التوقیع الأخیر فی الکتب والمصنفات

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

فِی الْكُتُبِ وَ المُصَنَّفَاتِ

الجُزْء الثاني

إعْدَادَ وَ تَنْظِيم

السَيِّدُ مُحَمَّد السَيِّد حُسَيْن الحَكيمْ

إشْراف وَ تَقْدِيم

مَركَز الدراسات التخصصية فی الأمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

التَّوقيع الأَخير فِي الْكُتُبِ وَ المُصَنَّفَاتِ

الجُزْء الثاني

إعْدَادَ وَ تَنْظِيم

السَيِّدُ مُحَمَّد السَيِّد حُسَيْن الحَكيمْ

إشْراف وَ تَقْدِيم

مَركَز الدراسات التخصصية فی الأمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

محرر الرقمي: ميلاد الأحمدي

اشارة

مَركَز الدراسات التخصصية فی الأمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

اسم الكتاب: ... التَّوقيع الأَخير فِي الْكُتُبِ وَ المُصَنَّفَاتِ/ ج 2

إعداد و تنظيم: ... السَيِّدُ مُحَمَّد السَيِّد حُسَيْن الحَكيمْ

اشراف وتقديم: ... مَركَز الدراسات التخصصية فی الأمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

رقم الإصدار: ... 303

الطبعة: ... الأولى 1445ه-

عدد النسخ: ... طبعة محدودة

جميع حقوق الطبع و النشر محفوظة للمركز

العراق- النجف الأشرف

هاتف: 07809744474

07816787226

www.m-mahdi.com

info@m-mahdi.com

العَتَبة الحُسینیة المُقدسة

مُوسَسَةُ الدَّليل للدراسات و البحوث المقدمة

بُحُوثُ عِلمِيَّه في القَضيَّة المَهدَويَّة

دِراسَةٌ تِحليليَّةٌ جَديدةٌ

في مَوضُوعاتِ خَاصَّةِ بَقَضَيَّةِ الإِمَامِ المَهْدِي (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف)

الجُزءُ الأوَّلُ

بُحُوثُ فی شَخْصيَّةِ الإمَامِ المَهدِيّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف وَ عَصْرِ الغَيبةِ

تأليف

آية ا... الشَيخ نَجْم الدّين الطَبَسي

مُراجعَة

الشَيخ صَفَاء الدّين الخَزرجي الشَيخ محسُن المُحَقق

إصدارات مؤسسّة الدليل

للدراسات و البحوث العقدية

هويّة الإصدار

اسم الإصدار: بحوثٌ علميّةٌ في القضيّة المهدويّة ج 1

المؤلّف: الشيخ نجم الدين الطبسيّ

الإشراف العلميّ: المجلس العلميّ في مؤسّسة الدليل

الدعم الفنّي: شعبة العلاقات العامّة و الإعلام في مؤسّسة الدليل

التقويم اللغويّ: علي گيم

تصميم الغلاف: محمد حسن آزادگان

الإخراج الفنّيّ: فاضل السوداني

المطبعة: دار الوارث للطباعة و النشر/كربلاء المقدّسة

الطبعة: الثانية

سنة النشر: 2019

الناشر: مؤسّسة الدليل للدراسات و البحوث العقديّة

رقم الإيداع في دار الكتب و الوثائق الوطنيّة العراقيّة 458 لسنة 2018

حقوق الطبع و النشر محفوظةٌ لدى مؤسّسة الدليل

مؤسسة الدليل

للحراسات و البحوث العقدية

Al-Daleel Foundation

For Boximal Stasies

http://aldaleel-inst.com

www.facebook.com/aldaleel.ins

الفَصْلُ السَّادِسُ: السفارة و النيابة الخاصّة في عصر الغيبة

المَدخلُ

من الأبحاث المهمّة في العقيدة المهدويّة مسألة السفارة و النيابة في عصر الغيبة، و كثيرًا ما تقع موردًا للادّعاء و الاستغلال، ففي نهاية الغَيْبة الصغرى و بداية الغَيْبة الكبرى للإمام صاحب الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بدأ عصر انقطاع الاتّصال مع هذا الإمام العظيم الّذي حيَّرت غيبته العقول، و نفت الرقاد عن العيون. و المقصود هنا من الانقطاع هو بنحو السفارة الخاصّة الّتي كانت أحد الأبواب المخصوصة الّتي فتحها الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف لشيعته؛ للتواصل معه عبر سفراء أربعةٍ ذكرهم لنا التاريخ، فجاء ذكرهم في كتب الحديث و الرجال بشكلٍٍ واضحٍٍٍٍ.

و قد كان الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف يعيِّن سفراءه الخاصّين و يسمّيهم للناس بأسمائهم، و إلّا السفير الأوّل فقد عيّنه الإمام العسكريّ عَلَیهِ السَّلام.

لكن بعد شروع الغَيْبة الكبرى أغلق الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف هذا الباب بالكامل، و أعلن بداية الغَيْبة الكبرى إلى أن يأذن الله- تعالى- له بالظهور من جديدٍ؛ ليملأ الأرض قسطًا و عدلًا بعد ما مُلئت ظلمًا و جورًا. من هنا يُعَدُّ البحث في مسألة النيابة و السفارة الخاصّة في عصر الغَيْبة الكبرى من الأبحاث المهمّة الّتي تعدُّ معرفتها أمرًا ضروريًا و لازمًا، و نفي السفارة الخاصّة

في عصر الغَيْبة الكبرى يعني أنّه لن يكون للإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف أيُّ نائبٍ خاصٍٍّ معيَّنٍٍ بالاسم حتّى زمن ظهوره المبارك.

و أقول بصراحةٍ إنَّ الحاجة إلى هذا البحث تكمن حينما نعرف حجم الادّعاءات الّتي توالت بعد الغَيْبة الكبرى عن الرؤية و المشاهدة، فقد كثرت دعوى السفارة و النيابة الخاصّة للإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف؛ لهذا السبب و بهدف الحذر و التنبّه لمثل هذه الدعاوى كانت هذه الدراسة السنديّة و الدلاليّة للتواقيع الصادرة من الناحية المقدّسة الّتي نفت أيّ دعوى للرؤية أو المشاهدة و الأخذ المباشر عن الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و في الوقت نفسه تُسقط دعوى السفارة و النيابة الخاصّة لأيّ شخصٍٍ أو جماعةٍ.

إنّ بحثنا و تحقيقنا سيكون منصبًّا على عدَّة محاور نحاول أن نستعرض عناوينها على شكل محاور مقتضبةٍ:

المحور الأوّل: نقل الروايات

في هذا المحور نحاول أن ننقل الروايات المُثبتة و النافية لدعوى المشاهدة أو الرؤية أو السفارة الخاصّة، ثمّ نقوم بتحقيق أسانيدها. و إذا ما دعت الحاجة فإنّنا سنقوم بتحقيق مصادرها أيضًا، فإذا كان هناك راوٍ واحدٌ مطعونٌ فيه في سند الرواية، فسيكون ذلك كافيًا بالنسبة إلينا للقول بعدم اعتبار الرواية إلّا اذا اعتضدت بروايات أخرى؛ و لهذا السبب قد تسقط الرواية أحيانًا عن الاعتبار بسبب الضعف السنديّ، اللّهمّ إلّا أن يكون هناك اطمئنانٌ و ثقةٌ بالصدور، أو أن يكون هناك قرائن و شواهد على الصحّة.

المحور الثاني: الشهرة الروائيّة

نتعرّض في هذا المحور إلى مطلبٍ آخر له أثرٌ في اعتبار الرواية، و نطرح تساؤلاً هو:

هل نقلَ رواةٌ أو علماء آخرون هذا الحديث أيضًا أو لا؟ أو كما يصطلح عليه: هل هناك شهرةٌ روائيّةٌ أو لا؟ لأنَّ نَقْلَ الآخرين لروايةٍٍ ما إلى زماننا الحاضر لَهو خير دليلٍٍ على اعتناء هؤلاء الأعلام بهذه الرواية، و كما أنّ عدم نقل الرواية أو عدم الاعتناء بنقلها من قِبلهم ربّما يكشف عن إعراضهم عنها و عدم اعتبارها. لهذا- طبعًا- في حال لم يكن هناك سبب آخر مَنعَ من نقل مثل تلك الرواية؛ كعدم اطّلاعهم عليها، أو عدم وجودها في الكتب الروائيّة المتداولة بينهم آنذاك، أو غيرها من الأسباب الأمنيّة أو السياسيّة أو الاجتماعيّة... إلخ.

المحور الثالث: فقه الحديث

في هذا المحور سنتعرّض إلى شرح الحديث و بيانه أو كما يصطلح عليه ب (فقه الحديث)، و ذلك من خلال نقل كلمات كبار العلماء الأعلام؛ كالشيخ الصدوق، و المجلسيّ الأوّل و الثاني، و الفيض الكاشاني، و في الوقت نفسه نحاول أن ننقل خلاصة الشروح و التعليقات الّتي وردتْ على هذه الروايات من عهد الشيخ الصدوق رَحِمه اللهُ حتّى يومنا هذا.

و من أجل الإجابة عن الشبهات الواردة من أنحاء العالم الإسلاميّ كافّةً على مسائلنا الاعتقاديّة و الإيمانيّة؛ لا بدَّ لنا من الدخول إلى ميدان علوم

الحديث بشكلٍ علميٍٍّ و استدلاليِّ، و بوعيٍ و اطّلاعٍ كاملٍ، و بيدٍ ملأى بالعلوم و المعارف؛ لذا نستعرض هذه القضايا في محاور عدّةٍ:

المحور الأوّل: نقل الرواية

قال الشيخ الطبرسيّ رَحِمه اللهُ: أمّا الأبواب المرضيّون، و السفراء الممدوحون في زمان الغيبة: فأوّلهم الشيخ الموثوق به أبو عمرٍٍ و عثمان عثمان بن سعيدٍ العمريّ نصّبه أوّلًا أبو الحسن عليّ بن محمّدٍ العسكريّ عَلَیْه السَّلام، ثمّ ابنه أبو محمّدٍ الحسن عَلَیْه السَّلام، فتولّى القيام بأمورهما حال حياتهما، ثمّ بعد ذلك قام بأمر صاحب الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و كان توقيعاته و جواب المسائل تخرج على يديه، فلمّا مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفرٍ محمّد بن عثمان مقامه،وناب منابه في جميع ذلك، فلمّا مضى هو قام بذلك أبو القاسم حسين بن روحٍ من بني نوبخت، فلمّا مضى هو قام مقامه أبو الحسن عليّ بن محمّدٍ السِّمَّرِيُّ.

ثمّ يضيف قائلًا: و لم يقم أحدٌ منهم بذلك إلّا بنصٍٍّ عليه من قبل صاحب الأمر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و نصب صاحبه الّذي تقدّم عليه، و لم تقبل الشيعة قولهم إلّا بعد ظهور آيةٍ معجزةٍ تظهر على يد كلِّ واحدٍٍ منهم من قِبل صاحب الأمر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف تدّل على صدق مقالتهم و صحّة بابيَّتِهِم. فلمّا حانَ سفر أبي الحسن السِّمَّريِّ من الدنيا و قَرُب أجله قيل له: إلى مَن توصي؟ فأخرج إليهم توقيعًا نسخته: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِِ الرَّحيم، يا عليَّ بن محمّدٍ السِّمَّريّ، أعظمَ اللهُ أَجرَ إخوانِكَ فيكَ، فإنّكَ ميِِّتٌ ما بينكَ و بينَ ستّةِ أيّامٍ، فاجمع أمرَكَ و لا توصِ إلى أحدٍ يقومُ مقامَكَ بعد وفاتكَ، فقدْ وقعتْ الغيبةُ الثانية، فلا ظهورَ إلّا بعد

إذن الله عزَّ و جلَّ، و ذلك بعد طول الأمد و قسوة القلوب، و امتلاء الأرض جورًا، و سيأتي شيعتِي مَنْ يَدَّعي المشاهدةَ، ألا فَمَن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ و الصيحة، فهُوَ كذَّابٌ مفترٍٍ، و لَا حولَ و لا قوَّةَ إلّا باللهِ العلىِّ العظيمِ". فنسخوا هذا التوقيع و خرجوا، فلمّا كان اليوم السادس عادوا إليه و هو يجود بنفسه، فقال له بعض الناس: مَن وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمرٌ هو بالغه، و قضى. فهذا آخر كلامٍ سُمع منه (1) يُفهم من مضمون هذا التوقيع أنّه لا وجود بعد ذلك فصاعدًا لأيِّ سفارةٍ و نيابةٍ خاصّةٍ، بل بالاستناد إلى ظاهر عبارة التوقيع نفهم بأنَّ دعوى المشاهدة هي كذبٌ محضٌ، و مدَّعيها كاذبٌ لا محالة.

لكن يأتي هذا التساؤل هنا: يا تُرى ما المقصود من تكذيب دعوى المشاهدة أو نفيها؟ و هل يمكن لنا أن نكذّب الدعاوى الّتي صدرت من بعض كبار العلماء أو الأشخاص الثقات الّذين تشرَّفوا باللقاء؟! فهؤلاء العظماء هم موردٌ للوثوق و الاطمئنان، و لا احتمال للكذب فيهم أبدًا، هذا بالإضافة إلى أنّهم لم يدّعوا الرؤية علنًا في حياتهم، و لا ادَّعوا السفارة و النيابة الخاصّة، و لا الأخذ مباشرةً من الإمام صاحب الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

و للإجابة عن هذا التساؤل نحاول أن نحقّق في هذا الأمر إن شاء الله تعالى.


1) الاحتجاج: ج 2، ص 296 و 297، توقيعات الناحية المقدّسة.

التحقيق السنديّ للتوقيع الشريف

لا بدَّ أن نتّجه أوّلًا إلى تحقيق سند هذه الرواية؛ لأنَّها من أهمّ أدلّة المنكرين، ثمّ بعد ذلك نقوم ببيان دلالتها و مضمونها و شرح معناها بدقّةٍ و تأمّلٍٍٍ.

و بناءً على ذلك نقول: إنَّ لهذه الرواية أكثرَ من 15 مصدرًا، و جميعها نُقلتْ إمّا من كتاب (كمال الدين) و إمّا أنّها نُقلتْ عن ابن بابوَيْه بشكلٍٍ مباشرٍٍ مع تفاوتٍ بين النقل عن (كمال الدين) و النقل عن ابن بابوَيْه؛ لأنَّ الأوّل كان ينقل عن كتاب الشيخ الصدوق رحمه اللهُ، و الثاني لعلّه ينقل عن الشيخ الصدوق رحمه اللهُ نفسه، أي عن شخصه سماعًا، و هذا يُعدُّ بحدِّ ذاته طريقًا آخر للرواية، فتأمّل.

و تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ التفاوت و الاختلاف بين عبارات هذه المنقولات مختصرٌ جدًّا، فمثلًا في بعض النسخ ورد هكذا: «قد وقعت الغَيْبة التامّة»، و في البعض الآخر ورد: «قد وقعت الغَيْبة الثانية»، و كذلك وردت هذه العبارة: « سيأتي إلى شيعتي مَن يدّعي المشاهدة»، و لكنّها في نقلٍ آخر وردت هكذا: «و سيأتي سبعون...». و يمكن القول بصراحةٍ إنَّ هذه الاختلافات ليست لها تلك الأهمّية الّتي يمكن أن يُعتدَّ بها و تغيّر مسار البحث.

و لكي يتّضح لنا مدى صحّة دعوى الإرسال و الضعف في هذه الرواية؛ لا بدّ من تحقيق الطريق و السند:

يقول الشيخ الصدوق رحمه اللهُ: حدّثنا أبو محمّدٍ الحسن بن أحمد المكتب، قال: كنتُ بمدينة السلام (1في السنة الّتي توفّي فيها الشيخ عليّ بن محمّدٍ السمّريّ رحمه اللهُ، فحضرتُهُ قبل وفاته بأيّامٍ، فأخرجَ إلى الناس توقيعًا نسخته ...) (2)،ثمّ نقل التوقيع الشريف.

إنَّ الشيخ الصدوق رحمه اللهُ قد نقل سند هذا الحديث عن أبي محمّدٍ الّذي نقل الحديث عن السفير الرابع. أمّا السؤال المطروح في المقام فهو: هل يمكن اعتبار هذه الرواية مرسلةً؟ و هل التوقيعات الشريفة الأخرى هي مرسلةٌ أيضًا؟

نقول: إنَّ الشيخ الصدوق رحمه اللهُ قد توفّي سنة (381ه-)، و في عصر الغَیْبة الصغرى و حتّى زمن السفير الرابع كان ما يزال على قيد الحياة، و بناءً عليه يمكن للشيخ الصدوق نفسه أن ينقل الرواية بواسطةٍ واحدةٍ عن السفير الرابع، إذن فلا إشكال من جهة الإرسال.

نعم، يقع الكلام في شخص أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتب الّذي لم يَرد له اسم في الكتب الرجاليّة، و لم يُذكر فيه مدحٌ أو ذمٌّ، و بحسب اصطلاح علماء الرجال فهو مُهملٌ.

و الجدير بالذكر أنَّ الشيخ الصدوق رحمه اللهُ قد نقل عن أبي محمّدٍ هذا أحاديثَ في موارد عدّةٍ، منها هذا التوقيع الشريف، و منها الدعاء المعروف: اللّهمّ


1) أي بغداد.

2) كمال الدين: ج 2، ص 516، الباب 45: ذكر التوقيعات، ح 44.

عرّفني نفسكَ...، (1)و أدعيةٌ أخرى جاءت في كتاب (جمال الأسبوع) (2)، لكنَّ هذه المنقولات عنه لا تحلُّ لنا مشكلة إهماله؛ لذا لا بدَّ من البحث عن ملاك الإهمال في الكتب الرجاليّة لا في الكتب الروائيّة؛ لأنَّ التوثيق يجب أن يتمّ في الكتب الرجاليّة. نعم، لو تبنَّینا و قبلنا المبنى القائل بأنَّ «مشايخ الإجازة ثقاتٌ»، فإنَّ الحسن بن أحمد هذا يكون ثقةً؛ لأنّه من مشايخ الصدوق رحمه اللهُ و بالتالي يكون التوقيع معتبرًا. أمّا لو قلنا بالتفصيل، أي قبلنا هذا المبنى، فإنّنا نعدُّه توثيقا بالنسبة إلى روايةٍ مثل: أحمد بن محمّد بن أبي نصرٍ البزنطيّ، و محمّد بن أبي عميرٍ، و صفوان بن يحيى عن مشايخهم فقط، فلا يشمل غيرهم، و لكنّ هذا التفصيل لن يحلَّ لنا مشكلة إهمال ابن المكتب أيضًا.

نعم، هناك مبنًى آخر لتوثيق المشايخ، و هو كثرة النقل عنهم، كما فعل الشيخ الكلينيّ رحمه اللهُ و علماء كبارٌ آخرون؛ إذ نقلوا في الكتب الأربعة أحاديث عن رادٍ واحدٍ أكثر من ألفي مرّةٍ! كالأحاديث المنقولة عن سهل بن زيادٍ، و كثرة النقل هذه تحكي عن أنّ سهلًا هذا كان معتمدًا لدى هؤلاء العلماء و محلًّا لثقتهم، بل نستطيع القول: إنّه على هذا التقدير ليس بضعيفٍ و لا


1) المصدر السابق: ص 512، الباب 45: ذكر التوقيعات، ح 43.

2) جمال الأسبوع: ص 522- 529، الفصل السابع و الأربعون: فيما نذكره من الإشارة إلى صفة صلاة العصر يوم الجمعة و فيما يتقدّمها، و فيما نتخيّره من الّذي رويناه في تعقيبها، ذكر دعاءٍ آخر يدعى له عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

متروكٍ. و لكنّنا حتّى لو قبلنا هذا المبنى الأخير فلا يكون شاملاً لهذا الحديث أيضًا، فلن ينفع في المقام.

و يمكن أن نقول في حلِّ هذا الإشكال: إنَّ الشيخ الصدوق رحمه اللهُ قد أوردَ موضوعًا مهمًّا دون أدنى مناقشةٍ أو ترديدٍ، غاية ما في الأمر أنّه ذكرَ شرحًا و توضيحًا له، و هذا يحكي عن اعتماده على الراوي أو على صحّة متن الرواية و مضمونها.

صحيحٌ أنّه لا يمكن لنا أن نعمِّم هذا الكلام إلى كلِّ موردٍ و في كلِّ مكانٍ، لكن حصل في هذا المورد اطمئنانٌ بصحّة الرواية، الأمر الّذي يكشف لنا اعتبار الراوي و صحّة الرواية، و الشهرة تؤيّد صحّة هذه الرواية أيضًا.

المحور الثاني: الشهرة الروائية

في هذا المبحث نحاول أن نقف عند موضوع كثرة المصادر الّتي نقلتْ هذه الرواية أو قلّتها؛ لما في ذلك من تأثيرٍٍ على مدى استحكام الرواية أو عدم استحكامها.

مصادر الرواية

اشارة

أمّا مصادر هذه الرواية- بحسب الترتيب الزمنيّ- فهي:

أ- (كمال الدين و تمام النعمة) للشيخ الصدوق رحمه اللهُ

و كما ذكرنا سابقًا فإنَّ للشيخ الصدوق نفسه طريقًا إلى هذا التوقيع، قال رحمه اللهُ: حدّثنا أبو محمّدٍ الحسن بن أحمد المكتب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة الّتي توفّي فيها عليّ بن محمّدٍ السِّمَّرِيُّ، فحضرته قبل وفاته

بأيَّامٍ، فأخرج إلى الناس توقيعاً... (1) بصراحةٍ من خلال نظرةٍ علميّةٍ دقيقةٍ فإنّه يمكننا معرفة مدى اعتبار هذه الواسطة، فنقول: على فرض عدم تمكّننا من العثور على توثيقٍٍ لهذا الرجل، لكن من المؤكََّد أنَّ عالمًا كبيرًا كالشيخ الصدوق الّذي يُعدّ من أساطين المذهب لا ينقل مطلبًا بهذه الأهمّيّة عن أي شخصٍٍ، و هذا يكشف لنا بالكشف الإنّيّ عن أنّ هذا الشخص معتبرٌ يمكن الاعتماد على روايته.

ب- (الغَيْبة) للشيخ الطوسي رحمه اللهُ

لقد نقل الشيخ رحمه اللهُ هذا الحديث عن ابن بابوَيْه، و قال: «أخبرنا جماعةٌ» (2)و بناءً عليه فإنَّ هذا التوقيع لا ينحصر في طريقٍ واحدٍ، بل هناك طرقٌ أخرى مختلفةٌ نقلت هذا التوقيع، منها ما عن الشيخ المفيد رحمه اللهُ الّذي أشار إليه الشيخ الطوسيّ نفسه.

ج- (الاحتجاج) لأبي منصور الطبرسيّ رحمه اللهُ

و يظهر أنّه نقل هذه الرواية مرسلًا (3)، لكنّه قال في مقدّمة كتابه المذكور: ... و لا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده، إمّا لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما


1) كمال الدين: ج 2، ص 516، الباب 45: ذكر التوقيعات، ح 44.

2) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 395، الفصل السادس : ذكر أمر أبي الحسن عليّ بن محمّدٍ السمّريّ، ح 365.

3) الاحتجاج: ج 2، ص 297، توقيعات الناحية المقدّسة.

دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير و الكتب بين المخالف و المؤالف.... (1)

د- (تاج المواليد) للطبرسيّ رحمه اللهُ

د- (تاج المواليد) (2)للطبرسيّ رحمه اللهُ

ه- (إعلام الورى) للطبرسيّ رحمه اللهُ

ه- (إعلام الورى) (3)للطبرسيّ رحمه اللهُ

و- (الخرائج و الجرائح) للقطب الراونديّ رحمه اللهُ

و- (الخرائج و الجرائح) (4)للقطب الراونديّ رحمه اللهُ

ز- (الثاقب في المناقب) لعليّ بن أبي حمزة الطوسيّ رحمه اللهُ

ز- (الثاقب في المناقب) (5)لعليّ بن أبي حمزة الطوسيّ رحمه اللهُ

أورد الرواية في باب معجزات الأئمة عَلَيهِمُ السَّلام الّتي أغلبها مراسيل.

ح- (كشف الغمّة) للأربليّ

ح- (كشف الغمّة) للأربليّ (6)

ط- (الصراط المستقيم) للبياضيّ

ط- (الصراط المستقيم) للبياضيّ (7)


1) المصدر السابق: ج 1، ص 4، مقدّمة المؤلّف.

2) تاج المواليد: ص 68، في سفراء الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

3) إعلام الورى: ج 2، ص 260، ذكر قسم الثاني من الركن الرابع، الباب 3، الفصل الأوّل: النصوص على غيبته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

4) الخرائج و الجرائح: ج 3، ص 1128، الباب 20: في علامات و مراتب نبيّنا صَلَََّی اللهُ عَلَیْه و آلِه و سَلَّم، ح 46.

5) الثاقب في المناقب: ص 603، الباب 15: في ذكر آيات صاحب الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الرابع: في بيان ظهور آياته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف من الأخبار بالغائبات، ح16/551.

6) كشف الغمّة: ج 4، ص 294، ترجمة الإمام المنتظر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، الباب 3: في بيان وجه الاستدلال بهذه الأخبار الواردة في النصوص على إمامته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الأوّل: الدلالة على إثبات غيبته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

7) الصراط المستقيم: ج 2، ص 236، الباب 11، فيما جاء في المهديّ و تملّكه و بقائه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الثالث.

ي- (منتخب الأنوار المضيئة) للعلّامة النيليّ

ي- (منتخب الأنوار المضيئة) للعلّامة النيليّ (1)

ك- إثبات الهداة للحُرِّ العامليّ صاحب (وسائل الشيعة)

ك- إثبات الهداة للحُرِّ العامليّ صاحب (وسائل الشيعة) (2)

ل- (بحار الأنوار) للعلّامة المجلسيّ الثاني

ل- (بحار الأنوار) للعلّامة المجلسيّ الثاني (3)

م- معادن الحكمة للفيض الكاشانيّ

م- معادن الحكمة للفيض الكاشانيّ (4).

ن- منتخب الأثر لآية الله الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگانيّ (من المعاصرين)

ن- منتخب الأثر لآية الله الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگانيّ (من المعاصرين)(5)

س- معجم أحاديث الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و هو من تأليفنا بالاشتراك مع جمعٍ من فضلاء الحوزة العلميّة في قمّ المقدّسة

س- معجم أحاديث الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و هو من تأليفنا بالاشتراك مع جمعٍٍ من فضلاء الحوزة العلميّة في قمّ المقدّسة (6)


1) منتخب الأنوار المضيئة ص 238، الفصل التاسع: في ذكر توقيعاته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، التوقيع إلى عليّ بن محمّدٍ السمريّ.

2) إثبات الهداة: ج 3، ص 693، الباب 23: في معجزات صاحب الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، ح 112.

3) بحار الأنوار: ج 51، ص 361، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 16: أحوال السفراء، ح 7؛ ج 52، الباب 23: من ادّعى الرؤية في الغيبة الكبرى، ح1.

4) معادن الحكمة: ج 2 ص 288، مكاتيب الإمام المنتظر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، الرسالة 201: توقيعه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف إلى عليّ بن محمّدٍ السمّريّ.

5) منتخب الأثر: ج 2، ص 520، الباب 5: في حالاته و معجزاته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الصغرى،الفصل الثالث: في حالات سفرائه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، ح 878 / 16.

6) معجم أحاديث الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، ج 6، ص 158، توقيعات الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، ما ورد عن عليّ بن محمّدٍ السمّريّ، ح 2/1336.

النتيجة

من خلال هذه المصادر الكثيرة فإنّه يمكن قبول هذا الحديث و الاعتناء به، و إن لم يكن مقصودنا هنا الشهرة الاصطلاحيّة (1)و ذلك لأنَّ تكرار النقل في كتب كبار علماء المذهب من القُدماء و المتأخّرين و المعاصرين، و دون أيِّ إشارة إلى الضعف أو الردِّ، يجعل الحديث من الشواهد إن لم يجعله من الأدلّة.

المحور الثالث: فقه الحديث و أجوبة المحدّث النوريّ رحمه اللهُ

لقد ذكر المحدّث النوريّ (2)قصصًا و قضايا كثيرةً عن الّذين تشرَّفوا لقاء الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و هذه القصص تتعارض مع ظاهر الحديث و التوقيع الشريف؛ إذ روى الشيخ الطوسيّ في كتاب (الغَيْبة عن الحسن بن أحمد المكتب، و الطبرسيّ في (الاحتجاج) مرسلًا أنّه خرج التوقيع إلى أبي الحسن السِّمَّرِِيِّ: "يا عليّ بن محمّدٍ السَّمَّرِيّ، اسمع! أعظم الله أجرَ إخوانك فيك، فإنّك ميتٌ ما بينك و بين ستّة أيّامٍ، فاجمعْ أمرك و لا توصِِ إلى أحدٍ فيقوم مقامَك بعد وفاتك، فقد وقعتْ الغَيْبة التامّة، فلا ظهور إلّا بعد إذن الله)


1) أمّا الشهرة الروائيّة فهي عبارةٌ عن اشتهار الرواية بين الرواة و تدوينها في كتب الأحاديث، و لا إشكال في كونها مرجّحةً لأحد المتعارضين، بل هي المراد من قوله عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في المقبولة: فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه [فوائد الأصول: ج 4، ص 291، المبحث العاشر: في المرجّحات، التنبيه على أمورٍ، الأمر الثاني].

2) في كتابه (جنّة المأوى) المطبوع ضمن الجزء 53 من (بحار الأنوار).

تعالى ذكره، و ذلك بعد طول الأمد و قسوة القلوب و امتلاء الأرض جورًا، و سيأتي إلى شيعتي مَن يدّعي المشاهدة، ألا فمَن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ و الصيحة فهو كذَّابٌ ،مفترٍٍ، و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم".و هذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة و غيرها ممّا هو مذكورٌ في (البحار، و الجواب عنه من وجوه:)## الجواب الأوّلأنّه خبرٌ واحدٌ مرسلٌ، غير موجبٍ علمًا، فلا يعارض تلك الوقائع و القصص الّتي يحصل القطع عن مجموعها، بل و من بعضها المتضمّن لكراماتٍ و مفاخر لا يمكن صدورها من غيره عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، فكيف يجوز الإعراض عنها لوجود خبرٍٍ ضعيفٍ لم يعمل به ناقله، و هو الشيخ في الكتاب المذكور كما يأتي كلامه فيه، فكيف بغيره؟ و العلماء الأعلام تلقّوها بالقبول ، و ذكروها في زبرهم و تصانيفهم، مُعوِّلين عليها معتنين بها (1) و خلاصة الجواب الأوّل: أنَّ هذا الخبر هو خبرٌ مرسلٌ و ضعيفٌ لا يصلح و لا يرقى إلى درجة المعارضة لهذه القصص و الحكايات ، فضلًا عن عدم عمل الشيخ الصدوق رحمه اللهُ بهذه الرواية.


1) جنّة المأوى: ص 318، فائدتان مهمّتان الفائدة الأولى. (طبع لهذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

نقد الجواب الأوّل

كما ذكرنا سابقًا أنَّ الحديث ليس مرسلًا، و دعوى عدم عمل الشيخ الصدوق رحمه اللهُ بهذه الرواية بعيدةٌ عن الحقيقة و الواقع.

الجواب الثاني

ما ذكره في (البحار بعد ذكر الخبر المزبور ما لفظه: لعلّه محمولٌ على مَن يدّعي المشاهدة مع النيابة، و إيصال الأخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال السفراء؛ لئلّا ينافي الأخبار الّتي مضت، و سيأتي فيمَن رآه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و الله يعلم).(1) خلاصة هذا الجواب هو: أنَّ الهدف من المشاهدة هو أن تكون مصاحبةً لادّعاء النيابة و القرائن الداخليّة و الخارجيّة تؤيّد هذا المعنى؛ لأنَّ البحث ليس عن إثبات أصل المشاهدة أو إنكارها، بل البحث هو عن ادّعاء النيابة و السفارة الخاصّة عن الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف (2)

و يفهم من كلام العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه اللهُ أنّه يقبل هذا الجواب، فهو لا يردّ سند التوقيع الشريف، بل يحاول توجيه دلالة الحديث كما هو واضحٌ في بيانه.


1) جنّة المأوى: ص 319.

2) إنَّ هذا الرأي و التوجيه قد سمعته في المنزل من آية الله الشيخ مرتضى الحائري رحمه اللهُ، و بحضور والدي آية الله الشيخ محمد رضا الطبسي رحمه اللهُ، و لم يعترض الوالده رحمه اللهُ على هذا الكلام، و لم يُبدِ أيَّ نقاشٍٍ أو ردِّ.

أمّا ابن قولوَيْه رحمه اللهُ فإنّه يعدُّ مثل هذا الادّعاء للنيابة الخاصّة بعد موت السفير الرابع كفرًا و ضلالةً، ورد في غَيْبة الشيخ الطوسيّ رحمه اللهُ ما نصّه: أخبرني الشيخ أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان، عن أبي الحسن عليّ بن بلالٍ المهلّبيّ، قال: سمعت أبا القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه يقول: أمّا أبو دلفٍ الكاتب- لا حاطه الله- فكنّا نعرفه ملحدًا ثمّ أظهر الغلو، ثمّ جُنّ و سلسل، ثمّ صار مفوّضًا، و ما عرفناه قطّ إذا حضر في مشهدٍ إلّا استُخِفّ به، و لا عرفته الشيعة إلّا مدَّةً يسيرةً، و الجماعة تتبرّأ منه و ممّن يومي إليه و ينمس به.و قد كنّا وجَّهنا إلى أبي بكرٍ البغداديّ لمّا ادّعى له هذا ما ادّعاه، فأنكر ذلك و حلف عليه، فقبلنا ذلك منه، فلمّا دخل بغداد مال إليه و عدل عن الطائفة و أوصى إليه، لم نشكّ أنّه على مذهبه، فلعنّاه و برئنا منه؛ لأنَّ عندنا أنَّ كُلَّ مَن ادّعى الأمر بعد السَّمَّرِيِّ رحمه اللهُ فهو كافرٌ منمسٌ ضالٌّ مضلٌّ، و بالله التوفيق (1)

الجواب الثالث

ما يظهر من قصّة الجزيرة الخضراء، قال الشيخ الفاضل عليّ بن فاضلٍٍ المازندرانيّ: فقلت للسيّد شمس الدين محمّدٍ، و هو العقب السادس من أولاده عَلَیْهِ السَّلام: يا سيّدي، قد روينا عن مشايخنا أحاديث رُويت عن صاحب


1) الغَيْبة (للطوسيّ): ص 412، الفصل السادس: المذمومين الّذين ادّعوا البابيّة، ح 385.

الأمر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف أنّه قال لمّا أمر بالغَيْبة الكبرى: مَن رآني بعد غيبتي فقد كذب. فكيف فيكم مَن يراه؟فقال: صدقت، إنّه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف إنّما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته، و غيرهم من فراعنة بني العباّس، حتّى أنَّ الشيعة يمنع بعضها بعضًا عن التحدّث بذكره، و في هذا الزمان تطاولت المدَّة وأيس منه الأعداء ، و بلادنا نائيةٌ عنهم و عن ظلمهم و عنائهم (1) و هذا الوجه كما ترى يجري في كثيرٍٍ من بلاد أوليائه عَلَیْهِمُ السَّلام.

خلاصة هذا الجواب: أنَّ عدم إمكان رؤية الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف إنّما هو أمرٌ كان مرتبطًا بزمان كثرة أعدائه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف؛ إذ كان بعض أعدائه من داخل أسرته و عائلته كجعفرٍ الكذّاب، و البعض الآخر كان من خارجها، أمّا بعد تطاول مدّة الغيبة و يأس الأعداء منه، فرؤيته ممكنةٌ، و الدليل على هذا المدّعى قصّة الجزيرة الخضراء.

نقد الجواب الثالث

إنَّ موضوع الجزيرة الخضراء نفسه محلّ كلامٍ و نقاشٍ و تعرّضنا للبحث عنه مفصّلًا في هذا الكتاب، فليراجَع بحث ذرّيّة الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و بحث الجزيرة الخضراء، لكن باختصارٍ نذكر رأي المجلسيّ و كاشف الغطاء.


1) جنّة المأوى: ص 319، فائدتان مهمّتان الفائدة الأولى. (طبع لهذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

يقول العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه اللهُ: وجدت رسالةً مشتهرةً بقصّة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت إيرادها؛ لاشتمالها على ذكر مَن رآه، و لما فيه من الغرائب. و إنّما أفردت لها بابًا لأنّي لم أظفر به في الأصول المعتبرة و لنذكرها بعينها كما وجدتها.... (1)

يقول الشيخ جعفر كاشف الغطاء ردًّا على قضيّة الجزيرة الخضراء: كأنه لم يرَ الأخبار الدالّة على عدم وقوع الرؤية من أحدٍ بعد الغَيْبة الكبرى، و لا تتبّع كلمات العلماء الدالّة عليها (2)

و في جواب كلام المحدّث النوريّ رحمه اللهُ لا بدَّ من القول: في الوقت الّذي يتعاطى فيه بطريقة التضعيف و الإشكال مع أمثال هذه الرواية الشريفة- التوقيع- و يسعى لتضعيفها، و يورد عليها الإشكالات و المناقشات، كيف يعتمد و يستند في الوقت نفسه على قصّةٍ ذات أساسٍٍ متزلزلٍ بل لا أساس لها؟! و كيف يستدلّ بروايةٍ لم يَعمل بها- على حدّ تعبيره هو- حتّى الشخص الّذي رواها؟!

الجواب الرابع

ما ذكره العلّامة الطباطبائيّ في رجاله في ترجمة الشيخ المفيد بعد ذكر التوقيعات المشهورة الصادرة منه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في حقّه ما لفظه: و قد يشكل أمر هذا


1) بحار الأنوار: ج 52، ص 159، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 24: نادرٌ في ذكر من رآه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى.

2) الحق المبين: ص 87، المطلب الثامن في الاجتهاد و التقليد.

التوقيع بوقوعه في الغَيْبة الكبرى مع جهالة المبلّغ و دعواه المشاهدة المنافية بعدالغَيْبة الصغرى. و يمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، و اشتمال التوقيع على الملاحم و الأخبار عن الغيب الّذي لا يطّلع عليه إلّا الله و أولياؤه بإظهاره لهم، و أنَّ المشاهدة المنفيّة أن يشاهد الإمام و يعلم أنّه الحجّة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف حال مشاهدته له، و لم يعلم من المبلغ ادّعاؤه لذلك. و قال رحمه اللهُ له في فوائده في مسألة الإجماع بعد اشتراط دخول مَن لا نعرفه: و ربّما يحصل لبعض حفَظَة الأسرار من العلماء الأبرار العلمُ بقول الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بعينه على وجهٍ لا ينافي امتناع الرؤية في مدَّة الغَيْبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف فيُبرزه في صورة الإجماع؛ جمعًا بين الأمر بإظهار الحقِّ و النهي عن إذاعة مثله بقولٍ مطلقٍٍ﴾ (1)

خلاصة الجواب: أنَّ المشاهدة المنفيّة في الرواية هي الرؤية المُصاحِبَة لمعرفة شخص الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، بمعنى أنَّ المُشاهِد الّذي يرى الإمام الحجّة ابن الحسن عجَّل الله تعالی فرجه الشریف يعرف حين اللقاء و التشرّف به أنَّ هذا الشخص هو الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف نفسه.

و الجواب أنّ هذا التوجيه بعيدٌ جدًّا، فقد أورده المحدّث النوريّ رحمه اللهُ و لم ذكر له أيَّ دليلٍٍٍ.


1) جنّة المأوى: ص 319 و 320، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى. (طبع هذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

يقول العلّامة بحر العلوم رحمه اللهُ في ردّه على صدور التوقيع من الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف إلى الشيخ المفيد رحمه اللهُ: يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغَيْبة الكبرى مع جهالة المبلّغ و دعواه المشاهدة المنافية لما بعد الغَيْبة الصغرى. (1)ثمّ يدفع الإشكال بقوله: و يمكن دفعه:1- باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن.2- و اشتمال التوقيع على الملاحم و الإخبار عن الغيب الّذي لا يطّلع عليه إلّا الله و أولياؤه بإظهاره لهم.3- و أنَّ المشاهدة المنفيّة أن يشاهد الإمام و يعلم أنّه الحجّة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف حال مشاهدته له، و لم يعلم من المبلّغ ادّعاؤه لذلك (2)

الجواب الخامس

و خلاصته: أنَّ المنفيّ هو إمكان اللقاء لعامّة الناس، أمّا اللقاء فليس ممتنعًا في شأن الخواصّ، و إن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار و دلالة بعض الآثار.

قال المحدّث النوريّ رحمه اللهُ نقلا عن العلّامة الطباطبائيّ بحر العلوم: ما ذكره رحمه اللهُ فيه أيضًا بقوله: و قد يمنع أيضًا امتناعه في شأن الخواص و إن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار و دلالة بعض الآثار. و لعلّ مراده


1) خاتمة مستدرك الوسائل: ج 3، ص 229، الفائدة الثالثة.

2) جنة المأوى: ص 319، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى. (طبع لهذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

بالآثار الوقائعُ المذكورة هنا و في (البحار، أو خصوص ما رواه الكلينيّ في (الكافي) و النعمانيّ في غيبته، و الشيخ في غيبته، بأسانيدهم المعتبرة عن أبي عبد الله عَلَیْهِ السَّلام أنّه قال: لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ، وَ لَا بُدَّ لَهُ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ عُزْلَةٍ، وَ مَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةِ.)و ظاهر الخبر كما صرّح به شرّاح الأحاديث أنّه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته، و قيل: إنَّ المراد أنّه على هيئة مَن سِنُّهُ ثلاثون أبدًا، و ما في هذا السنّ وحشةٌ. و هذا المعنى بمكانٍ من البعد و الغرابة، و هذه الثلاثون الّذين يستأنس بهم الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في غيبته لا بدَّ أن يتبادلوا في كلِّ قرنٍ؛ إذ لم يُقدَّر لهم من العمر ما قُدِّر لسيّدهم عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، ففي كلِّ عصرٍ يوجد ثلاثون مؤمنًا وليًّا يتشرّفون بلقائه.و في خبر عليّ بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازيّ المرويّ في (كمال الدين و غَيْبة الشيخ و مسند فاطمة عَلیها السَّلام لأبي جعفرٍٍ محمّد بن جريرٍ الطبريّ، و في لفظ الأخير أنّه قال له الفتى الّذي لقيه عند باب الكعبة، و أوصله إلى الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف: ما الّذي تريد يا أبا الحسن؟ قال: الإمام المحجوب عن العالم. قال: ما هو محجوبٌ عنكم، و لكن حجبه سوء أعمالكم.)و فيه إشارةٌ إلى أنَّ مَن ليس له عمل سوءٍ فلا شيء يحجبه عن إمامه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و هو من الأوتاد أو من الأبدال، في الكلام المتقدّم عن الكفعميّ رحمه اللهُ.و قال المحقِّق الكاظميّ في أقسام الإجماع الّذي استخرجه من مطاوي كلمات العلماء و فحاوي عباراتهم غير الإجماع المصطلح المعروف. و ثالثها:

أن يحصل لأحدٍ من سفراء الإمام الغائب عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و العلمُ بقوله؛ إمّا بنقل مثله له سرًّا، أو بتوقيعٍ، أو مكاتبةٍ، أو بالسماع منه شفاهًا على وجهٍ لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغَيْبة، و يحصل ذلك لبعض حَمَلة أسرارهم، و لا يمكنهم التصريح بما اطّلع عليه و الإعلان بنسبة القول إليه، و الاتّكال في إبراز المدّعى على غير الإجماع من الأدلّة الشرعيّة ؛ لفقدها.و حينئذٍ فيجوز له إذا لم يكن مأمورًا بالإخفاء، أو كان مأمورًا بالإظهار لا على وجه الإفشاء أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة الإجماع؛ خوفًا من الضياع، و جمعا بين الامتثال للأمر بإظهار الحقِّ بقدر الإمكان، و امتثال النهي عن إذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان.و لا ريب في كونه حجّةً إمّا لنفسه، فلعلمه بقول الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و إمّا لغيره فلكشفه عن قول الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف أيضًا. غاية ما هناك أنّه يستكشف قول الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بطريق غير ثابتٍ،و لا ضير فيه بعد حصول الوصول إلى ما أنيط به حجّيّة الإجماع. (1)

شواهد المحدّث النوريّ رحمه اللهُ

من أجل تقوية التوجيه الخامس ذكر المحدّث النوريّ رحمه اللهُ شواهد و مستنداتٍ، لكن حينما كان الدليل مخدوشًا دلالةً أو مُرسلًا سندًا، لا


1) المصدر السابق: ص 320 و 321، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى. (طبع لهذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

يمكننا الاعتماد عليه. أمّا بخصوص هذه الرواية فنستنتج أنَّ رؤية الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و مشاهدته هي مسألةٌ ممكنةٌ، و قد تقع للخواصّ، لكنّ إثبات هذه الدعوى مشكلٌ.

و لأجل تأييد هذه الدعوى سوف نورد مجموعةً من الروايات المختلفة لتكون شواهد لا أدلّةً، تاركين الحكم فيها للقرّاء الكرام:

الشاهد الأوّل

محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن، عن ابن محبوبٍ، عن إسحاق بن ،عمّارٍٍ، قال: قال أبو عبد الله عَلَیْهِ السَّلام: لِلْقائِمِ غَیْبَتانِ: اِحْداهُما قَصِیرَةٌ وَ الاُخْری طَوِیلَةٌ، الغَیْبَةُ الاُولَی لا یَعْلَمُ بِمَکانِهِ فِیها اِلّا خاصَّةُ شِیعَتِهِ وَ الاُخْرَی لا یَعْلَمُ بِمَکانِهِ فِیها اِلَّا خَاصَّةُ مَوالیهِ (1)

النقد

إنَّ هذه الرواية مخدوشةٌ سندًا لا مضمونًا؛ و ذلك لوجود إسحاق بن عمّارٍٍ في طريقها، فهذا الرجل قد نقل أحاديث كثيرةً شاذّةً و نادرةً (2)و إن كان رأي البعض فيه أنّه ثقةٌ أو موثّقٌ، فهذا العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه اللهُ يقول: إسحاق بن عمّارٍٍٍٍ ثقةٌ (3)


1) الكافي: ج 1، ص 340 ، كتاب الحجّة، بابٌ في الغيبة، ح 19.

2) قاموس الرجال: ج 1، ص 769، ترجمة إسحاق بن عمّار، رقم 719.

3) رجال المجلسيّ (الوجيزة): ص 158، ترجمة إسحاق بن عمّار، رقم 173.

و المقصود من مواليه في الحديث إمّا الخدم و أهله و أولاده، و إمّا عدَّةٌ من ثلاثين نفرًا قد أشير إليهم سابقًا في الروايات، فبعض الشيعة الخواصّ كانوا على علمٍ و اطّلاعٍٍ بمكان حضرته المقدّسة زمن الغَيْبة الصغرى.

الشاهد الثاني

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّدٍ، عن الحسن بن علىٍٍٍّ الوشّاء، عن عليّ ابن أبي حمزة، عن أبي بصيرٍٍ، عن أبي عبد الله عَلَیْهِ السَّلام قال: لاَ بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأمْر مِنْ غَيْبَةٍ، وَ لاَ بُدَّ لَهُ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ عُزْلَةٍ، وَ نِعْمَ الْمَنْزلُ طَيْبَةُ (1، وَ مَا بِثَلاَثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ) (2)

النقد

لقد وصف العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه اللهُ هذا الحديث بالضعيف أو الموثّق، ثمَّ قال في شرحه: و العزلة- بالضمّ- اسم الاعتزال، أي المفارقة عن الخلق. "و لا بدَّ له في غيبته" في بعض النسخ: و لا له في غيبته، أي ليس في غيبته معتزلًا عن الخلق، بل هو بينهم و لا يعرفونه. و الأوّل أظهر و موافقٌ لما في سائر الكتب.و الطيبة- بالكسر- اسم المدينة الطيّبة فيدلّ على أنّه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف غالبًا في المدينة و حواليها، إمّا دائمًا أو في الغَيْبة الصغرى، و ما قيل من أنّ الطيبة اسم موضعٍٍٍٍ


1) أي المدينة المنوّرة.

2) الكافي: ج 1، ص 340، كتاب الحجّة، بابٌ في الغيبة، ح 16.

يسكنه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف مع أصحابه سوى المدينة فهو رجمٌ بالغيب، و يؤيد الأوّل ما مرّ أنّه لمّا سُئل أبوه عَلَیْهِ السَّلام: أين أسأل عنه؟ قال: بالمدينة."و ما بثلاثين من وحشةٍ" أي هو عجَّل الله تعالی فرجه الشریف مع ثلاثين من مواليه و خواصّه|، و ليس لهم وحشةٌ؛ لا ستيناس بعضهم ببعضٍٍ، أو هو عجَّل الله تعالی فرجه الشریف داخلٌ في العدد فلا يستوحش هو أيضًا، أو الباء بمعنى (مع أيٍّ لا يستوحش عجَّل الله تعالی فرجه الشریف لكونه مع ثلاثين.)و قيل: هو مخصوصٌ بالغَيْبة الصغرى، و ما قيل من أنَّ المراد أنّه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في هيئة مَن هو في سنِّ ثلاثين سنةً، و مَن كان كذلك لا يستوحش، فهو في غاية البعد. (1) و بناءً عليه إذا ما قبلنا التوجيه الأوّل فهذا يعضد و يدعم رأي المحدّث النوريّ رحمه اللهُ.

و في موضعٍٍٍ آخر يقول العلّامة المجلسيّ الثاني رحمه اللهُ: و ظاهر الخبر كما صرَّح به شرّاح الأحاديث أنّه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته. و قيل: إنَّ المراد أنّه على هيئة مَن سِنُّهُ ثلاثون أبدًا، و ما في هذا السنِّ وحشةٌ. و هذا المعنى بمكانٍ من البعد و الغرابة، و هؤلاء الثلاثون الّذين يستأنس بهم الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في غيبته لا بدَّ أن يتبدّلوا في كلّ قرنٍ؛ إذ لم يُقدَّر لهم من العمر ما قُدِّر لسيّدهم عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، ففي كُلِِّ عصرٍٍ يوجد ثلاثون مؤمناً وليًّا يتشرّفون بلقائه (2)


1) مرآة العقول: ج 4، ص 50 و51، كتاب الحجّة، بابٌ في الغيبة، ذيل ح 16.

2) جنّة المأوى: ص 320، فائدتان مهمّتان الفائدة الأولى. (طبع لهذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

و الحاصل: أنّه يكون مع الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في كلِّ عصرٍٍ ثلاثون نفرًا من أصحابه.

الشاهد الثالث

أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة، حدّثنا القاسم بن محمّد بن الحسن، حدّثنا عبيس بن هشام، عن عبد الله بن جبلّة، عن إبراهيم بن المستنير، عن المفضّل بن عمر الجعفيّ، عن أبي عبد الله الصادق عَلَیْهِ السَّلام، قال: إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا تَطُولُ حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: مَاتَ. وَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: قُتِلَ. وَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: ذَهَبَ. فَلَا يَبْقَى عَلَى أَمْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ وَلِيٍّ وَ لَا غَيْرِهِ، إِلَّا اَلمَوْلَى اَلَّذِي يَلي أَمْرَهُ (1)

النقد السنديّ و الدلاليّ

إن تحدّثنا عن السند فسنجد أنَّ هناك مبنىً يقول بأنَّ كلَّ راءٍ يقع في أسناد تفسير القمّيّ، أو نقل عنه عليّ بن إبراهيم القمّيّ حديثًا فهو ثقةٌ (2)


1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 172، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الرابع، ح 5؛ الغَيْبة (للطوسيّ): ص 162، ما ورد عن الأئمّة في غيبته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، ح 120 و انظر ص 61، الجواب عن الأخبار الدالّة أنّ الكاظم عَلَیْهِ السَّلام هو القائم، ح 60.

2) معجم رجال الحديث: ج 1، ص 49، المقدّمة الثالثة، التوثيقات العامّة، و هذا هو رأينا، لكن في سنة ( 1428ه-) عدلنا عن هذا الرأي خلال دروسنا في بحث خارج الفقه، فقد قمنا ببحثٍ واسعٍٍ عن هذا المبنى في جلساتٍ عديدةٍ، و عدلنا عن القول الأوّل. فراجع بحثنا الرجاليّ في محلّه.

ثمّ إنَّ هذا هو مبنى السيّد الخوئيّ رحمه اللهُ؛ لذلك فإنَّ هذه الرواية لا إشكال فيها من جهة إبراهيم بن المستنير. لكنّ في سندها القاسم بن محمّدٍ، و هو مجهولٌ (1)و لأجل ذلك فالرواية يُحكم بضعفها.

و أمّا الدلالة، فإنّه لا يمكن لمتن هذه الرواية أن يعارض التوقيع بنفي المشاهدة و الرؤية؛ لأنَّ الرواية تثبت فقط إمكان مشاهدة الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و من هذا الوجه لا يكون في دلالتها أيُّ تنافٍ أو تعارضٍٍ مع التوقيع الشريف، إذ الرواية الأولى تثبت الاطّلاع على موضع الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و التوقيع ينفي دعوى المشاهدة، و لا ينفي الاطّلاع على مكانه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

أمّا المحدّث النوريّ رحمه اللهُ و من أجل تقوية التوجيه الخامس فقد استعرض أقوال بعض العلماء، فقال: و لصحّة هذا الوجه و إمكانه شواهد تدلّ عليه:منها كثيرٌ من الزيارات و الآداب و الأعمال المعروفة الّتي تداولت بين الإماميّة، و لا مستند لها ظاهرًا من أخبارهم، و لا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الأئمّة عَليهمُ السَّلام و أسرارهم، و لا أمارة تشهد بأنَّ منشأها أخبارٌ مطلقةٌ، أو وجوهٌ اعتباريّةٌ مستحسنةٌ هي الّتي دعتهم إلى إنشائها و ترتيبها، و الاعتناء بجمعها و تدوينها، كما هو الظاهر في جملةٍ منها. نعم ، لا نضائق ورود الأخبار في بعضها.و منها ما رواه والد العلّامة و ابن طاووسٍ عن السيّد الكبير العابد رضيّ الدين محمّد بن محمّدٍ الآويّ إلى آخر ما مرّ في الحكاية السادسة و الثلاثين.


1) و يشهد لذلك عدم تعرّض النمازيّ له في كتابه.

و منها قصّة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في (البحار، و تفسير الأئمّة عَليهمُ السَّلام و غيرها.)و منها ما سمعه منه عليّ ابن طاووسٍ في السرداب الشريف.و منها ما علم محمّد بن عليٍٍّ العلويّ الحسينيّ المصريّ في الحائر الحسينيّ و هو بين النوم و اليقظة، و قد أتاه الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف مُكرّرًا و علَّمه إلى أن تعلّمه في خمس ليالٍ و حفظه، ثمّ دعا به و استجيب دعاؤه، و هو الدعاء المعروف ب- "العلويّ المصري" و غير ذلك.و لعلَّ هذا هو الأصل أيضًا في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطّلع على قول الإمام عَلَیْهِ السَّلام لمّا وجده مخالفًا لما عليه الإماميّة أو معظمهم، و لم يتمكن من إظهاره على وجهه، و خشي أن يضيع الحقُّ و يذهب عن أهله؛ جعله قولًا من أقوالهم، و ربما اعتمد عليه و أفتى به من غير تصریح بدليله؛ لعدم قيام الأدلّة الظاهرة بإثباته، و لعلّه الوجه أيضًا فيما عن بعض المشايخ من اعتبار تلك الأقوال أو تقويتها بحسب الإمكان؛ نظرًا إلى احتمال كونها قول الإمام عَلَیْهِ السَّلام ألقاها بين العلماء؛ كي لا يجمعوا على الخطا، و لا طريق لإلقائها حينئذٍ إلّا بالوجه المذكور.و قال السيّد المرتضى رحمه اللهُ في كتاب (تنزيه الأنبياء في جواب من قال: فإذا كان الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف غائبًا بحيث لا يصل إليه أحدٌ من الخلق و لا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده و عدمه؟ قلنا: الجواب أوّل ما نقوله : إنّا غير قاطعين على أنّ)

الامام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف لا يصل إليه أحدٌ و لا يلقاه بشرٌ! فهذا أمرٌ غير معلومٍ و لا سبيل إلى القطع عليه (1)و قال أيضًا: في جواب مَن قال: إذا كانت العلّة في استتار الإمام خوفه من الظالمين، و اتّقاءه من المعاندين، فهذه العلّة زائلةٌ في أوليائه و شيعته، فيجب أن يكون ظاهرًا لهم: بعد كلامٍ له، و قلنا أيضًا: إنّه غير ممتنعٍٍ أن يكون الإمام يظهر لبعض أوليائه ممّن لا يخشى من جهته شيئًا من أسباب الخوف، و إنَّ هذا ممّا لا يمكن القطع على ارتفاعه و امتناعه، و إنّما يعلم كلُّ واحدٍ من شيعته حال نفسه، و لا سبيل له إلى العلم بحال غيره (2و له في كتاب (المقنع في الغَيْبة ) كلامٌ يقرب ممّا ذكره هناك (3))و قال الشيخ الطوسيّ رحمه اللهُ في كتاب (الغَيْبة في الجواب عن هذا السؤال بعد كلام له: و الّذي ينبغي أن يجاب عن هذا السؤال الّذي ذكرناه عن المخالف أن نقول: إنّا أوّلًا لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه، بل يجوز أن يظهر لأكثرهم، و لا يعلم كلُّ إنسانٍ إلّا حال نفسه، فإن كان ظاهراً له فعلّته مُزاحةٌ، و إن لم يكن ظاهرًا له علم أنّه إنّما لم يظهر له لأمرٍٍ يرجع إليه، و إن لم يعلمه مفصّلًا لتقصيرٍٍ من جهته (4))


1) تنزيه الأنبياء: ص 235، القائم المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، في الوجه في غيبته عن أوليائه و أعدائه.

2) تنزيه الأنبياء: ص 238، القائم المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، في الوجه بيان علّة استتاره.

3) المقنع و الغيبة: ص 57، إمكان ظهور الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بحيث لا يمسّه الظلم.

4) الغيبة (للطوسيّ): ص 99 و 100، علّة غيبة الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف من أوليائه؛ انظر: تلخيص الشافي: ج 4، ص 221، فصلٌ في إمامة صاحب الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

و تقدّم كلماتٌ للسيّد عليّ بن طاووسٍٍٍ تناسب المقام خصوصًا قوله: مع أنّه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف حاضرٌ مع الله- جلّ جلاله- على اليقين، و إنّما غاب من لم يلقه عنهم؛ لغيبته عن حضرة المتابعة له، و لربِّ العالمين (1) قال السيّد ابن طاووس رحمه اللهُ يخاطب ابنه قائلًا: و الطريق مفتوحةٌ إلى إمامك لمَن يريد الله- جلّ شأنه- عنايته به، و تمام إحسانه إليه (2)

ثمّ يختم المحدِّث النوريّ رحمه اللهُ قائلًا: و فيما نقلنا من كلماتهم و غيرها ممّا يطول بنقله الكتاب، كفايةٌ لرفع الاستبعاد، و عدم حملهم الخبر على ظاهره، و صرفه إلى أحد الوجوه الّتي ذكرناها (3)

كلمات الأعلام حول إمكان اللقاء بالمهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

1- و قال الآخوند الخراسانيّ رحمه اللهُ: و ربّما يتّفق لبعض الأوحديّ وجهٌ آخر من تشرّفه برؤيته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و أخذه الفتوى من جنابه، و إنّما لم ينقل عنه، بل يحكى الإجماع لبعض دواعي الإخفاء (4)


1) كشف المحجّة ص 104، الفصل السابع و السبعون، غيبة الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

2) هذه العبارة لم تكن في (جنّة المأوى)، و نقلناها عن المصدر مباشرةً. انظر: كشف المحجّة: ص 212، الفصل الخمسون و المئة: بيان بعض الأمور المتعلّقة بالإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

3) جنّة المأوى: ص 321 و 322، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى. (طبع لهذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

4) كفاية الأصول: ص 288 و 289، المقصد السادس: الأمارات، فصل الإجماع المنقول.

2- قال الميرزا النائينيّ رحمه اللهُ: لأنَّ مسلك الدخول ممّا لا سبيل إليه عادةً في زمن الغَيْبة، بل ينحصر ذلك في زمان الحضور الّذي كان الإمام يجالس الناس و يجتمع معهم في المجالس؛ فيمكن أن يكون الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف أحد المجمعين. و أمّا في زمان الغَيْبة فلا يكاد يحصل ذلك عادةً. نعم، قد يتّفق في زمان الغَيْبة للأوحديّ التشرّف بخدمته و أخذ الحكم منه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، فيدّعي الإجماع عليه، و أين هذا من دعوى كون مبنى الإجماع على دخول شخصه في المجمعين؟ (1)

3- و قال السيّد الگلپايگانيّ رحمه اللهُ: بصورةٍ عامّةٍ لا يمكننا أن نشير إلى طريقٍٍ يمكن سلوكه حتّى يحظى الإنسان بشرف لقاء الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف. نعم، هناك ثلّةٌ عرفت الإمام و مقامه ففازوا بلقائه، و مع ذلك يمكن أن يقال: إنَّالطريق إلى الوصول هو العمل بالتكاليف الشرعيّة و اكتساب رضاه (2)

4- و قال الشيخ عبّاسٌ القمّيّ في ترجمة السيّد بحر العلوم: السيّد محمّد مهديّ ابن العالم السيّد مرتضى ابن العالم الجليل السيّد محمّدٍ البروجرديّ الطباطبائيّ، كان رحمه اللهُ سيّد العلماء الأعلام، و مولى فضلاء الإسلام، علّامة دهره و زمانه ، و وحيد عصره و أوانه. قال شيخنا في (المستدرك: "قد أذعن له جميع علماء عصره و مَن تأخّر عنه بعلوّ المقام)


1) فوائد الأصول: ج 3، ص 52، الفصل الثاني: في حجّيّة الإجماع المنقول، الأمر الثالث.

2) جلوه های پنهانی امام عصر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف: ص 139. [المصدر باللغة الفارسيّة]

و الرئاسة النقليّة و العقليّة و سائر الكمالات النفسانيّة، حتّى أنَّ الشيخ الفقيه الأكبر الشيخ جعفرًا النجفيّ مع ما هو عليه من الفقاهة و الرئاسة كان يمسح تراب خفّه بحنك عمامته، و هو من الّذين تواترت عنه المكرمات و لقاؤه الحجّة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و لم يسبقه في هذه الفضيلة أحدٌ فيما أعلم إلّا السيّد رضيّ الدين عليّ ابن طاووس، و قد ذكرنا جملةً منها بالأسانيد الصحيحة في كتابنا (دار السلام، و جنّة المأوى، و النجم الثاقب، لو جُمعت لكانت رسالةً حسنةً) (1) 5- و قال المرحوم الشيخ محمّد عليّ الواعظ الخراسانيّ والد الشيخ عبد الحسين الخراسانيّ: إنَّ الّذين مع الله- تعالى- لا يريدون أن يبرزوا و يظهروا ما عندهم من الاتّصال خلافًا لبعض المدّعين للتشرّف، و أنَّ المهديّ الآن واقفٌ خلفي! مع أنّه لو كان الأمر حقيقةً يجب أن لا يصرِِّح به مَن أراد أن يكون الإمام على صلةٍ معه، لا بدَّ أن يتجاوز عن أنانيّته (2)

النتيجة

اتّضح من مجموع البحوث و المطالب الّتي تعرّضنا لها أنّ أصل اللقاء و الارتباط مع الإمام صاحب الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ليس محالًا عقلًا، لكنّ إثبات دعوى الرؤية و اللقاء بحضرته الشريفة أمرٌ مشكلٌ. أمّا التوقيع الشريف


1) الكنى و الألقاب: ج 2، ص 68، ترجمة بحر العلوم.

2) مجلّه ی خلق [مجلّة خلق]: شماره ی 4 و 5، (از فروردین تا تیر 1387)، گفتگو با آیت الله واعظ خراسانى.

فإنّما ينفي أصل النيابة و دعوى السفارة الخاصّة، لا إمكانيّة المشاهدة أو التشرّف باللقاء.

الجواب السادس

قال المحدّث النوريّ رحمه اللهُ: أن يكون المخفيّ على الأنام و المحجوبُ عنهم مكانَه و مستقرَّه الّذي يقيم فيه، فلا يصل إليه أحدٌ، و لا يعرفه غيره حتّى ولده، فلا ينافي لقاءه و مشاهدته في الأماكن و المقامات الّتي قد مرَّ ذكر بعضها، و ظهوره عند المضطرّ المستغيث به، الملتجئ إليه الّذي انقطعت عنه الأسباب و أغلقت دونه الأبواب.و في دعوات السيّد الراونديّ و (مجموع الدعوات للتلعكبريّ و (قبس المصباح) للصهرشتيّ في خبر أبي الوفاء الشيرازيّ أنّه قال له رسول الله صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ في النوم: "و أمّا الحجّة، فإذا بلغ منك السيف للذبح، و أومأ بيده إلى الحلق، فاستغث به فإنّه يغيثك، و هو غياثٌ و كهفٌ لمَن استغاث، فقل: يا مولاي يا صاحب الزمان، أنا مستغيثٌ بك". و في لفظٍ: "و أمّا صاحب الزمان فإذا بلغ منك السيف هنا- و وضع يده على حلقه- فاستعن به فإنّه يعينك" (1))و ممّا يؤيّد هذا الاحتمال ما رواه الشيخ و النعمانيّ في كتابَي (الغَيْبة عن المفضّل بن عمر، قال: "سمعت أبا عبد الله عَلَیْهِ السَّلام يقول: إنَّ لصاحب هذا)


1) الدعوات: ص 192، الباب 3: ذكر المرض و منافعه، فصلٌ في التداوي بتربة مولانا و سيّدنا أبي عبد الله الحسين عَلَیْهِ السَّلام، ح 530.

الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم: مات. و بعضهم يقول: قُتل. و بعضهم يقول: ذهب. فلا يبقى على أمره من أصحابه إلّا نفرٌ يسيرٌ، لا يطّلع على موضعه أحدٌ من وليٍٍّ و لا غيره إلّا المولى الّذي يلي أمره"(1)و روى الكلينيّ عن إسحاق بن عمّار، قال أبو عبد الله عَلَیْهِ السَّلام: "لِلْقَائِم غَيْبَتَان: إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةٌ، وَ الاُخْرَى طَويلَةٌ. الغَيْبة الاُولَى لا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا الّا خَاصَّةٌ شِيعَتِهِ، وَ الاُخْرَى لاَ يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلاَّ خَاصَّةُ مَوَالِيهِ" (2)و رواه النعمانيّ و في لفظه بدون الاستثناء في الثاني، و رواه بسندٍ آخر عنه عَلَیْهِ السَّلام، قال: "لِلْقَائِم غَيْبَتَان: إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةٌ، وَ الاُخْرَى طَويلَةٌ. الاُولَى لا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ الّا خَاصَّةٌ شِيعَتِهِ، وَ الاُخْرَى لاَ يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلاَّ خَاصَّةُ مَوَالِيهِ في دينه" (3)و ليس في تلك القصص ما يدلّ على أنَّ أحدًا لقيه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في مقرِِّ سلطنته و محلّ إقامته.ثمّ لا يخفى على الجائس في خلال ديار الأخبار أنّه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ظهر في الغَيْبة الصغرى


1) الغيبة (للنعمانيّ): ص 172، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، الفصل الرابع، ح 5؛ الغَيْبة ( للطوسيّ): ص 162، ما ورد عن الأئمة في غيبته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، ح 120؛ انظر: ص 61، الجواب عن الأخبار الدالّة أنّ الكاظم عَلَیْهِ السَّلام هو القائم، ح 60.

2) الكافي: ج 1، ص 340، كتاب الحجّة، بابٌ في الغيبة، ح 19.

3) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 170، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر، الفصل الرابع، ح 2.

لغير خاصّته و مواليه أيضًا، فالّذي انفرد به الخواصّ في الصغرى هو العلم بمستقرِِّه، و عَرْضُ حوائجهم عليه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف فيه، فهو المنفيّ عنهم في الكبرى، فحالهم و حال غيرهم فيها كغير الخواصّ في الصغرى، و الله العالم (1). و كيف كان فإنّه يمكن في هذا المقام الاستناد إلى التواقيع الشريفة المرسلة إلى الشيخ المفيد رحمه اللهُ بعد بداية الغَيْبة الكبرى بسنين عديدةٍ، ففيها تأييدٌ و شاهدٌ على إمكان الارتباط و اللقاء بالإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

قال المحقِّق التستريّ: و ذكر يحيى بن بطريقٍٍ الحلّيّ في محكيّ رسالة نهجه: و أمّا الطريق الثاني في تزكية المفيد رحمه اللهُ فما ترويه كافّة الشيعة و تتلقّاه بالقبول: أنَّ الصاحب عجَّل الله تعالی فرجه الشریف كَتَبَ إليه ثلاث كتبٍ في كلّ سنةٍ كتابًا- إلى أن قال- و هذا أوفى مدحٍٍٍ و تزكيةٍ.و أشار ابن بطريقٍ بالكتب إلى التوقيعات الّتي نقلها (الاحتجاج عنه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف إليه، منها: للأخ السديد و الوليّ الرشيد الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان، أدام الله إعزازه- إلى أن قال- سلامٌ الله عليك أيُّها الوليّ المخلص فينا باليقين- إلى أن قال- و نعلمك- أدام الله توفيقك لنصرة الحقِِّ و أجزل مثوبتك عن نطقك عنّا بالصدق- أنّه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة...) (2)


1) جنّة المأوى: ص 324 و 325، فائدتان مهمّتان، الفائدة الأولى. (طبع لهذا الكتب في آخر ج 53 من بحار الأنوار).

2) قاموس الرجال: ج 9، ص 553 و 554، ترجمة محمّد بن محمّد بن نعمان، رقم 7244.

إشكال السيّد الخوئيّ رحمه اللهُ

إنَّ وصول هذه التواقيع الثلاثة إلى يد الشيخ المفيد رحمه اللهُ الّتي تلاقاها الشيعة و علماؤهم بالقبول يتنافى مع نفي النيابة و دعوى السفارة بعد السفير الرابع؛ لأنّه يُسأل هنا: مَن الّذي نقل الرسالة؟ هل هو نائبٌ خاصٌّ؟ و الحاصل: أنَّ رسائل الشيخ المفيد رحمه اللهُ تتعارض مع التوقيع الشريف.

و هذا نصّ كلام السيّد الخوئيّ رحمه اللهُ، حيث قال في ترجمة الشيخ المفيد رحمه اللهُ: ... بقي هنا أمورٌ:الأوّل: أنّه حكى عن رسالة نهج العلوم ليحيى بن بطريقٍٍ الحلّيّ توقيعاتٍ صدرت من الناحية المقدّسة إلى الشيخ المفيد رحمه اللهُ، أوّلها:لِلْأَخِ السَّدِيدِ، وَ الْوَلِيِّ الرَّشِيدِ، الشَّيْخِ الْمُفِيدِ أَبِي عَبْدِ اللّه مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ (أَدَامَ اللّه إِعْزَازَهُ، مِنْ مُسْتَوْدَعِ الْعَهْدِ الْمَأْخُوذِ عَلَى الْعِبَادِ، بِسْمِ اللّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَمَّا بَعْدُ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْوَلِيُّ الْمُخْلِصُ فِي الدِّينِ، الْمَخْصُوصُ فِينَا بِالْيَقِينِ...)و في آخر هذا التوقيع: هَذَا كِتَابُنَا إِلَيْكَ أَيُّهَا الأَخُ الوَلِيُّ، وَ اَلمُخْلِصُ فِي وُدَّنَا اَلصَّفِيُّ، وَ اَلنَّاصِرُ لَنَا الوَفِيُّ، حَرَسَكَ اللهُ بِعَيْنهِ اَلَّتِي لَا تَنَامُ، فَاحْتَفِظْ بِهِ وَ لَا تُظْهِرْ عَلَى خَطِّنَا الَّذِي سَطَرْنَاهُ بِمَا لَهُ ضَمِنَّاهُ أَحَداً، وَأَدِّ مَا فِيهِ إِلَى مَنْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ، وَ أَوْص جَمَاعَتَهُمْ بِالعَمَل عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اَللهُ، وَ صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّاهِرينَ.و التوقيع الثاني: ورد عليه يوم الخميس الثالث و العشرين من ذي الحجّة

سنة اثنتي عشرة و أربعمئة، نسخته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّاصِرُ لِلْحَقِّ، الدَّاعِي إِلَيْهِ بِكَلِمَةِ الصِّدْقِ، فَإِنَّا نَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِلَهُنَا وَ إِلَهُ آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ، وَ نَسْأَلُهُ الصَّلَاةَ عَلَى سَيِّدِنَا وَ مَوْلَانَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ.وَ بَعْدُ، فَقَدْ كُنَّا نَظَرْنَا مُنَاجَاتَكَ- عَصَمَكَ اللَّهُ- بِالسَّبَبِ الَّذِي وَهَبَهُ اللَّهُ لَكَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَ حَرَسَكَ بِهِ مِنْ كَيْدِ أَعْدَائِهِ- إلى أن قال- وَ نَحْنُ نَعْهَدُ إِلَیْکَ أَیُّهَا الْوَلِیُّ الْمُخْلِصُ، الْمُجَاهِدُ فِینَا الظَّالِمِینَ، أَیَّدَکَ اللَّهُ بِنَصْرِهِ الَّذِی أَیَّدَ بِهِ السَّلَفَ مِنْ أَوْلِیَائِنَا الصَّالِحِینَ- إلى أن قال-و كتب في غرّة شوّالٍ من سنة اثنتي عشرة و أربعمئةٍ، و في آخره: هَذَا كِتَابُنَا إِلَيْكَ أيُّهَا الْوَلِيُّ الْمُلْهَمُ لِلْحَقَّ الْعَلِيُّ بِإمْلاَئِنَا، وَ خَطّ ثِقَتِنَا، فَأخْفِهِ عَنْ كُلّ أحَدٍ، وَ اطْوهِ وَ اجْعَلْ لَهُ نُسْخَةً يَطَّلِعُ عَلَيْهَا مَنْ تَسْكُنُ إِلَى أمَانَتِهِ مِنْ أوْلِيَائِنَا، شَمِلَهُمُ اللهُ بِبَرَكَتِنَا إِنْ شَاءَ اللهَُ، اَلْحَمْدُ للهِ وَ الصَّلاَةُ عَلَى سَيَّدِنَا مُحَمَّدٍ النبیّ وَ آلِهِ الطَّاهِرينَ.و التوقيع الثالث مفقودٌ و لم تصل إلينا صورته. و أمّا هذان التوقيعان فقد ذكرهما الطبرسيّ في (الاحتجاج في الجزء الثاني، في توقيعاتٍ واردةٍ من الناحية المقدّسة.)أقول: هذه التوقيعات لا يمكننا الجزم بصدورها من الناحية المقدّسة؛ فإنَّ الشيخ المفيد رحمه اللهُ قد ولد بعد الغَيْبة الكبرى بسبعٍٍٍ أو تسع سنين، و موصل التوقيع إلى الشيخ المفيد رحمه اللهُ مجهولٌ. هبْ أَنَّ الشيخ المفيد جزم

بقرائن أنَّ التوقيع صدر من الناحية المقدّسة، و لكن كيف يمكننا الجزم بصدوره من تلك الناحية على أنَّ رواية (الاحتجاج لهذين التوقيعين مرسلةٌ، و الواسطة بين الطبرسيّ و الشيخ المفيد مجهولٌ) (1)

الجواب

إنَّ إشكال السيّد الخوئيّ رحمه اللهُ هذا وقع موردًا للنقض و الإبرام و القبول و الرفض بين بعض العلماء، و هذا ما سنناقشه، فنقول:

إنَّ الذين قبلوا هذا الإشكال قالوا بأنَّ الشيخ الطوسيّ رحمه اللهُ- و هو تلميذ الشيخ المفيد- لم ينقل هذا التوقيع في كتاب (الغَيْبة)، مع أنَّ له شرحًا مفصّلًا و مبسوطًا و تحليلًا عن الغَيْبة هناك؛ لذا لو كان هذا التوقيع واقعيًّا و معتبرًا لكان من المناسب جدًّا أن يذكره و يُبيِِّنه هناك، لكنّه لم يذكر أيَّ شيءٍ بهذا الاسم، و لا أثر و لا خبر لهذه الواقعة، لا في كتبه الرجاليّة و لا في الكتب الّتي تحدّثت عن الإمام صاحب الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

و الجدير بالذكر أنَّ السيّد المرتضى رحمه اللهُ و هو من تلامذة الشيخ المفيد ليست لديه أيّ إشارةٍ إلى هذه التواقيع الشريفة أيضًا، و كذلك ابن إدريس في (المستطرفات)- الجامع لكتاب (عيون و محاسن المفيد)- هو الآخر لم يذكر هذه التوقيعات، و الكراجكيّ و ابن داود لم يذكرا ذلك أيضًا.


1) معجم رجال الحديث: ج 17، ص 208 و 209، محمّد بن محمّد بن النعمان، رقم 11717.

فائدةَ

قال ابن شهر آشوب: لَقّبه بالشيخ المفيد صاحبُ الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و قد ذكرت سبب ذلك في مناقب آل أبي طالبٍ (1)

و لكن لم نجد في المناقب أيّ إشارةٍ إلى هذه القصّة، و إنّما تحدّثتْ مطالب الكتاب عن أحد عشر إمامًا، و ليس هناك أيُّ مطلبٍ عن الإمام صاحب الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

و نتساءل هنا: من أين جاء ابن بطريقٍٍ أو ابن شهر آشوب بتلك الرسائل؟

و الجواب: يُحتمل أنّهما أوردا ذلك نقلًا عن الشيخ الطبرسيّ؛ و ذلك لأنَّ ابن بطريقٍٍ هذا كان معاصرًا لابن شهر آشوب ( المتوفىّ 588 ه-) و الطبرسيّ (المتوفىّ 620 ه-). و لكن تبقى إشكالات السيّد الخوئيّ رحمه اللهُ واردةً و قويّةً.

و يمكن في مقام الجواب عن إشكال السيّد الخوئيّ رحمه اللهُ أن يقال: إنَّ الشيخ الطبرسيّ رحمه اللهُ قد ذكر في مقدّمة كتابه (الاحتجاج) ما نصّه:

و لا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده؛ إمّا لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير و الكتب بين المخالف و المؤالف، إلّا ما أوردته عن أبي محمّدٍ الحسن العسكريّ عَلَیْهِ السَّلام، فإنّه ليس في الاشتهار على حدّ ما سواه، و إن كان مشتملا على مثل الّذي


1) معالم العلماء: ص 113، ترجمة الشيخ المفيد، رقم 765؛ ذرائع البيان: ج 2، ص 89، ترجمة الشيخ المفيد، رقم 9.

قدّمناه؛ فلأجل ذلك ذكرت إسناده في أوّل جزءٍ من ذلك دون غيره؛ لأنَّ جميع ما رويت عنه عَلَیْهِ السَّلام إنّما رويته بإسنادٍ واحدٍ من جملة الأخبار الّتي ذكرها عَلَیْهِ السَّلام في تفسيره (1) و في هذه الصورة يبقى إشكال السيّد الخوئيّ رحمه اللهُ بلا جوابٍ أيضًا؛ لأنَّ هذه التواقيع ليس مجمعًا عليها و لا هي مشهورةٌ، و لعلَّ هذا هو رأي السيّد الخوئيّ رحمه اللهُ في إشكاله. و مرجع إشكال السيّد إلى أنّ الشيخ المفيد رحمه اللهُ لم يكن من السفراء الخاصّين، و لم يكن هناك من نوّابٍ خاصّين للإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في عصره.

و قد ردَّ البعض على إشكال السيّد الخوئيّ رحمه اللهُ بما حاصله:

نحن نلتزم بعدم السفارة الخاصّة، و لكن يمكن أن تكون الرسالة قد وصلتْ إلى الشيخ المفيد رحمه اللهُ عبر مبعوثٍ خاصٍّ، و هذا لا يتنافى مع الالتزام بنفي السفارة الخاصّة بعد السفير الرابع، بمعنى أنّنا نفرِِّق بين السفراء الخاصّين و بين الأفراد العاديِّين الّذين قد تُوكل إليهم بعض المهمّات؛ كإيصال الرسالة إلى شخصٍٍ أو مكانٍ ما. و مثال ذلك في زماننا جليٌّ و واضحٌ، فقد تُوكل مهمّة إيصال رسالةٍ خاصّةٍ من قِبل رئيس الدولة إلى شخصٍٍٍ أو رئيس آخر مع وجود السفارة و السفير في ذلك البلد (2)


1) الاحتجاج: ج 1، ص 4، مقدّمة المؤلف.

2) و قد ألمح السيّد الخوئيّ إلى هذا المعنى في كتابه. انظر: معجم رجال الحديث: ج 1، ص 303،ترجمة إبراهيم بن مهزيار، رقم 318 و ص 75، المقدّمة الرابعة، المورد الخامس، وكالة الإمام.

و الجدير بالذكر أنّه في قصّة الشيخ المفيد رحمه اللهُ و في توقيعات الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف إليه لم يدَّعِِ الشيخ المفيد و لا المبعوث النيابة الخاصّة، بل و لا أحد من الشيعة ادّعاها للشيخ رحمه اللهُ، و نحن لا نلتزم بانقطاع الصلة الكاملة بيننا و بين الإمام في عهد الغَيْبة الكبرى، بل هناك وسائط و ارتباطاتٌ لا تتنافى مع غلق باب السفارات الخاصّة، و إليك شواهد:

الشاهد الأوّل: قصّة المرجع الكبير السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ رحمه اللهُ

لمّا آلت إليه زعامة الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، بدأت الحكومة الإجراميّة الملكيّة بإيذاء المعمّمين و العلماء، و اشترطت عليهم الاجتهاد شرطًا للبس العمامة. و من أجل الحفاظ على العمامة و على هذا الزيّ ومن أجل صدِّ مؤامرة إضعاف العلماء في إيران؛ بدأ السيّد الأصفهانيّ بإعطاء إجازات الاجتهاد لكلِِّ معمَّمٍ إلى حدٍّ اعترض جمعٌ من العلماء على السيّد الأصفهانيّ بسبب هذا التصرّف، فأجاب السيّد: أنا مأمورٌ.

فقلق البعض و توهّموا أنّه مأمورٌ من قِبل السلطة الملكيّة، فالتجأ السيّد إلى كشف الحقيقة و الواقع و إفشاء السرِّ على مضضٍ، فأراهم رسالةً قائلًا: إنّها من قِبل الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و أنّه هو الّذي أمره بذلك.

الشاهد الثاني

إنَّ هذه القصّة مرتبطةٌ بالحادث الأليم الّذي أصاب السيّد أبا الحسن الأصفهانيّ، و هو مقتل ابنه السيّد حسنٍٍ، فأوقف السيّد نشاطه المرجعيّ، و أغلق باب بيته و اعتزل الناس، و ألغى كلَّ لقاءاته و مواعيده، فجاءه الشيخ

محمّدٌ الكوفيّ و هو معروفٌ بالزهد و التقوى، و قال: إنَّ الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف أمره بأن يسلّم إليك رسالةً، و كان مضمون الرسالة: افتح باب بيتك نحن ننصرك (1)

إذن يمكن لنا القول: إنَّ لمثل هذه النيابات و الوسائط وجودًا لا يمكن إنكاره، لكنّها ليست نيابةً خاصّةً؛ لأنَّ النيابة و السفارة الخاصّة مرتبطةٌ بالسفراء الأربعة و منحصرةٌ فيهم رضی الله عنْهم.

و بناءً على ما تقدّم فنحن نقبل أصل التوقيع و الرسالة، و نقبل تكرار هذه اللقاءات أيضًا، و هي لا تتنافى بأيِّ شكلٍ من الأشكال مع التوقيع الشريف الصادر من الإمام صاحب الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف إلى السفير الرابع، و لكن لا يعني هذا قبول دعوى اللقاء و التشرّف من أيِّ شخصٍٍ؛ لأنَّ إثبات ذلك مشكلٌ جدًّا.

خلاصة البحث

إنَّ هذا التوقيع الشريف يمتاز بصحّة السند و سلامة المتن و قوّة المضمون، و بحسب الظاهر أنّه لا مجال لردِّه أو تضعيفه، أو لا أقلّ هو موردٌ للقبول عند العلماء. و من جهةٍ أخرى فإنّ هناك نصوصًا كثيرةً دالّةً على التشرّف و اللقاء، و لا نستطيع أن نردَّها كلّها؛ لأنَّ فيها تواترًا إجماليًّا و معنويًّا؛ لذا نقول في مقام الجمع بين آراء كلا الطائفتين: إنَّ مورد النفي و عدم القبول هو ادّعاء السفارة و النيابة الخاصّة فقط، لا أصل التشرّف و اللقاء مع حضرته المقدّسة؛ لأنَّ


1) مشاهیر دانشمندان اسلام: ج 4، ص 375، استدراكات، (ترجمة آية الله الإصفهانيّ).

إمكان التشرّف بلقائه غير محالٍ في عصر الغَيْبة الكبرى، لكنّ إثبات ذلك يحتاج إلى دليلٍٍ.

و نقول كذلك: إنَّ لقاء الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ليس أمرًا سهلًا و متيسّرًا للجميع بحيث يستطيع أيُّ شخصٍ أن يدَّعي ذلك؛ لذا نحن نرى دعوى الكثير من المدَّعين للتشرّف بلقاء الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف موردًا للنظر و محلًّا للبحث و التأمّل، خاصّةً فيما لو ادّعوا اللقاء الاختياريّ.

نعم، إنّ اللقاء غير الاختياريّ (1)يمكن أن يكون موردًا للقبول، و هذا الأمر مشروطٌ بوثاقة صاحب هذا التشرّف و اللقاء أو الناقل له، و الله العالم بحقائق الأمور.


1) و هو اللقاء الّذي لا يكون عن توقيتٍ و تنسيقٍ مسبقٍ، وعادةً ما يرافق عدم معرفة الإمام (روحي لتراب مقدمه الفداء).

تزييف المهدوية

ردٌ علمي تحصيلي على مدعيات أحمد الحسن

تأليف

عبد الهادي الديالي

الفصل الثاني: بحث في السفارة

من الأمور التي لا تكاد تخفى على الأمة الأسلامية: أمر السفارة المهدوية، فإنّ الشيعة الإمامية دخلوا بعد شهادة الإمام العسكري عَلَیْهِ السَّلام عام 260 للهجرة الشريفة، و تسلم الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام مقاليد الإمامة بعد أبيه عَلَیْهِ السَّلام ، مرحلة جديدة و هى غياب الإمام عَلَیْهِ السَّلام عن الأنظار، و اتصاله بالشيعة الامامية لحلّ ما يعرض لهم من المشاكل عن طريق السفراء الذين هو عيّنهم، طيلة فترة الغيبة الصغرى، التي دامت أكثر من سبعين عاماً.

و السفراء هم: عثمان بن سعيد العمري، و ابنه محمد بن عثمان العمري، و الحسين بن رَوْح النوبختي، و علي بن محمد السمّري.

و هذه المرحلة ليست بالجديدة الصرفة على شيعة أهل البيت آنذاك، بل سبق أن حصل ما يُشابهها في حياة الإمامين العسكريين عَلَیْهِما السَّلام، و كان ذلك تمهيداً لهذه المرحلة الصعبة التي ستواجه الشيعة.

ثم بعد أن بدأت السفارة مباشرة أعمالها، و تتالت الأيام حتى انتهى الأمر إلى السفير الرابع علي بن محمد السمّري، فلم تمض الليالي و الايام إلا و أخبر الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام سفيره الرابع علي بن محمد السمري، أن يعهد عهده، فإنه على رحيل و لا سفارة بعده، كما ورد في آخر توقيع صدر عن الناحية المقدسة،الذي نقله الشيخ الصدوق، حيث قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب قال: كنت بمدينة السلام في السنّة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمّري فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج للناس توقيعاً نسخته:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا علي بن محمد السمّري، أعظم الله لك أجر إخوانك فيك، فإنك

ميت ما بينك و بين ستة أيام، فاجمع أمرك، و لا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره، و ذلك بعد طول الأمد و قسوة القلوب، و امتلاء الأرض جَوراً.

و سيأتي لشيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة، فهو كذاب،مفترٍٍ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. (1)

و من هذا التوقيع تظهر لنا عدة أمور، و هي:

الأوّل: أنّ السفارة إذا عين لها شخص من قبل الإمام عَلَیْهِ السَّلام أمر الإمام عَلَیْهِ السَّلام سفيره الذي شارف على الرحيل بأنّ يعيّن للناس السفير اللاحق و يسمّيه لهم، كما هي سيرة النبي صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ في تعيين الوصي، و سيرة كلّ الائمة كذلك.

الثاني: انقطاع السفارة و النيابة الخاصة عن الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام طيلة زمان الغيبة الكبرى.

الثالث: أنه عَلَیْهِ السَّلام يعطي علامات عامة لزمان الظهور، مثل طول الأمد، و قسوة القلوب، و امتلاء الأرض جوراً، و مع كلّ ذلك فظهوره عَلَیْهِ السَّلام معلق على الإذن الإلهي.

الرابع: أنّ الإمام عَلَیْهِ السَّلام يخبر عن المستقبل الذي ينتظر الشيعة، و ظهور من يدعي الرؤية و المشاهدة للإمام و السفارة عنه عَلَیْهِ السَّلام من باب أولى.

و قد يناقش في هذا التوقيع من حيث السند، و يقال بضعفه، و لكنّ هذه المناقشة عليلة سقيمة، و ذلك لوجود عدة أمور تثبت صدور هذا


1) كمال الدين و تمام النعمة ص 516، الفصول العشرة ص 10، الغيبة للطوسي ص 395، تاج المواليد ص 68 ، الخرائج و الجرائح ج 3 ص 1129، كشف الغمة ج 3 ص 338، معجم أحاديث الإمام المهدي ج 4 ص 317، الغيبة الصغرى للشهيد الصدر ص 415.

التوقيع الشريف، منها:

1- أنّ سند هذا التوقيع معتبر بلا إشكال، لأنّ ناقله هو الحسن بن أحمد المكتب و هو من مشايخ الصدوق، و ترحم عليه الصدوق (1)، و الترحم دالّ على حسن الرجل، إنْ لم نقل بدلالته على التوثيق، خصوصاً على القول بتوثيق مشايخ الإجازة بنحو عام، فيحكم حينئذٍ بوثاقة الحسن المكتب، أو حسنه على أقلّ تقدير.

و عليه فبناءً على المدح فقط، تكون رتبة هذا التوقيع من حيث السند (حسن)، و إذا بنينا على توثيق مشايخ الإجازة تكون رتبته (صحيح)، و على كلا الأمرين يندفع إشكال ضعف السند.

و أمّا القول بأنه مرسل، فهو بلا دليل، حيث أنّ سنده متصل لقرب الصدوق من عصر صدور هذا التوقيع، و لو قلنا بأنه لم يكن معاصراً فهو لا يحتاج في الإطلاع عليه إلا إلى واسطة واحدة لا أكثر، و ذلك لقصر الفاصل الزمني بين صدور التوقيع و بين زمان الصدوق، و عليه فالسند منصل لا محالة.

2- أنّ أعاظم فقهاء الطائفة الشيعية و الذين يعدّون من الطبقة الأولى من الفقهاء المتقدمين، رووا هذا التوقيع مثل الصدوق، و المفيد (2)و الطوسی (3)و من المتأخرين رواه القطب الراوندي (4)و السيد ابن طاووس (5)و الأربلي (6)، فكل هؤلاء الفقهاء الأجلاء الذين نقلوا هذا التوقيع لم يعقبوه بالقدح في سنده، بل أخذوه أخذ المسلمات لسلامة


1) معجم رجال الحديث ج 5 ص 272 رقم 2726.

2) الفصول العشرة ص 10.

3) الغيبة ص 395، تاريخ المواليد ص 68.

4) الخرائج و الجرائح ج 3 ص 1129.

5) جمال الأسبوع ص 315.

6) كشف الغمة ج 3 ص 338.

سنده من القدح.

و هذا التسالم الذي نلمسه من خاصة الخاصة، المتشرعة العارفين بكلام أهل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام، و المعبر عنه في علم الأصول بأنّ عمل الأصحاب جابر و إعراضهم كاسر يكشف لنا كشفا إنياً عن صحة صدور هذا التوقيع حيث لو لم يكن صادراً لما تسالموا عليه مع معرفتهم بالحديث.

3- أنّ متنه معتضد ببعض الروايات، مثل الروايات التي تنصّ على أنه عَلَیْهِ السَّلام يملأ الأرض قسطاً و عدلاً بعد ما ملئت ظلماً و جوراً (1)، كما جاء في التوقيع و ذلك بعد طول الأمد و قسوة القلوب، و امتلاء الأرض جوراً.

و مثل الروايات التي أكدت ظهور الكذابين و الدجالين قبل ظهور الإمام عَلَیْهِ السَّلام، و من ذلك ما جاء عنهم عَلَیْهِمُ السَّلام: و يخرج دجال من دجلة البصرة و ليس مني و هو مقدمة الدجالين كلهم (2)و غيرها من الروايات الموافقة لما جاء في التوقيع و سيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة، الا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كذاب مفتر.

و مثل الروايات التي تعرضت لذكر العلامات الحتمية و منها السفياني و الصيحة، فعن أبي عبد الله عَلَیْهِ السَّلام قال: السفياني من المحتوم و خروجه في رجب (3)، و عنه عَلَیْهِ السَّلام أنه قال: خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة، و خروج السفياني، و الخسف بالبيداء، و قتل النفس الزكية، و اليماني (4)

4- بل الواقع الخارجي المحسوس لكلّ الشيعة، بل لكلّ إنسان هو:


1) الأمالي للصدوق ص 78 الحديث 3، كتاب سليم بن قيس ص 134/ ص 184.

2) الملاحم و الفتن ص 123.

3) كمال الدين و تمام النعمة ص 652 الحديث 15، كتاب الغيبة للنعماني ص 257 الحديث 15، الحتميات ص 191.

4) الكافي ج 8 ص 310 الحديث 483، الحتميات ص 383.

انقطاع السفارة المهدوية، بعد رحيل السفير الرابع علي بن محمد السمري، فلو كان باب السفارة مفتوحاً لما احتجنا إلى الاجتهاد، و لما وقعنا في كلّ هذا العناء، و هذا الواقع ممّا اعترف به أحمد الحسن فقال: أمّا بالنسبة للإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام، فقد أرسل سفراء أربعة في غيبته الصغرى التي استمرت ما يقارب السبيعن عاماً، ثم انقطعت السفارة و الإرسال من الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام (1)

و هذا الانقطاع الواقعي خير شاهد على صدق هذا التوقيع، بل نفس من ادعى السفارة يعترف بأنها. انقطعت بعد رحيل السّمري رضوان الله تعالى عليه.

إلى هنا اتضح لنا: ثبوت صحّة صدور هذا التوقيع عن الناحية المقدسة، و خلاصة مضمونه: أنّ السفارة المهدوية كان بابها مفتوحاً في زمان الغيبة الصغرى المتمثلة بالفترة الزمنية الواقعة ما بين عام (260) و عام (329) للهجرة، و خُتمَتْ السفارة بالسفير الرابع علي بن محمد السمري، و بعد ذلك بدأتَ الغيبة الكبرى عام (329) للهجرة إلى يومنا هذا، و انسدّ باب السفارة و المشاهدة. (2)


1) رسول الإمام المهدي في التوارة و الانجيل و القرآن ص 8س 23.

2) قصة اللقاء ص 1 س 35.

رؤية الامام المهدي في زمن الغيبة الكبرى بين الإمكان و العدم

بحث یتناول ادلة القائلين بإمكان الرؤية و ادلة القائلين بالعدم

تأليف

الشيخ محمد جليل الازيرجاوي

القسم الثاني: تحقيق حول مسألة المشاهدة

و روى الشّيخُ الصدوق رحمه الله قال: حَدَّثَنا أبو محمد أحمد بن المكتّب قال: كنتُ بمدينةِ السّلام في السَّنَةِ التي تُوفّي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السّمري قدّس سره، فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج توقيعاً نسخته:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا عليّ بن محمّد السّمري عظّم الله أجر إخوانك فيك فإنّكَ ميّت ما بينك و بين ستة أيام فاجمع أمرك، و لا توصِ إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وَقَعتِ الغيبة الثانية و في روايةِ الشّيخ الطوسي في الغيبة: التامة فلا ظهورَ إلاّ بعد إذن الله تعالى ذكره، و ذلك بعد طول الأمد، و قسوة القلوب و امتلاء الأرض جوراً، و سيأتي شيعتي مَنْ يدّعي المشاهدة، أَلا فَمَنِِِِ ادّعى المشاهَدَةَ قبل خروج السفياني و الصيّحة فهو كاذب مفتر و في رواية الطوسي في الغيبة، و الطبرسي في الاحتجاج، و العلامة المجلسي في بحار الأنوار ﴿كذَّاب مفتر وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

قال: فنسخنا هذا التوقيع و خرجنا من عنده، فلمَّا كانَ اليومُ السادِسُ عدنا إليه و هو يجودُ بنفسه فقيل له: من وصيّك من بعدك؟

فقال رحمه الله: لله أمرُ هو بالغه، و مضى رضی اللهُ عَنْه، فهذا آخرُ كلامٍ سُمِعَ منه رحمه الله (1)

أثار هذا التوقيع الأخير جدلاً حول مسألة رؤيته عَلَیْهِ السَّلام و عدمها و قد وقع الخلاف بين أعلام الطائفة في هذا الخصوص، حيث نتجَ عن ذلك اعتقادان عن إمكانية الرؤية و جوازها، و عدمِ الإمكان و امتناع الرّؤية في زمن غيبته عَلَیْهِ السَّلام فمنهم مَنْ ذَهَبَ إلى الإمكان، و منهم من نفى ذلك على ما سوف تقف على التفاصيل.

و قبل توضيح ذلك علينا أنْ نذكر بأنّه لا شكّ و لا ريبَ عند اعلام الطائفة الإمامية جميعاً، أنَّ الإمام المهديّ عَلَیْهِ السَّلام كان في عصر الغيبة الصُّغرى على اتّصال دائم بشيعته و لم ينقطع عنه، إذ كان يتقصّى الشيعة و يتفقّد أخبارهم، و هكذا يتفقّدون أخباره عِبْرَ سُفَرائه الأربعة الذين مثّلوا حلقة الوصل بينه و بينهم، فكانت تَرِِدُ عليه كتبهم و رسائلهم فيَجِبُ عنها و يردّ على أسئلتهم، و تخرُجُ إليهم تواقيعُ من ناحيته المقدَّسة، و قد وَرَدَتْ في بعض كُتُبِ الأعلامِ ودَوَّنها الثّقاتُ ممّنْ لا يرد أدنى شكّ أو شبهة في صدقهم و إخلاصهم، فقد أوْرَدَ الشّيخُ الطوسيّ رحمه الله تواقيعَ خَرَجَتْ من الناحية المقدّسة إلى جملة من الثّقات الأخبار كأبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي (2)و أورد غيره من الأعلام تواقيعَ لآخرين خرَجَتْ من ناحيتِهِ المقدّسة، كما خرَجَتْ تواقيع أُُخر عديدة تلعن الذين ادّعوا النيابة الخاصة كذباً و زوراً


1) كمال الدين / 480، الغيبة / 242 - 243، الاحتجاج / 297، بحار الأنوار/ 361/15.

2) الغيبة / 415.

و تتبرأ منهم و أشخاصهم كالشَّريعيّ، و محمّد بن نصير النُّميريّ، و أحمد بن هلال الكرخيّ، و الشلمغاني و غيرهم.(1)

كما وفّق جماعة من خواصّ الشيعة وثقاتهم لفيض لقائه عليه الصلاة و السلام في مواطن عدّة، بل كانَ الشّيَعةُ يشدّون الرّحال إلى العراق و الحجاز- لا سيّما في أيّامِ الحجّ و عند أداءِ مناسِكِهِ- بحثاً عنه و ابتغاءِ الفوزِ بشَرّفِ لقائه عَلَیْهِ السَّلام فكَمْ من هؤلاءِ قد أدركوا و نوّابه الخواصّ، و أيقنوا بوجودِهِ و سلّموهم الوجوه الشرعية و أدّوا إليهم الحقوق التي كانت عليهم و تلقوا إجابات و رُدُوداً على أسئلتهم التي بعثوها إلى ناحيته المقدسة و اشتهر ذلك عند الشيعة حتى غدا من المسلّمات لديهم لا تعتريه شكٌّ و لا شبهة، حرصاً منهم على تقصّي أخبار إمامهم، و تفقُّد أحواله، و تثبيتِ عقائدهم و ترسيخ دعائم إيمانهم بأدلّةٍ قطعيّةٍ من العلم و الوجدان، و تطهيرِِ معتقداتهم من الخرافة و الأوهام.

فقد أوْرَدَ الشّيخُ الصّدوقُ رحمه الله أسماء جماعةٍ ممن أدركوا المأمول و تحققّت لهم آمالهم بمشاهدَتهِ و الفوز بلقائه و قرّت أعينهم برؤية حُسنِهِ و جماله الملكوتي (2)


1) ذكرنا ذلك مفصلاً في كتابنا حياة السفراء الأربعة للإمام المهدي.

2) كمال الدين/ 434.

المشاهدة في الغيبة الكبرى

لَقَد بَذَلَ الشيعةُ اهتماماً خاصّاً بموضوع الإمكان الوقوعيّ لرؤية الإمام المهديّ عَجَّلَ اللهُ تعالى فَرَجَهُ، و شرف اللّقاء به في عصر الغيبة الكبرى و ألفّوا فى ذلك كتباً استدلالية تَبْحَثُ الإمكان و عدمه، فهل الرؤيَةُ ممكنة في هذا العصر أولا؟ و على فرض الإمكان فما حُدودُ الرؤية الممكنة؟ هل ممكنةٌ لكلِِّ أحدٍ أم للخواصّ و الأوحديّ من الشيعة؟ و هل هي مختصّة بظروف طارئة أم لا؟ و هل يعرفه الرائي عند اللقاء أم لا يعرفه؟ و هل يمكنُ أخذُ معالم الدّين و الأحكام الشّرعية عنه؟ و هل تُطرَحُ عليه الشُّبهاتُ فيجيب عنها ؟ فمَا الذي نَطَقَتْ به الأحاديثُ و الأخبار في هذا الخصوص؟ و ماذا قال عُلماءُ الطّائفة في ذلك؟

وَقَعَ الخِلافُ في أصل الرؤية و إمكان اللقاء بالإمام عَلَیْهِ السَّلام في عصر الغيبة الكبرى، بين أعلامِ الطَّائفة ، فمنهم مَنْ قال بالإمكان، و منهم من نفى ذلك من الأساس، ثمّ إنّهم اختلفوا في معنى الرؤية و المراد منها؟ لذا علينا أنْ نَبحثَ هذه الأبحاث على نحو التفصيل، من ذكر معنى الرؤية، و ذكر أدّلة المثبتين لها، ثم ذكر أدلّة النافين و الإجابة عليها لكي تتّضِحَ الصُّورَةُ جلياً على تلك الأسئلة التي لا زَاَلتْ تُشْغِلُ حيّزاً من بال الطائفة صغّيرهم و كبيرهم، و شريحة واسعة من أهل العلم و علماء الطائفة رغم كثرة التأليف و التصنيف و التحقيق في هذا الباب.

الفرق بين الرؤيا و المشاهدة

الرُّؤيَةُ هي أعمُّ من الرؤية مع المعرفة، و الرؤية من غير معرفة به عَلَیْهِ السَّلام إذ الرؤية تُطْلَقُ على ما رآه الإنسانُ بعينه مطلقاً، سواء كانت مقرونة بالمعرفة أو كانت خالية من المعرفة.

و بعبارةٍ أخرى: الرّؤيَةُ هي الإبصار أعمُّ من كونها مع المعرفة الحالية أو المتأخرة، أو عدم المعرفة بالمبصر المرئي أصلاً، لا في الحال و لا في المستقبل.

بيان ذلك: أنّ المرء قد ينال شرف رؤية الإمام الغائب عَلَیْهِ السَّلام و هو لا يعرفه حينئذٍ، بل يجهله ساعة رؤيته له عَلَیْهِ السَّلام و هو ربما عرفه بعد ذلك أي بعد ما غاب عنه و فارقه و غادر ذلك المكان، لظهور قرائن قطعية دالة على أنّه الإمام صاحب الأمر صلوات الله عليه أو لشواهد و قرائن باعثة على الاطمئنان،و قد يبقى جاهلاً به طيلة حياته- و يظلُّ في جهله لا يعرفه دهراً بل دهوراً و ربمّا حالفه الحظُُّ و شمله التوفيق فنالَ شَرَفَ العلم وحاز على مرتبة المعرفة بأنّه هو الإمامُ أرواحنا فداه.

فالرؤيَةُ هي الابصار مطلقاً بغضّ النظر عن المعرفة و عدم المعرفة، و هي:

1- إمّا خالية من المعرفة أصلاً سواء المعرفة الحاليّة أو المستقبلية المتأخرة عن زمن الرؤية .

2- و إمّا ملحوقة بمعرفة بالمرئيّ و المبصر بعد ذِهَابِهِ و غيابه و مغادرته المكان، و هي تسمى المعرفة اللاحقة أو المتأخرة.

3- و إمّا أنْ تكون مصحوبة بالعلم و المعرفة، فيكون الرائي حال رؤيته عارفاً بالمرئيّ معرفة عينيّة خالية من كلِّ شائبة، و تسمّى المعرفة الحالية أو المتّصلة أو المتزامنة، و تسمّى هذه الرؤية بالمشاهدة.

و هذا النوع من الرؤية- أعني المشاهدة- على قسمين و وجهين أيضاً:

أ- المشاهدة الخالية من المحادثة.

ب- المشاهدة التي ترافقها المحادثة و الحوار و السؤال و الجواب.

و هذا الأخير: إمّا الصُّحبة لساعات أو يوم أو أيام، و إمّا من غير صُحْبَة كذلك.

فالمُشاهدة التي هي من أقسام الرؤية، لكنّها الرؤية الخاصة عبارة عن المعاينة مع الحضور الحقيقي- الجسماني- و المعرفة العينية، بحيث يعرف المرئي بشخصه و يميّزه عمَّن سواه.

و قال صاحب كتاب اللمعة البيضاء: الشهادة تجيء بمعنى الحضور و المعاينة يقال: شهده متعدّياً بنفسه، أي حضره و عاينه، و منه الشّاهد يرى ما لا يراهُ الغائب و فَمَنْ شَهِِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (1)

و الشهود و الشهادة حضور مع المعاينة و المشاهدة، سواء كان بالبصر أو البصيرة، و الثاني يرجع إلى معنى العلم، و الأولى أن يستعمل في الحضور المجرد- الشهود- و في الحضور مع المشاهدة- الشهادة- و إنَّ الشهادة قد تطلق على القول الصّادر من العلم الحاصل بالبصر أو البصيرة إلى أنْ يقول: و منه


1) سورة البقرة الآية/185.

المشاهَدَةُ بمعنى المعاينة، و هو أعمُّ من الحضور لجوازِ الاطّلاع من بعد بدون صِفَةِ الحضور. (1)

و ذَكَرَ الرّاغبُ أَنَّ: الشّهودَ والشَّهادة الحضورُ مع المشاهدة، إمّا بالبصر أو بالبصيرة، لكنّ الشّهود بالحضور المجرّد أولى، و الشّهادة مع المشاهدة أولى، و يُقالُ للمحضر مشهد (2)

و قال ابن منظور: و المشاهدة: المعاينة، و شهد شهوداً أي: حضره فهو شاهد (3)

و مَنْ يَدّعي مشاهَدَة صاحب الأمر أرواحنا له الفداء، فهو يدّعي رؤيته العينية مع العلم به و معرفة شخصه عَلَیْهِ السَّلام و قد يزيدُ عليها أدّعاء المحادثة و المحاورة و المجالسة، قليلاً أو كثيراً و طويلاً أو قصيراً.

و هذا القسم الأخير أعلى مراتب التوفيق، و أعظم درجاتِ المعرفة و النّعيم، حيثُ لا يناله إلا ذو حظً عظيمٍ من الخواصّ، بل أخصّ الخواص.

و هناك الرؤيا المنامية:و هي ليست من الرؤية العينية، لأنّها عن رؤية الشيء أو الشخص في المنام لا في اليقظة.

و أخرى تسمّى برؤية الكشف و الشهود: و هي عبارَةٌ عن حصول العلم و المعرفة بوجودِ الإمام عَلَیْهِ السَّلام و حياتِهِ عن طرق السير و السلوك و تهذيب النفس و الرياضات النفسانية و المكاشفات و الإشراقات الروحانية، كأنْ يدرك


1) اللمعة البيضاء/366.

2) مفردات الراغب الأصفهاني/267.

3) لسان العرب /239/3، و الصحاح /294/2، و كتاب العين /297/3.

أهل الكشف و الشّهود و العارفون الصّادقون بما لهم من قوى إشراقية مدركة لحقائق العوالم العلوية و السّفلية و الأكوان و الطبيعة و ما وراء الطبيعة أنّه لابدّ من حياته و يعرفونَهُ بعينه، و قد يَزْعُمونَ رؤيَتَهُ بالعينِ المجردة أيضاً عن

طريقِ المكاشفة الحضُوريّة و الارتباط به عَلَیْهِ السَّلام كذلك.

فهذه أربعة أنواع- أي الرؤيا الأعمّ، و المشاهدة بالبصر أو البصيرة، و الرؤيا المنامية، و رؤية الكشف و الشهود-أساسية من وجوه و طرق اللقاء و الرؤية و التشرّف بمحضر مولانا صاحب الأمر و قطب دائرة الإمكان صلوات الله و سلامه عليه.

و الكلامُ في مبحثنا هذا عن الرؤية بمعنى المشاهدة و المشاهدة بجميع أقسامها و وجوهها لأنّها موضع الشاهد و الابتلاء.

و قد ذَكَرْنا بأنَّه وَقَعَ النّزاعُ في إمكان المشاهدة في عصر الغيبة الكبرى بين مثبتٍ و نافٍ ِفيقَعُ الكلامُ فيها، و في المسالة قولان:

الأول: عدم الإمكان الوقوعي قطعاً، أي لا يمكن المشاهدة لأحد قبل الظهور، و هو امتناع وقوعي و استحالة وقوعيّة.

الثاني: إمكانُها و اختصاصُها بالأولياء، و أخصّ الخواصّ و الأوحديّ من الناس.

و أمّا الكلامُ في القسم الأول و هو الرؤية مع الجهل المطلق، و القسم الثاني من الرؤية، و هو الرؤية، مع المعرفة المتأخّرة فخارج عن محلّ الابتلاء بالتخصّص، لعدم ترتّب أثر على الرؤية مع الجهل المطلق به عَلَیْهِ السَّلام.

كما أنَّ الكلام في القسمين الآخرين، أعني: الرؤية المنامية و الرؤية الكشفية الشهودية خارجان عن الموضوع بالتخصص لتأكيد النّصوص و لأنَّ الأدلّة و النّصوص منعت وقوع المشاهدة و لم تمنع إمكان وقوع الرؤية مع المعرفة اللاّحقة، و لا وَجْهَ لردّ مثل هذه الدّعاوى إنْ كانت تستِندُ إلى شواهد و دلائل و قرائن قطعية، و تنبعث من كراماتٍ و معجزات، و تعتمد عليها تورثُ العلم و اليقين، أو على الأقلّ ظنية تفيد و تبعث على الاطمئنان، و قد أوردَ الشيخُ الطوسيُّ رحمه الله هذا القسم و ذَكَرَ جمُلةً من الأحداث و القصص الحقّة التي في عَصرِهِ و قبل زمانه، الدالّة على وقوعِِ الرُّؤيَةِ مع جهل بشخصه عَلَیْهِ السَّلام ثمّ معرفته بعد غيابه عَلَیْهِ السَّلام عن الأنظار و خصّ باباً من أبواب كتاب الغيبة بمن رأوه ثم عرفوه (1)


1) الغيبة/253.

ذكر من قال باستحالة الرؤيا

ذَهَبَ جمعٌ من الأعلام و المحققّين إلى امتناع الاتصال بالإمام الحجة صلوات الله عليه مطلقاً، لا بطريقِِ الرّؤية و لا اللّقاء و لا الحضور و لا المشاهدة، و قالوا بوجوبِ تكذيب مدّعي ذلك مطلقاً، أيّاً كان و بأيّ نحوٍٍٍٍٍٍ يكون و أبرز هؤلاء الأعلام هم:

1- الشيخ أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب المعروف بأبن أبي زينب النعماني المتوفى سنة 360 ه- صاحب كتاب الغيبة.

قال رحمه الله بعد أنْ ساقَ جملةً من روايات الغيبة: هذه الروايات التي قد جاءت متواترة تشهدُ بصحة الغيبة و باختفاء العلم، و المراد بالعلم الحجة للعالم، و هي مشتملة على أمرِ الأئمّة للشيعة بأنْ يكونوا فيها على ما كانوا عليه، لا يزولون و لا ينتقلون، بل يثبتون و لا يتحوّلون، و يكونون متوقعين لما وعدوا به، و هم معذورونَ في أنْ لا يعرفوه بعينه و اسمه و نسبه، و محظور عليهم الفحص و الكشف عن صاحب الغيبة و المطالبة باسمه أو موضعه أو غيابه أو الإشادة بذكره، فضلاً عن المطالبة بمعاينته، و قال لنا: إياكم و التنويه و كونوا على ما أنتم عليه، و إياكم و الشكّ، فأهلُ الجهل لا علم لهم بما أتى عن الصّادقين عَلَیْهِما السَّلام من هذه الروايات الواردة للغيبة و صاحبها يطالبون بالإرشاد إلى شخصِهِ و الدّلالة على موضعه، يقترحون إظهاره لهم و ينكرون غيبته لأنهم بمعزلٍ عن العلم.

و أهلُ المعرفة مسلّمون لما أمروا به، ممتثلون له، صابرون على ما ندبوا إلى الصّبر عليه و قد أوقفهم العلم و الفقه مواقف الرّضا عن الله و التصديق لأولياء الله و الامتثال لأمرهم، و الانتهاء عمّا نهوا عنه، حذرون ما حذّر الله في كتابه من مخالفة رسول صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ الله و الأئمة الذين هم في وجوب الطاعة بمنزلته لقوله فَلْيَحْذَرِِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ (1)و لقوله وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ احْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمٌ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِِينُ (2)

و في الحديث الرابع من هذا الفصل- حديث عبد الله بن سنان: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا صِرْتُمْ فِي حَالٍ لَا تَرَوْنَ فِيهَا إِمَامَ هُدًى ، وَ لَا عَلَماً يُرَى دلالةٌ على ما جرى، و شهادة بما حدث من أمر السّفراء الذين كانوا بين الإمام و بين الشيعة من ارتفاع أعيانهم، و انقطاع نظامهم، لأنَّ السفير بين الإمام حال غيبته و بين شيعته هو العَلَم، فلمّا تمّت المحنة على الخلق ارتفعت الأعلام و لا تُرى حتّى يَظهَرَ صَاحِبُ الحقّ عَلَیْهِ السَّلام و وقعت الحيرة التي ذكرت (3)

2- الشيخُ المفيد أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النّعمان المتوفى 413 ه- الذي خصّ ذلك كلََّه بخدّام الإمام عَلَیْهِ السَّلام.

قال رحمه الله: فأَمّا بَعْدَ انقراض من سمّيناه من أصحاب أبيه و أصحابه عَلَیْهِ السَّلام فقد كانت الأخبار عمّن تقدَّمَ من أئمة آل محمد صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ متناصرةٌ بأنه: لابُدَّ


1) سورة النور الآية/63.

2) سورة المائدة الآية/92.

3) الغيبة النعماني /164.

للقائم المنتظر من غيبتين، إحداهما أطول من الأخرى، يعرف خبره الخاص في القصوى، و لا يعرف العام له مستقراً في الطولي، إلاّ مَنْ تولىّ خدمته من ثقات أوليائه، و لم ينقطع عنه إلى الاشتغال بغيره. (1)

3- الفيضُ الكاشاني المتوفىّ سنة 1091 ه- في كتابه الوافي في بيان الحديث المتضمّن أنَّ الغيبة الكبرى لا يعرفه إلاّ الخواص، قال رحمه الله: كأنه يريد بخاصّة الموالي الذين يخدمونه، لأنَّ سائر الشيعة ليس لهم فيها إليه سبيل، و أما الغيبة الأولى فكانَ عَلَیْهِ السَّلام فيها سُفراءُ تخرج إلى شيعته بأيديهم توقيعات و كان أوّلهم... (2)

4- الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفّى سنة 1228 ه- في كتابه الحقّ المبين في معرض ردّه على زعم بعض الأخباريين وجود الإمام عَلَیْهِ السَّلام و عياله في الجزيرة الخضراء المزعومة بقوله رحمه الله: و كأنّه لم يرَ الأخبار الدالّة على عدم وقوع الرؤية من أحدٍ بعد الغيبة الكبرى، و لا تتبع كلمات العلماء الدالة على ذلك (3). و غير ذلك من الاعلام.

و قد استدلوا برواياتٍ كثيرة دالّةٍ على هذا المعنى و هي على أربعة أصناف:

1- التواقيع، كتوقيعِهِ عَلَیْهِ السَّلام لعليّ بن محمّد السّمري رضی اللهُ عَنْه.

2- الروايات الدالة على عدمِ معرفة الناس به و خفاءَه عليهم.


1) مجموعة مؤلفات الشيخ المفيد/ المسائل العشرة في الغيبة/92، الرسالة الأولى في الغيبة/12.

2) الوافي /414/2، كتاب الحجة.

3) الحق المبين في تصويب المجتهدين و تخطئة الاخباريين ط الذخائر 80، و الطبعة الحجرية /87.

3- الرّوايات الدالّة على عَدَمِ رؤيةِ النّاس له عَلَیْهِ السَّلام في موسمْ الحجٌ و عدم ظهوره لهم، أو عدم معرفتهم له و هم يرونه.

4- الرواياتُ الدالّة على امتحانِ الشّيعة و اختبارهم و غَرْبَلَتِهِِم فِي زَمَنِِ الغيبة.

أدلة النافين لرؤيته بعد الغيبة الكبرى

أهمّ الأدلّة القائمة على نفي المشاهدة في الغيبة الكبرى و أبرزها هو التوقيع الذي خَرَجَ من الناحية المقدسة عن السّفير الرابع عليّ بن محمد السّمري رضی اللهُ عَنْه، و قد رواهُ أكثر علمائنا في كتبهم الروائية كالشيخ الصدوق (1)و شيخ الطائفة (2)و أمين الإسلام الطبرسي (3)و السيد ابن طاووس (4)و الأربلي (5)و العلامة المجلسي (6)و الفيض الكاشاني (7)و القطب الراوندي (8)و الحر العاملي (9)العاملي (10)و غيرهم و جميعهم نقل الرّواية عن الشّيخ الصّدوق عن كتابه كمال الدين و قد استفاد النافي من قوله عَلَیْهِ السَّلام وَ سَیَأْتِی شِیعَتِی مَنْ یَدَّعِی اَلْمُشَاهَدَةَ، أَلاَ فَمَنِ اِدَّعَی اَلْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْیَانِیِّ وَ اَلصَّیْحَةِ فَهُوَ کَاذِبٌ مُفْتَرٍ.


1) كمال الدين/ 516.

2) الغيبة/395.

3) الاحتجاج/ 478/2، اعلام الورى بأعلام الهدى/417.

4) مجمع الرجال القهبائي /189/7، نقلاً عن ربيع الشيعة أبن طاووس.

5) كشف الغمة في معرفة الأئمة / 320/3.

6) بحار الأنوار /51، 361، و مرآة العقول/ 53/4.

7) نوادر الأخبار/233.

8) الخرائج و الجرائح /128/3 الحديث 46.

9) إثبات الهداة/ 693/3 الحديث 112.

10) إثبات الهداة/ 693/3 الحديث 112.

الدّليل الأول: نفيُ الرّؤيةِ مُطْلقاً، و ذلك بمقتضى التوقيع المذكور و أنَّ المدّعي أعمّ ممّن يطمئن إلى صدق ادّعائه، أو كان كاذباً في ما يدّعيه ، أو التبس عليه الأمر فتوهَمَ ذلك حقاً، فسواء كان محقّاً في دعواه بالأدلة و البراهين أو كان كاذباً أو متوهّماً وَجَبَ تكذيبه، وردّ دعواه إليه بعدم الاكتراثِ إليه و لا ترتيبَ الأثر على مزاعِمِهِ و تقوُّلاته أو تصديقه في الصّورة الأولى و تكذيبه إذا ادّعى المشاهَدَةَ من غير دليلٍٍٍ ساطعٍٍ و برهانٍ قاطع.

و الجواب على ذلك: يكونُ في عدّة أجوبة:

الجوابُ الأوّل: حمَل التوقيع الشريف على دعوى المشاهدة مع ادعاء الوكالة أو السّفارة- معاً- عنه عَلَیْهِ السَّلام و إيصال الأخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال السّفراء في الغيبة الصغرى، و هذا الجواب للعلّامة المجلسي (1)

و هذا الجواب عليل لعدم وجود شاهد أو دليل على هذا الحمل فقد حمل العلامة المجلسي بالجمع التبرعي و هو مما ليس له وجه وجيه.

الجواب الثاني: إنَّ المشاهدة التي نفاها التوقيع هي الوكالة منه عَلَیْهِ السَّلام مباشرة و مشافهة دون السّفارة معاً لعلم المدّعيِِ بانتهاء السّفارة بموت السفير الرابع رضی اللهُ عَنْه و كون الوكالة ممّا قام عليها الدّليلُ للفقهاء في الغيبة الكبرى، و هو- أي التوقيع- إخبارٌ منه عَلَیْهِ السَّلام بما سيقَعُ في المستقبل و هو من القرائن التي تَشْهَدُ بصحّةِ الرّواية، و قد شَهِدْنا اليومَ هذه النّماذج، فمَنْ ادّعاها في المدّة المبيّنة إنّما هو كذابٌ مُفتر كما قال الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام. و هذا هو جوابنا على ذلك.


1) بحار الأنوار/ 151/52.

الجواب الثالث: إنّما قال عَلَیْهِ السَّلام ذلك في ذلك الزمان لكثرةِ أعدائه من أهل بيته و غيرهم من فراعنة بني العباس، حتّى أنَّ الشيعةَ يمنعُ بعضها بعضاً عن التحُّدث بذكره، و في هذا الزمان تطاوَلَت المدّة و أيس منه الأعداء (1)و هذا الجوابُ نَقَلَهُ الشيّخ الفاضل المازندراني.

و ان كان هذا الجواب فيه شائبة من الصحة إلا أن الروايات التي دلت على النهي بذكر اسمه من زمن الإمام أمير المؤمنين إلى زمن الإمام العسكري عَلَیْهِما السَّلام كافية بالحفاظ عليه و على شيعته، و يضاف أنه توجد روایات مقابل روايات النهي تصرح باسمه المبارك و تعين شخصه و زمن ولادته، و نصب العداء له و لشيعته لم ينقطع بل ازداد اكثر كلما مر الزمان و انصرمت الأيام و خير دليل ما نشاهده اليوم من زماننا كيف تكالبت علينا الاعداء من كل حدب وصوب. فأي حفاظ له و لشيعته ترتجى من هذا التوجيه.

الجوابُ الرّابعُ: ما ذَكَرَهُ السيّد بحرُ العلوم رحمه الله في ترجمة الشيخ المفيد بعد ذكر التوقيعات المشهورة الصّادرة منه عَلَیْهِ السَّلام في حَقّهِ ما لَفْظُهُ: و قد يُشَكّلُ أمرَ هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى مع جهالةِ المبلّغ و دعواه المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصّغرى، و يمكن دَفْعُهُ باحتمالِ حُصولِ العلم بمقتَضَى القرائن، و اشتمال التّوقيع على الملاحم، و الإخبارِ عن الغيب الذي لا يَطَّلِعُ عليه إلّا الله و أولياؤه، بإظهارِهِ لهُمْ، و أنَّ المشاهَدَةَ المنفيّة أنْ يشاهد الإمام عَلَیْهِ السَّلام و يَعْلَمُ أنَّه الحُجَّة عَلَیْهِ السَّلام حال مشاهَدَتِهِ له، و لم يعلم من المبلّغ ادّعاؤه لذلك.


1) الزام الناصب في اثبات الحجة الغائب / 2/ 85.

و قال رحمه الله في فوائده- في مسألة الإجماع بعد اشتراط دخولِ كُلِِِّ مَنْ لا يعرفه-: و ربمّا يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الإمام عَلَیْهِ السَّلام بعينِهِ على وَجْهِ لا يُنافي الرؤية في مدّة الغيبة، فلا يسعه التّصريحُ بنسبة القولِ إليه عَلَیْهِ السَّلام فيبرزه في صُورَةِ الإجماعِ جمعاً بين الأمرِِ بإظهار الحقِّ النهي عن إذاعَةِ مثلِهِ بقولٍ مطلق (1)

قال المحدّث النّوري رحمه الله: و يمكن أنْ يكونَ نظره في هذا الكلام إلى الوجه الآتي (2)

الجوابُ الخامس: ما ذَكَرَهُ رحمه الله فيه أيضاً بقوله: و قد يمنع أيضاً امتناعه في شأنِ الخواصّ و إنّ اقتضاءَ ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار و دلالة بعض الآثار.

و يُعلِّقُ المحدّثُ على كلامِهِ هذا بقولِهِ: و لعلّ مراده بالآثار، الوقائع السّابقة و التي من جُمْلَتِها وقائعه، أو الخبر الذي رواهُ الحُضيني في كتابه عن أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلام أنّه قال: يظهرَ صاحبُ الأمر و ليس في عنقِهِ بيعةٌ لأحد و لا عَهْدَ و لا عَقْدَ و لا ذِمَّةَ، يغيبُ عن الخلق إلى وقت ظهوره.

قال الرّاوي: يا أمير المؤمنين! لا يرى قبل ظهوره؟

قال: بل يرى وقت مولده، و تظهرُ براهينُ و دلائلُ، و تراهُ عيون العارفين بفضلِهِ الشّاكرين الكاملين، و يُبَشِّرُ به من يَشُكُّ فيه.


1) رجال بحر العلوم / 320/3- 321.

2) جنة المأوى/ 320.

أو أنَّ المقصودَ مثل الخبر الذّي رواهُ الشيخ الكليني، و النُّعماني، و الشيخُ الطّوسي، بأسانيدِ معتبرة عن الإمامِ الصّادق عَلَیْهِ السَّلام أنَّه قال: لابُدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبةٍ، و لا بُدَّ له في غيبةٍ من عُزّلَةٍ، و ما بثلاثين من وَحْشَةٍ. (1)یعنی: يستأنس عَلَیْهِ السَّلام في غيبَتِهِ بثلاثينَ نفرٍٍٍ من أوليائه و شيعَتِهِ، فلا يستوحِشُ من الخَلْقِ في عزلته، كما فَهمَهُ شارحوا الأحاديثُ من هذه العبارة.

و قال بعضهُم: أنَّه عَلَیْهِ السَّلام في سَنّ الثلاثين سنة دائماً، و صاحب هذا السنّ لا يستوحِشُ أبداً (2)

و هذا المعنى بعيدٌ للغاية (3)

و يحتَمَلُ أنْ يكونَ المرادُ أنَّه عَلَیْهِ السَّلام على هيئةِ مَنْ سنه ثلاثونَ سنةً أبداً و ما هذا السنّ من وحشة.

ثمّ قال رحمه الله: و الظاهرُ أنَّ هؤلاء الثلاثين نَفَر هُمُ الذين يستأنسُ بهم الإمام عَلَیْهِ السَّلام أيّام غيبَتِهِ و لابُدّ أن يبدلوا في القرون و الأعصار، فإنّه لم يثبت لهم من العمر ما ثَبَتَ لسيّدِهِم، فلابُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِي كُلِِّ عَصْرٍٍِ ثلاثون نَفَرٍ من الخواصّ الذي يَفوزونَ بشَرَفِ الحضور.

و بروايةِ الطّبري أنه عندما التقى بذلك الفتى هو أحدُ خواصّهِ بل أحدُ أقربائهِ المختصيّن به قال له ذلك الفتى: ما الذي تُريدُ يا أبا الحسن؟

قال: الإمامُ المحجوبُ عن العالم.


1) الكافي /340/1 رقم الحديث 16، غيبة النعماني/ 188، غيبة الطوسي/ 162، و في بعض المصادر اختلاف یسیر.

2) شرح أصول الكافي الملا محمد صاح المازندراني/244/6.

3) النجم الثاقب /408/2.

قال: ما هو محجوبٌ عنكم، و لكنْ حَجَبَهُ سُوءُ أعمالِكم ... (1)

و في هذا الكلام إشارَةٌ إلى أنَّ مَنْ ليس له عَمَلُ سوءٍ و كان عَمَلُهُ و قولُهُ طاهراً و مطهراً من الأرجاسِِ و ما يُنافي سيرة أصحابه، فليس هناك ما يحجبه عن لقائه عَلَیْهِ السَّلام.

و قال السيّدُ المرتضى في كتابهِ تنزيهُ الأنبياءِ في جوابِ مَنْ قال: فإِذا كانَ الإمامُ عَلَیْهِ السَّلام غائباً بحيثُ لا يصلُ إليه أحدٍ من الخلق، و لا يُنْتَفَعُ به، فما الفَرْقُ بينَ وجودِهِ و عَدَمِهِ ..

قلنا: الجَوَابُ: أوّلُ ما نقولُهُ: أنَا غيرُ قاطِعَينِ على أنَّ الإمامَ لا يَصِلُ إليه أحدٌ، و لا يَلْقَاُه بِِشَرّ، فهذا أمرٌ غيرُ مَعْلُومٍ، و لا سبيلَ إلى القَطْعِِ عليه ...

و قال أيضاً في جوابِ مَنْ قال: إذا كانَتْ العلّةُ في استتارِِ الإمامِ خوفِهِ الظّالمين و اتقّائه من المعاندين فهذِهِ العلّةُ زائلةٌ في أوليائه و شيعَتِهِ فيجبُ أنْ يكونَ ظهراً لهم.

و قال بعد كلامِ له: و قلنا أيضاً أنَّه غيرُ ممتنعٍ أنْ يكونَ الإمامُ عَلَیْهِ السَّلام يَظْهَرُ لبعضِ أوليائه ممّن لا يخَشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، فإنَّ هذا ممّا لا يمُكِن القَطْعُ على ارتفاعِهِ و امتناعِهِ، و إِنمّا يَعْلَمُ كلُّ واحِدٍ من شيعته حال نفسه، و لا سبيل له إلى العالم بحال غيره (2)

و هذا الجواب متين جداً.


1) دلائل الإمامة ابن جرير الطبري 296، و في المطبوع و لكن جنّه سوء أعمالكم.

2) تنزيه الأنبياء /182- 184.

و قد صَرَّحَ العلماء الأعلامُ و مَهَرَةً فنّ الأخبار بإمكانِ الرّؤيةِ في زَمَنِِ الغيبة الكبرى (1)

الجوابُ السَّادِسُ: إِنَّ المخفيّ و المستورَ عن الأنام إنمّا هو مكانُهُ و مستقرّه عَلَیْهِ السَّلام فلا طريقَ لأحدٍ إليه و لا يَصِلُ إليه بَشَرٌ، و لا يَعْرِِفُهُ أحدٌ حَتَّى خواصّه و أولادُهُ (2)

فلا ينافي لقائه و مشاهدته عَلَیْهِ السَّلام في الأماكن العامّةِ مع ظهورِهِ عَلَیْهِ السَّلام عند المضطرّ المستغيث به الملتجئ إليه الذي انقطت عنه الأسبابُ و الواله في وادي الشبهات، و الحيران في مهالك الفلوات، بأنَّ إجَابَةَ الملهوفِ و إغاثةَ المضطرّ إحدى مناصبه عَلَیْهِ السَّلام.

و يُؤيّدُ هذا الاحتمالَ الخَبرُ المرويّ في الكافي عن إسحاقِ بن عمّار أنَّه قال: قال أبو عبد الله عَلَیْهِ السَّلام للقائم غيبتان إحداهُما قصيرة، و الأخرى طويلة.

الغيبة الأولى لا يعلم بمكانِهِ فيها إلاّ خاصّةَ شيعَتِهِ، و الأخرى لا يعلم بمكانِهِ فيها إلّا خاصّة مواليه (3)

و روى الشيخُ الطوسيّ و الشيخُ النّعمانيُّ في كتابِ الغيبةِ بسنَدٍ معتبر عن المفضّل بن عمر أنّه قال: سَمِعْتُ أبا عبد الله عَلَیْهِ السَّلام يقولُ: إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول حتّى يقولُ بعضُهم مات، و يقول بعضهم


1) النجم الثاقب /409/2.

2) نحنُ في صَدَدِ نَقلِِ هذا الاحتمال و إلاّ لم يثبت أنه عَلَیْهِ السَّلام عنده أولاد و عائلة، كما يتوهَمُ البعض فيُمْكِنُ حمَلُ لفظِ الأولاد أو الزَوجات كما تشيرُ إليه بعضُ الرّوايات الغير مُعتبرة بالأصحاب أو مواليه أو الخواصّ أو خواصّ الخواصّ و غيرها و ليس هنا محلُ التفصيل.

3) الكافي /340/1.

قتل، و يقولُ بَعضُهُمُ ذَهَب، حتّى لا يبقى على أمره من أصحابه إلاّ نَفَرٌ يسير، لا یَطّلع على موضعه أحدٌ من ولده، و لا غيره إلاّ «المولى» الذي يلي أمره (1)

و روى الشيخُ النُعمانيُّ عن إسحاق بن عَمَّار أنّه قال: سَمِعْتُ أبا عبد الله عَلَیْهِ السَّلام يقول: للقائم غيبتان إحداهما طويلة، و الأخرى قصيرة، فالأولى يعلم بمكانه فيها خاصّة من شيعته، و الأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصة مواليه في دينه (2)

و لا يخفى إنَّ خبر إسحاق هذا هو نفسُ خبر إسحاق المرويّ في الكافي، و في بعض النسخ كما ذكرناه، و في بعضها يطابقُ نسخة الكافي، و في النّسختين جواب لأصلِ المقصود، فعلى خبرِ الكافي ففيه دلالة على أنَّ خاصة مواليه يَعْلَمُونَ بمستقرّهِ و مكانه عَلَیْهِ السَّلام في الغَيبَةِ الكُبرى و هو يُؤيّدُ الجواب الخامس.

و على بعضِ نسخ النعماني فيكون المقصود منها إنَّ خاصّتَهُ في ذلك الوقت لا يعلمون بمحلّ إقامته عَلَیْهِ السَّلام فهي لا تنفي المشاهدة و الرؤية في الأماكن الأخرى، و ليس في القصص دلالةٌ على ملاقاة أحدٍ له عَلَیْهِ السَّلام في ذلك المحلّ و اللهُ تعالى هو العالم (3)


1) غيبة النعماني /171، غيبة الطوسي /162.

2) غيبة النعماني /170.

3) النجم الثاقب /416/2.

الجوابَ السابع: و هو أنّ قوله عَلَیْهِ السَّلام ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيَ و الصّيحة فهو كاذب مفتر هي قضية مهملة غير مسوّرة من أدواتِ سور القضية، فتكونُ بقوّة القضيّة الجزئية، و نتيجَتُها بعضٌ و ليس كلّ، بمعنى أنَّ البعض كاذب و ليس الجميع مما ادّعى المشاهدة في زمن الغيبة الكبرى. و هذا الجواب لنا أيضاً.

الجواب الثامن: هو من حيثُ الجنبةِ الفلسفية يقعُ تحتَ قانون الإمكان و تقريره: إنَّ الرؤيةَ و اللقاء ممكن عقلاً، ضرورة هذا الإمكان و شدّة بداهته إذ لا يمنعُ العقل و لا يحيله، بل يمنع خلافه بضرورة إمكان الرؤية و المشاهدة لكل مخلوقٍ ذي جانبٍ مادي، و كافّة الأجسام و الطبيعيات، و هو صلواتُ الله عليه مخلوقٌ روحانىٌ نورانىٌ في قالبٍ مادي جسماني.

الدليل الثاني: الاستدلالُ بالأخبار الدالّة على أنَّ الإمام عَلَیْهِ السَّلام يَحضَرُ مجالسهم ويطأ فرشهم، و يَشْهَدُ الموسمَ و يَعْرفهم و لا يعرفونه، على أنَّها دالة على نفي الرؤية مطلقاً كرواية الإمام الصادق عَلَیْهِ السَّلام عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لو خَلَتْ الأَرضُ ساعةً واحدة من حجّة الله لساخت بأهلها و لكن الحجة يعرف الناس و لا يعرفونه، كما كان يوسف يعرف الناس و هم له منكرون (1)

و روايةُ سيّد الموحدين أمير المؤمنين صلوات الله عليه:

إنّ حُجّتها عليها قائمة ماشية في طرقها، داخلة في دورها و قصورها جوّالة في شرق هذه الأرض و غربها، تسمعُ الكلام، و تسلّمُ على الجماعة


1) الغيبة النعماني/13.

تَرى و لا تُرى إلى الوقت و الوعد و نداء المنادي من السّماء، ألا ذلك يوم سرور ولد علي و شيعته.

و قد عَلَّقَ النعمانيُّ رحمه الله على الرواية بعد أنْ نقلها قائلاً:

و في هذا الحديث عجائبُ و شواهِدُ على حقيّة ما تعتقدُهُ الإماميّةُ و تدين به، و الحمد لله، فمن ذلك قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه حَتَّى إِذَا غَابَ المُتَغَيِّبُ مِنْ وُلْدِي عَنْ عُيُونِ النَّاسِ أليس هذا موجباً لهذه الغيبة و شاهداً على صحة قول من يعترف بهذا و يدين بإمامة صاحبها؟

ثمّ قوله عَلَیْهِ السَّلام وَ مَاجَ النَّاسُ بِفَقْدِهِ أَوْ بِقَتْلِهِ أَوْ بِمَوْتِهِ ... وَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ ذَاهِبَةٌ، وَ الْإِمَامَةَ بَاطِلَةٌ أليس هذا موافقاً لما عليه كافة الناس الآن من تكذيب قول الإمامية في وجود صاحب الغيبة؟ و هي محقّقة في وجوده، و إنْ لم تَرَهُ، و قوله عَلَیْهِ السَّلام وَ يَحُجُّ النَّاسُِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِلتَّجَسُّسِ و قد فعلوا و لم يروا له أثراً.

و قوله عَلَیْهِ السَّلام فَعِندَ ذلِکَ سُبَّت شیعَةُ عَلِیٍّ سَبَّها أعداؤُها،و ظَهَرَت عَلَیهَا الأَشرارُ وَ الفُسّاقُ بِاحتِجاجِها يعني باحتجابها عليها في الظاهر، و قولها: فأين إمامكم؟ دلّونا عليه، و بهم فهم، و نسبتهم إياهم إلى النقص و العجز و الجهل، لقولهم بالمفقود العين، و إحالتهم على الغائب الشخص و هو السبّ، و هذا القول من أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلام في هذا شاهد لهم بالصدق، و على مخاليفهم بالجهل و العناد للحق (1)


1) نفس المصدر/144.

و قول الصادق عَلَیْهِ السَّلام: فما تنكر هذه الأمّة أنْ يكونَ اللهُ يَفْعَلُ ما فعل بيوسف، و أنْ يكونَ صاحِبُكُمُ المظلوم المحجوب حقّه صاحب هذا الأمر، يتردَّدَ بينَهُم و يمشي في أسواقِهِم و بطأُ فُرُشَهُم و لا يَعْرِِفُهُم حتّى يأذَنَ اللهُ له أنْ يُعَرّفهم، نفسه كما أذن ليوسف حين قال له إخوته أئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفَُ (1)

و ما رُوي عن مولانا الرّضا صلواتُ الله عليه في معرض ردّهِ على السؤال عن القائم عَجَّلَ اللهُ فَرَجَهُ حيثُ أجاب عَلَیْهِ السَّلام: لَا يُرَى جِسْمُهُ، وَ لَا يُسَمَّى بِاسْمِهِ (2). و هكذا ما روي عن مولانا الإمام العسكري عَلَیْهِ السَّلام: إِنَّکُمْ لَا تَرَوْنَ شَخْصَهُ، وَ لَا یَحِلُّ لَکُمْ ذِکْرُهُ بِاسْمِهِ (3)

و الجواب على ذلك:

أولاً: أن كُلَّ ما يُستَفَادُ من تلك الرّوايات أنَّ الأرض لا تَبْقَى من غيرِِ حُجَّةِ اللهِ و لا تستقرُّ بدونِهِ، و هي بَعيدُ عمَّا نحنُ بصدده.

ثانياً: توضّح جملة من تلك الروايات إنَّ الإمامَ صلوات الله عليه يعيش بيننا و يشاركنا همومنا و يتنقل بين ظهرانينا و في أسواقنا و طرقنا، بل يدخل بيوتنا فلا نعرفه، و هو يعرفنا كيوسف عَلَیْهِ السَّلام و إخوته.

ثالثاً: أن الناس لا يرونه حتّى يسمعوا النداء السَماوي و الصيحة المخبرة عن ظهوره عَلَیْهِ السَّلام.


1) سورة يوسف الآية /90، و انظر غيبة النعماني /146.

2) كمال الدين /370.

3) الكافي /332/1.

رابعاً: لا يذكر اسمه صلوات الله عليه، و قد ذكرنا بأنَّ ذلك يكون في زمن الغيبة الصّغرى، و هذا كما ترى لا يَصلَحُ الاستدلال بهذه الروايات لإثبات الدعوى.

الدليل الثالث: استدلَّ النافون برواياتِ الحجّ، كقول مولانا الصادق عَلَیْهِ السَّلام: لِلْقَائِمِ غَیْبَتَانِ: یَشْهَدُ فِی إِحْدَاهُمَا اَلْمَوَاسِمَ، یَرَی اَلنَّاسَ وَ لاَ یَرَوْنَهُ (1)

و استدلّوا أيضاً بقولِ مولانا الصّادق: يَفْقِدُ الناسُ إمامهم، فيشهد الموسم فيراهم و لا يرونه (2)و قد نقله النعماني بسندٍ آخر عن أبي عليّ محمد همام عن الكليني (3)

و الجواب عن ذلك:

أمّا الرواية الأولى فيجاب عنها: بأنّ المراد من هذه الغيبة هي الكبرى و المراد من الرؤية في هذا الحديث هي الرؤية مع المعرفة- أي المشاهدة- أي يرونه و لا يعرفونه خلافاً للغيبة الصغرى، حيث كان يعرفه السّفراء و بعض خواص مواليه و خدمه ممن يتشرفون بلقياه.

و يحتمل أنَّ المرادَ من هذه الغيبة هي الغيبةُ الصّغرى، و المعنى «يرى الناس» أي يراه الناس، و هم الخواصّ و الموالي ، و لا يراهُ عمومُ النّاس أي لا يرونَهُ رؤيةً عن معرفَةٍ فلا يُشَاهِدُهُ إلاّ خاصَّة مواليه و أصحابه (4)


1) الكافي /339/1، و غيبة النعماني /176.

2) الكافي /337/1/ ، غيبة الشيخ الطوسي / 251، كمال الدين /440، الوافي /413/2.

3) غيبة النعماني /175.

4) مرآة العقول العلامة المجلسي /47/4.

و أمّا الرواية الثانية، فقد حمَل العلاّمة المجلسي رحمه الله هنا على الرؤية مع المعرفة مستدلاً بما رواه الحميري عن محمد بن عثمان العمري رضی اللهُ عَنْه و هو: وَ اللَّهِ إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ لَيَحْضُرُ الْمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ فَيَرَى النَّاسَ وَ يَعْرِفُهُمْ وَ يَرَوْنَهُ وَ لَا يَعْرِفُونَهُ (1)و عن زُراة قال: سمعتُ أبا عبد الله عَلَیْهِ السَّلام يقول: إنّ للقائم غيبتين يَرْجِعُ في إحداهما، و الأخرى لا يرى أين هو، يشهد المواسم، يرى الناس و لا يرونه. و بعد سرده للرواية علّق عليها قائلاً:

بیان: لعلّ المراد برجوعِهِ، رجوعُهُ إلى خواصّ مواليه و سفرائه، أو وصولِ خبره إلى الخلق (2)

فقد يُوفق الكثير من الناس في الغيبة الكبرى لرؤيتهِ في موسم الحجّ، لكنّهم يرونَهُ و لا يعرفونه، و أمّا في الغيبة الصّغرى فإِنَّ مَنْ كانَ يعرفه من الأخيار كان يراهُ مع الحجيج و يعرفه كما حَصَلَ لسفيرهِ محمّد بن عثمان العمري رضی اللهُ عَنْه الذي قال مجيباً عن سؤال الحميري: فقلتُ له: أرأيت صاحبَ هذا الأمر؟ فقال: نعم آخر عهدي به عند بيت الله الحرام و هو يقول: اَللَّهُمَّ اَنْجِزْ لی ما وَعَدْتَنی

و قوله رضی اللهُ عَنْه: رأيتُهُ صلوات الله عليه متعلقاً بأستارِ الكعبة في المستجار و هو يقول: اَللَّهُمَّ انْتَقِمْ لی مِنْ اَعْدائی (3).


1) كمال الدين /440. من لا يحضره الفقيه /520/2.

2) بحار الأنوار /52/ 156.

3) كمال الدين /440

و يعودُ السَّبَبُ في ذلك إلى أنَّ أحَداً من النّاس لا يَعْرِِفُهُ في زمن الغيبة الكبرى بخلافِ الصّغرى التي كان بعض الأخيار قد ارتبط به و عرفه: إمّا منذ صياه في دار أبيه الإمام العسكري عَلَیْهِ السَّلام، أو بنيل شرف لقائه في عصر السفراء.

الدليل الرابع: تمسّك بعضهم لنفي إمكان الرؤية و المشاهدة بما جاء في رواياتٍ عديدةٍ بلغت حَدَّ التواتر عن أئمّة الهدى صلوات الله عليهم أنّ لطول غيبته حكمةُ تمحيص شيعَتِهِ ليخرج الخبيثُ منهم و يميز الخبيث من الطيب حتّى يخرج دعاةُ التشيّع و يتميّزوا عن الشّيعة الصّادقين بالقول و الفعل، فيرتدّ كثير منهم و لا يبقى إلاّ العسل الخالص المصفى، قالوا: لو أمكنت المشاهدة لما بقي معنىَّ لإنكارهم إياه عَلَیْهِ السَّلام و ارتدادهم عن الحقّ و سقوطهم في هاوية الاختيار، إذ يمكِنُهُم مشاهدته، أو التّصديقُِ بوجوده المقدس من خلال إخبارِ من شَاهَدَهُ من الصالحين، فلا يبقى مجالٌ للغربَلَةِ و التمّحيص و قد أُُمروا أنْ يؤمنوا بالغيبِ أي بكُلِِّ آيَاتِ اللَّهِ وَ حُجَجَهِ الغائبة عن الأنظار و المحجوبة عن الأبصار، و لهذا علّلَ الشيخُ محمّد حسين كاشف الغطاء رحمه الله في كتابه: اختبار الناس بطول الغيبة ليميز المؤمنين المخلصين الصادقين (1)

و من جملة تلك الروايات الدالة على هذا المعنى:

ما روي عن مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لْقَائِمِ مِنَّا غَیْبَةٌ أمَدُهَا طَوِیلٌ کَأنِّی بِالشِّیعَةِ یَجُولُونَ النَّعَمِ فِی غَیْبَتِهِ، یَطْلُبُونَ الْمَرْعَی فَلَا یَجِدُونَهُ


1) جنة المأوى /266.

أَلاَ فَمَنْ يُثْبُتُ مِنْهُمْ عَلَی دِینِهِ لَمْ یَقْسُ قَلْبُهُ لِطُولِ أَمَدِ غَیْبَهِ إِمَامِهِ، فَهُوَ مَعِی فِی دَرَجَتِی یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ (1)

و عنه صلوات الله عليه أيضاً: و لكن بَعْدَ غيبةٍ و حيرة فلا يثبت فيها على دينه إلاّ المخلصون المباشرون لرَوح اليقين (2)

و ما رُوي عنه صلوات الله عليه: حتّى إذا غابَ المتغيّبُ من ولدي عن عيون الناس و حاج الناس بفقدِهِ أو قَتْلِهِ أو بموتِهِ اطّلعت الفتنة و نَزَلَت البلية و التحَمَتْ العصبيّة، و غلا الناسُ في دينهم، و أجمعوا أنَّ الحُجَّةَ ذاهبة، و الإمامة باطلة و يحج الناس في تلك السنة من شيعة علي و نواصبه للتجسس و التحسس عن خَلَفِ الخَلَف، فلا يعرف له خبر و لا خَلَفٌ. (3)

و لهذا أفردَ النعمانيُّ فصلاً من كتابهِ الغَيَبةَ للبَحْثِ عن امتناعِِ المشاهدة في عصرِ الغيبة الكُبرى مُصَرِّحاً بذلك و بعَدَمِ جوازِ السّعي إلى المشاهدة أيضاً و عذّرهم عن حجبهم و امتناع الرؤية و المشاهدة عليهم قائلاً: و محضور عليهم الفحص عن صاحب الغيبة و المطالبة باسمه أو موضعه أو غيابه أو الاشارة بذكره فضلاً عن المطالبة بمعاينته (4)

سيّما إذا علمنا أنَّ مثل هذا الكلام خَرَجَ ممّن قَطَعَ الفيافي و البراري و انتقلَ من بلدٍ إلى بَلَدٍ ليصنّف كتابه هذا بعد جهد جهيد و عناء شديد، فهو رحل إلى شيراز و بغداد و طبرية و الأردن و دمشق و حلب كلُّ ذلك سعياً وراء


1) كمال الدين/303.

2) كمال الدين /304.

3) غيبة النعماني /143.

4) غيبة النعماني /160.

التفحّص و التحقيق (1)لكن عَنَّاهُ البَحْتُ و كثرة السفر و التنقل من بلد لبلد لا يعني يقطع كالمصنف بعدم الرؤية.

و الجواب عليه:

و يمكنُ الجوابُ على ذلك بأنَّ هذا الارتداد قد وَقَعَ بعد وفاةِ الإمام العسكريّ عَلَیْهِ السَّلام كما بحثنا ذلك فيما سبق ، و ليس له دخلٌ بالمشاهدة و عدمها فموضوعُ الروايات غريبٌ ممّا نحنُ بصَدَدِ البَحْثِ عنه، هذا أولاً، و ثانياً لو فرضنا صحّةَ دعوى أنَّ التمحيص مانعاً للمشاهَدَةِ فلا يرتَفِعُ بمجرَد مشاهدة فردٍ أو فرين حتّى لو وَصَلَ العددُ إلى المائة، فإنَّه يرتفعُ بمجرّدِ أنْ أصبحت المشاهدة حالةً مؤلّفة و كثيرة، إضافةً إلى ذلك أنَّ روايات التمحيص ناظرة مطلق الغربلة و الاختبار و ليس هناكَ دليلٌ أو قرينةٌ تدلُّ على وقوع التمحيص في زَمَنِ الغيبة الكبرى دون سواها.


1) خاتم الأوصياء الحلقة الثانية /450.

ذكرُ مَنْ قال إمكان الرؤية و المشاهدة

في قبال ذلك ذَهَبَ جمعٌ غفيرٌ من الأعلام- لا سيّما المتأخرين منهم- إلى إمكانِ المشاهدة، و أوّلُ من اختار هذا الرأي هو السيّدُ المرتضى علم الهدى رحمه الله في كتابه تنزيه الأنبياء، و رسالة في الغيبة، و الشافي، و المقنع، فإنّه قال في معرض الرّد على مَنْ سأل عن فائدةِ إمامٍ غائبٍ عن الأنظار لا ينتفع به؟

الجواب: قلنا أوّلَ ما نقر له إنّا غيرُ قاطعين على أنَّ الإمام عَلَیْهِ السَّلام لا يصلُ إليه أحدٌ و لا يلقاهُ بَشَرٌ، فهذا أمرٌ غيرُ معلومٍ، و لا سبيلَ إلى القطع عليه (1)

و قال في موضع آخر: نحنُ نجوِّزُ أنْ يَصِلَ إليهِ كثيرٌ من أوليائه و القائلين بإمامته فينتفعون به (2)

و قال أيضاً: لسنا نقطعُ على أنَّ الإمامَ لا يظهر لبعض أوليائه و شيعته بل يجوزُ ذلك، و يجوزُ أيضاً أنْ لا يكون ظاهراً لأحدٍ منهم، و ليس يُعْرَفُ كُلُّ واحدٍ منّا إلا حال نفسه، فإمّا حال غيره فغيرُ مَعْلُومٍ له، و لأجلِِ تجوّزنا أَنْ لا يظهر لبعضهم أو لجميعهم ما ذكرنا العلّة المانعة من الظهور ... و مع هذا فما نمنعُ من ظهورهِ عَلَیْهِ السَّلام لبعضهم إمّا لتقويمٍ أو تأديبٍ أو وَعْظٍٍ و تنبيهٍ و تعليمٍ غير أنَّ ذلك كلّه واجبٌ، فيطلب في فوتِهِ العللُ، و تُتَمَحَّلُ له الأسباب و إنمّا


1) تنزيه الأنبياء /182.

2) رسائل الشريف المرتضى /297/2.

يَصْعُبُ الكلامَ و يُشْبته إذا كان ظهوره للوليّ واجباً من حيثُ لا ينتفع أو يرتدعُ إلاّ مع الظهور، و إذا كانَ الأمرُ خلاف ذلك سَقَطَ وجوب الظهور للوليّ، لما دللنا عليه من حصولِ الانتفاع و الارتداعِِ من دونه، فلم تبق شبهة (1)

و قال أيضاً في موضع آخر: أنّه غيرُ ممتنع أنْ يكون الإمامُ يظهرُ لبعض أوليائه ممّن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، و إنَّ هذا ممّا لا يمكن القطعُ على ارتفاعه و امتناعه، و إنمّا يعلم كُلُّ واحدٍ من شيعَتِهِ حال نفسه، و لا سبيل إلى العلم بحالِ غيره (2)

ثمَّ اشتهرَ بين الأعلام من المحقّقين كالشيخ الطوسي و المحقّق الكراجكي و المحدث النّوري و غيرهم طيّب الله ثراهُم و أعلى درجاتهم، فالطبرسي رحمه الله أورد في أعلام الورى دعوى السيد المرتضى (3)

و هكذا الإربلىّ في كشف الغّمة (4)و استعانَ سائرُ معاصريهِ بنقلِ قوله رحمه الله في الردّ على نفس الشُّبهة كما صَنَعَ الكراجكي فإنه قال: و لسنا مع ذلكَ نَقْطَعُ على أنَّ الإمامَ لا يعرفُهُ أحدٌ، و لا يصلُ إليه، بل قد يجوزُ أن يجتمع به طائفة من أوليائه تستر اجتماعها به و تخفيه (5)


1) المقنع في الغيبة /77- 78.

2) المقنع /323.

3) اعلام الورى /440.

4) كشف الغمة /328/3.

5) كنز الفوائد الكراجكي /218/2.

و منهم العلاّمة سديدُ الدين الحمصي في المنقذ من التقليد (1)، و شيخُ الطّائفة الطوسيّ في كتاب تلخيص الشافي، و كتاب الغيبة، فإنّه قال: إنّا أولاً: لا نقطعُ على استتاره عن جميعِِ أوليائه، بل يجوزُ أنْ يظهر لأكثرهم، و لا يَعْلَمُ كُلُّ إنسان إلاّ حالَ نفسه، فإنْ كان ظاهراً له فعلّته مزاحة و إنْ لم يكن ظاهراً له علم أنه إنما لم يظهر لهُ لأمرٍٍ يرجعُ إليه، و إنْ يعلمه مفصلاً من جهته (2)

ظَهَرَ ممّا تَقَدَّم أنَّ احتمالَ المشاهدَةِ و إمكان الرّؤية كانت مسألةً محسومة لَدَىَ جميع من أعلام الطائفة المتقدمين حتّى صارت قضيّةً يقينية مسلّماً بها منذ السيّد علم الهدى حتّى أَصْبَحَتْ من المشهورات في عهدِ السيّد ابن طاووس رحمه الله المتوفى سنة 664 ه- بعد ما نقلت عنه لقاءاته الشّهيرة بالإمام عَلَیْهِ السَّلام و إنْ سبقتها حكاياتُ ابن قولويه رحمه الله 339 ه- كما نقلها القطب الراوندي المتوفى 573 ه- (3)، و هي قصّة الحجر الأسود الذي رَدَّهُ القرامطة بعد أنْ سرقوه و أعادَهُ الإمام إلى موضعه.

و نَفْهَمُ من كلامِ هؤلاءِ الأعلام طيَّبَ اللهُ ثراهم في معرض الردّ على شبهةِ المعاند كونَ الانتفاع بوجودِ الإمام عَلَیْهِ السَّلام تتحَقَّقُ إلاّ بالرؤية و المشاهَدَةِ لذا كانَ جوابهم مرتكزٌ على نقطتين مهمتين:


1) المنقذ من التقليد /378/2.

2) تلخيص الشافي /221/4 ما بعدها، الغيبة /99.

3) الخرائج و الجرائح /1/ 475.

الأولى: كون الرؤية و المشاهدة متحققة في زمن الغيبة الكبرى، و لكن لا يعلم من هم، و ليس من سبيل للقطع بعدم إمكان ذلك.

و الثانية: أنَّه بمجرّد ثبوتِ وجودِ الإمام عَلَیْهِ السَّلام تتحقق الغاية، و امتناع اللقاء به لا ينفي سائر وجوه الانتفاع به و الحاجة إليه، و هي كثيرة و ضرورية للغاية، فسواء أمكنت الرؤية و المشاهدة أو امتنعتا بقيت الحاجة إليه و لو بقاعدة اللطف.

أما النقطةُ الأولى فقد ركّز عليها علم الهدى رحمه الله و قدَّمَ إجاباتٍ ثلاث مرّ ذكرها، و قال أيضاً: لأنّهم مع علمهم بوجوده بينهم، و قطعهم على وجوب طاعته عليهم و لزومها لهم لابُدّ من أنْ يخافوه و يهابوه في ارتكاب القبائح و يخشوا تأديبه و مؤاخذته فيقلّ منهم فعل القبيح و يكثر فعل الحسن، أو يكون ذلك أقرب، و هذه جهة الحاجة العقلية إليه (1)

كما أنَّ الطبرسي في أعلامِ الورى قدّمَ أربعٍٍ إجاباتٍ عن تلك الشبهة (2)و رَكَّزَ على ما ركَّز عليه علم الهدى.

أما النقطة الثانية فقد ركّزَ عليها الشيخ المفيد رحمه الله بقوله: الدليل على ذلك أنَّ كُلَّ زمان لابُدّ فيه من إمامٍ معصوم،و إلاّ لخلا الزمانُ من إمام معصومِ مع أنَّه نَطْفٌ، و اللّطفُ واجبٌ على الله تعالى في كل زمان (3)


1) رسائل الشريف المرتضى /299/2.

2) اعلام الورى /440.

3) مجموعة مؤلفات الشيخ المفيد، النكت الاعتقادية /44.

كما ذكرنا بأنَّ الشيخ المفيدَ لا يتمَسَّكُ باحتمالِ المشاهدة في معرض رَدّهِ على شبهةِ الانتفاع، و إنّما جَعَلَ نَفْسَ مَعْرِفَةِ الإمام و انتظار فرجه الشريف من فوائد وجوده خلف حجاب الغيب.

"و قال الخواجَة الطوسي في التجريد: انحصارُ اللّطف فيه معلومٌ للعقلاء و وجودُهُ لطفٌ و تصرّفُهُ لطفٌ آخرٌ و عدمه منّا (1)

كما ذكر آخرون: أنَّ للإمام عَلَیْهِ السَّلام تأثيراً معنوياً على بواطن و نفوس المؤمنين و أرواحهم، و إنْ غاب عن أبصارهم الظاهرة، و هو حَقٌّ أيضاً لا شكَّ فيه كما كانَ لموسى عَلَیْهِ السَّلام تأثيراً معنوياً قبل خروجِهِ تأثيرٌ معنويٌ على نفوسِِ بني إسرائيل تحتَ وَطْأةِ فرعون و الأقباط، و هكذا لسائر الأنبياء على أقوامهم عند غيابهم عنهم. (2)


1) تجريد الاعتقاد /222.

2) الشيعة في الإسلام العلامة الطباطبائي /152.

أدلة القائلين بإمكان الرؤية و المشاهدة

للمثبتينَ أدلّةٌ و براهينُ و شواهدُ على إمكانِ الرؤية و المشاهدة في زمن الغيبة الكبرى و هي على أصناف اربعة:

الأول: الروايات الدالة على المشاهدة.

الثاني: التوقيعُ الشريفُ الصّادرَ من الناحية المقدسة.

الثالث: الإجماع.

الرابع: القصص و الحكايات و الشواهد الصادقة.

الدليل الأول: وردت رواياتٌ كثيرةٌ فيها إشارَةٌ واضحة، و البعضُ منها فيه تلويحٌ يستفادُ منه بإمكان الرؤية و المشاهدة في زمن الغيبة الكبرى.

منها- كما في الكافي- عن مولانا الصّادق عَلَیْهِ السَّلام: لابدَّ لصاحبِ هذا الأمر من غيبة و لابدّ له في غيبته من عزلة، و نعم المنزل طيّبة، و ما بثلاثين من وحشة (1)

و وجهُ الاستدلالِ بهذه الرّواية- بغضّ النّظر عن صحّة سندها حيث عَلََّقَ البَعْضُ منهم بأنّها ضَعِيفَةُ بعليّ بن أبي حمزة البطائني زعيم الواقفة و لكن يمكن قبولها من سندٍ أخر صحيح، كما رواه النعماني في الغيبة.

هذا و يحتمل جداً أنّه روى عليّ بن أبي حمزة قبل انحرافه كما تساعد على ذلك بعض القرائن ليس هنا محل اثباتها.


1) الكافي /1/ 340.

و على كُلِِِِّ حالٍٍ فوجهُ الاستدلال حيثُ حملوا معنى الوَحشَة على زمن الغيبة الكبرى، فلا معنى حينئذٍ لحملها على زمن الغيبة الصّغرى (1)فإنّها لا تتحقِّقُ الوحشة فيها، فإنَّه كان يستأنس بالسّفراءِ و بخاصة الأولياء.

و يعلّق العلامة المجلسي قائلاً: و ظاهر الخبر كما صرَّح الأحاديث أنه عَلَیْهِ السَّلام يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته، و قيل: إنَّ المراد أنّه على هيئة مَنْ سِنُّهُ ثلاثون أبداً، و ما في هذا السنّ وحشة، و هذا المعنى غريب، بمكان من البعد و الغرابة، هؤلاء الثلاثون الذين يستأنس بهم الإمام عَلَیْهِ السَّلام في غيبته لابدّ أنْ يتبادلوا في كلّ قرنٍ، إذ لم يقدّر لهم من العمر ما قدّر لسيدّهم ففي كلّ عصرٍٍٍ يُوجَدَ ثلاثونَ مؤمناً وليّاً يتشرّفون بلقائه (2)و اختار العلامة في مرآة العقول المعنى الأول أعني لابُدَّ لَهُ فِی غَیبَتِهِ مِنْ عُزْلَةٍ.(3)

الرواية الثانية: و استدلّ القائلون أيضاً بموثّقة عمّار عن مولانا الصادق عَلَیْهِ السَّلام: للقائم غيبتان: إحدهما قصيرة و الأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه إلا خاصة شيعته، و الأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصة مواليه (4)و رواها النعمانيُّ عن ابن عُقْدَة و الكليني بالختلاف يسير في السند (5)و قوله عَلَیْهِ السَّلام إلّا خاصَّةُ مَوالیهِ أي خدمه و أهله و أولاده أو الثلاثين الذين مضى ذكرهم، و في الغيبة الصّغرى كان بعضُ خواصَ شيعته مطّلعين


1) الوافي /413/2، و قد ذكرنا عبارته هناك.

2) بحار الأنوار /25/ 320، و قد ذكرنا ذلك.

3) مرآة العقول /4/ 50.

4) الكافي /340/1.

5) غيبة النعماني /170.

على مكانه كالسُّفراء و بعض الوكلاء (1)و قال المازندراني رحمه الله المراد من خاصّة مواليه حواریّوه عَلَیْهِ السَّلام (2)

الرواية الثالثة: الدالّة على إمكان الرّؤيا و المشاهدة في زمن الغيبة الكبرى كما في الغيبة عن المفضّل بن عمرو عن مولانا الصّادق عَلَیْهِ السَّلام: إن لصاحبِ هذا الأمر غيبتين إلى قوله عَلَیْهِ السَّلام: لَا يَطَّلِعُ عَلَى أَحَدٌ مِنْ وَلِيٍّ وَ لَا غَيْرِهِ إِلَّا اَلمَوْلَى اَلَّذِي يَلي أَمْرَهُ (3)

هذا وقد يُوجَدُ في بعض كُتُبِ الحديث لفظ: مِنْ وَلده وَ لَا غَيْر بدل مِنْ وَلِيٍّ وَ لَا غَيْرِ (4)عن غيبة الشيخ الطوسي رحمه الله، حيث نرى أنّ الشيخ رواه بلفظين تارة بلفظ من ولده (5)كما في البحار، و تارة أخرى خالياً من عبارتي من ولده و من وليّ كلتيهما مكتفياً بلفظ من غيره (6)، و قد وافق المتّقي الهندي ما جاء في غيبة النعماني راوياً إياه عن الإمام الحسين عَلَیْهِ السَّلام (7)


1) مرآة العقول / 52/4.

2) شرح الكافي /245/6.

3) غيبة النعماني /171.

4) بحار الأنوار /52 /153.

5) غيبة الطوسي /162.

6) غيبة الطوسي /161.

7) منتخب الأثر 253.

و كل هذا التغاير لا يضرُّ بوجهِ الاستدلال بالرواية فإنَّ المؤدى واحد و هو كونَ الإمام عَلَیْهِ السَّلام في غيبته الكبرى يوجَدُ ممّن يرعاه و يراه و يشاهده سواء أكان وليّ أو غيره.

الدّليل الثاني: و هو التوقيعُ الصّادر من النّاحية المقدّسة، و قد مرَّ ذكره و استفاد منه ممّن يقول بإمكان الرؤية و المشاهدة، و لذلك لأمرين: أي الثاني و هما الصنعة المنطقية و الجنبة الفلسفية كما ذكرنا سابقاً.

و لو لم يكن دليل على إمكان الرؤية و المشاهدة غيرهما لكفى ذلك و لا يمكن دفهما.

الدليلُ الثالث: الإجماع، و معناه: أنْ يسمع بعضُِ العلماء كلاماً أو حكماً فقهياً من الإمام الحجّة أرواحنا فداه مباشرةً لا بالواسطة، معتبرة غاية الاعتبار، فينقله في قالب دعوى الاجماع خشيةَ تكذيبه وردّه إليه، يقول التستري رحمه الله في كشف القناع في إثبات الاجماع و أقسامه ما حاصله:

أنَّ جماعة من حملة أسرارِِ أهل البيت عَلَیْهِم السَّلام يقطعون بكلامِ الإمام الغائب يعلمون به بواسطة نقل أحد السفراء أو مواليه عَلَیْهِ السَّلام لهم في السرّ بحيث يحصل من نقله القطع و اليقين بصحّة نسبته إليه عَلَیْهِ السَّلام أو أنْ يبلغه ذلك بتوقيع و مراسلة من جهة الإمام عَلَیْهِ السَّلام أو أنْ یسمع كلامه مباشرة من غير واسطة في البين، بحيث لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة الكبرى.

و لما كان مثل هذه الجماعة لا يجرأون على التصريح بذلك و إيصال قول الإمام عَلَیْهِ السَّلام إلى شخصه لمحذور امتناع ادّعاء المشاهدة، بل المشاهدة ذاتها كما حققناه هنا، و ليس له دليل من الكتاب و السنة أو العقل عليه إلى أن يقول

مضافاً إلى عدم تكليفه الكتمان، فهو حينئذٍ لا يجد بُدّاً من ادّعاء الاجماع عليه للافصاح عنه والإدلاء به، و لعلّ هذا الأصل هو المسوّغ الشرعي الذي تستندُ إليه الكثير من الزيارات و الآداب و الأعمال التي اشتهرت بين الإمامية ممّا لا سَنَدَ ظاهرَ لها من الأخبار و كتب السلف و الماضين (1)

و هذا الإجماع يسمّى تارة بالإجماع الدّخولي، و أخرى يسمّى الإجماع اللطفي، و قد وقع بين الأعلام خلاف حول حجيته،فمَنْ قال به أجاز الرؤية و المشاهدة في هذا العصر اعتماداً عليه، و من أرادَ المزيد و التفّصيل فعليه يكتب الأصول (2)

الدليل الرابع: القصص و الحكايات و الشواهد الصادقة، فقد ورد في کثیرٍٍ من الكتب و المؤلّفات قصصٌ و حكاياتٌ جمَّة تدلُّ على إمكانِ المشاهدة و وقوعها صراحَةً ممّن ادّعوا الرؤية و المشاهَدَة و عمّن نسبت إليهم بعض تلك الحكايات، و حكايات تدل على إمكان الرؤية و المشاهدة ضمناً لا صراحة و أوّلُ هذه الحكايات- بحسب الظاهر- هي حكايةُ نَصْبِ الحَجَرِِ الأسودِ عام 339 ه- المتعلّقة و المنسوبة إلى ابن قولويه المتوفى 369 ه-، و الذي نَقَلَها القُطُبُ الرّاوندي المتوفي 573 ه- في كتابه الخرائج و الجرائح (3)


1) کشف القناع عن وجوه حجية الاجماع /230 حجري.

2) الذريعة، علم الهدى، فرائد الأصول الشيخ الأعظم الانصاري، منتقى الأصول محمد الروحاني، كفاية الاصول الاخوند، درر الفوائد الشيخ عبد الكريم الحائري، اصول الفقه محمد رضا المظفر، مبحث الاجماع، و قد فصلنا ذلك من حيث المنشأ التاريخي للاجماع في كتابنا المسار التاريخي لنظرية التقليد في الأحكام الشرعية.

3) الخرائج و الجرائح /1/ 475.

ثم جاء السيد ابن طاووس رحمه الله المتوفي 644 ه- بذل اهتماماً مضاعفاً ليجمع و يروي جملة غفيرة من هذه القصص و الحكايات (1)

و ممّن عُنيَ بنقل تلك الحكايات المحدّتُ النّوري رحمه الله في كتابه النّجم الثاقب و رسالته جنة المأوى و ذَكَرَ فيهما شواهدٌ و قرائنُ لا تبقى معها ريبة، و نجدُ أيضاً سعي العلامة المجلسي رحمه الله لجمع تلك الحكايات في كتابه بحار الأنوار، و حاول الجمع بين هذه الحكايات و القصص، و بين التوقيع الشريف من جهة أخرى بتأويل المشاهدة إلى خلاف ظاهر اللفظ، كما سمعنا ذلك.

وازدادت هذه الحكاياتُ و رُواتُها و دُعَاتُها يوماً بعدَ يومٍ حتَّى غدا أمر الرؤية و المشاهدة ضرورياً مسلماً.

و الحقُّ أنْ يقال: أنَّ تلك القصص و الحكايات لا يمكن لها أن تكون دليلاً و مقيِِّدةً لإطلاقِ التوقيع الذي ينفي الرؤية و المشاهدة مطلقاً، كما فهمه بعضهم و لا حاجة لتأويل ظاهر لفظ التوقيع جمعاً بينه و بين تلك القصص و الحكايات الدالّة صراحةً على وقوع المشاهدة، و لعلَّ أوّلَ مَنْ تَفَطََّنَ لهذا التأويل هو العلاّمة المجلسي في كتابه بحار الأنوار، فلو كانَ هذا التأويل معروفاً و مشهوراً عند أعلام الطائفة كالشيّخ و السيّد و غيرهما لنقل و اشتهر من بعدهم، و لا ننسى أن هؤلاء الأعلام الذين لم يدّخروا وسعاً في البحث عن المخارج لهذه المآزق كما اجتهدوا كثيراً في التصنيف و التأليف و الرواية و التحقيق فيما يخصّ أمْرَ الحُجّة صلحب الأمر أرواحنا فداه.


1) فرج الهموم /247.

و يضاف إلى ذلك أن كثيراً من الأعلام ممّنْ يقولُ بإمكان الرؤية و المشاهدة- فضلاً عمّن لم يقل بذلك- لم يسلّم بها بل رَفَضُوها و عدّوها من خيال القصاصين، كالعلامة المحقق الشيخ الآغا بزرك الطهراني (1)و الشهيد القاضي رحمه الله معلّقاً على مقولةِ المحدّث النوري و روايته للقصص و الحكايات لا سيّما قصة الجزيرة الخضراء ما هذا نصه:

و أمّا حياةُ مولانا الإمام المهدي المنتظر أرواحنا فداه و إثباتها، فلا احتياج لنا في إثباتها إلى هذه الحكايات و القصص و سردها في الكتب، مع أنَّ الله تعالى على كلِِّ شيء قدير، و دلالةُ الآيات القرآنية و الأخبار المتواترة بطرق السنة و الشيعة، و ضرورةُ مذهبِ الإماميّة كافيةٌ في إثباتها مع إثبات العلم اليوم إمكان الخلود للإنسان في الدّنيا ألفاً من السنين، و كذا لا احتياجَ إلى القول بأنّه عَلَیْهِ السَّلام يعيشُ في الإقليم الثامن أو في جابلقا أو جابلسا، أو يعيش ببدنه المثاليّ البرزخي، و أمثال هذه الأقاويل المنكَرَةِ المزخرفة المخالفةِ لضرورةِ مذهب الإمامية فإنها من الدعاوى التي لا دليل عليها أصلاً (2)

هذا و أنَّ المتأمل في حكاية الجزيرة الخضراء يرى أنَّ صاحب الحكاية المزعومة الذي يدّعي أنَّ نسبه ينتهي إلى الإمام صاحب العصر صلوات الله علیه بستَ و سائط يصرّح أنه لم ير الإمام و لم يشاهده مع ادّعاء جيرته و رغم ادّعائه النيابة الخاصّة، خلافاً لنصّ التوقيع و لضرورة و المذهب و إجماع أهل الحل و العقد، فكيف بمن يدّعي السّفارة و الجيرة فضلاً عن القرابة للإمام


1) طبقات أعلام الشيعة- القرن الثامن/145.

2) تعليقة الشهيد القاضي على الأنوار النعمانية / 69/2. نقلاً عن كتاب خاتم الأوصياء.

أروحنا له الفداء و لا يدّعي رؤيته و لقائه، بينما يراه الآخرون؟! أليس يبدو الأمر غريباً؟ فلا داعي حينئذٍ أن يتمسك بهذه القصص و الحكايات التي هی من خيال القصاصين، لإثبات الرؤية و المشاهدة.

مقارنة بين القولين

إذا ما قارنّا بين القولين نجدُ فيهما ثغرات واضحة من حيث الضّعف السّندي تارةً و المتن أخرى، و كذا نجِدُ القوَّةَ السّندية و المتن في كلا القولين و حال أدّلة النافين يَعْتَمِدُ على أمرٍٍ واحد و هو النفي الوارد في التوقيع تارة و النفي الوارد في الرّوايات مثل قوله: یَعْرِفُ اَلنَّاسَ وَ لاَ یَعْرِفُونَهُ خصوصاً إذا أمعّنا النظر في أداةِ النفي الداخلة على الفعل المضارع و هي (لا) التي لا تؤكّدُ النفيَ المؤبَّدَ بخلافِ أداةِ (لن) فهي تؤكد مؤبداً ماضياً و مستقبلاً و حالياً لذا نرى الإمام عبّر ب (لا) و لم يقل: لن يعرفونه.

أمّا في أدلّة المثبتين فنجد النفيَ يأتي من بعدِهِ استثناء و هو مما يؤكّدُ انقطاعُ النفي مثل قوله: إلاّ خاصة مواليه على أنَّ ذلك يحتاجُ للقرائن التي تفيدُ الانقطاع و تؤكّدُ على أنَّ استمرارَ الكلامِ ليس مرادَ المتكلّم، و هذا هو ملموسٌ في أدلّة المثبتين أكثر ما هو موجود في أدلّة النافين، و يضافُ إلى ذلك أنَّ أدلّة المثبتين متنوعة من الإثبات اللفظي و العقليّ و المنطقيّ و النّحوي أمّا ما نجده من الطرف الآخر ليس له إلاّ نوعاً واحداً من الاستدلال هو الدليل اللفظي، و كذا نرى الرواية ضعيفةَ السند، و أخرى قوية السند، و لكنها قابلة للمناقشة من حيثُ المتن كما ذكرنا ذلك، لذا نجدُ أنَّ أدلّة المثبتين أمتن و أقوى من الطرف الآخر.

توضيحُ رأي المحدّث النوري

يُذْكَرُ أنَّ أولَ مَنْ أشكل على التوقيع و طَعَنَ فيه دلالةً و سنداً هو المحدّث النوري خاتمة المحدثين رحمه الله، و تبعه في ذلك جمعٌ غفيرٌ ممن عاصروه أو تخلفوا و تأخروا عنه، قال رحمه الله في كتابه جنة المأوى: أنّه خبرُ واحدٍ مرسل غیر موجبٍ علماً، فلا يُعارِِضُ تلك الوقائع و القصص التي يحصل القطع عن مجموعها، بل و من بعضها المتضمّن لكرامات و مفاخر لا يمكن صدورها من غيره عَلَیْهِ السَّلام فكيف يجوز الإعراض عنها لوجود خبرٍٍٍ ضعيف لم يعمل به ناقله و هو الشيّخُ في الكتاب المذكور ... فكيفَ بغيره، و العلماء الأعلام تلقوّها بالقبول وذكروها في زبرهم و تصانيفهم معوّلين عليها معتنين بها.

و قد أعادَها بتفصيلٍ أكبر في كتابه النّجم الثاقب بعد أنْ أورَدَ تسعاً و خمسين حكاية، ثمّ ساقَ التوقيع الشريف في الفائدة الأولى من أصل فائدتين مهمتين: و هذا الخبر بظاهرهِ يُنافي الحكايات السّابقة و غيرها مما هو مذكور في البحار.... (1)و هكذا تطرق لهذه الإرادات صاحب منتخب الأثر على نحو آخر (2)و الحاصل أنّهم أوردوا على التوقيع الشريف إشكالاتٍ أربعة:

1- التوقيع خبر واحد لا يصحُّ الاعتماد عليه.

2- خبرٌ مرسل و ضعيف لا يوجب علماً.


1) النجم الثاقب / 484.

2) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر / 400 الصافي الكلبايكاني.

3- الذي نقله و هو شيخ الطائفة الطوسي رحمه الله لم يعمل به.

4- أعرض عنه الأصحاب لأنَّهم رووا و نقلوا أخباراً و قِصصاً و حكايات كثيرة عن الأخبار و الصُّلحاء ممّن نالوا شرف لقائه عَلَیْهِ السَّلام.

الردّ على المحدّث النوري

و يردُ على الاشكال الأول و الثاني: و هو الإشكال السندي أنَّ التوقيع ليس مُرسلاً و لا ضعيفاً، بل هو خبرٌ واحدٍ ينتهي إلى أبي محمّد المكتّب رحمه الله مما ثبتَتْ حُجيّته في مباحث الأصول، و أمكن الاستنادُ إليه و الاعتماد عليه و لا معنى للخدش فيه، و لم يختلف علماء الأصول- سيّما المتأخرين و متأخري المتأخرين إلى يومنا هذا- في حُجيّته كما لم ينكر حُجيّته من المتقدّمين سوى السيد المرتضى علم الهدى رحمه الله، فهو حُجَّةٌ بلا أدنى شكّ، و لعلَّ المحدّث النوري رحمه الله ظنَّ أنَّ الشيخ الطوسي قد تَفَرَّدَ بنقل التوقيع و لهذا عدّه مرسلاً ضعيفاً أيضاً.

و الذي ثبت بالقطع و اليقين أنَّ التوقيعَ السّالف الذكر مُسْنَدٌ ليس بمرسل، ذلك أنَّ الشيخ الصدوق رحمه الله قام بنقله عن سماع بالمباشرة عن الشيخ أبي محمد المكتِّب من غير إرسال، و أبو محمّد هذا من مشايخ الصّدوق و استنسخه أبو محمد عن الأصل في دار السّمري الذي خَرَجَ إليه التّوقيع من الناحية المقدسة و كان هو المعنيّ بها، فالصّدوق نقله بواسطة واحدة، لأنه لم يدرك السمري.

و قد وَقَعَ خلطٌ و اشتباه و تصحيفٌ في اسم و كنية راوي هذا التوقيع و هو أبو محمد الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب المؤدب الرازي و المكتب يعني الخطاط و معلم الكتابة، و هو يناسب ادّعائه استنساخ التوقيع في دار علي بن محمد السمري خاتم السفراء كان معاصراً لعلي بن عبد الله

الوراق، و محمد بن أحمد السّناني بمدينة الريّ الشهيرة يشتغلون جميعاً بالكتابة و الرواية عن مشايخ الشيعة (1)، و المؤدب أي: مربّي القرآن و معلّمه و قد اشتهر عنه أنّه كان كاتباً خطاطاً، و معلّماً للقرآن، و مربياً للصّبيان، فكلُّ هذه الألقاب و الاوصاف تناسب الشخص المزبور.

و لعل هذا الخلط و الاشتباه و التصحيف منشأه التعدُّد الذي ذكره الشيخ الصدوق رحمه الله في بعض كتبه من الألقاب و الاوصاف لشيخه أبي محمد كما روى في علل الشرائع عن الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب في ثمانيةِ مواضع و أضافَ إليه نسبةَ الرّازي في موضعين (2)

و في كتابه الخصال بلفظ «المكتب» و في موضع آخر «المؤدب» و قد علّق عليها في الحاشية أنَّ كلا اللقبين « المكتب و المؤدب» يرجعان إلى شخصٍِ واحد و المراد منهما واحد (3)

و في معاني الأخبار ذكر- طبقاً للمطبوعة- باسم الحسن بن إبراهيم ابن أحمد بن المؤدب، و مكنّىً بأبي عبد الله، و ذكر جدَّ أبيه هاشماً دون هشام المعروف، و ذكره أخرىً بهشام المكتّب (4)

و قد أشتبه الحال على صاحب كتاب مجمع الرجال حيثُ ظنَّ أنَّ الحسن ابن أحمد المكتّب بدلاً من الحسين بن إبراهيم المكتّب (5)و ادّعوا- بناءً على


1) أمالي الصدوق /15.

2) علل الشرائع / 403،69.

3) الخصال / 314، 330، 451، 543.

4) معاني الأخبار / 245، 250، 291، 387، 345.

5) مجمع الرجال /7 /190.

حاشية القهبائي- أنَّ الحسين بن إبراهيم هو جدُّ أبي محمّد المكتّب حيث جعلوا التوقيع من مرويات أبي محمّد الحسن بن أحمد بن إبراهيم (1)

و أيضاً اشتَبَهَ الحالُ على المحدّث النوري رحمه الله حيثُ نَقَلَ في سند التوقيع بلفظ «المؤذن» بدل «المؤدب» (2)

هذا و ممن روى عنهم أبو محمد الحسين بن إبراهيم بن هشام المكتب المؤدب الرازي هم: أبو علي محمّد بن همّام ببغداد، و محمد بن يعقوب الكليني، و أبو الحسين محمد بن جعفر الأسدي بمدينة الريّ، و علي بن إبراهيم بن هشام بمدينة قم الذي روى عنه عام 307 ه-، و هؤلاء هم أركان الحديث و السند عند المدرسة الشيعية.

و كيف كان فليسَ الخبرُ واحداً ضعيفاً و لا مرسلاً، بل الحقُّ أنه خير واحد مسندُ بسندٍ صحيح أو مقبول أو معتبر لرواية الصَدوق له عن مشايخه المعتمدين، و ما قيل خلاف ذلك فليس بشيء، سيّما إذا علمنا أنَّ الطاعنين في سنده بعدما أوضحنا اللَبس الواقع عليهم إنمّا أثاروا ضعف السند و إرساله لغرض إثبات تلك القصص و الحكايات الصّادقة التي لا يطروها شك و لا شبهة- على حدّ زعمهم- و التّصديق بها إلاّ أنّه كان الأحرى بهم أنْ يبحثوا عن مخرجٍٍ آخر للجمع بين التوقيع الشّريف و تلك الوقائع و الدّعاوى الصادقة من غير حاجة أو توسُّل إلى إنكار المرويّ و الإعراض عنه لا سيّما أنَّ ذلك يُعَدُّ من معاجزِِ الإمام و كراماته عَلَیْهِ السَّلام إذ أخبره عن تاريخ


1) مكيال المكارم / 507/2.

2) مستدرك الوسائل /657/3.

وفاته، و إنكاره يستلزم إنكاراً لمعجزة مسلّمة و هو إذن قبيح من وجهين وجهتين و لهذا أورده المحدّث الحرّ العاملي في باب معجزاته عَلَیْهِ السَّلام (1)

و أمّا الردّ على الإشكال الثالث: و هو أنَّ الشيخ الطوسي رحمه الله أعرض عنه و نقضه ورَدَّهُ حينَ بادر إلى نقلِِ تلك الحكايات و القصص الصّادقة الدالة على إمكان المشاهدة بل وقوعها.

و يجابُ عنه بوجهين الأول: بملاحظة تلك الوقائع و الرجوع إليها في كتاب الغيبة يتّضِحُ للمتأمل جلياً أنَّ تلك الأحداث و القصص إنمّا تختصُّ بزمن الغيبة الصُّغرى و لا علاقة لها بالغيبة الكبرى، و الحالُ أنَّّ التوقيع الشريفَ ناظرٌ إلى زَمَنِِِ الغيبة الكبرى و بالتالي فما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد إذ لم يدّع أحد امتناع المشاهدة في عصر الغيبة الصّغرى ، بل لم يناقش أحدٌ في إمكانها، ذلك أنَّ جملةً منها ترتبط بمشاهدته أو لقائه و رؤيته حال صغره عَلَیْهِ السَّلام و على عهد أبيه العسكري عَلَیْهِ السَّلام و ذكرِ تواريخ بعض تلك الوقائع كالتي وَقَعَتْ عام 264، 293، 300، 306، 309 (2)، فلا وَجْهَ حينئذٍ لما أوَرَدَهُ المحدّث النوريُّ على أنَّه لا عَلاَقَةَ لجملةٍ منها بالمشاهدة، بل هي من قبيل الرؤية مع جهلِِ الرائي له في الحال، و هو خارجٌ عمَّا نحنُ بصددِ البَحثِ فيه نفياً و إثباتاً.

أمّا الجواب الثاني: هو أنَّ الشيخ الطوسي رحمه الله إنمّا ذكر ذلك في مقامِ بيانِ احتمالِ المشاهَدَةِ للردّ على المخالفين، و أنَّه ذكر التوقيع الشريف


1) إثبات الهداة /693/3.

2) غيبة الطوسي / 253، 227، 224، 223، 225، 226، 229، 230، 231، 232.

في الأبواب التاليةِ بعد قوله: و الذي ينبغي أنْ يُجابَ عن السؤال الذي ذكرنَاهُ عن المخالِفِ أنْ نقول: إنّا أوّلاً لا تَقْطَعُ عن استثاره عن جميع أوليائه، بل يجوزُ أن يظهر لأكثرهم و لا يعلم كلَِِّ إنسان إلاّ حال نفسه، فإنْ كان ظاهراً له فَعِلّته مزاحة... (1)

لتكذيبِ دُعاة المشاهدة و بيان عدم المنافاة بين التوقيع الشريف و بين إمكانِ تشرّف بعض الأولياء، و حصول التوفيق لهم للانتفاعِ غير المباشر بوجودِ الإمام صلواتُ الله عليه، أو نيلهم شرف لقائه من غير ادّعاءِ المشاهدة فهو رحمه الله يرى إمكانَ الرؤية و المشاهدة غير أنَّ من نالها لا يدّعيها و لا يكشف عنها و لا يفشيها، و من ادّعاها و كشف عنها فهو كذاب مفتر.

و أمّا الردّ على الإشكال الرّابع: و هو أنَّ الأصحاب و أكابر القوم قد أعرضوا عنه و خالفوه فباطلٌ أيضاً، ذلك أنَّ مَنْ أوردوا التوقيع الشريف من أعلامِ الطائفة ممّن تأخروا عن الشّيخ الصّدوق لم يخدشوا و لم يطعنوا في سنده و دلالته، بل نقلوه و أخذوا به أخذ المسلّمات كالشيخ الطوسي في الغيبة، و الطّبرسي في إعلام الورى، و الإربلي في كشف الغمّة، و ابن طاووس في ربيع الشيعة، رُغْمَ أنَّهم ذكروا تلك الحكايات، و الوقائع و تناقلوها في كتبهم و لا دلالةَ على نقلِِ تلكَ الحكايات على إعراضهم عن التوقيع و لا قرينةَ تدلُّ على رَفْضِهِم و إنكارهم له سنداً و لا دلالة.


1) الغيبة /99.

أمّا راوي التوقيع الشريف فقد ذكر في كتب القوم بغاية الاحترام و التبجيل، وُعدّ من مشايخ الشيخ الصدوق و قد ترحم عليه كثيراً في كتبه عندما يروي عنه بعض الأحاديث.


المَهدىُّ المَوعُود

دروس في تاريخ الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

و علامات ظهوره.

السيرة و التاريخ سلسلة المعارف التعلیمیّة

المهدی یا اباصالح

المساف

دار المعارف الاسلامية الثقافية

الكتاب: المهديّ الموعود عجَّل الله تعالی فرجه الشریف دروس في تاريخ الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و علامات ظهوره

إعداد: مركز المعارف للمناهج و المتون التعليميّة

إصدار: دار المعارف الإسلامية الثقافية

تصميم و طباعة: DBOUH

009613336218

الطبعة: الأولى– 2020 م/1441ه-

ISBN 978-614-467-151-1

books@almaaref.org.lb

0096101467547

0096176960347

الدرس الخامس عشر: إمكانيّة رؤية الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في عصر الغيبة الكبرى

أهداف الدرس

على المتعلّم، مع نهاية هذا الدرس، أن:

1.

يفسّر ماهيّة غيبة الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و خفائه.

2.

يلخّص الأدلّة إمكانية رؤية الإمام في عصر الغيبة الكبرى و أدلة النافين لها.

3.

يتعرّف إلى أقسام الروايات الدالّة على رؤية الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

أدلّة نفي رؤية الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى

يذهب الاتّجاه الثاني إلى القول بأنّ رؤية الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و التقاءَه في غيبته الكبرى غير تامّ. و يستند هذا الاتّجاه على التوقيع الذي صدر عن الناحية إلى السفير الرابع: ألا فَمَنِ ادَّعَی المُشاهَدَةَ قَبلَ خُروجِ السُّفیانِیِّ وَ الصَّیحَةِ فَهُوَ کَذّابٌ مُفتَرٍ، بدعوى أنّ المشاهدة هي الرؤية، و بالتالي لا يصحّ الأخذ بأيّ حديث عن رؤية الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف. و نحن مضطرُّون إلى تأويل الأحاديث المشيرة إلى إمكانيّة رؤيته، أو ردّ علمها إلى أهلها.

و قد روى التوقيع كلٌّ من الشيخ الصدوق في كمال الدين (1)، و الشيخ الطوسيّ في الغيبة (2)و الشيخ الطبرسيّ في الاحتجاج (3)، و الشيخ الراونديّ في الخرائج و الجرائح (4)

و الردّ على هذه الدعوى أن يقال: إنّ الربط بين المعنى المطروح للغيبة، بحسب الأطروحتين السابقتين، و بين من ادّعى الرؤية فلا تصدّقوه، بل هو كذّاب مفتر؛ يخلص إلى أنّه يمكن حمل الرؤية الواردة في هذا التوقيع على أحد هذه المحامل، و هي:

المحمل الأوّل: أنّ المقصود من الرؤية الرؤية مع السفارة و النيابة؛ يعني مَن ادّعى أنّه رآني و أنّي وكّلته فلا تصدّقوه؛ لأنّ المفروض أنّه في زمن الغيبة الكبرى لا توجد نيابة شخصيّة؛ يعني أنّ الإمام عَلَیْهِ السَّلام لم يستنبْ شخصاً بعينه، و إنّما النيابة العامّة للفقهاء العدول.

المحمل الثاني: أنّ المقصود بالرؤية الرؤية التي يُراد منها ترتيب آثار معيّنة على قول الرائي؛ لأنّ هذا أمر سيؤدّي إلى فتح باب تصديق دعوى كلّ من يدعي الرؤية فيما يُنقل عن الإمام، و هذا ما سوف يولّد إرباكاً كبيراً في الأحكام و في عقائد و مفاهيم الشريعة الإسلاميّة.

و من المعلوم أنّه في زمن الغيبة الكبرى، مَنْ رأى الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و أيقن في ما بينه و بين


1) الشيخ الصدوق، كمال الدين و تمام النعمة، مصدر سابق، ص516.

2) الشیخ الطوسی، الغیبة، مصدرسابق، ص 395.

3) الشيخ الطبرسي، الاحتجاج، مصدر سابق، ج2، ص297.

4) قطب الدين الراوندي، الخرائج و الجرائح، مصدر سابق، ج3، ص1129.

الله أنّه رأى الإمام، فرؤيته حجّة عليه. أمّا سائر الناس فلا يكون ذلك حجّة عليهم.

المحمل الثالث: أنه من ادّعى الرؤية باعتبار أنّ الذي يدّعي الرؤية يتكلّم عن أنّه متيقّن برؤية الإمام عَلَیْهِ السَّلام، يقول : رأيته هو، و هذا بحسب الظاهر من كثير من الروايات الواردة أنّه تشخيص يقينيّ لمن يرى الإمام في زمن الغيبة الكبرى، و التشخيص اليقينيّ عادة لا يحصل، و الظنّ القويّ يحصل، حتّى العلماء الذين نُقلت عنهم قضايا كثيرة، و قصص كثيرة أنّهم التقّوا بالإمام عَلَیْهِ السَّلام، لم يُنقل عنهم بعنوان اليقين، بل يُنقل قضيّة يظهر من قرائن فيها أنّ الذي رآه هو الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، أمّا أن يجزم، فهذا ليس مألوفاً من طريقة علمائنا في نقل لقاءاتهم بصاحب الأمر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف (1)


1) الشيخ فاضل المالكي، الغيبة الصغرى و السفراء الأربعة، مصدر سابق، ص 61.

المفاهيم الرئيسة

1.

إنّ في غيبة الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف أطروحتين، و هما: أطروحة خفاء الشخص: و هي أنّ الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف يختفي جسمه عن الأنظار. فهو يرى الناس و لا يرونه، و على الرغم من أنّه قد يكون موجوداً في مكان، إلّا أنّه يُرى المكان خالياً منه. و الثانية: أطروحة خفاء العنوان: و المقصود بها أنّ الناس يرون الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بشخصه من دون أن يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقته.

2.

استُدلّ على ترجيح أطروحة خفاء العنوان بالأخبار التي تؤكّد كلّها على صحّة هذه الأطروحة. و إلّا فلا يمكن فهم تلك الروايات و توجيهها على الأطروحة الثانية.

3.

إنّ رؤية الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى، لا تكون بمجرّد حصول إرادة عند المكلّف لرؤيته. و بناءً على الأطروحة الأولى، لا يُمكنُه رؤيته عَلَیْهِ السَّلام إلّا بوجود مصحلة خاصّة يراها المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف. و بحسب الأطروحة الثانية يكون لدينا ثلاثةُ مستويات من المقابلة: مقابلته بشخصيّة ثانية، مقابلته بصفته الحقيقيّة من دون الالتفات إلى أنّه المهديّ، و مقابلته بصفته الحقيقيّة مع الالتفات إلى أنّه المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

4.

أكّد العلماء على إمكانيّة رؤية الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و استُدلّ على ذلك بروايات عدّة تشير إلى إمكانيّة رؤيته عَلَیْهِ السَّلام،و يؤيّده ما ورد مِن رؤية العديد من العلماء و الصالحين له عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

5.

لقد استُدلّ على نفي رؤية الإمام بدعوى أنّ المشاهدة الواردة في التوقيع هي الرؤية، إلّا أنّ الربط بين المعنى المطروح للغيبة و بين من ادّعى الرؤية فلا تصدقوه، يؤدّي بنا إلى حمل العبارة على أحد ثلاثة محامل، و هي: المحمل الأوّل: أنّ المقصود من الرؤية الرؤيةُ مع السفارة و النيابة. المحمل الثاني: أنّ المقصود بالرؤية الرؤيةُ التي يُراد منها ترتيب آثار معيّنة على قول الرائي. المحمل الثالث: اعتبارُ أنّ الذي يدّعي الرؤية يتكلّم عن أنّه متيقّن برؤيته عَلَیْهِ السَّلام.

سفارة البدعة

شعبة البحوث و الدراسات

انقطاع السفارة بعد عصر الغيبة الكبرى

اتفق الشيعة منذ القدم على انقطاع كل سفارة أو نيابة عن صاحب الامر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و دليلهم في ذلك التوقيع الصادر من الامام المهدي الى السفير الرابع علي بن محمّد السمري رضی اللهُ عنْهُ.

و قد استدلّوا على ذلك بعدَّة أدلَّة، و لعلَّ العمدة فيها هي الرواية المعروفة بتوقيع السمري و المشهورة في كتب الحديث و نصها:

عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه قال: حدثني أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفى فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري رضی اللهُ عنْهُ فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته: "بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِ یا عَلِیَّ بنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِیَّ أعظَمَ اللّهُ أجرَ إخوانِکَ فیکَ: فَإِنَّکَ مَیِّتٌ ما بَینَکَ و بَینَ سِتَّهِ أیّامِ فَاجمَع أمرَکَ و لا توصِ إلی أحَدٍ فَیَقومَ مَقامَکَ بَعدَ وَفاتِکَ،فَقَد وَقَعَتِ الغَیبَةُ التّامَّةُ، فَلا ظُهورَ إلّا بَعدَ إذنِ اللّهِ تَعالی ذِکرُهُ، و ذلِکَ بَعدَ طولِ الأَمَدِ، و قَسوَةِ القلبِ،وَ امتِلاءِ الأَرضِ جَوراً و سَیَأتی شیعَتی مَن یَدَّعِی المُشاهَدَةَ،ألا فَمَنِ ادَّعَی المُشاهَدَهَ قَبلَ خُروجِ السُّفیانِیِّ وَ الصَّیحَةِ فَهُوَ کَذّابٌ مُفتَرٍ،و لا حَولَ و لا قُوَّهَ إلّا بِاللّهِ العَلِیِّ العَظیمِ".

قال: فنسخنا هذا التوقيع و خرجنا من عنده فلما كان اليوم السادس عدنا إليه و هو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: الله أمر هو بالغه و قضى فهذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه و أرضاه (1)

و قد عمل فقهائنا بهذه الرواية، فرواتها هم الشيخ الصدوق (قُدِّسَ سرُّه) و شيخه أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب الذي ذكره مترضياً كما جاء في كتابه عيون الاخبار حيث قال:

حدثنا محمد بن موسى المتوكل (رضي اللهُ عنْهُ) و محمد بن محمد بن عصام الكليني و أبو محمد الحسن بن أحمد المؤدب و علي بن عبد الوراق و علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق (رضي اللهُ عنْهُم) (2)

و يقول السيد محمد علي الأبطحي عندما ترجم له:

الحسين بن إبراهيم بن احمد بن هشام المؤدب المكتب، ذكره ابن حجر في لسان الميزان ج 2 /271 قائلا: الحسين بن ابراهيم بن أحمد روى عن أبي الحسين محمد بن جعفر الاسدي و غيره قال على بن الحكم في مشايخ الشيعة: كان مقيما بقم، و له كتاب في الفرائض أجاد فيه، و أخذ عنه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه و كان يعظمه. قلت: لم أقف له على ترجمة في كتب أصحابنا غير علي بن الحكم على ما


1) بحار الأنوار ج 51 ص 361.

2) عيون اخبار الرضا: ج 1 ص 188.

ذكره ابن حجر و كان الحسين من مشايخ الصدوق (رحمه الله) روى عنه في كتبه كثيرا مترضياً مترحما عليه. و قد كناه بأبي محمد كما في الاكمال باب 49/ 476 قائلا: أبو محمد الحسين بن احمد المكتب حدثنا ابو محمد الحسن ابن احمد المكتب (رضي اللهُ عنْهُ) قال كنت بمدينة السلام الخ (1)

و في هذا النص دلالة واضحة في أن كل من يدعي السفارة أو النيابة في عصر الغيبة و قبل الصيحة و السفياني فهو مفترٍٍ كذاب، و عدم الاعتناء بدعوته، و بما أنَّ أحمد إسماعيل يدَّعي السفارة قبل العلامتين المذكورتين فالواجب هو تكذيبه.

فعلى هذا تكون الرواية صحيحة و لا إشكال في سندها بل هناك مجموعة من الشواهد تشير الى صحتها مثلا:

1. اشتملت هذه الرواية على ذكر وفاة السفير الرابع السمري كما جاء في نصها:

أعْظَمَ اللَّه أَجْرَ إخوانِکَ فِیکَ، فَإنَّکَ مَیِّتٌ ما بَیْنَکَ وَ بَیْنَ سِتَّهِ أیّامٍ، و بالتأكيد فإن هذا إخبار بالغيب و هو أمر معجز لا يمكن صدوره الا من قبل الامام (عَلَیْهِ السَّلام)، و هذه الواقعة لم تكن بمعزل عن الناس او هو الشخص الوحيد الذي وصلها كتاب الامام (عَلَیْهِ السَّلام) بل الذي يقطع به ان الناس كان عندهم علم بهذا، و هذا ما يدل عليه مقطع من الرواية حيث جاء فيها فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً،


1) تهذيب المقال في تنقيح كتاب الرجال ج 2 ص 273.

فهل يمكن ان يكون حدث بهذا المستوى من الاهمية يخفى على الشيخ الصدوق سيما و إنه في تلك الفترة شاباً في عمر الثمانية عشر عاماً؟

2.

إن هذا الخبر بلغ من الشهرة حتى تناقله أساطين علماء الامامية كالشيخ الطوسي في (الغيبة)، و الشيخ الصدوق (قُدِّسَ سرُّه) في (كمال الدين و تمام النعمة)، و الشيخ الطبرسي في (الاحتجاج).

3.

لا يوجد تنافي بين هذه الرواية و الروايات الاخرى الصحيحة الثابتة عن المعصومين (عَلَیْهِم السَّلام) فقد دلت جملة منها على غيبتين لصاحب الامر (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف) فعن عبد الواحد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن محمد بن رباح، قال: حدثنا أحمد بن على الحميري قال: حدثنا الحسن بن أيوب، عن عبد الكريم بن عمرو، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم الثقفي، عن الباقر أبي جعفر (عَلَیْهِ السَّلام) أنه سمعه يقول: "إن للقائم غيبتين يقال له في إحديهما: هلك و لا يدري في أي واد سلك"(1)

و عن محمد بن يعقوب قال: حدثنا محمد بن يحيى؛ و أحمد بن إدريس، عن الحسن ابن علي الكوفي، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن المفضل بن- عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَیْهِ السَّلام) يقول: "إن لصاحب هذا الأمر غيبتين، يرجع في إحديهما إلى أهله و الاخرى يقال: هلك في أي واد سلك، قلت: كيف نصنع


1) غيبة النعماني ص 173.

إذا كان ذلك؟ قال: إن ادعى مدع فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله (1)

4.

إن السفير الرابع علي بن محمد السمري لم يعهد الى أحد من بعده و لم يوكل اليه أمور السفارة، فقد روى المجلسي (قُدِّسَ سرُّه) في بحاره قال: و أخبرني محمد بن محمد بن النعمان و الحسين بن عبيد الله، عن أبي عبد الله أحمد بن محمد الصفواني قال: أوصى الشيخ أبو القاسم إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري فقام بما كان إلى أبي القاسم فلما حضرته الوفاة، حضرت الشيعة عنده و سألته عن الموكل بعده و لمن يقوم مقامه، فلم يظهر شيئا من ذلك و ذكر أنه لم يؤمر بأن يوصي إلى أحد بعده في هذا الشأن (2)

5.

إن شيعة أهل البيت (عَلَیْهِم السَّلام) سلموا بنص هذه الرواية و إعتبروا أن موت السمري هو بداية الغيبة الكبرى، فليس في تراثهم الروائي أو العقائدي أي ذكر لمسالة السفارة الخاصة في هذه الفترة.

أقوال علماء الامامية في انقطاع السفارة:

1] الشيخ أبو القاسم بن محمّد بن قولويه (قُدِّسَ سرُّه):


1) نفس المصدر.

2) بحار الأنوار /جزء 51/ صفحة 360.

حكى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الشيخ أبي القاسم بن محمّد بن قولويه. صاحب كتاب كامل الزيارات، و هو اُستاذ الشيخ المفيد، و كان زعيم الطائفة في وقته معاصراً للصدوق في أوائل الغيبة الكبرى، قال: "إنَّ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنِ اِدَّعَى اَلْأَمْرَ بَعْدَ اَلسَّمُرِيِّ. وَ هُوَ النائبُ الرابع. فَهُوَ كَافِرٌ مُنَمِّسٌ، ضَالٌّ مُضِلٌّ" (1)

2] الشيخ ابن ابى زينب محمد بن ابراهيم النعماني (قُدِّسَ سرُّه):

و الغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء و الوسائط للأمر الذي يريده الله تعالى، و التدبير الذي يمضيه في الخلق، و لوقوع التمحيص و الامتحان و البلبلة و الغربلة و التصفية على من يدعى هذا الامر كما قال الله عز وجل: " مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (2)

3] الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد، (قُدِّسَ سرُّه):

و القائم بالحق المنتظر لدولة الايمان و له قبل قيامه غيبتان: أحديهما أطول من الأخرى، كما جاءت بذلك الاخبار، فأما القصرى منهما منذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته و عدم السفراء بالوفاة (3)


1) فقه علائم الظهور ص11.

2) الغيبة ص 174، و الآية: آل عمران: 179.

3) الارشاد في معرفه حجج الله على العباد ج 1 ص 324.

معنى المشاهدة في توقيع السمري

ان المراد بالمشاهدة ليس المشاهدة البصرية لشخص الامام المهدي (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف) فالكثير من الأخبار دلت على تشرف جملة من الناس بلقائه الشريف، لكن المعنى المراد من المشاهدة هو السفارة أو النيابة عن الامام المهدي (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف) و هذا ما يراه العلامة المجلسي (قُدِّسَ سرُّه)، فيقول:

لعله محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة و إيصال الاخبار من جانبه (عَلَیْهِ السَّلام) إلى الشيعة، على مثال السفراء لئلا ينافي الاخبار التي مضت و ستأتي فيمن رآه (عَلَیْهِ السَّلام) و الله يعلم (1)

لكن قد يرد إشكال على هذا التوجيه و هو: كيف يمكن حمل المشاهدة على السفارة أو النيابة مع العلم أن المشاهدة في اللغة لا تدل على أيٍ من المعنيين فهناك الكثير من الناس قد تشرفوا برؤيته لكنهم لم يدعوا النيابة أو السفارة؟

و الجواب عن ذلك: حتى لو قيل إن المشاهدة هي الرؤية البصرية فهذا التوجيه يستلزم بالضرورة نفي السفارة و النيابة ، فكيف يكون الشخص سفيراً للإمام و هو لم يره قط؟ ثم على فرض أن يكون الكلام و التوجيه بين الامام و بين سفيره بواسطة غير الرؤية


1) بحار الأنوار/جزء 52/ صفحة 151.

البصرية فإنَّ تكذيب من يدَّعي المشاهدة يستلزم أيضاً تكذيب من يدَّعي ما هو أعظم منها و هى السفارة بالأولوية.

بعض الادلة و الشواهد التي تدل أن المقصود بالمشاهدة هي النيابة و السفارة:

الشاهد الأول: إن هذه الرواية مدارها حول النيابة و السفارة انتهائها بموت علي بن محمد السمري و لا دخل لها من قريب أو بعيد بمسألة الرؤية أو الالتقاء بالإمام (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف) و هذا ما يفهم من سياق كلام الإمام ( عَلَیْهِ السَّلام) الوارد في التوقيع المقدس.

الشاهد الثاني: إن السفير الرابع علي بن محمد السمري (رضی اللهُ عنْه) لم يصرح بوجود سفير يخلفه في منصبه، و المعروف أن المعهود بين السفراء الأربعة أنه كان أحدهم ينص على الآخر ما يعني أن زمن الغيبة الصغرى لم ينتهِ بعد، و بما أن السمري لم يوصِِ فهذا معناه انتهاء السفارة و بدء زمن الغيبة الكبرى.

الشاهد الثالث: إن الإمام المهدي (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف) أراد أن يحصن شيعته من أصحاب الدعوات المنحرفة التي تدعي الارتباط به زوراً و بهتاناً، فلذا نجد أن توقيعه الشريف وصف المدعي بأنه (كذّاب مفتر) و هذا ما يؤيد أن المقصود بالمشاهدة هو خصوص السفارة فليس كل من ادعى الرؤية البصرية ادعى السفارة.

و انما عبر عن السفارة بالمشاهدة لاختصاصها بالسفراء في زمن الغيبة الصغرى فهم فقط من كانوا يتشرفون برؤيته ( عَلَیْهِ السَّلام) المباشرة لذا فكانت المشاهدة لازمة للسفارة فهي من باب تسمية الشي بلازمه.

الشاهد الرابع: دل النقل سواء من الروايات الشريفة أو أخبار المؤمنين و بالأخص العلماء منهم على تشرفهم بلقاء الامام المهدي (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف) فيكون المقصود من أمر الامام (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف) هو تكذيب خصوص من ادعى السفارة.

شبهة ورد:

قد يقال أن قول الامام (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف) الوارد في التوقيع الصادر الى السمري و الذي جاء فيه:

مَنْ ادعی الْمُشَاهَدَةِ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيُّ وَ الصَّيْحَةُ فَهُوَ كَذَّابُ مُفْتَرٍ فهذه القضية غير مسورة و القضية الغير مسورة لا تفيد الكلية بل تفيد الجزئية أي ليس كل من ادعى المشاهدة فهو كذاب؟! و الجواب عن ذلك:

ان هذه القضية تسمى موجبة كلية و سورها موجود و هو كلمة (مَنْ) فهذه الكلمة تفيد العموم و توجد الكثير من الآيات و الروايات. بغض النظر عن هذا البيان. تفيد ان أمثال هكذا قضايا تفيد العمومية، كقوله تعالى:

وَ مَنْ یَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِیها وَ غَضِبَ اَللّهُ عَلَیْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِیماً (1)


1) سورة النساء: 93.

فهل يعقل أن يكون معنى كلام الباري تعالى أن بعض من يقتل المؤمنين يخلد في جهنم و البعض الآخر لا؟!

و كذلك حديث الغدير الشريف (مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاَهُ) الذي لا يشك بعموميته حتى من لا يعرف القراءة و الكتابة لأنه من غير المعقول أن يكون كلام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) موجهاً الى البعض دون البعض الآخر

الشيخ إبراهيم خازم العاملي

أنباء الحُجَّة

عجل الله فرجه

لا اله الا الله

دارالحجَّة البيضَاء

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى: 1426 هجرية قمرية

الطبعة الثانية: 1428 هجرية قمرية

دار المحَجْة البيضاء

اللطباعة و النشر و التوزيع

حارة حريك - شارع الشيخ راغب حرب- قرب نادي السلطان

ص.ب: 5479 / 14 -هاتف: 03/287179 - تلفاكس: 01/552847

E-mail:almahajja@terra.net.lb

www.daralmahaja.com

info@daralmahaja.com

مناقشة مضمونية تمهيدية في خبر السمري

ورد في توقيعه - عجل الله فرجه- لآخر نوابه الخواص قبل وقوع الغيبة الكبرى تكذيب المشاهدة، و سوف نتعرض لأكثر من هذه المناقشة المضمونية التمهيدية و ذلك في الخاتمة إن شاء الله تعالى، و لكن لا بأس هنا بذكر هذه المناقشة المضمونية التمهيدية في توقيعه هذا عجل الله فرجه، فقد ذكر جماعة من الفضلاء حمل التكذيب في هذا التوقيع على تكذيب من

يدعى المشاهدة على نحو ما كان لنوابه الخواص في الغيبة الصغرى، و ليس بنحو مطلق، فقد اتفقت لجماعة من الفقهاء و الأولياء و العرفاء و خواص الشيعة، اتفقت المشاهدة و تواترت بطرق الثقاة بل الحدول بما لا يفضي إلى الشك في مثل ما رووه من قصص المشاهدات في زمن الغيبة الكبرى.

و لكن الحمل على هذا المعنى من دعوى المشاهدة المقصودة في التوقيع أي الحمل على أن تكون على نحو ما لنوابه الخواص، هذا الحمل موقوف على ثبوت التوقيع من جهة السند، و لو صح بسنده فإننا نلاحظ عبارة: و سيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، فإنها- على فرض التسليم بالورود بهذه الصيغة- ظاهرة في رد دعوى المشاهدة التي يدعيها غير الشيعي و قبول دعوى المشاهدة من الشيعي، فإن المأتي بدعوى المشاهدة شيعته- عجل الله فرجه- مما يعني في الفهم العرفي أن الآتي بدعوى المشاهدة هو من غير شيعته عجل الله فرجه، فيظهر أن غير الشيعي لا يشاهده قبل خروج السفياني و الصيحة، فمن قوله عجل الله فرجه: و سيأتي شيعتي نستظهر أن الشيعة سَيُأتون بِِمُدَّعِي المشاهدة المأمور بتكذيبه و ليس هم من سيأتون بها أي دعوى المشاهدة المأمور بتكذيبها، و قد نفهم منه من بعض الوجوه أن دعوى المشاهدة ممن هم من شيعته- عجل الله فرجه- غير مشمولة للأمر بالتكذيب، فلا يمكن تكذيبها، و هذا يوافق أدلة إمكانية المشاهدة التي سنسوقها في أخبار الخاتمة إن شاء الله تعالى، لكن يجاب عنه بالقول خلافاً لما استظهرناه: إنه لا وجه لتخصيص دعوى المشاهدة المأمور بتكذيبها بغير الشيعي لإمكانية صدور الدعوى الكاذبة من الشيعي، فإن بعض الشيعة ادعوا ذلك و العيان يغني عن البيان، و غاية ما يستوجب ادعاء المشاهدة المحضة الفسق ما لم يفض إلى إدخال ما ليس من الدين في الدين، و لا يمكن إخراج أمثال هؤلاء عن التشيع لمجرد هذه الدعوى فاعتبارهم من فساق الشيعة أوجه، إلا إذا قلنا: إن من شروط التشيع عدم ادعاء المشاهدة المحضة، فحينئذ لا يقال لمدعي المشاهدة المحضة أنه شيعي، و له وجه في قبوله، إلا أن أحداً لم يلتزم به، و عليه فاعتبار

مدعي المشاهدة المحضة من فساق الشيعة أوجه، و الله العالم، علماً بأن المشاهدة المدعاة قد تكون مفضية لإدخال ما ليس من الدين في الدين بنحو تُنْكَرُ فيه بعض الضرورات، فلو كانت المشاهدة المدعاة كذلك فهي مع الإصرار و عدم الندم و التوبة و الرجوع تكون مما يُخرج المدعي عن ريقة الشيعة، و يكون من مصاديق ما استظهرناه من قوله- عجل الله فرجه- في التوقيع: و سيأتي شيعتي.

و قيَّد التوقيع من الناحية الزمنية الدعوى المأمور بتكذيبها بدعوى المشاهدة في مرحلة ما قبل خروج السفياني و الصيحة، و هاتان العلامتان و إن كانتا من العلامات الحتمية قبل ظهوره عجل الله فرجه، لكن ثمة فترة زمنية تفصل بين ظهوره- عجل الله فرجه- و العلامتين، و قد تطول هذه الفترة إن شاء الله سبحانه أن يشملهما بالبَداء، فإن إمكانية أن يبدو له عز و جل في هاتين العلامتين واردة على ما سنستدل عليه في نبأ العلامات الحتمية، فهذا التقييد في التوقيع بهذه المرحلة دليل على إمكانية المشاهدة من غير من هو من الشيعة في هذه المرحلة، أي ما بين العلامتين و الظهور بناءً على الفهم الذي قدمناه، و إذا كان هذا القيد دليلاً على ذلك- أي إمكانية مشاهدة غير الشيعي في هذه المرحلة- فمن باب أولى أن يكون دليلاً على إمكانية المشاهدة من الشيعي في هذه المرحلة، و على كل حال هذه مناقشة مضمونية تمهيدية في خبر السمري، و سيأتي مزيد عليها في الخاتمة إن شاء الله تعالى.

و بالعودة إلى الحديث حول نوابه- عجل الله فرجه- نقول: إن العلماء و الفقهاء اصطلحوا على تسمية نيابة النواب الأربعة بالنيابة الخاصة له- عجل الله فرجه- في مقابل النيابة العامة التي تكون للفقهاء العدول الأمناء على حلال الله و حرامه في زمن الغيبة الكبرى، و نحن لم نجد ما يمكن الإعتماد عليه لإثبات النيابة الخاصة لغير هؤلاء الأربعة، و إن سبقت الإشارة لما نقله المحقق الخوانساري أعلى الله مقامه، و لكننا لم نقف على مستنده، و هو من الأقوال النادرة، و سوف نذكر في الخاتمة أحوال بعض

من ادعوا النيابة الخاصة له- عجل الله فرجه- في الغيبة الصغرى، و أما بالنسبة لنوابه العامين في زمن الغيبة الكبرى و حدود نيابتهم فقد بحثها الفقهاء في الكتب الفقهية الإستدلالية، و أكثروا فيها الكلام، و لما كان الخوض في بحثها في هذا البحث يخرجنا عن مقصدنا تركنا لمن أراد الإطلاع على ذلك أن يعود إلى ما صنفوه من المصنفات في هذه المسألة

و الخلاصة: بدأت غيبته الكبرى- عجل الله فرجه- بموت السمري، و قد مد الله عمره الشريف- عجل الله فرجه- لحين الإذن له بالخروج و الظهور، و سنبحث في النبأ التالي الوجه في ذلك، و الله المسدد.

المطلب الثالث: في إثبات إمكانية المشاهدة

تواترت الأخبار بين المؤرخين و المحدثين على اتفاق المشاهدة لطلعته الرشيدة و غرته الحميدة- عجل الله فرجه- عند مولده و بعد ولادته لحين وفاة أبيه عَلَیْهِ السَّلام، و عند صلاته على أبيه عَلَیْهِ السَّلام رأه كل الملأ، و أما إمكان المشاهدة في الغيبة الصغرى، فمن أظهر أدلة ذلك ما اتفق لسفرائه الأربعة، و هذا الكلام تام في حدود الغيبة الصغرى ، فما بال الكلام في إمكانية المشاهدة في الغيبة الكبرى؟

إنقسمت أقوال العلماء في ذلك بين قائل بإمكانية المشاهدة في الغيبة الكبرى و قائل بعدم إمكانية ذلك، و استدل المانعون من إمكانية المشاهدة في الغيبة الكبرى بخبر السمري رابع السفراء الأربعة، و هو الذي ذكرناه في أنباء ما قد سبق و الذي أخبر الحجة- عجل الله فرجه- فيه السمري بدنو أجله رضوان الله عليه، و كان آخر توقيعاته- عجل الله فرجه- للسمري، و جاء فيه:

يا علي بن محمد السمري إسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك و ما بين ستة أيام، فاجمع أمرك و لا توصي إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة (1)، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، و ذلك بعد الأمد، و قسوة القلوب، و امتلاء الأرض جوراً، و سيأتي من شيعتي (2)من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل


1) و في بعض كتب الغيبة وردت عبارة: الغيبة الثانية، بدلاً من عبارة: الغيبة التامة.

2) وقع خلاف ذريع في هذا القيد بين مرويات كتب الغيبة، فالبعض رواه بصيغة: و سيأتي شيعتي، و هو الراجح، و قد رويناه آنفاً، و البعض رواه بصيغة: لشيعتي، و البعض: في شيعتي، و البعض- و هو المروي هنا- من شيعتي و لعله تصحيف من النساخ و الله العالم.

خروج السفياني و الصيحة فهو كذاب مفترٍٍ وَ لا حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ اِلاّ بِاللّهِ الْعَلِیِّ الْعَظیمِ (1)

سند خبر السمري

قيل: هو من المراسيل، أي لا سند له، و الواضح خلاف ذلك لأن شيخنا الثقة الصدوق- أعلى الله مقامه- رواه بسنده عن شيخه أبي محمد الحسين بن أحمد المكتب، عن أبي الحسن علي بن محمد السمري، و كذا رواه بنفس الإسناد الشيخ الطوسي- أعلى الله مقامه- في كتابه الغيبة، و عليه فالقول بأنه من الأخبار المرسلة ليس صحيحاً.

و قيل: هو من الصحاح كما عن المحقق الأصفهاني (2)، و سوف يأتي الجواب عن هذا المدعى في التحقيق الآتي إن شاء الله سبحانه.

و لقد وقع الخلاف بين علماء رجال الحديث في راوي هذا الخبر (3)بعد التسليم بوجود سند له على ما قدمناه.

فالبعض من علماء رجال الحديث قال بأن راويه هو أبو محمد الحسين، و اعتبره هذا البعض هو الأصح في أقوال إسم راوية الخبر، و اعتبر أن ما أسنده الصدوق- أعلى الله مقامه- في نقله للخبر، ما أسند فيه روايته إلى الحسين هو الصحيح و الحال أن الصدوق- أعلى الله


1) الغيبة للطوسي، ص 395، الطبعة المحققة، و كمال الدين و تمام النعمة للصدوق، ج 2، ص 516، و الإحتجاج للطبرسي، ج 2، ص 297، و بحار الأنوار للمجلسي، ج 51، ص 260، ح 3، و إثبات الهداة للحر العاملي، ج3، ح 112 ص 693، و الخرائج للراوندي، ج 3، ص 1128، الطبعة المحققة، و جنة المأوى للنوري، ص 318، و كشف الغمة في معرفة الأئمة عَلَیهِمُ السَّلام للأربلي، ج 2، ص 230، و إعلام الورى للطبرسي، ص 417، و ثاقب المناقب لابن حمزة، ص 464، الطبعة المحققة.

2) مكيال المكارم للموسوي، ص 542، و ص 543.

3) تهذيب المقال للأبطحي، ج2، ص 373، و ص 374.

مقامه- رواه عن الحسين، لكن الشيخ الطوسي- أعلى الله مقامه- بعد نقله للخبر عن الصدوق- أعلى الله مقامه- بصيغة راويه الحسين، استنسب أن يكون إسمه الحسن لكون اسم الحسن أكثر ملائمة مع تكنيته بأبي محمد بن أحمد المكتب.

و يرد على ما استنسبه الشيخ الطوسي- أعلى الله مقامه- بعدم وجود ملازمة بين التكنية بأبي محمد و التسمية بالحسن، و اتفاق ذلك للإمام أبي محمد الحسن بن علي المجتبى عَلَیْهِ السَّلام، و للإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري عَلَیْهِ السَّلام، ليس دليلاً على لزوم تسمية الحسن لكل من يكنى بأبي محمد، و لا على التكنية بأبي محمد لكل من سمي بالحسن، و شاهده أعراف الناس التي تنفي مثل هذه الملازمة، و عليه فيكون ما استنسبه الشيخ الطوسي- أعلى الله مقامه- تحكم لا دليل عليه، و منه يبقى الخلاف قائماً في تسمية راوي هذا الخبر، و إن كان الأصل ما رواه الصدوق- أعلى الله مقامه- لكونه من مشايخه، و سماه بأبي محمد الحسين كما في إسناده للخبر في نقله له.

و كما وقع الخلاف في تسمية راوي الخبر فيما بينهم، وقع الخلاف في لقبه، فقيل: المكتب نقلاً عن الصدوق- أعلى الله مقامه- في كتابيه الخصال، و عيون أخبار الرضا عَلَیْهِ السَّلام، وقيل: المؤدب نقلاً عن الصدوق كذلك- أعلى الله مقامه- في كتبه معاني الأخبار، و مشيخة الفقيه، و عيون أخبار الرضا عَلَیْهِ السَّلام حيث ذكره فيه بلقب المؤدب أيضاً، و كذا استند القائلون بأن لقبه المؤدب بما نقله الصدوق- أعلى الله مقامه- في كتابه كمال الدين و تمام النعمة، و ما نقله الطوسي- أعلى الله مقامه- في كتابه الغيبة، و ما نقله صاحب كتاب لسان الميزان.

و الأمر كما ترى فإن الصدوق- أعلى الله مقامه- ذكره بلقبين في كتاب واحد، و لا مانع من تعدد ألقابه فيكون ملقباً بالمكتب و المؤدب في آن معاً، فالقضية كما يقول علماء المنطق ليست مائعة جمع، فلا تكون مثل هذه المنقولات هي السبب للخلاف في راوية الخبر، بل أساس الخلاف ما نقوله في اسمه على نحو ما قدمناه.

و قد أورد الرجاليون له أكثر من إسم، و قالوا: تعدد أسمائه كان من باب التقية، و ذكروا له أكثر من كنية و من لقب كذلك لنفس الغاية، و منه يمكن الدفع للخلاف فيه أصلاً لو أمكن إثبات مورد التقية، و إن كان الحال لا يسمح بالقول بالتقية في مثل هذا المورد لخطورة الموقف كونه تمهيد الغيبة الحجة- عجل الله فرجه- الكبرى لو صح ما في الخبر.

و وثقه بعض علماء رجال الحديث كونه من مشايخ الصدوق أعلى الله مقامه، و لأن الصدوق- أعلى الله مقامه- روى عنه كثيراً في كتبه مترضياً و مترحماً، و قال أحد علماء رجال الحديث عنه: كان مقيماً بقم، و له كتاب في الفرائض أجاد فيه ، و إن أبا جعفر محمد بن علي بن بابويه كان يعظمه، و إن حضوره عند السمري لرواية مثل هذا التوقيع يشعر بالخصوصية.

لكن البعض الآخر من علماء رجال الحديث اعتبره من المجاهيل، و قال على ما فهمناه من كلامه بأن مجرد رواية الصدوق- أعلى الله مقامه- عنه لا تثبت الوثاقة، فإن الصدوق- أعلى الله مقامه- روى عن غير الثقاة أخباراً عديدة، و ترحمه عليه و ترضيه عنه لا يفيد الوثاقة في نقل الأخبار، فالترحم و الترضي يجوز على غير الثقاة من الشيعة كما يجوز على غير العدول، فهو نوع من الدعاء و الطلب من الله عز و جل لكي يرضى و يرحم المدعو له، و أما كونه قد أجاد في كتابه الفرائض فإنه ليس من لوازم مثل هذه الإجادة الحكم بالوثاقة، فإن الإجادة هنا مبهمة ليس فيها ما يدل على الوجه فيها في قول من قال بأنه أجاد في كتابته عن الفرائض، ثم إن أريد من الإجادة القدرة العلمية المحضة، فإن القدرة العلمية المحضة هي صناعة من الصناعات و قد تتفق لغير الثقاة في الرواية و نقل الأخبار.

و من جهة أخرى فإن مجرد حضوره عند السمري ليس دليلاً على وثاقته، فقد حضر عند السمري لعناء بني العباس من الذين كانوا يطاردون الحجة- عجل الله فرجه- بغية قتله، و حتى حضر غيرهم من اللعناء عنده، فلا يكون مجرد حضوره عند السمري دليلاً على الوثاقة كما ادعاه البعض، و من جملة الذين كانوا يحضرون عند السمري البابية لعنهم الله،الذين

أدعوا السفارة و النيابة الخاصة لأنفسهم على نحو ما فصلناه آنفاً، و كان هؤلاء يحضرون عند السمري و يروون بعض أخبار الحجة- عجل الله فرجه- لشيعته.

هذا ما فهمناه من ردود بعض علماء رجال الحديث على ما ادعاه آخرون في راويه، و أما حمل خبر السمري على التقية فوارد جداً لو لا المحذور الذي ذكرناه فيما سبق، حيث أن الحال و خطورة الموقف لا يسمحان بإيراد مثل هذا الخبر على نحو التقية، إلا إذا فهمنا من أن الحجة- عجل الله فرجه- كذب مدعی المشاهدة من باب التقية على نفس المشاهد حتى يدفع بذلك عنه الأذى و العدوان، و هو من الرجحان بمكان لو تم إمكان الحمل على التقية في المورد، و الله العالم.

و من مجموع كل ما ذكرناه في سند الخبر لا يتم الإستدلال به على المنع من إمكانية المشاهدة، و يبقى الخلاف في راويه قائماً، و ستأتي أدلة إمكانية المشاهدة من الأخبار المعتبرة متناً و سنداً.

و أما ما ورد- علاوة على ما تقدم- ما ورد من أن الصدوق- أعلى الله مقامه- كان يعظم راوي هذا الخبر، فإن مجرد التعظيم لا يدل على الوثاقة في نقل الأخبار، فإن التعظيم قد يكون لمن لا اختصاص له بالرواية و الدراية و نقل أحاديث أهل البيت عَلَیْهِم السَّلام، و غاية ما يفيد التعظيم حسن الراوي و كونه من الممدوحين لا من الثقاة الرواة، نعم لو كانت الممدوحية و التعظيم في الرواية أمكن اعتبارها دليلاً على الوثاقة و لاختلف الحال حينها، و لكن لا يوجد ما يدل على هذه الخصوصية في كلام الصدوق أعلى الله مقامه، فتخصيص تعظيمه له بتعظيمه في الرواية هو تخصيص بغير مخصص فالتفت.

ثم على فرض القول بتمامية الخبر، و بأن راويه ثقة، و عدم ورود أي إشكال على متنه من الحمل على التقية و عدمها،فإن تعارضه مع أخبار إمكانية المشاهدة الآتية المعتبرة التي هي أكثر من الخبر و الخبرين، تعارضه يمنع من

الإستدلال به، ثم هو خبر واحد على القول بحجيته يكون حجة من باب إفادة الظن لو تم من الناحية السندية بإثبات و ثاقة راويه، و كونه خبراً واحداً لا ينهض في مقابل معارضِهِ من أخبار إمكانية المشاهد الآتية فإنها مضافاً لاعتبارها من الناحية السندية و الدلالتية، فإنها معاضدة بقصص و حكايات العدول و الثقاة من علماء و غير علماء، فتكون بهذا التعاضد مفيدة للوجدان القطعي، و مورثة للجزم و القطع بإمكانية المشاهدة لطلعته الرشيدة و غرته الحميدة- عجل الله فرجه-لمن كان له عقل أو ألقى السمع و هو شهيد.

دلالة خبر السمري

لقد تقدم الوجه في حمل دلالة خبر السمري على التقية، و أوضحنا بأن المورد لا يسمح بمثل هذا الحمل لخطورة المقام، و لأهمية ما يترتب عليه من آثار سيما كونه خاتمة لمرحلة و بداية للغيبة الكبرى، و مناقشة مثل هذا الحمل إنما تكون بعد التسليم بوثاقة راوي الخبر، و هذا- أي التسليم بوثاقة الراوي- مما لم ننتهي إليه من خلال ما تقدم، و لو انتهينا إلى وثاقة الرواي فحينها قد يرد احتمال الحمل على التقية بوجه يدرأ بها الأذى و العدوان عن الحجة- عجل الله فرجه- في مرحلة الغيبة الكبرى، أو يضاف وجه درأ الخطر عن نفس المشاهد أو مدعي المشاهدة، و لكن- كما ذكرنا- مثل هذا الحمل موقوف على إثبات وثاقة راوي الخير من أساسه فتأمل.

و على فرض القول بعدم التقية لعدم احتمال المورد لإمكانية الحمل عليها- بعد فرض التسليم بوثاقة الراوي- فإن في دلالة الخبر الكلام الكثير، فإن الحجة- عجل الله فرجه- كذب مدعي المشاهدة، و قيد: مدعی المشاهدة يحتمل ادعاء المشاهدة بحق و ادعاء المشاهدة بغير حق، و مع إمكان الجمع بين وجوه ما يستفاد من ظاهر دلالة الخبر، فإن حمل المشاهدة المدعاة على المشاهدة المدعاة بغير حق أوجه و أولى في المقام، فيكون المراد من الخبر تكذيب من يدعي المشاهدة بلا بينة من الله و بغير

حق، و بالفعل هذا ما نسب إلى العلامة المجلسي- أعلى الله مقامه- في بحار الأنوار (1)حيث حمل المشاهدة في الخبر، المشاهدة مع ادعاء النيابة، و بأنه يوصل الأخبار منه- عجل الله فرجه .. إلى شيعته على نحو ما كان لسفرائه الأربعة، و الخبر نفسه دليل- لو سلمنا به سنداً و متناً- هو دليل على إمكانية المشاهدة، حيث إنه- عجل الله فرجه- لم ينفي فيه إمكانيتها بالمطلق، بل قيد إمكانية المشاهدة بخروج السفياني و بالصيحة، و قد يقال من خلال سياق الخبر بأن المقصود بالمشاهدة مشاهدة الظهور النهائي و ظهور الخروج المطلق بقيد ربطها بالعلامات الحتمية للظهور و هذا ممکن، غير أن عروض البَداء للعلامات الحتمية كالسفياني و الصيحة على نحو ما قررناه في أنباء البحث، عروض البَداء لهذه العلامات يحول دون الأخذ بمثل هذا القول، على أنه لا مانع من اعتماد هذا التوجيه على فرض أن البَداء ليس لزاماً للعلامات الحتمية، فقد يبدو الله فيها و قد لا يبدو، فيكون غرض الإمام- عجل الله فرجه- هو تكذيب مدعي المشاهدة التي تسبق الظهور النهائي و الخروج الأخير له- عجل الله فرجه- على أساس أن البَداء غير لزومي للعلامات الحتمية فقد يبدو و قد لا يبدو، فقد يكون الأخذ بهذا الوجه على فرض التسليم بالخبر سنداً و متناً، قد يكون الأخذ به هو أقرب الوجوه التي تنفي التعارض بينه و بين أخبار إمكانية المشاهدة المعتبرة الآتية، و الله العالم.

و أخيراً في بحث دلالة الخبر، هل المقصود من أن من يدعي المشاهدة هو كذاب من باب عدم إمكانية المشاهدة؟ أم المقصود به من باب ما قد تستلزمه المشاهدة المدعاة بغير حق من الإخبار عنه عجل الله فرجه؟

الظاهر الوجه الثاني لما تستلزمه المشاهدة المدعاة بغير حق من الإخبار عنه- عجل الله فرجه- لما فيه من الإفتراء عليه، مما يفضي إلى الإفتراء على الرسول صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ بل على الله عز و جل.


1) بحار الأنوار للمجلسي، ج 52، ص 151.

و الظاهر أن القول بكذب مدعي المشاهدة هدفه حفظ مصادر الشريعة في عصر الغيبة، و حصر الرجوع إلى: رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم، على حد ما جاء في توقيعه عجل الله فرجه، و الله المؤيد.

الرأي المختار

الثابت هو إمكانية مشاهدة طلعته الرشيدة و غرته الحميدة عجل الله فرجه، و أثبت ذلك العلماء و المحدثون بأدلة كثيرة ، و دلت على ذلك أخبار معتبرة عديدة عن أهل بيت العصمة و الطهارة صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين، بل تواترت الحكايات و القصص بطرق الثقاة و العدول على ذلك، و شاهده ثلة من فقهاء الإمامية فدلهم على حل معضلات المسائل العلمية، و ظهر على جماعة من العلماء لينجي شيعته من الهلكة في مواطن عديدة، سيما ما تواتر من قصة ظهوره على يد أحد علماء البحرين و نحوه، و لست في معرض طرح ما جاء من حكايات و قصص، أو تواتر منها بطرق الثقاة و العدول لأن ذلك يخرجنا عن المقصد، و من أراد الإطلاع عليها فقد أعدت لبيانها كتب كثيرة.

أما الأخبار المعتبرة التي يمكن الإستدلال بها على الرأي المختار في إمكانية المشاهدة لطلعته الرشيدة و غرته الحميدة- عجل الله فرجه- فعديدة.

منها: ما رواه الخصيبي عن أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلام أنه قال:

يظهر صاحب الأمر و ليست في عنقه بيعة لأحد و لا عهد و لا عقد و لا ذمة، يغيب عن الخلق إلى وقت ظهوره، قال الراوي: يا أمير المؤمنين ألا يرى قبل ظهوره؟ قال عَلَیْهِ السَّلام:

بل يرى وقت مولده و تظهر براهين و دلائل، و تراه عيون العارفين بفضله الشاكرين الكاملين، و يبشر به من شك فيه (1)


1) النجم الثاقب للنوري، ج 2، ص 407، الطبعة المحققة.

أقول: فمورد السؤال الرؤيا له قبل ظهوره، و جوابه عَلَیْهِ السَّلام بأنه تراه عيون العارفين بفضله الشاكرين الكاملين، و علل عَلَیْهِ السَّلام مثل هذه المشاهدات له أنها لكي يبشر به أهل الشك فيه، فالغاية من حصول المشاهدة دفع الشكوك عن وجوده المقدس عجل الله فرجه، و زيادة اليقين بحياته و بقائه عجل الله فرجه، و هذه ثمرة المشاهدة كما أشار إليه كلام أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلام.

و الرؤيا التي تنفي الشك فيه هي الرؤيا التي تكون بالعيان، و من هنا فلا يمكن حمل كلام أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلام عن الرؤيا، لا يمكن حمله على الرؤيا في عالم المنامات، فإن مثل هذه الرؤيا لا تنفى الشك فيه.

و افتتاح أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلام كلامه عن إمكانية الرؤيا من حين مولده- عجل الله فرجه- يوحي بأن الرؤيا مستمرة طوال زمن حياته و ممكنة طوال ذلك، و الجواب من أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلام هو عن السؤال حول إمكانية الرؤيا قبل الظهور عموماً بحسب ما يفهم منه، لذلك فالجواب يشمل إمكانية الرؤيا في فترة ما قبل الظهور كلها، و تخصيصها بمرحلة منها دون أخرى تخصيص بدون مخصص.

و منها: ما روي بسند معتبر عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عَلَیْهِ السَّلام، قال:

لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة، و لا بد له في غيبته من عزلة، و ما بثلاثين من وحشة (1)

أقول: قوله عَلَیْهِ السَّلام: و ما بثلاثين من وحشة يثبت إمكانية مشاهدة


1) الغيبة للطوسي، ص 162 ،ح 121، و الكافي للكليني، الأصول، ج1، ص 340، ح 16، و بحار الأنوار للمجلسي، ج52، ص 153، ح 6، و ص 157، ح 20، و الغيبة للنعماني، ص 188، باب 10، ح 41، و إثبات الهداة للحر العاملي، ج 3، ص 445، باب 32، ح 27، و جنة المأوى للنوري، ص 320، و هذه المصادر روت هذا الخبر جميعاً بأدني تفاوت فراجعه.

هؤلاء الثلاثين له عجل الله فرجه، و هو دليل على أن المشاهدة حاصلة له على الدوام، و من سياق الخبر يفهم أن عزلته- عجل الله فرجه- ترتفع بوجود هؤلاء الثلاثين من حوله.

و منها: معتبرة المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله- عليه السلام- يقول:

إن لصاحب هذا الأمر غيبتين، إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات، و يقول بعضهم قتل، و يقول بعضهم ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولده و لا غيره إلا المولى الذي يلي أمره (1)

أقول: قوله عَلَیْهِ السَّلام: إلا المولى الذي يلى أمره دليل على حصول المشاهدة من المولى الذي يلي أمره لطلعته الرشيدة و غرته الحميدة عجل الله فرجه، و قوله عَلَیْهِ السَّلام: لا يطلع على موضعه أحد من ولده دليل على أن له ولد،فهذه المعتبرة تدل على أن ولده- عجل الله فرجه- لا يطلعون على موضعه، و قد مر في نبأ كناه- عجل الله فرجه-التحقيق فی مسألة الولد فراجعه.

و من يلي أمره- عجل الله فرجه- من مواليه لا يمكن حصره بالفرد الواحد، فإن الدليل لم يدل على أن للمولى الذي يلي أمره ما هو له- عجل الله فرجه- من طول العمر، فلا شك أن هناك موالٍ تعاقبوا على تولي أمره في طول هذه القرون المديدة لغيبته عجل الله فرجه، و تخصيص المولى الذي يلي أمره بسفرائه الأربعة في زمن الغيبة الصغرى لا يساعده ظهور المعتبرة، فإن الحديث فيها عن كلا الغيبتين، و ليس الحديث عن مرحلة


1) الغيبة للطوسي، ص 102، و ص 162، الطبعة المحققة، و الغيبة للنعماني، ص 171، و إثبات الهداة للحر العاملي، ج 3، ص 500، ح280، و بحار الأنوار للمجلسي، ج 52، ص 152.

الغيبة الصغرى فحسب، و قيد اطلاع المولى مقرون بالمرحلة التي لا يثبت فيها على العقيدة فيه- عجل الله فرجه- سوي نفر يسير،و هذا واضح في إرادة مرحلة الغيبة الكبرى.

و منها: ما روي بسنده عن إسحاق بن عمار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لِلْقائِمِ غَیْبَتانِ، اِحْداهُما قَصیرَةٌ وَ الاُْخْری طَویلَةٌ، اَلْغَیْبَةُ الاُْولی لا یَعْلَمُ بِمَکانِهِ فیها اِلاّ خاصَّةُ شیعَتِهِ، وَ الاُْخْری لا یَعْلَمُ بِمَکانِهِ فیها اِلاّ خاصَّةُ مَوالیهِ (1)

و منها: ما روي بسنده عن إسحاق بن عمار- أيضاً- قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لِلْقائِمِ غَیْبَتانِ، اِحْداهُما قَصیرَةٌ، وَ الاُْخْری طَویلَةٌ، اَلْغَیْبَةُ الاُْولی لا یَعْلَمُ بِمَکانِهِ اِلاّ خاصَّةُ شیعَتِهِ، وَ الاُْخْری لا یَعْلَمُ بِمَکانِهِ فیها اِلاّ خاصَّةُ مَوالیهِ في دينه (2)

أقول: و يظهر من الخبرين إمكانية مشاهدته- عجل الله فرجه- ممن ذكر فيهما، فالخواص في الغيبتين يتشرفون بلقائه- عجل الله فرجه- و تكون لهم الحظوة بمشاهدته، و كلا الخبرين يدلان على إمكانية المشاهدة في الغيبة الكبرى دلالة واضحة، و على أن هذه المشاهدة ميسورة لخواص مواليه أرواحنا فداه، و قد مر خبر إسحاق بن عمار الثاني في أخبار النبأ الثالث عشر.

و لو تبنينا التعبير بالغيبة التامة بدلاً من التعبير بالغيبة الثانية في خبر السمري- حيث ورد بالتعبيرين في كتب الغيبة- فإن ذلك- أي الأخذ بعبارة الغيبة التامة- يزيد من إشكال الأخذ بمضمونه، فإن الغيبة التامة لا تكون لمن يشاهده العارفون بفضله و الشاكرون الكاملون، و الثلاثون، و من يلوون أمره، و خواص مواليه.


1) الكافي للكليني، الأصول، ج 1، ص 340، كتاب الحجة، باب في الغيبة، ح19.

2) الغيبة للنعماني، ص 170، ح1.

و إن قلت: إن إطلاع خواص مواليه على مكانه كما يكون بالمشاهدة يكون بغير المشاهدة، كإخبار أهل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام للخواص عن مكانه بنحو الإجمال أو التفصيل من خلال الأخبار المتلقاة بالوسائط عبر اختلاف الأزمنة و الأمكنة و الأشخاص، فأما إخبارهم عَلَیْهِمُ السَّلام بنحو الإجمال كأن يُطلعوا شيعتهم على مكانه- عجل الله فرجه- بدون تحديد الزمان المعين الخاص لحضوره- عجل الله فرجه- في المكان المعين، كأن يخبروا عَلَیْهِمُ السَّلام بتواجده- عجل الله فرجه - في جنائز المؤمنين و في تشييعهم و أنه- عجل الله فرجه- يصلي عليهم، فمثل هذا الإخبار الإجمالي بمكانه- أرواحنا فداه- قد صدر من أهل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام عموماً، و دلت عليه أخبار عدة عنهم عَلَیْهِمُ السَّلام رواها ثلة من المؤرخين و المحدثين كابن شهر آشوب (1)، و القطب الراوندي (2)، و ابن حمزة الطوسي (3)، و غيرهم حيث رووا أخباراً عدة عن أهل بيت النبوة و معدن الرسالة عَلَیْهِمُ السَّلام يذكر فيها حضور المعصومين عَلَیْهِمُ السَّلام عموماً عند جنائز المؤمنين لتشييعهم و الصلاة عليهم و نحوه، و كذا وردت أخبار عن حضوره- عجل الله فرجه- موسم الحج في كل عام، و في مسجد السهلة في كل ليلة أربعاء، و نحو ذلك، فمثل هذا الإخبار الإجمالي تحقق من أهل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام عموماً في مكانه عجل الله فرجه، أما الإخبار التفصيلي فلم يثبت شيء منه عنهم عَلَیْهِمُ السَّلام.

و عليه فاطلاع خواص مواليه على مكانه- عجل الله فرجه- بغير طريق المشاهدة ممكن عن طريق الإخبار الإجمالي الغير محدد بالزمان و المكان المعين بالخصوص، أما إطلاعهم عن طريق الإخبار التفصيلي فهذا مما لم


1) مناقب آل أبي طالب ج 4، ص 291.

2) الخرائج و الجرائح، ج 1، ص 328، و ص 331.

3) مدينة المعاجز للبحراني، ص 460، و ص 106 من الطبعة الحجرية، و إثبات الهداة للحر العاملي، ج 5، ص 575، ح 144، و بحار الأنوار للمجلسي، ج 47، ص 251، ح 23، وج 48، ص 73، ح 100.

يدل عليه دليل فيكون إطلاعهم بدون سبق الإخبار التفصيلي من أهل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام عموماً، و عليه فحمل معنى اطلاع خواص مواليه في خبري إسحاق بن عمار المتقدمين على معنى الإخبار التفصيلي- على النحو الذي بيناه- يكون على خلاف ما يمكن أن يُسْتَظْهر من بطون هذين الخبرين، أو بعبارة أخرى تخصيص معنى الخبرين بهذا الحمل تخصيص بغير مخصص، و هو في معنى الإخبار الإجمالي يُحْتَمَل فتتسع له دائرة بطون الخبرين، أما في معنى الإخبار التفصيلي فلم يدل عليه دليل من أخبار أهل بيت العصمة عَلَیْهِمُ السَّلام، ثم إن مثل هذا الإخبار التفصيلي لو كان منهم عَلَیْهِمُ السَّلام لتنافي مع شروط الغيبة، فلا يمكن اجتماع غيبته- عجل الله فرجه- مع مثل هذا الإخبار التفصيلي، و كيف يكون غائباً من كان شيعته على علم تفصيلي بموضعه؟

إلا أن يقال: إن اطلاع خواص مواليه- عجل الله فرجه- علي موضعه بالعلم التفصيلي الخاص بهم دون سواهم لا يُنافي الغيبة، أما في حال العلم التفصيلي عند عموم شيعته- عجل الله فرجه- فالمنافاة هي من المسلمات، و يجاب عنه بالقول: إن مثل هذا العلم التفصيلي الخاص بالمطلعين على موضعه- عجل الله فرجه- لم يثبت بدليل يحسن السكوت عليه، فإن الإخبار التفصيلي لم يثبت لا لخواص مواليه- عجل الله فرجه- و لا لعموم الشيعة.

و من جملة الأدلة التي يمكن الإستدلال بها على إمكانية المشاهدة إتصافه- عجل الله فرجه- بأنه مجيب المضطر، و مغيث الملهوف، و مقتضاه مشاهدته لكي تحصل الإجابة و الإغاثة في كثير من الأحوال، على أنه- عجل الله فرجه- من الممكن أن يجيب المضطر و يغيث الملهوف بدون تحقق المشاهدة في كثير من الأحوال أيضاً، و قد يقال: إن الولاية التكوينية الثابتة عندنا و عند المشهور له- عجل الله فرجه- تعين على إمكانية الإجابة و الإغاثة بدون المشاهدة، و قد تتفق المشاهدة من الداعي المضطر، و المستغيث الملهوف، قد تتفق هذه المشاهدة منه و لكن دون أن

یعرفه عجل الله فرجه، كما هو حال الكثير ممن تواترت قصصهم من الذين أجيبوا و أدركوا و أغيثوا ممن يجهلون.

و من جملة الأدلة على إمكانية المشاهدة عموم خبر أبي المغرا، عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عَلَیْهِ السَّلام، قال أبو المغرا: سمعته يقول:

من كانت له إلى الله حاجة، و أراد أن يرانا، و أن يعرف موضعه من الله، فليغتسل ثلاث ليال يناجي بنا فإنه يرانا، و يغفر له بنا، و لا يخفى عليه موضعه (1)

أقول: و قد روي هذا الخبر عن أبي المغرا و هو حميد بن المثنى الصيرفي، و قد ذكره النجاشي في رجاله قال: حميد بن المثنى أبو المغرا العجلي، و قال: كوفي تقي ثقة، و ذكره الطوسي في الفهرست فقال: حميد بن المثنى العجلي الكوفي يكنى أبا المغرا الصيرفي ثقة له أصل.

و ذكر بأنه روى عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عَلَیْهِ السَّلام أيضاً.

و قد أفتى السيد بحر العلوم- أعلى الله مقامه- باستحباب الغسل الوارد في خبر أبي المغرا، و عموم ما فيه استدل به على إمكانية مشاهدة الحجة- عجل الله فرجه- في جملة أهل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام، و استدلوا به على الرؤيا في عالمي اليقظة و المنام.

جملة من أقوال بعض فقهاء الإمامية في إمكانية المشاهدة

منها ما قاله السيد المرتضى علم الهدى في جواب من سأله عن إمكانية المشاهدة في عصر الغيبة الكبرى، قال-أعلى الله مقامه -:


1) الإختصاص المنسوب للمفيد، ص 90، الطبعة المحققة.

أول ما نقوله: إنا غير قاطعين على أن الإمام لا يصل إليه أحد، و لا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم، و لا سبيل إلى القطع عليه...

و قال أعلى الله مقامه: -أيضاً-: إنه غير ممتنع أن يكون الإمام- عليه السلام- يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه و امتناعه، و إنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، و لا سبيل له إلى العلم بحال غيره ...(1)

و منها: ما عن الشيخ الطوسي- أعلى الله مقامه- في أجوبة المسائل يقول:

إنا أولاً لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه بل يجوز أن يبرز لأكثرهم، و لا يعلم كل إنسان إلا حال نفسه، فإن كان ظاهراً له فعلََّته مُزاحة، و إن لم يكن ظاهراً علم أنه إنما لم يظهر له لأمر يرجع إليه، و إن لم يعلمه مفصلاً لتقصير من جهته ... (2)

و منها: ما جاء في وصية السيد ابن طاووس لولده محمد في جملة حديثه فيها عن القائم- عجل الله فرجه- يقول أعلى الله مقامه:

و الطريق مفتوحة إلى إمامك- عليه السلام- لمن يريد الله جل شأنه عنايته به و تمام إحسانه إليه ...(3)

و منها: ما ذكره المحقق الآخوند صاحب كفاية الأصول- أعلى الله مقامه- في حديثه في الكفاية عن الإجماعات المنقولة بالخبر الواحد- بناء على القول بحجيتها- ذكر من أقسامها الإجماعات التشرفية، و مفادها التشرف بلقاء الحجة -عجل الله فرجه- و أخذ


1) تنزيه الأنبياء عَلَیْهِمُ السَّلام للسيد المرتضى، ص 182، و ص 184.

2) الغيبة للطوسي، ص 99 الطبعة المحققة، و ص 68، و ص69، الطبعة غير المحققة.

3) كشف المحجة لابن طاووس، ص 154.

الأحكام عنه، و قال أعلى الله مقامه:

و ربما يتفق لبعض الأوحدي وجه آخر من تشرفه برؤيته عليه السلام، و أخذ الفتوى من جنابه، و إنما لم ينقل عنه، بل يحكي الإجماع لبعض دواعي الإخفاء ... (1)

أقول: و لسنا في مورد مناقشة كلامه رفع مقامه، و لكن تقدم بأن مثل هذه الإجماعات تكون حجة على المتشرف دون سواه، و محل الشاهد من كلامه هو قوله بإمكانية اتفاق المشاهدة لمن له مثل هذه الإجماعات التشرفية.

و من جملة أقوال فقهاء الإمامية على إمكانية المشاهدة ما ذكره المحقق التستري- أعلى الله مقامه- في بحثه لوجوه الإجماعات، قال:

الثاني عشر من وجوه الإجماع- و هو ملحق بها- صورة أن يحصل لبعض حملة أسرار الأئمة- عليهم السلام- العلم بقول الإمام الغائب بعينه بنقل أحد سفرائه و خدمته سراً على وجه بفيد اليقين، أو بتوقيعه و مكاتبته كذلك، أو سماعه منه مشافهة على وجه لا ينافي امتناع رؤيته في زمن الغيبة فلا يسعه التصريح بما اطلع عليه و الإعلان بنسبة القول إليه و لا يجد في سائر الأدلة الموجودة العلمية ما ينهض إثبات ذلك ... (2)

أقول: و له كلام طويل- أعلى الله مقامه- أعرضنا عن ذكره لكفاية ما ذكر على المقصود.

و من أقوال فقهاء الإمامية في إمكانية المشاهدة ما ذكره السيد بحر العلوم- أعلى الله مقامه- في بحثه مسألة الإجماعات حيث يقول:


1) كفاية الأصول المقصد السادس في بحث الأمارات، بحث الإجماع المنقول، ص 288، و ص 289، طبعة مؤسسة آل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام لإحياء التراث في بيروت، الطبعة المحققة.

2) كشف القناع، بحث وجوه الإجماع، ص 230، و ص231، الطبعة الحجرية.

و ربما يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الإمام- عليه السلام- بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه- عليه السلام- فيبرزه في صورة الإجماع جمعاً بین الأمر بإظهار الحق و النهي عن إذاعة مثله بقول مطلق ... (1)

أقول: و في نقلنا لبعض هذه الأقوال غايتنا منه موضع الشاهد و هو إمكانية المشاهدة، و لم نذكر أدلتهم لكوننا اكتفينا بما طرحنا في مقام الإستدلال على الرأي المختار، كما أننا لم نناقش في أقوالهم في الجملة، للسبب الذي ذكرناه.

أللهم إني أسألك بحق وليك و حجتك، صاحب الزمان إلا أعنتني به على جميع أموري، و كفيتني به مؤنة كل مؤذ، و طاغ وباغ، و أعنتني به، فقد بلغ مجهودي، و كفيتني كل عدو وهم و غم و دين و ولدي، و جميع أهلي، و إخواني و من يعنيني أمره، و خاصتي، آمين رب العالمين.

أللّهُمَّ کُن لِوَلِیِّکَ القائِمِ بِأَمرِکَ الحُجَّةِ بنِ الحَسَنِ المَهدِیِّ فی هذِهِ السّاعَةِ و فی کُلِّ ساعَةٍ وَلِیّاً، و حافِظاً،و قائِداً، و ناصِراً، و دَلیلاً و مُؤَیِّداً حَتّی تُسکِنَهُ أرضَکَ طَوعاً، و تُمَتِّعَهُ فیها طولاً و عَرضاً، بِرَحْمَتِكَ یَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِینَ.

و أنا المنتظر الولهان أقل خدمة بقية الله في أرضه إبراهيم بن أحمد بن عباس بن حسين بن علي بن محمد آل خازم العاملي عامله الله و والديه بلطفه بشفاعة النبي و عترته صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين، و آخر دعوانا أن ربنا اغفر و ارحم و أنت خير الراحمين، و الحمد لله رب العالمين.


1) الفوائد الرجالية، ج3، ص 321.

إقامَةُ الحُجّة عَلَى مَن أنْكَر ولادة الحُجَّة

الشيخ جاسِم الوائلي

مركزُ المُرتضى لإحياء التُراث و البُحُوث الإسلاميَّةُ

اسم الكتاب: ... إقامة الحُجَّة على من أنكر ولادة الحُجّة.

المؤلف: ... الشيخ جاسم الوائلي.

الناشر: ... مركز المرتضى لإحياء التراث و البحوث الإسلامية.

المطبعة: ... دار الكفيل للطباعة و النشر و التوزيع.

الطبعة: ... الأولى.

عدد النسخ: ... 500.

تاريخ الطبع: .... 1443ه- / 2022 م.

محفوظَة جَمیع الحقوق

المرتضى

موءسسة المرتضى للثقافة و الارشاد مرکز المرتضى لاحياء التراث و البحوث الإسلامية

العراق- النجف الاشرف

الإيراد الخامس: أنّ التوقيع الذي خرج على يد السفير الرابع علي بن محمد السّمري رضی اللهُ عنْه قُبيل وفاته يكذب أخبار اللّقاء قاطبة، و معه لا يصحّ التمسُّك بتلك الأخبار في إثبات وجود المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف المستلزم لثبوت ولادته بالفعل.

و هذا نصّ التوقيع: بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِیم یَا عَلِیَّ بنَ مُحَمَّدٍ السَّمُریَّ، أَعظَمَ اللّهُ أَجرَ إِخوَانِکَ فِیکَ، فَإِنَّکَ مَیِّتٌ مَا بَینَکَ وَبَینَ سِتَّهِ أَیَّامٍ، فَأَجمِع أَمرَکَ وَ لَا تُوصِ إِلَی أَحَدٍ یَقُومَ مَقَامَکَ بَعدَ وَفَاتِکَ، فَقَد وَقَعَت الغَیبَهُ الثَّانِیَةُ (و فی نسخة: التامّة، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعدَ إِذنِ اللّهِ عزّ و جلّ، وَ ذَلِکَ بعَدَ طُولِ الأَمَدِ، وَ قَسوَةِ القُلُوبِ، وَ اِمتِلَاءِ الأَرضِ جَوراً، وَ سَیَأتِی شِیعَتِی مَن یَدَّعِی المُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَن ادَّعَی المُشَاهَدَةَ قَبلَ خُرُوجِ)

السُّفیَانِیِّ وَ الصَّیحَةِ فَهُوَ کَاذِبٌ مُفتَرٍٍ، وَ لَا حَولَ وَ لَا قُوَّهَ إِلَّا بِاللّهِ العَلِیِّ العَظِیمِ (1) و جوابه من وجهين:

الأوّل: أنّه لا يصلح دليلاً على كذب أخبار اللّقاء ما لم يثبت أنّ المراد بالمشاهدة المنفيّة فيه هو مطلق المشاهدة، و هو محلّ خلاف بين العلماء؛ لوجود احتمالات أخرى وجيهة لا يبقى مع وجاهتها إطلاق للفظ المشاهدة.

فمنها: ما احتمله العلّامة المجلسي قدس سرِّه، من كون المراد بها خصوص المشاهدة المقترنة بدعوى السفارة اعلان عن الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

و منها: ما احتملناه- لقرائن في نفس التوقيع- من كونها المشاهدة المقترنة بدعوى ظهور الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و انتهاء غيبته (2)، و على هذين الاحتمالين لا يرد الإشكال المذكور؛ لأنّ نفي المشاهدة المقترنة بإحدى الدعويين لا يستلزم نفي المشاهدة الخالية من كلا الدّعويين، و جميع أخبار اللّقاء التي نقلها الأعلام خالية منهما بحمد الله.

ثانيهما: أنّ الإيراد المذكور ليس في صالح منكري ولادة المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف؛ لا بتنائه على التسليم بأنّ السّمري آخر نوّابه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و أنّ التوقيع توقيعه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، ما يعني الإعتراف بوجوده عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، فكيف ينكرون ولادته؟!.


1) إكمال الدين و تمام النعمة: ب 45 /ح 44.

2) تعرّضنا لذلك في مقال بعنوان: (تحصين الأنام من دعاوى الاتّصال بالإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف)، و قد نشرته مجلّة الموعود: العدد 4/ص 58. و هي مجلّة علميّة تخصّصيّة نصف سنويّة تصدر عن مركز الدّراسات التخصّصيّة في الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

روافد مَهدویَة

أَبْحَاثٌ عِلمِيةِ فِي قَضّيَةِ الْإِمَامُ المَهْدِي

الشيخ حسن عبد الله الهودار الأحسائي

الامانة العامة

للعتبة

المقدسة

قسم الشوون الدينية

شعبة البحوث و الدراسات

الهوادر الاحسائي، حسن عبد الله، مؤلف.

روافد مهدوية: ابحاث علمية في قضية الامام المهدي عليه السلام/ تأليف الشيخ حسن عبد الله الهوادر الاحسائي: حرره و كتبه الشيخ قاسم المشعل: راجعه و اشرف عليه الشيخ احمد حسين العبيدان.

-الطبعة الاولى.- كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، قسم الشؤون الدينية، شعبة البحوث و الدراسات، 2022/ 1443 للهجرة.

386 صفحة: 24 سم.- (العتبة الحسينية المقدسة: 1028)، (قسم الشؤون الدينية:)، (شعبة البحوث و الدراسات:).

يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

1.

المهدي المنتظر, محمد بن الحسن بن علي (عليه السلام) الامام الثاني عشر ولد 256 للهجرة.

2.

المهدوية.

3.

المهدوية - حديث.

4.

المهدوية -- دفع مطاعن.

5.

عقائد الشيعة الامامية. 1. المشعل، قاسم- محرر. ب. العبيدان، أحمد بن حسين- مراجع. ج. العنوان.

BP194.1.H39 2022

تمت الفهرسة قبل النشر في شعبة نظم المعلومات التابع لقسم الشؤون الفكرية العتبة الحسينية

<تصميم و اخراج محمد صاحب المعمار

الإشكال الرابع

لا يمكن الاعتماد على القسم الثالث من أخبار الرؤيا كقصة العلامة الحلي و بحر العلوم و غيرهما؛ و ذلك لأنّ الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام بنفسه قال بأنه لا يمكن الرؤيا في زمان الغيبة الكبرى، كما في مكاتبته للسفير الرابع السمري حيث جاء فيها: بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِیمِ، یَا عَلِیَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السمری، أَعْظَمَ اَللَّهُ أَجْرَ إِخْوَانِکَ فِیکَ، فَإِنَّکَ مَیِّتٌ مَا بَیْنَکَ وَ بَیْنَ سِتَّةِ أَیَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَکَ، وَ لاَ تِوصِ إِلَی أَحَدٍ فَیَقُومُ مَقَامَکَ بَعْدَ وَفَاتِکَ، فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَیْبَةُ اَلتَّامَّةُ فَلاَ ظُهُورَ إِلاَّ بَعْدَ إِذْنِ اَللَّهِ تَعَالَی ذکره، وَ ذَلِکَ بَعْدَ طُولِ اَلْأَمَدِ، وَ قَسْوَةِ اَلْقَلْبِ، وَ اِمْتِلاَءِ اَلْأَرْضِ جَوْراً، وَ سَیَأْتِی مِنْ شِیعَتِی مَنْ یَدَّعِی اَلْمُشَاهَدَةَ، أَلاَ مَنْ ادَّعِی اَلْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْیَانِیِّ وَ اَلصَّیْحَةِ فَهُوَ کَذَّابٌ مُفْتَرٍٍٍٍ، وَ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ اَلْعَلِیِّ اَلْعَظِیمِ. فالإمام بنفسه صرّح بتكذيب كلّ من يدّعي المشاهدة في زمن الغيبة و قبل خروج السفياني.

إذاً، فلا يصحّ إثبات الولادة المهدوية بالقسم الثالث من الأخبار.

الجواب:

أولاً: إنّ هذه الرواية قد يناقش في سندها من جهة الراوي و هو المكتب حيث لا طريق لتوثيقه إلا ترضي الصدوق أو شيخوخة الإجازة، و هما محلّ نظر، و إن كان التحقيق خلاف ذلك.

و ثانياً: على فرض صحة الرواية فهي خبر آحاد لا تفيد إلا الظنّ، فلا تصلح لإثبات هذه القضية المعرفية.

و ثالثاً: على فرض قبول الرواية و إن كانت خبر آحاد، فهي معارضة بأخبار المشاهدة، و هي قطعية لكونها من المتواترات، و هذا يوجب سقوط الخبر الظني عن الحجية.

و رابعاً: على فرض عدم سقوط هذا الخبر الظني سنداً عن الحجية إلا أنه لابدّ من سقوط ظهوره عن الحجية بعد قيام التواتر على المشاهدة، و بالتالي فلابدّ من توجيه هذا الخبر بمعنى آخر، و قد ذكر العلماء عدّة توجيهات نذكر بعضها:

التوجيه الأول: ما ذكره العلامة المجلسي (1)و السيد الخوئي (2): بأنّ المقصود من المشاهدة هو النيابة عن الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، فإذا أتى شخص و قال بأنه نائب خاص و سفير عن الإمام المهدي في زمن الغيبة الكبرى فهو كذّاب؛ لأنّ باب السفارة قد انقطع.

التوجيه الثاني: ما ذكره السيد بحر العلوم: بأنّ المقصود من المشاهدة أن يدّعي الشخص أنه يرى الإمام و يعلم حين مشاهدته للإمام أنه الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و لا أن يعلم به بعد المشاهدة (3)

التوجيه الثالث: يحتمل بأنّ المقصود من المشاهدة هو أن يدّعي الشخص أنه يستطيع لقاء الإمام و مشاهدته أي وقت شاء.

و على جميع هذه التوجيهات لا يسعنا رفض هذه الأخبار؛ و ذلك لأنّ هؤلاء الأعلام الذين التقوا بالإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف لم يدّعوا السفارة، و لم يدّعوا المعرفة به وقت المشاهدة، و لم يدّعوا تمكّنهم من المشاهدة في أيّ وقت، فتدبّر جيّداً.


1) بحار الأنوار، ج52، ص 151.

2) صراط النجاة، ص 449.

3) الفوائد الرجالية ج3 ص 318 .

خامساً: إنّ الامام عَلَیْهِ السَّلام لم ينف المشاهدة، و إنما أمر بتكذيب من يدّعي المشاهدة لأنه عادةً يكون الشخص المدّعي لذلك يريد مصلحةً شخصيةً من هذه الدعوى، و لو أراد الإمام نفي المشاهدة مطلقاً لقال: و لا تمكن الرؤية في زمن الغيبة مثلاً، و هؤلاء الأعلام الذين ادّعوا المشاهدة لم يطلبوا بذلك مصلحةً لأنفسهم، بل ما علم حال بعضهم إلا بعد وفاته.

سادساً: توجد عندنا روايات تدلّ على أنّ الإمام المهدي يلتقي ببعض المؤمنين في زمان الغيبة الكبرى، و هذا يؤيّد أنه ليس المقصود من تكذيب المدّعي في هذه الرواية هو امتناع الرؤيا. و على سبيل المثال نذكر روايتين:

الرواية الأولى: عن أبي بصير، عن أبي جعفر قال: لابُدَّ لِصاحِبِ هذا الأَمْرِ مِنْ عُزْلَهٍ و لابُدَّ فِی عُزْلَتِهِ مِنْ قُوَّهٍ و ما بِثَلاثِینَ مِنْ وَحْشَهٍ وَ نِعْمَ المَنْزِل طَیِّبَه (1)

فهي تدّل على أنّ هناك ثلاثين شخصاً يستأنس بهم الإمام عَلَیْهِ السَّلام في غيبته، و هذا يدلّ على أنّ هناك من يلتقي به في الغيبة الكبرى.

الرواية الثانية: عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبدالله عَلَیْهِ السَّلام: لِلْقائِمِ غَیْبَتانِ اِحْداهُما قَصِیرَةٌ وَ الاُخْری طَوِیلَةٌ، الغَیْبَةُ الاُولَی لا یَعْلَمُ بِمَکانِهِ فِیها اِلّا خاصَّةُ شِیعَتِهِ، وَ الاُخْرَی لا یَعْلَمُ بِمَکانِهِ فِیها اِلَّا خَاصَّةُ مَوالیهِ (2)

فهذه الرواية تدلّ على أنّ الخاصة من الموالين يلتقون بالإمام.

و المتحصّل اندفاع هذه الإشكال.


1) الغيبة، ص 162.

2) الكافي، ج 1، ص 340.

الأجماع التَّشرُّقي بِلِقاء الامامِ المَهديّ عَلَیْهِ السَّلام

دَلالَتَهُ. حَقيقَتَهُ. حُجِیَتْهُ

الحجة بن الحسن القائم

بِقَلَمِ

السَّيِّد مَحمود المُقدَّس الغُرَيفی

الطبعة الأولى/ 1430 ه- - 2009م

الطبعة الثانية / 1435 ه- - 2014م

مزيدة و منقحة

دوءی

للطباعة و النشر

النجف الأشرف

هاتف : 00964/7711616699

7805757479 /00964

E-mail:dar_roaa@yahoo.com

الإجماع التشرفي

قال المحقق الخراساني قدس سره في (كفاية الأصول): و ربما يتفق لبعض الأوحدي وجه آخر من تشرفه برؤيته عليه السلام و أخذه الفتوى من جنابه، و إنما لم ينقل عنه، بل يحكي الإجماع لبعض دواعي الإخفاء. (1)

و الأوحدي هو الرجل الفذ، البالغ غاية الكمال ما عدا العصمة الواجبة لأهلها، على ما فُسر.

و قد عَدّ بعض الفقهاء جملة من دواعي الإخفاء:

منها: انه قد وردت عن الحجة أخبار كثيرة آمرة بتكذيب مدعي الرؤية في الغيبة الكبرى، و المراد من الأمر بالتكذيب هو ترتيب آثار الكذب على خبر مدعي الرؤية، فيلزم من تصريحه بالملاقاة تعريض نفسه للتكذيب، و عدم الأخذ بالحكم الذي نقله عنه عليه السلام، فينتفي الغرض الذي دعاه لنقل الحكم.

و منها: إن نقله عن الإمام عليه السلام تصريحا يدل على


1) كفاية الأصول- الآخوند الخراساني ص 288- 289.

انه من أهل مقام التشرف بخدمته عليه السلام، و هو لا يريد أن يعرف عنه ذلك.

و منها: انه لو عرف عنه و شاع انه ممن يجتمع به_ عجل الله فرجه_ لا ضطره الناس لان يسأل منه عليه السلام في غالب أمورهم، فتنقلب الغيبة الكبرى إلى مثل الغيبة الصغرى، و قد حكمت المصلحة الملزمة في أن تكون غيبته كبرى لا يعرف فيها شخص معلوم يراه و يجتمع به. (1)

و منها: التقية كما في بعض الأزمان (2)

و منها: دفعا لتهمة الرياء و السمعة، أو طلب الرئاسة، أو جَرُّ نفع شخصي و نحوها.

حقيقة الإجماع التشرفي:

أقول.. إن حقيقة دعوى الإجماع على حكم شرعي نُقل عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف عند التشرف بلقائه زمن الغيبة الكبرى مبنية على المسامحة، و انه ليس إجماعا حقيقة بل أجنبي عنه، إذ أن ادعاءه بالنسبة إلى السبب هو من


1) بداية الوصول في شرح كفاية الأصول- الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي ج 5- شرح ص 276.

2) منتهى الدراية- السيد محمد جعفر الشوشتري ج 4- شرح ص 353- 354.

قبيل الكناية، حيث أن المراد به حقيقة هو المكنى عنه أي الإمام عليه السلام، و الغرض منه توصيل رأيه عليه السلام،و نقل الحكم الشرعي المأخوذ عنه بهذه الدعوى بحكاية الإجماع، فيقول هذا الحكم مما قام عليه الإجماع، مریدا به نفس الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإنه عليه السلام واحد كالكل، و لأجله خلق البعض و الكل، فبهم فتح الله و بهم يختم (1)و ذلك خوفا من التصريح بالمدرك الحقيقي للحكم، خوفا من اتهام مدعيه_ أي مدعي الإجماع_ الملازم لرؤية الإمام عليه السلام و التشرف بخدمته، بمنافاته للكتمان المفروض شرعا، و دفعا للاتهام بالرياء و السمعة، و طلب المنزلة و الرفعة بصورة أو أخرى، أو تكذيبه حيث يستوجب ذلك تعبدا، تبعا للتوقيع الشريف المروي عن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي خرج على يد آخر السفراء الأربعة الشيخ علي بن محمد السمري رضي الله عنه في الغيبة الصغرى.

و قد رواه الشيخ الصدوق قدس سره في كتابه (كمال الدين و تمام النعمة)، و غيره (2)، قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن


1) اصطلاحات الأصول- المشكيني ص 24.

2) الغيبة- الشيخ الطوسي ص 395، الاحتجاج- الشيخ الطبرسي ج 2 ص 297.

أحمد المكتِّب قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري_ قدس الله روحه_ فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُريَّ أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَأَجْمِعْ أَمْرَكَ، وَ لَا تُوصِ إِلَىٰ أَحَدٍ، يَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ الثَّانِيَةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْن اللهِ عز و جل، وَ ذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الأَمَدِ وَ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَ امْتِلَاءِ الأَرْضِ جَوْراً، وَ سَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَن ادَّعَىٰ المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَ الصَّيْحَةِ، فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

قال: فنسخنا هذا التوقيع و خرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه و هو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه.

و مضى رضي الله عنه، فهذا آخر كلام سُمع منه (1)

و من نافلة القول، الكلام في سند هذا الحديث الشريف، فانه و بالرغم من شهرته بين الاصحاب، فإن الطائفة مجمعة على


1) كمال الدين و تمام النعمة- الشيخ الصدوق ص 516.

العمل بمضمونه، و هذا يغنينا عن النظر في سنده مع اعتباره و صحته.

قال السيد محمد تقي الأصفهاني قدس سره: اعلم أن هذا حديث صحيح عال اصطلاحا؛ لأنه مروي عن مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف بتوسط ثلاثة أشخاص:

الأول: الشيخ الأجل أبو الحسن علي بن محمد السمري_ السفير الأخير للإمام المهدي_ و هو لجلالته و اشتهاره غني عن البيان.

و الثاني: الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، و هو أيضا لاشتهاره و اشتهار كتابه و جلالة قدره لا يحتاج إلى التوضيح.

و الثالث: أبو محمد الحسن بن أحمد المكتِّب، و هو كما ذكره الفاضل الألمعي المولى عناية الله في (مجمع الرجال): أبو محمد الحسن بن الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتِّب، و يروي عنه الصدوق مكررا مترضيا مترحما، و هذا من أمارات الصحة و الوثاقة، كما نبّه على ذلك المولى المزبور في (مجمعه)، و ذكر له شواهد عديدة، ليس هنا موضع ذكرها، و المكتِّب بكسر التاء المشددة من يُعلم الكتابة.

ثم نبه على أمر، فقال: قد وقع هنا سهوان في كتابين من كتب علمائنا رحمهم الله تعالى، ينبغي التنبيه عليهما:

الأول: في كتاب (الغيبة) للشيخ الأجل أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي رضي الله عنه ففيه: _في النسخة التي عندي هكذا- أخبرنا جماعة عن أبي جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه، قال: حدثني أبو محمد أحمد بن الحسن المكتِّب، قال: كنت بمدينة السلام، و ساق الحديث.. مثل ما نقلناه عن (كمال الدين) لابن بابويه رضي الله عنه.

و قد عرفت أن الذي روى عنه ابن بابويه حسن بن أحمد- و ليس أحمد بن الحسن كما في كتاب (الغيبة)_ و الظاهر أن السهو في كتاب الشيخ الطوسي وقع من النساخ، و يؤيد وقوع السهو فيه من بعض النساخ أن الحاج ميرزا حسين النوري رضي الله عنه نقل هذا الحديث في (جنة المأوى) من (غيبة) الشيخ عن الحسن بن أحمد المكتِّب_ كما في كتاب الصدوق_ و الله تعالى هو العالم.

و الثاني: في كتاب (مستدرك الوسائل) للعالم المحدث المتتبع الحاج ميرزا حسين النوري رضي الله عنه فإنه مع سعة باعه، و كثرة اطلاعه، و اهتمامه في استقصاء أسماء مشایخ الصدوق، غفل عن ذكر هذا الشخص الجليل_ أبي محمد الحسن بن أحمد المكتِّب_ الذي روى عنه الصدوق مكررا مترضيا مترحما، و أمثال هذه الأمور مما يبعث العالم على الفحص

و التتبع، و يوجب له الظفر بما غفل عنه من قبله، فعليكم يا إخواني بالسعي، و الاجتهاد، فإن الله لا يخيب كل طالب مرتاد.

و مما يدل أيضا على وقوع السهو و الاشتباه في كتاب الشيخ- بعكس اسم الراوي_ و على غفلة صاحب المستدرك عن ذكر ذلك الشيخ رضى الله عنه، أن المولى عناية الله المذكور نقل الحديث المسطور عن كتاب (ربيع الشيعة) لابن طاووس، حاكيا عن الحسن بن أحمد المكتِّب.

فتبين بحمد الله تعالى و عونه، أن الراوي عن أبي الحسن السمري رضي الله عنه هو الحسن بن أحمد الذي روى عنه ابن بابويه رضي الله عنه.

و مما يدل على صحة هذا الحديث و صدوره عن الإمام أيضا، أن الشيخ الطبرسي رضي الله عنه صاحب كتاب (الاحتجاج ) ذكره مرسلا، من دون ذكر السند، و التزم في أول الكتاب و صرح: بأنه لا يذكر فيه سند الأحاديث التي لم يذكر أسانيدها، إما بسبب موافقتها للإجماع، أو اشتهارها بين المخالف و المؤالف، أو موافقتها لحكم العقل.

فظهر أن الحديث المذكور أيضا كان غنيا عن ذكر السند؛ إما لموافقة الإجماع، أو لاشتهاره، أو لكليهما جميعا.

و مما يدل أيضا على صحته، أن علماءنا من زمن الصدوق

رضي الله عنه إلى زماننا هذا استندوا إليه، و اعتمدوا عليه، و لم يناقش و لم يتأمل أحد منهم في اعتباره، كما لا يخفى على من له أنس و تتبع في كلماتهم و مصنفاتهم.

فتبين من جميع ما ذكرناه أن الحديث المذكور من الروايات القطعية، التي لا ريب فيها، و لا شبهة تعتريها، و هو مما قال فيه الإمام عليه السلام: فإن المجمع عليه لا ريب فيه (1)

ثم أن الوجدان و الحس، و الواقع العملي، و السيرة الجارية للشيعة الإمامية من الغيبة الكبرى حتى يومنا هذا، كلها تنطق بصدق هذه الرواية، و تشهد على صحة صدورها؛ لأنه ما ظهر مدعوا المهدوية، و لا السفارة أو النيابة عنه، و لا المشاهدة و الرؤية المشخِصة له، الا كذبته الايام و الليالي و الوقائع و الأحداث، و القرائن و الدلائل، و لا يكون ذلك ما لم تُسمع الصيحة و يخرج السفياني، و هذا مما يرفع قيمة هذه الرواية، العلمية و الاعتبارية، على فرض التشكيك بها.

و من ذلك دعوى المدعي ان هذه الرواية خبر واحد لا تفيد العلم؟!!

و غير خاف على النبيه أن خبر الواحد المحفوف بالقرائن يفيد العلم، و خبرنا هذا قد اشتهر بين الأصحاب، بل وقع عليه


1) انظر مكيال المكارم- الأصفهاني ج 2 ص 333- 335.

الاجماع من الطائفة على العمل بمقتضاه بعد أن تلقّاه الاصحاب بالقبول و الرضا، و هذا يوجب العلم عادة بصدقه و صحة صدوره، مع عدم وجود الطاعن فيه، أو المعارض لمضمونه من الاصحاب المتقدمين و لا من المتأخرين، من الذين يُعتَدّ بهم، و بوزنهم العلمي و ثقلهم المعرفي، و لا ستحالة تواطئهم على القول الباطل و خفاء الحق بينهم.

و مما يؤيد رواية الشيخ السمري في التوقيع الأخير و يعضدها ما روي بسند صحيح أن الإمام عليه السلام يغيب عن شيعته و لا يراه أحد منهم، و لا يلتقي بهم، و أن عليهم التمسك بما في أيديهم من العلم إلى حين ظهوره عليه السلام، منها ما رواه الثقة الجليل الشيخ محمد بن إبراهيم النعماني في كتابه (الغيبة) بسنده عن عبد الله بن سنان،قال: دخلت أنا و أبي على أبي عبد الله عليه السلام فقال: كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى، و لا علما يرى؟ فلا ينجو من تلك الحيرة إلا من دعا بدعاء الغريق.

فقال أبي: هذا و الله البلاء، فكيف نصنع جعلت فداك حينئذ؟

قال عليه السلام: إذا كان ذلك و لم تدركه فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الأمر (1)


1) الغيبة- النعماني ص 161- 162.

و روى الصدوق رضي الله عنه بسنده عن الحارث بن المغيرة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: هل يكون الناس في حال لا يعرفون الإمام؟.

فقال: قد كان يقال ذلك.

قلت: فكيف يصنعون؟.

قال: يتعلقون بالأمر الأول، حتى يستبين لهم الأخر (1)

و روی رضوان الله تعالى عليه بسنده عن أبان بن تغلب، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه سبطة يأرز العلم فيها...

قال: قلت: و ما السبطة؟

قال: الفترة و الغيبة لإمامكم.

قال: قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟

فقال: كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم (2)

و دعوى أننا لا بد أن نلتزم بتكذيب دعاوى الرؤية تعبدا، طاعة للأمر الوارد في التوقيع الأخير للشيخ السمري، مما لا يكاد يصح، فانه خلاف ظاهر الحديث بل صريحه، حيث يقول:


1) كمال الدين و تمام النعمة- الشيخ الصدوق ص 351-350.

2) كمال الدين و تمام النعمة- الشيخ الصدوق ص 349.

فهو كذاب مفتر، الدال على عدم مطابقة قوله للواقع، و لم يقل فكذبوه، ليكون من قبيل الأمر الصادر من الإمام ليطاع تعبدا؟ (1)

أقول: عجبا، و ما هي دلالة و مفهوم قوله: (عدم مطابقة قوله للواقع)؟ الا عدم تصديقه و عدم الاعتماد على قوله،المخالف للواقع؛ لأنه (كذاب و مفتر) كما شخصه الإمام عليه السلام، و الكذاب و المفتري فاسق لا يصدق.

و بدلالة مفهوم قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاءٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (2)، فتأمل.

بل و إن كانت هذه الدعاوى ناتجة عن خطأ و اشتباه و وهم، فان مفهوم قول الإمام (كذاب و مفتر) يدفعه أيضا؛ لان الصادق لا يدعي الرؤية. و الله العالم.

اذاً، فمن مجموع ذلك كله، فان في اعتبار هذه الرواية و التوقيع الشريف اساس متين، فالالتزام بها و الاعتقاد بمضمونها تمسك بالعروة الوثقى، و سلوك الطريق الأمين...



1) الغيبة الصغرى- السيد محمد الصدر ص372.

2) سورة الحجرات/ آية 6.

على أن هذا النحو من الإجماع_ أي الإجماع التشرفي_ لم يدعه أحد من العلماء، و إنما حدسه البعض حينما لم يجدوا لبعض دعاوى الإجماع ما يعضدها (1)و بنوا على إعمال نظرهم و حدسهم في توجيه هذا الإجماع المُدعى، لا عن طريق العلم و الحس بوقوعه فعلا، و إنما عكاز يتكئون عليه في حال ضعف الدليل أو انتفائه.

على أنه لابد من إعمال النظر و التفحص في أصل الدعوى، إذ ربما ينسب هذا الإجماع إلى إحدى الطرق التي يستكشف منها الإجماع المارة الذكر، أو تفريعاتها، أو قد تكون منتزعة منها بوجه ما، أو ربما رجوع مبناه في الحكم إلى قاعدة يعتقد مدعي الإجماع على تسالمها عند الفقهاء، فتكون دعواه للإجماع مبنية على تلك القاعدة مع الاعتقاد بتسالم الفقهاء عليها، و غير ذلك، فتأمل.

إلا انه إنما تثمر هذه الدعوى- *** على فرض ثبوتها و حجيتها- حيث ينفرد هذا الأوحدي بدعوى الإجماع، و أما إذا سبقه من غير أهل رتبته مُدعٍٍ للإجماع، فإنه من المحتمل أن يكون دعواه للإجماع لقاعدة اللطف، أو العادة، أو الاتفاق الحدسي، و لا يدل دعواه للإجماع غير المتفرد به على أنه قد تشرف و أخفاه لبعض دواعي الإخفاء التي مرت الإشارة إليها (2)


1) المعجم الأصولي- صنقور ص 35.

2) بداية الوصول في شرح كفاية الأصول- محمد طاهر آل الشيخ راضي ج ه- شرح ص 297- 298.

و في توجيههم إلى هذا القول، و هذه الدعوى المنهي الاعتماد عليها في المذهب الإمامي، فقهاً و عقيدة، نصاً و إجماعا، محل إشكال و ريبة، و ان كنا لا نمنع من رؤية الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف في الجملة، مع عدم تحديد هُويتهِ مطلقا.

و لا أرى في عقيدتي وجها مبررا لذلك، إلا شدة التمسك بحسن الظن في علمائنا الأبرار (1)، و ان كانوا أهلا لذلك رضي الله عنهم، إلا انه ليس كل ما يقال عنهم و فيهم يجب التصديق به، و أخذه على نحو المسلمات، و اني لا أرى أنهم_ أي علماءنا الأبرار_ يوافقون على هذه الدعوى في حقهم، و في مقام توجيه دعواهم للإجماع إلى مقام التشرف بلقاء الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، أو ينسبون ذلك لأنفسهم على نحو القطع أو الجزم.


1) نقل ليّ بعض أساتذتي من طرائف ما يروى عن شيخنا المرتضى الأنصاري قدس سره انه في إحدى زياراته إلى الإمام الحسين عليه السلام تأخر في الوصول إلى مدينة النجف الأشرف ليلا حيث تغلق أبواب سور النجف و لا يدخلها احد أو يخرج منها إلى الفجر، فبات الشيخ الأنصاري و من معه ليلته خارج السور إلى الفجر حيث فتحت الأبواب، فهمس الشيخ الأنصاري قدس سره في أذن احد أصحابه و قال له: بعد موتي سيقول الناس إن الشيخ الأنصاري مَرّ على أبواب سور النجف ليلا، و كانت مغلقة فأراد أن يدخل، و إذا بالأبواب قد فتحت وحدها... و هذا الأمر ليس بالغريب.

و من المعلوم لمن استعرض أخبار المشاهدة و الرؤية أن أكثرها يتضمن نقلا للحادث، و لكن صاحب الحادثة لا يُخبر عن دعوى الرؤية بالصراحة و الوضوح، و أنه قد شاهد الإمام المهدي عليه السلام، الا أن السامع و الناقل للحادثة يستنتج من ذلك أن يكون صاحب القصة قد التقى بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، و لو بعد تعدد النقل و الوسائط، أو بعد مضي فترة زمنية طويلة على الحكاية، و ربما قد يصدر من صاحب الحادثة ذلك..!؟.

و على فرض إمكان الرؤية زمن الغيبة الكبرى لبعض حملة الأسرار في الجملة، فلا ينبغي أن يُصَدَق على ذلك، تبعا للنص الوارد، و إن لم نُكذبه لِعلّة ما، بل على المدعي عدم ذكر ذلك_ إن ثبت_ على أي نحو من الدلالة، احترازا عن الاتهام؛ و كما قيل: الصادق لا يدعي الرؤية.


هذا و بعد تتبعي و استقصائي بما تيسر ليّ مَنْ الجهد، لم اعثر على مَنْ تُنسب إليه هذه الدعوى، و هي دعوى الإجماع التشرفي، الملازمة لرؤية الإمام المهدي عليه السلام، أو قل اشتهار النسبة لهم، إلا لعلمين من علمائنا الأبرار أو ثلاثة، و هم السيد مهدي بحر العلوم، و المولى احمد المقدس الأردبيلي قدس سرهما، على أنهما لم يدعيا لقاءهما بالإمام عليه السلام جزما، و لم ينقل عنهما ناقل بطريق معتبر ادعاءهم ذلك،

بل جرى نقل الكلام من بعض التابعين و العوام، ممن لا يُعتمد على قولهم، و دقة نقلهم، و احتياطهم_ و إنْ اتصفوا بالإيمان_ الذين يصورون الأمور و يضخمونها أكثر من حجمها الطبيعي، و يعطونها صبغة القداسة، لبساطتهم و سذاجتهم، و قلة احتياطهم، و شدة تمسكهم و اعتقادهم فيهم، و حسن ظنهم بهم إلى درجة قد يوصلونهم إلى العصمة الواجبة لأهلها، و قد تنتهي إلى هكذا دعاوى_ و ليس هذا بغريب عن أيامنا هذه_ على أن مكانتهما الرفيعة و منزلتها العظيمة، و إجلالنا لهما، و تبجيلنا لمقامهما الرفيع، باقٍ كما في نفوس علماء الشيعة و عامتهم، لا يرقى إليه الشك و الشبهة أبدا_ كما هو نظرنا إلى جميع علمائنا الأبرار الأخيار_ و إنما نحاول الوقوف على حقيقة هذه الدعوى و حجيتها، و على فرض ثبوت النقل عن هذين العلمين قدس الله سرهما_ على سبيل المثال_ فالظن كل الظن إن لم نطمئن بذلك إنهما لم يجز ما بذلك على نحو القطع و اليقين، و إنما لقرائن و دلائل، ربما أفيد اعتبارها إن الذي رَأَياهُ هو الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف دون معرفته مباشرة، فضلا عن دعوى الإجماع.

و إن ادعى الرؤية السيد ابن طاووس قدس سره صريحاً في بعض كتبه، و نقل بعض الأعمال عنه عجل الله تعالى فرجه الشريف!؟.


رؤية الإمام المهدي بين الإمكان و المنع

و هنا يأتي التساؤل عن امكان رؤية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في الغيبة الكبرى و اللقاء به و التحدث معه مباشرة مع تعيين شخصيته و تحديد هويته؟.

أقول: إن غيبة الإمام المهدي انما هو غياب هُوية لا غياب شخصية.

بمعنى ان أي شخص يراه يكون غافلا بالمرة عن كونه هو الإمام المهدي عليه السلام و انما يرى فيه شخصا عاديا كسائر الناس لا يلفت النظر على الاطلاق.. و تكون حياته كحياة أي شخص آخر، يكتسب عيشه من بعض الاعمال الحرة كالتجارة أو الزراعة أو غيرها، و يبقى على حاله هذه في مدينة واحدة أو عدة مدن، حتى يأذن الله تعالى له بالفرج.. مع القطع بجهل الاجيال بالكلية _ من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى سوى بعض الخواص و السفراء_ بسحنة الإمام المهدي عليه السلام و شكله، بحيث لو واجهوه لما عرفوه البته. (1)


1) انظر الغيبة الكبرى- السيد محمد الصدر ص 27.

فإن الإمام عليه السلام ربما يعيش بيننا و في عالمنا، يخالطنا و يتعامل معنا، و يرانا و يعرفنا و نحن نراه و نكلمه و نتعامل معه، و لكننا لا نعرفه على حقيقته، و لا نشخص هُويته.

فإن الرؤية بهذا المنظار جارية و حاصلة حتى قيل إن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف اذا ظهر للناس بعد الأمر الالهي_ الصيحة و خروج السفياني_ و يشاهدونه عيانا على هويته الواقعية و شخصيته الحقيقية، فان جملة منهم يقول قد التقيت به، و إني رأيته، و إني صاحبته و سافرت معه، و إني جالسته و تحدثت اليه، و نحو ذلك، و لكنهم لا يعرفونه، و لا يُشخصون هويته الحقيقية.

و هذا الرأي لا دليل على نفيه، بل تدعمه جملة من الروايات، منها: ما رواه الكليني في (الكافي) عن الحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن إسماعيل الأنباري، عن يحيى بن المثنى، عن عبد الله بن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس و لا يرونه. (1)بمعنى يعرف الناس و لا يعرفونه.

و ما روي عن محمد بن عثمان العمري، أن صاحب هذا


1) الكافي- الشيخ الكليني ج 1 ص 339.

الأمر ليَحضُر الموسم كل سنة، يرى الناس و يعرفهم، و يرونه و لا يعرفونه (1). و غير ذلك.

أما رؤيته و اللقاء به مع تحديد هُويته و تشخيصها، فهذا مما لا يستطيع أن يدعيه أحد على نحو الجزم و اليقين، و يقطع أنه التقى بالإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف و يُثبته، أو يُقسم على ذلك، على الرغم من كثرة الدعاوى التي تشير إلى رؤيته و اللقاء به، المبنية على الاحتمال أو الترديد_ ربما هو-، و الاستنتاج، بأنه الإمام المهدي عليه السلام، فإن كل دعوى لابد أن تستكمل شروطها و أدلتها حتى تدخل في خانة العلم و التصديق، والا فمجرد الاحتمال و الشك يجعلها في خانة الإمكان.

و إن انكار هذه الدعاوى و ابطالها بعموم رواية الشيخ السمري وَ سَیَأْتِی من شِیعَتِی مَنْ یَدَّعِی اَلْمُشَاهَدَةَ، أَلاَ فَمَنِ اِدَّعَی اَلْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْیَانِیِّ وَ اَلصَّیْحَةِ فَهُوَ کَاذِبٌ مُفْتَرٍ، وَ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّهَ إِلاَّ بِاللَّهِ اَلْعَلِیِّ اَلْعَظِیمِ و التي خصصت بما روي من رؤية الناس لهُ مع عدم معرفتهم به، و لا تشخيص هويته.

قال السيد بحر العلوم قدس سره في (الفوائد الرجالية):


1) من لا يحضره الفقيه- الشيخ الصدوق ج 2 ص 307.

إن المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام و يعلم أنه الحجة عليه السلام حال مشاهدته له، و لم يعلم من المبلّغ ادعاؤه لذلك، و قد يمنع أيضا امتناعه في شأن الخواص_ و إن اقتضاه ظاهر النصوص_ بشهادة الاعتبار، و دلالة بعض الآثار. (1)

أقول: على فرض دلالة بعض هذه الآثار، على القول بالرؤية الحقيقية أو التشخيصية، و على فرض ثبوتها، فإننا لا يمكن أن نرتب عليها أثرا عاما، و لا تكليفا لعموم الناس، و إلا كان للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أن يعمل تنظيما سريا ، من خلص أصحابه و شيعته، خصوصا من علمائنا الإعلام، و يدلهم على المخلصين من شيعته الموثقين المؤتمنين، و يؤيدهم و يسددهم، و يدفع عنهم غائلة الأعداء و المنافقين و النواصب، و لأصبح ذلك مألوفا بيننا، خصوصا و نحن شيعته و أنصاره و مواليه، لا سيما و أن أعداءه و مواليه لا يُشخصون صورته و لا يعرفون سحنته، و لكن هيهات أنه عجل الله تعالى فرجه الشريف ليس هذا من تكليفه الآن، و لا مأمورا بمثل ذلك في عصر الغيبة الكبرى، ما لم يبدأ الإعلان الرسمي الإلهي بالظهور بعد الصيحة و خروج السفياني.

و لكنك تجد بعضا من هذه الأمور قد جرت أثناء الغيبة


1) الفوائد الرجالية- السيد بحر العلوم ج 3 ص 318- 321.

الصغرى، من تنبيه شيعته عجل الله تعالى فرجه الشريف و نوابه، و تحذيرهم، و تحصينهم من غائلة الحاكم الظالم و مكره، و كشف بعض المفسدين و غير ذلك. (1)

و روى عن علي بن محمد قال: خرج نهي- أي من الناحية المقدسة- عن زيارة مقابر قريش و الحير، فلما كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطائي فقال له: الق بني الفرات و البرسيين- برس بلدة بين الكوفة و الحلة- و قل لهم: لا يزوروا مقابر قريش فقد أمر الخليفة أن يتفقد كل من زار فيقبض عليه. وغير ذلك.

فإن هذا ما يدعو إلى التوقف أو ابطال دعوى كل من


1) انظر كتاب الكافي- الشيخ الكليني ج 1- ص 525، روى عن الحسين بن الحسن العلوي قال: كان رجل من ندماء روز حسني- الظاهر انه الوالي بالعسكر- و آخر معه فقال له: هو ذا يجبي الأموال و له وكلاء و سموا جميع الوكلاء في النواحي و أنهى ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير، فهم الوزير بالقبض عليهم فقال السلطان: اطلبوا أين هذا الرجل فإن هذا أمر غلیظ، فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض على الوكلاء، فقال السلطان: لا و لكن دسوا لهم قوما لا يعرفون بالأموال، فمن قبض منهم شيئا قبض عليه، قال: فخرج- أي توقيع من الناحية المقدسة- بأن يتقدم إلى جميع الوكلاء أن لا يأخذوا من أحد شيئا و أن يمتنعوا من ذلك و يتجاهلوا الأمر، فاندس لمحمد بن أحمد رجل لا يعرفه و خلا به فقال: معي مال أريد أن أوصله؟ فقال له محمد: غلطت أنا لا أعرف من هذا شيئا، فلم يزل يتلطفه و محمد يتجاهل عليه، و بثوا الجواسيس و امتنع الوكلاء كلهم لما كان تقدم إليهم.

یدعي تبليغ أمر ما من الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، أو القيام بإعداد تنظيمٍ ما، أو جماعة ترتكز مبادئها على رؤية الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، و تتلقى الأوامر و التعاليم منه، أو ما شابه ذلك في الغيبة الكبرى كدعوى البابية و البهائية و نحوهما مما نسمع و نرى.

ثم انه نقل هذا الإشكال الميرزا حسين النوري في خاتمة (مستدرك وسائل الشيعة)، و الجواب عنه، ثم قال: و نحن أوضحنا جواز الرؤية في الغيبة الكبرى بما لا مزيد عليه في رسالتنا (جنة المأوى) (1)، و في كتاب (النجم الثاقب) (2)، و ذكرنا له شواهد و قرائن! لا تبقى معها ريبة!، و نقلنا عن السيد المرتضى، و شيخ الطائفة، و ابن طاووس التصريح بذلك، و ذكرنا لما ورد من تكذيب مدعي الرؤية ضروباً من التأويل تستظهر من كلماتهم، فلا حظ هذا (3).

أقول مع تحفظنا على الكتابين المذكورين، بل توقفنا في قبول كثير مما ورد فيهما، و ممن تحفظ على كتب الميرزا النوري أيضا، آية الله السيد الخميني قدس سره، فقال: هذا حال كتب


1) عنوانه الكامل (جنة المأوى فيمن فاز بلقاء الحجة و معجزاته في الغيبة الكبرى).

2) عنوانه الكامل (النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب).

3) خاتمة مستدرك الوسائل- الميرزا النوري ج 3 ص 229- 230.

روایته غالبا كالمستدرك، و لا تسأل عن سائر كتبه المشحونة بالقصص و الحكايات الغريبة التي غالبها بالهزل أشبه منه بالجد، و هو رحمه الله شخص صالح متتبع، إلا أن اشتياقه لجمع الضعاف و الغرائب و العجائب و ما لا يقبلها العقل السليم و الرأي المستقيم، أكثر من الكلام النافع، و العجب من معاصريه من أهل اليقظة! كيف ذهلوا و غفلوا حتى وقع ما وقع مما بكت عليه السماوات و كادت تتدكدك الأرض؟!. (1)

ثم إن هناك فرقا بين رؤية الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف و التشرف بخدمته عموما، مع عدم تحديد هُويته و بين دعوى الرؤية و التبليغ لأمر ما عنه عليه السلام مباشرة، و لكننا و إنْ أقررنا بالأولى، نرفض الثانية البته، و لو تنزلنا و قلنا على فرض،ثبوتها، فهي حجة على صاحبها لا غير، فتأمل. و سيأتي ما يوضح أكثر ...

ثم أنَّ لإثبات وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، و أنه ما زال حيا يرزق منذ أن ولد سنة 255 ه-، لا يحتاج لهذه الشواهد و القرائن و الدعاوى المهلهلة، التي نقلت بطيبة، و سذاجة، و مبالغة، و التي تُستغل! و قد استغلتها بعض النفوس المريضة !؟، و استندت اليها في تجميل دعواها الباطلة


1) أنوار الهداية في التعليق على الكفاية- السيد الخميني ج 1 ص 245.

و الضالة، لإثبات صدقها كالبابية و البهائية و غيرهما من دجالي العصر.

و في عقيدتي و يقيني أن في سُنّة أهل البيت عليهم السلام و سيرتهم، و ما أصَّلهُ الأصحاب بالتبع، من الأدلة الثابتة و البراهين القوية على اثبات وجوده عجل الله تعالى فرجه الشريف الكثير الطيِِّب، و الحجة على اثبات ولادته و إمكان حياته، هذه الفترة الطويلة ساطعة، بأدلة عقلية و نقلية، فلا حاجة لنا بمثل هذه الدعاوى المهلهلة؛ لترسيخ عقيدتنا أو تقوية إيماننا بوجود الإمام المهدي عليه السلام_ كما قد يقال _.

و دعوى أن جملة الأخبار الدالة على مشاهدة الإمام المهدي عليه السلام، في غيبته الكبرى، مع تمحيصها، نرى أن كل رواية بمفردها قد تكون قابلة للمناقشة، الا أن العلم الحاصل من المجموع غير قابل للمناقشة، فانه يصل إلى حد التواتر، فيكون نافيا للكذب والخطأ و الوهم، و لو في بعضها على الاقل (1)أو كما قال الميرزا النوري: أنها لا تقدر أن تعارض الوجدان القطعي، الذي يحصل من مجموع هذه القصص و الحكايات) (2)

أقول: إن ذلك لا ينفع؛ لان هذا القول لا يرفع عن كون المجموع


1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى- السيد محمد الصدر ص 73 و ص 81.

2) النجم الثاقب- الميرزا النوري ج 2 ص 404.

مبنياً، على المحتملات و الاستنتاجات أو الاشتباهات، إن احسنا الظن بِمُدعيها و سلامة نيتهم و ذهنيتهم، إن لم يكن اشتباه من الرواة في نقلهم لأغلب هذه الدعاوى، التي يكون منشأها الرؤيا و المنام، أو برزخ بين المنام و اليقظة، فتنقل و تروى على أنها قضية واقعية حقيقية؛ و ذلك لتعدد وسائط النقل عن الراوي الأول، و تغير الألفاظ و التعابير، و المعاني و الاسلوب، و صورة العرض بينهم، و هذا الأمر ليس بمستغرب.

و عليه، فاذا دخل الاحتمال و الاستنتاج، و الاشتباه و الشك في ذلك، فطرحها أولى من التمسك بها، و الرجوع إلى عموم النص الثابت و الصريح، عن الشيخ السمري قدس سره أَلاَ فَمَنِ اِدَّعَی اَلْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْیَانِیِّ وَ اَلصَّیْحَةِ، فَهُوَ کَاذِبٌ مُفْتَرٍ، وَ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ اَلْعَلِیِّ اَلْعَظِیمِ.

و أما قول بعض الأعلام: إن المشاهدة غير الرؤية، و أن الرؤية تفيد العموم، سواء عرف أنه الإمام المهدي عليه السلام حين الرؤية، أو عرفه بعد غيابه عنه و رحيله من خلال بعض القرائن المحيطة باللقاء و الواقعة ، فيستنتج منها و يحتمل أن الذي رآه هو الإمام المهدي عليه السلام. و الرؤية قد تحدث مرة واحدة للشخص و لا تتكرر، فهذا المعنى من الرؤية لا مانع منه، و قد حدثت لكثير من الناس، على اختلاف طبقاتهم.

أما دعوى المشاهدة_ التي ورد اللفظ بها في التوقيع الأخير_ فهي تدل على الحضور و الاستمرار برؤية الإمام المهدي عليه السلام و اللقاء به، مع تشخيص هُويَّته، و التي يستلزم منها دعوى النيابة و السفارة الخاصة، و هذا الأمر ممنوع بتاتا، و هو المشار اليه في التوقيع الأخير، قبل الصيحة و خروج السفياني.

أقول: إنَّ في هذا القول تأمُلاً، فإن الرُّؤيَةُ، بالضَّمِّ: إدْراكُ المَرْئي، بمعنى بلوغ غاية الشيء و أقصاه، و هو على أنواع بحَسَبِ قُوَى النَّفْس البشرية:

الأوَّل: النَّظَرُ بالعَيْنِِ التي هي الحاسَّة، و ما يَجْرِي مجْراها، نحو قوله تعالى لتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (1)، و قوله تعالى وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله (2)و مِن الأخيرِ قوْلُه تعالى و قُلِِِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُم (3)، فإنَّه ممَّا أُُجْرِي مُجْرَى الرُّؤْيَة بالحاسَّةِ، فإنَّ الحاسَّةَ لا تصحُّ على الله تعالى، و على ذلكَ قَوْله تعالى یَراکُمْ هُوَ وَ قَبیلُهُ منْ حَیْثُ لا تَرَوْنَهُمْ (4)


1) سورة التكاثر/ آية 6- 7.

2) سورة الزمر/ آية 60.

3) سورة التوبة/ آية 105.

4) سورة الأعراف/ آية 27.

و الثَّاني: بالوَهْمِ و التَّخَيّل نَحْو: أَرَى أَنَّ زيْداً مُنْطَلَقٌ، و نحو قوله تعالى و لَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفََّى الَّذِينَ كَفَرُوا (1)

و الثَّالث: بالتّفَكّر نحو قوله تعالى إِنِّی أَرَی مَا لاَ تَرَوْنَ (2)

و الرَّابع: بالقَلْبِ أَي بالعَقْل، و على ذلك قوْلُه تعالى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (3)، و على ذلكَ قوْلُه تعالى وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَی (4)(5)

و لكن المراد في المقام من معنى الرؤية للإمام المهدي عليه السلام، هي الرؤية بالحاسة البصرية، أي بالعين، رأيت بعيني رؤية، و رأيته رأي العين، أي: حيث يقع البصر عليه (6)و إدراك و معرفة أن الرجل الذي يقف أمامه هو الإمام المهدي عليه السلام، و هذا هو أيضا من معاني المشاهدة و الحضور كما سيأتي، و إنما ذكر العين بقوله (رأيت بعيني)؛ لأن الرؤية قد تكون بمعنى (العلم).


1) سورة الأنفال/ آية 50.

2) سورة الأنفال/ آية 48.

3) سورة النجم/ آية 11.

4) سورة النجم/ آية 13.

5) انظر تاج العروس- الزَبيدي ج 19 ص 434- 435، مفردات ألفاظ القرآن- الراغب الأصبهاني ص 374.

6) كتاب العين- الخليل الفراهيدي- ج 8– ص 307.

أما في حال ذهاب الرجل عنه، و إدراك الرائي و اعتقاده بعد اللقاء أن الذي رآه هو الإمام المهدي، من خلال بعض القرائن المُحيطة للواقعة، فإنه لا يدخل في باب الرؤية البصرية الآنية المباشرة، و انما يدخل في واحد من الامور الثلاثة الأخرى لمعنى الرؤية المذكورة آنِفاً، و التي نتائجها نسبية مقدرة من شخص لآخر، و أنها مضطربة، و غير مستقرة في النفس، بل و يتحكم فيها عامل التقوى و الإيمان و الورع، و سيرة مدعي الرؤية و سلوكه العملي، فضلا عن حدود مستواه العلمي، و قابليته الذهنية و العقلية، و كيفية تعامله مع القرائن المحيطة لدعوى الرؤية و المشاهدة و قراءته لها.

على أن هذه الامور الثلاثة الأخيرة، خارجة تخصصا عن محور كلامنا؛ لان كلامنا مبني على أساس دعوى الرؤية للإمام المهدي عليه السلام بالعين الباصرة المُدركة المشخصة له، لا غير.

اما المشاهدة و ان كانت بمستوى دلالة الرؤية، و أنها تؤدي الى نفس الغرض المراد، و هي رؤية الامام المهدي و تشخيصه، فإنهُ يمكن القول انها أقوى دلالة من الرؤية، حيث أن المشاهدة تفيد القطع بمعرفة هُوية الإمام مع الحضور، بناء على القول بعدم وجود الالفاظ المترادفة في اللغة العربية.

قال ابو هلال العسكري: أن المُشاهد للشيء هو المدرك له رؤية، و قال بعضهم رؤية و سمعا، و هو في الرؤية أشهر (1)

و قال الراغب الأصبهاني: الشهود و الشهادة الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر أو بالبصيرة.. لكن الشهود بالحضور المجرد أولى، و الشهادة مع المشاهدة أولى (2)و الكلام في البصيرة فيه تأمل.

و قال الزَبيدي: الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قاطعٌ، كذا في (اللَّسَان)، و (الأَساس). و قد شَهُدَ الرجلُ على كذا، كعَلِم و كَرُ مشَهَداً و شَهادةً... و شَهِِدَه كسَمِعَه شُهُوداً أي حَضَره، فهو شاهِدٌ، جمع شُهودٌ، أَي حُضُورٌ. و شاهَدَهُ مُشَاهدةً: عايَنَهُ كَشَهِِده (3)

فتحصل من ذلك، أن المشاهدة، و الرؤية البصرية مع إدراك و معرفة الإمام المهدي عليه السلام، يؤديان الى نفس الغرض و النتيجة، و هو اثبات دعوى رؤيته و اللقاء به، مع تشخيص هُويته في زمن الغيبة الكبرى، المنفية بالتوقيع الأخير للشيخ السمري رضوان الله تعالى عليه، و المعبر عنها بالمشاهدة، التي تفيد الرؤية القطعية، كما تفيد أيضا معنى الرؤية البصرية


1) الفروق اللغوية- أبي هلال العسكري- ص 496.

2) مفردات ألفاظ القرآن- الراغب الأصبهاني ص 465.

3) تاج العروس- الزَبيدي- ج 5 ص 45- 47.

الثابتة له عليه السلام، سواء أكانت الرؤية مرة واحدة أو كانت متعددة.

و أما دعوى أن المشاهدة للإمام المهدي عليه السلام تفيد النيابة و السفارة فلا ملازمة بينهما، فكما تجري دعاوى النيابة و التبليغ عن الإمام المهدي على مدعي الرؤية بلفظها و معناها الخاص بالعين الباصرة، كذا تجري على مدعي المشاهدة بلفظها، بناء على هذا الفرض.

ان عقيدتنا بالإمام المهدي عليه السلام قوية في نفوسنا، راسخة في عقولنا، لا يتطرق إليها الشك و الريب، منذ أن عرفنا أنه الحق؛ لأن وجوده قائم على الدليل و البرهان و الحجة، و نحن أبناء مدرسة أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام و تربيته، و هو القائل: و مَا شَکَکْتُ فِی اَلْحَقِّ مُذْ رَأَیْتُهُ﴾، و قال عليه السلام :لَوْ کُشِفَ لِیَ اَلْغِطَاءُ مَا اِزْدَدْتُ یَقِیناً﴾.

فإن غياب الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ظاهر في عقول المؤمنين، مكشوف في قلوبهم، قائم على الوضوح في الرؤية، و صدق الإحساس في العقل، و سلامة الفطرة، و صفاء الوجدان، و ليس غيابه يُولد فيهم حالة خوفٍ أو غموضٍٍ أو إبهامٍ للمستقبل، بل يشعرهم بالأمن و السلام، و السكينة و الاطمئنان، و العمل لبناء حياة سعيدة يتكامل فيها الانسان

و يرتقي، و إن ديمومة الحياة جارية بالثقلين: كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض و العترةِ الطاهرة، التي يمثلها الإمام المهدي المنتظر، اللذَين لن يفترقا حتى يردا على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الحوض، متلازمين متصاحبين، كما قال عليه الصلاة و السلام (1)

و من لطيف ما قيل في الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف: نحن متى نعود إلى العقل و نناشده عن هذا المهدي المؤمل عجل الله تعالى فرجه نجده يقول الفصل و يهدي لما هو الحق و الصواب، فيقول: إن الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه هو في وجوده حقيقة جوهرية قائمة في هذا العالم بأمر ربها، كما تقوم الملائكة في نظامها و سر وجودها، و لا مانع أن يكون لها مدار حيوي ينتفع به الوجود، فاستلزم ذلك إضمارها، و لا يمنع العقل بقاء تلك الحقيقة على صلاحية كاملة في عالم الدنيا و إخفاءها بعد أن استلزم تكوينها المقدر على هذا الوجود، أما الحياة الخارجية فلا تثبت إلا بالمشاهدة و السير الاختياري؛ لتحقق النفع المشترك الذي يقع على عهدة هذه الأفراد ما


1) إشارة إلى الحديث المتواتر عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال: إِنِّی تَارِکٌ فِیکُمْ مَا إِنْ تَمَسَّکْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِی، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ اَلْآخَرِ: کِتَابُ اَللَّهِ ،حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ اَلسَّمَاءِِ إِلَی اَلْأَرْضِ، وَ عِتْرَتِی أَهْلُ بَیْتِی، و لَنْ یَفْتَرِقَا حَتَّی یَرِدَا عَلَیَّ اَلْحَوْضَ، فَانْظُرُوا کَیْفَ تَخْلُفُونِّی فِیهِمَا؟! انظر الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 663 و غيره.

دامت لها الحياة، و إلا فإن وجودا في الخارج، و مخفي عن الابصار، و محجوز غير مختار، لا يمكن للعقل أن يطبقه على فائدة توجب ذلك، فليس إلا أن نقول: حقيقة ذات وجود حيوي في نطاق القدرة (1)

و إلى هذا المعنى تشير بعض الروايات في كيفية الانتفاع بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في حال غيبته عن الناس، منها: ما رواه الحمويني الشافعي بسنده عن سليمان بن مهران الأعمش عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام، قال نحن أئمة المسلمين و حجج الله على العالمين و سادة المؤمنين، و قادة الغرّ المحجلين و موالي المؤمنين، و نحن أمان أهل الأرض، كما إن النجوم أمان لأهل السماء، و نحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، و بنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها و بنا ينزل الغيث و ينشر الرحمة، و يخرج بركات الأرض، و لو لا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها.

ثم قال: و لم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائب ،مستور، و لا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها، و لو لا ذلك لم يعبد الله.

فقال سليمان: فقلت للصادق عليه السّلام فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟


1) حقائق التكوين- الشيخ ناصر الحمادي ص 61.

قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب (1)

الأول: إن نور الوجود و العلم و الهداية، يصل إلى الخلق بتوسطه عليه السّلام إذ ثبت بالأخبار المستفيضة، إنهم العلل الغائبة لإيجاد الخلق، فلو لاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم، و ببركتهم و الاستشفاع بهم، و التوسل إليهم يظهر العلوم و المعارف على الخلق و يكشف البلايا عنهم، فلو لاهم لاستحق الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب. كما قال تعالى وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنتَ فِيهِمْ و لقد جربنا مراراً لا نحصيها أن عند انغلاق الأمور و اعضال المسائل، و البعد عن جناب الحق تعالى، و انسداد أبواب الفيض، لما استشفعنا بهم و توسلنا بأنوارهم، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت تنكشف تلك الأمور الصعبة و هذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الايمان، و قد مضى توضیح ذلك في كتاب (الإمامة).

الثاني: كما إن الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كل آن انكشاف السحاب عنها و ظهورها ، ليكون انتفاعهم بها أكثر، فكذلك في أيام غيبته عليه السّلام، ينتظر المخلصون من شيعته خروجه و ظهوره في كل وقت و زمان، و لا ييأسون منه.

الثالث: إن منكر وجوده مع وفور ظهور آثاره كمنكر وجود الشمس إذا غيّبها السحاب عن الأبصار.

الرابع: إن الشمس قد تكون غيبتها في السحاب أصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب فكذلك غيبته عليه السّلام أصلح لهم في تلك الأزمان فلذا غاب عنهم.

الخامس: أن الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب، و ربما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها فكذلك شمس ذاته المقدسة ربما يكون ظهوره أضرّ لبصائرهم و يكون سبباً لعماهم عن الحق و تحتمل بصائرهم الايمان به في غيبته كما ينظر الانسان إلى الشمس من تحت السحاب و لا يتضرر بذلك.

السادس: إن الشمس قد تخرج من السحاب و ينظر اليه واحد دون واحد فكذلك يمكن أن يظهر عليه السّلام في أيام غيبته لبعض الخلق دون بعض!؟.

السابع: إنهم عليهم السلام كالشمس في عموم النفع و إنما لا ينتفع بهم من كان أعمى كما فسّر به في الاخبار قوله تعالى: وَ مَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَ أَضَلُّ سَبِِِيلا.

الثامن: إن الشمس كما أن شعاعها تدخل البيوت بقدر ما فيها من الروازن و الشبابيك، و بقدر ما يرتفع عنها من الموانع فكذلك الخلق انما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسّهم و مشاعرهم التي هي روازن قلوبهم من الشهوات النفسانية و العلائق الجسمانية و بقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانية إلى أن ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغیر حجاب.

فقد فتحت لك من هذه الجنة الروحانية ثمانية أبواب و لقد فتح الله عليَّ بفضله ثمانية أخرى تضيق العبارة عن ذكرها، عسى الله أن يفتح علينا و عليك في معرفتهم ألف باب يفتح من كل باب ألف باب.


1) فرائد السمطين ج 1 ص 46، و باختصار ورد في بحار الأنوار ج 52 ص 92 - 93، و قد ذكر العلاّمة المجلسي ثمانية أمور في وجه تشبيه الإمام الحجة المنتظر عليه السلام بالشمس التي يجلّلها السحاب، نوردها هنا لعموم الفائدة:

و روى القندوزي الحنفي بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: قال لي

رسول الله صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: يا جابر إن أوصيائي و أئمة المسلمين من بعدي أولهم علي ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمّد بن علي المعروف بالباقر ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم جعفر بن محمّد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمّد بن علي ثم علي بن محمّد ثم الحسن بن علي ثم القائم اسمه اسمي و كنيته كنيتي، ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله تبارك و تعالى على يديه مشارق الأرض و مغاربها، ذاك الذي يغيب عن أوليائه غيبة، لا يثبت على القول بإمامته إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان، قال جابر ، فقلت یا رسول الله: فهل للناس الانتفاع به في غيبته؟.

فقال: أي و الذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيؤون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و إن سترها سحاب، هذا من مكنون سرّ الله و مخزون علم الله، فاكتمه عن أهله (1)

و علق سيدنا الاستاذ الشهيد الصدر الثاني قدس سره على ذلك فقال: فالسحاب كناية عن خفاء العنوان_ أي الهُوية_. و الشمس كناية عن التأثير النافع المنتج في المجتمع.. على أننا نحتمل في كل عمل خيري عام، أو سنة اجتماعية حسنة، أو فكرة اسلامية جديدة، أو نحو ذلك من الامور، نحتمل أن


1) ينابيع المودّة- القندوزي الحنفي ج 3 ص 399.

یكون وراءها إصبع مخلص متحرك من قبل الإمام المهدي عليه السلام، و أنه هو الذي زرع بذرته الأولى في صدر أو عمل أحد الاشخاص أو الجماعات، بحيث انتجت اكلها في كل حين بإذن ربها.. غاية الفرق أن تلك الاعمال كانت منه و من آبائه بالصفة الحقيقية لهم، أما عمله خلال هذه الفترة_ الغيبة الكبرى_ فليس بهذه الصفة، و انما بصفته فردا اعتياديا في المجتمع.. بعد وضوح أن العمل الذي يمكن للمهدي عليه السلام تنفيذه مع جهل الناس بحقيقته و عنوانه-أي في غيبته_ أقل بكثير مما يستطيع القيام به حال ظهوره و إعلان أمره_ أي بتحديد هُويته_..

اذن فعمل الإمام المهدي عليه السلام لا بد أن يقتصر على الحدود التي لا تؤدي إلى انكشاف امره، فيدقق في ذلك و يخطط له، و هو الخبير الالمعي و يحسب لكل عمل حسابه، و أي عمل علم أن التدخل فيه يوجب الانكشاف انسحب عنه، مهما ترتبت عليه من نتائج؛ لان حفاظ سره و ذخره لليوم الموعود، اهم من جميع ما يتركه من اعمال، و لكن هذا لا ينافي تأثيره في الأعمال الإسلامية الخيرة التي نراها صائرة في المجتمع؛ و ذلك لإمكان أن يكون هو المؤثر في تأسيسها حال صغرها و ضآلة شأنها، و قد أودعها إلى المخلصين الذين يأخذون بها و يذكرون

أوارها، بدون أن يلتفتوا أو يلتفت إلى حقيقة عمله، بقليل و لا كثير (1)

هذا، و يمكن القول أن رؤيته عليه السلام في عالم الثبوت ممكنة، و لكن اثبات دعوى الرؤية اليه و تحققها في عالم الاثبات في عداد المستحيل، فافهم.



1) انظر الغيبة الكبرى- السيد محمد الصدر ص 39- 41 بتصرف.

المهدوية الخاتمة

فوق زيف الدعاوى و تضليل الأدعياء

تقريراً لأبحاث

سماحة السيّد ضياء الخبّاز القطيفي (دام عزّه):الجزءُ الاَوَّل

بقلم عبد الله معرفي

المهدوية الخاتمة

فوق زيف الدعاوى و تضليل الأدعياء

تقريراً لأبحاث سماحة السيد ضياء الخباز (دام عزه)

بقلم: عبد الله سعد معرفي

«الجزء الأول»

الناشر: باقيات

المطبعة: وفا

الكَمية: 1000نسخة

الطبعة: الأولى

القطع: وزيري

عدد الصفحات: 404 صفحة

تاريخ الطبع: 2014م - 1435ه- .ق

شابك الجزء الأول: 7 -144- 213- 600- 978

شابك الدورة : 1 - 146 - 213 -600- 978

كافة حقوق الطبع في داخل ايران محفوظة و مسجلة للناشر و في حال التعدي على حقوق الدار في خارج ايران سنقوم بالملاحقة القانونية من قبل وكيلنا الشرعي و القانوني في لبنان

عنوان الناشر: ایران- قم- شارع معلم- رقم 44- تلفون: 37743900

مركز التوزيع:

ایران- قم- خیابان صفائيه- كوچه 28 (بيكدلي)- فرعى 18 (روحانی)- پلاك 246 تلفون: 09194521946 مركز الإمام الحجة (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف) لخدمة الطلاب

ایران- قم- مجمع الإمام المهدي (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف)- الطابق الأرضي رقم 117، 116- تلفون: 37833624

مَکتبةُ فَدَک

المبحث الثاني: أدلّة انقطاع النيابة الخاصّة في زمن الغيبة الكبرى

و يمكن أن يستدلّ لانقطاع النيابة الخاصّة بدليلين:

الدليل الثاني: التوقيع الخارج لعليّ بن محمّد السّمريّ قدِّس سِرُّه.

و هذا الدليل هو أهمّ الأدلّة في المقام، و نصّه:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِ

يا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السمريّ، أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوانِكَ فِيكَ، فَأَنْتَ مَيّتٌ مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَ لَا تَوصِِ إِلى أَحَدٍ يَقومَ مَقامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيبَةُ الثَّانِيَةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ، وَ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَ امْتِلاءِ الْأَرْضِ جَوراً، وَ سَيَأْتِي عَلَى شيعتي مَنْ يَدَّعِي الْمُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِِ ادَّعَى الْمُشاهَدَةَ قَبْلَ خروجِ السُّفْيَانِي وَ الصَّيْحَةِ فَهُوَ كاذبٌ مُقْتَرٍِ.

وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِِّ الْعَظِيمِ﴾ (1)


1) كمال الدين و تمام النعمة: 515. الغيبة للطوسي: 395. الخرائج و الجرائح: 142. مع العبد الصالح: 1 : 28.

و قد تلقاه أعلام الطائفة بالقبول، و لم يغمز أحد منهم في سنده، بل عدّوا صدوره من المسلّمات.

وجه دلالة التوقيع على انقطاع النيابة الخاصّة:

و وجه دلالته على المطلوب يمكن استفادته من خلال فقرات ثلاث:

الفقرة الأُولى: فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَ لَا توصِِ إِلى أَحَدٍ يَقومَ مَقامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيبَةُ الثَّانِيَةُ.

و دلالتها واضحة؛ إذ أن مقام علي بن محمّد السّمريّ هو مقام النيابة الخاصّة عن مولانا الحجّة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و قد أوصاه عَلَیْهِ السَّلام بجمع أمره، و نهاه عن الوصاية لأحد من بعده ليقوم هذا المقام ، و علّل ذلك بوقوع الغيبة الثانية و في بعض النسخ: «التّامَّةُ»، و تعليل النهي بوقوع الغيبة كاشف عن عليّة الغيبة لامتناع هذا المقام على أحد فيها.

الفقرة الثانية: فَلَا ظُهورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

و هنا نكتة دقيقة، فدلالة هذه الفقرة على نفي السفارة و النيابة الخاصّة يمكن تقريبه بتقديم مقدّمتين:

المقدّمة الأولى: أنّ الإمام (صلوات الله و سلامه عليه) له نحوان من الظهور:

النحو الأوّل: ظهور عامّ لجميع الناس.

النحو الثاني: ظهور خاصّ لنوّابه فقط.

و لا يخفى أنّ النحو الأوّل من الظهور قد كان ثابتاً له عَلَیْهِ السَّلام منذ ولادته و حتّى اختفائه عن أنظار الناس في الغيبة الصغرى، أي أنّه استمرّ لمدّة خمس سنوات.

و أمّا النحو الثاني فهو الذي كان الخصوص سفرائه عند ابتداء الغيبة الصغرى حتّى انتهائها.

المقدّمة الثانية: أنّ الظهور المنفي في هذا التوقيع الشريف هو الظهور بالنحو الثاني

لا الأوّل؛ إذ الأوّل منتفٍ بحسب الفرض، فنفيه يكون لغواً و تحصيلاً للحاصل، و كلام المعصوم عَلَیْهِ السَّلام يجلُّ عنه.

و إذا كان الظهور الخاصّ المرتبط بالنّواب منفيّاً، فوجود النوّاب منفيٌ تبعاً له أيضاً، و بهذا يتمّ الاستدلال بهذه الفقرة على امتناع النيابة الخاصّة في زمن الغيبة الكبرى.

الفقرة الثالثة: وَ سَيَأْتي عَلى شيعتي مَنْ يَدَّعِي الْمُشاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِِ ادَّعَى الْمُشاهَدَةَ قَبْلَ خروج السُّفْيانِي وَ الصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرِ.

و تقريب الاستدلال بها: أنّ المشاهدة إمّا يراد بها المشاهدة البصريّة، و إمّا يراد بها النيابة الخاصّة.

فإن أريد الثانية: ثبت المطلوب.

و إن أريد الأولى: فالثانية منتفية بالأولويّة، و ثبت المطلوب أيضاً.

و عليه: فالدلالة على المطلوب في كلتا الحالتين تامّة.

التوفيق بين مفاد التوقيع و رؤية بعض الثقاة للإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

و لكن بناءً على الأوّل تبرز عندنا إشكاليّةٌ مفادها تكذيب الأعلام و الثقات الذين نقلت لنا رؤيتهم لبقيّة الله الأعظم عَلَیْهِ السَّلام في زمن الغيبة الكبرى بالتواتر.

و هنا توجد عدّة أجوبة لدفع هذا الإشكال، و لكن قبل عرضها لا بدّ أن

يتّضح أنّ أعلامنا يقرّرون أنّ المراد من المشاهدة هاهنا هو إدعاء النيابة الخاصّة لا المشاهدة البصريّة.

و لكن عرضنا للأجوبة هو من باب دفع توهّم إرادة المعنى الأوّل ليس إلّا.

الجواب الأوّل: أنّ المشاهدة بمعنى الرؤية القطعيّة اليقينيّة.

و حاصله: أنّ المراد من المشاهدة هاهنا ليس مطلق الرؤية، و إنّما خصوص الرؤية القطعيّة اليقينيّة، و شاهد ذلك أنّه لو أنّ شخصاً شكّ في رؤية الهلال فإنّه لا يصحّ أن يُقال عنه أنّه شاهده، و أمّا إذا قطع و تيقّن من مشاهدته له صحّ أن يُقال أنّه شاهده.

و بناءً على ذلك: فسيرة علماء الطائفة لا تتنافى مع هذا التوقيع الشريف حتّى يلزم تكذيبهم؛ إذ هم لا يقطعون و يجزمون بأن الذي رأوه هو الإمام المنتظر، و إنّما يقولون من خلال القرائن و الأمارات نحتمل أنّه هو ( بأبي هو و أُمّي)، فالتوقيع ينفي شيئاً، و ما عليه علماء الطائفة شيء آخر، فينحلّ الإشكال.

و يرد عليه: أنّ المشاهدة مأخوذةٌ من الفعل (شاهد)، و ليست مأخوذةً من الفعل (شهد)، و لذا تقول: شاهد مشاهدةً، و شهد شهادةً، و فرق بين الإثنين؛ فإنّ الذي أُخذ في دلالته القطع و اليقين هو الفعل (شهد)، بينما دلالة (شاهد) أعمّ من ذلك، فتشمل اليقينيّة و الظنّيّة أيضاً.

الجواب الثاني: أنّ التكذيب لادّعاء المشاهدة لا للمشاهدة.

و حاصله: أنّ التكذيب في التوقيع الشريف متوجهٌ لمن يدّعي المشاهدة، لا لأصل المشاهدة؛ إذ أنّه لم يقل: وَ سَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يُشاهِد و إنّما قال:

وَ سَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، و هذا یستدعی الکلام فی معنی الادّعاء. فالادّعاء: هو الإخبار الذي تتساوى فيه نسبة الصدق و الكذب، كأنيكون فاقداً للبيّنة.

و بناءً على ذلك: فالتكذيب في التوقيع متوجّه للمدّعي الذي تتساوى نسبة الصدق و الكذب في كلامه، و هذا لا ينطبق على علماء الطائفة العظام الذين نحرز ثقتهم و ورعهم و تقواهم، كأصحاب الكرامات مثل السيّد بحر العلوم و المقدّس الأردبيليّ (رضوان الله تعالى عليهما)، فإنّ نسبة الصدق لهذين العلمين و أضرابهما هي الراجحة على أقلّ التقادير، إن لم نقل إنّها فيهم يقينيّة. و عليه: فالنصّ لا يشمل علماء الطائفة.

الجواب الثالث: المراد من المشاهدة هي النيابة الخاصّة.

و اُشكل عليه بمخالفته للمتفاهم العرفيّ؛ إذ المتفاهم من المشاهدة هو الرؤية.

و يُجاب عنه: أنّ من المقرّر في علم الأُصول أنّ التمسّك بالمتفاهم العرفيّ لا يكون إلاّ عند انعدام القرينة،

و أمّا عند وجودها فترفع اليد عن هذا الظهور البدويّ، و يُمنع حمل النصّ عليه، بل يجب صرفه عن ظاهره.

و بما أنّ القرائن الصارفة موجودة في المقام- و تكفيك منها المذكورتان في الفقرتين الأوليّين- فهذا يكفي لحمل اللّفظ على النيابة الخاصّة.

و ما دام الكلام قد بلغ بنا إلى هذا المقام، فلا بأس أن نقف قليلاً عن مسألة إمكان رؤية الإمام المهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في زمن الغيبة الكبرى، و معرفة الحقّ فيها.

عودة إلى توقيع السّمريّ و دفع الإشكالات عنه

ذكرنا سابقاً: أنّ الدليل الثاني على انقطاع النيابة الخاصّة هو توقيع السفير السمرى، و نظراً لأهمّيّته فقد أثار المدعو أحمد بن إسماعيل حوله عدّة إشكالات، و قد رأيتُ من النافع دحضها، و بيان اشتباهات صاحبها، و إليكها أربعة كاملة:

الإشكال الأول: أنّ الأصحاب أعرضوا عنه و تركوه منذ زمن بعيد

*الإشكال الأول: أنّ الأصحاب أعرضوا عنه و تركوه منذ زمن بعيد(1)

جواب الإشكال الأوّل:

و قبل التصدّي للإجابة عن إشكاله يجدر عرض كلام سماحة الحجّة المحقّق السيّد محمّد تقي الأصفهانيّ قُدِّس سِرُّه، حيث يقول متحدّثاً عن التوقيع المبارك: أنّ علماءنا من زمن الصدوق رضی اللهُ عنهُ إلى زماننا هذا استندوا إليه، و اعتمدوا عليه و لم يناقش و لم يتأمّل أحد منهم في اعتباره، كما لا يخفى على من له أُنس و تتبّع في كلماتهم و مصنّفاتهم (2)

و على ضوء كلام هذا العَلَم الجليل أقول: لا أدري ما الذي قصده المدعو


1) مع العبد الصالح: 1: 28.

2) مکیال المکارم: 2: 355.

أحمد بن إسماعيل من إعراض الأصحاب عن التوقيع الشريف و تركهم له؟

هل قصد بذلك تركهم لنقله و روايته؟ أم قصد إعراضهم عن العمل به؟

إن كان قد قصد الأوّل، فهذا ينمُّ عن جهل كبير بمجاميع الحديث عند الإماميّة؛ و لا بأس أن نسوق قائمة بأسماء بعض مَن رووا هذا التوقيع المبارك، من غير بناءٍ على الاستقراء التامّ و الاستقصاء المستوفى، و إليكها:

قائمة بأسماء العلماء الذين رووا توقيع السمريّ:

1- الشيخ الصدوق قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 381ه-) في كمال الدين و إتمام النعمة (1)

2- الشيخ الطوسيّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 460ه-) في كتابه الشريف: الغيبة (2)

3- الشيخ الطبرسيّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 548ه-) في كتبهِ الجليلة: الاحتجاج و إعلام الورى) و تاج المواليد (3)

4- الشيخ ابن حمزة الطوسيّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 560ه-) في كتابه الشريف: الثاقب في المناقب (4)

5- الشيخ قطب الدين الراونديّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 573ه-) في كتابه: الخرائج و الجرائح (5)


1) كمال الدين و إتمام النعمة: 516.

2) الغيبة: 395.

3) الاحتجاج: 2: 296. إعلام الورى: 2: 260. تاج المواليد: 68.

4) الثاقب في المناقب: 601.

5) الخرائج و الجرائح: 3: 1128.

6- السيّد ابن طاووس قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 664ه-) في كتابه الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف (1)

و ممّا يجدر الالتفات إليه أنّه قد نقل مضمون التوقيع، و لم ينقله بنصّه، حيث قال: و لمّا بلغ الأمر إلى عليّ بن محمّد السّمريّ ذكر أنّ المهدي عَلَیْهِ السَّلام قد عرّفه أن ينتقل إلى الله، و كشف له عن يوم وفاته، و أنّه قد تقدّم إليه أن لا يوكل أحداً غيره ، و أن قد جاءت الغيبة التامّة التي يمتحن فيها المؤمنون.

7- الشيخ عليّ بن عيسى الأربليّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 693ه-) في كتابه الشريف: كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (2)

8- الشيخ عماد الدين الطبريّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى بعد سنة 689ه-) في كتابه النفيس: أسرار الإمامة (3)

9- السيّد بهاء الدين النجفيّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 803ه-) في كتابه القيّم: منتخب الأنوار المضيئة (4)

10- الشيخ العامليّ النباطيّ البياضيّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 877ه-) في الصراط المستقيم (5)

11- المقدّس الأردبيليّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 993ه-) في حديقة الشيعة (6)

12- الشهيد الثالث القاضي التستريّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1019ه-) في مجالس


1) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: 184.

2) كشف الغمة في معرفة الأئمّة: 3: 338.

3) أسرار الإمامة: 89.

4) منتخب الأنوار المضيئة: 238.

5) الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم: 2: 236.

6) حديقة الشيعة: 2: 990.

المؤمنين (1)

13- الشيخ الفيض الكاشانيّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1090ه-) في نوادر الأخبار (2)

14- الشيخ الحرّ العامليّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1104ه-) في كتابيه: إثبات الهداة و هداية الأُمّة (3)

15- السيّد هاشم البحراني قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1107ه-) في كتابه مدينة المعاجز (4)

16- العلّامة المجلسيّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1111ه-) في موسوعته بحار الأنوار (5)

17- السيّد نعمة الله الجزائريّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1117ه-) في كتابه رياض الأبرار (6)

18- الشيخ سليمان الماحوزيّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1121ه-) في كتاب الأربعين (7)

19- الشيخ عناية الله القهبائيّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1126ه-) في مجمع


1) مجالس المؤمنين: 2 : 117.

2) نوادر الأخبار : 233.

3) إثبات الهداة: 3: 693. هداية الأُمّة: 8: 560.

4) مدينة المعاجز: 8:8.

5) بحار الأنوار: 51: 361.

6) رياض الأبرار في مناقب الأئمّة الأطهار عَلَیْهِِم السَّلام: 3: 84.

7) كتاب الأربعين: 229.

الرجال (1)

20- الشيخ محمّد إسماعيل الخاجوئيّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1173ه-) في الرسائل الفقهيّة (2)

21- السيّد عبد الله آل شبر قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1220ه-) في الأنوار اللّامعة في شرح الزيارة الجامعة (3)و حقّ اليقين (4)و جلاء العيون (5)

22- السيّد محسن الأعرجيّ الكاظميّ قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1227ه-) في عدّة الرجال (6)

23- المولى الشيخ أحمد النراقي قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1245ه-) في رسائل و مسائل (7)

24- الشيخ آقا محمود البهبهاني قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1269ه-) في تحفة السلاطين (8)

25 - الشيخ الميرزا حسين النوري قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1320ه-) في النجم الثاقب (9)


1) مجمع الرجال: 7: 190.

2) الرسائل الفقهيّة: 1: 521.

3) الأنوار اللّامعة في شرح الزيارة الجامعة: 35.

4) حقّ اليقين: 286.

5) جلاء العيون : 3: 218.

6) عدّة الرجال: 1: 79.

7) رسائل و مسائل: 3: 122.

8) تحفة السلاطين: 2: 618.

9) النجم الثاقب: 2: 28.

26- الشيخ علي العلياري التبريزي قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1327ه-) في بهجة الآمال (1)

27- الميرزا محمّد تقي الأصفهاني قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1348ه-) في كتابه مكيال المكارم (2)

28- الشيخ عبد الله المامقاني قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1351ه-) في الفوائد الرجاليّة (3)

29- الشيخ عبّاس القمّي قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1359ه-) في منتهى الآمال (4)و الكنى و الألقاب (5)

30- السيّد محسن الأمين العاملي قُدِّس سِرُّه (المتوفّى سنة 1371ه-) في موسوعته أعيان الشيعة (6)و المجالس السنيّة (7)

هذا، إن كان المستشكل قد قصد من إعراض الأصحاب إعراضهم عن رواية التوقيع، و إن كان قد قصد الثاني- أي: عدم اعتقادهم بمضمونه- فيوهنه أنّ سيرة الطائفة كلّها- مِن بداية الغيبة إلى الآن- مستمرّة على العمل بمضمون التوقيع الشريف، و الاعتقاد بانقطاع السفارة و النيابة الخاصّة.


1) بهجة الآمال في شرح زبدة المقال: 7: 624.

2) مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم: 1: 117.

3) الفوائد الرجاليّة من تنقيح المقال: 2: 139.

4) منتهى الآمال : 2: 842.

5) الكنى و الألقاب: 3: 268.

6) أعيان الشيعة: 2: 48.

7) المجالس السنيّة: 2: 495.

و إليك بعض كلماتهم الشريفة (1):

كلمات أعلام القرنين الثالث و الرابع:

*قال الشيخ أبو زينب النعمانيّ قُدِّس سِرُّه (ت 360): و في قوله في الحديث الرابع من هذا الفصل- حدیث عبد الله بن سنان: ﴿كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا صِرْتُمْ فِي حَالٍ لَا تَرَوْنَ فِيهَا إِمَامَ هُدًى وَ لَا عَلَماً يُرَى دلالة على ما جرى، و شهادة بما حدث من أمر السفراء الذين كانوا بين الإمام عَلَیْهِِ السَّلام و بين الشيعة، مِن ارتفاع أعيانهم، و انقطاع نظامهم، لأنّ السفير بين الإمام في حال غيبته و بين شيعته هو العَلَم، فلمّا تمّت المحنة على الخلق ارتفعت الأعلام، و لا تُرى حتّى يظهر صاحب الحقّ عَلَیْهِِ السَّلام، و وقعت الحيرة التي ذكرت، و آذننا بها أولياء الله، و صحّ أمر الغيبة الثانية التي يأتي شرحها و تأويلها فيما يأتي من الأحاديث بعد هذا الفصل، نسأل الله أن يزيدنا بصيرة و هدى، و يوفّقنا لما يرضيه برحمته﴾ (2)

و قال في موضع آخر: فأمّا الغيبة الاُُولى فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام عَلَیْهِِ السَّلام و بين الخلق قياماً منصوبين ظاهرين، موجودي الأشخاص و الأعيان، يخرج على أيديهم غوامض العلم، و عويص الحكم، و الأجوبة عن كلّ ما كان يسأل عنه من المعضلات و المشكلات، و هي الغيبة القصيرة التي انقضت أيّامها و تصرّمت مدّتها.


1) و لقد تعمّدنا أن نحشد الكثير من كلمات أعلام الطائفة قُدِّس سِرُّه دحضاً لما يدّعيه أدعياء المهدويّة من عدم وجود تسالم لدى علماء الطائفة على انقطاع السفارة في زمن الغيبة الكبرى، فلاحظ دعواهم في واحد من أشهر كتبهم، و هو جامع الأدلّة: 30 و 31.

2) الغيبة: 164.

و الغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء و الوسائط؛ للأمر الذي يريده الله تعالى، و التدبير الذي يمضيه في الخلق، و لوقوع التمحيص و الامتحان و البلبلة و الغربلة و التصفية على مَن يدّعي هذا الأمر، كما قال الله عزّ و جلّ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (1)، و هذا زمان ذلك قد حضر، جعلنا الله فيه من الثابتين على الحقّ، و ممّن لا يخرج في غربال الفتنة، فهذا معنى قولنا : «له غيبتان»، و نحن في الأخيرة نسأل الله أن يقرّب فرج أوليائه منها، و يجعلنا في حيّز خيرته، و جملة التابعين لصفوته، و من خيار من ارتضاه و انتجبه لنصرة وليّه و خليفته، فإنّه وليّ الإحسان، جواد منّان﴾ (2) *و قال الشيخ ابن بابويه القمّيّ قُدِّس سِرُّه (ت 368)- كما حكى عنه شيخ الطائفة الطوسيّ، نقلاً عن الشيخ المفيد، نقلاً عن أبي الحسن عليّ بن بلال المهلبيّ قُدِّس سِرُّه-: أمّا أبو دلف الكاتب- لا حاطه الله- فكنّا نعرفه ملحداً ثمّ أظهر الغلوّ، ثمّ جنّ و سلسل، ثمّ صار مفوّضاً، و ما عرفناه قطّ إذا حضر في مشهد إلاّ استخفّ به، و لا عرفته الشيعة إلّا مدّة يسيرة، و الجماعة تتبرّأ منه و ممّن يُومى إليه و ينمس به.و قد كنّا وجهنا إلى أبي بكر البغداديّ لمّا ادّعى له هذا ما ادّعاه، فأنكر ذلك و حلف عليه، فقبلنا ذلك منه، فلمّا دخل بغداد مال إليه و عدل عن الطائفة و أوصى إليه، لم نشكّ أنّه على مذهبه، فلعنّاه و برئنا منه، لأنّ عندنا


1) آل عمران 3: 179.

2) الغيبة للشيخ النعماني: 178.

أنّ كلّ مَن ادّعى الأمر بعد السّمريّ رَحمَه اللهُ فهو كافر منمّس، ضالّ مضلّ، و بالله التوفيق (1)

(الخبّاز)

كلمات أعلام القرنين الرابع و الخامس:

*قال الشيخ المفيد قُدِّس سِرُّه (ت 413): وَ لَهُ قَبْلَ قِيَامِهِ غَيْبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ اَلْأُخْرَى، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ اَلْأَخْبَارُ، فَأَمَّا اَلْقُصْرَى مِنْهُمَا فَمُنْذُ وَقْتِ مَوْلِدِهِ إِلَى اِنْقِطَاعِ اَلسِّفَارَةِ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ شِيعَتِهِ وَ عَدَمِ اَلسُّفَرَاءِ بِالْوَفَاةِ. وَ أَمَّا اَلطُّولَى فَهِيَ بَعْدَ اَلْأُولَى وَ فِي آخِرِهَا يَقُومُ بِالسَّيْفِ (2)

و قد حاول- في جامع الأدلّة: 34- أن يلتفّ على هذه العبارة أيضاً، فذكر أنّها بصدد التحديد التاريخيّ للغيبتين ليس إلّا، و لكنّها محاولة لا تنطلي إلّا على صاحبها؛ إذ أنّ الشيخ المفيد قُدِّس سِرُّه قد عبّر عن منتهى الغيبة الصغرى ب(انقطاع السفارة و عدم السفراء)، و هو تعبير واضح و صريح جدّاً في انقطاع السفارة بموت السفير الرابع (رضوان الله عليه).

(الخبّاز)


1) الغيبة للطوسي: 412. و جدير بالذكر أنّ أبا محمّد الأنصاري- في جامع الأدلّة: 32- قد حاول أن يصرف كلام الشيخ ابن قولويه قُدِّس سِرُّه عن ظاهره، و يلتفّ عليه التفافاً غريباً، فذكر أنّ كلامه ناظر إلى مدّعي السفارة حال وجود السفير الحقّ، باعتبار أنّ أبا دلف الذي كفّره الشيخ ابن قولويه قد ادّعى السفارة في حياة السفير السمري (رضوان الله تعالى عليه) و استمرّ بعده، و لم يكتفِ بهذه المحاولة البائسة التي لا تتلاءم مع ظاهر عبارة «بعد السمري»- و التي كان بإمكان ابن قولويه أن يبدلها إلى «مع السمري»- حتّى لجأ إلى حذف عبارة «رحمه الله» الواردة في کلام ابن قولويه بعد كلمة «السمري»، لتأكيدها على أنّ ابن قولويه- في حكمه بالكفر على مدّعي السفارة- كان ناظراً إلى مرحلة ما بعد السفير السمري.

2) الإرشاد: 2: 340.

*و قال الشيخ أبو الفتح الكراجكيّ قُدِّس سِرُّه (ت 449): قد يجوز أن يجتمع به طائفة من أوليائه تستر اجتماعها به و تخفيه، فأمّا الذي يجب أن يفعله اليوم المسترشدون، و يعوّل عليه المستفيدون، فهو الرجوع إلى الفقهاء من شيعة الأئمّة، و سؤالهم في الحادثات عن الأحكام، و الأخذ بفتاويهم في الحلال و الحرام، فهم الوسائط بين الرعيّة و صاحب الزمان عَلَیْهِِ السَّلام، و المستودعون أحكام شريعة الإسلام، و لم يكن الله تعالى يبيح لحجّته (صلّى الله عليه الاستتار إلّا وقد أوجد للأُمّة من فقه آبائه عَلَیْهِِم السَّلام ما تنقطع به الأعذار) (1)

*و قال الشيخ الطوسيّ قُدِّس سِرُّه (ت 460): ذكر أمر أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ، بعد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رَضی اللهُ عنهُ، و انقطاع الأعلام به، و هم الأبواب.

إلى أن قال: و أخبرنا جماعة، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه، قال: حدّثني أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتب ، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ قُدِّس سِرُّه، فحضرته قبل وفاته بأيّام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِيا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السمريّ، أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوانِكَ فيك... قال فنسخنا هذا التوقيع و خرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه و هو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه (2، و قضى.)


1) كنز الفوائد: 2: 218.

2) لقد حاول صاحب جامع الأدلّة- الصفحة: 20- أن يشوّش من خلال هذه الرواية دلالة التوقيع الشريف، و ذلك:)«أوّلاً: بحجّة أنّ السفير السّمريّ رَضی اللهُ عنهُ لم يقل: «لا سفير بعدي»، بل قال: «لله أمر هو بالغه».و ثانياً: بحجّة سؤالهم له عن الوصيّ من بعده، و لو كانوا قد فهموا من التوقيع الذي تلقّوه منه قبل ستّة أيّام انقطاع النيابة لم يسألوه.و لا يخفاك ما في كلامه؛ فإنّ أيّ متتبّع لكلمات العرب و محاوراتهم يجد أنّهم يستعملون عبارة «لله أمر هو بالغه» لتعبير عن الأشياء التي قضاها الله تعالى و حتم وقوعها، و بما أنّ السفير السّمريّ قد أخبر سائليه قبل ستّة أيّام بانقطاع النيابة الخاصّة، و أنّ الإمام (أرواحنا فداه قد أمره أن لا يقيم أحداً مقامه، معلّلاً ذلك بوقوع الغيبة التامّة- بينما السائلون قد احتملوا جريان البداء خلال الأيّام الستّة؛ و لذا سألوه عن الوصيّ بعده- أجابهم بأنّ ما سبقَ و أن أبلغهم به - من انقطاع السفارة و تحقّق الغيبة التامّة- أمرٌ مقضيّ لا محيص عنه، فتأمّل جيّداً. (الخبّاز)

فهذا آخر كلام سمع منه (رضي الله عنه و أرضاه) (1)

كلمات أعلام القرن الخامس:

*و قال الشيخ عبيد الله الأسد آباديّ قُدِّس سِرُّه (من أعلام القرن الخامس): عثمان بن سعيد العمريّ ... و كانت الشيعة تقصده من كلّ بلد بقصص و حوائج، و كانت الأجوبة تخرج إليهم على يده. فلمّا دنت وفاته جمع من كان بقي من شيوخ الشيعة، و أخبرهم أنّه ميّت، و أنّ صاحب الأمر عَلَیْهِِ السَّلام قد أمره أن ينصّ على ولده أبي جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمريّ، فمن كانت له حاجة قصده، و توفّي رَحمَه اللهُ، و هو أوّل أبواب صاحب الأمر عَلَیْهِِ السَّلام، و كانت الشيعة يأتونه من كلّ بلد سحيق، وفجّ عميق، و كانت الأجوبة تخرج إليهم على يده.


1) الغيبة: 393- 395.

فلمّا حضرته الوفاة خبّر الشيخ الشيعة أنّه مقبوض، و أنّه قد أمر بأن يقيم أبا القاسم الحسين بن روح النّوبختيّ مقامه، و كان النّوبختيّ كاتب عثمان ابن سعيد؛ و قال: فمن كانت له حاجة قصده ، و توفّي رَحمَه اللهُ، و هو الباب الثاني من أبواب صاحب الأمر عَلَیْهِِ السَّلام.فلمّا حضرته الوفاة، جمع شيوخ الشيعة و عرّفهم موته، و أنّه قد أمر أن يقيم أبا الحسن عليّ بن محمّد بن سهل السّمريّ مقامه، فمن كانت له حاجة قصده، و توفّي النوبختي رَحمَه اللهُ، و كان الباب الثالث من أبواب صاحب الأمر عَلَیْهِِ السَّلام، و كانت الشيعة تختلف إليه و تقصده.فلمّا حضرته الوفاة اجتمع إليه من كان بقي من شيوخ الشيعة، و قالوا له: عرّفنا من لنا بعدك؟ فلم يجبهم عن كلامهم،فلمّا طال خطابهم، و تكرّر مرّة بعد ثانية، قال لهم: ما أمرت بشيء، و ليس بعدي باب يقصد، و ذكّرهم الخبر المأثور عن الأئمّة عَلَیْهِِم السَّلام أنّ الله تعالى إذا أراد إظهار صاحب الأمر ستر أبوابه،فاعترفوا بالخبر و صحّته، ثمّ قال: و الأمر قريب.و لو كان الأبواب المقصود باختيار الشيعة لم تنقطع إلى وقت ظهور صاحب الأمر عَلَیْهِِ السَّلام، فعلم أنّ مَن تقدّم من الأبواب كان بنصّ من صاحب الأمر عَلَیْهِِ السَّلام على واحد واحد (1)

كلمات أعلام القرنين الخامس و السادس:

*قال الشيخ الطبرسيّ قُدِّس سِرُّه (ت 548ه-): و أمّا الأبواب المرضيّون، و السفراء الممدوحون في زمان الغيبة، فأوّلهم: الشيخ الموثوق به أبو عمرو


1) المقنع في الإمامة: 146.

(عثمان بن سعيد العمريّ. نصبه أوّلاً أبو الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ، ثمّ ابنه أبو محمّد الحسن، فتولّى القيام باُمورهما حال حياتهما عَلَیْهِِما السَّلام، ثمّ بعد ذلك قام بأمر صاحب الزمان عَلَیْهِِ السَّلام، و كان توقيعاته و جواب المسائل تخرج على يديه. فلمّا مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان مقامه، و ناب منابه في جميع ذلك، فلمّا مضى هو، قام بذلك أبو القاسم حسين بن روح من بني نوبخت، فلمّا مضى هو قام مقامه أبو الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ.)و لم يقم أحد منهم بذلك إلّا بنصّ عليه من قِبل صاحب الأمر عَلَیْهِِ السَّلام، و نصب صاحبه الذي تقدّم عليه، و لم تقبل الشيعة قولهم إلّا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كلّ واحد منهم من قِبل صاحب الأمر عَلَیْهِِ السَّلام، تدلّ على صدق مقالتهم، و صحّة بابيّتهم. فلمّا حان سفر أبي الحسن السّمريّ من الدنيا و قرب أجله قيل له: إلى مَن توصي؟ فأخرج إليهم توقيعاً نسخته:بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِيا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السمريّ،.... (1) و قال قُدِّس سِرُّه في كتاب آخر: و له قبل قیامه غیبتان: إحداهما أطول من الأخرى، كما جاءت به الأخبار عن آبائه الصادقين عَلَیْهِِمُ السَّلام، فأمّا الغيبة الصغرى فمنذ ولد (صلوات الله عليه إلى أن قطعت السفارة بينه و بين شيعته و عدم السفراء بالوفاة، و أمّا الطولى فهي بعد الاُولى، و في آخرهما يقوم بالسيف (صلوات الله عليه)) (2)

و قال قُدِّس سِرُّه في ثالث: فانظر كيف قد حصلت الغيبتان لصاحب الأمر عَلَیْهِِ السَّلام


1) الاحتجاج: 2: 296.

2) تاج المواليد: 65.

على حسب ما تضمّنته الأخبار السابقة لوجوده عن آبائه و جدوده عَلَیْهِِم السَّلام، أمّا غيبته الصغرى منهما فهي التي كانت فيها سفراؤه عَلَیْهِِ السَّلام موجودين، و أبوابه معروفين، لا تختلف الإماميّة القائلون بإمامة الحسن بن عليّ عَلَیْهِِ السَّلام فيهم، فمنهم: أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ، و محمّد بن عليّ بن بلال، و أبو عمر و عثمان بن سعيد السمّان، و ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان، و عمر الأهوازيّ، و أحمد بن إسحاق، و أبو محمّد الوجنانيّ، و إبراهيم بن مهزيار، و محمّد بن إبراهيم، في جماعة اُخر ربّما يأتي ذكرهم عند الحاجة إليهم في الرواية عنهم (1)

«و الذي أطمئنّ له- تجاوزاً لكلّ ما ذكرناه- أنّ هنالك سقطاً في عبارة الشيخ الطوسي قُدِّس سِرُّه، و ترشد إليه عبارة الشيخ أبي الصلاح الحلبيّ قُدِّس سِرُّه (ت 447)- في تقريب المعارف: 427- حيث يقول مثبتاً إمامة الإمام المهدي عَلَیْهِِ السَّلام: و أمّا شهادة المقطوع بصدقهم، فمعلوم لكلّ سامع لأخبار الشيعة تعديل أبي محمّد الحسن بن عليّ عَلَیْهِِما السَّلام جماعة من أصحابه، و جعلهم سفراء بينه و بين أوليائهم، و الأُمناء على قبض الأخماس و الأنفال، و شهادته بإيمانهم و صدقهم فيما يؤدّونه عنه إلى شيعته، و أنّ هذه الجماعة شهدت بمولد الحجّة بن الحسن عَلَیْهِِ السَّلام، و أخبرت بالنصّ عليه من أبيه عَلَیْهِِِما السَّلام، و قطعت بإمامته، و كونه الحجّة المأمول للانتصار من الظالمين.فكان ذلك منهم نائباً مناب نصّ أبيه عَلَیْهِِ السَّلام لو كان مفقوداً؛ إذ لا فرق في ثبوت الحكم بين أن ينصّ عليه حجّة معلوم العصمة لكونه نبيّاً أو إماماً، و بين أن ينصّ عليه منصوص على صدقه بقول نبيّ أو إمام.و الجماعة المذكورة: أبو هاشم داود بن قاسم الجعفريّ، و محمّد بن عليّ بن بلال، و أبو عمرو عثمان بن سعيد السمّان، و ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان (رضي الله عنهم، و عمرو الأهوازيّ، و أحمد بن إسحاق، و أبو محمّد الوجنائيّ، و إبراهيم بن مهزيار، و محمّد ابن إبراهيم).

فإنّه يعلم من هذه العبارة أنّ المذكورين ليسوا جميعاً سفراء الإمام المهدي عَلَیْهِِ السَّلام في زمن الغيبة الصغرى، و إنّما كانوا سفراء لوالده الإمام العسكريّ عَلَیْهِِ السَّلام، و قد شهدوا برؤية الإمام الحجّة عَلَیْهِِ السَّلام، فشهادتهم بمثابة النصّ، كما أفاد الشيخ الحلبيّ قُدِّس سِرُّه، و لا يخفى ظهور عبارته في توثيق مَن ذكرهم خلافاً لعبارة الشيخ الطبرسيّ المتقدّمة، فتأمّل جيّداً. (الخبّاز)


1) لا يخفى أنّ الشيخ الطبرسي قُدِّس سِرُّه- كما سيتّضح من كلامه اللاّحق و كلاميه المتقدّمين- قد حسم الأمر في مسألة انقطاع السفارة بموت السفير السّمريّ (رضوان الله عليه)، و إنّما الكلام في وجود سفراء آخرين في زمن الغيبة الصغرى سوى السفراء الأربعة أو لا، و قد استظهر البعض من هذه العبارة- و التي قد نُسبت اشتباهاً للسيّد ابن طاووس قُدِّس سِرُّه بسبب الاشتباه في نسخةٍ من كتاب إعلام الورى قد كُتب عليها ربيع الشيعة و اسم السيّد ابن طاووس معاً- وجود سفراء آخرين، غير أنّ الأمر لا يخلو عن تأمّل، و العبارة لا تخلو عن نحو اضطراب، و إن صحّت فلعلّ المقصود بسفارة غير الأربعة السفارة في شؤون خاصّة، لا السفارة العامّة على نحو سفارة الأربعة، و الذي ينبّه على ذلك أنّ بعضهم- كعمر الأهوازيّ و أبي محمّد الوجنانيّ ليس معروفاً بشيء في كتب الحديث و التراجم و الرجال، سوى تشرّف الأوّل برؤية جمال إمام الزمان (عجل الله فرجه) ،و نقل الثاني لحادثة خروج الإمام عَلَیْهِِ السَّلام من داره كما أنّ كلمات الأعلام قُدِّس سِرُّه قد خليت عن ذكرهم ضمن سلسلة السفراء. و ممّا يجدر ذكره: أنّ بعض الرجاليّين قد حاول استفادة التوثيق من هذه العبارة لمن ذُكرت أسماؤهم فيها، و هو لا يخلو عن إشكال بل منع؛ إذ أنّ (محمّد بن عليّ بن بلال) قد ذُكِر اسمه معهم، مع أنّه ممّن نصّ شيخ الطائفة الطوسي قُدِّس سِرُّه على مذموميّته- الغيبة: 353- ممّا ينبّه على أنّ الشيخ الطبرسي- و الذي اُبدِلَ به السيّد ابن طاووس في بعض الكلمات- ليس إلّا بصدد ضبط الأسماء، بغضَ النظر عن الممدوحيّة و المذموميّة.»

و كانت مدّة هذه الغيبة أربعاً و سبعين سنة، و كان أبو عمرو عثمان بن سعيد العمريّ (قدّس الله روحه) باباً لأبيه و جدّه عَلَیْهِِما السَّلام من قبل و ثقة لهما، ثمّ تولّى الباقية من قِبله، و ظهرت المعجزات على يده، و لمّا مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفر محمّد مقامه رَحمهمَا اللهُ بنصّه عليه، و مضى على منهاج أبيه رَضی اللهُ عنهُ في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع أو خمس و ثلاث مائة، و قام مقامه أبو القاسم

الحسين بن روح من بني نوبخت بنصّ أبي جعفر محمّد بن عثمان عليه، و أقامه مقام نفسه، و مات رَضی اللهُ عنهُ في شعبان سنة ستّ و عشرين و ثلاث مائة، و قام مقامه أبو الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ بنصّ أبي القاسم عليه، و توفّي في النصف من شعبان سنة ثمان و عشرين و ثلاث مائة.

فروي عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتب أنّه قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها علي بن محمّد السّمريّ، فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:

بِِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

يا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ السمريّ ، أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوانِكَ فيكَ ... ثمّ حصلت الغيبة الطولى التي نحن في أزمانها، و الفرج يكون في آخرها بمشيئة الله تعالى﴾ (1)

كلمات أعلام القرن السادس:

*قال الشيخ قطب الدين الراونديّ قُدِّس سِرُّه (ت 573): و كان بعد ذلك تحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين بها، و تخرج من عندهم التوقيعات، و كانت توجد العلامات والدلالات على أيديهم.أوّلهم: [وكيل أبي محمّد عَلَیْهِِ السَّلام] الشيخ عثمان بن سعيد العمريّ.ثمّ ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان.ثمّ أبو القاسم الحسين بن روح.ثمّ الشيخ أبو الحسن علي بن محمّد السّمريّ.


1) إعلام الورى بأعلام الهدى: 2: 259.

ثمّ كانت الغيبة الطولى، و كانوا- كلّ واحد منهم- يعرفون كمّيّة المال جملة و تفصيلاً، و يسمّون أربابها بأعلامهم ذلك من القائم عَلَیْهِِ السَّلام (1)

كلمات أعلام القرن السابع:

*قال السيّد ابن طاووس قُدِّس سِرُّه (ت 664): و لمّا بلغ الأمر إلى عليّ بن محمّد السّمريّ ذكر أنّ المهديّ عَلَیْهِِ السَّلام قد عرّفه أن ينتقل إلى الله، و كشف له عن يوم وفاته، و أنّه قد تقدّم إليه أن لا يوكل أحداً غيره، و أن قد جاءت الغيبة التامّة التي يمتحن فيها المؤمنون (2)

*و قال الشيخ ابن أبي الفتح الأربليّ قُدِّس سِرُّه (ت 693): و هو صاحب السيف من أئمّة الهدى عَلَیْهِِم السَّلام، و القائم بالحقّ و المنتظر لدولة الإيمان، و له قبل قيامه غيبتان، أحدهما أطول من الأُخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، فأمّا القصرى فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته، و عدم السفراء بالوفاة، و أمّا الطولى فهي بعد الاُولى، و في آخرها يقوم بالسيف (3)

*و قال الشيخ عماد الدين الطبريّ قُدِّس سِرُّه (بعد 698): و كانت له غيبتان، و كان أربعاً و سبعين سنة بينه و بين شيعته المراسلة و السفارة، و يراه الثقات بالسفارة، و كانت للسّفَرة معجزات دالّة على صدقهم، و السفراء كانوا أربعة ... و قام مقامه أبو الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ ... و مات سنة تسع و عشرين و ثلاث مائة، و وقعت بعدها الغيبة الثانية، و هي أطولهما و أتمّها (4)


1) الخرائج و الجرائح: 3: 1108.

2) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: 184.

3) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة عَلَیْهِِِم السَّلام: 3: 243.

4) أسرار الإمامة: 88.

كلمات أعلام القرنين السابع و الثامن:

*قال العلّامة الحلّىّ قُدِّس سِرُّه (ت 726): محمّد بن عثمان بن سعيد العَمريّ- بفتح العين- الأسديّ، يكنّى أبا جعفر، و أبوه يكنّى أبا عمرو، جميعاً وكيلان في خدمة صاحب الزمان عَلَیْهِِ السَّلام، و لهما منزلة جليلة عند هذه الطائفة، و كان محمّد قد حفر لنفسه قبراً و سوّاه بالساج، فسئل عن ذلك فقال: للنّاس أسباب، ثمّ سئل بعد ذلك فقال: قد أمرت ان أجمع أمري، فمات بعد شهرين من ذلك في جمادي الأُولى سنة خمس و ثلاث مائة، و قيل: سنة أربع و ثلاث مائة، و كان يتولّى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة، و قال عند موته: اُُمرت أن اُوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، و أوصى إليه، و أوصى أبو القاسم ابن روح إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمري، فلمّا حضرت السّمريّ الوفاة سئل أن يوصي، فقال: لله أمر هو بالغه، و الغيبة الثانية هي التي وقعت بعد مضيّ السّمريّ (1)

و قال في كتابٍ آخر: و هو صاحب السيف من أئمّة الهدى عَلَیْهِِم السَّلام، و القائم بالحقّ المنتظر لدولة الإيمان، و له قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الأُخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، فأمّا القصرى منهما منذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته و عدم السفراء بالوفاة، و أمّا الطولى فهي بعد الأولى و في آخرها يقوم بالسيف (2)

و قال الشيخ تقيّ الدين بن داود الحلّيّ قُدِّس سِرُّه (ت 740): محمّد بن


1) خلاصة الأقوال: 250.

2) المستجاد من الإرشاد: 232.

عثمان بن سعيد العمريّ، يكنّى أبا جعفر، و أبوه يكنّى أبا عمرو، جميعاً وكيلان من جهة صاحب الزمان عَلَیْهِِ السَّلام، و لهما منزلة عظيمة جليلة عند الطائفة، كان محمّد قد حفر لنفسه قبراً و سوّاه بالساج، فسئل عن ذلك فقال: للنّاس أسباب، ثمّ سئل بعد ذلك فقال: قد اُمرت أن أجمع أمري، فمات بعد ذلك بشهرين في جمادى الأُولى سنة خمس و ثلاث مائة، و قيل: سنة أربع و ثلاث مائة، و قال عند موته: أُمرت أن أُوصي إلى أبي القاسم بن روح، و أوصى إليه، و أوصى أبو القاسم بن روح إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ، فلمّا حضرت السّمريّ الوفاة سئل أن يوصى، فقال: لله أمر هو بالغه. و الغيبة الثانية هي التي وقعت بعد السّمريّ (1)

كلمات أعلام القرنين الثامن و التاسع:

*قال الشيخ المقداد السيوريّ قُدِّس سِرُّه (ت 826): و كان له نوّاب يصدر الأمر منهم عنه عَلَیْهِِ السَّلام، ثمّ إنّه بعد ذلك غاب و استتر و انقطعت تلك السفارة و المشاهدة له عَلَیْهِِ السَّلام (2)

*و قال ابن الصبّاغ المالكي المكّيّ (ت 855)- من علماء المالكيّة: و له قبل قيامه غَيبتان: إحداهما أطول من الأُخرى، فأمّا الأُُولى فهي القُصرى منهما، فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته، و أمّا الثانية فهي الّتي بعد الأُولى و في آخرها يقوم بالسيف (3)


1) رجال ابن داود: 178.

2) الأنوار الجلاليّة في شرح الفصول النصيريّة: 165.

3) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة عَلَیْهِِم السَّلام: 2: 1097.

كلمات أعلام القرن التاسع:

*قال الشيخ العامليّ النباطیّ البياضيّ قُدِّس سِرُّه (ت 877): و أخبر عَلَیْهِِ السَّلام السّمريّ بيوم موته، و أمره أن لا يوكّل أحداً من بعده، فقد جاءت الغيبة التامّة التي يمتحن الله فيها المؤمنين، و الغيبة سنّة الله في عباده، تشهد كتب التواريخ بها (1)

كلمات أعلام القرن العاشر:

*قال الشهيد الثاني قُدِّس سِرُّه (ت 966): إلى أنْ انتهى الأمر إلى صاحب الأمر ﴿صلوات الله و سلامه عليه، و عجّل الله فرجه، و اقتضت المصلحةُ الإلهيّةُ و الحِكمة الخَفِيّةُ اختفاءه، فنصب نائباً بعد نائب للتوسّط بينه و بين الرعايا في تبليغ الحكم، ثمّ انقرضوا بانقراض آخرهم، و هو عليّ بن محمّد السّمريّ، فانقطعت الواسطة، و تعذّر الوصول إليه عَلَیْهِِ السَّلام﴾ (2)

كلمات أعلام القرنين العاشر و الحادي عشر:

*قال القاضي التستري قُدِّس سِرُّه (ت 1019): و الفرق بين الغيبتين هو أنّ في الصغرى يتمّ اتّصال السفراء و الوكلاء و صالحي الأُمّة لإ يصال التوقيعات و الأوامر التي تجب إطاعتها، و أمّا في الكبرى فإنّ الاتّصال قد انقطع به (3)


1) الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم: 2: 233.

2) رسائل الشهيد الثاني: 2: 779.

3) مجالس المؤمنين: 119.

كلمات أعلام القرن الحادي عشر:

*قال الشيخ عبد الرزاق اللاهيجي قُدِّس سِرُّه (ت 1051 أو 1072): آن حضرت را در وقت غیبت صغرى؛ وكلاء جليل القدر بوده اند ظاهر و معروف باسمائهم و أنسابهم و أو طانهم که خبر می دادند از آن حضرت به معجزات و کرامات و جواب مشکلات مانند: عثمان بن سعيد العمري، و أبي جعفر محمّد بن عثمان، و قاسم بن الحسين بن روح النوبختي،و عليّ بن محمّد السّمريّ، و كان كلّما قربت وفاة أحد منهم عيّن عَلَیْهِِ السَّلام مَن يقوم مقامه بآيات و كرامات شاهدة بتصديق ذلك . و چون نوبت وکالت به علیّ بن محمّد السمری رسیده خبر داد که حضرت صاحب وی را خبر داده به موت وی و تعيين روز وفات، و فرمود که: کسی را وکیل نکند که وقت غیبت کبری رسیده و در این غیبت امتحان خواهد کرد خدای تعالی مؤمنان را (1)

و محصّل كلامه قُدِّس سِرُّه: أنّه في زمن الغيبة الصغرى كان للإمام عَلَیْهِِ السَّلام وكلاء معروفون بأسمائهم و أنسابهم، قد ظهرت على أيديهم المعجزات و الكرامات و أجابوا عن المشكلات، و هم عثمان بن سعيد العمريّ، و ابنه محمّد، و الحسين بن روح النوبختيّ، و عليّ بن محمّد السّمريّ، و كان كلّما قربت وفاة أحد منهم عيّن عَلَیْهِِ السَّلام من يقوم مقامه بآيات و كرامات شاهدة و بتصديقه، و لمّا حانت وفاة الأخير أبلغه الإمام عَلَیْهِِ السَّلام بذلك و حدّد له يوم وفاته، و أمره أن لا يعيّن وكيلاً بعده؛ إذ قد حلّت الغيبة الكبرى، و التي يكون بها امتحان المؤمنين. ( الخبّاز)

*و قال الشيخ المجلسيّ الأوّل قُدِّس سِرُّه (ت 1070): نوابه الأربعة، و هم:


1) گوهر مراد: 582.

أبو عمرو عثمان بن سعيد العمريّ، و هو أوّل مَن نصبه أبو محمّد الحسن العسكريّ (صلوات الله عليه، ثمّ عليّ- ابنه- محمّد بن عثمان أبو جعفر مع نصّ أبيه عليه، فلمّا حضره الوفاة و اشتدّ حاله حضر عنده جماعة من وجوه الشيعة، منهم: أبو عليّ بن همام و أبو عبد الله بن محمّد الكاتب و أبو عبد الله الباقطاني و أبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختىّ و أبو عبد الله بن أبي خيار و غيرهم من وجوه الأكابر، فقالوا له: إن حدث أمر فمَن يكون مكانك؟)فقال لهم: هذا أبو القاسم، الحسين بن روح النوبختيّ القائم مقامي و السفير بيني و بين صاحب الأمر عَلَیْهِ السَّلام، و الوكيل و الثقة الأمين، فارجعوا في أُموركم إليه و عوّلوا عليه في مهمّاتكم، فبذلك أُمرت وقد بلّغت، ثمّ أوصى أبو القاسم بن روح إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ، فلمّا حضرته الوفاة سئل أن يوصي، فقال: لله أمر هو بالغه، و هو الغيبة الكبرى (1) *و قال الشيخ حسين بن شهاب الدين الكركي قُدِّس سِرُّه (ت 1076): ثمّ استتر الحجّة عَلَیْهِ السَّلام لشدّة الخوف، و وقعت الغيبة الكبرى التي أخبر بها جدّه صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ و آباؤه عَلَیْهِم السَّلام، و انقطعت السفارة بينه و بين الشيعة بعد أن أخذوا عنه و عن آبائه عَلَیْهِ السَّلام ما يحتاجون إليه من أُمور الدين، و ألّفوا فيها الكتب، و خرج الأمر إليهم منه عَلَیْهِ السَّلام بالرجوع إلى رواة أحاديثهم في زمن الغيبة، و كان من لطف الله سبحانه بعباده أنّه كما لا تخلو الأرض من حجّة؛ كذلك لا تخلو من عالم حافظ الحدیث آل محمّد عَلَیْهِمُ السَّلام في حال الغيبة (2)

*و قال الشيخ الفيض الكاشاني قُدِّس سِرُّه (ت 1091): و أمّا الغيبة الأُولى:


1) روضة المتّقين: 4: 275.

2) هداية الأبرار إلى طريق الأئمّة الأطهار: 209.

فكان له عَلَیْهِ السَّلام فيها سفراء تخرج إلى شيعته بأيديهم توقيعات، و كان أوّلهم الشيخ أبو عمرو عثمان بن سعيد العمريّ رَضی اللهُ عَنْهُ، فلمّا مات عثمان أوصى إلى ابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان، و أوصى أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، و أوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ (رضي الله عنهم، فلمّا حضرت السّمريّ رَضی اللهُ عَنْهُ الوفاة سئل أن يوصي فقال: لله أمر هو بالغه، فالغيبة الكبرى هي التي وقعت بعد مضي السّمريّ رَضی اللهُ عَنْهُ) (1) و قال في كتابٍ آخر: و له قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الأُخرى- كما جاءت بذلك الأخبار- فأمّا القصرى فمنذ وقت ولادته إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته و عدم السفراء بالوفاة، و أمّا الطولى فهي بعد الأُولى، و في آخرها يقوم بالسيف (2)

و قال في كتاب ثالث: ثمّ لمّا انقضت مدّة أئمّة المعصومين (صلوات الله عليهم، و انقطعت السفراء بينهم و بين شيعتهم، وطالت الغيبة ...) (3)

و قال في كتاب رابع: و نصّ أبوه عليه عَلَیْهِما السَّلام عند ثقاته و خاصّته و شيعته، و كان الخبر بغيبته ثابتاً قبل وجوده ، و بدولته مستفيضاً قبل غيبته، و إحداهما أطول من الأُخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، فأمّا القصرى فمنذ وقت ولادته إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته،و عدم السفراء بالوفاة، و أمّا الطولى فهى بعد الأُولى في آخرها يقوم بالسيف (4)


1) الوافي: 2: 414.

2) علم اليقين في أُصول الدين: 2: 932.

3) سفينة النجاة: 9.

4) المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء: 4: 335.

كلمات أعلام القرنين الحادي و الثاني عشر:

*قال الشيخ الحرّ العاملي قُدِّس سِرُّه (ت 1104): أمّا سفراء المهديّ عَلَیْهِ السَّلام ... فأوّلهم.. الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمريّ ... فلمّا مات أوصى إلى ابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان، و أوصى أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، و أوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السمّريّ، فلمّا حضرت السمّريّ رَضی اللهُ عَنْهُ الوفاة سئل أن يوصي، فقال: لله أمر هو بالغه، فوقعت الغيبة التامّة.و مضى أبو الحسن السمّريّ سنة تسع و عشرين و ثلاث مائة، و خرج إليه قبل موته توقيع فيه:بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِيا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السمريّ، أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوانِكَ فيكَ ... فلمّا كان اليوم السادس توفّي رَحمه اللهُ، فهؤلاء الأبواب الأربعة (1)

*و قال السيّد هاشم البحراني قُدِّس سِرُّه (ت 1107)- ناقلاً كلام الشيخ المفيد قُدِّس سِرُّه-: و هو صاحب السيف من أئمّة الهدى عَلَیْهِم السَّلام، و القائم بالحقّ المنتظر لدولة الإيمان، و له قبل قيامه غيبتان، إحداهما أطول من الأُخرى، كما جاءت بذلك الاخبار، فأمّا القصرى منهما فمنذ وقت مولده عَلَیْهِ السَّلام إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته و عدم السفراء بالوفاة، و أمّا الطولى فهي بعد الأُولى، و في آخرها يقوم بالسيف (2)


1) هداية الأُمة: 8: 506.

2) مدينة المعاجز: 8: 6.

*و قال العلّامة المجلسي قُدِّس سِرُّه (ت 1111): و تناثر النجوم لكثرة فوت العلماء؛ و لذا سمّوا ابتداء الغيبة الكبرى سنة تناثر النجوم، لفوت كثير من أكابر العلماء فيها كالكليني و عليّ بن بابويه و السّمريّ آخر السفراء، و غيرهم (رضي الله عنهم) (1)

*و قال السيّد نعمة الله الجزائري قُدِّس سِرُّه (ت 1117): و وكيله عثمان بن سعيد، فلمّا مات عثمان أوصى إلى ابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان، و أوصى أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، و أوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ (رضي الله عنهم.)فلمّا حضرت السّمريّ الوفاة سئل أن يوصي، فقال: لله أمر هو بالغه.فالغيبة التامّة هي التي وقعت بعد [مضيّ] السّمريّ قُدِّس سِرُّه (2)

ثمّ قال: و في كتاب المواعظ: أنّ أوّل السفراء المرضيّين الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمريّ، نصّبه أوّلاً أبو الحسن علي بن محمّد العسكري عَلَیْهِ السَّلام ثمّ ابنه الحسن بن عليّ، فتولّى القيام بأمرهما حال حياتها، ثمّ بعد ذلك قام بأمر صاحب الزمان عَلَیْهِ السَّلام، فلمّا مضى لسبيله قام ابنه محمّد بن عثمان مقامه، فلمّا مضى قام مقامه أبو القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت مقامه، فلمّا مضى قام مقامه أبو الحسن علي بن محمّد السّمريّ،و لم يكن بعده أحد (3)

*و قال السيّد علي خان المدني قُدِّس سِرُّه (ت 1118): و انقطعت السفارة


1) بحار الأنوار: 58: 233.

2) رياض الأبرار في مناقب الأئمّة الأطهار عَلَیْهِمُ السَّلام : 3 : 22.

3) المصدر المتقدّم: 84.

بموت أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ، و كانت وفاته سنة تسع و عشرين، و قيل: في النصف من شعبان سنة ثمان و عشرين و ثلاث مائة (رحمه الله تعالى) (1) *و قال الشيخ سليمان الماحوزي قُدِّس سِرُّه (ت 1121): و كان له عَلَیْهِ السَّلام في الغيبة الصغرى أبواب مرضيّون و سفراء ممدوحون.

ثم نقل كلام الشيخ الطبرسي في الاحتجاج: و أما الأبواب المرضيّون و السفراء الممدوحون في زمن الغيبة: فأوّلهم الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمريّ...فلمّا مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان مقامه ..فلمّا مضى لسبيله قام بذلك أبو القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت.. فلمّا مضى هو قام مقامه أبو الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ، و لم يقم منهم أحد بذلك إلّا بنصّ عليه من قِبل صاحب الزمان (صلوات الله عليه، و نصب صاحبه الذي تقدّم عليه، و لم تقبل الشيعة قولهم إلّا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يدكلّ واحد منهم من قِبل صاحب الأمر ( صلوات الله عليه) تدلّ على صدق مقالتهم و صحّة نيابتهم.)فلمّا حان رحيل أبي الحسن السّمريّ عن الدنيا و قرب أجله، قيل له: إلى مَن توصي؟ فأخرج توقيعاً إليهم نسخته:بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِيا عليَّ بنَ مُحَمَّدِ السّمريّ .... (2)


1) رياض السالكين: 1: 191.

2) كتاب الأربعين: 228.

كلمات أعلام القرن الثاني عشر:

*قال الشيخ عبد الله آل عمران القطيفي قُدِّس سِرُّه (ت بعد 1154): و له قبل قيامه غيبتان، إحداهما أطول من الأُخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، أمّا القصرى: فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته، و أمّا الطولى فهي بعد الأُولى، و في آخرها يقوم بالسيف، و انقطعت السفارة بموت أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ (1)

*و قال المحقّق الخواجوئی قُدِّس سِرُّه (ت 1173): فعلى ما ورّخه الشيخ كانت سنة وفاته سنة حصلت فيها الغيبة الكبرى، لأنّ عليّ بن محمّد السّمريّ -و هو آخر سفير من سفراء الصاحب عَلَیْهِ السَّلام- توفّي في النصف من شعبان سنة ثمان و عشرين و ثلاث مائة، فوقعت الغيبة الكبرى التي نحن في أزمانها، و الفرج يكون في آخرها بمشيّة الله تعالى (2)

*و قال المحقّق البحراني قُدِّس سِرُّه (ت 1186): و كان له غيبتان: صغری و هی التي فيها السفراء (رضي الله عنهم و يقرب من خمس و سبعين سنة، و كان أوّلهم عثمان بن سعيد، أوصى إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان، و أوصى أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، و أوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ رحمه اللهُ، فلمّا حضرت السّمريّ الوفاة اجتمعت عنده الشيعة، و سألوه أن يوصي إلى أحد، فقال: لله أمر هو بالغه، فوقعت الغيبة الكبرى) (3)


1) الهداية في إثبات الإمامة و الولاية: 216.

2) التعليقة على مشرق الشمسين: 70.

3) الحدائق الناضرة: 17: 440.

و قال في موضع آخر: و أمّا ما استند إليه من أمر السفراء في زمن الغيبة الصغرى فهو قياس مع الفارق؛ فإنّ مراد أصحابنا بزمان الغيبة هو زمان الغيبة الكبرى التي لا يمكن الوصول إليه فيها بالكلّيّة، لا ما توهّمه من الغيبة الصغرى (1)

كلمات أعلام القرنين الثاني و الثالث عشر:

*قال السيّد مهدي بحر العلوم قُدِّس سِرُّه (1212)- متحدّثاً عن الشيخ المفيد قُدِّس سِرُّه: و لم يدرك شيئاً من الغيبة الصغرى؛ فإنّها انقضت بوفاة أبي الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ- آخر السفراء- سنة تسع و عشرين و ثلاث مائة، و هي سنة تناثر النجوم (2)

*و قال الشيخ حسين العصفور قُدِّس سِرُّه (ت 1216): إذا تقرّر هذا كلّه ظهر لك أنّ هذا المنصب الجليل، و الدخول في زمرة علماء أُمّتي كأنبياء بني إسرائيل، قد سهّل في هذه الأوقات و الأحيان، حتّى أنّه صار أيسر ممّا تقدّمه من الأزمان، كأوائل الغيبة الكبرى و زمان انقطاع السفراء (3)

*و قال الشيخ محمّد بن إسماعيل المازندرانی قُدِّس سِرُّه (ت 1216): في سنة وفاته ( طاب ثراه انقطعت السفارة بموت عليّ بن محمّد السمريّ رَضی اللهُ عَنْهُ و وقعت الغيبة الكبرى) (4)


1) الحدائق الناضرة: 12: 469.

2) الفوائد الرجاليّة: 3: 322.

3) المحاسن النفسانيّة: 12.

4) طرائف المقال: 6: 237.

*و قال السيّد عبد الله آل شبر قُدِّس سِرُّه (ت 1220): و قد ورد عنهم في التوقيع لعليّ بن محمّد السّمريّ- على ما في الاحتجاج و الإكمال-: و سيأتي من شيعتي مَن يدّعى المشاهدة، ألا فمَن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ و الصيحة، فهو كذّاب مفتر لانّا نقول: إنّ ذلك محمول على مَن يدّعي المشاهدة مع النيابة و إيصال الأخبار من جانبه عَلَیْهِ السَّلام إلى الشيعة الأبرار على نحو السفراء و النواب، و إلّا فقد استفاضت الأخبار و تظافرت الآثار عن جمع كثير من الثقات الأبرار من المتقدّمين و المتأخّرين ممّن رأوه و شاهدوه في كثير الغيبة الكبرى (1)

*و قال السيّد محسن الأعرجي الكاظمي قُدِّس سِرُّه (ت 1227): لعلّ ما نفاه (صلوات الله عليه إنّما هو دعوى المشاهدة أو السفارة متى شاء على الاستمرار، كما كان للأبواب الأربعة (رضي الله عنهم) مخافة الانتحال لجمع الأموال) (2)

*و قال الشيخ أسد الله الكاظمي التستري قُدِّس سِرُّه (ت 1237): و توفّي في أواخر الغيبة الصّغرى في سفارة آخر السفراء الشيخ المعظم أبي الحسن عليّ بن محمّد السمريّ (طاب ثراه) (3)

و قال في كتاب آخر: و لذلك لم يصنعه هو في غيبته الصغرى، حال وجود سفرائه ... و لذلك انقطع أمر السفراء، و وقعت الغيبة الكبرى (4)


1) الأنوار اللّامعة في شرح الزيارة الجامعة: 35.

2) عدّة الرجال: 1: 80.

3) مقابس الأنوار: 7.

4) كشف القناع عن وجوه حجّيّة الإجماع: 151.

*و قال المولى الشيخ أحمد النراقي قُدِّس سِرُّه (ت 1245): «یعنی مراد حضرت این است که بعد از من جمعی از شیعیان بیایند که ادّعای مشاهدهء مرا بکنند و ادّعای نیابت مرا بکنند، هر که چنین ادّعایی بکند دروغ گو و مفتری است، و مفتری بودن هم اشاره به ادّعای نیابت را دارد، پس مراد خبر دادن از کذب کسانی است که بعد از وکلا و سفرای حضرت در زمان غیبت کبری ادّعای نیابت کردند مثل ابو محمّد شریعی. که اوّل کسی بود که بعد از وفات ابو الحسن السمريّ که آخر سفرای حضرت بود ادّعای وکالت کرد به دروغ، و حضرت او را لعن کرد» (1)

و محصّل كلامه قُدِّس سِرُّه: أنّ المراد من التوقيع الشريف أنّ جمعاً من الشيعة سيدّعون المشاهدة، بمعنى النيابة، وكلّ مَن يدّعي ذلك فهو كذّاب مفترٍ في ادّعائه، فالتوقيع يكذّب كلّ مدّع للنيابة في زمن الغيبة الكبرى مثل أبي محمّد الشريعيّ، و هو أوّل مَن ادّعى ذلك بعد وفاة آخر السفراء أبي الحسن السمريّ (الخبّاز)

كلمات أعلام القرن الثالث عشر:

*قال السيّد الشفتي قُدِّس سِرُّه (ت 1290): و رابع السفراء هو: عليّ بن محمّد السمريّ، قيل: هو من أولاد سمرة بن جندب .. قال الشيخ رَحمَه اللهُ في كتاب الغيبة: ذكر [أمر] أبي الحسن عليّ بن [محمّد] السّمريّ بعد الشيخ أبي القاسم بن روح، و انقطاع الأعلام به، و هم الأبواب (2)

كلمات أعلام القرنين الثالث و الرابع عشر:

*قال السيّد علي البروجردي قُدِّس سِرُّه (ت 1313): إنّ في سنة وفاته


1) رسائل و مسائل: 3: 124.

2) كتاب الغيبة: 1: 508.

انقطعت السفارة بموت آخر السفراء و وقعت الغيبة الكبرى (1) *و قال الشيخ حبيب الله الخوئي قُدِّس سِرُّه (ت 1324): و من الكذّابين الملعونين بلسان أهل البيت لادّعائهم الرّؤية و البابية بعد الغيبة الكبرى و وفاة خاتمة السفراء و المقرّبين، هو الحسين بن منصور الحلّاج (2)

*و قال الملّا علي العلياري التبريزي قُدِّس سِرُّه (ت 1327): و كان وكلاؤه عَلَیْهِ السَّلام على شيعته، و سفراؤه بينهم و بين الذين ترد عليهم التوقيعات من جانبه عَلَیْهِ السَّلام الأربعة: عثمان ابن سعيد السماّن، و ابنه محمّد بن عثمان، و الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، و أبو الحسن علي بن محمّد السّمريّ..فلمّا حضرته الوفاة حضرت الشيعة و سألته عن الوكيل بعده و مَن يقوم مقامه؟ فلم يظهر شيئاً من ذلك، و ذكر أنّه لم يؤمر بأن يوصي إلى أحد بعده في هذا الشأن.. و يستفاد من كلام الشيخ رَحمَه اللهُ أنّ هؤلاء الأربعة هم السفراء و الأبواب (3)

*و قال الشيخ علي الخاقاني قُدِّس سِرُّه (ت 1334): و في سنة وفاته- سنة تناثر النجوم، سنة تسع و عشرين و ثلاث مائة، و قيل: ثمان و عشرين- انقطعت السفارة بموت عليّ بن محمّد السّمريّ، و وقعت الغيبة الكبرى (4)

*و قال الشيخ أحمد آل كاشف الغطاء قُدِّس سِرُّه (ت 1344): وقعت الحيرة بسبب غيبته الكبرى، التي انقطعت فيها السفارة و النيابة الخاصّة،


1) طرائف المقال: 2: 523.

2) منهاج البراعة: 13: 346.

3) بهجة الآمال في شرح زبدة المقال: 7: 618.

4) رجال الخاقاني: 17.

و لم يبق طريق لمعرفة تلك الأحكام إلّا بالرجوع إلى كتاب الله المجيد و الأحاديث الشريفة (1)

كلمات أعلام القرن الرابع عشر:

*قال الميرزا محمّد تقى الأصفهاني قُدِّس سِرُّه (ت 1348): اعلم أنّه اتّفقت الإماميّة على انقطاع الوكالة، و اختتام النيابة الخاصّة، بوفاة الشيخ الجليل عليّ بن محمّد السمريّ رَضی اللهُ عَنْهُ، و هو الرابع من النواب الأربعة، الذين كانوا مرجعاً للشيعة في زمان الغيبة الصغرى، و أنّه ليس بعد وفاة السّمريّ إلى زمان ظهور الحجّة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف نائب مخصوص عنه في شيعته، و أنّ المرجع في زمان غيبته الكبرى هم العلماء العاملون، المحافظون لحدود الله، و أن من ادعى النيابة الخاصّة فهو كاذب مردود، بل يُعدّ ذلك من ضروریّات مذهب الإماميّة التي يعرفون بها، و لم يخالف في ذلك أحد من علمائنا، و كفى بهذا حجّة و برهاناً (2)

*و قال الشيخ مرتضى آل كاشف الغطاء قُدِّس سِرُّه (ت 1349): و أمّا الألطاف التشريعيّة فقد كانت في الغيبة الصغرى بواسطة سفرائه الذين هم حلقة الاتّصال ما بين ناحيته المقدّسة و بين المؤمنين في التوقيعات التي كانت تصدر منه لشيعته، و أشهرهم عثمان بن سعيد السماّن، و محمّد بن عثمان، و الحسين بن روح النوبختي، و عليّ بن محمّد السّمريّ آخر نوّاب الغيبة الصغرى، و كلّهم مقبورون ببغداد.


1) سفينة النجاة: 1: 7.

2) مکیال المکارم: 2 : 333.

نعم، في الغيبة الكبرى صدر توقيعه الشريف بأنّ مَن يزعم أنّه رآه فهو كاذب مفتري، و لعلّ المراد منها ادّعاء الرؤية بنحو النيابة الخاصّة، لا مطلق الرؤيا، كيف و قد رآه و عرفه الجمّ الغفير ممّن لا يرتاب في صدقه، كالمنقول المتواتر نقله عن جملة من العلماء، منهم المولى ملّا محمّد الأردبيليّ و سيّد العلماء السيّد الطباطبائيّ (1) *و قال الشيخ عبد الله المامقاني قُدِّس سِرُّه (ت 1351): السفراء الأربعة، و یراد بهم- حيثما يطلق- السفراء المعروفون للحجّة المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه و جعلنا من أعوانه، و من كلّ مكروه فداه- و هم: عثمان بن سعيد العمري، ثمّ ابنه محمّد، ثمّ أبو القاسم الحسين بن روح، ثمّ أبو الحسن علي بن محمّد [السمريّ] الذي وقعت البلية العظمى، و الغيبة التامّة الكبرى بمضيّه) (2)

*و قال الشيخ عبّاس القمّي قُدِّس سِرُّه (ت 1359): الرابع من الوكلاء و السفراء: الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السمريّ، فإنّ الشيخ الحسين بن روح (عليه الرحمة لمّا حضرته الوفاة جعله مقامه بأمر الحجّة عَلَیْهِ السَّلام، فكان الإمام عَلَیْهِ السَّلام يجري على يده الكرامات و المعاجز و أجوبة مسائل الشيعة، و كانوا يسلّمون الأموال و الحقوق إليه بأمره عَلَیْهِ السَّلام، فلمّا حضرته الوفاة اجتمع الشيعة عنده و طلبوا منه أن يعيّن مَن يقوم مقامه في السفارة، فقال: لله أمر هو بالغه، أي لا بد من وقوع الغيبة الكبرى) (3)

و قال أيضاً: فيكون على هذا مدّة الغيبة الصغرى التي كان الوكلاء


1) فوز العباد في المبدأ و المعاد : 1: 38.

2) الفوائد الرجاليّة من تنقيح المقال: 2: 133.

3) منتهى الآمال في تواريخ النبيّ و الآل: 2: 841.

و السفراء و النوّاب مأمورين بها من قبل الإمام عَلَیْهِ السَّلام حوالي (74 عام، مضت حوالي (48) عام منها في سفارة عثمان بن سعيد العمري و ابنه محمّد بن عثمان، و مضت حوالي (26) عام منها في سفارة الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح و الشيخ أبي الحسن عليّ بن محمّد السمريّ، ثمّ انقطعت السفارة، و وقعت الغيبة الكبرى، فمَن ادّعى بعدها السفارة و النيابة الخاصّة، أو ادّعى المشاهدة مع هذه الدعوى، فهو كذّاب مفتر على الحجّة عَلَیْهِ السَّلام.)فيكون المرجع في الدين و الشرائع العلماء و الفقهاء و المجتهدين بأمر الإمام عَلَیْهِ السَّلام، فإنّ النيابة ثابتة لهم على سبيل العموم، كما ورد في التوقيع الشريف لمسائل إسحاق بن يعقوب- من أجلّة و أخيار الشيعة و حملة الأخبار- الذي أوصلها إلى الحجّة عَلَیْهِ السَّلام بواسطة محمّد بن عثمان بن سعيد العمريّ، فسأل مسائل، فأجاب عَلَیْهِ السَّلام عليها، فقال في جملتها: ﴿وَ أَمَّا الْحَوادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعوا فيها إِلى رُواةِ حَديثِنا، فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَ أََنا حُجَّةُ اللهِ عَلَيْكُمْ (1) *و قال السيّد محسن الأمين العاملي قُدِّس سِرُّه (ت 1371): أمّا الغيبة الصغرى: فمَن مولده إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته بوفاة السفراء، و عدم نصب غيرهم، و هي أربعة و سبعون سنة (2)

*و قال السيّد صدر الدين الصدر قُدِّس سِرُّه (ت 1373): هلّا دامت الحالة على ما كانت عليه زمن الغيبة الصغرى، مِن وصول نوابه بخدمته خاصةً دون غيرهم؟الجواب: عدم إدامة الغيبة الصغرى يمكن أن يكون لوجهين:


1) منتهى الآمال في تواريخ النبيّ و الآل: 2 : 842.

2) المجالس السنيّة: 491:4.

الأوّل: أنّ النيابة عن الإمام- سيما الخاصّة منها- مقام رفيع، ربّما ادّعاها بعضهم كذباً من عشّاق الرئاسة، كما وقع ذلك في أواخرها، فانسدّ لذلك باب النيابة الخاصّة.الثاني: أنّ النيابة الخاصّة يومئذٍ أيضاً كانت مخفية مستورة لا يعرفها إلّا الخواصّ، و لو دامت لعرفت، و صار النوّاب في معرض الخطر. إلى أن قال: حتّى إذا ألف الشيعة غيبة الإمام و عدم الوصول بخدمته وقعت الغيبة الكبرى، و انقطعت السفارة الخاصّة ، و عادت النيابة العامّة، و لا سبيل لأحد إلى الوصول بخدمته رسماً على النحو الذي كانت الشيعة تصل بخدمة آبائه الكرام (عليه و عليهم أفضل الصلاة و السلام) (1)

كلمات أعلام القرنين الرابع و الخامس عشر:

*قال السيّد محمّد حسين الطباطبائي قُدِّس سِرُّه (ت 1402): و في أواخر حياة عليّ بن محمّد السّمريّ؛ إذ لم يبق من حياته سوى أيّام قلائل (سنة 329ه- صدر توقيع من الناحية المقدّسة فيه إبلاغ لعليّ بن محمّد السّمريّ بأنّه سيموت و يودّع هذه الحياة بعد ستّة أيّام، و بعدها تنتهي النيابة الخاصّة، و تقع الغيبة الكبرى، و ستستمرّ حتّى يأذن الله تعالى بالظهور) (2)

و قال في كتابٍ آخر: امتدّت هذه الفترة التي اطلق عليها اسم الغيبة الصغرى مدّة تصل الى السبعين عاماً، اضطلع بدور السفارة فيها أربعة نوّاب خاصّين للإمام، مارسوا دورهم في الوصل بين الإمام و قواعده


1) المهدي (عجّل الله فرجه): 180.

2) الشيعة في الإسلام: 214.

واحداً بعد آخر، ثمّ أغلق بعد وفاة السفير الرابع باب النيابة الخاصّة، ليبدأ عصر الغيبة الكبرى، لتتحوّل علاقة الناس بالإمام الى الفقهاء و المحدّثين، و ذلك بأمر الإمام نفسه الذي أناط الدور بهم (1) *و قال الشيخ على آل كاشف الغطاء قُدِّس سِرُّه (ت 1411): و له (عجّل الله فرجه غیبتان:)الأُولى: و تسمّى بالغيبة الصغرى، و ابتداؤها من وقت مولده و انتهاؤها في سنة ثلث مائة و تسع و عشرين، فتكون مدّتها أربع و سبعين سنة، و كان السفراء الذين يوصلون مطالب شيعته إليه و يرجعون جوابه عنها في هذه المدة أربعة: أوّلهم عثمان ابن سعيد العمري، ثمّ بعده ابنه محمّد بن عثمان، ثمّ بعده الحسين بن روح، ثمّ بعده عليّ بن محمّد السّمريّ.الثانية: و تسمّى بالغيبة الكبرى، و هي الغيبة التي كانت بعد وفاة عليّ بن محمّد السّمريّ، حيث انقطع فيها السفراء ، و لم يكن بينه و بين شيعته شخص يوصل مطالبهم له و يأخذ جوابها منه، و ابتداؤها من سنة ثلاث مائة و تسع و عشرين، أعني سنة وفاة عليّ بن محمّد السّمريّ، و في آخرها يظهر فيملاً الأرض قسطاً و عدلاً بعدما ملئت ظلما و جوراً (2)

و قال في كتاب آخر: ثمّ بعده أبو الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ المتوفّى سنة 329ه-، و كان هؤلاء هم الوسائط بينه و بين شيعته، و يصدر منه عَلَیْهِ السَّلام بواسطتهم التوقيعات و أجوبة المسائل و بيان الأحكام الشرعيّة و غيرها، و يعرفون خطّه عَلَیْهِ السَّلام، و بوفاة السّمريّ وقعت الغيبة الكبرى، و انسدّ باب


1) مقالات تأسيسيّة في الفكر الإسلامي : 272.

2) نهج الهدى: 32.

السفارة و النيابة الخاصّة، و فوّض عَلَیْهِ السَّلام الأمر إلى الفقهاء العالمين بالأحكام الإلهيّة، المطّلعين على الأخبار و الأحاديث الشرعيّة، و جعلهم النوّاب عنه عَلَیْهِ السَّلام (1) *و قال السيّد أبو القاسم الخوئي قُدِّس سِرُّه (ت 1413): و بعبارة أُخرى: إنّه ليس كلّ مسألة فرعيّة تقضى البداهة لزوم الرجوع فيها إلى الإمام في زمانه و إلى الفقهاء في زمان الغيبة، بل منها الفروعات المستحدثة التي يشكّ في أنّ المرجع فيها مَن هو؟ فلذا يسأل الراوي عن حكم ذلك في زمان غيبة الكبرى؛ إذ في زمان غيبة الصغرى يسئل عن نفس الإمام بواسطة السفراء، و أمّا في زمان غيبة الكبرى فلا، و لذا أرجع الإمام في ذلك الزمان الى الفقهاء بالنيابة العامّة (2)

*و قال السيّد عبد الأعلى السبزواري قُدِّس سِرُّه (ت 1414): باسمه تعالى، مَن اعتقد بهذه الدعوى (3يكون فاسقاً) (4)

*و قال الشيخ الميرزا على الغروي قُدِّس سِرُّه (ت 1419): لا إمكان لهذه الدعوى شرعاً، بعد انقطاع السفارة عن الناحية المقدّسة برحلة رابع


1) أدوار علم الفقه و أطواره: 220.

2) مصباح الفقاهة: 5: 58.

3) الدعوى المشار إليها هي: رؤية الإمام القائم عَلَیْهِ السَّلام في المنام، و القطع بأنّه هو، و أنّ الرائي قد أرسله الإمام الحجّة عَلَیْهِ السَّلام إلى الشيعة يأمرهم و ينهاهم في المسائل الخاصّة و العامة، و يأخذ منهم الخمس، و قوله و أمره و نهيه كلّ ذلك مقدّم عند أتباعه على ما يأتي من الفقهاء مع التعارض، و طريقه في هذه التبليغات و الأوامر و النواهي رؤيته المناميّة للإمام القائم عَلَیْهِ السَّلام نفسه أو الحسين بن روح، كما قد تُدْعَى له الملاقاة لهما في عالم اليقظة. (الخبّاز)

4) ظاهرة الغيبة و دعوى السفارة: ملحق الكتاب.

السفراء العظام إلى دار البقاء، و لا ريب في تكذيب مدّعي الرؤية في عصر الغيبة؛ لما رُوي في كتابي الغيبة و إكمال الدين، و الطيفُ لا يترتّب عليه أي أثر و لا تثبت به أيّة دعوى في الشريعة المقدّسة، فضلاً عن السفارة و البابويّة، و القطع بأمثال ذلك ممّا لا اعتبار به؛ لأنّه من الجهل المركّب الذي يعاقب فيه المكلّف بالتقصير في المقدّمات، و الله العالم (1) *و قال السيّد محمّد الصدر قُدِّس سِرُّه (ت 1419): في عصر الغيبة الكبرى لا توجد نيابة خاصّة عن الإمام المنتظر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف؛ لأنّها انقطعت بموت السفير الرابع محمّد بن علي السّمريّ (رضوان الله عليه) .

و قال متحدّثاً عن وظيفة المؤمنين في عصر الغيبة الكبرى: وظيفتهم هي الرجوع في أخذ الأحكام الشرعيّة إلى مراجع التقليد الجامعيّن للشرائط، حسب ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الحجّة (أرواحنا فداه: وَ أَمَّا الْحَوادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعوا فيها إِلى رُواةِ حَديثِنا، فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَ أَنا حُجَّةُ اللهِ عَلَيْكُمْ، و لا يجوز الرجوع إلى غيرهم) (2)

*و قال الشيخ الميرزا جواد التبريزي قُدِّس سِرُّه (ت 1427): مدّعي السفارة في عصر الغيبة الكبرى كاذب و إنكار الضرورة الدينيّة كوجوب صلاة الصبح- مثلاً- إن كان مع إقراره بأنّ الله تعالى أمر بانكارها في القرآن الكريم أو النبيّ الأكرم صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ فهذا الإنكار يوجب الكفر و الخروج عن الدين، و الله العالم (3)


1) ظاهرة الغيبة و دعوى السفارة: ملحق الكتاب.

2) مسائل وردود: 3: 142، دار الأمير- النجف الأشرف.

3) صراط النجاة: 5: 321 و 322.

و قال معلّقاً على دعوى السفارة في زمن الغيبة الكبرى: هذه الدعوى باطلة، و مدّعيها ضالّ مضلّ، فقد انقطع باب السفارة بعد السفراء الأربعة، و الله الهادي (1)

*و قال السيّد علي السيستاني (دام ظلّه): بسمه تعالى، إنّ تلك الدعوى المشار إليها لا صلة لها بالدين، فهي لم تخرج عن حدّ البدع و إثارة الفتن المؤدّية إلى الشغب و الانشقاق (وقى الله المسلمين شرّها، فالمأمول منكم و من كلّ من يهمّه أمر الدين معالجتها وردع صاحبها عنها بالحكمة و الموعظة الحسنة، و الابتعاد عنه إن بقي مصرّاً عليها، و هي واضحة البطلان:)أوّلاً: إن الثابت بالضرورة و النصوص المعتبرة انقطاع النيابة الخاصّة عن الإمام المنتظر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بعد انتهاء عصر الغيبة الصغرى، و أنّ كلّ مَن يدّعيها كاذب، و إنّما يكون الرجوع في أمر الدين إلى الفقهاء العدول.و ثانياً: إنّ نيابة الحسين بن روح قد انتهى أمدها بموته، و قد انتقلت إلى الشيخ السّمريّ (رضوان الله عليهما، ثمّ انتهى أمدها أيضاً بموته الذي بدأت من حينه الغيبة الكبرى.)و ثالثاً: إنّ الرؤيا في المنام لا أثر [لها] في الشريعة لا نفياً و لا إثباتاً، و إنّما يرجع فيها إلى الأدلّة الشرعيّة المعروفة،و هذا أمر ثابت بالضرورة.و رابعاً: إنّ إقرار ذلك الشخص على نفسه بالاشتباه، و تخلّيه عن دعواه حجّة عليه بمقتضى حجّيّة إقرار العقلاء على أنفسهم، كما هو حجّة على أتباعه، و من يروج لبدعته.


1) صراط النجاة: 5: 319.

و خامساً: إنّ استعمال غريب اللغة الشاذّة خارج عن طريق أهل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام في تفهيم الأحكام للناس، كما أنّ اشتمال البيان المنسوب إلى الإمام عَلَیْهِ السَّلام على أخطاء نحويّة دليل آخر على بطلان النسبة.وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوََّة إِلَّا بِالله الْعَلیِّ الْعَظیمِ، وَ إِنَّا لله وَ إِنّا إِلَیْهِ رَاجِعوُنَ (1)


1) هُدى السائل لأجوبة المسائل، إعداد الشيخ محمّد جواد الشهابيّ: 145 و 146، مسألة 435، و نصّ السؤال: قد وجد في وقتنا هذا من يطلق على نفسه و يطلق عليه أتباعه عنوان (نائب باب المولى، مدّعياً النيابة عن الحسين بن روح (رضوان الله عليه) السفير الثالث في زمن الغيبة الصغرى الواقع واسطة بينه و بين الإمام المنتظر عَلَیْهِ السَّلام حاضراً، و هو يدّعي رؤية الإمام القائم عَلَیْهِ السَّلام في المنام، و أنّه قطع بأنّه هو، و قد أرسله إلى الشيعة يأمرهم و ينهاهم في المسائل الخاصّة و العامّة، و يأخذ منهم الخمس، و قوله و أمره و نهيه كلّ ذلك مقدّم عند أتباعه على ما يأتي من الفقهاء مع التعارض،و طريقه في هذه التبليغات و الأوامر و النواهي رؤيته المناميّة للإمام القائم عَلَیْهِ السَّلام نفسه، أو الحسين بن روح ، كما قد تُدعى له الملاقاة لهما في عالم اليقظة.)و قد حدث أنّ أعلم هو نفسه اشتباهه و تخلّيه عن دعواه أمام جمع من العلماء، و كتب تقريراً موقّعاً بذلك و مذيّلاً بتعليق من العلماء الذين حضروا مجلس الاعتراف و التخلّي، إلا أنّ دعوته لا زالت قائمة و تجمع الأتباع، و أنّ مَن تابعه من العلماء من وكلائه لا زال يؤمن بصدق دعواه و حقّانيّته، و إنّ ادّعى توقّف الدعوة إليها، الأمر الذي يشهد الواقع بخلافه. و يقوم بتسليم هؤلاء و مَن قاربهم بهذه الدعوى على ما ينقلونه عنه من إخبارات بأمور خفيّة، و ما جاء على يده ينسبه للإمام القائم عَلَیْهِ السَّلام من نصوص يلفظها يرون أنّها فوق مستوى الناقل، و أنّه يمتنع عليه أن يأتي بها من نفسه في ظرف لا يحتملون معه أنّه يستمدّها من غيره من دون الإمام عَلَیْهِ السَّلام ممّا جعلهم- كما يقولون- يقطعون بصحّة دعواه.و الصفة السائدة في هذه النصوص استعمالها لغريب اللّغة الشاذّة جدّاً.أوّلاً: ما هو الرأي المذهبيّ في إمكان هذه الدعوى؟ثانياً: ما هو توجيهكم (حفظكم الله لهؤلاء الوكلاء و الأتباع، و منهم من كان معروفاً بالوثاقة و الحرص على الدين؟)ثالثاً: مَن يصرّ من هؤلاء على دعواه بعد أن بذل الجهد من العلماء معه في بيان بطلان الدعوى، هل يجوز الاقتداء بصلاته و حضور محاضراته و خطاباته و جلساته و تدريسه، أو يمتنع عن ذلك و لو من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إيقاف سريان البدعة؟ملاحظتان:الأُولى: تحت يد الرجل منجد لغوي، و النصوص تحمل الغيب المذكور من ناحية الفصاحة، و أنّها لا ميزة بلاغيّة لها، و البيان الأوّل منها- و هو خطاب للشيعة بالاستجابة للدعوى و هو منسوب إلى الإمام عَلَیْهِ السَّلام- لا يخلو من أخطاء نحويّة.الثانية: المبتدع في الدين مع انتفاء الشبهة هل يبقى عادلاً أم لا؟.

*و قال السيّد محمّد صادق الروحاني (دام ظلّه): قد دلّت الأخبار المعتبرة على أنّ كلّ مَن يدّعي رؤية الإمام المهدي (أرواح مَن سواه فداه فكذّبوه، و المتيقّن من مورد هذه الروايات- على ما أفاده المحقّقون- هو مَن يدّعي السفارة عنه، أو يدّعي لقاءه به عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و تكليف الإمام له ببعض التكاليف، و مثل هؤلاء الأشخاص المدّعين بليّة قد ابتليت بها الأُمّة الإسلاميّة منذ عشرة قرون و أكثر، و لا يزال الحبل ممدوداً إلى هذا اليوم، و قد صدر التوقيع من الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام في ذمّ بعضهم و لعنه و البراءة منه بخصوصه) (1)

*و قال الشيخ لطف الله الصافي (دام ظلّه): الرابع من الوكلاء في عصر الغيبة الصغرى: الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السّمريّ.. و هو آخر الوكلاء، و بموته وقعت الغيبة التامّة، و صار الأمر إلى الفقهاء و حملة الأحاديث و علوم أهل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام، فيجب على العوامّ الرجوع إليهم، و دّلت


1) أجوبة المسائل: 1: 188.

على ذلك روايات كثيرة (1) و كيف كان، فكلمات أعلام الطائفة قُدِّس سِرُّه- التي تدلّ على عملهم بمضمون التوقيع الشريف- فوق حدّ الإحصاء، و لكنّنا نكتفي بما عرضناه؛ فإنّه كافٍ لدحض قول مَن زعم أنّ الأصحاب قد أعرضوا عن التوقيع الشريف و تركوه.


1) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر عَلَیْهِ السَّلام: 2: 507، دار المرتضى– بيروت.

الإشكال الثاني: أنّ التوقيع مطعونٌ في سنده

*الإشكال الثاني: أنّ التوقيع مطعونٌ في سنده (1)

و لم يوضّح المدعو أحمد بن إسماعيل وجه الطعن في سند التوقيع الشريف، و لكن أحد أتباعه قد أشارَ إلى وجود جهتين للإشكال:

الجهة الأُولى: الإرسال.

الجهة الثانية: ضعف السند بوقوع (أحمد بن الحسن المكتب) فيه، و هو من المجاهيل (2)

جواب الإشكال الثاني:

و يُجاب عن جهة الإشكال الأولى: بأنّ صاحبها قد قصر نظره على التوقيع الذي نقله الشيخ الطبرسي قُدِّس سِرُّه في كتاب الاحتجاج، و لعلّه لم يتتبّع نسخ التوقيع، و لو تتبّعها لعلم أنّ الشيخ الصدوق قُدِّس سِرُّه قد نقله في كتاب كمال الدين مسنداً.

على أنّ إرسال الشيخ الطبرسي قُدِّس سِرُّه لا يعني عدم الإسناد، بل يعني أمراً آخر أشارَ إليه الشيخ الطبرسي قُدِّس سِرُّه في مقدّمة كتابه المذكور، حيث قال:


1) مع العبد الصالح: 1: 28.

2) قراءة جديدة في رواية السّمريّ : 17.

و لا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده، إمّا لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير و الكتب بين المخالف و المؤالف (1) و من هنا فقد بنى غير واحد من أعلام الطائفة قُدِّس سِرُّهم على اعتبار روايات الاحتجاج و إن كانت من المراسيل.

و يُجاب عن جهة الإشكال الثانية: بأنّ أبا محمّد، الحسن بن أحمد المكتّب) و إن لم يُنصّ على توثيقه في كتب الرجال،و لكنّ توثيقه بمكانٍ من الإمكان، و يمكن تقريبه بمقدّمتين:

المقدّمة الأُولى: إنّ (الحسن بن أحمد المكتب) ممّن وردت إليهم التوقيعات من قِبل السفراء الأربعة (رضوان الله عليهم) ، كما نقل عنه ذلك كلُّ من الشيخين الصدوق و الطوسي قُدِّس سِرُّهما عند إيرادهما للتوقيع الذي نحن بصدد الحديث حوله (2)

المقدّمة الثانية: إنّ الشيخ الطوسي قُدِّس سِرُّه قد وثّق جميع مَن كانت ترد عليهم التوقيعات توثيقاً عامّاً، حيث قال: و قد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قِبل المنصوبين للسفارة من الأصل (3)

و النتيجة: أنّ (الحسن بن أحمد المكتب) ثقة بمقتضى هذا التوثيق العامّ؛ إذ أنّه أحد مَن وردت إليهم التوقيعات من قِبل السفراء الأربعة (رضوان الله عليهم)، و قد نقّح الشيخ الطوسي- كما عرفتَ كلّاً من صغرى الدليل و كبراه.


1) الاحتجاج: 1: 10.

2) كمال الدين و إتمام النعمة: 516. الغيبة: 395.

3) الغيبة: 415.

الإشكال الثالث: تشابه متن التوقيع

*الإشكال الثالث: تشابه متن التوقيع (1)

و لم يوضّح المدعو أحمد بن إسماعيل مقصوده من هذا الإشكال أيضاً، و لكنّ أحد أتباعه قد أوضح ذلك بقوله: اعلم- أخي القارئ- إنّ الاختلاف حول هذا الحديث وقع بالتحديد في معنى (المشاهدة في هذا التوقيع الشريف، أيّ مَن المشمول بوصف الإمام المهديّ عَلَیْهِ السَّلام بأنّه (كذّاب مفتر)؟)و نأخذ من استدلّ بهذا الحديث على تكذيب اللّقاء بالإمام المهديّ، و نقسّم أتباع هذا التبنّي إلى ثلاثة أقسام:فقال قوم: إنّ كلّ مَن قال إنّه رأى الإمام المهديّ عَلَیْهِ السَّلام هو كذّاب مفتر.و قال القسم الثاني: إنّ كلّ مَن نقل الأخبار عن الإمام المهديّ عَلَیْهِ السَّلام هو المعني بهذا الحديث.و قال القسم الثالث: إنّ هذا التكذيب الموجود في التوقيع يشمل مَن يدّعي النيابة عن الإمام المهديّ عَلَیْهِ السَّلام فقط، على بيان سيأتي تفصيله في المبحث الثاني من هذا الكتيب (2)

و قد أوضح أبو محمّد الأنصاري في جامع الأدلّة: 25 أنّ مقصود إمامهم أحمد بن إسماعيل من المتشابه هو ما ليس له معنى واضح، لكونه يحتمل معاني عديدة، و لا يخفاك أنّ هذا من التخبّط في استعمالات اصطلاحات العلوم؛ إذ أنّ هذا تفسير ل-(لمجمل) في قبال (المفصّل)، و أمّا المتشابه- في قبال المحكم- فله معنى ظاهر، إلّا أنّه يُعلم- من الخارج- عدم كونه مقصوداً للمتكلّم. (الخبّاز)


1) مع العبد الصالح: 1: 29.

2) قراءة جديدة في رواية السّمريّ: 16.

جواب الإشکال الثالث:

و لسنا نريد أن نقف عند هذا الكلام طويلاً؛ لإ يضاح أنّ التوقيع الشريف- بمقتضى القرائن الداخليّة و مناسبات الحكم و الموضوع- لا يندرج ضمن المتشابه؛ إذ لا يصعب تحديد المراد الجدّي منه على مَن يمتلك أدوات الاستظهار من النصوص المباركة.

و دعنا نسلّم جدلاً بأنّ التوقيع الشريف من المتشابه، إلّا أنّ هذا لا يمنع من التمسّك به لدحض مدّعى أدعياء المهدويّة ؛ إذ القاعدة عند أهل المحاورة تقضي بالأخذ بالقدر المتيقّن للنصّ عند دوران المقصود منه بين احتمالات عديدة، لا سبيل لترجيح أحدها.

فمثلاً: عندما يقول رئيس الدولة لمواطنيه: كذبوا كلّ مَن يدّعي مشاهدتي، و يتردّد الناس في أنّ مراد الرئيس من المشاهدة هو مطلق الرؤية؟ أم النقل عنه؟ أم النيابة عنه؟ فإنّه لا شكّ في كون الاحتمال الأخير قدراً متيقّناً من النصّ؛ إذ لو كان المقصود من النصّ- بحسب مقصود الرئيس- هو الاحتمال الأوّل أو الثاني، فلا شكّ في أنّ أمره بتكذيب مطلق مَن يدّعي الرؤية، أو مطلق مَن يدّعي النقل عنه، مستلزم لتكذيب مدّعي النيابة عنه بالأولوية القطعيّة؛ إذ أنّ النيابة متضمّنة للرؤية و النقل و زيادة، و عليه فإذا كان الأقلّ منفيّاً كان الأكثر منفيّاً بالضرورة.

و هكذا هو الكلام في المقام؛ فإنّنا حتّى لو سلّمنا بعدم إمكان تحديد المقصود من التوقيع- و لا نسلّم بذلك- لدورانه بين احتمالات لا مرّجح لأحدها على الآخر، إلّا أنّه يبقى له قدر متيقّن نقطع بإرادة الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام له على جميع التقادير، و هذا القدر المتيقّن- و هو لزوم تكذيب مدّعي النيابة- يكفينا لدحض مزاعم أدعياء المهدويّة.

على أنّنا لا نسلّم بكون التوقيع الشريف من النصوص المجملة؛ لإمكان إقامة العديد من القرائن على المراد الجدّيّ منه،كما تحدّثنا عنه في مباحث سابقة.

و بما ذكرناه ظهرَ زيف ما ذكره أحد أتباع المدعو أحمد بن إسماعيل بقوله:

لا وجود لأثر عن المعصومين عَلَیْهِمُ السَّلام ينصّ على انقطاع السفارة (1)


1) جامع الأدلّة: 31.

الإشكال الرابع: أنّ التوقيع غير مسوّر، و هذا يطعن في كلّيّته

*الإشكال الرابع: أنّ التوقيع غير مسوّر، و هذا يطعن في كلّيّته (1)

و قد أوضح أحد أتباع أحمد بن إسماعيل هذا الإشكال، فقال: و إذا لم تكتفِ بهذا أقول من باب ﴿ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم: إنّ القاعدة العقليّة الموجودة في رواية السّمريّ، و هي: فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ و الصيحة فهو كذّاب مفترٍ قضيّة مهملة فهي بقوّة الجزئيّة، أي تكون هكذا: فبعض مَن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ و الصيحة فهو كذّاب مفتر، و لا توجد قرينة خارجيّة تفيد كلّيّتها، بل توجد قرينة خارجيّة دالّة على جزئيّتها، و هي الروايات الدالّة على إرسال الإمام المهديّ عَلَیْهِ السَّلام مَن يمثّله في فترة ما قبل القيام، و منها الرواية التي مرّت و رواية اليمانيّ، و غيرها كثير.

و ليتّضح الأمر أكثر- و خصوصاً لَمن لم يطّلع على المنطق و الأُصول- أقول: إنّ القضيّة أمّا تكون مسوّرة أو مهملة، و المسوّرة أما كلّيّة أو جزئيّة، فإذا قلت: كلّ مَن يدّعي المشاهدة ... فهو كاذب فهذه قضيّة كلّيّة لأنّك بدأتها ب-(كلّ)، و إذا قلت: بعض مَن يدّعي المشاهدة... فهو كاذب فهذه قضيّة جزئيّة لأنّك بدأتها ب-(بعض).


1) مع العبد الصالح: 1: 29.

أمّا إذا أهملت القضيّة و لم تجعل لها سور كلّ أو بعض فهي تكون بقوّة الجزئيّة، فلا تقيّد الكلّيّة إلّا إذا كانت هناك قرينة خارجيّة دالّة على كلّيّتها، فإذا لم توجد هذه القرينة و وجدت قرينة على جزئيّتها أصبحت هذه القضيّة جزئيّة، و القضيّة أعلاه مهملة و لا توجد قرينة تدلّ على كلّيّتها، بل توجد قرينة تدلّ على جزئيّتها، و هي روايات الأئمّة عَلَیْهِمُ السَّلام، فتحصّل أنّها جزئيّة، و بهذا لا تدلّ رواية السّمريّ على انقطاع السفارة لا من قريب و لا من بعید﴾ (1)

جواب الإشكال الرابع:

و لا يخفاك أنّ هذا الإشكال يتكوّن من دعويين:

الدعوى الأُولى: أنّ محلّ الشاهد من التوقيع الشريف قضيّة مهملة.

جواب الدعوى الأولى:

و الجواب عن هذه الدعوى يتحصّل من خلال أربع مقدّمات:

المقدّمة الأُولى: إنّ القضيّة التي نحن بصدد الاستدلال بها- و التي ادّعى أحمد بن إسماعيل إهمالها- هى قول الإمام عَلَیْهِ السَّلام في التوقيع المبارك: فمَن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ و الصيحة فهو كذّاب مفتر، و هي من القضايا الشرطيّة كما لا يخفى.

المقدّمة الثانية: إنّ تقسيم القضايا في علم المنطق إلى المسوّرة- أو المحصورة- و المهملة، كما هو تقسيم للقضايا الحمليّة، كذلك هو تقسيم


1) جامع الأدلّة: 27.

للقضايا الشرطيّة أيضاً.

المقدّمة الثالثة: يشتهر التمثيل في الكتب المنطقيّة للقضايا الشرطيّة المسوّرة بألفاظ معيّنة معروفة، نحو: «كلّما»، «مهما»، «متى» للموجبة الكلّيّة، و «قد يكون» للموجبة الجزئيّة، و «ليس البتّة» للسالبة الكلّيّة، و «ليس كلّما»للسالبة الجزئيّة (1)

إلّا أنّ ما يجدر الالتفات إليه هو: أنّ ألفاظ السور لا تنحصر فيما ذكر، بل تشمل كلّ ما يؤدّي مؤدّاها، و يشهد لذلك قول الفخر الرازي: و إذا عرفت ذلك سهل عليك معرفة الإهمال و الحصر في المتّصلة و المنفصلة، فإن كان هناك لفظ يدلّ على كلّيّة الحكم أو جزئيّته فالشّرطيّة محصورة، و إلّا فهى مهملة (2)

المقدّمة الرابعة: إنّ (مَن) الشرطيّة- بحسب استعمالاتها، بل قيل بحسب وضعها- تُصنّف ضمن أدوات العموم، و قد صرّح بذلك غير واحدٍ من الأعلام، و منهم: الشيخ الطوسي قُدِّس سِرُّه حيث قال: فأمّا ألفاظ العموم فكثيرة، نحن نذكر منها طرفاً،فمنها: (مَن في جميع العقلاء إذا كان نكرة في المجازاة و الاستفهام) (3)

و قال المحقّق الحلّى قُدِّس سِرُّه: (مَن و (ما) إذا كانتا معرّفتين بمعنى (الذي)، لا تعّمان، و إن وقعتا للمجازاة أو الاستفهام عمّتا؛ إذ لو كانتا مشتركتين، لوجب أن يتوقّف سامع: (مَن دخل داري أكرمته) على استفهام مستحقّ)


1) شرح الشمسيّة: 317.

2) شرح الإشارات و التنبيهات: 1: 145.

3) عدّة الأُصول: 1: 247.

الإكرام، و عدم التوقّف دلالة على الاستغراق. و أيضاً: فإنّه يجوز الاستثناء منهما، و جواز الاستثناء دلالة على التناول (1) و قال الشيخ البهائي قُدِّس سِرُّه: صيغ العموم حقائق فيه لا في الخصوص، كاسم الشرط و الاستفهام و الموصول و اسم الجنس معرفاً ب-(لامه أو مضافاً، و الجمع كذلك، و النكرة المنفيّة) (2)

و ما أفاده هؤلاء الأعلام قُدِّس سِرُّه لا يكاد يخفى على قارئٍ للقرآن الكريم و متتبّعٍٍ للسنّة المطهّرة، و إليك بعض الشواهد من كليهما:

فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (3) فَمَنِِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍِ وَ لَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (4) فَمَن كَانَ مِنْكُم مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍٍِ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُُخَرَ (5) فَمَن شَهِِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (6) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ (7) فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى


1) معارج الأُصول: 83.

2) زبدة الأُصول: 127 .

3) البقرة 2: 38.

4) البقرة 2: 173.

5) البقرة 2: 184.

6) البقرة 2: 185.

7) البقرة 2: 194.

لَا انفِصَامَ لَهَا (1) فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلام (2) فَمَنْ عَفَا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (3) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَ مَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (4) قال الإمام الصادق عَلَیْهِ السَّلام: مَنْ دَمَعَتْ عَیْنَاهُ فِینَا دَمْعَةً لِدَمٍ سُفِکَ لَنَا، أَوْ حَقٍٍّ لَنَا نُقِصْنَاهُ، أَوْ عِرْضٍ اُنْتُهِکَ لَنَا، أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ شِیعَتِنَا، بَوَّأَهُ اَللَّهُ تَعَالَی بِهَا فِی اَلْجَنَّةِ حُقُباً (5)

و عن أبي عبد الله عَلَیْهِ السَّلام، قال: مَنْ أَنْشَدَ فِی اَلْحُسَیْنِ بَیْتاً مِنَ اَلشِّعْرِ فَبَکَی وَ أَبْکَی عَشَرَةً فَلَهُ وَ لَهُمُ اَلْجَنَّةُ، وَ مَنْ أَنْشَدَ فِی اَلْحُسَیْنِ بَیْتاً فَبَکَی وَ أَبْکَی تِسْعَةً فَلَهُ وَ لَهُمُ اَلْجَنَّةُ، فَلَمْ یَزَلْ حَتَّی قَالَ: مَنْ أَنْشَدَ فِی اَلْحُسَیْنِ بَیْتاً فَبَکَی- وَ أَظُنُّهُ قَالَ: أَوْ تَبَاکَی- فَلَهُ اَلْجَنَّةُ (6)

و عنه عَلَیْهِ السَّلام، قال: مَن زارَ قَبرَ أبی عَبدِ اللّهِ عَلَیْهِ السَّلام عَارِفاً بِحَقِّهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وَ مَا تَأخَّر (7)

و عنه عَلَیْهِ السَّلام أيضاً، قال: مَنْ نَظَرَ إِلَی أَبَوَیْهِ نَظَرَ مَاقِتٍ لَهُمَا، وَ هُمَا ظَالِمَانِ لَهُ،


1) البقرة 2: 256.

2) الأنعام 6: 125.

3) الشورى 40:42.

4) الزلزلة 99: 7 و 8.

5) وسائل الشيعة: 506:14.

6) وسائل الشيعة: 14: 596.

7) وسائل الشيعة: 14: 419.

لَمْ یَقْبَلِ اَللَّهُ لَهُ صَلاَةً (1) و أمثال هذه الآيات و الروايات كثير جدّاً، و لا يوجد أحدٌ يشكّ في عمومها، و كونها من الخطابات العامّة، لا الخطابات المهملة.

و نتيجة هذه المقدّمات الأربع: أن لفظ (مَن) مِن جملة الألفاظ التي تصلح أن تكون سوراً للموجبة الشرطيّة الكلّيّة، و بالتالي فمتى ما وقعت في كلامٍ كان الكلام مفيداً للعموم، كما اتّضح من موارد استعمالاتها.

و على ضوء ذلك يتّضح: أنّ محلّ الشاهد من التوقيع الشريف ليس قضيّة مهملة، لتكون بقوّة الجزئيّة كما يزعم أدعياء المهدويّة، بل هو قضيّة مسوّرة بلفظ (من) الشرطيّة، و هي من أدوات العموم، فيكون موجبة كلّيّة.

و الذي يظهر أنّ المستشكل لعدم خبرته بالاصطلاحات المنطقيّة قد خلط بين القضيّة الحمليّة و القضيّة الشرطيّة، فتوهّم أنّ عبارة التوقيع الشريف غير مسورة؛ لعدم اشتمالها على لفظ (كلّ) أو (بعض) (2)، و الحال أنّ هذه من ألفاظ المسوّرة الحمليّة، و ما نحن بصدده قضيّة شرطيّة لا حمليّة، و لكن يبقى أنّ الجاهل عذره جهله.

الدعوى الثانية:

أنّ هنالك من الروايات ما يدلُّ على أنّ التوقيع


1) وسائل الشيعة: 21: 501.

2) قال (ضياء الزيديّ) في كتابه قراءة جديدة في رواية السّمريّ: 31: و أنت كما ترى إنّ هذه القضيّة- رواية السّمريّ- من القضايا المهملة التي لم تحدّ بسور ﴿فمن ادّعى المشاهدة ... فهو كذّاب مفتر، فهي لم تحدّد بكلّ أو بعض أو ما شاكل، فتكون من القضايا المهملة، التي تعمل عمل الجزئيّة، و هذا لا خلاف و لا شبهة فيه، في أنّ بعض مَن ادّعى المشاهدة هو كذّاب مفتر، إلّا إنّ هذا في (البعض) لا في (الكلّ).

الشريف قضيّة جزئيّة لا كلّيّة، و سوف نعرض ما تشبّث به أدعياء المهدويّة لإثبات ذلك، و إليك أهمّها:

الرواية الأُولى: عن إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ أنّه قال: يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشِّعاب و أو مأ بيده إلى ناحية ذي طوى- حتّى إذا كان قبل خروجه أتى المولى الذي كان معه، حتّى يلقى بعض أصحابه، فيقول: كم أنتم هاهنا؟ فيقولون: نحو من أربعين رجلاً.فيقول: كيف أنتم لو رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: و الله لو ناوى بنا الجبال لناويناها معه، ثمّ يأتيهم من القابلة و يقول: أشيروا إلى رؤسائكم أو خياركم عشرة، فيشيرون له إليهم، فينطلق بهم حتّى يلقوا صاحبهم، و يعدهم اللّيلة التيتليها.

الرواية الثانية: قصة الجزيرة الخضراء، حيث جاء فيها: قلت: ياسيّدي، قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الأمر عَلَیْهِ السَّلام أنّه قال لمّا أمر بالغيبة الكبرى: مَن رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟فقال: صدقت إنّه عَلَیْهِ السَّلام إنّما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته و غيرهم من فراعنة بني العبّاس، حتّى أنّ الشيعة يمنع بعضها بعضاً عن التحدّث بذكره، و في هذا الزمان تطاولت المدّة و أيس منه الأعداء، و بلادنا نائية عنهم و عن ظلمهم و عنائهم، و ببركته عَلَیْهِ السَّلام لا يقدر أحد من الأعداء على الوصول إلينا (1)

الرواية الثالثة: روايات اليماني. بتقريب: أنّ اليمانيّ يكون قبل الصيحة و يرافق خروجه خروج السفيانيّ، و من المعلوم أنّ خروج السفيانيّ يكون


1) بحار الأنوار: 52: 171.

فی رجب بينما الصيحة في شهر رمضان، و بما أنّ الروايات تدلّ على لزوم متابعة اليماني- رغم أنّه يكون قبل الصيحة- فهذا منبّه على عدم صحّة تكذيب جميع مَن يدّعي المشاهدة قبلها، و إلّا للزم تكذيب اليماني، و هو كما ترى، فجمعاً بين أخبار اليماني و التوقيع الشريف ينبغي حمله على تكذيب البعض لا الكلّ (1)

جواب الدعوى الثانية:

و الجواب الإجمالي عن هذه الروايات و أمثالها: أنّها قاصرة عن نقض كلّيّة التوقيع، و إليك تفصيل الكلام حولها، و منه يتّضح الحال في غيرها.

أمّا الرواية الأُولى: فإنّ غاية ما تدلّ عليه أنّ للإمام عَلَیْهِ السَّلام في زمن غيبته مولى يختصّ به، و هذا لا ننازع فيه، إلّا أنّ هذا لا ينقض كلّيّة التوقيع؛ لوضوح أنّ التوقيع بصدد الحديث عن الوظيفة العامّة للشيعة في زمن الغيبة، و أنّها تكذيب مدّعي المشاهدة، بينما تتحدّث الرواية عمّا يدور بين مولى الإمام عَلَیْهِ السَّلام و الخلّص من أصحابه- الذين لا يتجاوزون الأربعين رجلاً- و كيفيّة تهيئتهم للنهضة المشرّفة، و لا يوجد في الرواية أدنى إشارة إلى أنّ المولى يتحدّث معهم بصفته مرسلاً من الإمام عَلَیْهِ السَّلام، فيبقى احتمال أنّ ذلك يكون بينه و بينهم من غير أن يعرفوا اتّصاله بالإمام الحجّة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

نعم، في آخر الرواية أنّهم يشرّفون بلقاء الإمام عَلَیْهِ السَّلام بعد أن أعدّوا أنفسهم و عشائرهم إعداداً روحيّاً لرؤية الإمام عَلَیْهِ السَّلام و التشرّف بنصرته، و هذا لا نمانع منه؛ إذ أنّه يكون على مستوى خاص جدّاً- و هو مستوى النخبة-


1) جامع الأدلّة: 23. قراءة جديدة في رواية السّمريّ: 24.

على أنّ قول الرواية و يعدهم الليلة التي تليها يحتمل أن يكون المقصود به أنّ ذلك اللّقاء يكون قبل الخروج المقدّس بليلة، و لعلّه لأجل تثبيت قلوبهم و الاتّفاق معهم على خطّة العمل.

و بالجملة: فإنّ الرواية ناظرة إلى مجموعة خاصّة جدّاً، و هي الصفوة و النخبة، بينما التوقيع الشريف ناظر إلى عموم الشيعة، فلا يتنافيان، حتّى تكون الرواية ناقضةً له.

و أمّا الرواية الثانية: فغاية ما تثبته هو جواز التشّرف برؤيته عَلَیْهِ السَّلام، و لا ملازمة بين جواز الرؤية و جواز النيابة الخاصّة، فتبقى الرواية على دلالتها على جواز الرؤية، و يبقى التوقيع على دلالته على تكذيب مدّعي النيابة الخاصّة.

و لا يُتوهم أنّ الرواية مفسرة للتوقيع الشريف؛ فإنّه لا شاهد عليه، على أنّ التعبير عن حكاية الجزيرة الخضراء بالرواية لا يخلو عن مسامحة ظاهرة.

و أمّا الرواية الثالثة فيُلاحظ عليها:

أوّلاً: أنّه لا دليل على كون اليمانيّ الموعود يدّعي النيابة الخاصّة عن الإمام عَلَیْهِ السَّلام، حتّى يقال بلزوم تكذيبه إذا التزمنا بعموم التوقيع.

و ثانياً: حتّى لو سلّمنا كونه نائباً خاصّاً فهو غير مشمول لعموم التوقيع، بداهة أنّ وظيفة الشيعة إنّما هى لزوم التكذيب في مرحلة ما قبل تحقّق العلامات المحتومات- و التي قد أشار لها التوقيع الشريف من خلال عنواني ( السفيانيّ و الصيحة)- و بخروج اليمانيّ تكون العلامات قد تحقّقت، و بتحقّقها تنتهي فعّاليّة التوقيع الشريف، فلا يتنافى مع ما دلّ على لزوم مبايعته.

و إنّما قلنا: إنّ (السفيانيّ و الصيحة) قد أُخذا على نحو العنوان المشير للعلامات الحتميّة؛ لأنّ خروج اليماني لا ينفكّ عن خروج السفياني، و بما أنّ التوقيع قد ألزمَ بتكذيب مدّعي النيابة في مرحلة ما قبل السفياني فهذا يعني بالضرورة إلزام الشيعة بالتكذيب في مرحلة ما قبل اليماني، و لا يشمل مرحلة ما بعد خروجه، و هي المرحلة التي تلزم فيها مبايعته، و يحرم الالتواء عليه.

و إن أبيتَ عن ذلك، و قلتَ: إن مقتضى أخذ عنوان الصيحة في التوقيع يعني لزوم تكذيب مَن يدعي النيابة قبل تحقّقها، فيشمل ذلك اليماني المتحقّق قبلها؛ و لذا لا بدّ من رفع اليد عن عموم التوقيع الشريف.

قلتُ: تنزّلنا و سلّمنا معك، و لكنّ هذا لا يقتضي إلغاء عموم التوقيع بتكذيب مدّعي المشاهدة مطلقاً؛ إذ الأدلّة العامّة الظاهرة في العموم إنّما تُرفع اليد عن عمومها بمقدار المخصّص فقط، و بما أنّ المخصّص قد اقتضى رفع اليد عن العموم في الفترة الواقعة بين خروج السفياني و الصيحة، حتّى لا يلزم تكذيب اليماني، فإنّ العامّ- بمقتضى القواعد- يبقى على عمومه في غير الفترة المذكورة، و عليه يلزم تكذيب كلّ مَن يدّعي النيابة في غير تلك الفترة، و منهم: أحمد بن إسماعيل، الذي ما برح يدّعى النيابة منذ سنوات مع أنّ السفياني لم يخرج بعد.

و ممّا ذكرناه يُعلم الحال في بقيّة النواقض التي ذكروها، كمراسلات الإمام عَلَیْهِ السَّلام مع الشيخ المفيد قُدِّس سِرُّه، أو منقولات السيّد ابن طاووس قُدِّس سِرُّه؛ فإنّ كلّ ذلك على فرض صحّته لا يتنافى مع مدلول التوقيع الشريف؛ إذ أنّه يدلّ على تكذيب مدّعي النيابة، و من المعلوم نزاهة الشيخ المفيد و السيّد ابن طاووس قُدِّس سِرُّهما عن الادّعاء المذكور.

الشيخ حسين كوراني

حول رؤيةَ المَهْدي المُنتظر

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

1417ه-/1997م

ثالثاً- حول رؤيته عليه السلام:

روى الشيخ الصدوق و غيره أن السمريّ آخر السفراء الأربعة عليهم الرحمة و الرضوان أخرج إلى الناس توقيعاً (رسالة من صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه) هذا نصّه:

بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

يا علي بن محمد السمريّ أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميّت ما بينك و بين ستة أيام، فاجمع أمرك، و لا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية (في بعض النسخ «التامّة»، فلا ظهور إلا بعد إذن الله عزَّ و جلَّ، و ذلك بعد طول الأمد، و قسوة القلوب، و امتلاء الأرض جوراً، و سيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ و الصيحة فهو كاذب مفتر، و لا حول و لا قوة إلّا بالله العلىّ العظيم (1) *و السؤال الذي أحاول هنا الإجابة عنه:

هل يمكننا أن نرى الإمام المنتظر عجّل الله فرجه الشريف


1) كمال الدين و تمام النعمة/ 516.

في عصر الغيبة الكبرى؟ أم أن ذلك ممتنع نظراً لما جاء في هذا التوقيع؟

*و الجواب: لا شك في أن النيابة الخاصة- بمعنى أن يكون شخص على صلة مستمرة به عليه السلام. يعرض الناس مشاكلهم عيله، و يعرضها بدوره على الإمام المنتظر صلوات الله عليه، كما كان الأمر في الغيبة الصغرى- أمر انتهى بانتهاء تلك الغيبة ..

و كل رواية تنفي إمكان الرؤية و المشاهدة في عصر الغيبة الكبرى ينبغي حملها على نفي هذا النوع من المشاهدة المقترنة بنيابة خاصة، و قد صرّح بهذا جمع من كبار العلماء رضوان الله عليهم، و تدل نصوصهم بكل وضوح على أن التشرف بلقائه عليه السلام ممكن، بل صرَح أكثرهم بوقوعه. و إليك جانباً من أقوالهم:

1- السيد المرتضى (355- 436 ه-):

قال عليه الرحمة:

. . إنه غير ممتنع أن يكون الإمام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممّن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، فإن هذا ما لا يمكن القطع على ارتفاعه و امتناعه، و إنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، و لا سبيل إلى العلم بحال غيره (1)


1) تنزيه الأنبياء/ 238 ط- دار الأضواء- بيروت.

*و جواباً عن سؤال آخر قال عليه الرحمة:﴿أول ما نقوله: إنّا غير قاطعين على أن الإمام عليه السلام لا يصل إليه أحد و لا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم، و لا سبيل إلى القطع عليه (1) 2- صاحب كنز الفوائد الشيخ الكراجكي (ت 449 ه-):

قال رحمه الله في معرض بيان الفائدة من وجود الإمام رغم غيبته:

و لسنا مع ذلك نقطع على أن الإمام عليه السلام لا يعرفه أحد، و لا يصير (يصل إليه، بل قد يجوز أن يجتمع به طائفة من أوليائه تستر اجتماعها به و تخفیه) (2) *و قال أيضاً:

و إمام الزمان عليه السلام و إن كان مستتراً عنهم بحيث لا يعرفون شخصه، فهو موجود بينهم يشاهد أحوالهم ( الفقهاء و يعلم أخبارهم، فلو انصرفوا عن النقل و ضلّوا عن الحق لما وسعته التقية، و لأظهره الله سبحانه و منع منه، إلى أن يبين الحق و يثبت الحجة على الخلق) (3)


1) المصدر السابق/ 235، و النجم الثاقب (414 - 415).

2) كنز الفوائد/ 302.

3) المصدر السابق/303، و الكراكجي من كبار علمائنا، تتلمذ على السيد المرتضى علم الهدى، و تجد له ترجمة وافية فى رجال السيد بحر العلوم ج 3 ص 302، و في روضات الجنات 209/6.

3- الشيخ الطوسي (385- 460 ه-):

في مقام الإجابة عن السؤال المتقدم قال عليه الرحمة:

و ما ينبغي أن يقال في الجواب هو اننا لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه، بل يجوز أن يظهر لأكثرهم (1) *و في معرض الحديث عن ظهوره عليه السلام قال رحمه الله:

إن الأعداء، و إن حالوا بينه و بين الظهور على وجه التصرف و التدبير، فلم يحولوا بينه و بين لقاء من شاء من أوليائه على سبيل الإختصاص، و هو يعتقد طاعته و يوجب اتباع أمره (2) 4- السيد ابن طاووس (589- 664 ه-):

و هو السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد، صاحب المقامات المعروفة، و الكتب المشهورة في الأدعية و الزيارات و المناقب، يقول في رسالة المواسعة و المضايقة: ﴿و سمعت من شخص لا أذكر اسمه عن مواصلة بينه و بين مولانا المهديّ صلوات الله عليه. و لو كان يسوغ نقلها


1) النجم الثاقب/ 415، و الغيبة/ 68.

2) الغيبة/67.

لبلغت عدة كراريس، و هي تدل على وجوده المقدس و حياته و معجزته (1) *و يضيف المحدّث النوري بعد نقله كلام السيد ابن طاووس:

و قال السيد المعظم المذكور- ابن طاووس- طاب ثراه في كتاب ﴿فرج المهموم في معرفة الحلال و الحرام من النجوم: و قد أدركت في زماني جماعة يذكرون أنهم شاهدوا المهدي صلوات الله عليه، و كان بينهم أشخاص يحملون منه عليه السلام رقاعاً و عرائض عرضت عليه (أرواحنا له الفداء، و من جملة ذلك خبر علمت صدقه، و هو كما يلي:)أخبرني من لم يأذن لي بذكر اسمه، ثم يذكر قصة هذا الشخص و أنه تشرف بلقاء الحجة عليه صلوات الله و سلامه (2) بل يظهر بوضوح من نصوص متعددة له عليه الرحمة موجودة في هذا الكتاب أنّ رؤيته عليه السلام و التشرف بلقائه أمر مفروغ منه، و لا مجال للنقاش فيه أبداً.

و أبرز ما في هذا المجال أنه ينقل قصة شخص رأى الإمام عليه السلام، و أرسله الإمام اليه (أي إلى السيد ابن


1) النجم الثاقب/ فارسي/251.

2) المصدر.

طاووس﴾ (1)بل صرّح السيد نفسه بسماع صوت الإمام عليه السلام فقال في «مهج الدعوات»:

و كنت أنا بسرّ من رأى فسمعت سحراً دعاءه عَلَیْهِ السَّلام، فحفظت منه (عَلَیْهِ السَّلام من الدعاء لمن تذكره من الأحياء و الأموات: ﴿و ابعثهم في عزّنا و ملكنا و سلطاننا و دولتنا). و كان ذلك في ليلة الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة (2)و قد تحدث السيد ابن طاووس عليه الرحمة في كتابه «كشف المحجّة» عن إمكانية رؤية الإمام عليه السلام في عدة أماكن تصريحاً و تلويحاً، ثم نقل كلاماً مطولاً يخاطب السيد به ابنه حول الإمام لمنتظر، و من جملته قول:﴿و إن أدركت يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الأسرار عليك عرّفتك من حديث المهديّ صلوات الله عليه ما لا يشتبه عليك و تستغني بذلك عن الحجج المعقولات و عن الروايات فإنه صلى الله عليه حيّ موجود على التحقيق.


1) نفس المصدر/245.

2) مهج الدعوات/ 296 و تبصرة الولي في آخر القصة 72 و في النجم الثاقب/ 254، أورد النص باختلاف يسير عزنا و ملكنا أو قال سلطاننا و دولتنا، و هناك عدة نصوص ورد أن السيد رحمه الله قال سمع الإمام عليه السلام يدعو بها، أورد بعضها العلامة المجلسي في البحار ج 61/52 و قد ناقش المحدّث صاحب المستدرك في بعضها في النجم الثاقب 254، إلاّ أن النص الوارد هنا مسلّم لا ناقش فيه لأن السيد نفسه قد أورده.

و بعد ذلك بقليل يقول له:

فاعلم ذلك يقينا و اجعله عقيدة، فإن أباك عرفه أبلغ من معرفة ضياء شمس السما (1) و هذه التصريحات و التلويحات من السيد رحمه الله تؤيد ما يذكر من أنه أكثر علمائنا الأبرار تشرفا بلقاء بقية الله في الأرضين عليه صلوات الله تعالى .. يليه في ذلك السيد بحر العلوم رحمهما الله تعالى.

5- السيد رضي الدين الآوي (ت 654 ه-):

قال عنه المحدّث الشيخ عباس القمي عليه الرحمة:

..السيد العابد الزاهد الصالح، صاحب المقامات العالية، و الكرامات الباهرة، صديق السيد ابن طاووس الذي يعبّر عنه السيد في كتبه بالأخ الصالح، و هو الذي ينتهي إليه سند بعض الإستخارات.. (2) و بعض الإستخارات التي أشار إليها المرحوم القمي هي الإستخارة التي يرويها السيد الآوي عن الإمام صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه، و هي استخارة مشهورة في كتب العلماء يرويها العلّامة الحلّي عن والده عن السيد الآوي، و يرويها الشيخ


1) السيد ابن طاووس/ كشف المحجة ط. ق./ 74.

2) الكنى و الألقاب/ج 6/3.

الشهيد الأول في «الذكرى» عن جملة من مشايخه، عن العلامة الحلّي عن والده عن السيد الآوي (1)

و للمحدّث النوري عليه الرحمة تحقيق حول هذه الإستخارة تجده في الملاحق، كما أن المحدّث القمي أورد هذه الإستخارة في «الباقيات الصالحات» (2)

و لا شك أن اهتمام هؤلاء الأعلام بهذه الإستخارة ناشيء عن كون السيد الآوي، و هو المعروف في عدالته، قد رأى الإمام عليه السلام في اليقظة، إلا أني لم أجد تصريحاً بذلك، و لعل منشأه تجنّب العلماء الأعلام عادة التصريح بذلك.

و على هذا فنكون هنا أمام شهادة من العلّامة الحلّي (648- 726 ه-) و والده و من الشهيد الأول (734- 786) و غيرهم. بإمكان رؤية الحجّة صلوات الله عليه، بل و وقوع ذلك.

6- المحدّث الإربلي (693 ه-):

هو صاحب كتاب «كشف الغمة في معرفة الأئمة»، قال عنه المحدّث القمي عليه الرحمة: من كبار العلماء الإمامية .. (3)


1) النجم الثاقب/257.

2) هامش مفاتيح الجنان ط. ق./504.

3) الكنى و الألقاب 14/3 و ترجمته عليه الرحمة مستفيضة في المصادر، راجع أمل الآمل ق 195/2 و روضات الجنات 341/4 و فيه صفه بأنه من «عظماء الإمامية».

قال الإربلي عليه الرحمة:

و أنا أذكر من ذلك قصتين قرب عهدهما من زماني، و حدثني بهما جماعة من ثقات إخواني. ثم ذكر قصة الهرقلي و قصة السيد باقي بن عطوة، ثم عقب عليهما بقوله: و الأخبار عنه عليه السلام في هذا الباب كثيرة، و أنه رآه جملة قد انقطعوا في طريق الحجاز و غيرها فخلّصهم و أوصلهم إلى حيث أرادوا. و لولا التطويل لذكرت منها جملة، و لكن هذا القدر الذي قرب عهده من زماني كاف (1)7- العلامة الحلي (648- 725:)بين قصص اللقاء .. قصة تشرف العلامة الحلّي برؤية الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف .. و يروي هذه القصة العالم الجليل التنكابني في كتابه القيّم «قصص العلماء» عن العالم الشيخ اللاهيجي عن أستاذه السيد محمد ابن صاحب «المناهل» و ينقل الشيخ اللاهيجي عن أستاذه أنه رأى القصة بخط العلامة الحلّي في نسخه كانت له من كتاب «التهذيب» للشيخ الطوسي .. و قد دوّن العلامة هذه القصة على هامش رواية كان الإمام عليه السلام قد حدّد له مكانها من کتاب «التهذيب» (2)


1) كشف الغمة للإربلي/ 296/3 و 301.

2) قصص العلماء للتنكابني/ فارسي/ 359 و «مردان علم» «میدان عمل» فارسي/354 و تجد ترجمة الشيخ اللاهيجي في «كنجينة دانشمندان» فارسي ج 14/7 كما تجد ترجمة أستاذه في «علماء الشيعة الكبار» فارسي/223 و ترجمة مستفيضة. و قد أورد القصة الشيخ الصافي في منتخب الأثر/ 417.:

8- المقدس الأردبيلي (ت 993 ه-:)و هو عليه الرحمة من أئمة العلماء المحققين، و سادة الزهّاد و المتهجّدين، و قصة تشرّفه بلقاء الحجّة المنتظر أرواحنا له الفداء، صحيحة السند، كما أن عددا من كبار العلماء نقلوها و وثقوها، و ذلك شهادة منهم بوقوع الرؤية أيضاً.و قد ذكر المقدس الأردبيلي في كتابه «حديقة الشيعة» أنه جمع بين توقيع السمري، و قصص اللقاء في كتاب سمّاه ﴿النص الجلي على إمامة مولانا علي (1) 9- صاحب المعالم الشيخ حسن بن الشهيد الثاني عليهما الرحمة (959 - 1011 ه-):

أورد المحدّث النوري عليه الرحمة نقلاً عن «الدر المنثور» ما يلي:

سمعت من بعض مشايخنا و غيرهم أنه لما حجّ كان يقول لأصحابه: نرجو من الله سبحانه أن نرى صاحب الأمر عليه


1) حديقة الشيعة/ 752 و انظر تحقيقاً حول صحة نسبة هذا الكتاب إلى المحقق الأردبيلي في مستدرك الوسائل 393/3 و انظر قصة تشرّف المقدس الأردبيلي فی «روضات الجنات» ج 1/ 80، و بحر المعارف/ 398، و النجم الثاقب / 334.

السلام فإنه يحجّ في كل سنة، فلما وقف بعرفة أمر أصحابه أن يخرجوا من الخيمة ليتفرغ لأدعية عرفة، و يجلسوا خارجها مشغولين بالدعاء. فبينما هو جالس إذ دخل عليه رجل لا يعرفه فسلّم و جلس. قال: فبهت منه، و لم أقدر على الكلام، فكلمني بكلام- نقله و لا يحضرني الآن- و قام، فلما قام و خرج خطر يبالي ما كنت رجوته و قمت مسرعاً فلم أره، و سألت أصحابي فقالوا: ما رأينا أحداً دخل عليك (1) و في هذا النص تصريح باعتقاد صاحب المعالم بإمكانية رؤية الإمام عليه السلام، و هو- لا غيره- محل الشاهد.

10- المجلسيّ الأول (والد صاحب البحار) (1003- 1070 ه-):

يروي عليه الرحمة دعاء اليماني عمّن رأى الإمام المنتظر و يصرّح بذلك، كما يصرّح به أيضاً ولده العلامة المجلسي رحمهما الله (2)و ستجد في الفقرة (12) التصريح بأنه رأى الإمام المنتظر عليه السلام في الجامع العتيق في أصفهان، بل في بعض


1) مستدرك الوسائل ج 391/3 و كتاب «الدر المنثور» هو للعالم الجليل الشيخ علي ابن صاحب المعالم رضوان الله تعالى عليهما. تجد ذلك في نفس المصدر/ 390.

2) البحار ج 52/ 175 و ج 200/95 و قد رأى بعض العلماء القصة بخط المجلسي الأول و منهم المحدّث صاحب المستدرك و قد صرّح بذلك، راجع دار السلام العراقي/ 564 و قصص العلماء للتنكابني/231.

نصوصه ما يدل بوضوح على رؤيته الإمام عليه السلام في سامرّاء أيضاً.

11- الحر العاملي صاحب «وسائل الشيعة» (1033- 1104ه-):

أورد في كتابه «إثبات الهداة» القصة التي يتحدث فيها عن رؤيته صاحب الأمر- عجّل الله تعالى فرجه الشريف- بين النوم و اليقظة، ثم قال بعد إيراد عدة قصص مشابهة: و قد أخبرني جماعة من ثقاة الأصحاب أنهم رأوا صاحب الأمر في اليقظة و شاهدوا منه معجزات (. .) و أخبرهم بعدة مغيبات و دعا لهم (...) و أنجاهم من أخطار مهلكات (...) و كلها من أوضح المعجزات (1)و في مكان آخر- في معرض تعليقه على قصص اللقاء- يقول:

و قد تواتر عنه عليه السلام مثل هذا في زماننا و ما قبله، و ما يظهر من بعض الروايات مما يوهم استحالة ذلك غير صريح مع احتمال حمله على الأغلبية أو على من يدّعي أنه مع المشاهدة عرفه أو عرّفه نفسه، بخلاف ما لو عرّفه إياه غيره، أو ظهر له منه إعجاز، و لا يخفى ما في سدّهم عليهم السلام لذلك الباب من المصلحة و دفع المفسدة (2)


1) إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات/للحر العاملي/ج 713/3.

2) نفس المصدر/699.

12-العلامة المجلسي (الثاني) صاحب البحار (1037- 1111 ه-):

يروي رحمه الله قصة حرز اليماني عن والده، كما أورد في «بحار الأنوار» العديد من قصص اللقاء مما يكشف بوضوح عن رأيه في مسألة التشرّف بلقاء الإمام المهديّ.. و رؤيته عليه السلام.

و بالإضافة إلى ذلك فقد ذكر في شرح الحديث الذي يبين فيه عليه السلام أن انتفاع الناس به في غيبته كالشمس إذا غيّبها عن الأنظار السحاب، ثمانية أوجه منها:

«السادس»: إن الشمس قد تخرج من السحاب و ينظر إليها بعض الناس دون الآخرين، فكذلك يمكن أن يظهر عليه السلام في أيام غيبته لبعض الخلق دون بعض (1)

13- الشيخ أبو الحسن بن معتوق بن عبد الحميد الفتوني البناطي العاملي (ت 1140 ه-):

و هو جدّ صاحب «الجواهر» و تلميذ المجلسي الأول، و ينقل صاحب الجواهر بعض آرائه الفقهية (2)

قال المحدّث صاحب «المستدرك» ما ترجمته:


1) البحار ج 93/52 و 94.

2) بحار الأنوار ج 86/105 و 87.

یقول في كتاب «ضياء العالمين» بعد أن ينقل بعض قصص من شاهد الإمام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف:

المنقولات المعتبرة في رؤية صاحب الأمر عليه السلام غير ما ذكر كثير، حتى في هذه الأزمنة القريبة، و قد سمعت من الثقات أن مولانا الأردبيلي رآه عليه السلام في جامع الكوفة، و سأله مسائل، و أن مولانا محمد تقي والد شيخنا رآه عليه السلام في الجامع العتيق بأصفهان (1) 14- السيد بحر العلوم (1155 - 1212 ه-):

في معرض حديثه عن التوقيعات التي خرجت من الناحية المقدسة إلى الشيخ المفيد- رضوان الله عليه- قال السيد عليه الرحمة و الرضوان:

و قد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى مع جهالة حال المبلّغ و دعواه المشاهدة المنفية بعد الغيبة الكبرى، و يمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، و اشتمال التوقيع على الملاحم و الإخبار عن الغيب الذي لا يطّلع عليه إلا الله و أولياؤه بإظهاره لهم، و أن المشاهدة المنفيّة أن يشاهد الإمام، و يعلم أنه الحجّة عليه السلام حال مشاهدته له، و لم يعلم من المبلّغ ادعاؤه لذلك. و قد يمنع أيضاً امتناعها في شأن


1) النجم الثاقب 233 - 234.

الخواص و إن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الإعتبار و دلالة بعض الآثار (1) و تجد في قصص السيد بحر العلوم- قدّس سرّه- التي نقلت في كثير من المصادر بأسانيد صحيحة تصريحه مراراً بأنه هو قد تشرّف بلقائه عليه السلام (2)

و قد ذكر المحدّث صاحب (المستدرك) عليه الرحمة نقلاً عن «الفوائد الرجالية» قول السيد حول الإجماع ما ترجمته:

و قد يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الإمام بعينه بوجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة، و لا يتمكن من التصريح بنسبة ذلك القول للإمام، فيظهر ذلك القول في صورة الإجماع جمعاً بين إظهار الحق و النهي عن إفشاء مثل هذا السر (3) 15- المحقق القمي صاحب «القوانين» (1151- 1231 ه-):

اشتهر فی المصادر المختلفة سوءاله السید بحر العلوم عن بعض مشاهداته، و کلام السید معه حول أنه رآه علیه

السلام، و تجد ذلك في قصص السيد بأسانيد صحيحة، منها ما أورده التنكابني صاحب «قصص العلماء» عن المولى السلماسی الذی


1) السيد بحر العلوم/ الفوائد الرجالية ج 320/3 و 321.

2) مستدرك الوسائل ج 3.

3) النجم الثاقب/413.

كان حاضراً في مجلس ضم السيد بحر العلوم و صاحب القوانين و جرى فيه الكلام عن رؤية المولى بقية الله رواحنا فداه (1)

16- المحدّث النوري صاحب «المستدرك» (1254- 1320 ه-):

ألّف رحمه الله كتاب «جنة المأوى» و أورد فيه الكثير من قصص اللقاء .. و قد أدرج هذا الكتاب في الجزء الثاني و الخمسين من بحار الأنوار .. كما أفرد في موسوعته القيّمة «النجم الثاقب» حوالي مائتي صفحة لسرد قصص الذين تشرّفوا بلقائه عليه السلام، و اعتنى بتصحيح أسانيد هذه القصص .. بل إنه ينقل بعضها عمّن شاهده عليه صلوات الله و سلامه كما في قصتي الحاج علي البغدادي و السيد الرشتي، رحمهما الله. و قد عبّر رحمه الله عن رأيه في الأحاديث الواردة التي ظاهرها نفي إمكانية الرؤية في عصر الغيبة الكبرى، فقال:

إنها لا تنهض لمعارضة الوجدان القطعي الذي يحصل من مجموع هذه القصص و الحكايات (2) 17- السيد محسن الأمين رحمه الله (1284- 1373 ه-):

قال عليه الرحمة:

و قد جاءت أحاديث دالة على عدم إمكان الرؤية في الغيبة


1) التنكابني/قصص العلماء/171.

2) النجم الثاقب/412.

الكبرى، و حكيت رؤيته عليه السلام عن كثيرين في الغيبة الكبرى، و يمكن الجمع بحمل نفي الرؤية على رؤية من يدّعي المشاهدة مع النيابة و إيصال الأخبار من جانبه على مثال السفراء أو بغير ذلك (1)***هذه أقوال بعض كبار علمائنا الأبرار في مسألة الرؤية، و هي تكاد تغطي الفترة الممتدة من القرن الرابع حتى القرن الرابع عشر الهجري.. و ما هي إلا جانب مما يجده المتتبّع في هذا المجال، بل يمكن الجزم بالإجماع على إمكان الرؤية و وقوعها. و لم أجد أحداً من العلماء يتبنى القول بعدم إمكان رؤيته عليه السلام، و ليس من الصحيح أبداً أن يدرس توقيع السمري رحمه الله بمعزل عن هذه الحقيقة التي تلتقي عندها كلمات العلماء الأعلام.. فهم رغم علمهم به يصرّحون بإمكان اللقاء أو وقوعه كما رأيت؟! و هل السبب في ذلك ردّهم لهذا التوقيع، أم الجمع بينه و بين ما صحّ من قصص الرؤية، أو العلم وجداناً بوقوع الرؤية... و قد تقدّم في كلام السيد بحر العلوم و كذلك في كلام الحر العاملي عليهما الرحمة ما يدل على الثاني.إلاّ أن المحدّث صاحب «المستدرك» تناول هذا التوقيع


1) أعيان الشيعة 71/2 و لاحظ 69/67/63.

بالتحقيق، و أفرد الباب الثامن من كتابه الموسوعي «النجم الثاقب» للجمع بين الروايات التي يفهم منها نفي المشاهدة و بين قصص المشاهد الصحيحة السند، و ذكر ستة أجوبة، منها:إن هذا الخبر- توقيع السمري- ضعيف، و ما عداه أخبار آحاد ليست نتيجتها إلاّ الظن و لا تورث جزماً و لا يقيناً .. و لذا فلا يمكنها أن تعارض الوجدان القطعي الحاصل من مجموع هذه القصص و الحكايات، و إن لم يحصل من كل منها منفرداً.إلى أن يقول:﴿فكيف يصح إذا الإعراض عنها لوجود خبر ضعيف (1)


بعد هذه الجولة .. مع آراء العلماء الأعلام، عبر القرون . .. أعيد طرح السؤال الذي كنت بصدد الإجابة عليه:

هل يمكننا أن نرى الإمام صاحب الزمان عليه السلام في الغيبة الكبرى؟

و قد أصبحت الإجابة واضحة ... فلا مجال على الإطلاق لنفي إمكانية التشرّف بلقائه عليه صلوات الرحمن... و من حاول نفي ذلك فرأيه شاذ لا يلتفت إليه..

يبقى أن من الضروري تعزيز الإعتقاد بامكانية الرؤية


1) النجم الثاقب/412.

و وقوعها في نفوسنا - بالإضافة إلى الوقوف على آراء العلماء- بمحاولة فهم دلالة توقيع السمري عليه الرحمة، بما لا يتنافى مع قصص النقاء.

فكيف ذلك؟

و الجواب على هذا السؤال .. هو الآتي:

أولاً: ينبغي الوقوف من نص توقيع السمري عند فقرة و سيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كاذب مفتر﴾.

و الفقرة واضحة الدلالة على أن من يدّعي المشاهدة يدّعيها أمام الشيعة فهو إذا يحرص أن يكسب دعوته بعداً إجتماعيا .. و يتصدى لا دعاء ذلك أمام جمهور الشيعة ..

هذا هو المعنى الذي ينسجم مع طبيعة العبائر .. و ينسجم أيضاً مع مهمة توقيع يهدف إلى إقفال باب النيابة الخاصة قطعاً للطريق على كل محاولة قد يقدم عليها بعض المنحرفين، بتحريك من السلطة، أو بمعزل عنها ..

و لا دليل في هذا التوقيع على تأسيس أصل جديد، يرقى إلى إثبات منع رؤيته عليه السلام على الإطلاق ..

و عندما تتأمل قصص اللقاء بروية و موضوعية . . تجد أن ما صح منها- و هو كثير- لا ينطبق عليه عنوان و سيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة فأصحاب هذه القصص يتكتمون عليها عادة

و قد يصعب جداً سماعها منهم .. ثم إنهم إذا حدّثوا بها حرصوا على أن يكون ذلك في أضيق نطاق ... و من السائد أن لا تعرف عنهم إلا بعد وفاتهم ..

و لا ينافي ذلك أن تعرف القصة في حياة صاحبها دون أن يعرف هو .. و لا ينافيه أيضاً أن تعرف و يعرف صاحبها في حياته .. و لكن على نطاق خاص جداً.. كما هو الأمر في غالب القصص .. و نجد في بعضها- ما عدا الغالب- الأمر من الإمام عليه السلام بنشر خبر الرؤية و مضمونه ... كما ورد في قصة الحاج علي البغدادي الت هي في طليعة القصص سنداً و دلالة..

و الخلاصة:

إن توقيع السمري لا دلالة له أبداً على نفي مشاهدة الإمام عليه السلام مع التكتّم على ذلك .. و لا على نفي المشاهدة التي تقترن بادعائها أمام عدد قليل من الناس .. لأن من يفعل ذلك لا ينطبق عليه أنه أتى الشيعة يدّعي المشاهدة ..

ثانياً: و القول الفصل هو ما تنبه له المحقق الجليل الشيخ النهاوندي في كتابه الموسوعي القيّم «العبقري الحسان» حيث قال:

لا معارضة بين التوقيع الشريف (توقيع السمري و أمثال هذه الحكايات حتى يحتاج إلى الجمع، لأن التوقيع الشريف بصدد منع دعوى الظهور، و المشاهدة فيه (التوقيع) بمعنى)

الظهور و الحضور، كما في الآية المباركة ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ لا بمعنى الرؤية ليقع العلماء في حيص بيص في الجمع بين التوقيع الشريف و هذه الحكايات. و القرينة على المعنى أمران: الأول: قوله عليه السلام: فلا ظهور إلا بعد الهرج و المرج، و الفتنة و الفساد.

و الثاني: قوله عليه السلام: ألا فمن ادّعى المشاهدة (أي الظهور) قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كاذب مفتر، فكلاهما (السفياني و الصيحة) من علامات الظهور. و على هذا، لا تعارض أبداً بين التوقيع الشريف و أمثاله مما ورد فيه امتناع المشاهدة و بين هذه الحكايات ...﴾ (1)

و لا يخفى أن كلامه عليه الرحمة في غاية المتانة . . باعتبار أن توقيع السمري متكفل بإعلان بدء الغيبة التامة و التنبيه على استمرارها حتى وقوع علامتي السفياني و الصيحة، و عليه فالمشاهدة التي ينفيها التوقيع هي المشاهدة التي تتنافى مع الغيبة التامة (أو الثانية) التي هو بصدد إعلان بدئها ..

فالمنفي إذا أمران:

*الأول: أن يدّعي شخص النيابة الخاصة، على غرار ما كان الأمر عليه في الغيبة الصغرى.


1) النهاوندي/ العبقري الحسان/ فارسي/ باب المسك الأذفر- 128 .

*الثاني: أن يدّعي شخص ظهوره عليه السلام، و انتهاء الغيبة الكبرى التي لا تنتهي إلا بالسفياني و الصيحة.

و كل المشاهدات التي تثبتها قصص اللقاء، لا تنافي ذلك، لأنها قصص عن رؤية الغائب صلوات الله و سلامه عليه.

و النتيجة العملية في نهاية المطاف، كما يلي:

1- يجمع العلماء الأعلام على إمكانية رؤية الإمام عليه السلام.

2- إذا استثنينا الشيخ الطوسي، و السيد المرتضى .. اللذين يتحدثان عن «إمكانية الرؤية» فإن سائر العلماء الأعلام يتحدثون عن وقوع الرؤية .. و ينقلون قصص اللقاء.

3- إنّ «توقيع السمري» لا يدل على عدم إمكان الرؤية التي تتضمنها قصص اللقاء .. و لا علاقة له بذلك على الإطلاق، مهما كان تفسير «المشاهدة».

4- أن المشاهدة في التوقيع هي نقيض الغيبة.. وردت كذلك في كتاب الله تعالى في قوله عزّ و جلّ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.


و أمام هذه المعطيات .. فما هو المبرر لنفي إمكانية التشرف برؤية خاتم الأوصياء عليه صلوات الرحمن .. أو الخجل

بقصص اللقاء و التعاطي معها باستخفاف .. و نبذها في دائرة الإهمال.. جنبا إلى جنب مع كل قصص القرآن الكريم .. و سائر مفردات «المغيبات».

«شنشنة أعرفها من أخزم».. و أخزم هنا .. كل أولئك الذين تنكبوا المنهج العقلي السليم.. الذي هو المنهج الغيبي .. كما مرّ في المقدمة.. و كما ستجد مزيداً من تسليط الضوء عليه في الصفحات الآتية . . . إن شاء الله تعالى.

الشيخ حسين كوراني

آدابُ عصْر الغيبَة

اشارة

المركز الإسلامي بيروت

جميع حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الثانية

1426 ه- 2005م

نسخة مزيدة و منقحة

9- طلب التشرف بلقائه

يثير البعض مسألة توقيع الإمام (أي رسالته) إلى سفيره الرابع السُّمَّري رَحمه اللهُ، ليستدلوا بها على عدم إمكان رؤيته عَلَیْهِ السَّلام، في الغيبة الكبرى.

و لكن كبار فقهائنا و في طليعتهم المراجع منذ بدء الغيبة الكبرى و إلى الآن يصرحون بإمكان الرؤية أو وقوعها، و لا يرون أن توقيع السمري يشكل دليلاً على العدم، فهو بصدد نفي المشاهدة التي كانت متاحة للسمري كنائب خاص، أي أن التوقيع ينفي المشاهدة التي تستتبع ادعاء النيابة الخاصة.

يؤكد أن هذا هو مَصَبُّ نفي المشاهدة في التوقيع، أن قصص المشاهدة الصحيحة السند- برأي علمائنا- تحسم أمر وقوع المشاهدة و تحققها بما لا يقبل الشك.

أضف إلى ذلك أن كثيراً ممن تشرفوا بلقائه عَلَیْهِ السَّلام، هم من العلماء الأعلام، و أجلة الأتقياء.

و للتوسع في ذلك مجال آخر (1)

*الطريق إلى رؤيته عَلَیْهِ السَّلام؟

قال المحدث النوري عليه الرحمة:

قد علم من تضاعيف تلك الحكايات (يقصد قصص التشرف باللقاء)


1) أنظر: المؤلف، حول رؤية المهدي. (راجع: «الكتب» في هذا الموقع).

أن المداومة على العبادة، و المواظبة على التضرع و الإنابة، في أربعين ليلة الأربعاء في مسجد السهلة، أو ليلة الجمعة فيها (السهلة أو في مسجد الكوفة، أو الحائر الحسيني على مشرفه السلام، أو أربعين ليلة من أي الليالي في أي محل و مكان كما في قصة الرمان المنقولة في البحار (1)، طريق إلى الفوز بلقائه عَلَیْهِ السَّلام و مشاهدة جماله، و هذا عمل شائع، معروف في المشهدين الشريفين، و لهم في ذلك حكايات كثيرة، و لم نتعرض لذكر أكثرها لعدم وصول كل واحد منها إلينا بطريق يعتمد عليه، إلا أن الظاهر أن العمل من الأعمال المجربة، و عليه العلماء و الصلحاء و الأتقياء، و لم نعثر لهم على مستند خاص و خبرٍ مخصوص، و لعلهم عثروا عليه أو استنبطوا ذلك من كثير من الأخبار التي يستظهر منها أن للمداومة على عمل مخصوص من دعاء أو صلاة أو قراءة أو ذكر أو أكل شيء مخصوص أو تركه في أربعين يوماً تأثيراً في الانتقال و الترقي من درجة إلى درجة، و من حالة إلى حالة، بل في النزول كذلك،فيستظهر منها أن في المواظبة عليه في تلك الأيام تأثيراً لإنجاح كل مهم أراده) (2) *في ضوء ما قاله رَحمه اللهُ، و على أساس ملاحظة مختلف قصص التشرف بلقائه عَلَیْهِ السَّلام، و بعض ما كتبه العلماء الأعلام بهذا الصدد نجد أن من الأمور التي قد تكون طريقاً إلى التشرف بلقائه عَلَیْهِ السَّلام، ما يلي:

1- التقوى و الاهتمام الجاد بسفر الآخرة و تهذيب النفس.


1) المجلسي، البحار 177/52- 180.

2) البحار ج 325/53 من الملحق الوافي الذي كتبه المحدث النوري و فيه تفاصيل كثيرة هامة، و قد تحدث رَحمه اللهُ عن عمل الإستجارة بالتفصيل في النجم الثاقب/ 480 و نجد فيه بعض التفاصيل المذكورة أعلاه.

2- المواظبة على أعمال عبادية (غير محددة) لمدة أربعين يوماً.

3- عمل الاستجارة و يعني:

أ- زيارة سيد الشهداء عَلَیْهِ السَّلام أربعين ليلة جمعة (عن قرب).

ب- زيارة مسجد السهلة أربعين ليلة أربعاء.

ج- زيارة مسجد الكوفة- أو أي مسجد آخر- أربعين ليلة جمعة كل ذلك بهدف التشرف بلقائه عَلَیْهِ السَّلام.

د- التوجه إلى مكان ما في البرية لمدة 40 ليلة، بهدف التعبد الله تعالى و طلب رؤية وليه عَلَیْهِ السَّلام.

4- دعاء العهد الصغير الذي تقدم في فقرة «الدعاء» أنه يدعى به بعد كل فريضة.

و هناك أعمال لرؤيته عَلَیْهِ السَّلام في المنام لتطلب من مظانها، كدار السلام، و جنة المأوى الملحقة بالجزء الثالث و الخمسين من البحار، و النجم الثاقب، و جميعها للمحدث النوري، صاحب المستدرك رَحمه اللهُ.

بقیة اللهُ

خَیرُاکُمان کنتم مؤمنین

الصَّحِيفَةُ المُبارَكَةُ المَهْدِية

مجموعة مهمة من الصَلوات و الأدعية و الزّيارات و... حول الإمام القائم المنتظر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

الصادرة عن الناحية المقدسة أو الواردة عن سائر المعصومين عَلَیْهِم السَّلام

سرشناسه: مجتهدی، سیّد مرتضی، 1222-

عنوان و نام پدیدآور: الصحيفة المباركة المهديّة/ المؤلّف: السيّد مرتضي المجتهدي السيستاني

مشخصّات نشر: قم: الماس 1391.

مشخصّات ظاهری: 1250ص.

شابک: 978-964-7753-7-46 180000 ریال

وضعیت فهرست نویسی: قیپا

یاداداشت: عربی

یاداداشت: کتاب حاضر در سال های مختلف توسّط ناشران متفاوت منتشر شده است.

یاداداشت: کتاب نامه: ص، 57- 49؛ هم چنین به صورت زیرنویس.

موضوع: محمّد بن حسن (عج) امام دوازدهم، 255 ق،--- زیارت نامه ها

موضوع: محمّد بن حسن (عج) امام دوازدهم، 255 ق،--- دعا ها

موضوع: دعا ها

موضوع: زیارت نامه ها

رده بندی کنگره: 1396 2 ص 2م /BP267/2

رده بندی دیویی: 297/772

شمارهء کتاب شناسی ملّی: 2825901

انتشارات الماس

الصَّحِيفَةُ المُبَارَكَةُ المَهْدِيَّة

المؤلّف: السيّد مرتضى المجتهدي السيستاني

الناشر: منشورات ألماس

المطبعة: نينوا

الطبعة: الأُولى شعبان المعظّم 1433 هق

مع الإضافات

القطع و الصفحات: وزيري/ 1250

الكميّة: 1000 نسخة

السعر: 18000 تومان

ردمك: 46- 7- 7753- 964- 978 46- 7- 7753- 964 - 978 :ISBN

مركز التوزيع منشورات ألماس: 00989122510358

موقع الإينترنت للمؤلّف: www.almonji.com

بريد الإلكتروني: info@almonji.com

145

دعائه أرواحنا فداء في التوقيع إلى عليّ بن محمّد السمري رضوان الله عليه

... لمّا حان سفر أبي الحسن السمري من الدنيا، و قرب أجله قيل له: إلى من توصي؟ فأخرج إليهم توقيعاً نسخته:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِي، أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إخْوَانَكَ فيكَ، فإنّك ميّت ما بينك و بين ستّة أيام. فاجمع أمرك، و لا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلّا بعد إذن الله تعالى ذكره و ذلك بعد طول الأمد، و قسوة القلوب، و امتلاء الأرض جوراً.

وَ سَيَأْتِي إِلَى شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي الْمُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ ادَّعَى الْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَ الصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

فنسخوا هذا التوقيع و خرجوا، فلمّا كان اليوم السادس عادوا إليه و هو يجود بنفسه. فقال له بعض الناس: من وصيّك من بعدك؟

فقال: الله أمر هو بالغه و قضى، فهذا آخر كلام سمع منه رحمه اللهُ. (1)

أقول:

انّ «ال» في «المشاهدة» في قوله صلوات الله عليه «من يدّعى المشاهدة»: للعهد الذهني، و لا يصح أن تكون للجنس أو غيره، فمعناه: من يدّعى المشاهدة


1) الإحتجاج: 297/2.

بعنوان النيابة فهو كذّاب مفتر، لأنّه مضافاً إلى كذبه في ادّعائه المشاهدة مفترىٌ على الإمام عَلَیْهِ السَّلام في أنّه عيّنه للنيابة الخاصّة، و من ادّعى كذباً المشاهدة فقط و لا غير فهو كاذب و ليس بمفتر.

البُرْهان في الدفاع عن صاحب الزمان

نقدُ كِتاب (مَتَى يُشرقُ نُوْرِكَ أَيُّهَا المُنتَظَر؟)

المؤلف/ محمد علي حسن

2012- 1433 ه-

المطلب الثالث: حول رؤيته في زمن الغيبة الكبرى.

لقد ثبت من طرق كثيرة و نقولات متعددة في كتب أصحابنا الإمامية أنه قد حصل لقاء لأشخاص في زمن الغيبة الكبرى بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.و استشكل المخالف حول توقيع الإمام الحجة عليه السلام الذي ورد عنه.

و في نصّه (1): [وَ سَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي الْمُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَن ادَّعَى الْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَ الصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ].

و هذه لم يستنبط منها العلماء أن اللقاء بالإمام ممتنع تماماً في زمن الغيبة الكبرى، فمطابقةً للواقع، لهذه الرواية وجوهٌ عديدة تُحمل عليها، و من هذه الوجوه هو حمل ادعاء المشاهدة المقرونة بادعاء السفارة لقرينة تواتر لقاء الكثيرين به، يقول آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني في كتابه [مجموعة الرسائل] (2):

[مضافا إلى أنه لو استظهر من هذا التوقيع حرمان الناس كلهم عن التشرف بلقائه، ينافي الحكايات المتواترة التي لاشك في صحتها سيما تشرف عدة من أكابر العلماء، و هذه قرينة على أن المراد من كون من يدعى المشاهدة كذابا مفترياً، من يدعيها كما كان متحققاً للسفراء في عصر الغيبة الصغرى فيدعى بها النيابة و السفارة و الوساطة بين الناس و بين الإمام عليه الصلاة و السلام و الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفی].

و استحسن الشيخ باقر شريف القرشي هذا التوجيه المُحتفّ بالقرينة فقال (3):

[أن من يدعي مشاهدته و نيابته و سفارته عنه على غرار سفرائه في حال الغيبة الصغرى، فهو كاذب مفتر، و فيما أحسبت أن هذا التوجيه حسن].


1) كمال الدين و تمام النعمة، ص 516.

2) مجموعة الرسائل، ج 2، ص 212.

3) حياة الإمام المهدي، ص 131.

سُفَرَاءُ الأِمامِ المَهديِّ عجَّل الله تعالی فرجهُ الشریف بَيْنَ الحقَائِقِِ وَ الأََوْهَامِ

رُدُوْد

عَلَى آراء أحْمَدْ أمين وَ المَدرسَةِ الاجْتِماعِيَّةِ حَوْلَ سُفَرَاءِِ الأِمامِ المَهْدِيّ عجَّل الله تعالی فرجهُ الشریف

الشَّيخْ ضياءُ الدِّينْ الخِزَرْجَي

تَقْدِيم وَ تَحْقِيق

مَركَز الدراساتِ التَخصصيَة فی الأِمامِ المَهْدِيّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

مَرکَزُ الدِراساتِ التَخصصيَة الأِمامِ المَهْدِيّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

اسم الكتاب: ... سفراء الأِمامِ المَهْدِيّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بين الحقائق و الأوهام

ردود على آراء أحمد أمين و المدرسة الاجتماعية حول سفراء الأِمامِ المَهْدِيّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف:

تأليف: ... الشيخ ضياء الدين الخزرجي

تقديم و تحقيق: .... مركز الدراسات التخصصية في الأِمامِ المَهْدِيّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

رقم الإصدار: ... 271

الطبعة: ... الأولى 1443ه-.

عدد النسخ: ... طبعة محدودة

جميع حقوق الطبع و النشر محفوظة للمركز العراق- النجف الأشرف

هاتف: 07809744474- 07816787226

www.m-mahdi.com

info@m-mahdi.com

المبحث الخامس: دراسة و نقد لتوقيع الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجهُ الشریف للسمري بانتهاء الغيبة الصغرى

أمَّا التوقيع الصادر من الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في إعلانه لسفيره السمري بانتهاء الغيبة الصغرى و السفارة و بدء الغيبة الكبرى، فهو:

روى الطوسي رحمه اللهُ بإسناده عن أبي محمّد أحمد بن الحسن المكتِّب، قال: كُنْتُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيُّ قُدِّس سِرُّه، فَحَضَرْتُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ، فَأَخْرَجَ إِلَى النَّاسِ تَوْقِيعاً نُسْخَتُهُ:

بِِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَ لَا تُوصٍ إِلَى أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَ ذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ، وَ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَ امْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوْراً،وَ سَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي الْمَشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ ادَّعَى الْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَ الصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرِ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ. قَالَ: فَنَسَخْنَا هَذَا التَّوْقِيعَ، وَ خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَ هُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ وَصِيُّكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ: للهِ أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ، وَ قَضَى، فَهَذَا آخِرُ كَلَامٍ سُمِعَ مِنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَ أَرْضَاهُ (1)


1) الغيبة للطوسي (ص 395/ ح 365)؛ و رواه الصدوق رحمه اللهُ في كمال الدِّين (ص 516/باب 45/ ح 44).

و یقع الکلام هنا فی مقامین:

أوَّلاً: في سند هذا الحديث المشهور المستفيض.

ثانياً: في دلالته.

أمَّا الكلام في المقام الأوَّل:

فاعلم أنَّ هذا الحديث صحیح عال اصطلاحاً، لأنَّه مروي عن الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بواسطة ثلاثة من الرواة، هم:

1- السمري، سفير الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

2- الشيخ الصدوق محمّد بن عليِّ بن بابويه القمِّي.

3- أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتِّب.

و نخصُّ الكلام في الشخصية الثالثة، لتقدُّم الكلام في الشخصين الأوَّلين: قال عناية الله: و قد روى عنه الصدوق مكرَّراً مترضّياً مترحِّماً، و هذا من أمارات الصحّة و الوثاقة. ثمّ ذكرت شواهد له كثيرة (1)

و نشير هنا إلى أمرين:

الأمر الأوَّل: روي في (الغيبة) هكذا: أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ اِبْنِ عَلِيَّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَابَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُكَتِّبُ، قَالَ: كُنْتُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ....، الخبر (2). و ساق مثله ما نقله ابن بابويه في (كمال الدِّين و تمام النعمة) (3). و قد عرفت أنَّ الذي روى عنه ابن بابويه هو الحسن بن أحمد و ليس أحمد بن الحسن، و الظاهر أنَّ السهو في كتاب الشيخ وقع من النُّسَّاخ


1) راجع: مجمع الرجال (ج 2/ ص 98، وج 7/ ص 190 و 191).

2) الغيبة للطوسي (ص 395 ح 365).

3) كمال الدِّين (ص 516 / باب 45 ح 44).

و يُؤيِّد هذا السهو ما رواه النوري الطبرسي في (جنَّة المأوى) في الفائدة الأُُولى، و عن (غيبة الطوسي) عن الحسن بن أحمد المكتِّب (1)و الله العالم.

الأمر الثاني: أنَّ صاحب (المستدرك) مع سعة باعه و كثرة اطِّلاعه و اهتمامه في استقصاء أسماء مشايخ الصدوق كان قد غفل عن هذه الشخصيَّة العظيمة التي روى عنها الصدوق مكرَّراً مترضّياً مترحِّماً، و أمثال هذه الأُمور تبعث على الفحص و التتبُّع، و توجب الظفر بما غفل عنه من قبله، فقد روى عناية الله في (مجمع رجاله) هذا الحديث عن كتاب (ربيع الشيعة) لابن طاوس رحمه اللهُ حاكياً عن الحسن بن أحمد المكتِّب، فتأمَّل (2)

و قد طُعِنَ في سند هذا الحديث...

فقالوا: إنَّه خبر واحد، مرسَل، ضعيف، لم يعمل به ناقله– و هو الشيخ في الكتاب المذكور-، و أعرض عنه الأصحاب، فلا يعارض تلك الوقائع و القَصص التي يحصل القطع عن مجموعها، بل من بعضها المتضمِّن لكرامات و مفاخر لا يمكن صدورها عن غيره عَلَیْهِ السَّلام.

و يمكن المناقشة في تلك المطاعن و ردُّها كلََّها بأُمور:

أَوَّلاً: أنَّ كونه خبراً واحداً ليس نقصاً فيه، لما ثبت في الأُصول من حجّيَّة الخبر الواحد الثقة، و القول بعدم حجّيَّته فهو قول شاذٌّ لا يقول به إلََّا النادر من العلماء.

ثانياً: أنَّ كونه مرسَلاً، غير تامٍّ، إذ قد رواه الطوسي رحمه اللهُ في (الغيبة)، و الصدوق رحمه اللهُ في (إكماله)، و غيرهما، فأين الإرسال؟!

و الزمن بحسب العادة مناسب مع وجود الواسطة الواحدة.


1) جنَّة المأوى (ص 159).

2) مجمع الرجال (ج 7 ص 190 و 191).

و أمَّا ما ذكره الطبرسي رحمه اللهُ هذا الخبر مرسَلاً من دون ذكر السند، فإنَّه التزم في أوَّل كتابه (الاحتجاج) بأنَّه لا یذكر فيه سند الأحاديث، إمَّا بسب موافقتها الإجماع، أو اشتهارها بين المخالف و المؤالف، أو موافقتها بحكم العقل (1)

فظهر أنَّ الحديث المذكور أيضاً كان غنيًّا عن ذكر السند إمَّا لموافقته للإجماع، أو لاشتهاره، أو كليهما معاً، لأنَّ علماءنا ابتداءً من الصدوق رَحمه اللهُ إلى زماننا هذا استندوا إليه و اعتمدوا عليه ، و لم يناقش فيه أحد أو يتأمَّل في اعتباره كما لا يخفى على من له أُنس و تتبُّع في كلماتهم و مصنَّفاتهم، إذن هذه من الروايات القطعيَّة التي لا ريب فيها و لا شبهة تعتريها، قال عَلَیْهِ السَّلام: المُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِيهِ (2)

ثالثاً: أنَّ كونه ضعيفاً لا نُسلِّم به، و على تقدير التسليم فإنَّه للإثبات التاريخى و إنْ لم يكن كافياً لإثبات الحكم الشرعي.

رابعاً: و أمّا إعراض الأصحاب كالطوسي رَحمه اللهُ و غيره، فهو تخيُّل و وهم، لأنَّ الشيخ و غيره اعتبروا إثبات رؤية المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في غيبته الكبرى هو ممَّا لا شكَّ فيه،إلَّا أنَّه إنَّما يصلح دليلاً على إعراضهم لو كانت هناك معارضة و منافاة بين التوقيع و إثبات الرؤية، و أَّمَّا مع عدم المعارضة فيمكن أنْ يكون الطوسي رحمه اللهُ و غيره قد التزموا بكلا الناحيتين من دون تكاذب بينهما، و معه لا دليل على هذا الإعراض منهم، و لو كان هذا حاصلاً عنهم لما أضرَّ بحجّيَّة الخبر، لما هو الثابت المحقَّق في علم الأُصول بأنَّ إعراض العلماء عن الرواية لا يوجب و هناً في الرواية لا سنداً و لا دلالةً (3)


1) الاحتجاج (ج 1 ص 4).

2) الكافي (ج 1/ ص 68/ باب اختلاف الحديث/ ح 10).

3) تاريخ الغيبة الصغرى (ص 641 و 642).

أمَّا الكلام في المقام الثاني:

فقد تقدَّم ذكرنا التوقيع عنه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و قد جاء فيه: فَقَد وَقَعَتِ الغَیبَةُ التّامَّةُ، و هو تعليل لقوله عجَّل الله تعالی فرجه الشریف: و لا توصِ لأحدٍ يقوم مقامك، و يدلُّ هذا على أنَّ الغيبة الكبرى هي التي انقطعت النيابة و السفارة الخاصَّة فيها. و أكََّد ذلك بقوله عجَّل الله تعالی فرجه الشریف: وَ سَيَأْتِي لِشِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، و لا شبهة في أنَّ المراد بها هو وقوعها على نحو ما وقع للسفراء الأربعة، و قد صرَّح بأنَّ كلَّ من ادَّعى الأمر بعد السمري فهو كافر منمِّس ضالٌّ مضلٌّ.

فالمشاهدة هنا مقيَّدة بكونها على نحو البابيَّة و السفارة الخاصَّة لا مطلق المشاهدة، و هو من باب ذكر المطلق و إرادة المقيَّد، أو ذكر العامِّ و إرادة الخاصِّ، و هذا شائع في العُرف و اللغة.

فلا تنافي إذن بين التوقيع الشريف و وقوع المشاهدة زمن الغيبة الكبرى لكثير ممَّن فاز بشرف رؤيته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، قال العلماء: إنَّ هذا الوجه قريب جدًّا، و قد نُقِلَ عن (البحار ) (1)و غيره.

هذا، و قد قيل في الجمع بين وقوع المشاهدة في الغيبة الكبرى والتوقيع الصادر منه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف وجوه، و هي بعيدة، و لا حاجة للتعرُّض لها هنا، و هي مذكورة في (البحار) ، فراجعها (2)

و قد أكَّد الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في توقيعه للسمري أُُموراً عديدة، هي:

أوَّلاً: إخباره بموت السمري في غضون ستَّة أيَّام، و هو من الإخبار بالغيب الذي يمكن تحقُّقه للإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و لم يشكّ أحد يومئذٍ في صدق الخبر،


1) بحار الأنوار (ج 52 / ص 151/ ذيل الحديث 1).

2) الفوائد المذكورة في بحار الأنوار (ج 53/ ص 318 - 325) هي من كتاب جنَّة المأوى (ص 159 - 166)، فتنبَّه.

فغدا أصحابه بعد ستَّة أيَّام، فوجدوه يجود بنفسه، و تحقَّق كما أخبر عنه الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

ثانياً: إيعازه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بانتهاء السفارة و بداية الغيبة الكبرى بموت السمري، و أنْ لا يُوصي بعده لأحد.

ثالثاً: الإغماض عن ذكر تاريخ الظهور ، و أنْ لا ظهور منه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف إلَّا بإذنه تعالى.

رابعاً: إعرابه عن أمد الغيبة الكبرى بأنَّه سيكون طويلاً مديداً.

خامساً: إشارته في التوقيع إلى أُمور غيبية كقسوة القلوب، و ضعف الوازع الإيماني، و عدم الشعور بالمسؤوليَّة، و المشارفة على الانحراف.

سادساً: إخباره عجَّل الله تعالی فرجه الشریف عن السفياني و الصيحة، و أنَّه حقٌّ لا محيص عنه قبل خروجه و ظهوره، و تصديقه ما جاء عن النبيِّ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ في الأُمور الغيبيَّة.

سابعاً: إخباره عجَّل الله تعالی فرجه الشریف عن امتلاء الأرض ظلماً و جوراً، و فقدان العدالة، و غلبة الشهوات و سيطرتها على العالم.

ثامناً: تصريحه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بأنَّ من ادَّعى المشاهدة له كرؤية السفراء له،مدَّعين البابيَّة عنه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و السفارة قبل خروج السفياني و الصيحة، فهو مفتر كذَّاب (1)



1) راجع: تاريخ الغيبة الصغرى (ج 1/ ص 634 - 639).

الأَنْوارُ المَهْدويَّةُ

أجْوُبَةُ المَرْجعِ الديني آيَة اللهِ العُظمى المِيرزا الجَوادِ التَّبریزیّ قُدِّس سِرُّه

تحقِّیقُ وَ تَعليقُ

السَّيِّدِ حَيدَر العَذَارِيّ

شماره کتابشناسی ملی: 4579966

عنوان و نام پدیدآور: الانوار المهدويه/ اجوبه جواد التبريزي قدس سره؛ تحقیق و تعلیق السيد حيدر العذارى.

مشخصات نشر: قم: دار الصديقه الشهيده، 1438 ق.= 1395.

مشخصات ظاهری: 176 ص؛ 14/5×21/5 س م.

یادداشت: عربی.

یادداشت: کتابنامه: ص. 159- 172؛ هم چنین به صورت زیرنویس.

موضوع: محمد بن حسن (عجَّل الله تعالی فرجه الشریف)، امام دوازدهم، 255ق --- پرسش ها و پاسخ ها

موضوع: Muhammad ibn

Hasan,Imam XII -- Questions and answers

موضوع: مهدویت -- پرسش ها و پاسخ ها

موضوع: Mahdism-- Questions and answers

رده بندی دیویی: 462/297

رده بندی کنگره : 13954/224BP 8 الف 2 ت/

سرشناسه: تبریزی، جواد، 1305- 1385.

شناسه افزوده: عذاری، سید حیدر، گردآورنده

وضعیت فهرست نویسی: فیپا

العنوان: مدرس استاذ الفقهاء و المجتهدين الميرزا جواد التبریزی رَحمه اللهُ

قم المقدسه: شارع المعلم- فرع 17

رقم البناية 25

تليفون المدرس:

37744286- 009825

تليفون دار الصديقة الشهيدة س:

09825-37722153

البريد الالكتروني:

tabrizi-maktab-gom@hotmail.com

Tabrizi live@yahoo.com

الانوار المهدوية

أجوبة آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي رَحمه اللهُ

تحقیق و تعليق: سيد حيدر العذاري

الناشر: دار الصديقة الشهيدة

الطبعة: الاولى/ 1438 ق/ 1396 ش

المطبعة: اصيل عدد النسخ: 1000

ردمك: 4 -48- 6026- 600- 978

السؤال الثالث و العشرون/

جاء في التوقيع الشريف من الناحية المقدّسة إلى عليّ بن محمّد السمري: و سيأتي من يدعي المشاهدة... فهو كاذب كيف يتفق هذا مع ما ورد في بحار الأنوار و غيره من الكتب تحت عنوان: من فاز بلقاء الحجة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف؟

الجواب: باسمه تعالى؛ المقصود هو تكذيب من ادعى الرؤية و النيابة الخاصة في زمان الغيبة الكبرى (1)، و الله العالم.


1) أما رؤيته في الغيبة الكبرى دون ادعاء الوصاية أو السفارة أو التبليغ بتكليف ما، فهذا لا مانع منه، و قد حصل لمجموعة من أتقياء الشيعة و علمائهم، و قد ذكرها علماؤنا في مصنفاتهم منهم: الصدوق، و المفيد، و ابن طاووس، و العلّامة الحلّي، و الطبرسي، و العلّامة المجلسي، و المحدث النوري، و المحدث القمّي و النهاوندي، و السلماسي، و بحر العلوم، و غيرهم.

المُختارُ مِنْ كَلِماتِ الأِمامِ المَهْدِيّ عَلَیْهِ السَّلام

اشارة

الشَّيخ مُحمَّد الغَرَويّ

الجُزْءُ الثّالِثُ

حقوق الطبع محفوظَة لِلمؤلِّف

الطبعَة الأولى

1414 ه-

أسم الكتاب: المختار من كلمات الإمام المهدي عليه السلام/ ج3

المؤلف: الشيخ محمد الشيخ محمد إسماعيل الغروي

الفلم و الألواح الحسّاسة: ليتوكرافي تيزهوش- قم

المطبعة: مهر- قم

الصف الاليكتروني: دار المجتبى (عليه السلام)

الكمية: 3000 نسخة

السعر:

(411)

من ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كاذب مفتر

من التوقيع الصادر عن الناحية المقدّسة لآخر الأبواب المنصوبين بالتنصيص أبي الحسن علي بن محمد السمري طاب ثراه، تقدم ذكره عند أعظَمَ اللّهُ أجرَ إخوانِکَ فیکَ (1)، رواه المشائخ الصدوق في الإكمال (2)، و الشيخ الطوسي في الغيبة (3)و غيرهما في غير هما (4)، و لربطه بالأوّل ما يلى برواية الصدوق:

و سيأتي لشيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كاذب مفتر... (5) بيان: في نسخة غيبة الطوسي «كذّاب مفتر» و الفرق يسير، و قد أشبعنا الكلام عنه في غضون مختارات منها ما سبق لم لا يمكن و كفّه في كفّك (6)أليس هذا بكاف لمن خلص و أخلص، و عرف و أطاع، و ربما استدل بالتوقيع على لزوم التكذيب لمن ادّعى الرؤية.

و الجواب أنّ فيه الدلالة على التكذيب لمن ادّعى البابية للمولى حيث


1) رقمه 57.

2) إكمال الدين 2/ 516، الباب 45، ح 44.

3) الغيبة 242- 243.

4) الاحتجاج 2/ 297.

5) المصادر.

6) رقمه 362.

قال عليه السلام: سَیَأْتِی لِشِیعَتِی مَنْ یَدَّعِی الْمُشاهَدَةَ، و هل ادّعى السيد محمد مهدي بحر العلوم طاب ثراه أنه من السفراء و الأبواب للإمام عليه السلام؟ الجواب: لا، و إنّما كان شديد الإخفاء، نعم حين سئل عنه، و عرض عليه حديث التكذيب فاستمع ماذا يقول النوري في الحكاية العاشرة من جنة المأوى:

حدثني الأخ الصفي المذكور عن المولى السلماسي رحمه الله تعالى، قال: كنت حاضراً في محفل إفادته، فسأله رجل عن إمكان رؤية الطلعة الغراء في الغيبة الكبرى، و كان بيده الآلة المعروفة لشرب الدخان المسمّى عند العجم بغليان، فسكت عن جوابه و طأطأ رأسه، و خاطب نفسه بكلام خفي أسمعه فقال ما معناه: ما أقول في جوابه؟ و قد ضمّني صلوات الله عليه إلى صدره.

ثم قال في جواب السائل: إنّه قد ورد في أخبار أهل العصمة تكذيب من ادّعى رؤية الحجة عجّل الله تعالى فرجه، و اقتصر في جوابه من غير إشارة إلى ما أشار إليه (1)

و قد خرج اللعن و البراءة عن الناحية في جماعة منهم العزاقري و الشريعي و النميري و الهلالي و البلالي تقدم ذكرهم عند مختارات لا تخفى على من سَبَر الكتاب، و يأتي مزيد الكلام عند ولّني الكتاب... (2)



1) جنة المأوى المطبوع مع البحار 53/ 236.

2) رقمه 461.

حَصائلُ الفِکر في أحوالِ الإمام المنتَظَر(عَلَیْهِ السَّلام)

لمؤلفه

الخطيب السيد محمد صالح بن العلامة السيد عدنان البحراني

جَصَائلُ الفِكَر في أحوالِ الإمام المنتَظَر(عَلَیْهِ السَّلام)

لمؤلقه

الخطيب السيّد محمَّد صَالح بن العلَّامَة السَّيد عَدنان البحراني

و هو يشتمل على تفصيل احوال الامام المنتظر (عَلَیْهِ السَّلام) في ولادته و غيبته الصغرى من لدن وفاة ابيه حتى انقطاع السفارة في 15 شعبان عام 329 ه- و احواله اذا خرج آخر الزمان في وقائعه و احكامه و سيرته و مدة ملكه. ورد ما لعله يلزم بعضها من ايرادات و اشكالات مع شيء من النقد و الايضاح المنقح.

منشورات دَار مَكتَبة الحيَاة- بيروت

(فكرة (1): (تأويل حديث التوقيع)

و ما ورد في توقيع الامام (عَلَیْهِ السَّلام) الاخير للشيخ علي بن محمد السمري في قوله ... الا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كذاب مفتر ... مخالف ظاهرا ما ينقل و ينسب لجملة من صلحاء الشيعة و علمائهم و اتقيائهم من الاجتماع به و التحدث له و نقل الكرامات عنه و حل المشكلات

حصائل الفكر (م- 5)

به كما سيأتي في ضمن الفكر الآتية قريبا لذلك فقد تاوله العلماء على جملة تأويلات.

فذكر السيد مصطفى آل السيد حيدر الكاظمي في كتابه بشارة الاسلام ص 168 له ثلاث تأويلات (الأول) ان هذا التوقيع خبر واحد مرسل فلا يعارض القضايا الكثيرة التي تلقاها العلماء بالقبول و دونوها في كتبهم. مع مع انه معارض بما رواه الكليني و النعماني و الشيخ الطوسي باسانيدهم المعتبرة عن الصادق (عَلَیْهِ السَّلام) قال: لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة و لا بد له في غيبته من عزلة و ما بثلاثين من وحشة اه-. و ظاهره كما صرح به شراح الحديث انه يستأنس بثلاثين من اوليائه في غيبته و هؤلاء الثلاثون لا بد ان يتبادلوا في كل قرن لانه لم يقدر لهم من العمر الطويل ما قدر لسيدهم.

(الثاني) ما ذكره المجلسي انه يحمل على من يدعي المشاهدة مع النيابة و ايصال الاخبار من جانبه الى الشيعة على مثال السفراء لئلا ينافي الاخبار التي مضت و ستأتي فيمن رآه و على ذلك حمله السيد احمد بن العزيز الغالي ص 19 من كتابه (البهائية).

(الثالث) ما نقله الشيخ علي بن فاضل المازندراني قال: قلت للسيد شمس الدین بن محمد كيف تدعي يا سيدي انك اجتمعت بالامام و هو يقول في توقيعه الاخير فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كذاب مفتر... قال: انما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة اعدائه من اهل بيته و غيرهم من فراعنة بني العباس حتى ان الشيعة يمنع بعضهم بعضا عن التحدث بذكره اما هذا الزمان فقد طالت المدة وايس منه الاعداء و بلادنا نائية عنهم و عن ظلمهم اه.

(الرابع) و هى خير محمل يحمل الحديث عليه و يتاول به ما حدثنا به العلامة السيد محمد امين الصافي النجفي- و كان اذ ذاك قاضي التمييز في البحرين عام 1376ه. قال:

حضرت يوما بحث الشيخ ميرزا حسين النايني المتوفي عام 1354ه-. فدار البحث حول الحديث المشهور ... فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كذاب مفتر ... فقالوا: انه لا يمكن ان يحمل الا على جواز تكذيب من ادعى المشاهدة و رؤية الامام (عَلَیْهِ السَّلام) و ان كان صادقا في الواقع سترا على الامام و رفعا لمقام جلالته عن التعرض للسخرية و الاستهزاء و سدا لباب التوسع في ادعاء الرؤية من رعاع الناس و منعا له من الوقوع في السنة المبطلين و إلا فان رؤية الامام ليست محالا بل ممكنة الوقوع والا وجب تكذيب جملة من العلماء و السادة الاجلاء لا يمكن تواطيهم على الكذب و الافتراء.

فقال النائيني (رَحِمَه اللهُ): ان احد العلماء قد اعترض هذا الحل في بحث العلامة السيد مهدي بحر العلوم المتوفى عام 1212 ه-. و قال: ان هذا مما لا داعي له فكانه حذف بغير ضرورة و تجوز بغير شعر و كثر الجدال فيما بينهم فقال السيد للمعترض- و قد عجز عن اقناعه- ما تقول لو أني ادعيت رؤية الامام فهل تكذبي قال: لا و لكن اجلك عن قول البهتان قال السيد: و الله اني لا اقول كذبا و لكني رأيت الامام (عَلَیْهِ السَّلام) فذل له المعترض و اعترف بصحة الحل.

المَوْعُود

مجلة علمية تخصصية نصف سنوية تصدر عد مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي عَلَیْهِ السَّلام

العدد (6) ذو القعدة 1439 ه-/ تموز 2018 م

في هذا العدد:

رؤية الإمام عَلَیْهِ السَّلام في زمن الغيبة- الشيخ كاظم القره غولي

المقومات البنيوية للدولة المهدوية المرتقبة والمتطلبات الواقعية - الباحث مرتضى علي الحلي

الغيبة المهدوية مصداقي للعدالة الإلهية- هيجاء عبد الحسن كريم

أسباب استمرار غيبة الإمام عَلَیْهِ السَّلام في عصر ازدهار الحكومات الشيعية- نعمة الله صفري فروشاني

إشكالية النار و قتل الذراري في العقيدة المهدوية- الشيخ محمد رضا الساعدي

تحليل حول أحاديث الغيبة في كتاب (الغيبة) للنعمانی کاظم قاضی زاده

الآثار المهدويّة من النصف الثاني من القرن الخامس إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري- السيّد على الحسيني- ترجمة: السيد جلال الموسوي

النفس الزكية- السيّد مسعود بور سيّد آقاني- ترجمة: محمّد علي القاسمي

الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام في أحاديثِ الإمامِ عليُّ بنِ الحسين عَلَیْهِ السَّلام قراءةً تأويليةً- حاكم حبيب الكريطي

رؤية الإمام عَلَیْهِ السَّلام في زمن الغيبة

الشيخ كاظم القره غولي

السّنَّة:

و أمَّا السُّنَّة فقد ادُّعي أنَّ المكاتبة التي رواها الحسن بن أحمد المكتَّب تدلُّ على ذلك. و لننقل نصَّها أوَّلاً.

قال الشيخ الصدوق رَحِمَه اللهُ في كتاب (كمال الدين و تمام النعمة): حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (قُدِّس سرُّه) فحضرته قبل وفاته بأيّام،

فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِیمِ، یَا عَلِیَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمريّ، أَعْظَمَ اَللَّهُ أَجْرَ إِخْوَانِکَ فِیکَ، فَإِنَّکَ مَیِّتٌ مَا بَیْنَکَ وَ بَیْنَ سِتَّهِ أَیَّامِ، فَاجْمَعْ أَمْرَکَ وَ لاَ تُوصِ إِلَی أَحَدٍ یَقُومُ مَقَامَکَ بَعْدَ وَفَاتِکَ، فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَیْبَةُ اَلتَّامَّةُ، فَلاَ ظُهُورَ إِلاَّ بَعْدَ إِذْنِ اَللَّهِ (عزَّ و جلَّ، وَ ذَلِکَ بَعْدَ طُولِ اَلْأَمَدِ وَ قَسْوَةِ اَلْقَلبِ، وَ اِمْتِلاَءِ اَلْأَرْضِ جَوْراً، وَ سَیَأْتِی شِیعَتِی مَنْ یَدَّعِی اَلْمُشَاهَدَةَ، أَلاَ فَمَنِ اِدَّعَی اَلْمُشَاهَدَهَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْیَانِیِّ وَ اَلصَّیْحَةِ فَهُوَ کَاذِبٌ مُفْتَرٍ، وَ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّهَ إِلاَّ بِاللَّهِ اَلْعَلِیِّ اَلْعَظِیمِ). قال: فنسخنا هذا التوقيع و خرجنا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه و هو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيُّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، و مضى رَحمَه اللهُ. فهذا آخر كلام سُمِعَ منه.

و وجه الاستدلال أنَّ الرواية و صفت المدَّعي للمشاهدة بأنَّه مفتر كاذب، فلا يُقبَل مقولة القائل إنَّه رأى الإمام عَلَیْهِ السَّلام و لو لم يدَّع السفارة.

و الرواية لا تُجدي في المقام نفعاً و لا تصحُّ مستنداً، لوجوه:

الأوّل: أنَّ فيها قرينة على أنَّ المراد هو ادِّعاء الرؤية مع دعوى السفارة،

حيث إنَّ قوله عَلَیْهِ السَّلام: فَمَنْ ادَّعی الرؤیة قَبْلَ خُرُوجِ السُّفیَانِیِّ وَ الصَّیحَةِ فَهُوَ کَذَّابٌ مُفْتَرٍ ورد بعد قوله عَلَیْهِ السَّلام العليِِّ بن محمّد السمري: فَاجْمَعْ أَمْرَکَ وَ لاَ تُوصِ إِلَی أَحَدٍ یَقُومُ مَقَامَکَ بَعْدَ وَفَاتِکَ فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَیْبَةُ اَلتَّامَّةُ.

لكن الإنصاف أنَّ ما ذُكِرَ لا يصلح للقرينية لإطلاق دعوى المشاهدة، إذ لم تُقيَّد باقتران دعوى السفارة، و لا يوجد ما يصلح لتقييدها بدعوى السفارة.

فإن قيل: إنَّ القرينة هي المسبوقية بقوله عَلَیْهِ السَّلام: وَ لاَ تُوصِ إِلَی أَحَدٍ یَقُومُ مَقَامَکَ بَعْدَ وَفَاتِکَ، ثمّ فرَّع بالفاء بعد عدَّة جمل وصف مدَّعي المشاهدة بأنَّه مفتر كاذب.

قلنا: توجد قرينة أقوى ظهوراً على خلاف ذلك، بل و أقرب من تلك في لفظ الرواية، و هي قوله عَلَیْهِ السَّلام: فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَیْبَةُ اَلتَّامَّةُ و قوله بعدها مباشرةً:

فَلاَ ظُهُورَ إِلاَّ بَعْدَ إِذْنِ اَللَّهِ (عزَّ و جلَّ)، و التفريع في (فمن) على هاتين الجملتين أقرب من التفريع على الجملة السابقة عليهما. و لكن قد يقال: إنَّ وصف الغيبة بالتامَّة إضافي بالنسبة إلى الغيبة السابقة، حيث كان بالإمكان الوصول إلى الإمام عَلَیْهِ السَّلام و معرفة رأيه في الأُمور من خلال السفير. فلا تكون الفقرة قرينة على إرادة الغيبة التي يكون مدَّعي المشاهدة مفتر كاذب. و كذا فقرة فَلاَ ظُهُورَ إِلاَّ بَعْدَ إِذْنِ اَللَّهِ (عزَّ و جلَّ)، حيث يمكن أن يقال: إنَّ المنفي و هو الظهور لا ينافي أن يراه أحد الناس في زمان الغيبة. فتنتفي قرينية الفقرتين على إرادة نفي مجرَّد المشاهدة. و لكن الأصل في القيود المذكورة في الكلام أن لا تكون إضافية ما لم يوجد ما يُؤشِّر إلى خلافها.

نعم بعد سقوط هذا الظهور بما يأتي من الوجوه أو ببعضها يقال: فإذا لم يكن المراد منها ظاهرها فما هو المعنى المراد؟ قيل: يمكن أن يكون المراد المشاهدة مع دعوى السفارة، و يمكن أن يُجعَل قرينة على إرادة المشاهدة مع دعوى السفارة أنَّ النيابة الخاصَّة أو السفارة تحتاج إلى تعيين من قِبَل الإمام عَلَیْهِ السَّلام، و هكذا كان في كلِّ السفراء، بالنسبة للنائب الأوَّل عثمان بن سعيد العمري كان الإمام العسكري عَلَیْهِ السَّلام قد جمع شيعته حين أدركته الوفاة و أخبرهم أنَّ ولده الخلف عَلَیْهِ السَّلام صاحب الأمر، و أنَّ العمري وكيله و السفير بينه و بين شيعته. و حين قرب أجل السفير الأوّل أعلمه الإمام عَلَیْهِ السَّلام بذلك و أمره بالوصيَّة إلى محمّد بن عثمان الخلّاني ولده ليخلفه في النيابة الخاصَّة. فلمَّا دنا أجله نُعيت إليه نفسه و أمر بأن يُوصي إلى الحسين بن روح ليكون النائب الخاصّ الثالث، و هكذا كان حين حانت وفاته.

و الملاحَظ أنَّ في كلِّ مرَّة يخرج فيها توقيع الإمام للنائب الفعلي يُبيِِّن له النائب اللاحق، و لم يرد في أيِّ منها تكذيب مدَّعي المشاهدة إلَّا في التوقيع الأخير الذي

صدر للسمري، فكانت أهمّية هذا التوقيع و هذه الفقرة فيه تكمن في أنَّه قد سدَّ باب افتراء النيابة الخاصَّة و تضليل عامَّة المؤمنين بذلك.

و هذه الملاحظة و إن لم تصل إلى مستوى القرينة التي تصرف ظهور التوقيع الأخير عمَّا هو ظاهر فيه، لكنَّها بضميمة قرائن أخرى قد تُبطِل هذا الظهور أو تُبطِل حجّيته، بل قد تُوجِب حجّيتها في خصوص دعوى السفارة. و إن لم يحصل ذلك فإنَّها تجعل المراد الجدّي من هذه الرواية مجملاً، و الروايات المجملة لا تكون حجَّة في أحد احتمالات ما كان مجملاً.

و يكفينا عدم حجّيتها و لا نحتاج إلى حجّيتها في غير ما ادُّعي ظهورها فيه.

و إنَّما قلنا: لا تصل إلى مستوى القرينية، لأنَّه يمكن أن يقال: إنَّ الفرق بين ما بعد السفير الرابع و بين بعد من هو قبله أنَّه قبل رحيل السفير الرابع كان للناس منفذ يمكن من خلاله الوقوف على حال المدَّعين و تمييز المحقِِّ من المبطل منهم، و ذلك بواسطة السفير الموجود بالفعل، كما حصل بالنسبة للشلمغاني و أحمد بن هلال العبرتائي. أمَّا الشلمغاني و هو ابن أبي العزاقر فقد كان مستقيماً ثمّ تغيَّر. ذكر ابن داود أنَّ سبب تغيُّره هو حسده للحسين بن روح(9)، و كذا قال النجاشي فيه. و أمَّا العبرتائي فقد وُصِفَ في توقيع الإمام عَلَیْهِ السَّلام أنَّه صوفي متصنِّع. و أمَّا بعد رحيل السفير الرابع فلا يوجد طريق لمعرفة المبطل. و ربَّما لو بقينا و الرواية لقيل: إنَّه لا سبيل إلى رؤيته وفق ظاهرها، و لكن يأتي بعد ذلك بقيَّة الوجوه في ردِّ الاستدلال بها دون هذا الوجه.

و كيف كان فهذا الوجه لا يمنع من ظهورها في المعنى المزعوم، لكنَّه يُسقِط حجّية هذا الظهور بالقرائن التي أشرنا إليها و ستأتي، فلا تنهض لإثبات ما هي ظاهرة فيه.

الثاني:

قد يُدَّعى أنَّ الرواية لمَّا ذكرت دعوى المشاهدة قبل ظهور السفياني و الصيحة، فهذا يعني أنَّ الحكم لا يجري بعد حصول العلامتين و الذي يحصل

بعد العلامتين هو ظهوره عَلَیْهِ السَّلام، فينساق إلى الذهن أنَّ المنفيَّ دعوى ظهوره عَلَیْهِ السَّلام قبل العلامتين، و لم يدَّعِِ أحد من العلماء أو الموثوقين أنَّه قد ظهر الإمام عَلَیْهِ السَّلام، بل مجرَّد المشاهدة لا بنحو ظهوره بعد طول انتظار لإقامة دولة الحقِّ، فلا أحد منهم ادَّعى انتهاء الغيبة الكبرى و انطواء صفحتها. و قد يُدعَم ذلك من خلال قوله عَلَیْهِ السَّلام: فَلاَ ظُهُورَ إِلاَّ بَعْدَ إِذْنِ اَللَّهِ (عزَّ و جلَّ)، ثمّ بعدها بقليل قال عَلَیْهِ السَّلام: وَ سَیَأْتِی شِیعَتِی مَنْ یَدَّعِی اَلْمُشَاهَدَةَ، أَلاَ فَمَنِ اِدَّعَی اَلْمُشَاهَدَةَ...، و هذا يجعل احتمال إرادة الظهور من المشاهدة لا يخلو عن قوَّة.

لكن الانصاف أنَّ ذلك لا يُشكِّل قرينة توجب رفع اليد عن ظهور الدليل. نعم بضميمة بعض القرائن الأُُخرى قد يُشكِّل المجموع قرينة، إذ قد تصل هذه الوجوه إذا ضُمَّت إلى بعضها إلى مستوى يوجب الاطمئنان بأنَّ الرواية لم يرد منها نفي مجرَّد المشاهدة في زمن الغيبة.

أمَّا هذا التوجيه فلا يخلو من الضعف، لأنَّ التحديد بما قبل ظهور السفياني و الصيحة هو وقت الغيبة، و فيه يمكن الافتراء و الكذب على الإمام عَلَیْهِ السَّلام من خلال ادِّعاء مشاهدته، و أمّا بعد ظهوره فلا مجال لهذه الدعوى و لا محذور بعد كون الإمام عَلَیْهِ السَّلام بين ظهراني الأُمَّة يُرى شخصه و يُسمَع حرفه. فلماذا نُوجِّه الرواية لهذا المعنى دون ذاك؟

و كيف كان فهذا الوجه قابل للمناقشة، لأنَّ الإشكال مبنيٌّ على مخالفة هذا الوجه لمفهوم القيد (قبل السفياني و الصيحة) و هو غير ثابت لمثله. فيكون القيد كالمقوِّم للموضوع، إذ لا يوجد بدونه. و ما المحذور في تحديد ظرف الحكم من خلال تحديد موضوعه دون أن يكون الدليل ناظراً إلى انتفاء الحكم عند انتفاء القيد؟

و عليه فإذا استظهرنا بضميمة هذه الفقرة فَلاَ ظُهُورَ إِلاَّ بَعْدَ إِذْنِ اَللَّهِ (عزَّ و جلَّ) أنَّ المراد هو المشاهدة مع دعوى الظهور فهو، و إلَّا كان من قبیل طرح احتمال ممكن بعد أن وُجِدَ ما يمنع من الالتزام بظاهرها حيث يمكن أن

يقال: إنَّه حين لم نقبل ظاهرها فهل قُصِدَ منها معنى معيَّن أم لا فتكون لغواً؟ و محذور اللغوية ينتفي بمجرَّد وجود احتمال ممكن ثبوتاً أن يكون قد أُُريد من اللفظ. و هذا الاحتمال ممكن و لو كان مخالفاً للظاهر.

لكن ذلك لا يعني أبداً الجزم بإرادته من اللفظ، اللّهمّ إلَّا إذا تيقَّنا أنَّه لا يوجد محتمل آخر، بل لا يمكن إرادة معنى آخر، فيبقى احتمال إرادة المعنى الظاهر و قد نفته القرينة و هذا الاحتمال، فيتعيَّن.

و الذي يُهوِِّن الخطب أنّا بصدد نفي إرادة المعنى الظاهر، و لسنا بصدد ضرورة فهم ما هو المراد بها فعلاً.

الثالث:

لو تنزَّلنا عن ظهورها في نفي السفارة و الأمر في تكذيب مدَّعيها فهي مجملة، لأتِّصال تلك الفقرة التي هي محلُّ البحث بما يمكن أن يكون قرينة على الخلاف، و القرينة المحتملة إن كانت متَّصلة منعت من انعقاد الظهور، فلا يبقى بعد ذلك مجال لتطبيق كبرى حجّية الظهور. فلو أنَّ قائلاً قال: اذهب إلى البحر و استمع إلى حديثه، و شككت أنَّ المراد بالبحر معناه الحقيقي أو العالِم و عبَّر بالبحر عنه لشبه غزارة علمه بغزارة ماء البحر، فإنَّ مقتضى القواعد هو حمل كلمة البحر على معناها الحقيقي المعهود، إلَّا إذا وردت قرينة على الخلاف. لكن ظاهر المستمع إلى حديثه هو عدم إرادة البحر بهذا المعنى لأنَّه لا يتحدَّث، فلو لم نستظهر من حديثه إرادة الحديث الصادر من البشر، لم نستظهر إرادة التأمُّل في دلالة العظمة فيه، فإنَّ ذلك يمنع من التمسُّك بظهور كلمة البحر على مستوى الاستعمال لإثبات إرادة معناه الحقيقي. فاحتفاف الكلام بما يحتمل القرينية على الخلاف يمنع من الظهور في إرادة ما يقتضيه ظهوره الاقتضائي- أي الظهور- لو لا محتمل القرينية.

و مع الإجمال تسقط هذه الرواية عن الاعتبار و الاحتجاج بها في ذلك القسم منها.

و قد قال الشيخ المجلسي رَحِمَه اللهُ في بيان له بعد نقل الخبر: لعلَّه محمول على من يدَّعي المشاهدة مع النيابة و إيصال الأخبار من جانبه عَلَیْهِ السَّلام على مثال السفراء (1)

لكن الإنصاف أنَّه حين عبَّر بمحمول فذلك يُوحي بأنَّ هذا الحمل فيه مخالفة للظاهر، خصوصاً و قد بيّن المنشأ لهذا الحمل بقوله: لئلَّا ينافي الأخبار التي مضت و ستأتي فيمن رآه عَلَیْهِ السَّلام و الله أعلم. و هذا يعني أنَّ هذا التوجيه لم يكن المستند فيه الفهم من الدليل و إنَّما ألجأنا إليه حقيقة شاخصة متواترة إجمالاً متمثِّلة محصول المشاهدة له عَلَیْهِ السَّلام في زمن الغيبة.

بل نفس نقل بعض الأكابر من علمائنا لقاءه عَلَیْهِ السَّلام مع أنَّ مثل هذا الخبر بمرأى منهم يقوّي إمكان حصولها، إذ مع الجزم بتقواهم و تحرُّزهم عن مخالفة الأخبار، كيف يخالفون ما يمكن أن يكون ظهوراً له في وصف ادِّعاء المشاهدة بمجرَّدها بالكذب و الافتراء؟ على أنَّ ذلك لم يحصل من واحد لنحتمل تو هُّمه أو خطأ فهمه للأخبار.

إنَّ ذلك يُفتَرض أن يُوجِب عناية في نفس المشاهدة و شيء من التدقيق و إعمال النظر، كما يُوجب عناية في جانب النقل للمشاهدة.

الرابع:

لو سلََّمنا انعقاد ظهور للرواية في كذب المدَّعي للمشاهدة و كونه مفترياً، فإنَّ حجّية الظهور مشروطة بعدم قيام القرينة على الخلاف، و إذا فرضنا أنَّ القطع قد حصل بإخبار مخبر الخصوصية فيه مثلاً أو لاحتفاف كلامه بقرائن قطعية، فلا يبقى حينها مجال للتعبُّد بظهورها، إذ محلُّ التعبُّد الموارد التي لا يُوجَد فيها قطع بالوفاق أو بالخلاف، و حين يأتينا مثل السيِّد بحر العلوم (قُدِّس سرُّه) أو مثل السيِّد أحمد بن طاووس رَحِمَه اللهُ حيث نجزم أنَّه ليس لديه خطل في قول أو زلل في فعل أو طلب للرئاسة أو حطام الدنيا، لا يبقى أيُّ مجال للتعبُّد بالرواية، لأنَّ دلالتها كان حجَّة من جهة التعبُّد لا من جهة القطع، فأيُّ مجال للتعبُّد بالظهور و القطع على خلافه؟


1) بحار الأنوار 52: 151.

و هذا الكلام جارٍٍٍ في الآيات الظاهرة، فمتى قامت القرينة القطعية على خلاف ظاهر الآية سقط ظهورها عن الحجّية، خذ لذلك مثلاً قوله تعالى: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلاً (الإسراء: 72)، فظاهر لفظة (أعمى) الأُولى أعمى البصر، و لكن لثبوت القرينة القطعية على الخلاف لم نلتزم بظهور اللفظة بالمعنى الحقيقي و هو عمي البصر، فعمى البصر ليس ملاكاً للعمى و ضلال السبيل في الآخرة قطعاً.

و ليس اعتمادنا في رفع اليد عن ظهور الكلمة المزبورة في الآية على مثل قوله تعالى: فَإنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج: 46).

ليقال: إنَّ لفظة (أعمى) يُراد بها أعمى القلب، بل آية سورة الحجِّ استُعمِلَت كلمة (العمى) فيها في عمى القلب. لكن ذلك لا يصلح قرينةً أو دليلاً على أنَّ لفظة (العمى) كلََّما وردت في الكتاب أُُريد بها عمى القلب. فكما قيل: الاستعمال أعمُّ من الحقيقة، و قد استُعمِلَت الكلمة في معنى مجازي، و ذلك لا يُسقِط ظهورها- لو كان- في مورد آخر بالمعنى الحقيقي عند عدم قیام قرينة على الخلاف.

الخامس: عدم صحة سند الرواية

فقد رواها الشيخ الصدوق رَحِمَه اللهُ، قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (قُدِّس سرُّه)، فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِیمِ... الخبر.

و الحسن بن أحمد هذا لم يُنَصّ على توثيقه. نعم ذكر السيِِِّد الخوئي (قُدِّس سرُّه) في معجمه أنَّ الشيخ الصدوق رَحِمَه اللهُ ترحَّم عليه. و مجرَّد الترحُّم و لو من مثل 33 الصدوق لا يدلُّ على الوثاقة، نعم فيه دلالة على أنَّ مذهبه حقُّ على طريقة

علمائنا، و إلَّا لقال مثل: (جازاه الله بعمله). و لكن صحَّة المذهب ليست دليلاً على الوثاقة.

و يمكن أن يقال: إنَّه من مشايخ الصدوق، و هذا يكفي لإثبات وثاقته. لكن ذلك مردود لأكثر من وجه:

1- إنَّه ليس من مشايخ الإجازة، و ما وقع الكلام في إمكان الاستناد إليه لإثبات الوثاقة كون الرجل من مشايخ الإجازة لا مجرَّد الرواية عنه و لو كان الراوي مثل الصدوق. و من هنا لم يلتزم بأنَّ كلَّ من روى عنه الصدوق لا بدَّ أن يكون ثقة. نعم كانت في قم مشكلة مع من يكثر من النقل عن الضعفاء، لا مجرَّد أن يروي و لو لمرَّة واحدة عن ضعيف. و هذا يعني أنَّ مجرَّد نقل الصدوق عنه رواية واحدة لا يُشعِر بوثاقته فضلاً عن أن يكون دليلاً عليها. و هذا الرجل لم تُوجَد له في الموسوعات الروائية أكثر من روايتين، و قد تكرَّر نقلها، إحداهما الرواية المزبورة، و الأخرى نقل فيها الدعاء في زمن الغيبة عن محمّد بن همّام الثقة عن السفير: اَللّهُمَّ عَرِّفْنی نَفْسَکَ... (1)

فإن قيل: إنَّ من ينقل مثل هذا الكنز هل يُشَکُّ في صدقه؟

قلنا: أوَّلاً لو كان ذلك موجباً للوثوق نصار وثوقاً بالنصِِّ لا وثوقاً بالراوي، فإنَّ الراوي غير الثقة لا يلتزم أحد بأنَّه لا يروي أيّ حقِّ في كلماته، فكيف نلتزم بذلك في من لم تثبت وثاقته و إن احتملناها واقعاً؟ نعم لا يمكن الاعتماد على خبره. فإن جزمنا بخبر عنه أنَّه لا بدَّ أن يكون صادراً من المعصوم عَلَیْهِ السَّلام وثقنا بالخبر فقط و لم تثبت وثاقة الراوي.

و ثانياً من قال: إنَّ هذه الرواية بدلالاتها غير قابلة للمناقشة أو بتعبير آخر هي كنز؟ و لأجل ذلك ترى المجلسي احتمل حملها على دعوى السفارة، و بعض على دعوى الظهور، ممَّا يعني أنَّ تسليم ظاهرها مشكل. فكيف يُستَدلُّ بمضمونها على وثاقة راويها؟


1) بحار الأنوار 92 :227.

و ثالثاً: وجود فقرات في رواية ما يُجزَم بكونها صادرة من المعصوم عَلَیْهِ السَّلام لا يعني بالضرورة قبول كلِّ فقراتها. فإنَّ التوهُّم، بل و تعمُّد الكذب قد لا يحصل في النصِّ كلِّه. و انتفاء ذلك في البعض من فقراتها لا يسلتزم الانتفاء في جميع فقراتها. نعم لو كان النفي مستنداً لوثاقة الراوي فإنَّ الوثاقة هي التي تنفي تعمُّد الكذب في كلِّ الفقرات على حدِّ سواء.

2- لوسلَّمنا أنَّه من مشايخ الإجازة، فإنَّ ذلك غير كافٍ أيضاً في إثبات الوثاقة و إن وقع كلام من بعض الأعلام في ذلك و ربَّما بنى عليها البعض. لكن كبرى هذه القاعدة غير تامَّة.

3- إنَّ الواقع الموضوعي التاريخي يُثبِت أنَّ قدماء علمائنا كالصدوق و المفيد و غيرهم لم يأخذوا على أنفسهم أن لا يحضروا عند الفقهاء و الرواة من بقيَّة المذاهب، و لا كان ديدنهم على الاقتصار في مجالس تحمُّل الحديث على خصوص الثقاة، بل ثبت حضورهم عند من لم تثبت وثاقته.

السادس:

لو سلَّمنا بانعقاد الظهور، بل بكون الرواية على مستوى النصِّ غير القابل للحمل على معنى آخر و لو بقيام القرينة على الخلاف، فإنَّ صدور الرواية ليس قطعياً، فقد رواها الشيخ الصدوق قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري... الخبر.

و على فرض صحَّتها سنداً فإنَّها لا تتحوَّل بذلك إلى قطعية الصدور، فيُقبَل مضمونها تعبُّداً، و التعبُّد بالسند كما هو في الظهور يُقبَل إذا لم تقم القرينة على خلافه. و لا يُعتَبر في القرينة أن تكون قطعية، لكن يُعتَبر أن لا تكون تلك القرينة دلالية. فمثل إعراض المشهور عن الرواية أو مخالفة فتواهم لها تُسقِطها عن الحجّية. و كذا وجود رواية مكافئة لها إذا التزمنا بالتساقط حينها. و مثل ذلك مخالفة الكتاب الكريم. و أوضح من ذلك ما لو قامت القرينة القطعية

على خلافها، إذ لو قامت القرينة القطعية على الخلاف، فالعمل بالرواية مستلزم للمحال في نظر المكلَّف على كلِّ حالٍ- أي و إن كان قطعه في غير محلِّه-، لأنَّه يستلزم نفي الحكم الثابت بالقطع على خلافها. فلا يتعقل المكلََّف مع قطعه بالحكم وجود احتمال حكم آخر، إذ يلزم احتمال اجتماع الضدَّين– إذ الأحكام متضادَّة فيما بينها، و احتمال اجتماع الضدَّين مستحيل كما أنَّ الجزم به مستحيل. فإذا أراد الشارع المقدَّس أن يتعبَّد المكلََّف بسند رواية قام القطع على خلافها، فإنَّ المكلََّف سوف لن يتحرَّك عن قطعه و لن يترك العمل بمقتضاه ، فيكون جعل الحجّية حينئذٍ لغواً و بلا فائدة. و اللغو قبيح، و المولى تعالى منزَّه عن كلِّ قبيح.

و مع قطعنا بحصول بعض لقاءات مع الإمام عَلَیْهِ السَّلام في زمن الغيبة لا يمكن العمل بمضمون الرواية و لو كانت نصَّا في مدلولها.

السابع:

أنَّه لم يثبت وجه للاستحالة ليسوغ لنا أن ننفي و بضرس قاطع رؤية الإمام عَلَیْهِ السَّلام في زمن الغيبة. و الذي نجزم به ورود رواية قيل: إنَّها دالَّة على ذلك. و لا نستطيع أن نجزم بمؤدّاها إلَّا إذا كانت قطعية في جوانبها الثلاثة: (الصدور، و الدلالة، و الجهة) كما يُعبِّرون.

أمَّا الصدور فيحصل القطع به من خلال التواتر أو بالاحتفاف بقرائن قطعية على الصدور، و هما غير متوفِّرين جزماً.

و أمَّا الدلالة فبوجود مفردات في الرواية لا نحتمل معها و لو ضعيفاً إرادة معنى آخر، و هو غير متحقَّق،خصوصاً و قد احتملنا إرادة المشاهدة مع دعوى السفارة كما احتملنا إرادة المشاهدة مع ظهوره عَلَیْهِ السَّلام لا مجرَّد المشاهدة.

و أمَّا الجهة و هي أن لا تكون صدرت مزاحاً أو تقيَّةً أو مجرَّد تلفُّظ دون إرادة معنى منه، فالمزاح لا سبيل في كلامه عَلَیْهِ السَّلام إليه، خصوصاً و الرواية تشير إلى أمر مهمِّ جدَّا في غاية الحسّاسية و في وقت شكَّل تحوّلاً في مسيرة أتباع المذهب

الحقِِِّ. و أمَّا عدم إرادة معنى فكذلك، خصوصاً في المكاتبات، مضافاً إلى ما تقدَّم من أهمّية المطلب و حسّاسية الوقت. أمَّا التقيَّة فهي خلاف الظاهر، و لكنَّنا نحتمل أنَّ الإمام عَلَیْهِ السَّلام يتحدَّث بطريقة موضوعها يشبه التقيَّة من حيث اقتضاء مصلحة مهمَّة أن ينفي بضرس قاطع صحَّة مدَّعي المشاهدة، ليكون أوقع في النفوس كي تجتنب أصحاب مثل هذه الدعاوى، و ينقطع الأمل بلقائه عَلَیْهِ السَّلام في غيبته، فيضطرّوا إلى الاعتماد على الموروث في الفهم و على حسن التدبير في المسيرة الحياتية و تطبيقات الأحكام ، و لو كان عندهم أيُّ أمل بلقاء الإمام عَلَیْهِ السَّلام فإنَّ ذلك سيمنعهم من الإقدام على اتِّخاذ القرار، إذ قرار اتنا تعتمد على استظهارات عادةً، و الاستظهارات ظنّية و الأخذ من الإمام عَلَیْهِ السَّلام قطعي. و لمّا كان اتِّباع الظنِِّ محتمل الوقوع في الخطأ، فإنَّ الإنسان قد لا يقدم عليه مع توفُّر بديل مأمون لا نحتمل فيه الخطأ. و هذا يعني أنَّه مع احتمال إيصال مسألتك للإمام عَلَیْهِ السَّلام فإنَّك لا تقدم على سلوك سبيل ظنّي. نعم إذا جزمت بسدِّ طريق تحصيل العلم بالسلوك أو القرار المطابق للمصلحة، فإنَّك ستضطرُّ إلى العمل ببعض الظنون في بعض الموارد.

و الحقُّ أنَّ احتمال التقيَّة منفيٌِّ هنا، فأيُّ خوف من الإمام عَلَیْهِ السَّلام و هو غائب أن يُخبِر بوقوع الغيبة؟

و أمّا الصدور، فقد تقدَّم أنَّه ليس موثوقاً فضلاً عن أن يكون قطعياً.

و كيف كان، فإنَّ عدم قطعية جهة واحدة من الجهات الثلاث في الرواية (الصدور، و الدلالة، و الجهة) يمنع من أن تكون قطعية. فكيف وكلُّ الجهات أو جهتان فيها غير قطعية؟

و إذا لم تكن الرواية قطعية كيف لنا أن نقطع بمضمونها و نجزم أمام الملأ أنَّ كلَّ من ادَّعى الرؤية فهو كاذب؟ و قد تقدَّم أنَّه لا توجد دلالة خارج الرواية على الاستحالة. فلا الرواية ناهضة لإثبات الاستحالة، و لا يوجد دالٌّ آخر على

ذلك بنحو البتِّ و الجزم. فأنّى لنا الالتزام بكذب و افتراء مدَّعي المشاهدة؟

الثامن:

أنَّ كلَّ ما تقدَّم لوحظ فيه إمكان الاستناد إلى الرواية إذا توفَََّرت فيها شرائط الحجّية، و تبيَّن أنَّها غير متوفِّرة على شرائط الحجّية.

و هنا نقول: على فرض توفُّر شرائط الحجّية، فإنَّها لا تثبت في مثل محلِّ الكلام.

لأنَّ مجال التعبُّد بالظنون الخاصَّة هو الفروع أي الأحكام الفرعية دون الاعتقاد.

صحيح أنَّ بعض الفقهاء فرَّقوا بين تفاصيل الاعتقاد و أُصوله، فقبلوا التعبُّد في التفاصيل دون الأُصول، إلَّا أنَّ ذلك لا معنى له. و السرُّ أنَّ المطلوب في الاعتقاد ذات الواقع لا الواقع المحرز و لو بدليل ظنّي حجَّة. و المطلوب عقد القلب على ما انكشف أنَّه واقع بالجزم و اليقين. و قيام الحجَّة التعبُّدية على شيء لا يجعله واقعاً بعد أن لم يكن من الواقع. نعم لو كان المطلوب عقد القلب على الصورة التي رسم الدليل التعبُّدي بعض ملامحها مثلاً لأمكن التعبُّد بذلك الدليل.

لكن الاعتقاد يُراد به أن يكون متعلََّقه الواقع الثابت بالجزم و اليقين. و الخبر غير القطعي والدلالة غير النصّية (غير الجزمية) و التي لم تحتف بها قرائن قطعية لا يفيد اليقين بما حكى عنه. و الجزم الحاصل إنَّما هو بالحاكي لا بالمحكي.

مضافاً إلى أنَّ المسالك المعروفة في مسألة الحجّية و حقيقتها ثلاثة:

1- و هو ما ذهب إليه صاحب الكفاية حيث بنى على أنَّ المجعول في أدلََّة الحجّية عبارة عن المنجِّزية و المعذِّرية، و هما غير معقولين في الموارد التي لا يُوجَد فيها ما يقبل التنجيز و التعذير عنه، إذ لا حكم فيها ليكون محلَّا للتنجيز و التعذير.

2- مسلك جعل الحكم المماثل، و الذي يعني أنَّ الشارع المقدَّس نتيجةً لقيام الأمارة الحجَّة يحكم بحكم مطابق لمؤدّاها. فإذا أخبر الثقة مثلاً بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فإنَّ الشارع- طبق هذا المسلك– سيحكم بوجوب ذلك الدعاء حتَّى و إن لم يكن ما حكاه الثقة ثابتاً في الواقع.

و هذا المسلك على وضوح بطلانه في الفروع، إذ فضلاً عن عدم الدليل على مثل هذا الجعل في موارد الحجج، يلزم منه أن تكون الأحكام الظاهرية غير ثابتة و متغيِّرة بحسب الأفراد من جهة اختلاف مداليل الأمارات أو اختلاف فهمها. لا يمكن الالتزام به في الاعتقاد، إذ لا تُتعقَّل الأحكام لتأتي الحجج فتحكي عنها فيحكم الشارع بحكم طبق مؤدّاها. و هذا المحذور الأخير يمكن التخلُّص منه، و لكن يبقى هذا الوجه بلا دليل يدلُّ عليه، بل الأصل ينفيه.

3- مسلك جعل العلمية و الذي بنى عليه النائيني رَحِمَه اللهُ، حيث إنّه واجه مشكلة من جهة أنَّ الحكم في مورد الأمارات الظنّية لمَّا لم يكن معلوماً، فموضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان تامٌّ و هو عدم البيان– أي عدم العلم-، إذ الدليل الظنّي و لو كان حجَّة لا يستلزم العلم الوجداني. و هذا يعني عدم توفُّر السبيل لإبطال حكم العقل، و الأحكام العقلية كما هو معروف غير قابلة للتخصيص، و حينئذٍ يبطل دليل الحجّية، لأنَّه ينا في حكم العقل. و من هنا ذهب النائيني إلى أنَّ الشارع حين جعل الحجّية سلك مسلك رفع موضوع حكم العقل، و بارتفاع الموضوع يرتفع الحكم و ينتفي. أمَّا كيف رفع الموضوع مع أنَّه متحقِّق وجداناً إذ إنَّنا لا نعلم بالحكم؟ يقول الميرزا: إنَّه يُرفَع تعبُّداً من خلال تنزيل الظنِّ الذي هو مورد الأمارة أو الخبر منزلة القطع و العلم. فالأمارة الحجَّة تورث العلم التعبُّدي المجعول من الشارع بدليل الحجّية فيتحقَّق بذلك البيان، لكنَّه بيان تعبُّدي لا حقيقي، فينتفي موضوع الحكم العقلي و هو عدم البيان، فتترتَّب آثار العلم الحقيقي و هي المنجِّزية و المعذِّرية.

لكن جعل العلم لا يُستفاد من أدلَّة الحجّية، و لا حاجة إلى تقديره ما دام بالإمكان قبول أدلَّة الحجّية دون تقدير جعل العلم، لأنَّ ما بنى النائيني على أنَّه محذور ليس بمحذور، إذ إنَّ الحكم الواقعي و إن لم يكن عليه بيان لكن الحكم الظاهري قد بُيِّن، فموضوع البراءة العقلية أو قاعدة قبح العقاب بلا بیان مرتفع، فلا مجال للحكم العقلي. هذا مضافاً إلى التشكيك في حكم العقل هذا، إذ قيل: إنَّ حكم العقل هنا هو الاحتياط ما لم يُرخِّص الشارع بترك التحفُّظ تجاه التكليف المشكوك.

إذن لا محذور في التزام أنَّ المجعول هو المنجِّزية و المعذِّرية. و يعود نفس كلامنا السابق و هو عدم وجود حكم في الاعتقاد لنتعقَّل تنجُّزه علينا. ثمّ إنَّ جعل العلم كانت الغاية منه إثبات المنجِّزية و المعذِّرية لا شيء آخر.

و يمكن القول: إنَّ ما يُعيِّن أنَّ المجعول هو المنجِّزية و المعذِّرية في الظنون الخاصَّة التي قام الدليل على حجّيتها هو أنَّ الدليل الأساسي في الاستناد إليه لإثبات حجّية الظهور و حجّية الخبر هو السيرة العقلائية، و هذا يعني أنَّ أصل الحجّية شيء بنى عليه العقلاء قبل الشارع المقدَّس، ثمّ حين جاء الشارع لم يردع عنها، ممَّا يعني أنَّه أمضاها و قَبِِِلَ التعاطي مع مراداته في مقام تشخيصها و فهمها بواسطة الظهور و أخبار الثقاة مثلاً.

و العقلاء لا يعرفون جعل الحكم المماثل، كما لا يلتفتون إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليقال: إنَّ المنجِّزية لا تُعقَل في مورد عدم العلم.

فالذي يُجعَل في التباني العقلائي هو المنجِّزية و المعذِّرية دون الحكم المماثل أو العلم التعبُّدي.

بل حتَّى لو استندنا إلى الأدلَّة الشرعية المثبتة لحجّية الخبر و حجّية الظهور مثلاً، كآية النبأ و السؤال عن أهل الذكر و غيرهما من الآيات، بل و الروايات، و لم نلتفت إلى السيرة العقلائية، فإنَّ من البعيد بمكان أن يكون المجعول فيها غير ما هو المعروف بين العقلاء، و الذي هو عبارة عن المنجِّزية و المعذِّرية.

و كيف كان، فالمتعيَّن هو أنَّ المجعول في أدلَّة الحجّية هو المنجِّزية و المعذِّرية دون ما سواهما. و هما لا يُتعقَّلان إلَّا في مورد يُتعقَّل فيه التنجيز و التعذير، و هذا مختصٌّ بالموارد التي فيها أحكام شرعية، و المعتقَد ليس فيه حكم شرعي.

فكيف نبني معتقَدنا على خبر ضعيف في وقتِ لا أثر فيه للخبر الصحيح؟

و الحاصل: أنَّه لا يسوغ الاعتماد على الخبر المذكور لنفي لقاء أحد بالإمام عَلَیْهِ السَّلام في زمان الغيبة ما دام لم ينهض دليل على الاستحالة. و المفروض عدم وجود هذا الدليل.

و لا يفوتنا هنا أنَّ الفقهاء لم يزدروا مقالة أحد من أكابر الأولياء و أعاظم الفقهاء قال بأنَّه وُفِّقَ للقاء الإمام عَلَیْهِ السَّلام في زمان الغيبة، و هذه الرواية حاضرة أمامهم، بل من نقل هذه الرواية كصاحب البحار لم يعمل بمضمونها و حملها على معنى آخر و نقل مجموعة من الوقائع التي حدث فيها لقاءات معه عَلَیْهِ السَّلام. ممَّا يعني أنَّه لم يفهم وجود أيِّ مجالٍ لردِّ مثل هذه الدعاوى أو لإثبات عدمها.

عندما يصل الفقيه في بحثه عن حكم شرعي إلى دلالة تامَّة على ذلك الحكم و لا يرى دليلاً معارضاً له ينظر فإن كانت فتوى المشهور على خلاف ما وصل إليه قال: ليس الافتاء وفق الدليل إلَّا جرأةً على مخالفة المشهور، و حذراً من تلك الجرأة يتحوَّل إلى الاحتياط في الفتوى. مع أنَّ المشهور قد يكونون نظروا إلى نفس ما نظر إليه من الأدلَّة، لكنَّهم فهموا منها شيئاً آخر غير ما فهمه هو. و مع أنَّ فهمهم لا يعني بالضرورة إدراك الواقع في المسألة، فالمسألة تبقى حدسية. و حتّى مثل الشيخ الأنصاري على تضلُّعه في صنعة الإفتاء لا يخالف المشهور و لو تمَّ الدليل على خلاف رأيهم.

و نحن نعرف أنَّ من ذكر منهم أنَّه تشرَّف برؤية الإمام عَلَیْهِ السَّلام يستند إلى الحسِِّ، و منهم من لا يخطئ في معرفة شخصه و لا يتطرَّق فيه احتمال الكذب، و مع ذلك نجزم بالتوهُّم، و أيُّ مستند لنا؟ هل هو ما تقدَّم من الرواية التي ذكرنا أنَّ في الاستدلال بها جملة من الإشكالات و المؤاخذات؟

لا شكَّ أنَّ ذلك غير لائق، خصوصاً و الذين قالوا: إنَّهم قد تشرَّفوا بخدمة

الإمام عَلَیْهِ السَّلام و لو لم يُعرَف دليلهم فيهم الأعاظم و المقدَّسون كالسيِِّد مهدي بحر العلوم و السيِّد ابن طاووس، و القائمة تطول.

إنَّ إخباراً واحداً من أمثال هؤلاء يوصل إلى الجزم، فكيف ننفي أصل الرؤية عن الجميع؟

نحن لا ننكر أنَّ سوق الدعاوى كثيرة البضاعة، و الدنيا مليئة بالحمقى الذين تروج عندهم هذه السلعة، خصوصاً و النفوس تواقَّة لاختزال طريق الاستكمال ونيل الحظوة عند الإمام عَلَیْهِ السَّلام بمتابعة مدَّعٍ و تصديق مفترٍ يريد أن يستأكل الدنيا بدينه، فينال دنياه من خلال بيع غيره لدينهم. وَ لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ (البقرة: 102)

و على هذا فنحن لا نقبل دعوى كلِّ مدَّعٍ، لكنَّنا في نفس الوقت لا نرى أنَّ باب المشاهدة موصَد أمام كلِّ الناس بنحو يُجزَم بكذب كلِّ من يقول: إنّي قد منَّ الله عليَّ و شرَّفني بالنظر إلى وجهه عَلَیْهِ السَّلام.

ثمّ إنَّه قد يقال بأنَّ المشاهدة لا يقتصر دليله على الرواية السابقة التي رواها الصدوق (رضوان الله عليه)، إذ هناك الكثير من الروايات التي يمكن أن يُستَظهر منها ذلك، و منها:

1- كمال الدين: أبي، عن سعد، عن محمّد بن أحمد العلوي، عن أبي هاشم الجعفري، قال سمعت أبا الحسن العسكري عَلَیْهِ السَّلام يقول: الْخَلَفُ مِنْ بَعْدِ الْحَسَنُ ابْنِي، فَكَيْفَ لَكُمْ بِالْخَلَفِ مِنْ بَعْدِ الْخَلَفِ؟، قلت: و لِمَ جعلني الله فداك؟ قال: لِأَنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ شَخْصَهُ، وَ لَا يَحِلُّ لَكُمْ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ. قلت: فکیف نذكره؟ قال: قُولُوا: الْحُجَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَ سَلَامُهُ (1)

و الرواية إن لم تكن صحيحة فهي حسنة لمحمّد بن أحمد العلوي، و قد قال عنه النجاشي: إنَّه من شيوخ أصحابنا. و قد ذُكِرَت أمارات في توثيقه، منها: أنَّه يروي عنه الأجلَّة و منها: عدم استثناء ابن الوليد رواياته عن روايات محمّد بن أحمد بن يحيى، و هذا يدلُّ على توثيق ابن الوليد له. و منها: أنَّ العلَّامة صحَّح رواية وقع محمّد بن أحمد العلوي في طريقها، و منها: أنَّ الصدوق قد وثَّقه في (كمال


1) کمال الدین 648:2.

الدين) حيث قال: حدَّثنا شريف الدين أبو علي (أبو محمّد) الصدوق .... لكن شيئاً من هذه الأمارات لم يسلم من الإشكال. لكن حسنه لا ريب فيه. و عليه فالرواية إن لم تكن صحيحة فهي حسنة.

2- كمال الدين: أبي و ابن الوليد معاً، عن سعد، عن جعفر بن محمّد بن مالك، عن ابن فضّال، عن الرّيان بن الصلت، قال: سألت الرضا عَلَیْهِ السَّلام عن القائم، فقال عَلَیْهِ السَّلام: لَا یُری جِسْمُهُ، وَ لَا یُسَمَّی بِاسْمِهِ (1)

و لا مشكلة في سند الرواية إلَّا في جعفر بن محمّد بن مالك الذي ضعَّفه النجاشي، و توقَّف فيه العلّامة، و لكن وثََّقه الشيخ الطوسي، و يظهر أنَّه اطَّلع على ضعف وجه تضعيف النجاشي له، لأنَّه قال: إنَّه ثقة، و يُضعِّفه قوم. فتكون الرواية موثَّقة لوجود ابن فضّال فيها.

3- غيبة الطوسي: جعفر بن محمّد، عن محمّد بن الحسين، عن ابن بزيع، عن الأصمِّ، عن ابن سبابة ، عن عمران بن ميثم، عن عباية الأسدي، قال: سمعت أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلام يقول: کَیْفَ أَنْتُم إِذا بَقِیتُمْ بِلا إمامٍ هُدًی وَ لا عَلَمٍ یُری یَبْرَأُ بَعْضُکُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ (2)

و نظائر هذه الروايات كثيرة.

لكن التأمُّل يُعطي أنَّها غير ناهضة لإثبات ذلك، إذ يكفي في صدق أنَّه عَلَیْهِ السَّلام لا يُرى شخصه أو جسمه أو أنَّه لا يُرى عدم تمكُّن السواد الأعظم من الناس رؤيته، بل من قيل: إنَّه رآه نادر جدًّا، فلا تُعتَبر هذه الروايات من أدلَّة نفي المشاهدة.

هذا مضافاً إلى ما ذكرناه في ردِّ الاستدلال بالرواية السابقة من أنَّها على فرض ظهورها فليست حجَّة في مثل المقام، لأنَها غير قطعية لا في سندها و لا في دلالتها. نعم ربَّما يكون مضمونها مقطوع الصدور من جهة التواتر الذي إن لم يكن معنوياً فهو إجمالي، و لكن تبقى مشكلة الدلالة. و لو تمَّت الدلالة فهي غير قطعية، فلا تصلح للاستدلال في محلِّ كلامنا.

و لقائل أن يقول: إنَّ ما نُقِلَ من مفردات اللقاء و إن نُسِبَت إلى الأكابر إِلَّا أَنَّ


1) کمال الدین 648:2.

2) الغيبة للطوسي 341/ الرقم 291

أحداً منهم لم يروها مباشرةً، و إنَّما هي نقولات في صفحات كتب لا تتعدّى أخبار آحاد مسندة أو مرسلة، و هذا يجعلنا نشكُّ فيها.

قلنا: إنَّ ذلك لو صحَّ فإنَّه لا يمنع من حصول تواتر إجمالي أنَّ واحدة من هذه النقولات حاصلة قطعاً.

و لو لم تصل إلى التواتر الإجمالي فهي محتملة الحصول. و الخبر الضعيف لا يصحُّ الاعتماد عليه، و لكن لا يُقطَع بعدم صحَّته. فإذا نظرنا إلى أنَّ البحث ليس في مسألة فرعية يُراد استنباط حكمها كان لا بدَّ من القطع ليُبنى عليها، و مع وجود الاحتمال المخالف كما هو المفروض كحدِّ أدنى في مسألتنا فلا حجّية لما قابل هذا الاحتمال.

نعم لو تمَّ سند هذه الرواية- و هو لم يتمّ-، و سلمت دلالتها بمستوى الظهور- كما هو ليس ببعيد-، و قلنا بإمكان التعبُّد في مثل هذه المسائل، أمكن الاستناد إليها لنفي الرؤية في زمان الغيبة، و الحال أنَّه لم يتمّ سند الرواية عندنا، و لم نلتزم بالتعبُّد خارج دائرة الفروع.

و مع فرض توفُّر هذه الشروط الثلاثة للعمل بمؤدّاها لا تنفعها إلَّا في حدود عدم ترتيب الأثر على مثل هذه الدعاوى، و لا تُسوِِّغ لنا أن نجزم بكذب كلِّ من ادَّعى المشاهدة.

فالتعبُّد في مورد يجعل الاحتمال المقابل ملغى تعبُّداً، و هو ما يعني عدم ترتيب الأثر على وجوده، أي في مقام العمل و ترتيب الأثر نتعامل كأنَّه غير موجود في الواقع. و لا يُسوِّغ ذلك الالتزام بعدم وجوده واقعاً، فليس ذلك ضمن مساحة التعبُّد، إذ الاحتمال انكشاف، و الانكشافات خاضعة لأسبابها التكوينية غير قابلة للانفكاك عنها، فلا يمكن للشارع أن يُكلِّفنا بذلك، لأنَّه يلزم التكليف بغير المقدور.

و هذا هو الذي أردنا الوصول إليه من خلال هذه السطور، فالبتُّ و الجزم بعدم الرؤية في زمن الغيبة لا يمكن نفيه، لعدم قابلية ما يُذكَر من وجه لإثباته.

سدَّدنا الله بالقول الثابت في الدنيا و الآخرة، إنَّه خير مسؤول.


الهوامش

1.

نور الثقلين 386:5 و 387.

2.

نور الثقلين 387:5.

3.

نور الثقلين 386:5.

4.

كمال الدين 342:1.

5.

کمال الدین 340:2/ ح 20.

6.

الغيبة للنعماني: 193/ باب 10/ فصل 4/ ح 40.

7.

بحار الأنوار 64:51.

8.

کمال الدین 2: 357/ باب ما أخبر به الصادق (عَلَیْهِ السَّلام/ ح 5.

9.

رجال ابن داود 1 267.

10.

بحار الأنوار 52: 151.

11.

بحار الأنوار 92 :227.

12.

کمال الدین 648:2.

13.

كمال الدين 648:2.

14.

الغيبة للطوسي 341/ الرقم 291.

الموعود 11

فی هذا العدد:

نظرات في دعاء العهد

السيد علاء الدين السيد عبد الصاحب الموسوي

دخالة البشر في تعجيل فرج الإمام المنتظر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

الشيخ كاظم القره غولي

المختصر من إقامة الحُجّة على من أنكر ولادة الحُجّة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

الشيخ جاسم الوائلي

آيات في القائم عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

السيد باسم الصافي

الأبواب و السفراء

موقعهم من العقيدة و دورهم في دولة أهل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام

الشيخ حسن الكاشاني

السيدة نرجس عَلَیْها السَّلام- شبهات و ردود

الشيخ علي الفياض

أخبار المهديين بين النفي و الإثبات

السيد زين العابدين المقدس الغريفي

علم الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بوقت ظهوره

مرتضى علي الحلي

مراجعة مصادر كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي قُدِّس سِرُّه

محمد المسعودي- ترجمة: السيد جلال الموسوي

جمادى الآخرة 1442ه-

كانون الثاني 2021م

مجلة علمية تخصصية نصف سنوية تصدر عن

مَركَز الدّراساتِ التَخصصية فِی الأمامِ المَهديّ عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

الأبواب و السفراء موقعهم من العقيدة و دورهم في دولة أهل البيت عَلَیْهِمُ السَّلام

الشيخ حسن الكاشاني

أدلة انقطاع النيابة الخاصة:

السادس: الروايات الخاصة المصّرحة بانقطاع السفارة

الخاصة، نظير التوقيع المروي عن النائب الرابع علي بن محمد السمري، رواه الشيخ في الغيبة، و رواه الصدوق في كمال الدين قال: حدثني أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفى فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد

السمري فحضرته قبل وفاته فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:

بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِیم، یَا عَلِیَّ بنَ مُحَمَّدٍ السَّمُریَّ، أَعظَمَ اللّهُ أَجرَ إِخوَانِکَ فِیکَ، فَإِنَّکَ مَیِّتٌ مَا بَینَکَ وَ بَینَ سِتَّهِ أَیَّامٍ، فَأَجمِع أَمرَکَ، وَ لَا تُوصِ إِلَی أَحَدٍ یَقُومَ مَقَامَکَ بَعدَ وَفَاتِکَ، فَقَد وَقَعَت الغَیبَةُ الثَّانِیَةُ (التامة، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعدَ إِذنِ اللّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ ذَلِکَ بعَدَ طُولِ الأَمَدِ، وَ قَسوَةِ القُلُوبِ، وَ اِمتِلَاءِ الأَرضِ جَوراً، وَ سَیَأتِی شِیعَتِی مَن یَدَّعِی المُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَن ادَّعَی المُشَاهَدَةَ قَبلَ خُرُوجِ السُّفیَانِیِّ وَ الصَّیحَةِ فَهُوَ کَاذِبٌ مُفتَرٍٍ، وَ لَا حَولَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّهِ العَلِیِّ العَظِیمِ...) فلما كان اليوم السادس عدنا إليه و هو يجود بنفسه فقيل له من وصيك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، و قضى. و هذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه و أرضاه (1) و سند التوقيع قطعي، حيث رواه الصدوق عن شيخه الحسن بن أحمد المكتب القمي و هو من كبار مشايخ قم و ترضّى عليه الصدوق. و هذا مع التشدد الذي كان يبذله الأصحاب حول التوقيعات الصادرة لخطورتها، و حساسية الوضع الأمني بخلاف آبائه عَلَیْهِمُ السَّلام. و قد كان السمري معاصراً لأصحاب الكتب الحديثية فلم يتوسط بينهم و بين السمري كثير من الرواة. و قد تلقتها الطائفة بالقبول من المفيد و الطوسي و الصدوق و ابن قولويه، و كلهم معاصرون للسمري أو بفاصل زمني قصير و هم أعمدة المذهب و أعلامها. و هذا ما لا يقبل التزوير.

بل إنّ ذكر التوقيع مقروناً بقرائن قطعية دلَّت على إظهار التوقيع للناس و إعلانهم بذلك، و لم يكن أمراً خفياً لا يطلع عليه سوى المكتب. فلو كان كذباً لم يخف على أوتاد المذهب المعاصرين للحدث لا سيما مع التشددات الأمنية في مثل هذه التوقيعات.


1) كمال الدين: ج 2، ص 516؛ الغيبة للشيخ الطوسي: ص 395.

و يلاحظ أنّ الصيحة هي أكبر علامة حتمية للظهور، و هي لا تقبل الدجل، فجعل الصيحة غاية لانقطاع السفارة، يبطل كلّ من يدّعي ذلك طول الغيبة الكبرى.

هذا و قد ذكر الشيخ الطوسي في الغيبة عند تعرّضه لترجمة و بيان حال النائب الرابع، خمسة روايات لانقطاع السفارة بخمسة طرق (1)


1) الغيبة للشيخ الطوسي: ص393.

انقطاع السفارة لا يعني انقطاع التشرفات:

مرَّ في توقيع النائب الرابع قوله عَلَیْهِ السَّلام: وَ سَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي الْمُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَن ادَّعَى الْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَ الصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، و هذا الكلام عطف على انقطاع السفارة الخاصة، و المراد بالمشاهدة المنفية إنما هي المشاهدة على النحو التي كانت للسمري و غيره من الأبواب، فإنّ قوله : فَمَن ادَّعَى الْمُشَاهَدَةَ عطف على انقطاع السفارة و عدم الوصية لأحد بعد.

و الكلام مُركََّز على ادَّعاء السفارة و الارتباط الدائم مع الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف. و هذا لا ينفي وجود رجال الغيب و أصحاب السرّ الذين يعملون معه في دولته الخفية في غيبته، لكنما بقاءهم بهذه الصفة و الارتباط مرهون بعدم إفصاحهم و إعلانهم، فادِّعاء هذا المقام يناقض مسؤوليتهم، لأنّ السرية و عدم الظهور من مقومات مسؤولياتهم. كما في لقاء موسى بالخضر عَلَیْهِما السَّلام و سريّة موقع اللقاء بحيث لم يلتفت إليه حتى وصي موسى عَلَیْهِ السَّلام.

کما لا ينفي حصول التشرفات و اللقاءات دون تمثيل وصفة رسمية، فإنّها موجودة في كل عصر و زمان. و قد جرت سنّة المحدثين أنّهم أفردوا باباً في كتبهم لذكر قصص من التقى بالإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة.

قال العلامة المجلسي بعد ذكر توقيع السمری رحمه اللهُ:

لعله محمول على من يدَّعي المشاهدة مع النيابة و إيصال الأخبار من جانبه عَلَیْهِ السَّلام إلى الشيعة، على مثال السفراء لئلا ينافي الأخبار التي مضت و ستأتي فيمن رآه عَلَیْهِ السَّلام و الله يعلم (1) إنّ التشرفات في الغيبة الكبرى ليست باختيار الإنسان، بل و لا الرؤية باختيار الإنسان و لا الكلام باختياره،فبقدر ما يؤذن له يراه و يتكلم و يعرفه و يتحرك


1) بحار الأنوار: ج 52، ص 151.

نحوه. و هذا كيلا ييأس المؤمنون و لا ينسوا إمامهم، فينشطهم و يذكّرهم بين حين و آخر بلقاء و مشاهدة، کما حصل ذلك للعشرات من المؤمنين.

التشرفات و اللقاءات و مقدار حجيتها و الفرق بينها و بين البابيه، هو الفرق بين الممثل الرسمي للدولة و الذي يكون على ارتباط دائم و دائب مع الدولة، و بين مواطن عادي اتفق له أن التقى بالملك، و ليست له أية صفة رسمية. و هذا من جملة الفوارق بين الغيبة الصغرى و الكبرى.

هذه التشرفات تكون منبّهات و مذكّرات للإمام الغائب و الشمس المستور بالسحاب. و ارتفاع السحب في موارد نادرة و محدودة و من دون تنسيق سابق، عن وجه الشمس لكي يراه البعض فيحكي للآخرين و يكون ذلك تذكيراً للإمام الغائب، و لا يحمل أياً من معاني السفارة و النيابة، و لا تمنع عنه أدلّة انقطاع السفارة. أنّه مزيد لطف و عناية منه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف لشيعته، فيرتبط بهم و يُنشّطهم بين حين و أخر بلقاء و مشاهدة تنقل أخبارها كما نقل من ذلك المئات. بل خصّص المحدّثون منذ بداية الغيبة الكبرى باباً في كتبهم الحديثية لذكر من رآه و التقى به من الناس.

و من هنا لا وقع لما قد يثار من شبهة من قبل بعض المتهجّمين، يُنكر و يستغرب تشرّف بعض المؤمنين بلقاء الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و أنّه أغاثهم و أنجاهم.يقول: ليس من شأن الإمام إغاثة اللهفان كبعض المؤسسات الخيرية التي تصب عملهم في إعانة المحتاجين. ثم يُشكل ثانياً بأنّه لِمَ لا تعمّ هذه الإغاثة لجميع المحتاجين و الفقراء و التائهين؟

و ينقض عليه: أنّه لِمَ لا يشفي الله تعالى جميع المرضى و المحتاجين، بل يغيث البعض دون الآخرين؟ و لِمَ لم يبرئ النبي عيسى عَلَیْهِ السَّلام الجميع المرضى و لم يُحي جميع الموتى؟ و لِمَ خصّص موسى عَلَیْهِ السَّلام نزول المنّ و السلوى و انفجار اثنتي عشرة عيناً

من الحجرة بطائفة معينة و في زمان و مكان محدود و لم يعمّمه للآخرين؟ و هكذا في كلّ إعجازات الأنبياء و الأوصياء.

و الحل:

1- إنّه ليس من سنة الله تعالى أن يبطل نظام الأسباب و المسببات في عالم الدنيا، بل أبى أن يجري الأمور إلّا بأسبابها. غير أنّه قد يفعل من دون الأسباب الظاهرية ليكون برهاناً على نبوة النبي و إمامة الوصي. و هذا لا يقتضي التعميم، بل بمقدار ما تثبت به الحجة و يذكّر به الناس، و الزائد على ذلك يكون من باب اللطف الزائد غير الواجب عليه.

2- إنّ هنالك حِكماً و مصالح في الفعل الإلهي، تقتضي هذه الاختلافات، شأنها شأن سائر أنواع الاختلاف في الفعل الإلهي.

3- بل إنّ تصرّفاته تعالى غير منحصرة في العمل الإعجازي، فإنّ ما يتحقق بالأسباب أيضاً يكون بتدبيره و تقديره و تهيئته للأسباب.

4- إنّ هنالك حسابات حكيمة في النظام المحكم الإلهي، تحول دون الفساد المطبق في الأرض. و يكون خليفة الله و الإمام هو المَعنيّ بذلك من قبل الله تعالى. فهو قد يتصرّف في المفاصل المهمّة في حياة الإنسان، رعاية للتوازنات في دار الأسباب و المسببات، حتى لا يطبق الفساد على وجه الأرض. و قد ذكر الله تعالى في القرآن قصّة الخضر الذي أنجى المساكين من الفقر و المجاعة و حال دون مصادرة سفينتهم من قبل الملك الظالم، و أنجى المجتمع من وجود طاغوت يفرض الكفر على الناس، و سبّب في إيصال كنز اليتيمين إليهما ببناء الجدار. فهل كان للخضر مؤسسة خيرية مثلاً ليقوم بهذه التصرفات؟ إنّها سذاجة في الطرح، و تخدير للسذج من العوام! بل إنّ الله تعالى زوّد الخضر بالعلم اللدنّي و خوّل له تنفيذ هذه المهمات، للحفاظ على الصلاح النسبي في الأرض.


الانتظار

مجلة فصلية تعنى بالشأن المهدوي

العدد الخامس- السنة الثانية- ربيع الثاني 1427

تصدر عن مرکز الدراسات التخصیصیة الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

العولمة واليات التمهيد

المعركة الفاصلة: هرمجدون على الأبواب!!

جهيمان العتيبي... مهدي الحركة التكفيرية

دراسات

امكان رؤية الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى

الشيخ رياض الاسدي

من المسائل التي شاع التصور عنها بخلاف ما ذهب إليه العلماء هي مسألة رؤية الإمام الحجة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في زمن الغيبة الكبرى، فالتوقيع الصادر عن الناحية المقدسة الذي يؤكد منطوقه تكذيب منْ يدّعي المشاهدة بعد حياة السفير الرابع للامام الحجة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف جعل الفكرة السائدة هي عدم جواز القول برؤيته صلوات الله عليه في الغيبة الكبرى، و لكن التحقيق في أقوال العلماء و آرائهم حول المسألة من جهاتها المختلفة يؤدي الى نتيجة تخالف الفكرة التي سادت و شاعت بين الناس.

تكاد كلمات العلماء تتوافق حول مسألة إمكان رؤية الامام الحجة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى و إن اختلفت ألفاظهم مقابل مفاد التوقيع الصادر عن الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و الذي أورده السفير الرابع عليّ بن محمّد السمري رَضی الله عنهُ، الذي يبدو منطوق فقراته الأخيرة بمنع و تكذيب مَنْ يدّعي المشاهدة، و هو الذي أشعل النقاش لإثبات ما اتفقوا عليه من جواز الرؤية و إمكانها، حتّى فصلت كلماتهم الحديث عن معنى الرؤية و كيفية تحققها، بل هناك مَنْ يضع شروطاً معينة لتحقق الرؤية الجائزة غير الممنوعة، لذا لا بد أن نقف أولاً: عند إمكان الرؤية عموماً و كيف الردّ على ما عُدّ معارضاً و مناقشته.

و ثانياً: هل الغيبة تعني عدم إمكان الرؤية؟

و ثالثاً: كيفية تحقّق الرؤية.

البحث الأول: حول إمكان الرؤية عموماً: استدل جملة من علمائنا على إمكان رؤية الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

في الغيبة الكبرى، فليس الغيبة و لا غيرها مانعاً من رؤيته عجَّل الله تعالی فرجه الشریف. قال علم الهدى السيد الشريف المرتضى: إنّا غير قاطعين على أن الإمام لا يصل إليه أحد و لا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم و لا سبيل إلى القطع عليه (1)

و قال أيضاً: إنه غير ممتنع أن يكون الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف. يظهر لبعض أوليائه ممّن لا يخُشى من جهته من أسباب الخوف، فإن هذا ممّا لا يمكن القطع على ارتفاعه و امتناعه، و إنّما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه و لا سبيل له إلى العلم بحال غيره (2)

و الظاهر من هذا الاستدلال الذي لا يمنع عقلاً من رؤية الإمام لشيعته أو رؤيتهم له أنه يعالج المشكلة في نفس معنى الغيبة عن الناس، فعبارة «غيبة» تعني عقلاً عدم إمكان الرؤية، إلا أن وجود الإمام لا يمتنع معه إمكان اللقاء به أو رؤيته إن كان غائباً، و لا يبعد عن هذا القول ما صرّح به الشيخ الطوسي حيثُ قال: الأعداء إن حالوا بينه و بين الظهور على وجه التصّرف و التدبير، فلم يحولوا بينه و بين لقاء مَنْ شاء من أوليائه على سبيل الاختصاص و هو يعتقد طاعته و يفترض اتِّباع أوامره و يحكّمه في نفسه (3)

و في نفس المعنى قال أيضاً: نحن نجوز أن يصل إليه كثير من أوليائه و القائلون بإمامته فينتفعون به (4)

و قال أيضاً: لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه، بل يجوز أن يبرز لأكثرهم (5)

و يؤكد السيد ابن طاووس قُدِّس سِرِّه المقصودبالمشكلة بشكل واضح، فالغيبة و عدم الظهور هي المانع، ولكن إلى أي حدّ؟

قال رضوان الله عليه: إذا كان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.غير ظاهر الآن لجميع شيعته، فلا يمتنع أن يكون كجماعة من الأنبياء و الملوك حيث غابوا عن كثير من الأمة لمصالح دينية أو دُنيوية أوجبت ذلك (6)

و يعتبر الآخوند الخراسانيّ مسألة رؤيته في الغيبة الكبرى احتمالاً عقلياً مقبولاً بقوله: و إن احتُمل تشّرف بعض الأوحديٌ بخدمته و معرفته أحياناً (7)

و عين المعنى قاله الميرزا النائيني: نعم قد يتفق في زمان الغيبة للأوحديّ التشرّف بخدمته و أخذ الحكم منه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف. (8)و لعّله اشارة إلى ما انتشر من لقاء بعض العلماء به عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، حتى عُرف به من أمثال السيد بحر العلوم، و قبول قوله بالاجماع غير المعروف بين علمائنا و هو الذي أراد الاشارة إليه المحدّث النوري في جنة المأوى (9)أما في كتاب أصول الفقه للشيخ المظفر فالمسألة تأخذ طور الاعتقاد الصحيح على أساس أن الإمام يلطف بالناس فلا يتركهم بالرغم من غيبته قال: ﴿طريقة قاعدة اللطف و هي أن يستكشف عقلاً رأي المعصوم من اتّفاق مَنْ عداه من العلماء الموجودين في عصره خاصة أو في العصور المتأخرة ... إمّا بظهوره نفسه أو يإظهار مَن يبيّن الحق في المسألة ... (10)

و قد تناقلت كتب العلماء رأي الرعيل الأوّل من علمائنا في مسألة الإجماع أن من لُطف الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف بالأمة و بالعلماء أن لا يتركهم يجتمعون على خطأ دون أن يبيّن لهم ذلك، و هو الذي أراد الشيخ المظفر الإشارة إليه.

و خلصنا من خلال ما نقلناه إلى تأكيد مسألة الرؤية بنحو الاحتمال المقبول عقلا غير المعارض بالغيبة ، فلم تحجب الغيبة الإمام عن شيعته و لا شيعته عنه.

و هناك لون آخر من التأكيد على أن الإمام التقى فعلاً شيعته و التقوه في قصص كثيرة جداً إعلم أنَّ


1) تنزيه الأنبياء الشريف المرتضى 182.

2) تنزيه الأنبياء الشريف المرتضى 183.

3) تلخيص الشافي- الطوسي-: 2222/2226/4.

4) كلمات المحققين: 533.

5) بحار الانوار: 322/35، 323- عن جنة المأوى.

6) الطرائف: ابن طاووس: 2/7.

7) كفاية الأصول: 2291/2.

8) فوائد الأصول: 150/2.

9) بحار الأنوار: 321/35 و قد نقل فيه كتاب- جنة المأوى-للمحدث النوری.

10) أصول الفقه- المظفر:462.

مَنْ فاز برؤية الإمام المنتظر المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى عصراً بعد عصر إلى هذا العصر لا يعدّ و لا يحصى (1) فممّا يستقلٌ بنفسه على جواز و إمكان رؤية الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف لشيعته و رؤيتهم له في الغيبة الكبرى و هو ما تناقلته المصنفّات الكثيرة كغيبة النعماني، و غيبة الشيخ الطوسي، و الزام الناصب، و تبصرة الولي فيمن رأى المهدي، و جنة المأوى و غيرها. قال المحدّث النوري في التعريف بالباب السابع من كتاب النجم الثاقب الباب السابع: في ذكر حكايات و قصص الذين وصلوا إلى خدمة إمام الزمان عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى ، سواءً عرفوه حين تشرّفهم بلقائه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف أو عرفوه بعد ذلك بالقرائن القطعية بأنه هو عجَّل الله تعالی فرجه الشریف (2)

و قال في منتخب الأثر: و اعلم أن ما ذكرناه في هذا الفصل ليس إلا قليلاً من الحكايات و الآثار المذكورة في الكتب المعتبرة ... مضافاً إلى أن الآثار و الحكايات بلغت من الكثرة حداً يمتنع إحصاؤها ... هذه الحكايات التي لا ريب في صحّة كثير منها لقوة إسنادها و كَون ناقليها من الخواصّ و الرجال المعروفين بالصدق و الأمانة و العلم و التقوى يحصل له العلم القطعي الضروري بوجوده عجَّل الله تعالی فرجه الشریف (3)

و قد أثبت المحدّث النوري لناقلي القصص المختلفة بأنهم من العلماء أو من الثقاة بعد كلّ قصّة أو حكاية ينقلها (4)و قد ناقش السيد محمّد الصدر في موسوعته مسألة الاعتبار العلمي لكل الحكايات المنقولة فقال: الطعن في الأخبار الناقلة لمشاهدة الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في غيبته الكبرى سنداً- أي من ناحية رواتها. و الشطب عليها جملة و تفصيلاً قد يميل إليه المفكّرون المحدثون، إلا أن هذا ممّا لا سبيل إلى تصديقه، فإنها طائفة ضخمة من الأخبار قد يصل عددها إلى عدة مئات، على أن بعضها مروي بطرق معتبرة و قريبة الاسناد، فلا يمكن رفضها بحال (5)و هذا هو الذي جعل القول برؤية الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى مقبولاً بنحو عقليّ لمثل صاحب الكفاية و الميرزا النائيني.و لعل البعض يستشكل في إمكانية الرؤية على أنها هواجس لم تبلغ الواقع، و الجواب على ذلك: القول بأنها كذب متعمّد ممّا يرفضه كثرة الحكايات التي تناقلتها الكتب المعتبرة، و قد نقلنا بعض الأقوال في ذلك، و كذا الكثرة تردُّ القول بأنها أوهام، أو كونها أحلام يقظة، فالاحتمال مقبول بالواحد او بالاثنين عندما ينقلون فكيف بالمئات، و هو نفسه الذي يردُّ القولَ باحتمال كونه غير الإمام، فإن كثرة النقل يمنع من القول بالتوهّم.## هل يوجد تعارض بين التوقيع و قصص اللقاء؟إلاّ أن التوقيع الصادر عن الناحية المقدسة أثار النقاش حول صحة القول برؤية الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، فقد روى الشيخ الصدوق و غيره أن السمري السفير الرابع الإمام الحجة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف أخرج للناس توقيعاً للإمام جاء في نصه: ﴿یَا عَلِیَّ بنَ مُحَمَّدٍ السَّمُریَّ أَعظَمَ اللّهُ أَجرَ إِخوَانِکَ فِیکَ فَإِنَّکَ مَیِّتٌ مَا بَینَکَ وَ بَینَ سِتَّهِ أَیَّامٍ، فَأَجمِع أَمرَکَ وَ لَا تُوصِ إِلَی أَحَدٍ یَقُومَ مَقَامَکَ بَعدَ وَفَاتِکَ، قَد وَقَعَت الغَیبَةُ الثَّانِیَةُ فَلَا ظُهُورَ إِلَاّ بَعدَ إِذنِ اللّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ ذَلِکَ بعَدَ طُولِ الأَمَدِ وَ قَسوَةِ القُلُوبِ وَ اِمتِلَاءِ الأَرضِ جَوراً، وَ سَیَأتِی من شِیعَتِی مَن یَدَّعِی المُشَاهَدَةَ، أَلَاّ فَمَن ادَّعَی المُشَاهَدَةَ قَبلَ خُرُوجِ السُّفیَانِیِّ وَ الصَّیحَةِ فَهُوَ کَاذِبٌ مُفتَرٍ وَ لَا حَولَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللّهِ العَلِیِّ العَظِیمِ (6)

و قد ناقش التوقيع رأيان:


1) النجم الثاقب- المحدث النوري- 29/2.

2) نفس المصدر.

3) منتخب الاثر- لطف الله الصافي- 2- 562.

4) النجم الثاقب- المحدث النوري- 41/2 -328 و قد نقل مائة حكاية و علق على أغلب من نقلوا الحكايات بالتوثيق و الاعتبار.

5) تاريخ الغيبة الصغرى- السيد محمّد صادق الصدر- 624.

6) كمال الدين الصدوق: 516/2 ج 44 و في كتاب الغيبة- الوسي: 395 و في كتاب الاحتجاج: 297/2.

الأول: اعتبر وجود تعارض بين التوقيع و بين قصص اللقاء.

لذا يحاول الجمع ينهما لأن التعارض غير مستقر، و الثاني: ينفي وجود التعارض أصلاً.

الرأي الأوّل: قال المحدّث النوري: إن التوقيع فيه معنى تكذيب مدّعي المشاهدة له عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى (1)، و هو الذي يتعارض مع قصص و حكايات اللقاء بالإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف التي نقلها و أكّدها الكثير من كتبنا (2)و لأن التعارض غير مستقر. كما في بحوث علم أصول الفقه. فإنه يمكن الجمع بينهما. قال العلامة المجلسي في تعليقه على التوقيع: لَعلّه محمول على من يدّعي المشاهدة مع النيابة و إيصال الأخبار من جانبه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف إلى الشيعة على مثال السفراء، لئلا يُنافي الأخبار التي مضت، و ستأتي فيمن رأه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، و الله يعلم (3)

و قد وافقه على هذا القول جملة من العلماء (4)حتّى يرفعوا التعارض المذكور، و هو المستفاد من مقدمة ألفاظ التوقيع، فقد أمر الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف السمري أن لا يُوصي لأحد من بعده و أنه سوف تقع الغيبة الثانية، ثمّ أخبره أن هناك من سوف يأتي و يدّعي المشاهدة، إذن فنفس ألفاظ التوقيع فيها معنى تكذيب من يدعّي المشاهدة مع النيابة الخاصة كما كان عليه الحال في الغيبة الصغرى.

سند التوقيع

إن الطعن في سند التوقيع و رواته: أنه خبر واحد مرسل ضعيف لم يعمل به ناقله و هو الشيخ في كتاب الغيبة، و أعرض عنه الأصحاب فلا يعارض تلك الوقائع و القصص التي يحصل عن مجموعها بل من بعضها المتضمن الكرامات و مفاخر لا یمكن صد و رها عن غيره عجَّل الله تعالی فرجه الشریف قال في مكيال المكارم. ح 1 ص 7. ﴿بل اتّفق لكثير من الأعلام التشّرف بلقائه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و قصصهم مضبوطة في كتب علمائنا الكرام ... و هي بسبب تواترها تفيد العلم القطعي بالمرام....

قال السيد محمّد الصدر رحمه الله في تاريخ الغيبة: أما كونه خبر واحد فهو ليس نقصاً فيه (5)

ففی بحوث علم أصول الفقه قامت الأدلة على حجّية خبر الواحد الثقة، فلم يَنْهَ الشارع العقلاء


1) النجم الثاقب: 403/7.

2) بحار الانوار: 151/52.

3) بحار الأنوار: 151/52. و هو المذكور في الجواب الثاني للمحدث النوري النجم الثاقب ج 405 2 كذا و هو قول العلامة الجهرمي في كتاب- رعية الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف للعلماء ص 36 فقد ناقش أن التوقيع ليس فيه ما يمنع من اللقاء بالإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ص 34 و كذا انظر كتاب المنتظر المنتظرون ص 17 و مكيال المكارم ج 2 ص 360/359.

4) و هو المذكور في الجواب الثاني للمحدث النوري النجم الثاقب ج 405 2 كذا و هو قول العلامة الجهرمي في كتاب- رعية الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف للعلماء ص 36 فقد ناقش أن التوقيع ليس فيه ما يمنع من اللقاء بالإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ص 34 و كذا انظر كتاب المنتظر المنتظرون ص 17 و مكيال المكارم ج 2 ص 360/359.

5) تاريخ الغيبة الصغرى- محمد صادق الصدر: 640/1.

عن ذلك.

و أما كونه خبراً مرسلاً فهو غير صحيح، إذ رواه الشيخ الطوسي (1في الغيبة بهذا السند: أخبرنا جماعة عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه، قال: حدّثني أبو محمّد أحمد بن الحسن المكتب قال: كنت بمدينة السلام في سنة التي توفّي بها الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السمري قُدِّس سِرُّهم ... الخ. و كذلك رواه الشيخ الصدوق (2)في كمال الدين عن أبي محمّد المكتب نفسه، فاين الإرسال؟!)و الزمن بحسب العادة مناسب مع وجود الواسطة الواحدة.و أما كون الخبر ضعيفاً فعلى تقدير التسليم به فالخبر يكفي للإثبات التاريخي، و قد استدل البعض بإعراض الشيخ الطوسي (3بعد نقله عن العمل به، لأنه يؤمن برؤية الامام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى، و هذا غير صحيح، لأن الشيخ و جملة من علمائنا يعتقدون بكلا الأمرين، بالتوقيع الصادر من الناحية المقدّسة و بحكايات و قصص اللقاء، و هو الذي سوف نطّلع عليه.)قال العلامة السيد بحر العلوم في توجيه التوقيع الصادر عن الناحية المقدسة:﴿و قد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى مع جهالة حال المبلّغ و دعواه المشاهدة المنقّية بعد الغيبة الكبرى، و يمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن ... و إن المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام و يعلم أنه الحجّة عجَّل الله تعالی فرجه الشریف حال مشاهدته له (4) و إذا لم يعلم ادّعاء المشاهدة لذلك فهي رؤية غير منفية، و نقل عنه في مكان آخر: و ربّما يحصل لبعض حفظة الاسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الإمام بعينه على وجهٍ لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، فيبرزه في صورة الإجماع جمعاً بين الأمر بإظهار الحق و النهي عن إذاعة مثله بقول مطلق. (5)

و هذه الصورة لا تخالف مفاد التوقيع لأن الذي رأى لم يُخبر أحداً، فلا يعارضه نهي الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف.

و قد أضاف المحدّث النوري صورة أخرى، ففي إحدى قصص اللقاء بالإمام في الغيبة الكبرى. و هي التي تُعرف بقصة الجزيرة الخضراء. يذكر فيها تعليلاً لأمره بتكذيب مَنْ يدّعى المشاهدة، قال: ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء و تقدمأن زين الدين بن فاضل المازندراني قال للسيد شمس الدين: يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث رُويت عن صاحب الأمر عجَّل الله تعالی فرجه الشریف أنه قال لمّا أُُُمر بالغيبة الكبرى: من رأني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟ فقال: صدقت، إنه عجَّل الله تعالی فرجه الشریف إنّما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته و غيرهم فراعنة بني العباس، حتّى أن الشيعة تمنع بعضها بعضاً عن التحدّث بذكره، و في هذا الزمان تطاولت المدّة و أيس منه الاعداء، و بلادنا نائية عنهم و عن ظلمهم و عنادهم ... (6)

الرأي الثاني: رُدّ القول بالتعارض بين التوقيع و بين قصص اللقاء.

قال في الغيبة الصغرى الاّ أن الصحيح هو عدم وجود التعارض بينهما بالمقدار الذي يثبت الحق (7)و يمكن افتراض عدة صور لرؤية الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و اللقاء به دون أن تعارض ما حَذَّرَ منه التوقيع.

الصورة الأولى: أن الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف مختفٍ بشخصه عن الناس يراهم و يرونه، و لكّنه يعرفهم و لا يعرفونه (8)و هذه الرؤية غير منظور إليها في


1) الغيبة- الشيخ الطوسي- 395.

2) كمال الدين- الصدوق- 516/2:2 ح 44.

3) كما في رقم 20.

4) الفوائد الرجالية- السيد بحر العلوم- 321-320/3

5) جنة المأوى: 320.

6) النجم الثاقب- المحدث النوري 405/2.

7) الغيبة الصغرى- السيد محمّد صادق الصدرا/ 646،647،649.

8) الغيبة الصغرى- السيد محمّد صادق الصدرا/ 646،647،649.

التوقيع و لا تعارضه.

الصورة الثانية: أنّ الموالي يرى المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و يعرفه لكنه لا يعرب عن ذلك إلى الأبد (1)و هذا أيضاً لا تعارض التوقيع، و هو الذي أخبر عنه العلماء أن هناك الأوحدّي الذي يرى الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف و یراه.

الصورة الثالثة: أن الموالي أو العالم يرى الامام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف لكنه لا يُخبر عنه بصراحة و يقول أنا رأيته، فالإخبار عنه بالعبارة غير الصريحة ليس فيه ادّعاء للمشاهدة الذي نهى التوقيع عنها.

الصورة الرابعة: أن هناك مَنْ يرى الإمام صراحة و يقطع بذلك و ينقل ذلك مع القرائن المؤيدة، و هو حال أكثر قصص اللقاء ، و لا يكون هذا أيضاً فيه معارضة للتوقيع، لأنه حذّر عمّن يدّعي المشاهدة كذباً و افتراءاً، إذاً فالنتيجة التي نصل إليها أن الرؤية ممكنة في الغيبة الكبرى، و هو الموافق لجملة كبيرة من علمائنا و ليس فيه معارضة للتوقيع عن الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف، بل هو لا يعارض القول بامكان الرؤية و جوازها.

الهوامش

1- تنزيه الأنبياء الشريف المرتضى 182.

2- تنزيه الأنبياء الشريف المرتضى 183.

3- تلخيص الشافي- الطوسي-: 2222/2226/4.

4- كلمات المحققين: 533.

5- بحار الانوار: 322/35، 323- عن جنة المأوى.

6- الطرائف: ابن طاووس: 2/7.

7- كفاية الأصول: 2291/2.

8- فوائد الأصول: 150/2.

9- بحار الأنوار: 321/35 و قد نقل فيه كتاب- جنة المأوى-للمحدث النوری

10- أصول الفقه- المظفر:462.

11- النجم الثاقب- المحدث النوري- 29/2.

12- نفس المصدر.

13- منتخب الاثر- لطف الله الصافي- 2- 562.

14- النجم الثاقب- المحدث النوري- 41/2 -328 و قد نقل مائة حكاية و علق على أغلب من نقلوا الحكايات بالتوثيق و الاعتبار.

15- تاريخ الغيبة الصغرى- السيد محمّد صادق الصدر- 624.

16- كمال الدين الصدوق: 516/2 ج 44 و في كتاب الغيبة- الوسي: 395 و في كتاب الاحتجاج: 297/2.

17- النجم الثاقب: 403/7.

18- بحار الانوار: 151/52.

19- بحار الأنوار: 151/52.

19-20: و هو المذكور في الجواب الثاني للمحدث النوري النجم الثاقب ج 405 2 كذا و هو قول العلامة الجهرمي في كتاب- رعية الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف للعلماء ص 36 فقد ناقش أن التوقيع ليس فيه ما يمنع من اللقاء بالإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ص 34 و كذا انظر كتاب المنتظر المنتظرون ص 17 و مكيال المكارم ج 2 ص 360/359.

21 - تاريخ الغيبة الصغرى- محمد صادق الصدر: 640/1.

22- الغيبة- الشيخ الطوسي- 395.

23- كمال الدين- الصدوق- 516/2:2 ح 44.

24- كما في رقم 20.

25- الفوائد الرجالية- السيد بحر العلوم- 321-320/3

26- جنة المأوى: 320.

27- النجم الثاقب- المحدث النوري 405/2.

28- الغيبة الصغرى- السيد محمّد صادق الصدرا/ 646،647،649.

29- الغبية الصغری- السيد محمّد صادق الصدرا/ 646،647،649.

30- الغيبة الصغرى- السيد محمّد صادق الصدرا/ 646،647،649.


1) الغيبة الصغرى- السيد محمّد صادق الصدرا/ 646،647،649.

الانتظار

مجلة فصلية تعنى بالشأن المهدوي

العدد السابع عشر. السنة الخامسة. جمادى الآخرة 1430

تصدر عن مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف

السلام عليك ايتها الصدّيقة الشهيدة علیها السَّلام

دراسة حول رؤية الإمام المهدي علیْهِ السَّلام

سماحة السيد ياسين الموسوي

ثانياً: هل يمكن رؤية الامام المهدي علیْهِ السَّلام؟

طبق التصور الواقعي الذي يتحدث عن حياة الامام المهدي علیْهِ السَّلام و إنه يعيش حياة لا يكتنفها الغيب، و لا تحتاج إلى المعجز و خوارق العادات، بل إنه يجري عليه من القضاء ما يجري على غيره من الآدميين بحدود سلامته، و احتفاظه بوضعه الأمني لله و اختفاء هويته عن الآخرين؛ فحينئذٍ يكون لقاؤه بالآخرين أمراً طبيعياً لا يحتاج إلى برهان، و لذلك جاء في بعض الأخبار أنه يحضر الموسم فيراهم و يرونه و لا يعرفونه، كما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في كمال الدين بسند صحيح عالٍ عن محد بن عثمان العمري- النائب الثاني للإمام المهدي علیْهِ السَّلام- أنه قال: وَ اَللَّهِ إِنَّ صَاحِبَ هَذَا اَلْأَمْرِ یَحْضُرُ اَلْمَوْسِمَ کُلَّ سَنَةٍ فَیَرَی اَلنَّاسَ وَ یَعْرِفُهُمْ وَ یَرَوْنَهُ وَ لاَ یَعْرِفُونَهُ. (1)

و روى النعماني رحمه الله في غيبته بسند معتبر عن سدير قال: سمعت أبا عبد الله علیْهِ السَّلام يقول: إن في صاحب هذا الأمر لشبه من يوسف فقلت: فكأنّك تخبرنا بغيبة أو حيرة؟ فقال: ما ينكر هذا الخلق معلون أشباه الخنازير من ذلك؟ إن إخوة يوسف كانوا عقلاء ألبّاء اسباطاً أولاد أنبياء دخلوا عليه فكلّموه و خاطبوه و تاجروه و رادّوه و كانوا إخوته و هو أخوهم، لم يعرفوه حتى عرّفهم نفسه، و قال لهم: أنا يوسف، فعرفوه حينئذٍ، فما تنكر هذه الأمة المتحيرة أن يكون الله جل و عز يريد في وقت من الأوقات أن يستر حجته عنهم، لقد كان يوسف إليه ملك مصر، و كان بينه و بين أبيه مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد أن يعلمه مكانه لقدر على ذلك، و الله لقد سار يعقوب و ولده عند البشارة تسعةأيام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله يفعل بحجته ما فعل بيوسف أن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقّه صاحب هذا الأمر يتردد بينهم و يمشي في أسواقهم ويطاً فرشهم، و لا يعرفونه حتى يأذن الله له


1) كمال الدين- الصدوق : 440/2: باب 43، ح 8|، عنه في البحار: ج 52، ص 152، ح 4.

أن يعرّفهم نفسه، كما أذن ليوسف حتى قال له إخوته: إنك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف (1) و لم نجد عند أحد من علماء الشيعة توقفاً في هذا المقدار من إمكان رؤيته علیْهِ السَّلام بل تحقق رؤيته كما في النص المتقدّم.

و حينئذٍ فمن الطبيعي أن تظهر حالة ادعاء الرؤية و تصديقها و تكذيبها باعتبار اختفاء هويته عن شيعته و السلطات على طول تاريخ غيبته الكبرى؛ كما يحدث عادة عند اختفاء إنسان من أهله و معارفه ، أو عندما يقع إنسان لمطاردة السلطات الأمنية فإننا نجد أن التعقيب و البحث المتواصل سوف يؤدي إلى ظهور حالة من الادعاءات المتناقضة في رؤية ذلك الشخص و أخباره.

و يبدو أن هذه الظاهرة حظيت باهتمام الامام المهدي علیْهِ السَّلام فلذلك حاول أن يسد هذا الباب من البحث و التعقيب فحرّم الإعلان باسمه الشريف علیْهِ السَّلام في المجالس العامة، فقد روى الصدوق رحمه الله تعالى في كتابه كمال الدين بإسناده عن علي بن عاصم الكوفي قال: خرج في توقيعات صاحب الزمان: ملعون. ملعون من سماني في محفل من الناس (2)

و روى أيضاً عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق قال: سمعت أبا علي محمد بن همّام يقول: سمعت محمد بن عثمان العمري قدس سره يقول: خرج توقيع بخط أعرفه من سماني في جمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله (3)

و روي بسند صحيح عن الامام الصادق علیْهِ السَّلام أنه قال: صاحب هذا الأمر رجل لا يسميه باسمه الا كافر (4)

و هكذا فإنه علیْهِ السَّلام حرّم على من يراه و تعرف على شخصه الشريف علیْهِ السَّلام أن يعلن ذلك إلى الآخرين لأجل أن يسد المتابعة و قد جاء إعلان التحريم بصيغة مشددة حينما ذكر الإمام علیْهِ السَّلام أنه كذاب مفتر فإن تكذيب ذلك الشخص سوف يردعه عن الإعلان و يمنعه، فقال علیْهِ السَّلام في التوقيع الذي صدر لنائبه الرابع في الغيبة الصغرى الشيخ علي بن محمد السمري:

بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحِیم

یَا عَلِیَّ بنَ مُحَمَّدٍ السَّمُریَّ، أَعظَمَ اللّهُ أَجرَ إِخوَانِکَ فِیکَ، فَإِنَّکَ مَیِّتٌ مَا بَینَکَ وَ بَینَ سِتَّةِ أَیَّامٍ، فَأَجمِع أَمرَکَ، وَ لَا تُوصِ إِلَی أَحَدٍ یَقُومَ (5مَقَامَکَ بَعدَ وَفَاتِکَ، فَقَد وَقَعَت الغَیبَهُ التَّامةُُ (6)، فَلَا ظُهُورَ إِلَا بَعدَ إِذنِ اللّهِ (تعالى ذكره) (7)، وَ ذَلِکَ بعَدَ طُولِ الأَمَدِ، وَ قَسوَةِ القُلُوبِ، وَ اِمتِلَاءِ الأَرضِ جَوراً، وَ سَیَأتِی (إلی) (8)شِیعَتِی مَن یَدَّعِی المُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَن ادَّعَی المُشَاهَدَةَ قَبلَ خُرُوجِ السُّفیَانِیِّ وَ الصَّیحَةِ، فَهُوَ کَذّابٌ (9)مُفتَرٍٍ، وَ لَا حَولَ وَ لَا قُوَّهَ إِلَا بِاللّهِ العَلِیِّ العَظِیمِ) (10) و قد يلاحظ على هذا التكذيب بأنه تكذيب خلاف الواقع مما يلزم الكذب و يجاب عليه بأجوبة منها: قد يقال بأنه لا مانع من صدور مثل هذا النوع كما صدر من قبل من نبي الله عز و جل يوسف علیْهِ السَّلام عندما خاطب إخوته إِنَّكُمْ لَسارِقونَ (11)، و يحمل على معاني أخرى على نحو التورية فليس هو من نوع الكذب القبيح.

و منها: أنه حكم و بمنظار الهي واقعي على مدّعي المشاهدة بالكذب و ذلك لأن من يدّعي المشاهدة فإنه لم يصل إلى لقائه علیْهِ السَّلام قطعاً لأن


1) الغيبة للنعماني، باب 10 ص 163- 164، و نقله عنه المجلسي في البحار: ج 52 ص 154 ح 9.

2) كمال الدين، الصدوق: ج 2 ص 482، باب 45، ح 1، و نقله عنه المجلسي في البحار: ج 51، ص 23، ح 9.

3) كمال الدين، الصدوق: ج 2، ص 45، باب 45، ح 3، و نقله عنه المجلسي في البحار: ج 51، ص 23 ح 10.

4) کمال الدين، الصدوق: ج 2، ص 648، باب 56، ح 1؛ و نقله عنه المجلسي في البحار: ج 51، ص 33، ح 11.

5) في كمال الدين (يقوم) و في الغيبة للطوسي و الاحتجاج للطبرسي (فيقوم).

6) في بعض نسخ كمال الدين ( الثانية).

7) في بعض نسخ كمال الدين (عز و جل).

8) هذه الزيادة في الاحتجاج، و هي غير موجودة في الغيبة و كمال الدين.

9) هكذا في الغيبة و الاحتجاج و في كمال الدين (كاذب).

10) راجع كمال الدين (الصدوق): ج 2، ص 516، ح 44، الغيبة (الطوسي): ص 395، الطبعة المحققة - الاحتجاج (الطبرسي): ج 2، ص 297، جنة المأوى (النوري): ص 318، البحار: ج 51، ص 260، ح 3-إثبات الهداة (الحر العاملي) ج 3، ص 693، ح 112- الخرائج (الراوندي ): ج 3، ص 1128، الطبعة المحققة. منتخب الأنوار المضيئة (السيد عبد الكريم النيلي) ص 130- الصراط المستقيم (البياضي): ج 2، ص 236- كشف الغمة (الأربلي): ج 2، ص 230- إعلام الورى (الطبرسي): ص 417- ثاقب المناقب (لابن حمزة): ص 464، الطبعة المحققة، و غير ذلك من المصادر الأخرى.

11) يوسف: 70.

الذين يوفقون لنيل هذا المقام الشريف لهم صفات يمتازون بها عن غيرهم و من صفاتهم عدم ادعاء المشاهدة (1)

و لكن لا يتعارض هذا مع ما روي عن أولئك الصادقين من العباد و العلماء و الصالحين الذين وفِّقوا لرؤيته علیْهِ السَّلام؟

و قد تعددت الأجوبة على هذا الاستفهام، و باستقرائها نجدها تنطلق بتفسير النص الشريف بالطرق المتداولة في علوم الحديث من حيث السند و قواعد الدراية و الرجال بالإضافة إلى مناقشة دلالة الرواية من حيث المضمون و المعنى، و أجمع تلك الأجوبة هي التي ذكرها المرحوم آية الله النوري رحمه الله في كتابيه جنة المأوى (2)و النجم الثاقب (3)قال بعد أن ذكر خبر توقيع السمري (رضي الله عنه):

و هذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة و غيرها ممّا هو مذكور في البحار و الجواب عنه من وجوه:

الأول: أنه خبر واحد مرسل، غير موجب علماً، فلا يعارض تلك الوقائع و القصص التي يحصل القطع عن مجموعها بل و من بعضها المتضمن لكرامات و مفاخر لا يمكن صدورها من غيره علیْهِ السَّلام، فكيف يجوز الاعراض عنها لوجود خبر ضعيف لم يعمل به ناقله، و هو الشيخ في الكتاب المذكور كما يأتي كلامه فيه، فكيف بغيره و العلماء الأعلام تلقّوها بالقبول، و ذكروها في زبرهم و تصانيفهم، و معوّلين عليها معتنين بها.

الثاني: ما ذكره في البحار بعد ذكر الخير المزبور ما لفظه: لعلّه محمول على من يدّعي المشاهدة مع النيابة، و إيصال الأخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال السفراء لئلا ينافي الأخبار التي مضت و سيأتي فيمن رآه علیْهِ السَّلام و الله العالم.

الثالث: ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء، قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل المازندراني: فقلت للسيد شمس الدين محمد و هو العقب السادس من أولاده علیْهِ السَّلام: يا سيدي، قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الأمر علیْهِ السَّلام أنه قال: لما أُُمر بالغيبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟ فقال: صدقت إنه علیْهِ السَّلام إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته، و غيرهم من فراعنة بني العباس، حتى أنّ الشيعة يمنع بعضها بعضاً عن التحدث بذكره، و في هذا الزمان تطاولت المدة و أيس منه الأعداء، و بلادنا نائية عنهم، و عن ظلمهم و عنائهم.. الحكاية.

و هذا الوجه كما ترى يجري في كثير من بلادأوليائه علیْهِم السَّلام.

الرابع: ما ذكره العلامة الطباطبائي في رجاله في ترجمة الشيخ المفيد بعد ذكر التوقيعات المشهورة الصادرة منه علیْهِ السَّلام في حقّه ما لفظه: و قد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى، مع جهالة المبلّغ، و دعواه المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصغرى، و يمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، و اشتمال التوقيع على الملاحم و الإخبار عن الغيب الذي لا يطّلع عليه الا الله و أولياؤه بإظهاره لهم، و أن المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام علیْهِ السَّلام و يعلم أنه الحجة علیْهِ السَّلام حال مشاهدته


1) و هناك وجوه أخرى أعرضنا عن ذكرها روماً للاختصار.

2) راجع جنة المأوى: ص 318، المطبوع مع بحار الأنوار: ج 53.

3) ج 2 ص 403- 417، ترجمة و تحقيق ياسين الموسوي.

له، و لم يعلم من المبلّغ ادعاءه لذلك.

و قال رحمه الله في فوائده في مسألة الإجماع بعد اشتراط دخول كل من لا نعرفه: و ربما يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار بقول الإمام عَلَیْهِ السَّلام بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدّة الغيبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه عَلَیْهِ السَّلام فيبرزه في صورة الإجماع، جمعاً بين الأمر بإظهار الحق و النهي عن إذاعة مثله بقول مطلق، انتهى.

و يمكن أن يكون نظره في هذا الكلام إلى الوجه الآتي.

الخامس: ما ذكره رحمه الله فيه أيضاً بقوله: و قد يمنع أيضاً امتناعه في شأن الخواص و إن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار، و دلالة بعض الآثار.

و لعل مردّه بالآثار الوقائع المذكورة هنا و في البحار أو خصوص ما رواه الكليني في الكافي و النعماني في غيبته و الشيخ في غيبته بأسانيدهم المعتبرة عن أبي عبد الله عَلَیْهِ السَّلام أنه قال: لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، و لابد له في غيبته من عزلة، و ما بثلاثين من وحشة.

و ظاهر الخبر كما صرّح بهش رّاح الأحاديث أنه عَلَیْهِ السَّلام يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته، وقيل: إن المراد أنه على هيئة من سنُّه ثلاثون أبداً و ما في هذا السن وحشة؛ و هذا المعنى بمكان من البعد و الغرابة، و هذه الثلاثون الذين يستأنس بهم الإمام عَلَیْهِ السَّلام في غيبته لابد أن يتبادلوا في كل قرن إذ لم يقدّر لهم من العمر ما قدّر لسيّدهم عَلَیْهِ السَّلام ففي كل عصر يوجد ثلاثون مؤمناً ولياً يتشرّفون بلقائه.

و في خبر علي بن إبراهيم بن مهزیار الأهوازي المرويّ في إكمال الدين، و غيبة الشيخ و مسند فاطمة عليها السلام لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري و في لفظ الأخير أنه قال له الفتى الذي لقيه عند باب الكعبة، و أوصله إلى الإمام عَلَیْهِ السَّلام: ما تريد يا أبا الحسن؟ قال: الإمام المحجوب عن العالم، قال: ما هو محجوب و لكن حجبه سوء أعمالكم.. الخبر.

و فيه إشارة إلى أن من ليس له عمل سوء فلا شيء يحجبه عن إمامه عَلَیْهِ السَّلام و هو من الأوتاد أو من الأبدال.

و قال المحقق الكاظمي في أقسام الاجماع الذي استخرجه من مطاوي كلمات العلماء، و فحاوي عباراتهم، غير الإجماع المصطلح المعروف: و ثالثها أن يحصل لأحد من سفراء الإمام الغائب عَلَیْهِ السَّلام، و صلى عليه، العلم بقوله: إما بنقل مثله له سراً، أو بتوقيع أو مكاتبة، أو بالسماع منه شفاهاً، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة، و يحصل ذلك لبعض حملة أسرارهم، و لا يمكنهم التصريح بما اطّلع عليه، و الاعلان بنسبة القول إليه، و الاتكال في إبراز المدعى على غير الاجماع من الأدلة الشرعية، لفقدها.

و حينئذٍ فيجوز له إذا لم يكن مأموراً بالاخفاء، أو كان مأموراً بالاظهار على وجه الافشاء أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج، بصورة الاجماع، خوفاً من الضياع، و جمعاً بين امتثال الأمر بإظهار الحق بقدر الامكان، و امتثال النهي عن إذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان، و لا ريب في كونه حجة أما لنفسه

إذا كانت العلة في استتار الإمام، خوفه من الظالمين، و اتقائه من المعاندين، فهذه العلة زائلة في أوليائه و شيعته، فيجب أن يكون ظاهراً لهم

فلعلمه يقول الإمام عَلَیْهِ السَّلام، و أما لغيره فلكشفه عن قول الإمام عَلَیْهِ السَّلام أيضاً غاية ما هناك أنه يستكشف قول الإمام عَلَیْهِ السَّلام بطريق غير ثابت، و لا ضير فيه، بعد حصول الوصول إلى ما أُُنيط به حجيّة الاجماع، و لصحة هذا الوجه و إمكانه شواهد تدلّ عليه:

منها كثير من الزيارات و الآداب و الأعمال المعروفة التي تداولت بين الإمامية و لا مستند لها ظاهراً من أخبارهم، و لا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الأئمة عَلَیْهِمُ السَّلام و أسرارهم، و لا أمارة تشهد بأن منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه اعتبارية مستحسنة، هي التي دعتهم إلى إنشائها و ترتيبها، و الاعتناء لجمعها و تدوينها كما هو الظاهر في جملة منها، نعم لا تضائق في ورود الأخبار في بعضها.

و منها: ما رواه والد العلامة و ابن طاووس عند السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الاوي.

و منها: قصة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في البحار، و تفسير الأئمة عَلَیْهِمُ السَّلام و غيرها.

و منها ما سمعه منه علي بن طاووس في السرداب الشريف.

و منها ما علّم محمد بن علي العلوي الحسيني المصري في الحائر الحسيني و هو بين النوم و اليقظة، و قد أتاه الامام عَلَیْهِ السَّلام مكرّراً و علّمه إلى أن تعلّمه في خمس ليالي و حفظه ثم دعا به و استجيب دعاؤه، و هو الدعاء المعروف بالعلوي المصري و غير ذلك.

و لعل هذا هو الأصل أيضاً في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطّلع على قول الإمام عَلَیْهِ السَّلام لمّا وجده مخالفاً لما عليه الإمامية أو معظمهم، و لم يتمكن من إظهاره على وجهه، و خشي أن يضيع الحق و يذهب عن أهله؛ جعله قولاً من أقوالهم، و ربما اعتمد و أفتى به من غير تصريح بدليله لعدم قيام الأدلة الظاهرة بإثباته، و لعله الوجه أيضاً فيما عن بعض المشايخ من اعتبار تلك الأقوال أو تقويتها بحسب الإمكان، نظراً إلى احتمال كونها قول الامام عَلَیْهِ السَّلام ألقاها بين العلماء، كيلا يجمعوا على الخطأ، و لا طريق لإلقائها حينئذٍ إلا بالوجه المذكور.

و قال السيد المرتضى في كتاب تنزيه جواب من قال: فإذا كان الامام عَلَیْهِ السَّلام غائباً بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق و لا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده و عدمه... الخ قلنا الجواب أول ما نقوله: إنا غير قاطعين على أن الامام لا يصل إليه أحد، و لا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم، و لا سبيل إلى القطع عليه... الخ.

و قال أيضاً في جواب من قال: إذا كانت العلة في استتار الإمام، خوفه من الظالمين، و اتقائه من المعاندين، فهذه العلة زائلة في أوليائه و شيعته، فيجب أن يكون ظاهراً لهم:

بعد كلام له -و قلنا أيضاً إنه غير ممتنع أن يكون الإمام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، و إن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه و امتناعه، و إنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، و لا سبيل إلى العلم بحال غيره.

و له في كتاب المقنع في الغيبة كلام يقرب مما ذكره هناك.

و قال الشيخ الطوسي رضوان الله عليه في كتاب الغيبة في الجواب عن هذا السؤال بعد كلام له: و الذي ينبغي أن يجاب عن هذا السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أن نقول: إنّا أولاً لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه بل يجوز أن يبرز لأكثرهم و لا يعلم كل إنسان إلا حال نفسه، فإن كان ظاهراً له فعلّته مزاحة، و إن لم يكن ظاهراً علم أنه لم يظهر له لأمر يرجع إليه، و إن لم يعلمه مفصّلاً لتقصير من جهته... الخ.

و تقدّم كلمات للسيد علي بن طاووس تناسب المقام خصوصاً قوله مع أنه عَلَیْهِ السَّلام حاضر مع الله جل جلاله على اليقين و إنما غاب من لم يلقه عنهم، لغيبته عن حضرة المتابعة له، و لرب العالمين.

و فيما نقلنا من كلماتهم و غيرها مما يطول بنقله الكتاب كفاية لرفع الاستبعاد و عدم حملهم الخبر على ظاهره، و صرفه إلى أحد الوجوه التي ذكرناها.

السادس: أن يكون المخفيّ على الأنام، و المحجوب عنهم، مكانه عَلَیْهِ السَّلام و مستقره الذي يقيم فيه، فلا يصل إليه أحد و لا يعرفه غيره حتى ولده، فلا ينافي لقاءه و مشاهدته في الأماكن و المقامات التي قد مر ذكر بعضها،و ظهوره عند المضطر المستغيث به، الملتجئ إليه التي انقطعت عنه الأسباب و أُغلقت دونه الأبواب.

و في دعوات السيد الراوندي و مجموع الدعوات للتلعكبري و قيس المصباح للصهرشتي في خبر أبي الوفا، الشيرازي أنه قال له رسول الله صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ في النوم: و أما الحجة، فإذا بلغ منك السيف للذبح، و أو مأ بيده إلى الخلق ، فاستغث به فإنه يغيثك، و هو غياث و كهف لمن استغاث، فقل: يا مولاي يا صاحب الزمان أنا مستغيث بك، و في لفظ: و أما صاحب الزمان فإذا بلغ منك السيف هنا، و وضع يده على حلقه، فاستعن به فإنه يعينك.

و مما يؤيد هذا الاحتمال ما رواه الشيخ و النعماني في كتابي الغيبة عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عَلَیْهِ السَّلام يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول، حتى يقول بعضهم مات، و يقول بعضهم قتل، و يقول بعضهم ذهب حتى لا يبقى على أمره من أصحابه الا نفر يسير، لا يطّلع على موضعه أحد من ولده، و لا غيره الا الذي (يلي) أمره.

و روى الكليني عن إسحاق بن عمار قال أبو عبد الله عَلَیْهِ السَّلام: لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةٌ، وَ الْأُخْرَى طَوِيلَةٌ: الغيبة الْأُولَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ شِيعَتِهِ، وَ الْأُخْرَى لَا يَعْلَمُ مَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ مَوَالِيهِ.

و رواه النعماني و في لفظه بدون الاستثناء في الثاني، و رواه بسند آخر عنه عَلَیْهِ السَّلام قال: لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةٌ، وَ الْأُخْرَى طَوِيلَةٌ، الْأُولَى

لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ (شِيعَتِهِ)، وَ الْأُخْرَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ إِلَّا (خَاصَّةُ) مَوَالِيهِ فِي دِينِهِ.

و ليس في تلك القصص ما يدل على أن أحداً لقيه عَلَیْهِ السَّلام في مقرّ سلطنته و محل إقامته.

ثم لا يخفى على الجائس في خلال ديار الأخبار أنه عَلَیْهِ السَّلام ظهر في الغيبة الصغرى لغير خاصته و مواليه أيضاً، فالذي انفرد به الخواص في الصغرى هو العلم بمستقره، و عرض حوائجهم عليه عَلَیْهِ السَّلام فيه، فهو المنفي عنهم في الكبرى، فحالهم و حال غيرهم فيها كغيرالخواص في الصغرى، و الله العالم﴾ (1)

و قد نوقشت تلك الأدلة بمناقشات يطول المقام فيها:

منها: مناقشة الخبر بكون خبر واحد، و لكن لا يضر ذلك في حجيته كما هو مثبت في مباحث علم أصول الفقه بحجية خبر الواحد الثقة من حيث الموقف الشرعي.

و كذلك مناقشة سند الحديث حينما وصف بالضعف، و من الواضح أن الوصف بالضعف نشأ من جهالة الراوي الذي روى عنه الصدوق رحمه الله ذلك الخبر و هو أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب؛ و قد أجيب عليه بوجوه منها: أنه من شيوخ الصدوق رحمه الله و قد ترحم عليه في أكثر من موضع و هو يفيد الوثاقة أو الحسن على أقل تقدير، و لكن هذا الوجه لم يبق بلا مناقشة فقد نوقشت الكبرى و هي أصل وثاقة شيوخ الصدوق، كما نوقشت كبرى الترحم و أنها لا تفيد الوثاقة و لا تفيد الحسن.

و من تلك الوجوه ما نراه في تصحيحه أن هذا الخبر يرويه الصدوق عن السمري بواسطة واحدة فقط علماً أن الشيخ الصدوق رحمه الله ولد في الغيبة الصغرى و كان له من العمر يوم وفاة السمري حوالي عشرين سنة، و من البعيد جداً أن يروي الصدوق رحمه الله توقيعاً للناحية المقدسة عن شخص مجهول و بالخصوص أن التوقيع الشريف تضمن أحداثاً خارقة للعادة من السهل أن تظهر كذب صاحبها إذا كانت مخالفة للواقع.

و يمكننا أن نجيب بنحو آخر و هو: إننا ندرس النص الشريف من خلال الظروف و الملابسات التي أحاطت به، بالتوضيح التالي:

أولاً: أن الامام المهدي عَلَیْهِ السَّلام حي موجود يعيش حياة طبيعية و عادية من ولادته و حتى وفاة أبيه الامام الحسن العسكري عَلَیْهِ السَّلام و لكنه و للظروف الأمنية أخفاه عن كثير من الناس و لم يطلع على خبره و شخصه الا القليلين.

ثانياً: إنه عَلَیْهِ السَّلام يتصدى لمقام الإمامة بعد أبيه عَلَیْهِ السَّلام و قد باشر بنفسه القدسية وظائفها الإدارية التي كان يباشرها آباؤه عَلَیْهِمُ السَّلام بقبض الأموال و صرفها في مواردها و الإجابة على الأسئلة و تعيين الوكلاء و ما إلى ذلك.

و من ملازمات هذا التصدي أن يلتقي بالآخرين و يوجههم و يرشدهم كما تحدثنا كثير من روايات الرؤية بذلك بحدود حفظ الحالة السرية و ملاحظة الوضع الأمني الذي كان يهتم به جداً عَلَیْهِ السَّلام.

ثالثاً: إنه فتح بشكل محدود باب اللقاء به، و سمح لبعض الشيعة من الاتصال به ولكن ضيّق ذلك كلما تباعد زمن الغيبة ، فإننا لو أردنا مراجعة جميع الروايات و القصص التي ذكرت


1) جنة المأوى: 318- 325 (المطبوع مع بحار الأنوار ج 53).

للذين رأوه نسبياً في الغيبة الصغرى فإننا نجد أن رؤيته كانت متيسرة في بداية الغيبة الصغرى أما مباشرة في بيت أبيه أو في سر من رأى أو في الموسم، و أما بواسطة سفرائه، و قد كانت تخرج منه الرسائل و الكتب إلى أصحابه و شيعته؛ و لكن بنظرة استقرائية نجد الخط البياني في تنازل حتى كانت الغيبة الكبرى، يعني أن الباب ضيق بشكل ترتيبي فإن من رآه في بداية الغيبة الصغرى أكثر ممن رام لقاءه في وسط الغيبة و هكذا هم بالنسبة للذين عاشوا في الفترة الأخيرة من الغيبة الصغرى. و يرجع السبب في ذلك إلى أن الغيبة الصغرى تعتبر مرحلة تمهيدية لتهيئة الأجواء و الظروف لإيجاد الغيبة الكبرى كما جاء في كثير من الروايات عن النبي و الأئمة عَلَیْهِمُ السَّلام أن مهمة الإمام المهدي الرئيسية التي اخرها الله إليها تبدأ بعد انتهاء الغيبة الكبرى و هي الفترة الأطول من تاريخ الإسلام و المسلمين.

رابعاً: و بقراءة دقيقة لطرق الاتصال بين الشيعة و الإمام عَلَیْهِ السَّلام في طول الغيبة الصغرى نجد أن التوجيه العام الصادر منه كان منصّبا على الرجوع إلى نوابه و وكلائه و عدم السعي للإتصال المباشر به، و لذلك نجده قد أرجع الأموال التي أريد تسليمها له إلى وكلائه لتثبيت هذا الطريق و حصر الاتصال به عن هذا الطريق فقط و إلغاء طريق الاتصال المباشر شيئاً فشيئاً.

فبعدما كان يرغب بعض الشيعة بالاتصال بالإمام و إيصال الأموال إليه كما تشير إليه القضايا الكثيرة المنقولة عن تلك المرحلة؛ و منها ما رواه رئيس المحدثين الشيخ الصدوق في كمال الدين في: أن رجلاً تفكر في رجل يوصل إليه ما وجب للغريم عَلَیْهِ السَّلام، و ضاق به صدره، فسمع هاتفاً يهتف به: أوصل ما معك إلى حاجز.

قال: و خرج أبو محمد السروي إلى سر من رأى و معه مال فخرج إليه ابتداءً: فليس فينا شك، و لا فيمن يقوم مقامنا شك، ورُدَّ ما معك إلى حاجز (1)

و روى أيضاً في كمال الدين عن أبي العباس أحمد بن الخضر بن أبي صالح الخجندي (الجحدري خ.ل) رضي الله عنه أنه خرج إليه من وطنه ليتبيّن له ما يعمل عليه.

و كان نسخة التوقيع: من بحث فقد طلب، و من طلب فقد دل، و من دل فقد أشاط، و من أشاط فقد أشرك قال: فكف عن الطلب و رجع (2)

و روى الشيخ الطوسي رحمه الله في كتابه الغيبة عن محد بن يعقوب، رفعه عن الزهري، قال: طلبت هذا الأمر طلباً شاقاً حتى ذهب لي فيه مال صالح، فوقعت إلى العمري و خدمته و لزمته و سألته بعد ذلك عن صاحب الزمان عَلَیْهِ السَّلام، فقال: ليس إلى ذلك وصول، فخضعت.... الخبر﴾ (3)

نجد أن هذه الحالة خفت شيئاً فشيئاً إلى أن أُُلغيت في أواخر حياة الشيخ الحسين بن روح رضي الله تعالى عنه، و انتهت تماماً في حياة الشيخ السمري رضي الله تعالى عنه لأن المجتمع الشيعي و الفرد الشيعي وصل إلى مرحلة الانسجام الكامل مع الطريقة التي بيّنها الامام الحجة عَلَیْهِ السَّلام بالاتصال بشخصه الشريف


1) كمال الدين /2: 498، ج 23، و نقله عنه المجلسي في البحار: 334:51، ح 58.

2) كمال الدين 509:2، ح 39، و نقله عنه المجلسي في البحار: 340:51، ح 67، و في: 53: 196، ح 22، و رواه الشيخ الطوسي في الغيبة: 323، ح 271، الطبعة المحققة.

3) الغيبة للطوسي: 271، ح 236، الطبيعة المحققة، و تمام الحكاية منقولة في تبصرة الولي الحكاية 68، و نقلها المجلسي في البحار: 52: 15، ح 13؛ و في: 60:83، ح 20.

و هي طريقة الوكلاء و النواب.

خامساً: و لو استقرأنا جميع من رآه في عصر الغيبة الصغرى نجد أن نقل قصة الرؤية و تفصيل اللقاء لم يأخذ مأخذاً مهماً في حياة الآخرين، و لم يؤثر على الحياة العامة، بل إننا و بتتبع تفاصيل تلك القصص المنقولة في الكتب المعتبرة لم نجد اهتماماً من الآخرين بسماع تلك القصص إلا بمقدار ما يثبت صحة وجود الإمام المعصوم المغيَّب عَلَیْهِ السَّلام، ليس إلا لإقامة الحجة على الخصم و لتقر عيون المؤمنين.

و لم نجد شيئاً آخر استتبع ذلك مثل إعطاء وجاهة خاصة، أو مقام خاص لمن رآه، أو العمل بمدعياته، فإن الناس كانوا

مستغنين- في فترة الغيبة الصغرى- عن كل ذلك استغناءً كاملاً و تاماً لأنهم كانوا يؤمنون:

أ: أن الامام المهدي عَلَیْهِ السَّلام موجود، وحي، و أنه يعيش معهم كما كان يعيش آباؤه عَلَیْهِمُ السَّلام بشكل طبيعي، و ضمن الأوضاع السياسية و الاجتماعية العامة.

ب: و كانوا يعتبرون باب لقاءه مفتوحاً يمكن لكل طالب مجدّ في طلبه أن يصل إليه، و قد يكون ذلك بمشقة، أو بسهولة على صور و حالات مختلفة تبعاً لاختلاف الأشخاص و الظروف و المصلحة التي يرتئيها المعصوم، و لكن الشيعة عموماً كانوا لا يسعون إلى ذلك، لأنهم كانوا منهيين عن ذلك، بل أكثر منه و هو معرفة الإسم، أو التصريح به كما هو مصرَّح به في الروايات المتقدمة.

و إذا تتبعنا ما يمكن أن يتصور من دواي تدعو إلى هذا الطلب آنذاك عدة أشياء:

فقد يكون الداعي لمعرفة صحة وجود الإمام المعصوم الحي.

و الشيعي في غنى عن ذلك لأنه يعتقد جازماً بذلك.

و قد يكون الداعي أن يوصل إلى الإمام الحقوق الشرعية. و الشيعي في غنى عن ذلك أيضاً لأنه عَلَیْهِ السَّلام قد نصب وكلاءَ عنه يقومون بهذه المهمة.

و قد يكون الداعي معرفة الموقف السياسي؛ و الشيعي في غنىٍٍٍ عن ذلك أيضاً لأنه عَلَیْهِ السَّلام قد نصب نواباً عنه يقومون بهذا الدور.

و قد يكون الداعي معرفة الحلال و الحرام و حل الشبهات العقائدية و معرفة القضايا الفكرية و ما إلى ذلك.

و الشيعي في غنى عن ذلك أيضاً لأن نوابه عَلَیْهِمُ السَّلام كانوا يقومون بهذا الدور، أو يستعينون أحياناً بتحصيل الجواب منه أما مشافهةً أو كتابةً، و القضية التالية تشير إلى هذه الحقيقة، و نذكرها على نحو المثال و إلا فلو أردنا استتباع مثلها لاحتجنا إلى مجال مستقل.

روى الصدوق عليه الرحمة في كمال الدين و الطوسي في الغيبة عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه، قال:

كنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه، مع جماعة فيهم علي بن عيسى القصري، فقام إليه رجل، فقال له: إني أريد أن أسألك عن شيء.

فقال له: سل عمّا بدا لك.

فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن علي عَلَیْهِما السَّلام، أهو ولي الله؟

فقال: نعم، قال: أخبرني عن قاتله، أهو عدو الله؟ قال: نعم. قال الرجل: فهل يجوز أن يسلط الله عز و جل عدوه على وليه؟

فقال له أبو القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه: افهم عنّي ما أقول لك.. اعلم أن الله عز و جل لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان و لا يشافههم بالكلام، و لكنه جل جلاله يبعث إليهم رسلاً من أجناسهم و أصنافهم بشراً مثلهم، و لو بعث إليهم رسلاً من غير صنفهم و صورهم لنفروا عنهم و لم يقبلوا منهم. فلمّا جاءوهم و كانوا من جنسهم يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق، قالوا لهم: أنتم بشر مثلنا و لا نقبل منكم حتى تأتونا بشيء نعجز أن نأتي بمثله إنكم مخصصون دوننا بما لا نقدر عليه فجعل الله عز و جل لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها، فمنهم من جاء بالطوفان بعد الإنذار و الإعذار، فغرق جميع من طغى و تمرّد، و منهم من أُلقي في الناس فكانت برداً و سلاماً، و منهم من أخرج من الحجر الصلد ناقة و أجرى ضرعها لبناً، و منهم من فلق له البحر، و فجر له من الحجر العيون، و جعل له العصا اليابسة ثعباناً تلقف ما يأفكون، و منهم من أبرأ الأكمه و الأبرص و أحيى الموتى بإذن الله، و أنبأهم بما يأكلون و ما يدّخرون في بيوتهم، و منهم من انشقّ له القمر، و كلّمته البهائم مثل البعير و الذئب و غير ذلك.

فلما أتوا بمثل ذلك و عجز الخلق عن أمرهم و عن أن يأتوا بمثله كان من تقدير الله عز و جل و لطفه بعباده و حكمته أن جعل أنبياءه عَلَیْهِمُ السَّلام مع هذه القدرة و المعجزات في حالة غالبين و في أخرى مغلوبين، و في حال قاهرين و في أخرى مقهورين و لو جعلهم الله عز و جل في جميع أحوالهم غالبين و قاهرين و لم يبتلهم و لم یمتحنهم لا تّخذهم الناس آلهة من دون الله عز و جل و لما عرف فضل صبرهم على البلاء و المحن و الاختبار و لكنه عز و جل جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة و البلوى صابرين، و في حال العافية و الظهور على الأعداء شاكرين، و يكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين و لا متجبرين، و ليعلم العباد أن لهم عَلَیْهِمُ السَّلام إلها هو خالقهم و مدبّرهم فيعبدوه و يطيعوا رسله، و تكون حجة الله ثابتة على من تجاوز الحد فيهم و ادعى لهم الربوبية، أو عائد أو خالف و عصى و جحد بما أتت به الرسل و الأنبياءعَلَیْهِمُ السَّلام لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيِي مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ.

قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه فعدت الى الشيخ أبي القاسم بن روح قدس الله روحه من الغدو و أنا أقول في نفسي أتراه ذكر ما ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه،فابتدأني فقال لي: يا محمد بن إبراهيم، لإن أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبُّ إلي من أن أقول في دين الله عز و جل برأيي أو من عند نفسي، بل ذلك عن الأصل و مسموع من الحجة عَلَیْهِ السَّلام (1)

و وجه الاستشهاد هو آخر كلام الشيخ ابن روح فإنه لا يجيب من عنده و إنما هو واسطة نقل بين الإمام و بين من عنده شبهات عقائدية من شيعته.

و قد يكون الداعي هو الحب و الشوق لرؤية


1) كمال الدين/ الصدوق: 507، الغيبة/ الطوسي: 324- 326، علل الشرائع/ الصدوق: 241.

الإمام و هذا الداعي لا يقتضي الإعلان، بل مع وجود نهي عن الإعلان يبقى اللقاء سراً لا يباح به، و من ذلك نجد أتقياء الشيعة و صلحاءها؛ فمع أنهم- من المقطوع به- كانوا يصلون بخدمته، و يوفقون لرؤيته و بشكل مستمر أحياناً،و لكنهم كانوا يكتمون أكثر ذلك لأن المصلحة الأمنية تقتضي إخفاء تلك النعمة الإلهية و إبقاءها في ما وراء الأستار لا يكشف عنها.

بل إن الوكلاء و النواب أنفسهم كانوا يخفون تلك القضايا حتى على الشيعة خوفاً من الإعلان و الشهرة التي تستتبعها المتابعة و البحث مما يعرّض حياة شخص الإمام عَلَیْهِ السَّلام أو حياة مرافقيه للخطر.

مع أن المقطوع به أنهم كانوا على اتصال دائمي به، و كانت تخرج التواقيع الشريفة على أيديهم، بل كان يخبرهم عَلَیْهِ السَّلام بقضايا كثيرة لم تقع ليخيروا بها قبل وقوعها لتثبيت الحجة، و يربط بها على قلوب الشيعة.

سادساً: و من خلال المقدمة الخامسة يتضح أن مسألة مشاهدة الإمام في عصر الغيبة الصغرى و خصوصاً مع تقادم الزمن أي أواخر سنيّ الغيبة الصغرى لم تكن ذات طابع عام، و لم تحض باهتمام الناس، فإن يقينهم به عَلَیْهِ السَّلام جعلهم بعيدين عن البحث عنه.

كما جعلت عشاق الإمام عَلَیْهِ السَّلام أكثر حرية في ممارسة حقهم الطبيعي في لقاء محبوبهم (أين.. و متى..) من دون أن يقعوا تحت وابل الاستفسارات و الأسئلة، و من دون عناء من الآخرين بخصوص هذا الموضوع.

سابعاً: نعم! إن الذي كان يشغل أذهان الناس بشكل عام هو مواقع الوكالة، أو النيابة الخاصة عنه عَلَیْهِ السَّلام، و لو أن طريقة ارتباط الناس قد اتخذت في أواخر حياة الحسين بن روح، و في حياة علي السمري رحمه الله، شكلاً جديداً يختلف عن الأسلوب الذي كان في حياة العمريين و قسم من حياة ابن روح؛ فقد كان الاتصال بالإمام عَلَیْهِ السَّلام بواسطة نوابه و وكلاءه بينما خفّت أضواء هذه الظاهرة في حياة الحسين بن روح، و أصبحت حالة الارتباط بالوكلاء الذين ينوبون عن السفراء أكثر من ارتباطهم بالنواب، بل نجد أن النائب عَلَیْهِ السَّلام كان يرجع أهل كل منطقة الى الوكلاء الموجودين في تلك المنطقة، و ينصح المراجع بعدم العودة خوفاً على الشهرة و الذياع.

بل إن حالة الإرجاع الى الفقهاء العدول التي كانت موجودة في حياة الأئمة السابقين عَلَیْهِ السَّلام قد تأكدت من بدايات الغيبة الصغرى، و يؤكد هذه الحقيقة التوقيع الشريف الذي خرج من الناحية المقدسة الى إسحاق بن يعقوب و الذي رواه عنه الشيخ الكليني رحمه الله و الناص على قوله عَلَیْهِ السَّلام: ...وَ اَمَّا الحَوادِثُ اَلوَاقِعَةُ فَارجِعُوا فِيهَا اِلَى رُوَاةِ حَديثِنَا فَانَّهُم حُجَّتِّى عَلَيكُم وَ اَنَا حُجَّةُ الله... (1)

و لذلك فإننا نجد الشيعة استفادوا من هذه الطريقة الشريفة لمعرفة أحكامهم الشرعية، و هذا ما يفسر قلّة التواقيع التي صدرت من الحسين بن روح وازدادت قلّة الى حدّ كادت تختفي في حياة الشيخ السمري رضي الله

عنه.


1) كمال الدين/ الصدوق: 484، و رواه الطوسي في: الغيبة: 291/الطبعة المحققة، و للخير مصادر أخرى.

ثامناً: و من مجموع تلك المقدمات فلا يمكننا أن نفسر التوقيع الصادر من الناحية المقدسة على يد السمري المانع للرؤية إشارة الى المشاهدة الشخصية فلم يكن هذا الموضوع يشغل أذهان و أفكار الشيعة، و إنما الممنوع شيء آخر قد أخذ مأخذاً كبيراً من أفكارهم و هو طريق ارتباطهم بإمامهم عَلَیْهِ السَّلام، فهل تستمر الحالة كما هي عليه،أو أن هناك تغيير جذري جديد؟ فجاء التوقيع الصادر منه عَلَیْهِ السَّلام واضحاً جداً حيث بيّن انقطاع السفارة و انتهت بعلي بن محمد السمري و أنه سوف يتوفى ما بينه و بين ستة أيام، وَ أَنَّهُ لَمْ یُؤْمَرْ بِأَنْ یُوصِیَ إِلَی أَحَدٍ بَعْدَهُ فِی هَذَا اَلشَّأْنِ (1)

و بهذا سدّ الطريق على الكذابين و الدجالين الذين سوف يدّعون أن لهم طريق اتصال به عَلَیْهِ السَّلام، و يشاهدونه و بذلك فهو يلغي الوكالة، و الاتصال المستمر، و يسدّ باب اللقاء به ليحمي شيعته من بدع المدّعين للإرتباط، و ذلك لأن لنفس الغيبة مجالات نفوذ قد يتمكن منها الدجالون فيغرروا بعض الشيعة.

و قد سطع التوقيع الشريف بنور الإخبار عن الغيب عندما كتب الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام وَ سَيَأْتي عَلى شيعتي مَنْ يَدَّعِي الْمُشَاهَدَةَ، فإنه يخير عن أمر واقع و حادث مستقبلي مما يعطي هذا الإخبار الغيبي قوة زائدة لنفس هذا التوقيع الشريف.

و كان الحل لمشكلة الثغرات الطبيعية الناتجة من واقعة الغيبة هو سد باب (الإدعاء بالارتباط) بأن يقول القائل الكاذب الدجال بأنه (رسول الإمام) أو (وصي الإمام)، أو (السفير الخاص للإمام)، أو من أبناءه المرتبطين به.

و بهذا الموقف تمكن الشيعة من الاحتماء من دجل الدجالين على طول فترة الغيبة الكبرى.

و لكن هذا الموقف لم يمنع من إمكان أو وقوع اللقاء به عَلَیْهِ السَّلام الخالي من هذه الدعاوى، و إنما هو لقاء حبيب بحبيبه، و المحتاج بقاضي الحاجات، و المولي بمولاه.

الهوامش


1) الغيبة للطوسي: 394.

(7) كمال الدين- الصدوق: 440/2: باب 43، ح 8، عنه في البحار: ج 52، ص 152، ح 4.

(8) الغيبة للنعماني، باب 10 ص 163- 164، و نقله عنه المجلسي في البحار: ج 52 ص 154 ح 9.

(9) كمال الدين، الصدوق: ج 2 ص 482، باب 45، ح 1، و نقله عنه المجلسي في البحار: ج 51، ص 23، ح 9.

(10) كمال الدين، الصدوق: ج 2، ص 45، باب 45، ح 3، و نقله عنه المجلسي في البحار: ج 51، ص 23 ح 10.

(11) کمال الدين، الصدوق: ج 2، ص 648، باب 56، ح 1؛ و نقله عنه المجلسي في البحار: ج 51، ص 33، ح 11.

(12) في كمال الدين (يقوم) و في الغيبة للطوسي و الاحتجاج للطبرسي (فيقوم).

(13) في بعض نسخ كمال الدين (الثانية).

(14) في بعض نسخ كمال الدين (عز و جل).

(15) هذه الزيادة في الاحتجاج، و هي غير موجودة في الغيبة و كمال الدين.

(16) هكذا في الغيبة و الاحتجاج و في كمال الدين (كاذب).

(17) راجع كمال الدين (الصدوق): ج 2، ص 516، ح 44، الغيبة (الطوسي): ص 395، الطبعة المحققة - الاحتجاج (الطبرسي): ج 2، ص 297، جنة المأوى (النوري): ص 318، البحار: ج 51، ص 260، ح 3-إثبات الهداة (الحر العاملي ) ج 3، ص 693، ح 112- الخرائج (الراوندي ): ج 3، ص 1128، الطبعة المحققة. منتخب الأنوار المضيئة (السيد عبد الكريم النيلي) ص 130- الصراط المستقيم (البياضي): ج 2، ص 236- كشف الغمة (الأربلي): ج 2، ص 230- إعلام الورى (الطبرسي): ص 417- ثاقب المناقب (لابن حمزة): ص 464، الطبعة المحققة، و غير ذلك من المصادر الأخرى.

(18) يوسف: 70.

(19) و هناك وجوه أخرى أعرضنا عن ذكرها روماً للاختصار.

(20) راجع جنة المأوى: ص 318، المطبوع مع بحار الأنوار: ج 53.

(21) ج 2 ص 403- 417، ترجمة و تحقيق ياسين الموسوي.

(22) جنة المأوى: 318- 325 (المطبوع مع بحار الأنوار ج 53).

(23) كمال الدين /2: 498، ج 23، و نقله عنه المجلسي في البحار: 334:51، ح 58.

(24) كمال الدين 509:2، ح 39، و نقله عنه المجلسي في البحار: 340:51، ح 67، و في: 53: 196، ح 22، و رواه الشيخ الطوسي في الغيبة: 323، ح 271، الطبعة المحققة.

(25) الغيبة للطوسي: 271، ح 236، الطبيعة المحققة، و تمام الحكاية منقولة في تبصرة الولي الحكاية 68، و نقلها المجلسي في البحار: 52: 15، ح 13؛ و في: 60:83، ح 20.

(26) كمال الدين/ الصدوق: 507، الغيبة/ الطوسي: 324- 326، علل الشرائع/ الصدوق: 241.

(27) كمال الدين/ الصدوق: 484، و رواه الطوسي في: الغيبة: 291/الطبعة المحققة، و للخير مصادر أخرى.

(28) الغيبة للطوسي: 394.

الفهرس

بحوث علمية في القضية المهدوية- الشيخ نجم الدين الطبسي ... 3

الفصل السادس: السفارة و النيابة الخاصة في عصر الغيبة... 5

المدخل ... 6

المحور الأول: نقل الروايات ... 7

المحور الثاني: الشهرة الروائية/ المحور الثالث: فقه الحديث ... 8

المحور الأول: نقل الرواية ... 9

التحقيق السندي للتوقيع الشريف ... 11

المحور الثاني: الشهرة الروائية/ مصادر الرواية / أ- كمال الدين للصدوق ... 14

ب– الغيبة للشيخ للطوسي / ج- الاحتجاج لأبي منصور الطبرسي ... 15

د- تاج المواليد للطبرسي / ه- إعلام الورى للطبرسي ... 16

و- الخرائج و الجرائح للرواندي/ ز- الثاقب في المناقب لعلي بن أبي حمزة الطوسي ... 16

ح- كشف الغمة للأربلي/ ط- الصراط المستقيم للبياضي ... 16

ي- منتخب الانوار المضيئة للنيلي/ ك - إثبات الهداة للحر العاملي ... 17

ل- بحار الانوار للمجلسي/ م- معادن الحكمة للفيض الكاشاني ... 17

ن- منتخب الأثر للشيخ لطف الله الصافي/ س- معجم أحاديث المهدي ... 17

النتيجة / المحور الثالث: فقه الحديث و أجوبة المحدّث النوري رَحمَه اللهُ ... 18

الجواب الأول ... 19

نقد الجواب الأول/ الجواب الثاني ... 20

الجواب الثالث ... 21

نقد الجواب الثالث ... 22

الجواب الرابع ... 23

الجواب الخامس ... 25

شواهد المحدّث النوري رَحمَه اللهُ ... 27

الشاهد الأول/ النقد ... 28

الشاهد الثاني النقد ... 29

الشاهد الثالث / النقد السندي و الدلالي ... 31

كلمات الأعلام حول إمكان اللقاء بالمهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ... 35

النتيجة ... 37

الجواب السادس ... 38

إشكال السيد الخوئي قُدِّس سِرُّه ... 41

الجواب ... 43

فائدة ... 44

الشاهد الأول: قصة المرجع الكبير السيد أبي الحسن الأصفهاني/ الشاهد الثاني ... 46

خلاصة البحث ... 47

تزييف المهدوية- عبد الهادي الديالي ... 49

الفصل الثاني: بحث في السفارة ... 51

رؤية الإمام المهدي في زمن الغيبة الكبرى- الشيخ محمد جليل الأزير جاوي ... 57

القسم الثاني: تحقيق حول مسألة المشاهدة ... 59

المشاهدة في الغيبة الكبرى ... 62

الفرق بين الرؤيا و المشاهدة ... 63

ذكر من قال باستحالة الرؤيا ... 68

أدلة النافين لرؤيته بعد الغيبة الكبرى ... 72

ذكر من قال بإمكان الرؤية و المشاهدة ... 88

أدلة القائلين بإمكان الرؤية و المشاهدة ... 93

مقارنة بين القولين ... 101

توضيح رأي المحدّث النوري ... 102

الرد على المحدّث النوري ... 104

المهدي الموعود- مركز المعارف للمناهج و المتون التعليمية ... 111

الدرس الخامس عشر: إمكانية رؤية الإمام المهدي في عصر الغيبة الكبرى ... 113

أدلة نفي رؤية الإمام عجَّل الله تعالی فرجه الشریف في الغيبة الكبرى ... 114

المفاهيم الرئيسية ... 116

سفارة البدعة- العتبة الحسينية: شعبة البحوث و الدراسات ... 117

انقطاع السفارة بعد عصر الغيبة الكبرى ... 119

معنى المشاهدة في توقيع السمري ... 125

بعض الأدلة و الشواهد التي تدل أنّ المقصود بالمشاهدة هي النيابة و السفارة ... 126

أنباء الحجة- الشيخ إبراهيم خازم العاملي ... 129

مناقشة مضمونية تمهيدية في خبر السمري ... 131

المطلب الثالث: في إثبات إمكانية المشاهدة ... 135

سند خبر السمري ... 136

دلالة خبر السمري ... 140

الرأي المختار ... 142

جملة من أقوال بعض فقهاء الإمامية في إمكانية المشاهدة ... 148

إقامة الحجة على من أنكر ولادة الحجة- الشيخ جاسم الوائلي ... 153

التوقيع يكذّب أخبار اللقاء قاطبة و من ثمّ فلا تصلح دليلاً على الولادة ... 155

روافد مهدوية- الشيخ حسن عبد الهوادر الأحسائي ... 157

الإشكال الرابع ... 159

الإجماع التشرفي بقاء الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام- السيد محمود المقدس الغريفي ... 163

الإجماع التشرفي ... 165

حقيقة الإجماع التشرفي ... 166

رؤية الإمام المهدي بين الإمكان و المنع ... 180

المهدوية الخاتمة- السيد ضياء الخبّاز: الجزء الأول ... 201

المبحث الثاني: أدلة انقطاع النيابة الخاصة في زمن الغيبة الكبرى ... 203

الدليل الأول: ضرورة المذهب ... 203

الدليل الثاني: التوقيع الخارج لعلي بن محمد السمري ... 204

وجه دلالة التوقيع على انقطاع النيابة الخاصة ... 205

المقدمة الأولى: أنّ الإمام له نحوان من الظهور ... 205

النحو الأول ظهور عام لجميع الناس/ النحو الثاني: ظهور خاص لنوابّه ... 205

المقدمة الثانية: أنّ الظهور المنفي في التوقيع هو النحو الثاني ... 206

التوفيق بين مفاد التوقيع و رؤية بعض الثقات للإمام ... 206

الجواب الأول: أنّ المشاهدة بمعنى الرؤية القطعية اليقينية ... 207

الجواب الثاني: أنّ التكذيب لادّعاء المشاهدة لا للمشاهدة ... 207

الجواب الثالث: المراد من المشاهدة هي النيابة الخاصة ... 208

عودة إلى توقيع السمري و دفع الإشكالات عنه ... 209

الإشكال الأول: أنّ الأصحاب أعرضوا عنه/ جواب الإشكال ... 209

قائمة بأسماء الذين رووا توقيع السمري ... 210

كلمات أعلام القرنين الثالث و الرابع ... 215

كلمات أعلام القرنين الرابع و الخامس ... 217

كلمات أعلام القرن الخامس ... 219

كلمات أعلام القرنين الخامس و السادس ... 220

كلمات أعلام القرن السادس ... 224

كلمات أعلام القرن السابع ... 225

كلمات أعلام القرنين السابع و الثامن ... 226

كلمات أعلام القرنين الثامن و التاسع ... 227

كلمات أعلام القرن التاسع/ العاشر/ العاشر و الحادي عشر ... 228

كلمات أعلام القرن الحادي عشر ... 229

كلمات أعلام القرنين الحادي عشر و الثاني عشر ... 232

كلمات أعلام القرن الثاني عشر ... 235

كلمات أعلام القرنين الثاني و الثالث عشر ... 236

كلمات أعلام القرن الثالث عشر/ كلمات أعلام القرنين الثالث و الرابع عشر ... 238

كلمات أعلام القرن الرابع عشر ... 240

كلمات أعلام القرنين الرابع و الخامس عشر ... 243

الإشكال الثاني: أنّ التوقيع مطعون في سنده/ جواب الإشكال الثاني ... 251

الإشكال الثالث: تشابه متن التوقيع ... 253

جواب الإشكال الثالث ... 254

الإشكال الرابع: أنّ التوقيع غير مسوّر، و هذا يطعن في كليّته ... 256

جواب الإشكال الرابع ... 257

الدعوى الأولى: محل الشاهد من التوقيع قضية مهملة/ جواب الدعوى الأولى ... 257

الدعوى الثانية: الروايات تدل على أنّ التوقيع قضية جزئية لا كليّة ... 261

جواب الدعوى الثانية ... 263

حول رؤية المهدي المنتظر- الشيخ حسين الكوراني ... 267

ثالثاً: حول رؤيته عَلَیْهِ السَّلام ... 269

آداب عصر الغيبة- الشيخ حسين الكوراني ... 293

9- طلب التشرف بلقائه ... 295

الصحيفة المباركة المهدية- السيد مرتضى المجتهدي السيستاني ... 299

دعاؤه في التوقيع إلى علي بن محمد السمري ... 301

أقول: (أل) في (المشاهدة) للعهد الذهني و ليس للجنس أو غيره ... 301

البرهان في الدفاع عن صاحب الزمان- محمد علي محسن ... 303

المطلب الثالث: حول رؤيته في زمن الغيبة الكبرى ... 305

سفراء الإمام المهدي بين الحقائق و الأوهام- الشيخ ضياء الدين الخزرجي ... 307

المبحث الخامس: دراسة و نقد لتوقيع المهدي للسمري بانتهاء الغيبة الصغرى ... 309

أمّا الكلام في المقام الأول [سند التوقيع] ... 310

أمّا الكلام في المقام الثاني [ دلالة التوقيع] ... 313

الأنوار المهدوية- أجوبة المرجع الميرزا جواد التبريزي قُدِّس سِرُّه ... 315

السؤال (23) كيف يتفق التوقيع مع ما ورد بعنوان (من فاز بلقاء الحجة) ... 317

المختار من كلمات الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام- الشيخ محمد الغروي ... 319

(411) من ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصحية فهو كذاب مفترٍٍ ... 321

حصائل الفِكر في أحوال الإمام المنتظر- السيد محمد صالح البحراني ... 323

فكرة (1): تأويل حديث التوقيع ... 325

الموعود (6)- مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ... 329

رؤية الإمام المهدي عَلَیْهِ السَّلام في زمن الغيبة/ الشيخ كاظم القره غولي ... 330

السّنّة ... 331

و الرواية لا تُجدي في المقام نفعاً و لا تصح مستنداً، لوجوه ... 332

الأول: أنّ فيها قرينة على أنّ المراد هو ادّعاء الرؤية مع السفارة ... 332

الثاني: أنّ المشاهدة هنا بمعنى الظهور ... 333

الثالث: القرينة المحتملة تمنع من انعقاد الظهور ... 335

الرابع: القطع بوجود قرينة على الخلاف يمنع انعقاد الظهور ... 337

الخامس: عدم صحة سند الرواية ... 338

السادس: صدور الرواية ليس قطعياً ... 340

السابع: المدّعى يثبت بقطعية الجوانب الثلاثة: الصدور و السند و الجهة ... 341

الثامن: شرائط الحجية لا يمكن لا تثبت في الاعتقاد ... 343

مضافاً إلى أنّ المسالك المعروفة في مسألة الحجية و حقيقتها ثلاثة ... 343

الهوامش ... 350

الموعود (11)- مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ... 351

الأبواب و السفراء موقهم من العقيدة و دورهم في دولة أهل البيت/ حسين الكاشاني ... 352

أدلة انقطاع النيابة الخاصة ... 353

السادس: الروايات الخاصة المصرحة بانقطاع السفارة ... 354

انقطاع السفارة لا يعني انقطاع التشرّفات ... 357

الانتظار (5)- مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ... 361

إمكان رؤية الإمام المهدي في الغيبة الكبرى/ الشيخ رياض الأسدي ... 362

هل يوجد تعارض بين التوقيع و قصص اللقاء؟ ... 364

ناقش التوقيع رأيان: الأول: اعتبر وجود تعارض بين التوقيع و قصص اللقاء ... 365

سند التوقيع ... 365

الرأي الثاني: رد القول بالتعارض بين التوقيع و بين قصص اللقاء ... 366

الهوامش ... 367

الانتظار (17)- مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف ... 369

دراسة حول رؤية الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف/ السيد ياسين الموسوي ... 370

ثانياً: هل يمكن رؤية الإمام المهدي عجَّل الله تعالی فرجه الشریف؟ ... 371

و قد نوقشت تلك الأدلة بمناقشات يطول المقام فيها ... 377

الهوامش ... 383

الفهرس ... 385