ghaemiyeh.com
التّوقَیع الأخَیر
فِي الكتُبِ وَالمُصَنَّفَاتِ
الجُزء الاوَل
إعدَاد وَتَنظِيم
السَيّد مُحمّد السَيّد حُسَين الحَكيم
إشراف وَ تَقديم
مَرکَز الدراسات التخصصیة الامام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
مَرکَز الدراسات التخصصیة الامام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
اسم الكتاب:...التوقيع الأخير في الكتب والمصنفات/ج ا
إعداد وتنظيم:...السيّد محمد السيد حسين الحكيم
اشراف وتقديم...مرکز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف
رقم الإصدار:...202
الطبعة:...الأولى 1445ه
عدد النسخ: ...طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق النجف الأشرف
هاتف: 07809744474
07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
سم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم ومنكري فضائلهم إلى يوم الدين، اللهم عجّل فرج إمامنا الموعود وانصر به الحق وأقم به العدل وأيد به الدين وادفع به الظلم عن المؤمنين.
اللّهم أرنا ذلك اليوم قريباً واجعلنا من أعوانه وأنصاره وشيعته الثابتين على موالاته والمتشرّفين ببيعته.
لا شك في أنّ قيمة العقيدة والإيمان تمثلّ للإنسان المؤمن فصله الحقيقي فيه يكون وجيهاً عند الله سبحانه وتعالى وعند أهل البيت علیهم السّلام وينبغي ألّا يدخر جهداً ولا يتوانى للحظة في بحثه عن عقيدته وضبطها والاستدلال عليها والدفاع عنها ودفع الشبهات المثارة حولها.
الحاجة الملحّة للقيام بهذه المهمة مع كثرة الكتب المنتشرة والبحوث والمقالات وضياع المصادر في بعض الأحيان وعسر الوصول إلى نسخها المطبوعة ورقياً مع ما يستلزم ذلك من ضياع الجهد الكبير والوقت الكثير وقد لا يوفّق بعض الباحثين في العثور على ما يهمّ بحثهم إلّا بعد إنجازه والفراغ عنه، لأجل هذا، ولأجل غيره، قام مركزنا (مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف) بجمع ما وقع تحت يده من كتب مختصة بالإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف أو فصول أو أبواب أو بحوث تحت عناوين محددة، فضلاً عما دونته المجلات العلمية والتخصصّية من بحوث ومقالات وغيرها، وتبويبها وتسهيل الوصول إليها من
خلال منهجة وفهرسة تضمّنت الإشارة التفصيلية إلى جميع ما يرتبط بالفصل أو المسألة أو التفريعات التي يبحث عنها الكاتب أو الباحث.
وكانت طريقة الاستلال من الكتب التي استخرجت منها الفصول أو المسائل أو البحوث أو المقالات هي بأخذ صورة للكتاب والفصل الذي تعرّض فيه المؤلف إلى البحث المعيّن، ثم بتصوير صفحات البحث كاملة وبنفس الترقيم الموجود في الكتاب دون إجراء أي تغيير لأجل تصحيح الاستشهاد من قِبل الكتّاب والمؤلفين وتسهيل عملية الإرجاع وضبط المصادر عند الاعتماد على هذه الموسوعة في كتاباتهم وتأليفاتهم.
ولتوضيح المسألة بمثال حيّ فإنّ البحوث المرتبطة بولادة الإمام عجل الله تعالی فرجة الشریف من كتاب الغيبة لشيخ الطائفة قدس سره عندما قمنا باستلالها وإدراجها في هذه الموسوعة في الفصل المختص ببحوث الولادة فإنّنا قمنا بأخذ صورة لكتاب الغيبة لكي يتبيّن للمؤلف والباحث النسخة التي اعتمدنا عليها والجهة التي حققت الكتاب والطبعة، ثم نأخذ صوراً لبحث الولادة الذي ذكره شيخ الطائفة قدس سره بنفس الصفحات الموجودة في الكتاب من تلك الطبعة، وبذلك قد جعلنا نفس المصدر الذي اعتمدناه تحت يد المؤلف والكاتب فله الحق في الإرجاع وكأنّما يقرء من كتاب الغيبة مباشرة.
فيتجلى الهدف بوضوح من وراء هذا العمل الكبير والمهم في رفد الكتّاب والمؤلفين بجميع المصادر المتاحة فيما يرتبط ببحثهم، فيمكن لهم الرجوع إلى هذه الموسوعة وكأنهم يقرؤون عدة موسوعات وكتب ومقالات وبحوث في كتاب واحد، فهو ادّخار للجهد والوقت وغير ذلك.
وبين يديك عزيزي القارئ موسوعة (التوقيع الأخير في الكتب والمصنّفات) في مجلدين فعلاً، قابلة للزيادة وهي من تنظيم وإعداد السيد محمد السيد حسين الحكيم وبإشراف وتقديم مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف.
كما قد بلغ عدد الكتب التي بحث فيها عن مسألة (التوقيع الأخير) وتفرّعاتها أكثر من (850) كتاباً فعلاً.
فيما بلغ عدد الكتب التي استلت منها البحوث المرتبطة بمسألة (التوقيع الأخير) (38) مصدراً قابلاً للزيادة بعد العثور على مصادر أخرى لم تُذكر هنا.
ومن الله نسأل أن يزيد في توفيق السيد الجليل (محمد الحكيم) حيث بذل جهداً كبيراً ومشكوراً لتنظيم هذه الموسوعة وغيرها، كما نسأله تعالى أن يوفقنا جميعاً لخدمة المولى صاحب العصر والزمان عجل الله تعالی و فرجة الشریف وأن نكون من أنصاره وأعوانه وشيعته والمستشهدين تحت لوائه.
مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف
رمضان المبارك / 1445ه
الشيخ الصَّدُوق رَحَمِهُ الله
اَلجُزء الثّاني
تقرعُ وتحقيقُ
مَرکَز الدراسات التخصصیة الامام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
مَرکَز الدراسات التخصصیة الامام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
اسم الكتاب: ...كمال الدين وتمام النعمة/الجزء الثاني
تأليف: ... الشيخ الصدوق رحمة الله
تقديم وتحقيق: ...مَرکَز الدراسات التخصصیة الامام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
رقم الإصدار:...258
الطبعة:...الأولى 1442ه
عدد النسخ:...1000
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق-النجف الأشرف
هاتف: 07809744474-07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
254...کمال الدّین و تمام النعمة/(ج2)
[44/466] حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُكَتِّبُ، قَالَ: كُنْتُ بِمَدِينَةِ السَّلَام فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا الشَّيْخُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّد السَّمُرِيُّ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ)، فَحَضَرْتُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ، فَأَخْرَجَ إِلَى النَّاسِ تَوْقِيعاً نُسْخَتُهُ:
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَع أَمْرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ يَقُومُ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ الثَّانِيَةُ(1)، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ عَزوجَل، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَامْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوْراً، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المَشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ ادَّعَى الْمَشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ»(2).
1) (3) في بعض النُّسخ: (الغيبة التامَّة).
2) (4) قال العلامة المجلسي رحمة الله في بحار الأنوار (ج 52/ص 151): (بيان: لعلَّه محمول على من يدَّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه علیه السَّلام إلى الشيعة على مثال السفراء، لئلَّا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه علیه السَّلام والله يعلم).
الباب (45): ذكر التوقيعات الواردة عن القائم علیه السَّلام...255
قَالَ: فَنَسَحْنَا هَذَا التَّوْقِيعَ وَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بنَفْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ وَصِیُّكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ: الله أمرٌ هُوَ بَالِغُهُ، وَمَضَى رَضی الله عَنه، فَهَذَا آخِرُ كَلَام سُمِعَ مِنْهُ(1).
1) (1) رواه الطوسي رحمة الله في الغيبة (ص 395/ ح 365)، والطبرسي رحمةالله في إعلام الورى (ج 2 /ص260)، وابن حمزة رحمةالله في الثاقب في المناقب (ص 603 و 604/ ح551/ 15)، والراوندي رحمةالله في الخرائج و الجرائح ( ج 3/ ص 1128 و 1129/ ح 46)، وأحمد به عليَّ الطبرسي رحمةالله في الاحتجاج (ج 2 ص 297).
تأليف العالم الرباني شيخ الطائفة
أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (قُدس سرة)
إن كُنتم مومنين
بقِیّت اَلله خَیرٌلَکُم
حقوق الطبّع مَحفَوظة
الطبّعة الأولى
توزيع :
مكتبة الأداب الشرقية
العراق - النجف الأشرف - سوق الحويش
تلفون : 07904156793 - 07801143722
للطباعة والنشر والتوزيع
لبنان - بيروت ص.ب 25/309 الغبيري
تلفاكس : 541980 1 961+ خليوي. 03/445510
e-mail:alfajrb@yahoo.com
244...کتاب الغیبة
ذكر أمر أبي الحسن عليّ بن محمّد السمّريّ بعد الشّيخ أبي القاسم الحسين بن روح رَضی الله عَنهُ وانقطاع الأعلام به وهم الأبواب
ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية - لعنهم الله...245
وأخبرنا جماعة عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه قال: حَدَّثَني
أبو محمَّد أحمد بن الحسن المكتّب قال: كنت بمدينة السّلام في السنة الَّتي توفّي فيها الشّيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السَّمُريّ رَضی الله عَنه فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى النّاس توقيعاً نسخته:
«بِِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ: يا عليّ بن محمّد السَّمُري أعظم اللهُ أجرَ إخوانك فيك فإنّكَ ميت ما بينك وبين سنة أيَّام فاجمع أمرَك ولا تُوصٍِ إلى أحدٍ فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعتِ الغَيْبَة الثَّامة، فلا ظهور إلاّ بعد إذن الله تَعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي لِشيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألا فَمَنِِ ادَّعَى المشاهدة قبل خروج السُّفيانيّ والصّيحة فهو كَذَّابٌ مفترٍِ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ العَلِيَِّ العَظِيمِ».
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا مِن عنده، فلمّا كان اليوم السّادس عُدنا إليه
246 ...كتاب الغيبة
وهو يُجود بنفسه، فقيل له: مَن وصیُّك من بعدك؟ فقال: اللهِ أَمْرٌ هُوَ بالِغُهُ، وقضى!. فهذا آخر كلام سمع منه - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وأَرْضاهُ - .
المُنتظر الحجة
تَأليفُ
العالم الرَّباني شَيخ الطََّائِفَةِ
اَبي جَعفر مُحمّد بن الحسَنَ الطوسى قدس سرة
تَقدِيم وَ تحقيق
مَرکَز الدراسات التخصصیة الامام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
مَرکَز الدراسات التخصصیة الامام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
اسم الكتاب: ...كتاب الغيبة
تأليف:...شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس سرة
تقديم وتحقيق: ...مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف
رقم الإصدار:...275
الطبعة :...الأولى 1444ه
عدد النسخ:...طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق- النجف الأشرف
هاتف: 07809744474 - 07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
434...كتاب الغيبة
365 - وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَابَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدِ الحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ المُكَتّبُ، قَالَ: كُنتُ بِمَدِينَةِ السَّلَام في السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيُّ قُدس سرة، فَحَضَرْتُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ، فَأَخْرَجَ إِلَى النَّاسِ تَوْقِيعاً نَسْخَتُهُ:
«بِسمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِي، أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصٍ إِلَى أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ
الفصل السادس: في ذكر طرف من أخبار السفراء الذين كانوا في حال الغيبة....435
اَلله تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَاِمْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوْراً. وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي الْمَشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ ادَّعَى الْمَشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْيَانِيَّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ».
قَالَ: فَنَسَخْنَا هَذَا التَّوْقِيعَ، وَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ وَصِيُّكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ: اللَّه أَمْرُ هُوَ بَالِغُهُ، وَقَضَى، فَهَذَا آخِرُ كَلَامٍ سُمِعَ مِنْهُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ)(1).
1) (1) کمال الدين ( ص 516 / باب 45 / ح 44)؛ ورواه الشيخ الطبرسي رَحمةالله في إعلام الورى (ج 2/ ص 260) عن الصدوق، وابن حمزة في الثاقب في المناقب (ص 603 و 604 / ح 15/551) عن الحسن بن أحمد المكتَّب، والراوندي رحمةالله في الخرائج والجرائح (ج 3/ ص 1128 و 1129/ ح 46) عن ابن بابويه، وأحمد بن عليَّ الطبرسي له في الاحتجاج (ج 2/ ص 297).
الجامعة لِدُری اَخببارُ الأئمّة الأطهار علیهم السّلام
الجُزء الاوَّل
العَلَّامَةُ الشَيخ مُحَمّد باقِر المَجلِسي قدس سرة
اعدَاد
الشَيخ ياسر الصَّالِحي
الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف في بحار الأنوار/ ج (1)
تأليف: العلَّامة الشيخ محمد باقر المجلسي قُدَس سرة
إعداد: الشيخ ياسر الصالحي
الناشر: بيت الثقافة المهدويَّة
الطبعة الثانية: 1442ه
عدد النُّسَخ: 1000
النجف الأشرف
جميع الحقوق محفوظة للناشر
باب (16): أحوال السفراء الذين كانوا في زمن الغيبة الصغرى وسائط بين الشيعة وبين القائم...559
[7/406] الغيبة للطوسي: وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْن عَلِيٍّ ابن الحُسَيْنِ بْن بَابَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدِ الحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ المُكَذِّبُ، قَالَ: كُنْتُ بِمَدِينَةِ السَّلَام فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيُّ
(قَدَّسَ اللهُ رُوحَه)ُ، فَحَضَرْتُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ، فَأَخْرَجَ إِلَى النَّاسِ تَوْقِيعاً نُسْخَتُهُ:
«بِسْم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُريَّ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَأَجْمِعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْن الله تَعَالَى ذِكْرُهُ)، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ وَامْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوْراً، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَن ادَّعَى الْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله العَلِىَّ العَظِيم».
قَالَ: فَنَسَحْنَا هَذَا التَّوْقِيعَ وَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ وَصِبُّكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ: الله أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ، وَقَضَى، فَهَذَا آخِرُ كَلَام سُمِعَ مِنْهُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ)(1).
كمال الدِّين: الحسن بن أحمد المكتب، مثله(2).
560...الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف في بحار الأنوار/ ج (1)
[9/408] الاحتجاج : أَمَّا الأَبْوَابُ المَرْضِيُّونَ وَالسُّفَرَاءُ المَمْدُوحُونَ فِي زَمَن الغَيْبَةِ، فَأَوَّهُمُ : الشَّيْخُ المَوْتُوقُ بِهِ أَبو عَمْرِو عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الْعَمْرِيُّ، نَصَبَهُ أَوَّلاً أبو الحسَن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَسْكَرِيُّ، ثُمَّ ابْنُه أَبو مُحَمَّدِ الحَسَنُ بْنُ عَلىِّ علیهم السَّلام فَتَوَلَّى الْقِيَامَ بِأُمُورِهِمَا حَالَ حَيَاتِهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَامَ بِأَمْرِ صَاحِبِ الزَّمَان علیه السَّلام، وَكَانَتْ تَوْقِيعَاتٌ وَجَوَابَاتُ المَسَائِل تَخْرُجُ عَلَى يَدَيْهِ.
فَلَمَّا مَضَى لِسَبِيلِهِ قَامَ ابْنُهُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ مَقَامَهُ وَنَابَ مَنَابَهُ فِي جَميع ذَلِكَ، فَكَما مَضَى قَامَ بِذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ الحُسَيْنُ بْنُ رَوْحِ مِنْ بَنِي نَوْبَخْتَ فَلَما مَضَى قَامَ مَقَامَهُ أَبُو الْحَسَن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمُريُّ، وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا بِنَضٌ عَلَيْهِ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الزَّمَان علیه السَّلام(1)وَنَصْبِ صَاحِبِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَقْبَل الشَّيعَةُ قَوْهُمْ إِلَّا بَعْدَ ظُهُور آيَةٍ مُعْجِزَةٍ تَظْهَرُ عَلَى يَدِ كُلِّ
1) (3) في المصدر: (الأمر) بدل (الزمان).
باب (16): أحوال السفراء الذين كانوا في زمن الغيبة الصغرى وسائط بين الشيعة وبين القائم...561
وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الْأَمْر لا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِمْ وَصِحَّةِ نتابتهم(1).
فَلَمَّا حَانَ رَحِيلُ أَبِي الحَسَن السَّمُرِيٌّ عَن الدُّنْيَا وَقَرُبَ أَجَلُهُ قِيلَ لَهُ: إِلَى مَنْ تُوصِي؟ أَخْرَجَ(2)تَوْقِيعاً إِلَيْهِمْ نُسْخَتُهُ: «بِسْم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُريَّ ....» إِلَى آخِر مَا نَقَلْنَا عَن الشَّيْخ رحمة الله(3).
الجامعة لِدُری اَخببارُ الأئمّة الأطهار علیهم السّلام
الجُزء اَلثانی
العَلَّامَةُ الشَيخ مُحَمّد باقِر المَجلِسي قدس سرة
اعدَاد
الشَيخ ياسر الصَّالِحي
الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف في بحار الأنوار/ ج (2)
تأليف: العلَّامة الشيخ محمد باقر المجلسي قُدَس سرة
إعداد: الشيخ ياسر الصالحي
الناشر: بيت الثقافة المهدويَّة
الطبعة الثانية: 1442ه
عدد النُّسَخ: 1000
النجف الأشرف
جميع الحقوق محفوظة للناشر
باب (23):
من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى وأنّه يشهد ويرى الناس ولا يرونه وسائر أحواله علیه السَّلام في الغيبة
30... التوقيع الأخير في الكتب والمصنفات/ ج1
[1/621] الاحتجاج: خَرَجَ التَّوْقِيعُ إِلَى أَبي الحَسَن السَّمُرِي: «يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُريَّ اسْمَعْ أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوص إِلَى أَحَدٍ يَقُومُ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْن الله (تَعَالَى ذِكْرُهُ)، وَذَلِكَ بَعْدَ طُول الْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَامْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوِّراً(1)، وَسَيَأْتِي مِنْ شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَن ادَّعَى الْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ»(2).
كمال الدين: الحسن بن أحمد المكتب، مثله(3).
بيان: لعلَّه محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه علیه السَّلام إلى الشيعة على مثال السفراء، لئلَّا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه علیه السَّلام، والله يعلم.
تأليفُ
خاتمة المحدتین آیة الله الشَّيخ حُسَين الطَّبرسی النُّوری (قدس سرة)
تقدم وترجمة وتحقیقُ وَ تعلقُ
السَّيّد ياسين الموُسَوي
الجُزءُ الثّاني
بسم الله الرحمن الرحیم
حقوق الطبع محفوظة للمترجم
ولا يجوز اعادة الطبع الّا باذن خاص من المترجم
اسم الكتاب: النجم الثاقب
المؤلف: الشيخ حسين النوري
تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق: السيد ياسين الموسوي
تنضيد الحروف والإخراج: حيدر الخزرجي
الناشر: أنوار الهدى
المطبعة: مهر - قم المقدسة
عدد الصفحات: 616
المطبوع: 2000
الطبعة: الأولى - 1415 ه ق
السيد محمد السيد حسين الحكيم...33
في الجمع بين الحكايات والقصص المتقدمة وبين ما جاء في تكذيب مدعي المشاهدة له عليه السلام فى الغيبة الكبرى.
كما روى الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كمال الدين ، والشيخ الطوسي رحمة الله عليه(1)في الاحتجاج أنّه خرج التوقيع إلى ابي الحسن السمري:
«يا علي بن محمد السمري اعظم الله أجر اخوانك فيك، فانّك ميّت ما بينك وبين سنة أيام، فاجمع أمرك، ولا توصى إلى أحد يقوم(2)مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة(3)، فلا ظهور الا بعد اذن الله [تعالى ذكره](4)، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي [إلى](5)شيعتي من يدّعي
1) (1) في العبارة سقط والصحيح هو ما في جنة روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الحسن بن أحمد المكتب والطبرسي في الاحتجاج مرسلاً ....).
2) (2) في كمال الدين (يقوم) وفي الغيبة للطوسي والاحتجاج للطبرسي (فيقوم) .
3) (3) في بعض نسخ كمال الدين (الثانية) .
4) (4) في بعض نسخ كمال الدين (عزوجل).
5) (5) هذه الزيادة في الاحتجاج، وهي غير موجودة في الغيبة وكمال الدين.
404...النجم الثاقب ج 2
المشاهدة ، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة ، فهو كذّاب(1)
وقد ابتدأ التوقيع بالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) وقد سقطت من الترجمة.
مفترٍ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم»(2).وقد أشير إلى هذا المطلب بعدة أخبار اخرى(3).
والجواب على هذا الخبر(4)بعدة وجوه:
انّ هذا الخبر ضعيف(5)، بل أنّه خبر واحد ولا يفيد الّا الظنّ ولا يورث الجزم واليقين ، فلا يقدر أن يعارض الوجدان القطعي الذي حصل من مجموع تلك القصص والحكايات، ولو انّه لم يحصل من كلّ واحدة بوحدها، بل انّ في جملة منها كرامات ومعاجز لا يمكن صدورها من غيره عليه السلام، فكيف يصحّ الإعراض عنها لوجود خبر ضعيف لم يعمل به ناقله وهو الشيخ الطوسي في نفس الكتاب، كما يأتي كلامه في
1) (1) هكذا في الغيبة والاحتجاج وفي كمال الدين ( كاذب).
2) (2) راجع كمال الدين (الصدوق): ج 2، ص 516 ، ح 44 - الغيبة (الطوسي): ص 395، الطبعة المحققة - الاحتجاج (الطبرسي): ج 2، ص 297 - جنة المأوى (النوري): ص 318 - البحار: ج 51 ، ص 260، ح 3 - اثبات الهداة (الحرّ العاملي) : ج 3، ص 693 ، ح 112 - الخرائج : (الراوندي) : ج 3، ص 1128 ، الطبعة المحققة - منتخب الأنوار المضيئة (السيد عبد الكريم النيلي): ص 130 - الصراط المستقيم (البياضي): ج 2، ص 236 - كشف الغمة (الأربلي): ج 2، ص 230 - اعلام الورى (الطبرسي): ص 417 - ثاقب المناقب (لابن حمزة) : ص 464. الطبعة المحققة . وغير ذلك من المصادر الأخرى.
3) (3) راجع البحار: ج 52، ص 151 وما بعدها.
4) (4) ولعلّ حصر الجواب على هذا الخبر دون غيره لأن في هذا تصريح وأما في غيره تلميح والله العالم.
5) (5) وضعف الخبر ناشيء من جهالة الراوي (أبو محمد الحسن بن احمد المكتب)، ولو انّه أجيب عليه بوجوه ليس هنا محلّ ذكرها.
الباب الثامن...405
هذا المقام، فكيف بغيره.
وقد قبل العلماء الأعلام من القديم إلى الآن هذه الوقائع واثبتوها في الكتب، واستدلّوا بها، وأخذوها بعضهم عن البعض الآخر، واعتنوا بها، ونقلوا أمثالها عن كلّ ثقة مأمون اطمئنوا بصدق كلامه، وصدقوه وتعاملوا معه كما في القضايا الأخرى.
لعلّ المقصود من هذا الخبر تكذيب من يدعي المشاهدة مع النيابة ، وايصال الأخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال سفرائه الخاصين الذين كانوا له في الغيبة الصغرى.
وهذا الجواب للعلامة المجلسي في كتاب البحار(1).
الجواب الثالث:
ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء وتقدّم ان زين الدين علي بن فاضل المازندراني، قال للسيد شمس الدين: يا سيدي قد روينا عن مشايخنا احادیث رویت عن صاحب الأمر عليه السلام انّه قال: لما أمر بالغيبة الكبرى: مَنْ رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم مَنْ يراه؟
فقال: صدقت أنّه عليه السلام انما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة اعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس ، حتى ان الشيعة يمنع بعضها بعضاً عن التحدّث
1) (1) راجع البحار: ج 52، ص 151، قال رحمه الله بعد أن نقل هذا التوقيع الشريف عن الاحتجاج وكمال الدين: «لعلّه محمول على من يدّعي المشاهدة مع النيابة وايصال الأخبار من جانبه عليه السلام إلى الشيعة على مثال السفراء لئلّا ينافي الأخبار التي مضت وسيأتي فيمن راه عليه السلام والله يعلم» .
406...النجم الثاقب ج 2
بذكره؛ وفي هذا الزمان تطاولت المدة وأيس منه الأعداء وبلادنا نائية عنهم، وعن ظلمهم وعنائهم ... الخ .
وهذا الوجه يجري في اكثر البلاد وأوليائه عليه السلام.
ما ذكره العلامة الطباطبائي بحر العلوم (رحمه الله) قال في رجاله في ترجمة الشيخ المفيد بعد تلك التوقيعات الشريفة التي ذكرناها سابقاً بقوله:
«وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى مع جهالة حال المبلغ ودعواه المشاهدة المنفية بعد الغيبة الكبرى.
ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن ، واشتمال التوقيع على الملاحم والأخبار عن الغيب الذي لا يطّلع عليه الّا الله وأولياؤه بإظهاره لهم.
وانّ المشاهدة المنفية أن يشاهد الامام ويعلم أنه الحجة عليه السلام حال مشاهدته له.
ولم يعلم من المبلغ ادعاؤه لذلك»(1).
وتقدّم ذكر أسباب اعتبار تلك التوقيعات بما لا يحتاج إلى استظهار هذه الاحتمالات.
وقال العلامة المذكور في فوائده في مسألة الاجماع:
«وربما يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الامام عليه السلام بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة ، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه عليه السلام فيبرزه في صورة الاجماع، جمعاً بين الأمر باظهار الحق والنهي عن
1) (1) راجع الفوائد الرجالية (السيد بحر العلوم ): ج 3، ص 320 - 321.
ما قاله العلامة المذكور في الرجال بعد الكلام السابق: « وقد يمنع أيضاً امتناعه في شأن الخواصّ، وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار».
ولعلّ مراده بالآثار هنا الوقائع السابقة والتي من جملتها وقائعه، أو الخبر الذي رواه الحضيني في كتابه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال:
يظهر صاحب الأمر وليست في عنقه بيعة لأحد ولا عهد ولا عقد ولا ذمّة.
يغيب عن الخلق إلى وقت ظهوره.
قال الراوي: يا أمير المؤمنين! لا يرى قبل ظهوره؟
قال: بل يرى وقت مولده، وتظهر براهين ودلائل، وتراه عيون العارفين بفضله الشاكرين الكاملين، ويبشر به من يشكّ فيه(2).
أو انّ المقصود مثل الخبر الذي رواه الشيخ الكلينى والنعماني والشيخ الطوسي بأسانيد معتبرة عن الامام الصادق عليه السلام أنّه قال: « لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولابد له في غيبة من عزلة ، وما بثلاثين من وحشة»(3).
1) (1) راجع جنة المأوى: ص 320.
2) (2) لم نعثر على هذه الرواية فقمنا بترجمتها.
3) (3) راجع الغيبة (الطوسي): ص 162 . ح 121 - الكافي (الأصول): ج 1 ، ص 340. ح 16 - البحار: ج 52، ص 153 0 ح 6 - الغيبة (النعماني): ص 188، باب 10، ح 41 - البحار: ج 52 ، ص 157، ح 20 - اثبات الهداة (الحرّ العاملي) : ج 3، ص 445. باب 32، ح 27 - جنة المأوى: ص 320 - وفى المصادر اختلافات يسيرة.
408...النجم الثاقب ج 2
يعني يستأنس عليه السلام في غيبته بثلاثين نفر من اوليائه وشيعته ، فلا يستوحش من الخلق في عزلته، كما فهمه شارحو الأحاديث من هذه العبارة.
وقال بعضهم: أنّه عليه السلام في سن الثلاثين سنة دائماً، وصاحب هذا السن لا يستوحش أبداً(1)
«كان يستأنس بثلاثين من أوليانه ... وقيل : يحتمل أن يكون المراد أنّه عليه السلام على هيئة مَنْ سنّه ثلاثون سنة أبداً وما في هذا السن من وحشة».
.وهذا المعنى يعيد للغاية.
والظاهر انّ هؤلاء الثلاثين نفر هم الذين يستأنس بهم الامام عليه السلام أيام غيبته ولابدّ أن يبدلوا في القرون والأعصار فانّه لم يثبت لهم من العمر ما ثبت لسيّدهم، فلابدّ أن يوجد في كلّ عصر ثلاثون نفر من الخواص الذي يفوزون بشرف الحضور .
وروى ايضاً الشيخ الطوسي(2)والشيخ الصدوق وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري بأسانيد معتبرة قصة علي بن ابراهيم بن مهزيار وكيفية سفره من الأهواز إلى الكوفة ومنها إلى مكة ، وفحصه هناك عن امام العصر عليه السلام والتقائه في الطواف بفتى فأخذه معه إلى قرب الطائف - بقعة نزهة كثيرة العشب والكلاً - وفي اعلاها التقى بالامام عليه السلام.
وبرواية الطبري أنّه عندما التقى بذلك الفتى الذي هو أحد خواصه بل أحد اقربائه المختصين به قال له ذلك الفتى: ما الذي تريد يا أبا الحسن؟
قال: الامام المحجوب عن العالم.
الباب الثامن...49
قال: ما هو محجوب عنكم، ولكن حجبه سوء أعمالكم ... الخ(1).
وفي هذا الكلام اشارة إلى ان من ليس له عمل سوء وكان عمله وقوله طاهراً ومطهراً من الأرجاس وما ينافي سيرة أصحابه ، فليس هناك ما يحجبه عن لقائه عليه السلام.
وقد صرّح العلماء الأعلام ومهرة فن الأخبار والكلام بامكان الرؤية في الغيبة الكبرى.
وقال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء في جواب من قال: «فاذا كان الامام عليه السلام غائباً بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق، ولا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده وعدمه...»(2).
«قلنا: الجواب: اوّل ما نقوله: أنّا غير قاطعين على انّ الامام لا يصل إليه أحد، ولا يلقاه بشر ، فهذا أمر غير معلوم، ولا سبيل إلى القطع عليه ... الخ»(3).
وقال ايضاً في جواب من قال: إذا كانت العلّة في استتار الامام خوفه من الظالمين، واتّقائه من المعاندين، فهذه العلّة زائلة في أوليائه وشيعته، فيجب أن يكون ظاهراً لهم(4).
وقال بعد كلام له: «وقلنا ايضاً أنّه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، فانّ هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وانما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له الى العلم بحال غيره»(5).
وقال في كتاب المقنع وهو مختصر في الغيبة قريباً من هذا المضمون.
410...النجم الثاقب ج 2
وقال الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة في الجواب عن هذا السؤال بعد كلام له:
«والذي ينبغي أن يجاب عن هذا السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أن نقول: إنّا أولاً لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه بل يجوز أن يبرز لأكثرهم ولا يعلم كلّ انسان الّا حال نفسه، فان كان ظاهراً له فعلته مُزاحة، وان لم يكن ظاهراً علم انّه انّما لم يظهر له لأمر يرجع اليه(1)، وان لم يعلمه مفصلاً لتقصير من جهته ... الخ»(2).
تقدّم كلام الشيخ منتجب الدين في الحكاية الرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين، والرابعة والخمسين، وعدّة ثلاثة من العلماء ممن شاهده ومن سفرائه .
وتقدّم ايضاً عن العلامة في الحكاية السابعة والخمسين مثل ذلك.
وادّعى السيد رضي الدين علي بن طاووس في عدّة مواضع من كتاب كشف المحجة كناية وتصريحاً بما يناسب هذا المقام وقال في موضع منها:
«واعلم يا ولدي محمد-ألهمك الله ما يريده منك ويرضى به عنك-انّ غيبة مولانا (المهدي) صلوات الله عليه التي حيرت المخالف والمؤالف هي من جملة الحجج على ثبوت امامته وامامة آبائه الطاهرين صلوات الله على جدّه محمد وعليهم أجمعين، لأنك اذا وقفت على كتب الشيعة أو غيرهم مثل كتاب الغيبة لابن بابويه، وكتاب الغيبة للنعماني، ومثل كتاب الشفاء والجلاء، ومثل كتاب أبي نعيم الحافظ في أخبار المهدي ونعوته وحقيقة مخرجه وثبوته، والكتب التي أشرت إليها في كتاب (الطرائف) وجدتها أو اكثرها تضمّنت قبل ولادته أنه يغيب عليه السلام غيبة طويلة حتى يرجع عن امامته بعض من كان يقول بها، فلو لم يغب هذه الغيبة كان طعناً في امامة آبائه وفيه فصارت الغيبة حجة لهم عليهم السلام وحجة على مخالفيه في ثبوت امامته وصحة غيبته مع انّه عليه السلام حاضر مع الله جلّ جلاله على اليقين وانما غاب من لم يلقه عنهم
الباب الثامن...411
لغيبتهم عمن حضره للمتابعة له ولربّ العالمين»(1).
وقال في موضع آخر:« فان أدركتُ يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الأسرار عليك عَرَّفْتُكَ مِنْ حديث المهدي صلوات الله عليه ما لا يشتبه عليك وتستغني بذلك عن الحجج المعقولات ومن الروايات ، فأنه صلى الله عليه حي موجود على التحقيق ومعذور عن كشف أمره إلى أن يؤذن له تدبير الله الرحيم الشفيق ، كما جرت عليه عادة كثير من الأنبياء والأوصياء ، فاعلم ذلك يقيناً واجعله عقيدة وديناً ، فانّ أباك معرفته أبلغ من معرفة ضياء شمس النهار»(2).
وقال في موضع آخر بعد تعليم ولده كيفية عرض حاجاته عليه عليه السلام:
«واذكر له ان أباك قد ذكر لك أنّه أوصى بك إليه وجعلك بإذن الله جلّ جلاله عبده وانني علقتك عليه فانه يأتيك جوابه صلوات الله وسلامه عليه.
و مما أقول لك يا ولدي محمد - ملأ الله جل جلاله عقلك وقلبك التصديق لأهل الصدق والتوفيق في معرفة الحق - ان طريق تعريف الله جل جلاله لك بجواب مولانا (المهدي) صلوات الله وسلامه على قدرته جلّ جلاله ورحمته، فمن ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في كتاب (الوسايل) عمّن سماه، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام ان الرجل يجب أن يفضي إلى امامه ما يجب أن يفضي به إلى ربّه، قال: فكتب ان كانت لك حاجة فحرك شفتيك فانّ الجواب يأتيك، ومن ذلك ما رواه هبة الله بن سعيد الراوندي في كتاب (الخرائج) عن محمد بن الفرج، قال: قال لي علي بن محمد عليها السلام: إذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها وضع الكتاب تحت مصلاك ثم اخرجه وانظر فيه.
قال: ففعلت، فوجدت جواب ما سألت عنه، موقعاً فيه.
412...النجم الثاقب ج 2
وقد اقتصرت لك على هذا التنبيه والطريق مفتوحة إلى إمامك عليه السلام لمن يريد الله جلّ شأنه عنايته به وتمام احسانه اليه»(1).
وقال الشيخ المحقق الجليل الشيخ أسد الله الشوشتري الكاظميني في كتاب كشف القناع في ضمن أقسام الاجماع غير الاجماع المصطلح عليه:
وثالثها أن يحصل لأحد من سفراء الامام الغائب عجل الله فرجه وصلى عليه العلم بقوله اما بنقل مثله له سرّاً، أو بتوقيع أو مكاتبة، أو بالسماع منه شفاهاً، على وجه لا ينا في امتناع الرؤية في زمن الغيبة ، ويحصل ذلك لبعض حملة أسرارهم، ولا يمكنهم التصريح بما اطّلع عليه، والاعلان بنسبة القول إليه، والاتّكال في ابراز المدّعى على غير الاجماع من الأدلة الشرعية، لفقدها.
وحينئذٍ فيجوز له إذا لم يكن مأموراً بالإخفاء ، أو كان مأموراً بالإظهار لا على وجه الافشاء أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج ، بصورة الاجماع، خوفاً من الضياع و جمعاً بين امتثال الأمر بإظهار الحق بقدر الامكان، وامتثال النهي عن اذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان، ولا ريب في كونه حجة اما لنفسه فلعلمه بقول الامام عليه السلام، وأمّا لغيره فلكشفه عن قول الامام عليه السلام ايضاً غاية ما هناك أنّه يستكشف قول الامام عليه السلام بطريق غير ثابت، ولا ضير فيه، بعد حصول الوصول إلى ما أُنيط به حجّيّة الاجماع، ولصحّة هذا الوجه وامكانه شواهد تدلّ عليه:
منها كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الامامية ولا مستند لها ظاهراً من أخبارهم ، ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الائمة عليهم السلام وأسرارهم، ولا امارة تشهد بأنّ منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه اعتبارية مستحسنة، هي التي دعتهم إلى إنشائها وترتيبها، والاعتناء لجمعها وتدوينها كما هو
1) (1) راجع كشف المحجة (السيد ابن طاووس): ص 153 - 154.
الباب الثامن...413
الظاهر في جملة منها، نعم لا نضائق في ورود الأخبار في بعضها.
ومنها ما رواه والد العلامة وابن طاووس عن السيد الكبير العابد رضيّ الدين محمد بن محمد الآوي، إلى آخر ما مرّ في الحكاية الحادية والعشرين.
ومنها قصة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في البحار، وتفسير الائمة عليهم السلام وغيرها.
ومنها ما سمعه منه علي ّبن طاووس في السّرداب الشريف.
ومنها ما علّم محمد بن علي العلويّ الحسيني المصري في الحائر الحسيني في الحكاية الثالثة والعشرين وغير ذلك.
ولعلّ هذا هو الأصل ايضاً في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطلع على قول الامام عليه السلام لمّا وجده مخالفاً لما عليه الامامية أو معظمهم، ولم يتمكّن من اظهاره على وجهه، وخشي أن بضيع الحق ويذهب عن أهله، جعله قولاً من أقوالهم، وربما اعتمد عليه وأفتى به من غير تصريح بدليله لعدم قيام الأدلة الظاهرة باثباته، ولعلّه الوجه ايضاً فيما عن بعض المشايخ من اعتبار تلك الأقوال أو تقويتها بحسب الامكان، نظراً إلى احتمال كونها قول الامام عليه السلام ألقاها بين العلماء، كيلا يجمعوا على الخطأ، ولا طريق لا لقائها حينئذٍ الّا بالوجه المذكور»(1)
ولكن في المصدر المطبوع بالطبعة الحجرية اختلافات كثيرة فارتأينا نقل الأصل للجمع بينهما وهو أولى من التهميش بموارد الاختلاف لكثرتها:
قال في كشف القناع عن وجوه حجية الاجماع (الشيخ أسد الله التستري الكاظمي): ص 230 و 231، الطبعة الحجرية:
الثاني عشر: من وجوه الاجماع وهو ملحق بها صورة أن يحصل لبعض حملة اسرار الائمة عليهم السلام العلم بقول الامام الغائب بعينه بنقل أحد سفرائه وخدمته سرّاً على وجه يفيد اليقين، أو بتوقيعه ومكاتبته كذلك، أو بسماعه منه مشافهةٌ على وجه لا ينا في امتناع الرؤية في زمن الغيبة فلا يسعه التصريح بما اطلع عليه والاعلان بنسبة القول إليه ولا يجد في سائر الادلة الموجودة العلمية ما ينهض اثبات ذلك بناءً على امكان فقد ولاها في غيرها أيضاً من الادلة ما يقتضيه بناءً على الاكتفاء بها والاستغناء بها عما عداها والا لم يجد من عداه اعلامه بما بدا له مع عدم ايجابه العلم وله لو وجد غيره مما ذكر لم يحتج إليه الا من باب التأييد والتقوية ، فاذا كان الحال كما ذكر وكان غير مأمور بإخفاء ما وقف عليه وكتمانه عن سائر الناس على الاطلاق أو مأموراً بإظهاره بحيث لا ينكشف حقيقة الحال فيبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة الاجماع خوفاً من الضياع وجمعاً بين الامثال لما ورد من الأمر باظهار الحق وتشييده بحسب الامكان، وما ورد من النهي عن اذاعة مثله لغير اهله ولا سيما إذا ادى اظهاره على وجهه إلى تكذيبه وعدم الاعتماد على نقله، فيفوت الغرض من ابرازه المأمور به عموماً أو خصوصاً فلابد حينئذ من وقوع اتفاق مع ذلك بحيث يوجب صحة ما يختاره من الكلام لتزويج الكلام أو التعبير بما يقتضي التباس المقصود منه على الافهام، ولا ريب ان حصول العلم لبعض الخواص بقول الامام عليه السلام على نحو ما ذكر أمر يمكن في نفسه، ولوقوعه شواهد من الأخبار والآثار ويجوز له التوسل في اظهاره بما قلنا حيث لم يكن مأموراً بستره مطلقاً ولا يمنع منه الأمر بستره عن الأعداء أو عمّن لا يحمل ذلك، كما لا يخفى ، فيكون حجّة على نفسه لكونه من السنة وعلى غيره بعد ابرازه على نحو ما ذكر لكونه من الاجماع وربما يكون هذا هو الأصل في كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الامامية ولا مستند لها ظاهراً من أخبارهم ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الائمة وأسرارهم ولا امارة تشهد بأن منشأها أخبار مطلقة أو وجوه اعتبارية مستحسنة هي التي دعتهم إلى انشائها وترتيبها والاعتناء بجمعها وتدوينها، كما هو الظاهر في جملة منها ، فتكون كما روى والد العلامة وابن طاووس طاب ثراهما عن السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الأوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدس الغروي قدس الله روحه عن صاحب الزمان صلوات الله عليه في طريق الاستخارة بالسبحة وغيره ايضاً على ما يظهر من كلام الشهيد وكما هو مروي عنه في قصة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في البحار وتفسير الائمة عليهم السلام وغيرهما وكما سمعه منه ابن طاووس في السرداب الشريف وكما علمه عليه السلام محمد بن علي العلوي الحسني المصري في حائر الحسين عليه السلام وهو بين اليقظان والنّائم وقد أتاه الامام عليه السلام مكرراً وعلمه ، إلى أن تعلمه في خمس ليال وحفظه ثمّ دعا به واستجيب دعاءه وهو دعاء العلوي المصري المعروف وكغير ذلك ممّا يقف عليه المتتبع ويحتمل أن يكون هو الأصل ايضاً في كثير من الأقوال المجهولة القائل فيكون المطلع على قول الامام عليه السلام لمّا وجده مخالفاً لما عليه الاماميّة ومعظمهم ولم يتمكّن من اظهاره على وجهه وخشي أن يضيع الحق ويذهب عن أهله جعله قولاً من أقوالهم وربما اعتمد عليهم وافتی به من غير تصريح بدليله لعدم قيام الأدلة الظاهرة باثباته بناء على امكان ذلك كما مرّ ولعل هذا الوجه فيا تقدّم في الوجه الثاني عن بعض المشايخ من الاعتبار لتلك الأقوال والميل إليها وتقويتها بحسب الامكان لاحتمال كونها أقوال الامام ألقاها بين العلماء لئلا يجمعوا على الخطأ فيكون طريق القائها وهو ما ذكرنا إذ لا يتصوّر غيره ظاهراً وقد مرّ الكلام.
انتهى .1) (1) راجع جنة المأوى : ص 321 - 322.
414... النجم الثاقب ج 2
الباب الثامن...415
وفي هذه الكلمات مناقشات ليس هنا محل ذكرها ولا تضرّ بأصل المقصود بنسبة امكان الرؤية في الغيبة الكبرى بجميع اقسامها إلى بعض العلماء الأعلام، كما يظهر من الكلمات المذكورة وغيرها مما يوجب نقلها التطويل.
انّ المخفي والمستور عن الأنام انمّا هو مكانه ومستقره عليه السلام، فلا طريق لأحد إليه ولا يصل إليه بشر ، ولا يعرفه أحد حتى خواصه وأولاده؛ فلا ينافي لقائه ومشاهدته عليه السلام في الأماكن والمقامات التي مرّ ذكر بعضها، مع ظهوره عليه السلام عند المضطر المستغيث به الملتجئ إليه الذي انقطعت عنه الأسباب والواله في وادي الشبهات، والحيران في مهالك الفلوات، كما سوف يأتي بأن اجابة الملهوف واغاثة المضطر احدى مناصبه عليه السلام.
ويؤيد هذا الاحتمال الخبر المروي في الكافي عن اسحاق بن عمّار انّه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: للقائم غيبتان احداهما قصيرة والأخرى طويلة.
الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها الا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها الّا خاصة مواليه(1).
1) (1) راجع الكافي - الأصول - (الكليني): ج 1، ص 340، كتاب الحجة، باب في الغيبة، ح 19.
416...النجم الثاقب ج 2
وروى الشيخ الطوسي(1)والشيخ النعماني(2)في كتاب الغيبة بسند معتبر عن المفضّل بن عمر انّه قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: انّ لصاحب هذا الأمر غيبتين احداهما تطول حتى يقول بعضهم مات، ويقول بعضهم قتل، ويقول بعضهم ذهب، حتى لا يبق على أمره من أصحابه الا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولده، ولا غيره الّا [المولى](3)الذي يلي أمره(4).
وروى الشيخ النعماني عن اسحاق بن عمّار انّه قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول:
«للقائم غيبتان احداهما طويلة ، والأخرى قصيرة، فالأولى يعلم بمكانه فيها خاصة من شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة مواليه في دينه»(5).
ولا يخفى انّ خبر اسحاق هذا هو نفس خبر اسحاق المروي في الكافي، وفي بعض النسخ كما ذكرناه، وفي بعضها يطابق نسخة الكافي، وفي النسختين جواب لأصل المقصود، فعلى خبر الكافي ففيه دلالة على ان خاصة مواليه يعلمون بمستقره ومكانه عليه السلام في الغيبة الكبرى، وهو يؤيد الجواب الخامس.
1) (1) راجع الغيبة (الطوسي): ص 162، الطبعة المحققة - وص 102، الطبعة غير المحققة.
2) (2) راجع الغيبة (النعماني): ص 171، الباب العاشر، فصل، ح 5.
3) (3) سقطت من الترجمة.
4) (4) راجع الغيبة (الطوسي): ص 102، الطبعة الأولى - الغيبة (الطوسي). ص 162، الطبعة المحققة - الغيبة (النعماني): ص 171 - اثبات الهداة (الحر العاملي): ج 3، ص 500، ح 280 - البحار (المجلسي ): ج 52، ص 152 - منتخب الأنوار المضيئة (السيد عبد الكريم النيلي): ص 81 - منتخب الأثر (الشيخ لطف الله الصافي): ص 253، ح 9 وغير ذلك.
5) (5) راجع الغيبة (النعماني): ص 170. ح 1 - وقد وقع اشتباه من الرواة في التقديم والتأخير. ويدل عليه ما رواه النعماني في الغيبة: ص 170، الحديث الثاني بعد هذا الحديث عن اسحاق بن عبار قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: «للقائم غيبتان احداهما قصيرة، والأخرى طويلة [الغيبة] الأولى لا يعلم بمكانه [فيها] إلّا خاصّة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه [فيها] إلّا خاصة مواليه في دينه».
الباب الثامن...417
وعلى بعض نسخ النعماني فيكون المقصود منها ان خاصته في ذلك الوقت لا يعلمون بمحل اقامته عليه السلام فهي لا تنفي المشاهدة والرؤية في الأماكن الأخرى، وليس في القصص المتقدّمة دلالة على ملاقات أحد له عليه السلام في ذلك المحل، والله تعالى هو العالم.
مؤسسة المعارف الإسلامية
الجزء السادس
معجم أحاديث الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجة الشریف/ تأليف ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية
قم: بنیاد معارف اسلام، 1386/ 8 ج.
(دوره) 6 - 63 - 7777-964-978 :ISBN
(ج6)ISBN: 978-964-7777-69-8
فهرستنویسی بر اساس اطلاعات فيپا.
کتابنامه بصورت زیرنویس.
1 - محمد بن حسن، امام دوازدهم عجل الله تعالی فرجة الشریف، 255 ق.- احاديث - فهرستها.
1 - محمد بن حسن، امام دوازدهم عجل الله تعالی فرجة الشریف، 255 ق، احادیث اهل سنت.
الف . هيئت علمی بنیاد معارف اسلامی. ب. عنوان.
297/959
6م/ BP51/ 35
1386
این کتاب با استفاده از حمایتهای معاونت فرهنگی وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی به چاپ رسیده است
اسم الكتاب...معجم أحاديث الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجة الشریف/ج1
تأليف...الهيئة العلمية في مؤسسة المعارف الإسلامية
الناشر...مؤسسة المعارف الإسلامية - مسجد جمكران المقدس
الطبعة...الأولى 1438 ه.ق
المطبعة...عترت
العدد...3000
ISBN...978-964-777769-8.
ردمك...8-69-7777-964-978
حقوق الطبع محفوظة لمؤسسة المعارف الإسلامية
قم المقدسة - تلقون 7732009 ص ب 768 / 37185
www.maaref islami.com
E-mail:info@maarefislami.com
158...معجم أحاديث الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجة الشریف/ ج 1
[1336]2-«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِي أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَأَجْعْ أَمْرَكَ، وَلا تُوصِ إلى أحَدٍ يَقُومُ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ الثَّانِيَةُ (التَّامَّةُ)، فلا ظُهُورَ إلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللهِ عَزَوَجَل، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الأَمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَامْتِلاءِ الأَرْضِ جَوْراً، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي الْمُشَاهَدَةَ، أَلا فَمَنِِ ادَّعَى الْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍٍ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيُّك من بعدك؟ فقال: الله أمر هو بالغه. ومضى رَضی الله عنه، فهذا آخر كلام سمع منه»*.
المصادر
*: كمال الدين: ج 2 ص 516 ب 45 ح 44 - حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتّب قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري قدس الله روحه، فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:
*: غيبة الطوسي: ص 395 ح 365 - كما في كمال الدين بتفاوت يسير، عن ابن بابويه.
ما ورد عن علي بن محمد السَّمُري...159
*: تاج المواليد: ص 144 - كما في كمال الدين، مرسلاً.
*: إعلام الورى: ص 417 ب 3 ف 1 - كما في كمال الدين، عن أبي محمد الحسن بن أحمد المكتب، وفيه: «... فَقَدْ وَقَعَت الغَيْبَةُ التَّامَّةُ ... فَهُوَ كَذَّابٌ ...». وقال: «ثم حصلت الغيبة الطولى التي نحن في أزمانها، والفرج يكون في آخرها بمشية الله تعالى».
*: الإحتجاج: ج 2 ص 478 - كما في إعلام الورى، مرسلاً.
*: الخرائج والجرائح: ج 3 ص 1128 ب 20 3 46 - كما في كمال الدين بتفاوت يسير، عن ابن بابويه، وفيه: «... الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ».
*: الثاقب في المناقب: ص 603 ح 551 - كما في كمال الدين، بتفاوت مرسلاً، عن أبي محمد أحمد بن الحسن بن أحمد الكاتب:- وفيه: «مِنكَ ... التَّامَّةُ ... الأمَل ... وَسَيَأْتِي سَبْعُونَ».
*: كشف الغُمّة: ج 3 ص 320 - عن إعلام الورى.
*: الصراط المستقيم: ج 2 ص 236 ب 11 ف 3 - كما في كمال الدين بتفاوت يسير، عن أبي جعفر بن بابويه، وفيه : «... الغَيْبَةُ التَّامَّةُ ... فنسخت هذا التوقيع وقضى في اليوم السادس، وقد كان غيبه ( كانت غيبته) القصري أربعة وستين سنة ». *: منتخب الأنوار المضيئة: ص 130 ف 9 - كما في كمال الدين، عن ابن بابويه، وفيه: «... الغَيْبَةُ التَّامَّةُ ... غدونا ...» . وقال: «كان وفاة الشيخ علي السمري المذكور في النصف من شعبان سنة 328».
*: نوادر الأخبار: ص 233 ح 2 - عن الإحتجاج.
*: إثبات الهداة: ج 3 ص 693 ب 33 ف 2 ح 112 - عن غيبة الطوسي بتفاوت يسير، ونقص بعض فقراته.
*: البحار: ج 51 ص 361 ب 16 ح 7 - عن غيبة الطوسي، وكمال الدين.
وفي: ج 52 ص 151 ب 23 ح 1 - عن الإحتجاج، وكمال الدين.
*: معادن الحكمة: ج 2 ص 288 - عن الإحتجاج.
*:منتخب الأثر: ص 399 ف 4 ب 3 ح13 - عن غيبة الطوسي.
علی الكورانى العاملي
المعجم الموضوعي
لأحاديث الإمام المهدي علیه السَّلام
بقلم
علي الكوراني العاملي
الطبعة الثانية 1427
1016... المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدی عجل الله تعالی فرجة الشریف
1048 ... المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدی عجل الله تعالی فرجة الشریف
تواتر رؤية الإمام علیه السَّلام في غيبته وتكذيب من ادعى السفارّة
تقدمت رواية الصدوق رحمة الله في كمال الدين: 516/2، حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب رضي الله عنه قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري قدس الله روحه، فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج
ف (40) سفراء الإمام علیه السَّلام... و كذابون ادعوا السفارة...1049
إلى الناس توقيعاً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظي . قال: فنسخنا هذا
التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: الله أمر هو بالغه. ومضى رضي الله عنه، فهذا آخر كلام سمع منه)، ومثله غيبة الطو الطوسي /242، وإعلام الورى /417، والإحتجاج: 478/2، والخرائج: 1128/3 وثاقب المناقب/ 264، وكشف الغمة: 320/3، وتاج المواليد/ 144، والصراط المستقيم: 236/2، وفيه فنسخت هذا التوقيع وقضى في اليوم السادس وقد كانت غيبته القصرى أربعة وستين سنة. ومنتخب الأنوار / 130، وفيه: وقال: كانت وفاة الشيخ علي السمري المذكور في النصف من شعبان سنة 328 ، وعنها إثبات الهداة: 693/3، والبحار: 361/51، و: 151/52.
ويكفي لصحة هذا الحديث أن الصدوق رحمة الله رواه بواسطة واحدة عن السمري رحمة الله، وهو الحسن بن أحمد المكتَّب رحمة الله الذي يروي عنه بإجلال ويترضى عنه في كتبه.
قال في لسان الميزان: 271/2: (قال علي بن الحكم في مشايخ الشيعة، كان مقيماً بقم، وله كتاب في الفرائض أجاد فيه، وأخذ عنه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه وكان يعظمه). انتهى.
راجع تهذيب المقال للأبطحي: 372/2، ومستدركات علم رجال الحديث للنمازي: 72/3، وتعليقة الوحيد البهبهاني/ 136، ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي: 198/2، و:35/3 ، وغيرها.
أقول: والإشكال الذي يخطر في الذهن هنا أن هذا الحديث يدل على عدم إمكان مشاهدة الإمام علیه السَّلام في غيبته الكبرى نهائياً، بدليل قوله عجل الله تعالی و فرجة الشریف: (ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر) ولكن ذلك اشتباه، لأن المقصود بادعاء المشاهدة هنا ادعاء السفارة للإمام عجل الله تعالی و فرجة الشریف لأن قوله علیه السَّلام قبله: (فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك) يدل على أن مصب الكلام هو السفارة،
1050...المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدی عجل الله تعالی فرجة الشریف
ويؤكده قوله علیه السَّلام: (وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة..) فالإدعاء المحكوم بكذبه هو الذي يأتي صاحبه الشيعة فيخبرهم بأنه يشاهد الإمام علیه السَّلام وأنه سفيره وواسطته الى الناس. فهذا هو المقصود بقوله علیه السَّلام: (ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر). وهذا ينطبق على عدد من مدعي مقام السفارة ولو لم يسموها سفارة، فيجب ردهم وتكذيبهم ولا يجوز القبول منهم. ومن أيسر طرق ردهم أن نختبرهم بطلب معجزة كما كان اختبر الشيعة جعفر الكذاب والحلاج، والشلمغاني، وأضرابهم، لأن هؤلاء ورثتهم وأشباههم شاؤوا أم أبوا.
وعليه، فالذي يدعي مشاهدة الإمام علیه السَّلام في غيبته الكبرى وأنه سفيره أو أنه كلفه بتبليغهم شيئاً صغيراً أو كبيراً، فهو كذاب مفتر لايجوز تصديقه ولا اتباعه.
أما الذي لا يأتي الشيعة ولا يدعي مقاماً ولا سفارة من الإمام علیه السَّلام، بل يدعي أنه تشرف برؤيته علیه السَّلام ورأى منه كرامة، أو أمره بأمر أو عمل لا يتعلق بمقام السفارة و تبليغ شئ للناس، فلا يجب تكذيبه بل يجب تصديقه إذا تمت فيه شروط التصديق.
وبهذا نفسر ما تواتر من مشاهدته والتشرف بلقائه صلوات الله عليه في غيبته الطبري، من عدد كبير من الثقات الأجلاء العدول السالمي والفكر والدين والحواس والذين ظهر صدق عدد منهم بأدلة حسية.
**
مُحمّد الرّی شَهري
المُجَلد الثَالِثُ
مساعدة
السيد كاظم الطباطباءی وعِدُةٍ مِنَ الفُضَلاء
شرکت چاپ و انتشارات
سازمان اوقاف و امور خیریه
موسوعة الإمام المهدى عجل الله تعالی فرجة الشریف
في الكتاب السنة والتاريخ
Mohammad ibn Hassan,Imam XII- Occultation
Vol.3
مؤلف: محمد الريشهري
بمساعده السيد محمد كاظم الطباطبائي، و عده من الفضلاء، التحقيق قسم "تدوين السيره"
الخطاط: حسن فرزانگان
الاخراج الفني: السيد على موسوى كيا
صف الحروف: حسين الخميان، علی اکبری، فخرالدین جلیلوند
ليتوغرافي و الطباعه و التجليد: شرکت چاپ و انتشارات سازمان اوقاف و امور خیریه موسسه الطباعه و النشر
الطبيعه الأول: 1398 ه. ش
العدد: 500 مجلد
جميع حقوق الطبع و النشر
محفوظه لموسسة الطباعة والنشر شرکت چاپ و انتشارات
شابک(ج3): ج 3: 4- 930 - 422 - 964 - 978
شابک دوره : 8-942-422-964-978
ISBN(vol.3):978-964-432-937-4
المطبعة:
کیلومتر 4 شارع مخصوص کرج، طهران 1397815311
الهاتف: (أربعه خطوط) 44512411 الفکش : 44514425
معرض مبيعات:
ایران: قم المقدسه، شارع معلم، الرقم 125
الهاتف: 37740545-37740523-025
www.chapentesharat.ir
دراسة في رؤية الإمام المهدي في إيمان الغيبة الكبري...393
أدلّة نفي رؤية الإمام المهدي وأجوبتها
مقابل هذه الأدلّة الواضحة استند بعض الباحثين إلى استنباطه من عدّة أحاديث لكي ينفي رؤية الإمام علیه السَّلام في عصر الغيبة الكبرى. وسنذكر نصوص الأحاديث المهمّة التي استندوا إليها، ونبحث معنى كلّ منها، وكيف استفادوا منها في الاستدلال.
1.توقيع عليّ بن محمّد السَّمّريّ
أهمّ الأحاديث وأكثرها اعتباراً وأشهرها، حديث تمسّكوا به في نفي لقاء الإمام المهديّ علیه السَّلام في عصر الغيبة الكبرى، وهو رسالته إلى نائبه الرابع عليّ بن محمّد السمريّ التي نقلها الشيخ الطوسيّ عن أبي محمّد حسن بن أحمد المُكَتَّب، ونصّها:
بِِسمِِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلَيَّ بنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ، أَعظَمَ اللَّهُ أَجْرَ إِخوانِكَ فيكَ؛ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ ما بَينَك وبَينَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجمع أمرَكَ ولا توصِ إِلَى أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقامَكَ بَعدَ وَفاتِكَ، فَقَد وَقَعَتِ الغَيبَةُ الثَّانِيَةُ (التَّامَّة)(1)، فَلا ظُهُورَ إِلَّا بَعدَ إِذْنِ اللَّهِ عَزَوَجلَ، وَذَلِكَ بَعدَ طولِ الأمَدِ، وَقَسوَةِ القُلوبِ، وَامتِلاء الأرضِ جَوراً، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَن يَدَّعي المُشاهَدَة، ألا فَمَنِِ ادَّعَى المُشاهَدَة قَبلَ خُروجِِ السُّفيانِيِّ وَالصَّيحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفتَرٍٍ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِِ.(2)
المصادر والسند
جاء هذا التوقيع في كثير من كتب الإماميّة، وارتضاه بعض العلماء(3)بالرغم من أنّ طريقه
1) 2. لم تأت كلمة «التامة» في النسخ المعتبرة، ولكنها جاءت في بعض نسخ كمال الدين ومصادر أُخرى.
2) 3.راجع: ج 2 ص 400 ح 657 والغيبة للطوسيّ، ص 395 ح 365.
3) 4.راجع: كمال الدين: ص 516 ح 44 والغيبة للطوسيّ، ص 395 ح 365 والاحتجاج: ج 2 ص 555 - 349 والثاقب في المناقب: ص 603 ج 551 وكشف الغمة: ج 3 ص 320 وإعلام الورى: ج 2 ص 260 والخرائج و الجرائح: ج 3 ص 1128 ح 46 والصراط المستقيم: ج 2 ص 236 (بعبارات مشابهة) وبحار الأنوار: ج 51 ص 360 ح 7.
394...موسوعة الإمام المهدي علیه السَّلام/ ج 3
يصل إلى الشيخ الصدوق فقط ، وفي سنده أبو محمّد حسن بن أحمد المكتّب، وهو مجهول الحال وغير موثّق؛ ولأنّه لم يرد ذمّ بحقّه، فيمكن القبول بروايته إذا عاضدتها روايات موافقة ومناسبة.
دلالة الحديث
يقول بعض منكري الرؤية : إنّ وسط الحديث(1)وآخره(2)يشير إلى نفي الرؤية ، بل يصرّح بها، فمن يدّعي مشاهدة الإمام المهديّ علیه السَّلام بعد السمريّ، فهو كاذب ومفترٍ؛ ومعناه أنّ المشاهدة لن تتمّ.
أ - العبارة الوسطى
قال بعض من استند إلى وصف الغيبة الكبرى ب«التامّة» في التوقيع الشريف:
إنّ عبارة «فَقَد وَقَعَتِ الغَيبَةُ الثَّانِيَةُ (التَّامَّةُ)»، تدلّ بصراحة على نقصان غيبة الإمام علیه السَّلام إلى زمن وفاة السمريّ، ولا معنى لنقصان الغيبة إلّا إمكانية رؤيته في الغيبة الصغرى، أمّا بعد موت السمريّ فتحقّقت الغيبةُ الكاملة، وبناءً عليه لا يتمكّن أحد من رؤيته في الغيبة المذكورة، ونتيجة تحقق الغيبة الكاملة على هذا الأساس هو انعدام الظهور إلّا بإذن الله، وعلى هذا يكون المعنى: إنّ الغيبة الكاملة قد تحقّقت، ونتيجتها عدم تمكّن أحد من رؤيته إلى وقت ظهوره، وهو بعد زمن
طويل و... .
وأضاف قائلاً:
دراسة في رؤية الإمام المهديّ علیه السَّلام إبان الغيبة الكبرى...395
لا معنى لكمال الغيبة ونقصانها إلا ظهور الإمام لبعض الأشخاص أو عدم ظهوره، وإمكانية الظهور لبعض الأشخاص في الغيبة الصغرى، أمّا في الغيبة الكبرى فإنّه لن يتحقق لأيّ أحد. ويُستنتج من هذه الناحية في الرواية أنّه لاظهور حتّى يأذن الله عزَوَجَل. وتقييد الظهور بالإذن الإلهيّ إشارة إلى أنّ للغيبة الكاملة وعدم الظهور غاية ونهاية، وهي خروج وقيام القائم علیه السَّلام.(1)
وكتب بعض آخر ما يلي:
مع أنّ خواصّ أصحاب الإمام القائم علیه السَّلام قد شاهدوه في الغيبة الصغرى، ولكنّ التوقيع ينفي الظهور والرؤية بنحو كلّي، وجملة «فلا ظهور...» تقدّم هذا المعنى؛ لأنّ الظهور يعني البروز بعد الاختفاء، و «لا» نافية للجنس مع الاستثناء؛ فيكون المعنى ليس له أيّ ظهور، ولا يشاهده أحد إلّا بإذن الله.(2)
والجواب هو: إنّ الركيزة الأساسيّة للاستدلال الأوّل بُنيت على كلمة «التامّة»، في حين أنّها وردت في نسخة بدل، واحتوت أكثر النسخ على كلمة «الثانية»، وهذا يوهن أساس الاستدلال؛ إذ أنّ كلمة «الثانية» لا يُستفاد منها معنى التماميّة.
وعلى فرض قبول النسخة وتماميّة الغيبة، نوجّه هذا السؤال: أيّ دليل يُثبت تحقّق ادّعاء نقصان الغيبة وتماميّتها بالرؤية وعدمها فقط؟ ولو قيل: تتحقّق تماميّة الغيبة بوجود السفير وعدمه، فلماذا لا نقبل قوله؟ وبخاصّة أنّ صدر الحديث يقصد نفى النيابة، و«الفاء» «فقد وقعت الغيبة» للتعليل وليس للاستنتاج، حينئذٍ يكون الفرق بين الغيبتين وجود السفير ونائب الإمام، لا رؤية الإمام وعدمها.
كما فسّر الاستدلالان كلمة «الظهور» بمعناها اللغوي، في حين تدلّ القرائن على معناها الاصطلاحي؛ لأنّ امتلاء الأرض بالظلم وطول زمان الغيبة وقساوة القلوب الواردة في التوقيع، من علامات الظهور الاصطلاحي وقيام إمام العصر علیه السَّلام، لا الظهور بالمعنى اللغويّ
موسوعة الإمام المهدي علیه السَّلام/ ج 3
الذي لا ينسجم أيضاً مع الغيبة الصغرى. وإذا لم تبعث هذه القرائن على انحصار الظهور بمعناه الاصطلاحيّ، فلا أقلّ توجِد احتمالاً راجحاً يضعضع أُسس الاستدلال الثاني.
ومن هنا يتّضح احتمال تفريع وسببيّة «الفاء» في «فلا ظهور» واحتمال المعنى اللغويّ للظهور، مرجوحان ولا دليل يُسعفهما؛ من هنا فإنّ تفسير التوقيع بأنّ «الغيبة التامّة قد حلّت وأفضت إلى انقطاع الظهور والرؤية» ليس منحصراً والاستنتاج بأنّ «من يدّعي الرؤية فهو كاذب» ليس بصحيح.
والاحتمال الأقوى في معنى «الفاء» هو التعقيب وفي كلمة «الظهور» اصطلاحها، فيصبح المعنى أنّ الغيبة تحقّقت، وبعدها لن يكون ظهور وقيام إلّا بإذن الله.
إذن، فحصيلة التوقيع أنّ إمام العصر علیه السَّلام أمر في البداية السمريَّ ألا يعيّن بعده وصيّاً ونائباً، وعلّل ذلك في الفقرة الثانية بوقوع الغيبة التامّة أو الثانية، ثمّ قال بأنّ بعد هذه الغيبة لا ظهور ولا قيام إلّا بإذن الله.
ب - العبارة الأخيرة
استدلّ بعض منكري الرؤية بالعبارة الأخيرة للتوقيع، وقالوا بأنّ هذه العبارة إمّا مستقلّة ومنفصلة، وإمّا تفريع على الجمل السابقة للحديث. وبناء عليه يعلن الإمام بأنّ الكذّابين الذين يدّعون رؤية الإمام موجودون، وعلى الشيعة أن يعتبروهم مفترين. والمدّعي يشمل من يثقّ بادّعائه، أو من يطرح ادّعاءً كاذباً، أو يعتقد أنّه حقّ.(1)
الجواب: ادّعاء المشاهدة - استناداً إلى القرائن الجانبية وأجواء صدور التوقيع الناظرة إلى عدم تنصيب نائب خاصّ - يعني ادّعاء السفارة والنيابة والرؤية المنتظمة والمستمرّة، وهي تختلف تماماً عن الرؤية التصادفيّة غير المتوقّعة. وفهم هذا المعنى كثير من العلماء؛ العلّامة المجلسيّ، والسيّد شبّر والمحدّث النوريّ وغيرهم، واعتبروه وجه جمع
1) 1.المصدر السابق: ص 48.
دراسة في رؤية الإمام المهديّ علیه السَّلام إبان الغيبة الكبرى...397
مناسب بين الأحاديث الدالة على إمكان وقوع الرؤية، والأخبار المتعارضة مع هذا التوقيع.(1)
1) 1. راجع: دیدار در عصر غیبت (بالفارسيّة): ص 162 - 170 للاطلاع على أسمائهم وآرائهم والأجوبة وردّها وإثبات كلّ منها.
المجلد الثالث
السيّد محمّد حسين الميرباقري
میرباقری، سیّد محمّد حسين 1392.
موسوعة الامام المستظر(عجل الله تعالی و فرجة الشریف) محمدحسین میرباقری
قم، حوزه علمیه و مرکز مدیریت حوزه های علمیه خواهران، مرکز نشر هاجر، 1395
-978-600-378-069-9-975-600-378-068-2-978-600-378-067-53
978-600-378-072-93 = -978-600-378-071-2:4 - - 978-600-378-070-5°* =
فیپا
مستل 893
گتاسامه
تصاية
محمد حسن اللواء امام دوازدهم 255 و
في و ملاحم 1045 Seditions and
مندوست استار Mahdism - Waiting آخر الزمان End of the world
خورة العلمية في مركز مديريت خورد های علمیه خواهران
Horch Elmisch Qom. Center management Horch Elniveh_sisters Centre
Publications hajar
BPT MAY IS
TAY TAT
انتشارات موسه آینده روشن
مرکز نشر هاجر
نام کتاب: موسوعه الإمام المنتظر عجل الله تعالی و فرجة الشریف المجلد الثالث
نویسنده: سید محمد حسین میرباقری
ویراستار: محمد پور صباغ
مرکز نشر هاجر (وابسته به مرکز مدیریت حوزه های علمیه خواهران)
تهیه و تنظیم: موسسه آینده روشن
تعداد صفحه و قطع: 580 صفحه: وزیری
نوبت چاپ: اول/ زمستان 95
قیمت: 250/000 ریال
شمارگان: 1000 نسخه
چایخانه: زلال کوثر
شابک 5-070-378-600-978
نشانی: قم - بلوار معلم - مجتمع ناشران - واحد 114
دفتر مرکزی : 37842543 فروشگاه: 37842544
پیامک 3000214440
ISBN:978-600-378-070-5
Hajar@whc.ir
Hajar.whc.ir
قد أُُشكل في إمكان رؤية القائم بالتوقيع الذي خرج إلى أبي الحسن السمري النائب الرابع من الحجّة عند وفاته، بأنّه لا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، ومن ادّعي المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفترٍ.
أقول: إنّ أصل رؤيته علیه السَّلام في زمن الغيبة الكبرى أمر مسلّم متواتر مقرون بإخبارات عن الأُمور الغيبية والمعجزات الأخرى، لا يمكن الشكّ في ذلك، ولذا أجاب عنه العلماء بأمور أحسنها ما قاله المجلسي رضوان الله عليه، بأنّ الظاهر من الخبر - بقرينة صدوره إلى السمّري وأمره بعدم الإيصاء - أنّ المراد من المشاهدة السفارة بينه علیه السَّلام وبين شيعته. كما أنّ هناك جواب آخر ذكره النهاوندي رحمةالله يرجع إلى هذا، وهو أنّ المنفي المشاهدة باختيار المُشاهد، وأمّا إنّه إذا أراد أن يُريَ علیه السَّلام نفسه لأحد من الناس، فلا مانع من ذلك. كما أنّ الجواب السادس الذي ذكره النوري رحمةالله في جنّة المأوى متوافق مع هذين الوجهين، وهو أن يكون المراد بالمشاهدة علمه بمكان الحجّة ومستقرّه الذي هو فيه، فلا ينافي ملاقاته في سائر الأماكن والمقامات. فعلى نظري ترجع هذه الوجوه الثلاثة إلى وجه واحد، وهو أنّ الرؤيه التي تكون بيد المُشاهد بأن ترجع إليه، وتقول: إسأل لي عن الحجة كذا، فقال: نعم، ثم رجع إليه علیه السَّلام في مستقره أو إلى من يعلم مستقره بأن كان من الملازمين له علیه السَّلام مثلاً، فهذا الطريق مسدود في زمن الغيبة الكبرى. فنذكر موجز كلامه؛ لشموله على فوائد:
234...موسوعة الإمام المنتظر عجل الله تعالی و فرجة الشریف/ ج 3
قال المحدّث النورى رحمة الله في خاتمة جنّة المأوي فائدتان مهمتان: الفائدة الأولى [في توجيه التوقيع الذي خرج من صاحب الدار علیه السَّلام إلى علي بن محمّد السمريّ: بأنّ من ادّعى الرؤية في الغيبة الكبرى فهو كاذب].
روى الشيخ الطوسي في كتابه، عن الحسن بن أحمد المكتب، والطبرسي في الاحتجاج مرسلاً، أنه خرج التوقيع إلى أبي الحسن السمريّ: يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِي، اسمع أَعظَمَ اللَّهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَينَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجمَع أَمَرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ يَقُومُ مَقَامَكَ بَعدَ وَفَاتِكَ، فَقَد وَقَعَتِ الغَيبَةُ التَّامَّةُ فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعدَ إِذنِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكرُهُ، وَذَلِكَ بَعدَ طُولٍ الأَمَدِ وَقَسوَةِ القُلُوبِ وَامْتِلَاءِ الأَرْضِ جَوراً، وَسَيَأْتِي مِن شِيعَتِي مَن يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ ادَّعَى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِي وَالصَّيحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفتَرٍ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِي العَظِيم.(1)
وهذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة وغيرها مما هو مذكور في البحار والجواب عنه من وجوه:
الأول: أنّه خبر واحد مرسل غير موجب علماً، فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع من مجموعها - بل ومن بعضها - المتضمّن لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره علیه السَّلام، فكيف يجوز الإعراض عنها لوجود خبر ضعيف لم يعمل به ناقله وهو الشيخ في الكتاب المذكور كما يأتي كلامه فيه؟ فكيف بغيره من العلماء الأعلام؟ والحال أنّهم تلقّوها بالقبول وذكروها في زبرهم وتصانيفهم معوَّلين عليها معتنين بها.
الثاني: ما ذكره في البحار بعد ذكر الخبر المزبور ما لفظه: لعلّه محمول على من يدّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال السفراء؛ لئلّا ينافي الأخبار التي مضت، وسيأتي فيمن رآه علیه السَّلام والله العالم.
الثالث: ما يظهر من قصّة الجزيرة الخضراء، قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل
1) 1. الغيبة للطوسي: ص 295، عنه بحار الأنوار: ج 51 ص 361، وفي ج 52 ص 151 عن الاحتجاج: ج 2 ص 478، کمال الدين: ج 2 ص 516.
الفصل التاسع: الفوز بزيارته في زمن الغيبة...235
المازندرانی: فقلت للسيّد شمس الدین محمّد وهو العقب السادس من أولاده علیه السَّلام: يا سيّدي، قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الأمر علیه السَّلام أنّه قال لمّا أمر بالغيبة الكبرى: مَن رَآنِي بَعدَ غَيبَتِي فَقَد كَذَبَ، فكيف فيكم من يراه؟ فقال: صدقت، إنّه علیه السَّلام إنّما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس، حتّى أنّ الشيعة يمنع بعضها بعضاً عن التحدث بذكره، وفي هذا الزمان تطاولت المدّة وأيس منه الأعداء، وبلادنا نائية عنهم وعن ظلمهم وعنائهم الحكاية.
وهذا الوجه كما ترى يجري في كثير من بلاد أوليائه علیه السّلام.
الرابع ما ذكره العلامة الطباطبائي في رجاله في ترجمة الشيخ المفيد، بعد ذكر التوقيعات المشهورة الصادرة منه علیه السَّلام في حقّه ما لفظه وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى مع جهالة المبلغ ودعواه المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصغرى، ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن واشتمال التوقيع على الملاحم والإخبار عن الغيب الذي لا يطلع عليه إلّا الله وأولياؤه بإظهاره لهم، وأنّ المشاهدة المنفيّة أن يشاهد الإمام علیه السَّلام ويعلم أنّه الحجّة علیه السَّلام حال مشاهدته له، ولم يعلم من المبلغ ادعاؤه لذلك. وقال رحمه الله في فوائده في مسألة الإجماع بعد اشتراط دخول كل من لا نعرفه وربما يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الإمام علیه السَّلام بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدّة الغيبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه علیه السَّلام، فيبرزه في صورة الإجماع جمعاً بين الأمر بإظهار الحق والنهي عن إذاعة مثله بقول مطلق. انتهى.
ويمكن أن يكون نظره في هذا الكلام إلى الوجه الآتي.
الخامس: ما ذكره رحمه الله فيه أيضاً بقوله: وقد يمنع الله فيه أيضاً بقوله: وقد يمنع أيضاً امتناعه في شأن الخواصّ وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار ودلالة بعض الآثار، ولعلّ مراده بالآثار الوقائع المذكورة هنا وفي البحار، أو خصوص
ما رواه الكليني في الكافي والنعماني في غيبته والشيخ في غيبته بأسانيدهم المعتبرة، عن أبي عبد الله علیه السَّلام، أنّه قال: «لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمرِ مِن غَيبَةٍ، وَلَا بُدَّ لَهُ فِي غَيْبَتِهِ مِن
236...موسوعة الإمام المنتظر عجل الله تعالی و فرجة الشریف/ ج 3
عِزِلَةٍ، وَمَا بِثَلَاثِينَ مِن وَحَشَةٍ».(1)
وظاهر الخبر كما صرّح به شرّاح الأحاديث أنّه علیه السَّلام يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته. وقيل: إنّ المراد أنه على هيئة مَن سنّه ثلاثون أبداً، وما في هذا السنّ وحشة، وهذا المعنى بمكان من البعد والغرابة، وهذه الثلاثون الذين يستأنس بهم الإمام علیه السّلام في غيبته، لا بدّ أن يتبادلوا في كلّ قرن، إذ لم يقدر لهم من العمر ما قدّر لسيّدهم؛ علیه السَّلام ففي كلّ عصر يوجد ثلاثون مؤمناً وليّاً يتشرّفون بلقائه.
وفي خبر علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي المروي في إكمال الدين وغيبة الشيخ ومسند فاطمة سلام الله علیها لأبی جعفرمحمّد بن جرير الطبري، وفي لفظ الأخير: أَنَّهُ قَالَ لَهُ الفَتَى الَّذِي لَقِيَهُ عِندَ بَابِ الكَعْبَةِ وَأَوصَلَهُ إِلَى الإِمَامِ علیه السَّلام: مَا الَّذِي تُرِيدُ يَا أَبَا الحَسَنِ؟ قَالَ: الإِمَامَ المَحْجُوبَ عَنِ الْعَالِمِ، قَالَ: مَا هُوَ مَحجُوبٌ عَنكُم، ولكن حَجَبَهُ سُوءُ أَعمَالِكُم. الخبر(2).
وفيه إشارة إلى أنّ من ليس له عمل سوء فلا شيء يحجبه عن إمامه علیه السَّلام، وهو من الأوتاد أو من الأبدال في الكلام المتقدم عن الكفعمي رحمه الله.
وقال المحقّق الكاظمي في أقسام الإجماع الذي استخرجه من مطاوي كلمات العلماء وفحاوي عباراتهم غير الإجماع المصطلح المعروف وثالثها أن يحصل لأحد من سفراء الإمام الغائب عجل الله تعالی و فرجة الشریف وصلّى عليه العلم بقوله، إمّا بنقل مثله له سرّاً، أو بتوقيع، أو مكاتبة، أو بالسماع منه شفاهاً على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة، ويحصل ذلك لبعض حملة أسرارهم، ولا يمكنهم التصريح بما اطّلع عليه والإعلان بنسبة القول إليه، والاتّكال في إبراز المدّعى على غير الإجماع من الأدلّة الشرعية لفقدها. وحينئذٍ فيجوز له إذا لم يكن مأموراً بالإخفاء أو كان مأموراً بالإظهار لا على وجه الإفشاء أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة الإجماع؛ خوفاً من الضياع وجمعاً بين امتثال الأمر بإظهار الحقّ بقدر الإمكان وامتثال النهي عن إذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان، ولا ريب في كونه حجّة إمّا
الفصل التاسع الفوز بزيارته في زمن الغيبة...237
لنفسه فلعلمه بقول الإمام علیه السَّلام، وإمّا لغيره فلكشفه عن قول الإمام علیه السَّلام أيضاً، غاية ما هناك أنه يستكشف قول الإمام علیه السَّلام بطريق غير ثابت ولا ضير فيه بعد حصول الوصول إلى ما أُُنيط به حجية الإجماع، ولصحة هذا الوجه وإمكانه شواهد تدلّ عليه، منها كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الإمامية ولا مستند لها ظاهراً من أخبارهم ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الأئمّة علیهم السَّلام وأسرارهم، ولا أمارة تشهد بأنّ منشأها أخبار مطلقة أو وجوه اعتبارية مستحسنة،هي التي دعتهم إلى إنشائها وترتيبها والاعتناء لجمعها وتدوينها، كما هو الظاهر في جملة منها.
نعم، لا تضايق في ورود الأخبار في بعضها، ومنها ما رواه والد العلّامة وابن طاووس عن السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الآوي، إلى آخر ما مر في الحكاية السادسة والثلاثين.
ومنها قصّة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في البحار وتفسير الأئمّة علیهم السَّلام وغيرها. ومنها ما سمعه منه علي بن طاووس في السرداب الشريف ومنها ما علم محمّد بن علي العلوي الحسيني المصري في الحائر الحسيني وهو بين النوم واليقظة، وقد أتاه الإمام علیه السَّلام مكرّراً، وعلّمه إلى أن تعلمه في خمس ليال وحفظه، ثمّ دعا به واستجيب دعاؤه، وهو الدعاء المعروف بالعلوي المصري، وغير ذلك.
ولعلّ هذا هو الأصل أيضاً في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطّلع على قول الإمام علیه السَّلام لمّا وجده مخالفاً لما عليه الإمامية أو معظمهم، ولم يتمكّن من إظهاره على وجهه، وخشي أن يضيع الحق ويذهب عن أهله، جعله قولاً من أقوالهم. ورتما اعتمد عليه وأفتى به من غير تصريح بدليله؛ لعدم قيام الأدلة الظاهرة بإثباته، ولعلّه الوجه أيضاً فيما عن بعض المشايخ من اعتبار تلك الأقوال أو تقويتها بحسب الإمكان، نظراً إلى احتمال كونها قول الإمام علیه السَّلام ألقاها بين العلماء؛ كيلا يجمعوا على الخطأ، ولا طريق لإلقائها حينئذٍ إلّا بالوجه المذكور.
وقال السيّد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء في جواب من قال: فإذا كان الإمام علیه السَّلام
238...موسوعة الإمام المنتظر عجل الله تعالی و فرجة الشریف/ ج 3
غائباً بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق ولا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده وعدمه؟ إلخ: قلنا: الجواب أوّل ما نقوله إنا غير قاطعين على أنّ الإمام لا يصل إليه أحد ولا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم ولا سبيل إلى القطع عليه. إلخ. وقال أيضاً في جواب من قال: إذا كانت العلة في استتار الإمام خوفه من الظالمين واتقائه من المعاندين، فهذه العلة زائلة في أوليائه وشيعته، فيجب أن يكون ظاهراً لهم، بعد كلام له وقلنا أيضاً: إنه غير ممتنع أن يكون الإمام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، وإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه ولا سبيل ل-ه إلى العلم بحال غيره. وله في كتاب المقنع في الغيبة كلام يقرب ممّا ذكره هناك.
وقال الشيخ الطوسي رضوان الله عليه في كتاب الغيبة في الجواب عن هذا السؤال بعد كلام له والذي ينبغي أن يجاب عن هذا السؤال الذي ذكرناه عن المخالف، أن نقول: إنا أوّلاً لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه، بل يجوز أن يبرز لأكثرهم، ولا يعلم كلّ إنسان إلّا حال نفسه، فإن كان ظاهراً له، فعلّته مزاحة، وإن لم يكن ظاهراً علم أنّه إنّما لم يظهر له لأمر يرجع إليه وإن لم يعلمه مفصلاً؛ لتقصير من جهته. إلخ.
وتقدّم كلمات للسيّد علي بن طاووس تناسب المقام، خصوصاً قوله: مع أنّه علیه السَّلام حاضر الله جل جلاله على اليقين، وإنّما غاب من لم يلقه عنهم لغيبته عن حضرة المتابعة له ولربّ العالمين. وفيما نقلنا من كلماتهم وغيرها ممّا يطول بنقله الكتاب كفاية لرفع الاستبعاد، وعدم حملهم الخبر على ظاهره وصرفه إلى أحد الوجوه التي ذكرناها.
السادس: أن يكون المخفي على الأنام والمحجوب عنهم مكانه علیه السَّلام ومستقرّه الذي يقيم فيه، فلا يصل إليه أحد ولا يعرفه غيره حتّى ولده، فلا ينافي لقائه ومشاهدته في الأماكن والمقامات التي قد مرّ ذكر بعضها وظهوره عند المضطرّ المستغيث به الملتجئ إليه، التي انقطعت عنه الأسباب وأُغلقت دونه الأبواب.
وفي دعوات السيّد الراوندي، ومجموع الدعوات للتلّعكبري، وقبس المصباح للصهرشتي في خبر أبي الوفاء الشيرازي، أنّه قال له رسول الله في النوم صلّی الله علیه وآله وسلّم: وأمّا الحجّة،
الفصل التاسع: الفوز بزيارته في زمن الغيبة...239
فإذا بلغ منك السيف للذبح - وأومأ بيده إلى الحلق - فاستغث به، فإنّه يغيثك، وهو غياث وكهف لمن استغاث، فقل: يا مولاي يا صاحب الزمان! أنا مستغيث بك. وفي لفظ: وأمّا صاحب الزمان، فإذا بلغ منك السيف هنا - ووضع يده على حلقه - فاستعن به، فإنّه يعينك.
ما رواه الشيخ والنعماني في كتابي الغبية، عن المفضل بن عمر، قال: سَمِعتُ أَبَا عَبدِ اللَّهِ علیه السَّلام، يَقُولُ: إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمرِ غَيبَتَينِ؛ إِحدَاهُمَا يُطُولُ حَتَّى يَقُولَ بَعضُهُم: مَاتٌ، وَيَقُولَ بَعضُهُم: قُتِلَ، وَيَقُولَ بَعضُهُم ذَهَبَ، حَتَّى لَا يَبقَى عَلَى أَمرِهِ مِن أَصْحَابِهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَوضِعِهِ أَحَدٌ مِن وُلِدِهِ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا الَّذِي يَلِي أَمَرَهُ.(1)
وروى الكليني، عن إسحاق بن عمار، قال أبو عبدالله علیه السَّلام: لِلقَائِم غَيبَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةٌ وَالْأُخْرَى طَوِيلَةُ، الغَيبَةُ الأُولَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ شِيعَتِهِ، وَالْأُخْرَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ مَوَالِيهِ.(2)
ورواه النعماني، وفي لفظه بدون الاستثناء، في الثاني، ورواه بسند آخر عنه ، قال : لِلقَائِمِ غَيبَتَانِ، إحدَاهُمَا قَصِيرَةُ والأُخرَى طَوِيلَةٌ، الأُولَى لَا يَعلَمُ بِمَكَانِهِ إِلَّا خَاصَّةُ شِيعَتِهِ، وَالْأُخْرَى لَا يَعلَمُ بِمَكَانِهِ إِلَّا خَاصَّةُ مَوَالِيهِ فِي دِينِهِ.(3)
وليس في تلك القصص ما يدل على أن أحداً لقيه علیه السَّلام في مقرّ سلطنته ومحلّ إقامته.
ثمّ لا يخفى على الجائس في خلال ديار الأخبار، أنّه علیه السَّلام ظهر في الغيبة الصغرى لغير خاصّته ومواليه أيضاً، فالذي انفرد به الخواصّ في الصغرى، هو العلم بمستقرّه وعرض حوائجهم عليه علیه السَّلام فيه، فهو المنفي عنهم في الكبرى، فحالهم وحال غيرهم فيها كغير الخواصّ في الصغرى والله العالم.(4)
موسُوعَة الامام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف)
الكتاب الأول
يتكفل بالبَحث والتحليل بأُسلوب جَديد وعَميق تاريخ الإمَامَين العَسكريين والإمَام المهديّ (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) وسُفرائه في غيبته الصُغرى
تأليف
محمَّد الصَدر
دار التعارف المطبوعات
بیروت-لبنان
حُقوق الطَّبع مَحفُوظَة
1412 ه- 1992 م
دار التعارف للمطبوعات
المكتب: شارع سوريا - بناية درويش - الطابق الثالث
الادارة والمعرض: حارة حريك - المنشية - شارع دكاش - بناية الحسنين
تلفون: 837857 - 823010 - 823685
صندوق البريد: 8601 - 11 - 643 - 11
الحقل السابع
اعلانه انتهاء السفارة
ويدء الغيبة الكبرى
وقد سمعنا نص البيان عند التعرض الى ترجمة السفير الرابع الشيخ السمري؛ ولكن ينبغي أن نستذكره هنا، لنسّتطيع أن نستلهم منه أموراً جديدة:
قال الامام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) في توقيعه: بسم الله الرحمن الرحيم. يا علي ابن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك. فانك ميت ما بينك
-633 -
وبين ستة أيام؛ فاجمع أمرك ولا توص الى أحد، فيقوم مقامك بعد وفاتك. فقد وقعت الغيبة التامة. فلا ظهور إلا باذن الله تعالى ذكره. وذلك بعد طول الامد وقسوة القلوب وامتلاء الارض جوراً.
وسيأتي لشيعتي من يدعى المشاهدة، إلا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فترى الامام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) قد أكد في هذا البيان على امور:
الأمر الأول: اخباره بموت الشيخ السمري في غضون ستة أيام. وهو من الاخبار بالغيب الذي نقول بامكانه للامام، كما سبق أن قلنا. ولم يشكُ أحد يومئذ في صدق هذا الخبر، وقد غدا عليه اصحابه بعد ستة أيام فوجدوه محتضراً يجود بنفسه، كما سمعنا فيما سبق.
الامر الثاني: نهيه عن أن يوصي الى أحد ، ليقوم مقامه ويضطلع بمهام السفارة بعد وفاته، وبذلك يكون هو آخر السفراء، ولا سفير بعده، ويكون خط السفارة قد انقطع. وعهد الغيبة الصغرى قد انتهى.
الأمر الثالث: أنه لا ظهور إلا باذن الله تعالى ذكره. وهذا معناه الاغماض في تاريخ الظهور، وايكال علمه إلى الله وحده وارتباطه باذنه عز وجل.
ولهذا الاغماض عدة فوائد، أهمها اثنان:
الأولى: بقاء قواعده الشعبية منتظرة له في كل حين ، متوقعة ظهوره في أي يوم. وهذا الشعور إذا وجد لدى الفرد فانه يحمله على
السلوك الصالح وتقويم النفس ودراسة واقعه المعاش ومعرفة تفاصيل دينه جهد الامكان. ليحظى في لحظة الظهور بالزلفى لدى المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) والقرب منه، ولا يكون من المغضوب عليهم لديه، أو المبعدين عن
بل ان الفرد ليشعر، وهو في حالة انتظار امامه في أي يوم، ان انحرافه وفسقه قد يؤدي به إلى الهلاك، والإبعاد كلياً عن العدل الإسلامي العظيم الذي يسود العالم تحت قيادة الإمام المهدي عليه السلام. فإن الإمام المهدي(عجل الله تعالی و فرجة االشریف) بعد ظهوره سوف يكون حدّياً في تطبيق العدل الإسلامي، وسيذيق كل منحرف عقائدياً أو سلوكياً أشد الوبال، فانه لا مكان للانحراف في مجتمع العدل المطلق.
الثانية: حماية المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) من أعدائه بعد ظهوره. فان الاغماض في التاريخ يوفر محض المفاجئة والمباغتة للعدو على حين غرة منه، وهو من أقوى عناصر النصر وأسبابه ان لم يكن أهمها وأقواها على الاطلاق، على حين لو كان الموعد معيناً لكان بامكان الأعداء أن يجمعوا أمرهم ويهينوا أسلحتهم، قبيل الموعد المحدد حتى إذا ما أن أوان ظهوره قاتلوه واستأصلوه قبل أن يفهم به الناس، ويجتمع حوله الأعوان.
لا يفرق في أعداء المهدي(عجل الله تعالی و فرجة االشریف) بين من يعتقد بظهوره وبين من لا يعتقد. فان الموعد لو كان محدداً طيلة هذا الزمان لكان أمراً مشهوراً ولا وجد في أذهان الأعداء احتمالاً على الأقل بظهوره، وهو مساوق مع احتمال استئصال الأعداء واجتثاثهم، وهذا بنفسه يكفي للتألب عليه
واعلان التعبئة العامة وحالة الطوارىء ضد الامام المهدي.
إذن فاللازم لهذه المصالح وغيرها، بقاء الموعد غامضاً مجهولاً منوطاً باذن الله عز وجل وعلمه وحده.
الأمر الرابع : الإشارة إلى ان أمد الغيبة التامة الكبرى سوف يكون طويلاً مديداً.
وانما ينص المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) على ذلك ليجعل الفرد المؤمن من قواعده الشعبية، مسبوقاً ذهنياً بطول الغيبة ومتوقعاً لتماديها، فلا يأخذه الياس أو يتلبسه الشك مهما طالت أو تمادت، وان أصبحت آلاف السنين. فانه ما دام عارفاً بأنها ستطول وانها منوطة باذن الله عز وجل عند تحقق المصلحة للظهور وتهيىء البشرية لتلقي الدعوة الإسلامية الكبرى. فان الفرد يعرف عند تأخر الظهور أن المصلحة بعد لم تتحقق، وان الاذن الإلهي لم يصدر.
وهذا السبق الذهني، يعني احتمال طول المدة، وهو لا ينافي حال الانتظار وتوقع الظهور في كل يوم وكل شهر وكل عام. فان طول الأمد الموعود به في كلام المهدي عليه السلام، لفظ عام ينطبق على السنين القليلة وعلى السنين الطويلة . بل لو كان الامام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) قد ظهر بعد الغيبة الصغرى بقليل لكان قد ظهر بعد طول الأمد، لان السبعين عاماً مع الشعور بالظلم وحالة الانتظار تكون أمداً طويلاً بحسب الجو النفسي للفرد والمجتمع لا محالة .
هذا، فضلا عما إذا تأخر الامام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) في ظهوره. عشرات
-636 -
السنين أو مناتها - كما حدث بالفعل - أو آلافها. فان طول الامد يكون قد تحقق بأوضح صورة واصعب انحائه. ومعه يكون الفرد متوقعاً انتهاء هذا الامد الطويل في كل ساعة وفي كل يوم، وصدور الاذن الإلهي بالظهور.
الأمر الخامس: الاشارة إلى قسوة القلوب. والمراد به ضعف الدافع الإيماني، والشعور بالمسؤولية، والمشارفة على الانحراف، بل سقوط أغلب أفراد المجتمع المسلم به.
وذلك لان الفرد يواجه امتحاناً إلهياً صعباً خلال الغيبة الكبرى من جهات ثلاث، يكون عليه أن يخرج منه ناجحاً ظافراً. والخروج منه بنجاح يحتاج إلى عمق في الإيمان والإخلاص والإرادة لا يتوفر إلا في القليل من الأفراد.
الجهة الأولى: موقف الفرد تجاه شهوات نفسه ونوازعه الغريزية التي تتطلب الاشباع بأي شكل وحال. وكما قالوا، ان الغرائز لا عقل لها. فعلى الفرد أن يلاحظ ذلك فيكفكف من غلواء شهواته ويزعها بعقله وإيمانه عن الحرام إلى الحلال.
الجهة الثانية: موقف الفرد تجاه الضغط الخارجي يعيشه وما يتطلبه من تضحيات في سبيل دينه وإيمانه، ضد الفقر والمرض والسلاح والحرج الاجتماعي، ونحو ذلك من المصاعب التي تصادف الفرد في طريقه الإيماني الطويل.
فإن كان الفرد شاعراً بالمسؤولية قوي الإرادة استطاع تذليل هذه
-637 -
الصعوبة والتضحية في سبيل الإيمان. وأما إذا لم يكن قوي الارادة وكان غير شاعر بالمسؤولية، فانه سوف يعطي الدنية من نفسه بقليل أو بكثير، ويتعرض للانحراف في كثير من مناطق طريقه الطويل.
الجهة الثالثة: موقف الفرد تجاه الاعتقاد بوجود امامه الغائب وقائده المحتجب؛ فانه بعد ان عرفه بالدليل القطعي، لا ينبغي أن تثبطه الشكوك ولا ان تزعزعه الأوهام، ولا أن يؤثر في زحزحة اعتقاده طول الأمد.
فإذا كان الفرد ناجحاً من سائر الجهات، كان من الأقلين عدداً المرتفعين شأناً، الواعين لدينهم، وسوف لن يبتلى بقسوة القلب التي أشار لها المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) في كلامه. تلك القسوة التي يبتلي بها الأكثرون الذين لا يكونون على المستوى المطلوب من الايمان والاخلاص.
الأمر السادس: الاشادة إلى امتلاء الأرض جوراً.
وفيه تطبيق واضح للكلام النبوي الشريف القائل بأن المهدي يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلاً بعدما ملئت ظلما وجوراً. وهو الحديث المستفيض الذي رواه عدد من علماء الإسلام والمحدثين العظام من مختلف المذاهب.
والسر في امتلاء الأرض بالظلم والجور، واضح بعد الذي قدمناه في الأمر السابق، من فشل أكثر البشر في الامتحان الإلهي خلال الغيبة الكبرى. وسيطرة المادة واشباع الشهوات عليهم وضعف الوازع الديني والاخلاقي إلى حد كبير. جداً في المسلمين. اما غير المسلمين
فحدث عنهم ولا حرج من حيث إنكارهم لاصل الدين الاسلامي وأساس التوحيد. ومن حيث موقفهم المخرب تجاه الاسلام والمسلمين، ذلك الموقف الذي ذاق منه المسلمون خلال التاريخ أشد العذاب والتنكيل.
فإذا لم يكن لدى الدين الحق، قائد عظيم كالامام المهدي عليه السلام، لكونه غائباً غير مواجه للمجتمع بصفته الحقيقية، ليجمع شمل الدين ويلم شعثه ويرأب صدعه ويدفع عدوه؛ فان الغلبة تكون لا محالة للسلاح الأقوى والعدد الاكبر، وهو جيش الكفر من ناحية وجيش الشهوات والانحراف من ناحية أخرى. فتمتلأ الأرض جوراً وظلماً بطبيعة الحال، وسيأتي في بحوثنا عن الغيبة الكبرى(1)مزيد توضيح لذلك.
الأمر السابع: من الأمور التي يشير إليها المهدي عليه السلام في التوقيع: اثبات حدوث السفياني والصيحة، وانه أمر حق لا محيص عنه قبيل خروج المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) وظهوره .
وهذا ما نطقت به كثير من الاخبار، رواها محدثوا كلا الفريقين. ولا يبعد أن تكون أخبار السفياني متواترة أو قريبة من التواتر. وسنعرض إلى ذلك وإلى مغزاها الاجتماعي وأسبابها ونتائجها، في التاريخ القادم عن الغيبة الكبرى ان شاءالله تعالى.
الامر الثامن: ان من ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو مفتر كذاب.
وهو واضح في مدلوله. فان المراد بيان احتجاب الامام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف)
1) (1) في الكتاب الثاني من هذه الموسوعة.
عن الناس حتى زمان تحقق هاتين العلامتين. فمن الواجب تكذيب كل من ادعى رؤية المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) قبل تحقق ذلك. وانما ينفتح المجال لاحتمال صدقه بعد تحقق العلامتين، بمعنى أن ذلك الحين هو موعد الظهور. فمن ادعى رؤية المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) يومئذ فهو صادق أو محتمل الصدق على الاقل. واما قبل ذلك فلا.
وقد اصطدم ذلك - في نظر عدد من العلماء - بالاخبار القطعية المتواترة التي وردتنا عن مقابلة الكثيرين للامام المهدي عليه السلام خلال غيبته الكبرى، من بعد صدور هذا البيان الذي سمعناء إلى الآن، بنحو لا يمكن الطعن فيه أو احتمال الخلاف. ومقتضاها لزوم تصديق المخبرين في الجملة، مع ان هذا التوقيع المهدوي يوجب علينا تكذيبه. فكيف يتم ذلك، وما هو وجه الجمع بينه وبين تلك الاخبار وما قيل أو يمكن أن يقال من وجوه الجمع - لو حصلت المعارضة - عدة وجوه:
الوجه الأول : الطعن في سند التوقيع الشريف ورواته. حيث قالوا: انه خبر واحد مرسل ضعيف، لم يعمل به ناقله وهو الشيخ في الكتاب المذكور، واعرض الاصحاب عنه. فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع عن مجموعها بل من بعضها المتضمن لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها عن غيره عليه السلام(1).
إلا أن هذا الوجه لا يمكن قبوله:
1) (1) منتخب الأثير الأثير مر 40 .
اما كونه خبر واحد فهو ليس نقصاً فيه، لما ثبت في علم أصول الفقه من حجية خبر الواحد الثقة. واما القول بعدم حجيته فهو شاذ لا يقول به إلا القليل النادر من العلماء.
واما كونه خبراً مرسلاً، فهو غير صحيح، إذ رواه الشيخ في الغيبة(1)فقال: أخبرنا جماعة عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه قال حدثني أبو محمد أحمد بن الحسن المكتب. قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفى فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري قدس سره. إلى آخر الخبر. كما رواه الصدوق ابن بابويه في اكمال الدين عن أبو محمد المكتب نفسه، فأين الإرسال؟. والزمن بحسب العادة مناسب مع وجود الواسطة الواحدة.
واما كونه ضعيفاً، فهو على تقدير تسليمه، يكفي للاثبات التاريخي ، كما قلنا في مقدمة هذا التاريخ، وان لم يكن كافياً لاثبات الحكم الشرعي، كما حقق في محله.
واما إعراض الشيخ الطوسي والاصحاب عن العمل به، فإنما تخيّله صاحب الاشكال باعتبار إثبات الشيخ وغيره رؤية الامام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) في غيبته الكبرى. وهذا مما لا شك فيه، إلا أنه إنما يصلح دليلاً على اعراضهم لو كانت هناك معارضة ومنافات بين التوقيع واثبات الرؤية واما مع عدم المعارضة - على ما سياتي - فيمكن أن يكون العلماء: الشيخ الطوسي وغيره قد التزموا بكلا الناحيتين، من دون تكاذب
1) (1) منتخب الأثر ص 399 وغيبة الشيخ ص 242
بينهما. ومعه لا دليل على هذا الاعراض منهم.
على ان الاعراض لو كان حاصلا لما أضر بحجية الحديث، لما هو الثابت المحقق في علم الاصول ، بان اعراض العلماء عن الرواية لا يوجب وهنا في الرواية سنداً ولا دلالة.
الوجه الثاني: الطعن في الاخبار الناقلة لمشاهدة الامام المهدي عليه السلام في غيبته الكبرى سنداً، أي من ناحية رواتها، والشطب عليها جملة وتفصيلا. كما قد يميل إليه المفكرين المحدثين.
إلا أن هذا مما لا سبيل إلى تصديقه. فإنها طائفة ضخمة من الاخبار قد يصل عددها إلى عدة مئات. على ان بعضها مروي بطرق معتبرة وقريبة الاسناد فلا يمكن رفضها بحال. وهذا كله واضح لمن استقرأ تلك الاخبار وعاش أجواءها. وسيأتي الكلام عنها في التاريخ القادم عن الغيبة الكبرى إن شاءالله تعالى.
الوجه الثالث: الطعن في الاخبار الناقلة للمشاهدة، بحسب الدلالة والمضمون. بأحد نحوين:
النحو الأول: ان تحمل هذه الاخبار على الوهم، وان هؤلاء الذين زعموا أنهم رأوا وسمعوا .. لم يرو ولم يسمعوا. وإنما كان كلامهم كذباً متعمداً أو اضغاث أحلام ولو من قبيل أحلام اليقظة. وهذا هو الوجه الذي قد يميل إليه المفكرون المتأثرون بالمبادىء المادية الحديثة.
إلا أن هذا أيضاً مما لا يمكن الاعتراف به. فان كثرتها مانعة عن كلا الأمرين: اما تعمد الكذب فهو مما ينفيه التواتر، فضلا عما زاد عن
-642-
ذلك بكثير. مضافاً إلى وثاقة وتقوى عدد مهم من الناقلين، وعدماحتمال تعمدهم للكذب أساساً.
واما كونها من قبيل الأوهام والأحلام، فهو مما ينفيه تكاثر النقل أيضاً، بل يجعل الاعتراف به في عداد المستحيل. وتستطيع أن تجد أثر ذلك في نفسك. فلو أخبرك واحد لكان احتمال الوهم موجوداً وان كان موهوناً، إلا أنه لو أخبرك ثلاثة أو أربعة بحادثة معينة لحصل لك الاطمئنان أو العلم بصدق الخبر وحصول الحادثة، فضلا عما إذا أخبرك بها عشرة، فكيف إذا أخبرك به العشرات بل المئات. وهل تستطيع أن تحملهم كلهم على الوهم أو أحلام اليقظة، إلا إذا كنت تعيش الوهم أو أحلام اليقظة.
النحو الثاني: أن يقول قائل: ان الناقلين للمشاهدة وان كانوا صادقين وغير واهمين، فانهم قد عاشوا حادثة حسية معينة. إلا أنهم في الحقيقة، لم يشاهدوا المهدي(عجل الله تعالی و فرجة االشریف)، بل شاهدوا غيره وتوهموا أنه هو على غير الواقع .
إلا أن هذا غير صحيح أيضاً لامرين:
أولاً: انه مما ينفيه التواتر، فضلاً عما زاد عليه من أعداد الروايات والنقول ان يحصل القطع بان المجموع لم يكونوا مغفلين بهذا الشكل، بل أن بعضهم - إن لم يكن كلهم - قد شاهدوا المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) نفسه.
ثانياً: انه مما تنفيه الدلائل الواضحة والبراهين اللائحة التي يقيمها المهدي عليه السلام أثناء المقابلة، وينقلها هؤلاء الناقلون مما لا يمكن
-643 -
صدورها من أحد سواه، فيتعين أن يكون هو الامام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) دون غيره. وسيأتي التعرض إلى هذه الدلائل في التاريخ القادم.
الوجه الرابع: ان نعترف بصدقها ومطابقتها للواقع، لكن يلتزم بوجوب تكذيبها تعبداً، إطاعة للأمر الوارد في التوقيع. وقد احتمل هذا الوجه بعضهم.
إلا انه مما لا يكاد يصح.. فانه خلاف ظاهر الحديث بل صريحه. حيث يقول: فهو كذاب مفتر الدال على عدم مطابقة قوله للواقع. ولم يقل فكذبوه ، ليكون من قبيل الأمر الصادر من الامام ليطاع تعبداً. على انه لا يمكن للامام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) أن يأمر بالتكذيب مع علمه بوقوع المشاهدة الثابتة عندنا بالتواتر.
الوجه الخامس: حمل التوقيع الشريف على دعوى المشاهدة دة مع ادعاء الوكالة أو السفارة عنه عليه السلام، وإيصال الاخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال السفراء في الغيبة الصغرى. قالوا: وهذا الوجه قريب جداً، وقد نقل عن البحار وغيره(1).
إلا أنه في الواقع بعيد جداً، بمعنى أنه خلاف الظاهر من عبارة الإمام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) في بيانه. فانه يحتاج إلى ضم قيد أو لفظ إلى عبارته لم تقم قرينة على وجودها.. كما لو كان قد قال: الا فمن ادعى المشاهدة مع الوكالة فهو كذاب مفتر. إلا أن المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) لم يقل ذلك كما هو واضح، ومقتضاه عموم التكذيب لمن ادعى السفارة وغيره.
1) (1) انظر منتخب الاثر ص 400 والبحار ج 13 ص 142.
نعم، من ادعى السفارة أو الوكالة يجب تكذيبه. إلا أن هذا غير ادعاء المشاهدة. إذ بالإمكان تصديق الفرد على المشاهدة وتكذيبه على الوكالة. إلا أن الدليل على تكذيب الوكالة ليس هو قوله: فهو كذاب مفتر. وإنما هو قوله: ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك. فانه دال على انتفاء السفارة بعد السمري، فكل من يدعيها على مدى التاريخ فهو كاذب لا محالة، إلى عصر الظهور. ولذا قال الواعون من معاصري الغيبة الصغرى، انه (عندنا ان كل من ادعى الأمر بعد السمري فهو كافر منمس ضال مضل)(1). وبذلك كانوا يستدلون على كذب دعاوى السفارات بعد السفير الرابع.
واما إيصال الاخبار من جانبه إلى الشيعة ، فان كانت محتفة بقرائن توجب العلم أو الاطمئنان بمطابقتها للواقع، فلا ينبغي تكذيبها. وانما يجب التكذيب- لو ثبت الأمر به- مع احتمال الخطأ وعدم وجود الدلالة على الصواب.
إذن فلا يتم شيء من هذه الوجوه الخمسة للجمع بين التوقيع الشريف واخبار المشاهدة، على تقدير صحة التعارض بينهما.
إلا أن الصحيح هو عدم وجود التعارض بينهما بالمقدار الذي يثبت الحق وتقتنص منه النتيجة الإسلامية المطلوبة على ما سنرى. من مقابلات الإمام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف)، من حيث مطابقتها للواقع وعدمها، ومن حيث الاعراب عن المقابلة أو السكوت عنها.. تنقسم إلى عدة أقسام.
1) (1) غيبة الشيخ الطرسي ص 255.
فيقع الكلام فيها على سبعة مستويات:
المستوى الأول: اننا سبق ان عرفنا ان الإمام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) ليس مختفياً بشخصه عن الناس، وانما يراهم ويرونه، ولكنه يعرفهم ولا يعرفونه. فما هو الواقع خارجاً هو الجهل بعنوانه كامام مهدي، لا اختفاء جسمه، كما تقول به بعض الافكار غير المبرهنة.
وقد عرفنا أن جهالة عنوان كافية في نجاته من السلطات الظالمة خاصة بعد أن تنمو أجيال جديدة لا تعرف شكله وسحنته. إذن فالمهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) يستطيع أن يعيش في المجتمع كاي فرد من أفراده لا يلفت النظر ولا يثير الانتباه ، بصفته عاملاً أو تاجراً أو رجل دين، أو يتخذ في كل فترة زمنية عملا معيناً، وهكذا. كما سنعرض له مفصلا في التاريخ القادم.
وعلى ذلك، فرؤية الناس للمهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) ثابتة في كل يوم وعلى الدوام كلما مشى في الطريق أو ذهب إلى السوق أو إلى الحج أو إلى زيارة أحد أجداده الأئمة عليهم السلام. غاية الأمر أن الناس يرون فيه شخصاً عادياً ويجهلون بالكلية كونه هو المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف)، بل من المتعذر حتى مجرد الالتفات إلى ذلك أو احتماله، كما هو واضح.
ومثل هذه الرؤية أو المقابلة للمهدي(عجل الله تعالی و فرجة االشریف)، لا ينفيها التوقيع الشريف بحال ، فانها لا تقترن أبداً بإدعاء المشاهدة. بسبب جهل المشاهد بحقيقة من رآه وكونه هو المهدي. فهو لا يدعي أنه رأى المهدي ليلزم تكذيبه. وإذا أعرب عن ذلك، فانما يقول: رأيت فلاناً.. ويذكر العنوان
-646-
الظاهر الذي اتخذه المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) في ذلك المجتمع، لا العنوان الواقعي للمهدي البتة. وظاهر بيان انتهاء السفارة ان ما هو كاذب أو ما يجب تكذيبه هو ادعاء مشاهدة المهدي بصفته إماماً مهدياً أو الالتفات إلى
ذلك ولو بالنتيجة ، أي بعد انتهاء المقابلة. وهو مما لا يمكن أن يحدث في المقابلات الاعتيادية للمهدي(عجل الله تعالی و فرجة االشریف).
إذن فخبر التكذيب بعيد عن تكذيب هذا النوع من المشاهدة. كما ان الاخبار الدالة على مشاهدة المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) بعيدة عنه أيضاً. لما عرفناه من عدم إمكان الإعراب عن مشاهدة المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) على هذا المستوى من المشاهدة. وإنما تضمنت تلك الاخبار الاعراب عن مشاهدة المهدي بصفته مهدياً، ولو من حيث النتيجة، بالدلائل التي يقيمها المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) على نفسه أثناء المقابلة.
إذن فهذا المستوى من المقابلة، خارج عن نطاق كلا الطرفين المدعى تعارضها .. لا ينفيه التوقيع ولا تثبته الاخبار الأخرى. ومعه فلا معارضة بينهما على هذا المستوى، فأن المعارضة إنما تتحقق فيما لو اجتمع النفي والاثبات على مورد واحد ، وليس في المقام كذلك.
المستوى الثاني: ان الفرد يرى المهدي بصفته مهدياً، ولكنه لا يعرب عن ذلك إلى الأبد.
وهذا المستوى مما لا يمكن الاستدلال على بطلانه أو نفيه ان لم ندع أنه هو الأغلب مقابلات المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف). وان المقابلات التي أعرب عنها الناس ووصلنا خبرها - على كثرتها - أقل بكثير من المقابلات التي لم
-647 -
يعرب عنها أصحابها ولم يصلنا خبرها خاصة بعد أن نعرف أن العلماء والصالحين من سلفنا الصالح، كانوا يرون عدم جواز الاعراب عن المقابلة لاحد، بدوافع مختلفة. اما لكونهم تخيلوا أن التوقيع الشريف الذي نتحدث عنه دال على عدم الجواز، واما لكونهم تخيلوا ان الاعراب عن المقابلة بما فيها من ملابسات قد تؤدي إلى خطر على المهدي نفسه. واما لكونهم تخيلوا ان مقتضى الأخلاق والتواضع هو السكوت، واما لانهم تلقوا أمراً من المهدي(عجل الله تعالی و فرجة االشریف)حين المقابلة بالكتمان. أو لغير ذلك من الدوافع. وبذلك ضاعت على التاريخ أكثر مقابلات الإمام المهدي «عجل الله تعالی و فرجة االشریف» في غيبته الكبرى.
وهذا المستوى من المقابلات، مما لا يمكن الاستدلال على بطلانه، إلا برفض التصور الإمامي للمهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) وغيبته. وهو خلاف المفروض من هذا التاريخ، حيث بنيناه على التسليم بصحة هذا التصور، وأوكلنا البرهنة عليه إلى بحث آخر. كما قلنا في المقدمة، ومع الاعتراف بهذا التصور تكون مقابلته على هذا المستوى محتملة على أقل تقدير. ولا يدل التوقيع الشريف على نفيه وبطلانه لفرض عدم اقترانها بدعوى المشاهدة. كما لا معنى لتكذيبها ، بعد أن سكت عنها أصحابها ، كما لا يدل عدم نقلها على عدم تحققها، لكون أصحابها قد تعمدوا اخفاءها والسكوت عنها.
وهذا المستوى أيضاً خارج عن اخبار المشاهدة، لكونها جميعاً من المشاهدات المنقولة كما هو واضح. ومعه يكون هذا المستوى خارجاً
-648-
عن طرفيّ النفي والاثبات للطرفين من الاخبار المدعى تعارضها: إذن فلا تعارض على هذا المستوى أيضاً.
المستوى الثالث: ان الفرد يرى الامام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) بصفته مهدياً ولو بحسب النتيجة، ولكنه لا يخبر بالصراحة والوضوح، بكونه قد شاهد المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف). وانما ينقل ما وقع له من الحادثة ويكون المستنتج له ولغيره، من مجموع ما حدثت من دلائل هو أن ذاك الشخص الذي أقامها هو المهدي عليه السلام. والمخبر من ناحيته يجعل المجال للتفلسف والاستنتاج للسامع مفتوحاً. وان كان يعتقد بنفسه ان من راه هو الإمام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) بعينه.
ففي مثل ذلك، إذا استظهرنا من التوقيع الشريف، كما هو غير بعيد من قوله: ادعى المشاهدة، ما إذا ادعى المتكلم رأساً أنه رأى المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) وتعهد بذلك للسامع. فهذا هو المنفي بلسان التوقيع واما إذا لم يخبر بذلك صراحة وانما أوكل الجزم بذلك إلى وجدان السامع.. فهو مما لا ينفيه التوقيع الشريف.
ومن المعلوم لمن استعرض أخبار المشاهدة التي ادعى معارضتها مع التوقيع، ان أكثرها يتضمن نقلاً للحادث مع إيكال الجزم بكون المرئي هو الإمام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) إلى وجدان السامع، وعدم تعهد المتكلم بذلك، وان كان معتقداً به. إذن فمثل هذه الأخبار تكون مداليلها ثابتة بدون أن ينفيها التوقيع بحال.
نعم، لو فرض وجود خبر يقول لك: بأنه شاهد المهدي عليه
-649 -
السلام، وتعهد لك بالصراحة بذلك فانه يخرج عن هذا المستوى الثالث. واما كونه هل يقع طرفاً للمعارضة مع التوقيع أو لا يقع، فهو مما سيتضح على المستويات الآتية.
المستوى الرابع: كون الفرد يرى الإمام المهدي عليه السلام. ويخبر صراحة انه رأى المهدي، متعهداً باثبات ذلك. إلا أنه يذكره مدعماً بالبراهين والأدلة التي تورث القطع للسامع بأن الشخص المرئي هو المهدي نفسه. لاستحالة أن يقوم بذلك شخص سواه عادة.
ففي مثل ذلك، وان اقتضى الفهم الابتدائي للتوقيع نفي المشاهدة على هذا المستوى، إلا أنه بحسب الدقة، يستحيل دلالة التوقيع على ذلك، لفرض كوننا قاطعين بكون المرئي هو الإمام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) والقاطع يستحيل عقلاً أن يحتمل الخلاف أو يكلف بالتكذيب. ومعه يكون الحكم يكون مدعي المشاهدة مفتر كذاب، مختصاً بصورة الشك بما إذا كان المرئي هو المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) أو غيره. ولا يشمل صورة العالم بكونه هو المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف). فكان المهدي(عجل الله تعالی و فرجة االشریف) من توقيعه الشريف يريد أن يقول: انه إذا أخبرك شخص بأنه رأى المهدي وشككت بقوله فاحمله على انه كاذب؛ بمعنى ان القاعدة العامة في دعوى المشاهدة هو الكذب وعدم المطابقة مع الواقع، إلا مع القطع بالثبوت والمطابقة. والمفروض على هذا المستوى القطع بذلك. فلا يكون منفياً بالتوقيع كما هو واضح.
ونحن إذا استعرضنا أخبار المشاهدة، نجدها جميعاً مدعمة بالشواهد
-650-
القطعية الدالة على كون الشخص المرئي هو الإمام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) فان هذه الشواهد هي السبيل الوحيد إلى معرفة ذلك. إلا أننا الآن حيث لم نعش هذه الشواهد ولم نعاصرها وكان كل خبر مستقلا، ظنياً بالنسبة إلينا، فما عندنا من العلم فعلاً، هو العلم الناشيء من التواتر، حيث قلنا بأن هذه الاخبار تفوق التواتر. اذن فنحن نعلم أن أشخاصاً اخبروا عن مشاهدة المهدي وعاشوا شواهد قطعية عن ذلك، ومعه لا يمكن أن تكون مثل هذه الاخبارات مشمولة للتوقيع الشريف بحال.
فعلى هذه المستويات الأربعة، التي تنتظم فيها سائر الاخبار، ولا يكاد يشذ منها شيء ترتفع المعارضة المتخيلة بين التوقيع الشريف واخبار المشاهدة. ولا يكاد يكون التوقيع نافياً لها بحال.
المستوى الخامس: ان الفرد يخبر عن مشاهدة الإمام المهدي عليه السلام، من دون أن يقترن خبره بدليل يوجب القطع أو الاطمئنان بان المرئي هو المهدي عليه السلام نفسه.
وهذا المستوى لا يكاد يوجد في أخبار المشاهدة، فانها كلها أو الأعم الأغلب منها على الأقل، تحتوي على الدلائل القطعية على ذلك كما قلنا، وسنرى ذلك حين نعرض لها بالتفصيل في التاريخ القادم.
نعم ، لو فرض وجود مثل هذا الخبر أو سمعت شيئاً من ذلك من أحد بدون أن يقترن بدليل واضح، فاعرف أنه كذاب مفتر فانه يكون مشمولاً للتوقيع الشريف، لو اقتصرنا على قسم من عبارته.
ولا ضير في ذلك، فان المنفى هو أقل القليل. وهو يحملنا على التنزه
-651-
عن الدعاوى الفارغة والاستغلالات الخرافية المتعمدة.
نعم لو أخذنا بقوله (عجل الله تعالی و فرجة االشریف): وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة وفهمنا منه التنبيه على الدعوات المنحرفة بالخصوص، على ما سياتي على المستوى الآتي.. كان ذلك قرينة على ان دعوى المشاهدة المقترنة بالدعوة المنحرفة، في الكاذبة دائماً. ومعه يكون ادعاء المشاهدة المجرد عن الدعوة المنحرفة، غير منصوص على كذبه في التوقيع، وان تجرد عن الدليل الواضح، بل يبقى محتمل الصدق على أقل تقدير.
المستوى السادس: ان يدعى شخص مشاهدة الإمام المهدي عليه السلام، بدون برهان واضح، كالمستوى السابق، ولكنه يدعى أن المهدي عليه السلام قد قال له أموراً أو أمره بتبليغ أشياء نعرفها بكونها باطلة ومنحرفة. فيحاول هذا الفرد أن يتزعم باسم المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) مسلكاً منحرفاً أو حركة ضالة في داخل نطاق القواعد الشعبية المؤمنة بالمهدي(عجل الله تعالی و فرجة االشریف).. من أي نوع من أنواع الانحراف كان.
والادعاء على هذا المستوى كاذب ومزوّر جزماً للعلم بعدم صدور ما هو باطل من الإمام الحق المذخور لدولة الحق.
والمطمان به هو أن هذا المستوى من الادعاء هو المقصود من التكذيب في التوقيع الشريف. فان المستظهر من قوله (عجل الله تعالی و فرجة االشریف): وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة. كون المراد منه الإشارة إلى حدوث دعوات منحرفة وحركات غير محمودة في داخل القواعد الشعبية الامامية، تقوم على دعوى المشاهدة، خلال الغيبة الكبرى. مع إلفات نظر المؤمنين
-652-
وتحذيرهم من تلك الدعوات ، وتنبيههم على خطرها على الإسلام والمجتمع الإسلامي.
إذن فمدعي المشاهدة كاذب مزور في خصوص ما إذا كان منحرفاً ينقل أموراً باطلة عن الإمام المهدي عليه السلام. واما فيما سوى ذلك فلا يكون التوقيع الشريف دالّا على بطلانه، سواء نقل الفرد عن المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) أموراً صحيحة بحسب القواعد الإسلامية، أو محتملة الصحة على أقل تقدير، أو لم ينقل شيئاً على الاطلاق.
المستوى السابع: أن يؤمن شخص بانسان أنه هو المهدي المنتظر كما حدث في التاريخ خلال الدعوات المهدوية المتعددة. فيخبر-إذا راه-أنه رأى المهدي.
وهذا يكون كاذباً جزماً، لانه وإن كان رأى مدعى المهدوية، إلا أنه لم ير المهدي الحقيقي المعين من قبل الله تعالى لانقاذ العالم من الظلم في اليوم الموعود. فاخباره برؤية المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) لا يكون مطابقاً للواقع، وان اعتقد المخم صدفه. فيكون المراد من التوقيع الشريف هو التحذير من هذه الدعوات المهدوية الباطلة.
والمعارضة-على هذا المستوى-غير موجودة بين التوقيع الشريف واخبار المشاهدة. فان التوقيع وان كان مكذبا لهذه المشاهدة، إلا أن أخبار المشاهدة المقصودة لا تثبتها، فانها جميعاً تدور حول مشاهدة المهدي الغائب محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام، دون غيره. وهو المهدي الحقيقي بالفهم الامامي، وعند من يعترف بصحة هذا
التوقيع الشريف ونفوذه. ومعه لا معنى لهذه المعارضة المدعاة.
إلا أنه يمكن المناقشة على أي حال في تعرض التوقيع لهذا المستوى السابع. باننا وان جزمنا بكذب المخبر برؤية المهدي، إذا كان قد رأى مدعي المهدوية. إلا أن هذا الاعتقاد ناشيء عن الدليل الخاص الدال على انحصار المهدي وانطباقه على محمد بن الحسن عليه السلام دون غيره كما عليه الفهم الامامي المفروض صحته في هذا التاريخ. واما استفاده ذلك من من التوقيع الشريف، فغير ممكن. لان المستفاد من قوله: وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة. انه تحذير من الدعوات المنحرفة التي تقوم في داخل نطاق شيعة المهدي (عجل الله تعالی و فرجة االشریف) وقواعده الشعبية. وبذلك تخرج الدعوات المهدوية الخارجة عن هذا النطاق لانهم ليسوا من شيعة المهدي محمد بن الحسن عليه السلام، كما دل عليهم قوله: وسياتي لشيعتي.
ومعه يكون هذا التوقيع ساكتاً عن التعرض إلى تكذيب الدعوات المهدوية الأخرى، وان علمنا كذبها بدليل آخر.
اذن فقد تحصل من كل ذلك، ان الاشكال الذي ذكروه غير وارد على التوقيع ولا على أخبار المشاهدة، وانه بالامكان الأخذ به وباخبار المشاهدة، ولا يجب تكذيبها إلا ما كان قائماً على الانحراف والخروج عن الحق.
وبهذا ينتهي الحقل السابع في اعلان الامام المهدي عليه السلام انتهاء السفارة وبدأ الغيبة الكبرى.
وبانتهائه ينتهي المهم من أعمال المهدي عليه السلام اتجاه سياسته
-654-
العامة والخاصة خلال غيبته الصغرى. وبقيت هناك تفاصيل قليلة من الأنسب تحويلها على تاريخ الغيبة الكبرى القادم.
وبهذا ينتهي ما أردنا بيانه من تاريخ الغيبة الصغرى بما فيها من ملابسات وحقائق.
والحمد لله على حسن التوفيق وصلى الله على سيد رسله وخاتم أنبيائه رسول الإسلام ورائد الحق، وعلى آله الطيبين الطاهرين. نبتهل إلى الله أن يمن على البشرية المظلومة بقرب الفرج ولقاء اليوم الموعود، يوم العدل المطلق، على يد قائده الكبير المهدي القائم عليه السلام.
وقع الفراغ من تسويد هذه الصفحات بيد المحتاج إلى رحمة ربه الكريم محمد بن محمد صادق الصدر بتاريخ يوم الجمعة الثامن من ربيع الثاني عام 1390 للهجرة النبوية المباركة. الموافق 12 حزيران لعام 1970 الميلادي.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
محمد الصدر
النجف الأشرف - العراق
-655-
(الجزء الرابع)
دار السَّلام
مركز ابن إدريس الحلي
للتنمية الفقهية والثقافية
الطبعة الأولى
1433ه- 2012م
حقوق الطبع محفوظة لدى لجنة الفريفي الثقافية ©
مكتب سماحة العلامة السيد عبدالغریفی
هاتف: 17403134-973+ / فاكس: 17403130-973+
الموقع الإلكتروني: www.alghuraifi.org
البريد الإلكتروني: lajna@alghuraili.org
السهلة الشمالية - البحرين
葉
دار السَّلام
بيروت - لبنان
لبان: 009613461595-009611472192
العراق: 009647802150376
E-mail:daralsalamco@hotmail.com
مركز ابن إدريس الحلي
للتنمية الفقهية والثقافية
العراق - النجف الأشرف
340...الإمامُ المُنتَظَرُ قِرَاءَةُ فِي الاشكاليات
حاولنا هنا أن ندوّن بعض النماذج من توقيعات الإمام المهدي علیه السَّلام، مقرونةٌ بقراءةٍ سنديّةٍ من أجل إثبات صحة الإسناد.
وللتعرّف على المزيد من النماذج لهذه التوقيعات يُقرأ:
1-كتاب الغيبة للشيخ الطوسي.
2-كمال الدين للشيخ الصّدوق.
3-إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب للشيخ علي اليزدي (ج1).
4- موسوعة توقيعات الإمام المهديّ لمحمد تقي أكبر نجاد.
5-الاحتجاج للطبرسي (ج2).
6- بحار الأنوار ج 53 ب 31 ما خرج من توقيعاته علیه السَّلام.
-كمال الدين 2 : 516 ب 45 / حدیث 44:
**حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتّب قال: كنت بمدينة السّلام في السُّنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السَّمّري - قدس الله روحه - فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته:
«بسم الله الرحمن الرحيم يا عليّ بن محمد السَّمّري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنّك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك، ولا توصل إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية التامة فلا ظهور إلُّا بعد إذن الله عزّ وجلّ، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السّفياني والصيحة فهو كاذبٌ مفتر، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم».
المثبت التاريخي السَّادس (التوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي في الغيبة الصفرى)...341
قال: فتسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه، وهو يجود بنفسه فقيل له من وصيّك من بعدك؟
فقال: الله أمرُ هو بالغه، ومضى رَضي الله عنه فهذا آخر كلامٍ سُمع منه.
رجال الإسناد:
*أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الصَدوق:
-«أجمع علماء الرجال على وثقاته وصدقه وجلالة قدره وعظم منزلته - تقدّم في أسانيد كثيرة».
*أبو محمد الحسن بن أحمد المكتَب:
«من مشايخ الصّدوق -قُدس سرّة- روى عنه وذكره مترحماً عليه».
انظر:
-معجم رجال الحديث 4 285/ 2718.
*أبو الحسن علي بن محمد السَُّمّري:
-«رابع السّفراء الأربعة الأجلّاء المعتمدين- تقدّم».
السيد محمد السيد حسين الحكيم
المُثبت التاریخیّ السَّابع
(أخبار الرویة والمشاهدة)
386...الإمامُ المُنتَظرُ عجل الله تعالی و فرجة الشریف قِراءَةُ فی الأشکالیات
**أبو محمد الحسن بن أحمد المكتّب قال:
كنت بمدينة السَّلام في السُّنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السّمري [النائب الرابع] قدّس الله روحه فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته «بسم الله الرّحمن الرّحيم يا عليّ بن محمد السّمري أعظم الله أجر إخوانك فيك-إلى آخر التوقيع-».
-النموذج الأول من نماذج التوقيعات الصادرة عن الإمام المهديّ علیه السَّلام- المُثبت التاريخيّ السادس).
*رجال الإسناد ثقات..
هذا التوقيع شاهدٌ عمليّ على صحّة ظاهرة الرؤية والمشاهدة.
388...الإِمَامُ الْمُنْتَظَرَ عجل الله تعالی و فرجة الشریف قِرَاءَةُ فِي الإِشْكَالِيَّاتِ
من مُسلَّمات المذهب الشيعي الإماميّ أن الغيبة الصغرى قد انتهت بوفاة السفير الرابع من سفراء الإمام المهديّ عليه السَّلام؛ وهو أبو الحسن عليّ بن محمد السمري (ت/ 229 ه)، وانتهت بذلك السفارة (النيابة الخاصة) وبدأت مرحلة الغَيبة الكبرى، لتبدأ معها مسؤولية (النيابة العامّة).
فمن ادّعى السفارة (النيابة الخاصة) بعد انتهاء الغَيبة الصغرى فهو «كذّاب مفترٍ»، ولذلك سقطت-عبر التاريخ الشيعيّ المتجذَّر في العمق الأصيل لخطّ الأئمّة من أهل البيت علیهم السَّلام- كلّ الدعاوى الكاذبة والتي انطلقت من خلال أهدافٍ مشبوهةٍ منحرفة.
وهنا يُطرح هذا السؤال:
وماذا عن دعاوى المشاهدة في عصر الغَيبة الكبرى؟
جاء في آخر توقيع للإمام المهديّ علیه السَّلام:
«فقد وقعت الغيبة التامّة فلا ظهور إلّا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي لشيعتي من يدّعي المشاهدة ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السّفياني والصيحة فهو كذّاب مفترٍ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
إسناد هذا التوقيع معتبر ، فرجاله كلّهم ثقات (انظر: النموذج الأول من نماذج التوقيعات الصادرة عن الإمام المهديّ علیه السَّلام- المُثبت التاريخيّ السادس).
فهذا التوقيع يحمل مدلولاً صريحًا في أنّ من ادّعى المشاهدة قبل خروج السّفياني والصيحة فهو مفتر كذّاب.
المُثّبت التاريخيّ السّابع (أخبار الرؤية والمشاهدة)..389
فكيف يستقيم ذلك مع الواقع التاريخيّ والذي يتحدّث عن «إخبارات متواترةٍ» أكّدت حدوث مقابلات مع الإمام المهديّ علیه السَّلام في عصر الغَيبة الكبرى؟
فهل يتشكّل تعارض؟
وهل يمكن معالجة هذا التعارض؟
ذكر الشهيد السيد محمد الصدر في كتابه (تاريخ الغَيبة الصغرى ص 640) مجموعة وجوهٍ حاولت الإجابة عن هذا الإشكال(1).
الوجه الأول:
الطعن في سند التوقيع الشريف ورواته:
ويعتمد هذا الطعن على عدة أمور:
أ- الضعف السّندي: فهو خبر واحد مرسل ضعيف.
ب - لم يعمل به ناقله وهو الشيخ الطوسي الذي روى هذا التوقيع في كتاب الغَيبة.
ج-إعراض الأصحاب عنه.
وفي ضوء هذه الأمور يسقط هذا التوقيع فلا يعارض تلك الإخبارات المتواترة».
وناقش السَيد الصدر هذا الوجه رافضًا له وذلك:
أولاً:
كون التوقيع خبرًا واحداً ليس نقصاً فيه، لما ثبت في علم أصول الفقه من حجيّة خبر الواحد الثّقة.
1) (1) نقلنا هذه الوجوه مع بعض التصرّف في العبارة.
390...الإِمَامُ المُنتَظَرُ عجل الله تعالی و فرجة الشریف قِرَاءَةُ فِي الإِشْكَالِيَّاتِ
ثانياً:
وأمّا كونه خبراً مرسلاً، فهو غير صحيح، وهذا واضح من قراءة إسناده كما جاء في كتاب الغيبة للشيخ، وكما رواه الصدوق في كتاب كمال الدين.
ثالثاً:
لو سلّمنا بضعفه فهو لا يمنع من اعتماده في الإثبات التاريخيّ، بخلاف الإثباتات الفقهيّة.
رابعاً:
وأمّا دعوى إعراض الشيخ والأصحاب عنه فغير مسلّمة، فمنشأ هذا التوهّم كون الشيخ والأصحاب قد نقلوا أخبار الرؤية في عصر الغَيبة الكبرى وأثبتوها في كتبهم.
إلا أنّ هذا لا يُعبّر عن الإعراض عن التوقيع الشريف ما دام هناك إمكانية للجمع والتوفيق، ولو ثبت هذا الأعراض فهو لا يوجب وهناً في الرواية سنداً ولا دلالة.
الوجه الثاني:
الطعن في الأخبار الناقلة لمشاهدة الإمام المهديّ علیه السَّلام ام في عصر الغَيبة الكبرى جملةً وتفصيلاً، كما يميل إلى ذلك مفكرون محدّثون.
ورفض السيد الصدر هذا الوجه أيضاً؛ فأخبار المشاهدة متضافرة، وكثيرة، وبعضها مروي بطرقٍ معتبرة وقريبةٍ الإسناد فلا يُمكن رفضها بحال.
الوجه الثالث:
الطّعن في أخبار المشاهدة دلالةً ومضموناً وليس سنداً كما في الوجه السابق،
المثبت التاريخي السّابع (أخبار الرؤية والمشاهدة)...391
ويتخذ هذا الطَعن أحد هذين النحوين:
النحو الأول:
أن تحمل هذه الأخبار على الوهم، فهي إمّا مزاعم كاذبة أو أضغاث أحلام...
ويُلاحظ على هذا النحو:
أنَ تواتر أخبار المشاهدة. وتكاثر النقل ينفي تهمة الكذب أو كونها أضفات أحلام.
النحو الثاني:
أن تكون المشاهدات صادقة لا تُعبّر عن مزاعم كاذبة أو عن أضغاث أحلام،ولكن الخطأ في التصوّر والتطبيق.
وهذا النحو من الفهم مرفوض أيضًا:
أولاً:
لوجود التواتر الذي ينفي حدوث الخطأ لدى الجميع في التصور والتطبيق.
ثانياً:
لوجود الدلائل الواضحة والبراهين اللائحة التي يقيمها الإمام المهديّ علیه السَّلام. أثناء المقابلة.
الوجه الرابع:
أن نعترف بصدق أخبار المشاهدة وبمطابقتها للواقع، إلّا أنّنا ملزمين بتكذيبها تعبّداً، إطاعة للأمر الوارد في التوقيع.
هذا الوجه مردودٌ، فالتوقيع صريحٌ في كون مدّعي المشاهدة كذّاباً مفترياً وهذا
يعني عدم مطابقة قوله للواقع، ثمّ إنّه لا يمكن أن يأمر الإمام بتكذيب ما هو واقع قطعاً.
الوجه الخامس:
أن يُفسّر معنى «المشاهدة» في التوقيع الشريف ب «ادعاء الوكالة أو السّفارة عن الإمام المهدي علیه السَّلام، على مثال السّفراء في الغَيبة الصغرىء.
ويلا حظ على هذا الوجه :
أولاً:
هذا الفهم خلاف الظاهر من عبارة الإمام علیه السَّلام ألّا بإضافة قرينة، وهي معدومةٌ في المقام.
( أقول): يمكن أن يُدّعى وجود القرينة في المقام، فهذا النصّ صادرٌ عن الإمام المهديّ علیه السَّلام ام لبيان انتهاء السفارة [النيابة الخاصة] بانتهاء الغَيبة الصغرى وبدء الغيبة الكبرى، ففي هذا السياق جاء التحذير من دعوى «المشاهدة»، فلا يُمكن أن تحمل على مجرد «الرؤية»، و إلّا كانت العبارة أجنبية عن السياق.
ثانياً:
لا إشكال في أنّ دعاوى السفارة في عصر الغَيبة الكبرى دعاوى كاذبة وهذا أمرٌ مسلّمٌ وثابتٌ قطعا، وهذا ما يؤكّده التوقيع من خلال قول الإمام:
«ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغَيبة التّامة»، فمن ادّعى السفارة بعد ذلك فهو كاذبٌ ومفتر، وقد أصبح هذا الأمر من المسلَّمات الشيعيّة، وقد أكده أعلام الطائفة من معاصري الغيبة الصغرى أو القريبين منها، فقد ورد عن الشيخ الطوسي في كتاب الغَيبة: «عندنا أنّ كلّ من ادعى الأمر بعد السّمري فهو كافرٌ
المثبت التاريخي السّابع (أخبار الرؤية والمشاهدة)...393
منمّس ضالٌ مضل(1).
غير أنّ هذا المعنى لا يُستفاد من قوله علیه السَّلام:
«ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السّفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر» فظاهر العبارة لا يُساعد على ذلك.
(قلنا): إن السياق يُساعد على ذلك.
والخلاصة التي يصل إليها الشهيد السيد محمد الصدر بعد رفضه لكلّ الوجوه السابقة: «أن لا تعارض بين التوقيع وأخبار المشاهدة في عصر الغيبة الكبرى».
ولإيضاح ذلك تناول السيد الصدر مقابلات الإمام المهديّ علعیه السَّلام» ام من خلال سبعة مستوياتٍ نوجزها هنا مع شيئٍ من التصرّف في الألفاظ والعبارات:
المستوى الأول:
الإمام المهديّ في عصر الغيبة الكبرى-وكما أكّدت الأدلّة-ليس مختفياً بشخصه عن الناس، وإنّما يراهم ويرونه، ولكنّه يعرفهم ولا يعرفونه.. فالاختفاء للعنوان فقط.
هذا المستوى من المشاهدة خارجٌ عن محلٌ الكلام، فالتوقيع لا ينفيه، وأخبار المشاهدة لا تُثبته.
المستوى الثاني:
أن يتمّ اللقاء مع «الإمام» بصفته الإمام المهديّ، إلّا أنّ صاحب اللقاء لا يُعرب عن ذلك أبداً.
هذا المستوى من المشاهدة لا يمكن الاستدلال على بطلانه أو نفيه، فالتوقيع
1) (1) الطوسي: كتاب الغيبة، ص 255.
394...الإِمَامُ المُنتَظَرُ عجل الله تعالی و فرجة الشریف قِرَاءَةُ فِي الإِشْكَالِيَّاتِ
الشريف لا يشمله حيث لا دعوى في المقام، كما أنّه خارج عن أخبار المشاهدة والتي يصرّح بها أصحابها حسب الفرض.
المستوى الثالث
أن يتمّ اللقاء مع الإمام المهديّ بصفته وعنوانه-كما في المستوى الثان -وصاحب اللقاء لا يتحدّث عن ذلك صراحة وإنّما يكتفي بنقل ما حدث له، ويترك للسامع عملية الاستنتاج رغم قناعته هو وفق الدلائل أنّ ذلك الشخص الذي أقامها هو الإمام المهديّ علیه السَّلام.
هذا المستوى من اللقاءات ليس مشمولاً للتوقيع الشريف لعدم وجود دعوى صريحة بالمشاهدة.
( أقول): إذا كانت الدلائل المنقولة قطعيّة الدلالة بحيث لا خيار إلّا الجزم والاعتقاد بكون الشخص هو الإمام المهديّ علیه السَّلام، فمن المحتمل جداً أن تكون مشمولة للتوقيع الشريف فيقع التعارض-وفق مبناه في تفسير المشاهدة - إلّا إذا صح التخريج الذي يأتي ذكره في المستوى الرابع.
المستوى الرابع:
أن يتم اللقاء مع الإمام المهديّ علیه السَّلام بصفته، وعنوانه، وصاحب اللقاء يتحدّث عن ذلك صراحة، مدعوماً بالأدلّة والبراهين التي تورث القطع لدى السامع بأنّ الشخص المَرئي هو الإمام المهدي علیه السَّلام، لاستحالة أن يقوم بذلك شخصٌ سواه عادة.
هذا المستو -وفق الفهم الابتدائي للتوقيع-يكون مشمولاً له، فيقع التعارض، إلّا أنّه وفق الفهم الدقيق يستحيل دلالة التوقيع على نفي ما قامت الدلائل القطعيّة على وقوعه.
فالفهم الصحيح للتوقيع يتّجه إلى نفي أيّ ادعاءِ قاطعِ بالرؤية والمشاهدة إذا
...395
لم يكن هذا الادعاء مدعومًا بالأدلة والبراهين القطعيّة، وهدف التوقيع قطع الطريق أمام أصحاب الدعاوى الزائفة والكاذبة والواهمة والخرافيّة.
المستوى الخامس :
دعوى اللقاء والمشاهدة من دون أن تقترن هذه الدعوى بدليلِ يوجب القطع أو الاطمئنان بأن المرئي هو الإمام المهديّ علیه السَّلام.
هذه الدعوى بلا إشكال مشمولة للتوقيع الشريف، وصاحبها مفتر كذّاب، وكما سبق القول بأنّ التوقيع يقطع الطريق أمام الدعاوى الكاذبة، والاستغلالات الخرافيّة المتعمّدة.
المستوى السادس:
دعوى اللقاء والمشاهدة بلا دليلِ ولا برهانِ قاطع مع اقتران الدعوى بحمل توجيهاتِ يزعم المدّعي بكونها صادرة عن الإمام المهديّ علیه السَّلام، وهي واضحة البطلان والانحراف.
هذه الدعوى بلا إشكال مشمولة للتوقيع الشريف، وصاحبها مفتر كذاب... والمطمأن به هو أنّ هذا المستوى من الادّعاء هو المقصود [الأساس] من التكذيب في التوقيع الشريف، من أجل حماية القواعد الشعبية المؤمنة بالإمام المهدي ام من كلّ الاختراقات المنحرفة والحركات الضّالة، والادّعاءات الكاذبة.
المستوى السابع:
دعاوى المهدويّة الباطلة.
حدثت في التاريخ-ولا زالت-دعواتٌ مهدويّة كاذبة وزائفة من أجل خداع الناس وتضليلهم، ولا إشكال في بطلان هذه الدعاوى، فالأدلّة الثابتة القطعية المعتمدة عند الشيعة الإمامية تؤكد على انحصار المهدي وانطباقه على محمد بن الحسن علیه السَّلام.
396...الإِمَامُ المُنتَظَرُ عجل الله تعالی و فرجة الشریف قِرَاءَةُ فِي الإِشْكَالِيَّاتِ
وهذا المستوى خارجٌ عن محلّ الكلام، فالتوقيع ناظرٌ إلى المهديّ الحقيقيّ وِفق المنظور الشيعي، وأخبار المشاهدة تتحدّث عن هذا المهديّ، وليس عن أشخاصِ انتحلوا المهدوية كذبا وزوراً.
ملاحظة:
من أجل التوسّع حول موضوع المشاهدة في عصر الغيبة الكبرى يُقرأ:
السيد محمد الصدر: تاريخ الغيبة الصغرى ص 630 - 654 ( الحقل السابع: إعلان انتهاء السفارة وبدء الغيبة الكبرى).
موسوعة الإمام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة الشریف)
سماحة آية الله العظمى الشيخ
لُطف الله الصافي الگلپایگانی
دارالمرتضی
إنی تارک فیم الثقلین کتاب الله و عترتی و أهل بیتی
دار المرتضى
طباعة، نشر، توزيع
بيروت لبنان، ص.ب 25/155 الغبيري
تلفاكس: 009611840392
خليوي: 0096170950412
E-mail:mortada14@hotmail.com
جميع حقوق الطبع والاقتباس محفوظة
ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة طباعة
او ترجمة الكتاب أو جزء منه إلا بإذن
خطي من المؤلف والناشر
DAR AL-MORTADA
Printing - publishing - Distributing
Lebanon-Beirut
PO Box: 155/25 Ghobiery
Tel-Fax: 009611840392
Mobile: 0096170950412
E-mail:mortada14@hotmail.com
Printed In Lebanon
الطبعة الثالثة
1429 هجرية
2008 ميلادية
الباب الخامس
في حالاته ومعجزاته في الغيبة الصغرى بعد وفاة أبيه،
وذكر من تشرّف بمقام السفارة في الغيبة الصغرى
ومن فاز برؤيته فيها
وفيه ثلاثة فصول
الباب الخامس: في حالاته ومعجزاته في الغيبة الصغرى و...519
878 - (1)
أقول: في بعض نسخ كمال الدين وسائر الكتب: «فقد وقعت الغيبة التامة، وفي اصل النسخة المطبوعة من غيبة الشيخ وسياتي لشيعني»، وفي الخرائج وجنة الماوى وسياتي من شيعتي، وفي بعض الكتب: وسيأتي في شيعتي»، هذا وربما يقال بأن هذا التوقيع بظاهره ينافي الحكايات الكثيرة المتواترة القطعية التي لا يمكن احصاؤها لكثرتها، وتدل على وقوع المشاهدة، وتشرف البعض بدرك فيض زيارته ومحضره وينافي أيضاً ما اتفق الكلّ عليه ظاهراً حتى الصدوق ناقل هذا التوقيع من مشاهدة جماعة كثيرة إياه، وقد ذكروا لرفع التنافي أو الجواب عن هذا الخبر وجوهاً ذكر السنة منها في جنّة الماوى، منها: ما عن المجلسي في البحار وغيره، وهو أن سياق الخبر يشهد بأن المراد من ادعاء المشاهدة ادعاؤها مع النيابة والسفارة، وايصال الاخبار من جانبه الى الشيعة على مثال السفراء في الغيبة الصغرى، وهذا الوجه قريب جداً، ومنها: أنه خبر واحد مرسل ضعيف، لم يعمل به ناقله، وهو الصدوق في الكتاب المذكور، وأعرض الاصحاب عنه، فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع عن مجموعها، بل من بعضها المتضمن الكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره عليه السلام . إثبات الهداة : ج 3 ص 693 ف 3 ب 33 ح 112 مختصراً؛ الاحتجاج: ج 2 ص 478 طبع بیروت.
كمال الدين: حدّثنا ابو محمّد؛ الحسن بن أحمد1) 16 - كمال الدين : ج 2 ص 516 ب 45 ح 44؛ غيبة الشيخ: ص 395 ح 365؛ إعلام الورى: الركن الرابع ق 2 ب 3 ف 2 وفيه: «وسياتي شيعتي»، الخرائج والجرائح: ج 2 ص 1128 ح 6 ط مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام ؛ البحار : ج 51 ص 360 و 361 ب 16 ح 7 ؛ جنة المأوى المطبوع مع المجلد53 من البحار : ص318.
520...منتخب الأثر (ج 2)
المكتب قال : كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري قدس الله روحه فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد
السمري! أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميّت ما بينك وبين ستّة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية [التامّة -خ] ، فلا ظهور إلّا بعد إذن الله عزّوجلّ، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة الا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذبٌ مفترِ، ولاحول ولاقوّة إلا بالله العليّ العظيم.
الباب الخامس: في حالاته ومعجزاته في الغيبة الصغرى و...521
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمرٌ هو بالغه ومضى - رضي الله عنه فهذا آخر كلام سُمع منه.
مَوْسُوعَة الامام المهدی عجل الله تعالی و فرجه الشریف
نَشرُ الفقَاهَة
محمود، عرفان
اثبات الغيبه وسيره الامام (علیه السَّلام) في الغيبه والظهور/ تالیف عرفان محمود
قم: نشر فقاهت. 1392. شابک : 7-04-6537-600-978
موسوعه الامام المهدى (عجل الله تعالی و فرجة الشریف)؛ جلد 4.
موضوع: محمد بن حسن (عجل الله تعالی و فرجة الشریف)، امام دوازدهم 255 ق، غیبت
موضوع: محمد بن حسن (عجل الله تعالی و فرجة الشریف) امام دوازدهم 255 ق. احادیث-مهدویت
رده بندی کنگره: 1392 3الف BP224/4/3 رده بندی دیویی: 297/462
نشر فقاهت
موسوعة
الإمام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة الشریف)
(4)
إثبات الغّيبة وسيرة الإمام (علیه السَّلام) في الغّيبة والظهور
تأليف: عرفان محمود
تحقيق: لجنة التحقيق
اشراف: أبو الفضل الإسلامي
موضوع: کلام و تاريخ
الطبعة: الأولى
المطبعة: مؤسسة النشر الاسلامي
الكمية: 500
صف الحروف: الطالبي
التاريخ: 1434ه
«نشر الفقاهة»-قم
شابك: 7-04-6537-600-978
ISBN: 978-600-6537-04-7
ملحق الفصل السادس
دلالات توقيع الإمام علیه السَّلام للسمري بتكذيب المشاهدة في الغَيبة الكبرى
ورد في التوقيع الشريف الصادر إلى آخر السفراء الأربعة عليّ بن محمّد السمري رحمة الله قول الإمام المهديّ عجّل الله فرجه: ألا فمَن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفترٍ(1). وقد فهم البعض منه نفي إمكانية الالتقاء بالإمام المهديّ في غَيبته الكبرى واعتبروه معارضاً للروايات الكثيرة التي تناقلها الثقاة الإثبات و المصرّحة بالالتقاء به علیه السَّلام في هذه الغّيبة والّتي بلغت حدّ التواتر، وهذا الفهم لا ينفي أن يلتقي الإمام بالمؤمنين في غَيبته الكبرى دون أن يعرفهم بهويته أو بشرط أن لا يدعوا مشاهدته ويلتزموا بالكتمان. فلا يتعارض مع الروايات المتقدمة المصرّحة بالالتقاء به ورؤيته في غَيبته الكبرى دون ادعاء المشاهدة، بل كتمان ذلك وإخبار عدد قليل من الأشخاص بذلك مع اشتراط أن لا يخبروا أحداً إلّا بعد وفاة الملتقى.
نفي الالتقاء به لا ينسجم مع دلالة التوقيع ولا هدفه:
بيد أنّ هذا الفهم لا ينسجم مع هدف هذا التوقيع الشريف وهو إعلان انتهاء
1) (1) كمال الدين: 2 / 516.
128
الباب الثاني/ ملحق الفصل السادس...333
الغَيبة الصغرى ونظام الوكلاء المنصوبين من قبل الإمام مباشرة، وقد تصدّى عدد من العلماء للردّ عليه وإثبات عدم تعارضه مع روايات الالتقاء بالإمام ورؤيته في غَيبته الكبرى. ولعلّ من أجمع هذا الردود هو ردّ السيّد محمّد الصدر في تأريخ الغَيبة الكبرى، لذا نكتفي بنقل بحثه بهذا الشأن كملحق لهذا الفصل ونوكل تفصيل الحديث عن ذلك للكتاب الخامس من هذه الموسوعة بإذن الله.
مَوسوعَةُ
الأمام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
القِسمُ الأوَل
نَشرُ الفقاهَة
إمكانية لقاء الإمام علیه االسَلام في الغيبة الكبرى وتوقيعه علیه السَّلام للسمري
استوفينا الحديث في الكتاب الرابع من هذه الموسوعة عن إثبات إمكانية بل وقوع الالتقاء بالإمام المهديّ عجّل الله فرجه في غَيبته الصغرى وكذلك الكبرى، وقد أشرنا هناك إلى أنّ تواتر الروايات المصرَحة برؤيته والالتقاء به علیه السَّلام في غَيبته مُنذ القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا هو بحدَّ ذاته دليلاً على إمكانية ذلك والكتاب الحالي كافٍ شافٍ في إثبات هذا التواتر المقصود.
على إننا لا نجد خلافاً بين العلماء في إثبات رؤيته عجّل الله فرجه عند ولادته وفي غَيبته الصغرى وإلى انتهائها بوفاة رابع السفراء عليّ بن محمّد السمري رضوان الله عليه. والحديث هو بشأن الغيبة الكبرى وإمكانية رؤيتها فيها، فقد توقّف البعض بشأن ذلك لما ورد في توقيع الإمام علیه السَّلامم للشيخ السمري من قوله عجّل الله فرجه: ... فقد وقعت الغَيبة التامة (الثانية - خ) فلا ظهور إلّا بعد إذن الله تعالى ذكره (عزّوجل-خ)، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي (إلى- خ) شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفترٍ...(1).
1) (1) كمال الدين: 2 / 516، غَيبة الطوسي: 395 الطبعة المحقّقة.
30...رؤية القائم علیه السَّلام منذ ولادته إلى القرن الحاضر
لا تعارض بين خبر التكذيب وما تواتر من اللقاء به:
ومبعث التوقّف هو توهّم أنّ تكذيب مدعي المشاهدة نفيٌ لإمكانية رؤيته علیه السَّلام في الغيبة الكبرى، وقد تقدّم دفع هذا التوهّم ببراهين عدّة نقلناها في الكتاب الرابع من هذه الموسوعة، فلا نكرّر، ونكتفي هنا بالإشارة إلى أنّ هذا التوقيع الشريف صادر بشأن إعلان انتهاء السفارة الخاصّة للنوّاب الأربعة رضوان الله عليهم، والمقصود نفي ادّعاء المشاهدة مع عنوان السفارة الخاصّ، كما حصل بالفعل في تأريخ الغَيبة الكبرى، فيكون الغرض قطع الطريق على هؤلاء الأدعياء وتحصين الشيعة من ادّعاءاتهم التضليلية، فلا علاقة له بنفي إمكانية الرؤية الحاصلة بالفعل في غَيبته الكبرى. كما يحتمل أن يكون المقصود نفي ادعاء المشاهدة للإمام إذا كان مجرّد ادّعاء خال من الأدلة الإثباتية، فلا يشمل أخبار المشاهدة المدعمة بالأدلّة المصرّحة بصحّة المشاهدة، وهذا الوجه مستفاد من استخدام التوقيع تعبير «مَن ادّعى المشاهدة».
كما يحتمل أن يكون المراد أيضاً نفي ادعاء المشاهدة العامة قبل ظهور علامات الظهور الحتمية أو النهي عن ادّعاء المشاهدة. ولذلك حرص الكثير من الصالحين على التكتّم على لقاءاتهم به في غَيبته الكبرى عجّل الله فرجه، وثمَة وجوه احتمالية أخرى ذكرها العلماء وهي كافية في رفع التوهم المذكور، إلّا أنّ الوجه الأوّل رجّحه الكثير من العلماء.
يقول آية الله السيّد محمّد تقي الإصفهاني في كتابه مكيال المكارم وبعد إثبات صحة التوقيع المذكور: المقام الثاني في دلالة الحديث المذكور على المطلب المزبور وتقرير ذلك أن قوله الله علیه االسَّلام«فقد وقعت الغيبة الثانية» تعليل لقوله «ولا توصِ إلى أحدٍ يقوم مقامك» فيدلّ على أنَ الغَيبة الكبرى هي الّتي
المقدّمة...31
انقطعت الوكالة والنيابة الخاصّة فيها. ثمّ أكّد ذلك بقوله علیه السَّلام «وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة ... إلخ» ولا شبهة بقرينة صدر الكلام في أنّ المراد بدعوى المشاهدة المشاهدة هي على نحو ما وقع للسفراء الأربعة، المحمودين المعروفين في زمان الغَيبة الأولى، وقد صرّح بأنّ من ادّعاها في الغَيبة الكبرى فهو كذّاب مفترٍ ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العظيم.
والحاصل: أنّ المراد بالمشاهدة هي المشاهدة المقيدة بكونها بعنوان البابية والنيابة الخاصّة مثل ما كان للسفراء الأربعة، الموجودين في زمان الغَيبة الصغرى، لا مطلق المشاهدة، فهو من باب ذكر المطلق وإرادة المقيّد، أو ذكر العامّ وإرادة الخاصّ، وهذا النحو من الاستعمال كثير شائع في العرف واللغة كما تقول: اشتريت اللحم أو اشتر اللحم وتريد لحم الغنم بخصوصه لا مطلق اللحم، والقرينة في الكلام موجودة كما ذكرنا، ومن هذا القبيل قوله عزّوجلّ: (قُلْ آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، والأسباطِ) فإنّ الأسباط لفظٌ عام أريد به الخاصّ، لأنّ جميع الأسباط لم ينزل عليهم كتاب ولا وحيّ ولا حكم، وإنّما نزل على بعضٍ منهم، وكذلك في
التوقيع الشريف أريد بالمشاهدة نحو خاص، كما بيّنا لك بعون الله تعالى.
وبهذا الوجه يتبيّن أنه لا تنافي بين هذا التوقيع الشريف وبين الوقائع الكثيرة المذكورة في كتب عديدة كالبحار والنجم الثاقب و دار السلام للشيخ العراقي، وغيرها الدالّة على وقوع المشاهدة في زمان الغَيبة الكبرى لكثير من المؤمنين ، الّذين فازوا بشرف لقائه عجّل الله فرجه ورزقنا الله تعالى الفوز بلقائه وشفاعته، إنّه قريبٌ مجيب(1).
1) (1) مكيال المكارم فى فوائد الدعاء للقائم: 20/360-361.
32...رؤية القائم علیه السَّلام مُنذ ولادته إلى القرن الحاضر
تصريح العلماء بإمكانية رؤيته علیه السَّلام في غَيبته:
ولذلك فلم يمنع هذا التوقيع الشريف المشهور أساطين علماء الإمامية من المتقدمين والمتأخّرين من التصريح بإمكانية رؤية الإمام عجّل الله فرجه في غيبته الكبرى، ولم يفهموا منه نفي وقوعها، ننقل فيما يلي نماذج لبعض تصريحاتهم بهذا الخصوص:
الشيخ الأقدم محمد بن عبدالرحمن بن قبة:
1 - قال الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن عبدالرحمن بن قبة وهو من أجَلاء علماء الإمامية في بداية عصر الغَيبة، وكان «عظيم القدر، حسن العقيدة، قوياً في الكلام، كان قديماً من المعتزلة وتبصّر وانتقل، وكان حاذقاً، شيخ الإمامية في زمانه، له كتاب في الإمامة...»(1)، قال في جوابه عن شبهات المعتزلة بشأن الإمام المهديّ عجّل الله فرجه و غَيبته:
... إنّ الغيبة ليست هي العدم، فقد يغيب الإنسان إلى بلد يكون معروفاً فيه ومشاهداً لأهله ويكون غائباً عن بلدٍ آخر، وكذلك قد يكون الإنسانُ غائباً عن قومٍ دون قومٍ، وعن أعدائه لا عن أوليائه، فيقال: إنه غائب وإنه مستتر، وإنما قيلً «غائب» لغَيبته عن أعدائه وعمّن لا يوثق بكتمانه من أوليائه، وأنه ليس مثل آبائه علیهم السَّلام ظاهراً للخاصّة والعامة، وأولياؤه-مع هذا-ينقلون [خبر] وجوده وأمره ونهيه، وهم عندنا ممّن تجب بنقلهم الحجّة، إذ كانوا يقطعون العذر لكثرتهم، واختلافهم في هممهم ووقع الاضطرار مع خبرهم، ونقلوا ذلك كما نقلوا إمامة آبائه علیهم السَّلام...(2).
المقدّمه...33
الشیخ الصدوق:
2 - وقال الشيخ الأقدم الثقة الصدوق محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه-وهو علم أعلام محدثي الإمامية في بداية الغَيبة الكبرى المولود بدعاء الإمام المهديّ عجل الله فرجه كما سيأتي وقد توفي سنة (381ه)-في جوابه على شبهات مماثلة بشأن إمامة الإمام الغائب عجّل الله فرجه:
...فأمّا إجابته [يعني الإمام المهديّ] إيّاكم عن معالم الدين، فإن جئتموه مسترشدین متعلّمین عارفين بموضعه مقرّين بإمامته عرّفكم و علّمكم، وإن جئتموه أعداءُ له مرصدين بالسعاية إلى أعدائه منطوين على مكروهه عند أعداء الحقّ متعرفين مستور أمور الدين لتذيعوه لم يجبكم لأنه يخاف على نفسه منكم...
...لم نقل إن الإمام يستر نفسه ( عن جميع الناس - خ) لأنّ الله عزّوجلّ قد نصبه و عرّف الخلق بمكانه بقول الصادق الّذي قبله فيه ونصبه له، وإنما قلنا: إنّ الإمام لا يقرُّ عند أعدائه بذلك أيّ بإمامته خوفاً منهم أن يقتلوه، فأمّا أن يكون مستوراً عن جميع الخلق فلا...(1).
الشيخ المفيد:
3 - وقال الشيخ الأجلّ محمّد بن محمد بن النعمان الملقَب بالمفيد والمتوفّى سنة (413ه) في كتابه الفصول العشرة في الغَيبة وبعد الإشارة إلى جماعة من «أهل عقلٍ ودراية وأمانة وثقةٍ ودراية وفهم وتحصيل ونباهة» قد شاهدوا الإمام عجّل الله فرجه عند ولادته و خلال غَيبته الصغرى:
...وهذا يسقط دعوى الخصوص وِفاق الإمامية لهم أنّ صاحبهم لم يُر منذ
1) (1) كمال الدين: 1 / 48 - 50.
34...رؤية القائم علیه السَّلام مُنذ ولادته إلى القرن الحاضر
ادّعوا ولادته، ولا عرف له مكان ولا خبّر أحدٌ بلقائه. فأمّا بعد انقراض مَن سمّيناه من أصحاب أبيه وأصحابه علیهما السَّلام، فقد كانت الأخبار عمّن تقدّم من أئمّة آل محمّد علیهم السَّلام متناصرة بأنه لابدّ للقائم المنتظر من غَيبتين إحداهما أطول من الأخرى، يعرف خبره الخاص في القصرى ولا يُعرف العامّ له مستقرّاً في الطولى إلّا من تولّى خدمته من ثقات (تقاة -خ ل) أوليانه ، ولم ينقطع عنه إلى الاشتغال بغيره.
والأخبار بذلك موجودة في مصنّفات الشيعة الإمامية قبل مولد أبي محمد وأبيه وجدّه علیهم السَّلام، وظهر حقَها عند مضيّ الوكلاء والسفراء الّذين سمّيناهم رحمةالله. وبان صدق رواتها بالغَيبة الطولى، فكان ذلك من الآيات الباهرات في صحّة ما ذهب إليه الإمامية ودانت به في معناه(1).
وواضحٌ أنه رحمةالله يستند إلى ما ورد في الأحاديث الشريفة لإثبات إمكانية رؤيته بل ومعرفة مكانه أيضاً في غَيبته «الطولى» عجَل الله فرجه، شريطة أن يكون العارف بمكانه-وهذا ذو مرتبة أعلى من مجرّد المشاهد له-من «ثقات أو تقاة أوليائه» وممّن لم يشغله شيءُ عن خدمة مولاه علیه السَّلام: «ولم ينقطع عنه إلى الاشتغال بغيره»، وفي ذلك إشارة إلى أنّ أعمالنا هي الّتي حجبتنا عن مشاهدته علیه السَّلام. وهذا المضمون ورد في رسالة الإمام عجّل الله فرجه للشيخ المفيد كما سيأتي.
السيّد المرتضى علم الهدى:
4 - قال السيّد الجليل علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين المعروف
1) (1) الفصول العشرة في الغَيبة: 81 و 82.
المقدّمة...35
بالشريف المرتضى والمتوفّى سنة (436ه ) في كتاب «تنزيه الأنبياء»:
... أول ما نقوله: إنّا غير قاطعين على أنّ الإمام لا يصل إليه أحدٌ ولا يلقاه بشر، فهذا أمرٌ غير معلومٌ ولا سبيل إلى القطع عليه ...(1).
... وقلنا أيضاً: إنه غير ممتنع أن يكون الإمام علیه السَّلام يظهر لبعض أوليائه ممّن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، فإنّ هذا ممّا لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنّما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره...(2).
الشيخ تقي الدين الحلبي:
5 - وقال الثقة العين أبو الصلاح تقيّ الدين الحلبي صاحب كتاب «الكافي الفقه» والمتوفّى سنة (5447 ) في كتابه «تقريب المعارف» ضمن ردّه عن المشكّكين بصحّةِ غَيبة صاحب الزمان عجَل الله فرجه:
...وليس لأحدٍ أن يقول : فهب تكليف أعدائه مع غَيبته علیه السَّلام لازم لتقصيرهم عن الواجب من تمكينه فما بال أولياته العارفين به المتديّنين بطاعته، يُمنعون لطفهم. بظهوره لهم بجناية غيرهم، ويلزمهم تكليف ما ظهور الإمام لطف فيه مع غَيبته بجريرة سواهم، ومقتضى الألطاف عندكم بخلاف هذا.
[ليس لأحدٍ أن يقول ذلك] لأنا لا نقطع على غَيبة الإمام علیه السَّلام عن جميعهم، بل يجوز ظهوره لكثيرٍ منهم...(3).
36...رؤية القائم علیه السَّلام مُنذ ولادته إلى القرن الحاضر
الشيخ أبو الفتح الكراجكي الطرابلسي:
6 - وقال الإمام الجليل الفقيه أبو الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان الكراجكي الطرابلسى المتوفى سنة (449ه) في كتابه القيّم «كنز الفوائد» وضمن جوابه على سؤال بشأن الغَيبة :
والّذي اقتضاه العدل والحكمة في هذا الزمان من نصب الإمام للأنام، فقد أزاح الله سبحانه العلّة فيه وأوجده ودلّ عليه بحجّة العقل الشاهدة في الجملة بأنه لابد من إمامٍ كامل معصوم في كلّ عصر، وبحجج النصوص على التعيين المأثورة عن رسول الله رب العالمين، وعن الأئمّة من أهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، في التعريف بصاحب هذا الزمان علیه السّلام، بنعته ونسبه الّلذين يتميّز بهما عن الأنام.
ولكن الظالمين سلكوا سنن مَن كان قبلهم في قصدهم لإهلاك هداتهم، وحرصهم على إطفاء نور مصابيحهم ، فقصدوا قصده فأخافوه، وانطوت نيّاتهم على قتله متى وجدوه، متى وجدوه، فأمر [ه] الله بالاستتار [لما] علمه من مباينة حاله لحال كلّ نبي وإمام أبدى شخصه فقتلهم الناس، إذ كانت مصلحة الأمة بعد آبائه صلوات الله عليهم مقصورة على كونه إماماً لهم ، وأن غيره لا يقوم مقامه في مصلحتهم... ولسنا مع ذلك نقطع على أنّ الإمام علیه السَّلام لا يعرفه أحد ولا يصل إليه، بل قد يجوز أن يجتمع به طائفةُ من أوليائه تستر اجتماعها به و تخفیه(1).
شيخ الطائفة الطوسي:
7 - وقال شيخ الطائفة الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفّى سنة
1) (1) كنز الفوائد: 2 / 217 و 218.
المقدّمة...37
(460ه) في كتابي الغَيبة وتلخيص الشافي:
إنّا أوّلاً لا نقطع على استتاره [المهديّ عجّل الله فرجه] عن جميع أوليائهِ، بل يجوز أن يبرز لأكثرهم، ولا يعلم كلّ إنسان إلّا حال نفسه، فإن كان ظاهراً له فعلّته [يعني علّة عدم الظهور للإنسان المقصود] مزاحة، وإن لم يكن ظاهراً له علم أنه إنّما لم يظهر له لأمر يرجع إليه [أي للإنسان، ففيه ما يمنع فوزه بلقاء إمامه علیه السَّلام] وإن لم يعلمه لتقصيرٍ من جهته...
نحن نجوّز أن يصل إليه كثيرٌ من أوليائه والقائلون بإمامته فينتفعون به....(1).
ويطرح رحمةالله في تلخيص الشافي السؤال: «الأعداء إن حالوا بينه وبين الظهور على وجه التصرّف والتدبير فلم يحولوا بينه وبين لقاء من شاء من أوليائهِ على سبيل الاختصاص وهو يعتقد طاعته ويفترض اتّباع أوامره ويحكمه في
نفسه ؟».
ثمّ يجيب على السؤال بالقول: ... إن الّذي يجب أن يُجابَ به عن السؤال الّذي ذكرناه في علّة الاستتار عن أوليائه: أنه لا يجب القطع على استتاره عن جميع أوليائه...(2).
السيد ابن طاووس:
8- وقال السيّد الأجلّ رضي الدين عليّ بن طاووس الحلي المتوفّى سنة (664ه) في كتابه العقائدي القيّم«الطرائف»:
وإذا كان علیه السَّلام غير ظاهر الآن لجميع شيعته فلا يمتنع أن يكون جماعة منهم يلقونه وينتفعون بمقاله وفعاله، ويكتمونه كما جرى الأمرُ في جماعة من
38...رؤية القائم علیه السَّلام مُنذ ولادته إلى القرن الحاضر
الأنبياء والأوصياء والملوك حيث غابوا عن كثير من الأمّة لمصالح دينية أو دنيوية أوجبت ذلك(1).
وقال رضوان الله عليه في كتابه التربوي القيّم «كشف المحجة لثمرة المهجة» مخاطباً ابنه:
والطريق مفتوحة إلى إمامك علیه السَّلام لمن يريد الله جلّ شأنه عنایته به و تمام إحسانه إليه.
... فصارت الغَيبة حجّة لهم علیهم السَّلام وحجّة على مخالفيه في ثبوت إمامته وصحّة غيبته، مع أنه عليه السَّلام حاضر مع الله جلّ جلاله على اليقين، وإنما غاب مَن لم يلقه عنهم لغَيبتهم عمّن حضره للمتابعة له ولربّ العالمين... (2). يعني أنّ عدم الفوز بلقائه عجّل الله فرجه نتيجة عدم المتابعه له ولله جلّت قدرته. وستأتي كلمات أخرى للسيّد ابن طاووس عند الحديث عن لقائه هو رضوان الله عليه بإمام زمانه.
الحكيم ميثم البحراني:
9 - وقال الحكيم الربّاني كمال الدين الشيخ ميثم بن علي البحراني المتوفّى سنة ( 679ه) صاحب الشروح الثلاثة لنهج البلاغة، في كتابه الكلامي الشهير «قواعد المرام في علم الكلام»:
إنّا نجوّز أن يظهر لأوليائه ولا نقطع بعدم ذلك، على أنّ اللطف حاصل لهم في غَيبته أيضاً، إذ لا يأمن أحدهم إذا همَّ بفعل معصية أن يظهر الإمام عليه
المقدّمة...39
فيوقع به الحدّ، وهذا القدر كافٍ في باب اللطف(1).
الفاضل الإربلي:
10 - وقال العالم الجليل الثقة الفاضل الشيخ أبو الحسن عليّ بن عيسى المتوفّى سنة (693ه) في كتاب «كشف الغمّة» في معرض ردّه على فرية إقامة الإمام المهديّ أرواحنا فداه في السرداب:
هذا قولٌ عجيب وتصوّرُ غريب، فإنّ الّذين أنكروا وجوده علیه السَّلام لا يوردون هذا، والّذين يقولون بوجوده لا يقولون إنّه في سرداب، بل يقولون إنه حيٌ موجود يحلّ ويرتحل ويطوف في الأرض ببيوت وخيم وخدم وحشم وإبل وخيل وغير ذلك، وينقلون قصصاً في ذلك وأحاديث يطولُ شرحها، وأنا أذكر من ذلك قصّتين قرب عهدهما من زماني وحدّثني بهما جماعة من ثقات إخواني ...(2).
المحدّث السيد النيلي النجفي:
11 - وقال المحدّث الفقيه العلّامة السيّد بهاء الدين عليّ بن عبدالكريم النيلي النجفي من أعلام القرن التاسع الهجري ومن أساتذة الشيخ ابن فهد الحلي في كتابه «منتخب الأنوار المضيئة في الحكمة الشرعية الإلهية» ضمن حديثه عن غَيبة الإمام المهدي علیه السَّلام واستتاره فيها:
إنّا لا نمنع من ظهوره لأوليائه، لكن ليس الكلّ صالحاً لظهوره عليهم ووصوله لهم، بل البعض قد حصل له ذلك... ثمّ إنّ اللطف موجودٌ حاصلٌ
40...رؤية القائم علیه السَّلام مُنذ ولادته إلى القرن الحاضر
للجميع، لأنّ مَن يقول بإمامته لا يأمن أن يظهر فيعاقبه على المعصية ويثيبه على الطاعة، فهم مع جزمهم بوجوده وإمكان حضوره لا يزالون قريبين إلى الطاعة بعيدين عن المعصية، فاللطف حاصلٌ لهم....(1).
العلّامة محمد تقي المجلسي:
12 - وقال العلّامة العارف المتعبّد الشيخ محمّد تقي المجلسي والد الشيخ محمّد باقر صاحب البحار في شرحه لكتاب مَن لا يحضره الفقيه الموسوم ب«روضة المتقين»:
أمّا اليوم - وإن كان الولي غائباً - فآثار الأئمة المعصومين علیهم السَّلام ظاهرة، والعلماء المؤيّدون عن الله موجودون، مع أنه اشتهر كثيراً هدايات الصاحب علیه السَّلام لجماعة من العلماء عند المشكلات، والحمد لله ربّ العالمين على أنه كلّما تشرّفتُ بخدمته علیه السَّلام في الرؤيا الصادقة الظاهرة آثارها كما ورد في الأخبار أن غَيبته كغَيبة الشمس تحت السماء [السحاب] ونفعها ظاهر لا يخفى...(2).
السيّد بحر العلوم:
13 - قال العلّامة الفقيه آية الله العظمى السيد مهدي بحر العلوم رضوان الله عليه في فوائده الرجالية وبعد ذكره للتوقيع المهدوي الشهير للشيخ المفيد و ضمن ترجمته له:
وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغَيبة الكبرى مع جهالة حال المبلغ ودعواه المشاهدة المنفية بعد الغَيبة الكبرى، ويمكن دفعه باحتمال حصول
المقدّمة...41
العلم بمقتضى القرائن واشتمال التوقيع على الملاحم والإخبار عن الغَيب الّذي لا يطّلع عليه إلّا الله وأولياؤه لهم، وإن المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام ويعلم أنه الحّجة علیع السَّلام حال مشاهدته له، ولم يعلم مَن المبلغ ادّعاؤه ذلك.
وربّما يحصل لبعض حفَظة الأسرار من العلماء الأبرار بقول الإمام علیه السَّلام بعينه على وجهٍ لا ينافي امتناع الرؤية في مدّة الغَيبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه علیه السَّلام فيبرزه في صورة الإجماع، جمعاً بين الأمر بإظهار الحقّ والنهي عن إذاعة مثله بقولِ مطلق... وقد يمنع أيضاً امتناعه في شأن الخواصّ وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار ودلالة بعض الآثار(1).
المحقّق الكاظمي:
14 - وقال الأصولي المحقّق الشيخ أسدالله التستري الكاظمي في كتابه القيّم «كشف القناع عن وجوه حجّية الإجماع»:
الثاني عشر: من وجوه الإجماع وهو ملحق بها صورة أن يحصل لبعض حملة أسرار الأئمة علیهم السَّلام العلم بقول الإمام الغائب بعينه بنقل أحد سفرائه و خَدَمته سرّاً على وجه يفيد اليقين، أو بتوقيعه ومكاتبته كذلك، أو بسماعه منه مشافهةً على وجهٍ لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغَيبة، فلا يسعه التصريح بما اطّلع عليه والإعلان بنسبة القول إليه، ولا يجد في سائر الأدلّة الموجودة العلمية ما ينهض إثبات ذلك بناءً على إمكان فقد ولاها في غيرها أيضاً من الأدلّة ما يقتضيه بناءً على الاكتفاء بها والاستغناء بها عمّا عداها، وإلّا لم يجد من عداه إعلامه بما بدا له مع عدم إيجابه العلم وله لو وجد غيره ممّا ذكر لم يحتج إليه إلّا
1) (1) الفوائد الرجالية: 3 / 320 و 321، النجم الثاقب: 2 / 406 و 407.
42...رؤية القائم علیه السَّلام مُنذ ولادته إلى القرن الحاضر
من باب التأييد والتقوية، فإذا كان الحال كما ذكر وكان غير مأمور بإخفاء ما وقف عليه وكتمانه عن سائر الناس على الإطلاق أو مأموراً بإظهاره بحيث لا ينكشف حقيقة الحال فيبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة الإجماع خوفاً من الضياع وجمعاً بين الأمثال لما ورد من الأمر بإظهار الحقّ وتشييده بحسب الإمكان، وما ورد من النهي عن إذاعة مثله لغير أهله ولا سيما إذا ادّى إظهاره على وجهه إلى تكذيبه وعدم الاعتماد على نقله، فيفوت الغرض من إبرازه المأمور به عموماً أو خصوصاً فلابدّ حينئذٍ من وقوع اتّفاق مع ذلك بحيث يوجب صحّة ما يختاره من الكلام لترويج الكلام أو التعبير بما يقتضي التباس المقصود منه على الأفهام.
ولا ريب أنّ حصول العلم لبعض الخواص بقول الإمام علیه السَّلام على نحو ما ذكر أمر يمكن في نفسه، ولوقوعه شواهد من الأخبار والآثار ويجوز له التوسل في إظهاره بما قلنا حيث لم يكن مأموراً بستره مطلقاً، ولا يمنع منه الأمر بستره عن الأعداء أو عمّن لا يحمل ذلك، كما لا يخفى، فيكون حجةٌ على نفسه لكونه من السنّة وعلى غيره بعد إبرازه على نحو ما ذكر لكونه من الإجماع، و ربّما يكون هذا هو الأصل في كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة الّتي تداولت بين الإمامية ولا مستند لها ظاهراً من أخبارهم ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الأئمة وأسرارهم ولا أمارة تشهد بأنّ منشأها أخبار مطلقة أو وجوه اعتبارية مستحسنة هي الّتي دعتهم إلى إنشائها وترتيبها والاعتناء بجمعها وتدوينها، كما هو الظاهر في جملةٍ منها.
فتكون كما روى والد العلّامة وابن طاووس طاب ثراهما عن السيّد الكبير العابد رضىّ الدين محمّد بن محمّد الآوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدّس الغروي عن صاحب الزمان صلوات الله عليه في طريق الاستخارة بالسبحة
المقدّمة...43
وغيره أيضاً على ما يظهر من كلام الشهيد وكما هو مروي عنه في قصّة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في البحار وتفسير الأئمّة علیهم السَّلام وغيرهما وكمّا سمعه منه ابن طاووس في السرداب الشريف وكما علّمه علیه السَّلام محمّد بن علي العلوي الحسني المصري في حائر الحسين علیه السَّلام وهو بين اليقظان والنائم وقد أتاه الإمام علیه السَّلام مكرّراً وعلّمه، إلى أن تعلّمه في خمس ليالِ وحفظه ثمّ دعا به و استجيب دعاءه وهو دعاء العلوي المصري المعروف، وكغير ذلك ممّا يقف عليه المتتبع.
ويحتمل أن يكون هو الأصل أيضاً في كثير من الأقوال المجهولة القائل فيكون المطّلع على قول الإمام علیه السَّلام لمّا وجده مخالفاً لما عليه الإمامية ومعظمهم ولم يتمكّن من إظهاره على وجهه وخشي أن يضيع الحقّ ويذهب عن أهله جعله قولاً من أقوالهم، وربمّا اعتمد عليهم وأفتى به من غير تصریح بدليله لعدد قيام الأدلة الظاهرة بإثباته بناءً على إمكان ذلك كما مرّ، ولعلّ هذا الوجه فيما تقدّم في الوجه الثاني عن بعض المشايخ من الاعتبار لتلك الأقوال والميل إليها وتقويتها بحسب الإمكان لاحتمال كونها أقوال الإمام ألقاها بين العلماء لئلا يجمعوا على الخطأ فيكون طريق إلقائها وهو ما ذكرنا إذ لا يتصوّر غيره ظاهراً وقد مر الكلام(1).
الآخوند الخراساني:
15 - قال آية الله المحقّق الكبير والأصولي البارع المرجع الإسلامي الشهير الآخوند محمد كاظم الخراساني في كتابه الدراسي المعروف «كفاية الأصول» ضمن حديثه عن مبنى الإجماع:
1) (1) كشف القناع: 230 - 231 من الطبعة الحجرية.
44...رؤية القائم علیه السَّلام مُنذ ولادته إلى القرن الحاضر
... وأما كون المبنى العلم بدخول الإمام علیه السَّلام بشخصه في الجماعة أو العلم برأيه للاطّلاع بما يلازمه عادة من الفتاوى فقليل جدّاً في الإجماعات المتداولة ألسنة الأصحاب كما لا يخفى، بل لا يكاد يتفق العلم بدخوله علیه السَّلام على نحو الإجمال في الجماعة في زمان الغَيبة، وإن احتمل تشرّف بعض الأوحدي بخدمته علیه السَّلام ومعرفته أحياناً ...(1).
المحقّق النائيني:
16 - وقال المحقّق الشيخ النائيني قدس سرة في كتاب «فوائد الاُصول» ضمن ردّه على المسلك الدخولي:
... وأمّا في زمان الغَيبة فلا يكاد يحصل ذلك عادةً، نعم قد يتفق في زمان الغَيبة للأوحدي التشرّف بخدمته وأخذ الحكم منه علیه السَّلام(2).
السيّد محسن الأمين العاملي:
17 - وقال العلّامة المنتتبع آية الله السيّد محسن الأمين العاملي في سيرة المهديّ علیه السَّلام من «كتابه أعيان الشيعة» بعد ذكره مَن رأى الإمام علیه السَّلام في الغَيبة الصغرى:
وقد جاءت أحاديث دالَة على عدم إمكان الرؤية في الغَيبة الكبرى، وحكيت رؤيته علیه السَّلام عن كثيرين في الغَيبة الكبرى، ويمكن الجمع بحمل نفي الرؤية على رؤية مَن يدّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه على مثال السفراء ، أو بغير ذلك (3).
المقدّمة...45
والتصريحات المماثلة كثيرة يصعب إحصاؤها، فنكتفي بهذا القدر، ونشير إلى أنّ الكتب التي ألفها علماؤنا الأعلام مُنذ القرن الرابع الهجري وإلى اليوم لا تكاد تخلو من إقرار صريح أو ضمني بإمكانية رؤية الإمام المهديّ عجل الله فرجه والالتقاء به في غَيبته الكبرى، واعتبروا ذلك من مصاديق الانتفاع به علیه السَّلام في غيبته التي أخبرت عنها الأحاديث الشريفة.
يُضاف إلى ذلك أنّ هذه الحقيقة مدعمة بطائفةٍ من الأحاديث الشريفة التّي تصرّح بها، وقد نقلنا عدداً منها في الكتاب الثالث من هذه الموسوعة.
تَاليفُ
اَلعَلامَّةِ ايَة اللهُ الحَاج ميرزا مُحَمَّد تَقَى المُوسوی الأصفهاني
«فَقيه الحمد آبادي»
المُجَلد الثّاني
مُوَسّسة
الأمام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
تمثال المؤلّف
الكتاب: مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم علیه السَّلام.
المؤلّف: السيّد محمّد تقي الموسوي الإصفهاني «الفقيه الاحمدآبادي».
التحقيق والنشر: مؤسسّة الإمام المهدي علیه السَّلام- قم .
الطبعة الأولى: سنة 1422ه تمتاز بتحقيق جديد.
المطبعة: أمير - قم.
الكمية: 3000 نسخة.
الناشر: حبلُ المتين.
شابک (الدورة): 4 - 4 - 13462 - 964.
شابک (ج 2): 5 - 6 - 13462 - 964
حقوق الطبع كلّها محفوظة لمؤسسة الإمام المهدي علیه السَّلام- قم المقدسة
السيد محمد السيد حسين الحكيم
الباب الثامن: ما يتقرّب به إليه ويسرّه ويزلف لديه من تكاليف العباد إليه علیه السَّلام...405
الأمر الواحد والسبعون: تكذيب من ادّعى الوكالة والنيابة الخاصّة عنه علیه السَّلام في زمان الغيبة الكبرى
إعلم أنّه اتفّقت الإماميّة على انقطاع الوكالة، واختتام النيابة الخاصّة، بوفاة الشيخ الجليل عليّ بن محمد السمريّ (رض) وهو الرابع من النوّاب الأربعة، الّذي كانوا مرجعاً للشيعة في زمان الغيبة الصغرى،
وأنّه ليس بعد وفاة السمريّ إلى زمان ظهور الحجّة عجّل الله فرجه الشريف نائب مخصوص عنه في شيعته،
وانّ المرجع في زمان غيبته الكبرى هم العلماء العاملون، الحافظون لحدود الله، وأنّ من ادّعى النيابة الخاصّة فهو كاذب مردود،
بل يعدّ ذلك من ضروريّات مذهب الإماميّة الّتي يعرفون بها، ولم يخالف في ذلك أحد علمائنا، وكفى بهذا حجّة وبرهاناً.
1618- ويدلّ على المقصود أيضاً: ما رواه الشيخ الجليل رئيس المحدّثين المعروف بالصدوق الّذي بشرّ بولادته سيّدنا ومولانا الحجّة علیه السَّلام في كتاب كمال الدين، قال: حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتّب (ره) قال: كنت بمدينة السلام في السنّة الّتي توفّي فيها الشيخ عليّ بن محمّد السمريّ (ره) فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليّ بن محمّد السمريّ، أعظم الله أجر
406...مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم علیه السَّلام
إخوانك فيك، فإنّك ميّت مابينك وبين ستّة أيّام فأجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلّا بعد إذن الله عزّ وجلّ، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسياتي شيعتي من يدّعي المشاهدة الا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب(1)مفتر، ولا حول ولاقوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
قال: فنسخنا هذا التوقيع، وخرجنا من عنده، فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه، وهو يجود بنفسه، فقيل له من وصيّك من بعدك؟
فقال (ره): لله أمر هو بالغه ومضى رضي الله تعالى عنه.
فهذا آخر كلام سمع منه [رحمة الله ورضوانه عليه].(2)
أقول: الكلام هنا في مقامين: أحدهما: في سند الحديث الشريف المذكور.
والثاني: في دلالته على المقصد المزبور.
أمّا الأوّل: فاعلم أنّ هذا حديث صحيح اصطلاحاً، لانّه مرويّ عن مولانا صاحب الزمان عجل الله فرجه بتوسّط ثلاثة أشخاص:
الأوّل: الشيخ الأجلّ أبو الحسن عليّ بن محمّد السمريّ، وهو لجلالته واشتهاره غنيّ عن البيان.
والثاني: الشيخ الصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ، وهو أيضاً لاشتهاره واشتهار كتابه وجلالة قدره لا يحتاج إلى التوضيح.
والثالث: أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتّب،
وهو كما ذكره الفاضل الالمعي المولى عناية الله في مجمع الرجال: أبو محمّد الحسن بن الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتّب(3)،
الباب الثامن: ما يتقرّب به إليه ويسرّه ويزلف لديه من تكاليف العباد إليه علیه السَّلام...407
ويروي عنه الصدوق مكرّراً مترضياً مترحّماً، وهذا من إمارات الصحّة والوثاقة(1)، كما نبّه على ذلك المولى المزبور في مجمعه، وذكر له شواهد عديدة، ليس هنا موضع ذكرها، والمكتّب بكسر التاء المشدّدة من يعلّم الكتابة.
تنبيه: قد وقع هنا سهوان في كتابين من كتب علمائنا رحمهم الله تعالى،
ينبغي التنبيه عليهما:
الأوّل: في كتاب الغيبة للشيخ الأجلّ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ره) ففيه في النسخة الّتي عندي هكذا: أخبرنا جماعة، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ ابن الحسين بن بابويه، قال:
حدّثني أبو محمّد أحمد بن الحسن(2)المكتّب، قال: كنت بمدينة السلام- وساق الحديث مثل ما نقلناه عن كمال الدين لابن بابویه (ره)(3)
وقد عرفت أنّ الّذي روى عنه ابن بابويه حسن بن أحمد، والظاهر أنّ السهو في كتاب الشيخ الطوسي وقع من النسّاخ، ويؤيّد وقوع السهو فيه من بعض النسّاخ أنّ الحاج ميرزا حسين النوري (ره) نقل هذا الحديث في جنّة المأوى، من غيبة الشيخ: عن الحسن بن أحمد المكتّب(4)والله تعالى هو العالم.
والثاني: في كتاب مستدرك الوسائل للعالم المحدّث المتتبّع الحاج ميرزا حسين النوري (ره) فإنّه مع سعة باعه، وكثرة اطّلاعه، واهتمامه في استقصاء أسماء مشايخ الصدوق، غفل عن ذكر هذا الشخص الجليل، الّذي روى عنه الصدوق مكرّراً مترضّياً مترحّماً، وأمثال هذه الأمور ممّا يبعث العالم على الفحص
1) (1) أي ذكر الصدوق أو غيره من الرواة أو علماء الرجال أحداً من الرواة معقباً بقوله: رحمه الله أورضي الله تعالى عنه من امارات الصحّة والوثاقة، قال المولى عناية الله (ره) بعد قوله يروي عنه الصدوق مكرّراً مترضيّاً مترحّماً فيدلّ على الوثاقة. (المؤلّفه رحمه الله تعالى).
2) (2) أقول: في النسخة الّتي عندنا: «الحسن بن أحمد».
3) (3) غيبة الطوسي: 395 ح 365.
4) (4) البحار: 318/53 الفائدة الأولى.
408...مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم علیه السَّلام
والتتبّع، ويوجب له الظفر بما غفل عنه من قبله،
فعليكم يا إخواني بالسعي، والإجتهاد، فإنّ الله لا يحبّ كلّ طالب مرتاد.(1)
وممّا يدلّ أيضاً على وقوع السهو والإشتباه في كتاب الشيخ، وعلى غفلة صاحب المستدرك عن ذكر ذلك الشيخ (ره) أنّ المولى عناية الله المذكور نقل الحديث المسطور، عن كتاب ربيع الشيعة لابن طاووس، حاكياً عن «الحسن بن أحمد المكتّب» فتبيّن بحمد الله تعالى وعونه، أنّ الراوي عن أبي الحسن السمريّ (ره) هو الحسن بن أحمد الّذي روى عنه ابن بابويه (ره).
وممّا يدلّ على صحّه: هذا الحديث وصدوره عن الإمام أيضاً، أنّ الشيخ الطبرسيّ (ره) صاحب كتاب الإحتجاج ذكره مرسلاً، من دون ذكر السند، والتزم في أوّل الكتاب وصرّح بأنّه لا يذكر فيه سند الاحاديث الّتي لم يذكر أسانيدها، إمّا بسبب موافقتها للإجماع، أو اشتهارها بين المخالف والمؤالف، أو موافقتها الحكم العقل. فظهر أنّ الحديث المذكور أيضاً كان غنيّاً عن ذكر السند، إمّا لموافقة الإجماع أو لاشتهاره، أو لكليهما جميعاً.
وممّا يدلّ أيضاً على صحّته، أنّ علماءنا من زمن الصدوق (ره) إلى زماننا هذا استندوا إليه، واعتمدوا عليه، ولم يناقش ولم يتأمّل أحد منهم في اعتباره، كما لا يخفى على من له أنس وتتبّع في كلماتهم ومصنّفاتهم، فتبيّن من جميع ما ذكرناه أنّ الحديث المذكور من الروايات القطعيّة التي لا ريب فيها، ولا شبهة تعتريها، وهو ممّا قال فيه الإمام علیه السَّلام فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه.
المقام الثاني: في دلالة الحديث المذكور على المطلب المزبور،
وتقرير ذلك أنّ قوله علیه السَّلام: فقد وقعت الغيبة الثانية، تعليل لقوله: ولا توص إلى أحد يقوم مقامك، فيدلّ على أنّ الغيبة الكبرى هي الّتي انقطعت الوكالة والنيابة الخاصّة فيها، ثمّ أكد ذلك بقوله علیه السَّلام:
1) (1) الاحتجاج : 297/2.
الباب الثامن: ما يتقرّب به إليه ويسرّه ويزلف لديه من تكاليف العباد إليه علیه السَّلام...409
وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة ... إلخ، ولا شبهة بقرينة صدر الكلام فی أنّ المراد بدعوى المشاهدة هي المشاهدة على نحو ما وقع للسفراء الأربعة، المحمودين المعروفين في زمان الغيبة الأولى، وقد صرّح بأنّ من ادّعاها في الغيبة الكبرى فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العظيم.
والحاصل أنّ المراد بالمشاهدة هي المشاهدة المقيّدة بكونها بعنوان البابيّة والنيابة الخاصّة، مثل ما كان للسفراء الأربعة، الموجودين في زمان الغيبة الصغرى، لا مطلق المشاهدة، فهو من باب ذكر المطلق وإرادة المقيّد، أو ذكر العامّ وإرادة الخاصّ، وهذا النحو من الاستعمال كثير شائع في العرف واللغة، كما تقول: اشتريت اللحم أو اشتر اللحم وتريد لحم الغنم بخصوصه لا مطلق اللحم والقرينة في الكلام موجودة كما ذكرنا،
ومن هذا القبيل قوله عزّوجلّ: (قل آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط)(1)فإن الاسباط لفظ عامّ أريد به الخاصّ، لأنّ جميع الاسباط لم ينزل عليهم كتاب، ولا وحي ولا حكم، وإنّما نزل على بعض منهم، وكذلك في التوقيع الشريف أريد بالمشاهدة نحو خاصّ، كما بيّنّا لك بعون الله تعالى.
وبهذا الوجه يتبيّن أنّه لا تنافي بين هذا التوقيع الشريف وبين الوقائع الكثيرة المذكورة في كتب عديدة: كالبحار، والنجم الثاقب، ودار السلام للشيخ العراقي، وغيرها الدالّة على وقوع المشاهدة في زمان الغيبة الكبرى لكثير من المؤمنين، الّذين فازوا بشرف لقائه عجل الله فرجه ورزقنا الله تعالى الفوز بلقائه وشفاعته، إنّه قريب مجيب.
هذا، وقد قيل في الجمع بينهما وجوه بعيدة، لا حاجة لنا في التعرّض لها، وردِّها، وأنّ ما ذكرناه واضح لاهله كالنور على شاهق الطور، والله الموفّق.
1) (1) البقرة: 136.
الجزء الاول الجزء الثاني
سَماحَّةُ الشَيّخ مُحمَّد السَّنَّد
تَقدِيم وَ تَحقيق
مَرکَز الدراسات التخصصیة الامام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
مَرکَز الدراسات التخصصیة الامام المهدی عجل الله تعالی و فرجة الشریف
اسم الكتاب: ...دعوى السفارة في الغيبة الكبرى ج1/ ج2
تأليف: سماحة الشيخ محمد السند
تقديم وتحقيق:... مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف
رقم الإصدار:...288
الطبعة:... الثالثة ( المحققة ) 1444ه
عدد النسخ:...طبعة محدودة
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمركز
العراق-النجف الأشرف
هاتف: 07809744474 - 07816787226
www.m-mahdi.com
info@m-mahdi.com
تمهيد...9
وقد قامت الضرورة لدى الطائفة الإماميَّة على انقطاعها بعد الغيبة
10...دعوى السفارة في الغيبة الكبرى/ (ج 1)
الصغرى بعد النائب الرابع عليَّ بن محمّد السمري، حيث ورد التوقيع من الناحية المقدَّسة على يده: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ، أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجمَع أَمْرَكَ، وَلَا تُوصٍ إِلَى أَحَدٍ يَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ الثَّانِيةُ (التَّامَّةُ)، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اَلله عزّوجلّ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَاِمْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوْراً، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَن ادَّعَى الْمَشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوج السُّفْيَانِیِّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله الْعَيِّ الْعَظِيم».(1)
إذ المراد بالمشاهدة هي الوساطة والتمثيل والأتصال الرسمي بالناحية المقدَّسة؛ لأنّها ذُكِرَت في سياق قوله علیه السَّلام: «لَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ يَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ الثَّانِيَةُ (التَّامَّةُ)».
ويحصل الخلط بين تشرُّف جملة من علماء الطائفة، كالسيَّد ابن طاوس والعلَّامة بحر العلوم وغيرهما من الصالحين الأتقياء، كما ذكر ذلك كلُّ من الكليني في (أُصول الكافي)، والصدوق في (كمال الدِّين)، والطوسي في (الغيبة)، والنوري في (جنَّة المأوى في من رأى الحجَّة الكبرى)، وبين ضرورة انقطاع السفارة والوساطة والتمثيل الرسمي بين الطائفة وبين الناحية المقدَّسة، أي انقطاع التأدية منه إلى الناس، والتأدية من الناس إليه، أي لا يوجد شخص له صلاحيَّة أنْ يُؤدّي إلى الحجَّة عجل الله تعالی و فرجة الشریف رسائل الناس
1) (1) كمال الدَّين (ص 516/ باب 45 ح 44، الغيبة للطوسي (ص 395/ ح 365).
تمهید...11
وأسئلتهم، ولا أنْ يُؤدِّي من الحجَّة عجل الله تعالی و فرجة الشریف كلامه إلى الناس، فليس هناك من له صلاحيَّة هذه الموقعيّة من الوساطة والتمثيل الرسمي تحت أيَّ عنوانِ كان، وتحت أيَّ اسم لا سفير ولا وسيط ولا نائب خاصٌّ، ولا يلتقي بالحجَّة، ولا على ارتباط به ولا يحظى برؤيته فيوصل الرسائل له، ولا غيرها من العناوين التي يتقمَّصها الكثير من الدجَّالين وذوي النصب والحيلة والأراجيف، طُلَّاب الرئاسة الباطلة الطامعين في حطام الدنيا، فلا صلة بين ظاهرة التشرُّف بلقاء الحجة عجل الله تعالی و فرجة الشریف، وبين صلاحيَّة الوساطة وصلاحيَّة الارتباط، فإنَّ التشرُّف ليس له أيُّ اعتبار شرعي للآخرين كطريق إلى البابيَّة وغيرها من المسمَّيات، ولا يتَّصف بأيِّ سمة من معاني الحجّيَّة للآخرين، كباب ارتباط بالناحية المقدَّسة، فالتشرُّف ليس له أيُّ أثر شرعي يترتَّب عليه عند الآخرين، كما أنَّ الذي يتشرَّف به عجل الله تعالی و فرجة الشریف في الغيبة ينبغي أن لا يغلب على ظنِّه وخياله أنْ يُخصَّص بتشريع غير ما هو عليه ظاهر الشرع المحمّدي عند الطائفة الإماميَّة، كما قال هو عجل الله تعالی و فرجة الشریف وآباؤه ما مضمونه: ما وافق كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيه صَلّی الله علیه وآله وسَلّم فقد قلناه، وما لم يوافق کتاب الله وسُنَّة نبيِِّه صَلّی الله علیه وآله وسَلّم فلم نقله(1).
وكما أرجع هو عجل الله تعالی و فرجة الشریف في كثير من التوقيعات الصادرة منه في فترة الغيبة الصغرى، أرجع الرواة في أسئلتهم إلى ما روي عن المعصومين من آبائه علیهم السَّلام ممّا هو مودَع في أصول ونُسَخ وكُتُب رواة الحديث لدى الطائفة الإماميَّة.
1) (1) أو فهو زخرف، أو باطل، وغير ذلك؛ راجع: الكافي (ج 1/ ص 69/ باب الأخذ بالسُّنَّة وشواهد الكتاب).
478...دعوى السفارة في الغيبة الكبرى/ ج (2)
الدليل الثاني:
التوقيع المبارك المروي بتوسُّط النائب الرابع عليِّ بن محمّد السمري لله رحمةالله، حيث ذكر الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة) عند ذكره أبا الحسن عليَّ بن محمّد السمري، فقال: وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ اِبْنِ عَلِيِِّ بْنِِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَابَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ المُكَتِّبُ، قَالَ: كُنْتُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّي فِيهَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيُّ قُدَس سرة، فَحَضَرْتُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ، فَأَخْرَجَ إِلَى النَّاسِ
الفصل السابع: حقيقة النيابة الخاصَّة والسفارة...479
توقيعاً نُسْخَتُهُ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِي، أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوص إلى أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ وَامْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوْراً وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي الْمُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ ادَّعَى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ، قَالَ: فَنَسَخْنَا هَذَا التَّوْقِيعَ وَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ وَصِبُّكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ: الله أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ، وَقَضَى رَضی الله عَنه، فَهَذَا آخِرُ كَلَامٍ سُمِعَ مِنْهُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ)(1).
حيث إنَّه خطاب للنائب الرابع أن يجمع أمره، ويُبلِّغ أتباع أهل البيت علیهم السَّلام أنَّه ميت بعد الستَّة أَيَّام - وهذا في نفسه إعجاز بأنْ يُحدِّد الإمام عجل الله تعالی و فرجة الشریف موت السمري بالتاريخ الصحيح -، وأن لا يوصي إلى أحد من بعده، وأنَّ الغيبة الكبرى أو الغيبة التامَّة قد وقعت، وأنَّ مدَّعي المشاهدة مفتر كذَّاب.
والمقصود بالمشاهدة بقرينة وقوعها في سياق وفاة النائب الرابع والأمر له بعدم الوصيَّة لأحدٍ هو إبراز المشاهدة لإفهام الناس بأنَّه على اتَّصال وارتباط بالإمام عجل الله تعالی و فرجة الشریف، وأنَّ له مقام الوساطة معه.
ولا يُشترَط أن تكون المشاهدة المنهي عنها مزعومة ومعنونة بالسفارة
1) (1) قد مرَّ في (ص 68 و 69)، فراجع.
480...دعوى السفارة في الغيبة الكبرى/ ج (2)
أو النيابة كما سيأتي بيانه تحت عنوان (عناوین دعوى السفارة)، وكذلك لا مانع من أصل المشاهدة من دون إبراز دعوى الاتِّصال والارتباط، أي دعوى منصب ومقام، كما سيأتي تحت عنوان (التشرُّف برؤية الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف لا يعني الحجّيَّة).
فمضمون التوقيع أنَّ الإمام عجل الله تعالی و فرجة الشریف ينفي دعوى السفارة والنيابة والارتباط والوساطة بعد السمري رَضی الله عَنه، فإنَّ هذا المنصب والمقام بابه مسدود حتَّى ظهور الإمام عجل الله تعالی و فرجة الشریف وإتمام البيعة له، وإن كان الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف في التوقيع الشريف قد ذكر حدَّا وغايةً لوقت الصيحة، ولكن بحسب الروايات المستفيضة والمتواترة التي تُبَيّن شؤون الظهور ذكرت بأنَّ انقطاع النيابة الخاصَّة يمتدُّ حتَّى بيعة الإمام عجل الله تعالی و فرجة الشریف بين الركن والمقام، وأوَّل من يبايع هو جبرئيل علیه السَّلام، فإنَّ هناك صيحة أخرى لجبرئيل علیه السَّلام بعد الظهور يوم البيعة، فَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ علیه السَّلام أَنَّهُ قَالَ: «يُنَادَىٰ بِاسْمِ الْقَائِمِ، فَيُؤْتَى وَهُوَ خَلْفَ المَقَامِ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ نُودِيَ بِاسْمِكَ، فَمَا تَنتَظِرُ؟ ثُمَّ يُؤْخَذُ بِيَدِهِ فَيُبَائِعُ»، قَالَ: قَالَ لِي زُرَارَةُ الحَمْدُ لله، قَدْ كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّ القَائِمَ علیه السَّلام يُبَايِعُ مُسْتَكْرَها، فَلَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ وَجْهَ اسْتِكْرَاهِهِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ اِسْتِكْرَاهُ لَا إِثْمَ فِيهِ (1)، ثمّ بعد جبرئيل لا يبايعه الثلاثمائة وثلاثة عشر من أنصاره.
فإنَّ المستفاد من الروايات أنَّ النيابة الخاصَّة والسفارة عن المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف لا يشغلها أحد، ولا تُعطى لأحدٍ حتَّى تنعقد البيعة للإمام عجل الله تعالی و فرجة الشریف عند الكعبة،
1) (1) الغيبة للنعماني (ص 271 و 272/ باب 14/ ح 25).
الفصل السابع: حقيقة النيابة الخاصَّة والسفارة...481
وليس أمد ومنتهى ذلك مجرَّد الصيحة أو للصيحة، ولكن المراد بها حينئذِ التي تقع بعد الظهور، وهذا لأجل التوفيق بين الروايات، وحتَّى الروايات الواردة في الخراساني أو الحسني أو اليماني أو شعيب بن صالح أو النفس الزكيَّة أو... فإنَّها لا تُعطيهم أيَّ تمثيل رسمي أو نيابة أو أيَّ صفة أُخرى، بل تنفي ذلك عنهم، بل تنفي أيَّ صفة وتمثيل رسمي حتَّى عن الثلاثمائة والثلاثة عشر حتَّى تُعقَد وتتم البيعة للإمام عجل الله تعالی و فرجة الشریف ويتشكَّل الجهاز الرسمي والحكومي للإمام عجل الله تعالی و فرجة الشریف بشكل معلن فمن ثَمَّ تبدأ الأدوار أي بعد البيعة.
فإنَّ الروايات الواردة جعلت الصيحة أكبر علامة حتميَّة لسنة الظهور، ولنجوم أصحاب رايات سنة الظهور فلا يمكن مجيء السفياني بدون الصيحة، لأنَّها من المحتوم وإن كان يمكن أن تقع الصيحة بدون السفياني، كما لا يمكن أن يجيء اليماني بدون السفياني وإن كان يمكن مجيء السفياني بدون اليماني والخراساني، فأشدّ العلامات حتميَّةً هي الصيحة، ثمّ السفياني، وهذه العلامة كاشفة عن دجل أدعياء هذه الأسماء مع عدم وقوعها.
أمَّا السند للتوقيع المبارك فإنَّه بات مُسلَّماً لدى الإماميَّة، والراوي الأخير الحسن بن أحمد المكتَّب فهو قمّي من مشايخ الصدوق رحمه الله، وقد ذُكِرَ في ترجمته أنَّه من فقهاء قم الكبار بغضّ النظر عن ترحُّم الصدوق الله رحمه الله عليه(1)، مع أنَّ الصدوق رحمه الله الذي هو من أكابر زعماء الطائفة لا يتخطَّى
1) (1) وذلك من أمارات الصحة والوثاقة؛ راجع: معجم رجال الحديث ج 5 /ص 272 الرقم 2726).
482...دعوى السفارة في الغيبة الكبرى/ ج (2)
ديدن علماء الإماميَّة من عدم الاعتماد على رواية التوقيع عن النّوَّاب الأربعة إلَّا بواسطة الوكلاء والأبواب الذين ذكرهم الشيخ الطوسي رحمه الله في (الغيبة) أنَّهم أبواب ووكلاء للنُوَّاب الأربعة، وهذا التشدُّد من علماء الإماميَّة في توقيعات الناحية نظراً لخطورتها وحسَّاسيَّة الوضعيَّة الأمنيَّة بخلاف الحال في الأئمَّة علیهم السَّلام آبائه.
(دعوة أحمد الحسن في الميزان)
تأليف
الشيخ أحمد سلمان
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1433 ه- 2012م
88...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
أجمع الشيعة كافة على انقطاع السفارة والنيابة الخاصة للإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف في الغيبة الكبرى، أي ابتداءً من سنة 329ه إلى يومنا هذا.
وقد استدلوا على ذلك بعدة أدلة، ولعل العمدة فيها هي الرواية المعروفة بتوقيع السمري والمشهورة في كتب الحديث.
فقد روى الشيخ الصدوق قُدس سرة في الإكمال بسنده عن أبي محمد الحسن بن أحمد المكتب، قال: كنتُ بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن
دعوی أحمد إسماعیل السفارة...89
محمد السمري قدَّس الله روحه، فحضرتُه قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فأجمع أمرك، ولا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلا بعد إذن الله عزَّوجل، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: مَنْ وصيّك من بعدك؟ فقال: الله أمر هو بالغه. ومضى رَضی الله عنه، فهذا آخر كلام سمع منه(1).
وهذه الرواية واضحة الدلالة على أن كل من يدّعي المشاهدة أي السفارة والنيابة في عصر الغيبة قبل الصيحة وخروج السفياني فوظيفة الشيعة تكذيبه، وعدم الاعتناء بدعوته، وبما أن أحمد إسماعيل يدَّعي السفارة قبل العلامتين المذكورتين فالواجب هو تكذيبه.
ولأجل ذلك صارت هذه الرواية عائقاً كبيراً أمام دعوة أحمد إسماعيل وأتباعه، فاهتموا بها أشد الاهتمام، وصنفوا فيها كتباً ككتاب (رواية السمري في الميزان)، وسألوا عنها إمامهم المزعوم أكثر من مرَّة!
وبما أن هذه الرواية مهمة، فإنا سنذكر جواب أحمد إسماعيل مُدَّعي السفارة، ونجيب على ما قال؛ ليتبين للقارئ العزيز المستوى العلمي لهذا الرجل.
قال أحمد إسماعيل في الجواب المنسوب له على هذه الرواية: توجد كثير من المناقشات لهذه الرواية، وهي كافية، ولذا فهم تركوها، وأعرضوا منذ زمن بعيد؛ لأنهم يعلمون أن الاحتجاج بها لا قيمة له، فهي مطعون في سندها، وعندهم لو
1) (99) كمال الدين وتمام النعمة: 516.
90...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
كانت صحيحة السند لا تفيد الاعتقاد دون أن يعضدها ما يوصل إلى اليقين بصدورها. إضافة إلى أن متنها متشابه، وفهمه عدة منهم بأكثر من فهم مختلف، إضافة إلى أنها غير مسوَّرة، وهذا يطعن في كُلّيَّتها عندهم، أم أن قواعدهم لعبة عندهم، إذا شاؤوا عملوا بها، وإذا لم يشاؤوا أوقفوا العمل بها؟! إضافة إلى أنها منقوضة بعدة روايات وأحاديث، منها رواية اليماني، وما حدث مع الشيخ المفيد من رسائل، فمسألة التعلّل بهذه الرواية أمر غير مقبول على كل حال
(1). وكما يلاحظ القارئ العزيز أن كلام أحمد إسماعيل مشتمل على الطعن في سند الرواية، والتشكيك في حُجّيتها، ومناقشة متنها، وإنكار دلالتها على تكذيب من يدّعي السفارة، وقد تكفَّل مؤلف الكتاب بتوسيع البحث في الرواية ببيان مقصود إمامه، ولنا على ما قاله عدة ردود:
أما قوله: توجد كثير من المناقشات لهذه الرواية، وهي كافية، ولذا فهم تركوها، وأعرضوا منذ زمن بعيد؛ لأنهم يعلمون أن الاحتجاج بها لا قيمة له.
فهو مردود بأن علماء الشيعة كانوا ولا يزالون يحتجّون بهذه الرواية على انقطاع السفارة في الغيبة الكبرى، وعلى هذا اجتمع رأيهم ولا تجد مخالفاً منهم في هذه المسألة، وهذا كافٍ في اعتبار الرواية.
وبهذا يتضح أن قوله: «ولذا فهم تركوها، وأعرضوا منذ زمن بعيد» كذب متعمَّد، ويكفينا إثباتاً لكذبه أنه لم يذكر كلام واحد من العلماء أعرض عن هذه الرواية ولم يعتمدها في الاستدلال على انقطاع السفارة في عصر الغيبة الكبرى.
وزعمه أن هذه الرواية فيها مناقشات كثيرة غير صحيح،ولو سلَّمنا فإن وجود مناقشات في رواية لا يبطلها، وإلا فإن العلماء ذكروا كثيراً من الإثارات في روايات معتبرة كثيرة، وهذا لا يبطل حجّيتها.
وإذا كان المناقشات والإعراض عن الرواية موهن لها، فإن رواية الوصيّ
1) (100) مع العبد الصالح: 30.
دعوى أحمد إسماعيل السفارة...91
المشتملة على ذكر اثني عشر مهديًّا أنكرها العلماء، وأعرضوا عنها، فلماذا صحَّحها أحمد إسماعيل وأتباعه، وعملوا بها؟!
وأما قوله: «فهي مطعون في سندها فهو غريب جدَّا؛ لأن أحمد إسماعيل وأتباعه يطعنون في علم الرجال، وينكرون مناقشة الأسانيد، ويمنعون رد الروايات حتى لو كانت ضعيفة؛ لأنها بزعمهم من كلام أهل البيت علیهم السَّلام، ورد كلامهم سلام الله عليهم جرم عظيم.
وكيف كان فإن أحمد إسماعيل لم يبيَّن وجه ضعف سند هذه الرواية، ولكن أشار المعلَّق على كلامه إلى مواطن الضعف، فقال: وسبب ضعفها عندهم أحد أمرين؛ الأول: الإرسال قال المجلسي: «إنه خبر واحد مرسل» بحار الأنوار 318/53، وكذا قال الكاظمي صاحب بشارة الإسلام، ص146، والثاني: الضعف بأحمد بن الحسن المكتب كما صرَّحوا بذلك(1).
وذكر ضياء الزبيدي نفس هذا الكلام في كتابه (قراءة جديدة في توقيع السمري).
والجواب على ما أوردوه: أن الحديث رواه الشيخ الطوسي قُدس سرة في الغيبة، بهذا السند: وأخبرنا جماعة، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، قال: حدثني أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري قُدس سرة... إلى آخر الرواية.
ولا شك أن من حكم على الرواية بالإرسال نظر إلى رواية الشيخ الطوسي قُدس سرة في كتاب الغيبة فقط؛ لأن الجماعة الذين روى عنهم الشيخ الطوسي قُدس سرة معروفين، ولكن من المعلوم أن من كان مثل الشيخ الطوسي علماً ومعرفة
1) (101) مع العبد الصالح: 30، في الهامش.
92...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
بالرجال، لا يُتوقَّع منه أن يروي مثل هذا الحديث المهم عن جماعة كلهم غير ثقات، مع أن نفس هذا الحديث رواه الشيخ الصدوق قُدس سرة في كتاب كمال الدين وتمام النعمة مباشرة عن أبي محمد الحسن بن أحمد المكتب (1)، وهذا يدل على أن الجماعة الذين روى عنهم الشيخ الطوسي هذا الحديث كانوا ثقات صادقين.
والشيخ الصدوق قُدَس سرة المتوفى سنة 381ه عن عمر ينيف على السبعين عاماً، أدرك السفير الرابع المتوفى سنة 329ه، وكان عمره حوالي عشرين عاماً، ولا شك في أنه أدرك أبا محمد الحسن بن أحمد المكتب المعاصر للسفير الرابع، فالرواية لا إرسال فيها برواية الشيخ الصدوق قُدَس سرة.
ومن تدليسات هؤلاء الذين ضعفوا رواية السمري قُدَس سرة من أتباع أحمد إسماعيل وتمويهاتهم أنهم نسبوا تضعيف هذه الرواية إلى الشيخ المجلسي قُدَس سرة فی كتاب بحار الأنوار، مع أن الذي قال: «إن السند مرسل» هو الميرزا النوري الطبرسي، في كتابه جنة المأوى المطبوع في أواخر الجزء 53 من بحار الأنوار.
والسبب في ذلك أن نسبة التضعيف إلى المجلسي قُدَس سرة بنظر الشيعة أهم من نسبته إلى الميرزا النوري الطبرسي الذي يشنَّع على الشيعة بكتابه (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب)، وهذا من عدم أمانتهم العلمية كما لا يخفى.
ولا ندري كيف يرضى أحمد إسماعيل الذي يعتبر نفسه إماماً معصوماً مهديَّا، ويزعم أنه اليماني الموعود والسفير الخامس، أن يحقَّق كتابه ويتكلم على لسانه أكثر من رجل كاذب مدلِّس، ولولا أن هذه الكتب موجودة في الموقع الرسمي لأحمد إسماعيل لما ألقينا باللائمة عليه، ولكن وجود هذه الكتب في موقعه، وإحالته السائلين عليها كما في الأجوبة المنسوبة إليه، فإن كل ما فيها من أكاذيب وأخطاء وتدليسات يتحمَّل هو مسؤوليّته الكاملة تجاهها.
1) (102) كمال الدين وتمام النعمة: 516.
دعوى أحمد إسماعيل السفارة...93
كما أن حكمهم على الرواية بأنها خبر واحد ليس بموهن لها ولا بمسقط لها عن الحجية؛ إذ أن الحكم بكون الرواية من أخبار الآحاد إنما هو في مقابل التواتر، وقد اشتهر بين الشيعة أن كلا القسمين حجة.
نعم، الفرق بينهما هو أن المتواتر يفيد العلم، ولا حاجة حينئذ للبحث في أسانيده، في حين أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن المعتبر، ولا بد من البحث في أسانيدها، أو تحصيل القرائن التي تحفها للعمل بها.
فالقول بأن رواية السمري خبر آحاد صحيح نقرّ به، إلا أننا لا نقرّهم على ما ذهبوا إليه من أن خبر الآحاد ليس بحجة في العقائد.
وهنا لا بد أن نلفت النظر إلى أمر مهم، وهو أن علماء الشيعة قسَّموا العقائد إلى قسمين: أصول العقائد وفروع العقائد، ولم يشترطوا التواتر إلا في أصول العقائد، كالنص على الأئمة مثلاً، أما فروع العقائد كبيان أحوال الأئمة ومقاماتهم، أو تفضيل الأئمة على الأنبياء علیهم السَّلام فلم يُشترط فيها التواتر.
وانقطاع السفارة في الغيبة الكبرى ليس من الأمور التي يكون إثباته بنص متواتر، بل يكفي وجود نص واحد جامع لشروط الحجية.
أما المناقشة الثالثة في السند فهي ضعف أحمد بن الحسن المكتب، وقد ادَّعوا أن الرجل مجهول، بل مهمل ، لا ذكر له في كتب الرجال!
والجواب: أن القوم يكتبون بنتائج مسبقة، وهي إثبات دعوى أحمد إسماعيل بكل الوسائل، ولهذا نراهم يحتجون بكل ما يقع تحت أيديهم مما ينفعهم، ويُعرضون عن كل حديث يبطل دعواهم!
ومن اطّلع على كتبهم يجد أنهم دائماً يحاولون التقليل من أهمية علم الرجال، ويطعنون فيه، وكلامهم في ذلك كثير، ولكن نجدهم الآن يرجعون إلى أقوال علماء الرجال التي طعنوا فيها في كتبهم الأخرى.
94...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
وبما أن هؤلاء القوم لا يقيمون وزناً لعلم الرجال ولا لأقوال الرجاليين، فإني أوجه كلامي إلى القراء الأعزاء المنصفين فأقول لهم:
إن التوثيقات على قسمين: توثيقات عامة، وتوثيقات خاصة، والتوثيقات المذكورة في كتب المتقدِّمين كالنجاشي، والطوسي، وابن الغضائري، وغيرهم قدَّس الله أسرارهم هي توثيقات خاصة، أما التوثيقات العامة فهي وجود أمارات وقرائن متى ما اجتمعت في راوِ محدّد يركن الرجالي إلى وثاقته.
والراوي الذي حاولوا تضعيفه في هذا التوقيع لم يُذكر فعلاً في كتب الرجاليين المتقدِّمين، ولم يرد فيه توثيق خاص، ولكن ليس كل راو لم يرد فيه توثيق يجب طرح روايته، ولو كان الأمر كذلك لوجب طرح رواية الوصيّة التي أغلب رواتها غير موثقين كما بيَّنا ذلك فيما تقدَّم.
والسبب في ذلك أن الراوي يمكن أن تستفاد وثاقته من أمور أخرى، كالترضّي، مضافاً إلى كونه من مشايخ الإجازة لبعض كبار علماء الطائفة، أو كثرة رواية بعض أعلام الطائفة عنه، وهكذا.
ويكفي في الدلالة على وثاقته أن الشيخ الصدوق قُدَس سرة ترضَّى عنه في أكثر من موضع من كتبه.
قال قُدَس سرة: حدثنا محمد بن موسى المتوكل رَضی الله عنه، ومحمد بن محمد بن عصام الكليني، وأبو محمد الحسن بن أحمد المؤدب، وعلي بن عبد الوراق، وعلي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق رضي الله عنهم، قالوا: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني رَحمة الله... الخ(1)
وأبو محمد الحسن بن أحمد المؤدب هو نفس رواي حديث السمري قُدَس سره. وقال الشيخ الصدوق قُدَس سره في موضع آخر: حدثنا – وحدثني بهذا
1) (103) عيون أخبار الرضا 187/1.
دعوى أحمد إسماعيل السفارة...95
الحديث: محمد بن محمد بن عصام الكليني، وعلي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق، وعلي بن عبد الله الوراق، والحسن بن أحمد المؤدب، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب رضي الله عنهم، قالوا: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني، قال: حدثنا أبو محمد القاسم بن العلا، قال: حدثنا القاسم بن مسلم يه عن أخيه عبد العزيز بن مسلم عن الرضا علیه السَّلام(1).
وترضي أمثال الشيخ الصدوق قُدس سرة دليل على القول بالوثاقة، كما أفاده جملة من الأعلام.
قال الشيخ عبد الله المامقاني قُدس سرة: إنه لا يخفى عليك إمكان استفادة وثاقة الرجل - نصُّوا على وثاقته أم لا - من أمور.
إلى أن قال: ومنها: ترحّم الإمام علیه السَّلام على رجل، أو ترضيه عنه، أو نحو ذلك، فإنه لا يعقل صدور ذلك منه علیه السَّلام إلا بالنسبة إلى ثقة عدل، بل الترحم والترضي ونحوهما من المشايخ يفيد ذلك كما لا يخفى على الفطن اللبيب.(2)
وقال حفيده في الحاشية: وقد أدرجه الوحيد رحمةالله في فوائده الرجالية المطبوعة في أول كتاب منهج المقال: 11 [من الطبعة الحجرية، وفي الطبعة المحققة 157/1]، وغيرهم أن ذكر الجليل شخصاً مترضياً ومترحماً.. حيث استفيد منه حسن الشخص، بل جلالته.. وقاله غير واحد، منهم الكاظمي في عدة الرجال 134/1 - 135 (3).
وقد وثق الشيخ محي الدين المامقاني هذا الراوي فقال: المعنون سواء كان حسناً أو حسيناً فهو عندي حسنٌ أقلاً، بل في أعلى مراتب الحسن، وكون رواياته معتبرة؛ لأنه شيخ الصدوق رحمةالله، وأنه ممن تشرَّف بالتوقيع، ونال المثول لدى علي بن
96...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
محمد السمري، وكون رواياته سديدة، وقرائن أخرى، والله العالم(1).
والنتيجة أن الرواية صحيحة السند لا إشكال فيها.
علماً أن صحة الخبر لا تتوقف على وثاقة هذا الراوي، إذ توجد قرائن داخلية وخارجية تؤكَّد صحَّة هذا الخبر، منها:
القرينة الأولى: اشتماله على الإخبار بتاريخ موت السمري في قوله: «أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بين ستة أيام»، وهذا شيء معجز، لا يمكن أن يكون إلا من حجة الله عجل الله تعالی وفرجة الشریف وعادة المعجزات تشيع وتنتشر بين الناس، خصوصاً أن الراوي لم يدَّع أنه الوحيد الذي شهد الواقعة، بل إنه صرح الحدث كان جماهيريًا بقوله: «فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعاً»، كما أن في آخر الخبر قال: «فنسخنا هذا التوقيع، وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه»، فحدثُ بمثل هذه الخطورة لا يمكن أن يخفى على أمثال الشيخ الصدوق رَضی الله عنه.
القرينة الثانية: شهرة هذا الخبر بين الشيعة، حيث أخرجه الشيخ الطوسي في (الغيبة)، والشيخ الصدوق في (كمال الدين وتمام النعمة)، والطبرسي في (الاحتجاج) الذي التزم في مقدمته بنقل ما أجمعت عليه الطائفة، أو ما اشتهر بينهم، فقال: ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده، إما لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما دلت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف(2).
القرينة الثالثة: موافقة مضامينه للروايات الصحيحة الثابتة عنهم علیه السَّلام.
منها: الروايات المتواترة التي تتحدّث على وقوع غيبتين للإمام المهدي علیه السَّلامليلا، وذكر بعض تفاصيلها.
دعوى أحمد إسماعيل السفارة...97
ومنها: الروايات المتواترة عند الشيعة التي تخبر بأن السمري لم يوص لأحد بعده،بعده كالرواية الصحيحة التي رواها الشيخ الطوسي: عن الصفواني، قال: أوصى الشيخ أبو القاسم رَضی الله عنه إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري رَضی الله عنه فقام بما كان إلى أبي القاسم، فلما حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده، وسألته عن الموكَّل بعده ولمن يقوم مقامه، فلم يظهر شيئاً من ذلك، وذكر أنه لم يؤمر بأن يوصي إلى أحد بعده في هذا الشأن(1).
ومنها: الروايات التي تؤكَّد أن السفياني والصيحة هي علامات الظهور التي يبدأ من بعدها تكليف المؤمن بالخروج لنصرة إمامه عجل الله تعالی وفرجة الشریف، كالخبر الصحيح الذي رواه الكليني عن العيص بن القاسم، عن الإمام الصادق علیه السَّلام: فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد علیهم السَّلام؟ فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منا، إلا مع من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه، إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله عزَّوجل، وإن أحببتم أن تتأخّروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعل ذلك أن يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة(2).
وما رواه أيضاً: عن سدير، قال: قال أبو عبد الله علیه السَّلام: يا سدير الزم بيتك، وكن جلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك (3).
وروى أيضاً عن الفضل الكاتب، قال: كنت عند أبي عبد الله علیه السَّلام، فأتاه كتاب أبي مسلم فقال: ليس لكتابك جواب اخرج عنا. فجعلنا يسار بعضنا
98...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
بعضاً، فقال: أي شيء تسارون؟ يا فضل إن الله عزَّوجل ذكره لا يعجل لعجلة العباد، ولإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله. ثم قال: إن فلان بن فلان حتى بلغ السابع من ولد فلان، قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينك جعلت فداك؟ قال: لا تبرح الأرض يا فضل حتى يخرج السفياني، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا - يقولها ثلاثاً - وهو من المحتوم(1).
إذن فمتن توقيع السمري ليس شاذاً، بل إن مضامينه مبثوثة في أخبار أهل البيت علیهم السَّلام، وكل فقرة منه عليها عدة شواهد.
القرينة الرابعة: عمل الشيعة بمضمون هذا التوقيع على مر العصور، ونفيهم لوجود سفراء أو نوّاب خاصين في الغيبة الكبرى، خصوصاً المعاصرين والقريبين من تاريخ التوقيع.
قال النعماني (ت 360 ه): هذه الأحاديث التي يُذكَر فيها أن للقائم علیه السَّلام غيبتين أحاديث قد صحَّت عندنا بحمد الله، وأوضح الله قول الأئمة علیهم السَّلام، وأظهر برهان صدقهم فيها، فأما الغيبة الأولى فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام علیه السَّلام وبين الخلق قياماً، منصوبين، ظاهرين، موجودي الأشخاص والأعيان، يخرج على أيديهم غوامض العلم، وعويص الحكم والأجوبة، عن كل ما كان يُسأل عنه من المعضلات والمشكلات، وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامها، وتصرَّمت مدَّتها، والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط؛ للأمر الذي يريده الله تعالى، والتدبير الذي يمضيه في الخلق، ولوقوع التمحيص، والامتحان، والبلبلة، والغربلة، والتصفية، على من يدَّعي هذا الأمر (2).
وقال ابن قولويه (ت 367ه): أما أبو دلف الكاتب-لا حاطه الله-
دعوى أحمد إسماعيل السفارة...99
فكنا نعرفه ملحداً، ثم أظهر الغلو، ثم جُنَّ وسلسل، ثم صار مفوصاً، وما عرفناه قط إذا حضر في مشهد إلا استُخفَّ به، ولا عرفتّه الشيعة إلا مدّة يسيرة، والجماعة تتبرَّأ منه وممن يومي إليه وينمس به، وقد كنا وجَّهنا إلى أبي بكر البغدادي لما ادَّعى له هذا ما ادَّعاه، فأنكر ذلك، وحلف عليه، فقبلنا ذلك منه، فلما دخل بغداد مال إليه، وعدل عن الطائفة، وأوصى إليه، لم نشك أنه على مذهبه، فلعنَّاه وبرأنا منه؛ لأن عندنا أن كل من ادَّعى الأمر بعد السمري رحمةالله فهو کافر، منمس ضالُّ، مُضل، وبالله التوفيق(1).
وقال الشيخ المفيد قُدس سرة (ت 416 ه): وله قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الأخرى كما جاءت بذلك الأخبار، فأما القصرى منهما فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، وعدم السفراء بالوفاة، وأما الطولى فهي بعد الأولى، وفي آخرها يقوم بالسيف(2).
وكلمات العلماء كثيرة في هذا، بل الطائفة مجمعة على انقطاع السفارة، لكني آثرت ذكر ما قاله علماء الشيعة المتقدَّمون القريبون من زمن الحضور.
إذن طعن أحمد إسماعيل ومن تبعه في سند الرواية لا يصمد أمام ما ذكرناه، ويبقى كلامهم مجَّرداً عن الدليل الصحيح.
ثم إن القرائن التي ذكرها ناظم العقيلي لتصحيح رواية الوصيّة تنطبق على هذه الرواية، مثل موافقة الرواية للقرآن، فإن الله تعالى يقول: قُلْ هَاتُوابُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَدِقِينَ [البقرة : 111]، وأن الرواية مروية في كتاب معتبر، وهو الغيبة للشيخ الطوسي، وكمال الدين للشيخ الصدوق قُدس سرهما، وليس لها معارض، وعدم احتمال صدورها تقية، واستدلال كبار العلماء بها، ومخالفتها لعقائد أبناء
100...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
العامة، فهل يرى أتباع أحمد إسماعيل أن كل هذه القرائن تصحح رواية الوصيّة، ولا تصحَّح توقيع السمري؟!
ومع الإغماض عن كل ما تقدَّم، وتسليم ضعف هذه الرواية، فلا شك ولا شبهة في أن العقل الصحيح يحكم على كل من ادَّعى السفارة، ولم يقم على ذلك دليلاً صحيحاً كما هو حال أحمد إسماعيل، بوجوب تكذيبه، وردَّ دعواه، وهذا لا يحتاج إلى رواية نحتج بها على كل من يدَّعي السفارة؛ لأن المناصب العظيمة لا بد أن تثبت بالأدلة القطعية، لا بلي النصوص، وبادّعاء انطباقها على أحمد إسماعيل وأمثاله؛ لأن اسمه فقط أحمد!!
وأما قول أحمد إسماعيل: «وعندهم لو كانت صحيحة السند لا تفيد الاعتقاد دون أن يعضدها ما يوصل إلى اليقين بصدورها».
فقد أجبنا على هذا الكلام في تعليقنا السابق على سند الرواية، وأثبتنا أنها صحيحة سنداً، أما كونها لا تفيد اليقين ولا تصلح أن تكون حجة في العقائد، فقد بيَّنا أن رواية السمري محفوفة بقرائن قطعية تثبت صدروها، وأن مضامينها مبثوثة في الروايات المستفيضة، إضافة إلى أنها كما قلنا موافقة للحكم القطعي العقلي القاضي بتكذيب كل من يدَّعي السفارة بدون حجة، فكيف لا تفيد القطع والجزم؟!
وأما قوله: «إضافة إلى أن متنها متشابه وفهمه عدة منهم بأكثر من فهم مختلف».
فهو غريب ممن يدَّعي الإمامة والعصمة والوصاية والسفارة، كيف لا يفهم متن هذا الحديث مع أنه واضح جدَّا، يفهمه عوام الناس، وليست فيه جملة غامضة، وخصوصاً العبارة التي تبطل دعوى أحمد إسماعيل، وهي: وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر.
دعوى أحمد إسماعيل السفارة...101
ولو سلَّمنا أن هذا الحديث من المتشابه، فهل يرى أحمد إسماعيل أن الأحاديث والآيات المتشابهة ليست بحجة؟
فإن القرآن الكريم فيه آيات متشابهة كما قال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ وَايَتٌ تُحكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَدٌ [آل عمران: 7]، فهل تسقط هذه الآيات عن الحجية؟
صغار طلبة العلم يعلمون أن الواجب هو رد المتشابه إلى المحكم، لا طرح المتشابه؛ لأنه حجة ثابتة، سواء أكان آية أم خبراً صحيحاً، وهذا ما فعلناه مع رواية السمري لو سلمنا لهم جدلاً وقلنا: «إنها متشابهة»، حيث ذكرنا أن مضمونها دلت عليه روايات أخرى محكمة وصريحة.
والغريب زعمه أن عدّة من العلماء فهموا الحديث بفهم مختلف، فلا ندري من هم هؤلاء العلماء الذين فهموا هذا الحديث بفهم مختلف؟ ولو سلّمنا بذلك فهل كل حديث وقع الاختلاف في فهمه يسقط عن الحجية أيضاً عند أحمد
إسماعيل؟
ولو كان أحمد إسماعيل عنده بعض الاطلاع على كتب الفقه الاستدلالي لرأى أن كثيراً من الروايات اختلف العلماء في دلالتها، ومع ذلك لم يسقطوها عن الحجية، ولو عمدنا إلى إسقاط كل ما هو متشابه المعنى، لأسقطنا آيات من القرآن الكريم، مثل الحروف المقطعة وغيرها، وأسقطنا كثيراً من الروايات، وهذا لا يقوله جاهل، فضلاً عن عالم فاضل.
ومن المعلوم أن الشيعة لم يختلفوا في فهم هذا الحديث، ولهذا أجمعوا على القول بانقطاع السفارة في الغيبة الكبرى، وتكذيب كل من يدّعيها.
والظاهر أن أحمد إسماعيل التبس عليه فهم المراد ب«المشاهدة» في الحديث، وهي وإن كانت ظاهرة في الرؤية البصرية، إلا أن العلماء حملوها على
102...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
ادّعاء السفارة والنيابة في عصر الغیبة.
قال المجلسي في التعليق على التوقيع: لعله محمول على مَن يدَّعي المشاهدة مع النيابة، وإيصال الأخبار من جانبه علیه السَّلام إلى الشيعة على مثال السفراء؛ لئلا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه علیه السَّلام، والله يعلم (1).
وقد يشكل البعض، فيقول: كيف حملتم المشاهدة على السفارة في حين أن المشاهدة لا تدل لغة على ادّعاء السفارة، وإنما تدل على الرؤية البصرية، فليس كل من شاهد الإمام فقد ادَّعى السفارة، وعليه، فالرواية لم يرد فيها نهي عن ادعاء السفارة.
والجواب: أنا لو سلَّمنا أن المراد بالمشاهدة هو الرؤية البصرية فتكذيب من يدَّعيها يستلزم تكذيب من يدَّعي السفارة بالأولوية؛ لأنه لن يكون سفيراً للإمام إلا إذا رآه والتقى به، ولو سلّمنا أنه يمكن أن يكون سفيراً له من دون رؤيته، بأن يكلّمه من وراء حجاب، فإن تكذيب من يدَّعي المشاهدة يستلزم أيضاً تكذيب من يدَّعي ما هو أعظم منها وهي السفارة بالأولوية.
وهناك قرائن تدل على أن المقصود بالمشاهدة خصوص السفارة:
القرينة الأولى: سياق كلام الإمام عجل الله تعالی و فرجة الشریف في التوقيع؛ لأن مدار الكلام كان حول منصب السفارة والوصاية من بعد السمري الذي أعلن عدم وجود أمر بنصب سفير بعده، وعلَّل ذلك بوقوع الغيبة الكبرى التي عبَّر عنها بالتامَّة.
فيُفهم من هذا أن من لوازم هذه المرحلة عدم وجود نائب يكون واسطة بين الإمام وبين شيعته، وأن هذه المرحلة الجديدة ستمتد إلى وقت خروج السفياني والصيحة.
القرينة الثانية: أن الداعي لتحذير الشيعة من مدَّعي المشاهدة هو الخوف
1) (116) بحار الأنوار 151/52.
دعوى أحمد إسماعيل السفارة...103
عليهم من الزيغ والضلال، ولذلك وُصف المدَّعي بالكاذب والمفتري، وفي بعض نسخ كتاب الخرائج «كافر مفتر»، ومن المعلوم أن ادّعاء المشاهدة المجرّدة لا يستلزم الإضلال، وعليه فيكون المقصود من المشاهدة هو ادّعاء السفارة.
القرينة الثالثة: روايات وقصص اللقاءات المتواترة التي لا يحتمل كذبها كلها، ولا وقوع الاشتباه والتوهّم فيها، فالذين نُقل عنهم التشرف بملاقاة إمام الزمان عجل الله تعالی و فرجة الشریف هم خاصة المؤمنين وأفاضل الصالحين.
فهذه الروايات والقصص قرينة خارجية يُستفاد منها لصرف المشاهدة في الرواية عن معناها الظاهري الذي هو مطلق المعاينة إلى معنى أضيق وهو السفارة.
ومن الروايات الدالة على أن بعض الشيعة يمكن أن يلتقوا بإمام الزمان علیه السَّلام في زمان الغيبة الكبرى ما رواه الكليني قُدس سرة: عن إسحاق بن عمار، قال: قال أبو عبد الله علیه السَّلام: للقائم غيبتان إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه (1).
وما رواه أيضاً: عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله علیه السَّلام قال: لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولا بد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة(2).
أي أنه علیه السَّلام سينعزل، وسيكون معه ثلاثون شخصاً، ومن كان معه هذا العدد فلن يشعر بالوحشة.
ومنها: ما رواه النعماني: عن المفضل بن عمر الجعفي عن أبي عبدالله
104...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
الصادق علیه السَّلام، قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات، وبعضهم يقول: قُتل، وبعضهم يقول: ذهب، فلا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره(1).
وروى الشيخ الصدوق قُدس سرة: عن الحسن بن علي بن فضال، قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا علیهماالسَّلام يقول: إن الخضر علیه االسَّلام شرب من ماء الحياة، فهو حي يموت حتى يُنفخ في الصور، وإنه ليأتينا فيسلّم، فنسمع صوته، ولا نرى شخصه، وإنه ليحضر حيث ما ذُكر، فمن ذكره منكم فليسلّم عليه، وإنه ليحضر الموسم كل سنة، فيقضي جميع المناسك، ويقف بعرفة، فيؤمَّن على دعاء المؤمنين، وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته، ويصل به وحدته(2).
أضف إلى هذا أنه رُويت عشرات القصص التي تحكي فوز بعض علمائنا الأبرار بلقائه روحي فداه، والتشرف بخدمته، والاستفادة منه.
وبالجمع بين التوقيع وبين الأخبار التي ذكرناها يُعرف أن المقصود من المشاهدة في التوقيع هي دعوى السفارة في عصر الغيبة الكبرى التي من لوازمها انقطاع النيابة الخاصَّة.
وأما قول أحمد إسماعيل: «إضافة إلى أنها غير مسورة، وهذا يطعن في كليتها عندهم، أم أن قواعدهم لعبة عندهم، إذا شاؤوا عملوا بها، وإذا لم يشاؤوا أوقفوا العمل بها؟!».
فهي محاولة من أحمد إسماعيل لكي يلعب في متن الرواية بجعل القضية جزئية، فيكون معناها أن بعض من يدَّعي المشاهدة فهو كذاب مفتر استناداً على
دعوى أحمد إسماعيل السفارة...105
القواعد المنطقية!
ومعنى كلامه أن قول الإمام علیه االسَّلام: «ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر» ليس مسوَّراً، أي لم يُذكر فيه السور، وهو الكلية أو الجزئية، فلم يقل: «كل من ادَّعى المشاهدة فكذبوه»، وعليه فإن كل قضية غير مسورة هي في حكم الجزئية، فيكون المعنى: «بعض من يدَّعي المشاهدة كاذب»، وهذا لا يستلزم تكذيب أحمد إسماعيل؛ لأن الواجب تكذيب البعض لا الكل.
أقول: إن أحمد إسماعيل أخطأ في كلامه هذا خطأ فادحاً، لا يقع فيه صغار طلبة العلوم الدينية فضلاً عن شخص يدّعي أنه على اتصال بصاحب العصر والزمان عجل الله تعالی و فرجة الشریف، بل يدَّعي الإمامة والعصمة!
وذلك لأنه خلط في كلامه بين القضية الحملية (وهي الجملة الخبرية)، والقضية الشرطية، فظن أن هذه القضية حملية، لا شرطية!
فسور القضية الشرطية يختلف عن سور القضية الحملية، فإن سور الشرطية الموجبة الكلية كما قال الشيخ المظفر في كتاب المنطق: كلما، مهما، متى، ونحوها في الشرطية المتصلة(1).
وأشار بقوله: «ونحوها» إلى «مَن» و «ما» و «إذا» وغيرها.
ولهذا نجد أن الجمل الشرطية التي ابتدأت ب- «مَنْ» مسوَّرة، وتفيد الإيجاب الكلي، كما في قوله تعالى: فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَالِكَ فَأَوَلَيْكَ هُمُ الظَّلِمُونَ [آل عمران : 94].
إذ لا يمكن لعاقل أن يقول: إن بعض المفترين على الله ظالمون، وبعضهم ليس كذلك.
1) (121) المنطق 160/1.
106...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
وقوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 38].
فإنه لا يمكن أن يقال: إن بعض من تبع هدي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لا خوف عليه، وبعضهم الآخر يخاف عليه من ذلك.
وقوله سبحانه: فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 256].
فإن كل من كفر بالطاغوت وآمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى، من دون استثناء.
والأمثلة من كتاب الله كثيرة جدًّا على أن القضية الشرطية المصدرة ب«مَنْ» هي مسوَّرة، وهي موجبة كلية، وكل عامي يعرف اللغة العربية فضلاً عن العالم، إذا طرحت عليه قضية شرطية مصدرة ب«مَنْ» سيفهم منها العموم، كأن يقول مَن فَقَدَ دابته: «مَن ردَّ دابَّتي فله درهم»، فإن الجميع يفهم العموم والكلية، فهي في قوة: كل من ردَّ دابتي استحق مني درهماً، ولهذا يطالبه كل من ردَّ دابته بأن يعطيه درهماً.
لكن أحمد إسماعيل لا يفهم هذا المعنى رغم أنه كثيراً ما يكرَّر أنه أعلم الناس بكتاب الله عزَّوجل، وأنه مستعد للمناظرة فيه من باء البسملة إلى سين الناس، والحال أنه لا يعلم بديهيات الخطاب!
ولو فرضنا جدلاً صحَّة تفسيره للرواية، بأن يكون معناها أن بعض من يدَّعي المشاهدة والسفارة لا تصدَّقوه، فحينئذ تدل الرواية على أن المدَّعين للمشاهدة قسمان: قسم صادق محق، وقسم كاذب مبطل، وعليه، فإنه يلزم أحمد إسماعيل أن يثبت أنه من القسم الأول.
قال: «أم أن قواعدهم لعبة عندهم، إذا شاؤوا عملوا بها، وإذا لم يشاؤوا
دعوى أحمد إسماعيل السفارة...107
أوقفوا العمل بها».
وهذا كلام يضحك الثكلى؛ لأن علم المنطق الذي أطلق عليه أنه من قواعدنا، هو علم من العلوم الإنسانية غير المخصوصة بالشيعة، ويلزم أحمد إسماعيل أن يتعلّم أولاً قواعد اللغة العربية، وعلم المنطق، وعلم أصول الفقه، وعلم الرجال، ثم يسعى بعد ذلك لإبطالها أو القدح فيها، أما أن يكون جاهلاً مدقعاً بكل هذه العلوم، ثم يعيبها، ويحكم ببدعيتها فهذا غير مقبول بحال.
وقواعد علم المنطق نعمل بها دائماً، لا إذا شئنا عملنا بها، وإذا شئنا تركناها، وكما لاحظ القارئ العزيز أننا طبقنا قواعد علم المنطق، وأثبتنا أن القضية موجبة كلية، وأثبتنا أن إحمد إسماعيل ظن أننا لم نعمل بقواعد المنطق لأنه - مع شديد الأسف - ضعيف فيها!!
وأما قول أحمد إسماعيل: «إضافة إلى أنها منقوضة بعدة روايات وأحاديث، منها: رواية اليماني، وما حدث مع الشيخ المفيد من رسائل».
فهو كلام غريب جدَّا؛ لأن رواية اليماني لا تنقض رواية تكذيب مُدَّعي المشاهدة بأي نحو، ولأن أحمد إسماعيل لا يعرف قواعد المنطق التي هي قواعد للتفكير الصحيح، توهَّم وجود تناقض بين هذه الروايات.
وكان على أحمد إسماعيل لو كان صادقاً أن يبيَّن وجه التناقض المزعوم، ونحن حدَّدنا معنی المشاهدة بدعوى السفارة في زمان الغيبة الكبرى، ومكاتبة الإمام عجل الله تعالی وفرجة الشریف للشيخ المفيد قُدس سرة لا تعني تعيينه سفيراً ونائباً، بل إنها ضرب من التشريف بالمكاتبة، وهذا لا مانع منه، بل نحن لا نمنع كما مرَّ من رؤية الإمام علیه السَّلام والالتقاء به كما حصل مكرراً مع جمع من علمائنا، علماً أن الشيخ المفيد نفسه ذكر في كتبه في أكثر من مورد أنه لا سفارة في الغيبة الكبرى، فقال: وله قبل قيامه غيبتان، إحداهما أطول من الأخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، فأما القصرى
108...الشهب الأحمدية على مُدَّعي المهدوية
منهما فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة، وأما الطولى فهي بعد الأولى وفي آخرها يقوم بالسيف(1).
أما روايات اليماني والتي سنناقشها في معرض ردَّنا على دعوى أحمد إسماعيل أنه اليماني فلا معارضة بينها وبين توقيع السمري.
أولاً: لأنه لا دليل على أن اليماني سيكون سفيراً للأمام كما سنبين لاحقاً إن شاء الله تعالى.
وثانياً: أن حركة اليماني ستكون بعد الصيحة، والتوقيع حدَّد تكذيب مُدَّعی المشاهدة بالفترة الممتدة بين موت السمري، وظهور السفياني والصيحة.
والنتيجة أن كل ما ذكره أحمد إسماعيل في الرد على هذا التوقيع المبارك لا يعدو كونه مجرَّد كلام ركيك ينطلي على الجهال، وكل منصف يرى أنه لم يستطع ردّ الاستدلال برواية السمري على انقطاع السفارة في زمان الغيبة الكبرى، وعلى تكذيب كل من يدَّعيها قبل الصيحة وظهور السفياني، وبهذا التوقيع تبطل دعوة أحمد إسماعيل من أساسها.
1) (122) الإرشاد 340/2.
تألیف
الشَيخ وسام بُرْهَانَ البَلَدَاوِي
اِصدَار
قِسم الشُؤون الفِكريَّةُ والثقافِيَّةُ
في العَتَبةُ الحُسَينيّةُ المُقَدسَةُ
شُعبُةُ الدِّراسات والبُحوث الإسلاميّة
جميع الحقوق محفوظة
للعتبة الحسينية المقدسة
الطبعة الأولى
1430ه- 2009م
العراق: كربلاء المقدسة - العتبة الحسينية المقدسة
قسم الشؤون الفكرية والثقافية - هاتف: 326499
Web: www.imamhussain-lib.com
E-mail: info@imamhussain-lib.com
الفصل الأول
توقيع الشيخ السمري قدس الله روحة
بين التأييد والمعارضة
لقد تعرضت رواية التوقيع المقدس الصادرة عن الناحية المقدسة في زمن السفير الرابع للإمام المهدي عليه االسَّلام لهجمات عنيفة وطعون متتالية وفي فترات زمنية عديدة قلما تعرضت روايات أخرى لمثلها، فالتواقيع الأخرى التي صدرت من الناحية المقدسة للسفراء الذين سبقوا السمري رحمةالله لم تتعرض لمثل ما تعرض له هذا التوقيع والسبب يعود إلى فقرة واحدة جاءت ضمن هذا التوقيع وهي قول الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجة الشريف:
«...وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر...».
هذه الفقرة التي سدت الباب على كل من حاول أو يحاول استغلال اسم الإمام المهدي أرواحنا فداه وقضيته للارتفاع في الأرض والطغيان في البلاد بحجة أنه مرسل ومفوض من قبل الإمام المهدي عليه السلام، فمن الطبيعي- والحال هذه- أن يسدد هؤلاء المغرضون سهامهم وحرابهم للطعن والنيل من ذلك التوقيع المقدس الذي يعدّ شوكة في عيون من يدعي المشاهدة والسفارة بعد انتهاء الغيبة الصغرى ووقوع الغيبة التامة الكبرى.
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قدس الله روحة بين التأييد والمعارضة...27
احتوى توقيع الشيخ السمري رضوان الله تعالى عليه على عدة معان عظيمة القدر جديرة بالوقوف على تفاصيلها وتبيين مضامينها لأهميتها وندرة من تعرض لها بالشرح والتبيين وهي بحسب ما يحتمله المقام مبينة فيما يلي على شكل مباحث مختصرة :
ان ابتداء هذا التوقيع الشريف بعبارة (يا علي بن محمد السمري) فيه إشارة بان هذا التوقيع موجه وبشكل رئيس إلى شخص السفير الرابع بقرينة استعمال أداة النداء (يا) وإردافها باسم السفير الرابع، ومن ثم إتباعها بإخبارات وتوصيات تنفعه بشكل شخصي فقال صَلواتُ الله و سَلامُهُ عَليه:
«فإنك ميت... فاجمع أمرك ... ولا توص إلى أحد ...».
وليس توجيه الخطاب إلى شخص السفير الرابع قدس الله روحه إلا لأجل ان يعد العدة ويهيئ أسباب الرحيل، سواء في ذلك أسباب الآخرة، أو الأسباب الدنيوية المتعلقة بالأموال والأمانات والموقوفات التي كانت تحت يديه، إذ لابد من تحديد موقف حاسم تجاهها، والسفير الرابع وان كان- وبحسب مقامه ومنزلته الرفيع- لا يتصور منه تهاون في مثل هذه الأمور البتة، إلا ان تحديد وقت ارتحاله من الدنيا، وتوجيه الخطاب له بجمع الأمر، يزيده اهتماما إلى اهتمامه، واستعدادا إلى استعداده، ومثل هذه الفائدة بديهية، لان اتقى المؤمنين لو أخفي عنه أجله لرأيناه على طول أيام عمره مستعدا، وللعمل لآخرته ،مراعيا، ولكن هذا الاستعداد
28...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
يتضاعف وتلك المراعاة تشتد فيما لو اخبر إخبارا يقينيا بأن أجله سيكون بعد شهر أو أسبوع(1)
عن ابن نوح قال: أخبرني أبو نصر هبة الله بن محمد، قال: حدثني أبو علي بن أبي جيد القمي رحمه الله قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد الدلال القمي قال: دخلت على أبي جعفر محمد بن عثمان رضي الله عنه يوما لأسلم عليه، فوجدته وبين يديه ساجة ونقاش ينقش عليها ويكتب آياً من القرآن وأسماء الأئمة عليهم السلام على حواشيها. فقلت له: يا سيدي ما هذه الساجة؟ فقال لي: هذه لقبري تكون فيه أوضع عليها أو قال: أسند إليها وقد عرفت منه، وأنا في كل يوم أنزل فيه فأقرأ جزءا من القرآن فيه فاصعد، وأظنه قال فأخذ بيدي وأرانيه، فإذا كان يوم كذا وكذا من شهر كذا من سنة كذا صرت إلى الله عز وجل ودفنت فيه وهذه الساجة معي.
.ولكن يجب أن نلتفت إلى أمر مهم وهو أن التوقيع المقدس الموجه إلى السفير الرابع قدس الله روحَه وان ابتدئ باسمه وتصدرته أوامر وتوجيهات تخصه الا ان هذا لا يعني أن بقية أفراد المجتمع الموالي سوف لن ينالوا منه الفائدة سواء في ذلك الزمان أو الذي يليه والى وقت انتهاء الغيبة التامة.
فإخبار الإمام صَلواتُ الله وسَلامُه عَليهُ مثلا بموت السفير الرابع وان كانت له قيمته وفائدته الشخصية بالنسبة للسفير الرابع كما أوضحناه آنفا، إلا ان المجتمع عموماً ولاسيما المقربين من السفير الرابع من أهل الإيمان والعلم والمعدودين من وجوه الشيعة ورموزها في ذلك الوقت يمكن أن يستفيدوا منه أيضا، من حيث ان هذا
1) (1) قضية الاستعداد الزائد والمكثف والاهتمام الإضافي عند قرب الموت كان متعارفا عند السفراء جميعا شأنهم في ذلك شأن كل إنسان متق يخبر يقينا بقرب حلول ،اجله ، وكشاهد على هذا الأمر ما أخرجه الشيخ الطوسي في غيبته : ص 364 - 365.
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قدسَ الله روحَه بين التأييد والمعارضة...29
الإخبار بدنو موت الشيخ السمري وقربه سيكون على اقل التقادير حافزا لهم و محركا للسؤال والتفحص عمن سيخلف الشيخ السمري قدسَ الله روحَه.
كما سيكون في تحديد وفاة السفير الرابع بستة وحصرها أيام وصدق وقوعها فی الخارج قرينة أكيدة ويقينية بالنسبة إليهم على صحة وصدق بقية الكلام الذي سيعقب هذه الفقرة التي في التوقيع المقدس.
فضلاً عن ان مدة الستة أيام ستكون فرصة ذهبية للمجتمع المؤمن بالإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، ولاسيما علماءهم ومن يتصف منهم بالوجاهة، للتزود بكل طاقته من شخص السفير الرابع، بالسؤال والاستفسار عن تفاصيل المرحلة القادمة وظروفها وملابساتها إلى غير ذلك من الفوائد التي يمكن ان يستفيد منها المجتمع الموالي.
وضرورة استفادتهم من هذه الفرصة تكاد تكون بديهية، لان الداعي للسؤال موجود لأنهم معرضون بسبب وجاهتهم للسؤال من قبل الناس عن مصير السفارة بعد الشيخ السمري قُدس الله روحَه، وعن مصير الموالين من بعد
انقطاع السفارة الخاصة عنهم، والمانع عن السؤال مرتفع للمقربين على اقل التقادير، وبوجود المقتضي وارتفاع المانع لا يبقى عذر مقبول عن السؤال والاستفسار من السفير الرابع عن كل صغيرة وكبيرة قد يحتاجها المجتمع في مستقبل الأيام(1).
1) (1) وعدم وجود نص صريح بسؤالهم لا يقتضي عدم سؤالهم لان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
30...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
ينص هذا التوقيع الشريف وبوضوح تام على ان الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه يأمر سفيره الرابع قُدس الله روحَه بعدم الوصية بالسفارة والنيابة الخاصة عن الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه لأحد بعد موته، وهذا هو المفهوم من قوله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه:
«فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك».
مما يعني ان مرحلة من مراحل الغيبة قد انتهت، وبانتهائها ستبدأ مرحلة ثانية و هي التي عبر عنها الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه بقوله:
«فقد وقعت الغيبة الثانية فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل».
وهذا ما سيشكل نقطة تحول مهمة في الهيكلية العامة للقضية المهدوية.
وأمر الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه السفيره الرابع قُدس الله روحَه ان لا ينصب أحدا من بعده يستبطن مسألة مهمة وهي ان السفارة الخاصة عن الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه لا تثبت شرعيتها من دون النص الدال على سفارة السفير اللاحق من قبل السفير السابق كون السفير السابق هو المتحدث بلسان الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عليه، فالنص من قبل السفير السابق على اللاحق هو الذي يجعل الحجية لكلام ذلك اللاحق، فإذا انتفى النص انتفت الحجية، وسلبت الشرعية، وعلى هذا الأساس سارت جميع السفارات الخاصة في زمن الغيبة الصغرى فالسفير الثاني قُدس الله روحَه لم تثبت سفارته ولم يجعل لها الحجية إلا مع وصية السفير الأول قُدس الله نوحَه به بأمر الإمام صاحب العصر والزمان صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه وكذلك الحال بالنسبة للسفير الثالث والرابع رضوانُ الله تَعالى عَليه فيلزم
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...31
على مدعي السفارة في عصر الغيبة الكبرى ان يأتي بنص صريح يقر سفارته من قبل السفير الرابع قُدس الله روحَه وهو مستحيل لعدم وجوده كون السفير الرابع لم يوص لأحد من بعده وهو يعني عدم شرعية كل سفارة في عصر الغيبة الكبرى.
فالإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه بناء على ما سبق يريد ان ينفي السفارة التي يمكن ان تكون حجة، لا مطلق السفارة حتى الكاذبة منها، وكيف ينفي الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه السفارة الكاذبة وهو يعلم يقينا ان هنالك من سيدعي المشاهدة مع السفارة حيث صرح صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه:
«وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر».
ووصفه بالكذاب المفتر سلب الشرعية سفارته.
ويضاف إلى هذا المبحث أن لإخبار الإمام المهدي بانتهاء الغيبة الصغرى و توقف السفارة فائدتين هما:
الفائدة الأولى: للجواب عما سيثار حول مستقبل النيابة الخاصة من قبل الموالين
تتعلق بشخص السفير الرابع قدس الله روحَه بوصفه المعني الأول في هذا التوقيع، من سيقوم بأعباء مهمة ختم السفارة، فيكون قول الإمام المهدي صَلوات الله و سَلامُه عَليه:
«فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة الثانية- التامة- فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل».
هو بمنزلة جواب مقدم من قبله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه على سؤال سيتعرض له السفير الرابع قُدس الله روحَه، لان الناس وبعد علمهم بقرب وفاته ودنو أجله ورحيله
32...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
عن الدنيا بعد ستة أيام، فانهم سيواجهونه بسؤال بديهي وضروري، عن الشخص الذي سيخلفه من بعد موته ويقوم مقامه، وذلك لان القاعدة الشعبية اعتادت على ظاهرة السفراء والوصاية لأحدهم من بعد الآخر، فتكون الفقرة السابقة لانتهاء الغيبة الصغرى وابتداء الكبرى، وعدم ورود الإذن بالوصاية لأحد من بعده هو الجواب الشافي على ذلك السؤال.
الفائدة الثانية: إعطاء فرصة أخيرة ليستفيد منها الناس كل حسب خاقته ومستواه
تتعلق بالمجتمع الذي كان يعيش في تلك الحقبة الزمنية والذي كان معنيا بصورة رئيسة بهذا التوقيع المبارك، فقوله :
«فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة الثانية-التامة - فلا ظهور إلا بعد إذن الله عزوجل».
يدل على ان فرصة الالتقاء بالإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه وإمكانية الوصول إليه باتت قصيرة جدا فعلى الجميع ان يستفيد منها كل على حسب مستواه وطاقته ومبلغ علمه.
تأكيدا لما توصلنا إليه في المبحث السابق من توقف السفارة بعد رحيل الشيخ السمري قُدس الله روحَه وإتماما للفائدة نقدم بين يدي القارئ الكريم ثمانية من الأدلة التي ورد ذكرها في كتب الأعلام من علماء الطائفة الحقة رِضوان الله تَعالى عَليهم وكلماتهم التي تؤكد بأجمعها على حقيقة ما توصلنا إليه سابقا، وهذه الأدلة هي كالآتي:
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...33
الدليل الأول، عدم وجود خبر يدل على وقوع السفارة في الغيبة الكبرى
ما ذكره الميرزا محمد تقي الأصفهاني في كتابه مكيال المكارم حيث قال: (إن هذه المسألة(1)مع عموم الابتلاء بها لجميع أهل الإيمان(2)، والاهتمام بشأنها، لم ينقل أحد من علمائنا من زمان الأئمة عليهم السلام إلى هذا الزمان خبرا واحدا يدل تصريحا أو تلويحا أو إشعارا على وقوع النيابة الخاصة في زمان الغيبة الثانية، مع كثرة تتبع العلماء وحفظة الحديث، واهتمامهم بنقل الأحاديث، وتدوينها، وروايتها حتى ضبطوا الأخبار المشتملة على المطالب الجزئية، والآداب التي قلما يتفق ابتلاء الشخص بها مدة عمره، والأخبار المشتملة على القصص والحكايات وغيرها، وحتى ضبطوا الأخبار الضعيفة والمشتملة على المجاهيل، إلى غير ذلك ما لا يخفى على المتتبع في كتب الأحاديث والآثار وبملاحظة ذلك كله يحصل الاطمئنان بعدم وقوع الوكالة والنيابة الخاصة في زمان الغيبة الكبرى(3)بحيث لو لم يكن لنا دليل على هذا المدعى جاز لنا التعويل على هذا الوجه(4)وكفى(5).
1) (1) مسألة السفارة والنيابة الخاصة عن الإمام المهدي أرواحنا فداه.
2) (2) الحاجة إلى الإمام مما لا ينفرد بها مؤمن دون مؤمن آخر، ولا زمان دون زمان، فالكل محتاج لوجود الرابطة بينه وبين إمام زمانه ، لذلك قال قُدس الله روحَه ان هذه المسألة محل ابتلاء لجميع أهل الإيمان.
3) (3) إذ لو كان لها أصل من كلمات الإمام المهدي عليه السلام ومن كتب علماء الفرقة الناجية لنقلت لنا وبما أنها لم تنقل فهي غير موجودة إذن، وكيف لا تنقل لو كان لها وجود وهي كما قال قُدس الله روحَة مما تعم بها البلوى لجميع أهل الإيمان، مع ان أساطين العلماء والمحدثين نقلوا ما هو اقل من هذا أهمية بمراتب ومراتب.
4) (4) وهو عدم الدليل فيما تعم به البلوى دليل على العدم.
5) (5) أي وكفى بعدم وجود الدليل على استمرار السفارة والنيابة الخاصة دليلا على العدم، كيف والحال ان عندنا دليلاً صريحاً ينفي ذلك وهو رواية الشيخ السمري قُدس الله روحَه.
34...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
والحاصل(1)أن عدم الدليل فيما تعم به البلوى دليل على العدم، وهذه قاعدة شريفة متينة، استند إليها وعول عليها جمع من الفحول من علماء الأصول(2)وعليها بناء العقلاء في جميع أمورهم، مما يتعلق بدنياهم وعقباهم ومعائشهم ومعاشراتهم في تمام الأزمنة والأعصار فإنهم يحكمون في كل شيء يشكون فيه بعدمه عند عدم الدليل عليه بعد الفحص والتفتيش عنه.
وبالجملة لا يبقى لذي مسكة بعد الفحص والتتبع التام في أمر تعم به البلوى لجميع الأنام، وعدم الظفر بشيء يدل على المرام تأمل وترديد في الحكم بالعدم خصوصا مع اهتمام الأئمة عليهم السلام ببيان ما تحتاج إليه الأمة واجتهاد العلماء واهتمامهم بنقل ما وصل إليهم من أئمتهم سلام الله عليهم أجمعين)(3)انتهى كلامه قُدس الله روحَه.
1) (1) ما زال الكلام للميرزا الأصفهاني.
2) (2) منهم الميرزا القمي حيث قال في كتابه (قوانين الأصول ص 155) (الأحكام الشرعية كلها توقيفية ومنها الصحة والأصل عدمها وعدمها يكفي في ثبوت الفساد وإن كان هو أيضا من الأحكام الشرعية لان عدم الدليل دليل على العدم)، ومنهم المحقق البحراني في كتابه (الحدائق الناضرة ج 1 ص 45) حيث قال: (فالمجتهد إذا فحص وفتش عن الأدلة الشرعية ولم يقف على دليل ذلك الحكم يجب عنده الجزم بنفي ذلك الحكم ويكون التمسك بالبراءة الأصلية على نفيه، كما قالوا: عدم وجود المدرك للحكم الشرعي مدرك شرعي لعدم الحكم، وبعبارة أخرى عدم وجود الدليل دليل على العدم)، وقد ألف السيد الشريف المرتضى رسالة خاصة اسماها (مسألة في عدم الدليل دليل العدم) وقد ذكرها آقا بزرگ الطهراني في كتابه (الذريعة: ج20، ص390).
3) (3) مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج 2، ص 337 - 336.
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...35
أقول: فيكون كل من ادعى السفارة الخاصة في زمن الغيبة الكبرى قد ادعى ما ليس له دليل صحيح يصدق إرساله وسفارته الخاصة، وكل ما ليس فيه دليل يبطل من أساسه، ويرد به على قائله، ويكون مشمولا بقول الإمام المهدي
صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه:
«وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
روى الشيخ الثقة الجليل محمد بن إبراهيم النعماني قُدس الله روحَه في كتاب الغيبة بسند صحيح عن عبد الله بن سنان قال: (دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله عليه السلام فقال كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى ولا علما يرى؟ فلا ينجو من تلك الحيرة إلا من دعا بدعاء الغريق فقال أبي: هذا والله البلاء فكيف نصنع جعلت فداك حينئذ، قال عليه السلام: إذا كان ذلك ولم تدركه فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الأمر)(1).
وقال الشيخ النعماني معلقا على هذا الحديث بما نصه: (وفي حديث عبد الله بن سنان دلالة على ما جرى وشهادة بما حدث من أمر السفراء الذين كانوا بين الإمام صَلواتُ الله وَ سَلامُ عَليه وبين الشيعة من ارتفاع أعيانهم، وانقطاع نظامهم، لأن السفير بين الإمام في حال الغيبة وبين شيعته هو العلم فلما تمت المحنة على الخلق
1) (1) كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص 162، الباب العاشر الفصل الثاني الحديث رقم 5، كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص 349، الباب الثالث والثلاثون، الحديث رقم 40.
36...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأبيد والمعارضة
ارتفعت الأعلام ولا ترى حتى يظهر صاحب الحق عليه السلام ووقعت الحيرة التي ذكرت، وآذننا بها، وصح أمر الغيبة التي يأتي شرحها وتأويلها فيما يأتي من الأحاديث بعد هذا الفصل نسأل الله أن يزيدنا بصيرة وهدى ويوفقنا لما يرضيه برحمته)(1)انتهى كلامه رفع الله في الخلد مقامه.
ما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى بسند صحيح عن زرارة عن أبي عبدالله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه قال:
«يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم قلت له: ما يصنع الناس في ذلك الزمان، قال: يتمسكون بالأمر الذي هم عليه حتى يتبين لهم»(2).
ففي حال حصول فتنة واضطراب اجتماعي أو عقائدي لابد للمؤمن ووفقا لهذا الحديث الشريف أن يبقى على الاعتقاد والموقف القديم الذي كان يعتقده قبل حصول الفتنة، لان الموقف القديم والاعتقاد القديم هو متيقن الصحة وما يصدر في زمن الفتنة هو مشكوك الصحة لا يدرى أحق هو أم باطل، فالعقل السليم والفطرة المستقيمة يوجبان على الإنسان أن يبقى على ما هو متيقن منه ولا ينقض يقينه بالشك.
أما ما هو الأمر الذي يجب أن نثبت عليه ونتمسك به؟ فهو الأمر الذي أسس أساسه الأنبياء علیهم السَّلام وخط نهجه الأئمة علیهم السَّلام، وهو أمر السفارة والنيابة العامة
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَة بين التأييد والمعارضة...37
والمرجعية الدينية التي سار عليها القدماء من علمائنا الأعلام منذ بدء الغيبة الكبرى إلى اليوم.
فلو علم أولئك الأعلام دينا ومذهبا وطريقة أهدى من هذه التي نحن عليها لاتبعوها، فمنهجهم إذًا منهج متيقن الصحة، وما استحدث من الأفكار والآراء والرايات متيقن الخطأ أو لا اقل مشكوك الصحة فينبغي عقلا وشرعا التوقف
عندها والرجوع إلى من أمرنا الله تعالى بالرجوع إليهم وأمرنا الإمام سلام الله عليه بالرجوع إليهم ألا وهم علماء الدين ورواة أحاديثهم في هذا العصر.
ما رواه الشيخ الصدوق قُدس الله روحَه في كتابه كمال الدين، والشيخ النعماني في غيبته عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبدالله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه:
«يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه سبطة يأرز العلم فيها بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها... فبينما هم كذلك إذ أطلع الله عز وجل لهم نجمهم، قال: قلت: وما السبطة قال عليه السلام الفترة والغيبة لإمامكم قال: قلت فكيف نصنع في ما بين ذلك؟ فقال كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم»(1).
والمراد بطلوع النجم ظهور الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه والدليل على ذلك ما رواه الشيخ النعماني قُدس الله روحَه بإسناده عن أبان بن تغلب عن الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه أنه قال:
1) (1) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص 349، الباب الثالث والثلاثون ما اخبر به الصادق علیه السَّلام من وقوع الغيبة، كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص 162، الباب العاشر الفصل الثاني.
38...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأبيد والمعارضة
«يا أبان يصيب الناس سبطة إلى أن قال قلت جعلت فداك فكيف نصنع، وكيف يكون ما بين ذلك؟ قال: فقال عليه السلام لي: إلى ما أنتم عليه حتى يأتيكم الله بصاحبها»(1).
ويدل على ذلك أيضا وما رواه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني قُدس الله روحَه بسند صحيح عن مولانا أبي جعفر الباقر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه قال:
«إنما نحن كنجوم السماء كلما غاب نجم طلع نجم حتى إذا أشرتم بأصابعكم وملتم بأعناقكم غيب الله عنكم نجمكم فاستوت بنو عبد المطلب فلم يعرف أي من أي فإذا طلع نجمكم فاحمدوا ربكم»(2).
وروى النعماني قُدس الله روحَه أيضا بإسناده عن أبي عبدالله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه: عن آبائه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجعين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«مثل أهل بيتي مثل نجوم السماء، كلما غاب نجمٌ طَلَعَ نجم حتى إذا نجم منها طلع فرمقتموه بالأعين وأشرتم إليه بالأصابع، أتاه ملك الموت فذهب به، ثم لبثتم في ذلك سبتا من دهركم، واستوت بنو عبد المطلب، ولم تدرأي، من أي فعند ذلك يبدو نجمكم فاحمدوا الله واقبلوه»(3).
قال الميرزا محمد تقي الأصفهاني: (وقد ظهر بعون الله وببركة أوليائه من هذه الروايات الصحيحة المعتبرة أنه لا يجوز لأحد تصديق من يدعي النيابة الخاصة في زمان الغيبة الكبرى)(4).
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَة بين التأييد والمعارضة...39
الدليل الخامس، أمر المؤمن بالبقاء على حب من كان يحب وولاء من كان يتولى إلى وقت الظهور
ويدل على انقطاع السفارة في الغيبة الكبرى أيضا ما رواه الصدوق قُدس الله نوحَه بإسناده، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي عبدالله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه قال:
«إذا أصبحت وأمسيت لا ترى إماما تأتم به، فأحبب من كنت تحب، وابغض من كنت تبغض، حتى يظهره الله عز وجل»(1).
وروى الكليني قُدس الله روحَه أيضا في أصول الكافي بإسناده عن منصور عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
«قلت: إذا أصبحت وأمسيت لا أرى إماما أأَتَمّ به ما أصنع؟ قال عليه السلام فأحب من كنت تحب وأبغض من كنت تبغض حتى يظهره الله عز وجل»(2).
وروى النعماني بإسناده عن محمد بن منصور الصيقل، عن أبيه منصور قال: قال أبو عبدالله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه:
«إذا أصبحت وأمسيت يوما لا ترى فيه إماما من آل محمد فأحب من كنت تحب، وأبغض من كنت تبغض ووال من كنت توالي، وانتظر الفرج صباحا ومساء»(3).
فالمؤمن قبل ان يخرج مدعي السفارة في الغيبة الكبرى كان لا يعتقد بوجود سفير للإمام المهدي عليه السَّلام، وان السفارة قد ختمت بموت الشيخ السمري رحمةالله، وهذا هو الاعتقاد القديم، فإذا خرج مدعي السفارة وجاء باعتقاد حادث، فيجب على
40...السفارة في الغبية الكبرى بين التأييد والمعارضة
المؤمن الموالي حينئذ وعملا بالروايات السابقة ان يبقى على اعتقاده القديم وعدم التصديق بما استجد من دعوى السفارة(1).
قال الميرزا محمد تقي الأصفهاني: (أقول: هذه الروايات تأمرنا بأن لا نتبع في زمن الغيبة أحدا يدعي الإمامة أو البابية، والنيابة الخاصة إلى أن يظهر الله تعالى وليه المنتظر عجل الله له الفرج فإن قوله عليه السلام فأحب من كنت تحب إلى آخره كناية عن وجوب ترك المحبة، والمتابعة لمن يدعي لنفسه مرتبة خاصة من الإمامة، والنيابة الخاصة، في زمن الغيبة التامة يعني إن ادعى مدع لنفسه مقاما خاصا فلا تواله ولا تجبه إلى شيء ومعنى هذا تكذيب دعواه كما لا يخفى على ذوي الأفهام العارفين بأساليب الكلام)(2).
ويمكن لنا ونحن نعيش عصر الغيبة الكبرى ونرى الفتن تهجم علينا ساعة بعد ساعة ويضمحل فيها الإيمان في قلوب الناس يوما بعد يوم، أن نطبق هذه الأحاديث الشريفة على حياتنا، وينبه بعضنا بعضا على عدم الإسراع بتصديق أصحاب الأهواء المستحدثة وأرباب البدع المضلة وقادة الرايات الضالة والبقاء على ما هم عليه والثبات على ذلك، لأننا قد رأينا بالتجربة أن كل تلكم الرايات سرعان ما خفت صوتها وانكشف أربابها واضمحلت أفكارها وهلك من اتبعها
وسقط في الفتنة والامتحان من صدق بها، فلا ينبغي على المؤمن ان يستعجل الفرج ويستجيب لكل من هب ودب فإن في ذلك الهلاك الأكيد.
السيد محمد السيد حسين الحكيم
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...41
فقد روي عن الإمام الباقر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه قال:
«الغبرة على من أثارها(1)، هلك المحاضير فقيل له جعلت فداك وما المحاضير قال المستعجلون(2)»(3).
وفي هذه الرواية ما لا يخفى من النهي عن الوقوع تحت تأثير الأحاسيس الآنية، والتسرع في الجري وراء كل فتنة، وعدم التأني والتأمل في العواقب، والاستعجال في بذل النصرة لكل من هب ودب، قبل حصول العلامات التي من أهمها الصيحة والسفياني.
ويدل أيضا على صدق انقطاع السفارة والنيابة بعد موت السفير الرابع قُدس الله روحَه ما روي عن أبي عبدالله الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه حيث قال:
«إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم مات وبعضهم يقول قُتل وبعضهم يقول ذهب، فلا يبقى على أمره من أصحابه إلّا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من وليّ ولا غيره، إلّا المولى الذي يلي أمره»(4).
1) (1) الغبرة مبتدأ وعلى من أثارها خبر أي واقعة عليه وهذا الكلام بمنزلة المثل أي ان من يثير الغبار يقع علیه آثاره كما ان من يثير الفتنة او يكون طرفا فيها يقع عليه آثارها من الهلاك والسقوط في التمحيص الذي يتعرض له كل الناس قبل خروج الإمام عليه السلام ليضل من ضل عن بينة وينجو من نجا عن بيئة وتوفيق من ربه سبحانه وتعالى.
2) (2) أي المستعجلون للفرج والخروج قبل أوانه وقبل حصول شرائطه وعلاماته، وليس المقصود من الخبر النهي عن الدعاء بتعجيل الفرج لولي الله الأعظم أرواحنا فداه.
3) (3) الكافي للشيخ الكليني: ج 8، ص 373، ومكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج2، ص178.
4) (4) كتاب الغيبة للشيخ النعماني: ص 176، الباب العاشر الفصل الرابع الحديث رقم 5.
42...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
قال الشيخ النعماني معلقا على هذه الرواية:
(هذه الأحاديث التي يذكر فيها أن للقائم صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه غيبتين أحاديث قد صحّت عندنا بحمد الله وأوضح الله قول الأئمّة صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجمعين، وأظهر برهان صدقهم فيها، فأمّا الغيبة الأولى فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه وبين الخلق قياماً منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان، يخرج على أيديهم غوامض العلم، وعويص الحكم والأجوبة عن كلّ ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشكلات، وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيّامها، وتصرّمت مدّتها، والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط للأمر الذي يريده الله تعالى، والتدبير الذي يمضيه في الخلق، ولوقوع التمحيص والامتحان والبليّة والغربلة والتصفية على مَن يدّعي هذا الأمر، كما قال الله عزّوجلّ:
(مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ)(1).
وهذا زمان ذلك قد حضر جعلنا الله فيه من الثابتين على الحقّ، و مّمن لا يخرج في غربال الفتنة، فهذا معنى قولنا: (له غيبتان)، ونحن في الأخيرة نسأل الله أن يقرّب فرج أوليائه منها ويجعلنا في حيز خيرته وجملة التابعين الصفوته ومن خيار من ارتضاه وانتجبه لنصرة وليه وخليفته فانه ولي الإحسان جواد منان)(2).
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...43
ويدل على انقطاع السفارة في زمن الغيبة الكبرى ما قاله الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد في باب ذكر القائم عَجل الله تَعالى فَرجةُ الشَريف: (وله قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الأخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، فأمّا القصرى منهما منذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة. وأمّا الطولى فهي بعد الأولى وفي آخرها يقوم بالسيف)(1).
وهو عين ما قال به الشيخ الطبرسي(2)، وما ذهب إليه العلامة الحلي(3)، وقد نقله صاحب البحار مقرا به ولم يعلق عليه(4)، وكذلك فعل ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة(5)، وابن أبي فتح الأربلي في كشف الغمة(6)، وآخرون أمثال السيد هاشم البحراني(7)، والشيخ علي اليزدي الحائري في كتابه إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب(8)، والسيد محسن الأمين العاملي(9)، وغيرهم العشرات من الذين
1) (1) الإرشاد للشيخ المفيد: ج 2، ص 340، في تاريخ الإمام المهدي علیه االسَّلام.
2) (2) تاج المواليد للشيخ الطبرسي ص 65 في ذكر الغيبة الصغرى والكبرى.
3) (3) المستجاد من الإرشاد للعلامة الحلي: ص 232-233، في ذكر الإمام القائم الحجة بن الحسن عَجل الله تعالى فَرجةُ الشَريف.
4) (4) بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج 51 ، ص 23-24، في الأقوال في ولادته عَجل الله تعالى وَ فرجةُ الشُريف.
5) (5) الفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن الصباغ المالكي: ج 2، ص 1100، في الفصل الثاني عشر في ذكر أبي القاسم محمد الحجة الخلف الصالح.
6) (6) كشف الغمة لابن أبي الفتح الأربلي: ج 3، ص 244، في مولد الإمام المنتظر وغيبته علیه السَّلام.
7) (7) مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني: ج 8، ص 6، الباب الثاني عشر في معاجز الإمام الثاني عشر.
8) (8) إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب للشيخ علي اليزدي الحائري: ج 1، ص 286.
9) (9) أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين: ج 2، ص 46، في غيبته عَجَل الله تَعالى و فَرجةُ الشَريف.
44...السفارة في الغبية الكبرى بين التأييد والمعارضة
ذكروا ما نص عليه الشيخ المفيد وأودعوه كتبهم ولم يعترضوا عليه أو يردوه، مما يدل بوضوح على ان أمر انقطاع السفارة والنيابة الخاصة من بعد الشيخ السمري هو مما اجمع ولا معارض له قديما وحديثا، اللهم إلا شرذمة قليلة من الضالين المضلين ممن انكشف للناس عامة سوء أهدافهم وخبث نواياهم.
ومما يدل على بطلان كل سفارة خاصة عن الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه بعد وفاة الشيخ السمري وقبل الصيحة والسفياني هو الإجماع من قبل الفرقة الناجية قديما وحديثا على ان كل من يدعي السفارة بعد الشيخ السمري قُدس الله روحَه وقبل السفياني والصيحة فهو كذاب ضال لا تصدق دعوته ولا يؤخذ بقوله وعلى ذلك جرى الشيعة وعلماؤهم طيلة العصور المتتابعة، ونبذوا كل من ادعى الوساطة والاتصال بالإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، فقد روى الشيخ الطوسي عن المفيد محمد بن محمد بن النعمان عن أبي الحسن عن بلال المهلبي قال: سمعت أبا القاسم جعفر بن محمد بن قولويه يقول: (عندنا ان كل من ادعى هذا الأمر بعد السمري رحمه الله تعالى فهو كافر متنمس ضال مضل)(1).
ولم يعترض على هذا القول لابن قولويه رحمةالله احد من علمائنا الأعلام قديما وحديثا وعلى هذا التسليم بانقطاع السفارة جرت كلمة الشيعة، وأصبح هذا الأمر من بديهيات المذهب، ولذلك قال الميرزا محمد تقي الأصفهاني:
(اعلم أنه اتفقت الإمامية على انقطاع الوكالة، واختتام النيابة الخاصة، بوفاة الشيخ الجليل علي بن محمد السمري رضي الله عنه وهو الرابع من النواب
1) (1) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ص 412. بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج 51، ص 378.
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...45
الأربعة، الذين كانوا مرجعا للشيعة في زمان الغيبة الصغرى، وأنه ليس بعد وفاة السمري إلى زمان ظهور الحجة عَجل الله تَعالى فَرجةُ الشََريف نائب مخصوص عنه في شيعته، وأن المرجع في زمان غيبته الكبرى هم العلماء العاملون، الحافظون لحدود الله وأن من ادعى النيابة الخاصة فهو كاذب مردود بل يعد ذلك من ضروريات مذهب الإمامية التي يعرفون بها، ولم يخالف في ذلك أحد من علمائنا، وكفى بهذا حجة وبرهانا)(1).
فمدعي السفارة بعد الشيخ السمري بناء على ما تقدم هو شاذ عن إجماع الشيعة لأنه مدع لغير ما تسالمت عليه كلمتهم، وعليه فمن الجهل بمكان ان يترك ما هو مجمع على العمل به منذ مئات السنين، ويؤخذ بدعوى مستحدثة لا يدرى من وراءها ومن يمولها وممن تستقي أفكارها، فكل ما يحيط بأفكار مدعي السفارة وأشخاصه ورموزه في كل العصور السابقة والحاضرة مجهول غير واضح كما لا يخفى لمن تتبع حالهم لا غفر الله لهم.
وفيما ذكرناه من أدلة كفاية لمتدبر يفهم الكلام ويزنه بميزان العقل والمنطق.
ان التوقيع المقدس لم يضع سقفا زمنيا محددا لهذه الغيبة التامة وان موعد الظهور النهائي للإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه موكول إلى علم الله سُبحانَ وَ تَعالى وحده وهو المفهوم من قوله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه:
«فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل».
1) (1) مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج 2، ص333.
46...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
وهذا الذي جاء في توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه موافق لجملة من الروايات الشريفة التي تنص بجميعها على ان التوقيت لخروج الإمام المهدي
صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه لم يكن يصرح به من قبلهم صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجمعين ومن هذه الروايات ما يأتي: عن عبد الرحمن بن كثير قال:
«كنت عند أبي عبدالله عليه السَّلام إذ دخل عليه مهزم، فقال له: جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظر، متى هو فقال: يا مهزم كذب الوقاتون وهلك المستعجلون ونجا المسلَّمون»(1).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
«سألته عن القائم عليه السلام فقال: كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت»(2).
وعن الفضل بن يسار، عن أبي جعفر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه قال:
«قلت: لهذا الأمر وقت؟ فقال كذب الوقاتون، كذب الوقاتون كذب الوقاتون، إن موسى عليه السلام لما خرج وافدا إلى ربه، واعدهم ثلاثين يوما، فلما زاده الله على الثلاثين عشرا، قال قومه: قد أخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم [به] فقولوا: صدق الله، وإذا حدثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا : صدق الله تؤجروا مرتين»(3).
ولهذا الإخفاء لتاريخ الظهور فائدتان مهمتان.
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...47
ترتبط بالقاعدة الموالية للإمام المهدي صَلوات الله وسلامه عليه لان إهمال الوقت له تأثير بالغ على نفسية المنتظرين فان مع الإهمال يبقى الشخص المنتظر في رجاء دائم
لقرب وقوع الفرج وحصول الظهور فهو في ترقب للخلاص في كل زمان ولولا
هذا الرجاء لقست القلوب ولاستطالت النفوس هذه المدة الطويلة، ويؤيد هذا
المعنى رواية علي بن يقطين قال : «قال لي أبو الحسن عليه السلام يا علي ان الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة»(1).
ومثلها قول يقطين لابنه علي: (ما بالنا قيل لنا فكان وقيل لكم فلم يكن ؟ فقال له علي: ان الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد غيران أمركم حضركم فأعطيتم محضه وكان كما قيل لكم، وان أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، ولو قيل لنا ان هذا الأمر لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجعت عامة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا ما أسرعه وما أقربه تألفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج)(2).
مرتبطة بالطرف المعادي لقضية الإمام المهدي أرواحنا فداه فان الغيبة الكبرى التامة لو حدد لنهايتها تاريخ معين لكان من السهل على أعداء الإمام المهدي ان يعدوا العدة ويستجمعوا كامل طاقتهم في سبيل ضرب ثورة الإمام المهدي
1) (1) الغيبة للشيخ الطوسي: ص 343.342، فصل في العلة المانعة من ظهور الحجة الحديث رقم 292.
2) (2) الكافي للشيخ الكليني: ج 1، ص 369، باب التمحيص والامتحان الحديث رقم 6. كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ص 342، فصل في العلة المانعة من ظهور الحجة الحديث رقم وكتاب الغيبة للنعماني: ص 306، الباب السادس عشر الحديث 14 .
48...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
عَجل الله تَعالى فَرجه الشَريف في بداية ظهوره وانطلاقه، فمن غير الحكمة والحال هذه ان يوضع حد وتاريخ مشخص لعملية الظهور النهائي من الغيبة الكبرى.
ان هذا التوقيع المقدس أوضح وبشكل مجمل الظروف الصعبة التي ستتسم بها مرحلة ما بعد وفاة السفير الرابع عليه الرحمة والرضوان، فطول الأمد وامتداد هذه الغيبة إلى سنين لا يعلم مبلغ عددها إلا الله سبحانه سيؤدي من ثم إلى الابتعاد المتزايد عن الخط النقي الصافي والمعين العذب للإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، وهذا الابتعاد سيؤدي بدوره إلى قسوة قلوب الأغلب من معاصري هذه الغيبة الكبرى واسودادها، فيكونون بذلك قد شابهوا من سبقهم من الأمم السالفة التي وصف القرآن الكريم حالهم بقوله:
(ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ مَا مَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ)(1).
وهذه القسوة في القلوب هي التي سينتج عنها الظلم والجور الذي سيعاني منه الناس في زمن غيبة إمامهم الكبرى، وكلما امتدت الغيبة أكثر، كلما قست القلوب أكثر، وكلما قست القلوب أكثر كلما اتسعت رقعة الجور وامتد نطاق الظلم إلى أن تمتلئ الأرض به وتضيق، وهذا ما أشار إليه الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه بقوله:
«وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا».
1) (1) سورة الحديد، الآية: 16.
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَة بين التأييد والمعارضة...49
تلك القسوة في القلوب والتي سيصاب بها الناس في عصر غيبة الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، والتي ستنشأ نتيجة الابتعاد المتزايد عن خط الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، ولضعف الوازع الديني، ولانعدام التقوى والإيمان في نفوس بعض الافاكين، الذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فهي كالحجارة، سيظهر نتيجة لكل ذلك وغيره مجموعة من الأشخاص الذين سيحاولون بشتي الوسائل تشويش تلك الأفكار النقية الصافية الموروثة عن أهل البيت صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجمعين، على القاعدة الموالية والمؤمنة بفكرة الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، وإبدالها بأفكار مبتدعة وأطروحات شاذة ومخالفة لما أجمع عليه علماء المذهب وأساطينه، مستفيدين في كل ذلك من روايات ضعيفة، أو معارضة بغيرها، أو حمالة وجوه مختلفة، ومعتمدين لإثبات باطلهم بنصوص يقتطعون منها ما يلائم أغراضهم ويخدم مصالحهم ويتركون بقية النص الذي ان ذكر بأكمله بانت معائبهم وظهر للناس كذبهم، وهؤلاء هم الذين اخبر الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه عن خروجهم وظهورهم بقوله:
«وسيأتي شيعتي، أو من شيعتي(1)من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر».
ولا يخفى ان في قوله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه (وسيأتي من شيعتي) تصريحاً واضحاً
1) (1) ذكرت عبارة (وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة) في عدة من المصادر منها كتاب الصراط المستقيم لعلي بن يونس العاملي المتوفى سنة 877 للهجرة ج 2 ص 236. وفي بحار الانوار للعلامة المجلسي ج 52 ص 151 تحت عنوان التوقيع الذي خرج إلى أبي الحسن السمري.
50...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأبيد والمعارضة
على أن أغلب أو كل من سيدعي المشاهدة في زمن الغيبة الكبرى هم من الشيعة الذين يتصفون ظاهرا بالولاء والانتساب لمذهب أهل البيت صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجمعين، أما باطنا فكل همهم هو هدم التشيع من أساسه وكسب بعض الفوائد الدنيوية الرخيصة.
وكذلك يوضح توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بان هذه السفارات الكاذبة المزيفة هي التي ستشكل خطراً حقيقياً على القاعدة الموالية والمنتظرة لصاحب العصر والزمان صَلوات الله و سَلامُه عَليه، لأن غير الشيعة محلول أمرهم وهين لاعتبارين:
هو أن غير الشيعي-من أبناء العامة خصوصاً-لا يمكن أن يدعي المشاهدة والسفارة عن الإمام المهدي صَلوات الله و سَلامُه عَليه، لعدم إيمانهم بأن للإمام المهدي صَلوات الله و سَلامُه عَليه تحققا في الخارج، وذلك لاعتقادهم بعدم ولادته صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه في الوقت الحاضر وأنه سيولد في آخر الزمان، وعليه فظهور شخص منهم يدعي مشاهدته والنيابة الخاصة عنه هو احتمال في غاية الضعف، ولا يعتد به، وعلى تقدير ظهوره فانه لا يشكل أدنى خطر على الموالين المنتظرين.
هو أن مدعي الرؤية والمشاهدة من غير الشيعة لن يجد له أرضية ووقعا في قلوب الموالين للإمام للمهدي صَلوات الله و سَلامُه عَليه، لوجود حالة التخوف والتوقف من قبول آراء كل من لا يعلن الولاء لأهل البيت صَلوات الله و سَلامُه عَليهم أجمعين وادعاءاتهم.
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...51
الظاهر من سياق التوقيع الشريف ومن القرائن الحالية والمقالية أن المشاهدة المنفية في قوله صَلوات الله و سَلامُه عَليه: (وسيأتي إلى شيعتي، أو من شيعتي من يدعي المشاهدة)، هي تلك التي تتناسب مع مضمون نفس التوقيع ومحتواه، لأن الرواية كما بيّنا سابقاً تؤكد على وقوع حقيقتين مهمتين:
إحداهما: هو انتهاء فترة الغيبة الصغرى وابتداء مرحلة الغيبة التامة.
والأخرى: غلق باب السفارة الخاصة وعدم الوصاية لأحد من بعد السمري.
فيصبح معنی المشاهدة المنفية والمكذب صاحبها في التوقيع المقدس هي تلك المشاهدة المقيدة بعدم التعارض مع الغيبة التامة، وعدم ادعاء السفارة الخاصة بعد الشيخ السمري قُدس الله روحَه، ويدل على هذا الأمر عدة أمور منها:
قد تقرر في اللغة ان ذكر أفراد معهودة مسبقا في صدر الكلام دليل يوجب صرف المعنى العام اللاحق إليها، ولا ريب في ان الإمام المهدي عليه السلام قد ذكر أمورا وقضايا متعددة قبل حديثه عن دعوى المشاهدة من قبيل أمره للسفير
الرابع رحمةالله بعدم الوصية لأحد من بعد موته، وان الغيبة الثانية أو التامة قد وقعت، وانه لا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى، ومن ثم أعقب صَلواتُ الله و سَلامُه عليه ذلك كله بقوله:
«وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة».
52...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
ولا يخفى ان كلمة المشاهدة معرفة بالألف واللام، وهذه اللام هي لام العهد، وذلك لان اللام في الأصل لتعريف العهد كما نص عليه النحاة واللغويون(1)وهذا يوجب أن ينصرف المعنى إلى ما قد سبق من الأمر دون القول بعمومه لكل مشاهدة(2).
وفي هذا الصدد يقول الميرزا محمد تقي الأصفهاني: (والحاصل أن المراد بالمشاهدة هي المشاهدة المقيدة بكونها بعنوان البابية والنيابة الخاصة مثل ما كان للسفراء الأربعة، الموجودين في زمان الغيبة الصغرى، لا مطلق المشاهدة فهو من باب ذكر المطلق، وإرادة المقيد أو ذكر العام وإرادة الخاص وهذا النحو من الاستعمال كثير شائع في العرف واللغة كما تقول اشتريت اللحم أو اشتر اللحم وتريد لحم الغنم بخصوصه لا مطلق اللحم والقرينة في الكلام موجودة كما ذكرنا.
ومن هذا القبيل قوله عز وجل:
(قُل عَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ)(3).
1) (1) راجع شرح الرضي على الكافية لرضي الدين الأسترآبادي: ج 3، ص 255.
2) (2) قال الميرزا محمد تقي الأصفهاني في مكيال المكارم: ج 2، ص 335 - 336 (ولا شبهة بقرينة صدر الكلام في أن المراد بدعوى المشاهدة هي المشاهدة على نحو ما وقع للسفراء الأربعة، المحمودين المعروفين في زمان الغيبة الأولى، وقد صرح بأن من ادعاها في الغيبة الكبرى فهو كذاب مفتر ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم).
3) (3) سورة آل عمران الآية: 84.
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...53
فإن الأسباط لفظ عام أريد به الخاص، لأن جميع الأسباط لم ينزل عليهم كتاب، ولا وحي ولا حكم، وإنما نزل على بعض منهم، وكذلك في التوقيع الشريف أريد بالمشاهدة نحو خاص، كما بينا لك بعون الله تعالى)(1).
إنّ في قوله صَلوات الله و سَلامُه عَليه: (وسياتي شيعتي من يدعي المشاهدة) دليلاً على ان من يدعي المشاهدة والذي أمرنا بتكذيبه وعدم التصديق به هو ذلك الذي يدعيها أمام الشيعة أو يدعيها لعموم الشيعة، مما يعني انه يصرح علنا وبشكل جماهيري واسع النطاق بأنه يشاهد الإمام وذلك ليكسب دعوته الباطلة مدا جماهيريا وشعبيا، وليضفي عليها شرعية، وليوهم الناس بانتسابها للإمام المهدي صَلوات الله و سَلامُه عَليه.
أما من يدعي المشاهدة من دون سفارة ولا نيابة فلا يكون لادعائه سعة واتساع بحيث يقال عنه بأنه أتى إلى الشيعة وادعى المشاهدة، ولأنه قد جرت العادة نتى أصبح متعارفا لكل الناس بان كل من ادعى المشاهدة في عصر الغيبة الكبرى
من دون دعوى السفارة فانه يتكتم على مشاهدته، وقد يستحيل في كثير من الأحيان الاطلاع عليها من أقرب المقربين لهم، وإذا حدثوا بها فانهم يحرصون
على تضييق حلقة الذين يكشف أمامهم هذا السر، وهذا المعنى لا يمكن ان يقال عنه (وسيأتي شيعتي أو إلى شيعتي من يدعي المشاهدة)، لان في قوله صَلوات الله و سَلامُه عَليه إلى شيعتي دليلاً على ان السامعين للدعوة الكاذبة عموم الشيعة أو الأغلب كما لا يخفى لمن له ذوق ومعرفة بأساليب كلام العرب.
1) (1) مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج 2، ص 336.
54...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
ان المشاهدة المجردة من دعوى السفارة لا تنافي فيما بينها وبين ما نفهمه من مفهوم الغيبة التامة، لأن معنى التامة هو عدم وجود أي ارتباط واضح و بيّن مع الإمام المهدي صَلوات الله و سَلامُه عَليه بحيث يمكن الوصول من خلاله إلى الإمام المهدي صَلوات الله و سَلامُه عَليه، وطالما كانت كذلك فانه لا يوجد دليل يمنع منها أو يحرمها، لتوافقها مع مضمون توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه.
ولكن التنافي حاصل ما بين مفهوم الغيبة التامة وما بين ادعاء المشاهدة مع النيابة الخاصة والسفارة، لان وجود السفير معناه وجود الارتباط الذي يمكن من خلاله الوصول إلى الإمام المهدي صَلوات الله و سَلامُه عَليه، ومثل هذه المشاهدة التي تعد خطرا حقيقيا على الإمام المهدي صَلوات الله و سَلامُه عَليه وعلى غيبته فإن الأدلة العقلية والشرعية تقف قبالها مانعة من تحققها.
إن الأئمّة صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجمعين ومنهم الإمام المهدي صَلوات الله و سَلامُه عَليه، قد حرصوا وبشدة، على حفظ الكتلة الموالية لهم، والمؤمنة بهم، من أي انحراف قد يوقعون فيه أنفسهم، أو يوقعهم الآخرون فيه، وانطلاقا من هذه القاعدة المهمة، نجد أنّ الخوف كل الخوف، هو ممن يدعي المشاهدة مع دعوى السفارة والنيابة الخاصة، لأن هؤلاء الضالين، سيشوشون على الناس معتقداتهم وأفكارهم، وسيستغلون حب الناس وتعاطفهم مع الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه وقضيته العادلة، في سبيل خدمة مصالحهم الشيطانية.
وسيكون خطرهم على أتباع الأئمة صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجمعين والموالين لهم، أكبر
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...55
بكثير من الدجال الملعون وفتنتهم أعظم من فتنته، فعن يحيى الحضرمي قال:
«سمعت علياً صَلواتُ الله وَسَلامُه عَليه يقول كنا جلوساً عند النبي صَلى اللهُ عَليه و آله و سَلّم وهو نائم في حجري، فتذاكرنا الدجال فاستيقظ النبي صَلى اللهُ عَليه و آله و سَلّم محمراً وجهه فقال: لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال الأئمة المضلون...»(1).
وما هذا الخوف من النبي الأعظم صَلى اللهُ عَليه و آله و سَلّم إلا لان نوايا الدجال واضحة وعداءه للخط الموالي للإمام المهدي بَيّن لا لبس فيه، أما هؤلاء الأئمة المضلون فإن نفاقهم وخطرهم كامن خفي وأفكارهم الهدامة قد ألبسوها ثوب الولاء للإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه فخفي على الناس تلبيساتهم وقبلوا منهم توجيهاتهم لاعتقادهم بأن لهؤلاء المضلين ارتباطا فعليا بالإمام الثاني عشر المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه.
أما دعوى المشاهدة مع عدم ادعاء السفارة فستكون على العكس من ذلك تماماً، فهي مدعاة لتطمين الناس وتثبيت قلوبهم وتذكيرهم بأن الإمام المهدي أرواحنا فداه غير ناسِ لهم وغير مهمل لمراعاة شؤونهم الخاصة والعامة.
فيتبين لنا من كل ما سبق أن المضمون العام للتوقيع الشريف، وكذلك الخط والتوجه العقائدي للأئمة صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجمعين والقاضي بسد وإغلاق الباب بوجه أصحاب النفوس الضعيفة الذين يمكن أن يستغلوا مسألة السفارة والنيابة الخاصة عن الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه لإغواء الناس وإضلالهم، فيه دليل كاف على تخصيص كون المشاهدة المنهي عنها والمنفية في توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه لا
1) (1) الأمالي للشيخ الطوسي: ص 512.
56...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
تتعدى إلى غير المشاهدة المقترنة مع ادعاء السفارة والنيابة الخاصة، أما تلك المشاهدات واللقاءات الخالية من ادعاء السفارة فمستثناة لعدم معارضتها لتوقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه ولتضمنها حالة التثبيت لقلوب الموالين.
إن التوقيع الشريف ينص على ان المشاهدة مع ادعاء السفارة والنيابة الخاصة ستكون متاحة وممكنة بعد تحقق علامتين مهمتين من علامات الظهور المقدس اللتين قد أوضحهما الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه بقوله:
«ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر».
وفي هذه الفقرة مجموعة أمور لابد من توضيحها، منها ان التوقيع الشريف ينص وبشكل واضح بان المشاهدة وإمكانها متعلق بخروج السفياني وصدور الصيحة، فلابد ان نحيط علما ببعض ما يتعلق بهاتين العلامتين:
العلامة الأولى: خروج السفياني
لقد تحدثت الروايات الشريفة عنه بتفصيل أكثر من باقي الشخصيات التي ستسبق خروج الإمام المهدي عليه السلام، أو التي ستتزامن مع خروجه عليه السلام، ولعل السبب في تفصيل الأخبار عنه وكثرتها هو الدور الخطير الذي سيلعبه حينما يظهر والذي سنعرف بعضه فيما يأتي:
72...السفارة في الغبية الكبرى بين التأبيد والمعارضة
الصيحة بعد السفياني بشهرين وقبل الظهور بخمسة أشهر
بينا فيما سبق ان السفياني عليه اللعنة يخرج في شهر رجب، والصيحة والنداء يكونان في شهر رمضان، أي بعد شهرين تقريبا، وفي شهر محرم الحرام وفي يومه العاشر يخرج الإمام المهدي أرواحنا فداه، أي بعد سبعة أشهر من خروج السفياني، وخمسة أشهر من الصيحة، وهي فترة قصيرة في نظر العقلاء، بحيث يمكن ان يقال: إنّ هنالك اتصالا قريبا جدا بين كل من السفياني والصيحة والمهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، لذلك شُبهت هذه الأحداث بالخرز التي تتبع إحداها الأخرى حين سقوطها، فعن الإمام أبي عبدالله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه انه قيل له:
«ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟ فقال: بلى، قلت: وما هي؟ قال: هلاك العباسي، وخروج السفياني، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء، والصوت من السماء. فقلت: جعلت فداك، أخاف أن يطول هذا الأمر؟ فقال: لا، إنما هو كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا»(1).
إمكان مشاهدة الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه بعد الصيحة والسفياني
ومن مجموع ما بيناه سابقا عن كل من السفياني والصيحة يصبح واضحا ان رفع الحكم في تكذيب دعوى المشاهدة إلى ما بعد الصيحة والسفياني، في نص التوقيع الذي صدر على يد السفير الرابع قُدس الله روحَه ناتج عن إن بعد هاتين العلامتين ووقوعهما خارجاً سيتحقق عصر الظهور المقدس، أو بمعنى آخر؛ أن الصيحة والسفياني سيكونان علامة من علامات بدء الظهور، الذي سيكون سريعاً جداً، كما قد روي من أنه: (ينادى باسم القائم في ليلة ثلاث وعشرين)(2)، ويقوم
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بين التأييد والمعارضة...73
يوم عاشوراء(1)...)(2). وفي هذه المدة سيتكرر ظهور الإمام المهدي عَجل الله تَعالى فَرجُه الشَريف للعيان وفي مناطق مختلفة ولأشخاص مختلفين حسب الحاجة والحكمة.
وهذا الظهور والاتصال بالآخرين لا يتعارض مع توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه، لأننا قد أوضحنا في محله ان المانع من المشاهدة قبل الصيحة والسفياني، هو تعارض مشاهدة كهذه مع مفهوم الغيبة التامة الكبرى، وهذا التعارض لا يصبح له معنى بعد ظهور السفياني، ونداء جبرائيل باسمه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، وذلك لأن بعد الصيحة والسفياني تنتهي مرحلة الغيبة التامة المطلقة، وتبدأ أول مقدمات مرحلة الظهور المقدس، فلا ضرر يذكر في انكشاف أمر المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه ودعوته حينئذ، لان إرهاصات خروجه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه وظهوره ستبين للعيان وتتضح عند كل إنسان، واكبر إرهاص يكون فيه تصريح واضح بخروجه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه هو الصيحة التي ستكشف أمر قیامه كشفا عاما حتى عند غير المسلمين، بحيث يفهمه كل الناس مهما كانت لغتهم، كما مر توضيحه من قبل على لسان الروايات الشريفة.
وكذلك أوضحا سابقا ان المانع الثاني من المشاهدة قبل الصيحة والسفياني هو أن أهل البيت صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجمهین ومن ضمنهم الإمام المهدي أرواحنا فداه، حرصوا وبشدة على حفظ الكتلة الموالية لهم والمؤمنة بهم، من أي انحراف قد يوقعون فيه أنفسهم أو يوقعهم الآخرون فيه، وان الخوف كل الخوف هو ممن يدعي المشاهدة مع دعوى السفارة والنيابة الخاصة؛ لأن هؤلاء الضالين سيشوشون
74...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
على الناس معتقداتهم وعقائدهم، وسيستغلون حب الناس وتعاطفهم مع الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم للعلو في الأرض، وكسب الامتيازات المادية والاجتماعية، وهذا المانع أيضا لا يبقى له معنى بعد الصيحة والسفياني، لان منصب السفارة والنيابة الخاصة لا يمكن ان يستغل بشكل سلبي من قبل بعض رايات الضلالة، وذلك لأن علامات الدعوة الحقة والصادقة، وقضية الإمام المهدي وشخصيته، وعلامات ظهوره التي ستكون أوضح من الشمس ستسحق ، وتغطي، وتقهر كل دعوة أخرى يمكن أن تظهر حينئذ وتستغل اسم المهدي أرواحنا فداه.
هذا مجمل ما أردنا توضيحه من لطائف وإشارات ممّا احتواه توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه.
ذكرنا في مقدمة هذا الفصل، ان التوقيع الشريف الذي صدر على يد السفير الرابع قُدس الله روحَه قد تعرض لهجمات عنيفة وطعون شديدة، قلما تعرض لها توقيع آخر، وبينا فيما مر ان سبب هذه الطعون وتلك الهجمات يعود إلى الفقرة التي سدت الباب على كل من حاول أو يحاول استغلال اسم الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، وقضيته للارتفاع في الأرض والطغيان في البلاد بحجة السفارة عن الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، وسنحاول هنا استعراض أهم ما وجه لهذا التوقيع الشريف من طعون وتخرصات وتشكيكات مغرضة، ونجيب عليها بما يناسب المقام.
الإشكال الأول: الطعن في سند الرواية ورميها بالإرسال
الإرسال كما لا يخفى عند أهل العلم يوجب عدم اعتبار الرواية، ويلزم الباحث تركها في مقام الحجية والعمل، فمن تعمد رمي توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بالإرسال-من أصحاب رايات الضلال-يهدف إلى إسقاط حجيته واعتباره، من اجل تحقيق مآرب شيطانية.
ومن اطلع على العوامل المحيطة بالرواية، وطرق نقلها، ورجال سندها يقطع بصحة سند التوقيع الذي خرج على يد السفير الرابع قُدس الله روحَه، ونزاهة رجالها وقوة حجيتها، ولكي نؤكد قولنا هذا لابد من عرض تفصيلي لسند هذه الرواية، والاطلاع على حال رجالها وهي كالتالي:
78...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
«روى الصدوق قال حدثنا أبو محمد الحسن بن احمد المكتب قال: كنت جالسا بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري - قُدس الله روحَه- فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية - التامة - فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه. ومضى رضي الله عنه، فهذا آخر كلام سمع منه»(1).
فيتبين لنا ان رجال سند هذه الرواية شخصان فقط هما كل من الشيخ الصدوق عليه الرحمة والرضوان وأبو محمد الحسن بن علي المكتب.
وان كلاً منهما رضوان الله تعالى عليهما ممن ثبتت وثاقته وعلو مرتبته وقبول روايته، فأما الحسن بن علي المكتب فسيأتي ذكره ووثاقته تفصيلا في الإشكال الثاني، وأما الشيخ الصدوق رحمة الله فأمره أشهر من ان يذكر، ووثاقته أوضح من ان يستدل عليها بدليل، وفيما يلي جملة من كلمات الأعلام فيه وفي وثاقته.
1) (1) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص 516، الباب الخامس والأربعون ذكر التوقيعات.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...79
هو الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى سنة 381 للهجرة النبوية المباركة، أحد أعلام القرن الرابع الهجري، قال في حقه الشيخ الطوسي قُدس الله روحَه: (محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، جليل القدر، يكنى أبا جعفر، كان جليلا، حافظا للأحاديث بصيرا بالرجال، ناقدا للأخبار، لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه)(1).
وقال عنه الشيخ النجاشي قُدس الله روحَه: (أبو جعفر، نزيل الري، شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، وله كتب كثيرة)(2).
وقال عنه المولى محمد تقي المجلسي قُدس الله روحَة: (هو ركن من أركان الدين)(3). وقال العلامة المجلسي في بحاره: (من عظماء القدماء التابعين لآثار الأئمة النجباء، الذين لا يتبعون الآراء والأهواء، ولذا ينزل أكثر أصحابنا كلامه وكلام أبيه منزلة النص المنقول والخبر المأثور).(4)
وقال عنه الميرزا القمي قُدس الله روحَه: (وقد كان الأصحاب يتمسكون بما يجدونه في شرايع الشيخ أبي الحسن بن بابويه رحمه الله تعالى عند إعواز النصوص لحسن ظنهم به، وإن فتواه كروايته، وبالجملة تنزل فتاواهم بمنزلة روايتهم)(5).
80...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأبيد والمعارضة
ومما يؤكد وثاقته، ويدفع الشك في نزاهته، كونه مولودا بدعاء الإمام الحجة صَلواتُ الله وَسَلامُه عَليه الذي وصفه بأنه فقيه خير مبارك(1).
ولشدة ثقة علماء الطائفة بنزاهته وعلمه أصبحت مصنفاته مرجع ترجع إليها الطائفة في مختلف العلوم وكتاب «من لا يحضره الفقيه» أشهر من نار على علم، حتى عد من أصول الشيعة التي عليها المعول، واليها المرجع في باب الفقه والأحكام واخذ الحلال والحرام، فهذه نبذة فيها كفاية لمتبصر، ونحن مهما أردنا التطويل فلن نصل إلى ساحل بحر فضله.
فيكون بذلك كل من الشيخ الصدوق قُدس الله روحَه كما بينا، وأبي محمد الحسن بن احمد المكتب، كما سنبين بعد ذلك، ثقتين قد سمع أحدهما عن الآخر مباشرة وبلا واسطة، لان الحسن بن احمد المكتب-كما سيأتي-هو من مشايخ الصدوق المعتمدين في مقام نقل الرواية، فيكون السند حينئذ متصلا غير مقطوع، فتكون حجة الإرسال داحضة ساقطة في مقام الاعتراض.
وقد أكد حقيقة عدم إرساله وضعفه عددٌ من الأعلام، منهم الميرزا محمد تقي الأصفهاني قُدس الله روحَه، إذ قال: (و مما يدل أيضا على صحته-أي صحة توقيع السمري-أن علماءنا من زمن الصدوق رضي الله عنه إلى زماننا هذا استندوا إليه، واعتمدوا عليه ولم يناقش، ولم يتأمل أحد منهم في اعتباره، كما لا يخفى على من له أنس وتتبع في كلماتهم ومصنفاتهم، فتبين من جميع ما ذكرناه أن الحديث المذكور من الروايات القطعية، التي لا ريب فيها، ولا شبهة تعتريها، وهو مما قال
1) (1) الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم: ج 3، ص 296، باب الميم محمد بن علي بن بابويه القمي.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَة...81
فيه الإمام عليه السلام(1)فإن المجمع عليه لا ريب فيه)(2).
وقال السيد المحقق المتبحر في قضية الإمام المهدي قُدس الله روحَه محمد صادق الصدر في موسوعته: (وأما كونه خبراً مرسلاً فهو غير صحيح، إذ رواه الشيخ-الطوسي-في الغيبة(3)، فقال أخبرنا جماعة عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابوية قال حدثني أبو محمد احمد بن الحسين المكتب قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري قدس سره... كما رواه الصدوق ابن بابويه في إكمال الدين عن أبي محمد المكتب نفسه، فأين الإرسال؟ والزمن بحسب العادة مناسب مع وجود الواسطة الواحدة)(4).
ولعل شبهة الإرسال هذه قد جاءت من جهة، ان الشيخ الطبرسي رضي الله عنه صاحب كتاب الاحتجاج ذكر هذا التوقيع مرسلا من دون ان يذكر الواسطة ما بينه وبين الشيخ السمري عليه الرحمة والرضوان فقال: (فلما حان سفر أبي الحسن السمري من الدنيا، وقرب اجله، قيل له: إلى من توصي؟ فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك ...)(5)وذكر الخبر بتمامه.
1) (1) هذه الرواية عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام عن عمر بن حنظلة، وهي المشهورة باسم مقبولة عمر بن حنظلة راجع الكافي للشيخ الكليني: ج 1، ص 68.
2) (2) مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج 2، ص 335.
3) (3) غيبة الشيخ الطوسي: ص399.
4) (4) تاريخ الغيبة الصغرى: ص 641 .
5) (5) الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ج 2، ص 297. في ذكر طرف مما خرج أيضا عن صاحب الزمان من المسائل الفقهية.
82...السفارة في الغيبة الكبرى بين التاييد والمعارضة
ولكن إرسال الشيخ الطبرسي عليه الرحمة والرضوان يعد دليلا على صحة الخبر ووثاقته وموافقته للإجماع واشتهاره بين المخالف والمؤالف، وليس دليلا على ضعفه وعدم حجيته، وذلك لان الشيخ الطبرسي عليه الرحمة والرضوان التزم في أول كتابه وصرح بقوله: (وأنا ابتدئ في صدر الكتاب بفصل ينطوي على ذكر آيات من القرآن التي أمر الله تعالى بذلك أنبياءه بمحاجة ذوي العدوان، ويشتمل أيضا على عدة أخبار في فضل الذابين عن دين الله القويم، وصراطه المستقيم، بالحجج القاهرة والبراهين الباهرة... وربما يأتي في أثناء كلامهم كلام جماعة من الشيعة حيث تقتضي الحال ذكره، ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه؛ او موافقته لما دلت العقول إليه أو؛ لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف...)(1).
فظهر بذلك أن التوقيع الشريف كان في زمن الشيخ الطبرسي غنيا عن ذكر السند؛ إما لموافقته لإجماع الطائفة؛ أو لاشتهاره بين أعلام المذهب وعلمائه شهرة وصلت حد الاستغناء عن ذكر إسناده؛ أو لكليهما جميعا.
حاول بعض من لا حظُ له من العلم الطعن في سند التوقيع المقدس، فعمد إلى حيلة قديمة يستخدمها كل من يريد أن يدلس على العوام فكره ورأيه، فرمى أحد رجال السند الذين نقلوا لنا توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بالضعف تارة
وبالجهالة تارة أخرى.
1) (1) المصدر السابق: ج 1، ص 4.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...83
والضعف-بزعمهم-جاء من طرف أحمد بن الحسن المكتب، أو الحسن بن أحمد المكتب، فهو - كما زعموا وافتروا -: (رجل مجهول الحال لم تذكره كتب الحديث أساسا)(1).
وقد أرخى هذا المدعي عنان غيه فادّعى بصورة قاطعة أن: (احمد بن الحسن المكتب غير موجود في كتب الرجال أساساً، فضلاً عن ضعفه، وإنه لم ترد ترجمته في رجال الحديث، بل هو غير مقطوع بتسميته، فتارة يسمى أحمد بن الحسن المكتب، وأخرى الحسن بن أحمد المكتب وثالثة احمد بن الحسین المكتب... لم تذكر كتب رجال الحديث ترجمة لهذه الشخصية بأسمائها الثلاث)(2).
إن الكاتب لتلك السطور جاهل أو متجاهل للفرق بين كتب الترجمة وكتب الرجال، فعلم الرجال: (هو العلم الباحث عن أحوال رواة الحديث ذاتاً ووصفاً، وبتعبير آخر هو الوقوف على أحوال الرواة من حيث العدالة والمدح والإهمال والجهالة، والوقوف على أسماء مشايخهم وتلاميذهم وطبقتهم في نقل الرواية)(3).
أما علم التراجم فهو العلم: (الباحث عن أحوال الشخصيات من العلماء وغيرهم سواء كانوا رواة أم لا وبذلك يظهر أن بين العلمين بوناً شاسعاً، لأن
84...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
المطلوب في علم التراجم هو التعرف على أحوال الأشخاص لا من حيث الوثاقة والضعف بل من حيث دورهم في حقل العلم والأدب والفن والصناعة والسياسة والاجتماع، وتأثيره في الأحداث والوقائع إلى غير ذلك مما يطلب من علم التراجم)(1).
فاستدلال المعترض على ضعف احمد بن الحسن جهالته المكتب لعدم ورود اسمه في كتب التراجم خلط واضح وتدليس فاضح، لأن كتب التراجم لا تعين حال الراوي من حيث الضعف والوثاقة، أو العدالة والجهالة، لأن ذلك من مختصات علم الرجال، وعليه فعدم وجود ذكر لأحمد بن الحسن المكتب في كتب التراجم،- لو صدقت هذه الدعوى-، ليس دليلاً على جهالته وضعفه، لأن كثيرا من الرواة المعروفين، بل كثيرا من أساطينهم، لم يرد لهم ذكر في كتب التراجم لعدم وجود آثار علمية أو فنية أو اجتماعية في حياتهم تستدعي ذكرهم فيها.
وأما قول المدعي: إن الحسن بن أحمد المكتب غير موجود في كتب الرجال أصلاً؛ فهو كذبة أخرى الهدف منها دس السم في العسل، والتشويش على من ليس له حظ في الاطلاع على كتب الرجال وأحوال الرواة.
لان الصحيح الثابت هو أن احمد بن الحسن المكتب قد جاء ذكره في عدة كتب رجالية وغير رجالية نذكر منها على سبيل الاحتجاج لا التقصي ما يأتي:
أولا: فقد جاء في كتاب مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني: (أبو
1) (1) كليات في علم الرجال، جعفر السبحاني: ص 13، وص 15.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...85
محمد الحسن بن أحمد المكتب، وهو كما ذكره الفاضل الألمعي المولى عناية الله في مجمع الرجال، أبو محمد الحسن بن الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب. ويروي عنه الصدوق مكررا مترضيا مترحما وهذا من أمارات الصحة والوثاقة، كما نبه على ذلك المولى المزبور في مجمعه وذكر له شواهد عديدة، ليس هنا موضع ذكرها والمكتَّب (بكسر التاء المشددة) من يعلم الكتابة)(1).
ثانيا: وجاء في كتاب (معجم رجال الحديث) للسيد الخوئي رحمةالله انه قال: (الحسن بن أحمد المكتب: أبو محمد من مشايخ الصدوق-قدس سره-ترحم عليه، كمال الدين الباب 49، الحديث 41)(2).
ثالثا: وجاء في كتاب (تهذيب المقال في تنقيح كتاب النجاشي) للسيد محمد علي الأبطحي انه قال: «الحسين بن إبراهيم بن احمد بن هشام المؤدب المكتب، ذكره ابن حجر في لسان الميزان ج 271/2 قائلاً: الحسين بن إبراهيم بن احمد المؤدب، روى عن أبي الحسن محمد بن جعفر الأسدي وغيره، قال علي بن الحكم في مشايخ الشيعة: كان مقيماً بقم وله كتاب في الفرائض أجاد فيه، وأخذ عنه أبو جعفر محمد بن علي بن بابوية وكان يعظمه(3)... وكان الحسين من مشايخ الصدوقد رحمةالله روى عنه في كتبه كثيراً مترضياً ومترحماً عليه، وقد كناه بأبي محمد
86...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
كما في الإكمال باب 476/49 قائلاً: حدثنا أبو محمد الحسين بن أحمد المكتب وصفحة 479 قال: حدثنا أبو محمد الحسن ابن احمد المكتب رضي الله عنه، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها السمري، فحضرته قبل وفاته بأيام، فاخرج إلى الناس توقيعاً ثم ذكره وفيه عدم الإيصاء إلى أحد، فإنه قد حانت الغيبة الثانية... ولقب بالمكتب كما تقدم عن مواضع من الخصال والعيون وأيضاً - لقب - بالمؤدب كما في لسان الميزان، وفي الإكمال، وعيون أخبار الرضا -
صَلوات الله و سَلامُه عَليه -(1)، والغيبة(2)، ومشيخة الفقيه (3)، ومعاني الأخبار وغيره، وروى الصدوق رحمةالله عنه كثيراً في كتبه عن جماعة منهم علي بن إبراهيم بن هاشم(4)، وأبو علي محمد بن همام(5)، وعلي بن محمد السمري السفير الرابع... ثم إن الاقتصار على اسم أبيه أو مع ذكر جده أحمد أو ذكره كما تقدم في العنوان - الحسين بن إبراهيم بن هشام المؤدب المكتب - لا يدل على التعدد وذلك بقرينة من روى عنه، فلاحظ»(6).
رابعا: وقال الشيخ علي النمازي الشاهرودي في كتابه (مستدركات علم رجال الحديث) ما هذا نصه: (الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب
1) (1) ج 1، ص 72 ، ومواضع كثيرة.
2) (2) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ص 180.
3) (3) مشيخة الفقيه وقد أشير إليه برقم 194 .
4) (4) العيون: ج 1، ص 72 ، وج 2، ص 214، وص 262.
5) (5) إكمال الدين وإتمام النعمة: ص 476 .
6) (6) تهذيب المقال في تنقيح كتاب النجاشي للسيد محمد علي الأبطحي: ج2، ص373 في الحسين بن إبراهيم بن احمد المؤدب.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...87
المكتب الكاتب: من مشائخ الصدوق ذكره في كتبه مترضيا عليه، روى عنه حديث شرائع الدين (الخصال ج 2 / 150) وحديث سبعين منقبة لأمير المؤمنين صلوات الله عليه لم يشركه فيها أحد في (ص 131). رواهما عن أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، عن بكر بن عبدالله بن حبيب، عن نميم بن بهلول. وغير ذلك منها في أماليه ( ص 240 و 261) بهذا الإسناد. وفي العيون (ج 1) روى عنه، مترضيا "عليه، عن علي بن إبراهيم بن هاشم في ص 13 و 72 و 141. وفي ص 120 عنه مترضيا، عن محمد بن جعفر الكوفي الأسدي. وعن بعض الثقات أن له كتابا في الفرايض أجاد فيه. ووقع في طريقه في مشيخة الفقيه في ستة أصل من الأصول المعتمدة التي استخرج منها أحاديث كتابه. وروى عنه الصدوق في التوحيد مترضيا" في ستة مواضع. وروى الشيخ في (يب ج 6 / 95) عن الصدوق، عنه وعلي بن أحمد بن موسى معا عن محمد بن أبي عبدالله الكوفي حديث الزيارة الجامعة الكبيرة المعروفة)(1).
خامسا: وقال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة ما هذا نصه: (الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب أو المكتب. لم ينص على توثيقه سوى أن الصدوق أكثر من الرواية عنه مترضيا مترحما، وهو كاف في جلالته وفي الرياض: الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب، من أجلة مشايخ الصدوق، ويروي عن أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، كما يظهر من كتب الصدوق، ويعرف الحسين بالمكتب اه. وفي لسان الميزان: الحسين بن إبراهيم بن أحمد المؤدب، روى عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي وغيره، قال علي بن الحكم في مشايخ
1) (1) مستدرکات علم رجال الحديث الشيخ علي النمازي الشاهرودي: ج 3، ص 72 - 73.
88...السفارة في الغيبة الكبرى بين التاييد والمعارضة
الشيعة: كان مقيما بقم وله كتاب في الفرائض أجاد فيه، وأخذ عنه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه، وكان يعظمه اه. وعلي بن الحكم من أجلاء أصحابنا له كتاب في الرجال، وكان هذا الكتاب عند ابن حجر، ونقل عنه في (لسان الميزان) كثيرا.
وأبو جعفر المذكور هو الصدوق)(1).
فتبين من هذا وغيره أن ما قالوه من جهالة الحسن بن إبراهيم بن احمد المؤدب أو المكتب غير صحيح، وهو تدليس على البسطاء من جهال العامة.
ولكن يبقى هنا أمران:
الظاهر لمن تتبع كلمات الأعلام، يجد أن كلمتهم أجمعت، أو تكاد تجمع على أن الاختلاف في اسم الراوي او كنيته لا يضر في معرفة الراوي ووثاقته، ما دام ان هنالك قرائنَ تدل على أن المراد من كل ذلك رجل واحد بعينه، وهذا التشابه والاختلاف كثيراً ما يقع في كتب الرجال وأسانيد الحديث، فعلى سبيل المثال نرى الشيخ الطوسي؛ وهو التحرير في علم الرجال، وعليه المعول في معرفة الأسانيد، يذكر في رجاله شخصا ينص على انه من أصحاب الصادق عليه السَّلام، فيقول: (عيسى بن أبي منصور الكوفي)(2)ثم يقول عنه في مكان آخر: (عيسى بن شلقان)(3)وعده من أصحاب الصادق علیه السَّلام، وقال عن نفس هذا الشخص في
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَة...89
مكان ثالث: (عيسى بن صبيح العرزمي من أصحاب الصادق عليه السلام)(1)، والشيخ الكشي عليه الرحمة عد كل هذه الأسماء لشخص واحد فقال: (سألت حمدويه بن نصير عن عيسى فقال: خير فاضل هو المعروف بشلقان وهو ابن أبي منصور، واسم أبي منصور صبيح)(2)وقال التفريشي في نقد الرجال: (وما ذكره الشيخ مرة بعنوان ابن منصور ومرة بعنوان ابن شلقان ومرة بعنوان ابن صبيح لا يدل على التعدد، لان مثل هذا كثير في كتابه مع قطعنا بالاتحاد)(3).
إذن؛ فعند القطع بالاتحاد فيما إذا كان هذا القطع مستندا إلى قرينة معينة؛ لا يهم حينئذ تعدد الاسم أو الكنية وهذا التعدد لا يضر في وثاقة الراوي، ولا يصيره مجهولا.
ومما يدل على وثاقة الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب أو المكتب على الرغم من الاختلاف في اسمه أو كنيته ما قد تقدم ذكره من كلام السيد محمد علي الأبطحي: (...ثم إن الاقتصار على اسم أبيه أو مع ذكر جده أحمد أو ذكره كما تقدم في العنوان - الحسين بن إبراهيم بن هشام المؤدب المكتب - لا يدل على التعدد، وذلك بقرينة من روى عنه، فلاحظ)(4).
1) (1) رجال الطوسي للشيخ الطوسي ص 258 باب من روى عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، تحت رقم 564.
2) (2) رجال الشيخ الكشي: ص 330، وص 600. اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي ج 2 ص 622 تحت الرقم 600، خلاصة الأقوال للعلامة الحلي: ص 215، الباب 13 تحت رقم 2.
3) (3) نقد الرجال للتفريشي: ج 3، ص 386، تحت عنوان عيسى بن أبي منصور شلقان (4022)3.
4) (4) تهذيب المقال في تنقيح كتاب النجاشي للسيد محمد علي الأبطحي: ج 2، ص373، في الحسين بن إبراهيم بن أحمد المؤدب.
90...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
الأمر الثاني: هل كثرة الرواية والترضي والترحم على الراوي دليل على وثاقته؟
قد مر علينا - فيما سبق - ان الشيخ الصدوق عليه الرحمة والرضوان كان كثير الرواية عن الحسين بن أحمد المكتب، وكان أيضا كثير الترضي والترحم عليه في أغلب المرات التي يذكره فيها، فهل في كل ذلك دليل على وثاقته وجلالة قدره؟.
وهذا ما سيجيبنا عليه غير واحد من علماء الرجال المتبحرين؛ أمثال السيد میرداماد محمد باقر الحسيني الأسترآبادي في كتابه الرواشح السماوية،(1)والسيد بحر العلوم في كتابه الفوائد الرجالية(2)، و محمد بن محمد إبراهيم الكلباسي في الرسائل الرجالية(3)حيث قالوا بأجمعهم ما نصه: (إن لمشايخنا الكبراء مشيخة يوقرون ذكرهم، ويكثرون من الرواية عنهم، والاعتناء بشأنهم، ويلزمون إرداف تسميتهم ب(الرضيلة عنهم)(4)، أو (الرحملة لهم)(5)البتة، فأولئك أيضاً ثبت فخماء واثبات أجلاء، ذكروا في كتاب الرجال أو لم يذكروا والحديث من جهتهم صحیح معتمد عليه، نص عليهم بالتزكية والتوثيق أو لم ينص: وهم كأبي الحسين علي بن أحمد بن أبي جيد، وأبي عبدالله الحسين بن عبيدالله الغضائري،
1) (1) الرواشح السماوية: ص 170، الراشحة الثالثة والثلاثون في ان رواية الثقة تعديل لمن روى عنه أم لا.
2) (2) الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم: ج 4، ص 70 (فائدة 3) بحث في العدالة وكيفية معرفتها ومدى الحاجة إليها.
3) (3) الرسائل الرجالية: ج 2، ص 422.
4) (4) أي يقول رضي الله عنهم.
5) (5) أي يقول رحمهم الله.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَة...91
وأبي عبدالله أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر، أشياخ شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي... وكأشياخ الصدوق ابن الصدوق عروة الإسلام أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه رضوان الله تعالى عليهما: الحسين بن أحمد بن إدريس أبي عبد الله الأشعري القمي أحد أشياخ التلعكبري أيضا، ذكره الشيخ في كتاب الرجال. ومحمد بن علي بابويه القمي ذكره الشيخ في كتاب الرجال وأبي العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، وأحمد بن علي بن زياد، ومحمد بن موسى بن المتوكل، وأحمد بن محمد بن يحيى العطار أحد شيوخ التلعكبري ذكره الشيخ في كتاب الرجال وجعفر بن محمد بن مسرور، وعلي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق، والمظفر بن جعفر بن المظفر العمري العلوي أحد أشياخ التلعكبري أيضا ذكره الشيخ في كتاب الرجال. ومحمد بن محمد بن عصام الكليني، وعلي بن أحمد بن موسى. فهؤلاء كلما سمی الصدوق واحدا منهم في مسندة الفقيه، وفي أسانيده المعنعنة في كتاب عيون أخبار الرضا، وفي كتاب عرض المجالس، وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة ، قال : "رضي الله تعالى عنه". وكلما ذكر اثنين منهم أو قرن أحدا منهم بمحمد بن الحسن بن الوليد أو بأبيه الصدوق، قال: "رضي الله تعالى عنهما". وكلما سمى ثلاثة منهم، أو قرن أحدا منهم بهما، أو اثنين منهم بواحد منهما، قال: "رضي الله تعالى عنهم". وكذلك أشياخه: عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هاشم المؤدب...).
فثبت مما تقدم أن الحسين بن إبراهيم المؤدب ثقة فخم ثبت جليل وحديثه صحیح معتمد، والقائل بخلاف ذلك من أنصاف المتعلمين جاهل، لا يعتد بكلامه، ولا يوثق بنقله.
92...السفارة في الغبية الكبرى بين التأييد والمعارضة
وزعم بعض من لا حظاً له من العلم ان رواية الشيخ السمري قُدس الله روحَه مردودة، لكونها من روايات الآحاد غير المتواترة، وروايات الآحاد بزعمه لا توجب علما ولا عملا فلا يحتج بها بناء على ذلك.
ويرد على هذا الجاهل بأمور منها : كون أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا وهماً ظاهراً، لان خبر الواحد الذي لا يوجب علما ولا يلزم العمل به هو الخبر الضعيف، أو المرسل، أو المعارض بخبر أقوى منه دلالة أو سنداً، وما بقي من أفراد خبر الآحاد الخالية من تلك الأمور العارضة، فمحكوم عليه بالصحة لدى الأعلام من علماء الطائفة، وعليه المعول في مقام العلم والعمل، وهذا مما اشتهر بين علماء الطائفة الإمامية، وإلزاماً للمعاندين سنستعرض هنا بعض أقوال العلماء الأعلام في حجية خبر الواحد والشروط التي بموجبها يكون الخبر حجة وموجبا للعلم والعمل.
القول الأول: قال الشيخ المفيد في التذكرة (بأصول الفقه) ما يأتي: (حكم بحجية الخبر الواحد بشرط الاقتران بقرينة تؤيد صدقه، أو بدليل عقلي، أو بشاهد من عرف، أو بالإجماع غير المخالف)(1).
القول الثاني: وقال الشيخ الطوسي في (الاستبصار): (اعلم إن الأخبار على ضربين: متواتر وغير متواتر، فالمتواتر منها ما أوجب العلم فما هذا سبيله يجب العمل به من غير توقع شيء ينضاف إليه ولا أمر يقوى به ولا يرجح به على غيره، وما يجري هذا المجرى(2)لا يقع فيه التعارض ولا التضاد في أخبار النبي صلّی الله علیه وآله وسلّم
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...93
والأئمة علیهم السَّلام. وما ليس بمتواتر(1)على ضربين، فضرب منه يوجب العلم أيضاً(2)، وهو كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم، وما يجري هذا المجرى يجب أيضاً العمل به، وهو لاحق بالقسم الأول(3).
والقرائن أشياء كثيرة منها: أن تكون مطابقة لأدلة العقل ومقتضاه. ومنها(4)أن تكون مطابقة لظاهر القرآن، إما لظاهره أو عمومه أو دليل خطابه أو فحواه، فكل هذه القرائن توجب العلم وتخرج الخبر عن حيز الآحاد وتدخله في باب المعلوم.
ومنها(5)أن تكون مطابقة للسنة المقطوع بها إما صريحاً أو دليلاً أو فحوى أو عموماً.
ومنها أن تكون مطابقة لما أجمع المسلمون عليه. ومنها أن تكون مطابقة لما اجتمعت عليه الفرقة المحقة فإن جميع هذه القرائن تخرج الخبر من حيز الآحاد وتدخله في باب المعلوم وتوجب العمل به ...)(6).
واستنادا إلى ما قد بينه كل من الشيخ المفيد والشيخ الطوسي عليهما الرحمة والرضوان، فلو تفحصنا رواية التوقيع المقدس، الذي صدر عن الإمام
94...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، وطبقنا عليه ما سبق، لوجدنا أن هذا التوقيع الشريف، هو من الأقسام التي توجب العلم والعمل، لأنه مقرون ومحفوف بالقرائن الحالية والمقالية التي تخرج الخبر عن حيز الآحاد وتدخله في باب المعلوم المعمول به، ولا بأس ببيان بعض تلك القرائن في الآتي :
تعيين المدة التي سيتوفى فيها السفير الرابع، وهي ستة أيام من حين وصول الكتاب إليه، وصدق هذه المدة وموته قُدس الله روحَه خلالها قرينة دالة على صدق صدوره من الناحية المقدسة كون المخبر بهذه المدة والأجل له ارتباط بعالم الغيب، وهذه المنزلة لم تكن متاحة لغير صاحب العصر والزمان أرواحنا فداه.
رواية الشيخ السمري وتوقيعه هي الوحيدة المذكور فيها الإعلان بانتهاء الغيبة الصغرى، وبداية الغيبة الكبرى التامة، التي لا ظهور فيها إلا بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض ظلما وجوراً، وهذا أيضاً مما يمكن أن تعده قرينة صادقة على صحة صدوره عن المعصوم، فحتى الذين يشككون في صحة صدور هذا التوقيع من الناحية المقدسة، لو سألناهم متى انتهت الغيبة الصغرى وابتدأت الغيبة الكبرى؟ لأجابوا بأن الغيبة الصغرى قد انتهت بوفاة الشيخ السمري قُدس الله روحَه، فلو كذبوا صدور هذا التوقيع ومحتواه، لتعين عليهم القول بأن الغيبة الصغرى ما زالت مستمرة لم تنته، وإذا قالوا بعدم انتهائها لزمهم أن يبينوا من هو السفير بعد السمري قُدس الله روحَه، ثم الذي هو بعده وبعده إلى يوم
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...95
الناس هذا، فإن لم يستطيعوا ولن يستطيعوا فعليهم حينئذ أن يقروا بصحة صدور توقيع السمري قُدس الله روحَه وابتداء الغيبة الكبرى، وإذا لزمهم التصديق به يلزمهم التصديق بكل محتواه ومن ضمن محتواه تكذيب المشاهدة مع ادعاء السفارة قبل الصيحة والسفياني، والذي ينسف بدوره كل ما بناه أدعياء السفارة الخاصة في الغيبة الكبرى من أجل إضلال الناس.
ومن القرائن الأخرى التي تؤيد صحة صدور التوقيع المقدس عن الإمام الثاني عشر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه هي أن هذا الخبر كان ولازال محل قبول ورضا من قبل الفقهاء والأعلام حديثاً وقديماً وعليه المعول في مقام العمل منذ رحيل الشيخ السمري إلى يوم الناس هذا، ولا وجود لمعترض عليه، أو على مضمونه إلا من شذ ممن لا يعتد برأيه في مقابل الإجماع، وبهذا الصدد يقول الميرزا محمد تقي الأصفهاني: (اعلم أنه اتفقت الإمامية على انقطاع الوكالة، واختتام النيابة الخاصة، بوفاة الشيخ الجليل علي بن محمد السمري رضي الله عنه وهو الرابع من النواب الأربعة، الذين كانوا مرجعا للشيعة في زمان الغيبة الصغرى، وأنه ليس بعد وفاة السمري إلى زمان ظهور الحجة عَجل اللهُ تَعالى فَرجَةُ الشَريف نائب مخصوص عنه في شيعته، وأن المرجع في زمان غيبته الكبرى هم العلماء العاملون، الحافظون لحدود الله، وأن من ادعى النيابة الخاصة فهو كاذب مردود، بل يعد ذلك من ضروريات مذهب الإمامية التي يعرفون بها، ولم يخالف في ذلك أحد من علمائنا، وكفى بهذا حجة وبرهانا)(1).
1) (1) مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني: ج2، ص333.
96...السفارة في الغيبة الكبرى بين التاييد والمعارضة
فلو كان هذا التوقيع مجعولاً ومكذوباً ما اشتهر أمره ولا شاع ذكره، ولورد عن الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه أمرٌ ينهانا عن التصديق به، لاستحالة أن يرى الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه القواعد الشعبية الموالية له مجمعة على أمر خطير كالذي نحن بصدد نفيه، ويسكت عنهم، ولا يصدر منه أمر يعيد إليهم رشدهم، ويصحح مسارهم، وينقض إجماعهم.
ولو كان هذا التوقيع مكذوبا لنوّه إليه العلماء الأعلام في كتبهم و ولحذروا الناس والعامة من العمل والتصديق به والركون إليه، ولما لم يصدر كل هذا لا من المعصوم صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، ولا من العلماء والفقهاء المأمونين على حفظ الدين والشريعة رضوانُ اللهُ تَعالى عَليه، اكتشفنا أن هذا التوقيع صادر على نحو الجزم والقطع من الناحية المقدسة للإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، ومعتمد عليه من قبل علماء الطائفة الحقة.
وهي موافقة توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه لأدلة السنة المقطوع بها والتي أقرها الأئمة صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجمعين لشيعتهم من اجل التمييز بين الأخبار في حال حصول تناقض أو تنافي أو تشابه فيما بينها.
فالطرف الذي يحاول عبثا إثبات عدم انتهاء السفارة والنيابة الخاصة يتمسك بروايات متشابهة لا تحظى بالشهرة أو الإجماع، ويمكن ان تحمل على عدة وجوه، فلو عرضنا هذه الروايات من جهة، والتوقيع المقدس النافي للسفارة والنيابة من جهة أخرى على تلك الروايات لرأينا أنّ التوقيع المقدس يحظى بالموافقة معها دون
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحه...97
تلكم الروايات التي يتمسك بها من يحاول إثبات استمرار السفارة بعد موت الشيخ السمري قُدس الله روحَه.
فالتوقيع الشريف موافق مع مرفوعة زرارة التي سأل فيها الإمام الباقر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه بما نصه:
«جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال صَلواتُ الله وَ سَلامُه عَليه: يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر...»(1).
وقد بينا سابقاً أن الإجماع جار على العمل بتوقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه من حين صدوره إلى اليوم، ولا عبرة بمن شذ من أدعياء البابية والسفارة والنيابة الخاصة عن الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه في غيبته الكبرى، لأننا مأمورون بتكذيبهم وتكذيب ادعاءاتهم.
والتوقيع الشريف أيضاً موافق لما في مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال:
«سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال عليه السلام من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا، وإن كان حقا ثابتا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى:
1) (1) بحار الأنوار: ج 2، ص 245. فقه الرضا لابن بابوية: ص 52. مستدرك الوسائل: ج 17، ص203.
98...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
(يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ)(1).
قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران - إلى - من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله، وعلينا ردَّ والرادُّ علينا
كالراد على الله، وهو على حد الشرك بالله. قلت: فإن كان كل رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعد لهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر قال: قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه»(2).
والشاهد في هذه الرواية قوله صَلواتُ اللهُ و سَلامُه عَليه:
«ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه.
والمستظهر من هاتين الروايتين كما يقول الشيخ الأنصاري: (هو ثبوت الريب في الخبر غير المشهور وانتفاؤه في المشهور)(1)فيكون المشهور من الأمر هو الأمر البين الراشد، وغيره غير بين ولا راشد، وعليه فيجب العمل بالخبر المشهور والمجمع عليه لأنه موصوف بكونه مما لا ريب فيه أي مما لا شك في صدقه وصحة صدوره عن المعصوم علیه السَّلام، فيخرج بذلك عن وصف الآحاد، ويكون موجباً للعلم والعمل، ورواية التوقيع المقدس مما ينطبق عليها ذلك.
وهنالك قرائن أخرى تركناها طلباً للاختصار.
وهي أن الذين شحذوا نصول أقلامهم للنيل من قداسة التوقيع المقدس ، ورميه بكل فرية تخطر في أذهانهم في سبيل تقويض أركان هذا السد، الذي عجز عن خرقه جنود الضلالة، وأشباه يأجوج ومأجوج ، فهؤلاء قد تناسوا أن ما افتروه من إفك، وما رموا به من سهم غدر، يمكن أن يرتد إلى نحورهم، وبه تكون نهاية الضالة، فما افتروه سابقا من أن توقيع الشيخ السمري رحمةالله هو من روايات الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، مردود عليهم إفكه. لان كل الروايات التي يستشهد بها دعاة النيابة الخاصة والسفارة في الغيبة الكبرى، وكل الأدلة التي يقيمونها لإثبات استمرار السفارة والنيابة الخاصة هي أخبار آحاد لا تواتر فيها ولا إجماع. فإن أسقطوا هذا التوقيع المقدس لأنه خبر آحاد، فلابد عليهم قبل ذلك أن يسقطوا كل ما يروونه في كتبهم ومحاججاتهم، لعدم وجود ما هو متواتر ولا مجمع عليه في أدلتهم التي أودعوها كتبهم الضالة.
1) (1) فرائد الأصول للشيخ الأنصاري ج 1 ص 612 ما يظهر من بعض الأخبار.
100...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
وأما إذا قبلوا تلك الأخبار غير المتواترة ولا المجمع عليها، فلابد أيضاً من قبول رواية التوقيع المقدس، وبهذا يكون التوقيع المقدس الصادر عن الشيخ السمري قُدس الله روحَه لازماً لهم وحجة عليهم على كل حال.
ادعى المنكرون لتوقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه ان توقيعه الذي ينفي فيه إمكانية المشاهدة للإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه في عصر غيبته الكبرى معارض بغيره من الروايات التي تثبت بمجموعها إمكان المشاهدة لشخص الإمام سواء في غيبته الصغرى أو الكبرى التامة، وسنختار فيما يلي مجموعة من الروايات التي تمسك بها الخصم لإثبات تلك المعارضة :
ما جاء عن الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ قال:
«للقائم غيبتان إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه»(1).
والشاهد هو: في قول الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه: (والأخرى لا يعلم بمكانه إلا خاصة مواليه) وفيه حسبما يدعي الخصم دلالة واضحة على ان هنالك أشخاصا موصوفين بأنهم من موالي الإمام وموسومين بسمة الإخلاص له صلوات الله وسلامه عليه، وبإمكان هؤلاء المخلصين مشاهدته صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، بل وبإمكانهم الإطلاع على مكانه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، والإطلاع أكثر خطورة من مجرد المشاهدة كما لا يخفى.
1) (1) أصول الكافي: ج 1، ص 340، باب في الغيبة الحديث رقم 19.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَة...101
والحق إن هذه الرواية غير متعارضة لتوقيع السمري قُدس الله روحَه، بل ان كلا الروايتين معاضدة إحداهما الأخرى ويمكن ذكر عدة وجوه لإثبات ذلك:
ان كلتا الروايتين تذكران أن هنالك غيبتين للإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، ففي توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه قد ذكر ما يلي: (ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامة فلا
ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل وذلك بعد طول الأمد ...).
ففيه تصريح واضح ان هنالك غيبتين، أحداهما تمتاز بكونها قصيرة غير تامة، والأخرى طويلة، سيمتد أمدها وهو نفس ما ذكرته الرواية التي عن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه ، والتي جاء فيها : (للقائم غيبتان إحداهما قصيرة والأخرى طويلة ...) فهذا كما لا يخفى وجه اتحاد بين الروايتين لا وجه اختلاف وتعارض كما تخيله المعترض.
وفي كلتا الروايتين مذكور أن في أحدى الغيبتين وهي الصغرى، يوجد من يتصل بالإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، ويبلغ عنه أوامره وإرشاداته وأحكام الشريعة التي يحتاج إليها المجتمع في تلك الفترة، وهم السفراء الأربعة، أو غيرهم من الوكلاء المرضيين في الغيبة الصغرى، أو خاصة شيعته، كما في الرواية التي عن الإمام الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، وهذا وجه اتحاد آخر بين الروايتين كما لا يخفى.
102...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأبيد والمعارضة
ولكن قد يُتوهم أن هنالك تعارضاً فيما بين قول الإمام المهدي أرواحنا فداه في رواية السمري قُدس الله روحَه:
«وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
وبين ما جاء عن الإمام الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه:
«والأخرى لا يعلم بمكانه إلا خاصة مواليه».
والصحيح انه ليس بين هاتين الفقرتين تعارض أصلا، فقد تبين سابقا أن ليس مطلق المشاهدة واللقاء بالإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه مرفوضا وممنوعا، و أنّ القرائن دالة على أنّ المشاهدة المرفوضة واللقاء غير المقبول هو المستلزم لدعوى السفارة والوصاية.
وليس في الرواية الثانية الواردة عن الإمام الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه ما يشعر أو ينص على أنّ خواص مواليه الذين يعلمون بمكانه أثناء غيبته الكبرى هم ممن يدعون السفارة والإرسال الخاص، فإذا لم يكونوا يدعون السفارة والنيابة
الخاصة، ولم يكونوا ممن يعلن ارتباطه بالإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه أمام الناس، فلا محذور حينئذ بين علمهم بمكان الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه وبين الغيبة التامة، ما دام العلم بشخصه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه مكتوما خفيا، وعليه لا تعارض يبقى بين هاتين الروايتين بل العكس هو الصحيح فكل واحدة منهما تعضد الأخرى وتؤيد صحة مضمونها.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...
يمكن لنا وبمجموعة من القرائن المستفادة من الروايات الشريفة، إن نكتشف بعض الشخصيات التي لها أهلية العلم بمكان الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه في غيبته الكبرى، مثل الخضر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه الذي ورد ذكر إمكان التقائه بالإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه في الرواية المنقولة عن الإمام الرضا صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه حيث قال:
«إن الخضر شرب من ماء الحياة فهو حي لا يموت حتى ينفخ في الصور، وإنه ليأتينا فيسلم علينا، فنسمع صوته ولا نرى شخصه، وإنه ليحضر حيث ذكر، فمن ذكره منكم فليسلم عليه وإنه ليحضر المواسم فيقضي جميع المناسك، ويقف بعرفة فيؤمن على دعاء المؤمني،ن وسيؤنس الله به وحشة قائمنا صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه في غيبته، ويصل به وحدته»(1).
ومثل مؤمني الجن ممن تكاملت درجتهم و علت مرتبتهم، وكذلك الملائكة؛ فعن المفضل بن عمر عن الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه:
«قال المفضل: قلت: يا سيدي فمن يخاطبه - أي المهدي-ولمن يخاطب؟ قال الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه: تخاطبه الملائكة والمؤمنون من الجن...»(2).
فيكون معنى أنه لا يراه في غيبته الكبرى إلا خاصة مواليه، محمولا على ان الموالي الذين لهم الأهلية بالاطلاع على مكانه والالتقاء به، هم من يكون بمنزلة الخضر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، والملائكة ومؤمني الجن، ممن لا يمكن ان يهتك ستر
104...السفارة في الغبية الكبرى بين التأييد والمعارضة
الغيبة ويفشي سر آل محمد صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُم اجمعين بحال من الأحوال، لا كل من هب ودب ممن لا يُعرف سجل تاريخهم ولا ميزان تقواهم، بل قد علم واشتهر كذبهم وتضليلهم، فكيف يصير مثل هؤلاء للإمام المهدي مؤنسين ولمكانه عارفين.
وأخيرا وإذا لم يقتنع الخصم بما ذكر آنفا من التوفيق بين الروايتين الشريفتين، وأصر على وجود التعارض بين الروايتين، فسنرجع حينئذ إلى المرجحات، وقد اتضح لنا فيما سبق ان واحدة من أهم المرجحات هي الشهرة والإجماع، والشهرة والإجماع كما قد بينا سابقا هي في صف رواية الشيخ السمري قُدس الله روحَه، فتقدم على غيرها، ويعمل بمضمونها، لان المجمع عليه لا ريب فيه، كما في مقبولة عمر بن حنظلة(1)التي تقدم ذكرها، وتترك الأخرى؛ لأنها من الشاذ النادر عملا بمرفوعة زرارة بن أعين عن الباقر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه(2).
ومن تلك الروايات التي توحي بالتعارض مع توقيع الشيخ السمري عليه الرحمة والرضوان ما روي عن أبي بصير عن الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه قال:
«لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولابد له في غيبته من عزلة ونعم المنزل طيبة وما بثلاثين من وحشة»(3).
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...105
ووجه التعارض في هذه الرواية: هو أنها تثبت وجود ثلاثين شخصا يتصلون بالإمام المهدي علیه السَّلام، يؤنسون وحشته، ويخففون عنه الغربة في غيبته، ووجود مثل هذا العدد الكبير نسبيا من المتصلين بالإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، يتعارض وما جاء على لسان الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه الوارد في توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه:
«وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
والجواب عن هذا التعارض يقع من عدة أوجه:
إن هذه الرواية من قسم المجمل الذي يحتاج إلى مبين ومفسر، فهي لم تحدد في أي قسم من أقسام الغيبة تكون هذه العزلة، والتي سيستقر فيها الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه في طيبة، والذي سيؤنس وحشته ثلاثون من المقربين، أفي الغيبة الصغرى ستكون هذه العزلة أم الكبرى؟ وان كانت القرائن الموجودة في الرواية تشعر بأنّ هذه العزلة قد تحققت أثناء الغيبة الصغرى، بقرينة قوله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه: (ونعم المنزل طيبة) وهذا التعيين لمكان الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه لا يتناسب مع السرية والحيطة والحذر التي تتميز بها مرحلة الغيبة التامة الكبرى، لان مع تعيين المكان لا تبقى تمامية للغيبة، إذ ان مع الكشف عن المكان و عن عدد الأشخاص الذين يمكنهم الوصول إليه لا تبقى أية سرية وهذا ما لا يتناسب كليا مع جوهر الغيبة الكبرى وروحها.
106...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
وما ذكر من تعيين موقع ومكان تواجده صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه وعدد من يمكنهم الاتصال به صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه إنما يتناسب مع مرحلة الغيبة الصغرى يوم كان للإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه طريق يمكن من خلاله أن يصل الناس إليه، فيصبح معنى الرواية هو:
«لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة صغرى غير تامة يعتزل فيها الناس ونعم المنزل الذي يصلح ان يكون مأوى لعزلته هي طيبة و ما بثلاثين شخصا يتصلون به من وحشة».
وقد تكون الوحشة التي ذكرت في الرواية غير متعلقة بشخص الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ لان الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ أجل قدرا وأعظم صبرا من أن يصاب بالوحشة نتيجة عدم تواجده بين ظهراني هذا المجتمع الذي طالما وصفه الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ خلال مكاتباته وتوقيعاته التي كانت تخرج للناس بالانحراف والبعد عن المنهج الإسلامي القويم ومجتمع على هذه الشاكلة يكون بعيدا أن يحن له قلب الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ ويستوحش لتركه، حتى يحتاج إلى ثلاثين شخصا يؤنسه، وكيف يستوحش من يكون الله سبحانه أنيسه والقرآن جليسه والخضر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ صاحبه وصالحو الجن والملائكة من حوله وفي خدمته؟ هیهات.
وعلى هذا التفسير للرواية تكون الوحشة التي ورد ذكرها متعلقة بالمجتمع المؤمن بفكرة الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ فهو الموصوف والمقصود بتلك الرواية، لان المجتمع قبل وقوع الغيبة الصغرى كان قد اعتاد على وجود الإمام المعصوم بين ظهرانيه، وحصول الغيبة بعد استشهاد الإمام الحسن العسكري
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...107
صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه حتى لو كانت جزئية، فهي تمثل حالة جديدة لم يألفها المجتمع الموالي، فمن الطبيعي والحال هذه أن يصاب أبناء هذا المجتمع بوحشة نتيجة غياب إمامهم وموجّههم الذي اعتادوا على الالتقاء به والوصول إليه متى شاؤوا وأرادوا، والإمام في هذه الرواية يريد أن ينفي ويبدد هذه الوحشة التي يمكن أن تصيب الموالين عن طريق ذكر هؤلاء الذين عددهم ثلاثون شخصا، والذين يمكنهم الاتصال بالإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، والذين من ضمنهم السفراء الأربعة وبعض الوكلاء الذين كانت تصلهم التوقيعات من ناحيته المقدسة، فوجود ثلاثين وساطة اتصال بين الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه ورعيته لا تبقى معها وحشة تذكر.
وإذا لم يثبت بعد كل ما أوضحنا أن المراد بالغيبة المذكورة في الرواية هو خصوص الغيبة الصغرى دون الكبرى، فيبقى حينئذ المعنى مجملا غير مفسر، وإذا كان معنى الرواية مجملا فلا يمكن ان يؤخذ بها، ولا تصح ان تكون معارضة
لتوقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه، لان التوقيع من قسم المبين ولا تعارض بين المجمل والمبين كما هو ثابت في محله، كما انه لا يصح بحال من الأحوال رفع اليد عن رواية عمل بها عظماء المذهب وسار عليها السلف والخلف بهذه الرواية المجملة التي تحمل وجوها كثيرة ومعاني عديدة.
فضلاً عن ان مجرد ورود الاحتمال بأن من الممكن ان لا تكون الغيبة الكبرى هي المقصودة - كما بيناه - كاف في إسقاط استدلالهم بالرواية عملا بقاعدة (إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال).
108...السفارة في الغيبة الكبرى بين التاييد والمعارضة
إننا نمنع تحقق التعارض بين التوقيع المقدس، وقوله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه: (وما بثلاثين من وحشة) حتى لو قلنا: إن الرواية التي عن أبي بصير ناظرة إلى الغيبة الكبرى، وذلك بحمل قوله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه: (وما بثلاثين من وحشة) على ما فسرناه سابقاً من أن هؤلاء الثلاثين يمكن أن يكونوا هم نفس الخضر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه والملائكة ومؤمني الجن ويكون مجموعهم ثلاثين يدفع بهم الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه وحشته في غيبته. ولعل هؤلاء الثلاثين المؤنسين لوحشة القائم صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، لو قلنا بأنه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه يمكن ان تدخل لقلبه الوحشة، هم نفس المعبر عنهم بالأبدال، الذين يلازمون الإمام في غيبته، وهم مشاركون له بالغيبة وعدم الكشف عن أشخاصهم وأماكنهم، وهذا موافق لرواية السمري لأنه لا وجود للخطر على سرية الغيبة من قبلهم، وكذلك لا وجود لدعوى السفارة منهم، وعليه فلا يكون هؤلاء الأبدال مشمولين بقول الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ:
«وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
ولو فرضنا بقاء التعارض بين هذه الرواية وبين التوقيع الشريف، بحيث استحكم، فإن الروايتين المتعارضتين ترجح أحداهما على الأخرى بإحدى طرق الترجيح، وكما ذكرنا فإن الشهرة مع رواية الشيخ السمري، فتقدم للعلة التي بيناها من قبل، وكذلك تكون رواية أبي بصير عن الإمام الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ مشمولة بقاعدة (إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال).
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...109
ومن تلك الروايات التي توحي بالتعارض مع رواية السمري رحمةالله وتوقيعه ما روي عن الإمام محمد بن علي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه:
«يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب وأوماً بيده إلى ناحية ذي طوى حتى إذا كان قبل خروجه أتى المولى الذي كان معه حتى يلتقي بعض أصحابه فيقول كم أنتم ههنا؟ فيقولون أربعين رجلا فيقول كيف أنتم لو رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: والله لو ناوي(1)بنا الجبال لناويناها معه»(2).
وقد حاول البعض استغلال هذه الرواية الشريفة، لتحقيق بعض المآرب الشيطانية، واستغلالها لتمرير بعض الأفكار المسمومة، ودسها بصورة خبيثة، ليصل من خلالها إلى فكرة معينة يسوق إليها القارئ سوقا من حيث لا يشعر فنراه يقول: (فإن هذه الرواية صريحة بأن الإمام المهدي يبعث المولى الذي كان معه رسولاً عنه إلى بعض أصحابه من المؤمنين، وذلك قبل القيام وقبل قتل النفس الزكية بل الرواية لم تحدد الزمان، فلعلها قبل قيام الإمام بكثير، فالإشارة إلى أن ذلك يحدث قبل القيام فقط دون تحديد ...)(3).
1) (1) هكذا في غيبة الشيخ النعماني وفي مصادر أخرى (فيقولون: والله لو يأوى الجبال لنأويها) راجع إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب للشيخ علي اليزدي: ص298. وفي شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي: ج 29، ص 605، هكذا (فيقولون والله لو ناوي بنا الجبال لناوينا معه بها).
2) (2) كتاب الغيبة للنعماني: ص 182.
3) (3) الرد القاصم على منكري رؤية القائم، ناظم العقيلي أحد أتباع الضال احمد بن الحسن.
110...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
أقول: وكل ما جاء ضمن كلمات صاحب هذه المقولة كذب وتدليس وقلة اطلاع على الروايات الشريفة، فقوله: (و ذلك قبل القيام وقبل قتل النفس الزكية بل الرواية لم تحدد الزمان فلعلها قبل قيام الإمام بكثير) وهذا الادعاء مما تكذبه الروايات الشريفة، فقد ورد تحديد دقيق في الروايات لتلك الحادثة التي نقلتها الرواية التي في غيبة النعماني، فقد جاء عن الإمام أبي جعفر صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه أنه قال:
«يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب ثم أوماً بيده إلى ناحية ذي طوى حتى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الذي يكون بين يديه حتى يلقى بعض أصحابه فيقول كم أنتم ههنا؟ فيقولون نحو من أربعين رجلاً، فيقول كيف أنتم لو قد رأيتم صاحبكم...»(1).
ثم ساق الرواية نفسها.
وفي هذه الرواية تصريح واضح أن ذلك كائن قبل خروجه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ بليلتين، وهو بعد قتل النفس الزكية قطعاً لأن ذا النفس الزكية يقتل قبل خروجه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه بخمس عشرة ليلة بشهادة ما روي عن أبي عبدالله صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه قال:
«ليس بين قيام القائم وبين قتل النفس الزكية إلا خمس عشرة ليلة»(2).
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...111
وهذه الرواية على ما قد بيناه لا تعارض بينها وما جاء في توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه لأن التوقيع ينفي الرؤية والمشاهدة مع المعرفة، والإرسال الخاص قبل الصيحة والسفياني، وهذه الرواية تتحدث عن المشاهدة بعد الصيحة والسفياني فلا تعارض بينهما فتأمّل.
ومن تلك الروايات التي يظن بأنها معارضة لتوقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه ما روي عن احمد بن علي الحميري عن الحسن بن أيوب عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي عن رجل عن أبي عبدالله الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه انه قال:
«لا يقوم القائم حتى يقوم اثنا عشر رجلا كلهم يجمع على قول إنهم قد رأوه فيكذبونهم»(1).
وفيها دليل على وجود من يراه قبل قيامه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهُ.
وهذه الرواية أيضا لا تصلح لان تكون معارضة لرواية الشيخ السمري قُدس الله روحَه وتوقيعه من أوجه عدة منها:
ان هذه الرواية ضعيفة السند؛ لان من روى الرواية عن الإمام الصادق صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه مجهول الحال والهوية فالسند المتقدم هكذا (...عن رجل عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام انه قال: لا يقوم القائم حتى يقوم اثنا عشر رجلا ...) وكلمة رجل تعبر عن جهالة الراوي وبالجهالة يثبت الإرسال وبالإرسال يثبت عدم
1) (1) کتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني: ص 258، الباب الرابع عشر حديث 58.
112...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأبيد والمعارضة
الوثوق، فلا يمكن لرواية ضعيفة غير موثوق بها ان تعارض رواية الشيخ السمري قُدس الله روحَه التي عرفت فيما سبق قوة إسنادها.
لو غضضنا الطرف عن ضعف الإسناد في هذه الرواية، وناقشنا المتن بصورة مستقلة، فسنجدها مجملة مبهمة، لعدم وجود إشارة تدل بصراحة على أن زمن وجود هؤلاء الذين سيجمعون على القول برويته صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه هو قبل السفياني والصيحة، إذ لعل زمن رؤيتهم- وهو الصحيح- للإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه هو بعد الصيحة والسفياني وهو ما لا تنافي بينه وبين التوقيع المقدس، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال كما هو معلوم في محله.
الوجه الثالث: ليس في رؤيتهم دليل على سفارتهم
ان الرواية صريحة في ان هؤلاء الإثني عشر شخصا سيجمعون على الرؤية المجردة عن أي وصف زائد، ومجرد الرؤية من دون ادعاء النيابة الخاصة والسفارة غير منفي بتوقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه، كما أوضحناه من قبل.
حتى لو سلمنا جدلا بان مجرد رؤيتهم دليل على سفارتهم ونيابتهم عن الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، فان التعارض ما بين هذا المعنى وتوقيع الشيخ السمري غير حاصل البتة لوجود احتمال أن هذه السفارة والنيابة - لو أقررنا بها - ستقع بعد السفياني والصيحة، وهذا الاحتمال لوحده كاف لإبطال استدلال الخصم، ف(وجود الاحتمال كاف لإبطال الاستدلال).
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...113
نقلت لنا بعض القصص التي حكت لقاء كثير من الناس لشخص الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه والتي رواها كثير من ثقات الشيعة، حتى ان بعض تلك المشاهدات قد صرحت ان الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه كان يحمل بعض هؤلاء الصالحين النصائح والإرشادات التي يرغب الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه بإيصالها للناس بقصد توجيههم وتربيتهم أو حل مشكلة معينة تواجههم، وهذا معارض لتوقيع الشيخ السمري الذي منع من مشاهدة الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه قبل الصيحة والسفياني.
ويرد على هذا الإشكال: ان هذه اللقاءات العابرة والوقتية وغير المبرمجة التي تقع لبعض المؤمنين بصورة عشوائية غير رتيبة، والتي تقع ضمن نظام معقد من الأسباب والمسببات الزمانية والمكانية، والتي تكون مأخوذة بنظر الاعتبار وبدقة من قبل الإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه والتي لا يشعر بها ذلك الذي يلتقي بشخص الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، غير مقصودة في توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه لعدة أسباب منها:
ذكرنا مرارا ان أي لقاء لا يتعارض مع مفهوم الغيبة ولا يكون فيه كشف للتفاصيل التي يمكن من خلالها الوصول إلى الإمام الحجة صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، وليس فيه ادعاء للسفارة والنيابة لا مانع عقلياً ولا شرعياً منه، وهذا الأمر حاصل تلك المشاهدات لأولئك الثقات، لأنها وكما قلنا لقاءات عابرة تستمر لمدة زمنية قصيرة لا يمكن معها البوح بالسر، وكشف ستر الغيبة، وهي أيضا لا تحصل للفرد الواحد إلا مرة واحدة وبشكل لا يتم من خلاله الالتفات عادة إلى شخصية الإمام
114...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه أثناء اللقاء، فالأمن من الإذاعة وكشف السر وهتك الغيبة التامة مأمون وهو كاف لتحققها، ومصحح لوقوعها من غير معارضة فيما بينها وبين التوقيع الشريف.
تلك المشاهدات المروية من قبل كثير من ثقات الشيعة وعلمائهم، ذكرت من دون أن يدعي أحدهم النيابة الخاصة والسفارة، ولا شيع بين الناس ان الإمام كلفه بأن يكون الوساطة بينه صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه وبين الشيعة بشكل دائم ومستمر، وما ذكر من تبليغ هؤلاء الملتقين بالإمام لبعض النصائح والإرشادات للناس لا ينافي مضمون توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه، لأن المنهي والمستبعد هو الإيصال أو دعوى الإيصال للتوجيهات والأحكام على نحو الدوام والاستمرار، بحيث يُعرف عند الناس بأن هذا الشخص هو باب للإمام أو وصي للإمام أو سفير له، يبلغ الناس أوامره، ويجمع له الأنصار و الأعوان، إلى غير ذلك من الأمور التي أمرنا بتكذيبها ورمي أصحابها بالافتراء.
ما توهمه بعض المغرضين من أن رواية الشيخ السمري قُدس الله روحَه مشمولة بقانون المحو والإثبات، فيحتمل ان الله سُبحانَهُ وَتَعالى قد بداله فيها، وتغيرت مضامينها، وتحولت من نفي المشاهدة قبل الصيحة والسفياني إلى إمكان وقوعها وجوازها قبل السفياني والصيحة، وعليه فإذا وقعت هذه الرواية ضمن إمكان شمولها بقانون المحو والإثبات فلا يمكن الاعتماد عليها.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...115
ويرد على هذا التخرص بعدة أوجه منها:
ان هذا الكلام ما هو إلا مجرد دعوى فارغة بلا دليل فمن قال بشمول توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه بقانون المحو والإثبات، فهل أن المعترض قد متع بالنظر إلى اللوح المحفوظ ليعرف ما هو مشمول بالمحو وما هو مشمول بالإثبات؟.
(تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنْفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَدًا)(1).
مجرد وجود احتمال شمولها بقانون المحو والإثبات لا يؤدي بنا إلى رفع اليد عن العمل بها وبمضمونها، ما لم يأت نص صريح ثان يخبرنا بنسخ هذا التوقيع، وإيقاف العمل بمضمونه من أهل البيت صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهمُ اجمعين أنفسهم وبما أنه لم يأتنا عنهم أمر ناسخ لهذه الرواية، فيبقى لزوم العمل بها ساري المفعول إلى حين الصيحة والسفياني.
حتى لو قلنا: إن رواية الشيخ السمري قُدس الله روحَه مشمولة بقانون المحو والإثبات؛ فإنها تكون ناسخة وليست منسوخة، وحاكمة وليست محكومة، ومقيدة لغيرها وليس غيرها مقيداً لها، لأن رواية السمري متأخرة رتبة من حيث
الصدور عن تلك الروايات التي يستشهد بها من يريد إثبات استمرار السفارة في زمن الغيبة الكبرى، ومن غير المقبول عقلاً وعرفاً أن يكون المتأخر منسوخاً بالذي
1) (1) سورة مريم، الآية: 89 - 90.
116...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
يسبقه، أو مقيداً بالذي قبله، والعكس هو الصحيح، فالقيود متأخرة رتبة عن المطلق، والمنسوخ لابد أن يكون متقدماً في الوجود على الناسخ، وعليه لا يمكن ان نعدّ رواية الشيخ السمري منسوخة بغيرها، بل هي الناسخة لغيرها، والماحية لما ثبت في باقي النصوص.
وإذا عكسنا شبهتهم عليهم، وقلبنا السحر على الساحر وقلنا: هل الروايات التي تستشهدون بها لإثبات إمكان السفارة والنيابة الخاصة قبل الصيحة والسفياني مشمولة بقانون المحو والإثبات أم لا؟ فإن قلتم: إنها مشمولة بذلك القانون أفحمتم أنفسكم بأنفسكم، ولزمتكم الحجة التي أردتم أن تلزموا الآخرين بها، وإن قلتم: إنها غير مشمولة قلنا: إنه لا دليل قطعياً على عدم شمولها، والأصل هو الشمول ما لم يأت دليل على عدمه، فإذا أصر الخصم على رفع اليد عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه، وعدم العمل بمضمونه لمجرد احتمال شموله بقانون المحو والإثبات، فيجب أيضا رفع اليد وعدم العمل بكل الروايات التي يستشهدون بها لإثبات مدعاهم بل عليهم رفع اليد عن كل الروايات الشريفة الموجودة في كتب الحديث والرواية، لان احتمال شمولها بقانون المحو والإثبات وارد في الجميع.
فإذا فتحنا الباب أمام هذا الاحتمال، فلن يبقى من الدين ما يعتمد عليه أصلاً، لان أكثر أحكامنا الشرعية، ومتبنياتنا العقائدية والفكرية والأخلاقية، مأخوذ من الروايات الشريفة، ورفع اليد عن الرواية، بمجرد احتمال شمولها
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...117
بقانون المحو والإثبات من دون دليل يدل على الشمول، يؤدي إلى الفوضى، والی رفع اليد عن الدين كله، فلا يبقى من الدين عصمة وثيقة يؤخذ بها، فيؤدي ذلك إلى محق الحق وإبطال الشريعة والأحكام، وهذا هو الهدف الرئيس لهؤلاء
الضالين.
وملخص هذا الإشكال كما حاول البعض ان يصوره هو ان توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه، والمضامين التي احتواها، لا يوجد لها معنى واحد محدد اتفق عليه الجميع، فإذا لم يكن له معنى واحد محدد دخل في قسم المتشابه، والمتشابه كما هو معروف لا يمكن الاعتماد عليه في مقام الحجية.
أقول: من الواضح بل من البديهي ان اللغة العربية هي اللغة الأغنى والأثرى من بين لغات العالم كلها من حيث احتواؤها على المترادفات المتعددة للكلمة الواحدة، حتى قيل: إنّ للأسد خمسمائة اسم(1)، وقد ألف فيه أحد علماء النحو كتابا مستقلا سماه كتاب أسماء الأسد(2)، ناهيك عن غير المترادفات من الألفاظ، كالمجازات اللفظية، والمشتركات المعنوية والأضداد وغيرها، كل ذلك يجعل من الكلام العربي حمال وجوه، فقلما بل يندر ان نجد جملة أو لفظاً لا يحمل على أقل تقدير معنيين اثنين أو أكثر، وهذا التعدد لا يشمل الكلام العرفي بين الناس فحسب، بل هو شامل حتى لآيات القرآن الكريم ومفرداته، وكذا الحال
118...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأبيد والمعارضة
بالنسبة للروايات الشريفة الصادرة عن النبي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه وأهل بيته صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم اجمعين، وبسبب ، وبسبب هذا الاشتراك اللفظي في مفردات اللغة العربية وضع علماء اللغة والنحو وغيرهم من الفقهاء والأصوليين قواعد يمكن بواسطتها تمييز مراد المتكلم وقصده، عند استعماله للفظاً مشتركاً أو جملة مشتركة تدل على أكثر من معنى وتحمل على أكثر من محمل، وواحدة من أهم تلك القواعد التي يمكن من خلالها تمييز أحد المتشابهين هي قاعدة حجية الظهورات اللفظية، ومعنى الظهور: هو ما يفهم العرف من الكلام عند إلقائه إليه(1).
فالعقلاء قد اعتادوا في محاوراتهم على بيان مراداتهم بما هو ظاهر اللفظ وترتيب الأثر عليه، ولم يردع الشارع عن هذه الطريقة، بل سلك هو أيضا في محاوراته مع بقية خلقه هذا المسلك، ولم يخترع طريقا آخر، بل كان سُبحانَهُ وَتَعالى حاله حال أهل المحاورة والعرف في مقام الإفادة والاستفادة(2).
فالتشابه إذن؛ لو كان موجودا في ألفاظ التوقيع المقدس للإمام المهدي صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، فانه محلول بفهم العرف لألفاظ هذا التوقيع المقدس، فما يفهمه العرف هو المتعين دون غيره من وجوه الشبه، وقد عرفت فيما مرَّ ان العرف العام ابتداء من وفاة السفير الرابع قُدس الله روحَه إلى وقت الناس هذا، يفهم من فحوى التوقيع المقدس انقطاع السفارة والنيابة الخاصة بعد السفير الرابع.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...119
وكذلك يفهم ان المشاهدة المجردة عن دعوى السفارة ممكنة، وليست مشمولة بتوقيع السمري قُدس الله روحَه، وكذلك يفهم العرف ان الشخص المتشرف برؤية الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه ليس له أي خصوصية زائدة غير أنّه تشرف برؤية طلعته البهية صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه.
ولو حاول البعض من هؤلاء المتشرفين برؤيته صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه ادعاء أي خصوصية زائدة على مجرد الرؤية ليصل إلى امتياز آخر يعلو به ويستطيل على الناس باسم الإمام صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه، فانه كان ولا يزال يواجه بكل قوة من قبل هذا العرف العام، فيرفض مدعاه ويستهجن قوله، ويندد بمحاولته للعلو باسم الإمام ورؤيته.
وهذا الفهم العرفي حجة شرعية وخصوصا إذا كان هذا الفهم العرفي ممتدا لأجيال طويلة، ولأعوام مديدة بلغت إلى اليوم ما يزيد على ألف ومائة سنة تقريبا، فالقضية بناء على هذه المدة الطويلة أكبر من مجرد فهم عرفي عام لمضمون توقيع صدر على يد السفير الرابع قُدس الله روحَه، بل يمكن أنّ نعدّ هذا الفهم العام کاشفا ومعبرا عن سيرة المتشرعة عبر هذه الحقبة الطويلة، وخصوصا أولئك الذين كانوا قريبي عهد للغيبة الصغرى والذين عايشوا السنين الأولى لابتداء الغيبة التامة الكاملة.
وهذه السيرة للمتشرعة أو هذا الفهم لمضمون التوقيع ومحتواه بالنسبة للمتشرعة؛ إما كاشف عن كون المعنى العرفي والظهور العرفي الذي كان موجودا يومئذ هو ذلك الذي أوضحناه؛ أو كاشف عن وجود قرينة حالية أو مقالية لم
120...السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة
تصل إلينا كانت موجودة عندهم هي التي صرفت فهمهم ووجهته إلى فهم التوقيع المقدس بأنه ينص على انقطاع السفارة والنيابة الخاصة دون العامة وان المشاهدة التي يرمى صاحبها بالكذب والافتراء هي تلك التي تتضمن ادعاء السفارة دون غيرها، وعلى التقديرين فهو معين للمراد من الخبر ورافع للتشابه اللفظي بين فقرات التوقيع المقدس وألفاظه، مع أننا في غنى عن ذلك كله بمعونة ما بيناه من الظهور العرفي.
وعليه يكون ذلك الذي يفهم من التوقيع المقدس خلاف ما يفهمه العرف والمتشرعة شاذاً مردوداً عليه فهمه لمخالفته الظهور العرفي أولا، والمغايرة فهمه سيرة الملايين من المتشرعة الذين أجمعوا ولمئات السنين على غير ما فهمه ذلك الشاذ في فهمه، وذهب إليه، فلا تبقى لذلك الشاذ عن الإجماع حجة في المخالفة، اللهم إلا ان يكون من أولئك الذين وصفهم القرآن بقوله:
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّسِحُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ وَامَنَّا كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبَّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَبِ)(1).
كان هذا أهم ما قد أُثير على توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه من قبل بعض المشككين، محاولة منهم لدفع الحق وطمس الحقيقة، وقد أعرضنا عن بعضها خوف الإطالة وإن كنا قد بينا في الأجوبة ما يمكن أن يطبق على كل تلك الشبهات مما لم نذكره، فتأمل.
1) (1) سورة آل عمران الآية: 7.
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري قُدس الله روحَه...121
توصلنا في هذه المرحلة بحمد الله سبحانه إلى إثبات التوقيع الشريف الذي صدر على يد السفير الرابع الشيخ السمري قُدس الله روحَه، وحاولنا جاهدين رد ما اشتهرت حوله من شبهات، وما تأوّله مدّعو السفارة الكاذبة في زمننا هذا ممن أعانهم على جريمتهم النكراء هذه الجهل والتعتيم الذي مارسته السلطات الظالمة ولقرون متمادية ضد أتباع أهل البيت صَلواتُ الله و سَلامُه عَليهم أجمعين وفكرهم الإلهي، وختاما لا ندعي في هذا البحث الإحاطة بكل تفاصيل الموضوع وجوانبه وجميع ما أثير هنا وهناك من إشكالات وتخرصات، فلذا نطلب من القارئ الكريم العذر والسماح عن الهفوات التي قلما يخلو منها بحث وكتاب.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم والمضللين لشيعتهم أجمعين.
الشيخ وسام برهان البلداوي
من المرقد الطاهر لأبي عبد الله الحسين صَلواتُ الله و سَلامُه عَليه
شهر رمضان المبارك لسنة 1439 ه- 2008م
الشيخ مُحَمَّد آل عُبَيدان القَطِيفي
سرشناسه: عبيدان، محمد، 1338 - Obeydan, ,Mohammad
عنوان و نام پدیدآور: كلمات مهدوية/ محمد العبيدان.
مشخصات نشر: قم :: باقیات،، 14320 ف = 2012 م = 1391.
مشخصات ظاهری: 276 ص.
شابک: 978-600-213-056-3:
وضعیت فهرست نویسی: فيپا
یادداشت: عربی
موضوع: مهدویت
موضوع: مهدویت احادیث
رده بندی کنگره: BP222/438 1391
رده بندی دیویی: 297/263
شماره کتابشناسی ملی: 2823633
كلمات مهدوية
الشيخ محمد آل عبيدان القطيفي
الناشر: باقيات
المطبعة: وفا
الكمية: 1000نسخة
الطبعة: الأولى
القطع: وزيري
عدد الصفحات: 276 صفحة
تاريخ الطبع: 2012م - 1433ه.ق
شابك: 3-056-213-600-978
كافة حقوق الطبع في داخل ايران محفوظة و مسجلة للناشر و مكتبة فدك وفي حال التعدي على حقوق الدار في خارج ايران سنقوم بالملاحقة القانونية من قبل وكيلنا الشرعي والقانوني في لبنان
عنوان الناشر: ایران-قم-شارع معلم-رقم 44-تلفون: 7743900
مركز التوزيع: ایران-قم-مجمع الإمام المهدي (عجل الله تعالی و فرجة الشریف)-الطابق الأرضي رقم 117، 116-تلفون: 7833624
مَکتَبة فَدَک
بعد هذا نعود لبيان الدليل الذي يستند إليه في أنّ الغيبة الصغرى قد انتهت ووقعت الغيبة الكبرى، وأنّه قد انتهى منصب السفارة الخاصّة، وأصبح الموجود خارجاً نظام المرجعيّة والوكالة العامّة.
وقد أجيب عن هذين الأمرين في التوقيع الشريف الذي صدر للشيخ السمري رضی الله عنه، حيث صدر له من الناحية المقدّسة، كما روى ذلك شيخنا الصدوق رحمةالله، والشيخ الطوسي قُدس سرة، أنه خرج إليه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يا عليَّ بنَ مُحَمَّدِ السُّمري، أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوانِكَ فِيكَ، فَأَنْتَ مَيِّتٌ ما بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَأَجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تَوصِ إِلَىٰ أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيبَةُ التّامَّةُ(1)، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَلِكَ بَعْدَ طولِ الْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَامْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوراً، وَسَيَأْتي عَلى شيعتي مَنْ يَدَّعي الْمُشاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ ادَّعَى الْمُشاهَدَةَ قَبْلَ خروجِ السُّفْياني والصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ.
وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ(2).
وقد تضمّن التوقيع المبارك مجموعة أمور:
الأوّل: الإخبار بحلول أجل الشيخ السمري رَضی اللهُ عنه، وأنه سوف يكون بعد صدور التوقيع بستّة أيّام.
الثاني: وقوع الغيبة التامّة بانتهاء فترة الغيبة الصغرى، وبدء الغيبة الكبرى، وتختلف الثانية عن الأولى في عدم وجود السفارة الخاصّة، وإنّما هي نيابة عامّة للفقهاء.
ومن المعلوم أنّ جعل النيابة الخاصّة في الغيبة الكبرى يتنافى وجعل النيابة العامّة؛ ضرورة أنّه لن يكون لها أدنى فائدة مع وجود النيابة الخاصّة، وهذا يستوجب أن يكون جعلها لغويّاً، فلاحظ.
الثالث: انقطاع السفارة الخاصّة، وابتداء النيابة العامّة، لقوله عَجّل الله تَعالی و فرجة الشَّریف: «وسيأتي من شيعتي مَن يدّعي المشاهدة، ألا فمَن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر».
وأوّل ما يلحظ في هذا التعبير، تخصيصه (روحي لتراب حافر جواده الفداء) أنّ الذي سوف يدّعي المشاهدة، من شيعته، وهل يستفاد من هذا أنّه لن يدعي المشاهدة أحد من غيرهم؟
قد عُلل التقييد بكون المدعي لها من شيعته دون غيرهم بأمرين:
الأوّل: إنّ غير شيعته مختلفون أساساً في ولادته وعدمها، فإنّ بينهم مَن ينفي حصول ولادته الشريفة إلى الآن، وأنّه سوف يولد، وهذا يعني أنّه لن يكون بينهم دعوى المشاهدة، فتأمّل.
منصب السفارة...35
الثاني: أنّه لو سلم أنّ المدّعين لها من القائلين بتحقّق ولادته المباركة، إلّا أنّ كونه من غير الموالين سوف يكون سبباً موجباً لعدم القبول والتصديق بدعواه، فتأمّل.
هذا ولا يذهب عليك أن دلالة التوقيع الشريف على اختصاص فترة السفارة الخاصّة بخصوص الغيبة الصغرى، و أنّه لا تكون في فترة الغيبة الكبرى تعتمد اعتماداً كلّيّاً على تحديد المقصود من المشاهدة فيه، فلو قيل أنّ المقصود منها هو المشاهدة بمعنى الرؤية، فلن تكون دلالته على المدّعى واضحة، بخلاف ما لو بني أنّ المقصود منها هو السفارة، والتعبير عن ذلك بالمشاهدة، إنّما هو تعبير كنائي ليس إلّا، وقد اعتمد في تحديد المقصود منه على قرائن ، إمّا داخليّة أو خارجيّة.
وعلى أي حال، فقد ادّعي أنّ المقصود من المشاهدة في التوقيع هي الرؤية، وليس المقصود منها السفارة.
ولا يخفى أنّ الدعوى المذكورة لها وجه؛ ضرورة أنّ مقتضى حمل الألفاظ في مقام التحاور على ظواهرها يستدعي الالتزام بما ذكر.
وقد بنى على هذا المعنى شيخنا غوّاص بحار الأنوار قُدس سرة، جمعاً بين التوقيع الشريف، وبين غيره من النصوص، فإنّه ذكر تعقيباً على التوقيع الشريف، بقوله: «بيان: لعلّه محمول على مَن يدّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه علیه السَّلام إلى الشيعة، على مثال السفراء لئلا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه علیه السَّلام، والله العالم»(1).
1) (1) بحار الأنوار: 52: 151 ، الحديث 1.
36...كلمات مهدويّة
وذكره كون المقصود من المشاهدة السفارة على نحو الاحتمال، يكشف على أقلّ التقادير وجود احتمال حمل اللفظ على ظاهره عنده، يكون المقصود من المشاهدة هي الرؤية، وهذا وإن لم يكن مصرّحاً به في كلامه، لكنّ مدلوله
كما هو واضح.
والظاهر أنّ حمل المشاهدة في التوقيع على الرؤي ، لا ينحصر به رحمةالله، بل هو ظاهر غير واحد من أعلامنا، فإنّهم قد عمدوا إلى علاج ما يتصوّر من معارضة بين التوقيع الشريف، وبين النصوص التي تضمّنت إثبات الرؤية، والحكايات التي تحدّثت عن وقوعها خارجاً لأناس، وما هذا إلّا لأنّهم قد حملوا المشاهدة في التوقيع عليها.
وكما قلنا: بأنّ المعنى المذكور في التوقيع وإن كان هو الظاهر بدواً منه، إلّا أنّه لا يصار إليه متى وجدت قرينة موجبة لصرف اللفظ عن ظاهره، ودعت إلى حمله على غير معناه، كما أنّه قد جرت العادة في مقام المحاورة أنّه لو كان حمل اللفظ على ظاهره يستوجب لغويّة اللفظ عمّا أريد منه، وأمكن أن يأوّل، فإنّه يصار إلى تأويله بحمله على خلاف ظاهره، فلنا على كون المقصود من المشاهدة في التوقيع الشريف هي السفارة الخاصة طريقان:
الأوّل: وجود القرينة الداخليّة الموجب لحمل اللفظ على ذلك، وهي وحدة السياق، فإنه يعدّ قرينة عقلائية يعوّل عليها العقلاء في مقام التحاور، ويرتّبون عليه أثراً، ولا يخفى أنّ وحدة السياق في التوقيع تستوجب حمل المشاهدة المنفي فيه على السفارة، ذلك أنّ الحديث فيه واقع عن انتهاء السفارة الخاصّة،
منصب السفارة...37
لأنّه قد تضمّن أمر السمري رَضی الله عنه، بعدم الإيصاء إلى أحد، وعلّل الأمر بمنع الوصيّة بوقوع الغيبة التامّة، وهذا يستوجب أن يكون المنفي في الغيبة التامّة ما كان ثابتاً موجوداً في الغيبة الصغرى، وهو عبارة عن السفارة، فتدبّر.
وإن شئت فقل: إنّ المستفاد من التوقيع الشريف أنّ من لوازم الغيبة التامّة ألا يكون هناك اتّصال مباشر بين الناحية المقدّسة وبين القواعد الشعبية، وهذا هو الذي أوجب غلق باب السفارة الخاصّة، لأنّها كانت تمثل الاتصال المباشر بين القواعد الشعبيّة والناحية المقدّسة كما عرفنا، فلاحظ.
ويشهد لما ذكرنا أمران:
أوّلهما: وجود لام العهد، في قوله (بأبي وأمي): «المشاهدة»، فإنّ اللام فيها هي لام العهد، ذلك أنّه عَجل الله تَعالی و فرجة الشریف الريتين بصدد منع السفارة الخاصّة من خلال أمره بعدم الإيصاء، ولا ريب أنّ من لوازم السفارة الخاصّة الرؤية والالتقاء، فهو ينفي المشاهدة، ومتى انتفت المشاهدة، فذلك يدلّ بالمدلول الالتزامي على نفي السفارة، فتدبّر.
ثانيهما: موجب نفي المشاهدة، فإنّ التأمّل في التوقيع يفيد أنّ الداعي إلى نفيها هو الحذر من التضليل المترتّب على دعواها، بمعنى أنّ المدّعي للمشاهدة، غايته من ذلك العمد إلى تضليل الموالين، ولعلّه لهذا قُيد بكونه من شيعته، ولا ريب أنّ المدّعي للمشاهدة لن تكون غايته مجرّد دعواها لدعوى الرؤية، بل غايته هو ادّعاء البابيّة والسفارة، وهو (بأبي وأمّي) بصدد نفيها وانقضائها، فأشار إلى ذلك.
الثاني: صون الكلام عن اللغويّة، فإنّه إذا وجد كلام وكان الظاهر منه معنى،
38...كلمات مهدويّة
إلّا أنّ حمله عليه يوجب عدم الاستفادة منه، لوجود ما يمنع من البناء عليه، فإنّه يعمد إلى تأويله، صوناً له عن اللغويّة، ولو بحمله على خلاف ظاهره.
ولنقرّب ذلك بمثال ، فهذا شيخنا ابن قولويه يذكر في مقدّمة كتابه كامل الزيارات، عبارة يظهر منها شهادة بوثاقة رواة كتابه، وقد وقعت العبارة المذكورة محل أخذ وردّ بين أعلامنا، فقد بنى بعضهم (رضي الله عنهم) على ظهورها في وثاقة جميع من وقع في أسناد الكتاب، إلّا أنّ آخرين حصروا دلالتها في خصوص مشائخه رحمةالله، والذي دعا الحاصرين بالمشايخ للالتزام بذلك - مع أنّ العبارة ظاهرة في الدلالة على وثاقة جميع مَن وقع في أسناد الكتاب - صون العبارة عن اللغويّة، لأنّ من الواقعين فى أسناد الكتاب من لا يتصوّر أن يشهد شيخنا ابن قولويه بوثاقته، كعمر بن سعد، ولهذا لابدّ من ارتكاب التأويل في العبارة المذكورة، ولو بحملها على خلاف ظاهرها.
وهذا بنفسه قد يكون جارياً في المقام، فإنّ العبارة وإن كانت ظاهرة في نفي المشاهدة بمعنى الرؤية، وهذا يستوجب وقوع المعارضة بينها وبين النصوص المتضمّنة لإمكانها، والقصص المشتملة على وقوعها - مع التسليم بالمعارضة، وسيأتي كلام في ذلك - وعندها إمّا أن يلتزم برفع اليد عن نصوص الرؤية، أو رفع اليد عن التوقيع الشريف، أو العمد إلى التأويل في أحدهما بحمله على خلاف ظاهرها، وعدم رفع اليد عنه، فيحمل لفظ المشاهدة فيه على السفارة، وليس على الرؤية، فلاحظ.
ثمّ إنّه وفقاً لما ذكرنا من طريقين، يفيدان أنّ المقصود من المشاهدة في السفارة، يتّضح أنّه لا وجه لما قيل من أنّه لا دليل في البين على التوقيع هي انتفائها وانتهائها بوفاة الشيخ السمري رَضی الله عنه، مع أنّ القائل بثبوتها في زمان الغيبة
منصب السفارة...39
الكبرى لا يملك دليلاً على ذلك أيضاً.
هذا وقد يستند القائلون بكون المنفي في التوقيع الشريف هو خصوص الرؤية، وليس المقصود منها السفارة الخاصّة، بكون الداعي لنفي ذلك ملاحظة دوافع الغيبة والداعي إليها، وهي كثرة أعدائه عجل الله تعالی و فرجة الشریف والخوف من القتل، وهذا صار سبباً إلى نفي رؤيته ومشاهدته، أما وقد زال الخطر، ولم يعد هناك ما يوجب ذلك، فلا معنى لانتفائها.
والتوجيه المذكور يقوم على أن منشأ الغيبة هو الخوف وكثرة الأعداء، وأنّ ذلك علّة تامة للغيبة، مع أنّ الظاهر من النصوص عدم وجود علّة للغيبة، بل إنّ ذلك من القضايا الإلهيّة. نعم، جاء فيها ذكر جملة من الحكم، و أنّ ما ذكر واحدة منها ليس إلّا، وليس علّة، كما أنّ هناك حِكماً أخرى، ممّا يعني عدم الحصر في هذه، فمنها مثلاً كي لا تقع في عنقه بيعة لطاغية، فقد روى ابن فضّال عن أبي الحسن علي بن موسى الرضاء علیه السَّلام، قال: «كأني بالشيعة عند فقدانهم الثالث من ولدي يطلبون المرعى فلا يجدونه.
قلت: ولم ذلك يابن رسول الله؟
قال: لأنّ إمامهم يغيب عنهم.
فقلت: ولِم؟
قال: لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف»(1).
ومنها: امتحان الناس، فعن الإمام الباقر علیه السَّلام- في علّة غيبته-: «وليعلم الله
1) (1) بحار الأنوار: 96:52 ، الحديث 14.
40...كلمات مهدويّة
من يطيعه بالغيب ويؤمن به»(1).
ومنها: أنّ لغيبته حكمة مجهولة لا يكشف النقاب عنها إلا بعد الظهور، فقد روى الهاشمي، قال: «سمعت الصادق جعفر بن محمّد علیه السَّلام يقول: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل.
فقلت له: ولِم جُعلت فداك؟
قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم.
قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟
فقال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر علیه السَّلام من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار الموسى علیه السَّلام وقت افتراقهما»(2).
و ربّما يكون الموجب لغيبته (بأبي وأمّي) أنه المدَّخر لإقامة الدولة العالمية التي تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً، وهذا يستوجب الحفاظ على حياته، فكانت غيبته.
ويبعد التوجيه المذكور أيضاً أن القدرة الإلهيّة التي دعت إلى طول العمر كفيلة بحفظه وحمايته من كل عدو، كما تكفلت ذلك من قبل لموسى بن عمران علیه السَّلام في ظروف حمله و ولادته، وله (بأبي هو وأمّي) أيضاً، مضافاً إلى أن المتبع في حقيقة الغيبة كما ذكر في محله أنها غيبة العنوان، وهذا أيضاً يضمن له
منصب السفارة...41
السلامة والحفظ (روحي لتراب حافر جواده الفداء).
لم يتعرّض نصّ من النصوص الشريفة الصادرة عن المعصومين علیهم السَّلام بعد حديث الغدير وحديث الثقلين، كما تعرّض له التوقيع الصادر من الناحية المقدّسة للشيخ السمري رضی الله عنه، فقد وجّهت إليه اعتراضات متعدّدة الأساليب، وإن كانت في محصّلها ترجع إلى محورين أساسيين، يرجع أحدهما لنفي وجود المقتضي للتوقيع الشريف في الدلالة على المدّعى، والآخر يقرّر وجود مانع من الاستناد للتوقيع المذكور، وإن كانت دلالته على ما ذكر تامّة.
أمّا بالنسبة للإشكال فيه من خلال الاقتضاء، وعدم توفّرها فيه، فقد أورد عليه من حيث السند، فذكر أنّه خبر آحاد، مرسل، ضعيف، لم يعمل به ناقله، وهو شيخ الطائفة رحمةالله في كتابه المذكور الذي نقل فيه التوقيع، وقد أعرض عنه
الأصحاب.
ولا يذهب عليك أنّ المذكور مجموعة من المناقشات يجمعها عنوان الطعن في أصالة الصدور، وهي تحتاج تحليلاً لنرى مدى إمكانيّة القبول بها من عدمه.
أمّا المناقشة الأولى-وهي كون التوقيع الشريف خبر آحاد - فلا يذهب عليك أنّ هذا التوصيف مقابل لتوصيف الخبر بكونه خبراً متواتراً، ويختلف المتواتر
46...كلمات مهدويّة
عن الآحاد في كونه يفيد العلم، ولا يحتاج إلى ملاحظة سنده، بينما لا يفيد خبر الواحد أكثر من الظنّ المعتبر، ويحتاج سنده لملاحظة كيما يحرز صدوره.
ولأصحابنا في حجّيّة خبر الواحد مسلكان معروفان، إذ يبني بعضهم على حجّية الخبر الذي تحفّه القرائن الموجبة للوثوق بالصدور وإن لم يكن رواته ثقات. بينما يقصر آخرون الحجيّة في خصوص الخبر الذي يبنى على وثاقة رواته.
وكيف كان، فالظاهر أنّ منشأ ذكر المستشكل هذه الدعوى، وأن التوقيع الشريف من أخبار الآحاد، هو ما تضمنته كتب الكلام من عدم اعتماد الشيعة الإمامية على أخبار الآحاد في المسائل العقديّة، و أنّه لابدّ وأن يكون الخبر المستند إليه من الأخبار المتواترة. ولمّا كان التوقيع الشريف خبر واحد، فلن يصلح للدلالة على المدّعى، لفقده شرطاً من شروط القبول، كما لا يخفى.
وهذا الإشكال ليس في محلّه؛ ضرورة أنّ أعلامنا، وإن كانوا يعتبرون التواتر في المسائل العقديّة، إلّا أنّهم لا يعتبرون ذلك في كلّ مسألة مسألة، فإنّهم يفرقون بينها، ويذكرون ما يعتبر فيه التواتر، وما لا يعتبر فيه ذلك، ويكفي فيه خبر الآحاد، ولا ريب في أنّ مسألتنا، أعني انتهاء السفارة الخاصّة بحلول الغيبة الكبرى من المسائل التي لا يعتبر في الخبر الذي يستدلّ به عليها كونه من الأخبار المتواترة، كما لا يخفى.
على أنه قد أشير إلى أنّ التوقيع الشريف قد تضمن مجموعة من القرائن الداخليّة والخارجيّة الموجبة للوثوق بصدوره، فمن القرائن الداخلية التي تضمّنها، اشتماله على تحديد موعد وفاة السفير الرابع الشيخ السمري رَضی الله عنه، وقد وقع ذلك وفقاً لما جاء فيه من إخبار، ولم ينقل لنا المؤرّخون مخالفة
توقيع السمري في الميزان...47
وقت وفاته لما تضمنه التوقيع، وهذا يعني أنّه من الإخبار الغيبي الذي لا يصدر إلّا عن المعصوم علیه االسَّلام.
ومن القرائن الخارجية، انحصار الدليل على انتهاء الغيبة الصغرى وبدء الغيبة الكبرى فيه فقط دون غيره من النصوص، كما أنّه قد أجمعت الطائفة-قدماء ومتأخّرين-على قبوله والعمل على طبقه.
وأما المناقشة الثانية - وهي وصف التوقيع الشريف بكونه مرسلاً - فالظاهر أن أوّل من التزم بذلك هو المحدّث النوري في كتابه جنّة المأوى، إذ عبّر عنه بذلك.
ولم يتّضح لي وجه تعبيره عنه بذلك، فإنّ شيخنا الصدوق رحمةالله يرويه عن شيخه ابن المكتب، وهو ينقل الحادثة مباشرة، لكونه في مدينة السلام عندما خرج التوقيع الشريف، فكيف يذكر أنّه مرسلاً.
هذا وقد يتمسّك لوصف التوقيع الشريف بالإرسال بما جاء في كتاب الاحتجاج، فإنّ الشيخ الطبرسي رحمةالله لم يسنده، وإنّما ذكر المحادثة بين الشيخ السمري رضی الله عنه وبين مَن سأله من الحضّار عنده حال الاحتضار عن وصيّه، وقد كانت إجابته بإخراج توقيع لهم، ثمّ ساق التوقيع الشريف(1).
وهذا وإن كان حسناً، إلّا أنّه لا يفي بالمدّعى؛ ضرورة أنّ الشيخ الطبرسي قد ذكر في مقدّمة كتابه المنهجيّة التي يسير على وفقها في نقله للنصوص الشريفة، فأشار إلى أنه لا يأتي في أكثر ما يورده من الأخبار بإسناده إمّا لوجود الاجماع عليه، أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين
1) (1) الاحتجاج: 2: 297 في ذكر طرف ممّا خرج أيضاً عن صاحب الزمان علیه السَّلام من المسائل الفقهية.
48....كلمات مهدويّة
المخالف والمؤالف(1).
وأما المناقشة الثالثة-وهي ضعف السند: فالظاهر أنّ منشأها هو وجود أستاذ الصدوق رحمةالله ابن المكتب، والموجب للحكم بضعفه يعود لعدم نصّ أحد من الرجاليّين في كتبهم على توثيقه، فلا يعوّل على مرويّاته.
ولا يذهب عليك أنّ هذا يبتني على الالتزام بحصر موجبات التوثيقات في خصوص التوثيقات الخاصّة، ورفع اليد عن التوثيقات العامّة، مع أنّ ذلك خلاف ما عليه أعلامنا، سواء الرجاليّين منهم أم الفقهاء، إذ أنّهم جميعاً يلتزمون بأنّ هناك عدّة أمارات يركن لها في إحراز وثاقة الراوي، بعضها أمارات عامة، وأخرى خاصّة، ومن الأمارات العامّة التي يبني عليها جملة منهم، كون الراوي من مشائخ الإجازة، أو كونه ممن ترحّم عليه الصدوق، أو كونه ممّن ترضّى الصدوق رحمةالله عليه، وقد توفّرت الأمارات الثلاث في شأن ابن المكتب، وهذا يوجب البناء على وثاقته، مع أن توفّر واحدة منها فقط كافٍ لتحصيل ذلك، فلاحظ.
و أمّا المناقشة الرابعة، وهي كون ناقله - أعني شيخ الطائفة رحمةالله- لم يعمل به، وقد أعرض عنه الأصحاب، فالظاهر أنّ منشأها نقل الشيخ الله جملة من الروايات والحكايات التي تضمّنت ذكر رؤيته (روحي لتراب حافر جواده الفداء)، وهذا يتنافى وما جاء في التوقيع الشريف من نفي المشاهدة، فيحمل نقل الشيخ لتلك الحكايات والروايات على عدم عمله بما جاء فيه، وكذا أيضاً قد نقل غير واحد من أصحابنا مثل تلك الروايات والحكايات، فيكون ذلك كاشفاً عن إعراضهم عن العمل به وعدم الاستناد إليه.
1) (1) الاحتجاج: 4:1.
292
توقيع السمري في الميزان...49
وهذا المعنى، سوف يتعرّض له عند الحديث عن عرض الإشكالات المرتبطة بالمانع، فلا حاجة للحديث عنه في البين، ولنؤخّر الكلام عنه إلى ذلك الموضع، فانتظر.
وأوّل الموانع التي ذكرت عن القبول بالتوقيع المبارك، هو وجود المعارض له من النصوص، فإنّ هناك مجموعة من النصوص تثبت المشاهدة، وقد تضمّن التوقيع نفيها، وأنّ المدعي لها كذّاب مفترٍ، فتقع المعارضة حينئذِ بينهما، بين ما تضمّن الحديث عن إمكانيّة المشاهدة وإمكانيّة حصولها وتحقّقها خارجاً، وبين التوقيع النافي إليها.
وينبغي أن يلتفت في البداية أن تقريب المعارضة بين النصوص المذكورة وبين التوقيع الشريف مبنيّ على كون المقصود من المشاهدة الواردة في التوقيع بمعنى الرؤية، أمّا لو قلنا بأن المقصود منها السفارة، فلن تكون هناك معارضة أصلاً.
فمن النصوص ما رواه إسحاق بن عمار في الموثق عن الإمام أبي عبدالله الصادق عیه السَّلام، أنّه قال: «للقائم غيبتان، قصيرة والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة مواليه»(1).
على أساس أنّ المستفاد من ذيلها وجود أشخاص وصفهم النصّ بكونهم موالين للمولى (بأبي هو وأمّي) يعلمون مكانه، ومن الطبيعي جداً أنهم ما داموا يعلمون مكانه، فبإمكانهم رؤيته، وهذا ينفي ما جاء في التوقيع الشريف من
نفي للمشاهدة.
1) (1) الكافي: 1 34، الحديث .19.
50...كلمات مهدويّة
ولا يخفى أنّ النصّ المذكور يتّفق والتوقيع الشريف في ناحيتين:
الأولى: اشتمال كليهما على كون الغيبة متعدّدة، فقد تضمّن النصّ التعبير عن الغيبة الصغرى بالقصيرة، وعن الكبرى بالطويلة، وكان حديث التوقيع الشريف عن الغيبة الكبرى بالتامّة، ويقابلها الغيبة الصغرى.
الثانية: إنّ المستفاد من كليهما إمكانيّة اللقاء والاجتماع بصاحب الناحيةالمقدّسة علم الليرة، خلال فترة الغيبة الصغرى.
وأما نقطة الاختلاف- وفقاً لتقريب المستشكل- فهي في زمان الغيبة الكبرى، فإنّ التوقيع الشريف ينفي الرؤية، وأنّ مدّعيها كذّاب مفتر، بينما يفيد النصّ المذكور امكانيّتها.
وبعيداً عن عدم القبول بكون المقصود بالمشاهدة في التوقيع هو الرؤية، والتسليم بكونه ذلك، يمكن منع معارضة الموثق للتوقيع، بهذا البيان: لقد تضمّنت موثقة إسحاق أنّ هناك موالياً للإمام المنتظر عجل الله تعالی و فرجة الشریف يعلمون مكانه، فيدلّ ذلك بالالتزام على إمكانيّة رؤيته واللقاء به، إلّا أنّه لم يتضمّن النصّ التصريح بذكر الموالي، ممّا يعني أنّ في البين إجمالاً، والطريق إلى رفعه من خلال ما ورد عندنا في نصوص عدّة أنّ هناك مَن يلتقي به عجل الله تعالی و فرجة الشریف في فترة الغيبة الكبرى، فيحمل تلك النصوص الشارحة لمَن يلتقى به على التعبير المجمل في الموثق يتّضح أنّ الذين يرونه (بأبي وأمّي) هم خصوص مَن جاء ذكرهم في تلك النصوص، وهم الخضر، والملائكة، ومؤمنو الجنّ.
فقد ورد عن الإمام الرضا علیه السَّلام أنّه قال: «إنّ الخضر شرب من ماء الحياة فهو حيّ لا يموت حتّى ينفخ في الصور، وإنّه ليأتينا فيسلّم علينا فتسمع صوته ولا نرى شخصه، وإنّه ليحضر حيث ذكر، فمن ذكره فليسلم عليه، وإنّه ليحضر المواسم فيقضي
توقيع السمري في الميزان...51
جميع المناسك ويقف بعرفة فيؤمَن على دعاء المؤمنين، وسيؤنس الله به وحشة قائمنا علیه السَّلام في غيبته، ويصل به وحدته»(1).
وقد روى المفضّل عن الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السَّلام- في حديث -: «قلت: يا سيّدي، فمَن يخاطبه، ولمن يخاطب؟
قال علیه السَّلام: تخاطبه الملائكة والمؤمنون من الجنّ»(2).
وما تضمّنه خبر المفضّل من خطاب الملائكة معه (روحي لتراب حافر جواده الفداء) يتوافق وما جاء في القرآن الكريم من نزول الملائكة عليه ليلة القدر لتلقّي الأوامر منه، ولا يبعد استمرار نزولها عليه وعدم حصر ذلك في خصوص ليلة القدر، فتأمّل.
ثمّ إنّه لو لم يقبل بالتوفيق والجمع العرفي الذي ذكر، فلا ريب أنّه سيلتزم باستقرار المعارضة بين التوقيع الشريف والموثق، فإن لم يلتزم بالترجيح بالأحدثيّة كما هو مختار بعض الأعلام المعاصرين (حفظهم الله)، ولم يقبل بكون التوقيع الشريف حاكماً حكومة نظر على الموثق كما هو رأي بعض محقّقي فقهاء العصر (أطال الله في بقائه)، ولجأ للمرجّحات، فلا إشكال في تقديم التوقيع الشريف لكونه من المجمع عليه، ويكون موثق الساباطي من الشاذّ النادر، وقد تضمّنت المقبولة الأمر بالأخذ بالمجمع عليه، وترك الشاذّ النادر، فتدبر.
ومنها: خبر أبي بصير - بالبطائني - عن أبي عبدالله علیسه السَّلام، قال: «لا بدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولا بدّ له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين
52...كلمات مهدويّة
من وحشة»(1)، فإنّ المستفاد منها أنّ هناك ثلاثين شخصاً يتّصلون به عجل الله تعالی وفرجة الشریف وبهم تنتفي عنه الوحشة، ويحصل له الأنس.
هذا، وهنا أمران ينبغي الإحاطة بهما قبل العمد إلى ملاحظة المعارضة بين الخبر والتوقيع الشريف:
الأوّل: ضبط متن الخبر المذكور، فقد ذكر غوّاص بحار الأنوار العلّامة المجلسي قدس سرة وجود اختلاف في متنه، حيث جاء في بعض النسخ عوضاً عن قوله: «ولا بدّ له من غيبة»، «ولا له في غيبته»(2).
ولا يخفى مقدار الفرق بين المعنيين، فإنّه لو بني على النسخة الثانية، كان مقتضاه الالتزام بأنّ الغيبة تعني خفاء العنوان، وليس خفاء الشخص، ولهذا أشار العلّامة المجلسي رحمةالله: «أنّه ليس معتزلاً عن الخلق، بل هو بينهم ولا يعرفونه» (3).
وأمّا لو بني على النسخة التي ذكرناها، فسوف يكون مدلول العبارة هو خفاء العنوان، وليس خفاء العنوان، لأنّها تفيد أنّه معتزل عن الخلق، كما لا يخفى.
هذا، وقد تقرّر في محلّه أنّ الصحيح هو البناء على أنّ حقيقة الغيبة هو العنوان، وليس خفاء الشخص، وقد ذكرت هناك الموانع الداعية إلى الالتزام بهذا المعنى دون ذلك، وعليه سوف يكون النصّ مشتملاً على ما لا يمكن الالتزام به، وهذا يساعد على البناء على تأويله، بحمله على خلاف ظاهره، أو ردّ علمه إلى أهله. نعم، استظهر الشيخ المجلسي قدس سرة ما نقلناه، دون النسخة الثانية، وعلّل ذلك بكونه أظهر وموافق لما في سائر الكتب(3).
وقد يكون موجب حكمه بأظهريّة ما ذكرناه من متن النصّ على الآخر،
توقيع السمري في الميزان...53
تفسيره لما في الذيل: وما بثلاثين من وحشة.
الثاني: تحديد المقصود من الثلاثين الذين ذكرت في ذيل الخبر، فقد أشار العلّامة المجلسي رحمةالله إلى وجود احتمالين فيه:
أوّلها: أن يكون المقصود من العدد المذكور هو الأصحاب، والأنصار على خلافِ في أنّه (روحي لتراب حافر جواده الفداء) واحد من الثلاثين، فيكون أصحابه دون ذلك، أم أنّهم ثلاثون وهو ليس منهم.
ثانيها: أن يكون المقصود هو الهيئة وليس العدد، بمعنى أنّه علیه السَّلام في هيئة مَن بلغ الثلاثين من العمر، حتّى مع تقادم الزمن، وطول المدّة.
ولا ريب في اختلاف النتيجة المترتّبة على كلا المحتملين؛ ضرورة أنّه لو بني على الاحتمال الثاني، فلن يكون للخبر المذكور معارضة أصلاً مع التوقيع الشريف، لأنّه سوف يكون مدلوله على شيء آخر غير الرؤية واللقاء. نعم، يبقى للكلام مجال لو بني على الاحتمال الأوّل، فلاحظ .
وقد ذكر الشيخ المجلسي قُدس سره أنّ المحتمل الثاني منهما في غاية البعد(1)، فلا يصار إليه.
والظاهر أنّ موجبه لاستبعاده حاجة التعبير الوارد إلى حمله على خلاف ظاهره، ولا يصار إلى ذلك إلّا مع وجود ما يوجب ذلك من قرينة أو ما شابه، فتدّبر.
ولا يذهب عليك أنّه وفقاً لما قدّ منا ذكره من القبول بالنسخة الثانية لكون الغيبة من غيبة العنوان، وليست من غيبة الشخص، سوف يكون المعنى الثاني،
1) (1) مرآة العقول: 51:4.
54...كلمات مهدويّة
وهو الإشارة للهيئة موافقاً للظهور العرفي، وليس مخالفاً، ولا أقل من كون ذلك قرينة داعية للتصرّف فيه وحمله على هذا المعنى، فلاحظ .
ثمّ إنّه لو رفعنا اليد عن ذلك، وبنينا على وفق ما بنى عليه العلّامة المجلسي رحمةالله من كون الثلاثين إشارة إلى العدد، وليس إشارة إلى الهيئة، فمتى يكون لقاؤه بالثلاثين المذكورين؟ هل يكون ذلك في زمان الغيبة الصغرى، أم في الكبرى؟ ذكر العلامة المجلسي قولاً بأنه زمان الغيبة الصغرى، وليس زمان الغيبة الكبرى(1). وهذا هو الذي التزم به المحدّث الكاشاني، فقد عقب على الحديث المذكور، بقوله: «بيان: طيبة، المدينة المقدّسة، يعني إذا اعتزل فيها مستتراً ومعه ثلاثون من شيعته يأنس بعضهم ببعض، فلا وحشة لهم، كأنه أشار بذلك إلى غيبته القصيرة، فإنّ في الطويلة ليس لشيعته إليه سبيل»(2).
وقد تحصّل من جميع ما تقدّم، عدم صلاحيّة الخبر المذكور للمعارضة، كيف وقد عرفت ما فيه.
ثمّ إنّ المدعين للمعارضة ركّزوا بصورة أساس على عبارة الوحشة التي تضمنها الخبر، على أساس أنّها متعلّقة بصاحب الناحية المقدّسة، ولبعضهم توجيه وجيه، إذ أنّه لا يتصوّر حصول الوحشة للمولى (روحي لتراب حافر جواده الفداء) كيف وأنيسه الباري سبحانه وتعالى، والقرآن الكريم جليسه، والخضر صاحبه، وصالحو الجنّ والملائكة حوله وفي خدمته؟! إنّ هذا كلّه مانع من الالتزام بكون الوحشة متعلّقة به (بأبي وأمّي)، وعليه لابدّ وأن تكون الوحشة متعلّقة بغيره، والظاهر تعلّقها بالمجتمع المؤمن بفكرة الإمام
توقيع السمري في الميزان...55
المنتظر عجل الله تعالی و فرجة الشریف، فهو الموصوف والمقصود بتلك الرواي، لكونه قد اعتاد على وجود الإمام المعصوم علیه السَّلام بين ظهرانيه، والآن حصلت حالة جديدة لم يألفها المجتمع الموالي، فيصاب نتيجة ذلك بوحشة. والحق، أنه بعد كلّ ما ذكر، كيف لفقيه، أو فاضل أن يستند لمثل هذا النصّ في مقام الاستدلال، وحاله ما قد عرفت، فتدبّر.
هذا ولو أصرّ المستشكل على عدم القبول بشيء ممّا قدّم، وادّعي وقوع المعارضة، فلا يذهب عليك أن تقريبها يبتني على كون المقصود من الغيبة المذكورة في الخبر هي الغيبة الكبرى، أمّا لو قلنا بكونها الصغرى فلن تكون هناك معارضة أصلاً. وهذا يعني أنّ المدّعي للمعارضة لابدّ وأن يأتي بقرائن تثبت كون الغيبة في الخبر هي الكبرى وليس الصغرى، فإنّ الاستيحاش نتيجة الغيبة كما يتصوّر في الكبرى فهو متصوّر في الصغرى أيضاً، فتدبّر.
وعليه: فإنّ عدم الجزم بتحديد المقصود من الغيبة في الخبر، مع إمكانيّة حمل المعنى على الغيبتين دون وجود مرجّح لأحدهما على الآخر يوجب إجمالاً فيه، وبالتالي إن أمكن حلّه بوجود مبين له، وإلا سقط عن الاعتبار ظهوراً، فلاحظ.
والظاهر أنّ حلّه من خلال ما تقدّم عند الحديث الأوّل، بحمل الثلاثين على خصوص الخضر علیه السَّلام، والملائكة، والمؤمنين من الجنّ، فإنّ النصيّن اللذين قدّمنا ذكرهما لم يتضمّنا تحديداً لعدد الملائكة، ولا لعدد مؤمني الجنّ، وبالتالي يمكن استيفاء العدد المذكور لهم، فتدبّر.
و أمّا لو بني على عدم القبول بالجمع العرفي وكان الإصرار على كون المعارضة مستقرّة، فلن يختلف الحال عندها عمّا ذكر في الحديث عن موثّقة الساباطي، فلاحظ .
56...كلمات مهدويّة
ومنها: قال أبو جعفر علیه السَّلام: «يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب - ثمّ أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى - حتّى إذا كان قبل خروجه أتي المولى الذي كان معه حتّى يلتقي بعض أصحابه، فيقول: كم أنتم ههنا؟
فيقولون: أربعين رجلاً .
فيقول: كيف أنتم لو رأيتم صاحبكم؟
فيقولون: والله لو ناوى بنا الجبال لناويناها معه»(1)، فإنَّ المستفاد منها أنّه عجل الله تعالی و فرجة الشریف في الايت يبعث المولى الذي معه رسولاً إلى بعض أصحابه من المؤمنين، قبل قيامه وقبل قتل النفس الزكيّة، ولمّا لم تتضمّن الرواية تحديداً للزمان، فمن المحتمل أن يكون ذلك قبل القيام والظهور بكثير، فيثبت المطلوب من الرؤية واللقاء الموجب لتحقق المعارضة.
ولا يخفى أنّ التقريب المذكور للرواية لو صحّ، فإنّه يتمّ بناءَ على ما حكاه المستدلّ، وإلّا فقد نقل الرواية صاحب البحار قدس سره عن كتاب العيّاشي، وقد اشتملت على تحديد ذلك بما قبل الخروج بليلتين، ففي خبر عبد الأعلى الحلبي المرويّ في تفسير العيّاشي، قال: «قال أبو جعفر علیه السَّلام: يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب - ثمّ أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى - حتّى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الذي يكون بين يديه حتّى يلقى بعض أصحابه، فيقول: كم أنتم ههنا ؟
فيقولون: نحو من أربعين رجلاً .
فيقول: كيف أنتم لو قد رأيتم صاحبكم؟
1) (1) الغيبة للشيخ النعماني: 182، الحديث 30.
توقيع السمري في الميزان...57
فيقولون: و الله لو يأوي بنا الجبال لأويناها معه.
ثم يأتيهم من القابلة، فيقول لهم: أشيروا إلى ذوي أسنانكم وأخياركم عشرة، فيشيرون له إليهم فينطلق بهم حتّى يأتون صاحبهم ويعدهم إلى الليلة التي تليها»(1). ولا ريب في أنّ ذلك لا يكون إلّا بعد حصول جملة من علامات الظهور، كقتل النفس الزكيّة، لأنّ قتله يكون قبل الظهور، كما أشير لذلك في العديد من النصوص.
ووفقاً لما ذكرنا، لن تكون الرواية المذكورة بناءً على نسخة البحار عن العيّاشي معارضة للتوقيع الشريف، فإنّه إنّما ينفي المشاهدة ولو بمعنى الرؤية قبل السفياني والصيحة، وهما حاصلان قبل قتل النفس الزكيّة، فتدبر.
ثمّ إنّه لو لم يقبل بما ذكر، فلا ريب أنّه مع تعارض النسختين، وعدم وجود ما يوجب الترجيح لأحدهما على الآخر، فإنّ ذلك يستوجب عدم التعويل على أيّ منهما، كما هو المتّبع عند علماء الحوزة (زادها الله رفعة وعزّة)، ولا أقلّ من أنّه ترفع اليد عن النقطة التي يقع الاختلاف بين النسختين فيها، وهذا يعني أنّ محل الاستشهاد بالخبر المذكور، هو الذي سوف يكون ساقطاً عن الاستناد، فلا تكون محلاًّ للاستدلال، فلاحظ
وهذا هو الإشكال الثاني الذي عرض كمانع يمنع من الاستناد للتوقيع الشريف، وهو معارضته لما ثبت تواتره من القصص الدالّة على رؤيته، وقد نقلها الثقات من الشيعة، خصوصاً وقد تضمّنت بعض تلك اللقاءات النصائح
1) (1) بحار الأنوار: 52: 341، الحدیث 91.
58...كلمات مهدويّة
والإرشادات التي يرغب إيصالها لقواعده الشعبيّة، فيكون معارضاً لما جاء في التوقيع الشريف، فترفع اليد عنه، لأنّه من أخبار الآحاد، وتلك الروايات والقصص من المتواتر، ولا ريب في عدم قابلية خبر الآحاد لمعارضة المتواتر، كما قرر في محلّه.
هذا، ولا يخفى أنّ المعارضة المتصوّرة كلّها مبنيّة على أساس كون المقصود من المشاهدة الواردة في التوقيع الشريف بمعنى الرؤية، أمّا وفقاً لما اخترناه من أنّها بمعنى دعوى السفارة، فلا معارضة في البين؛ ضرورة أنّ شيئاً من هذه الرؤى والقصص الناقلة للقيا به (روحي فداه)، لم يتضمّن شيء منها دعوى السفارة أصلاً.
إلّا أنّه لو لم يقبل بما ذكرنا، فلقد ذكر الشهيد الصدر الثاني قدس سره علاجاً لهذه المعارضة المدّعاة، حيث أشار إلى وجود محتملات:
منها: أن ترفع اليد عن التوقيع الشريف، لما عرفت من المناقشة السنديّة فيه، بما قدّمنا ذكره.
ومنها: أن ترفع اليد عن هذه الحكايات الناقلة لرؤيته (بأبي وأمّي).
ولا إشكال في عدم القبول بأي من الوجهين المذكورين، فإنّ أوّلهما قد عرفت جوابه في ما تقدّم، فلا نعيد، كما أنّ الثاني منهما لا يصار إليه لما عرفت من كونها متواترة، فلاحظ .
ومنها: منع دلالة النصوص التي تضمّنت الرؤية، وذلك بمعالجتها إمّا بحملها على مجرد التوهّم، وأن هؤلاء لم يروا، ولم يسمعوا، بل هم يزعمون ذلك، فكلامهم إمّا من الكذب المحض، أو من أضغاث الأحلام التي تكون في اليقظة.
ولا مجال للقبول بهذا التوجيه، لأنّ كثرة هذه النقولات مانعة من تسرّب
توقيع السمري في الميزان...59
الكذب إليها، وهو بنفسه أيضاً يمنع من أن تكون أوهاماً أو أحلام يقظة.
ومنها: ألا يكون المشاهدون كذّابين، أو واهمين في رؤيتهم، بل يسلّم بها، إلّا أنّ الكلام في أنّهم لم يروا صاحب الناحية، وإنّما رأوا شخصاً آخر غيره وتوهّموا أنّه هو (روحي لتراب حافر جواده الفداء).
وحال هذا الوجه ليس أفضل من سابقيه، إذ يكفي ما تضمنته تلك النقولات من بيان لجملة من الأمور والموضوعات الكاشف عن كون المرئي هو الصاحب (روحي له الفداء وأقلّ الفداء).
ثم تعرّض لحمل المشاهدة في التوقيع الشريف على دعوى السفارة، واستبعدها، ووجهه واضح، لكونه خلاف الظاهر، والذي قد عرفت في محله عدم المانع من المصير إليه.
واختار أنّه لا معارضة بين التوقيع وبين الحكايات، لما بني عليه من الالتزام يكون الغيبة ليست بمعنى خفاء الشخص، بل هي بمعنى خفاء العنوان، وهذا يعني تواجده في كل حين ووقت بين الناس، والناس يرونه، وهذا ما لا ينفيه التوقيع الشريف، لأنّ الظاهر هو تكذيب المشاهدة التي تقترن بدعواها، أمّا المشاهدة المجرّدة منها، فلا ينفيه، فتدبّر(1).
دلالة التوقيع من المتشابه:
فأوّل الإشكالين كون التوقيع الشريف من المتشابه، وحاصل ما ذكر في تصوير هذا الإشكال، بأنّه كما ثبت وجود المتشابه في الآيات القرآنيّة، فكذلك دلت النصوص على وجود المتشابه في روايات أهل البيت علیهم االسَّلام، والتوقيع
1) (1) تاريخ الغيبة الصغرى: 639 - 646.
60...كلمات مهدويّة
الشريف واحد من تلك النصوص المتشابهة التي لا يمكن الجزم بتحديد المقصود فيها، ويشهد لكونه من المتشابه وقوع الاختلاف بين العلماء في تحديد المراد فيه، فلا يستند إليه، ولا يستدل به.
ولم يتضح لي بالتحديد ما هو المتشابه في التوقيع الشريف، فهل يقصد بأنّه بأكمله من المتشابه، أم أنّ شيئاً من ألفاظه هي التي من المتشابه، وعلى فرض البناء على الثاني، فهل اللفظ المتشابه فيه هو لفظ الغيبة التامّة، أم أنّ المتشابه هو لفظ المشاهدة الذي ورد فيه.
مع أنّ شيئاً ممّا ذكرتُ لم يتعرض إليه في كلمات المستشكل، إلّا أنّ الذي يبدو أنّ نظره منصب على لفظ المشاهدة، ويشهد لذلك ما جاء في كلماته من الاستشهاد بوقوع الاختلاف بين أعلامنا في فهم المقصود منها، حيث استشهد بالشيخ الكاظمی، والسيّد الصدر قدس سره، وهما ممّن تعرّض للحديث حول تحديد المقصود من المشاهدة، وهل يراد منها الرؤية البصريّة، أم أنّ لها معنى كنائيّاً آخر.
وعلى أي حال، فأوّل ما ينبغي الالتفات إليه هو تحديد المقصود من المتشابه، وهل أنّ المراد منه هو نفس المراد في الآيات الشريفة، خصوصاً مع التوجّه إلى وجود خلاف بين أهل التفسير في تحديد المقصود منه، حتّى أنّ الباحث يجد أقوالاً عديدة بينهم قد تصل لأكثر من خمسة عشر قولاً، وهذا يعني عدم الاتّفاق على تحديد المقصود منه بالنسبة للآيات الشريفة، فهل يا ترى أنّ القائل بالمتشابه في النصوص سوف يلتزم بتعدد الأقوال في المراد منه أيضاً، أم أنّ له حقيقة فيها تختلف عمّا هو المقصود منه في القرآن الكريم؟
وكيف كان، فإنّ الالتزام بثبوت المتشابه في اللفظ، ومن ثمّ البناء على كونه
توقيع السمري في الميزان...61
مجملاً غير محدّد المراد، مناط بما إذا لم يمكن تحديد المقصود منه بحسب المفهوم العرفي، أمّا لو أمكن للعرف تحديد المقصود منه، فلن يكون في البين إجمال، وبالتالي لن يكون هناك متشابه أصلاً.
ومجرّد الاختلاف بين الأعلام في الاستظهار، وتحديد المقصود، لا يوجب القول بوجود التشابه خارجاً. كيف، وكلنا يعلم بأنّ الظهورات من الأمور العقلائيّة، والتي يرجع فيها للنوع، ولا يعوّل فيها على الفرد كما قرّر في محلّه، فتدبّر.
والحاصل: متى ما كان المقصود من التوقيع واضح الدلالة، بيّناً عند العرف وفقاً للمنظور العقلائي، عوّل عليه، و رتّب الأثر، ولم تسمع دعوى التشابه فيه.
مع أنّك قد عرفت منّا أنّ المقصود من المشاهدة في التوقيع الشريف وفقاً للقرائن الداخليّة، والفهم العرفي السفارة، وليس مجرّد المشاهدة، فلا نعيد.
وحاصل الإشكال الثاني، هو إنّ القضايا التي ترد في النصوص لا تخلو إمّا أن تكون قضيّة مسوّرة، أو تكون قضيّة مهملة، والقضيّة المسوّرة، إمّا أن تكون قضيّة كليّة، أو تكون قضيّة جزئيّة، فالقضيّة الكلّيّة، هي التي تدلّ على أمر كلّي، والقضيّة الجزئية هي التي تدلّ على أمر جزئي، فلو لم تكن القضيّة ذات سور عبّر عنها بالمهملة، فتكون في قوّة الجزئيّة، وعندما نطبّق هذه القاعدة على توقيع السمري، نجد أنّه قضيّة غير مسوّرة، بل مهملة، فتكون في قوّة الجزئيّة ، وهذا يعني أنّ ما ينفيه التوقيع من المشاهدة هي بعض المشاهدة، وليست جميعها، وإذا سلّمنا أنّ المقصود من المشاهدة فيه هي السفارة، فإنّ المنفي إذاً هي بعض السفارة، وليست جميعها، وهذا يستلزم أن لا يكون للتوقيع
62...كلمات مهدويّة
دلالة على انقطاعها بوفاة السفير الرابع، لأنّ المستفاد منه هو نفيها في الجملة، وهو ما عبّرنا عنه بالأمر الجزئ ، فيكون ساكتاً عن إمكانيّة وجودها في زمان الغيبة الكبرى، وهو المطلوب.
ويشهد لما ذكر من أنّ القضيّة التي في التوقيع جزئية وليست كلّيّة، النصوص التي تضمّنت إرساله عجل الله تعالی وفرجه الشریف مَن يمثّله في فترة ما قبل القيام، كرواية عبد الأعلى الحلبي، ورواية اليماني.
وبعبارة موجزة: إن التوقيع لا يثبت انتهاء السفارة بوفاة السفير الرابع، لأنّه قضيّة غير مسوّرة، بل قضيّة مهملة، فيكون مضمونه أمراً جزئيّاً، فلاحظ.
ولا يخفى أنّ الاستدلال المذكور يقوم على الالتزام بكون الموضوع في التوقيع الشريف قضيّة مهملة، وليس قضيّة مسوّرة، حتّى يلتزم بأنّ القضيّة المهملة في قوّة القضيّة الجزئيّة، مع أنّ وجود اللام في كلمة المشاهدة مانع من البناء على كون القضيّة مهملة غير مسوّرة؛ ضرورة أنّ اللام كما لا يخفى - للاستغراق، وبالتالي سوف تكون القضيّة مسوّرة وليست مهملة، وهذا يستدعي أن تكون دالّة على معنى كلّي، وليست مفيدة لمعنى جزئي، كما هو واضح .
ثمّ إنّه بعد رفع اليد عمّا قدّم، فإنّ النصوص التي أشير إليها لا تصلح للمدّعى، إذ مضافاً لما عرفت الجواب عنها في محلّه، فإنّها مختلفة من حيث المتن، وفقاً لاختلاف نسخها.
ولنذكر لذلك مثالاً، وهو موثقة إسحاق بن عمّار والتي يُستند إليها في إمكانيّة الرؤية في زمان الغيبة الكبرى، لأنّه قد جاء في ذيلها: «والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصة مواليه في دينه». إلّا أنّها قد نقلت في كتاب الغيبة للنعماني بصورة أخرى تغايرها في الدلالة، فقد ورد فيها: «والأخرى لا يعلم بمكانه فيها خاصّة
توقيع السمري في الميزان...63
مواليه في دينه»(1).
ومن الواضح جدّاً أنّه وفقاً لهذا النقل، لن تكون ذات ارتباط بالمدّعى أصلاً، لأنّها تثبت عدم إمكانيّة اللقاء والرؤية بالمولى (روحي له الفداء) في زمان الغيبة الكبرى، ومثل ذلك أيضاً نقل آخر لها، فقد ورد فيه: للقائم غيبتان، إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة، الأولى «لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة مواليه في دينه»(2)، فإنّها ساكتة تماماً عن الحديث عن الغيبة الكبرى، وينصبّ حديثها فقط حول الغيبة الصغرى ليس إلّا، فلاحظ.
وبالجملة: إنّ الإشكال المذكور لا يختلف حاله عمّا تقدّمه من إشكالات، وبالتالي لا يصلح لمنع دلالة التوقيع الشريف على المدّعى.
تأليف
علي الجهرمي
منشورات دار ياسين
جَميع الحُقوق مَحفوظَة
الطبعَة الأولى
1414ه- 1993)
لا يخفى على القارىء العزيز أنه يلزم توفر أساسين لتحقق أيّ موضوع:
1 - وجود المقتضى.
2 - عدم وجود المانع.
وانتفاء أحد الأساسين يكفي لإنتفاء الموضوع برمته. وموضوع اللقاء بإمام العصر علیه السَّلام الذي نبحثه يحتاج تحققه توفر هذين الأساسين للتمتع بفيض بركات الحضور بين يدي صاحب الأمر عليه السَّلام أو استجلاب أيّ من مظاهر رعايته وعنايته علیه السَّلام. وما مرَّ معنا في الصفحات السابقة كان لإثبات «وجود المقتضى» فقد ثبت لنا أن المقتضى موجود، فلنتحدث الآن عن «عدم وجود المانع».
ولنستعرض أولاً ما يمكن تصوره من أمور تعدّ مانعاً من تحقق اللقاء مما يدفع بالتالي إلى انكار وقوع اللقاء بإمام الزمان علیه السَّلام وسماع صوته المبارك. وهي كما يلي:
3-العبارة الواردة في آخر توقيع صدر عن صاحب الأمر علیه السَّلام فى أواخر الغيبة الصغرى إلى آخر سفير من. سفراءه الأربعة وهو (علي بن محمد السمري). وإليك نصَّ الكتاب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يا عليَّ بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك،
33
فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلّا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً.
وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.»(1)
وقد جاد علي بن محمد السمري بروحه الطاهرة بعد ستة أيام من وصول هذا الكتاب الشريف.
ولتوضيح مدلول هذا الكتاب نقول:
لقد صرح الكتاب الشريف بأنّ «من ادعى المشاهدة» بعد الغيبة الصغرى، أي على امتداد الغيبة الكبرى لإمام العصر والزمان علیه السَّلام «فهو كذاب مفتر »، ليس (كاذباً) وانمّا (كذاب) أي ممتهن للكذب، وقد توقع الكتاب مجيء البعض إلى الشيعة وادعاء ملاقاة الإمام علیه السَّلام.
وينبغي القول بأنّه لا دلالة في هذا الكتاب الشريف على عدم امكانية التشرف بلقياه علیه السَّلام وأفضل دليل على ذلك هو
34
1) (1) احتجاج الطبرسي: ج / ص 478 وفيه: ... وسيأتي إلى شيعتي من يدّعي المشاهدة. وكذلك في بحار الأنوار ج 52 / ص 151. باب من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى.
إدعاء البعض ممن نقلوا هذه الرواية أنفسهم الرؤية والمشاهدة! ومن جملتهم المرحوم السيد بحر العلوم كما سيمّر بنا لاحقاً إن شاءالله عندما نصل إلى موضوع توضيح هذا الأمر. لذا وبناءاً على ما ورد من إثبات إمكانية التشرف بلقاء الإمام علیه السَّلام يجب حمل هذا التوقيع المبارك على معانٍ أخرى وتفسيره بما ينسجم مع ذلك. ولتحقيق هذا الغرض، يمكن ذكر النكات الهامة التالية:
35
أولاً: يمكن حمل معنى الكلام الوارد في التوقيع على أنه يشير إلى أولئك الذين يدّعون علاوة على المشاهدة معرفة الإمام عليه السلام حين المشاهدة أيضاً، وباختصار فإنَّ النفي والإثبات لا يكون مرتبطاً بموضوع واحد، بل إن النفي يرتبط بكلِّ حالة ارتبطت فيها المشاهدة بالمعرفة والتشخيص على أنَّ هذا المُشاهَد هو صاحب الأمر علیه السَّلام. في حين يرتبط الإثبات بكلِّ مشاهدةٍ تمت دون معرفة الإمام علیه السَّلام أثناء الملاقاة، وعليه فإن ما يجب أن يُرد ويُكذِّب هو إدعاء الملاقاة ومعرفة عَلَى الإمام علیه السَّلام أَمَّا رؤيته دون معرفته أثناء اللقاء فأمرُ ممكن بل و واقع أيضاً.
غير أنَّ هذا التفسير لا يبدو صحيحاً وتاماً خصوصاً إذا علمنا أن بعض الأكابر صرحوا بالقول أنهم عرفوا الإمام عليه السَّلام أثناء التقائهم به علیه السَّلام كما سيمّر بنا في بعض القصص التي سننقلَها حول تشرّف البعض بلقاء الإمام علیه السَّلام.
ثانياً: يمكن أن يكون المعنى المراد من التوقيع الشريف هم
36
أولئك الذين يقرنون ادعاءهم بلقياه مع ادعاء النيابة أو الوساطة أو البابية وادعاء استمرار الإتصال والإرتباط به علیه السَّلام. فمن ليس لديّه ادعاء سوى التشرف برؤية طلعته البهيّة وعلى نحو الأحيان والإستثناء لا يمكن اعتباره مفترٍ كذّاب وبذلك فإن التوقيع الشريف يمنع من صياغة البدع وادعاء البابية والوساطة وبالنتيجة فهو يمنع من انحراف المجتمع وجميعنا نعلم كثرة الكذابين والمنحرفين ممن ادعوا البابيّة لإمام الزمان عليه السَّلام وأضلوا طوائف من المسلمين وشوهوا مفاهيمهم عن الدين وحرَّفوها خلال هذه المدة التي جاوزت الألف عام من بدء الغيبة الكبرى للإمام عليه السَّلام.
وقد استدل العلّامة المجلسي (قُدس سره) بهذا الأمر وحده بعد إيراده التوقيع المبارك فقال: لعلَّه محمول على من يدَّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه علیه السَّلام إلى الشيعة على مثال السفراء لئلا يُنافي الأخبار التي مضت وستأتي فیمن رآه علیه السَّلام والله يعلم(1).
ثالثاً: يمكن أن يكون المقصود من «المشاهدة » في التوقيع الشريف هو ادعاء المشاهدة الإختيارية أيّ أن يدعي أحدهم: أن الملاقاة والمشاهدة تتم بناءاً على إرادته وفي أيّ وقتٍ وفي أيّ
37
1) (1) في بحار الأنوار ج 52 / ص 151. باب من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى.
مكان أراد، وطبيعيُّ أن أحداً لم يسمع بادعاءٍ كهذا من الأخيار والصلحاء والعلماء من الذين التقوا الإمام علیه السَّلام، بل إنهم حتى لم يحتملوا حدوث هذا الأمر مع غيرهم.
وبناءاً على ما تقدم فإن التوقيع لا ينفي حدوث المشاهدة مطلقاً، بل إنّه بصدد نفي المشاهدة المطلقة غير المقيدة بقيدٍ أو شرط.
رابعاً: يقول المحدّث الأجل المرحوم الحاج الميرزا النوري (قدس سره) بعد إيراده نصَّ الرسالة: « وهذا الخبر بظاهره ينا في الحكايات السابقة وغيرها مما هو مذكور في البحار والجواب عنه من وجوه:
الأول: إنه خبر واحد مرسل، غير موجب علماً، فلا يعارَض تلك الوقائع والقصص التي يحصلُ القطع عن مجموعها بل ومن بعضها المتضمن لكراماتِ ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره عليهه السَّلام، فكيف يجوز الإعراض عنها لوجود خبرٍ ضعيف لم يعمل به ناقله، وهو الشيخ في الكتاب المذكور [الطوسي في كتاب الغيبة] كما يأتي كلامه فيه . . . »(1).
وما نراه نحن هو أن عبارات التوقيع الشريف ذاتها، تفيدُ بأن الكلام إنما يتوجه إلى الكذابين والخائنين وأصحاب البدع كما هو واضح من عبارة «وسيأتي إلى شيعتي من يدّعي
38
1) (1) جنة المأوى، المطبوع مع البحار: ج 53 / ص 318.
المشاهدة» فبملاحظة العبارة بتأمل يظهر بجلاء أن المدّعي ليس من الشيعة بل أنه يأتي إليهم بالكذب والغش لتحقيق مقاصد مغرضة، فيدّعي الملاقاة والمشاهدة، وهو عادة يأتي مصراً متذرعاً بأغلظ الإيمان على صدق إدعائه؛ ونعلم جميعاً أن أكابرنا ممن تشرفوا بملاقاته علیه السَّلام لم يكن لديهم وليس لديهم سوءِ قصدٍ أو غرض في ما نقلوه من المشاهدات أو الأحداث في الملاقاة. بل إنهم كانوا وما يزالون العُشاق لصاحب الأمر علیه السَّلام والسعاة في خدمة العقيدة المحمدية الأصيلة، وهم تلك النخبة من الأطهار الذين أبوا وامتنعوا أحياناً بل في أغلب الأحيان عن ذكر أو شرح ما رأوه وشاهدوه ابتداءاً، ولم ينبسوا ببنت شفةٍ دون توصيةِ من أحدٍ على ذلك، وفي الأصل فهم لا يتحدثون عن أنفسهم وليسوا بصدد إثبات الكرامة لأنفسهم أو إعلاء شأنهم بين الناس.
وعليه فإنَّ التوقيع المذكور لا ينطبق على علماء الشيعة، فنقلهم للقصص التي تفيد رؤيتهم هم أو غيرهم له عليه السَّلام ليس فيها إثباتُ لادعاء أو مدعىً ما. بل إنهم ينقل هذه القصص والأحداث إنما يعبرون عن رسوخ اعتقادهم وثباته بولي العصر عليه السَّلام، كما أن هدفهم من نقلها إلى الآخرين إنما هو ترسيخ الإعتقاد بالغيب وبوجود إمام العصر والزمان وجعله أكثر ثباتاً ووضوحاً.
بذا نكون قد أجبنا على جميع الإشكالات التي يُعتقد أنها
39
تمنع من أثبات الأمر، وبذا يتضح أن أيّ واحدِ من هذه الأمور الثلاثة ليس فيه ما يحتمل لمنع وقوع الأمر.
إذن وبعد الذي ذكرناه آنفاً من الأمور لإثبات «المقتضى» والتي كان كل واحدٍ منها يصلُحُ لإثبات إمكانية اللقاء بولي العصر علیه السَّلام، مضافاً إلى علمنا بأن المقتضى إذا لم يكن من مانع يمنع من تحقق اقتضائه فإنّه سيترك آثاره في الواقع وبالنتيجة سيثبت امكان إلتقاء الإمام عليه السَّلام في زمن الغيبة الكبرى وينتفي ما يجعله أمراً مستبعداً.
وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أن جُلَّ هدفنا من هذا الكتاب هو إثبات أن مراجع التقليد الأتقياء والعلماء العظام الزاهدين كانوا على الدوام موضعاً للعناية الخاصة من قبل إمام العصر - أرواحنا فداه - سواءُ أكانت هذه العناية والرعاية على شكل لقاء أو اظهار للتقدير أو تقديم للشكر أو الدعاء بالخير أو الإرشاد والتوجيه أو تصحيح الإشتباهات والأخطاء إلى غير ذلك - ولسنا بصدد مجرد إثبات موضوع اللقاء وإمكانية التشرف بالحضور في حضرته صاحب الأمر علیه السَّلام. وما قمنا بعرضه من الأمور في الصفحات السالفة حول موضوع اللقاء والتشرف بالرؤية وما سقناه من الأدلة والبراهين على ذلك ليس إلا لأن اللقاء هو أحد مظاهر الرعاية والعناية التي يحظى بها العلماء الأعلام من لدُنِ ولي الأمر علیه السَّلام، وكان لزاماً علينا إثبات إمكانية تحققه حتى لا نتعرض للتجريح والانتقاد وتثار علينا
40
الإشكالات حينما نتعرض - لاحقاً - إلى ذكر القصص التي ورد فيها ذكر حصول اللقاء والتشرف برؤيته عليه السَّلام، وإلَّا فإننا نقلنا بعض القصص - كما سيلي ذكره - التي لم تقع أحداث اللقاء فيها للعلماء أنفسهم وإنما وقعت مع أشخاصٍ آخرين من سائر الناس غير أنها انطوت على إشارات ونكات يُستفاد منها رعاية الإمام علیه السَّلام للعلماء، لذا فقد أوردناها مع أنها أشارت إلى تشرف غير العلماء بلقاء الإمام علیه السَّلام.
خلاصة الأمر: أن الهدف من البحث الآنف هو إزالة اللبس أو الإيهام والشك الذي قد يُثار عند الإطلاع على القصص التي سنذكرها لاحقاً.
وبذا ينتهي القسم الأول من الكتاب. ونتابع معاً الآن القسم الثاني منه والذي خصّصناه لذكر بعض الموارد التي تجلت فيها رعاية صاحب الأمر عن السلام للعلماء الأعلام والمراجع العظام - أعلى الله مقامهم - من تحرروا من قيود المادة وأسرها أو الشهرة والسمعة وأطواقهما.
41
مجموعة مقالات ومحاضرات الاستاذ المحقق الفقيه المدقّق سماحة آية الله الحاج الشيخ محمد جواد الفاضل اللنكراني
باهتمام
محمد حسن دانش
سرشناسه: فاضل لنکرانی، محمدجواد، 1341 -
عنوان و نام پدیدآور: بحوث في المهدوية/ محمد جواد فاضل لنکرانی.
مشخصات نشر: قم مرکز فقهی ائمه اطهار علیهم السَّلام، 1395.
مشخصات ظاهری: 395 ص.
شابک: 2 - 054 - 388 - 600 - 978
وضعیت فهرست نویسی: فیپا
موضوع: محمد بن حسن (عجل الله تعالی و فرجة الشریف) - امام دوازدهم 255ق -
موضوع: مهدویت
رده بندی کنگره: 1395 3 ب 2 / 4 / BP224
رده بندی دیویی: 297/462
شماره کتابشناسی ملی: 4600403
انتشارات مرکز فقهی ائمه اطهار
بحوث في المهدوية
ناشر: مرکز فقهی ائمه اطهار علیهم السَّلام
حضرت آیت الله محمد جواد فاضل لنکرانی باهتمام: محمد حسن دانش
نوبت چاپ: اول / 1395 شمارگان: 300 نسخه
قیمت: 20000 تومان چاپ: چاپخانه یاران
شابک: 2 - 054 - 388 - 600 - 978
مراکز پخش
قم، میدان معلم، مرکز فقهی ائمه اطهار علیهم السَّلام، تلفن: 37832303 و 37749494
قم شعبه 1: خیابان ارم، جنب مدرسه کرمانی ها، تلفن: 37744271 و 37744281
شعبه تهران: سه راه ضرابخانه، پاسداران، خیابان شهید کاشی ها، پلاک 6، تلفن: 22843965
شعبه مشهد: چهارراه شهدا، خیابان آیت الله بهجت، نبش بهجت 9/1، مقابل اداره بهزیستی، تلفن: 32220160
المهدويّة والإلزامات المعرفية للإنتظار
لقاء مع صحيفة حريم الإمام، الصادرة عن العتبة المقدّسة للإمام الخميني (ره)
الأمر السادس: إمكان رؤية الإمام المهدي علیه السَّلام في عصر الغيبة الكبرى
220...بحوث في المهدويّة
القول الأوّل: عدم إمكان الرؤية في عصر الغيبة الكبرى
فبعد شروع عصر الغيبة الكبرى لا يمكن بأي وجه رؤية الإمام بقيّةالله الأعظم علیه السَّلام، وأنّ باب الرؤية قد سدّ تماماً، ومن القائلين بهذا القول شخصيات معروفة وهم: 1. المرحوم أبو عبدالله محمّد بن جعفر النعماني المعروف بالشيخ النعماني رحمةالله، وهو ابن أبي زينب (م360 ه ق) في كتابه «الغيبة»، 2. الملا محمّد محسن الفيض الكاشاني رحمةالله (1006 - 190 ه ق) في كتابه «الوافي»؛ 3. الشيخ جعفر بن خضر كاشف الغطاء رحمةالله (م 1227 ه ق) في رسالته «الحقّ المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الإخباريين».
القول الثاني: إمكان الرؤية في عصر الغيبة الكبرى
بعد شروع الغيبة الكبرى يمكن رؤية الإمام بقيّة الله الأعظم علیه السَّلام لجميع الناس، سواءً المسلم وغير المسلم والعادل والفاسق، و أنّ باب الرؤية مفتوح تماماً لجميع الناس.
القول الثالث: إمكان الرؤية في عصر الغيبة الكبرى للمتقين فقط
أي إمكان رؤية الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام في عصر الغيبة الكبرى للصلحاء والزهّاد والعبّاد من الناس والأفراد الطاهرين والمتّقين فقط، وباب الرؤية موصد بالنسبة للأخرين، يعني أنّ القائلين بهذا القول اختاروا الحدّ الوسط في هذا المجال.
القول الرابع: عدم إمكان الرؤية الإختياريّة وإمكان الرؤية الاضطراريّة
فبعد شروع عصر الغيبة الكبرى لا يمكن رؤية الإمام الحجّة ابن الحسن علیه السَّلام بشكل اختياري، ولكن يمكن «الرؤية الاضطراريّة» و «عن غير اختيار» وبدون
تخطيط مسبق بحيث تتزامن هذه الرؤية مع عدم معرفة الشخص للإمام صاحب الزمان علیه السَّلام، وبشرط وثاقة واعتبار الناقل لهذه الواقعة، ومن القائلين بهذا القول ممن ذهب إلى أنّ الدليل على ذلك هو ما ورد في توقيع الإمام المهدي علیه السَّللام إلى علي بن محمّد السمري رحمةالله، ويمكن الإشارة إلى بعض الحوادث من هذا القبيل التي وقعت للمتقدّمين والمتأخّرين، وكذلك عدد غير محدود من المعاصرين ومنهم آية الله العظمى الشيخ فاضل اللنكراني رحمةالله.
مؤيدات القول الرابع
كما رأينا آنفاً أنّ القول الرابع يوافق بعض ما ورد من التوقيعات الصادرة من الإمام المنتظر علیه السَّلام، ومنها ما ورد في آخر توقيع للإمام المهدي علیه السَّلام إلى علي بن محمّد السمري رحمةالله والذي يستند إليه المرحوم الوالد (قدس الله نفسه الزكيّة) حيث ذهب إلى عدم إمكانيّة الرؤية الاختياريّة بأي وجه في عصر وجه في عصر الغيبة الكبرى لجميع الناس حتّى لمراجع التقليد أيضاً، وطرح هذا الإدّعاء من الرؤية ليس له وجه صحيح أبداً، لأن الإمام المهدي علیه السَّلام أشار في هذا التوقيع إلى عدة نقاط مهمّة وقال:
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا عَلَيَّ بنَ مُحَمّدٍ السِّمُرِيِّ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَ إِخْوانِكَ فِيكَ، فَأَنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَينَ سِتَّةِ أَيَّامٍ فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصِي إِلَى أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتْ الغَيبَةُ التَّامَّةِ فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ تَعالَى ذِكْرُهُ وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الأَمَدِ وَقَسْوَةُ القُلُوبِ وَامَتِلاءِ الأَرضَ جَورَاً وَسَيَأْتِي إِلى شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ أَلَا فَمَنْ ادَّعى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العظيمِ»(1).
1) 1. بحار الأنوار، ج 51، ص 361، ح 7.
222...بحوث في المهدويّة
والنقاط الواردة في هذا التوقيع الشريف عبارة عن:
النقطة الأولى: تبيين دستور العمل في عصر الغيبة الكبرى في هذا التوقيع
وكما نرى أنّ هذا التوقيع يشمل عدّة مقاطع مهمّة وهي،
المقطع الأوّل: علم الإمام علیه السَّلام فيما يتصل بأحوال الأمّة
نقرأ في المقطع الأوّل في هذا التوقيع: «يا عَليَّ بنَ مُحَمَّدٍ السِّمُرِيِّ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَ إِخْوانِكَ فِيكَ، فَأَنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَينَ سِتَّةِ أَيَّامٍ فَاجْمَعْ أَمْرَكَ...».
المقطع الثاني: الإعلام عن نهاية النيابة الخاصّة
يقول الإمام صاحب العصر والزمان علیه السَّلام في المقطع الثاني: «وَلَا تُوصِي إِلى أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ ...».
المقطع الثالث: الإخبار عن بداية الغيبة الكبرى
يقول الإمام صاحب العصر والزمان علیه السَّلام في المقطع الثالث: «فَقَدْ وَقَعَتْ الغَيبَةُ التَّامَّةِ...».
المقطع الرابع: الإخبار عن طول مدة الغيبة الكبرى
وفي المقطع الرابع يقول الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام: «فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الأَمَدِ وَقَسْوَةُ القُلُوبِ وَامَتِلاءِ الأَرضَ جَورَا...».
المقطع الخامس: الإخبار عن ظهور المدّعين للمشاهدة في عصر الغيبة الكبرى
يقول الإمام صاحب العصر والزمان علیه السَّلام في هذا المقطع الخامس: «وَسَيأْتِي إلى شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ...».
المقطع السادس: تكذيب من يدعي الرؤية قبل ظهور العلامات الحتميّة
وأخيراً يقول الإمام صاحب العصر والزمان علیه السَّلام في المقطع السادس: « أَلَا فَمَنْ ادَّعى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍٍ...».
النقطة الثانية: حتمية صدور التوقيع من قبل الإمام المهدي علیه السَّلام
أمّا سند هذا التوقيع فهو سند معتبر، وله ما يقارب من خمسة عشر مدركاً وكلّها ذكرت في كتاب «كمال الدين وتمام النعمة»، أو نقلاً بشكل مباشر عن طريق الشيخ الصدوق رحمه الله، وفي اعتبار هذه الرواية تكفي هذه النقطة، وهي أنّ كبار العلماء من المتقدّمين والمتأخّرين من أصحاب الإماميّة كانوا يتحفّظون في نقل هذا التوقيع في كتبهم، وعلى ضوء ذلك، يستفاد من هذه النقول أنّه لا أحد من العلماء أشار إلى ضعف سند هذا التوقيع وأنّ هذا الحديث كان مورد اهتمامهم وعنايتهم، على سبيل المثال: الشيخ الصدوق رحمه الله نقل هذا التوقيع في كتابه «كمال الدين وتمام النعمة»(1)، وكذلك الشيخ الطوسي رحمه الله في كتابه «الغيبة»(2)، والقطب الراوندي في كتابه «الخرائج و الجرائح»(3)، والشيخ الطبرسي رحمه الله في كتابه «إعلام الورى بأعلام الهدى»(4)، والعلّامة المجلسي رحمه الله في كتابه «بحار الأنوار»(5)، رغم وجود اختلاف يسير في هذه النقول والذي ليس له أهميّة تذكر، مثلاً قد ورد في بعض النسخ «قد وقعت الغيبة التّامة»(6)، وفي البعض الآخر من النسخ عبارة:
1) 1.كمال الدين وتمام النعمة الشيخ الصدوق رحمه الله، ج 2، ص 516.
2) 2.الغيبة الشيخ الطوسي رحمه الله،ص 395.
3) 3.الخرائج والجرائح» قطب الراوندي، ج 3، ص 1128.
4) 4.إعلام الورى بأعلام الهداى الشيخ الطبرسي رحمه الله ص 445.
5) 5.بحار الأنوار العلّامة المجلسي رحمه الله، ج 51، ص 360.
6) 6. بحار الأنوار العلامة المجلسي رحمه الله، ج 51، ص 151؛ ج 53 ص 418؛ والاحتجاج الطبري رحمه الله، ج 2 ص 478؛ إعلام الورى، الطبرسي رحمه الله، ص 445؛ الخرائج والجرائح، قطب الراوندي رحمه الله، ج 3، ص 1128؛ الصراط المستقيم، البياضي، ج 2، ص 246؛ الغيبة الشيخ الطوسي رحمه الله، ص 495؛ وكشف الغمة، ج 2، ص 53؛ ومنتخب الأثر والأنوار المضيئة، عبد الكريم نيلي النجفي، ص 130.
224...بحوث في المهدويّة
«قد وقع الغيبة الثانية»(1)أو بعض النقول عبارة «سيأتي على شيعتي من يدعي المشاهدة» وفي بعض النسخ «وسيأتي سبعون».
وعلى ضوء ذلك، فادعاء «أنّ هذا التوقيع مرسل وضعيف» أو «إعراض المشهور عن التوقيع» غير صحيح لأنه:
أوّلاً: إن ادّعاء الإرسال لهذا التوقيع لا يمكن أن يكون صحيحاً، لأنّ رواية التوقيع من حيث السند معتبرة ولا بحث فيها، لأنّ الشيخ الصدوق رحمه الله نقل هذه الرواية عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتب، وهو نقلها عن علي بن محمّد السمري رحمه الله النائب الرابع للإمام المهدي علیه السَّلام، وبما أنّ وفاة الشيخ الصدوق رحمه الله وقعت في عام 3881 ه ق، فعليه أنّ الشيخ الصدوق رحمه الله كان قد عاش الغيبة الصغرى وكان حيّاً في عصر النائب الرابع، وبالتالي يمكنه نقل هذه الرواية من النائب الرابع بواسطة واحدة، فهذه الرواية المذكورة ليس لها مشكلة الإرسال وتتمتع بصحّة السند، وطبعاً فالشيخ الصدوق رحمه الله نقل عن هذا الراوي عدّة روايت وأدعية أخرى أيضاً.
ثانياً: إنّ إعراض مشهور الفقهاء والمحدّثين، بالنسبة لرواية التوقيع ليس بقادح بها من هذه الجهة أيضاً، لأنّه:
أولاً: أساساً فإنّ إعراض المشهور في هذا المورد لا معنى له، وأنّ المعترضين أساساً غير ملتفتين إلى أصل ادّعائهم، لأنّ إعراض المشهور إنّما يكون معتبراً فيما لو كان في المسائل الفقهيّة والفتوائية لا في المسائل الاعتقاديّة
ثانياً: بالنسبة لهذا التوقيع، الصادر من الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام كيف يمكن الادّعاء بأنّ مشهور الفقهاء والمحدّثين أعرضوا عن هذا التوقيع، في حين أنّ
1) 1. كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، ص 516.
6۔ المهدويّة والإلزامات المعرفيّة للإنتظار...225
إعراض المشهور إنّما يكون مقبولاً بعد البحث في مطاوي كتب الفقهاء وحصول اليقين أو الاطمئنان على عدم عملهم بما يوافق هذه الرواية أو الفتوى.
و على ضوء ذلك، فالسؤال الذي يطرح على هؤلاء المعترضين هو: أي واحد من الفقهاء صرّح بما يخالف هذا التوقيع بحيث إنّكم تدّعون إعراض المشهور عنه؟ أو أي واحد من الفقهاء ذكر كلاماً في كتابه بما يخالف هذا التوقيع و أنّ رؤية الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام ممكنة؟ أساساً فإنّ هذه المسألة وهي إمكانية رؤية الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام و عدمها لم تطرح في الكثير من كتب الفقهاء والمحدثّين حتّى يمكن إيجاد محمل لهذا الادّعاء.
النقطة الثالثة: مقطع «من يدّعي المشاهدة» هو الأصل في دلالة الرواية
وأهم مقطع في دلالة هذه الرواية على المطلوب، هو قوله: وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة، بمعنى أنّه سرعان ما يأتي بعض الأشخاص إلى الشيعة و يدّعون رؤيتي ومشاهدتي، وهؤلاء يفترون الكذب وكلامهم مجرّد افتراء.
وعلى هذا الأساس فإن دلالة هذه الرواية معتبرة وجليلة، وسماحة الوالد رحمه الله أيضاً قد أكّد على دلالة هذه الرواية على المطلوب، والسؤال هو: ما هو المقصود بجملة «يدعيالمشاهدة»؟ في هذا المورد هناك عدّة أقوال:
القول الأول: تعني الرؤية الاختيارية
فالمراد من قوله علیه السَّلام جملة «يدّعي المشاهدة» هو أنّه من الممكن أن يأتي أشخاص في الأزمنة التالية للغيبة الصغرى ويدّعون أنّهم حضروا وتشرفوا عند الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام ومن هذه الجهة قال الإمام علیه السَّلام: «أَلَا فَمَنْ ادَّعى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍٍ».
ردّ القول الأول من وجهة القول المختار
كما يتبيّن من مضمون هذه الرواية، إنّ هذا التوقيع الشريف يحمل ردّاً قاطعاً
226...بحوث في المهدويّة
للقول الأول، لأنّ الإمام المهدي علیه السَّلام قبل عبارة «يدعي المشاهدة» ذكر مقدّمة لكلامه وقال في البداية «فقد وقعت الغيبة الثانية/التّامّة» وتابع الإمام علیه السَّلام قوله: «فَلا ظُهُورَ إلا بعد إذن الله تعالى ذكرُهُ»، بمعنى أنّ حالة الظهور العلني للإمام قد انتهت ولا أحد يستطيع رؤيتي ولا يعرفني بأنني حجّة الله على خلقه، وعلى ضوء ذلك، وطبقاً لهذا المقطع الشريف من الرواية، فإنّ ادّعاء المشاهدة باطل من أساسه.
القول الثاني: بمعنى النيابة الخاصّة
فالمقصود من قول الإمام في عبارة «يدّعي المشاهدة»، هو أنّ الناس في الأزمنة التالية بعد تمام الغيبة الصغرى ربّما يأتي أفراد منهم ويدّعون النيابة الخاصّة، كما ذهب إلى هذا القول بعض الأكابر من العلماء والمحقّقيين.
مناقشة القول الثاني حسب القول المختار
ويبدو أنّ القول الثاني مجانب للصواب أيضاً، لأنّ من المعلوم أنّ عبارة «من يدّعي المشاهدة» لا تعني «من يدّعي النيابة»، وبعبارة أخرى إنّ تطبيق معنى الكلمة «عن المشاهدة» على «النيابة» خلاف الظاهر.
النقطة الرابعة: عدم وجود دليل قطعي على تحقق الرؤية في عصر الغيبة الكبرى
والنقطة الأخرى المستوحاة من هذا التوقيع الشريف، إنّه إذا لم تكن في مسألة رؤية الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام سوى هذه الرواية، والظاهر هي كذلك، وأساس، لا معنى لوجود دليل آخر، ففي هذه الصورة ينبغي القول إنّ جميع الأخبار الواردة في رؤية الإمام صاحب الزمان في عصر الغيبة الكبرى كانت مبتنية على الاحتمال، يعني لا يمكن أن يدّعي أحد بشكل قاطع ويقيني وقوع مثل هذه الرؤية.
وبعبارة أخرى، مع وجود البيان المحكم والنص الصريح للإمام المعصوم علیه السَّلام في هذا التوقيع المبارك الذي يخاطب به نائبه الرابع ويقول: «وَلَا تُوصِ إِلى أَحَدٍ فَيَقُومَ
6.المهدويّة والإلزامات المعرفيّة للإنتظار
مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ»، مبني على غلق باب النيابة الخاصّة، ومن الطبيعي أنّ الإمام علیه السَّلام توقّع بعلم الإمام أنّه «وَسَيَأْتِي إِلى شِيعَتي»، في المستقبل وبعد انتهاء عصر الغيبة الصغرى من يدّعي الرؤية وأنّ «باب ادّعاء الرؤية مفتوح»، ومن هذه الجهة أراد الإمام علیه السَّلام في قوله: «مَنْ يَدَّعي المُشاهدة»، الحيلولة دون وقع الفتنة من «ادعاء المشاهدة» الفتنة التي استمرت وللأسف لحدّ هذا الزمان، لأنّه ظهر في العصور الماضية أشخاص كثيرون عملوا على تخريب أذهان الناس وعقيدتهم وادّعوا أنّهم تشرفوا بحضور الإمام بقيّة الله الأعظم علیه السَّلام وبهذه الطريقة سعوا إلى كسب «مكانة واعتبار اجتماعي» لأنفسهم، مثلاً ما حدث من ادّعاء شخص باسم «محمّد عرفانيان» في لقائه مع الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام، وهو شخص معروف في طهران إلى حدّ أنّ بعض رجال الدين جاءوا مع عدد من تجّار طهران للقاء والدنا المعظم رحمه الله ولحسن الحظ لم يأذن لهم بلقائه، ولكنّهم قالوا لي: إنّ السيّد عرفانيان يصلّي صلاته في الصبح والظهر والعشاء خلف الإمام بقيّة الله الأعظم علیه السَّلام، أجل، فمثل هؤلاء الأشخاص وبهذه الألاعيب وبحيل خاصّة استطاعوا تخريب ذهنيّة الناس والحصول لأنفسهم على مكانة واعتبار في المجتمع(1)
منقول من مركز الموقع الالكتروني المرحوم الفاضل اللنكراني رحمه الله بعنوان
http;//lankaran.ir/far/news/shoe-news.php?sid-news=24
.1) 1. سماحة الاستاذ دامت بركاته في خصوص حضور بعض الأشخاص من السذج والبسطاء والمخدوعين من قبل الشخص المذكور: ذكر أنّهم طلبوا اللقاء مع والده المرحوم سماحة آية الله العظمى الشيخ الفاضل اللنكراني قدس سره وقال: بعد أن اطلعت في يوم الاثنين 1386/5/22 ه ش، من طريق الأخبار وجود مسألة ادّعاء ارتباط شخص باسم محمّد عرفانيان بالإمام صاحب العصر علیه السَّلام وتبيّنت الأكاذيب والانحرافات التى أشاعها هذا الشخص بين الناس، تذكّرت لعدّة سنوات مضت أنّ هذا الشخص أرسل خمسة أفراد من طهران إلى قم وللأسف أنّ أحدهم كان شيخاً مسناً ومن طلبة العلوم الدينيّة، وسائر الأفراد كانوا من الكسبة والتجّار، وفي عصر أحد الأيّام جاءوا إلى مكتبي وقالوا: نحن نريد لقاء سماحة الشيخ الوالد ونريد التحدّث معه بأمر مهم وخاص... فسألت هذه الجماعة عن مرادهم ما هو؟ في البداية امتنعوا من ذكر مرادهم وقالوا: نحن نريد لقاء سماحة الوالد فقط ولدينا أمر خاصّ جدّاً معه، ولكنني قلت لهم بشكل حاسم: إذا كان لكم أمر مهمّ فاذكروه لي و إلّا فاخرجوا من هنا، وبعد أن تشاوروا فيما بينهم لمدّة قصيرة قالوا: نحن نأتي من قبل شخص في طهران يدعى عرفانيان، وهذا هو الشخص الذي صلّي جميع صلواته اليوميّة في الأوقات الثلاثة خلف الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام، والإمام علیه السَّلام قال له: أبلغ الشيخ الفاضل اللنكراني هذه الرسالة، وقالوا إنّ الإمام أرسل رسالة لأحد مراجع الدين الآخرين بواسطة هذا الشخص ونحن سبق أن جئنا إلى ذلك المرجع واستمع إلينا بشكل كامل وأصغى لكلامنا، وقلت لهم: يمكنكم أن تقولوا ما هي الرسالة التي أعطيتموها لذلك المرجع المحترم فأخرجوا لي ورقة مكتوب عليها بخط رديء جداً وباللغة الفارسية، سماحة.. تخالف أمّي الزهراء سلام الله علیها؟ يجب عليك أن تصدر فتوى وبسرعة بأنّك لا تمانع من ذكر الشهادة بعصمة فاطمة الزهراء سلام الله علیها فی الصلاة وتسحب فتواك السابقة بعدم جواز ذلك، وقبل أن أوصل هذه الرسالة إلى الوالد الراحل رحمه الله قلت لهم: لماذا يكتب الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام بالخط الفارسي، ولماذا خطّه سييء إلى هذه الدرجة؟ والظاهر أنّه كانت هناك عدّة أخطاء أدبيّة في هذه الرسالة القصيرة، ولكني تجاوزت هذا الكلام وقلت لذلك الشيخ من رجال الدين: أنت سبق وأن درست في الحوزة العلميّة فلماذا تصدّق بهذه الأكاذيب، فقال: إنّ هذا الشخص يختلف تماماً عن سائر من يدعي الرؤية وأساساً لا يطلب الشهرة والمقام، فقلت له: ألم تقرأ أنّ الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام قال لنائبه الخاصّ الرابع رحمه الله هذا المضمون وأنّه: لا أحد بعدك سيراني و يدّعي مشاهدتي، وكلّ من يدّعي المشاهدة والرؤية فكذبوه فهو مفتر كذّاب، هل ينبغي لي أن أقبل كلام الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام أو كلام هذا الشخص؟ ولم يستطع ذلك الشيخ الجواب، وقال: أنت غير مطلع على الكثير من الحقائق وأنّ هذه الرسالة إذا وصلت لوالدكم المعظم فسوف تتبيّن لك حقائق كثيرة غير مطلع لحدّ الآن على وجود رابطة خاصّة بين والدك مع الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام، والتفت إليَّ أحد الأفراد من تلك المجموعة وقال: سماحة الشيخ جواد هل تتذكرني؟ فقلت: كلّا فقال: أنا كنت في عام 1361 - 1362 في المدرسة الرضويّة ودرست عندك كتاب المعالم وكنت في ذلك الوقت طالباً وكنت أنت تملك في ذلك الزمان عقائد جيدة لماذا الآن تتكلّم بهذا الكلام؟ فقلت له بتعجب: إذا لم تخرج من الحوزة العلمية وواصلت دراستك بشكل صحیح فسوف لا تقع في مثل هذا الفخ، وأخيراً وبعد كلام كثير قالوا لتكن أميناً جيداً وأوصل هذه الرسالة إلى والدكم وسوف تعلم ما هو جوابه؟ وقالوا: إنّ الرسالة هي أنّ الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام قال للشيخ عرفانيان: «أوصل كلامي إلى الشيخ الفاضل اللنكراني وقل له أن يتذكّر تلك الليلة العاصفة»، فقلت لهم: سوف أذهب إليه غداً وأسمع منه الجواب وعليكم استلام الجواب غداً عند الظهر، وفي اليوم الثاني عندما حضرت عند والدي الراحل (رضوان الله تعالى عليه) ونقلت له القضيّة تأثر سماحة الوالد كثيراً «من هذا الادعاء» وقال: لماذا يتّخذ البعض من مسألة الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام لعبة بأيديهم؟ لماذا يستغلون عقائد البسطاء من الناس؟ وأساساً كان سماحة الوالد يتألم بشدّة من نسبة هذه الادّعاءات الفراغة والكاذبة في زماننا وشيوع مثل هذه الأفكار الباطلة ويعتقد أنّ هذه الأمور من شأنها أن تقضى على أساس المذهب والدين، وقال في الجواب: أولاً انصح هؤلاء وقل لهم إنّ الشيخ عرفانيان الذي لم أره لحدّ الآن هو إنسان كذّاب ومفتر قطعاً وعليكم أن تخلصوا أنفسكم من الوقوع في مصيد ته ولا تنخدعوا بأقواله وأكاذيبه. وثانياً: قل لهم إنني طيلة عمري عشت ليالي إعصاريّة كثيرة ولكن لا أتذكر أي خصوصية لها، وعندما نقلت هذا الجواب لسماحة الوالد إليهم، فإنّهم للأسف قالوا: نحن كنّا نتصوّر أنّ ارتباط سماحة الوالد بأمر الولاية ارتباط وثيق، ولكن تبيّن الآن أنّه ضعيف في أمر الولاية...؟
228...بحوث في المهدويّة
النقطة الخامسة: ضرورة الالتفات إلى مسألة الواجبات بدلاً من التوغل في المسائل الانحرافيّة
النقطة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها، إنّ الواجب على العلماء والفقهاء الحقيقيين بيان وشرح أمثال هذه الروايات بشكل جيد لعامّة المسلمين و بخاصّة الشيعة منهم والقول إنّ الله تعالى أوصد فعلاً باب المشاهدة والرؤية إلى أن يفسح المجال لذلك حسب ما يراه صلاحاً، وبعد ذلك ستتحقّق الرؤية بظهور الإمام المهدي علیه السَّلام، ومن هذه الجهة الشيء الذي ينبغي على الشيعة الحقيقيين في عصر
230...بحوث في المهدويّة
الغيبة الكبرى الاهتمام به هو العمل بالتكاليف والواجبات التي فرضها الإسلام العزيز على المسلمين، ومنها «التمسّك بحبل الولاية والإمامة الإلهيّة» و«التمسّك بلباس التقوى والورع» و «السعي لكسب وتعميق المعرفة بالله تعالى وبأهل البيت الطيبين الطاهرين علیهم السَّلام وتوثيق العلاقة معهم»، و«الانتظار الواعي والفعّال» وكذلك الكثير من الواجبات والتكاليف الواردة في الأحاديث عن أهل البيت علیهم السَّلام، وكتب علماء الشيعة التي تدخل في مجال بيان «صفات الشيعة».
أجل، فإنّ شدة الفتن، وخاصّة الفتنة الكبيرة التي تأخذ بلباب وعقول العامّة من الناس وهو ادّعاء «التشرف والرؤية» أو «تعيين وقت الظهور» وكذلك كثرة البلايا التي يواجهها المسلمون في العصر الراهن وزيادة المشاكل والانحرافات في عصر الغيبة الكبرى للإمام المهدي علیه السَّلام تقتضي أن يهتّم المؤمنون وأتباع أهل البيت علیهم السَّلام الحقيقيون بتحلية أنفسهم بالفضائل الأخلاقية وتهذيب نفوسهم بدلاً من التوغل في هذه المسائل الانحرافيّة مثل مسألة ادّعاء الرؤية والتشرف بالحضور عند الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام، أو بدلاً من الاهتمام بمسألة تعيين وقت الظهور للإمام الحجّة ابن الحسن علیه السَّلام كما يدّعي بعض الأشخاص أحياناً وأنّ وقت الظهور هو عامّ 1414 ه ق أو 2012 م أو.... لكن بعض مضي هذا الوقت والتاريخ يقومون بتمديد هذه المدّة إلى زمان آخر ويغضون النظر عن الوقت السابق، على سبيل المثال يقومون بتأجيل الظهور من عام 2014م إلى سنوات أخرى فينبغي العمل على تصحيح عقائد الناس وتنظيم أعمالهم وسلوكياتهم على أساس ما ورد في تعاليم أهل البيت علیهم االسَّلام، والسعي لحفظ الهوية المعنويّة والدينيّة لأنفسهم، لأنّ الاهتمام بالأصول المذكورة في النصوص مثل: «يأتي بغتة» أو «كذب الوقّاتون» تبيّن أنّ الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام كانوا أيضاً يواجهون مثل هؤلاء الجهّال والخبثاء الذين يتحرّكون بدلاً من العمل بوظائفهم وتعاليم يدينهم لتعيين وقت ظهور الإمام علیه السَّلام، وبديهي أنّ الأتباع
المهدويّة والإلزامات المعرفيّة للإنتظار...231
الحقيقيين للإمام المعصوم علیه السَّلام ليس لهم حقّ تعيين وقت الظهور، بل حتّى ليس لهم الحقّ القول: «إنّ زمان الظهور قريب جدّاً».
أجل، لا ينبغي الالتفات إلى دعوى المدعين للرؤية والإرتباط الخاصّ بالإمام صاحب الزمان، بل يجب تكذيبهم والاهتمام بتهذيب النفس واصلاحها، وكذلك لا ينبغي تعيين وقت لظهور الإمام علیه السَّلام بل يجب العمل بالتكاليف الواردة في عصر غيبة ولي الله علیه السَّلام.
النقطة السادسة: لزوم الاهتمام بسيرة العلماء الكبار والتصدي لمدعي الرؤية
تبين من مجموع ما تقدّم في مسألة التوقيع الشريف للإمام صاحب الزمان علیه السَّلام لنائبه الرابع رحمه الله، أنّما نشاهده اليوم من الكتب التي تتحدّث عن قصص عن لقاء الإمام المهدي ورؤيته أو نقل كرامات في هذا المجال، فاقدة للدعامة والمستند الديني والروائي، وجميع النقول التي تتحدّث بتشرف ولقاء بعض الأفراد مع الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام، إذا كانت على سبيل الاحتمال فربما تكون مقبولة باعتبار وثاقة هؤلاء الأشخاص، ولكنّ هذه الدعاوي بشكل قطعي لا تكون مقبولة إطلاقاً، وأساساً فإنّ مساحة مسألة التشرف واللقاء بالإمام صاحب الزمان علیه السَّلام وأمثال هذه المسائل تؤدّي بنفسها إلى الاضرار بالدين وتوجيه ضربة قاصمة إلى إيمان الناس وتتسبّب في انحرافهم عن القضيّة الأصليّة وحقيقة الانتظار، لأنّ نفس لقاء المعصوم علیه السَّلام ورؤيته والحضور عنده ليس دليلاً على جلالة قدر ذلك الشخص و علوّ مرتبته، لأنّ الكثير من المنافقين في زمان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تشرّفوا بالحضور لديه وشاهدوه وكان غرضهم من هذا اللقاء وحتّى الحديث والكلام الخاصّ مع النبي الأكرم صلّی الله علیه وآله وسلّم ليس سوى إحراز مكانة اجتماعية لأنفسهم بين الناس، على سبيل المثال الآيات 12 و 13 من سورة المجادلة تشير إلى نوايا هؤلاء الأشخاص:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً
232...بحوث في المهدويّة
ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(1).
و حتّى في زمان حضور الأئمة الأطهار علیهم السَّلام نرى أنّ بعض الأشخاص التقوا بالأئمّة الطاهرين علیهم السَّلام وتحدّثوا معهم ولكن يتفق جميع العلماء أنّ نفس هذا اللقاء والكلام مع الإمام لا يعد دليلاً على وثاقة وحسن إيمان هؤلاء الأشخاص.
والآن قد يثار هذا السؤال المهم: أساساً لماذا يقوم هؤلاء الكتّاب والخطباء، بدلاً من بيان المضامين السامية والمعارف الجليلة لمفهوم الإمامة والولاية، بالحديث عن القشور والأمور الفارغة من المحتوى والمضمون وبذلك يعملون على إفراغ عقيدة المهدويّة من محتواها الغني وما تتضمّن من معارف عالية ومفاهيم سامية، وذلك من أجل إلفات نظر الناس إلى هذه القشور بدلاً من الاهتمام بالمضمون، فلابدّ في المورد من بيان حقيقة الانتظار للناس أو شرح هذه الحقيقة ماذا تعالى والإمام صاحب الزمان علیه السَّلام من الشيعة؟ هل أن الله تعالى أراد من علماء الدين وأتباع مدرسة أهل البيت علیهم السَّلام البحث في هذه الأمور القشريّة والفاقدة للمضمون السليم؟ هل من الصحيح أن يقوم بعض الأشخاص في كلامهم وكتبهم بحرف تفكير الناس عن المسائل الأصليّة للإمامة والمهدويّة إلى الاهتمام بالمسائل الفرعيّة والهامشيّة؟
أجل، إنّ الآثار المخرّبة لمثل هذه الكتب وهذه المقولات التي تنتشر في الوسط الثقافي والديني وللأسف نرى أنّها تزداد وتتوسع يوماً بعد آخر، تسهم في إبعاد أذهان الشيعة عن الحقيقة النورانية للإنتظار، إلى درجة أنّ بعض مراجع الدين في
1) 1. سورة المجادلة، الآية 12 و 13.
قم والنجف الأشرف أطلقوا شكاواهم العميقة من هذه الظاهرة السلبيّة، وعلى ضوء ذلك ينبغي أن تتحرّك الحوزات العلميّة المقدّسة وطلاب الدين الأكارم ومراجع الدين وعلماء الإسلام لإصلاح هذا التيار الانحرافي ووضع خطط عاجلة بالتشاور فيما بينهم للتصدي لهذه الآفة الخطيرة، لأنّ هذا النحو من الكرامات التي يتحدّث بها بعض الكتّاب للناس ليس لها أساس من الواقع والحقيقة، وأساساً فمن العجيب أنّ بعض الأشخاص السذج والذين يعيشون سرعة التصديق وضيق الأفق بعد سماعهم هذه الادعاءات الفراغة لا يفكّرون في أنفسهم بأنّه لماذا لم يطرح مثل هذه الأمور مراجع الدين والعلماء والفضلاء ولم تحدث لديهم مثل هذه الكرامات في مدح أنفسهم؟
ومن هذا المنطلق يجب على الكتّاب الأعزاء والخطباء المكرمين، ضمن اجتناب الحديث عن مثل هذه اللقاءات الموهومة والكرامات الفارغة، تكريس العمل بالتكاليف الشرعيّة في عصر الغيبة الكبرى وكتابة الأبعاد المختلفة لسيرة علماء الدين الكبار والحديث عن المراتب العالية من العبوديّة والإيمان والفضيلة المراجع التقليد كيما يتعرّف الناس والسالكين طريق الحقيقة والباحثين عن المعرفة على هذه المسائل، لأنّ حياة وسيرة هؤلاء العظماء مليئة بحالات من الزهد والعبادة والعلم والعمل، ومن شأنها أن ترسم برنامجاً سليماً وطريقاً سالكاً لأتباع وشيعة الإمام المهدي علیه السَّلام، على سبيل المثال يمكن فتح باب الحديث عن السيرة العلميّة لهؤلاء العلماء لمواجهتهم للانحرافات الفكريّة في مجتمعهم ليكونوا قدوة عمليّة وأسوة للناس في هذا المجال.
أ) سيرة سماحة آية الله العظمى السيّد البروجردي رحمه الله
وأحد عباد الله الخالصين هو سماحة آية الله العظمى السيد البروجردي رحمه الله، فحياته وسيرته زاخرة بالتصدي المنطقي للانحرافات والخرافات، ومن شأنها أن
234...بحوث في المهدويّة
تكون نموذجاً جليلاً للمؤمنين الحقيقيين والمنتظرين الواقعيين.
مثلاً إحدى حالات تصدي ذلك المرجع العظيم لمظاهر الانحراف الفكري وإن كان حسب الظاهر صغيراً، هو أنّ المرحوم آية الله العظمى السيّد البروجردي رحمه الله عندما دخل إلى مكتبه الخاص الواقع إلى جوار بيته الكريم واشترك في جلسة للخطابة، واستمع لخطبة أحد الأشخاص الحاضرين في ذلك المجلس فقال هذا الخطيب بكلّ احترام: «من أجل سلامة الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام وآية الله السيّد البروجردي نرجوا رفع الصوت بالصلوات على النبي صلّی الله علیه وآله وسلّم، وفجأة ظهرت علامات الاستياء والانزعاج الشديد على وجه السيّد الروجردي وقام من مقامه وقال: «من أنا حتّى تذكر اسمي إلى جانب الإمام صاحب الزمان؟».
ب) سيرة سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني رحمه الله
والآخر من عباد الله الحقيقيين والمنتظرين الواقعيين للإمام صاحب الزمان علیه السَّلام، هو سماحة الإمام الخميني رحمه الله، الذي تعتبر سيرته وحياته قدوة لسائر الناس وحياته زاخرة بما يلفت النظر من الفضيلة والشرف والكرامة، وطبعاً كاتب هذه السطور، لا يتحرّك في بيان هذه المسائل من مواقع التعصب والعشق لسماحته ولا بسبب حقّ الاستاذية للإمام الراحل على والده المكرم، بل ينطلق من فهم عميق بينه وبين تعالى فيما يراه في ذلك الإمام الراحل قدس سره من تجسد حقيقة الولاية والمهدويّة في مراتبها العليا، وهو الفهم الذي عجز عن دركه واستيعابه الكثير من الأكابر، والشاهد على صدق هذا المدّعى هو كيفيّة حياة الإمام الراحل الشخصيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والعباديّة والعلميّة والثقافيّة والشعبيّة.
والآن السؤال هو: لماذا نرى أنّ مثل هذه الشخصيّة المشرقة وصاحب الضمير اليقظ والإيمان العميق ومع توفّر جميع الظروف المناسبة لدعوى ارتباطه ولقائه مع الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام لم يطرح هذه المسألة في حين أنّه كان يستطيع بسهولة أن
يحرز لنفسه مثل هذه الكرامات، ولكن رأينا ورأى الناس أن أحد المعالم البارزة لحياة هذا الشخص العظيم أنّه لم يكن يسمح لمثل هذه المسائل أن تدخل في حياته المباركة وتشغل حيزاً من شخصيّته، وأعلى من ذلك أنّه لم يسمح أبداً أن يتوهّم أحد من الناس بأنّه على ارتباط بالإمام صاحب الزمان علیه السَّلام، وفي هذا المجال نكتفي بنقل ثلاث حوادث فقط وهي عبارة عن:
الحادثة الأولى: أشاع بعض الناس في بداية انتصار الثورة الإسلامية في ايران أنّهم رأوا صورة الإمام الخميني قدس سره على وجه القمر، وبمجرّد أن سمع الإمام الخميني قدس سره هذه الشائعة وبدون السكوت عليها أو استثمارها لصالحه، فتحرّك على صعيد التصدي الشديد لها وردّها.
الحادثة الثانية: بعد انتصار الثورة الإسلاميّة كان بعض الأشخاص يأتي للقاء الإمام الراحل قدس سره ويتحدّثون معه بكلمات مشحونة بالغلو والمدح والثناء، في حين أن الإمام الراحل قدس سره، وضمن مواجهته لمثل هذه التعبيرات، كان يفهم الطرف الآخر بأنّ المنتظر الحقيقي للإمام المهدي علیه السَّلام لا يستخدم أبداً مثل هذه التعبيرات المغالية في مواجهة الأشخاص المحترمين.
الحادثة الثالثة: في حياة الإمام الخميني قدس سره كان بعض الأشخاص الانتهازيين والجاهلين يدّعون الارتباط مع الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام ويستغلون عواطف الناس وإحساساتهم النقية بالنسبة لمسألة المهدويّة، وفي أحد الموارد تحدث الإمام الراحل قدس سره وبكثير من الدقّة والظرافة في إثبات خواء ادّعاء هؤلاء الأشخاص(1).
1) 1.وقصّة هذا اللقاء ينقلها سماحة حجة الإسلام السيّد مهدي إمام جمراني ويقول:... جاء رجلان إلى السيّد... وقالوا له: نحن بالنيابة عن الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام مأمورون لكي نصل إلى خدمة الإمام الخميني قدس سره ونطرح مسائل مهمة وحيوية جداً، وذهب السيّد الجمراني إلى الإمام الخميني قدس سره واستأذنه في قدوم هؤلاء عليه وقال له: هؤلاء يرجون لقاءك و ربّما كان لهم بعض المسائل التي يطرحونها معكم... ولكن الإمام الخميني قدس سره وقال: أنا في هذه المسائل أعمى الباطن، وأنا لا أقبل بمثل هذه الادّعاءات ولا أحتاج إلى أن يخبرونني ببعض الأمور، ولكن هؤلاء أصرّوا على لقاء الإمام، وعندما رأى الإمام الخميني قدس سره إصرار هؤلاء على لقائه قال: ولكني في البداية أختبرهم، فإذا تبيّن من خلال الاختبار أنّهم صادقون فسوف استمع إلى كلامهم، فجاء هؤلاء وعددهم ثلاثة أشخاص رجلان وامرأة عند الإمام الخميني قدس سره، وعندما جلسوا أمامه قالوا: نحن مأمورون من قبل الإمام ولي العصر والزمان علیه السَّلام لکی نأتي إليكم ونطرح بعض المسائل، فقال الإمام علیه السَّلام: لا اصغي إلى كلامكم قبل أن أطرح عليكم عدّة أسئلة، فلو أنكم أجبتم عليها فسوف أسمع لكلامكم، قال الإمام قدس سره: ما هو الشيء الذي بالنسبة لي عزيز جدّاً وأنا أحبّه كثيراً، فما هو؟ السؤال الثاني: أنا لدي ضالّة وقد افتقدت شيئاً في حياتي، فقولوا نا هو هذا الشيء وأين؟ السؤال الثالث علیهم السَّلام: ما هي الحادث والقديم، أي الرابطة بين الحدوث والقدم، وأطلب منكم أن تسألوا صاحب الزمان علیه السَّلام وأتوني بجواب هذه الأسئلة، فقالوا: نعم، سوف نذهب إلى الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام ونأتيكم بجواب هذه الأسئلة، و فقال الإمام قدس سره: متى تأتون؟ فقالوا: الاسبوع القادم، فقال الإمام علیه السَّلام: لا بأس سوف انتظركم إلى الاسبوع القادم، وذهبوا وبعد مدّة جاءوا إلى الإمام، فقالوا: أمّا بالنسبة إلى السؤال الأوّل حيث قلتم ما هو الشيء الذي أحبّه جدّاً، فهو ولدكم الكبير الحاج السيد مصطفى قدس سره الذي توفي سابقاً، والمورد الثاني: وهو الشيء الذي فقد تموه ولست أذكر ماذا قالوا للإمام قدس سره في هذا المورد، وفي المورد الثالث: إنّ الإمام ولي العصر علیه السَّلام لم ير الجواب عنه صلاحاً، فقال الإمام قدس سره: اذهبوا من هنا، فأنتم كذابون، فقام هؤلاء وخرجوا من بيت الإمام، ثمّ كتبوا رسالة للإمام الخميني قدس سره مليئة بالسباب والكلمات البذيئة.
236...بحوث في المهدويّة
أجل، فإنّ روحيات الإمام الخميني قدس سره وأقواله في مواجهة الأفكار المنحرفة والعقائد الخرافية يجب أن تكون أسوة ونموذجاً يقتدى به من قبل السالكين في طريق الحق والحقيقة.
ج) سيرة سماحة آية العظمى الفاضل اللنكراني قدس سره
وهكذا ما نراه من سيرة والدنا المعظم قدس سره حيث إنّه إلى آخر لحظة من حياته
المباركة اهتم بهذا الأمر المهم وتصدى لهذه الانحرافات الفكريّة والموهومات الزائفة، وبالنسبة لرواية التوثيق لعليّ بن محمّد السمري كان له اهتمام وعناية خاصّة بها، وكان يقول للعلماء والناس استناداً لهذا التوقيع: «كذب الوقاتّون وكذلك الأشخاص الذين يدّعون لقاء الإمام صاحب الزمان ععلیه السَّلام ورؤيته الاختياريّة»، بل إنّ سماحة الوالد تصدى بشدّة للكتب التي تطبع وتنشر في زمانه وتتضمّن كرامات بعض الأشخاص وادعاءهم لرؤية ولقاء الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام مثلاً بالنسبة لكتاب يتحدّث عن المرحوم رجب علي الخياط، يقول قدس سره: إنّ بعض الأمور في هذا الكتاب كذب، أجل، فالعالم الحقيقي هو الذي يعمل بحكم وظيفته الشرعيّة ويواجه مثل هذه البدع الخطيرة في زمانه ويتصدى لمثل هذه الانحرافات وعلى الأقل يتقدّم بالنصيحة لمنع نشر مثل هذه الكتب الفارغة والتي تحتوي على مثل هذه الادّعاءات الواهية.
والآن ألا ينبغي في مواجهة هذه الانحرافات والخرافات أن نقتدي بسيرة هؤلاء العظماء ونجعلهم أسوة وقدوة لنا في أعمال وأقوالنا؟ هل من الصحيح ما يدّعيه البعض بأنّ السيّد الفلاني يتناول فطوره وغداءه وعشاءه مع الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام، هل صحيح ما يدعيه البعض بأنّ الشيخ الفلاني يصلّي في الأوقات الثلاثة في كلّ يوم يصلّي خلف الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام؟ هل صحيح ما يدّعيه البعض بأنّ السيّد الفلاني استخدم رياضة خاصّة وارتبط مع الإمام صاحب الزمان ععلیه السَّلام، وقد أذن له بأن يتحرّك على صعيد إضلال الناس واغوائهم؟ هل صحيح أنّ بعض الأشخاص من الأميين يدعون الارتباط مع عالم الغيب ومن خلال التمسّك ببعض الأعمال التي تخدع العوام والبسطاء من الناس، ومنها تأكيد على تعبير المنام وإشاعة أنّهم يتغدون مع الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام أو يصلّون خلف الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام أو يأخذون أحكام هذه من الذات المقدّسة علیه السَّلام وينشرون إشاعة أنّهم يستلمون المساعدة المالية من الإمام ولي العصر والزمان علیه السَّلام وبذلك
238...بحوث في المهدويّة
يستغلون تدين الناس وعواطفهم وحبّهم للدين ويتلاعبون بعقائدهم وأفكارهم وفي نهاية المطاف يتسببّون في توهين عرى الإيمان وتشويه سمعة الدين وإساءة الظنّ بمذهب التشيع من قبل الشبّان وسائر المسلمين؟ الظاهر أنّ جواب أصحاب العقول النيرة واضح كالشمس، لأنّ هذه الادّعاءات باطلة ومجانبة للصواب قطعاً، ولو لم يتمّ التصدي لهذه الادعاءات الموهومة ومواجهة هؤلاء المدعين الكذبة فسوف يتسبّب ذلك قطعاً في إضلال المجتمع الإسلامي وانحراف أتباع مدرسة أهل البيت علیهم السَّلام، ومن هذه الجهة يجب على علماء البلاد وفضلاء الحوزة العلميّة التصدي لمثل هذه العقائد الخرافيّة والسلوكيات مغرضة.
النقطة السابعة: تعميق مسألة إشراف الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام بدلاً من مسألة اللقاء والرؤية
إنّ التمنيات القلبّية لجميع عشّاق الإمام صاحب العصر والزمان علیه السَّلام أن تقع أعمالهم مورد رضا هذا الإمام علیه السَّلام، وأساساً فالاعتقاد الصحيح، وطبقاً لما ورد في الآيات القرآنيّة والروايات الشريفة، أنّ الإمام علیه السَّلام يعلم بما يدور في أعماق قلوب الناس ويملك احاطة تامّة بأقوالهم وأعمالهم وسلوكياتهم و حتّى يعلم بنوايا شيعته ومريديه، وفي هذا المجال ورد في الرواية عن يعقوب بن شعيب قال: سألت من الإمام الصادق علیه السَّلام عن معنى الآية الشريفة 105 من سورة التوبة التي تقول:
(وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...)(1).
فقال الإمام الصادق علیه السَّلام في جوابه:
«هُمُ الأئمَّةُ»(2).
وفي هذا المجال، فقد نقل الشيخ الطوسي رحمه الله بعض الروايات الشريفة التي تقرر أنّ
6.المهدويّة والإلزامات المعرفيّة للإنتظار...239
كتاب أعمال العباد يعرض على الإمام صاحب العصر والزمان علیه السَّلام في كلّ أسبوع مرّتين في يوم الاثنين والخميس ويقرأ الإمام علیه السَّلام، ما ورد في كتاب أعمالنا، تقول الرواية:
«إِنَّ الأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي كُلِّ إِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ فَيَعْلَمُها وَكَذَلِكَ تُعْرَضُ عَلَى الْأَئمَّة فَيَعْرِفُوَنَهَا»(1).
والآن السؤال هو: هل أنّ الاعتقاد بعلم وإشراف الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام على أقوال الناس وأعمالهم وحتّى أفكارهم أقلّ شأناً من الحضور الظاهري له والتشرف بلقائه وخدمته، وبعبارة أخرى، إذا اعتقد الإنسان في خلوته بأنّ الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام ناظر إلى أعماله وسلوكياته، فهل أنّ مثل هذه العقيدة أقل من التشرّف الظاهري بلقاءه؟
الجواب: من اليقين أنّ مثل هذا الاعتقاد أعلى وأسمى من مسألة التشرف بلقاء الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام وأهم وأكثر تأثيراً في حياة الإنسان، لأنّه ما أكثر الانتهازيين والمحتالين الذين ادّعوا التشرّف بلقاء الإمام صاحب الزمان علیه السَّلام دون أن يكون لهم ذرة من الاعتقاد باشراف الإمام صاحب الزمان وعلمه بأفعالهم وأعمالهم، ومن هذه الجهة لم يرحموا الناس في أموالهم ولا في أعراضهم ونواميسهم.
وعلى ضوء ذلك، فالمؤمن الحقيقي والمنتظر الواقعي ذلك الشخص الذي يتحرّك على صعيد تطبيق ما ورد عن الأئمّة الأطهار علیهم السَّلام من تعاليم وأحكام أخلاقيّة وشرعيّة لا كلمة أكثر ولا كلمة أقلّ، وبديهي أنّ الإمام صاحب العصر والزمان علیه السَّلام بهذا التوقيع الشريف صرّح بنفي الرؤية والمشاهدة، إذن ما له قبس من الحقيقة وله قيمة دينيّة وأخلاقيّة هو أنّ جميع أفعال وأعمال المؤمنين والشيعة تعرض على
1) 1. الكافي، الشيخ الكليني، ج 5، ص 329.
240...بحوث في المهدويّة
الإمام صاحب العصر والزمان علیه السَّلام و أنّ الإمام مطّلع عليها ويعلم بها.
والخلاصة، إنّه يجب على الكتاب والخطباء بدلاً من الانشغال بالمسائل والمواضيع الفارغة وعديمة الهوية الدينيّة ومن المجعولات والخزعبلات الباطلة، أن يتحدّثوا عن مسائل أصيلة ولها قيمة وأهميّة للناس وللدين ويبينّون المسائل
المفيدة للمنتظرين ويقولوا:
أيّها المنتظر! أنت أينما كنت في هذه الأرض، فإنّ آخر حجّة إلهيّة هو الإمام صاحب العصر والزمان علیه السَّلام ناظر إلى أعمالك وأفعالك، سواءً كنت في الخلوة أو في الجلوة، سواءً كنت لوحدك أو مع جماعة، و سواءً كنت في داخل البيت أو خارجه، و سواءً كنت في وضح النهار أو في غسق الليل.
نعم، فالإمام صاحب العصر والزمان علیه السَّلام شاهد على أفعال وسلوكيات الشيعة، وما أعظمه من شاهد.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مقدمةالمرکز...3
كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: الجزء الثاني...7
[44/466]: توقيع السمري...9
کتاب الغيبة - الشيخ الطوسي: تحقيق علي أكبر الغفاري...11
ذكر أمر أبي الحسن علي بن محمد السمري بعد الشيخ أبي القاسم بن روح رضی الله عنه وانقطاع الأعلام به وهم الأبواب...13
وأخبرنا جماعة... حدثني أبو محمد أحمد بن الحسن المكتّب...14
كتاب الغيبة - الشيخ الطوسي: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة االشریف...17
365 – وأخبرنا جماعة... حدثني أبو محمد الحسن بن أحمد المكتّب...19
الإمام المهدي في بحار الأنوار - الشيخ ياسر الصالحي: الجزء الأول...21
[7/406] الغيبة للطوسي: وأخبرنا جماعة...حدثني أبو محمد الحسن بن أحمد المكتّب...23
[9/408] الاحتجاج...24
الإمام المهدي في بحار الأنوار - الشيخ ياسر الصالحي: الجزء الثاني ...27
باب (23): من ادّعى الرؤية في الغيبة الكبرى و أنّه يشهد ويرى الناس ولا يرونه وسائر أحواله علیه السَّلام في الغيبة...29
[1/621] الاحتجاج: [توقيع السمري]...30
بيان [العلامة المجلسي]: لعله محمول على من يدّعي المشاهدة مع النيابة...30
النجم الثاقب - ميرزا حسين النوري: الجزء الثاني...31
الباب الثامن: الجمع بين حكايات التشرف وبين توقيع السمري...33
الجواب الأول: إنّ هذا الخبر ضعيف، بل إنّه خبر واحد...34
الجواب الثاني: لعل المقصود من هذا الخبر تكذيب مدّعي المشاهدة مع النيابة...35
الجواب الثالث: أنّه عجل الله تعالی و فرجة الشریف قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه...35
الجواب الرابع...36
الجواب الخامس...37
الجواب السادس...45
معجم أحاديث الإمام المهدي - مؤسسة المعارف الإسلامية: الجزء السادس ...49
[1336] 2 - توقيع السمري...51
المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف- الشيخ علي الكوراني...53
السفير الرابع: علي بن محمد السمري...55
تواتر رؤية الإمام علیه السَّلام في غيبته وتكذيب من ادّعى السفارة...56
موسوعة الإمام المهدي في الكتاب والسنة والتاريخ - محمد الريشهري: المجلد الثالث...59
أدلة نفي رؤية الإمام المهدي وأجوبتها/ 1. توقيع السمري/ المصادر والسند .. 61
دلالة الحديث / أ - العبارة الوسطى...62
ب - العبارة الأخيرة...64
موسوعة الإمام المنتظر - السيد محمد حسين الميرباقري: المجلد الثالث ...... 67
الباب الأول: إمكان زيارته علیه السَّلام في زمن الغيبة، ودفع ما وقع من الشبهة في ذلك ... 69
تاريخ الغيبة الصغرى - السيد محمد الصدر...77
الحقل السابع إعلانه انتهاء السفارة وبدء الغيبة الكبرى ...79
إيراد توقيع السمري واستلهام الفوائد منه...80
الإمام عجل الله تعالی و فرجة االشریف أكّد في هذا البيان على أمور الأمر الأول: موت السمري ...81
الأمر الثاني: نهي الوصاية إلى أحد/ الأمر الثالث/ لا ظهور إلّا بإذن الله ... 81
إغماض الظهور وفيه فائدتان/ الأولى: بقاء قواعده الشعبية منتظرة له .... 81
الثانية: حماية المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف من أعدائه حين ظهوره...82
الأمر الرابع: طول أمد الغيبة الكبرى...83
الأمر الخامس: الإشارة إلى قسوة القلوب...84
امتحان الفرد في الغيبة الكبرى من جهات ثلاث: الأولى: شهوات النفس.... 84
الثانية: الضغط الخارجي...84
الثالثة : الثبات على الإيمان بالإمام الغائب المحتجب...85
الأمر السادس: الإشارة إلى امتلاء الأرض جوراً...85
الأمر السابع: إثبات حدوث السفياني والصيحة/ الأمر الثامن: كذب مدّعي المشاهدة قبل السفياني والصيحة...86
اصطدام التكذيب مع مقابلة الكثيرين للإمام المهدي/وجوه الجمع...87
الوجه الأول: الطعن في سند التوقيع الشريف ورواته...87
رد المصنف على الوجه الأول...88
الوجه الثاني: الطعن في سند أخبار المشاهدة/ رد المصنف عليه...89
الوجه الثالث: الطعن في مضمون أخبار المشاهدة بأحد نحوين...89
النحو الأول: حمل هذه الأخبار على التوهّم / ردّ المصنف عليه...89
النحو الثاني: أنهم شاهدوا شخصاً توهّموا أنّه المهدي/ رد المصنف عليه ... 90
الوجه الرابع: الاعتراف بصدق الأخبار والتعبد بتكذيبها / رد المصنف عليه... 91
الوجه الخامس: حمل التوقيع على كذب من يدّعي المشاهدة مع السفارة ... 91
رد المصنف عليه...91
استعراض رأي المصنف في المسألة...91
المقابلات من حيث مطابقة الواقع وعدمه والإعراب والسكوت سبعُ مستويات... 92
الأول: الإخبار عن مشاهدة المهدي مع جهل عنوانه...93
الثاني: الإخبار عن مشاهدته مع العلم بعنوانه وبدون الإخبار عن ذلك .... 94
الثالث: الإخبار عن مشاهدته بعنوانه من غير تصريح للسامع في الإخبار...96
الرابع: الإخبار عن مشاهدته بعنوانه مع الدليل على كونه المهدي حقاً ... 97
الخامس: الإخبار عن المشاهدة بغير دليل يُحتجّ به...98
السادس: الإخبار عن مشاهدة المهدي من غير دليل مع التبليغ عنه بالباطل ... 99
السابع: الإخبار عن مشاهدة إنسان يؤمن أنّه المهدي...100
خلاصة القول: لا تعارض بين التوقيع وأخبار المشاهدة التي ذكروها ...101
الإمام المنتظر قراءة في الإشكاليات - السيد عبد الله الغريفي: الجزء الرابع .... 103
نماذج من توقيعات المهدي علیه السَّلام/ النموذج الأول: توقيع السمري ...105
المثبت التاريخي السابع (أخبار الرؤية والمشاهدة )...107
المثال السادس عشر: توقيع السمري...108
المشاهدة في عصر الغيبة الكبرى/ ماذا عن دعاوى المشاهدة في الغيبة الكبرى ..109
الوجه الأول: الطعن في سند التوقيع...10
الوجه الثاني: الطعن في أخبار المشاهدة سنداً...111
الوجه الثالث: الطعن في الأخبار مضموناً...11
الوجه الرابع: الاعتراف بصدق الأخبار وتكذيبها تعبّداً ...112
الوجه الخامس: تفسير معنى (المشاهدة بادعاء الوكالة والسفارة) ...113
منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر - الشيخ لطف الله الصافي: الجزء الثاني ...119
الباب الخامس: في حالاته ومعجزاته في الغيبة الصغرى بعد وفاة أبيه، وذكر تشرّف بمقام السفارة في الغيبة الصغرى ومن فاز برؤيتها فيها وفيه ثلاثة فصول...121
878 - 16 - کمال الدين: توقيع السمري...122
هامش: كلام الشيخ الصافي حول التوقيع...123
موسوعة الإمام المهدي (إثبات الغيبة) - عرفان محمود: الجزء الرابع...125
ملحق الفصل السادس: دلالات توقيع الإمام علیه السَّلام للسمري ...127
نفي الالتقاء به لا ينسجم مع دلالة التوقيع ولا هدفه...127
موسوعة الإمام المهدي (رؤية الإمام المهدي) - عرفان محمود: الجزء الخامس ...129
إمكانية لقاء الإمام علیه السَّلام في الغيبة الكبرى وتوقيعه علیه السَّلام للسمري ...131
لا تعارض بين خبر التكذيب وما تواتر به اللقاء به...132
تصريح العلماء بإمكانية رؤيته في غيبته / الشيخ الأقدم عبد الرحمن بن قبة...134
الشيخ الصدوق / الشيخ المفيد...135
السيد المرتضى علم الهدى...136
الشيخ تقي الدين الحلبي...137
الشيخ أبو الفتح الكراكجي / شيخ الطائفة الطوسي...138
السيد ابن طاووس...139
الحكيم ميثم البحراني...140
الفاضل الرباني/المحدّث السيد النيلي النجفي...141
العلامة محمد تقي المجلسي / السيد بحر العلوم...142
المحقق الكاظمي...143
الآخوند الخراساني...145
المحقق النائيني / السيد محسن الأمين العاملي...146
مكيال المكارم - ميرزا محمد تقي الأصفهاني: المجلد الثاني...149
الأمر (71): تكذيب من ادّعى النيابة الخاصة في زمن الغيبة الكبرى...151
دعوى السفارة في الغيبة الكبرى - الشيخ محمد السند...157
الضرورة على انقطاع السفارة...159
التشرف باللقاء والنيابة...160
أدلة انقطاع النيابة الخاصة والسفارة...162
الدليل الثاني: توقيع السمري...163
ضابطة صارمة علامة لعصر الظهور...166
الشهب الأحمدية في الرد على مدعي المهدوية – الشيخ أحمد سلمان...169
السفارة في عصر الغيبة الكبرى...171
السفارة في الغيبة الكبرى بين التأييد والمعارضة - الشيخ وسام البلداوي...193
الفصل الأول: توقيع الشيخ السمري بين التأييد والمعارضة ...195
مقدمة الفصل الأول...196
تحليل محتوى توقيع الشيخ السمري ومضمونه...197
المبحث الأول: فوائد هذا التوقيع على المستوى الشخصي والاجتماعي ...197
المبحث الثاني: توقف السفارة بعد موت الشيخ السمري...200
الفائدة الأولى: للجواب عمّا سيثار حول مستقبل النيابة الخاصة من قبل الموالين ...201
الفائدة الثانية: إعطاء فرصة أخيرة ليستفيد منها الناس كل حسب خلقه ومستواه ...202
المبحث الثالث: ثمانية أدلة على انقطاع السفارة الصادقة بعد الشيخ السمري ...202
الدليل الأول: عدم وجود خبر يدل على وقوع السفارة في الغيبة الكبرى .....203
الدليل الثاني: ما قاله الشيخ النعماني حول ارتفاع أعلام السفراء ...205
الدليل الثالث: الأمر بالبقاء والتمسك بما عليه المؤمن حتى يتبيّن الأمر ...206
الدليل الرابع: الأمر بالبقاء على المعتقد القديم حتى يظهر المهدي ...207
الدليل الخامس: أمر المؤمن بالبقاء عل حب من كان يحب وولاء من کان يتولّى إلى وقت الظهور...209
الدليل السادس: لا يطلع على مكان الإمام المهدي ا ولي ولا غيره...211
الدليل السابع: لا معارض لانقطاع السفارة في الغيبة الكبرى من علماء الطائفة ...213
الدليل الثامن: إجماع الطائفة منعقد على انقطاع السفارة في الغيبة الكبرى...214
المبحث الرابع: فائدة عدم تحديد وقت لانتهاء الغيبة الكبرى في توقيع السمري...215
الفائدة الأولى: لإبقاء حالة الاستعداد والترقب عند القاعدة الموالية ...217
الفائدة الثانية: لكي لا تضرب الثورة المهدوية في بداية ظهورها وانطلاقها ...217
المبحث الخامس: صعوبة الظروف التي ستكتنف الغيبة الكبرى ...218
المبحث السادس: ظهور السفراء المدّعين الكاذبين...219
الاعتبار الأول: لعدم اعتقاد غير الشيعة إنّ للإمام المهدي وجوداً خارجياً ...220
الاعتبار الثاني: لأنّ آراء المخالفين لا تجد قبولاً في أوساط الموالين...20
المبحث السابع: المشاهدة المنفية هي المقترنة بدعوى السفارة لا غير ...221
الدليل الأول: وجود لام العهد يصرف المعنى من العام إلى الخاص ومن المطلق إلى المقيّد...221
الدليل الثاني: التوقيع يتحدّث عن المشاهدة التي تستغل لتضليل الجماهير الموالية...223
الدليل الثالث: المشاهدة مع دعوى السفارة تتنافى ومفهوم الغيبة الكبرى...224
الدليل الرابع: المشاهدة مع ادّعاء السفارة وسيلة من وسائل التضليل للموالين...224
المبحث الثامن: إمكان المشاهدة مع ادّعاء السفارة بعد الصيحة والسفياني ...226
العلامة الأولى: خروج السفياني...226
الصيحة بعد السفياني بشهرين وقبل الظهور بخمسة أشهر...227
إمكان مشاهدة الإمام المهدي بعد الصيحة والسفياني...227
الفصل الثاني: دفاع عن توقيع الشيخ السمري...230
الإشكال الأول: الطعن في سند الرواية ورميها بالإرسال...231
من هو الشيخ الصدوق؟...233
من قال من العلماء بعدم إرسال توقيع السمري؟...234
الإشكال الثاني: محاولة رمي رجال السند بالجهالة...236
ويرد عليه: أنّ هذا المفتري جاهل بالفرق بين كتب الحديث والترجمة ...237
ویرد عليه: إنّ الحسن بن محمد المكتّب موثّق مذكور في كتب الرجال ...238
الأول: هل الاختلاف في الاسم أو الكنية يضر في وثاقة الراوي ...242
الأمر الثاني: هل كثرة الرواية والترضي والترحم على الراوي دليل على وثاقته...244
الإشكال الثالث: إنّ رواية السمري من أخبار الآحاد لا توجب علماً ولا عملاً...246
القرينة الأولى: القرينة الداخلية تؤيد صحة الصدور...248
القرينة الثانية: التوقيع هو الإعلان الوحيد لانتهاء الغيبة الصغرى...248
القرينة الثالثة: إجماع الطائفة قرينة على صدق صدوره...249
القرينة الرابعة: موافقة التوقيع مع المرجّحات الروائية...250
وبقيت لنا ملاحظة أخيرة...253
الإشكال الرابع: إنّ توقيع السمري معارض بغيره من الروايات...254
الرواية الأولى: لا يُعلم بمكان الإمام المهدي عجل الله تعالی و فرجة الشریف إلّا خاصة مواليه...254
الوجه الأول: إنّ الروايتين مجتمعتان على تعدد الغيبة...255
الوجه الثاني: إنّهما مجتمعتان على أنّ الاجتماع مع الإمام ممكن في الصغرى...255
الوجه الثالث: لا دلالة في الرواية على ادّعائهم للسفارة...256
الوجه الرابع: الرواية تنطبق على من يكون بمنزلة الخضر وبعض الملائكة ...257
الرواية الثانية: إنّ مع الإمام المهدي ثالثين شخصاً يذهبون عنه الوحشة ...258
الوجه الأول: إنّها من قبيل المجمل المحتاج لمبيّن ومفسّر...259
الوجه الثاني: الثلاثون هم من له من له منزلة الخضر أو الملائكة أو مؤمني الجن.... 262
الرواية الثالثة: إنّ للإمام المهدي علیه السَّلام المولى يدعو الناس للنصرة ...263
الرواية الرابعة: رؤية الإمام المهدي وتكذيب الناس لمن قد رآه ...265
الوجه الأول: الرواية ضعيفة السند...265
الوجه الثاني: اضطرابها من حيث تعيين زمن الرؤية..266
الوجه الثالث: ليس في رؤيتهم دليل على سفارتهم...266
الوجه الرابع: لعل سفارتهم ستكون بعد السفياني والصيحة ...266
الإشكال الخامس: إنّ التوقيع معارض لقصص اللقاء بالإمام...267
السبب الأول: ليس فيها تفاصيل تكشف سر الغيبة...267
السبب الثاني: كل تلك المشاهدات وقعت من دون دعوى السفارة...268
الإشكال السادس: إنّ التوقيع داخل في دائرة المحو والإثبات ...268
الوجه الأول: الإشكال بلا دليل...269
الوجه الثاني: لا ترفع اليد عن أمر مجمع على صحته لمجرد الاحتمال ...269
الوجه الثالث: لا يمكن أن يكون التوقيع منسوخاً لتأخره في الصدور ...269
الوجه الرابع ولنعكس السحر على الساحر...270
الإشكال السابع: إنّ رواية السمري متشابهة غير محكمة ...271
خاتمة البحث...275
كلمات مهدوية - الشيخ محمد آل عبيدان القطيفي...277
انتهاء السفارة الخاصة...279
دلالة التوقيع...280
المقصود من المشاهدة...281
المشاهدة بمعنى السفارة...282
توجيه في المقام...285
توقيع السمري في الميزان/المناقشة السندية...288
وجود المعارض...292
المعارض الثاني...300
دلالة التوقيع من المتشابه...302
مدلول التوقيع أمر جزئي وليس كلياً...304
رعاية الإمام المهدي للمراجع والعلماء الأعلام - علي الجهرمی...307
شبهات وإشكالات باطلة...309
بعض الاحتمالات في تفسير معنى العبارة في التوقيع المبارك ...313
بحوث في المهدوية - الشيخ محمد جواد الفاضل اللنكراني...319
المهدوية والإلزامات المعرفية للانتظار...321
الأمر السادس: إمكان رؤية الإمام المهدي علیه السَّلام في عصر الغيبة الكبرى...322
القول الأول: عدم إمكان الرؤية في عصر الغيبة الكبرى...323
القول الثاني: إمكان الرؤية في عصر الغيبة الكبرى...323
القول الثالث: إمكان الرؤية في عصر الغيبة الكبرى للمتقين فقط ...323
القول الرابع: عدم إمكان الرؤية الاختيارية وإمكان الرؤية الاضطرارية ...323
مؤيدات القول الرابع...324
النقاط الواردة على التوقيع / الأولى: تبيين دستور العمل في الغيبة الكبرى ...325
مقاطع التوقيع: 1- علم الإمام علیه السَّلام فيما يتصل بأحوال الأمة...325
2-نهاية النيابة الخاصة / 3 - بداية الغيبة الكبرى...325
4 - طول مدة الغيبة الكبرى...325
5 - ظهور المدعين للمشاهدة في الغيبة الكبرى...325
6 - تكذيب من يدّعي الرؤية قبل ظهور العلامات الحتمية ...325
النقطة الثانية: حتمية صدور التوقيع من قبل الإمام المهدي علیه السَّلام...326
النقطة الثالثة: مقطع «من يدّعي المشاهدة» هو الأصل في دلالة الرواية ...328
القول الأول: الرؤية الاختيارية / رد القول الأول من وجهة القول المختار ...328
القول الثاني: بمعنى النيابة الخاصة / مناقشة القول الثاني حسب القول المختار ...329
النقطة الرابعة: عدم وجود دليل قطعي على تحقّق الرؤية في الغيبة الكبرى ...329
النقطة الخامسة: ضرورة الالتفات إلى مسألة الواجبات بدلاً من التوغل في المسائل الانحرافية...332
النقطة السادسة: لزوم الاهتمام بسيرة العلماء الكبار والتصدي لمدّعي الرؤية...334
أ) سيرة سماحة آية الله العظمى السيد البروجردي رحمة الله...336
ب) سيرة سماعة آية الله العظمى الإمام الخميني رحمةالله...337
ج) سيرة سماحة آية الله العظمى الفاضل اللنكراني رحمةالله...339
النقطة السابعة: تعميق مسألة إشراف الإمام بدلاً من مسألة اللقاء والرؤية ...341
الفهرس...345