تقریرات الامام السیستانی المجلد 5

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

الاجتهاد والتقلید والاحتياط

تقرير الأبحاث

سَماحة آيَةِ اللهِ العُظمى

السَّيِّد عليّ الحُسَينيّ السِّيستَانِي

دام ظلّه العالى

بقلم

السيّد محمد علي الربّاني

محرر الرقمي: محسن حقاني فر

اشارة

نسخة أولية محدودة التداول

1435 هـ

نسخة مصححة ومزيدة

1437 هـ

مقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطّاهرين، و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين.

و بعد، فهذا قبس من أبحاثِ في علم الأصول أملاها علينا عَلَم التحقيق والتدقيق، ذو الفكر الثاقب، سيدنا وأستاذنا، المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد السيستاني متع الله المسلمين بطول بقائه.

وقد وفقني الله تعالى للحضور بين يديه والاستفادة من نمير علومه وتدوين بعض من دروسه، وأملي أن أكون قد وفقت لنقل الصورة الصحيحة لما أملاه سيدنا الأستاذ مد ظله، فما فيها من محاسن فهو غيض من فيض المعرفة لدى سماحته، وما فيها من قصور - والكمال الله وحده - فهو من سوء الصياغة والغفلة وزلل القلم.

وقد شرع دام ظله في بحث الاجتهاد والتقليد والاحتياط من الدورة الثالثة ليلة الأحد الثاني عشر من شهر ربيع الثاني سنة ألف وأربعمائة وسبعة للهجرة النبوية

الشريفة وقد فرغ منه ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من شهر شعبان المعظم سنة ألف وأربعمائة وسبعة من الهجرة النبوية في ثمانية وسبعين محاضرة.

وإني إذ أحمد الله سبحانه على توفيقه إياي في تخليد هذه الدروس القيمة للأجيال القادمة أسأله أن يطيل في عمر سيدنا الأستاذ ويبقيه ذخراً وملاذاً للإسلام والمسلمين، إنّه سميع مجيب.

محمد علي الربّاني

المقصد الأول: في الاجتهاد

اشارة

وفيه مباحث:

الفصل الأول: معنى الاجتهاد

الفصل الثاني: معنى التفقه

الفصل الثالث: ما يتوقف عليه الاجتهاد والتفقه من العلوم

الفصل الرابع: أثر الاجتهاد والتفقه.

البحث الأول: الافتاء

البحث الثاني : اختصاص القضاء بالمجتهد وعدمه

البحث الثالث: ثبوت الولاية للمجتهد

الفصل الخامس: في التجزي في الاجتهاد

الفصل السادس: في التخطئة والتصويب

الفصل السابع: في تبدّل رأي المجتهد والإجزاء

الفصل الأوّل: معنى الاجتهاد

معنى الاجتهاد

من المعلوم أنّه لا أهميّة للبحث عن معنى الاجتهاد في اللغة، وهل هو مأخوذ من الجَهد أو الجُهد، فلو كان مأخوذاً من الجُهد - بالضم - فمعناه تحمّل المشقة، ولو كان مأخوذاً من الجَهد - بالفتح - فمعناه صرف الطاقة. وعلى أيّ حال فالعمدة هو معناه الاصطلاحي، فنقول:

قال السيد المرتضى: (فأمّا الاجتهاد فهو موضوع في اللغة لبذل الوسع والطاقة في الفعل الذي يُلحق في التوصّل إليه بالمشقّة، كحمل الثقيل وما جرى مجراه، ثم استُعمل فيما يتوصّل به إلى الأحكام من الأدلة على وجه يشقُّ)(1).

ثم إنّ الاجتهاد في الروايات مستعمل في معنيين:

المعنى الأوّل: بذل الجهد والطاقة في العمل بالأحكام، وهذا ما يمكن التعبير عنه بالاجتهاد العملي، فإنّه ورد في روايات كثيرة بهذا المعنى(2). فقد ورد في نهج البلاغة: «ولكن أعينوني بورع واجتهاد»(3). وعن الامام الصادق ل : «كونوا دعاة


1) الذريعة إلى اصول الشريعة 2 : 672 .

2) انظر: بحار الأنوار 68 : 160 وما بعدها. باب:« الاجتهاد والحث على العمل».

3) نهج البلاغة، الرسالة رقم 45 .

للناس بالخير بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع»(1). وعنه(عليه السلام)کلام آخر قريب منه(2). وورد عنه(عليه السلام)أيضاً: «أُوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد»(3).

إلى غير ذلك من الموارد التي استعمل فيها الاجتهاد بمعنى الاجتهاد العملي، ومن أراد المزيد من هذه الروايات فليراجع سفينة البحار(4)وكتاب المعجم المفهرس لألفاظ وسائل الشيعة(5).

المعنى الثاني: بذل الجهد الفكري لاستخراج الأحكام الشرعية واستنباطها نفياً أو إثباتاً، وهذا المعنى معنىً جامع.

ثم إنّ الاجتهاد في اصطلاح الأُصوليين استعُمل بمعان مختلفة بحسب الأزمنة، وهي كما يلي:

الأول: ما يساوق القياس الذي هو ممنوع عندنا، فإنّ الاجتهاد مستعمل في كلمات الأُصوليين السابقين من العامة والخاصة والفقهاء في القياس أو ما يعمّ القياس وغيره، كالاستحسان والاستصلاح التي يجمعها عنوان (القول بالرأي).

قال الشافعي: (ما القياس ؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ قلت: هما إسمان لمعنى واحد)(6). والشافعي من الأوائل الذين ألّفوا في الأُصول من العامة.


1) وسائل الشيعة 12: 162.

2) وسائل الشيعة 1 : 76

3) وسائل الشيعة 1 : 85

4) سفينة البحار، مادة (جهد).

5) المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث وسائل الشيعة 2: 854 وما بعدها.

6) الرسالة: 477 .

وبهذا المعنى استُعمل في الروايات - مع قطع النظر عن تمامية هذه الروايات سنداً - كما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «وأمّا الردّ على من قال بالاجتهاد فإنهم يزعمون أنّ كل مجتهد مصيب»(1).

وعن معاوية بن ميسرة أنّ عبد الله بن شبرمة قال: (يا أبا عبد الله إنا نقض بالعراق فنقضي من الكتاب والسنة، وترد علينا المسألة فنجتهد فيها بالرأي)(2)وعن الإمام الصادق(عليه السلام): « ولو كان الله رضي منهم اجتهادهم وارتياءهم»(3).

والاستعمال بهذا المعنى لعلّه من أوّل الأمر كان من أهل السنة، ولعل منشأ اختیار هم هذا اللفظ للقياس - الذي جرى النزاع في حجيته - إنما هو بسبب ورود ذلك في بعض الروايات المنقولة بطرقهم عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وبعض الصحابة، وهم يستدلّون لصحّة القياس بهذه الروايات كرواية معاذ بن جبل وفيها (قال: «فإن لم تجد في كتاب الله»؟ قال: فبسنة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)ولا في كتاب الله»؟ قال: اجتهد رأيي)(4). وما نقل عن ابن مسعود حيث قال: (فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله، ولا قضی به نبیه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه)(5).

إلّا أنّ علماءنا ذهبوا إلى بطلان الاجتهاد بهذا المعنى، وقد ألّفوا كتباً في ردّ ذلك، مثل ما نقل في ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري من أنّه ألّف كتاباً عنوانه:


1) وسائل الشيعة 56:27.

2) بحار الأنوار 314:2

3) بحار الأنوار 2 : 313

4) سنن أبي داود 3: 303.

5) سنن النسائي 8: 230

(کتاب الاستفادة في الطعون على الأوائل والردّ على أصحاب الاجتهاد والقياس)(1)كما كتب هلال بن إبراهيم - على ما ذكر النجاشي - (كتاب الردّ على من ردّ آثار الرسول واعتمد نتائج العقول)(2)وإسماعيل بن علي النوبختي (كتاب النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد)(3)والشيخ المفيد في ردّه على ابن الجنيد(4)وغير ذلك.

هذا مضافاً إلى كلماتهم في أبواب الفقه التي تدلّ على بطلان الاجتهاد بهذا المعنى، كقول الشيخ في العدة: (وأمّا القياس والاجتهاد فعندنا أنّهما ليسا بدليلين، بل محظور استعمالهما)(5)، وقال في الخلاف: ( فقد ثبت عندنا أنّ الحق في واحد، وأنّ القول بالقياس والاجتهاد باطل)(6)، وابن إدريس في السرائر في ذكر عدد المرجحات لإحدى البينتين، قال: (ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا)(7).

فيظهر من هذه الكتب والكلمات أنّ الاجتهاد كان يستعمل بهذا المعنى في هذه الطبقة، وأنّ علماءنا كانوا يقولون ببطلان الاجتهاد بهذا المعنى.

إلّا أنّ هناك ما يوجب توهّم أنّ بعض قدماء أصحابنا كانوا يقولون بالاجتهاد بهذا المعنى، فإنه يُنسب إلى بعض قدماء أصحابنا القول بالقياس. قال التُستري:


1) رجال النجاشي / رقم 575 .

2) رجال النجاشي / 1186.

3) رجال النجاشي / رقم 68 .

4) رجال النجاشي / رقم 1067.

5) العدة في أصول الفقه 1: 8.

6) كتاب الخلاف 6: 215 .

7) کتاب السرائر 2: 170

(وحكى غيره - أي: الصدوق - في مواضع متفرقة عن جماعة من أساطينهم العمل بالرأي والقياس أحياناً، وفيهم من الأوائل مثل زرارة بن أعين وجميل بن دراج وعبد الله بن بكر - إلى أن يقول - ومن الأواخر مثل يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان وغيرهم ولم يثبت بعض ذلك، وقد تبعهم ابن الجنيد من قدماء فقهائنا (أصحابنا) الذين أدركوا الغيبتين)(1).

وقال الشيخ الصدوق بعد نقل كلام من الفضل: (هذا مما زلّ به قدمه عن الطريق المستقيمة، وهذا سبيل من يقيس)(2).

وقال الشيخ الطوسي بعد نقل كلام عن يونس: (ويجوز أن يكون ذلك اختياره لنفسه لا من جهة الرواية، بل لضرب من الاعتبار )(3)، ونحن قد ذكرنا في مبحث القياس مفصّلاً أن نسبة القياس إليهم غير تامّة، فراجع.

الثاني: ما ذُكر منذ زمان المحقق، ومرجعه إلى استنباط الحكم الشرعي بإعمال النظر والدقة في الأدلة الشرعية.

ويمكن توضيح هذا المعنى بأنّه كما نقول بحجية قول أهل الخبرة في الجملة في كثير من الموارد كالمقوّمين وأشباه ذلك، مع أنّ خبرهم يعتمد على النظر والحدس وتجميع القرائن وأمثالها، وربما يخطئ وربما

يصيب، فكذلك في شؤون الأحكام الشرعية - إلّا قطعياتها وضرورياتها - نحتاج في استنباطها من الأدلة إلى إعمال النظر والدقّة في السند والدلالة وغير ذلك.


1) کشف القناع: 83.

2) من لا يحضره الفقيه 4 : 270 .

3) تهذيب الأحكام 9: 345 .

والاجتهاد مستعمل منذ زمان المحقق - وهو من علماء القرن السابع - في هذا المعنى، فقد قال المحقق الحلي: (وهو في عرف الفقهاء: بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهاداً؛ لأنها تُبنى على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر - إلى أن يقول - فإذا استُثني القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس)(1).

وهناك تعريفات أُخرى، منها: (استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي)(2). وهذا ما ذكره العلّامة في بعض كتبه(3).

وليس معنى ذلك أنّه يكفي الظن بالحكم الشرعي كما توهّمه الأخباريون، بل معناه أنّ هذه الأمور النظرية ليست من المعاينات ويُعبّر عنها بالظن، فإنا ذكرنا في مبحث الظن أنّ الخبر قد يكون عن علم ، وهذا كما إذا كانت مبادؤه من العيان، وأمّا إذا لم تكن مبادؤه كذلك، بل كانت من الأمور النظرية، فهذا الخبر خبر عن ظن، سواء كان الخبر جزمياً أم لم يكن كذلك. وعليه فظنية الطريق لا تُنافي قطعية الحكم، ولكن الأخباريّين قد عارضوا الاجتهاد بهذا المعنى، وهم يقولون: إنّ الذي هو حجة انما هو الرجوع إلى العالم، ومعنى ذلك عدم إعمال النظر ، فبما أنّ الروايات مقطوعة الصدور والدلالة ولو بضم بعضها إلى بعض ويجب علينا الرجوع إلى العالم، فتكون النتيجة العمل بالعلم.


1) معارج الاُصول: 179 - 180.

2) انظر: معارج الاُصول: 181 - 182 .

3) انظر : تهذيب الوصول إلى علم الاُصول : 283 ، مبادئ الوصول إلى علم الاُصول: 240.

قال الحر العاملي: (فإن قلت: لا مفر للأخباريين عن العمل بالظن وذلك: أن الحديث - وإن علم وروده عن المعصوم بالقرائن المذكورة ونحوها : قد يحتمل التقية.

وقد تكون دلالته ظنية .

قلت: أما احتمال التقية فلا يضر ما لم يعلم ذلك بقرائن مع وجود المعارض الراجح.

مع أنه قد ورد النص بجواز العمل بذلك كما مر وتقدم وجهه.

والمعتبر من العلم - هنا - العلم بحكم الله في الواقع ، أو العلم بحكم ورد عنهم عليهم السلام.

وأما ظنية الدلالة: فمدفوع بأن دلالة أكثر الأحاديث قد صارت قطعية، بمعونة القرائن اللفظية والمعنوية، والسؤال والجواب، وتعاضد الأحاديث، وتعدد النصوص، وغير ذلك)(1).

ونحن في هذا المقام لسنا بصدد البحث عن الأخباريّين وأنّ عملهم هل هو على وفق العلم أو لا؟ مضافاً إلى أنّ بعض أكابرهم كصاحب الحدائق ذكر في مواضع متعددة أنّه ما من رواية من روايات التهذيب إلّا وفيها خلطٌ سنداً أو متناً، وألّف بعضهم كتاباً في الاختلاف بين الروايات والكتب.

الثالث: ما ذكره جماعة من أنّه: (تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي)(2)، وذكروا بأن هذا المعنى يوجب رفع النزاع بين الأصوليّين والأخباريين. وهذا المعنى


1) وسائل الشيعة 269:30 - 270 .

2) كفاية الاُصول: 464 .

مستحدَث، ولا يمكن إيقاع الصلح به بين الأُصولي والأخباري؛ إذ إنّ مورد النزاع هو المعنى الثاني.

هذا مضافاً إلى أنّ الاجتهاد هو تحصيل الحكم الشرعي أو تعيين الوظيفة الفعلية من ناحية الحجة، لا تحصيل الحجة، فإنّ المجتهد يَستخرج الأحكام الشرعية من الحجج، وأمّا تحصيل الحجة فليس باجتهاد.

فظهر أنّ الاجتهاد له معاني مختلفة، وعليه لابدّ من الالتفات إلى أنّ مقصود المثبت أو النافي من الاجتهاد أيّ واحد من هذه المعاني.

هذا وقد استدل بعض الأخباريين لبطلان الاجتهاد بالروايات، والحال أنّ الروايات واردة في المعنى الأوّل، ولا يقول أحدٌ من الإمامية به، والنزاع بين الاُصولي والأخباري إنما هو على المعنى الثاني، فلا يمكن الاستدلال بالروايات وأقوال القدماء لبطلان الاجتهاد بالمعنى الثاني، وبما أنّ الإجتهاد بهذا المعنى لم يرد في الروايات، فلا داعي للتحقيق في معناه وتحديد حدوده، وإنّما ذكرنا معاني الاجتهاد لرفع الخلط الحاصل من البعض بين المعنى الأوّل والثاني، ولبيان تطوّر الاجتهاد.

الفصل الثاني: معنى التفقّه

معنى التفقه

إن ما ينبغي التحقيق والتدقيق فيه هو معنى ( الفقاهة) الوارد في الروايات، حيث إنّ أحد معاني الفقه يساوق الاجتهاد بالمعنى الثاني، فنقول:

إنّ الفقه في اللغة قد فُسّر بمعان كالعلم بالشيء وفهم الشيء والفطنة، قال ابن منظور قال لي :أعرابي: شهدت عليك بالفقه أي الفطنة)(1)، وقال الراغب: (الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد)(2).

وعن بعض: (الفقه بالشيء هو معرفة باطنه والوصول إلى أعماقه، فمن لا يعرف من الأمور إلّا ظواهرها لا يُسمّى فقيهاً)(3).

و مرجع هذه التفاسير إلى أمر واحد، وهو درك كنه الشيء. والفقيه هو الذي يصل إلى أعماق المطلب، وليس الفقه هو مجرّد فهم الشيء.

وأمّا في العرف فيستعمل في معان ثلاثة:


1) لسان العرب مادة (فقه).

2) مفردات الراغب، مادة (فقه).

3) حكاه عن الترمذي في تفسير المنار 9: 352.

المعنى الأول: البصيرة في أمر الدين من المعارف الإلهية والأحكام التشريعية والأخلاق.

قال المازندراني - نقلاً عن الشيخ البهائي : (ليس المراد بالفقه الفهم ولا العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلّتها التفصيلية فإنه معنی مستحدث، بل المراد به البصيرة في أمر الدين، والفقه أكثر مايأتي في الحديث بهذا المعنى، والفقيه هو صاحب هذه البصيرة، وإليها أشار النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بقوله : «لا يفقه العبد كلّ الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ويرى للقرآن وجوهاً كثيرة»)(1).

وقال الفيض الكاشاني في شرح حديث علي بن أبي حمزة: (بيان: تفقّهوا في الدين - إلى أن يقول - والفقه أكثر ما يُستعمل في القرآن والحديث يكون بهذا المعنى)(2).

ومن الروايات التي لعلها تناسب هذا المعنى ما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام): « ألا اُخبركم بالفقيه حقّ الفقيه من لم يقنّط الناس من رحمة الله، ولم يُؤمّنهم من عذاب الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن»(3).

وكذلك الروايات التي ذُكر فيها الأعرابي في مقابل الفقيه:

منها: رواية علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول: «تفقّهوا في الدين فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي» (4).


1) شرح أصول الكافي (للملا صالح المازندراني) 2: 29.

2) الوافي 1 : 128.

3) الوافي 1: 163 .

4) الكافي 1: 23 - 24 .

ومنها: رواية مفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعراباً، فإنّه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزكّ له عملاً»(1).

ومنها: ما روي عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، قال: «إنّ من علامات الفقه الحلمَ والصمتَ»(2)، وقد ذكر المازندراني في شرحه أنّ المراد بالفقه هو البصيرة بأحكام الدين(3).

والفقه بهذا المعنى قد نُقل عن غير الشيعة أيضاً، ففي كتاب البحث النحوي عند الاُصوليين: (روي عن أبي حنيفة أنه كان يعدّ الفقهَ معرفةَ النفس ما لها وما عليها، أي: ما تنتفع به النفس وما تتضرر به في الآخرة)(4)، ولعل ما ذكر في ترجمة سلمان نقلاً عن الفضل بن شاذان من قوله: (ما نشأ في الإسلام رجل من سائر الناس كان أفقه من سلمان)(5)هو بهذا المعنى.

المعنى الثاني : معرفة فروع الشريعة من الحلال والحرام والعبادات والمعاملات، ففي لسان العرب نقلاً عن ابن الأثير: (وقد جعله العرف خاصاً بعلم الشريعة وتخصيصاً بعلم الفروع منها )(6)، وقال الطبرسي : (قد اختص في العرف بعلم الأحكام


1) الكافي 1 : 24 .

2) الكافي 1 : 28 .

3) شرح الكافي (للملا صالح المازندراني) 2 : 33.

4) البحث النحوي عند الاُصوليين: 33، وانظر: شرح التلويح على التوضيح 16:1.

5) رجال الكشي/ رقم 914 .

6) لسان العرب مادة (فقه).

الشرعية، فيقال لكل عالم بها فقيه، وقيل : الفقه : فهم المعاني المستنبطة، ولذلك لا يقال لله سبحانه أنّه فقيه)(1).

وقد استعمل الفقه بهذا المعنى في الروايات وفي كلمات السابقين، فقد قال الشيخ الأنصاري: (المعروف بين الأصحاب - تبعاً لظاهر تعبير الشيخ بلفظ ينبغي - استحباب التفقه في مسائل الحلال والحرام المتعلقة بالتجارات ، ليعرف صحيح العقد من فاسده ويسلم من الربا)(2).

وروي عن الأصبغ بن نباته، قال: سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول على المنبر : « يا معشر التجار الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، والله لَلربا في هذه الأمّة أخفى من دبيب النمل على الصفا»)(3).

وروي مرسلاً عن الصادق(عليه السلام) : « من أراد التجارة فليتفقه في دينه»(4).

ولعل المراد هو هذا المعنى في الخبر الذي روي فيه أنّ الفقيه لا يعيد الصلاة(5).

ومعتبرة أبي جعفر الأحول عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا»(6).


1) مجمع البيان 5: 143 .

2) المكاسب 4 : 337.

3) وسائل الشيعة 17 : 381.

4) وسائل الشيعة 17 : 382

5) تهذيب الأحكام 2: 351.

6) الكافي 1 : 31 .

المعنى الثالث: معرفة فروع الشريعة من مداركها. وهذا هو المتبادر من التفقه والفقيه في غير العصر الأول، والروايات التي استعمل فيها الفقه بهذا المعنى لعلّها كثيرة، ولا يمكن لنا ضبطها لعدم وصول المعاجم الموجودة إلى هذا اللفظ.

منها: ما روي عن العسكري(عليه السلام): « فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه» (1).

ومنها :مقبولة عمر بن حنظلة على نسخة الكافي: «وإن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة»(2).

ومنها: رواية علي بن مهزيار: « فإن فقهاء أصحابنا أشاروا عليّ بالتقصير»(3).

ومنها: رواية أبان بن تغلب عن أبي جعفر(عليه السلام) أنه سأله عن مسألة فأجاب فيها، قال الرجل : (إن الفقهاء لا يقولون ذلك)(4).

ومنها: عن داود بن الحصين عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال لي: «ما يقول في ذلك فقهاؤكم»؟ قلت: يقولون لا يجوز إلّا بشهادة رجلين عدلين، فقال: «كذبوا لعنهم الله هوّنوا واستخفوا بعزائم الله وفرائضه»(5).

ومنها: عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال لأبي حنيفة: «أنت فقيه أهل العراق»؟ قال: نعم، قال: «فيم تفتيهم» ؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه(6).


1) الاحتجاج 2 : 263 .

2) الكافي 1 : 55 .

3) وسائل الشيعة 8: 525

4) الوافي 1 : 164.

5) الوافي 954:16 - 955

6) وسائل الشيعة 27: 47 .

ومنها: قول الصادق(عليه السلام): « انّا والله لا نعدّ الرجل من شيعتنا فقيهاً حتى يُلحن له فيعرف اللحن»(1).

وإجماع الكشي على تسمية ستة من أصحاب الباقر(عليه السلام) وستة من أصحاب الصادق(عليه السلام)وستة من أصحاب الرضا(عليه السلام) والجواد(عليه السلام) بالفقهاء بهذا المعنى(2).

وذكر المجلسي أنّ تأويل الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا الأئمة(عليهم السلام)، و(القرى الظاهرة) رواة أخبارهم وفقهاء شيعتهم(3).

والفقيه بهذا المعنى هو محل كلامنا، ولابد من تعيين أحد هذه المعاني الثلاثة بمناسبة الحكم والموضوع إذا رأينا هذه الكلمة في مورد. والفقه بالمعنى الثالث مساوق لكلمة الاجتهاد بالمعنى الثاني أو الثالث، فبما أن هذه الكلمة - أي: الفقه - واردة في الروايات، فلابد من الاهتمام بهذا المعنى بدلاً عن الاجتهاد الذي لم يستعمل في الروايات بالمعنى الثاني للاجتهاد.


1) بحار الأنوار 2 : 208.

2) رجال الكشي/ رقم 431

3) بحار الأنوار 10: 145.

الفصل الثالث: العلوم التي يتوقف عليها التفقه

اشارة

العلوم التي يتوقف عليها التفقه

والبحث هنا عمّا يتوقف عليه الاجتهاد والتفقه من العلوم، فنقول: إنّ ما يتوقف عليه التفقه من العلوم أنواع:

النوع الأول: العلوم التي لها دخل في فهم المعنى من اللفظ كعلم النحو والصرف واللغة والمعاني والبيان، ولا شك في الاحتياج إلى هذه العلوم في الجملة.

مراحل فهم المعنى

وهناك مراحل لفهم المعنى:

المرحلة الأولى: معرفة المفردات اللغوية من حيث المواد وهي متوقفة على مراجعة علم اللغة، ومن ناحية معرفة مفاد الهيئات الافرادية نحتاج إلى علم التصريف، ومعرفة الهيئات التركيبية لا تتيسر إلا من خلال النحو والمعاني والبيان، وليس مرجع ذلك إلى جواز الاعتماد على قول اللغوي، فإنا ذكرنا في مبحث حجية قول اللغوي بأنّه لا دليل على حجية قوله، بل كتب اللغة وسيلة من وسائل الاطمئنان لتشخيص المعنى، ونقائص كتب اللغة مما لا يخفى، ولا بأس بذكر بعضها:

فمنها: أنّا غالباً نحتاج إلى اللغة في تجديد حدود المعنى، وكتب اللغة تذكر غالباً في تفسير المعنى اللغوي التفسير بالأعم أو بما يشبهه، ولا تذكر الدقائق والخصوصيات

التي تدل عليها المادة، مثل كلمة (فقه) فإنهم يفسّرونها بالفهم مع أنه ليس بمعنى مجرد الفهم، بل الفهم الدقيق، وهذا ما ذكره المدققون ومن شرّاح الأحاديث.

ومنها: أنّ كتب اللغة متأثرة بمذاهب أهلها غالباً، فلذا فسر كلّ منهم ما فيها نحو إجمال وإبهام على مرامه، متأثراً بمذهبه، فمثلاً نرى أنهم يفسرون الغنيمة بغنائم دار الحرب، وذلك لتأثّرهم بأنّ الخمس إنّما يجب في غنائم الحرب، والحال أنّ الغنيمة هي الظفر بالشيء، بل هي كلّ عوض مادي. وهكذا في سائر الموارد مثل الكعب والعورة، فإنّ من يقول بلزوم الستر لما بين السرة والركبة يفسر العورة بأنها ما بين السرة والركبة.

ومنها: الخلط بين المعاني المستحدثة والمعاني الحقيقية، كتفسيرهم العلم بالقطع والظن بالاعتقاد الراجح، والحال أنّ الظن بهذا المعنى من المستحدثات ومن مصطلحات المنطقيين . إلى غير ذلك من جهات النقص والضعف التي تقدّم ذكرها في مبحث حجية قول اللغوي مفصّلاً. ومع ذلك نحن لا ننكر تأثير كتب اللغة في الجملة في تشخيص المفردات وتفسيرها، وأمّا حجية قول اللغويين فلا.

هذا مضافاً إلى أنّ كثيراً منهم أخذ المفردات وتفاسيرها من غير المحيط الذي نزل فيه القرآن ووردت فيه سنة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) واجتنبوا أن يأخذوا من أهل مكة والمدينة، فلابد لمن يراجع كتب اللغة أن يكون بصيراً بنواقص هذه الكتب، فإنّ بعضها كالمصباح المنير مثلاً كتاب لغة خاص بالفقه حيث تعرّض فيه لبيان غريب شرح الوجيز للغزالي، وهذا الكتاب أشبه شيء ببيان المصطلحات. هذا كله في المواد.

وأما الهيئات الافرادية فقد تعرّض لها علم الصرف، وذكرت معاني لكثير من الهيئات فيه، واختلاف العلماء في هذه المعاني، إلا أنّ الاُصوليين أيضاً قد بحثوا عن

كثير من الهيئات الافرادية كبحث المشتق والبحث في أنّ الأمر هل يدل على الوجوب أو لا، إلى غير ذلك.

وأما الهيئات التركيبية فالعلم الذي يتعرض لها هو علم المعاني، وللنحو دخالة مقدمية فيها، فإن الغرض من النحو صيانة اللسان، إلّا أنّه يُبحث فيه عمّا هو فضلة في الكلام وما هو دخيل وما هو مبتدأ وخبر إلى غير ذلك، وتجدر الإشارة إلى أنّ للاُصول سهماً وحظاً في بعض الهيئات التركيبية، مثل البحث عن مفهوم الشرط والحصر وأشباه ذلك، وأمّا المجاز والاستعارة ونحوها فهذا مما نحتاج في معرفته إلى علم البيان.

فظهر مما ذُكر أنه إذا لم يكن لمن يريد التفقه حظ من هذه العلوم فإنّه لا يتمكن من التفقة، بل هو ما زال بعيداً عن أوّل مرحلة من مراحل التفقه.

المرحلة الثانية: مما يحتاجه الفقيه في مرحلة التفقه، وهي عبارة عمّا ذُكر متفرقاً في مبحث حجية الظواهر ومبحث علل اختلاف الأحاديث من تجميع كلمات المتكلم في موضوع واحد، والاستمداد من بعضها البعض واستخراج الحكم من المجموع، فإنّ كلمات الأئمة الطاهرين(عليهم السلام) مثلُ القرآن في وجود المتشابه والمحكم والخاص والعام.

المرحلة الثالثة: معرفة كيفية الاُسلوب الخاص الذي طرح الكلام على وفقه، فقد يكون للمتكلم اُسلوب خاص في التكلم، فقد يأتي بشيء مطلقاً في حين أنّه بصدد بيانه من حيثية واحدة، وهذا كقوله تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً(1). فهذا ليس معناه أنّه لم يُحرّم سوى هذه الأمور،


1) سورة الأنعام / الآية 145 .

بل معناه أن الذي حرّمتموه على أنفسكم لا أجده محرّماً، فهنا الحصر إضافي، فلابدّ من معرفة كيفية تكلّم المتكلّم من حيث الاُسلوب.

كما لابد من معرفة أنّ الكلام مع مَنْ، فإنّ المخاطَب قد يكون من الفقهاء وقد يكون عاميّاً، وهل هو في مقام التعليم أو لا، ولابد من معرفة لحن القول والتورية، إلى غير ذلك من الأمور التي ذكرناها في مبحث علل اختلاف الأحاديث، فكما أنّ الفقه متوقف على العلوم الأدبيّة المدونة، كذلك متوقف على علوم اُخرى غير مدوّنة، ولعلها أكثر دخالة وتأثيراً من العلوم المدونة في التفقه، وقد تقدم كثير منها في ضمن الأبحاث المتقدمة كبحث حجية ظواهر الكتاب وبحث علل اختلاف الأحاديث.

النوع الثاني: معرفة رواية الحديث. فإنّ الفقيه لابدّ أن يكون راوياً لحديثهم(عليهم السلام) لما عن الصادق(عليه السلام): «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا»(1). ورواية الحديث في زماننا تتوقف على أمرين:

الأمر الأول: علم معرفة الكتب، فإنّ كثيراً من الكتب قد اختُلف في نسبتها إلى كاتبها. ومعرفةُ الكتب فن من فنون علم الحديث، فإنّ علم الحديث له شعب، ومن شعبها علم معرفة الكتب، ومجرد انتساب كتاب إلى شخص في فهرست أو جامع من الجوامع غير كاف، فإنّ كثيراً من الكتب اختُلف فيها - كما ذكرنا - ويكفي في ذلك الاختلاف في روضة الكافي، فإنّه نقل عن الملا خليل القزويني ونسب إلى الشهيد الثاني على ما في المستدرك وبعض آخر أنّ الروضة ليست للكليني(2)، فاذا كان هذا حال الروضة فكيف يكون حال بعض الكتب الاُخرى، كفضل الشيعة للصدوق وتحف


1) الكافي 7: 412

2) خاتمة المستدرك 3: 536 .

العقول وتفسير الفرات وإرشاد الديلمي ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى والاختصاص للمفيد، وهذه الكتب التي ذكرناها ممّا ذكرها المحدّث النوري ردّاً على صاحب الجواهر - مع أنّ المحدّث النوري واسع المشرب في النسبة - حيث ذكر بأنه لو كان الجعفريات عند صاحب الوسائل لنقل عنه ، فقال : ( ولو كان لنقل عنه قطعاً، فانه ينقل عن كتب هي دونه بمراتب من جهة المؤلف، أو لعدم ثبوت النسبة إليه أو ضعف الطريق إليه كفضل الشيعة للصدوق، وتحف العقول، وتفسير فرات، وإرشاد الديلمي، ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى، والاختصاص للمفيد... مع أنّه يتشبث في الاعتماد أو النسبة بوجوه ضعيفة وقرائن خفية )(1).

وعليه فلا يمكن الاعتماد على الآخرين في نسبة الكتاب لأحد، ولا بدّ للفقيه أن يكون له رأي ونظر في كل كتاب يروي عنه.

الأمر الثاني: معرفة تخلّل - أي: حصول - الاجتهاد وعدمه في مقام نقل الرواية.

وتوضيح ذلك : أنّ نقل الرواية من المصدر قد يكون مع الواسطة وقد يكون مباشرة، فإنه قد نروي من المصدر الموجود عندنا كالكافي والتهذيب والفقيه وغير ذلك، وقد نعتمد على نقل الغير كنقل صاحب الوسائل والوافي وجامع الأحاديث وغير ذلك.

فإن كان النقل مع الواسطة - كما هو الغالب - وعلمنا بعدم تخلل اجتهاد في مرحلة النقل متناً أو سنداً، فلا ريب في جواز الاعتماد، وأما إذا عُلم بتخلّل الاجتهاد بأحد الوجوه الآتية ولا سيما إذا علمنا ببطلان الاجتهاد في بعض الموارد، فلا يمكن الاعتماد على الواسطة.


1) خاتمة المستدرك 1: 30-31.

فمثلاً: أن وسائل الشيعة من أشهر المجاميع، فربّما يقال بأنّ نقل صاحب الوسائل كثيراً ما اشتمل على تخلل الاجتهاد، فلا يمكن الاعتماد على الوسيط، وربما لا يكون بعض ما سنذكره مختصاً بالوسائل، بل يشمل غير الوسائل من سائر المجاميع، ومن هذه الاجتهادات: نقله للحديث أحياناً بالمعنى أو ما يلحق بالنقل بالمعنى.

وكمثال على ذلك فهو يقول - بعد ذكر حديث من الكافي مثلاً- : وروى الشيخ نحوه.

وقد أشار صاحب الوسائل إلى أنّه إذا كان بين الروايتين اختلاف فإنه يعبّر عنه بقوله: (نحوه)، وإن لم يكن بينهما اختلاف بل كان بعين اللفظ عبّر بقوله: (مثله)، وتخلّل الاجتهاد إنما يكون فيما إذا عبّر بقوله : (نحوه)، فمن وجهة نظره أنّ الاختلاف بينهما لا يوجب الاختلاف في الاستنباط، وقد يكون الاختلاف موجباً لاختلاف المستفاد، فإنه قد يكون تغيير كلمة، بل حرف موجباً لتغيير المفاد، وبناءً على ذلك فإنه قد حصل تغيير في كيفية النقل عن بعض الكتب ككتاب العلل للفضل بن شاذان، فإنّ هذا الكتاب بصورة: (إن قيل كذا قلنا كذا)، وصاحب الوسائل ينقلها بغير تلك الصورة، ومرادنا من قولنا : ( وما يلحق بالنقل بالمعنى) مثل هذا التغيير.

ومن هذه الموارد: أنّ صاحب الوسائل، بل صاحب الوافي لم يتعرّضا لإختلاف الكتب متناً وسنداً إلّا نادراً، فإنه لو كانت هناك رواية في الكتب الأربعة وكان بينها اختلاف من جهة المتن أو السند فإنهما لا يتعرّضان لهذا الاختلاف إلا نادراً، فضلاً عن الاختلاف في سائر الكتب. وجامع الأحاديث - وإنْ تعرّض للإختلاف الموجود في الكتب الأربعة - إلّا أنّه أيضاً أخلّ بالاختلاف الذي في غير الكتب الأربعة، فلو كانت هناك رواية في التهذيب والعلل وكان بينهما اختلاف فإنه لا يتعرّض لهذا الاختلاف، والحال أنّ سائر الكتب ليست أقلّ درجة في الاعتبار من الكتب الأربعة، وعدم نقل الاختلاف مُضر بِمَن هو بصدد التفقه، فربما يكون أقلُّ اختلاف موجباً لاختلاف

المفاد من وجهة نظر هذا الشخص، إلا أن صاحب الوسائل والوافي لم يتعرضا للاختلاف؛ لعدم كونه موجباً لاختلاف المفاد من وجهة نظرهم.

ومنها: تخلّل الاجتهاد في نقل السند، فقد يبتدئ الكافي مثلاً بأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، ويدور الأمر بين أن تكون هذه الرواية معلّقة على السند السابق أو تكون مرسلة، ففي مثل هذه الموارد ينقل صاحب الوسائل الرواية معلّقة على السند المذكور سابقاً، وهذا ما فعله عند ما نقل حديثاً عن الكافي، فإنّ الكافي ابتدأ بأحمد بن محمد بن أبي نصر(1)، والحال أنّ صاحب الوسائل نقلها معلقاً على السند السابق ويقول: وعنهم - أي: عدة من أصحابنا - عن سهل، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر)(2)، والناظر في الوسائل يتوهم أنّ الرواية في الكافي هكذا، والحال أنّ على المجتهد أن يجتهد في أنّ الرواية هل هي على نحو الإرسال أو على نحو التعليق؟

ومنها: تخلّل الاجتهاد في متن الحديث، فإنه كثيراً ما يكون ذيل رواية ممّا اختلف فيه في أنّه من الرواية أو من كلام الشيخ أو غيره، ونرى أنّ صاحب الوسائل أو صاحب الوافي نقله - حسب فهمه - على أنّه من الرواية أو ليس من الرواية، والحال أنّ المجتهد لو راجع المصدر الأصلي ربما يفهم خلاف ما فهمه صاحب الوسائل أو صاحب الوافي، ومثل هذا الاختلاف بين صاحب الوسائل والوافي كثير.

ومنها: تخلّل الاجتهاد في تعيين المشتركات، فإنه قد يبتدئ الشيخ مثلاً باسم علي، وصاحب الوسائل يستظهر بمناسبات معينة أن المراد هو علي بن مهزیار،


1) الكافي 4 : 507 .

2) وسائل الشيعة 14 : 179.

ويصرّح في مرحلة النقل بذكر علي بن مهزيار. والحال أنّ المجتهد لو راجع المصدر لربما يستظهر أنّه ليس علي بن مهزيار، بل علي بن جعفر.

ومن موارد تخلّل الاجتهاد في الوسائل، ابتداؤه باسم علي بن الحسن بن فضال، لروايات علي بن الحسن بن فضال، مع أنّ هذه الروايات المذكورة في أوائل التهذيب لعلي بن الحسن منقولة غالباً بطريقين أحدهما ما هو صحيح وهو غير الطريق الذي فيه ابن زبير، وبما أن صاحب الوسائل استظهر أنّ الشيخ يروي هذه الروايات عن كتاب علي بن الحسن بن فضال فإنه ابتدأ باسمه، والفقيه نتيجة لذلك هذا الاستظهار لربما يرجع إلى المشيخة والفهرست فيحكم بالضعف لوجود علي بن زبير القرشي في كليهما، مع أنّ السند صحيح في خصوص المورد.

والغرض من ذكر هذه الأمور التنبيه على وجود تخلّل الاجتهاد في الوسائل وغيره كالوافي وجامع الأحاديث، ومع العلم بتخلل الاجتهاد في مرحلة النقل - ولا سيما إذا كان الاجتهاد من وجهة نظر مَن هو بصدد التفقه غير صحيح - فإنّه لا يمكن الاعتماد على مثل هذا النقل.

النوع الثالث: علم الرجال، فإنّ مَن يكون بصدد التفقه لابدّ له من إمكان نسبة الرواية الموجودة في الكتب الأربعة وغيرها إلى المعصوم. وقيام الحجة على صدورها من المعصوم متوقفٌ - بحسب الموازين العاديّة - على معرفة الوسائط، وهذا ما يعبّر عنه بعلم الرجال، سواءٌ قلنا بحجية خبر الثقة أم الخبر الموثوق به، فعلى القول بحجية خبر الثقة يكون الاحتياج إلى علم الرجال في غاية الوضوح، وأما على القول بحجية الخبر الموثوق به فإنه وإن لم يكن مجرد وثاقة الوسائط موجباً للحجية - إلّا أنّ لوثاقة الوسائط دوراً في حجية الخبر، فإنّ اُموراً كثيرة دخيلةٌ في حجية الخبر على هذا

القول، كعمل القدماء، وملاحظة المتن ومقارنته مع سائر الروايات المسلّمة، ووثاقة الوسائط، إلى غير ذلك.

فلا اشكال في أنّ الحصول الاطمئنان والوثوق نحتاج إلى وثاقة الوسائط، وأما على القول بعدم حجية الأخبار من باب حجية خبر الثقة ولا الموثوق به - وهذا قلّ مَن قال به - وإنّما تكون الأخبار حجةٌ من باب أنّها موجبة للظن النوعي، والظن حجة من جهة الانسداد، فنحتاج إلى علم الرجال أيضاً من باب حصول الظن، فإن الظن لا يحصل من كل خبر ، بل وثاقة الرواي وعدمها دخيلة في حصول الظن وعدمه، وهذه المسالك هي عمدة المسالك والأقوال في حجية الخبر.

فظهر أنّه على هذه المسالك لا مناص من معرفة الرجال الوسطاء.

وأما القول بأنّ الخبر الضعيف ينجبر بعمل المشهور، والخبر الصحيح إذا أعرض عنه المشهور لا يُعمل به - على فرض صحته - فلا يكون موجباً للاستغناء عن علم الرجال، فإنّه لم يتضح أنّ المشهور عمل أو أعرض في بعض الأخبار، ففي كثير من الموارد لا يكون الإعراض أو العمل ثابتاً بنحو يوجب الاطمئنان، مضافاً إلى أنّا ذكرنا مراراً أنّ عمل المشهور وإعراضهم إنما يكون مرشداً ومنبّهاً على أنّ هنا جهة توجب الصحة أو توجب وهن الرواية، فلابدّ من إعمال دقة أكثر لمعرفة تلك الجهة، لا أن يكون إعراضهم أو عملهم موجباً لحجية الخبر أو عدم حجيته.

مضافاً إلى أنّ علم الرجال كما هو يشتمل على الجرح والتعديل فهو يشتمل أيضاً على تمييز المشتركات، فربّما يكون الراوي مشتركاً بين شخصين أو أكثر، فلابدّ من تمييزه، وقد تكون الواسطة ساقطةً ولا يمكن معرفتها إلّا بمعرفة الطبقات، كما أنّ معرفة الطبقات قد تكون دخيلة لتمييز المشتركات.

والحاصل: أنّ علم الرجال بما له من الدور المهم هو دخيل في التفقه.

ثم إنّه قد يقال بصحة بعض الكتب وأنها معتمدة من حيث السند، وعليه فلا نحتاج إلى علم الرجال بالنسبة إليها، وهذا ما قيل في حقّ كتاب الكافي، وأنّ الروايات الموجودة فيه معتبرة إما قطعاً وإما اطمئناناً، ومن القائلين بذلك المحدّث النوري في الفائدة الرابعة من المستدرك(1)والمحقق النائيني حيث اعتبر أنّ الخدشة في أسانيد الكافي من دأب العجزة.

وقال بعض باعتبار ما في الفقيه، وذلك من جهة أنّ الصدوق ذكر بأنّه لايذكر إلا ما يحكم بصحته ويكون حجة بينه وبين ربه، كما قال بعض باعتبار مراسيل الصدوق إمّا مطلقاً أو في ما إذا كان بعنوان (قال) لا بعنوان (روي).

وقال بعض باعتبار ما في التهذيبين، فقد قال صاحب الوسائل: (كل حديث عمل به فهو محفوف بقرائن تفيد العلم أو توجب العمل)(2)، وقال في سياق تفصيله القرائن الدالة على ثبوت الخبر: (كون الحديث موجوداً في الكتب الأربعة ونحوها من الكتب المتواترة)(3).

ويظهر من هذه العبارة أنّه يقول بصحة ما في الكتب الأربعة، بل غيرها أيضاً من الكتب المتواترة. فعلى هذه الأقوال لا حاجة إلى علم الرجال.

إلّا أنّ هذه الأقوال كلها غير تامة، ولابدّ من معرفة الوسائط سواء كانت الرواية في الكافي أو في الفقيه أو في التهذيبين، أو في جميعها، فقد ذكر ذلك صاحب الحدائق - الذي هو من أكابر الأخباريين - في مواضع متعددة، منها ما قاله ردّاً على


1) خاتمة المستدرك 1: 37 - 42 .

2) وسائل الشيعة 30: 198.

3) وسائل الشيعة 244:30 .

صاحب المدارك : (مع الإغماض عن الطعن في ذلك بمخالفة مصنّفه لهذه القاعدة في مواضع عديدة من كتابه كما لا يخفى)(1).

ومراده من القاعدة ما ذكره في أول كتابه من أنّه لا يذكر إلّا ما يكون حجة بينه وبين ربه وما يحكم بصحته، فلا يمكن الاعتماد على ما وعد به في أول الكتاب، ولعل ما ذكره المفيد في المسائل الرسية من أنّ الصدوق لم يلتزم بصحة جميع ما رواه، كان بسبب ما رأى من نقله لروايات ضعيفة، وعلم بأنّه رجع عمّا ذكره أولاً، هذا بالنسبة إلى كتاب الفقيه.

وأما الأمر بالنسبة إلى التهذيبين فهو أوضح وأسهل، ومع قطع النظر عن عدم تمامية هذه الأقوال، فإنّ علم الرجال محتاج إليه حتى على هذه الأقوال، فإنّه على القول بالترجيح عند التعارض نحتاج إلى علم الرجال في الترجيح السندي.

وربما يقال بعدم الاحتياج إلى علم الرجال ومزاولة هذا العلم، وذلك لإمكان الرجوع إلى بعض علماء الرجال إذا علم بأنّه أعلم من غيره.

وهناك شواهد على رجوع الفقهاء إلى علماء الرجال وشواهد على الاعتماد على قول الغير، فمن باب أنّ الغير من أهل الخبرة يجوز الاعتماد على قول مَن هو مِن أهل الخبرة فيما إذا لم يعلم بمخالفة غيره معه، أو كان هو أعلم من غيره، ويمكن بذلك تصحيح عمل من يَعتمد على قول الرجالي.

والشاهد على اعتماد الفقهاء على أقوال الرجاليّين بعض عبائر الصدوق، مثل ما في العيون: (كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه) سيّء الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي الحديث وانما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب


1) الحدائق الناضرة 5: 65

لأنّه كان في كتاب الرحمة وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي)(1). فنرى أنّه روى هذه الرواية من جهة عدم إنكار شيخه وروايته له.

ومثل ما في الفقيه : (كان لا يصححه - محمد بن الحسن - ويقول إنّه من طريق محمد بن موسى الهمداني، وكان كذاباً غير ثقة وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ - قدس الله روحه - ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح)(2)، ومفهوم هذه العبارة أنّه كل ما حكم بصحته يكون صحيحاً عندنا.

ومن راجع إجازات البحار يرى في كثير من إجازات المتأخرين - أي: بين العلّامة والشهيد الثاني - أنّ كتب الرجال مستغنىٌ عنها؛ إذ العلّامة ذكر ما هو صحيح من الأخبار أو ما هو ضعيف ولكن يعتمد على كلامه، ولعل هذا هو المراد من العبارة المذكورة في أول كامل الزيارات، أي: أنّه بما أنّ الخبر ينقله من له علم بالرجال فهو في قوة تصحيح سنده؛ إذ لم يذكر أحد أنّ جعفر بن محمد بن قولویه صاحب کتاب کامل الزيارات كان رجالياً.

ومن المتأخرين من ذهب إلى جواز ذلك، ومنهم المحقق الأراكي، حيث قال: (نعم لايبعد أن يجوز للفقيه الاعتماد على تصحيح ما صحّحه العالم الرجالي إذا لم يكن تصحيحه معارضاً بتضعيف غيره؛ إذ لاريب أنّ العالم بحال رجال الحديث من أهل الخبرة في ذلك، ولاريب أيضاً في أنّ قول أهل الخبرة من الأمارات العقلائية التي لم يردع عنها الشارع، وهو حينئذ حجة كسائر الأمارات العقلائية، وببالي أني سألت يوماً


1) عيون أخبار الرضا 1 : 24

2) من لا يحضره الفقيه 2: 90 - 91

المحقق الاُستاذ الحائري فقلت له : إنّ حضرتك لا تحقّق في أسانيد الأحاديث، فأجابني: إني أعتمد على تصحيح ما صحّحه المحدّث النوري)(1).

ويمكن الإيراد على هذا القول بأنّ الرجاليين المتأخرين وإن كانوا من أهل الخبرة إلّا أنّهم مختلفون، فترى أنّ المحدّث النوري مثلاً يصحح ما لم يصححه صاحب الوسائل بأُمور من قبيل أصحاب الصادق كلهم ثقات وذلك لتصحيح ابن عقدة(2)، وأنّ من يروي عن الأصحاب الستة ثقة، والمشايخ بلا واسطة الجعفر بن محمد بن قولويه كلهم ثقات(3)، وهذا ما فهمه من عبارة كامل الزيارات، فإنه فهم من هذه العبارة المشايخ بلا واسطة.

ومن الواضح أن التصحيح بهذه الوجوه مما لا يقول به البعض، فمع وجود الخلاف كيف يمكن القول بجواز الاعتماد على قول الرجالي؟ نعم لو كان الرجالي يُعتمد على قوله لأنه أعلم من غيره ولم يكن علم إجمالي بالاشتباه في بعض الموارد، لم يكن مانع من الاعتماد على قوله.

ولعل اعتماد من كان يعتمد على قول الآخرين إمّا من باب أعلميته أو من باب حصول الاطمئنان.

وهل يضر مثل هذا الاعتماد بالتفقه أو لا؟ الظاهر أنّه لا يضر، وإنّما يضر فيما إذا اعتمد على الغير في رواية الحديث.

وسيأتي هذا البحث في المسائل التي يجوز التقليد فيها، وفي تلك المسائل لبعض الأكابر عبارة يظهر منها المناقشة في تقليد الغير، فقد قال السيد الخوئي - بعد ذكر


1) ملاحظات الفريد على فوائد الوحيد: 219 - 220 .

2) خاتمة المستدرك 44:1 .

3) خاتمة المستدرك 1: 71

العلوم الأدبية وعلم الرجال- : (الصحيح عدم جريان التقليد في تلك الأمور؛ وذلك لأنّ مشروعية التقليد إنما ثبتت بالسيرة والكتاب والسنة، ولا يشمل شيء منها للمقام - إلى أن قال - وأمّا السيرة العقلائية فلأنّها وإن جرت على رجوع الجاهل إلى العالم، ورجوع المجتهد إلى العالم بتلك القواعد أيضاً من رجوع الجاهل إلى العالم، إلاّ أنّ ذلك - على إطلاقه - ليس مورداً للسيرة أبداً؛ لاختصاصها بالمسائل النظرية المحتاجة إلى التدقيق والاستدلال، كما في الطبابة والهندسة وغيرهما، وأما الأمور الحسية التي لا يُحتاج فيها إلى الدقة والاستنباط فلم تقم فيها السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم، وهذا كموت زيد وولادة ابنه ونحوهما ، فإنه إذا علم بها أحد باجتهاده وحدسه لم يكن أي مجوز لتقليده؛ لأنّهما أمران حسّيّان لا يحتاجان إلى الاستنباط والاجتهاد، ولا سيرة على رجوع الجاهل إلى العالم في مثلهما.

ومبادئ الاستنباط من هذا القبيل؛ لأن القواعد الأدبية راجعة إلى إثبات الظهور وهو من الأمور الحسية. فإذا بنى اللغوي أو غيره على أنّ اللفظة المعينة ظاهرة في معنى كذا بحدسه واجتهاده لم يجز اتّباعه فيه؛ لأنه لا دليل على مشروعية التقليد في الأمور الحسية، ومن هنا قلنا - في محله - إنّ اللغوي لا دليل على حجية قوله ونظره، وكذا الحال بالنسبة إلى علم الرجال؛ لأن العدالة والوثاقة من الأمور المحسوسة والإخبار عنها حدساً ليس بمورد التقليد أبداً)(1).

ويمكن أن يقال في مقام الجواب عنه بأن عد جميع المبادئ من الأمور الحسية ليس بصحيح، ونوضح ذلك في ما يتعلق بعلم الرجال فقط باعتبار أنّ كلامنا هنا فيه، فنقول: إنّ علم الرجال بالنسبة إلى المتأخرين - بل بالنسبة إلى المتقدمين أيضاً - من أدقّ


1) کتاب الاجتهاد والتقليد (للسيد الخوئي): 413 - 415 .

العلوم، وجرح وتعديل الراوي مبتن على إعمال نظر ودقّة، ومن لم يكن خبيراً بعلم الرجال لا يمكنه الجرح أو التعديل بمجرد رؤيته في كتاب أنّه ثقة أو ليس بثقة، والشواهد التي يستدل بها على وثاقة شخص أو عدم وثاقته إما هي الروايات أو غيرها، فإن كانت من الروايات فلا بدّ من ملاحظة سندها، ووجود المعارض وعدمه، واستفادة الوثاقة أو عدمها منها.

وإن كانت من غير الروايات فكثير من الشواهد وقعت مورداً للكلام نفياً واثباتاً، فمثلاً كون الرجل من رواة كامل الزيارات هل هو من أمارات الوثاقة أو لا، فهذا أمرٌ مختلف فيه، أو كون الرجل من رواة تفسير القمي، أو كثرة رواية الأجلّاء عن شخص، إلى غير ذلك من الشواهد.

وهذه أبحاث دقيقة ليست بأقل دقة من الأبحاث الاُصولية، وليست من الأمور المحسوسة - كما قيل - حتى يقال بأن التقليد في ذلك من قبيل التقليد في الأمور الحسية لمن يعمل الحدس ، فلو كان هذا من الأمور الحسية فلماذا لم يعمل الرجالي الحس، بل يعمل الحدس؟!

ولا يقاس جواز التقليد في هذه المسألة بجواز التقليد في العلوم الأدبية، فإن العلوم الأدبية دخيلة في مرحلة التفقه، فلو فهمه غيره وتبع المجتهد ذلك الغير لا يكون هذا من التفقه، وأما التقليد في هذه المسألة فلا ينافي فقاهته، وقد ذكرنا شواهد على أنّ المتقدمين والمتأخرين كانوا يقلدون غيرهم في هذه المسألة.

النوع الرابع: علم الاُصول، وهو من أهّم العلوم التي يتوقف عليها الفقه و بجميع مباحثه.

الفصل الرابع: في أثر الاجتهاد والتفقه

اشارة

في أثر الاجتهاد والتفقه

وفيه أبحاث:

البحث الأول: في الافتاء

اشارة

وفيه جهات:

الجهة الاُولى: في معنى الإفتاء

الإفتاء في اللغة بمعنى الإخبار عن الشيء، ففي لسان العرب: (وأفتاه في الأمر: أبانه له. وأفتى الرجل في المسألة واستفتيه فيها فأفتاني افتاءً - إلى أن يقول - والفتيا تبيين المشكل من الأحكام)(1).

إلّا أنّ الذي يخطر في الأذهان أنّ (الفتوى) إنّما تكون لِما كان عن حدس، ولا يقال ذلك لمن أخبر عن حس، والحال أنّ (الفتوى) يستعمل فيما إذا لم يكن عن حدس


1) لسان العرب 15: 147 - 148، مادة (فتا).

قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ(1)، وعن الحلبي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) : (كان أبي يفتی عبدالله ال يفتي وكنا نفتي)(2)إلى غير ذلك من موارد استعمال الفتوى مما ليس بحدس. كما لا تختص بالأحكام، كما في قوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا(3)، وقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ(4).

الجهة الثانية: في أنّ فتوى المفتي تستند إلى العلم

لا شكّ في أنّ للفقيه حق الإفتاء، وإنما الإشكال في أنّ الفقيه ليس له العلم بالحكم الواقعي؛ إذ ما يفتي به إمّا يكون مستنده الأمارات أو الاُصول، وكلها ظنية، فكيف يمكنه الإفتاء مع النهي عن القول بغير علم في الكتاب والسنة، قال تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(5)، وقال تعالى: أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(6)، وعن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : ما حق الله على خلقه؟ فقال: «أن يقولوا ما يعلمون ويكفّوا عمّا لا يعلمون»(7)إلى غير ذلك من الآيات والروايات.


1) سورة النساء / الآية 127.

2) بحار الانوار 62: 290

3) سورة الصافات / الآية 11 .

4) سورة الصافات / الآية 149

5) سورة البقرة / الآية 169.

6) سورة الاعراف / الآية 28 .

7) بحار الأنوار 2 : 118.

أنه مضافاً الى الروايات الدالة على حرمة الافتاء بغير علم، كما عن علي(عليه السلام)أنّه قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): «من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السموات والارض»(1).

وعن أبي عبيدة، قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): «من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه»(2)، فلابدّ أن يكون الإفتاء عن علم، وعليه فربما يقال بأنه لا يجوز للمجتهد الفتوى؛ وذلك لأن ما يفتي به ليس مستنداً إلى العلم.

ويمكن الجواب عن هذا الاشكال بما يلي:

إنّ الافتاء على أقسام ثلاثة، فإنّ ما يُفتي به الفقيه قد يكون على وفق الأمارات بناءً على انفتاح باب العلم والعلمي، وقد يكون على وفق الأمارات بناءً على انسداد باب العلم، وقد يكون على وفق مؤدّى الاُصول الشرعية والعقلية.

فإذا قلنا بإنفتاح باب العلم والعلمي - كما هو الحق - وكان الإفتاء على وفق الأمارات، فهنا يمكن القول بأنّ هذا الإفتاء خارج عن الإفتاء بغير علم بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ مفاد أدلة حجية الحجج اعتبار الحجج قائمةٌ مقام القطع الطريقي ويكون أثره المنجزية والمعذرية وقائماً مقام القطع الموضوعي ويكون أثره جواز الإفتاء.

الوجه الثاني: القول بأن المستفاد من أدلة حجية الحجج هو جعل الحكم المماثل، والمجتهد يعلم بالحكم المماثل مع الواقع وإن كان لا يعلم بالحكم الواقعي، فمعنى


1) عيون أخبار الرضا 1 : 50 - 51 .

2) الكافي 1: 33.

جعل حجية خبر الواحد والأمر بتصديقه هو أنّه لو قال بوجوب صلاة الجمعة مثلاً تكون واجبة، وهذا الوجوب مبتن على استفادة جعل الحكم المماثل من الأدلة.

الوجه الثالث: أنّ العلم وما يشبهه استعمل في الروايات الناهية عن القول بغير علم في معان متعددة، ولابد من تعيين أحدها بحسب القرائن، فإنّ العلم قد يُستعمل بمعنى القطع واليقين، وقد يُستعمل بمعنى انكشاف الواقع وإزالة الخفاء، وقد أخذ في هذا المعنى مطابقته مع الواقع، بخلاف المعنى الأول، فإنه قد لا يكون علمه مطابقاً للواقع.

وقد يستعمل بمعنى البصيرة والهداية، وهذا المعنى هو أكثر استعمالاً، فإن قيل: يمشي فلان على علم، فمعنى ذلك أنّه يهتدي به في سيره ولا يتخبط، فالعلم عندهم هو الهداية والسير على بصيرة ونقيضه الجهل وهو التخبط في الظلام وما يشبه التخبط في الظلام من السير بغير هدىً ولا مقصد ولا دليل، فعلى هذا المعنى لا يجب أن يكون الأمر منكشفاً، كما لا يعتبر فيه الجزم واليقين، والمراد من العلم في هذه الروايات هو المعنى الثالث، وبما أنّ المجتهد يستنبط الحكم عن بصيرة وهداية فيكون قوله قولاً عن علم.

والشاهد على ذلك قول الصادق(عليه السلام) في مقبولة عمر بن حنظلة: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا»(1)، فإنّ المراد من العرفان هو العلم مع الدقة بالخصوصيات، والعرفان انطبق على المعرفة الحاصلة من الروايات، مع أنّ رواية الأحاديث لا توجب القطع ولا انكشاف الواقع؛ وذلك لأنّ الاستظهار متوقف على مبادئ ظنية.


1) الكافي 7: 41 .

وقول الصادق(عليه السلام) في رواية عبد الأعلى مولى آل سام: «يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجلّ»(1)، فنرى أن الإمام(عليه السلام) عدّ ذلك من العرفان، والحال أنّه ليس هذا إلا أخذاً بالظاهر.

وقول الصادق(عليه السلام): « من اتجر بغير علم ارتطم بالربا ثم ارتطم»، فإنّ المراد من العلم هنا ليس الجزم وانكشاف الواقع، بل معناه الهداية والبصيرة، والممنوع هو الإفتاء عن غير بصيرة وهداية.

والروايات الدالة على جواز الفتيا لبعض كأبان بن تغلب وغيره شاهد آخر على أن المراد من العلم هو البصيرة والهداية، لا العلم الجزمي وانكشاف الواقع، وكذا الروايات المشتملة لذمّ بعض فقهاء العامة في باب القضاء والفتيا، فإنّه حين يَسأل الامامُ(عليه السلام) بعضَهم: بماذا تُفتي؟ يجيب: بالكتاب والسنة(2)، ومن الواضح أنّ المراد من الكتاب والسنة هو ظواهر هما، والسنة ما ثبتت له بنحو ما، إذ ليس جميع السنن متواترة، ومع ذلك لا يردّه الامام(عليه السلام) ولا يناقشه في ذلك، بل يناقشه في جهات اُخر مثل: «أتعرفُ الناسخ من المنسوخ ؟»(3)، و «وإن لم تجده في الكتاب والسنة؟»(4).

فيظهر من ذلك أنّ الاستظهار من الكتاب والسنة ليس قولاً بغير علم، مضافاً إلى أن الافتاء في هذه الظروف قرينة واضحة على أنّ ما يُفتي به المجتهد ليس إلّا ما يقتضيه الحكم الظاهري لا الواقعي، فهو إخبار عن الحكم الظاهري.


1) الكافي 3: 33 .

2) تقدم آنفاً.

3) وسائل الشيعة 27: 202.

4) تقدّم تخريج مضمونه من سنن أبي داود 3: 303

هذا كله في الأمارات والإفتاء على وفقها بالنسبة إلى من يقول بانفتاح باب العلم.

وأما في فرض انسداد باب العلم فهل يجوز للمجتهد الانسدادي الإفتاء أو لا؟

وقبل البحث عن ذلك نقول بأنّ من المتأخرين من يقول بانسداد باب العلم، ومن بين هؤلاء جماعة من تلامذة الوحيد البهبهاني، وقد اشتهر منهم المحقق القمي(1)، وهم يقولون بحجية الظن المطلق ونسب ذلك إلى الشيخ في العدة.

والبحث عن دليل الانسداد إنّما يكون مفيداً بالنسبة إلى من يقول بحجية الخبر الموثوق به إمّا صدوراً وإمّا مضموناً، ومن يقول بحجية الاطمئنان الحاصل من المبادئ العقلائية من الخبر وغير الخبر؛ إذ ليس هناك حد مضبوط بين الاطمئنان والمظنّة، وبين الوثوق بالصدور والظن بالصدور، فإنّه كثيراً ما يطمئن الإنسان إلى أمر ثم يحصل له الظن أو بالعكس، والقائل بحجية الخبر الموثوق به، وكذا القائل بحجية الاطمئنان ربما

يشكّون في أنّه هل وصل إلى حدّ الوثوق أو الاطمئنان أو لا؟ فلو كان دليل الانسداد تاماً لم يبق للمجتهد قلق نفسي.

وعمدة دليل الانسداد هو ما ذكره المتقدمون منهم، لا ما اُضيف إليه تدريجاً، وقد ذكر الشيخ الأنصاري بأن جمال الدين أوّل من أضاف إلى دليل الانسداد أمراً آخر(2).

وأحسن التقريبات هو أنّه يمكن تقسيم الأحكام إلى درجتين:

الدرجة الاُولى : وهى ما تكون من قبيل الواضحات والضروريات.


1) راجع قوانين الاصول 439، فرائد الأصول 1 : 387.

2) فرائد الاصول 1: 387

الدرجة الثانية: ما ليست بأهمية الدرجة الاُولى، فإن لم يتمكن الشارع من بيان الأحكام في الدرجة الثانية بياناً يوجب العلم لجميع الأفراد وأوكل الأمر إلى ما يوجب المظنة غالباً كنقل النقلة، فيما أنّه لا يمكن تحصيل العلم في هذه الأحكام، وللشارع اهتمام بالنسبة إلى أحكامه من حيث المجموع.

ومن هذه الأحكام ما يجري فيه الاحتياط وما لا يجري فيه الاحتياط، كالحدود والديات وأبواب المنازعات والقضاء، فلابد من القول بكفاية الاطمئنان إن كان هناك اطمئنان، وإلا بكفاية الظن الناشئ من المبادئ العقلائية، فتكون المظنّة الحاصلة من الطريق العقلائي حجة.

وهذا أمر عقلائي نظير ما إذا لم يكن في بلد ما يمكن به تشخيص المرض تشخيصاً قطعياً، فإنه تصل النوبة إلى الوسائل التي توجب الاطمئنان، فإن تيسّر ذلك فيها وإلّا تصل النوبة إلى الوسائل الموجبة للظن، والظن بهذا التقريب كما قلنا يكون مفيداً بالنسبة إلى القائلين بحجية الخبر الموثوق به والقائلين بحجية الاطمئنان.

وهذا الظن يقوم مقام القطع الطريقي والموضوعي، وليس مصبّه الأحكام الإلزامية فقط ، بل أعمّ من الأحكام الإلزامية وغيرها.

وهذا التقريب أقوى التقريبات للانسداد، وهناك وجوه اُخرى أضعف من هذا الوجه.

وهناك وجه يُعدّ أقوى الوجوه، وملخّصه هو أنّ الاحتمال لو كان قوياً وكذلك المحتمل، كان الاحتمال حجة، فهو من الحجج العقلائية في مرحلة التنجيز، وهذا الوجه مصبّه الأحكام الإلزامية فقط، وهذا الوجه بضميمة أنّ معظم الأحكام مما يهتم به الشارع، يكون الظن حجة عقلائية.

ومن الواضح أنّ الحجة العقلائية تفيد فائدة الأصول العقلائية ولا تقوم مقام القطع الطريقي، وعلى أي نحو كان فيما أنّ المجتهد الانسدادي لا يعمل على وفق كل ما يوجب الظن من نوم أو رمل أو استخارة، بل يعمل بما يوجب الظن من طريق عقلائي فله الافتاء، وحكمه حكم المجتهد الانفتاحي، وسيأتي البحث عن جواز وعدم جواز تقليد المجتهد الانسدادي إن شاء الله .

وأمّا الإفتاء على وفق الاُصول الشرعية والعقلية فهل يكون من القول بغير علم أو لا؟ وهنا بحثان:

البحث الأوّل: في أنّه هل للمجتهد إعمال الاُصول الشرعية أو لا؟ فإنه ربما يقال بأنّ موضوع الاُصول هو الشاك الذي يكون الحكم بالنسبة إليه محتمل الفعلية، والمجتهد وإن كان شاكاً إلّا أنّه لا يتنجز الحكم بالنسبة إليه، ولا معنى للتنجيز والتعذير بالنسبة إليه، ومن يتصور في حقه التكليف والتنجيز والتعذير فهو ليس بشاك. وهذا خارج عن محل كلامنا فلا ندخل فيه.

وذهب بعض كالشيخ في هذه المسألة إلى النيابة وأنّ المجتهد نيابة عن الشاك يُجري الأصل، وقد أنكر بعض ذلك، والذي نقوله : هو أنّ بعض الاُصول الشرعية کـ (رفع ما لا يعلمون)، و(كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه)، و(كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر)، بناءً على شموله للشبهات الحكمية كما هو المختار، لم يؤخذ الشك في موضوعها.

فمرجع (كل شيء لك حلال) هو أنه من ليس له علم بالحرمة - غايته تقييده بما اذا لم تكن له حجة في معرض الوصول - يكون له كل شيء حلالاً، وهكذا في (كل شيء طاهر)، والعامي لا يعلم بالحرمة ولا يعلم بالقذارة وليس له حجة في معرض

الوصول؛ اذ هو ليس بحدّ يمكنه الوصول إلى الحجة وتشخيص خبر الثقة مثلاً، والمفروض أنّ مقلّده فحصَ ولم يظفر بدليل.

وكذا لو قلنا بأنّ مرجع قوله (رفع ما لا يعلمون) إلى أنّ كلّ حكم لا يعلمه الإنسان فهو مرفوع عنه ولا يُؤاخَذ بالنسبة إليه، غاية الأمر نقّيده بما إذا لم تكن هناك حجة في معرض الوصول، فالذي لا يعلم بالحكم لا من جهة كونه شاكاً بل من جهة أنّه غافل، يكون الحكم مرفوعاً بالنسبة إليه.

فظهر أنّه لا مانع من الإفتاء على وفق هذه الاُصول، وذلك لأنه لم يُؤخذ في موضوعها الشك، ومع قطع النظر عن ذلك، والقول بأن الاُصول كلها مأخوذ فيها الشك فإنّ نفس سؤال العامي عن حكم المسألة دليل على أنّه شاك في المسألة؛ إذ مع العلم بالحكم لا يُعقل السؤال.

وأمّا طرح المسألة في الرسالة وأنّ شرب التتن مثلاً حلال، فهذا أيضاً يوجب الشك للعامي وليس له طريق للوصول إلى الدليل الا المجتهد، ونحن فعلاً لسنا بصدد كيفية إجراء الأصول للمجتهد، وقد تعرّض لذلك في أول مصباح الاُصول.

البحث الثاني: في أنّ إفتاء المجتهد على وفق الاُصول فتوى بغير علم أو لا؟ وهذا هو البحث الأصلي، والظاهر أنّ هذا إفتاء بالعلم؛ إذ إنّ المجتهد اعتمد على ما جعله الشارع وبيّنه بقوله: (كل شيء لك حلال)، و(كل شيء لك طاهر)، و(رفع ما لا يعلمون)، وغير ذلك، فهو يحكم بما يعلمه من الشارع بقيام الأمارة.

هذا مضافاً إلى أنّ الشك اُخذ في الأمارات، فحكمها حكم الأصول من هذه الجهة.

ويمكن الجواب أيضاً عن كون فتوى المجتهد هنا بغير علم بما أجبنا به سابقاً من أنّ هذا الإفتاء إفتاء عن بصيرة وهداية، ومن أنّ الإفتاء محفوف بالقرينة الدالة على

أنّ ماحكم به وأفتى هو ما وصل إليه رأيه ونظره، لا بيان الأحكام الواقعية. هذا تمام الكلام في الاُصول الشرعية.

وأمّا الإفتاء على وفق الاُصول العقلية، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، والتخيير في دوران الأمر بين المحذورين، والعلم الاجمالي، فإنّه يكون مشكلاً، وذلك لأن في موضوع هذه الاُصول اُخذ التحير واللادليلية أو العلم الاجمالي، وللمجتهد أن يقول: لا دليل على الوجوب والحرمة حتى يتحقق موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إلا أنّ المقلد ربما يكون ممن يقول بلزوم الاحتياط في صورة عدم البيان - كما قيل بذلك - وأنه لابدّ من ترك ما يحتمل الحرمة وإتيان ما يحتمل الوجوب، فعلى المجتهد أن يقول: لا دليل على الحرمة أو الوجوب، ويوكل الأمر إلى المقلّد، ويقول في دوران الأمر بين المحذورين: لا دليل على الوجوب، والحرمة ويوكل الأمر إلى المقلد، فإن كان هو ممن يقول: بالتخيير، فهو مخير، وإن كان ممن يقول : بأنّ دفع الضرر أولى من جلب المنفعة - كما استدل به بعض قدماء الاُصوليين - فلابدّ من ترتيب الأثر بالنسبة إلى الحرمة، فغاية ما يمكنه المجتهد الإفتاء به هو أن يقول: لا دليل.

وفي المقام نقول: أمّا البراءة العقلية - بناءً على اختلافها مع البراءة الشرعية - فليس لها مورد مع بيان الشارع بحجية الحجج والإباحة وأمثال ذلك، مضافاً إلى أنّ فی جميع موارد البراءة العقلية- إلّا ما شذ من البراءة العقلية والشرعية- يجري استصحاب عدم التكليف، وقد ذكرنا بأنّ نتيجة الاستصحاب هي إبقاء الكاشف بالنسبة إلى البقاء، ومع وجود الاستصحاب لا موضوع للبراءة.

وعليه، فلا مورد لاعتماد الفقيه على البراءة العقلية، وعلى فرض وجود المورد، فهل أنّ هذا من البراءة العقلية أو العقلائية؟ ونحن في مبحث البراءة قويّنا كون هذه البراءة عقلائية، وذلك لأنّ قبح العقاب بلا حجة من جانب المولى على العبد مما لم

يختلف فيه اثنان، إلّا أنّ الكلام في أنّ احتمال التكليف مع عدم القطع بأهمية المحتمل هل هو منجز عقلاً أو لا؟

نعم إن كان الاحتمال قوياً وكان المحتمل محرز الأهمية، فلا إشكال في منجّزية هذا الاحتمال عقلاً ولزوم الجري على وفق الاحتمال، كما أنّ العقلاء كذلك في مقاصدهم الشخصية وكذلك الأمر في المقاصد الشرعية.

أمّا إذا لم تُحرز الأهمية بأن كان المحتمل من الأحكام التي هي من الدرجة الثانية وأوكل أمره إلى الوصول بالطرق العادية وليس هو من دعائم الاسلام، فلا يرى العقلاء احتمال التكليف منجزاً.

وليس البحث في البراءة العقلية بأنّه هل يجوز العقاب بلا حجة أو لا يجوز؟ فهذا مما لم يختلف فيه اثنان ولا بحث فيه، بل البحث في أنّ احتمال التكليف هل هو حجة أو ليس بحجة؟

ونحن قد أوضحنا بأن الاحتمال بحسب بناء العقلاء ليس بحجة، فهذا في الحقيقة نفي حجة عقلائية، فليس ما يسمونه بالبراءة العقلية من الأحكام العقلية، بل من الأحكام العقلائية.

وعلى أي حال فالإفتاء على ضوء البراءة العقلية ليس من الإفتاء بغير علم، كما إذا أفتى بأنّه لا بأس بشرب التتن (التدخين)، نعم الحكم بحليته الذي هو ظاهر في الحلية الظاهرية أو الواقعية أو في الجامع بينهما مشكل ، ولعله من القول بغير علم.

أمّا إذا كان حكمه بالحلية ظاهراً في أنه لم يقم حجة على الحرمة فلا مانع منه ولم يكن من القول بغير علم، كما لا مانع من الافتاء بأنه لا بأس بشرب التتن، فهو أفتى بما علم، لا بما لا يعلم.

وأمّا الإفتاء على ضوء التخيير فيما إذا دار الأمر بين محذورين، ففيه مسلکان:

المسلك الأوّل: التخيير العقلي، وهذا ما ذهب إليه الشيخ وجماعة.

المسلك الثاني: البراءة ، وهو ما ذهب إليه السيد الخوئي.

فإن قلنا بجريان البراءة في دوران الأمر بين المحذورين، فالكلام فيه هو الكلام في البراءة العقلية، وإن قلنا بأنّ حكم العقل في دوران الأمر بين المحذورين ليس من جهة عدم الكاشف، بل إنّ العلم الإجمالي بالوجوب أو الحرمة علم لا قصور فيه، إلاّ أنّ المكلف لا يتمكن من الموافقة القطعية والمخالفة القطعية، وسرّه عجز الملكف عن الإتيان وعدم الإتيان، فهنا يحكم العقل بعدم تنجّز كل من الحكمين.

هذا مع قطع النظر عن استصحاب عدم الوجوب أو الحرمة، فإنه لا مانع من جريانه، والعلم الاجمالي بمخالفة أحدهما للواقع لا يكون مانعاً من جريان الاستصحاب؛ إذ لا يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعية، فلا مانع من الإفتاء على وفقه بأن يقول: يدور الأمر بين الواجب والحرام ولا بأس بتركه أو إتيانه، وغير ذلك مما يشبهه.

فظهر أنّ دوران الأمر بين المحذورين ليس مورداً للحكم العقلي مطلقاً، بل هو على مسلك يكون مورداً للحكم العقلي فيما إذا لم نقل بجريان الاستصحاب.

وأما الإفتاء في موارد العلم الإجمالي، فلابدّ وأن نرى أنّه ما السر في الاحتياط والإتيان بهما، وهنا توجد مسالك عدة أهمّها اثنان:

المسلك الأوّل: أنّ العلم الإجمالي بوجوب أحدهما طريق عقلائي للواقع وأنّ الواقع منجز.

المسلك الثاني: أنّ الاحتمالين منّجزان بما هما مقوّمان للعلم الإجمالي بالحكم الإلزامي ، وهذا موجب لتنجيز الاحتمال عقلاً.

فللفقيه أن يُفتي بلزوم الجمع احتياطاً، فيقول مثلاً بلزوم الاتيان بالقصر والتمام احتياطاً، كما يفتون هكذا في الرسائل العملية، ولا مانع منه؛ إذ ليس هو فتوىّ بغير علم، مضافاً إلى ذكر مدركه وهو الاحتياط.

وفي المقام مسألة، وهي : أنّ هذا الحكم حكم عقلي فكيف يمكن التقليد والتبعية في الأحكام العقلية؟ ولا دخل لها في ما نحن فيه؛ إذ البحث في جواز الإفتاء وعدمه، وسيأتي البحث عنها في مسألة جواز التقليد، فإن قلنا بأنّ الاجتهاد هو تحصيل الحجة على الوظيفة الفعلية، فلا مانع من رجوع الجاهل إلى العالم؛ إذ إنّ الجاهل والعامي لا يتمكن من تحصيل الحجة، والمفروض أنّ المجتهد قد حصل على الحجة بلا فرق بين أن يكون الحجة عقلية أو شرعية.

فظهر أنّ للفقيه حق الافتاء على طبق الكتاب والسنة في الأحكام الواقعية والظاهرية، وبما أنه مجتهد فلا مانع من رجوع الجاهل إليه؛ إذ هذا رجوع من لا حجة له إلى من له الحجة.

الجهة الثالثة: في وجوب الافتاء على المجتهد

من الجهات التي لابد من البحث عنها في بحث الإفتاء هو أنّه هل يجب على المجتهد الافتاء أو لا؟ فنقول بأنّه إذا سُئل المجتهد عن حكم وكان عالماً به فمقتضى القاعدة الأولية بحسب أدلة حرمة الكتمان ووجوب بذل العلم على العالم وأمثال ذلك، هو لزوم الافتاء، إن لم يكن هنا ما يعارض ذلك كالتقية وأشباهها من ايجاد الخلاف بين المسلمين وسائر العوارض.

البحث الثاني: في اختصاص القضاء بالمجتهد وعدمه

المشهور اختصاص منصب القضاء بالمجتهد، أي: أنّ من شرائط القضاء الاجتهاد.

إلّا أنّ بعض المتأخّرين كالمحقق القمي وصاحب الجواهر ذهبا إلى جواز القضاء للمقلّد أيضاً إذا كان خبيراً وبصيراً بمسائل القضاء ولو عن تقليد، والبحث المعنون في كلماتهم ذو جهتين:

الجهة الاُولى: في اعتبار الاجتهاد في النصب الخاص للقضاة

هل يُعتبر فيمن يُنصب قاضياً من قبل الوالي الذي ولآه الحاكم الإسلامي الاجتهاد أو لا؟

مقتضى القاعدة هو جواز نصب من كان متمكناً من إحراز أنّ ما يحكم به على القسط والعدل، سواء كان ذلك باجتهاد أم تقليد، وهذا البحث لغو بالنسبة إلى الإمام(عليه السلام)، فإنه عارف بوظيفته وليس لنا بيان وظيفة الإمام(عليه السلام)، نعم هذا البحث مفيد فيما إذاكان الناصب والياً من قبل الإمام (عليه السلام)كما إذا قيل بأنّ المجتهد وال من قبل الإمام(عليه السلام)، فهل للمجتهد نصب المقلد قاضياً أو لا؟

ربما يقال بأنه يعتبر فيه الاجتهاد؛ وذلك لوجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع، فقد قال الشيخ الطوسي: (لا يجوز أن يتولى القضاء إلا من كان عالما بجميع ما ولي، ولا يجوز أن يشذ عنه شيء من ذلك، ولا يجوز أن يقلد غيره ثم يقضي به.

وقال الشافعي: ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد، ولا يكون عامياً، ولا يجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه. وقال في القديم مثل ما قلناه. وقال أبو حنيفة: يجوز أن

يكون جاهلاً بجميع ما وليه إذا كان ثقة، ويستفتي الفقهاء ويحكم به. ووافقنا في العامي أنه لا يجوز أن يفتي.

دليلنا : إجماع الفرقة وأخبارهم)(1).

وفيه:

أولاً : إنّ إجماعات الخلاف غالباً مبتنية على ما يستنبطه من الروايات، ولا يكشف عن آراء من سبقه من الفقهاء.

وثانياً: أنّ المحقق القمي وصاحب الجواهر قد نقلا عن المبسوط كلاماً بواسطة الفاضل المقداد في التنقيح ومفاده أنّ الشيخ يقول بعدم اعتبار الاجتهاد، قال في الجواهر:

(حكى في التنقيح عن المبسوط في المسألة أقوالاً ثلاثة: أوّلها: جواز كونه عامياً ويستفتي العلماء ولم يرجّح ، ولعل مختاره الأول)(2)فلا تكون المسألة إجماعية.

إلّا أنّ هذا الاشكال غير صحيح؛ إذ كلام الشيخ في المبسوط عين كلامه في الخلاف، والمذاهب الاُخرى من العامة، إلّا أنّ الفاضل المقداد نقل بالمعنى وهو موهم لما ذكره المحقق القمي وصاحب الجواهر، وأول من اعتمد على فهم التنقيح هو المحقق القمي في جامع الشتات، وكلام صاحب الجواهر تلخيص لما في جامع الشتات، إلّا أنّه بمراجعة المبسوط والخلاف يظهر أن هذا مجرد توهّم.

الوجه الثاني: السيرة، قال بعض الأكابر : (البناء العملي من صدر الإسلام مستقر على ملاحظة الفقاهة، في القضاة، فإنّ المنصوبين للقضاء من قبل خلفاء الجور


1) كتاب الخلاف 207/6 - 208.

2) جواهر الكلام 19/40.

والحق كانوا من الفقهاء الواجدين لقوة الاستنباط كشريح المنصوب من قبل المؤمنين(عليه السلام)وكا بن أبي ليلى)(1).

وهذا الوجه مخدوش ؛ لعدم إمكان احراز ما ذُكر، لا سيما مع اختلاف علماء العامة في ذلك، كما يظهر اختلافهم من عبارة الشيخ في الخلاف وإن ذُكر في تقريرات الشيخ الأنصاري: (هذا إجماع المسلمين قاطبة فإن العامة أيضاً يشترطون في القاضي الاجتهاد وإنما يجوّزون قضاء غيره بشرط أن يوليه ذو الشوكة وهو سلطان متغلب وجعلوا ذلك ضرورة)(2).

إلّا أنّ بمراجعة كتب العامة يظهر وجود الخلاف بينهم كما نبّه عليه الشيخ في عبارته المتقدمة.

قال ابن رشد: (واختلفوا في كونه من أهل الاجتهاد، فقال الشافعي يجب أن يكون من أهل الاجتهاد، ومثله حكى عبد الوهاب عن المذهب - أي: مذهب المالكية - وقال أبو حنيفة يجوز حكم العامي. قال القاضي وهو ظاهر ما حكاه جدّي في المقدّمات عن المذهب لأنه جعل كون الاجتهاد فيه من الصفات المستحبة)(3).

وقال الكاشاني: (وأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام، فهل هو شرط جواز التقليد؟ عندنا: ليس بشرط الجواز، بل هو شرط الندب والاستحباب. وعند أصحاب الحديث كونه عالماً بالحلال والحرام وسائر الأحكام مع بلوغ درجة الاجتهاد في ذلك شرط جواز التقليد، كما قالوا في الإمام الأعظم. وعندنا هذا ليس بشرط


1) الرسائل للسيد الخميني: 115 و 117.

2) القضاء والشهادات: 34.

3) بداية المجتهد ونهاية المقتصد 377/2

الجواز في الإمام الأعظم - إلى أن يقول - وكذا في القاضي)(1). وأمّا الحنابلة فقد اعتبروا الاجتهاد في القاضي على ما يظهر من ابن قدامة(2).

فظهر أنّ علماء العامة مختلفون في ذلك، ومع اختلافهم كيف يمكن القول بالسيرة، وسيرة خلفاء الجور من زمان الرشيد كان على وفق مذهب أبي حنيفة، حيث تصدّى بعض تلامذته لمنصب القضاء كأبي يوسف وغيره، مضافاً إلى انسداد باب الاجتهاد عند العامة، وخلفاء الجور لم يكونوا يسلّمون منصب القضاء إلّا لمن يقلد أحد المذاهب الأربعة. نعم عندهم درجتان من الاجتهاد:

الدرجة الاولى: الاجتهاد على المذهب، أي أنه يحكم على ضوء المذهب لما لم يتعرض له إمامهم.

الدرجة الثانية: الاجتهاد في ترجيح أحد القولين المنقولين عن إمامهم، وهذا الاجتهاد من الدرجة الثانية، وقد أنكر البعض كونه اجتهاداً ولم يَعتبر صاحبه مجتهداً.

فالقول بوجود السيرة من زمان الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)إلى زمان الخلفاء الجائرين مما لم نتمكن من إحرازه، مضافاً إلى أنّ الشواهد التأريخية التي ذكرناها في مبحث القضاء - وليس هنا محل ذكرها - دالة على الخلاف، منها خطبة نهج البلاغة في ذمّ القضاة، وعلى فرض التسليم بتقيد الخلفاء بذلك يمكن القول باتباعهم فيه لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).

الوجه الثالث: عدم رضا الشارع بتصدي العامي للقضاء، وهذا ما ذكره السيد الخوئي(3).


1) بدائع الصنائع 3/7.

2) المغني لابن قدامة 11/ 382.

3) التنقيح في شرح العروة الوثقي 1/ 428 .

ويرد عليه أنّه لا ريب في أنّ القضاء منصب مهم إلا أن أساس القضاء على الحكم بالقسط والعدل، فلو تصدى العامي الذي له إحاطة كاملة بالأحكام ولو عن تقليد، وكان متمكناً من الحكم بالقسط والعدل لعلمه بالأحكام واستحضاره لها، لا يكون ذلك منافياً لعظمة المنصب.

الوجه الرابع: الروايات

الأولى: ما ذكره الشيخ في الخلاف من رواية عامية(1)ولا فائدة في ذكرها، إلّا أنا نذكر ما يشبهها من رواياتنا، والشيخ إنّما ذكرها احتجاجاً على العامة، فقد روى الصدوق في الفقيه عن الصادق(عليه السلام)، قال : القضاة أربعة : ثلاثة في النار وواحد في الجنة، رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار ورجل قضى بجور وهو لا يعلم، فهو في النار، ورجل قضى بحقّ وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة)(2).

وذكر مثلها في الكافي(3)والتهذيب(4)، ولا ريب في أنّ هذا المضمون حسن.

وتقريب الاستدلال بها أنّ المقلد لا يقضي عن علم إذ هو جاهل فيدخل في رجل قضى بالحق وهو لا يعلم.

إلّا أنّه لا يمكن الاستدلال بها لاعتبار الاجتهاد في القضاء؛ وذلك لأنّ المقلد العالم بالأحكام أيضاً عالم إلّا أنّه عن تقليد.


1) كتاب الخلاف 208/6.

2) من لا يحضره الفقيه 4/3 .

3) الكافي 407/7 .

4) تهذيب الأحكام 218/7.

الثانية: ما روي في تفسير العياشي عن عبد الرحمن بن مسلم أنّ علياً(عليه السلام)مرّ على قاض، فقال: «أتعرف الناسخ من المنسوخ» ؟ قال لا، فقال: «هلكت وأهلكت، تأويل كل حرف من القرآن على وجوه»(1).

وهذه الرواية قاصرة سنداً، فإنّ الواصل إلينا من تفسير العياشي كله مراسيل، أي أنّه ابتدأ بآخر راو.

ثم إنّ قوله (عليه السلام): (أتعرف الناسخ من المنسوخ) ليس على نحو الموضوعية بحيث يكون معرفة الناسخ والمنسوخ مجوزاً للقضاء، بل على نحو المعرفية، وأن معرفة الناسخ من المنسوخ وسيلة للقضاء على وفق الناسخ دون المنسوخ، وعليه فكما أنّ المجتهد يحكم على وفق الناسخ فإنّ مقلّده أيضاً يحكم على وفق الناسخ.

الثالثة : ما رواه الكليني عن الصادق(عليه السلام)في رواية مفصلة، وفيها قال(عليه السلام): قلت: « يا غيلان ما أظنّ ابن هبيرة وضع على قضائه إلّا فقيهاً»، فقال أجل - إلى ان قال -«وبقضاء مَنْ تقضي» ؟ قال : بقضاء عمر وقضاء ابن مسعود وبقضاء ابن عباس واقضي من قضاء أمير المؤمنين بالشيء، قال: قلت: « يا غيلان ألستم تزعمون يا أهل العراق وتروون أنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قال : عليّ أقضاكم»؟ فقال: نعم، قلت: «فكيف تقضي من قضاء علي(عليه السلام)زعمت بالشيء»(2).

وابن هبيرة كان حاكماً على العراق من قبل بني اُميّة.

ومحل الشاهد: (ما أظن ابن هبيرة وضع على قضائه إلّا فقيهاً).


1) تفسير العياشي 1 / 12، وسائل الشيعة 202/27.

2) الكافي 429/7 .

وهذه الرواية ضعيفة من جهة محمد بن هلال وعقبة بن خالد، ولا يمكن تصحيحها إلّا من جهة وجودهما في اسناد كامل الزيارات، ومع قطع النظر عن السند فلا تدل على لزوم الفقاهة في القضاء، بل غاية ما تدل عليه أنّ الفقاهة في القضاء أحسن، مضافاً إلى أنّه لا يعلم المراد من الفقاهة في هذه الرواية، والظاهر أنّ المراد بالفقيه من يكون عارفاً بقضاء جمع، لا أن يكون عارفاً بوجه قضائهم، وهذا ليس الّا التقليد في القضاء.

فظهر أنّ الحق ما ذهب إليه المحقق القمي وصاحب الجواهر من عدم اعتبار الاجتهاد في القاضي المنصوب من قبل الولاة، وعليه فلو قلنا بأن المجتهد ولي من قبل الائمة(عليهم السلام) فله نصب العامي للقضاء إذا كان خبيراً بالأحكام وبموازين القضاء.

الجهة الثانية في اعتبار الاجتهاد في المنصوب بالنصب العام

المشهور أنّ الأئمّة(عليهم السلام) نصّبوا الفقهاء للقضاء نصباً عاماً. فهل يُستفاد من الأدلة نفوذ خصوص قضاء المجتهد أو أنّه يعم الحكم بالنسبة إلى المجتهد والعامي العارف بالأحكام عن تقليد؟

وفي المقام روايات ربما يستظهر منها أن المنصوب للقضاء في زمن الغيبة هو المجتهد، وقبل الدخول في البحث نذكر اُموراً:

الأمر الأوّل: في تحرير محل البحث

إنّ محلّ كلامنا ليس قاضي التحكيم، بل غيره، وقاضي التحكيم من يتراضى المتخاصمان بحكمه، وهذا في الجملة لا إشكال فيه. نعم اختلفوا في أنّه هل يعتبر فيه الاجتهاد أو لا؟ كما اختلفوا في معقولية قاضي التحكيم في زمن الغيبة، بناءً على أنّ جميع المجتهدين لهم حقّ القضاء، والفرق واضح بين قاضي التحكيم وغيره، فإنّه يُعتبر

في قاضي التحكيم تراضي المتخاصمين بقضائه، وهذا بخلاف القاضي، فإنّه لا يعتبر فيه تراضيهما، بل بمجرد رجوع أحدهما إليه يبعث وراء الآخر ويحضره.

ومن الفروق أنه لا يجبر قاضي التحكيم المتخاصمين على تنفيذ حكمه، وإنّما يجب عليهما تنفيذ ما حكم به، وهذا بخلاف القاضي، فإنّه يجبرهما على تنفيذ حكمه؛ وذلك لأنه جعل لتثبيت وتنفيذ العدالة وأخذ حق المظلوم من الظالم، ففي صحيحة الحلبي، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منا ، فقال(عليه السلام) : « ليس هو ذاك إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط»(1).

الأمر الثاني: في أنّ القضاء من أنواع السلطة

إن القضاء من القاضي الذي يجبر الناس على تنفيذ حكمه بالسيف والسوط من أنواع السلطة الموجودة في كل حكومة، فإنّ السلطة في كل حكومة تنقسم إلى ثلاث:

السلطة التشريعية والسلطة القضائية، والسلطة الإجرائية.

والسلطة القضائية ركن من أركان كل حكومة بلا فرق بين أن يكون من له السلطة متسلطاً عليها أو كانت السلطات منفصلة.

وعلى أي نحو كان فإنّ السلطة القضائية في الشريعة المقدسة هي نوع من الأمارة.

ولتنصيب القاضي طريقان:

الطريق الأوّل: نصب القاضي من قبل من له الأمارة والولاية العامة إمّا مباشرة أو بواسطة الولاة، كما أمر أمير المؤمنين(عليه السلام) في عهده إلى مالك الاشتر بنصب القضاة.


1) وسائل الشيعة 27/ 15

الطريق الثاني: نصب القاضي من قبل الشعب وبالانتخاب. وهذا إمّا بترشيح جمع من قبل الحكومة، وإمّا بتوكيل الترشيح، والانتخاب بيد الشعب. وهذا النوع من السلطة القضائية موجود في بعض البلدان، وهذا ما كان يفعله بعض الخلفاء على ما في کتاب (العراق في العصر الأموي) حيث قال: (ومن الخلفاء من كان يرشح أكثر من شخص ويدع أمر تعيين أحدهم إلى الأمير بعد أن يأخذ رأي الناس).

الأمر الثالث: في كون السلطات الثلاث الله تبارك وتعالى

إنّ المستفاد من الآيات المباركة والروايات الشريفة هو كون جميع السلطات الثلاث الله تبارك وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلّه(1)، وأَلَا لَهُ الْحُكْمُ(2)، وقد دلت الآيات والروايات بتفويض جميع السلطات إلى الأنبياء: أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ(3)حيث ذكر الحكم في قبال الكتاب: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوةَ(4)، ووكلاً آتينا حكماً وعلماً(5)، يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ(6)، و إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ(7)

ص: 26 .

إلى غير ذلك من الآيات.

1) سورة الأنعام: 57.

2) سورة الأنعام: 62 .

3) سورة الانعام: 89.

4) سورة الجاثية: 16.

5) سورة الانبياء: 79

6) سورة النساء: 105 .

7) سورة

مضافاً إلى أنّ هذا مما لا ريب فيه بين المسلمين، كما لا ريب في أنّ خلفاء الأنبياء يتصدّون للسطات الثلاث، وقد قال ابن رشد: (لا خلاف في جواز حكم الإمام الأعظم، وتوليته للقاضي شرط في صحة قضائه بلا خلاف أعرف فيه)(1)، وهذا مما تدل عليه الروايات الشريفة أيضاً فقد روى الصدوق عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «اتّقوا الحكومة فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين كنبيّ أو وصي نبي»(2)، وسند الصدوق إلى سليمان بن خالد صحيح، وقد روى الكليني والشيخ الطوسي مثل هذا الحديث(3).

الأمر الرابع: في انسداد باب القضاء في عصر الغيبة الكبرى

هل إنّ باب القضاء منسد في زمن الغيبة الكبرى أو مفتوح؟ فيه احتمالات:

الإحتمال الأوّل: أنّ القضاء بهذا المعنى منسد ، والمستفاد من الروايات هو أنّ الشيعة بما أنّهم كانوا أقلية وكانوا ممنوعين من مراجعة قضاة الجور، اُمروا بانتخاب شخص أو أكثر منهم ومراجعتهم إليه في منازعاتهم ، وهذا الاحتمال هو ظاهر عبارة الشيخ في الخلاف حيث قال: (وإذا تراضي نفسان برجل من الرعية يحكم بينهما، وسألاه الحكم بينهما، كان جائزاً بلا خلاف ، فإذا حكم بينهما لزم الحكم، وليس لهما بعد ذلك خيار - إلى أن يقول - دليلنا: إجماع الفرقة على أخبار رووها : إذا كان بين أحدكم وبين غيره خصومة فلينظر إلى من روى أحاديثنا، وعلم أحكامنا فليتحاكما إليه ....) (4).


1) بداية المجتهد 378/2

2) من لا يحضره الفقيه 5/3 .

3) الكافي 406/7 ، تهذيب الأحكام 217/6.

4) كتاب الخلاف 241/6 - 242.

فمن قوله: (على أخبار رووها) يعرف أنّ المستفاد من الروايات ليس إلا قاضي التحكيم، إلا أنّ هذا القول لم ينقله أحد بهذا العنوان من الخلاف، وبعيد أن يكون الشيخ ملتزماً بهذا القول بلحاظ ما في المبسوط وغيره.

الاحتمال الثاني: انفتاح باب القضاء، بمعنى ثبوت القضاء على غير نحو قاضي التحكيم في الشريعة المقدسة، وعلى فرض الثبوت لابد وأن نرى أن المنصوب من قبلهم(عليهم السلام) من هو ؟ هل هو كل من بلغ درجة الاجتهاد سواء رضي به الشيعة أم لا؟ أو خصوص المجتهد الذي رضي به الشيعة وانتخبه؟ كما لعله يدل عليه قول الصادق(عليه السلام) في معتبرة أبي خديجة: (فاجعلوه بينكم)(1).

الاحتمال الثالث: وهو أنّ المجتهد قاض منصوب، إلّا أنّه ليس نصبه من جهة دلالة رواية على نصبه، بل من باب الوجوب الكفائي والاحتياج إليه، وإنما نقول باجتهاده من باب الأخذ بالقدر المتيقن.

فالقضاء واجب كفائي؛ وذلك لتوقف حفظ النظام المادي والمعنوي عليه، ولافرق في ذلك بين القاضي المنصوب وقاضي التحكيم(2).

ثم ناقش بعض الأكابر في دلالة الروايات على نصب المجتهدين للقضاء، وعليه فلابدّ وأن نرى أنّ الأدلة كافية للدلالة على النصب أو لا؟ كما لابد وأن نرى - بعد فرض النصب - من هو المنصوب ؟ هل هو كل مجتهد أو خصوص من رضي به الشعب؟ أما الروايات التي استدل بها على النصب فهي:


1) الكافي 412/7

2) انظر: مستند العروة الوثقى (الصوم) (892، مباني تكملة المنهاج 4/1.

الرواية الاُولى: مقبولة عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دَين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: «من تحاكم إليهم في حق أو باطل إنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكمُ له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يُكفر به، قال الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» قلت: فكيف يصنعان؟ قال: « ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله»(1).

و في هذه الرواية - التي هي معتبرة سنداً عندنا - احتمالات ثلاثة :

الاحتمال الاول: أن تكون الرواية متعلّقة بقاضي التحكيم؛ وذلك لأنّه حينما سئل الإمام(عليه السلام) : كيف يصنعان ؟ أجاب(عليه السلام) :«ينظران إلى من كان منكم ممن قد روی حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً»، فإنّ رضا المتخاصمين بحَكَميّة شخص لا يكون إلا في قاضي التحكيم.

ولكن لا يمكن الالتزم بهذا الاحتمال ؛ ذلك لقوله(عليه السلام) : (فإني قد جعلته عليكم حاكماً)، فإنّه شاهد على أنّه يحتاج إلى الجعل ممن له الأمر. فإنّ قاضي التحكيم كان أمراً متداولاً من أول الاسلام، بل قبل الإسلام، ولا يتوقف قاضي التحكيم لجعل من له السلطة.


1) الكافي 1/ 54 .

نعم نقل عن أبي حنيفة بأنّ حكم قاضي التحكيم إنهما ينفذ عند السلطة فيما إذا كان موافقاً للقاضي والحاكم.

الاحتمال الثاني: ما فهمه المشهور من أنّه من كان راوياً لحديثهم، وناظراً في حلالهم وحرامهم، وعارفاً بأحكامهم فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً.

الاحتمال الثالث: أن يكون مفاد الرواية أنه من كان هكذا ورضي به الناس، أي: اختاره الناس وانتخبوه، فإنّ الرضا كما يكون بمعنى طيب النفس يكون بمعنى الاختيار، فقوله(عليه السلام): (فليرضوا) أي: فلينتخبوا وليتخيّروا حكماً، وانتخابكم لشخص يحصل عليه الإمضاء منّا، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، وهذا كما هو متداول في بعض البلدان.

مناقشة الاحتمالات:

أما الاحتمال الأول فمستبعد لجهتين:

الأولى: ذكرنا بأنّه يظهر من عبارة الشيخ في الخلاف أنّ مفاد هذه الرواية، بل سائر الروايات التي استدل بها ليس إلا قاضي التحكيم، إلّا أنّ هذا الاحتمال مضافاً إلى أنه بعيد في نفسه، لعل الشيخ لم يلتزم به بملاحظة ما في المبسوط وغيره، وذلك لقوله(عليه السلام) : (فإني جعلته عليكم حاكماً) فإنّ قاضي التحكيم لا يتوقف وجوب تنفيذ حكمه على المتخاصمين على جعل ولي الأمر، بل يصح الرجوع إليه ويجب على المتخاصمين تنفيذ حكمه وإن لم يجعل من قبل ولي الأمر، وقوله (عليه السلام)هذا، لا يتناسب مع قاضي التحكيم.

والثانية: أن الاتيان بالضمير (كم) في ( عليكم) شاهد آخر على أنّ المنصوب غير قاضي التحكيم، ومعنى ذلك أنّ الإمام(عليه السلام) جعله على الشيعة حاكماً لا على خصوص المتخاصمين، ولا سيما بملاحظة قوله(عليه السلام) ان على نسخة اُخرى (انظروا)

وقوله(عليه السلام) (فليرضوا) حيث اُتي بصيغة الجمع، فهذا الاحتمال ضعيف ولا يمكن الالتزام به.

وإذا استبعدنا الاحتمال الأول دار الأمر بين الاحتمالين الثاني والثالث، ومنشأ الاحتمال الثاني هو ما ورد في الكافي والتهذيب من نقل الرواية حيث جاء فيهما: (ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكماً)(1).

وفي الكافي، في باب القضاء: (انظروا إلى من كان منكم ...)(2)بدل (ينظران).

إلا أنه ربما يستظهر أمرٌ آخر من هذا الالتفات من التثنية الى الجمع وتغيير الاسلوب، وهو دخالة انتخاب الشيعة في حيثية جعل الإمام(عليه السلام) ، ولا سيما بملاحظة أنّ التراضي بالشيء اختياره، ففي المصباح المنير: (رضيت الشيء ورضيت به رضاً اخترتُه وارتضيته مثله)(3)، وفي تاج العروس: (ورضيه أي الشيء ورضيت به رضاً اخترته ورضيه لهذا الأمر رآه أهلاً له)(4)، فالرضا في قوله(عليه السلام) ليس بمعنى طيب النفس، بل بمعنى الاختيار، فيوافق الاحتمال الثالث ويكون المعنى: انظروا، أي: ابحثوا وفتّشوا عمن كان بهذه الصفات فليرضوا به، أي: فليختاروه حكماً فإني قد جعلته عليكم - أي: الشيعة - حاكماً.

ولعل من ذهب إلى الاحتمال الثاني كان ناظراً إلى النسخة التي فيها (ينظران) بدل (انظروا)، والاتيان بصيغة الجمع في قوله(عليه السلام) : (فليرضوا) إمّا بلحاظ جنس


1) الكافي 1 / 54 ، تهذيب الأحكام 302/6.

2) الكافي 412/7 .

3) المصباح المنير، (رضيت).

4) تاج العروس 151/10.

المتنازعين أو بلحاظ صحة التعبير عن التثنية بالجمع، وبما أن الإمام(عليه السلام) جعله حاكماً، وهذا لا يتناسب مع قاضي التحكيم، نقول بنصب من كان بهذه الصفات من قبل الإمام(عليه السلام) للقضاء، فيدور الأمر بين الاحتمال الثاني والثالث، من باب دوران الأمر بين النسختين، والقدر المتيقن منه هو القاضي المنتخب من قبل الشيعة، أي أنه لو انتخب الشيعة رجلاً بهذه الصفات يكون منصوباً من قبل الامام(عليه السلام)، لا مطلق من كان بهذه الصفات وإن لم يختره الشيعة.

وأما الاحتمال الثالث فمستبعد لوجوه :

الوجه الأول: أنّ الأمور لم تكن في تلك المجتمعات متروكة إلى انتخاب الناس واختيارهم، بل الأمور كانت بيد ولاة الأمر، ووليّ الأمر هو الذي ينصّب القاضي والوالي وأشباههما ، ولم ينقل عن الشيعة انتخابهم قاضياً ولو بطريق ضعيف.

الوجه الثاني: أنّ الانتخاب في تلك الأزمنة وفي شدة التقية ربما يسلتزم محاذير للشيعة، والقرائن التأريخية تدل على عدم وجود ظرف مناسب للشيعة بأن ينتخبوا شخصاً للقضاء، ورجوعهم إليه في منازعاتهم.

ويمكن الجواب عن الوجه الأوّل بوجود شواهد على الانتخاب في تلك الأزمنة، كما في رواية الكناسي، قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام) : «أيّ شيء بلغني عنكم»؟ قلت: وما هو؟ قال: «بلغني أنّكم أقعدتم قاضياً بالكناسة»؟ قال: قلت: نعم جعلت فداك، رجل يقال له عروة القتات ...(1).

وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة، إلا أنها مما يمكن الاستشهاد به على وجود الانتخاب والاختيار للقاضي في ذلك الزمان، مضافاً إلى أنّ الكوفة من أكبر المجامع


1) بحار الأنوار 266/101.

الثقافية في ذلك العصر، فإنها كانت مجمع الفقهاء، ولعل أكثرهم من الشيعة، فالكوفة مركز ثقافي وأدبي، ومضافاً إلى أن اشتراك أهل الكوفة في الثورات وتبعيتهم لشخص شاهد على إمكان الانتخاب في ذلك العصر، حيث كان أهل الكوفة من أهل الحضارة والثقافة، واشتراكهم في الثورات قبل زمان الصادق(عليه السلام) دليل على إمكان الانتخاب في ذلك الزمان، مضافاً إلى أنّ البيعة إذا لم تكن عن إكراه فمرجعها إلى الانتخاب، فلم يكن الانتخاب من الأمور الغريبة، بل كان أمراً متعارفاً.

ويمكن الجواب عن الوجه الثاني بأنّه غير بعيد أن يكون أمر الإمام(عليه السلام)بانتخاب القاضي في أواخر عهد الأمويين أو أوائل عهد العباسيين قبل استقرار الأمر لهم.

ومرادنا من الانتخاب ليس ما هو المتعارف في الحال الحاضر، بل ما يصدق عليه انتخاب الشيعة كذهاب أكثر الشيعة إلى شخص من هؤلاء، وانتخابُ شخص للقضاء ليس بأهمّ من نصب وكيل، ومن المسلّم نصب الإمام الصادق(عليه السلام) المفضّل بن عمر وغيره لأخذ الحقوق في الكوفة ، فلا يمكن طرح هذا الاحتمال بسبب هذه الاستبعادات، ورفضه بمجرد أنّه لم يذكره الفقهاء فيما إذا كان حد هذه الرواية هو القضاء، وعلى القول بأنّ حدّها أمر أوسع من القضاء فذاك بحث آخر.

ولابدّ أن نبحث في أنّ مفاد الرواية نصب المجتهد بأحد الوجهين من توسط الانتخاب وعدمه نصباً عاماً من قبل الإمام الصادق(عليه السلام).

وهنا بحث في أنّ القاضي المنصوب من قبل الإمام هل ينعزل بموت الإمام أو لا؟ وقد قيل بانعزاله بموت الإمام(عليه السلام)، كما في القواعد ومفتاح الكرامة ونقله الأخیر عن الشهيد الثاني، وعليه فربما يشكل في النصب للمجتهدين المتأخرين من الإمام الصادق(عليه السلام) ، وهذا البحث بحث مفصل لا نتعرض لأصله، بل نذكر الجواب عن

هذا الاشكال بنحو إجمالي، وهو أنّ مقتضى القاعدة لزوم الجري على ما نصبه ولي الأمر ما لم يأت خلافه من ولي الأمر اللاحق، كما هو الحال في الأحكام الصادرة عنهم بحسب المصالح والمفاسد الوقتية، فما لم يأت خلافه من الإمام المتأخر يجب الجري على وفق ما جعل من قبل الإمام السابق، وهذا هو الحال في قوانين كل دولة فما لم تُغيّر من قبل الدولة اللاحقة يُعمل بتلك القوانين، ومن المعلوم عدم صدور ما يعارض مقبولة عمر بن حنظلة من الأئمة اللاحقين، فلابد من العمل على وفق المقبولة، ولا سيما بملاحظة العلة المذكورة في الرواية، حيث إنّ العلة من العلل التي لها دوام وهي حرمة التحاكم إلى سلاطين الجور وقضاتهم.

ومن الجهات التي لابد أن يُبحث عنها هي أنّ مفاد هذه الرواية أنّ المنصوب من قبلهم هو المجتهد، فإنّ العناوين المذكورة في الرواية لا تنطبق إلّا على المجتهد، ولا تشمل العامي وإن كان عارفاً بأحكام القضاء عن تقليد؛ إذ هو ليس ممن روى حديثهم ونظر في حلالهم وحرامهم.

الرواية الثانية: معتبرة أبي خديجة، وهي منقولة بنحوين:

النحو الأوّل: ما في الفقيه: روى احمد بن عائذ عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال: قال لي أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) : «إياكم أن يُحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا - قضائنا- فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه»(1).


1) من لا يحضره الفقيه 2/3 - 3.

ولا مناقشة في سند هذه الرواية إلا من جهة أبي خديجة، فإنّ سند الصدوق معتبر، إلا أنّ الكافي والتهذيب قد رويا الرواية بسند آخر(1)ربما يكون محل إشكال، والأظهر عندنا وثاقة أبي خديجة، وعليه فتكون الرواية معتبرة.

إلّا أنّه وقع الاختلاف بينهم في كيفية تصحيح السند المشتمل على أبي خديجة، فإن الشيخ ضعّفه في الفهرست(2)والاستبصار(3)، ووثقه النجاشي(4)، ونقل العلامة عن الشيخ توثيقه في موضع آخر.

ويمكن دفع الاشكال بأحد أمور: إما إقامة القرينة على اشتباه الشيخ كما في قاموس الرجال ومعجم الرجال، أو من جهة تعارض قولي الشيخ، ولا يبقى إلا قول النجاشي، أو من جهة أرجحيّة قول النجاشي على قول الشيخ حيث إنّ النجاشي أكثر خبرة في الرجال من الشيخ، إلى غير ذلك من الأمور.

النحو الثاني: ما في التهذيب، وقد نقلها الشيخ عن كتاب محمد بن علي بن محبوب: عن أحمد بن محمد عن حسين بن سعيد عن أبي الجهم عن أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبد الله(عليه السلام)إلى أصحابنا فقال : قل لهم: «إياكم إذا وقعت خصومة أو تداع بينكم في شيء من الأخذ والعطاء أن تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، إجعلوا بينكم رجلاً ممن قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته قاضياً عليكم، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر»(5).


1) الكافي 7 / 412 ، تهذيب الأحكام 6 / 219 .

2) الفهرست 141

3) الاستبصار 36/2

4) رجال النجاشي 188.

5) تهذيب الأحكام 303/6.

وفي سند هذه الرواية أبو الجهم، وأبو الجهم كنية لشخصين: بكير بن أعين، وسليم بن أبي فاختة، ولا يمكن أن يروي الحسين بن سعيد عنهما، وذلك لاختلاف الطبقة، فإنهما من الطبقة الرابعة والحسين بن سعيد إمّا من الطبقة السادسة أو من الطبقة السابعة، وقد توفّي بكير بن أعين في زمن الصادق(عليه السلام)، وسليم بن أبي فاخته من أصحاب السجاد(عليه السلام) ، وعليه فيلزم إرسال الرواية.

وإن قلنا بأنّ المراد من أبي الجهم هذا غير بكير وسليم، فهل يمكن تصحيح الرواية أو لا؟ وتصحيح السند مبتن إمّا على وجوده في إسناد كامل الزيارات، ففي معجم رجال الحديث: (روى عن أبي خديجة، وروى عنه أحمد بن أبي عبد الله)(1)، إلّا أنّ هذا مما لا يمكن الاعتماد عليه من وجهة نظرنا.

أو من جهة نقل ابن أبي عمير عنه، والذي يروي عنه ابن أبي عمير بعنوان أبي الجهم لا يتلائم مع بكير وسليم، فإنّ ابن أبي عمير لم يدركهما؛ إذ هو من الطبقة السادسة وتوفي في سنة 219 ، ولا يمكن له أن يروي عنهما إلا مع الواسطة، فالظاهر أنّ هذا غيرهما، وبناءً على أنّ ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي ممن لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة فإنّه يمكن الحكم بوثاقته.

وبما أنّ الرواية على النحو الأول أوضح سنداً لذا نجعلها محور بحثنا، فنبحث فيها عن أمور:

الأمر الأول: أنّ الاحتمالات الثلاثة التي تقدمت في مقبولة عمر بن حنظلة تأتي هنا أيضاً، فيقع الكلام في أنّ مفاد هذه المعتبرة هل هو قاضي التحكيم أو غيره، وعلى


1) معجم رجال الحديث 109/22

فرض كونها متعلّقة بغير قاضي التحكيم، هل تدل على جعل كل من يعلم شيئاً من قضاياهم أو خصوص من جعله الناس أو لا؟

الاحتمال الأول: أن يكون مفادها قاضي التحكيم حيث إنّ الإمام(عليه السلام) أمر المتخاصمين بجعل من يعلم شيئاً من قضاياهم حكماً.

وأما قوله(عليه السلام): ( فإني قد جعلته قاضياً) فهو تفريع عليه، وقد أشار إلى ذلك في مباني التكلمة، حيث قال: (ولكن الصحيح أنّ الرواية غير ناظرة إلى نصب القاضي ابتداءً ؛ وذلك لأن قوله(عليه السلام): ( فإني قد جعلته قاضياً) متفرع على قوله(عليه السلام) : ( فاجعلوه بينكم...)(1).

إلا أنّ هذا الاحتمال مدفوع في هذه الرواية أيضاً، فإن قوله(عليه السلام): (فإني قد جعلته قاضياً) لا يتلائم مع قاضي التحكيم، ولا سيما بملاحظة تفريع آخر وهو قوله (عليه السلام): (فتحاكموا إليه) حيث إنّ اختيار قاضي التحيكم لا يتوقف على جعل ولي الأمر، بل متوقف على جعل المتخاصمين ورضاهما به.

والظاهر أنّ قوله(عليه السلام) : (إيّاكم أن يُحاكم بعضُكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا) ناظر إلى عموم الشيعة لا خصوص المتخاصمين، كما أن الظاهر من قوله(عليه السلام) : (فإنّي قد جعلته قاضياً) هو التعليل لا التفريع، فهذا الاحتمال مدفوع في هذه الرواية.

الاحتمال الثاني: أن مفاد الرواية هو النصب العام بلا توسط الانتخاب، وعليه يكون معنى قوله(عليه السلام) : ( فاجعلوه بينكم) مراجعته، أي: اجعلوه بينكم عملاً من خلال مراجعته.


1) مباني تكملة المنهاج 8/1.

إلا أنّ هذا الاحتمال يُبعّده قوله(عليه السلام): (فتحاكموا إليه) حيث يكون تكراراً بلا وجه.

الاحتمال الثالث: أنّ مفاد الرواية هو النصب العام بواسطة الانتخاب حيث يكون معنى قوله(عليه السلام) : ( فاجعلوه بينكم)، أي: انصبوه بينكم، وهذا لا يكون إلا بانتخاب واختيار، ولا يلزم من ذلك التكرار الذي كان يلزم من الاحتمال الثاني.

الأمر الثاني: في معنى قوله(عليه السلام) : (يعلم شيئاً من قضايانا أو من قضائنا). وفيه وجهان :

الوجه الأول: ما ذكره بعض الأكابر ، وهو: أنّ العلوم التي يحملها الأئمة(عليهم السلام) بما أنّها كثيرة وفي غاية السعة، فمن بلغ درجة الاجتهاد وإن كان أعلم العلماء فإنّه يعلم شيئاً من قضائهم، لا أنّه يكون عالماً بأكثر أو بجميع علومهم، وعليه يكون مفاد المعتبرة متحداً مع مفاد المقبولة.

الوجه الثاني: وهو أن مَن يعلم نوعاً من أنواع قضايانا فاجعلوه بينكم في ذلك النوع؛ إذ تختلف أنواع التنازع، فإن التنازع قد يكون في اُمور الاُسرة مثل النكاح والطلاق والولد وحق الحضانة وأمثال ذلك، وقد يكون في الأمور المالية والمعاملات والتجارات، وقد يكون في الجرائم وإجراء الحدود، إلى غير ذلك من أنواع التنازع، فمن كان عالماً بنوع من قضائهم يُجعل في النوع الذي هو متخصص وعالم فيه.

والشاهد على التخصص قول زرارة في رواية صحيفة الفرائض: (وكنت رجلاً عالماً بالفرائض ...)(1)، فالأفراد مختلفون من حيث الإحاطة بالمسائل، فقد يكون


1) الكافي 94/7 .

الشخص عالماً بباب أو بابين من أبواب الفقه، وقد يكون عالماً بأزيد من ذلك، وقد يكون عالماً بالجميع.

وعليه فالمراد بالشيء في الرواية: النوع، فكأنّ الإمام(عليه السلام) قال: (يعلم نوعاً من قضايانا)، ومرجعه إلى جعل المتخصص في نوع من أنواع القضاء للقضاء في ذلك النوع، وهذا نظير الأطبّاء، فكما أن الأطبّاء مختلفون وكل منهم متخصص في نوع من الأمراض، كذلك القضاة، فربما يكون القاضي متخصصاً في نوع من المنازعات، ومن الظاهر صدق: (يعلم شيئاً من قضايانا) على من كان متخصصاً في باب ونوع من المنازعات، وهذا غير مسألة التجزي، بل هذا يرتبط بالإحاطة الفعلية بالفروع الفقهية.

الأمر الثالث: أنّ مفاد المعتبرة هل يختص بالمجتهد أو أنها تعمّ المجتهد وغيره ممن له عرفان بالأحكام ودقة نظر في المصادر وله درجة من الفضل، إلّا أنه لم يبلغ درجة الاجتهاد وليس له قوة الإستنباط بمعنى عدم نظرية له في المباني.

والمعتبرة على النحو الأول - كما تقدم - تختلف في النقل، ففي بعض النسخ (قضايانا) وفي بعضها (قضائنا)(1)، ففي التهذيب طبعة النجف (قضائنا) وفي طبعة ایران (قضایانا).

احتمل صاحب الجواهر أنّ الرواية تعم المجتهد وغيره(2)، والبحث غير مبتن على اختلاف النسخ في (قضايانا) أو (قضائنا) ، كما بنى البحث بعض الأكابر على هذا


1) الكافي 7 / 417 ، وسائل الشيعة 27/ 13 . وانظر الهامش في هذه الصفحة من الوسائل.

2) انظر: جواهر الكلام 16/40.

الاختلاف؛ إذ ليس بينهما فرق في المفهوم، فقد ورد أنّ: (القضاء الحكم والجمع الأقضية والقضية مثله والجمع القضايا)(1).

وعليه فالأمر واحد سواء كان (قضائنا) بمعنى طبيعة (قضائنا) حتى يكون جمعه (أقضية) أو يكون (قضايانا) الذي هو جمع قضية.

والذي ينبغي أن يبتني البحثُ عليه هو أنّ المراد من (قضايانا) أو (قضائنا) هل هو خصوص الأحكام الصادرة من النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليهم السلام)في خصوص المنازعات والخصومات؟ أو أنّ المراد من قضائنا) أو (قضايانا) هو الأحكام الصادرة من النبي ع الله والأئمة الطاهرين(عليهم السلام)في مطلق الأبواب؟

فإن كان المراد هو الأحكام الخاصة التي صدرت منهم(عليه السلام) في القضاء، مثل أنّ النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قضى بكذا أو أن أمير المؤمنين(عليه السلام) قضى بكذا ، فمن الواضح أن استفادة الحكم الكلي لا يمكن من الأقضية الخاصة إلا للمجتهد؛ إذ استفادة الحكم الكلي من هذه الأقضية الخاصة تتوقّف على معرفة حدود شمول الحكم، وهذا من قبيل الفتيا، فكما أن العامي لا يمكنه استفادة الحكم الكلي من الفتيا، فإنّه كذلك لا يمكن استفادة الحكم الكلي من الأقضية الخاصة الا للمجتهد، وعلى هذا لابد للقاضي أن يعرف شيئاً من أقضية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)والأئمة(عليهم السلام)، وقد ألفت كتب كثيرة في قضاء أمير المؤمنين كما هو مذكور في الفهارس.

وإن كان المراد من( قضايانا) أو (قضائنا) هو العلم بالأحكام الصادرة منهم التي تصلح لرفع الخصومة سواءٌ كان في أبواب القضاء أم في سائر أبواب الفقه من


1) مختار الصحاح 278، مادة: قضي.

الفروع الفقهية كالدَّيْن أو الميراث والحبوة وأشباه ذلك، فتكون الرواية أعم، وذلك لأنّ العلم أعمّ من علم المجتهد والمقلد؛ لأنّه يصدق على كل منهما أنّه يعلم قضاياهم.

فيدور الأمر بين المعنيين، وبما أنّه ليس هنا ما يدفع أحدهما، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر فلابد من الأخذ بالقدر المتيقن منهما ، وهو المجتهد. هذا فيما يتعلق بالمعتبرة على النحو الأول.

وأمّا على النحو الثاني في نقلها فهي هكذا: (اجعلوا بينكم رجلاً ممن قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته قاضياً عليكم) فإنه لا يأتي فيها البحث في أنّ المراد منها هل هو خصوص المجتهد أو الأعمّ من المجتهد والمقلد.

والظاهر أنّ المراد بالحلال والحرام في هذه الرواية ما يمسّ بحقوق الأفراد؛ إذ قد يطلق الحلال والحرام في قبال القضاء، والمراد منه ما ليس له مساس بحقوق الآخرين، وأما الحلال والحرام هنا فيما أنّ معرفتهما لأجل القضاء، فلابدّ أن يكون المراد ما له مساس بحقوق الآخرين.

نعم إن قلنا بوحدة الروايتين وقلنا بأنّ العرفان أعمّ من أن يكون عن اجتهاد أو تقليد، يأتي البحث المتقدم، أي أنّه لابد من الأخذ بالقدر المتيقن وهو المجتهد. فظهر أنّ المعتبرة تدل على نصب المجتهد للقضاء في زمن الغيبة.

الرواية الثالثة: التوقيع المروي في الإكمال وغيبة الطوسي عن اسحاق بن يعقوب: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله)(1).


1) كمال الدين وتمام النعمة 484 ، الغيبة 291.

وسندها في الإكمال هكذا: محمد بن محمد بن عصام عن محمد بن يعقوب عن اسحاق بن يعقوب، ويرويه الشيخ في الغيبة عن جماعة من مشايخنا عن أبي غالب الزراري وغيره عن محمد بن يعقوب، والسند محل تأمل، فإنّ اسحاق لم يوثق بل لم يرد له ذكر في غير هذه الرواية. هذا من حيث السند.

وأما المفاد، فقد قال الشيخ الأنصاري : (المراد بالحوادث ظاهراً مطلق الأمور التي لابدّ من الرجوع فيها عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس، مثل النظر في أموال القاصرين لغيبة أو موت أو صغر أو سفه، وأما تخصيصها بخصوص المسائل الشرعية فبعيد من وجوه)(1).

إلّا أنّ الظاهر من الحوادث هو المسائل المستحدثة، فإنّ الشيعة كانوا يراجعون الائمة(عليهم السلام) قبل زمان الغيبة في المسائل التي تحدث لهم، وبعد زمان الغيبة تحيّر السائل في أنه ماذا يفعل بالنسبة إلى المسائل المستحدثة، فسأل الامام(عليه السلام) وأجابه الامام(عليه السلام) بقوله: (وأما الحوادث ...).

و شبيه هذه الرواية ما نقله الشيخ في العدة - على ما في الوسائل باب القضاء - عن الصادق(عليه السلام) : « إذا نزلت بكم حادثة لا تعلمون حكمها فيما ورد عنّا، فانظروا إلى ما رووه عن علي(عليه السلام) فاعملوا به»(2).

ورواية علي بن أسباط ، قال :قلت للرضا(عليه السلام): يحدث الأمر لا أجد بُدّاً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟ قال: فقال: «إنت فقيه البلد فاستفته من أمرك ...»(3)الخبر.


1) کتاب المكاسب 555/3 .

2) وسائل الشيعة 91/27

3) وسائل الشيعة 27/ 115 - 116 .

ثم ذكر الشيخ الانصاري وجوه الاستبعاد بقوله: (منها: أنّ الظاهر وكول نفس الحادثة إليه ليباشر أمرها مباشرة أو استنابة، لا الرجوع في حكمها إليه) (1).

وهذا الوجه خلاف ظاهر قوله(عليه السلام): (فارجعوا فيها)، نعم لو كان لفظ الرواية (فارجعوها) لكان لهذا الوجه وجه.

(ومنها: التعليل بكونهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» فإنه إنّما يناسب الأمور التي يكون المرجع فيها هو الرأي والنظر، فكان هذا منصب ولاة الإمام (عليه السلام)من قبل نفسه، لا أنه واجب من قبل الله سبحانه على الفقيه بعد غيبة الامام(عليه السلام) ، وإلا كان المناسب أن يقول: (إنّهم حجج الله عليكم) كما وصفهم في مقام آخر: «بأنّهم اُمناء الله على الحلال والحرام»)(2).

وهذا الوجه أيضاً محلّ تأمّل ؛ اذ الفقهاء والرواة حجج الله، لأنّهم يروون كلمات الأئمة أو مفاد كلماتهم(عليهم السلام)، نعم هو حجة من قبل الإمام (عليه السلام)، والإمامُ(عليه السلام)حجة من قبل الله، فيكفي في قبول قولهم أنّهم حجة من قبل الإمام(عليه السلام) .

(ومنها: أنّ وجوب الرجوع في المسائل الشرعية إلى العلماء - الذي هو من بديهيّات الإسلام من السلف إلى الخلف - مما لم يكن يخفى على مثل إسحاق بن يعقوب حتى يكتبه في عداد مسائل أشكلت عليه، بخلاف وجوب الرجوع في المصالح العامة إلى رأي أحد ونظره، فإنّه يحتمل أن يكون الامام(عليه السلام) قد وكله في غيبته إلى شخص أو اشخاص)(3).


1) كتاب المكاسب 555/3

2) كتاب المكاسب 556/3 .

3) كتاب المكاسب 556/3 .

وهذا الوجه مندفع بأنا لا نعرف من هو إسحاق بن يعقوب حتى يقال مما لم يكن يخفى على مثل اسحاق بن يعقوب، وهو مبتن على ثبوت مقام من المقامات له، مع أنه لم يذكر في غير هذه الرواية، مضافاً إلى أنّه لو كان السؤال عن المسائل الشرعية وأنّه عمّن يسأل في زمن الغيبة لقلنا بأنّ هذا الأمر من بديهيات الاسلام، وأمّا لو كان السؤال عمّن يسأل في زمن الغيبة في المسائل المستحدثة التي ربما لا يعرف حكمَها الفقهاءُ، فهذا ليس من بديهيات الإسلام، مع أنّ سائر أسئلته لا تدل على جلالته؛ إذ من جملة اسئلته: السؤال عن أمر المنكرين والسؤال عن الفقاع والسؤال عن وقت ظهور الفرج، والسؤال عمن زعم أن الحسين(عليه السلام) لم يُقتل، والسؤال عن ثمن المغنيّة، إلى غير ذلك من الأسئلة التي لعلها واضحة لكثير من عوام الشيعة، فكيف بعلماء الشيعة، فاسئلته مما لا تدل على جلالته.

فظهر أنّ التوقيع مخدوش سنداً وغير قابل للاستدلال به، وأما المقبولة والمعتبرة فهما تدلان على على النصب للقضاء في زمن الغيبة.

البحث الثالث: في ثبوت الولاية للمجتهد

ومن جملة آثار الاجتهاد - مضافاً إلى ما تقدم - الولاية.

وتجدر الإشارة إلى أنه لم يكن لولاية الفقيه ذكر في كلمات القدماء، وانقسم المتأخرون إلى قائل بثبوتها ومنكر ومتردد في ثبوتها وعدمه.

والولاية في اللغة: الأمارة والسلطان، والبلاد التي يتسلط عليها الوالي(1).

وقال الطريحي: (وهو المالك للأشياء المتولي أمرها المتصرف فيها. والولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل ، وما لم يجتمع فيها ذلك لم يطلق عليها اسم الوالي .

وفي الحديث : من ترك الحج كان على الوالي جبره أراد به الحاكم المتأمر عليهم)(2).

وعلى أي نحو كان ليس للمعني اللغوي أهمية، ونحن قد ذكرنا في مبحث المكاسب مفصّلاً وفي ضمن الأبحاث الاُصولية إجمالاً أنّ للنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة الطاهرين(عليهم السلام) المرحلتين، أي نوعين من الولاية، الولاية في الأمور العامة والولاية العامة.

والمراد من الولاية في الأمور العامة هو الأمور الراجعة إلى الرئيس في كل مجتمع من المجتمعات المنظمة، وهذه الأمور في المجتمع الإسلامي موكولة إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليهم السلام) ، وهذا كبيت المال، مثل أخذ الزكاة، فإنّهم كانوا ينصبون أشخاصاً لأخذ الزكاة، أو أخذ خمس الغنائم، وتعيين المتولي للأوقاف التي ليس لها متولٍّ، وأخذ الجزية والنظر في الأنفال، والولاية على إجراء القوانين الجزائية كالحدود والتعزيرات،


1) المنجد في اللغة مادة (ولي)

2) مجمع البحرين 1: 463 .

والولاية على الأمور الحسبية والولاية على حفظ حِمى الاسلام، إلى غير ذلك من الأمور الراجعة إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)والأئمة(عليهم السلام)، والخلفاء الذين قد ادّعوا الخلافة عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قد تصدّوا لهذه الأمور، ويمكن التعبير عن هذه الولاية بالولاية التنفيذية.

والمراد من الولاية العامة هو ولاية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)والأئمة(عليهم السلام)على المؤمنين وأموالهم، ومرجعها إلى حق تقنين القوانين المؤقّتة على وفق المصالح والمفاسد الوقتية للتحفظ على شؤون المجتمع بحيث يختل النظام بلا تقنين هذه القوانين، أو يَتوقّف رقيّ المجتمع بدونها.

وتقنين القوانين كما ذكرنا في مبحث تعارض الأدلة الشرعية لابدّ أن يكون في منطقة الفراغ، أي: لابدّ أن لا يلزم منها تحليل حرام وتحريم حلال، وعليه فلو اقتضت المصلحة وضع ضريبة سواء كانت بعنوان الزكاة أم غير الزكاة فإنّ لهم ذلك، كما نقل من أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) وضع الزكاة على العتاق والخيل.

وهذه الولاية مما لا حاجة في إثباتها إلى الدليل بالنسبة إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والأئمة(عليهم السلام)، إنّما الكلام في ثبوت الولاية للفقيه بكلا معنييها، أي: الولاية في الأمور العامة والولاية العامة.

استُدل لثبوت كلتا المرحلتين من الولاية للفقيه بأمور:

الأمر الأول: الروايات

وهي على قسمين:

القسم الأول: ما استدل به لثبوت الولاية بكلا معنييها للفقيه، وهي على طوائف:

الطائفة الاُولى: ما تدل على أنّ العلماء ورثة الأنبياء(1).

الرواية الأولى: عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وإنّه يستغفر لطالب العلم مَن في السماء ومَن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الانبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورَثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر»(2).

وهذ الرواية مروية في اُصول الكافي بأسانيد عن القداح، وبعض هذه الأسانيد معتبر. وقد وثّق النجاشي عبد الله بن ميمون القداح وكان بناء الأصحاب على صحة حديثه، والعامة والاسماعيلية يرونه مؤسس طريقة الاسماعيلية، إلا أنّ الشواهد على خلاف ماذكروا، كما يظهر ذلك بمراجعة التراجم.

الرواية الثانية: ما في الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد عن أبي البختري - وهذا هو الذي قيل في حقه انه أكذب البرية - عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ العلماء ورثة الانبياء، وذلك أنّ الانبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وانها أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه؟ فانّ فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»(3).


1) وقد روى أهل السنة أيضاً مثل هذه الروايات (انظر: مسند أحمد 196/5، سنن الدارمي 1/ 98 (المقدمة)، سنن ابن ماجة 81/1 (المقدمة)).

2) الكافي 1 26 - 27 .

3) الكافي 1 : 24 - 25

الرواية الثالثة: ما في الفقيه مرسلاً، قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصية لابنه محمد بن الحنفية: «يا بني إياك والاتكال على الأماني إلى أن قال (عليه السلام)« وتفقه في الدين فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء لأنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر»(1).

إلى غير ذلك من الروايات.

ولاريب في إطلاق ورثة الأنبياء بالنسبة للعلماء، إلّا أنّ الكلام في تقريب إثبات ما للأنبياء من المناصب للعلماء.

ربما يُقرّب ذلك بأن الإرث كما يُطلق على الأموال التي يرثها الوارث يُطلق في إرث المجد وسائر الشؤون، فقد ورد في اللغة: ورثَ المال والمجد عن فلان إذا صار مال فلان ومجده إليه(2)، وعليه فالعلماء ورثة الأنبياء في جميع شؤونهم .

إن قلت: بما إنّ الوارد هو (العلماء ورثة الأنبياء) فالمراد هنا توريث العلم لا غير.

قلنا: بأنّ هذا خلاف الإطلاق الذي يفيده حذف المتعلق، مضافاً إلى أنّه يمكن أن يقال إنّ تقييد الإرث بالعلم خلاف الظاهر؛ إذ العلم مأخوذ في موضوع الإرث ومعنى ذلك أنّ العالم بما أنّه عالم ومتصف بالوصف الاشتقاقي يرث، فإرث علمه في الرتبة السابقة، فما يرثه ليس العلم، بل الحيثيات الاُخرى.

ويرد على هذا التقريب أنّ الروايات التي ذكرناها كلها مذيلة بذيل، وهذا الذيل مانع من تعلق الإرث بغير الحيثية العلمية ومانع من إطلاق الإرث كقوله (عليه السلام)


1) من لا يحضره الفقيه 4 : 384 - 387.

2) انظر: المعجم الوسيط مادة (ورث).

في رواية أبي البختري: (وذلك أن الأنبياء ....) وكقوله(عليه السلام) في وصيته لمحمد بن الحنفية: (لأنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم ...)، وهذا شاهد على أنّ المراد من الإرث توريث العلم.

وكذا رواية القداح التي هي عمدة الروايات سنداً، فإنّ فيها: (إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم) ، وهذه الجملة ظاهراً توضيح لقوله (العلماء ورثة الأنبياء) لا أن تكون جملة مستقلة، فباعتبار أنّ علمهم مأخوذ من الائمة(عليهم السلام)يقال لهم: ورثة الأنبياء، ومن الواضح أن الائمة(عليه السلام) ورثة الأنبياء كما أن في الكافي باب بعنوان «أنّ الأئمة(عليهم السلام) ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم»(1).

وذكر المحقّق الاصبهاني في حاشيته على المكاسب : (أنّ المحتمل قوياً أن يُراد بالعلماء الأئمة(عليهم السلام)كما ورد عنهم(عليهم السلام) : «نحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء» وقد فُسّر أُولوا العلم وأهل الذكر وأشباههما الواردة في الكتاب بهم(عليهم السلام))(2).

وهذ الاحتمال لا يتلاءم مع هذه الروايات؛ إذ إنّ هذه الروايات مسوقة لتحريض الناس وحثهم على طلب العلم، ومن المرغبات صدق وراثة الأنبياء.

فظهر أنّه لا يمكن الأخذ بالاطلاق؛ إذ الأخذ بالإطلاق متوقف على عدم وجود قرينة تدل على حيثية من الحيثيات، وفي المقام القرينة موجودة وهي الذيل،


1) الكافي 1 / 174 .

2) حاشية المكاسب 385/2

مضافاً إلى أنّه يمكن أن يقال بأنّ (العلماء ورثة الأنبياء) لا يعني أنّ كل عالم وارث لجميع شؤون الأنبياء، فإن العلماء يشمل الأئمة وصغار العلماء.

وأمّا ما قيل من أنّ حذف الملابسات وعدم التقييد دليل على العموم، فيمكن الجواب عنه بأنّ حذف الملابسات يتحقق بدواع متعددة، فقد تُحذف الملابسات بداعي العموم وليذهب ذهن السامع إلى أيّ مذهب ممكن ، وقد تُحذف الملابسات من جهة الوضوح كما إذا قيل زيد وارث عمرو، فمعنى ذلك أنّه وارث له فيما له من الأموال والحقوق المالية، فمن جهة الوضوح حُذفت الملابسات.

وأظهر شؤون الأنبياء(عليهم السلام) على ما يظهر من القرآن الكريم كونهم مبشرين ومنذرين: كَانَ النَّاسُ أُمَةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنذِرِينَ(1)وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(2)، وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذَرِينَ(3)إلى غير ذلك من الآيات المباركات.

فإذا كان أظهر شؤونهم التبشير والتنذير مقروناً بتعليم الكتاب وتزكيتهم، فمن الممكن حذف الملابسات من أجل وضوح وظهور المتعلق، وإنّما عبر في الروايات بأنّهم ورثة الأنبياء فمن جهة أنهم وإن أخذوا علومهم من الأئمّة(عليهم السلام)أو من نبينا(صلّی الله علیه وآله وسلّم)إلّا أنّ هذه العلوم المأخوذة منهم في الحقيقة مأخوذة من الأنبياء(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . وفي الكافي أبواب في أن الأئمّة(عليهم السلام) ورثوا علم النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم.

وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض هذه الروايات التي استدلّ بها لولاية الفقيه قد استدل بها لإنكار ولاية الفقيه، وذلك لقوله(عليه السلام)في رواية أبي البختري: (وإنّما أورثوا


1) سورة البقرة: الآية 213.

2) سورة الاسراء: الآية 105.

3) سورة الأنعام: الآية 48 .

أحاديث من أحاديثهم)، فإنّ (إنّما) تدل على الحصر، وتنفي سائر شؤون الأنبياء، ونحن لسنا فعلاً بصدد بيان أقوال النافين.

وقد قيل في جواب هذا الاشكال بأن (إنما) لا تدل على الحصر.

إلّا أنّ الحق خلاف ذلك، فـ(إنما ) تدل على الحصر- خلافاً للفخر الرازي ،ولكن يمكن أن يُقال بأنّ الحصر هو إضافي في قبال الدرهم والدينار، فنحن لا ننكر ولاية الفقيه بسبب هذه الرواية كما أنكرها ،بعض، إلّا أنّ هذه الروايات لا تدل على ثبوت الولاية للفقيه.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على أنّ العلماء هم الأمناء أو أمناء الرسل.

منها : ما في الكافي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): الفقهاء أُمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يارسول الله ما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم»(1).

وهذه الرواية بحسب الموازين المتعارفة في نقد الأسانيد لا تعد صحيحة؛ لأنّ حسين بن يزيد النوفلي لم يُوثّق، إلّا أنّ هناك طرقاً لتصحيح الرواية:

منها: ما ذكره المحدث النوري في المستدرك من نقل الأجلّاء عنه(2)، ولذا حكم بصحة الرواية.

ومنها: وجود النوفلي في إسناد تفسير القمي، وفي إسناد كامل الزيارات .

إلّا أنّ هذه الطرق كلها مخدوشة من وجهة نطرنا ولا يمكن الاعتماد عليها، ولكن متن الحديث حسن.


1) الكافي 37/1.

2) خاتمة المستدرك 4/ 160 .

وقد نقل شبيه هذه الرواية في المستدرك عن كتاب النوادر للسيد فضل الله الراوندي باسناد صحيح عن موسى بن جعفر(عليه السلام)(1)وهذا الكتاب ملخّص دعائم الإسلام تقريباً، وفي الدعائم نقل مثل ما في النوادر - على ما في المستدرك(2)- وقد ذكر المحدث النوري جهات لاعتبار كتاب النوادر ، ومن راجع المستدرك يرى عدم تمامية الجهات وعدم صحة السند.

وأمّا كتاب دعائم الإسلام فهو للقاضي نعمان المصري الاسماعيلي، وحول هذا الكتاب أبحاث كثيرة، وفي المستدرك بحث مفصل في إثبات اعتبار هذا الكتاب(3)، والقاضي نعمان الإسماعيلي من أهمّ قضاة الطائفة الإسماعيلية، وتمام روايات هذا الكتاب مراسيل، والذي يدل عليه التاريخ أنّه لم يكن للاسماعيلية من بدو ظهورهم اهتمام بالأحاديث، بل كان اهتمامهم بالأمور الإجتماعية والسياسية ومعارضتهم لبني العباس إلّا أنّهم بعد تشكيلهم الدولة في مصر وفي إفريقيا احتاجوا إلى الأحاديث فجمعوا أحاديث من هنا وهناك، وبعض أحاديث هذا الكتاب من أحاديثنا، وقد يُذكر في هذا الكتاب أحاديث عن الأئمة المتأخرين الذين لا يقول الإسماعيلية بإمامتهم، وقد عدّ بعض المتأخرين كشيخ الشريعة في (إفاضة القدير في أحكام العصير) هذا الكتاب من الكتب المهمة بحيث يمكن تصحيح بعض متون الكافي به، وعلى أيّ نحو كان فهذا الكتاب لغير أهل ملّتنا ورواياته مراسيل.


1) مستدرك الوسائل 13/ 122 .

2) مستدرك الوسائل 312/17.

3) انظر: خاتمة المستدرك 35/1.

ومنها ما عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : «العلماء اُمناء والأتقياء حصون، والأوصياء سادة»(1).

وهذه الرواية مضافاً إلى وجود محمد بن سنان في سندها، فإنّ فيها شبهة الإرسال لأنّ محمد بن سنان من الطبقة السادسة وإسماعيل بن جابر من الطبقة الرابعة، ولا يمكن أن يروي محمد بن سنان عن إسماعيل بن جابر إلّا مع الواسطة، وهذه الرواية مما لم يذكرها القائلون بولاية الفقيه؛ إذ هذه الرواية لعلها تدلّ على الخلاف؛ إذ عُدَّ فيها العلماء اُمناء، فهم اُمناء على الحلال والحرام، والسادة هم الأوصياء.

فليس في هذه الرواية بحث، وإنّما البحث في الروايات التي ذكر فيها اُمناء الرسل، كرواية الكافي والدعائم والنوادر.

قال العلّامة المجلسي في مرآة العقول: (لأنهم مستودعوا علومهم، وقد أمروا بأخذ علومهم منهم)(2). وهكذا في الوافي(3).

والأمين هنا بمعنى المؤتمن، فإنّ العلماء هم الذين يوصلون ويبلّغون أحكام الرسل إلى اتباعهم، حيث إنّ الرسل لا يباشرون جميع اتباعهم، وذلك لعدم تجمّعهم في زمان واحد، فلابد وأن تُبلَّغ هذه الأحكام بوسيلة من الوسائل، والوسيلة لإبلاغ أحكامهم كانت منحصرة بالعلماء.

والأمين قد يرد بمعنى الثقة، وهذا المعنى ليس بمراد جزماً؛ إذ جميع العلماء ليسوا بثقات الرسل.


1) الكافي 1/ 25 .

2) مرآة العقول 1 : 149 .

3) الوافي 1 : 214 .

والأمين قد يأتي بمعنى المؤتمن، وقد يأتي بمعنى المؤتمّن بالفتح، وفي هذه الروايات: الأمين بمعنى المؤتمّن بالفتح، أي أنّهم مستودع علوم الر مستودع علوم الرسل، وعليه فالرواية لا تدل على ولاية الفقيه.

ولكن المستَدِل بهذه الروايات يريد إثبات ولاية الفقيه، فقد قال: اُمناء الرسل، يفيد كونهم أمناء لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)في جميع شؤونه المتعلّقة برسالته، وأوضحها زعامة الاُمة، وبسط العدالة الاجتماعية وما لها من المقدمات والأسباب. فأمين الرسول أمين في جميع شؤونه وليس شأن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ذكر الأحكام فقط حتى يكون الفقيه أميناً فيه، بل المهم إجراء الأحكام والأمانة فيه.

ويؤكد ذلك ما في رواية العلل المتقدمة، حيث قال في علل الإمامة: (والأمر بطاعتهم فإنّ الخلق لما وقفوا على حدّ محدود - إلى أن قال- : ولا يقوم إلّا بأن يجعل عليهم أميناً يمنعهم من التعدّي والدخول في ما حظر عليهم - إلى أن قال - فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود) ، فإذا ضُمّ ذلك إلى قوله(عليه السلام): (الفقهاء أمناء الرسل) يُعلم أنّهم اُمناء الرسل لأجل ما ذكره من إجراء الحدود والمنع عن التعدي والمنع عن اندراس الإسلام(1).

وقد وصف سند راوية العلل فقال : بسند جيد عن الفضل بن شاذان(2).

إلا أنّ هذا الكلام مخدوش، فإنّه مع قطع النظر عن رواية العلل فالقول بأنّ إطلاق الرواية يدل على ائتمان الرسل للفقهاء في جميع ما يمكن الائتمان، غير صحيح لما تقدم في البحث السابق من أنّ حذف الملابسات قد يكون بداعي إفهام العموم، وقد


1) كتاب البيع للسيد الخميني 2/ 473 .

2) كتاب البيع للسيد الخميني 2/ 463 .

يكون من أجل الوضوح، فإنّ أظهر وأوضح شؤونهم(عليهم السلام)هو التبليغ والتبشير والتنذير، ومع ذلك لا يمكن القول بالإطلاق اعتماداً على حذف الملابسات، مضافاً إلى أنّ (اُمناء الرسل) ظاهر في أنّ الفقهاء اُمناء الرسل فيما اُرسلوا به من الأحكام، لا فيما جعل للرسل من الولاية والزعامة، أضف إلى ذلك أنّه لم يقل أحد من المتقدمين بدلالة هذه الروايات على الولاية، نعم بعد القول بولاية الفقيه عند الأواخر، أي: قبل خمسمائة عام تقريباً استدل بهذه الروايات، ومن الواضح عدم تبادر هذا المعنى منها.

وأما القرينة التي اُقيمت فهي مخدوشة من وجهين:

الوجه الأول: أنّ ما ذُكر : (بسند جيد عن الفضل بن شاذان) غير صحيح، وذلك لما ذكرناه في بحث الفقه مفصلاً من أنّ الشواهد تدل على أنّ كتاب العلل من مصنفات الفضل بن شاذان، ولذا يقول: قال الفضل بن شاذان: وفي العلل كثيراً ما يقول الصدوق: (غلطَ الفضل)، وقد حذف في العيون المواد التي كانت غلطاً من باب التصحيح الولائي. نعم في ذيل الكتاب يقول علي بن محمد بن قتيبة الذي لم يوثق وإن نقل عنه الكشي بعض الأمور عن النيسابور بما مضمونه إني قلت: للفضل بن شاذان إنّ العلل التي تذكرها هل من نتاج عقلك وأفكارك أو لا؟ قال علي بن محمد بن قتيبة نقلاً عن الفضل بن شاذان - والعهدة عليه - أنّ هذه الأمور مما سمعته مراراً في مجالس متعددة عن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)(1)، ونحن حينما نراجع ترجمة الفضل نرى شواهد قطعية كثيرة على أنّه لم يدرك الإمام الرضا(عليه السلام) بل كان أبوه من أصحاب الجواد(عليه السلام) .


1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 127/1.

الوجه الثاني: من الخدشة أنّ (الأمين) في رواية العلل بمعنى الثقة، والأمين في رواية الكافي والدعائم بمعنى المؤتمن، وفرق بين الأمين بمعنى المؤتمن والأمين بمعنى الثقة.

الطائفة الثالثة: ما تدل على أنّ الفقهاء خلفاء النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم).

وتقريب ذلك أنّ مقتضى إطلاق هذه الروايات ثبوت جميع شؤون النبي التي منها تشكيل دولة وزعامتها للفقهاء. والروايات الدالة عن أنّ الفقهاء خلفاء النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)على قسمين:

القسم الأول: ما نقل مرسلاً وهو مرسلة الصدوق، ففي الفقيه، والوسائل: قال: أمير المؤمنين(عليه السلام): قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): « اللّهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومن خلفاؤك ؟ قال : الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي»(1).

وفي عوالي اللآلي مثله(2).

قد يقال - كما قيل - بأنّ مرسلات الصدوق إذا كانت جزمية كما إذا قال: قال النبي، أو قال أمير المؤمنين، فهي حجة وليست بأقلّ من مراسيل ابن أبي عمير، بخلاف ما إذا لم تكن جزمية كما إذا عبر برُوي.

والبحث في هذه الحيثية بحث مفصل تعرضنا له في الجملة في مبحث (لا ضرر) حيث ذكرنا بأننا لو لاحظنا ما ذكره الصدوق في أول كتابه من أنه لا يذكر إلّا ما يكون حجة بينه وبين ربه، فهذا يعم كلتا الطائفتين، أي: ما ذُكرت على نحو الجزم وما ذُكرت لا عن جزم وما ذُكرت مع المسانيد، والحال أنّ حكم الصدوق بصحة ما رواه


1) من لا يحضره الفقيه 420/4 ، وسائل الشيعة 91/27

2) عوالي اللئالي 59/4 .

مبتن على الاطمئنان الحاصل للصدوق، ومن الواضح عدم حجية اطمئنانه بصدور رواية بالنسبة لنا، ولازم ذلك عدم التفكيك بين ما ذكر مسنداً وما ذكر مرسلاً.

إن قلت: فلماذا يعبّر الصدوق في مورد بـ: (قال) وفي مورد بـ: (رُوِيَ).

قلنا: إنّ ما تقدم ينفي أن يكون بين التعبيرين ،فرق، مضافاً إلى أنّ له تعبيرات مختلفة في بعض الروايات مع أنّها رواية واحدة، كما في روايات العلل، فإنّ الصدوق قد روى جميع كتاب العلل في العيون، فقد يعبر بـ: (قال) الرضا في علله، وقد يقول: وفي العلل المنسوب إلى الفضل الذي يرويه عن الرضا، أو يقول عن الفضل، فلا يمكن من اختلاف التعابير الحكم بصحة ما عبر عنه بـ: (قال)، وعدم صحة ما عبر بـ (روي) وأشباهه.

مضافاً إلى أنّه لو كان النقل الجزمي حجة فلا يفرّق بين الصدوق وغيره من الرواة، فمراسيل الصدوق ليست على قسمين من حيث الحكم، وذلك لأنّ مصادره كمصادر الآخرين.

القسم الثاني : ما نقل مسنداً، وتوجد في المقام ثلاث روايات:

الرواية الاُولى: رواية صحيفة الرضا(عليه السلام)ففي العيون في أخبار الرضا(عليه السلام)وفي الوسائل عن الرضا(عليه السلام) عن آبائه، قال: «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): اللّهم ارحم خلفائي - ثلاث مرات - فقيل له: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون عني أحاديثي وسنتي، فيعلّمونها الناس من بعدي »(1).

والصدوق يروي صحيفة الرضا بأسانيد ثلاثة، وأسانيده المباشرة من الذين أدركهم الصدوق في سفره إلى خراسان، وهم من العامة، فهو كان يسافر طلباً


1) عيون أخبار الرضا 40/1 ، وسائل الشيعة 27/ 92، واللفظ للثاني.

للأحاديث، وفي أحد أسفاره في طريق خراسان قد أخذ صحيفة الرضا من العامة بأسانيده الثلاث، ولا يمكن تصحيح صحيفة الرضا، مضافاً إلى أنّ لصحيفة الرضا نسخاً غير هذه النسخة التي رواها الصدوق كنسخة الطبرسی .

الرواية الثانية: ما رواه الصدوق في المجالس عن الحسين بن أحمد بن إدريس، قال: حدثنا أبي عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، عن محمد بن علي عن عيسى بن عبد الله العلوي عن أبيه عن آبائه عن علي(عليه السلام)، مثله، وزاد: «ثم يعلّمونها اُمتي»(1).

وهذا السند مظلم؛ إذ لا يُعلم من هو محمد بن احمد ولا من هو بعده.

الرواية الثالثة: ما رواه الصدوق في معاني الأخبار عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن اليعقوبي عن عيسى بن عبد الله العلوي عن أبيه عن جده عن علي(عليه السلام) مثله(2).

وهذا السند كسابقه مظلم ولا إعتبار بهذه الأسانيد.

وشبيه هذه الرواية ما ذكر في المستدرك مرسلاً من كتاب الرواندي عن كتاب لب الالباب عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: «رحمة الله على خلفائي» قالوا: وما خلفاؤك؟ قال: « الذين يحيون سنتي، ويعلمونها عباد الله، ومن يحضره الموت وهو يطلب العلم...»(3).

ويشبهها ما نقل في المستدرك أيضاً عن المجموع الرائق لسيد هبة الله(4)، وهي مرسلة.


1) الأمالي للصدوق: 247.

2) معاني الأخبار 374 - 375.

3) مستدرك الوسائل 17 / 300.

4) مستدرك الوسائل 17 / 300.

والكلام هنا في مفاد هذه الروايات مع قطع النظر عن أسنادها، فقد قال البعض: (معنى خلافة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أمرٌ معهود من أول الإسلام، ليس فيه إبهام، والخلافة لو لم تكن ظاهرة في الولاية والحكومة، فلا أقلّ من أنّها القدر المتيقن منها ، وقوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم):

«الذين يأتون من بعدي» معرّف للخلفاء، لا محدّد لمعناها، وهو واضح.

مع أنّ الخلافة لنقل الرواية والسنة لا معنى لها؛ لأنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لم يكن راوياً لرواياته، حتى يكون الخليفة قائماً مقامه في ذلك)(1).

ويمكن الجواب عن ذلك بأنّ الخليفة تُستعمل في معنيين:

الأوّل: السلطان الأعظم، وهذا المعنى ليس فيه المعنى الاشتقاقي للخليفة، وهو من المعاني المستحدثة بعد النبي الأكرم (صلّی الله علیه وآله وسلّم)حينما أرادوا التصدّي للأمور بعد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وسمّوا أنفسهم بالخلفاء.

الثاني: المستخلف ممن قبله، وفي مفردات الراغب: (الخلافة: النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه وإمّا لموته وإمّا لعجزه وإمّا لتشريف المستخلف)(2).

فإذا ظهر معنى الخلافة نقول: إنّه لو كان شخص ذا مناصب متعددة، مثل ما إذا كان مديراً لمدرسة ومدرّساً فيها ومأموراً بحفظ نظام المدرسة والتحفظ على درجات الطلاب إلى غير ذلك من الأمور، فإذا قال هذا الشخص للطلاب: إذا غبتُ فمن كانت درجاته كذا فهو خليفتي عليكم ، فهل يمكن هنا الأخذ بالإطلاق بفتح غرفة المدير وتغيير نظام المدرسة إلى غير ذلك أو لا يمكن؟ بل غاية ما تدل عليه هذه


1) كتاب البيع للسيد الخميني 628/2 - 629

2) مفردات غريب القرآن 156 .

الجملة أنّ الممتازين من الطلاب يقومون بتعليم الآخرين في غياب المدير الذي له مناصب متعددة ومنها التدريس.

مضافاً إلى ذكر الحيثية التي يستخلفون فيها في الرواية: (الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي وسنتي فيعلّمونها الناس من بعدي) ، فالقدر المتيقن من الاستخلاف هو الاستخلاف في التعليم.

مضافاً إلى أنّ الرواية لو كانت دالة على الولاية فانها تدل على ولاية الرواة، لا على ولاية الفقيه، والظاهر أنّ الرواية تدل على أنّ رواة الأحاديث والسنة بما أنّهم يعلّمون الناس أحكامهم من بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فهم الذين يديمون مرام النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومسلكه، وليس للخليفة ما وراء ذلك معنى هذا هو القدر المتيقن منه، أضِف إلى ذلك أنّه لم يخطر ببال أحد ممن روى هذا الحديث من العامة والخاصة ما ذكر من السلطنة والخلافة.

الطائفة الرابعة: ما تدل على أنّ الفقيه كافل لأيتام أهل البيت(عليهم السلام)

وهي عدة روايات غالبها في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام)، ونقلها في المستدرك فقال : ويقال للفقيه: «أيّها الكافل لأيتام آل محمد(عليهم السلام) الهادي لضعفاء محبيهم ومواليهم قف حتّى تشفع عمن أخذ عنك»(1).

وتقريبه أن الكافل هو القائم بأمر اليتيم المربّي له، وعليه يكون الناس تحت كفالة الفقيه، والفقيه هو الذي يتزعّمهم.

وهناك أبحاث طويلة في اعتبار هذا التفسير وعدمه، وقد ألّف العلامة البلاغي رسالةً في ذلك، وأنّه لم يثبت كونه للإمام، وبعضٌ أراد إثبات ذلك بقرائن، والظاهر أنّ


1) مستدرك الوسائل 17 / 320.

هذا الكتاب من الكتب التي وصل إلى الصدوق في سفره إلى استرآباد، ومع قطع النظر عن السند فهذه الرواية وأشباهها مما لا تدل على ولاية الفقيه؛ إذ الفقيه هاد ومربّ لضعفاء محبيهم ومواليهم بتعليمهم الأحكام، ولذا يقال له يوم القيامة: قف حتى تشفع عمن أخذ عنك.

وهذه هي الروايات التي استدل بها لثبوت الولاية بكلتا مرحلتيها من الولاية في الأمور العامة والولاية العامة للفقيه.

القسم الثاني: الروايات التي استُدل بها لاثبات خصوص الحكومة للفقيه، أي: الولاية في الأمور العامة فقط، وهي عدة روايات:

الرواية الاُولى، ولعلّها أهمّ هذه الروايات، وهي: مقبولة عمر بن حنظلة التي هي معتبرة عندنا، فقد استدل جمع كثير بهذه الرواية، وهي: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَيْن أو ميراث فيتحاكمان إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: « من تحاكم إليهم في حق أو باطل فانّما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يُكفر به، قال الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا به.

قال بعض الأكابر - تمهيداً لمعرفة قوله(عليه السلام)(فإنّي قد جعلته حاكماً) -: (وهذه الآية أيضاً مفادها أعمّ من التحاكم إلى القضاة وإلى الولاة، لو لم نقل بأنّ الطاغوت عبارة عن خصوص السلاطين والاُمراء؛ لأنّ الطغيان والمبالغة فيه مناسب لهم لا

للقضاة، ولو اُطلق على القضاة يكون لضرب من التأويل، أو بتبع السلاطين الذين هم الأصل في الطغيان، ويظهر من المقبولة التعميم بالنسبة اليهما)(1).

ويرد عليه : أنّه لو كان الطاغوت كما قيل عبارة عن السلاطين والأمراء لكان لما ذهبوا إليه - من أن المراد من الحاكم هو السلطنة - وجه، إلا أنّ الطاغوت ليس عبارة عن السلاطين والأمراء، فإنّ العرب في الجاهلية لم يكن لهم نظام قضائي، وكانوا يتحاكمون إلى شيخ العشيرة والقبيلة إذا حدث نزاع في العشيرة، وكانوا يتحاكمون إلى الكهنة والأصنام بنحو الإستقسام بالأزلام وأمثال ذلك إذا كان النزاع بين عشيرة وعشيرة(2).

أضف إلى ذلك أنّ الآية المباركة مدنيّة باتفاق المفسرين، وسبب نزولها هو أنّ بعض المنافقين أرادوا رفع النزاع مع بعض اليهود على نحو التحاكم في الجاهلية فنزلت الآية الشريفة، ومن الواضح أنّ الكاهن وغيره من الذين كان يُرجع إليهم في المنازعات ولم تكن لهم القوة التنفيذية.

وفي مفردات الراغب : (والطاغوت عبارة عن كل مُتَعد، وكل معبود من دون الله - إلى أن يقول - (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) فعبارةٌ عن كل متعد، ولِما تقدم سُمّي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير طاغوتاً)(3).

وقال الطبرسي : (إنّ المراد بالطاغوت في الآية كعب بن أشرف، وقيل غيره - إلى أنْ يقول : وروى أصحابنا عن السيّدين الباقر والصادق(عليهم السلام)أنّ المعني به كل من يتحاكم إليه ممن يحكم بغير الحق)(4).


1) كتاب البيع للسيد الخميني 2/ 640 .

2) انظر: تاريخ التمدن الإسلامي.

3) مفردات الراغب، مادة (طغي).

4) مجمع البيان، تفسير الآية 60 من سورة النساء.

فليس الطاغوت عبارة عن السلاطين والاُمراء كما قيل؛ إذ لم يكن في زمن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في جزيرة العرب سلطان وأمير حتى يقال بأنه القدر المتيقن من الطاغوت، بل القدر المتيقن منه من يحكم بالجور أو ما ينسب إليه الحكم كالأصنام، مضافاً إلى أنّه لم يكن للطاغوت قوة تنفيذية.

وذكر البعض تمهيداً لمعرفة الرواية أنّ السلطان غير القضاة، والتحاكم في تلك الأزمنة كان على نحوين: تحاكم إلى السلطان وتحاكم إلى القضاة، والتحاكم إلى السلطان كان في المظالم الواضحة وفي موارد وضوح الحق، والتحاكم إلى القضاة كان في الأمور المختلف فيها، واستنتج من ذلك أنّ وظيفة الولاة ووظيفة القضاة مجعولة للفقيه، حيث قال: (كما لا شبهة أيضاً في أن مطلق المنازعات داخلة فيه - سواء كانت في الاختلاف في ثبوت شيء ولا ثبوته، أو التنازع الحاصل في سلب حق معلوم من شخص أو أشخاص، أو التنازع الحاصل بين طائفتين المنجر إلى قتل وغيره - الذي كان المرجع بحسب النوع فيها هو الوالي لا القاضي)(1).

وهذا الذي ذكره أيضاً غير تام؛ لأنّ السلطان كان يُطلق على الوالي ورئيس الشرطة والمحافظ ونفس الخليفة، وذكر السلطان في قبال القاضي في الرواية لأحد أمرين: إمّا من جهة اتّحاد الوالي والقاضي في بعض البلدان ، كما في كتاب نظام الحكم، فيكون الوالي مجمع العنوانين، فيصح التعبير بأنّه يتحاكم إلى السلطان أو إلى القضاة ، وإما من جهة ديوان المظالم الذي شكّله بعض الاُمويّين وكان هو المرجع في المنازعات


1) كتاب البيع للسيد الخميني 2/ 639 .

التي بين الأمراء أو بين بعض الرعايا مع الأمراء أو القضاة، وكان يتصدى لهذا القضاء نفس الخليفة، وفي قباله القضاء بين الرعايا إذا حدثت بينهم منازعة.

إذن فإنّ ما ذُكر من أنّ السلطان في قبال القضاة: (فيتحاكمان إلى السلطان أو إلى القضاة) دليل على أن ما للسلطان وللقضاة للفقيه أيضاً، وأنّ التحاكم إلى السلطان كان في المظالم الواضحة، والتحاكم إلى القضاة كان في صورة عدم وضوح الحق.

ويمكن الجواب عنه بما يلي: أنّ المستدِل لم يُقم شاهداً على ما يدّعيه من التحاكم إلى السلطان فيما إذا كان الحق واضحاً، والتحاكم إلى القضاة فيما إذا لم يكن الحق واضحاً، بل يمكن القول بأنّه لا شاهد له من التاريخ والروايات، بل الشواهد على خلافه؛ إذ ذُكر في باب القضاء بأنّ المدعى عليه قد يُقرّ وقد يُنكر، ففي صورة الإقرار يكون الحق واضحاً ولكن مع ذلك فهو داخلٌ في التحاكم، وكذا بُحث في القضاء بأنّه هل يعمل القاضي بعلمه أو لا؟ فعلى القول بجواز عمل القاضي بعلمه يكون الحق واضحاً، ومع ذلك فهو داخل في القضاء.

نعم قد شُكّل ديوان المظالم في عهد عبد الملك بن مروان وكانت رئاسة الديوان مع الخليفة، ومن بعده عمر بن عبد العزيز، ثم كان ديوان المظالم في زمن العباسيين دائراً، وقد ذَكر جمعٌ شرح هذا الديوان، منهم: جرجي زيدان، وقبله ابن العربي في كتابه آیات الاحكام.

وملخّص ما يقوله ابن العربي: هو أنّ التنازع إما أن يكون بين الضعيفين فيقوّي القاضي أحدهما على الآخر، وإمّا أن يكون بين قوي وضعيف أو بين قويين - والمراد من القوة أن يكون أحد المتنازعين أو كليهما ذا منصب حكومي أو من أقرباء السلطان- وبما أنّ سلطة القاضي كانت بين الرعايا ولم تكن لها سعة، فلم يكن القاضي متمكناً من فصل الخصومة، فلذا شُكّل ديوان المظالم ورئاسة هذا الديوان كانت للخليفة.

وفي صدر الإسلام كانت رئاسة جميع الأمور للنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وهكذا بعض خلفائه، ثم بعد ذلك لكثرة المشاغل وسعة دائرة البلاد الإسلامية، حُوّل القضاء إلى شخص والخلافة إلى شخص آخر وهكذا، وهذا هو الحال في سائر البلدان، فقد يقتضي الحال تعيين شخصين: أحدهما للولاية، والآخر للقضاء، وقد لا يكون مقتضياً لتعيين أكثر من واحد، فيعيّن شخصٌ واحد للقضاء والولاية، والترديد في الرواية ناظر إلى هذه الحيثية، والمراد بالسلطان في الرواية: من له السلطة، لا نفس الخليفة، كما في رواية «أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى قاض، أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم»(1)، والمراد بالسلطان هو الوالي، والشاهد على ذلك صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) : «إذا تقدّمْتَ مع خصم إلى وال، أو إلى قاض فكن عن یمینه»(2).

والخلاصة فإنّ الواني قد يكون قاضياً فيما إذا لم يكن هناك قاض معين أو لقلة الأشغال.

وكيفما كان، لم يكن ديوان المظالم من جهة المظالم الواضحة كما قيل، وعلى فرض التسليم لا يكون مرجع قوله(عليه السلام) : «فإنّي قد جعلته حاكماً»(3)إلّا إلى فصل الخصومة، وأمّا إدارة شؤون المملكة بالتصرف في الأمور العامة، فهو أمر لا يُستفاد من الرواية؛ إذ ليس معنى جعل البديل في حيثية فصل الخصومة كونه بديلاً عنه في سائر الشؤون أيضاً.


1) الكافي 411/7 .

2) وسائل الشيعة 27/ 218.

3) تقدم تخريجها.

ثم قال المستدِل: (فاتضح من جميع ذلك أنه يُستفاد من قوله(عليه السلام)«فإنّي قد جعلته حاكماً» أنّه(عليه السلام) قد جعل الفقيه حاكماً فيما هو من شؤون القضاء وما هو من شؤون الولاية، فالفقيه ولي الأمر في البابين، وحاكم في القسمين، سيّما مع عدوله(عليه السلام) عن قوله: (قاضياً) إلى قوله : ( حاكماً)، فإنّ الأوامر أحكام وأوامر الله ونواهيه أحكام الله تعالى، بل لا يبعد أن يكون القضاء أعمّ من القضاء ...)(1).

فترى أنّه يدّعي بأنّ عدول الإمام من (قاض) إلى (حاكم) شاهد على نصب الفقيه والياً وقاضياً، والحال أنّ الحاكم لم يأت بمعنى الوالي، ونحن تتبّعنا كثيراً في ذلك ولم نر في كلمات المتقدّمين أن الحاكم يذكر بمعنى الوإلى، نعم ذُكر ذلك في ألسنة متأخري المتأخّرين، والحاكم في اللغة هو القاضي، وقد يطلق على من ينفّذ حكم القاضي.

ولفظة (الحاكم) - كما قلنا - لم يُستعمل في كتب اللغة وغيرها بمعنى الوالي والسلطان، وكانوا يعبّرون عن الوالي بالعامل، فلذا نرى في نهج البلاغة وغيره من الكتب يقال: (ومن كتاب له(عليه السلام) إلى عامله أو إلى عمّاله)(2)، أو يعبّر بالوالي، ولم يُعبّر في الكتب عن الوالي بالحاكم. نعم في كتاب المنجد وفي دائرة المعارف الإسلامية ذُكر بهذا المعنى: (حكم يحكم حكماً وحكومة في البلاد: تولّى إدارة شؤونها فهو حاكم)، وهذا المعنى معنىً مستحدث ومن مصطلحات المتأخرين، ولعل هذا مأخوذ من العثمانيين أو الإيرانيين حيث كانوا يطلقون الحكومة على مَن يتولّى إدارة شؤون البلاد، فيُقال: الحكومة


1) کتاب البيع (للسيد الخميني (قدس سره)) 479/2.

2) انظر: نهج البلاغة 3/ 18 ، كتاب 18 .

العثمانية، ونحن كما أشرنا، تتبعنا كثيراً في الآيات والروايات وكتب العامة والخاصة فلم نر أنّ الحاكم استعمل بمعنى الوالي والسلطان، ولم نر في كلمات المتقدمين استعمال هذا اللفظ بهذا المعنى، فليس في الرواية عدول حتى يقال: (لا سيما مع عدوله(عليه السلام)) .

مضافاً إلى أنّ صدر الرواية وذيلها لا يدل إلّا على جعله قاضياً، حيث إنّ موضوع السؤال عن المنازعة في دَيْن أو ميراث وبعد ما نهى الإمام(عليه السلام)من مراجعة السلطان أو القضاة يسأل الراوي: كيف يصنعان، فأمر الإمام(عليه السلام)أن ينظرا أو انظر إلى من روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، ولا ريب في أنّ الحكم بمعنى القاضي: (فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً).

وهناك تقريب آخر مذكور في الرسائل، وبما أنّه أضعف مما تقدم فلا نتعرض له.

هذا تمام الكلام في الرواية الأولى التي استُدل بها لولاية الفقيه في الأمور العامة فقط، وقد ظهر عدم تمامية الاستدلال بها.

الرواية الثانية: ما في الكافي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، قال: سمعت موسى بن جعفر(عليه السلام) يقول: «إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء؛ لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها»(1).


1) الكافي 38/1.

وسندها ينتهي إلى علي بن أبي حمزة البطائني، وهو ممّن وقف قِبال الإمام الرضا(عليه السلام)وليس لنا طريق لتوثيقه إلّا رواية ابن أبي عمير عنه، ولكنّه معارض بتضعيف الغير له.

وهي مضافاً إلى ضعف سندها يوجد تهافت بين صدرها وذيلها، فإنّ في صدرها هكذا: (إذا مات المؤمن ...)، وفي ذيلها وفي مقام التعليل: (لأنّ المؤمنين الفقهاء ....) فيدور الأمر بين أن يكون الفقيه محذوفاً في الصدر أو يكون الفقهاء في الذيل زائداً، وما قيل بأنّ أصالة عدم الغفلة عن الزيادة مقدم فيما إذا دار الأمر بين أصالة عدم الغفلة عن الزيادة وبين أصالة عدم الغفلة عن النقيصة، غير صحيح كما ذكرنا ذلك مراراً، ولا سيما في مبحث (لا ضرر ) ، فلابدّ من ملاحظة الشواهد.

و مما يؤيد زيادة (الفقهاء) في هذه الرواية ما في الكافي بسند صحيح عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعاً، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب - الذي هو من الأجلّاء - قال: (سمعت أبا الحسن الأول(عليه السلام)يقول : ...)(1).

وهذه الرواية عين تلك الرواية وليس فيها كلمة (الفقهاء) بل الموجود فيها: (لأنّ المؤمنين حصون الإسلام).

وربما يقال بأنّ لوجود كلمة (الفقهاء) أيضاً مؤيد، وهو ما في الكافي في باب فقد العلماء عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء»(2).


1) الكافي 3 / 254

2) الكافي 30/1.

إلّا أنّ كثرة رواية ابن أبي عمير عن علي بن حمزة مانع من الوثوق بهذه الرواية؛ إذ ربما يكون المراد من بعض الأصحاب هو علي بن أبي حمزة، وإن كان المروي عنه في هذه الرواية أبو عبد الله(عليه السلام)، فلا يمكن التأييد بهذه الرواية.

وربما يقال تأييداً لوجود كلمة (الفقهاء) بأنّ ما ذكر في الرواية من الثلمة في الإسلام « ثلمة لا يسدها شيء وبكت عليه الملائكة وأبواب السماء» مما لا تناسب الأفراد المتعارفين، بل تناسب الفقيه، وهذا شاهد على سقط كلمة (الفقيه) في الصدر. كما أنّ قوله: (ثلم في الإسلام ثلمة) غير موجود في رواية علي بن رئاب.

قال المستدِل: (وأمّا الرواية الاُخرى التي ذكر فيها (المؤمن) فليس فيها تلك الجملة، ولهذا ليس من البعيد سقوط لفظة (الفقيه ) من قوله : « إذا مات المؤمن بكت عليه ...»)(1).

ولكن الحقّ أنّ فيها أيضاً جملة (وثلم في الإسلام ثلمة).

وعلى فرض سقوط (الفقيه) في الصدر ، فهل تدل الرواية على ولاية الفقيه أو لا؟

ربما يقال بأنها لا تدل على ولاية الفقيه، فإنّ الفقيه كما ذكرنا في أوائل هذا المبحث له معان متعددة، والظاهر أنّ المراد بالفقيه هو البصير في أمر الدين؛ حيث إنّه كان مستعملاً في هذا المعنى، وليس المراد به المستنبِط للأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية.

وقال المستدِل: (بعد ما علم بالضرورة ومرت الإشارة إليه من أنّ في الإسلام تشکیلات وحكومات بجميع شؤونها لم يبق شك في أنّ الفقيه لا يكون حصناً


1) كتاب البيع للسيد الخميني 2/ 471 .

للإسلام كسور البلد له إلّا بأن يكون حافظاً لجميع الشؤون من بسط العدالة، وإجراء الحدود، وسدّ الثغور، وأخذ الخراجات والضرائب، وصرفها في مصالح المسلمين ونصب الولاة من الأصحاب، وإلّا فصِرف الأحكام ليس بإسلام)(1).

وهو كما ترى، فإنّ الفقيه بما أنّه يُدافع عن الإشكالات الواردة، فقد عبّر عنه بحصن الإسلام، فبما أنّه يمنع حوزة الإسلام من تسرّب ما في أذهان الكفار إلى المسلمين يُعبّر عنه بحصن الإسلام، ولا يمكن استفادة ولاية الفقيه من هذه الرواية؛ إذ هذه الرواية كما تشمل الفقهاء الموجودين تشمل أيضاً الفقهاء الذين كانوا في عصر الأئمة(عليهم السلام) مع أنّ الأئمّة(عليهم السلام) هم ولاة الأمر وليس للفقهاء مع وجود الأئمة(عليه السلام) أيّ ولاية.

فظهر أنّ الاستدلال بهذه الرواية بعيد في نفسه مع قطع النظر عن ضعفها واحتمال زيادة كلمة (الفقهاء) في الذيل.

الرواية الثالثة: رواية تحف العقول وهي طويلة جداً وفيها: «وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون. ذلك بأن مجال الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الاُمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة وما سلبتم ذلك إلّا بتفرقكم عن الحق»(2).

وفي ذيل الرواية: «ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤونة في ذات الله كانت اُمور الله عليكم ترد و عنكم تصدر وإليكم ترجع ، ولكنكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم واستسلمتم اُمور الله في أيديهم»(3).


1) كتاب البيع للسيد الخميني 471/2 - 472 .

2) تحف العقول: 238.

3) المصدر نفسه.

ربما يقال بأنّ هذه الرواية الشريفة تدلّ على أنّ جميع المناصب والمنازل للعلماء بالله .

وهناك روايات أخرى - وإن كانت ضعيفة سنداً - ربما يقال بأنّها تدل على ثبوت هذه المناصب للعلماء، منها ما في المستدرك نقلاً عن الاختصاص، عن إسحاق بن عمار، قال: سأل رجل أبا عبدالله(عليه السلام)عن الدخول في عمل السلطان، قال: « هم الداخلون عليكم، أم أنتم الداخلون عليهم» ؟ فقال : لا ، بل هم الداخلون علينا، قال: « لا بأس بذلك»(1).

وما ذكره المحقق الاصفهاني في حاشيته على المكاسب من أنّ المراد بالعلماء الأئمّة(عليهم السلام)(2)ممّا لا يتلاءم مع صدر الرواية وذيلها.

والبحث في رواية تحف العقول يقع في جهتين:

الجهة الاُولى: في سندها.

الجهة الثانية: في دلالتها.

أما الجهة الاُولى: فقد قال البعض: (وهي وإن كانت مرسلة، لكن اعتمد على الكتاب صاحب الوسائل(قدس سره الشریف) ومتنها موافق للاعتبار والعقل)(3).

أما اعتماد صاحب الوسائل فلا قيمة له، وهذا الكتاب منسوب إلى ابن شعبة الحراني الذي ذكر جمع بأنّه في طبقة الصدوق، إلّا أنّه لم يُعنون هذا الشخص في تلك الطبقة، ولم يذكر في الفهارس كتاباً باسم كتاب تحف العقول، لا في فهرست الشيخ،


1) مستدرك الوسائل 13 / 141 .

2) حاشية المكاسب للأصفهاني 2/ 385

3) كتاب البيع للسيد الخميني 486/2 - 487 .

ولا في كتاب النجاشي، مع أنّه لو كان من معاصري الصدوق لكان من المناسب ذكره أو ذكر كتابه.

مضافاً إلى أنّه لم يذكر في نفس الكتاب أنّه تأليف علي بن شعبة الحراني، ولعل هذا الكتاب وصل في أوائل الصفوية إلى أيدي علماء الشيعة، واستظهر بأنّ هذا الكتاب لعلي بن شعبة، وبما أنّ الكتاب كتاب حسن وموافق مع الذوق والعقل في كثير من رواياته سمي بتحف العقول، وصار الكتاب معرّفاً لعلي بن شعبة من باب أنّ الآثار تدل علينا بما يتناسب مع من يؤلف مثل هذا الكتاب.

وأوّل من كتب فيه من المدح هو الشيخ إبراهيم القطيفي في رسالته (الفرقة الناجية)، ثم بعد بعد ذلك القاضي نور الله في (مجالس المؤمنين)(1)ثم تبعهما الآخرون.

وهذا الشخص كما قلنا غير مترجم في كتب السابقين، نعم ذُكرت ترجمته في أمل الآمل(2)وروضات الجنات، وغيرهما من كتب المتأخرين، إلّا أنّ الترجمة في كتب المتأخرين لا يمكن أن تكون معياراً، ونسبة الكتاب إليه غير واضحة؛ إذ ذهب بعض إلى أنّ الكتاب مجهول المؤلف، كما أنّ كونه في طبقة الصدوق غير واضح وإن نقل ذلك عن الذريعة وغيره في مقدمة الكتاب؛ وذلك لأنّ الشواهد التي اُقيمت على ذلك غير ثابتة، وذهب بعض إلى أنّه كان بين ابن إدريس والمحقق.

وكيفما كان فمثل هذا الكتاب لا يكون حجّة، وأمّا اعتماد صاحب الوسائل فقد ذكرنا سابقاً عن المستدرك أنّ صاحب الوسائل ينسب الكتاب إلى شخص بقرائن ضعيفة ووجوه خفية، ولعل صاحب الوسائل اعتمد على هذا الكتاب من جهة توافق


1) حكاه في أمل الآمل 74/2.

2) أمل الآمل 2/ 198/74.

رواياته مع الاعتبار والعقل، ومن الواضح عدم امكان الاعتماد على مثل هذا الكتاب لإثبات أمر في غاية الأهميّة كهذا الأمر.

أما الجهة الثانية: فالذي يُستفاد من الرواية أنّه لو اُقيمت الحكومة الحقّة في زمن الأئمّة أو غيره لكانت مجاري الأمور والأحكام بأيدي العلماء بالله، وهذا أمر واضح، فإنّ كلّ حكومة تُشكّل في العالم إذا كانت لها مبادئ وأهداف، فمجاري الأمور والأحكام إنما تكون بأيدي علماء تلك المبادئ، وكل جمعية لم تتمكن من الوصول إلى تشكيل دولة فمن الطبيعي لا يكون لهم نصيب في الدولة المشكّلة من قِبل غيرهم الذين لا يعتقدون بتلك المبادئ والأهداف، ولا يستفاد من الرواية ولا سيما بملاحظة ما ذكرنا من ذيل الرواية: (عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع)(1)أنّ كلّ من كان من العلماء بالله فإنّ له رئاسة مطلقة وإمامة مطلقة بحيث يكون لهم حق النصب والعزل وتصدّي الأمور من غير احتياج إلى نصب الإمام.

نعم لو كان الأمر خارجاً من أيدي الأمويين والعباسيين وكان بيد أئمتنا(عليهم السلام) لجعلوا مجاري الأمور بيد العلماء بالله، ولكانت ترد عليهم الأوامر الحكومية، وتصدر عنهم وكانوا هم المرجع ، وهذا كما أشرنا أمر طبيعي لا يقبل الشك.

وهذا نظير ما إذا قيل للسادة بأن الخمس حقّكم، فاسعوا في إرشاد الناس ليصلكم حقكم، فليس معنى ذلك رجوع السادة إلى المتموّلين وأخذ الخمس منهم بالسيف، ونظير ما يقال للجامعيين بأنّ الدولة تكون لكم غداً وأنتم المسؤولون في المستقبل، فليس معنى ذلك أن كلّ جامعي له الولاية على جميع الأمور، بل على بعض الأمور بأن يتصدى لأمر من الأمور بزعم أنّ ما قيل يشمله وهو جامعي، بل معنى


1) تقدّم تخريجها آنفاً.

ذلك : أنّكم على وجه الاستحقاق قابلون لأن يكون كلّ منكم مسؤولاً عن أمر من الأُمور.

الرواية الرابعة: ما في الحديث عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال: اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي»(1).

بتقريب أنّه لا ريب في ثبوت القضاء للفقيه، ويستفاد من هذه الرواية أنّ القاضي إمّا أن يكون نبياً أو وصياً لنبي، والنبوة مما لا يمكن إثباتها فتبقى الوصاية والإمامة للقاضي، فالقاضي وهو الفقيه إمام ووصي، وإذا ثبتت الإمامة والوصاية، يثبت المدعى وهو ولايته في الأمور العامة، فقد قال المستدل: (فيظهر أنّ القضاء للإمام والرئيس العالم العادل، ولمّا ثبت كون القضاء للفقيه ثبت أنّه للرئيس والوصي)(2).

كما قال أيضاً: (إذا ورد في الأخبار أنّ الأمر الكذائي للإمام(عليه السلام) أو يأمر الإمام بكذا، و أمثال ذلك فإنّه يثبت مثل ذلك للفقهاء العدول في الأدلة المتقدمة، ففي مثل ما ورد في باب الحدود كراراً من ذكر الإمام كقول أبي عبد الله(عليه السلام) : «من أقرّ على نفسه عند الإمام - إلى أن قال - فعلى الإمام أن يقيم الحد عليه» أو قوله(عليه السلام) : «الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لأنه أمين الله على خلقه ...»(3).

والذي يُمكن أن يُقال في مقام الجواب هو أنّ هذه الرواية منقولة بنحوين:


1) الكافي 406/7 / ح1 .

2) كتاب البيع للسيد الخميني 2/ 475 .

3) كتاب البيع للسيد الخميني 2/ 488 - 489.

النحو الأوّل: ما نقله الصدوق، ففي الفقيه: (كنبي أو وصي نبي)(1)بدل (لنبي أو وصي نبي)، وهو صحيح سنداً، إلا أنه لا يمكن استفادة الوصاية من الرواية، بل غاية ما يستفاد على هذا النقل هو الإمامة : (اتقوا الحكومة فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام ...) وهذه الإمامة غير الإمامة المنطبقة على النبي والوصي.

وتوضيحه: أنّ الكاف هنا للتنظير، فمفاد الرواية أنّ الإمام المذكور أولاً غير النبي ووصي النبي، والمراد من الإمام من يُؤتمّ به ويقتدى به ويُتبع، وعليه يُعتبر في الحكومة أن يكون الحاكم من يُقتدى به ويُتبع، ويكون معنى الرواية هكذا: اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنّما هي للإمام بشرط أن يكون عالماً بالقضاء وعادلاً في المسلمين، نظير النبي أو وصي النبي.

ولعل اعتبار الإمامة في الحكومة من أجل أنّ فصل الخصومة لا يمكن إلّا ممّن كان له اقتدار ويكون قوله مسموعاً ومتّبعاً، وعلى هذا يعتبر لزوماً أو استحباباً في القاضي الإمامة في الرتبة السابقة على القضاء بلحاظ التنفيذ، ولا يُستفاد من الرواية بأنّ القاضي إمام - كما ادّعي - واثبات الإمامة له بهذه الرواية.

النحو الثاني: ما نقله في الكافي والتهذيب(2)، وفيه: (لنبي أو وصي نبي)، إلّا أنّ السند فيهما مخدوش، ومع غض النظر عن السند، لا تدل الرواية على ثبوت الامامة والوصاية للقاضي، فإن مفاد الرواية - على هذا النقل - هو أنّ الحكومة للإمام في الأصل، وقد ذكرنا سابقاً بأنّ الحكومة بالأصالة إنما تكون للنبي ووصي النبيّ.


1) من لا يحضره الفقيه 5/3

2) الكافي 406/7 / ح 1 ، تهذيب الاحكام 6 / 217 .

وبعبارة اُخرى: أنّ منصب الحكومة من المناصب التي جُعلت للإمام الجامع بين النبي والوصي، فمن يريد التصدي لهذا المنصب لابدّ وأن يكون تصدّيه إمّا بنصب الإمام أو إذنه.

وعليه فهذه الرواية من الأدلة الدالة على أنّ الحكم الله تعالى وقد فوض منصب الحكومة إلى الإمام الجامع بين النبي والوصي.

الرواية الخامسة: ما روي أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قال لشريح: «جلست مجلساً لا يجلسه إلّا نبيّ أو وصي نبي أو شقي»(1).

وهذه الرواية ضعيفة من حيث السند، وأما من حيث الدلالة فربما يقال بأنّ الفقهاء ليسوا بأشقياء كما ليسوا بأنبياء فهم أوصياء، وأوصياء النبي لهم الولاية في الأمور العامة.

إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ المراد من الوصي في هذه الرواية الموصى له، فبوصية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يكون الفقيه قاضياً، وليس المراد من وصي النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من يكون جميع شؤون النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم).

والشاهد على ذلك القضاة المنصوبون من قبل أمير المؤمنين(عليه السلام)، فإنهم أوصياء بالمعنى الذي ذكرنا، وليسوا أوصياء النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في الولاية والتصدي للأمور التي كانت راجعة إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فإنه(عليه السلام) لما أمر مالكاً بنصب القضاة، فعلى هذا التقدير لا يمكن أن يقال لمن ينصبه مالك أنه وصي نبي بمعنى أنّ له الولاية العامة؛ إذ لو ثبت له ذلك لم يبق للوالي شيء من السلطة.


1) من لا يحضره الفقيه 5/3، وسائل الشيعة 17/27 .

الرواية السادسة: التوقيع الصادر من الناحية المقدسة المتقدم ذكره والمنتهي سنده إلى إسحاق بن يعقوب: (وأمّا الحوادث الواقعة ...)(1)، وهو ضعيف سنداً.

والاستدلال به يمكن بتقريبين:

التقريب الأوّل: ما ذكره الشيخ، وهو أنّ كل حادثة يرجع المرؤوسون فيها إلى الرئيس لابدّ وأن يُرجع فيها إلى الرواة في زمن الغيبة.

وقد أجبنا نحن عن هذا التقريب في الأبحاث المتقدمة، وقلنا بأن الظاهر من الحوادث الواقعة هي مستحدثات المسائل، وأمر الإمام(عليه السلام) بالسؤال عن أحكام مثل هذه المسائل من الرواة.

التقريب الثاني: هو الاستدلال بذيل التوقيع، حيث علّل الإمام لزومَ الرجوع إلى الرواة بأنّهم: «حجتي عليكم وأنا حجة الله»، بتقريب: أنّ الحجة في العرف الشيعي، عبارة عمن كان له الولاية في الأمور العامة، فقد قال المستدل: (مضافاً إلى أنّ الواضح من مذهب الشيعة أنّ كون الإمام حجة الله تعالى عبارة اُخرى عن منصبه الإلهي، وولايته على الاُمّة بجميع شؤون الولاية، لا كونه مرجعاً للأحكام فقط، وعليه فيستفاد من قوله: (وأنا حجة الله) و (هم حجتي عليكم) أنّ المراد أنّ ما هو له من قبل الله تعالى لهم من قبلي، ومعلوم أن هذا يرجع إلى جعل الهي له(عليه السلام) ، وجعل من قبله للفقهاء فلابدّ للإخراج من هذه الكلمة من دليل مُخرج فيتبع)(2).


1) كمال الدين وتمام النعمة 484 .

2) كتاب البيع للسيد الخميني 2/ 475 .

ويمكن الجواب عن ذلك بأنّا لو فسّرنا الحوادث الواقعة بالمسائل المستحدثة، فإنّه لابد من تفسير الحجة بمن يعتبر قوله؛ لأنّ التعليل يجب أن يكون مناسباً للقول المعلل به، ولا يمكن أن يقال: فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا لأنهم ولاة أمر الأمة.

توضيح ذلك: أنّ ما يمكن أن يكون علة لإرجاع الناس إلى الرواة في المسائل المستحدثة هو أنّ الرواة ممن يُعتبر قولهم ويكون قولهم حجة وبرهاناً، لا بما أنّهم ولاة الأمر، والحجة بمعنى الكاشفية التامة التي يحتج الله تعالى بها على عباده، وبهذا الاعتبار يعبّر عن الائمّة بالحجج، أي: بما أنّ أقوالهم حجة ودليل وبرهان يعبّر عنهم(عليه السلام) بالحجج.

وهناك روايات اُخرى كالرواية الدالة على أنّ علماء اُمّتي كأنبياء بني إسرائيل، إلا أننا نترك التعرض لها؛ وذلك لوضوح ضعف الاستدلال بها، وهي مذكورة في الكتب مع الجواب عنها.

ونتيجة هذه الأبحاث: أنّه لو كنا نحن وهذه الروايات فقط فإنه لا يمكن اثبات الولاية للفقيه منها.

الأمر الثاني: الإجماع

ولعل أوّل من ادّعى الإجماع على ثبوت الولاية العامة هو المحقّق الثاني وهو من أعلام القرن العاشر.

قال المحقق الكركي في رسالته المعمولة في صلاة الجمعة: (اتّفق أصحابنا على أنّ الفقيه العادل الأمين الجامع لشرائط الفتوى المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام

الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل، وربما استثنى الأصحاب القتلَ والحدودَ)(1).

وقال صاحب الجواهر: ( ثبوت النيابة لهم في كثير من المواضع على وجه يظهر منه عدم الفرق بين مناصب الإمام أجمع، بل يمكن دعوى المفروغية منه بين الأصحاب، فإنّ كتبهم مملوءة بالرجوع إلى الحاكم، المراد به نائب الغيبة في سائر المواضع)(2).

وفي موضع آخر ادّعى الإجماع حيث قال: (ويمكن تحصيل الإجماع من الفقهاء..)(3).

وممن ادعى الإجماع النراقي في العوائد، قال: (فالدليل عليه بعد ظاهر الإجماع حيث نص به كثير من الأصحاب بحيث يظهر منهم كونه من المسلّمات ما صرح به الأخبار المتقدمة ...)(4).

ومن الذين ادّعوا الإجماع محمد جواد المعروف بـ: (ملا كتاب) الذي كان عقائد من معاصراً لصاحب الجواهر، والمظفّر في عقائد الإماميّة، فإنّه عدّ ولاية الفقيه الإمامية.

ويمكن المناقشة في الإجماع المدّعى بوجهين:


1) جواهر الكلام 396/21

2) جواهر الكلام 396/21.

3) جواهر الكلام 422/15 .

4) عوائد الأيام 189 .

الوجه الأوّل: أنّ الإجماع المدّعى مدركي، كما أشار إليه المدّعون، ومدركه الروايات التي ذكرناها وبحثنا عنها بحثاً علمياً بحتاً، وظهر أنّها لا تدلّ على ولاية الفقيه.

الوجه الثاني: انكار كثير من المتأخّرين لولاية الفقيه، أو تزلزل بعضهم، فإنّه كما عبر المحقق النائيني - في رسالته وسيلة النجاة في صلاة الجمعة - والأصفهاني في رسالته المماثلة لها : (ففيه تزلزل عظيم) إلى غير ذلك من العلماء الذين تأملوا في ثبوتها كالشيخ الأنصاري والإيرواني.

وأما قدماء الأصحاب فلم نر أحداً من السابقين على المحقّق الثاني، كالشيخ الطوسي، والسيد المرتضى، وابن زهرة، يقول بالولاية العامة للفقيه، وأمّا مسألة إجراء الحدود وأمثالها، فهي مسألة اُخرى لابد وأن لا يُخلط بين المسألتين.

ومما يوهن الإجماع أنّ الشيعة في زمن الغيبة كانوا في حيرة، والغيبة كانت مسمّاة بالحيرة عندهم، وعلماؤنا كانوا بصدد تصحيح الغيبة، وقد صنّف جمع منهم كتاب الغيبة، إلّا أنّ غرض كل منهم يختلف عن الآخر، فكتاب إكمال الدين للصدوق ألّف في إثبات الغيبة في قبال الزيدية، فيما أنّ قم كانت قريبةً من طبرستان، وفي طبرستان كان أئمّة الزيدية، فكانوا يعترضون على الشيعة، فألف الصدوق هذا الكتاب لدفع اعتراضات الزيدية، وهذا واضح لمن راجع كتاب الإكمال من أوّله إلى آخره، فلو كان للشيعة طريق إلى الإمامة والرئاسة لذكروها في قبال الزيدية الذين يقولون بإمامة من قام بالسيف من ولد علي وفاطمة.

ومن الكتب التي اُلّفت في الغيبة غيبة النعماني، وبما أن النعماني كان غالباً في الشامات التي كانت في تلك الازمنة مركزاً لنفوذ الإسماعيلية، ألّف هذا الكتاب رداً على اعتراضات الاسماعيلية، والإسماعيلية ممن لهم إمام من ولد اسماعيل وكانوا

يعترضون على الشيعة بأنّه ليس لهم إمام حاضر، ولو كانت ولاية الفقيه ثابتة لأشاروا إليها في كتبهم، ولذكروا - في قبال الإسماعيلية - بأنّ لنا أيضاً إمام وهو مَن كان راوياً لأحاديثهم، وعارفاً بحلالهم وحرامهم.

ومنها غيبة الشيخ الطوسي، وقد اُلّف هذا الكتاب في وعاء خاص، وهذا الكتاب ردّ لاعتراضات جميع الطوائف إلّا الإسماعيلية؛ وذلك لعدم إمكان المقابلة معهم بسبب تكامل نفوذهم في ذلك العصر في الوسط الذي كان يعيش فيه الشيخ، والمقصود أنه لو كان ذلك لذكره علماؤنا المتقدمون في كتبهم ولم يكن يخفى إلى زمان المحقّق الثاني.

الأمر الثالث: العقل

وهو شبيه بدليل الانسداد على ما يظهر من كلمات بعض، منهم: صاحب الجواهر، فقد قال: (بل لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلّقة بشيعتهم معطّلة، فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً، ولا فهمَ من لحن قولهم ورموزهم أمراً...)(1).

وقد أشار إلى ذلك العلّامة في المختلف، وذكر جمع من المتأخرين هذا الدليل في كلماتهم، إلّا أنّ الكلام في تقريب ذلك، ويمكن تقريبه بما سنذكره وهو متوقف على مقدمات:

المقدمة الاُولى: أنّ الأحكام على نحوين:

فتارة تتعلق بالأفراد إمّا على نحو الوجوب العيني أو الكفائي، وأخرى تتعلق بشخص خاص، وهذا على قسمين:


1) جواهر الكلام 397/21.

منها ما يرتبط بالعبادات كنصب إمام الجمعة وأمير الحاج، وأمثال ذلك.

ومنها ما يرتبط بالنظام الاجتماعي، مثل القوانين الجزائية كإجراء الحدود والتعزيرات، والأمور المالية كنصب العمال الجمع الزكوات والخراج وأمثال ذلك وصرفها في مصارفها، وما يجب جعله حفظاً للنظام أو منعاً من الاختلال أو الانحطاط، فإنّه قد يوجب حفظ النظام بالمعنى الأعم جعل قانون أو قوانين طبقاً للمصالح المتغيرة من قبل ولي الأمر، إلى غير ذلك من الأمور كبسط العدالة ورفع الظلم، فإنّ هذه الأحكام الإجتماعية مما لا يرضى الشارع بتجميدها.

ومن الواضح أنّ هذه الأحكام ليست من الأحكام التي يمكن أن يتصدّى لها كلّ شخص وفرد من أفراد المجتمع.

المقدمة الثانية: أن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كان هو المتصدي لهذا النحو من الأحكام التي تتعلق بالمجتمع، وكذا تصدى لها مَن قام من بعده، سواء كان قيامه مقامه عن حق أم باطل بلا فرق بين التصدي بالمباشرة أو بالتسبيب، وهذا من الواضحات.

فمن وظائف النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)والأئمة التصدّي لهذه الاحكام إمّا بالمباشرة أو بالتسبيب؛ وذلك لأنّ الأئمّة(عليهم السلام) باعتقادنا يرثون جميع مناصب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وبما أنّ القيام بهذه الشؤون التي يرجع فيها إلى الرئيس من وظائف الإمام(عليه السلام) فإن لم يتمكنوا من المباشرة فلابد أن يجعلوا قيماً للتصدي لهذه الأمور، كما ثبت لنا ذلك من نصب أمير المؤمنين(عليه السلام) عمّالاً في بلاد مختلفة، ونحن نعلم أنّهم (عليه السلام) جعلوا قيّماً في زمان الغيبة لتمشية هذه الأمور.

المقدمة الثالثة: أنّه لا إشكال بحسب الفقه الشيعي في عدم نصب طائفة من الطوائف للقيام بهذه الأمور إلا الفقهاء، أي أنّه لو جعل قيماً إنّما يكون الفقهاء لا غيرهم، والنتيجة أنّ القيّم في زمن الغيبة من قبل الإمام هو الفقيه؛ إذ بحكم المقدمة

الاُولى إنّ هذه الأحكام النظامية مما لا يرضى الشارع بتجميدها، وبحكم المقدمة الثانية إنّ القيام بإجراء هذه الأحكام من وظائف النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأئمة الهدى(عليهم السلام) ، ولا بدّ لهم من جعل القيّم فيما إذا لم يمكنهم المباشرة، وبحكم المقدمة الثالثة أنّه لو كان قيّم فإنّما يكون هو الفقيه لا غيره، فإنّا وإن أنكرنا الإجماع على ولاية الفقيه، إلّا أنّنا لا نُنكر الإجماع على عدم ولاية غير الفقيه، فلذا تكون الولاية على هذه الأمور للفقيه، أضف إلى ذلك الروايات المتقدمة.

ويمكن رد هذا الدليل بجهات تستفاد من كلمات الفقهاء تخدش في بعض مقدماته.

الجهة الأولى: ما يظهر مما نقل عن السيد البروجردي(قدس سره الشریف)، وهو بتقرير وتقريب منا: أنّ وزان عصر الغيبة وزان عصر الحضور مع عدم بسط اليد؛ وذلك لأنّ الغيبة نوع من عدم بسط اليد، ولا فرق له مع عصر الحضور في عدم بسط اليد، ونحن حينما نراجع زمان الحضور وعدم بسط اليد نرى بعض الأمور مما كان يباشره الإمام (عليه السلام)وبعضها مما لم يكن يباشره الإمام(عليه السلام) .

فمن الأمور التي كان الإمام(عليه السلام) يباشرها نصب القيّم لأموال الغُيَّب والقُصَّر ونصب من يستلم الحقوق ولا سيما الخمس، فإنّه كان هناك وكلاء من قبل الإمام(عليه السلام) في أخذ الخمس، كما ذكرنا ذلك في مبحث الخمس، وبه أجبنا عن القول بتحليل الخمس للروايات المروية عن أمير المؤمنين(عليه السلام) . فلا ريب في تصدّي الأئمّة(عليهم السلام) لهذه الأمور مع عدم بسط اليد.

ومن الأمور التي لم يتصدى لها الأئمّة(عليهم السلام)الأمور الراجعة إلى سد الثغور وأخذ الزكوات إجباراً وإجراء الحدود ونحو ذلك.

فعلى القول بأنّ وزان عصر الغيبة وزان عصر الحضور مع عدم بسط اليد يكون القدر المتيقن مما فوّض إلى الفقيه عبارة عما كانوا يتصدّون له في زمن الحضور مع عدم بسط اليد، لا في ما لم يتصدوا له. هذا ملخص ما نقل عنه(قدس سره الشریف).

إلا أنّ هذا الجواب بهذا المقدار لا يمكن أن يكون ردّاً للدليل المذكور؛ إذ لا يمكن تقسيم الأمور إلى ما كانوا يتصدون لها، وما كانوا لا يتصدون لها، فإنّ تصدّيهم و عدم تصدّيهم يرتبط بمقدار تمكّنهم، كما أنّه لم يرد دليل على أخذ الأخماس من الشيعة بالنسبة إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) والأئمة(عليهم السلام)من بعده إلى زمان الباقر(عليه السلام). فهذه الأمور دائرة مدار الظروف سعة وضيقاً، فلو فرضنا أنّ الميسور للفقيه الذي فوّض إليه الأمر أزيد مما كان يتصدّى له الأئمّة(عليهم السلام) ، لم يكن لدليل أخذ الزكوات إجباراً وإجراء الحدود وأمثاله قصور.

وبعبارة اُخرى: أنّه لم تكن هناك أمور خاصة يتصدى لها الإمام(عليه السلام) مع عدم بسط اليد كما لم تكن هناك أمور خاصة لا يتصدى لها الإمام(عليه السلام) مع عدم بسط اليد في جميع الأزمنة، بل تصدّيهم وعدم تصدّيهم دائر مدار تمكّنهم وعدمه، وعليه فلو تمكّن الفقيه في عصر الغيبة من إجراء الحدود وسدّ الثغور وأخذ الزكوات إجباراً وأشباه ذلك لم يكن وجه لاستثناء هذه الأمور.

الجهة الثانية: ما يظهر من أكثر المتأخرين، وهو أنّ الأمور المذكورة على قسمين:

القسم الأوّل: ما ورد دليل على نصب الإمام(عليه السلام) أفراداً لهذه الأمور، كالقضاء، فإنّ الأدلة قد دلّت بالدلالة المطابقية على نصب الأئمّة

(عليهم السلام)بعضاً للقضاء، والقضاء بين المتنازعين هو القدر المتيقن من القضاء، وهو من الأمور الراجعة إلى النظام الاجتماعي ومن الأمور التي ليس لكل أحد أن يتصدى له.

القسم الثاني: ما يظهر من الدليل الدال على نصب شخص قاضياً وحاكماً أنّ هناك اُموراً ترتبط بالقضاء وخارجة عن حدوده - فصل الخصومة بين المتنازعين - وهذه الأمور راجعة إلى الفقهاء، وذلك لتصدّي القضاة بحكم الشواهد التأريخية والروائية في تلك الأزمنة لأمور اُخرى خارجة عن حدود القضاء، أي أنه كانت هناك أمور أخرى توكل إلى القاضي مضافاً إلى فصل الخصومة، مثل نصب القيّم على أموال الصغار والتحفظ على أموال الغيّب وإجراء الحدود وأشباه ذلك، مع أنّ إجراء الحدود ليس من شؤون القضاء ابتداءً.

ففي رواية حفص بن غياث: سألت أبا عبدالله(عليه السلام): من يقيم الحدود، السلطان، أو القاضي؟ فقال: «إقامة الحدود إلى من إليه الحكم»(1). وعلى ما يظهر من الشواهد التأريخية فإنه قد حصلت توسعة في دائرة عمل القضاة شيئاً فشيئاً، حتى أنّ التفتيش عن الأبينة كان موكولاً إلى القضاة.

فقد يتمسك بثبوت هذه الأمور كلّها بالروايات الواردة عن الرضا(عليه السلام)أو الجواد(عليه السلام)كما في التنقيح.

إلّا أنّا قد ناقشنا في ذلك بأنّ التوسع كان تدريجياً، وقلنا بأنّه لابدّ من التمسك بالروايات الصادرة عن الصادق(عليه السلام)، كمقبولة عمر بن حنظلة ومعتبرة أبي خديجة، وحينئذ ينبغي أن نرى التوسع في القضاء في زمان الإمام الصادق(عليه السلام) الذي هو زمن صدور الروايتين.


1) وسائل الشيعة 27/ 300.

وهناك شواهد كثيرة على أن القضاة في ذلك العصر كانوا يتصدون لاُمور اُخرى غير فصل الخصومة، وقد ذكر في كتاب تاريخ التمدن الإسلامي (1)كيفيه توسعة وظائف القضاة.

وأمّا الشواهد التي تدل على تصدّي القضاة لاُمور اُخرى غير فصل الخصومة فهي كثيرة:

منها: رواية عقبة بن خالد عن الصادق(عليه السلام): « قلت: يا غيلان تجمع بين المرء وزوجه» ؟ قال: نعم، قلت: « وتفرّق بين المرء وزوجه» ؟ قال: نعم، قلت: «وتقتل»؟ قال: نعم، قلت: « وتضرب الحدود»؟ قال: نعم، قلت: « وتحكم في أموال اليتامى»؟، قال: نعم(2).

فيظهر من الرواية أنّ دائرة عمل القاضي كانت متّسعةً، ولابدّ من الأخذ بالسعة التي كانت في زمن الصادق(عليه السلام).

ومنها: رواية ابن أبي ليلى: (.... ثم قال: « من هذا الذي معك» ؟ قلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين، فقال له: «أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين»؟ قال: نعم، قال: «تأخذ مال هذا فتعطيه هذا؟ وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه؟ لا تخاف في ذلك أحداً»؟...)(3).

ويظهر من هذه الرواية أيضاً توسعة دائرة عمل القضاة في زمان الصادق(عليه السلام) .

ونحن إنّما ذكرنا بعض الروايات التي صدرت من الصادقين(عليهم السلام) لنرى مدى سعة دائرة عمل القضاة في ذلك العصر، ويظهر من هذه الروايات وغيرها عدم


1) تاريخ التمدن الإسلامي 1 : 246

2) الكافي 13/429/7 .

3) الكافي 408/7/ ح5 .

اختصاص القضاة بفصل الخصومة. فحينما يقال: جعلته قاضياً أو حاكماً، يكون الحاكم متصدّياً لهذه الأمور بنصب من الإمام، أضف إلى ذلك أنّ قوله(عليه السلام): «فإنّي قد جعلته قاضياً» يستفاد منه سائر الأمور التي كان يتصداها القضاة بأحد الوجوه الثلاثة :

الوجه الأوّل: توسعة مفهوم القضاء في ذلك العصر.

الوجه الثاني: الاطلاق المقامي يقتضي جعله لفصل الخصومة وسائر الشؤون التي كان القضاة يتصدون لها.

الوجه الثالث: الأولوية وفحوى الخطاب، أي أنّه لو لم يرضَ الإمام بالرجوع إلى حكّام الجور في التخاصم، فبطريق أولى لا يرضى بالرجوع إليهم في سائر الأمور، فلنا دليل بالنسبة لتصدّي الفقهاء لكثير من الأمور، ومعها لا يكون أكثر الأحكام الراجعة إلى النظام الاجتماعي مجمدة.

ونحن فعلاً لسنا بصدد المناقشة في توسعة مفهوم القاضي وعدمه، وهل له شاهد أو لا، أو أنّه هل يمكن استكشاف ذلك من الاطلاق المقامي أو لا، أو استكشافه من فحوى الخطاب وعدمه ؛ وذلك لأنّ البحث في الاجتهاد والتقليد، والبحث عن هذه الأمور موكول إلى محلّه.

الجهة الثالثة: هناك فرق بين الأمور الحسبية وغيرها، فقالوا باشتراط الأمور الحسبية بنظر الفقيه، وأمّا الأمور غير الحسبية فتبقى مجمّدة أو تنحل المشكلة في كثير منها بما ذكر في الجهة الثانية.

والأمور الحسبية هي الأمور التي تُحرز مطلوبيتها من وجهة نظر الشارع وأنّ الشارع لا يرضى بتركها، وأمّا إذا احتمل أنّ الشارع يرضى بتركها، فلا تكون من الأمور الحسبية وإن كانت تترتب عليها مصالح، ويشترط فيها أن تكون هذه الأمور

منوطة بنظر شخص أو أشخاص مُعَيّنين، وأمّا إذا لم تكن منوطة بنظر شخص خاص أو لم نستفد من الأدلة ذلك بأن عُلم بأنّ هذا الشيء مطلوب، وممّا لا يرضى الشارع بتركه ولم تحرز إناطته بنظر شخص معين، لم يكن من الأمور الحسبية، وهذا كالأمر بالمعروف وبعض مراتب النهي عن المنكر.

ولا بد من الأخذ بالقدر المتيقن فيما إذا عُلم بأنّ الأمر منوط بنظر شخص، ومع الشكّ في أنّه هل هو منوط بنظر الفقيه العادل الثقة أو أنّه منوط بنظر الثقة فقط، فلابد من الاحتياط والأخذ بالقدر المتيقن ، وهو الفقيه العادل الثقة، وذلك لأنّ مقتضى القاعدة في الوضعيات هي الفساد.

وهكذا لابد من الاحتياط فيما إذا دار الأمر بين المتباينين، كما إذا بلغ الصبي مجنوناً، فيشكّ في ولاية الأب والجد بعد ذلك من أنّ ولايتهما مستدامة عليه أم أنّ وليه هو الفقيه.

فإن قلنا بعدم جريان استصحاب الولاية أو كان في الاستصحاب تأمل من جهة تبدّل الموضوع، فالاحتياط يقتضي أن تكون تصرّفات الأب بإذن الفقيه.

فتحصل: أنّا نقول بثبوت ولاية الفقيه في الأمور الحسبية، وهي كثيرة، ومعها لا يلزم تجميد كثير من الأحكام بحيث يلزم من تركها خروج عن الدين.

الجهة الرابعة : أنّ المستفاد من بعض الروايات هو دخالة الانتخاب في المسألة، فلابدّ أن يكون القاضي منتخَباً من المسلمين، وذلك لقوله(عليه السلام) : «فاجعلوا بينكم» في مقبولة عمر بن حنظلة، وعلى هذا الاحتمال لابد وأن يكون المتصدّي لهذه الأمور ممّثلاً للمسلمين، فإن كان بينه وبين الفقيه عموم مطلق فلابد من الأخذ بالقدر المتيقن. نعم لو كان بينهما عموم من وجه تكون المسألة محلّ تأمل، وما نذكره ليس من جهة ما ذُكر في تفسير الميزان بل من حيث إنّ هذه التكاليف لابدّ من العمل بها، حيث إنّها

مصداق للعمل بالقسط والعدل المتوجّه إلى عموم المسلمين، وحيث إنّ القسط والعدل العام مما لا يمكن تحقيقه بمباشرة عموم المسلمين فلابدّ وأن يكون ذلك بالتسبيب من المسلمين بانتخابهم شخصاً أو أشخاصاً للتصدي لهذه الأمور.

أضف إلى ذلك قوله(عليه السلام) : «اتقوا الحكومة فإنّ الحكومة انما هي للإمام العالم» بناءً على أن لا يكون المراد بالإمام الإمام بالمعنى الأخص ، بل المراد منه الذي انتخبه الناس.

فعلى هذا الاحتمال لا يبقى مورد لتجميد الأحكام المذكورة، وليست الولاية ثابتة لكل فقيه، بل للفقيه المنتخَب من قبل الناس.

ونحن لا نُطيل البحث أكثر من ذلك، ونكتفي بما ذكرنا، وقد بحثنا مفصّلاً عن ثبوت ولاية الفقيه وعدمه في مبحث المكاسب، وما ذكرناه هنا كان فهرساً لما ذكرناه هناك.

فتحصّل مما ذكرنا: أنّ الأدلة غير وافية والإجماع مخدوش، والدليل العقلي يُناقَش فيه بما ذُكر وغير ما ذكر ، ولابد للمُثبِت من دفع جميع الشبهات، وأنّى له ذلك، ولعلّ لأجل دقة الموقف قال المحقق النائيني والمحقق الاصفهاني: (فيه تزلزل عظيم) وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

الفصل الخامس: التجزي في الاجتهاد

اشارة

التجزی فی الاجتهاد

المراد من التجزّي في الاجتهاد هو التجزي في ملكة الاجتهاد، فإنّه قد يكون التجزي في مرحلة الفعلية، بمعنى أنّ المجتهد يستنبط بعض الأحكام دون بعض، وهذا أمر واقع كثيراً، ولا إشكال فيه؛ إذ ليس كل مجتهد يستنبط فعلاً جميع الأحكام، وهذا المعنى ليس بمراد هنا بل مورد الكلام هو تجزي ملكة الاجتهاد.

وفي المقام عدة بحوث:

البحث الأوّل: في معنى تجزي ملكة الاجتهاد

لا إشكال في أنّ استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية أو تحصيل الحجة على ثبوت الحكم أو نفيه متوقف على قدرة خاصة، وهذه القدرة غير موجودة عند الكل، ولذا قلنا بأنّ الاجتهاد متوقف على مبادِئ ومقدمات بحيث لو لم تحصل هذه المبادئ عند الشخص لم يكن قادراً على الاستنباط. والقدرة على الاستنباط من الصفات النفسية.

والمراد من التجزي قد يكون الجزء في قبال الكل، بمعنى أنّ الاجتهاد مؤلّف من أجزاء ويمكن أن تحصل بعض أجزائه دون بعض، أو أنّ تجزئة الاجتهاد بمعنى أنّه

ما لم تتحقق جميع هذه الأجزاء لم يتحقق الاجتهاد، وهذا المعنى غير مراد جزماً في محل البحث.

وقد يكون المراد تحقّق بعض أفراد القدرة من الاستنباط دون بعض.

ولا يراد بالتجزي الجزء في قبال الكل، وذلك لأنّ الملكة أو القدرة على الاستنباط ليست من الأشياء التي لها أجزاء بحيث تكون قابلة للتقسيم بأجزاء خارجية، كما أنّه ليس له أجزاء تحليلية مثل الجواهر بحيث يكون له جنس وفصل.

فالمراد من التجزي هنا هو حصول بعض أفراد دون بعض، غاية الأمر أنه يقع الكلام في تصوير التجزي بهذا المعنى. ويوجد هنا تصويران لذلك:

التصوير الأول: أنّ الملكة بمعنى القدرة، والقدرة تتعدد بلحاظ مقدورها، وهو أصناف المسائل، فربما تكون له قدرة على استنباط صنف دون صنف، وقدرته على بعض الأصناف دون بعض إنّما تكون بلحاظ المبادئ، فإنّ بعض المسائل الفقهية يتوقف استنباطها على مبادِئ قد تعلّمها أو أنّها سهلة الحصول، وبعض المسائل الفقهية يتوقّف استنباطها على مبادئ صعبة أو لم يتعلّمها، ونتيجة ذلك أنّه قد يكون الشخص قادراً على استنباط صنف دون صنف من المسائل، وفي قباله المجتهد المطلق وهو من يتمكن من استنباط جميع المسائل في جميع الأصناف.

وتوضيح ذلك: أنّ المسائل مختلفة من حيث توقفها على المبادئ المتقدمة، فإنّ بعض المسائل يتوقف استنباطها على مقدمة أو مقدّمتين وتعلّمها سهل، وقد يتوقف استنباط المسألة على مبادِئَ معقّدة وصعبة التعلّم، فيها أنّ المسائل الفرعية ذات أصناف مختلفة، وكذا الأفراد مختلفون من جهة تحصيل هذه المبادئ فلذا يختلف الأفراد من جهة القدرة على استنباط جميع الأصناف أو بعضها.

ومرجع هذا التصوير إلى أنّ المجتهد المطلق هو من يجتمع فيه جميع أفراد القدرة على استنباط جميع الأصناف، والمجتهد المتجزئ هو من لا يجتمع فيه جميع أفراد القدرة على استنباط جميع الأصناف، بل على بعض الأصناف دون بعض.

التصوير الثاني: أنّ ملكة الاجتهاد من الماهيات المشكّكة، بمعنى أنّها تختلف بحسب القوة والضعف، وتبتدئ ضعيفةً ثم تشتد، وربما تنقلب إلى الضعف نتيجة لبعض التسامحات، فالاختلاف إنّما يكون بالشدة والضعف، لا بتجمّع جميع أفراد القدرة كثرة وقلة، وعليه فالمجتهد المطلق ليس ذا قدرات متعددة بالنسبة إلى الأصناف، بل ذا ملكة قوية، والمتجزئ ذو ملكة ضعيفة ومحدودة بحدّ خاص. وهذا التصوير من التجزي مما نقله بعض تلامذة المحقق النائيني عنه.

إلّا أنّ هذا التصوير وإن كان في بادئ الأمر يظهر أنّه أحسن من التصوير الأول، ولكن بالنظر الدقيق يتبيّن أنّ التصوير الأوّل أكمل وأتمّ من التصوير الثاني؛ وذلك لأنّه إن فسّرنا الملكةَ بالقدرة فإنّه لابد من الالتزام بأنّ الاختلاف بين المجتهد المطلق والمتجزئ يكون باختلاف عدد أفراد القدرة، والسر فيه أنّ القدرة تتحدد وتتعدد بسبب مقدورها، أي أنّ القدرة على هذا الشيء غير القدرة على شيء آخر وذلك لتعدّد المتعلق، كما أنّ العلم بهذا الشيء غير العلم بالشيء الآخر وذلك لاختلاف المعلوم، فكما أنّ اختلاف المعلوم يوجب تعدد العلم ف تعدد العلم، فكذلك اختلاف المقدور يوجب اختلاف أفراد القدرة، فحينما يقتدر الشخص لاستنباط فرع وذلك لتحصيل مبادئ استنباط هذا الفرع، ثم بعد ذلك يتعلّم مبادئ استنباط فرع آخر تختلف مبادئ استنباطه مع مبادئ استنباط الفرع الأوّل.

فالقدرة على استنباط الفرع الثاني غير قدرة الاستنباط في الفرع الأول؛ لأنّ القدرة اشتدت مع وحدة الوجود، وذلك لأنه أولاً كان قادراً على صنف ثم صار قادراً على استنباط صنف آخر، وتعدّد المتعلق موجب لتعدد القدرة.

وربما يناقش في التصوير الثاني بأنه مناسب للأعلم، فإنّ الاعلم أشدّ إجتهاداً من غير الأعلم مع أنّ كليهما مجتهدان، ولا يتناسب هذا التصوير مع التجزي، فالمختار في تصوير التجزي هو التصوير الأوّل من تجمع أفراد القدرة وعدم تجمع أفراد القدرة.

وربما يناقش في تصوير التجزي بأنّ من مقدمات الاجتهاد تحصيل علم الاُصول، وعمدة مباحث الاُصول حجية الحجج والاُصول الشرعية، وتعلُّم الاُصول الشرعية مما يحتاج إلى الاجتهاد، فمثلاً لو أراد أن يعرف بأنّ الخبر الواحد هل هو حجة أو لا؟ فلابد من الاطّلاع على أدلة حجية الخبر الواحد وهي الروايات، ولابدّ له من العلم بأنّ هذه الروايات هل هي صحيحة أو غير صحيحة، متواترة أو لا، هل لها معارض أو لا؟ وعلى فرض وجود المعارض لها فكيف يمكن علاج التعارض، وهكذا لا بدّ له من الاطّلاع بأنّ الظواهر هل هي حجة أو لا؟ وهكذا سائر الحجج والاُصول الشرعية.

والمقصود أنّ العمل الذي يُعمل في أصعب المسائل الفقهية يُعمل في الاُصول، فإن تعلَّمَ هذه الأمور في الاُصول - الذي هو من مبادئ الاجتهاد - فهو مجتهد مطلق، وكيف يُعقل بأن لا يكون مجتهداً، وإن لم يتعلّم هذه الأمور فهو ليس بمجتهد؛ وذلك لأن الاجتهاد متوقف على مبادئ منها الاُصول، والمفروض أنّ الملكة تحصل بحصول تلك المبادئ، وعليه فتجزئة الملكة مما لا محصّل له، بل غير متصوَّر.

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة:

أولاً : لم تُذكر جميع مقدّمات الاجتهاد في الاُصول المدونة، فإنّ الاُصول التي يتوقف عليها الفقه أكثر من الاُصول المدونة بعنوان الاُصول، والمسائل الاُصولية غالباً بالنسبة إلى الأحكام التكليفية كالأوامر والنواهي، وأما المباحث التي نحتاج اليها في المعاملات مثلاً فلا يتطرق لها في الأصول المدونة، كما في أنواع الحقوق، فإنّ الحق قد يكون قابلاً للانتقال مع الشيء كحق الجناية وقد لا يكون قابلاً للانتقال كحق الرهانة، وأنواع اُخرى من الحقوق ذُكرت في مبحث الزكوات، وهكذا في تعلق حق الغرماء بتركة الميت إلى غير ذلك من الأمور التي يتوقف عليها الاجتهاد.

وخلاصة الكلام: إنّ الاُصول من مبادئ الاجتهاد، إلّا أنّه ليس مشتملا على جميع مبادئ الاجتهاد، حيث إنّ بعض المبادئ مما تُعَنْوَن في الفقه ولا يُتعرَّض لها في الاُصول.

وثانياً: يمكن أن يكون الشخص متعلّماً لمسائل خاصة في الاُصول، وتجزّيه في الاجتهاد بلحاظ تعلّمه لبعض المسائل الاُصولية. فظهر أنّ تجزي الاجتهاد أمر متصوَّر.

مضافاً إلى أنّ الإجتهاد المطلق مسبوق بالتجزي كما ذكر ذلك المحقق الخراساني(1)، إلّا أن الاستدلال عليه بدليل الطفرة غير تام؛ إذ إنّ ذلك يأتي فيما إذا قلنا إنّ التجزي والاطلاق بنحو الشدة والضعف في الملكة، ولا يأتي على التصوير الأول وهو الاختلاف من جهة الأفراد والأصناف، فإنّه نظير من كان له دينار وحصل على مائة ألف دينار فليس هذا من الطفرة.

هذا تمام الكلام في البحث الأوّل من مباحث التجزي.


1) راجع الكفاية 466 فما بعد.

البحث الثاني: في حجية فتوى المجتهد المتجزي

هل إنّ المتجزي في الملكة والمستنبط لبعض المسائل يكون رأيه فيما استنبطه حجة أو لا؟

الظاهر هو حجية رأيه بالنسبة إلى نفسه وذلك لتحقق موضوع أدلة حجية الحجج كالأمارات أو الاُصول، عقلية كانت أم شرعية، فهو قد فحص عن الدليل والمعارض بالمقدار المعتبر فإذا استقر رأيه على أنّ الخبر الواحد حجة واستنبط حكماً منه، فإنّ رأيه يكون حجة بالنسبة إليه، وعدم قدرته على استنباط بعض المسائل الاُخرى أمر خارج عما استنطبه.

وأمّا البحث في أنه هل يجوز تقليده أو لا، فسنتعرض له في مسائل التقليد إن شاء الله .

البحث الثالث: في ثبوت القضاء للمجتهد المتجزي

الروايات الدالة على ثبوت القضاء للمجتهد، عمدتها روايتان: مقبولة عمر بن حنظلة، ومعتبرة أبي خديجة.

وقد ورد في المقبولة: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا»(1).

و (أحكامنا) جمع مضاف، والجمع المضاف - على المشهور بين الاُصوليين - يدلّ على الاستيعاب والاستغراق، فيكون معنى الرواية: إنّي جعلت من روى أحاديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف جميع أحكامنا قاضياً، إلّا أنّ العرفان بجيمع الأحكام مما لا يحصل لأحد، ولاسيما إذا كان الحكم من الأحكام قليلة الابتلاء، فإنّ كثيراً من


1) الكافي 412/7/ ح5 .

الفقهاء قد لا يعرفون بعض الأحكام، نعم عندهم قدرة الاستنباط بحيث لو أرادوا معرفته لعرفوه، مضافاً إلى أنّ القضاء لا يُعتبر فيه معرفة جميع الأحكام، فيقع الكلام في المعنى الذي ينبغي أن يحمل عليه قوله(عليه السلام)( أحكامنا)، مع أنّه جمع مضاف ويدل على الاستيعاب.

توضيح ذلك: أنّ الاستيعاب قد يكون استيعاباً حقيقياً، كقوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ(1)، وقد يكون عرفياً وإضافياً، كقولك: جمع الأمير الصاغة، فإنّ المراد من الصاغة ليس جميعهم، بل المراد إمّا مهرة الصاغة، أو الموجود في البلد، أو مقدار معتد به منهم.

فإذا كان الاستيعاب في قوله ( أحكامنا) عرفياً فالمراد هو الأحكام التي هي غالباً مورد ابتلاء القاضي من أحكام القضاء وغيرها مما لها علاقة بالقضاء، وعلى هذا لا تكون الرواية ناظرة إلى المجتهد المطلق أو المتجزي، بل معناها أنّه لابد وأن يَعرفَ مقداراً معتداً به من الأحكام.

وأما إذا كان الاستيعاب حقيقياً إلّا أنّه بالفعل بالنسبة إلى بعض الأحكام وبالقوة بالنسبة إلى بعضها الآخر، فيكون معنى قوله(عليه السلام) :

«وعرف أحكامنا» أي: ما يعمّ العرفان بالقوة القريبة بالفعل، وعلى هذا المعنى يكون القضاء للمجتهد المطلق فقط دون المتجزي، إذ لا يصدق عليه أنّه عرف أحكامنا.

ولكن الأظهر من قوله(عليه السلام) : « عرف أحكامنا» هو العرفان بالنسبة إلى مقدار معتد به من الأحكام.


1) سورة الأنعام/ الآية: 73.

فالمستفاد من المقبولة كفاية صدق الفقيه لثبوت القضاء، والفقيه على ما استظهرناه يصدق على من يعرف مقداراً معتداً به من الأحكام التي يُحتاج اليها في القضاء.

وأمّا معتبرة أبي خديجة، فهي- كما تقدم - منقولة بنحوين:

الأوّل: ما رواه الشيخ: « اجعلوا بينكم رجلاً ممن قد عرف حلالنا وحرامنا»(1)، فإن قلنا بأنّ المفرد المضاف كالجمع المضاف دال على الاستيعاب - كما قالوا - فالكلام فيها هو الكلام، هذا مع قطع النظر عن المناقشة في السند.

الثاني: ما جاء فيه: «ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا »(2)أو (قضائنا)(3)، وما ذكر بعض من أنّ نسخ الفقيه : (قضائنا) والاختلاف في نسخ الكافي والتهذيب حيث ذكر في بعضهما : (قضائنا) وفي بعضها: (قضايانا)(4)غير صحيح؛ إذ إنّ نسخ الفقيه أيضاً مختلفة ففي بعض نسخها (قضائنا)، وفي بعضها (قضايانا).

وعلى أيّ حال فعلى فرض كون الرواية هكذا: «يعلم شيئاً من قضايانا» يقع الكلام في أنّ (مِن) للتبعيض أو للبيان، وقد اختلف فيه، إلّا أنّ الأرجح أن تكون (من) للتبعيض ولو بلحاظ (شيئاً).

واحتمال كونها بيانية مدفوع في كلمات عدّة بأنّه يعتبر في المُبيِّن والمُبيَّن توافقهما في الجمع والإفراد، فلو كانت بيانية فعليه أن يقول: (أشياء من قضايانا).


1) تهذيب الأحكام 303/6.

2) من لا يحضره الفقيه 3/3

3) الكافي 413/7/ ح 4 .

4) تقدّم بيان ذلك وتخريجه.

إلّا أنّ هذه القاعدة ليست كلية، ولذا نرى عدم رعاية هذه القاعدة في قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ(1)، وهذه القاعدة لم تُذكر في كتب الأدب.

وقد استظهر بعضٌ أنّ ( من ) هنا بيانية من جهة ما ذُكر في كتب الأدب بأنّ المناسب فيما إذا كانت (مِن) بيانية أن يكون قبلها إحدى المبهمات، وبما أنّ في الرواية (شيئاً) وهو من المبهمات، فتكون (من) بيانية، وبما أنّ (قضايانا) جمع مضاف فتدل على الاستيعاب، والكلام فيه حينئذ هو الكلام في المقبولة.

إلا أنّ ما ذكر في كتب الأدب لم يكن قانوناً كلياً، نعم إذا كانت بيانية فمن المناسب ذكر مبهم قبلها كما في كثير من الموارد.

والظاهر أنّ (مِن) في الرواية للتبعيض ولو بلحاظ ذكر شيئاً)، فإنّه لا وجه لذكر الشيء على نحو الإبهام، مع عدم إرادة خصوصية بذلك، وهذا بخلاف قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ فإنّ الحكم توجّه إلى الرجس لنكتة، والتبيين اللاحق - في الحقيقة - تطبيق تشريعي وقانوني، وأنّ المراد من الرجس هو الأوثان.

ولو كانت (من) هنا بيانية فلا وجه لذكر الشيء مبهماً، ولكان المناسب للإمام(عليه السلام) أن يقول: (يعلم قضايانا) بدل (يعلم شيئاً من قضايانا).

وعليه فالرواية كما تدل على ثبوت القضاء للمجتهد المطلق تدل على ثبوت القضاء للمتجزي. ومع الترديد في أنّها للتبعيض أو للبيان فلابد من الأخذ بالقدر المتيقن، ويكون حكم هذه الرواية حكم الرواية السابقة، إلّا أنّ الظاهر أنّها تبعيضية كما تقدم.


1) سورة الحج/ الآية 30.

وعلى تقدير كون الرواية هكذا: «يعلم شيئاً من قضائنا»، ففيه احتمالان، بناءً على أن المفرد المضاف كالجمع المضاف يدل على العموم.

فإما أن تكون (مِن) بيانية فتكون هذه الرواية عين المقبولة، وإما أن تكون تبعيضية فتدل على كفاية البعض.

وبما أنّ النسخ - حتى نسخ الفقيه - مختلفة فلابدّ من الأخذ بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن هو العلم بجميع الأحكام إلّا أنّ بعضها لو كان بالفعل وبعضها بالقوة كفى في صدق العلم بالجميع.

البحث الرابع: في دلالة التوقف والاحتياط على تجزي الملكة وعدمها

هل إنّ ما يُرى في كلمات جمع من الأساطين - سواءٌ في كلمات المتقدمين أم المتأخرين - من الاحتياط الوجوبي والتأمل والتردد وأمثال ذلك من موارد إبراز التوقف في المسألة يدل على تجزي الملكة أو لا يدل؟

الظاهر أنّه لا إشكال في أنّ الأمر بالاحتياط في غير دوران الأمر بين المتباينين - إذ إنّ الاحتياط في دوران الأمر بين المتباينين هو مقتضى الأصل - وكذا في قولهم: (في المسألة تردد أو تأمل) وأمثال ذلك لا يدل على تجزي ملكة قائله، ولكن الكلام في سر ذلك وأنه لماذا يقول بعضهم بالإحتياط الوجوبي أو في المسألة تأمل أو تردد وأمثال ذلك؟

قال المحقق الخراساني: (وعدم التمكن من الترجيح في المسألة وتعيين حكمها والتردد منهم في بعض المسائل إنّما هو بالنسبة إلى حكمها الواقعي لأجل عدم دليل

مساعد في كل مسألة عليه أو عدم الظفر به بعد الفحص عنه بالمقدار اللازم لقلة الاطلاع أو قصور الباع، وأمّا بالنسبة إلى حكمها الفعلي فلا تردّد لهم أصلاً)(1).

إلّا أنّ ما ذكره المحقق الخراساني لا يمكن أن يوجّه به إبراز توقّفهم في المسألة؛ إذ في موارد إجمال النص وكذا في موارد فقدان النص بعد الفحص اللازم يكون المورد مورداً للاُصول العملية، بل وكذا في تعارض النصين على المختار من أنهما يتساقطان عند التعارض. نعم ذهب بعض في تعارض النصين إلى التخيير.

وإذا كان السبب في إظهار توقفهم هو ما ذكره فلا بد لهم من إبراز التردد والتوقف في أكثر المسائل، مع أنّ الأمر ليس كذلك، فلا يمكن التعليل بما ذُكر، والظاهر أنّ السر في الاحتياط أو التردد أو التوقف وأشباه ذلك، هو أحد أمور على سبيل منع الخلو:

الأمر الأوّل: أنّ الحكم الواقعي بما أنّ له أهمية خاصة من وجهة نظر الشارع، كما في الأعراض والدماء والنفوس، فلذا لا يبرزون فتواهم، وبعبارة اُخرى: أنّ أهميّة الحكم الواقعي قد تُوجب إختيارهم للاحيتاط في مقام الفتوى، وذلك لاحتمال مخالفة فتواهم للواقع، فاحتياطهم في المسألة عمل تورّعي منهم.

الأمر الثاني: أنّه قد يترتب على إبراز الفتوى مفسدة وقتية، ونحن قد ذكرنا سابقاً - في وجوب الفتوى وعدمه - أنّه لو ترتب على إبراز الفتوى مفاسد فإنّه يجوز للفقيه كتمان فتواه، وكما كان حق الكتمان ثابتاً للائمة الطاهرين(عليهم السلام) فكذلك حق الكتمان ثابت للفقهاء، وفي الحقيقة إحتياطه كتمان للفتوى، لا أنّه يكون شاكاً ومتردداً في المسألة.


1) كفاية الأصول: 464 .

الأمر الثالث: عدم مساعدة حال المستنبط ، ولذا يُرى في بعض الكتب كلمات من قبيل: (المسألة تحتاج إلى التأمل ولا يساعده الحال)، فبما أنّ المسألة من المسائل المشكلة وتحتاج إلى مزيد من التأمل والدقة والمراجعة ولا يسعه الوقت أو الحال فيقال بأنّ المسألة محل تأمل، وهذا ليس من باب قصور الملكة بل من باب أنّ إعمال الملكة يحتاج إلى نشاط أو وقت أزيد.

الأمر الرابع: أنّ كثيراً من المجتهدين يقولون بحجية الاطمئنان بالنسبة إلى الحكم الواقعي وكذا بالنسبة إلى مبادئه، مثل الاطمئنان بوثاقة الرواي وعدم العمل بالظنون الرجالية، ومثل حجية الخبر الموثوق به، فإنّ بعضهم يقول بحجية الخبر الموثوق به دون خبر الثقة، أي: الخبر الذي يطمأن بصدوره، وبما أنّه ليس هناك حدّ معين بين الظن والاطمئنان، فلذا قد يَشكُّ المستنبِطُ القائلُ بحجية الاطمئنان في أنّه هل وصل إلى درجة الاطمئنان أو لا.

وقد أشرنا في المباحث السابقة إلى أنّ دليل الانسداد لو كان له فائدة ففائدته وثمرته تظهر في مثل هذه الموارد التي يُشكّ فيها في الوصول إلى حدّ الاطمئنان وعدمه، فيما أنّه يَشكُّ في حالته النفسية فلذا يقول بالإحتياط أو التأمل، وهذه الأمور هي التي يمكن أن تكون منشأض للتوقف أو الاحتياط، لا ما ذُكر في الكفاية.

هذا تمام الكلام في مباحث التجزي.

الفصل السادس: التخطئة والتصويب

التخطئة والتصويب(1)

إنّ التخطئة والتصويب تارة تكون في العقليات وأخرى في الشرعيات.

أمّا في العقليات فتارة يفرض ذلك في العقليات غير المرتبطة بالشرعيات أصلاً، وذلك مثل الأمور التكوينية والطبيعية أو ما يرتبط بالمجردات والمعارف الإلهية، ففي الأمور التكوينية - سواء كانت مادية أم غير مادية - يكون القول بالتصويب قولاً في غاية الضعف وغير قابل للإصغاء، وذلك لوضوح أنّ الحق في واحد.

وأخرى يفرض ذلك في العقليات المرتبطة بالشرعيات.

وهي على أقسام ثلاثة:

القسم الأول: العقليات التي تكون في رتبة معلولات الأحكام.

القسم الثاني : العقليات التي تكون في رتبة علل الأحكام.

القسم الثالث: العقليات التي تكون متعلقة بالملازمات بين الأحكام، كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، ووجوب الشيء وعدم إتصافه بالحرمة.


1) وهذه المسألة لم يستوفى البحث عنها في كلمات القوم. (الاستاذ دام ظله)

أمّا القسم الأول، فنقول: إنّ المراد من الأحكام العقلية التي هي في رتبة معلولات الأحكام هو حكم العقل بحسن العقوبة أو قبحها وحسن الإطاعة

والانقياد وقبح العصيان والتجري وما يماثلها مما يجمعها ارتباطها بمرحلة الإطاعة والعصيان التي لا يعقل إنشاء حكم فيها من قبل الشارع بما أنّه مشرّع.

ونحن قد ذكرنا مفصّلاً - في مبحث القطع - حكم العقل بالحسن والقبح، ونذكر في المقام مجمل ما ذكرناه هناك وبما يناسب المقام.

وقبل كل شيء يجدر بنا أن نذكر بأنّ دائرة هذه المسألة وسيعة في الاُصول، أي: أنّ العقليات المرتبطة بمعلولات الأحكام تكون دائرتها وسيعة في الاُصول، وقد اختلفت الآراء فيها.

فمنها : الشبهات الموضوعية البدوية، فإنّهم قد اختلفوا في جريان البراءة العقلية فيها، فذهب بعض إلى جريان البراءة العقلية وهم الأكثر، وذهب جمع إلى عدم جريانها، ففيما لو شك مثلاً في أنّ هذا المائع خمر أو لا قالوا بأنّ العقل لا يحكم هنا بالبراءة ولا يُجوّز شربَه . ومِن القائلين بهذا القول السيد البروجردي والمحقق ميرزا علي الايرواني.

ومنها: قانون منجزية العلم الاجمالي بالنسبة إلى الموافقة القطعية في الشبهات التحريمية والشبهات الوجوبية، فإنّه قد اختلف في ذلك، وأنه ما هو مقدار منجزية العلم الاجمالي.

ومنها: حكم العقل في دوران الأمر بين المحذورين مع تعدّد الواقعة، فإنهم اختلفوا في ذلك، وذهب جمع إلى أنّه إذا اختار في واقعة من الوقائع المتعددة شيئاً من الفعل أو الترك فلابدّ من اختيار هذا الشيء في الواقعة الاُخرى، وإلّا يلزم القطع

بالمخالفة القطعية. وذهب بعض إلى أنّ التخيير استمراري وله أن يختار في الواقعة الُخرى غير ما اختاره في الواقعة الاُولى.

ومنها: قبح الفعل المتجرّئ به وعدمه فقد ذهب جمع، ومنهم: الشيخ، إلى عدم قبحه ونحن أيضاً قلنا بذلك، وذهب جمع إلى قبحه.

إلى غير ذلك من الموارد التي اختلفوا فيها في العقليات والبحث في أنّ العقليات التي أشرنا اليها، وهي في رتبة معلولات الأحكام التي اختلفت الآراء والأنظار فيها، ومرجعها إلى حسن العقوبة وقبح العقوبة، هل يمكن القول فيها بالتخطئة والتصويب أو لا؟

ونحن لسنا بصدد بيان حقيقية الحسن و القبح العقليّين فعلاً وأنّ حقيقتهما أنّهما من الواقعيات التي يدركها العقل بالعقل النظري كما قال به جماعة، أو أنّهما من الآراء التي تطابق عليها العقلاء، أي: أنّهما من المشهورات لا من البرهانيات، وهذا ما قال به المحقق الأصفهاني، أو أنّ حكم العقل بالحسن و القبح قانون فطري إلهي، أو بتعبير آخر: قانون يمكن التعبير عنه بالقانون الطبيعي، وهذا ما قوّيناه نحن في مبحث القطع.

ويمكن القول بأنّ هذه المسألة ترتبط بكيفية التعقل في مرحلة العقل النظري، ومن المعلوم أنّ الله تبارك وتعالى خلق أفراد البشر مختلفين من حيث العقول، كما اُشير إلى ذلك في الروايات، فمن أدرك عقلاً حسن العقوبة فلابدّ له من المشي على وفق ما أدركه، ومن لم يُدرك حسن العقوبة بل أدرك قبحَها فهو مخيّر بين الفعل والترك؛ إذ المفروض أنّه يرى قبح العقوبة، ولاسيما بملاحظة ما سلكناه في حقيقة الحسن والقبح، فعليه لا مانع من الالتزام بالتصويب، وذلك لأنّه ليس له واقع إلّا صحيفة النفس، ففي صحيفة نفسه يكون القبح متجلّياً، وفي صحيفة نفس اُخرى يكون الحسن

متجلّياً، والأفراد كما أشرنا مختلفون من حيث العقول، وطبعاً يكون الأفراد مختلفين من حيث استحقاق العقوبة وعدمه.

ويشير إلى اختلاف هذه القوة في الأفراد واختلافهم من حيث استحقاق العقوبة وعدمه ما في البحار من الروايات:

منها: ما عن ابن أبي عمير عن يزيد الرزاز، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: قال أبو جعفر(عليه السلام) - إلى أن قال - «إنّي نظرت في كتاب علي(عليه السلام) فوجدت في الكتاب أنّ قيمة كلّ امرئ وقدره معرفته، إنّ الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا»(1).

ومنها: رواية أبي الجارود عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إنّما يُداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا»(2).

إلى غير ذلك من الروايات ، وتفصيل ذلك وتوضيحه على المسالك المشار إليها خارج عن المقام.

فظهر أنّه لا مانع من الالتزام بالتصويب في الأحكام العقلية التي في رتبة معلولات الأحكام.

وأمّا القسم الثاني - وهو الأحكام العقلية التي هي في رتبة علل الأحكام - فهو على نحوين:


1) بحار الأنوار 106/1 .

2) بحار الأنوار 106/1.

النحو الأوّل: ما يكون واقعاً في رتبة علل الأحكام، كما إذا أحرز شخص المصلحة الملزمة بعد الكسر والانكسار في فعل، فيحصل له القطع بوجوب معلولها وهو الحكم؛ وذلك لأنّ الأحكام تابعة للملاكات.

وهكذا إذا أحرز مفسدة ملزمة بعد الكسر والانكسار في شيء فيحصل له القطع بحرمته، وهذا هو الذي قد يُفسَّر به قانون الملازمة الذي يقول: (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع).

إلّا أنّ هذا النحو مما قد لا يحصل أبداً وإن حصل فهو أمر نادر جداً، وقانون الملازمة لا ربط له بهذا المورد؛ إذ لا يوجد شخص ملتفت يحرز المصلحةَ الملزمة أو المفسدةَ الملزمة بلحاظ الملاكات مع تزاحم الملاكات وسعة الدائرة بلحاظ المصالح والمفاسد الدنيوية والاُخروية، وعلى فرض وجوده فهو أمر نادر.

ومع ذلك سيأتي بيان ما إذا كان يمكن الالتزام بالتصويب هنا عند تعرّضنا للتصويب المعتزلي في التشريعيات حيث يأتي بعض التقريبات الشاملة لهذا النحو.

النحو الثاني: ما ليس في رتبة علل الاحكام واقعاً، بل من ملازمات الأحكام، وهو ما يرتبط بالأحكام الواقعية لا بالأحكام الظاهرية، فإنّ الله تبارك وتعالى قد أَلهمَ النفس فجورها وتقواها، ومرجع قاعدة الملازمة إلى أنّ الله تبارك وتعالى حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، وهناك عدّة من الأحكام مدوّنة في كتاب النفس بأحد الوجهين من الحلول أو الصدور، والعقل يُدرك تلك الأحكام، والشارع المقدس قد أتى بعده بالأحكام الاُخرى.

وقد ذكرنا في الأبحاث السابقة بحكم الروايات بأنّ الأحكام الشرعية في الحقيقة تفصيل لما في النفس.

وهذه الملازمة صحيحة، وأما عدم العقاب ما لم يؤكَّد حكمُ العقلِ بحكمِ الشرع فهي مسألة اُخرى، وأمّا أصل الملازمة فهو صحيح، فإذا كان الشخص قاصراً عقلاً فلا حكم بالنسبة إليه. فتبين أنه لا مانع من الالتزام بالتصويب هنا أيضاً.

وأمّا القسم الثالث - وهو الأحكام العقلية التي يُعبَّر عنها بالملازمات - كوجوب الشيء ووجوب مقدمته، والملازمة بين وجوب الطبيعة وعدم حرمة الحصة إلى غير ذلك من موارد الملازمة، فيأتي فيه - إنّ شاء الله - أن بعض التقريب-ات الت-ي سنذكرها في التصويب المعتزلي يشمل هذا القسم من الأحكام العقلية، ويأتي فيها شبهة التصويب.

وأمّا الكلام في التخطئة والتصويب في الشرعيات - بلا فرق بين الأحكام التكليفية والوضعية - فقد نُسب إلى جماعة من العامة القول بالتصويب فيها، في قبال جماعة اُخرى من العامة حيث ذهبوا إلى التخطئة كما نحن نقول بها.

والمشهور بين الإمامية تقسيم التصويب إلى قسمين:

القسم الأوّل: أنّه ليس الله تبارك وتعالى حكم مع قطع النظر عن حكم المجتهدين، وحكمه تعالى تابع لآرائهم، وعليه تكون آراؤهم المختلفة كلّها صواباً؛ إذ ليس هناك واقع وراء آراء المجتهدين، وهذا نُسب وعرف بالتصويب الأشعري.

القسم الثاني: أن الله تبارك وتعالى في كل واقعة حكماً، إلّا أنّ حكمه تعالى يتبدّل فيما إذا كان رأي المجتهد على خلاف ذلك الحكم، أي: يتبدّل حكم الله بسبب ظن المجتهد على الخلاف، وذلك لوجود ملاك في السلوك على وفق رأي المجتهد، وهذا الملاك غالب على ملاك حكم الواقع، وهكذا عُنونَ البحثُ في كلمات القوم.

ولكن على ما حررنا البحث، ففي المقام مسألتان، ونتيجة ذلك أنّ في المقام نوعين من التصويب، وقبل التعرض للنوعين لابدّ من التذكير بأنّ البحث إنّما يكون

في غير الضروريات من أحكام الإسلام واليقينيات، والمراد من اليقينيات ما قام عليها دليل قاطع، فإنّه لم يقل أحد فيها بالتصويب، بل قال الجميع بالتخطئة، فمورد البحث في المسائل الاجتهادية، وقد ذكرنا أنّ الاجتهاد لا يشمل الضروريات واليقينيات، كما ذكر ذلك في العروة.

أمّا المسألة الاُولى فهي الالتزام بالتصويب في الشرعيات التي لا نص فيها؛ وذلك لمقدمتين:

المقدمة الاُولى: أنّه ليس في كل واقعة من الوقائع حكم شرعي، بل كثير من الوقائع ليس فيه حكم من الكتاب والسنة.

المقدمة الثانية: أنّه لابد من سد هذا الفراغ، أي: لا يمكن أن تكون واقعة ولم يكن لها حكم، وسدّ هذا الفراغ أُوكِل إلى المجتهدين بجعل الحكم فيها على الاُصول والضوابط، وباعتقاد العامة فإنّ أهمّ هذه الاُصول هو الاجتهاد بمعنى القياس والرأي والاستحسان، بأن يُلاحظ مثلاً الشبه بين هذه الواقعة التي ليس لها حكم وواقعة أخرى لها حكم، ثمّ يستكشف العلة من الواقعة المنصوصة، ثم يحكم في هذه الواقعة بنفس الحكم؛ لاستظهار وجود تلك العلة، وبالطبع فإنّ الآراء ستختلف في هذه الحالة؛ إذ من الممكن أن يشبّهها شخص بواقعة ويعطي حكمها لها، وآخر يشبّهها بواقعة اُخرى فيحكم فيها بحكم آخر.

وهذا أحد نوعي التصويب الذي يمكن نسبته إلى العامة، وهذا النوع من التفكير كان قبل الأشعري، فإنّه بعد وفاة الرسول الاعظم(صلّی الله علیه وآله وسلّم)تصدى من تصدى الخلافة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وبما أنّ المتصدّين لمنصب الخلافة كانوا قليلي الاطّلاع بالكتاب والسنة، وذلك لعدم ضبط السنة، بل منعوا ضبط السنة، كما ذكرنا في تاريخ تدوين الحديث، فإنّهم منعوا من تدوين الحديث والسنة النبوية إلى سنين متمادية، بل منع

الخليفة الثاني نشر الأحاديث على ما في تواريخهم، وكان رواة الحديث يعتمدون على حافظتهم، ونتيجة لذلك صارت مصادر استنباط الحكم الشرعي محدودةً، وبما أنّ الدولة الإسلامية قد توسّعت دائرتها والقضاة كانوا يواجهون وقائع جديدة، ولم يكن عندهم مصادر الاستنباط، وكانوا قليلي الاطّلاع بالنسبة إلى الأحكام الشرعية، وكثيراً ما كانوا يكتفون في القضاء بما سمعوه في المجالس من كيفية قضاء فلان وفلان وما تصل إليه آراؤهم، ومن الواضح أنّ الآراء تختلف، ولاسيما الآراء الابتدائية، فكان كلّ يقضي بحكم ويصدر فتوىً، وحينما يرجع الأمر إلى مَن تصدّى لمنصب الخلافة كان يُصوّب الجميع، ولعلّ عمله هذا من أجل قصور اطّلاعه ومعارفه؛ لأن تمييز ما هو الصحيح من هذه الأحكام يحتاج إلى علم ومعرفة، ولم يكن عندهم ذلك.

ولعلّ هذا الأمر هو أحد مناشئ القول بالتصويب، كما أنّه يمكن أن يكون أحد مناشئه اختلاف الصحابة في بعض الأحكام كحكم البغاة، فبما أنّهم رأوا أنّ القول بالتصويب أنسب لحفظ الجميع فقالوا بالتصويب، ولعل للذهاب إلى هذا القول مناشئ اُخرى.

وقد تعرّض الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لهذه المشكلة - في بعض خطبه - بكلتا مقدّمتيه، ومنه يُعرف السابقة التاريخية لهذا التصويب، قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : (ومن كلام له(عليه السلام) في ذم اختلاف العلماء في الفتيا: (تردُ على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعاً وإلههم واحد ونبيّهم واحد وكتابهم واحد، أَفأَمرهم اللهُ تعالى بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه ؟ أم أنزل الله سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل الله

سبحانه ديناً تاماً فقصر الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول: ما فَرَطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ(1)و تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ(2)، وذكر أن الكتاب يصدّق بعضُه بعضاً وأنّه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهُ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(3)وأنّ القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تَفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف الظلمات إلّا به).(4)

ثم علّق ابن أبي الحديد فقال: (والمراد الردّ على أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية وإفساد قول من قال : كل مجتهد مصيب)(5).

وما يُستفاد من هذه الرواية الشريفة هو منع المقدمتين المذكورتين، حيث ردّ الإمام(عليه السلام) المقدمة الاُولى باستدلاله بالآيتين الشريفتين: مّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ وتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ .

ومضافاً إلى هذه الرواية الشريفة في ردّ المقدمة الاُولى هناك روايات اُخرى متواترة معنىً.

منها: ما روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «ليس شيء إلّا في الكتاب والسنة»(6).


1) سورة الأنعام الآية: 38.

2) سورة النحل/ الآية: 89.

3) سورة النساء الآية: 82.

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/ 288.

5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديث 1/ 289.

6) بحار الأنوار 2/ 175.

ومنها: رواية سماعة عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)قال: قلت له: أكلُّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه؟ أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)»(1).

ومنها: معتبرة سعيد الأعرج، قال: قلت لأبي عبد الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): إن من عندنا من يتقفه يقولون يرد علينا ما لا نعرفه في كتاب الله ولا في السنة نقول فيه برأينا. فقال أبو عبد الله(عليه السلام) : «كذبوا ليس شيء إلّا وقد جاء في الكتاب وجاءت فيه السنة»(2).

ومنها: رواية أبي بصير قال: دخلتُ على أبي عبد الله(عليه السلام) - إلى أن قال - قلت: جعلت فداك، وما الجامعة؟ قال: « صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وإملائه وخطّ علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش»(3).

والروايات - كما أشرنا - متواترة بهذا المعنى، ومعتقدنا - نحن الشيعة - أنّه ما من واقعة إلّا ولها حكم من الكتاب أو السنة.

وأمّا المقدمة الثانية فهي أيضاً مردودة بما ورد في ذيل ما كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) المتقدم، وأنّه مَن جعل لهم هذا الحق في جعل شيء حراماً وحلالاً بظنونهم وأقيستهم واستحساناتهم، وقد دلّت الآيات الشريفة على أنّه ليس لأحد حقّ التشريع:


1) الكافي 62/1 / ح1 .

2) بحار الأنوار 304/2.

3) الكافي 1/ 239 ح1.

منها قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله(1)، بضميمة الروايات الواردة في تفسير الآية ومفادها: أنّهم لم يقولوا أن اعبدونا من دون الله ، بل حلّلوا لهم حراماً وحرّموا لهم حلالاً فاتّبعوهم.

ومنها: قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ اللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ(2).

ومنها: قوله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هُذَا حَلَالُ وَهُذَا حَرَامٌ(3).

ونفس الرواية الشريفة تدل على أنّ الدين كامل، وليس لأحد أن يكون مكمّلاً له بجعل شيء حراماً وحلالاً، إلى غير ذلك من الروايات الدالة على أنّه ليس لأحد حق التحليل والتحريم، ولا سيّما بالأقيسة والاستحسانات؛ وذلك لأنّ القياس هنا قياس إختراعي لا استكشافي؛ إذ المفروض أنّه ليس هناك حكم حتى يقال بأنّ هذا القياس استكشافي، وقد ذكرنا الفرق بين القياس الاستكشافي والاختراعي في بحث القياس، والقياس الاختراعي مقدمة لاختراع وإنشاء الحكم.

إن قلت: كيف تنكرون منطقة الفراغ والحال أنّكم قلتم بوجودها في الأحكام الولائية.

قلنا: إنَّ بين البحثين فرقاً واضحاً؛ لأنّ ما هو مورد البحث فعلاً هو أنّه ما من واقعة إلّا ولها حكم تشريعي دائمي في الكتاب والسنة، فليس هنا منطقة فراغ. ومنطقة الفراغ التي ذكرناها للحكم الولائي هي حكمهم(عليهم السلام) حكماً ولائياً من جهة المصالح


1) سورة التوبة/ الآية: 31.

2) سورة يونس/ الآية: 59.

3) سوة النحل/ الآية: 116 .

لا

والمفاسد المتغيرة ولابد أن لا يكون حكمهم(عليهم السلام) محلّلاً لحرام أو محرماً لحلال نظير ما يوجب ويلزم الشخص على نفسه بشرط ونذر أو يمين أو صلح، فقياس منطقة الفراغ التي ذكرناها في الحكم الولائي غير منطقة الفراغ في محل البحث.

وهنا يبرز سؤال وهو : ماذا يفعل المجتهد في المسائل المستحدثة مع أنّا نرى أنّ جميع المسائل لم تُذكر في الكتاب والسنة.

وهذا الاعتراض من الاعتراضات التي كانت في الأزمنة السابقة من العامة، فهم يقولون: إنّكم - أي : الشيعة - لا تقولون بالقياس والاستحسان، فليس لكم فقه، ولا فروع لكم إلا الفروع المنصوصة.

وهذا ما تعرّض له الشيخ في أول المبسوط، وقد أجاب الشيخ بأنّا على وفق الاُصول والقواعد نستخرج ونستبط حكم كل واقعة، وقد أَمرَنا أئمتُنا

(عليهم السلام) بالتفريع كما عن الإمام الرضا(عليه السلام) : «علينا إلقاء الاُصول وعليكم التفريع»(1).

فظهر أنّ التصويب بهذا المعنى باطل، وقد نُسب التصويب بهذا المعنى إلى الأشعري، إلّا أنّك عرفت أنّ تاريخه أقدم منه، قال الغزالي في المستصفى: (أمّا المسائل التي لا نصّ فيها فيُعلم أنّه لا حكم فيها، لأنّ حكم الله تعالى خطابه، وخطابه يُعرف بأن يُسمع من الرسول)(2).

فنرى أنّه يقول بأنّه ما لا نص فيه لا حكم فيه.


1) وسائل الشيعة 62/27 .

2) المستصفى 362.

وقال، في موضع آخر : (ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يُطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن، وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه، وهو المختار ، وإليه ذهب القاضي)(1).

وقال الشوكاني: (المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها اختلفوا في ذلك اختلافاً طويلاً - إلى أن يقول - فذهب جمع جم إلى أنّ كلّ قول من أقوال المجتهدين فيها حق وأنّ كل واحد منها مصيب، وحكاه الماوردي والروياني عن الأكثرين، وقال الماوردي: هو قول أبي الحسن الأشعري والمعتزلة، وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأكثر الفقهاء إلى أنّ الحق في أحد الأقوال وإن لم يتعيّن لنا).

والغرض من نقل العبارات هو أنّ التصويب المسمّى بالتصويب الاشعري إنّما يكون في الوقائع التي لاحكم فيها من الكتاب والسنة، وهم لا يقولون بالتصويب في كل واقعة حتى إذا كان لها حكم، فما نُسب إليهم من أنّهم يقولون بالتصويب مطلقاً، مما لم يثبت لنا بوجه، كما ظهر أنّ انتساب هذا التصويب إلى الاشعري غير صحيح، نعم قال الأشعري بالتصويب في الوقائع التي ليس لها حكم.

هذا ولكنّ بعض المتأخرين من الاُصوليين قد تلقّوا هذا التصويب بغير ما تلقّيناه، ولعل تلقّيهم على خلاف ما تلقّيناه بسبب عدم مراجعتهم مصادر العامة، ولذا قال في مصباح الاُصول في بحث الظن: (الأوّل: ما هو المنسوب إلى الأشاعرة من أنّه ليس في الواقع حكم، مع قطع النظر عن قيام الأمارة، بل يكون قيامها سبباً لحدوث مصلحة موجبة لجعل الحكم على طبق الأمارة على القول بالسببية، لكن السببية بهذا المعنى غير معقول؛ لاستلزامه الدور، فإنّ قيام الأمارة على الحكم فرع ثبوته واقعاً


1) المستصفى 352.

فكيف يتوقف ثبوته على قيامها، وهذا مع كونه مخالفاً للاجماع والروايات على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل)(1).

وذكر نظير ذلك في التنقيح من غير نسبة إلى الأشاعرة(2).

وهذا النوع من التلقي محل تأمل من جهات:

الجهة الاُولى: عدم تمامية ما نسب إلى الأشاعرة من أنّه ليس في الواقع حكم مع قطع النظر عن قيام الأمارة، بل يكون قيامها سبباً لحدوث مصلحة موجبة، فإنّ المشهور عن الأشاعرة عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، ولا تبتني التخطئة والتصويب على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.

الجهة الثانية: أنّ محل كلامهم هو الموارد التي لا نص فيها، لا مطلق الموارد، ومرادهم من الأمارة هو القياس الاختراعي، لا الأمارة الكاشفة عن الحكم حتى يقال بأن كاشفية الأمارة متوقفة على وجود الحكم، فلو كان وجود الحكم متوقفاً على قيام الأمارة يلزم الدور.

مضافاً إلى أن الأمارات والطرق غير متوقفة على الكشف الواقعي - بأن يكون لها واقع - بل متوقفة على الكشف العنواني، وقد أشار إلى ذلك المحقق الأصفهاني.

والحاصل : أنّ هذا الإشكال لا يرد على التصويب بالتقريب الذي ذكرناه.

الجهة الثالثة: أنّه لو كان القائل بالتصويب قائلاً بأنّ الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل لم يكن قوله بالتصويب منافياً لقوله هذا؛ إذ هو لا يقول بالتصويب في جميع الوقائع، بل يقول بالتصويب فيما لانص فيه، فهو أيضاً يقول باشتراك العالم والجاهل


1) مصباح الأصول 2/ 95.

2) التنقيح للسيد الخوئي 38/1

في الأحكام التي وردت في الوقائع، فلا يمكن الإشكال عليه بـ: (كونه مخالفاً للاجماع والروايات الدالّة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل)(1).

هذا تمام الكلام في التصويب بالنحو الأوّل.

المسألة الثانية: الالتزام بالتصويب في الشرعيات التي ورد فيها نص، بأن يقال: جميع الوقائع لها حكم ومع ذلك نلتزم بالتصويب، أو يقال بأنّ بعض الوقائع لها حكم ونلتزم في هذا البعض بالتصويب. وهذا هو الذي يُعبر عنه بالتصويب المعتزلي.

فمن الممكن أن يكون الشخص ملتزماً بالنحوين من التصويب، التصويب فيما له حكم والتصويب فيما ليس له حكم.

والكلام في تصوير النزاع في التخطئة والتصويب بهذا المعنى، مع أنّ المفروض وجود حكم الله الواقعي إمّا في كل واقعة أو في الوقائع التي لها حكم، والحال أنّ المجتهدين مختلفون في الأحكام.

ويمكن تصوير النزاع بوجوه:

الوجه الأوّل: أن يكون المراد بالتخطئة والتصويب أنّ لكل واقعة حكماً، وكلّ حكم له دليل وحجة من الله تعالى، أي أنّ لكل حكم بياناً في معرض الوصول، فمن وصل إلى الحكم فبها ونعمت، ومن لم يصل إلى ذلك الحكم يُعاقب.

ويقابله القول بالتصويب، بمعنى أن كل واقعة لها حكم ولها بيان، إلّا أنّه قد يصل إليه المجتهد وقد لا يصل، فمن وصل إليه فبها ونعمت وإلّا يكون معذوراً، لا أن يكون آثماً وفاسقاً.


1) مصباح الاُصول 2/ 95.

والقول بالتصويب بهذا المعنى هو الصحيح وإن كان هذا المعنى من التخطئة والتصويب بعيداً عن الأذهان، والقول بالتخطئة بهذا المعنى مبتن على أن يكون لكل حكم بيان في معرض الوصول، ومن لم يصل إليه لا يكون مخطئاً، فالقائلون بالتخطئة، وهم في الحقيقة القائلون بالعقوبة في صورة مخالفة الحكم للواقع، يقولون بوجود بيان في معرض الوصول لكل حكم، فمرجع التصويب والتخطئة هنا إلى أنّه مُخطئٌ في صورة مخالفته مع الواقع وأنّه ليس بمخطئ في صورة عدم وصوله إلى الواقع.

والنزاع في التخطئة والتصويب بهذا المعنى مما وقع عند العامة والخاصة، فقد قال الشيخ الطوسي: (والذي أذهب إليه وهو مذهب جميع شيوخنا المتكلمين من المتقدمين والمتأخرين، وهو الذي اختاره المرتضى وإليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله، أنّ الحق في واحد وأنّ عليه دليلاً، من خالفه كان مخطئاً فاسقاً)(1).

وقال في كتاب الغيبة : (وكان المرتضى(رحمة الله) يقول أخيراً: لا يمتنع أن يكون ها هنا أمور كثيرة غير واصلة إلينا هي مودعة عند الإمام(عليه السلام) ، وإن كان قد كتمها الناقلون ولم ينقلوها ولم يلزم مع ذلك سقوط التكليف عن الخلق).

وهذا في قبال ما ذهب إليه الشيخ في العدة ونسبه إلى السيد المرتضى.

وقال الشوكاني(2): ( وذهب قوم إلى أنّ الحقّ واحد، والمخالف له مُخطئ آثم ويختلف خطوه على قدر ما يتعلق به الحكم، فقد يكون كبيرة وقد يكون صغيرة، ومن القائلين بهذا القول الأصم والمريسي وابن عُلية وحكى عن أهل الظاهر وعن جماعة من الشافعية وطائفة من الحنفية وقد طَوّل أئمة الاُصول الكلامَ في هذه المسألة).


1) عدّة الاُصول 114/3.

2) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: 261.

فيظهر أنّ هذا النزاع كما كان في الخاصة كان بين العامة أيضاً، والتخطئة بهذا المعنى مما لا يمكن الالتزام به، وذلك لأنّه وإن كان لكلّ واقعة حكم وقد بيّنت جميع الأحكام ويكون المقصر في الوصول إلى البيان آثماً ، إلّا أنّ من بذل الجهد في الوصول ولم يصل لم يكن آثماً، فإنّه من الواضح أنّ عدّة من المصادر كانت موجودة في الأزمنة السابقة، إلّا أنّها معدومة فعلاً ولم تصل إلينا كجامع البزنطي، فإنّه كان عند المحقق ولم

يصل إلينا وليس لنا طريق إليه، إلى غير ذلك من الكتب.

مضافاً إلى اختلاف الأفهام والعقول، فربما يكون الدليل واصلاً، إلّا أنّ مجتهداً يستظهر معنىً والآخر يستظهر معنىً آخر، أو يكون الدليل ضعيفاً عند شخص وقوياً عند الآخر، إلى غير ذلك من موارد الاختلاف في الاستظهار، ولا يمكن الحكم بأنّه آثم ومخطئ إذا لم يصل إلى الواقع مع أنّه بذل غاية جهده في الوصول إلى الحكم ويشمله «رفع ما لا يعلمون»(1)و «كلّ شيء هو لك حلال»(2)إلى غير ذلك من الاُصول.

فظهر أنّه لا بدّ من الإلتزام بالتصويب بهذا المعنى، وهو أنّ الحق في واحد فإن وصل إلى الحق فبها ونعمت وإن لم يصل وكان باذلاً للجهد فهو معذور وليس بآثم وفاسق.

فإن قلنا بأنّ المجتهدين على صواب فمعناه أنّهم لا يُعاقَبون، وهذا ما يقوله الشيعة وبعض العامة.


1) الكافي 2/ 463 ح2 .

2) نفس المصدر 313/5 ح 4 .

الوجه الثاني: أنّ الأحكام لا تشمل الجُهّال بالنسبة إليها، أي أنّ الأحكام خاصة بالعالم بها، وهي لا تعمّ من قامت عنده حجة على الخلاف سواء كانت الحجة قطعاً أم حجة أخرى.

ويمكن للقائلين بالتصويب الاستدلال بالأدلة العقلية والنقلية.

أما النقلية:

فمنها قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا(1)بناءً على أن يكون المراد من الإيتاء هو الإعلام والمراد من الموصول هو الحكم، فيكون المعنى هكذا: لا يكلّف الله نفساً إلا حكماً يعلمه، وعليه فيُشترط في التكاليف الإلهية العلم بها. ولكن هذا الاستدلال ضعيف - مع قطع النظر عما ذُكر في مبحث القطع من أنّه يمكن اشتراط التكليف بالعلم أو لا يمكن - وذلك لأنه يمكن أن يُراد من الموصول

نفس الفعل، والمراد من الإيتاء الإقدار عليه، أو يكون المراد من الموصول هو المال

بقرينة المورد، والمراد من الإيتاء ما أعطاه الله ؛ إذ إنّ الآية المباركة مسبوقة بالانفاق: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا(2).

وقد قال الطبرسي في شرح الآية: وفي هذا دلالة على أنّه سبحانه لا يكلّف أحداً ما لا يقدر عليه وما لا يطيقه(3).

وعلى فرض أنّ يكون المراد من الموصول هو الحكم، فهو مساوق للحكم في مرحلة التنجز، لا في مرحلة الإنشاء.


1) سورة الطلاق الآية: 7.

2) سورة الطلاق الآية: 7.

3) مجمع البيان 48/10.

ومنها حديث الرفع (رفع ما لا يعلمون).

وهو مما لا يمكن الالتزام به، فإنّه يرتبط أيضاً بمرحلة التنجز.

وأما الأدلة العقلية :

فمنها : أنّ الأحكام المجعولة من قبل الشارع ولا سيما الوجوب والحرمة حيث إنّهما عمدة الأحكام، مضافاً إلى لزوم اشتمالها على المصالح والمفاسد الملزمة في متعلقاتها لا بدّ وأن تكون واجدة لملاك الحكم ، وملاك الحكم عبارة عن صدق عنوان التسبيب إلى الخير والزجر عن الشر بالإمكان على الحكم، ومن ليس عالماً بالحكم لا يصدق عليه العنوان؛ إذ مَن لا يعلم بالوجوب لا يكون للوجوب بالنسبة إليه حيثية الداعوية بالإمكان، أي أنّه لا يتأثر بالوجوب الذي لا يعلم به ، فإنّه لو كان الشخص عالماً بالحكم يمكن أن يتأثر به ويمكن أن يخالفه، وأمّا بالنسبة إلى من قامت الحجة عنده على الخلاف، كما إذا كان قاطعاً بالخلاف أو قامت حجة شرعية عنده على الخلاف، فليس للحكم الواقعي لياقة الداعوية بالإمكان، وهكذا النهي .

وكما أنّ الحكم في أصل وجوده محتاج إلى هذا الملاك كذلك في حدوده متوقف عليه، ولذا قلنا إنّ الخطاب لا يشمل العاجز، والسر فيه أنّ الحكم ليس بلائق لداعويته بالإمكان، والجاهل وزانه وزان العاجز، وعليه فجعل الحكم الشرعي بالنسبة إلى الجاهل بالحكم لغو.

ويمكن الجواب عن هذا الاستدلال العقلي بأنّ ملاك الحكم في الأحكام القانونية عبارة عن كون الحكم بالنسبة إلى الأفراد في صراط الداعوية بحيث لو علم به من باب الاتفاق أو قامت حجة عليه لتنجّز، وليس محدوداً بما إذا قامت حجة عليه.

وبعبارة اُخرى: الحكم المجعول مجعول للجميع، إلّا أنّه إذا لم يصل إليه شخص يكون معذوراً، مضافاً إلى عدم لزوم اللغوية لمن قامت عنده الحجة على الخلاف؛ إذ

الاحتياط مستحسن ومستحب حتى لمن قامت عنده الحجة على الخلاف، فلو فرضنا أن رأي المجتهد على حلّية شيء، إلّا أنّه يحتمل وجداناً حرمته فيحسن الاحتياط عقلاً، بل يستحب شرعاً على قول، فليس الأمر كما ذُكر من أنّه ليس قابلاً للتأثير في نفس المكلف مطلقاً فيما إذا قامت الحجة على الخلاف، نعم إذا قامت الحجة على الخلاف لا يصل الحكم الواقعي إلى مرحلة المنجزية، إلّا أنّه ليس معنى ذلك عدم تأثيره أصلاً، فإنه يكفي في التأثير أنّ المكلف المنقاد يحتاط في مقام الإنقياد.

ومنها: أنّ الطرق الشرعية سببية، ومرجع السببية إلى أنّ قياسهم الطريق موجب لوجود الملاك المناسب في المؤدى، فلابدّ من القول بالتسبيب في الطرق، ومعه لا يمكن وجود الحكم الواقعي وإلّا لزم اجتماع الحكمين مع اشتمال كل منها على الملاك.

والجواب عن هذا الاستدلال قد ذُكر في محله، وإجماله: أنّ الالتزام بالسببية في الطرق والأصول وأشباههما وأنّها مولّدة للملاك في غاية الضعف، والقول بالسببية قول من قدماء العامة، ولا شاهد عليه من العقل والعقلاء، وعلى فرض تمامية الاستدلال يمكن تصوير عدم تبدّل الحكم الواقعي في بعض الصور.

فظهر عدم تمامية ما استُدل به لاختصاص الأحكام بالعالم بها، بل تعمّ العالم والجاهل، مضافاً إلى أنّ هذه الأدلة لو تمت فإنّها تدل على العقد السلبي، أي: نفي الحكم عن الجاهل به ومن يعتقد خلافه، ولا تدل على إثبات الحكم المضاد الموافق لاعتقاده، فمثلاً لو كان الحكم الواقعي هو الوجوب وقامت الحجة عند شخص على عدم الوجوب، فهذه الأدلة تنفي الوجوب الذي يعتقد عدمه هذا الشخص، ولكنها لا تثبت الإباحة التي يعتقدها.

فتحصل : أنّ ما ذكر من الأدلة لا يثبت التصويب بالمعنى المتقدم.

وفي قبال هذا القول ذهب بعض إلى التخطئة، وقد استندوا في ذلك إلى أمور:

الأول: الإجماع

فقد ادّعي الإجماع على أنّ الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل سواء كان مقصراً أم قاصراً.

وقد ناقش في هذا الإجماع بعض الأكابر بأنّ الإجماع وإن كان موجوداً، إلّا أنّ الإجماع من متكلّمي الشيعة وليس من فقهائنا، ولاسيما قدماء الأصحاب، وبما أنّ المتكلّمين يعتمدون غالباً في أقوالهم على الأدلة العقلية فلا يكون مثل هذا الإجماع كاشفاً عن قول المعصوم.

وهذا الاشكال وجيه ولا بأس به، ولا نُطيل البحث في الإجماع بأزيد من ذلك.

الثاني : الروايات الدالة على التوقف والاحتياط

والاستدلال بهذه الروايات مبنيّ على دلالتها إمّا على حسن الاحتياط عقلاً أو على استحباب الاحتياط شرعاً؛ إذ مفادها أنّ الجاهل بالحكم ومن ليس الحكم بالنسبة إليه منجّزاً ولم تقم . عنده حجة يُستحب أو يُستحسن منه الاحتياط.

وأما لو حملنا هذه الروايات على موارد العلم الإجمالي المنجّز، فتكون خارجة عن محل بحثنا؛ إذ هي وإن كانت تثبت وجود الحكم في موارد العلم الاجمالي المنجّز إلاّ أنّ موارد العلم الاجمالي من الموارد التي لم تقم فيها الحجة على الخلاف.

وكذا إذا قلنا بمقالة الأخباريين من أنّ مفادها تنجيز الحكم الواقعي، أي أنّ ما قيل من التوقف أو الاحتياط في الشبهات (قف عند الشبهة )(1)، (أخوك دينك، فاحتط


1) انظر: الكافي 40/1 ح 9 وفيه: (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة...).

لدينك بما شئت)(1)إنما قيل بداعي تنجيز الحكم الواقعي في الشبهات البدوية؛ إذ على ذلك تكون نفس هذه الروايات حجةً على ثبوت الحكم لا أن تكون على خلاف الحكم الواقعي، ومحل كلامنا ما إذا قامت الحجة على الخلاف، فإنّ حسن الاحتياط عقلاً أو استحبابه شرعاً إنّما يكون في ما إذا قامت الحجة على خلاف الحكم الواقعي، فبما أنّه يُحتمل وجداناً أن يكون الحكم الواقعي مخالفاً لما قامت الحجة عليه، فلذا يُستحسن أو يُستحب الاحتياط.

والذي استظهرناه في مبحث البراءة إنّما هو الوجهان الأولان، أي: حسن الاحتياط أو استحبابه، فلذا يكون الاستدلال بها تاماً.

الثالث: مطلقات أدلة الأحكام

فإن الأحكام التكليفية والوضعية لم تقيد أدلتها بالعلم والجهل، وبها الاستدلال تام وصحيح أيضاً، إلّا في الموارد النادرة جداً وفيما إذا ثبت بدليل خاص أنّ الحكم مختص بالعالم به.

الرابع: عدم معقولية تقييد الحكم بالعلم

إنّ تقييد الحكم بالعلم به غير معقول بوجوه ذكروها في بحث القطع.

والجواب عن هذا الوجه ما ذُكر في مبحث القطع من وجوه التصحيح رداً على ما ذُكر من عدم المعقولية، والبحث عنه موكول إلى مبحث القطع.

الخامس: رواية المحكم والمتشابه


1) وسائل الشيعة 27/ 167 .

قد نُسب إلى السيد المرتضى أنّه استخرج الرواية من تفسير النعماني في رسالة المحكم والمتشابه، وهي موجودة في جامع الأحاديث، وقد صرّح فيها ببطلان التصويب بهذا المعنى وأنّ الأحكام لا تختص بالعالم بها.

إلّا أنّ هذه الرسالة لا أساس لها؛ إذ في سندها حسن بن علي بن أبي حمزة البطائني.

مضافاً إلى أنّ متنها لا يتناسب مع صدوره من متكلم في القرن الأول، فإنّ الرواية مروية عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقد استعمل في فيها مصطلحات القرن الثاني والثالث، وهذا نظير انتساب بعض المصطلحات العقلية المذكورة في الكفاية أو فوائد الاُصول إلى الشيخ الطوسي، فإنّ هذا أمر يخالفه تطور العلم والاصطلاحات العلمية.

وأياً كان فالصحيح هنا هو القول بالتخطئة.

الوجه الثالث: لتصوير نزاع التخطئة والتصويب في الوقائع التي لها حكم، هو : الالتزام بالتصويب في الأحكام في مرحلة الظاهر، أو الالتزام بالتصويب في الأحكام الظاهرية.

و مرادنا من مرحلة الظاهر هي مرحلة التنجيز والتعذير، وهناك فرق بين الأحكام في مرحلة الظاهر والأحكام الظاهرية، فقد يُلتزم بالتصويب في الأحكام الواقعية في مرحلة الظاهر، أي: في مرحلة المنجزية والمعذرية، وقد يُلتزم بالتصويب في الأحكام الظاهرية التي جعلت للشاك، كالطرق والاُصول أو الاُصول فقط على اختلاف بينهم في ذلك في أنّ الموضوع للشاك هل هو الأصول فقط أو الاُصول والاُمارات.

والفرق بينهما أنّ الاحكام في المرحلة التي تظهر للمكلف قطعاً أو ظناً يُلتزم فيها بالتصويب، فتشمل موارد القطع بحكم، وأمّا الأحكام الظاهرية فلا تشمل القطع؛ إذ الموضوع في الحكم الظاهري هو الشاك.

أمّا الالتزام بالتصويب في الأحكام الواقعية في مرحلة الظاهر، فقد ظهر أمره مما ذكرنا بأنّ المجتهد إذا لم يصل إلى الحكم الواقعي مع بذله للجهد يكون معذوراً سواء كان قاطعاً بالخلاف أم قامت الحجة على الخلاف. وكذلك في الحكم الظاهري، كما إذا اعتقد بأنّ الاستصحاب مثلاً مطلقاً حجة، ولم يكن الاستصحاب في الواقع حجة في الشك في المقتضي، وبذل غاية جهده للفحص عن الحكم الواقعي ولم يصل إليه أو قطع بالخلاف، أو اعتقد بحجية خبر الثقة وفي الواقع كان خبر الموثوق به هو الحجة، إلى غير ذلك من الاشتباهات، فهو غير مقصّر.

والحكم الواقعي ما لم يكن بيان بالنسبة إليه لم تكن مخالفته موجبةً لاستحقاق العقوبة، وهل يستحق العقوبة فيما إذا قطع بوجوب شيء ولم يكن بواجب أو قامت الحجة على وجوب شيء ولم يكن بواجب في صورة المخالفة أو لا؟

قيل باستحقاق العقوبة من جهة التجرّي، إلّا أنّا - كما ذكرنا في مبحث القطع - لا نقول باستحقاق العقوبة من جهة التجري.

وأمّا إذا قام على الوجوب ما يعتقد أنه حجة وكان واجباً واقعاً إلّا أنّ هذا الطريق الذي اعتقد حجيته ليس بحجة، فهل يستحق العقاب في صورة المخالفة أو لا؟ فيه كلام.

فتحصّل مما ذكرنا أنّ المجتهد إذا استند إلى قطع أو حجة على الخلاف سواء كان في الأحكام الواقعية أم الأحكام الظاهرية فهو لا يستحق العقوبة في صورة المخالفة فيما إذا كان معتقده نفي الحكم، وأمّا إذا كان معتقده إثبات حكم بتخيّل أنّ الراوي

مثلاً ثقة ولم يكن هو بثقة واقعاً، فهل يستحق العقوبة في صورة المخالفة أو لا؟ فيه كلام، وهو مبتن على أنّ فاعلية الحكم الواقعي متوقفة على البيان أو العذر، وهذا الشخص ليس بمعذور، ومن ناحية اُخرى فالبيان قاصر، وتفصيل الكلام موكول إلى مبحث البراءة.

وأمّا الالتزام بالتصويب في الأحكام الظاهرية ، فهو المشهور والمعروف، ولذا صاروا بصدد بيان هذا التصويب في الأحكام الظاهرية.

وتجدر الإشارة قبل الدخول في البحث إلى أنّ الأحكام الظاهرية غير ثابتة، لا في الطرق ولا في الاُصول.

والمراد من الأحكام الظاهرية هو الأحكام التكليفية الظاهرية التي ينتزع منها المنجزية والمعذرية، ونحن ذكرنا في محلّه بأنّ المجعول في الطرق إمّا نفس التنجيز والتعذير كما عليه صاحب الكفاية، وإمّا اعتباره علماً، لا جعل المؤدّى حتى يكون حكماً ظاهرياً، وأمّا في الاُصول فليس فيها جعل شيء، فمثلاً (رفع ما لا يعلمون) إعلام بأنّ الحكم المجعول من أحكام الدرجة الثانية، وليس بنحو يكون إحتماله منجزاً، و(كل شيء حلال) مرجعه إلى الحلّية التنزيلية، يعني: لا يترتب عليه أثر الحرمة ما لم يعلم بحرمته، والاستصحاب مرجعه الى توسعة اليقين، واعتبار اليقين بالحدوث يقيناً بالنسبة إلى البقاء، وعلى أي حال فإن المشهور والمعروف هو التصويب في الأحكام الظاهرية.

وذهب بعضهم إلى التصويب في الاُصول فقط دون الطرق، وهذا ما ذهب إليه بعض الاكابر في الاُصول والتزم بالتصويب فيها في المرحلة الفعلية دون مرحلة الانشاء.

وقبل التعرض لتفصيل ما قاله نذكر أمراً لعلّه يغنينا عن الخصوصيات التي ذُكرت في كلامه، وهو الاختلاف الواقع في الطرق والأمارات، فإنّهم اختلفوا فيها في وجود الحكم الظاهري الذي يُنتزع منه الحجية، بمعنى المنجزية والمعذرية وعدم وجوده فيها، بل المجعول إمّا نفس المنجزية والمعذرية كما ذهب إليه صاحب الكفاية، أو أنّ المجعول في الأمارات اعتبار الأمارة علماً كما عليه المحقق النائيني، وهكذا اختلفوا في الاُصول.

والبحث إنّما يكون بعد التسليم بوجود الأحكام الظاهرية، وأنّه هل يمكن الالتزام بالتصويب في مرحلة الإنشاء أو لا؟

ذكر في التنقيح بأنّه لا يمكن الالتزام بالتصويب في مرحلة الإنشاء؛ وذلك لأنّه يلزم منه اجتماع النقيضين أو الضدين؛ إذ لو اعتقد شخص حجية الاستصحاب وشخص آخر بعدم حجيته، فلا يمكن أن يكون الاستصحاب مثلاً حجة لشخص وأن لا يكون حجة لشخص آخر.

ونقول: لقد ذكر في الكفاية وغيره كلام في أوائل مبحث الظن، وهو أنّ الشكّ في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية، وأساسه أنّ أوضح تفسير للأحكام الظاهرية أنّها أحكام إنشائية بصورة البعث أو الزجر بداعي إيصال الحكم الواقعي أو بداعي التنجيز والتعذير، فمثلاً لو قال المولى لمن لا يعرف زيداً: (أكرم زيداً)، فبما أنّه لا يعرفه يقول له: (أكرم جارك)، فقوله اكرم جارك من باب ايصال الحكم بعنوان آخر، وقد يُؤتى به بداع التنجيز والتعذير تحفّظاً للأحكام الواقعية، وذلك لغلبة موافقة هذه الأحكام معها، أو لمصلحة تسهيلية قد تُنشئ حكماً للشاك تحفّظاً للحكم الواقعي.

ومخالفة هذه الأحكام للأحكام الواقعية في بعض الموارد ممّا لا أهمية له، وذلك لكثرة الفوائد المترتبة على الحكم الظاهري؛ لأنّه لو لم يُجعل الحكم الظاهري ويكتفى

بخصوص القطع يلزم منه تفويت أكثر الأحكام، وما يترتب على الحكم الظاهري هو التنجيز والتعذير، ولذا تثبت في الحكم الظاهري المراحل الموجودة في الأحكام الواقعية، كمرحلة الإنشاء ومرحلة الفعلية ومرحلة التنجز، إلّا أنّ مرحلة الفعلية لها وجه في مرحلة التنجز في الأحكام الظاهرية، بمعنى أنّ الحكم الظاهري بما أنّه ليس له أثر إلّا التنجيز والتعذير بالنسبة إلى الحكم الواقعي، ولذا ما لم يكن الحكم الظاهري واصلاً صغرى وكبرى لا يكون حكماً بالحمل الشائع، فإنّ الأثر المترتب على الحكم الظاهري، مترتب في حالة وصوله أو ما في حكم الوصول بأن يكون في معرض الوصول.

والكلام في أنّ الأحكام الظاهرية في مرحلة الإنشاء هل هي محدودة بالحدّ المذكور أو لا؟ وبعبارة اُخرى : هل أنّ مرحلة إنشاء الأحكام الظاهرية محددة بحدود مرحلة فاعلية هذه الأحكام التي يُعبّر عنها بمرحلة المنجزية والمعذرية، أي: أنّه مادام لم يعلم بالموضوع والحكم الظاهري، لا يكون الحكم الظاهري محققاً.

فإن قلنا بمحدودية الأحكام الظاهرية في مرحلة الإنشاء بما هي محدودة في مرحلة التنجيز والتعذير، فتثبت درجة من التصويب في مرحلة الإنشاء؛ إذ إنّه اُخذ فيها العلم بها في مرحلة الإنشاء، فكما يقال بالتصويب في الأحكام الواقعية بناءً على اختصاصها بالعالم بها، يقال في الأحكام الظاهرية.

توضيح ذلك: أنّه كما تقدم تصوير التصويب في الأحكام الواقعية بالاستشهاد بقوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا وغيره، وكذلك بالقول بأنّ الأحكام مختصّة بالعالم بها ولا تشمل من قامت عنده الحجة على الخلاف، فيقال هنا أيضاً: إنّ الحكم الظاهري إمّا أن يكون موضوعه من الأمور النفسيّة التي تكون واصلة، من قبيل اليقين والشك الذي هو موضوع للاستصحاب، أو احتمال التكليف

أو الشكّ في التكليف بناءً على كونها موضوع البراءة، وإمّا أن يكون موضوع الحكم الظاهري أمراً واقعياً، كخبر الواحد وخبر الثقة.

أما القسم الأول فلا نحتاج فيه إلى تقييد الموضوع؛ إذ العلم بها علم حضوري للانسان.

وأمّا القسم الثاني فيُقَيّد الموضوع بخبر واصل، وهكذا في غيره من الأمور الواقعية؛ وذلك لأنّه لا يترتب عليه الأثر من التنجيز والتعذير إلّا مع العلم به، ويلحق بالوصول ما يكون في معرض الوصول.

وأمّا نفس الحجية المجعولة للخبر، فهي أيضاً مقيّدة بما إذا علم بحجية خبر الثقة، فمن علم بحجية خبر الثقة يكون خبر الثقة حجة بالنسبة إليه.

وغاية ما يمكن أن يقال هو أنّه كيف يمكن أخذ العلم بالحكم في موضوعه، وهذا ما أشكل عليه جمع في الأحكام الواقعية، إلّا أنّ جمعاً قد أجابوا عن ذلك وصوّروه بصور متعددة:

إمّا بالجعل الواحد كما عن المحقّق الخراساني بأن يُؤخذ العلم في مرحلة الإنشاء في مرحلة الفعلية، وإما بجعلين كما عن المحقّق النائيني، وإما بوجه آخر كما عن بعض الأكابر. وعلى أي نحو كان فإنّ هذا أمر ممكن كما ذُكر مفصلاً في مبحث القطع.

فإن أمكن تقييد الموضوع فيما يحتاج إلى تقييد الموضوع ليتساوى مع مورد ترتب الأثر؛ إذ ترتب الأثر إنّما يكون بعد العلم بالموضوع، وأمكن تقييد الحكم بمن كان عالماً به، فيكون إمكان التقييد مساوقاً لوقوع التقييد؛ لأنّ الاطلاق لغو، وذلك لأنّ خبر الثقة الذي لم يصل إلينا أو وصل إلينا خبر ولكن لا طريق لنا لإثبات وثاقة راويه لم يكن حجة، أو أنّ الحجية التي جعلها الشارع لخبر الثقة مثلاً إذا لم تصل الينا فلا تكون حجة بالنسبة لنا، وهكذا في مثل الاستصحاب، فإنّه من لا يعتقد بحجية

الاستصحاب في الأحكام - كالأخباريين حيث إنّهم يقولون بعدم حجيته في الأحكام لقصور الأدلة أو كبعض الاُصوليين حيث يقولون بأن استصحاب الحكم معارض باستصحاب عدم الجعل - فلا يكون الاستصحاب حجة بالنسبة إليه في المورد.

وعليه فإن تمكّنا من إثبات ذلك وأجبنا عن الإشكال المذكور من أنّه لايمكن أخذ العلم بالحكم في الموضوع، فلابد من الالتزام بمحدودية الأحكام الظاهرية بالوصول من ناحية الموضوع والحكم، ونتيجة ذلك أنّه من لم يصل إليه ذلك حكماً أو موضوعاً لم يكن الحكم الظاهري موجوداً بالنسبة إليه، كما إذا لم يصله خبر الثقة أو وصله ولكن لم يصل إليه حجية خبر الثقة فتصل النوبة إلى الاستصحاب، وإن لم يصله الاستصحاب -أي: حجية الاستصحاب - تصل النوبة إلى البراءة. وهكذا في غير خبر الثقة.

فمن لا يعلم بالحكم الظاهري وإن كان موجوداً في الواقع يكون مفقوداً بالنسبة إلى هذا الشخص، وهذا نوع من التصويب.

وأمّا من اعتقد بحجيّة شيء ليس بحجة واقعاً، كما إذا كان الاستصحاب في الواقع حجةً في خصوص الشكّ في الرافع إلّا أنّ هذا الشخص اعتقد بحجيته حتّى في مورد الشك في المقتضي، فإنّه لا يلزم منه التصويب؛ إذ مجرّد توهّم جعل الحجية لا يستلزم جعل الحجيّة، فلا يمكن الالتزام بالتصويب في مرحلة الإنشاء.

ومن يقول بالتصويب يقول بمحدوديّة الحكم الواقعي بالنسبة إلى العالم، لا أنّ من تخيل حكماً ظاهرياً يجعل له حكم ظاهري على طبقه، إلّا أنّ هذا الذي تخيل الحكم الظاهري، كما إذا اعتقد حجيّة الاستصحاب حتى في موارد الشك في المقتضي والحال أنّه ليس بحجّة في موارد الشك في المقتضي فهل تجري البراءة بالنسبة إليه أو لا؟

الظاهر عدم جريان البراءة بالنسبة إليه ؛ إذ اُخذ في موضوع البراءة (ما لا يعلمون) فمن يرى نفسه بأنّه يعلم بالحكم الواقعي كيف يمكنه اجراء البراءة، والرفع مختص بمن يعلم بأنّه لا يعلم، لا من يعلم بأنّه يعلم ولو كان هذا جهلاً مركباً.

فظهر أنّ من كان جاهلاً بالحكم الظاهري موضوعاً أو حكماً ليس له حكم ظاهري في مرحلة الإنشاء، وأمّا من اعتقد جهلاً بوجود حكم ظاهري لم يُجعل، فهنا الحكم الظاهري وإن كان مفقوداً بالنسبة إليه واقعاً، إلّا أنّه يترتب على هذا الاعتقاد أثر الحكم الظاهري الواصل، فلا تجري البراءة بالنسبة إليه؛ وذلك لعدم وصول موضوع البراءة بالنسبة إليه، وهذا هو الذي نقوله في الحكم الظاهري.

إلّا أنّ بعض الاكابر لم يبيّن المطلب على نحو ما بيّنا، بل ذكر أنّ الأحكام الظاهرية كالأحكام الواقعية في مرحلة الإنشاء، فكما تُعقل فيها التخطئة في مرحلة الإنشاء كذلك تُعقل في الأحكام الظاهرية في مرحلة الإنشاء، وإلّا يلزم اجتماع الضدين أو النقيضين، فالأحكام الإنشائية موجودة بالنسبة الى الجميع.

وممّا ذكرنا ظهر أنّ تعميم الأحكام الظاهرية حتى بالنسبة إلى الجاهل بها لغو، وقال هذا البعض: نعم، في مرحلة الفعلية في الأحكام الظاهرية نلتزم بالتصويب، أي أنّه في مرحلة الفعلية يتحقق الموضوع ويترتب الحكم، ومعنى ذلك أنه يتحقق موضوع البراءة فيما إذا اعتقد عدم حجية الاستصحاب، وذلك لأن موضوع البراءة هو الشاك والمفروض أنّه شاك، ونحن أيضاً قلنا بجريان البراءة في حقه، إلّا أنّا عللنا ذلك بأنّ هذا الشخص الذي يعتقد عدم حجية الاستصحاب هو مصداق (لا يعلم)، وأمّا الاستصحاب فهو مجعول، ولا يمكن القول بأنّه منتف بانتفاء موضوعه، وجريان البراءة في حقه لا يوجب انتفاء موضوع الاستصحاب.

فكلامه مشتمل على أمرين:

الأمر الأول: أنّ التصويب في مرحلة الإنشاء في الأحكام الظاهرية لا يُعقل، وهذا هو الذي نقول بخلافه، ويمكن حل التصويب فيها بما ذُكر.

الأمر الثاني: التصويب في مرحلة الفعلية، وهذا ممّا لا اعتراض لنا عليه، ومن أراد المزيد من الاطلاع على خصوصيات كلامه فليراجع التنقيح.

الفصل السابع: تبدل رأي المجتهد

اشارة

تبدّل رأي المجتهد:

لو تبدل رأي المجتهد فيما له أثر من القضاء أو الإعادة أو غيرهما من الآثار بأن اعتقد أولاً عدم جزئية شيء أو عدم شرطية شيء، ثم تبدل رأيه واعتقد بجزئيته أو شرطيته أو مانعيته، فهل عليه القضاء أو الإعادة أو لا، بلا فرق في أن يكون تبدّل رأيه في متعلق الحكم، كالصلاة أو موضوع الحكم، كالوضوء على مسلكنا.

فلو أخلّ بشيء من الشرط أو الجزء أو المانع لمتعلّق حكم أو لموضوع حكم، فهل يمكن الاجتزاء بالعمل السابق أو لا؟

ويلحق بهذه المسألة دوران الأمر بين المتبايتين، كما إذا اعتقد أوّلاً بوجوب صلاة الجمعة، ومضى على ذلك مدة، ثم تبدل رأيه واعتقد بوجوب صلاة الظهر، فهل يمكنه الاجتزاء بما أتى به من صلاة الجمعة أو لا؟

ولا بدّ في هذه المسألة - أي: مسألة الاجتزاء - من التعرض لجهات:

الجهة الاُولى: في اقتضاء مستند الحكم الأول الإجزاء وعدمه.

الجهة الثانية: في ما إذا كان مستند الرأي الثاني يقتضي الإعادة أو القضاء بالنسبة للعمل السابق وعدمه.

الجهة الثالثة: في ما تقتضيه الأدلة الخارجية التي تمسك بها للإجزاء، كالإجماع وحديث (لا تعاد) والسيرة.

الجهة الاُولى: في اقتضاء مستند الحكم الأول الإجزاء وعدمه

إن مستند الحكم تارة يكون القطع وثانية الطرق وثالثة الأصول.

فيما إذا كان مستند الحكم الأول هو القطع

أما إذا كان مستند الحكم الأول هو القطع ، فلا ريب في عدم اقتضائه للإجزاء، وهكذا في الطرق؛ إذ ليس للقطع إلّا طريقية محضة، والجري على وفق القطع ليس فيه جهة موهمة للإجزاء والاكتفاء بالعمل السابق، وهكذا ما يلحق بالقطع من الظن الانسدادي بناءً على الحكومة ومن البراءة العقلية.

فيما إذا كان مستند الحكم الأول هو الطرق

وأما إذا كان المستند هو الطرق، كما إذا اعتمد على خبر وكان الخبر له عموم أو إطلاق، وفحصَ عن الخاص أو المقيد ولم يظفر به، ثم بعد ذلك ظفر به اتفاقاً، وأمثال ذلك من الموارد. ويلحق بالطرق في الحكم الاُصول الشرعية.

ولبيان الحكم لابد من ذكر مقدمة نبيّن فيها أنّ في الطرق مسلكين:

الأول: الطريقية.

الثاني: السببية.

كما لابدّ من التذكير بأنّ البحث إنما يكون في غير التصويب المنتسب الى الأشعري والتصويب المعتزلي، بل البحث إنما يكون بناءً على القول بالتخطئة، والوجه فيه واضح؛ إذ تصويب الأشعري بناءً على ماذكرنا يكون في الوقائع التي فرض فيها أنّه لا حكم لها في الشريعة المقدّسة، وجعل الحكم فيها من وظائف الفقهاء والقضاة، ولابدّ من كون الحكم المجعول على وفق الأهداف العليا وعلى وفق العل--ة المستكشفة

للحكم المماثل، وعليه فلو تبدّل رأي المجتهد فيما لا حكم له فلا يكون للحادث واقع - بما أنّه لا حكم له - إلّا ما وصل إليه المجتهد، فلا يأتي البحث في إجزاء العمل السابق وعدمه.

وهكذا على التصويب المعتزلي بناءً على التفسير الذي كان مرجعه إلى أنّ الأحكام الواقعيّة موجودة، إلّا أنّها لا تشمل من قامت عنده حجة على الخلاف بالوجوه المتقدمة من الآية والرواية والوجوه العقلية؛ إذ على هذا المسلك لم يكن الحكم الواقعي شاملاً له، فلا يأتي البحث عن الإجزاء وعدمه.

فبعد ما ظهر أنّ البحث عن الإجزاء وعدمه من شؤون القول بالتخطئة، نقول: إنّ في الطرق - كما أشرنا - مسلكين: الطريقية والسببية، فإن قلنا بالطريقية، فمعناه أنّ الطرق موصلة الى الأحكام الواقعية، فبما أنّ هذه الطرق غالباً توجب الوصول إلى الأحكام الواقعية، فلذا اعتبرها الشارع على وفق ما يراه العقلاء؛ إذ غالب هذه الطرق إمضائية من الشارع، وما يكون منها تأسيسياً فحكمه حكم الإمضائي، وقيام الطريق لا يوجب مصلحة خاصة في مؤدّاه حتى يقال بما أنّه استوفى المصلحة الخاصة فلذا يكون موجباً للإجزاء، وهذا هو مختارنا وفاقاً لجماعة.

وعليه فإذا أصاب الطريق الواقع فيها، وإن انكشف الخلاف فيما بعد فليس هنا ما يوجب الإجزاء، لعدم استيفاء المكلف أيّ مصلحة من المصالح التي كانت تترتّب على الواقع.

وإن قلنا بالسببية والموضوعية بحيث لم تسلتزم التصويب بالمعنيين المتقدمين، فهذا المسلك ضعيف من وجهة نظرنا، ولا سيما في الشرعيات.

إلّا أنّه ربما يقال بأنّه لابد من الالتزام بالموضوعية في الطرق، بمعنى أنّ في مؤديّاتها ملاك ومصلحة، فإن قلنا بهذه المقالة يأتي البحث في أنّ المراد على وفق هذه

الطرق هل يوجب الإجزاء في الأحكام التكليفية والوضعية أو يوجب الاجزاء في الأحكام الوضعية فقط، أو أنّه لا يوجب الاجزاء في أيّ منهما؟

وعمدة ما ذكر من الوجوه للالتزام بالسببية والموضوعية وجهان: وجه استظهاري، ووجه عقلي.

أمّا الوجه الأول: القول بأنّ الأدلة التي تدل على حجية شيء مثل خبر الثقة مشتملة على أحكام إنشائية، وهذه الأحكام الإنشائية ظاهرة في أنّها أحكام نفسية؛ إذ لعناوين المأخوذ فيها مثل (صَدَّق العادل) أو (اعمل على قوله) أو (أطعه ما يأمرك عنا) وأمثال ذلك، فإنّها ظاهرة في النفسية، وذلك لأنّ العنوان المأخوذ فيه كصدّقه أو أطعه وأمثال ذلك يدور أمره بين المعرِّفية وبين العنوانية، فإن كان معرِّفاً فيجب العمل على وفقه بما أنّه موصل للواقع.

وهذا بخلاف العنوانية، فإنّ مرجعها إلى إتيان مؤداها بما هي هي، وبما أنّ هذا مؤدّى خبر العادل.

وإذا اُخذ عنوان في دليل، ودار الأمر بين المعرفية والعنوانية، فإنّه لابد من حمله على العنوانية والموضوعية، كما إذا قال: (أكرم العلماء) وشككنا في أنّ أمره بإكرام العلماء من جهة أنّهم أتقياء أو من جهة أنّهم علماء، فطبعاً لا يحمل على المعرفية، بل على الموضوعية وأنّ العالم بما أنّه عالم يجب إكرامه.

وإذا حملنا الأدلة الدالة على حجية خبر الثقة مثل (صدّق العادل) وأشباهه على الأوامر النفسية، والأوامر النفسية تابعة للمصالح في المتعلق، فيكون خبر الثقة مثلاً تابعاً للمصلحة في متعلقه. وهكذا النواهي النفسية تابعة للمفسدة في المتعلق.

ويمكن الجواب عن ذلك:

أولاً: أنّ الظاهر من هذه الأدلة الإمضاء لما بنى عليه العقلاء وليس فيها تأسيس، والمفروض أنّ جميع الطرق والكواشف والأمارات عند العقلاء لها حيثية الطريقية للواقع، وذلك لغلبة مصادفتها مع الواقع، فإنّهم يقولون بحجية الخبر الموثوق به أو بحجية قول أهل الخبرة وأمثال ذلك بسبب موافقتها مع الواقع كثيراً، لا أن يكون للجري على وفق الخبر الموثوق به أو الثقة أو قول أهل الخبرة كالطبيب في نفسه له مصلحة، وبما أنّ هذه الأوامر مسبوقة ببناء العقلاء فلا ينعقد ظهور لهذه الأدلة بأنها نفسية تأسيسية تابعة للمصالح والمفاسد في مؤدّاها.

وثانياً: أنّ مناسبات الحكم والموضوع تقتضي عدم كونها نفسية، فإنّه كما ذكرنا مراراً أنّ الأحكام على قسمين من حيث الأهمية، والأهم من الأحكام مذكور في الكتاب والسنة المتواترة، وأما الأحكام في الدرجة الثانية فقد أُوكل أمرها وبيانها إلى الطرق المتعارفة التي عُمْدتها خبر الواحد، فإن قيل: (إعمل بالخبر الواحد) فمعناه أنّه يجب العمل بالخبر الواحد إيصالاً للحكم الواقعي، والمفروض فيه أنّه لا طريق للقطع به عادة وليس من قبيل الدعائم بحيث يحصل القطع بالنسبة إليه.

فاستظهار النفسية من هذه الأدلة في غاية الوهن.

وأما الوجه الثاني: أنّ الأمر بالعمل على وفق هذه الطرق التي قد تصادف الواقع وقد تخالف الواقع موجب لتفويت المصلحة الواقعية والإلقاء في المفسدة في صورة مخالفة الطريق للحكم الواقعي، فبما أنّ الأمر بالسلوك على وفق هذا الطريق في معرض تفويت المصلحة فلا يمكن للحكيم الأمر به إلّا مع تدارك المصلحة الفائتة، وعليه فإن أمَرَ بالسلوك والجري على وفق الخبر الواحد مثلاً، فلابدّ أن تكون هنا مصلحة في الجري على وفقه بحيث يتدارك المصلحة الفائتة في صورة مخالفته للواقع.

والجواب عن هذا الوجه قد ذكر في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري مفصّلاً، فإنّ البعض ذكر أنّ جعل الأحكام الظاهرية موجب لتفويت المصالح والمفاسد، ولذا أنكر جعل الأحكام الظاهرية، وفي قباله ذُكر بأنّ الجري على وفق الحكم الظاهري له مصلحة ويُتدارك بها المصلحة الفائتة.

وقد أجبنا عن ذلك بما مجمله: أنّ الأحكام التي اُوكل بيانها إلى الطرق والأمارات التي قد تصيب وقد تُخطئ هي الأحكام التي تكون في الدرجة الثانية من الأهمية، وليست من قبيل دعائم الاسلام والكبائر، فإنّ أمرها موكول الى وسائل توجب القطع والضرورة كالكتاب والسنة المتواترة، فبما أنّه لم يكن بيان جميع الأحكام ميسوراً بالوسائل التي توجب القطع والضرورة ، وذلك لقلة وسائل التبليغ في تلك الأزمنة وكثرة الأحكام، فلذا يدور أمر هذه الأحكام التي هي في الدرجة الثانية من الأهمية بين الفوت وبين تحصيلها إلى حدّ ممكن، أي: تقليل مقدار الفائت.

وجعل هذه الطرق إنّما لتقليل مقدار الفائت من هذه الأحكام، فإنّه لو لم تكن الأحكام الظاهرية مجعولة ولم تُجعل الحجية للطرق لَفاتت جميع الأحكام إلّا ماثبت بالقطع والضرورة ، فاعتبار هذه الطرق وسيلة لتقليل الفائت لا تفويت الموجود، فمصلحة إعتبار هذه الطرق إستخلاص مقدار من الأحكام من الفوت، فلا يمكن القول بما أنّ هذه الطرق قد تصيب وقد تخطئ فعلى المولى تدارك المصلحة الفائتة.

إن قلت: لماذا لم يجعل الشارع الاحتياط المطلق حفظاً للأحكام الواقعية؟

قلنا: لابدّ من مناسبة بين الحكم والموضوع ، ومعها كيف يمكن الحكم بالاحتياط.

توضيح ذلك: أنّ هذه الأحكام المفروض أنها في الدرجة الثانية، والأمر بالاحتياط مرجعه إلى تنجّز هذه الأحكام بمجرد الاحتمال، فيلزم بذل الجهد والقوة

فيها أزيد من الأحكام التي هي في الدرجة الاُولى بمراتب، والمفروض أن هذه الأحكام التي هي في الدرجة الثانية ليست بحدّ يجب إيصالها بأيّ طريق ممكن؛ إذ قد تكون المصلحة بحدّ يجب إيصالها بأيّ نحو كان، وقد تكون المصلحة بحيث لا توجب إيصالها بأي نحو كان، بل لو وصلت من باب الاتفاق لتنجّزت.

ومع غض النظر عمّا ذكرنا ، هل يمكن القول بالإجزاء على السببية أو لا؟

فنقول: إنّ القول بالسببية إمّا أن يعتمد على الوجه الأول وإما على الوجه الثاني.

فإن كان معتمداً على الوجه الأول، فهو في نفسه لا يقتضي الإجزاء؛ إذ الوجه الأول غاية ما يقتضيه هو أنّ الجري على وفق الطريق له مصلحة، ولا يدل على أنّ هذه المصلحة المترتبة على الجري على وفق الطريق مسانخة للمصلحة الفائتة وبمقدارها بحيث توجب تدارك تلك المصلحة، اللّهم إلّا أن يقال بالإجزاء بمؤونة من الخارج.

وأمّا إذا كان المعتمد في الإلتزام بالسببية هو الوجه الثاني، وهو أنّ الشارع بواسطة اعتباره لهذه الطرق قد فوّت المصلحة، ومن فوّت شيئاً فعليه تداركه، فلابدّ وأن يكون فيهما أمر به مصلحة مسانخة مع تلك المصلحة وموجبة لتداركها، وحينئذ يكون موجباً للإجزاء.

إلّا أنّ كلا الوجهين في غاية الضعف هذا كلّه في الأحكام التكليفية.

وهل يمكن القول بالإجزاء على القول بالسببية في الأحكام الوضعية كأبواب العقود والإيقاعات والطهارة والنجاسة وأشباه ذلك أو لا؟

إن قلنا: بأنّ الأحكام الوضعية متأصّلة في الجعل ، والتزمنا بأنّها تابعة للمصالح والمفاسد في نفس جعل الحكم، فلابدّ من القول بالإجزاء.

وإن قلنا بمقالة الشيخ من أن الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية وليس لها تأصّل في الجعل، والمجعول إنّما هو الأحكام المترتبة عليها، ووعاء المصالح والمفاسد إنّما هو متعلقات الأحكام التكليفية، فعليه يكون الكلام فيها هو الكلام في الأحكام التكليفية.

وإن قلنا بما هو برزخ بين القولين - كما نقول به - وهو أنّ الأحكام الوضعية وإن كانت متأصّلةً في مرحلة الجعل، بمعنى أنّها قابلة للانشاء، إلّا أنّ الأحكام التكليفية كالمقوّم للأحكام الوضعية، أي أنّ بعض الأحكام التكليفية كالمقوّم لها، فمثلاً: الحكم بملكية شيء لشخص معناه أنّ له التصرف فيه بأيّ نحو شاء ما لم يكن فيه محذور وليس لأحد أن يتصرف فيه إلّا باذنه، إلى غير ذلك من الأحكام المترتبة. فحينما يحكم بملكية شخص لشيء تندمج فيه هذه الأحكام ويلاحظ المصالح والمفاسد في متعلقات الأحكام التكليفية المترتبة عليه.

وبعبارة اُخرى: حينما يريد جعل ملكية لشخص لابدّ وأن يلاحظ المصالح والمفاسد في متعلّقات الأحكام المترتبة، فليست المصلحة والمفسدة في نفس الأحكام الوضعية، بل المصلحة والمفسدة في متعلّقات الأحكام المترتبة، وعليه فالكلام في الإجزاء فيها هو الكلام في الأحكام التكليفية.

فظهر أنّ القول بالسببية لا أساس له، الّا في الأمور المرتبطة بنوع من القضايا كالأوامر العسكرية وأشباهها، فإنّ اتّباع الداني للعالي له موضوعية في مثل هذه الأمور، وهذا خارج عمّا نحن فيه.

فيما إذا كان مستند الحكم الأول هو الأصول

وأما إذا كان مستند الحكم السابق هو الاُصول، فقد قوّى صاحب الكفاية الإجزاء في بعض الاُصول، لا مطلق الاُصول، فقد قال في المقام: (إنّ ما كان منه يجري

في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلّقه، وكان بلسان تحقّق ما هو شرطه أو شطره كقاعدة الطهارة أو الحلية، بل واستصحابهما في وجه قويّ، ونحوها بالنسبة إلى كلّ ما اشترط بالطهارة أو بالحلية يجزي، فإنّ دليله يكون حاكماً على دليل الاشتراط ومبيّناً لدائرة الشرط)(1).

فلابد من البحث في الأمور الثلاثة ونرى بأنّ هذه الأمور هل تقتضي الإجزاء أو لا؟

الأمر الأول: في قاعدة الطهارة

أمّا قاعدة الطهارة فمستندها موثقة عمار عن الصادق(عليه السلام) الّتي تقدّم الكلام في سندها في مباحث الاستصحاب: «كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنّه قذر فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك»(2).

وفي مفاد الموثقة أبحاث كثيرة نذكر منها ما يرتبط بالمقام، فنقول: إنّ في مفادها احتمالين:

الاحتمال الأول: أنْ يكون مفادها جعل الطهارة الظاهرية؛ إذ قد اشتهر في كلماتهم أنّ الأحكام على قسمين: أحكام واقعية وأحكام ظاهرية.

والأحكام الظاهرية عبارة عن الوظائف العملية المجعولة للشاك، فيقال بأنّ مفاد الموثّقة جعل الطهارة الظاهرية؛ إذ ذُكر في ذيلها: (حتى تعلم أنّه قذر ) ، والغاية المذكورة فيها وإن كانت هي عدم العلم بالقذارة، إلّا أنّه من المعلوم بأنّه لو علم بالطهارة لم يكن معنىً للنظافة التعبدية، فمرجعها إلى أنّ كل مشكوك الطهارة طاهر.


1) كفاية الاُصول: 86

2) تهذيب الأحكام 1 / 285 .

فإن كان المستفاد من الموثّقة هو الحكم الظاهري رفعاً للحيرة فما دام المكلفا شاكاً وغير عالم بالقذارة فيرتّب آثار الطهارة، وأمّا إذا انكشف الخلاف، فيظهر أنّه كان نجساً من الأول، وعليه يرتب الآثار فيما إذا كان له أثر ، كما إذا توضّأ بهذا الماء النجس أو لاقى بدنه، فيحكم عليه بالنجاسة، ولا يستفاد الإجزاء على هذا المسلك.

الاحتمال الثاني: أن يكون مفادها التنزيل، لا جعل الحكم الظاهري، والمراد من التنزيل أن ينزل الشيء الذي لا يعلم بقذارته منزلة الطاهر ، ومرجع التنزيل إلى جعل الأحكام المترتبة.

توضيح ذلك : أنّ النجاسة سواء قلنا بأنّها من الأمور الواقعية التكوينية - كما ذكر الشيخ في الفرائد - أم قلنا بأنّها من الاعتبارات الشرعية ومن الأحكام القانونية - كما عليه المتأخرون - فإنّ الآثار المترتبة عليها على قسمين:

القسم الأول: الآثار التي لا يمكن تفكيكها عن النجاسة الواقعية بحسب مرحلة التعبد والإعتبار، وذلك لأنّ ارتباط هذه الآثار بالنجاسة نحو ارتباط لا يكون خاضعاً للجعل نفياً وإثباتاً.

وذلك كتنجيس ملاقي النجاسة على احتمال، فإنّه لو لاقى شيءٌ النجسَ عن رطوبة فلازم النجاسة الواقعية نجاسة ملاقيه على المشهور، وعدم تطهّر ما طهر بالنجس، فلا يمكن أن يكون الماء نجساً ومطهراً؛ إذ النجاسة إما هي من الأمور التكوينية، وعدم طهارة ما غسل به أمر تكويني، فلا يمكن أن يكون الفاقد معطياً، وكذلك لا يمكن الحكم بطهارة ما لاقاه مع الرطوبة، لأنّه يلزم تفكيك العلة عن المعلول، ومن الواضح أنّ هذه الأمور غير خاضعة للجعل.

وإمّا هي من الأحكام القانونية، فلا يمكن أيضاً التفكيك بين هذه الأمور والنجاسة، وذلك لما ذكرنا مراراً من أنّ الأحكام الوضعية مشتملة على نحو اللف

والإندماج على أحكام تكليفية، وهذه الأحكام التكليفية كالمقوّم للأحكام الوضعية، ومعنى اعتبار الشارع شيئاً قذراً هو أنّه لو لاقاه شيء مع الرطوبة يتنجس، وأنّه لا يكون مطهّراً، فهذه الأحكام كالمقوّم للنجاسة، ونحن لا نقول بأنّ بين هذه الأحكام والنجاسة هو هوِيّة، بل نقول بأن هذه الأحكام تُعدّ من قبيل المقوّم للنجاسة، وقد أشار الشيخ في كلام له إلى ذلك في مبحث ما إذا كان الشرط مخالفاً لمقتضى العقد، ومفاده أنّ بعض آثار العقد كالمقوّمات له، ولا يمكن أن تكون هناك زوجيّة مثلاً ولم تكن خواص الزوجية وآثارها مترتبة عليها.

القسم الثاني: الآثار المترتبة على النجاسة التي تكون خاضعة للجعل نفياً وإثباتاً. مثل اعتبار عدم نجاسة بدن المصلي ولباسه ومسجده، فإنّ هذه الأمور إنّما تكون بالمواضعة، فإنّ الشارع هو الذي اعتبر طهارة بدن المصلي ولباسه ومسجده على احتمال، أو مانعيّة نجاسة بدنه ولباسه ومسجده على احتمال آخر، فللشارع جعل الشرطية أو المانعية إمّا مطلقاً أو محدوداً.

وبعد ما ظهر أنّ الآثار المترتبة على النجاسة على قسمين، نقول: مدّعى التنزيل هو أنّ كل شيء نظيف مفاده بالنسبة إلى القسم الأول من الآثار حكومة ظاهرية، أي أنّ الشيء الذي هو قذر واقعاً مادام لا يُعلم بقذارته يُعامَل معه معاملة الطهارة، أي: يُحكم بأنه يطهر، ولا يكون ملاقيه نجساً ظاهراً، وذلك لما أشرنا إليه من أنّ العقلاء يرون اعتباره نجساً ومطهراً من الاعتبارين المتضادين.

وأمّا بالنسبة إلى القسم الثاني من الآثار فمفاده التنزيل، أي: أنّه حينما يقال بأنّ هذا نظيف معناه ترتيب الآثار المترتبة على الطهارة وجعل تلك الآثار، ونتيجته أنّ شرط صحّة الصلاة من طهارة البدن واللباس والمسجد محقّق، وتكون الحكومة حكومة واقعية.

وخلاصة الكلام: إذا قلنا بمسلك التنزيل، فمعنى التنزيل : إنما هو ترتيب آثار المنزّل عليه عليه، فإن كانت تلك الآثار قابلة للجعل الواقعي كما في القسم الثاني فيحكم بوجود تلك الآثار واقعاً، وإن كانت من القسم الأول وغير قابلة للجعل الواقعي فتكون الحكومة ظاهرية، وعليه فلا تكون القاعدة وظيفة عملية للشاك، بل قانون تسهيلي جعله الشارع ويستفيد منه الشاك وغيره، حتى فيما إذا كان قاطعاً بالطهارة وصلّى ثم انكشف بأنّ بدنه أو لباسه كان نجساً يكون هذا الشخص أيضاً مشمولاً للقانون؛ إذ القاطع بالطهارة لا يكون عالماً بالنجاسة، فلا تكون القاعدة مختصة بالشاك.

والذي هو مورد للجعل إنّما هو آثار الطهارة التي هي خاضعة للجعل كما في سائر موارد الحكومة، فإنّه لو قال: (أكرم كلّ عالم)وقال: (كل عادل تقي عالم)، فمعنى ذلك جعل الحكم بلسان جعل الموضوع، فظهر أنّ في المقام إحتمالين، الّا أنّ الكلام في تعيين أحدهما:

امّا الاحتمال الأول: فهو - كما أشرنا - مبني على أنّ الأحكام الظاهرية مجعولة للشاك رفعاً لتحيّره، وفي موضوع الطهارة وإن لم يُؤخذ الشك، لكن بما أنّه مغيّيً بعدم العلم بالقذارة، ومن ناحية أخرى نعلم بانه مغيّيً بعدم العلم بالطهارة، فتكون النتيجة دخالة الغاية في الموضوع، فالموضوع هو الشاك والحكم حكم ظاهري.

وأمّا الاحتمال الثاني: فلاستظهاره وجهان:

الوجه الأول: أنّ هناك فرقاً بين الأحكام القانونية والإعتبارات الأدبية - كما تقدم منّا ولا سيما في مباحث الأحكام الوضعية - فإنّ الأحكام القانونية وإن كانت من الأمور الاعتبارية إلّا أنّ هناك فرقاً بينهما، فلنا مفردات قانونية كالوجوب والحرمة

والكراهة والاستحباب والملكية والزوجية والطهارة والنجاسة إلى غير ذلك المفردات القانونية وكلها من الأمور الاعتبارية.

أما الاعتبارات الأدبية، فهي إعطاء حدّ شيء لشيء لترتيب الآثار المترتبة على ذلك الشيء، وهذا نظير: الطواف بالبيت صلاة)(1)و (زيد أسد).

وكلاهما من الاعتباريات، إلا أن الفرق بينهما أنّ المراد بالإرادة الاستعمالية والإرادة الجدّية متطابقان في الإعتبارات القانونية، وهذا بخلاف الاعتبارات الأدبية، فإنّ المراد الجدي مختلف عن المراد بالإرادة

الاستعمالية، فإنّ الشارع ليس بصدد بيان أن الطواف من مصاديق الصلاة ليكون الطواف صلاة واقعاً، وهكذا في (زيد أسد)، فإنّ زيداً ليس من مصاديق الأسد واقعاً.

فإذا ظهر ذلك، نقول: إن العرف يستفيد من مثل موثقة عمار الاعتبار الأدبي، لا الاعتبار القانوني وهو جعل النظافة الظاهرية، فمعنى قوله(عليه السلام) : «كل شي نظيف ....» معاملته معاملة النظافة، والوجه في استفادة العرف التنزيل هو أنّ هذا الحكم مغيّيً بالعلم بالنجاسة والتي هي ضد الطهارة، والحال أنّ العلم ليس له إلّا مجرّد الكاشفية، وكيف يمكن القول بأنّ كلّ شيء نظيف إلى زمان العلم بالقذارة، فيظهر من ذلك أنّه ليس بنظيف واقعاً، ومن هنا يُعلم عدم مطابقة الإرادة الجدية للإرادة التفهيمية، وهذا هو معنى التنزيل.

وأمّا الحكم الظاهري - بناءً على وجود الأحكام الظاهرية - فهو حكم كالحكم الواقعي، ولا يُعقل في الأحكام القانونية مخالفة الإرادة الجدّية للإرادة التفهيمية.


1) مستدرك الوسائل 9 / 410 .

ثم إنّ الغرض من هذا الاعتبار الأدبي هو جعل آثار الطهارة على هذا الشيء الذي لا يُعلم بقذارته إما في مرحلة الظاهر، كما إذا كان الأثر من القسم الأول، وإمّا في مرحلة الظاهر والواقع كما إذا كان الأثر من القسم الثاني، وهذا من باب جعل الحك بلسان جعل الموضوع.

والذي يشهد لما استظهرناه من التنزيل هو أنّ المفردات القانونية توجد متدرجة، ولم يثبت لنا وجود أحكام ظاهرية وصلت إلى مرحلة القانونية بحيث لم تكن الإرادة الجدية فيها مخالفة للارادة التفهيمية، أي أنّه في زمن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)والأئمة الأطهار(عليهم السلام) لم يشهد أيّ شاهد بوجود أحكام قانونية ظاهرية في قبال الأحكام القانونية الواقعية بنحو يكون المراد الجدي على وفق المراد التفهيمي؛ إذ الاعتبارات القانونية غالباً مسبوقة بالاعتبارات الأدبية.

الوجه الثاني: ما ذُكر في ذيل الموثقة: «فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك» وهذه الجملة تأكيد للصدر.

ويرد هنا تساؤل وهو أنّ قوله(عليه السلام): «فإذا علمت فقد قذر» ظاهر في الحدوث عند الحدوث، فأيّ قذارة تحدث بحدوث العلم، هل هي القذارة الواقعية أو الظاهرية أو القذارة التنزيلية.

ومن الواضح أنّ العلم بقذارة هذا الشيء لا يوجب حدوث القذارة الواقعية؛ إذ العلم بما أنّه كاشف لا يكون مولّداً للقذارة، كما أنّه لا يمكن أن يكون العلم بالقذارة موجباً للقذارة الظاهرية؛ إذ الحكم الظاهري اُخذ في موضوعه الشك، وعليه يكون معنى قوله(عليه السلام) : «فإذا علمت فقد قذر» أنّه حينما علمتَ بنجاسته فلابدّ لك من ترتیب آثار النجاسة، أي أنّ القذارة التامة إنّما تحدث إذا علمتَ بها، فهنا القذارة قذارة تنزيلية.

لا يقال بأنّه يُعتبر في التنزيل أن يكون على خلاف الواقع.

فإنّه يُقال: قد يكون التنزيل على وفق الواقع لنكتة، كما يقال لشبل الأسد أنّه بعد سنة يصبح أسداً، والحال أنّه بالفعل أسد، فمعنى ذلك أنّه لابدّ وأنّ يُخاف منه بعد مضيّ سنة، فقوله(عليه السلام) : «فإذا علمت فقد قذر» أنّه يصل إلى مرحلة التكامل تنزيلاً.

ويظهر ممّا ذكرنا ما في النقوض المذكورة في أجود التقريرات والمحاضرات، ولا نتعرض لها، فظهر أنّ الرأي الأول إذا كان مستنده قاعدة الطهارة فهي تقتضي الإجزاء.

وهذا ممّا التزم به المحقّق الأصفهاني وإن لم يعبّر في كلماته بالتنزيل، إلّا أنّه ذكر في كتابه الاُصول على النهج الحديث وجهاً آخر للاستظهار غير الوجهين اللذين ذكرناهما.

ومحصّله: أنّ جعل الحكم الظاهري غير معقول في قاعدة الطهارة، وهكذا في سائر الأحكام الوضعية، وذلك لإجتماع الحكم الظاهري والواقعي، وهذا بخلاف الأحكام التكليفية.

توضيح ذلك: أنّ الأحكام التكليفية لها مرحلتان:

الأولى: مرحلة الإنشاء، وهذه المرحلة بيد الشارع.

الثانية: مرحلة الفعلية والفاعلية، وهذه المرحلة متقوّمة بالوصول أو ما بحكمه.

والسر فيه: أنّ البعث منتزع من الإنشاء الذي اُنشئ بداعي جعل الداعي، بمعنى أنّه لو انقدح في ذهن الملكف ما أُمر به يمكن أن ينبعث منه، فلا يكون الوجوب وجوباً بالفعل إلّا إذا كان معلوماً في نفس الملكف؛ إذ الإنسان لا ينفعل بما ليس بحاضر في النفس، بل ينفعل عمّا يعلم ويحضر في النفس، والوجوب إنّما يكون

لدعوة، والدعوة تكون بلحاظ التأثير في الإرادة، ولا يؤثّر في الإرادة إلّا ما كان مكشوفاً، فلذا يمكن تقسيم الأحكام التكليفية إلى مرحلة الإنشاء ومرحلة الفعلية.

ومن هنا يندفع الإشكال الذي ربما يشكل به من لزوم الجمع بين الحكمين المتنافيين؛ إذ الحكم الواقعي المفروض أنّه مجهول وفي مرحلة الإنشاء، وجعل حكم على خلاف الحكم الواقعي للشاك لا يلزم منه أيّ محذور؛ لأنّ أحد الحكمين في مرحلة الفعلية وهو الحكم الظاهري، والآخر في مرحلة الإنشاء وهو الحكم الواقعي، فلا تنافي بينهما لتعدّد الرتبة.

وأما الأحكام الوضعية ففعليتها غير متوقّفة على الوصول؛ إذ لم تُجعل الأحكام الوضعية بداعي جعل الداعي، فإنّ إنشاء الملكية والزوجية والطهارة والنجاسة وغيرها يكفي مع تحقق الموضوع خارجاً في تحقق الملكية وغيرها، ولا تتوقف فعليتها على الوصول، فمثلاً هذا الشيء نجس سواءٌ علم به المكلف أم لم يعلم، أو كان الشيء مملوكاً لزيد فسواءٌ علم به أم لم يعلم فهو مملوك له واقعاً.

وهذا بخلاف الحرمة والوجوب وأمثالهما، فإنها تصل إلى مرحلة الفعلية فيما إذا علم المكلف بها، فيما أنّهما في مرحلتين لا يلزم محذور الجمع بين الحكمين المتنافيين، وهذا بخلاف الأحكام الوضعية، فإنّها ليست لها إلّا مرحلة واحدة وهي مرحلة الإنشاء.

فلو جعل في موارد الأحكام الوضعية أحكام ظاهرية يلزم منه المحذور المتقدم، فمثلاً لو كان هذا الشيء نجساً فبما أنّ فعليته غير متوقّفة على الوصول فسواء علم به أم لم يعلم فهو نجس، فالحكم الوضعي فعليّ، فلو جعل حكم ظاهري مخالف له يلزم الجمع بين الحكمين الفعليين المتخالفين، وهذا غير معقول، وعليه فتحمل الأدلة الدالة على الطهارة على التنزيل .

قال المحقق الأصفهاني: ( ودفعه يتوقف على مقدمة ، وهي أنّ بعض الإعتبارات تتوقف فعليته على الوصول - إلى أن يقول - ومثله لا ينافي البعث الفعلي على خلافه في صورة الجهل بالإنشاء المزبور، وبعض الاعتبارات فعليته بعين وجوده الواقعي من دون خصوصية موجبة لترتّب فعليته على وصوله كاعتبار الملكية مثلاً، فإنّه ليس فيه مثل خصوصية الدعوة المتقوّمة بالوصول، فيستحيل إعتبار ملكية عين لزيد واعتبار ملكيتها لعمرو في ظرف الجهل بملكيتها الواقعية - إلى أن يقول - إذا عرفت ذلك تعرف أنّ التعبّد بالطهارة مطلقاً تعبّد بأحكامها غير المنافية لاعتبار نجاسة ذلك الشيء واقعاً)(1).

والتعبد بأحكام الطهارة هو التنزيل، فهو موافق المدعانا، إلا أنّه يضيق فيه؛ لأنه لم يعمم الحديث للقسم الأول. فهذا هو الطريق الذي اختاره المحقق الأصفهاني في نفي الحكم الظاهري.

إلا أنّ ما ذكره محل تأمل واشكال، وذلك:

أوّلاً: ليس بين الأحكام تضاد وتخالف، وإنما يكون التضاد أو التخالف إمّا بلحاظ المبدأ أو المنتهى، أي: بلحاظ المصلحة والمفسدة، أو بلحاظ التأثير في نفس الملكف، وعليه فلو اعتبر الشارع هذا ملكاً لزيد واقعاً، واعتبره ظاهراً ملكاً لعمرو، فهما ليسا من الضدين حتى يُقال بلزوم اجتماع الضدين، ولا يمكن القول بأن هناك تضاداً بينهما من حيث المبدأ - أي: بلحاظ المصلحة والمفسدة - وذلك لأنّ الأحكام الوضعية - على ما قال القوم -مصالحها تكون في أنفسها، وهذا بخلاف الأحكام التكليفية، فإنّ مصالحها ومفاسدها إنّما تكون في متعلّقاتها، ولذا لا يمكن أن يكون


1) الاصول على النهج الحديث ص 91.

الشيء واجباً وحراماً؛ إذ المتعلق إمّا فيه المصلحة المُلزِمة بعد الكسر- والانكسار، أو المفسدة الملزمة كذلك، وأمّا الأحكام الوضعية على مسلك القوم، فالمصلحة إنّما تكون في نفس إنشاء الملكية، فيمكن أن يكون لكلا الإنشائين مصلحة، ولا مانع من أن تكون مصلحة في اعتباره ملكاً لزيد واقعاً وملكاً لعمرو ظاهراً - أي : عند الشك في المالك - ولا يلزم منه اجتماع الحكمين المتخالفين.

وهكذا لا يمكن القول بوجود التضاد بينهما من حيث المنتهى، كما يتصور في الأحكام التكليفية؛ إذ لو قيل لشخص بأنّ العمل الفلاني واجب وحرام تحيّر في أنّه هل يفعل أو يترك.

نعم إذا لم يكن أحدهما واصلاً فلا يحصل التحيّر؛ إذ غير الواصل لا يؤثّر في النفس حتى يتحيّر، والتضاد من حيث المنتهى غير موجود في الأحكام الوضعية، إذ الحكم الوضعي غير العمل، ولا يوجب التحيّر فيقال لواحد هذا لك واقعاً، وللآخر: هذا لك ظاهراً، وكل يتصرّف فيه.

مضافاً إلى أنّ المفروض جهالة ملكية أحدهما، والملكية الظاهرية إنّما جُعلت على فرض الشك.

وثانياً: بناء على مسلكنا في الأحكام الوضعية فإنّها تكون مثل الأحكام التكليفية، أي أنّ جعل الأحكام الوضعية كالأحكام التكليفية لأجل التأثير في إرادة المكلف قبضاً أو بسطاً، غاية الأمر أنّ جعل الأحكام التكليفية للتأثير في الإرادة يكون على نحو المباشرة، فيقال: إفعل أو لا تفعل، وأمّا الأحكام الوضعية فإنّها جعلت للتأثير في الإرادة على نحو التسبيب واللف فإنّه حينما يقال: هذا طاهر، أو: هذا ملك لك، وأمثال ذلك من الاعتبارات إنّما يُقال بداعي التأثير في إرادة الملكف، وبلحاظ الآثار التكليفية المترتبة عليها، فحينما قال : هذا طاهر، معناه أنّه يجوز شربه، والطهارة

التي لا أعلم غير الطهارة التي اعتبرها الشارع، فإنّه لو لم يكن أصل يوجب الطهارة لوجب التوقف فيه ولم يجز شربه، وهكذا سائر الأمور الاعتبارية.

فالأحكام الوضعية تصل إلى مرحلة تندمج فيها الأحكام التكليفية، وهذه الأحكام التكليفية تصل إلى مرحلة الفعلية بعد وصول الأحكام الوضعية وتكون مؤثرة في النفس، فالقول بأنّ الأحكام الوضعية ذات مرحلة واحدة ممّا لا يمكن مساعدته.

وعليه فلا يمكن الاعتماد على هذا البرهان للقول بالتنزيل في قاعدة الطهارة، والعمدة في التنزيل هي ما ذكرنا، إلّا أنّا نوافق المحقّق الخراساني، وكذا المحقّق الأصفهاني من حيث النتيجة.

ومما ذكرنا من تقسيم الآثار إلى قسمين يظهر الجواب عن اشكال بعض الأكابر تبعاً للمحقّق النائيني على ما ذكره المحقّق الخراساني من الإجزاء بالنسبة لقاعدة الطهارة، فإنّهم اعترضوا باعتراضات نقضية وحلّية.

منها: أنّه لابدّ من الحكم بطهارة ما غُسل بالماء الذي اُجري فيه قاعدة الطهارة ثم انكشف الخلاف أو أنّه لابد وأن لا يُحكم على ملاقيه بالنجاسة قبل الانكشاف.

ومنها: أنّه لابد من الحكم بصحة الوضوء بالماء المشكوك.

إلى غير ذلك من النقوض.

والجواب: أنّا إنّما نقول بالتنزيل الواقعي في الآثار التي هي خاضعة للجعل من الآثار الشرعية ، ونقول بالتنزيل فيما لم يقم على خلافه دليل، فلو كان في البين دليل أو إجماع كما ادّعي الإجماع على أنّه من توضّأ بماء اُجرى فيه أصالة الطهارة ثم انكشف الخلاف فوضوؤه باطل، فهذا خارج عمّا ندّعيه.

مضافاً إلى أنّه لا إجماع في البين؛ إذ يظهر من الشيخ الطوسي في الاستبصار أنّه يقول بصحة وضوئه، فظهر أنّ قاعدة الطهارة كما ذكر المحقّق الخراساني موجبة للإجزاء.

الأمر الثاني: في قاعدة الحلية

وأمّا قاعدة الحلية، فعمدة مستندها رواية مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق(عليه السلام): «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته وهو سرقة»(1)، الخبر.

ربما يناقش في هذه الرواية من جهة السند وأنّ مسعدة لم يُوثق، ونحن لا نتعرض فعلاً إلى السند.

وأمّا مفادها فلو سلكنا مسلك المحقّق الأصفهاني في الاُصول على النهج الحديث فهل الكلام فيها هو الكلام في قاعده الطهارة أو لا؟

الظاهر أنّ الكلام فيها غير الكلام في قاعدة الطهارة؛ إذ الحرمة من الأحكم التكليفية، وهي ذات مرحلتين، فلا مانع من جعل الحرمة الظاهرية وإن صرّح المحقّق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية بأنّ الكلام فيها هو الكلام في قاعدة الطهارة، فلو كان ما سلكه في الاُصول على النهج الحديث صحيحاً فهو لا يجري في قاعده الحلية، وذلك لما أشرنا إليه من أنّ الحرمة من الأحكام التكليفية، والمحقّق الأصفهاني نفسه قد التزم بجواز جعل الأحكام الظاهرية في الأحكام التكليفية.

وأمّا ما استظهرناه في قاعدة الطهارة، فهل يمكن استظهاره من قاعدة الحلية أو لا؟


1) الكافي 313/5/ ح 40 .

الظاهر عدم إمكان استظهار التنزيل من الرواية بالوجهين المتقدمين في قاعدة الطهارة، فإنّ أحد الوجهين لاستظهار التنزيل هناك هو ذيل الرواية:

«وإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك، حيث قلنا إنّ الذيل شاهد على أنّ المراد من الطهارة في الصدر هي الطهارة التنزيلية، ومثل هذا الذيل غير موجود في رواية مسعدة.

وأمّا الوجه الآخر الذي ذكرناه هناك فهو: أنّ الطهارة مغيّاةٌ بالعلم، فهل يمكن القول بأنّ العرف يستفيد من رواية مسعدة التنزيل، كما يستفيد ذلك من موثقة عمار، فإنّ رواية مسعدة مثل موثقة عمار في الغاية.

فنقول: هذا القول في نفسه غير بعيد ولا بأس به، إلّا أنّ الحرمة بما أنّها ليست مثل النجاسة والطهارة وأشباههما؛ إذ الحرمة أظهر خواصّها التنجيز والتعذير، ولا سيما مع قوله(عليه السلام) : «فتدعه من قبل نفسك»، وإنّما تُجعل الحرمة للزاجرية عن الفعل، فالرواية وإن يستفاد منها التنزيل، إلّا أنّ معناها أنّ الحرمة لا تُنجّز بالاحتمال حتى يرتدع الملكف عنها.

والحلّية ليست من الأحكام التكليفية الخمسة، فإنّ الحلّية في قبال الحرمة فقط، ومرجعها إلى ما حلّ عنه عقدة الحظر، والظاهر من الحرمة هو الحرمة التكليفية، فمرجع الرواية إلى عدم تنجّز الحرمة بالاحتمال وعليه فلا ربط لها بجميع الآثار حتى يقال بشمول الحرمة لما يحرم على المصلي في لبسه أو استصحابه في الصلاة، فإن صلّى مستصحباً لما يحرم عليه ولم يكن يعلم بأنّه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ثم انكشف الخلاف، ففي التمسك بهذه القاعدة لإثبات صحة الصلاة اشكال، وتفصيل الكلام فی هذه القاعدة موكول إلى محل آخر.

الأمر الثالث: في الاستصحاب

وأمّا الاستصحاب الذي ذكر المحقّق الخراساني أنّه يقتضي الإجزاء على وجه قوي، فنقول بأنّ المختار في الاستصحاب هو أنّ مفاده توسعة الكشف من الحدوث بالنسبة إلى البقاء، أي: أنّ الشارع المقدس اعتبر اليقين بالحدوث يقيناً بالنسبة إلى البقاء ولذا تترتب آثار البقاء، وقد ذكرنا بأن اعتبار الاستصحاب هو على وفق مرتكز العقلاء، حيث إنّ العقلاء إذا رأوا شيئاً على حالة يرونه فيما بعد على ما كان عليه، وعليه فحكمه حكم خبر الثقة وأشباهه، أي ليس له الّا الطريقية المحضة، فلا يقتضي الإجزاء. والمحقّق الخراساني لم يقل بأنّ الاستصحاب مطلقاً يقتضي الإجزاء، بل قال استصحاب قاعدة الطهارة والحلية حتى يكون مرتبطاً بمتعلقات الأحكام التي هي محل البحث ومرتبطاً بصحة العمل.

وهكذا لو أنكرنا بناء العقلاء في الإستصحاب، واستظهرنا من أدلة الاستصحاب توسعة دائرة اليقين، نعم لو استظهر من الأدلة توسعة دائرة المتيقن، أي: أنّ المتقين باق، فمرجعه إلى جعل الحكم المماثل، فعليه يكون للقول بالإجزاء وجه، ولعل ماذكره المحقّق الخراساني كان مبنياً على هذا المسلك.

إلّا أنّ هذا المسلك ضعيف ولا نلتزم به.

هذا تمام الكلام في مستند الرأي الأوّل، فظهر أنّه لو كان المستند في الرأي الأول هو القطع أو ما يلحق به من الظن الانسدادي على نحو الحكومة أو البراءة القطعية فهذا لا يقتضي الإجزاء.

وأمّا إذا كان المستند هو الطرق فإن قلنا بالطريقية فيها، فلا تقتضي الإجزاء، وإن قلنا بالسببية فللقول بالإجزاء وجه، إلّا أنّ القول بالسبية لا وجه له، وإن كان مستند الحكم الأول هو الاُصول، فإن كان الأصل هو الطهارة فيقتضي الإجزاء،

وأمّا قاعدة الحلية ففيها تأمل، وأمّا الاستصحاب فلا يقتضي الإجزاء إلّا على القول بأنّ مفاد أدلته توسعة دائرة المتيقن.

الجهة الثانية: في ما إذا كان مستند الرأي الثاني يقتضي الإعادة أو القضاء بالنسبة للعمل السابق وعدمه

إنّ المجتهد إمّا يتبدل رأيه بالقطع وما يلحق به، أو بالإصول كالاستصحاب وقاعدة الاشتغال، أو بالطرق.

فإن كان تبدل رأيه لسبب القطع بالخلاف، كما إذا حصل له القطع بجزيئة السورة مثلاً، والحال أنّه كان رأيه السابق على عدم جزئيته، ولذا كان يترك السورة في صلاته، فقطعه بالخلاف لا قصور فيه لإثبات فساد الأعمال السابقة، فيجب عليه القضاء أو الإعادة.

وأمّا إذا كان الموجب لتبدل رأيه هو الاستصحاب أو قاعدة الإشتغال، كما إذا قال بعدم حجية الاستصحاب أولاً ثم قال بحجيته، أو التزم أولاً بجريان البراءة في الأقل والأكثر الارتباطيين وعدم جريان الاشتغال لانحلاله ببعض الأمور، ثم تبدّل رأيه وذهب إلى أنّ الوجوه المذكورة للانحلال غير صحيحة، فلذا تبدّل رأيه وقال بالاشتغال.

فإن كان مستند رأيه الثاني هو الاُصول فلابد من الفرق بين القضاء والإعادة، فلو كان في الوقت يجب عليه الإعادة؛ إذ باعتقاده الفعلي أنّ العمل الذي أتى به غير واجد للجزء أو الشرط، والمفروض أنّ الوقت باق. وأمّا إذا كان في خارج الوقت فبما أنّ الاستصحاب وقاعدة الاشتغال لا تكون مثبتاتها حجة، فلا يمكن الحكم بالإعادة؛ إذ إنّهما لا يثبتان ،الفوت والقضاء مترتب على عنوان الفوت غاية الأمر أنهما يثبتان أنّ

العمل المأتي به كان فاقداً للجزء أو الشرط، أمّا عنوان الفوت فلا، وعليه فلا يحكم بوجوب القضاء.

وأمّا إذا كان مستند الرأي الثاني طريقاً من الطرق، كما إذا لم يظفر برواية تدلّ على الجزئية أو الشرطية، ثم ظفر بها، فربما يقال بأنّه إذا كان مستند رأيه الثاني هو الطريق، فهو قاصر عن إثبات فساد العمل السابق، نعم وظيفته بالنسبة إلى الأعمال الآتية هو العمل على وفق الطريق.

والقول بأنّ المستند في الرأي الثاني إن كان هو الطريق فهو قاصر عن اثبات فساد العمل السابق يبتني على بيان مقدّمة، وهي:

أنّا ذكرنا بأنّ حجية الحجة متوقفة برهاناً وعقلائياً على وصول موضوعها أو كونه في معرض الوصول، فإنّ الخبر الذي لم يصل وليس بمعرض الوصول يكون جعل الحجية بالنسبة إليه لغواً، والمفروض في المقام أنّ الخبر الذي ظفر به فعلاً لم يكن واصلاً ولم يكن في معرض الوصول وإنّما عثر عليه من باب الإتفاق، فهذا الخبر إلى حين الوصول لم يكن بحجة أصلاً، وهذا ممّا بنى عليه العقلاء أيضاً، وحجّيته عند العقلاء تُستكشف من من الاحتجاجات.

والاحتجاجات العقلائية إنّما هي على سبيل القضايا الخارجية وليست على سبيل القضايا الحقيقية، فمثلاً يُقال عند الاحتجاج بأنّه: لِمَ فعلتَ كذا، مع أنّه قال لك زيد الثقة أن لا تفعل.

فإذا كان الخبر حجيته من حين الوصول، فلا يمكن له کشف فساد العمل السابق، وذلك لما ذكرناه في مبحث بيع الفضولي من أنّه يُتصور الكشف الإنقلابي في الأحكام الوضعية - أي: أنّه ما لم يجز المالك يكون المال في ملك المالك، وإذا أجاز يكون المال ملك المشتري من حين العقد - والكشف الانقلابي غير معقول في الأحكام

التكليفية؛ وذلك لأنّ الأحكام التكليفية إنّما جُعلت للتأثير في الإرادة، والقول بأنّ هذا حرام من السنة السابقة أو أنّ هذا واجب من السنة الماضية، ليس له أيّ أثر، ولا يمكن أن يؤثر في الإرادة بالنسبة إلى الأعمال السابقة، والحجية بمعنى المنجزية والمعذرية من توابع الأحكام التكليفية، ولا يتصور فيها الكشف الانقلابي.

فعلى هذا تكون الحجية للخبر الواصل فعلاً، فإن كانت الحجية مرجعها إلى جعل الحكم المماثل تكليفاً، فلا معنى للجعل السابق؛ إذ كما قلنا لا يمكن له التأثير في الإرادة بالنسبة إلى الأعمال السابقة، وإن كان مرجع الحجية إلى المنجزية والمعذرية، فهي من توابع الأحكام التكليفية، ولايُتصوّر فيها الكشف الانقلابي.

والجواب عن ذلك هو أنّ الطرق العقلائية لها جهة اُخرى وهي الكاشفية، فإنّ المنكشف بهذا الخبر مثلاً هو اشتراط العمل بهذا الشرط أو الجزء من أول الأمر وإن كانت حجيته من الآن، فالعمل السابق فاقد للجزء أو الشرط، ونتيجة ذلك وجوب القضاء.

ووجوب القضاء يعقل فيه الحكم المماثل، كما أنّ الحجية معقولة فيه، وذلك لتوسعة كاشفية الخبر للعمل السابق. فوجوب القضاء والحجية قابل للإنشاء، فظهر أنّه لو كان مستند الرأي الثاني هو الطرق، فلا يمكن القول بأنّه قاصر عن إثبات فساد العمل السابق. هذا بالنسبة إلى المجتهد.

وأما بالنسبة للمقلد فهل يجري فيه ما قلنا في المجتهد من عدم الإجزاء وإثبات فساد العمل السابق فيها إذا عدل إلى مجتهد آخر ، بمعنى أنّ قول المجتهد الثاني هل هو قاصر عن إثبات فساد العمل الذي أتى به على وفق رأي المجتهد الأول أو لا؟

ذكر الشيخ الأنصاري أنّ عدول المقلد مثل تبدّل رأي المجتهد، إلّا أنّ بعض الأكابر فرّق بين الموردين، بمعنى أنّه يمكن الالتزام في تبدل رأي المجتهد بأنّ دليل

الثاني يقتضي عدم الإجزاء، ولا قصور فيه من إثبات فساد العمل السابق، ولا يمكن الالتزم بذلك في العدول من مجتهد إلى آخر؛ وذلك لقصور دليل حجية فتوى الثاني عن إثبات الفساد بالنسبة إلى الأعمال السابقة، ولبيان ذلك مسلكان:

المسلك الأول : ما سلكه المحقق الأصفهاني في كتابه الاُصول على النهج الحديث، ومرجعه الى وجهين وبيانين:

البيان الأول: أنّ هناك فرقاً بين موارد العدول من مجتهد إلى آخر لجهة من الجهات وبين عدول المجتهد من رأيه السابق؛ وذلك لأنّ الحجة التي ظفر بها المجتهد كانت حجة من أول الأمر، وإنّما لم تصل إلى المرحلة الفعلية لعدم الظفر بها، وهذا بخلاف موارد العدول من مجتهد إلى مجتهد آخر، حيث إنّ رأي المجتهد الثاني لم يكن حجة من أول الأمر، وإنّما صار حجة بعد عروض ما هو مانع من تقليد المجتهد الأول، فبما أنّ حجية ما ظفر به المجتهد كانت من أوّل الأمر فهي غير قاصرة عن إثبات الفساد في الوقائع السابقة. وأمّا في موارد العدول من مجتهد إلى مجتهد آخر، فبما أنّ حجية رأي المجتهد الثاني تحدث بعد عروض المانع من تقليد المجتهد الأول فلا تشمل الوقائع السابقة ولا تُثبت فساد الأعمال السابقة.

وقد ذكر المحقق الأصفهاني ذلك في الاُصول على النهج الحديث حيث قال: (إنّ الخبر حجة على المجتهد من الأول وإن ظفر به فيما بعد، فيظهر أثر تنجّزه فيما قبل من حيث التدارك بخلاف الفتوى، فإنّه وإن علم بها الملكف لا تكون حجة عليه، بل لعل الحجة غيرها وهي فتوى الأعلم)(1).

ويمكن الجواب عنه بوجهين:


1) الاصول على النهج الحديث : 133.

الوجه الأول: أنّ ما ظفر به فيما بعد من وجهة نظرنا - الذي هو الخبر مثلاً - لا يكون حجة بالنسبة إليه - لا في مرحلة الإنشاء ولا في مرحلة الفعلية - ما لم يظفر به أو يكون في معرض الوصول.

أما في مرحلة الفعلية فواضح، وهو يعترف به أيضاً، وأما بالنسبة إلى مرحلة الإنشاء فلأجل ما ذكرناه في البحث السابق من أنّ أدلة حجية الحجج لا تشمل من أول الأمر الحجية التي ليست بواصلة، ولا في معرض الوصول، وحجّيتها إنّما تكون شأنية بحيث لو وصلت من باب الإتفاق لكانت حجة، وأمّا جعل الحجية لها مطلقاً حتى إذا لم تكن في معرض الوصول فهو لغو، أي: أنّ الخبر ما لم يكن في معرض الوصول فليس بحجة.

مضافاً إلى أنّ المستند هو بناء العقلاء، وكما أشرنا سابقاً أن بناءهم على نحو القضية الخارجية ، أي : أنّهم حينما يحتجون يكون احتجاجهم على نحو القضية الخارجية، فيقولون مثلاً: (لِمَ فعلت كذا مع أنّ المولى أخبرك بالواسطة بأن لا تفعل هكذا)، فإنّهُم يحتجون في مورد الوصول، فلابد أن يكون الخبر واصلاً صغرىً وكبرىً، ولا دليل على حجيته قبل الظفر به حتى يفرق بين موارد عدول المجتهد من رأيه وبين موارد عدول المقلد من مجتهد إلى مجتهد آخر.

الوجه الثاني: أنّ هذا الفرق لا يكون فارقاً، فإنّ فعلية الحجية للخبر إنما تكون بعد الظفر، وسبق الإنشاء غير دخيل في المسألة، وما هو دخيل في إثبات فساد الأعمال السابقة إنّما هو حيثية كاشفيته، حيث إنّ مدلوله أنّ العمل الفلاني كان جزءاً أو شرطاً مطلقاً على نحو القضية الحقيقية.

البيان الثاني : أنّ الفرق بين عدول المجتهد عن رأيه الأول وبين عدول المقلد من مجتهد إلى مجتهد آخر - كما أفاده المحقق الأصفهاني - هو : (أنّ الخبر الثاني إنّما يوجب

نقض الآثار السابقة من حيث إطلاق مضمونه واضمحلال الحجية السابقة بقيام الحجة الأقوى على خلافها، بخلاف الفتوى الثانية، فإنّها وإن شاركت الخبر في إطلاق المضمون، لكن لا توجب اضمحلال الحجية الاولى، بل ينتهي أمد حجيتها).

وهذا البيان أيضاً محل تأمل؛ إذ المعيار كما أشار المحقّق الأصفهاني إليه هو إطلاق مضمون الحجة الثانية وفعلية حجيتها، أي: أنّ الثاني لابدّ وأن يكون حجة بلا معارض فعلي، وأن يكون مضمونه مطلقاً بالنسبة إلى جميع الوقائع، وأمّا اضمحلال الحجة السابقة وعدم اضمحلالها فغير دخيل في المسألة، فكما أنّ حجية الخبر الأول تنتفي بوصول مخصّص أو مقيّد له؛ إذ حجية العام مشروطة بعدم وصول حجة أقوى على خلافه، كذلك حجية رأي المجتهد مشروطة حدوثاً وبقاءً بعدالة المجتهد مثلاً، فانتفاء حجية الخبر الأول والذي يوجب أن يكون الخبر الثاني حجة فعلية وبلا معارض بأي سبب كان لا يؤثر في المقام، وكذلك حجية رأي المجتهد، فإنّه قد تنتفي حجية رأي المجتهد الأول بسبب أنّ الثاني بما أنّه كان مشتغلاً صار أعلم منه بحيث يوجب اضمحلال الحجة الاُولى أو كان سببه قصور في المجتهد الأول، فالسر في دخالته في الأعمال السابقة هو أنّ هذا حجة فعلية، والمنكشف بها حكم في الشريعة المقدسة بلا فرق بين زمان وزمان.

فظهر أنّ الفرق الذي أراد المحقّق الأصفهاني أن يفرّق به بين عدول المجتهد وعدول المقلد في قبال الشيخ الأنصاري - حيث ذهب الشيخ إلى أنّ موارد العدول مثل موارد تبدل الرأي، فإن قلنا بعدم الإجزاء في موارد تبدل الرأي فنقول به في موارد العدول - محل تأمل واشكال.

المسلك الثاني: ما ذكر في المستمسك(1)، ومحصله : أنّ العدول من مجتهد إلى مجتهد آخر له صورتان

الصورة الأولى: أن يكون الثاني أعلم من الأول، ففي هذه الصورة تكون فتوى الثاني حجة بالنسبة إلى الوقائع السابقة أيضاً، وهكذا فيما إذا عدل المجتهد من رأيه الأول إلى الثاني إذا كان منشأ العدول اعتراف المجتهد بخطئه في الرأي الأول.

الصورة الثانية : ما إذا أصبح المجتهد الأول فاقداً لشرط من شرائط جواز التقليد كزوال ملكة الاجتهاد أو عروض الفسق، وفي هذه الصورة فإنّ الدليل الذي يدل على حجية فتوى المجتهد الثاني قاصر عن إثبات فساد الأعمال السابقة، بمعنى أنّ المجتهد الذي تكون فتواه حجة من الآن يكون تأثير فتواه من زمان حجية فتواه، ولا أثر لها بالنسبة إلى الوقائع السابقة، فإنّ الدليل لحجية فتوى المجتهد الثاني فيما إذا وجب سبب من الأسباب العدولَ من المجتهد الأول إلى المجتهد الثاني، هو أحد الأمرين من الإجماع ومن دوران الأمر بين التعيين والتخيير، ولا يمكن التمسك بهما لإثبات حجية رأي المجتهد الثاني للوقائع السابقة التي لها أثر فعلاً، فإنّ القدر المتقين من الإجماع على الرجوع الى المجتهد الآخر فيما إذا طرأ على المجتهد الأول ما يمنع من جواز تقليده هو الوقائع اللاحقة التي لم تنشأ من الوقائع السابقة، أي أنّ الإجماع - القدر المتيقن منه- على الرجوع إلى المجتهد الثاني في الوقائع اللاحقة، وأمّا القضاء والإعادة التي هي مرتبطة بالأعمال التي صدرت في زمن حجية رأي المجتهد الأول فلا إجماع على حجية فتوى المجتهد الثاني بالنسبة إليها.


1) مستمسك العروة الوثقى 1 : 82

والشاهد على عدم الإجماع ما ذكره عدة من الأعاظم من أنّ المعيار في صحة العمل حجية الفتوى حين العمل، فمن هنا يستكشف عدم وجود إجماع على حجية رأي المجتهد الثاني بالنسبة إلى الوقائع السابقة.

وأمّا دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فإنّ المكلف إما عليه العمل على طبق رأي المجتهد الثاني أو أنّه مخير بين العمل على رأيه أو رأي من زالت عنه ملكة الاجتهاد، فإذا دار الأمر بين التعيين والتخيير فلابدّ من الأخذ بالمعين.

وهذا وإن كان صحيحاً، إلّا أنّه قانون عقلي، والقانون العقلي ثابت فيما إذا لم یکن هنا أصل شرعي يوجب تحديده، وفي المقام استصحاب حجية رأي المجتهد الأول بالنسبة إلى الوقائع السابقة موجود، وهذا الأصل الشر-عي يقتضي- الإجزاء، ومعه لا تصل النوبة إلى الأصل العقلي(1). هذا محصل كلام السيد الحكيم في المستمسك.

ويمكن المناقشة فيه من وجوه:

الوجه الأول: أنّ ما ذُكر غير مطابق لما سنذكره إن شاء الله في البحث الآتي من قيام السيرة على الإجزاء، حتى في صورة اعتراف المجتهد الأول بالخطأ، فهذا التفصيل في غير محله.

الوجه الثاني: أنّ ما قيل من أنّ الإجماع قائم على حجية رأي الثاني بالنسبة إلى الأعمال المتمحضة في اللحوق غير صحيح، فإنّه يُعتبر في المجتهد أن يكون مجتهداً حدوثاً وبقاءً، وكذا سائر الشروط من العدالة ونحوها، فإنّا سنذكر في مباحث التقليد - إن شاء الله - أنّ المقلد لابد أن يكون واجداً لهذه الشروط حدوثاً وبقاءً،


1) مستمسك العروة الوثقى 61/1 - 64 .

فالذي قام عليه الإجماع هو شرطية ومانعية بعض الأمور، ومرجعه إلى سقوط حجّية فتوى المجتهد الأول، وليس الدليل على حجية فتوى الثاني هو الإجماع، بل الدليل هو أدلّة التقليد التي سنذكرها، فقوله حجة بالنسبة إلى جميع الوقائع؛ إذ كاشفية رأيه على نحو القضية الحقيقية، وليس على نحو القضية الخارجية حتى يقال: إنّ قوله حجة فيما سيأتي وليس بحجة فيما مضى - كما عليه رأي القوم - فإنّ رأيه حجة على نحو القضية الخارجية، أي: أنّ الخصوصيات دخيلة في تقويمه، فمركز الإجماع يُحدّد ويُلغي حجية فتوى المجتهد الأول، وبما أنّ رأي المجتهد الثاني ليس من قبيل التقويم والحكم بأنّ هذا الدار لهذا الشخص مثلاً، بل على نحو الكبرى الكلية، فيؤثر بالنسبة إلى جميع الوقائع.

الوجه الثالث: أنّ ما ذُكر من دوران الأمر بين التعيين والتخيير صحيح فيما إذا كان الأمر دائراً بين الحجّتين، إلّا أنّا سنذكر- إن شاء الله - أنّه لايدور الأمر في موارد تعارض الفتويين بين التعيين والتخيير؛ وذلك لعدم دليل على التخيير حتى يكون المقام من دوران الأمر بين الحجّتين، فإنّه لو لم يكن لأحدهما مرجّح يسقط كلا القولين، ولو كان لأحدهما مرجّح فلابدّ من الأخذ بقوله تعييناً، ومعه لا تصل النوبة إلى استصحاب حجية فتوى المجتهد الأول؛ إذ إنّ المفروض هو حجية رأي المجتهد الثاني.

فظهر أنّ ما ذُكر من الفرق بين موارد العدول وموارد تبدّل الرأي مما لا يمكن الإلتزام به، والصحيح هو ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري من عدم الفرق بين الموردين.

هذا تمام الكلام في مستند الرأي الثاني وتحصّل من هذا البحث أنّ المستند في الرأي الثاني غير قاصر عن إثبات فساد الأعمال السابقة، إلّا إذا كان المستند هو الأصول، فإنّه يُفرَّق بين القضاء والإعادة حينئذ.

وبما أنّ دائرة المسألة توسّعت وتعمّ موارد العدول و موارد تبدل الرأي ولم تقتض الأدلة السابقة الإجزاء إلّا قاعدة الطهارة، ومن الواضح أنّ المسألة كثيرة الابتلاء ولا تكفي قاعدة الطهارة فقط، فلابد من البحث في الجهة الثالثة، وأنّه هل هناك دليل يقتضي الإجزاء في كلا الموردين أو لا؟

الجهة الثالثة: فيما تقتضيه الأدلة الخارجية

والبحث في المقام يدور حول الأدلة على الإجزاء في موارد تبدل الرأي وموارد العدول من مجتهد إلى مجتهد آخر، فنقول: إنّ الأدلة التي يتمسَّك بها أو يُمكن أن يُتمسّك بها على الإجزاء على أقسام:

القسم الأول: الروايات.

القسم الثاني: الإجماع والسيرة.

القسم الثالث بعض الشواهد الدالة على الإجزاء.

أما القسم الأول: وهو الروايات، فهي على النحو التالي:

الرواية الاُولى: صحيحة (لا تعاد)، وهي العمدة في هذه الروايات، ولا ريب في صحّتها سنداً، وقد رواها جماعة، وإنّما الكلام في مفادها، ففي الوسائل عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال: «لا تعاد الصلاة الّا من خمسة : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود، ثم قال: القراءة سنة والتشهد سنة، ولا تنقض السنة الفريضة»(1).


1) وسائل الشيعة 91/6 .

وقد تم البحث عن هذه الرواية في مباحث متعددة من الاُصول والفقه، کمباحث الإجزاء والاشتغال و مبحث الخلل وغيره مفصّلاً، ونبحث عنها هنا إجمالاً حذراً من التكرار المُمِلّ، فنقول:

إنّه لا إشكال في أنّ الرواية الشريفة تدل على الصحة في باب الصلاة، إلّا أنّها هل تختص بالصلاة أو تعمّ غير باب الصلاة من سائر الأبواب، فلو كانت مختصة بباب الصلاة - كما ذهب إليه المشهور - فتكون ثمرتها مختصة بباب الصلاة، فلو أخلّ بغير الأركان عن جهل قصوري لم يكن موجباً لبطلان صلاته، وأمّا على المختار من عدم اختصاصها بباب الصلاة، بل شمولها لغير الصلاة من متعلقات الأحكام التي هي مركّبة من الفرائض والسنن ، بل وشمولها لموضوعات الأحكام في الجملة إذا كانت مركّبة من الفريضة والسنة، فتكون الرواية دليلاً على الإجزاء في غير باب الصلاة

أيضاً.

وقد ذهب المشهور من المتأخرين إلى أنّ الكبرى هي: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة»، وقوله(عليه السلام) : « لا تنقض السنة الفريضة» تأكيد للصدر، لا أن يكون الذيل هو الكبرى، وعليه فتختص بباب الصلاة، سواء قلنا بأنّها تعمّ الجاهل القاصر والناسي أم لا تعم.

وأما بناءً على المختار من أنّ الكبرى الملقاة هي قوله(عليه السلام) : «ولا تنقض السنة الفريضة»، فتكون إشارة إلى أنّ متعلّق الحكم، بل موضوع الحكم أيضاً إذا كان مركباً من الفريضة والسنة وكان بينهما ترابط، لا يكون الإخلال بالسنة لجهل قصوري أو نسیان، بل حتى عن اضطرار وإكراه محلاً بالفريضة.

وعليه فالرواية شاملة لمثل الصوم والحج، فإنّ الارتماس والكذب على الله ورسوله وأمثاله من السنّة، كما ورد في الحج بأنّ «الرمي سنّة»، فلو أخلّ برمي جمرة

العقبة الذي هو من أعمال الحج ولم يتمكن من إتيانه لا بنفسه ولا بالاستنابة، فيمكن الحكم بالصحة، مع أنّه من أعمال الحج، وهكذا في غيرهما من متعلقات الأحكام، بل هكذا في موضوعات الأحكام التي هي مركّبة من الفرائض والسنن التي يأتي الإنسان بها بداع من الدواعي، كتحصيل الطهارة في الطهارات الثلاث، فلو أخلّ بما هو ليس بفريضة، كالغسل من الأعلى إلى الأسفل عن جهل ،قصوري، كما إذا كان عليه فوى مقلّده يُحكم بصحته.

والطهارات الثلاث باعتقادنا هي من موضوعات الأحكام، أي: أنّها موضوع لحصول الطهارة، والطهارة شرط في الصلاة، وقد دلت روايات كثيرة في خصوص باب الوضوء بأنّه من نسي شيئاً ممّا ذكره الله في كتابه أعاده وأعاد جميع ما بعده. فقد طُبّقت القاعدة في هذه الروايات على الطهارة التي هي من موضوعات الأحكام، وحينئذ فلا يبعد جريان القاعدة في العقود والايقاعات فيما إذا أخلّ بالسنة، كما إذا أفتى المجتهد الأول بجواز النكاح بالفارسية وأفتى المجهتد الثاني بلزوم كونه بالعربية، فإنّ الفريضة هو نفس العقد، وأمّا سائر الشروط فمن السنن.

وهكذا في غير عقد النكاح من العقود وغيره، مثل الذبح، كما إذا أفتى المجتهد الأول بجواز الذبح بغير الحديد، وأفتى المجتهد الثاني بلزوم كون الذبح بالحديد، فهذا من الاخلال بالسنة، فإنّ الواجب والفريضة هو التذكية: إِلَّا مَا ذَكّيْتُمْ(1)، وأما سائر الشروط كالاستقبال وغيره فهي من السنن.

فتحصل : أنّه على المختار يتعدى الحكم إلى متعلقات الأحكام المشابهة للصلاة في تركبها من الفرائض والسنن، بل يتعدى إلى موضوعات الأحكام كما لا يبعد.


1) سورة المائدة / الآية 3.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ الكبرى الملقاة في هذه الرواية هي قوله(عليه السلام) : «ولا تنقض السنة الفريضة وليست « لا تعاد الصلاة الا من خمسة».

فالمدّعى أنّ الكبرى هي: «لا تنقض السنة الفريضة»، وقوله(عليه السلام): «لا تعاد ...» من باب تطبيق هذه القاعدة في الصلاة، والشاهد عليه قوله(عليه السلام): «القراءة سنة والتشهد سنة».

وعليه يكون مفاد الرواية نفي الارتباطية المطلقة بين الفرائض والسنن في كل ما كان مركّباً منهما(1).

فتكون قاعدة عامة شاملة لأبواب كثيرة من العبادات والمعاملات، والشاهد على أنّ الكبرى هي: «لا تنقض السنة الفريضة» ذكر الفريضة في الوضوء والحج، فما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) : « الرمي سنة والطواف فريضة» (2)وأمثال ذلك فهو من باب التنبيه على أنّ حكم السنة يختلف عن حكم الفريضة، ومثله ما ورد في صورة وجود حائض وميت ومقدار من الماء يكفي لأحدهما : «إذا اجتمعت الفريضة والسنة قدم الفرض».

فظهر أنّ الرواية مقتضية للإجزاء إذا كان الإخلال بالسنة، والرواية شاملة للجاهل القاصر والناسي، بل كلّ معذور، ولا تختص بالناسي، كما ذكر المحقّق النائيني.

وأما الإطلاقات الواردة في الجزئية والشرطية فتقيد بهذه الرواية، فينتج أنّ الارتباطية بين الأجزاء والشرائط ليست مطلقة بحيث يكون الإخلال بها سهواً


1) والمراد من الفريضة ما حدّده الله تعالى في كتابه والمراد بالسنة ما لم يحدده الله تعالى، بل حدده النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم). (الاستاذ دام ظله) .

2) تهذيب الأحكام 5/ 255 .

و عمداً أو جهلاً موجباً للبطلان، بل البطلان إنّما يكون في صورة الإخلال العمدي والجهل إذا كان عن تقصير.

الرواية الثانية: حديث الرفع، فقد تمسك به جماعة منهم صاحب الكفاية في صورة ما إذا كان مستند الرأي الأول أو مستند المجتهد الأول هو حديث الرفع، ونحن قد ألغينا ذلك في المبحث السابق لضعفه، وإنّما ذكرنا هذه الرواية في هذا المقام بسبب إمكان الاستدلال بها للإجزاء فيما إذا لم يكن للدليل الثاني إطلاق، كما إذا كان مستند رأي المجتهد الثاني هو الإجماع، فلو أفتى المجتهد الأول بعدم جزئية شيء أو شرطيته بسبب رواية أو للبراءة وأمثال ذلك، وذهب المجتهد الثاني إلى الجزئية أو الشرطية من جهة الإجماع بسبب عدم قبوله للرواية مثلاً، وشككنا في أنّ الجزء أو الشرط الذي أخلّ به، هل هو جزء أو شرط حتى بالنسبة إلى الجاهل أو لا؟ فيما أنّ الدليل لاإطلاق له يُحكم بعدم الاطلاق في الجزئية أو الشرطية، وذلك تمسكاً بحديث الرفع.

أما القسم الثاني وهو الإجماع والسيرة:

أما الإجماع، فقد ادّعاه جمعٌ على الإجزاء، منهم: السيد البروجردي، فإنّه ذكر في بحثه أنّ الأمر كان متسالماً عليه بينهم إلى زمان الشيخ الانصاري. وقد اعتمد المحقّق النائيني والمحقّق الاصفهاني على الإجماع، الّا أنّ المحقّق خص الإجماع - على ما في أجود التقريرات - بالعبادات(1)، والمحقّق الاصفهاني عمّمه حتّى بالنسبة إلى المعاملات والأسباب في الأعيان الخارجية التي لم يمر عليها زمانان، أي زمان المجتهد الأول وزمان المجتهد الثاني، فلو مرّ زمانان لم يكن هذا من موارد الإجماع، كما إذا ذبح ذبيحة


1) أجود التقريرات 206/1.

مثلاً في زمن المجتهد الأول بغير الحديد، ثم عدل إلى مجتهد آخر يرى اعتبار الحديد في آلة الذبح، فمثل هذا لا يكون من موارد الإجماع(1).

إلّا أنّ هذا الإجماع غير ثابت، وذلك لعدم ذكر المسألة في كلمات المتقدمين، بل نُسب إلى العلّامة والعميدي أنّهما ادّعيا الإجماع على عدم الإجزاء كما في المستمسك.

فإذا كان المراد من الإجماع هو الإجماع القولي فالمحصّل منه غير حاصل، ومنقوله غير مقبول، مضافاً إلى أنّه مدركي، ويمكن أن يكون مدركه الأدلة السابقة، وإذا كان المراد الإجماع العملي فمرجعه إلى أنّ العلماء كالآخرين كانوا يجرون على ذلك وحينئذ يرجع إلى السيرة العامة.

والظاهر أنّ المراد هو الثاني لوضوح أنّ المسألة لم تكن مذكورة في كلمات أصحابنا المتقدمين، نعم منذ زمن الشيخ الأنصاري أرادوا طرح ذلك علمياً وصناعياً إلّا أنّ الصنعة لم تكن تقتضي الإجزاء مع قطع النظر عن دقائق الروايات.

نعم في صورة تمامية السيرة على ما سيأتي إن شاء الله يمكن جعل الإجماع مؤيّداً.

وأما السيرة، فإنّ سيرة الشيعة من بدو الأمر إلى زماننا هذا كانت مستقرة على الإجزاء فيما إذا كانوا يستندون إلى حجة ثم تبدّل رأيهم بسبب حجّة اُخرى.

وقد أنكر بعض الأكابر وجود السيرة أصلاً وامتداداً إلى زمان الأئمة(عليهم السلام) ، فقد قال السيد الخوئي (وفيه: أن موارد قيام الحجة على الخلاف وبطلان الأعمال الصادرة على طبق الحجة الأولية - كما إذا كانت فاقدة لركن من الأركان - من القلة بمكان وليست من المسائل العامة البلوى ليُستكشف فيها سيرة المتشرعة وأنّهم بنوا على


1) الاصول على النهج الحديث ص 94 .

الإجزاء في تلك الموارد و على عدمه، على أنّا لو سلمنا استكشاف السيرة بوجه فمن أين يمكننا إحراز اتّصالها بزمان المعصومين(عليهم السلام))(1).

ويمكن القول في قبال ما ذكر من أنّ المسألة (من القلة بمكان) ما ذكره الشيخ أحمد آل كاشف الغطاء من أنّه لو لم نبن على الإجزاء (لزم العسر والحرج العام، بل اختلال النظام الموجبة للمخاصمة بين الأنام وإلّا لسُلبت الزوجة من بعلها واُخليت الدار من أهلها بعد مضيّ دهور وأعوام، وذلك منفيّ بالسيرة القاطعة من العلماء والعوام المتصلة إلى زمان الإمام، ولذا لم يتعرض في شيء من الأخبار لبيانه مع كثرة الابتلاء به)(2).

وتوضيحاً لذلك لابدّ من ملاحظة أسباب تبدّل الرأي في زمن المعصومين(عليهم السلام)فلاريب أنّ هناك أسباب كثيرة تؤدي إلى تبدّل الرأي في زمن المعصومين(عليهم السلام)، ثم نرى أنهم ماذا كانوا يفعلون في صورة تبدّل الرأي.

أما أسباب تبدّل الرأي في زماننا فهي محدودة غالباً باختلاف الذوق الفقهي والرؤية الحاصلة للمجتهد، لا العثور على رواية لم يرها الآخر، فإنّ مثل ذلك نادر جداً؛ إذ تمّ استيفاء الروايات في هذه الكتب الموجودة تقريباً، وكثيراً ما يشترك المجتهدون في الآراء الأصولية، نعم ربما يكون اختلافهم في التوثيق والتضعيف السندي، إلّا أنّ أكثرهم لا يتعرضون لهذه الجهة.

وأمّا أسباب تبدّل الرأي في زمن الأئمة(عليهم السلام) فهي كثيرة، إذ إنّ أصحاب الأئمة(عليهم السلام) كانوا يدوّنون ما يلقى إليهم من قبل الإمام (عليه السلام)في كتب صغيرة، مثل الاُصول


1) التنقيح للسيد الخوئي 1/ 61 - 62 .

2) انظر : كشف الغطاء 42/1) (الطبعة القديمة).

الأربعمائة، وكانت كتبهم بلا تبويب ككتاب علي بن جعفر الذي وصل إلينا، وكثير من كتبهم كانت بعنوان النوادر، والنوادر بمعنى الكتب غير المرتبة من قبيل مشيخة الحسن بن محبوب، أو كانت بعنوان المشيخة، أي: كانوا يذكرون الروايات التي نقلها زرارة أو جميل ولم تكن بحسب الأبواب، بل حتى ما كان منها مبوباً لم يكن بحسب الفصول مرتّباً ودقيقاً، أي: لم تكن بحيث يتمكن المجتهد الواحد من الاطّلاع على جميع الروايات.

مضافاً إلى الإختلاف في المسائل الاُصولية حيث إنّ الأصول كان بدائياً للغاية، والاختلاف في كيفية التلقّي، أضف إلى ذلك بناء الأئمة(عليهم السلام) على الاختلاف في مرحلة الإبداء والتبليغ بسبب التقية أو غيرها كما فصّلناه في محله، فإنّ هذه الأمور توجب تبدّل الرأي كثيراً، وقد ذكر الشيخ الطوسي أنه ما من رواية إلّا بازائها ما يخالفها من أوّل الفقه إلى آخره.

وخلاصة القول: إنّ موجبات تبدّل الرأي كانت أكثر من زماننا هذا، وقد نُقل عن قدمائنا أقوال في الفقه لا يقول بها أحد من المتأخرين، كبعض أقوال ابن أبي عقيل أو ابن الجنيد وأمثالهما من الأكابر.

فظهر ممّا تقدّم ثبوت ذلك موضوعاً في تلك الأزمنة، وذلك لكثرة أسباب تبدّل الرأي، وأمّا حكمه فهو الإجزاء، وذلك لوصول الأخبار الدالة على الجزئية أو الشرطية أو المانعية تدريجاً إلى الرواة، فلو كان الإخلال بالجزء أو الشرط أو المانع عن عذر الجهل قصوري مثلاً مبطلاً كثرت الشكوى إلى الأئمة(عليهم السلام) من ذلك ككثرة شكواهم من تعارض الأحاديث، ولم يرد عنهم(عليهم السلام) ما يدل على عدم الإجزاء الّا في موارد نادرة، فمن عدم استيحاشهم وعدم شكواهم يُستكشف أنّ الإجزاء كان من

الواضحات عندهم، وأن الشرطية أو الجزئية أو المانعية متوقفة على العلم، وأما الإخلال بها لا عن علم فلم يكن مُضرّاً في ترتّب الأثر.

مضافاً إلى أن المنسوب الى العامة هو التصويب، وليس لهم بحث في الإجزاء وتبدل الرأي بهذا النحو، بل يظهر من كلمات علمائنا المتأخرين أنّهم يقولون بالإجزاء، لقولهم بالسببية في الطرق والاُصول، فلو كان بناء الشيعة على عدم الإجزاء في قبال أهل السنة لَعُدّ ذلك من متفرّدات الإمامية، فبلحاظ مجموع هذه الجهات يطمئن الإنسان بوجود السيرة على الإجزاء في الجملة.

نعم ورد في رواية منصور بن يونس عن أبي بصير، قال: سمعت ابا عبد الله(عليه السلام) يقول: «الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم»، قال: قلت: هلكنا - وفي نقل آخر: وأيّنا لا يكون ذلك منه ؟ - قال: «ليس حيث تذهب إنّما ذلك الكذب على الله عزّ وجلّ وعلى رسوله والائمة(عليهم السلام) »(1).

ولسنا بصدد بيان صحة الرواية وأنّ الكذب ناقض ومفطر، إذ إنّ أبا بصير مشترك، وهو حيث يطلق يُحمل على أحد رجلين محكومين بالوثاقة، ولمنصور بن یونس روايات قليلة ضبطناها في مبحث الصوم، وأبو بصير الذي يروي عنه منصور بن يونس، غير الرجلين المحكومين بالوثاقة، بل يظهر من هذه الرواية أنّه لم يكن متحرّزاً عن الكذب حيث يقول (هلكنا ) أو (أيّنا لا يكون ذلك منه؟) فلذا نحن أشكلنا في خصوص هذه الرواية، بل في مطلق روايات منصور بن يونس عن أبي بصير، وليس هذا محل كلامنا، بل الغرض أنّه لو كان البناء على عدم الإجزاء


1) الكافي 89/4/ ح 10 و 2/ 254 / ح9.

والاستيحاش من كل شرط أو جزء أو مانع كالاستيحاش المذكور في هذه الرواية لكثر مثل هذا النقل ولوصل إلينا الكثير من هذا القبيل.

فعلى هذا يمكن القول بأنّ الإجماع المنقول الذي حملناه على الإجماع العملي شاهد على السيرة، وما قيل من عدم احراز اتّصالها بزمان الائمة(عليهم السلام)يمكن المساعدة عليه؛ إذ لاريب عندنا في ثبوت هذه السيرة في زمنهم(عليه السلام) ، أي من جهة المبدأ، وإنّما الإشكال عندنا من جهة المنتهى، أي أنّ هذا هل كان ثابتاً في القرن السابع والثامن، وما بعدهما؛ إذ لا يمكن إثبات ذلك بشاهد، ولكن ثبوتها من حيث المبدأ كاف لنا، أي: أنّا لو كنّا نقول بالسيرة فمرادنا منها سيرة أصحاب الأئمة(عليهم السلام) مع أنّ الأئمة(عليهم السلام) كانوا يُرجعون الناس إلى بعضهم في الفتيا مثل الفضل بن شاذان ويونس بن عبد الرحمن ومحمد بن مسلم الثقفي وغيرهم.

وعلى فرض وجود دليل لُبّي وهو السيرة على الإجزاء يقع الكلام في حدودها، فنقول: إنّ المباني المذكورة للإجزاء ثلاثة:

المبنى الأول: الالتزام بالسببية والموضوعية، ويمكن استكشافه من الإجماع، وهذا ما سلكه المحقّق الاصفهاني في كتابه الاُصول على النهج الحديث حيث إنّه استكشف من الإجماع إفادة الأمر الظاهري للإجزاء على قانون السببية، بمعنى أنّ المشي على وفق الأمر الظاهري مولّد لمصلحة يتدارك بها المصلحة الفائتة، حيث قال: (نعم سيجيء في البحث عن تبدل الرأي دعوى الإجماع عن غير واحد على الإجزاء في العبادات فيُعلم منه الموضوعية والمصلحة البدلية فيها، والّا لم يُعقل رفع اليد عن الواقع وعدم تداركه)(1).


1) الاُصول على النهج الحديث: 89.

المبنى الثاني: الإلتزام بأنّ حجية الرأي الثاني لا تشمل الوقائع السابقة، لكون الدليل لبياً محدوداً، ولعل هذا هو السر في التزامهم بالإجزاء، وهذا ما ذكره السيد الحكيم في المستمسك، إلا أنه قال بذلك في العدول من مجتهد إلى مجتهد آخر وفيما اذا لم يعترف المجتهد الأول بالخطأ، وأما في صورة تبدل الرأي فهو يقول بعدم الإجزاء مطلقاً، وكذا بالنسبة إلى المقلّد فيما إذا اعترف المجتهد بأنه قد أخطأ في رأيه الأول.

المبنى الثالث: الالتزام بأنّ محدّد هذه السيرة قانون: (لا تنقض السنة الفريضة) بلحاظ أنّ الفرائض غالباً كانت مورد الاتفاق والاختلاف إنّما يكون غالباً في السنن، فتحدّد السيرة بما إذا كان الإخلال إخلالاً بالسنة.

فيقع البحث في ما هو المحدّد للسيرة من هذه المباني، فإنّ السيرة مبهمة، وهي عبارة عن الجري العملي، والجري العملي له أساس قانوني عليه جرت السيرة، فهل هذا القانون قانون السببية أو قانون عدم حجية الرأي الثاني بالنسبة إلى الوقائع السابقة أو قانون (لا تنقض السنة الفريضة)؟

أمّا المبنى الأول: فلا يمكن الالتزام به، وذلك لأنّ الإجماع لا أساس له، وعلى فرض التسليم للإجماع فإنّ الشواهد تدل على أنّ مورد الإجماع هو الإخلال بغير الأركان، ولا ربط له بمسألة الأمر الظاهري حتى يقال بأنّ الأمر الظاهري موجب للإجزاء، ولذا نرى أنّ المحقّق الخراساني جعل مورد البحث في الكفاية الإخلال بغير الأركان، فقال: (مورد البحث عن إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي ما إذا كان الخلاف بينهما بلحاظ بعض شرائط متعلق التكليف أو أجزائه، وأمّا إذا كانا متغايرين

في أصل التكليف فلا إشكال في عدم الإجزاء، كما إذا قام الطريق أو الأصل على وجوب صلاة الجمعة)(1).

والسيد البروجردي على ما نقل عنه كان يقول بأنّ البحث عن إجزاء الأمر الظاهري غير صحيح، بل لابد من البحث في أنّه لو أخلّ ببعض الأجزاء أو الشرائط أو الموانع غير الركنية فهل هذا العمل صحيح أو لا؟

ونقل عن بعض المتقدمين كالعلّامة والمحقّق في صحة أعمال المخالف إذا استبصر الّا الزكاة، كما دلت عليه الروايات أنّ الحكم مختص بما إذا لم تُخلّ بالأركان، فيظهر أنّ الفرق بين الأركان وغير الأركان مستقرٌ في أذهانهم بحيث قيّدوا الروايات المطلقة بصورة عدم الإخلال بالأركان، قال المامقاني: (وفي المسالك عن العلّامة القول بأنّ سقوط الإعادة لتحقق الإمتثال بالفعل المتقدم إذ المفروض عدم الإخلال بركن منه والإيمان ليس شرطاً في صحة العبادة، وفي الحدائق أنّ القول بصحة أعمال المخالفين ليس مختصاً بالعلّامة، بل هو المشهور بين المتأخرين، كما صرح به في الدروس)(2)، ونُقل عن المحقّق ذلك.

وأمّا ما ذهب إليه المحقّق الاصفهاني من استكشاف السببية من الإجماع فهو غير صحيح؛ إذ لا يمكن أن يكون الإجماع أو السيرة كاشفاً عن السببية؛ لأنّ توليد المصلحة من تبدل الآراء ممّا لا يمكن الإلتزام به، ومع قطع النظر عن ذلك لا يمكن أن يكون هذا شارحاً ومحدّداً للسيرة، وذلك لاختصاصه بما إذا لم يحصل القطع له أو لم يكن معتمداً على البراءة العقلية؛ إذ في موارد القطع أو الاعتماد على البراءة العقلية


1) انظر: كفاية الأصول: 87.

2) مناهج المتقين، كتاب الحج.

ليس هناك أثر ظاهري، والمفروض أنّ السيرة تشمل موارد القطع وموارد الإعتماد على البراءة العقلية.

وأمّا المبنى الثاني: وهو أنّ محدِّد السيرة هو عدم حجية الرأي الثاني بالنسبة إلى الوقائع السابقة، فهذا أيضاً لا يمكن أن يكون محدّداً وشارحاً للسيرة، وذلك لأنّ الشواهد تدلّ على الإجزاء فيما إذا تبدّل رأي المجتهد وبالنسبة إلى نفسه، والحال أنّ القائل يقول بعدم الإجزاء في موارد تبدل رأي المجتهد، وكذا بالنسبة لمقلّديه.

فالمتعيّن هو المبنى الثالث: وهو مؤيَّد بالشواهد الخارجية، وهو أنّ القدر المتيقن من الإجماع والسيرة هو الإخلال بالسنن في باب الصلاة والصوم وسائر الأبواب.

القسم الثالث: إنّ مما استدلّ به على الإجزاء هو الشواهد الخارجية، والشاهد على الإجزاء ما ورد من الروايات من أنّ المخالف إذا استبصر، فأعمالة السابقة صحيحة إلّا الزكاة، فإنّه وضعها في غير محلها، مع أنّهم يختلفون عنّا في كثير من الأحكام حيث لا يقولون بنجاسة بعض النجاسات وتختلف كيفية تطهيرهم عن تطهيرنا إلى غير ذلك من الاختلافات، فربما يقال بأنّ هذا الحكم على أي أساس؟ فنقول : إنّ عمل المخالف فاقد للولاية، وقد اختلفوا في أنّ الولاية شرط قبول أو شرط صحة، وعلى أي نحو كان فالمفروض هو أن المخالف استبصر ويقول فعلاً بالولاية ويستفاد من الروايات بأنّ الولاية - ولو من باب الشرط المتأخر - موجبة لصحة الأعمال السابقة، ومن الروايات الدالة على ذلك رواية عمار - وإن كان في سندها حسين بن تاتان الذي لم يُوثّق وهو من مشايخ الصدوق - حيث ورد فيها: «فإن أقرَّ بولايتنا ثم مات عليها قُبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجّه»(1)، فلا مشكلة في


1) الأمالي (للصدوق) 328.

أعماله من جهة إخلاله بالولاية، والإشكال إنّما من جهة إخلاله بما هو دخيل في الصحة، فإنّ كثيراً من سنن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قد فاتهم من أجل عدم اهتمامهم بتدوين الحديث في بدء الأمر ، فلو كان هناك إشكال في أعمالهم فالإشكال إنّما يكون من جهة الإخلال بالسنة غالباً، ولا نقول بأنّه لا يكون الإخلال إلّا في السنة فقط، بل ربما يكون الإخلال بالفريضة، فإذا قلنا بصحة أعمال من كان مقلداً لأبي حنيفة أو مالك أو غيرهما، فمن المستغرب القول بعدم الإجزاء لمن كان مقلداً لمحمد بن مسلم أو الشيخ الطوسي وأمثالهما، ثم عدل الى مجتهد آخر لجهة من الجهات.

ولعل هذه الروايات تدل بطريق أولى على الإجزاء بالنسبة لمن قلّد أحداً من هؤلاء الأكابر، ثم عدل منه إلى غيره، هذا تمام البحث في الإجزاء بما يناسب مبحث الاجتهاد والتقليد وبه ينتهي البحث في الاجتهاد.

المقصد الثاني: التقليد

اشارة

وفيه فصول:

الفصل الأول: في معنى التقليد

الفصل الثاني: في أحكام التقليد

الفصل الثالث: في أنّ أصل مسألة جواز التقليد ليست تقليدية

الفصل الرابع: في حقيقة التقليد

الفصل الخامس: في المقلَّد فيه

الفصل السادس: في المقلِّد

الفصل السابع: فيما يرتبط بالمقلد

شروط المجتهد:

الشرط الأول: الحياة

الشرط الثاني: العدالة

الشرط الثالث: الايمان

الشرط الرابع: طهارة المولد

الشرط الخامس: الذكورية

الفصل الأول: معنى التقليد

معنى التقليد

والبحث في المقام في معنى التقليد لغة، وفي المعاني التي استعمل التقليد فيها في الروايات، ولا نبحث هنا عن إختلاف الفقهاء في حقيقة التقليد وما به يتحقق التقليد، فنقول:

إنّ التقليد - كما يُستفاد من المعاجم اللغوية - كان يُستعمل أوّلاً في جعل شيء محسوس على الرقبة سواء كان إنساناً أو حيواناً، وهذا يظهر من الأمثلة التي ذكروها : (قلّدَ السيف: جعل حمالته في عنقه، وقلد القلادة: جعلها في عنقه، ومنه تقليد الهدي).

ثم انتقل من الأمر المحسوس - إذ ما جُعل وما جُعل عليه كلاهما محسوسان - إلى أم ر معنوي، وهذا شأن كثير من المفردات والألفاظ المستعملة في الأمور المعنوية؛ إذ إنّ استعمال اللفظ في الأمور المعنوية كثيراً ما يكون مسبوقاً باستعماله في الأمور المحسوسة، وفي هذه المرحلة يمكن القول باستعماله في معنيين:

المعنى الأول: تقليد الولاة عملاً من الأعمال، فيقال: (قلّده ولاية البلد الفلاني)، ومعنى ذلك تفويض إدارة تلك البلدة إليه وجعل ذلك على عاتقه، وليس المراد من العاتق في هذا المثال وفي هذه المرحلة العضو المحسوس ولا الجعل المحسوس، بل الجعل الإعتباري، أي أنّ من وظائفه القيام بالعمل الذي جعل على

عاتقه، وفي لسان العرب: (وتقليد الولاة الأعمال) حيث عدّ ذلك من موارد استعمال التقليد، ونظير ذلك ما إذا جعل التدقيق في كتاب أو تصحيح كتاب على عاتق الغير، ففی هذه الموارد معناه إعتبار عمل على ذمة شخص، وهو استعارة من المعنى الأول.

المعنى الثاني: التقليد بمعنى الاتّباع، فيقال: قلّده، أي: اتّبع نظره، ومن الواضح أنّ اتّباع النظر ليس من جعل شيء على عاتقه، فإنّ التقليد قد يكون في النظر وقد يكون في النظر والإرادة، فإن كان في النظر فهو اتّباع في النظرية، وإن كان في الإرادة أيضاً فيكون التقليد مساوقاً للإطاعة، فيقال: قلّده في كذا، أي: أطاعه، وغير بعيد أن يكون التقليد في مرحلة التحول إلى هذا المعنى الجديد - سواء كان بمعنى الاتّباع أو الاطاعة - من النقل، لا من الاستعارة كما في المعنى الثاني، حيث لا عناية في جعل النظر على عاتقه، والتابع وإن كان يتابع نظريّته إلّا أنّه ليس معناه جعل النظر على عاتقه كما كان في المعنى الآخر؛ إذ إنّ في ذلك المعنى عناية إلى ذلك حيث يجعل على عاتقه عملاً من الأعمال، والشاهد عليه أنّ التقليد بهذا المعنى يتعدّى بـ(في) فيُقال: قلده في كذا، ومنه التقليد في الدين كما في لسان العرب، وأما التقليد بالمعنى الأول فلا يتعدّى إلى المفعول الثاني بـ (في) فيقال قلده القلادة مثلاً.

فإذا ظهر ذلك يقع الكلام في أنّه إذا قيل بأنّ زيداً يقلّد فلاناً في أحكام دينه، هل المراد منه مجرّد التبعية، وليس له عناية بجعل العمل على ذمة الغير - يعني جعل أعمال المقلِّد على ذمة المقلَّد - أو أنّ في هذا التعبير عناية بجعل الأعمال على ذمة المجتهد مثلاً؟

الظاهر أنّ المراد هو الأوّل وإن كان مصحّح النقل هو حيثية جعله على عاتقه، لكن هذه الحيثية فعلاً غير موجودة ومستعمل في التبعية.

وبعبارة اُخرى: هل إنّ الفعل أو الترك الذي يأتي به المقلد مستنداً إلى رأي فلان هو من جعل العمل أو الترك في ذمته أو أنه مجرد اتباع في نظره، وإذا كان من جعل

العمل أو الترك في ذمته، فهل يكون معنى ذلك أنّ وزر العمل أو الترك على عاتقه أو لا، فنقول:

ظهر مما تقدم أنّ التقليد مستعمل في المعنى الثاني وهو الاتّباع، ولم يلحظ فيه جعل شيء على عاتق المقلَّد، نعم ربما يكون ذلك ملحوظاً في المراحل الأولية للانتقال، أما جعل العمل على عاتقه فهذا غير ملحوظ في هذا الاستعمال، فضلاً عن أن يكون وزر العمل عليه، إلّا أنّ جماعة من الأكابر ذكروا ما يخالف ما ذكرناه كالمحقّق الاصفهاني، فإنه قال في رسالة الاجتهاد والتقليد : (وهذا يناسب العمل استناداً الى رأي الغير، فإنّه جعل العمل كالقلادة في رقبة الغير)(1)وبهذا ردّ على من قال بأنّ التقليد مجرّد البناء على العمل أو التعلم وأنّ هذا ممّا لا يناسب المعنى اللغوي، بل المناسب جعل العمل على عاتقه.

وقال بعض الأكابر ما محصّله: التقليد في هذه المرحلة بمعنى جعل وزر العمل في عنق المجتهد(2).

إلّا أنّه قد ظهر بأنّه نقل من المعنى اللغوي ولم يلحظ فيه جعل العمل على ذمة الغير فضلاً عن وزر العمل حيث لا وزر في التقليد على مجتهد جامع للشرائط، نعم لو لم يكن مجتهداً واقعاً وكان تقليد هذا الشخص منه من الجهل القصوري حيث أغراه جمع، يكون وزر عمله عليه، وأمّا المجتهد الجامع للشرائط فلا وزر عليه في العمل على وفق رأيه حتى يقال بأنّ التقليد جعل وزر العمل في عنقه.


1) الاجتهاد والتقليد (للاصفهاني) ص 14.

2) انظر: موسوعة الإمام الخوئي 1 : 59 و 313.

وقد استشهد ببعض الروايات الدالة على أنّ كل مفت ضامن أو مَن أفتى بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه. ومن الواضح أنّ البحث في التقليد، ولا اختصاص له بمن أفتى بغير علم، بل مطلق التقليد ومنه التقليد للمجتهد الجامع للشرائط.

وعليه فالتقليد بمعنى الاتّباع، والاتّباع قد يكون في العمل الجوانحي وقد يكون في العمل الجوارحي، وقد ينطبق عليه عنوان الإطاعة وقد لا ينطبق. وأمّا الروايات التي استعمل فيها التقليد سواء صحيحة كانت أم غير صحيحة:

فمنها: ما في التفسير المنسوب إلى العسكري(عليه السلام): «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه»(1).

والظاهر من هذه الرواية أنّ للعوام اتّباع آرائه، والشاهد على ذلك ما ذكر قبل هذه العبارة (فلذلك ذمّهم الله لما قلّدوا مَن قد عرفوا ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره، ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤدّيه اليهم عمّن لم يشاهدوه، ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم))(2)حيث ذكر التقليد في قبال النظر بأنفسهم في أمر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فإنّه قد ينظر الشخص في أمر وقد يتبع نظر الغير، فلو كانت في هذه الرواية عناية إلى جعل شيء في عنقه فإنّما يكون هو النظر، وأمّا العمل أو وزر العمل فلا، وجعل النظر على عنقه إنّما كان في المراحل الأولية للنقل.

ومنها: ما في الكافي عن محمد بن عبيدة، قال: قال لي أبو الحسن(عليه السلام) : «يا محمد أنتم أشدّ تقليداً أم المرجئة؟ قال: قلت قلّدنا وقلّدوا، فقال: «لم أسألك عن عن هذا»، فلم


1) تفسير الإمام العسكري(عليه السلام) 300.

2) المصدر نفسه 300.

يكن عندي جواب أكثر من الجواب الأول، فقال أبو الحسن(عليه السلام): «إن المرجئة نصبت رجلاً لم تُفرض طاعته وقلدوه وأنتم نصبتم رجلاً ففرضتم طاعته، ثم لم تقلدوه فهم أشدّ منكم تقليداً»(1).

ولا يستبعد أن يكون المراد من التقليد في هذه الرواية هو الإطاعة حيث ذكر التقليد مع عدم فرض الطاعة، وعدم التقليد مع فرض الطاعة، كما يمكن أن يكون المراد من التقليد هو مطلق الاتّباع فيما بيّنوه - لمن لم تفرض طاعته - من حلال الله وحرامه، والرواية ضعيفة السند.

ومنها: ما في قرب الاسناد - والسند صحيح - قال : وقلت للرضا(عليه السلام) : جعلت فداك إنّ بعض أصحابنا يقولون : نسمع الأثر يُحكى عنك وعن آبائك(عليهم السلام) فنقيس عليه و نعمل به فقال: «سبحان الله، لا والله ما هذا من دين جعفر(عليه السلام)، هؤلاء قوم لا حاجة بهم إلينا، قد خرجوا عن طاعتنا وصاروا في موضعنا، فأين التقليد الذي كانوا يقلّدون جعفراً وأبا جعفر».(2)

والمراد من التقليد في هذه الرواية هو الاتّباع أي: أين اتّباعهم لجعفر وأبي جعفر(عليهم السلام)حيث نهيا عن القياس، وليس المراد الأعمال التي جعلوها على عاتق جعفر وأبي جعفر(عليهم السلام).

ومنها: ما في الوسائل عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن الحسن - والظاهر أنّه محمد بن حسن الطائي الرازي وهو شيخه ولم يُوثّق - عن بعض أصحابنا عن إبراهيم بن خالد عن عبد الله بن وضّاح، عن أبي بصير قال: دخلت اُمّ خالد العبدية على أبي


1) الكافي 43/1 / 2 .

2) قرب الإسناد 356 .

عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده فقالت: جعلت فداك إنّه يعتريني قراقر في بطني وقد وصف لي أطباء العراق النبيذ بالسويق، وقد وقفت وعرفت كراهتك له فأحببت أن أسألك عن ذلك، فقال لها: «وما يمنعك من شربه؟» فقالت: قد قلّدتك ديني فألقى الله عزّوجلّ حين ألقاه فأخبره أن جعفر بن محمد(عليهم السلام)أمرني ونهاني، فقال: «يا أبا محمّد ألا تسمع إلى هذه المرأة وهذه المسائل، لا والله لا آذن لك في قطرة منه، ولا تذوقي منه قطرة»(1)، الحديث.

والمراد من التقليد في هذه الرواية الاتّباع أيضاً.

فظهر أنّ موارد استعمال التقليد في الروايات أيضاً هو الاتّباع، لا جعل العمل أو وزر العمل على عاتق الغير.


1) تهذيب الأحكام 112/9 - 113.

الفصل الثاني: أحكام التقليد

أحكام التقليد:

تقدّم الكلام في أن تقليد الغير هو اتباعه في نظره، وبهذا المعنى يصدق رجوع الجاهل إلى العالم، حيث إنّ الجاهل يتّبع نظرية العالم، وبهذا المعنى استُعمل التقليد في أكثر الروايات.

ورجوع الجاهل إلى العالم ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: ما إذا كان العالم قاطعاً بالحكم من المبادئ المحسوسة أو شبه المحسوسة التي يكون الخطأ فيها في نهاية القلة، سواء حصل للجاهل القطع بعدم خطأ العالم أم لا، ونظيره في غير الأحكام الشرعية الرجوع إلى الأطباء في تشخيص بعض الأمراض التي يكون تشخيصها بالوسائل الحسية، ومن هذا القبيل الرجوع إلى الأئمة الطاهرين(عليهم السلام) ، والرجوع إلى بعض المحدّثين في المسائل الأصلية لا الفرعية، وذلك لعدم تخلّل الحدس والنظر والاجتهاد.

والظاهر أن هذا القسم لا ريب في جواز التقليد فيه.

القسم الثاني: الرجوع إلى العالم في النظرية المتخذة من الأمارات المعتبرة، إلّا أنّ صاحب النظرية غير قاطع بموافقتها للواقع، نعم نظريته نظرية عن بصيرة ودقة إلّا أنّه غير قاطع بأنّ ما يخبره مطابق للواقع، وهذا نظير الرجوع إلى الأطبّاء في تشخيص

بعض الأمراض التي لا يكون تشخيصها بالوسائل الحسية، والرجوع إلى المهندسين في بعض الأمور، ولعل من هذا القبيل - على قول - الرجوع إلى المقوّمين في تقويم القيميات أو خرص ثمرة البستان، فإنّ التقويم والخرص مبتن على أمارات معتبرة، إلاّ أنّه ليس بقاطع فيما يخبر به ويقوّمه ، ومن هذا القبيل رجوع الجاهل إلى المجتهد في غير المسائل الضرورية، وأما المسائل الضرورية فلا يرجع فيها إلى المجتهد.

فإذا ظهر ذلك يقع البحث في جواز التقليد في القسم الثاني، وأما القسم الأول فلم يُشكل في جواز التقليد فيه أحد من الاُصوليين والأخباريين.

المشهور بين فقهاء الشيعة جواز التقليد في القسم الثاني، بل ادعى السيد المرتضى عليه الإجماع، إلّا أنّه نُقل عن علماء حلب وبعض المتأخّرين من الأخباريين عدم جواز التقليد، وربما كان ذلك مبتنياً لدى بعضهم على ما تقدّم عن صاحب الوسائل من أنّه لا موضوع للإجتهاد، إذ المستند إنّما هو الروايات، وهي قطعية السند وقطعية الدلالة ولو بضمّ بعضها إلى بعض، وقد تقدّمت عبارته في مبحث الاجتهاد والجواب عنه.

ونُسب ذلك إلى عدّة من علماء العامة سواء كان المقلّد حيّاً أم ميتاً، ونحن لا نتعرّض لأقوالهم، ويمكن لنا القول بأنّا قد استوفينا نتيجة هذا البحث في أبحاث الاجتهاد، حيث تطرقنا إلى مسألة جواز الافتاء للمجتهد وعدمه، وقلنا هناك بجواز الإفتاء للمجتهد بهذا المعنى، وأقمنا على ذلك شواهد، وجواز الإفتاء مساوق وملازم الحجية رأيه للعامي، وبما أنّ المسألة طُرحت هنا فنحن أيضاً نتعرض لها.

استدل الجواز التقليد باُمور ربما لا تكون من وجهة نظرنا تامة:

الأمر الأول: الروايات:

منها: ما في التنقيح: «العمري وابنه ثقتان فما أدّيا عنّي فعنّي يؤديان وما قالا لك فعنّي يقولان فاسمع لهما وأطعهما فإنّهما الثقتان المأمونان»(1).

كما استدل بهذه الرواية في مبحث حجية الخبر الواحد، ونحن قلنا هناك بأنّ عثمان بن سعيد العمري وابنه محمد بن عثمان هما وكلاء الحجة في الأخذ والعطاء وأمثال ذلك مما يرجع إليه في الوكيل، وليس نصبهما بعنوان المرجع في الفتيا وجواز تقليدهما، فقوله(عليه السلام) : «فاسمع لهما، لا يدلّ لا على حجية خبر الواحد ولا على جواز التقليد، وهذا نظير من تنصبه الحكومة لمنصب من المناصب حيث إنه يجب على الناس بعد نصبه قبول قوله وسماع كلامه واطاعته.

ومنها: ما في التنقيح أيضاً عن علي بن المسيب الهمداني، قال قلت للرضا(عليه السلام) : شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: «من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا»(2).

فإن زكريا بن آدم وإن كان جليلاً، الّا أنّه ليس لنا شواهد تدل على أنّه كان مستنبطاً بالمعنى الذي هو محلّ كلامنا، فإنه كان وكيلاً من قبل الإمام (عليه السلام) في قم وكان يرجع إليه في اُمور الدنيا والدين، فأمره الامام(عليه السلام) بأخذ معالم دينه منه، وليس الكلام في أخذ الفروع المبتنية على الاجتهاد والاستنباط.

إلى غير ذلك من الروايات التي يمكن الجواب عنها بمثل ما أجبنا بالنسبة إلى الروايتين المتقدّمتين.

وقد استدل لذلك بوجوه اُخرى تتعرّض لها:


1) التنقيح للسيد الخوئي 92/1 .

2) التنقيح للسيد الخوئي 92/1 .

الوجه الأول: الاستدلال بآية النفر: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين(1)بتقريبات مفصّلة تعرضنا لها في بحث حجية خبر الواحد ونتعرّض في المقام إليها مجملاً.

إنّ النظر في الآية المباركة والدّقة فيها يوضّح لنا أنّ الآية الشريفة بصدد حلّ أيّ مشكلة من المشاكل، ومنه يظهر أنّ الاستدلال بها لحجية خبر الواحد أو جواز التقليد في غير محلّه.

وتوضيح ذلك يحتاج إلى بيان أمرين:

الأوّل: هو ما نرى في هذه الآية المباركة من عناية بنفر طائفة من كلّ فرقة، وذلك لأنّ العشائر كانت تعيش متفرّقة، ولهذا يقال الفرقة، وتصدق الطائفة على الفرد والأفراد، ومن هنا وجّه لهم السؤال في الآية الكريمة وهو : لماذا لا تنفر طائفة من كلّ فرقة ليتفقّهوا في الدين، فهنا توجد عناية بأن تكون الطائفة من الفرقة، فإنّ نظام العشيرة قائم على التضامن بين أفرادها، فكلٌّ من أفراد العشيرة كان متكفّلاً لجهة من الجهات، وكانوا شركاء في المنافع والمضار في قبال سائر العشائر، ويرأس كل عشيرة شخص يكون شيخاً لهم.

وبما أنّهم كانوا محتاجين الى الاستطلاع في بعض الأمور كطلب الكلأ والماء كان بعضهم أو جمعٌ منهم مكلّفاً بطلب الماء والكلأ، وكذا كانوا يجعلون شخصاً أو أشخاصاً عيوناً لهم، وذلك لكثرة الغارات في تلك الأزمنة، ومن كان له خبروية في هذه المراحل وكان من نفس الفرقة فيُطلق عليه بلحاظ بعض العناوين (الدليل)


1) سورة التوبة / الآية 122.

وبلحاظ بعض الجهات (الرائد) ، ولذا من الأمثلة المعروفة (الرائد لا يكذب أهله)(1)إذ بينه وبين أهله ارتباط من جهة الدم ومن جهة المضار والمنافع، ولذا حينما أراد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) دعوة قومه سألهم أنّه إذا أخبرهم بأنّ عدوّاً يُريد الهجوم عليهم من وراء الجبل أيصدّقونه؟ أي : أنّهم يرونه من أنفسهم أو لا؟

الثاني: أنّ هاهنا طريقتين نشر المعارف الإسلامية وأصول الأحكام الاسلامية بالنسبة إلى العشائر التي كانت تعيش متفرقة مع سعة جزيرة العرب: الطريقة الاُولى: بعث بعض الأصحاب من المهاجرين أو الأنصار اليهم لنشر المعارف الإلهية وتعليمهم الكتاب، وهذه الطريقة كما في تفسير الطبري لا تخلو من صعوبة، وذلك لاختلاف ألسنتهم ولهجاتهم، واختلافه عن عشيرتهم؛ إذ يُعدّ هذا من غيرهم، مضافاً إلى أنّ من كان يذهب إليهم كان يأكل ويشرب عندهم، ولذا كانوا يقولون له أحياناً: لماذا جئتَ إلينا ؟ أو كانوا يَشْكون ذلك إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وشاعت هذه الطريقة بعد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حيث كانوا يرسلون أفراداً إلى العشائر والقبائل لتعليمهم المعارف والأحكام.

الطريقة الثانية: وهي أسهل من الاُولى، كما أنّها موافقةٌ لطبائعهم، وهي مجيء جماعة منهم إلى المدينة وتعلّمهم للمعارف والأحكام وليُنذروا قومهم إذا رجعوا اليهم.

والمراد من التفقّه في الآية المباركة التفقه بالمعنى الأول من معاني الفقه الذي منه القول: (ما نشأ في الاسلام أفقه من سلمان)(2)، لا الفقاهة المصطلحة، والآية المباركة


1) بحار الأنوار 104/59 .

2) مستدرك سفينة البحار 127/5

تشير الى هذه الطريقة وحلّ مشكلة نشر المعارف والأحكام بهذه الطريقة، وليست الآية المباركة بصدد بيان التفقه بالمعنى الاصطلاحي وبيان جواز التقليد.

الوجه الثاني: أنّ المجتهد يُعدّ من أهل الخبرة، وبناءُ العقلاء في اُمورهم الراجعة إلى دينهم ودنياهم على الرجوع إلى أهل الخبرة.

وأساس ذلك هو تقسيم الأعمال والمهن، فإنّه لا يمكن لكل واحد التصدّي لجميع الأعمال، ومن الأمور المسلّمة في كل مجتمع تقسيم الأعمال، ومن الأعمال التفقّه، ومن المعلوم أنّ الفقه الإسلامي مع سعته ومع مصادره ومع ما يتوقف عليه من المبادئ والنظر فيه، محتاج إلى مزيد من الوقت، وهذا كغيره من الأعمال التي يُرجع فيها إلى أهل الخبرة كالطب والهندسة والتقويم وأمثال ذلك، فلو لم يكن الشارع المقدس راضياً بجواز التقليد في الأحكام الشرعية لردع عنه ردعاً شديداً وأكيداً، وذلك لأنّ كلّ عمل لا يرضى به الشارع لابدّ وأن يردع عنه، وكلّما كان محذوره أكثر فإنّه يقتضي الردع الأكثر، كما ردع عن القياس في روايات كثيرة بشدة، والرجوع إلى أهل الخبرة ممّا له جذور كثيرة في النفوس، والحال أنّه لم يَردع الشارع عنه. والوجوه المذكورة لعدم جواز التقليد في غاية الضعف، وهذا الوجه صحيح .

الوجه الثالث: إرجاع الأئمة الأطهار(عليهم السلام)الى الفقهاء.

وتوضيح ذلك متوقف على بيان مقدمة، وهي: لا إشكال أنّ في كل بحث ومجلس درس هناك أشخاص ربما لا يلتفتون إلى ما يلقيه الاستاذ، كما أنّ هناك أشخاصاً لا يلتفتون ولا يفهمون الأظاهر الكلام، وهناك عدة يفهمون ظاهر الكلام وباطنه ولوازمه وملزومه ويمكنهم تفريع الفروع على الاُصول الملقاة.

ومنذ بداية الأمر كان المسلمون على أقسام ثلاثة، كما أشار إليه النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)و في خطبته في مسجد الخيف ، فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها

وبلغها من لم يسمعها، فربّ حامل فقه غير فقيه وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»(1)فالتقسيم إلى الفقيه وغير الفقيه، والفقيه والأفقه كان منذ صدر الإسلام، بل منذ بدء الخلقة، وهكذا بالنسبة إلى أصحاب الأئمة(عليهم السلام) فإنّهم ينقسمون إلى هذا التقسيم، فهناك جماعة شأنهم حفظ الحديث وروايته، وجماعة اُخرى شأنهم دراية الحديث، قال الإمام الصادق(عليه السلام) : « حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه»(2).

وقد فُرّق بين القسمين في كتب الرجال، ولذا ذكر الكشي في أصحاب الإجماع: (الذين أجمعوا على فقاهتهم وانقادوا لهم بالفقه)(3)وذكر الأفقه في كل طائفة، وقد بيّن الأئمة الأطهار قواعد الفقاهة لمن كان له أهلية الفقاهة: «علينا إلقاء الاُصول وعليكم التفريع» (4)، وقد ورد في رواية إسحاق بن عمار عن أبي الحسن الأوّل المذكورة في باب الاستصحاب: (قلت: هذا أصل قال: «نعم»)(5)والإرشاد إلى دقائق الكلام: «إنّا لا نعدّ الرجل منكم فقيهاً حتى يُلحن له فيعرف اللحن»(6)، والأخذ بشواهد الكتاب والسنة في أرجحية الخبر على ما ذكر جمعٌ من القدماء ونحن قوّيناه، ولزوم الأخذ بشواهد الكتاب والسنة في حجية الخبر، قال الإمام الصادق(عليه السلام) : «قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه» والمراد من الموافقة: الموافقة من حيث الهدف والتوافق


1) الكافي 403/1 / ح1 .

2) معاني الأخبار: 2.

3) اختيار معرفة الرجال 507/2

4) تقدّم تخريجه آنفاً.

5) وسائل الشيعة 212/8.

6) تقدّم تخريجه .

الروحي، وهذا ليس شأن كلّ واحد بل الذي يَقدر على تمييز الموافق من غير الموافق هو الفقيه، وكذا البحث عن تشخيص الناسخ من المنسوخ، وتشخيص المحكم من المتشابه. والتحريض على ردّ المتشابه إلى المحكم: «إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن، و متشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا»(1)وبيان طريقة علاج المتعارضين، إلى غير ذلك من الأمور التي لايقدر عليها العامي كموافقة العامة ومخالفة العامة، بل قد كان الامام(عليه السلام) يبين مصدر الحكم، قال زرارة: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟... قال: «... لمكان الباء»(2).

وفي رواية عبد الأعلى: «هذا وأشباهه من كتاب الله»، ومن المعلوم أن العامي لا يسأل عن مستند الحكم، وكذا لا يمكن لغير الفقيه معرفة هذا وأشباهه من كتاب الله، فنتيجة لاهتمام الأئمة(عليهم السلام) بتربية جماعة حتى يصلوا إلى مرحلة التخصص في الفقاهة، وكان لهؤلاء أنفسهم أيضاً إهتمام بمعرفة الأمور وصل جماعة الى مرحلة الفقاهة، منهم يونس بن عبد الرحمن، فإنّ الشواهد تدل على فقاهته، منها ما في مواريث الكافي والفقيه والتهذيب، فإنّ كثيراً من الآراء تُنسب إلى يونس والفضل.

والمعترض بأنّ هذه الآراء آراؤهم(عليهم السلام) واهم. ومثل الفضل بن شاذان الذي كان مطّلعاً على الآراء الاُصولية كما يظهر من الكافي حيث أُشكل بأنّه ما الفرق بين الطلاق البدعي وخروج المرأة عن بيتها في أيام العدة، حيث إنّ العامة يقولون بصحة


1) وسائل الشيعة 27/ 115 .

2) الاستبصار 1/ 62 - 63 .

الطلاق البدعي الّا أنّه محرم، قد أجاب الفضل بن شاذان عن ذلك بما هو مشتمل على المطالب الاُصولية(1).

والمقصود أنّهم كانوا فقهاء بالمعنى المصطلح كما كان في أصحاب الأئمة(عليهم السلام) عوام، ولم يكن شأن الفقهاء مجرّد رواية الحديث، فإذا ثبت وجود فقهاء في زمن الأئمة(عليهم السلام) بهذا المعنى المصطلح، نقول بأنّ الائمة(عليهم السلام)كانوا يُرجعون العوام إلى الفقهاء كما يُستفاد من مقبولة عمر بن حنظلة ولو بالدلالة الالتزامية، حيث يقول الامام(عليه السلام):« انظروا إلى رجل منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا»(2)ومن هذه الرواية يُعرف بأنّه كما أنّ رأيه معتبر في القضاء كذلك هو معتبر في الفتيا: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة أحاديثنا»(3)فإنا قلنا بأن المراد من الحوادث المسائل المستحدثة، وهي التي ليست بمنصوص عليها وإنّما يُستفاد حكمها من القواعد العامة: «من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ... فللعوام أن يقلدوه»(4)والروايتان الأخيرتان وإن كانتا ضعيفتين إلّا أنّا ذكرناهما من باب التأييد.

وهناك رواية تدلّ على الإرجاع الخصوصي كالإرجاع إلى يونس بن عبدالرحمن، ففي الوسائل روايات ثلاث في ذلك:


1) انظر: الكافي 95/6 .

2) تقدَّم تخريجه .

3) تقدَّم تخريجه .

4) تقدَّم تخريجه

منها: ما عن الرضا(عليه السلام) ، وفيها قلت لا أكاد أصل اليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني أفيونس بن عبد الرحمن ثقة، آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: «نعم»(1).

وكما ذكرنا في مبحث حجية الخبر الواحد، فإنّه ليس المراد من الثقة هو الثقة في أخذ الرواية، بل معناه أنّه يُوثق بعلمه، كما يُسأل عن أنّ الطبيب الفلاني ثقة.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى آخرين كأبي بصير الأسدي وزرارة ومحمد بن مسلم، وتدل الشواهد على أنّهم كانوا من أهل النظر والفكر، والإفتاء الصادر منهم معناه أنّ هذا رأيهم وفتواهم، لا نقل الرواية كما قال به بعض الأخباريين.

الوجه الرابع: لا إشكال في أنّ عوام العامة كانوا يقلّدون علماءهم في الأئمّة(عليهم السلام)، و الأئمة الأطهار(عليهم السلام) لم يعترضوا عليهم في ذلك، بل كان اعتراضهم عليهم من الجهات اُخرى.

هذا تمام الكلام في الأمور التي استدل بها على جواز التقليد.

وفي قبال ذلك ذهب عدة من العامة والخاصة إلى إنكار التقليد، فقد قال رشيد رضا: (من لم يكن من أهل الفهم وعَرض له أمر كان عليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه عن قول الله ورسوله في ذلك فيرويه له ويبين له معناه)(2).

وورد في تفسير المنار: (قال الاُستاذ الإمام - ومراده محمد عبده - إلى أن يقول - على أنّه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد ما لم يسنده إلى المعصوم) ومن الواضح أن مراده من المعصوم هو الله والنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ثم قال : (فما جرى عليه المقلّدون من المسلمين


1) وسائل الشيعة 27/ 147 .

2) فتاوی رشید رضا 379/1

من الأخذ بآراء بعض الفقهاء في العبادات والحلال والحرام فهو عين ما أنكره كتاب الله على أهل الكتاب)(1).

و في إرشاد الفحول للشوكاني الذي هو من متأخري الزيدية - وما يذكره في كتابه في الحقيقة هدم للمباني الزيدية - بَحْثٌ مفصّل في عدم جواز التقليد، ومن عباراته: (وأمّا ما ذكروه من استبعاد أن يفهم المقصّرون نصوص الشرع وجعلوا ذلك مسوغاً للتقليد فليس الأمر كما ذكروه، فهنا واسطة بين الاجتهاد والتقليد وهي سؤال الجاهل للعالم عن الشرع فما تعرض له لا عن رأيه للبحث واجتهاده المحض وعلى هذا كان عمل المقصرين من الصحابة والتابعيين )(2)، هذا كله بعض كلمات العامة المنكرين للتقليد.

أمّا الخواص فقد قال صاحب الوسائل بعد نقل رواية الاحتجاج: (التقليد المرخّص فيه إنّما هو قبول الرواية لا قبول الرأي والاجتهاد والظن وهذا واضح وذلك لا خلاف فيه)(3).

وقال صاحب هداية الأبرار: (فالعامي عند القدماء اذا سأل العالم عن مسألة شرعية فأجابه عنها بلفظ الحديث أو بمعناه ففهمه العامي كما يجب، فقد تساويا في علم تلك المسألة لأنّ المسؤول ناقل لفتوى أهل البيت والسائل يرويه عنه فلا فتوى في الحقيقة الّا للمعصوم ولا تقليد الا له(عليه السلام)والسائل والمسؤول من جملة الرواة)(4).


1) تفسير المنار 3/ 327.

2) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الاصول / المقصد السادس، الفصل الثاني.

3) وسائل الشيعة 27/ 132 .

4) هداية الأبرار: 204.

هذه بعض كلمات المانعين من التقليد، وهم وإن قالوا بعدم جواز التقليد إلّا أنّ الصور التي فرضوها فيها نوع من التقليد والاعتماد على نظر العالم.

هذا وقد استدلّ المنكرون لجواز التقليد بوجوه كثيرة:

منها: الآيات الناهية عن العمل بغير العلم: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم(1)والآيات الناهية عن العمل بالظن:إنّ الظّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (2)وهذه الآيات في غاية الكثرة.

وقد تكرر منا البحث عن هذه الآيات المباركات حيث يستدل بها في قبال عدة من الطرق والأمارات كحجية خبر الثقة أو الموثوق به والاستصحاب، فلذا يبحث عن هذه الآيات في الاُصول كثيراً وأنّه كيف يمكن الجواب عنها. ومن الموارد التي استدل بها مسألة جواز التقليد وحجية رأي الفقيه، والاُصوليون قد أجابوا عن هذه الآيات المباركات التي استدل بها في قبال عدة من الطرق بأجوبة متعددة، ونحن في هذا المقام نشير إلى وجه اعتمدنا عليه، وهو أنّه لابد من التأمل في كلمة العلم والظن، وقد أوضحنا بأنّ العلم لم يستعمل بمعنى القطع كما يستعمل في لسان المتأخرين، أي: لم يُستعمل العلم بمعنى الاعتقاد الجزمي سواء كان مطابقاً للواقع أم لا؟ لا في الآيات ولا في الروايات بل العلم مستعمل في أحد معنيين:

المعنى الأول: وضوح الأمر وزوال الخفاء، وأمثال ذلك ممّا فيه انكشاف الواقع.

المعنى الثاني: الهداية والبصيرة وأشباههما .


1) سورة الاسراء / الآية 36 .

2) سورة يونس / الآية 36.

والآيات التي وُصف الله فيها بالعلم ومثله فالمراد هو المعنى الأول، أي أنّ الأمر منكشف عند الله تبارك وتعالى، والآيات التي نهي فيها عن اتّباع غير العلم فالمراد بالعلم فيها - بملاحظة بعض الخصوصيات في الآيات - العمل عن غير بصيرة وهداية ويعبر عنه بالجهالة والسفاهة والغي والضلالة، والآيات المباركات ليست بصدد إلغاء القواعد والأمارات التي يمشي العقلاء على وفقها، فإنّ هذه الآيات ليست بصدد إلغاء خبر الثقة أو الموثوق أو اليد أو الاستصحاب وأمثال ذلك من القواعد والأمارات العقلائية، كما ليست بصدد إلغاء الاطمئنان الحاصل من المبادئ العقلائية كملاحظة الاحتمالات أو محاسبة الاحتمال والمحتمل، بمعنى أنّه لو لم يكن الاحتمال ضعيفاً وكان المحتمل قوياً فهنا العقلاء يرتّبون الأثر على الاحتمال.

وخلاصة الكلام: الآيات الشريفة ليست بصدد الردع عن الطرق العقلائية التي يتوقف عليها نظامهم الاجتماعي، بل بصدد النهي عن المشي عن غير بصيرة وهداية كاتّباع الآباء والخرافات والأوهام والعادات الجاهلية، وذلك لأنّ المشي عليها مشي عن غير هدىً وبصيرة.

وأمّا الظن في الآيات فهو عبارة - على ما في المعاجم القديمة - عن الاعتقاد الحاصل لا عن حسّ وعيان ولا ما بحكمهما من الضروريات سواء كان الاعتقاد جزمياً أم غير جزمي، وأمّا الظن بمعنى الاعتقاد الراجح فهو من مصطلحات المنطقيين، وقد ذكر بعض المتأخرين كصاحب القاموس وأمثاله ذلك من معاني الظن.

نعم الظن بلحاظ مبادئه ينقسم إلى قسمين: الظن الجاهلي، والظن غير الجاهلي. والأول عبارة عن الاعتقاد - سواء كان جزمياً أم لم يكن - الناشئ من المبادئ التي لاينبغي للانسان الاعتماد عليها في تحصيل العقيدة، مثل اتّباع الآباء والكبار ومثل الصفات النفسية كالخوف والحب والبغض، فإنّهم كانوا يقتلون أولادهم خشية

إملاق: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادِكُمْ خَشْيَة إِمْلَاق(1)، وطبعاً الأثر المترتب على الظن الجاهلي ليس الّا الغيّ والضلال والهلكة، وفي قبال هذا الظن هو الظن الناشئ من المبادئ العالية ويترتب عليها الصلاح، كحسن الظن بالمؤمنين فيما إذا لم يغلب عليهم الفساد، أو حسن الظن بالله.

وما ذكرناه في العلم والظن يظهر بالرجوع إلى الآيات وضم بعضها إلى بعض، وبالرجوع الى المعاجم اللغوية القديمة، وليس المراد من النهي عن اتّباع غير العلم غير القطع، إذ القطع - كما أوضحنا في أول مبحث القطع - لا يكون معذّراً فيما إذا حصل من المبادئ التي لا يجوز الاعتماد عليها وكان ناشئاً عن التقصير، فلابد من ملاحظة القطع من حيث المبادئ ، أي : لابد من تجديد النظر فيه من حيث المبادئ، فإنّ أهل الجاهلية وأهل الكتاب الذين يعيّرهم الله على عملهم بغير العلم ربما كانوا جازمين في اعتقادهم، وعليه فالاستدلال بهذه الآيات لعدم حجية رأي الفقيه للعامي لا وجه له، كما لا تصح للردع عن سائر الطرق والاُصول العقلائية.

ومن الوجوه التي استدل بها في بعض الكتب لعدم حجية رأي الفقيه وعدم جواز التقليد، الآيات الناهية عن اتّباع الرهبان وأمثالها، فقد استدل بها الشوكاني في كتابه ارشاد الفحول، كقوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ(2)وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ والرُّهْبَانِ ليَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل(3).


1) سورة الإسراء / الآية 31.

2) سورة التوبة / الآية 31.

3) سورة التوبة / الآية 34.

والاستدلال إنّما هو بالآية الاولى، وقد نقل في الكافي في باب التقليد روايتين في شرح الآية المباركة نذكر إحداهما : عن أبي بصير - المرادي - عن أبي عبدالله(عليه السلام)، فقد ورد فيها: قلت له: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فقال: «أما والله ما دعوهم الى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون»(1).

والمراد أنّهم حرّموا عليهم حلالاً وأحلّوا لهم حراماً بأنظارهم وآرائهم ونهى الله عزّوجلّ عن مثل هذا التقليد.

ويمكن الجواب عنه بأنّه قد ذكرنا سابقاً أنّ التقليد يُطلق على الإطاعة واتّباع نظرية المتخصص، وقوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله ترتبط بالإطاعة، والأحبار والرهبان - على ما في الرواية - كانوا يقولون بحق التشريع لأنفسهم، فلذا كانوا يحرّمون عليهم ويحلّلون لهم، وهذه الآية المباركة والرواية الشريفة من الآيات والروايات التي يناسب ان يُستدل بها في قبال جماعة من العامة الذين يقولون بعدم الحكم في بعض الوقائع، وللمجتهد جعل الحكم فيها حسب ما يراه، وأمّا الاستدلال بها في قبال جواز التقليد ومتابعة نظرية المتخصص فلا، ومع غض النظر عن ذلك فإنّ الأحبار والرهبان كثيراً ما كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدّون عن الحق كما في الآية المباركة، وقد أوضح في رواية الأحتجاج الفرق بين تقليدنا وتقليد عوام اليهود لعلمائهم، بأنّهم كانوا يعرّفونهم ما بهم ممّن لا يصح تقليدهم والاعتماد عليهم: « وأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه


1) وسائل الشيعة 27/ 124.

مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه»(1)، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة الّا أنّ الأمر كما ذكر في هذه الرواية.

ومن الوجوه المستدل بها على عدم جواز التقليد الآيات الناهية عن اتّباع الآباء والكبار: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(2)، وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(3).

والجواب عن ذلك أنّهم كانوا يرجّحون الأحكام التي مشى عليها آباؤهم على ما أنزل الله، فإنّ في الجاهلية كانت لهم شرائع وقوانين والعرف الجاهلي كان يرجّح تلك الأحكام وكان يراها أنسب لمجتمعهم من الأحكام الإلهية، وأين هذا من اتّباع نظرية المتخصص في الأحكام الإلهية، ومع غض النظر عن ذلك فإنّ تقليدهم عبارة عن التقليد البدائي من جهة التأثر بالآخرين حتى إذا كان آباؤهم (لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون)، وأين هذا من التقليد الذي نبحث عنه في الأحكام الإلهية من الذي بذل غاية جهده طلباً لما أنزل الله، وقد تخصّص في معرفة أحكام الله، والآية المباركة بصدد بيان أنّ من تقلّدونهم غير قابل للتقليد.


1) تقدّم تخريجها.

2) سورة المائدة / الآية 104 .

3) سورة البقرة / الآية 170 .

ومن هذه الآيات قوله تعالى: يَوْمَ تُقَلَب وُجُوههمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا(1).

وهذه الآية المباركة أيضاً فيها دلالة على النهي عن التقليد الأعمى متأثّرين بسادتهم وكبرائهم، ولا نظر في الآية إلى التقليد في الأحكام الشرعية ممن له أهلية التقليد.

ومن الوجوه التي استدلّ على عدم جواز التقليد هو أنّه لابد لنا من اتّباع الثقلين وأمّا اتّباع غيرهما فلا يجوز.

والجواب عن ذلك: أنّه لو كان رأي المجتهد أمراً في قبال الكتاب والسنة كموارد القياس الإختراعي في الوقائع التي فرضوا أنّها ليس فيها حكم، فهذا صحيح ولا يجوز اتباعه؛ إذ هذا من الأخذ بغير الثقلين، وأمّا إذا كان رأي المجتهد مأخوذاً من كتاب الله ومن السنة ومن الطرق المعتبرة المذكورة في كلمات الأئمة الأطهار(عليهم السلام)كمعرفة الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والتدقيق في فهم الآيات بلحاظ شأن النزول وموقع النزول إلى غير ذلك من الأمور التي لابدّ فيها من التدقيق، وكذا بالنسبة إلى الروايات وتمييز راجحها من مرجوحها، وفهم خصوصيات كلماتهم(عليهم السلام)وأمثال ذلك، فهذا أخذ بالثقلين واتّباع لهما.

فظهر ممّا ذكرنا فساد الوجوه التي استُدل بها على عدم جواز التقليد، وعليه فإنكار جواز التقليد مطلقاً هو قول بلا وجه.


1) سورة الاحزاب / 66 - 67 .

الفصل الثالث: في أنّ أصل مسألة جواز التقليد ليست بتقليدية

أصل مسألة جواز التقليد

إنّ مسألة التبعيّة لرأي المجتهد ليست من المسائل التقليدية، نعم خصوصيات المسألة - بعد ما قلنا بجواز التقليد - قابلة للتقليد، كما إذا قلّدنا من يقول بعدم لزوم بعض الشرائط في المجتهد، فيمكن تقليده في هذه المسألة، وأمّا أصل مسألة جواز التقليد فلا يجوز التقليد فيها، إذ المفروض أنّ مرجع جواز التقليد إلى حجيّة رأي المجتهد، فإن لم تكن حجية رأيه واضحةً فكيف يمكن الرجوع إلى المجتهد في حجية رأيه بعد فرض أنّ رأيه ليس بحجة.

وأمّا القول بأنّ جواز التقليد بديهي وفطري كما في الكفاية، فقد وقع مورداً للنقد الاصطلاحي في كلمات المحقّق الاصفهاني، وهو صحيح.

وهل أنّ الأمر كما ذكره من أنّ حجيّة رأي المجتهد بديهي أو لا؟

إنّ مرجع حجية رأي العالم إما إلى أنّ علمه حجّة بالنسبة لنفسه فيما إذا كان قاطعاً بحجيته الذاتية، وبالنسبة إلى الآخرين حجيته حجية جعلية، أي: أنّ إخباره طريق إلى علمه، والقطع وإن قيل بحجيته الذاتية إلّا أنّه حجّة ذاتية بالنسبة لنفسه، وحجّيته جعلية بالنسبة إلى غير العالم.

وإما أن يكون مرجع حجية رأيه إلى أنّ إخبار العالم هو الحجة، لا من باب طريقيته إلى رأيه، وكذا رأي أهل الخبرة، فيجعل أهل الخبرة في قبال العالم، فهو من له النظرية لا يقطع بمطابقتها للواقع، ولكنه معتمد في اتباع هذه النظرية على الحجج، سواء كانت أصولاً أم أمارة، وتلك النظرية تكون حجة بالنسبة لنفسه وحجة للآخرين بالجعل.

وإما أن يكون مرجع حجية رأيه إلى أنّ قوله - الذي هو مخبر عن هذه النظرية - هو الحجة.

وعلى أيّ حال فحجية القول أو حجية النظر للآخرين ليست بذاتية ولا من الضروريات، بل من الأمور التي تحتاج إلى الجعل، إمضاء أو تاسيساً، وتحتاج إلى مثبت.

وغاية ما يمكن أن يُدّعى في المقام هو بناء العقلاء، فإنّ بناء العقلاء على الرجوع إلى العالم وإلى رأي أهل الخبرة، ولم يُردع عن ذلك في الشرع، فلو كان العامي قاطعاً بحجيّة رأي العالم، أي: إذا لم ينقدح في ذهن العامي عدم حجية رأي المجتهد بما أنّه من العقلاء فلا إشكال في جواز التقليد.

وأمّا إذا انقدح في ذهنه عدم حجية رأي المجتهد أو رأي الخبير، فلابدّ له أن يجتهد في هذه المسألة، وانقداح عدم حجية رأي المجتهد أو رأي أهل الخبرة غالباً ما يكون ناشئاً من إلقاء الشبهات، وبما أنّ دفع هذه الشبهات سهل، فإنّه يمكن لكل شخص استنباط حكم المسألة، وذلك لأن استنباطه أيضاً لا يحتاج إلى مؤنة كثيرة، وإن فرضنا أنّه عجز عن دفع الشبهات وعجز عن استنباط حكم المسألة فإنّه يمكنه أن يستعين في دفع الشبهات بالعالم حتى يكون مجتهداً في أصل مسألة جواز التقليد، وإن

عجز عن ذلك أيضاً ولم يمكنه الاستنباط حتى مع الاستعانة فسيأتي البحث فيه إن شاء الله .

فعمدة الأدلة على جواز التقليد هي السيرة وبناء العقلاء مع عدم الردع، فإن حصل للعامي القطع أو الاطمئنان بذلك ولو كان ذلك بدليل إجمالي، كما يحصل لهم القطع باصول العقائد بدليل إجمالي، فهو كاف في جواز التقليد وإن لم يحصل له ذلك، بل كان الأمر مشتبهاً عليه، فلابد من الاجتهاد في هذه المسألة، وقد تقدّم بأنّ التجزي في الإجتهاد أمر معقول، ولا سيما في هذه المسألة حيث إنّ الاجتهاد فيها لا يحتاج إلى مؤونة زائدة، بل في غاية السهولة، إذ مَن لاحظ جوانب الأمر يتوجّه إلى حجية فتوى الفقيه ويمكنه أن يستعين بالغير في الاجتهاد في هذه المسألة لدفع الشبهات.

هذا مضافاً إلى أنّه يمكن أن يُستدل الجواز التقليد بدليل الانسداد الصغير، وقد ذكرنا سابقاً بأنّ له تقريبات متعددة ومختلفة.

وتقريبه في المقام هو أنّه لو لاحظ العامي الأحكام الشرعية مع سعتها في مرحلة الجعل من الأحكام الوجوبية والتحريمية والمستحبات والمكروهات في العبادات والمعاملات والسياسات، وعلم بأنّه لا يمكن تحصيل العلم بالنسبة إلى أكثر هذه الأحكام، وأكثر الناس إمّا لا قدرة لهم على تحصيل ملكة الاجتهاد - وإن أمكنهم التخصص في موضوعات اُخرى - وكان ملتفتاً إلى أنّ الاحتياط التام - على فرض جوازه - غير ممكن وكان متوجهاً إلى أنّ الشارع المقدس لا يرضى بتجميد هذه الأحكام بالنسبة لأكثر الناس، ولا يمكن إيكال الأحكام بأنظارهم البدائية فيمكنه من هذه المقدمات كشف حجية رأي المجتهد.

وهناك تقريب آخر لدليل الانسداد، الّا أنّه خاص بالأحكام الإلزامية، وهو أنّ خصوص الأحكام الالزامية لها منجّز ولا يجوز إهمالها، والاحتياط التام بما أنّه مستلزم

للعسر والحرج أو اختلال النظام فلا يمكن الالتزام به، بل لابد من التبعيض في الاحتياط، أضف إلى ذلك أنّ ظن غير المتخصص كوهْمِه وشكّه، أي: أنّه لا قيمة له، فلا يمكنه العمل بمظنوناته حتى في التبعيض في الاحتياط، فلابد له من مراجعة أهل الخبرة.

الفصل الرابع: حقيقة التقليد

حقيقة التقليد:

وهذا البحث يختلف عن البحث الأوّل؛ إذ البحث الأول كان في المفهوم اللغوي للتقليد وموارد استعمالاته في الروايات الشريفة.

وللقوم في حقيقة التقليد أقوال متعددة وقعت موقع النفي والإثبات في كلمات المتأخرين، وذكر بعضهم أنّ التقليد هو الأخذ بقول الغير من غير حجة، وقال بعضهم هو العمل بقول الغير، أو قبول قول الغير(1)، وفي العروة: (التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين وإن لم يعمل بعدُ، بل ولو لم يأخذ فتواه)(2)، وقال بعض الأكابر : إنّ التقليد هو الإستناد إلى فتوى الغير في العمل(3)، وقال بعض بأنّه العمل المستند إلى فتوى الغير(4)، إلى غير ذلك من الأقوال.

ولأجل اتضاح البحث هنا نقول: بعد ما ظهر معنى التقليد لغة - وهو اتّباع نظرية العالم والمتخصص الذي يعبّر عنه بالفقيه - فلو كان في البين رواية معتبرة تدل


1) انظر: نهاية الافكار 4/ 238 ، مستمسك العروة 111 ، التنقيح للسيد الخوئي 78/1.

2) العروة الوثقى 4/1 - 5 .

3) العروة الوثقى 1/ 15.

4) انظر: التنقيح للسيد الخوئي 77/1.

على لزوم تقليد العوام للفقيه فهي إرشاد إلى حجية فتوى المجتهد، ولا نحتاج إلى البحث في حقيقة التقليد، كما أنّه لو كان هناك رواية تدل على حجية خبر الواحد مثل صدّق العادل أو (اسمَعْ كلامه)، أو (أطعِهُ)، أو (حرمة ردّ قوله)، وأشباه ذلك فإنّه لا يحتاج إلى بحث في أنّه ما هو حقيقة (اسمعَ كلامه)، أو (صدّقْه) بل جميعها إرشاد إلى حجية الخبر، وكذا في المقام إن قيل: (فللعوام أن يقلّدوه) فمعناه أنّ رأيه حجة للعوام مع أنّه لم تكن في البين رواية معتبرة، والذي هو ثابت ببناء العقلاء والسيرة وأدلة الإفتاء وأمثالها هو حجّية فتوى الفقيه، وأمّا الإلتزام أو الاستناد أو التعلّم أو أخذ الرسالة وأمثال ذلك فإنّه لابد من ملاحظتها مع حجية فتوى الفقيه. وبعد ما ثبت في بعض المباحث السابقة حجية فتوى الفقيه، فإنّه لابد من ملاحظة الآثار الشرعية والعقلية المترتبة على الحجية، وما له دخل في ترتب الآثار، فهل الآثار مترتبة على التعلم أو الاستناد أو الالتزام أو غيرها؟

إنّ ما يترتب على الحجج - التي منها فتوى الفقيه - أمور:

منها: المنجّزية، فإنّه لو أفتى الفقيه بوجوب شيء وكان في الواقع واجباً، فعلى أيّ شيء يتوقّف تأثير فتوى الفقيه في منجزية الواقع بحيث لو خالفه لا يستحق العقوبة؟ وهل أنّ التنجيز منتسب إلى فتوى الفقيه أو لا؟

ربما يقال بأنّه ليس لفتوى الفقيه سهم في التنجيز كما قيل في سائر الحجج كخبر الواحد وأشباهه، وذلك لأنّ الأحكام الواقعية تتنجز بسبب العلم الاجمالي الكبير، والاحتمال قبل الفحص، ولا معنى لتنجيز المنجز، فلا يكون قيام الحجة موجباً للتنجيز.

لكنّ هذا غير صحيح؛ إذ الاحتمال الذي يكون منجزاً قبل الفحص ينتفي موضوعه بالفحص والاطّلاع على الحجّة أو بعد قيام الحجة على الوجوب أو على

الحرمة، ولا يكون في البين الاحتمال قبل الفحص سواء كانت الحجة الخبر الواحد أم فتوى الفقيه.

والقول بأنّ التنجيز حدوثاً كان منتسباً إلى الاحتمال قبل الفحص ليس لازمه أن يكون التنجيز منتسباً إليه بعد انتفاء موضوعه، بل هو منتسب إلى فتوى المجتهد أو الخبر الواحد الذي قام على الوجوب أو الحرمة.

وهكذا العلم الاجمالي، فإنّ العلم الاجمالي وإن كان موجباً للتنجيز، الّا أنّ العلم التفصيلي سواء كان تعبدياً أم وجدانياً لو قام على تعيين المعلوم بالاجمال يوجب تحديد دائرة العلم الاجمالي، فلو فرضنا أنّ واحداً من هذه العشرة نجس، وقامت البينة على نجاسة أحد هذه العشرة، فإذا بقي علم إجمالي كما إذا كان عالماً إجمالاً بنجاسة اثنين أو ثلاثة منها، فلا ريب في أنّه يحدّد دائرة العلم الإجمالي، فبعد قيام البينة على نجاسة أحدها لا يكون تنجيزه مستنداً إلى العلم الإجمالي، بل هو منتسب إلى العلم التفصيلي التعبّدي، فإنّه بقيام البينة خرج من دائرة العلم الاجمالي، وذلك لأنّ العلم الاجمالي متقوّم بالقضية المنفصلة المانعة الخلو، فالمعنى: إن لم يكن هذا نجساً فذاك نجس، فظهر بأنّ التنجيز منتسب إلى فتوى الفقيه.

وبعد ما ثبت ذلك يقع الكلام في أنّ التنجيز هل يترتب على الوصول أو على كونه في معرض الوصول؟

ربما يقال بأنّ الأثر - وهو التنجيز - إنّما يترتب بمجرد كون الفتوى في معرض الوصول، كما إذا طُبعت رسالة المجتهد الذي يتعيّن تقليده.

إلّا أنّ هذا المقدار غير كاف للتنجز ؛ إذ المكلف يحتمل قيام الحجة على الوجوب أو الحرمة، والاحتمال لو كان لائقاً وقابلاً لتنجيز الحجة وإيصال الحجة إلى مرحلة

الفعلية، كان لائقاً لأن ينجز الحكم الواقعي، مع أنّ احتمال الحكم الواقعي ليس بمنجز.

نعم يكون لتعلُّم فتوى المجتهد دور في التنجير؛ إذ كما قلنا لم يكن مع تعلّم الفتوى إحتمال قبل الفحص حتى يكون هو سبب التنجيز ، بل ما هو موجب للتنجيز ليس الّا العلم بالفتوى، وليس للاستناد دور في التنجيز، فإنّ العلم بالفتوى - الذي هو حجة على المكلف - يكون منجزاً، فترتّب أثر التنجيز على الفتوى متوقف على التعلم مع الإحراز بأنّه حجة سواء استند أم لم يستند ، أو التزم أم لم يلتزم، فإنّ الالتزام وعدم الالتزام لا يوجب تحديد دائرة العلم الاجمالي.

ومنها: المعذّرية، فإنّه إذا أفتى الفقيه بجواز أمر كحلق اللحية وكان فتواه في الواقع مخالفاً للحكم الواقعي، فالمكلف معذور، والكلام في أنّ هذا الأثر يترتّب على الوصول أو كونه في معرض الوصول، وأنّه هل يكفي مجرد التعلّم أو لابد أن يكون العامي مستنداً في عمله هذا إلى فتوى الفقيه.

ربما يقال بأنّ كون الفتوى - التي هي حجة - في معرض الوصول كاف في ترتّب أثر المعذّرية، وذلك لأنّه ليس للمولى حق العقوبة في هذا المقام؛ لأنّ القصور من ناحية التكليف، فإنّ التكليف إنشاء بداعي جعل الداعي أو بداعي جعل الزاجر، وما لم يكن هذا التكليف واصلاً لم يكن لائقاً للداعوية والزاجرية، والمفروض في المقام أنّ فتوى المجتهد خلاف الواقع، فالحكم الواقعي لا يصل أبداً إلى حدّ الزاجرية أو الداعوية مع كون الفتوى مخالفاً له، فالقصور من ناحية الحكم، ومجرد افتاء المجتهد في رسالته بالجواز كاف في المعذّرية.

ويمكن الجواب عنه بأنّ ما كان منجزاً هو إمّا العلم الاجمالي وإمّا الاحتمال قبل الفحص أو أدلّة التعلّم، ومجرّد إفتاء المجتهد في رسالته لا يوجب انتفاء الموضوع في

العلم الإجمالي أو الاحتمال قبل الفحص، فهو وإن ذكر في رسالته الجواز، إلّا أنّ المفروض أنّ المقلد لم يتعلم الفتوى، فيكون الواقع منجزاً عليه إمّا من جهة العلم الإجمالي أو من جهة الاحتمال قبل الفحص، أو من جهة أدلّة وجوب التعلم، فلا يكفي في ترتب المعذرية كون الفتوى في معرض الوصول. وأمّا إذا تعلّم الفتوى بما أنها حجة فهذا يوجب إنتفاء الاحتمال قبل الفحص، كما يخرج المورد من العلم الاجمالي، فإنّه قامت الحجة في المورد على الجواز.

وأمّا إذا تعلّم الفتوى الّا أنّه حلق لحيته، لا من جهة فتوى مجتهده، بل من جهة اتّباع هواه، فهل أنّ مجرد التعلّم كاف في المعذرية أو أنّه يحتاج إلى الاستناد مضافاً إلى التعلم؟

الظاهر أنّ مجرد التعلّم كاف في ترتّب المعذّرية، وذلك لأن تعلّم الفتوى بوصف أنّها حجّة يوجب إنتفاء الاحتمال قبل الفحص وخروج المورد من العلم الإجمالي، فلا منجّز في البين، ويترتب عليه الأثر وهو المعذرية، والالتزام وعدم الالتزام كما تقدّم في البحث السابق لا أثر له؛ لأنّ الالتزام لا يوجب خروج المورد من العلم الاجمالي كما لا يوجب إنتفاء الاحتمال قبل الفحص.

فظهر أنّ التنجيز والتعذير يترتّبان على فتوى المجتهد فيما إذا تعلّم فتواه.

ومنها: جواز الإخبار بأن يقال : هذا حلال وهذا حرام، لا على نحو الفتوى المنسوبة إلى نفسه، بل على نحو الإنتساب إلى فتوى المجتهد، والكلام في أنّ هذا الأثر هل مترتب على التعلّم فقط أو أنّه يحتاج إلى الاستناد أيضاً.

الظاهر أنّ هذا الأثر أيضاً مترتّب على التعلم فقط، ولا يحتاج إلى الإستناد، وذلك لأنّه إن قلنا بأنّ فتوى المجتهد من الحجج، فهو يقوم مقام القطع الموضوعي،

ويُعتبر علماً، ويمكنه الإخبار بأنّ هذا واجب أو حرام، ولا يشمله أدلة النهي عن القول بغير علم. هذا كله بالنسبة إلى الأحكام التكليفية.

وأمّا الأحكام الوضعية، ففي المعاملات لا يمكن الحكم بصحة المعاملة بمعنى جواز التصرف فيما انتقل إليه، وحرمة التصرف فيما انتقل عنه، وذلك لأنّ الحكم بجواز التصرف فيما انتقل إليه يحتاج إلى دليل واستصحاب بقائه في ملك الغير لا محذور فيه من هذه الناحية، وأما استصحاب ما انتقل عنه في ملكه بما أنّه استصحاب حكمي فلا يمكن إجراؤه قبل الفحص، فالأصل عدم دخول هذا في ملكه، كما أنه لا يمكن للآخر أن يتصرف في أحد العوضين.

وكذا في العبادات، فلو صلى صلاة ، إلّا أنّه لا يدري هل فرغت بها ذمته أو لا؟ فمقتضى القاعدة هي ا الاشتغال، فلا يمكن ترتيب آثار الصحة ولا ترتيب آثار البطلان، وما ذكر في العروة من أنّ عمل العامي بلا اجتهاد ولا تقليد باطل، ليس معناه أنّ عمله واقعاً ،باطل، فإنّ هذا رخصة في أحد الطرفين، وعليه يجوز له أن يتصرف فيما انتقل عنه، بل معناه عدم ترتب الأثر المترقب من المعاملة، كما لا يترتب الأثر المضاد. ففي هذه المرحلة العلم بفتوى المجتهد كاف في ترتب الأثر في الصحّة أو الفساد، فلو تعلّم فتوى مقلده بعد ما صلّى أو بعد المعاملة، ورأى بأنّ مقلَّده حكم بالصحة أو بالفساد يمكنه ترتيب الآثار من الصحّة أو الفساد.

وهل يحتاج في ترتب هذا الأثر الاستناد أو لا؟

الظاهر أنّ الأثر مترتّب على التعلّم فقط من دون احتياج الى الاستناد، وذلك لأنّه بمجرد أن يفتي تكون فتواه حجّة، وحجّيته غير متوقفة على الاستناد، وتصل الحجية إلى مرحلة الفعلية بمجرد العلم بالفتوى.

وأمّا جواز أو عدم جواز البقاء على التقليد، وكذا ما اشتهر من أنّه لا يجوز العدول من الحي إلى الحي الّا لجهات فسيأتي الكلام فيهما إن شاء الله .

وأما المراد من وجوب التقليد - المذكور في الرسائل العملية - هو وجوب الاتّباع، إلّا أنّ هذا الوجوب متفرّع على الحجيّة، وليس لوجوب التقليد وجوب نفسي أو مقدّمي، فلو أفتى المجتهد بوجوب شيء فاتّباعه يكون بإتيان ذلك الشيء، ولو أفتى بحرمة شيء ء يكون اتّباعه بعدم ارتكابه وإتيانه له، ولو أفتى باستحباب شيء يكون اتّباعه بمعاملته معه معاملة العمل المرغوب فيه، وكذا في المكروه فإنّه يُعامل معه معاملة العمل المرغوب عنه، و في المباح اتّباعه يكون بمعاملته معه معاملة العمل المباح، هذا في الأحكام التكليفية.

وأمّا في الأحكام الوضعية، كما لو أفتى في المعاملة باعتبار شرط من الشروط كالعربية، فاتّباع رأيه يكون بإتيان المعاملة التي هي واجدة للشرائط، وليس معنى ذلك أنّه لو أتى بمعاملة فاقدة لشرط يعتبره، فإنّ عمله هذا يكون حراماً، بل معناه أنّه لا يترتب ولا ينتج نتيجة الاتّباع؛ إذ نتيجة الاتّباع هو ترتيب آثار الصحة، وأمّا الإخلال ببعض ما يقول مقلده باعتباره، فيوجب عدم ترتيب الأثر المرغوب فيه من هذه المعاملة كحصول الملكية أو الزوجية أو غيرهما من نتائج العقود أو الإيقاعات، وهكذا في غير المعاملات من التسبيبيات، مثل ما يعتبره في طهارة ما أصابه النجس، كما إذا قال بغسل ما أصابه بول مرتين حتى إذا كان الماء كراً، ومعنى ذلك أنّه إن لم يغسله مرتين فلا تحصل له حجة على طهارة ما أصابه البول.

والمقصود أن الاتّباع في كل شيء له أثر خاص، وما في بعض الكلمات من أنّ التقليد له نوع من الوجوب النفسي غير صحيح، فإنه غير متصور في المعاملات والتسبيبيات والصحة والفساد.

وظهر من هنا أنّ ما قيل من أن التقليد هو العمل إستناداً الى رأي الغير، غير تام، فإنّ الاستناد ليس هو المصداق الوحيد للتقليد، مضافاً إلى أنّ الآثار تترتب على التعلم من دون احتياج إلى الاستناد.

هذا تمام الكلام في أبحاث التقليد.

الفصل الخامس: في المقلَّد فيه

اشارة

في المقلَّد فيه (أي فيما يجوز التقليد فيه)

إنّ البحث تارة يقع فيما هو معنون ومذكور في الكتب الفقهية، وأخرى فيما هو غير معنون في الكتب الفقهية كالتقليد في بعض مبادئ الاستنباط، فالبحث في مقامين:

المقام الأول: التقليد في المسائل المذكورة في الفقه

لا إشكال في جواز التقليد فيما إذا كان المجتهد قاطعاً بالحكم، وهذا هو القدر المتيقّن من رجوع الجاهل إلى العالم، ويصدق عليه - من ناحية المجتهد - أنّه إفتاء عن علم، إلّا أنّ غالب المسائل المذكورة في الكتب الفقهية ليست من هذا القبيل، ولذا ربما يشكل فيها من حيث الإفتاء، ومن حيث رجوع الجاهل إلى العالم، وهذه المسائل على طوائف:

الطائفة الاُولى: ما اعتمد المجتهد فيها على الأمارة، سواء كانت خبراً أم استصحاباً - والاستصحاب على مسلكنا من الأمارات العقلائية - والشبهة فيها من جهة أنّ الأمارات لا توجب العلم، فلا يكون إفتاؤه فيها إفتاء عن علم، والشبهة الأخرى أنّ أدلّة حجّية الحجج تثبت حجية الخبر مثلاً لمن جاءه الخبر أو تُثبت حجية الاستصحاب لمن كان له يقين وشك، والذي يكون موضوع الحجية محقَّق بالنسبة إليه إنّما هو المجتهد، ومن يريد أن يرتّب الأثر من التنجيز والتعذير إنّما هو المقلّد، وكذا

بالنسبة إلى الاستصحاب، فإنّ من عنده اليقين والشك وتفحّصَ - فإنّ جريان الاستصحاب كالاُصول متوقّف على التفحّص في الشبهات الحكمية - فإنّه ليس للاستصحاب أثر عمليّ بالنسبة إليه، وذلك لأنّه ربما تكون المسألة من المسائل التي لا يُبتلى بها، كما إذا كانت المسألة متعلّقة بالحيض والنفاس والاستحاضة وكان المجتهد رجلاً، ومَن يُتَصوَّر في حقّه التنجيز والتعذير لم يتفحصّ، والموضوع غير تام بالنسبة إليه.

الطائفة الثانية: ما إذا اعتمد المجتهد فيها على الاُصول الشرعية كالبراءة الشرعية وأشباهها، والشبهة فيها أنّ هذا ليس من رجوع الجاهل إلى العالم، فإنّ ما استنبطه يرتبط بغير العالم وإنّ من لايَعلم معذور، والشبهة الاُخرى فيها أنّ من يتمكّن من التفحّص ربما لايُتصوَّر في حقّة التعذير، وبالنسبة لمن يُتصوَّر في حقّه التعذير ربما لا يكون غير عالم، كما إذا كان غافلاً، مضافاً إلى أنّه لا يتمكّن من التفحّص.

الطائفة الثالثة: المسائل المبتنية على جريان الاُصول العقلية كالبراءة العقلية أو التنجيز العقلي في دوران الأمر بين المحذورين والشبهة فيها مضافاً الى سائر الشبهات المشتركة مع الاُصول الشرعية هي أنّ ما دلّ عليه الدليل هو الرجوع إلى المجتهد في الأحكام الشرعية، لا في الأحكام العقلية التي ترتبط بمرحلة معلولات الأحكام، ولاسيما بملاحظة أنّ الأحكام العقلية المرتبطة بمرحلة معلولات الأحكام تكون من الأحكام التي كثيراً ما تختلف عن ما يحكم به عقل المقلّد، فربما لا يحكم عقلس المقلّد بالبراءة، ومن الواضح أنّه ليس في العقليات -أي: في موارد قاعده القبح والحسن العقليين - تقليد، بل لابدّ من إرجاعه إلى المقلّد.

الطائفة الرابعة: المسائل التي يُفتي بها المقلّد من جهة الاقتران بالعلم الإجمالي، ولا يجري الأصل المرخّص من جهة الاقتران بالعلم الإجمالي في الشبهات الموضوعية، ويجري الأصل المرخّص في الشبهات البدوية فيما إذا لم تكن مقترنة بالعلم الإجمالي، فيجعل المقلّد نفسه كأنّه النائب عن المقلِّد، ويفتي نتيجة للعلم الإجمالي الحاصل له، والحال أنّه كما أنّ إجراء الأصل في الشبهات الموضوعية من وظائف المقلّد، كذلك اقترانه بالعلم الإجمالي وعدمه يرتبط بنفس المقلّد ، فلو حصل له العلم الإجمالي لا يمكنه إجراء الأصل، ولو لم يحصل له ذلك وعلم غيره باقترانه بالعلم الإجمالي فلا يكون له أثر ، فمثلاً نرى أنّهم يُفتون بالنجاسة مثلاً في ملاقي الشبهة المحصورة، والحال أنّه لا يحصل للمقلِّد العلم الإجمالي بعد الملاقاة بأنّه إمّا هذا نجس أو ذاك، فإنّه غير ملتفت غالباً إلى هذا العلم الإجمالي، وبعد الملاقاة يشكّ المقلَّد في نجاسة ملاقيه ويحكم بأنّه ليس بنجس من جهة (كلّ شيء لك طاهر)، وأمّا المقلَّد فيحصل له العلم الإجمالي بعد الملاقاة إمّا بنجاسة هذا أو نجاسة الطرف الآخر، فلا يجوز إجراء الأصل المرخّص فيه لاقترانه بالعلم الإجمالي فيحكم بأنّه يجب الاجتناب، والحال أنّ مثل هذا العلم الإجمالي لا يحصل للمقلِّد غالباً.

نعم لو قال المقلَّد بأنّك حيث تعلم إجمالاً بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر فيجب عليك الاجتناب لكان ذلك حسناً حيث إنّه يوجد المانع عن جريان الأصل في ذهن المقلِّد.

و مثل ملاقي الشبهة المحصورة يحصل في كثير من فروع العلم الإجمالي التي هي الشبهات الموضوعية كقاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ في الموارد التي لا يحصل للمقلد العلم الإجمالي فيها غالباً وإنّما يلتفت إليه بعد التذكير .

الطائفة الخامسة : المسائل التي يتعرّضون لها في أبواب متعددة كالوصايا والإقرار والبيع وغيرها من تفسير بعض ما أنشأه المتعاقدان مثل: (مَن كان له نصف الدار فباع نصف الدار) حيث وقع الكلام في أنّ هذا منصرف إلى نصف نفسه أو النصف المشترك بينه وبين الغير، أو أنّه إذا وقّف شيئاً على العلماء فهل هو منصرف إلى الفقهاء، أو أنّه منصرف إلى فقراء نحلته إذا أوصى أو وقّف شيئاً على الفقراء.

والشبهة في هذه المسائل أنّ العقود والإيقاعات تابعة لما أنشأه المتعاقدان أو ما أنشأه المُوصي أو المقرّ، وعلى الوصيّ تشخيص الموضوع، وكذا على مَن له علاقة بالموضوع تشخيص الموضوع، وأما التقليد فيها فهو أمر لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ إنّه ليس من التقليد في الأحكام الشرعية.

هذه طوائف خمس من المسائل التي ربما يُشكل التقليد فيها من المسائل المذكورة في الكتب الفقهية، فلابدّ من البحث في كلّ طائفة من الطوائف، فنقول:

أمّا الطائفة الاُولى: وهي ما يكون المعتَمد في الفتيا الأمارة أو الأصل المحرز - بناءً على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية - فالإشكال فيها أنّ المفتي غير عالم، أو الإشكال بأنّ من تحقّق عنده الموضوع ومن جاءه الخبر غير الذي يريد ترتيب الآثار من التنجيز والتعذير، وقد ذُكرت في كلماتهم وجوه لدفع هذه الشبهة كحديث النيابة وأنّ المقلَّد نائب عن المقلِّد في هذه الموارد، وغير ذلك من الأجوبة.

إلا أنّه يمكن الجواب عنه بجوابين: جواب إجمالي وجواب تفصيلي.

أما الجواب الإجمالي فهو أنّ الأدلة الدالة على جواز تقليد الفقيه بأنواعها تدلّ على جواز الإخبار للمفتي - حتى فيما إذا لم يكن عالماً بالعلم الوجداني - وعلى جواز التقليد للآخرين.

وأمّا الجواب التفصيلي فهو أنّه يُستكشَف من أدلة حجية الحجج - على المختار - اعتبارها علماً، إمّا مع جعل الحكم المماثل أو بلا جعل الحكم الماثل، فلو عُدّ من قامت عنده الحجة عالماً، يكون هذا مضيّقاً لدائرة حرمة الإفتاء عن غير علم، فإنّ هذا ليس إفتاءً بغير علم، وكذا بالنسبة إلى أدلة تقليد العالم ، فإنّ هذا يوجب توسع دائرة التقليد، أي أنّه بالنسبة لإحدى القضيّتين له حكومة على نحو التضييق، وبالنسبة للقضية الأخرى له حكومة على نحو التوسعة، وعليه فالمجتهد الذي قام عنده خبر الواحد يُعدّ عالماً ويجوز له الإخبار، وبما أنّه عالم يجوز للغير الرجوع إليه. هذا على القول بأنّ الأمارات تقوم مقام العلم.

وأمّا إذا قلنا بأنّ مرجع الأمارات إلى جعل الحكم المماثل، وأنّ من قام عنده الخبر يكون عالماً بالحكم المماثل، فعليه أيضاً يجوز الإخبار عن الحكم المماثل، ويكون إخباره عنه إخباراً عن علم، والرجوع إليه من باب رجوع الجاهل إلى العالم.

وأمّا على مسلك التنجيز والتعذير، وأنّ مرجع أدلة حجية الحجج إلى التنجيز والتعذير - كما عليه المحقق الخراساني - فربما يشكل الأمر ، فلذا قال المحقق الخراساني ما مفاده: إنّه يرجع إليه في قيام الحجّة، أي أنّ المجتهد يقول: قامت حجة على كذا والمقلد يرجع إلى المجتهد في قيام الحجة، فحينما يقول: هذا حرام أو واجب فمعناه أنّه قامت عندي الحجة على الحرمة أو على الوجوب، وأضِف إلى ذلك أنّ التقليد يعمّ من كان عالماً بالأحكام ومن كان عالماً بالحجّة.

إلّا أنّ هذا المسلك ضعيف، مضافاً إلى أنّ ظاهر الإفتاء والتقليد هو العلم بالحكم، ورجوع الجاهل إليه إنّما يكون في الحكم.

وأمّا الطائفة الثانية: وهي ما إذا كان المستند فيها الاُصول العملية، والإشكال المتصوَّر هو أنَّ الأصل العملي وظيفة من وظائف الجاهل المتفحص، والمفروض أنّ مَن

هو جاهل ومتفحّص ليست له وظيفة عملية، وأمّا غيره فالموضوع غير متحقّق بالنسبة إليه ؛ إذ إمّا هو غافل وإمّا غير متفحص.

ويمكن الجواب عن هذا الإشكال بأنّ نفس المراجعة إلى العالم في مسألة کشرب التتن (التدخين) دليل على أنّ الغير شاك فيها، ومقتضى قوله (عليه السلام) : «رفع ما لا يعلمون»(1)أن لا يكون حراماً بالنسبة إليه، فبما أنّ المجتهد يراه شاكّاً ولا طريق له إلى الحجة سوى مرجع تقليده، والمفروض أنّه أيضاً ليس له حجّة فلا مانع من تطبيق (رفع ما لا يعلمون) بالنسبة إليه، والجواب بأنّه حلال.

وأمّا الإشكال بأنّه يجب في مقام الجواب أن نقول بأنّه مرفوع، لا أنّه حلال، فغير وارد؛ إذ نحن قلنا بأنّه لا يجب على المقلَّد إبراز جميع ما يكون دخيلاً في الموضوع، بل هو يطبّقه في ذهنه على المورد ويُلقي النتيجةَ إلى المقلِّد.

وأمّا الطائفة الثالثة: وهي ما إذا كان المستند فيها الاُصول العقلية، فربما يشكل جواز التقليد فيها.

والمراد من الاُصول العقلية: الاُصول العقلية التي هي في رتبة معل-ولات الأحكام والتي تجري من أجل التنجيز أو التعذير كالبراءة العقلية، كما إذا لم يقل المجتهد بجريان استصحاب عدم التكليف في الشبهات الحكمية ولم يقل بالبراءة الشرعية من جهة عدم تمامية أدلتها، فتصل النوبة إلى البراءة العقلية، بمعنى أنّ مَن لم تقم عنده حجة على الوجوب ولا على الحرمة، فإنّ العقل يحكم بالنسبة إليه بعدم عقوبته .


1) تقدّم تخريجه.

والإشكال هو أنّه هل يمكن للمجتهد في هذه الصورة أن يفتي بالجواز، وإذا أفتى هل يجوز للمقلِّد الرجوع إليه في ذلك، فلو أفتى بجواز شرب التتن (التدخين) هل يجوز تقليده فيه؟

وهكذا في دوران الأمر بين المحذورين، فإنّ المشهور بينهم جريان الأصل العقلي وهو أصالة التخيير فهل يكون حكمه بالتخيير جائزاً أو لا؟ وعلى فرض جوازه هل يجوز تقليده فيه؟

وكذا في موارد العلم الإجمالي حيث إنّ العقل يحكم بالاحتياط، وذلك لأنّه بناءً على بعض المسالك والتقريبات لا مرخّص له في كلّ طرف، فلابدّ له من الاحتياط بإتيانهما في الشبهات الوجوبية وتركهما في الشبهات التحريمية، وكذا في دوران الأمر بين المحذورين مع تعدّد الواقعة بناءً على التخيير الابتدائي؛ إذ الالتزام بالتخيير الاستمراري وارتكاب كل منهما في واقعة يلزم منه العلم بالمخالفة القطعية، وهذا لا يجوز عقلاً.

وأمّا الكلام في جواز التقليد في هذه الموارد، فإنّه ربما يقال بعدم جواز التقليد فيها فيما إذا حكم بالجواز أو بالتخيير أو بالإحتياط العقلي، ويوكل الأمر فيها إلى المقلّد ، بأن يقول المجتهد مثلاً في المورد الأوّل: لم تقم حجة على حرمة شرب التتن، أو يقول في موارد العلم الإجمالي لم يثبت مرخّص في ترك هذا أو ذاك أو في فعل هذا أو ذاك، وفي دوران الأمر بين المحذورين يقول: لم تقم حجّة في أيّ منهما على التعيين، ولا يكون قوله هذا محلّ إشكال، كما لا إشكال في رجوع الغير إليه في ذلك، لأنّ هذا أيضاً من الرجوع إلى أهل الخبرة، حيث إنّ المجتهد خبير بقيام الحجّة وعدمه وورود مرخّص وعدمه، وفي هذه الصورة إن كان بين الرأيين - أي: رأي المجتهد والمقلد - تطابقٌ فيها ونعمت، وإن لم يكن بينهما تطابق يأخذ المقلّد بما يراه؛ إذ من الممكن أن

يحكم عقل المجتهد بالبراءة في الشبهات الموضوعية ولا يحكم بها عقل المقلد، بل يرى لا بدّ من الاحتياط بمقتضى حق الله علينا وعبوديّتنا بالنسبة إليه تعالى، أي أنّ تكاليفه المحتملة كتكاليفه المعلومة، ولابدّ من ترتيب الآثار عليها كما قال بعض الاُصوليين، أو بالعكس بأن يحكم عقل المجتهد بالاحتياط ولا يحكم عقل المقلّد به.

وكذا ربما يحكم عقل المقلد في قبال عقل المجتهد في موارد العلم الإجمالي بأن احتمال التكليف ليس له ملازمة مع العقوبة وإنّما يكون ملازماً للعقوبة في صورة المخالفة.

وفي دوران الأمر بين المحذورين ربما يحكم عقل المقلد في قبال المجتهد بالتخيير الاستمراري، وهكذا في سائر الموارد فيتّبع المقلد رأيه في صورة الاختلاف، وإن تحيّر المقلّد في مقام العمل فيمكنه الاستعانة بالمجتهد بأن يُفهمه ما وصل إليه عقله، حتى يحكم عقل المقلّد بمثل ما حكم به عقله، وأمّا إلقاء نتيجة ما حكم به عقله إلى المقلّد والحكم بالجواز أو بالاحتياط أو بالتخيير فهو محلّ تأمّل وإشكال، وذلك لأنّه لا تقليد في العقليات.

وهذا الإشكال لا يأتي فيما إذا كان استنباط الحكم الشرعي متوقّفاً على مقدّمة أو مقدّمات عقلية، كما إذا قال المجتهد باستحالة اجتماع الأمر والنهي، فيقدّم جانب النهي، ولذا يحكم ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة، وحكمه هذا من جهة المقدّمة العقلية وهي استحالة اجتماع الأمر والنهي، ونتيجةً لذلك يحكم بأنّ الإطلاق في أدلة الصلاة بشرط لا عن الغصبية، ولا مانع من هذا النحو من الإفتاء، كما لا مانع من تقليده، اللهم إلّا أن يكون المقلّد قاطعاً باشتباه المجتهد في المقدّمة العقلية، فإنّ القطع باشتباه المجتهد، سواء كان في المقدّمات العقلية أو غير العقلية، مما يوجب عدم جواز

التقليد في تلك المسألة، وعليه ربما يرد السؤال التالي: كيف يذكر الفقهاء هذه المسائل في رسائلهم العملية مع أنّه لا يجوز التقليد فيها؟

ولكن هذا الذي ذكرنا من التأمّل والإشكال مبتن على التمسك بالاُصول العقلية، إلّا أنّه ليس في المسائل المذكورة في الفقة من تمسّك بالاُصول العقلية، فإن استصحاب عدم التكليف يجري ولا تصل النوبة إلى البراءة العقلية.

هذا على فرض عدم القول بالبراءة الشرعية، وكذا في العلم الإجمالي على مسلك أشرنا إليه، وأما على مسلكنا من أنّ الاحتمالين المتقومين بالعلم الإجمالي بحكم إلزامي فإنّه يكون طريقاً عقلائياً بالنسبة إلى الواقع وقد أمضاه الشارع، وعليه فالحكم حكم عقلائي مُمضى لا أن يكون الحكم عقلياً.

وأما في دوران الأمر بين المحذورين يمكن القول كما قال بعض الأكابر بأنّ أصالة البراءة تجري في كلّ منهما، وذلك لقصور الكاشف ولا تصل النوبة إلى الأصل العقلي، فلا يمكن الإشكال بما هو مذكور في الرسائل العملية؛ إذ من الممكن أن لا يكون حكمهم في هذه الموارد من الحكم العقلي حتى يقال بعدم جواز التقليد فيه.

وأمّا الطائفة الرابعة: فقد تعرض الفقهاء في رسائلهم العملية لصغريات موارد الاُصول في الشبهات الموضوعية، والحال أنّه لا وجه لهذا التعرض.

توضيح ذلك: أنّه لا يكون نظر المجتهد في موضوعات الأحكام حجّة إلّا أن يكون واجداً لشرائط الشهادة من العدد والعدالة، بمعنى أنّ تطبيق الأحكام على الموضوعات موكول إلى نظر المقلّد، فيعتبر العلم أو الشك في المقلّد، وعلى المجتهد بيان الكبرى بأن يقول مثلاً : (كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قدر ما لم يكن مقترناً بالعلم الإجمالي)، أو (أنّ الشك بعد الفراغ لا اعتبار له ما لم يكن مقروناً بالعلم الإجمالي المنجّز)، وأمّا بيان أنّه شاكّ بعد الفراغ أو ليس بشاك فهو ليس من وظائف المجتهد،

بل يرتبط بالمقلّد، وعليه فإن لم يكن للمقلّد علم إجمالي بالحكم الإلزامي في مورد الشبهة الموضوعية، كما إذا واجه المقلد طرفاً من أطراف الشبهة المحصورة، فهو يُجري قانون (كلّ شيء طاهر) ويحكم بطهارة يده، وهو غير ملتفت إلى أنّ بين الملاقي و الطرف الآخر يتشكّل علم إجمالي، وهو أنّه إن لم يكن هذا نجساً فذاك نجس وإن لم يكن ذاك نجساً فهذا نجس، مع أنّ المجتهد عالم بهذا العلم الإجمالي ويقول بمنجّزيته ويرى أنّ هذا غير منحل إمّا مطلقاً أو في بعض الصور.

وفي هذه الموارد يكون المعيار نظر المقلِّد، والحال أنّ بعض الفقهاء يذكرون في رسائلهم ما هو مبتن على العلم الإجمالي الذي ربما لا يلتفت إليه المقلِّد، وفي كثير من فروع العلم الإجمالي ولا سيما في مستحدثاتها، فإنّهم يَحكمون على وفق العلم الإجمالي الحاصل لهم والذي لا يحصل للمكلف، بل ربما لا يحصل لمجتهد آخر، ويبيّنون النتيجة للمقلِّد ، فلو ذكروا المسألة بحيث يحصل للمقلِّد العلم الإجمالي، فلا مانع منه، كما إذا قال المجتهد بأنّ ملاقي أطراف الشبهة المحصورة نجس بسبب العلم الإجمالي بنجاسة هذا أو الطرف الآخر، وهذا نظير ما في العروة في المسألة رقم 14 من مسائل الجنابة: (إذا صلّى ثم شكّ في أنّه اغتسل للجنابة أم لا؟ يبني على صحة صلاته ولكن يجب عليه الغسل للأعمال الآتية)، المسألة(1).

فنرى أنّ السيّد صاحب العروة حكم بصحة الصلاة لقاعدة الفراغ ويجب عليه الغسل للأعمال الآتية، وذلك لأنّ قاعدة الفراغ تثبت صحة العمل، لا وجود المشكوك فيه بلحاظ جميع الحالات، وقد علّق على هذه المسألة جماعة من المحققين من المتأخرين فقال: (هذا إذا لم يصدر منه الحدث الأصغر بعد الصلاة وإلّا وجب عليه


1) العروفة الوثقى 312/1 - 313.

الجمع بين الوضوء والغسل، بل وجبت عليه إعادة الصلاة أيضاً إذا كان الشك في الوقت).

وهذه التعليقة من التعليقات التي قلّما التفت إليها وإلى وجهها كثير من المجتهدين، ومنشأ هذا التعليق هو العلم الإجمالي؛ إذ بمجرّد حدوث الحدث الأصغر بعد الصلاة فإنه يحصل له العلم الإجمالي بأنّ الصلاة إمّا وقعت مع الجنابة وإما يجب عليه الوضوء بالنسبة إلى الأعمال الآتية، وهذا العلم الإجمالي مانع من إجراء قاعدة الفراغ؛ لأن قاعدة الفراغ تتعارض مع استصحاب بقاء الجنابة الذي يقتضي عدم وجوب الوضوء فيُرجع إلى قاعدة الإشتغال في الوقت.

والإشكال في أنّه كيف يمكن للمجتهد الحكم ببطلان الصلاة في هذا الفرع وأمثاله مع أنّه لا يحصل للمقلِّد العلم الإجمالي وتجري قاعدة الفراغ بحسب نظره؛ لأنّها ليست مقرونة بالعلم الإجمالي، وإنّما تكون مقترنة بالعلم الإجمالي للمجتهد.

وقد طرحنا هذا الإشكال على بعض الأكابر في السنوات السابقة، فأجاب بأنّ هذا الإشكال صحيح من حيث الصنعة، إلّا أنّه كيف يجوز إيقاع المقلّد في الخلاف؟

وهذا الجواب أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، إذ الحكم حكم ظاهري ومخالفته للواقع أمر غير معلوم وإجراء الحكم الظاهري في حقّه بلا مانع، وأجاب أيضاً بأنّ ديدن الفقهاء على ذلك، وعليه فما ذكره الشيخ الأنصاري من أنّ الفقيه نائب عن المقلد(1)هو الصحيح، والحال أنّه ليس عليه دليل، فذِكْرُ هذه الأحكام في العبادات لا وجه له، وهو محل إشكال، نعم في المعاملات يكون ذكر هذه الأحكام مفيداً للمجتهد في القضاء، فإنّه بما أنّ المجتهد يقضي بين الناس فيجب عليه ملاحظة العلم الإجمالي.


1) فرائد الاُصول 19/3.

وأمّا الطائفة الخامسة: وهي مسائل تُذكر في أبواب متعدّدة كالنذر والإقرار والوصايا وغيرها من الأبحاث المطوّلة في مفاهيم الكلمات أو الصيغ، والحال أنّ هذه الاُمور موكولة إلى أربابها، فإن كانت وصية فالمعيار فهم الوصي أو الورثة، وإن كانت في الوقف فالمعيار فهم المتولي والموقوف عليهم، وإن كانت في النذر فالمعيار فيه الناذر، والإشكال هو أنّ ما يذكرونه في هذه الأبواب بأيّ معيار، وهل يجوز التقليد فيها أو لا؟

ويمكن الجواب عن هذا الإشكال بأنّ فائدة ذكرهم لها في الكتب الفقهية هو إعانة من المجتهد في فهم المراد وربما لاحتياج نفس المجتهد إليها كما في موارد القضاء، فإنّها من الموارد التي يكثر وقوع الإختلاف فيها ويتعيّن على القاضي حلّ النزاع فيها.

والظاهر أنّ هذه المسائل خارجة عن دائرة التقليد ولا يكون قول المجتهد حجّة للمقلدين.

هذا تمام الكلام في الشبهات بالنسبة للمذكورات في الكتب الفقهية.

المقام الثاني: التقليد في مبادئ الاستنباط

وأمّا التقليد فيما لم يُذكر في الكتب الفقهية من التقليد في مبادئ الاستنباط فقد تقدّم الكلام عنه إجمالاً في مباحث الاجتهاد.

والحقّ في المسألة هو أنّ التقليد إمّا في مرحلة الدراية وإمّا في مرحلة الرواية، فإن كان التقليد في مرحلة الدراية بأن يقلّد الغير في المادّة أو في الصيغة الإفرادية أو التركيبية أو في الحجج وأمثال ذلك، فالظاهر جوازه، بمعنى أن التقليد في هذه المراحل يجعل الشخص مقلّداً، وذلك لأنّ النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمات.

وما ذكر في التنقيح من الإشكال في هذا التقليد بسبب أنّ هذه الاُمور اُمور حسية غير صحيح؛ لأنّا ذكرنا أنّ هذه الاُمور من الاُمور الاجتهادية، نعم المقلِّد في هذه الامور لا يصدق عليه المجتهد أو الفقيه بحيث يجوز رجوع الغير له.

وأما إذا كان التقليد في مرحلة الرواية كتبعيّة الغير في الرجال، فالأظهر جواز التقليد، ولعلّ على هذا كان بناء العلماء.

الفصل السادس: في المقلِّد

في المقلِّد :

هل تشمل أدلة حجية رأي المجتهد من كان له ملكة الاجتهاد، أو أنها تختص بخصوص العامي الذي ليس له ملكة الاجتهاد؟

وبعبارة أخرة: هل يعتبر في المقلّد أن لا يكون له ملكة الاجتهاد، بمعنى أن من له ملكة الاجتهاد يدور أمره بين الاجتهاد والاحتياط أو لا يُعتبر ذلك، بل يكفي في التقليد مجرّد عدم الاستنباط الفعلي ويصدق عليه بأنّه غير عالم بالحكم وإن كانت له الملكة ومتمكناً من الاستنباط.

قد اختلف في ذلك، فقال بعض بالجواز(1)، وبعض بعدم الجواز، ونسب الجواز إلى كاشف الغطاء وصاحب المناهل (2).

إلّا أنّ المشهور بين المتعرّضين للمسألة هو عدم الجواز، بمعنى أنّه يتعين عليه إمّا الاجتهاد أو الاحتياط. وقبل التعرّض للمسألة نفياً أو إثباتاً لا بأس بتقديم اُمور:


1) المحكم في اُصول الفقه 386/6.

2) انظر: التنقيح للسيد الخوئي 30/1.

الأمر الأوّل: أنّ صاحب الملكة الذي يريد أن يقلّد غيره إما أن يعلم أنّه مختلف معه في المباني أو لا يعلم ذلك، فهنا صور ثلاثة :

الصورة الأولى: ما إذا علم صاحب ملكة الاجتهاد بالعلم التفصيلي أو العلم الإجمالي بأنّ ما يُفتي به المجتهد الآخر مخالف لنظريته ومبانيه، فإنّ هذا الشخص صاحب الملكة يكون له نظر في العلوم التي يتوقف عليها الإجتهاد، كما إذا علم بأنّ المجتهد الذي يريد تقليده يقول باعتبار ما في الكتب الأربعة للوجوه المذكورة في محلّها، ولا يرى المناقشة في أسانيدها إلا من شأن العجزة، والحال أنّ الأمر ليس كذلك بنظر هذا الشخص صاحب ملكة الاجتهاد ولم يستنبط بعد، أو أنّ المستنبط يقول بإنجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور وهو لا يقول به، أو أنّه يقول بحجية خبر الثقة وهو يقول بحجية الخبر الموثوق به، أو أنّه يقول بحجية الشهرة في الفتوي وهو لا يقول بها، وهكذا الاعتماد على وجوه لا يقول بها هو نفسه، كما يقول المحدّث النوري بوثاقة جميع أصحاب الصادق(عليه السلام) المذكورين في رجال الشيخ بلا استثناء(1)، أو أنّه يحكم بوثاقة مَن روى عنه أصحاب الاجماع، أو مَن روى عنه الأجلّاء فإنّه يحكم بوثاقته، إلى غير ذلك من موارد الاختلاف نظير الاختلاف في الجمع بين الروايات وأمثاله، فتارةً يعلم تفصيلاً بأنّ ما يُفتي به المجتهد ويريد الرجوع إليه فيه يكون مبتنياً على أصل قامت عنده الحجة على خلافه، وأخرى يعلم إجمالاً بأن ما يريد الرجوع إليه فيه بعضه مبتن على مبادئ قامت الحجة على خلافها.

الصورة الثانية : ما إذا علم وأحرز اشتراكَ مَن يريد تقليده معه في المباني، والاختلاف بينهما إنّما يكون بسبب بعض الأمور الدقيقة في بعض الموارد الخاصة.


1) مستدرك الوسائل 1/ 44 ، 69 .

الصورة الثالثة: ما إذا لم يعلم بمبانيه وأنّه هل يكون مشتركاً معه أو مختلفاً عنه؟

والكلام في أنّه لو قلنا بالجواز فهل الصورة الاُولى داخلة في الجواز أو أنّه لو قلنا بعدم الجواز هل تكون الصورة الثانية والثالثة داخلة في عدم الجواز أو لا؟

الظاهر خروج الصورة الاُولى عن البحث، والقوم وإن لم يتعرّضوا لها إلّا أنّه من البعيد أن تكون الصورة الاُولى داخلة في البحث، بل مورد البحث هي الصورة الثانية والثالثة.

الأمر الثاني: لا إشكال في أنّه إذا كانت الأدلة - أي أدلّة الطرفين - قاصرة فالمرجع القاعدة التي ذكروها في أول مبحث المظنة من أنّ الشك في الحجة مساوق لعدم الحجيّة، فلو شك من له ملكة الاجتهاد بأنّ فتوى الغير بالنسبة إليه حجة أم لا؟ فلا يمكنه العمل بما يفتي به، وذلك لأنّ الأصل عدم الحجّية.

الأمر الثالث: إذا استنبط صاحب الملكة بعضَ المسائل مع عدم قدرته على استنباط البعض الآخر منها، وذلك لا من أجل قصور الملكة، بل بسبب الوسائل والأسباب، كما كان الأمر كذلك بالنسبة إلى القدماء، وذلك لندرة بعض فقدان الكتب في تلك الأزمنة، ولذا نجد صاحب مفتاح الكرامة ينقل شيئاً عن الوسائل مع الواسطة ويعتذر عن ذلك بعدم وجود بعض أجزاء الوسائل عنده، فهل يجوز لمثله تقليد الغير في المسائل التي لم يستنبطها أو أنّ عليه الاحتياط، فهذا المورد يكون داخلاً في البحث.

بعد اتّضاح محلّ البحث نقول: اختلفوا في جواز تقليد من له ملكة الاجتهاد، فقال جمع بعدم الجواز، ويمكن أن يستدلّ له بوجوه:

الوجه الأوّل: ما نُسب الى الشيخ الأنصاري في رسالته من ادّعاء الإجماع على عدم الجواز(1)، ونقل بعض عن تلك الرسالة بأنّ المعروف عدم الجواز، وعلى أي حال فهل يمكن التمسّك بالإجماع في المقام أو لا؟

الحقّ: أنّ التمسّك بالإجماع في المقام محل إشكال، وذلك لعدم إمكان تحصيل الإجماع في مثل هذه المسألة التي لم تُعنْون في كلمات القدماء، بل ربما يتوهّم من بعض الشواهد أنّ القدماء لم يكن لهم إباء في تقليد بعضهم لبعض، مثل رجوع القوم إلى رسالة عليّ بن بابويه عند إحراز النصوص لمكان أمانته وصدقه، وهذا مرجعه إلى تقليده؛ إذ إنّ رسالته كانت رسالة فتوائية، فقد عُدّ ابنُ بابويه في أرباب الفتاوى كما في أوّل المعتبر(2)وكذا الصدوق فقد عُدّ من مصادره في أوّل الفقيه رسالة أبيه(3)، وليس هذا إلّا من قبيل رجوع المجتهد إلى المجتهد، إلى غير ذلك من الشواهد.

إلّا أنّ الأمر غير واضح عندنا؛ إذ لا يُعلم أنّ رجوع القوم إلى رسالة عليّ بن بابويه هل كان من أجل تنزيل فتواه منزلة روايته أو كان من أجل التصحيح، فإنّهم ربما كانوا يعتمدون على تصحيح الغير؛ لأنّه من أهل الخبرة أو لأجل أمر آخر. والشاهد على ذلك أنّهم كانوا يفتون على طبق الرواية الموجودة فيها، وعدم جواز الإفتاء على وفق التقليد من المسلّمات، واعتمادهم على رواية ابن بابويه كان من جهة عدم الإفتاء بالخلاف، فإنّ الكتب لم تكن منتشرة آنذاك ومبوّبة ومفصّلة، فإذا أفتى أحد الأكابر بشيء، وحصل الاطمئنان لغيره بأنّ له مستنداً في إفتائه، فإن لم يمكنه الإحاطة بذلك


1) التنقيح للسيد الخوئي 30/1.

2) المعتبر 1/ 33.

3) انظر: من لا يحضره الفقيه 271/1

المدرك ربما كان يحتاط في الإفتاء بالخلاف، فاعتمادهم على روايته لم يكن من جهة التقليد وأخذهم بفتاواه.

وعلى فرض التقليد ربما كان تقليدهم من أجل عدم توفّر وسائل الاجتهاد عندهم ووفورها عند علي بن بابويه، كما أشرنا إلى ذلك في الأمر الثالث، وعلى أيّ حال فإنّ الإجماع أمرٌ لا نعلمه، لا نفياً ولا إثباتاً.

الوجه الثاني: أنّ عمدة الأدلة لجواز التقليد هي السيرة في الرجوع إلى أهل الخبرة، والسيرة غير ثابتة في رجوع بعض أهل الخبرة إلى بعضهم الآخر فيما يرتبط بهم، بل لعلّ السيرة على إعمال النظر فيما يرتبط به بنفسه، لا الرجوع إلى الغير إلّا في موارد خاصة، كما إذا كان فاقداً للوسائل أو بسبب العسر والحرج، وهذا خارج عن محل الكلام.

الوجه الثالث: أنّ مقتضى الروايات هو أنّ كل شخص مكلّف بتعلّم الأحاديث والرجوع إلى الكتاب والسنة، ففي كثير من الآيات هناك حثّ على التدبّر في الآيات، وهكذا في كثير من الروايات حث على النظر في أحاديثهم رواية ودرايةً، وهذه الروايات الحاثّة على التعلّم مرجعها إلى تنجيز الأحكام التي تشتمل عليها هذه الروايات، فأدلّة وجوب التعلّم منجزّة للأخبار التي هي في معرض الوصول بلحاظ مؤدّياتها، ويخرج عن ذلك من لا يقدر وليس له ملكة الاجتهاد، وأمّا من يتمكن من ذلك فقد تنجّزت عليه تلك الأحكام التي هي في مؤديّات تلك الأمارات، والرجوع فيها إلى الغير مع تمكّنه من الاجتهاد لا وجه له؛ إذ ظاهر هذه الأخبار مراجعته مباشرةً الى تلك الروايات والى الكتاب العزيز، وأمّا الرجوع إلى الغير فيها ربما يكون رأيه مخالفاً له فهو خلاف الإطلاقات الدالة على وجوب التعلم، ولعلّ هذا أقوى الوجوه.

وفي قبال ذلك ذهب بعض إلى جواز التقليد ويمكنهم الاستدلال بوجوه:

الوجه الأوّل: استصحاب حجّية رأي المجتهد الذي كان رأيه حجة قبل أن يصبح هذا الشخص ذا ملكة.

ويُرّد هذا الوجه، بما يلي:

أوّلاً : أنّ هذا الوجه أخصّ من المدّعى؛ إذ ربما لم يكن رأيه حجة بالنسبة إليه في السابق كما إذا مات مقلّده السابق.

وثانياً: يُعتبر في الاستصحاب إتّحاد القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة بنظر العرف، ولابد أن تكون الوحدة متيقنة، وأمّا إذا كانت مشكوكة فلا يمكن التمسك بالاستصحاب، وفي المقام لا اتحاد بين القضيّتين.

الوجه الثاني: إرجاع الأئمة الأطهار(عليهم السلام) أصحابهم إلى جماعة، منهم: الفضل شاذان، ويونس بن عبد الرحمن وأبي بصير، والحال أنّ هؤلاء كانوا متمكّنين من سؤال الإمام(عليه السلام) ، وسؤال الإمام في قوة الاجتهاد، فمن يكون متمكناً من الاجتهاد وأخذ السنة مباشرة يجوز له الرجوع إلى الغير.

ويمكن أن يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأوّل: أنّه لم يثبت لنا إطلاق من الأدلة التي تدل على إرجاعهم إلى الغير بحيث تشمل من يكون متمكناً من الرجوع إلى الائمة الأطهار (عليهم السلام) ، فقد جاء في بعضها: ( شقتي بعيدة)(1)ولا يمكن لي الاتّصال بك في كل وقت.

الجواب الثاني: أنّ الأسئلة الموجّهة للإمام(عليه السلام) مختلفة من حيث المستوى، فإنّ السؤال قد يصدر من العامّي الذي هو بصدد فهم الوظيفة الفعلية، وهذا لا يصدُق عليه الاجتهاد، ومثل هذا السؤال لا يستفيد منه إلّا المجتهد كما ذكرنا سابقاً، فإذا


1) تقدّم تخريجه.

أرجع الإمام(عليه السلام) عاميّاً الى شخص فليس معنى ذلك أنّه كان يتمكن من الاجتهاد، ومع ذلك أرجعه الإمام(عليه السلام) إلى الغير، وقد يكون السؤال صادراً عمّن هو بصدد فهم الأحكام.

الوجه الثالث: لزوم العسر والحرج إذا قلنا بعدم الجواز؛ إذ لازم ذلك انشغال الناس بالفقه.

والجواب عن ذلك أنّه لا يلزم العسر والحرج فيها يرتبط باُمور نفسه، نعم لو وصل إلى العسر والحرج فلا مانع من الرجوع الى الغير.

الفصل السابع: فيما يرتبط بالمقلد

اشارة

فيما يرتبط بالمقلَّد:

وفيه مسائل ثلاث:

المسألة الاُولى: أنّه بعد ما ظهر من جواز التقليد في الجملة، فإذا كان هناك أكثر من مجتهد، وكان بينهم اختلاف في الرأي كما إذا كان هناك مجتهدان متساويان في المرجحات أو كالمتساويين بأن يكون احتمال الرجحان موجوداً في كل منهما، فما هي الوظيفة هنا؟

المسألة الثانية : أنّه لو كان أحدهما ذا رجحان وذا مزية، فما هي الوظيفة هنا؟

المسألة الثالثة: في شرائط مرجع التقليد، ونؤخّر هذه المسألة لكون بعض المباني التي يتوقف عليها الاشتراط يُذكر في ضمن المسألتين الاُوليين.

المسألة الاُولى: وظيفة المقلد في صورة تساوي المجتهدين

إنّ المذكور في كلماتهم إحتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأول: التخيير، بمعنى أنّه مخيّر بأيّهما يأخذ.

الاحتمال الثاني: الأخذ بأحوط القولين، وهذا الاحتمال مبنيّ على أنّ التنافي بين القولين في مدلولها المطابقي لا يكون مانعاً من نفي الثالث، بمعنى أنّ الاحتمال الآخر منفي.

الاحتمال الثالث: تعارض القولين وتساقطهما، ولا يُنفى بهما الثالث، فلابدّ له من الاحتياط المطلق بين أقوال المجتهدين.

الاحتمال الأول: التخيير

والمشهور بينهم هو الاحتمال الأوّل وهو التخيير.

وقبل بيان الأدلة تجدر الإشارة إلى ما يمكن أن يكون مرادهم من التخيير، فإنّ للتخيير معان ثلاثة، وكلّ معنى من هذه المعاني يوافق بعض الأدلة التي سنذكرها:

المعنى الأوّل: التخيير الأخذي، بمعنى أن يلتزم بأحد القولين ويوجبه على نفسه ويطبّق عمله عليه، وهو يكون حجّة بالنسبة إليه. فيدور أمره بالالتزام بأحدهما فيكون ذلك القول حجة بالنسبة إليه، كما تقدم. أو باللتزام بهما، وهو غير معقول للتنافي والتعارض بين القولين، أو لا يلتزم بهما معاً، وحينئذ لا تثبت الحجة بالنسبة إليه، وعليه الاحتياط، ويكون وزانه وزان المجتهد قبل الفحص، فإنّ التكاليف إمّا منجّزة من جهة الاحتمال قبل الفحص، أو من باب العلم الإجمالي بوجود أحكام كثيرة، أو من جهة أدلة لزوم التعلّم، وحال الشخص لا يخلو عن إحدى ثلاث، فإن التزم برأي أحدهما فهو حجة له، وإن التزم بهما فهو غير معقول، وإن لم يلتزم بهما فعليه الاحتياط.

المعنى الثاني: التخيير العملي، بمعنى أنّ له أن يطبّق عمله فعلاً أو تركاً على إحدى القولين، فإن قال أحدهما بوجوب الجمعة والآخر بعدم وجوبها، فله أن يطبّق عمله مع من يقول بالوجوب كما له أن يطبّق عمله على رأي الآخر، وليس معنى ذلك حجية قول من يطبّق عمله مع قوله، بل مرجعه إلى أنّ التطبيق العملي يوجب أن لا يعاقب على مخالفة الواقع، أي أنّ هذا التطبيق يكون معذّراً له.

المعنى الثالث: التخيير العملي لا بالمعنى الثاني، بل بمعنى إجراء الاُصول المرخصة فيما إذا كان المورد منها، أي أنّه يتعامل مع الفتويين معاملة الخبرين المتعارضين، كما إذا أفتى أحدهما بجواز حلق اللحية والآخر بحرمته، فهما يتعارضان من قبيل تعارض الحجّتين، فليس له حجة على حرمة حلق اللحية، فيجري في حقه (رفع ما لا يعلمون)، أو إذا أفتى أحدهما بوجوب عمل ، والآت بحرمته فيمكنه إجراء البراءة بالنسبة إلى كلّ منهما.

ولا يدخل هذا في دوران الأمر بين المحذورين؛ إذ إنّ المجتهدين إمّا يقولان بالوجوب أو بالحرمة، وليس لهما علم إجمالي بثبوت أحد الأمرين حتى يدخل في دوران الأمر بين المحذورين، وليس للمقلد أيضاً علم إجمالي، إذ يُحتمل أن يكون مُستحبّاً أو مكروهاً أو مباحاً، ولو فرض وجود علم إجمالي له فغايته أن يكون المورد داخلاً في دوران الأمر بين المحذورين، وحينئذ إمّا تجري البراءة أو التخيير، وعادةً لا يحصل العلم الإجمالي للمقلّد في كثير من الموارد.

وهكذا لو أفتى أحدهما بوجوب صلاة الظهر والآخر بوجوب صلاة الجمعة، وفي خصوص هذا المورد بما أنّ له علماً خارجياً بوجوب إحدى الصلاتين، إلّا أنّه لا يعلم أنّها صلاة الظهر أو الجمعة، فلابدّ له من ترتيب آثار العلم الإجمالي، فلو كان الأمر دائراً بين المتباينين، فلا بدّ له من الاحتياط.

وأمّا إذا احتمل الوجوب التخييري، فيدور الأمر بين الوجوب التخييري والتعييني، وهذا المورد محل اختلاف بينهم في إجراء البراءة بالنسبة إلى التعييني ويمكنه الرجوع في إجراء الأصل إلى المجتهد، وأما إذا أفتى أحدهما بالوجوب التخييري والآخر بالوجوب التعييني فله إجراء البراءة - على المشهور - بالنسبة إلى التعيين.

وملخّص الكلام: أنّ المقلّد يتعامل مع الفتويين معاملة المتعارضين، فإن كان المورد مجرى لأصل مرِّخص، فإنّه يجري الأصل المرخص، وإن كان هناك علم إجمالي للمقلّد أو حجة إجمالية كما إذا أفتى كلّ منهما بوجوب صلاة إلّا أنّ أحدهما يقول: الأقوى عندي أنّها صلاة الظهر، والآخر يقول : الأقوى عندي أنّها صلاة الجمعة، فلابدّ له من ترتيب آثار العلم الإجمالي.

ومعنى التخيير العملي هو أنّه في سعة من القولين ويفرضهما كأنهما لم يكونا، ونتيجته الرجوع إلى الاُصول المرخّصة فيما أمكن، وإن لم يمكن ذلك يرجع إلى الاُصول المثبتة للتكليف.

والتخيير بمعانيه الثلاثة في قبال القول بوجوب الاحتياط المطلق أو أحوط القولين، ومن يقول بالتخيير لابدّ وأن يكون مراده أحد هذه المعاني، وكما قلنا فإنّ المشهور بين العلماء - إلّا نادراً من المتأخرين - هو القول بالتخيير وإن لم يثبت عندنا أقوال القدماء في هذه المسألة.

واستُدلّ على التخيير بوجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع، كما عن الشيخ الانصاري(1)وغيره، بل ادعى بعضٌ التسالم على التخيير، والظاهر أنّ مرادهم من التخيير هو التخيير الأخذي، كما أنّ الظاهر أنّ منشأ الإجماع - على ما في بعض الكلمات - هو أنّ العامي لا يُلزم بالاحتياط مع فرض وجود المجتهد، بل يأخذ برأي أحد المجتهدين، ورأيه حجة بالنسبة إليه.


1) انظر: فرائد الأصول 297/1.

وكما ذكرنا فقد ادعى الإجماع الشيخُ الأنصاري، والآشتياني في حاشيته على الرسائل، والسيّد الحكيم على ما في المستمسك في ذيل معنى التقليد (1)، إلّا أنّ التمسك بالإجماع بحيث يحصل الاطمئنان من قول المجمعين محل تأمّل وإشكال، وذلك لعدم ذكر هذه المسألة في كلمات المتقدمين.

الوجه الثاني: السيرة، وأنّ الشيعة كان بناؤهم على الرجوع إلى الفقهاء، ومبادئ الاختلاف في الآراء كانت موجودة عند الفقهاء المتقدّمين ولم يثبت رجوع الجميع إلى واحد منهم، بل كانوا يرجعون إلى كلّ من تصل أيديهم إليه ويأخذون برأيه.

ولكن هذا الوجه محل إشكال أيضاً؛ إذ لم يثبت لنا وجود سيرة حتى مع العلم التفصيلي بالاختلاف، مضافاً إلى أنّ هذا على خلاف الموازين العقلائية، فإنّ الميزان العقلائي - على ما ذكرنا في أول مبحث تعارض الأدلة الشرعية - هو التساقط في الطريقين المتعارضين المتعادلين لا جواز العمل بكلّ منهما، والمفروض هو حجية قول المجتهد من باب الطريقية لا الموضوعية، وفتوى المتأخرين إنما هي من باب الجري على فتوى المشهور بالتخيير، وليس مستنداً إلى الإجماع أو السيرة.

الوجه الثالث: الروايات التي ترجع العوام إلى الفقهاء، منها: «من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه فللعوام أن يقلّدوه»(2)بدعوى أنّ أدلّة حجية الحجج على قسمين:


1) انظر المستمسك 21/1.

2) تقدم تخريجه.

القسم الأوّل: ما يُستظهر منه الاستغراق والشمولية فيما إذا كان الدليل لفظياً، ولو كان الدليل بناء العقلاء فهذا أيضاً على قسمين: فقد يكون بناؤهم على الشمول، وقد يكون بناؤهم على البدلية.

القسم الثاني : ما يُستظهر منه البدلية، فمثلاً يقال من كان أميناً فأتمنه، وفي المقام فإنّ قوله(عليه السلام) : «مَن كان من الفقهاء»يدلّ على البدلية بلحاظ الحكم والموضوع، فكلمة (من) ظاهرة في البدلية وليست من قبيل (كل) الظاهر في الاستغراق والشمول، ومناسبة الحكم والموضوع أيضاً تقتضي البدلية، حيث إنّ إمكان رجوع العوام إلى كل مجتهد أمرٌ لايمكن القول به؛ إذ العامي يحتاج إلى مرشد يرشده، ويكفيه مجتهد واحد، ومرجع قوله هذا ليس محل الحجية لجميع المجتهدين، بل هو حجية قول المجتهدين على نحو البدلية، وعليه فلو كان المجعول هو الحجية البدلية تكون النتيجة هي الحجية التخييرية، أي أنّه مخيّر بأيهما يأخذ.

ويمكن الجواب عنه بما يلي:

أوّلاً : هذه الرواية مروية في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام)(1)، والسند الذي يذكره الصدوق فيه مجاهيل، مضافاً إلى أنّ الكتاب ليس بمتقن، وقد ألّف العلّامة البلاغي رسالة في عدم صحة النسبة(2).

وهذا الكتاب مما قد أخذه الصدوق من المفسّر الاسترآبادي في بعض أسفاره.

ربما يقال بأنّ السند وإن كان فيه مجاهيل(3)، بل ويمكن أن يكون من كتب المفسر الاسترآبادي، إلّا أنّ الشيخ الأنصاري حينما ينقل رواية منه في الرسائل، يقول


1) تقدم تخريجه .

2) اسمها «رسالة التكذيب» انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة 155/11 .

3) انظر: تفسير الإمام العسكري: 681 .

ما مضمونه: (دلّ هذا الخبر الشريف اللائح منه آثار الصدق(1)وبناءً على قول الإمام علي(عليه السلام) : «إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً»(2)تكون هذه الرواية حجة من باب أنّ ما فيها هو على طبق الموازين، إلّا أنّك خبير بعدم اثبات حجية كتاب أو رواية بهذا وأشباهه.

وثانياً: أنّ هذه الرواية الشريفة بصدد تمييز مَن يجوز تقليده، ومَن لا يجوز تقليده، وليست بصدد جعل الحجية لفتاوى الفقهاء على نحو البدلية حتى يُستدل بها .

وثالثاً: أنّ استظهار البدلية بلحاظ كلمة ( من ) وبلحاظ مناسبة الحكم والموضوع أمرٌ غير واضح، فإنّ بعض الاُصوليين - وإن قال بأنّ (من) ظاهر في البدلية بخلاف (كل) - إلّا أنّ هذا غير صحيح، فإنّ (من) للعموم، واستفادة الاستغراق أو البدلية يرتبط بالقرائن الخارجية، فإنّه لو قال: (من كان عالماً فلا تهنه)، فإنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي استفادة الاستغراق، وإذا قيل بأنّه (راجع من كان متخصصاً) فإنّه يُستفاد منه البدلية. وأمّا بلحاظ مناسبة الحكم والموضوع، فقوله(عليه السلام) : (فللعوام أن يقلّدوه) مرجعه إلى حجية قوله والحجية بالنسبة إلى الجميع على حدّ سواء.

الوجه الرابع: الروايات الدالة على التخيير في الروايتين المتعارضتين، وذلك بادعاء شمولها للفتويين المتعارضتين، أو أنه بتنقيح المناط يتم إثبات حكم التخيير في الفتويين المتعارضتين.


1) فرائد الاُصول 304/1.

2) انظر: تفسير الإمام العسكري: 681 .

إلّا أنّ هذا الوجه بكلا طريقيه ضعيف، إذ نحن ذكرنا سابقاً أنّ هذه الروايات ضعيفة، ولا يمكن الاستدلال بها، وعلى فرض تماميتها بالنسبة إلى الخبرين المتعارضين، فإنّ القول بأنّ الفتويين من الخبرين - إذ الفتوى إخبار عن حكم الله - قد ظهر جوابه من الأبحاث السابقة وهو أنّ الخبر هناك خبر عن حس، وفي المقام لا يكون الخبر عن حس، بل عن حدس، فهو بإعمال النظر والقواعد يُخبر عن حكم الله، فهو في الحقيقة يقول: إنّ نظري ورأيي كذا، ولا يمكنه أن يقول: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كذا، أو قال الصادق(عليه السلام): كذا ، فهو غير داخل في عنوان الخبر.

وأّما تنقيح المناط، والقول بأنّ المناط في كلا الموردين واحد، إذ الأخبار حجة من باب الطريقية، وكذا الفتوى، فهذا من تنقيح المناط الظني، ولا يكون مثله معتبراً.

الوجه الخامس: ما استدل به بعض الأعلام، وملخّصه بتقريب منّا: هو أنّا نقول بأنّ مقتضى القاعدة في تعارض الطرق والأمارات هو التساقط، وأمّا الطرق التي ليست لها طريقية، بل هي من قبيل موضوعات الأحكام فلا يحصل التعارض فيها وإن علم بمخالفة أحدهما للواقع، وباب التقليد من هذا القبيل.

وتوضيح ذلك مبتن على بيان مقدّمتين:

المقدّمة الاُولى: أنّ أخذَ المقلّد بفتوى المجتهد ليس من أجل أنّ فتواه طريق وكاشف ودليل له، ولذا عُرّفَ التقليد في بعض الكلمات بأنّه أخذٌ بقول الغير من غير حجة، وأشباه ذلك، ولو كانت فتوى المجتهد دليلاً لكان يصدق على المقلد عنوان العالم والآخذ بالحجة كما يصدق هذا العنوان على المجتهد، بل ما هو ثابت من الأدلة جواز تطبيق العمل على فتوى المجتهد، والارتكاز العقلائي، وكذا الروايات لا تدل على كاشفية قول المجتهد حتى يصدق عنوان تعارض الدليلين ويكون مقتضاه التساقط، والشاهد على ذلك أنّه يقال بحسب المرتكز في الأذهان: أنّ الوظيفة هي

الرجوع إلى المجتهد، فالرجوع إلى المجتهد من باب الوظيفة لا من جهة انكشاف الواقع من قوله.

وما ورد في رواية الاحتجاج: (فللعوام أن يقلدوه) معناه جعل العمل في عنق الغير أو ما يشبه ذلك من تطبيق العمل على فتوى الغير، ولذا قيل بأنّ التقليد هو العمل بفتوى الغير، فلا يُستفاد من الارتكاز العقلائي والروايات كاشفية قول المجتهد عن الواقع.

المقدّمة الثانية: أنّه بعد ما ظهر أنّ الفتوى غير داخلة في الدليل والحجة، بل حجّيتها من باب الموضوعية، فمجرّد العلم بمخالفة إحداهما للواقع لا يوجب صدق التعارض بين الفتويين حتى يقال إنّ مقتضى القاعدة في المتعارضين هي التساقط، ولهذا لو كان ثوب مشترك بينه وبين غيره ورأى فيه منيّاً وعلم جنابة أحدهما، فكلّ منهما يستصحب طهارته من الحدث الأكبر، ويجوز الاقتداء بأحدهما، مع أنّ الثالث له علم إجمالي بجنابة أحدهما، وفي هذا المقام لا مانع من القول بجواز تطبيق العمل على فتوى أحد المجتهدَيْن اللذيْن يعلم بعدم مطابقة فتوى أحدهما للواقع، ولا يوجب العلم الإجمالي التعارض والتساقط.

ويمكن الجواب بمنع كلتا المقدمتين:

أمّا المقدّمة الاُولى: فمن أجل ما ذُكر سابقاً من أنّ قول المجتهد وغيره من المتخصّصين في كل علم كاشف عن الواقع بحسب بناء العقلاء، إلّا ما خرج بالدليل، فإنّ مراجعتهم إلى الأطباء أو المهندسين وغيرهم من أجل كاشفية رأيهم عن الواقع، فبما أنّ رأيهم كاشف عن الواقع فإنهم يراجعونهم ويعملون على وفق آرائهم وليس رجوعهم من باب التعبد، والروايات التي ذكرناها في أنحاء استعمال التفقه، بعضها كانت ناظرة إلى التفقه ولو كان عن تقليد كقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «يا معاشر التجار!

الفقه ثم المتجر»(1)فعنوان الفقه صادق على المقلّد، والمقلّد أيضاً عالم بالحكم بفتوى مقلّده، وعليه فأخذ المقلّد فتوى المجتهد من باب الطريقية، لا الموضوعية.

ورواية الاحتجاج بملاحظة صدرها وذيلها، بل بملاحظة نفس كلمة التقليد لوحظ فيها حيثية الكاشفية، أمّا بملاحظة نفس كلمة التقليد فإنّه بمناسبة الحكم والموضوع يكون معنى تقليد الفقيه عبارة عن اتّباع نظره من باب رجوع الجاهل إلى العالم، فلو كان المجتهد عالماً بالحكم يكون علمه - بالنسبة لنفسه - كاشفاً ذاتياً، وبالنسبة إلى المقلد كاشفاً تعبدياً، ولو كان له ظن بالحكم فيما أنّ ظنه هذا مأخوذ من المبادئ العقلائية يكون كاشفاً عن الواقع، وهو حجة بالنسبة لنفسه واعتبر حجة للمقلد.

وعليه فالتقليد الذي هو عبارة عن تبعية نظر الغير ملحوظ فيه حيثية الكاشفية، فكما أنّ المجتهد لو عمل على وفق نظره يكون نظره كاشفاً، كذلك إذا عمل المقلد على وفق نظره.

وأما الرواية فهي - صدراً وذيلاً - بصدد بيان من يُقبل قوله ومن لا يُقبل قوله، فمن أخذ الرشا وصدر منه الكذب الصريح كيف يُطمأن بقوله فيما إذا أخبر عن رأيه ونظره، واتّباع نظر من يجوز قبول نظره ليس من باب التعبد، بل من جهة كاشفيته عن الواقع، وصدق المقلَّد على هذا دون ذاك من جهة أنّ مبادئ النظر قائمة به دون المقلِّد، وقد أُطلق التقليد بالنسبة إلى الائمة(عليهم السلام) حيث اُطلق في بعض الروايات بأنّ الشيعة


1) تهذيب الأحكام 6/7 .

تقلّد الأئمة الأطهار(عليهم السلام) فعن محمّد بن عبيدة قال: قال لي أبو الحسن(عليه السلام): «يا محمّد أنتم أشدّ تقليداً أم المرجئة؟ قال: قلت: قلّدنا وقلّدواء»(1)، الخبر.

وأما المقدمة الثانية: فمن أجل أنّ إنكار الطريقية لا يستلزم إنكار التعارض والتساقط المترتب على التعارض.

توضيح ذلك: أنّ الاُصول العملية - إلّا الاستصحاب - ليس فيها حيثية مُحرزية الواقع، فالبراءة وقاعدة الطهارة والحلّية وأشباهها لا تُحرز الواقع، وأمّا الاستصحاب ففيه أقوال:

الأوّل: أنّه طريق إلّا أنّ مثبتاته ليست بحجّة.

الثاني: أنّه أصل مُحرز.

الثالث: أنّه أصل غير محرز كسائر الاُصول.

وكيفما كان، فإنّ الاُصول العملية التي ليست فيها حيثية الطريقية على المشهور، حتى في الاستصحاب، يُفرض فيها التعارض والتساقط، ولا إشكال في أنّ الأُصول يتعارض بعضها مع بعض نعم ما عنونّاه بعنوان تعارض الأدلة الشرعية مختص بالتعارض في الأدلة، وذلك من أجل ذكر تعارض الاُصول بعد مباحث الاُصول العملية، فمثلاً ذكرنا تعارض الاُصول المرخّصة في مبحث العلم الإجمالي وفي دوران الأمر بين المتباينين، وتعرّضنا لتعارض الاستصحابين بعد مبحث الاستصحاب، فلا فرق من هذه الجهة بين الاُصول والأمارات، فكما أنّ الأمارات تُعارض بعضها بعضاً فكذلك الاُصول، والفرق بين الاُصول والأمارات في هذه الجهة هو توسعة دائرة تعارض الأمارات وضيق دائرة التعارض في الاُصول على مسلكنا.


1) وسائل الشيعة 27/ 125 .

وتوضيح ذلك : أنّ مجرّد العلم الإجمالي بمخالفة إحدى الأمارتين للواقع يكون كافياً في تحقّق التعارض في الأمارات، ثم التساقط في فرض عدم المرجّح سواء كان بين مؤدّياتهما التناقض أو التضاد أو العلم الخارجي.

والاُصول إنّها تتعارض في موردين:

المورد الأوّل: أن يكون بين مؤدّاهما التضاد بالمعنى الأعم، وهذا كاستصحاب عدم الجعل واستصحاب بقاء المجعول، حيث ذهب النراقي وبعض الأكابر إلى أنّهما يتعارضان، وتعارضهما على وجه التناقض .

المورد الثاني : مورد العلم الإجمالي، والعلم الإجمالي الذي يوجب تعارض الاُصول وتساقطها هو ما إذا كان العلم الإجمالي بالحكم الإلزامي، وكان الأصلان مرخّصين بحيث يلزم من جريان الاُصول في جميع الأطراف، الترخيص في المخالفة القطعية، كما إذا علم بنجاسة أحد الشيئين فإنّه يلزم من جريان قاعدة الطهارة أو استصحابها في كلّ من الطرفين الترخيص في المخالفة القطعية.

وأمّا إذا كان العلم الإجمالي بالحكم الترخيصي وكانت الاُصول مقتضية لإثبات الحكم الإلزامي، فهنا لا مانع من جريانهما، كما إذا استصحب نجاسة كلّ من الإناءين وكان عالماً بطهارة أحدهما، فهنا لا أثر للعلم الإجمالي بطهارة أحدهما، وهذا بخلاف الأمارات فإنّ مجرّد العلم الإجمالي كاف في تحقّق التعارض فيها، سواء كان متعلق العلم الإجمالي هو الحكم الإلزامي أم الحكم الترخيصي، فإنّه لو دل أحد الدليلين أو إحدى الفتويين على وجوب صلاة الجمعة والآخر على وجوب صلاة الظهر، وعلم المكلف بعدم وجوب إحداهما فإنّه يتحقق التعارض، وذلك لما ذكرنا في أوّل مبحث تعارض الأدلة الشرعية من أنّه بما أنّ مثبتات الأمارات حجة بخلاف الاُصول فإنّه يتنافى المدلول المطابقي لكلّ منهما مع المدلول الالتزامي للدليل الآخر فيتعارضان، ففي

مثالنا هذا فإنّ الدليل الذي يقول بوجوب صلاة الجمعة يدلّ بالدلالة الالتزامية على عدم وجوب صلاة الظهر، وهكذا فإنّ الدليل الذي يدل على وجوب صلاة الظهر يدل على عدم وجوب صلاة الجمعة، فهما متعارضان.

فظهر أنّ دائرة التعارض في الاُصول أضيق من دائرة التعارض في الأمارات، وعليه فلو سلّمنا للمقدّمة الاُولى وقلنا بأنّ أدلة التقليد لا تدل على كاشفية رأي الغير، فإنّه لا يمكن القول بأنّ التقليد أدون من الاُصول ولا يتصور فيه التعارض، فإنّه كما أنّ الاُصول وظائف عملية للشاك فكذلك التقليد من وظائف غير العالم وليس بأقلّ من الاُصول.

وعليه فلو أفتى أحد المفتيين بالوجوب والآخر بعدم الوجوب فإنهما يتعارضان، كما أنّه لو كان بمكان الإفتاء في كل طرف أصل من الاُصول فإنهما متناقضان ولا يمكن التعبد بالوجوب وعدم الوجوب ولو بالأصل.

وهكذا لو أفتى أحدهما بوجوب الإتمام والآخر بوجوب القصر، فلو قلنا بأنّ وزان الفتويين وزان الأصلين فالعلم الإجمالي بعدم وجوب أحدهما تكون نتيجته الاحتياط لا التخيير؛ إذ المفروض أنّ فتواهما من قبيل الاُصول المُثبتة، والحال أنّ المستدل بهذا الوجه بصدد إثبات التخيير بين القولين وأنّ قول المجتهد له موضوعية من قبيل موضوعية الاُصول.

وظهر أنّ الاُصول أيضاً يكون بينها التعارض فيما إذا كان بينها التضاد بالمعنى الأعم، وكذا في موارد العلم الإجمالي إذا كان متعلق العلم الإجمالي هو الحكم الإلزامي وكانت الاُصول مرخّصة، نعم إذا كان متعلق العلم الإجمالي هو الحكم الترخيصي وكانت الاُصول المثبتة جارية لم يكن العلم الإجمالي بالترخيص مانعاً من جريانهما،

وهذا بخلاف العلم الإجمالي بالحكم الترخيصي في الأمارات، فإنّه يوجب تعارض الأمارات وتساقطها.

الوجه السادس: موثّقة سماعة المتقدمة في مباحث تعارض الأدلة الشرعية، وقد عُدّت من أدلة التخيير في الخبرين المتعارضين، ونحن وإن أنكرنا دلالتها على التخيير في تلك المباحث، إلّا أنّا لا ننكر دلالتها على نوع من التخيير في المقام، فعن سماعة، قال: سألته - أي : أبا عبد الله(عليه السلام) - عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمره بأخذه، والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع ؟ قال: «يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه»(1).

والاستدلال بهذه الرواية في المقام متوقف على مقدّمتين:

المقدّمة الاُولى: أنّ هذه الرواية ناظرة إلى اختلاف المجتهدَيْن والفقيهَيْن وليست ناظرة إلى اختلاف الروايتين، وهذا ما عليه رأينا ورأي بعض آخر، وفي قِبال ذلك أن تكون الرواية الشريفة ناظرة إلى اختلاف الأحاديث، فإن كانت الرواية ناظرة إلى اختلاف الفقيهين فيمكن الاستدلال بها، وإن كانت ناظرة إلى اختلاف الروايتين فلا يمكن الاستدلال بها، كما ظهر من الأبحاث السابقة، وعليه فلابدّ من إثبات أنّ الرواية ناظرة إلى اختلاف المجتهدين، فنقول:

أولاً : إنّ هذا التعبير: (سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر)يتناسب مع اختلاف المفتيين، لا مع اختلاف الراويين؛ إذ لو كان ناظراً إلى اختلاف الراويين لعبّر بتعبيرات وردت في الروايتين المتعارضتين مثل: (يرد عنكم حديثان مختلفان)، وأما هذا التعبير (اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر) يدل


1) الكافي: 53/1 .

على أنّهما كانا فقيهين فإنّ الفقيه بما أنّه يُفتي ويطبّق الكبرى على الصغرى ويأمر وينهى بالأمر والنهي الإرشادي، فبهذا اللحاظ يمكن التعبير عنه بأنّه (اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر)، أي: في واقعة، نعم اختلافهما ناشئ من اختلاف الروايات.

وأما لو كانا راويين لروى كل واحد منهما ما سمعه، ولا يعبر حينئذ بالقول: (اختلف عليه رجلان).

وثانياً: أنّ قوله: (أحدهما يأمره بأخذه والآخر ينهاه عنه) لا يتناسب مع نقل الراويين الحديثين مختلفين؛ إذ الرواي بما أنّه راو ليس له حق الأمر والنهي، بل وظيفته نقل الرواية كما سمعها وحفظها، والأمر بالأخذ أو النهي عن الأخذ - ولو إرشاداً - ليس من شؤون الراوي بما أنه راو، بل من شؤون الفقيه.

وثالثاً: جواب الإمام(عليه السلام) : «يُرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه» يتناسب مع اختلاف الفقهاء ولا يتناسب مع اختلاف الرواة بالنسبة إلى الفقهاء؛ إذ في اختلاف الرواة بالنسبة إلى الفقهاء لا يقال : ( يرجئه حتى يلقى)، بل يقال في مقام الجواب: إنّه يلاحظ المرجّحات كما في سائر الروايات، حيث اُشير فيها الى المرجّحات.

مضافاً إلى أنّ قوله(عليه السلام): « فهو في سعة» لا يناسب الفقيه حيث لا يقال بالنسبة إلى الفقيه: هو في سعة، بل لابدّ من تعيين وظيفته وأنّه يفتي بأيٍّ من الروايتين.

فالرواية ناظرة إلى العامّي الذي اختلف عليه رجلان فقيهان من أهل دينه، فلا يمكنه الأخذ بأحدهما المتعيّن، بل هو في سعة من حيث العمل حتى يلقى من يخبره، والذي يخبره إمّا هو الإمام(عليه السلام) ، أو الأعلم ، فإن فتوى غير الأعلم لا تعارض فتوى الأعلم.

المقدّمة الثانية: هل إنّ الرواية محدودة بدوران الأمر بين المحذورين حتى يكون حكم الإمام بالسعة مرتبطاً بأصالة التخيير، أو أنّ الرواية لا تكون محدودة بدوران الأمر بين المحذورين، فلو استظهرنا من قوله : (أحدهما يأمره بأخذه، والآخر ينهاه عنه)الأمر المولوي، فطبعاً تكون محدودة بدوران الأمر بين المحذورين، وأمّا لو استظهرنا منها بأنّ الأمر والنهي الصادر عن الفقيه أمر ونهي إرشادي، فله عرض عريض، فكما يشمل دوران الأمر بين المحذورين يشمل موارد اُخرى، وكما أنّه يمكن أن يأمر بالوجوب الاستقلالي يمكن أن يأمر بالوجوب الضمني، كما إذا أمر بالإخفات أو الجهر في يوم الجمعة، وكما يمكن أن يكون أمره بمتعلّقات الأحكام يمكن أن يكون أمره ونهيه في موضوعات الأحكام.

والظاهر من الرواية هو الأمر والنهي الإرشادي، ولو كان الأمر والنهي في دوران الأمر بين المحذورين لم يحتج إلى السؤال - حيث أدرك السائل أنّه لايمكن الجمع بينهما - فطبعاً إمّا يكون تاركاً أو فاعلاً حتى يلقى من يخبره، والظاهر من قوله(عليه السلام): «فهو في سعة جعل الإمام (عليه السلام) السعة له، فهو في سعة عملية حتى يلقى من يخبره، ولا يمكنه الأخذ بأيّ من الأمر والنهي مُسنداً ذلك إلى الله، بل في سعة عملية بمعنى أنّه إذا أفتى أحدهما بالوجوب والآخر بعدم الوجوب يجري البراءة عن الوجوب، وإن أفتى أحدهما بوجوب شيء والآخر بوجوب شيء آخر فهو في سعة بمعنى أنّ له أن يأتي بهذا أو ذاك، ونتيجةً لذلك يكون له التخيير إلّا أنّ التخيير ليس تخييراً أخذيّاً حيث نهى الإمام(عليه السلام) عن ذلك بقوله(عليه السلام) : «يرجئه» فهو في سعة عملية، وهذا نوع من التخيير.

وفي وجه حكم الإمام(عليه السلام) بالسعة في قوله: «فهو في سعة» احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون الحكم بالسعة من أجل دوران الأمر بين المحذورين؛ إذ أحدهما يأمر به والآخر ينهى عنه، فيكون المراد بالسعة هو أصالة التخيير العقلي، وهذا ما فهمه بعض الاُصوليّين والمحدّثين، وعليه فلو حصل للمقلد دوران الأمر بين المحذورين، فلا إشكال في أنّ وظيفته التخيير.

إلّا أنّه يُناقش في هذا الاحتمال بأنّه لم يُفرض في الرواية أنّ من وصله الخبران المتعارضان أو من وصلته الفتويان المتخالفتان كان له العلم الإجمالي بالوجوب أو الحرمة، مضافاً إلى أن هذا الاستظهار مُبتن على أن يكون المراد من الأمر والنهي فيهما الأمر والنهي المولوي الإلزامي الاستقلالي، واستظهارُ ذلك من قوله: (أحدهما يأمره بأخذه والآخر ينهاه عنه) مشكلٌ، ولا سيما بملاحظة ما استظهرناه من أنّ الرواية ترتبط بالمفتيين؛ إذ إنّ أمر المفتي ونهيه ظاهر في الإرشادية، والأمر والنهي الإرشادي يُستعمل في الواجب الاستقلالي وفي الواجب الضمني ويستعمل في العبادات والمعاملات، فمثلاً يقال: أمرني بأكل السمك الذي لا فلس له ونهاني عنه، أو يقال: أمرني بالعقد بالفارسية ونهاني عنه. فإنّ الأمر والنهي يختلف مقتضاهما باختلاف الموارد، ولا شاهد في الرواية على اختصاص ذلك بدوران الأمر بين المحذورين.

مع أنه لو كان كذلك فإنّ عقل العامي يصل إلى أنّه مخير حتى يرى من يخبره، ولا حاجة إلى جعل السعة له من قبل الإمام(عليه السلام) ، وعليه فالسعة في الحديث لا تعني أصالة التخيير في دوران الأمر بين المحذورين، فلا صحة للاحتمال المذكور.

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد من الحكم بالسعة التخيير الأخذي، ويكون معناه أنّه في سعة بأيهما أخذ.

إلّا أنّ هذا الاحتمال لا يتلاءم مع قوله(عليه السلام) : «يرجئه»، فإنّ الظاهر منه عدم حجية أي منهما، مضافاً إلى أنّ الظاهر من السعة هو السعة العملية، وتقييده بالأخذ

يحتاج إلى مقيد مفقود والمراد من الإرجاء والسعة واحد، فالإرجاء هو التأخير في الأخذ، والسعة هي سعة في العمل. وهذا الاحتمال يكون مفيداً للتخيير الأخذي لو لم تكن فيه كلمة الإرجاء، ولذا قال الفيض وغيره بأنّه ليس له الإفتاء على طبق أيّ منهما، إلّا أنّه في سعة من حيث العمل.

الاحتمال الثالث: أن يكون المراد بالسعة السعة العملية في مرحلة تطبيق عمله على كل منهما.

وهذا الاحتمال مُثبت للقول بالتخيير بنحو ما غاية الأمر ربما يقال بأنّه ليس في الرواية دلالة على أنّه في سعة من جهة تطبيق العمل على كلّ منهما، إلّا أن يقال بأنّ الرواي قال في صدر كلامه : ( عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر کلاهما يرويه) وهذا في نفسه من مقرّبات العمل على وفق كلّ منهما، إلّا أنّه بما أنّ أحدهما يأمره بأخذه والآخر ينهاه عنه، ولا يمكنه العمل على وفق المقتضيين فلذا يسأل الإمام (عليه السلام) : (كيف يصنع)، فجواب الإمام(عليه السلام) بقوله: «فهو في سعة» يكون مرتبطاً بالسعة العملية والأخذ بأحدهما للعمل على وفقه، فيكون محصّل جواب الإمام(عليه السلام) أنّه في سعة من جهة الأخذ بكل منهما في مرحلة العمل. ولذا ذهب عدة من الفقهاء وشرّاح الأحاديث إلى أنّ الرواية من أدلة التخيير بينهما(1)، لا من أدلّة السعة المطلقة التي سيأتي ذكرها.

فظهر أنّ الرواية الشريفة على ما فسّرناها تدل على التخيير بين الفتويين بالمعنى الذي ذكرناه.


1) شرح أصول الكافي 330/12، أصول الفقه (للمظفر) 2/ 212، دروس في علم الاُصول 425/1

اللهم إلّا أن يقال: إنّ هذا التفسير موجب للتخيير التطبيقي في بعض الموارد لا في مطلق الموارد، فإنّه إن كان صادقاً بأنّ أحدهما يأمر بشيء والآخر ينهى عنه، سواء كان الأمر إرشادياً أم مولوياً، كما إذا أفتى أحدهما بصحّة معاملة وقال: إفعل، والآخر أفتى بعدم صحّتها وقال: لا تفعل، أو كُلِ السّمك الذي لا فلس له ولا تأكل السمك الذي لا فلس له، ففي مثل هذه الموارد يمكن الحكم بالتخيير بين الفتويين مستنداً إلى هذه الرواية مع هذا التفسير.

وأما إذا لم يصدق ذلك، كما إذا أمر أحدهما بعمل والآخر بعمل آخر، مثل ما إذا افتى أحدهما بوجوب القصر والآخر بوجوب الإتمام، ففي مثل هذا المورد لا يمكن الحكم بالتخيير، وذلك لأنّه وإن دلّ فتوى كل منهما بالملازمة على النهي عن الآخر، إلّا أنّ منطوق الرواية لا يشمل مثل هذا المورد ، بل يختص بما إذا كان أحدهما مقتضياً للفعل والآخر للترك بالمنطوق لا بالملازمة، ولكن احتمال الاختصاص بصورة الأمر والنهي بعيد، وإن حكمنا بجواز تطبيق أحد الفتويين، فإنّه لا يختص الحكم بما إذا كان المدلول المطابقي لأحدهما أمر والآخر نهي؛ إذ لا خصوصية لهذا المورد، بل الحكم مجعول من جهة اختلاف الفتويين، فتشمل الرواية ما إذا أمر أحدهما بشيء والآخر أمرَ بشيء آخر.

الاحتمال الرابع: أن يكون المراد من السعة هو السعة المطلقة، أي أنّه في سعة من كلا الحكمين، فترجع نتيجته إلى القواعد والاُصول، وفي بعض الموارد الأُصول تقتضي السعة وقد تقتضي الضيق، فإنّه لو فُرض إلغاء الأمر والنهي في العقد بالفارسية، كما إذا أمر أحدهما بالعقد بالفارسية والآخر نهى عنه، وفرضنا أنّ المراد بالسعة السعة المطلقة، فيحكم بأنّهما كأن لم يكونا، والأُصول حينئذ توجب الضيق؛ إذ لو عقد بالفارسية لم

يمكنه التصرف فيها انتقل منه ولا فيها انتقل إليه، أي: لا في الثمن ولا في المثمن، لأنّه يحتمل في كلّ منهما أن لا يكون داخلاً في ملكه.

إلّا أنّ هذا الاحتمال بعيد؛ إذ قوله(عليه السلام) : «فهو في سعة» المراد منه السعة العملية، وليس معنى السعة إلغاء الفتويين وتساقطهما.

الاحتمال الخامس: أن يكون المراد من السعة هو السعة العملية، أي أنّه إذا قال أحدهما بوجوب شيء والآخر بعدم وجوبه، فإنّ له أن لا يفعل، أو قال أحدهما بصحة معاملة والآخر بعدم صحتها، فإنّه يجوز له ترتيب آثار الصحة وهكذا، وهذا نظير أصالة الحل، إلا أنّه يبقى الكلام فيما إذا أفتى أحدهما بوجوب شيء والآخر بوجوب شيء آخر، حيث لا يتصور في هذا المورد سعة، والأُصول تقتضي الضيق، اللهم إلّا أن يقال بأن هذا المورد ليس من قبيل الأمر والنهي، وطبعاً ليس مشمولاً للرواية، وقاعدة الاشتغال تأتي غالباً فيما إذا أمر أحدهما بشيء والآخر بشيء آخر.

وهذا الاحتمال وإن كان قائماً في المقام، إلّا أنّ الاحتمال الثالث - وهو التطبيق العملي على رأي كلٍّ منهما - أظهر منه.

الوجه السابع: من وجوه التخيير هو ما يُستفاد من بعض كلمات المحقق الاصفهاني، فقد ذكر في كتاب الاجتهاد والتقليد ما يمكن أن يُستفاد منه أنّه هو الوجه للقول بالتخيير، حيث قال: (حجية فتوى المجتهد على المقلد إما من باب الطريقية أو من باب الموضوعية، فإن كان من باب الطريقية فالصحيح منها كون فتوى المجتهد منجّزةً للواقع على تقدير الإصابة ومعذّرة عنه على تقدير الخطأ، ومع فرض التعارض لا معنى لمنجزية كل منهما، لعدم احتمال الإصابة في كليهما، فالتعذير غير متحقق إلّا في إحداهما. لكن كون كلّ منهما معذّرة ومبرئة للذمة ومسقطة لعقاب الواقع لا مانع منه، بل لابدّ من القول به هنا، للإجماع وغيره على عدم تساقط الفتويين - إلى أن يقول - بل

قد مرّ منا سابقاً أنّ هذا المعنى بعد فرض معقوليته لا مانع من استفادته من نفس دليل الحجية، لأنّ التعارض يمنع عن تصديق دليل الحجية من حيث المنجزية في الطريقين للواقع حيث لا واقع في الاثنين، ولا يمنع عن تصديقه من حيث المعذرية لكل منهما وكونه مبرئاً للذمّة)(1).

ومحصّل هذا الوجه: أنّه لو أفتى أحد بوجوب القصر والآخر بوجوب الإتمام مثلاً، فهنا أدلة حجية رأي المفتي مرجعها إلى المنجّزية والمعذرية.

أما المنجزية في المثال فهي غير معقولة؛ إذ المفروض وجود فتوىً مخالفة معارضة ولا يمكن أن يكون كل منهما منجّزاً، نعم المنجّزية المعقولة هي منجزية إحداهما، ونحن نضيف بأنّ المعيّن منها ترجيح بلا مرجح، وغير المعيّن لا واقع له.

وأمّا المعذرية بمعنى أنّها مُبرئة للذمة ومسقطة لعقاب الواقع، فلا مانع منها لكل من الفتويين المتعارضتين - إذ لا منافاة بين معذّريّتهما - لأنّه يُحتمل أن تكون كلّ منهما مخالفة للواقع.

فمقتضى القاعدة حينئذ أنّ نجعل كليهما معذراً؛ إذ لا تنافي بينهما في هذه الجهة؛ لأنّا كنا نعلم إجمالاً بمخالفة أحدهما للواقع، لكن لم نكن نعلم بموافقة أحدهما له.

ويمكن القول في قبال هذا الوجه بأن الحجّية المجعولة للطرق إنّما تُجعل بلحاظ جهة كاشفيّتها، غاية الأمر تكون منجّزة في المورد المناسب، كما تكون معذّرة في مورد آخر بالمناسبة، فالمجعول هو حيثيّة الكاشفية، والتنجيز والتعذير من آثار الكاشفية وبحسب مناسبة المورد.


1) الاجتهاد والتقليد 148 - 149.

وعليه إذا عُلم بأنّ أحد الكاشفين - اللذين تكون مثبتاتها حجة - خطأ فلا يمكن أن يكون كلّ منهما منجّزاً؛ إذ لازم أحدهما عدم وجوب الإتمام ولازم الآخر عدم وجوب القصر، ولا يمكن التعبّد بالنقيضين فيتساقطان من جهة الكاشفية ولا تكون مثبتاتهما حجة، فلا وجه للتفكيك بين المنجّزية والمعذّرية.

ومع قطع النظر عن ذلك، وعلى فرض التسليم بأنّ المجعول هو المنجزية والمعذرية، فإنّ قوله(قدس سره الشریف) : (لا معنى لمنجزية كل منهما) من جهة أن التنجيز إنّما يكون بملاحظة إصابة الواقع، وبما أنّهما متعارضان فلا تنجيز في البين.

إلّا أنّ ترتّب التنجيز غير متوقف على إحراز اصابة الواقع، بل يكفي في ترتب التنجيز إحتمال إصابة الواقع، أي أنّه على تقدير الإصابة يكون منجّزاً، ولا ريب أنّ المقلّد يحتمل الإصابة في كلِّ منهما، ولكن واقع استحقاق العقوبة بحيث تكون مخالفته موجبة للعقوبة في المقام غير موجود.

وأمّا المعذّرية فلا يمكن المساعدة على ترتبها في المقام كما ذهب إليه المحقق؛ إذ لو علم إجمالاً بخطأ أحدهما فلا يكون أحدهما معذّراً ، كما أنّه يعلم بصواب أحدهما في المثال، فإنّه إمّا يجب القصر أو الاتمام وإمّا يجب الظهر أو الجمعة، فلا يمكن أن يكون كلاهما معذّراً؛ إذ المعذرية إنّما تكون على تقدير الخطأ، ومع العلم بصواب أحدهما كيف يكونا معذّريْن.

مضافاً إلى أنّ هذا لا يوجب التخيير في بعض الموارد، فلو أفتى أحدهما بوجوب شيء والآخر بعدم وجوبه، فهنا لا يمكن القول بأنه لا معنى لمنجّزيّتهما ولا مانع من معذّريّتها؛ إذ الوجوب يُعقل أن يكون منجّزاً في صورة إصابته للواقع، وأمّا منجّزية من يقول بعدم الوجوب فهو أمر غير معقول؛ إذ غير الواجب لا تنجيز له، وإنّما يتصور في حقّه التعذير، وبما أنّ الجمع بين المنجّز والمعذّر لا يمكن - أي: لا يمكن أن

يكون هذا الشيء منجّزاً ومع ذلك يكون معذّراً - فيتساقطان، وليست نتيجةُ ذلك التخيير كما ذهب اليه المحقق.

هذا تمام الكلام في الوجوه التي استدل بها على التخيير، الأخذيّ منه أو التطبيقي، وظهر أنّ أحسن الوجوه للاستدلال هو موثقة سماعة.

الاحتمال الثاني: الاحتياط

وهذا الاحتمال يأتي فيما إذا لم تتم أدلة التخيير، فلابد من الاحتياط وهو الأخذ بأحوط القولين، وهذا ما ذهب إليه بعض الأكابر ، فقد ذكره السيّد الخوئي في تعليقته على العروة الوثقى(1)، وفي قبال هذا الاحتمال هناك احتمالان آخران، وهما: الاحتياط المطلق، وإجراء الأُصول المرخّصة فيها إذا لم يكن مانع من اجرائها.

وقبل الشروع في البحث لابدّ من القول بأنّ التعبير بالأخذ بأحوط القولين فيه مسامحة، والأنسب أن يُعبّر بالأخذ بالأحوط بين القولين أو الأحوط النسبي؛ إذ مراده من هذا التعبير لزوم الاحتياط في موردين:

المورد الأوّل: ما إذا أفتى أحدهما بالوجوب، والآخر بعدم الوجوب، فهنا يمكن القول بأن الأحوط هو الوجوب.

المورد الثاني: ما إذا أفتى أحدهما بوجوب شيء والآخر بوجوب شيء آخر، كما إذا أفتى أحدهما بوجوب القصر والآخر بوجوب الإتمام، فهنا لا يكون أحدهما أحوط بالنسبة إلى الآخر، ومراده من الأخذ بأحوط القولين هو الأخذ بالاحتياط بين


1) كتاب الحج (السيّد الخوئي): 334/1 هذا ولم نر مَنْ كتب تقريرات بحثه أنّه تصدى لهذا وأنّه ما وجه ذلك.

القولين، فلا بدّ أن يأخذ بالوجوب في المورد الأوّل، وبالوجوبين في المورد الثاني. فالمراد هو الاحتياط النسبي في قبال الاحتياط المطلق.

وتجدر الإشارة إلى أنّ البحث إنّما يقع فيما إذا لم يكن للمقلّد علم اجمالي بصحّة أحد القولين، فإنّه لو كان له علم إجمالي خارجي بصحة أحد القولين، فلا إشكال في لزوم الأخذ بهما في المورد الثاني، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة، فإنّ هذا العلم سبب ومنجّز للاتيان بكليهما، أمّا إذا كان له علم اجمالي وكانت دائرته أوسع من الفتويين، كما إذا أفتى أحدهما بذبح شاة والآخر بذبح بقرة، وكان في المسألة قول آخر وهو نحر الابل، فلا يقتضي العلم الإجمالي الاحتياط بين القولين، ولابدّ من التماس دليل آخر للاحتياط، كما أنّ العلم الإجمالي لا يقتضي الاحتياط فيما إذا أفتى أحدهما بالوجوب والآخر بالاستحباب أو الجواز.

فظهر أنّه لو كان للمقلّد علم إجمالي خارجي بصحّة أحد القولين فهو خارج عن محلّ البحث، وفي حكم هذه الصورة ما إذا نفى كلّ منهما الثالث، كما إذا أفتى كلّ منهما بوجوب صلاة تتّصفُ بخصوصيات معيّنة، إلّا أنّ أحدهما يقول بأنّ الأقوى هي الجمعة والآخر يقول إنّ الأقوى هي الظهر، فإنّ إفتاء هما بوجوب صلاة متّصفة بخصوصيات في قوة العلم الإجمالي للمقلّد، وذلك لأنّ الحجة الإجمالية كالعلم الإجمالي، ففي المورد الثاني يجب الاحتياط، حيث أفتيا بوجوب صلاة متصفة بخصوصيات، إلّا أنّ هذا الاحتياط مستند إلى الحجّة الإجمالية وإفتائهما بذلك.

وبعد ما ظهر خروج مورد العلم الإجمالي وما في حكمه من الحجة الإجمالية من البحث، يقع الكلام في جهتين:

الجهة الاُولى: في أنّه هل يكون هناك مانع من جريان الأصل المرخّص في المقام أو لا - مع قطع النظر عن بعض المباني التي توجب الاحتياط من جهة نفس الفتويين -

أي أنّ الموانع التي ذكروها لإجراء الأُصول المرخّصة قبل الفحص هل توجب الاحتياط في المقام أو لا؟ فإنْ قلنا بأنّ الموانع موجودة وتامة فإنّها تقتضی الاحتياط المطلق في مورد الاختلاف بين المجتهدين.

والموانع من إجراء الأُصول المرخّصة قبل الفحص هي أمور أربعة:

الأمر الأوّل: العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة، وهذا العلم الإجمالي يكون مانعاً من إجراء الأصل المرخّص قبل الفحص. الأمر الثاني: احتمال وجود أحكام إلزامية، فإنّ احتمال ذلك قبل الفحص منجّز عقلائي.

الأمر الثالث: أدلّة لزوم التعلّم، فإنّ هذه الأدلة تنجّز الحجج الواقعية أو الأحكام.

الأمر الرابع: وجود حجج في معرض الوصول، فإنّ هذه الحجج تتنجّز إما باحتمال التكليف أو بأدلة التعلّم.

ومن الواضح أنّه لو قلنا باقتضاء الأمور الأربعة للاحتياط فإنّها تقتضي الاحتياط بالنسبة إلى كلا الموردين ومجرّد احتمال الوجوب يكون كافياً للزوم

الاحتياط في الموردين.

ويمكن المناقشة في جميع الأمور المتقدمة:

أمّا الأمر الأول، فلأنّ العلم الإجمالي الذي يحصل للمقلد بوجود أحكام إلزامية لا يكون مانعاً من إجراء الأُصول المرخّصة في المقام، فإنّه وإن كان هذا العلم الإجمالي مانعاً من الأُصول المرخّصة في دليل الانسداد وأشباهه، إلّا أنّ هذا العلم الإجمالي لا يكون مانعاً في المقام، وذلك لكثرة موارد توافق المجتهدين في الأحكام الإلزامية، كما قد يكون بينهما اختلاف في هذه الأحكام، وبما أنّ موارد اتّفاقهما كثيرة في

الأحكام الإلزامية وليس عدد المعلوم بالإجمال بأكثر من موارد الاتفاق، بل أقلّ منها، فينحل العلم الإجمالي ولا يكون له أثر، فإنّه لو قامت الحجّة على العدد المعلوم بالإجمال يسقط العلم الإجمالي حكماً، كما إذا علم بنجاسة إناءين من هذه العشرة، وقامت البينة بنجاسة إناءين معيّنين منها.

نعم إذا فرضنا أنّ شخصاً لاحظ موارد اختلاف المجتهدين في الحكم الإلزامي واستثنى منه موارد العلم الإجمالي الخاص على صحة أحد القولين أو الحجة الإجمالية - على ما سبق - يتحقق له علم إجمالي - ولم تكن الشبهة من قبيل شبهة القليل في الكثير المعبر عنها بالشبهة غير المحصورة - فإنّه لابدّ له من الاحتياط، إلّا أنّ هذا غير التمسك بالعلم الإجمالي الكبير، ولا يحصل لجميع الأفراد، ولا سيما بعد إخراج موارد العلم الإجمالي والحجة الإجمالية التي توجب الاحتياط.

وأمّا الأمر الثاني وهو الاحتياط قبل الفحص بتقريب أنّا نعلم بالعلم التفصيلي الاختلاف بينهما، فوجود قولهما كأنّه لم يكن، وليس قول أيّ منهما بحجة في موارد الاختلاف، وبما أنّا لم نفحص في الأدلة فإنّه يكون الاحتمال قبل الفحص منجّزاً.

فهو غير صحيح أيضاً، وذلك لأنّ وزان الفتويين المتعارضتين وزان الخبرين المتعارضين بالنسبة إلى المجتهد، فكما لانقول في الخبرين المتعارضين المتساقطين بأنّ الاحتمال قبل الفحص مانع من إجراء الأصول المرخصة - إذ لم يقل أحد بذلك - كذلك لا يمكن القول بأن الاحتمال هنا منجّز؛ لأنّ الفحص الذي هو وظيفة المقلد قد تحقق بفحصه لفتوى المجتهدَيْن، وقولهما دليل بالنسبة إليه، ففي موارد التوافق بينهما يقوم الدليل بالنسبة إليه، وفي موارد الاختلاف يتعارضان ويتساقطان، فما هو المانع من إجراء الأُصول المرخّصة؟

وأمّا الأمر الثالث وهو أدلة وجوب التعلم، بناءً على أنّها منجّزة للحجج المرتبطة بالأحكام الإلزامية، فيجب على المقلّد أن يراجع الحجج المرتبطة بالأحكام الإلزامية، ولا يمكنه إجراء الأُصول المرخّصة بسبب هذه الأدلة.

وهذا غير صحيح أيضاً؛ إذ المفروض أنّه لا يمكن له تعلّم تلك الحجج بلا واسطة، نعم يمكنه التعلم مع الواسطة، وهو الرجوع إلى الفقيه، وقد تعلّم مؤدّيات تلك الحجج بسبب فتاويهما المتفق عليها، ولا يمكنه التعلّم في موارد الاختلاف؛ إذ المفروض أنّ طريق الوصول إلى تلك الحجج منحصر بالنسبة إليه على المجتهديْن المتساوييْن.

وأمّا الأمر الرابع وهو الحجج التي هي في معرض الوصول، فمع قطع النظر عن أنّ الاحتمال قبل الفحص لا يكون موجباً للاحتياط في المقام، فهذا أيضاً لا يوجب الاحتياط؛ إذ إنّ هذا القسم من الحجج ليس في معرض الوصول بالنسبة إليه؛ لأنّ طريق وصولها بالنسبة إليه منحصر بقول المجتهدَيْن، والمفروض أنّهما متعارضان فيتساقطان، وعليه فإنّ هذه الاُمور لا تكون مانعة من إجراء الأُصول المرخّصة في المقام، حتى يقال بوجوب الاحتياط من أجلها.

الجهة الثانية: في أنّه هل يمكن إثبات لزوم الاحتياط في الفتويين بالتمسك بالمباني التي تقدمت في مبحث تعارض الأدلّة الشرعية، وإنّما ذُكرت هذه المباني هناك من أجل نفي الثالث، وقد ناقشنا فيها في ذلك المبحث، وبيّنا ضعفها وأنّه لا يمكن التمسك بها لنفي الثالث في الخبرين المتعارضين، إلّا أنّه ربما يتوهّم أنّ بعض تلك المباني تقتضي الاحتياط بين القولين، فلذا نتعرض لها حتّى نرى ماذا تقتضي على فرض تماميتها، فهل تقتضي الاحتياط بين القولين في الموردين أو في المورد الثاني فقط؟ فقد أنّ الاحتياط بين القولين يكون في موردين:

أحدهما: أن يكون أحد الحكمين مشتملاً على الحكم التضييقي والآخر على التوسعة، كأن يفتي أحدهما بالوجوب والآخر بالاباحة، أو يُفتي أحد بجزئيّة شيء أو شرطية شيء، والآخر يُفتي بعدم جزئيّته أو شرطيّته، وهكذا بالنسبة إلى العقود والإيقاعات.

ثانيهما: أن يكون كلّ منهما مشتملاً على حكم، كما لو قال أحدهما بوجوب القصر والآخر بوجوب الإتمام، ولم يكن للمقلّد علم إجمالي خارجي بوجوب أحدهما، وإلّا لخرج عن مورد البحث.

ولنتعرض إلى تلك المباني لنرى - على فرض صحتها - هل تقتضي الاحتياط بين القولين في كلا الموردين أو في المورد الثاني فقط؟

المبنى الأوّل: ما ذهب إليه المحقّق الخراساني من أنّ مقتضى الأصل في المتعارضين حجية أحدهما الانتزاعي(1)، وهذا المبنى على فرض صحّته وتماميّته إنّما يقتضي الاحتياط في المورد الثاني فقط؛ إذ المفروض أنّ كليهما تنجيزي.

وأمّا إذا كان أحدهما على نحو التوسعة والآخر على نحو التضييق، كما إذا قال أحدهما بالوجوب والآخر بالإباحة أو الاستحباب، فهذا المبنى لا يقتضي- الاحتياط ؛ لعدم ترتّب الأثر على حجية أحدهما، وهذا نظير العلم الإجمالي بالوجوب أو الإباحة، فكما لا أثر لهذا العلم الإجمالي، كذلك لا أثر لمثل هاتين الفتويين.

المبنى الثاني: التفسير الذي نحن ذكرناه لكلام المحقق الخراساني من أنّ كلّ واحد منهما حجة بشرط أن لا يكون هو المخالف للواقع؛ إذ المفروض أن العلم الإجمالي يقول بمخالفة أحدهما للواقع.


1) انظر كفاية الاصول: 439، 440، 449.

وهذا أيضاً يقتضي الاحتياط في المورد الثاني وفيما إذا قال أحدهما بوجوب شيء والآخر بوجوب شيء آخر؛ إذ هذا من اشتباه الحجّة باللاحجة، وفي اشتباه الحجة باللاحجة إنما يترتب الأثر فيما إذا كانا تنجيزيين ، أي لابدّ من إتيانهما أو تركهما، وأمّا إذا كان أحدهما تنجيزيّاً والآخر غير تنجيزي، كما إذا قال أحدهما بالوجوب والآخر بالإباحة، فهنا لايترتب أثر على اشتباه الحجة باللاحجة؛ إذ الحجية بالنسبة لأحدهما على نحو المعذّرية وبالنسبة للآخر على نحو المنجّزية، واشتباه حجة المعذّر بحجة المنجّز لا أثر له، ونتيجةً لذلك لا يحصل العلم بالتنجيز.

المبنى الثالث: أن يكون كلّ منهما حجة بشرط أن يكون الآخر مخالفاً للواقع، والكلام في هذا المبنى هو الكلام في المبنى الثاني، إذ بما أنّه يعلم بأنّ أحدهما مخالف للواقع فنتيجة ذلك يكون أحدهما حجة، فلو كان كلاهما إلزاميّين فإنّه يترتب الأثر، وأمّا إذا كان أحدهما إلزامياً والآخر غير إلزامي فلا يترتّب الأثر.

المبنى الرابع: ما سلكه المحقّق النائيني، وهو أنّا ننفي الثالث بالدلالة الالتزامية في الحدود التي لا يكون تناف بينهما في المدلول المطابقي(1)، وهذا المبنى لا ينتج إلّا ما ذكرنا في المباني السابقة، أي: أنّه على فرض التمامية يقتضي الاحتياط فيما إذا كانا إلزاميّين، وأمّا إذا كان أحدهما إلزامياً والآخر غير إلزاميّ فلا يجب الاحتياط.

وتوضيح ذلك: أنّ من يقول بذبح الشاة مثلاً يقول بعدم وجوب ذبح البقرة وبعدم وجوب نحر الإبل، ومن يقول بوجوب ذبح البقرة يقول بعدم وجوب ذبح الشاة ونحر الإبل، وهما يتساقطان في مورد التنافي، وأمّا الدلالة الالتزامية فيما وراء حدود التنافي فهي حجّة على هذا المبنى، فبما أنّهما يدلان على نفي الثالث، فلازمه أن


1) فوائد الأُصول: 4/ 755.

يكون أحدهما مطابقاً للواقع، كما إذا قامت البينة على أن الدار لزيد، وقامت البينة على أنّها لعمرو، فإنّ كلّاً منهما ينفي أن يكون لغير عمرو وزيد بالدلالة الالتزامية، وهما يتساقطان في مدلولهما المطابقي من جهة التنافي ، فقولهما حجة بالنسبة إلى سائر الأفراد، وأنّه ليس لغيرهما، ولازم عدم كونها لغيرهما أن تكون لأحدهما، فهذا في قوة العلم الإجمالي بصحة أحدهما، وفي المقام، فيما إذا كان كلاهما إلزاميّين تكون النتيجة لزوم الاحتياط.

وأمّا إذا قال أحدهما بالوجوب والآخر بعدم الوجوب فصحّة أحدهما لا توجب الاحتياط.

فظهر أنّ جميع هذه المباني على فرض تماميّتها توجب الاحتياط فيما إذا كانا إلزاميّين، وأمّا إذا لم يكونا كذلك بأن يكون أحدهما إلزامياً والآخر غير إلزامي، فلا يجب الاحتياط بالاستناد إلى هذه المباني، ونحن قد ناقشنا في ما ذهب إليه المحقق النائيني بوجوه في مبحث تعارض الأدلة الشرعية، إلّا أنّه ربما يقال بأن من وجوه المناقشة هناك أنّه ليس الخبر ناظراً إلى الخبر الآخر ولذا لا يُنفى بهما الثالث، وأمّا في المقام - أي : الفتويين - فكل منهما ناظر إلى نفي الآخر ونفي غيره؛ إذ حينما يكتب المجتهد في رسالته العملية بأنّه يجب ذبح الشاة، فإنّه ناظر إلى أنه لا يجب ذبح البقر ولا يجب نحر الإبل، وهكذا المفتي الآخر حينما يُفتي بوجوب ذبح البقر، فهو ناظر إلى عدم وجوب ذبح الشاة ونحر الإبل، وأوضح من ذلك أنّه قد يكتب بأنّ في المسألة وجوهاً أحسنها الأخير، أو أوسطها الوسط ، وعليه فيدلان بالدلالة الالتزامية على نفي الثالث في المقام ولازم ذلك صحة قول أحدهما فيجب الاحتياط.

إلّا أنّه يقال بأنّ لوازم المخبَر به وإن كانت حجّة بحسب الميثاق العقلائي، إلّا أنّه يشترط أن يكون اللازم لازم كلامه وليس لازم كلامه وكلام الغير، فحينما يقول

بوجوب ذبح الشاة، فإنّ لازمه عدم وجوب ذبح البقر ونحر الإبل، وهذا حجّة، وهكذا الآخر، ونفيُ الثالث إنّما يكون بلازم جزء مدلولها الالتزامي، ولازم ذلك صحة قول أحدهما، فلا يمكن الإشكال علينا بأنّه يجب الاحتياط على ما سلكتم فيما إذا كانا إلزاميّين فكيف ذهبتم إلى التخيير مطلقاً؟

فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا وجه للقول بأخذ أحوط القولين في المجتهدين المتساويين؛ إذ مضافاً إلى عدم تمامية هذه المباني عند القائل بوجوب الأخذ بأحوط القولين، فإنّ أدلة الاحتياط المطلق لا تشمل المقام، وعلى فرض شمولها و تماميّتها تكون النتيجة هي الحكم بلزوم الاحتياط المطلق إن أمكن، وإلّا فله التبعيض في الاحتياط ولا وجه لاختصاص التبعيض في الاحتياط بقولهما، بل لابدّ له من التبعيض في الاحتياط بالنسبة إلى قولهما وقول غيرهما.

فالحقّ في المسألة هو التخيير فيما إذا أمر أحدهما بشيء والآخر يكون نافياً، إلّا أنّا قد وسّعنا دائرة المُثبت والنافي بما يشمل الأوامر الاستقلالية والضمنية والارشادية، كما إذا أمر أحدهما بالإتمام والآخر بالقصر، هذا إذا لم يكن للمقلد علم إجمالي أو حجة إجمالية، فإنّ شمول الموثقة - التي هي عمدة أدلة التخيير - لمورد العلم الإجمالي أو الحجة الإجمالية محلّ تأمّل؛ إذ الرواية واردة فيما إذا أمرَ أحدهما بشيء والآخر ينهى عنه، وإما إذا أمر أحدهما بشيء والآخر بشيء آخر ، فلم يُذكر في الرواية، ولم يأمر الإمام بالسعة فيه، وأقوال القوم لا تشمل موارد العلم الإجمالي، فيحكم في المجتهديْن المتساوييْن بالتخيير في مرحلة التطبيق العملي مطلقاً، إلّا إذا كان للمقلّد علم أو حجة إجمالية، كما إذا علم إمّا بوجوب القصر أو الإتمام، فيجب على المقلد الاحتياط من جهة العلم الإجمالي.

هذا تمام الكلام في المسألة الاُولى.

المسألة الثانية: وظيفة المقلد في صورة وجود مزية لأحد المجتهدين

اشارة

تقدم في مختلف الطرق المتعارضة فيما لو كان لأحد المجتهدين مزية بحيث توجب صرف الريبة من أحدهما إلى الآخر، فإنّ مقتضى القاعدة هي حجّية قول صاحب المزيّة، ومن المزايا والمرجحات المذكورة: الأعلمية، وفيها أقوال ثلاثة:

القول الأوّل: إنّ الاعلمية مرجح عند التعارض.

القول الثاني: عدم مرجحية الأعلمية عند التعارض

القول الثالث: إنّ من شرائط حجية الفتوى عدم وجود فتوى من هو أعلم منه، أي أنّه لا تكون فتوى غير الأعلم حجة ما دام هناك فتوى للأعلم، سواء كان قول غير الأعلم موافقاً أم مخالفاً(1).

حجية الفتوى مشروطة بعدم وجود فتوى الأعلم

ونحن نقدم البحث عن القول الثالث والكلام في أنّه هل لهذا القول دليل أو لا؟

فنقول بأنّ عمدة الأدلة الدالة على حجية رأي المجتهد دليلان

الأوّل: السيرة العقلائية.

الثاني: إرجاع الأئمة(عليهم السلام) إلى الرواة.

أما السيرة، فالظاهر أنّه لا يكون قول غير الأعلم بلا قيمة حتى في صورة التوافق مع الأعلم، وذلك لأنّهم يرجعون إلى أهل الخبرة وإن علموا بأنّه مفضول وفي البين من هو أفضل منه إذا لم يعلم بالخلاف، فالرجوع إليه وقبوله للرجوع هاهنا لا


1) وقد ذكر الطباطبائي هذه المسألة واحتاط فيها احتياطاً وجوبياً حيث قال: (الأحوط عدم تقليد المفضول حتى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الافضل) (العروة الوثقی 8/1).

إشكال فيه، فإنّه لو كان في البلد أطباء، وجاء طبيب أعلم وأرقى منهم، فليس وظيفتهم ترك الأطباء السابقين كما ليس من وظيفة الأطباء أن يغلقوا عياداتهم بوجه الناس، بل لو فعلوا ذلك لحكم عليهم بالسفاهة.

ومورد البحث فعلاً في صورة عدم العلم بالخلاف، وأمّا البحث في صورة العلم بالخلاف فسيأتي إن شاء الله .

وامّا الروايات الدالة على إرجاع الأئمة(عليهم السلام) إلى أفراد، فإنّها لا تدلّ على أنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم، بل ربما كان في البين من هو أفقه إلّا أنّه أرجعه الإمام(عليه السلام) من أجل أنّ ذلك الفقيه كان من أهل بلده، أو قريب من بلده.

إلا أنه قد استدلّ لعدم جواز الإفتاء لغير الأعلم مع وجود الأعلم بأدلة:

منها: الإجماع، فقد نُسب إلى السيد المرتضى في الذريعة وإلى المحقق الثاني في حاشيته على جهاد الشرائع ادّعاء الإجماع بأن فتوى المفضول ليست بحجة مع وجود الأعلم، فقد قال النجفي: (وأغرب من ذلك الاستناد إلى الاجماع المحكي عن المرتضى في ظاهر الذريعة والمحقق الثاني في صريح حواشي الجهاد من الشرائع على وجوب الترافع ابتداءً إلى الأفضل وتقليده)(1).

وقال السيد الحكيم(قدس سره الشریف) : (كما هو المشهور بين الأصحاب، بل عن المحقق الثاني الإجماع عليه، وعن ظاهر السيد في الذريعة كونه من المسلّمات عند الشيعة)(2)، وقد قال صاحب الجواهر في مقام الرد: (على أنّه لم نتحقق الإجماع عن المحقق الثاني)(3).


1) جواهر الكلام 45/40 .

2) مستمسك العروة: 26/1 .

3) جواهر الكلام 45/40 .

وبما أنّه ليس لدينا حاشيته على الشرائع فلا يمكن لنا نفيه أو إثباته. وأمّا الذريعة فليس فيها اجماع، فقد قال السيّد المرتضى في الذريعة: (ولا شبهة في أنّ هذه الصفات إذا كانت ليست عند المستفتي إلّا لعالم واحد في البلد لزمه استفتاؤه تعييناً وإن كانت لجماعة هم متساوون كان مخيراً، وإن كان بعضهم عنده أعلم من بعض وأورع أو أدين، فقد اختلفوا فيه، فمنهم من جعله مخيّراً، ومنهم من أوجب أن يستفتي المقدّم في العلم والدين، وهو أولى؛ لأنّ الثقة به أقرب وأوكد، والأُصول كلها شاهدة على ذلك)(1).

والظاهر أنّ السيّد المرتضى لم يدّعِ الإجماع، بل نقل الخلاف فيما إذا كان بعضهم أعلم وأورع، لا الاعلمية فقط، ومن لاحظ عبارة المحقق في المعارج ولاحظ المعالم يعرف بأن ضمّ الأورعيّة إلى الأعلمية له خصوصية، والسيد المرتضى في هذه العبارة يقول بأنّ الاستفتاء من الأعلم الأورع أولى وأنسب مع الأُصول، وحيث إن صاحب الجواهر لم يراجع الذريعة أجاب عنه بأنّ: (اجماع المرتضى مبنيّ على مسألة تقليد المفضول في الإمامة العظمى مع وجود الأفضل، وهو غير ما نحن فيه)(2).

ويمكن القول بأنّ كلام السيد المرتضى إنّما هو في صورة العلم بالاختلاف وإن لم يصرّح هو بذلك في كلامه، والشاهد على ذلك أنّه ذكرت مثل هذه العبارة في كلمات المتأخّرين كالمحقق الثاني وصاحب المعالم وقد صرّحوا بأنّ الأعلمية إنّما تُشترط في صورة العلم بالخلاف.


1) الذريعة إلى اصول الشريعة 801/2

2) جواهر الكلام 45/40 - 46 .

ومنها: عهد أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى مالك الأشتر، ففي نهج البلاغة: «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممن لا تضيق به الاُمور»(1)بتقريب أنّ الرواية وإن كانت واردة في القاضي، إلّا أنّه إذا كانت الأعلمية شرطاً في القاضي فتكون شرطاً في المجتهد بالأولوية.

ولكن الظاهر من الرواية أنّه ليس المراد من الأفضلية: الأعلمية، بل المراد من هو أكثر فضلاً من جهة الاُمور النفسانية، وقد أوضح الإمام(عليه السلام) ذلك بقوله: «ممن لا تضیق به الاُمور ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة»(2).

وقد نقل النعمان هذه الرواية في دعائم الاسلام -على ما في المستدرك - بلفظ آخر: «فاختر للقضاء بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك وأجْمعهم للعلم والحلم والورع، ممن لا تضيق به الاُمور»(3).

فربما يتوهم من هذا النقل أنّه يُشترط الأعلمية، إلّا أنّ هذا التوهّم في غير محله، فإنّ المراد أن يكون جامعاً لهذه الثلاثة بحيث لا يكون في الناس من هو مثله في الجامعية لهذه الاُمور الثلاثة.

وبعبارة اُخرى: إختر للقضاء من يكون أكثر معدّلاً لهذه الاُمور الثلاثة، لا أن يكون معدّله في كل واحد منها أكثر من غيره.

مضافاً إلى أنّ كتاب دعائم الاسلام هو للقاضي نعمان الإسماعيلي، ولا اعتبار به وإنْ قيل بأنّه من الإمامية.


1) نهج البلاغة ( تحقيق صالح ) : 434، خطب الامام(عليه السلام)

2) المصدر نفسه.

3) مستدرك الوسائل 151/13.

وعهده(عليه السلام) إلى مالك الأشتر في نهج البلاغة لا يمكن رميه بالإرسال، وذلك لأن الشيخ الطوسي له سند معتبر في الفهرست إلى أصبغ بن نباته بالنسبة إلى عهده(عليه السلام) لمالك الأشتر(1)، فخصوص هذه الرواية معتبرة سنداً.

ومنها: ما ورد في نهج البلاغة أيضاً: «إنّ أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به، ثم تلا إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النّبِي وَالَّذِينَ آمَنُوا(2).

والظاهر أن الصحيح (أعملهم ) لا (أعلمهم) كما ذكر ذلك ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة(3)، وذلك بمناسبة أنّ أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه، وكذا بمناسبة قول أمير المؤمنين(عليه السلام): ( إنّ وليّ محمّد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من أطاع الله وإن بَعُدت لحُمته، وإنّ عدوّ محمّد (صلّی الله علیه وآله وسلّم) مَن عصى الله وإن قربت لحمته»(4).

مضافاً إلى أنّ هذا مبتن على أن يكون هذا من باب إيكال منصب الفتوى من ناحية الائمة(عليهم السلام) ، وأمّا إذا قلنا بأنّ الرجوع إلى المجتهدين من باب الرجوع إلى أهل الخبرة فلا تكون الأعلمية شرطاً.

ومنها: ما في عيون المعجزات، والحديث طويل: (لمّا قُبض الرضا(عليه السلام)كان سنّ أبي جعفر(عليه السلام) نحو سبع سنين - إلى أن يقول - وقالوا إنّ عمّك عبد الله أفتى بكيت وكيت، فقال الإمام الجواد(عليه السلام) : لا إله الله يا عمّ ! عظيم عند الله أن تقف غداً بين يديه


1) الفهرست 85

2) نهج البلاغة (تحقيق صالح): 484 .

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18/ 252.

4) نهج البلاغة (تحقيق صالح): 484 .

فيقول لك: لم تفتي في عبادي بما لم تعلم وفي الأُمة من هو أعلم منك)(1)بتقريب أنّ الرواية تدل على أمرين:

الأوّل: عدم جواز الإفتاء عن غير علم.

والثاني: عدم جواز الإفتاء مع وجود الأعلم.

إلّا أنّ هذه الرواية مخدوشة من جهات:

الجهة الاُولى: أنّ هذا الكتاب مجهولُ المؤلّف، فقد ذكر المحدّث النوري أنّه نسب بعضٌ هذا الكتابَ إلى السيد المرتضى كالسيد هاشم البحراني(2)، واحتمله الشيخ المجلسي في البحار، واستظهر هو نفسه بأنْ يكون الكتاب للشيخ الجليل حسين بن عبد الوهاب الذي كان معاصراً للسيدين، وقد صرّح في مواضع من هذا الكتاب بأنّه مؤلّفه(3)، وفي الكتاب شواهد على أنّه ليس للسيد المرتضى؛ إذ ذكر فيه روايات لا توافق مسلك السيد المرتضى.

فالكتاب إما مجهول المؤلف أو هو للشيخ عبد الوهاب، كما احتمله المحدث النوري ونعته بالشيخ الجليل، إلّا أنّا لا نعرفه، لعدم وجود ترجمة له.

الجهة الثانية: أنّ نفس هذه الرواية منقولة في الاختصاص المنسوب إلى المفيد- على ما في البحار - عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال لعمّه عبدالله


1) عيون المعجزات 109 ، بحار الأنوار: 50/ 99 - 100 .

2) انظر: مستدرك الوسائل 2523 ، 296/8 ، خاتمة المستدرك 166/1 ، مدينة المعاجز 41/1

3) انظر: بحار الأنوار 90/60

بن موسى: (اتّقِ الله اتّقِ الله إنّه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي الله عز وجل فيقول لك لِمَ أفتيت الناس بما لا تعلم؟)(1)، وليس فيه جملة: (ومن هو أعلم منك).

هذا مع قطع النظر عما نقل عن المناقب - على ما في البحار(2)- ما يشبه هذه الرواية عن الجلاء والشفاء، وليس فيه أيّ من الجملتين، بل الإمام (عليه السلام) أجاب بجواب، ويُحتمل أن تكون هذه الرواية ملخّصة.

الجهة الثالثة: أنّه مع الغض عما ذكر وعن إرسال الرواية، فإنّ معنى الرواية: لِمَ تُفتي بما لا تعلم وفي الاُمّة عالم؛ إذ أفعل التفضيل قد يأتي ويُستعمل في أصل تقوّم المبدأ بالذات، لا للأفضلية، وذلك لمناسبة المقام، إذ المفروض أنّه أفتى بغير علم.

ومنها: ما في البحار نقلاً عن الاختصاص المنسوب إلى المفيد بلا سند قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): «من تعلم علماً ليُماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء، أو يصرف به الناس إلى نفسه يقول: أنا رئيسكم، فليتبوأ مقعده من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلاّ لأهلها، فمن دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة»(3).

ومحلّ الشاهد هو قوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): (فمن دعا الناس...)، وهذه الجملة منقولة من تحف العقول- على ما في البحار ، قال(عليه السلام) : «من دعى الناس إلى نفسه وفيهم من هو


1) بحار الأنوار: 50/ 85.

2) المصدر نفسه 90 - 91.

3) المصدر السابق: 2/ 110.

اعلم منه فهو مبتدع ضال»(1)، وفي فقه الرضا(عليه السلام) - على ما في المستدرك: « وأروي من دعا الناس إلى نفسه ...»(2).

ويمكن أن تناقش هذه الرواية بعدة مناقشات:

المناقشة الأولى: أنّ الرواية كما تقدم مذكورة في مصادر ثلاثة، وليس لها سند في أحد تلك المصادر ، مضافاً إلى أنّ الاختصاص غير ثابت كونه للمفيد، وتحف العقول مجهول المؤلف، وفقه الرضا(عليه السلام) ملحق بهما .

المناقشة الثانية : الظاهر أنّ الرواية مرتبطة بالزعامة والرئاسة، لا بالإفتاء، فمن الممكن أن تكون الأعلمية شرطاً للزعامة والرئاسة، والشاهد على ذلك وجود روايات مشابهة لهذه الرواية، والأمر فيها واضح، وأنّ هذا الشرط يرتبط بالزعامة، ففي كتاب الغيبة للنعماني - على ما في المستدرك - عن الإمام الصادق(عليه السلام) : «من خرج يدعو الناس وفيهم من هو أفضل منه فهو ضال مبتدع، ومن ادّعى الإمامة وهو ليس بإمام فهو كافر»(3).

وفي المستدرك أيضاً، عن العياشي عن الإمام الصادق(عليه السلام) عن أبيه : قال: «من ضرب الناس بسيفه ودعاهم الى نفسه، وفي المسلمين من هو أعلم منه، فهو ضالّ متكلف» قاله لعمرو بن عبيد حيث سأله أن يبايع عبد الله بن الحسن(4).

وفي المستدرك أيضاً نقلاً عن كتاب البرهان(5)، نظير هذه الروايات.


1) المصدر نفسه: 2/ 308

2) مستدرك الوسائل: 11/ 29 - 30.

3) مستدرك الوسائل : 29/11 .

4) مستدرك الوسائل: 29/11 .

5) المصدر نفسه: 30

فظهر أنّ الاستدلال بهذه الرواية في غاية الضعف، كما أنّ القول باشتراط الأعلميّة بحيث لا يكون قول غير الأعلم حجة، مع وجود الأعلم ضعيف جداً، ولا وجه للاحتياط الوجوبي، كما ذهب إليه السيد الطباطبائي في العروة.

الترجيح بالأعلمية

أما القول الأول وهو الترجيح بالأعلمية عند التعارض فهو محل خلاف بين القوم، وقد أشرنا إلى عبارة الذريعة حيث قال السيد المرتضى: (إن كان بعضهم عنده أعلم من بعض وأورع أو أدين فقد اختلفوا فيه فمنهم من جعله مخيراً ومنهم من أوجب أن يستفتي المقدَّم في العلم والدين)(1).

فنرى بأنّ بعضهم يرى أنّ الأعلمية منضمة إلى الأورعية توجب التقديم، لا مجرد الأعلمية، والمحقّق يطرح المسأله في المعارج هكذا، ثم بعد ذلك ذكر بأنّه لو كان أعلم ولم يكن أورع أيضاً فإنّه تكون الأعلمية مرجّحاً، إلّا أنّ الأولى هو الأعلمية منضمّة إلى الأورعية، وهكذا في المعالم، وهذا شاهد على أنّ نظر السيد وأمثاله الى الروايات التي ذُكر فيها الأعلمية والأورعية.

والمشهور بين علمائنا مرجّحية الأعلمية حتى نُقل عن الشهيد الثاني بأنه (لا نعلم في ذلك خلافاً)، وكذا نُقل عن الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية وأحمد وطائفة من فقهاء العامة مرجّحية الأعلمية، ونُقل عن بعضهم عدم مرجّحية الأعلمية، وكذا نُقل عن بعض المتأخرين من الشهيد الثاني أنّه يجوز تقليد غير الأعلم في موارد الخلاف، وهذا ما ذهب إليه النراقي في المناهج وصاحب الفصول وصاحب أنوار الفقاهة، والبحث عن أدلة الطرفين مفصّل، ونحن نذكر أدلة القائلين بمرجّحية


1) تقدّم تخريجها آنفاً.

الأعلمية عند التعارض بنحو يُظهِر وجهة نظرنا بالنسبة إلى أدلة القائلين بعدم مرجّحيتها.

فنقول: إنّ الحق أنّ الأعلمية تكون مرجحاً عند التعارض، ونذكر في وجه ذلك أدلة ثلاثة :

الدليل الأوّل: بناء العقلاء، فقد تقدم إنّ بناء العقلاء في كل طريقين متعارضين فيما إذا كان أحدهما ذا مزية - بنحو يوجب صرف الريبة الحاصلة من العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما مع الواقع إلى الآخر - هو الأخذ بذي المزية، ولا يرون الآخر حجة، فلابد أن تكون المزية بنحو توجب صرف الريبة من أحدهما إلى الآخر.

وامّا إذا كانت مزية بينهما إلّا أنّها لا توجب صرف الريبة من أحدهما إلى الآخر، فمثل هذه المزية وجودها كعدمها، وهذا ما استفدناه من مقبولة عمر بن حنظلة أيضاً، ونرى أنّ العقلاء يرون قول الأعلم حجة عند مراجعتهم إلى الأطباء والمهندسين وغيرهم في صورة الخلاف بين الأعلم وغير الأعلم، ويقدّمون قول ذي المزية على غير ذي المزية إذا كانت المزية موجبة لصرف الريبة من أحدهما إلى الآخر، ولا رادع من الشرع بالنسبة إلى هذا البناء العقلائي، والعمومات - على فرض ارتباطها بالمقام - على قسمين:

القسم الأوّل: ما استظهر منه الشمولية.

القسم الثاني: ما استظهر منه البدلية.

أمّا العمومات التي استظهر منها الشمولية كآية النفر وأشباهها التي لم نتعرّض لها لعدم ارتباطها بالمقام فعلى مسلك بعض لا تشمل المتعارضين، وذلك لأنّه لو كانت شاملة للطريقين المتعارضين، فإنّ لازم ذلك التعبد بالضدّين أو النقيضين، كما ذُكر في أوّل مباحث تعارض الأدلة الشرعية، وبناءً على مسلكنا لا تشمل غير ذي

المزية إذا كانت بينهما مزية، وذلك لأنّ هذه العمومات ليست بتأسيسية من الشارع، بل إمضائية، وإذا كانت إمضائية فلا ينعقد لها شمول وإطلاق بالنسبة للمتعارضين اللذين في أحدهما مزية حتى تكون رادعة عن بناء العقلاء.

وأمّا العمومات التي استظهر منها البدلية، كقوله(عليه السلام): «من كان من الفقهاء...»(1)فهي أيضاً لا ينعقد لها إطلاق حتّى تشمل صورة اختلاف الفقيهين فلا يمكن الاستدلال بها على الردع عن بناء العقلاء، وكذا ما دل على إرجاع الأئمة(عليه السلام) إلى بعض الرواة لا يكون رادعاً عن بناء العقلاء، وذلك لأنّ مرجحّية الأعلمية إنّما ترتبط بالمقلّد في صورة الاختلاف، فلا شيء في قبال بناء العقلاء للردع عما بنوا عليه.

الدليل الثاني: مقبولة عمر بن حنظلة ، والاستدلال بها ربما يُشكل عليه من جهات:

الجهة الاُولى: الاشكال السندي وهو عدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة، وقد تقدم بحثه في مبحث التعادل والترجيح، والرواية حجة من وجهة نظرنا. الجهة الثانية: أنّ الرواية لا تتعلّق بالفقيهيْن، بل اما بالقاضيين المنصوبين، أو بقاضي التحكيم، أو بالرواة بما أنّهما راويان للحديث، وهذا البحث أيضاً قد تقدم وقلنا بأنّ قوله(عليه السلام) : «أفقههما » يدلّ على أنّ الأمر يرتبط بالفقيهيْن.

الجهة الثالثة: أنّ الأعلمية لوحظت بين الاثنين في هذه الرواية، والمراد من الأعلمية هنا هي الأعلمية المطلقة، فعلى فرض دلالة الرواية على ترجيح الأعلم منهما، فإنها لا ترتبط بالمقام؛ إذ إنّ المدّعى الأعلمية المطلقة.


1) تقَّدم تخريجه.

والجواب عن هذا الاشكال لعله في غاية الوضوح؛ لأنّ الأعلمية إنّما تكون مرجّحاً عند إحراز التعارض ، والمفروض في الرواية احراز التعارض بالنسبة إلى فتوبهما، فالأعلمية لابدّ وأن تُلاحظ بينهما، وأمّا الآخرون الذين لا يُعلم بتخالف فتواهم معهما فلا يعمل المرجح ، بل ربما لا يكون للآخرين فتوىً فعلية.

لا يقال بأنّه إذا لم يكن للآخرين فتوىً في المسألة فلا يحتمل أن يكون الأعلم فيهم.

فإنّه يقال: لا يُشترط في الأعلم أن يكون ذا فتوىً في كل مسألة.

الجهة الرابعة: أنّه لم يُذكر في هذه الرواية أنّ الأفقهية مرجّح، بل قال الإمام(عليه السلام) : «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما»(1)، ومرجع ذلك إلى ما ذكره السيد المرتضى في الذريعة من أنّ الأعلمية منضمّة إلى الأورعية تكون مرجّحاً، لا الأعلمية فقط ، ولذا نرى أنّ قدماء الأصحاب ذكروهما معاً.

والجواب عن ذلك أنّ ذكر الأصدقية والأفقهيّة والأورعية هو من باب المثال، ومن باب أنّها مرجّحات عقلائية والكبرى قوله(عليه السلام) : « خذ بالمجمع عليه فان المجمع عليه لاريب فيه»(2)فالجهة الملحوظة هي: (لا ريب فيه)، وبما أنّ الأفقهية توجب صرف الريبة من أحدهما إلى الآخر فتكون مرجّحاً، وكذلك الأصدقية والأورعية، فإن كان أحدهما أفقه وأورع فإنّه يكون نوراً على نور ويكون له مزيّتان.

فظهر أنّ هذه الرواية الشريفة تدل من وجهة نظرنا على مرجّحية الأعلمية في صورة التعارض، وهذه المقبولة مؤيدة بمعتبرة داود بن الحصين، عن الصادق(عليه السلام) :


1) من لا يحضره الفقيه 9/3

2) المصدر نفسه: 10 .

(في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما، على قول أيّهما يمضي الحكم؟ قال: «ينظر إلى أفقههما واعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه، ولا يلتفت إلى الآخر»)(1).

وما قيل من أنّ هذه الرواية ترتبط بالحكومة لا شاهد له من نفس الرواية؛ إذ من الممكن أن يكون اختلافهما اختلافاً بحثياً بأن قال أحدهما بجواز أكل السمك الذي لا فلس له والآخر بعدم جواز أكله، فتحاكما إلى رجلين عدلين وهما أيضاً اختلفا، وليس في الرواية ما يدل على أنهما راجعا العدلين بسبب النزاع الذي كان بينهما .

الدليل الثالث: الأصل، فإنه لو كان الدليلان السابقان محلّ تأمل ونظر، فمقتضى الأصل حجية رأي الأعلم فقط، وذلك لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، إذ إمّا كلاهما حجة أو خصوص رأي الأعلم، والقاعدة في مثل هذا المورد الأخذ بالتعيين، لأن رأي الأعلم مقطوع الحجية، ورأي المفضول مشكوك الحجية، والشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية.

وأصل هذا الدليل وتقريبه يختلف بحسب المسالك التي ذكرناها في المجتهدَيْن المتساويين، ونحن نتعرض لمسالك ثلاثة منها:

المسلك الأوّل: التخيير الأخذي، بمعنى أنّ الفتوى التي أخذ بها والتزم بها تكون حجة بالنسبة إليه، سواء كان مستند التخيير الأخذي سيرة العقلاء أم الروايات أم الاجماع.


1) من لا يحضره الفقيه : 3/ 8.

المسلك الثاني: الأخذ بأحوط القولين، وقلنا بأنّ الأصح التعبير بالأخذبالأحوط بين القولين.

المسلك الثالث: التخيير التطبيقي، وهذا ما يستفاد من موثقة سماعة.

والبحث في أنّه لو فرضنا عدم وجود دليل لا على مرجّحية الأعلمية ولا على عدمها، فما هو مقتضى الأصل في كل من هذه المسالك الثلاثة.

أمّا على المسلك الأوّل: - وهو مسلك المشهور - من دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، وهذا صحيح بتقريب خاص: وهو أنّه لو أخذ المقلّد بفتوى الأعلم في صورة مخالفه غير الأعلم مع الأعلم ، فهو قاطع بحجية فتوى الأعلم، لأنّ الأعلمية إمّا غير مرجّحة عند التعارض، فيكون حكم المورد حكم المتساويين، وفي المتساويين ما يأخذه المقلد حجة، وإمّا تكون الأعلمية مرجّحاً عند التعارض، ومرجع ذلك إلى حجية قول الأعلم سواء أخذ به أم لم يأخذ ، وعلى أيّ حال فلو أخذ بقول الأعلم فإنّه يكون قاطعاً بحجية رأيه بالنسبة إلى المقلّد، وأمّا إذا أخذ بفتوى المفضول فيشك في حجية رأيه، إذ لو لم تكن الأعلمية مرجّحاً عند التعارض فإنّه يكون المأخوذ حجة، وإن كانت مرجّحاً عند التعارض لم يكن المأخوذ حجة، والشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية، بمعنى أنّه لا تترتب آثار الحجية. هذا كله إذا أخذ برأي أحدهما الأعلم.

وأمّا إذا لم يأخذ برأي أيٍّ منهما، فربما يقال بعدم حجية كل منهما، لأنّه إن لم يأخذ برأي الأعلم تكون حجية رأي الأعلم مشكوك فيها؛ إذ المفروض أنّا لا نعلم بمرجّحية قول الأعلم عند التعارض حتى يكون قوله حجة مطلقاً، سواء أخذنا بقوله أم لم نأخذ فيرجع إلى الاُصول المرخصة.

ولكن هذا القول غير صحيح، فانه وإن لم يكن قول الأعلم حجّة بالنسبة إلى من لم يأخذ بقوله وتكون حجية قول الأعلم مشكوك فيها بالنسبة إليه - إذ على هذا المسلك حجية قوله مبتنية على الأخذ به - إلّا أنّه متمكّن من تحصيل الحجة، فلا تجري الأُصول المرخّصة، وذلك لعدم جريان الأُصول المرخّصة في موارد التمكن من تحصيل الحجية، وعليه يجب الاحتياط ولو من باب الاحتمال قبل الفحص فيما إذا لم يكن العلم الإجمالي موجوداً في البين، وأمّا مع وجود علم إجمالي فيجب عليه الاحتياط من جهة العلم الإجمالي.

وأما على المسلك الثاني - وهو مسلك السيد الخوئي - الذي كان مبتنياً على أنّ العلم الإجمالي الكبير بالنسبة إلى وجود الأحكام يعمّ صورة توافقهما في الفتوى وصورة تخالفهما، فلا ينحلّ العلم الإجمالي بموارد توافق الفتويين، ومقتضي عدم انحلال العلم الإجمالي الاحتياط بالنسبه إلى جميع الأقوال والمحتملات، وذلك لأنّ العلم الإجمالي يقتضي الامتثال إلّا أنّه من المتسالم عليه عدم وجوب الاحتياط بالنسبة إلى جميع الأقوال، بل عليه الاحتياط بين المجتهديْن المتساوييْن فقط، وهذا درجة من الامتثال، فعليه أن يحتاط سواء أفتى أحدهما بالوجوب والآخر بعدم الوجوب أم أفتى أحدهما بوجوب شيء والآخر بوجوب شيء آخر.

وفي المورد الأوّل، فإنّه وإن لم يكن له علم اجمالي بالوجوب، ولكن بما أنّه يحتمل أن يكون الوجوب من أطراف العلم الإجمالي الكبير، فيكون العلم الإجمالي منجّزاً، وكذا في المورد الثاني وإن لم يكن له علم إجمالي، كما إذا أفتى أحدهما بوجوب ذبح شاة والآخر بوجوب ذبح بقرة، وكان في البين قول آخر وهو نحر الإبل، أو احتمل عدم وجوب شيء، فإنّه أيضاً يجب الاحتياط، وذلك لأنّ الوجوبَيْن بما أنّه يحتمل كونهما من

أطراف العلم الإجمالي الكبير، فلابدّ له من الاحتياط. وسائر الأقوال وإن يحتمل كونها من أطراف العلم الإجمالي، إلّا أنّه لا يعتني بها من أجل التسالم والإجماع على عدم وجوب الاحتياط بالنسبة إليها.

فعلى هذا المسلك إن شك في حجية قول الأعلم بالخصوص وعدم حجّيته عند التعارض، لم يكن المورد من دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية؛ إذ في المورد الأوّل لو أفتى أحدهما بالوجوب والآخر بعدم الوجوب، فإنّ الاحتياط يقتضي إتيان العمل، فلو أفتى الأعلم بعدم الوجوب، فإنّه لا يمكنه الأخذ بقوله؛ إذ المفروض هو الشك في مرجحية الأعلمية، ولا يمكن رفع اليد عن طرف العلم الإجمالي بسبب قول تكون حجيته مشكوكة.

وأما المورد الثاني وهو ما إذا أفتى أحدهما بوجوب شيء والآخر بوجوب شيء آخر، سواء كان هناك علم إجمالي بوجوب أحدهما أم لم يكن، فإنّه يجب الاحتياط، والقول بوجوب ما أفتى به الأعلم يوجب خروج قول الآخر، والمفروض دخوله في أطراف العلم الإجمالي الكبير، وهذا مبتن على العلم بحجية قول الأعلم، والحال أنّه لا علم بحجية قوله؛ إذ من المحتمل أن لا يكون للأعلمية دور، فيجب الاحتياط، فلا يكون على هذا المسلك دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، وعليه فما هو ظاهر بعض كلماته المنقولة محلّ تأمل؛ إذ ظاهر كلامه أن المقام في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية.

وأمّا على المسلك الثالث: وهو ما سلكناه من التمسك بموثقة سماعة ومفادها على ما ذكرنا هو التخيير التطبيقي فيما إذا أمر أحدهما بشيء والآخر نهى عنه. غاية الأمر أنّ الموثّقة كانت قاصرة عن شمول ما إذا كانت الفتويان مثبتتين، كما إذا أمر أحدهما بشيء والآخر بشيء آخر، إلّا أنّا قد وسعنا دائرة الأمر والنهي وقلنا بأنّ

الأمر والنهي صادق حتى في موارد الإرشاد، كما إذا أفتى أحدهما وأمر بشيء ولو من باب أنّه لا مانع منه، ونهى الآخر عن ذلك من باب أنّه لغو، مثل: (كُلِ السمك الذي لا فلس له ولا تأكل السمك الذي لا فلس له)، أو (لا تشترط في العقد كذا من جهة أنّه لا يترتب على هذا الاشتراط أثر)، فبما أنّه لم يرد في الرواية أنّ أحدهما يأمر بشيء والآخر بشيء آخر، فلا يمكن القول بالتخيير التطبيقي في المورد الثاني، وإن قوّينا في البحث السابق - أي: بحث التساوي بين المجتهدين - أن يكون المورد الثاني أيضاً داخلاً، إلّا أنّ الأقوى هو عدم دخول المورد الثاني في الرواية.

وعليه فلو كان للمقلّد علم إجمالي خارجيّ بوجوب أحدهما فيجب عليه الاحتياط في صورة التساوي من أجل العلم الإجمالي، وكذا لو علم بمطابقة أحدهما مع الواقع في المورد الأوّل، وهذا المورد خارج من الرواية، نعم هو في سعة ما لم يكن له علم إجمالي وفيما إذا أمر أحدهما بشيء والآخر نهى عنه، وعليه فلو قبلنا بوجود العلم الإجمالي الكبير وعدم انحلاله بموارد التوافق، فمقتضى العلم الإجمالي فيما وراء حدود الموثقة هو الاحتياط، أي: فيما إذا أمر أحدهما بشيء والآخر بشيء آخر، وإن أنكرنا العلم الإجمالي الكبير - كما هو المختار - وقلنا بانحلاله بموارد التوافق، ففيما إذا كانا مثبتين ولم يكن علم إجمالي خارجيّ بوجوب أحدهما يمكن التمسك بالأصل المرخّص، وعليه فإذا قلنا بأن الموثّقة مجملة من حيث كون أحدهما أعلم، ولا إطلاق بحيث تشمل ما إذا كان أحدهما أعلم، فلابدّ من الاحتياط فيما إذا كانا مثبتين، لأن رفع اليد عن أطراف العلم الإجمالي الكبير على القول به لا يمكن إلّا مع وجود الحجة، والمفروض في المقام مشكوكية حجية رأي الأعلم.

وأمّا إذا لم نقل بالعلم الإجمالي الكبير - كما لم نقل به - فيمكن اجراء الأصل المرخّص ولا تُرفع اليد عن البراءة إلّا بالحجية، والمفروض عدم إثبات حجية رأي

الأعلم، وكذا لابدّ من الاحتياط إذا كان في البين علم إجمالي خارجي بوجوب أحدهما أو موافقة أحدهما مع الواقع سواء كانا مثبتين أم أحدهما مثبت والآخر ناف.

هذا كلّه بالنسبة إلى الموارد التي كانت خارجة عن الموثقة.

وأمّا بالنسبة إلى المورد الذي داخل في الموثقة، كما إذا أمر أحدهما بشيء ونهى عنه - ولم يكن علم إجمالي خارجيّ - فهل له جواز التطبيق في المقام كما كان له التخيير التطبيقي في صورة تساويهما، أو ليس له التخيير التطبيقي، بل عليه لزوم التطبيق على قول الأعلم من جهة حجية رأي الأعلم.

وهنا يمكن أن يقال بأنّ رأي الأعلم إمّا حجّة تعييناً أو تخييراً، فيدور الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، ولابدّ من التطبيق على وفق قول الأعلم.

فظهر أنّ مقتضى الأصل فيما إذا كان أحدهما مثبتاً والآخر نافياً هو لزوم التطبيق على وفق قول الأعلم على هذا المسلك، وأمّا إذا كانا مثبتين أو كان في البين علم إجمالي صغير فلا يجب التطبيق على وفق قول الأعلم، بل يجب الاحتياط إن قلنا بوجود العلم الإجمالي الكبير، وكذا في موارد العلم الإجمالي، ولا يجب الاحتياط إذا أنكرنا العلم الإجمالي الكبير مع عدم وجود علم إجمالي صغير، بل يمكنه إجراء الأصل المرخّص.

هذا تمام الكلام في أصل مرجحية الأعلمية.

وتوجد هنا صور تكميلية لابدّ من ذكرها :

الصورة الأُولى: ما إذا لم يحرز الاختلاف بين المفضول والأفضل

إذا لم يحرز المكلّف الاختلاف بين المفضول والأفضل من المجتهدين فهل حكمه حكم صورة ما عُلم بالاختلاف بينهما أو أنّ حكمه حكم ما علم عدم الاختلاف؟

ذهب الشيخ الأنصاري ومن تبعه إلى أن هذه الصورة محكومة بحكم العلم بعدم الاختلاف، وإن كان للمحقق الإصفهاني إشكال في ذلك.

ويمكن تقريب كلام الشيخ بوجوه

الوجه الأوّل: السيرة، فإنّها على الرجوع إلى أهل الخبرة فيما إذا لم يكن هناك علم

بالمخالفة، ولا يلاحظون أنه هل في البين أعلم أو لا، بل حتى إذا علموا بوجود الأعلم يراجعون غير الأعلم في صورة عدم العلم بالخلاف.

وبعبارة أخرى: جري العقلاء على حجية قول أهل الخبرة مطلقاً، إلا إذا كان قول الأعلم مخالفاً لقول غير الأعلم.

الوجه الثاني : إطلاق الأدلة الدالة على إرجاع الأئمة ال إلى الرواة وإلى الفقهاء، غاية الأمر أنّ هذه الأدلة لا تشمل صورة التعارض بين القولين، فتخصص دفعاً لمحذور التعبّد بالضدين أو النقيضين بمخصص لبّي، فبحكم العقل تختص بصورة العلم بالاختلاف، فبما أنا لا نعلم بالاختلاف جاز الأخذ بقول غير الأعلم. إلا أنه ربما يقال بأنّ ما خرج بحكم العقل هو الاختلاف الواقعي بينهما، فحينئذ التمسك بالإطلاق يكون من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، فإن قلنا - بالوجوه المذكورة في مبحث العام والخاص - بجواز التمسك بالعموم في المخصص اللتي فهو، وإلا فتصل النوبة - على ما قيل - إلى استصحاب عدم وجود المخالف، وهو على نحوين:

الأول: أن يحتمل عدم رأي للمجتهد الآخر لكون المسألة من المسائل النادر، والمجتهد لا يستنبط الحكم على جميع التقادير الفرضية، فالسالبة منتفية بانتفاء الموضوع.

الثاني: أن نعلم بأنّ للمجتهد الآخر ،رأي، لكن لا نعلم بأنّه مخالف لهذا المجتهد، فنستصحب عدم المخالفة في كلا النحوين ولو باستصحاب العدم الأزلي بناء على اعتباره.

الصورة الثانية: ما إذا أحرز الاختلاف بينهما مع علمه بالأعلم إجمالاً

إذا قطع بالاختلاف وأعلمية أحدهما إجمالاً، إلّا أنّه لا يعلم من هو الأعلم.

وهذا الفرع مذكور في العروة، حيث قال: (إن كان الأعلم منحصراً في شخصين ولم يمكن التعيين، فإن أمكن الاحتياط بين القولين فهو الأحوط، وإلّا كان مخيراً بينهما)(1).

نقول: إنّ حكم هذا الفرع يختلف باختلاف المسالك، فإنّ على بعض المسالك لا بدّ من التفصيل في المسألة، وعلى بعض آخر لابدّ من وجوب الاحتياط، وعلى بعض عدم وجوب الاحتياط.

المسلك الأوّل: ما ذكرناه في أوائل مبحث التعارض من أنّ هناك فرقاً بين باب التعارض وبين باب اشتباه الحجة باللاحجة، فإنّ في باب التعارض لا تفرض حجية أحدهما، بل يتعارضان في الحجية، وأمّا في باب الاشتباه، فالقطع بحجية أحدهما مفروض.

ولاشتباه الحجة باللاحجة أحكام خاصة تَعرّضنا لها في مبحث التعارض، فيقال بأنّ المقام داخل في باب اشتباه الحجة باللاحجّة؛ إذ المفروض وجود الاختلاف بين الرأيين، والمفروض حجية رأي الأعلم في صورة الاختلاف تعييناً، غاية الأمر أنّا لا نعلم أيّهما أعلم.


1) العروة الوثقى: 32/1 - 33 المسألة 38.

وعليه إن كانا مثبتين، وكان في البين علم إجمالي، فلا يترتب على اشتباه الحجة باللاحجة أثر مخصوص؛ إذ الأثر المترتب إما نفي الثالث فهو مترتب على العلم الإجمالي، وإمّا التنجيز، وهو أيضاً مترتب على العلم الإجمالي، فيجب الاحتياط بمقتضى العلم الإجمالي.

وإن كانا مثبتين ولم يكن هناك علم إجمالي - كما إذا أفتى أحدهما بوجوب شيء والآخر بوجوب شيء آخر ونحن نحتمل أن يكون الواجب شيئاً آخر غيرهما أو لم يكن شيئاً منهما بواجب - فوزان الحجة المشتبهة بغير الحجة وزان العلم الإجمالي، فيترتب التنجيز ونفي الثالث، ويجب الاحتياط من جهة قيام الحجة على الحكم القابل للتنجيز، ومورده مردّد بين أن يكون هذا أو ذاك، ولا تجري الأُصول المرخّصة مع قيام الحجة على وجوب أحدهما.

وإن كان أحدهما مثبتاً والآخر نافياً فهو على قسمين:

القسم الأوّل: أن يقول أحدهما بالوجوب والآخر بالتحريم.

القسم الثاني: أن يقول أحدهما بالوجوب والآخر بعدم الوجوب.

فإن قال أحدهما بالوجوب والآخر بالحرمة، ولم يكن في البين علم إجمالي، فيترتب أثر نفي الثالث مستنداً إلى الحجّة الإجمالية.

وإن كان علم إجمالي بمطابقة أحدهما للواقع فيكون نفي الثالث مستنداً إلى العلم الإجمالي.

وعلى أيّ حال لا يترتب أثر التنجيز سواء كان علم إجمالي أم لم يكن، وذلك من جهة دوران الأمر بين المحذورين.

وإن قال أحدهما بالوجوب والآخر بعدم الوجوب ولم يكن علم إجمالي، فبما أنّه لم يحرز بأنّ مؤدى الحجة هل هو الوجوب أو عدم الوجوب، فإن كان مؤدّى قول

الأعلم هو الوجوب فهو حجة للمولى على العبد، وإن كان مؤدّى قوله عدم الوجوب فهو حجة للعبد على المولى، فهو على تقدير يكون مُلزماً بالفعل، وعلى تقدير يكون غير ملزم بالفعل، فلا يجب الاحتياط ولا يترتب على مثل هذه الحجة المشتبهة بغير الحجة أثر ، فإنّا قلنا بأنّ وزان الحجة الإجمالية وزان العلم الإجمالي، ومن الواضح عدم ترتب الأثر على العلم الإجمالي بالوجوب أو عدم الوجوب، وعليه فيمكن الرجوع إلى الأصل المرخص.

فظهر أنّه لو كان هناك علم إجمالي، فلا يترتب الأثر أيضاً وهو لزوم الاحتياط.

فعلى هذا المسلك أثر لزوم الاحتياط مستنداً إلى اشتباه الحجة باللاحجة يترتب فيما إذا كانا حكمين إلزاميين، ولم يكن من دوران الأمر بين المحذورين، كما إذا أفتى كلّ منهما بوجوب شيء ولم يكن علم إجمالي بوجوب أحدهما بأن يحتمل مخالفتهما مع الواقع إمّا بأن لا يكون شيء واجباً أو بأن يكون شيء آخر هو الواجب، فيجب الاحتياط مستنداً إلى اشتباه الحجة باللاحجة، ولا يجب الاحتياط في غير هذا المورد مستنداً إلى اشتباه الحجة باللاحجة - نعم يجب الاحتياط مستنداً إلى العلم الإجمالي كما تقدم - سواء كان متمكناً من الاحتياط كما إذا قال أحدهما بالوجوب والآخر بعدم الوجوب، أم لم يكن متمكناً من الاحتياط، كما في دوران الأمر بين المحذورين.

فظهر أنّه على ضوء قانون اشتباه الحجة باللاحجة لابدّ من التفصيل بين الصور.

المسلك الثاني: عدم ترتب أثر على العلم الإجمالي بكون أحدهما أعلم، فكأنّ العلم الإجمالي لم يكن. وبعبارة اُخرى فإنّه لابد أن يكون المرجّح معلوماً بالتفصيل، ولا سيما في المقام، وأما العلم الإجمالي بأعلمية أحدهما فإنّه لا يترتب عليه أثر، وبما أنّ القائل ذهب في المتساويين إلى التخيير فإنّه يلتزم بالتخيير في المقام أيضاً.

وهذا ما سلكه السيد الحكيم في المستمسك في ضمن مسألة (38) من مسائل الاجتهاد والتقليد(1)، فهو وإن لم يطرح المسألة كما طرحناها من أنّه يشترط في المرجّح أن يكون معلوماً بالتفصيل، إلّا أنّ مفاد كلامه هو ما ذكرناه.

وتقريب هذا المسلك يكون بأمرين:

أحدهما: الإجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي، فإن كان الأعلم معيّناً يجب عيه الأخذ بقول الأعلم، وإن تردّد الأعلم بين اثنين فبما أنّ الإجماع قائم على عدم وجوب الاحتياط على العامي فطبعاً يستكشف أنّ العلم بأعلمية أحدهما كأن لم يكن، وذلك لأن العلم بأعلمية أحدهما موجب للاحتياط إمّا في الجملة أو بالجملة، والمفروض وجود إجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي.

ثانيهما: السيرة، فإنّها قائمة على عدم لزوم الاحتياط إذا كان قول الأعلم مردّداً، ونضيف إلى ذلك بأنّ الاختلاف بين المجتهدين كثير والتفاضل بينهما - ولو يسيراً - مقطوع به، كما عبر السيّد الحكيم(قدس سره الشریف) حيث قال: (ولا تبعد دعوى السيرة أيضاً على ذلك، لندرة تساوي المجتهدين وغلبة حصول التفاوت بينهم ولو يسيراً، وشيوع الجهل بالأفضل، وفقد أهل الخبرة في أكثر البلاد، وكون بنائهم على الاحتياط في مثل ذلك بعيداً جداً)(2).

وقال أيضاً: (من دون فرق بين أن يتردد الأعلم بين اثنين أو عشرة - مثلاً - وبين غيره من الفروض)(3).


1) انظر: مستمسك العروة: 66/1 .

2) مستمسك العروة: 66/1 .

3) المصدر نفسه.

وعليه فلو كان البناء على الاحتياط سواء كان الاختلاف بين اثنين أم بين المائة، فلابد من الاحتياط، والحال أنّا نرى مع العلم بالتفاضل ولو يسيراً ليس بناؤهم على الاحتياط، هذا ما ذكره في المستمسك، وأمّا في رسالته العملية وفي حاشيتة على العروة فقد وافق الماتن حيث لم يعلّق على ما ذكره الماتن من لزوم الاحتياط على الأحوط.

إلّا أنّ هذا المسلك مما لا يمكن الالتزام به؛ إذ لم يقم إجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي، حتى إذا كان الاحتياط ناشئاً من اشتباه الحجة باللاحجة، ولا يمكن تحصيل مثل هذا الإجماع، والواضح من اتفاقهم هو عدم وجوب الاحتياط المطلق بأن يدع جميع أقوال المجتهدين لتعارضها.

وأما السيرة فغير واضحة؛ إذ إنّ العلم بالاختلاف والعلم بالتفاضل مما لم يكن يحصل سابقاً للعوام، نعم مثل هذا العلم بالاختلاف والتفاضل وإن كان يحصل في زماننا، إلّا أنّ العلم بالتفاضل ولو يسيراً مما لا أثر له، فإنّا ذكرنا بأنّ التفاضل لابدّ وأن يكون موجباً لصرف الريبة الحاصلة من العلم الإجمالي من أحدهما إلى الآخر، وأنّى للعوام العلم بالتفاضل بهذا النحو.

وأمّا التوسعة التي ذكرها بقوله: (من دون فرق ...) فانما ذكرها من أجل أنّ الأمر أمر مستغرب، ولا سيما إذا علم بأعلمية واحد من العشرة أو من المائة.

فالجواب عنه أنّ العلم بأعلمية واحد من العشرة أو المائة لا يوجب كون أقوالهم مائة أو عشرة، غايته أنّ في المسألة قولين أو ثلاثة من الأحياء، فالعامي يعلم بأنّ أحد القولين أو الأقوال الثلاثة قول الأعلم، ولو كان هذا الأعلم بين الألف، والمعيار هو تعدد الفتوى، لا تعدّد الأفراد.

المسلك الثالث: ما سلكه بعض الأكابر من لزوم الاحتياط، وهو بتقريب منّا عبارة عن أنّ جميع التكاليف الإلهية منجّزة بسبب العلم الإجمالي الكبير، وسائر الحجج

كلّها مرج مرجعها إلى التعذير ولا تشمّ رائحة التنجيز فلابدّ من الامتثال وتفريغ الذمة، ومقتضى ذلك هو الاحتياط المطلق، إلّا أنّه من المتسالم عليه عدم لزوم الاحتياط المطلق، فلابدّ من العمل بالاحتياط بين القولين احتياطاً مطلقاً.

ولا يأتي على هذا المسلك ما ذكرناه من اشتباه الحجة باللاحجة، وذلك لأنّه في جميع الموارد حتى فيما إذا قال أحدهما بوجوب القصر والآخر بالإتمام لا يكون قولهما منجّزاً، بل يكون معذراً، إذ المفروض تنجز الأحكام بالعلم الإجمالي الكبير، بل أحدهما يقول بأنّ إتيان القصر يكون كافياً في مقام الامتثال والآخر يقول بأنّ إتيان الإتمام يكون كافياً.

ونضيف إلى ذلك بأنّه لا أثر تعذيري لاشتباه الحجة باللاحجة، وعليه فلابدّ له من الاحتياط في مقام الامتثال، والظن بأنّ أحدهما أعلم لا يكفي لعدم الاختياط.

نعم، لو لم يتمكن من الاحتياط، كما في دوران الأمر بين المحذورين أو لعدم سعة الوقت، فلابدّ له من الأخذ بمظنون الأعلمية، وذلك لأنّ هذا الامتثال أقرب إلى الواقع من الأخذ بقول غيره فيما إذا لم يكن فتوى الآخر أقرب إلى الاحتياط.

وهذا المسلك صحيح على فرض وجود العلم الإجمالي الكبير، وعدم لياقة شيء آخر للتنجيز، وأما إذا قلنا بانحلال العلم الإجمالي الكبير بموارد توافق المجتهدين، أو قلنا بلياقة شيء آخر للتنجيز - كما نقول - فلا يمكن الالتزم بهذا المسلك.

ولا ريب في منجّزية سائر الحجج، فإنّه حينما نسأل شخصاً: لماذا تصلي قصراً أو جهراً؟ فيجيب بأنّ مجتهدي قال كذا ولا يجيب بأني أعلم إجمالاً بأحكام إلزامية، والعلم الإجمالي يكون منجّزاً ما لم تقم حجة على حكم من الأحكام، فبعد قيام الحجة لا تُنسب المنجّزية إلّا إليها.

فظهر بأنّ الصحيح في المقام إجراء قانون اشتباه الحجة باللاحجة، ونتيجة ذلك التفصيل بين الموارد على ما تقدم. والسيد الطباطبائي وإن قال بلزوم الاحتياط على الأحوط، إلّا أنّ قوله: (على الأحوط) مبتن على ما ذكره في الأعلمية حيث إنّه يقول بالرجوع إلى الأعلم من باب الاحتياط، فقوله: (على الأحوط) في المقام له وجه، إلاّ أنّ هذا الاحتياط لزومي في بعض الموارد واستحبابي في بعض الموارد كما تقدم.

هذا تمام الكلام في الصورة الثانية.

المسألة الثالثة : الشروط المعتبرة في مرجع التقليد

اشارة

يعتبر في مرجع التقليد شروط:

الصورة الثالثة: ما إذا أحرز الاختلاف بينهما مع جهله بأعلمية أحدهما

إذا علم بالاختلاف وليس له علم بأعلمية ، أحدهما، لا تفصيلاً ولا إجمالاً، وفي هذه الصورة:

تارةً نحتمل التساوي أو نحتمل أعلمية كلّ واحد منهما مع تساوي الاحتمالين.

وثانية نحتمل أعلمية كلّ منهما مع عدم تساوي الاحتمالين، كما إذا كان أحدهما مظنون الأعلمية والآخر محتمل الأعلمية.

وثالثة نحتمل التساوي ونحتمل أعلمية أحدهما المعيّن.

فقد يترأى بالنظر البَدْوي أنّ الحكم في الصورتين الأخيرتين هو الأخذ برأي مظنون الأعلمية، وذلك من جهة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، إلّا أنّه لابدّ من البحث عن هذه الموارد على المسالك السابقة في المتساويين.

المسلك الأوّل: التخيير الأخذي وهذا ما ذهب إليه المشهور.

المسلك الثاني: الأخذ بالأحوط بين القولين.

المسلك الثالث: التخيير التطبيقي.

أمّا على المسلك الأوّل، وهو التخيير الأخذي بمعنى أنّ ما أخذه المقلّد من القولين يكون حجة بالنسبة إليه ما لم يكن أحدهما أعلم.

والدليل على التخيير الأخذي إمّا لفظي وإما لبّي.

أما إذا كان لفظياً، فإما نستفيد من الدليل العموم البدلي كما إذا استظهرنا ذلك من قوله(عليه السلام): «من كان من الفقهاء...»، فلا يتحقق التعارض بينهما.

وإما نستفيد من الدليل العموم الشمولي كقوله الله: «الفقهاء اُمناء الرسل»(1)وأشباه ذلك، إلا أنا نستظهر منه التخيير الأخذي بمناسبة الحكم والموضوع.

إلّا أنّه قد خصصت هذه الإطلاقات في قول الأعلم إما بدليل لفظي أو لبي.

فإذا خصص بمخصص لفظي فحيث إنا نشك في مصداق المخصص اللفظي ولا نعلم بأنّ هذا هل هو أعلم أو لا، فيمكن إثبات عدم الأعليمة بالاستصحاب، فيدخل ذلك في الإطلاق.

وإذا خصص بمخصص لُبّي فمضافاً إلى ذلك يمكن ادّعاء أنّ العقل يحكم بأنّ الخارج هو معلوم الأعلمية، سواء كان معلوماً بالعلم الإجمالي أم التفصيلي. فلا مخصص للإطلاقات حينئذ ولا حاجة إلى التمسك بالأصل في هذا.

وكيف كان فيمكن التمسك بالاستصحاب في الصورتين الأخيرتين فيما إذا كان المخصص لفظياً، ولا يكون من دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، ونتيجة ذلك أنّ الظن بالأعلمية في أحدهما، أو احتمال أعلمية أحدهما، كأن لم يكن، إذ ليس مظنون الأعلمية ومحتمل الأعلمية بمعلوم الأعلمية، لأنّه على هذا المسلك لابدّ وأن يكون الأعلم معلوماً إمّا تفصيلاً أو إجمالاً، والظن أو الاحتمال لا يكون لهما أثر بعد جريان الاستصحاب ونفي عنوان المخصّص به.


1) بحار الأنوار: 380/72.

وأما إذا كان مستند التخيير الأخذي هو الدليل اللبّي، كما إذا استدلّ بالإجماع أو السيرة بأن يقال: منشأ هذا القول هو الإجماع على التخيير في المتساويين، أو أنّ منشأه الإجماع على عدم وجوب الاحتياط بالنسبة إلى ما وراء القولين، ويُستكشف من هذا الإجماع حجية القولين، أي الحجية التخييرية.

وعلى أيّ حال فإمّا أن يكون موضوع التخيير هو التساوي الواقعي وموضوع التعيين هو الأعلمية الواقعية، وهنا مع عدم ملاحظة الاستصحاب يكون المورد من دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية؛ لأنّ مظنون الأعلمية أو محتمل الأعلمية تكون حجية رأيه مقطوعاً بها، والآخر تكون حجية رأيه مشكوكاً فيها، والشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية.

وأمّا مع ملاحظة الاستصحاب، فربما يقال بأنّ الاستصحاب كما ينفي أعلميّة أحدهما ينفي تساويهما، فلا يمكن إثبات التخيير بالاستصحاب، وذلك لأنّ التساوي، وعدم أعلميّة أحدهما، كلاهما مؤثّر في إثبات التخيير، أي: أنّ التساوي بعنوانه، وعدم الأعلميّة بعنوانه منشأ للأثر ، وهذا بخلاف ما إذا كان الدليل لفظياً، فإنّ استصحاب عدم المخصّص لا يتعارض مع استصحاب عدم العناوين الخاصة، فإذا قيل: (كلّ امرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشيّة)، فإنّ استصحاب عدم قرشية هذه المرأة لايكون معارَضاً باستصحاب عدم القرشية، وذلك لعدم أخذ (عدم القرشية) بعنوانه في الدليل، والمفروض هنا أنّ الدليل اللفظي يقول بأنّ كلّ خبرين متعارضين يكونان حجة تخييرية إلّا إذا كان أحدهما أعلم، فاستصحاب عدم أعلمية أحدهما لا يتعارض مع استصحاب عدم التساوي، وذلك لأنّ التساوي غير مأخوذ بعنوانه في الدليل.

وأمّا إذا كان الدليل لُبّياً، فالمفروض أنّ التساوي له عنوان، وبما أنّ التساوي معنون في الدليل، فاستصحاب عدم أعلمية أحدهما يكون معارضاً باستصحاب عدم تساويهما، فلا يمكن إثبات التخيير.

هذا كلّه إذا كان التساوي المأخوذ في الدليل هو التساوي الواقعي.

وأمّا إذا قلنا بأنّ مراد المجمعين أو السيرة ليس هو التساوي الواقعي، بل مرادهم من التساوي تساويهما بحسب مقام الإثبات: أي: عدم إحراز أعلمية كلّ منهما على الآخر من جهة عدم وجود مثبت، فيمكن إثبات التخيير بالاستصحاب؛ إذ تُنفى أعلمية مظنون الأعلمية ومحتمل الأعلمية بالاستصحاب، والمفروض أنّ الآخر ليس بأعلم قطعاً. هذا كلّه على مسلك التخيير الأخذي.

وأمّا على المسلك الثاني، وهو الأخذ بأحوط القولين في المتساوييْن بسبب العلم الإجمالي الكبير بدعوى أنّ العلم الإجمالي الكبير منجّز لجميع الأحكام، وعليه لابدّ من الاحتياط المطلق، إلّا أنّ الإجماع أو التسالم قائم على عدم وجوب الاحتياط فيما وراء القولين، فيجب الاحتياط بين القولين، وهذا نوع من التبعيض في الاحتياط.

وعلى هذا المسلك لا يكون هناك أثر للاستصحاب، ومن الواضح عدم حجية الظن والاحتمال، فوظيفة العامي هي الاحتياط بين القولين إلّا إذا قامت الحجة على أعلمية أحدهما، وبما أنّه لم تقم الحجة فيجب الاحتياط.

نعم لو لم يتمكن من الاحتياط، كما في دوران الأمر بين المحذورين أو لعدم سعة الوقت، فلابدّ من العمل على وفق قول مظنون الأعلمية؛ وذلك لأقربيّة قوله إلى الواقع، أي: إنّ الاحتياط في دوران الأمر بين المحذورين، وفي ضيق الوقت يكون بالعمل على وفق قول مظنون الأعلمية ومحتمل الأعلمية.

فهل نفي الأعلمية هنا بالاستصحاب مفيد ليكون أثره التخيير في كيفية التبعيض ؟

ربما يقال بوجود أثر له، فإنّ استصحاب عدم أعلمية مظنون الأعلمية أو محتمل الأعلمية مرجعه إلى الغاء المظنة أو الاحتمال شرعاً، فيكون حكمه حكم المتساويين بحكم الشارع، فله الأخذ بقول كل منهما.

وقد يقال بعدم جريان الاستصحاب، فقد قال السيّد الخوئي: (وذلك لأنّ معنى هذا الاستصحاب أنّ من ظن أو احتمل أعلميته لم يحصل قوة زائدة على قوة الآخر وهذا كما ترى معارَض بعدم تحصيل الآخر قوة تساوي قوة من ظننت أو احتملت أعلميّته)(1).

وفيه: أنّ عدم تحصيل الآخر قوة تساوي قوة من ظننت أو احتملت أعلميته لا يكون منشأ أثر بعد التعبّد بأنّ أحدهما ليس بأعلم.

ثم قال : ( على أنّه لا يثبت به التساوي، ومعه لا يمكن الحكم بالتخيير بينهما لأن موضوعه التساوي الغير المحرز في المقام)(2).

وفيه: أنّ الاحتياط الذي كان يقول به متوقف على عدم قيام الحجة، فإن قامت حجة على نفي قيمة الاحتمال فلايجب الاحتياط، وهنا الاستصحاب يثبت أنّ الظن أو الاحتمال لا قيمة له، وهو ملغى. وهذا كاف في الحكم بالتساوي.

وأمّا على المسلك الثالث، وهو التخيير التطبيقي استناداً إلى موثقة سماعة، فإن كان علم إجمالي أو حجة إجمالية بمطابقة أحدهما للواقع فيكون مقتضى هذا العلم


1) التنقيح للسيد الخوئي: 1/ 165.

2) المصدر نفسه.

الإجمالي هو الاحتياط، إلّا إذا قامت الحجة على أعلمية واحد منهما، ومن الواضح أنّ الظن أو الاحتمال ليس بحجة ولايوجب انحلال العلم الإجمالي، وإن لم يكن علم إجمالي في البين فإمّا يكون أحدهما موجباً لشيء والآخر موجباً لشيء آخر، وفي هذه الصورة إمّا نقول بوجود العلم الإجمالي الكبير أو لا نقول فإن قلنا بوجوده كما قال السيد الخوئي فلازمه الاحتياط في المقام، وإن أنكرنا وجود العلم الإجمالي - كما هو المختار - يكون المقام مجرىً للاُصول المرخّصة، وإجراء الأُصول المرخّصة مبتن على عدم وجود الحجة، وعدم وجود الحجة يثبت باستصحاب عدم أعلمية مظنون الأعلمية أو محتمل الأعلمية، بل لو لم نقل بالاستصحاب كفى في جريان الأُصول المرخصة عدم إثبات الحجة نعم لابدّ له من الفحص عن الأعلمية حتى يمكنه إجراء الأُصول المرخّصة.

هذا بناءً على عدم شمول الموثقة كما إذا قال كل منهما بأمر .

وأمّا إذا كان أحدهما مثبتاً والآخر نافياً كما هو مفاد الموثقة، فهو في سعة إلّا فيما إذا كان أحدهما أعلم، فلابدّ من إحراز الأعلمية إذا قلنا بأنّ المخصّص لُبّي، وأما مجرد الظن أو الاحتمال بالأعلمية فهو غير كاف للزوم الاحتياط بالأخذ بقول مظنون الأعلمية أو محتمل الأعلمية، وإن قلنا بأنّ المخصّص لفظي كما إذا استفدنا التخصيص من المقبولة، فالاستصحاب يقتضي عدم أعلمية مظنون الأعلمية أو محتمل الأعلمية، ونتيجة ذلك تكون السعة ثابتةً في موارد الظن بالأعلمية أو احتمال الأعلمية.

هذا تمام الكلام في الأعلمية والفروع المترتبة عليها، وقد ظهر مما ذكرنا أنّ الأعلمية ليست من شرائط المجتهد، بل من المرجحات عند التعارض.

الترجيح بالأورعية

اشارة

بعد ما ظهر أنّ الأعلمية من المرجحات عند التعارض يقع الكلام في أنّ الأورعية من المرجّحات أيضاً أو لا؟ وعلى تقدير كونها من المرجّحات، هل هي في عرض الأعلمية أو في طولها؟

وقد اختلف المتأخرون ممّن لهم تعليقة على العروة في ذلك، فقد صرّح بعضهم بلزوم تقديم الأورع، وبعضهم حكم به من باب أنّ ذلك أولى، ومن راجع كلمات المتقدمين يظهر له بأنهم كانوا يرون الأعلمية والأورعية من المرجّحات، إلّا أنّ بعضهم قد قال بأنّهما معاً من المرجّحات، وهذا كالسيد المرتضى على ما في الذريعة(1)، وبعضهم وإن ذكر الأعلمية والأورعية معاً، إلّا أنّه أوضح بعد ذلك بأنّه إذا كان أحدهما أعلم والآخر أورع يكون الأعلم مقدّماً على الأورع، فقد قال السيد المرتضى في الذريعة: (وإن كانت الجماعة هم متساوون كان مخيّراً وإن كان بعضهم عنده أعلم من بعض أو أورع وأدين فقد اختلفوا: فمنهم من جعله مخيّراً، ومنهم من أوجب أن يستفتي المقدّم في العلم والدين، وهو أولى؛ لأنّ الثقة هاهنا أقرب وأوكد والأُصول كلها بذلك شاهدة)(2).

وقال المحقق الحلي في المعارج: (وإن اتّفق اثنان أحدهما أعلم والآخر أكثر عدالة وورعاً قُدّم الأعلم)(3).


1) الذريعة الى اُصول الشريعة: 2/ 801.

2) المصدر نفسه.

3) معارج الأُصول: 201.

وذكر العلامة في كتابه المبادئ مثل ذلك(1)، وهكذا الشهيد في الذكرى في مقدّمتها وفي الإشارة الرابعة، قال: (فإن تعدّد وجب اتّباع الأعلم الأورع - كما تضمّنه الحديث - لزيادة الثقة بقوله. فإن تقابل الأعلم والأورع فالأُولى: تقليد الأعلم)(2).

وذكر الشهيد الثاني في منية المريد ما يشبه ذلك(3)، وهكذا صاحب المعالم(4).

وعلى أي حال فظاهر كلمات القدماء هو مرجّحية الأورعية في طول الأعلمية، ويُستفاد من كلماتهم أنّ حكمهم بذلك من جهة زيادة الوثوق، فكما أنّ الأعلمية موجبة لازدياد الوثوق كذلك الأورعية، فإنّ الأورع قد يحقّق ويدقّق أكثر من غيره في مستند فتواه بملاحظة كثرة ورعه كما نقل عن بعض الرواة بأنّ من كثرة ورعه وصدقه اختصر على عشرين رواية مع أنّه قد سمع سبعين رواية كما في ترجمة حماد بن عيسى.

والمقصود أنّ الأورعية توجب ازدياد الدقّة والتحقيق في مستند فتواه وملاحظة جميع الخصوصيات كما إذا رأى رواية في الوسائل مثلاً، فهو لا يكتفي بذلك، بل يراجع المصادر الاُخرى ورعاً، وعليه فالملاك الذي في الأعلمية موجود في الأورعية.

كما أنّ الأورعية تقتضي عدم الإخبار إلا بعد التثبّت، فإنّ الأفراد مختلفون في ذلك، فقد لا يُبرز الشخص فتواه بملاحظة أقلّ شيء، وورعه يقتضي أن يحصّل الرأي مظانّه الشرعية، وبعد تحصيله والتدقيق في المظان يخبر عن رأيه ونظره والنظر من وبملاحظة ورعه في إخباره عن فتواه يحصل الوثوق بقوله أكثر من غيره.


1) مبادئ الوصول : 248.

2) ذكرى الشيعة 43/1 .

3) منية المريد: 304.

4) معالم الدين: 246 .

ومراد المتقدّمين من الأورعية أحد هذين المعنيين، إما الأورعية في مرحلة الاستنباط أو في مرحلة إبراز الفتوى.

وأمّا مجرد الأورعية في الشبهات فهي مما لا ترتبط بالاستنباط، وليست مراد الفقهاء؛ إذ لا علاقة لها بالاستنباط، مضافاً إلى أنّها لا تلائم التعليل المذكور في كلماتهم (لأنّ الثقة هنا أقرب)، أو : ( لزيادة الثقة)، بل سياق الكلام يقتضي أن يكون المراد أحد المعنيين المتقدّمين، فإنّه لو قال: راجع الطبيب الفلاني، فإنّه أورع، أي: أنّه أورع في تشخيص المرض، بأن لا يشخّص المرض بأقلّ علامة من علامات ذلك المرض، بل يفحص فحصاً تاماً ليحكم بشكل صحيح، أو أنّه يُعطي الدواء بالمقدار اللازم، لا أقلّ ولا أكثر، فإنّ الزائد كالناقص، والكلام في دليل ذلك.

والدليل إمّا الروايات وإمّا الأُصول.

أمّا الروايات فتكفينا الروايات التي تعرّضنا لها في مسألة مرجّحية الأعلمية من مقبولة عمر بن حنظلة ومعتبرة داود، فإنّ في المقبولة: «الحكم ما حكم به أعدلها وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما»(1)، والإشكال بأنّ الرواية ترتبط بالقاضيين قد تقدم الكلام فيه وفي جوابه.

وأمّا الإشكال الذي ذُكر في التنقيح من أن: (ظاهرها أن كلاً من تلك الصفات مرجّح بالاستقلال، لا أن المرجح مجموعها وإن كانت قد جمعت في البيان، وعليه لو قلنا بشمولها للفتويين المتعارضتين فلا مناص من الحكم بتساقطهما فيما إذا كان أحد المجتهدين أفقه - مثلاً - والآخر أورع لاشتمال كلّ منهما على مرجّح فيتساقطان، وهذا


1) تقدّم تخريجه.

لا يلتزم به الخصم فإنّ الأعلم هو المتعيّن عند التعارض وإن كان غير الأعلم أورع)(1)، ثم قال بعد ذلك: (وهذه قرينة كاشفة عن أنّ المقبولة ونحوها غير شاملة للفتويين ثم قال المتعارضتين)(2).

فالجواب عنه أنّ هذه لا تكون قرينة على عدم شمول المقبولة ونحوها للفتويين المتعارضتين، فإنّه بملاحظة المناسبات المرتكزة يقدّم الأعلم على الأورع، فإنّ الأعلمية موجبة لأكثريّة الوثوق من الأورعية، ولا نلتزم بالتساقط فيما إذا تقابل الأعلم والأورع.

والظاهر أنّ المراد من الأورع الأورعية المرتبطة بمرحلة الإفتاء، لا مطلق الأورعية وإن لم تتعلّق بمرحلة الاستنباط أو الفتوى، وهذا ما فهمه القدماء، ولذا علّلوا ذلك بزياده الثقة وأشباهه، كما أنّه ليس المراد من الأفقه، الأفقه في غير ما يرتبط باستنباط الأحكام، بل المراد من كان أفقه في علم الحديث واستنباط الأحكام، والأفقهيّة في الاستنباط هي التي توجب زيادة الوثوق، كما أنّ الأورعية في هذه المرحلة أيضاً توجب كثرة الوثوق، وهذا نظير ما إذا قيل بأنّ أحد الطبيبين أورع مع تساويهما في الدرجة العلمية، فمعنى ذلك أنّ معاملته مع المرضى أحسن، وهو ذو ضمير حيّ ويتعامل بإنسانية مع المرضى، فيحصل للانسان وثوق أكثر في تشخيصه للمرض وفي إبراز رأيه.

فظهر أنّ الروايات من وجهة نظرنا دالّة على مرجّحية الأورعية ولا بأس بالاستدلال بها.


1) التنقيح للسيد الخوئي: 1/ 174 - 175 .

2) المصدر نفسه: 175 .

وأما ما تقتضيه الأُصول العملية في المسألة فهو يختلف المباني المذكورة في المتساويين.

فإن قلنا في المتساويين بالتخيير الأخذي - كما عليه المشهور، بل المتسالم عليه بينهم، ولم يخالف فيه إلّا بعض المتأخرين - فمورد الإجماع والتسالم ما إذا لم يكن أحدهما أورع، كما ظهر ذلك من عبارة القدماء، فإنّهم يقولون بالتخيير فيما إذا لم يكن أحدهما أعلم وأورع، وأمّا إذا كان أحدهما أورع فهو خارج عن مورد التسالم والإجماع، فلابدّ من الأخذ بقول الأورع، ومع قطع النظر عن ذلك يدور الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية؛ لأنّه إن أخذ بقول الأورع فهو حجة قطعاً إمّا من جهة التخيير وإمّا تعييناً، وأمّا قول غير الأورع فيشكّ في حجيته ولو من جهة ما ذكره القدماء.

إلّا أنّ المحقق الإصفهاني ذكر ما محصله: أنّ الاُمور التي هي دخيلة في الفتيا قد تكون دخيلة في أصل الكاشفية، وهذا مثل العلمية، وقد لا تكون دخيلة في أصل الكاشفية، بل من الشروط مثل العدالة، فإن كان أحدهما أقوى فيما هو ملاك الحجية بأن كان أحدهما أعلم فيأتي الكلام في لزوم الأخذ بقوله من جهة دوران الأمر بین التعيين والتخيير، وإما لا تكون دخيلة في الكاشفية فبما أنّا شرط تعبّدي، فيكون التمسك بالقانون المذكور محل إشكال(1).

ويظهر الجواب عنه ممّا تقدم، حيث إن الأورعية التي نقول بمرجّحيتها إنّما هي من جهة أنّها دخيلة في الكاشفية وموجبة لمزيد الوثوق، لا مطلق الأورعية حتى وإن كانت خارجة عن مرحلة الإفتاء، بأن كان أحدهما أورع من الآخر في الشبهات، وعلى


1) الاجتهاد والتقليد 65 .

فرض أنّها غير دخيلة في الحجية، فلا ريب أنّ أقوال المتقدّمين موجبة للشك في حجية قول غير الأورع، وهذا كاف في الحكم بعدم الحجية، لأنّ الشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية، فلابد من أخذ قول الأورع.

وإن قلنا بالتخيير التطبيقي من جهة موثقة سماعة كما قلنا به، فهذه الرواية لا إطلاق لها فيما إذا كان أحدهما أعلم أو أورع، فيأتي دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، فإن طبّق عمله على وفق قول الأورع فيكون معذّراً له قطعاً، وإن طبّقه على قول غير الأورع فيشكّ في معذّته.

وإن قلنا بلزوم الأخذ بأحوط القولين في المتساوييْن، فلا يمكن التمسك بالقانون المذكور، ويتساقطان، إلّا أنّه بما أنّ الإجماع قائم على عدم وجوب الاحتياط المطلق، فيجب الأخذ بالأحوط بين القولين، فإن أمكن الاحتياط فهو، وإن لم يمكن كما إذا دار الأمر بين المحذورين، أو لضيق الوقت، فذكر(قدس سره الشریف) أنّه لا يجب عليه الأخذ بقول الأورع، والحال أنّه ذكر في مظنون الأعلمية أنّه يجب الأخذ بقوله، والسرّ في ذلك أنه لابدّ له أن يأتي بإحدى الصلاتين من القصر أو الإتمام وذلك لضيق الوقت، فالامتثال امتثالٌ احتمالي والأورعية لا توجب تقوية احتمال الامتثال كما كانت الأعلمية توجب ذلك.

والجواب عنه يظهر أيضاً مما تقدم، فإنّ الأورعية التي هي محل البحث موجبة لأوثقية فتوى الأورع، وطبعاً تكون موجبة لقوة احتمال الامتثال، فلابدّ من الأخذ بقول الأورع فيما إذا لم يكن الاحتياط ممكناً.

فظهر أنّ الأورعية كالأعلمية مرجّح عند التعارض، إلّا أن مرجّحيتها في طول الأعلمية.

الشرط الأوّل: الحياة
اشارة

هل يُشترط في حجّية قول المجتهد أن يكون حيّاً أو لا؟ وعلى فرض الاشتراط هل يكون معتبراً في الابتداء والاستدامة أو أنّه يعتبر في الابتداء فقط؟

والبحث فعلاً في تقليد الميت ابتداءً

اختلف الأعلام في هذه المسألة على قولين، وما نسب الى المشهور، بل ادّعي الإجماع عليه هو اعتبار الحياة في التقليد الابتدائي(1)، وفي قبالهم ذهب جماعة من الأعلام إلى جواز تقليد الميت، فمن الأُصوليّين الذين قالوا بذلك هو المحقق القمي على ما في جامع الشتات(2)والقوانين، ومن الأخباريّين المتأخرين جماعة قد أصرّوا على جواز تقليد الأموات.

وأمّا العامة فالظاهر أنّ السابقين منهم كانوا يقولون بعدم جواز تقليد الميت، فقد ادّعى الرازي(3)الاجماع على ذلك، وكذا نقل الغزالي الإجماع عليه(4)، إلّا أنّ المتأخّرين منهم بعد انسداد باب الاجتهاد عندهم بدواع مختلفة اتفّقوا على جواز تقليد الأموات، بل على وجوب ذلك، فإنّه بعد حصرهم للمذهب في مذاهب أربعة، قالوا بأنّه لابدّ أن يكون القضاء أو الإفتاء على طبق أحد هذه المذاهب، وحصرُ المذاهب في أربعة قد أوجب انحطاطهم الفكري، على ما ذكره بعض مجدّديهم، فإنّه لا يمكن لهم


1) جواهر الكلام 402/21

2) جامع الشتات 469/4 .

3) المحصول: 71/6.

4) المنخول: 480 .

إبداء قول يكون ذا قيمة حتى بالنسبة الى المسائل المستحدثة، مع كثرة المسائل المستحدثة في زماننا هذا ، ولذا ظهر عندهم دعاة لانفتاح باب الاجتهاد وعدم جواز تقليد الميت.

وعلى أيّ حال فالمسألة مختلف فيها، والمشهور بين الشيعة هو عدم جواز تقليد الميت ابتداءً.

واستدل القائلون بعدم جواز تقليد الميت ابتداءً بوجوه متعددة، أهمّها ما يلي:

الوجه الأوّل: الإجماع، حيث ادّعي على اشتراط الحياة، فقد نُقلت في مطارح الأفهام أقوال كثيرة ودعاءٍ متعددة للإجماع على ذلك، وبعضهم قال باعتبار هذا الإجماع لنقل ذلك من قبل كثير من العلماء.

إلّا أنّه يمكن المناقشة في الاستدلال بالإجماع بأمور:

الأمر الأوّل: أنّ علماءنا السابقين على العلّامة لم يتعرّضوا للمسألة صراحة، لا نفياً ولا إثباتاً، والظاهر أنّ أوّل من تعرّض للمسألة هو العلّامة، إلّا أنّه لم يتعرّض للمسألة بنحو ما طرحناه، بل ذكر ما مضمونه أنّه لو نقل الناقل فتوىً، فإن كان عن الحي يجوز الاعتماد على قوله بشرائطه، وأمّا إذا نقل فتوى الميت فلا يعتبر، لأنّ الميت لا قول له، ولذلك ينعقد الإجماع بموته.

وقد تعرّض للمسألة الشهيد في الذكرى بنحو ما طرحه العلّامة، وقال بأنّ ظاهر العلماء عدم اعتبار نقل فتوى الميت محتجّين بأنّ الميت لا قول له وينعقد الإجماع بموته.

وتعرّض صاحب المعالم أيضاً لهذه المسألة، إلّا أنّه قال بأنهم استدلّوا على وجه لا ينبغي أن يُذكر، وكلامه هذا مشير إلى الوجه المذكور في كلماتهم من أنّه لا قول له وينعقد الإجماع بموته.

واستدل صاحب المعالم بوجه آخر سنذكره إن شاء الله .

وبعد الشهيد ادّعى الإجماعَ جماعةٌ، منهم: ابن أبي جمهور، والمحقّق الثاني، والمحقق النراقي في المناهج وغيرهم.

وربما يقال: إنّ ظاهر كلام الكليني في أوّل الكافي مُوهم خلاف قولهم وأنّه يحوز تقليد الميت، فقد قال الكليني: (مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكلّ من اقتبس منه وعمل بما فيه في دهرنا هذا وفي غابره إلى انقضاء الدنيا، إذ الربّ جلّ وعزّ واحدٌ والرسولُ محمد خاتم النبيين - صلوات الله وسلامه عليه وآله - واحدٌ، والشريعة واحدة وحلال محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حلال وحرامه حرام الى يوم القيامة...)(1)، فيكون تعليله هذا: (إذ الرب ... الى أخره) موهماً جواز تقليد الميت؛ إذ ظاهر هذا التعليل كونه تعليلاً للاقتباس و للعمل.

إلا أن الظاهر أن التعليل خاص بالاقتباس، وذلك لأن وحدانية الرب والرسول والشريعة لا تتنافي مع اقتباس المقتبسين وإن كانوا مخالفين لآرائه، وأما بلحاظ أنّ هذه الآثار هي الآثار الصحيحة عن الصادقين(عليه السلام) فربما لا يعتقد كثير بأنّ هذه الآثار كلها صحيحة، أو لا يعتقد بما اعتقده الكليني من التخيير في صورة تعارض الأخبار، إلى غير ذلك من الأمور ، وهذا التعليل لا يقتضي جواز تقليد الميت.

مضافاً إلى أنّه من الممكن أنّ الكليني نقل في الكافي أحوط الأقوال والروايات، ولذا يرى جواز العمل على وفق كتابه بعد موته، وإن لم يقل بجواز تقليد الميت، كما أن الشيخ الأنصاري الذي لا يقول بجواز تقليد الميت قال في مناسكه ما مضمونه : أنّه سلك طريق الاحتياط في هذه الرسالة غالباً حتى لا يقتصر الانتفاع بها على حياته


1) الكافي: 1/ 7.

فقط، فبما أنّه سلك طريق الاحتياط في رسالته فلا تُنسخ هذه الرسالة، ولذا كانت رسالته متّبعة إلى السنين الأخيرة، وكانت التعليقات عليها نادرة جداً.

فظهر أنّ عبارة الكليني لا تدل على أنّه كان يقول بجواز تقليد الميت، ولا أقل من أنّ هذه العبارة لا تكون دليلاً على أنّ من تقدم من العلماء على العلّامة كان لا يقول بجواز تقليد الميت.

والعمدة استدلال العلّامة ومن تأخّر عنه ممّن كانوا يقولون بحجية الإجماع في عصر واحد في باب الإجماع الدخولي، حيث إنّ العلّامة وغيره قالوا بانعقاد الإجماع إذا مات المخالف، إذ الميت لا قول له، وقد اُجيب عنه بوجوه متعددة، ولذا قال صاحب المعالم إنهم استدلوا على وجه لا ينبغي أن يُذكر، وذلك لأنّه إذا انعقد الإجماع بموت المجتهد المخالف فيسُتكشف أنّ قوله في حال حياته لم يكن حجة، وذلك لأنّ قوله على خلاف قول المعصوم، فمِن موته يُستكشف عدم اعتبار رأيه، إلى غير ذلك من الوجوه التي ذُكرت في تقريرات الشيخ (مطارح الأنظار) للرد على هذا الاجماع.

وعلى أيّ حال، فالإجماع وتعليله عليل، والشهيد وإن استظهر من ظاهر العلماء ذلك إلّا أنه نقل أيضاً الخلاف عن بعض، إلّا أنّ المتأخّرين استظهروا بأنّ المراد من البعض بعض العامة، مع أنّ الشهيد بني في الذكرى على نقل أقوال علماء الشيعة.

فظهر أنّه ليس في المقام إجماع محقّق.

الأمر الثاني: أنّ الإجماع مضافاً إلى عدم تحقّقه معلّل بتعليل فيه تأملّ، وعلى فرض تماميّته يكون الإجماع مدركياً، نعم لو أنّ السابقين أفتوا باشتراط الحياة كما هي فتوى المشهور من المتأخرين لكان للاستدلال به وجه من باب تلاحق أفكار متعددة من الأكابر المختلفين في الرأي، وذلك لحصول الاطمئنان من باب تجمّع الاحتمالات في محور واحد، إلّا أنّ الإجماع تحقّق عند المتأخّرين من الاُصوليين.

الوجه الثاني: قصور أدلة التقليد عن إثبات حجية قول الميت ابتداء

قد استدلّ على عدم جواز تقليد الميت ابتداءً بوجه مؤلّف من مقدّمتين:

المقدمة الاُولى: أنّ الوجوه التي كنا نستدل بها على جواز تقليد الفقيه كلها قاصرة عن إثبات حجية قول الميت.

المقدمة الثانية: أنّه على فرض قصور الأدلة يكون المرجع هو الأصل، والشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية.

أمّا المقدّمة الاُولى: فإنّ الأدلّة الدالة على جواز التقليد:

منها: بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة، مع عدم الردع، ولا شك في أنّ بناء العقلاء إنما هو على الرجوع الى أهل الخبرة من الأطبّاء والمهندسين والمقوّمين وغيرهم من أرباب الحِرَف، والجري الخارجي الذي هو عبارة اُخرى عن بناء العقلاء إنما هو على الرجوع الى أهل الخبرة في زمان حياتهم، وهذا هو الذي كان بمرأى ومنظر من المعصومين(عليهم السلام) ومع ذلك لم يردع أئمتنا(عليهم السلام)عن ذلك.

لا يقال: لا مانع من الرجوع إلى مكتوبات أو آراء أهل الخبرة وإن مات صاحب الرأي والكتاب، كما إذا كتبَ مهندسٌ أو طبيب آراءه بحيث يفهمه العوام، كما هو الحال في الرسائل العملية حيث إنّها كُتبت من أجل العوام ولذا سُمّي بعضها بإرشاد العوام.

فإنّه يقال: إنّ هذا وإن كان صحيحاً في الجملة إلّا أنّه لا يوجب تشكيل بناء العقلاء، نعم هذا صحيح بحسب المرتكزات والبناء العقلائي عبارة عن الجري العملي على نحو القضية الخارجية، وهذا هو الذي يردع أو لا يردع إذا كان بمنظر من الشارع المقدس، وأمّا ما في أذهانهم من الرجوع إلى آراء السابقين من أهل الخبرة - إذا كان لهم آراء - فلا يجب على الإمام(عليه السلام)ردعه إذا كان على خلاف الواقع، ومن

الواضح، عدم وجود كتب معدة لبيان الفتاوى في زمن الأئمة الطاهرين(عليهم السلام) ، بل كان الجري الخارجي على مراجعة الفقهاء بعنوان الاستفتاء والفتوى، وأوّل من كتب رسالة عملية هو علي بن بابويه القمي، فالجري العملي وبناء العقلاء في زمن الأئمة الطاهرين(عليهم السلام) كان محدوداً بحدود الاستفتاء والإفتاء.

ومنها: الإجماع على جواز الإفتاء والاستفتاء، وهذا أيضاً محدود بحال الحياة، فإن الاستفتاء هي الاستجواب - أي: طلب الجواب -والفتوى هي الجواب.

ومنها: إرجاع الأئمة الأطهار(عليهم السلام)إلى الرواة والفقهاء، وهذا أيضاً محدود بما إذا كان الراوي أو الفقيه حيّاً ولا يشمل ما إذا كان الفقيه أو الراوي ميتاً.

ومنها: عدم ردع الأئمة(عليهم السلام)عن الإفتاء بالنسبة إلى علماء العامة، وإنّما كان الإشكال عليهم من جهة مقدمات الإفتاء، وهذا أيضاً محدود بحال الحياة كما هو ظاهر.

فظهر أنّ الادلة الدالة على جواز التقليد قاصرة من شمول ما إذا كان الفقيه ميتاً، وعليه فإن شككنا في جواز تقليد الميت يكون الشك فيه مساوقاً للقطع بعدم حجّية قوله، فلابد من تقليد الأحياء.

وأمّا المقدمة الثانية: فإنّه إذا كانت الأدلة قاصرة فطبعاً يُشكّ في جواز تقليد الميت، والشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية، وعليه فيُحكم بعدم حجية قول الميت.

وربما يعترض عليه بما اعترض عليه بعض مشايخنا وهو المحقق الميرزا مهدي الاصفهاني، ويمكن تقريب الاعتراض بأنّه صحيح أنّنا نشكّ في حجية قول الميت، و متقضى الأصل عدم حجّية قول الميت عند الشك في حجّيته، وكذا في حجية قول غير الأعلم، ونتيجة تطبيق الأصل في الموردين هي حجية قول الحي الأعلم من الأموات

والأحياء، وأمّا أعلم الأموات فهو مشكوك الحجية من جهة موته، وغير الأعلم من الأحياء أيضاً مشكوك الحجية من جهة مفضوليته، وعليه مقطوع الحجية مطلقا عبارة عن المجتهد الحي الذي هو أعلم من الأموات والأحياء، ووجود مثل هذا المجتهد نادر ثبوتاً وإثباتاً، فالأمر يدور بين اثنين يشك في حجّيتهما، أحدهما أعلم الأموات وثانيهما أعلم الأحياء، وكل منهما مشكوك الحجية من جهة، وليست نتيجة اجراء هذا الاصل اعتبار الحياة، بل نتيجته - بما أنّه قابل للتطبيق على الحياة والأعلمية - هي الحي الأعلم، وبما أنّه نادر جداً ثبوتاً وإثباتاً، فلابدّ من الالتزام بحجية أحدهما، إمّا أعلم الأحياء أو أعلم الأموات.

وخلاصة الكلام: أنّ هذا الأصل لا يقتضي اعتبار الحياة كما قيل باعتبار الحياة من جهة الأصل.

وهذا الاعتراض وارد بناءً على أن تكون الأعلمية من مقوّمات حجية قول المجتهد كما أنّ الحياة من مقوّمات حجية رأيه، وأمّا بناءً على ما ذكرنا من أنّ الأعلمية من المرجّحات عند التعارض، فلا يرد عليه هذا الاعتراض؛ إذ إنّ قول المجتهديْن- مع صرف النظر عن التعارض - كلاهما حجة وإن كان أحدهما غير أعلم، وعند تعارض الحجّيتين يلاحظ المرجّح ، وأحد المرجحات هو الأعلمية، فإن شككنا في أنّ قول المجتهد الميت حجة أو ليس بحجة، وكان قوله معارضاً لقول المجتهد الحي، يكون من قبيل تعارض الحجة مع اللاحجة، لا من قبيل تعارض الحجة مع الحجة، وهذا بخلاف مورد الترجيح بالأعلمية؛ إذ هناك حصل تعارض الحجة مع الحجة فيرجّح أحدهما بالأعلمية، وعليه فجريان أصالة عدم الحجية لإثبات اشتراط الحياة في الرتبة السابقة على التعارض وفي فرض جريانها لا يحصل تعارضٌ أصلاً، وجريان أصالة عدم عدم الحجية في تعارض الأعلم مع غير الأعلم في الرتبة المتأخّرة من التعارض،

فلا يصح ملاحظة الأصلين في رتبة واحدة فنتيجة جريان الأصل في الرتبة السابقة على التعارض هي اشتراط الحياة، ونتيجة جريان الأصل في الرتبة المتأخّرة عن التعارض هي مرجّحية الأعلمية.

فظهر أنّ الوجه الثاني تام إلّا أن يكون هنا استصحاب الحجّية، فبما أنّ الاستصحاب أصل شرعي فإنّه يُقدّم على الأصل العقلي الذي هو عبارة عن أصالة عدم الحجّية. وسيأتي البحث عن الاستصحاب في ضمن أدلة القائلين بحجية قول الميت.

الوجه الثالث: رواية الصدوق

فقد نقل الصدوق في العلل : ( أبي رحمه الله، قال حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحسن بن محبوب، عن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) تبقي الأرض بلا عالم حيّ ظاهر يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم ؟ فقال لي: إذاً لا يُعبَد الله يا أبا يوسف)(1).

ومعنى الرواية أنّ عبادة الله تتحقق بالرجوع الى العالم الحيّ، فإنّ عمل غير الفقيه - ولو كان فقهه تقليدياً - لا يكون صحيحاً إلّا نادراً، وهذه عبارة اُخرى عن أنّ الحجة قول العالم الحيّ الظاهر.

ويمكن المناقشة في الاستدلال بهذه الرواية بنحوين:

النحو الأوّل: أنّ الرواية منقولة بصورة أخرى في بصائر الدرجات والبحار، وهي هكذا: (حدّثنا محمد بن عيسى وأحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن يعقوب السرّاج، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) : تخلو الأرض من عالم منكم حيّ ظاهر


1) علل الشرائع: 195/1.

تفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال يا أبا يوسف لا، إنّ ذلك لبيّن في كتاب الله، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُواْ وَصَابِرُوا عدوّكم ممن يخالفكم وَرَابِطُوا إمامكم وَاتَّقُواْ الله فيما يأمركم وفرض عليكم)(1). وهذا من نقل الآية مع تفسيرها.

والرواية بقرينة (منكم) و (امامكم) ترتبط ببقاء الأرض خالية من الإمام المعصوم وعدمه، ولا ترتبط بالعالم الشيعي وإن لم يكن منهم.

وفي تفسير البرهان نقلاً عن منتخب سعد بن عبد الله ما يشبه نقل الصفار .

وكتاب سعد بن عبد الله لم يصل إلى المتأخّرين وقد انتُخب بعضٌ من هذا الكتاب وسُمّي بمنتخب سعد بن عبد الله.

وفي البرهان أيضاً نقلاً عن العياشي عن يعقوب السراج ما يشبه نقل الصفار، فلا يمكن الاستدلال بالرواية المنقولة في العلل.

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأنّ بصائر الدرجات من الكتب التي أعرض عنها الأكابر، ولذا لم يذكره ابن بابويه وأمثاله، أو أنّ السند إلى ما سوى كتاب بصائر الدرجات صحيح، ولكنّ السند الذي يعمّ بصائر الدرجات فيه أفراد قد تأمّل بعض فيهم، أو أن ّهناك شواهد تدلّ على أنّ بصائر الدرجات من الكتب التي زِيدَ فيها.

ويمكن المناقشة في منتخب سعد بن عبد الله بأكثر من ذلك، وروايات العيّاشي كلّها مرسلة، فلا يمكن الاعتماد على هذه المصادر.

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بوجه آخر - مع قطع النظر عن الجواب الأوّل- وهو أنّ الرواية ليست برواية واحدة منقولة بنحوين؛ إذ من الممكن أنّ السائل - وهو


1) بصائر الدرجات: 507 ، بحار الأنوار: 23/ 51 - 52 .

يعقوب السراج - سأل الإمام(عليه السلام) تارةً عن خلوّ الأرض من عالم منكم، وسأل الإمام(عليه السلام) مرة اُخرى عن خلوّ الأرض من مطلق عالم حيّ يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم، فكلّ من الروايتين ترتبط بجهة معيّنة، ومجرد أنّ الراوي هو الحسن بن محبوب عن يعقوب السراج عن أبي عبد الله(عليه السلام) لا يكون دليلاً على أن الرواية رواية واحدة منقولة بنحوين، مع أن بينهما اختلافاً في السؤال والجواب.

كما يمكن الجواب عن المناقشة بوجه آخر، وهو أنّ السؤال في جميعها عن الإمام الحي الظاهر، ولاريب في أنّ الإمام المعصوم(عليه السلام) لا يُعتبر فيه أن يكون ظاهراً كما تدل عليه روايات كثيرة واردة في الغيبة، وتُحمل كلمة (منكم) على أنّه تابع لكم، أي: أنّه من شيعتكم وليس من مخالفيكم، والمراد من جملة (ورابطوا إمامكم) مطلق الإمام لا الإمام المعصوم (ألا وإنّ لكل مأموم إماماً يقتدي به)(1)، فعلى هذا مفادهما شيء واحد، نعم لو لم تكن كلمة ( ظاهر ) لكان للقول بأنّ مفادهما مختلف وجه، فلا يمكن القول بأنّ ما في البصائر مخالف لما نقله الصدوق في العلل.

هذا كلّه مع قطع النظر عن التأويل، فقد ذكر الشُرّاح تأويلات لصحيحة محمد بن مسلم المذكورة في الكافي حيث ذكر فيها الحاجة إلى إمام ظاهر من أنّ المراد من (الظاهر) الطاهر حيث قُرِئ من دون نقطة، مع أنّ جميع النسخ مع النقطة، أو أنّ المراد من الظهور هو الوجود، كما أوّله الملّا صالح، أو أنّ المراد من غلبت حجته على الآخرين، إلى غير ذلك من التأويلات.

النحو الثاني: أنّه ليس المراد من قوله : ( في حلالهم وحرامهم) مطلق الحلال والحرام، بل المراد الحلال والحرام في الأمور المستحدثة كالشوارع المفتوحة والمذياع


1) نهج البلاغة 3/ 70.

والتلفزيون إلى غير ذلك من المسائل المستحدثة، أو لا أقلّ مِن أنّ المراد من الحلال والحرام ما لا يُعلم قول القدماء فيه.

فإن قيل : إنّ المفرد المضاف يدل على العموم.

قلنا: إنّ هذا غير ثابت، وعليه فالمراد من الحلال والحرام: الحلال والحرام الذي في زمن حياة هذا العالم، لا مطلق الحلال والحرام، أو ما لا يُعلم قول القدماء فيه، ولابدّ من الرجوع إلى الفقيه لمعرفة أقوال القدماء، وهذا لا يكون إلّا في حياة الفقيه، فالرواية لا تدل على عدم جواز تقليد الأموات.

إلّا أنّه يمكن أن يقال بأنّ المستظهر من هذه الرواية هو أنّ المراد من الحلال والحرام طبيعة الحلال والحرام، وعليه فالنتيجة هي عدم جواز تقليد الميت.

وعلى أيّ نحو كان فالاستدلال بهذه الرواية لعدم جواز تقليد الميت - ولا أقلّ من التقليد الابتدائي - مما له وجه.

الوجه الرابع : بطلان انحصار الأعلم في واحد من الأحياء والأموات

وهناك دليل آخر على اشتراط الحياة ذكره بعض ، وأصل هذا الدليل موجود في كلمات المحقق الثاني والشهيد الثاني، وقد اعتمد بعض الأكابر عليه، وحاصله : أنّه لا ريب في علم الأفراد بالاختلاف بين المتقدّمين والمتأخّرين في كثير من الفروع، وبما أنّه يجب تقليد الأعلم فيكون نتيجة ذلك - بناءً على جواز تقليد الميت - أن يُصبح بعض الأكابر من القدماء كالشيخ أو غيره، من الذين ثبتت أعلميّته رئيساً للشيعة ويجب على جميع الناس الرجوع إليه، وفي الحقيقة يكون الأعلم الإمام الثالث عشر، وهذا معلوم البطلان، إذ بضرورة من المذهب ليس لأحد مركزية بهذا النحو إلّا للأئمة الطاهرين

(عليهم السلام) ، فيُكشف منه اشتراط الحياة في حجية قول المجتهد، إذ لو لم تكن الحياة شرطاً فإنّه يجب الرجوع إلى أعلم العلماء من الأحياء والأموات، ومن الواضح أنّ

أعلم الأحياء والاموات ليس إلّا واحد فيجب على الشيعة اتّباع شخص واحد في هذه القرون المتتالية.(1)

ويمكن المناقشة في هذا الدليل بأمور:

الأمر الأوّل: إنّه على فرض تسليم الملازمة وأنّه يلزم من ذلك رجوع جميع الشيعة إلى شخص واحد، فإنّ هذا إنّما يلزم من ضمّ مقدمة إلى مقدمة اُخرى:

الاُولى: أنّه لا يشترط الحياة في المقلد.

الثانية: إنّ الأعلمية من المرجّحات عند التعارض سواء كان الأعلم في الأحياء و في الأموات، والتالي الذي فُرض بأنّه يلزم من المقدّمتين وفُرض بأنّه فاسد، إنّما يلزم على فرض ثبوت المقدّمتين ومن فساد التالي يُعرف فساد إحدى المقدّمتين، فإنّه إمّا ردع الشارع عن الرجوع إلى أهل الخبرة سواء كان حياً أم ميتاً - كما ادعى السيد الخوئي السيرة على ذلك - وإمّا رفع الشارع يده من حجّية قول الأعلم عند التعارض.

والقول بأنّ الشارع ردع عن المقدّمة الاُولى حتى يكون هذا الدليل من أدلّة المقام مما لا وجه له؛ إذ كما يمكن للشارع الردع عن المقدّمة الاُولى فإنّه يمكنه رفع اليد عن مرجّحية الأعلمية عند التعارض، فإنّ ردع الشارع عن المقدّمة الاُولى تكون نتيجته الرجوع إلى أهل الخبرة في زمان حياة أهل الخبرة، وإن رفع اليد عن المقدّمة الثانية تكون النتيجة تخيير المقلد في اتّباع أيّ منهم - على المشهور - فإنّ رفع اليد عن المقدّمة الثانية لا يلزم منه المحذور المذكور من اتباع الشيعة شخصاً واحداً.

وخلاصة الكلام: إنّه كيف استكشفتم من فساد التالي ردع الشارع عن المقدّمة الاُولى، مع إمكان رفع اليد عن المقدّمة الثانية ؟


1) انظر: التنقيح للسيد الخوئي: 1/ 107 .

ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأنّه بما أنّ الأمر يدور بين رفع اليد عن المقدمة الثانية والردع عن المقدمة الاُولى وتحديد السيرة بالحياة، فإنّه إن رَدَعَ الشارعُ عن المقدّمة الاُولى فإنّ نتيجته هي تعيّن اتّباع الأعلم، وإن رفع اليد عن المقدّمة الثانية فنتيجته التخيير، وعليه فالأعلم من الأحياء يدور أمره بين التعيين والتخيير مع الأموات، إذ المفروض هو حجّية قول هذا الأعلم مطلقاً، إذ لو كانت الحياة شرطاً، فتكون الأعلمية هي المعيار في الأحياء، ولو لم تكن الأعلمية شرطاً فيكون المقلّد مخيّراً، وبما أنّه لا ندري أنّ الشارع هل ردع عن المقدمة الاُولى أو أنّه رفع اليد عن الثانية، فنتيجته تكون من دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية فلابدّ من الأخذ بقول الأعلم الحيّ. هذا بناءً على مسلك التخيير الذي ذهب إليه المشهور.

وأمّا بناءً على الأخذ بأحوط القولين الذي سلكه السيد الخوئي، فلا يأتي التقريب المتقدّم، ويمكن تقييد ما ذكره السيد الخوئي من الأخذ بأحوط القولين، بما إذا كان مردّداً بين مجتهدين أو ثلاثة، وأما إذا كان مردداً بين المجتهدين من صدر الشريعة إلى زماننا هذا، فمن المقطوع عدم رضا الشارع بالاحتياط بين أقوالهم، ومن هذا نستكشف التخيير الأخذي، فإذا استكشفنا التخيير الأخذي على فرض رفع اليد عن مرجّحية الأعلمية، يكون من دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وعلى أي حال فهذا الاشكال يمكن الجواب عنه بما ذكرنا ، ولذا فالاشكال المذكور لا يكون وارداً.

الأمر الثاني: أنّ المحذور المذكور إنّما يلزم على وفق نظرية ليست مطابقة للوقع وهي أنّ الاجتهاد لم يتطور ولم يتكامل في هذه الأدوار، وأمّا إذا قلنا بأنّ الاجتهاد قد تطوّر وتكامل فلا يلزم المحذور المذكور، إذ تكامل وتطوّر الاجتهاد في الأدوار المختلفة نتيجته أنّ الأعلم في الدور الثاني يكون أعلم من الأعلم في الدور الأوّل، والأعلمُ في الدور الثالث أعلم من الأعلم في الدور الأوّل والثاني وهكذا، وعليه

فيتحول عنوان الأعلمية من شخص إلى شخص آخر، ومن أوضح الواضحات أنّ الفقه يسير سيراً تكاملياً، وكما هو واضح ليس مورد كلامنا المسائل الضرورية واليقينية والمجمع عليها بين الشيعة، بل مورد كلامنا هو المسائل التفريعية التي ليست بضرورية ولا يقينية، ولاريب في أنّ القدماء في الدور الأوّل نظريتهم في هذه المسائل التفريعية نظرية ابتدائية، ثم نتيجةً لتكامل وتطوّر علم الأُصول وعلم الفقه والإحاطة بالأحاديث اختلفت أنظار الفقهاء في الدور الثاني، فللعلماء في الدور الثاني نظرية أكمل من نظريتهم، نعم الأعلم في الدور الأوّل نابغة من النوابغ في عصره، وذلك لالتفاته إلى أصل من الأُصول أو لتفريع فرع على الأصل، إلّا أنّ هذا النابغة لو كان في الدور الثاني أو الثالث لعلّه لم يكن نابغة فيها، فمن باب المثال لا ريب في نبوغ ابن سينا فإنّه كان نابغة عصره، إلّا أنّه بعد تكامل علم الطب لو حُشر ابنُ سينا مع تلك المعلومات فلعلّه لم يتمكّن من الدخول في أيّ مستشفىً من مستشفيات العالم والتدخّل في الأُمور الطبية، نعم هو نابغة الطب ويُقدّس تأريخياً، وكذا الشيخ الطوسي فإنّه يذكر بأنّ الفروع التي تعرّض لها أصحابنا كانت محدودة بما ذكرناه في النهاية، إلّا أنّنا لاحظنا الفروع المذكورة في الكتب العامة وعلى طبق الأُصول والقواعد الموجودة عندنا حكمنا فيها، فهو أول من ذكر بعض الفروع التي لم يذكرها من سبقه، وهذا يدل على أنّه نابغة من النوابغ في عصره، ولا يدلّ على أنّ من أتى بعده وحقّق ودقّق في الفروع وفي تطبيق الأُصول - ولا سيما في الأدوار المتأخّرة مثل الشيخ الانصاري وأمثاله - أنّ نابغة ذلك العصر أعلم منه.

فظهر أنّ هذا الاشكال إنما يلزم من جمود الفقه أو انحطاطه، وأمّا إذا قلنا بأنّ علم الفقه قد تطوّر وتكامل بحسب الأدوار فإنّ الأعلم في كلّ زمان لا يكون أعلم في الزمان الثاني، وهكذا.

الأمر الثالث: أنّه قلّما يكون في عصر اتّفاق للشيعة على أعلمية شخص واحد، بل اختُلف في أعلمية الأموات منهم، فقد ذهب بعضٌ إلى أعلمية الشيخ، وبعض الى أعلمية المحقق الأول، وبعض الى أعلمية الشهيد الأول، وبعض الى أعلمية المحقق الثاني، وبعض الى أعلمية الفاضل الهندي صاحب كشف اللثام، فقد ذكر الشيخ زين العابدين المازندراني الذي هو من أكابر علماء كربلاء في مقدمة كتاب (ذخيرة العباد) بأنّ السابقين الذين كُتبهم بأيدينا لا يمكننا تعيين الأعلم منهم فضلاً عمن لم يصل كتابه الينا أو لم يكن له كتاب.

هذا تمام الكلام في أدلة القائلين باشتراط الحياة في حجية قول المجتهد.

وأمّا القائلون بجواز تقليد الميت ابتداءً فقد استدلّوا أيضاً بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ الرجوع إلى الفقهاء من باب الرجوع الى أهل الخبرة، ولا ريب بأنّه لا فرق عند العقلاء بين الحي والميت، وعلى فرض أن يكون الميت أعلم من الحي يُؤخذ بنظريته دون الحي.

والجواب عن هذا الوجه قد ظهر مما تقدم، فإنّه إن كان المراد من السيرة: الجري العملي على الرجوع إلى الأموات كالرجوع الى الأحياء، فهذا ممنوع؛ إذ ليس هناك جري عملي مستمر إلى زمان الأئمة(عليهم السلام) حتى يقال بأنّه لم يُردع عنها فهي حجة.

وإن كان المراد من السيرة الارتكاز العقلائي، فهو وإن كان صحيحاً إلّا أنّ هذا ليس بسيرة وجري عملي، وليس على الشارع الردع عن مرتكزات العقلاء.

الوجه الثاني: إطلاقات الأدلة، فإنّ الآيات والروايات الدالة على جواز التقليد ليس فيها تقييد بالحياة.

والجواب عن هذا الوجه هو أن الآية المباركة - وهي آية النفر - لا تدلّ على جواز التقليد وعدمه وهي غير مرتبطة بالمقام، وهي عمدة الآيات التي استدل بها.

وأمّا الروايات الشريفة كرواية اسحاق بن يعقوب: «واما الحوادث الواقعة...»(1)فهي مع قطع النظر عن السند، تدلّ على اشتراط الحياة، فإنّ ظاهر قوله(عليه السلام) : «فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا أن يكون المرجع راوياً بالفعل، فإنّ المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ بالفعل، مضافاً إلى أنّه قلنا سابقاً إنّ المراد بالحوادث الواقعة هي المسائل المستحدثة، ولا ريب في أنّ المسائل المستحدثة يُرجع فيها الى الحي.

وأمّا الرواية التي هي في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام) : «من كان من الفقهاء....» فهي أيضاً مع قطع النظر عن سندها ظاهرة في أنّ المقلَّد حين التقليد لا بدّ وأن يكون صائناً لدينه مطيعاً لأمر مولاه إلى غير ذلك من الشروط، فإنّ المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ بالفعل.

وأمّا الروايات الدالة على إرجاع الأئمة(عليهم السلام) إلى الفقهاء كيونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان، فهي أيضاً ليس لها اطلاق، إذ الرجوع كان في زمان حياتهم.

الوجه الثالث: أنّه لا إشكال في أنّ الشيعة كانت سيرتهم مستمرة على تقليد الأموات ابتداءً واستمراراً، إذ التشويش الذي يحصل للشيعة في زماننا هذا بموت فقيه بسبب عدم جواز تقليد الميت ولو ابتداءً، فإنّا نرى التشويش عند الشيعة والسؤال من هذا وذاك عن الأعلم في زماننا هذا، ولا نرى من هذا التشويش أثر بموت الكليني أو الجعفي صاحب الفاخر أو ابن أبي عقيل وأمثالهم، ولا يوجد شاهد على ذلك كما قامت شواهد على ذلك بموت بعض النوّاب الأربعة، إذ كانوا يسألون عن النائب اللاحق، كما في الغيبة.


1) تقدّم تخريجه.

فمن هنا يُعرف بأن سيرة الشيعة كانت على تقليد الأموات، مضافاً إلى عبارة الكليني في مقدمة كتابه - وقد تقدمت عبارته - ومضافاً إلى ما ذكر في المعالم من أن العلماء بعد الشيخ الطوسي إلى سنين متمادية كانوا مقلدين للشيخ.

ومن الشواهد على جواز تقليد الميت هو أن كتاب يوم وليلة ليونس بن عبد الرحمن كان مرجع الشيعة بعد موته الى زمان الإمام العسكري(عليه السلام)، وقد عرض هذا الكتاب على الإمام العسكري(عليه السلام) وصحّحه(عليه السلام) ، ومع تجويز ذلك فمن كان أقرب إلى عصر الحضور كيف يمكن أن يتمسك بالإجماع وأمثاله في قبالهم؟

وحاصل هذا الوجه الثالث هو : أنّ بناء الشيعة من أول الأمر - أي : في زمان الغيبة الصغرى والكبرى - كان على تقليد الأموات، بمعنى أنّه بعد موت فقيه من الفقهاء والأكابر لم يكن يحصل تشويش للشيعة واهتمام لتعيين فقيه ومرجع آخر، كما هو الحال في هذه الأعصار الأخيرة، ولو كان بناؤهم على عدم جواز تقليد الميت في تلك الأعصار لدلّت عليه الشواهد وإن كانت ضعيفة، والحال أنّه لا شاهد على ذلك، وهذا شاهد على تقليدهم للأموات والعمل على كتب المتقدّمين، وهناك شواهد على أنّهم كانوا يقلّدون الأموات.

ويمكن الجواب عن هذا الوجه بأنّه صحيح أنّ عمل الشيعة في زماننا هذا وفي القرون الأخيرة يختلف عن عمل الشيعة في الأزمنة السابقة، إلّا أنّ الكلام في الفارق بينهم، والظاهر أنّه ليس الفارق ما ذُكر من أنّ الشيعة كانت تقلّد الأموات في الأزمنة السابقة بخلاف الأعصار الأخيرة، بل الفارق هو أنّ المسائل تنقسم الى قسمين:

المسائل الأصلية والمسائل التفريعية، والتقليد بالمعنى المصطلح لا يكون في المسائل الأصلية، بل التقليد إنّما يكون في المسائل الفرعية المستحدثة أو المسائل التي اشتبهت عليهم فيما بعد، ويمكن أن يُستشهد على التفكيك بينهما بقوله(عليه السلام) : «وأما

الحوادث الواقعة فارجعوا فيها ... ولذا لم يُذكر في الذريعة والمعارج وأشباههما باب التقليد، بل ذكروا باباً بعنوان (باب المفتي والمستفتي)، وكان للشيعة طرق متعددة لاستفتائهم عن التقليد في المسائل الأصلية :

الطريق الأوّل: أنّه كان بأيدي الشيعة كتب في تلك الأعصار مصحَّحة من قبل الإمام(عليه السلام) ومُستحسَنة، وقد أمر الإمام(عليه السلام) بالعمل على وفق بعضها، ومن الواضح أنّ مثل هذا الكتاب يكون حجة ويجوز العمل على وفقه ولو بعد موت مؤلّفه. نعم هذه الكتب لم تكن مشتملة على الفروع كما يظهر من المبسوط وغيره، بل كانت مشتملة على المسائل الأصلية، فقد ذكر النجاشي في حق كتاب عبيد الله بن علي الحلبي أنّه عرضه على أبي عبدالله(عليه السلام) و صححه وقال عند قرائته: «أترى لهولاء مثل هذا؟»(1)، ويظهر من مقدّمة الفقيه أنّ هذا الكتاب كان في أيدي الشيعة، حيث يذكر من مصادر کتابه کتاب عبيد الله بن علي الحلبي، ويعبّر عن هذه الكتب بالكتب المشهورة التي عليها المعول وإليها المرجع ، وما ورد من الروايات الكثيرة التي ذكر عدد منها في جامع الأحاديث في حق كتاب يوم وليلة ليونس بن عبد الرحمن، وكتاب يوم وليلة لابن خانبة حيث يقول طلبت من الإمام العسكري(عليه السلام) كتاباً فأعطاني كتاباً، ولم يكن بين هذا الكتاب وكتاب ابن خانبه فرق إلّا بزيادة حرف أو حرفين، وهناك عدة من الرسائل الصغيرة التي كانت تُنسب إلى الإمام(عليه السلام) وكانت مشتملة على المسائل، مثل كتاب نخبة الإسلام على ما في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام).

الطريق الثاني: أنّ بعض مصنّفي هذه الكتب المختصرة قد صرّحوا بأنّ ما في كتبهم إمّا من دين الإمامية أو من المُجمع عليه بين الشيعة، مثل ما أملاه شيخنا


1) رجال النجاشي: 231.

الصدوق - على ما في الأمالي - على أهل مجلسه وعلى المشايخ في وصف دين الإمامية(1)، وطبعاً إذا أملى مثل الشيخ الصدوق على أهل مجلسه وعلى المشايخ وصف دين الإمامية وما يمتاز به دين الإمامية عن سائر المذاهب، فإنّه لا يكون ما أملاه من موارد الاجتهاد والتقليد، فإنّ التقليد - كما ذكر في العروة - إنّما يكون في غير الضروريات واليقينيات، وذلك لأنّ التقليد إنّما يكون في الموارد المحتاجة إلى اعمال النظر، وأمّا إذا كان من ضروريات دين الإمامية فلا تقليد فيه.

ومثل كتاب الفاخر للجعفي، وهو من أكابر العلماء، وقد ذكر صاحب المقابيس بأنّ هذا الكتاب ليس عنده ، ثم قال: (إلّا أنّه يستفاد من بعض عبارات الواقفين عليه أنّ كلّ ما فيه، سواء كان بطريق الرواية أو الفتوى فهو عنده مما أجمع عليه وصحّ من قول الأئمة(عليهم السلام))(2).

ومثل كتاب الأعلام للشيخ المفيد، فإنّ موضوع هذا الكتاب ما اتفقت الشيعة من المسائل الفقهية التي اتفقت العامة على خلافها(3)، وهذا الكتاب قد طبع في النجف الاشرف، إلّا أنه طبع ناقصاً لعدم وصول بعض صفحاته إلى أيديهم.

ومن الواضح أنّ المسائل المذكورة في أمثال هذه الكتب من مثل الشيخ المفيد والشيخ الصدوق والجعفي مع إملائه على المشايخ أو ما اتفقت الشيعة أو ما أجمع عليه لا تكون من المسائل التقليدية.

الطريق الثالث: ادّعاء الإجماع على المسائل المذكورة في بعض الكتب الاحتجاجية ككتاب الانتصار، فإنّه يدّعي في أغلب المسائل إجماع الشيعة، فلو كانت


1) الأمالي (للصدوق) 738 - 750 .

2) مقابس الأنوار: 8.

3) الإعلام، المجلد التاسع من مصنفات الشيخ المفيد.

المسألة مما أجمع عليه الشيعة فيمكن للعوام العمل على وفقها، وقد ذكر صاحب الانتصار في مقدمته بأن دليلنا في المسائل التي ننفرد عن العامة والمسائل المتفق عليها مع العامة هو إجماع الإمامية، كما أنّ الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف ادّعى الإجماع في أغلب المسائل التي فيه.

الطريق الرابع: إمكان تمييز الأخبار المُجمع عليها عن غيرها، أي الأخبار التي أجمعت الشيعة على العمل بها، وهذه الأخبار كانت موضوع بعض الكتب، أي: أنّه لم يكن يذكر في بعض الكتب إلّا الأخبار المجمع عليها، فإنّ الكتاب قد يكون مشتملاً على مختلف الأخبار ككتاب الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، وذكر في التهذيب المتّفق عليها والمختلف فيها، إلّا أنّه في تلك الأعصار كانت هناك كتب لذكر الأخبار المتّفق عليها بين الشيعة فقط، ومثل هذه الكتب طبعاً تكون حجة، وتدخل في قوله(عليه السلام) : (خذ بالمُجمع عليه بين أصحابك)(1)، وقد ذكر بعض المتأخّرين أنّ أول من خلط بين القسمين هو الشيخ الطوسي، ولسنا بصدد بيان صحة هذا من عدمه، بل نريد من ذكر ذلك بيان أن هناك كتباً مدوّنة لذكر الأخبار المجمع عليها، ومن الواضح أنّ ما فيه إجماع من ناحية صدوره عن الإمام(عليهم السلام) ليس للتقليد في مثله مجال.

وتوضيح ذلك: كانت الشيعة مبتلية بالاختلاط بأعدائهم ولا يتحمل الناس وضوح الاختلاف في الفقه الشيعي، كما ذكر في مقدّمة التهذيب بأنّه يُعترض علينا بأنّ الاختلاف بينكم أزيد من اختلاف العامة مع أنكم متمسّكون بحبل آل البيت فما هو هذا الاختلاف الذي بينكم. ولذا كان لهم عناية خاصة بنشر المُجمع عليه من الأخبار والفتوى.


1) تقدّم تخريجه.

وأمّا المسائل المختلف فيها فقد كان ينتهي أمرها إلى الاستفتاء، ولذا لا نرى نقل أقوال القدماء في الخلاف وأشباهه إلّا نادراً، وإنّما نرى أقوال ابن الجنيد وابن أبي عقيل وأمثالهما في كتاب مختلف الشيعة للعلّامة الحلي الذي كان يعيش في القرون المتأخّرة.

ومن الدواعي لذكر المتّفق عليه فقط، هو ما ذكرناه سابقاً من أنّ الشيخ والسيد المرتضى من المُخطّئة، ومن معاني المخطئة - على ما بيّناه سابقاً - هو أنّ مع كل حكم شرعي دليل بيّن ومن أخطأ يكون آثماً، كما ذكر ذلك الشيخ في العدة والسيد المرتضى في الذريعة، ومرجع نقل قول شخص آخر، والقول بعدم صحّته إلى تأثيمه وأنّه آثم، فلذا لم يذكروا أقوال الآخرين.

وخلاصة الكلام: أنّ الجوّ كان يقتضي إبراز الوحدة والاتفاق في الفتوى، ومع وجود هذه الكتب التي أشرنا إليها وادّعاء الإجماع والاتفاق لم يكن مجال للتقليد، مضافاً إلى أنّ الناس لم يكونوا يتحملون تقليد هذا الشخص في هذا اليوم وذاك في اليوم الآخر، وقد ذكر الشيخ بأني ذكرت المسائل الأصلية في النهاية وأردت ذكر المسائل التفريعية مستقلاً، إلّا أنّي رأيت بأنّ تفكيك المسائل الأصلية من الفرعية لا يمكن، ولذا ذكرهما معاً في المبسوط، وعليه فتخرج المسائل الأصلية عن التقليد، والتقليد إنّما كان في المسائل الخاصة بسبب الاستفتاء والفتوى.

ومن الشواهد التي توضّح ما ذكرناه ما قاله الشيخ المفيد في المسائل السروية: (وللشيعة أخبار في شرائع مجمع عليها من عصابة الحق، وأخبار مختلف فيها، فينبغي للعاقل المتدبّر أن يأخذ بالمجمع عليه كما أمر بذلك الصادق(عليه السلام) ويقف في المختلف

فيه ما لم يعلم حجّة في أحد الشيئين منه، ويردّه إلى من هو أعلم منه، ولا يقنع منه بالقياس فيه دون البيان على ذلك والبرهان)(1).

ومن الشواهد أيضاً ما قاله الحر العاملي: (إنّ أكثر أحاديثنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع على صحّتها: إما بالتواتر من طريق الإشاعة والإذاعة، وإمّا بعلامة وأمارة دلّت على صحّتها وصدق رواتها وهي موجبة للعلم مقتضية للقطع وإن وجدناها مودعة في الكتب بسند معين مخصوص من طريق الآحاد)(2).

وفي الوسائل أيضاً عن المعالم عن السيّد المرتضى: (إنّ معظم الفقه تُعلَم مذاهبُ أئمتنا(عليه السلام) فيه بالضرورة وبالأخبار المتواترة. وما لم يتحقق ذلك فيه - ولعلّه الأقل - يُعوّل فيه على إجماع الإمامية)(3).

والغرض أنّ معظم الفقه كان يُعرف في تلك الأزمنة بالضرورة وبالأخبار المتواترة، والأقلّ منه بالإجماع، وكان عندهم كتب مشتملة على الضروريات واليقينيات والمجمع عليها بين الأصحاب من الفروع، ولذا لم يكن يحصل لهم تشويش كما يحصل في زماننا بموت فقيه من الفقهاء، وإنّما يحصل هذا التشويش للمتأخّرين؛ لأنّ الكتب المؤلّفة منذ زمان المحقق وما بعده تشتمل على المسائل الضرورية المتفق عليها والمسائل المختلف فيها ، فلذا توهّم العوام بأنّه يجب التقليد في جميع تلك المسائل، وإذا مات فقيه يحصل لهم التشويش والسؤال عن المجتهد الحي، وبما أنّ متأخّري الأخباريّين لم يلتفتوا الى ماذكرنا فتوهّموا أنّ الكتب التي يؤلّفونها ككتب المتقدّمين، فيجوز للعوام تقليدهم حتى بعد موتهم، إلّا أنّهم غفلوا عن أنّ إفتائهم إنّما


1) المسائل السروية: 74 .

2) وسائل الشيعة: 213/30

3) المصدر نفسه: 214.

يكون بتوسط الاجتهاد، وليست كتبهم مشتملة على المسائل الأصلية فقط كما كانت كتب القدماء مشتملة عليها، وهم وإن كانوا يذكرون الروايات أحياناً في مقام الإفتاء، إلّا أنّ عملهم هذا لا يُخرجه عن الاستنباط والاجتهاد، فإنّهم حينما يذكرون حديثاً في مقام الإفتاء فلا ريب في أنّهم أعمَلوا في ذكر الحديث قواعد التصحيح وقواعد التعارض إلى غير ذلك من الأمور، إلّا أنّه خفيت بذلك حيثية الرأي والنظر، وأمّا الاُصوليون فهم يُبدون رأيهم ونظرهم. وأمّا القدماء فكما ذكرنا كان لهم عناية في إبراز الفقه بصورة موحّدة، ولذا كانوا يذكرون المسائل الأصلية والمجمع عليها في كتاب واحد، ومثل هذه الكتب كان يستغني الناس بها عن التقليد، إذ إنّ هذا شهادة بأنّ ما فيها كان من الضروريات واليقينيات والمجمع عليه.

فظهر مما ذكرنا أنّ عدم التشويش في القدماء كان من أجل اعتمادهم واطمئنانهم بشهادتهم وإخبارهم بأنّ هذه المسائل من الضروريات واليقينيّات.

وأمّا ما ذُكر من أنّ المتأخّرين عن الشيخ كانوا يعتمدون على ما أفتى به الشيخ، وهذا من أوضح مصاديق تقليد الميت، وقد ذكر ذلك صاحب المعالم في مبحث الإجماع، حيث قال: (الشهرة التي تحصل معها قوة الظن هي الحاصلة قبل زمن الشيخ (رحمۀ الله علیه)لا الواقعة بعده. وأكثر ما يوجد مشهوراً في كلامهم حدث بعد زمان الشيخ(قدس سره الشریف)كما نبه عليه والدي في كتاب الرعاية الذي ألّفه في دراية الحديث مبيّناً لوجهه وهو أن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به فلما جاء المتأخرون ووجدوا أحكاماً مشهورة قد عمل بها الشيخ ومتابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء وما دروا ان مرجعها الى الشيخ و أن الشهرة إنها حصلت بمتابعته . قال الوالد وممن اطّلع على هذا الذي بيّنته وتحقّقته من غير تقليد الشيخ الفاضل المحقق سليل الدين محمود الحمصي والسيد رضي الدين

بن طاووس وجماعة، قال السيد(رحمۀ الله علیه)في كتابه المسمى بالبهجة لثمرة المهجة: أخبرني جدي الصالح ورام بن أبي فراس (قدس الله روحه) أنّ الحمصي حدّثه أنّه لم يبق للإمامية مُفت على التحقيق، بل كلّهم حاك)(1).

فيمكن الجواب عنه بأنّ التقليد يُستعمل في معنيين:

أحدهما: اتّباع طريقة شخص.

وثانيهما: اتّباع الفتوى.

والتقليد الذي يمارسه العامي هو اتّباع الفتوى، وأمّا مقلّدوا الشيخ فإنّهم كانوا يقلّدون الشيخ في طريقته وكانوا شديدي التأثرّ بمبانيه من جهة الاعتقاد الشديد بعلمّيته، ولا ريب أنّ اتّباعهم لمباني الشيخ يوجب اتّحاد رأيهم مع رأيه في الفتوى كثيراً، فالتقليد الذي يُطلق عليهم بمعنى تأثرّهم بمنهج الشيخ، وهذا مما يمكن أن يتّفق في زماننا وفي الأزمنة السابقة بالنسبة إلى بعض المجتهدين، وليس معناه أنّهم كانوا يتّبعون الشيخ في فتاويه، فإنّ من تأخّر عن الشيخ كانوا كثيراً ما يستشكلون على كثير مما في النهاية، وقد كُتبت شروح على النهاية دفعاً لبعض الإشكالات، ونكت النهاية إنّما أُلّف من أجل دفع الميسور من الإشكالات على النهاية.

وأمّا ما يُذكر شاهداً من أنّ السيد المرتضى قد أرجع إلى كتاب علي بن بابويه - على ما كان يذكره السيد البروجردي في بحثه من أنّ السيد المرتضى قد أجاز العمل على رسالة ابن بابويه في المسائل الرسية - مع أنّ في رسالة علي بن بابويه بعض الفتاوى من البعيد أن تكون مطابقة لفتاوى السيد، منها أنّ علي بن بابويه يقول بمسح تمام الوجه ومسح تمام اليد من المرفق في التيمم، وهذا ليس إلّا من باب تجويز تقليد الميت.


1) معالم الدين 176 - 177 .

ويمكن الجواب عنه بأنّه على فرض تمامية النسبة - إذ نحن لم نر هذا الكتاب - فمن الممكن أنّ السيد حينما كان يرجع إلى هذا الكتاب كان رأيه مطابقاً لما في هذه الرسالة.

وأمّا ما ذكره الفقيه، حيث يذكر مصادره ، ومنها رسالة والده، فمنه يظهر أنّ الشيعة كانت تعمل بهذه الرسالة إذ يذكر بأنّ مصادره: (من الكتب المشهورة التي عليها المعوّل وإليها المرجع)(1).

ويمكن الجواب عن ذلك، بأنّ هذه الكتب كانت من الكتب التي يراجعها الفقهاء كما هو حال الجواهر وغيره.

وأمّا ما ذكره الشيخ في أوّل المبسوط مِن أنّه إن كانت المسألة لا ترجيح فيها للأقوال وكانت متكافئة فإنّه يقف فيها وتكون المسألة من باب التخيير(2)، ويمكن الأخذ بكل واحد منها ، وليس هذا إلا تجويزاً لتقليد الميت.

والجواب عن ذلك يظهر لمن يراجع المبسوط، فإنّ مراده من هذه العبارة أنّه إذا لم يرجّح فإنّ المسألة تكون من باب التخيير من جهة أنّ الحكم من باب السعة.

الوجه الرابع: الجواز تقليد الميت ما كان يَستدل به بعضُ الأكابر في خراسان - وهو المحقق الميرزا مهدي الإصفهاني - وهو الرواية الموجودة في التفسير المنسوب الى الإمام العسكري(عليه السلام)، ففي المستدرك: قال علي بن موسى الرضا(عليه السلام): يقال للعابد يوم القيامة: نعم الرجل كنت همتك ذات نفسك - إلى أن قال - ويقال للفقيه أيّها الكافل لأيتام آل محمد(عليه السلام) الهادي الضعفاء محبيهم ومواليهم قف حتى تشفع لمن أخذ


1) وردت هذه العبارة في فقه الرضا: 31

2) المبسوط 3/1.

عنك أو تعلّم منك فيقف حتى يدخل الجنة معه فئات فئات، حتى قال عشراً، وهم الذين أخذوا عنه علومه وأخذوا عمن أخذوا عنه وعمن أخذ عمن أخذ عنه إلى يوم القيامة فانظروا كم فرق ما بين المنزلتين)(1).

وتقريب الاستدلال بها: أنه قد ذُكر الأخذُ في قبال التعلم، وعليه فالمراد من الأخذ: أخذ الفتوى، فيكون معنى الرواية أنّ من أخذ الفتوى ومن أخذ ممن أخذ إلى يوم القيامة يدخلون الجنة بشفاعته، فهذه الرواية صريحة في جواز تقليد الميت.

ويمكن الجواب عنه - مع قطع النظر عن ثبوت نسبة هذا الكتاب الى الإمام العسكري(عليه السلام) وعدمه - بأنّ في الأزمنة المتقدّمة كان هناك نوعان من الأخذ عن العالم: أخذ الرواية وأخذ الدراية، ويُعبّر عن أخذ الدراية بالتعلّم وفي قباله أخذ الرواية، فهذه الرواية لا تدلّ على جواز تقليد الميت، فإنّها تدل على ما ذكرنا من أخذ الرواية قطعاً أو إحتمالاً، فتسقط الرواية عن الحجية للإستدلال بها على جواز تقليد الميت.

الوجه الخامس : الاستصحاب، بتقريب : أنّ فتوى الميت حجة في زمانه فتُستصحب حجّية فتواه.

وجريان هذا الاستصحاب مبني على جريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة كما هو المشهور، وأما على القول باختصاصه بالشبهات الموضوعية كما قيل فلا يمكن التمسك بالاستصحاب.

وقد اُورد على هذا الاستصحاب بعدة إيرادات:

المناقشة الاُولى: عدم اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة


1) مستدرك الوسائل : 319/17 - 320.

يُعتبر في الاستصحاب اتّحاد القضية المتيقّنة مع المشكوكة، أو بحسب تعبير الشيخ لابدّ وأن يكون معروض المستصحب مقطوعاً به، وفي المقام ليس كذلك، وعليه فلا يجري هذا الاستصحاب.

وتوضيح ذلك يكون في ضمن مقدّمات:

المقدمة الاُولى: أنّ ما هو موضوع الحجية عبارة عن نظر المجتهد ورأيه المعتمد على الأمارات أو الأُصول المعتبرة، وأمّا القول أو كتابته فهو من قبيل الحجة على الحجة، والذي هو حجة لنفسه ولغيره هو رأيه ونظره.

المقدّمة الثانية: أنّ الرأي والنظر موضوع للحجية حدوثاً وبقاءً، لا حدوثاً فقط، فإنّ بعض الموضوعات موضوع حدوثاً فقط وبعضها موضوع حدوثاً وبقاءً، أي: أنّه قد يدور الحكم مدار الموضوع حدوثاً وبقاءً، ورأي الفقيه من الموضوعات التي يدور الحكم مدارها حدوثاً وبقاءً، بمعنى أنه لا يكفي مجرد حدوث الرأي لثبوت الحكم إلى الأبد، بل ثبوت الحكم إلى الأبد متوقّف على بقاء الرأي، فكما أن رأيه حجة بالنسبة إلى نفسه حدوثاً وبقاءً، بمعنى أنّه لو زال رأيه لسبب من الأسباب لم يكن له حجة فكذلك بالنسبة لغيره، ولا ريب أنّه لو تبدّل رأي المجتهد أو تردّد فإنّه لا يكون رأيه السابق حجة بالنسبة لنفسه وبالنسبة لغيره، وكذا لو زالت عنه ملكة الاجتهاد فلا يكون رأيه حجة، فمن هنا نعرف بأنّ الرأي موضوع للحجية بحدوثه وبقائه لا مجرّد الحدوث.

المقدّمة الثالثة: إذا مات المجتهد فإنّه إمّا أن يُقال بأنّا نقطع بأنّ المجتهد الذي قد مات بقيت آراؤه بعد موته وإمّا أن يقال بأنّا نقطع بعدم بقاء تلك الآراء، وإمّا أن يقال بأنّا نتردد في بقائها وعدم بقائها.

أما القول بالقطع بوجود الآراء بعد الموت في نفوسهم المقدسة، فهذا مما لا شاهد عليه.

وفي قبال ذلك، قال عدة من الأكابر بانعدام الآراء، وقال المحقق البهبهاني: إنّ الآراء تزول لشدة النزع، أو لا أقل من التردد في انعدامها وعدم انعدامها.

فإن قلنا بالقطع بوجود تلك الآراء بعد الموت فهي حجة بسبب بقائها، وإن قلنا بانعدامها فليست بحجة بسبب عدم بقائها، وإن شككنا في بقائها وعدم بقائها، فلا يمكن التمسك بالاستصحاب، إذ بتعبير لا بدّ من القطع ببقاء الموضوع، وبتعبير آخر : لابد من القطع باتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة، إذ ما كنّا نعلم به هو حجية رأي ابن عقيل الموجود، والذي نشك فيه فعلاً هو حجية وعدم حجية رأي ابن أبي عقيل، لا الرأي الموجود، ففي القضية الأُولى الرأي الموجود كان حجة، وفي القضية الثانية نشك في حجية وعدم حجية نفس الرأي، فلا اتّحاد بين القضيّتين.

إن قلت: إنّه يمكننا القول باتّحاد القضيّتين بتوسط الاستصحاب، أي: نستصحب أوّلاً بقاء تلك الآراء، وبعد استصحابها نستصحب حجّيتها، فتُصبح القضية المشكوكة متّحدة مع القضية المتيقنة.

قلنا: إنّه لا مجال لهذا الاستصحاب، إذ الرأي ليس من الأحكام الشرعية وليس بموضوع لحكم شرعي، إذ المفروض أنّه لا يترتب عليه حكم شرعي، بل ياد من جريان هذا الاستصحاب اتّحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة، ومثل هذا الأثر ليس هو الأثر المصحّح للاستصحاب.

أو يُقال بأنّ إجراء الأصل في المقام غير مفيد، إذ لابدّ أن يكون الأمران اللذان يترتب عليهما الأثر - وهما الرأي والحجية - أحدهما محرز بالوجدان وثانيهما بالتعبد، وأمّا إحرازهما بالتعبّد فإنّما يصح فيما إذا كانا في عرض واحد، وأمّا إذا كانا طوليين كما في المقام، فلا يمكن التمسك بالأصل وإحراز بقائها أولاً ثم إحراز حجّيتها.

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بالخدشة في المقدمات كلاً أو بعضاً:

أمّا المقدّمة الأُولى: فيمكن أن يُقال فيها بأنّ الذي هو حجّة عند العقلاء، ويحتج به الموالي على العبيد وبالعكس عبارة عن مُبرزات أهل الخبرة، أي: القول أو الكتابة الصادرة من أهل الخبرة، وأما الرأي من دون أيّ مُبرز فلا يمكن الاحتجاج به، فإنّه إذا قيل له: لِمَ فعلت هكذا، فإن قال في مقام الجواب بأنّ هذا رأي فلان، فيُطلب منه ما يثبت ذلك من قول أو كتابة، فإن قال: لم يُبرزه إلّا أنّي أعلم بأنّه رأيه، فإنّه لا يُسمع منه .

ويمكن القول بأنّ وزان فتوى المفتي وزان رواية الرواي، فما دام لم ينطق بشفتيه أو لم يكتب بقلمه لا يصح أن يقال بأنّه روى كذا وإن علم بأنّه سمع عن فلان، إلا إنّ مجرّد سماعه وعلمه بالرواية لا يكفي في أن يُقال إنّه روى، وكذلك رأي المفتي إذا لم يبرزه بقوله أو بالكتابة، فإنّه لا يمكن نسبة هذا الرأي إليه، فالذي يحتج به هو قول أو كتابة أهل الخبرة، فإن كان القول موضوعاً للحجّية فلا يعقل أن يكون موضوعاً للحجيّة حدوثاً وبقاءً؛ إذ لا بقاء للقول، بل إن وصف القول بأنّه حجة فيكون بحدوثه فقط موضوعاً للحجية حدوثاً وبقاءً، وكذا الكتابة إلّا أن الكتابة أكثر بقاءً من القول.

وأمّا المقدّمة الثانية : - وهي أنّ الحجية تدور مدار الرأي حدوثاً وبقاءً، لا أن يكون الرأي بحدوثه حجة إلى الأبد - فيمكن المناقشة فيها بأنّ الشواهد المذكورة غير كافية لإثبات أنّ موضوع الحجية هو الرأي حدوثاً وبقاءً؛ إذ تبدّل الرأي أو التردد لا يدل على بقاء الرأي، بل معناه أنّ الرأي لابد وأن يكون بشرط لا عن تعقّب رأي آخر أو التردد.

وبعبارة أُخرى: ما لم يُعقّب رأيه الأوّل برأي مضاد أو بالتردد فإنّه يكون حجة، وليس معنى ذلك أنّه يعتبر بقاء الرأي، بل معناه أن حجية الرأي مشروطة بأن لا

يتعقب هذا الرأي رأي مضاد أو تردد، وأما إذا زال الرأي لمرض أو لهرم وأمثال ذلك، فإنّ عدم حجيته لابدّ وأن يثبت بالإجماع، كما سيأتي البحث عنه، وحكمه حكم ما إذا زالت عدالته أو إرتدّ فيما بعد، فلابدّ من ملاحظة بناء العقلاء، ولا ريب أنّ بناء العقلاء على الأخذ برأي أهل الخبرة، فإن أُخذ نظرية ورأي أهل الخبرة، ثم مات ذلك الخبير فإنّه يُؤخذ برأيه تبعاً، ومن هنا يُعرف بأنّ الرأي لو كان ناشئاً من المبادئ المعتمد عليها واُبرز بقول أو كتابة فإنه يكون حجة حدوثاً وبقاءً.

وأمّا المقدّمة الثالثة: فيمكن المناقشة فيها بأنّا نستصحب نفس القضية المتيقنة، وهي حجية رأي ابن أبي عقيل مثلاً، فكما يمكن أن يكون منشأ الشك في الحجية الشك في المحمول كذلك يمكن أن يكون منشؤه الشكّ في بقاء الموضوع والمحمول، ومنشأ الشك في المقام وجود رأيه وعدم وجود رأيه، وعلى فرض وجوده هل هو حجة أو لا؟ ففي المقام لا ندري بأنّ رأي ابن أبي عقيل الذي كان حجة هل هو موجود فعلاً أو لا؟ إلّا أنّ منشأ الشكّ أمران، كما إذا شكّ في عدالة زيد الذي كان عادلاً فيُستصحب وإن كان الشك من ناحية وجوده، وعلى فرض وجوده هل هو باق على عدالته أو لا؟

فتحصّل مما ذكرناه أنّه لا مجال لهذه المناقشة في الاستصحاب.

المناقشة الثانية: الشك في سعة وضيق المحمول وهو الحجية

إنّ الحجية الثابتة لرأي المجتهد لها ارتباطات ثلاثة:

الارتباط الأوّل: برأي أو قول المجتهد.

الارتباط الثاني بمن يكون هذا حجة له أو عليه، وهو العامي.

الارتباط الثالث: بالواقعة، فإنّ قوله أو رأيه حجة في الواقعة التي أبُتلي بها العامي: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا)(1)، فنحن نعلم بحجية قول ابن أبي عقيل مثلاً في زمان حياته بالنسبة إلى العامي في الوقائع الحادثة في زمان حياته، فحجيته متقومة بجهات ثلاث: الرأي والمكلّف والواقعة.

ومن المعلوم أنّ المكلفين في هذا الزمان لم يكونوا موجودين في زمان ابن أبي عقيل، وهكذا الوقائع التي في هذا الزمان غير الوقائع التي في زمن حياة ابن أبي عقيل، فكيف يمكن الاستصحاب مع تبدل المكلفين والوقائع؟

فلو كان للحجية استمرار إلى الأبد فنتيجته حجية قوله بالنسبة إلى العامي في زمان حياته، والعامي بعد حياته، وحجة بالنسبة إلى الوقائع التي هي في زمان حياته والوقائع التي بعد موته، ولو لم يكن لحجية رأيه استمرار، فإنّه تختص الحجية بالعامي في زمان حياته والوقائع التي هي في زمان حياته.

وبناء على ما تقدم نتسائل كيف يمكن الاستصحاب مع تبدل المكلف والواقعة؟

يمكن ذلك بعدة تقريبات:

التقريب الأول: عدم ملاحظة الكثرة الناشئة ممن يكون رأي ابن أبي عقيل حجة له أو عليه أو بالنسبة إلى ما يكون رأيه حجة فيه وهو الواقعة، أي: أنّا نلاحظ رأي المجتهد فقط وهو ابن أبي عقيل، وعليه فيكون الاستصحاب في المقام من قبيل استصحاب الكلّي من القسم الثاني، وهو أن يتحقّق الكلي إلّا أنّنا لا ندري بأنّه تحقق في ضمن الفرد الطويل أو القصير، والمعروف هو حجية الاستصحاب هنا، وهذا هو


1) تقدّم تخريجه.

المختار، بتقريب أنّ رأي ابن أبي عقيل كان حجة إلّا أنّا لا ندري أنّ جعل الحجية لرأيه كان محدوداً بزمان حياته أو أنّه إلى الأبد، فنستصحب الحجية المجعولة.

ولكنّ هذا الاستصحاب لايجري، فإنّه من قبيل استصحاب الحكم الإنشائي و شبيه باستصحاب الشرائع السابقة، ومن الإشكالات الواردة على استصحاب الحكم الإنشائي هو أنّا نشك في سعة وضيق الحكم الإنشائي، ومع الشك في سعة وضيق الجعل لا يمكن إجراء الاستصحاب، لأنّ الأصل عدم جعل الحجية موسّعاً، ولا يمكن استصحاب الحجية، لأنّ الحجية التي تريدون إثباتها بالاستصحاب ليس لها طولية واستمرار، إذ الحجية التي تريدون استصحابها إنّما هي بلحاظ السعة والضيق الناشئين من طول وقصر الحجية، والحال أنّ الأحكام الإنشائية ليس لها طولية بحسب الزمان كما أنّ الأحكام الفعلية لها طولية، فإنّ الأحكام الإنشائية أحكام آتيّة وهذه الأحكام تجعل في ذلك الوعاء إمّا ضيّقاً أو واسعاً، فنأخذ بالقدر المتيقن وبالنسبة إلى الزائد فالأصل عدمه. فالاستصحاب الذي يراد جريانه يكون بلحاظ طولية واستمرار الأحكام الإنشائية مع قطع النظر عن مقام الفعلية، ولا يعتبر العقلاء الشك في السعة والضيق أمراً عرضياً ليؤخذ بالقدر المتيقن وينفى الزائد بالأصل، بل إنّ العقلاء يرون الحكم الإنشائي المحدود أو الموسّع باقياً إلى أجله أو إلى الأبد.

إلّا أنّ هذه الرؤية - رؤية الامتداد الطولي للحكم - من قبيل التعبيرات العرفية وليس وزانها وزان القانون، وبعبارة أُخرى: إنّ اعتبار العقلاء بأنّ هذا الحكم له امتداد من الاعتبارات الأدبية ونحو تعبير من السعة والضيق في الجعل، أي أنّه إذا قيل: « حلال محمد حلال إلى يوم القيامة»(1)فالعقلاء يرون ذلك ممتداً، بمعنى أنّه جُعل


1) الفصول المهمة في أُصول الأئمة 643/1

حلالاً إلى يوم القيامة، وليس معنى ذلك أنّ الحكم الإنشائي ممتد واقعاً، ونحن قد ذكرنا في مبحث الاستصحاب بأنّه إنّما يجري في الاعتبارات القانونية، ولا يجري في الاعتبارات الأدبية، وعليه فلا يجري الاستصحاب في المقام.

إن قلتَ : إنّ امتداد الحكم الإنشائي من الاعتبارات القانونية أيضاً وليس من الاعتبارات الأدبية كما قلتم.

قلنا: على فرض التسليم، فالامتداد الذي تقولون بأنّه من الاعتبارات القانونية أمرٌ اعتبره العقلاء ولم يعتبره المُقنّن.

ويمكن الجواب عن ذلك بأنّ المقنن رئيس العقلاء، فإذا اعتبره العقلاء ممتدّاً فلا محالة يعتبره المقنّن ممتداً أيضاً بما أنّه رئيسهم، وعليه فيجري استصحاب الحجية التي هي من الأحكام الإنشائية بما أنّ العقلاء يعتبرونها ممتدة بالاعتبار القانوني.

إلّا أنّ الحكم الإنشائي في وعاء الاعتبار آني، وهذا مما لاريب فيه، ونشك في جعل الحجية في وعاء الاعتبار لهذه القطعة المشكوك فيها، ومن الواضح أنّ القطع في وعاء الاعتبار عرضي، والأصل عدم جعل الحجية للقطعة الزائدة، ولا محالة يعارض ذلك الاستصحاب الوجودي الطولي ويتساقطان، نظير ما قاله بعض الأكابر من أنّ استصحاب عدم الجعل يتعارض مع استصحاب بقاء المجعول، الذي هو حكم فعلي، وفي المقام الحكم انشائي.

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأنّ الحكم إمّا وُجد بوجود واسع أو بوجود ضيّق، وليس له قدر متيقّن حتى يُتمسّك باستصحاب عدم جعل المقدار الزائد، فإنّه إمّا جُعلت الحجّية لرأي المجتهد ما دام هو حي، أو جُعلت إلى الأبد، فهما اثنان وأمران في ذلك الوعاء - أي: وعاء الاعتبار -والسعة والضيق يُتصوّر في الوعاء الزماني، وأمّا في وعاء الاعتبار فيها أنّ نسبة متعلّق الحكم إلى الحكم نسبة الماهية إلى الوجود، فلذا

يختلف كلّ منهما عن الآخر، غاية الأمر أنّ ما يجعله المقنن في مرحلة التقنين، وفي وعاء الاعتبار، وسيلة للحكم الممتد، ومنشؤه ومجعوله عبارة عن الحكم الطولي الممتد، والعقلاء لهم عناية بما يجعله، وليس لهم عناية بكيفية الجعل، بل يلاحظون ما جُعل من الحكم الممتد أو غير الممتد، فما يعمله المقنّن من الجعل وسيلة للحكم الممتد إلى زمان كذا أو الى الأبد، فالأصل لا يجري في الجعل ، ولذا قيل بأنّ استصحاب عدم النسخ من الضروريات كما قال به المحدّث الاسترآبادي وغيره، وهذا بلحاظ امتداد ثبوت الحكم امتدادً زمانياً.

وأمّا تعارض الأصلين في تلك المرحلة أو جريان الأصل بالنسبة إلى المقدار الزائد فغير ملحوظ عند العقلاء، وذلك لأنّه وسيلة لجعل الحكم، ولذا لا يكون مجرىً للأصل.

مع أنّ الحكم الإنشائي الكلّي إذا كان مقطوعاً به فيحصل القطع بالنتيجة بضم الصغرى، وأمّا إذا كان الحكم الإنشائي مستصحباً فيُشكل الأمر، فمثلاً إذا كان(كلّ خمر حرام) مقطوعاً به، فبضم الصغرى- وهو: هذا خمرٌ - تحصل النتيجة، وهي: حرمةُ هذا، وأمّا إذا كان(كل خمر حرام) ثابتاً بالاستصحاب، فمن الممكن أن يُقال بأنّ ثبوت الحكم للصغرى مبتن على الأصل المُثبت، وبعبارة أُخرى: لا يترتّب الأثر على استصحاب الأحكام الكلية، لأنّ الأحكام الكلية ما لم تُطبَّق على موضوعاتها ولم يستكشف منها الحكم الفعلي فلا فائدة فيها، واستصحاب الأحكام الكلية مع التطبيق على موضوعاتها واستكشاف الحكم الفعلي منها مبتن على القول بالأصل المثبت.

وهذا التقريب للاستصحاب لعله من أهمّ وأحسن التقريبات المذكورة، وإن لم يتعرّض القوم له، وقد عرفت ما يرد عليه وأجوبتها، إلّا أنّه يرد عليه مضافاً إلى اشكال المثبتية إشكال آخر سيأتي بعنوان المناقشة الثالثة على مطلق الاستصحاب.

التقريب الثاني: استصحاب الحكم الفعلي لا الحكم الإنشائي حتى يجري إشكال الابتناء على الأصل المُثبت، فإنّ فعلية الحجية متقوّمة برأي المجتهد أو قوله ووجود العامي المبتلى بالواقعة - فإن لم يكن العامي قد ابتُلي بواقعة لم يكن وجه لجعل الحجية لرأي المجتهد - أو في معرض الابتلاء بالواقعة، فوجود العامي المبتلى أو في معرض الابتلاء بالواقعة دخيل في حجية الرأي حتى يكون الحكم فعلياً، فنستصحب حجية رأي ابن أبي عقيل مثلاً للعوام المبتلين بالواقعة، أي: كما كانت الحجية ثابتة للعوام في زمانه، فكذلك هي حجة بالنسبة إلى العوام في هذا الزمان، فنستصحب كلّي الحجّية؛ إذ إنّ شخص الحجية قد انتفى بموت العوام في زمانه، فيدخل المقام في استصحاب الكلي من القسم الثالث، وهو أن يتحقق الكلي في ضمن فرد وكان الفرد مقطوع الارتفاع، إلّا أنّه يُحتمل أن الفرد الآخر منه قد تحقق في زمان ارتفاع الفرد الأوّل، وهذا هو القسم الأوّل من استصحاب الكلي من القسم الثالث، أو يُحتمل أنّ الفرد الآخر قد تحقق في زمان وجود الفرد الأوّل، وهذا هو القسم الثاني من استصحاب الكلي من القسم الثالث، فإنّ الحجية قد ثبتت لرأي ابن أبي عقيل للعامي الذي كان في زمانه، فلو كان رأيه حجة بالنسبة إلى العامّي الذي بعده فيكون فرداً آخر من الحجية، وإن كان طبيعيّ الحجية متحقّقاً في ضمن الفردين، فيكون من القسم الثاني من استصحاب الكلي من القسم الثالث الذي يقول الشيخ بحجّيته، وذلك لأنّ هذا الفرد تحقق في زمان وجود الفرد الأوّل، فإنّه لا يُولد العامي بعد موت العامي، بل يتحقق العامي في زمان العامي الأول، وهكذا.

إلّا أنّ هذا الاستصحاب ليس بحجة على ما اخترناه. هذا مع قطع النظر عن الإشكال الثالث الذي سنذكره إن شاء الله، وانما لم نلاحظ الواقعة، لأن الواقعة غير

دخيلة في الفعلية إلّا على بعض المباني، ويكفي في فعلية الحجية من يكون في معرض الابتلاء.

التقريب الثالث: الاستصحاب التعليقي بأن نقول: إنّ رأي ابن أبي عقيل كان حجة على هذا العامي إن كان هذا العامي في زمان حياة ابن أبي عقيل، فنشكّ في حجية رأيه بعد طرو الموت عليه بالنسبة الى هذا العامي، فنستصحب حجيته بالنسبة إليه.

ويمكن الجواب عن هذا التقريب بأنّ الاستصحاب التعليقي مما لا نقول به، لأن التوسط بين مرحلة الإنشاء والفعلية أمر غير معقول من وجهة نظرنا، فإنّه إمّا تحقّق تمام أجزاء الموضوع فيكون فعلياً، وإمّا أن لا يتحقّق فيكون غير فعلي، وأمّا تحقّق بعض أجزاء الموضوع دون بعضها الآخر ليكون الحكم في مرحلة متوسطة بين الإنشاء والفعلية - وهي مرحلة الحرمة المعلقة أو الحجية المعلّقة، أي: أنّه لو كان هذا العامي في ذلك الزمان كان قوله حجة بالنسبة إليه - فهو من مخترعات العقل، وليس هو من مجعولات المقنّن ولا من مراحل الحكم.

مضافاً إلى أنّ هذا الاستصحاب معارَض بالاستصحاب العدمي التنجيزي قبل وجود المعلّق عليه، فإنّه قبل أن يكون هذا العامي مميّزاً وقبل ابتلائه لم يكن قوله حجة عليه، وما اُجيب به لدفع التعارض غير صحيح على ما ذكرناه في مبحث الاستصحاب التعليقي.

فهذه تقريبات ثلاثة للاستصحاب، وقد ظهر ما في كل واحد منها من الاشكال.

المناقشة الثالثة - من المناقشات في استصحاب حجية قول المجتهد الميت - هي أنّه لابدّ من القطع بالحجية الفعلية لرأي الميت، وأما الحجية الإنشائية فلا يترتب عليها أثر؛ إذ المكلف العامي بصدد العمل على وفق رأي المجتهد الميت، ومع العلم

بمعارضة رأي الميت مع الأحياء، فالقطع بالحجية متوقّف على وجود حيّ يكون أعلم الأحياء والأموات، فإن وُجد مثل هذا ثم مات فإنّه يمكن استصحاب حجّية رأيه، وأنّى يحصل الحي الذي يكون أعلم الأحياء والأموات، فإنّ هذا نادر ثبوتاً، وهو غير محرز إثباتاً.

وأمّا الميت الأعلم من الأحياء والأموات، فرأيه غير مقطوع الحجية، إذ يُحتمل أن تكون الحياة معتبرةً في حجية رأيه، فمتى كنّا نقطع بحجية رأيه حتى يُستصحب؟ فقوله بالنسبة إلى التقليد الابتدائي مشكوك الحجية لاحتمال اعتبار الحياة.

فظهر بما ذكرنا أنّ تقليد الميت ابتداءً محلّ اشكال وتأمّل.

البقاء على تقليد الميت

اختلف القائلون بعدم جواز تقليد الميت ابتداءً في البقاء على تقليد الميت، فذهب أكثرهم إلى عدم الجواز، وذهب جماعة إلى جواز ذلك، ومنهم: الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء، وصاحب الفصول، وصاحب الضوابط، وشريف العلماء، كما اختلف المتأخرون من المعاصرين.

والبحث في هذه المسألة يقتضي استعراض أدلة المانعين حتى نرى بأنّ تلك الأدلة هل تقتضي المنع مطلقاً أو أنّها تقتضي المنع عن التقليد الابتدائي، ولابدّ من البحث في أدلة المجوزين أيضاً حتى نرى بأنّه هل يمكن استفادة جواز البقاء منها أو لا يمكن؟

أدلة المانعين عن البقاء على تقليد الميت

الدليل الأول: الإجماع

إنّ عمدة أدلة القائلين بعدم جواز تقليد الميت الإجماع، بل اكتفى جماعة بهذا الدليل فقط، وقد أصرّ الشيخ الانصاري - على ما في تقرير بحثه - بأنّ معقد الإجماع

عام، أي: أنّه شامل للتقليد الابتدائي والاستمراري، واستشهد بكلمات كثير من العلماء المانعين والمجوزين، أي: أنّ مورد كلام المجوّزين ومورد كلام المانعين هو التقليد الابتدائي والاستمراري، وذكر بأنّ القول بالتفصيل أمر مستحدث فلا اهتمام به، والذين استشهد الشيخ بكلماتهم من المجوّزين والمانعين أغلبهم من علماء القرون الأربعة الأخيرة.

إلّا أنّ الرجوع الى كلمات قدماء الأصحاب لا يؤيّد أن يكون معقد الإجماع كلا القسمين وإن نُسب اليهم ذلك، لأنّ عمدة ما يُستظهر من كلماتهم أمران:

الأمر الأوّل: ما نقلناه من الذريعة، ومضمونه أنّه إذا كان في البلد مفت فيُرجع إليه، ومع تعدّد المفتي، فالأولى الرجوع إلى الأعلم الأورع(1)، فربما يُقال بأنّ الاستفتاء لا يكون إلّا عن الحي، والأعلمية والأورعية لوحظت بين الحيّين، وليس هناك ذكر في البين عن الأموات التي فتاويهم موجودة فهذا دليل على أنّ فتاوى الأموات غير ملحوظة، وهكذا عبارة غيره من المناهج والمعالم.

إلّا أنّ هذه العبارة لا تدلّ على عدم جواز تقليد الميت ولو استمراراً، فإنّ عبارة السيد وعبارة غيره ممن تبعه إنّما تكون في الاستفتاء، ولا ريب بأنّ المستفتي في مقام التعلّم يرجع إلى علماء بلده، وذلك لعدم التمكّن من الوصول إلى غير عالم البلد من العلماء الذين هم في البلدان الاُخرى عادة، فإن كان في البلد عالم واحد فهو المتعين، وإن كانوا أكثر فلابدّ من ملاحظة الأعملية والأورعية فيما إذا كان بينهما خلاف في المسألة، فهذه العبارة ترتبط بمن يريد أن يبتدئ بالتقليد والتعلّم، وطريقته الرجوع إلى علماء بلده، ومعنى ذلك أنّ طريقته ليس الرجوع إلى الأموات، ولا يلاحظ الأعلمية


1) انظر: الذريعة إلى اصول الشريعة 801/2

والأورعية بين الأموات والأحياء، بل تُلاحظ بين الاحياء فقط في مرحلة الرجوع. وأما إذا استفتى أحدَ الرجلين ثم مات ذلك العالم، فلا يُستفاد من هذه العبارة بأنّه يسقط قوله عن الحجية وليس للعامي الرجوع إليه.

الأمر الثاني: العبارة التي في كلمات كثير منهم هي مأخوذة من كلمات القدماء، ومضمونها أنّ الإجماع ينعقد بموت المخالف إذا كان منفرداً، فإنّ الميت لا قول له، ومرادنا من القدماء من تقدم على العلّامة كالشهيد وغيره، فربما يُستدل بقولهم: (الميت لا قول له وأنّ الإجماع ينعقد بموته)، بأنّهم لم يكونوا يجوّزون تقليد الميت ولو كان على نحو البقاء.

إلّا أنّ هذه العبارة خارجة عما نحن فيه ولا ترتبط بالمقام، بل ترتبط بما كانوا يعتقدونه من حجّية الإجماع للعلماء في عصر واحد، وأكثرهم كانوا يقولون بذلك من جهة دخول المعصوم في المُجمعين، وليس معنى ذلك أنّهم كانوا يقولون بحجية قول كلٍّ من من العلماء المعاصرين، بل تجمع هذه الآراء يُستكشف منه بقاعدة اللطف وغيرها دخول المعصوم وأنّ الحق مع هذا القول، وعليه فلو كان هناك مخالف في البين ثم مات فطبعاً يتحقّق الإجماع باعتقادهم، ولا ريب بأنّ الإجماع إنّما يكون حجة للمجتهد، لا للمقلّد أي: أنّ المجتهد الذي في العصر المتأخّر يمكنه التمسك بالإجماع الذي كان في العصر السابق، وهذه العبارة ليست مسوقة لبيان أنّ حجّية فتوى كل منهم مشروطة بزمان حياته وأنّه إذا مات يكون قوله كأنّه (لا قول) لمن كان يقلّده.

وملخّص القول: إنّ هذه العبارة مسوقة لبيان أنّ الإجماع الذي هو حجة للمجتهد إنّما يكون بموت المخالف المنفرد فهو موجب لانعقاد الإجماع، وليست مسوقه لبيان عدم جواز التقليد للميت ولو كان على نحو البقاء.

فظهر بأنّ معقد الإجماع والقدر المتيقن منه هو عدم جواز التقليد الابتدائي، في كلمات القدماء.

الدليل الثاني: قصور أدلة حجية قول المجتهد

إنّ أدلة حجية قول المجتهد سواء كانت السيرة أو الإطلاقات أو إرجاع الأئمة(عليهم السلام) إلى الرواة، كلّها قاصرة عن إثبات حجية قول الميت، ثم بضميمة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية كنا نقول باعتبار الحياة، وذلك لأنّ السيرة إنّما كانت ثابتة في التقليد الابتدائي، وقد ناقشنا هناك في تحقّق السيرة والبناء العملي للعقلاء، وقلنا بأنّ المرتكز في أذهانهم عدم الفرق بين الحي والميت، إلّا أنّ الذي يكون مورداً للردع وعدمه هو البناء العملي الذي يكون الجري على وفقه، والذي كان الجري العملي على وفقه كان قاصراً عن إثبات جواز تقليد الميت ابتداءً، ولا قصور لهذه السيرة فيما إذا اُخذ رأي من يصحّ أن يُؤخذ عنه الرأي ثم مات، فإنّ البناء العملي للعقلاء هو العمل على وفق قول أهل الخبرة وإن مات بعد إعلام رأيه ونظره، والجري العملي على وفق رأيه بعد موت الطبيب أو المهندس لعلّه من الواضحات.

وأمّا الإطلاقات فنحن لم نتعرّض لكثير منها، إمّا لعدم ارتباطها بجواز التقليد وعدمه كآية النفر وأشباهها أو لضعف سندها، وعلى فرض تمامية السند فإنّ قوله (عليه السلام): «من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه ...»(1)إنّما يشمل من كان متلبّساً بهذه المبادئ وواجداً لهذه الصفات، والميت غير واجد لها، فلا يمكن تقليده واتّباع رأيه، وهذا إنّما يتمّ في التقليد الابتدائي، وأمّا بالنسبة إلى التقليد الاستمراري فله إطلاق أزماني، أي : سواء كان حيّاً بعد أخذ رأيه أم ميتاً.


1) تقدَّم تخريجه .

وهكذا الإرجاعات كقوله(عليه السلام): « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة أحاديثنا» فان له اطلاقاً أزمانياً، أي: لا يُعتبر في العمل على وفق رأيه حياتُه.

وأمّا الإرجاع إلى الأفراد كالإرجاع إلى يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان وغيرهما فالأمر فيها أوضح.

فظهر أنّ هذه الأدلة، أي: السيرة والإطلاقات والإرجاعات، غير قاصرة عن الشمول للتقليد الاستمراري كما كانت قاصرة بالنسبة إلى التقليد الابتدائي.

الدليل الثالث: رواية يعقوب السراج، قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) تبقى الأرض بلا عالم حيّ ظاهر يفزع إليه الناس(1)- وفي نسخة يفرغ إليه الناس(2)- فعلى نسخة العلل: نقول: فزع إلى القوم: استغاثهم، فزع إليه لجأ فهو مفزع، فيكون المعنى هل يمكن أن تبقى الأرض بلا عالم حي يلتجئ إليه الناس في حلالهم وحرامهم.

وغاية ما يستفاد من هذه الرواية أنّه لابد أن يكون المفزع حال الالتجاء إليه حيّاً، وأمّا إذا مات بعد الالتجاء إليه فلا مانع من الأخذ بقوله بعدما كان حيا حين الالتجاء.

و على نسخة البحار: فرغ إليه، قصده فيكون المعنى نفس المعنى تقريباً، أي: هل تبقى الأرض بلا عالم حيّ يقصده الناس في حلالهم وحرامهم، والكلام هو الكلام غاية الأمر أنّ الرواية تدل على أنه عند قصده لابد وأن يكون عالماً حياً ظاهراً، ولا تدل على أنّه لابدّ أن يكون حيّاً ظاهراً بقاءً أيضاً.

الدليل الرابع: انحصار الأعلم في فرد واحد


1) علل الشرائع 1/ 195.

2) بحار الأنوار 21/23.

لو كان تقليد الميت جائزاً، فيما أنّه يجب تقليد الأعلم فإنّه يلزم منه انحصار المرجعية في بعض القدماء، ويكون هو الإمام الثالث عشر.

ونحن قد ناقشنا في هذا الدليل وقلنا بأنّه لا يلزم هذا المحذور، وعلى فرض تمامية هذا الدليل، فإنّه يكون دليلاً على عدم جواز تقليد الميت ابتداءً، وأمّا التقليد الاستمراري فلا يلزم منه هذا المحذور أصلاً وأبداً، لأنّ التقليد الاستمراري يتجدّد بتجدّد المجتهدين، فإنّ من كان مقلّداً للسيد الطباطبائي مثلاً يبقى على تقليده، وأمّا ابن هذا المقلّد أو حفيده فلابدّ له من الرجوع إلى الأعلم الحي، وهذا لا يشكّل إماماً آخر بعنوان الإمام الثالث عشر.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ أدلة المانعين لا تعمّ التقليد الاستمراري، بل تختص بالتقليد الابتدائي.

أدلة المجوزين للبقاء على تقليد الميت

الدليل الأول: حجية آراء أهل الخبرة مطلقاً بلا فرق بين الابتداء والاستمرار.

ونحن قد أجبنا عنه بأنّ السيرة والجري العملي إنّما هي ثابتة في التقليد الاستمراري، وأمّا التقليد الابتدائي للميت فهو وإن كان مرتكزاً بارتكاز عقلائيّ إلّا أنّ الجري العملي غير ثابت فيه.

الدليل الثاني: إطلاق ما دلّ على حجّية رأي المجتهد عموماً أو خصوصاً حيث لم يُشترط كون المجتهد حيّاً أو ميّتاً.

ونحن قد ناقشنا في هذا الدليل بأنّه ليس له إطلاق بالنسبة إلى الميت في التقليد الابتدائي. وأمّا بالنسبة إلى التقليد الاستمراري فلا يبعد دعوى الإطلاق.

الدليل الثالث: بناء الشيعة على البقاء على تقليد الميت كلّاً وبعضاً، حيث إنّ بعض الكتب كانت في أيديهم ويرجعون إليها سواء كان التقليد ابتدائياً أم استمرارياً، وعدم جواز تقليد الميت أمر مستحدث.

ونحن قد أجبنا عن هذا الدليل بأنّ عمل الشيعة كان ينقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل: عملهم في المسائل الأصلية، وهذه المسائل كانت مدوّنة في الأزمنة السابقة، وهذه المسائل مُتّفق عليها بين الشيعة أو بين المسلمين، وهذا خارج عن باب التقليد، فإنّه لو وُجد كتاب مشتمل على المسائل الأصلية في زماننا هذا الجاز العمل به ولا نحتاج فيها لتقليد شخص معين.

القسم الثاني: عملهم في الحوادث الواقعة، وكان عملهم على الاستفتاء والإفتاء، وفي هذه المسائل كانوا يرجعون إلى المجتهد الحي ويأخذون الفتوى منه.

فلا يدل ما ذكر على عدم جواز تقليد الميت بقاءً، بل يدل على بناء الشيعة على الرجوع إلى المجتهد الحيّ حدوثاً فقط.

الدليل الرابع: ما روي في التفسير المنسوب إلى العسكري(عليه السلام)، قال علي بن موسى الرضا(عليه السلام): « يُقال للعابد يوم القيامة : نعم الرجل أنت ...»(1).

وقد قلنا بأنّها لا ترتبط بالمقام ولا أقلّ من الاجمال.

الدليل الخامس: الاستصحاب، وهو عمدة الأدلة على الجواز، وقد ذكرنا في بحثه جهات :

الجهة الاُولى: المناقشة في الاستصحاب من جهة عدم بقاء الموضوع، وقد أجبنا عن هذه المناقشة.


1) تقدَّم تخريجه آنفاً .

الجهة الثانية: المناقشة فيه من ناحية عدم القطع بالحجية وكيفية الاستصحاب مع ارتباط الحجية بالرأي وبالعامي والواقعة، وذكرنا لتصوير الاستصحاب طرقاً:

الطريق الأوّل: استصحاب الحكم الإنشائي، ونتيجته جواز تقليد الميت ابتداءً واستدامةً، إلّا أنّا ذكرنا لاستصحاب الحكم الإنشائي إشكالات منها إشكال المثبتية.

الطريق الثاني: استصحاب الحكم الفعلي، وذكرنا بأنّ استصحاب الحكم الفعلي غير جار في التقليد الابتدائي؛ إذ قول المجتهد الميت لم يكن بالنسبة إلى هذا العامي حجة فعلية حتى نستصحبه، وهذا الاستصحاب لا مانع من جريانه بالنسبة إلى من كان يقلده.

الطريق الثالث: الاستصحاب التعليقي، وتقدمت الخدشة فيه، مضافاً إلى أنّ الاستصحاب التعليقي لاموضوع له في التقليد الاستمراري؛ إذ المفروض تحقق التقليد قبل الموت.

الجهة الثالثة: المناقشة في الاستصحاب من ناحية أنّه لو كان تقليد الميت جائزاً ابتداءً، فبما أنّه ليس لنا مجتهد متيقّن الحجية إلّا نادراً، فلا وجه للاستصحاب، إذ إنّ أعلم الأموات مشكوك الحجية، كما أنّ أعلم الأحياء مشكوك فيه، نعم إذا وُجد عالم حي، وعُلم بأنّه أعلم الأموات والأحياء، فإنّ رأيه يكون متيقّن الحجية. وهذه المناقشة لا تجري بالنسبة إلى التقليد الاستمراري، فما ذهب إليه جماعة من المحقّقين وفاقاً للشيخ الانصاري من عدم جواز تقليد الميت استمراراً كما لا يجوز تقليد الميت ابتداءً، ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

وبعد ما ظهر جواز تقليد الميت بقاءً واستمراراً، يقع البحث في أمرين:

الأمر الأوّل: في الفاصل بين التقليد الابتدائي والاستمراري، أي: أنّه باذا يكون التقليد استمرارياً.

وكلمات القائلين بجواز تقليد الميت استمراراً مختلفة، وأهمّ الأقوال في المقام ثلاثة :

القول الأوّل: أنّه يكفي في التقليد الاستمراري الالتزام بالعمل على وفق رأي من كان رأيه حجة في زمان الحياة بأخذ رسالته العملية وإن لم يتعلّم ولم يعمل في زمان حياته، فيكفي في ذلك الالتزام بأخذ الرسالة أو ما في حكمها، وهذا ما يظهر من السيد الطباطبائي في كتاب العروة(1).

القول الثاني: أنّ المعيار في التقليد الاستمراري هو التعلّم مقدمة للعمل وكونه ذاكراً، فلو نسي ما تعلّمه من فتواه لا يمكنه الرجوع إلى الميت، نعم لو كان ذاكراً لما تعلّمه يكون رأي الميت حجة له. وهذا ما يظهر من بعض الأعلام.

القول الثالث: أنّ المعيار في التقليد الاستمراري ليس مجرد التعلم، بل العمل على وفق رأيه، فان عمل برأيه في زمان حياته يجوز له تقليده بعد موته، وأمّا إذا لم يعمل، سواءٌ التزم بأن أخذ رسالته أم لا وسواء تعلّم أم لا، فلا يمكنه تقليده بعد موته.

وهذه الأقوال هي عمدة الأقوال في المسألة.

وتحقيق المسألة يقتضي الرجوع إلى الأدلة المتقدمة لنرى ما تقتضيه، وتلك الأدلة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل: أدلة المجوّزين لتقليد الميت.


1) انظر : العروة الوثقي 52/1.

القسم الثاني: أدلة المانعين من تقليد الميت.

أما القسم الأوّل: فهو أدلّة ثلاثة:

الدليل الأوّل: بناء العقلاء، فإنّ بناء العقلاء على حجّية رأي من كان رأيه حجة في زمن حياته، كما إذا مات بعد إبراز رأيه بقول أو كتابة، سواء تعلم الآخذ ما أظهره من رأيه أم لم يتعلم، والسيرة العقلائية على أنّ مثل هذا الرجوع لا يُلغى بالموت، وعلى هذا كان بناء الشيعة أيضاً، إذ في الأزمنة السابقة كانوا يَجمعون عِدّة من الأسئلة ثم يُرسلونها إلى العالم، وكان يطول ذلك مدة من الزمن حتى يأتي الجواب منه، وربما كان یموت المُجيب بعد إبراز رأيه ووصول رأيه إلى المستفتي لطول المدة، وكانوا يأخذون بما أبرزه من رأيه، وهذا الدليل يقتضي القول الأوّل، أي الالتزام برأي المجتهد.

الدليل الثاني: استصحاب الحجية، واستصحاب الحجية الفعلية ممّا نقول به، وفعلية الحجية تتحقق بوجود عاميّ في معرض الابتلاء، فلو أدرك العاميُّ مجتهداً كان رأيه حجة بالنسبة إليه، فحجية رأيه بالنسبة إلى هذا العامي فعليّة، فإن شكّ العامي بعد عروض الموت على هذا المجتهد بأنّ الموت هل أوجب زوال الحجية أو لا؟ فإنّه يستصحب حجيته إذا كان في حال الاستصحاب محرزاً لحجّية رأيه في حال الحياة، كما إذا كان الميت المجتهد وحيداً، أو لم يكن يعلم بالمخالفة مع تعدّد المجتهدين، أو كان عالماً بالمخالفة إلّا أنّه كان يتعين تقليده من جهة الأعلمية أو الأورعية، ولا مانع من جريان هذا الاستصحاب من وجهة نظرنا، خلافاً للمحقق النراقي وبعض الأعلام حيث قالوا بمعارضة هذا الاستصحاب مع استصحاب عدم الجعل، وهذا الاستصحاب وإن لم يكن يصحّح التقليد الابتدائي ولكنّه يكون مصحّحاً للتقليد الاستمراري.

وهذا الاستصحاب المقتضي للحجية، لا يُعتبر فيه الأخذ، سواء كان الالتزام أم التعلم أم العمل، أي أنّه يكون التقليد بحسب هذا الدليل تقليداً استمرارياً من دون اعتبار الالتزام أو التعلم أو العمل، ولابدّ من تحديده بالقسم الثاني من الأدلة التي سنتعرض لها.

والفرق بين السيرة وهذا الاستصحاب أنّه يُعتبر في السيرة أن يكون عالماً بالحجية في حال الحياة وفي حال الأخذ أو الالتزام، ولا يُعتبر في الاستصحاب العلم بحجية رأيه في حال حياته، بل يكفي العلم بحجية رأيه في حال الاستصحاب؛ إذ يُعتبر اليقين والشك في حال الاستصحاب، ولو كان المتيقن سابقاً.

فظهر أنّ الدليل لو كان هو الاستصحاب كان مقتضاه أوسع من جميع الأقوال المذكورة، حيث لا يُعتبر الالتزام ولا يُعتبر التعلم ولا العمل.

الدليل الثالث: الآيات والروايات التي ادُّعي بأنّها تدلّ على حجية قول المجتهد ابتداءً واستدامةً - مع قطع النظر عن الخدشة في دلالتها أو سندها - كآية النفر فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلَّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَة(1)بدعوى أنّ الإنذار وان كان يصدر من الحي إلّا أنّ الحذر ربما يكون ويتحقق بعد موت المنذر - مع قطع النظر عما ذكرناه سابقاً من أنّ الآية المباركة بصدد بيان أمر آخر غير حجية فتوى الفقيه - وعليه فمقتضى هذا الدليل أنّه يُعتبر في التقليد الاستمراري التعلّم إذ الحذر لا يتحقق إلّا بعد التعلّم، فبعد التعلم يترتّب الأثر مطلقاً.

وكبعض الإطلاقات مثل قوله(عليه السلام) : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثناء فإن كان المراد من الرجوع هو الرجوع اليهم مقدمة للتعلم، كما يُرجع


1) سورة التوبة / الآية 122 .

إلى الطبيب وتُؤخذ الوصفة منه فلابدّ من حياة المجتهد، وإن كان هذا كناية عن التعلّم يكون أمره كأمر الإنذار.

ومثل رواية الاحتجاج: «من كان من الفقهاء... فللعوام أن يقلّدوه»(1)، فبما أنّه استُعملت في هذه الرواية كلمة (قلدوه)، حيث إنّ الظاهر منها على ما تقدم هو الاتّباع العملي، فعليه يقتضي هذا الدليل الاتّباع العملي في زمن حياة المجتهد وهو معتبر في التقليد الاستمراري.

ومثل ما دلّ على إرجاع الأئمة إلى يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان وأمثالهما: (أفيونس بن عبد الرحمن ثقة، آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟)(2)، فهذا ظاهر في الأخذ المباشر، أي الأخذ في حال حياته أو أخذ كتابه ولو بعد موته، فعليه لابدّ من الأخذ في التقليد الاستمراري.

فظهر بأنّ مقتضى كلّ واحد من هذه الأدلة غير ما يقتضيه الآن الآخر، فبحسب بعض الأدلة يُعتبر الأخذ في التقليد الاستمراري، ومقتضى بعضها عدم اعتبار الأخذ والتعلّم والعمل، ومقتضى بعضها التعلّم كالآية المباركة والرواية الشريفة، بناءً على كَون الرجوع كناية عن التعلّم ، فإن قلنا بأنّ هذه الأدلة أدلة تأسيسيّة من الشارع الجواز تقليد الميت استمراراً، فتختلف هذه الأدلة من حيث النتيجة والاقتضاء، وأمّا إذا قلنا بأنّ هذه الأدلة إمضاء لما بنى عليه العقلاء فطبعاً تكون دائرة مدار بناء العقلاء في التوسعة والتضييق.


1) تقدّم تخريجه.

2) وسائل الشيعة 27/ 147 .

هذا كله بالنسبة إلى القسم الأوّل من الأدلة، وهي الأدلة المقتضية لجواز التقليد استمراراً.

وأمّا القسم الثاني: الأدلة المانعة من تقليد الميت، وعمدتها دليلان:

الدليل الأوّل: الإجماع على عدم جواز تقليد الميت، إلّا أنّا قلنا بما أنّ الإجماع دليل لُبّي فلابدّ من الأخذ بالقدر المتيقن منه. هذا مضافاً إلى ما ذكرناه من الشواهد على أنّ الإجماع لا يعمّ التقليد الاستمراري.

الدليل الثاني: رواية يعقوب السراج.

وكيف كان لابدّ من ملاحظة هذين الدليلين مع الأدلّة المقتضية لجواز التقليد الاستمراري ومقارنتها معها.

أمّا مقارنتهما مع السيرة فلا ريب أنّ الاجماع - على القول به - لابدّ من الأخذ بالقدر المتيقن منه، أي أنّ ما يصدق عليه على جميع المسالك المحتملة في التقليد هو عنوان إحداث التقليد بالنسبة إليه، وهو غير جائز، وعليه فلا منافاة بين السيرة والإجماع، إذ السيرة كانت عامّةً، أي كانت تقتضي حجّية رأي المجتهد بعد موته بعد ما كان رأيه حجة في زمن حياته وأبرزه والتُزم بالعمل به أو غير ذلك، ويُعدّ هذا تقليداً له فلا يكون العمل برأيه بعد موته إحداثاً للتقليد.

نعم بناء على أن يكون التقليد هو العمل أو التعلم، فهو لم يعمل، ولم يتعلم بعد، فيها أنّ الإجماع دليل لُبّي وحصل اختلاف في مفهوم التقليد، فلابدّ من الأخذ بالقدر المتيقن من الإجماع حتى يمكن أن يكون رادعاً عن السيرة، ومن الواضح أنّ القدر المتيقن منه خارج عن حدود السيرة المدّعاة، فتبقى السيرة على سلامتها.

وأمّا رواية يعقوب السراج: (تبقى الأرض بلا عالم حي ظاهر يفزع إليه الناس...) فهي أيضاً لا تنافي السيرة المدّعاة، فإنّ الفزع إليه صادق حتى إذا لم يتعلّم

بعد بأن رجع إليه وأخذ رأيه إلّا أنّه لا يتمكن من قراءة أو تفسير ما كتبه، ويحتاج في تفسير كلامه إلى وسيط.

وأمّا الإطلاقات التي ادّعي بأنّها مانعة من السيرة كما عن بعض الأكابر، مع أنّه يقول بوجود السيرة على الرجوع إلى الميت حدوثاً، فضلاً عن البقاء، فمع ذلك ذُكر في كتب المقرّرين لدرسه بأنّ الإطلاقات وإن كانت قاصرة في التقليد الابتدائي، إلّا أنهّا رادعة عن السيرة، أي أنّ السيرة ليست بحجّة في غير مفاد الإطلاقات، وعليه فلا تبقى السيرة على سعتها؛ لأنّه بناءً على بعضها لابدّ من التعلم، وعلى بعضها لابدّ من العمل، فإن كان القائل من مُنكري السيرة، كان عليه الأخذ بهذه الاطلاقات، إلّا أنّه يرد عليه بأنّ أكثر هذه الإطلاقات لا حجّية لها، إمّا لعدم دلالتها أو لضعف سندها، مضافاً إلى أنّ مفادها هو الجري على وفق السيرة وإمضاء السيرة، وما هو إمضاء أو جري على وفق السيرة كيف يمكن أن يكون رادعاً عنها وإن كان بعضها أخصّ مضموناً. هذا كلّه بالنسبة إلى السيرة.

وأمّا مقارنتهما مع الاستصحاب الذي كان أوسع دائرة من السيرة، حيث إنّ الاستصحاب يقتضي حجية رأيه بعد موته بمجرد إدراك المجتهد بالغاً عاقلاً، سواء أخذ رأيه زمن حياته أم لم يأخذ، وسواء عمل أم لم يعمل، وعليه فالإجماع المدّعى يوجب انتفاء مقدار من الاستصحاب؛ إذ الاستصحاب يقتضي جواز الرجوع الابتدائي، والمفروض أنّ الإجماع قائم على عدم جواز الرجوع الابتدائي، فالإجماع محدّد للاستصحاب بحدّ السيرة.

وهكذا إذا كان دليل المانع هو رواية يعقوب السراج؛ إذ على رواية يعقوب لا بدّ من الالتجاء إليه في زمن حياته حتى لايصدق عليه التقليد الابتدائي، فلابدّ من تحديد الاستصحاب بأحد الوجهين.

وأمّا الإطلاقات مع الدليلين المقتضيين، فقد ظهر اختلافها ممّا تقدّم، ومع ذلك فالإجماع المحقق لا ينافي الإطلاقات؛ إذ على بعضها كان يُعتبر التعلّم، وعلى بعضها العمل، وعلى بعضها الرجوع، ومن الواضح أنّه لو تحققت هذه الاُمور لم يكن التقليد تقليداً ابتدائياً حتى يقال بأنّ الإجماع على خلافه.

وأمّا رواية يعقوب السراج فلا تنافي الإطلاقات أيضاً؛ إذ التعلّم أو العمل أو الرجوع من مصاديق الالتجاء، وهذه مقارنة ومحاسبة لمجموع المقتضيات والموانع.

ونتيجة هذه المحاسبة صحة ما ذهب إليه السيد الطباطبائي في العروة، أي أنّ ما ذهب إليه على وفق السيرة، وعلى وفق الاستصحاب بعد تحديده بالإجماع أو برواية يعقوب السراج.

وأمّا من قال باعتبار التعلّم للعمل واعتبار كونه متذكراً، وأما إذا نسي -فيكون رجوعه إليه من مصاديق التقليد الابتدائي، والمراد من النسيان: النسيان الذي لم يُعقب بالتذكر وكان محتاجاً إلى التعلم فيما بعد.

وهذا القول بناء على تمامية السيرة - كما يقول هو - فلابدّ أن يجعل الاطلاقات رادعة لها، وقد ظهر أنّ الاطلاقات غير لائقة للردع ، مضافاً إلى أنّه لابدّ وأن يقول بتأسيسيّة الإطلاقات، والحال أنّ الاطلاقات ليست لها حيثية تأسيسيّة، ومع غض النظر عن جميع ذلك فمقتضى بعض هذه الإطلاقات التعلّم ومقتضى بعضها العمل.

وعلى فرض أنّ هذا القائل لم يقل بحجية ما يقتضي العمل، كما إذا استدلّ بآية النفر، فلا وجه للذكر وعدم النسيان.

وأما القول بأنّ المعيار هو العمل، فهو غير مبتن على السيرة والاستصحاب، بل لابدّ وأن يكون مبتنياً على الاستظهار من الروايات التي منها رواية الاحتجاج: «من كان من الفقهاء ....» بناءً على استظهار أنّ التقليد هو العمل، فلذا اكتُفي بالعمل.

فظهر بما ذكرنا أنّ المتعيّن هو القول الأوّل.

الأمر الثاني: وظيفة المكلف في صورة تخالف الميت مع الحي

بعد ما قلنا بجواز تقليد الميت بقاءً يقع البحث في وظيفة المكلف في صورة تخالف الميت مع الحي.

ومرجع ما ذكرنا من جواز تقليد الميت استمراراً إلى أنّ فقدان وموت المجتهد لا أثر له بالنسبة إلى المقلد في جواز تقليده ولا تأثير لعروض الموت على حجّية رأيه بالنسبة لمن له سبق تقليد، وعليه فمقتضى القاعدة أن يكون وزان رأي المجتهد الميت بالنسبة إلى من قلّده في زمان حياته وزان رأي المجتهد الحي، أي أنّه يُلاحظ الميت كأنّه حيّ، والأحكام الجارية في الحيّين المتساويين وغير المتساويين يجري في المقام.

إلّا أنّ في المقام بعض الخصوصيات، إذ ربما يقال بأنّه يمتاز من حيث الحكم مع المجتهديْن الحيّين، فلذا لابدّ من التعرض للصور المتصورة في المقام على وفق ما ذكرنا في المجتهديْن الحيّين لنرى بأنّ في المقام هل يوجد ما يوجب امتياز المقام عن المجتهديْن الحيّين أو لا؟ والصور المتصوّرة في المقام متعدّدة:

الصورة الاُولى: ما إذا عُلم بتوافق رأي المجتهد الحي مع المجتهد الميت الذي كنّا نقلّده سابقاً، ونحن قد ذكرنا في المجتهديْن الحيّين في صورة العلم بالتوافق حجّية كل منهما، وهذا من باب اجتماع الحجج المتعددة على أمر واحد، نظير تعدّد البيّنة في الشبهة الموضوعية، أو تعدّد الخبر الصحيح الحكم من الأحكام، ولا مانع من تعدّد الحجج والأدلة، وهذا الذي ذكرنا في المجتهديْن الحيّين يجري بعينه في المقام، وما إذا مات المجتهد الذي من المفروض أنّ رأيه كالحي في الحجية.

الصورة الثانية: ما إذا لم يُعلم بتوافقهما، إلّا أنّه لا علم بالخلاف بينهما أيضاً، لا تفصيلاً ولا إجمالاً، فلو كانا حيّين فقد ذكرنا بأنّ مقتضى القواعد العقلائية التخيير بين

القولين، أي أنّ له أن يأخذ برأي من أراد، سواء كان لأحدهما مزية أم لم يكن، وعدم العلم بالخلاف يُخرجه عن التعارض، فإذا خرج عن التعارض فلا يأتي البحث عن التساقط، ولا البحث عن إعمال المرجّحات بل مقتضى القاعدة التخيير الأخذي.

وفي المجتهديْن الحييّن عَنونَ الفقهاء مسألةً أُخرى وهي أنّه لو أخذ برأي أحدهما فهل له العدول إلى الآخر أو لا ؟ مقتضى القاعدة جواز العدول وأنّ التخيير الأخذي تخيير استمراري في نفس الواقعة أو الوقائع الاُخرى.

إلّا أنّه ذكر بعضٌ بأنّه لا يجوز العدول من الحي إلى الحي مع فرض تساويهما، لعدّة أسباب كالإجماع، واستصحاب الحجّية، ودوران الأمر بين التعيين والتخيير.

أمّا الإجماع بنفسه فليس له قيمة علمية؛ إذ الأقوال ليس لها سابقة تأريخية، ولا توجب الوثوق والاطمئنان بلحاظ تجمع الاحتمالات، وعلى فرض وجود إجماع في الحييّن فيمكن القول بعدم شمول الإجماع لما نحن فيه، وهو ما إذا كان أحدهما ميّتاً والآخر حياً، إذ المجمعين كالأكثر يقولون بعدم جواز البقاء على تقليد الميت؛ إذ ما ذهبنا إليه من جواز تقليد الميت استمراراً خلاف المشهور بين المتأخّرين، وأكثر المتأخّرين ذهبوا إلى عدم جواز تقليد الميت حتى إذا كان استمرارياً، فالمُجمعون كلماتهم ناظرة إلى ما إذا كان كلاهما جائز التقليد، وفي المقام لا يجوز تقليد الميت باعتقادهم.

اللهم إلّا أن يقال بأنّ إجماعهم إجماع على الكبرى، وهي عدم جواز العدول من حجة إلى حجة، وأمّا استصحاب الحجية فإنّه يُشك في أنّ التخيير تخيير ابتدائي أو استمراري، فيُستصحب حجية ما أخذ به ويشك في حجّية الآخر إذا أخذ به، فتأتي أصالة عدم الحجية، وهذا الذي ذُكر جار في المقام، إذ المفروض أنّ رأي الميت حجة كر أي الحي، فإذا أخذ برأي الميت لا يمكنه العدول من رأيه إلى رأي الحي.

إلّا أنّه في تلك المسألة وهذه المسألة إن كانت السيرة على التخيير الاستمراري، ولاسيما مع تعدد الواقعة، فلا يمكن التمسك بالاستصحاب، وذلك لأنّ الاستصحاب أصل والسيرة مع عدم الردع من الأمارات،

والأصل لا يمكن أن يكون رادعاً عن السيرة.

وأمّا دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجة، فهو وإن كان جارياً في المقام أيضاً، إلّا أنّ هذا الأصل أصل عقلي، والأصل العقلي يجري فيما إذا لم يكن هنا أمارة، والسيرة مع عدم الردع أمارة، وعلى أيّ حال: حكم الصورة الثانية في الحيّين بعينه يجري في المقام، إلّا إذا كان مستندهم في عدم جواز العدول هو الإجماع، فإنّ الإجماع على فرض تماميّته لا يشمل المقام.

الصورة الثالثة: ما إذا عُلم بمخالفتهما وكان أحدهما ذا مزية، كما إذا كان أحدهما أعلم أو أورع، وقد ذكرنا في المجتهديْن الحيّين بأنّ الأعلمية والأورعية من المرجّحات وعند التعارض يُرجع اليهما، فمن كان أعلم يُؤخذ بقوله وعند تساويهما يؤخذ برأي الأورع.

وأمّا في المقام وهو ما إذا مات أحد المجتهديْن وقلنا بجواز تقليد الميت استمراراً، فإمّا يكون مستند الجواز هو بناء الشيعة والسيرة - كما قلنا -فالحكم يكون دائراً مدار السيرة، وبناء السيرة على حجية رأي أهل الخبرة ما لم يكن رأيه معارضاً لرأي الأعلم، فإن كان الميت هو الأعلم، فلا إشكال في تعيّن رأيه، وأما إذا كان الحي هو الأعلم فلا سيرة على البقاء، بل يجب العدول من الميت إلى الحي الذي من المفروض أنّه أعلم.

وأمّا إذا كان مستند جواز تقليد الميت استمراراً هو الاستصحاب، فإن فُرض بأنّ الميت هو الأعلم، فلا ريب في لزوم البقاء على تقليده، وأمّا إذا فُرض بأنّ الميت

كان أعلم وهذا الحي صار أعلم منه بعد موته، فإنّ استصحاب حجّية قول الميت يقتضي حجية رأيه، ومقتضى أدلّة لزوم الأخذ بذي المزية هو تقليد الحي الذي من المفروض أنّه أصبح أعلم، والاستصحاب لا يمكن أن يتعارض مع الدليل إذا كان للزوم الأخذ بالمزية دليل، فلابدّ من مراجعة الدليل الذي يقتضي لزوم الأخذ بذي المزية.

وقد تمسكنا المرجّحية الأعلم بالسيرة، والسيرة التي تقتضي الرجوع إلى الأعلم عند المعارضة لا يفرّق فيها بين أن يكون أحدهما ميّتاً أو كلاهما حيّاً.

وأمّا إذا كان المستمسك هو الروايات كمقبولة عمر بن حنظلة - كما استظهرنا ذلك منها - فهل الرواية مختصة بما إذا كانا حيّين أو تعمّ المقام وما إذا كان أحدُهما ميّتاً؟

الظاهر أنّ الرواية مطلقة وتشمل ما إذا كان أحدُهما ميتاً.

وأمّا إذا كان المستمسك هو دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجّية - على القول به؛ إذ ربما يُقال بلزوم الاحتياط بين القولين في صورة التساوي، كما قال به بعض الأكابر - إذا كان الميت أعلم من الحي فيمكن القول بجريان هذه القاعدة وتعيّن رأي الميت، وكذا إذا صار الحي أعلم فينعكس الأمر، أي أنّه يجب العدول من الميت إلى الأعلم، ومجرّد الموت لا يوجب الشك كما أنّ سبق التقليد لا يوجب الشك، فالحكم دائر مدار هذه القاعدة سواء كان كلاهما حيّين أم أحدهما حياً والأخر ميتاً، وسواء قلّدنا الميت أم لم نقلّده.

الصورة الرابعة: ما إذا عُلم بالمخالفة ولم يكن لأحدهما مزيّة على الآخر، وقد ذكرنا سابقاً في المجتهديْن المتساويين بأنّ في المسألة أقوالاً ومسالك:

المسلك الأوّل: التخيير من باب الإجماع على وجوب الرجوع إلى أحدهما وعدم جواز الاحتياط، فعلى فرض تمامية هذا الإجماع - ولم نقل به - يمكن القول بأنّ الإجماع

إنّما هو في المجتهديْن الحيّين، وأما إذا كان أحدهما ميتاً وسبقَ للمكلّف تقليده فله تعيّن من هذه الجهة كما قال بعضٌ بذلك، حيث قال بوجوب البقاء على تقليد الميت في المتساويْين، إلّا أنّ الإجماع - كما تقدّم - محلّ تأمّل.

المسلك الثاني : ما ذهب إليه السيد الخوئي من الاحتياط بين القولين(1)، وفي المقام إذا كان الميّت متساوياً مع الحي من الأول فلم يكن تقليده له صحيحاً من الأول، إذ كان عليه أن يحتاط بين قوليهما، وأمّا إذا صار الثاني متساوياً معه لاحقاً بأن كان الأوّل أعلم منه ثمّ بعد ذلك صار الآخر مساوياً معه، فلابدّ من الحكم بالاحتياط بين القولين إن لم نقل بحجّية الاستصحاب - كما لا يقول به السيد الخوئي وبعض آخر - وأما على القول بحجّية الاستصحاب - كما نقول بها - فيمكن القول بحجّية قول الميت. اللّهم إلّا أن يُناقش في اتّحاد القضية المتيقنة والمشكوكة بلحاظ أنّ تعيّن تقليده كان من جهة أعلميّته وبعد ما صار الثاني مساوياً له فليس له أعلمية فعلاً، فلا يمكن استصحاب حجية رأيه.

المسلك الثالث: ما سلكناه من التخيير التطبيقي مستنداً إلى موثقة سماعة: (أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه)، وقلنا بأنّ الرواية واردة في الفتويْين، واستظهرنا أنّ التخيير إنما يكون فيما إذا كان أحدهما مثبتاً لحكم الزامي أو ما في حكمه والآخر نافياً، ولا تشمل ما إذا كان كلّ منهما مُثبتاً، كما لو قال أحدهما بوجوب شيء والآخر بوجوب شيء آخر، وعليه فلا مانع من التمسك بإطلاق الرواية، أي أنّ الرواية كما تشمل الحيّين تشمل ما إذا كان أحدهما ميّتاً والآخر حيّاً، فكما يكون المكلّف مخيّراً فيما


1) التنقيح للسيد الخوئي 1/ 171.

إذا كان أحدهما مُثبتاً والآخر نافياً في الحيين، فإنّه يكون مخيراً فيما إذا كان أحدهما ميتاً والآخر حيّاً.

وأمّا إذا كان كلاهما مُثبتين، فكما يجب على المكلف الاحتياط في الحيّين بسبب الحجة الإجمالية فإنّه يجب عليه الاحتياط في المقام بسبب الحجّة الإجمالية التي هي بحكم العلم الإجمالي.

فظهر أنّ حكم المقام في هذه الصورة عين حكم ما إذا كانا حيّين.

وأمّا إذا كان أحدهما مُثبتاً والآخر نافياً ولم يكن للمقلد علم إجمالي، فيمكن له إجراء البراءة، كما إذا قال أحدهما بذبح بقرة والآخر بذبح شاة.

إلّا أنّا قلنا بأنّ الأحوط إتيانهما، وذلك لِما ذكره بعض الأكابر من لزوم الاحتياط بلحاظ العلم الإجمالي الكبير ، ومع القول بأنّ العلم الإجمالي الكبير ينحل إلى موارد توافق المجتهدين يكون مجرى للأصل.

وأمّا دعوى أنّه ليس للمقلّد الرجوع إلى غير الفتوى فممنوعة لعدم وجود كبرى كلية تثبت ذلك، فإنّ وزان الفتويين بالنسبة إلى المقلد وزان الأدلة المتعارضة.

فظهر بما ذكرنا أنّه لا فرق في المقام من حيث الحكم مع ما ذكرنا في المجتهديْن الحيّين في جميع الصور.

هذا تمام الكلام في الشرط الأوّل من شرائط المجتهد وهو الحياة.

الشرط الثاني: العدالة
اشارة

وفيه أبحاث:

البحث الأوّل: في اشتراط العدالة في المفتي

هل إنّ العدالة بما هي تُعدّ من شرائط المفتي أو لا؟ وبعبارة أُخرى: البحث في العدالة على نحو الموضوعية، بمعنى أنّه هل يُشترط في الفقيه العدالة، حتى إذا حصل

لنا الوثوق بأنّه إجتهد وما يُخبر عنه هو رأيه أو لا تشترط العدالة؟ وليس البحث في العدالة على نحو الطريقية، بمعنى أنّه نثبت بسبب العدالة أنّه مجتهد وأنّ ما يخبر عنه هو رأيه عند الشك فيهما.

وبعبارة أوضح: البحث في أن العدالة من شرائط حجية رأي المفتي، بمعنى أنّه لا يكون رأيه حجة إن لم يكن بعادل حتى إذا علم بأنّه يخبر عن رأيه عن إجتهاد، أو أنّها ليست من شرائط حجية رأيه.

المشهور والمعروف اشتراط حجية رأي المفتي بالعدالة، ونُقل عن بعض عدم الاشتراط، وتردّد بعض في الاشتراط وعدمه، والكلام في دليل ذلك، والأدلة التي يمكن الإستدلال بها للإشتراط وجوه متعددة، وغالب هذه الوجوه لم تُذكر في كلمات القوم.

الوجه الأوّل: الإجماع

نُسب إلى غير واحد القول باعتبار العدالة في حجّية رأي الفقيه، بل قيل إنّ هذا مما أجمع عليه المسلمون. وقال بعض: المعلوم من المذهب، لتصريح الأصحاب باشتراط العدالة قاطعين به كالسيد والفاضلين والشهيدين والعميدي والكركي وغيرهم، والإجماع محقق كما يظهر من التتبع في هذا المقام وفي سائر المقامات.

هذا بالنسبة إلى الخاصة.

وأمّا العامّة فقد ورد في كتاب المجموع شرح المهذب: (شرط المفتي كونه مكلّفاً مسلماً ثقة مأموناً متنزّهاً عن أسباب الفسق وخوارم المروءة - إلى أن يقول - واتفقوا على أنّ الفاسق لا تصح فتواه، ونقل الخطيب فيه إجماع المسلمين)(1).


1) المجموع شرح المهذب 1/ 41 - 42 .

وقد عبّر بعض الأعلام عن هذا الإجماع بالتسالم حيث ذكر أنّ القول بعدم اعتبارها خلاف المتسالم عليه بين الأصحاب، ومخالف للمرتكز في أذهان المتشرعة(1).

أمّا التسالم فممّا لم نحرزه، وأمّا الإجماع فإنّه وإنْ قال جمعٌ كثير باعتبار العدالة وعليه المشهور، إلّا أنّ هذا الإجماع ليس بإجماع محقّق بنحو يوجب الاطمئنان الاطمئنان بحسب تجمع الاحتمالات، فهذا الإجماع محل تأمل.

وقد أُضيف في المستمسك أمرٌ آخر مضافاً إلى الإجماع حيث قال: (المرتكز عندهم قدح المعصية في هذا المنصب على نحو لا تجدي عندهم التوبة والندم، فالعدالة المعتبرة عندهم مرتبة عالية لا تزاحم ولا تغلب)(2).

وما ذكره من المرتكز في أذهان المتشرعة لا يمكن أن يكون من الأدلة؛ لأن هذا الارتكاز ناشئٌ من الإفتاء باشتراط العدالة ومن الإعلام به، فارتكز في أذهان المتشرعة ما لا يكون معتبراً في الفتوى قطعاً كما اعترف به السيد الحكيم. ومثل هذه الارتكازات توجد عند العوام نتيجةً للإعلام، فالعوام يتوهّمون ويتخيلون بأنّه يُشترط ذلك في الفقيه، ويرتكز في أذهانهم بأنّ من لا يكون واجداً لهذه الصفات فهو ليس بفقيه مثلاً. نعم صحيح ما ذُكر من الارتكاز في هذه الأعصار الأخيرة، إلّا أنّه كما أشرنا فإنّ منشأ هذا الارتكاز الإفتاء باشتراط العدالة، مضافاً إلى الإعلام به من قبل البعض.

الوجه الثاني : عدم رضى الشارع بزعامة من لا عدالة له


1) مستمسك العروة الوثقي 43/1 .

2) المصدر نفسه

قال السيّد الخوئي: (مقتضى دقيق النظر اعتبار العدالة في المقلَّد بحس- الحدوث والبقاء. والوجه في ذلك أنّ المرتكز في أذهان المتشرعة الواصل ذلك إليهم يداً بيد عدم رضى الشارع بزعامة من لا عدالة له، بل لا يرضى بزعامة كلّ من له منقصة مسقطة له عن المكانة والوقار، لأنّ المرجعية في التقليد من أعظم المناصب الإلهية بعد الولاية)(1).

ويمكن الجواب عنه بأنّ البحث في حجية رأي الفقيه سواء كان زعيماً أم لم يكن، فإنّ كثيراً من الناس كانوا يقلّدون بعض الفقهاء الأكابر الذين لم يكن لهم أيّ زعامة كالمحقّق الهمداني، فإنّه لم يكن من المجتهدين المعروفين بالإفتاء في زمانه، وكان يعيش حياةً في نهاية الشدّة، وليس البحث هنا في الزعيم الديني كالوالي وأشباهه. وبين المرجعية في الفتيا وبين الزعامة عموم من وجه.

الوجه الثالث: رواية التفسير المنسوب للإمام العسكري(عليه السلام)

قد ورد في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام)رواية مفصلة - وهي منقولة في الاحتجاج أيضاً - وفيها أمور ومطالب، منها: «فإنّ الله قد ذمّ عوامنا بتقليدهم علمائهم كما ذم عوامهم. وأمّا من حيث افترقوا فلا ... إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح وأكل الحرام والرشاء وتغيير الأحكام ... واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أنّ من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز أن يُصدق - إلى أن يقول(عليه السلام) - وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة والتكالب على حكام الدنيا وحرامها فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود- إلى أن قال(عليه السلام)- فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً


1) التنقيح للسيد الخوئي 1/ 223.

لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، وذلك لايكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنّ من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة العامة فلا تقبلوا منّا عنه شيئاً، ولا كرامة ...»(1).

وقد اختلف العلماء في مفادها، فمنهم من ذهب إلى أنّ الرواية تدلّ على لزوم العدالة لا بما هي هي، بل بما أنّها طريق للوثوق والاطمئنان، وذلك لقوله(عليه السلام) : « فاسق لا يجوز أن يُصدّق».

ومنهم من ذهب إلى اشتراط العدالة في حجّية رأى الفقيه، وذلك لقوله(عليه السلام): « فأمّا من كان من الفقهاء».

ومنهم من استفاد منها مرتبة عليا من العدالة، أي أنّه يُشترط في حجّية رأي الفقيه المرتبة العليا من العدالة، كما استفاد ذلك صاحب العروة.

إلّا أنّ الرواية ضعيفة ولا يمكن الاحتجاج والاستدلال بها، ومع غضّ النظر عن ضعفها فلو دلّت على ذلك فإنّما تدلّ على العدالة على نحو المرآتية والطريقية، لا على نحو الموضوعية كما هو محل كلامنا، وذلك بملاحظة مجموع الرواية صدراً وذيلاً، أي أنّ الوثوق والاطمئنان إنّما يكون عقلائياً فيما إذا كان الفقيه عاملاً بما يقول وكان مجتنباً عما يقول بحرمته، وأمّا إذا لم يكن كذلك فالوثوق والاطمئنان به غير عقلائي، وليس فيها تعرض لما إذا حصل الوثوق والإطمئنان الشخصي من قول الفاسق، وفي الحقيقة هذا تنبيه من الإمام(عليه السلام) إلى أنّه في أي موضع يصحّ الوثوق وفي أيّ موضع لا يصحّ.

الوجه الرابع: مقبولة عمر بن حنظلة


1) الاحتجاج 2/ 263 - 264

قد ورد في مقبولة عمر بن حنظلة: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يُلتفت إلى ما يحكم به الآخر»(1). والاستدلال بها مبتن على صحة الرواية أولاً، وهذا ممّا نقول به، كما يَبتني على كون هذه الجملة مرتبطة بالفقيهيْن لا بالقاضييْن من التحكيم والمنصوب، وقد ظهر بما ذكرنا سابقاً أنّها مرتبطة بالفقيهيْن، ومبتن على أن تكون أفعل التفضيل المذكورة فيها (أعدلها)والوصف الذي جُعل مرجحاً دليلاً على أنّ أصل الوصف لا بدّ من ثبوته في كليهما، فإنّ أفعل التفضيل قد تأتي لقيام أصل الوصف بأحد الشخصين، فيقال زيد أصغر من عمرو، وعمرو أكبر من زيد، لا لجهة التفضيل، إلّا أنّ الأصل فيه ذكره للتفضيل.

الوجه الخامس: رواية الحارث بن المغيرة

في الكافي، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حماد بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبدالله(عليه السلام) في قول الله عز وجل (إنّما يخشى الله من عباده العلماء) قال: «يعني بالعلماء من صدّق فعله قوله، ومن لم يصدّق فعله قوله فليس بعالم»(2).

بتقريب أنّ قوله(عليه السلام) : ( فليس بعالم) من قبيل الحكومة التضييقية، أي أنّ علمه کَلا ،علم ومعنى ذلك أنّه لا يترتب عليه أحكام العالم التي منها جواز قضائه وجواز تقليده.

الوجه السادس: رواية مسعدة بن صدقة


1) تقدَّم تخريجه

2) الكافي 1/ 28 .

في قرب الاسناد عن هارون بن مسلم عن مسعده بن صدقة عن جعفر عن أبيه محمّد بن عليّ(عليه السلام) قال: «إيّاكم والجهّال من المتعبّدين، والفجّار من العلماء، فإنّهم فتنة كلّ مفتون»)(1).

ومن مصاديق الحذر منهم عدم سماع كلامهم أو عدم أخذ فتاواهم.

وهناك آيات يمكن الاستدلال بها على اشتراط العدالة:

الوجه السابع : آية الركون إلى الظلمة

قال تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ(2)والاستدلال بها متوقف على أن يكون المراد بالركون الاعتماد لا الميل كما قال أغلب المفسرين، أي: لا تعتمدوا على الذين ظلموا؛ إذ الركون في اللغة بمعنى الاعتماد والاستناد، وركن البناء هو الجانب القويّ منه، وهذا متوقف على أن يكون الفاسق ظالماً، فإنّ الظلم على أنحاء، منها: ظلم العبد نفسه، ومن الواضح أنّ أوضح وأشدّ المراحل الاعتماد على فتوى الظالم.

الوجه الثامن: آية النبأ

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا(3)

بتقريب: أنّ الفاسق إذا أتى بنبأ، سواء كان حسياً أم حدسياً فإنّه لا يمكن الاعتماد على قوله، بل لابدّ من التبيّن. ونحن قد بحثنا عن هذه الآية المباركة بحثاً مفصلاً في مبحث حجية خبر الواحد.


1) قرب الإسناد 70

2) سورة هود / الآية 113 .

3) سورة الحجرات / الآية 6 .

إلّا أنّ الذي يمكن القول به في المقام هو أنّه يمكن المناقشة في هذا الاستدلال من ناحيتين:

الأُولى: أنّ الفاسق المذكور في الآية المباركة يُحتمل فيه معان ثلاثة:

المعنى الأوّل: أن يكون المراد من الفاسق في قبال العادل، أي: الخارج عن حدود طاعة الله ومن ليس بمستقيم عملاً، وعليه يمكن الاستدلال بالآية.

المعنى الثاني: أن يكون الفاسق بمعنى المنافق؛ إذ قد يأتي الفاسق بمعنى المنافق ولا سيما إذا كان في قبال المؤمن، وعليه فلا تكون الآية الشريفة مرتبطة بمحل البحث.

وقد ذكرنا في تقريب هذا المعنى قوله تعالى: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ فإنّه قد ورد في تفسير هذه الآية المباركة أنّ المراد من المؤمن في هذه الآية المباركة هو أمير المؤمنين(عليه السلام) والمراد بالفاسق في الآية الشريفة هو الوليد(1)، وآية النبأ نزلت في الوليد حيث ذهب لجباية الزكاة من بني المصطلق ثم رجع وأخبر بأنّهم يمتنعون عن أداء الزكاة وأنهم ارتدوا، فعزم المسلمون على الإغارة عليهم(2).

المعنى الثالث: أن يكون المراد بالفاسق خصوص الكاذب، ففي رواية زيد الشحام، قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام)عن الرفث والفسوق والجدال - إلى أن قال -: وأمّا الفسوق فهو الكذب، ألا تسمع قول الله عزّ وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا(3).

ويؤيّد هذا المعنى روايات كثيرة تدل على أنّ المراد بالفسوق هو الكذب، ولا تدل الآية المباركة على اعتبار العدالة على هذا المعنى الأخير.


1) تفسير القمّي 2/ 170.

2) التبيان 343/9

3) معاني الأخبار 294.

الثانية: ما ذكرناه أيضاً في مبحث حجية خبر الواحد، وله شرح مفصّل في تفسير الآية، إلّا أنّ ملخّصه هو أنّ المسلمين عزموا على الإغارة على بني المصطلق بسبب خبر الفاسق الذي كان له عداوة في الجاهلية مع بني المصطلق، وقد ذكر علماء الأدب بأنّ التنوين قد يأتي للتحقير أو للتعظيم وعليه فهذا الفاسق فاسق خاص، إمّا فاسق حقير وإما فاسق عظيم، ويمكن أن يكون أيّ منهما بمناسبة أنّه قد أتى بنبأ، والنبأ على ما قال بعض لا يُطلق إلّا على الخبر العظيم، ويمكن استفادة العظمة من التنوين، فالآية بصدد التعبير عن التأثّر بكلام الوليد الفاسق، وقصدوا الإغارة على بني المصطلق، فالآية المباركة تبيّن حكم إخبار فاسق خاص عن نبأ خاص، والإغارة من الأُمور التي لابدّ وأن تكون بحكم القائد لا من قبل أنفسهم، فترتيبهم للأثر على قول الفاسق كان على خلاف القواعد من جهات متعددة، فإنّهم تأثّروا بخبر فاسق خاص ونبأ خاص في أمر يكون محتاجاً إلى أمر القائد، وهذا مخالف للتعليمات الإسلامية، والقرآن الكريم بحسب أُسلوبه بيّن حكمَ ذلك بقضية شرطية؛ إذ أنّ بيان الحكم بهذا النحو يكون أوقع وذلك للينهِ، كما إذا قتل أحدٌ شخصاً ويريد الانسان تعييره، إلّا أنّه يريد أن يقابله ويخاطبه بأنك فعلت كذا فيقول له: إذا كان الرجل عالماً عاملاً عادلاً خدوماً، هل يصحّ قتله لأدنى سبب؟ فذكرُ هذه القيود من باب التوبيخ، لا أن تكون هذه القيود ،احترازية، ومعنى ذلك أنّ كلّاً من هذه القيود يقتضي عدم جواز قتله لأدنى سبب، فكيف إذا كان أحدٌ جامعاً لهذه الصفات.

وفي المقام فإنّ التأثّر بكلام فاسق خاص ونبأ خاص في أمر لا يجوز الإقدام عليه إلّا بإذن وأمر القائد على خلاف القواعد، فبيّن القرآن حكمَه بصورة القضية الشرطية، وليس لمثل هذه القضية الشرطية مفهوم، وليس معنى الآية المباركة أنّه إذا أتاكم فاسق اعتيادي بنبأ اعتيادي في أمر لا يتوقف على أمر الرئيس وإذنه لابدّ من التبيّن من قوله،

وعليه فالآية المباركة من قبيل ذكر الجمع وإرادة المفرد، نظير قوله تعالى: إِنَّمَا وَلِيَكُمُ الله وَرَسُوله وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ(1).

فلا يمكن الاستدلال بها لحجية خبر الثقة من جهة مفهوم الشرط أو الوصف؛ إذ كما أشرنا إنّ بيان هذه القيود في ضمن القضية الشرطية بغرض توبيخ وتفسير القائمين بالإغارة بخبر الفاسق، ومثل هذه القضية الشرطية غير القضية الشرطية المتعارفة، فإنّ هذه القضية الشرطية تأديبية، وكلّ واحد من القيود المذكورة دخيل في قبح ما وقع، كما لا يمكن الاستدلال بها في المقام، أي: في اشتراط حجية رأي الفقيه بالعدالة.

فظهر بما ذكرنا أنّ ما ذهبَ إليه الأكثر من اشتراط العدالة أمر صحيح، ويدلّ عليه روايات كثيرة وعمدتها مقبولة عمر بن حنظلة، وبهذا ينتهي البحث الأوّل من مباحث العدالة.

البحث الثاني: في اشتراط الزهد في المفتي

هل يُعتبر في المفتي - مضافاً إلى العدالة - الزهد في الدنيا، فإنّه قد ذكر بعض الأكابر اعتبارَه مضافاً إلى العدالة، فإنّه قال: (وأن يكون غير مكبّ على الدنيا ولا حريصاً عليها وعلى تحصيلها جاهاً ومالاً)(2).

وهنا روايات لابدّ من التعرض لها.

منها ما في البحار عن المحاسن ، عن فضالة، عن أبان بن عثمان، عن الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : إن أبا جعفر (عليه السلام)سئل عن مسألة فأجاب فيها،


1) سورة المائدة / الآية 55 .

2) تحرير الوسيلة 5/1

فقال الرجل: إنّ الفقهاء لا يقولون هذا، فقال له أبي: « ويحك إنّ الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسك بسنة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)»(1).

والرواية معتبرة.

وفي الكافي، عن عدّة من أصحابنا عن البرقي عن اسماعيل بن مهران عن أبي سعيد القمّاط وصالح بن سعيد عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه سُئل عن مسألة فأجاب فيها، فقال الرجل: إنّ الفقهاء لا يقولون هذا، فقال: «يا ويحك وهل رأيت فقيهاً قط ؟، إنّ الفقيه حقّ الفقيه الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة المتمسّك بسنة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)»(2).

وفي الوافي: (حق الفقيه إمّا بدل من الفقيه أو مبتدأ ومنصوب بتقدير : أعني، بمعنى أنّ (الفقيه حقيقة).

كما أنّ في الوافي لم يذكر في السند صالح بن سعيد، وذلك لبنائه على الاختصار لأنّه استظهر أنْ يكون أبو سعيد القماط هو صالح بن سعيد.

وصالح بن سعيد لم يُوثّق في كتب الرجال، إلّا أنّهم ذكروا أبا سعيد القماط كنية لصالح بن سعيد كما ذكروها أيضاً كنية لخالد بن سعيد الذي هو ثقة، فإن كان أبو سعيد القماط هو صالح بن سعيد، فالرواية تكون ضعيفة على المشهور، إلّا أن يُتمسَّك لتوثيقه بوجوده في أسانيد التفسير المنسوب إلى القمي أو بسبب نقل ابن أبي عمير عنه. هذا بناءً على أن تكون الواو زائدة، كما استظهر المحقق الفيض.


1) بحار الأنورا 51/2.

2) الكافي 56/1 كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب الحديث8.

وأمّا إذا لم تكن زائدة فيكون أبو سعيد القماط كنية لخالد بن سعيد، فتصبح الرواية معتبرة على المشهور.

فمن الممكن القول باعتبار الزهد أيضاً في حجية رأي الفقيه من أجل هاتين الروايتين المعتبرتين.

إلّا أنّه يمكن القول بأنّ الزهد مردد بين معنيين:

المعنى الأوّل: ترك الدنيا والإعراض عنها ، كما يناسب هذا المعنى أكثر كلمات اللغويّين.

المعنى الثاني: عدم الاعتناء بالدنيا وعدّها حقيرةً، وبهذا المعنى فَسّر الإمام أميرُ المؤمنين(عليه السلام) الزهدَ، ففي نهج البلاغة: «الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن قال الله سبحانه: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه»(1).

ولعل المعنى الثاني هو المناسب؛ إذ الزهد بمعنى القلّة (شيءٌ زهيد، أي: قليل) وبين المعنيين عموم من وجه كما هو واضح ؛ إذ ربما يحتقر الشخص الدنيا، إلّا أنّه مع ذلك ثريّ فهو غير تارك للدنيا، فقد روى الصدوق أنّه سُئل الصادق(عليه السلام) عن الزاهد في الدنيا، قال: «الذي يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عقابه»(2)، ويمكن أن لا يكون ثريّاً إلّا أنّه لا يعتبر الدنيا حقيرةً، ويمكن أن يكون زاهداً بكلا المعنيين.

وعليه فبما أنّ الزهد مردّد بين معنيين، فإنّه لا يمكن تخصيص أدلة حجية رأي المجتهد واشتراط الزهد في حجية رأيه، إلا بالقدر المتيقن فمن كان ثريّاً وكانت الدنيا


1) نهج البلاغة 4 / 102/ 439.

2) عيون أخبار الرضا 56/1

عنده أكبر همه فرأيه ليس بحجة، وهذا لا ينطبق مع المدّعى، والظاهر أنّ المراد من الزهد احتقار الدنيا وعدم الرغبة فيها في قبال الرغبة في الآخرة، ولا يبعد اعتبار الزهد بهذا المعنى في الفقيه.

ومنها : ما في الوافي نقلاً عن الكافي، عن علي عن أبيه عن النوفلي عن السكوني- والنوفلي محل تأمّل عندنا - عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال : قال رسول الله الله: «الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل : يارسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم»(1).

والمراد من أُمناء الرسل كون العلماء أُمناء على الحلال والحرام، ولذا ورد في حقّ زرارة وغيره: «أُمناء أبي على حلال الله وحرامه»(2)، وبما أنّه أُضيف إلى الرسل، فمعناه: المؤتمن، أي أنّ حلال وحرام الرسل مودع عند الفقهاء وهم مؤتمنون على الحلال والحرام، فيجب على الناس الرجوع إليهم في الحلال الحرام ما لم يدخلوا في الدنيا، أي: لا تكون الدنيا أكبر همهم، وإنّما ذكر اتباع السلطان لعناية خاصة، فإنّه من أظهر مصاديق الدخول في الدنيا، فإن دخلوا في الدنيا فاحذروهم على دينكم. وهذه الرواية أيضاً تدل على اعتبار الزهد إن كان اتّباع السلطان من باب المثال.

وذكر الفقهاء في الرواية مع أنهم لم يكونوا في عصر النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ولم يكن هناك سلطان حتى يتبعه العلماء يُنبئ عن بعد نظره(صلّی الله علیه وآله وسلّم) و ما سيكون في أمته فيما بعد.

والرواية تصلح مؤيداً لضعف سندها.


1) الكافي 1/ 37 كتاب فضل العلم / باب المستأكل بعلمه والمباهي به .

2) بحار الأنوار 390/47.

ومنها: ما في البحار نقلاً عن العلل، عن محمد بن حسن الوليد عن الصفار عن القاشاني عن الاصفهاني عن المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال : «إذا رأيتم العالِم مُحبّاً للدينا فاتّهموه على دينكم فإنّ كلّ محبّ يحوط ما أحب»(1).

وهذه الرواية أيضاً تكون مؤيّدة لما ذكرنا من اعتبار الزهد في الفقيه.

فظهر أنّ الزهد بالمعنى الثاني ممّا يمكن القول باعتباره في حجّية رأي الفقيه.

البحث الثالث: في العدالة المعتبرة في المجتهد

ذكر صاحب الحدائق أنّ ظاهر كلمات العلماء اعتبار العدالة في المجتهد بنحو العدالة الثابتة في القاضي، والكاشف عن العدالة هو حسن الظاهر، إلّا أنّه يُعتبر في القاضي وفي المفتي مرتبة فوق هذه المرتبة فلابدّ أن يكون متحلّياً بالأخلاق الحسنة ومتخلّياً عن الرذائل الأخلاقية، قال صاحب الحدائق: (وذلك بأن يكون متّصفاً بعلم الأخلاق الذي هو السبب الكلي المقرّب من الملك الخلاق، وهو تحلية النفس بالفضائل وتخليتها من الرذائل وإن كان هذا العلم الآن قد عفت مراسمه وانطمست في هذه الأزمنة معالمه، وأنّما المدار بين الناس الآن على العلم بهذه العلوم الرسمية المجامعة للفسق في جلّ من تسمّى بها)(2).

ثمّ ذكر بعد ذلك بأن مجرّدَ حسن الظاهر غيرُ كاف، بل لابد من دقّة أكثر.

وقبل التعرض لأدلّته لابدّ أن نقول بأنّ علم الاخلاق الذي يتأسّف صاحب الحدائق على إنطماس معالمه و مراسمه له معنيان:


1) بحار الأنوار 2/ 107

2) الحدائق الناضرة 58/10

الأوّل: نفس علم الأخلاق، فإنّ الأخلاق علم كسائر العلوم، ومن الممكن أن يكون الشخص عالماً بعلم الأخلاق ولم يكن متّصفاً بالصفات الحميدة النفسية، بل كان متّصفاً بأضدادها، ومثله كمثل سائر العلوم ومنها الفقه، فإنّه ربما يكون الفقيه فاسقاً كما ربما يكون عادلاً.

وما يوهمه كلامه من أنّ علم الاخلاق مقرّب من الملك الخلاق غير صحيح، فإنّ علم الأخلاق مأخوذ من فلسفة اليونانيين؛ لأنّ علم الاخلاق جزءٌ من فلسفتهم، والفلسفة كانت مشتملة على المنطق والطبيعيات والالهيات والأخلاق.

وقد كتبَ عددٌ من الحكماء كابن مسكويه وغيره علم الأخلاق على وفق فلسفة اليونانيين، وقد كتب العرفاء في ذلك كتباً.

وعلم الأخلاق متكفّل لعلاج بعض الصفات أو لبيان منشأ بعض الصفات.

وللاُوربّيين كتب أيضاً في علم الإخلاق، كما هو مذكور في دائرة المعارف لفريد وجدي، فلا وجه للتأسّف الشديد من جهة انطماس معالم علم الاخلاق، نعم هذا العلم علم من العلوم وفيه فوائد، إلّا أنّ شأنه كشأن سائر العلوم التي اندرست.

الثاني: الأخلاق العملية - والذي هو بصدد بيانه - فإنّه كما أنّ العرفان قسمان: العرفان العلمي والعرفان العملي، فكذلك الأخلاق: أخلاق علمية وأخلاق عملية.

والأخلاق العملية ممّا كان يتصدى لها بعضٌ إلى الأزمنة الأخيرة وكانوا يتكفّلون لتربية وتهذيب نفوس أهل العلم والذي يوجب التأسّف قلّة هؤلاء الأفراد في هذه الأزمنة، وقد ذكر المحدّث النوري في المستدرك ما يرتبط بعلم الاخلاق. والغرض من بيان ذلك عدم الخلط بين المعنيين.

وقد استدلّ صاحبُ الحدائق لاشتراط اتّصاف الفقيه بالصفات الحميدة وتخلّيه عن رذائلها بأمرين:

الأمر الأوّل: ما يتوقّف على مقدّمتين:

المقدّمة الاُولى: أنّ المفتي والقاضي نائب لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) هو جالس مجلسهم.

المقدّمة الثانية: أنّه لابدّ من التناسب بين النائب والمنوب عنه، والتناسب لا يحصل إلّا بما ادّعاه من لزوم اتّصافه بالصفات الحميدة.

أمّا المقدّمة الاُولى: فما ذكره من النيابة صحيح بالنسبة إلى القاضي، فإنّا ذكرنا في مبحث القضاء أنّه من مناصب الأئمة الأطهار(عليهم السلام) ولا يتصدّى لهذا المنصب إلّا من نَصبه الإمام(عليه السلام) إما بنصب خاص أو عام كما تدل عليه الروايات، وأمّا الإفتاء فهو ليس بمنصب - كما يظهر من بعض - وإن أمكن الاستئناس ببعض الروايات مثل: (هؤلاء خلفائي) أو (الفقهاء اُمناء الرسل) للدلالة على أنّ الإفتاء أيضاً منصب من المناصب.

هذا بالنسبة إلى المقدّمة الاُولى.

وأمّا المقدّمة الثانية: وهي لزوم التناسب بين النائب والمنوب عنه، فلا ريب في لزوم التناسب في الجهة التي يريد النيابة عنه فيها، والتناسب لابدّ وأن يُعيّن من قبل الشرع. أمّا في مسألة القضاء فقد ذكرنا الشروط التي لابدّ وأن يكون القاضي واجداً لها، ومنها العدالة وفي مسألة المفتي فالمقدار المناسب من العدالة يتضح من خلال الأدلة الشرعية، والذي استظهرناه منها إلى الآن هو اعتبار العدالة والزهد في الفقيه، والتناسب بين النائب والمنوب عنه ليس من الاُمور الموكولة إلى نظر العرف حتى يقال باعتبار اُمور اُخرى غير ما بيّنه الشرع، فهذا الدليل بنفسه غير قابل للاعتماد.

نعم إن كانت الرذائل من الرذائل المحرّمة والفضائل من الفضائل الواجبة فلابدّ للفقيه من اجتناب تلك الرذائل وتحصيل تلك الفضائل، وشرط العدالة نفسه يغنينا عن الاستدلال بهذا الدليل قال المحقق الهمداني في كتاب الصلاة - بعد ما ذكر

بأنّ العدالة الاستقامة الواقعية -: (فيُعتبر في كون الرجل عدلاً كونه في الواقع مواظباً على الطاعات ومجتنباً عن المعاصي الظاهرية والباطنية كالكبر والحسد والشرك والنفاق والرياء في العبادات)(1).

فالرذائل المحرّمة ممّا لابدّ من الاجتناب عنها حتى يصدق عليه العادل، وتوهُّم أنّ الصفات النفسية غير اختيارية فلا يمكن توجّه التكليف بالنسبة إليها مدفوع بأنّ الصفات الرذيلة قابلة للعلاج بنحو ما هو مذكور في الروايات الشريفة وكتب علم الأخلاق.

وأمّا الرذائل والفضائل التي لها حيثية الكراهة والاستحباب فحكمها ووزانها وزان الأفعال المستحبة، فإن قلنا بلزوم إتيان المستحبّات واجتناب المكروهات للفقيه - ولا يقول به أحد - فلابدّ له من ترك الرذائل المكروهة وتحصيل الفضائل المستحبة، وإن لم نقل - كما لا نقول - فلا يجب ولا يُعتبر.

الأمر الثاني: الروايات، وقد ذكر في الحدائق ثلاث روايات:

الرواية الاُولى : ما نقله من التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام)، والرواية مذكورة في الاحتجاج، وليس لها سند معتبر، وقبل نقل الرواية لا بأس بالقول إنّ الصفات المذكورة في هذه الروايات قد أوجبت ذهاب بعض إلى أنّ هذه الصفات ترتبط بالإمام، وصاحب الحدائق ذهب إلى اعتبار هذه الصفات في الفقيه(2)، إلا أنا نرى أنّ هذه الصفات صفاتٌ متعارفة، وليست من الصفات المختصة بالإمام.


1) مصباح الفقيه 2/ 673 (ط. ق.) .

2) الحدائق الناضرة 10/ 58 - 59 .

والرواية ما يلي قال علي بن الحسين(عليه السلام): « إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه وتماوت في منطقه و تخاضع في حركاته - تماوت تظاهر أنّه مات أظهر التخافت، والتخافت تكلّف الخفوت وإظهاره، والتخاضع من باب التفاعل ومن المعاني المناسبة هنا إظهار ما ليس في الباطن كتمارضَ، أي: أظهر المرض، ومحصّل معنى هذه العبارة أنّه إذا رأيتم من يتماوت ومن يتخاضع في حركاته، أي أنّه إذا رأيتم من يتظاهر بالخضوع وبالتخافت - فرويداً لا يغرّنكم فما أكثر - إلى قوله - فإذا وجدتموه يعفّ عن الحرام فرويداً لا يغرّنكم، فإنّ شهوات الخلق مختلفة - إلى قوله - ولكن الرجل كلّ الرجل نِعمَ الرجل هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله تعالى وقُواه مبذولةً في رضى الله ، يرى الذل مع الحقّ أقرب إلى عزّ الأبد من العز في الباطل، ويعلم أنّ قليل ما يحتمله من ضرائها يؤدّيه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد، وأن كثيراً من سرائها إن اتبع هواه يؤدّيه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول ، فذلكم الرجل نعم الرجل فيه فتمسّكوا به بسنته فاقتدوا والى ربكم به فتوسّلوا، فإنّه لا تُردّ له دعوة ولا تخيب له طلبة».

وتوهّم بعضٌ من قوله(عليه السلام) : ( فإنّه لا تُردّ له دعوة) أنّ الرواية ترتبط بالإمام، والحال أنّ في الكافي باب بعنوان (من يُستجاب دعوته)، وقد ذكر أفراداً كثيرين ممّن تُستجاب دعوتهم.

وكيفما كان، نحن لا ندري بأيّ جملة من جمل هذه الرواية يريد أن يستدل صاحب الحدائق لمدّعاه، والرواية ترشدنا إلى أمر متعارف وأنّه في مقام اتّخاذ الصديق يجب أن لا يُغترّ بالمظاهر، بل لابدّ من ملاحظة الخصوصيات المذكورة في هذه الرواية.

لقد ذكر صاحب الوسائل - بعد نقل هذه الرواية - أنّ الرواية تدلّ على درجة عالية من العدالة، ونحن نرى أنّ المستفاد من هذه الرواية ليس إلّا الدرجة المتعارفة

من العدالة، والتشديدات التي في الرواية من أجل وجود أمارات على الخداع وإغراء الآخرين بالتماوت في منطقه والتخاضع في حركاته، فبما أنّ هذه الاُمور من الاُمور المريبة فلابدّ من دقّة أكثر، والاُمور المذكورة في الرواية ليست من الاُمور التي تكون ما فوق العدالة كالاجتناب من الرئاسة الباطلة وأمثال ذلك، وما ذكر من التمسك به وبسنته والتوسّل به إلى الله تعالى، لا يدلّ على مرتبة أعلى من العدالة، فإنّه - كما قلنا - وردت الروايات بحقّ كثير من الأفراد تُبيّن أنهم لا تُردّ دعوتهم.

الرواية الثانية: ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه كان يقول: «يا طالب العلم إنّ العلم ذو فضائل كثيرة: فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، واُذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية - إلى قوله - وسلاحه لين الكلام، وسيفه الرضا، وقوسه المداراة وجيشه محاورة العلماء»(1).

وهذه الرواية - كما في مرآة العقول - ضعيفة سنداً بسبب وجود عبيد الله بن عبد الله الدهقان. ولابد من معرفة أنها مسوقة لأيّ شيء، فلو كانت الرواية مسوقة لبيان التشريع وأنّ العالم لابدّ وأن يكون واجداً لجميع هذه الصفات وإلّا لا يجوز ترتيب آثار العالم عليه من التقليد والقضاء والتعليم فللاستدلال بها وجه، وأمّا إذا لم تكن في هذا المقام، بل كانت مسوقة لبيان أنّ العلم لا يتكامل إلّا مع هذه الصفات كما يدل على ذلك قوله(عليه السلام) : (رأسه التواضع) فإنّه لو لم يكن طالب العلم متواضعاً فطبعاً لا يَقْبل قول غيره ولا يَتواضع لسماع قول الآخرين، ونتيجة ذلك أنّه لا يتكامل فيما هو


1) الكافي 1/ 38 كتاب فضل العلم، باب النوادر، الحدیث 2.

بصدده، أو أنّ هذه الصفات تؤيّده في تحصيل العلم، فإنّه لو كان طالب العلم صاحب مداراة فلا يضيع وقته بمعارضة الآخرين.

والغرض أنّ هذه الصفات المذكورة في هذه الرواية لو كانت في طالب العلم فإنّه يتكامل فيما هو بصدده وتؤيّده في تحصيل العلم، والرواية مسوقة لبيان ذلك، مسوقة لبيان الحكم التشريعي وأنّه لو لم يكن في العالِم صفة من هذه الصفات فلا يُقبل قوله، فلا يمكن الاستدلال بها على مدّعاه.

وليست الرواية الثالثة ما في الكافي، بسنده إلى أبي عبد الله - وسنده إلى أبي عبد الله مجهول - وهذه الرواية - كما في مرآة العقول - منقولة في الأمالي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) بسند فيه عكرمة وغيره، ومنقولة في الخصال بسند غير صحيح - قال: «طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والختل وصنف يطلبه للفقه والعقل، فصاحب الجهل والمراء موذ ثمار متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم، قد تسربلَ بالخشوع وتخلّى من الورع فدقّ الله تعالى من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه، وصاحب الاستطالة والختل ذو خِبّ ومَلَق يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوانهم هاضم - الحلوان ما يُعطى من المال للكاهن والدلال - ولدينه حاطم، فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره، وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر قد تحنّك في برنسه - وفي الخصال والأمالي قد تحنّى في برنسه - وقام الليل في حندسه يعمل ويخشى داعياً مشفقاً مقبلاً على شأنه عارفاً بأهل زمانه مستوحشاً من أوثق إخوانه فشدّ الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه»(1).


1) الكافي 1/ 39 كتاب فضل العلم، باب النوادر، الحديث 5.

وهذه الرواية لا ترتبط بمدّعى صاحب الحدائق ، فإنّه لم يُذكر في هذه الرواية الصفات الأخلاقية الحميدة، فإنّ الحزنَ والكآبةَ والسهرَ وقيامَ الليل وأمثالَ ذلك ليست من شرائط المفتي، ولا يقول هو باشتراط هذه الاُمور في المجتهد، فإنّ هذه أعمال مستحبة.

وهذه الروايات الثلاث ممّا ذكرها في الحدائق، وقد نقل كلمات عدّة من العلماء في ذلك.

وظهر بأنّ هذه الروايات لا تدل على مدّعاه كما أنّ دليله الأوّل ضعيف ولا يمكن الاستدلال به.

البحث الرابع: في حقيقة العدالة
اشارة

ولابدّ من البحث عن العدالة فإنّ مسألة العدالة معنونة في الإسلام، فقد نطق بها القرآن الكريم حينما اعتبرها في الشاهد، قال تعالى: ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ(1)، وقد كُتبت فيها رسائل. والبحث عنها يقع في أُمور:

الأمر الأوّل: في أُصول الأقوال المنسوبة إلى علمائنا، وهي خمسة:

القول الأوّل: إنّ العدالة عبارة عن ملكة نفسانية باعثة للتقوى.

القول الثاني: إنّ العدالة عبارة عن إتيان الواجبات وترك المحرمات عن ملكة.

والفرق بين القولين أن الأوّل يعتبر العدالة ملكة نفسانية باعثة للتقوى، أي: ينبعث منها فعل الواجبات وترك المحرمات. والثاني يعتبرها نفس التروك وإتيان الواجبات الناشئ عن ملكة، وعليه فالعدالة مأخوذة من فعل الجوارح أو منتزَعة من


1) سورة الطلاق / الآية .2.

الفعل الجوارحي، إلّا أنّه لابدّ وأن يكون الفعل والترك ناشئاً من الحالة النفسية التي يُعبّر عنها بالملكة.

واعتبار الملكة في العدالة ممّا تحقّق في كلمات الفقهاء من زمن العلّامة، وأوّل من اعترض على ذلك - أي على اعتبار الملكة - هو المحقّق السبزواري صاحب الذخيرة(1)، كما أنّ القول الثاني الذي يقول باجتناب المعاصي عن ملكة مما يظهر من كلمات العلّامة في القواعد، وهذان القولان مشتركان في اعتبار الملكة.

القول الثالث: إنّ العدالة عبارة عن نفس فعل الواجبات وترك المحرمات.

وهذا القول ممّا نُسب إلى بعض القدماء قبل العلّامة كابن إدريس وأشباهه، وعليه فالعدالة منتزعة من الجري العملي.

القول الرابع: إنّ العدالة عبارة عن الإسلام وعدم ظهور الفسق.

القول الخامس: إنّ العدالة عبارة عن الإسلام وحسن الظاهر.

والقولان الأخيران ذكر الشيخ الانصاري بأنّهما ليسا من الأقوال في العدالة، بل من كواشفها، وسيأتي البحث عنهما إن شاء الله .

وعليه فأُصول الأقوال ثلاثة:

القول الأوّل: إنّ العدالة عبارة عن ملكة نفسانية في قبال سائر الأقوال التي لا تفسّر العدالة بالملكة النفسانية، وهذا التفسير ممّا فُسّر به العدالة منذ زمن العلّامة إلى زمان السبزواري صاحب الذخيرة وكان مشهوراً بين الفقهاء، وأوّل من أشكل على هذا التفسير هو المحقق السبزواري، وقد أيّد هذا التفسير جماعة من المتأخّرين كالشيخ


1) انظر: ذخيرة المعاد 2/ 305

والمحقق النائيني وغيرهما، وفي قبالهم ذهب جمع إلى إنكار هذا التفسير للعدالة، وقالوا بأنّ العدالة ليست صفة نفسية. والبحث في هذا القول في جهتين:

الجهة الأُولى: في توضيح هذا القول حتى نتمكّن من تصوير هذا التفسير.

الجهة الثانية: فيما استُدلّ به على هذا القول.

أما الجهة الأُولى: فتتضح من خلال مقدمات:

الأُولى: الكيفية النفسانية تارة تكون راسخة ولا تزول بسرعة فيعبر عنها بالملكة، وأخرى لا تكون راسخة بل تزول بسرعة فيعبّر عنها بالحال، فالملكة كيفية نفسانية راسخة بحيث لا تزول بسرعة.

الثانية: أنّه هل أنّ الملكة لا بشرط بالنسبة لترتّب الأثر المترقب أو أنّها بشرط شيء؟ فإنّ الملكة قد تُستعمل في موارد مع أنّها لا بشرط بالنسبة إلى الآثار المترتبة عليها، وذلك كما ذكرنا في ملكة الاجتهاد، فإنّه يصدق على الشخص بأنّه ذو ملكة الاجتهاد حتى إذا لم يكن مستنبِطاً لحكم شرعي ، ولا يعتبر الاستنباط الفعلي في تحصيل الملكة، والملكة المستعملة هناك بمعنى القدرة على الاستنباط.

وقد تُستعمل الملكة فيما إذا كانت مُستتبعة في الجملة أو بالجملة لترتّب الآثار، وهذا كالمقام، فإنّه لابدّ أن يكون صاحب ملكة العدالة عاملاً بالواجبات وتاركاً للمحرمات، فالملكة في المقام بشرط شيء وليست لا بشرط كما في الاجتهاد، والشاهد على أنّ الملكة هنا ليست لا بشرط ، هو أنّ الملكة التي لا بشرط بمعنى القدرة، ومن المعلوم أن القدرة على ترك المعاصي وإتيان الواجبات ثابتة حتى بالنسبة لأفسق الفسّاق، ووجود القدرة لا يوجب صدق عنوان العدالة، فلابد أن تكون الملكة مُستبعة للآثار وهي إتيان الواجبات وترك المحرمات حتّى يصدق على ذي الملكة عنوان العدالة.

الثالثة: أنّ استتباع الملكة للآثار هل هو على نحو استتباع المعلول للعلة التامة، بمعنى أنّه لا ينفك عنه أو أنّه من قبيل استتباع المقتضى للمقتضي، بمعنى أنّه ينفكّ عنه لعروض الموانع والعوارض؟

لا ريب أنّ ملكة العدالة لم يُلاحظ فيها كونها علّة لترك المعاصي وإتيان الواجبات بنحو العلية التامة بنوع لا يصدر من صاحب العدالة فعل محرم أبداً، فإنّ هذه ملكة العصمة لا ملكة العدالة، ويصدر عن غير المعصوم - لا محالة - ترك واجب أو إتيان محرم، فترتّبُ ترك المعاصي وإتيان الواجبات على ملكة العدالة يكون على نحو الإقتضاء، والإقتضاء على نحوين:

النحو الأوّل: أنّ ترتّب المقتضى على المقتضي قد يكون وقد لا يكون.

النحو الثاني: أنّ ترتب المقتضى على المقتضي يكون دائماً إلّا في موارد شاذة.

فإذا كان الترتّب على النحو الأول بأنّه قد يترتب وقد لا يترتب وذلك لكثرة معارضة ما يمكن أن يتعارض مع المتقضي ويمنع من ترتب المقتضى، فهذا ليس من العدالة بشيء، أي: لا يمكن أن يقال لمن يأتي بالواجبات تارة ويتركها اُخرى ويعمل المعاصي تارة ويتركها أُخرى بأنّه عادل، فالمراد من العادل من يكون ترتب المقتضى دائمياً عنده، إلّا في موارد شاذّة ونادرة كنزول الثلج في الأماكن الحارّة، وبعبارة أُخرى: من كانت طبيعته إتيان الوجبات وترك المحرمات بحيث لا يصدر منه المعصية أو ترك الواجب إلّا نادراً، فهو المراد بالعادل.

الرابعة: أنّه هل يصدق على من له ملكة العدالة وصدر منه معصية، عنوان العادل أو لا؟

لا ريب في عدم صدق عنوان العادل عليه في حال صدور المعصية منه، نعم ترجع العدالة بعد توبته.

ربما يقال بأنّه بأيّ معيار تقولون بعدم صدق عنوان العادل عليه في حال صدور المعصية منه، فلو كانت العدالة هي الملكة التي هي بحسب الغالب يترتّب عليها ترك المعاصي فلابدّ من صدق العادل عليه حتى إذا كان في حال المعصية.

وأمّا القول بأنّ العدالة منتفية في تلك الفترة بالخصوص، فهو خلف، لأنّكم فسّرتم العدالة بالملكة، ومن الواضح أنّ الملكة لا تزول بأمر طارئ.

وقد أجاب الشيخ الأنصاري عن هذا الإشكال بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّه يصدق عليه عنوان العادل في حال المعصية أيضاً، إلّا أنّه لا يترتب عليه أحكام العدالة.

الوجه الثاني: أنّ المعتبر في الملكة مؤثّرية الملكة فعلاً على فرض وجود المانع، أي أنّ الملكة مادام لها تأثير فعلي فإنّه يصدق عليها عنوان الملكة، فالعدالة هي الملكة في حال تأثيرها الفعلي، وعليه فأصل الملكة وإن كانت موجودة، إلّا أنّه ممّا ليس لها تأثير فعلي فيقال له فاسق.

وإنما قلنا بتأثيرها الفعلي ولم نقل بتأثيرها مطلقاً من جهة أنّه لو لم يكن المانع موجوداً ولم يكن لها تأثير في الباعثية فهو باق على عدالته كما في حال النوم، فإنّ العادل عادل وإن كان نائماً وعدم التأثير بسبب عدم التوجه والإلتفات وعدم مقتضى الخلاف الذي يُعبّر عنه بالمانع غير مُضر بصدق عنوان العدالة، وأمّا عدم التأثير مع الالتفات إلى لحاظ مغلوبية الملكة للمانع، فإنّه مضرّ بصدق عنوان العدالة على الملكة، وليس معنى ذلك زوال الملكة، بل إنّ من يعمل الحرام في حال إتيانه بالمحرّم لا يتصف بوصف العدالة. هذا تمام الكلام في الجهة الأُولى.

الجهة الثانية: استدلّوا على ما ذكروه من تفسير العدالة بالملكة برواية عبد الله بن أبي يعفور، والبحث في هذه الرواية مفصل، إلّا أنّا نبحث عنها مختصراً، وهذه الرواية مذكورة في الوسائل(1). ولها مصدران:

المصدر الأوّل: كتاب من لا يحضره الفقيه، وذُكرت بعنوان (رُوي عن أبي عبدالله بن يعفور)(2)، إلّا أنّ في المشيخة له سند إليه.

المصدر الثاني: التهذيبان، وقد نُقلت فيهما الرواية عن كتاب محمد بن أحمد بن يحيى صاحب كتاب نوادر الحكمة، وعليه فلابد من البحث عن هذه الرواية من نواح ثلاث.

الناحية الأُولى: البحث عنها سنداً.

الناحية الثانية: البحث عنها متناً، إذ يوجد اختلاف بين نصوص الرواية.

الناحية الثالثة : في فقه الحديث.

أما الناحية الأُولى: فإنّ كلمات القوم مختلفة من حيث السند، فإنّه قد عبّر بعضٌ عن هذه الرواية بالصحيحة وناقش بعضٌ فيها، وتصحيح الرواية بطريق الشيخ مشكل؛ إذ الرواية بطريق الشيخ هكذا: (محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن موسى، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن علي بن عقبة، عن موسى بن أكيل النميري، عن ابن أبي يعفور )(3).

وقد أوضح السيد الخوئي في كتاب معجم الرجال بأنّ الحسن بن علي عن أبيهـ غير صحيح والصحيح هو أحمد بن الحسن عن أبيه، بقرينة سائر الموارد التي يوي


1) وسائل الشيعة 391/27.

2) من لا يحضره الفقيه 3/ 38

3) الإستبصار 12/3 .

فيها محمد بن موسى عن أحمد بن الحسن عن أبيه - وهذا ما ذكره في ترجمة محمد بن موسى(1)- والذي ذكره صحيح.

فالرواية لا خدشة فيها سنداً إلّا من جهة محمد بن موسى الهمداني، فإنّ الشيخ كما قلنا يروي هذه الرواية عن كتاب نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد بن يحيى، ومن مستثنيات هذا الكتاب ما يرويه محمد بن موسى الهمداني، فإنّه - مضافاً إلى استثنائه في كلمات جمع - قد ضعف هذا الرجل، نعم هو واقع في أسناد كتاب كامل الزيارات، وهذا شاهد على أنّ عبارة صاحب كامل الزيارات في أول الكتاب لها معنىً آخر غير ما ذهب إليه السيد الخوئي وبعضٌ آخر.

وأمّا طريق الصدوق فيمكن المناقشة فيه بأمرين:

الأوّل: ما ذكره بعض من أنّه إذا عبّر الصدوق بـ (روي)، فلا يشمله السند الذي في المشيخة، أي أنّ سند المشيخة إنّما يشمل ما إذا قال: روى فلان، وأمّا إذا قال: رُوي عن فلان، فلا يشمله السند المذكور في المشيخة، وهذا غير صحيح كما تقدم منّا فإنّا قد أجبنا عن ذلك بأنّ تعابير الشيخ مختلفة فقد يعبّر عن رواية بـ(روي عن فلان) وفي موضع آخر يعبّر : روى فلان، مضافاً إلى أنّ هذا ممّا لم يلتزم به أحد.

الثاني: المناقشة في السند، فإنّ سندها هكذا: (أحمد بن محمّد بن يحيى، عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن خالد(البرقي) ، عن محمّد بن خالد عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبدالله بن أبي يعفور).

والإشكال هو من ناحية أحمد بن محمد بن يحيى (العطار)، وكلمات القوم بالنسبة إليه مختلفة، وذلك لأنّه لم يُذكر في كتب الرجال صريحاً بحيث تكون له ترجمة،


1) معجم رجال الحديث 18/ 295

ومن القدماء لم يصرّح أحد بوثاقته وضعفه، وأمّا المتأخرون فقد حكمَ بصحّة الرواية التي هو في سندها العلامّةُ وجمعٌ منهم: صاحب منتقى الجمان وربّما يقال- كما قيل- بأنّه لم يناقش أحد فيه إلى زمان صاحب المدارك، وفي قبالهم ذهب جمعٌ إلى عدم ثبوت وثاقته، وفي المستدرك بحث طويل لإثبات وثاقته، وذكر لذلك شواهد.

والذي يخطر ببالنا أنّ أحمد بن محمد بن يحيى كان رجلاً معتمداً في نقل الكتب، وبما أنّه لم يكن صاحب كتاب لم يُذكر في الفهارس، والخدشة في الرواية بلحاظ هذا الرجل من وجهة نظرنا ضعيفة، لخصوصية المورد، ولا نلتزم بذلك في كلّ شيخ.

ويمكن تصحيح الرواية بطريق آخر، وهو تصحيحها من باب تركيب الأسانيد، فإنّ الصدوق له سند صحيح إلى بعض رجال هذا السند فيُحكم بصحة الرواية من هذا الباب، إلّا أنّ هذا الطريق ممّا لا نقول به.

وهناك طريق آخر لتصحيحها وهو وجود سند للصدوق إلى من يُحتمل أنّه أخذها من كتابه، وهذا الوجه له وجه، إلّا أنّ تفصيل ذلك موكول إلى محلّه، والحاصل أنّ الرواية لو كانت صحيحة إنّما تكون صحيحة على سند الصدوق.

أمّا الناحية الثانية: وهي البحث عنها متناً، فنذكر أولاً متن الرواية على طبق الفقيه: عن عبدالله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : بِمَ تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تُقبل شهادته لهم وعليهم ؟ فقال: «أن تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج واليد واللسان ويُعرف بإجتناب الكبائر من التي أوعد الله عليها بالنار من شرب الخمور - الخمر - والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك، والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن

و حفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين وأن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلّاهم إلّا عن علّة ...»(1)، إلى هنا يوجد بين ما رواه الشيخ والصدوق اتّحاد في الجملة وإن كان بينهما إختلاف أيضاً، وأمّا بعد هذه القطعة فبينهما اختلاف كثير، فذكر الشيخ ما لم يذكره الصدوق وذكر الصدوق ما لم يذكره الشيخ، وبما أنّ ما بعد القطعة المذكورة خارجة عما نحن فيه فلا نتعرض لتمام الرواية، إلّا أنّ الذي كنا نميل إليه سابقاً هو أنّ هناك احتمالاً قوياً بأنّ القطعة الاُخرى من الرواية شرح وتوضيح من الشيخ والصدوق، فإنّ القدماء بعد ذكر الرواية كانوا يذكرون بعض التفريعات وبعض المؤيّدات من سائر الروايات إلى غير ذلك، ولم يكونوا يفصلون بين الرواية وبين غير الرواية بـ (أقول) أو (بيان) وأمثال ذلك، ومِن الواضح أنّ مصدر الشيخ هو کتاب نوادر الحكمة، والظاهر أنّ الذيل من كلام وتوضيحات صاحب نوادر الحكمة، وأمّا الصدوق فمن المحتمل أن يكون مصدره كتاب سعد بن عبدالله، فإنّ أحمد بن محمد بن يحيى هو راوي كتاب سعد بن عبد الله، فمن المحتمل أن يكون الذيل من توضیحات سعد بن عبدالله، وكما أشرنا فإنّ بينهما إختلافاً حتى في القطعة المتقدمة، فإنّه أُخذ الدال على ذلك كلّه - على نقل الشيخ - تعاهده الصلوات الخمس فقط، وأمّا على نقل الصدوق فالدال له ركنان أحدهما أن يكون ساتراً لجميع عيوبه، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس.

فعلى فرض اعتبار رواية الشيخ يدور الأمر بين أن يكون الدال على ذلك كلّه إمّا خصوص التعاهد على الصلوات الخمس أو التعاهد مضافاً إلى كونه ساتراً لجميع


1) من لا يحضره الفقيه 3/ 38 .

عيوبه، فلابدّ من الأخذ بالقدر المتيقن مما جعل أمارة، وهو مجمع الأمرين فلابدّ من الأخذ بما في رواية الفقيه.

وأمّا الاستدلال بالرواية فله تقريبان:

التقريب الأوّل: ما ذكره الشيخ والمحقق النائيني - على ما في تقريرات الآملي - وهو أخذُ قوله(عليه السلام) : «أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان ويُعرف بإجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار ...» معرّفاً حقيقيّاً للعدالة، بمعنى أنّ حقيقة العدالة - على هذا المسلك - متقوّمة بجهة نفسية وجهة ترتّب خارجي من ترك المعاصي، فيقال إنّ هذه القطعة من الرواية متضمنة لكلتا الجهتين، أي أنّها متضمّنة لجهة الملكة والصفة النفسية، ومتضمنة أيضاً لاجتناب المعاصي، وعليه فالمناسب أن تكون الرواية معرّفة الحقيقة العدالة، أمّا اشتمالها للملكة فمن جهة قوله(عليه السلام) : «أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج ... »(1)بتقريب أنّ الستر والعفاف عبارة عن الحياء، والحياء صفة نفسية وملكة، فقد أتى الستر بمعنى الحياء في اللغة، فيقال: ما له ستر ولا حجر، أي لاحياء له ولا عقل(2)، وقد فُسّر بالحياء أيضاً في لسان العرب(3)كما فُسّر بالخوف في تاج العروس والقاموس (يقال: فلان لا يستتر من الله بستر أي: لا يخشاه ولا يتقّيه)(4).

والمستدلون لم يستندوا على أنّ الستر بمعنى الخوف، ولعلّهم لو ذكروا ذلك لكان أنسب ، وذكر المحقق النائيني أنّ العفاف المذكور بعده شارح لمعنى الستر،


1) انظر : رسائل فقهية (للأنصاري) ص 11، كتاب الصلاة 253، 257، 260 .

2) كتاب العين، مادة « ستر»

3) لسان العرب، مادة «ستر»

4) القاموس المحيط، تاج العروس، مادة «ستر».

والعفة والحياء بمعنى واحد وكف البطن والفرج واليد واللسان يشير إلى ترك ما يرجع إلى البطن والفرج واليد واللسان من المحرّمات، فإنّ كثيراً من المحرّمات تصدر بسبب البطن والفرج واليد واللسان، وقوله (عليه السلام): « ويعرف باجتناب الكبائر ...» متمّم ومكمّل للمعرّف الأوّل وهو كف البطن ... لا أن يكون معرّفاً آخر، أي أنّه يُعرف كف البطن والفرج واليد واللسان باجتناب الكبائر، وعليه فإنّ مجموع الجملتين يدلّّ على الملكة واجتناب الكبائر، فالرواية مطابقة للتعريف المذكور، وهو أنّ العدالة ملكة نفسية ينبعث منها ترك المعاصي.

ويرد على هذا التقريب شبهات وإشكالات، تعرّضَ بعضٌ لبعضها :

الإشكال الأوّل: أنّ الجواب لا يطابق السؤال، فإنّ السؤال عن معرفة عدالته: (بم تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم)، وهذا السؤال هو عن الأمارة على وجود العدالة، وليس بسؤال عن معرفة حقيقة العدالة، ولو كان مراده السؤال عن حقيقة العدالة لقال: ما هي العدالة؟ أو: ما المراد بالعدالة في قوله تعالى وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ(1)؟ الى غير هذه التعابير، ومقتضى القاعدةتطابق الجواب مع السؤال.

الإشكال الثاني: أنّ قوله(عليه السلام) : « أن تعرفوه بالستر والعفاف» لا يلائم هذا الاستدلال، فإنّه إذا قيل: عرفت فلاناً بالاجتهاد مثلاً، فمعناه أنّ الاجتهاد كان فيه بارزاً، وأمّا إذا قيل: عرفت اجتهاد فلان فمعناه أنّي علمت اجتهاده، وليس معناه أنّ اجتهاده كان بارزاً وظاهراً، فقوله(عليه السلام) : «أن تعرفوه بالستر والعفاف» معناه أن تكون حيثية الستر والعفاف فيه بارزة، ولا يناسب أخذ بروز الصفة في المعرّف، فإنّه لابدّ


1) سورة الطلاق / الآية 2 .

وأن يكون المعرِّف بالحمل الشايع مساو أو أجلى، لا أن يكون بالحمل الأوّلي أجلى، يعني: جعل بروز الشيء معرّفاً لا يناسب المعرّفية والتي يُقصد بها إفادة حقيقة العدالة.

الإشكال الثالث: أنّ الاستدلال متوقّف على أن يكون الستر والعفاف صفة نفسية، ولذا فسّروه بالحياء الذي هو ملكة نفسانية، وكما أشرنا لو فسّروا الستر بالخوف كما في تاج العروس والقاموس لكان أولى، وذلك لأنّ الغالب ترك المعاصي خوفاً من الله تعالى لا حياءً - وإنّما فسّروه بالملكة وذلك لقوله(عليه السلام) : «والدال على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ماوراء ذلك من عثراته»، فإنّ الستر هنا بمعنى الإخفاء، فلو كان الستر الأوّل بمعنى الإخفاء أيضاً، فإنّه يلزم منه اتحاد الدال والمدلول، فلابدّ أن يكون المراد من الستر الأوّل (الحياء والعفاف) شرحاً للستر - على ما ذكره المحقق النائيني - فنقول : رجل يستر، أي: عفيف، فعلى فرض تسليم ما ذُكر لابدّ وأن نرى ما هو معنى العفّة؟

عف: كفّ أو إمتنع عما لا يحل أو يجمل فهو عفيف، فالممتنع عن المحرّمات ومنافيات المروة عفيف، وعليه فلو كان الستر بمعنى العفة فالعفة من الأفعال النفسية.

إذاً فالصفات النفسية تنقسم إلى الحال والملكة ، والملكة عبارة عن الصفة النفسية المستقرة، والحال عبارة عن الصفة النفسية التي تزول بسرعة، كما ذكر في مبحث الكيفيات النفسية، وفي قبال الصفات النفسية الأفعال النفسية، وحال الأفعال النفسية حال الأفعال الجوارحية، والكف إمّا فعل الجوارح أو فعل النفس، مضافاً إلى أن العفة بهذه التوسعة وهي الكف عمّا لا يحل أو يجمل لا يمكن أن تكون معرّفة للعدالة؛ إذ إنّ القائلين بالملكة كالشيخ والمحقق النائيني لا يقولون بدخالة ترك منافيات المروّة في العدالة، وما قيل من أنّ قوله(عليه السلام) : « ويُعرف باجتناب الكبائر التي

أوعد الله عليها النار من شرب الخمر والزنا تتمة المعرّف - أي أنّه يُعرف كف البطن والفرج واليد واللسان باجتناب الكبائر وإن كان ظاهر هذه العبارة هو المعرّفية المستقلة، إلا أنها في الحقيقة تتمةٌ للمعرّف الأوّل - غير واضح؛ إذ في (يُعرف) احتمالات أُخرى سنذكرها إن شاء الله ، وهذا الاحتمال مبتن على أن تكون الواو استئنافية والضميرُ راجع إلى كف البطن والفرج واليد واللسان.

وفي قبال هذا الاحتمال، هناك احتمال أن تكون الرواية هكذا: (وتعرف باجتناب الكبائر ...) كما في الفقيه، فإنّ في الفقيه بدل: (يعرف) (تعرف) وعليه فالضمير يرجع إلى العدالة، أي: وتعرف العدالة باجتناب الكبائر.

ومع قطع النظر عن ذلك فهناك احتمال آخر في المقام وهو أن يكون قوله(عليه السلام): (ويعرف) معطوفاً على قوله(عليه السلام): (أن تعرفوه) وطبعاً يكون (يعرف...) منصوباً.

وعليه فإمّا يكون مجموع الأمرين معرّفاً أو كلّ منهما معرّفاً مستقلاً للعدالة، ولا معيّن للاحتمال الأول، مع أنّ إحتمال الأول في نفسه غير لطيف؛ إذ لو كان المراد ذلك لقال الإمام(عليه السلام) : أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان عن اجتناب الكبائر، ولا حاجة إلى كلمة (يعرف).

ولعل الذي أوجب ذهاب الشيخ وغيره إلى هذا القول، مع التفات الشيخ إلى الإشكالات أو بعض الإشكالات، هو التسليم بكون الستر والعفاف ملكة وأخذ الملكة أمارة على الاستقامة الفعلية غير ممكن ؛ إذ إنّ استكشاف الاستقامة الفعلية لمن له الملكة أمر واضح وبديهي.

وظهر ممّا ذكرنا أنّ استفادة الملكة من الستر والعفاف محلّ تأمّل.

التقريب الثاني: وهو أوسع من الأوّل مع قربه منه؛ إذ أُخذ في تعريف المشهور مضافاً إلى اجتناب المعاصي ترك منافيات المروة، بتقريب: أنّ الستر والعفاف وكف

البطن والفرج واليد واللسان كلّها مرتبطة بالمروة؛ إذ إنّ الستر بمعنى العفاف، وقد تقدم معنى العفّة، وعلى فرض كون الستر بمعنى الحياء، والحياء غالباً يستعمل في الحياء عن الناس، والحياء عن الناس يتحقق بترك منافيات المروّة حياءً، وقوله(عليه السلام)« ويعرف باجتناب الكبائر ...» منصوب عطفاً على «أن تعرفوه بالستر»، وعليه فالعدالة أن تعرفوه بالستر و...، أي: واجداً للمروة أو تاركاً لمنافيات المروة وأن يُعرف باجتناب الكبائر، وإنّما ذكر الإمامُ(عليه السلام) اجتنابَ الكبائر ولم يذكر الملكة أو الخوف الموجب لاجتناب الكبائر من جهة أنّه تُعرف الملكة من الجملة الأُولى وهي الستر والعفاف.

وهذا هو الذي ذُكر في تقرير بحث السيد البروجردي، وظاهر هذا الكلام واضح الضعف؛ إذ مع قطع النظر عن أنّ الجواب غير مطابق للسؤال، ومع قطع النظر عن أنّ الاشتهار لا يناسب التعريف كما تقدّم، فإنّ اختصاص الستر والعفاف وكف البطن والفرج بالمروة ممّا لا وجه له ، فإنّ العفّة هي الكفّ أو الامتناع عما لا يحلّ أو يجمل، نعم لو كانت العفة بمعنى الامتناع عمّا لا يجمل لكان للاختصاص وجه، مضافاً إلى الاشكال المتقدم من أنّ العفاف هو الكف والامتناع، وهذا فعل نفسي أو عمل جوارحي؛ لأنّه إن كان الامتناع امتناعاً خارجياً، فإنّه يكون من الأعمال الجوانحية، وإن كان الامتناع امتناعاً نفسياً يترتب عليه الترك الخارجي فإنّه يكون من الأعمال الجوارحية، ومضافاً إلى أنّ ذكر ما ينبعث عن الملكة دون نفس الملكة بقرينة ذكرها في المروة غير واضح.

فظهر أنّ الإستدلال برواية ابن أبي يعفور بكلا تقريبيه ضعيف، ولا يُستفاد من الرواية إلّا الاستقامة العملية.

ثم إنّ السيد الحكيم في المستمسك ذكر لتوجيه الرواية على مسلك المشهور - رغم تنبهه لبعض الاشكالات مما أشرنا إليه - وجوهاً إما اعتماداً أو تأييداً من المناسب التعرض لها .

الوجه الأوّل: ما ملخصه أنّ المذكور في صدر الرواية أمران:

أحدهما: الستر والعفاف، وهما من قبيل الملكة.

وثانيهما: الكف والإجتناب، وهما من قبيل الأفعال.

وعليه بما أنّ الرواية مشتملة على القسمين فلا محالة تكون متّحدة مع ماهيّة العدالة ومفسّرة لها؛ إذ لابدّ من المغايرة بين الطريق وذي الطريق، وبما أنّه لم يلتزم أحدٌ بأنّ العدالة غيرهما فمن هنا نستكشف أنّ الجملة الاُولى بصدد بيان حقيقة العدالة، وإليك نص عبارته: (لكن يتعين حمله على السؤال عن مفهومها بقرينة ما في الجواب، بأن الستر والعفاف المذكورين فيه من سنخ الملكات وكف البطن وما بعده من سنخ الأفعال، فلو كان ذلك طريقاً إلى العدالة لزم كونها أمراً آخر وراء ما ذكر، وهو ممّا لم يقل به أحد، ولا يمكن الالتزام به، فيتعين لذلك حمل السؤال عن مفهومها لجهل السائل به الموجب للجهل بوجودها)(1).

ويمكن أن يجاب عن هذا الوجه - مع غضّ النظر عمّا تقدّم من أنّ العفاف والستر ليسا من سنخ الملكات - أنّ القول بعدم إمكان خروج العدالة عن الملكات والأفعال غير صحيح؛ إذ العدالة - كما سيأتي - عبارة عن أمر قانوني وليست من قبيل الأفعال والملكات، بل هي استقامة خاصة، ومجرد اشتمال الجملة الاُولى على بعض الملكات وبعض الأفعال غير كاف في أن تكون الرواية شارحة لمفهوم العدالة، لأنّ


1) مستمسك العروة 47/1

السيد الحكيم يعترف فيما بعد بأنّ الستر والعفاف بعض مصاديق الملكة الموجبة والملازمة للتقوى، ولم يُذكر في الرواية سائر الملكات الموجبة لإجتناب المعاصي وفعل الطاعات، كما أنّ الطاعات وإتيان الواجبات لم يُذكر في الرواية، وعليه فالاكتفاء ببعض المصاديق مضادّ للشرح المفهومي؛ إذ الشرح المفهومي أساسه على الهوهوية بينهما، وبما أنّه بينهما تغاير على نحو تغاير الكلي مع مصداقه فلا يمكن أن يكون معرّفاً. الوجه الثاني: وقد ذكره الشيخ أيضاً، وهو أنّ الجملة الثانية: (والدلالة على ذلك كله...) كالصريح في الطريقية، فإمّا هي طريق إلى نفس العدالة أو طريق إلى الطريق(1)إذ على غير مسلك الشيخ لابدّ من حمل الجملة الأولى على الطريقية، فتكون الجملة الثانية طريقاً إلى الطريق، وكلاهما محلّ إشكال وأمّا كونها طريقاً للعدالة فهو محل اشكال؛ وذلك لأنّ بين الطريقين، أي: الطريق الأول المذكور في الرواية وهذا الطريق عموم وخصوص مطلق، بمعنى أنّ حسن الظاهر أعمّ من الستر والعفاف واجتناب الكبائر، ومع وجود طريق أعمّ فإنّ جعل الأخصّ يكون لغواً، وأمّا كونها طريقاً إلى الطريق فهو أيضاً محل إشكال من جهتين:

الاُولى: أنّ الطريق على الطريق مما هو بعيد في نفسه.

الثانية: أنّ هذا يتنافى مع قوله(عليه السلام) فيما بعد: ( ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته)، فإنّه ظاهر في كونه طريقاً إلى العدالة، لا طريقاً إلى الطريق اليها.

ويمكن الجواب عن هذا الوجه بأنّه لنا أن نختار كلاًّ من الشقّين ونجيب عن الإشكال، أمّا كونه طريقاً إلى العدالة فيمكن الجواب عن الإشكال المذكور بأنّ الإشكال صحيح فيما إذا كان الطريق الأعمّ مطلقاً، وأمّا إذا كان الطريق الأعمّ طريقاً


1) انظر : رسائل فقهية (للأنصاري) 12

لمن لم يصله أو لم يكن عنده الطريق الأوّل، فيكون بين الموردين تباين، فبعض يتطرّق إلى الطريق الأوّل وبعض إلى الطريق الثاني، وليس بينهما عموم وخصوص مطلق حتى يُقال باللغوية.

وظاهر الرواية هو ذلك؛ إذ الطريق الأوّل - ولا سيما على ماذكرنا من أنّ (تعرفوه بكذا) معناه أنّه بارز في هذه الصفات - طريق لمن كان معاشراً له أو معاشراً لمعاشريه، فإنّ مَن كان معاشراً معه يمكنه القول بأنّه عرفناه بالستر والعفاف واجتناب الكبائر، ومع غضّ النظر عمّا ذكرناه فإنّ المعرفة والعلم بأنّه يستر، وعفيف، ومجتنب للكبائر خاص لمن كان معاشراً له أو معاشراً لمن عاشره، ومن لم يكن معاشراً له أو معاشراً لمن كان معاشراً له يكون الطريق مسدوداً بالنسبة إليه، فلذا جُعل الطريق الثاني وهو حسن الظاهر لمن لم يكن معاشراً له، فجُعل الطريق الأعمّ لمن لم يكن له الطريق الأخص، ولا يلزم منه محذور.

ولنا أنْ نختار الشقّ الثاني ونقول بأنّ الثاني طريق إلى الطريق، والإشكال بأنّه بعيد - مع بعده في نفسه - غير صحيح، فإنّ الطريق إلى الطريق كثير التحقّق، فمِن باب المثال إخبار ذي اليد عن طهارة ما في يده طريق إلى الطهارة، وقيام البينة على الإخبار طريق إلى الطريق، وكذا فتوى المجتهد فإنّها طريق، وقيام البيّنة على فتوى المجتهد طريق إلى الطريق، وهكذا، وأظهر مصاديق الطريق إلى الطريق هو الخبر مع الواسطة،

فإنّ إخبار كلّ راو طريق إلى الطريق.

وأمّا ما ذكر من أنّه ينافيه قوله(عليه السلام) بعده: ( ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته )(1)فغير صحيح، فإنه لا منافاة بينهما ؛ إذ نحن تطرّقنا من الطريق الثاني إلى


1) مستمسك العروة 47/1 .

الطريق الأوّل، ومن الطريق الأوّل إلى الواقع، وبعد الوصول إلى الواقع ما هو المانع لوجوب التزكية وإظهار العدالة؟ ولو لم يجز تزكيته وإظهار عدالته لكان طريقية ذلك لغواً؛ لأنّ معنى الطريقيّة ترتيب آثار الواقع الذي له طريقان طوليان، والظاهر أنّ بين الجملتين كمال التناسب.

الوجه الثالث: ما ذكره على نحو التأييد بقوله: (ويناسب ما ذكرنا جداً اختلاف التعبير، فإنّه عبر في الصدر بالمعرفة المشاكلة للتعبير في السؤال وفي الذيل بالدلالة المخالفة له، فيدلّ ذلك كلّه على أنّ المعرفة في السؤال وفي الصدر بمعنى معرفة المفهوم وأنّ الدلالة في الذيل بمعنى معرفة وجود المفهوم)(1).

ويمكن الجواب عن هذا الوجه بأنّ هذا الوجه يجيب عن نفسه؛ لأنّ المشاكلة إتيان معنىً بلفظ غير لفظ ذلك المعنى من باب أنّه قرين للفظ آخر كقوله تعالى: (فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين)(2)فإنّ المشي على البطن زحف وليس بمشي.

وكقول الشاعر(3):

قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه*** قلت اطبخوالي جبّة و قميصاً

فالمشاكلة إنّما تكون في صورة الاقتران، وعلقة الاقتران تضعف بمرور الكلام، ولا يصح الاتيان مشاكلة مع الفصل ، فلذا عبّر الإمام(عليه السلام) في الثاني بقوله: (والدلالة على ذلك)، فاختلاف التعبير كان لهذا السبب ولا يستفاد من اختلاف التعبير اختلاف المعرفة. هذا تمام الكلام في المسلك الأوّل.


1) مستمسك العروة 47/1

2) سورة النور / الآية 45

3) البليغ في المعاني والبيان والبديع 252

القول الثاني: - في حقيقة العدالة - ما ذهب إليه جماعة من محققي المتأخّرين، منهم المحقق الهمداني والمحقق الاصفهاني والسيد الخوئي وهو أن العدالة هي الاستقامة العملية(1)، ولكلّ منهم في تقريب هذا القول بيان ومطالب.

والذي نستحسنه أن نقول في تقريب هذا المسلك هو أنّ العدالة تستعمل في اللغة بمعنيين: أحدهما الاستواء، وثانيهما الاستقامة، وعموم المعاني اللغوية - كما ذكرنا في مبحث الألفاظ - تتحوّل من المعاني المحسوسة إلى المعاني اللغوية، والعدالة بمعنى الاستواء والاستقامة قد تحوّلتا إلى أمر معنوي، إلّا أنّ بينهما فرقاً.

والاستواء في الاُمور المحسوسة قولهم: هذا عِدلُ هذا، وإنّما يقال (عِدل) لتساويهما، والاستواء يكون ملحوظاً بين شيئين أو أكثر، وفي مرحلة التحول إلى الأمر المعنوي والقانوني فهو عبارة عن تساوي القانون بين الشيئين، أو تساوي القانون في الجري، فالعدالة القانونية عبارة عن تساوي حقوق الأفراد في قبال القانون، والجري على العدل القانوني عبارة عن تسوية الأفراد في مرحلة جري القانون، وقد استُعمل العدل بهذا المعنى في القرآن الكريم وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ(2)، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ (3)، ونحن لسنا بصدد شرح العدالة بهذا المعنى.

وأما العدل بمعنى الاستقامة فله أيضاً مرحلتان:

المرحلة الاُولى: الاستقامة في الأمور المحسوسة، ففي لسان العرب: (تعديل الشيء تقويمه، وقيل: العدل تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه حتى تجعله له مثلاً ... وكلّها أقمته فقد عدلته. وزعموا أنّ عمر بن الخطاب قال: الحمد لله الذي


1) الاجتهاد والتقليد ،82 التنقيح للسيد الخوئي 268/1

2) سورة الشورى / الآية 15

3) سورة النساء / الآية 129 .

جعلني في قوم إذا ملتُ عدلوني كما يعدل السهم، أي قوّموني)(1). ثمّ تحوّل في هذه المرحلة إلى الأمر المعنوي، وفي مرحلة التبدل إلى الأمر المعنوي يُطلق على من سلك القانون - سواء كان القانون بدائياً أم غير بدائي، مدوّناً أم غير مدوّن - سلوكاً مستقيماً بمعنى الالتزام بالقوانين وعدم الميل عن القوانين ويطلق عليه العادل، فالعدالة عبارة عن سلوك المنهج سلوكاً مستقيماً وبلا ميل من جانب إلى جانب، والظاهر أنّ التحوّل كان قبل الاسلام، فإن قال العربي الجاهلي: زيد عدل، فمعناه أنّ زيداً يحترم وينهج القانون المتبع في العرف الجاهلي، وإن قال: مسلم، فمعناه أنه ينهج القانون الإسلامي، والعدل في قبال الجور والفسق، وهما بمعنى الميل، والعدالة بمعنى الاستقامة عبارة عن اصطلاح قانوني يُطلق على من كان ملتزماً بالقانون عملاً.

ويمكن أن يُعترض على ما ذكرنا بأنّه لماذا خصصتم العدالة بالاستقامة العملية؛ إذ من الممكن أن يكون المراد منها استقامة العقيدة، ولذا قال ابن القيم في كتابه الأعلام: إنّ العدالة عبارة عن الإسلام، ولذا التزم بقبول شهادة كل مسلم إلّا إذا كان هناك مانع من الشهادة كما إذا كان مسبوقاً بشهادة الزور أو إذا كان محدوداً بحدّ إلى غير ذلك، واستشهدوا لذلك ببعض الآيات.

وملخّص الإشكال أنّه لماذا لا نقول بأن المراد من الاستقامة الاستقامة الدينية أو الاعتقادية، فقد قال ابن القيم: (والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلّا مجرّباً عليه شهادة زور، أو مجلوداً في حد، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة - إلى أن يقول - لما جعل


1) لسان العرب، مادة «عدل».

الله سبحانه هذه الأمة أمةً وسطاً ليكونوا شهداء على الناس - والوسط العدل الخيار - كانوا عدولاً بعضهم على بعض إلّا من قام به مانع الشهادة)(1).

ويتطابق هذا القول مع بعض الروايات مثل ما في الوسائل: (وقد سبق في حديث سلمة بن كهيل، عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض إلّا مجلود في حدّ لم يتب منه، أو معروف بشهادة الزور، أو ظنين)(2).

وهذه الرواية مذكورة في الكافي بهذا السند: علي عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن أبي مقدام عن أبيه - ثابت بن هرمز - عن سلمة بن كهيل عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، والثلاثة الأواخر لا طريق لإثبات وثاقتهم إلّا أنّهم وُجدوا في أسناد كامل الزيارات وتفسير القمي.

وهناك رواية أُخرى وهي ما يعبّر عنها بصحيحة حريز، عن محمّد بن الحسن باسناده، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب الخزاز، عن حريز، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، فُعدِّل منهم اثنان ولم يُعدَّل الآخران فقال: «إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يُعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعاً وأُقيم الحدّ على الذي شهدوا عليه، إنّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا وعلموا وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم، إلّا أن يكونوا معروفين بالفسق»(3)بناءً على أن يكون المراد بالفسق شهادة الزور.

ويُدفع هذا الاعتراض بوجوه:


1) إعلام الموقعين 111/1

2) وسائل الشيعة 27/ 400

3) نفس المصدر ص 397 .

أولاً: ورد في بعض الآيات وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ(1)، والظاهر أنّ الخطاب خطابٌ للمسلمين، فلو كان المراد هو الإسلام لما قال (ذوي عدل منكم).

وثانياً: إنّ الآية المستدل بها: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً(2)لا تدل على عدالة جميع المسلمين، وقد قوّى في الميزان - بمناسة سائر الآيات - أن يكون المراد من الوسطيّة هي الوسطيّة بين الرسول وبين سائر أرباب المذاهب، ومع قطع النظر عن ذلك فإنّ الآية المباركة - صدراً وذيلاً - تدلّ على أنّ الشهداء على الناس هم الحائزون على مراتب التقوى، فالمعنى في الحقيقة هكذا: جعلنا فيكم أمّةً وسطاً، هذا مع قطع النظر عن الروايات الدالة على أنّ المراد من الأمّة الوسط أهل البيت(عليهم السلام) ، وقد ذكر صاحب تفسير المنار الشهداء من التابعين للنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قولاً وعملاً، فما ذهب إليه إبنُ القيم ضعيف.

وأما الروايتان: فرواية سلمة بن كهيل ضعيفة سنداً، وعين هذه الرواية بعين الألفاظ منقولة عن عمر كما في المحلّى، باب الشهادات(3).

وأمّا رواية حريز - على فرض صحتها - فالقول بأنّ المراد من الفسق خصوص شهادة الزور بعيد، وقد استدُل بهذه الصحيحة للقول الثالث، وهو أن العدالة عبارة عن الإسلام وعدم ظهور الفسق، ولو صحّ الاستدلال بها إنّما يصح لهذا القول، هذا مع قطع النظر عن الروايات الكثيرة والإجماع من الشيعة بأنّه يُعتبر في العدالة مضافاً إلى الإسلام جهة أُخرى من العفة والصون وأشباه ذلك.


1) سورة الطلاق / الآية 2

2) سورة البقرة / الآية 143

3) المحلي 393/9.

القول الثالث : - في حقيقة العدالة - هو ما يدور أمره بين أن يكون مرتبطاً بمقام الثبوت أو الإثبات، وهذا هو الذي أشرنا إليه من أنّ العدالة عبارة عن الإسلام مع عدم ظهور الفسق، فتارة يقال بأنّ حقيقة العدالة هي الإسلام مع عدم ظهور الفسق، واُخرى يقال بأنّ الكاشف هو الإسلام وعدم ظهور الفسق، والأوّل ما يُستظهر من الشهيد في المسالك حيث حمل الآية المباركة: ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ على عدم الفسق(1)، وهذا القول مما قال به جماعة من المتقدمين - على ما ذكره صاحب الحدائق وغيره - منهم ابن أبي عقيل والشيخ ومن المتأخرين صاحب الذخيرة والكفاية - السبزواري - والعلّامة المجلسي على ما في مرآة العقول.

وقد قال صاحب الحدائق بعد نقل هذا القول : (ونُقل هذا القول عن جماعة من المتقدمين كابن الجنيد والشيخ في الخلاف والشيخ المفيد في كتاب الإشراف، بل ادّعى في الخلاف الإجماع عليه ودلالة الاخبار، وقال: البحث عن عدالة الشهود ما كان في أيام النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ولا أيام الصحابة ولا أيام التابعين وإنما هو شيء أحدثه شريك بن عبدالله القاضي ولو كان شرطاً لما أجمع أهل الأمصار على تركه وممن انتصر لهذا القول وبلغ في ترجيحه الغاية الشهيد الثاني في المسالك...).

ثم نقل عن الشهيد الثاني بأن دليل المخالفين إمّا الآية وإمّا رواية ابن أبي يعفور، أمّا الرواية فمخدوشة سنداً، وأمّا الآية فتُحمل العدالة فيها على عدم ظهور الفسق للروايات:

منها : صحيحة حريز المتقدمة: (إلّا أن يكونوا معروفين بالفسق).


1) مسالك الأفهام 113/9

ومنها: ما في الوسائل، عن صالح بن عقبة، عن علقمة قال: قال الصادق(عليه السلام)-وقد قلت له -: يا ابن رسول الله أخبرني عمّن تُقبل شهادته ومن لاتُقبل فقال: «يا علقمة كلّ من كان على فطرة الإسلام جازت شاهدته» قال: فقلت له: تُقبل شهادة مقترف بالذنوب؟ فقال(عليه السلام) : «يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلّا شهادة الأنبياء والأوصياء لأنّهم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعين-ك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنباً، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية الله داخل في ولاية الشيطان»(1).

وهذه الرواية ضعيفة جداً.

ومنها: ما في الوسائل، عن العلاء بن سيابة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن شهادة من يلعب بالحمام، قال: «لا بأس إذا كان لا يُعرف بفسق»(2).

إلى غير ذلك من الروايات، ونحن ذكرنا عمدة الروايات التي يُمكن أن يُستدل بها.

ويمكن الجواب بأنّ رواية صالح بن عقبة ضعيفة ولا يمكن الاستدلال بها، وأمّا صحيحة حريز ورواية العلاء بن سيابة المعتبرة فيمكن القول بأنّ صحيحة حريز فيها شبهة الإرسال، وذلك لأنّ النجاشي ذكر عن يونس بأن حريزاً لم ينقل عن أبي عبدالله(عليه السلام) مباشرة إلّا حديثين، وهذا وإن لم يقبله جماعة - كما هو مذكور في المعجم - إلّا أنّ الإرسال بحذف الواسطة كان أمراً متعارفاً، وكيفما كان فإن لم نقل بإرسالها فهي


1) وسائل الشيعة 27/ 395

2) وسائل الشيعة 27/ 394

معارضة مع الروايات الكثيرة الدالة على اعتبار أمر وجودي في العدالة، مضافاً إلى الإسلام في مرحلة الثبوت والاثبات، كقوله(عليه السلام) : «إذا كان صائناً عفيفاً» وأمثال ذلك، وهذه الصحيحة ورواية العلاء بن سيابة مخالفة لتلك الروايات.

وقد ذكر في مباني التكلمة أنّ هذه الروايات التي استُدل بها فيها شذوذ(1)، وذكر بعضٌ بأنّه تُحمل هذه الروايات على التقية.

أما الشذوذ فغير واضح بعد نقل الأكابر هذه الروايات والتزام جماعة بها، وأمّا الحمل على التقية فله وجه بملاحظة أنّ القضاة كانوا يعتمدون على الشهادات من دون فحص عن عدالة الشهود، هذا إذا كان المراد مقام الاثبات والكاشف، وإن كان المراد مقام الثبوت فهذه الروايات مخالفة لظاهر الآية المباركة والروايات الكثيرة.

تنبيه : في منشأ الاستقامة العملية

إنّ الاستقامة العملية التي قويناها هل يشترط فيها أن تكون الاستقامة الفعلية منشؤها التدين كما قال المحقق الهمداني أو لا يشترط، بل إنّ مجرّد الاستقامة العملية سواء كان منشؤها التدين أم لم يكن كاف في صدق العدالة؟

الظاهر أنّ المعيار نفس الاستقامة العملية ولا تحتاج إلى التقييد، إذ الواجب ينقسم الى قسمين: تعبّدي وتوصّلي، والمحرمات توصّلية كلها.

أمّا الواجبات التعبّدية فالاستقامة العملية فيها غير ممكن إلّا إذا أتى بها على وجه التعبد والتدين سواء كان الداعي هو الخوف أم الطمع أو وجدانه أهلاً للعبادة أم حباً له تعالى.


1) انظر : مباني تكملة المنهاج 90/1 .

وأما الواجبات التوصلية والمحرّمات فمجرد الفعل والترك كاف في صدق الاستقامة ولا يلزم أن تكون ناشئة عن التدين، بل لو أتى بالواجبات التوصّلية بدواع أُخرى: وكذا إذا ترك المعاصي بدواع أخرى فقد حصلت الموافقة مع الأمر والنهي، وبعبارة أُخرى: العدالة بمعنى الاستقامة في جادة الشرع لا تقتضي أن يكون كل فعل أو ترك ناشئاً من التدين وصادراً منه بعنوان التعبد والخضوع، ولعله لم يكن مراده ذلك، لأنّ العدالة ليست من المفاهيم الشرعية.

هذا تمام الكلام في بحث العدالة وإن كانت أبحاثها كثيرة، إلّا أنّا اكتفينا بذكر أصول الأقوال فيها.

الشرط الثالث: الإيمان

إنّ من شرائط حجّية رأي الفقيه هو الإيمان، فلو كان الفقيه مشركاً أو كافراً أو غير مؤمن لا يكون رأيه حجة، وكذا من عُدّ من الشيعة إلّا أنّه لا يوافقنا في عدد من الأئمّة كالإسماعيلية والواقفية والفطحية وأشباههم، بل لابدّ أن يكون اثني عشرياً.

وقبل البحث في هذا الشرط لابدّ وأن نرى ماهو مقتضى القاعدة بالنسبة الى هذا الشرط، فنقول: لا ريب بأنّ مقتضى الأصل عند الشك في الحجية وعدم الحجية، هو عدمها؛ لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية وغيره، وعمدة ما يستدلّ به على حجية قول الفقيه دليلان، فلابدّ من ملاحظتهما حتى يُرى بأنّهما عامّان أو خاصّان:

الدليل الأوّل: الروايات الدالة على إرجاع الأئمة(عليهم السلام) إلى رواة الأحاديث والعلماء. والروايات المطلقات على فرض عدم المناقشة فيها كقوله(عليه السلام): «من كان من الفقهاء...»، ومن الواضح أنّ الروايات لا تشمل حجيّة قول الكافر والمخالف، فهي قاصرة عن الشمول.

الدليل الثاني: السيرة المستمرة من العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة، فربما يقال بأنّ السيرة تشمل حتى إذا ما كان أهل الخبرة من غير أهل دينه سواء كان الرجوع إليه لأمر دنيوي أو ديني.

وقد ذكر السيد الخوئي دفعاً لذلك بأنّ المرجعية زعامة ونحن نعلم من مذاق الشرع بأنّ الشارع لا يرضى أن يكون المتصدي لهذه الزعامة مخالفاً(1).

وقد أشرنا سابقاً إلى أن مرجعية التقليد ليست زعامة.

ويمكن الجواب عن هذا الدليل بوجهين:

الوجه الأوّل: ما ذكرناه سابقاً من أنّ السيرة العقلائية ليست على نحو القضية الحقيقية، بل على نحو القضية الخارجية، بمعنى أنّ الكبرى الكلية ليست مجرد الرجوع إلى كلّ من يوثق به من أهل الخبرة حتى يمكن تطبيقها في كل مورد، بل لابدّ أن يرى بأنّ العقلاء حينما يرجعون إلى أهل الخبرة مطلقاً، هل مراجعتهم على نحو واحد أو على أنحاء مختلفة، فإنّه فرقٌ بين عالم الأبدان مثلاً وعالم الأديان، فالرجوع إلى الأطباء على نحو واحد، أي أنّهم لا يشترطون في الرجوع إلى الطبيب أزيد من اختصاصه والثقة به في مقام إبداء رأيه، وأمّا عالم الأديان فيشترطون في الرجوع إليه مضافاً إلى تخصّصه والثقة به أن يكون من أهل دينهم، والذي جرت عليه سيرة جميع أهل الأديان -ومنهم المسلمون بجميع فرقهم - الرجوع إلى العالم الديني الذي يعتقد بمبادئهم ومذهبهم، وأمّا من لم يعتقد بصحّة مبانيهم ومبادئهم فلا يرون قوله حجة فيما يبرزه من الأحكام، فلا يستفتون المخالف فيهما يشكل عليهم من المسائل والأحكام.


1) التنقيح للسيد الخوئي 223/1 .

ولعلّ منشأ ذلك عدم حصول الوثوق والاطمئنان بما يبرزه المخالف ولو من باب احتمال أنّ عدم اعتقاده بهذا المذهب مؤثّر فيها يستنبطه وفيما يبرزه ولو عن غير شعور، وهذا ما يلاحظ كثيراً فإنّ أرباب المذاهب حينما ينقلون عقائد مذاهب غيرهم ينقلونها غالباً بنحو آخر غير ما هي عليه، فأرباب المذاهب بما أنّهم لا يثقون إلّا بمن يعتقدون أنّه يعتقد بدينهم يعتقد بدينهم فلذا جرت السيرة على مراجعة كلّ أهل ملة إلى علمائهم فقط، ولا يُقاس العالم الديني بغيره من أهل الخبرة، فإنّه يشكّ في الأحكام المأخوذة من العالم الديني إذا رجع وعدل عن مذهبه فكيف إذا لم يكن من الأوّل معتقداً بدينهم.

فظهر أنّ السيرة قاصرة عن شمول حجية قول المخالف.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقق من أنّه يُعتبر في المفتي أن يكون عارفاً ومعتقداً بجميع ما يتوقف عليه فتواه وأن لا تكون فتواه قولاً بغير علم، إذ إنّه إن لم يكن عارفاً بتمام ما يتوقف عليه فتواه فحينما يفتي بالحرمة أو الوجوب لابدّ وأن يكون عالماً بحجية الظواهر وحجية ظواهر كلمات الأئمة(عليهم السلام)ويعتقد بإمامتهم ويعتقد بنبوة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ويعتقد بالوحدانية، ففي كل مرحلة من هذه المراحل إذا كانت المعرفة غير موجودة فبما أنّ النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمات، فطبعاً يكون قوله قولاً بغير علم، ولا يكون القول بغير علم مُتَّبعاً.

وهذا وإن لم يذكره المحقق بهذا الداعي، إلّا أنّه يمكن الجواب به عن السيرة فقد قال المحقّق: (المسألة الثالثة: الذي يسوّغ له الفتوى هو العدل العالم بطرق العقائد الدينية الأُصولية، وبطرق الأحكام الشرعية - إلى أن قال - وبالجملة يجب أن يعرف جميع ما تتوقف عليه كل واقعة يُفتي فيها بحيث إذا سُئل عن لمّيّة ذلك الحكم أتى به وبجميع أُصوله التي يبتني عليها، وإنما وجب ذلك لأنّ الفتوى مشروطة بالعلم

بالحكم، وما لم يكن عارفاً بتلك الأمور لا يكون عالماً به، لأنّ الشك في إحدى مقدّمات الدليل أو في مقدمات مقدماته شكّ في الحكم ولا تجوز الفتوى مع الشك في الحكم)(1).

وبتعبير أوضح: من لا يعتقد بإحدى المقدمات أو مقدمات المقدمات كمن لا يعتقد بإمامة الائمة(عليهم السلام) فإما أن يفتي على طبق الأقيسة والاستحسانات فهذا ممّا لا يجوز الرجوع إليه، وإمّا أن يفتي على طبق أُصول من غير اعتقاد بصحة هذه الأُصول، فإن أفتى على نحو الجزم يكون قولاً بغير علم، وإن أفتى على نحو التعليق بأن يقول مثلاً هذا حرام على مسلك الإمامية إن كان مسلكهم حقاً، فالسيرة على الرجوع إلى أهل الخبرة قاصرة عن شمول مثل هذا الإفتاء، وهذا لا يختص بالعالم الديني، بل إذا لم يكن الطبيب أو المهندس أو غيرهما معتقداً بشيء من المقدمات وأبرز نظريّته على نحو التعليق لم تقم سيرة على الرجوع إلى مثل هذا الطبيب أو المهندس الذي لا يعتقد ببعض المقدمات أو مقدمات المقدمات وأبرزَ نظريته على نحو التعليق، فإنّه إذا فرضُ اختلاف المسالك في الطب، كما إذا كان الطبّ غربياً وشرقي-اً، والمريض راجع الطبيب الشرقي وطلب منه أن يعالجه بالطب الغربي، وقال الطبيب إذا كان مسلكهم في الطب صحيحاً وليس بصحيح فعلاجك كذا، فلا جري على اتّباع مثل هذا القول، والسيرة قاصرة الشمول لمثل ذلك ، مضافاً إلى أنّه ظهر مما تقدم اشتراط العدالة في المفتي والعدالة الشرعية يعتبر فيها الاستقامة في العقائد فلا يكون الكافر عادلاً، وكذا غيره من المخالفين.

وهناك روايات ضعيفة السند نذكرها للتأييد:


1) معارج الأُصول 201 - 200

منها: في غيبة الشيخ الطوسي، عن أبي محمد المحمدي - وهو ممّن يمكن الاعتماد عليه؛ إذ النجاشي ذكر في ترجمته حسن بن أحمد بن قاسم المحمّدي سيّد في هذه الطائفة ونقل بأنّ بعض أصحابنا كانوا يغمزون في بعض رواياته - عن أبي الحسين بن تمام - وقد ذكر في المعجم بأنّه مجهول، إلّا أنّه مذكور في التراجم لا بهذا العنوان، بل بعنوان محمد بن فضل وهو من الأكابر، وقد ذكر في المعجم نقلاً عن النجاشي أنّه كان ثقة عيناً، وله كتاب الفرج وهو من مصادر كتاب الغيبة للشيخ - عن عبدالله الكوفي خادم الشيخ حسين بن روح - وهذا بعنوانه لم يُوثّق - قال : سئل الشيخ - يعني أبا القاسم(رضی الله عنه)- عن كتب ابن أبي العزاقر بعد ما ذُمّ وخرجت فيه اللعنة، فقيل له : فيكف نعمل بكتبه وبيوتنا منه ملاء؟ فقال: أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما، وقد سئل عن كتب بني فضال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء ؟ فقال(عليه السلام) : «خذوا بما رووا وذروا ما رأوا»(1)، فعلى فرض حجية هذه الرواية يُعرف بأنّ الإيمان شرط حتى بقاءً.

ومنها: رواية علي بن سويد قال: كتبَ إليّ أبو الحسن(عليه السلام)وهو في السجن: « وأمّا ما ذكرت يا عليّ ممّن تأخذ معالم دينك، لا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين»(2).

وقد نوقش في هذه الرواية من جهة محمد بن إسماعيل الرازي وعلي بن حبيب المدائني؛ إذ لم يُوثّقا، كما نوقش فيها من جهة الدلالة، لأنّ الرواية تدلّ على اعتبار


1) انظر : معجم رجال الحديث 51/18 .

2) الكافي 33/1

الوثاقة، وذلك لقوله(عليه السلام) : «أخذت دينك من الخائنين»، والظاهر أن قوله(عليه السلام) هذا يشير إلى أنّ المغايرة في الدين أمارة على الخيانة وعدم الوثوق كما عليه الارتكاز .

ومنها: رواية أحمد بن حاتم بن ماهويه قال كتبت إليه - يعني أبا الحسن الثالث(عليه السلام)- أسأله عمّن آخذ معالم ديني ؟ وكتب أخوه أيضاً بذلك؟ فكتب إليهما: «فهمتُ ما ذكر تما، فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبّنا وكل كثير القدم في أمرنا فإنّهما کافوكما إن شاء الله»(1).

والرواية مخدوشة من جهة السند، كما يُناقش فيها من جهة الدلالة؛ إذ من المسلّم عدم اعتبار كون المفتي مسنّاً في حبّهم وكثير القدم في أمرهم.

ومنها: احمد بن إدريس، عن محمّد بن حسان، عن إدريس بن الحسن، عن أبي إسحاق الكندي، عن بشير الدهان، قال: قال ابو عبد الله(عليه السلام) : « لا خير فيمن لا يتفقّه من أصحابنا، يا بشير إنّ الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه احتاج اليهم - يعني العامة - فإذا احتاج إليهم أدخَلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم»(2).

وهذه الرواية أيضاً مشيرة إلى ما في مرتكز جميع أهل الأديان.

وهذه الروايات لو كانت قاصرة من حيث السند فليست بقاصرة من حيث الدلالة؛ إذ لحن هذه الروايات لحن محدودية السيرة، مع أنّا لا نحتاج في اعتبار الإيمان إلى الروايات؛ وذلك لما تقدم من قصور السيرة هذا تمام الكلام في الشرط الثالث.

الشرط الرابع: طهارة المولد


1) مستمسك العروة 1/ 45 - 46 .

2) الكافي 33/1

إنّ من شرائط الفقيه طهارة المولد، بمعنى أنّه يُعتبر عدم كون المفتي ولد الزنا، ونحن نتعرض في المقام إلى ما ذكره السيد الحكيم وما ذكره السيد الخوئي، فقد قال السيد الحكيم في المستمسك : (هي داخلة في الايمان بناءً على كفر المتولد من الزنا - اذ بعض علمائنا كالصدوق والسيد المرتضى وابن إدريس ذهبوا إلى كفر ولد الزنا وإن أظهر الإسلام - وأمّا بناءً على خلافه - كما هو المختار - فلا دليل على اعتبارها غير الأصل المحكوم ببناء العقلاء. نعم عن الروضة دعوى الإجماع، وعليه فهو المعتمد)(1).

وقال السيد الخوئي بأنّ الإجماع لا قيمة له ودوران الأمر بين التعيين والتخيير لا يفيد: (لأنّ المتولد من الزنا كغيره مشمول للأدلة اللفظية، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بينهما كما لا يخفى. وكذلك الحال بالنسبة إلى السيرة العقلائية، لعدم اشتراطهم طهارة المولد...، بل لأنّ كون المجتهد متولداً من الزنا منقصة، وقد تقدّم أنّ الشارع لا يرضى بزعامة من له منقصة بوجه، كيف ولم يرض بإمامة مثله للجماعة فما ظنّك بتصدّيه للزعامة الكبرى للمسلمين، لأنّ منصب الفتوى من أعظم المناصب الإلهية)(2).

ويمكن الجواب عنه بأنّه قد تقدّم أنّ منصب الفتوى ليس بمنصب ولا زعامة؛ إذ من الممكن أن يكون الشخص مُفت ولم تكن له الزعامة بأنحائها، كيف وقد أنكر السيد الخوئي الزعامة بمعنى الإمامة في بعض كلماته.

وينبغي أن نقلّب الروايات لنعرف رؤية الشارع لولد الزنا وهل هي منقصة أو لا، مع قطع النظر عن إمكان الاستدلال بتلك الروايات في المقام وعدمه.


1) مستمسك العروة 1/ 45 - 46 .

2) التنقيح للسيد الخوئي 235/1 .

فنقول: إنّ الروايات التي تدل على منقصة ولد الزنا على طوائف:

الطائفة الأولى: ما يدلّ أو استُدل به على نجاسته وقد ذهب الصدوق والسيد المرتضى وابن إدريس إلى نجاسته(1)، وقد ذكر السيد في العروة بأنّ الأقوى طهارة ولد الزنا(2)، والأمر كما ذكره السيد الطباطبائي؛ لأنّ الروايات الدالة على نجاسته، بعضها ضعيف السند، وبعضها ضعيف الدلالة وبعضها ضعيف السند والدلالة.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على عدم جواز الائتمام به كما في الوسائل(3)، وهذا ما قال به جميع الفقهاء.

الطائفة الثالثة: ما يدل على عدم كون ديته دية المسلم، وفي بعضها أنّ ديته دية الذمي(ثمانمائة درهم) ، وهذا ما قال به جماعة كالصدوق والسيد المرتضى، وقد قوّى صاحب مفتاح الكرامة هذا القول، واختاره السيد الخوئي في مباني التكملة(4).

إلّا أنّ هذه الروايات من وجهة نظرنا ضعيفة، وإنّما ذهب السيد الخوئي إلى ذلك؛ لأنّ عبد الرحمن بن حماد الذي وقع في سند رواية إبراهيم بن عبد الحميد من رجال كامل الزيارات، فلذا حكم باعتبارها، وهي تدل على أنّ ديته أقلّ من دية المسلم، والمشهور بين الفقهاء أنّ ديته كدية المسلم(5).


1) مستمسك العروة 1/ 385

2) العروة الوثقى 1/ 68

3) وسائل الشيعة 321/8 .

4) مباني تكملة المنهاج 207/2

5) المصدر نفسه

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على أنّ لبن اليهودية والمجوسية أحبّ من لبن ولد الزنا كمعتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحبّ إلي من ولد الزنا»(1).

الطائفة الخامسة: ما يدلّ على أنّ ولد الزنا يدخل النار أو لا يدخل الجنة، كما في البحار(2).

الطائفة السادسة: ما يدلّ على أنّه لا خير في ولد الزنا كما في البحار نقلاً عن المحاسن وثواب الأعمال، والرواية صحيحة بنقل المحاسن ، عن ابن فضال عن ابن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «لا خير في ولد الزنا ولا في بشره ولا في شعره ولا في لحمه»(3).

الطائفة السابعة: ما يدلّ على أنّ ولد الزنا لا يطيب أبداً كما في البحار، عن أبي عبد الله(عليه السلام): «أنّ ولد الزنا لا يطيب أبداً ولا يقبل الله منه عملاً»(4).

الطائفة الثامنة: ما يدلّ على أنّ من علامات ولد الزنا بغض أهل البيت وأنّه لا يقتلهم إلّا ولد زنا، وبعض هذه الروايات مذكور في سفينة البحار(5).

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في ولد الزنا. ومن ضمّ بعضَ هذه الروايات الى البعض يعرف نظر الشارع بالنسبة إلى ولد الزنا، وأنّه لا خير فيه وأنّه لا يطيب أبداً،


1) وسائل الشيعة 21/ 462

2) بحار الأنوار 287/5

3) بحار الأنوار 5/ 285

4) المصدر نفسه ص 286 .

5) سفينة البحار، باب الزاي بعده النون (زنى)

ويمكن التمسّك بهذه الروايات لاشتراط طهارة المولد في المفتي، فإنّه لا خير فيه وفي فتواه ولا يطيب أبداً.

ويمكن التمسّك بمعتبرة عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «لو أنّ أربعة شهدوا عندي بالزنا على رجل وفيهم ولد زنا لحددتهم جميعاً، لأنّه لا تجوز شهادته، ولا يؤم الناس»(1)بتقريبن :

التقريب الأوّل: أنّ هذه الرواية مشتركة مع سائر الروايات التي تدل على عدم جواز شهادة ولد الزنا، والعرف يفهم من ذلك أنّه من جهة سوء من جهة سوء سريرة ولد الزنا لا يعتمد على شهادته، ومن الواضح أنّ الشهادة فرع من فروع القضاء، والقضاء فرع من فروع الفتوى، ومن الواضح أيضاً أنّ منزلة ومرتبة الحاكم أعلى من مرتبة الشاهد، وانّما يحكم الحاكم على وفق الشهادة، فقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): « إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»(2)وقد يكون الحكم محتاجاً إلى شهادة الشهود وقد لا يكون كما في الشبهات الحكمية، فمن لا يعتمد على قوله في الحسّيات لعدم طيب نفسه وسوء سريرته فكيف يمكن الاعتماد على قوله في الاُمور المعنويّة والتي فيها حسّاسيّة.

التقريب الثاني: التمسك بقوله(عليه السلام) في هذه الرواية: «ولا يؤمّ الناس»، فإنّ قوله(عليه السلام) هذا لا يختص بإمام الجماعة، بل يشمل كلّ من يُطلق عليه أنّه إمام، أي أنّه يُتَّبع في أعماله وأقواله، نعم لو كان قوله هذا ظاهراً في إمام الجماعة فلا يرتبط بالمقام، إلّا أنّ الإمام في اللغة بمعنى المؤتمّ به، إنساناً كان أو غيره ومن يُقتدى بفعله أو قوله أو كتاباً


1) وسائل الشيعة 27/ 376

2) تهذيب الأحكام 229/6

أو غير ذلك، محقّاً كان أو مبطلاً، وجمعُه أئمّة، ومن أظهر مصاديق الإمامة هو المفتي الذي يُؤتمّ بقوله أو فعله، ومن ذكرِ هذه الجملة مع عدم جواز شهادته يُعرف بأنّ المراد من الإمامة هنا أعمّ، وليس خصوص إمامة الجماعة كما في سائر الروايات الواردة في الجماعة، فإنّ كلّ جملة ينبغي أن تُلاحظ مع خصوصياتها من القرائن الحالية والمقالية والإطار الذي أُلقي فيها.

وما يدلّ على أنّه لايؤمّ الجماعة وإن كان مطلقاً، إلّا أنّه بقرينة سائر الأُمور المذكورة في تلك الروايات يُعرف بأنّ المراد خصوص إمامة الجماعة؛ لأنّه ذكر فيها الجذام والبرص والجنون وأشباه ذلك. ومِن الواضح عدم اشتراط هذه الشروط في المفتي، وأمّا في هذه المعتبرة فقد ذكر عدم جواز الإمامة مع عدم جواز الشهادة، ولا مانع من حمل هذه الجملة في هذه الرواية على المعنى العام، بخلاف تلك الروايات، فإنّ في تلك الروايات قرائنَ تدلّ على الخصوص.

إن قلت: إنّ حذف المتعلق لا يدلّ على العموم في كل مورد، وبما أنّ أغلب الروايات التي ذُكرت فيها هذه الجملة المراد منها خصوص إمام الجماعة، فالحذف يُحمل على الفرد الشائع، لا على المطلق.

قلنا: إنّ هذه الرواية لو كانت واردة في صلاة الجماعة لحملناها على الفرد الشائع، إلّا أنّها واردة في باب السياسات والشهادات وليس لها كثرة استعمال في هذا الباب حتى تُحمل عليه، فإنّه لا يمكن حمل كلام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في نهج البلاغة مثلاً على أنّ المراد من الإمام خصوص إمام الجماعة في قوله(عليه السلام) : «ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به»(1)، فحذف المتعلّق في هذة الرواية يدلّ على العموم.


1) نهج البلاغة 3/ 70 .

فظهر بأنّ ماذهب إليه القوم من اشتراط طهارة المولد - والمشهور ذهبوا إلى ذلك - من أجل هذه الروايات وغيرها، لأنّ الشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية، مضافاً إلى أنه لا يرضى كل ذي دين بأن يسأل عن أحكام شرعه عمّن ليس له طهارة المولد، وليس وجه ذهابهم إلى اشتراط هذا الشرط هو الوجوه العقلية أو الإجماع.

الشرط الخامس: الذكورية

وشرطية الذكورية للمفتي من المسائل التي قلما تعرض لها القدماء حتى العامة، والمستظهر من كلمات العامة جواز تصدّي المرأة للفتوى، كما في المغني نقلاً عن ابن جرير الطبري حيث قال: (لا تشترط الذكورية - أي في القاضي - لأنه يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية)(1).

قال السيد الحكيم في المستمسك: (فهو أيضاً كسابقه عند العقلاء. وليس عليه دلیل ظاهر غير دعوى انصراف الأدلّة إلى الرجل واختصاص بعضها به، لكن لو سلم فليس يصلح رادعاً عن بناء العقلاء. وكأنه لذلك أفتى بعض المحققين بجواز تقليد الأنثى)(2).

وقال السيد الخوئي: (لأنا قد استفدنا من مذاق الشارع أن الوظيفة المرغوبة من التحجب والتستر، وتصدّي الأمور البيتية، دون التدخل فيما ينافي تلك الأمور. ومن الظاهر أنّ التصدي للإفتاء - بحسب العادة - جعل للنفس في معرض الرجوع والسؤال؛ لأنهما مقتضى الرئاسة للمسلمين، ولا يرضى الشارع بجعل المرأة النساء إنما هي


1) المغني لابن قدامة 380/11 .

2) مستمسك العروة 43/1

نفسها معرضاً لذلك أبداً، كيف ولم يرض بإمامتها للرجال في صلاة الجماعة، فما ظنك بكونها قائمة بأُمورهم ومديرة لشؤون المجتمع ومتصدّية للزعامة الكبرى للمسلمين، فبهذا المرتكز القطعي في أذهان المتشرعة يُقيّد الإطلاق ويُردع عن السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم مطلقاً، رجلاً كان أو امرأةً)(1).

أقول: إنّ كلامهما مبتن على أن تكون مقتضى القاعدة حجّية قول المرأة، والحال أنّ مقتضى الأصل العملي الابتدائي هو أصالة عدم الحجية كما ذكرنا في البحث السابق.

وعمدة ما يكون في قبال هذا الأصل هي الإطلاقات وبناء العقلاء.

أمّا الاطلاقات فقد تقدّم أنّه لا إطلاق يدلّ على جواز تقليد الفقيه بحيث يكون شاملاً للذكر والأنثى، إلّا إذا تُوهّم ذلك بلحاظ لفظ (من) المستعمل في مقبولة عمر بن حنظلة، إلّا أنّ هذا التوهّم في غير محله، لأنّ صدر المقبولة مرتبط بالقضاء لا بالفُتيا، مضافاً إلى أنّ السيد الخوئي يناقش في سندها.

وأمّا الآيات التي استُدل بها فهي مخدوشة دلالةً من وجهة نظرنا.

وأمّا الروايات الخاصة فالإرجاع الذي فيها كلّه إلى الرجال كمحمد بن مسلم، والفضل بن شاذان، ويونس بن عبدالرحمن.

وأمّا بناء العقلاء فقد ذكرنا سابقاً أنّ بناء العقلاء على سبيل القضايا الخارجية، أي أنّه لابدّ وأن يكون بمرأى ومنظر من الشارع المقدّس حتى يكون عدم ردعه دليلاً على إمضائه، وفي حدود ما نعلم من التاريخ الاسلامي لم يكن بناء المسلمين على نحو


1) كتاب الاجتهاد والتقليد للسيد الخوئي 226/1

العموم على الاستفتاء من النساء وتقليدهن، وذكرنا بأنّه يمكن - كما هو كذلك - أن يكون للاُمور الدينية خصوصية.

نعم قد يُنسب إلى عائشة بأنّها كانت متصدّية للفتوى فلا سيرة في المقام، ولو لم يكن مانع من تصدّي النساء للفتوى وكانت تشارك الرجال في هذه الحيثية من وجهة نظر المسلمين كما يُدّعى أنّها تساوي الرجال من وجهة نظر العقلاء حتى في المسائل القانونية، لتصدت نساء للفتيا من باب أنّ الاحتياج يُولّد ما يُحتاج، ومن باب عدم احتياج النساء إلى الرجوع للرجال، ومن باب التعالي الذي كان موجوداً عند النساء من صدر الإسلام، فإنّ التاريخ يحدّثنا بأنّ بعض الخلفاء كان خليفة إلّا أنّ الاُمور كانت بيد النساء والخدم، والغرض أنّه لو كان جائزاً لتصدّت المرأة للفتيا، فهناك دواع لقيامهن هذا المقام ولو لبعض الطبقات، والحال أنّه لم يثبت في التاريخ ذلك، نعم قد تكون نقلة الأحاديث من النساء كما في روايات العامّة والخاصة.

وكيفما كان قصور السيرة وإنكار الإطلاقات كاف في عدم حجية قول المرأة؛ إذ الأصل عدم الحجية عند الشك في الحجية.

وأمّا ما ذكره السيد الخوئي من : (أنّا قد استفدنا من مذاق الشارع) وإن كان صحيحاً في الجملة، إلّا أنّه لا ينافي التفقه والتعلم، وكون قولهن حجّة. وأمّا عدم جواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة فمما دلّت الرواية عليه، وأين هذا من عدم حجّية قولها، ولم يكن الافتاء منصباً من المناصب في تلك الأوقات، مضافاً إلى أنّه لا يلزم من جعل نفسها معرضاً للفتوى مراجعة الرجال مباشرة إليها حتى يقال بأنّه يُنافي التستر، بل يمكن الاستفتاء منها بالمكاتبة أو بالواسطة.

ولعلّ منشأ عدم استقرار السيرة على عدم تصدّي النساء للفتيا اُمر اُخرى، مثل أنّ شهادة النساء في كثير من الاُمور غير مقبولة لا منضمةً ولا منفردةً، وفي بعض

الاُمور تقوم امرأتان مقام رجل، نعم في الاُمور المختصة بالنساء والتي يقبح اطلاع الرجال عليها عادة كالرضاع والولادة تثبت بشهادة أربع نساء، فالنساء يقلّ الاعتماد على شهادتهن، فمثل اللواط والسحق لا يثبت إلّا بشهادة أربعة رجال، وفي الزنا قيل بثبوته بشهادة رجلين وأربعة نساء، إلّا أنّه لا يثبت بها الرجم بل يثبت الجلد، مع أنّ ذلك موجباً للرجم في مورد الزنا من المحصنة.

وأمّا سائر الجنايات الموجبة للحدّ كالسرقة وشرب الخمر فإنّها لا تثبت إلّا بشهادة رجلين، ولا تثبت بشهادة النساء، لا منضمات ولا منفردات، وهكذا الطلاق والخلع والوصية ورؤية الهلال والوكالة. وأمّا الديون والنكاح والدية فتثبت بشهادة رجل وامرأتين.

والغرض أنّ شهادتهن ما بين أن لا تثبت أبداً أو أنّها تثبت منضمّات أو أنّها تثبت بهن فقط، مع أنّ الشهادة من الاُمور الحسية.

وقد عُلّل عدم جواز شهادتهن أو قيام امرأتين مقام رجل واحد بنقصان عقولهن كما في نهج البلاغة : (وأمّا نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد)(1).

وليس المراد من ذلك قلّة عقلهن بل المراد من العقل: العقال، والمراد قلة ما يعقلن؛ وذلك لكثرة العواطف فيهن، وكثرة العواطف مانعة من ضبط أنفسهن، إلى غير ذلك من الروايات.


1) نهج البلاغة 1/ 129

وهذه الروايات مؤيّدة بالروايات الناهية عن استشارة النساء، فحيث إنّ أغلب النساء تابعات للعواطف فقد ورد النهي عن استشارتهن ، أو عدم جواز شهادتهن، أو جواز شهادتهن منضمة إلى الرجال مع قيام امرأتين مقام رجل واحد.

فمن كان حاله هكذا في الشهادة - التي هي من الاُمور الحسية - كيف يكون حاله بالنسبة إلى ما هو أهمّ وهو القضاء، فيُستكشف بطريق أولى أنّ توليها للقضاء غير جائز ؛ إذ القاضي بما أنّه استنبط الحكم يكون قاضياً، أو يُستكشف من ذلك بأنّ النساء لسنَ بدرجة يتمكّنّ من السيطرة على عواطفهن في مشكلات الاُمور؛ إذ من الواضح أنّ الفقه غير منحصر بالعبادات، بل يشمل الاُمور العبادية والسياسية، وفي جميع الأمور قد يكون الحكم للنساء وقد يكون عليهن، وقد يكون لأرحامها وقد يكون على أرحامها، فمن لم يكن له السيطرة على نفسه في مقام الشهادة كيف يكون له السيطرة على نفسه في مقام الاستنباط، مع أنّه لابد من رعاية الاحتياط في مقام الإفتاء، فإنّ العواطف تؤثّر في مرحلة اللاشعور في الاستنباط.

والغرض أنّه من الممكن أن تكون هذه الاُمور سبباً ومنشأ لعدم استقرار السيرة على جواز فتوى النساء، وقد ورد عنهم(عليه السلام) كما في نهج البلاغة وغيره: «وإياك و مشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن»(1).

ومن المعلوم أنّ كثيراً من الفتاوى تحتاج إلى قوة الإرادة ومزيد العزم، ففي صحيحة عبدالله بن سنان ذكرَ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) النساء فقال: «اعصوهن في المعروف قبل أن يأمرنكم بالمنكر، وتعوّذوا بالله من شرارهن وكونوا من خيارهنّ على حذر»(2).


1) نهج البلاغة 56/3

2) وسائل الشيعة 20/ 179

وورد ما يشبه هذا الكلام في نهج البلاغه(1).

ومراده(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من قوله: «اعصوهنّ في المعروف» ليس ترك المعروف الذي تأمر به المرأة، بل المراد ترك حالة الانفعال من قولهن، أي: إذا قالت المرأة شيئاً، لا تعمل ولا تنفعل من قولها، فإنّه لو انفعل الرجل من قولها فقد أوجدت طريقاً إلى قلب الرجل، وربما تأمر الرجل بالمنكر.

ومورد الاستشهاد قوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): « وكونوا من خيارهن على حذر» أي أنّه لا يُؤتمن بهن عادة، وهذا يتنافى مع تصديقهن من دون حجة في مقام الإفتاء.

فتحصّل مما ذكرنا عدم وجود سيرة على تقليد النساء، ولعلّ منشأ عدم استقرار السيرة ما ذكرنا من الروايات الواردة في النساء.

الشرط السادس: البلوغ

والكلام في هذا الشرط كالكلام في سابقه، وقد قامت الأدلة على عدم جواز شهادة الصبيان.

هذا تمام الكلام في البحث عن شرائط المفتي.


1) نهج البلاغة 129/1

المقصد الثالث: في الاحتياط

الاحتياط

لا ريب ولا اشكال في حسن الاحتياط في الجملة. ونبحث فعلاً عن الاحتياط على وجه التكرار، ويكون في مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: إذا كان السبب الذي يراد إتيانه مكرّراً هو أمر تكويني ولا يحتاج إلى القصد، وهذا مثل الغسل بالماء لإزالة الخبث ، فلو كان هناك مائعان ونعلم بأنّ أحدهما ماء والآخر مضاف، ويتمكن المكلف من تشخيص الماء بسبب من الأسباب، فلاريب في جواز الغسل بهما في هذه الصورة، ويحصل القطع بطهارة ما غُسل بهما، ولم يستشكل أحد في جواز الاحتياط في هذا المقام.

المقام الثاني : ما إذا كان السبب من الاُمور الإنشائية في المعاملات من العقود والايقاعات، كما إذا شك في أنّ الصيغة المعتبرة في الطلاق هذه الصيغة أو تلك الصيغة، والظاهر أنّه لا مانع من الاحتياط في هذا المقام، وذكر في مصباح الأُصول في مبحث القطع ناسباً له إلى الشيخ بأنّه استشكل في الاحتياط في الاُمور الإنشائية؛ وذلك لعدم الجزم في الإنشاء، ونحن ذكرنا هناك بأنّ النسبة غير صحيحة، فإنّ الشيخ في الرسائل والمكاسب ينقل هذا الإشكال ويردّه، فإنّه لا يعتبر الجزم في مرحلة الإنشاء بهذا المعنى.

المقام الثالث: الاحتياط في السبب الذي يُؤتى به لفراغ الذمة، وهذا قد يكون توصّلياً وقد يكون تعبّدياً، فإن كان من التوصّليات فلا مانع من الاحتياط فيه بالتكرار.

وأمّا في العباديات، فقد استشكل بعض في الاحتياط فيها، إما مطلقاً أو خصوص ما إذا كان موجبا للتكرار، بوجوه :

الوجه الأوّل: ادّعاء الإجماع، وقد قال الشيخ في فرائد الأصول: (ظاهر كلام السيد الرضي(رحمۀ الله علیه)في مسألة الجاهل بوجوب القصر وظاهر تقرير أخيه المرتضى له: ثبوت الإجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها)(1).

ونقلَ عن الحلّي في مسألة الصلاة في الثوبين مع العلم بنجاسة أحدهما عدم جواز التكرار للاحتياط حتى مع عدم التمكن من العلم التفصيلي(2). إلّا أنّ الإجماع المحصّل لا يتحقق بفتوى السيّدين والحلّي، مع أنّ الإجماع مدركي؛ إذ السيّدان من المتكلّمين، والمتكلمون يقولون باعتبار قصد الوجه، ويقولون بأنّ العمل حينما يُؤتى به مكرّراً يزول قصد الوجه، فمِن هذه الجهة ذهبا إلى هذا القول.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني ، وهو بتقريب منّا: أن الإطاعة ذاتُ مرتبتين:

المرتبة الاُولى: أن يُؤتى بالعمل بداعويّة الأمر ، بمعنى أنّ العبد يتحرك بتحريك المولى وينبعث ببعث المولى، وهذا لا يمكن إلّا أن يكون الأمر المولوي واضحاً عند


1) فرائد الأصول 72/1

2) المصدر نفسه

المكلف بالتفصيل، فإنّ في صورة العلم التفصيلي يكون الأمر المولوي لائقاً للباعثية والزاجرية، ويتحرك وينبعث المكلف من نفس الأمر، إذ القطع طريقٌ ومرآة للواقع وليس في قبال الواقع حتى يقال بأنّه انبعث من القطع بالواقع.

المرتبة الثانية: أن يكون انبعاث المكلف من احتمال الأمر، لا من الأمر المولوي، ففي هذه المرتبة فإنّ التحرك والانبعاث لا يكون من أمر المولى، بل من أمر آخر وهو الاحتمال، وهما في مرتبتين، بمعنى أنّ العقل يحكم بأنّ المرتبة الثانية مرتبة أدنى من العبودية، وإنّما يطرأ عليها الحسن في صورة عدم التمكّن من المرتبة الاُولى، فلو لم يتمكّن من المرتبة الاُولى بسبب فقدان العلم الوجداني أو التعبدي اللذين يحصلان

بالاجتهاد والتقليد فإنّه يجوز له الإطاعة من المرتبة الثانية، وتكون الإطاعة في المرتبة الثانية حسنةً بالنسبة إليه، ومع الشك في طوليتهما يدخل البحث في دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وفي دوران الأمر بينهما، مثل العام والخاص فالأصل هو الإشتغال، وعلى هذا يمكن تفريع حكم الاحتياط في العبادات.

والاحتياط في العبادات على أقسام ثلاثة:

القسم الأوّل: ما إذا دار الأمر- في مرحلة جعل الحكم- بين الوجوب والاستحباب، كما إذا لم يدر المكلف بأنّ العمل واجب أو مستحب، والمفروض أنّه لا يريد الاجتهاد والتقليد، ولا مانع من الاحتياط في هذا القسم - على ضوء هذا الوجه - إذ الأمر مقطوع به وإن كان الترديد في نوع الأمر، والانبعاث انبعاث من بعث المولى وليس انبعاثاً من الإحتمال أو المظنة.

القسم الثاني: ما إذا دار أمره بين الوجوب وغير الاستحباب وغير الحرمة، كما إذا دار الأمر بين وجوب هذا العمل مثلاً أو إباحته أو كراهته، ففي هذه الصورة لا

تتحقق المرتبة الاُولى من الإطاعة؛ إذ الانبعاث انبعاث من احتمال الأمر، والانبعاث من احتمال الأمر إنّما يكون حسناً فيما إذا لم يتمكّن من الإطاعة في المرتبة الاُولى.

القسم الثالث: ما إذا كان الأمر واضحاً بأنّه أمر وجوبي أو استحبابي، إلّا أنّ متعلّقه إمّا في وعاء التشريع مردّد بين أُمور، كما إذا علم إجمالاً إما بوجوب القصر أو الإتمام أو الظهر أو الجمعة، أو كان مردّداً في وعاء الخارج، كما إذا علم بوجوب الصلاة إلى القبلة إلّا أنّه لا يعلم بالقبلة مع فرض أنّه يتمكّن من الاجتهاد أو التقليد في كلتا الصورتين، فمع تمكّنه يأتي بصلاة الظهر والجمعة، أو مع تمكّنه من تشخيص القبلة يأتي بها إلى أربع جهات.

وفي هذا القسم أيضاً يكون الاحتياط عن انبعاث المكلف من احتمال الأمر، لا من التكليف الواقعي، وذلك لأنّه حينما يأتي بصلاة الجمعة إذا سُئل بأنّه لماذا تأتي بها؟ يجيب بأنه من المحتمل أن تكون هي واجبة، وهكذا بالنسبة إلى صلاة الظهر والصلاة إلى كل جهة، فلا يصح الاحتياط في هذا القسم لمن يتمكّن من الاجتهاد أو التقليد فضلاً عن العلم، بخلاف القسم الأول.

ويمكن المناقشة في هذا الوجه بأمور:

الأمر الأوّل: أنّ أساس هذا التفكّر لعلّه مبتن على ما ذكره صاحب الجواهر ووافقه بعضٌ من أنّه لا تتحقق التعبدية في التعبديات إلّا بالانبعاث من الأمر، وأما سائر الدواعي القربية مثل الإتيان بالعمل بداعي أنّه محبوب للمولى، أو بداعي أن يصير محبوباً للمولى، أو بداعي الفرار من العقوبة، أو بداعي الوصول إلى مثوبة المولى وأشباه ذلك فإنّما تكون في طول قصد الأمر لا في عرضه، والحال أنّ المختار هو أنّ العبادة ما لا تتحقق إلّا بالتعبد، والتعبّد عبارة عن التخضّع والتذلل، فكلّ عمل كان فيه التخضّع والتذلل يكفي في عباديّته، فإذا أتى بالعمل بما أنّ المولى أمر به يكون

تخضّعاً وإن أتى به بداعي أنّ المولى يعاقبه أو يثيبه، أو يكون محبوباً عند المولى، أو تحصيلاً لرضا المولى، فأيضاً هذا تخضّع وتذلّل للمولى، بل إذا لم يكن الشيء مأموراً به إلّا أنّ المكلّف يأتي به بداعي التوصل إلى المأمور به فإنّه يكون عبادة وتخضّعاً وتذلّلاً للرب.

وهذا أحد الطرق لإثبات عباديّة الطهارات الثلاثة، فإنا ذكرنا في مبحث الألفاظ أنّ لعبادية الطهارات الثلاث طرقاً، منها: أن يأتي بأحد الأُمور من الوضوء والغسل والتيمم وصولاً إلى مقصد المولى وهو الصلاة، إذ الصلاة مشروطة بالطهور، ولا تتحقق إلّا بإتيان إحدى الطهارات، فإتيانها بهذا القصد يكفي في عباديّتها وإن لم يكن لها أمر ، وعليه فلو أتى بالعمل المردّد بين الوجوب وغير الاستحباب باحتمال أن يكون واجباً، فمعنى ذلك أنّ العمل عمل تخضّعي وتذلّلي.

الأمر الثاني: أنّ القول بأنّ في موارد العلم بالأمر يكون التأثّر بالأمر بخلاف ما إذا كان الأمر احتمالياً، فإن الانبعاث انبعاث من الاحتمال لا من الأمر، غير صحيح؛ إذ كما أنّ العلم والقطع له مرآتية فكذلك الاحتمال أو الظن له مرآتية.

وبعبارة اُخرى: كما أنّ العلم أو القطع ليس في قبال الأمر، كذلك الاحتمال ليس في قبال الأمر، بل كما أنّ العلم أو القطع من شرائط التحرك فكذلك الاحتمال، فإنّه ما لم يكن للأمر انعكاس نفسي فهو غير قابل للتأثير في النفس، وأوضح أنحاء الانعكاس هو العلم، وأقلّ منه العلم الإجمالي ثم الاحتمال والظن، فإنّه لاريب في أنّ الظن والاحتمال فيهما كاشفية، إلّا أنّ كاشفيتهما أضعف من كاشفية العلم، وليس العلم إلّا تجمّع الاحتمالات في محور واحد، فالتحريك والانبعاث في صورة الظن أو الاحتمال تحريك وانبعاث عن الأمر، إلّا أنّه محتمل.

الأمر الثالث: أنّ ما ذُكر من أنّه إذا شكّ في الطولية فمقتضى الأصل هو الاحتياط محلّ تأمل؛ إذ نحن ذكرنا في مبحث التعبدي والتوصّلي بأنّه إما أنّ المتعلّق قابل لأَن يتقيّد بالتعبّدية بالأمر الأول، وعليه فهو قابل للاطلاق والتقييد اللحاظي، فإذا شككنا في أنّه تعبّدي أو توصّلي فإنّه يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي.

وأما إذا قلنا بمقالة المحقق النائيني من أنّ التعبّدية غير قابلة للتقييد إلّا بمتمّم الجعل، والجعل الأوّل مطلق بالاطلاق الذاتي وبتعبيره الجعل الأوّل مهمل بالنسبة إلى التعبدية، فكذلك، فقد قلنا هناك بأنّه يمكن التمسك بالإطلاق الذاتي الذي هو غير قابل للتقييد بالتقييد المباشر فيما إذا لم يقيّده المولى بالتقييد المنفصل، أي أنّ الإطلاق الذاتي كالإطلاق اللحاظي أصل لفظي معتمد عليه فيما إذا لم نحصل على المقيّد، وعليه فعلى كلا المسلكين عند الشك في القيد الزائد نتمسّك بالإطلاق.

الأمر الرابع: أنّ إدخال ما نحن فيه في دوران الأمر بين التعيين والتخيير مبتن على أن يكون المقام من قبيل العام والخاص، والحال قد ذُكر - كما في فوائد الأُصول - أنّه لو كان هذا المطلب ثابتاً فلابدّ أن يكون بسبب متمّم الجعل الذي هو مفيد فائدة الجزئية أو الشرطية، وعليه فهذا قيد زائد، والمقام أشبه شيء بمبحث المطلق والمشروط والأقل والأكثر الارتباطيّين، لا بدوران الأمر بين التعيين والتخيير والعام والخاص.

نعم في العام والخاص نحن أيضاً نقول بدوران الأمر بين التعيين والتخيير، أي أنّه إذا دار الأمر بين العام والخاص فمقتضى القاعدة هو الاشتغال، وتفصيل ذلك موكول إلى محلّه.

الوجه الثالث: من الوجوه المستدل بها على عدم جواز الاحتياط أو ما يمكن أن يستدلّ به هو رواية أبي حمزة، والرواية صحيحة سنداً، فعن عليّ بن الحسين(عليه السلام) أنّه

قال: «لا حسب لقرشي ولا عربي إلّا بتواضع ، ولا كرم إلّا بتقوى، ولا عمل إلّا بنية، ولا عبادة إلّا بتفقّه»(1).

و محل الشاهد قوله(عليه السلام): «ولا عبادة إلّا بالتفقّه»، والاستدلال بها متوقّف على مقدّمات ثلاثة :

المقدمة الاُولى: أنّ المراد من الفقه في هذه الرواية هو العلم بالأحكام الشرعية سواء كان عن اجتهاد أم تقليد، كما أنّ هذا هو المراد من الروايات الواردة في التجارة، ومنها: قول الصادق(عليه السلام) : « من أراد التجارة فليتفقّه في دينه ليعلم بذلك ما يحلّ له من ما يحرم عليه»(2)، و«الفقه ثم المتجر»(3).

المقدّمة الثانية: أنّه إذا نُفيت طبيعة إلّا عند وجود شيء فهذا ظاهر في أنّ ذلك الشيء إما جزء أو شرط، وإن نُفيت طبيعة عند وجود شيء فهذا ظاهر في مانعيّة ذلك الشيء، فمثلاً لو قال: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»، أو : «لا صلاة إلّا بطهور»، فمعناه أنّ الطبيعة منتفية إلّا مع فاتحة الكتاب أو مع الطهور، ومرجع ذلك إلى الجزئية أو الشرطية، وأما إذا قال: (لا صلاة لمن يستصحب أجزاء ما لا يُؤكل لحمه) فمعناه المانعية، وفي المقام قال(عليه السلام) : «لا عبادة إلّا بالتفقه» وهذا ظاهر في أنّ التفقّه شرط في العبادة.

المقدّمة الثالثة: أنّ التفقه المذكور في الرواية ليس المراد منه مطلق التفقه سواء كان مرتبطاً بالعبادة أم لم يكن ، بل المراد التفقه في تلك العبادة، بمعنى أنّه لابدّ من معرفة حكم تلك العبادة، وعليه فالرواية تدلّ على عدم جواز الاحتياط في العبادات.


1) وسائل الشيعة 47/1

2) وسائل الشيعة 17/ 382

3) تقدَّم تخريجه .

ويمكن المناقشة في هذه المقدمات:

أما المقدّمة الاُولى: فالفقه وإن استُعمل في الروايات بمعنى تعلّم الأحكام، إلّا أنّ ما هو أكثر استعمالاً في الروايات هو الفقه بمعنى البصيرة في الدين، وشبيه هذه الرواية ما في الكافي قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «لا يقبل الله عملاً إلّا بمعرفة»(1)، ومثل قول الصادق(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام)أنّه قال: «إذا عرفت الحق فاعمل ما شئت من خير يُقبل منك»(2).

وهذه الروايات تدلّنا على أنّ المراد بالفقه هنا هو المعرفة، ومثل هذا التعبير ما نقله أمير المؤمنين(عليه السلام) عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أنّه قال: «ولا عبادة إلّا بيقين»(3)، وعليه فالمراد نفي الكمال لا الشرطية، أو لا أقل من الإجمال، وهو كاف في عدم إمكان الاستدلال.

وأمّا المقدّمة الثانية : فعلى فرض التسليم بالمقدمة الاُولى - وهي أنّ الكبرى المذكورة من أنّه كلّما نُفيت طبيعة إلّا عند وجود شيء فإنّه دليل على الجزئية أو الشرطية- إلّا أنّ هذا فيما إذا كان للشيء موضوعية لا طريقية، أما إذا كان للشيء طريقية فيرد هنا احتمال آخر، فإنّه إن قيل: (لا حج إلّا بمرشد)، فليس معناه أنّ وجود المرشد جزء من شروط الحج، بل معناه أنّ الحج بما أنّه ذو أعمال كثيرة وترتيب خاص فهو ممّا لا يتحقق بلا إخلال عادة إلّا مع وجود المرشد، والعبادة بما أنّ لها أجزاء وشرائط وموانع فهي ممّا لا تصدر صحيحة إلّا مع التفقه فبما أنّ هذا الاحتمال - أي احتمال الطريقية - موجود في المقام فلا يمكن الاستدلال ولا تتم المقدّمة الثانية.


1) الكافي 1/ 35

2) وسائل الشيعة 116/1 .

3) مستدرك الوسائل 90/1

وهذا الاحتمال مؤيَّد بروايات، منها ما في جامع الأحاديث، عن الصادق(عليه السلام)قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): « من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح»(1).

و في الكافي - وإن كان سنده مخدوش، إلّا أنّه منقول في المحاسن بطريق صحيح -عن طلحة بن زيد قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول: «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده سرعة السير إلّا بعداً»(2).

والغرض أنّه لا يمكن قياس المقام بقوله(عليه السلام): « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»(3)وأشباهه، فإنّه يُستفاد من هذه العبارة الجزئية أو الشرطية في الصلاة، ولا يتصوّر غير ذلك، وهذا بخلاف المقام، فإنّ في المقام احتمالاً آخر، ولا يمكن حمله على الجزئية أو الشرطية.

وأما المقدّمة الثالثه : فيمكن المناقشة فيها بأنّ المذكور في الرواية: «لاعبادة إلاّ بتفقه»ومعنى ذلك ليس هو العلم والإحاطة بجميع الخصوصيات كما أنّه لا إحتياط إلّا بتفقه، لا أنّ الاحتياط هو إتيان الشيء بالاحتمال وجرياً على وفق الاحتمال، والاحتياط إنّما يكون احتياطاً فيما إذا لم يكن في قبال هذا الاحتمال احتمال آخر مضادّ له، فإنه إذا احتمل الوجوب يصحّ الاحتياط فيما إذا لم يكن هناك احتمال آخر مضاد له وهو الحرمة، وأمّا إذا فسّرنا هذه الجملة بأنّه يجب العلم بجميع خصوصيات كل جزء جزء، فهذا مما لا يتحقق ولا يحصل لأغلب المسلمين.

فظهر أنّ الاستدلال بهذه الرواية لبطلان عبادة تارك الاجتهاد والتقليد غير تام.


1) جامع الأحاديث 101/1

2) الكافي 1/ 34

3) مستدرك الوسائل 4 / 158

الوجه الرابع: من الوجوه التي قلّما تعرضوا له ويمكن أن يستدل به هو معتبرة أبي أيوب الخزاز ، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : قلت له : كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: «إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدّوا بالتظنّي، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدّة فيقول واحد: قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقلّ من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر»(1).

بتقريب: أنّ الجملة الاُولى في قوّة الصغرى والكبرى والصغرى هي: أنّ صوم شهر رمضان من فرائض الله، والكبرى هي: أنّ فرائض الله لا تؤدّى بالتظنّي، والرواية واردة في يوم يُشكّ بأنّه من شعبان أو من رمضان، فقال الإمام(عليه السلام) : لا يمكن إتيان صوم شهر رمضان بالأمارات الظنية غير المعتبرة، لأنّه من فرائض الله، وعليه فجميع فرائض الله لا تؤدّى بالمظنّة والاحتمال، أي أنّه لابدّ أن يُعلم بأن ما يأتي به هو مأمور به، ومجرد احتمال أنّه مأمور به لا يسوّغ الإتيان به، فالرواية وإن كانت واردة في خصوص شهر رمضان، إلّا أنّه بمقتضى الكبرى يعمّم الحكم في جميع فرائض الله.

وقد طُرحت هذه المسالة في الكتب الفقهية وهي أنّه هل يجوز إتيان صوم يوم الشك مردّداً بين كونه من شعبان أو من رمضان أو لا؟

فذهب جمعٌ إلى عدم الجواز وبعض إلى الجواز بعد التسليم بأنّه لا يجوز الإتيان بالصوم بعنوان أنّه من شهر رمضان والمختار هو الجواز، وتدلّ الرواية على عدم جواز الإتيان به بعنوان شهر رمضان ومجرّد احتمال أنّه من رمضان غير كاف في الإتيان بالصوم بعنوان أنّه من شهر رمضان.


1) وسائل الشيعة 10/ 289

وهناك روايات اُخرى لعلّها توضّح وتشرح هذه الرواية:

منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، وليس بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية»(1).

ومنها: معتبرة اسحاق بن عمار ، عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه قال: «في كتاب علي(عليه السلام)صم لرؤيته وأفطر لرؤيته، وإياك والشك والظن»(2).

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة، وهذه الروايات ليس فيها كبرىً كلية، بل هي شارحة لقوله(عليه السلام) : «فلا تؤدّوه بالتظني».

ويمكن الجواب: أنّ (فرائض الله) فيه احتمالان:

الاحتمال الأوّل: أن يكون المراد خصوص ما فرضه الله في كتابه.

الاحتمال الثاني: جميع الواجبات الإلهية ممّا فرضه الله أو فرضه النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم).

والظاهر أنّ المراد من فرائض الله ما يكون بجعل وتقدير من الله تعالى لا مطلق الواجبات، ولذا نرى بأنّه ورد في روايات كثيرة في الركعتين الأوليين، منها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه قال: «كان الذي فرض الله عزّوجل على العباد عشر ركعات وفيهن القراءة وليس فيهن وهمٌ، يعني: سهو، فزاد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) سبعاً وفيهن السهو، وليس فيهن القراءة»(3).

وفي الفقيه زيادة: «فمن شك في الأوليين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين، ومن شك في الأخيرتين عمل بالوهم»(4)، ولعلها من الصدوق شرحاً للرواية.


1) وسائل الشيعة 10/ 289 - 290 .

2) المصدر نفسه ص 255

3) من لا يحضره الفقيه 201/1

4) المصدر نفسه ص 201 - 202

فمن القوي جداً - بقرينة سائر الروايات - أن يكون المراد من الفرائض في الرواية التي في محل البحث هو خصوص ما فرضه الله لورود التعليل نفسه في الروايات المشار إليها، فبما أنّ الأوليين من فرائض الله فليس فيهن وهم، أي: سهو.

والقول بعدم جواز الاحتياط في خصوص فرائض الله التي فرضها على عباده مما لا وجه له؛ إذ لم يقل أحد بالتفصيل بين الواجبات، مع أنّ الالتزام بأنّ الاحتياط في الركعتين الاُوليين لا يمكن بأيّ نحو حتى بتكرار الصلاة، التزام بلا وجه، وذلك لأنّ المنساق من هذه الروايات عدم جواز الوهم فيهن، لا عدم جواز الاحتياط، والعمدة أنّ قوله(عليه السلام) : «فلا تؤدّه بالتظني» الوارد في الرواية التي تتحدث عن إتيان الصوم بنية أنّه من رمضان في يوم الشك، مرجعه الى التشريع، فإنّه إن أتى به بعنوان شهر رمضان الذي من المفروض أنّه لا يدري بتوجه الأمر إليه فما يأتي به بعنوان المأمور به أمر فرضه هو وليس أمر من المولى، ومثل هذا الأمر والانبعاث منه لا يكون مصحّحاً للعبودية، بل ينطبق عليه عنوان التشريع المحرّم.

مضافاً إلى أنّه مضرّ بقصد القربة، فعليه لا ربط له بالمقام، ومرجع ذلك إلى أنّ مطلق الموارد التي ليس لها قطع بالأمر لا يجوز إتيان العمل بعنوان المأمور به.

وإن كان معنى قوله(عليه السلام) : «فلا تؤدّه بالتظني» النهي عن الصوم في يوم الشك مردّداً بين أنّه من رمضان أو من شعبان، ومجرد الاحتمال لا يسوّغ الإتيان به مردّداً بين شعبان ورمضان، ولذا ذهب جمع من الأكابر في خصوص يوم الشك إلى عدم صحّة الصوم إن صام مردّداً ورجاءً وإن كان مقتضى القاعدة هو جواز الاحتياط، إلّا أنّهم قالوا بأنّا نستفيد مِن عدد من الروايات، منها: هذه الرواية، عدم جواز الإتيان برجاء أنّه من شهر رمضان، وهذا ما ذُكر في مستند العروة، وعُلّل بأنّه من المستبعد أن تكون الروايات ناظرة إلى إتيان صوم يوم الشك بعنوان أنّه من شهر رمضان؛ إذ شأن رواة

هذه الروايات مثل زرارة، ومحمّد بن مسلم، وهشام بن سالم، أجلّ من أن يسألوا عن جواز التشريع وأنّه يجوز صوم يوم الشك بعنوان أنّه من رمضان، وكذا ذكر بأنّ ما هو المتعارف بين الناس هو إتيان الصوم في يوم الشك برجاء أنّه من رمضان، فالنواهي كلّها ناظرة إلى النهي عن الإتيان برجاء أنّه من شهر رمضان، فعليه لا يختص الحكم بشهر رمضان، بل لابدّ من تعميم الحكم.

إلّا أنّ الظاهر أنّ المنهي في الروايات - ولا أقل في هذه الرواية - عبارة عمّا استغرب واستبعد من صوم يوم الشك بعنوان أنّه من شهر رمضان، والوجه فيه: أنّ ما كان معنوناً بين العامة وكان جمع منهم يقول بالجواز أو الوجوب هو خصوص إتيان صوم يوم الشك بعنوان أنّه من شهر رمضان، بل قال بعضهم بأنّه لو صام يوم الشك ولم يكن له الجزم في النية فصومه باطل، وأمّا إذا كان مع الجزم في النية فصومه صحيح، وهذا ما نقله ابن قُدامة في المغني عن ابن حنبل، وملاحظة المسألة خارجاً عن الإطار والجو الذي كانت معنونة به ربما يوجب استغراب واستبعاد أنّ مراد الرواة كان صوم يوم الشك بعنوان أنّه من رمضان، نعم بعد وضوح المباني في هذه الأعصار يُستغرب أن تكون هذه المسألة مورد السؤال، فالرواية ناظرة إلى إتيان صوم يوم الشك بعنوان أنّه من شهر رمضان، والشواهد الفقهية من كتب العامة كثيرة، ومن باب المثال نذكر ونشير الى بعضها:

منها: ما في بداية المجتهد لابن رشد: (وأمّا يوم الشك فإنّ جمهور العلماء على النهي عن صيام يوم الشك على أنّه من رمضان، لظواهر الأحاديث التي يوجب مفهومها تعلّق الصوم بالرؤية، أو بإكمال العدّد، إلّا ما حكيناه عن ابن عمر)(1).


1) بداية المجتهد 1/ 248 - 249

ومنها: ما في المغني، حيث قال : ( ولا يجزئه في يوم الشك إذا أصبح صائماً وإن كان من رمضان إلّا بعزيمة من الليل أنّه من رمضان، وبهذا قال مالك والشافعي)(1).

فمورد كلام العامة هو إتيان صوم يوم الشك بنيّة أنّه من رمضان، والسؤال في خصوص هذه الرواية هو عن ثبوت الهلال وأنّه بأيّ شيء يثبت؛ إذ عند العامة يثبت الهلال بشهادة واحد، والإمام(عليه السلام) بصدد بيان أنّ شهر رمضان يحتاج إلى مثبت شرعي حتى يمكن للشخص اتيان الصوم بنية شهر رمضان، ولا يمكن إثباته بالتظنّي وبشهادة رجل واحد، فيُستفاد من هذه الرواية عدم جواز إتيان ما فرضه الله إلّا بعد ثبوته، ولا يمكن الإعتماد على التظنّي وإتيانه بقصد الأمر ، وهذا هو المستفاد من سائر الروايات وتفصيل الكلام موكول إلى محلّه.

الوجه الخامس: من الوجوه التي استدل بها على عدم جواز الاحتياط في خصوص ما إذا كان الاحتياط بالتكرار هو أنّه لعب وعبث ولغو، وقالوا بأنّه إذا كان هذا لعباً بأمر المولى فهذا مناف للحكم بالصحة، فمن باب التقريب: لو طلب المولى شيئاً إلّا أنّه لم يكن كلامه واضحاً ولم يُعرف مراده بعينه وأمكنه المراجعة إلى المولى أو من كان قريباً منه والاستفسار منه، إلّا أنّه لم يفعل ذلك، بل أتى بعدة أشياء مما يحتمل أنّ المولى طلبها، فإنّ هذا يعدّ استهزاءً ولعباً بأمر المولى ولا يُعدّ طاعةً لأمره، نظير ما إذا كان له ألبسة متعددة، ويعلم بطهارة ، أحدها، ويمكنه تمييز الطاهر بسؤاله من زوجته أو خادمه، إلّا أنّه لا يفعل ذلك، بل يأتي بصلوات متعددة، فهذا لعب بأمر المولى ومناف لقصد القربة.

ويمكن الجواب عنه بجوابين:


1) المغني لابن قدامة 3/ 27

الجواب الأوّل: أنّ تكرار العبادة ربما يكون لداع عقلائي لا ينطبق عليه عنوان اللعب واللغو وأشباه ذلك، كما إذا كان وصوله إلى زوجته أو خادمه شاقاً أو كان في السؤال منها أو منه ذلّ، ومثل هذا التكرار لا ينطبق عليه اللعب، وليس مطلق التكرار ينطبق عليه مثل هذا العنوان .

الجواب الثاني: أنّ هذه العناوين المذكورة يختلف بعضها عن بعض، فتارةً يُقال بأنّه لغو وعبث، والعبث ما يكون بنظر العقلاء بلا مبرّر، فإتيان صلاة لغواً لا يضرّ بإتيان ما أتى به صحيحاً، ومجرّد هذا ليس لعباً واستهزاءً، ولم يخالف مرتكب اللغو إلاّ قانون انتخاب الأسهل.

وأخرى يقال بأنّه لعب واستهزاء، فإذا انطبق عليه عنوان اللعب والاستهزاء فالظاهر أنّه مبطل، لأنّه لا يتمشّى معه قصد القربة.

قال السيد الخوئي: (لأنّ الواجب من الامتثال إنّما يتحقق بواحدة من تلك الصلوات، وهي الصلاة الواقعة إلى القبلة في الثوب والمسجد الطاهرين، وهي صلاة صحيحة لا لعب فيها ولا عبث، وإنّما هما في طريق إحراز الامتثال، لا أنّهما في نفس الامتثال، فالصحيح جواز الاحتياط في العبادات وإن كان مستلزماً للتكرار)(1).

وظهر بما ذكرنا أنّ انطباق عنوان اللعب بأمر المولى موجب لبطلان العمل وإن كان في طريق إحراز الامتثال، وشبيه هذه العبارة ما في المستمسك من أنّ العبث في كيفية الإطاعة، لا في أصل الإطاعة.


1) التنقيح للسيد الخوئي 1/ 75

والغرض أنّه لو كان المراد بالعبث العبث بأمر المولى فهو يشمل الجميع، ويمنع من انطباق عنوان العبودية بالنسبة إلى الجميع، وإن كان مرادهم من العبث غير ذلك، أي أنه لم ينتخب الأسهل مثلاً، فلا إشكال فيه.

وقد ذُكرت براهين أُخرى لعدم جواز الاحتياط كفقدان قصد الوجه وقصد التمييز، إلّا أنّ ما ذهب إليه المتكلمون من اعتبار قصد الوجه قد ذُكر في الأُصول وأُجيب عنه.

وبهذا ينتهي الكلام في الاجتهاد والتقليد والاحتياط، وبه تنتهي هذه الدورة من بحث الأصول.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيّدنا محمد وآله أجمعين، ولعنة الله على أعدائهم من الأولين والآخرين.

فهرس المحتويات

المقصد الأول: في الاجتهاد ...5

الفصل الأول: معنى الاجتهاد ...7

الفصل الثاني: معنى التفقّه...17

الفصل الثالث: العلوم التي يتوقف عليها التفقه ...25

مراحل فهم المعنى....27

الفصل الرابع: في أثر الاجتهاد والتفقه....43

البحث الأول: في الافتاء. ...45

الجهة الأولى: في معنى الإفتاء.....45

الجهة الثانية: في أنّ فتوى المفتي تستند إلى العلم....46

الجهة الثالثة : في وجوب الافتاء على المجتهد ...57

البحث الثاني: في اختصاص القضاء بالمجتهد وعدمه...58

البحث الثالث: في ثبوت الولاية للمجتهد. ...85

الفصل الخامس: التجزي في الاجتهاد...131

البحث الأول: في معنى تجزي ملكة الاجتهاد....133

البحث الثاني: في حجية فتوى المجتهد المتجزي ...138

البحث الثالث: في ثبوت القضاء للمجتهد المتجزي ....138

البحث الرابع: في دلالة التوقف والاحتياط على تجزي الملكة وعدمها....142

الفصل السادس: التخطئة والتصويب ...145

الفصل السابع: تبدل رأي المجتهد ...179

الجهة الأُولى: في اقتضاء مستند الحكم الأول الإجزاء وعدمه....182

الجهة الثانية: في ما إذا كان مستند الرأي الثاني يقتضي الإعادة أو القضاء بالنسبة للعمل

الجهة الثانية: في ما إذا كان مستند الرأي الثاني يقتضي الإعادة أو القضاء بالنسبة للعمل السابق وعدمه ...203

الجهة الثالثة: فيما تقتضيه الأدلة الخارجية....212

المقصد الثاني: التقليد ...227

الفصل الأوّل: معنى التقليد...229

الفصل الثاني : أحكام التقليد ...237

الفصل الثالث: في أنّ أصل مسألة جواز التقليد ليست بتقليدية ....257

الفصل الرابع: حقيقة التقليد. ...263

الفصل الخامس: في المقلَّد فيه....273

المقام الأول: التقليد في المسائل المذكورة في الفقه....275

المقام الثاني: التقليد في مبادئ الاستنباط ...286

الفصل السادس: في المقلِّد. ...289

الفصل السابع: فيما يرتبط بالمقلَّد....299

المسألة الأولى وظيفة المقلد في صورة تساوي المجتهدين....301

المسألة الثانية: وظيفة المقلد في صورة وجود مزية لأحد المجتهدين...332

الصورة الأولى: ما إذا لم يحرز الاختلاف بين المفضول والأفضل...349

الصورة الثانية: ما إذا أحرز الاختلاف بينهما مع علمه بالأعلم إجمالاً ....351

الصورة الثالثة: ما إذا أحرز الاختلاف بينهما مع جهله بأعلمية أحدهما ......... 357

الترجيح بالأورعية....363

المسألة الثالثة: الشروط المعتبرة في مرجع التقليد...369

الشرط الأوّل: الحياة....369

البقاء على تقليد الميت....405

الشرط الثاني: العدالة ...425

البحث الأول: في اشتراط العدالة في المفتي...425

البحث الثاني: في اشتراط الزهد في المفتي....434

البحث الثالث: في العدالة المعتبرة في المجتهد....438

البحث الرابع: في حقيقة العدالة ...445

تنبيه في منشأ الاستقامة العملية ...469

الشرط الثالث : الإيمان...470

الشرط الرابع : طهارة المولد . ...475

الشرط الخامس: الذكورية....481

الشرط السادس: البلوغ ....486

المقصد الثالث: في الاحتياط ...487