، وهو عنده على «فعيل» بالياء بعد العين - ، مع اعترافه بعدم هذه الزنة غيره ، فيشارك «فعلأ» في عدم النظير مع ان الحكم على الآخر بالزيادة أولى ، واستعمال ضاهيت بالياء - أكثر من المهموز ، فالترجيح لسيبويه مع اعتضاده بضهيآء - بالمد -.
(و) لذلك أيضا كان (فينان) - بالفاء ، للملتفّ الأغصان من الشجر ، ولذي الشعر الطويل الحسن من الرجال - ، محكموما عليه بزيادة الياء واصالة النونين ، فكان وزنه «فيعالا» بفتح الفاء وسكون الياء - ، (لمجيء : فنن) محركة ، بنونين بعد
1) الآية : 30 التوبة.
الفاء - للغصن - مع التناسب في تركيب الحروف والمعنى ، ولو كان للطويل الشعر لأن الشعر كثيرا ما يجعل كالغصن ويستعار هو له ، فرجح ذلك على عدم النظير «لفيعال» ، واقتصر الجوهري فيه على المعنى الثاني وجعله «فعلان» كسكران ، من : الفين - بسكون الياء - وهو الوقت ، وكأنه - لأنّه الطول والحسن - ممّا يحصل بتعاقب الأوقات ، وفيه تعسف ، والأوّل أظهر ، ولم يجعل رباعيا على «فعلال» لندرته من غير المضاعف ، كخلخال.
(و) لذلك أيضا كان (جرائض) - بالضاد المعجمة ، للضخم العظيم البطن - «فعائلا» - بضمّ الفاء وزيادة الهمزة المكسورة قبل اللّام - ، (لمجيء : جرواض) - بالواو - وجرياض - بالياء - بمعناه مع الاتحاد في المادّة ، فالثلاثة راجعة إلى أصل واحد لا همزة فيه ، وكأنها ملحقة بعلابط ، وقرطاس ، فلا حجر في عدم الظفر باستعمال أصلها فيما يناسب معناها ، وقد يتكلف فيجعل من : الجرض بالريق ، وهو ابتلاعه على الغصة ، لأن ذلك ممّا يحصل به شيء من الانتفاخ ، وهو يناسب العظم ، فقد رجح فيه الاشتقاق على عدم النظير «لفعائل» المقتضي لكونه على «فعالل» - بلامين - على اصالة الهمزة.
(و) لذلك أيضا كان (معزى) - بكسر الميم - لخلاف الضأن من الغنم ، (فعلى) - بكسر الفاء وفي آخره الألف المقصورة - (لقولهم : معز) بحروفه ومعناه من غير ألف ، فهو مشتق منه بزيادة الألف ، والميم أصليّة مع انّ الغالب في الميم الواقعة أوّلا وبعدها ثلاثة أحرف ان تكون زائدة والثلاثة بعدها اصولا كلّها ، لئلّا يكون اصول الاسم المتمكّن أقل من ثلاثة ، وهذا يقتضي ان يكون «مفعلا» باصالة الألف وزيادة الميم ، ففي جعله «فعلى» ترجيح للاشتقاق على غلبة الزيادة ، ثمّ ان سيبويه قال : ان معزى منوّن للصرف ، والألف فيه للالحاق ، لحذفها في التصغير ، ولو كانت للتأنيث لم تحذف ، ومن لا يجوّز كون الألف للالحاق جعلها منقلبة عن الياء.
(و) لتقديم الاشتقاق أيضا كانت (سنبتة) - بمهملة ونون فموحدة وتائين ، للمدّة
الطويلة من الزمان - ، (فعلتة) - بفتح الفاء وسكون العين وفتح اللّام وزيادة التائين - (لقولهم : سنب) بدونهما ، بمعناها ؛ على «فعل» بفتح الفاء وسكون العين - ، فقدّم الاشتقاق المقتضي للحكم بزيادتهما على عدم النظير «لفعلتة» المقتضي لكونها «فعللة» - بلامين -.
(و) لذلك أيضا كانت (بلهنية) - لسعة العيش - (فعلنية) - بضمّ الفاء وفتح العين وسكون اللّام وكسر النون بعدها التحتانية ثمّ التاء - على ان يكون النون وما بعدها زوائد للالحاق بقذعمل ؛ فانّ التناسب اللفظي والمعنوي يدل على كونها مأخوذة(من قولهم :) فلان في بلهة من العيش - أي في سعة - ؛ و (عيش أبله) كأحمر - أي واسع ناعم قليل الغموم - ، فرجح الاشتقاق المقتضي لزيادة تلك الحروف على عدم النظير لتلك الزنة المقتضي لكونه كقذعمل بزيادة التاء فقط ؛ أو كسلحفية بمعنى : سلحفاة - لدابة معروفة جلدها عظام - بزيادة التحتانية معها.
(و) كان (عرضنة) - بمهملتين ومعجمة ونون ؛ للناقة الّتي تمشي معترضة ؛ أي على عرض الطريق لنشاط - «فعلنة» - بكسر الفاء وفتح العين وسكون اللّام وزيادة النون والتاء - (لأنّه من الاعتراض) ؛ بمعنى : المشي عرضا ، فهما زائدتان ؛ مع ان عدم النظير لهذه الزنة يقتضي اصالة النون ؛ على انّه كقمطر مع التاء كربحلة ، وسبحلة كلّاهما بمعنى : الطويلة السمينة.
(و) لذلك أيضا كان (أوّل «أفعل») كأصغر ؛ على انّه اسم تفضيل ؛ والهمزة زائدة ؛ والواوان الموجودتان فيه أصليتان بدليل تصاريفه المشتقة منه ، (لمجيء الاولى) على : «فعلى» كصغرى ؛ للمؤنثة الواحدة ، (والاول) كصغر على : «فعل» - بضمّ الفاء وفتح - في : جمعه المكسر ، ولو كان «فوعلا» كجوهر ، وكوثر من : أول - بالهمزة والواو المخففة - ، أو من : وول - بواوين وزيادة الاخرى بينهما - ثمّ قلبت الاولى همزة كراهة اجتماع الثلاث كما زعمه الكوفيون ؛ بناء على أنّ الغالب في الواو
الّتي وقعت - ثانية - ان تكون زائدة ؛ لما جمع (1)على «فعل» في التكسير أصلا ، بل على «فواعل» فقط ؛ ولكانت واحدته أوّلة - بالتاء - مع قلّتها ؛ حتّى زعم بعضهم عدمها في الكلام الفصيح ، ففيه ترجيح الاشتقاق على غلبه الزيادة ، ثمّ القائلون : بأنه اسم التفضيل اختلفوا في مادته الأصليّة : (والصحيح أنّه من : وول) ؛ - بواوين - بمعنى سبق ؛ وان صار هذا الأصل مهجورا ، والهمزة : في الاولى للواحدة والاول : للجمع ؛ منقلبة عن واو ، كراهة اجتماع واوين اوليهما مضمومة ، (لا من وأل) - مهموز العين - بمعنى : بادر وتقدم ، كما زعمه بعضهم ، (ولا من أول) ، - مهموز الفاء - بمعنى رجع ، كما زعمه آخرون.
فكل مرتبة من العدد كأنه يرجع إليه ما بعده نحوا من الرجوع ، والأوّل زائد على جميع المراتب ، والتزم قلب الهمزة واوا على خلاف القياس على المذهبين ؛ توسلا إلى الادغام والتخفيف ، وانّما دعاهم إلى العدول عن : وول - بواوين - استبعاد اتحاد الفاء والعين ؛ والصحيح : انّه مع قلّته أهون من التزام ما يخالف القياس.
ثمّ ان اسم التفضيل حقّه المنع من الصرف عند التجرّد عن اللّام والاضافة ، للوصفية ووزن الفعل ؛ لكن الوصفية المقتضية للاشتقاق في : الأوّل في معرض الخفاء ، لعدم ظهور أصل مستعمل له يكون هو للزيادة في الفاعلية والمفعولية على وجه ظاهر ؛ على قياس اسم التفضيل ، لأنه امّا من أصل مرفوض ؛ أو من : أصل يكون ردّه إليه على وجه مخالف للقياس ، حيث اضطروا إلى ذلك لأجل تصاريفه ، فلذلك (2)منع من الصرف فيما يظهر معه وصفيته ، وهو ما إذا كان مع الموصوف ، أو مع من نحو : رأيته عامّا أوّل ، وقولهم : أوّل من كذا ، ويصرف في غيره ؛ نحو : فعلته كذا أوّلا وثانيا.
وقد يبني على الضم كالغايات ؛ كما قال معن بن أوس :
لعمرك ما أدري وانّي لأوجل
على أيّنا تغدو المنيّة أوّل (1)
(و) لتقديم الاشتقاق أيضا كان (انقحل) - بالقاف والمهملة ، للشيخ المسنّ جدّا - (انفعلا) - بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الفاء وسكون العين - ، كانزهو ، وإنفخر ، (2)من الزهو والفخر ، (لأنّه) مشتق (من : قحل) الشيخ كمنع قحولا ، كعلم قحلا ، (أي يبس) جلده على عظمه ، فهو قحل - بفتح الحاء - كحسن ، وكسرها مثل : كتف ، وانقحل ، ففيه تقديم الاشتقاق على ندرة النظير «لانفعل» المقتضي لكونه - خماسيا - كاصطبل ، وقرطعب على : «فعلل» كما زعمه أبو الفتح ؛ وقال : تصغيره انيقح - بحذف الخامس - ، وعلى كونه «انفعلا» أنت مخير بين حذف الهمزة والنون ، فيقال : اقيحل ، ونقيحل.
(و) كان «أفعوان» - بالفاء والعين المهملة ، لذكر الافاعي - «افعلانا» - بضمّ الهمزة وسكون الفاء وضمّ العين - كاقحوان - للبابونج - ، (لمجيء) ما يناسب رجوعه معه إلى أصل واحد في الاشتقاق ، للتناسب اللفظي والمعنوي وهو (أفعي) ، وهو «افعل» بزيادة الهمزة من : الفعوة - للسم - ، لا «فعلى» بزيادة الألف للتأنيث - بدليل الانصارف ، ولا للالحاق ، والالجاز لحوق التاء ، كما يقال : علفاة في : علفى - لضرب من النبات - ، ولقولهم : أرض مفعاة - بفتح الميم - أي ذات أفاعي ، وتفعّى : صار كالأفعى في الشر ، فكل ذلك يدل على أصالة الفاء والعين والواو وزيادة البواقي ، فرجّح ذلك على كون الغالب في الواو في غير الأوّل مع ثلاثة
أحرف هو الزيادة المقتضي لكونه «فعلوانا» كعنفوان ، وامّا ندرة النظير الجارية مجرى العدم فقد يقال : انّها مشتركة بين «أفعلان» و «فعلوان».
(و) لذلك أيضا كان (اضحيان) - للمضيء البارز - ومنه : يوم اضحيان - إذا لم يكن فيه غيم - «افعلان» - بكسر الهمزة وسكون الفاء وكسر العين وفي آخره النون - ، مشتقا من : الضحى : للمناسبة في تركيب الحروف والمعنى ، فقدم ذلك على غلبة زيادة الياء إذا كانت مع ثلاثة فصاعدا المقتضية لكونه «فعليانا» أو «افعيالا» ، ويعتضد الاشتقاق فيه بعدم النظير للوزنين ووجوده «لافعلان» كاسحمان - لجبل - ، واربيان - لنوع من السمك معروف بالرّوبيان -.
(و) لذلك كان أيضا(خنفقيق) - بمعجمة ونون وفاء وقافين بينهما الياء ، للداهية ، والناقة السريعة - «فنعليلا» - بفتح الفاء وسكون النون وفتح العين وكسر اللّام الاولى بعدها الياء الساكنة - ، لأنه مشتق - بزيادة قاف وياء - للالحاق بحلتيت - ونون ، لتكثير الحروف والمبالغة ، وفتح أوّله بعد زيادتها تخفيفا ، (من : خفق) - بالفتح - يخفق - بالكسر - خفقا وخفقانا - إذا اضطرب - لما في الداهية من الاضطراب لمن وقع فيها ، وفي تلك الناقة من الاضطراب في السير ، فقدم ذلك على ندور النظير للوزن المذكور ، ورجحان الاصالة في النون الثانية الساكنة بالاستقراء المقتضي لكونه «فعلليلا» كسلسبيلا من المزيد الخماسي على قول الأكثر.
(و) كتقديمه كان أيضا(عفرني) - للأسد الشديد القوى - «فعلني» - بفتح الفاء والعين وسكون اللّام وزيادة النون والألف - للالحاق بسفرجل ؛ لا للتأنيث بدليل الانصراف ، (من : العفر) - بمهملتين بينهما الفاء الساكنة - بمعنى : التمريغ في العفر - بالتحريك - وهو التراب ، لأنه لشدّته يعفر فريسته ، فقدم الاشتقاق على عدم النظير «لفعلني» المقتضي للحكم باصالة النون على ان يكون على «فعلّي» - بتشديد اللّام - كحبركي - للقراد.
وجميع ما ذكر إلى ههنا فيما يرجع إلى اشتقاق محقق واحد ؛ وقد يرجع إلى اثنين
فصاعدا مع التساوي أو رجحان البعض ، (فان رجع إلى اشتقاقين) مثلا(واضحين) متساويين من غير ترجيح (كأرطي) - لشجر من أشجار الرمل يأكله البعير ، ويدبغ به - ، (وأولق) - بالقاف - للجنون ، (حيث يقال :) فيما على زنة اسم الفاعل من الأوّل (بعير آرط) - بالهمزة الممدودة في أوّله ، أي آكل للأرطي - ، (وراط) بذلك المعنى ، أصله الراطي فاعلّ اعلال قاض ، (و) فيما على زنة اسم المفعول منه (أديم) - أي جلد - (مأروط) - مدبوغ به - ، (ومرطيّ) - بتشديد الياء - كمرميّ ، بذلك المعنى ، (و) يقال : في الثاني (مألوق) - بجعل الهمزة فاء على زنة مفعول ، (ومولوق) - بالواو موقع الهمزة - بذلك الوزن والمعنى ، (جاز الأمران) ، فان اعتبرت الأوّل ممّا ورد في كل من اسمي الفاعل والمفعول في : الأرطى فالوزن «فعلى» بفتح الفاء - على ان يكون الهمزة أصليّة ، لوقوعها في أوّل اسم الفاعل وبعد الميم من اسم المفعول ، والألف مزيدة للالحاق بجعفر لا للتأنيث بدليل لحوق التاء ، كما في قوله : في ذئب :
لمّا رأى أن لا دعه ولا شبع
مال إلى أرطاة حقف فاضطجع
والدعة : العيش ، والحقف : المعوّج من الرمل ، وان اعتبرت الثاني : فالوزن «افعل» كاحمر ، على اصالة الألف وانقلابها عن ياء أصليّة وزيادة الهمزة في أوّله ، لوقوع الراء في موقع الفاء في اسمي الفاعل والمفعول.
وان اعتبرت الأوّل : ممّا ورد في : اولق فوزنه «فوعل» كجوهر باصالة الهمزة وزيادة الواو ، لوقوع الهمزة موقع الفاء في اسم المفعول ، وان اعتبرت الثاني : فوزنه «أفعل» كاحمر ، لوقوع الواو موقع الفاء فهي أصليّة والهمزة زائدة.
(وكحسّان) - بتشديد السّين - ، (وحمار قبّان) - بفتح القاف وتشديد الموحدة - لدويبة يضرب المثل في الهزال - ، من الأسماء المركبة ، (حيث صرف) كل منهما(ومنع) من الصرف ، فانّه يجوز كونهما من : الحس - بتشديد السّين - بمعنى الإدراك ، والقبب - محرّكة بموحدتين - بمعنى : ضمر البطن ودقة الخاصرة ، فوزنهما «فعلان».
ويبني عليه منعهما من الصرف للألف والنون المزيدتين والعلمية ، بناء على ان : حمار قبّان علم للجنس كأسامة على ما في شرح المفصل ؛ وحسّان علم شخص ، وينصرفان إذا نكرّا.
ويجوز كونهما من : الحسن - بالنون - بمعنى الجمال ، والقبن - بالنون أيضا - بمعنى :الذهاب في الأرض ، فهما على «فعّال» بتشديد العين - من صيغ المبالغة ، فيلزم صرفهما في العلمية والتنكير كليهما.
وقد يناقش في جعلهما من الاشتقاق الواضح بأنّ «فعلان» في الأسماء أكثر من «فعّال» فيترجح ؛ والتحقيق في : حمار قبّان انّه لو كان «فعلان» لالتزم منعه من الصرف في العلميّة ، كما في : شهر رمضان ، وابن داية - للغراب - وغيرهما من الاعلام الّتي يكون في جزئها الثاني سبب منع الصرف ؛ ولو كان على «فعّال» جاز فيه الصرف - مخفوضا - بالاضافة مع اعراب حمار على حسب العوامل ، والمنع من الصرف مع بناء حمار على الفتح ، كما جاز الوجهان في : حضرموت ، ونحوه من الأسماء المركبة الّتي ليس لجزئها الثاني سبب لمنع الصرف ، على ما نص عليه بعض الأئمّة.
وقد يدّعي : انّ المسموع فيه وفي حسّان - علمين - التزام المنع من الصرف ، وعلى هذا يترجح الاشتقاق الأوّل ، ولعلّه غير ثابت عند المصنف فلذلك أوردهما مثالين للواضح.
(وإلّا) أي وان لم يكن اشتقاقان واضحين متساويين بل ترجح أحدهما ، أو كان اشتقاق واحد بعينه غير واضح وعارضه من وجوه معرفة الزائد وجه آخر واضح.
(فالأكثر) عندهم (الترجيح) للراجح ، والعمل بما يقتضيه لرجحانه ، وذلك (كملأك) - بفتح الميم وسكون اللّام وفتح الهمزة - واتفقوا على انّه أصل الملك - للجمع على ملائكة وملائك - فنقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها وحذفت تخفيفا ، لكثرة الاستعمال ، واعيدت ردّا إلى أصله ، وقد ورد ثبوتها في المفرد أيضا كقوله :
فلست لانسيّ ولكن لملأك
تنزّل من جوّ السّماء يصوب (1)
وهو يحتمل وجوها من الاشتقاق ، ذهب إلى كل منها بعضهم ، والتفصيل : انّه (قيل :) والقائل الكسائي هو «مفعل» - بتقديم العين - لقلبها إلى موضع الفاء ، ترجيحا لاشتقاقه (من : الألوكة) - بتقديم الهمزة على اللّام - وهي : الرسالة ، لما فيه من المناسبة لكونه مرسلا من الله تعالى ، كما قال : (جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً)(2).
(وقال ابن كيسان) : القلب بعيد ؛ وهذا البناء بدون القلب لم يثبت بمعنى الرسالة ، ولم يوجد في كلام من يوثق به ، فهو «فعأل» - بفتح الهمزة - على اصالة الميم وزيادة الهمزة ، (من : الملك) - بكسر الميم - ، لأنّه مالك الامور الّتي جعلها الله تعالى إليه ، أو من : الملك - بالضم - بمعنى السلطنة ، فكأنه أثبت له سلطنة على ما جعله الله موكلا عليه.
وضعّف بقلّة النظير «لفعأل» ، والقلب أكثر منه مع ما في الاعتبار الّذي اعتبره من اعتبار الملك له من البعد.
(وقال أبو عبيدة) : هو «مفعل» - بزيادة الميم وتقديم الفاء - من غير قلب ، استبعادا له على انّه (من : لأك) - بتقديم اللّام على الهمزة - (إذا أرسل) ، لأنه موضع الارسال ، أو هو بمعنى المفعول لكونه مرسلا من الله تعالى ، وقد يقال : ان ما ذكره أقرب الوجوه لو ثبت الأصل الّذي ذكره بذلك المعنى لكنّه لم يثبت كما مرّ ، لعل الترجيح لمذهب الكسائي.
(وموسى) - للآلة الّتي يحلق بها الشعر من الحديد - مؤنثة سماعا من غير خلاف
إلّا من : عبد الله بن سعيد الأموي ، ويحتمل الاشتقاقين رجح كلّا منهما قوم : فقال البصريون : الميم فيه زائدة والألف منقلبة عن ياء أصليّة وهو «مفعل» على صورة اسم المفعول ، فهو منصرف عند التنكير ، وممنوع من الصرف عند العلمية كعقرب ، واشتقاقها(من : أوسيت) الشعر(أي حلقت) ، وهذا اشتقاق ظاهر ، وجوّز السيرافي : كونه من : اسوت الجرح - أي اصلحته - فالواو مبدلة عن الهمزة ، والألف في آخرها مبدلة عن الواو ، فلعلّه زعم انّ المزيد فيه من باب الأفعال فيه جاء بمعنى : أصله المجرّد ، وهذا الاسم سواء جعل واويّا أو يائيّا كأنه وضع لتلك الآلة من غير اعتبار مقتضي اشتقاق الصفة كمنصل - للسيف - ، ويحتمل ان يكون أصله : الموسى به فخفف بالحذف والايصال وصار بالغلبة اسما لتلك الآلة.
(وقال الكوفيون) : هو «فعلى» كحبلى - بزيادة ألف التأنيث واصالة البواقي - فهو ممنوع من الصرف ولو في حال التنكير ، لعدم انصراف ما فيه ألف التأنيث على حال ، وشذ - دنيا - بالتنوين ، وقالوا هو (من : ماس) - إذا تبختر - لأن المزيّن يتبختر ، وهذا اشتقاق بعيد مع انّ المسموع عند التنكير هو الانصارف ، وبذلك يترجح قول البصريين.
وامّا موسى - اسم رجل - من غير نقل عن موسى الحديد فهو أعجمي محمول على «مفعل» عند أبي عمرو ، لأنه ينصرف في كلامهم بعد التنكير ، ولو كان «فعلى» كما زعمه الكسائي لم يكن كذلك إلّا ان يجعل ألفه للالحاق بجخدب دون التأنيث ، ومنعه من الصرف - علما ؛ للعجمة والعلمية - كما في قول أبي عمرو ، فان ثبت كون «مفعل» أكثر من «فعلى» فالحمل عليه أولى للأكثريّة لكنّه في محل المنع كما ذكره نجم الأئمّة رضي ، والأمر فيه هين. (1)
1) أي والأمر في الخلاف هين ، لعدم ظهور ثمرة يعتد بها للخلاف بعد جعل الألف في فعلى للالحاق كما لا يخفى.
(و) كذلك (إنسان) اختلف فيه : فقال البصريون : هو «فعلان» مشتق (من : الانس) ، لأنه يأنس ، بخلاف الوحش ، فالهمزة أصليّة ولامه السين ؛ ويؤيّده مجيء : إنس وانسيّ كروم وروميّ بمعناه ؛ كما قال الله تعالى : (لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ)(1)، وقال الشاعر :
فلست لانسيّ ولكن لملأك (2)
البيت ، ومجيء الاناس في جمعه ، كما قال :
انّ المنايا يطّلعن على الإناس الآمنينا (3)
(وقيل) : هو من : الايناس مصدر آنس - بالمد - كأكرم - إذا أبصر - لأنه يبصر ؛ بخلاف الجن لاجتنانه - أي استتاره - ، وقيل : والقائل قوم من الكوفين : هو «افعان» على انّ الهمزة زائدة واللّام محذوفة ؛ وأصله : انسيان - بالياء بعد السّين - على «افعلان» كاضحيان ، وهو مشتق (من : نسي) على ما نقل عن ابن عباس : انّه سمّي انسانا ، لأنه عهد إليه فنسى ، يشير إلى قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)(4)، وعليه جرى أبو تمام في قوله :
لا تنسين تلك العهود فإنّما
سمّيت إنسانا لأنّك ناس (5)
وزعموا مساعدة بعض التصاريف له ؛ (لمجيء : انيسيان) في تصغيره ، بالياء بعد السين ، إذ زيادتها فيه على ما يلزم من قول البصريين خلاف القياس ، فالمناسب اعتبار كونها جزء محذوفا من المكبر معادا في التصغير للرد إلى الأصل ، وردّ هذا
القول : بعدم مناسبته لما ورد من نحو : انس ، واناس ، وانسيّ ؛ والتزام كون الأخير «افعيلا» - بكسر الهمزة - من النسيان كابريق ، واكليل تعسف جدّا ، وبما فيه من التزام حذف الياء الّتي هي اللّام في المكبر من غير سبب موجب ، وحذفها مع اصالتها وابقاء الزوائد في ما ورد من تكسيره على : أناسين ؛ كما قال :
أهلا بأهل وبيتا مثل بيتكم
وبالأناسين أبدال الأناسين (1)
فان ألف الجمع لا يقع بعدها ثلاثة أحرف إلّا وأوسطها مدّة زائدة ؛ فالياء الموجودة فيه هي تلك المدّة ؛ كمصابيح ، وسلاطين ، وكذا يلزم ذلك (2)في : اناسيّ - بالياء المشدّدة - ان كان أصله : اناسين ؛ فابدلت النون ياء كما يقال ، خلافا لمن جعله جمع انسيّ - بالتشديد - فتأمّل ، ولا شك ان التزام زيادة على خلاف القياس في التصغير - كما في لييلية في تصغير ليلة على ما قيل - أهون من التزام ما ذكر مع عدم سلامة ذلك التصغير عن الشذوذ على قولهم أيضا ؛ لاعادة الياء مع عدم الحاجة ؛ لامكان بناء التصغير بدونها.
والرواية عن ابن عباس غير محقّقة ، وأبو تمام من المحدثين الّذين لا يحتج بشعرهم في اللّغة.
(وتربوت «فعلوت») - بفتح الفاء والعين وضمّ اللّام وزيادة التاء في الآخر - ، (من : التراب عند سيبويه ، لأنّه الذلول) من الإبل ، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث ؛ فيناسبه التراب المناسب للذل والمسكنة ؛ ومنه : المتربة - للفقر - ، ولم يجعله (3)
1) لم أعثر على قائل هذا البيت. الابدال : جمع البدل بمعنى العوض ، وكأنّه أراد ان يسلّي جماعة غرباء وفدوا إلى قوام أحسنوا إليهم وعاشروهم بالمعروف ، أي وجدتم وأتيتم أهلا بدل أهلكم ومنزلا بدل منزلكم وعوضكم الله باناسين أعواض الاناسين الّذين فارقتموهم من عشيرتكم.
2) أي الحذف مع الاصالة وابقاء الزوائد.
3) أي لم يجعل السيبويه تربوت الخ. أو لم يجعل المصنف تربوت الخ على عكس ما ذهب إليه سيبويه. وهذا هو الظاهر.
«تفعولا» مشتقا من : ربّت فلان الصّبي - بالتاء الأصليّة في آخره - على صيغة ماضي التفعيل - إذا ربّاه - على ان يكون التاء الأخيرة أصليّة والاولى زائدة ؛ على عكس ما ذهب إليه ، مع المناسبة في الحروف والمعنى ؛ فانّه انّما يصير ذلولا بالتربية ، لقلّته وكثرة «فعلوت» بزيادة التاء في الآخر بعد الواو - للمبالغة كجبروت ، وملكوت ، وقولهم : رهبوت خير من رحموت - أي الكون مرهوبا خير من الكون مرحوما - وغير ذلك ، فرجّح سيبويه الاشتقاق الأوّل ؛ لرجحانه بكثرة النظير.
وامّا جعله «فعلوتا» من : الدّربة - بالدال - بمعنى العادة ، على ان تكون التاء في أوّله مبدلة عن الدال فبعيد ، لبعد هذا الإبدال خصوصا مع الاستغناء عنه بالوجه الظاهر الّذي ذكره مع اعتضاده باصالة عدم الإبدال.
(وقال) سيبويه : (في سبروت) - بالسّين والرّاء المهملتين بينهما الموحدة في آخره التاء ؛ للشيء القليل ، والقفر من الأرض ، والمسكين من الرجال - وبمعناه : السّبريت ، والسّبرات ؛ والجمع : سباريت ؛ والاثنى : سبروتة - بالتاء - ، هو «فعلول» - بضمّ الفاء واللّام وسكون العين ، على ان اصوله حروف سبرت على أحد أوزان (1)، وهو مشتق منه بزيادة الواو وان كان ذلك الأصل مهجورا ، فهو من المزيد الرّباعي كعصفور ، (وقيل) : هو مشتق (من السّبر) بمعنى الامتحان والاختبار ووزنه «فعلوت» على انّه من المزيد الثلاثي ؛ والتاء زائدة ؛ على ما يناسبه ما ورد على ندرة من جمعه على : السّباري ، ويمكن اعتبار ذلك في المعاني المذكورة بضرب من التكلف ؛ فانّ المسكين كأنه ممتحن من الله تعالى ، والقفر من الأرض من شأنها ان يختبرها الدليل الحاذق بالشم ليعرفها على ما هو عادتهم ، ومنه : المسافة لأنها تستاف - أي تشم - لتعرّف ، والشيء القليل : كأنه ممّا يمتحن به الانسان ، لكن المشهور ان من جعل سبروتا من : السّبر قال : انّه بمعنى الدليل الحاذق في اختبار الطرق ؛ وهذا المعنى غير مذكور في تفسيره في شيء من الكتب المعتبرة ؛ وبعد تسليم وروده يمكن كونه مشتقا من :
1) هكذا وجدناه في نسخ الّتي بأيدينا ، ولكن الظاهر : على أحد أوزان الرّباعي.
سبروت بمعنى القفر من الأرض ، لملابسة الدليل لها ؛ بناء على ان يعتبر المخالفة التقديريّة للأصل ، كما في فلك ونحوه على ما قيل ، مع احتمال كونه منقولا منه.
ولعل سيبويه رجّح ما صار إليه لكثرة «فعلول» - باللّام - ، كعصفور ، وغضروف ، وندرة «فعلوت» بزيادة التاء ، ففيه ترجيح ندرة النظير على الاشتقاق على ما قيل ، فتأمّل.
(وقال) سيبويه أيضا : (في تنبالة) - بالفوقانية والنون والموحدة - للقصير ، انّه «فعلالة» - بكسر الفاء وسكون العين - على ان اصوله حروف : تنبل على أحد أوزان الرّباعي ؛ وان كان هذا الأصل مهجورا ، فهو مشتق منه بزيادة الألف مع الحاق التاء في آخره ، فهو من المزيد الرّباعي.
(وقيل) : انّه «تفعالة» مشتق (من النّبل) بالتحريك ، وهو من الاضداد ، لأنه يقال : لعظام الحجارة وصغارها ، لكن تنبالة منه بمعنى (الصغار ؛ لأنه القصير) كما قلنا ، فيناسبه الصغر ، وعدل عنه سيبويه لندور «تفعالة» وبعد الاشتقاق عنده ؛ فرجّح ندرة النظير على الاشتقاق البعيد.
(وسرّيّة) - بضمّ السّين وكسر الرّاء المشدّدة ، للأمة الّتي يهيأ لها بيت ؛ وتتخذ للوطى - وقال قوم : هي من المضاعف ، ثمّ قال الأخفش : منهم انّها من : السرور ؛ لسرور المولى بها ، وأصلها : سرّورة - بتشديد الراء الاولى - على «فعّولة» بضمّ الفاء - فابدلت الراء الأخيرة بعد الواو ياء ؛ ثمّ قلبوا الواو أيضا ياء وادغموا ، وكسر ما قبلها فصارت على «فعّلية».
و (قيل) : والقائل جماعة منهم ؛ هي (من السّرّ) - بكسر السّين وتشديد الرّاء - بمعنى الجماع ، أو الخفية ؛ لأنّها تخفى عن الحرّة ، ثمّ ان بعض هؤلاء يجعل أصلها : سرّورة ؛ والزنة والاعلال كما في قول الأخفش ، وبعضهم يجعل الياء المشدّدة فيها للنسبة ، وضم أوّلها على خلاف القياس كالضم في : سهليّ ودهريّ ؛ في النسبة إلى : سهل - بالفتح - لضد الجبل ؛ والدّهر كما مرّ ، فوزنها «فعليّة» - بضمّ الفاء وسكون
العين -.
(وقيل) : انّها من الناقص مأخوذة(من السّراة) - بفتح السّين وتخفيف الرّاء - واحدة السروات ، وهي : من كل شيء ظهره ووسطه واعلاه ؛ لأنها تركب سراتها - أي تجامع - كذا قيل ، وقيل : انّها من السّراوة - بالواو - وهي : الكون شريفا مختارا ؛ لكونها مختارة من الإماء ، ويقال : رجل سريّ ، وقوم سراة ، وقد يحمل عليه كلام المصنف ، وهي على هذين على «فعّيلة» بضمّ الفاء وتشديد العين ، وإحدى الرائين مع إحدى اليائين فيها المزيدتان ؛ والياء الاخرى منقلبة عن الواو ؛ إذ الأصل بعد زيادة الراء والياء سرّيوة - بتشديد الرّاء - ، خلافا لمن زعم ان ألف السراة - بمعنى الظهر - منقلبة عن الياء ، وقد يرجح كونها مضاعفة منسوبة إلى السّر بقلّة التغيير ؛ ولكثرة «فعّلية» كحرّيّة ، وقلّة «فعّولة» ، وندرة «فعّيلة» بل عدمها ، وقولهم : «تسرّرت» الامة - برائين - أي اتخذتها سرّيّة ؛ يناسب المضاعف ، وامّا التّسري فلعلّه من قلب لام المضاعف ياء ؛ كالتّقضّي والتّظني ، في : التقضض والتّظنّن.
(ومئونة) - بفتح الميم - (قيل : من مان يمون) من الأجوف ؛ كصان يصون ، يقال : مانه كصانه - إذا تحمل مؤنته - فوزنها «فعولة» ، وأصلها : موونة - بواوين - قلب الاولى همزة ؛ لتوسطها وانضمامها ؛ كما في : أدور جمع الدار ، وان كانت من : مأنه يمأنه كمنعه يمنعه من المهموز بذلك المعنى فالهمزة أصليّة من غير قلب.
(وقيل) : هي (من الأون) بمعنى : الثقل ؛ أو بمعنى العدل - بكسر الأوّل - لأحد شطري الوقر كما في الصحاح ، وهو أيضا يناسب الثقل ؛ لثقله على الحيوان الّذي يحمله ، واشتق منه ؛ لأنها ثقيل على الانسان المتحمل لها ، فأصلها : مأونة - بضمّ الواو - فنقلت ضمّتها إلى الهمزة الساكنة ، ووزنها «مفعلة» - بزيادة الميم -.
(وقال الفرّاء) : هي (من : الأين) - بالياء - بمعنى التعب والشدّة ؛ لما فيها من التعب ، وأصلها : مأينة - بضمّ الياء - فنقلت ضمّتها إلى الهمزة الساكنة وقلبت واوا ، ووزنها «مفعلة» أيضا ، وهذا على أصله في الياء الساكنة المضموم ما قبلها إذا وقعت
عينا من قلبها واوا ، خلافا لمن ذهب إلى انّها تبقى ويكسر ما قبلها ، ورجّح كونها «فعولة» من : مان ؛ بأن مناسبتها لمأخذ اشتقاقها بالمباشرة ، بخلاف الثقل والتعب ، فان مناسبتها لهما لاقترانها بهما ، وهو في الغالب - ولو سلم دوامه - فلا شك انّ المباشرة أدخل في الاشتقاق مع ما في قول الفرّاء من كثرة التغيير.
(وأمّا منجنيق) فهي مؤنثة - سماعا - في الأكثر ؛ وقد يذكّر ، وقد يكسر ميمه ، وقالوا : انّها أعجمية معرّبة ، لعدم اجتماع الجيم والقاف في كلمة من كلامهم على ما يقال إلّا مع التعريب ؛ كالجوالق - للوعاء المعروف - ؛ والجلاهق - للحائك - ، والجردقة - للرغيفة - معرّب كردة ، أو حكاية الصوت كجلنبلق في : صوت باب ضخم عند فتحه وردّه - جلن علي حدة ، وبلق علي حدة ، وأصلها في الفارسية : «من چه نيك» أي ما أجودني ؛ كأنها لعظيم نفعها وجودتها تتعجّب من نفسها ؛ وتقول ذلك بلسان الحال ، فسمّوها به للأشعار بذلك.
ثمّ انّ الأكثر على اعتبار الزنة والأصلي والزائد ونحو ذلك في الألفاظ المعرّبة ، لتصرّف العرب فيها تكسيرا وتصغيرا ونحو ذلك ممّا يناسب موضوعاتهم ؛ فنزلت منزلتها ، ويعتبر في ذلك التطبيق على القياس في لغة العرب الالداع ، ولذلك لم يقولوا : في منجنيق انّها على «منعنيل» - بميم ونونين - و «مفعليل» - بلامين والفاء بعد الميم - لتأدية الأوّل إلى انحصار الأصلي منها في حرفين ؛ والخلوّ عن الفاء ، والثاني : إلى زيادة الميم مع أربعة اصول في غير الصفة الجارية على الفعل ؛ كمدحرج ، فيخالف القياس بلا داع ، بل يعتد فيها بما يقاس ؛ أو يشمل على داع إلى ارتكاب ما يخالف القياس.
(فإن اعتدّ) فيها(بجنقونا) - أي رمونا بالمنجنيق - ، وما ورد من تصاريفه كقولهم : نجنق مرّة ونرشق اخرى» (1)؛ وجنّقوا تجنيقا ، «فمنفعيل» أي فهي ذلك
1) هذا من كلام اعرابي وقد سئل : كيف كانت حروبكم؟ فقال ... نجنق : نرمي بالمجانيق ، ونرشق : نرمي بالسهام.
في الوزن ، كما يحكي عن بعض القدماء ، فهي من المزيد الثلاثي بزيادة الميم والنون الاولى والياء ؛ لعدمها في أصلها وهو جنق ؛ وزيادة حرفين في الأوّل وان كان خلاف القياس إلّا في الصفة الجارية على الفعل كمنطلق ؛ لكن مراعاة ذلك الأصل من الداعية إلى ارتكابه ، (وإلّا) يعتدّ بجنقونا ؛ لعدم صلاحيته للاعتداد به في مخالفة القياس ؛ لكونه شاذا في كلام الفصحاء مولّدا غير أصيل على ما ذكره الفرّاء ، (فان اعتدّ بمجانيق) في التكسير ، ومجينيق في التصغير ؛ على ما ورد في لغة عامّة العرب ، «ففنعليل» - بلامين والنون بعد الفاء - هو الزنة ، كما اختاره سيبويه على ان تكون النون الاولى زائدة ؛ لحذفها في الجمع والتصغير ؛ والميم أصليّة لئلّا يجتمع زيادتان في الأوّل في غير الجاري على الفعل ، ووزن الجمع : «فعاليل» والتصغير : «فعيليل» ، والفعل منه : مجنق - بالميم - كدحرج في أوّله ؛ على ما قال بعض اللّغويين ، ولم يحكم على النون الثانية أيضا بالزيادة ؛ لعدم النظير «لفنعنيل» - بنونين - ، فهي من المزيد الرّباعي - بزيادة النون بعد الفاء - كعنتريس - للناقة الشديدة الصلبة - من : العترسة - بالمهملات والفوقانية قبل الرّاء - بمعنى الأخذ بالشدّة ، فينطبق على ما يقاس.
(وإلّا) يعتدّ بمجانيق ومجينيق ؛ كما لا يعتد بجنقونا بأن يفرض ذلك ليعرف هل ينطبق على شيء من أوزانهم على ذلك الفرض أم لا؟ (فان اعتدّ ب - سلسبيل) وبني الكلام (على) مختار(الأكثر) من كونه من المزيد الخماسي على «فعلليل» - بثلاث لا مات - «ففعلليل» هو الزنة لمنجنيق ، على ان يكون من المزيد الخماسي على «فعلليل» ؛ إذ المفروض وجود هذه الزنة وعدم الاعتداد بما يدل من التصرفات على زيادة غير الياء من الحروف ؛ ولا دليل آخر على زيادة غير ذلك فيرجع إلى اصالة عدم الزيادة.
(وإلّا) يعتد بمختار الأكثر في : سلسبيل كما لا يعتد بجنق والجمع والتصغير ؛ وحكم بعدم وجود «فعلليل» في كلامهم ؛ لعدم الاعتناء بما ندر منه «ففعلنيل»
والوجه قول سيبويه ؛ لضعف الاعتداد بجنقونا كما مرّ ، وكون الأخيرين احتمالين ذكرا على فرض عدم الاعتداد بشيء من تصرفاتها للتمرين ؛ وإلّا فعدم الاعتداد بشيء من تصاريف اللفظ خارج عن قانون اللّغة.
(ومجانيق) في الجمع وزنه المناسب له «فعاليل» - بلامين - فيما اختاره سيبويه كما مرّ ، وهو ظاهر فلذلك أعرض عنه ، ومع ذلك (يحتمل الثلاثة) الاخر (2)أيضا ؛ لأنّه ان قطع النظير عمّا يناسبه مختار سيبويه فامّا : ان يعتد بجنقونا فيكون «مفاعيل» في الوزن ؛ لكون الميم زائدة ، أو لا يعتدّ به وحينئذ فامّا : ان يعتد بمختار الأكثر في : سلسبيل فيكون «فلاليل» - بثلاث لامات مع حذف العين ؛ لأنه حينئذ جمع للخماسي مع حذف نونه الاولى الّتي هي العين ، أو لا يعتد به فيكون «فلانيل» - بفاء ولامين ونون بعد الألف - لأنّه حينئذ من المزيد الرباعي ، ونونه الثانية مزيدة كالمدّة والبواقي اصول ؛ وقد حذفت النون الاولى الّتي هي العين.
(ومنجنون) - للدولاب الّتي تسقي عليها - مؤنثة أيضا - سماعا - كمنجنيق ، وهي (مثله) ، وتذكير الضمير المجرور بتأويل المذكور ونحوه ، أو للاشارة إلى ورود
1) وهي : «منفعيل ، فنعليل ، فعلليل ، فعلنيل» والوجوه العقلية المحتملة سبعة.
(انظر شرح رضي / ج 2 / ص 352).
2) وهي : «فعاليل ، أو فلاليل ، أو فلانيل» وقوله : فيكون مفاعيل في الوزن لكون الميم زائدة ؛ لا يدخل في شرح هذه العبارة من كلام المصنف ولكنّه تتمة الفروض في هذه الكلمة.
التذكير فيه كما مرّ ، وانّما حكم بتماثلهما(لمجيء منجنين) لغة فيها ، وهي لا يمتاز عنها إلّا بالياء موقع الواو فيرجعان إلى أصل واحد ، ولا شبهة في كون منجنين كمنجنيق ؛ فهي أيضا مثلها فيما ذكر من الوجوه (إلّا في «منفعيل») وهو الوجه الأوّل المبني على الاعتداد بجنقونا ؛ لعدم ورود ما يدل على اصالة الجيم والنونين الأخيرتين ههنا حتّى يتحمّل لأجله زيادة الحرفين في الأوّل مع عدم الجريان على الفعل ، فان اعتبر أنها (1)تجمع على : مجانين بدون النون الاولى ؛ فهي زائدة ؛ لعدمها في هذا الجمع والميم أصليّة ؛ لئلّا يقع زيادتان في أوّل ما ليس بجار على الفعل ؛ فوزنهما (2)«فنعليل ، وفنعلول» ؛ وزنة الجمع «فعاليل» ، وان لم يعتبر ذلك الجمع لكونه خلاف ما ورد عن عامّة العرب من جمعهما على - مناجين - بالنون بعد الميم ؛ فان اعتدّ ب - سلسبيل على الأكثر فوزنهما «فعلليل» و «فعللول» بثلاث لامات ، وإلّا فهما «فعلنيل» و «فعلنول» كما مرّ في منجنيق ؛ ومناجين على «فعاليل» كما لا يخفى.
وليعلم : انّ الخماسي اللّازم ههنا (3)على الاعتداد بالأكثر في : سلسبيل انّما هو على وجه الالحاق وليس باصالة الحروف الخمسة ؛ لعدم تضعيف أصليين مع ثلاثة اصول ؛ فلا بدّ من اعتبار كون إحدى النونين الأخيرتين مزيدة للالحاق ، بخلاف - منجنيق - لعدم التضعيف فيها.
ولما كان «فعلليل» من المزيد الخماسي والملحق به في معرض الشك ؛ للخلاف فيه تطرق الشك في الحاق منجنيق به ويتبعها في ذلك منجنون ؛ لأنها مثلها كما مرّ.
(ولو لا منجنين لكان) منجنون ملحقا ؛ بتكرير النون - بالخماسي المزيد قطعا
فكان «فعللولا» (كعضرفوط) من الخماسي المزيد - المذكّر من العظاية - لكثرة «فعللول» والقطع بوجوده ؛ وعدم ما يورث ضعفه ، بخلاف الوجهين الأخيرين ؛ لضعف اعتبار - مجانين - مع كونه خلاف المسموع ؛ وعدم النظير «لفعلنول» - بالنون بعد اللّام الاولى.
(وخندريس (1)كمنجنين) في ما يمكن كونه مثله فيه وهو «فعلليل» بثلاث لا مات - و «فنعليل» بالنون بعد الفاء - دون «فعلنيل» - بالنون بعد اللّام الاولى - لعدم نون في موقعها في - خندريس -.
والكلام إلى ههنا كان فيما يوجد فيه الاشتقاق المحقق. (2)
(فان فقد) الاشتقاق فيعرف الحرف الزائد بخروج الكلمة عن الاصول على تقدير اصالته ، وذلك هو عدم النظير ، والمراد بالاصول : الأوزان المعتبرة المشهورة سواء كانت للمجرّد أم للمزيد فيه ، والخروج عنها على ثلاثة أوجه :
الأوّل : أن يخرج الكلمة على تقدير أصالة حرف بحسب الزنة الّتي لوحظت الكلمة عليها من الوزن المعتبر المناسب لذلك التقدير.
والثاني : ان تخرج على تقدير اصالته بحسب الزنة الاخرى الواردة فيها في اللّغة عن الاصول.
والثالث : ان تخرج عنها على تقدير اصالة ذلك الحرف وزيادته معا.
والتفصيل : انّ الاشتقاق ان فقد في الكلمة :
1 - (فبخروجها) أي فيعرف الزائد بخروجها على تقدير اصالته (عن الاصول) ،
وهذا هو الوجه الأوّل من الثلاثة ، وذلك (كتاء - تتفل) - بفوقانيتين والفاء - لولد الثعلب - ، (و) تاء(ترتب) - بفوقانيتين بينهما المهملة وفي آخره الموحدة - للشيء الثابت - على تقدير كونهما بسكون الحرف الثاني مع ضمّ الأوّل وفتح الثالث أو بالعكس ، والمراد بالتاء الاولى منهما ؛ فانّها لو كانت أصليّة مع اصالة باقي الحروف كانا من الرّباعي المجرّد مع خروجهما عن اصوله المعتبرة على التقديرين ؛ بناء على عدم اعتبار نحو : جخدب فيه ، وان قدرت اصالتها مع زيادة شيء فيهما يصلح للزيادة بأن يكون من حروف «سألتمونيها» كالتاء الثانية منهما واللّام في : تتفل كانا من الثلاثي المزيد مع الخروج عن اصوله على ما يظهر بالتأمّل في الموازنة والتصفح للاصول ، فحكم بزيادتها فيهما على انّهما على «تفعل» كهيئة المضارع المعلوم المضموم العين والمجهول.
وقد نوقش في ايراد الثاني فيما فقد فيه الاشتقاق ؛ لاشتقاقه من : رتب الشيء رتوبا - إذا ثبت - ، وامّا كون تتفل من : التّفل على زنة كتف - للوسخ المتغير الرائحة - لوساخة ولد الثعلب ، أو من : التّفل لرمي البصاق ؛ لصغره ولينه ؛ فبعيد ، بل لعلّ غايته شبه الاشتقاق كذا قيل ؛ فتأمّل.
(و) مثل (نون كنتأل) - بضمّ الكاف ، على ما في الصحاح ؛ وسكون النون وفتح الفوقانية وسكون الهمزة - للقصير - ، (و) نون (كنهبل) - بفتح الكاف والنون وسكون الهاء وضمّ الموحدة - لنوع من الشجرة - ؛ فانّها لو كانت أصليّة فيهما مع أصالة باقي الحروف كانا خماسيين مجردين مع الخروج عن اصوله ، فان فرضت أصالتها مع زيادة شيء يصلح للزيادة كانا من المزيد من غيره مع الخروج عن الأوزان المعتبرة في المزيد بالاستقراء.
وقد يقال : انّ الأمثلة الأربعة خارجة عن الاصول المعتبرة في الاسم على تقديري أصالة التاء والنون وزيادتهما كما يظهر بالتدبّر ؛ فهي من الوجه الثالث ، فكأنه تسامح في إيرادها في الوجه الأوّل ؛ بناء على اعتبار الخروج على تقدير الأصالة مع قطع
النظر عن الحال على تقدير الزيادة.
والظاهر في ترتب ، وتتفل : ان يكونا منقولين من المضارع ، فتأمّل (1).
ثمّ ان ما ذكر في النون من الأخيرين كائن (بخلاف) نون (كنهور) - للعظيم من السحاب - إذ لا يلزم من فرض اصالتها الخروج عن الاصول ؛ لكونه على هيئة - سفرجل - وما يلحق به ؛ ولذلك زعم بعض اللّغويين أصالتها.
(و) مثل : (نون خنفساء) - بضمّ الخاء وسكون النون وفتح الفاء - على لغة فيه ، (و) نون (قنفخر) - بضمّ القاف وسكون النون وفتح الفاء وسكون الخاء المعجمة ، لعظيم الجثة - ؛ فانّها لو كانت أصليّة فيهما كانا خارجين عن الاصول ؛ لعدم «فعللاء» - بفتح اللّام الاولى - و «فعللّ» - بثلاث لامات وفتح الاولى المخفّفة -.
وفي ايراد - قنفخر - فيما فقد فيه الاشتقاق تأمل ؛ لمجيء - قفاخر - بحروفه على الترتيب ومعناه ؛ كعلابط ؛ مجردا عن النون ، وهذا يدل على رجوعهما إلى أصل واحد مجرّد عنها وقد مرت له نظائر.
2 - (و) يعرف - أيضا - الزائد عند فقد الاشتقاق في الكلمة(بخروج زنة اخرى لها) غير الزنة الملحوظة عن الاصول على تقدير اصالته ؛ وان لم يخرج عنها بحسب الزنة الملحوظة ، وذلك لاتفاق المعنى والحروف والترتيب في الزنتين ؛ فلا وجه لأصالة بعض الحروف على إحدى الزنتين الواردتين فيها وزيادته على الاخرى ؛ فالزيادة المعلومة في إحديهما لئلّا يخرج عن الاصول تدل على الزيادة في الاخرى أيضا ، وهذا هو الوجه الثاني من الثلاثة ، وذلك : (كتاء - تتفل ، وترتب) (2)إذا لوحظا على لغة ضمّ الأوّل والثالث كليهما ؛ وهي لغة ثالثة فيهما ؛
1) أمر بالتأمّل لتعلم انّهما على تقدير كونهما منقولين من المضارع يعرف الزائد فيهما بالاشتقاق لا بعدم النظير.
2) والظاهر : ان متن الشافية قد سقط منه هنا في هذا الشرح أو حذف منه الشارح قصدا ، أنّه كان ظانا ان هذه الألفاظ المحذوفة ليست من المتن ، والمتن في غيره ، «مع تتفل ، وترتب» وحذف منه أيضا : مع قنفخر وخنفساء.
فانّهما ليسا بخارجين عن الاصول على تقدير اصالتها في هذه الزنة ؛ لمجيء «فعلل» كبرثن ، وقنفذ ، لكنّهما خارجان عنها على تقدير اصالتها بحسب الزنتين الاخريين المتقدمتين كما مرّ.
(و) مثل : (نون قنفخر) على لغة كونه - بكسر القاف - كقرطعب ؛ فانّه ليس بخارج عن الاصول على فرض اصالتها في هذه لكنّه خارج عنها على ذلك الفرض في الزنة الاخرى السابقة.
(و) نون (خنفساء) عند كونه بضمّ المعجمة والفاء كليهما ؛ فانّه لا يخرج عن الاصول عند فرض اصالتها في هذه الزنة ، لوجود مثله : كفرفصاء - لضرب من القعود - وبخلاف الزنة المتقدّمة كما مرّ.
وكذلك نون - كنتأل على لغة كونه كقرطعب ؛ كما ذكره بعض اللّغويين ، ونون - كنهبل - على لغة فتح الموحدة كسفرجل ، بخلاف الزنة المتقدّمة فيهما.
(و) مثل : (همزة ألنجج) - بجيمين بعد النون الكائنة بعد اللّام والهمزة ؛ لعود يتبخر به - (مع ألنجوج) - بالواو - بمعناه ؛ فانّ الهمزة فيه لو كانت أصليّة في هذه الزنة لم يخرج عن الاصول ؛ سواء كانت النون أصليّة على ان يكون كسفرجل ، أو مزيدة للالحاق كشرنبت - للغليظ - لكنّه خارج عنها على تقدير اصالتها في - النجوج - بالواو ، سواء اعتبرت اصالة النون ، أو زيادتها ، لعدم «فعلّول» - بتشديد اللّام الاولى - و «فعنلول» - بالنون بعد العين - فحكموا بزيادتها ، وحكموا أيضا بزيادة النون لغلبة زيادتها ساكنة ثالثة في الكلمة ، فوزنه : «أفنعل» مثل : ألندد ، وذكر نجم الأئمّة : انّ الواو في - النجوج - زائدة من غير تردّد ، فهو من أبنية المزيد فيه ، وعندهم : ان عدم النظير على تقديرين في المزيد فيه ليس مرجّحا ؛ فلا تعرف زيادة الهمزة فيه بعدم النظير ، بل بالغلبة ، وشبهة الاشتقاق ؛ إذ فيه ثلاث
غوالب : الهمزة ، والنون ، والتضعيف ، ويمتنع زيادة الجميع ؛ لتأديته إلى بقاء الكلمة على أصليين فقط ، فحكم بزيادة الهمزة والنون ، واصالة التضعيف ؛ لشبهة الاشتقاق من : لجّ لجاجة ، كأنه ذو لجاجة في نشر الرائحة.
3 - (فان خرجتا) - أي الزنتان الحاصلتان للكلمة في الهيئة الملحوظة على تقدير اصالة حرف وزيادته - (معا) عن الاصول (فزائد) أي فهو زائد(أيضا) ، كما في الصورتين الأخيرتين ، لكثرة الزيادة المقتضية لاعتبارها عند التردّد ، وهذا هو الوجه الثالث من الثلاثة ، وذلك : (كنون : نرجس) ، وهو اسم جنس من الأسماء الأعجمية المعرّبة الّتي تصرف فيها العرب بالتثنية ؛ والجمع ؛ والتصغير ؛ وغير ذلك ، فانّ الزنة الحاصلة على تقدير اصالة النون «فعلل» - بكسر اللّام الاولى - والحاصلة على تقدير زيادتها «نفعل» كنضرب ؛ وكلّاهما خارجان عن الاصول في الأسماء ؛ فحكم عليها بالزيادة ، ولذلك منع من الصرف عند جعله - علما - ؛ بناء على اعتبار الزيادة في أوّله كالزيادة في أوّل الفعل ، وزيادتها في هذه الزنة يدل على زيادتها فيما ورد فيه من : نرجس على هيئة زبرج ، كما في نحو : قنفخر.
وامّا حكم الأخفش باصالة النون في : جالينوس وان خرج عن الاصول على تقدير الاصالة والزيادة معا فلكونه - علما - في لغة العجم ويتسامح في الاعلام بما لا يتسامح في غيرها ، كذا قيل.
(و) مثل : نون (حنطأو) - بكسر الحاء المهملة وسكون النون وفتح الطاء المهملة وسكون الهمزة بعدها الواو ، لعظيم البطن - ، فانّها لو كانت فيه أصليّة فهو «فعللو» وان كانت زائدة كانت على «فنعلو» بالنون - وكلّاهما خارجان عن الاصول ؛ فرجح سيبويه الثاني وحكم بالزيادة ، واعتبرت زيادة الواو على التقديرين ؛ لئلّا يلزم ما ليس في لغتهم من اعتلال اللّام في الخماسي على الأوّل ؛ وفي الرباعي على الثاني ، وقد يمنع خروجه على التقديرين ، امّا على تقدير الاصالة : فلكونه كقرطعب ، وجردحل باصالة جميع حروفه ، على انّ الواو مبدلة عن حرف صحيح ؛
كما قال السيرافي ؛ لئلّا يلزم اعتلال لام الخماسي ، وفيه تكلف ، وامّا على تقدير الزيادة : فلكونه مثل : كنثأو - بالنون والمثلثة ، لعظيم اللحية - من : كثأت لحيته نبتت ، وعنزهو - بالمهملة والنون والزاي المعجمة ، لمن يكسره اللهو والنّساء ؛ أو اللئيم المظهر لعداوة صاحبه - وبمعناه : العزه ككتف ؛ وعزهاة ، وعزهى - منونا - ، فانّ الحكم بالزيادة في : حنطأو للحمل على نحو هذين ممّا علم حاله بالاشتقاق لم يكن ممّا نحن فيه ؛ لأنّ الحكم بالزيادة حينئذ ليس لخروج الزنتين عن الاصول.
وما زعمه بعضهم من انّه خارج ممّا فقد فيه الاشتقاق ؛ لكونه من : حطأت به الأرض حطأ - صرعته - بعيد ، لبعد المناسبة ؛ بل غايته شبهة الاشتقاق.
وفيه احتمال آخر ، وهو ان يكون على «فنعأل» بالهمزة الساكنة قبل اللّام - من :الحطو - بمعنى تحريك الشيء مزعزعا - كأنه لعظم بطنه يضطرب في مشيه ويتحرك إلى الجوانب ، كسندأو - للخفيف ، والجريء على الأقدام ، والعظيم الرأس - وغير ذلك من المعاني ؛ على رأي من جعله من : السّدو زاعما انّه يقال : سدا البعير ؛ من الناقص الواوي - إذا مدّ يديه - وكأنه وزن نادر جدّا ، والسندأو أيضا «فنعلو» عند جماعة ، فتأمّل.
(و) مثل : (نون جندب) - بضمّ الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة - لضرب من الجراد - ، فانّه يحكم عليها بالزيادة ؛ للخروج عن الاصول على تقديري زيادتها واصالتها ؛ لعدم «فنعل» و «فعلل» ، (إذا لم يثبت جخدب) ونحوه على «فعلل» في الاصول ، وقد يقال : انّها زائدة وان ثبت هذه الزنة ؛ للاشتقاق ؛ لمناسبته للجدب - بمعنى القحط - لصيرورته سببا له كما سمّى جرادا لأنّه يجرد وجه الأرض ، والجواب عنه : بأنّه من شبه الاشتقاق تعسف ؛ لاعتبارهم مثل هذه المناسبة في الاشتقاق المحقق على ما يظهر للمتصفح.
ثمّ ان ما ذكر من الحكم على زيادة بعض حروف الكلمة في مثل ما ذكر ثابت على كل حال (إلّا ان تشذّ الزيادة) في موضع وقوعه منها ، فانّه يحكم باصالته وان
خرجت الكلمة - باصالته - عن الاصول ، تحرزا عن اعتبار الشاذ ، وذلك : (كميم مرزنجوش) معرّب - مرده كوش - وهو دواء نافع لعسر البول ، ولسعة العقرب - ويقال : له بالعربية - السمسق - ، (دون نونها) وذلك (إذا لم تزد الميم أوّلا) أي في أوّل الكلمة الّتي ليست جارية على الفعل حالكونها(خامسة) لاصولها - أي واحدة من خمسة اصول - ، إذا جعلت أصلا أي بأن يكون بعدها أربعة اصول ؛ فان زيادتها على هذا كما هو المشهور في أوّل مرزنجوش تكون شاذّة ؛ فيحكم عليها بالاصالة ؛ لوقوع أربعة اصول بعدها فيه ، وهي حروف زرجش ؛ لعدم كونها من حروف الزيادة ، فهي مع الميم خمسة اصول ، وزيادة النون في موقعها منه ليست شاذّة ، فيحكم عليها بالزيادة كالواو ، لأنّ الاصول لا تزيد على الخمسة فهو من الخماسي ، فوزنه «فعلنلول».
وان قلنا : بجواز زيادة الميم على الوجه المذكور أمكن ان تكون زائدة وتكون النون أصليّة ، ووزنه : «مفعلّول» - بتشديد اللّام قبل الواو -.
(و) مثل : (نون برناساء) - بمعنى الناس - ؛ يقال : لا أدري أي برناساء ، واي برناساء هو ، يعني : أيّ الناس هو - فانّها لو كانت أصليّة فهو على «فعلالاء» ، وان كانت زائدة فهو على «فعنالاء» ، وهما مشتركان في الغرابة ، لكن ترجح الأوّل بشذوذ زيادتها - ثالثة - متحرّكة.
وقيل : انّها معطوفة على قوله : نونها - أي ودون نون برناساء ، فانّها محكوم عليها بالزيادة ؛ لعدم شذوذ زيادتها والوجه الأوّل.
(وأمّا : كنابيل) - بضمّ الكاف ، وهو علم لأرض باليمن فيها صلابة - ممنوع من الصرف ، (فمثل خزعبيل) - للباطل - في عدم كون الحكم باصالة شيء من اصوله منوطا بشذوذ زيادتها ، كما يوهمه شذوذ زيادة النون - ثانية - كالثالثة المتحركة في : برناساء - لثبوت اصالة اصوله بالاشتقاق المحقق من : كنبل كبرثن - أي صلب - كخزعبيل من : خزعبل بمعناه ؛ على هيئة قذعمل وان تخالفا من غير هذه الجهة ،
فان خزعبيلا خماسيّ مزيد فيه ؛ وكنابيل ليس خماسيا بل هو على «فعاليل» - بالألف - من الرباعي المزيد فيه على ما في المفصل وغيره كما ذكره بعض المحقّقين ، وعلى هذا ليس ملحقا عند المصنف - بنحو : خزعبيل ؛ لعدم زيادة الألف - حشوا - للالحاق عنده ، نعم ان ثبت مجيئه بالهمزة موقع الألف على ما يقال احتمل كونه ملحقا به ؛ لأنّ الهمزة تزاد للالحاق ، فتأمّل.
والاولى ترك هذه العبارة كما لا يخفى.
(فان) كانت الكلمة مع فقد الاشتقاق فيها بحيث (لم تخرج) عن الاصول على تقدير اصالة حرف فيها فلم تكن معدوم النظير على ذلك التقدير(فبالغلبة) ، أي بأن يكون الغالب بالاستقراء الزيادة يعرف كونه زائدا ، ثمّ انّ الكلام وان كان في الزيادة الّتي هي لغير الالحاق والتضعيف ؛ وان انتهى ههنا إلى صورة فقد الاشتقاق مع وجود النظير ، لكنّه قصد الاشارة إلى صور غلبة الزيادة مطلقا ، تكثيرا للفائدة وان خرج بعضها عمّا فيه الكلام ، (كالتضعيف في موضع) واحد من الكلمة(أو موضعين) منها(مع - ثلاثة اصول - للالحاق ، وغيره) ، فانّ الغالب في كل ذلك هو الزيادة ، وذلك : (كقردد) - بزيادة الدال - للالحاق بجعفر ، والتضعيف في موضع واحد ، (ومرمريس) - بميمين ورائين مهملتين وسين مهملة بعد الياء ، للداهية - من : المراسة - بمعنى الشدّة - على ما قال محمّد بن السري ، وقيل : من الممارسة ؛ لأنها تمارس الرجال ، والتضعيف فيه في موضعين - الفاء والعين - للالحاق بسلسبيل ، ووزنه «فعفعيل» - بفائين بعد كل منهما عين - ، (و) مثل : (عصبصب) - بعين مهملة وصادين بعد كل منهما موحدة ، للشديد - من : العصب بمعنى : الطيّ الشديد - ، ووزنه «فعلعل» بالتضعيف في موضعين - العين واللام - ، وهو ملحق بسفرجل ، (و) مثل : (همّرش) - بفتح الهاء وتشديد الميم المفتوحة وكسر الراء المهملة بعدها الشين المعجمة - للعجوز الكبيرة ، والناقة الغريزة - على «فعّلل» -
بكسر اللّام الاولى وتشديد العين المفتوحة ، وتضعيفها - على انّه رباعي مزيد فيه عند الخليل وسيبويه واتباعهما ، وتصغيره عندهم : - هميرش - بحذف الميم الزائدة -.
(وعند الأخفش : أصله : هنمرش) - بالنون قبل الميم - وقال : انّه خماسي (كجحمرش) ، على «فعلل» - بثلاث لامات - وليس برباعي بتضعيف العين كما زعمه اولئك ، لعدم النظير له ؛ (لعدم «فعّلل») - بتضعيف العين وكسر اللّام الاولى - في اللّغة ، ثمّ (قال : ولذلك) الّذي ذكر من عدم «فعّلل» بالتضعيف ، (لم يظهروا) النون من - هنمرش - ، بل ادغموها في الميم المتقارب في الغنّة ، واظهرت في المصغر للفصل بياء التصغير ، وهو عنده : هنيمر - بحذف الخامس - ، ولو كان «فعّلل» بالتضعيف موجودا كان الادغام مظنة الالتباس به فكان الاظهار لازما ، للزومه في المتقاربين في كلمة واحدة عند اللبس في الادغام.
واتفقوا في : همّقع - بالميم المشدّدة والقاف المفتوحتين - للأحمق - انّه بتضعيف العين للمبالغة ، وليس خماسيا على ان يكون أصله : هنمقع - بالنون - ، لعدم «فعلل» بفتح اللّام الاولى والثانية معا وسكون العين - في الخماسي.
(والزائد في نحو : كرّم) تكريما ، من المشتمل على التضعيف مع جهالة الزائد على التعيين بالنظر إلى نفس لفظه هو (الثاني) من المثلين من جهة الامارات والقياس ، لتعيّن ثاني المثلين للزيادة بالاتفاق فيما علم حاله من لفظه ، كقردد ، فان مقابل اللّام الاولى من الملحق به كجعفر موجود في لفظه ؛ فالزيادة انّما هي في مقابل الثانية ، فليحمل عليه ما جهل أمره ؛ مع اولويّة الآخر وما يقرب منه بالزيادة ، (وقال الخليل) : هو (الأوّل) منهما ؛ لاولويته بالزيادة ؛ لسكونه تقليلا للزائد مع كثرة الزيادة في موقعه من غير المثل ؛ كحوقل ، وبيطر ، فحمل المثل عليه أولى عند التردّد ، وعورض هذا بكثرة الزيادة في موقع الثاني أيضا من نحو ذلك ؛ كجدول ، وعثير ،
ولعل أكثرية الأوّل ممنوعة.
(وجوز سيبويه الأمرين) ، لتعارض الامارات عنده ، ثمّ انّهم اتفقوا على جواز وجود الأصلي المماثل للفاء في الكلمة وان لم يوجد مثل العين فيها ، وذلك مع الفصل بالأصلي كثير كقرقف - للخمر - ، وبدونه قليل ، سواء فصل بالزائد مثل : كوكب أم لا - كيين - بتحتانيتين - لمكان ، والأخير نادر جدّا.
(ولا يضاعف الفاء) بزيادة مثلها(وحدها) ؛ بدون تضعيف العين بالزيادة عند جمهور البصريين ، ومنهم سيبويه ؛ لزعمهم عدم وجدان ذلك في اللّغة بالاستقراء ، لا مع الاتصال كضضرب في : ضرب ، ولا مع الفصل كضرضب ، وامّا مع تضعيف العين : فقد يضعف الفاء مع الفصل ، كمرمريس.
(ونحو : زلزل) ، ودمدم ، (وصيصية) - بمهملتين مكسورتين بعد كل منهما ياء ، للحصن - وجمعها الصياصي ، (وقوقيت) - بقافين - ، (وضوضيت) - بمعجمتين - كلّاهما بالياء المنقلبة عند المصنف وجماعة عن الواو الرابعة المتطرفة الساكنة مع الضمير ، كأغزيت ، وأعطيت ، لكونهما من : القوقاة - لصياح الديك - والضوضاة - لصياح الناس - بالألف المنقلبة فيهما عن الواو ، حملا على الغالب في الألفات الرابعة المنقلبة ، (رباعيّ) عندهم ، على «فعلل ، وفعللة» (1)- بلامين - باصالة جميع المماثلات ، (وليس) نحو ما ذكر من المزيد الثلاثي على ان يكون الاصول - ثلاثة - ويكون حصول الأربعة بتكرير بعضها ، وذلك لأنه ليس (بتكرير لفاء) بزيادة مثلها ؛ بأن يكون على «فعفل» مثلا - بفائين بينهما العين - كما زعمه الكوفيون ، حتّى ينتقض به الحكم المذكور ، (ولا) تكرير(لعين) بزيادة المثل على «فعلع» - بعينين - ، (للفصل) المعهود عندهم بين كل متماثلين فيها ، وهو الفصل بالأصلي ؛ فانّ الفصل
1) و «فعللت». «نظام».
بين الفاء ومثلها لو كان زائدا كان ذلك المثل عينا وما بعده لاما ؛ لامتناع كون الكلمة المتصرفة بلا - عين - أو بلا - لام - ، وحينئذ فيتماثل الفاء والعين ، كما في : كوكب ، وهو قليل لا يصار إليه عند التردّد فذلك الفصل أصلي على انّه عين ، فعلى القاعدة الاستقرائيّة وهي : انّ المتفاصلين بالحرف الأصلي كلّاهما أصليان يكون مثل الفاء - أيضا - أصليّا على انّه لام ، وهو الفصل بين العين ومثلها فمثلها أيضا أصليّ على انّه لام اخرى ؛ ويتم بناء الرباعي ؛ مع ان اصالة عدم الزيادة أيضا يقوي اصالة الجميع.
وهذا بخلاف - مرمريس - ، فانّه من : مارس أو مرس للاشتقاق ، فالفصل بين الرائين فيه بالميم الزائدة وبين الميمين وان كان بالراء الأصليّة الّتي هي العين لكن هان الاعتناء باصالتها بزيادة المثل والتكرير من غير حاجة فكأنها ليست أصليّة ، كذا قيل.
ولا شيء ممّا يشتمل - من نحو ما ذكر - على حرفي لين بذي زيادة لكليهما ، لتأدية ذلك إلى بقاء الكلمة المتصرفة فيها على أصليين فقط ، (ولا بذي (1)زيادة لأحد حرفي اللين) ، وان سلمنا عدم جريان دليل الفصل في نحو : قوقيت من نحو ذلك ، بناء على تسليم اصالة الياء وعدم انقلابها عن الواو ؛ فلا يكونان من المتماثلين المتفاصلين بالأصلي ، وذلك (لدفع التحكم) اللّازم من الحكم بزيادة أحدهما دون الآخر ، لعدم الاولويّة ؛ فان ما يناسب توهّم الزيادة - وهو غلبة الزيادة فيهما في مثل موقعهما من نحو ذلك - مشترك بينهما ، مع انّ الزيادة في كل منهما تؤدي إلى قليل الإيصار إليه عند التردّد ، لتأدية زيادة الأوّل إلى تماثل الفاء والعين ؛ والثاني إلى تماثل الفاء واللّام الواحدة كسلس ، ولعلّه لاشتراكهما في مطلق تلك التأدية المقتضية للعدول عن الزيادة لم يعبأ بما يمكن ان يقال : من اولويّة الآخر بالزيادة ، فتأمّل.
1) عطف على قوله : وليس بتكرير الفاء.
(و) كما ان ما ذكر رباعي (كذلك - سلسبيل - خماسي) على «فعلليل» - بثلاث لامات مع زيادة الياء - (على الأكثر) للفصل بالأصلي بالتقريب المتقدم ؛ واصالة الاصالة ، خلافا لمن زعم : انّه من المزيد الرباعي بتكرير الفاء على «فعفليل».
(وقال الكوفيون) ، والزجاج من البصريين : ان ذا الأربعة الحاصل بتكرير حرفين ان وجد في اللّغة ذو ثلاثة يناسبه في المعنى ويشتمل على ما عدا الثالث من حروفه على الترتيب فهو مزيد ثلاثي مأخوذ من ذي الثلاثة المذكور بالزيادة على وجه التكرير ، فقالوا : (زلزل) مأخوذ(من زلّ) بالتشديد ، (وصرصر) بمعنى صوّت (من صرّ) القلم والباب صريرا ، بذلك المعنى ، (ودمدم) الله فلانا ، ودمدم عليه - إذا أهلكه - (من دمّ) فلان القوم - طحنهم وأهلكهم - ، وقيل : من دمّ اليربوع جحره - إذا غطّاه وسوّاه - ، وذلك (لاتفاق المعنى) والحروف على الترتيب في ذي الأربعة وذي الثلاثة المذكورين على ما هو شأن الاشتقاق الّذي هو أقوى ما يعرف به الزائد عن الأصلي ، ولا يعتني معه باصالة الاصالة ، ولا بالفصل بالأصلي ان سلمت تلك القاعدة ، ومن ثمّ اعترف الخصم في : مرمريس بالزيادة مع الفصل بالأصلي ، والتفرقة (1)دعوى مجردة عن الدليل.
وأمّا ذو الأربعة : المذكور الّذي لم يوجد في اللّغة ذو ثلاثة يناسبه كذلك حتّى يعتبر اشتقاقه منه كسمسم فهو رباعي باصالة الجميع ، لاعتبار اصالة الاصالة ، أو الفصل ، حيث لم يعارضهما الاشتقاق الّذي هو أقوى.
وقد يحكي عنهم وعن الخليل : القول بالزيادة في القسمين من غير فرق ؛ اجراء لهما على وتيرة واحدة ، ثمّ انّ المحكي عنهم : انّ الزائد من أوّل الأمر هو صورة العين ، لكنّها أبدلت إلى صورة الفاء الموجودة في الكلمة ، لئلّا يجتمع ثلاثة أمثال ، والزجاج : جعل الزائد من أوّل الأمر صورة الفاء ، ولعل هذا أظهر.
1) أي بين مرمريس وبين ذي الأربعة المذكور.
وقد توجد المناسبة الاشتقاقيّة بين ذي الأربعة وذي الثلاثة المجرّد عن رابعها ، كقوقيت ، وقاقت الدجاجة - إذا صاحت - من مادّة القوق ، وصيصية ، والصّيص - للحصن - ، فمن المحتمل أن يعتبر الاشتقاق فيه - أيضا - بزيادة في الآخر للالحاق ، كالياء في : صيصية ، والألف في : قوقى ، ويقال : انّها قلبت مع الضمير ياء ، كما قلسي ، واسلنقي ، فتأمّل.
ولنرجع إلى المقصود ، فنقول : ان معرفة الزائد بالغلبة كالتضعيف على الوجه المتقدّم ، (وكالهمزة) الواقعة(أوّلا) في الكلمة(مع ثلاثة اصول فقط) معلومة الاصالة بعدم كونها من حروف الزيادة ، أو بدليل ، فانّ الغالب في تلك الهمزة فيما علم حاله هو الزيادة كما في : أحمر ، وأبيض ، وأعلم ، فيحكم عليها بالزيادة عند الجهالة ، حملا على الغالب.
وعلى هذا(فأفكل) - بفتح الهمزة - كأحمر - للرعدة - يقال : أخذه أفكل - إذا ارتعد من برد أو خوف - «أفعل» بزيادة الهمزة ، لكونها فيه أوّلا مع ثلاثة اصول ، ولا يبني منه فعل على ما قال الجوهري ، (و) بعض القدماء(المخالف) في ذلك ، ذاهبا إلى انّه رباعي على «فعلل» (مخطئ) ، لتنزيله اللفظ على خلاف الغالب من زيادة الهمزة في نحوه مع كونه خلاف مقتضي الاستعمال الثابت فيه ، وهو منعه من الصرف عند العلمية كأحمر - علما - على ما قال سيبويه ، للعلمية ووزن الفعل ، ولو كان «فعللا» صرف كجعفر ، وكذلك : ابريق «إفعيل» بزيادة الهمزة الواقعة أوّلا مع ثلاثة اصول ، لكون الياء زائدة.
واحترز بالأوّل عن غيره ، لقلّة الزيادة فيه ، ومن ثمّ حكم باصالتها في : برأل - الديك ، برألة ، بالموحدة والمهملة على «فعلل ، فعللة» - إذا أنفش برائله - وهو كعلابط ؛ الريش المستدير في عنقه ، وفي : تكرفاء السّحاب على «تفعلل» - أي تراكم مرتفعا - ، وبالكون مع الثلاثة : عمّا لو كانت مع أقل ، كالإرب ، والأبد ، لعدم غلبة الزيادة حينئذ مع أنها تؤدّي إلى البقاء على أصليين فقط ، والتقييد بقولنا : فقط لعدم
غلبة الزيادة مع الأكثر من ثلاثة ، فيرجع إلى اصالة الاصالة إلّا بدليل ، (و) من ثمّ قالوا : (إصطبل) - لمربط الدواب - خماسي ؛ (كقرطعب) باصالة جميع الحروف. (1)
(والميم كذلك) في غلبة الزيادة مع ثلاثة اصول فقط في الأوّل ، كما في : منبج - بفتح الميم وكسر الموحدة بينهما النون ؛ لموضع - فانّ الموحدة والجيم أصليان ؛ لعدم كونهما من حروف الزيادة ، والأصل في النون الثانية الاصالة ؛ فيحكم باصالتها وزيادة الميم ؛ لغلبة زيادتها في مثل موقعها منه ، وعدم النظير «لفعلل» - بكسر اللّام الاولى - في الرباعي أيضا يدل على زيادتها ، فهو كمجلس ونحوه.
وذلك بخلافها مع أقل من ثلاثة ؛ كملك ، أو مع الأكثر منها ، كمرزنجوش ، أو في غير الأوّل كضرغام ، لعدم غلبة الزيادة في شيء من ذلك.
ثمّ انّ الهمزة تزاد في الاسم ، والفعل ، والميم لا تزاد إلّا في الاسم ، ونحو : تمسكن ، وتمندل ، لتوهم اصالة الميم ، (و) زيادة كل منهما(مطّردة) مع ثلاثة فصاعدا(في) الاسم (الجاري على الفعل) ، والمراد به ههنا : المتصل بالفعل وان لم يوافقه في عدد الحروف والحركات والسكنات ، وذلك : كالمصادر ، وأسماء الفاعلين والمفعول ، والزمان والمكان ، ونحو ذلك ، كالاكرام ، والاستخراج ، والاحرنجام ، ومكرم ، ومستخرج ، ومدحرج ، - بكسر الرّاء وفتحها - ، ومقام.
(والياء) أصليّة مع أصليين فقط ، كاليسر ، والبيت ، والظّبي ، وزيادتها غالبة(مع ثلاثة اصول فصاعدا) في الأوّل ، كيلمع على زنة يعلم - للسّراب - ، ويعفور - لولد البقرة الوحشيّة - ، والوسط ، كضيغم ، وفيلق ، وسلسبيل ، والآخر كاللّيالي ، والحاصل : انّ زيادتها غالبة في أي موضع كان من كل اسم (إلّا في أوّل) الاسم (الرباعي) ، فانّها لا تزاد فيه (إلّا في) الاسم الرباعي (الجاري على الفعل) ، فانّها تزاد في أوّله ، والمراد بالجاري عليه هذا المنقول منه ، كيدحرج إذا سمّى به ، لعدم وجدان الياء في
1) والمتن في غير هذا الشرح هكذا : وإصطبل فعللّ كقرطعب.
أوّل غيره من الجاري عليه ، (ولذلك) الّذي علم من عدم زيادتها في الرباعي الغير الجاري على الفعل ، وجواز زيادتها في غير الأوّل منه (كان يستعور) - بالتحتانية في أوّله فالسين المهملة فالفوقانية فالعين والراء المهملتين بينهما الواو ، للباطل ، وللداهية ، ولشجر يستاك بعوده ، ولموضع قرب المدينة ، ولكساء يجعل على عجز البعير - خماسيا مزيدا فيه على «فعللول» (كعضرفوط) ، فالياء أصليّة وليست زائدة ، كالواو ، بأن يكون من الرباعي المزيد فيه ، لئلّا يلزم زيادتها في أوّل ما ليس جاريا على الفعل من الرباعي ، كذا قال المبرد ، ولو جعلت السين أو الفوقانية زائدة أيضا على انّه من الثلاثي المزيد فيه لم يلزم ذلك ، لكن لم يذهب إليه ، (و) كانت (سلحفية) - لدويبة - «فعلّية» - بضمّ الفاء وفتح العين وكسر اللّام المشدّدة ، وزيادة الياء - للالحاق بقذعملة وان كانت رباعية الاصول ؛ لعدم وقوعها في الأوّل.
(والواو ، والألف) أصليتان مع أصليين فقط ، كوعد ، وسوط ، ودلو ، وغزا ، بالألف المنقلبة عن الأصلي ، وهما : (زيدتا مع ثلاثة) اصول (فصاعدا) نحو : كوثر ، وجدول ، وعصفور ، وقرطبوس ، وضارب ، وسرداح ، وقبعثرى ، وبالجملة فيجوز زيادتهما في كل موضع من الكلمة(إلّا في الأوّل) ، فانّهما لا تزاد فيه ، اتفاقا في الألف ؛ لتعذر الابتداء بها ، وعلى الأصح عند جماعة في الواو ؛ إذ من شأنها في الأوّل ان يتطرّق إليها الانقلاب إلى الهمزة إذا كانت مضمومة ، كاجوه في : وجوه ، أو مكسورة كإشاح في : وشاح ، والمفتوحة تضم في التصغير ؛ فيجوز قلبها همزة فيه أيضا ؛ فكرهوا زيادتها مع كونها في معرض التغيير والجهالة ، (ولذلك) الّذي ذكر من عدم زيادتهما في الأوّل (كان ورنتل) - بالواو والمهملة والنون والفوقانية واللّام ، للنسر من الطيور ، والداهية - «فعنللا» باصالة الواو فزيادة النون ، (كجحنفل) - بتقديم الجيم على المهملة والنون والفاء ، لغليظ الشفة - ، فهو من الرباعي المزيد فيه المعتل الفاء.
وقال قوم زعموا : جواز زيادة الواو في الأوّل انّها فيه زائدة ، وقيل : انّه خماسي الاصول ، كسفرجل ، وقد يشترط في زيادة الواو ، والياء ان لا يكون الكلمة من ذي الأربعة الحاصل بتكرير حرفين ، كيؤيؤ على زنة برثن - بيائين تحتانيتين بعد كل منهما همزة ، لطائر يشبه الباشق - ، والوعوعة - بواوين ومهملتين - مصدر : وعوع السبع - إذا صاح - ، فانّهما في نحو ذلك أصليان.
(والنون كثرت) مع وصف الزيادة(بعد الألف) المسبوقة بأكثر من أصليين حالكونها جزء(آخرا) في الكلمة ، كسلمان ، ونومان ، وسكران ، وزعفران ، وعبوثران - لنبت طيّب الرائحة - ، فيحكم عليها بالزيادة في مثل هذا الموضع ؛ إلّا بدليل على الاصالة كالاشتقاق في : فينان على انّه من الفنن كما مرّ.
بخلافها بعد الألف المسبوقة بأصليتين فقط ، كأمان ، وسنان ، فانّها حينئذ أصليّة.
(و) كثرت النون أيضا زائدة مع توسطها بين أجزاء الكلمة ؛ حالكونها(ثالثة) في الكلمة(ساكنة) نحو : قرنفل ، - لعطر معروف - ، وعقنقل - لكثيب الرمل العظيم - و (نحو : شرنبث) لغليظ الكفين والرجلين ، وقد يوصف به الأسد ، (و) نحو : (عرند) - بالمهملات بضمّ الفاء والعين وسكون النون بعدهما - على ما حكاه سيبويه على «فعنل» - أي صلب - ، والاشتقاق فيهما أيضا يدل على الزيادة ؛ لمجيء : شرابث كعلابط ؛ وعرد نحو : كتف بمعناهما ،
وقد يخص غلبة الزيادة في : الثالثة الساكنة بما إذا كان بعدها حرفان فصاعدا ؛ كشرنبث ، وقلنسوة ، وذكر بعضهم مع ذلك شرطا آخر ؛ وهو ان لا تكون مدغمة ، كما في عجنّس - بفتح المهملة والجيم والنون المشدّدة وفي آخره المهملة - للبعير الضخم الشديد - ، فانّها يحكم عليها بالاصالة ، وعلى المدغم فيها بالزيادة ؛ لأن زيادتها أكثر من المدغمة ، خلافا لأبي حيان ، حيث حكم بزيادة النونين معا ،
وزيادتها في غير ما ذكر ليست من الغوالب ، وذلك : كالثانية نحو : عنبر ، والثالثة المتحركة كغرنوق - بالمعجمة فالمهملة - على زنة عصفور ، - لطير من طيور الماء - ، فيرجع فيها إلى اصالة الاصالة إلّا أن يعرف زيادتها بدليل آخر ؛ كزيادة الثانية في : حنظل ، وسنبل بالاشتقاق ، لقولهم : حظلت الإبل على «فعل» - بكسر العين - أي أذاها أكل الحنظل - ، وأسبل الزرع - خرج سنبله -.
(واطردت) زيادة النون (في المضارع) إذا كان لجماعة المتكلمين ، نحو : نفعل ، وقيل : انّ حروف المضارعة حروف معنى ، كنوني التثنية والجمع ، والتنوين ؛ وليست من الزوائد ، (و) اطردت زيادة النون أيضا في (المطاوع) ، وقد مرّ معناه بنحو : «إنفعل ، وإفعنلل» وفروعهما من المضارع والأمر والنهي والمصدر وغير ذلك.
(والتاء) كثرت زيادتها(في) المصادر ، كما في «التّفعيل» ونحوه) ؛ كالتّفعل ، والتّفاعل ، والتفعلل ، والافتعال ، والاستفعال» وفروعهن.
(و) كثرت أيضا(في نحو : رغبوت) - أي ذو رغبة - ، ورحموت ، وجبروت ، وملكوت ، وعفريت ، ونحوها ممّا فيه التاء بعد الواو والياء الزائدتين المسبوقتين بأكثر من أصليين ؛ فيعرف زيادتها بذلك وان عرف بوجه آخر أيضا كالاشتقاق وعدم النظير ، ومنع سيبويه : كونها من الغوالب في نحو هذا ؛ وقال : انّما يعرف زيادتها بوجه آخر كالاشتقاق من : الرغبة والرحمة ، وغير ذلك.
(والسين : اطردت في : «استفعل») وفروعه ، (وشذّت في : أسطاع) - بفتح الهمزة وقطعها - ، واختلفوا في توجيهه : (قال سيبويه) ، والأخفش : (هو أطاع) في الأصل ؛ فزادوا السين شذوذا كأنها عوض عن تحرك العين ؛ حيث تحولت حركته إلى الفاء ، فان أصله : أطوع فنقلت حركة الواو الّتي هي العين إلى الطاء ؛ وعلى هذا(فمضارعه : يسطيع - بالضم -) في حرف المضارعة ، كما هو القياس من باب الأفعال.
(وقال الفرّاء) : أصله : إستطاع كاستقام ؛ على انّه من باب الاستفعال ؛ وزيادة السين قياس وانّما(الشاذ فتح الهمزة) ؛ وجعلها همزة قطع ؛ حملا على همزة باب الافعال ؛ (وحذف التاء ، فمضارعه بالفتح) على ما هو القياس في باب الاستفعال ، كما انّ المضارع بالفتح في اللّغة المشهورة فيه ؛ وهي إسطاع - بكسر الهمزة الوصلية - على أنها مخففة من : استطاع بحذف التاء ، كما يقال.
واعلم ان بكرا يلحقون الكاف الّتي هي لخطاب المؤنث سينا مهملة ساكنة في الوقف ، وبني تميم يلحقونها شينا معجمة ساكنة فيه ؛ ابقاء لكسرة الفارقة بين المذكر والمؤنث باجراء السكون الّذي يقتضيه الوقف على أحدهما (1)، وكلّاهما غير فصيح ، وذلك : نحو : اكرمتكس ، ومررت بكس ، - بالمهملة - في بكر ، والمعجمة في تميم ، ويسمّى المهملة البكرية سين الكسكسة ، بكافين بعد كل منهما مهملة - ، والمعجمة التميمية شين الكشكشة - بكافين ومعجمتين كذلك (2)- ، لتكرر الكاف مع أحدهما في كلامهم بتكرير الكلمات الّتي يستعملونها ، واختاروا الحرفين ؛ لخفائهما ؛ لما فيهما من الهمس فيناسبان الوقف الّذي هو محل التخفيف والرّامة.
والمختار في ضبط الكسكسة والكشكشة انّهما بفتح الكافين وسكون ما بعد الاولى على زنة «فعللة» كدحرجة ؛ على انّهما مصدران بمعنى : الاتيان بأحد الحرفين ؛ كالبسملة للاتيان ببسم الله ، وقد يضبطان بكسر الكافين على الحكاية ؛ لأنّهما انّما يكونان في الكاف الّتي لخطاب المؤنث وهي مكسورة.
(وعدّ سين - الكسكسة) المهملة البكرية من حروف الزيادة - كما وقع من الزمخشري في المفصل - (غلط ؛ لأستلزامه) عدّ(شين الكشكشة) المعجمة التميمية أيضا منها ؛ لعدم التفاوت بينهما في المقصود والسبب أصلا ، فلو وجد في المهملة ههنا ما هو المناط للعدّ من حروف الزيادة في اصطلاحهم وهو الامتزاج ببعض
الكلمات لغير الالحاق والتضعيف على وجه يدخل في بنيتها كانت المعجمة أيضا كذلك ، فكان عليهم ان يعدّوها منها ؛ واجماعهم على عدم كونها منها يدل - كما قال في شرح المفصل - على ان شيئا من الحرفين ههنا ليست كالزوائد في الامتزاج ببناء الكلمة ؛ بل كل منهما حرف مستقل برأسه جيء به للوقف بعد تمام الكلمة ؛ كهاء السكت ، فتأمّل.
(وأمّا اللّام : فقليلة) من حيث الوقوع زائدة ، ولم يظفر بزيادتها في الحشو والأوّل وانّما وردت في الآخر على قلّة ، وقد يقال : باختصاص زيادتها بأواخر الأعلام (كزيدل ، وعبدل) في : زيد ، وعبد ، وبالجملة زيادتها في غاية القلّة ، (حتّى قال بعضهم) : - وهو الجرمي - انّها ليست من حروف الزيادة ؛ وحكم باصالتها في بعض أسماء الأجناس الّتي يدل الاشتقاق فيها على زيادتها ؛ فقال : (في - فيشلة) - بالفاء والمعجمة بينهما التحتانية ، لرأس الذكر - انّها «فيعلة» - بفتح الفاء والعين بينهما التحتانية الساكنة - على انّ اللّام أصليّة ، (مع) مجيء(فيشة) بدون اللّام بمعناها وحروفها على الترتيب ، وهذا يناسب كون فيشلة مشتقة منها بزيادة اللّام ؛ كما مرّ نظائرها(و) كذلك قال باصالتها(في : هيقل) - بفتح الهاء والقاف وسكون التحتانية بينهما ، للذكر من النعام - ، (مع) مجيء(هيق) بدون اللّام بحروفه ومعناه ، (وفي : طيسل) - بفتح المهملتين وسكون التحتانية بينهما - (للكثير) من الرمل والماء وغيرهما ، (مع) مجيء(طيس) بمعناه وحروفه ، (و) كذا(في : فحجل) - بالفاء وتقديم المهملة على الجيم - (كجعفر) - للّذي تتدانى صدور قدميه وتتباعد عقباه - ، (مع) مجيء(افحج) كأعرج بمعناه ، ويقال : فحج الرجل وتفحج - إذا مشى مشية الفحجل - ؛ فحكم في الجميع باصالتها كما قالوا : باصالة الراء في : دمثر مع مجيء دمث على ما سيجيء - إنشاء الله تعالى -.
لكن الظاهر في تلك الأسماء هو زيادة اللّام كما قيل للاشتقاق الّذي هو أقوى الدلائل ؛ مع ثبوت زيادتها في الجملة على الظاهر في نحو : زيدل.
(وأمّا الهاء : فكان المبرد لا يعدّها) من حروف الزيادة(ولا يلزمه نحو : أخشه) ممّا فيه هاء السكت ، (فانّها حرف معنى) ؛ وهو الّذي لا يمتزج بما قارنه على وجه يدخل في البنية ؛ بل يكون كلمة متصلة بأخرى ، (كالتنوين ، وباء الجر ولامه) ، وإذا كانت تلك الهاء من حروف المعنى لم يكن من الزوائد ؛ فلا يلزم الاعتراض بها على المبرد ؛ كما لم يلزم على الجرمي اللّام الّتي تجلب عند بعد المشار إليه في نحو : ذلك ، وتلك ، لكونها حرف معنى فليست من الزوائد وان عدّها جماعة أيضا منها.
(وانّما يلزمه نحو : امّهات) في جمع - الامّ - ، فان أصلها : امّات - بدون الهاء ، وقد ورد الوجهان في قوله :
إذا الامّهات قبحن الوجوه
فرجت الظّلام بامّاتكا (1)
فالهاء زائدة وليست حرف معنى ، لامتزاجها بما هي فيه وصيرورة الجميع كلمة واحدة ، وقد يقال : الامّهات للناس ؛ والامّهات للبهائم ، (و) كذا يلزمه (نحو) قول قصي بن كلّاب :
إنّي لدى الحرب رخيّ اللّبب
معتزم الصّولة عالي النّسب
امّهتي خندف والياس أبي (2)
واللبب : ما يشدّ على صدر الدابة لحفظ الرحل عن ان يتأخر عن موضعه ، والرخيّ : بتشديد الياء - من الرخاوة ؛ وشاعت استعارة رخاوة اللبب لسعة الحال ؛ لما في ارخائه من الراحة للدابة. والاعتزام : باهمال العين واعجام الزاي - لزوم
القصد والتوسط. وخندف : كزبرج لقب ليلى بنت حلوان بن عمران ؛ امرأة الياس بن مضر ، من الخندفة ، وهي : مشية كالهرولة.
وهمزة الياس للقطع ؛ وحذفها وصلا للضرورة ، وقد يروي : بقطع الهمزة واسقاط حرف العطف.
والامّهة : الامّ ، والهاء مزيدة كيف لا(والامّ) كاملة الأركان الّتي هي : الفاء والعين واللّام ، ووزنها«فعل» بدليل الأمومة) في المصدر ، فانّ الشائع في نظائرها من المصادر تمامية الأركان ؛ وكونها على «فعولة» ، ولقولهم : (1)تأمّمت المرأة ، واستأممتها - أي أخذتها امّا - لأن نظائرهما على «تفعّلت ، واستفعلت» فالهاء في الامّهة خارجة عن الاصول ، ووزنها «فعلهة» بزيادة الهاء ، (واجيب) من جانب المبرد(بجواز اصالتها) في : الامّهة والامّهات - كما جوز ذلك ابن السراج - (بدليل) قولهم : (تأمّهت) فلانة على : تفعّلت - كنظائرها - أي اتخذتها امّا - على ما حكاه الخليل في كتاب «العين» وان كان قليلا في كلامهم مسترذلا ، وذلك (2)بأن يكون الامّهة هي الأصل ؛ والامّ مأخوذة منها بحذف الهاء ، ثمّ غلب هذا الفرع لخفته في استعمالاتهم على الأصلي حتّى جرى ذلك الأصل مجرى النوادر ، واستبعاد ذلك - لو سلّم - لا يقدح في الجواز ، (فتكون : امّهة «فعّلة») - بضمّ الفاء وفتح العين المشدّدة - (كابّهة) - بضمّ الهمزة وتشديد الموحدة ، للعظمة - وتأبّه الرجل - تكبّر - ، (ثمّ حذفت) لامها وهي (الهاء) فصارت امّا ؛ فالام وزنه «فعّ» - بضمّ الفاء وتشديد العين وحذف اللّام - ، والأمومة «فعوعة» مشبّهة «بفعولة» ، لشهرة تصاريفها حتّى صارت كالأصل ؛ لكنّه تعسّف ، مع ما في كتاب العين من الاضطراب المانع من الاعتماد على ما قيل.
(أو) نقول : الام «فعل» ، والامّهة «فعّلة» و (هما أصلان) ؛ كل منهما موضع برأسه من غير ان يكون أحدهما مأخوذا من الآخر(كدمث) - بالدال المهملة والميم الساكنة والمثلثة ، للمكان اللين المشتمل على الرمل - ، (ودمثر) بتلك الحروف مع الراء بذلك المعنى كدرهم ؛ فانّهم حكموا بوضع كل منهما علي حدة لذلك المعنى ، وكلّاهما أصلان من غير ان يكون الثاني مشتقا من الأوّل بزيادة الراء ؛ لما تقدم من عدم كون الراء من حروف الزيادة ، (و) مثل : (ثرّة) - بفتح المثلثة وتشديد الراء المهملة - (وثرثار) - بمثلثتين ومهملتين معهما الألف - على زنة خلخال ؛ فانّهما أصلان عندهم ، خلافا للكوفيين كما مرّ في : زلزل ؛ ونحوه ، يقال : عين ثرّة ، وثرثارة - إذا كانت كثيرة الماء - ويقالان : للسحاب أيضا عند كثرة مائه ، ويقال : أيضا رجل ثرثار - أي مهدار (1)صيّاح - ، (و) مثل : (لؤلو ولآل) - بتشديد الهمزة الممدودة - على «فعّال» بفتح الفاء وتشديد العين ، لبائع اللؤلؤ - كتمّار لبائع التمر ، فانّهما أصلان ، وليس الثاني من الأوّل ؛ لأن «فعّالا» للنسبة لا يبني إلّا من الثلاثي المجرّد ؛ فهو من أصل ثلاثي مرفوض وهو اللّأل - بلامين بينهما همزة - والفاء في ذلك الأصل متحد مع اللّام كما في : سلس ، ومثله قليل جدّا ، فلا وجه لجعل اللؤلؤ مأخوذا منه بزيادة الأخيرة ، بل هو أصل آخر رباعي كثير النظير ؛ كجؤجؤ - للصدر - ، وبلبل ، وهدهد - لطائرين - ، وجدجد - بجيمين ومهملتين ، لطوير يشبه الجراد - وفدفد - بفائين ومهملتين ، للصيّت الجافي الكلام - ، إلى غير ذلك.
(و) المبرد وان أمكن له التفصي عن ذلك الالزام لكن (يلزمه نحو : أهراق) الماء(إهراقة) - بكسر الهمزة وسكون الهاء فيهما ، أي صبّه - ؛ فانّ الهاء مزيدة على ما ذكره سيبويه زاعما أنها عوض عن تحريك العين ؛ كما في : أسطاع ؛ لمجيء أراق يريق إراقة بدون الهاء بحروفه ومعناه ؛ بل هذا أكثر وأشهر ، فالاشتقاق يدل على زيادتها ولا داعي إلى العدول عنها ، وقد يجاب من جانب المبرد : بأنه قد ورد في أراق إراقة
1) أي مكثارا ، ومهذار من الثرثرة وهي كثرة الكلام.
هراق هراقة - بالهاء المبدلة عن همزة القطع - في أراق ، فلعل أهراق مع شذوذه مبني على توهّم كون الهاء المبدلة عن همزة القطع في - هراق - فاء ، فسكنت وادخلت عليها همزة الوصل فهي تلك المبدلة عن الهمزة الزائدة ، فلا دلالة فيه على أنها نفسها من حروف الزيادة ، وفيه لغة اخرى وهي : أهرق ، يهرق ، إهراقا ، كأكرم ، يكرم إكراما ، ويمكن جعلها مبنيّة على توهم اصالة الهاء وزيادة الألف من هراق - بالألف -.
(وأبو الحسن) الأخفش (يقول : هجرع) - بالهاء والجيم والمهملتين - على مثال درهم ، وجعفر ، (للطويل) مأخوذ بزيادة الهاء(من الجرع) بالتحريك (للمكان السّهل) اللين المنقاد ؛ فالطويل كأنه كان في طبعه سهل الانقياد لقبول الطول ، وهذه مناسبة بعيدة.
(وهبلع) - بالهاء والموحدة واللّام والمهملة - كدرهم ، (للأكول) مأخوذ بزيادة الهاء(من البلع) بمعنى الابتلاع ؛ للمناسبة ، فوزنهما عنده «هفعل» ، (وخولف) أبو الحسن في ذلك ؛ فان ابن جني والأكثر قالوا : انّهما رباعيان على «فعلل» والهاء فيهما أصليّة.
وقال أبو الحسن : في هلقامة - للكثير البلع - انّها مأخوذة بزيادة الهاء من اللقم ، وذهب غيره إلى اصالتها ؛ وزعم انّ البلع المأخوذ في معناها غير اللقم.
(وقال الخليل : الهركولة) - بكسر الهاء وسكون الراء المهملة وفتح الكاف وسكون الواو بعدها اللّام - (للضّخمة) السمينة الارداف من الجواري - بزيادة الهاء من الركل وهو الضرب برجل واحدة ، ووزنها«هفعولة» لأنها) لفخامتها لا تقدر ان تمشي خفيفا ؛ بل (تركل في مشيها ، وخولف) في ذلك ؛ لعدم وضوح الاشتقاق وبعد المناسبة ؛ والمخالف جعلها من الرباعي المزيد فيه على أنها «فعلولة» من الركلة ؛ وهي : المشي في اختيال وكبر ، ولا شك ان هذا أنسب ؛ ولم يحكم أحد بزيادتها في : سلهب - للطويل - مع مجيء سلب ككتف بمعناه ، لعدم ثبوت زيادتها
وسطا على ما في شرح المفصل.
وقد علم إلى ههنا ما يغلب زيادته.
ثمّ انّه ان اتحد في الكلمة حكم بزيادته ان لم يكن معارض أقوى ؛ وهو ظاهر ، (فان تعدّد الغالب) فكان إثنين أو أكثر(مع ثلاثة اصول) في كلمة(حكم بالزيادة فيها) أي في الحروف الغالبة الزيادة الّتي هي أكثر من اثنين ، (أو فيهما) أي في الاثنين الغالبين ، (كحبنطى) - لصغير البطن ، أو القصير - فان فيه النون والألف وهما في الغوالب مع ثلاثة اصول ؛ فيحكم بزيادتهما على انّه «فعنلي» ، وكاهجيري - بكسر الهمزة وسكون الهاء ، للعادة - فان فيه ثلاث غوالب : الهمزة في الأوّل ؛ والياء قبل الرّاء ، والألف في الآخر ؛ فيحكم بزيادتها على أنها «إفعيلي».
(فان تعيّن أحدهما) - أي أحد الغالبين - للحكم عليه بالزيادة ؛ وذلك إذا كان مع أصليين فقط ؛ لامتناع الحكم بزيادة الجميع حينئذ ؛ لئلّا ينقص الأصلي عن الثلاثة ، (رجّح) ذلك الواحد الّذي يحكم عليه بالزيادة(بخروجها) أي خروج الكلمة على تقدير اصالته عن الاصول المعتبرة المشهورة ، وذلك (كميم مريم) من أسماء النّساء(ومدين) - لبلد - دون يائهما وان كانا من الغوالب ؛ لأنهما مع أصليين فقط فميتع الحكم بالزيادة إلّا على أحديهما ؛ ولو كانت هي الياء كانا «فعيل» بالياء بعد العين الساكنة وليس من الاصول المعتبرة ، بخلاف الميم لكثرة «مفعل» بزيادة الميم في الأوّل ، (و) مثل : (همزة - أيدع -) للزعفران - دون يائه وان كانتا من الغوالب لمجامعتهما أصليين فقط ؛ فالزائدة ليست إلّا أحديهما و «أفعل» بزيادة الهمزة في أوّله كثير كأحمر ، بخلاف (فيعل) بزيادة الياء بعد الفاء ؛ فانّه ليس من الاصول المعتبرة المشهورة وان وقع على قلّة كصيقل ، وبيدر ، وضيغم ، وفيه تأمّل (1)، ولذلك
1) أي في عدم فيعل من الاصول تأمل فيه لأن فيعل بفتح العين ليس بخارج عن الأوزان في الصحيح العين كصيرف وضيغم.
منع من الصرف لو جعل علما لأنها كزيادة أوّل الفعل.
(و) مثل : (ياء - تيّحان -) بالفوقانية فالتحتانية المشدّدة المفتوحتين على ما حكاه سيبويه فالحاء المهملة - للذي يتعرّض فيما لا يعنيه ، والمقدام الّذي يوقع نفسه في البلايا - دون الفوقانية الواقعة في أوّله ؛ فان فيه أربعة غوالب : الفوقانية ، وإحدى التحتانيتين ، والألف ، والنون ، مع أصليتين غيرها ، وزيادة الألف والنون كأنها ظاهرة لظهور عدم اصالتهما في مثله ؛ وانّما النظير في بادي الرأي في الآخرين ؛ ويمتنع الحكم بزيادتهما معا لئلّا يبقى على أصليتين فقط ، و «تفعلان» بزيادة الفوقانية في أوّله ليس بموجود بالاستقراء ؛ فيحكم بالزيادة على التحتانية ليكون على «فيعلان» - بفتح الفاء وسكون التحتانية وفتح العين - لوجود نظيره كهيّبان - بتقديم التحتانية المشدّدة على الموحدة - للخفيف والجبان - ومعان أخر ، وقيقبان - بقافين بينهما تحتانية ساكنة وبعدها الموحدة ، لشجر يتخذ منه السروج - ، يقال له : بالفارسية - ازاد درخت - ، وشيصبان - بمعجمة ومهملة بينهما التحتانية وبعدهما الموحدة ، لذكر النمل ، أو حجره ، ويقال : للشيطان ولقبيلة من الجن ، قال حسّان :
ولى صاحب من بني الشّيصبان
فحينا أقول وحينا هوه
ولم نقل انّه «فعّلان» - بتشديد العين - لعدمه ، ومجيء متيح كمنبر ، وتيّاح - بتشديد الياء - بمعنى التيحان وحروفه يدل أيضا على كونه على «فيعلان».
(و) مثل : (تاء عزويت) - بالمهملة فالمعجمة ، لطائر ، ولبلد - دون واوه وان كان كلّاهما من الغوالب على ما زعمه المصنف وان خولف في التاء كما مرّ ؛ وكذلك يائه ، ففيه ثلاثة غوالب جامعت أصليين غيرها لكن الياء كأنها ظاهرة الزيادة في مثله ؛ ويمتنع زيادة الآخرين معا ، فحكم بزيادة التاء ليكون على «فعليت» كعفريت ؛ دون الواو ؛ لعدم «فعويل» ولم يحكم باصالتهما ليكون على «فعليل» كبرطيل - لحجر طوله زراع - ، وشنظير - بمعجمتين بينهما النون وفي آخره المهملة ، لسيّئ الخلق الفحاش - ، لأنّ الواو لا تكون أصليّة مع ثلاثة اصول غيرها إلّا في الأوّل.
(و) مثل : (طاء - قطوطي -) بمهملتين بعد القاف - للمتبختر في مشيه - ، (ولام إدلولى) فلان إدليلاء - إذا أسرع - (دون ألفهما) ؛ فانّ التضعيف والألف في الآخر ، والواو ، من الغوالب ؛ والأصلي غيرها اثنان ؛ وزيادة الواو في مثلها ظاهرة ؛ ويمتنع زيادة الآخرين معا وحكم بزيادة التضعيف ؛ ليكون الأوّل على «فعوعل» كعثوثل - بمهملة ومثلثتين ، للرّجل المسترخي ، والثاني على «إفعوعل» كأعشوشب ، واعرورى - أي سار في الأرض وحده - دون الألف (لعدم «فعولى») ولمجيء : القطوان - بالتحريك - الدالّ على زيادة إحدى الطائين ، (و) لعدم «افعولى». (1)
(و) مثل : (واو - حولايا -) لموضع - دون يائها وان كانت كلتاهما من الغوالب كالألفين ، ففيه أربعة غوالب مع أصليتين غيرها ؛ وزيادة الألفين في مثله ظاهرة ؛ فلا يمكن زيادة الآخرين معا ، و «فوعالى» موجود كزوعالا - للنشاط - على ما قيل وان منعه بعضهم ، بخلاف «فعلايا» ؛ فالزائد هو الواو دون الياء (2)مع ان زيادة الواو الساكنة أكثر وقوعا من زيادة الياء المتحركة.
(و) مثل : (أوّل يهيرّ) - بفتح التحتانيتين بينهما الهاء الساكنة - (و) أحد حرفي (التضعيف) أعني الراء المهملة المشدّدة فيه ، (دون) الياء(الثانية) واحد حرفي التضعيف ، فانّ اليائين والتضعيف فيه ثلاثة غوالب مع أصليتين غيرها فيمتنع زيادة الجميع ، فهو امّا : «يفعلّ» - بزيادة الياء قبل الفاء - ، أو «فعيلّ» - بزيادتها بعد العين - وكلّاهما بتشديد اللّام ، على ان يكون أحد اللّامين مزيدة للتضعيف ، أو «يفيعل» بتوسط الفاء بين اليائين الزائدتين المفتوحتين وسكون العين وتخفيف اللّام - على أن يكون الراآن المدغمتان أصليتين إحديهما عين والاخرى لام ؛ ولا نظير للأخيرين ، فحكم بالأوّل على زيادة الياء الاولى واحد حرفي التضعيف ، وقد يقال :
الأوزان الثلاثة كلّها خارجة عن الاصول ؛ فلا ترجيح إلّا ان يصار إلى ما ذكره سيبويه من عدم المبالاة بالمشدّدة فكأنها واحدة مخففة ، وكأنه (1)يلمع - للسراب - ويرمع - لشيء يلعب به الصبي - ويلمق وهو معرب - للقباء - ، ونحو ذلك ممّا يلوح من كلامهم أنه من الاصول المعتبرة في الأسماء ، فتأمل.
ولعل أصله التخفيف كما حكاه بعضهم ثمّ ضعّف ، أو يكتفي في مقام الاضطراب بوجود النظير ولو في الفعل كيحمرّ - بتشديد الرّاء - فالأوّل له نظير في اللّغة ولو بأن يعتبر كونه منقولا من الفعل ؛ وان كان ذلك الفعل مهجورا ، بخلاف الأخيرين ؛ فانّهما لا نظير لهما في الكلمات.
واليهيّر : صمغ الطلح ، وقال الأحمر : هو الصّلب ، ومنه سمى صمغ الطلح ؛ ويقال : للباطل ، ومعان أخر أيضا ، وقد تزاد في آخره الألف فيقال : يهيرّى بمعنى الباطل - كيحمرّى بمعنى الأحمر - والماء الكثير وغيرهما.
(و) مثل : (همزة - أرونان) - بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح الواو ونونين بينهما الألف - للصوت ، ويقال : أيضا يوم أرونان - أي صعب - وليلة أرونانة - صعبة - ، (دون واوه) ؛ فان فيه أربعة غوالب : الهمزة ، والواو ، والألف ، والنون في الآخر ، وزيادة هاتين ظاهرة فلا يمكن زيادة الآخرين معا ، و «فعولان» بزيادة الواو معدوم النظير ، بخلاف «أفعلان» - بزيادة الهمزة - إذ له نظير فيحكم بزيادتها لوجود النظير ، (وان لم يأت) من ذلك (إلّا) لفظ واحد وهو (أنبجان) - بتقديم النون على الموحدة والجيم - على ما سمعه الجوهري عن أشياخه وقال : قد أثبت في بعض كتب اللّغة بالخاء المعجمة ، يقال : عجين أنبجان - إذا كان مدركا منتفخا -.
هذا الّذي ذكر إذا كانت الكلمة على الزنة الحاصلة على تقدير زيادة بعض
1) أي كان نظيره يلمع وغيره.
الغوالب خارجة عن الاصول ؛ دون الحاصلة على تقدير زيادة بعض آخر ، (فان خرجتا) معا عن الاصول (رجّح) الزائد المحكوم عليه بالزيادة ؛ أو المعنى وقع الترجيح (بأكثرهما) زيادة في الكلام ، وذلك (كالتضعيف في - تيّفان -) بالفوقانية المكسورة والتحتانية المشدّدة والفاء - ، وكذلك - تيّحان - عند من يرويه بكسر الأوّل ، فان في كل منهما أربعة غوالب مع أصليتين غيرها ، وزيادة الألف والنون ظاهرة ؛ ولو حكم بزيادة الفوقانية كان على «تفعلان» ؛ وان حكم بزيادة التضعيف كان على «فيعلان» ؛ وكلّاهما معدوم النظير ، لكن التضعيف أكثر زيادة فحكم بزيادته دون التاء ؛ واعتبرت الزنة الثانية يقال : جاء في تيّفان ذلك - أي في أوّله -.
(و) مثل : (الواو في - كوألل) بفتح الكاف والواو وسكون الهمزة ، للقصير - فان «فوعللا» بلامين مع زيادة الواو ، و «فعألل» بلامين مع الهمزة الساكنة الزائدة قبلهما - كلّاهما خارج عن الاصول ، لكن زيادة الواو أكثر فحكم بزيادتها للالحاق - بسفرجل - ، وقد يمنع كون الهمزة في موقعها فيه من الغوالب بل الغالب فيه الواو والتضعيف ويحكم بزيادة كليهما للالحاق.
(و) مثل : (نون - حنطأو ، وواوها) دون همزتها وان كانت كلّها معدودة من الغوالب ، أمّا الواو فظاهر ، وأمّا الأخريان فكأنهم نزلوهما منزلة الغوالب ؛ لقربهما من الغوالب في شيوع الزيادة في مثلها ؛ أو لغير ذلك وان كانت كل منهما تقع أصليّة أيضا في مثلها ، كالنون في : فندأو - بالفاء - يقال : قدوم فندأوة - أي حادّة - على ما قيل ، والهمزة في : كنتأو ، ثمّ انّه يمتنع زيادة الجميع ؛ إذ ليس معها سوى أصليتين ، فهي إمّا : «فنعلو» بزيادة النون والواو واصالة الهمزة ، أو «فعلأو» ، أو «فنعأل» ، فرجّح الأوّل بأكثريّة الزيادة ، وقد مرّ الكلام فيه.
(فان لم تخرج) الزنة عن الاصول (فيهما) أي في تقدير زيادة أحد الغالبين وتقدير زيادة الآخر(رجّح) الحرف الزائد(بالاظهار الشاذ) اللّازم من تقدير زيادة غيره ان لزم ذلك ، والترجيح به متفق عليه ان لم يكن فيما يلزم هو فيه شبهة
الاشتقاق ، وهي : موافقة بناء لآخر في حروف الاصول من غير ان يعلم التناسب المعنوي بينهما ، واختلفوا فيما وجدت هي فيه ، فقيل : يرجّح بالاظهار الشاذ أيضا ؛ فيختار زيادة ما يسلم عنه ترجيحا للاحتراز عنه ؛ ورعاية للقياس ، (وقيل) : يرجح الزائد(بشبهة الاشتقاق) ، فيختار زيادة ما يشتمل عليها وان لزم الاظهار الشاذ ، لئلّا يلزم كون الكلمة من أصل لم يوجد في استعمالهم.
(ومن ثمّ (1)اختلف في : يأجج) - بفتح التحتانية والجيم الاولى وسكون الهمزة بينهما ، لقبيلة ، ولبقعة بمكّة المشرفة - غير منصرفة للعلمية والتأنيث أيضا باعتبار القبيلة والبقعة ، (ومأجج) - بالميم موقع الياء ، لبقعة من الأرض - غير منصرف بالعلمية والتأنيث المعنوي ، وفي كل منهما غالبان : التضعيف فيهما ، والياء في أحدهما ؛ والميم في الآخر مع أصليين غيرهما ، والزنة على تقدير زيادة التضعيف واصالة الغالب الآخر هي «فعلل» ، وعلى العكس «يفعل ، ومفعل» وليس شيء منها خارجا عن الاصول ، فاختار بعضهم الثاني لشبهة الاشتقاق ؛ لوجود - أجّ (2)- بالهمزة وتشديد الجيم - مع عدم العلم بالتناسب في المعنى وان لزم الاظهار الشاذ ؛ لأنّ القياس في المثلين الأصليين هو الادغام ، واختار بعضهم الأوّل على ان يكون زيادة التضعيف للالحاق بجعفر ؛ ليكون الاظهار قياسا كما مرّ في الالحاق وان لم يكن شبهة الاشتقاق من أصل موجود ؛ لعدم - ياج - بالياء - وماج - بالميم - مع تخفيف الجيم فيهما كذا قيل ، وفي عدم الثاني نظر يظهر من كتب اللّغة ، ولم يحكم على - مأجج - بالميم بأنه «فأعل» بزيادة الهمزة كشأمل وان وجد المجّ - بتشديد الجيم - في اللّغة ، لندوره ولحوقه بمعدوم النظير.
(ونحو : محبب) - بالميم وسكون المهملة وموحدتين - اسم رجل ، (يقوّي) القول (الضعيف) من القولين المذكورين ، وهو الترجيح بشبهة الاشتقاق من : الحب ،
لاتفاقهم على انّه «مفعل» بزيادة الميم واصالة البواقي ، ولو رجح بالاظهار الشاذ لقيل : انّه «فعلل» بزيادة التضعيف للالحاق.
(واجيب) عن هذه التقوية(بوضوح اشتقاقه) فيه من الحب ، ففيه ترجيح للاشتقاق المحقق لا لشبهة مع انّه من الاعلام ويغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها ، ويحتمل الاشتقاق المحقق في : مأجج أيضا على ما يقال ؛ فان الأجّة - شدّة الحرّ - والأجّ : عدو الظليم ونحوه عدوا خفيفا ، فلعلّه اسم مكان اشتقّ من أحدهما لمناسبة وقوعه في البقعة المسمّاة به بوجه ما ، (فاثبتت) شبهة الاشتقاق (فيهما) أي في تقديري زيادة كلّ من الغالبين (فبالاظهار) الشاذ يرجح الزائد(اتفاقا) ، لعدم الترجيح لشبهة الاشتقاق لاشتراكهما فيها ، فيبقى الترجيح بالاظهار الشاذ واختيار ما يخلو عنه وذلك : (كدال - مهدد) - بالميم والمهملتين - من أسماء النّساء ، فانّ الميم والتضعيف من الغوالب ، ويوجد شبهة الاشتقاق على تقدير زيادة كل منهما ؛ لوجود - المهد - بالميم ، والهدّ - بدونها مع تشديد الدال لكن زيادة الميم واصالة الدالين على انّه «مفعل» يشتمل على الاظهار الشاذ ؛ فيختار اصالتها وزيادة إحدى الدالين للالحاق على انّه «فعلل» كما قال سيبويه فيه وفي مأجج ، ليكون الاظهار قياسا.
(فان لم يكن) في شيء من التقديرين (اظهار) شاذ(فبشبهة الاشتقاق) ان كانت في أحدهما دون الآخر يرجح الزائد ، ويختار زيادة ما يشتمل عليها ، (كميم - موظب -) بسكون الواو وفتح المعجمة بعدها الموحدة ، لبقعة من الأرض قرب مكّة ، شرفها الله تعالى - غير منصرف بالعلمية والتأنيث المعنوي.
(و) ميم (معلى) - بفتح الميم وسكون المهملة ، اسم رجل - فانّ الميم والواو والألف من الغوالب ؛ فان حكمت باصالة الميم منهما كانا على «فوعل» و «فعلى» ، وان حكمت باصالة الواو في الأوّل ؛ والألف في الثاني وزيادة الميم فيهما كانا على «مفعل» ، وهذه الأبنية كلّها من الاصول ؛ لكن يوجد على تقدير زيادة الميم شبهة الاشتقاق : الأوّل : من وظب على الشيء وظوبا - إذا دام وان كان شاذا من جهة
فتح العين ؛ لكونه من المثال وحقّه الكسر كموعد ، والثاني : من العلو على انقلاب الألف من الواو الأصليّة ، بخلاف التقدير الآخر ؛ لعدم المظب ، والمعل - بالميم - فيهما ، وأمّا قولهم : معلت الشيء - إذا أخذ بسرعة - فنادر كالمعدوم على ما قيل ، فتأمّل.
(و) ان اشتمل تقدير زيادة أحد الحرفين على الوزن الأغلب ؛ وتقدير زيادة الآخر على شبهة الاشتقاق فتعارضا ففي هذه الصورة(في تقديم أغلبهما) - أي أغلب الوزنين لغلبته (عليها) أي على شبهة الاشتقاق كما ذهب إليه الأخفش (نظر) ؛ لجواز أن يؤدّي تقديمه إلى تركيب مهمل ، وتقديم شبهة الاشتقاق إلى تركيب مستعمل ؛ ولا شك أن اعتبار المستعمل أولى ، كذا قال المصنف.
(ولذلك) الّذي ذكر من اعتبار أغلب الوزنين (قيل) : والقائل هو الأخفش (رمّان) - بضمّ المهملة وتشديد الميم ، لثمر معروف - «فعّال» بزيادة الألف والتضعيف ، لا «فعلان» (لغلبتها) أي غلبة هذه الزنة ، وكونها أكثر من «فعلان» ، (في نحوه) ممّا ينبت من الأرض وان لم يكن أكثر منه في غيره ، وذلك : كالقراص - بالقاف والمهملتين ، للبابونج - ، والحمّاض - بالمهملة والميم والمعجمة ، لنبت له نور أحمر - ، والكرّاث - لبقلة معروفة - ، والعلّام - بالمهملة ، للحناء - ، وجعله الخليل : على «فعلان» بزيادة الألف والنون ، ومنعه من الصرف إذا سمّى به ، ليرجع إلى تركيب مستعمل ؛ لثبوت الرمّ - بتشديد الميم - بمعنى : الاصلاح والأكل ، ففيه شبهة الاشتقاق بل كاد أن يوجد فيه الاشتقاق ، بخلاف الرمن - بالنون - الّذي يلزم على قول الأخفش ، فانّه تركيب مهمل غير مستعمل ؛ أو في حكمه ، فان رمن - بمعنى أقام - ان ثبت فكأنه قليل في حكم المعدوم ، فتأمل.
(فان ثبتت) شبهة الاشتقاق (فيهما) أي في الوزنين (رجّح بأغلب الوزنين) ، لاشتراكهما في شبهة الاشتقاق فيترجح الأغلب ان كان بغلبته.
(وقيل : بأقيسهما) ، وان كان الآخر أغلب منه ؛ لأن اعتبار القياس أولى ، (ومن
ثمّ) : أي من أجل الاختلاف المذكور(اختلف في - مورق -) بالفتح اسم رجل - ، لثبوت ورق ، ومرق ، ففيه شبهة الاشتقاق سواء حكم بزيادة الميم أم بزيادة الواو ، وهو على الأوّل على «مفعل» - بفتح العين - ، وعلى الثاني على «فوعل» كجوهر ، والأوّل أغلب ، والثاني : أقيس ؛ لأن «فوعلا» بفتح العين قياس ، والمفعل - بفتحها - في المثال خلاف القياس ، (دون حومان) - بفتح المهملة وسكون الواو ، لموضع - فانّهم لم يختلفوا فيه ، لعدم مخالفة القياس فيه سواء جعل «فوعلا» بزيادة الواو والألف ، كتوراب - للتراب - ، أو «فعلانا» بزيادة الألف والنون ؛ كسمنان ، وفيه شبهة الاشتقاق على التقديرين ، لثبوت الحوم - بمعنى الدور - ، والحمن ، ومنه : حمنة - لامرأة - ، والحمانة - للصغار من القراد ، لكن «فعلان» أغلب فهو أولى.
هذا الّذي ذكر إذا غلب الوزنان على تقدير ثبوت شبهة الاشتقاق فيهما.
(فان ندرا) على ذلك التقدير(إحتملهما) أي احتمل اللفظ الّذي يراد معرفة الزائد فيه الوزنين ، لاشتراكهما في شبهة الاشتقاق والندرة ؛ فلا ترجيح ، وذلك (كارجوان) - بضمّ الهمزة والجيم وسكون الراء المهملة بينهما ، لصبغ شديد الحمرة ، أو معرّب : أرغوان بالفارسية ، فانّ الألف والنون فيه مزيدتان ، وهو امّا : «افعلان» بزيادة الهمزة أيضا واصالة الواو ، كاسحمان - لجبل - ، والعبان - في اللعاب - ، وافعوان ، واقحوان - للبابونج - ، أو «فعلوان» باصالة الهمزة وزيادة الواو كعنفوان ، وكلّا الوزنين قليلان وان كانا موجودين ؛ وفيه شبهة الاشتقاق على التقديرين ؛ لثبوت رجوت رجاء ، وأرج الطيب يأرج كفرح يفرح ، - إذا فاح -.
(فان فقدت شبهة الاشتقاق فيهما ؛ فبالأغلب) من الوزنين يرجح الزيادة(كهمزة أفعي) دون ألفها وان كانت كل منهما من الغوالب ، لأن «أفعل» بزيادة الهمزة أغلب من «فعلى» بزيادة الألف ، ولا شبهة اشتقاق في شيء من الوجهين ، لعدم - الفعى ، والأفع - ، وقد يقال : ان في الوجه الأوّل يوجد الاشتقاق المحقق من : فعوة السم فلا وجه لا يراد ذلك ههنا!!
(و) مثل : همزة(أوتكان) - بالفوقانية بعد الواو ، لموضع ، أو للقصير - والأوتك من مادته لضرب من التمر ، دون واوهما وان كانتا من الغوالب ، فانّ الألف والنون في الأوّل مزيدتان بلا مرية ، فهو إمّا : «أفعلان» كأنبجان ، وأرونان بزيادة الهمزة ، أو «فوعلان» كحوقران - لرجل - ، وحوتنان - بالفوقانية ، لبلد - بزيادة الواو ، والثاني امّا : «أفعل» أو «فوعل» وشبهة الاشتقاق مفقودة في الوجهين ، لعدم - الأتك ، والوتك - لكن «أفعلان» و «أفعل» أغلب فحملا عليهما ، وقد يمنع ذلك في الأوّل ، بل «فوعلان» أغلب ؛ ولو تنزل عنه فغايته التساوي.
(و) مثل : (ميم - إمّعة -) بكسر الهمزة وفتح الميم المشدّدة بعدها العين المهملة ، لمن يتبع كل أحد لضعف رأيه - فانّ الهمزة والميم فيه من الغوالب ، فهو امّا «فعّلة» على اصالة الهمزة وزيادة إحدى الميمين ، أو «إفعلة» بكسر الهمزة وسكون الفاء وفتح العين - بزيادة الهمزة واصالة الميمين ، وشبهة الاشتقاق مفقودة على التقديرين ، لعدم - أمع ، وممع - بميمين ، و «إفعلة» كانفحة - بالنون والفاء والمهملة المخففة على لغة فيها - للكرش - كما قال الجوهري نادر ، و «فعّلة» أكثر منه كدنّبة - بالدال المهملة والنون المشدّدة والموحّدة ، للقصير - وإمّرة - بالراء المهملة ، لمن يأتمر أي يشاور كل أحد فحمل عليه.
وقد يقال : ان - امّعة - مركبة من حروف كلمتين ، محذوفا بعضها ، وغيرت الهمزة عن الفتحة إلى الكسرة ، وأصله : «أنا معك» أو «أنا معه» كأنه لضعف عقله يقول ذلك لكل أحد ، أو هو من حروف «إنّي معك» فكسرت الهمزة على الأصل ، وكذا يقال : في إمّرة انّها من حروف «أنا مأمورك» كأنه يقول ذلك لكل أحد.
هذا إذا لم يكن الوزنان نادرين مع فقد شبهة الاشتقاق.
(فان ندرا) مع فقدها(إحتملهما) أي اللفظ الوزنين وذلك (كاسطوانة) - بضمّ الهمزة والطاء - وهي انّما تكون مثالا لذلك (ان ثبتت «افعوالة») كما قيل في أقحوانة ، إذ هي عند ثبوتها يحتمل هذه الزنة على ان تكون الهمزة زائدة والنون أصليّة ،
ويحتمل «فعلوانة» أيضا على عكس ذلك ، فيحتمل وزنين هما نادران مع فقد الاشتقاق عليهما ؛ لعدم - السطن ، والأسط - ، (وإلّا) أي وان لم يثبت «أفعوالة» لم تكن اسطوانة ممّا نحن فيه ، إذ حينئذ لا يحتمل إلّا وزنا واحدا نادرا ؛ إذ لو لم تثبت تلك لم يبق احتمال في بادئ النظر سوى «فعلوانة» و «أفعلانة» ، وإذا حقق الأمر«ففعلوانة» هي وزنها كما ذهب إليه الأخفش ، (لا «افعلانة») كما توهمه قوم (لمجيء أساطين) في جمعها ، فيمتنع فيها «أفعلانة» ؛ إذ لو كان وزنها «أفعلانة» كان الطاء عينها والواو لامها والنون مزيدة ، والياء في الجمع هي المنقلبة عن ألفها الزائدة ، فالواو محذوفة ، فيكون هذا الجمع على «أفاعين» بالنون وليس بموجود ؛ على أنها لو كانت منقلبة عن واوها والألف محذوفة كان على «أفاعلن» - باللّام الساكنة قبل النون - وليس بموجود أيضا ، فتعين ان يكون على «فعلوانة» ، وهذا الجمع على «فعالين» كسلاطين ونحوه ، ولو كان «أفعلانة» لقيل في الجمع أساط ، وأساطيّ ، كأقاح وأقاحيّ في : أقحوانة ، ولو فرض ثبوت «أفعوالة» واعتبرت فالجمع أساطين على «أفاعيل» كأناعيم.
(الإمالة) في الأصل : مصدر أمال ، يميل ، من الميل ، وفي الصناعة : (ان ينحى بالفتحة نحو الكسرة) أي يقصد جانب الكسرة بالفتحة ، فقوله : ينحي بالبناء للمفعول من : نحاه بمعنى قصده ، مسندا إلى «نحو الكسرة» على ما قال نجم الأئمّة رضي - على النيابة من فاعله ، والمراد : أن يعدل بالفتحة عن استوائها وتشرب شيئا من صوت الكسرة فتصير بين نفسها وبين الكسرة ، فان كانت هناك ألف صارت بينها وبين الياء لا محالة ، وهذا الحد يشمل جميع أنواعها ، وهي الواقعة في الفتحة قبل الألف ، وهذا الحد يشمل جميع أنواعها ، وهي الواقعة في الفتحة قبل الألف ، وقبل الهاء في نحو : رحمة ؛ وقبل الراء على ما سيفصل إنشاء الله تعالى.
ومن عرّفها بأن : ينحي بالألف نحو الياء فكأنه أراد تعريف غالب أنواعها وإلّا لم يكن جامعا ، وأهل الحجاز لا يميلون إلّا قليلا ، وقد وقعت في القراآت السبع على تفاصيل يظهر من كتب القراءة ، وهي شائعة في لغة تميم ، وقيس ، وأسد ، وعامّة نجد ، واحرص الناس عليها تميم.
وانّما تسمّى إمالة عند المبالغة فيها ، وما لم يبالغ فيه يسمى ترقيقا ، والترقيق انّما يكون قبل الألف.
(و) الأمالة(سببها) المجوز لها لا الموجب (قصد المناسبة ، لكسرة ، أو ياء) لتناسب الأصوات وتصير من نمط واحد ، (أو لكون الألف منقلبة عن) حرف (مكسور ، أو) عن (ياء ، أو) لكون الألف (صائرة) في بعض الأحوال (ياء مفتوحة) ،
فيقصد التنبيه بالامالة إلى ما تصير الألف إليها في تلك الحال ، (أو للفواصل ، أو لامالة قبلها) فيقصد المناسبة لها ؛ والأخير انّما يكون سببا لها(على وجه) من غير أن يكون متفقا عليه ، فهذه أسباب الامالة.
1 - وأوّلها قصد المناسبة للكسرة سواء كانت قبل الألف أم بعدها ، (فالكسرة قبل الألف) لا تكون إلّا مع الفصل ، للزوم إنفتاح ما قبلها ، ويجوز الامالة قبلها مع لزوم تلك الكسرة وعروضها ، لكنها انّما تكون سببا لها فيما كان الفاصل حرفا واحدا ، (نحو : عماد) ؛ أو حرفين أوّلهما ساكن ، فانّه لسكونه حاجز ضعيف فلا يعتد به (و) ذلك نحو : (شملال) - بكسر المعجمة وسكون الميم ، للناقة الخفيفة - وان كان الفاصل حرفين متحركين ؛ أو أزيد من اثنين فلا إمالة ؛ لبعد الكسرة عن الألف إلّا إذا كان أحد ما فصل به هاء فان كثيرا من العرب يميلونها ، (و) ذلك (نحو : درهمان) ممّا فيه الفاصل فوق الاثنين ، وقولك : - أراد ان ينزعها - ممّا فيه الفاصل متحركان ، ومثل هذا إنّما(سوّغه) للامالة(خفاء الهاء) فلا يعتد به (مع شذوذه) ، لأنّ الامالة في مثله لم تقع إلّا في كلام قليل من العرب.
ويشترط عندهم في امالة مثله ان لا يكون ما قبل الفتحة الواقعة قبل الألف مضموما ؛ نحو : يضربها ، لقوّة الضمّة فيقوي الحاجز ، وكأنه انّما مثل بدرهمان إذا أوقف عليه بسكون النون ؛ إذ لو كانت النون مكسورة جاز أن تكون الامالة لكسرتها فلا تكون شاذّة ، ولا ممّا نحن فيه إلّا ان يقال : الاعتداد (1)بكسرة النون لسقوطها عند الاضافة ، كما قيل.
(و) الكسرة(بعدها) أي بعد الألف يطرد امالتها مع لزومها واتصالها بالألف ، كما(في نحو : عالم ، ونحو : من كلام) بالامالة(قليل ، لعروضها) ، بسبب حرف الجر ، لكن قلّتها انّما هي فيما إذا كانت الكسرة العارضة على غير الراء ، (بخلاف) ما إذا
1) وفي نسخة : للاعتداد.
وقعت الكسرة العارضة فيها ، (نحو : من دار) ، فانّ الامالة في مثله كثيرة(للراء) المتكررة في مخرجها ؛ ويتكرّر بتكرّرها الكسرة ، وينجبر عروضها بالتكرّر.
(وليس مقدرها الأصليّة) أي الكسرة المقدرة الأصليّة الّتي حذف حذفا لازما(كملفوظها) في جواز الامالة بسببها(على الأفصح) ، خلافا لقوم ، وذلك : (كجادّ ، وجوادّ) - بتشديد الدال فيهما - فان أصلهما : جادد ، وجوادد - بدالين - الاولى منهما مكسورة فيهما واقعة بعد الألف ، فحذفت الكسرة للادغام ، فهذه الكسرة المقدرة وان كانت أصليّة لكن لما سقطت عن اللفظ سقوطا لازما لم يعتد بها في الأفصح.
(بخلاف سكون الوقف) الّذي به تسقط الكسرة الأصليّة ، كما إذا وقف على : داع ، وماش ونحوهما ، فانّها تؤثر في جواز الامالة على الأكثر ؛ لعروض سقوطها ، وليعلم انّ الكسرة إذا كانت قبل الألف أو بعدها مع الانفصال بأن يكون في كلمة اخرى فقد تمال معها أيضا ، نحو : لزيد مال ، ولعبد الله ، وغلاما بشر ، وثلثا درهم ، لكن الامالة مع الاتصال بأن يكونا في كلمة واحدة أكثر على ما يقال.
(ولا تؤثر الكسرة في) جواز امالة الألف (المنقلبة عن واو) ، خلافا للأكثر ، بل قيل : انّه ممّا تفرد به المصنف والزمخشري وعلى قولهما : يمتنع ان يمال (نحو : من بابه ، وماله) ممّا ألفه منقلبة عن الواو بدليل : أبواب ، وأموال ، في الجمع.
(و) أمّا(الكبا) - بكسر الكاف بعدها الموحدة ، للكناسة - فمجيء الامالة فيه على ما سمع منهم مع انقلاب ألفه عن الواو ، بدليل : كبوت البيت متعين عند غيرهما ، (شاذ) عندهما ، (كما شذ) عند الجميع وقوع الامالة في قولهم : (العشا) - بالفتح والقصر - مصدر الأعشى ، للذي لا يبصر باللّيل ، (والمكا) - بفتح الميم والقصر ، لجحر الثعلب والأرنب ونحوهما - والفهما منقلبة عن الواو بدليل قولهم : إمرأة عشواء ، ومجيء المكو على زنة الدّلو.
(وباب ، ومال ، والحجّاج) علما لا صفة ، من : الحجّ إذ لم يسمع الامالة فيه في
حال الوصفية ، (والناس بغير سبب) من أسباب الامالة فيها ، وذلك في : باب وما بعده حالكونها مرفوعات ، أو منصوبات ، لعدم الشذوذ في امالتها مجرورات عند الجمهور وان كانت ضعيفة ، لعروض الكسرة ، خلافا للمصنف والزمخشري في : باب ومال ، لانقلاب الألف فيهما عن الواو.
(وأمّا : الرّبا ، ومن دار فلأجل الراء) المكسورة القويّة في اقتضاء الامالة وقعت الامالة فيهما وان كانت ألفهما منقلبة عن الواو ، بدليل قولهم : الرّبوان في التثنية ، ودور في الجمع.
2 - (والياء) وهي السبب الثاني (انّما تؤثر) في إمالة الألف إذا وقعت (قبلها) على ما صرح به ابن الدّهان وجماعة وان سكت عنه بعضهم ، ويشترط مع ذلك اتصالها بها كما(في نحو : سيال) - بفتح المهملة - لشجر له شوك ، أو وحدة الفاصل بينهما ، والامالة حينئذ مع سكون الياء كثير(و) ذلك نحو : (شيبان) - لحي من بكر - وربّما جائت مع تحركها كالحيوان ، والحيدان ، بفتح الياء فيهما ، وتمتنع الامالة مع الفصل بأكثر من واحد كقيقبان ، إلّا إذا كان الثاني من الفصلين - هاء - نحو : يدها على ما في التسهيل لابن مالك فيجوز الامالة حينئذ ، إلّا ان يكون الفاصل الأوّل الواقع بين الياء والهاء مضموما نحو : هذه يدها فيمتنع عند ذلك على ما قيل.
3 - (و) الألف (المنقلبة عن) حرف (مكسور) هو الواو ، وانقلابها عنه هو السبب الثالث ، وذلك إذا كانت عينا في فعل يرجع عند اسناده إلى التاء المتحركة في الزنة إلى قولك : «فلت» بكسر الفاء ، (نحو : خاف) ، فان أصله : خوف - بكسر الواو - ، وانّما اجيزت امالتها لأن كسرة الواو تنقل إلى ما قبلها في نحو : خفت فما قبلها كأنه في معرض الكسرة ، ونحو : مات ، ونام يمال في لغة من يقول فيه تاء الضمير نمت ، ومتّ ، بكسر الأوّل ، بخلاف من يقول : نمت ، ومتّ بضمّ الأوّل.
4 - (و) الألف المنقلبة(عن ياء) مفتوحة كانت أو مكسورة ، وانقلابها عنها وهو السبب الرابع تمال في الاسم والفعل ، عينا كانت أو لاما ، (نحو : ناب) واحد
الأنياب ، (والرّحي) واحد الرّحيان ، (وسال) يسيل ، وهاب يهاب ، (ورمى) ، وحكى سيبويه عن بعض العرب : كراهة امالة نحو : رمى لما فيها من المصير إلى الياء المهروب عنها بالاعلال والقلب ألفا ، قيل : وينبغي على هذا كراهتها في نحو : ناب ، وباع لجريان العلّة ، وقال بعضهم : ان امالة المنقلبة عن الياء الّتي هي عين الاسم لم يقع إلّا في لغة بعض العرب الّذين امالوها في حال الجر خاصّة ، وحكى ذلك عن الشاطبي النحوي.
5 - (و) الألف (الصائرة) في بعض الأحوال (ياء مفتوحة) وصيرورتها إيّاها - وهي السبب الخامس - انّما تؤثر لو لم تختص بلغة شاذّة ، كصيرورة ألف نحو : عصا ياء مفتوحة في الاضافة إلى ياء المتكلم ؛ نحو : عصيّ فانّها لا تؤثر لشذوذها واختصاصها بلغة هذيل.
ثمّ انّها مع السلامة عن شذوذ تلك الصيرورة تمال في الاسم والفعل ، (نحو : دعا) ، وزكّى - بالتشديد - واصطفى ، فانّها تقلب فيه ياء مفتوحة في البناء للمفعول وان كان أصلها الواو للكسرة قبلها فيه ، (و) نحو : (حبلى) ، ودعوى ، وبشرى ، وذكرى ، فان ألفه تقلب ياء مفتوحة في المثنى ، كحبليان ، وكذا نحو : نصارى ويتامى من الجموع ، إذ يقال فيهما : في المثنى نصاريان ، ويتاميان مثلا ، فانّ الجمع قد يثنى بتأويل الجماعتين كما قال أبو النجم يصف أبلا :
تبقّلت من أوّل التبقّل
بين رماحي مالك ونهشل (1)
وتثنّى أيضا إذا سمّى بها ، وكذا الأسماء الّتي تقلب ألفها المنقلبة عن الواو ياء في المثنى ، وذلك إذا كانت رابعة فما فوقها كالأعلى ، والمصطفى ، بخلاف الثالثة ؛ فانّها تردّ
1) البيت لأبي النجم العجلي ، الضمير في تبقّلت راجع إلى الإبل في البيت السابق ، والتبقّل : رعي البقل ، يعني انّها رعت البقل من أوّل زمان الرعي - أي أوّل الربيع - بين رماحي هاتين القبيلتين أي في موضع محاربتهما ولم يتمكّن أحد من منع ابله عن الرعي لفرط شجاعته.
فيه إلى أصلها نحو : عصوان ، ولم يعبأوا بانقلابها في التصغير ياء مفتوحة كعصيّة ، لشدّة بعدها عن صورة الألف الممالة باجتماع أمرين فيها لا يكون شيء منهما في الألف أعني : سكون ما قبلها ، والادغام ، (و) نحو : (العلى) - بضمّ الأوّل - وهو جمع كصغر ، وكبر ، وألفه منقلبة عن الواو وتصير ياء مفتوحة في المفرد ، وهو العليا ، (بخلاف : جال) - بالجيم - من الجولان ، (وحال) - بالمهملة - من الحولان ، إذ يقال : في المبنى للمفعول منهما جيل ، وحيل - بسكون الياء - لا بفتحها فتصير ألفهما ياء ساكنة - لا مفتوحة - والساكنة لضعفها كالمعدوم ؛ فلا يعتد بها مع أنها قد تشم في مثل المثالين ضمّة ، وقد تبقى الضمّة ، وقد تبقى الواو أيضا فكسرتها بل نفسها في معرض الزوال ، كذا في شرح المفصل.
6 - (والفواصل) وهي السبب السادس (نحو) قوله تعالى : (وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)(1)الآيات ، فانّ الضحى انّما يمال إذا اميلت بقيّة الفواصل المشتملة على سبب الامالة ، تحصيلا للتناسب ، ولو لا ذلك لما اميل لعدم سبب الامالة فيه ، إذ لا كسرة فيه ، ولا ياء ، ولا ألف منقلبة عن مكسور ، أو ياء ، أو صائرة ياء مفتوحة في حال من الأحوال ، لأنه اسم ثلاثي ألفه منقلبة عن الواو بدليل : الضحوة ، فيقال في المثنى : ضحوان ، ولعل ألفه انّما رسمت بالياء لكونها في معرض الامالة للفواصل ، خلافا لقوم من الكوفيين ، حيث ذهبوا إلى صيرورة الألف من بنات الواو في الثلاثي الّذي أوّله مضموم أو مكسور ياء مفتوحة في المثنى ، فيقال : ضحيان مثلا في الضحى ، وكسيان في الكساء ، فعندهم يتحقق فيه سبب الامالة.
7 - (و) سابع الأسباب أعني : (الامالة) الواقعة بسبب من الأسباب المعتبرة في ألف في الكلمة سبب ضعيف لامالة ألف اخرى في الكلمة خالية عن تلك الأسباب ،
1) الآيات : 1 - 3 الضحى.
وذلك : لأنّ الامالة ليست كسرة محقّقة ، ولا ياء حتّى يعتبر الامالة الثانية لمناسبتها ، ولذلك لم يعتد به إلّا قليل ، (نحو : رأيت عمادا) وقفا ، فانّ الألف الواقعة بعد الميم قد تمال للكسرة اللّازمة قبلها مع وحدة الفاصل ، وقد يمال الألف الحاصلة في الوقف أيضا وان خلت عن السبب لتلك الامالة قبلها ، والامالة كأنها جرت على الامالة فكما انّ الحذف قد يجري على الحذف لانفتاح الباب بوقوع ما وقع أوّلا.
فهذه الامالة والامالة للفواصل في السبب السابق كلتاهما امالة للامالة ، لكنهم اصطلحوا على تخصيص هذا السبب بهذا الاسم فكأنهم زعموا انّ التسمية ثمّه بالفواصل أولى ، تنبيها على انّ الداعي فيه رعاية تناسبها.
(وقد تمال ألف التنوين) الحاصلة في الوقف على المنصوب وان تكن امالة قبلها ليتوسل بذلك إلى ظهورها ، فان امالتها ادخل في بيانها من تخليتها وطبعها ، لكن هذا داع ضعيف إلى تغييرها عن صورتها من غير سبب ، ولذلك حكموا بضعف هذه الامالة ، وهي : (في) ما فيه قبل الآخر ياء ساكنة(نحو : رأيت زيدا) أكثر منها في ما ليس كذلك نحو : رأيت عبدا ، لما في المشتمل على تلك الياء من المشابهة لنحو : شيبان.
فهذا بيان الأسباب.
(و) قد يمنع من الامالة مانع ، ومن ذلك : (الاستعلاء) ، وهو (في غير باب) : ما فيه ألف منقلبة عن واو مكسورة ، نحو : (خاف) ، (و) باب : ما ألفه منقلبة عن ياء نحو : (طاب) ، (و) باب : ما يصير ألفه ياء مفتوحة في بعض الأحوال ، كالصائرة إليها في البناء للمفعول في نحو : (صغي مانع) عنها ، لأن حروف الاستعلاء - وهي : حروف «قظ خصّ ضغط» (1)- يرتفع بها اللسان إلى الحنك الأعلى فيقتضي بقاء
1) قال ملّا علي قاري : قظ : أمر من قاظ بالمكان إذا أقام به في الصيف ، والخص : البيت من القصب ، والضغط : الضيق ، والمعنى : أقم في وقت حرارة الصيف في خص ذي ضغط : أي الدّنيا بمثل ذلك وما قاربه أو المعنى أقنع من الدّنيا بقليل ولا تهتم بزينتها.
الفتحة على أصلها المناسب للاصعاد ، والامالة تقتضي خلاف ذلك فيتمانعان ويشق النطق ، لكن لما قربت أسباب الامالة في باب : خاف وما بعده لم يبالوا فيها بتلك المشقة ، واعتبروا المنع فيما عدا تلك الأبواب عن امالة الألف مع حرف الاستعلاء إذا وقع ذلك الحرف (قبلها) حالكونه (يليها في كلمتها) نحو : صاعد ، وخالد ، (و) كذا إذا وقع في كلمتها(بحرفين) أحدهما هو - أي حرف الاستعلاء - كصواعد ، وضوابط ، (على رأي) نادر ، والأكثر على جواز امالتها حينئذ ، لضعف حرف الاستعلاء بالبعد عنها بالفاصل الآخر عن الممانعة خصوصا مع انكسار المستعلى ، كغلاب ، وطلاب ، لازدياد ضعفه عن الممانعة بالكسرة ، ولذلك لم يذكر سيبويه فيه المنع عن الامالة ، وفي حكمه عند بعضهم سكونه وانكسار ما قبله كمصباح ، ومقلاع ، لضعفه بالسكون حتّى كأنه معدوم فتقوى كسرة ما قبلها على كفه عن الممانعة.
وقوله : «بحرفين» عطف على قوله : يليها.
(و) كذلك الاستعلاء مانعة عن امالة الألف إذا وقع (بعدها يليها في كلمتها) الّتي هي فيها ، كعاصم ، وعاطل.
(و) إذا وقع بعدها(بحرفين) أحدهما هو ، كعاشق ونافخ ، وبالغ ، وهذا إجماعي ، أو كلاهما غيره بحيث يقع بينه وبينها حرفان كمناشيط ، ومواثيق ، وهذا(على الأكثر) ، لصعوبة الأصعاد بالمستعلى المتأخر بعد الانحدار بالامالة حتّى كأنه لا يجدى في استسهاله ما نظر إليه من جوازها وهو تعدد الفصل ، وهذا بخلاف الانحدار بعد الاصعاد ، فانّه مستسهل عند الذوق ، ولهذا ندر القول بالمنع عن الامالة ثمّة مع حرفين أحدهما هو والحال انّ الفاصل بينهما واحد.
وان كان المستعلى المتقدم أو المتأخر مع الألف في كلمتين نحو : منّا خالد ، ومنّا فضل ، وكتاب خويلد ، جازت الامالة ، لأنّ المستعلى صار بانفصاله كالمعدوم ، إلّا إذا كان سببها كسرة عارضة نحو : مررت بعاشق ياسر ، أو كانت الألف صلة الضمير نحو : عرّفها قبل فلان ، فانّ الامالة ممنوعة في هاتين الصورتين على ما صرّح به ابن عصفور وغيره ، والمنع عنها مع كونهما في كلمتين في غير تينك الصورتين مخالف لنصوص النحاة وان أشعر به كلام بعض المتأخرين ، نظرا إلى حصول ما ذكر من السبب للمنع باتصال الكلمتين في النطق.
(والراء غير المكسورة (1)) مضمومة كانت أم مفتوحة(إذا وليت الألف قبلها) كراحم ، وراشد ، (أو بعدها) نحو : هذا حمارك (منعت) من الامالة ، لكون ضمتها أو فتحتها كضمتين فكأنها تمنع الامالة إلّا مع قوّة سببها ؛ وذلك : في الأبواب الثلاثة المستثنات في الاستعلاء ، فهي (2)تمنع عنها(منع) الحروف (المستعلية) ؛ فلا يمال نحو : كرام ، وراحم ، وهذا حمارك ، ويمال من تلك الأبواب مثل قولك : هار الشيء - إذا سقط - لانقلابها عن واو مكسورة كخاف ، وكذا نحو : هل ران (3)- أي غلب - لانقلابها عن الياء ، ونحو : تترى - بفوقانيتين أوّلهما منقلبة عن الواو ، بمعنى متواترا واحدا بعد واحد - لصيرورة ألفه ياء مفتوحة في المثنى ، فيقال : تتريان كما يقال : حبليان.
(وتغلب) الراء(المكسورة) المتأخرة عن الألف المجامعة لها(المستعلية) (4)المتقدّمة على تلك الألف ، (و) كذلك تغلب الراء المكسورة المتأخرة الرّاء(غير
المكسورة) المتقدّمة.
والحاصل : أن هاتين المتقدمتين على الألف يمنعان امالتها ، والراء المكسورة المتأخرة يقتضي جوازها فتقع التعارض وتغلبهما الراء المكسورة ، لقوتها في اقتضاء الامالة ، لكن يشترط في ذلك عدم المستعلى المتأخر نحو : طارق ، فانّه لا يمال لما في امالته من صعوبة الاصعاد بسبب المستعلى المتأخر بعد الانحدار بالامالة ، (فيمال) نحو : (طارد ، وغارم) ، ومن أبصارهم ، وفي الغار ، (و) نحو : (من قرارك) ، و(إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ) ، لغلبة الراء المكسورة المتأخر على المستعلية المتقدمة في : طارد وما بعده ، وعلى الراء المفتوحة المتقدمة في : «من قرارك» وما بعده.
هذا إذا وليت الراء الألف.
(فاذا تباعدت) عنها(فكالعدم في المنع) عن الامالة إذا لم تكن مكسورة(و) في (الغلب) عند إنكسارها على المستعلى المتقدم ، والراء غير المكسورة ، (عند الأكثر) (1)؛ (فيمال) نحو : (هذا كافر) ، ورأيت كافرا ، وان اشتمل على الراء الغير المكسورة ، لسقوطها بالبعد عن درجة المنع عن الامالة ، (ويفتح) فتحا صريحا بلا امالة نحو : (مررت بقادر) أي يفتح ما قبل الألف في نحوه ، وان كان فيه الراء المكسورة المتأخرة عن الألف ، لضعفها بالبعد عن الغلبة على المستعلى المتقدم المانع عن الامالة ، هذا عند أكثر العرب.
(وبعضهم يعكس) ما ذكر من الحكمين ، فيفتح نحو : هذا كافر بلا إمالة ، ويميل نحو : مررت بقادر ، لقوّة الراء في المنع والغلب بحيث لا يؤثر فيها الفصل بحرف واحد ، وعلى ذلك ورد ما سمع سيبويه من الامالة في قول سماعة النعامي يهجو أحد بني نمير بن قادر :
1) وجملة «عند الأكثر» غير موجودة في هذا الشرح فهي من زياداتنا لأنها كانت موجودة في غيره.
عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر
بمنهمر جون الرّباب سكوب (1)
والسكوب : فعول للمبالغة من السكب وهو الصب. والمعنى : عسى الله ان يغنينا عن الذهاب إلى بلادهم للماء والكلاء وجلب الطعام بمطر سكوب يمطر في بلادنا يكثر به النبات والماء والطعام ، ويحتمل أن يريد : عسى الله ان يغني الناس عن بلاد ابن قادر بمطر عظيم يمطر في تلك البلاد ويخربها بحيث لا يبقى آثارها.
أي بمطر منصب جون السحاب ، (وقيل) : انّ العكس المذكور(هو) المذهب (الأكثر) ، وان وقعت الراء المكسورة قبل الألف فهي لازمة البعد عنها ، للزوم انفتاح ما قبلها ، وربّما ظهر من كلام بعضهم الاجماع على عدم تأثيرها هذه في الغلبة على الممانع عن الامالة سواء تقدم ذلك الممانع على الألف كرقاب أم تأخر عنها كرباط.
فهذه أحكام ما هو الأصل الغالب في امالة الفتحة ، وذلك قبل الألف.
(وقد يمال) امالة شائعة في لغة أهل البصرة والكوفة وما قرب منهما على ما قال سيبويه ، (ما قبل - هاء - التأنيث) المبدلة عن تاء التأنيث في الاسم (في الوقف) ، كأنهم حملوها على ألف التأنيث كحبلى ، للتشابه في اللفظ من حيث الخفاء والمخرج الّذي هو اقصى الحلق ، وفي معنى التأنيث ، والاختصاص بالاسم ، ولزوم الفتحة في الحرف المتحرك قبل كل منهما ، بخلاف تاء التأنيث على صورتها ، فانّهم اتفقوا على المنع من الامالة معها سواء كانت في الفعل أم في الاسم ، لخلوها عن الشبه اللفظي بالألف ، وامّا هاء السكت نحو : (مالِيَهْ) و(كِتابِيَهْ) فقد زعم جواز الامالة معها بعض النحاة ، وقرأ بها أبو مزاحم الخاقاني عن الكسائي ، وذكر بعض المحققين انّ الأصح المنع.
ثمّ انّ جواز الامالة قبل - هاء - التأنيث مطرد ولو مع المستعلى والراء ، كاطرادها في ألف التأنيث ولو معهما كالوسطى ، والذكرى (2)، لكونها - أي ألف التأنيث -
إحدى الصور الثلاث المستثنات عن ممانعة المستعلى والراء ، لانقلابها - ياء - في المثنى ، بل الهاء أولى بأن يتساهل معهما بتجويز الامالة ، لضعف أثر الامالة معها ، لانحصاره في ميل الفتحة إلى الكسرة ، بخلافها مع الألف ، فانّها تؤثر مع ميل الفتحة إلى الكسرة في ميل الألف إلى الياء.
فمن ثمّ (1)منعوا عن الامالة بالكلية مع الألف في غير تلك الصور الثلاث مع المستعلى والراء ، وجوزوها مع الهاء مطلقا ، لكنّها يختلف في الحسن والقبح ، (و) التفصيل انّها(تحسن) إذا لم يكن المفتوح قبلها مستعليا ولا راء(في نحو : رحمة) ، ونشدة ، لما في امالتها إلى الكسرة من زيادة البيان لها ، فانّها في معرض الخفاء مع الفتحة مع ما فيها من مراعاة المناسبة للألف ، ولا مانع عنها في نحو ذلك فيستحسن اختيارها.
(وتقبح في الراء) المفتوحة قبلها(نحو : كدرة) ، وغبرة ، لما في فتحها من القوّة والتكرّر فيقوي ممانعتها عن الامالة فيستقبح.
(وتتوسط) في الحسن والقبح (في) حروف (الاستعلاء) الواقعة قبلها ؛ (نحو : حقّة) ؛ وموعظة ، لخروجها الحسن الكامل بما في تلك الحروف من المنافرة للامالة ؛ ولم يكن في مرتبة الراء في الاستقباح ، لعدم التكرّر في حركة المستعلى وان كان المستعلى في نفسه أقوى في الممانعة عن الامالة ، ومن ثمّ اميل نحو : عمران دون برقان.
ومنع بعضهم عن امالة ما قبل الهاء إذا كان مستعليا ؛ أو حاء ، أو عينا مهملتين ، كصالحة ، وقارعة ، وناشطة وقبضة ، وبالغة ، أو ألفا كالصّلوة ؛ وفاقا للكسائي على ما في الشاطبية ، وقد يروي عنه المنع في الألف خاصّة.
1) أي ومن أجل انّ الهاء أولى بأن يتساهل معهما.
(والحروف لا تمال) ، لبعدها عن التصرف ، والامالة تصرّف ، ولأن الفاتها لا أصل لها في الياء ، (فان سمّى بها فكالأسماء) هي في جواز الامالة ان تحقق فيها سبب لها ؛ كما إذا سمّى ب - إلّا - بتشديد اللّام - لأنّ الألف الرابعة في الاسم تصير ياء مفتوحة في المثنى ؛ فيقال : إلّيان مثلا ، بخلاف على الجار ، فانّها عند التسمية بها في عداد الأسماء المجهولة الألف فيحمل على بنات الواو ، لأنها أكثر فيما علم حاله ، فيقال : في المثنى علوان - بالواو - لكونه ثلاثيا ، فلا تمال لعدم الكسرة ، وامّا : إلى - فتمال عند التسمية وان حملت على الواوي للكسرة ، خلافا للزمخشري والمصنف ، حيث منعا عن امالة ما أصله الواو كما مرّ. (1)
فهذا هو الأصل ، ولكن خولف ذلك (واميل - بلى -) من حروف الجواب ، (ويا) للنداء ، (ولا) النافية(في) قولهم : إن تفعل كذا فافعل و (إمّالا) أي وان كنت لا تفعل فتكلم وأخبر بأنك لا تفعله حتّى نعالجه نحن ، وانّما اميلت هذه المذكورات (لتضمنها الجملة) ؛ فان بلى - في جواب من قال : أم تفعل كذا (2)- بمنزلة فعلت ، ومتضمنة معناه ، و- يا - بمنزلة أدعو ، وإمّا لا بمنزلة إن كنت لا تفعل ، فاقيم - ما - مقام الشرط وادغمت في النون من إن الشرطية ، واقيم لا مقام لا تفعل ، وقد يصحّح - امّا - بفتح الهمزة على انّها جزء من قولهم : وأمّالا أنا أفعل ، والأصل : ولأن كنت لا تفعل - أي ولعدم فعلك أنا أفعل - فحذفت لام الجر والفعل واقيم ما مقامه وادغمت.
وحكى قطرب : إمالة - لا - النافية في غير ما ذكر أيضا ، لأنها قد تقوم مقام
الجملة كما يقال : هل تفعل كذا فتقول : لا ، ويحكي عن بعض بني أسد : امالة فتحة الفاء من (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ)(1)والواو من (وَأَنَّا ظَنَنَّا)(2)لمناسبة كسرة ما يليهما.
(وغير المتمكن) من الأسماء(كالحرف) في انّ الأصل فيها المنع عن الامالة ، للتشابه في عدم التصرف ، (و) لكن من تلك الأسماء(ذا) الاشارية على ما حكاه سيبويه ، (وأنّى) الاستفهامية بمعنى : كيف ومن أين؟ (ومتى) الاستفهامية ، (كبلى) من الحروف في جواز الامالة على خلاف الأصل ، لكونها مثلها في القيام مقام الجملة ؛ كما يقال : ذا ، لمن قال : من جاء؟ ، وأنّى؟ لمن قال لك ألف دينار ، ومتى؟ لمن قال : قدم زيد من سفره ، كأنه قيل : جاء ذا وأنّى لي ألف دينار - أي من أين - ومتى قدم زيد ، مع ان - ذا - الاشارية تشبه الأسماء المتمكّنة في جريان بعض التصرّفات كالتصغير ، والتثنية ، وألفه منقلبة عن الياء.
وأمّا : متى ، وأنّى الشرطيتان فلا تمالان ، لعدم الاستغناء بها (3)عن الجملة الشرطية الّتي بعدها. (4)
وجائت الامالة في : هاء - ضمير الغائبة ، و- نا - ضمير المتعدّد من المتكلّم إذا كانا مسبوقين بالكسرة أو الياء ؛ نحو : بها ، وبنا ، وإليها ، وإلينا كذا قيل ، وفي الكشاف : انّ الحسين بن عليّ قرأ - أنّا - في : (أَنَّا صَبَبْنَا) بالامالة ، وجائت أيضا في أسماء حروف التهجي نحو : با ، تا ، وبالغوا في ذلك حتّى أمالوا مع الاستعلاء نحو : طا ، ظا ، لبيان الفاتها كما قلبت بعض الألفات ياء صريحة في الوقف ، للبيان كما مرّ.
(وأميل عسى) وان كان فعلا غير متمكّن لا يبني منه مضارع ، ولا أمر ، ولا
غيرهما ، فتشبه الأسماء الغير المتمكّنة الّتي حقّها المنع عن الامالة ، والوجه في امالته : ان ألفه تصير ياء عند اتصال الضمير ، (لمجيء : عسيت) فكأنه في ظهور الياء كالمتصرف من نظائره من الأفعال الّتي الفاتها منقلبة عن الياء ، ويظهر يائها عند الضمير كرمى ، وهدى.
(وقد تمال الفتحة) الكائنة على غير الياء حالكون تلك الفتحة(منفردة) عن الألف ، وهاء التأنيث واقعة قبل الراء المكسورة ، سواء كانت متصلة بها(نحو : من الضرر ، ومن الكبر ، ومن المحاذر) بصيغة اسم المفعول ، ليكون ما قبل الراء مفتوحا ، أم منفصلة عنها بساكن غير الياء ، من بكر ، وسواء كانت تلك الراء متطرفة كهذا الأمثلة أم لا ، نحو : عرد ، ومنفرد ، خلافا لابن مالك في بعض كتبه ، حيث اعتبر التطرّف ، وسواء كانت الراء والفتحة في كلمة مثل : ما ذكر ؛ أم في كلمتين نحو : إن خبط رياح كذا كما قال سيبويه.
وإنّما اميلت الفتحة في مثل ذلك؟ لقوّة كسرة الراء ، ولذلك لم يمنع منها المستعلى المتقدّم كما في الضّرر ، ولا كون المفتوح نفسه مستعليا نحو : من الصّغر ، ومن المطر ، بخلاف غير الراء من الحروف ، فان كسرتها لا تقوي على جلب امالة فتحة من غير سبب ، وقد منعوا عن امالة الفتحة قبل الراء إذا كانت على الياء نحو : أعوذ بالله من الغير (1)، أو على ما ينفصل عنها بساكن هو الياء ، كنظرت إلى بحير - مصغّرا - لما في الامالة مع الياء الصريحة من صيرورة الفتحة في معرض الخفاء ، بخلاف الياء المشوبة الحاصلة من امالة الألف فيما تقدم.
وإذا اميلت الفتحة في نحو : محاذر - لم تمل الألف ، لعدم قوّة كسرة الراء على جلب امالتين ، فان تأخر المستعلى عن الراء كفرق ، وشرق منعت الامالة كما قال
1) غير الدهر كعنب ، أحداثه المغيرة كذا في القاموس ، أي حوادثه الّتي تغير الأحوال.
سيبويه ، لما مرّ من صعوبة الصعود بعد الانحدار.
وقد تمال الضمّة نحو الكسرة قبل الراء المكسورة متصلة بها نحو : سرر ، أو مفصولة بساكن كعمر - بضمّ العين وسكون الميم - وان كان ذلك الساكن واوا كمذعور اميلت نحو الياء ؛ كما تمال الضمّة نحو الكسرة على ما قال سيبويه ، خلافا للأخفش حيث ذهب إلى ابقائها على صراحتها وان مالت الضمّة نحو الكسرة ، وهذا الّذي ذهب إليه متعسر في النطق بل متعذر على ما قيل.
(تخفيف الهمزة) : شائع في لغة قريش وأكثر الحجازيين لثقلها وشدّتها ؛ لكونها من أقصى الحلق ، ولها نبرة (1)كريهة تجرى مجرى التهوع فثقل على اللّسان ، وروى عن أمير المؤمنين «كرّم الله وجهه» : انّ القرآن نزل بلغة قريش وليسوا بأصحاب نبرة ولو لا ان جبرئيل «عليهالسلام» نزل بالهمزة على النبيّ صلىاللهعليهوسلم لما همزنا» كذا في شرح نجم الأئمّة ، وترك التخفيف هو الأصل في لغة تميم وقيس.
وتخفيفها(يجمعه) ثلاثة أقسام ، لانحصاره فيها بالاستقراء ، وهي : (الابدال) بحرف غيرها على الوجه الّذي يأتي - إنشاء الله تعالى - ، (والحذف) ، والتسهيل الّذي يأتي - إنشاء الله تعالى - ، (والحذف) ، والتسهيل الّذي يقال : له الترقيق أيضا ، (و) هو جعلها(بين بين - أي بينها وبين حرف حركتها -) أي بين نفسها والحرف المجانس لحركتها ؛ وهو الألف ان كانت مفتوحة ، والواو ان كانت مضمومة ، والياء ان كانت مكسورة ، وهذا هو بين بين المشهور.
(وقيل :) لا يتعين فيه ذلك ، بل هو امّا ذلك (أو) (2)جعلها في بعض الصور على ما يتّضح بعد ذلك - إنشاء الله تعالى - بينها وبين (حرف حركة ما قبلها) ، كما يقال في : سئل - على البنا للمفعول - سول ؛ بجعل الهمزة المكسورة بينها وبين الواو المجانسة لحركة ما قبلها ، وهذا يقال له بين بين البعيد.
وبين بين في باب : تخفيف الهمزة اسمان جعلا واحدا وكلّاهما بنيا على الفتح ،
نحو : خمسة عشر ، وكذا قولهم ، هذا الشيء بين بين - أي بين الجيد والردي - كذا قال الجوهري في موضع من الصحاح.
ثمّ ان بين بين هو الأصل في تخفيف الهمزة ، لأنه تخفيف مع بقائها بوجه ما ، ثمّ الابدال أصل بالنسبة إلى الحذف ، لما فيه من التعويض عنها بما ابدلت إليه ، بخلاف الحذف.
(و) تخفيفها مطلقا(شرطه ان لا تكون) هي (مبتدأ بها) (1)في النطق ، كأحد ، وإبل ، وامّ ، لعدم استثقالها في الابتداء على ما قالوا ، أو لأن بين بين وهو الأصل والأكثر فيه يقتضي اسكانها عند الكوفيين ؛ وضعف حركتها بحيث يقرب من السكون عند غيرهم ؛ فلا يناسب الابتداء ، للتعذّر والتعسّر ، وحمل عليه القسمان الآخران ، والمحذوف للتخفيف في نحو : خذ ، وكل ، هو الهمزة الثانية وامّا الوصلية فلم يحذف للتخفيف ، بل للاستغناء عنها بحصول الحركة بعدها بعد حذف الثانية الساكنة ، وامّا : الّتي لم يبتدأ بها فيجري فيها التخفيف وان كانت أوّل الكلمة ، نحو : جاء أحدهم ، و(قَدْ أَفْلَحَ) في الوصل.
(وهي : ساكنة ، ومتحركة ، فالساكنة) عند تخفيفها بالابدال (تبدل بحرف حركة ما قبلها) سواء كانت هي وما قبلها في كلمة واحدة(كراس) بابدالها ألفا لانفتاح ما قبلها ، (وبير) ، وجيت ، في المسند إلى المتكلم من : جاء بابدالها ياء ، لانكسار ما قبلها ، (وسوت) في الماضي المتكلم من : ساء ، بابدالها واوا ، لانضمام ما قبلها ، أم كلمتين ، (و) ذلك نحو قوله تعالى : (إِلَى الْهُدَى ائْتِنا)(2)بقلب الهمزة الثانية الأصلية ألفا ، لانفتاح الدال قبلها ، فانّه أمر من : الاتيان ، وأصله : إئتنا بهمزتين ،
وتقلب الهمزة الثانية منه ياء ؛ لانكسار همزة الوصل قبلها ، وتعاد عند الوصل بالهدى ، لحذف همزة الوصل المكسورة حينئذ فيلتقي ساكنان : الألف من الهدى ، والهمزة من ائتنا ، فحذفت الألف لكونها آخرا في كلمتها ، فوقعت فتحة الدال قبل الهمزة فابدلت ألفا ، لمجانستها(و) قوله تعالى : (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ)(1)بقلب همزته الثانية الأصلية ياء ، فانّه ماض مجهول من الايتمان من الأمانة ، وأصله : اؤتمن - بهمزتين - وتقلب الثانية واوا لانضمام همزة الوصل قبلها ، فلمّا حذفت في الوصل بالّذي عادت الهمزة الثانية الساكنة ملاقية للياء الساكنة من الّذي ، وحذفت الياء فوقعت كسرة الذال قبل الهمزة المعادة ، فابدلت ياء لمجانستها.(و) قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي)(2)بابدالها واوا ، فان أصله : إءذن - بهمزتين - وهو أمر من الاذن ، فتقلب الثانية الأصلية ياء لكسرة همزة الوصل قبلها ، وتعاد عند الوصل بيقول ، لحذف همزة الوصل المكسورة فتقع بعد ضمّة اللّام فتبدل واوا.
(و) الهمزة(المتحرّكة أن كان قبلها ساكن) وذلك الساكن (هو واو ، أو ياء زائدتان) في بنية الكلمة ، (لغير الالحاق قلبت) الهمزة(إليه) - أي إلى ذلك الساكن - للتشارك في صفة الجهر وان لم يتقاربا في المخرج ، (وأدغم) ذلك الساكن (فيها) ، لشدّة الاعتناء بتخفيف الهمزة ؛ وكون غير هذا الوجه من طرقه كالمسدود ، لما في جعلها بين بين من القرب إلى التقاء الساكنين ؛ لقرب حركتها من السكون وسكون ما قبلها ، وما في حذفها ونقل حركتها إلى ما قبلها من تحريك ما لا أصل له في الحركة (3)مع الاستغناء عن تحريكه بالابدال والادغام على الوجه المذكور ، فاختير
هذا الوجه وان اشتمل على المخالفة للقياس ، فانّ القياس هو قلب الأوّل إلى الثاني للتوسل إلى الادغام ، لا العكس كما هنا ، فهذا مع ذلك كأنه أهون عندهم ممّا يلزم على الوجهين الآخرين (1)فكرهوا إعتبارهما مع امكانه ، وذلك : (كخطيّة) - بتشديد الياء - في خطيئة بالهمزة بعد الياء الساكنة المزيدة في «فعيلة» (ومقروّة) - بتشديد الواو - في : مقروءة بالهمزة بعد الواو الساكنة المزيدة في اسم المفعول من قرأ ، (وافيّس) - بتشديد الياء - في : افيئس بالهمزة بعد الياء الساكنة المزيدة ، لتصغير أفؤس جمع فأس - بالفاء والهمزة والمهملة - لضرب من السلاح ، ولحديدة اللجام القائمة بالحنك ، ففي جميع هذه ونظائرها تبدل الهمزة إلى الساكن قبلها وتدغم على وجه الجواز من غير لزوم في شيء من نحو ذلك ، لما علم بالاستقراء من مجيء اثبات الهمزة أيضا في كل ما هو من هذا القبيل.
وامّا ما زعمه جماعة من النحاة منهم سيبويه من خلاف ذلك (وقولهم التزم) ذلك الّذي ذكر من الابدال والادغام (في - نبيّ ، وبريّة -) بالياء المشدّدة فيهما - من النبأ - بمعنى الخبر - ، وبرأ - بمعنى خلق - وأصلهما : نبيء ، وبريئة ، بالهمزة بعد الياء الساكنة المزيدة في «فعيل» و «فعيلة» ، فهو (غير صحيح ولكنه كثير) ، وكيف يصح دعوى التزام ما ذكر فيهما والحال أنهما باثبات الهمزة ، حيث وقعا في القرآن في قراءة أهل المدينة وفاقا لابن ذكوان من أهل الشام في الثاني.
وقيل : لعل من ادعى الالتزام المذكور يمنع ثبوت تلك القراءة ، فان تواتر القراآت السبع ليس متفقا عليه ، فيشكل الرد عليه بها ؛ مع احتمال ان يكون مراده التزام ذلك على قراءة الأكثرين ، وفي استعمال أكثر أهل التخفيف كما يشعر به كلام بعض من ادعى ذلك.
ثمّ انّ ما ذكر انّما هو على تقدير كونهما مهموزين كما قلنا ، وهو مذهب سيبويه ،
1) وهما : بين بين ، والحذف.
وامّا على تقدير جعل الأوّل من : النبوّة - بمعنى الارتفاع - ، والثاني من : البري - بمعنى التراب - ، فهما خارجان ممّا نحن فيه.
(وان كان) الساكن الواقع قبل الهمزة المتحركة(ألفا) نحو : قراءة ؛ (فبين بين) الموصوف بأنه (المشهور) ، أعني : قلبها إلى جنس حركة قبلها نفسها - هو الطريق في تخفيف تلك الهمزة ، فتجعل بين نفسها والألف ان كانت مفتوحة نحو : قراءة ، وبينها وبين الواو ان كانت مضمومة كالتساؤل مصدر : تساءل يتساءل ، وبينها وبين الياء ان كانت مكسورة نحو : سائل.
واغتفر ما يلزم فيه من القرب إلى التقاء الساكنين ، لكراهة ترك التخفيف وانسداد غير هذا الوجه من طرقه ، فكأنه مضطر إليه ، لأنّ الألف لا تقبل الحركة ولا تكون مدغمة فيها ، فلا يمكن نقل الحركة إليها من الهمزة وحذفها ، ولا الادغام ، والابدال ، بخلاف ما تقدم ، لأنّ الساكن فيه صالح للادغام ، ويمتنع ههنا بين بين البعيد ؛ وهو قلبها إلى جنس حركة ما قبلها ، لعدم الحركة لما قبلها ، لأنه ألف.
(وان كان) الساكن المتقدم على الهمزة المتحركة متصلا بها(حرفا صحيحا ، أو معتلا غير ما ذكر) (1)من الألف ، والياء والواو المزيدتين لغير الالحاق ، سواء كان ذلك المعتل واوا ، أو ياء ، أصليتين أم واقعتين موقع الأصلي ، بأن تكونا زائدتين للالحاق ، (نقلت حركتها إليه) - أي حركة الهمزة إلى ذلك الساكن - ؛ (وحذفت) تلك الهمزة ، لما في ابقائها ساكنة من الاستثقال المخل بغرض التخفيف ، فانّ الهمزة الساكنة أيضا مستثقلة.
ولم تحذف مع الحركة من غير نقل للحركة ، لئلّا يلزم الاجحاف بحذف حرف مع حركته من غير حاجة ؛ واختير الحذف على قلبها إلى جنس الحركة المنقولة عنها إلى ما قبلها على ما اجازه الكوفيون ، قياسا مطردا ان كانت الحركة المنقولة
1) وفي غير هذا الشرح : «غير ذلك» بدل قوله غير ما ذكر.
فتحة ؛ وحكاه سيبويه حاكما بقلّته ؛ نحو : المراة ، الكماة - بالألف - ، وعلى الادغام المذكور فيما تقدم ، لما في حذفها بعد نقل حركتها من كمال التخفيف ، وبقاء الأثر ، فيستكره مع امكانه إختيار غيره ، والعدول عنه مع الألف ، والياء والواو الساكنتين المزيدتين لغير الالحاق ، لتعذر نقل الحركة إلى الألف ؛ واستهجان نقلها إلى الأخريين ، لعدم الحظ لهما من الحركة ، لأنّ الساكنة الزائدة منهما تنحصر بالاستقراء في المدّة - كخطيئة ، ومقرؤة - وما جرى مجراها في لزوم السكون بالوضع ان وجدت - كياء التصغير - ، بخلاف الصحيح والمزيدة للالحاق من الياء ، والواو ، والأصلية منهما ، فانّها قد تكون متحركة وان إتفق سكونها فيما أريد تخفيفها.
هذا غاية ما يقال ههنا فتأمّل.
وقد تحول الهمزة في مثل ذلك (1)عن موضعها الّذي حقها الحذف لو بقيت فيه وتقدم على الساكن مع اسكانها وتحريك ذلك الساكن بحركتها ، فيصير حكمها القلب إلى جنس حركة ما اتفق قبلها ، ومنه قولهم : ياسل - بالألف - في : يسأل ، ويايس على ما قرأ به البزي في رواية في : ييئس.
ثمّ انّ الهمزة والساكن قبلها فيما نحن فيه ، قد يكونان في كلمة واحدة(نحو : مسلة) - بفتح السين بلا همزة - في مسئلة - بالهمزة المفتوحة وسكون السين - الّتي هي حرف صحيح ، (وخب ، وشي ، وسو) - بالحركة المجلوبة عن العامل على الموحدة ، والياء والواو الأصليتين - في : خبء - للغائب المستور - ، وشيء ، وسوء ، كلّها بالهمزة المتحركة بالحركة المجلوبة عن العوامل مع سكون تلك الحروف قبلها ، (وجيل ، وحوبة) - بلا همزة مع فتح الياء والواو - المزيدتين فيهما للالحاق بنحو : جعفر ، نقلا عن الهمزة في : جيأل - بالجيم - وهو علم لجنس الضبع ، معرفة بلا آلة التعريف ، وحوأبة - بالمهملة وفي آخرها الموحدة - وهي : من الدّلاء والعلاب (2)ما
كان في غاية الضخامة ، وربّما يشعر كلام بعضهم باصالة واوها وزيادة الهمزة ، وهو ضعيف ، لجريان «فعألة» بزيادة الهمزة بعد العين الساكنة مجرى معدوم النظير مع كثرة «فوعلة».
والحوأب : بلا هاء - يقال : للواسع من الأودية ، ولماء بطريق البصرة.
(و) قد يكونان في كلمتين نحو : (أبويّوب ، وذومرهم ، وابتغي مرهم ، وقاضوبيك) بحذف الهمزة من : أيّوب ، وأمرهم ، وأبيك ، بعد نقل فتحتها إلى الساكن قبلها ، ونحو : من مّك ، وكم بلك ، بحذفها في : أمّك ، وابلك ، بعد نقل ضمتها من الأوّل ، وكسرتها من الثاني إلى ما قبلها الساكن.
والواو في : قاضو - جمع قاض - علامة الجمع ، والياء في : إبتغى ضمير المخاطبة ، فهما كلمتان مستقلتان قابلتان للحركة ، كما في : إخشونّ ، واخشينّ ، وليستا من الزائد لغير الالحاق في بنية الكلمة ، وجاء حذفها بعد نقل حركتها إلى ذي حركة من كلمة اخرى إذا لم تكن حركة إعرابية بل بنائية ، لكنه شاذ ؛ نحو : قال سحاق - بكسر اللّام - ، وقال سامة - بضمتها - نقلا من الهمزة في : إسحق ، واسامة ، وحذفها بدون النقل أقلّ ؛ نحو : قال سحاق - بالفتح -.
وقد تسكن وتحذف بعد الألف من كلمة اخرى مع حذف الألف ان سكن ما بعدها بالتقاء الساكنين ، نحو : محسن في : ما أحسن ، بخلاف : ما شدّ في ما أشدّ ، لتحرك ما بعد الهمزة كما في قوله :
ما شدّ أنفسهم وأعلمهم بما
يحمي الذّماربه الكريم المسلم (1)
1) البيت لم أقف له على نسبة إلى قائل. ما شدّ أنفسهم : فحذفت الهمزة من أشد ، وهو للتعجب ، وأعلمهم : معطوف عليه ، وبما : متعلق بأعلمهم ، وبه : متعلق بيحمى. والذمار : ما يلزم حفظه وحمايته وهو مفعول يحمي ، وفاعله الكريم المسلم. يتعجب من شدّة أنفسهم وقوتها وعلمهم بأسباب حماية ما يلزم حمايته.
(وقد جاء) على قول بعضهم (باب) ما الساكن فيه الواو والياء الأصليتان ، نحو : (شيء ، وسوء ، مدغما) بعد قلب الهمزة إلى ذلك الساكن ، كما في الزائدة لغير الالحاق ، نحو : خطيئة ، فيقال : شيّ ، وسوّ ، مثلا بالتشديد والتحريك بحسب العوامل.
(والتزم ذلك) الوجه الّذي ذكر من النقل والحذف (في باب :) ما حصل بزيادة في الأوّل على تركيب - راي - مع اسكان الراء ، وكان كثير الدوران في الاستعمال ، نحو : (يرى) مضارع رأي ، (أرى ، يرى) في باب الافعال منه ، والأصل : يرأي - كيمنع - وأرأى يرأى - كأعطى يعطى - فحذفت الهمزة في الجميع بعد نقل حركتها إلى الراء الساكنة على ما هو المتعين في تخفيف الهمزة من مثل ذلك. (1)
وانّما التزم ذلك في هذا الباب وان كان في غيره على وجه الجواز ، (للكثرة) الّتي لهذا الباب في استعمالاتهم فيناسبها الحذف والتخفيف ، فالتزم ذلك فيه إلّا مع الضرورة كقوله :
ألم تر ما لاقيت والدّهر أعصر
ومن يتملّ العيش ير أو يسمع (2)
أي من يستمتع من العيش ، ويعمّر طويلا فهو يرى ويسمع أشياء كثيرة.
وأثبتوا الهمزة الساكن ما قبلها في : أسماء المفعول ، الزمان والمكان ، والآلة ، فقالوا : المرئيّ ، والمرأى ، والمرآة ، فلعلّها ليست في مرتبة نظائرها من التصاريف في الكثرة ، وجاء : الأمر الحاضر منه أيضا بالاثبات ، نحو : إرأ ، مثل : إسع من سعى ، كما جاء - ره - بالحذف.
وجاء : حذفها من الماضي مع همزة الاستفهام تشبيها لها بهمزة باب الأفعال ، وهو قراءة الكسائي في جميع ما أوّله همزة الاستفهام واقترن بتاء الخطاب من ذلك ، أريتك ، وربّما حذفت مع هل - أيضا تشبيها لها بالهمزة كما قال من يصف راعيا بشدّة البخل :
صاح هل ريت أو سمعت براع
ردّ في الضّرع ما قرى في العلاب (1)
أي ما جمعه من اللبن في الأقداح المتخذة من جلود الإبل والخشب.
(و) هذا الباب في التزام الحذف والنقل كائن (بخلاف : ينأى) كيمنع مضارع : نأى - بمعنى بعد - و (أنأى) كأكرم في باب الافعال منه ، فانّهم لم يلتزموا فيه ذلك ، لعدم بلوغه في الكثرة مرتبة ذلك الباب.
(وكثر) الحذف والنقل بدون التزام (في : سل) ، وهو أمر من : سأل ، وأصله : إسأل ؛ فحذفت الهمزة الأصلية الّتي هي عين الكلمة بعد نقل حركتها إلى السين ؛ فاستغنى عن همزة الوصل فحذفوها وجوبا ؛ كما يجيء - إنشاء الله تعالى - ، وانّما كثر فيه ذلك (للهمزتين) المذكورتين الكائنتين فيه وحصول شيء من الثقل بها وان افترقتا ؛ لضعف الفاصل مع وحدته بالسكون والهمس ، بخلاف نحو : إجأر - بصيغة الأمر - من : جأر الرجل - تضرع - ، والثور - صاح - فانّه لم يكثر فيه ذلك التخفيف ، لقوّة الجيم الفاصلة بين الهمزتين مع أنه لم يكثر كثرة إسأل.
(وإذا وقف على) الهمزة(المتطرفة) المتحركة(وقف) عليها(بمقتضى الوقف بعد التخفيف) ، لأنّ الداعي إلى التخفيف حاصل في حال الوصل المقدم على الوقف ، فيعمل بمقتضاه من أوّل الأمر ؛ ثمّ يعمل بمقتضى الوقف بالنظر إلى ما يحصل بعد
1) البيت لأسماعيل بن يسار مولى بني تيم بن مرة ، صاح : منادي مرخم بحذف النداء ، وقرى : جمع ، والعلاب : جمع علبة وهي وعاء من جلد أو خشب ، والاستشهاد بالبيت في قوله : «هل ريت» على ان أصله : هل رأيت ؛ فحذفت الهمزة الّتي هي عين الفعل تشبيها لهل الاستفهامية بالهمزة لاشتراكهما في المعنى.
التخفيف ، وإذا كان كذلك (فيجيء) في الوقف على المرفوع (في) نحو : (هذا الخب ، و) هذا(بريّ ، ومقرؤّ) من وجوه الوقف (السكون ، والرّوم ، والاشمام) ، لكون الأوّل بعد النقل والحذف بالموحدة المضمومة ، والأخيرين بعد القلب والادغام بالياء والواو المشدّدتين المضموتين ؛ والوقف على المضموم يجوز على الوجه الثلاثة - كما مرّ في باب الوقف -.
(وكذلك) في مجيء تلك الوجوه الثلاثة(شيّ ، وسوّ) - مرفوعين - سواء خففا بأن (نقلت) حركة الهمزة إلى الياء والواو وحذفت ، (أو) بأن قلبت الهمزة إليهما و (ادغمت) على اختلاف الوجهين الواردين في تخفيفهما ، لكونهما بالياء والواو المضمومتين المخففتين أو المشددتين ، فيجري فيهما تلك الوجوه في الوقف.
وبالجملة : يعمل بمقتضى الوقف بعد التخفيف كيف كان (إلّا أن يكون ما قبلها) أي الهمزة المتطرفة الّتي يكون قبلها(ألفا) كقراء ، إذا وقف عليها بالسكون تغيرت حالها في التخفيف - وقفا - عمّا كان لها في التخفيف - وصلا - وهو التسهيل بجعلها بين بين ، وذلك : لأنها(إذا وقف) عليها(بالسكون وجب) في تخفيفها الابدال و (قلبها ألفا) ، وامتنع غيره من وجوه التخفيف ، (إذ لا نقل) للحركة ههنا ، لزوال الحركة بالسكون وقفا ، مع ان نقلها عند وجودها في الوصل أيضا لم يكن متصورا ، لأن ما قبلها هو الألف لا يقبلها ، فالتخفيف بالنقل والحذف غير متصور ههنا ، (وتعذّر التسهيل) الّذي هو حكمها في الوصل ، أمّا : المشهور ؛ فلسكون نفسها بالوقف ، وأمّا : غيره فلسكون ما قبلها وهو الألف ، فتعين القلب ألفا ، وحيث قلبت إليها وكانت فيه ألف إجتمعت الفان ، (فيجوز القصر) بحذف إحدى ألفين بالتقاء الساكنين ، (والتطويل) - أي اثباتهما بتطويل المدوان التقى ساكنان ، لأنه يغتفر في الوقف - كما مرّ - ، ومنهم من يجعل المد أطول من ألفين نظرا إلى المدّة الّتي كانت قد حدثت بين الألف والهمزة.
(وان وقف) على تلك الهمزة الّتي قبلها ألف (بالروم) الّذي فيه شوب من
الحركة (فالتسهيل) متعين فيه بعد الوقف (كالوصل) ، لامكانه لبقاء شوب الحركة ؛ فلا وجه للعدول عنه ، وحكم الاشمام مع الضم حكم الوقف بالسكون ، لأنه سكون في الحقيقة مع ضمّ الشفتين.
والمهموز المنصوب المنون يوقف عليه بالألف ؛ لكنّه خارج عن المسألة بقيد المتطرفة ، لزوال التطرف عن الهمزة بالتنوين بعدها على ما يقال.
فما ذكر إلى ههنا حكم الهمزة الّتي قبلها ساكن.
(وان كان قبلها متحرّك : فتسع) (1)
أ- ان تكون الهمزة مفتوحة ، ولها ثلاث صور :
1 - مفتوحة وما قبلها مفتوح ، وحكمها : بين بين المشهور.
2 - مفتوحة وما قبلها مضموم ، وحكمها : القلب بالواو.
3 - مفتوحة وما قبلها مكسور ، وحكمها : القلب بالياء.
ب - ان تكون الهمزة مكسورة ، وهي ثلاث أيضا :
1 - مكسورة وما قبلها مفتوح وحكمها : بين بين المشهور.
2 - مكسورة وما قبلها مكسور ، وحكمها : المشهور والبعيد.
3 - مكسورة وما قبلها مضموم وحكمها : بين بين مشهور.
ج - ان تكون مضمومة ، ولها ثلاث حالات أيضا :
1 - مضمومة وما قبلها مفتوح وحكمها : بين بين مشهور.
2 - مضمومة وما قبلها مكسور ، وحكمها : بين بين مشهور.
3 - مضمومة وما قبلها مضموم ، وحكمها : بين بين مشهور.
هذا وقد مثل المصنف والشارح للمتصل والمنفصل.
- أي الصور المحتملة تسع ، فانّ الهمزة إمّا : (مفتوحة وقبلها) الحركات (الثلاث) ، فهذه ثلاث ، (و) امّا(مكسورة كذلك) قبلها الحركات الثلاث ، فهذه ثلاث أخر ، (و) امّا(مضمومة كذلك) ؛ فهذه تسع.فالمفتوحة مع فتح ما قبلها(نحو : سأل) ، (و) مع كسر ما قبلها نحو : (مائة) ، (و) مع ضمّه نحو : (مؤجّل) على صيغة اسم المفعول من : التأجيل ، (و) المكسورة على
1) الصور المحتملة مع أحكامها هي كما يلي :
مثل هذا الترتيب في ما قبلها ؛ نحو : (سئم) على زنة كتف ؛ من السّآمة ؛ وهي الملال - ، (ومستهزئين) على صيغة اسم الفاعل ، (وسئل) على البناء للمفعول ، (و) المضمومة على هذا الترتيب في ما قبلها نحو : (رؤوف ، ومستهزئون) على صيغة اسم الفاعل ، (ورؤوس) جمع رأس ، وهذه الأمثلة في المتصل ، وامّا المنفصل : نحو : قال أبوك ، وقال إبراهيم ، وهذا غلام أبيك ، ومررت بغلام إبراهيم ، وبغلام أحمد ، وبغلام اختك ، وغير ذلك.
(فنحو : مؤجّل) ممّا همزته مفتوحة وما قبلها مضموم (واو) - أي فهمزة نحو ذلك واو عند التخفيف ؛ بمعنى أنها تقلب إليها.
(ونحو : مائة) ممّا همزته مفتوحة وما قبلها مكسور(ياء) ، بالمعنى المذكور ، لاستثقال ما قبلها بالحركة في الصورتين فكأنهم كرهوا حذف تلك الحركة ونقل حركة الهمزة إليها ، وجعلها بين بين المشهور يؤدي إلى قربها من الألف الّتي هي جنس حركتها وهي الفتحة ، فلا يناسبها الضم والكسر قبلها ، وامتنعوا من غير المشهور أيضا ؛ لئلّا يتوهم منه جواز المشهور ، بناء على عدم انفكاك جواز أحدهما عن جواز الآخر في الغالب ، وظهر من ذلك انّه لا وجه لابدالها إلى جنس حركة نفسها وهو الألف ؛ فتعين إبدالها إلى جنس حركة ما قبلها وهو الواو والياء.
(ونحو : مستهزئون) ممّا وقعت فيه الهمزة المضمومة بعد الكسرة ، (وسئل) ممّا فيه الهمزة المكسورة وما قبلها مضموم ، (بين بين) إذ لا وجه للنقل والحذف ، لاشتغال ما قبلها بالحركة ، والابدال إلى جنس حركة ما قبلها ؛ أو جنس حركة نفسها يؤدي إلى التصريح من الياء أو الواو المضمومة أو المكسورة مع ضم ما قبلها أو كسره ، والكل مستثقل مخلّ بغرض التخفيف ، بخلاف شوبهما اللّازم من بين بين ، إذ لو سلّم وجود شيء من الاستثقال فيه فليس في مرتبة الصريحتين.
ثمّ انّ المختار في الصورتين ما هو الأصل الشائع في بين بين ، وهو بين بين (المشهور) ؛ بأن يجعل الهمزة بين نفسها وبين الحرف المجانس لحركة نفسها وهو
الواو في الاولى والياء في الثانية ، وبعضهم يجعلها فيهما بين بين البعيد (1)، نظرا إلى انّ المناسبة لحركة ما قبلها كأنها أدخل في سهولة النطق ، وقد ينسب هذا القول إلى الأخفش وأبي الحسن شريح.
فهذا بيان أربع صور من التسع ، (و) الطريق في الخمس (الباقية) هو (بين بين المشهور) ، ويتحد بين بين المشهور والبعيد في ثلاث من الخمس ، يتحد فيها حركتها وحركة ما قبلها ، وهي : نحو : سئل ، ومستهزئون ، ورؤوس ، وفي الاخريين وهما : سئم ، ورئوف ، يختلفان ، لكن لم يذهب فيهما أحد إلى البعيد ، كراهة جعلها مع انكسارها أو انضمامها قريبة إلى الألف المجانسة لفتحة ما قبلها.
فهذه المذكورات هي الأصل المشهور.
(وجاء) : على خلافه الابدال الصريح إلى جنس حركة ما قبلها فيما قياسها بين بين من تلك التسع مطلقا (2)على ما وقع في كلام سيبويه وحكم بقصره على السماع ، وينسب إلى الأخفش انّه الطريق المختار في تخفيف نحو : مستهزئون ، وسئل ، وذكر ابن يعيش : أنه لم يجيء إلّا في المتحركة بحركة ما قبلها منها ، ويسكن الواو والياء ان كان الابدال إليهما على ما ذكره نجم الأئمّة رضي وان سكت عنه ابن يعيش ، وذلك عند تحرك ما بعدها ، لئلّا يلتقى ساكنان ، فان أبدلت ياء في نحو : مستهزئين حركت ، وذلك كما جاء في المفتوحة المفتوح ما قبلها(منساة) بالألف الصريحة المبدلة من الهمزة في : منسأة - للعصا الكبيرة - على «مفعلة» - للآلة ، من النّساء وهو زجر الحيوان بالعصا ، ومنه : قرائة نافع وأبي عمرو (تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ) بالألف (3)الصريحة - ، كما في قوله :
إذا دببت على المنساة من هرم
فقد تباعد عنك اللهو والغزل (1)
(و) جاء : (سال) - بالألف الصريحة - في : سئل ، من السؤال ، كما قال في زوجتين له :
سالتاني الطّلاق إذر أتاني
قلّ مالي ، قد جئتماني بنكر (2)
وقال حسان :
سالت هذيل رسول الله فاحشة
ضلّت هذيل بما قالت ولم تصب (3)
وكذا قراءة نافع وابن عامر : سايل ، وقد توجه هذه القرائة بأنه أجوف يائي من السّيلان ، وسائل واد في جهنم - أي سال عليهم هذا الوادي العذاب - ، وقيل : واوي من باب : خاف يخاف - بمعنى سأل بالهمزة - على ما حكى أبو زيد عن بعض العرب هما يتساولان بالواو.
(و) كما جاء : في المتحركة المكسور ما قبلها ، (نحو : الواجي وصلا) ، بالياء الصريحة المبدلة عن الهمزة في : الواجيء ، من : وجاء فلان الجراد - أي دقّة ولتّه
1) البيت لم أقف على قائله ، الدبيب : وهو المشي ، أي إذا كان مشيك على العصي من الشيخوخة فقد ذهب عنك اللذات ، والاستشهاد بالبيت في قوله : على المنساة حيث جاء بالألف الصريحة.
2) البيت لزيد بن عمرو القرشي العدوي ، وهو أحد الّذين برئوا من عبادة الأوثان في الجاهلية وطلبوا دين ابراهيم وتنسكوا ، وجئتماني : التفات من الغيبة إلى الخطاب ، ونكر : بضمّ النون وسكون الكاف المنكر ، والشاهد في البيت في قوله «سالتاني» فخفف الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها ألفا على نحو ما ذكر في البيت الّذي قبله.
3) البيت لحسان بن ثابت الأنصاري من كلمة يهجو بها هذيلا ، لأنهم قدموا على النبيّ صلىاللهعليهوسلم وفيهم أبو كبير الهذلي ، فقال أبو كبير للنبيّ (ص) : أحل لي الزّنا ، فقال له النبيّ (ص) : أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك؟ قال : لا ، قال : فأرض للناس ما ترضى لنفسك ، قال فادع الله ان يذهب ذلك عني. والاستشهاد بالبيت في قوله «سالت» وأصله : سألت فخفف الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها بقلبها ألفا.
بالسّمن - ، ووجاءه بالسكين - ضربه - لكن الابدال فيه مختص بحالة الجر - عند ابن يعيش - لتحرك الهمزة بحركة ما قبلها.
(وأمّا) القلب ياء في الوقف كما في قول عبد الرّحمن بن حسان :
ولو لاهم لكنت كحوت بحر
هوى في مظلم الغمرات داجي
وكنت أذلّ من وتد بقاع
(يشجّج رأسه بالفهر واجي) (1)
(فعلى القياس) ، لسكون الهمزة وقفا ، وقياس تخفيف الساكنة المكسور ما قبلها القلب ياء ؛ لأنها جنس حركة ما قبلها على ما مرّ ، (خلافا لسيبويه) ، حيث حكم بشذوذه ، بناء على جعله من ابدال ما قياسها بين بين ، لاعتبار الضمّة الّتي هي حركته - عند الوصل - ، لكونه فاعلا لقوله : «يشجّج» فهو نحو : مستهزئون ، وذلك لعدم الاعتداد بالسكون العارض - وقفا - ، وهو ضعيف ، لدلالة الاستقراء على ثبوت الابدال المذكور في لغتهم مع السكون العارض - أيضا -.
وقد يعتذر له بأن حكمه بالشذوذ لكون الياء في ما قبله من الأبيات ياء الاطلاق الحاصلة من اشباع الحركة ، والمبدلة عن الهمزة في حكم الهمزة عندهم ، ولا تقع قافية إلّا لمثلها ، فاجراءها مجرى المطلقة وجعلها قافية لها شاذ ، وردّه المصنف بأنّ الكلام في الابدال ، وهو انّما أنشد البيت لذلك ؛ ولا منافاة بين كون الابدال قياسا وشذوذ اجراءها مجرى المطلقة.
1) البيت لعبد الرحمان بن حسان بن ثابت من كلمة يهجو بها عبد الرحمان بن الحكم ابن أبي العاص من بني اميّة ، وكان ذلك الأموي يشكو خلفاء قومه ويقول : ليت الخلفاء كانوا من قوم آخرين ، فهجاه عبد الرحمان بن حسان وأنكر عليه ذلك القول ، أي لو لا خلفاء قومك كنت كذا كذا ، وهوى : سقط ، وداج : أسود مظلم ، والقاع : المستوى من الأرض ، والفهر : بكسر فسكون الحجر إذا كان ملء اليد ، والوجى : اسم فاعل من وجأت عنقه - إذا ضربتها - والاستشهاد بالبيت في قوله : واجى وأصله : الواجئ بالهمزة فلمّا وقع في القافية ووقف عليه سكنت الهمزة فخففت بقلبها ياء لانكسار ما قبلها.
وهوى : كرمى إنحدر وسقط ، والداجي : بالدال المهملة - من الدجو بمعنى الظلمة ، والقاع : المستوى من الأرض ويشجح : من باب التفعيل ، من الشج - بتشديد الجيم - وهو الشق ، والفهر : - بكسر الفاء - الحجر الّذي يملأ الكف.
(والتزموا خذ ، وكل) ، أمرين من : الأخذ ، والأكل ، وأصلهما ، اؤخذ ، واؤكل - بهمزتين مجتمعتين في كلمة ، والقياس : فيهما قلب الثانية الأصلية واوا لانضمام ما قبلها على ما يجيء - إنشاء الله تعالى - ، لكنهم التزموا حذف تلك الهمزة الأصلية فيهما ، (على غير قياس ؛ للكثرة) في الدوران في استعمالاتهم ، وتبعتها الاولى الوصلية في الحذف ، لحصول الاستغناء عنها لتحرك ما وقع بعدها.
(وقالوا : مر) في الأمر (1)على طريقة - خذ - بالحذف بدون التزام ، لأنه لم يكثر كثرة خذو كل (و) لكن (هو) وان لم يلتزم (أفصح من) القياس فيه وهو (اؤمر) ، بقلب الهمزة الثانية واوا ؛ لقلّة وقوعه في كلامهم ، والأكثر أفصح من القليل ، لقربه من الغرابة المخلّة بالفصاحة ، هذا في الابتداء(وأمّا وأمر) مثلا في الدرج باثبات الهمزة الأصلية على حالها ، وحذف الوصلية درجا بعد الواو العاطفة(فافصح من ومر) - بحذف الهمزتين معا - بعد العاطف ، لحصول التخفيف الكامل بحذف الوصلية وسكون الأصلية من غير حاجة إلى حذفهما مع كون أحديهما أصلية.
وكان المناسب ذكر حكم خذ ، وكل ، ومر ، عند ذكر الهمزتين المجتمعتين فيما يأتي ، لكنه ألصقه بما قبله للتشارك في مخالفة القياس.
(وإذا خففت) (2)همزة(باب الأحمر) ؛ وهو ما وقعت فيه الهمزة المتحركة بعد لام التعريف الساكنة ، ومنه : نحو : الاستغفار ، والاقتدار ، على الأظهر على ما قيل ، وكذلك الاسم والابن ، (فبقاء همزة اللّام) وهي : الهمزة الوصلية الكائنة قبلها(أكثر) من حذفها ، وان وقع حذفها أيضا في كلامهم.
وتوضيح ذلك : انّ الهمزة الّتي بعد اللّام من هذا الباب إذا خففت بحذفها بعد نقل حركتها إلى اللّام : فان اعتد بحركة اللّام حذفت الوصلية ، للاستغناء عنها بالاعتداد بحركة ما بعدها ، وان لم يعتد بها ؛ لعروضها في اللّام العريقة في السكون - الّتي هي كلمة برأسها - بالنقل إليها من همزة في كلمة اخرى من غير لزوم في النقل ، لعدم وجوب تخفيف الهمزة ، لم تحذف ؛ لكون ما بعدها في حكم الساكن ، لعدم الاعتداد بالحركة ؛ فتبقى الهمزة مع اللّام المتحركة ، وهذا أكثر بدليل الاستقراء ، وموافق للقياس ، لأن القياس في كلامهم عدم الاعتداد بالعارض ، ولذا لم يردّوا الواو المحذوفة في : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ) ، و(قُلِ انْظُرُوا) مثلا مع حصول الحركة وزوال التقاء الساكنين لو اعتدّ بها.
وإذا جاز فيه الوجهان (فيقال) : على الأكثر - (الحمر) بالوصلية واللّام المفتوحتين وسكون الحاء ، وألستغفار - بكسر اللّام - ، (و) يقال : على الأقل (لحمر) ، ولستغفار - بحذف الوصلية - ، (وعلى الأكثر قيل) : عند لحوق - من وفي - الجارتين مع الوصل (من لحمر) - بفتح النون واللّام - ، (وفلحمر) - بكسر الفاء وفتح اللّام - لسقوط الوصلية درجا ، وكون حركة اللّام في حكم المعدوم لعدم الاعتداد بها ، فالتقاء الياء والنون الساكنتين من - في ، ومن - مع اللّام المتحركة بتلك الحركة في حكم التقاء الساكنين فحركت النون بالفتح وحذفت الياء على ما مرّ في باب إلتقاء الساكنين (1)، (وعلى الأقل جاء) : في قرائة نافع وأبي عمرو (عاد لولى) - بفتح الدال وتشديد اللّام المضمومة - في قوله عزّ من قائل : (أَهْلَكَ عاداً الْأُولى)(2)، لأنّه لما تحرّكت اللّام بالضمّة المنقولة من الهمزة بعدها إليها واعتد بحركتها - كما هو لغة الأقل - لم يكن في ملاقاة التنوين من عاد معها بعد حذف الهمزة الوصلية درجا التقاء الساكنين ، فتبقى التنوين ساكنا وادغم في اللّام للقرب في المخرج.
وقالون : قلب الواو مع ذلك همزة على لغة من يهمز الواو الساكنة المضموم ما قبلها ، والباقون من السبعة تركوا التخفيف في هذه الآية ، وقرؤوا - بكسر التنوين وحذف همزة الوصل وسكون اللّام واثبات الهمزة المضمومة بعدها - ولم ينقل عن أحد منهم فيها التخفيف على الأكثر في باب الأحمر بأن يكسر تنوين الدال على حكم التقاء الساكنين ويضمّ اللّام مخففة.
(ولم يقولوا) : في الأمر من سأل (إسل) باثبات همزة الوصل المكسورة وفتح السين ، خلافا للأخفش على ما حكاه السيرافي مصرّحا بفساده ، (و) لم يقولوا : بالاتفاق في الأمر من قال (اقل) ، باثبات الوصلية المضمومة وضمّ القاف ، وان كانت حركة ما بعد الهمزة فيهما عارضة منقولة ممّا بعده إليه ، (لاتحاد الكلمة) الّتي فيها المتحرّك بعد همزة الوصل ، وما نقلت عنه الحركة إليه ، والنقل الواقع في اجزاء كلمة واحدة قد يكون على سبيل الغلبة ومنه : الأمر من سأل ، وعلى الوجوب ومنه : الأمر من قال : فتجري الحركة المنقولة في مثل ذلك للزومها أو غلبتها مجرى الأصلية في الاعتداد بها ، وحذفت همزة الوصل.
وقد ينفك عن الغلبة ، لقلّة الدوران وعدم الحاجة - كما في : إجأر ، من جأر - إذا صاح - ، وإرأف من رأف - فلا يعتد بها.
وامّا الواقع في كلمتين ، كالأحمر ، ولم يكن الّذين ، فانّه في معرض الزوال بانفراد الكلمة عن صاحبتها مع ان نقل حركة الهمزة على وجه الجواز ، وكأنه لا يكون غالبا فضلا عن الوجوب ، فلا يلزم من عدم الاعتداد بالحركة المنقولة في باب : الأحمر عدم الاعتداد بها واثبات همزة الوصل في : إسل ، واقل مع انّ القاف مضمومة في مضارع قال ، وهو يقول ، والأمر فرع له ، بخلاف حرف المضارعة وبعد حذفه يقع الابتداء بمتحرّك ، فلا همزة وصل فيه ، كذا في شرح المفصل.
والكلام إلى ههنا مع وحدة الهمزة.
(والهمزتان في كلمة) واحدة(ان سكنت الثانية) منهما(وجب قلبها) عند التخفيف إلى جنس حركة ما قبلها ، كراهة اجتماع الهمزتين مع عسر النطق بالثانية ساكنة بعد الاولى ، فاختير قلب الثانية الّتي كمل الثقل عندها إلى جنس حركة ما قبلها ، لتناسب تلك الحركة الحرف الواقع بعدها ، ويكمل التخفيف ، وذلك (كآدم) بقلب الهمزة الثانية من أصله وهو - أأدم - بهمزتين - ألفا ، وهو من الادمة ؛ وهي : سمرة اللون ، أو من : أديم الأرض - أي ما ظهر منها - ، ومنعه من الصرف يدل على زيادة الهمزة الاولى فيه ، على زنة «أفعل» كأحمر ، لا الثانية على ان يكون في الأصل على «فأعل» - بالهمزة الزائدة بعد الفاء - كشأمل ، وقيل : انّه أعجمي على «فاعل» بفتح العين - كآذر ؛ فليس ممّا نحن فيه.
(و) نحو : (إيت) بقلب الهمزة الثانية من : إأت - بهمزتين - من الاتيان ياء ، (واؤتمن) على البناء للمفعول ، بقلب الهمزة الثانية واوا ، وهو من الايتمان من الأمانة ، واجتماع الهمزتين في هذين (1)إنّما هو عند الابتداء ، لسقوط همزة الوصل في الدرج.
وحكى ابن الأنباري عن الكسائي بتجويز الابتداء في كل منهما بالهمزتين من غير قلب ، وردّه بأنّ العرب لا تجمع بين الهمزتين مع سكون الثانية.
(وليس آجر) بمعنى اكرى (منه) ، بأن يكون أصله : أأجر - بهمزتين - والثانية ساكنة مثل : أكرم فقلبت الثانية ألفا ، وذلك : (لأنه «فاعل») مفاعلة ، كقاتل مقاتلة ، (لا «أفعل») كأكرم ، وإذا كان فاعل فألفه زائدة ، وليست منقلبة عن الهمزة.
(وممّا قلت) أنا(فيه) أي في كون آجر من باب المفاعلة بيتان وهما :
1) وفي نسخة : في هاتين. أي ايت وأوتمن.
(دللت) أنا دلالات (ثلاثا) أي استدللت بثلاثة دلائل ، (على أن يوجر) كيكرم ، (لا يستقيم) حالكونه (مضارع آجر) بمعنى : انّه لا يستقيم ان يقال : ان آجر على «فاعل» ومضارعه يوجر ، بل هو كقاتل ومضارعه يواجر كيقاتل ، والثلاث هي هذه : «فعالة» جاء والافعال عزّ ، وصحّة آجر) يواجر كقاتل يقاتل ، (تمنع أأجر) - بهمزتين كاكرم ، أي يمنع ثبوت ما يكون هنا (1)أصلا له.
فالدليل الأوّل : انّ الاجارة على «فعالة» جاء مجيئا شائعا في مصدر آجر ، كما يقال : آجرت الدّار إجارة ، فيكون آجر على «فاعل» لا «أفعل» ، وأصلها : إجار على «فعال» كقتال ، والتاء للمرة ، واعترض عليه بجواز كونها كالكتابة ، مصدر كتب على ان يكون مصدر أجر يأجر من المجرد ، قال الله تعالى : (أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ)(2)، ومنه : الأجير ، بل الظاهر هذا (3)، كيف والمرّة في المزيد فيه انّما يبتني من المصدر المطرد المشهور ، و «فعال» ليس مطردا في «فاعل» ، فلا يقال : قتالة واحدة بل مقاتلة واحدة ، مع ان حق ما هو للمرة مع التاء ان لا يستعمل معها إلّا لها ، وان يستعمل بدونها لغير المرة ، وكلّا الأمرين مفقودان في الاجارة ، وامّا قولهم : آجرت الدار إجارة ، فكأنه من نصب المصدر بعد الفعل من غير بابه كأنبته نباتا ، ولعلّه كثر الاستغناء بها عن المصدر الأصلي ، لكونها أخف.
والدليل الثاني : انّ آجر لو جاء على «أفعل» كأكرم لم يكن ما هو على زنة الافعال - وهو الايجار - عزيزا في مصدره ، لكنه عزيز ، ويرد عليه : انّ المراد بالعزّة ان كان هو القلّة - كما هو الظاهر - فالملازمة ممنوعة ، لكفاية وروده على قلّة في ثبوت آجر كأكرم في اللّغة في الجملة ، وأصله : بهمزتين ومضارعه يوجر كيكرم ، والخصم لا يدعى أكثر من ذلك ، وان أراد بها العدم بالكلية فبطلان التالي ، وهو
قوله : لكنّه عزيز ممنوع كيف وقد وقع التصريح بوروده وورود تصاريفه في الكتب المعتبرة كالمحكم ، والأساس ، وديوان الأدب.
والدليل الثالث تقريره : انّه قد صحّ وثبت مجيء آجر يواجر مواجرة على «فاعل ، مفاعلة» بالاتفاق ، وصحّة هذا وثبوته تقتضي ان يكون كل ما استعمل بهذه الصورة في ذلك المعنى هو هذا المعلوم الثابت ، ويمنع ما ثبوته مشكوك ، والأصل عدمه وهو كونه في الأصل بهمزتين على «أفعل».
ويرد عليه : ان ثبوت ما هو على «أفعل» أيضا معلوم من استعمالهم مع تصاريفه الدالّة على انّه كذلك كالمصدر ، والمضارع ، واسم الفاعل ، في كلامهم وتصريح الأئمّة بذلك كما مرّ ، فلا يلتفت إلى اصالة العدم كما في سائر الأبواب ، والمصنف قرّر هذا الدليل في شرحه بأن باب : «فاعل مفاعلة» انّما يبني من المجرد الثلاثي ، ولا يبني من «أفعل» كأكرم ، فثبوت آجر كفاعل يدل على ثبوت أصله المجرد ، ويمنع ثبوت آجر كأكرم ، ولا يخفى وهنه وركاكته.
ثمّ المحققون على أنهما مختلفان معنى ، فالّذي على «أفعل» بمعنى أكرى ، وما هو على «فاعل» بمعنى عقد عقد الاجارة ، وقيل : ان كليهما جاء بمعنى أكرى.
(وان تحركت) الهمزة الثانية(وسكن ما قبلها) في صيغة موضوعة على التضعيف ولم تكن الهمزة في موضع اللّام (كسئّال) من صيغ المبالغة على «فعّال» - بتشديد العين - لكثير السؤال ، (ثبتت) تلك الهمزة الثانية على حالها مدغمة فيها الاولى.
ولم يجعل بين بين المشهور ، لصيرورتها معه قريبة من الألف مع سكون ما قبلها فيقرب من التقاء الساكنين ، ولا غير المشهور ، لسكون ما قبلها ، ولم تحذف ، للمحافظة على وزن الصيغة الواقعة هي فيه مع اتصالها بأوّل الكلمة ووقوعها في محل الخفة ، لعدم تكثير الحروف بعد ، بخلاف ما إذا وقعت في موضع اللّام ، فانّه موضع الاستثقال ، ولذلك لم يبنوا الصيغة الموضوعة على التضعيف ممّا لامه الهمزة ،
فلا يبني مثل : قمدّ (1)- بتشديد الدال - من قرأ ، وإذا بنى منه ما تقتضي تعدّد لامه من غير تضعيف قلبت الهمزة الثانية ياء ، لكثرة الياء في موقع اللّام في كلامهم مع انّها أقرب مخرجا إلى الهمزة من الواو ، وأخف منها ، كما إذا بنى مثل : سبطر من قرأ يقال : قرأى ، على ما يجيء في مسائل التمرين - إنشاء الله تعالى -.
(وان تحرّكت) الثانية(وتحرّك ما قبلها أيضا (2)وجب قلب) تلك (الثانية ياء إن انكسر ما قبلها ، أو انكسرت) تلك الثانية نفسها وان لم ينكسر ما قبلها ، (و) قلبت (واوا في غيره) ، وهو ما إذا إنفتح ما قبلها ؛ أو انضمّ ، ولم تكن هي مكسورة.
فالمكسور ما قبلها(نحو : جاء) اسم فاعل من : جاء يجيء ، وهو أجوف مهموز اللّام ، وأصله : - عند الجمهور - جائئ - بهمزتين - ، لقلب الياء الّتي هي العين همزة أيضا - كما في بائع - فقلبت الثانية ياء ، لانكسار ما قبلها ، واعلّ اعلال قاض ، وأمّا إذا لم تقلب العين همزة بل قلبت إلى موضع اللّام وقدمت الهمزة الّتي هي اللّام إلى موضعها - كما ذهب إليه الخليل - فليس من هذا الباب.
(و) المكسورة نفسها مع عدم انكسار ما قبلها نحو : (أيمّة) - جمع امام - وأصله :أءممة - بهمزتين وميمين - على «أفعلة» ، كأمثلة جمع مثال ، ولم يقلبوا الثانية مع سكونها وانفتاح ما قبلها ألفا - كما فعلوا في : آنية جمع إناء - لاجتماع الميمين بعدها المناسب للادغام واسقاط حركة أوليهما ، والادغام مع قلب الهمزة الثانية ألفا وان كان من التقاء الساكنين علي حده ، ولم يكن فيه محذور من هذه الجهة لكنّه يؤدي إلى زوال صورة الجمع بالكلية ، والالتباس باسم الفاعل المؤنث من - أمّ - بالتشديد ، فعدلوا عنه ونقلوا حركة الميم الاولى إلى الهمزة الثانية ، وأدغمت في الاخرى للمحافظة على صورة الجمع بوجه ما فصار - أئمّة - بفتح الهمزة الاولى وكسر الثانية وتشديد الميم ، فقلبت الهمزة الثانية ياء لانكسارها وان لم ينكسر ما قبلها.
(و) المضموم ما قبلها من غير انكسار نفسها نحو : (اويدم) - تصغير آدم - فان أصلها : أأيدم - فقلبت الثانية واوا ، (و) المفتوح ما قبلها من غير انكسار نفسها نحو : (أوادم) في جمع آدم ، وأصله : أأآدم - بهمزتين بعدهما الألف - فقلبت الثانية واوا.
ولم يجعل بين بين في شيء من هذه الصور ، لبقاء أثر الهمزة ، وحصول الثقل بانضمامه مع الهمزة الاخرى ، ولم تحذف ، للمحافظة على الصيغة ، ولم يقلب إلى جنس حركة نفسها في الأخيرين وهو الألف - للزوم التقاء الساكنين في نحو : أوادم ، ولزوم تحرك الألف بالفتح في نحو : أويدم ، للزومه قبل ياء التصغير مع عدم قبولها للحركة ، وجنس حركة ما قبلها في أوادم هو الألف أيضا وقد عرفت تعذرها ، فاعتبر قلبها في نحو : أويدم واوا ، لأنها جنس حركة ما قبلها ، وحملوا عليه نحو : أوادم ، للتناسب بين التكسير والتصغير ، واطرد ذلك في جميع ما انضم ما قبلها ، أو انفتح - عند الجمهور - نحو : اومّ ، عند تخفيف - أأمّ - بصيغة المضارع للمتكلّم من : الأمّ بمعنى القصد ونحوه.
وامّا قلب الهمزة الاولى في : ذوائب - جمع ذؤابة - واوا فانّما هو لقلبها في المفرد ، أو لانضمام ما قبلها ، ومع ذلك فالتزام ذلك في هذا الجمع على خلاف القياس ، خلافا للأخفش : حيث جعله قياسا ، لاجتماع الهمزتين مع ضعف الفاصل وهو الألف ، وأورد عليه : انّ القياس عند اجتماعهما قلب الثانية واوا لا الاولى.
(ومنه) أي ممّا اجتمعت فيه همزتان في كلمة(خطايا) جمع خطيئة(في التقدير الأصلي) ، فان أصله : خطائي - بالياء المكسورة قبل الهمزة - فقلبت الياء همزة كما في : قبائل - جمع قبيلة ، لأنها تقلب إليها في منتهى الجموع ؛ فاجتمعت همزتان فكانت ممّا نحن فيه ، فقلبت الثانية ياء ، كما في : جاء لانكسار ما قبلها ، فحصل - خطائي - بتقديم الهمزة على الياء على «فعائل» هذا عند سيبويه.
(خلافا للخليل) ، فانّه بعد موافقته له في انّ الأصل خطائي بالياء المكسورة قبل
الهمزة ذهب إلى قلب الياء إلى موضع الهمزة ، والهمزة إلى موضعها - كما في جاء - فحصل خطائي ، بتقديم الهمزة على الياء ، كما في القول الأوّل ، لكنّه عنده على «فعالى» ولا يقع فيه اجتماع الهمزتين ، ثمّ على القولين قلبت الياء ألفا ، والهمزة ياء على ما سيجيء في باب الابدال - إنشاء الله تعالى -.
وهذا الّذي ذكر من قلب الهمزة الثانية من المتحركتين المجتمعتين في كلمة واحدة هو المعروف بين النحاة ، وقالوا : هذا هو القياس ، (و) قد جاء : خلاف ذلك القياس في بعض الألفاظ ، وذلك انّه (قد صحّ التسهيل) وهو الجعل بين بين (في نحو : أئمّة) ، وهو قرائة نافع وابن كثير وأبي عمرو في : أئمّة في الكتاب العزيز ، (و) جاء في نحوه (التحقيق) - بقافين - وهو ابقاء الهمزتين بحالهما من غير تغير أصلا.
وقد حكى أبو زيد : انّه سمع عن بعض العرب : «اللهمّ اغفر لي خطائني» بهمزتين محققتين قبل ياء المتكلم ، وهذا ممّا يحتج به لسيبويه على الخليل.
والتحقيق هو قرائة الباقين من السبعة في : أئمّة ، لكن هشاما وحده زاد ألفا بين الهمزتين فيه ، وقرأ بالمدّ كراهة اجتماعهما ، ولم يجيء فيه في السبع قلب الهمزة الثانية ياء صريحة ، كما هو القياس الّذي ذكره النحاة ، ولا يكون في مثله شذوذ يخل بالفصاحة أصلا ، لموافقته للمسموع كما انّه لا شذوذ في ترك الاعلال في نحو : القود ، واستحوذ ، مع مخالفته للقياس ، لموافقته للسماع.
(والتزم في باب : أكرم) من المضارع المتكلم الواحد من باب الافعال (حذف) الهمزة(الثانية) ، كراهة اجتماعهما ، وهو - أيضا - وارد على خلاف ما ذكر من القياس ، لأن مقتضاه قلبها واوا كأويدم ، (وحمل عليه أخواته) في حذف الهمزة وان لم يجتمع همزتان ، فقالوا : يكرم ، يكرمان إلى غير ذلك ، وضم حرف المضارعة لئلّا يلتبس بالمجرد ، كذا قيل.
(و) الهمزة(قد إلتزموا قلبها) حالكونها(مفردة) غير مجتمعة مع اخرى (ياء مفتوحة في باب : مطايا) من الجمع الأقصى الّذي وقع بعد الألف منه همزة ، كهذا
المثال ، فان أصله : مطايو - بالواو - لأنه جمع مطيّة ، وأصلها : مطيوة على «فعيلة» بالواو - من المطو وهو الاسراع - ، وقلبت ياء ؛ لاجتماعهما مع سبق الساكن ، وقلبت في هذا الجمع أيضا إليها لتطرفها وانكسار ما قبلها ، فصار مطايي - بيائين - ثمّ قلبت الاولى المكسورة الواقعة بعد ألف الجمع همزة - كما في قبائل - فاستثقلوا الياء بعد الهمزة المكسورة فقلبوا الكسرة فتحة ، والهمزة ياء ، والياء الّتي وقعت في الآخر ألفا.
(ومنه : خطايا على القولين) ، امّا على قول الخليل : فلأنه بعد تقديم الهمزة إلى موضع الياء يصير خطائي من غير ان يتحقق فيه اجتماع الهمزتين ، ثمّ يعمل ما مرّ ، وامّا على قول سيبويه : فلأنه بعد اجتماع الهمزتين وقلب الثانية منهما ياء يصير ذلك ، ثمّ يعمل - بعد ما حصلت همزة مفردة - ما مرّ ، فظهر انّ المراد بكونها مفردة : كونها كذلك في هذه الحالة وان جامعت اخرى قبلها ، وللتنبيه على ذلك صرح بكون الخطايا منه على القولين.
فالهمزتان في كلمة واحدة حكمها ما ذكر.
(و) الهمزتان (في كلمتين) : تحتملان اثنى عشر وجها ، لوقوع الثانية في أوّل الكلمة الثانية ، فهي متحركة ألبتّة بإحدى الحركات الثلاث ، والاولى الّتي في الكلمة الاولى تحتمل الحركات الثلاث والسكون ؛ والحاصل من ضرب الثلاثة في الأربعة اثنا عشر.
وأمثلتها : تحصل من ذكر أحد ، وابل ، واولئك ، بعد جاء ، ومن تلقاء ، ويدرء ، ولم يجيء ، مثلا ، ويجوز عند اجتماعهما في كلمتين على أحد هذه الوجوه أربعة أوجه ، وذلك انّه (يجوز تحقيقهما) معا ، بابقائهما على حالهما ، لهوان الخطب في استثقال اجتماعهما بعروض الاجتماع ، لعروض اتصال الكلمتين ، وهو مختار ابن عامر والكوفيين من القراء ، (و) يجوز أيضا(تخفيفهما) معا ، وذلك مختار الحجازيين ترجيحا ، للتحرز عن الاستثقال وان كان لعارض ، وذلك في الاولى على قياس
تخفيفها لو انفردت وامّا في الثانية : فهو امّا على قياس تخفيفها عند الاجتماع مع الهمزة ، نظرا إلى الأصل مع قطع النظر عمّا حصل بعد تخفيف الاولى ، لعروضه ، وامّا على قياس ما يقتضيه اجتماعهما مع ما حصل بعد تخفيف الاولى ، لأنه المنطوق به حينئذ فكأنهما همزة واحدة بعد حرف آخر غيرها ، وهذا مراد من قال : يخفف كل منهما على قياس تخفيفها لو انفردت ، ففي نحو : رأيت قارئ أبيك - تخفف الاولى بقلبها ياء ، لوقوعها بعت الكسرة ، وامّا الثانية : فعلى اعتبار اجتماعها مع الهمزة المفتوحة تقلب واوا ، كأوادم ، وعلى اعتبار وقوعها بعد الياء المفتوحة الحاصلة بعد تخفيف الاولى يجعل بين بين كما في : سأل -.
(و) يجوز(تخفيف احداهما) فقط ، وهذا وجهان ، لأنّ المخففة امّا الاولى - كما اختاره أبو عمرو - بحسب القياس اللّغوي ، لأنّها آخر الكلمة الاولى ، والثانية أوّل الكلمة الثانية ، والآخر أولى بالتغير ، وامّا الثانية - كما اختاره الخليل - قياسا على المجتمعتين في كلمة واحدة ، وقرأ به جماعة من السبعة منهم أبو عمرو وفي بعض الصور اتباعا للمأثور عندهم.
فهذه هي الأوجه الأربعة ، وحكى أبو زيد وجها خامسا عند سكون الأوّل ، وهو ادغامها في الثانية.
ثمّ انّ الأصل في تخفيف احداهما ان يكون على قياسه المعلوم فيما سبق ، كالتسهيل - كما هو مختار جماعة من القراء في بعض الصور - (و) لكن قد جاء في بعضها تخفيف إحداهما بالابدال المحض ، أو الاسقاط ، ومن ذلك : انّه (جاء : في) ما وقعت المكسورة بعد المضمومة(نحو :) (يَهْدِي مَنْ) (يَشاءُ) (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(1)(الواو) المحضة(في) الهمزة(الثانية) المكسورة ، فيقال : «ولى صراط» كما يقال : في سئل سول ، وقد حكى ذلك عن أكثر القراء ، وقد نقل عن بعضهم جعلها بين الهمزة
1) الآية : 213 البقرة.
والواو ، وذهب سيبويه إلى تسهيلها بين الهمزة والياء الّتي هي جنس حركتها - كما هو القياس المعلوم فيما سبق - ، وعدل عنه القراء ، لكونها كياء ساكنة قبلها ضمّة.
وأبدل نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، الثانية واوا عند انفتاحها وانضمام ما قبلها ، نحو : (لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ)(1)وياء عند انفتاحها وانكسار ما قبلها ، نحو : (مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا)(2)، فيقال : لو نشاء وصبناهم ، ومن السماء يوتنا ، لأن تسهيلها بين نفسها والألف الّتي هي جنس حركتها كما هو القياس السابق قريب من الألف بعد الضمّة في الأوّل ، وبعد الكسرة في الثاني مع لزوم الفتح قبلها.
(وجاء : في) الهمزتين المجتمعتين في كلمتين (المتفقتين) في الحركة ، نحو : (جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ، *) و(كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ)(3)، و(لَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ)(4)، (حذف احداهما) ؛ أمّا الاولى : - كما اختاره أبو عمرو - لأنها في آخر كلمتها ، والآخر أولى بالحذف ، وفاقا للبزي وقالون في المفتوحتين خاصّة ، وسهّلا الاولى كجنس حركتها في المكسورتين والمضمومتين ، وروى عنهما في : (لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ)(5)تجويز ابدال الاولى واوا محضة مع ادغام الواو فيها ، وامّا الثانية : - كما قيل - لأنّ الثقل انّما نشأ منها.
(و) جاء في المتفقتين المجتمعتين في كلمة أيضا(قلب) الهمزة(الثانية) حرفا من جنس حركة ما قبلها الموافقة لحركة نفسها ، (كالساكنة) الثانية من الهمزتين في كلمة واحدة ، كآدم ، وأيت ، وأوتمن ، فتقلب الثانية ألفا في نحو : جاء أبوك ، وياء في نحو : من السماء إنّ ، وواوا في نحو : أولياء اولئك ، هذا إذا كانت همزة قطع ، وإذا
كانت وصلية فهي تحذف في الدرج اتفاقا إلّا إذا كانت مفتوحة بعد همزة الاستفهام ، نحو : آالذكرين ، وآلآن ، فيجوز في مثل ذلك قلبها ألفا والتسهيل.
وقد تزاد ألف بين المجتمعتين في كلمتين ، حرصا على بقاء الهمزتين من غير استثقال ، كما قال ذو الرّمة :
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل
وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم (1)
وقال المصنف : في شرح المفصل ان زيادة الألف إنّما تثبت في مثل آأنت وشبهه ، ولم يعرف زيادتها في مثل : جاء أحدهم ، ونحوه ، وتسقط هذه الألف خطا ، كراهة اجتماع ثلاث حروف متشابهة في الرسم.
وإذا توالت أكثر من همزتين أخذ في تخفيفها من أوّل ما يتصف منها بالتكرير ، بأن يكون ثانية لأخرى قبلها ، وهكذا يخفف بعدها كل ثانية ينشأ منها الثقل على القياس المعلوم في تخفيفها عند التكرّر والاجتماع ، وتبقى الاولى بحالها ، وكذا يبقى بحالها كل ما زال عنها وصف التكرّر والثانوية بابدال ما قبلها للتخفيف ، فصارت أولى في مرتبتها وصارت ما بعدها ثانية ، فتخفف الثانية والرابعة ان كانت كما في غير الثلاثي ، ويبقى الاولى والثانية والخامسة ان كانت كما في الخماسي.
وهذا على عكس تخفيف حروف العلّة عند الاجتماع من الأخذ في التخفيف من الآخر - كما في طوى ، وقوى - لفرط استثقال التكرّر في الهمزة فيؤخذ في تخفيفها من أوّل تكررها ، فعند بناء الثلاثي من الهمزات يختص التخفيف بالثانية بقلبها ألفا ان انفتح ما قبلها ، وواوا ان انضم ، وياء ان انكسر ، نحو : آء كجاء ، وأوء كسوء ، وإياء كبيع ، مجهولا.
1) الوعساء : الأرض اللينة ذات الرمل ، وجلاجل : - بجيمين أو بمهملتين - اسم مكان ، والنقا : التل من الرمل ، وامّ سالم : كنية محبوبته مية. والاستشهاد بالبيت في قوله «آأنت» حيث فصل بين الهمزتين بألف زائدة.
وعند بناء الرباعي والخماسي منها يختص التخفيف بالثانية والرابعة ، كما يقال : أوءو بقلبهما واوين ، ان بنى رباعي على زنة برثن ، وإياى كضيزى بقلب الثانية ياء - كما في إيت - والرابعة ألفا ان بنى على زنة درهم.
وعند بناء الخماسي منها كقرطعب يقال : إيئاء على زنة إعطاء ، بقلب الثانية ياء كأيت ، والرابعة ألفا كآدم ، وكجحمرش يقال : آأيئ بقلب الثانية ألفا كما في آدم ، والرابعة ياء لانكسار نفسها - كما في : أئمّة ، وكسفرجل يقال : أوأياء بقلب الثانية واوا ، كاوادم ، والرابعة ياء ؛ لكونها في موضع اللّام الاولى من الخماسي بعد همزة اخرى ساكنة ، كما ابدلت ياء عند بناء قرأى من قراء كسبطر ، لوقوعها في موقع اللّام بعد الساكنة كما مرّ آنفا ، وقس على هذا.
(الإعلال) في الصناعة : (تغيير حرف العلّة للتخفيف) ، ولا يطلق على تغيير غيره وان كان للتخفيف ، كتخفيف الهمزة بابدالها على ما مرّ ، ولا على تغيير حرف العلّة لغير التخفيف ، كقلب الألف من : دابّة - همزة عند من جدّ في الهرب عن التقاء الساكنين ، للهرب عنه ، وكتغيير ما هو في حال الرفع في الأسماء الستّة ، والمثنى ، والمجموع إلى غيره نصبا وجرّا للاعراب ، كتغيير الواو من : أبوك - إلى الألف من - أباك - ومن : مسلمون إلى الياء في مسلمين.
(و) الإعلال (يجمعه) ثلاثة أقسام ينحصر هو فيها وهي : (القلب) كما في قال ، (والحذف) كما في قل ، (والإسكان) نحو : يقول ، وبينه وبين الابدال عموم من وجه ، لتصادقهما في نحو : قال ، ووجود الاعلال بدونه في يقول ، والعكس في نحو : اصيلال - باللّام بدل النون - في أصيلان ، واصطلحوا على تخصيص لفظ القلب بابدال حرف العلّة والهمزة ، فهو أخص من الاعلال من وجه ، ومن الابدال مطلقا.
(و) الإعلال (حروفه : الألف ، والواو ، والياء) وهذه سميت حروف العلّة ، لكونها كالعليل المتغير الأحوال ، لكثرة التغيير فيها ، لاستثقالها لكثرة دورانها وكمال خفتها حتّى كأنها لا تحمل من الثقل ما تحمله غيرها ، وكأنها تصير عليلة به فيزال. عنها ذلك بالتغيير والاعلال ، فالاعلال كأنه ازالة العلّة ، فان هذا الباب قد يجيء لهذا المعنى ، كما يقال : أشكاه - أي ازال شكايته - وبعضهم جعل الهمزة أيضا من حروف العلّة ، لما فيها من التغييرات المطردة وان لم تبلغ حد تلك الحروف في كثرة ذلك.
(والألف) من تلك الحروف (لا تكون أصلا في) إسم (متمكّن ، ولا في فعل)
بالاستقراء ، ولأن شأن اصولهما ما لا يقبلها الألف وهو الحركة ، فان أوّل الكلمة متحركة لا محالة ، وآخر الاسم المتمكّن محل الاعراب ، وثانية يفتح في التصغير ، كما انّ الثالث منه يكسر في تصغير غير الثلاثي ، والرابع من الخماسي يصير محلا للاعراب بعد حذف الخامس فيه وفي التكسير ، والفعل الثلاثي اصوله كلّها متحركة في الماضي ، وباقي التصاريف يجري على حروفه ، والفعل الرباعي وان كان الثلاثي منه ساكنا لكنّه فرع الثلاثي وحقّه ان يجري على منواله ، فالمناسب عدم جعلها أصلا في شيء من المتمكّن والفعل ، (ولكن) يقع فيهما مبدلة(عن واو أو ياء) ، وترد إلى أحدهما عند الحاجة إلى التحريك ، وامّا جعلها أصلا والتزام ابدالها عند الحاجة فمع ما فيه من التمحل ربّما أدى إلى اللبس بين الأصلية منها والمنقلبة ، إذ لا شك في وقوعها منقلبة في بعض الألفاظ.
وزعم بعضهم : انّ الألف الاولى في : عاعى يعاعى عيعاء ، وحاحى يحاحى حيحاء - أي قال : عوعا وحوحا - وهما زجران للضأن ، أصلية ليست منقلبة عن الياء أو الواو ، لأنهما رباعيان على «فعلل ، فعلالا» كدحرج دحراجا على ما صرح به سيبويه ، والواو والياء لا تقلبان ألفا في ثاني الرباعي ، لسكونهما فيه ، وزعم جمهور البصريين ان مجيء : عيعى يعيعى يدل على ان تلك الألف منقلبة عن الياء على خلاف القياس - كما في طائي - كراهة اجتماع يائين بعد مثلين حلقيّين في بعض التصاريف ، كعيعيت وعيعينا ، وهذا بخلاف اجتماعهما بعد مثلين غير حلقيين في : صيصية مع أنها اسم ، والاسم أخف من الفعل على ما يقال ، وزعم بعضهم انّها زائدة ، وان عاعى عيعاء ، وحاحى حيحاء على «فاعل ، فيعالا» كقاتل قيتالا ، لمجيء : معاعاة ، ومحاحاة كمباراة ، ومماشاة ، وقال سيبويه : انّ المعاعاة ، والمحاحة مصدران ميميان بالحاق التاء للمرّة على «مفعللة» كمدحرجة ، والأصل : معيعية ومحيحية.
وقيل : ان كلّتا الألفين في : عاعى ، وحاحى أصليتان ، لأنّ الأصل فيهما الصوت الّذي ليس للألف أصل فيه ، وقلبت الثانية ياء عند اتصال الضمير المرفوع ، حملا
على الألف الرابعة في غيرها ، كأغزيت وسلقيت.
ثمّ ان ما ذكر بخلاف حرف غير المتمكّن من الاسم ، إذ ليس الشأن في جميع اصولهما قبول الحركة ، ولا يجري عليهما تصرف يؤدي إلى تحريك ما كان ساكنا ، فلذا حكموا باصالة الألفات الواقعة فيها ، كألى ، وما ، ومتى ، ومهما ، وكذلك في الأسماء الأعجمية.
(و) الواو والياء(قد اتفقتا) في وقوعهما(فائين كوعد ، ويسر ، و- عينين - كقول ، وبيع ، ولامين - كغزو ، ورمى ، وتقدمت كل واحدة على الاخرى - فاء وعينا -) فيكون الياء فاء والواو عينا ، (كيوم) ولم يسمع غيره ما فيه الفاء ياء والعين واو سوى يوح - للشمس - كذا يقال ، (و) يكون الواو فاء والياء عينا نحو : (ويل) ، قيل : لم يسمع غيره ممّا يماثله في ذلك سوى : ويح ، وويس ، وويب (1)- بالموحدة - كويل ، يقال : ويبك كما يقال : ويلك.
واتفقتا أيضا في كونهما عينا ولاما ، نحو : بوّ وقوّ (2)- بالواو المشدّدة فيهما - وحيّ ، وعيّ (3)- بالياء المشدّدة -.
(واختلفتا في انّ الواو تقدمت عينا على الياء لاما) ، نحو : طويت ، ونويت ، (بخلاف العكس) وهو تقدم الياء عينا على الواو لاما ؛ فانّه ليس بواقع في كلامهم عند الجمهور ، ولعل السرّ فيه ما يقال : من انّ المناسب كون الحرف الأخير أخف ممّا قبله ؛ لتثاقل الكلمة بازدياد حروفه ، ولكونه محل الاعراب ، (و) امّا(واو حيوان) على «فعلان» بالتحريك فليست أصليّة حتّى يلزم وقوعها لاما بعد الياء عينا ، بل
1) الويح : كلمة رحمة. ويس : كلمة تستعمل في الرحمة ، والويس أيضا : الفقر. الويب : كلمة بمعنى الويل والعجب ، يقال : ويبا لهذا : أي عجبا له.
2) البو : بفتح الباء وتشديد الواو - الحوار ، وهو ولد الناقة ، وقيل غير ذلك. القوّ : اسم موضع ، وقيل : واد بين اليمامة وهجر.
3) العي - بكسر العين المهملة وتشديد الياء - : مصدر عيي - كرضي - وهو الحصر.
هي (بدل عن ياء) على ما ذكره سيبويه وأصحابه ، والحامل على ذلك ليس قولهم في الماضي : حيي - بيائين - كفرح ، إذ لا دلالة فيه على اصالتهما ، لجواز كون الثانية منقلبة عن الواو لانكسار ما قبلها - كما في رضي - ، بل الحامل عليه عدم النظير له في كلامهم ، فأصله : حييان وكان القياس ان يقلب يائه الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وتحذف بالتقاء الساكنين لكنهم أبقوها متحركة ، ليكون الكلمة مناسبة لمدلولها في التحرك كالجولان ، ثمّ كرهوا المثلين المجتمعين فقلبوا الأخيرة الّتي هي أولى بالتغيير واوا ، خلافا للمازني حيث زعم انّ الواو فيه أصلية.
(و) اختلفت الواو والياء أيضا(في : انّ الياء وقعت - فاء وعينا - في يين) لموضع بين ضاحك وضويحك ، أو عين ماء ، (و) وقعت (فاء ولاما) فقط(في يديت) - بيائين بينهما الدال المهملة - بمعنى : أنعمت ، ويقال : أيضا يديت فلانا فهو ميديّ - كمرميّ - اسم مفعول إذا أصبت يده - ، وكذا يد للجارحة ، فان أصلها : يدي ، ولعل قولهم : يديت مأخوذ منها فانّها قد يتجوّز بها عن النعمة ، (بخلاف الواو) فانّها لم تقع فاء وعينا(إلّا في أوّل) (على) المذهب (الأصح) فيه ، وهو ان يكون من : وول - بواوين - على ما مرّ في ذي الزيادة ، فانّها على هذا القول وقعت فيه فاء وعينا ، وقد يعترض عليه بأن وقوع الياء أيضا فاء وعينا لم يرد إلّا في يين ولا نظير له فاتفقا في عدم وقوعهما كذلك إلّا في لفظ واحد إلّا ان يقال : ورود الياء كذلك مقطوع به بخلاف الواو ، للخلاف في لفظ أوّل فتأمّل ، (و) لم يقع الواو فاء ولاما(إلّا في) لفظ(الواو على وجه) ، وهو ان الأصل فيه : ويو - بياء مفتوحة بين واوين - لا ووو - بثلاث واوات - كراهة بناء الكلمة من الواوات ، ثمّ انّ الياء قلبت ألفا لانفتاح ما قبلها على ما ذهب إليه أبو علي ، فانّها وقعت فاء ولاما على هذا القول ، وتصغيره : وييّة مع تاء التأنيث كقديمة في قدم ، واصلها : وييوة قلبت الواو الثانية ياء بعد التصغير وادغمت ، وعلى هذا يقال : وييّت الواو - من باب التفعيل - بواو ويائين - أي كتبت الواو - وأصله : ويّوت قلبت الواو الأخيرة الرابعة ياء ، كما في
اعطيت ، وأعليت.
(و) أيضا في (أنّ الياء وقعت فاء وعينا ولاما في : ييّيت) الياء ، من باب التفعيل - أي كتبها - عند من قال : ان الأصل في لفظ الياء ييي - بثلاث ياآت - قلبت الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، والثالثة المتطرفة بعد الألف همزة ، وامّا عند أبي علي ومن وافقه : فأصله : يوي - بواو بين يائين - والفعل يوّيت.
وهذا(بخلاف الواو) ، فانّها لم تقع فاء وعينا ولاما(إلّا في) لفظ(الواو على وجه) آخر ، وهو ما ذهب إليه الأخفش من ان أصله : ووو - بثلاث واوات - لا ويو - بالياء بين الواوين - لعدم تقدم الياء عينا على الواو لاما في كلامهم ، فقلبت الثانية ألفا ، وتصغيره اويّة ، والفعل : أويّت ، وأصلهما : وويوة ، وووّت ، بالواوات في كل منهما ، فقلبت الاولى همزة فيهما لكونها أوّل واوين متحركتين وقعتا في الصدر ، وقلبت الثالثة بعد ياء التصغير ياء وادغمت ، وكذا قلبت الأخيرة في الفعل ياء - كاعطيت - فلا فرق بين لفظي الواو والياء في تحقق الخلاف في أصلهما.
ورجح قول أبي علي بأن اتحاد الفاء واللّام - كما في : سلس ، وقلق - على قلته أكثر من اتحاد الفاء والعين واللّام ، والحمل على الأكثر أولى ، وهكذا اختلفوا في كل ما كان ثانيه ألفا وبعدها همزة من أسماء حروف التهجي كالهاء ، والباء الموحدة ، فقال أبو علي : الأصل ، هوي ، وبوي مثلا ، والجمع : هواء ، وأبواء ، والفعل : هوّيت الهاء ، وبوّبت الباء من باب التفعيل.
وقيل : الأصل : هيي ، وبيي ، مثلا - بيائين - والجمع : اهياء ، وابياء ، والفعل : هيّيت ، وبيّيت ، والاعلال على القولين كاعلال الياء التحتانية ، وامّا نحو : الصاد ، والدال ، ممّا فيه ألف فقط ، فيقال : ان حمله على الواوي أولى ، لكونه أكثر ، والفعل : صوّدت ، ودوّلت مثلا. (1)
1) ثمّ الاعلال : امّا ان يكون في الفاء ، أو في العين ، أو في اللّام وقد أخذ في بيانها فقال الفاء ، أي هذا مبحثها.
(الفاء) : من قبيل الأسماء المعدودة لا محل له من الاعراب ، أو هو مبتدأ محذوف الخبر ، أو خبر لمحذوف ، وكذا قوله : العين ، واللّام ، (تقلب الواو) ان كانت فاء(همزة لزوما) إذا وقعت بعدها اخرى ، كما في (نحو : أواصل) كضوارب في جمع واصلة ، (وأويصل) في تصغير واصل (1)، وأصلهما : وواصل ، ووويصل ، - بواوين - فقلبت الاولى منهما همزة ، كراهة الافتتاح بهما مع الاجتماع المستثقل ، وذلك (إذا تحرّكت الثانية) أيضا ، كما ان الاولى متحركة وان اختلفت حركتاهما ، (بخلاف) ما إذا سكنت الثانية نحو : (ووري) على البناء للمفعول في : واري الشيء مواراة - إذا ستره - فان قلبها همزة ليس بلازم ، لضعف الثقل حتّى صار كالمعدوم بسكون الثانية.
(و) تقلب الواو المضمومة الواقعة فاء(جوازا) ان لم يقع بعدها اخرى ، كما(في : أجوه) في وجوه ، جمع وجه ، (و) كذا إذا وقعت بعدها اخرى ساكنة كما في (أوري) في ووري لما فيها من الثقل وان قلّ ، فجاز القلب للمبالغة في التحرّز عن الاستثقال ، وتركه كما في قوله تعالى : (ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما)(2)لعدم الاعتناء بهذا القدر منه.
(وقال المازني) : يقلب - أيضا - جوازا قياسا مطردا إذا كانت مكسورة كما(في نحو : إشاح) في : وشاح ، وهو شيء ينسج من الاديم - عريضا - ويرصع بالجواهر وتشدّه المرأة بين عاتقيها وكشحيها ، وغير المازني جعل القلب في مثله مقصورا على السماع.
وقد تلخص إلى ههنا ان لزوم القلب مشروط بتحرك الثانية وإلّا جاز ، ولكنهم على تقدير كون الأوّل في الأصل بواوين.
(و) قد(التزموه) - أي هذا القلب - في (مؤنثه الأولى) وان لم يتحقق فيه شرط اللزوم ، لسكون الثانية فيه ، (حملا على الأول) في الجمع ، فان أصله : وول - بواوين متحركتين أوليهما مضمومة وثانيتهما مفتوحة - فيتحقق فيه شرط لزوم القلب ، فحيث علموا لزومه في الجمع التزموه في المفرد ، كراهة اختلافهما في الحروف بحسب الظاهر ، ولم يعكس ، بأن يحمل الجمع عليه في جواز ترك القلب ، ترجيحا للتخفيف ، ولأن المفرد لاشتماله على علامة التأنيث مؤنث لفظي فحمله على الجمع الخالي عن التأنيث اللفظي أولى من العكس ، ويظهر من كلام بعضهم الاكتفاء في لزوم القلب باصالة الواو الثانية - كما في الأولى - فانّه «فعلى» بخلاف أوري في : ووري فانّه «فوعل» كقوتل ، فواوه الثانية زائدة.
وقال سيبويه : إذا بنى من : وعد مثل : كوكب يقال : أوعد - بقلب الواو الاولى همزة ، وهذا يدل على انّه لم يشترط في قلب الاولى همزة اصالة الثانية ولا تحركها ، ويرد عليه : عدم القلب في : ووري ، وقد يعتذر عنه بأنهم شبهوا مدته بألف وارى ، لانقلابها منها ، وقد يقال : لعلّه أراد جواز القلب مع سكون الثانية - كما ذكره المصنف - دون الوجوب ، فتأمل.
(وأمّا أناة) في قولهم : إمرأة أناة - إذا كان بها فتور وكسل - وأصلها : وناة - بالواو - من الونى - بالألف المنقلبة عن الياء - وهو الفتور ، (وأحد) من الوحدة ، وأصله : وحد ، (وأسماء) من اعلام النّساء ، وأصله : - عند سيبويه والأكثر - وسمآء على «فعلاء» من الوسامة وهي حسن الوجه ، (فعلى غير القياس) بالاتفاق ، لأنّ الواوات في أوائلها مفتوحة من غير تكرّر ، فقياسها ان تبقى على حالها ، فقلبها همزة خلاف القياس ، وزعم المبرد : ان أسماء علم منقول من الجمع ، وهو جمع اسم ، ومنعه من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي ، ورجح مختار الأكثر بقلّة التسمية
بالجمع ، وبمنعه من الصرف في كلامهم وان سمّى به مذكر فهو «فعلاء» كحمراء ، وإلّا لم يكن فيه حينئذ سبب غير العلمية ، وبناء منعه من الصرف على التوهم أو نقله عن اسم المؤنث فيراعي أصله كزينب - إذا سمّى به رجل - بعيد جدّا.
وقد تقلب الواو في الصدر - تاء - لتقاربهما في المخرج وتشاركهما في الهمس ، كتراث ، وتقوى ، في : وراث ، ووقوى ، وتولج في : وولج - بواوين - كجوهر ، من الولوج لمأوى الوحوش ، ولم يأت في كلام العرب كلمة أوّلها ياء مكسورة إلّا يسار على لغة في اليسار - لليد اليسرى - ويقاظ - جمع يقظان - كذا قال نجم الأئمّة رضي.
(و) الواو والياء(تقلبان في : باب الافتعال تاء) (1)وتدغم فيها تاء الافتعال ، للتخفيف ، أمّا الواو : فلمناسبتها للتاء ، وامّا الياء : فكأنهم حملوها في ذلك على الواو ، لما بينهما من التواخي ، (نحو : إتّعد) القوم - أي وعد بعضهم بعضا في الشر - ، ويقال في الخير : تواعد ، كذا قال الجوهري ، ويقال : إتعد فلان أيضا - أي قبل الوعد - وأصله : إوتعد ، (وإتّسر) القوم الجزور ، - اقتسموها بحسب سهامهم في الميسر ، أي القمار المعروف في الجاهلية - وأصله : ايتسر - بالياء - وبمعناه يسر القوم الجزور ، وكذا في التصاريف غير الماضي.
هذا إذا لم يكن حرف العلّة منقلبة عن الهمزة.
(بخلاف) المنقلبة عنها ، فانّها لا تقلب تاء ، لعروضها وكونها في معرض الزوال ، نحو : (إيترز) فلأن بالازار - بصيغة الماضي - ، وأصله : إأتزر - بهمزتين فقلبت الثانية ياء - كما في ايت - ويقال : في المضارع للمتكلم منه آتزر بقلب الثانية ألفا - كما في آدم - وجوّز بعض البغاددة : القلب تاء ، والادغام في كل ياء منقلبة عن الهمزة في باب الافتعال ، نحو : اتّزر ، واتّمن ، واتّهل ، من : الأزار ، والأمانة ، والأهل ، وفي رواية عن عاصم انّه قرأ : «الّذي إتّمن» بالقلب والادغام ، وحكى غيرهم : اتّزر
1) وعبارة المتن في شرح النظام ورضي : وتقلبان تاء في نحو إتعد الخ.
في الماضي ، وفي المضارع أيضا للمتكلم (1)تبعا للماضي ، فقال ابن مالك : انّه مقصور على السماع ، وقيل : انّه من تحريف الرواة.
وامّا : إتّخذ فسيجيء الكلام فيه إنشاء الله تعالى.
(وتقلب الواو) الساكنة(ياء إذا إنكسر ما قبلها ، والياء) الساكنة(واوا إذا انضم ما قبلها) ، لاستثقال كل من الواو الساكنة المكسور ما قبلها والياء الساكنة المضموم ما قبلها ان لم تكن مشدّدة ، بخلاف الواو المشدّدة المكسور ما قبلها ، والياء المشدّدة المضموم ما قبلها نحو : اجلوّازا مصدر اجلوّز - بالتشديد - وميّل - على البناء للمفعول - من باب التفعيل من : الميل ، فانّ المشدّدة لقوّتها كالحرف الصحيح ، فتحمل ما لا تتحمّل غيرها وان جاز القلب ياء في اجلوّازا نحو : اجليوازا - كما جاء في الصحيح نحو : دينار في : دنّار ، فالأوّل : (نحو : ميزان ، وميقات) من الوزن ، والوقت ، (و) الثاني : نحو : (موقظ) من اليقظة ، (وموسر) من اليسار - بمعنى الغنى -.
(وتحذف الواو) قياسا مطردا(من) المضارع المعتل الفاء على «يفعل» بكسر العين - (نحو : يلد ، ويعد) وأصلهما : يولد ، ويوعد ، وانّما حذفت ، (لوقوعها بين ياء) وهي حرف المضارعة في الغيبة ، (وكسرة أصلية) في العين ، والواو في حكم ضمتين ، والياء في حكم كسرتين ، فيستثقل اجتماعهما مع وجود كسرة اخرى بعد الواو فحذفت تخفيفا ، ولم تحذف من : يوعد مع كسر العين في باب الافعال ، لحصول شيء من التخفيف بمصادفة الضم المجانس لها قبلها في حرف المضارعة ، ولأنه في الأصل : يأوعد فلم يقع الواو فيه بين الياء والكسرة ، نظرا إلى أصله ، كذا قيل.
1) وممّا يستشهد به لمجيئه في المضارع ما في صحيح البخاري في باب : مباشرة الحائض باسناده إلى عائشة - رضياللهعنها - قالت كانت إحدانا إذا كانت حائضا فأراد رسول الله (ص) ان يباشرها أمرها أن تتّزر.
(ومن ثمّ) أي ومن أجل وجوب حذف الواو في مثل ما ذكر ، (لم يبن) الماضي المضاعف المعتل الفاء الواوي الخالي عن حرف الحلق ، (نحو : وددت) من المودّة - وهي المحبّة - (بالفتح) في العين ، بل بنى على «فعل» - بكسرها - ليكون مضارعه مفتوح العين ، نحو : يودّ ، (لما يلزم من اعلالين) ، وهما : حذف الواو ، والادغام ، (في) مضارعه نحو : (يدّ) لو بنى ذلك الماضي بفتح العين ، لما تقرّر عندهم في المثال المضاعف الّذي كان ماضيه مفتوح العين من لزوم الكسر في عين المضارع منه إلّا مع حرف الحلق ، فيجوز معه الفتح ، وإذا كان مضارعه مكسور العين لزم حذف الواو مع وجوب ادغام العين في اللّام ، فكأنهم عدلوا فيه عمّا يستعقب اعلالين ، ترجيحا لما يلزم فيه ذلك وان كان قد يقع في كلامهم ما فيه اعلالان أو أكثر ، كما يظهر لك في مسائل التمرين - إنشاء الله تعالى -.
ثمّ انّ الأصل في حذف الواو هو المضارع الغائب الّذي فيه الياء ، (وحمل أخواته نحو : أعد ، ونعد) - للمتكلم الواحد والمتعدّد - (وتعد) - بالتاء للغائبة والمخاطب - (وصيغة أمره) نحو : عد(عليه) وان لم يتحقق فيها سبب الحذف ، لعدم الياء ليكون الباب على وتيرة واحدة ، وفي الأمر وجه آخر وهو : انّه مأخوذ من صورة المضارع بحذف حرف المضارعة ، فيحصل ما ذكر من غير واو ولا همزة وصل ، (ولذلك) الّذي أشير إليه من ان حذف الواو انّما هو لوقوعها بين الياء والكسرة ، وذلك انّما يتأتى مع كسر العين في المضارع ، (حملت فتحة يسع) ، مضارع وسع ، (ويضع) مضارع وضع ، ويطأ مضارع وطأ ، ويدع ونحوها ، (على العروض) ، ذهابا إلى انّ العين فيها مكسورة في الأصل والفتحة عارضة لأجل حرف الحلق ، إذ لو لا الحمل على ذلك لم يكن لحذف الواو منها وجه ، لعدم وقوعها بين الياء والكسرة.
(و) لذلك أيضا حملت فتحة(يوجل على على الأصل) ، وقالوا : انّها أصليّة ، إذ لو كانت عارضة لحذف الواو ، كما في يسع ، (و) هاتان الفتحتان (1)(شبّهتا) في كون
1) أي فتحة يسع ويوجل.
إحداهما عارضة والاخرى أصليّة(بالتّجارى والتجارب) من حيث الكسرة فيهما ، فانّها عارضة في أحدهما - أي في التجاري - لأنه مصدر تجاري يتجارى كتباعد يتباعد ، فالراء فيه مضمومة في الأصل كالعين في التباعد ، وكسرت لوقوع الياء بعدها هي أصليّة في الآخر - وهو التجارب - لأنه جمع للتجربة ، وقياس الجمع الّذي ثالثه ألف بعدها حرفان ان يكون أولهما مكسورا نحو : صحائف ، ومساجد.
وما ذكر في الواو من أنها تحذف مع الكسرة وتثبت مع الفتحة ، (بخلاف الياء) في المفتوح العين ، (نحو :) (ييئس) مضارع يئس ، (و) المكسور العين نحو : (ييسر) مضارع يسر - إذا لعب الميسر ، وهو القمار - فانّه لا فرق بينهما فانّها تثبت مع الكسر كما تثبت مع الفتح ، لعدم ثقلها بالوقوع بين الياء والكسرة ، (و) لكن (قد جاء) : فيها مع الهمزة الحذف والقلب ألفا ، استثقالا لها معها وذلك كما جاء(يئس) باثبات حرف المضارعة وحذف الياء الّتي هي الفاء ، (وجاء : ياءس) بقلبها ألفا ، وهذا(كما جاء) قلب حرف العلّة ألفا في المضارع في باب الافتعال نحو : (ياتعد) ، وياتسر ، (وعليه جاء) : في اسم الفاعل منهما(موتعد ، وموتسر) بالواو المنقلبة عن الياء الساكنة المضموم ما قبلها ، (وهذا لغة الشافعي) - رحمهالله تعالى - فانّه كان يتكلم هكذا ، وهذا يوافق لغة بعض الحجازيين ، وجاء : في لغة هؤلاء في الماضي من الواوي إيتعد - بالياء المنقلبة عن الواو الساكنة المكسور ما قبلها ، وكذا في الأمر ، وذلك عند بقاء الهمزة الوصلية المكسورة فان حذفت درجا فالمسموع ليس إلّا التاء المشدّدة نحو : واتّعد - بالواو العاطفة -.
وجاء : في اليائي ايتسر بالياء من غير القلب تاء.
(وشذّ في مضارع - وجل : ييجل) بقلب الواو ياء من غير تغيير آخر ، (وياجل) بقلبها ألفا ، (وييجل) بقلبها ياء مع كسر حرف المضارعة وان كان هو الياء الّتي لا يكسرها من يكسر حروف المضارعة ، والكسرة مستثقلة عليها ، لانجبار ذلك
بتقوى الياء بالياء الاخرى ، ففيه أربع لغات ، هذه الثلاث ، ويوجل ، وظاهر كلام أبي علي ان هذه الأربعة قياس على قلّة في كل ما كان معتل الفاء على «فعل ، يفعل» - بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع -.
(وتحذف) وجوبا(الواو) المكسورة من المصدر وان ضعف ثقلها بسكون ما بعدها إذا كانت محذوفة في المضارع ، لما فيها من شوب الثقل بالكسرة مع استهال الخطب في حذفها بكونها في معرض الحذف في المضارع ، فنقلت كسرتها إلى ما بعدها وحذفت ، اجراء للمصدر مجرى المضارع من باب اجراء الأصل مجرى الفرع ، كأنهم يبتدئون باعلال الفعل ، لكثرة دورانه وكثرة الدواعي إلى التصرّف فيه ، ثمّ يتبعه المصدر في الاعلال ، ومن ثمّ قيل : الفعل في باب الاعلال أصل للمصدر ، وذلك : (كالعدة) مصدر وعد يعد ، (والمقة) مصدر ومق يمق ، وأصلها : وعدة وومقة - بكسر الواو - وقد تحذف مع حركتها من غير نقل ويفتح ما بعدها إذا كان مفتوحا في المضارع لحرف الحلق ، كطأة وسعة ، وقد يكسر أيضا مثل ذلك كهبة ، وتبقى الواو إذا لم تكن مكسورة كالوعد ، أو لم تحذف من المضارع كوصال مصدر يواصل ، ووداد مصدر يوادّ.
ثمّ انّ التاء في نحو ذلك حاصلة فيه قبل الاعلال والحذف ، كما في نشدة من الصحيح ، لكنها لمّا صادفت حذف الواو وجعلت كالعوض عنها فلزمت ، لكن لم يعتد بتعويضها فضل إعتداد ، ولذلك وقف عليها بالهاء ولم تكتب مطولة ، بخلاف ما يعتد فيه بالتعويض كالأخت ، والبنت ، وقد جاء حذفها على شذوذ كما في قول الفضل بن عباس بن عتبة :
إنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا
واخلفوك عد الأمر الّذي وعدوا (1)
الخليط : صاحب الرجل الذي يخالط في جميع اموره ، ويستوى فيه الواحد والجمع.
والبين : الفراق ، فانجردوا : أي فاندفعوا ، والشاهد في : عدّ الأمر فانّ أصله : عدّة الأمر. ولا يختص ذلك بالنظم وهو كثير جدّا.
1) البيت لأبي اميّة الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب.
(ونحو : وجهة) باثبات الواو المكسورة(قليل) ، وانّما جاز ذلك فيها لأنها ليست مصدرا يجري مجرى المضارع بمعنى التوجّه ، بل معناها المكان والجهة الّتي يتوجه إليها ، ولزوم الحذف والتعويض إنّما هو في المصادر دون غيرها ، كولدة ، ووعدة ، في الاسم ، ولو جعلت مصدرا فالتاء فيها مجردة عن اعتبار التعويض ، لئلّا يكون كالجمع بين العوض والمعوض ، وترك الاعلال فيها للتنبيه على الأصل كتركه مع وجود سببه في : القود والعود.
وأمّا صلة - بضمّ الصاد مع حذف الواو - فشاذ ، ولعل أصلها : الصّلة - بكسرها - فحذفت ثمّ حولت بعد حذفها عن الكسرة إلى الضمّة فلم يعتنوا بها ، لعروضها.
(العين) : والواو والياء(تقلبان ألفا إذا تحركتا) حال كونهما(مفتوحا ما قبلهما ، أو في حكمه) - أي حكم المتحرك المفتوح ما قبله - إمّا بأن يجعل كل منهما في حكم المتحرك ، وامّا بأن يجعل ما قبلهما في حكم المفتوح ، (في إسم ثلاثي) ذي ثلاثة أحرف ، (أو فعل ثلاثي) كذلك ، (أو) في فعل (محمول عليه) - أي على الفعل الثلاثي - ، (أو) في (إسم محمول عليهما) أي على الفعل الثلاثي والفعل المحمول على الفعل الثلاثي - بأن يكون ذلك الاسم محمولا على أحدهما.
وهذا القلب مع قلّة الثقل في الواو والياء المتحركتين المفتوح ما قبلهما لزيادة التخفيف المناسبة لكثرة دورانهما ، ولم يقتصروا على الاسكان ، كراهة التباس صيغة
المتحرك الأوسط بصيغة الساكن الأوسط ، والألف المنقلبة دالّة على الحركة ، لانقلابها عن المتحرك فلا التباس معها ، ولم يقلبوهما فائين ألفا في لغة الأكثرين وان تحركتا وانفتح ما زيد قبلهما نحو : أودّ - للمضارع المتكلم - من المودّة ، وأيلّ - بفتح الهمزة والياء وتشديد اللّام - للصفة من اليلل - وهو قصير الأسنان العليا وانعطافها إلى داخل الفم - ، يقال : رجل ايلّ ، وامرأه يلّاء ، لأن فاء الكلمة الّتي هي أوّل اصولها جدير بالمحافظة عليها وعدم التغيير إلّا ان يقوي الداعي إليه ، وليس ههنا من الاستثقال ما يقوي على ذلك ، بخلاف العين واللّام ، فانّ الآخر وما يقرب منه قد يتغيّر باستثقال لا يتغيّر بمثله الأوّل ، ومن ثمّ أطرد هذا الاعلال فيهما إلّا في الأجوف اليائي على «فعل» - بضمّ العين - كهيؤ يهيؤ - إذ لو قالوا فيه : هاء لزم ان يقال في المضارع : يهوؤ - بقلب الياء واوا بعد نقل الضمّة - على زنة يسوء ، لاستلزام إعلال الماضي إعلال المضارع ، وهو ثقيل بالنسبة إلى أصله مع ان شأن الاعلال التخفيف كذا قيل.
والمصنف ترك استثناءه ، لعدم نظير آخر له ، وبعض بني تميم يقلبون الواو الّتي تكون فاء ألفا في الجمع وان كانت ساكنة ، كما يقولون : ألا دطيّ مثلا ، في أولاد طيّ.
ثمّ ان قلبهما عينين ألفا ، (نحو : باب ، وناب) وأصلهما : بوب ، ونيب - بفتح الواو والياء المفتوح ما قبلهما - وهما اسمان ثلاثيان ، (وقام ، وباع) وأصلهما : قوم ، وبيع كذلك وهما فعلان ثلاثيان ، (وأقام ، وأباع) ، واستقام ، واستباع ، وأصلها : أقوم ، وأبيع كأكرم ، واستقوم ، واستبيع كاستخرج ، وما قبل الواو والياء فيها ساكن لكنّه في حكم المفتوح لانفتاحه في أصلها الثلاثي المجرد ، وان اعتبر نقل حركتهما إلى ما قبلهما في حكم المتحرك لاعتبار حالتهما الأصلية ، وهما على التقديرين في حكم المتحرك المفتوح ما قبله فقلبتا ألفا وفتح ما قبلهما ان لم ينقل الفتحة منهما إليه ، فهذان فعلان محمولان على الفعل الثلاثي ، ولم يعتبروا حركتهما في الأصل المجرد في نحو :
استوثق ، واستيسر ، لكونهما فائين كما في : اودّ.
(والإقامة ، والإستقامة) وأصلهما : إقوام ، واستقوام : كاكرام واستخراج ، فما قبل الواو فيهما ساكن لكنهما حملا على فعلهما المحمولين على الفعل الثلاثي فقلبت فيهما ألفا وحصلت ألفان فحذفت إحداهما بإلتقاء الساكنين ، والتاء عوض كما مرّ في باب المصدر ، فهذان اسمان محمولان على الفعل المحمول على الفعل الثلاثي.
(وإستكان منه) أي من قبيل ما ذكر من المحمول على الثلاثي ، فانّه استفعل كاستقام ، فما قبل حرف العلّة فيه ساكن لكنّه حمل على أصله الثلاثي ، (خلافا للأكثر) حيث جعلوه «افتعل» كاجتمع ، وزعموا أنّ الألف فيه زائدة كما في : ينباع ، ومنتزاح.
وانّما قلنا انّه منه وجعلناه كاستقام (لبعد الزيادة) في الألف ، فانّ الحكم بزيادتها مع امكان اصالتها بعيد ، (ولقولهم) : في مصدره من غير المرة(إستكانة) بالتاء الّتي لم يعهد زيادتها في مصدر باب الافتعال لغير المرّة أصلا ، والحمل على ان زيادة التاء مع كونها مصدر «افتعل» لتوهم كونها مصدر «استفعل» كاستقام بعيد جدّا.
(ونحو : مقام) - بفتح الميم - وأصله : مقوم كمقعد ، فما قبل الواو فيه ساكن لكنّه حمل على فعله الثلاثي ، كما في أقام ، وهو اسم محمول على الفعل الثلاثي ، (ومقام) - بضمّ الميم - على انّه مصدر ميمي ، أو اسم مفعول ، أو اسم مكان من باب الافعال ، فأصله : مقوم كمكرم بسكون ما قبل الواو ، فحمل على ماضيه المحمول على أصله الثلاثي كالاقامة في المصدر.
وهذا الّذي ذكر من القلب ألفا في المتحرك المفتوح ما قبله من الواو والياء كائن (بخلاف : قول ، وبيع) من المصدر الثلاثي ونحوهما من الكلمات الّتي كانت الواو والياء الواقعتين عينين فيهما ساكنتين ، فانّهما لا تقلبان في مثل ذلك ألفا ، لحصول التخفيف بالسكون.
(وطائيّ ، وياجل شاذ) ، لأن أصل الأوّل قبل النسبة طيّئ كسيّد - بالياء المشدّدة - فحذفت المدغمة فيها المتحركة وابقيت المدغمة الساكنة فقلبها ألفا شاذ ، لسكونها وقد مرّ الكلام فيه في باب النسبة ، وأصل الثاني : يوجل - بالواو الساكنة - فقلبها ألفا شاذ مع انّها فاء الكلمة ، وقد يقال : ان قلب حرف العلّة الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا قياس في لغة : بلحارث بن كعب ، وخشعم ، وزبيد ، وقبائل من اليمن ، ولذلك جعلوا الياء في المثنى ألفا - نصبا وجرّا - فلعل مثل ذلك وارد على لغتهم كما ورد على تلك اللّغة : ربّ إنّي تبت إليك وصمت فتقبّل تابتي وصامتي - أي توبتي وصومتي -.
(و) كذلك ما ذكر كائن (بخلاف : قاوم ، وبايع) (1)مقاومة ومبايعة ، (وقوّم ، وبيّن) تقويما وتبيينا ، (وتقوّم ، وتبيّن ، وتقاول ، وتبايع) ، فانّ الواو والياء في كل ذلك لا تقلبان ألفا وان كانتا متحركتين لأن ما قبلهما ساكن وليس بمفتوح ولا في حكمه ، لعدم كونه حرفا هو مفتوح قبل إحداهما في الأصل المجرد الثلاثي كما كان كذلك في نحو : اقام واستقام ، كيف لا والأصل المجرد الثلاثي ليس بمشتمل على أحديهما وذلك الساكن معا.
(ونحو : القود) - بالتحريك ، للقصاص - ، (والصّيد) - بالتحريك أيضا - مصدر الأصيد - بالمهملتين - كأحمر ، وهو الّذي لا يرفع كبرا ، أو الّذي لا يلتفت يمينا وشمالا.
(وأخيلت) السحابة كاكرمت - بالخاء المعجمة - إذا صارت خليقة بالمطر ، واخيلت المرأة للناقة - إذا وضعت قرب ولدها خيالا ، بفتح المعجمة - وهو خشبة عليها ثياب سود ليخاف منه الذئب فلا يقربه - ، (وأغيلت) المرأة - بالمعجمة - كأكرمت إذا أرضعت ولدها الغيل - بفتح المعجمة - وهو اللبن الّذي ترضعه المرأة
1) يوجد اختلافات لمتن الشافية بين هذا الشرح وغيره في أوّل هذا المبحث. فليعلم.
وهي تجامع أو عند حملها ، (وأغيمت) السماء - بالمعجمة أيضا - إذا صارت ذات غيم - أي سحاب - ، واستحوذ عليه فلان - أي غلب - واستصوبه ، واستروح الريح - أي شمّها - ، (شاذ) لأنّ الواو والياء في جميع هذه متحركتان وما قبلهما مفتوح في : القود والصيد ، وفي حكمه في البواقي كما في أقام ، وأباع ، فالقياس : قلبهما ألفا في الجميع ، فابقائهما للتنبيه على الأصل مخالف للقياس وان أطرد في السماع.
وقد جاء : أخالت ، وأغالت ، وأغامت ، وأستصاب على القياس أيضا.
(وصحّ) من حيث العين بمعنى انّه لم يرتكب اعلال في عينه (باب : قوي) وهو ما كان على «فعل» بكسر العين وعينه ولامه كلّاهما واو ، (و) باب : (هوى) وهو ما كان على «فعل» بالفتح وعينه ولامه كلّاهما حرف علّة ، (للاعلالين) اللّازمين من اعلالهما بقلب العين فيهما ألفا ، فان قوي مثلا أصله : بواوين بدليل القوّة - بالتشديد - والاعلال في حرف العلّة المجتمعة يؤخذ من الآخر فقلبت الثانية ياء لانكسار ما قبلها ، ولو قلبت الاولى أيضا لانفتاح ما قبلها ألفا لزم اعلالان في كلمة واحدة ، وهوى أصله : هوي - بالياء - فقلبت ألفا لانفتاح ما قبلها ، فلو قلبت الواو ألفا أيضا لزم فيه اعلالان ، فللتحرز عنهما صحّت العين ، مع ان في باب هوى لو قلبت العين واللّام كلّاهما ألفا التقى ساكنان ولزم حذف احديهما بأن يقال : ها فيلزم اللبس والاجحاف بكثرة التغيير.
(وصحّ باب) ما كان لامه ياء من «فعل» بالكسر من الأجوف نحو : (طوي) بمعنى جاع ، (حيي) من الحياة ضدّ الموت ، وان لم يلزم اعلالان لو قلبت عينه ألفا ، لعدم الاعلال في اللّام ، (لأنه فرعه) أي لأن هذا الباب فرع لباب : هوى ، لأن «فعل» بالكسر فرع «لفعل» بالفتح ، لما في المفتوح من الخفة وكثرة الوقوع وزيادة التصرف ، حيث جائت الحركات الثلاث في عين مضارعه ، فحمل على أصله في
صحّة العين.
وبالجملة قد صحّت العين في تلك الأبواب مع تحركها وانفتاح ما قبلها ولم تقلب ألفا بأن يقال : قاي ، وطاي ، وحاي ، مثلا لما ذكر من لزوم الاعلالين في البعض ، والفرعية لما صحّ في البعض ، (أو لما يلزم) في مضارعها عند اعلال عين الماضي بالقلب ألفا(من) نحو : (يقاي) في قوى ، (ويطاي) في طوى ، (ويحاي) في حيي ، لالتزامهم في مضارع ما عينه حرف علّة من «فعل» بالكسر ان يشارك الماضي في قلب العين ألفا كما في : خاف يخاف ، ونام ينام ، وغيرهما.
ولو قلبت عين المضارع من هذه الأبواب ألفا امتنع قلب اللّام ألفا أيضا ، وكذا ابقائها مع اسكانها لئلّا يلتقى ساكنان وحذف احديهما يؤدي إلى كثرة التغيير واللبس فتعين ان يقال : يطاي ، ويقاي ، ويحاي ، مثلا بضمّ الياء في الرفع ، وهو مرفوض في الفعل وان سكن ما قبلها ، لاستثقالهم فيه ما لا يستثقلونه في الأسماء ، هذا مع ما في ذلك من اعلال المتقدم من حروف العلّة المجتمعة وصحّة المتأخر منها مع الموجب ، والقياس عكسه وكأنه لم يجعل اللّام في : قوى يقاو - بالواو - وان كان هو مرفوضا أيضا للحمل على الماضي في القلب ياء ، فتأمل.
واعرض عن باب : هوى يهوى ههنا لعدم لزوم يهاي فيه ، لأن مضارع ما عينه حرف علّة من «فعل» بالفتح لا يلزم مشاركته للماضي في القلب ألفا ، كصان يصون ، وباع يبيع.
(وكثر الإدغام) بل هو أكثر من الاظهار مع كثرته على ما قال سيبويه (في) ماضي (باب) ما عينه ولامه كلّاهما ياء من «فعل» بالكسر نحو : (حيي) ، فيقال : حيّ ، حيّا ، حيّوا مثلا - بالتشديد والادغام - (للمثلين) المجتمعين فيسكن الأوّل استثقالا للكسرة على الياء ويدغم في الثاني ، وبه قرء جماعة من السبعة قوله تعالى : (وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)(1)، ومن أظهر زعم انّ القياس عند ادغام الماضي ان
1) الآية : 42 الأنفال.
يدغم المضارع أيضا فيؤدي إلى ضمّ الياء في الرفع وضمها مع التشديد وان لم يكن مستثقلا كما في : كرسيّ ، لكن لم يوجد ضمّ الياء ولا تشديدها في كلامهم في آخر المضارع أصلا ، لأنه موضع الاعراب مع ثقل الفعل.
ثمّ انّ الأحسن عند الاظهار اخفاء كسرة الياء الاولى ، ليجري مجرى الادغام ، وتحذف الاولى مع الواو للجمع ، وتضم الثانية لمناسبة الواو فيقال : حيوا بالتخفيف ، كما قال :
وكنّا حسبناهم فوارس كهمس
حيوا بعد ما ماتوا من الدّهر أعصرا (1)
(وقد يكسر) على قلّة(الفاء) من الماضي المدغم ، فيقال : حيّ - بكسر الحاء - لمناسبة الياء ، وانجبار العدول عن الفتحة الّتي هي أخف بالخفة الحاصلة من الادغام ، وقد يقال : ان من كسر جعل اسكان الياء للادغام بنقل كسرتها إلى الفاء ، ومن فتح جعل الاسكان بحذف الحركة وقال بعضهم : انّ الظاهر أن كسر الفاء انّما جاء في الماضي المبنى للمفعول بقلب الضمّة المستثقلة على ما قبل الياء ، وهذا هو الّذي ذكره سيبويه دون المبنى للفاعل كما هو ظاهر كلام المصنف تبعا للزمخشري في المفصل لخفة الفتحة.
وهذا الباب في جواز الادغام كائن (بخلاف باب) ما عينه ولامه واوان من «فعل» بالكسر نحو : (قوي) ، فلا يقال : قوّ - بالتشديد - ، (لأنّ الاعلال) فيه بقلب الواو الثانية ياء(قبل الادغام) ، لأن سبب الادغام وهو اجتماع المثلين مجوز للادغام في باب «فعل» بالكسر من اللفيف المقرون ، بدليل كثرة الاظهار في حيي ، وهو مع ذلك تصرف في الوسط ، وسبب الاعلال المذكور موجب لوجوب قلب الواو ياء
1) البيت لأبي حزابة التميمي ، شاعر من شعراء الدولة الأموية ، وقيل : لغيره ، الكهمس : الأسد ، وله معان أخر ، وأبو قبيلة من العرب وهو المراد ههنا. والأعصر : جمع العصر ، يعني : كنّا حسبناهم في غاية الشجاعة حتّى انّا حسبناهم أنهم فوارس هذه القبيلة المعروفين بالشجاعة حيوا بعد موتهم أعصرا من الدهر ، والاستشهاد في قوله : (حيوا) بتخفيف الياء مضمومة على لغة من قال في الماضي حيي بالفك مثلما تقول : رضوا في رضي.
بسبب انكسار ما قبلها ، والموجب مقدم على المجوّز ، وهو مع ذلك تصرف في الآخر فيقدم على التصرف في الوسط عند اجتماع حرفي العلّة ، وبعد الاعلال المذكور لا مجال للادغام لعدم المثلين ، (ولذلك) الّذي ذكر من تقديم الاعلال على الادغام (قالوا) في مضارع حيي ، وقوي : (يحيى ، ويقوى) بقلب الياء الثانية من الأوّل والواو الثانية من الثاني ألفا ، لانفتاح ما قبلها ، فزال التماثل ولم يبق سبيل إلى الادغام ، فلذلك لم يدغموا ولم يقولوا : يحيّ ، ويقوّ - بالتشديد - كيعضّ ، ومن ههنا اختلف الماضي والمضارع في باب : حيي في الادغام وعدمه.
(و) لذلك أيضا قالوا : (إحواوي يحواوي) - من الحوة - للحمرة الّتي تضرب إلى السواد واللون المخلوط بالكمتة - ، (وارعوي) عن القبيح ، (يرعوي) إرعواء - إذا كفّ عنه - ، والأصل : إحواوو ، يحواوو - بواوين بعد الألف - ، وارعوو ، يرعوو ، - بواوين أيضا - ، والأصل : فيهما الادغام ، فانّ الأوّل من باب : احمارّ يحمارّ ، والثاني : من باب : إحمرّ يحمر ، لكنهم قلبوا الواو الأخيرة في الماضيين ألفا ، لانفتاح ما قبلها ، وفي المضارعين ياء لانكسار ما قبلها ، (ولم يدغموا) في شيء من هذه ؛ ولم يقولوا : إحواوّ ، وارعوّ - بالتشديد - كما حمارّ ، واحمرّ ، ولا يحواوّ ، ويرعوّ كيحمارّ ويحمر ، لزوال التماثل بعد الاعلال.
(وجاء) : في مصدر - احواوي - (إحويواء) بالاظهار وتخفيف الياء الساكنة بين الواوين ، ليناسب فعله في الاظهار ، (وإحويّا) - بتشديد الياء - على الادغام ، ولم يذكر سيبويه غيره ، لأنّ أصله : احويواء فقلبت الواو الثانية ياء وادغمت ، لاجتماعها مع الياء مع سبق الساكن ، ومن قال : احويواء بالاظهار كأنه لم يبال بذلك ، لعروض الياء وزيادتها حرصا على المناسبة لفعله.
واعلم انّ النحاة ذكروا : ان باب الافعلال في بعض الكلمات كاحمرّ احمرارا ، واشهب اشهبابا ، مقصور «إفعيلال» كاحمارّ إحميرارا ، واشهابّ إشهيبابا.
(ومن قال) : في : اشهيباب ، واحميرار ، (إشهباب) ، واحمرار - بالقصر - ؛ (قال) : في احواوي ، إحويواء ، احووى كارعوى ، (إحواواء كاقتتال) مصدر اقتتل على
«إفتعل» في عدد الحروف والسكنات وعدم الادغام مع اجتماع المثلين وان لم يكونا من باب واحد ، والوجه في عدم الادغام المحافظة على البناء وانجبار ثقل المتماثلين بسكون ما قبلهما.
(ومن) قال : احووى احوواء كاقتتال ومع هذا(إدغم - إقتتالا -) ترجيحا للتحرز عن الاظهار في المثلين المجتمعين على المحافظة على البناء ، والاعتناء بالسكون المتقدم ، وقال : قتّل ، يقتّل ، قتّالا - بتشديد التاء - في الجميع للادغام وتحريك ما قبلها ، كما يأتي في باب : الادغام ، وحذف همزة الوصل للاستغناء عنها ، (قال :) حوّي ، يحوّي - بفتح الحاء فيهما ، أو كسرها - على الوجه الّذي يأتي في : قتلّ يقتلّ ، (حوّاء) بنقل كسرة الواو الأولى إلى الحاء وحذف الهمزة والادغام.
فهذه أربعة أوجه ، والهمزة الأخيرة في الجميع منقلبة عن الواو المتطرفة بعد الألف.
(وجاز الادغام) من غير كثرة ، بعد نقل كسرة الياء الاولى إلى ما قبلها ، (في : احيي) كأكرم ، (واستحيي) كأستخرج ، مجهولين ، لاجتماع المثلين من غير اعلال في الآخر ، لانكسار ما قبله ، (بخلاف : أحيي ، واستحيي) مبنيتين للفاعل ، فان ما قبل الآخر فيهما مفتوح ، فيجري فيهما الاعلال بالقلب ألفا قبل الادغام ، فيتعين فيهما الاظهار لعدم المثلين.
(وامّا إمتناعهم) عن الادغام (في يحيي ، ويستحيي) كيكرم ، ويستخرج ، مبنيين للفاعل مع اجتماع المثلين وعدم الاعلال في الآخر ، لانكسار ما قبله ، (فلئلّا ينضم) عند التجرّد عن الجازم والناصب (ما رفض ضمّه) في الفعل ، وهو الياء ، مع ان الياء المشدّدة لم يجيء في كلامهم في آخر المضارع كما مرّ ، وامّا مضارع : أحيي ، واستحيي - مجهولين - فلا مجال للادغام فيه ، لجريان قلب الآخر فيه ألفا ، لانفتاح ما قبله قبل الادغام.
(ولم يبنوا من باب) : ما عينه ولامه واوان ، نحو : (قوي) إلّا ما يشتمل على قلب الأخيرة ياء ، للكسرة قبلها ، وهو «فعل» بالكسر دون ما يبقى فيه الواوان ، لعدم الكسرة فلم يبنوا منه ، (مثل ضرب) بالفتح ، (ولا) مثل : (شرف) بالضم وان أمكن التخفيف بالادغام بعد اسكان الاولى عند الخلوّ عن الضمير البارز المرفوع نحو : قوّ - بالواو المشدّدة - (كراهة) اجتماع الواوين عند الاتصال بالضمير المذكور ، نحو : (قووت) بفتح الواو الاولى ان بنى مثل : ضربت ؛ (وقووت) بضمّها ان بنى مثل : شرفت ، للزوم تحرك العين الّتي هي أوّل المثلين عند الاتصال به ، فلا مجال للإدغام عنده ، ولم يبالوا باجتماع اليائين في نحو : حييت ، لأنّه أخف من اجتماع الواوين.
(ونحو : القّوّة) مصدر قوي ، (والصّوّة) - بالمهملة المضمومة والواو المشدّدة - واحدة الصّوى - بضمّ المهملة والقصر ، للأعلام من الحجارة ، أو الّتي غلظت وارتفعت من الأرض ولم يبلغ ان يكون جبلا - ، (والبوّ) - بفتح الموحدة وتشديد الواو ، لجلد ولد الناقة يملأ تبنا إذا مات ولدها لتسلّى به - ، (والجوّ) - بفتح الجيم وتشديد الواو ، للهواء - ، وبضمّ المهملة في بعض النسخ على انّه جمع الأحوى من الحوّة للّون المذكور آنفا ، (محتمل) - بفتح الميم على انّه اسم مكان - أي موضع احتمال - (للإدغام) وان كان بكسر الميم فالمعنى : ان مثل ذلك محتمل الادغام ويصلح له.
والحاصل : ان في نحو ذلك وان اجتمعت واوان لكنّه صالح للادغام ، لوجود شرطه فيه ؛ وهو سكون الأوّل وتحرك الثاني ، فيسهل ثقل اجتماعهما بخفة الادغام ، بخلاف : قووت ، فانّه لا يحتمل الادغام ، لتحرك أوّل المثلين فيه كما قلنا.
(وصحّ باب : ما «أفعله» ، و «أفعل» به ، للتعجب ، نحو : ما أقوله ، وأقول به ، وما أبيعه ، وأبيع به ، (لعدم تصرّفه) ، ولذلك لم يجز تأنيثه وتثنيته وجمعه ، فحيث التزموا عدم تصرفه تركوا الاعلال فيه ، لأنه تصرف مع ان الاعلال لا يكون إلّا
بالحمل على الفعل المتصرف ، لما بينهما من التباعد.
وامّا التصرف فيه باعلال اللّام نحو : ما أرماه ، وما أغزاه ، فلأنّ اللّام محل التغيير مع ان تأثير سبب الاعلال في اللّام ليس للحمل على الفعل.
(و «أفعل») التفضيل نحو : أقول من زيد ، وابيع من عمرو ، (محمول عليه) في صحّة العين ، لما بين صيغتي التعجّب والتفضيل من التناسب ، لتشاركهما في الاختصاص بالثلاثي المجرد وعدم البناء من اللون والعيب ، (أو) هو صحيح العين (للّبس بالفعل) الماضي من باب الافعال لواعلّ ، فانّ الماضي من : الاقالة والاباعة مثلا أقال ، وأباع ، ولواعل اسم التفضيل من القول والبيع كان على هذه الصورة فيلزم الالتباس ، فدفع باعلال ذلك الفعل وصحّة اسم التفضيل ، ولم يعكس لأنّ الاعلال في كل منهما لا يتصور إلّا بالحمل على الفعل المجرد الثلاثي كما مرّ ، وحمل الفعل على الفعل أولى من حمل الاسم عليه.
فقوله : (أو للبس) معطوف على قوله : محمول عليه من حيث المعنى ، كأنه قال : لم يعل اسم التفضيل للحمل عليه ، أو للبس ، كذا قال بعض الشارحين ، ويمكن جعله معطوفا على قوله : لعدم تصرفه ؛ وقوله : «وأفعل محمول عليه» جملة معترضة.
وبيان اللبس بالفعل في صيغة التعجّب : ان ما أفعله لواعلّ إلتبس بالماضي المتصل بالضمير البارز من باب الافعال المقترن بما الاستفهامية مثلا ، و «أفعل به» يلتبس بالأمر منه إذا إقترن بالباء والضمير بوجه من الوجوه مع كفاية التباس «ما أفعله» بالفعل في صحّة الصيغتين إجراء لباب التعجّب على وتيرة واحدة ، ودفع الالتباس بالفرق بالصحّة والاعلال.
ولم يعكس ، لأن صيغة التعجّب ان لم يكن اسما فهي جارية مجراه ، وحمل الفعل الصريح على الفعل أولى من حمل الجاري مجرى الاسم عليه ، ولم يعتبر حمل اسم التفضيل عليه ههنا ، لظهور جريان نفس هذا الوجه - أي اللبس عند الاعلال فيه - من غير حاجة إلى حمله على ما أفعله في ذلك ، فتأمل فيه تعسف.
واعلّوا إسم التفضيل في اللّام كصيغة التعجّب ، نحو : أرمى من زيد ، وأغزى منه.
(وصحّ) ما كان من (باب) : الافتعال بمعنى التفاعل نحو : (إزدوجوا ، وإجتوروا) وان تحقق فيه سبب الاعلال ، لتحرك حرف العلّة وانفتاح ما قبله ، (لأنه بمعنى) ما لا إعلال فيه وهو «تفاعلوا» ، نحو : تزاوجوا ، وتجاوروا ، فحمل على ما هو بمعناه في الصحّة ، بخلاف نحو : اختار ممّا ليس بذلك المعنى.
(و) صحّ (باب : إعوارّ) من العور ، (واسوادّ) من السواد ، مع كون حرف العلّة فيه في حكم المتحرك المفتوح ما قبله - كما في : اقام ، واستقام - (للّبس) لواعلّ ، إذ الاعلال فيه بأن يفتح ما قبل حرف العلّة كالسين والعين فيحذف همزة الوصل ، للاستغناء عنها ، ثمّ إذا قلبت حرف العلّة ألفا إجتمعت ألفان فتحذف احديهما بالتقاء الساكنين فيحصل : سادّ ، وعارّ مثلا ، - بتشديد الدال والراء - ويلتبس باسم الفاعل من سدّ وعرّ من المضاعف ، وبماضي باب المفاعلة منهما.
(و) صحّ باب : (عور ، وسود) من المجرد ، (لأنه بمعناه) من غير تفاوت في نفس المعنى ، فان سود واسوادّ بمعنى واحد إلّا في المبالغة الحاصلة في الثاني بالزيادة فحمل على ما هو بمعناه في الصحّة ، وانّما اعتبروا حمل المجرد على المزيد فيه ، لأنّ الأصل في الألوان والعيوب ان يبني فعله على هذا الوجه المزيد فيه فهو في هذا المعنى أصل لذلك وان كان المجرّد أصلا له في الاشتقاق ، فرجح ما هو الأصل في افادة المعنى.
(وما يتصرّف) على البناء للمفعول - أي يوجد من التصاريف - (ممّا صحّ صحيح أيضا) كما صحّ أصله ، للحمل عليه وان اشتمل هذا الفرع على سبب الاعلال ، وذلك (كأعورته) من العور ، (واستعورته ، ومقاول ، ومبايع) على صيغة اسم الفاعل من : قاول ، وبايع ، ولو لا الحمل على الأصل لقلبت الواو في اسم الفاعل همزة - كما في : صائن ، وبائع ، (وعاور) من غير قلب حرف العلّة همزة كما هو قياس اسم الفاعل من الأجوف ، (وأسود) - بالتشديد - كاحمرّ لأنه منقوص
من : اسوادّ مع ان ما ذكر من اللبس في اسوادّ لو اعلّ جاء فيه أيضا.
(ومن) اعلّ الأصل في بعض ذلك مثل : من (قال : عار) أعلّ التصاريف ، فلذلك (قال : أعار ، وأستعار) بالألف ، (وعائر) بالهمزة ، إذ لا وجه لترك الاعلال سوى الحمل على الأصل فاذا أعلّ الأصل لم يبق وجه تركه.
(وصحّ : تقوال ، وتسيار) وهما مصدران بمعنى : القول ، والسير ، وصحّتهما مع وجود الاعلال في فعلهما وكون حرف العلّة فيهما في حكم المتحرك المفتوح ما قبله كالاقامة ، (للّبس) فان حرف العلّة فيهما لو قلبت ألفا اجتمعت ألفان وبعد حذف احديهما يحصل : تقال ، وتسار ، فيكونان في معرض اللبس بالمضارع المجهول للغفلة عن الفتحة في أولهما ، أو المعلوم لتوهم مجيء نحو : خاف يخاف منهما.
(و) صحّ : (مقوال ، ومخياط) كلّاهما بكسر الميم ، للمبالغة في : القول ، والخياطة ، مع كون حرف العلّة فيهما في حكم المتحرك المفتوح ما قبله ؛ (للبس) عند الاعلال ، إذ بعد القلب ألفا واجتماع الألفين وحذف احديهما يحصل : مقال ، ومخاط ، فلا يدري أنهما «مفعل ، أو مفعال» مع أنهما ليسا على مثال الفعل ، لمفارقتهما له في الألف الّتي هي بعد العين ، (ومقول ، ومخيط) بكسر الميم من غير ألف (محذوفان منهما) - أي مأخوذان من : مقوال ، ومخياط - بحذف الألف ، فرعان لهما فحملا على الأصلين في الصحّة ، ولوا ذلك لأعلّا كمقام ، (أو) بناآن مستأنفان كائنان (بمعناهما) من غير ان يكونا فرعين لهما ، فحملا على ما هما بمعناه في الصحّة.
(وأعلّ نحو : يقوم ، ويبيع) وأصلهما كينصر ، ويضرب ، (ومقوم ومبيع) اسمي مفعول من : باعه ، ومن قام وان كان لازما على سبيل الفرض ، أو على تقدير الوصل بحرف الجر - كما في ممرور به ، وأصلهما : مقووم ، ومبيوع ، (بغير ذلك) الّذي ذكر من القلب ألفا مع انّ المناسب ذلك ، لتحرك ما قبل حرف العلّة في الماضي الّذي هو الأصل ، فحرف العلّة فيها مثلها في : أقام ، ومقام ، ولكنها اعلت بالاسكان ونقل الحركة(للّبس) لو اعلت بالقلب ألفا ، إذ لو قيل : يقام ، ويباع ، التبسا بباب : يخاف ،
ويهاب ، ولو قيل : مقام ، ومباع ، بعد حذف الواو الساكنة بالتقاء الساكنين التبس اسم المفعول بالمصدر الميمي والمكان.
(و) صحّ باب : ما يقع فيه ساكن على وجه الاتصال بعد حرف العلّة المتحرك بإحدى الثلاث المفتوح ما قبله ، (نحو : جواد ، وطويل ، وغيور) بالمعجمة من الغيرة ، وصحّته في نحو ذلك مع تحرك وانفتاح ما قبله (للالتباس) على تقدير الاعلال «بفاعل» أو «بفعل» - بسكون العين أو بفتحها - فان حرف العلّة في هذه لو قلبت ألفا اجتمع ساكنان ؛ فامّا ان يحرك الثاني بالكسر بعد قلبه همزة فيحصل : جائد ، وطائل ، وغائر ، على هيئة اسم الفاعل فيلتبس به ، وامّا ان يحذف إحدى الساكنين فيحصل : جاد ، وطال ، وغار ، ويلتبس «بفعل» مفتوح العين من الأجوف الّذي قلبت عينه ألفا ، مع احتمال الالتباس باسم الفاعل من الناقص في الوقف ، كقاض بأن يكون من : جديته بمعنى : سئلته العطاء ، وطليته بالدهن ، وغريته بمعنى : الصقته بالغراء - بكسر المعجمة - وفارسيته : سريشم ، وان حذفت الألف من الأخيرين حصل : طيل ، وغير ، فيلتبسان «بفعل» - بسكون العين - ، فصحة العين في نحو هذه لدفع اللبس.
(أو لأنّه ليس) بمشتمل على شرط اعلال العين ، فان شرطه في الاسم الزائد على ثلاثة أحرف الجريان على الفعل في العمل والدلالة على الحدوث ، أو الموافقة له في الحركات والسكنات مع المخالفة بوجه ما ليحمل عليه في الاعلال على ما سيجيء انشاء الله تعالى ، وليس شيء من هذه (بجار على الفعل) ، لأنّ الجاري عليه هو اسم الفاعل واسم المفعول على ما قالوا ، (ولا موافق) للفعل في الحركات والسكنات ، وهو ظاهر ، فلم يحمل على الفعل الّذي هو الأصل في الاعلال.
(و) صحّ مع وجود سبب الاعلال (نحو : الجولان) مصدر جال بالجيم ، (والحيوان) بالمهملة ، (والصّوري) بالصاد والراء المهملتين والقصر - ، (والحيدي) بالحاء والدال المهملتين والقصر ، وهما نوعان من المشي فيهما تمايل ، كذا قيل ، ويقال : أيضا
حمار حيدي - أي يحيد أي يميل عن ظلّه لنشاطه ، وقال الجوهري لم يأت في نعوت المذكر على «فعلى» غيره ، (للتنبيه بحركته) في العين والعدول عن القلب إلى الألف الساكنة(على حركة مسمّاه) إذ من سمعه مخالفا للقياس الّذي هو الاعلال كأنه يتفطن بأن ذلك لرعاية التناسب بين اللفظ والمعنى فيتنبّه بوجود الحركة في المعنى ، فتأمل.
ولو قال : لرعاية التناسب بين اللفظ والمعنى كان أظهر.
(و) صحّ : (الموتان) مع وجود سبب الاعلال ، (للحمل على الحيوان) حملا للنقيض على النقيض ، لتقاربهما في الخيال غالبا ، فانّ الموتان خلاف الحيوان كالأرضين والدور ونحوهما ممّا لا حياة له ، وقال الفراء : هو الأرض الموات الّتي لم يتعرض لاحيائها أحد.
وبالجملة : قد صحّ نحو : الجولان وما ذكر معه في كلامهم لما ذكر ، (أو لأنه ليس بجار) على الفعل ، (ولا موافق) له حركة وسكونا.
(و) صحّ : (نحو : آدور) جمع دار ، (وأعين) جمع عين ، مع كون حرف العلّة في نحوهما من الجموع في حكم المتحرك المفتوح ما قبله ؛ لانفتاح ما قبله في المفرد الّذي هو الأصل ، (للالتباس) لو قلبت العين في نحوهما ألفا بالفعل ، فانّه لو قلبت العين في : آدور ، وأعين مثلا ألفا حصل آدار ، واعان ، ويلتبسان في حال الوقف بالماضي من الادارة والاعانة ، والمضارع الّذي للمتكلم الواحد من : دار ، وعان فلان - إذا صار عينا ، أي جاسوسا - أو بمعنى آخر ، (أو لأنه ليس بجار) على الفعل ، (ولا مخالف) له بوجه من المخالفة ، لكون آدور واعين مثل : أنصر - للمتكلم من المضارع من نصر من غير فرق - والحال انّه يجب في اعلال ما ليس بجار على الفعل مع الموافقة له في الزنة ان يشتمل على وجه من المخالفة ، كما سيجيء انشاء الله تعالى.
(و) صحّ : (نحو : جدول) كجعفر ، (وخروع) كدرهم ، لنبت معروف يقال له
بالفارسية : بيد انجير ، (وعليب) - بالمهملة واللّام التحتانية والموحدة - لواد ، وقيل : لماء على زنة جخدب ، ولم يأت «فعيل» بضمّ الفاء وسكون العين وفتح الياء غيره على ما قال الجوهري ، (لمحافظة الالحاق) بموازناتها المذكورة ، (أو للسكون المحض) اللّازم في ما قبل حرف العلّة ، فليس فيما قبله حكم الحركة بوجه حتّى يجعل في حكم المتحرك المفتوح ما قبله.
(و) الواو والياء(تقلبان همزة ، في نحو : قائم ، وبائع) من اسم الفاعل من الأجوف (المعتل فعله) كقام ، وباع ، للحمل على الفعل في الاعلال ، لجريانه عليه مع ثقل في الجملة وان حصل شيء من الخفة بالوقوع بعد الألف المزيدة لبناء اسم الفاعل ؛ فقلب حرف العلّة ألفا ، لتنزيله منزلة المتحرك المفتوح ما قبله نظرا إلى فتحة ما قبل ألف الفاعل ، لأنها واسطة ضعيفة كالعدم فاجتمعت ألفان وكرهوا حذف احديهما للالتباس بالفعل عند الوقف فقلبوا الثانية همزة ، وهذا(بخلاف) ما صح فعله ، (نحو : عاور) من عور ، فانّه يحمل على الفعل في الصحّة كما مرّ.
(ونحو : شاك) - بالكسر والتنوين - رفعا وجرّا كقاض ، (وشاك) - بالضمّ والتنوين رفعا - في اسم الفاعل من : الشوكة - وهي : شدّة البأس - ، (شاذ) والقياس : شائك - بالهمزة - كقائم ، وبائع ، ثمّ ان قولهم : شاك كقاض مبني على قلب حرف العلّة من موضع العين إلى موضع اللّام فيحصل شاكو على «فالع» وتقلب الواو ياء ، ثمّ يعل اعلال قاض ، ومثله : لاث - بالمثلثة - من لاث العمامة على رأسه يلوثها لوثا ، وقولهم : شاك - بالضم والتنوين رفعا - مبنى على اعتبار حذف الواو ، فلا يقع حرف العلّة في الآخر بل وزنه «فال» ويجري على آخره الاعراب بحسب العوامل.
(وفي) اسم الفاعل من الأجوف المهموز اللّام (نحو : جاء) اسم فاعل من : جاء يجيء ، (قولان ؛ قال الخليل) : هو (مقلوب) قلبا مكانيا ، لقلب العين إلى موضع
اللّام فحصل الجائي على «فالع» (كالشاكي) في شائك ، واعلّ اعلال قاض.
(وقيل) : انّه وارد(على القياس) في اسم الفاعل من الأجوف ، فقلبت الياء همزة - كما في بائع - فاجتمعت همزتان فقلبت الثانية ياء ، وقد مرّ الكلام فيه في أوّل الكتاب.
(و) كما انّ الواو والياء تقلبان همزة في نحو : قائم ، وبائع ، كذلك تقلبان همزة(في نحو : أوائل ، وبوائع) ، ممّا وقعتا فيه بعد(ألف باب) الجمع الأقصى الّذي بعد الألف فيه حرفان ، نحو : (مساجد) ، (و) الحال ان تلك الألف (قبلها واو أو ياء) فتكون محاطة إمّا : بواوين - كما في أواول جمع أوّل - ، وامّا بيائين - كخياير جمع خيّر ، بالتشديد - ، وامّا بواو وياء كبوايع ، جمع بائعة أو جمع بويعة على «فوعلة» من البيع ، وامّا بياء وواو نحو : سياوق جمع سيّقة - بتشديد الياء - لما ساقه العدو من الدواب ونحوها ، وأصله : سيوقة من السّوق ، فقلبت عين الكلمة الواقعة بعد الألف في هذه الجموع كلّها همزة عند سيبويه والخليل ، لما فيها من الاستثقال في الجملة باجتماع حرفين من حروف العلّة بينهما حاجز ضعيف هو الألف مع كون الواقع بعد الألف متصلا بالآخر الّذي هو محل التغيير شبيها بالواقع بعدها في نحو : بائع في الاتصال بالآخر ، والوقوع بعد الألف ، ووافقهما الأخفش فيما كانت الألف فيه بين واوين فقط دون البواقي ، لزعمه عدم الاستثقال فيها.
وما ذكر(بخلاف) ما إذا كان بعد ألف الجمع أكثر من حرفين ، نحو : (عواوير) جمع عوّار - بضمّ المهملة وتشديد الواو - للخطاف ، ويقال : للأعشي ، ولقذي العين ، واللّحم الّذي ينزع منها بعد ما يذرّ عليه الذرود ، ويقال : للجبان أيضا ، (وطواويس) جمع طاووس - للحيوان المعروف - وبياييع جمع بياع - بالتشديد - للمبالغة ، فان حرف العلّة الواقعة بعد الألف في مثل ذلك لا تقلب همزة لبعده عند محل التغيير وهو الحرف الآخر ، وعدم مشابهته بالبعد عنه للعين من نحو : قائم وبائع.
(وضياون) بالواو جمع : ضيون - بالمعجمة - للسنور الذكر ، (شاذ) عند سيبويه
والخليل ، والقياس : ضيائن بالقلب همزة - كما في سيائق - وكأنه حمل على مفرده في صحّة الواو على ما قال الجوهري ، حيث لم يقلب فيه ياء مع اجتماعها مع الياء وسبق الساكن ، وامّا الأخفش : فهو قياس عنده ، لعدم اكتناف الألف بواوين.
(وصح : عواور) كما في قول لبيد في جمع عوّار بمعنى : الجبان :
وفي كلّ يوم ذي حفاظ بلوتني
فقمت مقاما لم تقمه العواور (1)
وفي جمع عوّار - لقذي العين - في قول جندل بن المثنى الطهوي :
حنى عظامي وأراه ثاغري
وكحّل العينين بالعواور (2)
أي قوّس الدهر عظامي وأراه كاسر ثغري وهو مقدم الأسنان ، وأضعف بصري حتّى جعل القذى فيه عوض الكحل.
(واعلّ : عيائيل) بقلب الياء بعد الألف همزة - كما في قول حكيم بن معية الربعي يصف قناة نبتت في موضع كثير الأشجار :
في أشب الغيطان ملتفّ الحظر
فيه عيائيل أسود ونمر (3)
أحمى قناة صلبة ما تنكسر
صمّاء تمّت في نياف مشمخرّ
حفت باطواد عظام وسمر
في أشب الغيطان ملتف الحظر
الأشب : الملتف الذي لا يمكن الدخول فيه إلّا بشدّة. الحظر : الموضع الذي يحيط به الشجر.
والعيائيل : من عال يعيل إذا تبختر أو من عال الفرس إذا تميل في مشيه. والشاهد في قوله : عيائيل حيث أبقى الهمزة المنقلبة عن الياء لأنّه لم يعتد بالمدّة التي قبل الطرف. وفي رواية : فيها بد قوله : فيه.
1) البيت نسبه الشارح إلى لبيد ، يوم ذي حفاظ : أي صاحب حفاظ أي جدير بأن يحافظ على العهد والمودة فيه لكونه يوم شدّة ، أي في كل يوم كذلك اختبرتني فقمت مقاما لم تقمه أهل الجبن أي قمت مقام أهل النجدة والشجاعة وحاربت الأعداء.
2) البيت لهذا الشاعر الّذي ذكره الشارح يخاطب فيه امرأته ، ووضح الشارح معناه ولا يحتاج إلى توضيح آخر.
3) هذا البيت قائله معلوم وقبله قوله :
والحال انّ القياس : اعلال عواور ، لاتصال الواو بالآخر ، كما في : أواول ، وصحّة عيائيل للبعد عن الآخر ، كما في بياييع ، وطواويس ، لكن ذلك للنظر إلى الأصل فيهما ، (لأنّ الأصل :) في عواور(عواوير) بالياء بعد الواو ، لأنّه جمع عوّار - بالتشديد - فيلزم فيه الياء المنقلبة عن ألف ذلك المفرد ، (وحذفت) للضرورة ، فهي في حكم الموجود في اللفظ ، والواو كأنها بعيدة عن الطرف ومع ذلك قد تقلب همزة للنظر إلى ظاهر اللفظ.
(و) الأصل : في عيائيل (عيائل) كخياير بياء واحدة - ، لأنه جمع عيّل - بالتشديد - كجيّة وجيايد ، وهو واحد العيال ، وقد يقال : رجل عيّل - أي ذو عيال - كما هو الأظهر في البيت ، (فاشبع) لفظه باشباع كسرة الهمرة المنقلبة عن الياء المتصلة بالطرف فتولّدت ياء بعدها ، فهي في حكم العدم.
والغيطان : جمع الغائط للمنخفض من الأرض ، والحظر : بالمهملة فالمعجمة بضمّتين على ما روى في البيت ، جمع الحظيرة على ما قيل. ومكان أشب : مثل كتف بالمعجمة والموحدة ، ملتف الأشجار : من الالتفاف. والأسود : جمع أسد. والنمر : بضمّتين على ما أنشده سيبويه ، جمع نمر ، وهو الحيوان المعروف على خلاف القياس ، والأكثر نمور.
(و) هذا الّذي ذكر من القلب بعد ألف باب مساجد همزة(لم يفعلوه في باب : مقاوم) جمع مقام ، وأصله : مقوم ، (ومعايش) جمع : معيشة ، ونحوهما من الجموع الّتي قبل الألف فيها حرف صحيح وبعدها واو أو ياء أصليتان متصلتان بالآخر ، وانّما لم يقلبوا مع المشابهة للعين في نحو : بائع ، وقائم في الكسر والتوسط بين الألف والطرف ، (للفرق بينه وبين باب : رسائل ، وعجائز ، وصحائف) ، وكبائر ، ونحو ذلك من الجموع الّتي وقعت فيها بعد الألف واو أو ياء زائدة بازاء مدّة زائدة في مفردها ألفا كانت - كرسالة - أو واوا - كعجوزا - ، أو ياء - كصحيفة وكبيرة - فانّهما تقلبان همزة في مثل ذلك ، تشبيها بنحو : بائع وقائم ، ولم يعكس ؛ بأن تقلب
الأصلية وتصح الزائدة ، لأنّ المدّة أولى بالتغيير من الأصلي ، ولم يبالوا بعدم الفرق بين نحو : أوائل ونحو : رسائل ، لاستثقال الاجتماع مع ضعف الحاجز كما مرّ.
واجرى الزائد المتحرك من الواو والياء في نحو : جدول ، وعثير ، لقوته مجرى الأصلي في الصحّة في الجمع ، فيقال : جداول ، وعثاير من غير قلب.
(وجاء : معائش) بقلب الياء همزة(على ضعف) ؛ لأنّ القياس المستنبط من كلامهم في مثله صحّة الياء ، وكأنه على ضعفه لتشبيه معيشة وهي : «مفعلة» «بفعيلة» كصحيفة ، لتوهم اصالة الميم وزيادة الياء.
(والتزم همزة مصائب) جمع مصيبة - بضمّ الميم - وأصلها : مصوبة - بالواو الأصلية - على صيغة اسم الفاعل من باب الافعال ، نقلت كسرة الواو إلى ما قبلها وقلبت ياء ، والقياس : في جمع مثله جمع التصحيح ، كمصيبات لما مرّ من ان في نحو مكرم استغنى بالتصحيح عن التكسير ، ثمّ انّه بعد ما جمع هكذا مكسرا (1)فالقياس : مصاوب - بالواو - كمقاوم ، لكنهم خالفوا فيه القياس واعلّوه طلبا للتخفيف ، لكثرة دورانه ، كذا قال المصنف مع مناسبة مخالفة القياس فيه بالاعلال ، لوروده على خلاف القياس الّذي هو الجمع الصحيح.
وقد جاء : مصاوب بالواو على القياس على ما في الصحاح ، وكأنه قليل في حكم العدم حتّى كأنهم التزموا الهمزة - أي القلب همزة -.
(وتقلب ياء «فعلى» - بالضم -) حالكونه (إسما واوا) (2)، لسكونها وانضمام ما قبلها ، سواء كانت اسمية على وجه الحقيقة(نحو : طوبى) من الطيب ، إذا كان مصدرا
كرجعى ، ومنه : طوباك ، وطوبى لك ، كسقيا لك ، وكذا إذا أرى به الشجرة المعروفة في الجنّة ، (وكوسى) - لموضع ، ولجنس من الفرس قصار الأيدي والأرجل - أم باعتبار اجرائه مجرى الاسم نحو : هذين (1)، اسمي تفضيل في مؤنث الأطيب من الطيب ، والأكيس من الكيس - ضدّ الحمق - حيث لم يستعملا صفتين جاريتين على الموصوف إلّا مع اللّام على خلاف الصفات (2)المتمحضة الّتي تستعمل صفات جارية على الموصوف على كل حال ، وذلك لأنّ الصفة المؤنث من اسم التفضيل يمتنع بنائها مع من للزوم الافراد والتذكير معها ، ولا يبنى مع الاضافة إلّا إذا كان المفضل بعض ما أضيف إليه واريدت الزيادة على ما عداه منه فيدل المضاف إليه على الموصوف ، فمن ثمّ لم يقع قط في كلامهم جريانه على الموصوف معها ، فلا يقال : مررت بجارية حسنى الجواري ، وجاء : كيسى - بالياء وقلب ضمّة الكاف كسرة أيضا -.
(ولا تقلب) الياء واوا من «فعلى» - بالضمّ - (في الصفة ، ولكن يكسر ما قبلها فتسلم الياء) بسبب كسر ما قبلها ، لاقتضاء الضم فيه قلبها واوا ، وذلك للفرق بينها وبين الاسم ، ولم يعكس ، لأنّ الاسم لخفته في المعنى أولى بقلب الياء فيه واوا ، كذا قيل ، وذلك (نحو : مشية حيكي) - بكسر المهملة - أي مشية فيها تبختر ، من حاك الرجل يحيك حيكا - إذا تبختر أو حرّك منكبيه في المشي - ، (وقسمة ضيزي) - بكسر المعجمة ، أي فيها جور وظلم - من ضاز ضيزا - إذا جار - ، فهذان متمحضان في الوصفية وليسا اسمي تفضيل ، ولذا وقعا وصفين بدون اللّام ، وهما في الأصل على «فعلى» - بالضم - لأنه كثير في الصفات كحبلى ، وفضلى وغيرهما ؛ بخلاف «فعلى» بالكسر ، فانّه من بناء الأسماء كالشعرى - لكوكب - والأقلى - لنبات مرّ - ولم يوجد في الصفات سوى عزهى - للّذي لا يطرب للهو -.
(وكذلك) في قلب ضمّة ما قبل الياء كسرة ، لسلامتها ، (باب) : الجمع الّذي كان على «فعل» - بالضمّ وسكون العين - من الأجوف اليائي ، نحو : (بيض) جمع بيضاء ، وأصله : الضم ، كحمر وحمراء ، فلم يبق الضم لئلّا يقلب واوا مع استثقال الجمع ، بل قلب كسرة ليبقى الياء الّتي هي أخف.
ثمّ ان قلب الياء المضموم ما قبلها واوا في نحو : باب : طوبى ، وقلب ضمّة ما قبلها كسرة في باب : ضيزى ، وباب : بيض ممّا اتفقوا عليه ؛ (واختلف) في الياء المضموم ما قبلها(في غير ذلك) الّذي من الأبواب (1)(فقال سيبويه) : (القياس) فيها(الثاني) وهو قلب ضمّة ما قبلها كسرة ، لسلامتها ، لأن تغيير الحركة أهون من تغيير الحرف ، (فنحو : مضوفة) من الضيافة - للأمر النازل الّذي يخاف منه - كأنه ضيف خطير القدر يخاف منه ، أو سمى بها لافتقار دفعه إلى انضياف بعضهم ببعض ، كما في قول أبي جندب الهذلي :
وإنّي إذا جاري دعا لمضوفة
أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري (2)
(شاذ عنده) ، لأنّ الأصل : مضيفة - بضمّ الياء - فالقياس عنده بعد نقل ضمّتها إلى الضاد الساكنة إبدال الضمّة كسرة ، للسلامة عن القلب إلى الواو ، فابقائها المؤدي إلى القلب خارج عن القياس عنده ، وجاء : فيها مضيفة على ما يراه قياسا.
(ونحو : معيشة يجوز) عنده (أن يكون) وزنه «مفعلة» - بسكون الفاء وكسر العين - فنقلت كسرة العين إلى الفاء من غير تغيير آخر ، وعلى هذا ليست ممّا نحن فيه ، (و) يجوز ان يكون «مفعلة» - بضمّ العين - فنقلت ضمّتها إلى الفاء الساكنة ثمّ قلبت الضمّة كسرة ، لتسلم الياء ، فهي على هذا ممّا نحن فيه جارية على
القياس عنده.
(وقال الأخفش : القياس) فيها(الأوّل) ، وهو ابقاء الضمّة وقلب الياء واوا ، لسكونها وانضمام ما قبلها - كما في طوبى وكوسى - مستدلا باتفاقهم على قلب الياء إذا كان فاء واوا نحو : موسى ، واجيب بأن ذلك للبعد عن الآخر ، والياء فيما نحن فيه قريبة من الآخر.
(فمضوفة قياس عنده) حيث ابقى الضم قبل الياء وقلبت واوا ، (ومعيشة) يتعين عنده فيه «مفعلة» - بكسر العين ونقل كسرتها إلى الفاء ، (وإلّا) تكن «مفعلة» بالكسر بل كان «مفعلة» بالضم ، (لزم) عنده ان يقال : (معوشة) - بالواو المنقلبة عن الياء - لانضمام ما قبل الياء بعد نقل ضمتها إليه.
(و) هذان القولان (عليهما لو بنى من) الأجوف اليائي مثل : (البيع مثل : ترتب) - بضمّ الفوقانيتين أولاهما مزيدة وسكون الراء بينهما - (لقيل : تبيع) بضمّ الفوقانية وكسر الموحدة وسكون الياء - على قول سيبويه ، (وتبوع) - بضمّ الأولين وسكون الواو - المنقلبة عن الياء ، على قول الأخفش ، لأن أصله الموازن لترتب تبيع - بضمّ الفوقانية والياء وسكون الموحدة بينهما - فسيبويه ينقل ضمّة الياء إلى ما قبلها ويقلبها كسرة ، والأخفش يبقى تلك الضمّة المنقولة ويقلب الياء واوا.
(وتقلب الواو) المتحركة(المكسور ما قبلها في المصادر - ياء -) ، وان لم تلها الألف ، خلافا لبعضهم (نحو : قام قياما) ، و(دِيناً قِيَماً ،) فانّه في الأصل : مصدر قام على ما صرحوا به ، (وعاذ) بالله (عياذا) ، وانقاد إنقيادا ، واعتاد اعتيادا ، والكل في الأصل بالواو.
وانّما قلبت ياء في تلك المصادر وان كانت متحركة(لاعلال أفعالها) فحملت على تلك الأفعال في اعتبار الاعلال المناسب وان اختلف فيهما فانّه في الفعل بالقلب
ألفا لانفتاح ما قبلها ، وفي تلك المصادر بالقلب إلى الياء لانكسار ما قبلها.
(و) نحو : (حال) الشيء(حولا) - أي تحول - وعاد فلأن المريض عودا ، كلّاهما بكسر الأوّل وفتح الواو (شاذ) ، والقياس : حيل ، وعيد ، بالقلب ياء ، وحيث كان شاذا لم يرد نقضا على قاعدة اعلال الواو المتحركة المكسور ما قبلها من المصدر المعلّ فعله ، وهذا في شذوذ ترك الاعلال (كالقود) - للقصاص - فانّ القياس فيه القلب ألفا.
وهذا (1)عند من لم يشترط في قلب الواو من تلك المصادر ياء ان يليها الألف ، وامّا عند من اشترط ذلك فنحو : حول قياس ، ونحو : قيم قليل ، ونوار - بكسر النون - على زنة «فعال» بالواو مع انّها قد وليتها الألف في مصدر نارت الظبية تنور - إذا نفرت - شاذ اتفاقا ، وقيل لم يسمع له نظير.
وما ذكر من القياس في المصدر المعلّ فعله كائن (بخلاف) مصدر ما يصح من الافعال ، (نحو : لاوذ) القوم - أي لاوذ بعضهم ببعض ملاوذة - ولواذا ، وقاوم قواما ، فانّه يتبع فعله في الصحّة ، وبخلاف ما ليس مصدرا لفعل حتّى يحمل عليه نحو : عوض (2).
(و) تقلب الواو المكسور ما قبلها ياء أيضا(في) الجموع الّتي اعلت مفرداتها(نحو : جياد) جمع جيّد - بالتشديد - وأصله جواد كما ان أصل المفرد جيود من الجودة ، (وديار) في جمع دار ، وأصلها : دور - بالتحريك - ، (ورياح) في جمع ريح وأصلها : روح - بالواو الساكنة المكسور ما قبلها ، بدليل جمعها على أرواح ، (وتير ، وديم) كلّاهما - بكسر الأوّل وفتح الياء - في جمع : تارة ، وديمة ، وهما من الأجوف الواوي عند المصنف وفاقا لبعضهم - كما مرّ في باب الجمع - وهكذا ريح بتلك الزنة في جمع ريح ، وانّما اعلت تلك الجموع (لإعلال المفرد) فحملت عليه.
وشذ حوج على زنة ديم في جمع حاجة ، والقياس : حيج ، وهذا بخلاف ما يصح مفرده فان قياسه ان يتبع المفرد في الصحّة.
(وشذ) قياسا واستعمالا(طيال) بالاعلال في جمع ما صحت فيه الواو وهو طويل ، ومنه قوله :
تبيّن لي أنّ القمائة ذلّة
وأنّ اعزاء الرّجال طيالها (1)
والقياس : طوالها - بالواو - كما رواه الفالي ، وقيل : ان الطيال كأنه جمع طائل من طاله - إذا أفاقه في الطول - فيكون ممّا أعل مفرده ، والقمائة : بالقاف الصغر ، وجعل بعضهم من الشاذ قياسا وان أطرد استعمالا الجياد - للأفراس - لصحّة مفرده حيث زعم انّه جمع جواد ولم يجعله جمع جيّد - بالتشديد -.
(وصحّ رواء) بالكسر وان كان قياسه الاعلال لوجوده في مفرده ، فانّه (جمع ريّان) وأصله : رويان من روى ضد عطش فقلبت الواو الساكنة ياء وادغمت ، وانّما صحّ رواء مع الداعي إلى الاعلال (كراهة اجتماع الاعلالين) ، فان أصله رواي فابتدأ بالاعلال من آخره وهو الياء بالقلب همزة كما في رواء فلو قلبت مع ذلك الواو ياء إجتمع اعلالان وهو مستكره.
(و) كذلك صحّ : (نواء) بكسر النون في (جمع ناو) من نوى البعير ينوي كضرب يضرب نواية ونيّا - بالتشديد - إذا سمن - كراهة اعلالين ، فان أصله : نواى كراوي في رواء مع ان الواو قد صحّت في مفرده وهو ناو.
(و) تقلب الواو ياء أيضا(في) الجموع الّتي على «فعال» بالكسر ، والواو ساكنة في واحدها(نحو : رياض ، وثياب) ، وحياض في : روضة ، وثوب ، وحوض ، وانّما
1) البيت لم أقف على نسبته إلى قائل. والاستشهاد بالبيت في قوله : «طيالها» مثال للشذوذ القياسي : هو مخالفة القاعدة ، والشذوذ الاستعمالي : هو ان يكون خلاف الأكثر استعمالا ، إذ الأكثر طوال.
قلبت فيها مع صحّتها في واحدها(لسكونها في الواحد) وكونها بالسكون فيه في حكم العدم فيشبه الاعلال بالقلب لما فيه من انعدام المقلوب وان حصل البدل ، فهي بمنزلة ما اعلّ مفردها(مع) وقوع (الألف بعدها) فيها أنفسها فيعرضها شيء من الثقل بما يحصل لها من الاعتداد في النطق بمجاورتها فيناسبه الاعلال.
ولما كان الاعلال المتحقق في الواحد قويّا على جلب الاعلال في الجمع اكتفوا به في اعلاله من غير حاجة إلى اعتبار الألف ، فمن ثمّ اعلّ نحو : ديم وتير ، ونسبة الفعل إلى المصدر ليست بقاصرة عن نسبة الواحد إلى الجمع ، ولهذا إكتفى المصنف ومن وافقه باعلاله في اعلاله (1)بخلاف شبه الاعلال في الواحد والألف في الجمع فان كلّا منهما سبب ضعيف كأنه لا يقوى على إقتضاء اعلال الجمع ، فلذلك كان المقتضي له هو المجموع عند المحققين واعلّ ما يجتمعان فيه ، (بخلاف) ما يشتمل على أحدهما فقط نحو : (عودة ، وكوزة) كلّاهما بكسر الأوّل وفتح الثاني - في جمع : نحو : عود - بفتح العين المهملة وسكون الواو - للبعير المسنّ ، وكوزة - لوعاء الماء - فانّها لم تقلب في نحوهما ياء وان تحقق شبه الاعلال في الواحد بالسكون ، لعدم الشطر الآخر من المقتضي للاعلال وهو مجاورة الألف.
(وامّا ثيرة) على زنة عودة ، وكوزة في جمع ثور بالمثلثة للحيوان المعروف ، (فشاذ) قياسا وان اطرد سماعا ، والقياس الّذي هو الّذي أيضا مطرد في السماع ثورة - بالواو - لعدم الألف ، والمشهور عن المبرد انّها في الأصل بسكون الواو ليمتاز عن ثورة بفتحها ، في جمع الثور من الإقط - للقطعة منه - فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثمّ فتحت الياء وكأنه لكثرة «فعلة» بفتح العين في جموع أمثاله ، لكن حكى عنه ابن مالك : أنها مقصور عن ثيارة على «فعالة» بالكسر ، والأصل : ثوارة فيشتمل على تمام المقتضي ، والقصر بعد الاعلال.
1) والضمير في «باعلاله» راجع إلى «الفعل» وفي «في اعلاله» راجع إلى قوله : المصدر.
(وتقلب الواو ياء (1)عينا) كانت (أو لاما ، أو غيرهما) كالزائدة في اسم المفعول ، (إذا إجتمعت مع ياء) في كلمة واحدة ، أو ما في حكمها كالواو في جمع السالم - رفعا - مع ضمير المتكلم ، (وسكن السابق) منهما ، ولم يكن ذلك السابق عارض الذات ولا عارض السكون ، (وتدغم) الياء الاولى في الثانية ، وذلك لاستكراه اجتماعهما وكون سكون السابق وسيلة عند التمايل والتقارب إلى الادغام فنزل اشتراكهما في الجهر واللّين بمنزلة التقارب ، واختير القلب إلى الياء الّتي هي أخف وادغمت.
بخلاف : ما إذا كانتا في كلمتين نحو : يدعو ياسر ، ويرمي واقد ، لعروض الاجتماع ، وبخلاف ما إذا تحرك السابق كسوير في التصغير ، وطويل ، أو كان عارض الذات كالواو العارضة بالقلب عن الهمزة عند التخفيف في رؤية ورؤيا ، وعن الألف في سوير وبويع ، وتسوير ، مجهولات : ساير وبايع ، وتساير ، مع وجود المانع في نحو هذه عن الاعلال المذكور وهو اللبس بمجهولات سيّر ، وبيّع ، وتسيّر من بابي التفعيل والتفعّل على ما قال الخليل ، وكالياء العارضة بالانقلاب عن الواو في : ديوان ، وأصله : دوّان - بالتشديد - للجمع على دواوين.
وبخلاف : ما إذا كان سكونه عارضا نحو : قوي - بسكون الواو - للتخفيف في قوي بالكسر على صيغة الماضي ، فانّ القياس في جميع ذلك التصحيح ، لعدم اصالة الداعي إلى الاعلال.
وشذ ما حكاه الكسائي عن بعضهم من قراءة للريّا تعبرون بالادغام.
(و) الياء المدغمة فيما تكملت شرائط اعلاله (يكسر ما قبلها ان كان مضموما) ، استثقالا للضمة قبلها ، بخلاف : الفتحة والكسرة والمعلّ ذلك الاعلال (كسيّد) ،
1) هكذا المتن في نسخ الّتي بأيدينا ولكن في غير هذا الشرح : وتقلب الواو عينا أو لاما أو غيرهما ياء الخ.
وعيّل ، والأصل : سيود ، وعيول على «فيعل» بكسر العين على ما ذهب إليه المحققون من البصريين ، خلافا لمن زعم انّ الأصل فتحها كضيغم ، وصيرف ، ثمّ كسرت لمناسبة الياء لعدم «فيعل» بالكسر من الصحيح ، وردّ بأنّ المعتل قد يأتي على خلاف الصحيح فلا حاجة إلى اعتبار الفتح والقلب إلى الكسرة.
(و) نحو : (أيّام) جمع يوم وأصله : أيوام ، (وديّار) في قولهم : ما كان في مكان كذا من ديّار أي من ذي حياة شأنه ان يتحرك ويدور - وأصله : ديوار على «فيعال» ، وليس «فعّال» بتشديد العين ، لأن «فعّالا» من الدّوران هو الدوّار - بالواو المشدّدة - لا بالياء ، (وقيّام ، وقيّوم) وهما من صفات الله تعالى ، وقد يفسران : بالقائم بتدبير الخلق وحفظه على انّهما من : قام بالأمر - إذا حفظه - ، وقيل : انّ القيوم بمعنى : القائم بذاته المقيم لغيره من الممكنات - وأصلهما : قيوام ، وقيووم على «فيعال» و «فيعول» لأنهما لو كانا على «فعّال» و «فعّول» بتشديد العين لكانا بالواو المشدّدة ، (ودليّة) وأصلها : دليوة في تصغير دلو ، وهو يذكر ويؤنث ، (وطيّ) في مصدر طويت وأصله : طوى ، (ومرميّ) في اسم المفعول وأصله : مرموي ، (ونحو : مسلميّ - رفعا -) في الجمع ، وأصله : مسلموي بالاضافة إلى ياء المتكلم ، والجرّ والنصب بالياء فلا واو فيهما ، وكأنهم لم يبالوا بالتباس المرفوع بغيره بعد الاعلال لاندفاعه بالفاعل المقتضي للرفع.
(وجاء : ليّ) بالمشدّدة(في جمع ألوي) على «أفعل» كأحمر - للمداوم على الاجتناب والانفراد من الرجال - وقيل : للشديد الخصومة(بالكسر ، والضم) ، فان أصله : لوى على «فعل» بضمّ الفاء وسكون العين - كحمر ، فقلبت الواو ياء وادغمت ، ثمّ قد تبقى ضمّة ما قبلها على خلاف القياس المذكور ، تنبيها على الأصل ، وقد يكسر على القياس كما في نظائره ، وامّا اللّى مصدر لوى فأوله مفتوح لا غير.
(وامّا ضيون) - للسنور الذكر - ، (وحيوة) بالمهملة والياء الساكنة - اسم رجل
ألا طرقتناميّة ابنة منذر
فما أرقّ النّيّام إلّا سلامها (1)
(أشذ) منهما ، لأنّ النيام - بضمّ النون وتشديد الياء - أصله : النوام جمع نائم فهو يشاركهما في عدم الموجب للاعلال ، وأشذ منهما بالبعد بسبب الآلف عن الآخر الّذي هو محل التغيير ، وربّما يسامح بالاعلال مع عدم الموجب بالقرب من الآخر.
والحاصل ان موجب اعلال الواو بحيث يؤدي إلى حصول ياء مشدّدة في غير طرف الجمع بالاستقراء هو الاجتماع مع الياء وسبق الساكن ، والواو في هذه الجموع ليست طرفا ، فلمّا لم يتحقق اجتماعهما مع الياء كذلك شذ الاعلال ، لكنّه في الأخير
1) البيت قائله ذو الرمة ، طرقتنا : زارتنا ليلا ، ومية : معشوقة الشاعر. والاستشهاد بالبيت في الرواية المشهورة على انّ النيام أشذ من صيم ، وذلك لأنّ الواو في صوم قريبة من الطرف فعوملت معاملة الواو الواقعة طرفا بخلافها في النيام فانّها بعيدة من الطرف.
أشذ كما ذكر هذا غاية التقريب لذكر شذوذها في هذا الموضع ، فتأمل.
ولا شك أنه لو ذكره عند ذكر قلب الواو المشدّدة في طرف الجمع ياء مشدّدة ، واسنده إلى عدم الوقوع في الطرف ، والزيادة في الأخير إلى البعد عنه كان أولى كما قال نجم الأئمّة.
وألا : حرف استفتاح ، والطروق : الاتيان ليلا ، وأرق النيام : من باب التفعيل أيقظهم ، ثمّ انّه ان أراد طروق خيالها الطائف في المنام فاثبات التحية والتسليم له من باب التخييل.
(و) الواو والياء(تسكنان وتنقل حركتهما) إلى ما قبلهما(في نحو : يقوم ، ويبيع) من المضارع ، ولم تقلب ألفا في نحو ذلك بأن يقال : يقال ، ويباع مثلا ، (للبسه بباب : يخاف) ، ويهاب ، لو فعلوا ذلك.
(و «مفعل») - بضمّ العين - ، (و «مفعل») بكسرها ، نحو : معون ، ومبيت ، (كذلك) في الاسكان ونقل الحركة ، فان أصلهما : معون - بضمّ الواو - ومبيت - بكسر الياء - ، (ومفعول) منهما أيضا(كذلك) ، (نحو : مقول ، ومبيع) ، والأصل :مقوول ، ومبيوع ، فنقلت ضمّة حرف العلّة إلى ما قبله فالتقى ساكنان فحذف أحدهما ، (والمحذوف) منهما (عند سيبويه واو «مفعول») لا عين الكلمة ، لأن حذف الزائد أسهل مع كفاية الميم المزيدة في اسم المفعول في الدلالة على معنى المفعولية بل هي الأصل في الدلالة على ذلك ، ولذلك (1)استمرت في أسماء المفعولين من المجرد والمزيد ، فلعلها من المجرّد في الأصل على «مفعل» - بفتح الميم وضمّ العين - ليمتاز عن «مفعل» بفتحها في المكان ، والواو كأنها تولدت من اشباع ضمّة العين ، لئلّا يلزم البناء المرفوض وهو «مفعل» بضمّ العين - على ما يقال.
1) أي ولكون الميم هي الأصل في الدلالة على معنى المفعولية.
ثمّ ان كان يائيا قلبت ضمّة ما قبل الياء كسرة لحفظ الياء عن الانقلاب واوا ، والالتباس بالواويّ ، والزنة «مفعل» بضمّ الفاء في الواوي ، وكسرها في اليائي وسكون العين فيهما.
(وعند الأخفش) المحذوف (هو العين) ، ويبقى واو المفعول على ما هو الأصل عند اجتماع ساكنين وأولهما حرف مدّ من حذف الأوّل ، ولذلك قال المازني : ان مختاره أقيس من قول سيبويه ، ثمّ ان كان واويا اكتفى فيه بذلك ووزنه «مفول» بحذف العين ، (و) ان كان يائيا(انقلبت) فيه الواو الساكنة وهي : (واو «مفعول» عنده ياء للكسرة) قبلها ، فانّه قال : الضمّة لمّا نقلت من الياء إلى ما قبلها قلبت كسرة لمناسبة الياء قبل حذفها ، ثمّ حذفت - أي الياء - بالتقاء الساكنين ثمّ قلبت الواو ياء للكسرة ، وانّما اعتبر القلب كسرة لمناسبة الياء مع كونها في معرض الحذف ، ليمتاز عن الواوي ، ووزنه «مفيل» بحذف العين ، (فخالفا) أي سيبويه والأخفش (أصليهما) ، امّا سيبويه : فلأنه وافق غيره في اصالة حذف أوّل الساكنين إذا كان حرف مدّ ، وقد خالف هذا الأصل حيث ذهب ههنا إلى حذف الثاني.
وقد يجاب عنه : بأن اصالة حذف أوّل الساكنين عنده انّما يكون إذا كان أحدهما حرف مد والثاني صحيحا نحو : قل وخف ، وامّا إذا كانا مدين فلم يثبت ذلك عنده إلّا إذا كان حذف الثاني مفوّتا للدلالة على معناه كالمصطفون وليس حذف الثاني ههنا مفوتا للمعنى لانفهام معنى اسم المفعول من الميم.
وامّا الأخفش : فلأنّ الأصل عنده في الياء الساكنة الّتي هي العين ان تقلب واوا إذا إنضم ما قبلها كما مرّ ، وقد ذهب ههنا إلى حذفها ، إلّا ان يقال : ان ذلك الأصل انّما يكون عنده مع استقرار الضمّة فيما قبل الياء ، وانتقال الضمّة ههنا إلى ما قبلها على ما زعمه انّما هي بمجرد اعتبار قارنه الداعي إلى قلبها كسرة ، والنطق انّما وقع بالكسرة فلا مخالفة فيه لذلك الأصل فتأمل.
ورجح قول سيبويه : بأنه أقل تغييرا في اليائي ، إذ ليس فيه سوى حذف واو
المفعول وقلب الضمّة كسرة ، والامتياز عن الواوي يحصل بذلك ، والأخفش : قلبها كسرة وحذف العين ، وقلب واو المفعول ياء.
(وشذ) في اسم المفعول من الواوي قلب الواو ياء بعد قلب ضمّة ما قبلها كسرة كقولهم : (مشيب) بمعنى مخلوط من الشوب بمعنى الخلط ، وكأنه بنى على الماضي المبنى للمفعول وهو - شيب - ، وكذا منيل من النول - بمعنى الاعطاء - ، ومليم من اللّوم ، والقياس : مشوب ، ومنول ، وملوم ، - بالواو - ، (و) شذ في اليائي (مهوب) - بالواو - من الهيبة - والقياس : مهيب ، وكأنه بنى على قولهم : هوب في المبنى للفعول على ما هو إحدى اللّغات في مثله ، كما سيجيء انشاء الله تعالى.
(وكثر) في اليائي الصتحيح واتمام الحروف بلا حذف في لغة بني تميم ، تنبيها على الأصل ، (نحو : مبيوع) ، ومخيوط من - الخياط - ، وقولهم : يوم مغيوم من - الغيم - للسحاب ، كقول علقمة بن عبدة :
حتّى تذكّر بيضات وهيّجه
يوم الرّذاذ عليه الدّجن مغيوم (1)
ومعيوب من : العيب ، ومعيون من : عانه يعينه - إذا أصابه بالعين - ، كما قال العباس بن مرداس :
قد كان قومك يحسبونك سيّدا
وإخال أنّك سيّد معيون. (2)
(وقلّ) التصحيح والاتمام في الواوي حتّى ان سيبويه منعه ، لثقل الضمّة على الواو ، فلعلّ الياء لخفتها أقوى على قبولها منها ، لكن بعضهم حكى ذلك (نحو :
1) البيت قائله معين ومعلوم. الرذاذ : المطر الضعيف أو الدائم الصغير القطر. والدجن : ههنا الغيم. يصف طيرا خرج في يوم غيم ومطر طار عن وكره لطلب القوت فتذكر بيضاته وهيجه تذكرها فاسرع في الطيران.
2) البيت قائله معلوم يقوله لكليب بن عيينة ، ومعيون : يروي بالعين المهملة ومعناه : المصاب بالعين ، وبالغين المعجمة من قولهم غين عليه - إذا غطى - والأصل : الغين وهو لغة في الغيم.
مصوون) من : صانه - إذا حفظه - ، وزعم الجوهري انّه لم يأت على التمام إلّا مصوون ، وقولهم : مسك مدووف - أي مبلول بالماء - وحكى الكسائي قولهم : خاتم مصووغ أيضا.
(واعلال نحو : لا تلووا) من : لوى يلوى - (و) اعلال (يستحيي) وتصاريفه (قليل) ، امّا : تلووا فأصله تلويوا كتضربوا فنقلت ضمّة الياء إلى ما قبلها بعد حذف حركته وحذفت للساكنين ، ثمّ منهم من يعله بنقل ضمّة الواو إلى اللّام وحذفها للساكنين فيحصل تلو - بواو واحدة - وهو قليل ، كراهة اعلالين ، وامّا يستحيي : فلغة الحجازيين اثبات الياء الّتي هي العين في تصاريفه وينطقون بها على زنة استدعى يستدعى استدعاء ، واستدع في الأمر ، والمستدعى ومستدع في اسم الفاعل إلى غير ذلك ، وهو القياس المختار عند أكثر العرب ، لعدم موجب الاعلال ، وبنو تميم : يحذفونها ويقولون : استحى يستحي وهو مستح ، واستح في الأمر ، إلى غير ذلك من التصاريف ، وحق المصدر استحائة كاستقامة لكنها لم تسمع قط.
ثمّ انّ المازني جعل حذفها فيها عندهم كالحذف في احست وظلت ، لأن حق المثلين الادغام فلمّا عدل عنه لداع كالتحرز عن الياء المشدّدة في آخر الفعل ههنا حذفت الاولى ، لأنّ الحذف أشبه بالادغام من كل شيء.
وقال الخليل : ان استحى محمول على الماضي الثلاثي المجرّد في الاعلال بناء على اعتبار اعلال باع ، وهاب في حيي وان كان مرفوضا ، فكأنه قيل : حاي ، واستحاي كباع واستباع ، وسكنت الياء إذ لم توجد في كلامهم في آخر الماضي ياء متحركة بعد الألف وحذفت الألف بالتقاء الساكنين وقلبت الياء ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها ، وفي المضارع نقلت حركة الاولى إلى ما قبلها كيبيع بعد حذف ضمّة الأخيرة لثقلها كيرمى ، وحذفت بالتقاء الساكنين ، وجرى باقي التصاريف عليه.
ورده المازني بأنّ الحذف لو كان لالتقاء الساكنين لم يحذف في قولهم : استحيا في الماضي المثنى ولقالوا : استحايا كاستباعا ، والحمل على صيغة الواحدة تحرزا عن
الياء المتحركة بعد الألف في آخر الماضي ، أو على توهم انّه «افتعل» كاستوى تعسف فتأمل.
وعلى أي حال هذه اللّغة قليلة ، لما فيه من الحذف والتغيير بمثل هذه التكلفات من غير ضرورة مع اشتمالها على اعلالين كحذف إحدى اليائين وقلب الاخرى ألفا في الماضي ، وحذف حركة إحداهما وحذف نفس الاخرى في المضارع ، وحذفهما معا في الأمر.
والتعرّض لخصوص يستحيي لمناسبة تلووا وليس المقصود تخصيص القلّة بالمضارع.
(و) الواو والياء(تحذفان) وجوبا (1)، لالتقاء الساكنين (في) ما عرض فيه ما يوجب سكون اللّام كالاتصال بالضمير البارز المرفوع المتحرك ، (نحو : قلت ، وبعت ، وقلن ، وبعن ، ويكسر الأوّل ان كانت العين ياء) نحو : بعت ، (أو واوا مكسورة) نحو : خفت ، (ويضم) الأوّل (في غيره) وهو الواوي الّذي ليست واوه مكسورة ، نحو : قلت ، وصنت ، وقد مضى شرح ذلك في باب الماضي.
(و) هذا الّذي ذكر من كسر الأوّل في اليائي (لم يفعلوه في - لست -) في ليس ، بل فتحوه كما كان قبل الضمير(لشبه الحرف) في عدم التصرف ، تنزيلا له منزلة أدوات النفي ، ولذلك لم يبن منه غير الماضي ، (ومن ثمّ) أي من أجل شبه الحرف (سكنوا الياء) في ليس ، ولو لا ذلك الشبه لوجب فيه لاس - بالألف - كهاب ، لوجود سبب الاعلال وهو تحرك الياء وانفتاح ما قبلها ، لأن أصله ليس - بكسر العين - لعدم السكون الأصلي في عين الفعل ، والضم لم يرد في عين الأجوف اليائي من الفعل إلّا هيؤ وانّه شاذ ، ولم يسمع منهم التسكين في مفتوح العين أصلا يتعين
1) ثمّ أخذ في بيان ما اعلال عينه بالحذف بتسمية الواجب والجائز فقال : مبتديا بالواجب وتحذفان. آه
كونه بالكسر ، وخففت بالتسكين كما يخفف موازنه المجرد عن موجب الاعلال كعلم كذلك.
(و) كذلك يحذفان وجوبا بالالتقاء الساكنين (في) نحو : (قل ، وبع ، لأنه من : تقول ، وتبيع) بسكون العين فلمّا حذف حرف المضارعة وانجزم اللّام عند بناء الأمر التقى ساكنان وأولهما حرف مدّ فحذف ، وكذا في غيره من المجزوم نحو : لم يقل ، ولم يبع ، ويحتمل ان يكون تقول ، وتبيع في المتن على هيئة : تنصر ، وتضرب على أصلهما ، والأمر : أقول ، وإبيع كأنصر ، واضرب ، وبعد نقل حركة حرف العلّة إلى ما قبلها يستغنى عن همزة الوصل ويحذف حرف العلّة بالالتقاء الساكنين كذا قيل.
(و) هكذا يجب حذفهما لالتقاء الساكنين (في الإقامة ، والاستقامة) ، فانّ الأصل :إقوام ، واستقوام ، فبعد القلب ألفا - كما سبق - اجتمعت ألفان فحذفت الاولى وزيدت التاء.
ولما لم يتعرض فيهما سابقا إلّا للقلب أعاد ذكرهما ههنا لبيان الحذف فلا تكرار ، كذا قيل.
(ويجوز الحذف) (1)(في) ما هو على «فيعل» من الأجوف (نحو : سيّد ، وميّت ، و) فيما هو على «فيعلولة» نحو : (كيّنونة) بتشديد الياء ، بمعنى : الكون ، من الأجوف الواوي ، وأصلها : كيونونة فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء الساكنة السابقة وادغمت (و) نحو : (قيّلولة) بالتشديد أيضا من الأجوف اليائي - للنوم في الظهيرة - والمقصود انّه يجوز في نحو ما ذكر التخفيف بحذف العين المتحركة المدغمة فيها وابقاء الساكنة المزيدة المدغمة.
1) ثمّ ثنى بالحذف الجائز فقال : ويجوز الخ. واعترض على المصنف حيث حكم بالجواز في الكل مع انّ التخفيف واجب في نحو كينونة ، ويمكن جعل الجواز في كلام المصنّف بالمعنى الأعم الشامل للوجوب لكنه تكلف فتأمل.
والظاهر انّ الحذف يجب فيما هو على «فيعلولة» بالاستقراء إلّا في الضرورة كما قال :
يا ليت أنّا ضمّنا سفينة
حتّى يعود الوصل كيّنونة (1)
فلعلّه لزيادة حروفه على نحو سيّد جدير بأن يزيد عليه بالتزام التخفيف فيه دونه ، ولعلّ المصنّف أراد جواز التخفيف من جهة القياس وإن لم يسمع في بعضها على ما يقال فتأمّل.
ولم يجعلوا مثل ذلك على «فعيلولة» بتقديم العين على الياء ، بأن يكون الأصل كونيونة مثلا ، لعدم النظير لها وثبوت «فيعلولة» كخيثعور - لما لا يدوم على حال كالسراب - فجعلوه منه بالحاق التاء ، ولم يحكموا بأنّ المخفف بناء مستقل على «فعلولة» بفتح الفاء وسكون العين - لعدم «فعلول» إلّا ما شذ من نحو : صعفوق ، واعتبار كونه في الأصل بالضم كعصفور وسرجوجة - وهي الطبيعة - فابدلت الضمّة فتحة - كما ذهب إليه الكوفيون - تعسف مع عدم السبب للقلب ياء في الواوي.
وقد نقل بعضهم مثل هذا التخفيف في : «فيعلان» وجعل منه الرّيحان على ان أصله : ريّحان بالتشديد ، وأصله : ريوحان من الرّوح.
(وفي باب : قيل ، وبيع) من الماضي الثلاثي المجرّد المبنى للمفعول من الأجوف الواوي واليائي (ثلاث لغات :) الاولى وهي : أفصحها(الياء) الصريحة ، لأنّ الأصل : قول ، وبيع - بضمّ الأوّل وكسر الثاني - فنقلوا الكسرة من الياء إلى ما قبلها بعد حذف ضمّته ، استثقالا للكسرة عليها والضمّة قبلها ، وحمل عليه الواوي في نقل الكسرة كذلك ، ليجريا مجرى واحدا كما في المبنى للفاعل فانقلبت الواو ياء
1) البيت انشده المبرد وغيره ، ومعناه : ليت أنا جمعتنا سفينة أي نجتمع في سفينة حتّى يعود الوصل كونا - أي حتّى يعود كون الوصل ، أي حصوله ، أي تحصيل تواصلنا عند الاجتماع في السفينة بعد حصول المفارقة ، فقوله : يعود الوصل كينونة من قبيل طاب زيد نفسا.
لسكونها وانكسار ما قبلها ، وهذا (1)أحسن من حمل اليائي على الواوي ، لأنّ الياء أخف وحمل الأثقل على الأخف أولى من العكس.
(و) اللّغة الثانية : (الاشمام) وهي : أيضا فصيحة ، وقد قرأ بهما بعض الآيات ، وذلك بأن يشم الفاء ضمّة ، للتنبيه على الأصل ، وذلك بأن تضم الشفتان عند قصد الابتداء بالكلمة ان ابتدأ بهما ، وان تضما بسرعة بين النطق بأولها والنطق بآخر ما قبلها ان وصلت بغيرها على ما حققه المصنف ، ويشم الياء أيضا رايحة الواو ، وذلك على لغة بني أسد كما قيل.
(و) اللّغة الثالثة : (الواو) الخالصة والضمّة الصريحة قبلها بأن يحذف كسرة الواو وتبقى الضمّة المناسبة لها قبلها ، وحمل اليائي على الواوي فانقلبت الياء واوا ، لسكونها وانضمام ما قبلها كما قال :
ليت وهل ينفع شيئا ليت
ليت الشباب بوع فاشتريت (2)
وهذه لغة قوم ، واختارها الأخفش.
فهذا حكم قيل ، وبيع ، إذا لم يتصلا بما يوجب سكون لامه ، (فان اتصل به ما يسكن لامه) كضمير المخاطب المرفوع البارز(نحو :) قولك لعبد باعه مولاه (بعت يا عبد) ولقول مقول لأحد(قلت يا قول) ، تنزيلا له منزلة من يصلح للخطاب ، (فالكسر) الصريح يكون في الفاء من الواوي واليائي على اللّغة الاولى من تلك الثلاث ، (والاشمام) على الثانية ، (والضم) الصريح على الثالثة ، ويحذف الياء على الأوّلين والواو على الثالثة بالتقاء الساكنين ، لسكونهما وسكون اللّام ، والكسر لابتنائه على اللّغة الفصحى أحسن إلّا في اليائي إذا لم يكن قرينة على البناء
للمفعول ، فالاشمام والضم حينئذ فيه أحسن ، لالتباس المكسور فيه بالمبنى للفاعل لاتحاد الصورة ، بخلاف الواوي لانضمام الفاء في المبنى للفاعل منه.
(وباب : أختير ، وأنقيد) ونحوهما من المجهول في بابي الافتعال ، والانفعال (مثله) أي مثل ما ذكر من نحو : قيل وبيع في جواز الأوجه المذكورة(فيهما) بضمير المثنى أي في الواوي واليائي ، ويحتمل على بعد ان يكون المراد ان باب هذين مثل باب : قيل وبيع في الحكمين المذكورين أحدهما عند التجرّد عمّا يسكن اللّام والآخر عند الاتصال به ، والوجه في مماثلتهما له انّ الأصل فيهما : اختير ، وانقود مثلا بكسر حرف العلّة وضم ما قبلها ، فقولنا : تير ، وقود ، في صورة ما هو الأصل في قيل وبيع فيجري فيهما تلك الوجوه.
(بخلاف باب : أقيم ، وأستقيم) ونحوهما من مجهول باب الافعال ، والاستفعال ، فانّه ليس مثل قيل وبيع في جواز تلك الوجوه بل يتعيّن فيه الياء المكسور ما قبلها عند التجرّد عن موجب سكون اللّام ، وحذفها وكسر ما قبلها عند الاتصال به ، لأنّ الأصل في نحوه ، أقوم ، واستقوم مثلا بكسر حرف العلّة وسكون ما قبله فتنقل الكسرة من حرف العلّة إلى ما قبله وتقلب الواو ياء في الواوي ، فليس فيما قبله ضم حتّى يشم للتنبيه عليه ، أو يؤتى بالواو الخالصة لأجله.
(وشرط اعلال العين في الاسم غير الثلاثي) أي غير ما يكون على ثلاثة أحرف وذلك بأن يشتمل على ما فوقها وان كان اصولها ثلاثة(و) غير(الجاري على الفعل ممّا لم يذكر) إلى الآن ولم يبين حكم اعلاله (موافقة الفعل) في الزنة بأن يوافقه (حركة وسكنا) ، لأنّ الفعل هو الأصل في الاعلال فاشترط في اعلال ذلك الاسم الموازنة له ليناسبه بوجه (مع مخالفة) له (بزيادة أو بنية مخصوصتين) بالاسم في اللّغة الشائعة كالميم الزائدة في «مفعل» والبنية الحاصلة «لتفعل» - بكسر التاء - إذ لو لا المخالفة المذكورة لالتبس بالفعل ولو في الوقف بعد الاعلال.
وأبان ، ويزيد - علمين ممنوعين من الصرف فالاعلال بالقلب في الأوّل - كما في
أقام - وبالاسكان ونقل الحركة في الثاني انّما هو حالكونهما فعلين ، والنقل إلى العلمية بعد الاعلال فلا بأس بعدم المخالفة فيهما ، ومن ذهب إلى كون أبان منصرفا على «فعال» بزيادة الألف لكونه أكثر في الاعلال من «أفعل» فلا اعلال فيه عنده.
وما ذكر بخلاف الجاري على الفعل فان جريانه عليه كاف في المناسبة ، فمن ثمّ اعل نحو : الاقامة والاستقامة مع المخالفة للفعل في الوزن ، وبخلاف الثلاثي وان لم يكن جاريا عليه فانّه يعل عند الموازنة للفعل وان لم يكن مخالفا له فيما ذكر ، كما اعل نحو : باب وناب لموافقة أصله «لفعل» مفتوح العين مع عدم تلك المخالفة ، لمزيد اعتنائهم بالاعلال فيه لكونه بناء معتدلا مطلوبا فيه التخفيف في الوضع فيكتفي في دفع اللبس فيه بالقرائن ، (فلذلك) الّذي ذكر من الشرط(لو بنيت من البيع) اسما(مثل مضرب) بفتح الميم وكسر الراء - (و) اسما مثل : (تحلئ) بكسر التاء وسكون المهملة وكسر اللّام وفي آخره الهمزة - لما أفسده السكين من الجلد - من حلأت الجلد - إذا أقشرته - (قلت : مبيع ، وتبيع) حالكون كل منهما(معلّا) أوقع فيه الاعلال بنقل كسرة الياء إلى ما قبلها لوجود الشرط المذكور ، لموافقتهما للفعل حركة وسكونا ، فانّ المضرب مثل يضرب من المضارع ، وتحلئ مثل : اضرب - للأمر - في الحركة والسكون مع مخالفة الأوّل للفعل في الزيادة المخصوصة في أوّله وهي الميم فانّها لا تزاد في الفعل ، ومخالفة الثاني في البنية المخصوصة فانّ التاء وان كانت تزاد في الفعل وهي من حروف المضارعة لكن بناء «تفعل» بكسر التاء والعين ليس في الفعل إلّا في لغة قليلة يكسرون حرف المضارعة.
(و) لو بنيت من البيع اسما(مثل : تضرب) بفتح التاء وكسر الراء(قلت : تبيع) حالكونه (مصحّحا) بابقاء كسرة حرف العلّة أعني الياء وسكون ما قبلها ، لعدم المخالفة الّتي هي شرط الاعلال.
وإذ قد وقع الفراغ من اعلال العين فلنذكر إعلال اللّام فنقول :
اللّام : الواو والياء إذا وقعتا لامين (تقلبان ألفا إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما ان لم يكن بعدهما موجب للفتح) أي ما يوجب ابقائهما وفتحهما ، والتحرك وانفتاح الحرف المتقدم داخلان في بناء الكلمة ، وعدم موجب الفتح مقيس إلى الغير الواقع بعدها فلذلك جمع بين الأوليين بالعطف وفصل الثالث وأورده على وجه الشرط ، وعند اجتماع الثلاثة يلزم القلب ألفا سواء في ذلك الماضي (كغزا ، ورمى) من الغزو والرمى ، (و) المضارع نحو : (يقوى ، ويحيى) ، والاسم نحو : (عصا ، ورحى) وأصلهما : عصو ، ورحى ، ولا يشترط فيه الجريان على الفعل ولا الموافقة له حركة وسكونا ، وان اتفقت الموافقة فلا يشترط المخالفة بوجه لأنّ اللّام محل التغيير بخلاف العين ، فيكفي في اعلاله حصول الثلاثة المذكورة بخلاف ما ينتفى فيه أحد تلك الثلاثة ، فمن ثمّ اعلّوا نحو ما ذكر(بخلاف : عزوت ، ورميت ، وغزونا ، ورمينا ، ويخشين ، ويأبين) ، من الأباء كلّاهما على صيغة جماعة النّساء على «يفعلن» بفتح العين ، فانّهما لا تقلبان ألفا في نحو هذه لانتفاء الأوّل من الثلاثة وهو التحرك لسكونهما فيها باتصال الضمير المرفوع البارز المتحرك ، (و) بخلاف نحو : (غزو ، ورمي) في المصدر ، فانّه لا اعلال في نحوهما لانتفاء الثاني وهو انفتاح ما قبلهما لسكونه ، (وبخلاف) نحو : (غزوا ، ورميا) من الفعل المتصل بألف التثنية ، (وعصوان ، ورحيان) من الاسم المثنى ، فانّ الاعلال متروك في نحو ذلك لانتفاء الثالث ، ولما جمع بين الأولين جمع بين ما يخالفهما ، ولمّا فصل الثالث عنهما أعاد قوله : بخلاف في ما يخالفه ولم يكتف بالعطف.
وانّما كان الثالث منتفيا في نحو هذه ، لوجود موجب الفتح وهو ألف التثنية ، فلم تقلبا ألفا في نحو ذلك (للالتباس) (1)بالمفرد لو قلبت إيّاها وحذفت بالتقاء الساكنين
1) وفي بعض النسخ : للالباس.
اللّازم من اجتماع الألفين ، إذ يحصل بعد الحذف غزا ، ورما ، وعصان ، ورحان ، والالتباس بالمفرد ظاهر في الفعل ، وامّا في الاسم فبعد الاضافة وحذف النون فوجب ابقائهما وفتحهما مع الألف.
(واخشيا) للأمر بصيغة المثنى (نحوه) أي نحو ما ذكر من نحو غزوا وما بعده في انّ اللّام لا تقلب ألفا بل تبقى مفتوحة قبل الألف وان لم يلتبس عند القلب والحذف بمفرده وهو إخش لامتيازه عنه بألف التثنية بعد حذف المنقلبة عن اللّام لو حذفت ، لكنهم تركوا القلب والحذف (لأنه من باب لن تخشيا) ، لكون الأمر مأخوذا من المضارع والأمر للمثنى ساقط النون بالجازم فهو يشبه المضارع الساقط النون الّذي يكون للمثنى ، ولا ريب ان قلب الياء ألفا وحذفها في هذا المضارع يؤدي إلى الالتباس بمفرده نحو : لن يخشي - بالألف - فهذا موجب لفتحها فوجب ابقائها مفتوحة فحمل الأمر الّذي هو رفعه ومن بابه عليه في ذلك.
(واخشينّ) يا رجل مؤكدا بالنون أيضا نحو ما ذكر من نحو غزوا في عدم اعلال اللّام وان لم يلتبس بشيء عند الاعلال لامتيازه بالنون عن المجرد عنها ، وانّما كان نحوه (لشبهه بذلك) المحكوم عليه بأنه نحوه وهو اخشيا أو بذلك الّذي قلنا انّه من بابه وهو لن تخشيا لكون النون بمنزلة الألف لوجوب فتح ما قبل كل منهما ، وقد يجعل اخشينّ معطوفا على لن تخشيا لا على اخشيا كما اعتبرناه ، والمعنى : ان اخشيا من باب لن تخشيا كما قلنا ومن باب اخشين لشبهه به في الكون أمرا محمل عليهما والأوّل أظهر.
وهذه المذكورات كائن (بخلاف : اخشوا) للجمع بدون التأكيد ، (واخشونّ) للجمع مع نون التأكيد ، (واخشي ، واخشينّ) للواحدة المخاطبة بدون التأكيد ومعه ، فانّ الأصل : اخشيوا ، واخشيي ، بياء قبل علامتي الجمع والمخاطبة مضمومة في الأوّل مكسورة في الثاني مفتوح ما قبلها فيهما فقلبت ألفا وحذفت ، وحكم المؤكد منهما حكمها إلّا ان واو الجمع يضم قبل النون ، وياء المخاطبة يكسر قبلها دفعا
لالتقاء الساكنين اللّازم من ملاقاتهما للنون كما في : اخشوا القوم ، واخشى القوم من غير امكان حذف شيء من الساكنين لكون كل منهما كلمة مستقلة لافادة معنى فحرك الأوّل فيهما بما يناسبه ، وليس في قلب الياء الّتي هي لام الكلمة وحذفها التباس بشيء.
وكذلك تحذف الياء من المضارع في الجميع والمخاطبة فلا توجد موجب الفتح في شيء ممّا ذكر بوجه من الوجوه.
(وتقلب الواو ياء إذا وقعت مكسورا ما قبلها) سواء كانت ثالثة أم رابعة فما فوقها ، لاستثقالها عند وقوع الكسرة قبلها مع كونها في محل التغيير ، (أو) وقعت (رابعة فصاعدا) وان لم يكن ما قبلها مكسورا(و) لكن إذا(لم ينضم ما قبلها) بل كان مفتوحا أو مكسورا ، وهي امّا ساكنة وامّا مقرونة بما يوجب فتحها كألف التثنية لوقوعها في محل التغيير واستثقالها في آخر الكلمة الّتي كثرت حروفها ، حيث وقعت رابعة فما فوقها فقلبت إلى الياء الّتي هي أخف منها.
فما كانت هي فيه ثالثة وما قبلها مكسور(كدعي) - مجهولا - ، (ورضي) - مجهولا أو معلوما - ، (و) ما هي فيه رابعة فما فوقها وما قبلها مكسور مثل : (الغازي) ، والمستغزي ، من أسماء الفاعلين ، واغزيت ، واستغزيت - مجهولين - ويغزي ، ويستغزي ، كيكرم ويستخرج ، في المضارع المعلوم ، وما هي فيه رابعة فصاعدا وهي ساكنة وما قبلها مفتوح مثل : (وأغزيت ، وتغزيت ، واستغزيت) ، وغازيت ، وجاء في بعض اللّغات نحو : أعطاته ، وأرضاته - بالألف - في معنى أعطيته وأرضيته.
(و) ما هي فيه رابعة مفتوح ما قبلها وهي مقرونة بموجب الفتح نحو : (يغزيان) على صيغة المجهول المضارع ، (يرضيان) مجهولا كان أو معلوما ، واغزيا ، واستغزيا
وبخلاف : ما هي فيه متحركة مفتوح ما قبلها مع عدم موجب للفتح ، فانّها تقلب ألفا كأغزى ، واستغزى - معلومين - كما مرّ.
(و) قولهم : (قنية) - بكسر القاف وضمّها وسكون النون على الوجهين في مصدر قنوته - أي اكتسبته - ويقال : اقتنيت أيضا ، (و) قولهم : «هو ابن عمّي دينا» - بضمّ الدال وكسرها مع سكون النون ، على الوجهين منصوبا ، من : دنا يدنو - إذا قرب - يعني انّه قريب النسب مني وهو ليس من الاباعد من بني أعمامي ، (شاذ) والقياس : قنوة ، ودنو ، لكون كل منهما على ثلاثة أحرف مع عدم انكسار ما قبلها ، ولعل الوجه فيهما على شذوذهما في صورة كسر الفاء فيهما تنزيل النون الساكنة - لخفتها وسكونها - منزلة العدم فالكسرة كأنها قبل الواو فقلبت ياء ، وحمل عليه ما إذا ضمّ الفاء ، وقد يقال : جاء قنوت ، وقنيت - بالواو والياء - فالقنية من اليائي من غير شذوذ.
(و) بعض القبائل وهي : (طيّئ : تقلب الياء) - ألفا - (في باب) : ما هي فيه متطرفة وما قبلها مكسور مع فتح الأوّل وضمّه سواء كانت تلك الياء أصليّة أم منقلبة عن الواو نحو : (رضي ، ودعي ، وبقي) من المعلوم أو المجهول فيقولون : رضا ، ودعا ، وبقا ، وكأنهم استثقلوا الكسرة قبلها فقلبوها فتحة وقلبوا الياء ألفا كما مرّ ، وحكى عنهم : في ناصية ناصاة.
(وتقلب الواو) في لغة جميع العرب حالكونها(طرفا بعد ضمّة في كل) اسم (متمكّن ياء) لرفضهم في الأسماء المتمكّنة الواو المتطرفة الّتي ما قبلها مضموم أو متحرك بحركة اخرى على ما في شرح المفصل ، بخلاف غير المتمكّن من الاسم نحو : هو ، وذو ، وبخلاف : الفعل نحو : يدعو ، ويغزو ، (فينقلب الضمّة كسرة) بعد
انقلاب الواو ياء لمناسبة الياء وثقل الضمّة قبلها ، (كما انقلبت) الضمّة قبل الياء الأصليّة كسرة(في التّرامي ، والتجاري) فانّهما مصدران من الياء على زنة «التفاعل» بضمّ العين - فقلبت الضمّة فيهما كسرة لما ذكر ، وإذا قلبت الواو المتطرفة ياء والضمّة كسرة(فيصير من باب : قاض مثل : أدل) جمع دلو ، (وقلنس) وأصلهما : أدلو مثل أكلب ، وقلنسو ، فاذا قلبت الواو المضموم ما قبلها ياء والضمّة كسرة حصل الأولى ، والقلنسى - بالياء المكسورة ما قبلها في الآخر - كالقاضي فيقال : هذا أدل وقلنس - رفعا وجرّا - كقاض ، ورأيت أدليا وقلنسيا - نصبا - كقاضيا.
(بخلاف : قلنسوة ، قمحدوة) على زنتها - لما خلف الرأس - فانّها لم تقلب فيهما ياء لزوال التطرّف عنها بلحوق تاء التأنيث وصيرورتها وسطاوهم يستثقلون في الطرف ما لا يستثقلونه في الوسط ، (وبخلاف : العين) المضموم ما قبلها فانّها لا تقلب ياء لعدم (1)تطرفها ، فالواوي (كالقوباء) - بالقاف المضمومة وفتح الواو بعدها الموحدة والمدّ - لداء معروف يتقشر ويتسع في الجسد ويعالج بالريق - وهي مؤنثة لا تنصرف لألف التأنيث الممدودة والجمع : قوب ، ويصغر على قويبآء كحميرا ، وقد تسكن الواو استثقالا للضمّة فيقال : انّها حينئذ تذكر وتصرف على انّ الهمزة المتطرفة منقلبة عن الياء المزيدة للالحاق بقرطاس في لغة ضمّ القاف ، ويصغر على قويبيّ - بتشديد الياء الأخيرة كقريطيس.
وذكر ابن السكيت : انّه لم يأت على «فعلاء» بضمّ الفاء وسكون العين والمد غيرها سوى خشّاء - بتشديد المعجمة الثانية ، للعظم الناتي خلف الاذن - والأصل فيهما تحريك العين ، وزاد الجوهري : مزّاء - بتشديد الزاي ، لنوع من الأشربة - ، (و) مثل : (الخيلاء) على «فعلاء» بضمّ الفاء وفتح العين والمد - للتكبر -.
1) وفي نسخة : فانّها لا تقلب ياء ان كانت واوا ولا تقلب الضمّة قبلها كسرة ان كان ياء لعدم تطرّفها.
(ولا أثر للمدّة الفاصلة) بين الواو المتطرفة والضمّة(في الجمع إلّا في الاعراب) ، لاعتنائهم بتخفيف الجمع واعلاله لثقله فجعلت المدّة - لضعفها وزيادتها - كالمعدوم ، وجعلت الضمّة كأنها قبل الواو فقلبت ياء وقلبت تلك الضمّة كسرة واعرب بالحركات الثلاث للمدة الساكنة قبلها كغيره ممّا سكن فيه ما قبل حرف العلّة كدلو ، وظبي ، وكرسيّ ، فلم يؤثر المدّة إلّا في الاعراب حيث صار بها اعرابه على خلاف ما هو كقاض وأدل ، (نحو : عتيّ) في جمع العات ، للمستكبر - من العتو بالمهملة والفوقانية ، (وجثيّ) جمع الجاث - بالجيم والمثلثة للجالس على الركبتين - من الجثو ، وعصيّ ، ودليّ ، في جمع عصا ودلو ، وأصلها : عتوّ ، وجثوّ ، وعصو ، ودلوّ ، بضمّتين وتشديد الواو على «فعول» كسجود جمع ساجد ، فقلبت المتطرفة ياء فحصل عتوي وجثوي مثلا واعل اعلال سيّد وقلبت الضمّة قبلها كسرة ، وبعضهم عكس فقلبت الضمّة قبلها كسرة ثمّ قلبت الواو ياء ، والأوّل أشهر وأظهر.
(بخلاف المفرد) فانّه ليس عندهم كالجمع في الاستثقال ، فاعتبر الفصل بالمدة واعرب كدلو ونحوه بالحركات الثلاث ، فالمدّة فيه مؤثرة في الاعراب والمنع من الاعلال معا ، وذلك كعتوّ ، وجثوّ - مصدرين - كما قال الله تعالى (وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً)(1).
ثمّ الأصل في الفاء من الجمع عند الاعلال ان تبقى ضمّتها ، (وقد تكسر الفاء) فيه (للاتباع) للعين (فيقال : عتيّ ، وجثيّ) بكسرتين ، (ونحو : نحوّ) بضمّتين وتشديد الواو - على «فعول» جمع نحو كما يقال : نظرت إليه من نحوّ كثيرة - أي من جهات كثيرة - ونجوّ في جمع نجو - بالنون والجيم ، للسحاب الّذي هراق مائه - ويهوّ في جمع بهو - بفتح الموحدة وسكون الهاء ، للصدر - وأبوّ ، وأخوّ في جمع أب وأخ ، (شاذ) والقياس : نحيّ - بالياء المشدّدة المكسور ما قبلها كعتيّ وكذا البواقي ،
1) الآية : 21 الفرقان.
خلافا للفراء حيث نفى الشذوذ عنها.
(وقد جاء) : في المفرد(نحو : معديّ ، ومغزيّ) - بالياء المشدّدة الحاصلة من الاعلال المذكور في نحو : جثى ، في اسم المفعول من العدوان والغزو ، مجيئا(كثيرا) ، ومنه قول عبد يغوث الحارثي :
وقد علمت عرسي مليكة أنّني
أنا اللّيث معديّا عليه وعاديا (1)
والشاهد : في «معديا» حيث جاء معلا وهو من عدا يعدو وكان حقّه ان يقول : معدوا ولكنّه شبهه بالجمع فاعله.
(والقياس) : معدوّ ، ومغزو (بالواو) المشدّدة كغيرهما من المفرد ، لكن هذا القياس فيما ليس ماضيه على «فعل» بكسر العين - وإلّا فالقياس الثابت بالاستقراء الاعلال كمرضى في رضى ، وقراءة بعضهم : راضية مرضوّة شاذ ، وفي التسهيل انّها مرجوحة ، وكأنهم خرجوا في قياس هذا الباب عن القياس المناسب للواو في مثل (2)وهو عدم القلب فقلبوها ياء لمناسبة الماضي ، ولعل قول الجوهر : ان مرضوا على الأصل والقياس معناه : انّه على القياس المناسب للواو في مثله وان خرج عن قياس هذا الباب.
وممّا جاء من المفرد بالاعلال : عتاعتيّا - إذا تكبر - وضحا يضحو ضحيّا - إذا برز للشمس - وعسا الشيخ يعسو عسيّا - إذا كبر - وجاء فيها : عتوّ ، وضحوّ ، وعسوّ ، على الأصل.
(وتقلبان همزة إذا وقعتا طرفا بعد ألف زائدة نحو : كساء) وأصله : كساو - بالواو - ، (ورداء) وأصله : رداي - بالياء - لقولهم : فلان حسن الكسوة والردية
كالجلسة - بكسر الجيم - كأنهم استثقلوهما في الطرف ونزلوا الألف قبلهما في مثل ذلك - لضعفها وزيادتها - منزلة العدم ، أو منزلة الفتحة فصارتا كأنهما متحركتان ما قبلهما مفتوح فقلبتا ألفا فاجتمعت ألفان فكرهوا حذف احداهما لكونه مظنة التباس بناء ببناء آخر ولا سبيل إلى تحريك احداهما لتعذره فقلبوا الأخيرة المتطرفة حرفا يقبل الحركة ويجانسها في المخرج الّذي هو الحلق وهو الهمزة ، كما يقال : في حمراء وصحراء.
(بخلاف : راي) - اسم جنس الراية - بمعنى العلم - ، بفتحتين ، (وثاي) - بالمثلثة ، اسم جنس ثاية الإبل وهي مأواها - فانّ الياء المتطرفة لم تقلب فيهما همزة ، لعدم زيادة الألف وكونها منقلبة عن الواو الأصلية ، من رويت بمعنى جمعت على ما قيل ، وثويت بالمكان - اقمت به - وأصلهما : روي ، وثوي ، بالتحريك فقلبت الواو فيهما ألفا فلاصالتها لم تنزل منزلة العدم أو الفتحة ، فاعلال العين وتصحيح اللّام فيهما على خلاف ما هو القياس من أخذ الاعلال من الآخر وان كان شاذا قياسا كما في آية على قول الخليل حيث زعم ان أصلها : أيية - بفتح اليائين - فقلبت الاولى ألفا ، والقياس عكسه كما في الهوى ، لكن العدول عن قلبها همزة وارد على القياس.
(ويعتد بتاء التأنيث قياسا) إذا كانت لازمة ، واكتفى عن التقييد بالتمثيل والشهرة ، وذلك لأنّه يخرج بها الواو والياء عن الطرف فيبقيان بلا قلب إلى الهمزة ، (نحو : شقاوة ، وسقاية) فانّهما وضعتا مع التاء في مصدر شقا وسقى بدليل عدم انفكاكهما عنها في الاستعمال قط ، وكذا نقاية ، ونهاية ، بخلاف ما إذا لم يكن لازمة ، فانّها لا تعتد بها لكونها في معرض الزوال ، فتقلبان معها همزة ، وذلك كالعارضة في الصفة للفرق بين المذكر والمؤنث نحو : سقّاء - بتشديد القاف - وسقّاءة ، والعارضة في المصدر للمرة ، كاصطفاءة ، واشتراءة ، وذلك كما لا يعتد بعلامة التثنية لعروضها فيقال : كساءان ، ورداءان مثلا بالقلب همزة.
ثمّ كأنهم نظروا إلى مشابهة هذه الهمزة في الانقلاب عن الألف كما مرّ للهمزة الّتي يلزم قلبها واوا في المثنى وهي الّتي للتأنيث كحمراوان ، فأجازوا قلب هذه أيضا واوا في الواوي واليائي كليهما بأن يقال : كساوان ، ورداوان - بالواو -.
(ونحو : صلاءة) - بفتح المهملة للحجر ملاء الكف - ، (وعظاءة) لدويبة معروفة أكبر من الوزغة ، (وعباءة) لكساء معروف ، (شاذ) ، لأنّ الهمزة في جميعها منقلبة عن الياء الأصلية بعد تاء التأنيث الازمة ، لأن ما يفرق بين مفرده وجنسه بالتاء قليل في أسماء الأعيان ، ولم يبلغ حدّا يعلم منه ان مفردها هو اسم جنسها المعروض للتاء ، والأصل عدم العروض ، فيصار إلى انّه موضوع مع التاء للواحد ، فالتاء لازمة لها وضعا ، والقياس عند لزومها الاعتداد بها وترك القلب كسقاية.
وقد ورد الجميع على القياس أيضا ، وقد يمنع لزوم التاء فيها لمجيئها بدونها للجنس نحو : صلاء ، وعباء ، ثمّ يقال : انّ الظاهر بناء الواحد على الجنس وعروض التاء فيه للوحدة حملا على المتيقن عروض التاء فيها من المصادر والصفات الّتي لا تحصى كثرة ، وعلى هذا فترك القلب همزة - كما ورد فيها - كأنه لتوهم لزوم التاء.
وقد يقال : قد تعارض فيها ما ذكر من وجه اللزوم ووجه العروض (1)، فمن لم يقلب همزة جرى على الوجه الأوّل ، ومن قلب جرى على الثاني من غير شذوذ في شيء منهما فتأمّل.
(وتقلب الياء) الواقعة لاما(واوا في «فعلى» - بفتح الفاء وسكون العين والألف المقصورة بعد اللّام - حالكونها(اسما كتقوي) بالفوقانية - وهي ممنوعة من الصرف والتنوين لألف التأنيث ، خلافا لمن جعل الألف للالحاق بجعفر ، (وبقوى) - بالموحدة - وهو اسم من ابقيت على فلان - كاكرمت إذا رحمته ، والأصل فيهما :
1) هذا من باب تعارض الأصل والظاهر.
تقيا وبقيا ، لأنهما اسمان من : وقيت ، وبقيت ، لكن قلبت الواو في الأوّل تاء كتراث ، (بخلاف : الصفة) فلا تقلب فيها واوا(نحو : صديا) مؤنث صديان بمعنى : العطشان ، (وريّا) مؤنث ريان - لضدّ العطشان - وكأنهم أرادوا ان يفرقوا بين الاسم والصفة فقلبوا في الاسم دون الصفة لأنّ الاسم اسبق في الاعتبار وبعد إعلاله صحّت الصفة للفرق.
(وتقلب الواو ياء في «فعلى») - بضمّ الفاء - (اسما) سواء كان اسميته بالاصالة أم طارية بالجريان مجرى الأسماء في الاستعمال ، (كالدّنيا) مؤنث الأدنى ، (والعليا) مؤنث الأعلى ، وأصلهما : الدنوي والعلوي ، من دنا يدنو ، وعلى يعلو ، فانّهما صفتان صارتا كالاسم في الاستعمال كالأبطح ، والأجرع ، ولا يوصف بهما إلّا معرفتين باللّام كالدار الدّنيا ، والمنزلة العليا ، ولا يقال : دار دنيا ، ومنزلة عليا.
والصفة لا تلزم حالة واحدة بل شأنها ان تجيء نكرة تارة ومعرفة اخرى فلمّا اختصّ كونهما صفتين في الاستعمال بحال التعريف كانا كغير الصفة.
(وشذ) قياسا(نحو : القصوى) مؤنث الأقصى ، والقياس : القصيا كما نطق به بنو تميم ، لأنه صار كالاسم حيث استغنى به عن الموصوف كالصاحب ، فيقال : القصوى ويراد به الغاية القصوى لكن هذا الشاذ مطرد سماعا في لغة الحجازيين كأنهم نظروا إلى ما هو أصله من الوصفية ، (و) شذ أيضا(حزوي) - بالحاء المهملة المضمومة والزاي المعجمة - وهو اسم لموضع بالدهنا.
(بخلاف الصفة) الّتي بقيت على التمحض للوصفية(كالغزوى) تأنيث الأغزى ، فانّ الواو فيها تبقى من غير قلب ، للفرق بين الصفة والاسم كما في «فعلى» - بالفتح - وكأنهم عكسوا في المضموم ما فعلوه في المفتوح ، للفرق بين البنائين ، وآثروا المفتوح بالأقيس وهو ترجيح الاسم بالتغيير على الصفة لكونه أقدم في الاعتبار ، وهذا الّذي ذكر هو مذهب الجمهور ؛
وزعم ابن مالك وفاقا لبعضهم : انّ القياس في «فعلى» - بالضم - من الواوي القلب في الصفة والتصحيح في الاسم على عكس ما ذهبوا إليه.
(ولم يفرقوا) بين الاسم والصفة (في «فعلى») - بالفتح - (من الواوي نحو : دعوي) في الاسم ، (وشهوي) من الصفة - مؤنث شهوان - من الشهوة يقال : رجل شهوان للشيء وامرأة شهوى (ولا في «فعلى») بالضم - (من الياء نحو : الفتيا) في الاسم ، فانّه اسم لما أفتى به المفتي - ، والواو في الفتوى - بالفتح - منقلبة عن الياء كما في البقوى ، وربّما أشعر كلام بعضهم بأنه واوي ، فالياء في الفتيا منقلبة عن الواو كالدّنيا والعليا ، (والقصيا) تأنيث الأقصى - في الصفة ، لقلّة المفتوح في الواوي وقلّة المضموم في اليائي ، فلم يعتنوا فيهما بالفرق بين الاسم والصفة مع عدم الثقل المحوج إلى الاعلال.
وكذلك «فعلى» بكسر الفاء - من معتل اللّام يبقى على حالها في الواوي واليائي من الاسم والصفة ، لكونها في غاية القلّة وتوسط الكسرة بين الضمّة والفتحة في الثقل فكأنها في مرتبة الاعتدال قبل الواو والياء مع وجود الفصل.
(وتقلب الياء إذا وقعت بعد همزة) وكانت تلك الهمزة(بعد ألف في باب : مساجد) من الجمع الأقصى الّذي بعد ألفه حرفان (وليس مفردها كذلك - ألفا) (و) تقلب تلك (الهمزة ياء) ، لاستثقال الياء في هذا الجمع الّذي منتهى الجموع بعد الهمزة المكسورة ، ففتحت الهمزة وقلبت الياء ألفا ، ثمّ كرهوا وقوع الهمزة بين ألفين فقلبوها ياء ، والمراد بعدم كون مفرد تلك الجموع كذلك ان لا يكون الياء في مفردها بعد همزة كائنة بعد الألف ، وذلك (نحو : مطايا ، وركايا) في جمع مطيّة ، وركيّة - للبئر - ، وأصلهما : مطيوة ، وركيوة ، كصحيفة يقال : ركوت البئر - إذا شددتها واصلحتها -.
(وخطايا) في جمع خطيئة - (على القولين) الكائنين فيه للخليل وغيره ، (وصلايا جمع المهموز) وهو صلأة - بالهمزة - (و) جمع (غيره) أي غير المهموز وهو صلاية - بالياء - ، (وشوايا جمع شاوية) - بالمعجمة - من شويت اللحم.
وأصل الأولين : مطائو ، وركائو ، على «فعائل» بالهمزة قبل الواو - كما في صحائف وقلبت الواو المتطرفة المكسور ما قبلها ياء فوقعت الياء بعد الهمزة الكائنة بعد ألف باب مساجد فقلبت ألفا والهمزة ياء فحصل : مطايا وركايا.
والخطايا قد مرّ في باب تخفيف الهمزة.
والأصل في شوايا : شوائي على «فواعل» مع قلب الواو الّتي هي عين الكلمة همزة كقوائم ، ثمّ اعلاله كمطايا أيضا.
والصلأة : ان كانت بالهمزة فجمعها على صلأء - بهمزتين - بعد الألف لانقلاب ألف المفرد همزة في الجمع كرسالة ورسائل فقلبت الثانية المكسور ما قبلها ياء على قياس تخفيف الهمزة فحصل : صلائي - بالهمزة قبل الياء - وان كانت بالياء فجمعها : صلائي - بالهمزة قبل الياء من أوّل الأمر ، والاعلال كمطايا أيضا.
(و) ما ذكر كائن (بخلاف) ما مفرده كذلك نحو : (شواء جمع شائية) وهي اسم فاعل (من شأوت) فلانا - بالمعجمة - إذا سبقته - ، فهي من الناقص الواوي المهموز العين فقلبت الواو فيها ياء كالغازي ، وجمعها : الشوائي على «فواعل» كالجواري ، فالياء وان وقعت بعد الهمزة بعد ألف باب مساجد لكن ترك فيه ذلك الاعلال لوقوع الياء في مفرده أيضا كذلك ، فرجح فيه المشاكلة للمفرد على الاعلال وجرى عليه في الرفع والجر حكم قاض وجوار.
(وبخلاف : شواء ، وجواء جمعي شايئة) من شاء يشاء ، (وجايئة) من جاء يجيء ، كلّاهما من الأجوف المهموز اللّام (على القولين فيهما) ، لكون أصلهما : في أوّل الأمر شوائي ، وجوائي - بالياء قبل الهمزة على «فواعل» فذهب الخليل إلى
قلب الهمزة فيهما إلى موضع الياء ، وذهب غيره إلى قلب الياء همزة على قياس غيره من الأجوف كبوائع فاجتمعت همزتان وقلبت الثانية المكسور ما قبلها ياء ، وعلى القولين : حصل فيهما الجواءي ، والشواءي ، - بالهمزة قبل الياء بعد ألف باب مساجد لكن ترك اعلالهما لكون مفردهما كذلك ، فانّ الأصل في مفردهما : جايئة ، وشايئة - بالياء قبل الهمزة - فقلبت الهمزة إلى موضع الياء - عند الخليل - وقلبت الياء همزة - كما في بائع - ثمّ الهمزة الثانية ياء - كما في الجمع - عند غيره ، فصار بالهمزة قبل الياء ، ثمّ انّ الهمزة في شواء من شأوت أصليّة قطعا وفيه ان كان من شاء ، وفي جواء : أصليّة عند الخليل ، عارضة بالانقلاب عن حرف العلّة عند غيره ، ولأجل هذا التفاوت أعاد قوله : بخلاف فيهما ، ولعل التصريح بمخالفتهما لما ذكره من ضابط الاعلال على القولين تعريضا بمن اشترط في موقع كون المفرد ليس كذلك كون الهمزة عارضة في الجمع ، فانّه لا يصلح للاحتراز عن هذين على قول غير الخليل ، لأنّ الهمزة فيهما عارضة على قول غيره لانقلابها عن حرف العلّة.
وقد يقال : كأنه أراد بالعروض في الجمع انّها لم يكن في المفرد ، فيرجع إلى ما ذكره المصنف.
(وقد جاء : أداوي ، وعلاوي ، وهراوي) في جمع : اداوة - للمطهرة - ، وعلاوة ، لما يعلق على البعير بعد حمله نحو السقاء - وهراوة - للعصا ، والقياس في هذه الجموع : أدايا ، وعلايا ، وهرايا ، لأنّ أصلها : ادائو ، وعلائو ، وهرائو - بالهمزة المنقلبة عن الألف الزائدة في المفرد قبل الواو كرسالة ورسائل ، ثمّ قلبت الواو المتطرّفة المكسور ما قبلها ياء فحصل : الادائي ، والعلائي ، والهرائي (1)وليس مفردها كذلك ، فدخل تحت ما قياسه قلب الياء ألفا والهمزة ياء ، فعملوا بقياس الياء وخالفوا قياس الهمزة ، فقلبوها واوا(مراعاة للمفرد) ، حيث كان بالواو ، فراموا المشاكلة
1) بهمزة ثمّ ياء.
الصورية له في وقوع الواو فيه بعد الألف وان لم تكن تلك الواو هي الأصلية الّتي كانت في المفرد ، وقالوا : هداوي في جمع : هدية فقلبوا همزة الجمع واوا لوقوعها بين الألف ، كحمراوان وهو قياس عند الأخفش.
(و) الواو والياء(تسكنان في باب : يغزو) من مضموم العين ، (ويرمي) من مكسور العين ، حالكون البابين (مرفوعين) مجردين عن الناصب والجازم ، فيقال : هو يغزو ، ويرمي - بالسكون - لثقل الضمّة الّتي هي حركة الرفع على الواو المضموم ما قبلها والياء المكسور ما قبلها.
وامّا إذا كانا على «يفعل» - بالفتح - فتقلبان ألفا ، فتثبت في الرفع والنصب كما في المقصور من الاسم كيرضى ، ويخشى ، وليس «يفعل» بالكسر في الناقص الواوي ولا «يفعل» - بالضم - في اليائي منه.
(و) كذلك يلزم السكون في مثل باب : (الغازي) ويائه منقلبة عن الواو ، (والرّامي) - بالياء الأصلية حالكون (مرفوعا ومجرورا) استثقالا للضمّة والكسرة على الياء المكسور ما قبلها ، هذا مع المانع من التنوين كاللّام والاضافة وإلّا لزم الحذف - رفعا وجرّا - بالتقاء الساكنين كغاز ، ورام.
ويظهر النصب بالفتحة في الجميع - لخفتها - نحو : لن يغزو ، ولن يرمي ، ورأيت الغازي ، وغاريا.
(والتحريك في الرفع والجر) في الياء والواو (شاذّ كالسكون في النصب) ، فانّه أيضا شاذ ، (و) مثل (الاثبات فيهما) أي في الواو والياء ، (وفي الألف في الجزم) ، لأن اثبات الثلاثة فيه أيضا شاذ ، والقياس : الحذف.
فالتحريك بالرفع كقوله :
قد كاد يذهب بالدّنيا ولذّتها
موالي ككباش العوس سحّاح (1)
وقوله :
إذا قلت علّ القلب يسلو قيّضت
هواجس لا ينفكّ يغرين بالوجد (2)
هواجس : خواطر. يغرين : من الاغراء بمعنى التحريض.
وبالجرّ كقوله :
ما إن رأيت ولا أرى في مدّتي
كجواري يلعبن في الصّحراء (3)
والاسكان في النصب كقوله :
فلو أنّ واش باليمامة داره
وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا (4)
وقوله :
أرجو وآمل أن تدنو مودّتها
وما إخال لدينا منك تنويل (5)
والاثبات في الثلاثة في الجزم كقوله :
هجوت زبّان ثمّ جئت معتذرا
من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع (6)
1) البيت لجرير بن عطية. وقوله : «ولذتها» يروي في مكانه «وبهجتها» الموالي : جمع مولى وله معان كثيرة منها السيّد وهو المراد هنا. والكباش جمع كبش. والعوس : اسم مكان أو قبيلة. والسحاح : السمين. والشاهد : في «موالي» حيث حرك الياء بالضم شذوذا.
2) البيت لم أعثر على قائله. وعل : بمعنى لعل. وقيضت : أي سلّطت على القلب.
3) هذا البيت لم أعرف قائله. ومعنى مفرداته واضح. والشاهد : في قوله «كجواري» حيث حرك الياء بالكسر شذوذا.
4) البيت لمجنون بني عامر المعروف بمجنون ليلى. ومعناه واضح. والشاهد : في قوله : «واش» حيث حذف الياء في حالة النصب كما تحذف في حالة الرفع والجر.
5) البيت لكعب بن زهير (رضياللهعنه). واخال : أظن. وتنويل : أي العطاء. والشاهد : في قوله «ان تدنو» حيث اسكن الواو في حالة النصب.
6) البيت منسوب لأبي عمرو بن العلاء واسمه - زبّان -. الشاهد في قوله «لم تهجو» حيث أثبت الواو الساكنة مع الجازم وذلك شاذ.
وقول الآخر :
ألم يأتيك والأنباء تنمي
بما لاقت لبون بني زياد (1)
وقول الآخر :
ما أنس لا أنساه آخر عيشتي
ما لاح بالمعراء ريع سراب (2)
والكباش : جمع الكبش ، والعوس : - بالضم - ضرب من الغنم ، وسحاح : بضمّ السين وتشديد الحاء ، أي سمان - جمع ساح بالتشديد ، وعلّ : بمعنى لعلّ ، وقيضت : - بتشديد الياء - أي سلطت للمحبوبة على القلب ، وهواجس : أي خواطر تخطر فيه ، ولا تنفك : فعل ناقص ، والاغراء : التحريض ، والواشي : النمام ، والأصل : واشيا فسكن الياء وحذفها لملاقاة التنوين كما في صورتي الرفع والجر. وزبان : بتشديد الموحدة - علم ممنوع من الصرف للعلمية والألف والنون المزيدتين ، وأصله : من الزبّ وهو طول الشعر وكثرته ، أي هجوته ثمّ اعتذرت فكأنك لم تهجه حيث اعتذرت ولم تترك هجوه حيث هجوته.
وتنمى : بفتح التا من نميت الحديث أي أبلغته ، واللبون : الناقة ذات اللبن ، وما أنس : من النسيان شرط ، وأثبت الألف في الجزاء وهو «لا أنساه».
وآخر عيشتي : أي مدّة حياتي. وأرض معراء : بالميم والمهملتين كحمراء - قليلة النبات - ، والريع : بكسر الأوّل وسكون التحتانية - الطريق.
وما في هذه الأشعار ونحوها نمكن حمله على الضرورة.
1) البيت منسوب لقيس بن زهير العبسي. الأنباء : جمع نبأ وهو الخبر ، ويقال : النبأ خاص بما كان ذا شأن والخبر عام. وتنمي : أي تزيد وتكثر. وبما : الباء زائدة وما فاعل يأتي ، وقيل غير ذلك. اللبون : الناقة ذات اللبن. والشاهد بالبيت في قوله : «ألم يأتيك» حيث أثبت الياء ساكنة مع الجازم الّذي يقتضي حذفها وهو شاذ.
2) قيل البيت للحصين بن قعقاع بن معيدة. والشاهد فيه : «لا أنساه» حيث أثبت الألف في حال الجزم ، لأن أنساه جواب شرط - ما الشرطية - ، وذلك شاذ.
لكن قوما من العرب يجرون الواو والياء في الاختيار أيضا مجرى الصحيح في التحريك في الرفع والجر كما في النصب والاسكان في الجزم ، ومنه : (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً) يرتعي (وَيَلْعَبْ)(1)في قراءة باسكان الياء من يرتعي والباء في يلعب.
(و) الواو والياء(تحذفان في مثل : يغزون ، ويرمون) للجمع ، (واغزنّ ، وارمنّ) (2)للجمع والمخاطبة من الأمر ، إذ في الأصل عن مثل ذلك يقع قبل واو الجمع الساكنة واو مضموم ما قبلها في الواوي ، وياء مضمومة مكسور ما قبلها في اليائي ، فتسكنان لثقل الضمّة عليهما وتحذفان بالتقاء الساكنين ، فبهذا يتم اعلال المضارع الواوي ، ويضم ما قبل واو الجمع في اليائي كالميم في يرمون لتسلم الواو ، ثمّ إذا اتصل بالأمر نون التأكيد الساكنة بعد واو الجمع حذفت لدلالة الضمّة قبلها عليها ، بخلاف النون لعدم ما يدل عليها - كما مرّ -.
ويقع قبل ياء المخاطبة واو مكسورة مضموم ما قبلها في الواوي ، وياء مكسورة ما قبلها في اليائي ، فيسكنان لثقل الكسرة وتحذفان لالتقاء الساكنين ، وبهذا يتم اعلال اليائي ويكسر ما وقع قبل ياء المخاطبة في الواوي كالزاي في : اغزي ، لتسلم الياء.
ولك ان تعتبر ههنا وفي الجمع نقل حركة حرف العلّة إلى ما قبلها بعد سلب حركته ثمّ تحذف علامة المخاطبة عند الاتصال بالنون ، لدلالة الكسرة قبلها عليها - كما في الجمع -.
ولم يحركوا عند الاتصال بها علامة الجمع بالضمّة وعلامة المخاطبة بالكسرة حتّى يستغنوا به عن الحذف للاستثقال لانضمام قبل الاولى وانكسار ما قبل الثانية
بخلاف اخشونّ ، واخشينّ ، من مفتوح العين حيث يضم فيه علامة الجمع ، ويكسر علامة المخاطبة عند لحوق النون ، لخفة الفتحة قبلهما.
(ونحو : يد ، ودم ، واسم ، وابن ، واخ ، وأخت ، ليس بقياس) ، فان أصلها :
يدي ، ودمو ، وسمو ، وبنو ، وأخو ، واخوة - بسكون الوسط في الثلاثة الاول ، وفتحه في البواقي ،
وليس في شيء منها موجب الحذف بل قياس الثلاثة الأول الاثبات لسكون ما قبل حرف العلّة فيها كدلو وظبي ، وقياس البواقي : القلب ألفا كعصا وفتى ، لتحرك حرف العلّة فيها وانفتاح ما قبلها لكنهم حذفوا فيها لكثرة استعمالها المناسبة للتخفيف.
وجعلوا التاء في : اخت عوضا منها على ما يقال ، وسكنوا الأول من البعض لزيادة التخفيف ، والحقوا همزة كأنها عوض عن المحذوف ، واجروا الاعراب على ما قبل حرف العلّة ، وقد أورد نجم الأئمّة رضي في خاتمة هذا البحث مباحث شريفة ، فليراجع إليها.
(الإبدال) : - بكسر الهمزة - مصدر ابدل ، وفي الاصطلاح : (جعل حرف) من الحروف الّتي تذكر انشاء الله تعالى (مكان حرف غيره) بأن يكون إيراده من أوّل الأمر لكونه مكان ذلك الغير ، سواء كان ذلك أصليا أم زائدا وان كان بطريق الاعلال أو تخفيف الهمزة.
والمراد بكونه في مكانه : ان يكون فاء ان كان ذلك الغير فاء ، كاجوه في وجوه ، وعينا ان كان عينا كقال ، ولاما ان كان لاما كرمى ، ودالا في مكانه ان كان زائدا على المعنى المقصود منه كالهمزة في عألم المبدلة عن الألف في عالم - اسم فاعل -.
وامّا جعل حرف عوضا عن غيره في غير مكانه كالهمزة الوصلية من : ابن ، واسم ، ورد المحذوف وجعله في مكان نفسه كاعادة اللّام من أب في أبويّ - للنسبة - فلا يسمّى ابدالا.
وامّا التاء في : اخت ، وبنت ، فهي في الأصل للتأنيث ولحقت في المكان المقرّر لنفسها ثم جرى عليها التعويض عن اللّام المحذوف ، وحيث اعتبرنا كون البدل من الحروف الّتي تذكر لم يتوجه انتقاض التعريف بنحو : اظّلم ، واظتلم ، لأنّ الظاء ليست منها.
والابدال يقع في الاسم والفعل والحرف وان لم يجر بعض وجوه معرفته كالاشتقاق في الحرف.
(ويعرف) الابدال في اللفظ(بأمثلة اشتقاقه كتراث ، وأجوه) في وراث ووجوه ، فانّ الأمثلة الّتي تناسبها في الاشتقاق كورث ، وأورث وموروث ، والوجه والتوجّه والمواجهة ، تدل على انّ التاء والهمزة فيهما مبدلة عن الواو.
(وبقلّة استعماله كالثعالى) في الثعالب ، فان قلّة استعماله وكثرة استعمال الثعالب بالموحدة تدل على انّ التحتانية مبدلة منهما ، ويعرف فيه بأمثلة الاشتقاق أيضا لأنه جمع ثعلب ، ويقال : للأثنى ثعلبة ، وللمذكر ثعلبان بضمّ المثلثة ، ولا بأس باجتماع علامتين - كما مرّ في القلب في أوّل الكتاب.
(و) يعرف أيضا ابدال الحرف في اللفظ(بكونه فرعا) للفظ آخر(والحرف) المبدل منه (زائد) في الأصل (كضويرب) تصغير ضارب ، فانّه فرع لمكبره ، وكذا علفيان - تثنية علفى - بناء على ان ألفه ألف التأنيث المقصورة على ما قال سيبويه حاكما بمنعها من الصرف ، لضرب من النبات - فانّه فرع لذلك المفرد ، والفرع مأخوذ من الأصل طار عليه ويناسب ذلك كون الحرف المخالف فيه لما هو بازائه من الأصل مبدلا ممّا في الأصل إلّا بتحقق ما يقتضي عكس ذلك وهو ليس بمتحقق بالاستقراء في صورة زيادة الحرف في الأصل ، كالألف في المثالين ، فيكون ما في الفرع بازائه كالواو من ضويرب ، والياء في علفيان مبدلا منه ، فتأمل.
(و) يعرف الابدال أيضا في اللفظ(بكونه فرعا) لآخر(وهو) أي الحرف المبدل منه (أصل) في الفرع وليس بزائد ، (كمويه) على «فعيل» تصغير ماء ، والابدال فيه عكس ما تقدم ، فان الضابطة المستنبطة من لغتهم - وهي ردّ التصغير ونحوه الأشياء إلى اصولها - يقتضي كون الأصلي المخالف في الفرع لما بازائه من الأصل كالهاء الّتي هي اللّام في المثال ، والواو الّتي هي العين ردّا إلى الأصل وما هو بازائه من الأصل كالهمزة والألف مبدلا عنه - أي عن الحرف الواقع في الفرع وان كان الابدال في الأصل قبل اعتبار الفرع فتأمل.
بخلاف الزائد المخالف كما في الوجه المتقدم ، ولنجم الأئمّة ههنا كلام فراجعه.
ثمّ انّ المراد بالأصلي في الفرع ما لم يدل دليل على كونه منقلبا عن حرف آخر كالهمزة بعد ألف الجمع الأقصى المعلوم بالاستقراء انقلابها عن الياء أو الواو مثلا ، فلذلك لم يعرف بوجودها في أوائل وهو جمع الأوّل وفرع له كون الواو في اصله
المفرد وهو أوّل مبدلة عنها بل الهمزة مبدلة عن الواو.
(و) يعرف الابدال أيضا(بلزوم بناء مجهول) على تقدير عدمه (نحو : هراق ، واصطلح ، وادّارك) - بتشديد الدال - فانّه لو لم يكن الهاء مبدلة عن همزة باب : الافعال ، والطاء من تاء الافتعال ، والدال من تاء التفاعل كانت هذه على «هفعل» و «افّاعل» (1)وكلّها مجهولة لم يعرف ورودها في لغتهم ، وبعد قلب التاء من تدارك - دالا - والادغام الحقت همزة الوصل لئلّا يبتدأ بالساكن.
(وحروفه) أي حروف الابدال الّتي تقع ابدالا من غيرها للمناسبة في المخرج أو في الصفة كالجهر ، والهمس ، أربعة عشر ، يجمعها قولنا : (أنصت يوم جدّ طاه زلّ) - بالزاء وتشديد اللّام - ، وانصت : أمر من الانصات ، والجد : أبو الأب ، وهو مبتدأ مضاف إلى طاه - بالمهملة والألف والهاء - اسم فاعل من طها فلان اللحم يطهوه طهوّا - طبخه أو شواه - ، وطها الخبز - خبزه - اي جد رجل طاه ، أو هو ههنا اسم رجل ، والخبر زلّ ، واليوم : بالنصب ظرف لقوله : انصت مضاف إلى الجملة ، والمعنى : استمع يوم جد ذلك الرجل زل عن الطريق.
(وقول بعضهم) : وهو الزمخشري في المفصل ان حروفه ثلاثة يجمعها قولنا : (إستنجده) - أي استعانه - (يوم طال) لكثرة الشدائد والهموم - (وهم) من الأوهام الفاسدة ، لأنه ليس بجامع ، وذلك (في نقص الصاد والزاء) مع انّهما من حروف الابدال وان لم يعدهما سيبويه في باب البدل ، (لثبوت صراط) في سراط ، (وزقر) في سقر (2)، وليس بمانع أيضا.
(و) ذلك (في زيادة) حرف ليس منها وهو (السين) ، فانّها ليست من حروف الابدال بالاستقراء ، لعدم الظفر بابدالاها عن غيرها على وجه يعتني به ، ولذلك لم يعدها سيبويه من حروف الابدال ، وامّا ما تمسك به من انّها في قولهم : رحل مسدود كما يقال : مشدود - بالشين المعجمة - مبدلة عن المعجمة ، وكذا في السدة - بالكسر - بمعنى الشدّة ، لأنّ التصرّف فيما هو بالمعجمة أكثر ، وفي قولهم : استخذوه عن التاء على انّ الأصل : التخذ من التخد فعلى تقدير التسليم كأنهم لم يعتنوا به لقلّة ورودها فتأمل.
(لو أورد) من جانب الزمخشري على هذا الأخير قولهم : (اسّمع) - بتشديد السين - بأن يقال : انّهم اتفقوا على ان أصله استمع فابدال السين فيه من تاء الافتعال يدل على انّها من حروف الابدال ، (ورد) قولهم : (إذّكر ، واظّلم) بتشديد الذال والظاء المعجمتين المبدلتين من تاء الافتعال.
والحاصل ان ابدال السين في اسمع للادغام فلا يدل على كونها من حروف الابدال المرادة ههنا وهي ما كان المقصود من الابدال حصول نفسها ولم يكن تحصيلها للتوسل إلى الادغام وإلّا لو ردّ (1)انّه كان يلزم ان يعد منها الذال والظاء في نحو : اذكر واظلم وغيرهما من الحروف ، سوى حروف : ضوى مشفر لوقوع الابدال للادغام في الجميع مع انّها ليست معدودة من حروف الابدال اتفاقا.
ثمّ انّ الحصر في تلك الحروف انّما هو بالنظر إلى الشائع الغالب ، والتسعة الّتي يجمعها قولك : هوءت يامطو - أكثر شيوعا بل حصر الشائع بعضهم فيها ، والهدأ : بالهمزة بعد المهملة - بمعنى السكون ، والمطو : اسم رجل ، وأصله الشمراخ.
وما عدا هذه الأربعة عشر قد تبدل عن غيرها نادرا كابدال المثلثة في : ثروغ - الدّلو - من الفاء في فروغ ، والكاف في قولهم : عربي كحّ (2)عن القاف في قحّ ،
وجاء الجمع : أقحاح ولم يجيء اكحاح ، وعن التا في قوله :
يا ابن الزّبير طالما عصيكا
وطالما عنّيتنا إليكا (1)
ومنه ما اختصّ ببعض اللّغات كالعين عن الهمزة في لغة تميم ، وذلك عنعنة تميم ، والموحدة عن الميم في لغة مازن إلى غير ذلك.
ثمّ الابدال امّا مطرد - أي قياس من غير حاجة إلى سماع في احاده - وامّا غير مطرد بل موقوف على السماع ، والمطرد : امّا لازم وامّا جائز ، (فالهمزة تبدل من حروف اللين) وهي الألف والواو والياء ، (و) من (الهاء) (2)لقرب المخرج ، (فمن) حروف (اللين) فابدالها من تلك الحروف (اعلال لازم) في اللّام (نحو : كساء ، ورداء) وهي فيهما منقلبة عن الواو والياء ، (و) في (العين) نحو : (قائل وبائع) وهي فيهما منقلبة عن الألف المنقلبة عن الواو والياء ، (و) في الفاء نحو : (أواصل) ولكون التغيير أولى بالآخر ثمّ بما قرب منه قدم ما في اللّام على العين وقد مهما على الفاء على ما قيل.
(و) منه اعلال (جائز في نحو : أجوه ، وأوري) وكل ذلك قد مرّ في باب الاعلال.
(وامّا نحو : دأبّة ، وشأبة ، والعألم) - بفتح اللّام - لما سوى الله ، بابدال الهمزة في الثلاثة عن الألف ، امّا الأولان فكما ذكر في باب التقاء الساكنين ، وامّا الثالث فكقول العجاج :
يا دار سلمي يا أسلمي ثمّ أسلمي
فخندف هامة هذا العألم (1)
فانّه همزة ليجري مع اسلمي في القافية على منهاج واحد ، ومثله قول الآخر :
يا دارميّ بدكاديك البرق
صبرا فقد هيّجت شوق المشتئق (2)
والمشتئق : المشتاق وهو محل الاستشهاد بالبيت حيث همز الألف.
فهمز ألف المشتاق وحركها بالكسر ليناسب البرق ، والدكداك : أرض فيها غلظ ، أو ما التبد من الرمل بالأرض.
(وبأز) - للطير المعروف من الجوارح - بالهمزة المبدلة عن الألف الّتي أصلها الواو بدليل الجمع على أبواز ، على ما حكاه اللحباني ، (وشئمة) (3)- بالهمزة الّتي أصلها الياء ، ومن كلامهم : قطع الله أديه : أي يديه ، وفي أسنانه ألل - أي يلل - والشامة : الخال ، واليلل : قطر الأسنان العليا وانعطافها إلى داخل الفم - ، (ومؤقد) بالهمزة المبدلة عن الواو - كما حكاه أبو علي في مثله :
لحبّ المؤقدين إليّ مؤسى
وجعدة إذا أضاءهما الوقور (4)
أي هذا المؤقدان نار الضيافة محبوبان إلى نفسي حين أضاءهما وقود نارها.
(فشاذ) لعدم الموجب للابدال إليها في شيء منها.
(وأباب بحر) بمعنى : عباب بحر للعظمى من الماء - بابدال العين همزة(أشذ) من
1) البيت قائله معلوم. والشاهد : في قوله «العألم» بالهمز وأصله العالم فهمزه لئلّا يكون بعضها مؤسسا وبعضها غير مؤسس.
2) هذا البيت لرؤبة العجاج ، والدكاديك : جمع دكداك وهو الرمل المتلبد في الأرض من غير أن يرتفع. والبرق : جمع برقة وهي غلظ في حجارة ورمل. وصبرا : مفعول مطلق.
3) الشئمة : الطبيعة وأصله : الشيمة بالياء فهمز.
4) البيت لجرير بن عطية الخطفي. قوله : لحب المؤقدين : رويت هذه العبارة على عدّة أوجه أحدها هذه الّتي كتبناها واخرى : أحب المؤقدين. وثالثها : لحب المؤقدان. وموسى وجعدة ابنا الشاعر. والوقود : مصدر وقدت النار وقودا. وقيل : اسم لما توقد به النار.
تلك الشواذ ، لعدم ثبوت ابدال العين همزة في موضع ، بخلاف ابدال حروف اللين إليها ، ولذلك رجح ابن جنى : كون أباب وأبّ ابابة (1)- إذا تهيأ - لأن البحر يتهياء للموج ، (وماء) في ماه - بالهاء - (شاذ) وأصله : موه - بالتحريك - بدليل أمواه في الجمع فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
ثمّ كأنهم شبهوا الهاء - لخفائها - بحرف اللّين فكأنها واو أو ياء وقعت طرفا بعد الألف نحو : ورداء ، فقلبوها ألفا ثمّ قبلوا الألف همزة فادي ذلك إلى وقوع الأثقل الّذي هو الهمزة موقع الهاء الّتي هي أخف منها من غير موجب ، فلذا كان شاذا لكن مثله واقع ، وهذا على شذوذه قياسا(لازم) في الاستعمال ، حيث لم يقع ماء في كلامهم إلّا الهمزة ، بخلاف الجمع فان الأمواه بائها (2)فيه أكثر ، لأن الأصل في الجمع الرد إلى الأصل ، وجاء مهموزا على قلّة نظرا إلى لزوم الهمزة في المفرد فنزلت منزلة الأصلي كقوله :
وبلدة قالصة أمواؤها
ما صحة رأد الضّحى أفياءها (3)
(والألف) تبدل (من اختيها) اللتين هما الواو والياء ، (و) تبدل (من الهمزة) أيضا ، (فمن اختيها) أي فابدالها من اختيها(لازم في نحو : قال ، وباع) اجماعا كما مرّ ، (و) في (آل على رأي) ذهب إليه الكسائي ، فانّه زعم ان أصله أول - بالواو المفتوحة - فقلبت ألفا بدليل ما حكى من تصغيره على أويل - بالواو -.
(ونحو : ياجل) في يوجل (ضعيف) على ما تقدم في الاعلال.
1) هكذا في نسخ الّتي بأيدينا. ولكن الظاهر : أباب من أبّ أبابة.
2) هكذا في النسخ ولكن الظاهر : بالهاء.
3) البيت لم يتيسر لي الوقوف على قائله. وبلدة : الواو فيه واو رب. وقالصة : اسم فاعل من قلص الماء في البئر إذا ارتفع. وامواؤها : جمع ماء. رأد الضحى : ارتفاعه. وأفياءها : جمع فيء وهو الظل. والشاهد بالبيت في قوله : «امواؤها».
(وطائي) في النسبة إلى طيء بابدال الياء المدغمة ألفا وحذف المدغمة فيها(شاذ) لسكون الياء لكنّه على شذوذه ومخالفته للقياس (لازم) في استعمالهم ، وقد مرّ الكلام فيه.
(و) ابدال الألف (من الهمزة) كائن (في نحو : رأس) ممّا سكنت فيه الهمزة وانفتح ما قبلها ، وذلك لازم عند الحجازيين ، مطرد من غير لزوم عند غيرهم ، إلّا فيما اجتمعت فيه همزتان كآدم فانّه لازم ، (و) ابدالها(من الهاء) حاصل (في آل على رأي) ذهب إليه البصريون ، فانّهم زعموا أن أصله أهل بدليل ما حكى من تصغيره على : أهيل بقلب الهاء همزة ليتوصل بها إلى الألف الّتي هي أخف الحروف إذ ما بعد ما صارت همزة تقلب ألفا - كما في آدم -.
(والياء) تبدل (من اختيها) اللّتين هما الواو وألف ، ومن الهمزة(ومن أحد حرفي المضاعف) أيّاما كان ، (و) من (النون ، والعين ، والباء ، والسين ، والثاء ، فمن اختيها) ابدال (لازم في) الواو الساكنة المكسور ما قبلها(نحو : ميقات) ، أصله : موقات (و) في الواو الّتي كانت لاما مكسورا ما قبلها نحو : (غاز) فان أصله : غازو ثمّ قلبت ياء لانكسار ما قبلها كما يقال : رأيت غازيا ، (و) في الواو الّتي كانت عينا مكسورا ما قبلها نحو : (قيام) وأصله قوام ، (وحياض) جمع الحوض على الوجه المتقدم في الاعلال ، فهذه أمثلة ابدالها من الواو وابدالها اللّازم من الألف كما مرّ في قراطيس وقريطيس في جمع قرطاس ، وتصغيره لانكسار ما قبلها فيهما ، وكما مرّ في : حميّر تصغير حمار ، لوقوعها بعد ياء التصغير.
(و) من ابدالها من اختيها ابدال (شاذ في نحو : حبلى) بابدال ألف التأنيث ياء في لغة فزارة - ، (وصيّم) جمع صائم من الصوم كركع وراكع وقد مرّ ، (وصبية) في صبوة جمع الصبي ، وشذوذ هذا لسكون ما قبل الواو المفتوحة فلا سبب للقلب ياء ،
(و) في (ييجل) في يوجل على ما مرّ.
(و) ابدالها(من الهمزة) كائن (في نحو : ذيب) ممّا كانت الهمزة فيه ساكنة مكسورا ما قبلها ، وهو لازم عند اجتماع الهمزتين كأيت ، وفي باب خطايا من الجمع كما مرّ.
(و) ابدالها(من الباقي) من الحروف الّتي ذكرنا انّها تبدل منها(مسموع) لكنّه على وجهين ، فانّه كثير في البعض ضعيف في البعض ، وذلك انّه (كثير في) أحد حرفي التضعيف والنون ، فمن حرف التضعيف في كل ثلاثي مزيد فيه يجتمع المثلان ولا يمكن الادغام لسكون الثاني ، (نحو : أمليت) الكتاب كأكرمت ، في أمللت بدليل قوله تعالى : (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ)(1)وقيل : هما لغتان من غير ابدال.
(و) كذا في كل ثلاثي مزيد يكون فيه ثلاثة أمثال مجتمعة أولها مدغم في الثاني نحو : (قصّيت) الظفر بالياء من باب التفعيل في : قصصته - بالصاد المهملة ، إذا قطعته -.
وفي الاسم الّذي على «فعّال» بكسر الفاء وتشديد العين - إذا لم يكن مصدرا كدينار وديباج ، وقيراط ، في دنّار ودبّاج ، وقرّاط ، بدليل الجمع على دنانير ، ودبابيج ، وقراريط ، بنونين وموحدتين ورائين -.
وامّا في المصدر نحو : كذاب فلم يفعلوه للفرق بينه وبين غيره من الأسماء.
(و) ابدالها في غير صورة التضعيف من النون كما(في نحو : أناسيّ) - بتشديد الياء - ان قلنا انّه جمع انسان ، وأصله : اناسين ان جعل جمع للأنسى - بتشديد الياء - فلا ابدال ، ونحو : ظرابيّ جمع ظربان - لدويبة منتنة الرائحة - على مثال الهمزة وأصله : ظرابين.
1) الآية : 382 البقرة.
(وامّا) ابدالها من العين نحو : (الضّفادي) في الضفادع ، (و) من الموحدة نحو : (الثّعالي) في الثعالب ، (و) من السين والمثلثة نحو : (السّادي ، والثالي) في السادس والثالث ، (فضعيف) لعدم وقوعه في لغة من يوثق به من الفصحاء ، فالأوّل كقوله :
ومنهل ليس له حوازق
وللّضفادي جمّه نقانق (1)
والثاني كقوله :
لها أشارير من لحم تتمّره
من الثّعالي ووخز من أرانيها (2)
والآخران كقوله :
إذا ما عدّ أربعة فسال
فزوجك خامس وأبوك سادي (3)
وقوله لآخر :
قد مرّ يومان وهذا الثّالي
وأنت بالهجران لا تبالي (4)
والحوازق : الحوابس من الحزق بمعنى الحبس والمنع. والجمة : ما اجتمع من الماء ، والنقانق : جمع النقنقة بنونين وقافين - لصوت الضفدعة - أي منهل ماء ليس فيه جوانب تمنع الماء من الانبساط أو تمنع الوارد من الورود وللضفادع فيه جمة وأصوات.
1) البيت لم أقف له على قائل. والمنهل : اسم مكان من نهل بمعنى شرب ثمّ استعمل بمعنى : مورد الماء ، والحوازق : هي الجوانب. الجم : الكثير والمراد به هنا ماء المنهل. النفاق : جمع نقنقة وهو صوت المتكرّر. والشاهد : في ضفادي حيث قلب العين ياء.
2) البيت لأبي كاهل اليشكري. والأشارير : جمع اشرارة وهي اللحم القديد ، وتتمره : تجففه. والوخز : قطع اللحم. والأراني : الأرانب ، والاستشهاد به في قوله : من الثعالي وقوله : أرانيها حيث قلب الباء في كل منهما ياء.
3) هذا البيت منسوب إلى النابغة الجعدي تهجو فيه ليلى الأخيلية. والشاهد : في قوله : سادي حيث قلب السين ياء وأصله : سادس.
4) البيت قائله غير معلوم. ومعناه واضح ، والشاهد : في قوله : «الثالي» حيث قلب الثاء ياء ، وأصله : الثالث.
والهاء : من «لها» للعقاب الّتي شبه بها ناقته في البيت المتقدم ، والأشارير : بالمعجمة فالمهملتين جمع الاشرارة بكسر الهمزة - وهي القطعة من القديد ، وتتمره : بالفوقانيتين من باب التفعيل - أي تجففه - والوخز : بالواو والمعجمتين - الشيء القليل. والثعالي والأراني : الثعالب والأرانب ، والفسال : جمع الفسل وهو الليئم.
(والواو) تبدل (من اختيها) اللتين هما الياء والألف (ومن الهمزة فمن اختيها) ابدال (لازم في نحو : ضوارب) في جمع ضاربة ، (وضويرب) في تصغير ضارب ، (و) في (رحويّ ، وعصويّ) في النسبة إلى رحى وعصى ، ففي جميع هذه ابدلت من الألف لكنها من الألف المزيدة في ضارب ، ومن المنقلبة عن الواو في عصوي ، ومن المنقلبة عن الياء في رحوي ، ففي عصوي رد إلى الأصل ، (و) نحو : (موقن) في ميقن من أيقن بالياء ، (وطوبى) في طيبي ، (وبوطر) في بيطر على البناء للمفعول من البيطرة ، وفي جميع هذه أبدلت من الياء لسكونها وانضمام ما قبلها ، (وبقوى) بالموحدة المفتوحة والقاف - وأصله : بقيا - بالياء - وهذا أيضا ابدال قياسي للفرق بين الصفة والاسم كما مرّ.
(و) من ابدالها من اختيها ابدال (شاذ ضعيف في : أمر ممضوّ عليه) من قولهم : مضيت على الأمر وأصله : ممضوي ، (و) فلان (نهوّ عن المنكر) من النهي وأصله : نهوي كما مرّ ، وهذان شاذان والقياس ممضيّ ونهيّ على قياس اعلال سيد ، وقيل : لعلّهم عدلوا في نهو عن القياس ليطابق الامور في قولهم : فلأن امور بالمعروف ونهوّ عن المنكر ، (وجباوة) في جباية بالياء من جبيت الخراج أجبيه جباية ، وهذا أيضا شاذ لعدم الموجب للابدال ، وقد يقال : لعل الممضوّ من قولهم : مضوت على الأمر مضوّا بمعنى : مضيت عليه ، والجباوة : مصدر جبوت بالواو فانّه جاء بمعناه فلا ابدال.
(و) ابدال (الواو) من الهمزة جواز(في نحو : جونة) بالضم مصدر الجون - للأدهم الشديد السواد - (والجون) جمعها على زنة صرد ، وربّما نوقش في كونها من المهموز ،
لأن تركيب الجأن - بالهمزة مهمل بل ظاهر كلام الجوهري انّها واوية ، والهمزة فيها إذا همزت مبدلة عن الواو حيث قال : بعد تفسيرها وربّما همزوا ، وابدالها منها وجوبا على الأشهر في نحو : حمراء في المثنى والجمع الصحيح بالألف والتاء ، والنسبة كحمراوان وحمراوات.
(والميم) تبدل (من الواو) ، لكونها شفوية مثلها(و) من (اللّام ، والنون) للتشارك في الجهر والتوسط بين الشدّة والرخاوة ، (و) من (الباء فمن الواو) ابدال (لازم في : فم وحده) دون غيره ، وذلك إذا لم يكن مضافا ، وأصله : فوه بدليل أفواه في الجمع وتفوهت ، فحذفت الهاء كراهة اجتماع الهائين في نحو : فوهه بالاضافة إلى الضمير مع سهولة الخطب في حذفها لخفائها وكونها كالمعدوم ثمّ ابدلت الواو ميما عند التجرّد عن الاضافة لئلّا يبقى المعرب على حرف واحد عند سقوطها وجرا كقاض.
والأصل في مثناه : فمان ، وامّا فموان بالجمع بين الميم والواو مع كونها عوضا عنها فكأنه مخالف للقياس مبني على توهم انّ الميم من نفس الكلمة وانّ الأصل : فمو كأخو وأبو في أخ وأب لكن تمسك به الأخفش في كون الميم مبدلة عن الهاء بعد قلبها من مكانها إلى موضع الواو فحصل فهو ، ثمّ ابدلت الميم عنها فحصل فمو ، وإذا أضيف عادت الواو بنفسها - رفعا - مع القلب ألفا - نصبا - ، وياء - جرا - كما تعاد في اخواتها من الأسماء الستّة عند الاضافة فيقال : فوزيد ، وفوك ، وفاك ، وفيك مثلا ، وربّما جاء بالميم عند الاضافة أيضا من غير اختصاص بالشعر كما زعمه بعضهم ، ومنه الحديث : «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (1).
1) وهو جزء من حديث أخرجه الترمذي وأبو نعيم ، وهو أيضا جزء من حديث طويل رواه البخاري في كتاب الصوم (باب وجوب الصوم) 4 / 88 ، 94 ، ومسلم في كتاب الصيام (باب فضل الصيام) (1151).
(و) ابدال الميم (ضعيف : في لام التعريف) وهي لغة(طائية) ، وقيل : حميرية ، وقيل : هي لغة أهل اليمن ، ويحتمل ورودها في لغة هؤلاء جميعا ، وعليها ورد : ليس من أمبر أمصيام من أمسفر.
(و) ابدال الميم (من النون لازم) في كل نون ساكنة بعدها الباء الموحدة سواء كانتا(في) كلمة واحدة(نحو : عنبر ، وشنبآء) كحمراء مؤنث اشنب من الشنب وهو حدة الأسنان أو بردها وعذوبتها ، أم في كلمتين نحو : من بعد ، سميع بصير ، لعسر النطق بالنون الساكنة مع الموحدة.
(و) ابدالها من النون (ضعيف : في البنام) في قول رؤبة بن العجاج :
يا هال ذات المنطق التّمتام
وكفّك المخضّب البنام (1)
وهال : مرخم هالة اسم امرأة منقول من هالة القمر ، والتمتام : هو الّذي يكرر التاء ، والبنام : أصله البنان وهي أطراف الأصابع.
(و) في (طامة الله على الخير) أي خلقه وجبله عليه ، والأصل : طانه - بالنون - يقال : طين فلان على كذا أي خلق عليه - ، وكأنه من الطينة ، (و) جاء عكس ذلك الّذي ذكر من ابدال الميم من النون من الموحدة في قولهم : أسود قاتن أي قاتم - حيث ابدل النون من الميم.
(و) كذلك الابدال الواقع في الميم من الموحدة ضعيف (في بنات مخر) بالميم المفتوحة والخاء المعجمة الساكنة والراء المهملة - فانّ الأصل : بخر - بالموحدة - ، وبنات بخر : سحائب رقاق بيض يأتين بالصيف كأنها تتولد من البخار.
(و) ابدالها منها أيضا ضعيف في قولهم : (ما زلت راتما) على كذا - أي مقيما عليه - من رتب الشيء رتوبا - إذا ثبت - ، وكون الميم فيه وفي بنات مخر أصليّة
1) البيت قائله معلوم ، وأصل الهالة : الدائرة الّتي حول القمر. والتمتام : الّذي فيه تمتة أي تردّد في الكلام ، والشاهد : في قوله «البنام» حيث قلب النون ميما وأصله البنان.
مبدلة محتمل عند ابن جنى لاحتمال كون المخر بمعنى الشق.
والراتم : من الراتيمة وهي خيط تشد على الأصبع لتذكر به الحاجة ، فلعل المعنى : ما زلت جاعلا للرتيمة على اصبعي على كذا لئلّا أنساه.
(و) كذا هو ضعيف في قولهم : رأيت كذا(من كثم) محركة بالكاف والمثلثة والميم ، والأصل : من كثب بالموحدة - أي من قرب -.
(النون) تبدل (من الواو واللّام) وابدالها من الواو (شاذ) مخالف للقياس غير مطرد لكنه مسموع من الفصحاء ، في : صنعاني ، وبهراني في النسبة إلى صنعاء اليمن ، وبهراء أبي قبيلة ، ولما كان ابدال النون الّتي مخرجها الفم من الهمزة الّتي مخرجها أقصى الحلق بعيدا مع أن قياس النسبة قلب همزة التأنيث واوا كما مرّ حكموا بانقلاب الهمزة واوا حتّى حصل : صنعاويّ وبهراويّ ، ثمّ اعتبر قلب الواو نونا.
(و) ابدالها من اللّام (ضعيف) لعدم وقوعه في كلام الفصحاء ، وربّما وقع في كلام بعض العرب (في لعنّ) بتشديد النون في لعل باللّام للترجي ، وهذا من ابدال الحرف ، ومن استبعده قال : هما لغتان من غير ابدال وان كانت لغة النون قليلة.
(والتاء) تبدل (من الواو والياء ، والسين ، والباء) الموحدة ، (والصاد) المهملة ، (فمن الواو والياء لازم في) كل واو أو ياء كانت فاء «افتعل» (نحو : إتّعد ، واتّسر) ، وأصلهما : أو تعد بالواو ، وايتسر - بالياء - ولزوم هذا الابدال انّما هو (على الأفصح).
وجاء في : غير الأفصح في الماضي ايتعد ، وايتسر كلّاهما بالياء قبل التاء ، وفي المضارع : ياتعد ، وياتسر كما مرّ.
(وشاذ في نحو : وأتلجه) كأكرمه ، والأصل : أولجه من الولوج ، قال :
ربّ رام من بني ثعل
متلج كفّيه في فتره (1)
(و) ابدال التاء من السين على وجه الاطراد في السعة وغيرها كائن (في طست وحده) في لغة طيّ ، فان أصله الطسّ - بتشديد السين - لاطراد جمعه على طسوس ، وطساس ، وتصغيره على طسيس ، وقد يجمع الطست على طسوت ، تنزيلا للتاء منزلة الأصلي ، ولم يحكم أحد فيه بأنّ السين مبدلة عن التاء ، لعدم ثبوت كونها من حروف الابدال ، بخلاف التاء ، ولا يقدح في دعوى ابدالها من السين في طست وحده قوله :
يا قاتل الله بني السّعلاة
عمرو بن مسعود شرار النّات (2)
وفي رواية : عمرو بن يربوع بدل قوله : عمرو بن مسعود ، والشاهد فيه : «النات» حيث أبدل السين تاء.
وامّا ما قيل : في الجبت - وهو اسم صنم - في الأصل ، فاستعمل لكل ما عبد من دون الله ، ان أصله : الجبس - هو الّذي لا خير فيه - فابدلت سينه تاء فكأنه غير
1) البيت لامرئ القيس الكندي. وثعل : أبو قبيلة من طيّ. ومتلج : اسم فاعل من أولج أي أدخل والشاهد في قوله : متلج حيث أبدل التاء من الواو كما قلنا.
2) هذا البيت لعلباء بن أرقم اليشكري يهجو فيها بني عمرو بن مسعود. ويقال لهم : بنو السعلاة ، وقوله : «يا قاتل الله» المنادي فيه محذوف والجملة دعائية ، وقوله : عمرو بن يربوع بدل من بني السعلاة أو بيان لهم.
مرضيّ عند المصنف ، وامّا ستّ : في سدس فابدالها تاء انّما هو للادغام ، فليس ممّا نحن فيه.
(و) ابدال التاء(في الذّعالت) - بالذال المعجمة والعين المهملة من الموحدة - ، (و) في : (لصت) في لغة طيّ من الصاد المهملة(ضعيف) ، وأصل الأوّل : ذعالب بالموحدة مخفف ذعاليب - بالمدّة قبلها - لأن واحدها ذعلوب - وهو القطعة الخلقة من الخرقة - ، وقال أبو عمرو : - طرف البنان - ، وأصل الثاني : اللصّ - بالصاد المشدّدة - للسارق ، لجمعه على لصوص ، وفي بعض الشروح : انّ اللص يقال : بالحركات الثلاث في اللّام ، والكسر أفصح ، واللصة بفتح اللّام ، وقد جاء في جمعه : لصوت أيضا كما قلنا في طسوت.
(والهاء) تبدل (من الهمزة ، والألف ، والتاء ، والياء ، فمن الهمزة مسموع في نحو : هرقت) في أرقت ، (وهرحت) الغنم في ارحتها - أي رددتها إلى المراح - وهو بضمّ الميم - ماواها باللّيل ، وحكى اللحياني : هردت أهريده كهرفت أهريق في اردت.
(و) في (هيّاك) - بكسر الهاء وتشديد الياء - في ايّاك من المضمرات كما قال :
فهيّاك والأمر الّذي إن توسّعت
مواردها ضاقت عليك المصادر (1)
وهو في البيت منصوب على التحذير.
(و) في (لهنّك) أي لأنك - بقلب الهمزة من انّ المكسورة المشدّدة هاء ، كما قال:
1) البيت منسوب إلى طفيل الغنوي. والموارد : جمع مورد وهو المدخل ، والمصادر : قد يكون بمعنى الصدور ، وقد يكون لموضع الرجوع. أي احذر الأمر الّذي ان توسعت عليك طرق الورود عليها والدخول فيها ضاقت عليك طرق الرجوع عنها وعجزت عن تدبير التخلص عنها إن صعبت عليك.
لهنّك سمح ذا يسار ومعدما
كما قد ألفت الحلم مرضى ومغضبا (1)
(وهن فعلت) في : ان فعلت (في) لغة(طيّ) ، فانّهم يقلبون همزة «إن» الشرطية هاء.
(و) في (هذا الّذي - في : أذا الّذي) بقلب همزة الاستفهام هاء ، كما قال :
وأتى صواحبها فقلن هذا الّذي
سمح المودّة غيرنا وجفانا (2)
والشاهد في قوله : «هذا الّذي» حيث أبدل الهمزة الّتي للاستفهام هاء.
يعني : وأتى المحب صواحب المحبوبة فقلن إذا الّذي أعطى مودته غيرنا ، وحكى قطرب : هزيد منطلق - أي أزيد -.
ولما كانت الهمزة مستثقلة شديدة قلبوها في هذه المذكورات هاء ، لقرب المخرج مع كونها مهموسة خفيفة فهي اليق بأن يفتتح بها اللفظ ، حيث يكره الافتتاح بالمستثقل الشديد.
(و) ابدال (من الألف شاذ : في أنه ، وحيّهله) بمعنى : أسرع ، فانّ الألف تزاد فيهما أكثر استعملا من الهاء حكموا بأنها مبدلة عن الألف على قاعدتهم في جعل الأوّل مبدلا عن الأكثر ، وزعم بعضهم : انّ الهاء فيهما للسكت وقفا فلا ابدال كما في : قه ، وره.
(وفي : مه) حالكونه أي لفظ ما(مستفهما) كأنه جعله مستفهما - بالكسر - كما هو الظاهر مجازا من قبيل الاسناد إلى الآلة ، أو حالكون اللافظ مستفهما ، واحترز به عمّا لم يكن استفهامية فانّ الابدال مختص بالاستفهامية كقوله :
1) البيت لم يتيسر لي الوقوف على قائله. اللّام : للتأكيد. وهنّك : أي انّك - ، وسمح : خبران ، أي ذو سماحة وجود. ومعدما : أي فقيرا. يعني : انّك جواد في حالتي الغنى والفقر ولك الألفة بالجود في الحالتين كألفتك بالحلم في حالتي الرضا والغضب.
2) البيت قائله مجهول. وفي بعض الكتب : «واتت صواحبها» والشارح وضح معناه.
قد وردت من أمكنه
من ههنا ومن هنه (1)
إن لم تردها فمه
أي وردت الإبل من أمكنة مختلفة فان لم تردها إلى موضعها فما تصنع ، وقيل : يحتمل ان يكون الألف محذوفة من ما الاستفهامية وان لم تكن مجرورة ويكون الهاء للسكت - وقفا -.
وجوز بعضهم : كون «مه» زجرا للمخاطب أي اكفف فليس فيه استفهام ولا ابدال.
(و) كذلك ابدال الهاء من الألف شاذ(في) قولهم : (يا هناه) في النداء بمعنى : ياهن ، والهن : كلمة كناية معناها الشيء ، والتعبير به عن المنادي للتحقير ، ويأتي فيه التلطف كما في التصغير ، وابدال الهاء من الألف في هنا انّما هو (على رأي) اختاره جماعة من البصريين ، وقالوا : الأصل فيه هنا و- بالواو - على «فعال» كما انّ الأصل في الهن : هنو على «فعل» ثمّ قلبت المتطرفة فيه بعد الألف ألفا فاجتمعت ألفان ، وكان القياس قلب الأخيرة همزة كما في كساء لكنّه يلتبس «بفعال» من التهنية من هناء - بالهمزة - فقلبت هناء ، لمناسبتها للهمزة الّتي هي القياس في المخرج ، وقال بعض البصريين : انّها قلبت همزة على القياس ثمّ قلبت الهمزة هاء لدفع الالتباس فالهاء مبدلة عن الهمزة عن الألف.
وهي على قول الفرقين مبدلة واقعة موقع أصلي هو الجزء الأخير من الكلمة ، وتمسكوا ذلك ثبوتها في الوصل ومجيء ضمّها في السعة كالضم في يا رجل فليست للسكت ، فهي امّا أصلية أو مبدلة واقعة موقع أصلي ، لأنها لا تزاد لغير السكت في الآخر.
1) البيت قائله مجهول. ومعناه واضح. والشاهد في : «مه» ويصلح لأن يكون شاهدا «لهنه» أيضا حيث أبدل الألف هاء للوقف وأصله : هنا.
وقولهم : في الجمع يا هنوات يدل على ان أصلها الواو ، فهي مبدلة ، وزعم الكوفيون والأخفش وأبو زيد : ان الأصل : ياهن فزيدت الألف والهاء كما في يا زيداه ، والهاء للسكت.
وامّا الاثبات وصلا والضم فلتشبيهها لوقوعها في الآخر بالحرف الأخير الّذي يجري عليه الاعراب من الكلمة ، وقيل : لتشبيهها بهاء الضمير.
وامّا ما قال بعضهم : من انّه «فعال» بهائين أصليتين هما الفاء واللّام ضعيف ، لقلّة باب : سلس ، ودلالة هنوات على خلافه.
(و) ابدال الهاء(من الياء في : هذه) للاشارة إلى المؤنث وأصله : هذى ، وجوز المصنف في شرح المفصل كونه صيغة موضوعة برأسها من غير ابدال ، (ومن التاء) الّتي للتأنيث (في باب : رحمة - وقفا -) كما مرّ في الوقف.
(واللّام) تبدل (من النون ، والضاد) المعجمة ، لكن ابدالها من النون (في اصيلال - قليل -) ، ومن الضاد(في : الطجع رديء) ، والأصيل : على «فعيل» هو الوقت بعد العصر إلى المغرب ، ومن جموعه : اصلان - بالنون - كبصير وبصران ، ورغيف ورغفان ، ثمّ قد يصغر هذا الجمع على أصيلان وهو من شواذ التصغير ، لأنه جمع كثرة فتصغيره على لفظه مخالف للقياس.
وقيل : انّه تصغير أصيل نفسه على غير القياس على ما يشعر به كلام سيبويه ، وعلى أي حال قد تبدل النون في هذا المصغر لاما كما ورد في قول النابغة :
وقفت فيها أصيلالا أسائلها
عيّت جوابا وما بالرّبع أحد (1)
وعيّت : من العيّ بالتشديد. وجوابا : منصوب بنزع الخافض أي عجزت عن جواب. وما بالربع أحد : أي ليس في المنزل أحد يجيب ولفظ البيت خبر ومعناه تحسر على خلوها من السكان.
1) البيت لم يتيسّر لي الوقوف على قائله. فيها : أي في دار المحبوبة. واسائلها : من السؤال.
وحكى بعضهم : ما انشدناه في ذي الزيادة أعني قوله :
...
مال إلى أرطاة حقف فالطجع
(والطاء) تبدل (من التاء) وابدالها منه (لازم في) : تاء الافتعال إذا كان فائه صادا نحو : (اصطبر) من الصبر ، أو ضادا نحو : اضطجع ، أو طاء نحو : اطرد ، أو ظاء نحو : إضطلح ، لكون هذه الحروف مجهورة مطبقة والتاء مهموسة لا اطباق فاختاروا ابدالها إلى الطاء الّتي تناسب التاء في المخرج وتناسب تلك الحروف في الاطباق ، كذا قال نجم الأئمّة.
(و) ابدالهاء من التاء(في : حصط) في حصت - بمهملتين - من الحوص وهو الخياطة ، وفحصط في : فحصت ونحوهما ممّا فيه التاء(شاذ) قد يقع في لغة تميم ، الوجه في شذوذه : انّ الضمير كلمة برأسها فحقها ان لا يغير ولا يؤثر فيها حرف الاطباق.
(و) تبدّل (الدال من التاء) وهو (لازم في) : تاء الافتعال إذا كان فائه زاء(نحو : إزدجر) من : زجر ، أو ذالا معجمة وذلك (نحو : إدّكر) ، أو دالا مهملة نحو : إدّرأ من الدرء وهو الدفع ، لكون تلك الحروف مجهورة والتاء مهموسة فابدلت إلى الدال المجهورة المناسب لها في المخرج وتدغم فيها الدال ادغاما لازما للاتحاد والذال غالبا لقرب المخرج دون الزاي للبعد.
(و) ابدالها دالا(شاذ في) : ما إذا كانت ضميرا(نحو : فزد) في فزت من الفوز ، كما شذّ : حصط ، (و) كذلك هو شاذ في : نحو : (اجدمعوا) في اجتمعوا ، (واجدزّ) في اجتزّ من الجزّ - بتشديد الزاي - وهو القطع ، كما يروي في قول يزيد بن الطثرية :
وقلت لصاحبي لا تحبسانا
بنزع اصوله واجدزّ شيحا (1)
وانّما شذ ذلك لأنّ الجيم وان كانت مجهورة لكنّها أقرب إلى التاء من الحروف المتقدمة فيسهل النطق من غير ابدال.
(و) كذلك هو شاذ في : (دولج) في تولج ، وأصله : وولج - بواوين - فقلبت الواو تاء كما مرّ ، ثمّ التاء دالا ، كذا قال سيبويه ، ولم يجعل الدولج موضوعا برأسه من الدلج - للسير في اللّيل - مع مناسبته لسير الوحش إليه في اللّيل ليأوي فيه ، لأنّ التولج - بالتاء - أكثر فجعل الأقل منه بالابدال.
(والجيم) تبدل (من الياء المشدّدة في الوقف ، في نحو : فقيمجّ) - بالجيم المشدّدة - في : فقيميّ - بالياء المشدّدة - للنسبة إلى فقيم على ما حكاه أبو عمرو لتناسب الياء والجيم في الجهر ، لكن الجيم شديدة فإذا شددت الياء صارت قريبة منها ، والجيم أبين منها فابدلت جيما للبيان في الوقف الّذي يخفى فيه الحرف الموقوف عليه كذا قيل ، (وهو) مع ذلك (شاذ) قليل.
(و) ابدال الياء المشدّدة(في نحو) قول الشاعر :
خالي عويف (وابو علجّ)
المطعمان اللّحم بالعشجّ (2)
(و) ابدال الجيم (من) الياء(غير المشدّدة في نحو) قول رجل من أهل اليمن على ما قال المفضل :
لا همّ إن كنت قبلت حجّتج
فلا يزال شاحج يأتيك بج
أقمر نهّات ينزّي وفرتج (1)
حيث أبدل الياء المخففة الّتي هي ضمير المتكلم جيما من : حجتي ، ولي ، ووفرتي ، (أشذّ) من ابدالها من المشدّدة ، لبعد مناسبة المخففة للجيم لعدم الشدّة.
ولاهمّ : بمعنى اللهم ، وانشد ابن مالك بدله : يا ربّ ، والشاحج : من شحج البغل - بالمعجمة فالمهملة فالجيم - أي صوّت ، والأقمر : الأبيض ، والنهات : النهاق ، وينزى :بالنون والمعجمة من باب التفضيل - أي يحرك - ، والوفرة : الشعر إلى شحمة الاذن.
(و) ابدال المخففة جيما(في نحو قوله) :
حتّى إذا ما أمسجت وأمسجا
... (2)
أي امست وامسى - (أشذ) من نحو حجتج ، لأن هذا الابدال في الوصل ومع
1) البيت نسبه الشارح لبعض أهل اليمن. وفي بعض النسخ : لج بدل قوله : بج ، والشارح شرح مفرداته. والشاهد فيه : في ثلاثة مواضع : حجتج ، بج أولج ، وفرتج ، حيث أبدل الجيم من الياء.
2) هذا شطر بيت لم أعثر على قائله ، ولا على سابق أو لاحق. والشاهد فيه : «امسجت وامسجا» حيث أبدل الياء المخففة جيما في غير الوقف ، والياء محذوفة وهذا ما جعله أشذ من غيره وهناك سبب آخر ذكره الشارح وفي بعض نسخ المتن : (ومن الياء المفتوحة في نحو قوله) إلخ.
ذلك فالياء فيه ليست ملفوظة لأنها قد زالت بالاعلال فكأنها قدرت ، وابدلت جيما وتولدت الألف في امسجا من اشباع الفتحة ، ومنهم من يجعل الابدال فيه عن الألف ، والمسوغ لابدالها عن الألف كونها مبدلة عن الياء ، ومن ابدال الياء جيما عجعجة قضاعة وذلك انّهم يبدلونها مخففة كانت أو مشدّدة جيما إذا كانت مع العين كما يقولون : راعج إبلي معج يعنو : راعي ابلي معي ، ومن ذلك : أبو علج ، وبالشج على ما ذكره بعض النحاة ، فلا يشترط اتصال الياء بالعين.
(والصاد) تبدل (من السين الّتي بعدها غين) معجمة ، (أو قاف ، أو خاء) معجمة ، (أو طاء) ابدالا قياسيا ولكن لا وجوبا بل (جوازا) سواء اتصلت السين بأحدهما أو انفصلت بحرف أو حرفين ، أو ثلاثة ، لأنّ السين مهموسة منخفضة وهذه مجهورة مستعلية فكرهوا الانتقال من المنخفض إلى المستعلى المباين له في صفة الجهر أيضا ، فجوزوا قلبها صادا لمناسبتها لها في الهمس ولهذه الحروف في الاستعلاء فيتجانس الحروف في الصوت (نحو : أصبغ) الله عليه النعمة في أسبغها بمعنى : كملّها ، (وصلخ) الشاة في سلخها - أي كشط جلدها - ، وصلخ الشهر في : سلخه ، (و) فلان ذاق (مسّ صقر) في سقر ، (وصراط) في سراط ، ونحو : مصاليق في : مساليق جمع مسلاق - للخطيب البليغ -.
وامّا إذا تقدمت تلك الحروف على السين نحو : دراهم بخس ، والقسر ، فلا يجوز الابدال ، لأنه من قبيل الانحدار من المرتفع فيسهل جريان النطق كما مرّ في الامالة.
(والزاي) تبدل ابدالا جائزا فصيحا(من السين ، والصاد) المهملتين ، (الواقعتين قبل الدال) المهملة على وجه الاتصال حالكونهما(ساكنتين) ، لكراهة الانتقال من هاتين المهموستين المشتملتين على الصفير إلى الدال المجهورة الخالية عنه فقلبوهما
زايا لمناسبتهالهما في الصفير وللدال في الجهر ، (نحو : يزدل) فلان ثوبه كيكرم في : يسدل ، واسداله إرخائه (و) نحو : (هكذا فزدي أنه) أي فصدي ، وهذا كلام قاله حاتم الطائي ، وذلك ان قوما أسروه فأمرته نسوتهم بفصد الناقة فنحرها فقلن له : هلّا فصدتها فقال : هكذا فزدي أنه ، وأنه تأكيد للياء في فزدي ، والهاء للسكت ، يرد انّه لا يعتنى ببقاء الناقة ليكتفي بفصدها ويقنع بدمها بل اعتاد نحرها.
والسكون العارض كالأصلي نحو : المثل السائر : يحرم من فزدله - أي فصدله - باسكان العين من الفعل المجهول تخفيفا.
(وقد ضورع بالصاد) الساكنة قبل الدال كيصدق ، ويصدر(الزاي) والمعنى : ينطق بها على وجه يضارع الزاي أي يشابهها باشرابها شيئا من صوتها حتّى يحصل ما هو بين الصاد والزاي ، للجمع بين مجانسة الدال بوجه ما والمحافظة على اطباق الصاد.
وهذه المضارعة يقال لها الاشمام في عرف القراء وهي فصيحة وردت في كلام فصيح ، (دونها) قيل : أي دون الزاي فانّها لم يضارع بها الصاد ، والمختار عند محققي الشارحين الموافق لما يظهر من شرح المفصل انّ المعنى : دون السين قبل الدال ، كيسدل فانّه لم يضارعوا بها الزاي بل أبدلت زايا صريحة لاتحاد مخرجهما وتشاركهما في الصفير فيشكل اشرابها صوتها من غير ان ينزلق اللسان إلى الابدال الصريح مع انّها لا اطباق فيها حتّى يحافظ عليه.
(وضورع بها) أي بالصاد قبل الدال حالكونها(متحركة أيضا) كما ضورع بها ساكنة ، (نحو : صدق ، وصدر) فيشرب في مثلهما مع تحركهما صوت الزاي ، لمجانسة الدال حملا على الساكنة ، ولم يبدلوا المتحركة ابدالا صريحا لقوتها بالنسبة إلى الساكنة وكون الحركة كالفاصل بين المتنافيين فكرهوا ابدالها وازالة صورتها بالكلية ، بخلاف المضارعة ، لبقاء الأثر معها في الجملة.
ولم يجوزوا المضارعة مع الفصل بالحرف لقوّة الفاصل إلّا فيما سمعت هي فيه
كلفظ الصاد ، كأنهم حملوا نحو ذلك على صراط ، حيث جاء باشمام الصاد صوت الزاي ، وبه قرأ حمزة ، وانّما حمل عليه لمناسبة الطاء للدال.
(والبيان) هو اظهار الحرف للاتيان بنفسه صريحا(أكثر) بالاستقراء(فيهما) أي في السين والصاد من الابدال والمضارعة ، وفي بعض النسخ : «منهما» بمن فالضمير للابدال والمضارعة.
(ونحو : مسّ زقر) في سقر بابدال السين قبل القاف ، - لهمس السين وجهر القاف - زايا معجمة لمناسبتهما للسين في المخرج والصفير ، وللقاف في الجهر ، لغة(كلبية) منسوب إلى بني كلب.
(و) قولهم : فلان (أجدر) كذا من غيره - أي أحق به - (و) خطيب (أشدق) - أي بليغ - (بالمضارعة) بأن يشرب الجيم قبل الدال صوت الشين المعجمة والشين المعجمة قبل الدال صوت الجيم (قليل) رديء لم يأت في كلام فصيح ، لعسر النطق به كذا في شرح المفصل.
وقد يفسّر المضارعة في المتن ههنا : باشراب كل من الجيم والشين المذكورتين صوت الزاي حملا للشين على الصاد للتناسب في الهمس والرخاوة ، وحملا للجيم على الشين للاتحاد في المخرج كأنه أراد انّه قليل بالنسبة إلى البيان وإلى المضارعة في الصاد وان كان في الشين الساكنة قبل الدال كثيرا في نفسه على ما ذكره سيبويه.
فهذه هي الابدالات الواقعة في لغة العرب قبل المخالطة بالعجمة ، ووقع بعدها ابدالات مستقبحة خارجة عن قانون اللّغة كما مستمع منهم في هذا الزمان (1).
1) هكذا في نسخ الّتي بأيدينا ولكن الظاهر : كما استمع منهم الخ.
(الادغام) لغة : إدخال الشيء في الشيء ، ومنه أدغمت اللّجام في فم الفرس.
واصطلاحا : (ان تأتي بحرفين ساكن فمتحرك) بالاصالة وان عرضه السكون كما في الوقف ، (من مخرج واحد من غير فصل) بينهما في النطق ، فاعتبار الحرفين واتحاد المخرج لأنه لا يتصور في أقل منهما ولا في الأكثر ، ولا مع اختلاف المخرج كما هو ظاهر.
والفاء من قوله : فمتحرك دلّت على اعتبار كون المتحرك عقيب الساكن عقيب من غير وقوع حرف بينهما حتّى التنوين ، فيخرج به : على ظللت ، ومددت ممّا وقع فيه الساكن عقيب المتحرك ، ونحو : زلزل - بالزاي بين اللّام الساكنة والمتحرك - ونحو : واسع عليهم - بالتنوين - بين المثلين فانّه لا ادغام في شيء من هذه.
ثمّ التعقيب المفهوم منها يشمل ما يكون مع النطق بالحرفين على التفصيل ، والفك بأن لا يكون النطق بهما دفعة وان تعاقبا بلا مهلة وما يكون مع ادراج أحد في الآخر بحيث يصير كالمستهلك وتعرّض لها جهة وحدة لأجلها يرتفع اللسان بهما دفعة لكن على وجه ينحلان إلى ساكن فمتحرك بعده عند الامعان ، فاخرج الأوّل من غير فصل - أي من غير فك في النطق كالفك في رئيا إذا قلبت همزته ياء للتخفيف كما يأتي ، فتعين في الادغام التعقيب على وجه يكون النطق دفعيا لأنّ الداعي إليه ما يلزم في النطق بالمتحدين تفصيل من الاستثقال الظاهر اللّازم من تحريك اللسان عن موضع هو مخرجهما ثمّ ردّه إليه فيندفع ذلك بالادغام ، ليكون بمنزلة حركة واحدة في اللسان.
والكوفيون : يخففون الدال منه على انّه مصدر أدغم كأكرم ، والبصريون :
يشددونها على انّه مصدر باب الافتعال فقلبت تاء الافتعال دالا.
(ويكون الادغام في : المثلين والمتقاربين) في المخرج بعد جعلهما مثلين ، كما سيجيء - إنشاء الله تعالى.
(المثلان) أي ادغامهما على ثلاثة أقسام : واجب ، وجائز ، وممتنع ، وتفصيل ذلك انّه (واجب عند سكون الأوّل) ، سواء كانا في كلمة واحدة نحو : المدّ مصدر - مدّ - ، أو في كلمتين نحو : لم يذهب تكبر (1)واسمع علما ، (إلّا في الهمزتين) فانّه يمتنع ادغامهما وان سكنت الاولى ، سواء كانتا في كلمة واحدة كما إذا بنى من : قرأ مثل : سبطر فيقال : قرأي بقلب الثانية ياء على قياس تخفيف الهمزة ، أم في كلمتين نحو : اقرأ آية ، وليقرأ أبوك ، فانّه يجري على قياس تخفيف الهمزة عند الأكثر ، كيونس والخليل ، وعلى التحقيق واظهار الهمزتين عند أبي إسحاق وجماعة ، وقال سيبويه : هي لغة رديئة ، وقال : فيجب الادغام على قول هؤلاء مع سكون الأوّل ، ويجوز ذلك إذا تحركتا نحو : قرأ أبوك ، والمختار تخفيف الهمزة على القياس فيه ، وعدم الادغام لثقل الهمزتين ولو مع الادغام (إلّا في) صورة كونها عين الكلمة وحصول المثلين بتضعيف العين ، فانّ الادغام واجب حينئذ سواء وقعت بعدهما ألف (نحو : سآل) على «فعّال» بتضعيف العين - (ودآث) بتلك الزنة من : دأث الطعام - بالدال المهملة والهمزة والمثلثة ، أكله ، ويقال : انّه اسم لواد أيضا ، لكن الصنعاني أورد اسم الوادي بتخفيف الهمزة ، أم لا نحو : بؤّس على «فعّل» بضمّ الفاء وتشديد العين - جمع بائس - للفقير - كركّع جمع راكع ، وذلك لأنه يتحمل في الحشو ما لا يتحمل في الطرف ، كذا قيل.
(وإلّا في : الألف) إذا تكررت ، فانّه يمتنع فيها الادغام ، (لتعذره) فيها كما هو
1) هكذا في النسخ ولكن الظاهر : لم يذهب بكر وهو الصواب.
ظاهر نحو : صحراء فان أصله القصر وزيدت ألف اخرى للمد توسعا فاجتمعت ألفان فقلبت الثانية همزة لتعذر الادغام ، وكذلك نحو : كساء بعد قلب اللّام ألفا كما مرّ ، واعتبار التحرك في ثاني الحرفين في تعريف الادغام مغن عن هذا الاستثناء كما قيل ، لتعذر الحركة في الألف ، فيكفي ان يقال : انّه واجب إلّا في الهمزتين.
(وإلّا في : نحو : قوول) مجهول قاول مقاولة ، فانّ الادغام فيه أيضا ممتنع ، (للالباس) بالماضي المجهول من باب التفعيل الّذي وضعه على الادغام ، فانّه لو ادغم حصل : قوّل - بضمّ القاف وكسر الواو المشدّدة - فيقع الالتباس ، (و) إلّا(في نحو : تووي) مضارع قولك : آويته بالمكان - بالمدّ في أوله - كأكرمته - إذا أنزلته ، وقوله تعالى : (كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ) قرية (هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً)(1)وهو المنظر الحسن ، وقيل : ما رئته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة ، فان نحوهما من الألفاظ الّتي يؤدي تخفيف همزتها بالقلب المقيس في تخفيفها إلى اجتماع المثلين مع كون الأوّل مستثنى من قاعدة ادغام المثلين المذكورين محكوم عليه بامتناع الادغام فيه (على) القول (المختار) لعدم الاعتداد باجتماعهما لعروضه (إذا خفف) على الوجه المذكور ، مثل ان تقلب الهمزة واوا في : يؤي فيجتمع واوان وتقلب ياء في : رئيا فيجتمع ياآن.
وربّما اعتدّ بعضهم بالاجتماع العارض فجوزوا الادغام ، وقرأ به قوله تعالى ريا ، وقد يوجه بجعل الأصل في هذه القراءة : رويا من رويت ألوانهم وجلودهم - بالواو - إذا امتلأت وحسنت ، وقلبت ياء وادغمت فليس ممّا نحن فيه.
(و) إلّا(في) ما إذا كان المثلان في كلمتين وأولهما الساكن في الكلمة الاولى مدّة ، فانّ الادغام فيه ممنوع للمحافظة على تلك المدّة عهد وجودها قبل الاجتماع من الكلمة الاخرى ، (نحو :) الواو من : قالوا من قوله تعالى : (قالُوا وَما) (لَنا أَلَّا
1) الآية : 74 مريم.
نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ)(1)، (و) الياء من (في) قوله تعالى : (فِي يَوْمٍ) (كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)(2)، وقولك يدعو وافدو يعطى ياسر.
وامّا إذا كانت المدّة ومثلها في كلمة واحدة كمدعوّ ، ومرميّ - اسمي مفعول - فانّها تدغم حيث لم يعهد وجودها في حال حتّى يحافظ عليها بل وقف في تلك الكلمة مدغمة في أوّل الوضع ، ويستثنى أيضا من وجوب ادغام المثلين مع سكون الأوّل هاء السكت الّتي وصلت بما بعدها على نيّة الوقف نحو : (ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي)(3)فان ادغامها ضعيف قياسا على ما صرح به بعضهم ، لانقطاعها عمّا بعدها بالوقف المنوي ، لكن روي عن : ورش فيها الادغام ، ولعلّه على سبيل التجويز.
فقد ظهر إلى ههنا انّ الادغام مع سكون أوّل المثلين واجب إلّا فيما استثنى.
(و) كذلك هو واجب (عند تحركهما) كائنين (في) آخر(كلمة واحدة) ، حيث يكون حالهما الحركة بالنظر إلى نفس تلك الكلمة من غير مدخلية كلمة اخرى ، (و) الحال انّه (لا إلحاق) للكلمة الّتي وقعا فيها بكلمة اخرى ، (ولا لبس) عند الادغام ببناء آخر وذلك (نحو : ردّ يردّ) فان أصلهما : ردد ، يردد كنصر ينصر ، فسكنت الدال الاولى وادغمت ، بخلاف ما إذا كانا في كلمتين نحو : جاء أبوك ، وذهب بكر ، فانّه لا ادغام حينئذ لكونهما مع الحركة في كلمتين في حكم المفصول أحدهما عن الآخر.
وامّا مع سكون الأوّل فيلتصق بالثاني لعدم الفاصل حتّى الحركة ، وبخلاف ما عرضت فيه حركة بمدخلية كلمة اخرى اتصلت بها نحو : اكفف الشر ، فانّه لا اعتداد بها لعروضها كما لا يعتد بسكون الوقف ، وبخلاف الملحق نحو : قردد ، وبخلاف ما
فيه اللبس نحو : سرر ، كما سيأتي انشاء الله تعالى.
ويجب الادغام مع الشرائط المذكورة(إلّا فيما) عينه ولامه كلّاهما حرف علّة من «فعل» بالكسر - (نحو : حيي) (فانّه) فيه (جائز) وليس بواجب على ما مرّ في الاعلال.
(وإلّا في) : ما أحد المثلين فيه تاء الافتعال والآخر عين الكلمة(نحو : إقتتل) واستتر ، فانّه فيه أيضا جائز بعد نقل حركة تاء الافتعال إلى ما قبلها ، (و) إلّا في : أحدهما فيه تاء المضارعة والآخر تاء «التفعل ، والتفاعل» نحو : (تتنزّل ، وتتباعد) فانّه فيه أيضا جائز في الجملة ، وذلك عند الوصل بكلمة متقدمة ، (وسيأتي) بيان حكم نحو : اقتتل ، وتتنزل ، وتتباعد ، في آخر الباب - انشاء الله تعالى.
ولبعده من هذا المقام تعرض لاستثنائها بخلاف نحو : اردد القوم ، فان حكمه يظهر عن قريب ممّا يشير في نحو : ردّ ولم تردّ ، ولذلك لم يتعرض لاستثنائه.
ثمّ انّه يظهر لك عند ذكر ما استثناه ههنا في آخر الباب انّ الادغام فيها لا يوجب الالتباس ببناء آخر فلا يرد أنّ عدم وجوب الادغام للالباس.
فقوله : ولا لبس يغنى عن استثنائها.
ولم يتعرض لاستثناء ما يتصل فيه أوّل المثلين المتحركين بمدغمة لقلّة مثله ، وذلك نحو : جسّس - بضمّ الجيم - جاسّ - بالتشديد - كركّع وراكع ، ويمتنع فيه ادغام أوّل المتحركين في ما بعده لتأدية اسكانه بعد المدغم الساكن إلى التقاء الساكنين.
وقد يفك الادغام الواجب في المتحركين للضرورة ، نحو قول أبي النجم :
ألحمد لله العليّ الأجلل
ألواسع الفضل الوهوب المجزل (1)
1) البيت قائله معلوم. ومعنى مفرداته واضح. والشاهد فيه : في قوله : «الأجلل» حيث فكك الادغام للضرورة.
وقول الآخر :
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقي
أنّي أجود لأقوام وإن ضننوا (1)
والشاهد في البيت في قوله «ضننوا» حيث فك ما يجب ادغامه وهو شاذ.
وقد جاء ما هو مفكوك الادغام في الوضع نحو : قطط شعره - إذا إشتدت جعودته - وضبب المكان على «فعل» - بضمّ العين - إذا كثر فيه الضب وهو الحيوان المعروف ، ومثل هذا كالقود ونحوه في باب الاعلال.
ثمّ انّه لا شك في لزوم اسكان المتحركين المتماثلين للادغام (وتنقل حركته) عند اسكانه إلى ما قبله (ان كان قبله ساكن غير لين نحو : يردّ) وأصله : يردد كما مرّ ، وذلك لأن اسكان المثل الأوّل كالدال الاولى من المثال بالحذف بدون النقل إلى الساكن قبله يؤدي إلى التقاء الساكنين على غير حده ، وتحذف حركته من غير نقل ان كان قبله متحرك نحو : مدّ وأصله مدد كنصر لعدم تأدية الحذف إلى التقاء الساكنين ، وكذا ان كان قبله ساكن لين نحو : مادّ في اسم الفاعل ، وأصله : مادد ، لاغتفار التقاء اللين الساكن والمدغم لكونه على حده.
(وسكون الوقف) العارض لثاني المثلين المتحركين (كالحركة) لعروضه فيدغم معه من غير مبالاة بالتقاء الساكنين كما يدغم حال تحركه في الوصل فيقال : مدّ وسدّ مثلا بالادغام في الوقف والوصل.
ثمّ انّ المراد من الكلمة الواحدة الّتي اعتبر في وجوب الادغام كون المثلين المتحركين فيها ما هي (2)كلمة واحدة حقيقة دون ما هي بمنزلتها.
(ونحو : مكّنني ويمكّنني) على صيغة ماضي التفعيل ومضارعه ، (ومناسككم ،
وما سلككم) كما في قوله تعالى : (فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ)(1)، وقوله تعالى : (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)(2)ونحو : جباهم ، ووجوههم ، إلى غير ذلك ، ممّا ليس فيه المثل الثاني جزا حقيقة من الكلمة الّتي فيها الأوّل بل هو امّا كلمة برأسها كنون الوقاية ، وامّا جزء من كلمة اخرى كالكاف ، والهاء من الضميرين لكنّه ينزل منزلة الجزء من الّتي فيها الأوّل فليس مثل ذلك كلمة واحدة حقيقة بل هو (من باب كلمتين) فمن ثمه كان حكمه جواز الادغام كما في المتحركتين في كلمتين دون الوجوب ، فلا ينتقض به قاعدة الوجوب المشروط بالوحدة الحقيقية للكلمة.
ولم يأت الادغام في نحو ذلك إلّا عن أبي عمرو في : فاذا قضيتم مناسككم في البقرة ، وما سلككم في سقر في المدّثّر ، واظهر فيما سواهما.
فهذا هو الكلام في القسم الواجب من أقسام ادغام المتماثلين.
(و) هو (ممتنع في الهمزة) بأن يكون المثلان همزتين نحو : لم يقرأ أبوك ، وامتناعه فيها انّما هو (على الأكثر) ويجوز على الأقل كما حكيناه ، (وفي الألف) والتعرض لهاتين مع استثنائهما من قبل لأنّ الاستثناء كان من الوجوب وهو يعم الامتناع والجواز فيه ههنا على انّ الواقع هو الامتناع كذا قيل ، (و) كذلك هو ممتنع (عند سكون الثاني - لغير الوقف - نحو : ظللت ، ورسول الحسن) ، إذ مع الادغام يلزم تحريك ما يلزم سكونه مثل ما قبل الضمير في : ظللت ، ولام التعريف في : الحسن ، وبكر بن وائل : يدغمون في نحو : ظللت على ما حكى عنهم الخليل ، وهي لغة ضعيفة ، وقيل كأنهم قدروا الادغام قبل دخول الضمير فابقوا اللفظ على حاله بعد دخوله.
(وتميم تدغم) ما كان سكون المثل الثاني فيه بالجزم ، لعدم الاعتداد به ، لعروضه كالوقف ، (نحو : ردّ) بصيغة الأمر كما ورد في قوله :
فغضّ الطّرف إنّك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا (1)
وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها ، وحكى الكسائي عن عبد القيس اثباتها مع الادغام نحو : اغضّ ، (ولم يردّ) بصيغة المضارع ونحو ذلك من المجزوم ، والأصل : أردد ، ولم يردد فادغمت الدال بعد نقل ضمتها إلى الراء كما مرّ.
وفرقوا بينه وبين العارض في نحو : ظللت بأنّ الضمير الّذي يلزم معه السكون كالجزء بخلاف الجازم ، والحجازيون : يفكون الادغام في نحو ذلك فيقولون : اردد ، ولم يردد ، نظرا إلى لزوم السكون للأمر من حيث الصيغة ، وللمجزوم بالجازم مادام معه الجازم الّذي ربّما جرى مجرى الجزء ، وعلى لغتهم ورد قوله تعالى : (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ)(2)، وقرأ به قوله تعالى : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ)(3).
واجتمعت العرب على وجوب الفكّ في : «أفعل» بكسر العين مجزوما في صيغة التعجّب للمحافظة على تلك الصيغة ، سواء اتصلت بالياء نحو : اشدد ببياض وجه المتقين ، أم لا كما في قول العباس بن مرداس :
وقال نبيّ المسلمين تقدّموا
وأحبب إلينا أن يكون المقدّما (4)
1) البيت لم يتيسر لي الوقوف على قائله. الطرف : العين ، ولا يجمع لأنه في الأصل مصدر. وغض : أمر من غض طرفه - خفضه - ونمير على صيغة التصغير قبيلة. وكعب وكلاب قبيلتان اخريان.
2) الآية : 19 لقمان.
3) الآية : 54 المائدة.
4) هذا البيت قائله معلوم. هو : العباس بن مرداس أحد المؤلفة قلوبهم. وصيغة التعجّب في البيت مثل : أحسن بزيد ، والباء محذوفة في قوله ان يكون أي بأن يكون النبيّ (ص) هو المقدم وقد فصل بين فعل التعجّب ومعموله بالظرف أعني قوله : إلينا ، والشاهد فيه في قوله : احبب حيث استعمل غير متصل بالباء والباء محذوفة.
وإذا إتصل ثاني المثلين بواو الجمع نحو : ردّوا ، أو ياء مخاطبة نحو : ردّي ، أو نون تأكيد نحو : ردّنّ ، ادغم الحجازيون وغيرهم من العرب على ما قالوا معللين بأن الفعل حينئذ مبني على هذه العلامات وليس تحريكه عارضا ، بخلاف التحريك العارض لملاقاة الساكن ، فانّ الحجازيون يفكون معه نحو : اردد القوم.
(و) كما انّ الادغام ممتنع فيما ذكر كذلك هو ممتنع (عند الالحاق) للكلمة الّتي فيها المثلان ، (وعند الالتباس) فيها بسبب الادغام (بزنة اخرى) للمحافظة على صورة الملحق به ، والاحتراز عن اللبس سواء كان الالحاق بزيادة أحد المثلين (نحو : قردد) ، وجلبب ، أم بزيادة حرف غيرها نحو : هيلل - أي قال لا إله إلّا الله - بزيادة الياء للالحاق واصالة اللامين ، أم بزيادة أحد المثلين وغيره كليهما نحو : إقعنسس من القعس بزيادة النون وإحدى السينين للالحاق باحرنجم ، (و) الالباس نحو : (سرر) - بضمّتين - جمع سرير ، فانّه لو اسكن أوله وادغم التبس بفعل - بسكون العين - ، وكان في معرض ان يزعم فيه كونه موضوعا للمعنى المقصود منه على هذه الزنة.
وكذا الادغام في نحو : ظلل ، وشرر - بفتحتين - يوجب اللبس بفعل بالسكون ، وكذلك كلل - بكسر الأوّل وفتح الثاني - في جمع كلّة بالكسر - للستر الرقيق يخاط كالبيت يتوقى به من البق ، فانّه يلتبس عند الادغام «بفعل» بالسكون.
والحاصل ان سكون العين في الأسماء كثير شائع فادغام متحرك العين منها مظنة الالتباس بالساكن العين ، بخلاف الفعل نحو : ردّ لوجوب تحرك عينه ، فعند الادغام يعلم ان أصله الحركة وخصوصية الحركة يعلم عند عروض ما يوجب فك الادغام كالاتصال بالضمير نحو : مددت ، وظللت ، وبالمضارع كما يعلم فتح في : فرّ وشدّ
بكسرها في يفرّ ، وضمّها في يشد ، وكسرها في : عضّ بفتحها في يعض ، وبالأمر : كفرّ - بالكسر - ، وشدّ - بالضم - ، وعضّ - بالفتح -.
وقد يتفق اسمان لمعنى واحد أحدهما مدغم والآخر غير مدغم كالقصّ والقصص للصدر أو رأسه أو وسطه فيحكم بأن كلّا منهما اسم برأسه من ان يكون أحدهما مدغما للآخر.
(و) كذلك ادغام المثلين ممتنع (عند) وجود(ساكن صحيح قبلهما) مع كون المتماثلين (في كلمتين نحو : قرم مالك) - بالراء الساكنة - الّتي هي حرف صحيح قبل الميمين ، ونحو : (شَهْرُ رَمَضانَ) فتسكين أوّل المثلين المتصل بذلك الساكن للادغام يؤدي إلى التقاء الساكنين على غير حده ، فلذلك جمع النحاة على امتناع الادغام في مثله على ما يقال ، وحكى اجماع القراء على جوازه في الجملة فاضطرب المحققون حيث تعارض الاجماعان.
(وحمل) في مقام التوجيه والجمع (قول القراء) بجواز الادغام (على) ارادة(الاخفاء) من الادغام الّذي جوّزوه ههنا ، فكأنهم تسامحوا في اطلاق الاخفاء عليه لتقاربهما ، والنحاة انّما منعوا الادغام الصريح فلا تخالف ، وهذا التوجيه ذكره الشاطبي وهو ضعيف لوقوع الادغام الصريح عن بعض القراء في مثله ، فالاولى القدح في تحقّق اجماع النحويين كيف وفيهم جماعة من القراء كالكسائي ، ولو سلم تحقّقه فلا حجّة فيه خصوصا عند معارضة اجماع القراء الّذين ينتهي روايتهم إلى المعصوم عن الغلط مع انّ القراءة تثبت بالتواتر ، وما نقله النحويون آحاد ، ولو سلم التواتر فالقراء أعدل وأكثر والرجوع إليهم أولى ، هذا خلاصة كلام المصنف في شرح المفصل.
والقرم : في الأصل البعير المكرم ، ومنه قالوا : القرم للسيّد.
فهذا هو القسم الممتنع من الادغام في المثلين.
(و) هو (جائز فيما سوى ذلك) المذكور من صور الوجوب والامتناع ، وهو ثالث الأقسام ، وذلك كما إذا كانا في كلمتين وقبلهما ساكن لين نحو : (جِباهُهُمْ ،) ونور ربهم ، و(الرَّحِيمِ مالِكِ ،) و(فِيهِ هُدىً ، *) واخشى يا هند ، أو متحرك صحيح ، نحو : (مَناسِكَكُمْ ،) و(طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ،) وان يك كاذبا ، (وَمَنْ) يتبع (غَيْرَ الْإِسْلامِ ،) لكن أبا عمرو عدل عند الادغام إذا كان أولهما تاء الخطاب والمتكلم نحو : (ما كُنْتَ تَتْلُوا ،) و(كُنْتُ تُراباً) وقد يوجه ذلك باستحقاق الفاعل المحافظة والادغام مخل بها ، فتأمل.
وقد يعترض بأنّ المثلين الّذين أولهما كلمة يصح الابتداء بها كالباء الجارة وهمزة الاستفهام في : جاء ببدرة ، وأأبوك فعل كذا داخل فيما سوى ذلك الّذي حكم عليه بالجواز مع امتناع الادغام فيه في لغتهم ، وكأنه لم يبال بذلك لشهرة أمره.
فهذا هو الكلام في المتماثلين.
(والمتقاربان : نعني بهما ما تقاربا في المخرج أو) تقاربا(في صفة تقوم مقامه) كالجهر والهمس وان تباعدا في المخرج ، والمراد بمخرج الحرف ، الموضع الّذي ينشأ منه ويعرف باسكانه وادخال الهمزة عليه فالموضع الّذي ينتهي إليه الصوت هو المخرج.
(ومخارج الحروف ستّة عشر - تقريبا - وإلّا) أي وان لم يبن الكلام على التقريب بل اعتبر التحقيق (فلكلّ) حرف (مخرج) ، إذ لو كان مخرجه مخرج الآخر بعينه كان هو نفس ذلك الآخر ، وقد يمنع ذلك لجواز استناد التعدّد والاختلاف مع وحدة المخرج إلى اختلاف وضع الآلة في شدّة الاعتماد وسهولته وغير ذلك ، والحروف
تسعة وعشرون في لغة العرب ، واخراج الهمزة عن اعداد الحروف المستقلّة - كما فعله المبرد - نظرا إلى انّها ليس لها صورة مخصوصة في الرسم بل هي تكتب بصورة الألف والواو والياء كأنه ضعيف ولام ألف مركب ، وعدّه حرفا مستقلا من تصرف العوام وجرى عليه الحريري في : رسالته الرّقطاء (1)، وبعض هذا المعدود مفقود في لغة العجم كالضاد ، وذكروا أنّ الهمزة في العجمية انّما تقع في الابتداء.
ومخارج تلك الحروف على اختلافها من أربع جهات : الحلق ، واللسان ، والشفتان ، والخيشوم ، وابتدأ في ترتيبها بما يكون من أقصى الحلق متدرجا وختم بما يخرجه الشفة (2)كما فعل سيبويه.
(فللهمزة ، والهاء ، والألف أقصى الحلق) بمعنى أبعده من الفم ، فالهمزة في المنتهى الأسفل الواقع من جانب الصدر ، وبعدها مائلا إلى جانب الفم الهاء ثمّ الألف ، خلافا للأخفش حيث زعم وحدة مخرج الهاء والألف ، واعترض عليه ابن جنى بأنهما لو كانا من مخرج واحد وكان تعددهما للاختلاف في الصفة لانقلبت الألف في الاضطرار إلى تحريكها هاء لا همزة ، لأنّ العدول عنها مع قبولها الحركة واتحاد المخرج مستكره جدّا.
بخلاف ما إذا إختلف مخرجاهما وكان بناء القلب على القرب ، فانّ الهمزة تشارك الهاء في كمال القرب إلى الألف ، لكون الجميع من أقصى الحلق ، وان كانت الهاء أقرب منها إليها فلا استكراه في العدول عن الهاء لخفائها إليها ، فتأمل فيه.
(وللعين ، والحاء) - المهملتين - من الحلق (وسطه) ، والعين أقرب إلى مخرج الألف ، والحاء بعده إلى جانب الفم.
(وللغين ، والخاء) المعجمتين منه (أدناه) إلى الألف ، والغين أقرب إلى الحاء المهملة ، وبعدها الخاء ، فهذه السبعة حلقية.
(وللقاف أقصى اللسان) القريب من الحلق الّذي هو أبعده من الفم (وما فوقه) المحاذي له (من الحنك) الأعلى.
(وللكاف منهما) أي من أقصى اللسان والحنك الأعلى (ما يليهما) أي يلي الأقصى والحنك اللّذين كانا للقاف ، والمقصود ان مخرج الكاف أقرب إلى مقدم الفم من مخرج القاف.
(وللجيم ، والشين) المعجمة ، (والياء) المثناة من تحت (وسط اللسان وما فوقه) المحاذي له (من الحنك) الأعلى ، ومخارجها على ترتيب ذكرها فالجيم أدخل في الفم ثمّ الشين ، ثمّ الياء على ما قيل.
(وللضاد) المعجمة(أوّل إحدى حافتيه) أي جانبيه الأيمن والأيسر ، (وما يليهما) أي يلي حافتيه (من الأضراس) ، والمراد بأوّل الحافة ما يلي أصل اللسان وآخر الحافة ما يلي رأسه ، والأضراس : هي ما خلف الرباعيات من الأسنان.
وتوضيح ذلك : انّ الأسنان اثنتان وثلثون ، الثنايا وهي الأربعة المتقدمة اثنتان من فوق واثنتان من تحت ، واحدتها ثنية - بتشديد الياء - ، والرباعيات وهي : أيضا أربع بعد الثنايا من الجانبين من فوق ومن تحت ، والواحدة رباعية - بالفتح وتخفيف الياء - ، والأنياب - جمع الناب - وهي : أيضا أربع خلف الرباعيات يمنة ويسرة من فوق ومن تحت ، والضواحك وهي : أربع من جانبي الأنياب الأيمن والأيسر من فوق ومن تحت ، فهذا ست عشر ، والباقية على عددها يقال لها الأضراس منها الطواحن وهي : اثنتا عشرة من جانبي الضواحك من فوق ومن تحت ، والنواجذ ، ويقال : أضراس العقل وهي أربع من جانبي الطواحن من فوق ومن تحت ، وقد يعدّ الضواحك من الأضراس فهي ما خلف الرباعية.
ثمّ انّ النطق بالضاد المعجمة من الأيمن أكثر على ما يظهر من كلام سيبويه وصرح به السيرافي ، وقيل : انّها من الأيسر أسهل على أكثر الناس ، وامّا المنع من النطق بها من الأيسر فلعلّه تعسف.
(وللّام ما دون طرف اللسان إلى منتهاه وما فوق ذلك) والمراد بما دون طرفه : ما يقرب رأسه من جانب ظهره ، وبمنتهاه (1)رأسه وبما فوق ذلك ما يحاذي ما ذكر من الحنك الأعلى فوق الضواحك والأنياب والثنايا والرباعيات على ما ينسب إلى سيبويه وصرّح به أبو حيان ، وابتداء مخرجه أقرب إلى مقدم الفم من مخرج الضاد المعجمة.
(وللراء) المهملة(منهما) أي ممّا دون طرف اللسان وممّا فوق ذلك من الحنك الأعلى (ما يليهما) أي يلي اللّذين كانا منهما اللّام.
(وللنون) في غير حالتي الاخفاء والادغام مع الغنة(منهما) أي ممّا دون طرفه وما فوقه من الحنك (ما يليهما) أي ما يلي ذينك اللّذين كانا للراء منهما ، والحاصل ان مخرج اللّام أدخل في الفم من مخرج الراء ، ومخرج الراء أدخل فيه من مخرج النون على ما يجده الطبع المستقيم ، وربّما أمكن العكس في البعض بتكلف.
(وللطاء ، والدال) المهملتين ، (والتاء) المثناة من فوق (طرف اللسان ، واصول الثنايا) العلوية.
(وللصاد ، والسين) ، المهملتين (2)(والزاي ، طرف اللسان) وفويق (الثنايا) السفلية دون اصولها لكن مخرج السين مقدم على الزاي ، لأنّ الزاي أقرب إلى مقدم الفم من السين.
(وللظاء والذال) المعجمتين ، (والثاء) المثلثة ، (طرف اللسان وطرف الثنايا) العلوية ، فهذه الثمانية عشر لسانية لها تعلق باللسان بوجه.
والمراد بالثنايا في هذه المواضع : الثنيتان امّا السفليتان وامّا العلويتان ، وكأنهم نظروا إلى كثرتها بحسب الأشخاص وذكروا لفظ الجمع ، وفي شرح المفصل ، انّهم انّما اعتبروا عنهما للفظ الجمع لأنّ التلفظ به أخف مع كونه معلوما.
(وللفاء باطن الشفة السفلى وطرف الثنايا) العليا.
(وللباء) الموحدة ، (والميم) في غير الاخفاء والغنة ، (والواو) الّتي لم تكن مدّة(ما بين الشفتين) العليا والسفلى ، لكن مخرج الموحدة عند بلّة الشفتين ومخرج الميم بعدها ولا تتواصل الشفتان في الميم غاية التواصل ، فهذه الأربعة شفويّة ، وقد يقال لها الشفهية بالهاء على الاختلاف في النسبة إلى الشفة كما مرّ.
وهذه خمسة عشر مخرجا ، والسادس عشر هو الخيشوم وهو مخرج الغنة والاخفاء في الميم والنون على ما سيأتي - انشاء الله تعالى -.
واعلم انّ المصنف خالف سيبويه وغيره في تحديد بعض المخارج على ما يظهر من الرجوع إلى كلامهم.
(ومخرج) الحرف (المتفرع) عن غيره ، وهو الحاصل من اشراب حرف صوت حرف آخر كالهمزة بين بين (واضح) ، لأنه يعلم من مخرج الحرفين اللّذين أشرب أحدهما صوت الآخر ، وقد وقع التفريع بالمعنى المذكور في كثير من الحروف.
(والفصيح) من المتفرع الواقع في القرآن العزيز أو في غيره من كلام الفصحاء(ثمانية ، همزة بين بين) وهي (ثلاثة) من الثمانية الفصيحة ، لأن كونها بين بين ان يجعل بين نفسها والحرف الّذي منه حركتهما ، فان كانت حركتها هي الضمّة فهي بين
نفسها وبين الواو ، وان كانت هي الكسرة فهي بين نفسها وبين الياء ، وان كانت هي الفتحة فهي بينها وبين الألف.
(و) الرابع (النون الخفية) وهي الساكنة المتصلة بالحروف الّتي لا تظهر معها النون الساكنة بل يخرج معها على وجه الغنة من الخيشوم فقط كالكاف (نحو : عنك) ، والدال نحو : عندك ، وسميت خفية لخفائها ، ويقال لها : الخفيفة لسكونها.
(و) الخامس (ألف الامالة) الّتي تمال بها نحو الياء نحو : رمى ، وسيبويه سمّاها ألف الترخيم لبيان الصوت.
(و) السادس (لام التفخيم) وهي اللّام المفتوحة المخففة أو المدغم فيها الّتي تلى الصاد والظاء والطاء إذا كانت هذه الحروف مفتوحة أو ساكنة كالصلاة ، وان يوصل ، وفيصلب ، ويصلون سعيرا ، وطلقتم النّساء ، ومطلع الفجر ، وظل وجهه ، وإذا إظلم عليهم ، فانّها تفخم عند بعضهم ، وبه قرأ ورش من القراء ، واختلفت الرواية عنه في تفخيمها مع الفصل في نحو : فطال عليهم ، وفصالا ، وكذا مع سكونها - أي اللّام - وقفا.
واعتبر قوم الضاد المعجمة أيضا نحو : ضللتم ، وقوم اللّام المفتوحة بين الحرفين المستعلين (1)نحو : خلطوا ، وخلقوا ، وخلصوا ، وكذلك لام «الله» إذا كان قبلها ضمّة أو فتحة عند كلّهم كما اتفقوا على ترقيقها بعد الكسرة ، نحو : بسم الله ، وبالله ، وقل اللهمّ.
وألف التفخيم مثل لام التفخيم عند سيبويه في الاستسحان وهي الألف الممالة نحو الواو كالصلوة ، والزكوة ، والحيوة ، على لغة الحجازيين ، ويقال : ان كتابتها بالواو على لغتهم لذلك.
(و) السابع (الصاد) الكائنة(كالزاي) في النطق باشرابها صوتها كما في : الصراط
1) وفي نسخة المستعلمين لكن الظاهر : المسعليين.
في قراءة حمزة ، وفي قوله تعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً)(1)في قرائته أيضا وفاقا للكسائي.
(و) الثامنة(الشين) المعجمة الكائنة(كالجيم) في النطق في نحو : اشدق ، والحكم بقلّته في بحث الابدال على أحد التفسيرين لكلامه لا ينافي الحكم بفصاحته لكن ما حكينا فيه عن شرح المفصل ليس بملائم له فتأمل ، ووجه استحسانه (2)انّ الدال مجهورة شديدة والسين مهموسة رخوة فيشرب صوت الجيم المناسبة لهاء (3)في المخرج وللدال في الجهر والشدّة.
(وامّا الصاد) المهملة الكائنة(كالسين) المهملة مثل ان يتلفظ بالصدغ شبيها بالسدغ ، (والطاء) المهملة الكائنة(كالتاء) الفوقانية مثل ان ينطق بالسّلطان شبيها بالسّلتان ، كما يكثر جريانه على أهل الشرق من العجم ، (والفاء) الكائنة(كالباء) الموحدة سواء كان أقرب إلى الباء أم إلى نفسها كما يقع في لغة بعض العجم مثل ان يقال في : البود الفود ، وقد جعلا حرفين من حروفهم سوى الباء والفاء الخالصتين على ما ذكره نجم الأئمّة.
(والضاد) المعجمة(الضعيفة) الّتي ضعفت بالنطق بها على وجه يقرب من الظاء المعجمة كما قد يقع في لغة ليس في لغتهم الضاد على ما ذكره السيرافي ، وقال سيبويه : الضاد الضعيفة من الجانب الأيسر ، (والكاف) الكائنة(كالجيم) مثل التلفظ «بكافر» على وجه يشبه جافرا كما يقع في لغة أهل البحرين ، (فمستهجنة) قبيحة لعسر النطق بها ، ومن ثمّ لم يقع في القرآن المجيد ولا في كلام الفصحاء ، ولعل بعضها حدث في لغة العرب من مخالطة العجم على ما قال السيرافي وغيره.
(وأمّا الجيم كالكاف ، والجيم كالشين) المعجمة(فلا يتحقق) ، لوقوع عكس كل
منهما في كلامهم على استهجان في أحدهما ، فلو وقع هذان أيضا اشتبه على السامع انّ الملفوظ جيم كالكاف أو عكسه ، وكذا الشين ، لعدم الفرق بين كل منهما وعكسه كذا قيل ، وقد يورد عليه انّه لا مانع من ذلك عند العلم باللفظ الواقع هو فيه مثل ما يقع في لغة أهل البحرين من النطق برجل ، وجمل مثلا شبيهين بركل ، وكمل مثلا ، وكذلك ما يقع على قلّة من المضارعة في نحو : أجدر على ما مرّ من المصنف على أحد الوجهين في تفسير كلامه هناك ، وتعويلهم في مثل ذلك بالقرائن.
فهذا بيان مخارج الحروف وهي تختلف في الصفات أيضا وتنقسم بحسبها انقاسامات كثيرة حتّى زادت على أربعة وأربعين في كلام بعضهم ، ولعل الحكمة في اختلافها على ما يقال : كما تمايز ذوات الحروف لئلّا تتناسب أصواتها كأصوات البهائم كما قال سيبويه : لو لا الاطباق في الصاد لكان سينا ، وفي الطاء كان دالا ، وفي الظاء كان ذالا.
المذكور ههنا من تلك الانقسامات ما هي أهم ، (منها : المجهورة ، والمهموسة).
(ومنها : الشديدة ، والرخوة).
(وما بينهما).
(ومنها : المطبقة ، والمنفتحة).
(ومنها : المستعلية ، والمنخفضة).
(ومنها : حروف الذّلاقة والمصمتة).
(ومنها : حروف القلقة ، والصفير واللينة والمنحرف والمكرّر والهاوي والمهتوت) - بمثناتين من فوق -.
والفصل بين التقسيمات بقوله : منها ومنها للاشارة إلى انّها تقسيمات متعددة كل منها مستقل برأسه.
وهذا تفصيلها ووجه تسميتها ، (فالمجهورة : ما ينحصر) أي يحتبس - (جرى النفس مع تحرّكه) ، لقوّة ذلك الحرف في نفسه وقوّة الاعتماد عليه في مخرجه ، فيكون خروجه بصوت قويّ ولا بدّ في اخراجه وبيانه من ان يكون معه شيء من في النطق بمعنى الاعلان على ما في شرح المفصل.
(وهي : ما عدا حروف - ستشحثك خصفه -) من الشحث بمعجمة فمهملة فمثلثة - بمعنى الالحاح في السؤال - وخصفه : بالمعجمة فالمهملة فالفاء ، اسم امرأة ، وروعى (1)فيها الوقف على الهاء المبدلة من تاء التأنيث لافادة انّ الهاء أيضا خارجة من المجهورة ، وقد جمعت المجهورة في : ظلّ قوّ ربض إذا غزا جند مطيع ، والظل : مبتدأ مضاف إلى قو وهو المكان الخالي ، والخبر ربض ، وهو الحضيرة ، يعني : ان ظل القو يجري مجرى الحظيرة لمن أراد السلامة إذا تعرض للغزو عسكر يطيعون أميرهم في الجهاد ويبالغون فيه.
(والمهموسة : بخلافها) أي بخلاف المجهورة فهي ما لا تحتبس النفس مع تحرك لضعفه في نفسه وضعف الاعتماد عليه في مخرجه فلا يحتاج بيانها واخراجها إلى الجهر أصلا بل يجري في النطق مع الهمس وهو الاخفاء.
(و) المجهور والمهموس (مثّلا) على صيغة الماضي المجهول من باب التفعيل ، (بققق) محركة بالتحريك المفتوح بثلاث قافات للمجهورة ، (وككك) محركة بذلك التحريك أيضا بثلاث كافات للمهموسة ، ليظهر الفرق بين النوعين بتكرير حرف منهما مع تحرك الّذي اعتبر في ظهور انحصار النفس وجريه فيهما إذ مع وحدته ربّما وقع الذهول عن حال النفس الخارج فاذا تكرّر المتحرك منهما على التعاقب والاتصال على اللافظ المتأمل تفطن بالحال من غير ريبة ، واختيرت الكاف والقاف لتقارب مخرجيهما فعند ظهور الفرق بين الجهر والهمس فيهما يظهر في
1) وفي نسخة : وروئي فيها الخ.
المتباعدة في المخرج بالطريق الاولى.
وما ذكرناه في تعيين المجهورة والمهموسة من الحروف قول المتقدمين باسرهم وبعض المتأخرين ، (وخالف بعضهم) في ذلك (فجعل الضاد ، والظاء ، والذال ، والزاي ، والغين) المعجمات ، (والعين) المهملة ، (والياء) التحتانية المثناة(من المهموسة) وقد جعلنا هذه السبعة من المجهورة ، (و) جعل (الكاف) والتاء المثناة من فوق (من المجهورة) ، وقد جعلناهما من المهموسة ، (و) هذا البعض (رأي ان الشدّة) في الحروف (تؤكد الجهر) فيه ، والرخاوة تناسب الهمس ، فلذلك عدّ هاتين الشديدتين من المجهورة وتلك السبعة الرخوة من المهموسة ، وليس الأمر على ما رآه لأنّ الشدّة والرخاوة باعتبار جرى الصوت وعدمه عند الاسكان ، والجهر والهمس باعتبار جرى النفس وعدمه مع التحرك ، فقد ينفك الشدّة عن الجهر والرخاوة عن الهمس.
(والشديدة : ما ينحصر جرى صوته عند اسكانه في مخرجه فلا يجري) الصوت فيه فيكون شدّة وقوّة يمتنع بها عن التليين ، (و) هي : ثمانية(يجمعها) قولنا : (اجدك قطبت) ، واجد : مضارع متكلم متصل بكاف الخطاب ، وقطبت : بصيغة الخطاب من القطوب وهو العبوس ، أو من قطب التراب - مزجه بغيره - ومحله النصب على انّه مفعول ثان لقولنا أجد ، ويجمعها أيضا أجدت طبقك ، واجدت : ماض من الاجادة من الجودة.
(والرخوة : بخلافها) فهي : ما يجري صوته عند اسكانه فيكون لها رخاوة - أي لين وقبول للتطويل والمدّ -.
(وما بينهما) ما يكون الصوت عند اسكانه متوسطا بين الانحصار والجرى بحيث (لا يتم له الانحصار ولا الجري) ، (و) الحروف الّتي هي بينهما(يجمعها) قولنا : (لم يروعنا) والأصل : لما يروعنا بما الاستفهامية بعد اللّام الجارة ، ويروع : مضارع راعه بمعنى افاقه ، ويحتمل كون لم جازمة ، ويرو : من الرواية ، وعنا : بعن
الجارة مع ضمير المتكلم ، فالرخوة ما عدا هذين النوعين ، وحروفها ثلاثة عشر.
(و) الشديدة ، والرخوة ، وما بينهما(مثّلت) بالماضي المجهول من التمثيل (بالحجّ) - للنسك المخصوص - ، (والطّشّ) - بالمهملة المفتوحة فالمعجمة المشدّدة ، للمطر الضعيف - ، (والخلّ) - بالمعجمة المفتوحة وتشديد اللّام - فانّك تجد الصوت راكدا ممتنعا عن المدّ عند الوقف على الجيم واسكانها ، وجاريا قابلا للمدّ عند الوقف على الشين ، ومتوسطا بين الحالين في الوقف على اللّام ، فالاولى شديدة ، والثانية رخوة ، والثالث بينهما.
(والمطبقة) بفتح الباء - (ما ينطبق على مخرجه الحنك) الأعلى ، والمقصود انّ اللسان يرفع معه إلى الحنك الأعلى فينطبق عليه فينحصر الصوت بين اللسان وما حازاه من الحنك الأعلى ، والمطبق على الحقيقة هو الحنك واللسان والحرف مطبق عنده كقولهم ممرور به فتوسعوا في اطلاق المطبق عليه من غير قيد ، كما قالوا : المشترك للفظ المشترك فيه ، كذا في شرح المفصل ، ولو جعلت بكسر الباء على صيغة اسم الفاعل كأنها تطبق اللسان بالحنك لم يكن بعيدا بل كأنه أظهر ، والحروف المطبقة أربعة(وهي : الصاد ، والضاد ، والطاء ، والظاء ،).
(والمنفتحة : بخلافها) فهي ما ينفتح معها ما بين اللسان والحنك ، وحروفها ما عدا الأربعة المذكورة ، واطلاق المنفتح عليها أيضا من باب التوسع.
(والمستعلية : ما يرتفع اللسان بها إلى الحنك) ، وحروفها(هي) الأربعة(المطبقة) المذكورة ، (والخاء ، والغين) المعجمتان ، (والقاف) ، فان هذه ليست بمطبقة لكنها مستعلية لارتفاع اللسان بها إلى الحنك وهو معنى الاستعلاء.
(والمنخفضة (1): بخلافها) فحروفه ما لا يستعلى معه اللسان ، وهي ما عدا المستعلية ، ويقال لها : المنخفضة ، والتسمية بالاسمين امّا توسع لاستعلاء اللسان
1) والمتن في نسخ الكمال : والانخفاض بخلافه.
وانخفاضه معها ، وامّا لخروجها من جهة العلو والسفل.
(وحروف الذلاقة) - بالذال المعجمة والقاف - بمعنى السهولة من قولهم : لسان ذلق على ما رجحه المصنف في شرح المفصل ، (ما لا ينفك رباعي ، أو خماسي عن شيء منها) بمعنى : انّه ما من رباعي أو خماسي إلّا وفيه أحد حروفها(لسهولتها) في النطق ، فينجبر بها ثقلهما حتّى قيل ان ما لا يوجد فيه شيء منها ليس بعربي أصيل أو شاذ على ما يقال ، كالعسجد - للذهب - والزهزقة - بزائين معجمتين بينهما الهاء وفي آخرها القاف ، لشدّة الضحك ، وترقيص اللّام الصبيّ ، (و) حروفها ستّة(يجمعها) قولنا : (مر بنفل) ومر : أمر من الأمر ، والنفل : - بالنون والفاء محركة ، الغنيمة - ، وبسكون الوسط النافلة.
وقيل : الذلاقة في اسم هذه الحروف بمعنى الاعتماد ، سميت بها لاعتمادها على ذلق اللسان وهو طرفه ، وزيفه المصنف بأنه لا يناسب الميم والباء والفاء من جملتها لعدم اعتمادها على طرفه إذ لا مدخل لطرفه فيها بوجه.
(والمصمتة : بخلافها) وسميت مصمتة(لأنه صمت) على البناء للمفعول - أي سكت - (عنها في) استيفاء(بناء رباعي أو خماسي منها) بخصوصها فليس رباعي ولا خماسي في العربي الأصيل غير الشاذ بحيث يكون تمام حروفه منها بل يضم معها شيء من الزليقية فكانت تلك سكوتا عنها في بنائهما على التمام منها ، وقد يقال : انّ المصمتة ههنا ضدّ المجوفة ، وسميت تلك الحروف بذلك لثقلها كالشيء المصمت الّذي لا جوف له.
(وحروف القلقلة) : من جملة الشديدة هي : (ما ينضم إلى الشدّة فيها ضغط) - أي عصر - (في الوقف) وذلك إذا كانت جامعة بين الجهر والشدّة ، فالجهر يمنع النفس عن الجريان ، والشدّة تمنع الصوت عن الامتداد فيحتاج بيانها إلى تكلف ، ويؤدي ذلك إلى الانضغاط عند النطق حتّى لا تكاد تخرج إلّا بقلقلتها - أي تحريكها - عن موضعها ليتبين الصوت وتسمع والصوت يشتد فيها بسبب ذلك ،
ولذلك قال الخليل : انّ القلقلة ههنا بمعنى شدّة الصوت على انّها مأخوذة من القلقلة بمعنى صوت الأشياء اليابسة على ما قيل ، وبعض العرب أشدّ صوتا فيها وكأنهم الّذين يرمون الحركة في الوقف على ما قيل.
(و) هي : خمسة(يجمعها) قولنا : (قد طبج) والطبج : - بالمهملة والموحدة والجيم - الضرب على الشيء المجوف كالطبل ، وبعض الحروف فيها انضغاط لا يبلغ حدّ القلقلة كالضاد المعجمة فانّها تجد منفذا بين الأضراس ، والظاء والذال المعجمتان والزاي فانّها تجد منفذا بين الثنايا.
(وحروف الصفير : ما يصفر بها) عند النطق ، لخروجها بين الثنايا وطرف اللسان فينحصر الصوت ويأتي كالصفير ، (وهي : الصاد) المهملة ، (والزاي ، والسين) المهملة.
(واللينة : حروف اللين) وهي : الألف ، والواو ، والياء ، لقبولها المد وخروجها بلين وسهولة لاتساع مخرجها.
(والمنحرف : اللّام ، لأنّ اللسان ينحرف به) عن مخرجه الّذي هو طرف اللسان إلى داخل الحنك.
(والمكرر : الراء ، لتعثر اللسان به) أي ذلته وانذلاقه عند الوقف فكأنه يذل ثمّ يقوم فيحصل التكرير ، ولذلك كانت حركته كحركتين على ما مرّ في الامالة.
(والهاوي) : بمعنى ذي الهواء كالتامر ، واللابن - لذي التمر ولذي اللبن - وهو (الألف لاتساع هواء الصوت به) اتساعا كاملا ، بخلاف الواو والياء إذا كانتا مدتين لما في الواو من ضمّ الشفتين المودي إلى شيء من الضيق وما في الياء من رفع اللسان نحو الحنك ، بخلاف الألف لانفتاح الفم والحلق فيها من غير ضغط ولا عصر فاختصاص الهاوي بالألف كما ذكره للاتساع المذكور وإلّا فلا شك في ان كل مدّة يخرج من هواء فضاء الفم ومن ثمّ تسمّى المدات الثلاث هوائية حتّى ان بعضهم
كالخليل جعل هواء الفم مخرجا برأسه على انّه مخرج للمدّة وجعل المخارج سبعة عشر.
(والمهتوت : هو التاء) الفوقانية على ما في المفصل ، سميت بذلك (لخفائها) وضعفها فيقع التكلم بها على سرعة من الهتّ - بالتشديد - وهو سرد الكلام على سرعة.
وقال جماعة : المهتوت هو الهاء ، ومنهم الخليل فانّه قال لو لا هتة في الهاء لاشبهت الحاء ، وقيل : أراد بالهتة العصر الّتي هي فيها دون الحاء ، ومنهم أبو الفتح فانّه قال : المهتوت هو الهاء لخفائها وضعفها.
(ومتى قصد إدغام المتقارب) (1)بأن يدغم أحد المتقاربين في الآخر(فلا بدّ من) جعلهما متماثلين وذلك بالتصرف في أحدهما و (قلبه) إلى الآخر ليتحقق الادغام.
(والقياس : قلب الأوّل) إلى الثاني ، لأنّ الادغام يبتدأ به منه ، وعمدة أثره تظهر فيه باخفائه وادراجه في الثاني مع انّه ساكن والساكن أولى بالتغيير ، ولا يخالف هذا القياس بأن يقلب الثاني إلى الأوّل (إلّا لعارض) نحو : (إذ بحّتودا) - بتشديد الحاء المهملة - من صيغة الأمر ، والأصل : إذبح عتودا - وهو ولد المعز - ، (وإذ بحّاذه) في : إذبح هذه ، فانّ العين المهملة والهاء ادخل في الحلق فهما أثقل منه والادغام انّما يصار إليه للتخفيف ففي قلب الأخف إلى الأثقل نقض لهذا الفرض فلذلك قلبتا إلى الحاء وان كانتا ثانيتين وادغمتا.
وامّا ادغام الخاء المعجمة في الغين المعجمة الّتي هي أدخل منه فيتأتى الوجه فيه
1) والمتن في بعض النسخ : ادغام المتقاربين فلا بدّ من القلب.
عنده ذكره - انشاء الله تعالى -.
(وفي جملة) الحروف المبدلة(عن تاء «الافتعال» نحو : اسّمع في : استمع ، واذّان في : اذتان كاختار من الزنة ، فان فيها تقلب الثاني وهو تاء الافتعال إلى ما قبلها أعني فاء الكلمة(لنحوه) أي لنحو العارض في : اذبحّتودا ، واذبحاذه ، فانّ الحرف الّتي تقلب إليها تاء الافتعال للادغام أخف من التاء ، (ولكثرة تغيرها) أي تاء الافتعال ، فانّها كثيرا يتغير لغير الادغام أيضا نحو : اضطرب ، واصطلح ، فهي بالتغير والقلب إلى ما قبلها للادغام أولى من قلب ما قبلها إليها لقلّة تغييره.
(و) ما جاء في لغة بعض بني تميم أعني قولهم : (محّم) - بفتح الميم وضمّ الحاء المهملة المشدّدة وسكون الميم - (في : معهم) ، ومحّاؤلاء - بفتح الميم وفتح الحاء المهملة المشدّدة في : مع هؤلاء(ضعيف) ، إذ لم يقلب فيه الأوّل إلى الثاني على ما هو القياس ولا الثاني إلى الأوّل للعارض الّذي هو كون الهاء أدخل في الحلق من العين وأثقل ، بل قلب الحرفان إلى ثالث هو الحاء المناسب للعين في المخرج ، لكون نحو : محّ بالادغام في الحاء أكثر وأخف من نحو : دعّ بالادغام في العين ، والفصيح : معهم ، ومع هؤلاء بالاظهار.
(وستّ) للعدد المخصوص - (أصله : سدس) بدليل تصغيره على سديس ، وجمعه على أسداس ، وقولهم في بناء اسم الفاعل والتفصيل منه : السادس والتسديس وهو (شاذ) مخالف للقياس ، لأنّ الدال والسين متقاربان لكونهما من طرف اللسان فالقياس في الادغام قلب أحدهما إلى الآخر فقلبها إلى ثالث وهو التاء خارج عن القياس ، لكنّه على شذوذه (لازم) في الاستعمال ، حيث لم يستعمل إلّا بالتاء المشدّدة وكأنهم كرهوا السدس لقلّة اتحاد الفاء واللّام نحو : سلس مع كثرة دوران هذا اللفظ فقلبوا السين الأخيرة تاء لتناسبهما في الهمس ، ثمّ قلبت الدال تاء للتقارب وادغمت مع ان كثرة الدوران ووجود المتقاربين أعني الدال والسين يناسبها التخفيف بالادغام ، وفي قلب السين إلى الدال تفويت لفضيلة الصفير الّذي
هو في السين ، وفي قلب الدال سينا اجتماع ثلاث سينات مع ان في اعتبار الادغام عدولا عن الاظهار الّذي يقتضيه تنافرهما في الصفة لكون الدال مجهورة شديدة والسين مهموسة رخوة فقلبوا الحرفين إلى التاء المناسبة للدال في المخرج وللسين في الهمس وادغموا.
والمتقاربان في المخرج ان كانا في كلمتين نحو : من مثلك ادغم أحدهما في الآخر وان أدى إلى اللبس لعدم المبالاة به لكونه في معرض الزوال لجواز الانفكاك ومعرفة أصل كل منهما عند انفكاكه عن الآخر.
ثمّ ان تحركا لم يجب الادغام ولم يتأكد وان سكن الأوّل وجب ان كان ذلك الساكن نونا في حروف يرملون ، أو لام التعريف فيما سيأتي - انشاء الله تعالى - ، ويتأكد في غير ذلك سيما إذا إشتدّ التقارب.
(ولا يدغم منهما (1)في كلمة) واحدة(ما يؤدي إلى لبس بتركيب آخر) سواء كانت فعلا(نحو : وتد) الوتد - أي ضربه - ، (ووطد) الوتد - أثبته وأحكمه - ، أم اسما(و) ذلك نحو : (شاة زنماء) - أي قطع من اذنها شيء وأبقى معلقا - ويقال لذلك المعلق الزنمة ، وانّما يفعل هذا بالكرائم ، فالتاء والطاء قريبتان من الدال والنون من الميم لكن القلب والادغام في الأوّلين بأن يقال : ودّ - بتشديد الدال - يؤدي إلى اللبس بما أصله دالان ، وكذلك الثالث يلتبس عند الادغام بأن يقال : زمّاء - بتشديد الميم - بما عينه ولامه ميمان.
(ومن ثمّ) أي ومن أجل عدم ادغام ما يؤدي إلى اللبس (لم يقولوا) : في مصدر الفعلين المذكورين (وطدا ، ولا وتدا) على زنة الوعد في : مصدر وعد ، (لما يلزم
1) أي من المتقاربين ، وفي بعض نسخ المتن : منها.
من ثقل) لو لم يدغما ، (أو لبس) لو ادغما ، بل التزموا طدة ، وتدة كعدة ، هذا على الأكثر ، ومنهم من قال : الوتد بسكون التاء بلا ادغام.
(وهذا) الّذي ذكر من الاظهار في المؤدي إلى اللبس كائن (بخلاف : امّحي) بتشديد الميم في : انمحي كانقطع ، (واطّيّر) بتشديد الطاء والياء في : تطير فقلبت التاء وادغمت وأتى بهمزة الوصل ، فانّه لالبس فيهما لعدم «افّعل» بتشديد الفاء وحدها بتشديدها وتشديد العين في أبنيتهم ، فيعلم من أوّل الأمران المدغم والمدغم فيه كليهما ليسا أصليين بل أحدهما زائد ، وينتقل إلى خصوصية الزائد بالتأمل ، ولذلك قال الخليل : تقول في الفعل من الوجل واليسر اوّجل ، وايّسر - بتشديد الواو والياء - للادغام.
(وجاء : ودّ في وتد) بكسر التاء ، وقد تفتح بالمعنى المعروف (في) لغة : (تميم) باسكان التاء على قاعدتهم في تخفيف الأبنية وقلبها دالا مع الادغام ، وذلك لكثرة اهتمامهم بالتخفيف حتّى لم يبالوا باللبس عند حصوله ، ولا يجوز عند تميم الوتد بالاسكان والاظهار.
(ولا تدغم حروف - ضوى مشفر -) فيما يقاربها بالاستقراء ، والنكتة فيه على ما ذكروه في القلب إلى المقارب والادغام من زوال صفتها الفاصلة الّتي يستكره زوالها وتستحق المحافظة عليها ، وذلك لما في الضاد المعجمة من الاستطالة لأنها تطول حتّى كأنها تدرك مخرج اللّام ، وما في الواو والياء من المدّ واللين ، وما في الميم من الغنة ، وما في الشين المعجمة والفاء من التفشي وهو الانتشار في مخرجهما لزيادة رخاوتهما ، وما في الراء من التكرير.
وهذا بخلاف ادغام تلك الحروف في المماثل ، فانّه يؤكد الصفة فلذلك إرتكبوه ، وضوى : كعلم من الضوى - للهزال - وفاعله المشفر ، وهو للبعير كالشفة للانسان.
(و) امّا(نحو : سيّد) وأصله : سيود ، (وليّة) وأصلها : لوية - بفتح اللّام وسكون الواو - من لوى يلوي ، وغيرهما ممّا قلبت فيه الواو إلى الياء المقاربة لها في صفة الجهر واللين والتوسط بين الرخاوة والشدّة وادغمت فلا يرد اعتراضا على عدم ادغام تلك الحروف في المقارب ، لأنّ الادغام في نحو ذلك في المماثل لا في المقارب ، وذلك لأنهما(انّما ادغما لأنّ الاعلال) اللّازم فيهما وهو قلب الواو إلى الياء المناسبة لها في تلك الصفات كما مرّ(صيّرهما مثلين) والقصد انّما توجه إلى الادغام بعد القلب المتماثل الحاصل بعده وليس سابقا في القصد على اعتبار الاعلال حتّى يكون الادغام للتقارب والاعلال للادغام ، هذا ما يناسب كلام المصنف ههنا.
وأورد عليه ان ذلك الاعلال لو كان لمجرد استثقال الاجتماع كان جاريا مع تحرك السابق نحو طويل مع عدم جريانه فيه ، فحيث اختصّ بما إذا سكن السابق عرفتا انّ السبب فيه قصد الادغام لسكون السابق مع الاستثقال المذكورة كما مرّ ، فقصده متقدم على حصول المماثلة بالاعلال ، ودعوى ان اجتماعهما مع سكون السابق أثقل من العكس فلذلك اختصّ الاعلال به لا يخلو عن تعسف ، فتأمل.
ولعلّ الأظهر ان امتناع ادغام حروف - ضوى مشفر - في مقاربها انّما هو فيما يزول فيه فضيلة المدغم على ما يناسبه النكتة المذكورة كالشين ، في الجيم ، بخلاف الواو في الياء لاشتراكهما في فضيلة اللين ، وشهادة الاستقراء على ذلك (1)كليّا كما هو ظاهر كلامهم ممنوعة ، فلعلّهم قصدوا في نحو : سيّد الادغام في أوّل الأمر لثقل الاجتماع وسكون الأوّل المناسب للادغام ، فتأمل فيه.
(وادغمت النون) الّتي هي أقوى في الغنة من الميم (في اللّام والرّاء) المتقاربتين لها في المخرج نحو : من ربّك ، ومن لدنك ، وان زالت الغنة بهذا الادغام في لغة الأكثر ، ولا يقدح ذلك في المنع عن ادغام الميم في المتقارب لحفظه الغنة لأن حفظها
1) أي على امتناع الادغام.
انّما يراعي فيما لم يكن فيه داع أقوى إلى الادغام كما هنا ، فانّ النون في معرض الخفاء ويحتاج بيانها مع غير حروف الحلق إلى اعتماد قويّ ونبرة فيها وهي بالنون والموحدة والمهملة - رفع الصوت - وذلك مكروه عند الذوق ، بخلاف الميم ، فادغام النون (لكراهة نبرتها) اللّازمة من اظهارها معهما ، ولم يختاروا اخفائها معهما كاخفائها مع نحو الكاف والدال لأنهما أقرب مخرجها إليها من نحو ذلك مع التناسب في الجهر ونحوه فكأنهم خصوهما بالادغام المناسب للمتماثل تنبيها على اختصاصهما بكمال التقارب.
(و) ادغمت النون (في الميم - وان لم يتقاربا -) في المخرج ، (لغنتهما) فنزل اشتراكهما في هذه الصفة الفضيلة منزلة التماثل ، (و) ادغمت النون أيضا(في الواو ، والياء) نحو : من يوم ، ومن وال ، مع عدم التقارب في المخرج (لامكان بقائها) - أي الغنة - عند ادغامهما فيهما فلا تزول فضيلتها وذلك عند سيبويه وسائر النحاة باشراب صوت الفم شيئا من الغنة ، لزوالهما عن النون إذا صارت واوا أو ياء بالادغام التام فيهما ، لتجردهما عن الغنة فلا تحصل بعد الادغام بدون ذلك الاشراب ، ثمّ ان هذا الاشراب يتأتى مع ادغامها في كل ما خلا عن الغنة ، ولذلك يقع ادغام النون في اللّام والراء مع الغنة في لغة بعض العرب.
واختار بعض المحققين انّ الادغام مع الغنة ليس بتمام بل ناقص متوسط بين الادغام التام والاخفاء فبقاء الغنة لبقاء أثر النون وهو الراجح في ادغامهما في الواو والياء لنقصان تقاربها لأنه في بعض الصفات كالجهر دون المخرج والادغام انّما هو للتقارب ، فالمناسب نقصانه عند نقصانه ، بخلاف اللّام والراء المتقاربتين لها في المخرج وبعض الصفات أيضا فانّ الراجح فيهما الادغام التام الّذي تزول معه الغنة لقوة التقارب.
ثمّ ان ما ذكر من المنع من ادغام حروف - ضوى مشفر - في المقارب مذهب النحاة وأكثر القرّاء ، (وقد جاء) الادغام في المقارب في بعضها. عن بعض القراء ، كما
جاء ذلك عن السوسي (1)((لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ)) (2)بادغام الضاد في الشين المقاربة لها(و) جاء((اغْفِرْ لِي)) (3)، (وَيَغْفِرْ لَكُمْ*)(4)، (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ)(5)، و(يَنْشُرْ لَكُمْ)(6)، إلى غير ذلك ممّا وقعت فيه الراء الساكنة قبل اللّام ، فانّها تدغم فيها فيما روى عن أبي عمرو واجازه الكسائي والقراء من جهة القياس.
(و) جاء (نَخْسِفْ بِهِمُ)(7)بادغام الفاء في الموحدة على ما اختاره الكسائي في هذه الآية في سورة سبأ وحدها ، وقد يقال : ان مرادهم بالادغام في هذه المواضع هو الاخفاء تجوّزا ، لتقاربهما كيف لا والادغام الحقيقي في : لبعم (8)شأنهم يؤدي إلى التقاء الساكنين على غير حده لسكون العين الّتي ليست من حروف اللين قبل الضاد.
يسكن أبو عمرو الميم المتحركة ويأتي بها خفية إذا كان قبلها متحرك وبعدها الباء نحو : (بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) واضحا له يسمونه ادغاما - تجوّزا - على ما يقال.
(و) كما لا تدغم حروف - ضوى مشفر - (لا) تدغم (حروف الصفير في غيرها لفوات) [صفتها] الصفة الفاضلة الّتي هي الصفير منها بالادغام ، ويجوز ادغام بعضها في بعض كما يجيء - انشاء الله تعالى - لبقاء الصفة.
(و) كذلك (لا) تدغم الحروف (المطبقة في غيرها) نحو : فرطت ، وبسطت ، واحفظ ذلك ، واحفظ ثانيا ، (من غير اطباق على الأفصح) ، محافظة على فضيلة الاطباق ، وانّما تدغم مع بقاء الاطباق والاستعلاء ، وفيه كلام يأتي - انشاء الله تعالى -.
(و) كذا(لا) تدغم (حروف حلق في) حرف آخر من حروف الحلق (ادخل منه) في الحلق لأنّ الادخل أثقل فالقلب إليه والادغام ينافي التخفيف المطلوب من الادغام كما مرّ ، (إلّا الحاء في العين ، و) في (الهاء) ، فانّها تدغم فيهما على ما سمع منهم وان كانتا أدخل منها.
(ومن ثمّ قالوا فيهما : اذبحّتودا ، واذبحّاذه) وذلك لعارض داع إليه كما مرّ.
وإذ قد علمت حكم ادغام المتقاربين اجمالا فهذا تفصيل ما يدغم من المتقاربة في المقارب.
ولنبدأ بحرف الحلق لأنه أوّل المخارج ، والهمزة لا تدغم فيها شيء ممّا يقاربها لكونها أدخل من الجميع ، وكأنهم حملوا عليه عكس ذلك فلم يدغموها في شيء ممّا يقاربها ، والألف يتعذر فيها الأصل في الادغام وهو الادغام في المثل لتعذر الحركة اللّازمة في ثاني المثلين ، وحمل عليه الادغام في المقارب في المنع مع ان ادغامها في المقارب وقلبها إليه يؤدي إلى زوال ما فيها من المدّ والاستطالة فمنعوه.
وامّا غيرهما(فالهاء) تدغم (في الحاء) المهملة ، للتقارب في المخرج والتناسب في الهمس والرخاوة نحو : اجبه حّاتما وهو أمر من جبه فلانا - بالجيم - أي ضرب جبهته ، ولم يدغم في العين مع انّها أقرب مخرجا إليها من الحاء لجهر العين وتوسطها بين الشدّة والرخاوة ، فالهاء أسهل على الناطق منها فكرهوا قلبها إليها.
(والعين) المهملة تدغم (في الحاء) المهملة ، لكمال تقاربهما نحو : ارفع حّاتما ،
وقال سيبويه : الادغام والاظهار كلّاهما حسن ، بخلاف إدغامها - أي العين - في الهاء بعد قلبهما حائين نحو : محّم فانّه ضعيف كما مرّ.
(والحاء) المهملة تدغم (في العين) وفي (الهاء) لكن ذلك على خلاف القياس إلى الأوّل ، لأنه (بقلبهما حائين) كما مرّ في نحو : إذبحتودا ، واذبحاذه.
(وجاء : (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ)(1)) خاصّة في المشهور (2)بالادغام بقلبهما حائين (3)فلم يقولوا في أجبه عبدك اجبحّبدك - بتشديد الحاء -.
(والغين) المعجمة تدغم (في الخاء) المعجمة ، نحو : ادمغ خالدا وهو أمر من : دمغه إذا شجه حتّى بلغت الشجة دماغه ، والاظهار في نحوه أحسن عند سيبويه.
(والخاء) المعجمة تدغم (في الغين) المعجمة على عكس ذلك نحو : اسلخ غنمك ، والاظهار فيه أحسن.
وانّما جوزوه مع كون العين أدخل من الخاء لكونهما في آخر مخارج الحلق قريبا من اللسان فاجريتا مجرى حروف الفم الّتي تقلب كل منهما إلى الآخر كما أجريتا مجراها في لغة من أخفى النون فيهما في نحو : منخل ومنغل مع ان حكمها مع حروف الحلق الاظهار.
(والقاف) تدغم (في الكاف) نحو : (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ)(4)، (والكاف في القاف) نحو : لك قصورا ، (والجيم في الشين) نحو : أخرج شيئا ، والادغام والاظهار كلّاهما
حسن في كل من هذه الثلاثة وان كان الاظهار أحسن في الثاني ، لأنّ القاف أدخل من الكاف على ما ذكره سيبويه ، وقد روي عن أبي عمرو ادغام الجيم في التاء في قوله تعالى : (ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ)(1)وهو نادر ، وادغام الشين في السين في : ذي العرش سبيلا وبالعكس نحو : (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً)(2)وان ادّى إلى زوال فضيلة الصفير الّتي في السين لاشتراكهما في التفشي فكأنهما من مخرج واحد.
(واللّا المعرّفة) : على صيغة اسم الفاعل الّتي تفيد التعريف وهي اللّام (تدغم وجوبا في مثلها) أي في اللّام ، كاللّحم واللّبس ، (و) تدغم أيضا وجوبا(في ثلاثة عشر حرفا) وهي : التاء المثناة من فوق ، والثاء - المثلثة - ، والسين والشين ، والصاد والضاد ، والطاء والظاء ، والراء والزاء ، والدال والذال ، والنون ، لمناسبته كثرة دوران لام التعريف للادغام والتخفيف ومناسبة هذه الحروف لها في المخرج ، فان ما سوى الضاد والسين من هذه من طرف اللسان على وجهه.
والضاد لاستطالتها كأنها تدرك مخرج اللّام كما مرّ ، والسين متصل بمخرج الطاء ، وتظهر وجوبا مع باقي الحروف.
وقد تسمّى لام التعريف الداخلة على ما تدغم فيها اللّام الشمسية - أي الّتي تدغم كما في لفظ : الشمس ، وقد تسمّى الداخلة على البواقي القمرية ، لعدم ادغامها كما لا تدغم في لفظ : القمر.
(و) ادغام اللّام (الغير المعرّفة لازم في نحو) : قوله تعالى : (بَلْ رانَ) (3)على قلوبهم ، - أي غلب عليها - على بعض التفاسير ، ونحو : (قُلْ رَبِّي ، *) ونحو
ذلك ممّا وقعت فيه اللّام الساكنة من : قل ، وهل ، وبل من القرآن - خاصّة - على ما يقال قبل الراء الّتي هي في كمال القرب منها ، فانّها تدغم فيها في نحو ذلك عند وصلها بها اتباعا للمأثور في نحوه.
وقد قرأ حفص : بل ران بالاظهار مع سكتة لطيفة على اللّام من بل.
وامّا في غير القرآن فادغامها أحسن من الاظهار قياسا لكمال القرب ، وقال سيبويه: عدم الادغام لغة أهل الحجاز وهي عربية جائزة.
(و) ادغام اللّام الغير المعرفة(جائز في البواقي) من الصور الّتي هي غير ما حكم بلزومه فيها نحو : (هَلْ ثُوِّبَ ،) و(بَلْ زُيِّنَ ،) و(هَلْ تَرى ، ) وبل ظلّوا ، (بَلْ تَأْتِيهِمْ) ، (هَلْ نُنَبِّئُكُمْ) ، (بَلْ ظَنَنْتُمْ) ، (بَلْ سَوَّلَتْ) ، (بَلْ طَبَعَ) ، إلى غير ذلك.
ثمّ تتفاوت تلك الحروف في حسن الادغام على ما فصّل في موضعه.
(والنون الساكنة) تنوينا كانت أو غيرها(تدغم - وجوبا - في حروف - يرملون -) وهي : ستّة أحرف ، وهو من الرمل محركة بمعنى : الهرولة ، وذلك إذا لم يؤد الادغام إلى اللبس ، ولذلك أجمع القراء على اظهارها مع الواو والياء في كلمة واحدة كالدنيا وصنوان ، إذ لو قيل : ديّا وصوّان لم يعلم انّهما من الدّي والصوّ - بالتشديد - أو من الدنو والصنو - بالنون -.
(والأفصح) : عند الادغام (بقاء غنتها) وهي : صوت في الخيشوم في حال ادغامها ، (في الواو ، والياء) نحو : من يوم ومن ولّى ، لضعف التقارب ، فانّه في الصفة دون المخرج فالاولى ان يبقى الغنة الّتي أثرها ، وهذا مذهب جميع القراء إلّا ما ورد في رواية خلف عن حمزة من ادغامها فيهما بدون الغنة.
وامّا اظهار النون الساكنة مع الواو في (يس وَالْقُرْآنِ) في قرائة جماعة منهم
حفص ، فلا اعتبار انّ الوصل في أسماء حروف التهجي بنية الوقف ولمثل هذا أظهرها حمزة مع الميم في : طسم من سورتي الشعراء والقصص.
(و) كما انّ الأفصح معهما بقاء الغنة كذلك الأفصح (اذهابها) في حال ادغامها(في اللّام والراء) نحو : من لدنك ، ومن ربّك ، وغفور رحيم ، وخبير لطيف ، لكمال التقارب فانّه في المخرج والصفة معا ، ولذلك أجمع عليه القراء.
(وتقلب) النون الساكنة(ميما قبل الباء) الموحدة ، نحو : أن بورك ، وسميع بصير ، كما مرّ في الابدال ، وذلك لامتناع الادغام لبعد المخرجين وبشاعة الاظهار ولشبه الباء بالميم الّذي لم يظهروا معها النون في المخرج مع ما في اظهارها معها من النبرة فقلبوها ميما لمجانسة الباء.
(وتخفى) النون الساكنة(في غير حروف الحلق) وغير حروف يرملون ، وغير الباء ، واكتفى عن استثنائها بالتعرّض لحكمها فيما قبل هذا ، وامّا استثناء حروف الحلق فلأنها يظهر معها نحو : حقيق على ، ومن حيث ، ومن علق ، وانعمت ، وينأون ، ومن هذا ، ومن خير ، وفسينغضون ، لشدّة التباعد في المخرج.
وانّما اخفيت مع البواقي وهي : خمسة عشر حرفا ، نحو : من شاء ، ومن تاب ، ومن صلح ، لتوسط مخارجها عن مخرجها بين البعد الّذي هو لمخرج حروف الحلق والقرب الّذي هو في مخرج ما تدغم فيها فيناسبها الاخفاء الّذي هو حالة متوسطة بين الادغام والاظهار.
وما زعمه بعضهم من ادغامها في الجيم ضعيف لا يكاد يعرف ، وامّا إجّانة ، واجّاصة كلتاهما بتشديد الجيم - فليس الأصل فيهما انجانة وانجاصة مع النون كما زعمه بل هاتان لغتان أخريان فيهما.
وإذا كانت أحوالها ما ذكر(فيكون لها خمسة أحوال) : الادغام مع الغنة في
حروف - ينمو - من حروف يرملون.
والادغام بدونها في اللّام والراء.
والقلب ميما مع الباء.
والاظهار مع حروف الحلق.
والاخفاء مع البواقي.
(و) النون (المتحركة : تدغم - جوازا -) بعد اسكانها في حروف يرملون ، ويظهر مع البواقي ، وجوز سيبويه من جهة القياس اسكانها واخفائها مع ما تخفى معها الساكنة ، وذكر انّه ليس بمسموع.
(والطاء ، والدال) المهملتان ، (والتاء) الفوقانية الّتي هي غير تاء «افتعل» وتفاعل ، «وتفعّل» ونظائرها ، (والظاء ، والذال) المعجمتان ، (والثاء) المثلثة ، (تدغم بعضها في بعض) ، لتقارب مخارجها نحو : (قالَتْ طائِفَةٌ*) و(إِذْ ظَلَمْتُمْ ،) وقد تعلمون ، وفلمّا أثقلت دعو الله ، (و) هذه الحروف الستّة تدغم (في الصاد) المهملة ، (والزاي ، والسين) المهملة ، لقرب المخارج.
ولم يعكسوا بأن يدغموا هذه الثلاثة في تلك الحروف الستّة ، لفوات فضيلة الصفير ، وتلك الستّة تدغم في الضاد والشين - المعجمتين - لكنّه أقل من ادغامها في هذه الثلاثة.
والحروف المطبقة ان ادغمت في غيرها مع ذهاب الاطباق كما هو لغة بعض العرب فالأمر ظاهر والادغام تام ، (والاطباق في نحو : فرّطت) ، واحطت ، وبسطت ، (ان كان معه ادغام) بأن يدغم المطبقة في ما يقاربه ادغاما تاما مع بقاء الاطباق كما هو ظاهر جماعة من النحاة والقرّاء(فهو اتيان بطاء اخرى) ان كان ذلك المطبق طاء كما في الأمثلة ، وجمع بين ساكنين وذلك لأنّ الاطباق صفة للحرف المطبق فلا يتصور بقاؤها بدون بقاء ذات الحرف ، والحكم ببقاء ذاته مع القلب إلى
حرف آخر للادغام بديهي البطلان لأنه حكم بوجود الحرف وعدمه في حالة واحدة فتعين ان تبقى ويؤتى معها بطاء ساكنة اخرى مثلا فتقلب تاء وتدغم في التاء حتّى يكون بقاء الاطباق باعتبار الساكنة الاولى ، وادغام حرف الاطباق باعتبار الاخرى فهو اتيان بطاء ساكنة اخرى وجمع بين ساكنين على غير حده ، وهو فاسد.
وقد أجيب عن الاعتراض بالتزام زوال ذات الحرف مع بقاء الاطباق كما قد يبقى الغنة في النون مع زوالها عند الادغام وعند حروف الاخفاء ، وردّه المصنف في شرح المفصل : بأن الاطباق رفع اللسان إلى ما يحازيه من الحنك بالتصويت بصوت الحرف المخرج عنده فلا يستقيم إلّا بنفس الحرف فيلزم ما ذكر ، ومن راجع وجدانه علم ان بقاء الاطباق في نحو ذلك متعذر بدون الاتيان بالطاء.
وهذا(بخلاف الغنة) (1)(في) قول (من يقول) : ببقائها بدون النون ، فانّها صوت لا يتوقف على مجيء النون ، فانّها تخرج من الخيشوم والنون من الفم وان توقف عليها بيان النون ، ولا يلزم من استلزام النون لها عند البيان استلزامها للنون كما في اللّازم الأعم.
ثمّ اختار بعد هذا الردّ انّ الادغام ههنا ليس صريحا بل يؤتى بالمطبق حقيقة ويؤتى بما بعدها بلا فصل بحيث يشتد تقاربهما حتّى كأنه أخفى المطبق فاطلق عليه الادغام كما أطلق على الاخفاء في بعض المواضع.
وليعلم ان ثاني المتقاربين ان كان ضميرا مرفوعا متصلا لزم الادغام مع شدّة التقارب كما في : عبدت ، واردت ، لأنّ المتقاربين في مثله كأنهما في كلمة واحدة ، لكون الضمير المذكور كالجزء بخلافهما إذا كانا في كلمتين مستقلتين نحو : اعد تمرك.
(والصاد ، والسين) المهملتان ، (والزاي ، تدغم بعضها في بعض) ، لتقارب
1) وبعض نسخ متن الشافية : بخلاف غنة النون.
المخارج والاشتراك في فضيلة الصفير ، (والباء) الموحدة تدغم (في الميم و) في (الفاء) للتقارب في المخرج لكونها شفوية ، وذلك نحو : (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ، *) و(ارْكَبْ مَعَنا ،) واذهب فمن تبعك ، وان تعجب فعجب.
واختلفت آراء القراء في اختيار الاظهار والادغام في نحو ذلك في مواضع من الكتاب العزيز.
(وقد تدغم تاء «افتعل») في التاء الّذي اتفق وجودها معها في الكلمة - وجوبا - ان كانت تلك التاء فاء الكلمة نحو : اتّجر من التجارة ، لسكون فاء «افتعل» فيجتمع مثلان مع سكون الأوّل فيجب الادغام ، وجوازا للتخفيف ان كانت عينا لها نحو : اقتتل كما مرّ ولم يجب لاختصاص وجوب ادغام المثلين المتحركين بالاستقراء بما إذا كانا في الآخر الّذي هو محل التغيير ، وقيل : لعدم لزوم التاء الثانية للاولى في نوع الباب لانفكاكها عنها في نحو اجتمع فكأنهما في كلمتين على ما قال سيبويه مع تحركهما لكن لما لم يكونا في كلمتين حقيقة جاز الادغام ، بخلاف : قرم مالك فانّ المتحركين فيه في كلمتين حقيقة(فيقال) مع الادغام : (قتّل وقتّل) - بتشديد التاء المفتوحة فيهما وفتح القاف في أحدهما وكسرها في الآخر ، لأن اسكان تاء الافتعال للادغام ، امّا بأن ينقل حركتها - وهي الفتحة - إلى الساكن قبلها وهو فاء الكلمة ، وامّا بأن تحذف حركتها فيلتقي ساكنان فيحرك الأوّل وهو الفاء بالكسر.
والتزموا على التقديرين حذف همزة الوصل للاعتداد بالحركة بعدها لجريانها مجرى الحركة الأصلية من جهة ان فاء الكلمة أصله التحرك في أصلها المجرد كقتل ، بخلاف حركة اللّام في نحو : الحمر ، لأن لام التعريف أصلها السكون فلذلك جاز فيه حذف الهمزة واثباتها كما مرّ ، وحيث لم يتعين الفتح الّذي هو مظنة الالتباس بماضي التفعيل عند الادغام لجواز الكسر السالم عن الالتباس عنده فليس نفس
الادغام من حيث هو موجبا للالتباس.
ويقال في المضارع : يقتل - بفتح حرف المضارعة وفتح ما بعده ان فتح في الماضي ، وكسره ان كسر فيه وكسر العين المدغم فيها كما كان قبل الادغام.
ومنه : يخصّمون وأصله : يختصمون ، ولم يجوزوا في نحو : يمدّ ويعضّ ما جوزوا ههنا من حذف الحركة وكسر الساكن المتقدم ، للمحافظة على البناء ، مع ان جواز الأوجه الثلاثة الّتي هي : الاظهار ، والاخفاء ، والادغام ، في نحو : اقتتل هوّن عليهم التصرف فيه بحذف حركة أوّل المثلين ، بخلاف نحو : يمدّ فانّه يلزم فيه الادغام فعومل به ما هو الأصل فيه من نقل الحركة إلى ما قبل المثلين.
(و) هذان الوجهان وهما : فتح الفاء وكسرها في نحو : اقتتل بعد الادغام (عليهما) يحصل في اسم الفاعل المأخوذ منه (مقتّلون) - بفتح القاف - (ومقتّلون) - بكسرها - ، وأهل مكّة يقولون : مقتلون - بضمّ القاف اتباعا لضمّة الميم -.
(وقد جاء (مُرْدِفِينَ)(1)) بضمّ الراء وتشديد الدال - حكاه سيبويه عن الخليل وهرون على انّ الأصل : مرتدفين على صيغة اسم الفاعل من ارتدفه - أي استدبره - فقلبت تاء الافتعال دالا وادغمت وضمت الراء(اتباعا للميم) ، ويجوز فيها الفتح والكسر ، وقراءة السبع بسكون الراء على انّه من باب الافعال إلّا ان نافعا قرأ على صيغة اسم المفعول وفاقا لقنبل على رواية غير معتبرة ، والباقون على صيغة اسم الفاعل.
(وتدغم الثاء) المثلثة إذا كانت فاء افتعل (فيها) أي في تاء افتعل (وجوبا) على ما صرّح به الزمخشري ، لقرب المخرجين والاشتراك في الهمس حتّى كأنهما مثلان مع سكون الأوّل ، واستحسانا على ما صرّح به بعضهم لعدم التماثل حقيقة ، وهذا الادغام جاء في لغتهم (على الوجهين) في ادغام المتقاربين ، وهما قلب الأوّل إلى
1) الآية : 9 الأنفال.
الثاني كما هو القياس ، وقلب الثاني إلى الأوّل كما في : اذبحتودا ، وذلك (نحو : إثّار) بالمثلثة المشدّدة - وهو أفصح ، (وإتّار) بالفوقانية المشدّدة - في : إثتار فلان بالمثلثة على «افتعل» أي أدرك ثأره.
(و) تاء «افتعل» (تدغم فيها السين) المهملة ادغاما(شاذا على الشاذ نحو : اسّمع) - بتشديد السين - في استمع بقلب تاء الافتعال سينا والادغام ، ففي هذا الادغام شذوذ من جهة انّ السين من حروف الصفير فلا تدغم في غيرها ، وشذوذ آخر على ذلك الشذوذ من جهة انّ القياس في ادغام المتقاربين قلب الأوّل إلى الثاني وقد عكس ههنا ، وانّما ارتكبوه ولم يقلبوا الثاني إلى الأوّل (1)ليخلو عن الشذوذ الثاني (لامتناع : إتّمع) بتشديد التاء ، كما يلزم من قلب السين إلى التاء لما فيه من ذهاب فضيلة الصفير الّتي كانت في السين فحيث خالفوا قياس حرف الصفير من عدم ادغامه في غيره قلبوا الغير إليه ليؤل إلى ادغام حرف الصفير في نفسه وتبقى فضيلته ويسهل الخطب في ادغامه.
(وتقلب) تاء افتعل (بعد حروف الاطباق طاء) مهملة ، لما بينها وبين تلك الحروف من التنافر في الصفات على ما يظهر من الرجوع إلى صفات الحروف فقلبت طاء لموافقتها لها في المخرج ولتلك الحروف في الصفة ، (فتدغم) بعد قلبها طاء(فيها) أي في حروف الاطباق (وجوبا) في ما إذا كان الحرف المطبق هو الطاء ، نحو : (إطلب) لاجتماع المثلين مع سكون الأوّل ، (وجوازا على الوجهين) وهما قلب الأوّل إلى الثاني وعكسه (في) ما إذا كان المطبق ظاء معجمة نحو : (إظطلم) وأصله : اظتلم كافتعل ، وإذا ادغم جاز : إطّلم - بتشديد الطاء المهملة - كما هو القياس ، وإظّلم - بتشديد المعجمة - كاذبحّتودا.
(وجاءت) الصور(الثلاث) الّتي هي : الاظهار ، والوجهان في الادغام (في) قول
1) هكذا في نسخ الّتي بأيدينا ولكن الظاهر : ولم يقلبوا الأوّل إلى الثاني ، فتأمل.
زهير بن أبي سلمى المزني في مدح هرم بن سنان :
هو الجواد الّذي يعطيك نائله
عفوا(ويظلم أحيانا فيظطلم) (1)
فجاءت الثلاث في قوله : فيظلم على البناء للفاعل من باب الافتعال ، وامّا قوله : يظّلم فهو من المجرد على البناء للمفعول.
والمعنى : هو الجواد الّذي يعطيك عطاء عفوا - أي بسهولة - من غير المنّ والمطل وقد يظلم في الطلب لكثرته في أوقات احتياجه إلى المال فيتحمل ذلك الظلم.
وروى الجيلي في البيت وجها رابعا وهو : ينظلم على زنة ينقطع.
(و) تدغم الطاء المنقلبة عن تاء الافتعال (شاذا على الشاذ في : اصطبر ، وإضطرب) ، فيقال : إصّبر - بتشديد الصاد المهملة - ، وإضّرب - بتشديد المعجمة - فوجه شذوذه في الأوّل ادغام حرف الصفير في غيره ، وفي الثاني ادغام ما هو من حروف - ضوى مشفر - في غيره ، ووجه الشذوذ على الشذوذ قلب الثاني إلى الأوّل على خلاف القياس في ادغام المتقاربين ، وانّما ارتكبوا ذلك ولم يعكسوا(لامتناع : إطّبر ، واطّرب) بالمهملة المشدّدة فيهما - عند الفصحاء وان جاء في الشاذ الغير الفصيح اطّرب ، وذلك لفوات فضيلة صفير الصاد في الأوّل ، وفوات فضيلة الاستطالة في الثاني ، فجعلوا الادغام بقلب الطاء إليهما ليؤل إلى ادغام حروف الصفير والاستطالة في أنفسهما.
وما حكاه سيبويه عن بعضهم انّه قال : مطّجع في : مضطلجع كأنه نادر لا يعبأ به.
(وتقلب) تاء افتعل (مع الدال ، والذال ، والزاي) بعد تلك الحروف (دالا)
1) البيت : قد ذكر الشارح قائله ومعناه ، والاستشهاد في قوله : فيظلم فقد روى بثلاثة أوجه أولها «فيظطلم» باظهار كل من الحرفين ، والثاني : «فيظلم» بالقلب والادغام ، والثالث : «فيطّلم» بالقلب والادغام.
مهملة ، لمنافرتها لتلك الحروف في الصفات كما يظهر بالرجوع إلى صفات الحروف فقلبت دالا لمناسبتها لها في المخرج ولتلك في الصفات ، (فتدغم) الدال المنقلبة عن تاء الافتعال (وجوبا في) ما وقعت فيه بعد الدال المهملة لاجتماع المثلين مع سكون الأوّل ، نحو : (إدّان) - بتشديد الدال - بمعنى : افترض ، من الدين ، وأصله : إدتان فقلبت تاء الافتعال دالا وادغمت.
(و) تدغم (قويّا) فصيحا(في) ما وقعت فيه بعد الذال المعجمة نحو : (إدّكر) بالدال المهملة المشدّدة - في اذتكر من الذكر ، فقلبت التاء دالا ثمّ قلبت المعجمة مهملة للتقارب على القياس الّذي هو قلب الأوّل إلى الثاني وادغمت.
(وجاء) فيه (اذّكر) بالذال المعجمة المشدّدة بقلب الدال المنقلبة عن تاء الافتعال ذالا معجمة على خلاف القياس كما في : إظّلم - بتشديد المعجمة - ، (واذدكر) بالمعجمة قبل المهملة على الاظهار على ما رواه أبو عمرو خلافا لسيبويه حيث أوجب الادغام.
(و) تدغم (ضعيفا) مع الزاي المعجمة كما(في نحو : إزّان) من الزينة ، وأصله : ازتان فقلبت التاء دالا ثمّ الدال المنقلبة عنها زايا على خلاف قياس الادغام في المتقاربين وادغمت ، وانّما ارتكبوه وقالوا : ازّان ولم يقلبوا الزاي دالا(لامتناع : إدّان) بتشديد الدال المهملة على قلب الزاي دالا ، لما فيه من فوات فضيلة الصفير الّذي هو في الزاي.
(ونحو : خبطّ) بتشديد الطاء المهملة ، (و) قولهم : (حصطّ ، وفزدّ ، وعدّ) - بتشديد الدال المهملة - (في : خبطت) فلانا بمعنى أنعمت عليه من غير معرفة كما في قول علقمة :
وفي كلّ حيّ قد خبّط بنعمة
فحقّ لشاس من نداك ذنوب (1)
1) البيت : قائله معلوم. وحق : على البناء للمفعول. والندى : العطاء. والذنوب : بفتح المعجمة الدلو مطلقا ، أو الممتلئة من الماء. أي في كل قبيلة قد انعمت بنعمة من غير معرفة وحق لشاس من عطائك العظام يعني : ان عطائك عليه أعظم.
ويقال : أيضا خبطت الشجر - إذا ضربتها بالعصا ليسقط ورقها - ، (وحصت) من الحوص - للخياطة - ، (وفزت) من الفوز - للنجاة - ، (وعدت) من العود بمعنى الرجوع ، (شاذ) لما فيها من قلب تاء الضمير الّذي هو للمتكلم أو المخاطب طاء ودالا - مهملتين - بعد الطاء والصاد والدال - المهملات - ، والزاي ، كتاء الافتعال بعد هذه الحروف ، والحال انّ الضمير كلمة مستقلة منفصلة عمّا قبلها حقيقة.
والوجه على شذوذه تنزيل ذلك الضمير لاتصاله منزلة الجزء من الفعل كتاء الافتعال ، والادغام بعد القلب واجب في نحو : خبط ، وعدّ ، لاجتماع المثلين وسكون الأوّل.
وشاذ على الشاذ في : حصّ في حصط لما فيه من شذوذ ادغام حرف الصفير ، وشذوذ قلب الثاني إلى الأوّل كما اسّمع لامتناع ، حطّ ، لفوات فضيلة الصفير ، وضعيف في : فزّ في فزد مثل أذان لامتناع فدّ - بتشديد الدال - كادّان فيضطر عند قصد الادغام إلى ما هو ضعيف من قلب الثاني إلى الأوّل أعني قلب الدال زايا.
وليقتصر في قلب تاء الضمير إلى الحرفين على السماع على ما قيل.
(وقد تدغم) على قلّة تاء المضارعة في تاء التفعل والتفاعل في (نحو : تتنزّل) ، وتتباعد ، (وتتنابز) (1) جماعة كذا - أي يلقب بعضهم بعضا - من النبز - بالنون والموحدة والمعجمة - وهو اللقب ، (وصلا) أي عند الوصل بكلمة اخرى متقدمة ، (و) الحال ان تكون تاء المضارعة منهما بحيث (ليس) يقع (قبلها ساكن صحيح) من الكلمة الّتي وصلت بها بل يقع قبلها امّا : صحيح متحرك كاللّام من : قال في قولك :
(1) وفي بعض نسخ المتن : تتنابزوا بصيغة الجمع.
قال تنزل ، وقال تنابز - بتشديد التاء فيهما للادغام ، وامّا ساكن من حروف اللين مدّة كانت نحو : قالوا تنزل ، أم غيرها نحو : ولو تنزل ، ومن ذلك قرائة البزي : لا يتّمموا ، لا تبرجن ، بالتاء المشدّدة - للادغام ، والوجه في جوازه حينئذ استثقال اجتماع التائين في الجملة مع عدم المانع عن دفعه بالادغام.
والتقاء الساكنين اللّازم مع الين الساكن مغتفر مدّة كانت أم لا كما مرّ ، ومنه يظهر ضعف اشتراط كون اللين الساكنة ههنا مدّة.
ويمتنع الادغام في البابين عند الابتداء التأدية (1)إلى الابتداء بالساكن ولا سبيل إلى التحرّز عنها بهمزة الوصل لامتناعها في المضارع في لغتهم ، وهذا كامتناع الادغام في ما فيه المثلان في الصدر من غير البابين وليس موقعا لهمزة الوصل نحو : ددن - بدالين مهملتين مفتوحتين - بمعنى اللهو ، وكذلك يمتنع في البابين عند الوصل إذا وقع قبل التاء ساكن صحيح من الكلمة المتقدّمة للزوم التقاء الساكنين على غير حده ، لعدم كون الأوّل لينا.
وامّا قراءة البزي : (كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ)(2)و(هَلْ تَرَبَّصُونَ)(3)ونحوهما - بالتاء المشدّدة - للادغام مع الساكن الصحيح فضعيفة ، ولما كان الادغام في البابين متعذرا وانّما يتأتى امكانه بالوصل بالغير كان قليلا ، لعدم الاعتداد بما يزول به تعذره ، لعروضه من خارج.
(و) قد تدغم (تاء «تفعّل ، وتفاعل» فيما تدغم فيه) أي في الحروف الّتي تدغم (التاء) فيها ، وهي : ثمانية الطاء ، والظاء ، والدال ، والذال ، والصاد ، والسين - المهملتان - ، والزاي ، والثاء المثلثة ، وإذا ادغمت في أحدهما وقع الساكن المدغم
في أوّل الكلمة ، (فتجب همزة (1)الوصل ابتداء) ، تحرزا عن الابتداء بالساكن وذلك (نحو : إطّيّروا) في : تطيّروا ، (وإزيّنوا) ، وازّيّنت في : تزيّنوا وتزيّنت ، (وإثّاقلوا) ، و(اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) في : تثاقلوا وتثاقلتم ، (وإدّرأوا) ، وادّارأتم ، في : تدارأوا ، وتدارأتم ، واظّلموا في : تظلّموا ، واذّكروا في : تذاكروا ، واسّاقط في : تساقط ، ففي الجميع قلبت التاء إلى ما وقع بعدها وادغمت وزيدت همزة الوصل ، وهذا القلب والادغام مطرد في الماضي والمضارع والمصدر والأمر ، واسمي الفاعل والمفعول.
ومنه : (تُساقِطْ عَلَيْكِ)(2)على قراءة فتح التاء وتشديد السين ، والأصل تتساقط - بتائين -.
وليست هذه الأفعال من باب الافتعال ، إذ لو كان أصلها «افتعل» لحصل بعد القلب والادغام : إطّاروا ، وازّانوا - بالألف - لأنّ العين المعتلة تقلب فيه ألفا كاختار ، واثّقلوا ، وادّرأوا - بتشديد الثاء ، والدال بدون الألف - لعدمها في الصحيح من «افتعل» ، ولو كان للاشباع (3)كما في : ينباع لم تطرد.
وقد يضم إلى الحروف الثمانية تاسع هو الضاد المعجمة ، لقربها باستطالتها من حروف طرف اللسان نحو : إضّاربوا في : تضاربوا ، وقد يضم الشين والجيم إليها أيضا وان كانتا بعيدتين عنها نحو : إشّاجروا ، واجّاءروا في : تشاجروا وتجاءروا.
(ونحو : إسطّاع) - بتشديد الطاء - في : إستطاع ، وما يشبهه ممّا كان على «استفعل» من الأجوف حال كونه (مدغما) وقع فيه ادغام تاء الاستفعال في أحد
تلك الثمانية الّتي تدغم فيها التاء بعد قلبها إليها ، (مع بقاء صوت السين نادر) ، لما يلزم فيه من التقاء الساكنين على غير حده ، لأن سين الاستفعال ليس لها حظ من الحركة أصلا في لغتهم فيمتنع تحريكها عندهم ، والمدغم بعدها ساكن أيضا وليست السين من حروف اللين ، ولذلك لم تدغم التاء في التاء في هذا الباب نحو : استتبع ، واستتاب ، ومن ثمّ حكم النحاة بخطاء حمزة في ارتكاب هذا الادغام في قوله تعالى : (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ)(1).
وانّما خصّ الحكم بالأجوف ، لأنّه الّذي جاء فيه الادغام على ندرة لتحرك الفاء فيه بنقل حركة العين على ما مرّ في الاعلال ، وامّا غيره من «استفعل» فلا يجوز فيه ادغام تاء الاستفعال بالاتفاق ، لسكون ما بعدها وهو الفاء نحو : استدرك ، واستطعم ، فيمتنع الادغام فيه (2).
(الحذف الاعلالي و) الحذف (الترخيمي قد تقدّم) كل منهما ، امّا الأوّل ففي باب الاعلال ، وامّا الثاني ففي الكافية في باب المنادي وفي تصغير الترخيم ان أدرج فيه.
(وجاء غيره) أي غير ما تقدم من الحذف (في : تفعّل ، و «تفاعل») من المضارع المبني للفاعل المصدّر بالتاء في البابين ، فان أصلهما : «تتفعل ، وتتفاعل» - بتائين فحذفت إحداهما للتخفيف على خلاف بينهم في تعيين المحذوفة منهما ، فعند سيبويه وأصحابه : هي الثانية لأنّ الثقل نشأ منها ، ولأنّ الاولى حرف المضارعة جيء بها لمعنى ، وعند بعضهم : هي الاولى لأنّ لا ثانية جيء بها لمعنى كالمطاوعة وحرف المضارعة طار عليها ، ومع ذلك قد تطرق إليها التغيير في صورة الادغام وصلا كما مرّ فليكن التغيير بالحذف أيضا متطرقا إليها ، وكلّاهما محتمل عند بعضهم لتعارض الدليلين.
ومنعوا من حذف إحدى التائين في المبنى للمفعول ، إذ لو حذفت الاولى المضمومة التبس بالمبنى للفاعل المحذوفة منه احداهما ، ولو حذفت الثانية التبس ما هو من التفعل بالمضارع المجهول من باب التفعيل ، وما هو من باب التفاعل بالمجهول من باب المفاعلة.
وقد جاء التخفيف بحذف إحدى النونين المجتمعين في المضارع ، ومنه : (نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ)(1)بنصب الملائكة على قراءة بعضهم والأصل : ننزّل ، وقد يجعل منه : نج المؤمنين (2)في قراءة عاصم وابن عامر ، والأصل : (نُنْجِ) - بنونين - على صيغة
المضارع المبني لفاعل من باب التفعيل ، ولذلك سكّن آخره.
(وجاء) الحذف أيضا غير ما تقدم (في نحو : مست ، وأحست ، وظلت) ، من المضاعف ، والأصل : في أحست أحسست كأكرمت فحذفت السين الاولى بعد نقل حركتها إلى الحاء ، وأصل الآخرين : مسست ، وظللت كلّاهما على «فعلت» بكسر العين ، ويجوز في نحوهما حذف العين بعد نقل حركتها إلى الفاء ، وبدون النقل فيقال : على الأوّل مست ، وظلت ، - بكسر الأوّل - ، وعلى الثاني بفتحه ، وقرأ في قوله تعالى : (قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ)(1)بفتح القاف وبكسرها ، فجعله بعضهم من المضاعف من : قرّ بالمكان يقرّ بفتح القاف أو كسرها ، والأصل : اقررن بصيغة الأمر بفتح الراء أو كسرها فنقلت فتحة الراء أو كسرتها إلى القاف وحذفت إحدى الرائين واستغنى عن همزة الوصل.
وبعضهم جعله على قراءة الفتح من الأجوف من : قار يقار - إذا اجتمع - ومنه الفارة - للأكمه - لاجتماعها ، وعلى قراءة الكسر من المثال على انّه من الوقار بمعنى الثبات والرزانة ، يقال : وقر ، يقر ، وقارا.
(و) جاء غير ما تقدم أيضا في : (إسطاع) بكسر الهمزة الوصلية - (يسطيع) بفتح حرف المضارعة ، والأصل : إستطاع يستطيع ، فحذفت تاء الاستفعال لاستثقال اجتماعها مع الطاء ، واختير حذفها لزيادتها واصالة الطاء وهو كثير فصيح.
(وجاء) في كلامهم في استطاع ، يستطيع إستاع - بكسر الهمزة - ، (يستيع) بفتح حرف المضارعة ، واختير بقاء التاء عند استثقال اجتماعها مع الطاء ليكون ما يقع بعد السين مناسبا لها في الهمس ، وجوّز سيبويه : ان يكون من حذف التاء وقلب الطاء تاء ليناسب السين في الهمس.
وامّا أسطاع يسطيع - بفتح الهمزة - للقطع في الماضي وضم حرف المضارعة فمن
1) الآية : 33 الأحزاب.
أطاع يطيع من باب الافعال كما مرّ في ذي الزيادة.
(وقالوا : بلعنبر ، وعلماء) بفتح العين - كما في قوله :
غداة طفت علماء بكر بن وائل
وعاجت صدور الخيل شطر تميم
(وملماء) - بكسر الميم - ، (في : بني العنبر ، وعلى الماء ، ومن الماء) ، قال سيبويه : هذا التخفيف قياس في أسماء القبائل الّتي تظهر معها لام التعريف نحو : بلحارث ، بخلاف ما يدغم هي فيه نحو : بني النّضير ، وبني النّجار فلا يقال : بلنضير ، وبلنجار.
ويقال : طفا على الماء بالفاء - إذا علا عليه - ، وعاجت : مالت ، والشطر : الجانب ، والطفو على الماء كناية عن صيرورتهم مقتولين فان الميتة تطفو على الماء.
(وامّا نحو : يتسع ، ويتقي) بفتح حرف المضارعة وتخفيف التاء - في : يتّسع ، ويتّقي - بتشديدها - (فشاذ) ، لأنه لما أمكن التخفيف بالادغام فالعدول عنه إلى الحذف مخالف للقياس لكنه مسموع في هذين المضارعين لكثرة الاستعمال.
واسم الفاعل منهما : متق قياسا وسماعا ، ومتسع - قياسا - فقط ، وفعلوا مثل ذلك في الماضي من يتقي مع حذف همزة الوصل فيقال : تقاه - أي أتقاه ، دون ماضي يتسع ، والتاء مفتوحة في كل من هذين المضارعين عند التخفيف ، وقد تسكن ، واستدل بتحريكها على انّهما مخففان من : يتّقي ، ويتّسع - بالتشديد - على «يفتعل» ، إذ لو كان بناؤهما بناء أصليّا من المجرد لزم تسكين التاء على قياس ما يقع بعد حرف المضارعة في الثلاثي المجرّد.
والمحذوف عند التخفيف تاء الافتعال - عند الزجاج - فوزن تقي يتقي «فعل ، يفعل» ، والأصل : وقي يوقى ، وعند المبرد التاء المنقلبة عن فاء الكلمة ، حملا على المجرد أعني : يسع ويقي في حذف الفاء فالوزن «تعل ، يتعل».
ويقال في الأمر : من تقي يتقي - تق - للمذكر ، وتقي للمؤنث ، ولكون هذا الأمر
مأخوذا من المضارع الّذي يفتح فيه التاء لم يحتج إلى همزة الوصل ، (وعليه ورد) (1)ما أنشده الجوهري وهو قوله :
زيادتنا نعمان لا تنسينّها
(تق الله فينا والكتاب الّذي تتلو) (2)
قوله : زيادتنا بالنصب على الإضمار على شريطة التفسير ، وتق : أمركما قلنا ، والكتاب : قسم أي لا تنسين يا نعمان زيادتنا إيّاك وعهدنا بك ولا تكن في مقام البغضاء واتق الله فينا بالانجيل الّذي تتلوه ، فانّ النعمان بن المنذر كان نصرانيا.
وهذا(بخلاف : تخذ) كعلم في الماضي كما في قوله تعالى : (لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)(3)في قراءة أبي عمرو وابن كثير ، (ويتخذ) كيعلم في المضارع ، (فانّه أصل) موضوع في نفسه بمعنى أخذ يأخذ - كما قال الفارسي - بقرينة التزامهم كسر العين في الماضي ، وفتحها وسكون التاء في المضارع ، ولو كان مخفف اتّخذ - يتّخذ كان المناسب فتح العين في الماضي وكسرها في المضارع.
ويجيء تحريك التاء فيه كما في : تقي يتقي على ما هو الأصل المأخوذ منه وهو «افتعل ، يفتعل» ، وقال الجوهري : ان اتخذ «افتعل» من الأخذ ، ولما كثر استعمالها توهم انّ التاء أصلية فقالوا : تخذ ، يتخذ كعلم يعلم ، وعلى هذا فالأصل : أأتخذ - بهمزتين وقلبت الثانية ياء على قياس تخفيف الهمزة الساكنة المكسور ما قبلها ثمّ الياء تاء وادغمت كما في : اتّعد واتّسر ، ويخدشه ان قلب الياء المنقلبة عن الهمزة في : افتعل كايتزر - تاء - خلاف القياس كما مرّ في الاعلال ، والتزام انّه من الشواذ المطردة الفصيحة كعود مع امكان ان يكون تخذ أصلا ويكون اتخذ على افتعل مأخوذا منه على القياس كاتّجر من التجارة كأنه خلاف الظاهر.
وقيل : اتخذ من الوخذ - بالواو - بمعنى الأخذ ، فالمقلوبة إلى التاء للادغام في تاء
الافتعال هي الياء المنقلبة عن الواو لا عن الهمزة وهو قياس كاتّعد ، ويخدشه عدم ثبوت الوخذ في اللّغة.
(واستخذ) بالسين الساكنة وتاء واحدة كما حكاه سيبويه مأخوذ(من إستتخذ) بتائين - على «استفعل» من تخذ يتخذ ، فحذفت إحدى التائين تخفيفا ، وهو شاذ ، لأنّ القياس في مثله اثبات التائين كاستتبع ، واستتاب ، مع انّه لم يظفر باستتخذ على «استفعل» في كلامهم.
(وقيل :) مجيء السين في : استخذ - بتاء واحدة - (ابدال من تاء) ما هو بمعناه وهو (إتّخذ) بالتشديد - على «افتعل» كما مرّ ، لتشاركهما في الهمس واتحاد معنى الفعلين ، وهذا ذكره سيبويه على سبيل الاحتمال ، (وهو أشذ) من جعله مخفف استتخذ كاستفعل ، لأن عادتهم العدول من اجتماع المتقاربين إلى الادغام وهذا على عكس ذلك ففيه عدول من الأخف إلى الأثقل ، بخلاف الوجه المتقدّم فانّه جار على التخفيف المطلوب في لغتهم ، وامّا عدم الظفر بالأصل فكأنه أهون ممّا لزم في الابدال لجواز كون رفض الأصل للاستغناء عنه بهذا الفرع لكونه أخف ، وقد يقع مثله فتأمل.
(ونحو : تبشّروني) من باب التفعيل ، (وتبشروني) من باب الافعال ، (وانّي ، قد تقدّم) في الكافية ، في بحث نون الوقاية.
وملخصه : انّ الأصل في نحو الفعلين نونان هما : نون الاعراب ، ونون الوقاية ، وفي : انّي ، وانّني بنون اخرى بعد المشدّدة من إنّ ، ويجوز في الجميع الاثبات وحذف نون واحدة تخفيفا ، وفي نحو الفعلين وجه ثالث وهو الادغام ، وقرأ قوله تعالى (تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ)(1)بالأوجه الثلاثة.
وههنا قد تمّ الكلام في أحوال الأبنية.
1) الآية : 64 الزمر.
(وهذه مسائل التمرين) : مصدر مرّنه على الشيء عوده عليه وهذه في التصريف كالأخبار بالّذي في علم الأعراب والغرض منها تمرين المتعلم ليعتاد التّصرف في الأبنية لمعرفة أحوالها ، فيسئلونه عن كيفيّة بناء مثل : لفظ من أبنية العرب من لفظ عربي آخر ، لأنّ الغرض هو التّدرّب لمعرفة لغتهم وليس الغرض بناء لفظ للاستعمال كذا : قال سيبويه ، فلا يجب كون ما يبني ممّا ثبت بنائه عن العرب كما توهمه بعضهم وزاد الأخفش فجوّز صوغ وزن لم يثبت في لغة العرب بوجه من الوجه مثل : وزن جعفر بكسر الحرف الثالث. ووزن جالينوس سواء كان على «فاعينول» أو «فاعيلول» فان شيئا منها لم يثبت في لغتهم فيقال : لو ثبت مثل هذا في لغتهم كيف ينطق به من لفظ كذا ، وما جوّزوه أبلغ في التّدرّب ورياضة النّفس وان كان قول سيبويه أقيس على ما يقال ، وتوضيح معنى العبارة الشائعة عندهم في السؤال عند التمرين هو (ان معنى قولهم) في السؤال عند التمرين (كيف تبنى من كذا مثل : كذا) هو انّك (إذا ركبت منها) أي من الكلمة الّتي عبّر عنها بكذا أوّلا ، وتسمّى فرعا(زنتها) أي زينة الكلمة الّتي عبر عنها بكذا ثانيا ، وتسمّى أصلا بالتّسوية بينهما في الحركات والسكنات والزيادات والترتيب بين الزّوائد والاصول.
(وعملت ما يقتضيه القياس) بالنظر إلى الفرع الّذي تريد بنائه (كيف تنطق به) أي بهذا المركب الفرعي المعمول فيه مقتضى القياس وان حصل فيه مخالفة لما بنى هو على مثله ، أعني الأصل لإقتضاء حروف أحديهما في تركيبه من : الحذف والادغام ونحوهما ما لا يقتضيه حروف الأخر.
ومن ثمّ إذا بنى من الرمي مثل اشد بضمّ الشين وتشديد الدال يقال : ارمى بكسر
الميم لكونها قبل الياء ، وان كان ما يوزايه من الأصل مضموما وليس فيه ادغام لعدم المثلين فيه ان كان في الأصل.
فهذا معنى تلك العبارة الّتي يذكرونها في السؤال التمرين عند الجمهور(قياس) قول (أبي علي ان تريد) في بيان معناها على ذكر قولك (وحذفت) من الفرع (ما حذف من الأصل قياسا) وان لم يتحقق حذفه في الفرع ، فمعناها عنده إذا ركبت منها زنتها وعملت مقتضى القياس وحذفت ما حذف في الأصل قياسا كيف تنطق به : وامّا لمحذوف من الأصل على خلاف القياس فلا تحذفه من الفرع.
(وقياس) قول قوم (آخرين) ان تزيد في معناها على ما ذكر من أبي علي قولك (أو غير قياس) بأن يقال : إذا ركبت منها زنتها وحذفت ما حذف من الأصل قياسا أو غير قياس كيف تنطق به ، فالخلاف إنّما هو في الحذف وفي حكم الزّيادة التّابعة له بأن يكون عوضا عن المحذوف كهمزة الوصل من اسم ، وامّا غيرها من الزيادات فلا خلاف في اعتبارها في الفرع كما هي في الأصل ولا في انّه يقلب فيه الحروف المقلوب في الأصل وليعلم انّه لا بدّ في التمرين من اختلاف الصيغتين فلا يقال : كيف يبني من ضرب مثل خرج إذ لا يتغيّر بشيء وكذا لا بدّ من الاختلاف في الأصل فلا يقال : كيف تبني من ضرب مثل يضرب بل يقال : كيف يكون مضارع ضرب.
وهكذا وانّه لا يبني من رباعي ثلاثي ولا من خماسي رباعي أو ثلاثي لإحتياجه إلى حذف بعض الحروف فيكون هدما لا بناء على ما قيل ، ويبني مثلها من الثلاثي ويكرّر ما هو لام الفرع عند بناء مثلهما منه لتكررهما في زنتهما وتدغم ان تحقق شرطه كما إذا بنى من ضرب مثل : قرطعب فيقال : ضربّب بثلاث موحدات على عدد لامات الخماسي مع ادغام الثانية لسكونها في الثالثة وفي بناء مثل : سفرجل منه تدغم الاولى في الثانية بخلاف ما إذا بنى منه مثل : جعفر فانّه يقال : ضربب بموحدتين بدون الادغام لتحرك الأولى مسبوقة بساكن صحيح ، وإذا بنى مثل
قرطاس يقال : ضرباب وإذا بنى منه مثل : إقشعرّ وأصله اقشعرر برائين فعند سيبويه والمازني وحكاه عن النحويين يقال : إضربّب بادغام الباء الأولى الساكنة في الثانية وتخفيف الثالثة على «افعلّل» بتشديد اللّام الأولى وعند الأخفش يقال : اضرببّ بتخفيف الموحدة الأولى وفتحها وتشديد ما بعدها ليكون كالملحق به نحو إقشعرّ وإذا بنى مثل ما ينحصر حروفه في الاصول من لفظ مشتمل على الزيادة حذفت الزّوايد كما إذا بنى من مستغفر مثل : فلس فيقال : غفر إذا عرفت.
(فمثل محويّ) في النسبة إلى المحيّ اسم فاعل من حيّ تحيّة إذا بنى من (ضرب) هو (مضرّبيّ) بإلحاق ياء النّسبة على المضرّب الّذي هو اسم الفاعل من ضرّب من باب «التفعيل» فلا يحذف منه اللّام المحذوفة في «محوى» لأن حذفها منه لإجتماع اليآت كما مرّ في النّسبة وهو مفقود في حروف «مضرّب» هذا على قول الجمهور.
(وقال أبو علي) والآخرون ان مثل : «محوى» من ضرّب (مضريّ) بحذف اللّام المحذوفة من : «محوى» قياسا(ومثل : وغد من دعا) هو (دعو) بكسر الدال (ودعو) بضمّها وبسكون العين على التقديرين إذا بنى مثل : «اسم» فإن أصله «سمو» أو «سمو» بكسر السين أو ضمّها وسكون الميم على التقديرين.
و «دعو» بفتح الدّال وسكون العين إذا بنى منه مثل «غد» فان أصله غدو بفتح الأوّل وسكون الثاني.
فهذه الثلاثة هي الّتي يبني من : «دعا» مثل : اسم (وغد لا إدع) بكسر الهمزة وسكون الدال إذا بنى مثل : «غد» لأن حذف اللّام من «إسم» و «غد» على خلاف القياس وهمزة الوصل عوض عن المحذوف وليس في تركيب «دعو» ما يقتضي شيئا من ذلك ، هذا عند الجمهور وأبي علي.
(خلافا للآخرين) الّذين يحذفون من الفرع ما حذف من الأصل قياسا أم غير قياس فانّ المبنيّ من : دعا مثل : «اسم» عندهم هو إدع لحذف للّام فيه على غير القياس والتعويض عنها بعد اسكان الفاء بهمزة الوصل كما في : «اسم» والمبني منه
مثل : «غد» هو دع.
(ومثل صحائف - من دعا -) هو (- دعايا - باتفاق) من الجميع (إذ لا خلاف في الأصل) ، وهو صحائف وقد عرفت انّ الخلاف انّما هو في الحذف والزيادة المعوضة عن المحذوف.
فالاتفاق حاصل على ان مثل صحائف من دعا هو دعائو فاذا عمل فيه مقتضى القياس وذلك بأن : قلبت الواو بعد الكسرة ياء.
ثمّ إذا حصل دعائي قلبت الهمزة ياء والياء ألفا حصل : دعايا كما مرّ في الاعلال من نحو : خطايا ومطايا.
(و) عند الجميع (مثل : عنسل على) «فنعل» (من عمل) هو (عنمل) بزيادة النون المزيدة لغير التعويض في الأصل وهو عنسل في موقع زيادتها فيه.
(و) مثل : عنسل (من باع وقابنيع وقنول) بزيادة النون فيهما في موقع زيادتها فيه مع الاتيان بالياء والواو بعدها لعدم موجب للقلب ألفا لسكون ما قبلها.
ثمّ انّ القياس في النون الساكنة مع الميم والواو والياء - وان كان الادغام مع الغنة لكنّك تقول هذه الثلاثة -.
(باظهار النون فيحس بها) أي يقع الاحساس بها بحاسة السمع (للإلتباس بفعّل) - بتشديد العين لو ادغمت فيهن - لوقوع الحرف المضعف في موقع العين عند الادغام فلا يدري انّهما على مثال : عنسل وقد مرّ انّه لا يدغم أحد المتقاربين في الآخر عند اللبس.
(ومثل : قنفخر) من الرباعي المزيد فيه النون للإلحاق : بقرطعب ووزنه «فنعلّ» - بتشديد اللّام وحركات قرطعب وسكناته إذا بنى (من عمل) هو (عنملّ) - بزيادة النون في موضع زيادتها فيه وتشديد اللّام. وتلك الحركات والسكنات.
(و) مثله : (من باع وقال بنيعّ وقنولّ) - بالنون وتشديد اللّام - على تلك الهيئة
(بالإظهار) للنون في الثلاثة من غير إدغامها في الميم والواو والياء(للإلتباس) عند إدغامها فيها(بعلكدّ) أي بما يكون على هيئة : علّكد - بكسر العين وسكون اللّام وفتح الكاف وتشديد الدال المهملة فيهنّ أي في الألفاظ الثلاثة - لوقوع المضعف في موضع العين عند الإدغام.
والعلكدّ : البعير الغليظ الشديد العنق كذا قيل وقال نجم الأئمّة : العلّكدّ : الغليظ.
(ولا يبنى مثل : جحنفل) - بالجيم - فالمهملة لغليظ الشفة من الرباعي المزيد فيه النون للالحاق : بسفرجل ووزنه «فعنلل» بحركات سفرجل وسكناته.
(من) لفظ لامه راء أو لام أو نون (مثل : كسرت وجعلت) وسمنت (لرفضهم مثله لما يلزم من ثقل أو لبس).
إذ لو بنى مثله فإمّا ان يظهر النون : كسنرر : وجعنلل فيلزم الثقل وامّا ان تدغم في الراء واللّام بعد قلبها إليهما فيقع المضعف موقع اللّام الاولى ويلزم الإلتباس بما هو على زنة «فعلّل» - بتشديد اللّام أولى -.
نحو : عملّس - للقوى على السير السريع - وهذا بخلاف ما ليست لامه راء أو لاما أو نونا فإنّه يبني منه مثل : حجنفل وتظهر النون حذرا عن اللبس اللّازم من الإدغام ، وذلك لأن قرب الشيء من مخرج النون ليس كالراء واللّام فلا يستثقل اظهارها مع الشيء كإستثقال اظهارها مع هذين أو مثلها وهو النون ، والمصنّف ترك المثل لظهوره ولا يبني مثل : احرنجم من نحو : ما ذكر في أحد قولي المبرّد ، لما في اظهار النون من الثقل وما في ادغامها من زوال هيئة الإلحاق : بإقعنسس والإلتباس بنحو : اقشعرّ.
ويبني منه في قوله الآخر مع الإدغام ، لعدم افعلّل - بتشديد اللّام الأولى فيعلم انّه في الأصل على زنة الإلحاق وهو «افعنلل».
واعترض عليه بأنه يلتبس عند الإدغام بنحو : إضربّب إذا بنى من ضرب مثل :
إقشعر على قول سيبويه والمازني كما تقدم.
ولعلّه لم يلتفت إلى ذلك لأنه غير مرضى عنده ولا يبنى مثل قنطار ممّا عينه لام أو راء أو نون من نحو : علم - وضرب - وغنم - لما ذكر من لزوم الثقل أو اللبس على وجه المذكور.
ولك استنباط مثل ما ذكرنا من الحكم المذكور(ومثل : أبلم) - بضمّ الهمزة الزائدة واللّام وسكون الموحدة بينهما - لورق شجر المقل إذا بنى (من) قولك (وأيت) إذا وعدت هو (أوء) - بضم همزة الأولى وسكون الواو وكسرة الهمزة الثانية وتنوينها رفعا وجرّا -.
والأصل : اواي بضمّ الهمزة الاولى الزائدة والثانية الأصلية أيضا وياء بعدها هي : لام الكلمة فقلبت ضمّة الثانية كسرة لوقوعها قبل الياء في الطرف الترامي ثمّ حذفت الياء بإعلال قاض رفعا وجرّا.
(ومثل) : ابلم - إذا بنى (من أويت) - إلى المنزل بتقديم الهمزة على الواو - وهو (اوّ) بضمّ الهمزة حال كونه مدغما مشتملا على ادغام الواو ، وذلك (لوجوب) حصول الواو المنقلبة عن الهمزة فيه ، وذلك لأن أصله - اوي - بهمزة مضمومة مزيدة في أوّله كما في - ابلم - وهمزة اخرى أصلية ساكنة بعدها واو مضمومة وياء بعدها ويجب قلب الهمزة الثانية واوا ، لإجتماع الهمزتين في كلمة وأوليهما مضمومة كما في - اومن - على ما مرّ في تخفيف الهمزة.
فيجتمع واوان مع سكون الأولى فيجب الإدغام ثمّ أبدلت ضمّة الواو المشدة كسرة - كما في الترامي - وحذفت الياء رفعا وجرّا بإعلال - قاض -.
وهذا في وجوب الإدغام كائن (بخلاف يووي) - بواوين في مضارع : آوي كأكرم فان أصله بهمزة واحدة ساكنة قبل الواو ، وقلبها واوا انّما هو على سبيل الجواز ، فالواو الأولى المنقلبة عنها لعدم وجوب حصولها كأنها غير مستقرّة الوجوب
فلا يجب الإدغام بل الفصيح عدمه.
(و) مثل : إجرد - بكسر الهمزة الزائدة والراء المهملة بينهما الجيم الساكنة وفي آخره الدال المهملة - وهو نبت يدلّ على الكمأت إذا بنى (من وأيت) هو (إيء) - بهمزة مكسورة وياء ساكنة بعدها همزة اخرى مكسورة منونة وأصله - إواي - بهمزتين مكسورتين بينهما الواو الساكنة وفي آخره الياء فقلبت الواو ياء لسكونها وإنكسار ما قبلها -.
وحذفت الياء الأخيرة باعلال - قاض - رفعا وجرّا تقول : هذا - إيء - رأيت - إيئيا - مررت - بإيء -.
(و) مثله (من أويت) هو (إيّ) بكسر الهمزة وتشديد الياء المنونة المضمومة رفعا.
وأصله - إاوي - بهمزة مكسورة مزيدة في أوّله كما في - إجرد - واخرى ساكنة بعدها واو مكسورة بعدها الياء فقلبت الهمزة الثانية ياء وجوبا كما في - إيت - على قياس تخفيف الهمزة فقلبت الواو ياء وادغمت بإعلال - سيّد - فحصل - إييّ - بياء مشدة مكسورة بعدها ياء مخفّفة فاجتمعت ثلاث ياءات فحذفت الأخيرة حذفا إعتباطا غير اعلالي ، واعربت المشدة على حسب العوامل.
(في قول من قال) في تصغير - أحوي - (احيّ) بالاعراب على حسب العوامل لجعله حذف الياء الأخيرة عند اجتماع الثلاث إعتباطيا غير إعلالي.
(ومن قال إحيّ) بكسر الياء المشدة المنونة لجعله الحذف عند إجتماع الثلاث إعلاليا - كقاض - قال ههنا في الرفع والجر - إيّ - بكسر المشدة المنونة وقد مر التفصيل في التصغير.
(ومثل : إوزة) - بكسر الهمزة الزائدة وفتح الواو والزاء المشدة المفتوحة - لطير من طيور الماء يقال له - البط - أيضا إذا بنى (من وأيت) هو (إياة) بهمزة مكسورة وياء ساكنة بعدها تاء التأنيث وإن خالف إوزّة في الصورة ، لأن أصل إوزّة إوززة
بمعجمتين وسكون الواو قبلهما على - إفعلة - كإصبعة فاجتمع مثلان فأدغمت المعجمة الأولى بعد نقل فتحها إلى الواو في الثانية فالمبنيّ مثلها بالنظر إلى أصلها ، كما هو المعبر في بناء المثل من الشيء من - وايت - إواية - فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
ثمّ قلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وإنفتاح ما قبلها وليس فيه ما في الأصل من إجتماع المثلين حتّى يدغم.
(و) مثلها إذا بنى (من أويت اياة) حال كون هذا المثل المبني منه (مدغما) مشتملا على إدغام الياء.
وأصلها - إءوية - بهمزة زائدة مكسورة واخرى ساكنة وواو مفتوحة بعدها الياء على هيئة ما هو الأصل فقلبت الثانية ياء كما في - ايت - ثمّ الواو ياء وادغمت بإعلال سيّد فحصل - إيّية - بياء مشدة مفتوحة بعدها مخفّفة مفتوحة أيضا ، فقلبت المخففة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
(ومثل : إطلخمّ) - اللّيل - باهمال الطاء وإعجام الخاء وتشديد الميم إذا - أظلم وإسود - إذا بنى (من وايت) هو (إيأيّا) بهمزة مكسورة وياء ساكنة مخففة وهمزة اخرى مفتوحة وياء مشدة بعدها ألف ، وان خالف - اطلخم - في الصورة.
وأصله - إوأيييّ - بهمزة مكسورة فواو ساكنة فهمزة اخرى مفتوحة فثلاث ياءات أولها ساكنة والأخريان مفتوحتان على زنة أصل - إطلخم - قبل الإدغام وهو - اطلخمم - بميمين بعد الخاء الساكنة فقلبت الواو ياء - لسكونها وانكسار ما قبلها وادغمت الياء الأولى الساكنة من الثلاث المجتمعة في الثانية وقلبت الثالثة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
(و) مثل : - اطلخم - إذا بنى (من أويت) هو (إيويّا) على زنة «ايأيّا» فيما تقدّم لأن أصله الكائن ، كأصل - اطلخم - إءوييي - بهمزتين وواو مفتوحة بعدها ثلاث
ياءات على الوجه المتقدم فقلبت الهمزة الثانية ياء لسكونها وإنكسار ما قبلها ولم يقلب الواو بعد الياء الساكنة المنقلبة عنها ياء بإعلال - سيّد - لعروض الياء لحدوثها بالوقوع بعد الهمزة الوصلية المكسورة ، الّتي هي في معرض الزوال في الدرج واعلال الياءات كما مرّ.
ومثل : اطلخم - من غزا هو - إغزوّا - على هيئة - إيويّا - في الحركات والسكنات وأصله - إغزووو - بثلاث واوات وإعلالها كالياءات الثلاث المذكورة ، وقس على هذا ففي مثل ما ذكر يضطرّ إلى اعلالين فصاعدا ، واتفاق ذلك في مثله ليس بمناف لإستكراهه ورجحان العدول عنه مهما أمكن.
ومن ثمّ بنى عليه كثير من المطالب في الأبواب المتقدمة(وسئل أبو علي) الفارسي (عن مثل : ما شاء الله) كيف يبني (من أولق فقال :) أبو علي في الجواب المبني منه مثله هو (ما ألق الالاق) لأن ما كلمة موضوعة على حرفين فلا يمكن بناء مثلها من أولق ، لأن اعتبار مثل ذي الحرفين من ذي الثلاثة فما فوقها إنّما يكون باسقاط بعض الحروف عنه بالكلية وهو هدم لا بناء.
وهذا بخلاف ما حذف لاعلال يقتضيه على إعتباره في أصل البناء والواو مزيدة في - أولق - فالمبني من اصوله كأصل شاء هو - ألق - على «فعل» بالكسر والمبني منها كالأصل في - الله - هو الالاق فان أصله : - الألاه - على انّه «فعال» بمعنى المألوه من - اله - بمعنى : عبد.
ثمّ ان حذف الهمزة وان جعلناه على قياس تخفيفها بنقل حركتها إلى ما قبلها لكن غلبة الحذف الّتي اتفقت فيه ليست بقياس فالحذف الواقع فيه كأنه ليس بقياس ، لكونه على وجه الغلبة الخارجة عن القياس ، وكذلك الادغام الواقع فيه ليس بقياس ، لأنه ادغام مثلين متحركين في كلمتين قد عرض التقاؤهما فان لام التعريف كلمة برأسها وتحركة بالحركة المنقولة من الهمزة ، فلذلك لم يعتبر الحذف والادغام في - الإلاق - المبني كأصله فانّه إنّما يحذف من الفرع ما حذف من الأصل
قياسا لا غيره ، وهذا غاية التوجيه.
وهو كما ترى فكأنه ان ثبت انّ - الالاق - في كلامه باثبات الهمزة نظر إلى الإحتمال الآخر في حذف همزة - الله - من كونه على غير القياس ، بأن يكون بدون نقل حركتها ويكون الإدغام قياسا لسكون اللّام الأولى.
وقد جور بعضهم كون - الإلاق - في العبارة المنقولة عنه محذوف الهمزة بعد نقل حركتها للتخفيف بدون الإدغام فان صورة الحذف والإثبات في كتابة مثله واحدة وانّما التفاوت في التلفظ كما في كتابة - قد أفلح - والأحمر - مع جواز الوجهين - فتأمل - ثمّ ان هذا بالنظر إلى الأصل في لفظ - الله -.
(و) المبني من لفظ - أولق - مثله هو (اللّاق) بحذف الهمزة وادغام اللّامين إذا بنى منه مثله (على اللّفظ) بأن يكون لفظه متساويا للفظه (و) وقال أبو علي أيضا انّ المبنى مثل : ما شاء الله من أولق هو (ما ألق الالق على وجه) آخر ، جوزه سيبويه في لفظ - الله - وهو ان يكون أصله - لاه - واصله - ليه - بالتحريك فقلبت الياء ألفا تحركها وانفتاح ما قبلها ، وعرّف بالام وجرى مجرى الأعلام - كالنّجم - والصّعق - وهو من - لاه يليه - إذا تستر فالمبنى من اصول - أولق - مثل : لاه هو ألق بالتحريك ويعرّف باللّام وليس فيه موجب للقلب والإدغام فيبقى على حاله.
(وبنى) أبو علي جميع الأوجه الثلاثة المذكورة(على انّه) أعني - الأولق - «فوعل» في الوزن بزيادة الواو - كجوهر - لأنه لو بنى على انّه أفعل - كأحمر - على اصالة الواو وزيادة الهمزة لقال : ما ولق الولاق على الأصل ، وامّا ولق اللّاق على اللفظ بحذف الواو كالهمزة من : الإله والإدغام وما ولق الولق على الوجه الّذي جوّزه سيبويه.
(وأجاب) أبو علي (في باسم) بالباء الجارة اللّاحقة على لفظ الإسم انّ المبنى مثله من : أولق هو - بكسر الهمزة(وبالق) - بضمّها وسكون اللّام بعدها - على التقديرين على إختلاف القولين في أصل : اسم انّه سمو بكسر السين أو ضمّها
وحذف اللّام ليس بقياس ، وكذا تعويض همزة الوصل فيه ليس بقياس فلم يعتبره وهذا الّذي ذكره أيضا مبني (على ذلك) الّذي ذكر من انّ - الأولق - «فوعل» إذ لو كان أفعل فالمبني مثل : باسم منه هو - بولق - بكسر الواو وضمّها والمبني منه مثل : باسم عند الآخرين هو - يلق - بحذف الفاء سواء كان على «فوعل» أم «أفعل».
(وسئل أبو علي بن خالويه) عن بناء(مثل : مسطار) - بالميم المضمومة والمهملات - لضربت من الخمر(من آءة) بهمزة ممددة بعدها همزة اخرى واحدة - اآء - بدون التاء لضرب من الشجر ولحكاية بعض الأصوات.
والألف فيها منقلبة عن الواو كغيرها من الألفات المجهولة الأصل حملا على الأغلب في الأجوف وأصله - أوأة - بالتحريك وتصغيرها - اويأة - (فظنه) ابن خالويه «مفعالا» بضمّ الميم على انّه من : سطر والسين اصليّة وهي فاء الكلمة والألف للأشباع كما في : ينباع (و) مع ذلك (تحير) في الجواب فجمع بين ظن الفاسد والحيرة في الجواب والمقصود زيادة الطّعن عليه.
ويحتمل ان يكون المراد انّه ظنّه «مفعالا» ولهذا تحير في الجواب إذ بناء مثله منها على تقدير كونه «مفعالا» واعتبار تخفيف الهمزة وعدمه كأنه أصعب من بنائه منها على التقدير الآخر الّذي يذكر فتأمل.
(فقال : أبو علي) انّ المبنى من : آاءة(مثله : مسآأ) - بميم مضمومة وسين ساكنة وهمزة ممدودة بعدها همزة اخرى - وذلك لأن مسطارا مصدر ميمي بمعنى اسم الفاعل من استطار يستطير كاستطاع يستطيع من باب الإستفعال أو اسم مفعول منه ، كذا قال : نجم الأئمّة - رضي -.
يقال : استطار الشيء إذا سطع وانتشر ، واستطاره غيره أي طيّره ، فقال عنترة ابن شداد العبيسي :
متى ما تلقني فردين ترجف
ووانف أليتيك تستطارا
وسمى به الخمر لغليانها ، وأصله مستطير - كمستخرج - بفتح الراء فقلبت الياء بعد نقل فتحها إلى ما قبلها ألفا وخفف بحذف تاء الاستفعال - كاسطاع -.
فالمبنى من : اآءة مثل : مسطار بالنظر إلى أصله - مستاآء - بالسين والتاء والمد والهمزة - كمستطاع - ثمّ حذفت تاء الاستفعال فحصل : مساآء كما قال.(فأجاب) أبو علي في هذه المسئلة(على أصله) الّذي ذكر من انّه يحذف من الفرع قياسا من الأصل وكأنه زعم ان حذف تاء الإستفعال الواقعة قبل الطاء قياس كما في اسطاع ، فاعتبر حذفها من : مساآء كما في مسطار.
(وعلى الأكثر) وهو ان لا تحذف من الفرع إلّا ما يقتضيه في نفسه من غير ان يجعل تابعا للأصل يقال : مستاآء باثبات تاء الإستفعال لعدم متقارنتها للطاء فيها مع ان كون حذفها مع الطاء قياسا كما زعمه غير مسلّم.
واعترض عليه المصنف في الشرح المنسوب إليه بأنه يلزمه ان لا يبني ما ألق الإلاق باثبات الهمزة في مثل : ما شاء الله لأنها حذفت من الأصل قياسا فان قال انّه غير واجب قلنا فكذلك حذف التاء في مستطار غير واجب ثمّ اعتذر له بعد الإعتراض بأنه لعلّه أجاب بمستااء باثبات تلك التاء فوقع حذف الضرس الّذي هو علامتها في الكتابة وسرى الوهم وقد تقدم الكلام في منظور أبي علي في - الإلاق - فتذكر.
وقيل ان مسطارا ليس بعربي بل روميّ معرّب يقال : المصطار بالصّاد المهملة أيضا. وزعم بعض اللّغويّن انّه عربي على «مفعال» - بكسر الميم - والسين فيه أصلية ، فالمبني مثله من : اآءة ميواء ان خففت الهمزة وأصله : مأواء بالهمزة الساكنة والواو الّتي هي أصل الألف منها فقلبت الهمزة ياء لسكونها بعد الميم المكسورة وان لم يخفف : فمأواء بالهمزة.
(وسئل ابن جنى - ابن خالويه عن مثل : كوكب) إذا بنى (من وايت) حال كونه (مخففا) من حيث الهمزة معمولا فيه حكم تخفيفها(مجموعا جمع السلامة)
بالواو والنون والياء والنون (مضافا إلى ياء المتكلم فتحيّر) ابن خالويه في جوابه (أيضا) كما يتحيّر في جواب أبو علي.
(فقال : ابن جنى) المبنى منه مثله كذلك هو (أويّ) بالهمزة والواو المفتوحين والياء المشدة وأصله - ووأي - بواوين وهمزة على «فوعل» فقلبت الياء ألفا لإنفتاح ما قبلها وقلبت الواو الأولى في أوّله همزة كما في : أواصل على ما تقدم في الإعلال وخففت الهمزة بعد نقل حركتها إلى الواو الساكنة قبلها فحصل - أوى - مقصورا مثل : عصا وفتى فجمع جمع السلامة وحذفت الألف لملاقات علامة الجمع الساكنة فحصل : أوون ان جمع بالواو ويحصل : أوين ان جمع بالياء فاضيف إلى ياء المتكلّم وسقطت النون وقلبت واو الجمع ان جمع بها ياء باعلال : سيّد.
وادغمت الياء في ياء المتكلم فحصل : أويّ كما قال.
وقد يقال ان قلبت الواو لأولى منه همزة ليس بلازم لعروض اجتماع الواوين بزيادة الثانية ، فعلى هذا يصح ان يقال : وويّ.
(ومثل : عنكبوت) من الرباعي المزيد في آخره الواو والتاء ووزنه «فعللوت» على ما ذكره الأكثر إذا بنى من (بعت) هو (بيععوت) - بتكرير اللّام وزيادة الواو والتاء وان كان - عنكبوت من المزيد الثلاثي «فنعلوت» كما يشعر به كلام الجوهريّ كما قيل.
فمثله من بعت - بنيعوت - بزيادة النون قبل الياء(ومثل : اطمأنّ) من بعت (إبيععّ) بتشديد العين الثانية على «افعللّ» (مصححا) من حيث الياء بمعنى انّه لا اعلال في - ياءه - أصلا ، لأن أصل اطمأن - اطمأنن - بسكون الهمزة وفتح النون الأوّل فنقلت فتحتها إلى الهمزة قبلها وادغمت.
فمثله من بعت - إبيععع - بثلاث عينات على هيئة أصل اطمأن فتنقل فتحه الثانية إلى الأولى الساكنة وتدغم في الأخيرة فيحصل عين مشدة من الأخيرتين
فالياء متوسطة في أصله بين الساكنين ، هما الباء الموحدة والعين الأولى ، وتوسط حرف العلّة بين الساكنين مانع من اعلاله كما في - أسود - و- أبيض - على «افعلّ» بتشديد اللّام.
وزعم المازني ، انّ المثلين المجتمعين إذا سكن أولهما تعين ادغام الأولى في الثانية ، وههنا يتعيّن ادغام العين الأولى في الثانية وابقاء الأخيرة على حالها ، وان خالفت صورته صورة اطمأنّ.
(ومثل : اغدودن) على بناء الفاعل على «افعوعل» من (قلت اقووّل) بتشديد الواو الثانية ، لأن أصلها - أقووول - بثلاث واوات على هيئة - إغدودن - فادغمت الثانية الساكنة في الثالثة(وقال : أبو الحسن) الأخفش المبني منه مثل : (اقويّل) بتشديد الياء للواوات الثلاث المجتمعة في أصله وهي مستقلّة فقلبت الأخيرة القريبة من الطرف الّتي ضعف الاعتناء بها بالتطرف - ياء - لمناسبتها للواو فاجتمعت الواو الثانية الساكنة والياء مع سكون المتقدم فقلبت أيضا - ياء - وادغمت.
(ومثل : اغدودن) على البناء للمفعول من قلت (اقووول) ومن بعت (ابيويع) على «افعوعل» حال كون كل منهما(مظهرا) مجردا عن الإدغام (بالإتفاق) فانّ الأخفش في اقووول مجهولا وافق في إبقاء الواوات مجردة عن القلب والإدغام لأنّ الثانية فيه مدّة لسكونها وانضمام ما قبلها فأجريت مجرى الألف في الخفة وعدم التأدية إلى استثقال ، ولمثل ذلك لم تقلب الواو الأولى من : وورى همزة ، على انّه لو ادغمت في الثالثة التبس مجهول «افعوعل» بمجهول «افعوّل» - بالتشديد - وهكذا لم يقلب الواو من : ابيويع ياء على اعلال سيّد لكونها مدّة.
(ومثل : مضروب من القوّة) - بتشديد الواو - هو (مقويّ) والأصل مقووو بثلاث واوات واجتماعها مستكره فقلبت الأخيرة المتطرفة ياء.
وقيل انّها لما قلبت في ماضيه وهو - قوى - ياء لكونه على «فعل» بالكسر قلبت في اسم المفعول أيضا حملا للإسم على الفعل وذلك - كرضي ومرضيّ - بالاعلال
المقيس الواجب في اللّغة الفصيحة ثمّ قلبت الواو الثانية المزيدة أيضا ياء وادغمت كما في - سيّد - وقلبت الضمّة قبلها كسرة كما مرّ في الإعلال.(ومثل : عصفور) من القوّة(قوّيّ) وأصله : قوووو بأربع واوات على «فعلول» كعصفور فقلبت الرابعة ياء لإستثقالها ثمّ الثالثة أيضا باعلال - سيّد - وادغمت وكسر ما قبلها أعني الثانية وادغمت فيها الأولى فحصل : قويّ - بضمّ القاف وكسر الواو المشدة وتشديد الياء - ومثل : درهم من القوّة قيّا بكسر القاف وتشديد الياء وأصله قوو بثلاث على هيئة درهم فقلبت الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، والأولى ياء لسكونها بعد الكسرة والثانية أيضا قلبت ياء كما في - سيّد -.
ومثل : بيقور منها - قيور - بالياء المشدة المضمومة والواو المشدة أيضا والأصل قيووو بياء ساكنة وثلاث واوات أولها مضمومة والثانية ساكنة فقلبت الأولى ياء مع الادغام باعلال - سيّد - وادغمت الثانية في الثالثة.
ومثل : صيرف منها قيا بالياء المشدة والأصل : قيوو فقلبت الواو الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها والأولى ياء مع الإدغام كما في - سيّد - وقيل : ان «فعيلا» بفتح العين لما كان نادرا في الأجوف يبني من : قوى «فيعل» - بالكسر - فيقلب الواو الثانية ياء لانكسار ما قبلها في الطرف كما في مصغر - احوى - وكذا الأولى باعلال - سيّد - فيجتمع الياءات الثلاث فتحذف الثالثة نسيا فيحصل : قيّ ، بالتشديد.
(و) مثل : عصفور(من الغزو غزويّ) - بضمّ الغين وسكون الزاء وكسر الواو المخففة وتشديد الياء - غزووو بثلاث واوات على «فعلول» فقلبت الثالثة ياء لكراهة اجتماع الثلاث ، ثمّ الثانية بإعلال - سيّد - وادغمت وكسرت الأولى الّتي قبلها ومثل : عفريت منه غزويت.
(ومثل : عضد من قضيت قض) والأصل : قضي - بضمّ الضاد فقلبت ضمّتها كسرة لوقوعها قبل الياء المتطرفة كما في الترامي مصدر ترامي - كتباعد - وحذفت الياء باعلال - قاض -.
(ومثل : قذعملة) من قضيت (قضيّة) - بضمّ القاف وفتح - الضاد وتشديد الياء أصله : قضييية بثلاث ياءات على هيئة - قذعملة - فحذفت الأخيرة استثقالا وادغمت الأولى في الثانية وفتحت لوقوعها قبل تاء التأنيث وهذا(كمعيّة في التصغير) فانّه تصغير معاوية وأصله معيوية وبعد إعلال - سيّد - فحصل : معييية بثلاث ياءات وحذفت الأخيرة وفتحة المشدة الباقية قبل التاء.
ومثل : قذعمل بدون التاء منه هو - قضيّ - بياء مشدة مفتوح ما قبلها وأصله بثلاث ياءات فمن قال - احيّ - بالرفع قال بعد حذف الثالثة ههنا - قضى - بالرفع ومن اعتبر في - احي - اعلال قاض فكذلك في - قضي -.
(ومثل : قذعميلة) بالتاء وزيادة المدة قبل اللّام إذا بنى من قضيت فهو (قضويّة) - بضمّ القاف وفتح الضاد وكسر - الواو وتشديد الياء - والأصل : قضيييية بأربع ياءات والثالثة منها مدّة والبواقي كلّها لامات لأنها على «فعلّيلة» بتشديد اللّام الأولى وهوزنة : قذعميلة ويستكره اجتماعها فتحذف الأولى الساكنة لكونها أضعف من المتحركتين وهو ظاهر ومن المدّة الساكنة أيضا لما في المدّة من القوّة والإمتداد في النطق بمصادفة جنس حركتها حتّى كأنها في حكم المكرر وحذف الأضعف أسهل وتقلب الثانية واوا كما في - أمويّ - في النسبة إلى - اميّة - وتدغم الثالثة في الرابعة - ويجوز فيه قضيّية بيائين مشددتين لإدغام الأولى في الثانية واسكان الثالثة وادغامها في الرابعة فلا يحذف شيء للتخفيف بالادغام ، وقيل لقوّة الأخيرتين بالتضعيف وعدم كون الأولين في آخر الكلمة حتّى يحذف أضعفهما.
(ومثل : حمصيصة) بالمهملة بالميم المفتوحتين وتخفيف الميم كما هو الأكثر والمدة بين الصادين المهملتين - لبقلة حامضة تجعل في الأقط - إذا بنى من قضيت هو (قضوية) - بفتح القاف والضاد وكسر الواو وتشديد الياء - والأصل : قضييية بثلاث ياءات على هيئة حمصيصة.
(فتقلب) الأولى (واوا) وتدغم الثانية في الثالثة(كرحوّية) في نسبة امرأة إلى
(ومثل : ملكوت) من قضيت ورميت وغزوت ونحوها(قضوت) ورموت وغزوت بفتح الأولين وسكون الواو ، والأصل : قضيوت - ورميوت - بضمّ الياء - وغزووت - بضمّ الواو الأولى - كلّها على «فعلوت» فقلبت الياء من الأولين والواو من الثالث لتحركها وانفتاح ما قبلهما ألفا ، وحذفت بالتقاء الساكنين فوزنها «فعوت» محذوف اللّام.
وقال : نجم الأئمّة - رضي - ان هذا قول بعضهم والأصل في نحوه اثبات لام الكلمة بأن يقال : قضيوت ورميوت وغزووت مثلا لخروج الاسم بالزيادة الّتي في نحوه عن موازنة الفعل فلا تقلب الواو والياء فيه ألفا.
(ومثل : جحمرش) من قضيت هو (قضيي) - بفتح القاف وسكون الضاد وفتح الياء الأولى وكسر الثانية مع التنوين وأصله : قضييي بثلاث ياءات على «فعللل» كجحمرش فلم يقلب الثانية ألفا وان تحركت وانفتح ما قبلها لوقوع - زيادتها في الوسط للإلحاق. واعلّوا الأخيرة باعلال - قاض - وان كان مزيدة أيضا للالحاق لوقوعها في الآخر.
ومنهم من قال ان بناء مثل لفظ من لفظ آخر في التمرين ليس معناه للالحاق ، بل معناه انّه إذا اتفق مثل ذلك اللّفظ من حروف هذا كيف ينطق به فلذلك جوّز ان تقلب الثانية ألفا ويحذف الأخيرة نسيا كما في - أحيّ - في التصغير على - رأي - أو تقلب الثانية واوا لاجتماع الياءات وتحذف الأخيرة باعلال - قاض - ولم يعكس لأن الأخيرة بالحذف والتخفيف أولى كذا قيل ، فيقال : قضياوان تقلب الثانية واوا وتحذف الأخيرة باعلال - قاض - فيقال : قضيو.
(ومثل :) جحمرش (من حييت) هو (حيّو) بالمهملة المفتوحة والياء المشددة
المفتوحة وكسر الواو مع التنوين رفعا وجرا وأصله : حيييي - بأربع ياءات على هيئة جحمرش فاعلت الأخيرة اعلال - قاض - وقلبت الثانية واوا - لاجتماع الياءات وادغمت الأولى في الثانية فحصل : - حيّو - كما قلنا.
ومنهم من جوز حذف الرابعة نسيا وقلب الثالثة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فحصل : حيّا بالياء المشدة والألف ومثل : فعاليل ومفاعيل من نحو : حييت - حياييّ - ومحاييّ بتشديد الياء الثانية ، ومثله رماييّ ومراييّ ويجوز حياوي ومحاويّ ورماويّ بقلب لام الكلمة واوا لإجتماع الثلاث كما في سقاويّ في نسبة إلى سقاية.
وجوّز سيبويه حذف أحد الياءات في نحوها ، ومثل : اسحمان منهما احيوان وارموان وأصلهما احييان وارميان فقلبت لام الكلمة واوا لإنضمام ما قبلها ، ولا يدغم في احييان لأنّ الاعلال قبل الإدغام ، ولا يستثقل الضم في مثل : احيوان على الياء للزوم الألف والنون فيه وصيرورتهما كالجزء وخروج الكلمة بذلك عن موازنة الفعل.
ومثل : برثن من رمى رميو والأصل : رميي فقلبت الثانية واوا لإنضمام ما قبلها ، ومن حيي حيّو بالياء المشدة والأصل : حييي بثلاث ياءات.
(ومثل : حلبلاب) بكسر المهملة واللّام وسكون الموحدة الأولى بعدها - وهو نبت يلتوي على الشجر - والعامة يقولون له اللّبلاب إذا بنى من قضيت هو (فضيضاء) وأصله : فضيضاي بتكرير الضاد كاللّام في حلبلاب وتكرير الياء كالموحدة فيه فقلبت الياء الأخيرة لتطرفها بعد - الألف ألفا ثمّ همزة كما في - رداء - على ما مرّ في الإعلال.
ومثله من غزا غزيزاء وأصله غزوزاو بواوين فقلبت الاولى لسكونها بعد الكسرة ياء والثانية لتطرفها بعد الألف ألفا ثمّ همزة كما في كساء.
ومثل : صمحمح كسفرجل منهما قضيضا وغزوزي والأصل قضيضيي وغزوزو
بتكرير الحرفين كما في صمحمح فقلبت الأخيرة فيهما ألفا.
(ومثل : دحرجت من قرأ) هو (قرايت) وأصله قرءات بهمزتين في الطرف فيمتتع ادغام احديهما في الاخرى فقلبت الأخيرة الساكنة بعد الأولى المفتوحة ألفا كما في - آمن - والألف ليست في كلامهم قبل تاء الضمير ونونه ، بل قبلهما امّا حرف صحيح أو واو أو ياء فقلبوها ياء لكونها رابعة كالألفات الرابعة في نحو : اغزيت - واعطيت في أغزى وأعطى.
(ومثل : سبطر) بكسر السين وفتح الموحدة وسكون الطاء يقال أسد سبطريّ أي يمتد عند الوثبة من قراء هو (قرءى) على تلك الهيئة وأصله بهمزتين والثانية وان - كانت متحركة لكونها في الطرف في موقع اللّام فهي أولى بالتغير فقلبت ياء لكونها أكثر في اللّام من الواو ، ولذلك تحمل الألفات المجهولة الأصل إذا كانت لاما على ان أصلها الياء.
وما ينسب إلى المصنف من انّه لو قيل : قراء وبالواو كان أولى لأنّ الهمزة الثانية انّما تقلب يا في نحو : جاء اسم فاعل وائمّة وتقلب واوا فيما عداها سهو لأن ذلك في الهمزتين المتحركتين والأولى ساكنة ههنا كذا في بعض الشروح.
(ومثل : اطمأننت) من قراء هو (اقراء يات ومضارعه يقرئئ مثل : يقرعيع) في الوزن وأصلهما : اقرءءءت ويقرءءء بثلاث همزات في كل منهما على هيئة أصل : أطمأن - يطمأن قبل الادغام والهمزات الثلاث - لا مات كلّها لأن هذا الباب من المزيد الرّباعي الّذي وقعت الزيادة فيه في اللّام نحو : اقشعر فقلبت الثانية الّتي هي أولى مراتب الاستثقال ياء لكونها في اللّام أكثر من الواو وزال عن الأخيرة وصف التكرير فبقيت كما قلنا في آخر باب تخفيف الهمزة عند اجتماع الهمزات وتقلب الثانية في المضارع ياء بعد نقل كسرتها إلى الأولى كما نقلت فيما هي بازائه من الأصل في يطمأن قبل الادغام فيصير بياء ساكنة متوسطة بين همزة مكسورة وهمزة اخرى ووزنه «يفرعيع» ولم يدغم الهمزتان لعدم ادغامهما في كلامهم في مثل
هذين ممّا تقع الثانية المتحركة فيه في موقع اللّام على ما مرّ في تخفيف الهمزة ، وهذا الباب باب واسع كثير الشعب واللطايف وهو آخر أبواب التصريف.
والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام
على محمد وآله الطّاهرين
ويتلوه باب الخط والله المستعان وعليه التكلان
الخط : مصدر كالكتابة ويتعلّق هو وما يشتق منه باللفظ المكتوب تعلّق الحدث بالمفعول.
وقال تعالى : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)(1)وقد يطلق على نفس المكتوب كالإنشاء على الكلام الانشائي ، والتصغير على اللفظ المصغر ، ومعناه المصدري المراد ههنا.
(تصوير اللفظ) المقصود تصويره (بحروف هجائه) الّتي ينحلّ هو إليها عند التقطيع فانّ الهجاء على زنة «كساء» تعديد حروف اللفظ وتقطيعه بها وهو مصدر هجوت الحروف كالهجو وبمعناه التهجية والتهجي على زنة «التفعلة» ، «والتفعل» والخط يختلف باختلاف الامم والمقصود بيان أحكام الخط العربي.
(أسماء الحروف) محكوم عليها بأنها(إذا قصد بها المسمى) عند تعليق الكتابة عليها وذلك (كقولك : اكتب جيم ، عين ، فاء ، راء) قاصدا كتابة مسمياتها(فانّك تكتب هذه الصّورة) أعني صورة(جعفر) على هذا الوجه المكتوب وانّما تكتب هذه الصورة عند قصد مسمّى تلك الأسماء ، (لأنها مسماها خطا ، ولفظا) بمعنى ان نفس هذه الصورة مسمى صورة تلك الأسماء في وضع الخط ، وملفوظها مسمى لملفوظاتها في وضع اللفظ لأنّ المتبادر من الجيم إذا كتب إليك أكتب جيما مثلا ، ومن الجيم الملفوظ في قولك انطق بالجيم مثلا هو أوّل مكتوب وأوّل ملفوظ من نحو : جعفر دون غيره وذلك دليل الوضع والتسمية.
1) العنكبوت : 48.
وانّما كانت هذه معدودة في الأسماء من أنواع الكلمة لصدق حد الإسم واعتوار خواصه من التعريف ، والتنكير ، والجمع ، والتصغير ، وغير ذلك عليها.
وقد يراد من تعليق الكتابة والنطق بتلك الأسماء تعلقهما بها أنفسها دون مسماها فيكتب : جيم ، عين ، مثلا وينطق بهما ، وكذا يجوز تعلقهما بالمسمى ، وبنفس الاسم في كلّ ما يصلح مسماه للكتابة والنطق لكونه ملفوظا وذلك كالقرآن ، والحديث ، والشعر ، وأسماء الكتب.
ثمّ انّه بنى تلك الأسماء بعد قوله : اكتب على السكون كالأسماء المعدودة لأنه اعتبر وصل بعضها ببعض حتّى كأنها لفظ واحد مركب من أسماء متعددة وليس موازنا لمفرد فعلق الكتابة على هذه المركب على سبيل الحكايت على ما كانت عليه اجزائه قبل التركيب مع العامل كما حكى : الم ، والمص ، ونحوها ممّا ليست موازنة للمفرد كذلك وان فسرت على وجه يكون لها محل من الاعراب.
وانّما اعتبر ذلك لئلّا يتوهم من ظهور الإعراب في كلّ منها تعلق الحكم بكل منها برأسه كما في قولك : اكتب آية وحديثا ، ولا تكتب ما لا يعنيك مع انّه قصد كتابة المجموع من حيث المجموع بقرينة الاتيان بصورت : جعفر مركبة إذ صورت المسميات منفردة هكذا ج ، ع ، ف ، ر ، وللتحرز عن ذلك الوهم ترك العطف - فتأمل -.
(ولذلك) الّذي ذكر من كون مسمى أسماء الحروف خطا ولفظا ما ذكر(قال الخليل :) لأصحابه (لمّا سألهم كيف تنطقون بالجيم من : جعفر فقالوا : جيم) انّكم (انّما نطقتم بالاسم) فان جيم من الأسماء(ولم تنطقوا بالمسؤول عنه) الّذي هو مسماه وهو أوّل ملفوظ من نحو : جعفر(و) قال بعد تخطئتهم فيما أجابوا(الجواب : جه) والهاء لا مدخل لها في الجواب بل الجواب حرف واحد ، يلزمها هاء السكت في الوقف فكتب بها وذلك الحرف هو «ج» (لأنه المسمّى) لا ما توهمه الأصحاب.
(فان سمّى بها) أي بأسماء حروف التهجي (مسمّى آخر) غير تلك الحروف
وكان من الامور الغير المكتوبة مثل ان يسمى رجلا : بجيم ويقال : أكتب الجيم ناظرا إلى هذا الوضع (كتبت كغيرها) من الألفاظ الموضوعة للمعاني الغير المكتوبة بتصوير حروف هجائها لعدم صلاحية مسماها حينئذ كذات الرجل للكتابة فالقصد انّما يتعلّق بكتابة تلك الأسماء أنفسها ، فكتب صورة الجيم المؤلفة من : ج ، ي ، م مثلا ، مثل : كتابة زيد بصورة المؤلفة من : ز ، ي ، د وفي مثل ذلك يراد بالاسم نفس لفظه.
وهكذا يجوز اطلاق كل لفظ على نفسه حتّى انّهم ذكروا انّ الألفاظ اعلام بالنسبة إلى أنفسها عن وضع لفظ آخر يعبر به عنها لكن وضع اللفظ لنفسه ليس قصديا بل ضمني فلذلك لم يحكموا بكون كل لفظ مشتركا بين نفسه والمعنى الآخر الموضوع هو له فهذان وجهان في تلك الأسماء ، أحدهما : كونهما أسماء للحروف وذلك هو الأصل والأكثر فيها وكتابتها - حينئذ - بصورت مسماها إذا قصد المسمّى.
والثاني : ما قد يطرؤها من تسمية غير الحروف بها وكتابتها بتصوير حروف هجاء أنفسها كغيرها.
(و) لكنها كتب (في) فواتح السور الشريفة الّتي وقعت هي فيها من (المصحف) على نهج واحد هو مقتضي (أصلها) وهو كتابة صورة مسمّاها(على) كلا(الوجهين) المذكورين وذلك المكتوب على أصلها(نحو : حم ، ويس ،) وتوضيح ذلك ان تلك الفواتح فسّرها بعضهم بالوجه الأوّل المقتضي لتصوير مسماها في الكتابة كما قلنا ، وهو كونها أسماء للحروف امّا بأن يكون المراد ما قيل انّ القرآن مؤلف من هذه الحروف الّتي يتألف منها كلام البشر مع عجزهم عن معارضته فيكون معجزا.
وامّا ان يراد ما هي أبعاض لها كما روى عن ابن عباس (رضياللهعنه) ان - الم - انا لله أعلم ، وامّا لغير ذلك وفسرها بعضهم بالوجه الثاني وهو كونها أسماء لغير الحروف كما قيل ان - طه - ويس - اسمان للنبيّ - صلىاللهعليهوسلم - و- ق - اسم لجبل و- ن - للذّوات وقياسها على هذا ان تكتب بتصوير حروف هجائها
نحو : حاميم ، ياسين ، قاف ، نون ، ولذلك يكتب ياسين اسم رجل هكذا ، لكن من فسرها بهذا الوجه أيضا كتبها على قياس الوجه الأوّل.
وعبر المصنف عنه بقوله أصلها للتنبيه على انّ النكتة في التزام تلك الطريقة في كتابتها على الوجهين مع مخالفتها لقياس الوجه الثاني ، كونها على مقتضى الأصل في تلك الأسماء من الكون أسماء للحروف وقد يقال : ان معنى كلام المصنف انّها تكتب في المصحف على كلّ وجه من الوجهين على أصلها المناسب لذلك الوجه في الكتابة فتكتب على نهجين بحسب الوجهين ، ولعلّه أراد ان كتابتها على القياس كذلك.
(والأصل في كلّ كلمة ان تكتب بصورة لفظها بتقدير الإبتداء بها والوقف عليها) لأنّ الأصل في كلّ كلمة ان تعتبر مستقلة منفردة عمّا قبلها ، كما في الابتداء وعمّا بعدها كما في الوقف وذلك يناسب حالتي الإبتداء والوقف فيكتب تمام ما يتلفظ به منها في الحالتين.
(فمن ثمّ) تكتب من ابنك بهمزة الوصل للزومها في لفظه في الإبتداء.
ومن ثمّ أيضا(كتب نحو : ره ، وقه ،) في الأمر من الرؤية ، والوقاية أعني - ر - و- ق - (بالهاء) ونحو ذلك (ومثل : مه أنت ، ومجيء مه جئت - بالهاء - أيضا) لأن كلّا منها حرف واحد يوقف عليها بهاء السكت (بخلاف الجارّ) المتصل بما الإستفهامية المحذوفة منها الألف.
(نحو : حتام ، والا ، وعلام ،) فان هاء السكت لا تكتب مع ذلك الجار بعد ما المحذوف منها الألف (لشدّة الاتصال) لما الإستفهامية(بالحروف) حتّى كأنها كلمة واحدة فما الإستفهامية المحذوفة منها الألف صارت كجزء الكلمة وكأنها خرجت عن كونها حرفا واحدا مستقلا برأسه فلذلك ترك هاء السكت وقفا كما جاز إلحاقها.
(ومن ثمّ) أي ومن أجل شدّة الإتصال (كتبت) تلك الحروف الجارة معها أي مع
ما الإستفهامية(بالفات) نحو : علام ، وحتام ، والام - وان كان الأصل كتابتها بالياء نحو : على ، والي ، وحتّى ، لإنقلاب الألف إليها مع الضمير في : على ، والى ، نحو : عليك وإليك - وفي الإمالة مع حتّى كما يجيء - إنشاء الله - لكن لمّا صارت مع ما كلمة واحدة لشدّة الإتصال صارت أواخرها أوساطا غير صالحة للضمير والإمالة فتكتب على لفظها.
(ومن ثمّ) أيضا(كتب : مم - وعم - بغير النون) مع انّ الأصل : من - وعن - مع ما وهما كلمتان والقياس اثبات الحرف المدغم من كلمة ما يقاربه من كلمة اخرى في الكتابة نحو : من مالك ، لكن لما كانت الكلمتان ههنا لشدّة الإتصال بمنزلة كلمة واحدة حذف النون المدغمة في - ميم - ما الإستفهامية خطا لأنّ المدغم من كلمة ما يقاربه من تلك الكلمة نفسها يحذف خطا نحو : امّحي في انمحي وهمرش في هنمرش (فان قصدت) في حالة الوصل (إلى الهاء) الّتي هي للسكت في الوقف نحو : حتّام - وممّ - كتبتها أي الهاء(ورددت الياء) من إلى - وعلى - وحتّى - (و) رددت (غيرها) أي غير الياء وهو النون في : من - وعن - (ان شئت).
امّا كتابة الهاء فلرعاية اللفظ في الوقف ، وامّا ردّ الياء والنون فلأن لحوق هاء السكت للنظر إلى كون - م - الإستفهامية في الأصل حرفا واحدا مستقلا برأسه ، ففيه قطع النظر عن شدّة الاتصال المقتضية لكتابة الألف في : حتّى وأختيها في حذف النون في : من - وعن - فتكتب : حتّى مه - والى مه - وعلى مه - ومن مه - وعن مه - ان شئت.
والحاصل انّك إذا كتبت الهاء كنت مخير بين ردّ الياء والنون لما ذكر وبين عدم ردهما نظر إلى عدم استقلال حروف الجر في أنفسها بدون ما فكأنها معها كلمة واحدة لحقتها هاء السكت.
(ومن ثمّ) أي ومن أجل ما ذكر من كون الأصل كتابة كلّ كلمة بصورة لفظها في الابتداء والوقف (كتب أنا زيد بالألف) لأنّ الوقف عليه بالألف كما مرّ.
(ومنه لكنّا هو الله) فان أصله لكن أنا كما مرّ ولذلك يكتب بالألف.
(ومن ثمّ) أيضا(كتبت تاء التأنيث في نحو : رحمة ، وقمحة) للحنطة(هاء) لانقلابها هاء في الوقف (و) كتب تاء التأنيث (في) نحوهما(من وقف عليها) في نحوهما(بالتاء تاء) نحو : عند الغلصمت كما مرّ في الوقف.
وكقوله : بل جوزيتها كظهر الحجفت ، قال الجوهري أي رب جوزيتهاء ، والحجف الترس من الجلد بلا خشب.
(بخلاف تاء أخت وبنت) وبخلاف التاء من (باب قائمات) من الجمع السالم بالألف والتاء(وباب قامت هند) من الفعل المتصل بتاء التأنيث فانّ الجمع تكتب بالتاء لأن الوقف على الجميع بنفس لفظ التاء كما مرّ في الوقف.
ومن وقف على الجمع السالم بالهاء وقال : كيف البنون والبناة يكتبها بالهاء.
(ومن ثمّ) أيضا(كتب المنون المنصوب) نحو : رأيت رجلا وزيدا(بالألف) (و) كتب (غيره) ان غير المنصوب المنون (بالحذف) أي بحذف التنوين من غير قيام شيء مقامه نحو : جاء زيد ، ومررت بزيد ، لكون الوقف على المنصوب المنون بالألف ، وعلى غيره بالحذف ، (و) كتب (إذا) نحو : إذا أكرمك (بالألف على الأكثر) لكون الوقف عليه بالألف عندهم. والمازني يقف عليه بالنون ويكتبه بالنون.
وقيل : انّ النون من - اذن - من نفس الكلمة كما في : من - وعن - وقلبها ألفا لتشبيهها بنون التأكيد الخفيفة وتنوين المنصوب ، وذكر هذا القائل انّ الأولى ان تكتب بالنون للفرق بينه وبين إذا لظرفية في الكتابة.
(و) كتب (اضربا) بصيغة الأمر للواحد مؤكدا بالنون الخفيفة(كذلك) بالألف ومنهم من يكتبه بالنون كما يجيء - انشاء الله -.
(وكان قياس اضربن) للجمع المذكر مؤكدا بالنون الخفيفة ان يكتب (بواو : وألف) وقياس (اضربن) للمخاطبة مؤكدا بها ان يكتب (بياء) وقياس (هل
يضربن) بصيغة الجمع للإستفهام مؤكدا بها ان يكتب (بواو - ونون).
وقياس (هل تضربن) للاستفهام عن المخاطبة مؤكدا بها ان يكتب (بياء - ونون) لأنّ النون الخفيفة المضموم ما قبلها ، والمكسور ما قبلها تحذف في الوقف مع ردّ ما حذف لأجلها في الواو والياء. امّا وحدها كما في المجزوم الساقطة عنها نون الإعراب قبل لحوق نون التأكيد.
وامّا مع نون الإعراب كما في غيره فيقال : في الأولين وقفا اضربوا - واضربي - وفي الآخرين - هل تضربون - وهل تضربين - فكان كتابتها كما ذكر.
(ولكنهم) خالفوا القياس فيما ذكر من الألفاظ حيث (كتبوه على لفظه) الملفوظ عند الوصل (لعسر تبيّنه) أي تبيّن ما ذكر من انّ الكتابة على الوجه الّذي جعلناه قياسا ومخالفة لفظه في الكتابة لأجل حذف النون التأكيد ويرد المحذوف في الوقف ، فإنّه أمر لا يعرفه إلّا الحاذق بعلم الإعراب بخلاف انقلاب الألف عن التنوين في المنصوب المنون والأمر المؤكد بالنون الخفيفة للواحد ونحوهما ممّا كان ظاهرا مشهورا.
وبالجملة : فمخالفة القياس فيما ذكر لتعسر معرفة الحكم وخوف تأدية جهالتها إلى الإستنكار(أو لعدم تبين قصدها) أي قصد النون لو كتبت كما ذكر بالواو - والياء - حتّى عند الحاذق بأنه لا يعرف عند كتابتها كذلك كون النون مقصودة بمجرد الملاحظة المكتوب من تلك الصيّغ لتجويزه كونها مجردة عنها فيتوقف معرفتها على التلفظ أو على قرائن قلّما يتفق حصولها من سجع ، أو قافية ونحو ذلك.
وامّا التباس : اضربا - في الخطاب الواحد المؤكد بالنون - الخفيفة بالمثنى المجرد عن التأكيد ، فان قرائن اندفاعه ظاهرة متكاثرة.
(وقد يجري اضربا) للواحد المذكر مع الألف المنقلبة عن نون التأكيد الخفيفة
(مجراه) أي مجرى ما ذكر من نحو : اضربن للجمع والمخاطبة في الكتابة بالنون حملا عليها مع ما تفيدها من التحرز عن الإلتباس بالمثنى في بادي النظر وان كان قليلا سهل الدفع.
(ومن ثمّ) أي ومن أجل ما ذكر من رعاية الوقف (كتب باب قاض) من المنقوص المنون (بغير ياء ، وباب القاضي) من المنقوص المعرف باللّام (بالياء على الأفصح فيهما).
لأنّ الأفصح الوقف على المنون بدون الياء ، وعلى المعرف معها.
(ومن ثمّ كتب :) حرف الجر الكائن على حرف واحد(نحو : بزيد ، ولزيد ، متصلا) بما بعده (لأنه لا يوقف عليه) بخلاف من : زيد - وعن زيد - والى زيد ممّا فيه الجار على حرفين أو أكثر فانّه يكتب منفصلا لصلاحيته للوقف وان كان من الوقف القبيح.
(و) كتب (نحو : منك ومنكم وضربكم متصلا فيه) الضمير بما قبله (لأنه لا يبتدأ به) لكونه من الضمائر المتصلة.
وامّا نحو : بك - وبكما - فقد اجتمع فيه الأمران أعني عدم الوقف على الجار ، وعدم الإبتداء بالضمير.
(والنظر بعد ذلك) الّذي ذكر من الأصل في كلّ كلمة(فيما لا صورة له تخصّه) في الخط(وفيما خولف به) أي الأصل الّذي ذكر(بوصل ، أو زيادة ، أو نقص ، أو بدل ،) سواء كانت مخالفة ذلك للأصل المذكور بإعتبار إقتضاء ذلك الأصل خلاف ذلك أم بإعتبار عدم إقتضائه إيّاه.
(فالأوّل) وهو ما لا صورة له تخصه (المهموز) الّذي فيه الهمزة(وهو أوّل) فيه (ووسط ، وآخر) فالهمزة(الأوّل) في الكلمة(ألف) في الخط(مطلقا) سواء كان مضموما ، أو مفتوحا ، أو مكسورا ، وسواء كان للوصل ، أم للقطع ، وسواء كان
أصليا أم منقلبا(مثل : أحد) بالفتح وأصله : وحد بالواو (واحد) بضمّ الأولين لجبل معروف بالمدينة المشرفة.
(وابل) وايمن الله ، وانصر ، واعلم ، واكرم ، فيكتب الهمزة في الجميع بصورة الألف لتقاربهما في المخرج ، وكون الألف أخف حروف اللين فحيث احتيج إلى تصوير الهمزة مع عدم صورة له ولم يكن الأوّل موقع تخفيف وتغيير حتّى يراعي ذلك أعطى صورة الألف.
(والوسط امّا ساكن فبحرف حركة ما قبله) أي فتكتب بالحرف المجانس لحركة ما قبله لأنه ينقلب إليه للتخفيف فتكتب بصورته فيكتب ألفا ان كان ما قبله مفتوحا(مثل : يأكل) وواوا مع انضمام ما قبله (نحو : يؤمن) وياء مع إنكسار ما قبله (نحو : بئس) الرجل زيد من افعال الذم.
(وامّا متحرّك قبله ساكن فيكتب) ذلك الهمزة(بحرف حركته) أي حركة نفسه (مثل : يسأل) بصورة الألف لإنفتاحه (ويلؤم) بصورة الواو لإنضمامه (ويسئم) كيكرم من أسأمه أصله من السأمة وهي الملال بصورة الياء لإنكساره.
(ومنهم من يحذفها) أي تلك الهمزة المسبوقة المتحركة بالسكون (ان كان تخفيفها بالنقل) لحركتها إلى ما قبلها والحذف لها نحو : مسئلة(أو) كان تخفيفها(بالإدغام) نحو : حطيّة لأنها لما حذفت في اللفظ في صورة النقل وكانت كالمحذوفة عند الإدغام لصيرورتها مع ما ادغمت هي فيها حرفا واحدا حذفت في الخط أيضا ليطابق الخطّ واللّفظ.
(ومنهم من يحذف) من الهمزات المتحركة المسبوقة بالسكون (المفتوحة فقط) نحو : يسئل لكثرة مجيئها ومناسبة ذلك لرعاية التخفيف في الخط ويثبت المضمومة والمكسورة نحو : يلئم ، وليئم لقلّة مجيئهما.
(والأكثر على حذف المفتوحة بعد) الساكن الّذي يكون هو (الألف) لكثرة
المفتوحة وصلاحية الألف لكونها كالنائبة عنها في الخطّ(نحو : ساءل) على وزن «فاعل» من المفاعلة ونحو : يتساءل على «يتفاعل» ويثبتونها ان كانت بعد ساكن آخر لعدم صلاحيّته للنيابة عن الهمزة المفتوحة وكذلك يثبتون المضمومة والمكسورة لقلّتهما.
(ومنهم من يحذفها) أي الهمزات المتوسطة الساكن ما قبلها(في الجميع) من غير تخصيص بالمخففة بالنقل والإدغام ولا بالمفتوحة مطلقا ولا بالمفتوحة بعد الألف.
(وامّا متحرك وقبله متحرك فيكتب على نحو : ما يسهّل) أي على نحو : تخفيفه وتسهيله (فلذلك كتب نحو مؤجّل) اسم مفعول من التأجيل من المتحرك المضموم ما قبلها(بالواو ونحو : فئة) من المتحرك المكسور ما قبلها(بالياء) لكون تخفيفها بالجعل واوا في نحو الأوّل وياء في نحو الثاني (و) لذلك أيضا(كتب نحو : سأل) كمنع (ولؤم) مثل : أكرم (ويئس) كعلم (ومن مقرئك) عن الجارة مع اسم الفاعل من باب الإفعال (ورؤس) جمع رأس (- بحرف - حركته) لأن تخفيف الجمع بالجعل بين بين المشهور وهو قلب الهمزة إلى جنس حركتها.
(و) لذلك أيضا(جاء) في المكسور المضموم ما قبلها(نحو : سئل) مجهولا(و) في المضمومة المكسور ما قبلها نحو : (يقرئك) على البناء للفاعل «كيكرمك» (القولان) المذكوران في تخفيف نحوهما فعلى القول بأنه بين بين المشهور تكتبان بحرف حركتهما نحو : سئل - ويقرؤك - وعلى القول بأنه بين بين البعيد الّذي هو القلب إلى حركة ما قبل الهمزة تكتبان بحرف حركة ما قبلهما نحو : - سؤل - ويقرئك - والهمزة في : يقرئك طرف في حكم الوسط كما سيجيء - إنشاء الله تعالى - فتوسع بالتمثيل به ههنا وهكذا التمثيل من يقرئك.
(و) الهمز(الآخر : ان كان ما قبله ساكنا حذف) ذلك الهمز خطا(نحو :) رأيت (خبا) وهذا(خب) ونظرت إلى (خب) لأن تخفيف نحوه بالحذف بعد نقل حركته إلى
ما قبله والألف في : خبا ليست منقلبة عن الهمز بل هي الّتي يوقف عليها في المنصوب المنون.
(وان كان) ما قبله (متحركا كتب) ذلك الهمز(بحركة ما قبله) أي بحرف حركته ما قبله (كيف كان) ذلك الهمز متحركا أم ساكنا(مثل : قرأ) بالكتابة بالألف لإنفتاح ما قبله (ويقرأ) كيكرم بالكتابة بالياء لإنكسار ما قبله (وردؤ) الشيء على «فعل» بضمّ العين إذا فسد بالكتابة بالواو لإنضمام ما قبله فهذه أمثلة المتحرك.
(و) مثل مضارعات تلك الأفعال مع الجازم (نحو : لم يقرأ ولم يقرئ - ولم يردؤ -) وهذه أمثلة الساكن فهذا حكم الهمز المتطرف إذا جاز الوقف عليه.
(و) الهمزة(الطرف الّذي لا يوقف عليه لإتصال غيره به) ممّا يمنع عن الوقف عليه من ضمير متصل أو تاء تأنيث (كالوسط) في الخط ويزول حكمه الّذي كان له في الخط قبل الإتصال بالغير من غير فرق بين الفعل والإسم والأصلي والمنقلب ، فالأصلي في الإسم (نحو : جزؤك) رفعا بإضافة الجزء ضدّ الكل إلى كاف الخطاب (وجزاءك) نصبا(وجزائك) جرّا(و) المنقلب فيه (نحو : رداؤك - ورداءك - وردائك) وكساؤك - وكساءك - وكسائك - في الأحوال الثلاث الإعرابية.
فالأصلي في الفعل (نحو : يقرءه) كيمنعه فمن كتب الهمزة المتوسطة المتحركة الساكن ما قبلها : كيسأل - ويلؤم - وسئم - بحرف حركتها كتب المتطرفة في هذه الأمثلة كذلك.
ومن حذف المتوسطة الّتي قبلها ألف حذف هذه المتطرفة في نحو : رداءك - ومن حذف المتوسطة الساكن ما قبلها في الجميع حذف هذه المتطرفة كذلك.
(ونحو : يقرئك) كيكرمك فيأتي فيه القولان المذكوران كما مرّ ، والتمثيل ههنا في موقعه.
وتلخيص الكلام : انّ المتطرفة الممنوعة من الوقف بالإتصال بالغير في حكم
المتوسطة خطّا في كلّ لفظ اتفقت هي فيه (إلّا في) ما كان تخفيفها فيه بالقلب والإدغام (نحو : مقروة) في اسم المفعول من قراء متصلا بتاء التأنيث (وبريّة) على «فعيلة» من براء فإنّهم إتفقوا على حذف تلك المتطرفة في هذه الصورة ، لما مرّ من كون المدغم في حكم المحذوف من اللّفظ فيجوز خطّأ بالإتفاق مع اختلافهم في حذف المتوسطة الّتي تخفيفها بالإدغام ولعلّ الفارق ان مثل هذا طرف في الحقيقة والتزام حذف الطّرف في الخط أهون من التزام حذف الوسط كما في اللفظ ، والهمزة المتطرّف المتصل بالغير في الكون في حكم الوسط كائن.
(بخلاف) الهمزة(الأوّل المتّصل به غيره) من حرف جرّ وغيره (نحو : بأحد - ولأحد - وكأحد -) فإنّه ليس كالوسط في الخطّ بل هو باق على حكمه الّذي كان له قبل الإتصال بذلك الغير من الكتابة بصورة الألف.
ولعلّ السرّ في ذلك انّ الطرف لا يحصل له من جعله كالوسط حالة أضعف من حاله في نفسه خطّا لكون كلّ منهما في معرض الحذف وتغيير الصّور وان اختلف الوجه فيهما.
فعند كونه كالوسط لفظا يجعل مثله خطّا ليطابق الخطّ واللّفظ بخلاف الأوّل فان له من حيث هو أوّل صورة معيّنة هي صورة الألف وليس في معرض الحذف والتغيير ، وفي جعله كالوسط يراد له في معرضهما فكرهوا جعله مثله لذلك.
وهذا الّذي ذكر في نحو : بأحد ولأحد - من البقاء على حالته المتقدمة كائن (بخلاف) قولهم (لئلّا) وأصله : لأن لا فإن همزته بعد إدغام النون في اللّام من لا تكتب بصورة حرف حركة اللّام السابقة عليه وهو الياء كالهمزة من : فئة فكأنه جعل في حكم الوسط لكثرته في استعمالاتهم وكونه في صورة الياء المتصلة بالغير أخف في الكتابة من صورة الألف وأقصر فيناسب الكسرة.
(أو لكراهة صورته) لو كتب بصورة الألف الّتي كانت له قبل الإتصال بالغير إذ يصير صورته لا لا وكأنها مستكرهة لكونها في صورة تكرير حرف النفي.
وهكذا ما ذكر كائن (بخلاف) قولهم (لئن) فإنّ الهمزة فيه تكتب بصورة الياء المجانسة لحركة نفسه دون الألف الّتي هي صورته قبل الإتصال باللّام وان كانت مجانسة لفتحة اللّام أيضا(لكثرته) المناسبة للأخف الأقصر وليس فيه كراهة الصّورة(وكل همزة بعدها حرف مد) كائن (كصورتها تحذف) تلك الهمزة كراهة اجتماع الصورتين المتماثلتين فكأنه مستثقل في الخطّ كإجتماعهما في اللّفظ وذلك (نحو : خطاء) بالمد بعد الهمزة في النصب وقفا.
(ومستهزؤن) رفعا(ومستهزئين) نصبا وجرّا ، فإنّ المنصوب المنون يقع في آخره وقفا حرف مدّ هو الألف ويكتب صورتها خطا ، والهمزة في نحو : خطا يكتب بصورة الألف فلو لم تحذف صورتها في الكتابة اجتمعت الفان ، والهمزة المضمومة المتقدمة على الواو الّتي هي حرف مدّ في : مستهزؤن حقّها الكتابة بالواو المكسورة المتقدمة على الياء الّتي هي حرف مد في : مستهزئين حقّها الكتابة بالياء ولو كتبتا على هاتين الصورتين إجتمعت الواوان - والياءان - فحذفت صورت الهمزة.
(وقد تكتب الياء) في نحو : مستهزئين دون الواو في نحو : مستهزؤن لأن اجتماع الواوين أثقل من اجتماع اليائين لفظا وخطأ فاغتفر الثاني دون الأوّل ، ودون الألف في نحو : خطاء لإستحالة اجتماع الألفين لفظا لإلتقاء الساكنين فمنعوا اجتماعهما خطّا حملا للخطّ على اللفظ مع ان صورة الألفين أثقل من صورة اليائين وما ذكر من حذف صورة الهمزة في مثل ما ذكر.
(بخلاف قرأا) في الماضي المتصل بألف التّثنية(ويقرأان) من المضارع المتصل بها فإن صورة الهمزة والمدّ يثبتان في نحوهما معا(للّبس) في الحذف فإنّ الحذف في الأوّل يؤدّي إلى اللبس بصورة المفرد وفي الثاني اللبس بصورة صيغة جماعة النّساء في الكتابة.
(وبخلاف نحو : مستهزئين) بفتح الهمزة(في المثنى) فإنّ الهمزة فيه تثبت بصورة الياء(لعدم المدّ) لعدم تحرك ما قبل الياء بالكسرة المجانسة لها.
وقد اعترض عليه بأنّ المدّ لا تأثير له في الخط فالظاهر انّه لا مدخل له في الحذف ، بل الحذف لإجتماع صورتي المثلين وهو حاصل في المثنى كالجمع فلعل الوجه في اثبات الهمزة فيه بتلك الصورة سهولة الخطب في إجتماع اليائين لضعف استثقاله مع قصد امتيازه عن صورة الجمع الّذي هو أثقل وأولى بالحذف عندهم في اللفظ فأجرى في الخط مجراه.
والمصنف : كأنه زعم دلالة الإستقراء على إشتراط الحذف بالمد فعلل الإثبات بعدمه وللكلام فيه مجال فتأمل.
(و) كذلك حذف الهمزة في الخط فيما تقدم كائن (بخلاف نحو : ردائي وكسائي) وغيرهما ممّا في آخره الهمزة وأضيف إلى ياء المتكلم فإنّ الهمزة في نحو : ذلك تثبت بصورة الياء أيضا(لمغايرة الصورة) المكتوبة للهمزة للصورة المكتوبة لياء المتكلم كما هو محسوس فليس فيه اجتماع الصورتين المتماثلتين.
(وللفتح الأصلي) في ياء المتكلم فإنّها مفتوحة في الأصل مثل : لام الإبتداء وهمزة الإستفهام وإسكانها حيث يسكن طار للتخفيف فليست مدا في الأصل وحذف الهمزة مشروط بالمدّ بعدها على ما زعمه.
(وبخلاف نحو : جبائي) ممّا في آخره الهمزة وزيد بعدها ياء النسبة فإنّ الهمزة فيه أيضا تثبت بصورة الياء مع ياء النّسبة(في الأكثر) وذلك (لمغايرة) بينهما في الصورة فلا يجتمع المثلان (و) لأجل التشديد الكائن لياء النّسبة فإنّه يذهب بالمد مع إشتراطه في الحذف عنده مع أنّ المشددة إثنتان ، حذفت إحديهما للتشديد والإدغام فكرهوا حذف صورة الهمزة أيضا لئلّا يلزم الإجحاف والجبّاء بالجيم والموحدة المشدّدة والمد قرية.
(وبخلاف نحو : لم تقرئى) من الفعل الّذي آخره الهمزة ولحقته الياء للواحدة المخاطبة فإن همزته أيضا تثبت بصورة الياء(للمغايرة) المذكورة في الصورة(واللّبس) لو حذفت صورة الهمزة بالمنقوص اليائي للواحدة المخاطبة في نحو : لم
تقرى من القرى للضيافة فإنّ الياء الّتي هي اللّام تحذف في مثله لفظا وخطّا ، وفيلتبس به صورة لم تقرئى عند حذف الهمزة ، وأنت خبير بأن مثل هذا اللّبس كثير في الخط قد سومح به لكنّه لا ريب في أن تركه أولى فهذا بيان ما لا صورة له خطّأ من الشيئين الّذين ذكر أنّ النّظر فيهما بعد ما تقدم وبقى الكلام فيما خولف به الأصل من ذينك الشيئين وذلك أربعة الوصل - والزيادة - والنقص - والإبدال وهذا أو ان تفصيلها.
(أمّا الوصل) وهو أن يجعل لفظ متصل بآخره في الكتابة(فقد وصلوا الحروف وشبهها) من الأسماء الّتي فيها معنى الشرط والإستفهام (بما الحرفية) الّتي لم تكن مصدرية ، إن جعلنا المصدرية حرفا كما هو على الأكثر فإتصال الحرف بها - نحو : انّما إلهكم الله - حيث إتصلت بها أنّ المشدّدة.
(و) اتصال شبهه بها(نحو : أينما تكن أكن - وكلّما أتيتني أكرمتك) وحيثما تجلس أجلس ، فالأصل في كتابتها - أنّ - وأين - وكلّ - وحيث - على وجه الإنفصال ، ومخالفة هذا الأصل بالإتّصال بما الحرفية لكون - ما - هذه غير مستقلة بنفسها فجعلوها كالتّتمة لما قبلها.
(بخلاف ما الإسمية) كالموصولة(نحو : إنّما عندي) أي الّذي عندي (حسن ، وأين ما وعدتني) بتقديم الخبر وهو أين لتضمن الإستفهام على المبتدء وهو الموصول (وكلّ ما عندي حسن) فإن ما هذه تكتب منفصلة عمّا قبلها لإستقلالها بنفسها.
وبخلاف ما المصدرية نحو : إن ما صنعت عجيب إذا قصد به إن صنعك عجيب فإنّها وإن جعلت حرفا تكتب منفصلة عمّا قبلها تنبيها على كونها مع ما بعد كإسم واحد فهي كأنها من تمام ما بعدها ولم يتصل بما بعدها لعدم صلاحية آخرها وهو الألف لذلك.
(وكذلك - من ما - وعن ما -) بمن وعن الجارّتين مع ما(في الوجهين)
المذكورين وهما : الوصل عند كون : ما - حرفا نحو : (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا)(1)وعمّا قليل.
والفصل عند كونها إسما ، نحو : أخذت من ما أخذته ورغبت عن ما رغبت عنه.
(و) كلّ من هاتين الجارّتين مع ما(قد تكتبان متصلين مطلقا) سواء كانت ما حرفا ، أم إسما(لوجوب الإدغام) للنون منهما في الميم - من ما - والإدغام كمال الإتصال في اللّفظ فيراعي ذلك في الخط أيضا.
(ولم يصلوا متى) بما الحرفية في نحو : متى ما تفعل أفعل وإن كان مثل : حيث - وأين - في المشابهة للحروف (لما يلزم) من وصلها بها(من تغير) صورة(الياء) إلى صورة الألف بأن يكتب : متا ما كما مرّ في : علام - وحتام - عند الإتصال بما ولعلّ إستعمال - متى - مع - ما - قليل كما قيل مع كونها إسما وإن كانت غير متمكنة.
والإسم كأنه جدير بمحافظه الصّورة مهما أمكن فكرهوا تغيير صورتها له بخلاف إستعمال - على - وحتّى - وإلى - معها فإنّه كثير ، وهذه حروف وكأنها ليست في مرتبة الإسم الغير المتمكن في إستحقاق المحافظة ، وإلّا فأيّ فساد في تغيير الياء إلى الألف فيها كما في تلك الحروف.
(ووصلوا أن الناصبة للفعل مع لا) نحو : لئلّا يعلم (بخلاف أن المخففة) من المثقلة الّتي ليست عاملة في الفعل (نحو : علمت أن لا يقوم) بضمّ الميم على الرفع ، والأصل : علمت أنه لا يقوم بالتشديد فخففت وحذف إسمها وهو ضمير الشأن.
وإنّما خالفوا بينها وبين الناصبة في الوصل ، والفصل للفرق بينهما ولم يعكسوا لأنّ الناصبة أكثر ، وبالتخفيف أجدر.
ولأنها متصل بما بعدها معنى فهو أحق بالوصل به من المخففة المنفصلة عنه في
1) نوح : 25.
التقدير لضمير الشأن.
ولأن المخففة تطرق إليها الحذف والتخفيف عن أصلها المشدد فكرهوا وصلها ونقصها في الخط بعد ذلك لما يلزم من الإجحاف.
(ووصلوا إن الشرطية - بلا - وما - نحو «ألّا تفعلوا» و «أمّا تخافنّ») وفصلوا غيرها كالمخففة في نحو : قولك إن لا تكاد لتفعل كذا ، والفارق كثرة إستعمال الشرطية وتأثيرها في الشرط بخلاف غيرها.
وبعد وصل : من - وعن - بهما وأن الناصبة بلا وإن الشرطية بلا - وما - (حذفت النون في الجميع) خطأ كما حذفت لفظا بالإدغام فيقتصر على صورة ما أدغمت هي فيه لقوّة إتصالها به.
(ووصلوا نحو : يومئذ - وحينئذ - على مذهب البناء) أي مذهب من : بنى يوما - وحينا بالفتح عند الإضافة إلى - إذ - لأنّ البناء دليل شدّة إتصالهما - بإذ -.
(فمن ثمّ كتب الهمزة) الّتي هي جزء من - إذ - عند الوصل (ياء) لأنها لشدّة الإتصال صار كالمتوسطة المكسورة كما في - بئس الرجل - ولو لا ذلك لكتب بصورة الألف لكونها أوّل جزء من كلمتها وهي - إذ - نحو : بأحد - ولأحد.
وأمّا في مذهب من أعرب - يوما - وحينا - مضافين إلى - إذ - فالقياس الإنفصال ، لكنه حمل في الأكثر على مذهب البناء في الوصل لأنه أكثر من الإعراب فحمل عليه الأقلّ.
(وكتبوا نحو : الرجل) من المعرف باللّام (على المذهبين) للخليل - وسيبويه - (متصلا فيه) لام التعريف بالإسم المعرف بها ، أمّا على مذهب سيبويه فلأنّ اللّام وحدها عنده حرف تعريف فلا يستقل في اللفظ حتّى ينفصل في الخط.
وأمّا على مذهب الخليل وهو كون لفظ - ال - بتمامه حرف تعريق - كهل - وبل - وكان القياس الكتابة منفصلا لإستقلاله بالتّلفظ لكنهم وصلوا.
(لأنّ الهمزة كالعدم) حيث أسقطت درجا وإن لم يكن للوصل عنده ، فحرف التعريف كأنه اللّام وحدها فوصلت بما بعدها(أو اختصارا) في الكتابة(للكثرة) في الإستعمال المناسبة للاختصار والتخفيف في الخط بخلاف - هل - وبل - لقلّتهما بالنسبة إلى - أل - وعدم كون جزء الأوّل منهما كالعدم فهكذا حكم ما خولف به الأصل للوصل.
(وامّا الزّيادة) الّتي خولف بها الأصل في اللّفظ وهي أن يزاد حرف على حروف اللّفظ في الكتابة.
(فإنّهم زادوا بعد واو الجمع المتطرفة في الفعل ألفا) في الكتابة (نحو : (كُلُوا وَاشْرَبُوا)) ونصروا ، وفعلوا ، ولم يفعلوا ، ولن يفعلوا ، وان تقولوا ، (فرقا بينها وبين واو العطف) فيما ينفصل فيه تلك الواو عن لفظ الفعل نحو : نصروا ، وسادوا ، وجادوا ، مع وقوع ما يصلح للعطف عليه بعده ، ولم يقصد عطفه عليه وحمل عليه ما يسلم عن الإلتباس لإتصال الواو فيه بالفعل نحو : أكلوا أو لعدم ما يصلح للعطف بعده أو وجوده مع قصد العطف ووجود العاطف طردا للباب على وتيرة واحدة وما ذكر.
(بخلاف نحو : يدعو ، ويغزو) ونحوهما من المضارع الناقص الواويّ المفرد مخاطبا كان أو غائبا ، فإنّ الواو من مثل ذلك ليست متلّبسة بالعاطفة لعدم تمامية جوهر الكلمة بدونها.
فمن ثمّ تركوا الألف بعدها ، وكأنهم لم يبالوا بإمكان توهّم كون صورة المضارع المذكورة صورة المثال مثل أن يتوهم في صورة - يعدو - من العدوان - إنّ الواو عاطفة والفعل - يعد - من الوعد لندرة ما يمكن فيه هذا التوهّم مع كثرة القرائن على إندفاعه.
وقد وردت كتابة الألف بعدها عن جماعة الكتّاب المتقدمين على ما يحكي عن
ابن قتيبة ، وكتبها بعضهم إلى أمثال ذلك من المصحف.
(ومن ثمّ) أي ومن أجل زيادة الألف بعد واو الجمع المتطرفة(كتب ضربواهم في التأكيد بألف) لكون الواو فيه حينئذ متطرفة وكون لفظ - هم - ضميرا منفصلا جيء به لتأكيد الضمير المرفوع المتّصل بالفعل.
(و) كتب (ضربواهم في المفعول) يعني إذا كان - هم - مفعولا(بغير ألف) لزوال التطرف عن الواو بوقوع الضمير المتّصل المنصوب بعده وكون المجموع في حكم الكلمة الواحدة فإن لفظ - هم - ضمير متصل.
(و) هذا الألف (منهم من يكتبها في نحو : شاربوا الماء) وناصروا القوم في جمع الشارب - والناصر - وأمثالهما من الأسماء المتصلة بالواو المضافة لإجرائها مجرى الفعل ، والأكثرون تركوها لقلتها بالنسبة إلى الفعل.
(ومنهم من يحذفها في الجميع) أي في الفعل والإسم لندور الإلتباس لوجود القرائن الظاهرة في الغالب على ما دلّ عليه الإستقراء.
(وزادوا) في كتابة(مائة) للعدد المعروف (ألفا فرقا بينها وبين من الجارة) مع ضمير المفرد المذكر - أعني - (منه) في أصل الرسم والنقطة على النون خارجة عن أصل الرسم.
ومن ثمّ لم يلزم رسمها مع أنها عند رسمها قد يعرض لها أسباب الخفاء فلو إقتصر على الميم وصورة الياء للهمزة والتاء في آخره إلتبس بذلك الجار مع الضمير فزيدت الألف قبل صورة الهمزة دون الياء المناسبة لحركة الميم لكراهة إجتماع صورتي اليائين ودون الواو لأنّ الألف أنسب منها بالهمزة ولم يجعلوا الألف بعد صورة الهمزة هكذا - مائة - لئلّا يلتبس بجمع الماء - فتأمل -.
ولم يكتفوا بصورة الألف للهمزة لئلّا ينتقض قاعدتهم من تصوير المتوسطة المكسورة ما قبلها بصورة الياء.
(والحقوا المثنّى) نحو : مائتين (به) في زيادة الألف وإن كان سالما عن ذلك اللّبس.
وإنّما ألحق به؟ لبقاء صورة المفرد في المثنى بخلاف الجمع نحو : مئين - ومآت - لعدم بقاء صورة المفرد لزوال صورة التّاء الّتي كانت في آخر المفرد والّتي في : مآت - كأنها غيرها ، فلذلك إختلفتا لفظا في القلب هاء وعدمه في الوقف وخطّأ في القصر والتّطويل.
(وزادوا في عمرو) علما(واوا فرقا بينه وبين عمر) في الخط ولم يعكسوا لكون عمرو أخفّ لفظا لسكون الوسط ، والأخف لفظا كأنه أجدر بالزيادة في الخط التابع للفظ.
(ومن ثمّ) أي ومن أجل أن زيادتها للفرق بينهما(لم يزيدوه في النصب) لحصول الفرق بوجود الألف فيه لكونه منصرفا منونا وعدمها في - عمر - لمنعه من الصرف والتنوين ولا في المحلى باللّام كقوله :
باعد أم العمر من أسيرها
حراس أبواب على قصورها
لعدم اللّام في : عمر في كلامهم حتّى يلتبس به ولا فيما إذا وقع قافية لعدم صلاحية كلّ منهما للوقوع قافية حيث يقع الآخر للإختلاف بسكون الوسط وتحرّكه.
وأمّا عدم زيادتها في التصغير ، والإضافة إلى المضمر فلإتّحاد مصغر الإسمين في اللّفظ وكون المضمر المجرور كالجزء ممّا قبله فلا يفصل عنه بالواو في الكتابة.
ولم يزيدوا في : عمر الإنسان وهو ما بينهما من اللحم ولا في العمر بمعنى العمر بالضمّ في نحو : لعمر الله لقلّة إستعمالها بالنسبة إلى عمرو علما فلم يبالوا باللبس النّادر فيهما إن إتفق وإنّما زيدت الواو حيث وقعت الزيادة دون الألف لئلّا يلتبس بالمنصوب ، ودون الياء لئلّا يلتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم كذا قيل.
(وزادوا في أولئك) بعد الهمزة(واوا) مناسبة لضمّ الهمزة(فرقا بينه وبين إليك) بالضمير المخاطب مع - إلى - الجارّة ولم يعكسوا لأنّ الإسم أولى بالتصرف
والزيادة.
(وأجرى عليه أولاء) وهؤلاء ممدودتين وكذا أولاك مقصورا مع عدم اللبس المذكور للإلحاق في معنى الإشارة والجمعية وأمّا الأولى المقصور الموصول الجمعيّ المعرف باللّام كما في قوله :
نحن أو أنتم الأولى الفوا الحق فبعدا*
للمبطلين وسحقا
الأصل فيه عدم زيادة الواو لعدم الإلتباس.
وزادوا الواو المناسبة لضمّة الهمزة من نحو : قولك رأيت أولى مال ، ومررت بأولى مال أي ذوي مال ، لئلّا يلتبس بإلى الجارة وحمل عليه أو لو رفعا وإن لم يلتبس بها.
(وأمّا النقص) وهو أن ينقص حرف من حروف اللفظ في الخط بأن لا يكتب ذلك الحرف (فإنّهم كتبوا كلّ) حرف (مشدّد بالادغام من كلمة واحدة حرفا واحدا) مع أنه حرفان حقيقة فنقصوا حرفا واحدا في الخط ليحصل التخفيف فيه كما حصل في اللفظ وذلك (نحو : شدّ - ومدّ - وإدكر - وأجرى نحو : قتتّ) بصيغة المتكلم ، أو المخاطب من : القت بالقاف وتشديد التاء وهو تمّ الحديث (مجراه) في الغالب فكتب المشدّد فيه بصورة حرف واحدة وإن كان المتماثلان المدغم أحدهما في الآخر في كلمتين لتنزيل شدّة إتصال تاء الضمير الّذي هو الفاعل بالفعل منزلة الوحدة.
(بخلاف نحو : وعدت) فإنّه يلزم كتابة المدغم فيه المتقاربين في نحوه بصورتي الحرفين مع شدّة الإتصال لعدم التماثل.
(و) بخلاف (نحو : أجبهه) بصيغة الأمر مع المفعول بمعنى إضرب جبهته فإنّهما يكتبان مع تماثلهما في نحوه بحرفين لأن إتصال المفعول بالفعل ليس في مرتبة إتصال الفاعل به.
(وبخلاف لام التّعريف مطلقا) سواء كان ما ادغمت هي فيه مماثلا لها(نحو : اللّحم) أم مقاربا(و) ذلك ونحو : (الرجل لكونهما) أي اللّام وما بعدها(كلمتين) ليس إتصال أحديهما بالأخرى كإتصال الفاعل بالفعل.
(ولكثرة اللبس) بما دخل عليه حرف الإستفهام لو إكتفى بكتابة المدغم فيه نحو : أرّجل ، والّحم ، ولا يجدي وضع صورة رأس الشين الّتي هي علامة التشديد عليه في دفع الإلتباس في أصل الرّسم لخروجها منه مع إحتمال تطرّق الخفاء إليها كالنقطة وما ذكر من إثبات لام التعريف في نحو : ما ذكر كائن.
(بخلاف الّذي والّتي) في المفرد(والّذين) في الجمع من الموصول فإنّ اللّام كالجزء منها(لكونها) لازمة(لا تنفصل) عنها في حال من الأحوال كالجزء من الشيء فكأنهما كلمة واحدة فاكتفى في الخط عن المدغمة والمدّغم فيها بلام واحد كالحرف المشدد من كلمة واحدة والمحذوفة هي أوّل إسم الموصول لكون حرف التعريف جيء به لمعنى ، فيخل حذفه بالمقصود ، كذا قيل والأمر فيه هين.
(ونحو : الّذين في التثنية) نصبا وجرّا يكتب (بلامين للفرق) بينه وبين الجمع الّذي هو لزيادة ثقله المعنوي بالتخفيف اللفظيّ تنزيلا لثقل المعنوي منزلة اللّفظي ثمّ يجري على الخط حكم اللفظ فيخفف فيه (وحمل التين) في تثنية المؤنث (عليه) أي على الّذين في تثنية مذكر وإن لم يكن فيه لبس عند حذف اللّام لكون المؤنث فرع المذكر وكذا : حمل الذان في المذكر رفعا عليه وإن لم يلتبس بشيء.
(وكذلك اللائون وأخواته) وهي اللّائي ، واللّواتي ، واللّاتي ، واللّاء ، يعني إن هذه مثل : اللّذين ، واللّتين ، في الكتابة بلامين لأنّ اللّام من جملتها لو كتب بلام واحدة لربّما إلتبس - بإلّا - في الرسم وحمل عليه البواقي كذا يقال.
وههنا وجه آخر وهو أن حذف إحدى اللّامين في : الّذي ، والّتي ، لكراهة إلتزام رسم حرف التعريف أو شبهه فيهما مع البناء وشبه الحرف ، وإثباتهما في المثنى لبعده بالتثنية الّتي هي من خواض الأسماء عن شبه الحرف.
وفي اللّاتي وأخواته لمعنى الجمعية الّتي ليست في الحروف وأمّا الجمع المذكر فأثبتتا فيه مع الواو على لغة من أعربه بها رفعا كما في :
نحن اللّذون صبّحوا الصّباحا
يوم النخيل غارة ملحاحا
وحذفت منه إحداهما على لغة من إلتزام الياء في الأحوال كلّها للبناء المعتبر فيه الحرف فرقا بين اللّغتين وكأنهم حملوا عليه في حذف إحدى اللّامين ما هو مثله في التلفظ أعني المنصوب والمجرور بالياء على لغة المعربة لأنّ الأصل والأكثر فيه البناء مع ما فيه من التميز عن المثنى.
(ونحو : ممّ ، وعمّ ، وأمّا ، وإلّا) في من ما - وعن ما - وأن ما - وأن لا بأن الشرطية مع ما ولا وأمثال ذلك ممّا أدغم فيه آخر كلمة في أوّل كلمة اخرى وكتب الحرفان حرفا واحدا(ليس بقياس) والقياس كتابتهما على حرفين لكونهما من كلمتين وقد تقدم الوجه في كتابتها على حرف واحد.
(ونقصوا من بسم الله الرّحمن الرّحيم الألف) من إسم (لكثرته) أي كثرة هذا الكلام الشريف في الاستعمال (بخلاف بإسم ربّك ونحوه) مثل : بإسم الرّحمن فإنّ الألف تثبت في هذين وأمثالهما لأنها ليست مثله في كثرة الإستعمال.
(وكذلك الألف) متوسطة(من إسم الله والرّحمن) فإنّهم نقصوها من هذين الإسمين الشريفين مطلقا سواء كانا في البسملة أم في غيرها لكثرتهما في الكلام.
(ونقصوا من نحو للرجل - وللدّار - جرّا) أي مع اللّام الجر(وإبتداء) أي عند كونه مبتدء أي مع لام الإبتداء(الألف لئلّا يلتبس بالنفي) لو كتب بالألف هكذا لا لرجل على ما هو القياس في رسم اللّام في الجر والإبتداء من الوصل بما بعدها.
(بخلاف بالرجل بباء الجر) ونحوه مثل : كالرجل ، وفالرّجل فإنّ الألف تثبت في نحوه لعدم اللبس مع الألف.
(ونقصوا مع الألف اللّام أيضا ممّا أوّله لام) أي أوّل حرفه لام وعرّف باللّام
ودخله لام الجر والإبتداء(نحو : للّحم - وللّبن) فنقصوا الألف من نحوهما لما مرّ من اللّبس بالنفي ، ونقصوا اللّام كراهة إجتماع ثلاث لامات إحديهما الجزء الأوّل من الكلمة والثانية لام التعريف والثالث لام الجر والإبتداء.
وقيل الأحوط في مثله كتابة اللّامات لئلّا يلتبس المعرف بالمنكر(و) نقصوا من قولك (إبنك بارّ) أي إبنك ذو برّ في الإستفهام.
(ونحو : إصطفى البنات) في الإستفهام أيضا(ألف الوصل) الّتي تحذف في اللفظ كراهة إجتماع صورتي الألفين لهمزة الوصل وهمزة الإستفهام ولكون المحذوفة هي الوصلية تكتب حركة الإستفهامية عند كتابة الحركة مثلا تكتب الفتحة الّتي هي حركة الإستفهامية على همزة إصطفى دون الكسرة الّتي هي حركة الوصلية.
(وجاء في نحو : الرّجل) من المعرف باللّام الّذي دخلت عليه همزة الإستفهام (الأمران) وهما حذف إحدى الهمزتين كراهة إجتماعهما وإثباتهما جميعا في الخطّ لأنهما تثبتان في اللفظ لئلّا يلتبس الإستفهام بالخبر ، كما مرّ في إلتقاء الساكنين.
(ونقصوا من إبن) بصيغة المفرد(إذا وقع صفة بين علمين ألفه نحو : هذا زيد بن عمرو) ولكثرة إستعمال الإبن الجامع لهذه الصّفات فحذفت ألفه خطا كما تحذف لفظا ، وحذفت تنوين موصوفه لفظا أيضا وجوبا كما في الخط ، بخلاف زيد إبن عمرو على تقدير إبن عمرو خبرا.
(وبخلاف المثنى) نحو : جاء الزيدان إبنا عمرو وبخلاف ما لم يكن بين العلمين نحو : جائني زيد ابن أخي والرّجل ابن زيد ، والعالم بن الفاضل فإن ألف من ابن تثبت في جميع هذه الصور لعدم كثرة شيء منها مثل : كثرة ما حذفت هي منه ويحسن إثباتها في الواقع صفة بين علمين إذ كان موصوفه في آخر سطر وهو في أوّل سطر آخر ، وحينئذ إن كان السطر الّذي في آخر الموصوف في آخر صفحة وما في أوّله الصفة أوّل صفحة اخرى كان الإتيان أحسن منه فيما ليس كذلك.
(ونقصوا ألف) قولك (ها) من حروف التنبيه (مع) أسماء(الإشارة نحو : هذا ، وهذه ، وهذان ، وهؤلاء) لكثرة إستعمالها معه (بخلاف) قولهم (هاتا - وهاتي) فإن ألفها تثبت مع كلّ منهما(لقلته ، فإن جائت الكاف) فيما حذفت معه الألف (ردت ألفه نحو : ها ذاك وها ذانك لاتصال الكاف) بذا وصيرورته كالجزء منه فكرهوا إمتزاج ثلاث كلمات.
(ونقصوا الألف من ذلك وأولئك) وتصاريفهما نحو : ذلكما - وذلكم - وأولئكما - وأولئكم إلى ذلكن - وأولئكن.
(ومن الثلاث والثلاثين ومن لكن ولكنّ) بالتخفيف والتشديد لكثرة إستعماله المناسبة للإختصار والتخفيف في الجميع مع كراهة صورة لا النافية في الأخيرين.
وكأنهم إختاروا زيادة الواو على إثباة الألف في أولئك للتميز عن إليك بإلى الجارة والكاف للحمل على المفرد وهو ذلك في حذف الألف فإن الجمع فرع المفرد.
(ونقص كثير) من الوراقين (الواو من داود) كراهة إجتماع الواوين (والألف من إبراهيم - وإسماعيل - وإسحق) لكونها أعلاما كثيرة الإستعمال.
(و) نقص (بعضهم الألف من : عثمن - وسليمن - ومعنوية) للعلمية والكثرة ، وكأنها لم تكثر كثرة إبراهيم والإسمين بعده وذكر نجم الأئمّة رضي - أنّ القدماء من ورّاقي الكوفة كانوا ينقصون على الإطراد الألف المتوسطة إذا كانت متصلة بما قبلها في الكتابة نحو : الكفرين - والنّصرين - وسلطن - في الكافرين والنّاصرين والسلطان بخلاف ما لم يتصل بما قبلها نحو : الراسخون في العلم - وقوّامون -.
وليعلم أن نون التنوين لما كان وجوده معلوما للزومه في كل معرب مع عدم المانع كاللّام والإضافة نقصوه خطا للفرق بينه وبين النون الأصلي ، والنون في إضربن وإن شاركه في العروض لكنهم أثبتوه لعدم العلم به لو لا الرسم لعدم لزومه هذا هو الأصل في رسم نفس اللفظ لكنهم إذا قصدوا الدلالة عليه في الرّسم كما
يدل على غيره من أحوال الكلمة من الحركات والسّكنات كتبوا له مع حركة الآخر حركة اخرى مماثلة لها لمماثلته لها في العروض في الآخر مع أن تلك الحركة تتقوى به فينزل منزلة تكريرها وذلك كما تكتب ضمتان على الدال في جاء زيد ، وكسرتان عليها في مررت بزيد.
(وأمّا البدل فإنّهم كتبوا كل ألف رابعة فصاعدا في إسم أو فعل ياء) كأعطى - وأغزى - واصطفى - واستصطفى - والمصطفى - والمستصفي - لإنقلابها ياء في نحو : أغزيت وأعطيت - والمصطفيان أو للدلالة على الإصالة(إلّا فيما قبلها) أي الألف الّتي قبلها(ياء) فإن كل ألف قبلها الياء نحو : أحيا - والمحيا - تكتب بصورة الألف كراهة إجتماع اليائين.
(إلّا في نحو : يحيي وربّي -) بتشديد الياء حالكونهما(علمين) كما إذا سمى رجل بيحيى وامرأة برييّ - فإنّ الألف المسبوقة بالياء للفرق بين العلم من نحوهما وبين غير العلم منه كيحيا فعلا وريّا صفة ، مؤنث ريّان والعلم أولى بالياء لأن إحتمال الأثقل فيه لقلّته أسهل.
(وأمّا) الألف (الثالثة فإن كانت منقلبة عن ياء) نحو : الفتى - ورمى (كتب ياء) تنبيها على إنقلابها عنها(وإلّا) تكن منقلبة عنها نحو : غزا - والعصا - (فالألف) هي المكتوبة كما أنها الملفوظة لعدم الداعي إلى العدول في الرسم عن الملفوظ.
(ومنهم من يكتب الباب كلّه) ثالثه كانت أو فوقها منقلبة عن الياء أم لا(بالألف) على القياس الّذي هو موافقة المرسوم للملفوظ وأمّا كتابة الصّلوة - والزّكوت بالواو فللدلة على التفخيم كما مرّ.
(وعلى) تقدير(كتبه) أي كتابته (بالياء) عند من يكتبه بها فيما ذكر من الصّور(فإن كان) المكتوب ألفه بالياء اسما مقصورا(منونا) نحو : هذا فتى - ومصطفى - (فالمختار أنه كذلك) يكتب بالياء لجريان ما ذكر من النّكتة لكتابتها بالياء مع التنوين أيضا(وهو قياس المبرّد) في ذلك في جميع الأحوال الثلاث الإعرابية.
فإن إتفقت كتابة شيء من نحو ذلك بالألف كان عنده خلاف القياس ، وإن فرض إستمراره في إصطلاح قوم من الورّاقين كالشواظ المطردة في السماع في الألفاظ.
وقياس المازني أن يكتب المنون المذكور في جميع الأحوال الثلاث الإعرابية(بالألف) الملفوظ فيه وقفا فرقا بينه وبين المنون.
(وقياس سيبويه) أن يكتب المنون (المنصوب بالألف) على القياس المطرد في غيره من المنونات المنصوبة(و) يكتب (ما سواه) وهو المرفوع والمجرور(بالياء) للنّكتة المذكورة.
(و) يتعرف (الواو) الّتي هي أصل الألف (بالتثنية) المقتضية للردّ إلى الأصل (نحو : فتيان) في فتى (وعصوان) في عصى (و) يتعرف ذلك أيضا(بالجمع) الّذي وقع فيه الردّ إلى الأصل (نحو : الفتيات - وقنوات) كلّاهما بالألف والتاء في جمع فتات تأنيث الفتى وقنات بالقاف والنون للرمح.
بخلاف الجمع الّذي يحذف فيه كالمصطفين في جمع المذكر فإنّ الألف تحذف منه فلا يتعرف به الأصل.
(و) يتعرف أيضا(بالمرّة) المستعملة في كلامهم في مصدر الفعل (نحو : رميه - وعزوة) بفتح الأوّل في مصدر رمى - وغزا.
وبالنوع في المصدر نحو : رميه - وغزوة - بكسر الأوّل في مصدر الفعلين.
(و) يتعرف أيضا(بردّ الفعل) وإرجاعه إلى (نفسك) بأن توصله بضمير المتكلم لإسناده إلى نفسك وحدك (نحو : رميت وعزوت) أو مع غيرك نحو : رمينا - وغزونا - وكذلك ضمير الخطاب في المذكر والمؤنث في الواحد وغيره.
(و) يتعرف أيضا(بالمضارع نحو : يرمى - ويغزو) فإن مضارع الناقص اليائي يظهر فيه الياء إذا كانت على «يفعل» بالكسر ومضارع الواوي يظهر فيه الواو إذا
كان على «يفعل» بضم ، بخلاف يخشى - ويرضى - على «يفعل» بالفتح فإنّ اللّام فيه تقلب ألفا.
(و) يتعرف أيضا(بكون الفاء واوا نحو : وعى) فلأنّ الحديث يعيه وعيا إذا حفظه فإنّه يعلم كون اللّام ياء في مثله لعدم ما فاؤه ولامه كلّاهما واوان في كلامهم.
(وبكون العين واوا نحو : شوى) اللّحم فإنّ اللّام حينئذ يكون ياء إذ ليس في كلامهم ما عينه ولامه كلّاهما واوان (إلّا ما شذ في نحو : القوى - والقصوى) كلّاهما كصرد في جمع القوّة والصوّة بتشديد الواو فيهما فإنّ العين واللّام في هذين واوان وألف الجمعين منقلبة عن الواو لكنّها لقلّتها تكتب بالياء حملا على الغالب في نظائرهما ممّا عليه الواو والصوّة بالمهملة العلم من الحجارة ويقال لغير ذلك أيضا فهذا حكم ما علم أصله من الألف.
(فإن جهل) بأن لم يكن أحد الامور المذكورة لمعرفة الأصل (فإن أميلت) الألف فيه (فالياء) فيه هي المكتوبة في رسمها لإمالتها إليها وذلك (نحو : متى وإلّا) تمل (فالألف) الملفوظة هي المكتوبة على القياس (وإنّما كتبوا لدى) وهو ظرف بمعنى - عند - (بالياء) مع أنه مجهول الحال وليس موقعا للإمالة(لقولهم لديك) بالياء في حال الإضافة إلى الضمير.
(وكلّا يكتب على الوجهين) بالألف وبالياء لإحتمال أن يكون أصله الواو ، وأن يكون أصله الياء فإن قلب ألفه تاء في كلّتا للمؤنث يشعر بكونه واويّا كأخت وجواز إمالته مؤذن بكونه يائيا لأنّ الكسرة في أوّل الثلاثي لا تمال لها الألف الثالثة المنقلبة عن الواو فهذا حكم الألفات في الأسماء والأفعال.
(وأمّا الحروف فلم يكتب منها بالياء غير : بلى) لمجيء الامالة فيها(وإلى - وعلى) لإنقلاب ألفهما ياء مع الضمير نحو : إليك - وعليك مع إمالة إلى إذا جعلت إسما(وحتّى) فإنّها وإن لم ينقلب ألفها ياء فيما ندر من اتصالها بالضمير كقوله :
فلا والله لا يبقى أناس
فتى حتاك يا ابن أبي زياد
لكنها حملت على إلى للتماثل في معنى الإنتهاء والغاية مع أن ألفها رابعة في الطرف فتمال اسما.
وليكن هذا آخر العجالة الّتي قصد تعليقها على هذه الرسالة مع الإحتراز عن الإجاز المخل والإطالة والعذر عمّا فيه من السهو والخلل وقلّة البضاعة وكثرة الشواغل وتوافر الدواعي إلى العجل.
واتفق تعليقها على يد مؤلّفها المذنب الرّاجي عفو ربّه ومولاه وشفاعة من شفاعتهم غاية المناه والخلوص في ولائهم زخرة لأولاه وأخراه ، في عدّة أشهر خاتمتها خاتمة شهر رمضان المبارك من السنة الثامنة من المائة الثانية من الألف الثاني من الهجرة ، والحمد الله المحمود في أفعاله والصلاة على سيّد رسله وآله.
قد تمّ - بعون الله - مراجعة هذا الشرح المعروف بكمال لمؤلّفه : محمّد الشهير بكمال الدين ، وتحقيقه ، والتعليق عليه من خلال أكثر من سنة آخرها ليلة الأربعاء الموافق 27 من شهر شعبان عام 1419 ه من هجرة الرسول الأكرم محمّد بن عبد الله - صلّى الله تعالى عليه وسلّم -.
سعدي محمودي محمّد أمين هوراماني
كردستان – مريوان
مقدمة.......................................................................... 1
[تعريف علم الصّرف]............................................................ 5
[أصول الأبنية].................................................................. 9
أحكام القلب.................................................................. 16
[علامات القلب]..................................................... 16
الحذف.............................................................. 23
الصحيح والمعتل................................................................ 24
[أنواع المعتل]......................................................... 24
[تقسيم آخر للأبنية]........................................................... 24
[أبنية الاسم الثّلاثي المجرّد]............................................. 26
[أبنية الاسم الرّباعي المجرّد]............................................. 27
[أبنية الاسم الخماسي المجرّد]........................................... 33
[أبنية المزيد].......................................................... 35
1 - الثّلاثي والرّباعي................................................. 35
2 - الخماسي....................................................... 35
[دواعي أحوال الأبنية]................................................. 37
[أبنية الفعل الماضي الثلاثي]............................................ 38
[1 - الثلاثي المجرّد]................................................. 39
[2 - الثلاثي المزيد]................................................. 43
[معاني هيئات الأفعال]................................................ 45
[أفعال الاعراض]..................................................... 45
[أفعال الطّبائع]....................................................... 45
[معاني الأفعال]....................................................... 49
1 - معاني «أفعل».................................................. 49
2 - معاني «فعّل»................................................... 52
3 - معاني «فاعل».................................................. 53
4 - معاني «تفاعل»................................................. 55
5 - معاني «تفعّل».................................................. 56
6 - معاني «انفعل»................................................. 58
7 - معاني «إفتعل»................................................. 58
8 - معاني «إستفعل»............................................... 59
[أبنية الماضي - الرّباعي]................................................ 60
1 - الرّباعي المجرّد................................................... 60
2 - الرّباعي المزيد فيه................................................ 61
[ابنية المضارع]........................................................ 61
[أبنيته من الماضي الثلاثي]............................................. 61
1 - المجرّد............................................................. 61
2 - المزيد............................................................. 67
[أبنية الصفة المشبّهة]........................................................... 70
أبنية المصادر الثلاثيّة............................................................ 73
[1 - المجرّد]........................................................... 73
[2 - الثلاثي المزيد فيه والرّباعي]......................................... 77
أبنية المصدر الميمي............................................................. 81
[أبنية الرّباعي المجرّد]............................................................ 84
بناء اسم المرّة والنوع............................................................ 85
أبنية أسماء الزّمان والمكان........................................................ 87
أبنية اسم الآلة................................................................. 92
أحكام التصغير................................................................ 94
[تصغير الجمع]...................................................... 121
[تصغير الترخيم].................................................... 124
[تصغير المبنيّات].................................................... 126
[تصغير الضمائر ونحوها]............................................. 128
أحكام المنسوب.............................................................. 130
[النّسب لما آخره ياء]................................................ 143
[النسب لما في آخره الياء والواو الساكن ما قبلهما]...................... 145
[النسبة لما آخر ياء من قبلها حرف علّة]............................... 146
[النسبة لما آخره همزة قبلها ألف]...................................... 147
[النسبة لما آخره واو أو ياء قبلهما ألف]............................... 149
[النسبة إلى ما جاء على حرفين]...................................... 150
[النسبة للمركّب].................................................... 158
[النسبة إلى المركّب الاضافي].......................................... 159
[النسبة إلى الجمع].................................................. 161
[شواذ النّسب]...................................................... 162
[النسبة بغير الياء]................................................... 163
أبنية جمع التكسير............................................................ 167
[جمع الثلاثي المذكّر - المجرّد -].......................................... 178
[جمع المؤنث السماعي].............................................. 182
[جمع الصفة من الثلاثي]............................................. 183
[الصفات تجمع جمع التصحيح]....................................... 186
[جمع المزيد منه]..................................................... 187
[جمع فاعل الاسم].................................................. 196
[جمع فاعل الصفة].................................................. 197
[جمع ما آخره ألف التأنيث].......................................... 199
[جمع «أفعل» اسما وصفة]............................................ 203
[جمع «فعلان» اسما وصفة]........................................... 206
[جمع سائر الصفات]................................................ 207
[أبنية الجمع من الرّباعي]............................................. 209
[جمع الخماسي]..................................................... 212
[اسم الجنس]....................................................... 212
[اسم الجمع]....................................................... 213
[شواذ الجمع]....................................................... 214
[جمع الجمع]........................................................ 215
التقاء السّاكنين............................................................... 216
أحكام الابتداء............................................................... 236
[همزة الوصل]....................................................... 236
أحكام الوقف................................................................ 244
أحكام المقصور والممدود....................................................... 268
أحكام ذي الزيادة............................................................ 274
1 - حروف الزيادة................................................... 274
2 - معنى الإلحاق.................................................... 275
3 - طرق معرفة الحرف الزائد.......................................... 278
1 - الاشتقاق المحقق............................................... 279
2 - عدم النظير................................................... 302
3 - غلبة الزياة.................................................... 309
[تعيين الزائد في التضعيف]......................................... 310
[موارد جواز التضعيف وعدمه]..................................... 311
[تعدّد غلبة الزيادة]............................................... 325
الإمالة....................................................................... 336
[1 - تعريف الإمالة]................................................. 336
[2 - أسباب الإمالة]................................................. 336
[3 - موانع الامالة].................................................. 342
[4 - إمالة الحروف].................................................. 348
[إمالة الفتحة منفردة]............................................. 350
تخفيف الهمزة................................................................. 352
[تخفيف الهمزة الساكنة].............................................. 353
[مبحث المتحرّكة]................................................... 354
[تخفيف الهمزتين المجتمعتين].......................................... 370
أحكام الإعلال.............................................................. 381
[1 - إعلال الفاء]................................................... 386
[حذف الواو والياء فائين]............................................ 389
[2 - اعلال العين]................................................... 393
[تصحيح العين إذا إعتلت اللّام]...................................... 397
[بعض ما لا يعل من الصيغ]......................................... 402
[إعلال الواو والياء همزة].............................................. 408
[حكم الياء إذا كانت عينا «لفعلى»].................................. 412
[حكم الواو المكسور ما قبلها عينا].................................... 416
[قلب الواو ياء لاجتماعها مع الياء]................................... 419
[الاعلال بالنقل].................................................... 422
[3 - إعلال اللّام]................................................... 432
[قلب الواو ياء وهي لام]............................................. 434
[قلب الواو والياء همزة طرفا].......................................... 438
[قلب الياء واوا والواو ياء في الناقص].................................. 440
[قلب الياء ألفا والهمزة ياء]........................................... 442
[اسكان الواو والياء]................................................. 445
[حذف الواو والياء لامين]........................................... 448
[حذف اللّام سماعا]................................................. 449
مبحث الإبدال............................................................... 450
[حروف الابدال].................................................... 452
[مواطن ابدال الهمزة]................................................ 454
[مواطن ابدال الألف]................................................ 456
[ابدال الياء]........................................................ 457
[إبدال الواو]........................................................ 460
[إبدال الميم]........................................................ 461
[إبدال النون]....................................................... 463
[إبدال التاء]........................................................ 463
[إبدال الهاء]........................................................ 465
[إبدال اللّام]....................................................... 468
[إبدال الطاء]....................................................... 469
[إبدال الدال]....................................................... 469
[إبدال الجيم]....................................................... 470
[إبدال الصاد]...................................................... 472
[إبدال الزاي]....................................................... 472
أحكام الإدغام............................................................... 475
[1 - إدغام المثلين]................................................... 476
[موارد امتناع الادغام]............................................. 481
[2 - إدغام المتقاربين]................................................ 485
[مخارج الحروف].................................................. 485
[مخارج الحروف الفرعية]........................................... 489
[صفات الحروف]................................................... 492
[طريق إدغام المتقاربين].............................................. 498
[امتناع إدغام المتقاربين].............................................. 500
[امتناع إدغام المتقاربين لأجل صفة الحرف]............................. 501
[إدغام حروف الحلق]................................................ 505
[إدغام غير الحلق]................................................... 506
[إدغام اللّام المعرّفة]................................................. 507
[إدغام النون]....................................................... 508
[إدغام تاء الافتعال]................................................. 512
[تاء مضارع تفعل وتفاعل]........................................... 517
الحذف...................................................................... 521
مسائل التمرين............................................................... 526
الخط........................................................................ 546
فهرست الموضوعات.......................................................... 577