تقریرات الامام السیستانی المجلد 4

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

تعارض الأدلّة واختلاف الحديث

تقرير الأبحاث سَماحة آية اللّه العظمى

السيّد عليّ الحسينيّ السيستانيّ

دام ظلّه العالي

بقلم

السيّد هاشم الهاشمي

محرّر الرقمي: محمّد رادمرد

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

تعارض الأدلّة واختلاف الحديث

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين. هذا الكتاب يشتمل على دروس ألقاها آية اللّه العظمى السيّد علي السيستاني (دام ظله) في بحوث تعارض الأدلّة الشرعية واختلاف الأحاديث وهي ما يصطلح عليها في علم الاصول بالتعادل والترجيح، وقد حضرت دروسه الى عام 1399 هـ وكتبت تقريراته في تعارض الأدلّة وغيرها، وانتهيت من كتابة دروسه في تعارض الأدلّة (ليلة 28 جمادی الاولى عام 1398 هجرية) في النجف الأشرف، وكانت هذه الكتابة مسودة، وحينما انتقلت إلى قم المقدسة اخذت بكتابة المبيضة وانتهيت من كتابتها في (23 شهر رمضان المبارك عام 1404 هجرية) مع العلم إني بذلت وقتاً وجهداً كبيراً في كتابتها، مع الحفاظ بكل دقة وأمانة على دروس السيّد الاستاذ في تقسيمات البحوث والمصطلحات والتوضيحات وغيرها، وان حاولت بعض التنقيح والتوضيح لتكون أكثر فائدة ووضوحاً.

ولكن بعد ذلك رأيت من الجدير كتابتها من جديد لمعالجة بعض السلبيات في الكتابة السابقة، وتوضيحاً لبعض مطالبها أو حذفاً لما فيها من استطراد وتبويباً ومنهجية لبعض بحوثها وغيرها، وخاصة بعد أن وصلت الي دورته الجديدة التي

ألقى فيها السيّد الاستاذ دروسه حول تعارض الأدلّة فحاولت المقارنة بين الدورة السابقة التي حضرتها والدورة الجديدة التي لم أحضرها واستفدت الكثير من هذه المقارنة في تهذيب بعض المطالب ومنهجيتها مع التأكيد على أن الدورة السابقة التي حضرتها أكثر توسعاً وتوضيحاً وتعرضاً لبحوث ومطالب كثيرة بينما الدورة الجديدة اكثر تلخيصاً وتركيزاً لذلك فقد استفدت من الدورتين في تسليط الأضواء على هذه البحوث وآراء السيّد الاستاذ وتوضيحها، لذلك فانّ الكتابة الجديدة تعبر اكثر عن آراء السيّد الاستاذ في تعارض الأدلّة، وقد انتهيت من الكتابة الجديدة (يوم الأربعاء 14 ذي الحجة 1414 هجرية) ولكن خلال هذه السنوات كنت احاول تنقيح هذه الكتابة وتوضيحها حيث كنت اراجعها باستمرار، كما حاولت تدريس بعض فصولها وقد بذلت جهداً كبيراً في استخراج مصادر الروايات والاقوال لكثرتها، وسيرى القارئ ان بحوثه في هذا الكتاب تشتمل على مسائل مهمة لم يتعرض لها الأعلام في بحوث التعادل والترجيح أو تعرضوا لها بصورة مقتضبة، وحاول السيّد الاستاذ تطويرها، حيث رأى تأثيرها الفاعل في البحث الفقهي والاصولي وفي الاجتهاد لذلك فان هذا الكتاب ثروة علمية في مختلف المجالات في الفقه والاصول والرجال والدراية والكثير من القضايا العلمية والثقافية الاسلامية حيث تسلّط الاضواء المفيدة عليها، واعتذر من القارئ الكريم عن النقص والقصور في هذه البحوث وارجو من الفضلاء الكرام ان يمدوا المقرر بملاحظاتهم لينتفع بها في الطبعات اللاحقة ولهم جزيل الشكر.

السيد هاشم الهاشمي

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

إن البحث عن تعارض الأدلّة الشرعية، من أهم البحوث الأصولية، وذلك لانه يتناول ظاهرة يجدها الفقيه في أغلب المسائل الفقهية وهي وجود الأخبار المتعارضة التي أدت بطبيعتها إلى اختلاف آراء الفقهاء في تلك المسائل. ومن هنا وجب على الفقيه أن يحدّد وظيفته تجاه هذا الاختلاف، إما بالجمع بينها، أو بترجيح بعضها على البعض الآخر، أو اختيار تساقطها أو القول بالتخيير بينها.

ومشكلة التعارض بين الأخبار ليست جديدة، فقد كان الرواة في عصر الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) يعانون منها أيضا، وقد جاءت الأخبار العلاجية أو الأخبار الصادرة في علل اختلاف الاحاديث، لتحاول مواجهة هذه المشكلة وحلها.

والموضع الطبيعي لبحث التعارض بحسب المنهجية التي سلكها العلماء في بحوثهم الأصولية وقوعه بعد البحث عن حجية الظن مباشرة، كما بحثوا عن بعض المسائل المرتبطة ببعض الأصول العملية بعدها مباشرة، كبحثهم عن تعارض الاستصحابين، حيث بحثوا عنه بعد الاستصحاب مباشرة، فليكن الأمر كذلك بالنسبة لتعارض الأدلّة.

وبما أننا نبحث هنا عن تعارض الأدلّة القائمة على الأحكام الشرعية فحسب، فلذلك لن نبحث عن تعارض الأصول فيما بينها، كتعارض الاستصحابين، أو

تعارضها مع قواعد أخرى كتعارض الاستصحاب مع القرعة أو اليد وغيرها، وكذلك لن نبحث هنا عن تعارض الأمارات والحجج القائمة على الموضوعات الخارجية، كتعارض البينات التي يبحث عنها في باب القضاء في الفقه.

التخطيط العام للبحث

فهنا أربعة مقاصد يجب علينا دراستها في هذا الموضوع:

1 - تعريف التعارض، وتمييزه عن المسائل المشابهة له أمثال التزاحم واشتباه الحجة باللاحجة، والورود وغيرها.

2 - أسباب اختلاف الأحاديث، ونبحث فيه عن الأسباب التي أدت إلى حدوث الاختلاف في الأحاديث والمراد من الاختلاف: ما يعم الاختلاف الحقيقي والموهوم الذي يتصوره غير المطلع على القواعد العامة للمحاورات العرفية، أو القواعد الخاصة في محاورات الائمة (عليهم السلام) ويشمل ايضا الاختلاف الناشئ من قبل الأئمة (عليهم السلام). أنفسهم، حيث صرحوا في بعض الأخبار بأن الاختلاف أحيانا يكون من قبلنا. وكذلك يشمل الاختلاف الناشئ من الرواة. إذن فأسباب الاختلاف لا تختص بالرواة فحسب، كما توهمه بعض، ولا تختص بالأئمة (عليهم السلام) كما تو همه آخر، بل هناك أسباب كثيرة أدت إلى اختلاف الأحاديث لابد من دراستها.

3 - الأخبار العلاجية، ونبحث فيه عن دراستها سندا ودلالة، وما يرتبط بها من مسائل.

4 - الجمع الدلالي، ونبحث فيه عن صحة هذا الجمع، وعلى تقدير صحته، فهل المعتبر منه هو الجمع العرفي أو الاستنباطي؟ وكذلك عن حدود الجمع الدلالي، وعن وظيفة الفقيه فيما لو تعارض أكثر من دليلين، والبحث عن انقلاب النسبة.

المقصد الأوّل: تعريف التعارض وتمييزه عن غيره والاصل الاولي في المتعارضين، ونفي الثالث

إشارة:

وفيه بحوث :

البحث الأول: تعريف التعارض

من الجدير بالذكر أن كلمة (التعارض) لم ترد في شيء من الروايات، لا في الروايات العلاجية، ولا في الروايات الخاصة التي عرضت على الأئمة (عليهم السلام) في موارد خاصة، ولا في غيرها نعم، وردت هذه الكلمة في مرفوعة زرارة (1)خاصة، ولكن سنذكر بالتفصيل أن هذه المرفوعة غير معتبرة وإنما يعبر عن تعارض الأخبار عادة بـ (الاختلاف) او (المتخالفين) في الروايات، وفي كتب القدماء، العامة والخاصة الذين بحثوا عن هذه المسألة.

وعليه فلما لم ترد كلمة (التعارض) في النصوص الشرعية المعتبرة، فلا معنى للاهتمام بالبحث كثيراً حول خصوص كلمة (التعارض) وأنها من (عرض)، وكيف يكون هذا العرض، والبحث عن معناه اللغوي أو العرفي كما فعل كثير، وانما اخترنا هذه الكلمة في عنوان البحث تبعاً لسائر العلماء الذين عنونوا البحث بذلك (2).

وما نقدمه من دراسة حول حقيقة التعارض إنما هو لأجل التعرف حول حدود البحوث التي يتضمنها هذا الموضوع ونذكر في البداية تعريفين:


1) عوالي اللآلي 4 : 133، الحديث 229 ويأتي في ص 340.

2) منهم الشيخ الانصاري في الرسائل 2/ 750 طبعة جامعة المدرسين، والشيخ العراقي في نهاية الافكار 125/40.

1 - التعريف الذي ذكره الشيخ الأنصاري: (وغلب في الاصطلاح على تنافي الدليلين وتمانعهما باعتبار مدلولهما، ولذا ذكروا أن التعارض تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقص أو التضاد) (1).

2 - تعريف المحقق الخراساني (قدس سره)، قال في الكفاية: «التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلّة بحسب الدلالة ومقام الإثبات على وجه التناقض أو التضاد حقيقة أو عرضاً بأن علم بكذب أحدهما إجمالا مع عدم امتناع اجتماعهما أصلا» (2).

ويلاحظ أن تعريف المحقق الخراساني يختلف عن تعريف الشيخ من جهتين:

الأولى: أن الشيخ عبر عن التعارض بالتنافي بين مدلولي الدليلين، في حين أن المحقق الخراساني عبر عنه بالتنافي بين الدليلين.

الثانية: أن المحقق الخراساني وسع من موضوع التنافي إلى ما يشمل التنافي عرضا.

وبما ان بحوث العلماء عادة تدور حول هذين التعريفين، لذلك ينبغي علينا توضيح هاتين الجهتين اللتين تمثلان جهتي الاختلاف بينهما.

ولأجل توضيح الجهة الاولى، لابد من ذكر مقدمة هي أن للتنافي بين الدليلين مرحلتين.

المرحلة الاولى: التنافي في المدلول، كما لو دل أحدهما على الوجوب والآخر على عدم الوجوب، أو على الحرمة وهذا التنافي ينسب أولا وبالذات إلى المدلول، وينسب ثانياً وبالعرض إلى نفس الدليل من باب الواسطة في العروض، والمجاز في الاسناد،


1) الرسائل 2 : 750.

2) الكفاية: 437 طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم).

باعتبار أن الدليل حاك عن المدلول، ودال عليه وبما أن المدلولين متنافيان، فيسند وصف التنافي هذا للدليلين أنفسهما.

ونعني بالدليل هنا: هو مطلق الكاشف النوعي، سواء كان حجة بالفعل، أم لا.

المرحلة الثانية: التنافي في الحجية، ونعني به أن دليل الحجية إما أن يشمل الدليلين المتعارضين في عرض واحد، أو على نحو الطولية؛ فإن كانا في عرض واحد، ثبت التنافي بينهما لا محالة؛ إذ لا يمكن اتصافهما معا بالحجية فحجية كل منهما تتنافى مع حجية الآخر بعد تنافي مدلوليهما. وإن فرض شمول دليل الحجية لهما على نحو الطولية - بمعنى أن يكون أحدهما حجة لولا وجود الآخر - فلا يتحقق التنافي بينهما في مرحلة الحجية وإن فرض تحقق التنافي بينهما في المرحلة الاولى، كما هو الملاحظ في العام والخاص؛ اذ لا ريب في وجود التنافي بين مدلوليهما في مورد الخاص، ولكن لا تنافي بينهما في مرحلة الحجية ؛ لأن حجية العام في عمومه معلّقة على عدم وجود الخاص، وأما الخاص فحجيته مطلقة، ومن هنا يقدم الخاص على العام.

إذا اتضحت هذه المقدمة، فما ذكر في تعريف المشهور : من أن التعارض: تنافي مدلولي الدليلين، إن حمل لفظ (الدليل) في التعريف على الكاشف النوعي او الظهور - وإن لم يكن حجة - دخل في التعارض جميع موارد الجمع العرفي، كالعام والخاص وغيرها، وذلك لتحقق تعارض الظهورات فيها. ولهذا لا بد من البحث عن طرق الجمع بينها.

وإن حمل لفظ (الدليل) في التعريف على الحجة الفعلية خرجت هذه المباحث عن التعارض. فالعام بحسب ظهوره مثلا وإن شمل مورد الخاص أيضا، إلا إنه ليس بحجة فيه فعلاً بعد ورود الخاص، وانما الحجة فعلاً فيه هو الخاص، وذلك لأن دليل

حجية العام هو أصالة التطابق بين الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية، وهي لا تجري في مورد وجود الخاص؛ للعلم بانتفاء الإرادة الجدية للعام في حصة الخاص؛ مما يدل على ان دليل حجية العام مقيد بعدم وجود الخاص.

وقد ذهب المحقق النائيني (1)، إلى التفسير الثاني للفظ الدليل، وتبعه بعض الأعاظم (2).

وأما المحقق الخراساني (3)فقد استظهر من تعريف المشهور التفسير الأول، وهو يقتضي دخول موارد الجمع العرفي في التعارض. ولكن بما أنه يرى خروجها عن التعارض، فلذلك جعل التعريف ناظرا إلى المرحلة الثانية للتعارض، وهي مرحلة الحجية، ونحن وإن كنا نؤيد المحقق الخراساني فيما استظهره منتعريف المشهور، لكن نلاحظ عليه:

أولا: أننا لا نوافقه على خروج موارد الجمع العرفي عن التعارض، بل نعتقد بأنها من أهم مباحثه وسيأتي تفصيل ذلك في البحث الثاني (4).

ثانيا: أن حمل تنافي الدليلين على التنافي في مرحلة الحجية لا يتلاءم مع قوله بعد ذلك: (على وجه التناقض أو التضاد)، فإنه اعتبر في التناقض (أن يكون أحد طرفيه وجودياً والآخر عدمياً)، والحجتان أمران وجوديان كما أنه اعتبر في التضاد (وحدة الموضوع) وهو متعدد في المقام، في حين أنا لو أخذنا بتعريف المشهور من أن التعارض


1) انظر فوائد الأصول 3: 700.

2) ) كالسيد الخوئي في مصباح الأصول 3: 353.

3) الكفاية: 449.

4) يأتي في ص 19.

هو تنافي مدلولي الدليلين صح إضافة هذه العبارة : (على وجه التناقض أو التضاد)؛ فإن مدلولي الدليلين قد يكونان متناقضين، كما لو دل أحدهما على الوجوب والآخر على عدم الوجوب، وقد يكونان متضادين، كما لو دل الآخر على الحرمة.

نعم، حاول المحقق الأصفهاني (1)توجيه التعريف، وذلك بتفسير الحجية بأحد وجهين :

1 - جعل الحكم المماثل، فيصح تعريف المحقق الخراساني حينئذ، إذ إن معنى ججية الدليل الدال على الوجوب أو الحرمة هو جعلهما، فيكون جعلا للضدين وهكذا فيما إذا دل الآخر على عدم الوجوب، فإنه يكون جعلا للنقضين.

2 - جعل المنجزية والمعذرية، فيصح التعريف أيضاً، لأن الدليلين الدالين على الوجوب وعدمه متضادان بلحاظ مضايف الحكم، وهو تنجزه والمعذرية عنه، و متناقضان بلحاظ استحقاق العقاب على الترك وعدمه.

إلا إنه يلاحظ على هذه المحاولة:

أولا: عدم انحصار المسالك في الحجية بهذين المسلكين.

وثانياً: إنه بناءاً على هذا التوجيه لا يكون المعرف جلياً واضحاً، مع أنه يعتبر في التعريف الجلاء والوضوح بلا ريب.

فتبين مما ذكرنا أن عدول المحقق الخراساني عن تعريف المشهور في هذه الجهة قاصر هدفاً وبياناً. فما اختاره المحقق النائيني أقل إشكالا، لأنه إنما لا يصح من جهة الهدف فحسب.


1) نهاية الدراية: 6: 274.

وأما الجهة الثانية: ان المحقق الخراساني بإضافته لهذه العبارة: (أو عرضاً بأن علم بكذب أحدهما إجمالا مع عدم امتناع اجتماعهما أصلا) إنما أرا إدخال موارد عدم التنافي بين الدليلين بأحد الوجهين، ولكن علم إجمالا بعدم موافقة أحدهما للواقع، كما لو دل دليل على وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة، ودل دليل آخر على وجوب صلاة الجمعة فيه، فإنه لا منافاة بين الأمرين، ولكنهما متعارضان، لأننا نعلم إجمالا بعدم وجوب أكثر من خمس صلوات في اليوم الواحد. وقد وافقه بعض الاعلام على هذه الاضافة (1).

ولكن يلاحظ عليه عدة أمور:

الأول: أن مجرد العلم (بكذب أحدهما أجمالا) لا يكفي في تحقق التعارض بين الدليلين، ولا نثبت له أحكام المتعارضين على نحو الإطلاق، بل لابد في صدق هذا العنوان بما له من المفهوم العرفي وهو أن يكون العلم الإجمالي هذا مستنداً إلى قضية بينة عقلية أو عقلائية أو شرعية بحيث كانت تلك القضية موجبة للعلم الاجمالي بكذب احدهما.

فمثال العلم الإجمالي المستند إلى قضية عقلية: مالو دل دليل على الوجوب، وآخر على عدمه، فإن العقل يحكم بعدم امکان اجتماعهما، اذان مرجعه إلى الالتزام بالجمع بين اعتبار الشارع الفعل واجباً وعدم اعتباره وهو جمع بين النقيضين، قانون استحالته قضية عقلية بينة.


1) المحقق النائيني في اجود التقريرات 4 : 274 والسيد الخوئي في مصباح الأصول 2: 246.

ولا مجال لأن يقال في المقام : إن الاعتباريات - ومنها الأحكام - لا تخضع للقوانين الجارية في التكوينيات، ومنها قانون استحالة اجتماع النقيضين لانه يقال:

عدم جريان القوانين العقلية في الأمور الاعتبارية وأن كان صحيحاً في الجملة - لأن قوام الاعتبار بالفرض والتقدير، نظير باب المجازات والاستعارات - إلا إن مرجع الإمر في المقام إلى اجتماع النقيضين في التكوينيات، فإن اعتبار المعتبر فعل تكويني منه، فلا يجتمع مع عدمه.

ومثال القضية العقلائية : ما لو دل دليل على وجوب شيء وآخر على حرمته.

ولكن ربما يقال إنه لا تضاد بين الوجوب والحرمة ؛ لما ذكره المحققون من المتأخرين من عدم التضاد بين الأحكام في ذاتها (1)لأنها من الأمور الاعتبارية، فلا يستحيل اعتبار الوجوب والحرمة لشيء واحد.

ولكن نقول: إن التضاد في الأمور الاعتبارية، يعني عدم عقلائية جعل الحكمين معا، وذلك للتنافي :

إما من حيث المبدأ، بلحاظ المصالح والمفاسد الداعية إلى جعل الأحكام ؛ فانها لا تقتضي إلا جعلا واحدا بعد الكسر والانكسار، وموازنة المصالح والمفاسد ؛ فإما مصلحة ملزمة تقتضي الوجوب فحسب، أو مفسدة ملزمة تقتضي الحرمة فحسب.

أو من حيث المنتهى، باعتبار أن جعل الأحكام إنما هو لأجل توجيه إرادة المكلف، فلو جعلت الحرمة والوجوب لشيء واحد، فهذا يؤدي إلى تحير المكلف في مقام الامتثال هذا كله بناءً على مسالك القوم، ولكن بناءً على ما ذكرناه في محله من عدم


1) تهذيب الأصول 2: 246، محاضرات في أصول الفقه 2 : 255.

إمكان جعل الوجوب والحرمة لشيء واحد عقلا فلا يصح التمثيل للعلم الإجمالي المستند لقضية عقلائية بذلك لانه من العلم الاجمالي المستند لقضية عقلية.

وتوضيحه أن الوجوب والحرمة راجعان للإنشاء بداعي جعل الداعي، أو بداعي جعل الزاجر، فلا يتصور في المولى المقنن أن ينقدح في نفسه داع جدي بالنسبة لجعل الداعي والزاجر معا لشيء واحد.

فالتمثيل الصحيح للعلم الإجمالي المستند لقضية عقلائية بينة هو: ما لو ورد أمران أحدهما ظاهر في الإلزام بالطبيعي نحو : (أكرم عالماً)، والآخر ظاهر في الإلزام بالحصة على نحو صرف الوجود نحو : (أكرم عالماً عادلاً) ؛ فإن الإلزام بهما مما لا يمتنع صدوره من المولى عقلاً إلا إن الأمر بالطبيعي مع الأمر بالحصة ليس بعقلائي وإن فرض لكل منهما مصلحة ملزمة بحدة، لكون تحقق الحصة - على تقديره - مستلزماً لتحقق الطبيعي كما ذكرنا في بحث المطلق والمقيد.

ومثال العلم الإجمالي المستند إلى قضية شرعية، ما ذكرناه من مثال صلاة الجمعة وصلاة الظهر ؛ فإنه وإن لم يكن مانع من جعل كليهما بحسب الموازين العقلية والعقلائية - إذ المتحقق أن متعلق أحد الوجوبين غير متعلق الآخر، والمكلف قادر على الجمع بينهما مع إمكان وجود مصلحة ملزمة في كليهما - لكن لأجل وجود قضية شرعية بينة، وهي أنه لا يجب على المكلف صلاتان في وقت واحد من الأوقات الشرعية، فنقطع بأن أحد الخبرين الدالين عليهما مخالف للواقع.

وأما إذا لم يستند العلم الاجمالي بمخالفة أحدهما للواقع إلى واحدة من هذه القضايا، فلا يصدق التعارض عليه، كما في المثال الذي ذكره المحقق النائيني فيما لو علم إجمالا بمخالفة أحد الخبرين للواقع ؛ إما الخبر الدال على وجوب الدعاء عند

رؤية الهلال، أو الخبر الدال على أن دية العبد المدبَّر كدية الحر (1)، حيث لا تكون هنا قضية مفروضة الثبوت عقلاً أو عقلائياً أو شرعاً تكون سبباً لتحقق العلم الإجمالي بمخالفة أحد الدليلين للواقع، وإن علمنا لأسباب أخرى بمخالفة أحدهما للواقع. إلا إن الاخبار العلاجية الواردة في الخبرين المتخالفين لا تشمل مثل هذا المورد، بل لعلاج التنافي في أمثال هذا المورد مقام آخر غير الأخبار العلاجية. لذلك لابد من استناد العلم الاجمالي إلى احدى القضايا ليدخل في باب التعارض.

الثاني: أنه قد تبين مما ذكرناه أن العلم الإجمالي بمخالفة أحد الدليلين للواقع موجود في جميع صور التعارض، فلو كان ذلك كافياً في صدق عنوان التعارض لكان ينبغي في تعريف التعارض أن يقال: (هو تنافي الدليلين على وجه يعلم إجمالاً بكذب أحدهما، ويكون مغنياً عن ذكر قيد التناقض والتضاد فيكفي ذكر العلم الاجمالي فحسب، ولا معنى لجعله مكملا للتعريف كما ذكره صاحب الكفاية.

الثالث: أن إدخال موارد العلم الإجمالي المستندة إلى قضية بينة في باب التعارض كما فعله صاحب الكفاية، وإن كان صحيحاً، ولكن كان يمكن الاستغناء عنها بتعميم دلالة الدليل المذكور في التعريف بما يشمل الدلالات الثلاث ؛ وذلك لأنه في تلك الموارد يتحقق التناقض بين المدلول المطابقي لكل واحد من الدليلين والمدلول الالتزامي للدليل الآخر. وذلك لأجل وجود تلك القضية البينة، فلازم قوله: (تجب صلاة القصر) عدم وجوب التمام، فيتناقض مع وجوب التمام المدلول للدليل الآخر.

فتبين مما ذكرناه عدم سلامة ما لاحظه المحقق الخراساني على تعريف المشهور من كلتا الجهتين:


1) فوائد الاصول 703:4.

أما من الجهة الأولى، فلأنه لا مانع من أن يكون الدليل بمعنى الكاشف النوعي، ولا محذور في دخول موارد الجمع العرفي بناءً على هذا التفسير، وان التنافي بينهما في مرحلة الظهور لا الحجة الفعلية، بل هو الصحيح.

وأما من الجهة الثانية - أي: زيادة العلم الإجمالي بمخالفة أحد المدلولين للواقع - فلما بيناه من الاستغناء عن تلك الزيادة بتعميم الدلالة، للدلالة الالتزامية التي هي من طرق الدلالة اللفظية - على ما صرحوا به - المتحققة في موارد وجود اللزوم البين بالمعنى الأخص كما هو المفروض في المقام، حيث شرطنا وجود قضية بينة عقلية أو عقلائية أو شرعية.

وبملاحظة ما ذكرناه يظهر ان حقيقة التعارض تعتمد على العلم الاجمالي المذكور، فالافضل في تعريفه ان نقول بان التعارض: (تمانع الدليلين على وجه يعلم اجمالاً بكذب احدهما علماً مستنداً إلى قضية بينة).

ويراد من القضية البينة هي فيما اذا كانت عقلية او عقلائية او شرعية كما وضحناها.

البحث الثاني: موارد الجمع العرفي

هل التعارض يشمل موارد الجمع العرفي أم لا؟ وذهب المحقق النائيني وتبعه بعض الاعاظم إلى عدم الشمول، وقد ذكرنا ان الصحيح دخول موارد الجمع العرفي في باب التعارض، بل هي من اهم بحوثه، ولا يعتبر البحث عنها استطراديا، ومن أجل معرفة الرأي الصحيح نستعرض هذه الموارد في مقامات:

المقام الأول: التخصيص، وهو كون أحد الدليلين وهو الخاص كاشفاً عن عدم تعلق الإرادة الجدية بكل ما دل عليه الدليل الآخر، بمعنى أن مقام الإثبات في الدليل الآخر أوسع من مقام الثبوت وعدم مطابقة الارادة الاستعمالية للارادة الجدية.

وللتخصيص صورتان :

الصورة الأولى: أن تكون النسبة بين الدليلين العموم والخصوص من وجه ولا ريب في اعتبارها من التعارض ؛ لأن العقلاء يرون الدليلين متخالفين بالنظرة الأولى لهما، إلا إنه لو كانت هناك مزية لأحدهما تقتضي اندراج مجمع الدليلين تحته دون الآخر فيلتزم في الثاني بالتخصيص علاجا للتعارض، كما إذا كان تقديم أحد العامين مستلزماً للغوية الآخر.

ومثال ذلك ما ورد في بعض الروايات: «كل شيء يطير لا بأس ببوله وخرئه» (1)وورد في بعضها الآخر: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (2)، حيث يتعارضان في الطائر الذي لا يؤكل لحمه؛ فإن مقتضى الخبر الأول طهارته، ومقتضى الخبر الثاني نجاسته. ولكن لو تأملنا بدقة في هذين الدليلين لرأينا أننا لو خصصنا الأول بالثاني، وقلنا بنجاسة بول الطائر، لزم أن يكون عنوان الطائر في الخبر الأول لغواً، وأما لو عكسنا الأمر وخصصنا الثاني بالأول وحكمنا بطهارة بول الطائر، فتبقى دلالة «ما لا يؤكل لحمه» على حالها، ولكن يخصص بغير الطائر من سائر الحيوانات فلا يلزم اللغوية من ذكره.

ومن المزايا لأحد العامين من وجه ما ادعاه جمع من أن كون أحد الدليلين مخصصاً بدليل ثالث، بحيث تنقلب نسبته مع العام الآخر بعد التخصيص بالدليل الثالث من العموم من وجه إلى العموم والخصوص المطلق، وبذلك يكون قرينة على التصرف في العام الآخر؛ لأن العام المخصص كالخاص في تقديمه على العام. وهذا ما ذكروه في تعارض أكثر من دليلين المعبر عنه بـ (انقلاب النسبة).

والنتيجة أن الالتزام بخروج هذه الصورة - وهي تنافي العامين من وجه - عن تعارض الأدلّة لوجود نكتة في أحد الدليلين تقتضي تخصيص الآخر به ضعيف ؛ لأن غاية الأمر أن يكون ذلك علاجاً للمتعارضين نحكم بتعينه لمقدمات نظرية، لا أن أحدهما يعد قرينة عرفية على تعيّن المراد الجدي في الآخر خصوصاً بعد ملاحظة أن


1) الكافي 3: 58 / 9.

2) الكافي 3: 57 / 3 التهذيب 1 : 264 / 770.

بعض هذه المزايا مما غفل عنه بعض الفقهاء، وبعضها مما وقع الخلاف في أصل كونه قرينة، وبعضها مما وقع البحث في حدود قرينيته، كما سيتضح ذلك في المباحث الآتية. والظاهر ان هذه الصورة مما لا يقصدها القائلون بخروج موارد التخصيص عن باب التعارض.

الصورة الثانية: أن تكون النسبة بين الدليلين العموم والخصوص المطلق، كما لو ورد دليل عام يدل على عدم وجوب إكرام كل عالم، ودليل خاص يدل على عدم وجوب إكرام زيد العالم، فنلاحظ التنافي بين مدلوليهما؛ وذلك لأن مدلول العام هو الإيجاب الكلي، ومدلول الخاص السلب الجزئي. ولا ريب في وجود التناقض بينهما عقلاً وعرفاً، وهكذا العكس، فيما لو كان العموم على سبيل السلب الكلي، والخصوص على سبيل الإيجاب الجزئي.

إذن فتعريف التعارض ينطبق على كلتا الصورتين، فهما ظهوران مقرونان بالعلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع، استناداً إلى قضية بينة. ومثل هذا التعارض بين الظهورين يحتاج إلى معالجة والالتزام بالتخصيص أحدى طرق المعالجة لهذا التعارض وان كان ارجحها، ولكن تخصيص الخاص للعام ليس اعتباطياً وبديهياً يأخذ به العرف لمجرد ملاحظة الدليلين ليخرج عن التعارض، وانما يخضع لأسس وقواعد عقلائية معينة تدل على أن هذا المورد هل هو من موارد التخصيص أو غيره؟

فمثلا حالة تأخر الخاص عن وقت العمل بالعام وهي الحالة الشائعة والمتعارفة في الأبواب الفقهية غالباً، حيث إن العمومات الصادرة عن الرسول (صلى اللّه عليه وآله) أو الأئمة (عليهم السلام) قد خصصت بعد ذلك وبعد وقت العمل بالعام من قبل الأئمة المتأخرين (عليهم السلام).

وكمثال على ذلك ما لو كان دليل عام يقول: يستحب إكرام العلماء ودليل خاص ورد بعد وقت العمل بالعام يقول: «أكرم العالم العادل» الظاهر في وجوب الإكرام، ففي علاج التعارض بين هذين الدليلين تبرز عدة احتمالات:

1 - ان نلتزم بتساقط الدليلين، كما هو مقتضى القاعدة الأولية في باب التعارض بين الأدلّة.

2 - أن يكون الخاص ناسخاً للعام، باعتبار وروده متأخراً عن وقت العمل بالعام. وهذه هي الميزة التي يمتاز بها النسخ عن التخصيص.

3 - تأويل الخاص بحمل صيغة الأمر في المثال المذكور على الاستحباب والأفضلية، باعتبار استلزام التخصيص تفويت مصلحة ملزمة من خلال الترخيص في ترك مورد الخاص مدة إلى زمان صدور الخاص. ولأجل ذلك قد لا يلتزم العرف في المقام بالتخصيص، بل بالاستحباب، وإنما أخفى قرينة الاستحباب في الدليل الخاص مع ظهوره في الوجوب لأجل عوامل دعت إلى عدم التصريح، نذكرها في محلها امثال السوق للكمال، او القاء الخلاف بين الشيعة حفظاً لهم، او لاجل اشتهار الحكم بالوجوب ونفوذه بينهم بحيث يكون التصريح بالاستحباب ربما يجرح مشاعرهم، وغيرها من المصالح.

4 - أن نرجح العام على الخاص.

5 - أن نرجح الخاص على العام، والنتيجة هي التخصيص.

ومن هنا، نلاحظ أن عملية التخصيص ليست متعينة بالبداهة وواضحة عند العرف بمجرد ملاحظة الدليلين، لتخرج عن باب التعارض بل هناك احتمالات وطرق يصح بها معالجة هذا التعارض بل قد يرى العرف بأن الطرق الأخرى أولى من

التخصيص كما هو الملاحظ في المثال المذكور إذ ربما استنكر التخصيص لاجل انه يترتب عليه فوات مصلحة ملزمة بنظره، فتعينُ التخصيص من بين هذه الاحتمالات لابد له من مرجح ودليل.

ولأجل التوصل إلى تعين الاحتمال الخامس - وهو التخصيص من بين سائر المحتملات - لابد أن نطوي ثلاث مراحل:

الأولى: دفع المحذور المتوجه للتخصيص في هذا المجال، وهو أن تأخير الخاص عن وقت العمل بالعام يعد كتماناً وإخفاءاً للحكم الواقعي. فلابد في الحمل على التخصيص من ذكر المبررات الكافية للكتمان.

الثانية: توضيح السر في تقديم الخاص على العام، وهو أن أصالة التطابق بين الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية في العام وإن اقتضت حجية العام في عمومه ولكن الخاص يقدم على العام لكون أقوى دلالة في مورده من دلالة العام، من جهة تمركز العناية فيه على حصة الخاص بخلاف دلالة العام فإنها شاملة لجميع الحصص بما فيها حصة الخاص. فورود الخاص كاشف عن عدم تطابق الإرادة الجدية مع الإرادة الاستعمالية في العام، وأوسعية الإرادة الاستعمالية منها. والعقلاء إنما يحكمون بأصالة التطابق في كلام المتكلم فيما لو لم تقم حجة على خلافها، وذكر الخاص الذي هو أقوى دلالة من العام حجة على خلافها.

الثالثة: لابد من رفع الاحتمالات الأخر لعلاج التعارض؛ لكي يتعين احتمال التخصيص. والملاحظ أنه بما ذكرناه في المرحلة الثانية يندفع الاحتمال الأول - وهو التساقط - والاحتمال الرابع - وهو تقديم العام على الخاص - وذلك لإن التساقط

متوقف على تكافؤ الظهورين، وتقديم العام متوقف على أقوائية ظهور العام. وقد اتضح أقوائية ظهور الخاص وعدم التكافؤ، فيسقط الاحتمالان.

وأما الاحتمال الثاني فلابد في دفعه من اثبات أن التخصيص قد يتأخر عن وقت العمل بالعام أيضاً، كما ذكرناه في المرحلة الأولى، وتمييز موارد النسخ وموارد التخصيص لكي يتضح اندراج المورد في التخصيص دون النسخ.

وأما الاحتمال الثالث، فلابد في دفعه من توضيح أن تخصيص العام أولى من تأويل الخاص بحمله على الاستحباب مثلا.

وعلى ضوء ماذكر يترجح احتمال التخصيص على سائر الاحتمالات الاخرى التي طرحت لعلاج التعارض.

وقد ذكر في أجود التقريرات: أن الخاض مقدم على العام مطلقاً، باعتبار أنه قرينة على بيان المراد من العام. وميزان القرينية أن يكون أحدهما شارحاً للمراد من الآخر، على تقدير اتصالهما في الكلام عرفاً، فكل ماكان قرينة حال الاتصال، فهو كذلك في حال الانفصال.

حيث انه لاريب في أن الخاص إذا اتصل بالعام في الكلام الواحد كان مبيناً وشارحاً له، يكون هو القرينة، ويتقدم ظهوره على ظهوره العام مطلقاً. وهذا المعيار يجري في صورة انفصال الخاص عن العام أيضاً (1).

ولكن يلاحظ عليه: أن أحد الدليلين قد يصلح للقرينية في صورة اتصاله بالدليل الآخر فحسب دون صورة الانفصال، وذلك لأن ظهور الكلام في صورة الاتصال


1) أجود التقريرات 4: 285.

مؤلّف من مجموع الأمرين: (القرينة وذيها) لذلك لا يبقى لاحدهما ظهوره المستقل، وأما في صورة الانفصال، فينعقد لكل دليل ظهوره المستقل، فيتحقق التعارض بينهما، وتأتي بعض الاحتمالات السابقة لعلاجه كالنسخ وغيره.

وأما ما جاء مصباح الأصول: من أنه إنما يؤخذ بظهور العام عند العقلاء إذا لم يعلم بإرادة خلاف ظاهره والخاص يعتبر قرينة عند العقلاء على عدم إرادة الظاهر من العام، والقرينة مقدمة على ذي القرينة.

فيلاحظ عليه : أن هذا المطلب لا يتم إلا بناء على مقدمة مطوية، وهي ماذكر في كلام (أجود التقريرات) من أن ميزان القرينية في المنفصل هو أنه لو كان متصلا لكان شارحاً للعام، فكذلك إذا كان منفصلا. وقد سبقت المناقشة في هذه المقدمة.

وجاء في المصباح أيضاً: أن الخاص لو كان قطعياً؛ فإنه يتقدم على دليل حجية العام بالورود، لان موضوع أصالة العموم هو الشك في المراد، ومع قطعية الخاص يرتفع موضوع حجية العام وجداناً. حيث يرتفع الشك وجدانا بمؤنة التعبد وأما إذا كان الخاص ظنياً، فإنه وإن كان مخصصاً بالنسبة إلى الدليل العام لكنه حاكم بالنسبة إلى دليل حجية العام، لإنه يرفع موضوع الحجية تعبّداً (1).

ولكن يلاحظ عليه:

أن النسبة بين دليل حجّيّة الخاص مع دليل حجّيّة العام هي التخصص فيما لو كان الخاص قطعياً سنداً ودلالة؛ وذلك لأن حجيّة العام معلّقة على عدم وجود حجّة أقوى على خلافه، ومع وجود الحجّة التكوينية يرتفع الموضوع تخصصاً. وأما لو كان الخاص


1) مصباح الاصول: 3: 351.

ظنياً، فان تقدمه العام يكون بالورود، وذلك لان الظن لمؤنة الدليل التعبدي الدال على حجيته يكون حجة أقوى من دليل حجية العام، فيكون وارداً عليه لا حاكماً.

ولا يهمنا البحث عن هذه الجهة، وإنما الهدف هو التأكيد على أن الحكم بالتخصيص ليس من الوضوح بحيث يؤخذ به بمجرد ملاحظة الدليلين، ليخرج عن باب التعارض بل إنما نتوصل إليه من خلال اجتياز مراحل سبق بيانها.

ونتيجة ذلك : أن مباحث التخصيص داخلة في باب التعارض، ومشمولة لتعريفه.

المقام الثاني: الحكومة، وهي عبارة عن تعرض أحد الدليلين لحكم الدليل الآ. بلسان المسالمة، وذلك بأن يتصرف في موضوعه. وهي على قسمين:

1 - الحكومة على نحو التوسعة وتتحقق فيما إذا تكفل الدليل الحاكم بأثبات الحكم الذي يتضمنه الدليل المحكوم لموضوع آخر ولكن بلسان جعل الموضوع، مثاله لو قال المولى: (أكرم كل عالم)، ثم قال : (العادل عالم) وإن لم يكن عالماً حقيقة وهذا خارج عن البحث. إذا لامجال لتوهم كون الدليلين فيه من قبيل المتعارضين، وذلك لإن الحاكم في مقام جعل حكم آخر مماثل للحكم المجعول، وليس من قبيل القرينة على ذي القرينة.

2 - الحكومة على نحو التضييق، وهو الذي يصلح أن يدخل في موضوع مبحثنا ؛ إذ يتصور فيه التنافي بين دليلي الحاكم والمحكوم. ومن هنا يجدر التركيز على هذا القسم من الحكومة. وهذا القسم من الحكومة يتصور على نحوين:

1 - أن يكون محتوى الدليل الحاكم اعتباراً قانونياً متأصلاً (1)ينتفي معه حكم الدليل المحكوم لانتفاء موضوعه قانوناً، كحومة أدلة حجيّة الأمارات بالنسبة للأصول العملية على ضوء بعض الآراء في تفسير حجية،الأمارة، حيث ذهب البعض إلى أنها بمعنى تتميم الكشف الناقص باعتبارها علماً على نحو الاعتبار القانوني؛ ولذلك لا تجري الأصول في موردها.

ونحن نعتقد بأن هذا النحو من الحكومة خارج عن التعارض أيضاً، فخبر الثقة مثلاً لو قلنا بحجيته، وفسرنا حجيته باعتباره علماً، فإنه في الواقع إمضاء من الشارع لما جرى عليه العقلاء من اعتبار خبر الثقة علماً، وقد أمضاه بما هو سيد العقلاء بعد تشخيصه المصلحة في مثل هذا الإمضاء. اذن فهذا الاعتبار لا يختص بالشارع، بل هو ظاهرة عقلائية، فلا مجال لتصور التعارض هنا أصلاً ؛ إذ لا نرى البناء العقلائي متوقفاً ولا متحيراً بين ما هو علم اعتباراً، وما أخذ في موضوعه الشك كما هو واضح.

وبناءً على ذلك فإننا لو لم نلتزم بخروج هذا النحو من الحكومة على إطلاقه من باب التعارض فلا أقل من الالتزام بذلك في خصوص هذا المورد، وهو علاقة خبر الثقة بالنسبة للأصول العملية، مما يكون اعتبار الشارع فيه إمضائياً لا تأسيسياً.


1) هو في قبال الاعتبار الأدبي الآتي في القسم الثاني، فإن الاعتبار على قسمين: قانوني، وأدبي (تنزيلي). فالاول هو الاعتبار الذي يكون المراد الجدي منه مطابقاً للمراد الاستعمالي، مثل اعتبار الوجوب والحرمة في الواجبات والمحرمات وسائر التكليفيات والوضعيات التي تتأدى بلسان التشريع والتقنين، والثاني الاعتبار الذي يتخالف فيه المراد الاستعمالي والجدي وهو باب الاستعارات والكنايات.

2 - أن يكون محتوى الدليل الحاكم اعتباراً أدبياً تنزيلياً، ويقصد به نفي الحكم بنحو الكناية عن الحصة، لا نفي الموضوع حقيقة، كما في قوله (عليه السلام): «لا ربا بين الوالد والولد» (1)فإنه ليس المقصود به نفي حقيقة الربا عن هذه الحصة، وإنما المقصود نفي الحرمة فحسب ولكن لا بلسان صريح، وانما بنحو الكناية، لأهداف بلاغية، وهذا النحو من الحكومة هو الذي وقع البحث عنه ؛ في أنه داخل في باب التعارض أم لا؟.

ونحن حينما نقول بأن الحكومة داخلة في باب التعارض، فإنما نقصد منها مورد الحكومة، وهو الدليل الحاكم والمحكوم، لا الحكومة ذاتها بتقديم الدليل الحاكم على المحكوم ؛ لأنها في الواقع علاج لهذا التعارض.

وقبل البحث عن أصل هذا الموضوع ينبغي علينا التعرف على أقسام هذا النحو من الحكومة، فنقول: إن الحكومة قد تكون بلسان الإثبات بمعنى أن يتكفل أحد الدليلين بإعطاء حد شيء لشيء آخر تنزيلاً واعتباراً، كما لو قال: (أكرم كل عالم)، ثم قال: (إن الفاسق جاهل) ؛ فالفاسق وإن لم يكن جاهلاً حقيقة وتكويناً، ولكن اعتبر له حد الجاهل تنزيلاً، مما يؤدي بالتالي إلى تضييق الدليل المحكوم.

وقد تكون الحكومة التضييقية بلسان السلب - أي بلسان نفي الطبيعي عن موارد و حصص معينة - وفي هذا اللسان يختلف مركز النفي:

1 - ان يكون مركز السلب هو - موضوع الحكم - بالذات، وهو يتصور على نحوين:


1) الكافي 5 : 147 / 1، الفقيه :3: 176 / 791، التهذيب : 18 / 76.

أ - أن يكون الموضوع الذي هو مركز السلب من الاعتبارات القانونية التي يجعلها العقلاء سبباً لبعض مقاصدهم، كما في باب المعاملات من العقود والإيقاعات، مثل: (لا طلاق إلا بإشهاد)، و (لا طلاق إلا لمن يريد الطلاق). فمركز السلب هنا هو الطلاق، وهو اعتبار قانوني جعله العقلاء للوصول للبينونة بين الزوجين، الذي هو من مقاصدهم ؛ فيستفاد من هذين الدليلين شرطية الإرادة والإشهاد في الطلاق.

ب - أن يكون مركز السلب من الأمور التكوينية التي جعلها الشارع موضوعاً لحكم شرعي كقوله (عليه السلام): «لا شك لكثير الشك» (1)، فإن المقصود من نفي الشك موضوعاً، هو نفي آثاره وأحكامه الشرعية. وكذلك في قوله (عليه السلام): «لا رضاع بعد فطام» (2)فإن المراد منه: نفي الحرمة المترتبة على الرضاع قبل الفطام عن الرضاع بعده.

2 - ان يكون مركز السلب متعلقات الأحكام، كقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (3)، وكذلك قوله (عليه السلام): «لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الصلاة» (4)وقوله (عليه السلام): «لا صلاة فيما لا يؤكل لحمه» (5)، فالسلب في المثالين الأولين إرشاد إلى الشرطية، وفي المثال الثالث إرشاد إلى المانعية.


1) التهذيب 2 : 343 / 1423.

2) الكافي 5: 443 / 5.

3) عوالي اللآلي 2 : 218 / 13.

4) الكافي 3: 320 / 4.

5) الفقيه 4 : 265 / 824.

3 - أن يكون مركز السلب هو الحكم نفسه، كقوله (عليه السلام): «رفع ما لا يعلمون» (1)بناءً على تفسير (ما) الموصولة في الحديث بالحكم الإلزامي، حيث يراد منه - وفق بعض الآراء - : اعتبار الحكم الموجود الذي لم ينكشف للمكلف معدوماً، والمقصود: دفع توهم الارتباط بين وجود الحكم الواقعي وبين وجوب إطاعته ؛ كي يكون الاحتمال منجزاً للتكليف، فيتحرك العبد على وفقه احيتاطاً.

4 - أن يكون مركز السلب معلول الحكم، أي: الأثر التكويني للحكم الشرعي، كما في: «لا ضرر ولا ضرار» (2)، فإن الضرر ليس موضوعاً للحكم، ولا متعلقاً له، ولا أنه هو نفس الحكم، وإنما هو أثر يترتب على الحكم الشرعي خارجاً أحياناً. فلو كان للأحكام الشرعية إطلاق، لشمل حتى الموارد التي يترتب عليها الضرر، والمقصود بهذا الحديث - حديث نفي الضرر - : نفي التسبيب إلى الضرر بالحكم الشرعي، ونتيجته تضييق إطلاق أدلة الأحكام الشرعية بما سوى موارد الضرر.

وقد ذكر في اجود التقريرات ومصباح الاصول أن الحكومة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى عقد الوضع في الدليل الآخ ومتصرفاً فيه، ومثاله، قوله (عليه السلام): «لا ربا بين الوالد والولد» (3)، فانه ناظر إلى موضوع الدليل الآخر، وهو قوله (عليه السلام): «الربا حرام» (4).


1) التوحيد : 353 / 24، الخصال: 417 / 9.

2) الكافي 5: 3/292.

3) الكافي 5 : 147 / 1، الفقيه :3: 176 / 791، التهذيب 7: 18 / 76.

4) فقه الامام الرضا: 256.

القسم الثاني: ان يكون أحد الدليلين ناظراً إلى عقد الحمل في الدليل الآخر ومتصرفاً فيه، ومثاله: حكومة حديث «لا ضرر» على إطلاقات أدلة الاحكام الأولية وعموماتها بناءً على تفسيرهم للضرر المنفي في الحديث بالحكم الضرري (1).

والشيخ موسى الخونساري في رسالته حول حديث: «لا ضرر» مثل للحكومة في عقد الحمل بقوله: (وجوب الإكرام ليس في مورد زيد) بعد قوله (أكرم العلماء) (2)، حيث تعرض أحد الدليلين لنفي نفس الحكم في الدليل الآخر.

ولكن يلاحظ على هذا التقسيم الخلل في منهجيته وتقسيمه :

اما من حيث منهجيته، فمن جهتين :

الأولى: أننا ذكرنا في أقسام الحكومة، على نحو التضييق، ان من موارد الحكومة ما يكون أحد الدليلين ناظراً لنفي معلولات الأحكام ومسبباتها، كما ذكرناه في القسم الرابع، وليس في ذلك أي نظر لموضوع الدليل الآخر أو محموله. إذن فالقسمة غير حاصرة.

الثانية: أنه ليس هناك معيار محدد لوقوع الشيء موضوعاً أو محمولاً في مختلف القضايا، فقد يكون الشيء الواحد كالحج مثلاً موضوعاً في قضية، مثل:

(الحج واجب على المستطيع) ولا يقع موضوعاً في قضية اخرى مثل (ان استطعت وجب الحج). فليس في هذه المنهجية نكتة مطردة وسارية في تمام الموارد.

وما من حيث التقسيم فالظاهر من كلماتهم في تفسيرهم للحكومة في عقد الحمل أنها لا تتضمن تنزيلاً، وإنما هي متعرضة لرفع الحكم مباشرة وبالصراحة،


1) أجود التقريرات 4 : 280، مصباح الأصول 3: 349.

2) رسالة في قاعدة لا ضرر (ضمن منية الطالب) 2 : 215.

فقوله : (وجوب الإكرام ليس في مورد زيد العالم) رافع لنفس الحكم بالصراحة في قوله: (أكرم العلماء). وكذلك الأمر في حديث «لا ضرر»؛ فإنه رافع بالصراحة لنفس الأحكام في الأدلّة الأولية في موارد الضرر بناء على بعض المسالك.

وبناء على ذلك يكون هذا النحو من التصرف من قبيل التخصيص لا من باب الحكومة ؛ لأن ميزة الحكومة التضييقية أن يتعرض أحد الدليلين لنفي الموضوع في الدليل الآخر بنحو الاعتبار الادبي أو القانوني. أما إذا تعرض أحد الدليلين لنفي الحكم ذاته في الدليل الآخر، فهذا من باب التخصيص، حيث يكون حرف النفي داخلاً على المحمول بعد إثبات الموضوع، كما هو الملاحظ في المثالين.

ومما يدل على أن هذا القسم من قبيل التخصيص لا الحكومة أن مصباح الأصول في بحثه عن قاعدة «لا ضرر» استدل على تقديم القاعدة على الأدلّة الأولية بما استدل به على تقديم الدليل الخاص على العام في باب العام والخاص، من أن الدليل على حجية العام هو أصالة التطابق بين مقام الإثبات والثبوت. ومن الواضح أنها لا تجري إلا في صورة الشك، وأما مع قيام الدليل على عدم التطابق، فلا يبقى شك، فينتفي موضوعها (1).

وكيف كان فلا أهمية للبحث عن هذا الموضوع ؛ إذ ليس له ثمرة سوى التدقيق في المصطلحات.

وبعد هذه المقدمة التي سلطنا فيها الضوء على الحكومة وتقسيماتها، نعود إلى أصل البحث، وهو أن موارد الحكومة داخلة في بحث التعارض أم لا؟


1) مصباح الاصول 543:2.

ولاجل معرفة الرأي الصحيح في هذه المسألة لابد لنا من التعرف على حقيقة الحكومة التضييقية على نحو الاعتبار الأدبي وامتيازها عن التخصيص.

فنقول: إن الحكومة التضييقية لا تختلف عن التخصيص في ذاتها وحقيقتها ؛ لأن كلاً منهما يضيق دائرة الحكم، وإنما الاختلاف بينهما في اللسان والتعبير ؛ فلسان الحكومة لسان مسالمة ؛ لأنها تنفي الحكم بلسان نفي موضوعه، فيتوهم أن انتفاء الحكم طبيعي لان الحكم ملازم لموضوعه، واما لسان التخصيص فهو لسان المعارضة، لأنه يعبر عن نفي الحكم مع افتراض وجود الموضوع.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو : لماذا يختار الشارع طريقة الحكومة في نفي الحكم عن الحصة؟ ولماذا لا يصرح ابتداء بنفي الحكم بصورة مباشرة بأن يختار طريقة التخصيص؟

والجواب: أن هناك عوامل كثيرة تدفع المولى إلى استخدام هذه الطريقة غير المباشرة في نفي الحكم عن الحصة، فربما كان استخدام التعبير الصريح يصطدم مع الأحاسيس والمرتكزات النفسية والذهنية للمخاطب، والبلاغة تفرض على المتكلم أن يلاحظ مقتضى الحال، فقد يقتضي الحال أن يستخدم الكناية في التعبير عن مقصوده؛ فينفي الملزوم ومقصوده نفي اللازم كما في الحكومة، وقد يقتضي الحال أن يستخدم التعبير الصريح عن مقصوده، فينفي اللازم بصراحة، كما في التخصيص.

فمثلاً لو قال المولى: (أكرم كلّ عالم)، وأراد نفي الحكم عن العالم الفاسق، فهنا لو استخدم التعبير الصريح بان قال: (لا تكرم العالم الفاسق)، فإنه بذلك قد يصطدم مع ما ارتكز في أذهان الناس من احترام العلم والعلماء؛ ومن هنا فإن البلاغة تفرض عليه ملاحظة هذه المرتكزات الشعورية، واستخدام الأسلوب المسالم في التعبير، وهي

طريقة الحكومة بأن يقول: (الفاسق ليس بعالم)، فيكون بذلك قد توصل إلى مراده من أخراج العالم الفاسق من حكم العام، من دون أن يصطدم مع مرتكزات الناس من احترام العلم والعلماء.

وبعبارة أخرى: إن الدافع لاستخدام لسان الحكومة وجود العلاقة الوثيقة بين الحكم والموضوع في أذهان المجتمع نتيجة للأساليب التي تستخدمها وسائل الإعلام في توطيد هذه العلاقة في النفوس، بحيث لا يمكن مواجهتها بصورة صريحة ؛ لأن مثل هذه المواجهة تؤدي إلى جرح مشاعر المجتمع التي تبلورت وصنعت من خلال الايحاءات المتعددة وإن كانت مخالفة للواقع.

وربما كان الدافع هو إناء لسان العام عن التخصيص، كما ذكر في قوله تعالى: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) (1)، وكذلك قوله (عليه السلام): «وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا» (2)فإن مثل هذا التعبير يأبى الاستثناء والتخصيص.

إذن فأمثال هذه العوامل هي التي دعت الشارع إلى استخدام أسلوب الحكومة في التعبير عن مقاصده. فالفرق بين التخصيص والحكومة باللسان وفي مرحلة الإرادة الاستعمالية فحسب، وأما في مرحلة الإرادة التفهيمية فلا فرق بينهما ؛ فكل منهما يريد إفهام أمر واحد، وهو مثلاً: عدم وجوب إكرام العالم الفاسق في المثال السابق. ولذلك يترتب على الحكومة ما يترتب على التخصيص من أحكام وآثار، فكما أن تخصيص الأكثر مستهجن، مثلاً فكذلك الحكومة فيما لو تعرضت لأكثر أفراد العام.


1) يونس: 36.

2) انظر التهذيب 1 : 11/8.

إذن، فعنوان التعارض كما يصدق على العام والخاص، فإنه يصدق أيضا على الحاكم والمحكوم، فتجري عليهما أحكام التخالف والتعارض. فكما أننا نطرح الروايات المنافية للكتاب العزيز بلسان المعارضة، نطرح أيضاً تلك الروايات المنافية للكتاب بلسان المسالمة، كلسان الحكومة. ومن باب المثال لذلك أنه لا بد من طرح الروايات التي نقلت عن الأئمة (عليهم) : «إن الصلاة رجل، وإن الزكاة رجل، فمن أحب ذلك الرجل كفى» (1)، وان كانت بلسان الحكومة؛ لأنها هادمة لأحكام الكتاب.

ومثل هذه الروايات من وضع الملاحدة الذين نسبوا أنفسهم للشيعة، لأهداف سياسية أو دينية، من أجل إقصاء الناس عن الأحكام الشرعية، وتصحيح تركهم لامتثالها.

ونتيجة الكلام أنه إذا كانت الحكومة في واقعها راجعة للتخصيص ولكن بلسان المسالمة، فتدخل في باب التعارض، كما دخل التخصيص ؛ إذ لا تأثير لاختلاف الألسنة لاعتبارات أدبية في صدق التعارض وعدم صدقه، فتأتي في الحكومة نفس الاحتمالات التي ذكرناها في التخصيص، وهي:

1 - احتمال تقديم الدليل الحاكم، كما هو الغالب.

2 - احتمال كون الدليل الحاكم ناسخاً للدليل المحكوم، فيفترض مثلاً أن يحكم المولى بوجوب إكرام العلماء جميعاً أوّلاً، ولكن بعد مدة من حكمه - ولأجل مصلحة ما - يخرج الفاسق عن دائرة وجوب الإكرام في العام، فيقول: (الفاسق ليس بعالم).


1) ورد بهذا المضمون في بصائر الدرجات: 546، ومستدرك الوسائل 114:22، ورجال الكشي: 516 / 994.

3 - احتمال تأويل الدليل الحاكم بحمل النفي فيه على نفي الكمال، كما هو الأمر في قوله (عليه السلام): «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (1)حيث نحمل النفي فيه على نفي الكمال لا الحقيقة ؛ للقطع بعدم اختصاص وجوب الصلاة لجار المسجد بالمسجد فحسب.

وبعد اتضاح ما ذكرناه نستعرض أقوال العلماء القائلين بخروج الحكومة عن باب التعارض. ويستفاد منها أن رأيهم هذا يعتمد على نكتتين:

النكتة الاولى: ما ذكر في أجود التقريرات ومصباح الأصول من أن حقيقة الحكومة على نحو التضييق تعتمد على أن يكون الدليل الحاكم شارحاً للدليل المحكوم، وهذا يتوقف على وجود دليل عام أو مطلق يكون الدليل الحاكم ناظراً له، بحيث إنه لولا وجود المحكوم كان صدور الحاكم لغواً محضاً (2).

ويعترض عليه: بما ذكرناه منأن الدليل الحاكم إنما يكون ناظراً لتلك الارتكازات النفسية الراسخة في أذهان المخاطبين مهما كان منشؤها، بل وإن لم تكن ناشئة من دليل صريح مسبق يكون الدليل الحاكم ناظراً اليه. إذن فتتحقق الحكومة في مثل ذلك المجال الذي رسخ فيه حكم الحصة في مرتكزات الجمهور وإن لم يكن بدليل صريح، فتأتي الحكومة لأجل نفي ذلك الحكم عن تلك الحصة بلسان مسالم، حتى لا يجرح مشاعر الجمهور. فمثلا يصح تشريع هذا الحكم: «لا ربا بين الوالد والولد» (3)وان لم يكن هناك دليل على حرمة الربا، أو كان ولكن كان دليلاً لبياً كالإجماع يقتصر فيه على


1) دعائم الاسلام 1 : 148.

2) اجود التقريرات 4 : 281، مصباح الاصول 3: 347.

3) الكافي 5 : 147 / 1، الفقيه 3: 176 / 791، التهذيب 7: 18 / 76.

القدر المتيقن، أو كان دليلاً لفظياً، ولكن لم يكن له إطلاق، كأن لم يكن في مقام البيان، فيكفي في صحة صدور الدليل الحاكم مجرد تصوّر وجود حرمة الربا مطلقاً في الأذهان.

بالإضافة إلى أن هذا الضابط في الحكومة لا ينسجم مع القسم الثالث من الأقسام التي ذكرناها للحكومة؛ لأنه يتوقف على فرض عدم العلم بوجود الدليل المحكوم كما في حديث الرفع(1)، إذ فسر بأنه كناية عن رفع الحكم غير المعلوم ؛ فإنه لو فرضنا وجود الدليل على الحكم لانتفى موضوع حديث الرفع، وهو الجهل.

نعم، قد يوجد هناك دليل على الحكم يكون الدليل الحاكم ناظراً إليه، ولكن هنا أيضاً يكون النظر في الواقع إلى ذلك الترابط والارتكاز الذهي من خلال النظر إلى الدليل الذي هو منشأ ذلك الارتكاز.

النكتة الثانية: ما ذكر في أجود التقريرات، ومصباح الاصول أيضاً، في خصوص عقد الوضع من أن مفاد الدليل المحكوم إثبات الحكم لموضوع، بينما مفاد الدليل الحاكم هو تحديد الموضوع، فلا منافاة بينهما، لأن كلا منهما يتعرّض لغير ما تعرض له الآخر (2).

ويلاحظ عليه أننا ذكرنا أن للدلالة ثلاث مراحل:

1 - مرحلة الدلالة الاستعمالية وهي دلالة الجملة على معناها الحقيقي، كدلالة زيد مهزول الفصيل على ضعف ولد الناقة.


1) التوحيد : 353 / 24، الخصال: 417 / 9.

2) اجود التقريرات 506:2، مصباح الاصول 3: 349.

2 - مرحلة الدلالة التفهيمية: وهي دلالة الجملة على معناها الكنائي، كدلالة الجملة السابقة على ثبوت الكرم لزيد.

3 - مرحلة الحجية : وهي عبارة عن تطابق السابقتين وتوافقهما.

والنكتة المذكورة انها تجري فيما لو جعلنا محور التعارض هو المرحلة الأولى، فيصح

القول بأن أحد الدليلين تعرض لما لم يتعرض له الدليل الآخر، ولذلك لا تعارض بينهما. وأما لو جعلنا مناط التعارض هو التنافي في المرحلة الثانية فلا تصح تلك النكتة، وذلك لأن الدليل الحاكم وإن كان بلسان تحديد الموضوع ظاهراً، ولكنه في واقعه يستهدف تحديد الحكم، كما مرّ ذكره وكذلك الأمر فيما لو جعلنا المناط هو التنافي في المرحلة الثالثة، فإن الدليل الحاكم والمحكوم كليهما يتعرضان للعالم الفاسق، وإن كان الدليل المحكوم ليس بحجة فيه.

ولكن من الواضح أنه لم يقل أحد بأن محور التعارض هو المرحلة الأولى اذا لا معنى لاعتبار الدلالة الاستعمالية مع كونها غير مقصودة، وإنما الخلاف بين العلماء كما ذكرناه في أن محور التعارض هو إما المرحلة الثانية كما هو المختار، أو المرحلة الثالثة كما ذهب إليه صاحب الكفاية والمحقق النائيني (1).

نعم، لو كان الاعتبار قانونياً، تم ماذكره لولا بعض الاعتراضات؛ لأن الدليل الحاكم هنا مضيق حقيقة لموضوع الدليل المحكوم كما أشرنا إليه سابقاً.

فتلخص مما ذكرنا أن الحكومة على نحو التضييق بالاعتبار الأدبي تعتبر أيضا من موارد التعارض.


1) كفاية الاصول : 438، أجود التقريرات 502:2.

البحث الثالث: في الفرق بين التعارض وبعض الموارد المشابهة له

إشارة:

ونبحث هنا عن ثلاثة موارد يشتبه فيها بالتعارض:

المورد الأوّل: التعارض والورود

ونقصد بالورود هنا خصوصي التضييقي منه، وأما الورود على نحو التوسعة فلا وجه المشابهته مع التعارض، إذا أنه كالحكومة على نحو التوسعة، فإنه ادخال فرد في العام لم يكن داخلا فيه قبل بيان الدليل الوارد فهو غير متعرض للعام، لا حكماً ولا موضوعاً، ليعتبر معارضاً له. ومثاله: أدلة حجية الحجج، بالنسبة لقاعدة (صحة العقاب مع البيان)، فالأدلّة الشرعية الدالة على حجية خبر الثقة مثلا تدخل الخبر في موضوع القاعدة، وهو البيان، فهو من قبيل إيجاد فرد للعام.

إذن فيختص بحثنا في الورود التضييقي، وهو عبارة عن إخراج فرد من كبرى عقلية أو شرعية اخراجاً تكوينياً ولكن بمؤنة التعبد، كما في أدلة حجية الحجج، كخبر الثقة، بالنسبة لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) لأن المراد من البيان ما يشمل البيان الشرعي، ولا يختص بالبيان الوجداني فلو فرضنا أن الخبر دلّ على حرمة شيء أو وجوبه، ولم يكن دليل شرعي على حجية الخبر، فإنه لا يعد بياناً لعدم حجيته، ثم بعد

ذلك لو تكفّل الاعتبار الشرعي لجعله بياناً قانوناً، كان الخبر بياناً تكوينياً ولكن بمؤنة من التعبد والاعتبار الشرعي، وخرج بذلك عن القاعدة.

ووجه الشبه بين الورود التضييقي والتعارض هو اشتراكه مع الحكومة والتخصيص في الاحتياج للتعبد الشرعي من أجل إخراج الفرد عن الكبرى، واشتراك الورود التضييقي مع الحكومة في عدم تعرضهما للحكم في الكبرى، وإنما يتوجه الاعتبار فيهما للموضوع، وقد ذكرنا أن التخصيص والحكومة داخلان في باب التعارض، ولذلك قد يتشبه في الورود أنه مثلهما أيضاً.

ولإيضاح هذا البحث نعيد وبإيجاز ماذكرناه في أواخر بحث الاستصحاب في الفرق بين هذه المسائل الأربع وهي التخصص، والورود، والتخصيص، والحكومة، فنقول: ان خروج شيء عن كبرى، على قسمين:

1 - الخروج التكويني: وهو على نحوين:

أ - فتارة يكون الخروج بدون مؤنة من التعبد وهو يسمى (تخصصاً)، كما لو قال المولى : أكرم العلماء، وكان زيد عالماً، ثم عرض عليه النسيان، فإن خروج زيد من العام خروجاً تكوينياً تخصصياً.

ب - وأخرى يكون الخروج بمؤنة من التعبد، كما في خروج موارد الحجج الشرعية عن قاعدة قبح العقاب بلا (بيان) ويسمى بـ (الورود).

2 - الخروج التعبدي، وهو على نحوين أيضاً:

أ - فتارة يكون الخروج بلسان المسالمة، وذلك بنفي الموضوع عن الحصّة، مستهدفاً بذلك نفي الحكم، وهذا هو الحكومة.

ب - واخرى يكون الخروج بلسان المعارضة، بحيث يعبر صريحا بنفي الحكم عن حصة من العام دون ان يتعرض لنفي الموضوع، فيكون تخصيصاً.

ومن هذا البيان يتضح نقاط الاشتراك والافتراق بينهما وهي:

أولا: أن الجميع يشترك في إخراج فرد من الكبرى.

ثانياً: أن ماسوى التخصص من العناوين يشترك في الاحتياج إلى مؤنة التعبد والبيان الشرعي، إذ لولا البيان الشرعي، لكان داخلا تحت الكبرى.

ثالثاً: اشترك الحكومة التضييقية مع التخصيص في كون الخروج تعبدياً، بخلاف التخصص والورود فإن الخروج فيهما تكويني.

ويجدر معرفة النسبة والفرق بين الورود والحكومة، مع أن الملاحظ اشتراكهما في عدم التعرض للحكم، بل إن الاعتبار فيهما قد توجه إلى موضوع الحكم، كما لو قال: (الفاسق ليس بعالم) و: (الخبر الواحد بيان) و: (ولد المسلم مسلم)، سواء كان الاعتبار في كليهما مثبتاً أو نافياً، فالملاحظ في هذه الموارد أن اعتبار الشارع كان متوجهاً للموضوع.

الفرق بين الورود والحكومة

وإنما الفرق بين الورود والحكومة من جهتين:

الجهة الأولى: أن الاعتبار في الورود يتكفل نفي الموضوع أو أثباته حقيقة بواسطة

الدليل الوارد، وأما في الحكومة فإن الاعتبار متكفل للموضوع كناية، ولكن المراد

الجدي منه نفي الحكم أو إثباته. إذن ففي الورود تتطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة التفهيمية، فكلاهما متعرضان للموضوع إثباتاً أو نفياً أما في الحكومة، فلا يتطابقان، لأن الإرادة الاستعمالية متعرضة لنفي الموضوع أو إثباته، ولكن الإرادة التفهيمية

متعرضة للحكم فحسب. فالمراد جداً من قوله: «لاربا بين الوالد والولد» (1)هو نفي حرمة الربا لانفي الربا حقيقة.

ومن هنا يتضح أنه في الورود يتساوى مقام الإثبات مع مقام الثبوت في حدوده، لانتفاء الموضوع في كليهما تكويناً. وأما في الحكومة، فأن مقام الإثبات أوسع من مقام الثبوت، فإن قول المولى: (الفاسق ليس بعالم) بعد قوله: (أكرم العلماء) يدل على أن العلماء - وهو الموضوع في الدليل الأول - لايراد إطلاقه أو عمومه جداً.

ومن هنا يعلم أن الأحكام العقلية، كقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) لا يعقل فيها الحكومة، وإنما الذي يتصور فيها هو الورود، إذ ليس لها مرحلتان: مرحلة الإثبات والثبوت، وإنما يندك أحدهما في الآخر، لأن حقيقة الأحكام العقلية: حضورها بحدودها الواقعية عند العقل، لذلك لا يعقل فيها التخصيص، لأنه متوقف على أوسعية مقام الإثبات من مقام الثبوت.

الجهة الثانية: أنه في باب الورود يلزم أن يكون الموضوع في الدليل المورد عليه خاضعاً للجعل والاعتبار، بأن يكون الموضوع من نوع يتقوم في حقيقته بالاعتبار، حتى يكون الاعتبار في الدليل الوارد نافياً له تكويناً، فمثلا إذا افترضنا أن العلم المنفى، في حديث الرفع هو العلم الوجداني، لم يجر فيه الورود بل تجري فيه الحكومة، لعدم إمكان جعل العلم الوجداني، وأما لو افترضناه أعم من العلم التعبدي والوجداني، فتقدم أدلّة الحجج عليه بالورود.


1) الكافي 5 : 847، الفقيه 3: 791/176، التهذيب : 18 / 76.

ومن خلال ماذكرناه يتضح أن الفرق بين الورود والحكومة فرق جذري، فالورود لا يتعرض للحكم نفياً أو إثباتاً، بل الاعتبار متوجه لنفي الموضوع حقيقة أو إثباته كذلك، فلا يكون هناك تناف وتعارض بين الدليل الوارد، والدليل المورد عليه وذلك لأن الدليل الوارد يتعرض لما لا يتعرض له الدليل المورد عليه ومن هنا يكون باب الورود خارجاً عن موضوع التعارض الذي يبتني على التنافي بين الدليلين.

المورد الثاني: التعارض واشتباه الحجة باللاحجة

والمراد من اشتباه الحجة باللاحجة: أن يعلم إجمالا أن أحد الدليلين كالخبر مثلا فاقد لشرائط الحجية، والآخر واجد لها. وهو بذلك يختلف عن التعارض، لأن في التعارض - كما عرفناه سابقاً (1)- يتحقق علم إجمالي بمخالفة أحد الدليلين للواقع مع استناد هذا العلم لقضية بينة عقلية أو شرعية، فهما يختلفان من حيث الحقيقة ومن حيث المصداق والمورد ومن حيث الآثار الاحكام الاحكام وفق التفصيل الآتي:

1 - أما اختلافهما من حيث الحقيقة فيظهر مما ذكرناه في تعريفهما، فإن مسألة اشتباه الحجة باللاحجة متقومة بالعلم الإجمالي بأن أحدهما ليس بحجة، من دون تعرض للتنافي بين مدلوليهما أما مسألة التعارض، فهي متقومة بالتنافي بين مدلولي الدليلين.

كما أنه يعتبر في مسألة اشتباه الحجّة باللاحجّة أن يعلم إجمالا بحجية أحدهما وعدم حجية الآخر أما في مسألة التعارض فلا يعتبر فيها ذلك، بل قد يحكم فيها بعدم حجية شيء منهما كما في حالة التساقط، وقد يحكم بحجيتهما معاً تخييراً، وقد يحكم بحجية أحدهما ترجيحاً.


1) تقدم 17.

كما أن مسألة التعارض شاملة للأحكام الكلية والامور الجزئية كما في تعارض البينات أما مسألة الاشتباه، فهي مختصة بالأحكام الكلية.

إذن فلكل مسألة مميزاتها الخاصة التي تميزها عن المسألة الأخرى.

2 - وأما اختلافهما من حيث المصداق، فإن النسبة بينهما في المصداق هي نسبة العموم والخصوص من وجه.

فمورد اجتماعهما مصداقاً كما لو علم إجمالا بأن أحد الخبرين المتنافيين مدلولا موافق للعامة، والآخر مخالف لهم، ونعلم بان المخالف حجّة، ولكن لا نعلم تفصيلا بالمخالف والموافق. فلأجل أننا نعلم إجمالا بأن احدهما حجّة والآخر ليس بحجة يدخل المورد في باب اشتباه الحجّة باللاحجّة، ولأجل تنافي مدلوليهما يدخل المورد في باب التعارض.

وأما مورد افتراق مسألة التعارض عن مسألة الاشتباه، فكما لو كان لدينا خبران يحكيان عن أمرين متنافيين، ولكن نتمكن من تمييز الحجّة عن اللاحجة بواسطة وجود المرجح في أحدهما دون الآخر، فبذلك يكون الخبر الذي يملك المرجح حجّة دون الآخر الفاقد له أو كان الخبران متكافئين، وقلنا بتساقطهما، فلا يكون كل منهما حجّة، وبذلك يخرج هذا المورد عن مسألة الاشتباه.

وأما مورد افتراق مسألة الاشتباه عن التعارض فكما لو كان هناك خبران نشك في وجود شرائط الحجية في أحدهما فهذا داخل باب الاشتباه دون التعارض لأن التعارض لا يجري إلا فيما لو كان كل من الدليلين حجّة في نفسه لولا التعارض.

3 - وأما اختلافهما من حيث الأحكام والآثار، فيظهر الفرق بينهما في موردين:

المورد الأوّل: مسألة نفي الثالث، أما في مسألة الاشتباه فيكون نفي الثالث وفق القاعدة، لأننا نعلم إجمالا بوجود الحجّة الفعلية بين الدليلين على أحد هذين الحكمين، فالثالث لو كان محتملا فلدينا حجّة فعلية على خلافه، لأن الحجية لا تعني ألا صدق ما قامت عليه الحجة دون غيره.

وأما في مسألة التعارض، فإن التعارض - على ما اختاره جماعة - لا يكون نافيا للثالث، فلو ورد خبران، ودلّ كل واحد منهما على أحدى خصال الكفارة بخصوصها، كما لو دل أحدهما على عتق الرقبة، والثاني على إطعام ستين مسكيناً كفارة للإفطار متعمداً بالحلال، فإنهما لا ينفيان احتمال الصيام شهرين متتابعين فلو افترضنا أن المتعارضين ضدان لهما ثالث، فبعد تساقط الدليلين المتعارضين عن الحجية لا يوجد دليل على نفي الثالث إلا على مثل مسلك المحقق النائيني من عدم تبعية المدلول الالتزامي للمدلول المطابقي حجية وسقوطاً وإن كان يتبعه ثبوتاً، فاذا سقطت حجة المدلول المطابقي للدليلين فتبقى حجية المدلول الالتزامي لهما في نفي الثالث كما سيأتي توضیحه (1).

المورد الثاني في جريان الأصول أما في مسألة التعارض فإن قلنا بالتساقط في الدليلين المتعارضين، فيكون الرجوع للاصول العملية وفق القاعدة وأن كان مقتضى الاصل مخالفاً لمدلول كلا الدليلين، فلو قامت بينة على طهارة شيء، وقامت بينة اخرى على طهارة شيء آخر، وعلمنا إجمالا بمخالفة أحدهما للواقع، فهنا بعد تعارضها وتساقطعهما يمكن الرجوع لاستصحاب النجاسة في كليهما على تقدير كون حالتهما


1) فوائد الأصول 4 : 755، وياتي في ص 101.

السابقة هي النجاسة. وإنما جاز الرجوع للاصول، لزوال كلا الدليلين بتساقطهما، حيث صارا - كالعدم.

وأما في مسألة اشتباه الحجّة باللاحجة، ففيه تفصيل:

1 - فإن كانت الحجّة المشتبهة منجزة للتكليف الإلزامي، فلا تجري الأصول المرخّصة، كما لو قامت بينتان على نجاسة شيئين كانا طاهرين سابقاً، ويعلم بعدم موافقة أحدى البينتين للواقع، مع العلم بحجّيّة أحداهما وعدم حجية الاخرى، فهنا لا يمكن استصحاب الطهارة في كليهما بل يجب الاجتناب عنهما، إذ مع وجود الحجّة إجمالا على نجاسة أحدهما حسب الفرض، لا يمكن إجراء أصلين مرخصين، كما لو علمنا إجمالا بنجاسة أحدهما بلا فرق بينهما.

2 - وإن كانت الحجّة معذرة ومرخصة، كما لو قامت البينتان كلتاهما على طهارة شيئين كانا نجسين سابقاً، وعلمنا إجمالا بأن احدى البينتين حجة والاخرى ليست بحجة، فبما أن العلم الإجمالي بطهارة أحدهما لا أثر له، فان استصحاب النجاسة يجري في كليهما، لان العلم الأجمالى، بالحكم الترخيصي- لاينافي اجراء الاصول المثبتة للتكليف، فكذلك الحجة الإجمالية.

المورد الثالث: التعارض والتزاحم

ويقع البحث هنا في جهتين:

الجهة الأولى: في الفرق بين التزاحم والتعارض:

الجهة الثانية في الموارد التي وقع النزاع فيها بين العلماء - بعد اعترافهم بالفرق بينهما - أنها داخلة في التزاحم أو التعارض.

الجهة الأولى: الفرق بين التزاحم والتعارض:

ذكرنا أن التعارض: عبارة عن تنافي مدلولي الدليلين على نحو لا يجتمعان معاً في مرحلة الجعل.

واما التزاحم : عبارة عن قصور قدرة المكلف عن امتثال كلا التكليفين معاً، ويعتبر أن يكون عدم القدرة أمراً اتفاقياً - أي:

لعروض العوارض - كما لو اتفق وجود غريقين في آن واحد، بحيث لا يتمكن من انقاذهما معاً. ومثل تترس الكفار بالمسلمين، حيث يتزاحم تكليفان هما: وجوب محاربة الكفار، وحرمة قتل المسلمين، ولا يمكن امتثالهما معاً.

ومثل إزالة النجاسة عن المسجد والصلاة مع عدم القدرة عليهما في زمان واحد، ففي هذه الموارد المعبر عنها بالتضاد الاتفاقي قال جمع من الأعلام بالترتب المأموري تخلصاً من شبهة لزوم تكليف العاجز.

وأما لو كان عدم القدرة دائمياً، كما لو كان دليلان دل أحدهما على وجوب التحرك نحو المغرب، والآخر على وجوب التحرك نحو المشرق في زمان واحد. فهذا داخل في باب التعارض لوجود التنافي بين وجوب شيء ووجوب ضده، فلا معنى لا يجابها بنحو الإطلاق، فالدليلان يعدّان متعارضين لا محالة.

نعم وقع الكلام بينهم في أنه هل يعقل إيجابهما بنحو الترتب أم لا؟ ونعبر عنه بالترتب الآمري، فإنّه لما كان فعل احد المتعلقين ملازماً لترك الآخر فلابد من أن يعالجه المقنن والآمر في مرحلة التشريع بأن يقيد أمره بكل واحد من الدين بترك

متعلّق الآخر، فيقول مثلا: (تحرّك نحو المشرق إن لم تتحرك نحو المغرب)، وبالعكس. فذهب بعض كالمحقق الثاني، إلى الإمكان (1)، وذهب بعض آخر إلى الاستحالة (2).

وقد طرحت اعتراضات على هذا الترتيب الآمري، ذكرناها مع مناقشتها بالتفصيل في بحث الضد.

منها : أن مثل هذا الترتب، يلزم منه الأمر بالضدين.

ولكن ذكرنا هناك أنه ليس من الأمر بالضدين في وقت واحد، بل هو أمر بالضدين في زمانين، لأن الأمر بأحدهما. مقيّد بترك الآخر.

ومنها الاعتراض القانوني : حيث ذكروا أن مثل هذا الترتب يوجب تحيّر المكلف في مرحلة الامتثال، فاذا قال المولى : (أنقذ هذا إن لم تنقذ ذاك): (وأنقذ ذاك إن لم تنقذ هذا)، فمرجع ذلك إلى أنه في صورة عدم انقاذ كليهما فهو مأمور بالجمع بين الضدين، لتحقق موضوع كلا التكليفين.

ومنها الاعتراض الوجداني : وهو أن الضمير والوجدان لا يتقبلان الترتب الآمرى، وذلك لاستلزامه تعدد العقوبة في صورة الترك كليهما مع أن الوجدان العقلائي حاكم بأنه لا يستحق إلا عقوبة واحدة وقد أشار المحقق الخراساني في الكفاية إلى هذا الاعتراض في مبحث الترتب (3).


1) عنه في أجود التقريرات 1 / 286.

2) كفاية الاصول: 136، ومن الجدير ان نذكر انه ذهب للقول بالترتب أيضاً في مجالاته الشيخ كاشف الغطاء في كتاب الغطاء: 27 البحث الثامن عشر، والسيد المجدد الشيرازي، ونفحه تلميذه السيّد الفشاركي، وفصله وشيّد اركانه المحقق النائيني وتبعه اكثر المتأخرين.

3) كفاية الاصول: 136.

وتوضيح هذه الاعتراضات ومناقشتها بالتفصيل ذكرناه في مبحث البضد.

وبصورة عامة فان الاحتمالات حول صحة الترتب الآمري ثلاثة:

الأوّل: صحة الترتب مطلقاً وذلك لوجود المصلحة في كلا المتعلقين، وكل مصلحة تقتضي أمرا مستقلا ولما لم يكن الإطلاق في كلا الأمرين ممكناً للزوم طلب الجمع بين الضدين لذلك لزم التقييد المعبر عنه بالترتب الآمري.

الثاني: عدم صحته مطلقاً، لأنه يلزم من تعدد الإمر تعدد العقوبة، كما أوضحناه. وتعدد العقوبة مما لا يقبله ارتكاز العقلاء.

الثالث: التفصيل بين ما لو كانت مصالح المتعلقات متساوية من حيث الأهمية؛ فلا يصح الترتب، وبين ما لو كانت مصلحة أحدهما أهم من الآخر ؛ فيصح. وهذا الاحتمال هو الصحيح ؛ وذلك لأنه على تقدير تساوي المصالح في المتعلقات من حيث الأهمية لا يمكن جعل وجوبات متعددة ؛ لاستلزامه تعدد العقوبة. وهو مما لا يقبله العقلاء ؛ إذ لا يملك المكلف إلا قدرة واحدة، لا يتمكن من خلالها إلا امتثال تكليف واحد لا أكثر، مع أنه لا بد من أن تكون العقوبة محددة بقدرة المكلف وفي إطارها لا أوسع منها.

ويتضح هذا القبح أكثر كلما ازدادت متعلقات الأوامر المطلوبة من المكلف، كما لو كان هناك مائة غريق، فإنه لو أمر المولى بإنقاذ كل واحد منهم بنحو الترتب للزم منه استحقاق مائة عقوبة عند ترك الجميع، وما يختاره العقلاء في مثل هذه الموارد هو جعل التكليف على نحو الوجوب التخييري الذي لا يترتب على مخالفته إلا عقوبة واحدة.

ولكن مع وجود المزية أو المرجّح في أحدهما وعدم التساوي في المصالح من حيث الاهمية بأن كان أحدهما اهم يعقل الترتب من جانب المهم ؛ لأن جعل الوجوب

التخييري في هذا المورد يستلزم الترخيص في ترك الأهم، مع اشتماله على مصلحة أكثر من تلك الدرجة من المصلحة التي يشترك فيها مع المهم. ولا يمكن الاكتفاء بجعل الأهم فحسب ؛ لأنه يستلزم ترك المصحلة الملزمة الموجودة في المهم فيما لو ترك الأهم لعذر أو غير عذر.

فيتعين عند العقلاء - اهتماماً بالمصالح - جعل وجوبات متعددة وان استلزمت تعدّد العقوبة، ولكن على نحو الترتب.

ولعل المنكرين للترتب - لاستلزامه عقوبات متعدّدة - والمصححين له - من دون أن يروا قبحاً لتعدد العقوبة - قد لاحظ كل منهم بعض صور المسألة دون جميع الصور وإن صدر كلامهم مطلقاً.

هذا كله حول الترتب الأمري.

وأما الترتب المأموري. الذي هو محل البحث: فهو إنما يجري على بعض المباني التي ترى بأن قصور القدرة عن امتثال كلا التكليفين موجب لتحديد التكاليف في مرحلة الجعل أو مرحلة الفعلية بنحو،الترتب، وإلا فمجرد تأثير قصور القدرة في مرحلة التنجز فحسب لا يوجب تقييد الخطابين على نحو الترتب.

ومهما كان، فالفرق الإجمالي بين التعارض والتزاحم واضح ذاتاً وحكماً: ففي باب التعارض يحكم بما تتطلبه المرجّحات المرتبطة بالكاشف دلالة وجهة وسنداً، أما في باب التزاحم فيحكم على وفق قوة المنكشف خطاباً وملاكاً، كما أن الحكم في التعارض مع التكافؤ هو التساقط، وليس الحكم كذلك في باب التزاحم.

وهذه أمور يعرفها العقلاء بارتكازهم على نحو البساطة والإجمال، إلا إن من شأن علم الأصول تحليل الارتكازات العقلائية إبرازها بصورة واضحة، وصياغتها صياغة

علمية محددة ؛ لكي يمكن الاستفادة منها بصورة أسهل وأكثر. وقد بحث علماؤنا بعمق وتوسع حول الفارق العلمي بين البابين، بما يظهر فيه بوضوح ما بلغه علم الأصول عند الإمامية من تطور وعمق وتوسع، كل ذلك نتيجة لفتح باب الاجتهاد عندهم.

ولأجل أن نتعرف على هذا الفارق بينهما ينبغي علينا أن نتعرف على آراء علمائنا حول حقيقة التزاحم واختلاف آرائهم في هذا المجال ناشئ من اختلافهم في تأثير قصور القدرة على الحكم باختلاف مراحله :

فبعضهم يذهب إلى أن قصور القدرة يؤثر في الحكم في مرحلة الجعل والإنشاء ؛ فلا يبقى الحكمان على إطلاقهما في تلك المرحلة نتيجة لقصور القدرة.

بينما يذهب بعض آخر إلى أن قصور القدرة يؤثر في الحكم في مرحلة فعليته، وتحقق موضوعه ؛ فيكون موضوع أحدهما متحققاً دون الآخر.

ويذهب ثالث إلى أن قصور القدرة يؤثر في الحكم في مرحلة تنجزه، فلا يتنجز الحكمان في عرض واحد، بل يكون الأهم هو المنجز، أو يكون المهم منجزاً على تقدير ترك الأهم.

وبناءً على الرأيين الأخيرين يكون الفرق بين التزاحم والتعارض واضحاً، فالتعارض يعني: التنافي بين الدليلين في مرحلة الجعل، أما التزاحم فمجاله مرحلة الفعلية أو التنجز للحكم. أما على الرأي الأول فتصور الفرق بينهما ليس بذلك الوضوح ؛ لأن التزاحم حينئذ سيشارك التعارض في كون مورده التنافي في مرحلة الجعل.

ونستعرض هذه الآراء الثلاثة مع ذكر تقريبين لبيان كل رأي:

الرأي الأوّل - تأثير قصور القدرة في مرحلة الجعل والإنشاء -: ويمكن بيانه بتقريبين:

التقريب الأول، وهو يتلاءم مع كلمات المحققين الخراساني والعراقي (قدس سرهما) (1)وتوضيحه: أنه لا ريب في أن التكاليف الشرعية كما هي مشروطة بالقدرة على متعلقاتها كذلك هي مشروطة بالقدرة على الجمع بين امتثال التكاليف، وكل منهما مؤثر في مرحلة الجعل بلا فرق بين جعل التكليف على نحو قضية واحدة مثل: (انقذ كل غريق) ولدينا غريقان في ان واحد، ولانقدر إلا على انقاذ واحد منهما أو على نحو قضيتين منفصلتين مثل : (انقذ كل غريق واطفى كل حريق) ونحن لا نقدر على الجمع بين أمتثال كلا التكليفين في آن واحد فالتكليفان هنا مشروطان بالقدرة على الامتثال، كما هما مقيدان بالشرائط العامة للتكليف عقلا وشرعاً، لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (2)فلا يتوجه الينا تكليفان في هذه الحالة، لأن الجمع بين الحكمين يعني الأمر بالضدين معاً، وهو محال.

ولا يتم علاج ذلك بما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من الفرق بين التضادّ الدائمي بين متعلّقي التكليفين والتضادّ الاتفاقي(3)، إذ لا تأثير لهذا الفرق في ذلك بعد عدم قدرة المكلف على الجمع بين الامتثالين.

وبناء على هذا الوجه، إذا جاء خطابان متزاحمان كذلك، فإن التزمنا بامتناع الترتب كما ذهب إليه المحقق الخراساني (قدس سره) (4)، وكان لأحدهما مزية تعين اختصاص


1) كفاية الأصول: 134، نهاية الأفكار 4: 376.

2) البقرة: 286.

3) اجود التقريرات 1 : 284.

4) كفاية الاصول: 134.

الجعل به فقط، باعتباره الأهم، وإن كان المهم مشتملا على الملاك في مرحلة الاقتضاء، وأما إذا كانا متساويين من دون أن يكون لاحدهما مزية على آخر فإن المدلولين المطابقيين لكلا الخطابين يتساقطان إلا إنّه يستكشف الوجوب التخييري من الملاكين المدلول عليهما بالخطابين بالدلالة الالتزامية.

واما إذا قلنا بجواز الترتب كما ذهب إليه المحقق العراقي(1)فيقع التنافي بين إطلاق كلا الخطابين، فإن كان لاحدهما مزية على الآخر رفعنا اليد عن إطلاق دليل المهم فحسب، وإن كانا متساويين رفعنا اليد عن كلا الإطلاقين، وذلك بتقييد كل منهما بترك الآخر.

وبناءً على هذا التقريب يتشابه باب التزاحم مع باب التعارض، ويصدق عليه تعريفه، وهو تنافي مدلولي الدليلين على وجه يعلم إجمالا بمخالفة أحدهما للواقع مع استناد ذلك العلم إلى قضية عقلية بينة وهي في المقام عدم جواز التكليف بما لايطاق، وهي قاعدة مؤيدة بالشرع أيضاً على ما ذكرناه.

وبذلك يعلم أن أحد الحكمين في باب التزاحم منتف من أصله على القول بامتناع الترتب، أو بحدوده - كإطلاقه - على القول بإمكان الترتب كما هو الأمر كذلك في العام والخاص حيث يعلم فيهما بانتفاء العام بعمومه لا من أصله.

إذن تعريف التعارض يصدق تماماً على باب التزاحم مع أن الفرق بين البابين أمر مرتكز في أذهان العقلاء، ولذا جعلت مرجحات أحدهما غير مرجحات الآخر.


1) نهاية الافكار 1 : 366.

ولأجل مواجهة هذا الالتباس والتشابه بينهما، يجب علينا أن نتصرف في تعريف التعارض بما يميزه عن باب التزاحم تماماً، وهو أن نعرف التعارض بالتنافي بين الدليلين في مرحلة المدلول المطابقي، ومرحلة المدلول الالتزامي في خصوص كشفه عن وجود الملاك لابلحاظ سائر المداليل الالتزامية. فإذا دل دليل على وجوب شيء، و دل دليل آخر على حرمته، فهنا كما يوجد تناف بينهما في مرحلة المدلول المطابقي كذلك يوجد تناف بينهما في مرحلة الحكم الاقتضائي والملاك، إذا لا يمكن أن يوجد في الشيء الواحد مصلحة ملزمة ومفسدة ملزمة بعد الكسر والانكسار. ومن هنا لابد أن يوجد ملاك واحد، إما مصلحة ملزمة، أو مفسدة ملزمة فحسب.

وأما في باب التزاحم فالتنافي بين الحكمين متحقّق في مرحلة المدلول المطابقي فقط، لعدم التنافي بينهما في مرحلة الحكم الاقتضائي لتعدد متعلّق الحكمين، فإذا وجبت إزالة النجاسة عن المسجد ووجبت الصلاة وفرض عجز المكلف عن الجمع بين امتثال كلا التكليفين، فكل من التكليفين مشتمل على ملاكه الملزم المستكشف من الخطاب بالدلالة الالتزامية له. فهنا وبمقتضى العجز عن الجمع بين الامتثالين وإن سقط المدلول المطابقي لهما لكن يبقى المدلول الالتزامي على حاله، ومن خلاله يمكن استكشاف الحكم.

وهذا التقريب يلاحظ عليه أمور:

الأوّل: أن هذا التقريب يعتمد على أن القدرة على الامتثال مؤثرة في جميع مواردها في مرحلة الجعل. ولكن هذه الفكرة غير تامة، وسيأتي توضيحها عند بيان الرأي الثالث إن شاء اللّه.

وبناءً على ذلك، فما ذكر في مناقشة رأي المحقق النائيني (قدس سره) الذي قال بالفرق في التضاد بين الدائمي والاتفاقي (1)، لا وجه له ؛ إذ لا ريب في تأثير موارد العجز الدائمي في مرحلة الجعل، فإنه لما كان المكلف غير قادر فيها على الإتيان بكلا الفعلين دائماً وأن فعله لأحدهما يلازم ترك الآخر، فالمولى حين جعل التكليف كما عليه ملاحظة متعلق تكليفه، كذلك عليه أن يلاحظ ما يلزمه من الأمور. وعلى ضوء هذه الملاحظات يجعل الحكم.

ومن هنا فإن معالجة حالة كهذه إنما تتم في مرحلة الجعل والإنشاء بخلاف موارد العجز الاتفاقي، فإن العجز لما كان اتفاقياً فبطبيعة الحال لا يكون ملحوظاً في مرحلة الجعل والإنشاء، ولا مبرر لمعالجته في تلك المرحلة.

الثاني: أن ما ذكره بقوله: (بناءً على هذا الوجه فإذا جاء خطابان متزاحمان)... إلى آخره غیر تام:

أما بناءً على مبنى المحقق الآخوند (رحمه اللّه) من امتناع الترتب (2)، فلأنه يخالف مرتكزات العقلاء في كلتا الصورتين: ففي صورة تساوي التكليفين من حيث الأهمية فإنهم يرون توجه التكليفين إليهم، ولذلك يحالون تحديد الوظيفة الفعلية، لا أنهم يرون سقوط الحكمين تماماً ثم يحاولون استكشاف التخيير من خلال الملاك. وفي صورة أهمية أحدهما فإنهم يرون الترتب من جانب المهم بعد ملاحظة توفر الملاك في كليهما.


1) أجود التقريرات 1: 284 و 2 : 505.

2) كفاية الأصول: 134.

وأما على مبنى المحقق العراقي (رحمه اللّه) من القول بالترتب، فلأن الحكم بالترتب في صورة التساوي يخالف المرتكزات العقلائية على ما ذكرناه آنفاً.

الثالث: هناك عدة محاذير تواجه هذا التقريب في الفرق بين التعارض والتزاحم.

أولاً: أن مسألة الفرق بين التعارض والتزاحم لا تبتني على القول بوجود ملاكات للأحكام، ليقال: إن الملاك يحرز في صورة التزاحم دون التعارض، فإننا نرى بأن الأشاعرة أيضاً يفرّقون بينهما، مع أنهم لا يتبنون تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد (1). والمطلوب أن نذكر فرقاً بين التزاحم والتعارض يتلاءم مع جميع الآراء حتى على القول بعدم تبعية الأحكام للملاكات.

وقد يتساءل بأننا لو أنكرنا توقف حقيقة التزاحم على نظرية تبعية الاحكام للملاكات، فكيف نفسر الترجيح بالأهمية في باب التزاحم، مع العلم بأنّه لا يراد من الأهمية إلا الأهمية من حيث الملاك؟.

ولكن نجيب بأن الأهمية التي اعتبرت مرجّحاً في باب التزاحم لا تختص بالملاك، بل يمكن أن تكون عند الأشاعرة من حيث تأكد الحكم في لسان الدليل، أو من حيث الشدة والضعف في العقوبة والقانون الجزائي.

وثانياً: أن هذا التقريب يتوقف على أن يكون الدليل الدال على اصل الجعل بالدلالة المطابقية يدلّ أيضاً على الملاك والحكم الاقتضائي بالدلالة الالتزامية، وهذا يختص بالموارد التي يكون فيها التلازم بين المدلول المطابقي ولازمه تلازماً بيناً بالمعنى الأخص لتكون الدلالة عليه لفظية مع ان دلالة جعل الحكم على وجود الملاك ليس


1) مباحث الحكم عند الأصوليين 1 : 168.

من الوضوح بحيث يكون لازماً بينا بالمعنى الأخص، وإنما يثبت ذلك بالدليل والبرهان الذي يقام على تبعية الأحكام للملاكات في مقابل الأشاعرة الذي ينكرون مسألة التبعية هذه (1)إذن، فمسألة ثبوت الملاك للحكم ليست من المداليل الالتزامية للكلام لتكون في عرض المدلول المطابقي، ليقال بامكان عدم تبعية للمدلول المطابقي في السقوط، بل هي من لوازم الكلام التي تسقط قطعاً بسقوط الكلام.

وثالثاً: لو سلمنا أن استكشاف الملاك مدلول التزامي، فإن تمامية هذا التقريب تتوقف على القول بعدم تبعية المدلول الالتزامي للمدلول المطابقي في السقوط، مع أن الأمر ليس من الوضوح بحيث يعد من المسلمات، فإن بعض الأعاظم وجماعة ذهبوا إلى ان المدلول الالتزامي يتبع المدلول المطابقي في الحجية ثبوتاً وسقوطاً (2).

التقريب الثاني: لتأثير قصور القدرة في تحديد مرحلة الانشاء والجعل:

ويعتمد هذا التقريب على حقيقة أن التكاليف الشرعية وإن صدرت خطاباتها مطلقة وغير مقيدة بشيء، لكنها في واقعها بمقتضى الارتكاز مقيدة في مرحلة جعلها بعدم الاشتغال بواجب لايقل أهمية عن متعلّق التكليف، وهذا التقييد وإن لم يكن ملحوظاً بنظر المولى حين الإنشاء، ولكن العرف والعقلاء بحسب مرتكزاتهم يحكمون بذلك، فإذا أمر المولى عبده بالصلاة، فهذا التكليف وإن كان بظاهره مطلقاً غير مقيد بشيء لكن العقلاء يرون أنه إنما تجب عليه الصلاة بشرط عدم صرف قدرته واشتغاله بضد واجب مساو له في الملاك، أو أهم منه.


1) المصدر نفسه.

2) مصباح الأصول 3: 370.

فإذا صح مثل هذا التقييد والتحديد الارتكازي، فإن الدليلين يخرجان حينئذ من باب التعارض، بل يكون المقام شبيهاً بباب الورود، فإن الاشتغال بالمساوي أو الأهم من هذا الواجب ينفي موضوع هذا الواجب، وهذا التقييد الارتكازي عند العقلاء شبيه بالترتب الامري الذي سلف ذكره مع فارق بينهما هو أن التقييد في الترتب الآمري يكون لحاظياً يلتفت إليه المولى تفصيلا حين الخطاب أما التقييد هنا فهو ارتكازي عند العقلاء غير ملحوظ عند المولى حين الخطاب، وكما يكون التقييد اللحاظي رافعاً للإطلاق في الخطاب، فكذلك التقييد الارتكازي رافع للإطلاق في الخطاب.

ونحن قد التزمنا بذلك في باب خيار الغبن والعيب تبعاً لبعض الاعاظم (1)فإن مرجع خيار الغبن على الرأي الأصح إلى الشروط الارتكازية ؛ لأن المتعاملين وإن لم يلتفتا حين المعاملة للغبن وجوداً أو عدماً، ولم يصدر منهما حين المعاملة ما يُثبت خياراً لهما في صورة وجود غبنأو عيب، لكن هناك أمور تؤدي إلى تقييد المعاملة بها وهي أمور ارتكازية لها جذور نفسية تكونت في أعماق العرف والعقلاء لأسباب مختلفة بحيث أصبحت من الأمور المسلمة لديهم، وتتحكم في تصرفاتهم وإن كانت حين العمل مغفولاً عنها.

فمن الشروط الارتكازية في باب المعاملة : عدم زيادة ما انتقل منه على ما انتقل إليه في المالية زيادة فاحشة، فيكون البيع مقيداً ارتكازاً بعدم هذه الزيادة وإن كان العقد


1) مصباح الفقاهة 7: 97.

حين التبايع مطلقاً. ويتحدد لزوم البيع بهذا القيد الارتكازي كما يتحدد بالقيود الصريحة.

أما أنه كيف نشأت هذه القيود الارتكازية في أذهان العرف والعقلاء فيبحث عنه في محله.

إذن، فالقيود الارتكازية تكون كالقيود اللحاظية محددة لمرحلة الإنشاء.

وعلى ضوء ما ذكرناه، فإن باب التعارض يتميز عن باب التزاحم بوضوح ؛ لأنه لا تنافي بين الدليلين المتزاحمين أبداً ؛ لأن المكلف لو اشتغل بأحد المتساويين أو بالأهم، فإن موضوع الدليل الآخر ينتفي، ويكون التقييد في المتساويين في كليهما، وفي صورة أهمية أحدهما يكون دليل المهم هو المقيد ارتكازاً دون الأهم.

ويلاحظ على هذا التقريب: أن دعوى الارتكاز هذه لم تؤيد بشاهد عقلائي لذلك ينبغي علينا ملاحظة الشواهد العقلائية في هذا المجال ؛ لمعرفة مدى دلالتها على وجود مثل هذا الأمر الارتكازي، ووضوحه بحيث يستغنى به عن التقييد الصريح، ويكون مقيداً لبياً للخطابات - بل الشواهد على خلافه :

أولاً: أن هذا التقييد لو كان واضحاً بديهياً بحيث يستغنى به عن التقييد اللحاظي لما كنا نجد أن العقلاء يعدّون موارد التضاد الدائمي من قبيل التعارض، ويحاولون الجمع بين الدليلين برفع اليد عن إطلاق كل منهما بما إذا لم يشتغل بامتثال الآخر كأسلوب من أساليب الجمع العرفي. فإذا نقل للعبد شخص بأن مولاه يأمره بالذهاب إلى البصرة وشخص آخر نقل له بان مولاه يأمره بالذهاب إلى الموصل فالعبد بطبيعة الحال لا يتمكن من امتثال كلا التكليفين معاً في آن واحد. فلو كان التقييد ارتكازياً وواضحاً لدى العرف لما كان العبد متحيراً أمام هذين التكليفين في أن أيهما المقدم

وأيهما الأوثق نقلاً، أو غير ذلك من المرجّحات. فمثل هذه الأمور التي توجب حيرة العبد يجب ألا تخطر في ذهنه، وانما كان عليه أن يعلم بأن الذهاب إلى الموصل مقيد ارتكازاً بعدم الذهاب إلى البصرة دون أن يكون هناك تعارض، أو ما يوجب تحيّر العبد في مثل هذا الموقف.

وبحسب صريح أقوال الأصوليين فإن مثل هذين الدليلين يدخلان في باب التعارض، غاية الأمر أنهم يحاولون الجمع بين هذين الخطابين بتقييد اطلاق كل منهما بما إذا لم يصرف قدرته في امتثال الآخر باعتباره جمعاً عرفياً. وواضح أن الجمع العرفي غير التقييد الارتكازي ؛ فالأول فرع ثبوت التعارض والثاني ينفي وجود التعارض بين الدليلين. ومع ذلك فنحن لا نوافق على مثل هذا الجمع، ونرى بأن القاعدة العقلائية تقتضي في مثل ذلك أن يُلقى الخطاب على نحو الواجب التخييري - أي: بخطاب واحد لا بخطابين مستقلين - كأن يقول مثلا: يجب عليك أن تسافر إلى أحد البلدين. وسيأتي ذكر ذلك في التضاد الاتفاقي أيضاً.

وثانياً: أن مثل هذا التقييد لو كان ارتكازياً، للزم منه أن يكون تعدد العقوبات ارتكازياً، في الحين الذي تقع فيه مخالفة التكاليف المتساوية ؛ فإن لازم الارتكازي البديهي ارتكازي وبديهي أيضاً ؛ ففي صورة التساوي تتوجه لنا خطابات متعددة لو خالفناها جميعاً فسوف نستحق عقوبات متعددة بعددها، في حين أن الارتكاز العقلائي لا يوافق على تعدد العقوبة. كما نلاحظ أن المحقق الخراساني استنكره وأورد به على الترتب فقال في هذا المجال: «ثم إنه لا أظنّ أن يلتزم القائل بالترتب با هو لازمه من الاستحقاق في صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين ضرورة قبح العقاب على ما

لا يقدر عليه العبد ؛ ولذا كان سيدنا الاستاذ لا يلتزم به على ماهو ببالي وكنا نورد به على الترتب وكان بصدد تصحيحه (1)».

ثالثاً: في موارد قصور القدرة - كموارد التضاد الاتفاقي - يشعر العقلاء ابتداءً بالتحير عندما يواجهون خطابين ؛ كلّ خطاب يشتمل على تكليف يدعو للإتيان بمتعلقة مع عدم القدرة على امتثال كليهما اتفاقاً، وبعد ذلك يحاولون علاج هذه الحيرة، فيحكمون بالتخيير في صورة التساوي، وبوجوب إتيان الأهم على تقدير أهمية أحدهما. فلو كان تقييد كل منهما بعدم الاشتغال بالآخر أمراً ارتكازياً، لما شعر العقلاء بالتحير في مثل هذه الموارد. بل أن هذا التحير العقلائي منعكس في آراء فقهاء الخاصة والعامة، فقد تمسك العامة هنا بالقول بالاستصلاح الذي هو في حقيقته نوع من القول بالرأي، وذهب فقهاء الخاصة للترتب.

الرأي الثاني: أن قصور القدرة يكون محدداً للحكم في مرحلة الفعلية وقد تبنّى المحقق النائيني هذا الرأي، وأصر عليه. وله تقريبان:

التقريب الأوّل: وهو الذي اشتهر على ألسنة تلامذته كما هو ظاهر بعض كلماته أيضاً (2)وملخصه.

أن التكاليف مجعولة على نحو القضايا الحقيقية، فلا يتصور التنافي بينها في مرحلة الجعل فيما إذا قصرت القدرة عن الجمع بينها في مرحلة الامتثال، مالم تدل الخطابات على مداليل متنافية. وقصور القدرة عن امتثال تكليفين مثلا بسبب التضاد الاتفاقي بينهما لا يوجب وقوع التنافي بينهما قطعاً، ولا يراهما العقلاء من التكاليف المتعارضة،


1) كفاية الأصول: 136.

2) أجود التقريرات 502:2.

فلو جعل وجوب الصلاة على المكلف، وجعل وجوب الإزالة عن المسجد عليه أيضاً، فإنه لا تنافي بينهما في مرحلة الجعل، ولكن لما كانت التكاليف الشرعية محددة بالقدرة لباً فلا تكون هذه التكاليف فعلية إلا بعد تحقق موضوعها بكل قيوده وشروطه ومنها القدرة. فلابد من تحقق القدرة على الامتثال ليكون التكليف فعلياً، والمفروض أنه لا توجد هنا إلا قدرة واحدة، وكل واحد من هذين الحكمين يدعو لصرف القدرة في تحقيق متعلقه.

إذن فالتنافي بين الدليلين نشأ من قصور القدرة والتي هي شرط لفعلية الحكم عن الجمع بين امتثال كلا التكليفين، فإن كل تكليف لو لاحظناه بنفسه يكون فعلياً لتحقق موضوعه ؛ لوجود القدرة على امتثاله حسب الفرض، فإذا كان التنافي بينهما في مرحلة الفعلية، فالعلاج الذي نتصوره لابد أن يتم في مرحلة الفعلية أيضاً.

ولا يصح أن يكون العلاج بسقوط كلا التكليفين أو أحدهما من أصله؛ إذ لا وجه لذلك بعد إمكان علاج هذا التنافي مع الاحتفاظ بأصل التكليف، وذلك بتقييد إطلاقهما عند التساوي في الأهمية، أو أحدهما في فرض أهمية الآخر. وبما أن الضرورات تتقدر بقدرها فأن هذا العلاج يكفي لدفع التنافي الاتفاقي الحاصل بين التكليفين، فيتقيد وجوب الصلاة في مرحلة فعليته بما إذا لم تصرف القدرة في الإزالة، أو بالعكس. فإذا صرفت القدرة في الإزالة انتفى موضوع وجوب الصلاة.

ونتيجة ذلك كله تكون ثمرة العالج في باب التزاحم انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، لا ارتفاع الحكم عن موضوعه كما هو الحال في باب التعارض، فهناك لو دل دليل على وجوب فعل وآخر دل على حرمته، فإن ثمرة العلاج هناك تكون بارتفاع

الحكم في المرجوح عن موضوعه، وهنا بصرف القدرة في امتثال أحد الواجبين يتحقق العجز عن امتثال الآخر، وبذلك ينتفي موضوعه الذي اخذت فيه القدرة.

ومن هنا ذكر المحقق النائيني في مناقشة من ذكر أن الأصل في التكاليف هو التزاحم أو التعارض: (ان هذا لا معنى له اصلا) إذ لا جامع بين التزاحم والتعارض، ولا ارتباط لأحدهما بالآخر (1).

ولكن يلاحظ على هذا التقريب :

أولاً : إذا كان للاطلاق مصحح في مرحلة الإنشاء والجعل فكيف نرفع اليد عنه في مرحلة الفعلية، وإن لم يكن له مصحح في مرحلة الجعل فلا بد ألا ينعقد الإطلاق في مرحلة الجعل بالذات، ويحصل التقييد في تلك المرحلة لا في مرحلة الفعلية.

وثانياً: أن سقوط الإطلاق في مرحلة الفعلية ؛ هل هو بتصرف من الشارع، أو بحكم العقل.

ولا معنى للقول بالأول ذلك لأن المشرع إنما يتصرف في الأحكام في خصوص مرحلة الجعل دون مرحلة الفعلية، إذ بعد تمامية الإنشاء وجعل الاحكام على نحو القضية الحقيقية، فمرحلة تحقق الموضوع تكوينية لا علاقة لها بالمشرع، بل هي خارجة عن مجال تصرفه كي يتدخل في تقيدها.

أما إذا قلنا بأن المقيد للإطلاق هو العقل ؛ فهل الحاكم هو العقل النظري، أو العملي؟ أما النظري فشأنه إدراك الواقعيات بما هي عليها، وليس من شأنه التصرف


1) أجود التقريرات 2: 505.

بالتقييد وغيره. فإذا كان الحكم في مرحلة الفعلية مطلقاً، فهو يدرك الأطلاق وان كان مقيداً فهو يدرك التقييد دون أن يمتلك القدرة على تغيير الواقع.

وأما إذا كان الحاكم هو العقل العملي الذي لا يكون علمه انفعالياً كالعقل النظري، وإنما علمه فعلي في مجال حكمه بالحسن و القبح فمجال تدخله وتأثيره هو مرحلة التنجز لا الفعلية ؛ فالعقل يحكم بقبح العقاب على مخالفة أحدهما في صورة صرف القدرة في امتثال الأهم أو المساوي، ومرحلة حكم العقل باستحقاق العقاب وعدم استحقاقه هي مرحلة التنجز لا الفعلية، فالتحديد اذن يتحقق بحكم العقل في مرحلة التنجز فحسب.

وثالثاً: ماذكره من أن صرف القدرة في أحدهما يوجب انتفاء الحكم عن الآخر بانتفاء موضوعه غير تام ؛ لأنه إما أن نلاحظ التكليفين قبل مرحلة العلاج، أو بعدها:

فقبل مرحلة العلاج لدينا قدرة واحدة يمكن صرفها في كل منهما، فإذا صرفناها في أحدهما كان ذلك تعجيزاً اختيارياً بالنسبة للآخر، ومثل هذا التعجيز الاختياري يختلف عن انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، بل هو إسقاط للحكم بتفويت موضوعه فهو داخل في المخالفة والعصيان، أما ما بعد مرحلة العلاج فكذلك إذ أن نتيجة العلاج هو رفع اليد عن الاطلاق بنفي الحكم عن بعض حصص الموضوع، كنفي وجوب الصلاة لو اشتغل بالإزالة بدون مبرر.

التقريب الثاني: وهو ما نستظهره من كلمات المحقق النائيني (قدس سره) في بحث الاضطرار إلى غير المعين، وفي بحث الزكاة (1)وهو أن فعلية كل حكم وان كانت بفعلية


1) اجود التقريرات 2 : 269.

موضوعه - أي: بتحققه - إلا إن بعض الموضوعات قد يكون فيها إبهام في مجال التطبيق، ومن هنا يلجأ العقلاء لإزالة هذا الإبهام إلى جعل ثان نعبر عنه بـ (متمم الجعل التطبيقي). ففيما لو اضطر المكلف لأحد أمرين: إما شرب الخمر، أو شرب النجس، فالمضطر إليه حقيقة هو عنوان انتزاعي من كليهما، وهو عنوان أحدهما لا أحدهما معيناً، مع أن عنوان أحدهما ليس هو المحرم شرعاً بل المحرم هو كل واحد بحده معيناً. فهنا يبرز الإبهام، فإن المضطر إليه حقيقة ليس له حكم حتى يرتفع، والذي له حكم ليس مضطراً إليه ؛ فإما أن نقول ببقاء حرمة شرب الخمر وشرب النجس كليهما على الرغم من الاضطرار لأحدهما، أو نقول بأن الاضطرار لأحدهما يكفي في رفع الحرمة عنهما معاً.

وكلاهما مما لا يمكن الالتزام به ؛ فإن بقاء حرمة كليهما يُلغي تأثير الاضطرار، والالتزام بحليتهما معاً لا يقتضيه الاضطرار. ومن هنا يلتجئ العقلاء إلى متمم الجعل التطبيقي لتحديد ما هو المضطر إليه ؛ فإذا كان الأمران متساويين في المفسدة فيعتبرون المضطر إليه ما يختاره المكلف، وإلا اعتبروا المضطر إليه هو الأقل مفسدة.

والسر: في ذلك أن اختيار الفرد في حال الاضطرار يجب أن يندك في اختيار الجامع، وهو في حال التساوي يتحقق باختيار أي من الفردين. أما في حال وجود الأشد مفسدة فإن اختيار الأشد لا يندك في اختيار الجامع ؛ ولذا لا يصدق أنه مضطر اليه، بل يعتبر مضطراً إلى ارتكاب الأقل مفسدة عند العقلاء.

إذن فهناك موضوعات تفتقر في تطبيقها على مواردها إلى متمم جعل تطبيقي يعين العقلاء من خلاله موضوع الحكم. وهو لا يختص بموارد القدرة فقط، بل يتعدى إلى

غيرها أيضا كما في باب الزكاة فيما إذا كان عندنا حول وتُردّد أنه لهذا النصاب أو لذاك، وسيأتي توضيحه.

وهنا كذلك ؛ فعندنا قدرة واحدة تتعلق بأحد الفعلين مع أن التكليف متعلق بهذا بحده أو بهذا بحده، واعتبارها قدرة على كل منهما مما لا يساعد عليه العقلاء، وإلا لزم الجمع بين الضدين فهنا العقلاء في صورة التساوي يرونه قادراً على كل واحد منهما بشرط ترك الآخر وفي صورة وجود الأهم فإنهم يرونه قادراً على فعله فحسب، وإن لم يصرف قدرته في الاهم فإنهم يرونه قادراً على فعل المهم في هذه الحالة، أي: يعتبرون الترتب والطولية في مرحلة التطبيق.

وملخص الحديث: أن التكليف مشروط بالقدرة، والقدرة هنا متحققة على أحد الأمرين، وتعيين متعلقها في هذه الحالة يحتاج إلى متمم الجعل التطبيقي لأجل رفع الإبهام في مرحلة الفعلية. والملاحظ أن متمم الجعل هذا يفيد فائدة الإطلاق تارة كما لو تعلق بالأهم، وفائدة التقييد أخرى كما لو تعلق بالمهم أو في صورة التساوي.

وبذلك ترتفع الإشكالات التي وجهت للتقريب الأول ؛ إذ أنها كانت مبتنية على رفع إطلاق الحكم والتصرف فيه، والحديث هنا ليس في رفع اطلاق الحكم ؛ لأن كل حكم أخذ في موضوعه القدرة على متعلقه، وكل منهما يدعو المكلف لصرف قدرته في أنجاز متعلقه. ولرفع الإبهام يعين العقلاء بمتمم الجعل التطبيقي مورد صرف القدرة، فالتصرف حينئذ في الموضوع لا في الحكم.

ولكن يلاحظ على هذا التقريب :

أولاً: أنه يبتني على افتراض وجود قدرة واحدة على الضدين تتعلق بالعنوان الانتزاعي - وهو أحد الأمرين - وبذلك نحتاج إلى متمم جعل تطبيقي لتعيين مجال صرف القدرة منهما. ولكن إذا كانت القدرة بمعنى القوة المنبسطة في العضلات بلا مانع تكويني من الفعل، بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، فهي موجودة بالنسبة إلى كل واحد منهما، ولكن ليست له القدرة على الجمع بينهما فحسب. فالصحيح وجود قدرتين - كما سيأتي توضيحه - لا قدرة واحدة ؛ ليأتي التقريب.

وثانياً: أن متمم الجعل التطبيقي لما كان من المرتكزات العقلائية، فلا بد أن يتلاءم مع سائر مرتكزات العقلاء الأخرى. ولازم فكرة متمم الجعل المذكور تعدد العقوبة في صورة التساوي ؛ إذ التساوي يعني أن المكلف قادر على الأول إذا ترك الثاني وقادر على الثاني إذا ترك الأول، فلو تركهما مع القدرة عليهما حسب الفرض لزم من ذلك تعدد العقوبة وهو - كما ذكرنا سابقاً - خلاف مرتكزات العقلاء.

وان أمكن دفع هذا الاعتراض بأن نقول: إن العقلاء هنا يرون المكلف قادراً على أحدهما فقط فلا يستحق إلا عقوبة واحدة لا على كل منهما عند ترك الآخر لكي يكون مستحقاً لعقوبتين.

وثالثاً - وهو أهم الوجوه في الملاحظة هذه : أن مجال تأثير القدرة التامة التي هي محل البحث لا يمكن أن يكون مرحلة الفعلية للأحكام ؛ إذ القدرة هنا تقابل العجز عن امتثال تكليفين الزاميين محرزين. وبما أن العجز بهذا المعنى مما يرتبط بمرحلة التنجز للتكليف، لذلك، فإن القدرة التي تقابله لا بدأن يكون مجال تأثيرها هو مرحلة التنجز أيضاً.

ومن هنا فنحن نحتمل أن المحقق النائيني (قدس سره) يريد بما ذكره: مرحلة التنجز لا الفعلية، كما عبّر عن ذلك كثيراً بمرحلة الامتثال، ونحتمل أنه يريد منها مرحلة التنجز فلاحظ.

الرأي الثالث: هو أن قصور القدرة عن الجمع بين التكليفين مؤثر في مرحلة التنجز واستحقاق العقاب، وهنا امران لابد من البحث فيهما.

الأمر الأول: في أثبات هذه المبنى إجمالاً.

الأمر الثاني: في بيان كيفية تأثير ذلك في مرحلة التنجز.

فأما الكلام حول الأمر الأول فنقول: إن للقدرة ثلاث مراحل ومعان:

المرحلة الأولى: أو المعنى الاول القدرة بالنسبة إلى متعلق التكليف، ويقابلها العجز عن الإتيان بالمتعلق. ويعبر عنها اصطلاحاً بـ : (إن شاء فعل وإن شاء ترك)، وهي تتقوم بثلاثة أمور:

1 - وجود القوة المنبثة في العضلات بما يتناسب والفعل الذي يراد إنجازه.

2 - سلامة الآلات الوسائل حتى غير البدنية منها التي يحتاج الها الإنسان في إنجاز العمل.

3- عدم وجود الموانع التكوينية من إنجاز العمل.

فلو تمت هذه الأمور يقال للإنسان إن له القدرة على العمل. ويقابله العجز عن الإتيان بالعمل، كما لو لم تكن له قوة على العمل كالمزمن الذي ليست له القدرة على الجهاد، أو كان فاقداً للوسيلة على إنجاز العمل كالأعمى الذي ليست له قدرة على الاستهلال لفقدانه البصر، أو كانت هناك موانع تمنعه من إنجازه كالسجين الذي يمنعه سجنه من انجاز العمل.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا حول هذا المعنى للقدرة هو: هل إن هذه القدرة بالنسبة للضدين اللذين لا يمكن الجمع بينهما في آن واحد هي قدرة واحدة، أو متعددة؟.

ربما يقال: إنها قدرة واحدة متعلقة بأحد الضدين إلا إن الحق أنها متعددة، فكل واحد من الضدين مقدور للإنسان ؛ لتوفر المقومات الثلاثة في كل واحد من الأمرين، لا أنها قدرة واحدة متعلقة بأحد الأمرين ليحتاج إلى متمم جعل تطبيقي يعين مجال صرفها منهما.

لا يقال : إن تحقق القدرة على كل واحد منهما يستلزم قدرته على الجمع بينهما، وهو مستحيل.

فإنه يقال : إن القدرة على كل واحد منهما بحده لا يلازم القدرة على الجمع بينهما ؛ إذ من الواضح أن الجمع بين الضدين ماهية ثالثة غير ماهية كل واحد منهما، وهي قد تكون مقدورة وقد تكون غير مقدورة؛ إذ لا مانع من تحقق المقتضي لوجود كل واحد من الضدين في نفسه دون أن يتحقق المقتضي للجمع بينهما لعدم القدرة عليه، كما بالنسبة لتحركه إلى جهتين متعاكستين في آن واحد، فهو قادر على كل واحد منهما في نفسه وإن لم يكن قادراً على الجمع بينهما؛ ولذا فمن الممكن لشخصين الإتيان بهذين الأمرين.

المرحلة الثانية: أو المعنى الثاني القدرة على الجمع بين امتثال التكليفين الإلزاميين المحرزين، ونصطلح عليها بالقدرة التامة، وهي التي تقابل العجز عن امتثال التكليفين المذكورين، وهي التي يبحث عنها في بحث التزاحم. وهي غير القسم

الأول من القدرة ؛ فإن الإنسان وإن كان قادراً على كل واحد منهما في نفسه بمعنى أنه إن شاء فعله وإن شاء تركه، لكن مع ذلك ليس له قدرة على الجمع بينهما.

المرحلة الثالثة: أو المعنى الثالث القدرة على الموافقة القطعية للتكليف في قبال العجز عنها.

بيان ذلك: أنه قد يكون متعلق التكليف مقدوراً عليه، لكن يعجز المكلف عن القطع بالامتثال، وهذا على قسمين ؛ لأنه إما أن يكون المكلف قادراً على المخالفة القطعية، وإما أن يكون عاجزاً عنها أيضاً كالموافقة القطعية.

مثال الأول: كمن يعلم بوجوب أحد الضدين اللذين لهما ثالث في آن واحد، مثل التحرك نحو المشرق والمغرب، فإن المكلف قادر على تركهما معاً بالتحرك نحو جانب آخر أو السكون ومثال الثاني كموارد دوران الأمر بين المحذورين.

وبعد أن عرفنا أقسام القدرة ومعانيها الثلاثة نقول : لا ريب في أن القدرة بالمعنى الثالث ترتبط بمرحلة التنجز وتكون محددة لها.

ففي القسم الأول تحرم المخالفة القطعية ويتعين على المكلف الامتثال الاحتمالي، فالتكليف الواقعي الموجود بالتحرك نحو أحد الجانبين معيناً لا يقتضي استحقاق العقوبة على مخالفته، إلا إذا قطع المكلف بمخالفته بترك الطرفين معاً.

كما أنه في القسم الثاني – أي: دوران الأمر بين المحذورين - يتخير المكلف بين الفعل والترك مع وجود التكليف الواقعي بلا تصرف وتقييد فيه كما هو المتسالم عليه بين الأعلام.

إلا إن الكلام وقع في القدرة بالمعنى الأول والثاني، فذهب جمع إلى أنهما مؤثران في مرحلة التنجز أيضاً (1)

الأول: أن مفاد الأمر هو النسبة الإيقاعية، أي: إيقاع فعل على ذمة المكلف. وبالنتيجة يرجع الحكم التكليفي إلى حكم وضعي من قبيل اشتغال الذمة في باب الضمان، ومن المعلوم عدم اشتراطه بالقدرة كما أنه لا يكون مشروطاً بالعلم. ثم إن العقل يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته، وهذا الحكم العقلي مشروط بالعلم والقدرة، وينتزع من الأمر - بلحاظ هذه المرحلة المترتبة عليه - عنوان الباعثية، لا أن مفاد الأمر هو البعث. فالقدرة إذن شرط لحكم العقل بوجوب الإطاعة واستحقاق العقوبة، أما الحكم الشرعي المجعول فهو من سنخ الوضعيات غير المشروطة بالقدرة والعلم.

وعلى هذا الوجه اعتمد بعض مشايخنا (قدس سره)، كما أن مبناه - وهو تفسير مفاد الأمر بالنسبة الإيقاعية - يستفاد من مواضع من كتاب المحاضرات وان لم يلتزم بلازمه، لكن لا يمكننا الموافقة عليه لإنكاره الحكم التكليفي وإرجاعه إياه الى الوضعي، في حين أنهما حقيقتان مختلفتان في عالم الاعتبار، كما أوضحناه في محله. فالحكم التكليفي يكون بمفاده الأولي باعثاً أو زاجراً، بخلاف الحكم الوضعي فإنه حكم تمهيدي لترتب أحكام تكليفية، وذكرنا أن مفاد هذا الأمر بحسب المتفاهم العرفي ليست هي النسبة الإيقاعية، بل نسبة بعثية تهييجية.

الثاني: ما اعتمد عليه بعض الأعلام من التفرقة بين الأحكام القانونية والخطابات الشخصية. وبيانه يتوقف على مقدمتين:

الأولى: أن توهم اشتراط الحكم بالقدرة مبني على زعم انحلال الحكم القانوني الى خطابات متعددة حسب أفراد المكلفين ; فإنه - بناءً عليه - يكون شمول الخطاب للعاجز، بمعنی توجه خطاب خاص نحوه. ولا شبهة في استهجانه، كما إذا خوطب الأعمى مثلاً بوجوب الاستهلال. أما إذا أنكرنا الانحلال وقلنا بأن الخطاب القانوني مجعول لطبيعي المكلف بلا تكثر في ناحية الخطاب ولو انحلالاً، فلا يلزم الاستهجان في شمول الحكم القانوني للعاجز كما يشمل القادر. وحيث إن الحق عدم الانحلال في الخطابات القانونية وإنما جعلت لطبيعي المكلف وانطباقها على الأفراد عقلي فلا إشكال في شموله للعاجز بما أنه فرد للطبيعي.

الثانية: أن ملاك الحكم وإن كان عبارة عن عنوان الدعوة الى الخير والزجر عن الشر - وهو لا يتحقق بالنسبة الى العاجز - إلا إنه لا دليل على اعتبار تساوي الحكم المجعول والملاك المذكور في جميع افراد الطبيعي، فيكفي في عقلائية الحكم القانوي الكلي وجود هذا الملاك بالنسبة الى عدد معتد به من أفراد الطبيعي.

ثم استشهد القائل على مدعاه بأمور لا مجال لعرضها ونقدها وقد تعرضنا لها في بحث الضد.

والذي نقوله في المقام على نحو الاختصار ملاحظاً على مقدمته الأولى: إنه ليس المراد من الانحلال في المقام: انحلال الخطاب الواحد الى خطابات متعددة، وإنما المراد: انحلال الحكم المبرز انحلالاً عقلائياً اعتبارياً، بمعنى أن العقلاء ينسبون الحكم الى كل فرد من أفراد العنوان الذي تعلق به الخطاب مثل عنوان «الناس» و «المؤمنون». واثر هذا الانحلال تعدد الإطاعة والعصيان بالنسبة الى الأفراد، فكل فرد له حكم مستقل غير مرتبط بحكم الآخرين.

ثم إنه (قدس سره) قد صرح في بحث العام والخاص بأن الموضوع له في أداة العموم هو الكثرات - أي كثرات الطبيعة - ومعناه أن العام إذا كان موضوعا بمثل (يا أيها الناس) يكون كل فرد موضوعا للحكم.

ونلاحظ على المقدمة الثانية أن الملاك هو روح الحكم سواء كان حكماً شخصياً أم قانونياً، وكيف يعقل شمول الحكم لمن ليس فيه ملاكه؟ وأي داع الى هذا الالتزام مع أنه لو سُئل المقنن مثلاً في خطابه القانوني (يجب على الناس الاستهلال): هل ان خطابك يشمل الأعمى؟ مثلاً لأجاب بالنفي والاعتماد فيه على القرينة اللبية الكاشفة عن تحديد المراد؟

هذا كله، مضافاً الى ما ذكرناه في تقريب القول المختار فلاحظ.

.

1) ويمكن تقريبه بوجهين :

ولكن الصحيح هو التفصيل بين القدرة بالمعنى الأول ؛ فإنها تؤثر في مرحلة الجعل والإنشاء، والقدرة بالمعنى الثاني ؛ فانها مؤثرة في مرحلة تنجز الأحكام.

والوجه في هذا التفصيل أن القدرة والعجز بالمعنى الأول من التقسيمات السابقة على التكليف ؛ لأن المكلف قبل توجه التكليف اليه إما أن يكون قادراً على ايجاد متعلقه، وإما أن يكون عاجزاً عنه ؛ فلا محالة إما أن يكون التكليف بالنسبة إلى وجود هذا القيد وعدمه مطلقاً وإما أن يكون مقيداً. والإهمال غير معقول، وإطلاق التكليف للعاجز يكون تكليفاً بالمحال، وهو قبيح بل على حد تعبير المحقق النائيني هو بنفسه محال؛ لأن حقيقة التكليف عبارة عن الإنشاء لغاية ايجاد الداعي والمحرك إلى الفعل أو الترك في نفس المكلف، فلا يتحقق التكليف الحقيقي من المولى الحكيم بالنسبة إلى العاجز.

وكيفما كان فانه يكفي في إثبات محدودية الخطاب بالقدرة الحكم العقلائي بقبح تكليف العاجز ولو بنحو الخطاب القانوني المتوجه إلى طبيعة المكلفين، كما إذا كلف الجميع بوجوب الاستهلال مثلاً فلا مجال لتوهم شموله للأعمى.

هذا كله، مضافاً إلى الآيات والروايات الدالة بظاهرها على اشتراط التكليف بالقدرة بل السعة التي هي أخص من القدرة نحو قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (1)، وبما أن التكاليف الشرعية ليست تكاليف شخصية بل تكاليف قانونية على نهج القضايا الحقيقية فنفي التكليف عن العاجز يرجع إلى تقييد الحكم في مرحلة الجعل.

وفي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «ما كلف اللّه العباد كلفة فعل، ولا نهاهم عن شيء حتى جعل لهم الاستطاعة ثم أمرهم ونهاهم، فلا


1) البقرة: 286.

يكون العبد آخذاً ولا تاركاً باستطاعة متقدمة قبل الأمر والنهي، وقبل الأخذ والترك، وقبل القبض والبسط» (1). والروايات بهذا المفاد كثيرة.

وأما القدرة بالمعنى الثاني التي عبر عنها بالقدرة التامة - وهي القدرة على الجمع بين متعلقي التكليفين، ويقابلها العجز - فهي من التقسيمات اللاحقة للتكليف، لأنها تلاحظ بالنسبة إلى حكمين فعليين معلومين إيجابين. فلو كان أحد الحكمين إيجابياً والآخر تحريمياً أو استجابياً أو لم يكن أحدهما فعلياً أو لم يكن معلوماً لا يتحقق تزاحم بينهما.

والحاصل: أن المعتبر في تحقق العجز بهذا المعنى عن متعلّق التكليف تعلّق تكليف آخر إيجابي فعلي معلوم بما يضاده، بشرط ألا يكون التكليف الأوّل أهم من الثاني، فإنّ امتثال الأمر بالمهم لا يعدّ عند العقلاء عذراً لترك الأهم.

وهذه الأمور المعتبرة في تحقق العجز بهذا المعنى كلها من قبيل الانقسامات اللاحقة للحكم، كالعلم، وقصد الامتثال وتقييد الحكم بمثل العلم وإن لم يمتنع عقلياً - كما قررناه في محلة لكنه بعيد عقلائياً؛ فالعرف لا يساعد على تقييد الحكم بما هو متأخر رتبة عن نفس الحكم. وقد ذهبت الإمامية إلى شمول الأحكام للعالم والجاهل.

وهكذا، فالعرف لا يساعد العرف على تقييد الحكم بالقدرة بالمعنى المذكور، التي مرجعها إلى عدم تعلّق حكم آخر بضده.

والذي يؤكد هذه الدعوى أن العقلاء في مجال التكاليف المتزاحمة يرون توجهها للمكلف، ويحاولون معالجتها في مرحلة الامتثال.


1) التوحيد: 352 / 19.

ويوافقه لسان بعض الروايات الواردة في التزاحم نحو رواية ابن أبي نجران الواردة في تزاحم غسل الجنابة وغسل الميت : «إذا اجتمعت سنة وفريضة بدئ بالفرض» (1).

ويمكن أن يتوجه على هذا التقريب اعتراضات نتعرض لاثنين منها ولمناقشتها، ومن خلال ذلك ستتضح فكرة التقريب أكثر :

الاعتراض الأوّل : أن التقريب المذكور مبتن على الفرق بين الخطاب القانوني الذي يتم إنشاء الأحكام الشرعية من خلاله، والخطاب الشخصي، مع أن مرجع الخطاب القانوني - على القول بالانحلال، وهو الحق - إلى الخطابات الشخصية بعدد الأفراد. فحين يقول المولى يجب إنقاذ الغريق فإن هذا الخطاب القانوني الواحد ينحل إلى تكاليف متعدّدة بعدد الأفراد، فإذا كان هناك غريقان فإن هذا الخطاب القانوني الواحد ينحل إلى خطابين شخصيين. فلا فرق في الحقيقة بين الخطابات الشخصية المتعددة بعدد الأفراد، والخطاب القانوني الواحد الا في نوع المبرز فقط اما المبرز ففي كليهما واحد، وهو تكاليف شخصية بعدد الأفراد فإذا لم يكن هناك مصحح لتوجيه خطابات شخصية كما في موارد قصور القدرة وعدم إمكان الجمع بين الامتثالين كإنقاذ غريقين في آن واحد فإنه لا يوجد مصحح للخطاب القانوني أيضاً. فلا بد من الالتزام بأن الخطابات القانونية لا تتوجه في هذه الموارد إلى المكلفين، كالخطابات الشخصية؛ فالقدرة التامة على حسب اصطلاحنا تحدد مرحلة الإنشاء كالسابقة.

ولكن يناقش هذا الاعتراض بوجهين:


1) التهذيب 109:1 / 286.

الوجه الأوّل: أن الفرق بين الخطاب الشخصي والقانوني لا يختص بمجال المبرز فحسب بل يفترقان في المصحح للجعل أيضاً.

وتوضيحه : أن المصحح لكل خطاب هو إيجاد الداعي أو الزاجر في نفس المكلف، فيعتبر فيه ان لا يكون للمكلف داع إلى الفعل فيتعلق به امر، ولا يكون له زاجر عن الفعل فيتعلّق به نهي، ولكن يكفي في صحة الخطاب القانوني وشموله لجميع الافراد وجود أفراد لا يتوفر فيهم الداعي إلى الفعل والزاجر عنه وإن كان في حالات نادرة ولا يشترط في صحته عدم وجود الداعي والزاجر في جميع الافراد. ففي مثل قوله تعالى: (يحرم عليهم الخبائث) (1)يصح هذا الخطاب ويشمل جميع المكلفين مع وجود الزاجر النفسي عن تناول الخبائث في أكثر الأفراد، لكن لوجود بعض الأفراد في بعض الحالات النادرة الذين يتناولون الخبائث، صح هذا الخطاب القانوني وكذلك في ايجاب النفقه على الأهل مع وجود الداعي للنفقه في الكثير، ولكن بسبب فقدانه عند البعض فهذا يصحح جعل الوجوب.

اذن وجود الداعي أو الزاجر في بعض الأفراد لايوجب عدم صحة الخطاب القانوني وشموله.

وأما الخطاب الشخصي فلا يصح إلا إذا علم عدم وجود داعي الفعل أو الزاجر عنه في نفس المخاطب ؛ لأنه يدلّ بالدلالة الالتزامية على عدم وجود الداعي أو الزاجر، ولذلك ربما اعتبر توجيه مثل هذا الخطاب الشخصي لمن يوجد داع أو زاجر


1) الأعراف: 157.

في نفسه استخفافاً واستهانة به، كما إذا خاطب شخصاً محترماً بقوله: لا تشرب الخمر، فإنّه ربّما فهم من هذا الخطاب أنه يشرب الخمر فعلا.

إذن فالخطابات الشخصية تختلف في المصحح أيضاً عن الخطابات القانونية، وعلى ضوئه فقد يكون الخطاب الشخصي في مورد مامستهجناً وقبيحاً، ولكن لامانع من شمول الخطاب القانوني له.

الوجه الثاني: أن المراحل الثلاثة للحكم وهي (الإنشاء والفعلية والتنجز) مندمجة في الخطاب الشخصي، فلا بد أن تتوفر شروط المراحل الثلاثة جميعاً ومصححاتها، ليصح هذا الخطاب. في حين أنه في الخطاب القانوني قد يكون هناك أنفكاك بين هذه المراحل، فربما يتم انشاء الحكم دون ان يوجد موضوعه ليكون فعلياً، أو يكون فعليا ولكن لا يعلم به المكلف ليكون منجزاً عليه.

الاعتراض الثاني: لابد من وجود المصحح والداعي لإطلاق الحكمين في مرحلة الإنشاء مع أنه لا مبرر للالتزام بإطلاق كلا الحكمين في مرحلة الإنشاء مع عدم تنجز أحدهما ؛ لأنه إن كان الداعي للإطلاق تحصيل الجمع بين الضدين فهو محال، وإن كان بداعي صرف المكلف عن إعمال قدرته في الآخر فهو خلاف الفرض، لأن دليل الآخر أيضاً مطلق، وربما كان الآخر مساوياً له في الأهمية، بل قد قد يكون أهم منه. وعليه فلا بد من تقييد كل من الخطابين بترك الآخر، فلا يصحّ الالتزام بتوجّه خطابين مطلقين في عرض واحد للمكلف في مرحلة الإنشاء. فالقدرة إذن تؤثر في هذه المرحلة.

ويناقش هذا الاعتراض بوجهين:

الوجه الأوّل: أن الاطلاق في الحكمين إن كان إطلاقاً ذاتياً - كما هو الحق - فلا مجال للسؤال عن الداعي والمصحح له ؛ إذ أنه ليس بعمل من أعمال المولى المشرع ليسأل عنه، أما إذا كان إطلاقاً لحاظياً فإن المصحح له في مرحلة الإنشاء هو تحقق الملاك أو المصلحة والمفسدة في جميع أفراد الطبيعة المتعلقة للتكليف. وبا ذكر من المحذورين - من استلزامه ارادة تحصيل الجمع بين الضدين، أو صرف القدرة في الآخر - فلا تأثير لهما في إطلاق الحكم في مرحلة الإنشاء، لأنهما إنما يتحققان في مرحلة التنجز، فكيف يؤثران في المرحلة السابقة عليها؟ فهما يمنعان من وصول الحكم إلى مرحلة التنجز والتأثير في المكلّف لا في أصل إنشائه وجعله.

فالمولى لم ينشيء تحصيل الجمع بين الضدين بل أنشأ حكماً مطلقاً بمقتضى - الطبع والقاعدة، لتوفر الملاك في جميع أفراد الطبيعة، لكن لقصور القدرة على الجمع بين امتثال كلا التكليفين نشأ هذان المحذوران في مقام الامتثال والتنجز.

الوجه الثاني: مامضى مراراً من أن تقييد الخطابات الشرعية في مرحلة إنشاءها بهذه القدرة لا يتلاءم والمرتكزات العقلائية في المتساويين فراجع.

الأمر الثاني في بيان كيفية تأثير قصور القدرة في مرحلة التنجز.

فهنا آراء بين العلماء: الرأي الأول : أن المنجز هو أحد التكليفين فحسب؛ وذلك لأن العقلاء لايرون تعدد العقوبة في مثل هذا المجال، فهناك عقوبة واحدة سواء في صورة وجود الأهم، أو في صورة التساوي، وإنما الفرق بينهما أنه في صورة وجود الأهم إنما تكون العقوبة على مخالفة الأهم فحسب، ولو خالف المهم أيضاً أما في صورة التساوي فهناك عقوبة واحدة على ترك أحدهما فحسب.

الرأي الثاني: تنجز كلا التكليفين إلا إنه في صورة وجود الأهم فأن الأهم منجز مطلقاً، وأما المهم فإنه إنما يتنجز في صورة ترك الأهم.

أما في صورة التساوي، فإن أحدهما إنما يتنجز فيما لو ترك الآخر ونتيجة هذا الرأي هو تعدد العقوبة.

الرأي الثالث: - وهذا الرأي هو المختار -: التفصيل، ففي صورة التساوي يرونه قادراً على أحدهما، فتكون هناك عقوبة واحدة، أما في صورة وجود الإهم، فأن الأهم يتنجز مطلقاً، وأما المهم فإنه يتنجز على تقدير ترك الأهم، فلو ترك كليهما لكانت هناك عقوبتان. وقد ذكرنا هذا الرأي بالتفصيل في بحث الترتب.

وهذه الآراة تحتاج لتفصيل موسع حول تقييمها، وليس هنا مجال البحث عنها. لكن مما يجدر ذكره هنا بيان ماهو المرتكز في وجدان العقلاء في هذا المجال، حيث نراه يتوافق مع الرأي الثالث.

فقد ذكرنا سابقاً في بحث الترتب الآمري، أن القدرة التامة في المقام - مرحلة الجمع بين الامتثالين - هي قدرة اعتبارية بمتمم الجعل التطبيقي من قبل العقلاء، ففي صورة التساوي بين الأفراد في مقام الامتثال يرى العقلاء أن للمكلف قدرة تامة واحدة حيث يعتبرونه قادراً على أحدها فحسب، ولا يعتبرونه قادراً على الجميع. فلو كان هناك ألف شخص على وشك الغرق، وزيد لا يقدر إلا على إنقاذ واحد منهم لكن فقط خالف ولم ينقذ أي واحد منهم فغرقوا جميعاً، فإنهم لا يعتبرون زيداً مسؤولا عن غرق الجميع.

إذن، فالالتزام بتعدد العقوبة - وهو من نتائج القول بالترتب - محل إشكال في صورة التساوي بحسب ارتكاز العقلاء ووجدانهم.

أما في صورة وجود الأهم، فإنهم يرونه قادراً بالدرجة الأولى على الأهم بصورة مطلقة، ولكن إذا لم يأتِ بالأهم فإنهم يعتبرونه قادراً على المهم على تقدير تركه للأهم. ومن هنا يعتبره العقلاء ذا قدرتين، بلحاظ أنهم بحسب ارتكازاتهم - يرون الطولية الرتبية بين الأهم والمهم، كالطولية الزمانية.

فإذا كان هناك جماعة مشرفون على الموت عطشاً، ولا يوجد عند المكلف إلا كمية قليلة من الماء لاتروي إلا شخصاً واحداً منهم، والمفروض اختلاف أفراد الجماعة من حيث الرتبة والأهمية، فهنا لو لم يعط هذا الماء إلى جميع أفراد الجماعة، فسيعبّره العقلاء مسؤولا عن موت الجميع، ويعاقب على إهلاك الجميع عقوبات متعدّدة بعددهم كما هو الأمر في الطولية الزمانية، كما لو كان هناك أفراد متعددون يعانون العطش ولكن الأوّل منهم يموت في الدقيقة الأولى لو لم يصل إليه الماء، والثاني في الدقيقة الثانية وهكذا، حيث يموتون طولياً، فهنا يجب على المكلف إعطاء الماء إلى الأوّل في الدقيقة الأولى، فلو أعطاه الماء وأنقذه من الموت، فلا يبقى له ماء بالنسبة لبقية الأفراد لذلك لومات البقية لا يعتبره العقلاء مسؤولا عن موتهم، أما لو لم يعط الماء إلى الأوّل في الدقيقة الأولى ومات عطشاً، فإنه يكون مسؤولا عن موته، ولكن العقلاء يلزمونه باعطاء الماء في الدقيقة الثانية للثاني، فلو عصى ومات الثاني، فيرونه مسؤولا عن موته وهكذا بالنسبة للبقية ويرونه مؤاخذاً بمؤاخذات كثيرة. والطولية الرتبية في أذهان العقلاء شبيهة بالطولية الزمانية.

والملاحظ أن العلماء لم يفرقوا في مجال المسؤولية والعقاب بين صورة الأهم، وصورة التساوي، فأولئك القائلون بتعدد العقوبة في موارد التزاحم، لاحظوا أمثلة الأهم والمهم بحسب وجدانهم وارتكازاتهم، ولم يلاحظوا أمثلة التساوي، في حين أن

القائلين بوحدة «العقوبة» لاحظوا أمثلة التساوي دون ملاحضة أمثلة الأهم والمهم. وهذا في الواقع نوع من الجمع بين آراء العلماء وارتكازاتهم المختلفة في هذا المجال.

هذا كله في مالو لم يكن قصور القدرة بسوء اختيار المكلف، أما لو كان قصور القدرة بسوء اختياره - بأن كان المكلف مثلا في أول الوقت قادراً على انقاذ جميع الغرقى لكنه أخر إنقاذهم إلى أن ضاق الوقت وقصرت قدرته عن إنقاذ الجميع، فلا يقدر إلا على إنقاذ واحد منهم، فهو بسوء اختياره قد أوقع نفسه في هذا الأضطرار - فهنا يكون التكليفان المتزاحمان مثلا معاً منجزين عليه ويعتبر مستحقاً للعقاب على مخالفة كلا التكليفين حتى مع التساوي ؛ لأنه تعجيز اختياري، والاضطرار أو الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ولا أقل من عدم منافاته للاختيار في مرحلة العقوبة والتنجز، فهنا لو كانا متساويين، فالواجب إنقاذ أحدهما ويعاقب على ترك إنقاذ الآخر، وأما لو كان أحدهما أهم من الآخر، فيجب إنقاذه عقلا ؛ لان المهم أخف عقوبة وإن ترك الأهم فالواجب هو المهم.

وعلى كل حال فالفرق بين ما اخترناه، ومسلك المحقق النائيني بناءً على التقريب الثاني هو أنه تصور أنه تصور أن القدرة واحدة، فلذلك ذهب إلى تأثيرها في مرحلة الفعلية بعد تطبيق متمم الجعل في هذه المرحلة، لكنا حيث بنينا أن القدرة ليست تكوينية لتكون واحدة، وإنما هي اعتبارية بلحاظ تزاحم الامتثالين المنكشفين، لذلك طبقنا متمم الجعل في مرحلة التنجز.

وعلى ضوء ماسلكناه يكون الفرق بين التعارض والتزاحم أن التعارض تنافي المدلولين في مرحلة الجعل، حتى لو فرض عدم فعلية الحكمين وعدم تنجزهما، أما التزاحم فهو تردد موضوع لأن يكون موضوعاً لفعلية هذا الحكم، أو الحكم الآخر.

بقي شيء وهو أن جميع ما ذكرناه في هذا البحث مبني على معالجة التزاحم على أساس اعتبار القدرة، لكن يمكن معالجته بما ورد في رفع ما اضطروا إليه، ففي الواجبين المتزاحمين يصدق عنوان المضطر إليه على ترك أحدهما المقارن لفعل الآخر، هذا فيما إذا كانا متساويين من حيث الأهمية، وأما إذا كان أحدهما أهم من الآخر، فلا يصدق هذا العنوان إلا على ترك غير الأهم المقارن لفعل الآخر، فتكفي أحاديث تحليل المضطر إليه، وحديث الرفع (1)لتشخيص الوظيفة في باب التزاحم وتفصيل ذلك في بحث الترتب.

هذا تمام الكلام في الجهة الأولى حول البحث في الفرق بين التعارض والتزاحم.

الجهة الثانية: الموارد المشتبه كونها من التزاحم أو التعارض:

بعد أن تعرفنا على الملاك في التعارض والتزاحم، فمن حيث التطبيق والصدق هناك موارد اختلفت الآراء حول كونها من باب التزاحم أو من باب التعارض، وهي ثلاثة موارد :

1 - موارد اجتماع الأمر والنهي، والبحث عنها موكول إلى محله.

2 - ماذكره المحقق النائيني من أن هناك موارد يثبت فيها التزاحم من غير ناحية قصور القدرة.

3 - المسائل الدورانية في باب المركبات الارتباطية التي يدور الأمر فيها بين ترك شرط أو ترك جزء.

ويدور البحث هنا حول الموردين الأخيرين.


1) التوحيد : 353 / 24 الخصال: 417 / 9.

المورد الأوّل: موارد التزاحم مع عدم قصور القدرة.

وقد ذكرنا سابقاً أن المحقق النائيني التزم بأن هذه الموارد من باب التزاحم (1)إلا أن جماعة من الأعاظم أنكروا عليه ذلك وذهبوا إلى أنها من باب التعارض (2).

وقد ذكر بعض مشايخنا (3)أن أكثر الفقهاء إلا من شذ منهم أدخلوا مسألة تردّد النصاب في باب التزاحم، وهذه المسألة من صغريات الكبرى التي التي نبحث عنها.

والملاحظ أن لهذه الكبرى موارد كثيرة، ولكننا هنا نتعرض إلى مثال تردد النصاب في باب الزكاة ومثاله ما لو ملك زيد في أوّل المحرّم (25) من الإبل، وهو النصاب الخامس في باب الزكاة، وفي أول رجب من ذلك العام ملك ناقة أخرى فبلغت ممتلكاته (26)، وهو النصاب السادس، ففي المحرم الثاني بما أنه كان يملك (25) من الأبل قد حال عليها الحول، فيجب أن يدفع (5) من الشياه زكاة، وفي رجب الثاني بما أنه مرّ على (26) من الإبل حول كامل، فيجب أن يدفع بنت مخاض.

ونتيجة ذلك تزكية المال الواحد مرتين في عام واحد وهذا مما يعلم خلافه، ومن هنا يحصل التزاحم بين الحكمين؛ مع عدم قصور قدرة المكلف؛ لأنه قادر على دفع (5) شياه للنصاب الخامس، وبنت مخاض للنصاب السادس، إلا ان لازمه دفع الزكاة مرتين في عام واحد.


1) أجود التقريرات 504:2.

2) مصباح الاصول 3: 359.

3) هو العالم الكبير الشيخ حسين الحلي (قدس سره).

وقد أدخل المحقق النائيني هذا المورد في باب التزاحم، ورجح الحكم الأول وهو وجوب دفع زكاة النصاب الخامس آخر حوله ؛ للتقدم الزماني، وهو أحد مرجحات باب التزاحم. وإذا استدامت ملكيته للنصاب السادس إلى المحرم التالي وجبت عليه زكاته، ولا تجب الزكاة عليه في رجب. وبذلك أيضاً افتى الفقهاء إلا الشاذ منهم.

ولعل هذا من الشواهد على إدخالهم هذا المورد في باب التزاحم. كما ذكر ذلك بعض مشايخنا في بحثه بعد أن اعترض على المحقق النائيني وان قرّر ان المورد داخل في التعارض لا التزاحم ولكنه برر رأيه بذهاب أغلب العلماء إليه، كما اعترض في أجود التقريرات على المحقق النائيني أيضاً، وذهب إلى أن هذا المورد داخل في باب التعارض لا التزاحم (1). ولابد من ملاحظة هذه المسألة على كلا المسلكين : مسلك التزاحم، ومسلك التعارض.

المسلك الأوّل - الذي اختاره المحقق النائيني -: ويدور البحث فيه تارة في إثبات كون المورد داخلا في باب التزاحم، وأخرى أنه بعد ثبوت ذلك، فما هو مقتضى المرجّحات؟ فالبحث يكون في جهتين:

الجهة الأولى: أن موضوع وجوب الزكاة عبارة عن مرور حول تام غير متداخل كما يوضحه التأمل في الأمثلة العرفية، فإذا قال مثلا يجب عليك في كل شهر تسكن فيه الدار أن تعطي كذا يكون الموضوع هو الشهر غير المتداخل، وإلا فيلزم إعطاء المال مرات فيما إذا سكن الدار خمسة وثلاثين يوماً، فإن هذه الإيام إذا لوحظت متداخلة تُحقق أشهراً كثيرة باعتبار أنه في اليوم الأوّل من الشهر الثاني يكون قد مرّ على سكناه


1) أجود التقريرات 1: 285.

شهر وفي اليوم الثاني أيضاً قد مرّ شهر حيث يحتسب مبدؤه اليوم الثاني من الشهر الأول وهكذا. ولاريب أنه خلاف المتفاهم العرفي من هذا الكلام.

وكذلك يستظهر من روايات اعتبار مضي الحول على النصاب مضي حول مستقل غير متداخل على كل نصاب. ومن المعلوم ان في المثال الذي سبق في تملك الإبل يكون مجموع مامضى على الأبل عبارة عن ثمانية عشر شهراً، وهي لا تشكل عامين إلا مع التداخل، فلا يصدق أنه قد مضى على خمس وعشرين حول، ومضى على ستّ وعشرين حول، وإذا لوحظ الحول مستقلا غير متداخل فلم يمض إلا حول ونصف.

وبالنتيجة لم يتحقّق موضوع وجوب الزكاة إلا لواحد من النصابين؛ فإذا اعتبرنا هذا الموضوع لخمس وعشرين تجب زكاتها في أول شهر محرم الحرام ومن هذا اليوم يبتدىء الحول لست وعشرين وتجب زكاتها في أول شهر محرم الآتي. وإذا اعتبرنا موضوع الحول لستّ وعشرين فتجب زكاتها في أوّلشهر رجب.

فان الحول في المقام نظير القدرة في باب المتزاحمين على مسلك المحقق النائيني والتنافي بين الحكمين يقع في مرحلة تحقق الموضوع. ويحتاج تطبيق الموضوع إلى متمم جعل في هذه المرحلة، وحيث عرّف المحقق النائيني التزاحم بالتنافي في مرحلة الفعلية وتحقق الموضوع فإن المقام يندرج في باب التزاحم أيضاً.

وقد ظهر مما ذكرنا : أن إدراج المورد في باب التزاحم لا يتوقف على ملاحظة الرواية القائلة بأن المال الواحد لايزكى مرتين في عام واحد (1)، حتى يعترض عليه بما في هامش أجود التقريرات من أن الرواية المذكورة توجب العلم بتقييد أحد الإطلاقين، وذلك


1) الكافي 3: 543 / 4.

لأن دليل النصاب لا يملك إطلاقاً يشمل فرض تداخل الأعوام لكي يحتاج في تقييده لهذا الحديث (1).

الجهة الثانية: ماهو مقتضى المرجّحات في هذا التزاحم ؟ إن المرجّحات تقتضي- اعتبار الحول التام بالنسبة للنصاب الخامس وهو (25) من الإبل ؛ عقلائياً وشرعياً:

أما عقلائياً، فلما ذكرناه في محله من أن التقدم يكون لدى العقلاء مرجحاً في باب التزاحم، حيث إن بناء العقلاء في باب الأفراد المتدرجة الوجود، على اعتبار الموضوع هو الفرد المتقدم.

وأما شرعاً فأننا لو أعتبرنا الحول بالنسبة للنصاب المتأخر، للزم عدم وجوب الزكاة في سنين عديدة، فلو ملك واحداً من الابل في الشهر العاشر، تغير نصابه للنصاب السادس، وسقط مامضى من الأشهر العشر ونصابها، ثم بعد عشرة أشهر لو فرض أنه ملك عشرة من الابل، سقط جميع ماقبله ووجبت حقة عليه وهكذا.

المسلك الثاني : مسلك التعارض. ويقع البحث فيه أيضاً من جهتين: فتارة في إثبات أصل المدعى، واثبات كون المورد من باب التعارض، واخرى الوظيفة بعد إثبات ذلك.

أما الجهة الأولى - وهي إثبات كون المورد من باب التعارض لا التزاحم - فلأن التزاحم ينحصر بموارد قصور القدرة عن الجمع بين الامتثالين، ومن الواضح أن الانسان قادر هنا على إعطاء (5) شياه وبنت مخاض، فلا قصور في القدرة ليدخل في باب التزاحم.


1) أجود التقريرات 1 : 285.

وأما تصوير التعارض، فلأن أدلة النصب مطلقة من حيث إعتبارها الحول، فانها تشمل الحول التام والمتداخل، لكن نعلم إجمالا بعدم إرادة الأطلاق من كلا الدليلين ؛ اما من جهة وضوح عدم صحة ذلك، وألاً وجب عليه أن يدفع في رأس السنة خمس شياه وبنت مخاض وحقه، لو كان مالكاً للنصاب الخامس ثم ملك في اليوم الثاني، واحداً من الإبل، ثم ملك في اليوم الثالث عشرة من الإبل، أو من جهة ماورد (شيء واحد لايزكى في عام واحد من وجيهن) (1)ومن هنا نعلم إجمالا بعدم وجوب زكاتين أو أكثر للمال الواحد، وبذلك نعلم بعدم صحة أحد الإطلاقين.

وهذا العلم الإجمالي يوجب التعارض بين الدليلين، ولابد من إعمال قواعد التعارض، ولا وجه لجريان قواعد باب التزاحم؛ لأنه في كل مورد كان فيه العلم الإجمالي سبباً لتنافي الدليلين، فهذا مما يرتبط بباب التعارض لا التزاحم. ومن هنا اعترض على المحقق النائيني بوضوح دخول هذا المورد في باب التعارض.

ولكن يعترض على هذا الكلام ؛ سواء في تصوير إخراج المورد من باب التزاحم أو في تصوير إدخاله في باب التعارض: أما الاعتراض على إخراجه من التزاحم، فلما ذكرناه من أن ملاك باب التزاحم هو إبهام الموضوع لاقصور القدرة.

وأما الاعتراض على إدخاله في التعارض، فلما بيّناه في المسلك الأوّل - مسلك التزاحم - من عدم وجود الإطلاق لتلك الروايات.

وأما الجهة الثانية، فبما أنه لا تملك تلك الروايات مرجحاً يرجح به بعضها على البعض الآخر، لادلالة ولا سنداً، كما أنه لا يوجد إطلاق يرجع إليه بعد تساقطها، لذلك يكون المرجع هو الأصول العملية، وهي تقتضي الاحتياط بالجمع بين الزكاتين.


1) الكافي 3: 4/543.

إلا انه ذكر في مستند العروة: (الصحيح هو الأوّل المطابق لما ذكره في المتن إذ لا موجب لإلغاء الحول بالأضافة إلى النصاب الأوّل بعد تحقق موضوعه وفعلية حوله وكونه مشمولا لإطلاق دليله، فرفع اليد عنه طرح للدليل بلا موجب وبلا سبب يقتضيه).

ثم قال بعد ذكره للمثال: (وبعد أن تعلقت الزكاة بتلك الأبل أو الشاه فلا يبقى بعدئذ موضوع لملاحظة النصاب الثاني في شهر رجب؛ لأن ذلك الوجوب...) (1).

وهذا غريب منه، إذ بعد فرض كون المقام من باب التعارض كيف يقدم الأول ليكون رافعاً لموضوع الثاني، مع أن التقدم الزماني لا يعتبر من مرجحات باب التعارض؟

المورد الثاني: المسائل الدورانية.

من المسائل التي اختلف فيها أنها من باب التزاحم أو التعارض، المسائل الدوراينة، وتترتب عليها فروع عديدة في الفقه.

وتتحقق هذه المسائل في المجال الذي لا يتمكن فيه المكلف من امتثال جميع اجزاء المركبات الارتباطية. وتفرض عليه هذه الحالة أن يترك بعض الأمور الدخيلة في المركب الارتباطي، سواء كان دخلها بعنوان الجزئية أو الشرطية، أو كان لعدمه دخل في تحقق ذلك المركب بأن كان مانعاً.


1) مستند العروة الوثقى كتاب الزكاة 244:1 - 245.

إذن فيتوقف امتثال هذا المركب الارتباطي على ترك أحد الأمور، ليتمكن من امتثال البقية.

فهل مثل هذه المسائل داخلة في باب التزاحم لتجري عليه قواعده ومرجحاته ؛ فتلاحظ الأهمية مثلا أو السبق الزماني، أو في باب التعارض لتجري فيه قواعده ومرجحاته - المرجّحات الدلالية، والسندية - أو الرجوع للأصول العملية مع عدم وجود الدليل اللفظي؟

هناك خلاف في ذلك بين العلماء فما يظهر من الفقهاء إجراء قواعد التزاحم في المسائل الدورانية، ولها أمثلة كثيرة، يمثل لها عادة فيما لو دار أمر المكلف بين أن يصلي في مكان قائماً ولكن لا يتمكن من الركوع والسجود، بل يأتي بهما مع الإيماء، أو في مكان يصلي فيه قاعداً مع التمكن من الاتيان بالركوع والسجود.

وقد ذكر في المستمسك في بحث القيام من كتاب الصلاة نقلا عن ظاهر الفقهاء

أنهم عدوا المورد من باب التزاحم، ولكنه اعترض عليهم في ذلك وأنكر دخول مثل هذا المورد في التزاحم المصطلح، وإن اعترف بأن الأحكام الجارية فيه تماثل أحكام التزاحم (1). وقد تعرض المحقق الهمداني لهذه المسألة والتزم بقواعد التزاحم فيها، وكذلك التزم بهذا الرأي المحقق النائيني والمحقق العراقي (2).


1) مستمسك العروة الوثقى 6: 131.

2) مصباح الفقيه (كتاب الصلاة): 259.

ولكن بعض الأعاظم (أيده اللّه) أدخل ذلك في باب التعارض، وذهب إلى ملاحظة قواعد التعارض وأحكامه فيها (1). وتقريب كلامه يبتني على مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن مورد التزاحم يتمثل في تلك الموارد التي يوجد فيها تكليفان لكل واحد منهما إطاعة مستقلة وعصيان مستقل، لكن المكلف لأجل قصور قدرته لا يتمكن من امتثالهما معاً، ودار الأمر بين مخالفة أحدهما وامتثال الآخر، فهنا يتزاحم الحكمان.

ومثل هذا المعنى للتزاحم لا يتحقق في التكاليف الارتباطية ؛ لأن التكليف ارتباطي فيها، بمعنى أن هناك أمراً واحداً تعلق بأمور متكثرة، كالأمر بالصلاة الذي توجه إلى عدة أجزاء وقيود وجودية وعدمية. ومن هنا تكتسب هذه الأمور المتكثرة خارجاً الوحدة الاعتبارية من ذلك الأمر الواحد ؛ ولهذا تعتبر هذه الأمور الكثيرة عملاً واحداً. وكذلك يكتسب ذلك الأمر الواحد الكثرة من تلك الأمور، ويعبر عنه بـ: (الانحلال) ويسمى بـ (الأوامر أو الوجوبات الضمنية).

وبما أن هذه الوجوبات ضمنية، فليس لها إطاعة مستقلة أو عصيان مستقل، وإنما هي تابعة لذلك الأمر الواحد المتوجه للمجموع، وإطاعتها تحصل بإطاعة المجموع، وعصيانها كذلك، وإنما هذا التكثر تكثر أعتباري، فيعتبر هذا الوجوب الواحد وجوبات متعددة، أما في الواقع فلا يوجد انحلال بحيث تنفك هذه الوجوبات بعضها عن الآخر في الإطاعة والعصيان ويشتمل كل واحد منها على الملاك، لتلاحظ


1) المحاضرات 3: 322 مباني الاستنباط 2: 412 مصباح الاصول 2: 362، تنقيح العروة الوثقى 6: 479.

على ضوء ذلك الأهمية والمهمية من حيث الملاك، وإنما الملاك قائم بالمجموع والأمر متعلق حقيقة بالمجموع، فللمجموع إطاعة واحدة وعصيان واحد ولو تحقق العصيان الواحد بترك بعض الأجزاء. ومن خلال ذلك يظهر جلياً أنه لا يعقل أن يدخل المقام في باب التزاحم ؛ فيدخل في باب التعارض إذ القسمة حاصرة. ولا يوجد شق ثالث.

المقدمة الثانية - وقد ذكرت هذه المقدمة في أواخر بحث الاشتغال : أن مقتضى القاعدة سقوط الأمر بالمركب فيما إذا تعذر بعض ما يعتبر فيه من جزء أو شرط أو مانع، لأن المركب ينتفي بانتفاء أجزائه، كما أن المشروط ينتفي بانتفاء شرطه. فالعجز عن بعض الأجزاء يلزم منه العجز عن المركب؛ لأن المفروض أن الأوامر متوقفة على أن تكون متعلقاتها مقدورة، والقدرة على المركب تنتفي بانتفاء القدرة على بعض الأمور الدخيلة في تحقق ذلك المركب. إذن، ففي موارد التعذر عن بعض الأمور المعتبرة في المركب الارتباطي فإن مقتضى القاعدة سقوط الأمر لا دخوله في باب التزاحم. إلا إن هناك موردين نلتزم فيهما بلزوم الإتيان بالمقدار الميسور، وعدم سقوط الأمر بالمركب الارتباطي مع العجز عن بعض الأمور المعتبرة فيه:

المورد الأول: وهذا المورد خارج تخصصاً - أن يكون الدليل الدال على دخل الجزء أو الشرط قاصراً في نفسه، كما لو كان دليلا لبياً، لا إطلاق له لصورة التعذر، وإنما يدل على اعتباره في صورة التمكن فحسب، كدليل وجوب الاستقرار في الصلاة. فإذا تعذر هذا الجزء أو الشرط، وجب مابقي من المركب ؛ لأن المفروض أن شرطية هذا الشيء ليست مطلقة.

المورد الثاني: مالودل دليل ثان على لزوم الميسور، وعدم سقوط التكليف به ولو تعذر ما يعتبر فيه، كما ذكر ذلك في باب الصلاة فيما إذا لم يتمكن المكلف من صلاة

المختار التامة بجميع أجزائها وشرائطها، لتعذر بعض اجزائها، فقد التزموا بوجود أدلة على الاتيان بالصلاة.المقدورة. وهذه الأدلّة هي الإجماع والتسالم على عدم سقوط الصلاة بتعذر بعض أجزائها، وكذلك ماذكروه من الرواية في باب الصلاة «الصلاة لاتترك بحال» (1).

ومن هنا نستكشف من الدليل الثاني - بعد سقوط الأمر بالمركب الأوّل وجوب الإتيان بمركب آخر والإتيان بهذا المركب الآخر واضح فيما لو تعذر جزء معين مثلا فإن ذلك الشيء المعين يسقط، وتجب الصلاة الميسورة الفاقدة لذلك الجزء مثلا، كما لو لم نتمكن من الاستقرار أو الركوع أو السجود.

أما لو تردد سقوط أحد أمرين، فهنا ينبغي علينا ملاحظة الأدلّة الدالة على دخل هذين الأمرين، فإذا كان لأحدهما مرجح دلالي أخذ به، كما لو دل أحدهما بالإطلاق على دخل ذلك الأمر في الصلاة، والآخر بالعموم فهنا يلزم الحفاظ على ما كان دليله بالعموم، وترك ماكان دليله بالإطلاق. أما إذا كانت دلالة كلا الدليلين بالعموم، فسنأخذ بالمرجح السندي، فما كان له مرجح سندي أخذ به وأن تكافئا سنداً، فتصل النوبة للأصل العملي.

وبما أننا نشك هنا في أن الواجب علينا هل هو التخيير في الإتيان بأي واحد من المركبين أو التعيين والإتيان بهذا المركب الفاقد لهذا الجزء بالخصوص، أو الإتيان بالمركب الفاقد لذلك الجزء بالخصوص ؟ فإنه يدور الأمر بين التخيير والتعيين. وفي مثله تجري أصالة البراءة عن الخصوصيات والتعيين، وبذلك نحكم بالتخيير.


1) الكافي 3 : 287 / 2، التهذيب 2: 172 / 683.

هذا كله في مالو كان لكلواحد من المتعذرين دليل مستقل، وأما لو كان لهما دليل واحد، كما لو تعذر أحد الركوعين: الركوع في الركعة الأولى، أو الثانية، فلا معنى للتعارض فيرجع ابتداء للأصل العملي.

هذه خلاصة كلامه أيده اللّه.

وبحثنا في هذا المجال يدور حول جهتين:

الأولى: هل يمكن الالتزام بكون المقام من باب التزاحم كما نسب إلى ظاهر الفقهاء أم لا؟

الثانية : لو لم يتم ذلك، فهل تجري فيه ما يماثل أحكام التزاحم، أو أحكام التعارض؟ وترتيب البحوث وان أقتضى تقديم البحث عن الجهة الأولى، إلا إننا بملاحظة بعض الأمور نقدم البحث عن الجهة الثانية.

أما الجهة الثانية: رأينا فيما سبق أن المقدّمة الثانية تتلخص في أمرين:

1 - أنه لولا وجود الإجماع، وماورد من أن «الصلاة لاتترك بحال»، لكانت القاعدة تقتضي سقوط الأمر بالصلاة فيما لو تعذر بعض ما يعتبر في المركب الارتباطي.

2 - أن أدلّة الجزئية أو الشرطية أو المانعية بما أنها مطلقة فتتعارض، ومعه فلابد من الإخذ بالمرجح لو وجد، وإلا وصلت النوبة للأصل العملي.

ولأجل تقييم هذين الأمرين ينبغي علينا ملاحظة الأدلّة الواردة في هذا المجال وهي على طوائف ثلاث:

الطائفة الأولى: المطلقات الآمرة بالصلاة، وأن الصلاة إما موضوعة لمعظم الأجزاء، أو منطبقة عليها.

والمراد من معظم الأجزاء: الأركان والفرائض. وإطلاق الأدلّة تقتضي تحقق الصلاة مع الإتيان بالإركان والفرائض، كالركوع والسجود والطهور سواء تمكن من الإتيان بغيرها أم لا. فهذا الإطلاق يثبت التكليف وأنه يجب الأتيان بالمعظم هذا، حتى في صورة عدم ميسورية غير الأركان والفرائض.

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على الجزئية والشرطية والمانعية أمثال:

«لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب» (1)و «لاصلاة لمن لم يقم صلبه في الصلاة» (2)«لا تصل فيما لا يؤكل لحمه» (3)) وغيرها من الأدلّة الدالة على شرطية أو جزئية بعض الأمور في الصلاة وإن لم تكن أركاناً، ولم تكن دخيلة في مفهوم الصلاة وماهيتها، ولكنها دخيلة في المأمور به وظاهر إطلاق هذه الأدلّة دخلها بصورة مطلقة، وهذا يقتضي سقوط التكليف في صورة عدم التمكن منها، فمثل هذا الإطلاق ناف للتكليف، وعدم لزوم المقدار غير الميسور.

الطائفة الثالثة: وهى الروايات المحدّدة لإطلاق الارتباطية وهذه الطائفة تصطدم مع إطلاقات الطائفة الثانية، فإن ظاهر تلك الإطلاقات هو الارتباطية المطلقة. ولكن هذه الطائفة تحدد الارتباطية بصورة فقد العذر من نسيان وغيره.

وهذه الطائفة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل: مايفيد بمدلوله الأولي نفي الارتباطية المطلقة بين الأركان وغيرها. وعمدة هذا القسم ماورد في ذيل صحيحة زرارة المعروفة بحديث: «لا تعاد الصلاة


1) عوالي اللآلي :2 : 218 / 13.

2) الكافي 3: 320 / 4.

3) الفقيه 4 : 265 / 824.

ألا من خمس...» فقد ورد في ذيلها «والقراءة سنة، والتشهد سنة» (1). وفي بعض النسخ إضافة «والتكبير سنة» (2)، «ولا تنقص السنة الفريضة» حيث تقسم هذه الصحيحة ما يعتبر في الصلاة إلى سنة وفريضة، وتنفي الارتباطية المطلقة بين السنن والفرائض. فتدل على أن ارتباطية غير فرائض الصلاة مع الفرائض ليست ارتباطية مطلقة، بل أن ارتباطيتها مقيدة بعدم الغدر في الترك.

اذن، فهذا الذيل ناظر لتقييد وتحديد أدلّة الشرطية والجزئية والمانعية بغير صورة العذر في الترك.

والظاهر أن هذا التقييد والعذر لا يختصان بصورة النسيان فحسب، كما ذهب إليه المحقق النائيني (3)، بل يشمل كل عذر من الأعذار، فإذا أخل بالسنن أي تلك الأمور غير الدخيلة في مفهوم الصلاة لعذر - فهذا الإخلال لا يوجب سقوط الأمر عن إطلاقات الطائفة الأولى، بل تبقى الصلاة مأموراً بها، ومقتضى الأخذ بإطلاقها تحديد إطلاق الطائفة الثانية، وأنها دخيلة في المأمور به في غير مورد العذر.

ويلاحظ أن هذه الطائفة تختص بموارد تعذر السنن ولا تشمل تعذر الفرائض، فإنه لو تعذرت الفرائض فلا يبقى أمر الصلاة. أما لو تعذرت السنن وبقيت الفرائض، فالأمر بالصلاة باق على حاله.

القسم الثاني: الروايات الدالة على حلية الحرام بالاضطرار، أمثال قولهم: «ما من شيء حرمه اللّه مه اللّه ألا وقد أحلّه لمن اضطر إليه».


1) الفقيه 1 : 181 / 857، التهذيب 2: 597/152.

2) جامع أحاديث الشيعة 6 / 268.

3) اجود التقريرات 309:2.

وتقريب الاستدلال بها أن الحرام الوارد في هذه الروايات لم يرد به خصوص الحرام التكليفي الاستقلالي، بل المراد به: كل ماجعل المكلف محروما منه بوسيلة قانونية، سواء كانت تلك الوسيلة إنشاء التحريم له مباشرة من قبيل شرب الخمر، أم كانت من خلال إيجاب ضده العام استقلالا أو تبعاً. فترك الواجب مصداق للحرام، وهكذا ترك جزئه أو شرطه.

والحاصل أن المراد بالحرام: ما يعم ترك الواجب أو ترك بعض شؤونه مما هو دخيل فيه، المتعارف التعبير عن ترك الواجب بالحرام.

والذي يشهد على التعميم المذكور، تطبيق هذه الكبرى في الروايات على ترك الواجبات الضمنية، كما في معتبرة أبي بصير قال: سألته عن المريض هل تمسك له المرأة شيئاً فيسجد عليه؟ قال: «لا، إلا أن يكون مضطراً ليس عنده غيرها، وليس شيء مما حرم اللّه إلا وقد أحله لمن اضطر إليه» (1).

والظاهر أن الإجابة بالنفي لأجل عدم حصول الاستقرار في مثل هذه الحالة بحسب الطبع، والإمام (عليه السلام) طبق الحرام على عدم الاستقرار الذي هو واجب شرطي في الصلاة.

وفي معتبرة سماعة قال: سألته عن الرجل يكون في عينيه الماء فينزع الماء منها فيستلقي على ظهره أياماً كثيرة أو أربعين يوماً أو أقل أو أكثر فيمتنع من الصلاة إلاّ


1) التهذيب 3: 397/177.

إيماء وهو حاله. قال: «لابأس بذلك وليس شيء» مما حرمه اللّه إلا وقد أحله لمن اضطر إليه (1)، (2).

والملاحظ أن الأمام (عليه السلام) جعل ترك القيام والسجود والركوع التام محرماً، وهي واجبات ضمينة.

ومثل هاتين الروايتين معتبرة محمد بن مسلم (3)، إلا أنه استشهد في ذيلها بقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) (4)وهي تشير إلى شمول قاعدة الاضطرار لأمثال هذا المورد.

وحيث ظهر المراد من التحريم الوارد في الرواية، يظهر المراد من الإحلال، وأنه عبارة عن رفع تلك الحرمة وحل عقدة الحظر (5)، فإحلال ترك الواجب لا يكون إلا برفع الوجوب الاستقلالي أو رفع الجزئية والشرطية.


1) وهذه الجملة الأخيرة لا توجد في الفقيه، إلا إن ذلك غير قادح مع ملاحظة أن الفقيه كتاب فتوى، ولم يكن للصدوق داع قوي لذكر تمام الرواية خاصة إذا كانت مشتملة على كبرى كلية ; إذ لا حاجة لذكر الكبريات الكلية في كتاب الفتوى.

2) التهذيب 3: 306/ 945.

3) الكافي 3: 410 / 3.

4) البقرة: 173.

5) وقد ذكر هذا المعنى للحلال في أقرب الموارد وغيره، ولازمه ثبوت نوع من الحظر في الفعل حتى يحل، فيظهر الفرق حينئذ بين الحلال والمباح، فإن الحلية تكون حكماً شرعياً إما بصورة نسخ الحرمة الثابتة في الشريعة السابقة وإما بصورة هدم السنن الجاهلية ونحوها. وبهذه النكتة تعالج المشكلة المعروفة في بحث الشروط من البيع في تفسير قوله (عليه السلام): «إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» حيث إن كثيراً من الشروط المتسالم على صحتها تُنتج تحريم مباح على المشروط عليه. وهذه المشكلة نشأت من تفسير الحلال بالمباح أما لو فسرناه بما كان للشارع فيه حكم تحليلي هدم به التحريم الثابت أو المتوهم، فلا يظهر فيه إشكال فيعتبر على ضوئه في صحة الشرط، وكذلك الصلح واليمين ; لورود امثال هذه العبارات فيها أيضا ألا يتنافى مع أحكام الإسلام ; سواء أحكامه البنائية من الواجبات والمحرمات، أم أحكامه الهدمية أي تحليلاته التي هدم بها الحكم الثابت أو المتوهم. وتفصيل هذه الفكرة، وتوضيح الفرق بين الأحكام البنائية والهدمية ذكرناه في محله.

والنتيجة أننا نفهم من حديث «لا تنقض السنّة الفريضة»، وحديث الاضطرار إلغاء السنن والأمور الدخيلة في المركب، وعدم ارتباطيتها به في حالة التعذر والعجز، فاذا لم يكن عنده عذر بمعناه الواسع الشامل للنسيان ولغيره تكون هذه السنن معتبرة يجب الإتيان بها، وان وجد عذر فلا تكون معتبرة ويأتي بالمركب بدونها.

وربما يعترض على ذلك بان هذه الاحاديث وان أفادت انتفاء الوجوبات الضمنية في حالت التعذر.

لكن الجواب عن هذا الاعتراض أنه يمكن لنا اثبات بقاء الميسور على الوجوب من خلال عدة طرق، نذكر منها هنا طريقين:

الأول: أنه قد وردت أوامر بالصلاة على نحو العموم المجموعي، ولكن هذه الأحاديث التي ذكرناها قد خصصتها بصورة الاضطرار، فتبقى تلك الأوامر بمجموع الصلاة بالنسبة إلى المضطر إلى ترك جزء أو شرط حجّة في الباقي، لأن هذا القائل يتفق معنا بأن العموم المجموعي حجّة فيما بقي.

الثانية: أن نتمسك بإطلاقات الطائفة الثانية التي أمرت بالأركان والفرائض، لأن احاديث الطائفة الثالثة إنما تقيد الطائفة الثانية، التي أمرت ببعض الاجزاء والشرائط.

إذن فاذا تعذرت بعض الأمور المعينة الدخيلة في المركب الارتباطي، فإن مقتضى الأدلّة اللفظية والإطلاقات هو لزوم الاتيان بالبقية، فلا تصل النوبة للأصول العملية.

وأما إذا اضطر إلى أحد أمرين أو أمور، كما لو عجز عن الجمع بين أمرين واضطر لترك أحدهما، فهنا نحتاج لمتمّم الجعل التطبيقي ليعين لنا موضوع الاضطرار ولابد من ملاحضة المرجّحات في ذلك، والعقلاء في مثل هذه الموارد، وفي مقام متمم الجعل التطبيقي يلاحظون الأهم والمهم، ويعذرون الإنسان في تركه للمهم ولا يعذرونه في ترك الأهم. أما في صورة التساوي بين الأمرين من حيث الأهمية، فيلاحظون وجود البدل، فما كان له بدل، فيتركه لبدله، وإن كان لكليهما بدل، فيلاحظون التقدّم الزماني، وهكذا في ملاحظتهم لسائر المرجّحات.

اذن ففي مثل هذه الموارد فإن متمم الجعل التطبيقي يعين لنا العلاج.

وعلى ضوء ماذكرناه، ففي الفرع الفقهي الذي ذكرناه سابقاً في صدر هذه المسألة - فيما لو دار الأمر بين القيام والركوع والسجود إيماء، أو الركوع والسجود مع عدم القيام ذهب جماعة من العلماء ككاشف اللثام وصاحب الجواهر والمحقق الهمداني إلى تقديم الركوع والسجود على القيام (1)، فعليه أن يصلي في المكان الذي يقدر فيه على الركوع والسجود ؛ فإنهما أهم من القيام ؛ لأنهما ركن بينما القيام ليس بركن، كما يستفاد ذلك من بعض الأحاديث كقوله «الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود» (2)، وقوله في رواية ثانية: «أول صلاة أحدكم الركوع» (3).


1) كشف اللثام 3: 400 جواهر الكلام 9: 256، مصباح الفقيه (كتاب الصلاة): 259.

2) الفقيه 1 : 22 / 66.

3) التهذيب 2 : 97 / 392.

وان أمكن الاعتراض على ماذهبوا إليه في هذا لحكم (1)، لكن من خلال ذلك كله يتضح أنه يجب علينا إجراء قواعد التزاحم في الترجيح حتى لو شككنا في كون المقام من باب التزاحم.

و مما ذكرنا ظهر بطلان كلا الأمرين المذكورين في المقدمة الثانية:

وأما الأول: فلأننا لانحتاج في ذلك إلى الأجماع ورواية «لاتترك الصلاة بحال» التي لا يعلم حالها، فإن الطائفة الثالثة من الأحاديث التي ذكرناها تدل على ذلك بوضوح.

وأما الثاني: فلا وجه لإجراء قواعد التعارض مطلقاً، وإنما الصحيح ماذهب إليه الفقهاء قديماً وحديثاً من اجراء قواعد التزاحم.

وأما الجهة الأولى: فيقع الكلام تارة في مقام الثبوت، وأخرى في مقام الأثبات.

أما مقام الثبوت: فهل يعقل أن يفرض المقام من باب التزاحم أم لا؟

فالتزاحم بالمعنى الأخص الذي يعني عدم التمكن من الجمع بين تكليفين متوجهين للمكلف، هل يعقل في المركبات الارتباطية أم لا؟. ذهب البعض إلى أن عدم كون المورد من التزاحم بين القضايا التي تكون قياساتها معها ؛ لأن ذلك إنما يتصور في ما لو كان هناك تكليفان لكل منهما إطاعة وعصيان مستقلان، لكن لم يتمكن المكلف من الجمع بينهما. أما لو كان التكليف ارتباطياً بأن كان هناك تكليف


1) بأن يقال ان اهمية الركن من غيره وان كانت صحيحة الا انه قد يشكل انطباقها على الفرع المذكور بلحاظ امكان ان يكون الركن هو الجامع بين المبدل منه والبدل أي الايماء فان الإيماء وان لم یکن ركوعاً لغة لكن الركوع المعدود في حديث لاتعاد من جملة الفرائض ليس مختصاً بالركوع الاختياري بل يشمل الإيماء في حال الضرورة، ولهذا يكون تركه سهواً مخللا بالصلاة، فتدبر.

واحد قد توجه لعدة أمور بحيث يكون لهذا التكليف الواحد عصيان واحد وإطاعة واحدة فلا يعقل دخوله في باب التزاحم بالمعنى الأخص.

لكن لأجل تصور دخوله في باب التزاحم، يلزم علينا تفسير الارتباطية في التكليف، فإن هذه الارتباطية تتصور على أربعة وجوه:

1 - ما ذكرناه في المقدمة الأولى، وهو الارتباطية المتولدة من الأمر الواحد المتوجه لأمور متعددة، حيث تكتسب هذه الأمور المتكثرة الوحدة من هذا الأمر الوحداني، في حين يكتسب الأمر الواحد الكثرة الاعتبارية من هذه الأمور ؛ ولأجل ذلك نعبر عن هذه الكثرة بالوجوبات الضمنية. وهذه الارتباطية هي المشتهرة على ألسنة العلماء، ولو كانت الارتباطية مختصة بهذا النوع دون أن يكون لها نوع آخر، لما أمكن تصور التزاحم بالمعنى الأخص في المركبات الارتباطية.

2 - الارتباطية التي لم تنشأ من وحدة الأمر والجعل، وإنما تنشأ من وحدة الملاك حتى مع تعدد الأمر. وقد التزم المحقق النائيني (1)وهذا القائل بهذا النحو في مبحث خطاب الناسي في باب الاشتغال.

وتوضيحه إجمالاً : أن هناك أمرين في هذا المجال أمراً بالأركان وهو مطلق وأوامر تتوجه لكل واحد من السنن، كالفاتحة والتشهد على أسلوب متمم الجعل المفيد فائدة الجزئية أو الشرطية، والأمر بالأركان متوجه لعامة المكلفين، أما الأمر بكل واحد من السنن فهو متوجه لهم، ولكن بشرطين:

الأول: الإتيان الأركان.

الثاني: الالتفات للسنن.


1) اجود التقريرات 303:2.

فيقال مثلا: أيها الآتي بالأركان المتلفت للسنن ائتِ بهما.

ومن هنا يختلف الأمر بالأركان عن الأمر بالسنن متعلقاً وموضوعاً، فموضوع الأول هو المكلف القادر ومتعلقه هو الأركان في حين أن موضوع الثاني هو المكلف الآتي بالأركان المتلفت إلى متعلقه وهو السنة.

وإنما تعدد الأمر وكان الأمر الثاني غير الأمر الأول ؛ لأن الأمر بالأركان غير مقيد بالالتفات للسنن أو بالإتيان بغير الأركان أو عدمها، أما الأمر بالسنن فهو مقيد بالالتفات للسنن والإتيان بالأركان، وغير المقيد بشيء غير المقيد به.

أما السر في الالتزام بتعدد الأمر، والدافع للشارع ليتوسل بمثل هذين الأمرين بهذه القيود، فهو أن السنن كقراءة سورة الفاتحة في الصلاة مثلاً ليست من الأمور الدخيلة في الملاك مطلقاً، بل إنما هي دخيلة في ملاك الصلاة في حالة الالتفات للفاتحة، بخلاف الركوع مثلاً فإنه دخيل في الملاك مطلقاً بلحاظ الالتفات الى غير الأركان وعدمه. فإذا أوجب الشارع الإتيان بالأركان وغيرها بأمر واحد فإنه يلزم منه سقوط وجوب الأركان بسقوط غيرها لنسيان أو غيره من الأعذار، مع أن المفروض تمامية ملاك الصلاة في هذه الحالة. فلأجل التحفظ على الملاك لا مناص من الالتزام بتعلق أمر آخر بالأركان غير مرتبط بغيرها.

ثم إن هذا الأمر لا يمكن أن يكون موضوعه عنوان (الناسي)، بأن يقال مثلاً: أيها الناسي للفاتحة يجب عليك الإتيان بالأركان ؛ وذلك لأنه بعد أن كان المصحح لجعل الحكم هو إيجاد الداعي الى الفعل في نفس المكلف بالإمكان - وهو يعني أنه لو علم بالحكم وبموضوعه فسيتأثر به ويتحرك على وفقه - لكن هنا لا يتحقق هذا المصحح ؛ وذلك لأن الناسي لو التفت الى نسيانه فسيتبدل نسيانه الى التذكر فينتفي موضوعه.

ومن هنا فلا يعقل أخذ عنوان النسيان في خطاب الناسي ؛ ولذلك لا بد من الالتزام بتعدد الأمر بصورة أخرى فأمر يتعلق بالأركان مطلقاً، وأمر يتعلق بالسنن مقيداً بالالتفات اليها وبالإتيان بالأركان بنحو متمم الجعل المفيد فائدة الجزئية أو الشرطية، بعد أن كان ملاك كلا الأمرين واحداً يترتب على المجموع من الأركان والسنن تارة وعلى خصوص الأركان أخرى.

3 - الارتباطية التي لم تنشأ من وحدة الأمر ولا من وحدة الملاك، وإنما تنشأ من تقيد الأمر بالأركان بعدم عصيان الأمر بالسنن.

وتوضيحه أن يفترض وجود أمرين استقلاليين هنا: أمر بالأركان، وأمر بالسنن في ظرف الإتيان بالأركان، والأمر الأول ليس مطلقاً بل متعلقه مقيد بعدم عصيان الأمر بالسنن. فالمطلوب هو الإتيان بالأركان بشرط لا عن عصيان السنن.

فإذا أتى المكلف بالأركان متعمداً لترك السنن فإنه يكون آثماً لترك التكليف الاستقلالي، وتكون صلاته - بما أتى به من الإركان - باطلة، لعدم انطباق المأمور به على المأتي به ؛ لأن المفروض أن الإتيان بالأركان كان مقيداً بعدم عصيان السنن. أما إذا ترك السنّة بدون تعمد فيه، فصلاته صحيحة؛ لعدم صدق العصيان على الترك عن عذر. وإذا ترك الفرائض والسنّن معاً فليس له إلا عقوبة واحدة لترك الفرائض ؛ أما السنن فالمفروض أنها كانت واجبة في ظرف الإتيان بالإركان، وبما أنه لم يتحقق موضوعها، فلا يتوجه إليها أمر، فلا محل للعقوبة عليها.

4 - الارتباطية في مرحلة الحكم الجزائي بايجاب الإعادة عقوبة على ترك السنن.

وتوضيحه أن نفترض وجود أمرين استقلاليين كالصورة الثالثة هنا: أمر مطلق بالأركان، وأمر متعلّق بالسنن في موضوع الإتيان بالأركان والالتفات إلى السنن من دون أن يكون الأمر الثاني مفيداً للجزئية والشرطية ؛ لأن المفروض استقلالية الأمر وتعدد الملاك، إلا إن الشارع تصرف في مرحلة الجزاء وجعل العقوبة، فأوجب الإعادة على من خالف الأمر الثاني من باب العقوبة على ترك السنة.

وبعبارة أخرى أن الصلاة الفاقدة للسنة صحيحة باصطلاح المتكلمين للصحة، وهي مطابقة المأتي به مع المأمور به، وغير صحيحة باصطلاح الفقهاء للصحة، وهي سقوط سقوط الإعادة والقضاء. ولاوجه لما جاء في الكفاية من أن المعنيين للصحة یرجعان إلى أمر واحد (1).

وقد يستغرب هذا المعنى ؛ إذ كيف يجمع بين كون العمل صحيحاً مع وجوب إعادته؟

ولكن ذكرنا أن الإعادة هنا من باب العقوبة والحكم الجزائي، وقد ورد مثل ذلك في بعض الروايات مثل صحيحة زرارة فيمن غشي امرأة وهما محرمان، بعد حكم الأمام (عليه السلام) بوجوب الحج ثانياً: قلت: فأي الحجتين لهما، قال «الأولى أحدثا فيها ما أحدثا، والأخرى عليهما عقوبة» (2)، وموثقة سماعة قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي قال: «يعيد صلاته لكي يهتم بالشيء إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه» (3).


1) كفاية الأصول 24.

2) الكافي 4 : 373 / 1.

3) التهذيب 1: 254 / 738.

إذا اتضحت هذه الصور الأربعة للارتباطية فالملاحظ أنه على التصويرين الأولين لا يمكن اعتبار مورد البحث من قبيل التزاحم إذ ليس للسنن إطاعة ومعصية مستقلة؛ لأنها لم تجعل بأمر مستقل. أما في التصوير الأوّل فواضح ؛ إذ لا يوجد إلا أمر واحد، وأما في التصوير الثاني، فكذلك؛ لأنّ الأمر فيها يفيد فائدة الجزئية أو الشرطية أو المانعية وليس أمراً مستقلا وأما على التصويرين الأخيرين؛ فلأن الأمر المتعلّق بالسنن فيهما مستقلا؛ فلذا يعقل فيها التزاحم؛

وعلى هذا فلاوجه لما جاء في المقدّمة الأولى في تقريب كلام بعض الأعاظم من أنه لا يعقل ذلك مطلقاً.

وأما مقام الإثبات، فلا ريب في أن الأدلّة لا تتلاءم مع التصوير الأول للارتباطية، كما أن القائل نفسه لم يلتزم بذلك في مبحث خطاب الناسي وإن كان ذلك ظاهر كلامه هنا.

وكذلك التصوير الرابع أيضاً لا يتلاءم مع الأدلّة ؛ فإنه وإن ذكر في بعض الروايات كما سبق ذكره في تقريب هذا التصوير، ألا إنه خلاف ظاهر الأدلّة التي تفيد بأنه على تقدير ترك السنة متعمداً لا ينطبق المأمور به على المأتي به؛ فيدور الأمر حينئذ بين التصوير الثاني والثالث.

و مما يبعد التصوير الثاني أنه يبعد فرض ثبوت نفس الملاك الذي يترتّب على صلاة المختار المشتملة على جميع الأجزاء والشرائط، والفاقدة لموانع الصلاة يترتب بنفسه على صلاة الناسي الفاقدة لبعض الأجزاء والشرائط أو المشتملة على بعض الموانع، فيبعد افتراض ثبوت نفس ملاك التامة فيها كما لو صلى فكبر ونسي القراءة ثم ركع ونسي

الذكر ثم سجد ونسي الذكر وهكذا في الركعة الثانية ثم نسي التشهد وسلّم وكان مستصحباً لأجزاء مالا يؤكل لحمه وهو معذور في ذلك.

و مما يبعد التصوير الثالث أن ظاهر الأدلّة مثل قوله (عليه السلام): «لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب» (1)هو إثبات الجزئية أو الشرطية أو المانعيّة، لا أنها واردة لإثبات حكم تکلیفی ضمن الصلاة، فيكون سبب البطلان كون الأركان (بشرط لا) عن عصيان السنن.

وربما يؤيد التصوير الثالث بالكثير من الروايات التي قسمت الصلاة إلى فرائض وسنن، وقد عقد الوافي باباً بعنوان (فرائض الصلاة) (2).

و من هذه الروايات ماورد في جامع الأحاديث في باب فرائض الصلاة وحدودها في صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الفرض في الصلاة فقال «الوقت والطهور والقبلة والركوع والسجود والدعاء» قلت: فما سوى ذلك؟ قال «السنة مفروضة» وفي نسخة التهذيب: سنة في فريضة»، والتعبير الثاني أكثر دلالة على المقصود.

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «أن اللّه تبارك وتعالى فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة فمن ترك القراءة متعمداً أعاد الصلاة ومن نسي، فلا شيء عليه» (3).


1) عوالي اللآلي 2 : 218 / 13.

2) انظر الوافي :7: 41 / 3 باب الفرض في الصلاة.

3) الكافي 3 : 347 / 1.

والمراد من الفريضة ما فرضه اللّه تعالى، ومن السنة ما سنه النبي (صلى اللّه عليه وآله)، ومن الواضح أنه مع تعدّد الجعل والجاعل والمجعول بالنسبة للفرائض والسنن يبعد الارتباط بينها بنحو التصوير الثاني الذي يقوم على أساس متمم الجعل.

ولكن يشكل الاحتجاج بهذه الأحاديث لما ورد في كثير من الروايات من أن الركعتين الأوليين فرضها اللّه تعالى والأخيرتين فرضهما النبي (صلى اللّه عليه وآله) (1)ولذا كان الشك في الركعتين الأوليين مبطلا دون الأخيرتين. فلا يمكن الالتزام بأن مطلق الأركان مما أمر اللّه سبحانه به، وأن مطلق السنن مما أمر به النبي (صلى اللّه عليه وآله) فلا يصح تفسير الفريضة والسنّة بذلك التفسير، ولابد من تفسير تلك الروايات بتفسير آخر بأن نجعل الفريضة بمعنى التقدير والسنة بمعنى التكميل كما جاء ذلك في لسان العرب: (الفرض ما أوجبه إليه سمي بذلك لأنّ له معالم وحدوداً) ومنه قوله تعالى: (قد فرضتم لهن فريضة) (2)أي جعلتم لهن مهراً، وجاء فيه أيضاً: (سن الشيء: أحده وصقله، وسنن المنطق حسنه فكأنه صقله وزينه) (3). فالماهيات الاعتبارية کالامور الخارجية كما أن المهندس الأوّل في الامور الخارجية يخطط المعالم الرئيسية وأركان البناء ويترك الأمور الثانوية للمهندس الثاني، فكذلك في الماهيات الاعتبارية فهو تعالى حدّد الفرائض وأوكل تصميم السنن للنبي (صلى اللّه عليه وآله).

وعلى أي حال فالأمر يدور بين التصوير الثاني والثالث ولا أثر في تحقيق ذلك بعد أن كان المتعين هو إجراء أحكام التزاح في ذلك


1) انظر الوسائل 8: 187 / ب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

2) البقرة: 237.

3) لسان العرب 7: 202 / مادة فرض.

البحث الرابع: الأصل في المتعارضين

ويقع البحث حوله في مقامين:

المقام الأوّل: في مقتضى الأصل بالنسبة إلى حدود التنافي.

المقام الثاني: في مقتضى الأصل فيما وراء حدود التنافي بالنسبة لنفي الثالث.

أما المقام الأول، فلابد من ملاحظة الدليل على اعتبار هذين الدليلين المتعارضين؛ إما أن يكون بناء العقلاء وهو دليل لبي، أو دليلا شرعياً إمضائياً لما بنى عليه العقلاء، أو دليلا شرعياً تأسيسياً.

1 - فإن كان دليل حجيتها بناء العقلاء، فهنا ثلاث مراحل مترتبة :

المرحلة الأولى: الجمع بين الدليلين، وذلك فيما إذا امكن استكشاف مراد الشارع من مجموعهما بملاحظة القواعد التي يراعيها في إبراز مقاصده، ويعبر عن ذلك بالجمع العرفي أو الاستنباطي. وسيأتي توضيحه في محله (1).

المرحلة الثانية - بعد تعذر المرحلة الأولى - ملاحظة المرجّحات، ويلزم أن يكون المرجح على نحو ينحل به العلم الإجمالي بكذب أحدهما، بأن تصرف الريبة الناشئة من التعارض من أحدهما إلى الآخر - وهذا المعنى هو المقصود من خبر عمر بن حنظلة كما سيأتي - كما لو اختلف طبيبان في تشخيص المرض ولكن درجتهما كانت متفاوتة، بحيث يكون قول أحدهما هو المعتمد عليه بحسب بناء العقلاء دون الآخر.


1) انظر ص 573.

المرحلة الثالثة - بعد تعذر الجمع والترجيح -: فالأصل التساقط ؛ لأن العقلاء لا يرون شيئاً منهما حجّة في حدود ما يتنافيان فيه؛ وذلك لأن حجية خبر الثقة عندهم من باب الطريقية إلى الواقع ولازم طريقية كل منهما إلغاء طريقية الآخر.

2 - لو كان الدليل على حجيتهما هو الدليل الشرعي الإمضائي لبناء العقلاء. فحاله كحال الوجه السابق، لما مرّ منا مراراً من أن الدليل الإمضائي يتبع في الحكم ماوقع عليه الإمضاء.

3 - لو كان الدليل على حجيتهما الدليل الشرعي التأسيسي، فهو وإن كان مجرد افتراض لا واقع له في الخارج - إذ لا يوجد مثل هذا الدليل على حجيتهما، والدليل القائم على حجيتهما هو بناء العقلاء فحسب، وما ذكر من أدلة لفظية فهو تأكيد وإمضاء له - لكن مع ذلك وقع البحث فيه بين العلماء، واختلفوا فيه على قولين:

القول الأول: التساقط ؛ وذلك لأنه لا يعقل شمول دليل الحجية لكلا الدليلين المتعارضين؛ فأنه يعني التعبد بالمتناقضين. وهكذا شمول دليل الحجية لأحدهما دون الآخر ؛ فإنّه ترجيح بلا مرجح بعد أن كان المفروض وجود ملاك الحجية في كل منهما.

القول الثاني: حجّيّة كلا الدليلين المتعارضين بتقريب أن دليل الحجية له إطلاق أفرادي وإطلاق أحوالي، والأخذ بالإطلاق الأحوالي له وإن كان يلزم منه محذور التعبد بالمتناقضين، لكن نرفع اليد عن إطلاق دليل الحجّيّة الأحوالي الذي هو منشأ بروز التنافي بين الدليلين، وذلك بأحد نحوين :

الأول: أن نقيد حجية كل من الدليلين بعدم الأخذ بالآخر، كأن يقول: خذ بخبر زرارة إن لم تأخذ بخبر محمد بن مسلم، وبالعكس.

وواضح أن هذا النحو من التقييد لا يدفع الإشكال مطلقاً، إذ لو لم نأخذ بشيء من الخبرين تحقق موضوع حجيّة كليهما، فيجب الأخذ بهما معاً؛ وهذا يعني التعبد بالمتنافين.

الثاني: أن نقيد حجيّة كل منهما بالأخذ به، بأن يكون خبر زرارة حجّة فيما لو أخذ به، وخبر محمّد بن مسلم حجّة فيما لو أخذ به. وحيث لا يمكن الأخذ بكليهما؛ لفرض وجود التنافي بينهما، فلا يتحقق موضوع حجيتهما معاً ابداً ليلزم محذور الجمع بين المتنافين.

وقد يعترض على هذا النحو من التصرف في إطلاق الدليلين باعتراضين:

أولا: أن نتيجة هذا التقييد الالتزام بعدم حجّيّة كلا الدليلين في صورة عدم الأخذ بهما.

وثانياً: أن القائلين بالتخيير لا يقولون بذلك، بل يلتزمون بوجوب الأخذ بأحدهما كما ورد ذلك في الأخبار العلاجية.

ولكن لا وجه لهذين الاعتراضين:

أما الاعتراض الأوّل، فيندفع بأنه لا محذور في الالتزام بعدم حجيّة كليها على تقدير عدم الأخذ بأي منهما، بل نرجع بعد ذلك إلى الإطلاقات أو الأصول النافية أو المثبتة.

وأما الاعتراض الثاني، فلم يثبت عدم التزام القائلين بالتخيير بذلك، والأخبار التي استدل بها على التخيير كما سيأتي الحديث عنها غير تامة سنداً أو دلالة أو كليهما.

لكن الاعتراض الذي يمكن أن يوجه على هذا النحو أن الجمع المذكور ليس مما يعترف به العقلاء، وذلك لأنّ الحجّيّة إنّما تجعل لطريق لكي يؤخذ به، لا أن الطريق إذا أخذ به عند ذاك تجعل الحجّيّة له، كما هو الحال في الاعتبارات القانونية من عقود وإيقاعات.

وعلى ضوء ما ذكرناه يتعين القول الأول وهو التساقط.

وهناك وجوه أخرى للجمع لم نتعرض لها هنا، وسنتعرض لها في المقام الثاني، فإن مفادها ليس هو حجّيّة الجميع في حدود التنافي فحسب.

هذا كل ما يتعلّق بالمقام الأوّل.

المقام الثاني : ويدور البحث فيه حول حجّيّة الدليلين المتعارضين فيما وراء حدود التنافي بينهما. لكن قبل الدخول يجدر التعرف على مقدمة يتوضح من حلالها حدود البحث، فنقول: إن المدلول الذي يدل عليه الكلام مما هو خارج عن حدود التنافي بين الدليلين ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما يكون مدلولا عليه بالدلالة المطابقيّة للدليلين، كما إذا ورد خبر يدل على أن هذا العمل المعين ليس مستحباً بل هو واحب وورد خبر آخر يدل على عدم استحبابه وعلى أنه حرام. فهذان الخبران ينفيان استحباب العمل بالدلالة المطابقية ومثاله من الخارج ما إذا اختلف طبيبان ماهران في تشخيص الألم المحسوس في الصدر مع اتفاقهما على أنه ليس من السل، فهما متفقان بالمطابقة على نفي السل. ولا ريب في حجيّة هذا القسم في نفي ماوراء حدود التعارض.

الثاني: مايكون مدلولا عليه بالدلالة التضمينية العرفية للدليلين المتنافيين كما في موردي افتراق العامين من وجه، كما إذا قال: «أكرم كل عالم»، وقال: «لاتكرم

الفاسق»، فهما يتنافيان في المجمع وهو العالم الفاسق ولكن فيما سواه وهو (العالم العادل) و (الجاهل الفاسق) لا اختلاف بينهما. ولانريد من التضمن معناه المنطقى، أو البياني كما لو دل الدليل عليه بالتحليل العقلي كانقسام حقيقة الوجوب بتحليل العقل إلى رجحان وإلزام، وإنما نريد منه مايدل عليه نتيجة الانحلال كما في قوله: (أكرم كل عالم) حيث ينحل إلى أوامر متعدّدة بعدد أفراده، والحديث هنا يدور في النوع الثاني، أما الأول فهو داخل في القسم الثالث.

الثالث: مايكون مدلولا عليه بالدلالة الالتزامية، ونريد منه ما يعم المعنى المنطقي منه ليشمل قسماً من التضمن المصطلح أيضاً كما بيناه في القسم الثاني، وهذا بدوره ينقسم إلى قسمين:

الأوّل: المدلول الذي تكون دلالة الدليلين عليه بجامع حقيقي أو انتزاعي، كما لو دل دليل على وجوب عمل ودلّ آخر على استحبابه، فهما متفقان على رجحان العمل، فإن مورد اختلافهما هو الإلزام والترخيص ؛ فإن الوجوب والاستحباب لدى التحليل العقلي يتضمنان الرجحان. وكذلك إذا دل دليل على وجوب القصر ودل آخر على وجوب التمام، فهما يتفقان في وجوب الصلاة.

الثاني: المدلول الذي تكون دلالة الدليلين عليه بغير ذلك وهو ما يسمى اصطلاحاً بنفي الثالث كما لو قامت بينة على أن المال لعمر وأخرى على أنه لزيد، فكلتا البينتين تنفيان كون المال لخالد التزاماً.

وهذا القسم هو الذي وقع مورداً للكلام بين الأعلام.

ولابد من التأكيد هنا على أن مورد الكلام فيما إذا لم يعلم إجمالا بمطابقة أحد الدليلين للواقع، وأما إذا عُلم ذلك فإن المورد يكون من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة،

وانتفاء الثالث فيه من الواضحات. وبذلك يخرج عن البحث مالو كان التنافي بنحو التناقض أو التضاد فيما لو لم يكن للضدين ثالث، وتبقى صورة مالو كان التنافي مستنداً إلى علم إجمالي عرضي أو كان للضدين ثالث فيما إذا لم يحصل علم إجمالي بموافقة أحدهما للواقع. وللعلماء في إثبات نفي الثالث مسالك عديدة، يبتني بعضها على الالتزام بوجود الحجّة في الجملة بين الدليلين المتعارضين بالنسبة للمدلول المطابقي لهما، بأن يكون أحدهما اللامعين حجّة، فهو وإن لم يكن حجّة في حدود التنافي ولكنه بالنسبة لنفي الثالث يكون حجّة أو يكون أحدهما المعين عند اللّه هو الحجّة وإن لم يتعين عندنا. وبعضها يبتني على الالتزام بالحجّيّة في المدلول الالتزامي مع سقوط الحجية في المدلول المطابقي كما عليه المحقق النائيني (1).

ولكن هناك من ينكر دلالة الدليلين المتنافيين على نفي الثالث كالسيد الطباطبائي، والسيد الخوئي ونستعرض فيما يلي الطرق التي ذكرت لإثبات دلالة الدليلين المتنافيين على نفي الثالث.

الطريق الأول: أن الخبرين المتنافيين لولا العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع لالتزمنا بالحجّيّة في كليهما، والعلم الإجمالي المذكور هو الذي يمنعنا من الالتزام بثبوت الحجيّة الفعلية لهما معاً؛ للزوم محذور التعبد بالمتنافيين. ولكن من الواضح بأن العلم الإجمالي بكذب أحدهما إنّما يوجب سقوط أحدهما غير المعين عن الحجية لا كليهما؛ فلا مانع من شمول دليل الحجية لأحدهما لا بعينه.


1) فوائد الأصول 4: 755.

وهذا الوجه هو المستظهر من كلام المحقق الخراساني قدس سره في الكفاية قال (التعارض وان كان لا يوجب الا سقوط احد المتعارضين عن الحجية رأساً حيث لا يوجب إلا العلم بكذب أحدهما فلا يكون هناك مانع عن حجيه الآخر. إلا إنه حيث كان بلا تعيين ولا عنوان واقعاً، فإنّه لم يعلم كذبه إلا كذلك، واحتمال كون كل منهما كاذباً لم يكن واحد منهما بحجّة في خصوص مؤداه لعدم التعيين الحجية أصلا كما لا يخفى.

نعم، يكون نفي الثالث بأحدهما لبقائه على الحجّيّة وصلاحيته على ماهو عليه من عدم التعيين لذلك) (1). وقد صرح بذلك أيضاً في حاشيته على الرسائل (2).

وقد اتفق المتأخرون عنه تقريباً ممن فسر كلامه بهذا التفسير على الاعتراض عليه بما جاء في مصباح الأصول بأنه يوجد عندنا خبران معينان وقد فرض عدم شمول دليل الحجيّة الخصوص كل منهما بحده، وليس عندنا في الخارج ما يطلق عليه عنوان أحدهما كي يشمله دليل الحجيّة، فإن عنوان أحد الخبرين لا بعينه عنوان انتزاعي لا وجود له في الخارج ولاماهية، فلم يبق شيء يكون موضوعاً لدليل الحجية ونافياً للثالث (3).

ولكن يعترض عليه بالنقص بموارد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين والشك في نجاسة الآخر، حيث التزم هذا القائل وغيره بجريان أصالة الطهارة في واحد لا بعينه، فإذا توضأ بأحد الماءين وصلى ثم غسل بالماء الآخر مواضع وضوئه وتوضأ ثانياً به يحكم بصحة وضوئه، مع أن المحذور المذكور يأتي فيه أيضاً.


1) الكفاية: 439.

2) حاشية فوائد الأصول: 268.

3) مصباح الأصول 3: 367 - 368.

وبالحل بما يتوقف توضيحه على بيان أمور:

الأمر الأوّل أن عنوان (أحد الخبرين) أو (احد الظهورين) من العناوين الانتزاعية التي يتنزعها العقل من شيئين بعد إلغاء خصوصية كل منهما، وأخذ الجامع بينهما. وهو كبقية الأمور الانتزاعية وجوده في الخارج بوجود منشأ انتزاعه، فإذا كان منشأ انتزاع عنوان أحدهما من نوع الجوهر كان عنوان أحدهما الموجود بوجود الجوهر جوهراً، وإذا كان منشأ انتزاعه من العرض كان العنوان الانتزاعي عرضاً أيضاً. فوجوده، إذن يتبع منشأ انتزاعه وجوداً ماهية، فإذا كان منشأ الانتزاع خبراً كان العنوان الانتزاعي خبراً أيضاً.

وإنما ذكرنا ذلك مع كونه من الواضحات حتى لا ينكر ذلك فيقال بأن عنوان أحد الخبرين ليس خبراً بنفسه كي يشمله دليل الاعتبار.

الامر الثاني: أن انتزاع هذا الكلي يكون لأجل أمور ثلاثة:

الأوّل: أن تتعلّق به الصفات النفسية كالعلم الإجمالي والشك الإجمالي، فإذا علمنا بأن أحد الرجلين عادل من غير تعيين فلدينا علم قطعاً، والعلم بما أنه من الصفات الحقيقية فلا بد له من معلوم في وعاء العلم يتقوم به، وحد العلم هنا هو أحدهما الانتزاعي، وبذلك يتكون العلم الإجمالي.

الثاني: الاستفادة من عنوان أحدهما في مقام التعبير كما لو كنا نعلم بأن زيداً أو عمراً عادلان، ولكن هناك مصالح تفرض علينا أن نُبهم في التعبير عن المراد، فنقول في جواب من سأل عن عدالتهما: إن أحدهما عادل.

الثالث: أن تتعلّق به الأحكام الاعتبارية سواء كانت تكليفية كالوجوب التخييري، بناءً على ماهو الحق من كون الواجب فيه أحد الفعلين، أو وضعيه كما في بيع صاع غير معين من صبرة فالمبيع فيه ليس صاعاً معيناً في الخارج وإنما هو أحد أصواع الصبرة.

الأمر الثالث: أن الأحكام المجعولة على نحو القضايا الحقيقة، قد يتعلق الحكم فيها بالأمور الخارجية فحسب دون أن تكون الصفات التفسية دخيلة فيها كما في قوله (أكرم العلماء)، فيكون تكثر الحكم فيها بلحاظ تكثر الأفراد في الخارج دون تعدد العناوين.

وقد تؤخذ الصفات النفسية - كالشك واليقين - في موضوعاتها أيضاً، فيكون تكثر الحكم بكلا الأمرين: الأفراد والعناوين التي أخذت فيها والصفات النفسية، فإن تكثر الصفات النفسية كالعلم والشك يدور مدار تعدد العناوين النفسية، الإدراكية ولا يدور مدار تعدد الشيء خارجاً، فيمكن أن يكون ما في الخارج واحداً ولكنه متعدد في الذهن، فيمكن أن يكون شخص واحد معلوماً في الذهن عدالته بعنوان أنه زيد ولكن نشك في عدالته بعنوان أنه ابن عمرو، مع أنهما متحدان في الخارج، فلا يقال: كيف يمكن أن تكون عدالته معلومة ومجهولة عند شخص واحد؟ وذلك لأن العلم تعلّق بعنوان، والشك بعنوان آخر، ولو أن هذين العنوانين ليس لهما إلا مصداق واحد في الخارج.

فالصفات النفسية إذن تتعدد بتعدد العناوين المقومة لها سواء انطبقت في الخارج على شيء واحد أو أشياء متعدّدة.

ويلاحظ ذلك في قاعدة الطهارة كما في قوله (عليه السلام) كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر» (1)، فلو علمنا إجمالا بنجاسة أحد الإناءين مع الشك في نجاسة الآخر، فكل واحد من الإناءين - بما أنه مشكوك في نجاسته - يمكن الحكم بطهارته استناداً إلى قاعدة الطهارة التي أخذ فيها الشك. لكن بما أنّ الحكم بطهارة كليها ينا في العلم بنجاسة أحدهما غير المعين، فلذلك لا يمكن الحكم بطهارة الإناءين معاً. فوجود العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما يكون مانعاً من جريان الاصول الترخيصية في أطرافه.

ولكن بما أن عنوان أحد الإناءين من العناوين المنتزعة من الوجودات الخارجية، ولذا تتمثل فيه كل مميزات وصفات منشأ انتزاعه كما مر في الأمر الأوّل، وبما أن الغرض من انتزاع هذا العنوان هو إيجاد متعلّق لليقين والشك بالنجاسة، فلذلك لا مانع من اتصاف عنوان احدهما - وهو واحد خارجاً - بأنه متيقن النجاسة من حيث انتزاعه من الفرد المتقين النجاسة، وأنّه مشكوك النجاسة من حيث انتزاعه من الفرد المشكوك النجاسة ولا إشكال في اتصاف الشيء الواحد بصفتين نفسيتين متغايرتين، بعدما ذكرنا من أن تعدد الصفات النفسية يدور مدار تعدد العناوين النفسية الإدراكية.

والحاصل أن في الذهن صورتين لعنوان أحدهما: متيقن النجاسة ومشكوكها، ولذلك فيمكن أن يقع هذا العنوان بإحدى صورتيه - أي من حيث كونه مشكوك النجاسة - موضوعها لقاعدة الطهارة وإن لم يكن كذلك من حيث كونه متيقن النجاسة.


1) التهذيب 1 : 284 / 832.

وهكذا فيما نحن فيه، فإن عنوان أحد الخبرين بما أنه منتزع من الخبر المخالف للواقع يقيناً لا يكون حجّة، وبما أنه منتزع من الفرد المشكوك صدقه وكذبه فيكون حجة لشمول أدلة حجّيّة الخبر لكل خبر مشكوك الصدق والكذب ولامانع من اتصاف عنوان أحدهما بوصفين بعد أن كان تعدد الصفات النفسية يدو مدار تعدد العناوين الإدراكية.

لا يقال: لماذا خصصتم الفرد العنواني المنتزع من الخبرين بموارد العلم بكذب أحدهما؟ ولماذا لا يشمل موارد عدم العلم بكذب أحدهما ؟ وإذا شككنا في طهارة كل من الإناءين فلماذا لا يجري الأصل في عنوان أحدهما المنتزع؟

لأنا نقول: إذا لم يعلم بكذب أحدهما فلا يوجد شك إجمالي متعلّق بأحدهما ليكون موضوعاً للحجيية، كما أنه إذا لم يعلم بنجاسة أحد الإناءين لا يكون هنا شك إجمالي متعلّق بأحدهما ليكون موضوعاً لقاعدة الطهارة، وإنما الشك قد تعلّق بكل واحد من الإناءين بحده، فكل واحد منهما مشكوك الطهارة دون أن يكون عنوان أحدهما مشكوكاً في طهارته. فحينئذ لا يصح أن يقال بأن أحد الإنائين مشكوك إلا أذا اريد الأبهام في مرحلة التعبير. وكذا في الخبرين اللذين لا يعلم إجمالا بكذب أحدهما فكل واحد منهما مشكوك الصدق، فهنا لا يوجد إلا الشك التفصيلي في كل واحد منهما، فهذا الخبر بحده مشكوك تفصيلا بأنه مطابق للواقع أم لا، وذاك الخبر أيضاً مشكوك تفصيلا، فهنا لا يصح أن نقول بأن أحدهما أيضاً مشكوك فيه إلا إذا قصد الإبهام في مرحلة التعبير كما هو واضح، فيختص عنوان أحدهما حقيقة بموارد العلم بكذب أحدهما إجمالا فقط.

ويتضح مما ذكرناه وجه المناقشة فيما أثاره المحقق الأصفهاني وغيره من الإشكالات على هذا المبنى (1).

ولكن كل ذلك مبتن على فرض وجود دليل لفظي على حجّيّة خبر الثقة من عموم أو إطلاق تأسيسي لا إمضائي لما بنى عليه العقلاء؛ لأنه يتبعه في حدوده وخصائصه، فإذا وجد مثل هذا الدليل اللفظي فربّما يستظهر أن هذا الدليل العام أو المطلق يشمل الأفراد المتشخصة المتميزة وغيرها كالكلي المتشخص ضمن أفراد، ولكنه لا يعدو الفرض فقط ؛ فإن الدليل على حجّيّه الخبر أو الظهور هو بناء العقلاء. والاستدلال ببناء العقلاء على نفي الثالث يبتني على أمرين:

الأوّل: التأكد من التزام العقلاء في مورد الخبرين المتنافيين بنفي الثالث بهما، وهو يعتمد على ملاحظة الشواهد العقلائية الدالة على ذلك، ومجرد الفرض لا يكفي للإثبات مالم يقترن بشواهد أوسيتبين فيما سيأتي مدى دلالة الشواهد العقلائية على ذلك.

الثاني: ألا يمكن تفسير بنائهم هذا بأحد الطرق التي سنذكرها غير هذا الطريق.

الطريق الثاني: - هو ما يحتمل أن يكون تفسيراً لكلام صاحب الكفاية - ان العلم الإجمالي بمخالفة أحد الدليلين المتنافيين للواقع يعتبر كاشفاً عقلائيا عن الحكم المخالف للواقع ؛ ولذلك فنحن نعلم بأن أحد الخبرين بخصوصه لا يطابق الواقع، وأما الآخر فيكون مشكوكاً في مطابقته للواقع لذلك لا يكون حجة ولذا فإن دليل الحجيّة يشمله، فيكون المقام من قبيل اشتباه الحجّة باللاحجة. ولعدم تميّز الساقط عن


1) نهاية الدراية :6 285.

الحجية من بين هذين الدليلين فلذا لا يمكن الأخذ بالمدلول المطابقي لكل منهما، ولكن بما أنّ أحدهما حجّة للعلم الإجمالي المذكور، فلذلك نأخذ بالمدلول الالتزامي وهو نفي الثالث فيما وراء هاتين الحجتين.

والأساس العلمي لذلك أن الكشف الذاتي عن الواقع مختص بالعلم التفصيلي فحسب، أما العلم الإجمالي فلا يكشف عن الواقع ذاتاً، خلافاً لما يظهر من كلمات المحقق العراقي (1)، بل إنّه يكشف عن الجامع الانتزاعي منها وهو عنوان أحدهما، والكلي لا يكشف عما ينطبق عليه وإنما يكشف عما يطابقه، وهو الجهة الجامعة لا الفرد الخارجي. فالفرد الذي ينطبق عليه المعلوم بالإجمال واقعاً لا يكون مكشوفاً بالعلم الإجمالي عقلا، فاذا علمنا أن في الدار انساناً فالانسان ينطبق على زيد ولكن لا يكشف عن وجود زيد تفصيلا ولكن يمكن دعوى أن العلم الإجمالي له نوع آخر من الكشف وهو الكشف العقلائي، فإن العقلاء احياناً يلتزمون بكشف العلم الإجمالي عن الواقع حيث إن عنوان أحدهما الذي هو حد العلم في العلم الإجمالي أخذ على نحو المرآتية دون الموضوعية كما في الوجوب التخييري، وبضم الإشارة الحسية إلى ذلك يمكن أن نقول بأن الواقع هو المكشوف. فالكشف عن الواقع وإن لم يوافق عليه العقلاء مطلقاً ولكن في خصوص موارد العلم الإجمالي بحكم الزامي يرونه كاشفاً عنه؛ ولذا فإن أصالة الحلية لاتجري في موارد العلم بحرمة أحدهما.

إذن فمعرفة الشيء تارة تكون بعينه واخرى لا بعينه. ويقصد بمعرفته لا بعينه : معرفة الشيء بعنوان كلي ينطبق عليه، لكن من دون أن يكون متميزاً خارجاً وإنما


1) نهاية الافكار القسم الثاني من الجزء الثالث 306، وفي بحث القطع القسم الاول من الجزء الثالث 47.

يكون مردّداً بنحو الشبهة المصداقية، ولا يضر التردد وعدم تميز المكشوف في مجال الكشف العقلائي ؛ إذ لامانع من الشبهة المصداقية بالنسبة للمعلوم العقلائي، ومن هنا تتصور الشبهة المصداقية في موارد العلم الإجمالي، وعليه يبتني القول بالاحتياط؛ لأن الحرام أو النجس مكشوف بالكشف العقلائي.

وعلى ضوء ذلك كله ففي مورد الدليلين المتنافيين اللذين يعلم إجمالا بكذب أحدهما، فإن هذا العلم يكون كاشفاً عن المخالف للواقع بينهما بالكشف العقلائي، ويبقى الآخر على حجيته ويكون مكشوفاً، وإن لم يكن متميزاً بنفسه فيكون المورد من قبيل اشتباه الحجّة باللاحجّة، ونفي الثالث في موارد اشتباه الحجة باللاحجة من الواضحات.

ولا يبعد أن يكون هذا التفسير هو مراد صاحب الكفاية، من كلامه في آخر بحث القطع، حيث ذكر بأن العلم الإجمالي لما لم ينكشف به الواقع تمام الانكشاف، فلجریان الحكم الظاهري مجال؛ وذلك أنه لا شك بأن الجامع منكشف تمام الانكشاف، فلابد من أن يريد من الواقع الذي لم ينكشف الشيء المنطبق عليه. ويوافقه أيضا ظاهر كلمات المحقق العراقي في بعض ماقاله في ذلك المبحث (1).

ولكن ترد عليه اعتراضات عديدة:

الأول: أن الشواهد العقلائية لا تتوافق مع اعتبار أحدهما مكشوفاً كما أوضحنا في مبحث العلم الإجمالي تفصيل ذلك. وقد تبين هناك أن أساس عدم جريان الاصول في اطراف العلم الإجمالي هو حجّيّة الاحتمال المتقوم بالعلم الإجمالي، حيث يكتسب هذا


1) كفاية الأصول: 272 نهاية الأفكار القسم الأول من الجزء الثالث: 47.

الاحتمال قوة من ناحية العلم الإجمالي، وإذا كان الاحتمال قوياً فانه يكون حجة عند العقلاء بالتقريب الذي ذكرناه في مبحث الاشتغال.

الثاني: على تقدير صحة هذا الطريق، فإنما يصح في خصوص العلم الإجمالي بالحكم الإلزامي دون غيره، فلو تعلّق العلم الإجمالي بغير الحكم الإلزامي أو ملزومه لا يعتبر فيه العلم الإجمالي علماً بالواقع، والألعدّ كل جاهل بسيط عالماً ؛ لأنه مثلا يعلم بأن زيداً إما عالم أو جاهل فهو عالم إجمالا بأحد الوجهين.

الثالث: أنه لو سلمنا ذلك، فهذا العلم نفسه سيكون طرفاً للمعارضة، فإن العلم الذي كان منشأ المعارضة هو العلم القطعي الذي تكون حجيته ذاتيه؛ ولذا قلنا بأنه لابد من استناد العلم الإجمالي إلى قضية بينة أما لو كانت غير ضرورية كما لو قام خبر بعدم وجوب صلاتين في وقت واحد، فيكون هو أيضاً طرفاً للمعارضة، فبناء على اعتبار كشفه عقلائياً لا يمكن إخراجه من التعارض، فيدعى بأنه موجب لفقدان أحدهما شرائط الحجيّة، لكن نحن لانميز ذلك.

فتلخص أن هذا الطريق غير تام.

الطريق الثالث: أن إطلاق أدلة حجية الحجج يقتضي حجية كل من الدليلين المتعارضين، وبما أن هذه الأدلّة بالإضافة الى ثبوت الإطلاق الأفرادي لها يثبت لها إطلاق أحوالي أيضاً، فهي تشمل الدليل سواء كان له معارض أم لا، وسواء كان معارضه مخالفاً للواقع أم لا. والأخذ بكلا الإطلاقين غير محتمل ؛ لأننا نعلم بمخالفة أحدهما للواقع، فلا بد من رفع اليد عن الإطلاق الأحوالي بتقييد كل منهما بفرض كون الآخر مخالفاً للواقع بأن نقول: إن هذا الدليل حجة إذا كان الآخر مخالفاً للواقع، وكذلك الآخر، والضرورات تقدر بقدرها. وبذلك يتم الجمع بين الدليلين، فإننا نعلم

بأن أحدهما مخالف للواقع، فتكون حجية أحدهما واصلة ؛ وذلك لوجود شرط حجيته - وهو مخالفة الآخر للواقع - لكنها حجة غير متميزة ؛ فتدخل في موارد اشتباه الحجة باللاحجة، ونفي الثالث فيها واضح.

وقد يعترض عليه بأن من المحتمل أن يكون كلاهما مخالفاً للواقع، لأن المفروض عدم العلم بموافقة أحدهما للواقع، وحينئذ يتحقق شرط حجية الدليل الآخر أيضاً ؛ فيجب الأخذ بهما معاً، وهذا غير معقول.

والجواب عن هذا الاعتراض اما على مبنى ان حجّيّة الحجج ليست كالأحكام الواقعية شاملة لفرضي الوصول وعدم الوصول بل هي تختص بما إذا قطع بوجود موضوعاتها وتنتفي في صورة عدم القطع بوجودها، فواضح ؛ فأنه يقطع بمخالفة أحدهما فقط للواقع لا كليهما كي يكون موضوع كلتا الحجتين، متحققاً، ومع فرض القطع بمخالفة كليهما أيضاً فإن المورد يخرج عن باب التعارض.

وأما على مبنى أن حجيّة الحجج كالأحكام الواقعية شاملة لحالتي الوصول وعدم الوصول، فلأن غايته أن تكون حجّيّة أحدهما واصلة لنا فتكون مؤثرة في مقام العمل.

وأمّا حجيّة الآخر، فإنها لما لم تكن واصلة فهي كالمعدوم، وليس لها تأثير في مقام العمل، فلا توجب تحيراً للمكلف؛ فإن التحير إنما يتحقق من التنافي بين الحجتين الواصلتين لابين حجة واصلة وغير واصلة.

وهذا الطريق وإن كان حسناً في حد ذاته، ولكنه يبتني على الالتزام بأمرين:

الأوّل: ثبوت الدليل اللفظي التأسيسي على حجّيّة، الحجج، مثل خبر الثقة أو حجيّة الظواهر كي يفترض له إطلاق أفراي وأطلاق أحوالي كي يجري عليهما ماذكره، ولكن ذكرنا في محلّه أن الدليل على حجّيّة الحجّج ينحصر بالسيرة العقلائية

وارتكازات العقلاء فقط، وما ورد من الأدلّة اللفظية في ذلك فهو إمضاء لتلك الارتكازات العقلائية.

الثاني: أن يكون مثل هذا الجمع المذكور مما تؤيده ارتكازات العقلاء وسيرتهم، مع أن الشواهد العقلائية لاتؤيد هذا الأسلوب من الجمع، بأن يعتبروا الحجية لأحد المتعارضين بشرط مخالفة الآخر للواقع سواء كان هذا الطرف بنفسه مخالفاً للواقع أم لا.

ولا وجه للالتزام بأن مستند هذا الجمع القاعدة المشهورة (الجمع مهما أمكن أولى من الطرح)؛ فإن هذه القاعدة بنفسها باطلة ولا تصح، ولا يعتبر من الجمع إلا مايكون وفق الموازين العقلائية، فإذا كانت الارتكازات العقلائية مخالفة لهذا الجمع، أو على الأقل لانعلم بموافقتها لمثل هذا الجمع، فإنه يسقط ويلغى.

الطريق الرابع : ما يقارب الطريق السابق، لكن هنا نقيد الإطلاق الأحوالي لدليل الحجيّة في كل من الدليلين بما إذا كان مطابقاً للواقع. وبما أننا نعلم بمخالفة أحدهما للواقع إجمالا، فلا يمكن أن يتصف كلاهما بالحجية، بل يتصف أحدهما بها وإن لم يكن متميزاً، وبذلك ننفي الثالث.

ولكن يعترض عليه بوجوه :

الأول: أنه أخص من المدعى؛ إذ قد لا نعلم بمطابقة أحدهما للواقع بل نحتمل مخالفة كليهما للواقع، فلا يتحقق شرط الحجية في أي واحد منهما.

الثاني: أنه خروج عن مفروض البحث؛ لأن البحث في فرض عدم وجود العلم الإجمالي بمطابقة أحدهما للواقع، وإلا كان هذا العلم هو المتكفل لنفي الثالث من دون حاجة إلى جعل الحجيّة لأحدهما بالطريق المذكور.

الثالث: أن مثل هذا الطريق الذي يتلخص بتقييد حجية كل من الدليلين المتعارضين بفرض مطابقته للواقع، ليس له مايؤيده من العقل أو من الشواهد العقلائية؛ فإن جعل الحجيّة لدليل إنما هو لأجل بيان وظيفة المكلّف بصورة واضحة وجلية حتى يتحرك وفقها، فلا معنى لأن تكون مشروطة بأمر فرضي لا يمكن للعبد كشفه والتعرف عليه حين العمل ؛ فإن الأمر الفرضي لا يكون محركاً للإنسان، فلا معنى لأن يقول: (هذا حجّة على فرض كونه مطابقاً للواقع).

وقد يتصور وجه مصحح لاختيار الطريق الرابع، وهو انه لما كانت مسألة نفي الثالث في الدليلين المتعارضين مسلمة عند العلماء، وقد ثبت بطلان كل الطرق الأخرى لتفسيرها، فإن ذلك يكفي لإثبات صحة هذا الطريق.

ولكن يعترض عليه بأمرين :

الأول : أن مسألة نفي الثالث ليست مسلّمة عند كل العلماء، فقد ذكرنا أن السيّد الطباطبائي ذهب إلى القول بعدم نفي الدليلين المتعارضين للثالث وكذلك السيّد الخوئي (1).

الثاني: توضح مما سبق صحة الطريق الأوّل؛ فلا ينحصر تفسيرها بهذا الطريق.

الطريق الخامس: ماذهب إليه المحقق النائيني (2)وجماعة، من التفصيل بين المداليل الالتزامية للكلام، ولوازم الكلام، فالدليلان المتعارضان ينفيان الثالث فيما إذا كان نفي الثالث مدلولا التزامياً لهما لا لازماً للدليلين.


1) مصباح الاصول 3: 367.

2) فوائد الأصول 4: 755.

وتوضيحه: هناك فرق بين المدلول الالتزامي للدليلين المتعارضين وبين لوازم الكلام فيهما، ولابد من التمييز بينهما، فالدلالة الالتزامية هي من أقسام الدلالة اللفظية الوضعية ويعتبر في تحققها اللزوم عقلا وعرفاً بنحو اللزوم البين بالمعنى الأخص، بحيث يكفي فيه تصوّر الملزوم لتصور اللازم والملازمة، فالكلام كما يدلّ بالوضع على المدلول المطابقي، فهو يدل كذلك على المدلول الالتزامي لكن بصورة طولية. أما لوازم الكلام فلا يدل عليهما الكلام بالدلالة الوضعية وإنما تعرف بواسطة حكم العقل بالتلازم بين مفاد الكلام الثابت وبينها.

أما كيف تتحقق الدلالة الالتزامية للكلام، فهناك عوامل لتكوينها، وقد ذكرنا في مبحث الوضع أنه يحدث بموجب قانون تداعي المعاني ملازمة ذهنية بين مفهومين، فبمجرد حضور اللفظ في الذهن فإنه سيؤدي إلى حضور المعنى فيه بموجب الدلالة الأنسية، وهو بدوره يكون سبباً لحضور معنى أو معان أخرى ملازمة لمعنى اللفظ. هذا على ضوء قانون تداعي المعاني، وهو يعني أن المعاني بحكم الملازمة الذهنية بينها يجذب بعضها بعضاً إلى الذهن.

ومنشأ حصول التقارن الذهني بين شيئين أمور ثلاثة، ذكرت في علم النفس:

1 - التقارن المتكرر في الإحساس بين الشيئين.

2 - التضاد بين الشيئين، فإن تصور السواد يؤدي إلى تصور البياض مثلا.

3- التشابه.

وتلازم اللفظ مع المعنى وتداعي المعاني في عالم الألفاظ، إنّما هو لكثرة التقارن بينهما في الإحساس، فدلالة اللفظ على معناه لا تتحقق بمجرد الوضع بل لابد من تكرار استعمال اللفظ في معناه، كي يتحقق مثل هذا التقارن بينهما في الإحساس.

وقد يكون العامل لتداعي المعاني هو التشابه أو التضاد، فحين نسمع لفظاً يحضر - معناه للذهن، وكذلك يحضر معنى آخر مشابه أو مضاد للمعنى الحقيقي، فيكون هذا اللفظ موجباً لاخطار معنيين في الذهن المعنى المطابقي، والمعنى الالتزامي الملازم له باللزوم البين. وهذا هو معنى الدلالة الالتزامية، فحين يقال: أبيض، نتصوّر معنى البياض، وربما نتصور معه أيضاً السواد.

هذا في المفردات، وكذلك الحال في الجمل، فحين يقول: البياض موجود، فإننا كما نتصور المدلول المطابقي للجملة، كذلك سوف نتصور أن السواد معدوم، وهذا من التلازم بين الجملتين، فيكون للفظ الواحد ظهوران مطابقي والتزامي، وهذه هي حقيقة الدلالة الالتزامية.

فيظهر من هذا البيان أن المدلول الالتزامي عبارة عن معنى يلزمه المعنى المطابقي للفظ لزوماً ذهنياً بيناً، وهو الذي ينعقد اللفظ ظهور فيه، كما انعقد له ظهور في المعنى المطابقي. أما إذا لم يكن بين المعنيين ملازمة ذهنية وإنما كانت ملازمة خارجية فحسب، فالمعنى اللازم لا يكون مدلولا التزامياً للكلام؛ لأن مجرد الارتباط بين شيئين لو لم يكن في وعاء الذهن لايوجب الخطور الذهني الذي هو الملاك والمعيار في باب دلالة الالفاظ.

ومثال المدلول الالتزامي مالودل دليل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وآخر على حرمة الدعاء عند رؤيته، فدليل الوجوب يدل بالدلالة الالتزامية على نفي الحرمة والإباحة والاستحباب والكراهة، ودليل الحرمة كذلك يدل نفي غير الحرمة من الأحكام الأربعة. وكما يكون الدليل حجّة في المدلول المطابقي، كذلك هو حجّة في المدلول الالتزامي أيضاً.

ويظهر من المحقّق النائيني في بحث الأصل المثبت من التزامه بحجيّة لوازم الأمارات بينة كانت أو غير بينة (1)أن حجّيّة لوازم الكلام إنما تكون في حالة حجية الكلام بنفسه، أما على تقدير سقوط المدلول المطابقي عن الحجية كما في الدليلين المتعارضين، فلا يمكن الالتزام بحجيّة لوازمه، بخلاف المدلول الالتزامي فإنه لا يسقط عن الحجّيّة بسقوط المدلول المطابقي عنها، فهو يتبع المدلول المطابقي في الوجود لا في الحجية. ففي مثال قيام خبرين أحدهما على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال والآخر على حرمته بما أن المدلولين الالتزاميين لهما يتعارضان في نفي الحكم المذكور في الدليل الآخر، فهما يستاقطان كالمدلولين المطابقيين. أما ما وراء ذلك بالنسبة للأحكام الثلاثة الأخر: الأباحة، والاستحباب، والكراهة حيث تتوافق المداليل الالتزامية هناك فلا تسقط بسقوط المدلول المطابقي، ولا مانع من الالتزام بحجية المدلول الالتزامي هذا، وبذلك يتم نفي الثالث.

وقد اعترض على المحقق النائيني باعتراضات نذكر بعضها كما يلي:

الاعتراض الاول - ما جاء في تعليقة أجود التقريرات ما نصه : بأن الدلالة الالتزامية في الحجية أيضاً تابعة للدلالة المطابقية، كما أنه في الوجود تتبعها ؛ وذلك لأن الحكاية عن اللازم إنما كانت حجة ولو مع عدم التفات المتكلم الى الملازمة وعدم قصد الحكاية عنه ؛ لأن ثبوت الملزوم والتعبد به يقتضي التعبد بلازمه، لبناء العقلاء على ذلك في باب الظهورات، فإذا لم يثبت الملزوم لم يثبت اللازم أيضاً (2).


1) أجود التقريرات 416:2.

2) أجود التقريرات 1: 369.

وهذا الاعتراض - على ما يبدو - ناظر الى اللوازم التي قد لا يلتفت اليها، والبحث هنا ليس بالنسبة لمثل هذه اللوازم بل البحث في خصوص اللوازم التي يكون الكلام ظاهراً فيها كظهور ثان وراء ظهوره في المدلول المطابقي، لتشمله أصالة الظهور، فهو في الحقيقة خروج عن محل البحث كما هو واضح.

الاعتراض الثاني: ما جاء في المحاضرات ومصباح الأصول وهو أن الكلام الذي يكون ظاهراً في مدلول مطابقي ينعقد له ظهور في مدلوله الالتزامي أيضاً، فالظهور متعدد، ولكن ظهوره في المدلول الالتزامي ليس على نحو الإطلاق، بل هو يدل على حصة خاصة منه وهي الحصة الملازمة للمدلول المطابقي فالدليل الدال على حرمة الرؤية مثلاً يدل على عدم كونها مباحة أيضاً، ولكن لا عدمها على الإطلاق بل خصوص نفي الإباحة الملازم للحرمة، فلو لم يمكن الالتزام بالمدلول المطابقي لسقوط الدليل عن الحجية انتفى المدلول الالتزامي المذكور أيضاً، فإن نفي الإباحة هنا مقترن بالحرمة، ومع عدم ثبوت الحرمة لا يجدينا نفي الإباحة تعبداً، فهو يسقط بنفسه بسقوط الحرمة من غير حاجة الى ناف (1).

ويظهر ضعف هذا الاعتراض مما سبق ؛ فإن ظهور الكلام في المدلول الالتزامي إنما هو بالدلالة الأنسية التي تتحقق بين الضدين، مثلاً فبسماع جملة (تحرم الرؤية) يخطر في الأذهان عدم إباحتها بموجب علاقة التضاد بين الحرمة والإباحة، دون الحصة من الضد الملازمة للضد الآخر. وعلى ضوء قانون تداعي المعاني ينعقد للكلام ظهور في نفي الإباحة مطلقاً، ويعتبر كالتصريح بنفي الضد، كما إذا قال: (هذا أبيض


1) المحاضرات 3: 76، ومصباح الاصول 3: 370.

وليس بأسود)، فكما أن نفي الضد في حالة التصريح لا يسقط بسقوط إثبات الضد الآخر فكذلك في الدلالة الالتزامية ؛ إذ لا فرق بينهما.

الاعتراض الثالث: وهو مستفاد من بعض كلمات السيّد الخوئي - سلمه اللّه -: أنه لو صح الأخذ بالمدلول الالتزامي بعد سقوط الدلالة المطابقية بالتعارض، لصح الأخذ بالمدلول الالتزامي حتى في موارد العلم بعدم مطابقة الخبر للواقع لا لأجل التعارض ؛ إذ لا فرق بين العلم تفصيلاً أو إجمالاً بمخالفة أحد الخبرين للواقع، مع أن أحداً لا يلتزم بذلك. والأمثلة العرفية والشرعية تخالفه، ففي العرف لو قال قائل: (سافر زيد نحو المشرق) وعلمنا بخطأ المخبر وأن خبره مخالف للواقع، وأن زيداً لم يسافر نحو المشرق، فهل يتوهم أحد بأن الخبر المذكور حجة في مداليله الالتزامية، وأنه يمكن الأخذ بعدم سكونه وعدم تحركه نحو الجهات الثلاثة الأخرى؟.

وكذلك في الشرع فإنه لو شهدت بينة بأن الثوب أصابه بول - ولازم ذلك هو نجاسة الثوب - وعلمنا بخطأ البينة في ذلك، فهل يتوهم أحد بإمكان الأخذ بالمدلول الالتزامي وإثبات نجاسة الثوب مع العلم أن لازم التفكيك الذي ذكرناه يكون وجود المدلول الالتزامي، كالتصريح بجملة أخرى غير القضية المطابقية ؛ فإن المخبر وإن أبرز قضية واحدة وهي إصابة البول للثوب، لكنه في الحقيقة يخبرنا بقضيتين كل قضية لها موضوعها ومحمولها، وحجية كل منهما تقوم بنفسها ولا ارتباط لها بالاخرى، مع أن الالتزام بالنجاسة في هذا الفرض من المستنكرات لدى العرف (1).

ونتوصل من خلال ذلك كله، الى عدم صحة الأساس العلمي لهذا الرأي.


1) مصباح الأصول 3: 369.

لكن يمكن الجواب على هذا الاعتراض بأنه يبتني على معرفة المنشأ الإداركي للقضايا والأخبار المتعددة سواء كان مدلولاً عليها بالمطابقة أو بالالتزام، فإن المنشأ الإدراكي من حيث الوحدة والتعدد على ثلاثة أقسام:

1 - العلم بتعدد المنشأ الإدراكي للقضايا، كما لو أخبر الطبيب بأن المنشأ لصفرة الوجه هو السل دون اليرقان أو فقر الدم، فهنا أخبار ثلاثة لكل واحد منها منشؤه الإدراكي الخاص، وهو نتيجة تحليل الطبيب واستنتاجه من خلال التجارب المتعددة التي أجراها على المريض، فمثلاً توصل إلى عدم كونه فقر الدم من خلال إجراء أشعة كهربائية، وإلى عدم كونه يرقاناً من خلال تحليل الدم وإلى كونه مرض السل من خلال مناشئ أخرى.

وهكذا نرى بأن أخبار الطبيب المتعددة سواء كانت بالمدلول المطابقي الصريح أو بالمدلول الالتزامي لها مناشئ إدراكية متعددة. وفي مثل ذلك لا ريب في أن ظهور خطأ بعض هذه الاخبار لا علاقة له ببقية الأخبار، بل يمكن الأخذ بالبقية ما دام لم يظهر خطؤها. وكذلك في مجال الأخبار، فإذا تعددت مناشئها الإدراكية فإن سقوط بعضها عن الحجية لا يمنع من الأخذ بالبعض الآخر وإن كان مدلولاً عليه بالدلالة الالتزامية.

2 - العلم بوحدة المنشأ الإدراكي للقضايا، كما لو كان نفي الطبيب لغير السل في المثال السابق يبتني على تشخيصه للمرض بأنه السل فهنا لو علمنا بخطأ تشخيصه للسل فبالطبع لا يمكن الأخذ بأخباره الأخرى، وأنه ليس بيرقان ولا فقر دم، باعتبار وحدة المنشأ لجميع هذه الأخبار. وقد تبين بطلان هذا المنشأ.

3 - الشك في وحدة المنشأ أو تعدده. وفي مثله تجرى أصالة عدم الاشتباه في كل قضية في نفسها إلا ما علم ببطلانه منها. ونتيجته حجية بقية الأخبار وإن كان مدلولاً عليها بالدلالة الالتزامية.

فإذا اتضح ذلك نعود إلى الأمثلة التي ذكرت كنقض على مبنى المحقق النائيني (قدس سره) ؛ فأما مثال (سافر زيد إلى المشرق) ففيه:

أولاً: أن الغالب في مثل هذه الأمثلة العرفية هو وحدة المنشأ الإدراكي للأخبار المتعددة وإن كان مدلولاً عليها بالدلالة الالتزامية، فنفي سفره إلى بقية الأطراف الثلاثة مبتن على سفره إلى المشرق، فإذا ثبت خطأ الخبر هذا فإن بقية الأخبار الدالة على نفي سفره إلى سائر الأطراف لا يمكن الأخذ بها.

ثانياً: أن سقوط الأخبار الأخر المدلول عليها بالدلالة الالتزامية لقوله: سافر زيد نحو المشرق، ليس لأجل تبعية الدلالة الالتزامية في السقوط للدلالة المطابقية حتى في فرض تعدد المنشأ الإدراكي لها، بل للعلم إجمالاً بكذب أحد هذه الأخبار الالتزامية ؛ وذلك فإنه لو لم يسافر نحو المشرق فهو لا يخلو من أن يكون مسافراً لإحدى الجهات الثلاث الأخر، أو ساكناً ؛ ولذا فلا يكون أحدها حجة بخلاف ما نحن فيه من تعارض الخبرين فإن العلم الإجمالي بعدم مطابقة أحد الخبرين المذكورين للواقع لا يعيّن أن يكون الواقع هو غيرهما، بل قد يكون الثابت هو الخبر الثاني الذي لم يعلم بمخالفته للواقع.

وأما المثال الشرعي ففيه:

أولاً: أن حجية البينة في المدلول الالتزامي مبتنية على كونه من الأمور المحسوسة والمشهودة، بحيث لو كان بنفسه مدلولاً مطابقياً لشملته أدلة حجية البينة، والأمر في

المثال الذي ذكره ليس كذلك، فإنّه كما صرح به في الجزء الثالث من التنقيح (1)لا يرى اعتبار البينة في مورد الطهارة والنجاسة، باعتبار انهما من الأحكام الشرعية المترتبة على موضوعاتها، لا أنها من الامور المحسوسة خارجاً؛ لذا فإن الشهادة بهما تكون في الحقيقة شهادة على تحقق السبب لهما فإذا كان السبب موجباً لها عند الطرفين صح الحكم وإلا فلا.

وثانياً: أن ما ذكره في الاعتراض الثاني من التحصص ففيه أن التقارن الذهني في الأدلّة الالتزامية إن كان منشؤه التضاد، فالضد المنفي ليس هو الحصة التي تكون مع الضد الآخر؛ إذ لا معنى للتحصص، بل هو منفي مطلقاً. أما لو كان المنشأ لهذا التقارن هو علاقة العلية والمعلولية، فلا ريب في أن اللازم هنا الحصة؛ لأن العلة إنما تكون علة لمعلول خاص، فإذا انتفت العلة انتفى المعلول. وفي مثالنا فإن النجاسة من هذا القبيل ؛ لأنها معلولة للبول، فمع عدم وجود البول، تنتفي هذه الحصة من النجاسة الناشئة من البول، لا مطلق النجاسة.

الاعتراض الرابع وجود بعض الفروع والمسائل الفقهية تلاحظ في بعض تقريرات السيّد الخوئي (2)، ذكر بأنها لا تتلاءم والتفكيك بين المداليل الالتزامية والمطابقية في الحجية. ونستعرض هذه المسائل:

المسألة الأولى: ما لو كانت الدار في يد زيد وادعاها عمرو وبكر، وأقام كل منهما بينة على دعواه. وقد ذكر بأننا لو التزمنا بعدم تبعية المدلول الالتزامي للمدلول


1) التنقيح شرح العروة الوثقى 3: 282.

2) مصباح الاصول 3: 369.

المطابقي في الحجية، فيمكن أن يسقط المدلول المطابقي عن الحجية، بينما يبقى المدلول الالتزامي على حجيته ؛ فيلزم من ذلك أمران:

الأول: ألا تكون الدار لزيد في هذا المورد، أي مع تعارض البينتين.

والثاني: أن تصبح الدار مجهولة المالك، مع أن أي فقيه أو متفقه لا يلتزم بذلك.

توضيحه أن أحدى البينتين قامت على أن الدار لبكر والبينة الأخرى قامت على أنها لعمرو، ولازم كونها لبكر أنها ليست لزيد ذي اليد ولا لغيره، وكذلك لازم كونها لعمرو، وتتعارض هاتان البينتان بالنسبة لمدلولها المطابقي - أي في مجال كون الدار لكل واحد منهما - ويتساقطان. أما بالنسبة للمدلول الالتزامي - وهو عدم كون الدار لزيد - فلو بقي المدلول الالتزامي على حجيته مع سقوط المدلول المطابقي عنها، فإن هذا يعني عدم كون الدار لزيد ذي اليد فإذا لم تكن لزيد ولا لعمر ولا بكر، فإنها تصبح مجهولة المالك، مع أن أي فقيه أو متفقه لم يلتزم بذلك.

ولكن يلاحظ عليه:

أولاً: أن ما ذكره من أن لازم الشهادة عدم كون الدار لزيد، فهذا الحكم صحيح، ولابد من الأخذ به بعد اتفاق البينتين على عدم كون الدار له، وقد اتفقت النصوص والفتاوى على ذلك، وأنه بعد عدم وجود المرجّحات لإحدى البينتين على الأخرى - كما هو مفروض الكلام - يُرجع إلى الحلف أو القرعة - ومختاره هو الحلف - فإن حلفا معاً أو لم يحلفا، قسم المال بينهما، وإن حلف أحدهما فحسب، أُعطي المال له.

إذن فلازم البينتين انحصار المال بين الشخصين، وعدم كون المال لزيد، وهذا ما دلت عليه النصوص والفتاوى. والظاهر أنه لم يقل فقيه بكون المال لزيد دونهما.

وثانياً: ما ذكره بأنه يلزم من هذا القول أن يكون المال مجهول المالك، فهذا أيضاً لا وجه له، بل الذي يلزم منه هو انحصار الملكية بين هذين الشخصين، وتردده بينهما. وتعيينه بحسب القواعد، فكل بيئة منهما تدل بالالتزام على أن الدار ليست لغير من قامت عليه البينة مطلقاً حتى بالنسبة للآخر صاحب البينة الآخرى وغيره، ويتساقطان بالنسبة للآخر، ولكنهما يتوافقان بالنسبة لغيرهما.

إذن ففي غير الشخصين اللذين قامت البينة لصالحهما يتطابق المدلول الالتزامي لكلتا البينتين على أن الدار ليست ملكاً لأحد غيرهما، ونتيجة ذلك حصر الملكية وترددها بينهما ويتم تعيينها بحسب القواعد، لا أن لازم هذا القول كون المال مجهول المالك.

على أنه يمكن للمحقق النائيني أن يستشهد بهذا الفرع على صحة مبناه؛ إذ لم يحتمل الفقهاء كون المال لذي اليد.

وثالثاً: على تقدير التسليم بما ذكره من عدم حجّيّة مدلولها الالتزامي من نفي المال عن ذي اليد، فإن ذلك ليس لأجل خصوصية في المدلول الالتزامي، بل حتى لو بقي المدلول المطابقي على حجّيته، لم يكن المدلول الالتزامي هنا حجّة؛ وذلك لأن البينة - كما ذكر في الفقه - لابد أن تكون على طبق دعوى الخصم كما قال الفقهاء: يعتبر أن يكون المدعي خصماً، فلو تنازعا وأقاما البينة على أن المال الذي بيد زيد ليس له، فهو غير مسموع. وبما أن المدلول الالتزامي هنا مما لا يرتبط بمدعاهما؛ لذلك لا يكون قيام البيئة مسموعاً فيه ولا تأثير له في باب البينات.

المسألة الثانية: وهذه نظير المسألة السابقة، بأن يوجد للدار ذو اليد وهو زيد مثلا، وادعاها عمرو وبكر، وأقام كل منهما شاهداً واحداً على مدعاه، فشهد أحدهما بأن

الدار لعمرو، وشهد الأخر بأنها لبكر، والشاهد الواحد بلا ضم يمين لا يكون حجّة في الأموال، بل لابد من انضمام اليمين إليه، فتتعارض الشهادتان في المدلول المطابقي ولكنهما تتوافقان في المدلول الالتزامي، وهو عدم كون الدار لزيد. وإذا صح الأخذ بالمدلول الالتزامي، فلابد أن نحكم بأن هذه الدار ليست ملكاً لزيد؛ لأجل شهادة شخصين اثنين بواسطة المدلول الالتزامي لكلامهما بأن الدار ليست لزيد، فيجب أن يؤخذ المال من زيد من دون ضم يمين، مع أنه لا يمكن الالتزام بذلك.

ويلاحظ عليه:

أولا : ماذكرناه في الاعتراض على المسألة الأولى من أن البينة لابد أن تكون على طبق الدعوى، وأما لو لم تكن على وفق الدعوى فلا تكون حجّة.

وثانياً: يعتبر في البينة، أن تقع شهادة الشهود على حصة واحدة، بأن تكون النسبة بين المشهود به لهما نسبة التساوي لا العموم من وجه.

والملاحظ أن بين المدلول الالتزامي للشهادتين نسبة العموم من وجه؛ فإن أحد الشاهدين يقول: (المال لعمرو)، ومعناه أنه ليس لغير عمرو حتى بكر، والآخر يقول: (المال لبكر)، ومعناه أنه ليس لغير بكر حتى عمرو. ومن هنا لا تكون شهادتهما حجّة حتى لو صرحا بذلك، بأن لم تكن شهادتهما بنحو المدلول الالتزامي، بل بنحو المدلول المطابقي.

وثالثاً: أن هذا القول يتوقف على أن نستظهر من أدلة الشهادة، اعتبار البينة حتى بالنسبة للمدلول الالتزامي لها، وعدم اختصاصها بالمدلول المطابقي، وهو محل تأمل.

المسألة الثالثة : لو كانت الدار بيد زيد، وقامت بينة على أنها لعمرو، ولكن عمراً أقر بأنها ليست له. فلا ريب في تقديم الإقرار على البينة، إلا إنّه لا يزاحمها إلا في في مدلولها المطابقي، وبناء على التفكيك بين الدلالة المطابقية والالتزامية الحجية تبقى حجية البيئة بالنسبة للمدلول الالتزامي الذي ينفي المال عن غير عمر و من زيد ذي اليد وغيره، مع سقوط المدلول المطابقي للبيئة، بسبب معارضته للإقرار. فإذا كان المدلول الالتزامي حجّة، فهو يعارض اليد الثابتة لزيد على الدار فيلزم منه الحكم بعدم كون الدار لزيد، وهذا مما لا يقول به فقيه (1).

ويمكن الإجابة عن هذا بجوابين: إجمالي وتفصيلي:

الجواب الإجمالي : لاريب أن العقلاء يرون الطولية بين هذه الطرق والأصول العقلائية، فتعتبر اليد حجّة لولا البينة، وتعتبر البينة حجّة لولا الإقرار والظاهر أن الطولية هذه غير محدودة بحدود الدلالة المطابقية فحسب، بل تشتمل الدلالة الالتزامية أيضاً، فمع وجود الطريق المتقدم رتبة؛ لا يتحقق الشرط لحجية المتأخر ولو في بعض شؤونه كالمدلول الألتزامي؛ ولذلك لاتكون البينة حجّة عقلائياً في مدلوليها مع وجود الإقرار، وسقوط البيئة هنا ليس لأجل المعارضة، بل لتأخرها الرتبي عن الإقرار. فعدم العمل بالمدلول الالتزامي في المسألة المذكورة ليس من باب عدم حجيّة المداليل الالتزامية، بل من باب عدم حجية البينة في ذاتها.

الجواب التفصيلي: أن الأقرار له لازم عقلي أيضاً، وهو أن المال لغير عمرو، وهو بإيجابه الجزئي يعارض السلب الكلي في لازم البينة، وأن المال ليس لغير عمرو. فإن


1) مصباح الاصول 3: 369.

قلنا بتقديم الإقرار ولو في مدلوله الالتزامي على البيئة ولوازمها، يسقط لازم البية عن الحجيّة ويحكم بأن المال الذي اليد. أما لو قلنا بأنه لا توجد طولية بين لازمي الإقرار والبينة، فيتعارضان ويتساقطان وتبقى حجّيّة اليد، فيعطى المال لذي اليد أيضاً.

الاعتراض الخامس: الظاهر أن أساس التفكيك بين المدلولين المطابقي والالتزامي في الحجيّة هو القول بتعدد الظهورات للجملة الواحدة، فيكون كل منها مشمولا لأصالة الظهور بصورة مستقلة، فلا يسقط أحدهما بسقوط الآخر. لكن نحن ننكر تعدد الظهورات في الجملة الواحدة سواء كانت انشائية أو إخبارية، فلا يصل المجال للبحث عن التفكيك في حجّيّة الظهورين وعدمها، مع عدم وجود ظهورات متعددة، بل إنها من قبيل القسم الثاني الذي ذكره المحقق النائيني، وهو كونها من لوازم الكلام. وقد ذهب إلى أنها تابعة للدلالة المطابقية في الحجية كما مرّ.

توضيحه أن لدلالة اللفظ ثلاث مراحل:

المرحلة الاولى: الدلالة الأنسية، وهي تبادر المعنى عند ذكر اللفظ على ضوء قانون تداعي المعاني، فقد يكون للمعنى أُنس وتقارن بمعنى أخر، فإذا ذكر اللفظ فانه بذلك يخطر المعنى في ذهن السامع مع المعنى المقارن لمعنى اللفظ.

المرحلة الثانية : الدلالة التصديقية الأولى، وتسمى أيضاً بالدلالة التفهيمية، وتعني بأن المتكلم حين ألقى اللفظ بمسمع من المخاطب فهو قاصد لتفهيم المخاطب، وإيجاد المعنى في ذهنه.

المرحلة الثانية : الدلالة التصديقية الثانية، وهي مرحلة الحجيّة، بمعنى أن كلام المتكلم حجّة له وعليه والحكم بأن المتكلم جاد في كلامه غير هازل، وملتزم بمفاد كلامه.

والدلالة الالتزامية : توجد في المرحلة الاولى، فإن الكلام دال عليها التزاماً إلا إنها دلالة تصورية فحسب؛ وذلك لأنه بموجب التلازم الموجود في الذهن بين اللفظ والمعنى يكون سماع اللفظ موجباً لتصور المعنى. فإن كان هذا المعنى له نوع من الإرتباط، بمعنى آخر؛ إما من جهة تقارنهما في الأحساس، أو للتضاد، أو للتشابه فأنه يؤدي إلى تصور هذا المعنى الآخر أيضاً، بمعنى أن سماع اللفظ يوجب تصور المعنى، وتصور المعنى يدفع الذهن إلى تصور المعنى الآخر، كما يتبادر البياض فيما إذا ذكر السواد مثلا.

ولكن هذه المرحلة من الدلالة ليست موضوعاً للحجية، ولا تحقق ظهور الكلام في المعنى مالم تصل إلى مرحلة أخرى وهي الدلالة التفهيمية.

وأما الدلالة التفهيمية، فهي كما ذكرنا، عبارة عن دلالة الكلام عن أن المتكلم به قاصد لتفهيم معناه. وهذه الدلالة تثبت بمعونة أصل عقلائي، على أساس أن المتكلم العاقل غير الغافل والساهي إذا تكلم بكلام، فالحكمة تقتضي أن تكون علته الغائية هي التسبيب بكلامه إلى تفهيم المعنى. وهذه المرحلة مختصة بالمدلول المطابقي، بمعنى أنه ليس هناك أصل عقلائي يحكم بأن المتكلم الحكيم يقصد تفهيم جميع المعاني التي تلزم المعنى المطابقي في مرحلة الإخطار والتصور، فإنه كثيراً ما يتكلم الإنسان بكلام له معنى مطابقي ومعان لازمة له في مرحلة الاخطار بحيث إذا سمعه السامع تخطر بذهنه تلك المعاني، مع أن المتكلم لم يقصد تفهيمها.

وبعبارة اخرى: الأصل العقلائي الذي يحكم بإرادة المتكلم تفهيم المعنى قائم على أساس عدم لغوية الفعل الصادر من العاقل؛ ولذلك تحمل الكلمة بما أنها فعل من

أفعاله على إرادة تفهيم معناها. وهذا الأساس لا يقتضي إلا أن المتكلّم أراد تفهيم المعنى المطابقي ولا يقتضي أكثر من ذلك.

وأما الدلالة التصديقية الثانية، فمجالها ظاهر الكلام وما يلازمه، سواء كانت الملازمة بينهما بينة أو غير بينة، فهذه الدلالة وإن شملت المداليل الالتزامية للكلام لكن لا لأجل التقارن الذهني بين المدلول المطابقي والالتزامي، بل لجهة عامة تشمل المدلول الالتزامي المقارن للمطابقي وغيره من لوازم الكلام وان لم تكن ملازمة للكلام بينة، وهي قانون الميثاق الاجتماعي العقلائي بأخذ كل شخص بظاهر كلامه ولوازمه التي لا تنفك عنه.

ثم إن هذه المرحلة من الدلالة مترتبة على المرحلة الثانية المتقدمة، بمعنى أن الكلام الذي تمت فيه الدلالة التفهيمية حجّة في معناه المطابقي ومعانيه الالتزامية ولو أن هذه المعاني غير مقصودة بالتفهيم كما هو المفروض (1)فليست حجّية للوازم حجية مستقلة في عرض حجّيّة المدلول المطابقي، بأن تكون لهما مبادىء مستقلة. وتكون مجرى


1) وهذا معنى حجّيّة مثبتات الكلام في مقابل عدم حجّية مثبتات الاصول، فإنّها لا تعتمد على أن لوازم الكلام مقصودة بالتفهيم ; لكي ينحل خبر واحد إلى أخبار متعددة، وأنها تعتمد على الميثاق العقلائي الذي مفاده حجّيّة الكلام المراد تفهيم معناه المطابقي في جميع لوازمه سواء كانت اللوازم مقصودة بالتفهيم أم لا. نعم، هذا أيضاً ليس على نحو القاعدة الكلية، وإنما يجب الرجوع في تشخيص حدوده إلى بناء العقلاء، فقد يوجد التفكيك بين المعنى المطابقي وبعض لوازمه ولذلك يقال: إن عموم العام لا يكون حجّة في إثبات عكس النقيض، فإذا ورد (اكرم العلماء) وعلمنا بعدم وجوب إكرام زيد فلا يمكن الحكم بعدم عالميته من باب انه لازم الحجية (اكرم جميع العلماء)؛ وذلك لأنّ عكس نقيضه عدم عالمية من ليس بواجب الإكرام.

لأصالة الظهور بنفسها، بل اللوازم حجّة في ظل حجّيّة المدلول المطابقي من باب التعهد العقلائي، فإذا سقط عن الحجيّة، لا يبقى للوازم دليل على حجيتها.

وماذكر في شرح الإشارات وغيرها (1)، من توصيف الدلالة الالتزامية بأنّها لفظية وعقلية، هو في الواقع إشارة لما ذكرناه من أنها في مرحلة الدلالة التصويرية تتقيد بما يدلّ عليه اللفظ، ولكنها في المرحلة الثالثة التصديقية تتسع فتشمل غير المداليل الالتزامية للفظ من لوازمه؛ فإن ملاكها اللزوم العقلي وهو يعم لوازم الكلام مطلقاً كما ذكرنا.

فتبين من كل ماذكرناه أن الدلالة الالتزامية تسقط بسقوط الدلالة المطابقية كما تسقط لوازم الكلام بسقوطها؛ لأن المناط لهما في مرحلة الحجية واحد.

وبعد كل هذا لابد لنا من مراجعة الشواهد العقلائية لنرى ما تقتضيه في مجال نفي الثالث في باب الخبرين المتعارضين فهل لها دلالة على ذلك أو لا؟ والبحث فيها يقع من جهتين:

الجهة الأولى: في الظهورين المتعارضين، إذا علمنا بمخالفة أحد الظهورين للواقع، وهذا بدوره يؤدي إلى التعارض. وسبق أن ذكرنا ان حجية ظواهر الكلام ليست لكاشفيتها عن مراد المتكلم، بل للميثاق العقلائي الاجتماعي الذي يقوم على أساس أخذ كل متكلم بظواهر كلامه ولوازمه، حيث إن كل إنسان ملزم بما يقوله بعد تمامية المراحل السابقة، فاذا تعارضت الظواهر وان كان هذا التعارض شكلياً ونتيجة عدم التمكن من التمييز واستكشاف المراد الواقعي بسبب عدم التمكن من الجمع الدلالي


1) الاشارات وشرحها 28/1.

بينهما وغيره من الطرق المعتبرة، فمقتضى القاعدة حينئذ هو التساقط وعدم الأخذ بأي منهما ولا يوجد شاهد على اعتبار أحدها.

نعم، قد تذكره وجوه في هذا المجال من أنهما وإن تساقطا لكن لا يعتبران كالعدم بل يمكن أن يكون لهما تأثير في نفي الثالث:

الوجه الاول: ما إذا ورد عام مخصص بمخصص منفصل مردد بين المتباينين كما لو قال : (أكرم كل عالم)، وبعد ذلك قال: لايجب إكرام زيد)، وترددنا في زيد هل هو ابن عمرو أو ابن خالد - وكلاهما من العلماء - سواء كان التردد من الأوّل أو أن الإجمال طرأ بعد ذلك. فهنا يرى العقلاء بحسب مرتكزاتهم بأن الخارج من تحت العموم هو أحد هذين الفردين لاكلاهما وإن لم يتعين شخصاً، وهو مما يدل على عدم سقوط الظهورين المتعارضين تماماً، لكن بما أن ظهور العام يتحل إلى ظهورات متعددة بعدد الأفراد، فالظهور يقتضي إكرام كل منهما.

لكن في مورد العلم الإجمالي بمخالفة أحد الظهورين للواقع الناشيء من صدور المخصص وإجماله، فالقاعدة تقتضي المنع من جريان أصالة حجية ظهور العام في كليهما، إذ المفروض العلم بمخالفة أحد الظهورين للواقع وجريانها بالنسبة لأحدهما المعين لا أثر له؛ لأنه بلا مرجح، وأحدهما لا بعينه ليس له وجود خارجي، فلا دليل على وجوب إكرامهما. مع أننا ذكرنا بأن المرتكزات العلائية لاتؤيد هذه النتيجة، فهم في مثل هذا المورد يترددون في إكرام أي منهما لا أنّهم يعرضون عن إكرامهما كما هو مقتضى القاعدة التي توصلنا إليها من خلال سقوط كلا الظهورين عن الحجية، وهو يدل على ان عموم وجوب الإكرام لا يسقط تماماً بل لابد من تقييد حجية العام بالنسبة

إلى كل واحد منهما بما لو كان الآخر مخالفاً للواقع، أو نحو ذلك من وجوه الجمع التي ذكرناها بلا فرق في ذلك بين الظهورات المنحلة والظهورات المستقلة.

لكن يمكن الجواب عن ذلك بأنّ ماذكره من بقاء حجّيّة العام بالنسبة لأحد هذين الظهورين صحيح، ولكن ذلك لجهة خاصة لاتجري في سائر الموارد كما اوضحناه في مبحث العام والخاص. وذكرنا هناك بأنه في صورة عروض الإجمال للمخصص المذكور فإننا قبل عروض الإجمال كنا نعلم بسقوط أصالة التطابق في أحدهما معيناً وعدم سقوطها في الآخر وتمامية الحجية بالنسبة إليه، ولكن بعد عروض الإجمال اشتبه الأمر علينا فهو داخل في موارد اشتباه الحجّة باللاحجّة أمّا في صورة وجود الإجمال من حين صدور الحكم بأن يكون المولى هو الذي جعل المخصص مجملا رعاية لجهة من جهات الكتمان، فهو كما لو قال: (لا يجب إكرام أحدهما، لكن لا أعينه). ومن الواضح ثبوت الوجوب هنا بالنسبة لأحدهما، ولذا يتعين عليه الاحتياط.

الوجه الثاني: لو علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين، فكما أن هذا العلم الأجمالي لا يمنع من التمسك بقوله (عليه السلام): «كل شيء نظيف حتى تعلم...» (1)لإثبات طهارة الإناء الثاني فكذا الحال في الظهورات المستقلة إذا علم بمخالفة أحدهما للواقع، فنحكم بحجّيّة الآخر طبقاً لدليل حجية الظهورات.

والجواب عن ذلك ما ذكرناه في بحث سابق من أن الحكم في المثال المذكور وأمثاله، إنّما هو لجهة خاصة تختص بها ولا تشمل بقية الموارد، وتلك الجهة هي وجود عموم لفظي أخذ فيه الشك على نحو الصفة النفسية الموجبة لتعدد العناوين. وهذه


1) التهذيب 1 : 284 / 832.

الجهة غير متوفرة في مورد بحثنا حيث لا يوجد دليل لفظي أخذ فيه ذلك؛ فلذا لايجري فيه هذا الحكم.

الوجه الثالث: أن العقلاء بحسب مرتكزاتهم لا يفرقون بين إبراز اللازم بصورة صريحة أو بنحو المدلول الالتزامي، فلا فرق عندهم بين قول القائل: (هذا حرام، أو هذا واجب) وبين قوله: (هذا ليس مستحباً)؛ حيث إن لازمه أنه واجب أو حرام.

والجواب عنه: ما ذكرنا من أنه في صورة التصريح ينعقد للكلام ظهوران يدخل كل منهما في أصالة الظهور. أما في مورد المدلول الالتزامي فليس عندنا سوى ظهور واحد.

الجهة الثانية: في الخبرين المتعارضين، إذا تعارض خبران وعلمنا إجمالا بصدور أحدهما من الشارع، فإنه بطبيعة الحال سوف ينفي الثالث، أما إذا لم نعلم بذلك فإن الخبرين المتعارضين يتساقطان كما هو مقتضى الأصل.

ولكن قد تذكر وجوه لنفي الثالث بذلك:

الأوّل: الأحاديث الواردة في التخيير بين الخبرين في حالة التعارض، وهي لو تمت سنداً ودلالة فإنها ستكون شاهداً على مسألة نفي الثالث بهما. لكن سيأتي الحديث عنها بالتفصيل، وسيتبين أنها غير تامه سنداً أو دلالة أو كليهما.

الثاني: قد مرّ في المسألة الأولى في الاعتراض الرابع على مبنى المحقق النائيني (قدس سره) على أن النصوص والفتاوى متفقة على عدم إعطاء المال لذي اليد، مع أن لازم القول بالتساقط إعطاء المال لذى اليد. ومن هنا نعرف أن الطريقين المتعارضين ليسا في حكم العدم، بل لهما نحو من التأثير؛ ولذا لم نطرح البينتين تماماً ونتوجه إلى شخص ثالث وهو ذو اليد مثلا.

والجواب: عن ذلك أن مورد اتفاق الفتاوى والنصوص هو مجال القضاء وفصل الخصومات، وهو غير مجال إثبات الأحكام الشرعية، ففي باب القضاء يوجد نحو من التشدد أو السعة لا تتوفر في مجال إثبات الأحكام، فمثلا في باب إثبات الأحكام ذهبوا إلى حجيّة خبر الثقة أو الموثوق به في حين أنه في باب القضاء لايكون خبر الواحد حجة مطلقاً. حتى في الدعاوى المالية، أو أن القرعة أو اليمين إذا انضما للخبر الواحد فإنه لهما تأثيرهما في باب القضاء في حين أنه لا تأثير لهما في باب الأحكام، ففي باب القضاء بما أنه يلزم فصل الخصومة بين المتنازعين، وعدم تركها بدون معالجة وأنه يتعين حلها بمختلف الطرق الممكنة المشروعة، فلذلك من المحتمل الأخذ بالمدلول الالتزامي فيه دون أن يكون حجّة في مجال إثبات الأحكام.

الثالث: في مورد تعارض المقومين في باب الارش اختلف الفقهاء، فذهب بعضهم إلى تعين الأقل بإجراء البراءة عن الزائد، وبعضهم ذهب إلى القول بالقرعة، وذهب المشهور إلى الجمع بين أقوال المقومين؛ إما بملاحظة القيم المعينة للصحيح من قبل المقومين والقيم المعينة للمعيب ثم لحاظ نسبة المجموع إلى المجموع، أو التنصيف بأن يكون كل قول حجّة في النصف فلو قوم أحد المقومين الدار بألف دينار والآخر بخمسمائة فنرجع. إلى مقوم وفي النصف الآخر إلى المقوم الاخر، ثم نلاحظ نسبة النصف إلى النصف الآخر. وعلى ضوء ذلك يتبين اتفاق الفقهاء على عدم إهمال أقوال المقومين بتعارضها والرجوع إلى الثالث مما يدل على أن نفي الثالث متفق عليه بينهم.

والجواب عن ذلك أن التقويم لا يحكي عن قيمة واقعية ثابتة للشيء واقعاً، وإنما هو في الحقيقة وضع للقيمة وإنشاء لها عن حدس بموجب ما يملكه المقوم من خبرة في تحديد قيم الأشياء، من خلال تشخيص الملاكات والمقاييس التي لها تأثيرها في تحديد

قیم الاشياء، كمقدار الجهد المبذول فيه، ومدى رغبة الناس فيه، واحتياجهم إليه، ومدى توفره في السوق، وقلته، وغير ذلك من العوامل المؤثرة في القيمة. وقد حصلت هذه الخبرة فيه نتيجة لكثرة ممارسته للتقييم وتقوية حدسه في هذا المجال، فالتقويم على ما ورد في مجمع البحرين يعني (جعل له قيمة) (1)، فهو جعل وليس إخباراً عن حقيقة خارجية. فالقيمة إذن من الامور الاعتبارية التي تصدر من المقوم لأنها من الأمور التي تختلف باختلاف الأنظار، وهو تعريف الأمر الاعتباري، لا أنها أمر تختلف فيه الأنظار، وهو تعريف الأمر الواقعي الحقيقي، ولذا فلو كانت قيمة العبد ألف دينار فحينما يعتق ويسقط عن المالية لا يقال : إنه قد زال عرض عنه من أعراضه، وهو المالية.

وهناك شواهد كثيرة على هذه الفكرة، وبذلك يظهر بطلان النظرية التي ترى بأن قيمة الأشياء وأسعارها من الامور الواقعية باعتبار أنها عمل متجسد كما ذهبت إلى ذلك أيضاً بعض المدارس الفقهية والقانونية المعاصرة. غايته أن اعتبار القيمة من المقوم لشيء بحاجة إلى مصحح، فإذا كان المقوم واحداً، أو أكثر من واحد واتفقوا على جعل قيمة واحدة، فالناس يلتزمون بمثل هذا التقويم، ويكون اعتبار الناس على وفق اعتبار المقومين، لا أنهم يعتمدون التقويم هذا لأنه طريق إلى معرفة واقعية في الشيء؛ إذلا واقع خارجي للقيمة.

وفي صورة تعارض المقومين في تعيين القيمة فبناء العقلاء قائم على التعديل بين هذا القيم والأخذ بالقيمة المتوسطة بينها، فإذا ذكر كل مقوم قيمة معينة تختلف عما ذكره الآخر، فإن المعدل أو المتوسط بين القيم هو قيمة الشيء عند العقلاء. فإذا قوّم


1) مجمع البحرين 6: 148 مادة.

أحد المقومين الدار بـ (1500) دينار والآخر بـ (2000) دينار، فإن العقلاء يرون بأن القيمة حينئذ هي (1750).

وليس معنى ذلك أن تعيين القيمة الثالثة قد تم بالأخذ بنصف القيمة بقول هذا المقوم، وفي النصف الآخر بقول ذاك المقوم، كما فهمه الشيخ الأنصاري (قدس سره)، وغيره (1)ولذا أشكلوا على المشهور، والتزموا برأي الشهيد (قدس سره) فليس الأمر كذلك؛ إذ أن التقويم ظاهرة موضوعية لا طريقية، فالمقصود الحقيقي من ملاحظة أقوال المقومين في مورد الاختلاف إنما هو التعديل وأخذ الحد الوسط بينها، فيرتبط بحث القيمة بموضوعات الأحكام، ولا علاقة له بالطرق الكاشفة عن الامور الواقعية، بل هي موضوع للحكم العقلائي والبحث عنها باستيعاب تعرضنا له في مبحث المكاسب.

وبالجملة، فليس هناك شاهد على نفي الثالث في الخبرين المتعارضين، فالمعيار إذن هو حصول الاطمئنان على نفي الثالث من خلال تجميع القرائن وتراكم الاحتمالات والشواهد؛ ففي كل مورد يتحقق فيه هذا الاطمئنان نحكم بنفي الثالث وإلا فلا.

إلى هنا تم الكلام في المقصد الأول حول تعريف التعارض وحدوده والأصل في المتعارضين.


1) المكاسب، خيار العيب بحث الارش.

المقصد الثاني: في علل اختلاف الأحاديث

إشارة:

ونقصد بالأحاديث في عنوان الباب ماهو الموجود بأيدينا منها، وبالاختلاف: ما يعم الاختلاف الواقعي والشكلي الذي يتراءى للباحث فيها نتيجة قصور باعه وعدم احاطته باساليب و طرق تشريع الأحكام والقوانين العامة للمحاورة، وخصوص طرق واساليب الرسول (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) في بيان الأحكام الشرعية، وكذلك عدم الاحاطة بما يتحكم في نقل الرواة لها عنهم من العوامل الذاتية وغيرها، وما يجري عليها بعد نقلها في الكتب والاصول، فبالإحاطة التامة بهذه الجهات يظهر أن الكثير من الاختلافات التي يتوهم وجودها بين الأحاديث هي في الحقيقة اختلاف يتوهمه الباحث لعدم معرفته بما ذكرناه، والا فبينها كمال الملاءمة، مما يفرض علينا أن نتناول هذه الجهات وغيرها بدراسة شاملة وعميقة لما يترتب على معرفتها من الغرض المهم؛ فإن ذوات الأسباب لا تعرف الا بأسبابها. وقبل أن نستعرض مناشىء اختلاف الحديث لابد من أن نتعرف على أمور ثلاثة كمقدمة للبحث:

الأول: تاريخ بداية الاحساس بمشكلة اختلاف الأحاديث، ومدى اهتمام المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) بها.

الثاني: مدى تأثير ظاهرة اختلاف الأحاديث في معتقدات البعض؛ مما دفع بالعلماء إلى الاهتمام بها أكثر، والتفكير في ايجاد حلول صحيحة لها.

الثالث: الأساليب التي اتبعها السابقون لعلاج مشكلة اختلاف الحديث.

ونحن نتعرض لبيان هذه الأمور:

الأمر الأول: تاريخ الاحساس بمشكلة اختلاف الحديث

الذي يظهر للباحث أن تاريخ بدايات الإحساس بمشكلة اختلاف الحديث يعود إلى الصدر الأول، حيث نرى أن الصحابة والتابعين عاشوا هذه المشكلة وأحسوا بها كما نحس بها نحن اليوم، فقد اشتملت أحاديث الرسول (صلى اللّه عليه وآله) التي ألقاها اليهم على أقل التقادير - على المحكم والمتشابه، وعلى الناسخ والمنسوخ، وهذا بدوره سيؤدي إلى بروز حالة الاختلاف بين الأحاديث، ولبيان هذه الجهة نشير إلى المرحلتين اللتين مربهما نشر الأحكام وتبليغها في الإسلام، فقد تم بيان أحكام الشريعة ونشرها على مرحلتين:

المرحلة الأولى: مرحلة التلقي من الرسول (صلى اللّه عليه وآله)، وقد قام (صلى اللّه عليه وآله) ببيان الأحكام على مستويين:

الأول: المستوى العام ويتمثل ببيان الأحكام للصحابة ككل. وقد تلقى الصحابة منه ذلك ويتمثل في الأحاديث النبوية.

الثاني: المستوى الخاص، ويختص ذلك بتلقي مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) التعاليم والإحكام الإسلامية من الرسول (صلى اللّه عليه وآله) حيث كان يميلها عليه بصورة خاصة. وقد جاء ذلك في جملة من الروايات حيث ورد فيها بالنص أن الرسول (صلى اللّه عليه وآله) كان يملي عليه وهو (عليه السلام) يكتب. وكان حصيلة ذلك تأليفه (عليه السلام) لكتب متعددة على عهد الرسول (صلى اللّه

عليه وآله) كما اتفقت على ذلك كلمات العامة والخاصة (1)ذكرت بعض مصادره في مقدمة كتاب الأحاديث، وجاء فيها أن للإمام (عليه السلام) عدة كتب ومنها كتاب الديات المذكور بنفسه في آخر كتاب الكافي، وصحيفة علي، وكتاب الفرائض، وغيرها من الرسائل، كما تعرض لذلك كتاب فتاوى رشيد رضا الجزء الرابع حيث يتعرض فيه إلى بحث شامل عن صحيفة علي يتضح منه سعة هذه الصحيفة واشتمالها على أحكام كثيرة.

وقد اعترف علماء العامة باختصاص الامام علي (عليه السلام) من بين الصحابة بتلقي أحكام البغاة والخوارج من النبي (صلى اللّه عليه وآله)؛ ولذا نرى أن با حنيفة (2)

وصحيح مسلم 115/4 واشارت صحاح وكتب اخرى منهم لكتب الإمام (عليه السلام) باملاء الرسول (صلى اللّه عليه وآله) عليه كما ذكرت ذلك في مسند أحمد 811. وصحيح مسلم 57/4. والسنن الكبرى للبيهقي 16/8 نقلاً عن الشافعي، ويؤيده ما روي في طبقات ابن سعد في ترجمة الامام 2/ 101 (قيل لعلى مالك اثر اصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) حديثا. فقال: اني كنت إذا سألته أنبأنى. وإذ اسكت ابتدأني) وراجع حول الصحيفة كتاب اضواء على السنة المحمدية ص 94 المقرر).

والشافعي يستدلان في أحكام البغاة والخوارج بأقوال الإمام (عليه السلام)

1) وقد وردت الروايات والاقوال من الفريقين في صحيفة الامام علي (عليه السلام) وانه كتبها باملاء الرسول (صلى اللّه عليه وآله). أما من طريق اهل البيت (عليهم السلام) فالروايات فيها كثيرة، كما ذكرت في جامع احاديث الشيعة 1 / 33. منها عن الامام الصادق (عليه السلام) والله ان عندنا لصحيفة فيها جميع ما يحتاج اليه الناس حتى ارش الخدش املاء رسول اللّه وكتبه على بيده وقد سميت ايضاً بالجامعة والظاهران صحيفة الامام (عليه السلام) كانت مشهورة عند بعض اهل السنة، كما اشارت اليها بعض الصحاح كما في صحيح البخاري 1 / 36، 221/2 4/ 89، 8/ 144.

2) بدائع الصنائع 7: 149.

وهذا يدل على أن الرسول (صلى اللّه عليه وآله) كان يُعد الامام علياً ليكون باباً لعلمه وعدلا لكتاب اللّه.

والفرق بين هذين المستويين في تلقي الأحكام واضح، فقد كان ينقص الصحابة الدقة في فهم أحاديث الرسول والتركيز على كلماته، وكان من المفروض عليهم الرجوع في فهمها إلى من يفسر لهم ذلك وهو الإمام علي (عليه السلام)، لكن لم يفعلوا.

وهذان النحوان من تلقي الأحكام يعتبران من المناشيء الرئيسية لاختلاف أحاديث الفريقين: الشيعة وأهل السنة، وهو بدوره أدّى إلى اختلافهم في الفقه؛ فانمصدر الفقه عند الشيعة صحف الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي خطها با ملاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) واحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، ومصدر الفقه السني الأحاديث التي تلقاها الصحابة من النبي (صلى اللّه عليه وآله) بما فيها من جهات النقص التي نشأت من عوامل مختلفة، كمنعهم من تدوين أحاديث الرسول (صلى اللّه عليه وآله)، وضعف مستواهم في فهم كلام الرسول (صلى اللّه عليه وآله)، واعراضهم تقريباً عن صحف ومصادر أهل البيت (عليه السلام) في مجال التشريع التي كانت تتضمن معرفة الناسخ من الحديث ومنسوخه، ومحكمه ومتشابه، وعامه وخاصه، وفقدهم الوسائل العلمية التي يمكنهم من خلالها التعرف على كيفية معالجة الاختلاف في أحاديث الرسول اذن فقد واجه العامة منذ صدر الاسلام

مشكلة الاختلاف في نفس الاحاديث التي تلقوها من الرسول (صلى اللّه عليه وآله) لان فيها الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمحكم والمتشابه، ولم تكن لهم القدرة العلمية والثقافية على معالجتها لانهم لم يتمسكوا بارشادات أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يعتمدو على احاديث أهل البيت (عليهم السلام) بالاضافة لبعض العوامل التي فرضت عدم بيان هذه المشكلة او عدم محاولة علاجها.

اذن فان وجود هذه المشكلة المستعصية وعوامل سياسية وعقائدية أخرى - اشرنا إليها في مدخل البحث عن حجية خبر الواحد في فصل تاریخ تدوين الحديث - دفعهم إلى مواجهة مشكلة اختلاف الحديث مواجهة سلبية لا ايجابية وذلك بمنع تدوين الحديث منعاً باتاً، وأمروا باحراق كتب الحديث بدلا من استخدام أساليب وحلول صحيحة لمعالجتها، وقد شارت بعض المصادر لهذا الأمر مثل كتاب أضواء على السنة المحمدية (1)لكن هذه المواجهة لم تعالج المشكلة بل زادتها تعقيداً على طول التاريخ، حيث فتحت المجال للوضاعين أيضاً ليكثروا من وضع الحديث وفق ما تفرضه ظروفهم ما يسببه الاعتماد على مجرد الذاكرة خلال هذه المدة الطويلة من وضع المغرضين للاحاديث وادخالها ضمن احاديث الرسول (صلى اللّه عليه وآله) وصولا لبعض الاعراض او من حصول الاشتباه في النقل والنسيان. والزيادة أو النقيصة في الاحاديث وامثالها، فاضطروا بعد ذلك في بداية القرن الثاني إلى تدوين الحديث. غير أن العمل الجاد في تدوين الحديث بدأ في أواسط ذلك القرن، فقد كتب مالك موطأه ولم يكن يتبع في تدوينه منهجاً علمياً بل كان يذكر فيه كل ما يميل إليه من أحاديث المدنيين، فذكر القليل من الأحاديث في كتابه معرضاً عن أحاديث العراقيين التي التزم


1) أضواء على السنة المحمدية: 58.

بها فقه أبي حنيفة، حيث كان اتباع كل مدرسة آنذاك من العراقيين والمدنيين يتعصبون لأحاديثهم ويرمون أحاديث المدرسة الاخرى بالضعف.

إذن فلم يستخدموا طريقة حاسمة وعلمية لمعالجة اختلاف الحديث، وقد اعتبرت فتاوى الفقهاء الأربعة مقدّسة قبل تدوين الحديث في مجال الفقه السني؛ لذلك لم يكن لاختلاف الحديث أي أثر بعد تدوينه.

المرحلة الثانية: دور نشر - الأحاديث والأحكام الصادرة من الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) في بداية القرن الثاني، حيث ساعدتهما هذه الفترة الزمنية كثيراً في نشر الأحكام، فإنه في هذه الفترة قد ضعفت الدولة الأموية والخلافة العباسية كانت في بدايتها وعدم استقرارها، لذلك أمكنهم من نشر - أحكامهم في ظل هذه الظروف.

وقد أحصى ابن عقدة اربعة آلاف من تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام). وما أحصاه ابن عقدة هو الأساس لرجال الشيخ الطوسي حول رجال الإمام الصادق (عليه السلام) وقد استدرك عليه جماعة منهم ابن نوح.

وقد أحس الرواة الذين تلقوا الأحاديث عنهما (عليهما السلام) بنوعين من الاختلاف فيها:

النوع الأول: الاختلاف بين ما كانوا يسمعونه من الصادقين (عليهما السلام) عن الأحاديث المتداولة عند أهل السنة، فالراوي الكوفي يرى الاختلاف بين أحاديثها (عليهما السلام) واحاديث الكوفيين وهكذا الأمر بالنسبة لأحاديث الحجازيين. ومن هنا نشأت مشكلة مخالفة أحاديث الصادقين (عليهما السلام) أحياناً لفتاوى العامة.

النوع الثاني: الاختلاف الذي رأوه في نفس الأحاديث الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام) وفتاواهم، فتساءلوا أولاً عن علل هذا الاختلاف، وثانياً عن طرق علاجها، كما هو الملاحظ في مقبولة ابن حنظلة (1)، وثالثاً قد يظهر تساؤلهم هذا من خلالل عرض روايتين متعارضتين على الإمام وسؤاله عن العلاج كالروايات المتعارضة الواردة في طهارة الخمر ونجاسته (2).

إذن فالرواة واجهوا نوعين من الاختلاف بين الأحاديث، وهناك شواهد عديدة عليهما، وقد عرض الرواة كلا النوعين على الإمامين (عليهما السلام).

ففي النوع الأول، كان الاختلاف في البداية مشهوراً بين مباني الأئمة (عليهم السلام) وأسسهم مع مدرسة الجمهور، وقد عُرض هذا الاختلاف على الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل ذلك كما ورد في جامع الأحاديث نقلاً عن عدة كتب كالكافي والغيبة للنعماني ونهج البلاغة وغيرها عن سليم بن قيس الهلالي قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام) إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن من الأحاديث عن نبي اللّه (صلى اللّه عليه وآله) أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) متعمدين، ويفسرون القرآن بآرائهم؟ قال فأقبل عليَّ فقال: قد سألت فافهم الجواب، إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً


1) ستأتي في ص 345.

2) الوسائل 3 : 468 / 2 ب 38 من أبواب النجاسات.

ووهماً، وقد كُذب على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) على عهده حتى قام خطيبا وقال: أيها الناس، قد كثر علي الكذابة فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده. وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:

رجل منافق يظهر للإيمان متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) متعمداً، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ورآه وسمع منه فأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم، فقال عز وجل: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم). ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور الكذب والبهتان، فولوهم الأعمال، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم اللّه. فهذا أحد الاربعة.

ورجل سمع من رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) شيئاً فلم يحمله على وجهه، ووهم فيه ولم يتعمد كذباً، فهو في يده يقول به ويعمل ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه ولو علم هو أنه وهم لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) شيئاً أمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، ولو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.

و آخر رابع لم يكذب على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) مبغض للكذب خوفاً من اللّه وتعظيماً لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، لم ينسه بل حفظ ما سمعه على وجهه فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص عنه، وعلم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإن أمر النبي (صلى اللّه عليه وآله) مثل القرآن ناسخ و منسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه.

قد كان يكون من رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) الكلام له وجهان، وكلام عام وكلام خاص، مثل القرآن، وقال اللّه عز وجل في كتابه: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى اللّه به ورسوله (صلى الله عليه وآله) وليس كل أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه حتى إن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) حتى يستمعوا، وقد كنت أدخل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) كل يوم دخلة وكل ليلة دخلة (1).

والملاحظ أن هذه الرواية ليست مجرد خبر وحديث، وإنما هي تعبر عن واقع الصحابة آنذاك، وكيفية تلقيهم الأحاديث عن النبي (صلى اللّه عليه وآله).

وفي المصدر نفسه بسند صحيح عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر ؟ قال : «إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان». قال: قلت: فاخبرني عن أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) صدقوا على محمد (صلى اللّه عليه وآله) أم كذبوا؟ قال: «بل صدقوا». قال: قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: «أما تعلم أن


1) الكافي 1 : 50 / 1، جامع احاديث الشيعة 1: 196 / 173.

الرجل كان يأتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) فيسأله عن المسألة، فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً (1).

وليس معنى الرواية صدق الصحابة جميعهم، بل المقصود منها الإشارة إلى جهة من جهات الاختلاف وهي عدم معرفة الناسخ من المنسوخ.

وفي جامع الأحاديث أيضاً في معتبرة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) لا يتهمون بالكذب، فيجيء منكم خلافه؟ قال: إن الحديث يُنسخ كما ينسخ القرآن (2).

والهدف من ذكر هذه الأحاديث أن الرواة كانوا يعرضون الاختلاف بين أحاديثهم (عليهم السلام) مع أحاديث غيرهم على الأئمة (عليهم السلام)، وفي رواية الميثمي التي سيأتي ذكرها تفصيلاً قال: حدثني أحمد بن الحسين الميثمي أنه سئل الرضا(عليه السلام) يوماً وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) في الشيء الواحد(3)فأوضح له الامام (عليه السلام) وجه ذلك.

وقد أشار الأئمة (عليهم السلام) في ذلك إلى أن الصحابة لم يكونوا يدركون كلام النبي (صلى اللّه عليه وآله)، وقد قصدوا من خلال ذلك دفع الشبهات عما يروونه.


1) الكافي 1 : 52 / 3، جامع أحاديث الشيعة 1 : 324 / 485.

2) الكافي 1: 52 / 2، جامع أحاديث الشيعة 1: 323 / 483.

3) عيون أخبار الرضا 2 : 20، جامع أحاديث الشيعة 1: 315/ 468.

وفي مقدمة ابن خلدون نقلاً عن الزهري - وهو من أعلام محدثي العامة في أوائل القرن الثاني -: أعيا الفقهاء واعجزهم أن يفرقوا بين ناسخ والحديث ومنسوخه (1).

وفي جامع الأحاديث في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى اللّه عليه وآله) وفيهم علي (عليه السلام) فقال: وما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) يمسح على الخفين. فقال علي (عليه السلام) سبق الكتاب الخفين، إنما أنزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين، أو ثلاثة» (2).

إذن فالأئمة (عليهم السلام) بينوا أسباب الاختلاف في هذا النوع بين أحاديثنا وأحاديث أهل السنة، ولسنا في مجال البحث عن ذلك ؛ لاننا بفضل أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) لم نواجه مشكلة الاختلاف في أحاديث الرسول (صلى اللّه عليه وآله) ؛ إذ نحن نقول بحجية الخبر الموثوق به. وعند البحث عن حجية خبر الواحد ذكرنا وجوهاً تؤدي إلى عدم الوثوق بالأحاديث المذكورة في كتب أهل السنة، أمثال تأخر تاريخ التدوين لأحاديثهم، ووصول الأحاديث لهم عن طريق الذاكرة فحسب لا كتابة، وما يعتمد على الحفظ والذاكرة يكون معرضاً للزيادة والنقصان غالباً. وقد نقلت هذه الأحاديث خلال (150) عاماً عن طريق النقل والذاكرة فحسب مع وجود أسباب عديدة أدت إلى حدوث التغيير والتحريف إضافة إلى العوامل النفسية والسياسية والاجتماعية التي لها تأثيرها في هذا المجال. وقد ذكرنا ذلك كله بالتفصيل


1) مقدمة ابن خلدون: 440.

2) جامع الأحاديث 2: 387 / 2286.

في بحث حجية خبر الواحد عند البحث عن تاريخ تدوين الحديث، ومن هنا قلنا بعدم حصول الوثوق والاطمئنان بأحاديث العامة.

وفي النوع الثاني يدور البحث حول اختلاف الأحاديث الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام)، فقد سألوا منهم (عليهم السلام) عن هذا الاختلاف في عدة روایات، منها ما ذكر في صدر صحيحة منصور بن حازم المتقدمة. وسيأتي ما له علاقة بذلك من الأحاديث التي سأل من خلالها الرواة أنفسهم منهم (عليهما السلام) عن اسباب اختلاف الأحاديث.

ولكن الملاحظ أن الإحساس الأكثر لهذه المشكلة، والاهتمام الجدي بمعالجتها كان عند الطبقة السادسة من الرواة، وهم أصحاب الإمامين الكاظم والرضا (عليهما السلام) حيث ظهر الاهتمام بهذه المشكلة من شخصيات علمية آنذاك أمثال يونس بن عبد الرحمن، وابن أبي عمير، وأحمد بن أبي نصر - البزنطي، والحسن بن محبوب، وغيرهم، فقد اهتم جماعة من الرجال وعلماء هذه الفترة بالروايات المنقولة عن الصادقين (عليهما السلام)، والكتب التي وصلتهم من أصحابها. وكانت مختلفة من حيث الاعتبار والضبط والدقة، كما أن مصنفيها كانوا يختلفون في درجة الفهم والإدراك، فانكب هؤلاء على جمعها وتدوينها، ومحاولة تبويبها وتهذيبها وترتيبها، والجمع بين الأخبار المختلفة وغير ذلك. ومن هنا دونت جوامع الحديث أمثال جامع البزنطي وجوامع الآثار ليونس بن عبد الرحمن والمشيخة لابن محبوب ونوادر ابن أبي عمير.

ومن خلال ممارستهم لتأليف الجوامع، وعملية الاستنباط منها أحسوا بمشكلة اختلاف الأحاديث أكثر ؛ فلهذا كتبت في هذه الفترة الكتب الرجالية، فقد صنف فيه عبد اللّه بن جبلة المتوفى سنة (219) والحسن بن فضال المتوفى سنة (221).

إذن فقد اعتمدوا في كتاباتهم على الكتب والروايات التي نقلت اليهم عن الصادقين (عليهما السلام) من رواة الطبقة الرابعة والخامسة والطبقة الرابعة هي التي تلمذ رجالها على الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) ولا تتجاوز وفياتهم غالبا سنة (150) هجرية، أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم، والطبقة الخامسة الذين كانوا أحداثاً زمان الإمام الصادق (عليه السلام) ولم يدركوا الإمام الباقر (عليه السلام).

وكانت منقولات هؤلاء الرواة بحاجة الى تهذيب ؛ ولذا ألفت جوامع الحديث، وكتب نقد الرجال، وقواعد اختلاف الحديث. وللحديث بتوسع عن هذه الأمور موضوع آخر منها ما بحثناه في حجية خبر الواحد وبحث الاجتهاد والتقليد.

والرجال الذين نقلوا الأحاديث عن الصادقين (عليهم السلام) كانوا على مستويين:

مستوى تعليم الفقه العالي، وهؤلاء كانوا يتلقون الأصول ويفرعون بأنفسهم الفروع، حيث أخذوا بالاستظهار من الكتاب والسنة والدفاع عن فقه اهل البيت مقابل فقه العامة. وقد عبر عنهم بالفقهاء أمثال زرارة ومحمد بن مسلم، وغيرهما.

المستوى المتوسط، وهؤلاء كانوا يتلقون الأحاديث والفتاوى في المسائل المرتبطة بحاجاتهم فحسب، أو أنهم كانوا من رواة الحديثفحسب دون محاولة التفريع والاستظهار.

وكان لهؤلاء الرجال روايات وكتب في مجال جمع الأحاديث وتدوينها، وبما لها من تأثير كبير في مجال اختلاف الأحاديث كان لا بد من دراستها. وهي على تقسيمات عديدة:

1 - تقسيمها من حيث العرض على الامام (عليه السلام) وعدمه، فقد كانت بعض هذه الكتب تعرض على الإمام، وكان الامام (عليه السلام) يصححها أو يستحسنها مثل كتاب عبيد اللّه بن على الحلبي الذي نقل النجاشي أنه عرض كتابه على الإمام الصادق (عليه السلام) فاستحسنه وقال: «ما لهؤلاء مثل هذا في الفقه» ؛ فإن العامة كانوا متأخرين في تدوين الحديث. وما نعبر عنه اليوم بالحديث كان يعبر عنه آنذاك بالفقه واصطلاح الحديث كان يطلق على الأحاديث المتلقاة من النبي (صلى اللّه عليه وآله)، وهناك أحاديث وكتب لم تعرض على الامام. والملاحظ أن العرض على الامام وعدم العرض يؤثر في مدى اعتبار ذلك الكتاب طبعاً.

2 - التقسيم من حيث كتابتها في مجلس الرواية وعدمها، فإن قسماً من الروايات كانت تكتب في حضور الإمام (عليه السلام) وفي مجلس الرواية، في حين أن قسماً منها لم تكتب في مجلس الرواية، وهناك شواهد من الروايات تدل على كتابتها في المجلس كما في رواية ابن بكير، قال: دخل زرارة على أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنكم قلتم لنا في الظهر والعصر على ذراع وذراعين ثم قلتم أبردوا في الصيف فكيف الإبراد؟ وفتح ألواحه ليكتب ما يقول (1).


1) رجال الكشي: 143 / 226، جامع أحاديث الشيعة 4 : 211 / 5697.

وفي معتبرة سعيد بن يسار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البعير بالبعيرين يداً بيد ونسيئة، فقال (عليه السلام): «لا بأس إذا سميت بالأسنان» ؛ جذعين أو ثنيين، ثم أمرني وخططت على النسيئة (1).

و في الفقيه علل أمر الإمام (عليه السلام) ؛ لأن الناس يقولون: لا، فإنما فعل ذلك للتقية (2). ومن الواضح الاختلاف في درجة الاعتبار بين ما يكتب في مجلس الحديث وبين ما لا يكتب فيه. فان ما يكتب في مجلس الرواية بحسب الظاهر اكثر اعتباراً.

3 - تقسيمها من حيث العرض على الفقهاء الكبار وعدمه، فهناك عدة أحاديث يظهر منها أن الراوي حينما كان يروي الحديث عن راو آخر - ولو كان الراوي من الثقات الكبار - كان يعرض الحديث على شخص آخر من الكبار أمثال زرارة ؛ ليتعرف على أن الراوي لم يشتبه حين نقل من المعصوم، أو لم يشتبه حين نقل عن الراوي. والشاهد على مثل هذا الاهتمام في النقل ما ورد في الكافي عن عمر بن أُذينة قال: قلت لزرارة: إن أناساً حدثوني عنه وعن أبيه (عليه السلام) بأشياء في الفرائض فأعرضها عليك فما كان منها باطلاً فقل : هذا باطل، وما كان منها حقاً فقل : هذا حق، ولا تروه واسكت. فحدثته بما حدثني به محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (3).

إذن فقد عرض ما نقله عن محمد بن مسلم وهو من أكابر فقهاء الشيعة على زرارة.


1) الكافي 5 : 191 / 4.

2) الفقيه 3 : 177 / 800.

3) الكافي 7: 95 / 3.

وعن موسى بن بكير قال: قلت لزرارة: إن بكيراً حدثني عن أبي جعفر (عليه السلام)... الى أن يقول: فقال زرارة وهذا قائم عد أصحابنا لا يختلفون فيه (1). الى غير ذلك. ولا شك بان الروايات والكتب المعروضة على اجلاء الرواة اكثر اعتباراً من غير المعروضة.

4 - تقسيمها من حيث التحفظ من الدس والتحريف أو التصحيف وعدمه، فبعض الكتب المشهور منها بالخصوص، والمنقول عن أصحاب الصادقين (عليهم السلام)، قد تحفظ عليها تلامذتهم من الدس والتحريف، وبعضها لم يتحفظ عليها من ذلك. وبطبيعة الحال فليس هذان النوعان في درجة واحدة من الاعتبار، وهذه الملاحظة توضحها لنا رواية الكشي المنقولة في جامع الأحاديث: ان بعض أصحابنا سأله – يعني -: يونس بن عبد الرحمن وأنا حاضر فقال : يا أبا محمد ما أشدك في الحديث، وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا. فما الذي يحملك على رد الأحاديث؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد - لعنه اللّه - دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا محمد (صلى اللّه عليه وآله)، فإنا إذا حدثنا قلنا : قال اللّه عز وجل، وقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)».

قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) ووجدت أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) متوافرين، فسمعت منهم


1) الكافي 1047 / 7.

وأخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد اللّه (عليه السلام)، وقال لي: «إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد اللّه (عليه السلام). لعن اللّه أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون في هذه الاحاديث الى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن فإنا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن وبموافقة السنة، إنا عن اللّه وعن رسوله نحدث ولا نقول: قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا، إن كلام آخرنا مثل كلام أولنا كلام اولنا مصداق لكلام آخرنا. وإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه، وقولوا: أنت أعلم بما جئت به، فإن مع كل قول منا حقيقة وعليه نوراً، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك قول الشيطان» (1).

5 - من حيث الزيادة على كلام الامام وعدمها، فانه في بعض كتب الحديث، وبعد نقلها لكلام الامام تنقل تفريعات من كلام الراوي او من استاذه أو شيخه، او يذكر ادلة اخرى للفتوى مقترنة بالحديث. ومنها كتاب حريز كما سنذكره في روايتين نقلتا عنه في باب الصلاة. احداهما مرتبطة بالمواقيت والاخرى بباب العدول عن الصلاة والظاهر ان الملحقات ليس من الرواية وانما من كلام زرارة.

إذن، فهم خلال ممارستهم لتدوين الحديث وجمعه واجهوا مشكلة اختلاف الأحاديث، ومن هنا كان الاهتمام بعلاج هذه المشكلة من رجال الطبقة السادسة وما بعدها، فقد ألف يونس بن عبد الرحمن كتاب اختلاف الحديث كما في فهرست الشيخ


1) اختيار معرفة الرجال: 224 / 401، جامع أحاديث الشيعة 1: 317 / 469.

الطوسي (1)، وذكر له النجاشي كتاب (علل الحديث) (2). والظاهر أن المراد بـ (علل الحديث)، ضعاف الأحاديث كما أن جماعة من أهل السنة ألفوا في هذا الموضوع كعلل أبي حاتم المطبوع في جزأين، وليس المراد من العلل هنا حكمة الشيء التي ألف فيها البعض كتاباً مثل علل الفضل بن شاذان أو علل الشرائع للصدوق.

وألف محمد بن أبي عمير من هذه الطبقة أيضاً كتاب اختلاف الحديث كما ذكره النجاشي (3).

وفي الطبقة السابعة - وهم أصحاب الجواد والعسكريين (عليهم) - ألف أحمد بن محمد بن خالد البرقي كتاب اختلاف الحديث، كما في الفهرست (4)، وكتاب معاني الحديث والتحريف كما ذكره النجاشي (5)، والظاهر أنه لا يقصد من معاني الحديث تفسيرها ككتاب معاني الأخبار للصدوق، بل إنه يهدف من ذلك رفع اختلاف الحديث كمعاني الآثار. ومن هذه الطبقة أيضاً أحمد بن محمد بن عيسى القمي وله كتاب الناسخ والمنسوخ.

وفي الطبقة الثامنة ألف عبد اللّه بن جعفر الحميري كتاب (الحديثان المختلفان)، كما ذكره النجاشي (6).


1) الفهرست: 266 / 813.

2) رجال النجاشي: 446 / 1208.

3) رجال النجاشي: 326/ 887.

4) الفهرست: 62 / 65.

5) رجال النجاشي: 76 / 182.

6) رجال النجاشي: 219 / 573.

ولم نجد في الطبقة التاسعة من ألف شيئاً في هذا المجال.

أما في الطبقة العاشرة، فإن محمد بن أحمد بن داود - وكان من كبار العلماء، ومعاصراً الجعفر بن محمد بن قولويه، وأول من أنكر القول بالعدد في شهر رمضان - الف كتاب (الحديثان المختلفان)، وكذلك ابن الجنيد من هذه الطبقة، وله كتب في اختلاف الأحاديث سيأتي ذكرها.

وفي الطبقة الحادية عشرة الف أحمد بن عبد الواحد شيخ النجاشي والطوسي كتاب الحديثان المختلفان، وكذلك أحمد بن نوح السيراقي - وهو من شيوخ النجاشي أيضاً كما ذكره بنفسه - كتاب (القاضي بين الحديثين المختلفين) (1)، والف الشيخ كتابه المشهور الاستبصار.

وهذه الكتب على نوعين:

1 - كتب المحدثين، وهي لا تشتمل إلا على الأخبار. وهذه الكتب وإن كان أكثرها مفقوداً، لكن يمكن ملاحضتها إجمالا في باب اختلاف الحديثين من الكافي.

2 - كتب الفقهاء والمتكلمين. وهذه وإن كان أغلبها مفقوداً أيضاً، لكن يمكن لنا التعرف على بعض آرائهم من خلال ما ينقل عنهم في كتب الفقه والحديث والرجال، كالنص الذي نقلناه عن يونس، حيث دلنا على بعض آراء يونس في هذا المجال.

إذن، فهذه المسألة - مسألة اختلاف الحديث - لعلها أقدم مسألة من مسائل علم الأصول اهتم بها العلماء. والدليل على اهتمامهم الكبير لها أن العلماء محدثين ومتكلمين وفقهاء حاولوا معالجتها والتأليف فيها، وماذكرناه من كتب يختص بالكتب المستقلة التي ألفت في هذا الموضوع.


1) رجال النجاشي: 209/86.

الأمر الثاني: تأثير مشكلة اختلاف الحديث في غير مجال استنباط الحكم الشرعي، حيث كان لها تأثيرها في مجالات أخرى نستعرضها:

المجال الأول: تأثير المشكلة في التشكيك العقائدي فالملاحظ أن أختلاف الأحاديث أدّى إلى التشكيك في بعض المسائل الاعتقادية ؛ إما في النبوة كما في المشككين في أحاديث أهل السنة، أو في الإمامة كما في المشككين في أحاديث أهل البيت حيث أدى إلى التساؤل والتشكيك، وأنه كيف تصدر الأحاديث المختلفة منهم فلو راجعنا كتب القريقين لرأينا أن جماعة قد اتخذوا من اختلاف الأحاديث في الأحكام والمسائل الإسلامية ذريعة للتشكيك في العقائد وأن اختلف نوع التشكيك ؛ فأحاديث أهل السنة التي ينتهي سندها للنبي (صلى اللّه عليه وآله) والاختلاف فيها اتخذها الملاحدة وسيلة للتشكيك بأصل النبوة والرسالة، أما أخبار الشيعة التي تنتهي لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فقد اتّخذها جماعة من العامة والزيدية وسيلة للتشكيك في الإمامة.

وحين تصل مشكلة اختلاف الحديث إلى مرحلة التشكيك العقائدي فإنها سوف تثير اهتمام المسلمين وتدفعهم أكثر لمعالجتها، وننقل هنا بعض النصوص كشواهد على ذلك :

أما بالنسبة للتشكيك في أصل النبوة فذكر الطحاوي المتوفي سنة (310) هـ - وهو من كبار علماء الحنفية - في مقدمة كتاب معاني الآثار، قال: سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أن أضع له كتاباً أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) في الأحكام التي يتوهم أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضاً؛ لقلة علمهم

بناسخها ومنسوخها، وما يجب العمل منها لما يشهد له الكتاب الناطق والسنة المجمع عليها.. (1).

حيث يعلم من هذا النص أن بعض الضعفاء توهم وجود التناقض في أحاديث الرسول (صلى اللّه عليه وآله)، مما دفع الطحاوي لتأليف هذا الكتاب لمعالجة هذا التناقض.

وأما في كتب الشيعة فهناك شواهد عديدة تدلّ على أن مشكلة اختلاف الحديث أدت إلى التشكيك في الإمامة، فمنها ماذكره النوبختي في كتابه فرق الشيعة في ذكر من عدل عن القول بإمامة الباقر (عليه السلام) ومنهم عمر بن رياح زعم أنه سال أبا جعفر (عليه السلام) عن المسألة فاجابه فيها بجواب، ثم عاد له في عام آخر فسأله عن تلك المسألة عينها، فأجابه فيها بخلاف الجواب الأوّل، فقال لأبي جعفر : هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي. فقال له: «إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية»، فشكك في أمره وإمامته (2)ويمكن أن يعتبر هذا الشاهد جزئياً، حيث أثار التشكيك في شخص واحد، ويمكن أن توجد شواهد على التشكيك في حدود أوسع؛

منها ماورد في كتاب إكمال الدين للصدوق نقلا عن كتاب نقض الاجتهاد لأبي زيد العلوي لابن قبة. وهو من المعاصرين للكليني، أو أقدم منه، وقد نقل الصدوق كثيراً من اعتراضات العلوي ومناقشات ابن قبة له، ومن جملة ما نقله عن أبي زيد رداً على الشيعة: «إن اختلافهم - الشيعة - إما أن يكون مولداً من أنفسهم، أو من عند الناقلين إليهم أو من عند أئمتهم ؛ فإن كان اختلافهم من قبل أنفسهم فالإمام من جمع الكلمة


1) معاني الاثار 1 : 11.

2) فرق الشيعة 60.

لا من كان سبباً للاختلاف بين الأمة ولا سيما وهم أولياؤهم دون اعدائه ومن لاتقيه بينهم وبينة».

إلى أن قال: وإن كان الاختلاف من قبل الناقلين إليهم دينهم، فما يؤمنهم من أن يكون هذا سبيلهم معهم فيما ألقوا إليه من الإمامة (1).

ومنها : ماذكره الشيخ الطوسي في مقدمة كتاب التهذيب، في كلام طويل تعرض فيه إلى سبب تأليفه لكتابه، وأن جماعة من الشيعة رجعوا عن القول بالإمامة بسبب اختلاف الحديث، قال: «ذاكرني بعض الأصدقاء - أيده اللّه - من أوجب حقه بأحاديث أصحابنا - ايدهم اللّه ورحم السلف منهم - وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد».

الى أن قال: (حتى جعل مخالفونا ذلك أعظم الطعون على مذهبنا، وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا... حتى دخل على جماعة ممن ليس لهم قوة في العلم، ولا بصيرة بوجوه النظر ومعاني الألفاظ شبهة، وكثير منهم رجع عن اعتقاده الحق بما اشتبه عليه الوجه في ذلك، وعجز عن حل الشبهة وسمعت شيخنا أبا عبد اللّه المفيد يذكر أن أبا الحسن الهاروني - وفي نسخة الهروي - العلوي كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة، فرجع عنها لما التبس عليه الأمر) (2).

2 - المجال الثاني: أن هذه المشكلة أدت إلى التشكيك في علم الأئمة (عليهم السلام)، وانهم يعتمدون على القياس والاستحسان.


1) اکمال الدین: 109.

2) التهذيب 1 : 2.

فقد ذكر الشيخ المفيد في شرح اعتقادات الصدوق في مجال بيان أن القصور لا يختص بأصحاب الحديث: (وقد رأينا في أولئك من يقول: إنهم يلتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون، ويدعون مع ذلك أنهم من العلماء، وهذا هو التقصير الذي لاشبهة فيه) (1)وقد نسب هذا الأمر إلى ابن الجنيد كما ذكر ذلك في كشف القناع، والمسائل السروية قال فيها: (وأجبت عن المسائل التي كان ابن الجنيد جمعها وكتبها إلى أهل مصر، ولقبها بالمسائل المصرية، وجعل الأخبار فيها أبواباً، وظن أنها مختلفة في معانيها، وينسب ذلك إلى قول الإئمة فيها بالرأي، وأبطلت ما ظنه في ذلك وتخيله و جمعت بين جميع معانيها، حتى لم لها اختلاف...) (2)، فهو قد نسب إلى ابن الجنيد أنه اعتقد أن الأئمة (عليهم السلام) يقولون بالرأي.

وقال السيّد بحر العلوم في رجاله (الظاهر أنه قد زلت لهذا الشيخ المعظم قدم في هذا الموضع، دعاه اختلاف الأخبار الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) القول بهذه المقالة الرديه) (3).

وليس مرادنا البحث عن هذه النسبة؛ فإنها قد تكون غير صحيحة.

المجال الثالث: أن هذه المشكلة أدت إلى سوء الظن بالرواة ونقله الأحاديث، فالملاحظ أن جماعة من العلماء ألقت تبعة هذه المحنة التي أصابت العقائد الأسلامية على الرواة والفقهاء التابعين لمدرسة الحديث والملتزمين أشد من غيرهم بالحديث فحسب، فقد جاء في جواب ابن قبة على كلام أبي زيد العلوي: (إن اختلاف الإمامية


1) تصحیح اعتقادات الصدوق: 135.

2) کشف القناع: 298، المسائل السروية: 73.

3) رجال بحر العلوم 3: 214.

انما هو من قبل كذابين دلسو انفسهم فيه في الوقت بعد الوقت وفي الزمان بعد الزمان حتى عظم البلاء، وكان أسلافهم قوماً يرجعون إلى ورع واجتهاد وسلامة ناحية، ولم يكونوا أصحاب نظر وتميز، فكانوا اذا رأوا رجلا مستوراً يروي خبراً احسنوا به الظن وقبلوه ولما كثر هذا شكوا إلى إئمتهم فأمروهم أن يأخذوا بما يجمع عليه فلم يفعلوا وجروا على عادتهم، وكانت الخيانة من قبلهم لا من قبل أئمتهم) (1).

ومراده: ليس جميع القدماء ؛ وذلك لأن فيهم من كبار العلماء امثال زرارة ومحمد بن مسلم وجميل بن دراج ويونس والفضل بن شاذان وغيرهم من أصحاب الاجتهاد والدقة والنظر، وإنما يقصد من ذلك جماعة من أهل الحديث. وقد اعترض أمثال هؤلاء على يونس في ردّه لبعض الأحاديث مع قداستها لديهم، وقد ذكر في كشف القناع بعض المعترضين على اهل الحديث حيث لم يفرقوا بين الغث والسمين، ومن هؤلاء المعترضين السيّد المرتضى والشيخ المفيد.

الأمر الثالث: المناهج المتبعة لمعالجة هذه المشكلة.

إشارة:

ونتعرف فيها على المناهج التي اتبعها العلماء السابقون لمعالجة مشكلة الاختلاف بما يتلاءم ومكتسباتهم الفكرية والثقافية. ونستعرض بإيجاز هذه المناهج اما البحث عن التفاصيل فسنذكره خلال البحوث القادمة:

المنهج الأول: وهو ما استخدمه على الأغلب المتكلّمون من أصحابنا وعلمائنا، وذلك من خلال التشديد في حجية خبر الواحد. وذلك بالقول بان الخبر الحجة هو الموثوق به، وهو الذي يقترن بقرائن توجب الوثوق بصدوره، وهذا معنى ما ينقل عن


1) اکمال الدین : 107.

القدماء انهم يذهبون لعدم حجية الخبر الواحد، اي الذي لا يوجب الوثوق بالصدور. وهذا المنهج يؤدي إلى قلة الإحساس بوجود الأخبار المتعارضة بكثير، حتى إن السيّد المرتضى استغنى بهذا المنهج عن بحث تعارض الاخبار، قال (قدس سره) في الذريعة : (اعلم أنا إذا كنا قد دللنا على أن خبر الواحد غير مقبول في الإحكام الشرعية، فلا وجه لكلامنا في فروع هذا الأصل الذي دللنا على بطلانه؛ لأن الفرع تابع لأصله فلا حاجة بنا إلى الكلام إلى أن المراسيل مقبولة أو مردودة، ولا على وجه ترجيح بعض الأخبار على بعض، وفيما يرد له الخبر أو لا يرد في تعارض الأخبار) (1). ومرادهم من الخبر الواحد ما يقابل المجمع عليه كما في تعبير ابن قبة، أو خبر عامة عن عامة أو جماعة عن جماعة كما في تعبير أهل السنة؛ وذلك أن القدماء يقولون بحجية الخبر إذا كان موجباً للعلم أو الوثوق والاطمئنان بانظمام بعض القرائن اليه كما نقلنا عن ابي قبة اعتبار كونه مجمعاً عليه. وسيأتي الحديث حول هذه الفكرة بالتفصيل في مبحث المرجّحات. ولا شك بان هذه الطريقة في حجية الخبر أي بما يوجب الوثوق بصدوره - سوف تؤدي إلى تقليل الاختلاف في الاحاديث، وقلة الاحاديث المتعارضة.

المنهج الثاني : ان نذهب إلى ان الاختلاف بين الروايات أمر موهوم، وأنما توهمه البعض لأجل عدم معرفتهم بمعاني الكلمات وأساليب إلقائها، سواء كانت العامة عند العقلاء أو المختصة بالأئمة (عليهم السلام) فقد ذكر في مقدمة التهذيب عن


1) الذريعة 2: 554.

بعضهم أنه كان يعتقد الحق فرجع عنه لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب، ودان بغيره لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها (1).

وللمفيد أقوال كثيرة تدل على هذا المعنى في كتابه شرح اعتقادات الصدوق وغيره، منها ماجاء في المسائل السروية : (وقد اجبت عن كثير من الأخبار المختلفة وردت على بعضها من نيسابور وبعضها من الموصل وبعضها من فارس وبعضها من ناحية تعرف بمازندران، وكل ذلك تتضمن مسائل مختلفة جاء فيها الأخبار عن الصادقين (عليهم السلام)، وللقوم أخبار تختلف ظواهرها في أنواع شتى من الأحكام، وأودعت كتاب التمهيد أجوبة عن مسائل مختلفة جاءت فيها الاخبار عن الصادقين (عليهم السلام)، وأفتيت مايجب العمل عليه من ذلك بدلائل لا يطعن فيها، وجمعت معاني كثيرة من أقاويل الأئمة (عليهم السلام) يظن كثير من الناس أن معانيها تتضادّ وكذا بينت اتفاقها في المعنى، وأزلت شبهات المستضعفين - ثم تعرض لما تقدم في ابن الجنيد - وبالجملة، إن اقوال الأئمة (عليهم السلام) كانت تخرج على ظاهر يوافق باطنه) (2).

وذكر الشيخ الصدوق في آخر كتابه أمثلة لذلك، قال: (ولا يكون اختلاف ظواهر الأخبار إلا لعلل مختلفة، مثل ماجاء في كفارة الظهار عتق رقبة، وجاء في آخر صيام شهرين متتابعين وجاء في خبر إطعام ستين مسكيناً، وكلها صحيحة، فالصيام لمن لم يجد العتق، والإطعام لمن لم يستطع الصيام) (3).


1) التهذيب 1 : 2.

2) المسائل السروية: 74 (طبع مؤثر الشيخ المفيد).

3) الاعتقادات للصدوق: 117.

ويمكن اعتبار هذا المنهج مكملا للمنهج الأول؛ لأن الأوّل لا يعالج المشكلة بذاته؛ لان التنافي في بعض الأخبار امر تخيلي محض دون أن يكون واقعياً مستقراً.

المنهج الثالث: وهو منهج المحدثين والأخباريين قديماً وحديثاً، حيث يدعو هؤلاء إلى رواج الأحاديث وعدم تضييق دائرتها، إضافة إلى أن المنهج السابق غير واضح المعالم عندهم؛ لذلك فزعوا إلى منهج آخر لمعالجة مشكلة اختلاف الحديث بما يتلاءم ورغبتهم الشديدة بأخذ الأحاديث بصورة أوسع، فذهبوا إلى عدم إعمال المرجّحات تماماً أو كثيراً، والالتزام بأن جميع الروايات المودعة في الكتب المعتبرة والأصول على حق، والتوسعة في مجال الأخذ بالأحاديث، وهو ماعبر عنه في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) بـ: «بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم» (1). ويدعو هؤلاء إلى عدم الإصرار في التدقيق المشدّد في مجال اعتبار الروايات والاختلاف انما نشأ من حصر - الحق باحدى الروايات دون الاخرى المخالفة لها، اما لو جعلنا جميع الروايات على حق، فلا مجال للاختلاف بينها.

والشيخ الكليني في مقدمة الكافي يبين بعض معالم هذه الطريقة فقال: (فاعلم يا اخي أرشدك اللّه - أنه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله: «اعرضوها على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه عزوجل فخذوه وماخالف كتاب اللّه فردوه» وقوله (عليه السلام) «دعوا ما وافق القوم ؛ فإن الرشد في خلافهم، وقوله (عليه السلام) «خذوا المجمع عليه؛ فإن المجمع عليه لاريب فيه». ونحن لا نعرف من جميع ذلك كله إلى أقله ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم (عليه السلام)


1) الكافي 1: 9.

وقبول ماوسّع من الأمر فيه بقوله (عليه السلام) : «بأيما اخذتم من باب التسليم وسعكم...» (1)).

وعبارته (نحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله) مجملة، فهل المراد: أنه لا يعرف المقصود من تلك الروايات؛ وذلك لأن موافقة الكتاب أخذت في الروايات تارة شرطاً لحجية الخبر، وأخرى كمرجح لأحد الخبرين المتعارضين على الآخر؟ ثم ما المراد من مخالفة العامة؟ وهل إن المخالفة معهم أخذت على نحو الموضوعية؛ أو الطريقية للوصول إلى أحكام ليس فيها تقية ولأجل ذلك يقتصر على العامة الذين كانوا مع السلاطين والحكام؟ وما المراد من المجمع عليه ؟ هل المراد: المجمع عليه فتوى أو رواية وغيرها، أو أن المراد من عدم المعرفة: أنه يشكل تطبيقها فمثلاً بالنسبة لمخالفة العامة تتوقف على الاطلاع تماماً على كتب العامة وهم مختلفون؟

واختلف أيضاً في مفاد عبارته ؛ فهل مفادها الرجوع إلى التخيير رأسا ولو مع وجود المرجّحات، أو أن موارد المرجّحات قليلة بحيث يكون الغالب الأخذ بالتخيير لقلة اشتمال الأخبار المتعارضة على المرجّحات؟ فذهب إلى التفسير الأول لعبارته - أي التخيير رأساً - المحدث البحراني وصاحب الكفاية، ورجحه المجلسي في مرآة العقول قائلا بأن هذا التفسير أنسب بالعبارة (2). وذكر السيّد الطباطبائي والمحقق الأصفهاني أن مفادها هو الثاني (3).


1) الكافي 1: 8-9.

2) مرآة العقول 1 : 23، الحدائق الناضره 1 : 107 كفاية الاصول 445.

3) نهاية الدراية 6 : 324.

وهناك جماعة من متأخري المحدثين التزموا بهذه الطريقة في مجال الأخذ بالأحاديث والروايات، لكن في الفروع والمسائل الفقهية لا في المسائل الاعتقادية والعقلية أمثال الملاصدرا والفيض الكاشاني. قال الملا صدرا في شرح أصول الكافي: (إن الاختلافات الواقعة في الأحاديث المروية عن أصحاب العصمة (عليهم) أكثرها في الأمور العملية الفرعية لا في الأصول الاعتقادية، وما يجري مجراها من الأمور العظيمة المهمة، والاختلافات في القسم الأول ليس اختلافاً لايسع الناس أن يأخذوا بأيهما كان بعد أن يكون كلاهما ثابتاً عن أهل بيت النبوة (عليهم السلام) أو مستنداً اليهم. والناس لجمود قرائحهم وعدم تفقههم في المسائل العلمية الأصولية والعملية الفروعية صعب عليهم الأمر في مثل هذا الحديث، واستشكلوه حتى جزموا بالقطع من إحدى الروايتين؛ إما من جهة الراوي وجرحه واما من جهة المتن وحمله على التقية) (1).

ويلاحظ أن ماذكره من ان الأمور العملية غير مهمة كان نتيجة لعزلته عن الناس واهتمامه أكثر بمسائل أصول الدين، وإلا فكيف يمكن القول بعدم الأهمية للمسائل العملية المتعلقة بالأعراض والنفوس والأموال؟

المنهج الرابع: محاولة الجمع بين الروايات المتعارضة مهما أمكن، وتأويلها بما يرفع التعارض من دون تعرض للسند وإن كان الخبر ضعيفاً في نفسه وإن لم يكن ذلك واجباً؛ ولأجل تحقيق هذه الفكرة ألّف ابن قتيبة كتابه (تأويل مختلف الحديث). ويظهر من عبارة الشيخ الطوسي في آخر مقدمة التهذيب انتهاجه هذه الطريقة في معالجة اختلاف الحديث قال (قدس سره): (ومهما تمكنت من تأويل بعض الأحاديث من


1) شرح أصول الكافي: 2: 370 - 371.

غير أن أطعن في أسنادها فإني لاتعداه، واجتهد أن أروى في معنى ما اتأول الحديث عليه حديثاً آخر يتضمن ذلك المعنى؛ إما من صريحه أو من فحواه؛ حتى أكون عاملا على الفتيا والتاويل بالأثر وإن كان هذا مما لا يجب علينا لكنه مما يؤنس بالتمسك بالأحاديث) (1).

ويشير إلى هذه الطريقة ابن أبي جمهور الأحسائي بدعواه قيام الإجماع على أن الجمع مهما مكن أولى من الطرح (2). وكان دافعهم لذلك هو شعورهم بقداسة الأحاديث الشريفة، واجتناب ترك العمل بها مهما مكن؛ ولذا عبر عن أمثال هذا النحو من الجمع بأنه تورّعي.

تقييم هذه المناهج : أما تقييمنا لهذه المناهج والطرق، فسيتضح من خلال البحث عن علل تقسسم هذه المناهج اختلاف الأحاديث بصورة موسعة، ونشير هنا ليها إجمالا :

فاما المنهج الاول والثاني الذي يذهب الى التشديد في حجية خبر الواحد، أو التأكيد على ان الاختلاف بين الروايات موهوم، كما وضحناه، او ان السبب في اختلاف الحديث من الرواة انفسهم فيلاحظ عليهما، اننا نلاحظ أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد أرجعوا كثيراً من الاختلافات بين الروايات إلى أنفسهم لا إلى الرواة. وتدل على ذلك روايات عديدة تضمّنت العوامل التي حفزتهم على ذلك مثل التقية وإلقاء الخلاف بين الشيعة حفاظاً عليهم، وغيرها من العوامل التي ستذكر


1) التهذيب 1: 3.

2) عوالي اللئالي 4 : 136.

وأما ما ذكروه من أن الشروط المشدّده في مجال اعتبار الحديث والمقايسة المضمونية بالكتاب والسنه القطعية تؤدي إلى تقليل الأحاديث المعبرة، وهو بدوره يؤدي إلى تقليص الاختلاف بينها، فهو أيضاً غير صحيح ؛ فإنه حتى مع التقيد بهذه الشروط المشدّده يبقى الاختلاف ثابتاً بين الكثير من الروايات لملاءمة كل منها مع جملة من الأصول المجمع عليها. وسياتي توضيح هذه الفكرة أكثر في محله. ولاجل ذلك لا يكون مثل هذا التشديد موجباً لرفع الاختلاف.

أما منهج المحدثين أمثال الشيخ الكليني والملا صدرا وغيرهما من الالتزام باعتبار جميع الروايات المذكورة في الكتب المعتبرة، وانها جميعا على حق فهو وإن كان صحيحا في الجملة، لكن في مجال الموسعات فقط، وذلك ضمن ضوابط معينة تذكر في محلها، وتذكر أيضاً اسباب صدور الاختلاف فيها منهم (عليهم السلام)). فانهم بينوا هذه الموسعات باساليب متعددة وربما كانت متعارضة، ولا شك بأن اطراف الموسعة جميعاً على حق كاطراف الواجب التخييري بان يبين لكل شخص طرفا منه غير ما يبينه للآخر لاختلاف ظروفهم وكلها على حق.

وسيأتي الحديث عنه في مبحث علل اختلاف الحديث، وسيتضح أن الاختلاف لا يختص بكونه من الإمام (عليه السلام)، بل قد يكون من الرواة أو النسّاخ أو غيرهم من العوامل ستاتي.

وأما منهج الجمع والتأويل الذي تبناه الشيخ الطوسي وغيره، فهو وإن كان في نفسه صحيحاً، لكنه يخضع لضوابط معينة نذكرها في فصل الجمع العرفي، فلا يصح الجمع بين مختلف الحديث بأي جمع كان وسنذكر أن المختار هو الجمع الاستنباطي الذي يعتمد على معرفة القواعد العقلائية والعامة وكذلك الأساليب الخاصة للإئمة

(عليهم السلام) في بيان الأحكام، وليس هو إلا الجمع العرفي ولكن بصورة اخرى سيأتي توضيحها.

إذن فكل المناهج التي ذكرها العلماء في مجال معالجة اختلاف الحديث صحيحة لكن في حدود معينة وضمن ضوابط خاصة، وأما تفسير هذا الإتلاف بالعامل الواحد فربما لا يتلاءم مع الواقع؛ إذ هناك عوامل عديدة لتفسير هذه الظاهرة ولا تخضع جميعها لعامل واحد كما توهمه البعض.

اسباب اختلاف الحديث :

وبعد هذه المقدمة نعود إلى البحث عن اسباب اختلاف الأحاديث، وتجدر الإشارة إلى أن المراد من الاختلاف هنا ما يشمل الاختلاف الواقعي والمتوهم كما مرّت الإشارة اليه في بداية البحث. وهذا البحث وإن لم يطرح في الكتب الأصولية المتداولة، لكن ينبغي التعرض له؛ لأنه يمكن أحياناً معالجة الاختلاف في الأحاديث أو إزالته من خلال التعرف على أسباب هذا الاختلاف.

ويمكن إرجاع اختلاف الأحاديث بمعناه الشامل إلى أسباب ثلاثة:

الاول: عدم إحاطة الشخص بمداليل النصوص الشرعية، وعدم محاولة التدقيق فيها، فيتوهم وجود الاختلاف بينها.

الثاني: الاختلاف الناشيء من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم؛ لما في كلماتهم من ناسخ ومنسوخ، وعام وخاص ومحكم ومتشابه، ومايصدر منهم عن تقية وغيرها؛ ولما فيما من أحكام واقعية وأحكام ولائية.

الثالث: الاختلاف الناشيء من قبل رواة الحديث من حيث النقل بالمعنى أو التقطيع في الرواية مع تصور عدم الارتباط بين جمل الرواية، أو الدس في الروايات، والتصحيح القياسي عند عدم وضوح الكتابة إذن فالبحث يقع في أمور ثلاثة:

الأمر الاول : في بيان ما يتعلق بفهم النصوص الشرعية والإحاطة بمداليها

لقد حثّت الآيات والروايات على التدبر في فهم الأحاديث وتعقلها، فقد ورد: «حدیث تدريه خير من الف ترويه» (1)، وجاء في خطبة الرسول (صلى اللّه عليه وآله) التي ألقاها في مسجد الخيف: «نور اللّه عبداً سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم تبلغه. يا أيها الناس - فليبلغ الشاهد الغائب، فرب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (2)، فلزوم التدبر على نحو الكبرى الكلية مما لاشك فيه، لكن لابد من التعرف على تطبيقات التدبر وصغرياته العامل في مجال فهم الأحاديث، وهو يتم من خلال البحث عن بعض المجالات التي تعتبر في الواقع عوامل ادت إلى توهم الاختلاف بين الروايات، ولكن لو احاط الفقيه والباحث بها، فسوف تزول الكثير من الاختلافات بينها، ونستعرض هذه العوامل.

العامل الأول: قد يتوهم أن أقوال الأئمة (عليهم السلام) على أسلوب واحد، وهو أسلوب التعليم لذلك ينشأ تصوّر التعارض بينها مع انها على أسلوبين: أسلوب التعليم والتثقيف، وأسلوب إرشاد الناس إلى وظيفتهم العملية.


1) معاني الاخبار : 2 / 3.

2) الكافي 1: 333 / 2.

ونسمي الأول بأسلوب التعليم، والثاني أسلوب الإفتاء الذي يعني مساعدة الشخص الذي لا يتمكن من معرفة حكمه الشرعي من خلال تطبيق الكبريات الكلية على الموضوع [ ومن هنا يلزم علينا توضيح الفرق بين هذين الأسلوبيين لأهميته في مجال فهم أقوال المعصومين (عليهم) بصورة عامة، وفي مجال التعارض بصورة خاصة، فنقول : لقد انتهج الرسول (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) في مجال تبليغ أحكام الشريعة أسلوبين:

الاول: اسلوب التعليم، ونعني به بيان الأصول العامة والقواعد والأحكام الكلية للشريعة لتفقيه الأفراد الذين أعدوا الحمل علوم الشريعة، وليكونوا فقهاء الأمة. فالهدف منه تعليم الأفراد المؤهلين، لا العمل وبيان الوظيفة العملية الفعلية كما في أسلوب الفتيا. ولابد في هذه المرحلة من معرفة الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه.

ومن خصائص هذه الأسلوب الاعتماد في البيان على القرائن المنفصلة، وأتباع أسلوب التدرج في عرض هذه المعارف؛ فقد يذكر العام أو المطلق في مجلس والخاص والمقيد في آخر، ولا يذكرها جميعاً في مجلس واحد، كما هو المتعارف في تعليم الدراسات العالية حيث لا يهدف الأستاذ فيها إلى بيان الوظائف العملية الفعلية للافراد كتعليم الطبيب المعلومات الطبية لطلاب الجامعة. حيث يذكر قواعد عامة للطلاب، ولا يذكرها بمخصصاتها في درس واحد، وانما يتدرج في عرضها، ويتضمن أيضاً التعرف على طرق معالجة الاختلاف الذي ينشأ بين الأحاديث الملقاه على ضوء التدرج واعتماد القرائن المنفصلة في بيان الأحكام. وقد جاء في الحديث مايؤكد هذا الأسلوب من عرض الأحكام، فقد ورد في الحديث الشريف: «علينا إلقاء الأصول

وعليكم التفريع» (1). وجاء أيضاً في قول الإمام (عليه السلام): «إذا شككت فابن على اليقين قلت: هذا أصل ؟ قال نعم» (2). ويعني بالأصل: القاعدة العامة، وهكذا معرفة القواعد الثانوية أمثال قاعدة نفي الضرر والحرج، ورفع الإكراه والاضطرار وغيرها. هذا بالإضافة إلى الأحاديث الكثيرة التي صدرت في مجال تعليم الفقهاء من أصحابنا ممن تلمذوالهم في الفقه أمثال زرارة ومحمد بن مسلم وجميل بن دراج وغيرهم.

الثاني: أسلوب الإفتاء، ونعني به مرحلة بيان الحكم الشرعي للمستفتي الذي يبتلي بمشكلة شرعية في حياته اليومية، فيرجع فيها للامام (عليه السلام) لمعالجتها، فيذكر له كل ما يحتمل أن يكون مؤثراً ودخيلا في تحديد حكمة وظيفته العملية. والإمام (عليه السلام) بدوره يقوم بتطبيق الكبريات الشرعية على هذا المورد الخاص آخذاً بعين الاعتبار ما يناسب حالة السائل وشؤونه الخاصة وظروفه، ويجيبه على حسب ما يقتضيه ذلك دون أن يلقى إليه الكبرى الكلية، أو يعتمد على قرينة منفصلة؛ فهو كوصفة الطبيب للمريض.

ولا يصح الاعتماد على القرينة المنفصلة في الفتيا - لان ذلك يدخل في الكتمان وهو يحتاج لمصحح، فمثلاً لو راجع المريض للطبيب، فوصف له دواء دون ان يعين زمان تناوله.

وانما يعينه في وقت آخر، فلا تكون لوصفه الدواء ثمرة عملية، وكذلك فان ذكر المقيد المنفصل في التعليمات على القاعدة - لذلك يجري فيها حمل المطلق على المقيد،


1) مستطرفات السرائر : 58 / 21.

2) الفقيه 1 : 231 / 1025.

واما في الفتيا فلا يصح الاعتماد على القرينة المنفصلة، الا إذا كان هناك مصحح لكتمانها، والا فان الاعتماد عليها مما لا يقبله العرف.

وكمثال لذلك ماجاء في الأجوبة المختلفة التي صدرت من الإمام (عليه السلام) في مجلس واحد حول كفّارة تعمد الافطار في شهر رمضان في مقام الجواب عن أسئلة أشخاص تختلف ظروفهم وشؤونهم الخاصة، ففيما كان السائل ضعيفاً غير قادر على الإطعام أو العتق أجابه بلزوم صيام شهرين متتابعين لكن قد يُعيّن أحدهما: إما العتق أو الإطعام لشخص ما؛ نظراً لأفضليته على بقية الأبدال. فهو (عليه السلام) لا يلقي عليه الحكم الكلى، وهو التخيير بين الثلاثة؛ لأن السائل لم يسأله عن الكبرى الكلية وإنما طلب منه تحديد وظيفته الخاصة به، ولا يختلف الأمر في ذلك بين الأحكام التكليفية والعقود والإيقاعات والأمور التي جعلت موضوعاً للاعتبارات القانونية كالطهارة والنجاسة.

ولتقريب فكرة الفرق بين الفتيا والتعليم نذكر علم الطب كمثال لذلك، فإن الطبيب الحاذق قد يتصدّى لإلقاء المحاضرات في علم الطب فيلقي من خلالها بعض القواعد الطبية للطلاب يستعرض فيها عوامل المرض وعوارضه وطرق استكشافه وأساليب علاجه وتبيين الطريق الأيسر لمعرفة ذلك، وغير ذلك مما يرتبط بمجال تعليم علم الطب، وأخرى يعرض مريض نفسه على هذا الطبيب ويذكر له خصوصيات ما يعانيه من المرض ومايتصوره دخيلا في معرفة الحالة المرضية فيه، فيعطيه الطبيب وصفة طبيه لعلاجه مع ذكر المرض إجمالا، أو عدم ذكره له؛ إذ ربما أدى إلى الضرر بحاله، ومن دون أن يذكر له القاعدة الطبية العامة.

والملاحظ أن هذه الوصفة الطبية تختص بهذا المريض، ولا يجوز لهذا المريض إعطاؤها لمريض آخر يعاني ما يعانيه هو بحسب الظاهر؛ لأنه لو قد حظت فيها بعض الأمور الشخصية التي ربما لاتتوفر في المريض الآخر، وقد يؤدي ذلك إلى القضاء على المريض الآخر أو حدوث مضاعفات في مرضه، فلا يستفيد من هذه الوصفة سوى طبيب آخر مثله يفهم المرض من خلال معرفة الدواء الذي تشتمل عليه.

وهكذا علم الفقه، فهناك أحاديث صدرت من الائمة (عليهم السلام) في مجال الافتاء لا التعليم، وقد لاحظ الأمام فيها خصوصيات حالة السائل وغيرها مما لها تأثيرها في الحكم، وربما يخفى كثير منها على السائل، ولا يجوز له ولا لغيره أن يطبق الحكم على غير مورده بمجرد التشابه الصوري بينهما.

نعم، يتمكن الفقيه من تشخيص الخصوصيات الدخيلة في الحكم وغير الدخيلة وبالنتيجة يتمكن من انتزاع الكبرى الكلية من الفتاوى الخاصة في حين أن العامي يلتبس عليه ذلك.

إذ لم تذكر الكبرى في الفتيا ليمكن للفقيه التعرف عليها بصورة مباشرة وانما يمكنه ذلك من خلال ملاحظة الخصوصيات ومدى دخلها وعدمه، لما ذكرنا انه في مجال الفتيا يطبق المفتي الكبرى الكلية في ذهنه على الموضوع الخارجي، ثم يبين نتيجة التطبيق للمستفتي دون ان يذكر الكبرى.

ومن هنا يظهر خطأ ما يفعله الأخباريون، حيث يرجعون الناس إلى الروايات لاستمداد الأحكام منها، فإنه كيف يتمكن العامي من استفادة الحكم الكلي من الروايات الإفتائية. وهناك أحاديث صدرت في مقام التعليم انتهج فيها أسلوب التدرج في عرض الأحكام؛ لذلك يعتمد فيه على القرائن المنفصلة، فلم تطرح كل

الفروض وجميع شرائط الحكم وما ينطبق على الموضوع من العناوين الأولية والثانوية المنوعة للحكم في حديث واحد.

وقد التفت العلماء منذ البداية إلى تعدد الأسلوب في بيان الأحكام، فهذا جامع الأحاديث يعقد باباً خاصة تحت عنوان (حجية فتاوى الأئمة) (1)، ويشير العلامة في خطبة كتابه التذكرة إلى ذلك بقوله : (إن الفقهاء هم عَمَدَة الدين، ونقله شرع رسول رب العالمين وحفظه فتاوى الأئمة المهديين) (2).

فاتضح مما ذكرنا أن الأحاديث الصادرة على نحو التعليم لابد من حمل العام فيها على الخاص والمطلق على المقيد. وقد أكد الصدوق ذلك في اعتقاداته حيث قال: (إن اعتقادنا أنه يحمل المجمل على المفسر، كما قاله الصادق (عليه السلام)) (3)، وهو لا يقصد بالمجمل معناه المصطلح في الأصول، بل يريد به وبالمفسر : العام والخاص والمطلق والمقيد ونحوهما.

أما الأحاديث الصادرة في مقام الفتيا، فلا بد من التركيز فيها على جهات:

الجهة الأولى: التركيز على موضوع الحكم في الآيتين أو الروايتين اللتين يبدو تعارضهما، فإنه يشترط في ثبوت التعارض وحدة الموضوع في النصين، فقد يجد الإنسان - وبالنظر البدوي - ان موضوعهما واحد فيتصور التعارض بين الروايات في حين أن الموضوع متعددفلا اختلاف ولا تعارض بينها، لان لكل رواية وحكم موضوعا غير موضوع الاخرى، ويمثل الصدوق لذلك بقوله: (ولا يكون اختلاف


1) جامع الأحاديث 1: 179.

2) تذكرة الفقهاء 1: 3.

3) الاعتقادات: 114 / 42.

ظواهر الأخبار الا لعلل مختلفة مثل ماجاء في كفارة الظهار عتق رقبة، وجاء في خبر آخر: صيام شهرين متتابعين، وجاء في خبر آخر: إطعام ستين مسكيناً. وكلّها صحيحة فالصيام لمن لم يجد العتق، والإطعام لمن لم يستطع الصيام، وقد روي أنه يتصدق بما يطيق، وذلك محمول على من لم يقدر على الإطعام) (1)لكن ماذكره لم يرد في الأحاديث فهو مثال فرضي، ولعل التعبير (بمثل ماجاء) الدال على ورود ذلك في الأحاديث خطأ من النساخ، والصحيح هو ان يقول (مثل ماذا جاء) باضافة (إذا) ليدل على الفرض والتقدير، وإنما الأصل في كفارة الظهار قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (2).

ونذكر في هذا المجال شواهد من الروايات في ما نص فيه الأئمة (عليهم السلام) على قضية اختلاف الموضوع جواباً لمن توهم صدور فتاوى مختلفة منهم (عليهم السلام) في موضوع واحد، وكذلك ماورد في أحاديث النبي (صلى اللّه عليه وآله) فتوهم العامة ذلك، يبين الإمام (عليه السلام) حقيقة الأمر وأن الموضوع فيها مختلف، وكذلك نذكر ايضاً موارد لم ينص الأئمة (عليهم السلام) على هذا الأمر، لكننا نستظهر أن منشأ الاختلاف فيها هو تعدد الموضوع فهنا أقسام ثلاثة:


1) الاعتقادات للصدوق: 117.

2) المجادلة: 2 - 3.

أما القسم الأول - وهو فيما لو صدرت من الإمام فتاوى وأحكام مختلفة فتوهم تعارضها، لكن الإمام يبين أن الاختلاف موضوعي، بمعنى أن لكل حكم موضوعاً غير موضوع الآخر - فمنها ما راواه الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن أبن أبي عمير عن أبي أيوب الخزاز عن سلمة بن محرز قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وقع على أهله قبل أن يطوف طواف النساء. قال : «ليس عليه شيء». فخرجت إلى اصحابنا فاخبرتهم، فقالوا اتقاك، هذا ميسر قد ساله عن مثل ماسألت، فقال له: عليك.بدنه قال: فدخلت عليه، فقلت. جعلت فداك، إني أخبرت أصحابنا بما أجبتني فقالوا: اتقاك فيه ميسر قد سأله عما سألت فقال له: «عليه بدنه» فقال: «إن ذلك كان بلغه فهل بلغك؟». قلت : لا، قال: «ليس عليك شيء» (1).

ونقل الحديث نفسه في التهذيب بطريق آخر عن أبي أيوب قال: حدثني سلمة بن محرز أنه كان تمتع حتى إذا كان يوم النحر طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم رجع إلى منى ولم يطف طواف النساء، فوقع على أهله وذكر لأصحابنا فقالوا: فلان قد فعل مثل ذلك، فسأل ابا عبد اللّه (عليه السلام)، فأمره أن ينحر بدنه. قال سلمة فذهبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسألته، فقال: «ليس عليك شيء». فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بما قال لي قال : فقالوا اتقاك، وأعطاك من عين كدرة. فرجعت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقلت إني لقيت أصحابي فقالوا: اتقاك، وقد فعل فلان مثل مافعلت فأمره أن ينحر بدنه. فقال: «صدقوا ما اتقينك، ولكن فلان فعله متعمداً وهو يعلم،


1) الكافي 4 : 378 / 1.

وأنت فعلته وأنت لا تعلم، فهل كان بلغك ذلك. قال قلت: لا والله ما بلغني. فقال: «ليس عليك شيء» (1).

فلاحظ أن منشأ اختلاف الحكم فيها هو اختلاف الموضوع من حيث علم أحدهما بالحكم مسبقاً وعدم علم الآخر به.

ومنها ما يرويه محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن خلاد بياع القلانس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أتى أهله عليه طواف النساء قال: «عليه بدنه. ثم جاء آخر فسأله عنها فقال: «عليك بقرة». ثم جاءه آخر فقال: «عليك شاة». فقلت بعدما قاموا اصلحك اللّه كيف قلت على بدنة ؟ فقال. «أنت موسر، وعليك بدنة، وعلى الوسط بقرة، وعلى الفقير شاة» (2).

ومنها ما يرويه في التهذيب عن الحسن بن سعيد عن محمد بن أبي عمير عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أقضي صلاة النهار بالليل في السفر.؟ فقال: «نعم». فقال له اسماعیل بن جابر اقضي صلاة النهار في الليل في السفر؟ فقال: «لا» فقال: إنك قلت: «نعم»؟ قال: «إن ذلك يطيق، وأنت لا تطيق» (3).

وأما القسم الثاني فهو ماجاء في سنن النبي (صلى اللّه عليه وآله) وأحاديثه، مما توهم العامة وقوع التعارض فيها وأنها في موضوع واحد فلذلك تصوروا تعارضها فناقشوا في دلالتها، أو زعموا وقوع النسخ فيها والإمام (عليه السلام) يرشد فقهاء الشيعة إلى اختلاف الموضوع في هذه السنن، فلذلك لا يوجد تعارض مع اختلافه مثل


1) التهديب 5 : 486 / 1733.

2) الفقيه 2 : 231 / 1103.

3) التهذيب 2 : 16 / 46، والاستبصار 1 : 221 / 782.

ماجاء في مرسله يونس الطويلة حيث يعرض الإمام (عليه السلام) فيها سنتاً ثلاثة يكشف عن سر الاختلاف فيها. وقد تلقيت هذه المرسلة بالقبول؛ نظراً لرواية غير واحد من الأصحاب لها وهي مايرويه الكافي والتهذيب عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن غير واحد، سألوا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحائض والسنة في وقته فقال: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) سن في الحائض ثلاث سنن فيها كل مشكل لمن سمعها وفهمها حتى لايدع لأحد مقالا فيه بالرأي: أما أحدى السنن فالحائض التي لها ايام معلومة قد احصتها بلا اختلاط عليها، ثم استحاضت واستمرّ بها الدم وهي في ذلك تعرف ايامها ومبلغ عددها».

ثم نقل السنة قائلا: «فإن امراة يقال لها فاطمة بنت حبيش استحاضت واستمر بها الدم فأتت أم سلمة، فسألت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) عن ذلك، فقال: تدع الصلاة قدر إقرائها، أو قدر حيضها».

ثم نقل فتوى عن الإمام الباقر (عليه السلام) تشابه ذلك، وفيها: «فلتدع الصلاة أيام إقرائها».

ثم بيّن علّة الحكم بقوله: «وأنما سن لها أياماً معلومة ماكانت من قليل أو كثير بعد ان تعرفها».

ثم قال: (وأما سنة التي قد كانت لها أيام متقدمة، ثم تلت عليها من طول الدم أيام متقدمة ولم تر الدم قط ورأت أول ما أدركت واستمر بها فإن سنة هذه غير سنة الأولى والثانية ؛ وذلك أن امرأة يقال لها حمنة بنت جحش أتت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) فقالت: إني استحضت حيضة شديدة. فقال لها : احتشي كرسفاً. فقالت: إنه أشد من ذلك إني أثجّه ثجاً. فقال: تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم اللّه ستة أيام أو

سبعة، ثم اغتسلي غسلاً وصومي ثلاثة وعشرين يوماً أو أربعة وعشرين، واغتسلي للفجر غسلاً واخرى الظهر».

إلى أن قال: «فأراه قد سنَّ في هذه غير ما سن في الأولى والثانية ؛ وذلك لأن أمرها مخالف لأمر هاتيك، ألا تريأن أيامها لو كانت أقل من سبع وكانت خمساً أو أقل من ذلك ما قال لها: تحيضي سبعاً؟ فيكون قد أمرها بترك الصلاة أياما وهي مستحاضة غير حائض. وكذا لو كان حيضها أكثر من سبع، وكانت أيامها عشراً». إلى أن قال: «وهذا بين واضح، إن هذه لم تكن لها أيام قبل ذلك قط، وهذه سنة التي استمر بها الدم أول ما تراه، أقصى موقتها سبع، وأقصى طهرها ثلاث وعشرون، حتى يصير لها أيام معلومة، فتنتقل اليها» (1).

فيرشد الإمام (عليه السلام) أصحابه الى كيفية تغير الحكم بتغير موضوعه، وكيف يمكن استفادة الحكم من فتاوى النبي (صلى اللّه عليه وآله) المعبر عنها بالسنن.

وأما القسم الثالث ما لا ينص الإمام في الرواية على اختلاف الموضوع، ولكننا نستظهر ذلك منها، فقد طبق الشيخ الصدوق هذه الحقيقة على موارد ذكرها في كتاب من لا يحضره الفقيه، لكن يمكن المناقشة في جميع ما ذكره. والصحيح التمثيل له با جاء في الآيات المباركة الآمرة بالصلح والسلم والعفو والآمره بالجهاد والقتال فتارة يقول: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) (2). وقوله: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا


1) الكافي 3: 1/83.

2) الأنفال: 61.

وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (1)، وأخرى يقول: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (2).

وقد اختلفت آراء العلماء بالنسبة لهاتين الطائفتين من الآيات، فنقل عن ابن عباس وقتادة والسدي، بأن الآيات الاولى منسوخة بآيات القتال (3)، واختار بعض الأعاظم - ممن تعرض لها بالبحث (4)- أن آيات القتال تخصص آيات العفو في موارد:

الأول: بما إذا قاتلوا المسلمين بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) (5).

الثاني: في حالة وجود فتنة ؛ لقوله تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) (6).

الثالث: فيما إذا امتنعوا عن أداء الجزية لقوله تعالى: («قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (7).

ولكن الرأي الصحيح ان الاختلاف يعود الى اختلاف الموضوع وشرائطه، فآيات السلم موضوعها حالة ضعف المسلمين وعدم توفر الظروف التي تسمح لهم بالقتال، بخلاف آيات القتال فإن موضوعها حالة شوكة المسلمين وقوتهم وتوفر الظروف المناسبة على القتال. ويبين هذه الحقيقة قوله تعالى في ذيل آية السلم الثانية: (حَتَّى يَأْتِيَ


1) البقرة: 109.

2) التوبة: 29.

3) تفسير ابن كثير 1: 157.

4) البيان في تفسير القرآن: 308.

5) البقرة: 190.

6) البقرة: 193.

7) التوبة: 29.

اللَّهُ بِأَمرِهِ) (1)، فالظاهر أن المراد من أمر اللّه : عزة الإسلام وقدرة المسلمين، كما ورد في قوله تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) (2)، فلا معنى للحمل على النسخ أو التخصيص.

الجهة الثانية: لما كان المستفتي يبحث عن علاج مشكلته بحسب ظروفه التي يعيشها وقدراته، ولا يريد استعلام الحكم الشرعي الثابت للموضوع الكلي، ففي خصوص موارد الواجبات التخييرية قد يكتفي الإمام (عليه السلام) بذكر أحد شقوق الواجب التخييري نظراً لظروف المستفي، كما لو كان يعيش في مجتمع يكثر فيه العبيد مع كونه ضعيفاً عن الصوم فمن المناسب امره بالعتق، أو كان يعيش مجتمعاً انعدمت فيه ظاهرة العبيد أو كان ضعيفاً عن الصوم، فهنا من المناسب أن يأمره بالإطعام. ولا يصلح امره بالعتق او التخيير بين الاطعام والعتق.

وواضح بأنه في هذه الموارد لا يمكن استظهار كونه وجوباً تعيينياً باعتبار ما ذكر في الأصول من أن مقتضى اطلاق الأمر بالشيء الحمل على الوجوب التعييني ؛ وذلك لتقوم الواجب التخييري إثباتاً بالعطف بـ (أو)، أو تعلق الأمر بالجامع دون الخصوصية ؛ فإن من شروط التمسك بالإطلاق أن يكون المولى في مقام بيان الحكم الكلي، أما في مجال الفتيا فلا يكون المولى في مقام بيان الحكم الكلي، وإنما يكون في مقام بيان الحكم الشرعي الكلي إذا كان في مقام التعليم.


1) البقرة : 109.

2) محمد: 35.

وقد مثل الصدوق في اعتقاداته بكفارة الظهار معبّراً عن الوجوب التخييري بـ (ما يقوم واحد مقام الآخر) (1)، وهو - كما ذكرنا - فرض لا يوجد في الروايات. والمثال الصحيح لذلك ما ورد في كفارة تعمد الافطار في شهر رمضان، فقد جاء في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوماً واحداً من غير عذر، قال: «يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً، فإن لم يقدر تصدق بما يطيق» (2)حيث ذكر الإمام (عليه السلام) كل جوانب الحكم الشرعي باعتبار أن الموضوع فرضي، والمقام مقام التعليم لا الفتيا.

نعم، في رواية هشام بن إبراهيم قال: سألته عن رجل أفطر في شهر رمضان أياماً متعمداً، ما عليه من الكفارة ؟ فكتب (عليه السلام): «من أفطر يوماً من شهر رمضان، فعليه عتق رقبة مؤمنة، ويصوم يوماً بدل يوم» (3).

و في معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً، قال: «عليه خمسة عشر - صاعا، لكل مسكين مد بمد النبي (صلى اللّه عليه وآله) أفضل» (4).

وفي معتبرة عبد المؤمن بن القاسم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام): «ان رجلاً أتى النبي (صلى اللّه عليه وآله) فقال هلكت وأهلكت! فقال: ما أهلكك؟ قال:


1) الاعتقادات: 117.

2) الكافي 4 : 101 / 1.

3) التهذيب 4 : 207 / 600، الاستبصار 96:2 / 311.

4) التهذيب 207:4 / 599.

أتيت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم. فقال له النبي (صلى اللّه عليه وآله): اعتق رقبة. قال لا أجد. قال: فصم شهرين متتابعين. قال: لا أطيق. قال: تصدق على ستين مسكيناً. قال لا أجد»... الحديث (1).

فهو (صلى اللّه عليه وآله) أمره بالأفضل فالأفضل ؛ فإنها واضحة في مقام الفتيا. وعليه فلا معنى لذكر الحكم الكلي مع عدم توفر القدرة على جميع شقوقه، كما لو كان المفطر ضعيف البنية، أو في هذا العصر حيث ينعدم العتق، فالإفتاء كما قيل ليس الادواء للاسقام. اذن ففي الواجبات التخييرية، لو ذكر لاحد المستفتين احد اطرافها حسب ظروفه وللاخر الطرف الآخر، فهنا قد يتوهم، اختلاف الروايات مع انه لا اختلاف، لان الفتيا تقتضي هذا الاختلاف في الحكم.

الجهة الثالثة: لما كانت الفتيا تعالج مشكلة يعيشها المستفتي، ولا يُقصد فيها تعليم الحكم الكلي؛ لذا قد تستخدم فيها مصطلحات وألفاظ تستعمل في عرف المستفتي في مدلول يختلف عما يستعمل فيه المصطلح في المجتمعات الأخرى، كما هو الملاحظ في روايات تحديد الكر بالرطل؛ إذ لا يبعد أن يكون السر في اختلافها، اختلاف المعنى الذي يستعمل فيه الرطل في عرف المستفتي، فتحمل روايات الستمئة على الرطل المكي على اعتبار أن الإمام (عليه السلام) ذكره للمستفتي المكي، وروايات الإلف و مئتين على الرطل العراقي؛ لأن المستفتي عراقي ويشير الصدوق (رحمه الله) في ذيل روايات الوصايا المبهمة إلى هذه الحقيقة فإنه بعد نقله بعض روايات الباب مثل رواية معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أوصى بجزء من ماله،


1) الفقيه 2: 309/72.

قال: «جزء من عشرة قال اللّه عز وجل: «ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً» (1)، وكانت الجبال عشرة».

ورواية البزنطي عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أوصى بجزء من ماله. قال: «سبع ثلثه» قال مانصه: (قال منصف هذا الكتاب: كان أصحاب الأموال فيما مضى يجزئون أموالهم فمنهم من يجعل اجزاء ماله عشرة، ومنهم من يجعلها سبعة، فعلى حسب رسم الرجل في ماله تمضي وصيته. ومثل هذا لا يوصي به إلا من يعلم اللغة ويُفهم عنه، فأما جمهور الناس فلا تقع لهم الوصايا إلا بالمعلوم الذي لا يحتاج إلى تفسير مبلغه) (2).

فيجعل اختلاف الروايات لاجل اختلاف الاعراف والعادات، فبعضهم كان يجزىء امواله إلى سبعة اجزاء، فاذا اوصى بجزء من ماله. فمراده من الجزء السبع، وبعضهم كان يجزئه لعشرة أو ستة اجزاء - فإذا اوصى بالجزء فمراده العشر او السدس.

وهكذا، فحمل الصدوق هذه الروايات المختلفة على اختلاف العرف والعادة وهي تختلف باختلاف المصطلحات - فلا اختلاف بينها حقيقة

و لا نقصد تأييد ما ذكره وإن لم يكن بعيداً، ولكن استغرب منه صاحب الجواهر (3).

وعلى كل حال فهو أمر متعارف ومشهور، فلو أوصى شخص من الغرب بمنافع داره لزيد شهراً أو شهرين، فإنه يحمل على الشهور الرومية، بخلاف من كان من


1) الفقيه 4 : 152 / 528.

2) الفقيه 4 : 152 / 529.

3) الجواهر 28: 320.

الحجاز فإنه يحمل على الشهر القمري. وكذا إذا أوصى بثمار بستانه سنين معينة، فإنها تحمل على السنين الشمسية، بخلاف مالو أوصى بالصوم فإنه يحمل على الشهر القمري.

الجهة الرابعة: أن الفتيا يلاحظ فيها الخصائص النفسية والاعتقادية للمستفتي؛ ولذا فقد يتحد السؤال بحسب الظاهر في الفتاوى المختلفة، لكن بملاحضة خصائص كل مستفت ومعتقداته يظهر أن موضوعات هذه الفتاوى المختلفة تختلف بحسب الذات. وهذه الجهة غير الجهة الأولى التي مرّ ذكرها؛ فإن اختلاف الموضوع فيها ليس لما يحمله المستفتي من خصائص تميّزه عن غيره، بل لاختلاف الحالات والعوارض الخاصة، كالغنى والفقر، والعلم والجهل والقدرة والعجز، أما في هذه الجهة فيختلف الموضوع ذاتاً، كما لو سأل سائل من أتباع المذاهب الأسلامية الأخرى من الامام (عليه السلام) فيجيبه وفق مذهبه.

ويمكن تقسيم الاختلاف هنا إلى قسمين: فقسم يكون الاختلاف في العمل الخارجي، وقسم يكون الاختلاف في الشؤون النفسية والارتكازية.

فمن القسم الأول: الروايات التي تعلق السؤال فيها بمن طلق زوجته ثلاثاً في مجلس واحد، فأجاب الإمام (عليه السلام) أحدهم بأنه ليس بشيء، واجاب الثاني بأنها تحسب طلقة واحدة واجاب الثالث بأنها قد بانت منه فهنا وإن كانت الأجوبة الثلاثة بحسب الظاهر مختلفة، لكن بملاحظة جانب المرتكزات الاعتقادية والخصائص المذهبية لكل مستفت يرتفع الاختلاف، ويتضح أن الجواب في كل منهم يختلف موضوعه عن الآخر بالذات.

وقد كشفت لنا رواية موسى بن أشيم هذه الحقيقة، وهي أن كانت في حد ذاتها ضعيفة، ويوجد في الروايات المعتبرة ما يماثلها في المدلول لكن لوجود نكات مهمة فيها لذا ننقلها بالنص: قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسألته عن رجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس. فقال: «ليس بشيء». فأنا في مجلس إذ دخل عليه رجل، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس؟ فقال: «ترد الثلاث إلى الواحدة ؛ فقد وقعت واحدة، ولا يردُّ مافوق الثلاث الى الثلاث ولا إلى الواحد». فنحن كذلك إذ جاءه آخر فقال له: ماتقول في رجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس؟ فقال: «إذ طلق الرجل امرأته ثلاثاً بانت منه، فلم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره».

فأظلم على البيت، وتحيرت من جوابه في مجلس واحد بثلاثة أجوبة مختلفة في مسألة واحدة، فقال: «يابن أشيم، أشككت؟ ودّ الشيطان أنك شككت. إذا طلق الرجل امرأته على غير طهر ولغير عدة كما قال اللّه عز وجل، ثلاثاً أو واحدة فليس طلاقه بطلاق. وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً وهي على طهر من غير جماع بشاهدين عدلين، فقد وقعت واحدة، وبطلت الثنتان، ولا يردّ مافوق الواحدة إلى الثلاث ولا إلى الواحدة. وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً على العدّة كما أمر اللّه عز وجل، فقد بانت منه ولا تحل له، حتى تنكح زوجاً غيره فلا تشكنّ يا ابنأشيم، ففي كل - والله - من ذلك الحق» (1).

نلاحظ كيف أن السؤال واحد بظاهره والأجوبة مختلفة، لكن الإمام (عليه السلام) يرفع الإبهام، ويكشف عن أن اختلاف الأجوبة لاختلاف الموضوع في كل فتوى منها فالاختلاف شكلي لاحقيقي. وقد أوضحت ذلك عدة روايات أخر مثل


1) مختصر بصائر الدرجات: 97.

معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من طلق ثلاثاً في مجلس فليس بشيء، من خالف كتاب اللّه عزّ وجل ردّ إلى كتاب اللّه عز وجل». وذكر طلاق ابن عمر (1).

و طلاق ابن عمر كما جاء في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من طلق امرأته ثلاثاً في مجلس وهي حائض فليس بشيء، وقد ردّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) طلاق عبد اللّه بن عمر إذ طلق امرأته بثلاثاً، وهي حائض، فأبطل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ذلك الطلاق، وقال: كل شيء خالف كتاب اللّه والسنة رُدّ إلى كتاب اللّه عز وجل. وقال: لاطلاق إلا في عدة» (2). فقول الإمام جواباً لسؤال ابن أشيم بأنه ليس بشيء ؛ لكونه لم يراع فيه شروط الطلاق.

وفي معتبرة إسماعيل بن عبد الخالق قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) وهو يقول: «طلق عبد اللّه بن عمر امرأته ثلاثاً، فجعلها رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) واحدة، فردها إلى الكتاب والسنة». وهو دال على أن طلاقه الثاني كان مستوفياً للشرئط، فنفذ طلقة واحدة.

واما القسم الثاني وهو الذي يكون منشأ الاختلاف فيه الشؤون النفسية والارتكازية للمستفتي. كما في جملة من احكام العقود والايقاعات بلحاظ محتوياتها، فان محتويات العقود قد تختلف باختلاف الشروط الارتكازية التي يتضمنها العقد، فربما كان العقد في بعض المجتمعات متضمنا لذلك الشرط الارتكازي، بينما


1) التهذيب 18 : 54 / 177، والاستبصار 3: 287 / 1016.

2) التهذيب 8: 179/55، الاستبصار 3 : 1018/288.

في بعض آخر غير متضمن وغير مستبطن له ويمكن التمثيل له بخيار الغبن، فإن الإجابة عن سؤال ثبوته للمغبون يختلف باختلاف العرف والمرتكزات التي يعيشها السائل في مجتمعه، فقد التزمنا وفاقاً لمحقق النائيني (1)بأن أساس خيار الغبن هو وجود الشرط الارتكازي بتعليق الالتزام بالمعاملة على ما إذا لم يكن ما انتقل أقل مالية مما انتقل منه، والتزمنا بنفوذ هذا الشرط في مجتمعاتنا وعند العقلاء، لكن المجتمع الحنفي أو غيره ممن لا يقرّ بهذا الخيار لا يستبطن العقد فيه هذا الشرط الارتكازي حيث تكون هذه الفتوى والمحيط مانعين من تحقق هذا الارتكاز؛ ولذا فنلاحظ أنه من الممكن أن يطرح السؤال نفسه من شخصين فيجاب أحدهما كالامامي بالإيجاب والآخر كالحنفي بالنفي، ولا تنافي بينهما لاختلاف العرف والمرتكزات التي يعيشها السائل. ونحن قد التزمنا بهذا التفصيل في مبحث خيار الغبن، خلافاً للمحقق النائيني الذي التزم بثبوت الخيار مطلقاً (2)اذن فليس هنا اختلاف في الفتوى، بل لا ختلاف المنشأ في العقود، بلحاظ الاختلاف في مستبطناتها، بينما من يجهل ذلك يتصور اختلاف الاخبار.

الجهة الخامسة: لما كانت الفتيا كعلاج لشخص مبتلى بمشكلة شخصية، فلذا قد يصدر نهي عن فعل فيتصور بأنه تطبيق للحكم الشرعي الكلي وأن الحكم الكلي لهذا الموضوع هو النهي والحرمة؛ ولذلك، يتصور وقوع التعارض بينه وبين الأمر الصادر في هذا الموضوع فيما لو كان أمر فيه؛ حيث إن النهي يقتضي الفساد، والأمر يقتضي الصحة، لكن النهي الصادر في الحقيقة إرشاد لهذا المبتلى إلى مفسدة تترتب على هذا


1) التهذيب : 55/ 180، الاستبصار :3: 1019/288.

2) منية الطالب في حاشية المكاسب 57:2.

الفعل، الخاص، لا أن الفعل الكلي بذاته يحتوي على مفسدة ليعارض الأمر به، كما في الأحاديث الواردة في بيان حكم تقبيل الصائم؛ ففي معتبرة سماعة بن مهران، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القبلة في شهر رمضان للصائم اتفطر؟ قال: «لا» وفي رواية علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن الرجل أيصح أن يلمس ويقبل وهو يقضي شهر رمضان؟ قال: «لا» (1).

فقد يتصور بأن النهي عن التقبيل إنما هو لبيان الحكم الشرعي الكلي؛ فيقع التعارض بين الروايتين لكن الحقيقة أن النهي الوارد في رواية علي بن جعفر لأجل أن التقبيل قد يترتب عليه خروج المنّي أحياناً، خاصة للشباب وهو مفسد للصوم لا أنه حكم كلي لموضوع التقبيل بصورة عامة، بل في بعض الحالات. وقد أكدت رواية منصور بن حازم هذه الحقيقة، فقد جاء فيها قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ماتقول في الصائم يقبل الجارية أو المرأة؟ قال: «أما الشيخ الكبير مثلي ومثلك فلا بأس، وأما الشاب الشبق فلا ؛ لأنه لا يؤمن؛ فالقبلة إحدى الشهوتين». اذن ففي الفتيا ربما يشتبه بين كون الحكم من باب تطبيق الاحكام الكلية. وبين كونه من باب الارشاد او الحكم الولائي، بينما في التعليم، فهو في الغالب من باب ذكر الحكم الكلي.

الجهة السادسة : قد يكون الحكم ثابتاً في الواقع لحصة خاصة من الطبيعي، ولكن الطبيعي في المجتمع الذي يعيشه السائل لا يوجد إلا ضمن هذه الحصة الخاصة فقط، فهنا يمكن للمولى أن يجيب السائل بلزوم الإتيان بالطبيعي من دون حاجة إلى ذكر


1) التهذيب 14 : 271 / 820.

التقييد بالحصة؛ لكون التقييد مع كون القيد مفروض الوجود لغو، فيتصور وقوع التعارض بين هذا الجواب المطلق وبين النص الذي يحصر الحكم الواقعي بالحصة.

ويمكن التمثيل له بما إذا كان دواء يلزم شربه مع غير الماء المعدني، وكان البلد الذي يعيشه المستفتي ينعدم فيه الماء المعدني تماماً، فهنا يمكن أن يؤمر بشرب الماء مع الدواء من دون حاجة إلى تقييده بغير المعدني؛ إذ لا معنى له بالنسبة للمستفتي، ولكن لو كان المستفتي يعيش منطقة يتوفر فيها الماء المعدني فان التقييد بغير الماء المعدني لا يكون لغواً بالنسبة لمن يفرض في حقه استعمال الماء المعدني ؛ لأن الكلام الصادر بنحو الفتيا لا ينعقد له إطلاق مع وجود قدر متيقن في مقام التخاطب؛ لأن التقييد بما هو مفروض الوجود مستهجن، بخلاف الكلام الصادر في مقام التعليم وبيان الاحكام الكلية على نحو القضايا الكلية الحقيقية؛ إذ لانظر فيه إلى الظروف التي تتحكم في الموضوع خارجاً. ولذا فقد التزمنا بأن جعل عدم وجود القدر المتيقن من مقدمات انعقاد الإطلاق، لايتم على إطلاقه كما هو ظاهر المحقق الخراساني (1). اذن ففي مقام التعليم يجب ان يذكر هذا التقييد، لانه في التعليم لوحظ جميع المجتمعات والمناطق. فلو قيد الحكم في خبر بقيد بينما لم يقيده به في خبر آخر، فبثبتالتعارض - اما في الفتيا فلو قيده لشخص بينما لم يقيده لشخص آخر، مع اختلاف ظروفها، فيتوهم الاختلاف مع انه ليس اختلافاً في الحقيقة.

الجهة السابعة في خصوص الواجبات التخييرية التي يختار المكلف فيها بحسب دواعيه النفسية أحد الشقين في الرتبة الأولى، والشق الثاني في الرتبة اللاحقة بعد تعذر الاولى وتعسّرها. فيمكن في مقام الفتيا بيان العلاج بنحو الترتيب، وإن كان الحكم


1) كفاية الأصول 247.

الواقعي هو التخيير والعرضية، فيرشده إلى ما يختاره هو بحسب ظروفه ومن هنا لو وردت رواية تفيد الحكم بالعرضية على نحو التعليم، فلا تعارض رواية الترتيب الصادرة على نحو الفتيا.

وبهذا الأسلوب عالجنا في الفقه الاختلاف الموجود في روايات الصلاة على الثلح، حيث ورد في بعضها الجواز ابتداء، وفي مثل موثقة عمار الساباطي رتب الجواز على تعذر الصلاة على الأرض، فقد جاء فيها: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل، يصلي على الثلج، قال: «فان لم يقدر على الأرض بسط ثوبه وصلى عليه» (1)، ولا منافاة بينهما، فالنهي جاء وفق ما تقتضيه طبيعة الإنسان؛ فإنه مع تمكنه من الصلاة على الأرض لا يصلي على الثلج اما بسط الثوب في الموثقة، فليس لأجل السجود؛ إذ لا يصح السجود على الثوب، بل لأجل تحصيل حالة الاستقرار الواجبة.

الجهة الثامنة: تمتاز مرحلة الفتيا باستهجان التنبيه على الافراد والحالات الشاذة والنادرة الوقوع والتقييد بها، فلا يستهجن الإطلاق في مقام الفتوى مع كون الحكم في الواقع مقيداً والقيد نادر الوجود بالنسبة للمستفتي كما لو سأل عن حكم المرأة إذا ولدت فيجاب بأن عليها غسل النفاس. وبالطبع فإن الحكم هذا سيختص بما إذا ولدت انساناً لا شيئاً آخر، لكن ومع أن الوجوب مترتب على المقيد، ولكن لاستهجان التقييد بالحالة النادرة، يذكر الحكم بوجوب الغسل بصيغة مطلقة، وينصرف عن تلك الحالة النادرة، دون حاجة إلى التقييد ولذا فلو ورد ما يدل على اختصاص وجوب


1) التهذيب 312:2 / 1266.

الغسل شرعاً بما إذا ولدت انساناً، فإنه لا يقع تعارض بينهما؛ إذ لا إطلاق للحكم في مقام الفتيا وإنما هو في واقعه مقيداً.

هذه جملة من الفروق بين التعليم والإفتاء، ولم نحاول استقصاءها والتوسع بتفصيلاتها وإنما ذكرنا الفروق المرتبطة بمجال اختلاف الأحاديث أما تفاصيل ما يترتب عليهما من الآثار في الأصول والفقه، فذلك مذكور في محلّه.

العامل الثاني: لقد اتبع الشرع المقدس في مجال بيان الأحكام في الكتاب والسنة نفس الأسلوب الذي اتبعه العرب في كلامهم وأحاديثهم، ويمتاز الكلام العربي بعدم التعبير في كثير من الأحيان عن بيان المراد بالألفاظ الصريحة المباشرة التي يتطابق فيها المراد التفهيمي مع المراد الاستعمالي، بل قد يخالفه مطلقاً، كما في باب المجازات والاستعارات والكنايات. وهو أسلوب متداول بين فصحاء العرب وبلغائهم ومنقول عنهم، وقد يخالفه في الجملة كما في العام الذي يراد به الخاص. وهذه الطريقة في تفهيم المرادات توجب وقوع التشابه في مفاد النصوص الشرعية؛ فيوهم وجود التعارض بينها.

و مما يبين مدى أهمية استخدام هذا الأسلوب غير المباشر في لغة العرب أن الذي يعبر عن مقاصدة بلغة صريحة ومباشرة بذكر المسند والمسند إليه من دون حذف أو إضمار أو كناية أو مجاز أو أمثالها فإما أن ينسب إلى القصور في معرفته اللغوية، أو أنه يريد التعريض بالمخاطب وغبائه وعدم التفاته إلى المعاني المجازية كما ذكر ذلك في علم المعاني، وجرى القرآن الكريم في إفادة المعارف الالهية - فضلا عن الأحكام الشرعية

على هذه الطريقة، فعبر عنها بتعبيرات مجازية كما في قوله تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (1)و (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (2)، (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) (3).

وقد غفل البعض عن انتهاج القرآن للاسلوب الأدبي في التعبير، فقال بالتشبيه أو التجسيم. فحتى في هذه المجالات المهمة لو لم يتبع القرآن الأسلوب الذي يتلاءم مع الذوق والسليقة العربية في الكلام، لكان أمراً غير مرضي بل مستهجناً، فضلا عن كونه في الاحكام الشرعية. وقد جرى النبي (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) على هذا النهج في مجال بيان الأحكام الشرعية والمعارف الاسلامية.

هذا بالاضافة إلى أن باب المجاز والكناية باب واسع، ليس له خصائص عامة وقوانين موحدة يتبعها جميع العرب في استعمالاتهم، بل يمكن للبليغ ان يخترع من نفسه أنواعاً جديدة من المجازات، وقد كتبت حول مجازات القران والسنة بعض الكتب، مثل كتاب مجازات القرآن، ومجازات الآثار النبوية للسيد الرضي. ويقصد بذلك ما جاء فيها من مجازات جديدة، بل أن المعنى المجازي قد يختلف بمرور الزمن فتجد اللفظ الذي كان يكنى به عن معنى في زمان سابق صار كناية لمعنى آخر في زمان لاحق، كما في لفظ الحمار، فانه مرّ بدور كان يكنى به عمّن يكون ذا إرادة قوية ولا يمل من العمل ومن هنا قبل لآخر خلفاء الأمويين مروان الحمار ولكنه يكنى به اليوم عن الرجل البليد.


1) الفتح: 10.

2) طه : 5.

3) الفجر: 22.

ومن اسباب وجود المتشابه عدم التعبير الصريح والمباشر عن المعاني وهناك اختلاف بين العلماء في معنى المتشابه، وانه يشمل المجمل والمأول، او يختص باحدهما، وقد بحثنا عن هذا الموضوع عند البحث عن حجية ظواهر الكتاب.

وقد نص القرآن على وجود المحكم والمتشابه فيه بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (1). وقيل: إن المتشابه يعم المجمل والمؤوّل، وهو الذي اريد به خلاف ظاهره. وجاء في الروايات الشريفة كما في العيون عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم» ثم قال: «إن في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن و محكماً كمحكم القرآن، فردّوا متشابهاتها إلى محكماتها، ولا تتبعوا متشابهاتها دون محكمها فتضلوا» (2).

إذن فطريقة الكلام العربي هي عدم الصراحة في التعبير عن المقاصد، ففيه الحذف والاستعارة والكناية والمجاز، وليس لمثل هذه الاستعمالات خصائص عامة ينتهجها كل مستعمل ولا يتعداها، بل ربما يكون لبعضها ظروفها ووضعها الخاص، وباختلاف الأجواء التي ألقي فيها الكلام بنتج توهم اختلاف الظهورات.

والشافعي في مقدمة كتابه اختلاف الحديث تعرض الى هذه الظاهرة في الجملة فقال: (إن اللّه جل ثناؤه لخلقه إنه أنزل كتابه بلسان نبيه، وهو لسان قومه العرب،


1) آل عمران: 7.

2) عيون اخبار الرضا 1: 29 / 39.

فخاطبهم بلسانهم على ما يعرفون، ومن كلامهم أنهم يتلفظون بالشيء عاماً يريدون به العام وعاماً يريدون به الخاص) (1).

ويقول في موضع آخر من الكتاب: (والحديث عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) كلام عربي، ما كان منه عام المخرج عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، كما وصف في القرآن يخرج عاماً يراد به العام، ويخرج عاماً وهو يراد به الخاص) (2).

ونلاحظ أن الشريعة تعبر عن قاعدة الاستصحاب، وهي من أهم القواعد الأصولية بتعبير كنائي، وهو: «ولا ينقض اليقين بالشك»؛ إذ من الواضح أنه في حالة الشك لا يوجد يقين كي ينقض، فهو كناية عن اعتبار تنزيلي. لكن المجازات في طبيعتها قابلة للتأويل بغير المقصود، لغرض عدم صراحتها في إفادته، فيلتبس الأمر على السامع مما يوجب اشتباهه في فهم المراد وفي تلك الفترة حينما تلقى هذه الاساليب من المجازات وغيرها، ففي الغالب كان يفهم المراد الحقيقي منها. ولكن ربما كان هناك من يحاول تأويل الكلام إذا لم يكن صريحا، لمقاصد معينة (يحرفون الكلم عن مواضعه) ولهم اهدافهم المغرضة في ذلك، وربما كان هناك بعض المغفلين وغير المتنبهين لخصوصيات الكلام، فمثلاً في قوله تعالى : (أو لامستم النساء) (3)قد اختلف في بيان المراد منه، هل هو المواقعة أو مجرد اللمس،العادي، فينقل ابن رشد في كتابه الاختلاف في بدلية التيمم عن غسل الجنابة وأن عمر بن الخطاب كان يعتقد عدم


1) انظر اختلاف الحدیث: 12.

2) اختلاف الحدیث: 39.

3) النساء : 43.

مشروعية التيمم بدلاً من غسل الجنابة (1)إذ حمل اللمس الموجب للتيمم في الآية على معناه الحقيقي وهو اللمس باليد فحسب ولا يشمل الجماع، فتختص مشروعية التيمم بالحدث الأصغر فقط ؛ ولذا فقد اختار جمع من علماء العامة أن لمس المرأة المجرد باليد من نواقض الوضوء. مع وضوح عدم الإرادة من الملامسة ذلك، بل كناية عن الجماع والجنابة وانما لم يعبر تعبيراً صريحاً لاجل التأدب والنزاهة في التعبير، بالاضافة إلى تعارف التعبير آنذاك عن المقاصد بالاساليب البلاغية، فنجد أن الأمر قد التبس على مثلعمر وهو من قريش الذين نزل القرآن بلغتهم.

وينقل الطبرسي في تفسيره ما نصه: (يروى أن العرب والموالي اختلفوا فيه، فقال الموالي: المراد به: الجماع. وقالت العرب: المراد به مس المرأة، فارتفعت أصواتهم، فرجعوا الى ابن عباس قال ابن عباس غلب الموالي المراد به الجماع) (2)وقد نقله جامع الأحاديث عن المجمع، وعن المستدرك (3)، وعن آيات الأحكام للقطب الراوندي (4). وقد نقلت الواقعة في كتب ابناء العامة بنحو معكوس، وأن العرب قالت المراد به الجماع. وأن الموالي كانوا يقولون بأن المراد: مس المرأة، كما يظهر من تفسير الطبري (5)، والدر المنثور (6)والمصنف (7)لعبد الرزاق الصنعاني.


1) بداية المجتهد 47:1.

2) مجمع البيان 2 : 52.

3) مستدرك الوسائل 1 : 236 / 3.

4) آیات الاحکام 1: 37.

5) تفسير الطبري 5: 65.

6) الدر المنثور 2 : 550.

7) المصنف 134:1 / 506.

وربما أيدوا النقل الأول بما جاء أن عمر كان يرى بأن المراد به مس المرأة وهو من قريش. وعلى أي حال فإن حمل الآية على إرادة المعنى الحقيقي للمس يعارض ما ورد في رواياتنا أن المس المجرد لا ينقض الوضوء.

فتبين من ذلك أن من جملة مناشئ توهم وجود التعارض في النصوص هو عدم التمييز بين المراد الاستعمالي للكلام والمراد التفهيمي، خصوصاً فيما إذا اعتمد لتفهيم المراد على القرئن المنفصلة. ولربما تنشأ الغفلة عن المراد التفهيمي واختلاف فهم النص من تأثيرات الواقع الذي يعيشه الفرد وتصوراته ومشاعره الخاصة، فالمرأة عند البعض عنصر منحطّ حتى رووا أن الصلاة تبطل إذا مر الكلب الأسود أو المرأة بين يدي المصلي، كما ينقله المحلى لابن حزم (1)، وقد اعترضت عائشة عليهم لذلك لذلك لاجل التعرف على المعاني الحقيقية لفاظ النصوص والمراد الجدي يلزم التعرف على الاساليب والقواعد العامة والخاصة في الكلام والمتكلمين. وظروف النص. وامثالها. ويلزم على الفقيه الاحاطة بهذه الاساليب والمجالان العامة للعقلاء والخاصة للمعصومين كما تدل عليه الروايات واراء علمائنا وبحوثهم، حيث يتمكن الفقيه من خلالها الوصول للمعنى الحقيقي أو المراد الجدي من النص - فلا يحق مثلاً الاخذ الظاهر العام أو المطلق ما لم يبحث عن القرائن المنفصلة أو المتصلة وامثالها من الاساليب والاستعمالات.

وقد التفت العلماء الى هذه الجهة فقال الشيخ الأنصاري في رسائله : (إن عمدة الاختلاف إنما هي كثرة إرادة خلاف الظاهر في الأخبار، إما بقرائن متصلة خفيت


1) المحلى 11:4.

علينا من جهة تقطيع الأخبار، أو نقلها بالمعنى، أو منفصلة) (1). وهكذا السابقون منه كما مر نقل عبارتي المفيد والصدوق (رحمهما الله). فكلما ابتعدنا عن عصر - صدور النص، أو ضعفت معرفتنا بظروف عصر النص وأساليبه ازداد خفاء الأسلوب الذي كان يتحكم في بيان المطالب، فيكثر الالتباس علينا ويلزم علينا بذل الجهد اكثر في التعرف على المراد الجدي، ففي الوسائل ينقل حديثاً صحيحاً عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ان عمار الساباطي روى عنك رواية قال: وما هي؟ قلت: روى أن السنة فريضة، فقال: أين يذهب؟ أين يذهب؟ ليس هكذا حدثته، إنما قلت: من صلى فأقبل على صلاته لم يحدث نفسه فيها أو لم يسه فيها، أقبل اللّه عليه ما أقبل عليها، فربما رفع نصفها أو ربعها أو ثلثها، أو خمسها، وإنما أمرنا بالسنة ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة» (2). فنلاحظ أن عماراً قد استنبط من قوله ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة»، مع العلم بأن الصلوات ناقصة، والمفروض أن ذلك المقدار الفائت من المصلحة ملزمة، فاستظهر أن المكمل لابد أن يكون فريضة أيضاً، مع أن الجواب بلسانه لا يقتضي ذلك.

وقد يكون منه أيضا ما جاء في معتبرة عبد اللّه بن سنان قال: قلت له: عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ قال: «نعم» قلت يعني سفليه؟ قال: «ليس حيث تذهب إنما هو إذاعة سره» (3)، فالعورة في اللغة كل ما يكون عاراً للشخص. لذلك تصدق على إذاعة سره، وليس المراد منها هنا المعنى الصريح. فيلزم على الفقيه الاحاطة باستعمالات


1) الرسائل 2 : 810.

2) الكافي 3: 362 / 1، الوسائل 4 : 70 2، ب 17 من ابواب أعداد الفرائض.

3) التهذيب 1: 375 / 1153.

المجاز والكناية والاستعاذة، وامثالها، مما تحفل بها لغة العرب. واساليب القرآن الكريم و احاديث المعصومين (عليهم السلام). لذلك يلزم التعرف على القرائن المتصلة والمنفصلة ولذلك ذكر في الروايات ان الرجل لا يكون ففيها الا إذا احاط بامثال هذه الاساليب ولحن الكلام ومعاريضه كما سيأتي توضيح هذه الفكرة بالتفضيل وخاصة حين نبحث عن الجمع الاستنباطي بين الروايات المختلفة.

العامل الثالث: أن شمولية الشريعة الاسلامية وسعتها باعتبارها دين اللّه الخالد للبشرية كافة واشتمالها على الاحكام القانونية من جهة في مختلف المجالات، في العبادات والمعاملات بمختلف اقسامها، وكل قسم يشتمل على انواع متعددة، ومحدودية اللغة العربية من حيث المصطلحات القانونية والعلمية من جهة ثانية باعتبارها كانت آنذاك لغة مجتمع يعيش مستوى معينا من الحضارة، والوجود التشريعي، لذلك كانت فقيرة في الكثير من مجالات الأحكام القانونية، مع مرونتها وتعدد اساليب التعبير فيها حيث يمكنها التعبير عن المضمون الواحد تعبيران متعددة، او استيعاب التعبير عن المقاصد باساليب متعددة، كما سنشير لذلك ثم انتهاج الشريعة لأسلوب التدرج في بيان الأحكام، باعتباره ضرورة تفرضها الظروف النفسية والاجتماعية للمسلمين من جهة ثالثة دفعت الشريعة إلى اتباع أسلوب خاص في التعبير عن احكامها وتعاليمها تناسب مع الحاجة وشمولها وفقر اللغة ومحدوديتها؛ فإن اللغة العربية وإن كانت في مجال ما يمارسه الإنسان العربي آنذاك غنية كما تدل على ذلك ظاهرة الترادف فيها، ولكنها في مجال لغة القانون لم تكن بحيث تسدّ حاجة الشريعة الشاملة، مما دعا الشريعة الى استخدام مصطلح واحد في مداليل قانونية

مختلفة. فشكل ذلك عاملاً من العوامل الرئيسية لبروز ظاهرة توهم التعارض بين النصوص الشرعية.

فالأحكام الشرعية تكليفية ووضعية، والتكليفية أنواع فمنها الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة، والوجوب نفسي وعيني وتخييري وتعييني وكفائي وغيري، وكل نوع من سنخ خاص يختلف بالحقيقة عن بقية الأنواع. وليس في اللغة العربية مصطلحات قانونية تعبر عن كل نوع بحدّه، فضلا عن الأحكام الوضعية وشعبها الكثيرة؛ فمن الشرطية إلى المانعية والجزئية والسببية وإلى الملكية بأقسامها الكثيرة، فالملك قد يكون طلقاً وقد يكون غير طلق، والمملوك قد يكون عيناً شخصية وقد يكون كلياً، وهو قد يكون في الذمة وقد يكون في المعين، وقد يكون بنحو الكسر المشاع وقد يكون بنحو الشركة في المالية والمالك قد يكون شخصاً معيناً وقد يكون عنواناً كلياً أو جهة عامة أو خاصة. ثم الحقوق التي وضعت في اللغة للأمر الثابت فحسب هي في الحقيقة وجودات قانونية مختلفة فيما بينها بالسنخ، مثل حق الرهانة وحق الجناية وحق الغرماء وحق الاختصاص وغيرها من الحقوق التي هي حقائق مغايرة للملك.

وفي مرحلة جعل الأحكام قد يكون الجعل استقلالياً، وقد يكون بمتمم جعل تطبيقي، وجعل يفيد الجزئية والشرطية، وجعل يفيد الطريقية بمتمم الجعل.

وكذلك الأحكام الوضعية التي هي أقل حظاً من غيرها في اللغة العربية. فهذه أحكام النجاسات على كثرتها لانجد القرآن الكريم يستعمل كلمة النجس سوى في موضع واحد، ولم يعلم استعمالها في ما نصطلح عليه فعلا من المعنى، فانه قد يراد به الخبيث. وما ورد من الروايات في مورد النجس، فقد عبر عنه في الغالب باغسل ثوبك

أو غير ذلك. وكذلك الطهارة بمعناها المصطلح لم يكن بذلك الوضوح آنذاك مع كثرة ورود الطهارة والمطهرات في النصوص ؛ لذلك نرى أنه عبر عن المطهر باغسله بالماء، وإذا أريد تعلق حق الزكاة به عبّر عنه (بآت الزكاة) ويعبّر عن المانعية (بلا تصل فيما لا يؤكل لحمه)، وهكذا.

وهذا كله يؤدي إلى وقوع التشابه والاختلاف في النصوص، والفقه كما هو واضح يحتاج إلى مصطلحات محددة المفهوم، فالعقود والإيقاعات لا تتحقق عادة إلا بألفاظ صريحة أو ظاهرة فلا يقع الطلاق بالمجاز والكناية، وبما أن اللغة في هذه المجالات والألفاظ القانونية فقيرة؛ وخاصة في مجال الاحكام الوضعية، حيث لم يعبر عنها صريحاً، وذلك لأنه في المجتمعات غير المتحضرة كثيراً، تكون الاحكام التكليفية اكثر تعارفاً، لذلك تعبر عن الاحكام الوضعية فيها أيضاً بصيغة الحكم التكليفي (افعل، لا تفعل)، فيعبر عن (النجس) (لا تفعل) وعن المطهر (اغسله بالماء). وإذا اراد التعبير عن (الحق) يقول (آت الزكاة ادفع الخمس)، وقليلاً ما يعبر عن النجاسات بالنجس. لذا نلاحظ أن أكثر الأحكام والتعاليم التشريعية قد وردت بصيغة (افعل) و (لا تفعل)، دون أن تعبر بالمصطلحات القانونية، فعبّر عن بطلان المعاملة وحرمة الشيء وكراهته بـ (لا تفعل)، والشرطية والوجوب الاستقلالي عُبر عنها (با فعل). ففي مثل قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) (1)مع وضوح حرمة الطلاق البدعي، لكن العامة حملوا الأمر هنا على التكلفي؛ فحكموا بصحة الطلاق البدعي وإن كان حراماً، في حين أن الأمر بالحصة في المعاملات ارشاد الى بطلانها في غيرها.


1) الطلاق: 1.

وقد نبههم الأئمة الطاهرون على ذلك، ولكنهم أبو القبول منهم، وحكموا بصحة الطلاق في حال الحيض. وفي خصوص نجاسة الكافر، وردت نصوص تدل على طهارته، ونصوص تنهي عن التوضؤ بسؤره، ويحتمل أن تكون نصوص المنع أو النجاسة للكفار واردة في مقام منع المسلمين من مخالطتهم ومعاشرتهم تحفظاً على أصل (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) (1)دون أن تريد إثبات نجاستهم وإن فهم المشهور ذلك من كلمة (لا) والرسول (صلى اللّه عليه وآله) كان يلاحظ في تعبيراته في الغالب التوافق مع الاساليب المتعارفة وهؤلاء، لم يتحملوا استخدام المصطلحات غير المتعارفة عندهم، بعد ان عاشوا اجيالاً في الجاهلية، وكل لغة تناسب ظروف قومها واحتياجاتهم واهتماماتهم وبعد زمان النبي (صلى اللّه عليه وآله) منع حتى من نقل الفاظ الروايات فضلاً عن تفسيراتها والتحقيق عنها وعن مداليلها والفقه، كما هو واضح يحتاج لمصطلحات محددة، ففي العقود والايقاعات عادة ما تقع بلفظ صريح أو ظاهر، فلا تقع بالمجاز او الكناية، فنحتاج لمصطلحات محددة المفهوم، وهي مما لم يمكن التوصل إليه في تلك اللغة المحدودة في المجالات القانونية، لذلك عبر عن اکثرها بلسان الاحكام التكليفية لفقر تلك المجتمعات في المصطلحات القانونية، حيث كان اهتمامهم اكثر في المجالات العسكرية، لا المجالات الثقافية، حتى يجعلوا المصطلحات القانونية لاحكامها، ولذلك كان من الضروري، ان تفسر تلك التعبيرات بمدلولاتها ومصطلحاتها القانونية الحقيقية، ولم يحاولوا البحث عن ذلك، والائمة (عليهم السلام) نبهوهم كثيراً على ذلك، ولكنهم رفضوا كلامهم فلو كانت توجد مصطلحات قانونية، لارتفع الاختلاف والابهام في الكثير منها. وبعد صدر


1) فتح: 29.

الاسلام حاول فقهاء الشيعة والسنة وضع المصطلحات، وتقدموا في هذه المهمة، ولكن هذه المصطلحات تتغير وتتطور، كما سنذكره.

العامل الرابع: ومن العوامل الرئيسية لبروز حالة توهم وجود التعارض في النصوص الشرعية، تغير مداليل بعض الألفاظ الواردة فيها، حيث أنه ربما كان لها معان أخرى في عصر الأئمة (عليهم السلام) غيرها معانيها المصطلحة عند العلماء المتأخرين عنهم، فيظن بأن مراد الأئمة (عليهم السلام) من اللفظ مدلوله الثانوي المصطلح فيحدث تعارض بين النص المشتمل عليه، وغيره فمثلا لفظ (الكراهة)، حيث يتبادر منه الآن معنى يقابل سائر الأحكام التكليفية والحرمة، فقد ورد لفظ (كره) في أحاديث استعمال آنية الذهب والفضة، كما ورد النهي عنه في بعضها الاخر، فيتوهم البعض بأن المراد منها معناها المصطلح اليوم بما يقابل الحرمة لذلك يتوهم معارضتها مع مايدل على النهي؛ لذلك حملت روايات النهي على الكراهة المصطلحة جمعاً.

ولكن بتتبع موارد استعمالات كلمة (كره)، يظهر أن الكراهة لم تكن مستعملة آنذاك في معناها المصطلح اليوم، بل إنها في الاستعمالات القرآنية وغيرها كانت مستعملة في المبغوض، كما جاء في قوله تعالى في سورة الحجرات حيث جعل (كره) في مقابل (حبب) (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ

وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) (1)وقوله تعالى في سورة الاسراء : (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) (2). وجاء أيضاً في رواية سيف التمر: «ولم يكن يكره الحلال» (3).

فينبغي حمل لفظ كره على الحرمة مالم تقم قرينة على الخلاف، أما استعمالها فيما يقابل الحرمة فهو اصطلاح فقهي متأخر.

ومايتوهم من ورود استعماله في مقابل الحرام على لسان الأئمة (عليهم السلام)، كما جاء في معتبرة زرارة: «لم يحرم اللّه شيئا من الحيوان في القرآن إلا الخنزير بعينه، ويكره كل شيء من البحر له قشر مثل الورق وليس بحرام إنما مكروه» (4)، لا يدل على أن مفاد الكراهة سابقاً هو نفس المعنى المصطلح اليوم، فإن لفظ الحرام استعمل في الروايات في معنيين : أحدهما: الحرمة الاصطلاحية مثل قوله (عليه السلام): «حرم من الذبيحة عشرة أشياء» (5)، وقوله (عليه السلام) «الجري والمار ماهي والطافي حرام في كتاب علي (عليه السلام)» (6)ولم يحرم ذلك في القرآن الثاني: استعملت الحرمة فيما حرم القرآن الكريم خاصة، وهذا هو المراد من الحرام في معتبرة زرارة كما يشهد بذلك صحيحة محمد بن مسلم قال: «إنما الحرام ماحرم اللّه ورسوله في كتابه، ولكن قد كانوا يعافون أشياء ونحن نعافها» (7).


1) الحجرات: 7.

2) الاسراء: 38.

3) التهذيب 7: 96 / 412.

4) التهذيب 9: 5 / 15، الاستبصار 4: 59 / 207.

5) المحاسن: 471 / 464.

6) التهذيب 9: 5 / 12، الاستبصار 59:4 / 204.

7) التهذيب 9 : 6 / 16، الاستبصار 4 : 60 / 208.

فالحرام إذن. رم اللّه في كتابه، فإذا أورد لفظ الكراهه في مقابل الحرمة في الحديث، فإنما يقابل هذا المعنى الاخص اي ماورد في كتاب اللّه، لا مايقابل الحرمة الاصطلاحية اليوم. فلفظ الكراهة يجامع الحرمة الاصطلاحية إذن.

وقد يتساءل عن سر التعبير عن الحرام الاصطلاحي بالكراهة، فاذا كانت الكراهة بمعنى الوعيد على الترك والإلزام فلما ذاعبر الأئمة (عليهم السلام) بلفظ الكراهة دون الحرمة؟ والجواب يظهر مما جاء في مثل كتاب الام للشافعي من أنهم كانوا يعدون التعبير بالحرام والحلال - في غير ما جاء ذكرهما في القرآن - ناشئاً من عدم الورع أو قلته، وكان يعبّر بالكراهة عن غير ما جاء ذكره في القرآن الكريم فقد جاء في الكتاب المذكور (قال ابو يوسف: ما اعظم قول الأوزاعي في قوله : هذا حلال من اللّه ! أدركت مشايخنا للعلم يكرهون في الفتيا ان يقولوا هذا حلال، وهذا حرام، إلا ما كان في كتاب اللّه عز وجل: بلا تفسير). وبعد نقله كلام ربيع بين خيثم - ويعبر عنه بأنه أفضل التابعين - في منع ذلك يقول : (حدثنا بعض أصحابنا عن أبراهيم النخعي - وهو من كبار علماء الرأي، وتوفي سنة (95) وأستاذ أستاذ أبي حنيفة - أنه حدث عن أصحابه أنهم كانوا أذا أفتوا بشيء، أو نهوا قالوا هذا مكروه، وهذا لا بأس به، وأما أن نقول هذا حلال، وهذا حرام، فما أعظم هذا) (1). ومع أن كلام الشافعي في الرد على ردّ أبي يوسف على كتاب الاوزاعي، ولكنه قرر هذا ولم يرده.

وفي أعلام الموقعين لابن القيم، نقل مثل ذلك عن مالك فورد فيه: (سمعت مالكاً يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا اقتدى به يقول


1) الأم 7: 351.

في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، وما كانوا يتجرؤون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: (أكره كذا) و (نرى هذا حسناً) ثم يوضح ابن القيم أنه قد اشتبه أتباع الأئمة الأربعة حملهم المكروه على ما يقابل الحرمة الاصطلاحية (1).

ومنه يظهر الوجه في تعبير الأئمة (عليهم السلام) عن الحرام بالكراهة عما هو حرام في اصطلاحنا وخاصة فيما لو لم تذكر حرمته في القرآن الكريم وظهر أيضاً أن لفظ الحرام في كلماتهم لها مدلولها الخاص، وهو ما حُرّم في كتاب اللّه.

ومن هنا التزمنا - وفاقاً لبعض - بعدم كون الصلاة في أجزاء مالايؤكل لحمه فاسدة مطلقاً، بل هو مختص بالسباع فقط. والمراد من الحرام في رواية زرارة هو المعنى الاخص اي ماورد في كتاب اللّه كما اختاره السيّد الاصفهاني في حاشيته على العروة دون الوسيلة، واختاره شيخ الشريعة الأصفهاني أيضاً.

وكذلك كلمة (لا ينبغي) التي التزم المتأخرون بدلالتها على الكراهة فحسب، لكن مراجعة موارد استعمالها يقضي بأن المراد منها عدم كون العمل في محله تكوينا أو تشريعاً، فيستعمل في موارد الحرمة الشرعية والكراهة الشرعية والحزازة العرفية. وبهذا يرتفع التنافي المتوهم في روايات استعمال آنية الذهب والفضة، حيث جاء في بعضها بانه (لاينبغي)، مع ورود النهي عنه في بعضها الآخر، خلافاً لما توهمه بعضهم. وقد أوضح ذلك ابن القيم أيضاً في كتابه أعلام الموقعين.

وهناك شواهد كثيرة على التغيير في معاني الألفاظ بين معانيها العرفية في زمان صدور النص ومعانيها المصطلحة عند المتأخرين، ومنها ما ذكرناه في مباحث الظن والشك والعلم، من أنها لا يقصد بها في معانيها المنطقية المتداولة بل المراد من هذه


1) اعلام الموقعین 1: 39.

الألفاظ في الآيات والروايات، معان آخرى ذكرناها بالتفصيل في محله وهكذا كلمة (المال) فانه يستعمل تارة في خصوص النقد، واخرى في كل ما يكون له قيمة كما هو المتعارف عندنا، والمعنى الأول هو المقصود فيما جاء في روايات الزكاة في مال اليتيم، ولذا اختار بعض القدماء التفصيل فيه بين النقدين والأنعام والغلات، وغير ذلك من الألفاظ الواردة في الروايات التي تعرضت للتغيير.

فهذه أمور أربعة ترتبط ببعض العوامل التي تؤدي لتوهم وقوع التعارض بين الأحاديث، حيث يرجع فيها التعارض الى عدم التأمل وقلة الاطلاع على الأمور. او الاساليب العامة والخاصة في أقوال المعصومين كما ذكرنا ويلزم على الفقيه لاجل التعرف على معاني الالفاظ والمراد الجدي من النصوص الشرعية الاحاطة بما ذكرناه من اساليب وقواعد عامة للعقلاء، او خاصة بالمعصومين (عليهم السلام) ولسان الشارع المقدس. كما تدل على ضرورة التعرف هذه الروايات المعصومين (عليهم السلام) وبحوث علمائنا، فانها من شروط الفقاهة والفقيه يتمكن من البحث الموضوعي وتجنب التفسير بالرأي والسطحية في فهم النصوص الشرعية.

توضیح: ان لفظ العلم والظن والجهل عرض على معانيها الحقيقية التغير، فليست معانيها الاصلية هي المعاني الاصطلاحية المعروفة عندنا.

فنفسر العلم في مصطلحنا، بالاعتقاد الجازم او القطع، سواء كان مطابقاً للواقع ام لا، والظن: بالاعتقاد الراجح، وان الآيات الناهية عن العمل بالظن انها تدل على الغاء الاعتقاد الراجح، والجهل نفسره باللاعلم.

ولكن هذا المعنى المصطلح مستحدث عرضها بعد ترجمة المنطق والفلسفة، في القرآن والسنة، فلها معنى آخر، وقد اشار لهذه الفكرة، عباس محمود العقاد في كتابه

(بين الكتب والناس) والشيخ محمد رضا المظفر في كتابه اصول الفقه حين بحثه عن آية النبأ، حيث اكد على انه حين ترجمت الفلسفة للغة العربية، واحتاجوا لالفاظ معينة تعبر عن المعاني المستحدثة، لذلك فقد حدث تغير في تلك الالفاظ المستخدمة في التعبير عن المفاهيم الفلسفية، وصارت تعبر عن المعاني المستحدثة، ومنها الفاظ العلم والظن والجهل.

يقول الشيخ المظفر (الذي يبدو لي من تتبع استعمال كلمة الجهل ومشتقاتها في اصول اللغة العربية عن اعطاء الجهل معنى يقابل العلم بهذه التجربة الضيق معناه جاء مصطلحا جديداً عند المسلمين في عهدهم لنقل الفلسفة اليونانية إلى العربية الذي استدعى تحديد معان كثيرة من الفاظها، وكسبها اطاراً يناسب الافكار الفلسفية، والا فالجهل في أصل اللغة كان يعطي معنى يقابل الحكمة والتعقل والروية، فهو يؤدي معنى يغاير معنى السفة او الفعل السفهي عندما كان يكون عن غصب، وحماقة وعدم بصيرة..) (1).

وقال العقاد في كتابه (العلم يستعمل في معنيين: الأول: الظهور والانكشاف وزوال الخفاء، ومن ذلك اطلاقهم العلم على الجبل العالي والعلم على الراية المرفوعة، والعلم على الاسم الذي اشتهر به صاحبه الثاني: الهداية والبصيرة، فاذا قالوا ان فلانا يمشي على علم، فمعنى ذلك انه يهتدي في سيره، ولا يتخبط ولا يتعصب، فالعلم عندهم هو الهداية والسير على بصيرة، ونقيضه الجهل وهو التخبط في الظلام).

وما نذهب اليه، في هذا المجال: ان للعلم معنيين:


1) اصول الفقه 73/2.

المعنى الأول: وضوح الشيء، كما لو انكشف وتوضح الامر للانسان، وهو بهذا المعنى يتناسب مع المعنى المصطلح وهو الجزم.

المعنى الثاني: لمعنى الهداية والحكمة، وقيام العمل على اساس الرؤية والتثبت والتدبر، وملاحظة شؤون القضية وجوانبها.

واما الجهل، او الجهالة او العمل بالسفاهة وامثالها.

تارة تستعمل في مقابل العلم بالمعنى المشهور.

واخرى: يعني العمل الذي لم يفكر في جوانبه، ويسمى ايضاً بالظن. لان المنشأ لمعتقدات الانسان قد يكون بعض الحالات النفسية كالاماني والرغبات او الايحاءات العاطفية أو الاحساسية، وفي الاعتقاد وببعض الافراد الكبار او أقوالهم، والظن في القرآن يعني: تلك الاعتقادات او الافكار سواء كانت جازمة أو غير جازمة، والتي تنشأ من هذه المصادر، دون ان تعتمد على البرهان والدليل، أو حساب الاحتمالات وامثالها، وانها تعتمد على الاحاسيس والعواطف فحسب. فالعقائد التي لم يؤمن بها من باب العقل وانما تدخلت في تكوينها الرغبات والاهواء والاماني أو الايحاءات، فكل معتقد نشأ من مصدر احساسي، بحيث لا يذعن به العقل با هو عقل، فهو الظن، وان جزم به. لذلك نوى القرآن الكريم يصف اهل الجاهلية، ولا يعني بذلك، انهم لا يملكون الجزم بل نعنى ان منهجهم الفكري وطريقة التفكير عندهم غير صحيحة، والاسلام حينما بعث فقد صنع انقلاباً في طريقة التفكير، فان اهل الجاهلية كانوا يعتمدون الاوهام والخراقات وتقليد الآباء وغيرها من العوامل الحساسية، وربما حصل منها الجزم، حصول الوثوق منه من خلال بعض الطرق ومنها لذلك فالاخذ والعمل بخبر الثقة، دون حصول الوثوق من خلال بعض الطرق ومنها

محاولة نقد المتن وتقويمه، من مصاديق العمل بالظن المنهي عنه، فليس الظن المنهي يعني ما لم يبلغ درجة الجزم القطع.

وهذا هو الذي نفهمه من الايات التي تنهى عن الظن، ونذكر بعضها : (الكم الذكر وله الانثى تلك اذن قسمة ضيزى. ان هي الا اسماء سميتموها انتم واباؤكم ما انزل اللّه بها من سلطان على أي الدليل، فتلك العقيدة ليس عليها دليل وبرهان. ويعبر عنها بالظن (نْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وما تهوى الانفس)، وما يذكره البعض من الباحثين النفسيين ان بعض الشهوات النفسية قد تكون من مناشيء وعوامل وجود بعض المعتقدات، وهو صحيح بالنسبة للمعتقدات الباطلة، لا المعتقدات الحقة، فان الشهوات دعتهم إلى ان يصوروا الملائكة بصورة ما مثلاً، ولا دليل على هذا المعتقدات، فلا يتبعون الا الظن (أم للانسان ما تمنى) فان التمنيات احياناً تدفعهم إلى بعض المعتقدات (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى، وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) فليس هنا دليل وفطرة ومحاسبة دعت إلى هذا الاعتقاد (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا).

(وقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ)، انمثل هذهالمعتقدات اوجدتها ميولهم ورغباتهم وتمنياتهم، أو بعض العوامل العاطفية (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).

وفي سورة الانعام (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ).

ونستخلص من كل ذلك (ان كل اعتقاد ينشأ من دون تفكير ومقايسة ودليل وشاهد يعتبر ظنا)، سواء كان اعتقاداً جاز ما ام لا.

والبحث حول تغير الالفاظ والمعاني أو تطورها في اللغة طويل.

وعلماؤنا القائلون بعدم حجية الخبر الواحد، إنما الحجة الخبر المفيد للوثوق بالصدور اعتمدوا من جملة الأدلّة على قولهم بعدم حجية خبر الواحد، إذا لم يفد الوثوق بان العمل بالظن قبيح، مستدلين على ذلك بما ذكرناه من الآيات وغيرها، وانه لا بد من تقويم ونقد مضمون الخبر نقداً داخلياً، ولا بد من وجود الشاهد عليه من كتاب وسنة وغيرها من مناشىء الوثوق، ولا نعني من ذلك، ان يكون لنا جزم بصدور الخبر ومضمونه، بل المهم ان يخضع الخبر لمحاسبات موضوعية، كما في الكثير من الشواهد العقلائية. إذ قد يكون الشخص مريضاً ويتيقن ان مرضه كذا، ولكن اعتقاده هذا ظن، وان كان قطعياً وذلك لانه خضع في اعتقاده لايحاء ولتأثير بعض الافراد غير المتخصيصين، ولكن لو راجع طبيب احصائيا - فشخص مرضه، ولو على سبيل الظن او الوثوق. فلو التزم عمليا يقول هذا الطبيب، كان عمله بعلم، بينما مع انه لم يحصل له الجزم، بينما يكون جزمه السابق ظنياً.

اذن من هذه الايات التي نهت عن الظن، وامتثالها من الأدلّة، نتوصل، إلى ان الخبر الحجة، ما افاد الوثوق بالصدوق ولا يمكن الاعتماد على الظن بالمعنى الذي ذكرناه وانما يحصل الوثوق، من خلال طرق وقرائن وقد ذكرنا في بحث سابق القرائن والطرق الموجبة لحصول الوثوق بالخبر.

والملاحظ ان فقهاء الامامية إلى زمان العلامة كانوا يذهبون إلى ان الخبر الواحد ليس حجة، إذا لم يفد الوثوق بالصدور... قال الشيخ الانصاري في رسائله (المحكي عن السيّد والقاضي وابن زهرة والطوسي وابن ادريس قدس اللّه اسرارهم المنع وذهب إليه المفيد، حيث حكي عنه في المعارج انه قال: خبر واحد قاطع للعذر هو

الذي يفضي بالنظر إلى العلم، وربما يكون ذلك اجماعاً او شاهداً من عقل، بل في الوافية انه لم يجد القول بالحجية صريحاً ممن تقدم على العلامة وهو عجيب) (1)، اذن فقبل العلامة لم يقل أحد بحجية خبر الثقة الواحد صريحاً.

ومن الاقوال، كلام الشيخ المفيد نقله عنه المحقق في المعارج (المسألة السادسة. قال شيخنا المفيد ؛ خبر الواحد القاطع للعذر هو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالنظر فيه الى العلم، وربما يكون ذلك اجماعاً او شاهداً من عقلاو حاكماً من قياس)(2).

والملاحظ ان الجملة الاخيرة (او حاكما من قياس) حذفت في الرسائل للشيخ الانصاري، ويمكن ان يكون حذفه من بعض النساخ لعدم توجهه للمعنى الحقيقي للقياس هنا، ولكن ذكرنا، ان المراد منه تحديد مدى اعتبار الخبر من خلال مقايسته بالاصول الاسلامية الكلية، كما في بعض الروايات حول تقويم الخبر فقسه على كتاب الله) والظاهر ان هذه الجملة قد اغلقت حتى على المحقق فعلق عليها (فان عنى بالقياس البرهان فلا اشكال وان عنى القياس الفقهي فموضع النظر، لان الخبر بتقدير ان لا يكون حجة، فمع انضياف ذلك القياس الفقهي صار حجة، فاما لكونه خبراً فذلك تعرض لما يذهب إليه من طرح العمل بالخبر، وان كان بالقياس لزم منه اثبات حكم شرعي بالقياس الفقهي وهو باطل) (3).

والظاهر عدم توجهه إلى مراد الشيخ المفيد من القياس، وقد ذكرنا ان مراده مقايسة الخبر للاصول الكلية، تبعاً للروايات، لتكون هذه المقايسة شاهداً على


1) الرسائل ص 67.

2) المعارج ص 187.

3) معارج الاصول ص 187.

صدوره، ليثبت قوله (ان على كل حق حقيقة وعلى كل ثواب نورا)، وليس المراد المعنيين اللذين ذكر هما المحقق في اعتراضه.

وللشيخ المفيد كتاب التذكرة في علم الاصول، لم يصل الينا وانما وصل مختصره، الثاني ذكره تلميذه الكراجكي في كنز الفوائد، وذكرها ايضاً صاحب المستدرك.

و مفادها ان خبر الواحد ليس حجة (فمتى خلا خبر واحد من دلالة يقطع بها على صحة مخيره، فانه كما قدمنا ليس بحجة او لا يوجب علما ولا عملاً على كل وجه) (1).

ومثل هذه المقولة، ان خبر الواحد لا يوجب علما ولا عملاً شائعة عند القدماء، وقد ذكر السيّد البروجردي في بحثه (ان طريقة الاصحاب كانت مستمرة على ان يقولوا في مقام الاحتجاج مع الخصم الذي استدل بخبر الواحد، ان الخبر الواحدلا يوجب علما ولا عملاً فشيوخ الاصحاب من زمن الائمة (عليهم السلام) كانت طريقتهم مستمرة على ذلك، هذا الفضل بن شاذان العالم الشهير الذي كان من الطبقة السابعة، وقد ذكر هذه الكلمة في استدلالاته المنقولة عنه في الكافي وغيره، وقال بذلك ابن قبة والسيد والمفيد، بل الشيخ في التهذيب وتلامذته).

والشيخ الطوسي وهو اول من قال بحجية نوع من انواع الخبر الواحد قد نقل هذه المقولة الشائعة عند القدماء، ولكن حملها على اخبار المخالفين، وان اخبارهم لا تفيد علما ولا عملاً ولكنه مع ذلك نراه في بعض اقواله يستعمل هذه المقولة بالنسبة لاخبارنا ايضاً فيما لو اراد مناقشة خبر اورده، فيقول انه لا يوجب علماً ولا عملاً ففي التهذيب، حينما ينقل خبرا عن الكافي في مسألة العدد في شهر رمضان، يقول او هذا


1) كنز الفوائد 29/2 والمستدرك 769/1 حجرية.

الخبر ايضاً نظير ما تقدم في انه لا يصح الاحتجاج به لمثل ما قدمناه من انه خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً) (1)، مع انه من اخبارنا.

وفي التهذيبايضا بعد مناقشة الخبر يقول (وفيها انه لو سلم من جميع ما ذكرناه لكان خبراً واحداً لا يوجب علماً ولا عملاً، واخبار الاحاد لا يجوز الاعراض بها عن ظاهر القرآن والاخبار المتواترة التي ذكرناها) (2).

اذن فرأي جميع القدماء، ان الخبر الواحد لا يوجب علما وله عملاً، وقد نقلنا كلام الشيخ في الرسائل وانه قيل العلامة لم يصرح احد بحجية الخبر الواحد، ومرادهم من الخبر الواحد، هو الخبر الذي لم يقترن بشواهد توجب الوثوق بصدوره.

بل المحقق نفسه يذهب لهذا الرأي كما يلاحظ من بعض اقواله، ففي كتابه (نکت النهاية) وهو حاشية منه على نهاية الشيخ الطوسي في مسألة اللبن المستخرج من الميتة، نقل عن بعض القولبتحريمه، وعلق عليه (والروايات بما ذكره الشيخ منها الصحيح ومنها الضعيف، فالضعيف ليس بحجة، والسليم لا ينهض ان يكون حجة في نفسه، لانه لا ينتهي إلى افادة اليقين، فيكون العمل بذلك اطراحاً للمتيقن) (3): لان المتيقن ان الشيء المأخوذ من الميتة نجس.

وفي موضع آخر ينقل رواية ويعلق عليها (فالشيخ عول على هذه الرواية، وليست عندي في قوة ان يكون اصلاً) (4).


1) التهذيب 69/2.

2) التهذيب 66/2.

3) التهذيب 66/2.

4) التهذيب 66/2.

اذن فكان يبحث عن التقويم والنقد المضموني للروايات بل ان ابن قبة، كما ينقل الصدوق كلامه، يرى استحالة الحكم بحجية الظن عقلاً وهو مفاد الخبر الواحد.

الأمر الثاني: في بيان اسباب اختلاف الأحاديث الناشئة منهم (عليهم السلام)

إشارة:

ونبحث هنا عن الاختلاف الناشئ من الأئمة (عليهم السلام) : أنفسهم لا من جهة غيرهم، وهذه الأسباب هي:

و في هذا الامر ثلاثة بحوث: البحث الأول: حول اسباب الاختلاف الاحاديث الناشئة من الائمة (عليهم السلام) انفسهم، وفي الواقع نبحث فيه حول اسباب كتمانهم (عليهم السلام) في بعض المجالات للإحكام الواقعية.

البحث الثاني: حول انواع الكتمان وطرقه.

البحث الثالث : بيان التناسب بين اسباب الكتمان والاحكام الشرعية.

البحث الأول : حول اسباب الكتمان، او اسباب الاختلاف الناشئة من الائمة (عليهم السلام) انفسهم.

السبب الأول: المدارات مع السائل. قد يكون السائل من أهل الولاية ولكن نتيجة لبعض العوامل لا يكون بمستوى تحمل معرفة الحكم الواقعي، كما لو كان يعيش آراء المخالفين، أو كانت مرتكزاته محكومة بالتبليغ المضاد للحكم الواقع، أو لاشتهار الحكم المخالف بحيث يستغرب من الرأي الجديد، ونحو ذلك مما يستوجب عدم إمكان التصريح له بالحكم الواقعي ومواجهته به فربما أدى ذلك الى تشكيكه في معتقداته الحقة.

ولأجل هذه العوامل وأمثالها التي كان الأئمة (عليهم السلام) : يلاحظونها في مجال بيان الحكم الواقعي، ربما أعرضوا عن بيانهلبعض الافراد، بما يخالف الحكم المرتكز في ذهنه او المشهور، لان الانسان بطبيعته يتجاوب مع امثال هذا الحكم، ويستغرب من الحكم المخالف له، لذلك لا يصرحون مباشرة ببيانه لهم؛ نتيجة لترتب مفسدة عليه. ولكن ليست هذه الحالة مستمرة في الغالب بل انها تنتهي بعد فترة المداراة، وتغير الظروف، فيصرح له بالحكم الواقعي، لذلك ربما يتوهم مخالفته للحكم الذي طرح له خلال فترة المداراة. وقد وردت روايات كثيرة تدل على لزوم المداراة في مرحلة التبليغ كما في الكافي حيث نقل عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) قوله: «أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض» (1).

بل قد جاء في بعضها: أمر محدثي الشيعة عدم إلقاء المطالب الحقة على شخص قبل أن يختبروه، فيلقوا اليه بعضها، فإن تحمل ذلك ألقوا اليه البقية. وقد وردت في ذلك روايات متعددة في بصائر الدرجات مثل ما عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن حديثنا صعب مستصعب خشن مخشوشن، فانبذوا الى الناس نبذاً فمن عرف فزيدوه ومن أنكر فامسكوه» (2).

والتدرج في بيان المعلومات بحسب مستوى القبول وتحمل الآخرين ضرورة يلزم اتباعها لكل من يريد ترويج فكرة ما كيلا يُجابه أحساسيسهم ومشاعرهم، وبذلك ربما


1) الكافي 2 : 96 / 4.

2) بصائر الدرجات: 41 / 5.

كانت هناك بعض الاتجاهات الفكرية تسيطر على أذهانهم. فلو لم يستعمل المداراة معهم، بلألقى اليهم الحكم الواقعي مباشرة، فهذا يدفعهم لمواجهته.

وتشير بعض الروايات الى ما ذكرناه من عدم تحمل بعض رواتنا، وربما حتى بعض الأجلاء والكبار منهم لبعض معتقدات الأئمة (عليهم السلام): وخاصة في بدايات أمرهم بالامامة لذلك لا بد من طرح المبادىء الحقة لهم بتدرج، مثل الصحيحة المنقولة في الكافي عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجد، فقال: «ما أجد أحداً قال فيه برأيه إلا امير المؤمنين (عليه السلام) قلت: أصلحك اللّه، فما قال فيه أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ قال: «إذا كان غدا فالقني حتى أقرئكه في كتاب» قلت: اصلحك اللّه حدثني فإن حديثك أحب الي من أن تقرئنيه في كتاب - ولعل وجه كونه أحب اليه أنه كان كبقية الناس يستنكر أخذ العلم من الكتابة منذ منع عمر من كتابة الحديث وقراءة كتبه، وكانوا يعبرون عمن يفعل ذلك بالصحفي، وإنما كانوا يعتمدون على الحافظة فقط، وزرارة كان كذلك في بداية اتصاله بالأئمة (عليهم السلام): متأثراً بهذا الجو العام - فقال لي ثانية: «اسمع ما أقول لك، إذا كان غداً فالقني حتى اقرئكه في كتاب».

فأتيته من الغد بعد الظهر وكانت ساعتي التي اخلو به فيها بين الظهر والعصر وكنت أكره ان أسأله إلا خالياً خشية أن يفتني من أجل من يحضره بالتقية، فلما دخلت عليه أقبل على ابنه جعفر (عليه السلام) فقال له: «أقرئ زرارة صحيفة الفرائض» ثم قام لينام. فبقيت أنا وجعفر (عليه السلام) في البيت، فقام فأخرج الي صحيفة مثل فخذ البعير فقال: «لست أقرئكها حتى تجعل لي عليك اللّه ألا تحدث بما تقرأ فيها أحداً أبداً حتى آذن لك». ولم يقل حتى يأذن لك أبي، فقلت: أصلحك اللّه، ولم تضيق على

ولم يأمرك أبوك بذلك؟ فقال لي: ما أنت بناظر فيها إلا على ما قلت لك فقلت: فذلك لك.

وكنت رجلاً عالماً بالفرائض والوصايا، بصيراً بها، حاسباً لها، ألبث زماناً أطلب شيئاً يلقى عليَّ من الفرائض والوصايا لا اعلمه فلا أقدر عليه، فلما ألقى الي طرف الصحيفة اذا كتاب غليظ يعرف انه من كتب الأولين، فنظرت فيها فإذا فيها خلاف ما بأيدي الناس من الصلة والأمر بالمعروف الذي ليس فيه اختلاف، وإذا عامته كذلك، فقرأته حتى أتيت على آخره ثم ادرجتها ودفعتها اليه.

فلما أصبحت لقيت أبا جعفر (عليه السلام) فقال: «أقرأت صحيفة الفرائض» ؟ قلت: نعم. فقال: «كيف رأيت ما قرأت؟»

قال: قلت: باطل ليس بشيء، هو خلاف ما الناس عليه. قال: «فإن الذي رأيت والله يا زرارة هو الحق الذي رأيت إملاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وخط علي (عليه السلام) بيده. فأتاني الشيطان فوسوس في صدري، فقال لي قبل أن أنطق: «يا زرارة لا تشكن ودّ الشيطان والله أنك شككت وكيف لا ادري أنه إملاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وخط علي (عليه السلام) بيده وقد حدثني أبي عن جدي انامير المؤمنين (عليه السلام) حدثه ذلك؟

قال: قلت: لا كيف جعلني اللّه فداك؟ وندمت على ما فاتني من الكتاب، ولو كنت قرأته وأنا أعرفه لرجوت ألا يفوتني منه حرف» (1).


1) الكافي : 7 / 94.

وفي موثقة أبي بصير في الكافي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القنوت فقال: «فيما يجهر فيه بالقراءة» فقلت له: إني سألت أباك عن ذلك، فقال لي: «في الخمس كلها». فقال: «رحم اللّه أبي، إن أصحاب أبي أتوه فسألوه، فأخبرهم بالحق ثم أتوني شكاكاً فأفتيتهم بالتقية» (1).

ولعل أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) كانوا خاضعين لثقافة العصر وموجاته الفكرية أكثر في حين ان في زمان الإمام الباقر (عليه السلام) لم يكن كذلك من حيث الشدة، ولذلك كان الإمام الصادق (عليه السلام) يستعمل المداراة أكثر.

ومثلها في الوسائل حيث ورد عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «القنوت في كل الصلوات» قال محمد بن مسلم: فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: «ما من لا يشك فيه فما جهر فيه بالقراءة» (2). والتعبير - كما هو ملاحظ - فيه نحو من الكتمان.

و في الوسائل بسند معتبر عن عثمان بن زياد أنه دخل على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له رجل: إني سألت أباك عن الوضوء، فقال: «مرة مرة» فما تقول أنت؟ فقال: «إنك لن تسألني عن هذه المسألة إلا وأنت ترى أني أخالف أبي، فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً وخلل أصابعك» (3).

ومثلها رواية أبي بصير - وهي ضعيفة بعلي بن ابي حمزة - قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) متي أصلي ركعتي الفجر ؟ قال لي: «بعد طلوع الفجر» قلت له : إن أبا جعفر


1) الكافي 3: 339 / 3.

2) التهذيب 2 : 90 / 336، الوسائل 6 : 265 / 4 و 5.

3) مختصر بصائر الدرجات: 94.

أمرني أن أصليها قبل طلوع الفجر ؟ فقال: «يا أبا محمد إن الشيعة أتوا أبي مستر شدين فأفتاهم بمر الحق، وأتوني شكاكاً فأفتيتهم بالتقية» (1).

فيعلم من هذه الأخبار أن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) كانوا يسترون الواقع على السائل أحياناً، أو يظهرون خلافه؛ مداراة له لجهات نستعرض بعضها:

الجهة الأولى: التلمذة للمخالفين. فإن التلمذة تؤثر بصورة طبيعية في غرس أفكار الأستاذ ورسوخها في ذهن التلميذ، وتشتد الحالة فيما إذا كان التلميذ شاباً او صغيراً ؛ فإنه يكون سريع التأثر بأستاذه وبالايحاءات والتلقينات التي تملى عليه، فلا يكون من الجهة النفسية على استعداد لسماع ما يخالف تلك الأفكار أو المرتكزاتوكان بعض اصحاب الائمة (عليهم السلام) ومن الشيعة، ولكنهم تتلمذوا عند بعض علماء السنة، لذلك ربما تغرس احكام العامة ومبانيهم في اذهانهم، بحيث يستغربون في البداية من سماع ما يخالفها، وربما لا يتقبلونها. ينقل الكشي أن العياشي نقل عن علي بن الحسن بن فضال أنه قال: (وكان الحكم من فقهاء العامة، وكان أستاذ زرارة وحمران والطيار قبل أن يروا هذا الأمر) (2)وربما كانت اراء الحكم بن عيينة مغروسة في اذهانهم، لذلك حين اطلع زرارة على صحيفة الفرائض في الرواية السابقة، استغرب، لمخالفتها لما في أيدي الناس، وهذه الحالة تفرض كتمان بعض الاحكام والاراء الحقة في البداية حتى يصبح مستعداً فيلقيها إليه.


1) التهذيب 2: 135 / 526، الاستبصار 1: 285 / 1043.

2) رحال الكشه : 210 / 370.

ومنه يظهر السر في تأكيد الأئمة (عليهم السلام) على ضرورة تعليم الصبيان أحاديث أهل البيت : قبل الاطلاع على غيرها، فإن الصبي إذا استأنس بأحاديث أهل البيت، وتركزت أفكارهم ومعتقداتهم في ذهنه فإنه لا يتأثر بعده بأفكار المذاهب والتيارات والمبادىء الاخرى، وستصونه مرتكزاته عن الانحراف. أما لو تركزت في ذهنه الأفكار المخالفة، فربما يصعب مواجهتها وإزالتها، كما يلاحظ أمثال هذا التأكيد في رويات أحكام الأولاد كما في الوسائل (1).

وهذا أمر طبيعي، فقد ذكر في الكتب التي تبحث عن تاريخ الأندلس أن النصارى حينما سيطروا على الأندلس، أخذوا على المسلمين أن يكون التعليم بيدهم، والمعلمون من النصارى. فكان استيلاؤهم على التعليم والتدريس من العوامل الرئيسية لانقراض المسلمين في اسبانيا وتنصرها كما نراه اليوم. ولعل هذه هي حالة بعض الطلاب المسلمين أو غيرهم الذين يذهبون للغرب دون أن يتعرفوا على الإسلام قبل ذهابهم؛ فإنهم يختلفون في مستوى الإيمان والحصانة العقائدية مع من يتعرف على الإسلام والمعتقدات الحقة قبل ذهابه.

نعم هكذا كان زرارة في بدايات أمره، ولكنه بعد ذلك وكما ينقل الكشي عن هشام بن سالم عن زرارة أنه قال: (أسمع بالحرف من جعفر بن محمد(عليه السلام) من الفتيا فأزداد به إيماناً) (2). وذلك بعد تركز الدعائم العقائدية والأسس الفكرية لمبادئ أهل البيت : في أعماقهفانه سوف يزداد ايماناً وولاءاً وتعلقاً بهم اكثر، كلما سمع احاديثهم والجديد من تعاليمهم ومعتقداتهم، كما تدل على ذلك الكثير من الشواهد


1) الوسائل 21 : 476 / ب 84 من أبواب أحكام الأولاد.

2) رجال الكشي: 133 / 209.

والنصوص، وربما لم يتمكن البعض من كتمانها عن الآخرين إلا بتوصية الامام (عليه السلام) واذنه في نشرها في بعض الظروف

لكن ليس الجميع بمثل هذا الاستعداد ؛ لذلك لا يمكن إلقاء المعتقدات بصورة دفعية عليه، بل لابد من التدرج الى أن يصبح مستعداً لتلقي الأفكار والمعتقدات.

هذا بالإضافة الى أن جملة من رواتنا كانوا في بداية الأمر من العامة أنفسهم، ثم شملتهم الهداية واهتدوا الى الصواب، كما في عبد الرحمن بن الحجاج ومنصور بن حازم وعبد اللّه بن المغيرة، وغيرهم. أضف لذلك فإن أكثر الرواة كانوا معاشرين للعامة، يعيشون عاداتهم وأفكارهم وثقافتهم، وتأثير المعاشرة في المرتكزات لا يقل عن تأثير التلمذة كما هو واضح، بل قد يتأثر الشيعي الضعيف بأفكارهم إذا قربت لذهنه بأسلوب فني. ولذا ينقل العلامة السيّد شرف الدين في مراجعاته جملة من رواتنا ممن ينقل عن العامة أيضاً كما ينقل عنا، وقد احتج العامة بهم في صحاحهم (1).

وليس ذلك إلا لأن الشيعة كانوا يعيشون مع غيرهم، يختلطون بهم، ويتبادلون معهم العلاقات ولم يكن لهم محيط ثقافي وعلمي يختص بهم، فربما تراهم يستثقلون بعض الأحكام التي امتازت بها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) : من غيرها، كما يري جامع الأحاديث في كتاب الصلاة نقلاً عن الذكرى أن زرارة نقل في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله): إذا دخل وقت الصلاة المكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة» قال: فقدمت الكوفة فأخبرت الحكم بن عتيبة وأصحابه، فقبلوا ذلك مني. فلما كان من قابل لقيت أبا


1) المراجعات: 41.

جعفر (عليه السلام) فحدثني أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) عرس في بعض أسفاره فقال: «من يكلؤنا؟ فقال بلال أنا. فنام بلال وناموا حتى طلعت الشمس فقال يا بلال : ما أرقدك ؟ فقال : يا رسول اللّه أخذ نفسي الذي أخذ بأنفاسكم. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله): قوموا فتحولوا عن مقامكم الذي أصابكم فيه الغفلة، فقال: يا بلال أذن فأذن، فصلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ركعتي الفجر وأمر الصحابة فصلوا ركعتي الفجر، ثم قام فصلى بهم الصبح ثم قال: من نسي شيئاً من الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن اللّه عز وجل يقول: (وأقم الصلاة لذكري).

قال زرارة: فحملت الحديث الى الحكم وأصحابه، فقالوا: نقضت حديثك الأول. فقدمت على أبي جعفر (عليه السلام) بما قال القوم، فقال: «يا زرارة ألا أخبرتهم انه قد فات الوقتان جميعاً، وأن ذلك كان قضاء من رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)؟ (1).

ومثل ذلك ما في الوسائل عن بريد بن معاوية العجلي - وهو من أكابر أصحابنا، وقال علماء الرجال فيه : إنه (من وجوه أصحابنا، فقيه، وله مكانته عند الأئمة (عليهم السلام) (2)قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرطبة تباع قطعتين أو ثلاث قطعات، فقال: «لا بأس». قال: وأكثرت السؤال عن أشباه هذا فجعل يقول: «لا بأس به». فقلت : اصلحك اللّه - استحياء من كثرة ما سألته وقوله : لا بأس به - إن من يلينا يفسدون هذا كله فقال: «أظنهم سمعوا حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) في النخل». ثم حال بيني وبينه رجل فسکت فأمرت محمد بن مسلم أن يسأل أبا جعفر


1) ذكرى الشيعة 2: 422 جامع أحاديث الشيعة 4 : 335 / 6079.

2) رجال النجاشي: 112 / 287.

عن قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) في النخل فقال أبو جعفر (عليه السلام): خرج رسول اللّه فسمع ضوضاء، فقال: ما هذا؟ فقيل: تبايع الناس بالنخل» (1). فنری حتى مثل بريد العجلي يستغرب من حكم الإمام (عليه السلام) بالصحة مع أن علماء العامة يفتون بالفساد.

وينقل المعجم عن الكشي والكافي في منصور بن حازم الذي كان عامياً في أول أمره أنه بعد أن ذكر معتقداته للإمام الصادق (عليه السلام) قال الامام: «ثم قال: سلني ما شئت، فلا أنكرك بعد اليوم أبداً» (2).

الجهة الثانية: أن بعض رواتنا كان لهم وثوق ببعض رواة العامة في الجملة ولا يتهمونهم بالكذب، ولذا لم يكن من السهل مواجهة هؤلاء بالحكم الواقعي الذي يخالف ما عليه العامة. وقد مر ما يدل على ذلك، ويدل عليه أيضاً صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) لا يتهمون بالكذب ثم يجيء منكم خلافه؟» قال: «إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» (3). ومنها وقد ذكرنا الرواية سابقاً عن منصور بن حازم قال: قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) صدقوا على محمد (صلى اللّه عليه وآله) أم كذبوا؟ قال: «بل صدقوا» قال: قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: «أما تعلم ان الرجل كان يأتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) فيسأله المسألة


1) الكافي 5 : 174 / 1، الوسائل 18 : 209 / 1، ب 1 من ابواب بيع الثمار.

2) رجال الكشي: 421 / 795، الكافي 1 : 145 / 15، معجم رجال الحديث 19: 373 - 375 / 12701.

3) الكافي 1 : 52 / 2.

فيجيبه بالجواب، ثم يجيئه بعد ذلك ناسخ ذلك الجواب؟ فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً» (1). فهم لم يدركوا الحقيقة، وإن أولئك الأفراد وإن لم يتهموا بالكذب، لكن ذلك لا يستلزم أن يكون كلامهم حقاً، ويلزم الأخذ به، فيوضح الإمام (عليه السلام) لهم الأمر، وأن الحديث ينسخ بعضه بعضاً. وفيه إشارة الى أن العامة قد غفلوا عن التدرج في بيان الأحكام في الروايات، وإلى ان سياسة المنع من تدوين الحديث وتحديدهم عملية نقل الحديث فضلاً عن عدم معرفته وضبط زمانه وخصوصياته، فأيهما المقدم وأيهما المؤخر سببت عدم معرفة الناسخ من المنسوخ، واختلال المراحل الزمنية التي صدرت فيه الاحاديث عندهمو معرفة ذلك كله، وغيره، له تأثيره في فهم الآيات والروايات الشريفة، وكل ذلك يستوجب عدم الوثوق باحاديث العامة ومنقولاتهم، ولكن بعض الشيعة كانوا غافلين عن واقع هذه العوامل والظروف التي تحيط باحاديث العامة، لذلك يثقون كثيراً برواياتهم ورواتهمبدون تمحيص، كما هو اليوم حيث هناك من يثق بها كثيراً ممن هو غافل عن الاحاطة بتلك الظروف والعوامل التي تحيط باحاديث العامة، فالأئمة (عليهم السلام) : كانوا يدارون مثال هؤلاء فيذكرون الحكم تقية حتى ينكشف لهم الواقع تدريجاً، ويطلعوا على الواقع التاريخي للإسلام.

الجهة الثالثة: كان هناك جماعة ينسبون أنفسهم الى الشيعة، يغالون بالأئمة (عليهم السلام) الى درجة تتجاوز الحدود المعقولة أحياناً، فينسبون لهم الألوهية والنبوة. وقد عقد في الوافي باباً بعنوان أن الأئمة ليسوا بأنبياء (2)، وهذا يشير الى وجود من يعتقد أنهم أنبياء، وهؤلاء وإن تظاهروا بالإسلام، لكن كانت له أهداف سياسية أو فكرية


1) الكافي 1 : 52 / 3.

2) الوافي 3: 621.

نذكرها عند التعرض لتأثير الملل والنحل الشائعة في ذلك العصر في بروز الاختلاف بين الأحاديثو قد تبرأ الأئمة (عليهم السلام) في بعض احاديثهممنهم، فإذا كان الأئمة (عليهم السلام) يذكرون الأحكام المخالفة لما اشتهر بين المسلمين وخصوصاً لمثل هؤلاء الأفراد ولمن خضع لتأثير معتقداتهم، لكان يتخذه الغلاة كشاهد على فكرة الغلو، فالمسلمون ينقلون رأياً عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) وهم : ينقلون عنه رأيا مخالفاً، فهذا مما يمكن ان يكون مبرراً على أنهم انبياء أو أنهم جاؤوا بدين جديد. وقد ورد في بعض الأحاديث أن الإتمام في الأماكن الأربعة من مخزون علم اللّه (1)، وإنما لم يذكروه لعدم كون الكثير من الأذهان آنذاك بالمستوى المطلوب حتى يذكروا لأصحابها خصوصية هذه المواضع الأربعة وعلى الخصوص الحائر الحسيني ومسجد الكوفة. لان الاذعان بها يثني على التعرف والاعتقاد ببعض المعتقدات والاسس الفكرية للأئمة (عليهم السلام).

وربما افتى بعض أصحابنا آنذاك بالقصر فيها، فلم يكن البعض ممن يتحمل خصوصية هذه الأماكن، وخاصة الحائر الحسيني ومسجد الكوفة؛ ليكون لها حكم مغاير لسائر الأماكن (2)ومسألة القصر - والتمام كانت من المسائل الحساسة، وربما اكتسبت طابعاً سياسياً أو طائفياً، فعثمان وعائشة ذهبا للقول بالتمام في السفر، مع ان عائشة نفسها روت احاديث تدل على القصر استند لها الكوفيون، ولكن بعد ان قال عثمان بالتمام. وصارت إلى جانبه، قالت به، اذن فهناك بعض الاحكام اكتسبت طابعاً


1) التهذيب 5 : 430 / 1494، الاستبصار 2: 334 / 1191.

2) كالصدوق في الفقيه 1 : 283.

سياسياً وربما تغيرت اراء البعض حسب اتجاتهم وانتماءاتهم السياسية وتغيرها، اذن فبعض الاحكام والاراء التي تعتمد على بعض الاسس التي ربما لم يتعرف أو يؤمن بها البعض، وهذه الاراء يمكن ان يتخذها الغلاة شاهداً على غلوهم، فدفعا لمفسدة اهم اضطر الائمة (عليهم السلام) إلى كتمان امثال هذه الاحكام المبتنية على هذه الاسس.

الجهة الرابعة : هناك جماعة من الشيعة مخالفة تماما للطائفة السابقة حيث لم يعرفوا الأئمة (عليهم السلام) بالمستوى المطلوب وبالمقامات والخصائص المختصة بهم، بل كانوا يرون بأنهم : كسائر الفقهاء، ومجرد علماء بالكتاب والسنة، دون أن يؤمنوا بأن لهم مقام الولاية. فإذا سمعوا من الأئمة (عليهم السلام) حكماً ورأياً مخالفاً لما هو المشهور بين المسلمين تصوروا أن الأئمة (عليهم السلام) قالوا في ذلك بالقياس والرأي كما سبق نقله عن شرح عقائد الصدوق (1). وفي المستدرك: (وقد وجدنا جماعة ورد الينا منهم يقصرون تقصيراً ظاهراً في الدين، وينزلون الأئمة (عليهم السلام) من مراتبهم، ويزعمون أنهم كانوا لا يعرفون كثيراً من الأحكام الدينية حتى ينكت في قلوبهم، ويقولون : إنهم يلتجئون في حكم الشريعة الى الرأي والظنون) (2).

كل هذه الجهات تدل على أن الأئمة (عليهم السلام): كانوا يعيشون ظروفاً متضاربة ومعقدة ؛ نتيجة عوامل ثقافية واجتماعية وسياسية، وواجهوا أفراداً وجماعات بميول مختلفة واتجاهات متباينة وكلهم من الشيعة، مما كان يضطرهم الى کتمان بعض الأحكام وبيانها بالتدريج مداراة لهم، ثم وبعد أن يتوفر الظرف المناسب يبين (عليه السلام) الاحكام الواقعية.


1) شرح عقائد الصدوق: 135.

2) مستدرك الوسائل 23: 235.

السبب الثاني للكتمان: القاء الاختلاف بين الشيعة وهو من أسباب ذكر الأحاديث المختلفة من قبل الأئمة (عليهم السلام) وسيأتي ان مورده الاحكام الموسعة، لان كل سبب من اسباب الكتمان يتناسب مع بعض الاحكام أو كلها، لكن لماذا كانوا يحاولون إلقاء ذلك؟ إن وجود الرقابة الشديدة على الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم في تلك الفترة كانت تفرض وجود بعض الاختلافات الشكلية والصورية في الأحكام فيما بينهم فإن اتفاق كلمتهم على الحكم سيكشفهم للسلطة ويكشف انتسابهم للإمام (عليه السلام)، وسيعرضهم لمخاطر كان ممن الممكن تفاديها بإلقاء الاختلاف بينهم في الأحكام التي لم تكن بتلك الدرجة من الأهمية، كما في الموسعات والمستحباتمع الاتفاق في الاحكام المهمة. ولا يراعى في هذه الجهة مخالفتهم مع العامة أو موافقتهم لهمفي تلك الأحكام، ومع وجود هذا الاختلاف لا يكشف المتربصون بالشيعة عن افرادهم أو ارتباطهم بالائمة (عليهم السلام). وتدل على ذلك روايات كثيرة، منها موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن مسألة، فأجابني، ثم جاء رجل فسأله عنه فأجابه بخلاف ما أجابني ثم جاء آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي. فلما خرج الرجلان قلت یا بن رسول اللّه رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما اجبت به صاحبه؟ فقال: «یا زرارة إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم ولو اجتمعتم على أمر واحد لقصدكم الناس، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم» قال : ثم قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) شيعتكم لو

حملتموهم على الأسنة وعلى النار لمضوا وهو يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فسكت، فأعدت عليه ثلاث مرات فأجابني بمثل جواب أبيه (1).

ومنها ما في مقدمة الحدائق نقلاً عن الاحتجاج عن حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنه ليس شيء أشد عليّ من اختلاف أصحابنا. قال: «ذلك من قبلي» (2).

ومنها ما في مقدمة الحدائق أيضاً نقلاً عن معاني الأخبار، ولكنه اشتباه كما نبه عليه المجلسي بل عن العلل عن أبي أيوب الخزاز عمن حدثه عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «اختلاف أصحابي لكم رحمة» وقال: «إذا كان ذلك جمعتكم الى أمر واحد وسئل عن اختلاف أصحابنا فقال: «أنا فعلت ذلك، ولو جمعتكم على أمر واحد لأخذ برقابكم» (3). ومراده: إذا كان ذلك - اي لو كان الأمر أو الحكم بيدنا لارتفعت الاختلافات الشكلية.

وهذه الروايات مؤيدة للمطلب فانها مرسلة لا يصلح الاستدلال بها.

ولكن العمدة في أحاديث الباب ما رواه الكشي بسندين صحيحين كما في المعجم عن عبيد بن زرارة - وهو ثقة - في نفسه قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «اقرأ مني على والدك السلام، وقل له: إني إنما أعيبك دفاعاً مني عليك ؛ فإن الناس والعدو يسارعون الى كل من قربناه وحمدناه مكانه لإدخال الأذى فيمن نحبه ونقربه، ويذمونه لمحبتنا له وقربه ودنوه منا، ويرون إدخال الأذى عليه، ويحمدون من عبناه نحن. فإنما


1) الكافي 1 : 53 / 5، الوافي 1 : 282 / 222.

2) علل الشرائع : 395 / 14، الحدائق 1: 7.

3) علل الشرائع: 395 / 15.

أعيبك ؛ لأنك رجل اشتهرت بنا وبميلك الينا وأنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الأثر بمودتك لنا ولميلك الينا، فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك، ويكون بذلك منا دافع شرهم عنك، يقول اللّه عز وجل: (أما السفينة فكانت المساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً) (1)الى أن يقول: «فافهم المسألة - يرحمك اللّه - فإنك والله أحب الناس الي وأحب أصحاب أبي حياً وميتاً ؛ فإنك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر، وإن من ورائك ملكاً ظلوماً غصوباً يرغب عبور كل سفينة صالحة، ولقد أنبأك الحسن والحسين رسالتك - أحاطهما اللّه وكلاهما وحفظهما بصلاح أبيهما كما حفظ الغلامين - فلا يضيقن صدرك من الذي أمرك أبي وأمرتك به، وأتاك أبو بصير بخلاف الذي أمرناك به فلا والله ما أمرناك ولا امرناه إلا بامر وسعنا ووسعكم الاخذ به... ولكل ذلك عندنا تصاريف و معان توافق الحق. ولو اذن لنا لعلمتم أن الحق في الذي أمرناكم ؛ فردوا الينا الأمر، وسلموا لنا، واصبروا لأحكامنا، وارضوا بها، والذي فرق بينكم فهو راعيكم الذي استرعاه اللّه خلقه، وهو أعرف بمصلحة غنمه في فساد أمرها ؛ فإن شاء فرق بينها لتسلم ثم يجمع بينها ليأمن فسادها وخوف عدوها في آثار ما يأذن اللّه ويأتيها بالأمن من مأمنه والفرج من عدوه».

الى أن يقول: «وعليك بصلاة الستة والأربعين عليك بالحج أن تهل بالإفراد وتنوي الفسخ إذا قدمت مكة وطفت وسعيت فسخت ما هللت به وقلبت الحج عمرة أحللت الى يوم التروية، ثم استأنف الإهلال بالحج مفرداً الى منى فتشهد المنافع


1) الكهف: 79.

بعرفات والمزدلفة، وكذلك حج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وهكذا أمر أصحابه أن يفعلوا: أن يفسخوا ما أهلوا به ويقلبوا الحج عمرة. وإنما قام رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) على إحرامه ليسوق الذي ساق معه.

فهذا الذي أمرناك به حج التمتع، فالزم ذلك ولا يضيقن صدرك والذي اتاك به أبو بصير من صلاة إحدى وخمسين والإهلال بالتمتع بالعمرة الى الحج وما أمرنا به من أن تهل بالتمتع فذلك عندنا معان وتصاريف لذلك ما يسعنا ويسعكم ولا يخالف شيء منه الحق ولا يضاده والحمد للّه رب العالمين» (1).

نلاحظ أن الإمام أمر زرارة بغير ما أمر به أبا بصير ؛ فإن مجموع النوافل على ما أمر به زرارة يكون تسعاً وعشرين ركعة، وعلى ما أمر به أبا بصير تكون أربعاً وثلاثين ركعة. والظاهر أن متأخري الأئمة (عليهم السلام) قد أبقوا هذه الحالة كما يشهد بذلك ماجاء في الوسائل عن يحيى بن حبيب - حيث رأوا المصلحة في الابقاء على هذه الاختلافات الشكلية ولم يرفعوها، لان الشرط وهو حصول الامر بيدهم لم يتحقق، ولكن الإشكال في الرواي؛ فإنه لم يوثقه سوى ابن شهر اشوب (2)- قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب العباد الى اللّه عز وجل من الصلاة، قال: «ست وأربعون ركعة فرائضه ونوافله» قلت: هذه رواية زرارة. قال: «وترى أحدا أصدع بالحق منه» (3).

فهنا نلاحظ أن الإمام (عليه السلام) يؤكد رواية زرارة.


1) رجال الكشي: 138 / 221، معجم رجال الحديث : 233/ 14.

2) مناقب آل أبي طالب 4 : 412، وفيه الزيات.

3) التهذيب 2 : 6 / 10، الوسائل 4 : 60 / 5، ب 14 من أبواب اعداد الفرائض.

وفي رواية البزنطي أنه قال الرضا (عليه السلام): إن أصحابنا يختلفون في صلاة التطوع، بعضهم يصلي أربعاً وأربعين، وبعضهم يصلي خمسين فأخبرني بالذي تعمل به أنت كيف هو حتى أعمل بمثله؟ قال: «اصلي واحدة وخمسين» (1)وهو لا علاقة له بالتقية او بفتاوى العامة ؛ فإن أقوالهم تخالف كلا القولين، فابن حنبل يراها عشر ركعات ما عدا صلاة الليل، والشافعي في أحد قوليه ثماني ركعات، وابو حنيفة يقول بأكثر من ذلك (2).

اما مسألة الحج، فإن الواجب على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام هو حج التمتع. وبالنسبة لكيفيته فقد ألقى الائمة (عليهم السلام) الاختلاف بين الشيعة، فأمروا زرارة بأن يلبي بالحج، وأمروا أبا بصير بأن يلبي بالعمرة، ففي الوسائل في صحيحة إسماعيل الجعفي قال: خرجت أنا وميسر - وأناس من أصحابنا فقال لنا زرارة لبوا بالحج. فدخلنا على أبي جعفر (عليه السلام) وقلنا له: أصلحك اللّه، إنا نريد الحج، ونحن قوم صرورة، او كلنا صرورة، فكيف نصنع؟ قال: «لبوا بالعمرة». فلما خرجنا، قدم عبد الملك بن أعين فقلت له: ألا تعجب من زرارة قال لنا: لبوا بالحج، وأن أبا جعفر (عليه السلام) قال لنا: لبوا بالعمرة؟ فدخل عليه عبد الملك بن أعين فقال له: إن أناساً من مواليك أمرهم زرارة أن يلبوا بالحج عنك، وأنهم دخلوا عليك فأمرتهم أن يلبوا بالعمرة؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): «يريد كل إنسان أن


1) الكافي 444:3 / 8.

2) المغنى 1 : 798، الإنصاف 2 : 176.

يسمع على حده، أعدهم علي» فدخلنا، فقال: «لبوا بالحج ؛ فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) لبي بالحج» (1).

وفي الوسائل أيضاً عن عبد الملك بن أعين قال: حج جماعة من إخواننا، فلما قدموا المدينة دخلوا على أبي جعفر (عليه السلام) فقالوا: إن زرارة أمرنا أن نهل بالحج إذا أحرمنا، فقال لهم: «تمتعوا». فلما خرجوا من عنده دخلت عليه فقلت: جعلت فداك، لئن لم تخبرهم بما أخبرت به زرارة لنأتين الكوفة ولنصبحن بها كذاباً. فقال: «ردهم على».

فدخلوا عليه فقال: «صدق والله زرارة أما والله لا يسمع هذا بعد هذا اليوم أحد مني» (2).

والاختلاف إنما هو بين أمرين يصح العمل بهما معاً، فالعمرة داخلة في الحج ؛ فسواء لبي بالعمرة، أو لبى بالحج، فحجه صحيح.

وأما بالنسبة لحج التمتع، فلا خلاف بين المسلمين في صحته، وإنما خالف فيه عمر لأغراض سياسية ولم يتفق العامة على اتباع رايه، وانما اختلفوا في أن من أهل بح-ج الإفراد هل يجوز له الفسخ والتبديل بعمرة التمتع أم لا؟ ومن المسلم فيه أن النبي (صلى اللّه عليه وآله) أمر الصحابة بذلك لكنه استثنى نفسه من ذلك ؛ لأنه كان قد ساق هديه فلم يمكنه العدول. ولكن العامة خصوا الصحابة بهذا الأمر وجعلوه من مختصاتهم فلا يجوز لغيرهم، ففي بداية المجتهد لابن رشد: (ذهب ابن عباس الى جواز


1) التهذيب 5 : 87 / 290، الاستبصار 2: 173 / 572 الوسائل 12: 349 / 3، ب 21 من أبواب الإحرام.

2) الكافي 4 : 294 / 18، الوسائل 11: 244 / 19، ب 3 من أبواب أقسام الحج.

ذلك، وبه قال أحمد وداود، ولكن الجمهور رأوا ذلك من باب الخصوصية لأصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)) (1).

وفي رواياتنا ورد ما يدل على عدم اختصاص جواز التبديل بالصحابة.

وقد تنبه صاحب الحدائق الى تأثير هذا العامل في اختلاف الأحاديث وأنه قد يكون السبب في اختلاف الأحاديث هو إلقاء الخلاف بين الشيعة. وقد تعرض لذلك في مقدمة الحدائق (2)والدرر النجفية، ولكن لم يتقبل ذلك بعض معاصريه كالمحقق البهبهاني في الفائدة الثانية من الفوائد الحائرية الجديدة (3)، وتبعه على ذلك الشيخ الأنصاري، فإنه بعد نقله لكلام الحدائق في الموضوع يقول: (وهذا الكلام ضعيف ؛ لأن الغالب اندفاع الخوف بإظهار الموافقة مع الأعداء، وأما الاندفاع بمجرد رؤية الشيعة مختلفين مع اتفاقهم على مخالفتهم فهو وإن أمكن حصوله أحياناً لكنه نادر جداً، فلا يصار اليه في جل الأخبار المختلفة (4). فانه يمكن التحفظ على الشيعة بالتقية. ولا حاجة لالقاء الخلاف بينهم.

ولكن ما ذكره الشيخ الأنصاري غير تام ؛ فإن إظهار الشيعة للموافقة إنما يصح بالنسبة لبعض الخواص الذين يتحفظون دائماً من العامة ويلتزمون بالتقية لاجل انهم على وعي والتفات، ولكن من الواضح أن الأفراد يختلفون في القابلية والاستعداد، وفيهم النساء والصبيان والمغفلون الذين يظهر ما في قلوبهم على فلتات لسانهم وظاهر


1) بداية المجتهد 1 : 346.

2) الحدائق 1 : 8.

3) الفوائد الحائرية : 353.

4) فرائد الأصول 2: 809.

أعمالهم، بالاضافة الى وجود المندسين في صفوف الشيعة بحيث لا تؤثر التقية العملية عليهم. على أن الأمر إن لم يظهر على الأفراد العاديين من أبناء العامة فانه يظهر للسلطة الواعية التي كانت تترصد للشيعة وتراقبهم بحذر؛ ولذا فإن ضرورة الحفاظ على الشيعة تتطلب أن يكون الخلاف بينهم واقعياً وجذرياً بحيث تتجاوب كل طائفة مع رأيها وتعمل به وتعتقد به حقاً وإن شعروا او قطعوا بعدم وجود الرقيب عليهموان الموقف ليس موقف التقية. وبذلك يبقى الأئمة (عليهم السلام) محفوظين من السلطة، بل تبقى مكانتهم محفوظة لدى العامة. بالاضافة الى الحفاظ على الشيعة أنفسهم.

ومن هنا نجد أن الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) على الرغم من تبنيها مذهباً فقهياً يخالف ما عليه العامة لكنهما يتمتعان بالوثاقة والاعتبار والمكانة المحترمة عند العامة، مع أن عادة العامة الجرح لأدنى سبب ؛ فإنهم حين يرون اختلاف الشيعة فربما نسبوا ذلك للشيعة أنفسهم لا الى الأئمة (عليهم السلام)، فيتصورون أن الأئمة لا يخالفونهم وإنما الخلاف جاء من الشيعة أنفسهم.

ويشهد لذلك ما جاء في الكشي ونقله عنه في رجال المامقاني عن يحيى بن عبد الحميد الحماني وقد ترجم في كتاب (ميزان الاعتدال للذهبي) (1)قال: قلت لشريك - وهو من العامة -: (إن أقواما يزعمون أن جعفر بن محمد ضعيف في الحديث؟ فقال: أخبرك القصة، كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعاً، فاكتنفه قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده، ويقولون : حدثنا جعفر بن محمد، ويحدثون


1) ميزان الاعتدال 4: 392/ 9567.

أحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر، يستأكلون الناس بذلك، ويأخذون منهم الدراهم) (1).

وفي تهذيب التهذيب لابن حجر : (ذكره - الامام الصادق - ابن حبان في الثقات وقال: كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً).

الى أن يقول: (وقد اعتبرت حديث الثقات عنه، فرأيت أحاديث مستقيمة ليس فيها شيء يخالف حديث الأثبات، ومن المحال أن يلصق به ما جناه غيره).

ثم ينقل نظير ذلك عن الساجي: (كان صدوقاً مأموناً إذا حدث عنه الثقات فحديثه مستقيم) (2).

ونجد الأمر نفسه عند المتأخرين منهم أيضاً، فهذا أبو زهرة في كتابه (الإمام الصادق) يقول مثل ذلك، ويعلل عدم نقل البخاري عن الصادق (عليه السلام) بأن الرواة عنه لم يكونوا موثقين بحيث يعتمد على نقلهم) (3).

فنجد أن التغطية التي كان يهدفها الإمام من خلال إلقاء الخلاف بين الشيعة قد تحققت بالفعل.

واما قوله (قدس سره): (مع اتفاقهم على مخالفتهم)، فإن أقوال العامة لم تكن منحصرة بالمذاهب الأربعة في المدن الأربعة التي كانت المراكز للحركات العلمية والثقافية، فالعلماء كانوا كثيرين، وكان بعضهم أعرف وأعلم من البعض الآخر، فلم تكن المدينة مختصة بمذهب مالك بل كان فيها الكثير من العلماء كما يذكره الشافعي في


1) رجال الكشي: 324 / 588، تنقيح المقال 3: 241 / 12084.

2) تهذيب التهذيب 2: 89 / 156.

3) الإمام الصادق: 255.

كتاب الام (1). ومع هذا فمن أين نعلم أن الشيعة مع اختلافهم قد اتفقوا على مخالفة العامة.

ويضيف الشيخ : (مضافاً الى مخالفته لظاهر قوله في الرواية: (ما سمعت مني يشبه قول الناس ففيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه) (2).

وقد سبقه الى ذلك الوحيد البهبهاني (3).

ویرد عليه أن مفاد الرواية هو أن ما سمعته مني لا يشبه قول الناس فليس فيه تقية ولكنه لا يدل على أنه ليس فيه كتمان وإخفاء للحقيقة، لأن المراد من التقية في الراوية إنما هو اتقاء العامة لا مطلق اتقاء الضرر ولو بالكتمان كما هو واضح.

السبب الثالث من اسباب الكتمان (التقية) : ويقصد بها الافتاء بما يوافق العامة وإن كان مخالفاً للواقع. ولا إشكال في تأثير التقية من العامة في صدور بعض الروايات عن الأئمة (عليهم السلام) على خلاف معتقدهم، بل ربما يخفز الأئمة (عليهم السلام) أتباعهم على نقل الروايات الموافقة للعامة تحفظاً على شؤون الأئمة (عليهم السلام) ومهامهم وشيعتهم. وقد ورد ما يدل على ذلك، فمنها ما في الوسائل بسند صحيح عن أبي عمر الكناني - ولم يوثق هو، ولعل هذا الحديث هو الفريد الذي نقل في الكتب الأربعة - قال: قال لي: «يا أبا عمر أرأيت لو حدثتك بحديث، أو افتيك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه وأخبرتك بخلاف ما أخبرتك، أو أفتيتك بخلاف


1) الأم 7: 280.

2) فرائد الاصول 2: 810.

3) الفوائد الحائرية: 353.

ذلك، بأيهما كنت تأخذ؟ قلت: باحدثهما وأدع الآخر. قال: فقال: «قد أصبت يا أبا عمر، أبى اللّه إلا أن يعبد سراً، أما والله لأن فعلتم ذلك إنه لخير لي ولكم، أبى اللّه عز وجل لنا في دينه إلا التقية» (1).

وهذا الحديث نقله الوسائل عن المحاسن عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه وليس فيه أبو عمر الكناني. فإذا صح هذا، فسند الحديث صحيح، إلا إن المحاسن المطبوع لا توجد فيه هذه الرواية ؛ ولذا لم يظفر بها معلق الوسائل، فجعل في موضعه نقاطاً (2)وكذلك الأمر في جامع الأحاديث (3)فانه ينقل الحديث عن المحاسن بواسطة الوسائل.

وكيف كان فذكرنا للحديث ليكون مؤيداً لا دليلاً.

ومنها ما في الوسائل عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال لي: «يازرارة ما تقول لو افتينا رجلاً ممن يتولانا بشيء من التقية؟» قال: قلت له: أنت أعلم جعلت فداك. قال: «إن أخذ به فهو خير له وأعظم أجراً، وإن تركه والله اثم» (4).

وفي رواية أخرى: (إن أخذ به أجر، وإن تركه والله أثم) (5).

وغيرها من النصوص الكثيرة، والمسألة واضحة، فلا حاجة لذكرها.

إنما الكلام يقع في جهتين:


1) الكافي 2: 173/ 7 الوسائل 27: 112 / 17، ب 9 من ابواب صفات القاضي.

2) المراد من الوسائل هنا هو طبعة الدار الإسلامية 11: 462 / 11.

3) جامع الأحاديث.

4) الكافي 1 : 52 / 4، الوسائل 27 : 107 / 2، ب 9 من أبواب صفات القاضي.

5) الكافي 1 : 52 / 4، الوسائل 27 : 107 / 2، ب 9 من أبواب صفات القاضي.

الأولى: في أسباب التقية.

الثانية: هل يوجد في رواياتنا المدونة في كتب الحديث ما هو صادر تقية أم لا؟.

أما الحديث في الجهة الاولى، فاسباب التقية متعددة:

السبب الأول: التحفظ على الراوي بالذات، فقد يعلم الإمام (عليه السلام) بأن السائل معرّض لمراقبة الغير كالسلطة الظالمة، فلو ذكر له الحكم الواقعي، فسوف لا يعمل بمقتضى التقية او انه لا يميز موضوع التقية، بان يشتبه فيتوهم ان ظروفه ليست ظروف التقية، او ليس موقفه من التقية، كما لو توهم عدم مراقبة احد، وسينكشف أمره، ويثبت تشيعه وولاؤه للإمام (عليه السلام)، فيكون معرضاً للأذيثم بعد رفع المراقبة وظروف التقية، يكشف له الحكم الواقعي، كما هو في الكثير من النصوص لذلك يتوهم المخالفة بين القولين. وقد يكون الأمر كذلك بالنسبة الى عموم الشيعة فيصدر الحكم تقية حفاظاً عليهم، وقد ورد في ذلك روايات عديدة.

فبالنسبة للحفاظ على عموم الشيعة، فقد وردت روايات منها ما في الوسائل بسند ليس بحد الاعتبار من رسالة أبي عبد اللّه (عليه السلام) الى أصحابه: «دعوا رفع أيديكم في الصلاة إلا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة، فإن الناس قد شهر وكم بذلك، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (1). حيث إن رفع اليد للركوع والسجود وغيرهما في أفعال الصلاة من الأفعال المستنكرة عند العامة، وكانوا يعرفون الشيعة بذلك.


1) الكافي 8: 7 / 1، الوسائل 6 : 28 / 9، ب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام.

أما ما ورد تحفظاً على الأفراد من الشيعة فروايات منها معتبرة داود بن زربي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوضوء، فقال (عليه السلام) لي: «توضأ ثلاثا ثلاثاً»، قال: ثم قال (عليه السلام): «أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟» قلت: بلى. قال : فكنت يوماً اتوضأ في دار المهدي، فرآني بعضهم وأنا لا اعلم به، فقال: كذب من زعم أنك فلاني، وأنت تتوضأ هذا الوضوء، قال: فقلت: لهذا والله أمرني) (1).

ونقلت الرواية بصورة أكثر تفصيلاً ومثل ذلك روي في علي بن يقطين.

ومنها معتبرة سلمة بن محرز - وهو ثقة ؛ لأنه من مشايخ ابن أبي عمير - قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إن رجلاً مات وأوصى الي بتركته، وترك ابنة. قال: فقال: «أعطها النصف». قلت: فأخبرت زرارة بذلك فقال لي: اتقاك، إنما المال لها - باعتبار أن النصف الآخر يدفع لغيرها عندهم تعصيباً - فدخلت عليه (عليه السلام) بعد فقلت: أصلحك اللّه إن أصحابنا زعموا أنك اتقيتني. فقال: «لا والله ما اتقيتك، ولكني اتقيت عليك أن تضمن، فهل علم بذلك أحد؟» قلت: لا. قال: «فأعطها ما بقي» (2).

حيث إن رأي الشيعة إعطاء التركة كلها للبنت الواحدة لا نصفها، في حين أن العامة يذهبون الى أن النصف لها والنصف الثاني للعصبة.

إذن فقد يفتي (عليه السلام) فتوى غير واقعية لشخص معرض للخطر لأجل المحافظة عليه، ولكن هذا الحكم مؤقت ينتهي بانتهاء وقت الخطر.


1) التهذيب 1 : 82 / 214، الاستبصار 1: 71 / 219 الوسائل 1: 443 / 1، ب 32 من أبواب الوضوء.

2) الكافي 7: 86 / 3، الوسائل 26: 101 / 3، ب 4 من ابواب ميراث الابوين والأولاد.

السبب الثاني: أن يكون المستفتي من العامة فهو يسأل عن الحكم وفق مذهبه، أو يكون السائل من الشيعة ولكن يطرح سؤاله في مجلس يوجد فيه العامة او من يتعصب لبعض فقهاء العامة، أو يكون السائل ممن لا يتمكن من حفظ السر ؛ فيذيع الحكم ويسبب بعض المشاكل من خلال إذاعته، خاصة لو كانت المسألة من المسائل الحساسة التي تعتبر من أسرار الأئمة (عليهم السلام). ففي أمثال هذه الموارد يجيب الإمام (عليه السلام) بالتقية، حيث يكتم الحكم الواقعي أو يبرز الحكم المخالف للواقع، فهنا موارد :

المورد الأول: قد وردت روايات تدل على التزام الأئمة (عليهم السلام) وخواص أصحابهم بإجابة السائل وفق مذهبهفالسائل قد يكون من العامة، ولا يعتقد بمقام الإمام (عليه السلام)، ويسأل عن مسألة، فاذا كان عراقيا فيجيبه الامام (عليه السلام) بفتوى العراقيين او إذا كان مدنياً فيجيبه بفتوى المدنيين، حتى يتعرف السائل على ما يريد، بالاضافة إلى أن ذلك سوف يؤدي إلى ان ينظر للائمة (عليهم السلام) نظرة اكبار حيث يعلمون بمختلف الآراء والفتاوا بالاضافة الى انه لا فائدة من ذكر فتوى الائمه (عليهم السلام) له، لانه لا يعمل بها خارجاً، كما ان رواة الشيعة وفقهاء هم سوف لا يعملون بمثل هذه الرواية فيما لو نقلها العامي بدون تمحيص عن الامام (عليه السلام)، لذلك فان الائمة (عليهم السلام) كانوا يعملون بذلك ويوصون اصحابهم بالعمل به، كما جاء في الوسائل عن معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «بلغني أنك تقعد في الجامع وتفتي الناس؟». قلت: نعم، واردت أن أسألك عن ذلك قبل أن اخرج إني أقعد في المجلس فيجيئني الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يقولون، ويجيئني الرجل اعرفه

بمودتكم وحبكم فأخبره بما جاء منكم، ويجيئني الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو فأقول : جاء عن فلان كذا وجاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك. فقال: «اصنع كذا فإني كذا اصنع» (1).

ومنها ما في رجال الكشي عن حمدوية عن يعقوب بن زيد عن ابن أبي عمير عن علي بن إسماعيل عن ابن مسكان عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إني أقعد في المسجد فيجيئني الناس فيسألونني، فإن لم أجبهم لم يقبلوا مني وأكره أن أجيبهم بقولكم وماجاء عنكم فقال لي: «انظر ما علمت أنه من قولهم فأخبرهم بذلك» (2).

المورد الثاني : فيما إذا كان في المجلس بعض العامة او من يتعصب لرأي بعض فقهاء العامة والسائل وان كان شيعياً ولكن الامام يفتي على طبق التقية، فمنها ما نقلناه من قول زرارة في رواية صحيفة الفرائض حيث جاء فيها: (فأتيته من غد بعد الظهر، وكانت ساعتي التي كنت أخلوبه بين الظهر والعصر، وكنت أكره أن أسأله الأخالياً خشية أن يفتني من أجل من يحضر بالتقية) (3).

المورد الثالث: بالنسبة للتقية لوجود من لا يحتفظ بالسر، فيدلّ عليها ماجاء عنهم في ذم إشاعة أسرارهم، فإنه بطبعه يقتضي كتمانهم الأحكام التي تعد من أسرارهم، عمن يعلم أنه لا يحتفظ بالسر والأسرار هي التي لا يمكن الاستدلال لها بأيات واضحة الدلالة أو بالاحاديث أو السنة المتواترة واضحة المدلول التي ينقلها أهل


1) رجال الكشي : 252 / 470، الوسائل 16: 233 / 2 - 30 من ابواب الأمر النهي.

2) رجال الكشي: 330 / 602، الوسائل 16، 233 / 1 - من ابواب الأمر والنهي.

3) الكافي 7: 94 / 3، التهذيب 9 : 371 / 5.

العامة أنفسهم أيضاً؛ ولذا ورد في صحيحة زرارة: «ثلاثة لا اتقي، فيهن أحداً: شرب المسكر، ومسح الخفين ومتعة الحج»، لوضوح أدلتها عندهم أيضاً، من الكتاب والسنة، فلا موجب للتقية فيها. وبالجملة، فإن حالة التعصب والتحزب الأعمى لبعض المذاهب التي كانت تتحكم في المجتمع آنذاك مما لابد للإمام أن يأخذها بعين الاعتبار كي يسلم من عدائهم.

ولأجل أن نفهم وضع المجتمع المسلم آنذاك والصراعات الشائعة وخاصة بين العامة وماكان المفروض على الائمة (عليهم السلام) وشيعتهم انتهاجه في مجال تبليغ الأحكام الواقعية نقرأ سطوراً من كتاب الام للشافعي الذي يعكس لنا ظروف المجتمع آنذاك، وهو ممن أدرك النصف الأخير من القرن الثاني: (قلت: ليس من بلد الا وفيه من أهله الذين هم بمثل صفته، يدفعونه عن الفقه، وينسبونه إلى الجهل إو الى أنه لا يحل له أن يفتي ولا يحل لأحد أن يقبل قوله، وعلمت تفرّق أهل كل بلد بينهم، ثم علمت تفرق كل بلد في غيرهم، فعلمنا أن من أهل مكة من كان لا يكاد يخالف قول عطاء، ومنهم من كان يختار عليه غيره. ثم أفتى بمكة زنجي. بن خالد وكان منهم من يقدمه بالفقه، ومنهم من يميل إلى قول سعيد بن سالم وأصحاب كل واحد من هذين يضعفون الآخر ويتجاوزون القذف، وعلمت أن أهل المدينة كانوا يقدمون سعيد بن المسيب، ثم يتركون بعض قوله.

ثم حدت في زماننا منهم مالك، كان كثير منهم من يقدمه، وغيره يسرف عليه ويضعف مذاهبه وقد رأيت ابن أبي زناد يجاور القصد في ذم مذاهبه، ورايت ابن المغيرة وابن أبي حازم الدراوردي يذهبون من مذاهبه، ورأيت من يذمهم ورأيت بالكوفة قوماً يميلون إلى قول ابن ابي ليلى يذمون مذهب أبي يوسف، وأخرين يميلون

إلى قول أبي يوسف يذمون مذاهب ابن أبي ليلى وماخالف أبا يوسف وأخرين يميلون إلى قول الثورى وآخرين إلى قول الحسن بن صالح. وبلغني غير ما وصفت من البلدان شبيهة بما رأيت مما وصفت من تفرق أهل البلدان ورأيت المكيين يذهبون إلى تقديم عطاء في العلم على التابعين، وبعض العراقيين يذهبون إلى تقديم إبراهيم النخعي.

ثم لعل كل صنف من هؤلاء قدم صاحبه أن يسرف في المباينة بينه وبين من قدّموا عليه من أهل البلدان، وهكذا رأيناهم فيمن نسبوا من العلماء الذين أدركنا. فإذا كان أهل الامصار يختلفون هذا الاختلاف، فسمعت بعض من يفتي منهم يحلف بالله ماكان لفلان أن يفتي لنقص عقله أو جهالته) (1).

فنجد أن من كان لا يأخذ جانب الاحتياط في تصرفاته فانه يقال فيه ما يمكن من المطاعن، حتى إننا نجد أن جزءاً واحداً من كتاب تاريخ بغداد للخطيب خصص لبيان مطاعن أبي حنيفة (2). ومن الواضح أن أئمتنا الاطهار (عليهم السلام) كانوا يمارسون دورهم في نشر الأحكام وتربية الناس بمعزل عن أمثال هؤلاء الذين يتصفون بالطعن والكيد بالأفراد، ومن هنا فقد حذر الأئمة (عليهم السلام) أصحابهم، ومنعوهم من أمثال ذلك، فهذا أبو بصير ينقل لنا أنه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن حديث قال (عليه السلام): «هل كتمت علي شيئاً قط؟». فبقيت أتذكر، فلما رأى مابي قال: «أما ما حدثت به أصحابك فلا بأس إنما الإذاعة أن تحدث به غير أصحابك» (3).


1) الام 7: 280 - 281.

2) انظر تاریخ بغداد 13: 323 / 7297.

3) المحاسن 1: 403 / 2909.

وفي، الوافي عن البزنطي قال: سألت ابا الحسن الرضا(عليه السلام) عن مسألة فأبى وأمسك ثم قال: «وأن أعطيناكم كل ماتريدون كان شر الكم فاخذ برقبة صاحب هذا الأمر».

إلى غير ذلك من الروايات. ويجمع هذه الموارد الثلاثة التي ذكرناها أن التقية وكتمان الحق ليس للخوف من السلطة، بل خشية الوقوع في ألسنة العوام حيث انهم سيتعرضون المعاندين والمتعصبين.

السبب الثالث: التقية من السلطة، وذلك فيما إذا كان الحق يخالف ماتتبناه السلطة الزمنية، فكان الأئمة (عليهم السلام) يتقونهم ماداموا أقوياء فإذا ضعفت السلطة أظهر الأئمة (عليهم السلام) الحق ويشهد لذلك صحيحة الحلبي في الوسائل قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «كان أبي يفتي وكان يتقي، ونحن نخاف في صيد البزاة والصقور، أما الآن فانا لانخاف فلا يحل صيدها إلا أن تدرك ذكاته؛ فإنه في كتاب علي (عليه السلام) أن اللّه قال : «وما علمتم من الحوارح مكلبين» (1)في الكلاب» (2)فإن خلفاء بني أمية كانوا يمارسون الصيد بواسطة الصقور والبزاة كثيراً؛ لذلك كانوا يريدون أن يكون الصيد بها محلّلا كالصيد بالكلاب المعلّمة ليأكلوه. فلذلك في فترة قوة الأمويين كان الإمام الباقر (عليه السلام) بتقيهم في ذلك، لكن بعد انهيارهم أو ضعفهم صرح الإمام الصادق (عليه السلام) بالحق.


1) المائدة: 4.

2) الوسائل 16 : 220 / 3، ب 9 من أبواب الصيد.

ومثلها رواية أبان بن تغلب في نفس الباب قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كان أبي يفتي في زمن بني أمية أن ماقتل البازي والصقر فهو حلال، وكان بتقيهم وأنا لا أتقيهم وهو حرام ماقتل» (1).

فالسلطة الزمنية لم تكن تسمح لعالم أن يفتي بما يخالف ممارساتهم ورغباتهم وآرائهم بل إن علماء العامة كانوا ايضا يعانون من هذه الجهة، فقد جاء في أحوال مالك بن أنس أنه في سنة (146) قد أفتى : (ليس على مستكره طلاق) (2). وهذه الفتيا باعتبار وضوح عدم الخصوصية للإكراه في الطلاق فكل معاملة وممارسة تصدر عن إكراه فلا اعتبار بها، وبالطبع سيسري ذلك إلى بيعة الناس مع السلطة لكونها كانت في الغالب عن إكراه. وكان ذلك في بدايات حكومة العباسيين عند خروج محمد ذي النفس الزكية، فكانت هذه الفتوى في صالح محمد ذي النفس الزكية في تحريضه لناس الذين توهموا بأن قتالهم مع محمد يعد نقضاً لبيعة المنصور، وهو أمر غير جائز، حيث دلت على أن البيعة عن إكراه لا اعتبار لها؛ ولذا فقد قبض على مالك وضرب بالسياط. وقال أبو زهرة: (وقد ضرب في هذه المحنة بالسياط ومدت يده حتى انخلعت كتفاه) (3).

وكذلك الأمر كان مع القضاة فقد حكي أن أبا حنيفة لمارد بعض أحكام ابن أبي ليلى منع عن الفتوى مدة، بل أن رده لأحكام القضاة وامتناعه من التصدّي للقضاء


1) الكافي 6 : 208 / 8.

2) الديباج المذهب 1 : 28.

3) انظر ذلك في المصدر نفسه، سيراً أعلام النبلاء 8 : 78.

كان هو السبب في قتله كما يحدثنا التاريخ هذا بالإضافة إلى دعمه لزيد بن علي ومحمد بن عبد اللّه.

السبب الرابع: التقية من الغلاة والملاحدة او غيرهم الذين كانوا يذهبون للإباحية

المطلقة، حيث يبيحون المحرمات وينسبون أنفسهم وآرائهم إلى الأئمة (عليهم السلام) والشيعة بهدف هدم الإسلام. فكان الأئمة (عليهم السلام) بالأضافة إلى التبري الصريح منهم يكتمون بعض الأحكام الترخيصية حذراً من أن تقع بأيديهم أو غيرهم من الأعداء، ويدعمون بها دعواهم من ارتباط الإباحيين بالأئمة، ففي رجال الشيخ المامقاني يذكر في حالات المغيرة بن سعيد أنه قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) يوماً لأصحابه: «لعن اللّه المغيرة بن سعيد».

إلى أن يقول: «وها أنا ذا بين أظهركم لحم رسول اللّه، وجلد رسول اللّه، ابيت على فراشي خائفاً وجلا مرعوباً، يأمنون وأفزع، وينامون على فراشهم وأنا خائف ساهر وجل أتقلقل بين الجبال والبراري» (1). لان المغيرة كان ينسب للإمام (عليه السلام) آراء كثيرة، وكان الخلفاء والأعداء آنذاك يشيعون أمثال هذه الدعايات بالنسبة للأئمة (عليهم السلام) من أجل تشويه سمعتهم، وهذا مماكان يفزع الأئمة (عليهم السلام).

و في كشف القناع عن محمد بن مروان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسألة، فأبى أن يجيبني، فقلت: رحمة اللّه على أبي جعفر (عليه السلام). فقال: «رحمة اللّه


1) تنقيح المقال 3: 236 / 12059.

على أبي جعفر، أما والله كان أبي يقول : يابني والله يمنعني النوم أهل العراق على فراشي، يا محمد. ثم قال: يا محمد ليحسبك يا محمد فيما بينك وبين اللّه» (1).

إذن، فهناك كانت أفراد وجماعات تحاول أن تنسب نفسها إلى الإمام، وهي ترى أن الأحكام الإلزامية كلّها ملغاة، وأن الجهود كلّها يجب أن تبذل ضد سلطة الخليفة وان كانت جائرة للقضاء عليها، وكانت لهم أهداف شيطانية رهيبة أرادوا تنفيذها بعد الاستيلاء على السلطة وليس لهم نوايا مخلصة. ولعل القرامطة من هؤلاء؛ حيث رأيناهم إبان قدرتهم سرقوا الحجر الأسود، وقتلوا حجاج بيت اللّه الحرام.

فامثال هذه الطوائف كانت تحاول الانتساب للإمام لتكتسب تقديراً وشعبية؛ لما يملكه من شخصية بارزة محترمة آنذاك. ولذلك لاجل أن يواجه الأئمة (عليهم السلام) أمثال ذلك كانوا يضطرون أحياناً إلى التشدّد في الفتوى وعدم إظهار الأحكام الترخيصية.

وأما الجهة الثانية في التقية فسيأتي الحديث (2)عنها.

السبب الرابع من أسباب الكتمان: السوق الى الكمال.

ومجال هذا السبب هو خصوص الأحكام الترخيصية.

لا شك في أن الزعيم الموجّة لجماعة، والمكلف بسوقهم للكمال قد يبرز الحكم الترخيصي والمستحب والمكروه بشكل حكم إلزامي ثابت مع العلم بأنه في واقعه


1) كشف القناع ص 76.

2) يأتي في الصفحة: 237.

يشتمل على جهة ترخيص، لكنه يكتم جهة الترخيص للمصلحة التي يراها فيه، فيبرز المستحب بشكل الواجب، والمكروه بنحو الحرامو خاصة في المستحبات والمكروهات المؤكدة، وفي الشريعة كذلك فإننا نلاحظ صدور الأمر بعمل مستحب كما في غسل الجمعة وصلاة الجماعة بتعبير ظاهر في الوجوب، حيث أخفي فيه جهة الترخيص لأجل تدخل هذه المصلحة غير الملزمة أو المفسدة غير الملزمة في السوق إلى الكمال باعتبارها مؤكّدة، ولو كشف جهة الترخيص من أول الأمر فربما ترك بعض الأفراد الاتیان به او الاجتناب عنه، مع انه يعد من العوامل المساعدة التي تسوق الافراد إلى الكمال، مع ملاحظة عدم الفرق في الصيغة بين الواجب والمستحب والمكروه والحرام. وولي الأمر هو المكف بتربية الأفراد وسوقهم للكمال؛ لذلك فله حق الكتمان.

وقد جاءت الإشارة الى هذه الحقيقة في رواية الميثمي حيث صرح فيها بأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) نهى عن أشياء ليس نهي حرام بل إعافة وكراهة، وأمر باشياء ليس أمر فرض ولا واجب بل أمر فضل ورجحان في الدين، وذلك الذي يسع استعمال الرخص فيه (1). فأوامر الإيجاب والاستحباب وكذلك النواهي كانت متشابهة، وقد تعمد كتمان جهة الترخيص فيها في المستحبات وخاصة المؤكدة، باعتباره يريد سوق أصحابه الى الكمال، حيث إنه لو ذكر الترخيص ابتداءً لتركها الناس وكذلك في المكروهات وخاصة المؤكدة، حيث اصدرها باسلوب الحرمة واخفى جهة الترخيص بالترك فيها، دفعاً للمؤمنين للعمل بها وسوقهم إلى الكمال المترتب على العمل بالمستحبات وترك المكروهات، بالاضافة للواجبات والمحرمات.


1) عيون أخبار الرضا 2 : 20 / 45.

ويدل على ذلك أيضاً صحيحة زرارة المروية في الوسائل قال: كنت قاعداً عند أبي جعفر (عليه السلام) وليس عنده غير ابنه جعفر (عليه السلام) فقال: «يا زرارة إن أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، فقال عثمان : كل مال من ذهب يدار به ويعمل به ويتجر ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول. فقال ابو ذر : أما ما يتجر به أو أدير وعمل به فليس فيه الزكاة، وإنما الزكاة فيه إذا كان ركازاً أو كنزاً موضوعاً، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة. فاختصما في ذلك الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله).

قال: «فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله): القول ما قال أبو ذر».

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لأبيه (عليه السلام): «ما تريد إلا أن يخرج مثل هذا فيكف الناس أن يعطوا فقراءهم ومساكينهم».

وهذا من باب: (إياك أعني واسمعي يا جارة)، فهو (عليه السلام) وجه الخطاب الى أبيه (عليه السلام)، وإنما أراد منع زرارة من إبرازه.

فقال أبوه (عليه السلام): «إليك عني، لا أجد منها بدا» (1).

ومعنى قوله «اليك عني» : أمسك وكف كما في تاج العروس (2)والرواية تتعرض لمال التجارة، سواء كانت نقوداً أو امتعة وعروضاً، حيث تحث على حركتها السوقية و عدم تجميدها، فاذا جمدها التاجر المحتكر ولم يعرضها للبيع والشراء وسد حاجة الناس أو تشغيل النقود، فيجب فيها الزكاة كما اخترناه، لو حال عليها الحول، واما


1) التهذيب 4 : 70 / 192، الاستبصار 2: 9 / 27، الوسائل 9: 74 / 1، ب 14 من ابواب ما تجب فيه الزكاة.

2) تاج العروس 10: 425.

لو كانت هذه الاموال متحركة ؛ بان عرضت فعلاً للتجارة، فالمشهور بل المجمع عليه بين العامة الا الظاهرية، وجوب الزكاة تبعا لرأي عثمان، ولكن المختار عدم وجوبها، نعم يستحب استحبابا مؤكداً.

ولعل المراد من قوله : «لا أجد» هو أن هذا الحكم - وهو عدم وجوب الزكاة في أموال التجارة المتحركة - لابد من بيانه في مرحلة التعليم لأمثال زرارة، باعتبار أن العامة - تبعاً لعثمان - يقولون بوجوب الزكاة فيها، وزرارة كان مطلعاً على آراء العامة، فكان على الإمام (عليه السلام) أن يبين ذلك له، لكن لا بد من تنبيهه بان لا ينشر عدم الوجوب بين الشيعة الذين كانوا جاهلين بالحكم الواقعي، وهو الذي ذكره أبو ذر من عدم الوجوب في مال التجارة. وإنما لا ينشره لكثرة الفقراء آنذاك ؛ بسبب منع الظلمة عن حقوق الفقراء، حيث شاع الفقر ولا يدفع إلا بدفع امثال الزكواتحتى المستحبة، فإذا ذكر جهة الترخيص في مال التجارة، فسوف لايدفعونلذلك كان عليه كتمان جهة الترخيص بالترك.

فليس ما ذكره الإمام الصادق (عليه السلام) اعتراضاً على أبيه (عليه السلام)، وإنما هو الحقيقة تنبيه لزرارة بوجوب ملاحظة هذه الجهة فلا يذيع الحكم. وإنما بين له الحكم في مقام التعليم ؛ لأنه كان مسبوقاً بآراء العامة، ولكن مقام الفتيا غير مقام التعليم، فلا فلا يلزم بيان الحكم الواقعي الترخيصي في مقام الفتيا فيما إذا لم تكن المصلحة في بيان الترخيص. ولعل للإمام (عليه السلام) أهدافاً أخرى من بيان ذلك، وهو أن أبا ذر قد نسبت له آراء متطرفة كما يلاحظ عند المعاصرين، في حين أنه في هذه الرواية يتبين عدم تطرفه، حيث لا يقول بوجوب الزكاة في مال التجارة، وهو ينافي التطرف المالي، وأخذ الضرائب المنسوب اليه. وإنما أبو ذر مسلم ملتزم بالأحكام والمبادئ

الإسلامية بكل دقة، فيتطرف حيث يقتضي الإسلام،التطرف، ويعتدل حيث يقتضي الاعتدال.

وعلى هذا، فلو اقتضت المصلحة الفردية أو الاجتماعية عدم ذكر جهة الترخيص في الحكم لم يتعين ذكرها، وهو كثير في الروايات.

مدى تأثير التقية في الأحاديث المتعارضة

وهنا يلزم البحث عما وعدنا الحديث عنه في الجهة الثانية، وهو مدى تأثير التقية في بروز ظاهرة اختلاف الأحاديث، فهل إنها أكثر تأثيراً من سائر الأسباب،ام إن دورها ضئيل وليس بذلك التصور الكبير عنها؟ وهل توجد في كتب الحديث والروايات الموجودة بأيدينا روايات صدرت من باب التقية أم لا؟.

ذكر صاحب الحدائق في مقدمة الكتاب ما يدل على التأثير الكبير للتقية في اختلاف الأحاديث: (ولعل بمؤونة ذلك تعلم أن الترجيح بين الأخبار بالتقية بعد العرض على الكتاب أقوى المرجّحات ؛ فإن جل الاختلاف الواقع في أخبارنا بل كله عند التأمل والتحقيق إنما نشأ من التقية) (1).

وقال الشيخ الأنصاري بعد ذكره هذا الكلام في رسائله حيث يظهر منه عدم تأثير التقية كثيراً في اختلاف الأحاديث: (الذي يقتضيه النظر - على تقدير القطع بصدور جميع الأخبار التي بأيدينا على ما توهمه بعض الأخباريين أو الظن بصدور جميعها إلا قليلاً في غاية القلة كما يقتضيه الإنصاف فيمن اطلع على كيفية تنقيح الأخبار وضبطها


1) الحدائق 1: 8.

هو أن يقال: إن عمدة الاختلاف إنما هي كثرة إرادة خلاف الظواهر من الأخبار، إما لقرائن متصلة اختفت علينا من جهة تقطيع الأخبار أو نقلها بالمعنى، أو منفصلة من جهة كونها حالية معلومة للمخاطبين، أو مقالية اختفت بالانطماس، وإما بغير القرينة المصلحة يراها الإمام (عليه السلام) تقية على ما اخترناه من التقية على وجه التورية أو غير التقية من المصالح الأخر) (1). فالمسألة كما نلاحظها عند العلماء على طرفي نقيض، وقد سبق الشيخ على إنكاره تأثير التقية في ظاهرة اختلاف الحديثاو ان مخالفة العامة ليست من المرجّحات، او ان احتمال التقية ليس اقوى الاحتمالات والعوامل التي دعت لصدور الروايات المختلفة، وذهب لهذا الرأي الشيخ المفيد، والمحقق الحلي قال المحقق في معارجه: (المسألة التاسعة : قال الشيخ (قدس سره): إذا تساوت الروايتان في العدالة والعدد عمل بأبعدهما عن قول العامة. والظاهر أن احتجاجه بذلك برواية رويت عن الصادق (عليه السلام) وهو إثبات لمسألة علمية بخبر واحد، ولا يخفى ما فيه، مع انه قد طعن فيه فضلاء من الشيعة كالمفيد وغيره.

فإن احتج بأن الأبعد لا يحتمل إلا الفتوى والموافق للعامة يحتمل التقية فوجب الرجوع الى ما لا يحتمل مخالفته للواقع. قلنا: لا نسلم أنه لا يحتمل إلا الفتوى لأنه كما جاز الفتوى لمصلحة يراها الإمام فكذلك يجوز الفتوى بما يحتمل التأويل مراعاة المصحلة يراها ويعلمها الإمام) (2). ولعل مراده من قوله: (ولا يخفى ما فيه): أن المسألة الأصولية المهمة التي تتفرع عنها الفروع والاحكام لا تثبت بخبر الواحد برأي المحققلان الخبر الواحد في امثال هذه المسائل يلزم ان يلاحظ مضمونياً، لان مستند


1) فرائد الاصول 2: 810.

2) المعارج: 156.

حجية خبر الثقة الواحد إذا كان بناء العقلاء، فانهم يلاحظون مضمونه، فان كان في غاية الاهمية، لانه يتعرض لمبنى من المباني نفياً أو اثباتاً، كالمسألة الاصولية التي تبتني عليها احكام وفروع، فلا تثبت بمجرد الخبر الواحد ومراده من قوله: لا نسلم أنه لا يحتمل إلا الفتوى ؛ فإن المخالفة للواقع لا تختص بسبب التقية، بل يمكن أن تكون هناك أسباب أخرى تفسير المخالفة كإلقاء الاختلاف بين الشيعة أو السوق للكمال حسب رأينا. فيمكن ان يكون الخبر مخالفاً للواقع، ولكنه صدر بسبب آخر لا لاجل التقية.

وصاحب المعالم في آخر صفحة من الكتاب بعد مناقشته المحقق قال: إن رد الاستدلال بالخبر بأنه إثبات لمسألة علمية بخبر واحد ليس بجيد ؛ إذ لا مانع من إثبات مسألة بالخبر المعتبر من الاحاد ونحن نطالب بدليل منعه) وإن ذكر بعد ذلك أن الرواية ضعيفة، لكنه قال بعد ذلك : (ان الافتاء بما يحتمل التأويل وان كان محتملاً إلا إن احتمال التقية على ما هو المعلوم من أحوال الأئمة (عليهم السلام) أقرب وأظهر وذلك كاف في الترجيح) (1). حيث يظهر أن المطلع على حالات الأئمة (عليهم السلام) يعلم أن أكثر الاختلاف بسبب التقية.

والشيخ المفيد في رسالته العددية بناءً على نقل المحقق التستري عنه في كشف القناع نقداً على أصحاب العدد يظهر منه عدم تأثير التقية كثيراً في اختلاف الأحاديث حيث يقول: (إن الذي يروي منهم على سبيل التقية لا ينقله جمهور ثقاتهم ولا يعمل به أكثر


1) معالم الدين وملاذ المجتهدين: 395.

علمائهم، وإنما ينقله الشكاك من الطوائف يرويه خصماؤهم في المذاهب، ويرد على الشذوذ دون التواتر) (1).

ومثله الشيخ الكليني (قدس سره) في مقدمة كتابه الكافي فإنه بعد ذكره تعين الأخذ بما يخالف العامة قال: (ونحن لا نعرف من ذلك إلا أقله) (2).

والذي نقصده من طرح هذا البحث أنا نجد أن العلماء حينما يواجهون خبرين متعارضين، ويرون موافقة أحدهما للعامة يحملون الموافق على التقية، من دون ملاحظة ان رأي العامة. هذا كان معاصراً لزمان صدور الحديث الموافق أو لمكانه، أو أنه متأخر عنه، أو في مكان آخر، فمثلا كيف يتقي الامام (عليه السلام) من رأي فقيه من العامة ولد بعد وفاة الإمام (عليه السلام)، أو كان هذا الفقيه في بلاد أخرى كالأوزاعي في الشام دون أن يكون له تأثيره في بلد الإمام، وكذلك من دون ملاحظة أن الرأي كان من القوة بحيث كان يتعين على الإمام (عليه السلام) التقية منه؟ فربا كان الفقيه ليس له اعتباره وشهرته كثيراً عند الناس، أو عند السلطة ليحذر منه الإمام (عليه السلام).

فهل إن هذا الأسلوب في العمل بالروايات وحمل كل رواية على التقية لمجرد موافقتها لرأي من آراء العامة صحيح أو لا ؟ هذا مع العلم بأن الأخبار الصادرة عن تقية كان يعرف الكثير من الشيعة آنذاك بأنها صدرت تقية لا لبيان الواقع، ومع معرفتهم هذه كيف يدونونها في كتبهم، فانها لئن خفيت على البعيد عن الإمام (عليه السلام) فلا تخفى على الخواص الذين يعرفون لحن كلام الأئمة (عليهم السلام)؟ فاذا


1) کشف القناع: 191.

2) الكافي 1 : 7.

ذكر الإمام (عليه السلام) شيئا تقية فسوف يتضح ذلك لهم دون خفاء كما رأيناه بالنسبة لزرارة حين نقل له الراوي بأن الإمام أجابه بالنسبة لإرث البنت المنفردة ان لها النصف، فقال له أنه قد اتقاك وقضية: (أعطاك من جراب النورة) (1)او (أعطاك عين كدرة) (2)مشهورة عند الشيعة آنذاك، حيث إنهم حينما كان يخبرهم أحد من الشيعة أنه من سمع من الإمام كذا، فإنهم سرعان ما كانوا يقولون هذا القول ؛ مما يكشف عن أنهم يميزون الصادر عن تقية من غيره. فلو كان الأمر في الحديث الموافق للعامة ما يذكره العلماء من صدوره تقية لكان يضبط من قبل الأصحاب. ولا يدخل في التقية التورية ؛ فإنها فصل مستقل يأتي البحث فيه (3).

وكيف كان فيمكن تقريب مختار الشيخ المفيد من عدم تأثير التقية كثيراً في اختلاف الأحاديث ضمن أمور:

الأمر الأول: ما أشار اليه الشيخ المفيد من أن مجال التقية مختص بموارد الضرورة والاضطرار، وقد حددته رواية الميثمي بقول الإمام (عليه السلام)فيها: «إلا من خوف وضرورة» (4). وما ورد في الحديث: «التقية في كل شيء، وكل شيء يصطر اليه ابن آدم فقد أحله الله» (5). وفي رواية أخرى عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي


1) انظر الاستبصار 4: 175 / 657.

2) انظر التهذيب 5 : 486 / 733، الوسائل 9 : 266 / 5 ب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع في الاحرام.

3) يأتي في ص 260.

4) عيون أخبار الرضا 2 : 20 / 45، الوسائل 27 : 113 / 21.

5) الكافي 2 : 175 / 18، الوسائل 16 : 214 / 2، ب 25 من أبواب الأمر والنهي.

عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «إن المؤمن إذا أظهر الإيمان ثم ظهر منه ما يدل على نقضه خرج مما وصف وأظهر، وكان له ناقضاً إلا أن يدعي أنه إنما عمل ذلك تقية. ومع ذلك ينظر فيه ؛ فإن كان ليس مما يمكن أن يكون التقية في مثله لم تقبل منه ؛ لأن للتقية مواضع من ازالها عن مواضعها لم تستقم له وتفسير ما يتقي مثل ان يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي الى الفساد في الدين فانه جائز» (1).

إذن فالحمل على التقية لا يصح في كل مورد، ومجرد وجود مخالف من العامة في عصر صدور النص لا يوجب حمل الرواية الموافقة له على التقية ما لم يمكن التورية فيه، ولم يصح السكوت ولا التعبير بأنه ورد عن فلان كذا، وورد عن فلان كذا، كما في حديث معاذ. ومن الواضح أن ما يتعذر فيه كل هذه الأمور في غاية الندرة.

الأمر الثاني: لقد تكفل الأئمة (عليهم السلام) بتربية جماعة من تلامذتهم وفقهاء عصرهم، خصوهم بتعليم الأصول العامة للشريعة، فصاروا يعرفون توجه الإمام الفقهي ولحن كلامه، فأمثال هؤلاء لو واجهوا فتوى من الإمام (عليه السلام) تصدر عن تقية فإنهم يعرفون صدورها تقية عنه، كما ورد في جملة من الروايات مثل رواية سلمة بن محرز في الحج(2).

فإنه وان تقبلنا صدور بعض الروايات تقية عن الائمة (عليهم السلام)، ويمكن ان ينقلها اعداء اهل البيت (عليهم السلام) او الاباعد او بعض الضعاف والشكاك


1) الكافي 2 : 134 / 21، الوسائل 16 : 214 / 2، ب 25 من أبواب الأمر والنهي.

2) انظر الكافي 4 : 263 / 46، الوسائل 11 : 101 / 24، ب 38 من أبواب الحج ووجوبه.

من الشيعة، وذلك لان الائمة (عليهم السلام) لظروفهم ومهامهم الخاصة، كبعض زعماء الملل والنحل، قد تصدر منهم بعض الاقوال تقية، لاسباب مختلفة، وفي بعض الظروف لدرء بعض الشبهات عنهم وغيرها، ولكن لا ينقلها عادة خواص الائمة (عليهم السلام) وبطانتهم، الذين يعرفون اسس تفكيرهم ومبادئهم، فاذا ذكر الامام (عليه السلام) كلاما من باب التقية، أو نقل اليهم، فانهم سرعان ما يعرفون صدوره من باب التقية، كما في الرواية السابقة حول ارث البنت للنصف، حيث قالوا له (اتقاك)؛ بل ربما يعرف ذلك اكثر الشيعة لا خصوص الخواص، وهذه المقولة (اعطاك من جراب النورة) - كانت مشهورة، ولكن ربما ينقلها بعض الضعاف من الشيعة أو اعدائهم، كما لو ارادوا التهجم على الشيعة، وانهم ينسبون انفسهم للائمة (عليهم السلام) دون مستند، وهم يخالفون في اقوالهم وافعالهم ائمتهم (عليهم السلام)، لذلك ربما نقلوا عن الائمة (عليهم السلام) بعض الروايات التي يلاحظ فيها المخالفة لما هو الشائع عند الشيعة، او لما فيه التجاوب مع مخالفيهم، کمدح بعض الخلفاء او الانتساب اليهم، التي ربما نطق بها الامام (عليه السلام) من باب التقية، دفعا لبعض الاضرار عنه او عن الشيعة ومبادئهم، ولسكن الخواص بل وغيرهم، وخاصة في تلك الفترة، يعرفون انها صدرت من باب التقية، وكلامنا انما في تلك الروايات التي ينقلها الثقات أو الخواص من الشيعة لا من غيرهم، فكيف ينقلون او يدونون ما صدر تقية بهذه الكثرة المدعاة.

ثم إن الرواة كانوا يعرضون رواياتهم وأحاديثهم على كبار الفقهاء، كما عرض عمر بن أذينة الروايات التي سمعها من جماعة على زرارة، وطلب منه أن يعين الحق منه ومع هذه الدقة فلم يدونوا أمثال هذه الروايات الصادرة تقية بعنوان كونها من فتاوى

الأئمة (عليهم السلام)، وإذا دونوها فلأجل التنبيه على وقوع مثل هذا الحدث تاريخياً، لا من باب أنها فتاوى الأئمة (عليهم السلام).

مضافاً الى أن الرواة كانوا يتلقون العلم من أساتذتهم، كما تلمذ العلاء بن رزين لمحمد بن مسلم، وصفوان بن يحيى لعبد الرحمن بن الحجاج، فكانوا يقرؤون عليهم الكتب الحديثية.

فمع هذا التدقيق والتمحيص فكيف يتصور منهم تدوين الروايات الصادرة عن تقية في الجوامع الحديثية المعتبرة وهي بمرأى ومسمع من عظماء الشيعة وفقهائهم؟ وكيف يتصور أن تدون هذه النصوص في مثل جامع الآثار ليونس بن عبد الرحمن وفي مشيخة الحسن بن محبوب وكتب ابن أبي عمير ونحوها، وهي تعتبر المصادر الأصلية للكتب الأربعة ؟ وهؤلاء كانوا مأمورين بتدوين الاحاديث وتعليمها، لاجل الحفاظ عليها من الضياع، ولاجل عمل الشيعة.

إذن، مع علم المدون بأن الرواية صادرة تقية، فكيف يدونها في كتاب الحديث المخصص لفتاوى الأئمة (عليهم السلام)، ولأجل عمل الشيعة؟ كما ان الاخبار المتعارضة الصادرة من الصادقين (عليهما السلام) عرضت على الائمة المتأخرين كالإمام الجواد والهادي والحجة (عليهم السلام)، حيث يسأل فيها عن علاج الخبرين المتعارضين، فلم يعلل فيها صدور أحد الخبرين من باب التقية.

نعم، ذلك لا ينفي احتمال وجود موارد نادرة خفيت عليهم، ولكن ذلك لا يعني أن تحمل كل رواية موافقة لرأي من آراء العامة على التقية.

الأمر الثالث: الملاحظ أن كتب الأحاديث التي بأيدينا تشتمل بكثرة على روايات تبين لنا فضائل الأئمة (عليهم السلام) ومقاماتهم المعنوية، وفضيلة زيارتهم وزيارة قبورهم، وفضيلة مسجد الكوفة والسهلة وفضيلة ماء،الفرات، بل وفضائل شيعتهم، وأنهم خلقوا من أنوار الأئمة (عليهم السلام)، وما يتعلق بحقوقهم من الأخماس والأنفال، وكذلك الروايات التي تبين مثالب أعدائهم ومطاعنهم، وغير ذلك من النصوص التي هي من أسس الفكر الشيعي المختصة بهم، مع اعتراف العلماء أنها قد نقلت واضحة بينة بلا تقية، مع أنه لو كان للتقية تأثيرها لكانت تؤثر هنا في عدم تدوين أمثال هذه الأحاديث في هذه الموضوعات الحساسة المخالفة لمعتقدات العامة.

ولا نحصر الأمر على كتاب بصائر الدرجات المشتمل على هذه النصوص كي ينكر من قبل بعض القميين، بل نشير الى الكافي الذي يقول فيه الشيخ المفيد في شرح اعتقادات الصدوق: (إنه أجل كتب الشيعة) الذي يشتمل على أمور قد لا يتحملها حتى بعض الشيعة فضلاً عن أبناء العامة فليس في هذه الروايات تقية أبداً مع حساسيتها ولكن نقول بوجود التقية في الروايات الواردة في بيان الأحكام الفرعية التي يختلف فيها العامة أيضاً، وهي ليست بأهمية روايات الأصول والفضائل والمطاعن والروايات التي ترتبط ببعض أصول الفروع التي تمس أصول الفكر الديني عند العامة، مثل روايات جواز المتعة (1)وعدم جواز المسح على الخفين (2)، حيث صنفت فيها كتب مستقلة، وفي بطلان العول (3)والتعصب (4)، ودونت رواياتها الكثيرة في كتب


1) انظر مثلا الكافي 5: 363 / 364، وغيرها كثير.

2) انظر مثلا: الكافي 6 : 15 / 11، الفقيه 1 : 47 / 94، وغيرهما كثير.

3) انظر مثلا : الكافي 7: 80 / 13، الفقيه 4: 256 / 5620، وغيرهما كثير.

4) انظر الوسائل 17: 431، ب من أبواب موجبات الإرث.

الحديث، ووصلت الينا سليمة صحيحة دون أن يكون فيها أي أثر للتقية. ولكن بعض المسائل الفرعية الجزئية نقول بصدورها عن تقية، كيف يصح ذلك، مع أننا نرى العامة مختلفين حولها أيضاً؟ ولماذا لم تتحقق التقية في الأصول والاحكام المهمة؟ التي يوجه العامة إليها اهتمامهم.

ثم إن علماء العامة آنذاك لم تكن لهم شخصية اجتماعية أو سياسية كبيرة بحيث يحذر الإمام (عليه السلام) منهم، فأبو حنيفة مثلاً كان مغضوباً عليه من قبل السلطة الحاكمة ؛ لأنه اتخذ بعض المواقف المعارضة لها، فمثلاً حكم في زمن بني أمية بوجوب تأييد زيد بن علي في ثورته، وفي زمن العباسيين خالفهم وأيد محمداً ذا النفس الزكية وأخاه إبراهيم فلم يكن بذلك الموقع الاجتماعي أو السياسي بحيث يحذر منه الإمام (عليه السلام) في فتاواه. واذا لاحظنا بعض نصوص القياس نجد أن الأئمة (عليهم السلام) واجهوا أبا حنيفة وناقشوا اراءه وناقشوا القياس وأبا حنيفة وامثاله بشدة وبحدة دون حذر وخوففي المسائل الاصلية وان اعتمادهم على القياس والأدلّة الظنية غير المعتبرة، وعدم اخذهم بروايات اهل البيت (عليهم السلام) وابتعادهم عن مدرستهم، مما تترتب عليها اثار سلبية خطيرة على الفكر الاسلامي، ففي مثل هذه المجالات الاصولية المهمة التي يكون من المفروض اتباع التقية في بيانها، لا نجد للتقية أثراً فيها، لكن في المسائل الفرعية يحذرهم الامام (عليه السلام) فيفتي بالتقية.

ثم كيف يحذر الامام الصادق (عليه السلام) جانب الأوزاعي الذي كان في الشام دون أن يكون له تأثيره في الوسط الاجتماعي للإمام (عليه السلام)، ولربما لم يكن قد سمع أهل العراق أو المدينة برأيه. أما مالك فيروزه كان بعد زمان الامام الباقر

والصادق (عليه السلام)، وأما الشافعي وأحمد، فإن ولادتهما كانت بعد الإمام الصادق (عليه السلام)، فكيف يصح حمل رواياته المشتملة على ما يوافق رأيهم على صدورها تقية؟. كما انه كانت هناك خلافات و نزاعات شديدة بين علماء العامة ومدارسهم، والمطاعن التي يصدرها بعضهم في البعض الاخر، ففي جزء من اجزاء تاريخ بغداد للخطيب البغدادي مطاعن في أبي حنيفة، كما ان الحنفيين يطعنون في المذاهب الأخرى وائمتهم، وربما كان السبب في هذه الخلافات، ان السلطة الحاكمة آنذاك كانت تنشر وتشجع عليها وصولاً لبعض الاغراض، او ان السبب وجود بعض العصبيات القبلية أو البلدية. فاهل الكوفة يتعصبون للكوفيين، واهل المدينة للمدنيين وهكذا.

ومع هذا الاختلاف في الاراء، وتهجم البعض على الاخر، فكيف يقوى احتمال التقية، فان علماء العامة في أغلب الفروع التي صدرت فيها روايات متخالفة عن الأئمة (عليهم السلام) هم بانفسهم مختلفون فيها.

وكيف كان فاحتمال صدور الروايات عن تقية ربما يكون احتمالاً مستغرباً وموهوناً في حد ذاته، ومن التساهل في الفتوى والتحقيق وإن كان للتقية تأثيرها في موارد نادرة أحياناً في اختلاف الأحاديث في مقابل الاحتمالات الأخرى المؤثرة فيه كإلقاء الاختلاف والسوق للكمال والمداراة وغيرها.

الأمر الرابع: أن الأسباب التي ذكرت لصدور النصوص تقية لا تقتضي بقاء هذه النصوص الصادرة تقية دائماً، بل إن حالة التقية فيها مؤقتة تنكشف امرها أو يكشفها الإمام (عليه السلام) بعد انتهاء فترة التقية، فإن ما يصدر تقية تحفظاً على السائل فإنه

يعرفه اصحاب الأئمة (عليهم السلام) لكثرة معاشرة السائل للعامة وقلة معاشرته للشيعة او ان الامام يكشفها للسائل بعد ذلك، وما يصدر وفاقاً لمسلك السائل لا يُعد من رواياتنا. لان كلامنا في الروايات التي يرويها الثقات وخواص الأئمة (عليهم السلام) وبطانتهم، وقد ذكرنا ان الخواص أو اغلب الشيعة - كانوا يحاولون بدقة عدم السؤال من الامام (عليهم السلام) في امكنة عامة - وامام الملأ العام، وخاصة في المسائل الحساسة، لذلك رأينا زرارة يعين وقتا معينا يسأل فيه الامام (عليه السلام).

وكذا في الجواب في مجلس فيه من يُتقى منه، فإنه ليس من الضرورة، واللازم فيه استعمال التقية، بل يمكن الإجابة عن السؤال بأن فلاناً يقول: كذا وفلاناً يقول: كذا، وهكذا. أما الخوف من السلطة الحاكمة، فإن السلطة وإن كانت قوية في وقتها ولكن قوتها لا تدوم، فإنها إذا كانت في زمن الامام الباقر (عليه السلام) قوية وفرضت صدور الحكم منه (عليه السلام) على خلاف الواقع لكنها في الامام الصادق (عليه السلام) ضعفت وتوفرت الظروف له (عليه السلام) ليكشف عن الحقيقة، ويبين أن الحكم الصادر من أبيه كان على خلاف الواقع وأنه صدر عن تقية ؛ كما في روايات صيد جوارح الطير التي ذكرناها سابقاً فإن الإمام الصادق (عليه السلام) كان في أواخر زمان الأمويين، وأوائل زمان العباسيين حيث كانوا مشغولين بتصفية أمورهم، ولم تكن لهم تلك الرقابة المشددة عليه إلا في أواخر حياته (عليه السلام).

فتبين من خلال هذه الأمور الأربعة أن الأحاديث المدونة التي صدرت تقية قليلة، وأن فقهاءنا ومحدثينا قد بذلوا مختلف الجهود في مجال التصنيف والتدوين وتجريد أصولهم وكتبهم الحديثية من الروايات التي صدرت تقية، وتمكنوا من تحقيق ذلك إلا في بعض الموارد النادرة جداً.

وقد يستدل بالروايات الآمرة بالأخذ بما خالف القوم على كثرة وجود الروايات التي صدرت عن تقية ضمن مجاميع رواياتنا وانها من اسباب اختلاف الروايات، وإلاّ فلا وجه للأمر بالأخذ بما خالف العامة.

وقبل استعراض هذه الروايات نرى أن من الجدير البحث عن مدلول هذه النصوص وتفسير هذا الأمر حيث توجد احتمالات اربعة :

الاحتمال الأول: أن يكون الأمر بالأخذ هذا نفسياً لمصحلة في نفس الأخذ والعمل بما خالف العامة، فإن نفس هذا الاخذ مستحسن نفسياً لانه بذلك يتميز الشيعي عن غيره، فهم يتختمون باليسار، فلأجل مخالفة فتواهم وانتهاج ما يخالف المنهج الذي اختاره العامة فإن الأفضل أن نتختم باليمين. وعلى هذا الاحتمال فالروايات هذه لا تكون دليلاً على وجود الروايات الصادرة عن تقية بين رواياتنا.

الاحتمال الثاني: أن يكون الأمر بالأخذ بما يخالفهم طريقياً، بمعنى أن الخبر الموافق للعامة يكون فيه احتمال المخالفة للواقع أكثر ؛ فإن أغلب ما عليه القوم يبتني على أسس فاسدة أمثال الاعتماد على الأخبار القاصرة عن الإثبات من كل جهة او الاحاديث الموضوعة، أو الرأي والاستحسان والقياس، وحكم الخلفاء كما هو الملاحظ في موطأ مالك أحياناً، فهي لاتدل على صدور أحد الخبرين تقية، بل تدل على كون احتمال بطلان الخبر الموافق على ضوء حساب الاحتمالات وملاحظة الأدلّة المعتمدة عندهم، أكثر من احتمال صحته ومطابقته للواقع.

الاحتمال الثالث: أن يكون الأمر بالأخذ بما يخالف القوم طريقياً بلحاظ أن احتمال صدوره من الأئمة (عليهم السلام) اقوى؛ فإن بعض رواتنا الذين كانوا يأخذون عن الأئمة (عليهم السلام) ومن مشايخنا في نفس الوقت يأخذون عن مشايخ العامة أيضاً،

و ربما اختلط الأمر عليهم فينقلون رواياتنا عن مشايخ العامة ورواياتهم التي سمعوها منهم عن الأئمة (عليهم السلام). وهذا يؤدي بدوره إلى اختلاط المنقولات، والاشتباه في تعيين كل منها، فينقل كلام الإمام (عليه السلام) عن الشيخ العامي وبالعكس.

وفي بعض رواتنا ما يشير إلى هذه الفكرة مثل ما أورده الكشي في ترجمة محمد بن أبي عمير من أن الفضل شاذان قال: سأل محمد أبي عمر فقال له: (انك قد لقيت مشايخ العامة فكيف لم تسمع منهم ؟ فقال : لقد سمعت منهم غير أني رأيت كثيراً من أصحابنا قد سمعوا علم العامة وعلم الخاصة فاختلط عليهم حتى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة وحديث الخاصة عن العامة، فكرهت أن يختلط علي فتركت ذلك وأقبلت على هذا) (1).

وينقل مثل ذلك في كتاب (أضواء على السنة المحمدية) عن بعض رواة العامة فيذكر أن الرواة كانوا يشتبهون في النقل أحياناً، فينسبون ما يأخذونه عن كعب إلى غيره من الصحابة وبالعكس.

فيكون الأخذ بما يخالف القوم لا لأجل صدور الموافق لهم عن التقية، بل لأن احتمال اشتباه الراوي في نقل المخالف عن الأئمة (عليهم السلام) أقل من احتماله في نقله الموافق للعامة. وهذا يعني أن المخالف للعامة أقرب وأقوى احتمالا في صدوره وأقل في الاشتباه والاختلاط من الخبر الموافق لهم.

الاحتمال الرابع: أن يكون الأمر بالأخذ بما خالف القوم، لصدور الموافق لهم عن تقية. وعلى هذا الاحتمال فحسب تكون هذه الروايات ناظرة لصدور الروايات العديدة تقية منهم (عليهم السلام)، فترتبط بموضوع بحثنا.


1) رجال الكشي: 590 / 1105.

وبعد وضوح الاحتمالات المتصورة ثبوتاً في تفسير الأخذ بما خالف القوم وتعيين الاحتمال الذي يتم بموجبه الاستدلال بها على صدور بعض الأقوال عنهم تقية، نستعرض الروايات الآمرة بالأخذ بما خالف العامة لنرى مدى دلالتها على تعيين الاحتمال الرابع الدال على الموضوع، وهل يمكنها أن تثبت وجود بعض الروايات تقية من الروايات التي بين أيدينا والكتب الواصلة إلينا؟ ويمكن تقسيم هذه الروايات إلى طوائف:

الطائفة الأولى: الروايات الواردة في الخبرين المتعارضين. وهي على قسمين:

القسم الأوّل ماورد في الأخذ بما خالف العامة من دون أن يعلل بأن الرشد في خلافهم، وهي مذكورة في مصادر ثلاثة عوالي اللآلي، والاحتجاج للطبرسي، والرسالة المنسوبة للقطب الراوندي.

المصدر الاول عوالي اللآلي لابن أبي جمهور الأحسائي، وهي مرفوعة العلامة عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام). وجاء فيها: «انظر إلى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه وخذ بما خالفهم» (1).

ولكن يمكن مناقشة الاستدلال بها على موضوعنا بإشكالات:

أولاً - أن الأمر بالاخذ بما يخالفهم مطلق ولم يذكر فيها وجه ذلك؛ ولذا فإن الاحتمالات الأربعة التي ذكرناها في مفادها ثبوتاً تأتي فيها ولا معيّن ولا مرجّح للاحتمال الرابع منها، ولابد من إحراز دلالتها على الاحتمال الرابع لترتبط ببحثنا، ولا نحرز ذلك هنا.


1) عوالي اللآلي 4 : 133 / 229.

ثانيا : على تقدير دلالتها على صدور بعض رواياتهم (عليهم السلام) تقية فإنها تدل على صدور ووجود الروايات الصادرة تقية حدوثاً في زمن زرارة، ولا تدل على تدوينها وبقائها في كتب الشيعة بعد ذلك، وخصوصاً مع ملاحظة ماجرى على كتب الحديث بعد ذلك من التمحيص والتدقيق؛ فيتعين العدم؛ لما ذكرنا من أن زرارة نفسه كان ينبه بعض الرواة حيث عرض رواياتهم عليه لصدور بعضها تقية (1)، فكيف لم يتم تصفيتها حين التدوين ؟ بل هناك مايدل على التصفية حين التدوين؛ لعدم ذكر بعض الروايات التي صدرت تقيّة في كتب الحديث اذن فعلى تقدير صدور بعض الروايات تقية حدوثاً فلا يعلم الاعتراف بها وتدوينها بعد ذلك.

وثالثاً: ضعف الرواية سنداً؛ لأن ابن أبي جمهور ينقل الرواية عن كتاب العلامة ولم يذكر سند العلامة إلى زرارة فهي مرفوعة لا يعتمد عليها.

وربما تناقش هذه الرواية بعدم الاعتماد على ابن أبي جمهور الأحسائي خصوصاً كتابه هذا لاشتماله على أحاديث العامة، وحتى مثل صاحب الحدائق الذي ليس من دأبه المناقشة في سند الروايات يناقش هذا الكتاب بانه يشتمل على الغث والسمين.

ونحن قد تعرضنا لهذا الاعتراض في قاعدة الميسور ومناقشته بالتفصيل، وذكرنا هناك بأن مجرد اشتمال هذا الكتاب على بعض روايات العامة لا يعد قدحاً في شخصية هذا العالم الجليل الذي كان من أكابر علماء الشيعة في أواخر القرن التاسع، ولا في كتابه الذي تعمّد تدوين أحاديث العامة فيه وخاصة في الظروف التي كان يعيشها، لمواجهة بعض الإشكالات التي توجهت إلى الشيعة، وأن أصولهم وكتبهم الحديثية


1) تقدم في ص 225.

خالية من أحاديث النبي (صلى اللّه عليه وآله) بما ترمز إليه هذه الدعوى من أهداف غير سليمة.

وكذلك لا يناقش الكتاب بأنه ينقل عن مصادر لم تصل إلينا كمؤلفات العلامة والشهيد وفخر المحققين؛ إذ يلاحظ علي ذلك أن عدم وصولها إلينا إنا هو بسبب الظروف التي حرمت المكتبة الشيعية من هذه التصنيفات والكتب القيمة. فمجرد عدم وصولها إلينا لا يدل على أنها غير موجودة ليكون ذلك قدحاً فيه.

وكذا لا يناقش فيه بأنه قد وثق في مقدمته جميع رواة كتابه مع أن بعضهم من العامة؛ فانه يلاحظ على ذلك إنهما وثق وسائطه إلى أصحاب الأصول والكتب التي ينقل عنها، ولم يتعرض إلى توثيق بقية سلسلة السند بما فيهم صاحب الأصل ومن قبله والحديث بتوسع عن هذا الكتاب ومؤلفه مرّ مراراً في بعض بحوثنا الفقهية والأصولية، وسيأتي البحث عنه حينما نبحث عن الأخبار العلاجية (1).

المصدر الثاني: الاحتجاج للطبرسي، فينقل مرسلا عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قلت يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه؟ قال: «لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك وتسأله عنه». قال وقلت: «لابد من أن نعمل بأحدهما. قال: «خذ بما خالف العامة» (2).

ويلاحظ على الاستدلال بها :


1) يأتي في صفحة 340.

2) الاحتجاج 2 : 265 / 235.

أولا: ماذكرناه من أن الأمر بالأخذ بما يخالفهم مجمل المقصود؛ لتردده ثبوتا بين الاحتمالات الأربعة التي ذكرناها في بداية البحث وثانياً: انها مرسلة لا يعتمد عليها كسائر روايات الاحتجاج.

وثالثاً: أن متن الحديث غير واضح ؛ فإنه لم يذكر مرجع الصمير في قوله: (يأمرنا بالأخذ به) فلا بد من تأويله بأنه يأمرنا بالأخذ بشيء من الأشياء ولعل مراده أن الأخذ لا يكون مطلقاً، إنما بعد فرض السائل اضطراره إلى الأخذ بأحدهما، كموارد دوران الأمريين المحذورينفانه انما يأخذ باحدهما من باب الاضطرار، حيث لا يمكن انتظار الأمام (عليه السلام)، ولا بد من العمل. فأمره (عليه السلام) بالأخذ بما يخالف العامة؛ مما يدل على أنه علاج ثانوي مؤقت، فلا يدل على الأمر بالأخذ بالمخالف لهم في جميع الحالات، بل إن ظاهرها عدم صحة الأخذ بأحدهما اختيارا؛ لانها تدل على أن الأخذ مؤقتاً ومن باب الاضطرار حتى يحصل له التمييز بين الحق والباطل، وبعد ذلك يأخذ بالحق عملا وتدويناً وتعليماً، وأما قبل ذلك فالموقف اضطراري مؤقت. ومثل هذا يدل على خلاف المطلوب.

المصدر الثالث: الرسالة المنسوبة إلى القطب الراوندي، وقد جاء فيها: عن عبد الرحمن بن عبد اللّه قال : قال الصادق (عليه السلام): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وماخالف كتاب اللّه فردوه. وإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامة فما وافق أخبار العامة فذروه وماخالف أخبارهم فخذوه» (1).


1) لم نعثر على رسالة الراوندي عنه في الرسائل 27 : 118 / 29، ب 9 من ابواب صفات القاضي.

وهي منقولة عن رسالة الراوندي، وهي رسالة سعيد بن هبة اللّه الراوندي، وتشتمل على جمله من الروايات سيأتي البحث عنها بالتفصيل، وأنه لا يمكن الاعتماد عليها.

على أن مفاد الرواية غريب في حد ذاته، لذا نرى أن الذي احتج بهذه الرواية لم يعمل بمفادها في الفقهلان هناك ثلاثة مجالات، اخبار العامة، فتاوى العامة. وما تميل له السلطة الحاكمة؛ فإن اخبار العامة غير فتاواهم، والتقية إنما يكون من الفتاوى لا من الاخبار فلا يحمل رواية على التقية لموافقتها مع حديث ذكر في البخاري ومسلم، وإنما يقول بأنها موافقة مع مالك أو الشافعي أو أحمد.

فهذه الرواية تشير إلى عرض الخبرين المختلفين على أخبار العامة فحسبو الأخذ بما خالفها لا لاجل ما ذكرناه؛ باعتبار أن أخبارهم في الغالب غير معتبرة لاجل ما ذكرناه من ظروف وعوامل اثرت في احاديثهم فاوجبت عدم الوثوق كثيرا بها، ولذا نرى أن جملة من علماء العامة لم يعتنوا كثيراً بأخبارهم، فيذكر ابن خلدون بأن أبا حنيفة لم يقبل أكثر أخبار العامة وإنما العلماء الذين جاؤوا بعد ذلك اهتموا بها (1). ومع ذلك فالرواية تشير إلى أن المعيار هو العرض على أخبار العامة، مع أنه لا مجال للتقية من أخبارهم؛ إذ لا حذر من الأخبار التي لا يعمل بها، والتأثير إنما هو لآراء العلماء وفتاواهم بحسب شخصيتهم ومكانتهم الاجتماعية أو الآراء التي تميل إليها السلطة السياسية. والرأي


1) مقدمة ابن خلدون 444 الفصل السادس في علوم الحديث، فان من نتائج منعهم من تدوين الحديث ونقله. قلة الأحاديث المعتبرة عن الرسول 9 عندهم بسبب ضياع بعض الأحاديث وما يسببه مجرد الاعتماد على الذاكرة من النسيان أو الزيادة والنقيصة فيها، كما ان هذا المنع فتح المجال للوضاعين ليكثروا من وضع الحديث لاسباب تذكر في محلها. (المقرر).

قد يستند إلى الأخبار وقد يستند إلى القياس والاستحسان أو تطبيق قاعدة كلية، وهكذا. ولم يظهر من علمائنا والأصحاب آنذاك جعل المعيار موافقة أخبار العامة أو مخالفتها، بل إن المتعارف بينهم حتى الآن هو ملاحظة فتاوى العامة وآرائهم الفقهية.

وهناك ملاحظة مهمة ينبغي التركيز عليها وهي أن هذه الرواية – على تقدير اعتبارها – صادرة من الإمام الصادق (عليه السلام): وأخبار العامة في عهده (عليه السلام) لم تكن مدوّنة، فمن أوائل كتبهم الموطأ لمالك، وقد أُلف سنة (148) هجرية أي بعد وفاة الإمام الصادق (عليه السلام)، فلو اعتبر في العمل بالخبرين المختلفين العرض على أخبار العامة، فهو يعني أنه يتعين على الأصحاب آنذاك وحيث لم تكن كتب الحديث مدوّنة التلمذة لمشايخ العامة ومحدثيهم، ليعرفوا أخبارهم ويعرضوا الأخبار المتعارضة عليها، وهو كماترى.

هذه هي إحدى الروايات في الرسالة.

الرواية الثانية ينقل في الرسالة بسنده المعتبر عن أحمد بن محمد بن عيسى عن يونس ابن عبد الرحمن عن الحسن السرى - لا الحسين كما في الوسائل؛ فإنه غير صحيح؛ إذ أثر له في الرجال، ويونس ينقل كثيراً عن الحسن - قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم» (1).

وهي بالإضافة إلى ضعفها بالإرسال، تأتي فيها الاحتمالات الأربعة السالفة الذكر، مضافاً إلى عدم دلالتها على بقاء روايات التقية إلى زماننا على تقدير صدورها.

الرواية الثالثة: ينقل في الرسالة عن الصدوق عن محمد بن موسى المتوكل عن السعد آبادي (علي بن الحسين) - وتوثيقه مبتن على اعتبار أسانيد كامل الزيارات،


1) عنه في الوسائل 27 : 118 / 30، ب 9 من أبواب صفات القاضي ويجوز انه يحكم به.

فتوثيقه محل تأمل - عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي عن أبيه عن محمد بن عبدالله قال: قلت للرضا (عليه السلام): كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ فقال: «إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا إلى ما يخالف منهما العامة فخذوه وانظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه» (1). وهي بالإضافة إلى ضعف سندها لما ذكرناه حول السعد آبادي تأتي فيها الوجوه السابقة التي ذكرناها.

الرواية الرابعة : ينقل في الرسالة أيضاً بسنده عن الصدوق عن محمد بن موسى المتوكل عن السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبدالله عن ابن فضال عن الحسن بن الجهم - ولا ضعف في السند سوى السعد آبادي - قال: قلت للعبد الصالح (عليه السلام): هل يسعنا فيما ورد علينا منكم الا التسليم لكم؟ فقال: «لا والله لا يسعكم الا التسليم لنا». فقلت: فيروى عن أبي عبدالله (عليه السلام) شيء ويروى عنه خلافه، فبأيهما نأخذه؟ فقال: «خذ بما خالف القوم وما وافق القوم فاجتنبه».

ويأتي فيها مضافاً إلى ضعف سندها، تردد المراد بين الاحتمالات الثبوتية الأربعة، وعدم الدلالة فيها على وجود مثل هذه الروايات فيما بايدينا من كتب الحديث.

وأما القسم الثاني: وهو ما ورد فيه الأخذ بما خالف العامة وأن فيه الرشاد، حيث علّلت الأخذ بالمخالف ؛ لأن الرشد في خلافهم، وهي مقبولة عمر بن حنظلة المشهورة نقلها المشايخ الثلاثة باختلاف يسير، وجاء فيها: قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقاة عنكم ؟ فقال : ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة، وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة


1) عنه في الوسائل 27: 119/ 34، ب 9 من أبواب صفات القاضي وما يجوز انه يحكم به.

ووافق العامة قلت: جعلت فداك إن كان الفقيهان (عرفا حكمه من الكتاب والسنة) - في الكافي (1)- (خفي عليهما حكمه من الكتاب والسنة) – في التهذيب (2)- وهو الحق) ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: «ماخالف العامة فيه الرشاد» - الكافي - «خذ بما خالف العامة، فإن فيه الرشاد».

وبما أنه قد ذكر للرشد والرشاد معنيان:

أحدهما: الصواب والهداية، وهو ينسجم مع مانقل في الكافي، وبه يدل على المطلوب؛ فإنه يعني أن المخالف للعامة فيه الهداية والوصول إلى الحق؛ فيدل على أن الموافق لهم قد صدر تقية.

والثاني: الخير والصلاح، ويقابله الشر بقوله تعالى (أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) (3). وهو ينسجم مع نقل التهذيب؛ فهو يعني أن الصلاح بالأخذ بمخالف العامة. فالضمير في «فيه» يعود الى الأخذ بالرواية لانفسها؛ فلا تدل على المطلوب، وأن الخبر صدر تقية؛ إذ يحتمل أن المراد: كون المخالفة نفسها أولى وامر حسن وأن نفس الأخذ فيه الصلاح.

إذن، فيأتي فيها بالإضافة الى ضعف السند ماذكرناه من الاحتمالات الأربعة. هذا بالإضافة إلى عدم دلالتها على وجود مثل هذه الأحاديث في مدونات الأحاديث التي بأيدينا وأنها صدرت عنهم : تقية.


1) الكافي 10/54:1.

2) التهذيب 2 : 301/ 845، والفقيه 3 : 2 / 5.

3) الجن: 10.

الطائفة الثانية: مادل على حسن مخالفة العامة في حد ذاتها مع قطع النظر عن الحديثين المتعارضين، وهي جملة من النصوص، فمنها رسالة القطب الراوندي بسند معتبر إلى ابن ابي عمير عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «ما أنتم والله على شيء مماهم فيه، ولاهم على شيء مما أنتم فيه؛ فخالفوهم فاهم من الحنفية على شيء» (1).

ولكن يرد عليه:

أولاً: ضعف السند بعلي بن أبي حمزة، ولا يجديه رواية ابن أبي عمير عنه كما ذكرناه في محله.

وثانياً: أن الحديث يدلّ على حسن المخالفة معهم بنفسها لا على نحو الطريقية لتدل على صدور موافقهم عن تقية.

وثالثاً: لا يمكن الأخذ بظاهرها؛ فإنهم - وكما تدل عليه الروايات - اشتركوا معنا في أربع من دعائم الإسلام وإن تركوا الولاية؛ ولذا فلو استبصر أحدهم فإن أعماله السابقة تكون صحيحة سوى الزكاة؛ لوضعه اياها في غير موضعها.

ومنها : ما في التهذيب عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن أحمد السياري - وهو خطأ؛ فهو أحمد بن محمد، وهو ضعيف - عن علي بن أسباط قال: قلت له: يحدث الأمر من أمري لا أجد بداً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد استفتيه؟

فقال: «إيتِ فقيه البلد إذا كان ذلك فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه


1) عنه في الوسائل 27: 119 / 32، ب 9 من أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يحكم به.

فإن الحق فيه» (1)وهذه الرواية يرويها أحمد بن محمد السياري، وهو ضعيف ملعون، ومؤلف كتاب التحريف في القرآن، ولعل أكثر روايات تحريف القرآن تنتهي إليه، على أن الرواية لاتدل على وجود ذلك في كتبنا.

الطائفة الثالثة: روايات أمر فيها بالأخذ بما يخالف العامة دون ان يذكر الخبرين المتعارضين، وذكر فيها الوجه في ذلك مثل مارواه جامع الأحاديث عن العلل قال: حدثنا أحمد بن إدريس عن أبي إسحاق الأرجاني رفعه قال: قال أبو عبدالله «أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة؟». فقلت: لاندري. فقال (عليه السلام): «إن علياً لم يكن يدين اللّه بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشيء الذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم جعلوا له صداً من عندهم ليلبسوا على الناس» (2).

وهي مع ضعفها لكونها مرفوعة غريبة في حدّ ذاتها؛ إذ المعروف أن البعض آنذاك كانوا يرجعون للامام (عليه السلام) في المشكلات المستعصيه وكانوا يسألون الإمام (عليه السلام) للاسترشاد والاستنارة بنور علمه. وعلى تقدير الصحة فهي لاعلاقة لها بموضوع البحث؛ لأنها لاتدل على وجود الأحاديث الصادرة تقية في كتبنا.

هذا تمام الكلام فيما يمكن الاستدلال به على كثرة وجود الروايات الصادرة تقية.


1) التهذيب 6: 294 / 820.

2) علل الشرائع : 1531 جامع الأحاديث 1: 321/ 475.

البحث الثاني: في أنواع الكتمان وطرقه

الكتمان يتم بطريقين، فهو قد يتحقق بالسكوت، وقد يتحقق ببيان ما يوهم خلاف الواقع، أي التورية.

الطريق الاول: والكتمان بالسكوت وهو قد يفرض في غير مورد السؤال والاستفهام، كما إذا واجه المعصوم عملاً فسكت عنه بأن يكون بمرأى منه ومسمع دون أن ينبه الإمام (عليه السلام) على مخالفته للواقع، كما لو عمل الشخص أو الناس عملاً مع اعتقاد أنه واجب فيسكت (عليه السلام) دون أن ينبه إلى أنه غير الزامي كإعطاء الزكاة المستحبة بتصور وجوبها كما مضى في رواية زرارة (1)، وقد يكون السكوت في مورد.السؤال. بان يسأل السائل عن موضوع، فلا يرى الإمام (عليه السلام) المصلحة في الجواب، بل يسكت، كما مر في خبر زرارة. وانه يجب على الناس السؤال، ولكن لا يجب على الإمام الجواب عن كل سؤال، لأنه قد يترتب عليه بعض الاثار السلبية كما يلاحظ في بعض الزعماء، حيث يمارسون الكتمان في بعض الظروف، واحيانا يسكت في المجلس إذ لا يرى المصلحة الجواب فيه، ولكن بعد ذلك.

يبين الجواب الصحيح للسائل، كما سنذكره في رواية زرارة.

وهذا السكوت قد يكون مستمراً، وقد يكون محدوداً ومؤقتاً ؛ فيبين الجواب بعد ذلك.


1) المتقدمة في ص 231 هامش 4.

ومثال النحو الأول مما يكون السكوت مستمراً ماجاء في رواية البزنطي التي سبق ذكرها عن الوافي حيث ينقل الكافي بسند معتبر عن البزنطي قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن مسألة فأبى وأمسك، ثم قال: «لو اعطيناكم كل ما تريدون كان شراً لكم، وأخذ برقبة صاحب هذا الأمر» (1).

ومثال النحو الثاني مما يكون السكون موقتاً ما جاء في الوسائل بسند لايبعد اعتباره - وهو حمدوية – عن محمد بن عيسى عن القاسم بن عروة - ويمكن توثيقه ببعض الوجوه - عن أبن بكير قال: دخل زرارة على أبي عبدالله (عليه السلام) فقال: إنكم قلتم لنا في الظهر والعصر على ذراع أو ذراعين، ثم قلتم: «أبردوا بها في الصيف»، فكيف الإبراد بها؟ وفتح ألواحة ليكتب ما يقول، فلم يجبه أبو عبدالله (عليه السلام) بشيء، فأطبق ألواحه، فقال: إنما علينا أن نسألكم، وأنتم أعلم بما عليكم. ودخل أبو بصير على أبي عبدالله (عليه السلام) فقال: «إن زرارة سألني عن شيء فلم أجبه، وقد ضقت من ذلك، فاذهب أنت رسولي إليه فقل: صل الظهر في الصيف إذا كان ظلك مثلك والعصر إذا كان مثليك» (2).

وفي بيان معنى الإبراد (3)وحدوده خلاف بين علماء العامة كما يظهر بملاحظة كتاب المغني لابن قدامة ولديهم حديثان متعارضان حوله حديث ينهي عن الإبراد، وحديث يجيزه. وقد اعترض بذلك على المحدثين حيث إن مقتضى بعض رواياتهم أن النبي (صلى اللّه عليه وآله) لم يقبل تأخير الصلاة مطلقاً وبعضها الآخر يتضمن


1) تقدم في ص 219.

2) رجال الكشي : 143 / 226، الوسائل 4 : 139 / 33، ب 8 من أبواب المواقيت.

3) في مجمع البحرين 3: 12: الابراد الصلاة في أول الوقت، من (برد النهار): أوله.

الإبراد. وقد تصدى ابن قتيبة في كتابه (تأويل مختلف الحديث) لتأويلها وذكر أن الأفضل هو الصلاة في أول الوقت؛ ولذا فإن النبي لم يقبل التأخير.

نعم، إذا عرض عارض فإنه يجوز التأخير (1). فالمسألة إذن كانت حساسة عند العامة، وقد اختلفت رواياتهم وآراؤهم ولذا لم يجد الإمام (عليه السلام) من المصلحة أن يذكر الحكم لزرارة.

هذا بالنسبة للكتمان بالسكوت وليس فيه بحث مهم للكتمان وهو المهم في البحث، وهو الكتمان بالتورية والمعاريض واللحن ببيان مايوهم خلاف الواقع. وبما أن مقتضى الطبع عادة الاستئناس بظهورات الألفاظ وخاصة في البحوث الفقهية حيث ان المناسب لها ذكر الاقوال الصريحة الظاهرة في المعاني والاحكام، وقلة اللبس او التورية فيها، فربما يستغرب إن قيل باشتمال كلام الأئمة (عليهم السلام) على التورية والمعاريض ولابد من معرفتها. ولأجل ذلك ننقل كلامين عن علمين بينهما فاصل زمني طويل.

قال المفيد في شرح اعتقادات الصدوق: (وقد جاء عنهم (عليهم السلام) ألفاظ مختلفة في بيان معان مخصوصة، فمنها ما تتلازم معانيه وإن اختلف ألفاظه، لدخول الخصوص فيه والعموم والندب والإيجاب، ويكون بعضها على أسباب لا يتعداها الحكم، والتعريض في بعضها بمجاز الكلام لموضع التقية والمداراة وكل من ذلك


1) المغني لابن قدامة 1: 433 - 434.

مقترن بدليله غير خال من برهانه) (1). وجاء مثل ذلك منه في أجوبة المسائل السروية، قال: (وتعريض في القول للاستصلاح والمداراة وحقن الدماء) (2).

وقال الشيخ الانصاري في رسائله : (ان الخبر الصادر تقية يحتمل أن يراد ظاهره؛ فيكون من الكذب المجوز لمصلحة، ويحتمل أن يراد منه تأويل مختف على المخاطب فيكون من قبيل التورية وهذا أليق بالإمام، بل هو اللائق إذا قلنا بحرمة الكذب مع التمكن من التورية) (3). وذكر مثل ذلك في المكاسب المحرمة (4).

وكذلك في العبارة التي سبق ذكرها عنه: (وإما بغير القرينة لمصلحة يراها الإمام (عليه السلام) من تقية على ما اخترناه من أن التقية على وجه التورية، أو غير التقية من المصالح الأخر). ويذكر هناك روايات تدل على صدور التورية عنهم (عليهم السلام) يذكرها في محله، ويقول أيضاً : (إن تأويلات الشيخ الطوسي في الاستبصار تعتمد على هذا الأمر، وإلا فهي ليست تأويلات بعيدة) (5).

إذن، فالشيخ الأنصاري يعترف بوجود التورية في أقوال الأئمة (عليهم السلام) فيما لو لم يريدوا بيان الحكم الواقعي لمصلحة ما، والشيخ الطوسي – برأي الشيخ الأنصاري - يذهب لذلك أيضاً، وإن جمعه بين الأخبار وحملها على محامل ربما


1) تصحيح الاعتقاد: 147.

2) المسائل السروية: 77.

3) الرسائل 2: 809.

4) المكاسب 4 : 196.

5) الرسائل 2 : 810.

كانت بعيدة جداً عن ظاهر الرواية إنما هو لاعترافه بالتورية في كلامهم، حيث إن في الرويات المتعارضة كثيراً ما يراد منها خلاف ظاهرها.

وبعد ذكر كلام هذين العلمين نعود إلى الموضوع، وهو يقع في ثلاثة جهات:

الجهة الأولى : في بيان تفسير اللحن والمعاريض والتورية في اللغة العربية، والفحص عن مدى وجود التورية في الأدب العربي.

الجهة الثانية: في بيان أن الأئمة (عليهم السلام) هل أخبروا وأعلموا أن في كلامهم لحناً وتورية وهل يوجد دليل على استعمال الائمة (عليهم السلام) للتورية خارجاً مضافاً إلى ما ذكره الشيخ الانصاري من أنها اللائقة بمقامهم في مقام التقية؟ (1).

الجهة الثالثة: في بيان أن إعلام الأئمة (عليهم السلام) باستعمالهم التورية هل هو لمجرد إبراز تحرزهم عن الكذب، أو لداعي إلغاء ظهورات كلامهم عن الحجية، أو الغرض حث الفقهاء على التدقيق واستكشاف المراد الواقعي من خلال تجميع القرائن والشواهد.

أما الكلام في الجهة الأولى، فنقول: إن التورية على قسمين:

القسم الأول: التورية البديعة. وهي لاترتبط ببحثنا هنا، وذكرت في علم البديع وعدت من محسنات الكلام فيها. والأقرب أنها تعني استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد فيكون إطلاق التورية التي هي بمعنى الستر والكتمان عليه لأجل عدم العلم بإرادة أحد المعنيين أو كليهما ابتداءً وإلا فإن المتكلم يقصد تفهيم كلا


1) الرسائل 2: 809.

المعنيين أو جميع المعاني فليس فيها ستر وتورية مع إرادة كلا المعنيين من اللفظ. وقد مثلنا له في مبحث استعمال اللفظ في اكثر من معنى بقول الشاعر:

اي المكان تروم ثم من الذي *** تمضي إليه اجبته المعشوقا (1)

فاستعمل كلمة (المعشوق) في قصر المتوكل ومحبوبه.

وقال بعض الشعراء يصف النبي (صلى اللّه عليه وآله):

المرتمي في دجى والمبتلى بعمى *** والمشتكي ظمأ والمبتغي دينا

يأتون سدته من كل ناحية *** ويستفيدون من نعمائه عينا (2)

فاستعمل كلمة (عين) في أربعة معان: الشمس والباصرة، والنابعة، والذهب، على مقتضى الترتيب في البيت الأول وقد ذكرنا في محله الشواهد من كلام العرب نثراً وشعراً على وقوع استعمال اللفظ في اكثر من معنى. والظاهر عدم توجه علماء البديع لهذا القسم من التورية وإنما اهتمامهم كان في القسم الثاني منه.

القسم الثاني: التورية العرفية. ويقصد بها التكلم بكلام يخفي به المتكلم ما أراد إخفاءه مع كون المراد الجدّي منه مطابقاً للواقع. ويمكن تقسيمها إلى نوعين:

النوع الأول: أن يكون القصد من ذلك المندوحة والتحرز عن الكذب فحسب، فيقصد بالكلام معنى غير ما يتوهمه السامع سواء كان ظاهراً فيه أم لا.

النوع الثاني : أن يبين الموضوع على نحو التعريض والأشارة بحيث لو كان المخاطب فطناً ودقيقاً في فهمه، لفهم المعنى، وإلا لم يفهمه. فالمقصود تفهيم المخاطب دون غيره.


1) وقاية الأذهان: 87.

2) المصدر نفسه.

وهذان النوعان هما اللذان يرتبطان بفهم أقوال الأئمة (عليهم السلام).

والنوع الأول من التورية على أنحاء:

1 - أن يكون المعنى المخالف للظاهر مقصوداً للمتكلم من دون أن ينصب قرينة على ذلك، كما لو قال في جواب من سأله عن رؤيته زيداً : (ما رأيته ولا كلمته) ويقصد منه أنه لم يصب رئته ولم يجرحه مع كون الكلام بنفسه ظاهراً في انه لم يجد زيداً ولا تحدث معهفالمراد من هذه الجملة غير ظاهرها.

2 - أن يكون المعنى الظاهر من الكلام هو المقصود للمتكلم ولكن السائل و باعتبار مقدمة مطوية في الكلام يتصور بأن ظاهره معنى آخر، وذلك كما لو سأل الخادم عن مولاه: هل هو في البيت؟ فيجيبه بأنه ذهب صباحاً إلى المسجد. فهذا الكلام صدق وإن كان مولاه فعلاً في البيت، لكن السائل يتصور أن لابد أن يكون الجواب مطابقاً للسؤال عادة فيتخيّل بأن كلامه هذا كناية عن عدم وجوده في البيت فعلاً.

3- أن يلقي المتكلم كلاماً مجملاً لكن السامع يحمله على أحد المعنيين لتصور لزوم مطابقة الجواب للسؤال، كأن يعترض شخص على آخر في ذمه له فيجيبه قائلاً: (علم اللّه ماقلته). فإن (ما) هنا كما يحتمل أن تكون نافية يحتمل أن تكون موصولة، ولكن السامع يحملها على النفي لافتراضه المطابقة بين السؤال والجواب.

4 - أن يعدل المتكلم عن الموضوع الذي يسأله السائل إلى موضوع آخر لاعلاقة له بالسؤال، وفي نفس الوقت يكون مطابقاً للواقع. ومثاله ما جاء في شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (قال أبو حنيفة: قال لي الربيع في دهليز المنصور: إن أمير المؤمنين يأمرني بالشيء بعد الشيء من أمور ملكه فأنفذه وأنا خائف على ديني، فا تقول في

ذلك؟ قال: ولم يقل لي ذلك إلا في ملأ من الناس فقلت له أفيامر أمير المؤمنين بغير الحق؟ قال: لا. قلت: فلا بأس عليك أن تفعل بالحق. قال أبو حنيفة: فأراد أن يصطادني فاصطدته) (1).

والملاحظ أن هذه الانحاء الاربعة تشترك جميعها في كونها من شواهد قولهم: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، فهي ترتبط بالنوع الاول. وهذا النوع هو الذي ذكره العلماء في كلماتهم، ففي تاج العروس: (المعراض من الكلام: فحواه، كالرجل تسأله: هل رأيت فلان؟ فيكره أن يكذب وقد رآه إن فلاناً ليرى. ولهذا المعنى قال عبدالله بن عباس: ما أحب معاريض الكلام حمر النعم) (2)، وفي الصحاح: (المعاريض في الكلام. هي التورية بالشيء عن الشيء وفي المثل - قلت: وهو حديث مخرج عن عمران بن حصين مرفوع - : ان في المعاريض لمندوحة عن الكذب، أي سعة) (3). جمع معراض من التعريض.

وفي تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (وجاء في الرخصة في المعاريض، وقيل: إن فيها عن الكذب مندوحة، فمن المعاريض قول إبراهيم الخليل (عليه السلام) في امرأته: «إنها اختي» يريد أن المؤمنين أخوة، وقوله تعالى: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) (4)، وجعل النطق شرطاً للفعل وهو لا ينطق ولا يفعل). إلى أن قال: (فمنها أن رجلاً من الخوارج لقي رجلاً من الروافض، فقال له : والله لا


1) شرح نهج البلاغة 16/ 158.

2) تاج العروس 18: 415.

3) الصحاح 3: 1087 - عرض.

4) الأنبياء: 63.

أفارقك حتى تبرأ من عثمان وعلي أو أقتلك. فقال: أنا والله من علي، ومن عثمان بريء. فتخلص منه. وإنما أراد أنا من علي - يريد أنه يتولاه - ومن عثمان بريء، فكانت براءته من عثمان وحده) (1).

ومن يريد الاطلاع أكثر فليلاحظ تفسير مجمع البيان (2)فإنه يذكر كلاماً يشبه كلام ابن قتيبة مع تفاصيل أخرى، وآيات الأحكام للجصاص(3)، وتفسير القرطبي(4)، والمحلى (5)، والخلاف (6)للشيخ الطوسي باب الحيل آخر الطلاق، ومصباح الفقاهة (7)في بيان التورية ليست بكذب حقيقة.

وفي مرآة العقول للمحدث المجلسي: (وكان النخعي من كبار فقهاء الكوفة، توفي سنة (95) هجرية وهو أستاذ أستاذ أبي حنيفة لا يقول لابنته: اشتري لك سكراً، بل يقول : أرأيت لو اشتريت لك سكراً؟ فإنه ربما لا يتفق وكان إبراهيم إذا طلب في الدار من يكرهه قال للجارية: قولي له اطلبه في المسجد. وكان لا يقول: ليس ههنا؛


1) تأويل مختلف الحديث: 35.

2) مجمع البيان 53:4.

3) آيات الأحكام للجصاص 3: 193.

4) تفسير القرطبي 10 : 187.

5) المحلى 8: 329.

6) الخلاف 4 باب الحيل آخر الطلاق.

7) مصباح الفقاهة 1: 398.

لئلا يكون كاذباً. وكان الشعبي إذا طلب في البيت وهو يكرهه فيخط دائرة ويقول للجارية: ضعي الإصبع فيها وقولي: ليس هاهنا) (1).

وقد ورد في أحاديثنا أن هذا لا إشكال فيه، ففي مستطرفات السرائر نقلا عن کتاب عبدالله بن بكير بن أعين عن أبي عبدالله (عليه السلام) (الرجل يُستأذن عليه فيقول لجاريته: قولي ليس هو هاهنا. قال: «لا بأس ليس بكذب» (2).

والمهم هو البحث عن النوع الثاني، وهو تفهيم المخاطب إذا كان فطناً ذكياً. وقد تعرض له جماعة منهم السيّد المرتضى في أماليه في صدر شرح قوله (صلى اللّه عليه وآله): «من تعلم القرآن ثم نسيه لقي اللّه تعالى وهو أجذم» بعد رد كلام أبي عبيدة وابن قتيبة فقال: (وأما معنى الخبر فهو ظاهر لمن كان له أدنى معرفة بمذاهب العرب في كلامها، وإنما أراد بقوله: «يحشر أجذم» المبالغة في وصفه بالنقصان عن الكمال وفقد ماكان عليه بالقرآن من الزينة والجمال. ثم يقول بعد إقامة شواهد عليه من كلمات العرب : (وإنما أراد المعنى الذي ذكرناه، وللعرب ملاحن في كلامها وإشارات إلى الأغراض، وتلويحات بالمعاني متى لم يفهمها ويسرع إلى الفطنة بها من تعاطى تفسير كلامهم وتأويل خطابهم كان ظالماً نفسه متعديا طوره) (3). وله حديث يشبه هذا (4).

فالفرق بين هذا النوع والنوع الأول أنه في هذا النوع يقصد تفهيم المخاطب كما قال الشاعر:


1) مرآة العقول 2: 33.

2) مستطرفات السرائر : 1/137.

3) أمالي المرتضى 1 : 6 - 7.

4) أمالي المرتضى 1: 14 - 15.

ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا *** واللحن يعرفه ذوو الألباب (1)

هكذا في بعض النسخ: (لحنت)، ويمكن أن تكون بعض أمثلة النوع الاول أمثلة لهذا النوع ايضا كما لو قصد بإلقاء الكلام الموهم - مثل قوله: ذهب صباحاً إلى المسجد) - أن يجرب فطنة المخاطب ليراه هل فهم أنه قد عدل عن الجواب من دون أن يقصد إخفاء وجود الشخص في البيت؟ لان العرب كانوا يرون من لا يلتفت لاستعمالات التورية والمراد الحقيقي فيها ناقصاً في الفطنة والذكاء.

إذن، ففهم لحن الكلام بالمعنى الذي ذكرناه ومعرفته يعتبر من كمالات الإنسان بل من الأمور الضرورية اللازمة حتى إن عدم الالتفات إليه ربما يعد منقصة. وقد ذكر العلامة الأميني في الجزء السادس من الغدير في باب نوادر الأثر أن الخليفة الثاني لم يكن يتنبه إلى معاريض الكلام ولحنه، فمن ذلك أن امرأة أتته وشكت عنده زوجها فقال: (إن بغلي يقوم الليل ويصوم النهار). فقال لها: نعم البعل. فأشار إليه أصحابه الحاضرون بأن مرادها: عدم قيامه بحقوق الزوجية (2). ولعله لذلك جاء عنه كما في مجمع البيان أنه قال: (يجب تعلم الملاحن كما يلزم تعلم القرآن) (3).

الجهة الثانية: في بيان الشواهد على وقوع التورية واللحن في كلامهم (عليهم السلام)، فإن هناك روايات تدل على ذلك، وهي على قسمين: قسم يشير فيه الأئمة (عليهم السلام) إلى وقوع اللحن والتورية في كلامهم بنحو العموم والأسلوب الكبروي، وقسم: يذكر فيها تطبيقها ووقوعها في كلامهم اي الروايات التي تدلنا على


1) لسان العرب: 13 : 382.

2) الغدير 6: 107.

3) مجمع البيان 5 : 105.

القضايا التي استعمل فيها الائمة (عليهم السلام) التورية ؛ إما ببيانهم، أو لشهادة القرائن على كونها تطبيقاً لفكرة التورية كاختلاف الأحاديث ونحوها.

أما القسم الاول، فهو مادل على أنهم (عليهم السلام) لهم أساليب خاصة في بعض اقوالهم ربما اختلفوا فيها عن الأشخاص العاديين. وعمدة ما في الباب النصوص الدالة على أن لكلامهم سبعين وجهاً، وهي طوائف ثلاثة:

الطائفة الاولى: الروايات التي تحث على فهم كلماتهم لأجل اشتمالها على سبعين وجهاً، وهي متعددة:

أحدها: رواية بصائر الدرجات عن أحمد بن محمد بن محبوب عن الأحول عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا، إن كلامنا لينصرف على سبعين وجها» (1). والسند معتبر.

ثانيها: رواية معاني الأخبار عن جعفر بن محمد بن مسرور عن الحسين ابن محمد بن عامر عن عمه عبدالله بن عامر عن ابن أبي عمير عن إبراهيم الكرخي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: «حدیث تدريه خير من ألف ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا، وإن الكلمة منا لتنصرف على سبعين وجهاً لنا من جميعها المخرج» (2).

ولا إشكال في السند سوى من ابن مسرور وهو من مشايخ الصدوق - وليس هو ابن قولويه كما توهمه الوحيد البهبهاني (3)ووثق بتصور اتحاده معه الا انه غير ثابت كما


1) بصائر الدرجات: 6/349.

2) معاني الأخبار: 2/ 3.

3) بصائر الدرجات: 1/348.

في قاموس الرجال ومعجم رجال الحديث، والكرخي ثقة لرواية ابن أبي عمير عنه كما نذهب إليه.

الطائفة الثانية: روايات دلت على أن الأئمة يتكلمون على سبعين وجهاً ولهم من جميعها المخرج دون أن تشتمل على الحثّ المذكور في الطائفة الاولى: وقد وردت هذه النصوص في كتابي بصائر الدرجات والاختصاص للشيخ المفيد. ونحن نقتصر بنقل النصوص عن البصائر، وقد وردت فيه أحاديث نذكر ما يرتبط منها بموضوعنا في هذا القسم.

1 - محمد بن الحسين عن النضر بن شعيب عن عبدالغفار الجازي عن أبي عبدالله (علیه السلام) أنه قال: «إني لأتكلم على سبعين وجهاً لي في كلها المخرج» (1).

والسند معتبر.

ولا يراد من كلمة «سبعين» في النصوص واستعمالات العرب العدد المعهود بل هي كناية عن الكثرة في العشرات كما أن (سبعة) كناية عن الكثرة في الآحاد كما يظهر ذلك من تاج العروس في مادة (سبع) (2)، وكذا من بعض التفاسير كالتبيان ومجمع البيان حول قوله تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة) (3)، (4).

وهناك خلاف حول تعيين المراد من قوله (عليه السلام): سبعين وجها حيث يحتمل فيها معنيان : المعنى الأول المراد منها منه الأجوبة المتعددة المتكثرة لفظاً ومعنى


1) بصائر الدرجات 1/348.

2) تاج العروس 5 : 372 - سبع.

3) التوبة: 80.

4) التبيان 5 : 267، مجمع البيان 3: 54.

فيمكن للإمام (عليه السلام) أن يجيب عن سؤال واحد بسبعين جواباً تختلف كلها في المعنى واللفظ معاً دون أن يقع بذلك في محذور الكذب أو إظهار أمر يلزم عليه كتمانه فلا يبين ما توجد مصلحة في كتمانه ولا يكذب، وهو المقصود بقوله: «ولنا من جميعها المخرج»، فيجيب (عليه السلام) بأجوبة مختلفة على نحو التورية، نظير ما ذكرناه في الجواب عن سؤال: هل زيد في الدار ؟ والمصلحة تقتضي كتمان وجوده في الدار، فإنه يمكنه أن يجيب بأنه ذهب صباحاً إلى المسجد أو أنه ليس هاهنا، ويشير إلى نقطة معينة وغيرها من التعابير التي لا يلزم منها الكذب، وفي نفس الوقت يكتم ما يريد السائل معرفته فالجمل متعددة، والمراد والغرض واحد المعنى الثاني: أن المراد منها الأجوبة المتكثرة بالمعنى والمتحدة لفظاً فاللفظة الواحدة قابلة للحمل على معان مختلفة على البدل كما في اللفظ المجمل، فيمكن أن يراد به هذا المعنى، ويمكن أن يراد به ذاك... وهكذا؟

ونحن نعتقد بأن الروايات في هذا المجال مختلفة ولا يمكن تفسيرها جميعاً بتفسير واحد كما فعله العلماء بل بعضها ظاهر في الأوّل كالرواية التي ذكرناها فإن الظاهر من قوله «أتكلم على سبعين وجهاً» هو اختلاف الوجوه لفظاً ومعنى.

2 - رواية البصائر أيضاً قال: حدثنا محمد بن عيسى عن محمد بن أبيعمير عن جميل عن أيوب عن حمران بن أعين عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إني أتكلم على سبعين وجهاً لي من كلها المخرج» (1)، وهي كسابقتها في الدلالة.

3 - عن حمران بن أعين قال: سمعته يقول: «إني لأتكلم على سبعين وجهاً لي في كلها المخرج» (2).


1) بصائر الدرجات: 349/ 5.

2) بصائر الدرجات 9/349.

4 - عبدالرحمن بن سيابة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «اني لأتكلم على سبعين وجهاً».

هذه جملة من الأحاديث الظاهرة في تعدد اللفظ والمعنى وتكثر هما وهو المعنى الاول وهناك قسم آخر من هذه الروايات ظاهر في تعدد المعنى فقط مع كون اللفظ واحداً لكنه يقبل الحمل والانصراف إلى سبعين معنى وهو المعنى الثاني الذي ذكرناه، لتفسير سبعين وجهاً، مثل ماجاء في الحديث الثالث في كتاب البصائر عن عبدالله عن الحسين بن الحسين اللؤلؤي عن ابن سنان (محمد) عن علي بن أبي حمزة قال: دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبدالله (عليه السلام)، فبينا نحن قعود إذ تكلم أبو عبدالله (عليه السلام) بحرف واحد، فقلت في نفسي: هذا مما أحمله إلى الشيعة، هذا والله حديث لم أسمع مثله قط، فنظر في وجهي ثم قال: «إني لأتكلم بالحرف الواحد لي فيه سبعون وجهاً إن شئت أخذت كذا وإن شئت اخذت كذا» (1). وهذا الخبر ضعيف.

ومثله الحديث الرابع من الباب نفسه عن محمد بن حمران عن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إنا لنتكلم بالكلمة لها سبعون وجهاً لنا من كلها المخرج» (2). وهو حديث صحيح السند واضح الدلالة كالأول.

ولكن بمقايسة هذا الحديث مع ما ينقله محمد بن حمران هذا عن محمد بن مسلم نفسه في الحديث (10) والحديث (15) من نفس الباب وهما من قبيل القسم الأوّل


1) بصائر الدرجات: 3/349.

2) بصائر الدرجات: 4/349.

لا يحصل الاطمئنان بمتن هذا الحديث؛ لأن بعض الرواة، أو بعض النساخ لم يكونوا بمستوى التمييز بين القسمين.

ومثلهما الحديث السابع نفسه من الباب عن محمد بن عيسى عن محمد بن سنان عن عبدالكريم بن عمر، وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «إني لأتكلم بالكلمة الواحدة لها سبعون وجهاً إن شئت أخذت كذا» (1).

و في البحار : «وإن شئت أخذت كذا» (2). والسند ضعيف بمحمد بن سنان.

فتبين أن الطائفة الثانية تنقسم في دلالتها إلى قسمين: فبعضها يدل على أن الأمر الواحد لهم في بيانه سبعون وجهاً، وبعضها يدل على أن الكلمة الواحدة لها سبعون معنى، وعلى كلا الاحتمالين فإن ذلك منهم تورية وستر.

الطائفة الثالثة: جملة من الروايات التي قد تشتمل على توضيح المراد من هذه الجملة مضافاً إلى تضمنها لها، مثل رواية أبي بصير المنقولة في رجال الكشي - بسند صحيح - وإن رويت في الكافي (3)بسند ضعيف بمعلى بن محمد - قال: قيل لأبي عبدالله (عليه السلام)، وأنا عنده: إن سالم بن أبي حفصة - وهو من كبار الزيدية – يروي عنك أنك تتكلم على سبعين وجهاً لك من كلها المخرج؟ فقال (عليه السلام): «ما يريد سالم مني أيريد أن أجيء بالملائكة؟ فوالله ما جاء به النبيون، ولقد قال إبراهيم (عليه السلام): (إني سقيم) (4)، والله ماكان سقيماً وما كذب، ولقد قال ابراهيم (عليه


1) بصائر الدرجات: 7/349.

2) بحار الأنوار 2: 58/199.

3) الكافي 8: 100 / 70.

4) الصافات: 89.

السلام): (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) (1)، وما فعله وماكذب، ولقد قال يوسف (عليه السلام): (إنكم لسارقون) (2)، والله ماكانوا سارقين وماكذب» (3).

وهنا يبين الإمام (عليه السلام) أن الوجوه السبعين التي يخرج بها الإمام عن الكذب إنما هي من قبيل التورية كما استشهد بأقوال النبي إبراهيم والنبي يوسف (عليهما السلام) فهي ظاهرة في اختلاف الوجوه باللفظ والمعنى، وإنه يمكن له الجواب عن مسألة بسبعين جواباً وهو يشير للمعنى الاول الذي ذكرناه لسبعين وجهاً.

ومثل رواية المحاسن والبصائر عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن عبد الأعلى (بن أعين: البصائر) قال: سأل علي بن حنظلة أبا عبدالله (عليه السلام) عن مسألة، وأنا حاضر فأجابه فيها، فقال له علي : فإن كان كذا وكذا ؟ فأجابه بوجه آخر حتى أجابه بأربعة وجوه، فقال علي بن حنظلة: يا أبا محمد، هذا باب قد احكمناه. فسمعه أبو عبدالله (عليه السلام) فقال له: «لا تقل هكذا يا أبا الحسن؛ فإنك رجل ورع، إن من الأشياء أشياء مضيقة ليس يجري إلا على وجه واحد، منها وقت الجمعة ليس لوقتها إلا حد واحد حين تزول الشمس، ومن الأشياء موسعة تجري على وجوه كثيرة، وهذا منها، والله إن له عندي سبعين وجها» (4).


1) الأنبياء: 63.

2) يوسف: 70.

3) رجال الكشي: 234/ 425.

4) المحاسن 2: 300 / 4، البصائر : 2/348.

وكلمة ابن أعين سواء كانت في السند أو لم تكن، فإن عبد الأعلى ينصرف إليه، وهو ثقه اما لعد الشيخ المفيد في الرسالة العددية (1)له من فقهاء اصحاب الصادقين (عليهما السلام) إذ لم يقيده بـ (العجلي)، واما لوروده في أسانيد تفسير علي بن إبراهيم القمي. وان لم نعتبر نحن هذا الطريق وربما استدل لوثاقته بطرق اخرى:

وهذا الحديث أيضاً من قبيل القسم الأوّل من الطائفة الثانية الظاهرة في تعدد اللفظ والمعنى، كما أن فيه دلالة على أن مجال التورية وإلقاء الكلام على وجوه متعددة يختص بالموسعات فقط دون المضيفات؛ لأنها لا تحتمل إلا وجهاً واحداً، وسيأتي في بحث قادم توضيح لمعنى الحديث (2).

ثم إن لتصوير الوجوه المتعدّدة للكلمة الواحدة وهو المعنى الثاني الذي ذكرناه كما ورد في القسم الثاني من الطائفة الاولى وجوه:

الوجه الأوّل: أن يكون المقصود منه أن الأئمة (عليهم السلام) في مجال بيان الحكم الواقعي لا يعبّرون عنه بألفاظ صريحة أو النص الذي لا يحتمل معنى آخر بحيث لا يكون لهم مجال التأويل فيما لو نقل كلامهم هذا للمخالفين، أو أنهم كانوا حاضرين في المجلس حيث تترتب عليه بعض المحاذير، وإنما يختار الإمام (عليه السلام) لفظاً يحتمل معنى آخر غير المعنى الظاهر منه ليتمسك به الامام (عليه السلام) عند الضرورة فيكون مخرجاً له وإن مقصوده ذلك المعنى لا المعنى الظاهر. وهذا ماجاء في رواية أبي بصير التي سبق نقلها حيث ورد فيها قوله (عليه السلام): (إن شئت أخذت بكذا وإن


1) الرسالة العددية : 39.

2) يأتي في ص 289.

شئت اخذت بكذا) (1)وإن كانت الرواية ضعيفة بعلى بن أبي حمزة كما مر. ولعل هذا الوجه هو الظاهر أو الأظهر لتصوير الوجوه المتعدّدة للكلمة الواحدة.

الوجه الثاني: أن يكون المراد أن الكلام الذي يلقيه (عليه السلام) كلام مجمل يحتمل معاني ووجوهاً متعددة متساوية كاللفظ المشتركفلو كانت المصلحة تقتضيكتمان الحكم الواقعي، فيلقي مثل هذا الكلام المجمل بحيث لا يلتفت المخاطب للمعنى. لان اللفظ يشتمل على احتمالين متساويين او اكثر، فيمكنهم اختيار أي وجه من معانيه. وهذا التفسير محتمل أيضاً وفرقه عن الوجه الاول، انه فى الاول كان للفظ ظهور في معنى معين وان احتمل معنى آخر، واما في هذا الوجه، فليس له ظهور في معنى واحد، بل جميع المعاني متساوية.

الوجه الثالث: لو توفرت عوامل كتمان الحكم الواقعي فيختار الامام (عليه السلام) كلاماً ظاهره خلاف الواقع، ولاجل ألا يكون الكلام الظاهر فيما يخالف الواقع كذباً فيقصد به معنى تأويلياً صحيحاً. إذن فيمكن أن يتحمل الكلام معاني تأويلية متعددة وهي صحيحة كي لا يلزم الكذب. واختاره السيّد الطباطبائي اليزدي في رسالته التعادل والتراجيح بالنسبة لجميع روايات الباب التي سبق نقلها.

وهذا الوجه يختلف عن الأوّل بأنه إلقاء ما يخالف بظاهره الواقع وإرادة خلاف الظاهر من الوجوه التأويلية. فاللفظ له معنى ظاهر، ولكن الإمام (عليه السلام) لايريد هذا المعنى الظاهر، بل يريد المعنى الذي هو خلاف ظاهره؛ لأنه المعبر عن الحكم الواقعي، بخلاف الأوّل فإنه كان بإلقاء نفس الواقع ولكن مع وجود


1) تقدم في ص 268.

طريق للتخلص منه باختيار لفظ غير صريح فيه. فاللفظ له معنى ظاهر، والإمام يريد جداً هذا المعنى الظاهر؛ لانه المعبّر عن الحكم الواقعي، لكن لهذا اللفظ احتمالات أخرى يمكن أن يتمسك بها الإمام (عليه السلام) للتخلص من شر الأعداء.

وانما ذكرنا هذه الاحتمالات، لنرى مدى دلالة الروايات (اي روايات السبعين وجها) عليها، حيث ان السيّد اليزدي ذهب إلى انها ظاهرة في كثرة المعنى مع وحدة اللفظ، أي المعنى الثاني للسبعين وجها بينما ذهب بعض آخر إلى ان الروايات ظاهرة في كثرة اللفظ والمعنى.

ولكن يعترض عليه:

أولا: أن روايات الباب كما ذكرنا على قسمين: بعضها هو الاكثر - يرتبط بكثرة اللفظ والمعنى، أي المعنى الاول للسبعين وجها الذي ذكره فترتبط بالتورية على وجوه متعددة، وبعضها الأقل - يرتبط ببيان الحكم الواقعي مع عدم اختيار لفظ صريح غير قابل للتأويلاي بالمعنى الثاني، وهو وحدة اللفظ، وهو وحدة اللفظ مع كثرة المعنى.

وثانياً: لاعناية في إلقاء كلام يخالف بظاهره الواقع مع إرادة الواقع منه بوجوه تأويلية.

ثم إن الشواهد لا تؤيد هذا المعنى، فمثلاً لا يمكن تنزيل روايات الطائفة الأولى التي تتضمن تحريضاً وحثاً على فهم معاني كلماتهم على إرادة هذا الأمر؛ إذ إن إرادة وجوه تأويلية متعددة مع كون ظاهر الكلام الملقى على وفق رأي العامة لادخل له في الفقاهة بوجه.

اما الروايات الظاهرة في المعنى الثاني وهي الروايات التي تحث على معرفة معاني كلماتهم فربما تكون مؤيدة للمعنى الثاني، وكان يشتمل على روايتين فقط، ونزيد هنا

رواية ثالثة هي رواية داود بن فرقد الواردة في معاني الأخبار - وان كانت مرسلة - قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «انتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إن الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب» (1). والفقه قوامه بالتأمل العميق في خصوصيات الكلام، والتوصل إلى المراد الواقعي منه من خلال التعرف على القرائن المقالية والقرائن الحالية المحتفة به حين الصدور مثل التدقيق في وجنات وجهه وفلتات لسانه وغيرها.

واما الروايات الظاهرة في المعنى الاول فان رواية أبي بصير تشير إلى وقوع التورية في كلامهم، والثانية رواية علي بن. حنظلة تدل على أنهم يجيبون في الأمور الموسعة بأجوبة متعدّدة مثل وقت الصلاة، فيمكن لهم أن يأذنوا في تقديمها أو تأخيرها وإن كان لأجل عذر عرفي كالسفر مثلاً، كما أن عدد النوافل أيضاً من الموسعات، وقد تقدم مايدل عليه (2). أما في المضيقات فلا تصح الإجابة فيها إلا على وجه واحد مثل وقت الجمعة، وقد جاء ما يقرب من ذلك في رواية عبيد بن زرارة المتقدمة في موضعين :

الأوّل: «والذي أتاك به أبو بصير من صلاة إحدى وخمسين، والإهلال بالتمتع بالعمرة إلى الحج، وما أمرناك من أن تهل بالتمتع، فلذلك عندنا معان وتصاريف لذلك ما يسعنا ويسعكم ولا يخالف شيء منه الحق ولا يضاده، والحمد اللّه رب العالمين» (3).


1) معاني الأخبار: 1/96.

2) تقدم في ص 204.

3) وسائل الشيعة 8: 186، ب 4 من أبواب أقسام الحج، ح 14739، مصباح الفقيه 2: 5، بحار الأنوار 2: 248/ 59، و 92 : 13/98.

الثاني: قوله (عليه السلام): «فلا والله ما أمرناك ولا أمرناه إلا بأمر وسعنا ووسعكم الأخذ به ولكل ذلك عندنا تصاريف ومعان توافق الحق» (1).

وليس المراد بموافقة الحق: موافقته بالجملة، بل الموافقة في الجملة، وقد توضح أن المراد بها الأجوبة المختلفة لفظاً ومعنى كما هو واضح، فهي تصلح أن تكون شاهداً للمعنى الأوّل.

وكيف كان فهذه الروايات تدلّ على وقوع التورية واللحن في كلماتهم، وكذلك تدل على أن الفقه يعتبر فيه فهم هذه الأمور كما يأتي البحث عنه بصورة مستقلة اذن فالروايات تدل على كلا المعنيين، لا على احدهما كما ذهب اليه السيّد اليزدي وغيره.

واما القسم الثاني: من الشواهد على وقوع التورية في كلامهم وهي الروايات التطبيقية، حيث طبق (عليه السلام) استعمال التورية في كلامهم إما بتصريح الإمام (عليه السلام) بذلك حيث يصرح الإمام (عليه السلام) بإرادة خلاف الظاهر، أو باستظهار ذلك من اختلاف الروايات حيث إنه من خلال مجموع الروايات واختلافها يتوصل الإنسان إلى استخدام التورية فيها، فهنا امران : الامر الاول : ان يصرح الامام (عليه السلام) بان المراد من كلامه خلاف الظاهر، وهذا له شواهد كثيرة من الروايات صرح فيها الائمة (عليهم السلام) بانهم يريدون منه خلاف الظاهر من نفس الرواية أو من روايات اخرى، فقد ذكر الشيخ الأنصاري في رسائله عدة أمثلة لبيان وقوع التورية في كلماتهم، ونحن نذكر ما ذكره الشيخ ونضيف اليه امثلة اخرى أوضح سنداً ودلالة، فبعد ذكره الفقرة السابقة التي نقلناها عنه وأن اختلاف الروايات لأجل إرادة خلاف الظاهر فيها وعلى ضوئها برز الكثير من التأويلات ومحاولات الجمع


1) بحار الأنوار 2: 247 / 59، الحدائق الناضرة 18 : 168.

البعيدة التي ذكرها الشيخ الطوسي (قدس سره)، في الاستبصار، قال الشيخ في الرسائل: منها ما روي عن بعضهم (عليهم السلام) لما سأله بعض أهل العراق وقال: كم آيه تُقرأ في صلاة الزوال؟ فقال (عليه السلام): «ثمانون» ولم يعد السائل، فقال (عليه السلام): «هذا يظن أنه من أهل الإدراك». فقيل له: ما أردت بذلك؟ وما هذه الآيات؟ فقال: «أردت» منها ما يقرأ في نافلة الزوال فان الحمد والتوحيد لايزيد على عشر آيات ونافلة الزوال ثماني ركعات» (1). ولم نعثر على هذه الرواية بهذه الصورة ومنها ماروى من أن الوتر واجب، فلما فزع السائل واستفسر، قال (عليه السلام): «إنما عنيت وجوبها على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)». وهي أيضاً لم نجدها بهذه الصورة، ولكن نقلت بصورة أخرى في رواية عمار الساباطي قال: كنا جلوساً عند أبي عبدالله (عليه السلام) بمنى فقال له رجل: ماتقول في النوافل ؟ قال (عليه السلام): «فريضة». قال: ففزعنا وفزع الرجل، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «إنما أعني صلاة الليل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إن اللّه يقول : (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) (2).

ولعل القول بوجوب النوافل مما يوجب الفزع، وأما الوتر لوحده فلا يوجب الفزع القول بوجوبه. اذن فقد صرحوا بانهم قد ارادوا خلاف الظاهر من كلامهم السابق.


1) الرسائل 2: 810، وانظر: الكافي 3: 314 - 315 / 14 وسائل الشيعة 4 : 750، ب 13 من أبواب القيام ح3.

2) الاسراء: 79.

ومنها ما ورد عنهم (عليهم السلام) من تفسير قولهم (عليهم السلام): «لا يعيد الصلاة فقيه» بخصوص الشك بين الثلاث والأربع (1)ومثله تفسير وقت الفريضة في قولهم (عليهم السلام): «لا تطوع في وقت الفريضة» (2)بزمان قول المؤذن: «قد قامت الصلاة». ونحن مع الغض عن سند هذه الروايات وكذا ثبوت دلالتها على المطلوب نذكر روايات وأمثلة تطبيقية لذلك هي أقوى سنداً وأكثر ارتباطاً بالاحكام الشرعية، وإلا فالروايات المنسوبة إلى الأئمة: في هذا المعنى كثيرة، لكن بعضها مما لا يمكن الاعتماد عليه سنداً كما يظهر من مراجعة معاني الأخبار. منها صحيحة زرارة قال: كنت جالساً عند أبي جعفر (عليه السلام) ذات يوم إذ جاءه رجل فدخل عليه، فقال: جعلت فداك، إني جار مسجد لقومي، فإذا أنا لم أصل معهم وقعوا في وقالوا هو كذا وكذا فقال: «أما لئن قلت ذلك لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من سمع النداء فلم يجبه من غير علة فلا صلاة له». فخرج الرجل، فقال له: «لاتدع الصلاة معهم وخلف كل إمام».

فلما خرج قلت له جعلت فداك كبر علي قولك لهذا الرجل حين استفتاك، فإن لم يكونوا مؤمنين؟ فضحك (عليه السلام) فقال:«ما أراك بعد إلا هاهنا يازرارة، فأي علة تريد أعظم من أنه لا يؤتم به؟». ثم قال: «يازرارة ماتراني قلت: صلوا في مساجدكم وصلوا مع أئمتكم» (3).


1) التهذيب 2: 193/ 760، الرسائل 2 : 810.

2) التهذيب 2: 340 / 1405، الرسائل 2 : 810.

3) الكافي 3: 372 / 5 التهذيب 3: 24/ 84 الوسائل 8: 300 / 5، ب 5 من أبواب صلاة الحى عدة.

وقوله (عليه السلام): «ما اراك بعد.... قال الشيخ المجلسي في مرآة العقول: (أي لا يعلم التورية عند التقية) (1).

فلاحظ أن السؤال وإن كان عن مورد خاص، لكن الإمام (عليه السلام) لم يجبه صريحاً وانما عدل عن الجواب إلى نقل حديث أمير المؤمنين (عليه السلام)، والعدول نوع من التورية. هذا بالإضافة إلى اشتمال حديث الإمام علي (عليه السلام) على قيد «من غير علة»، ومن الواضح بأنه لا يجوز الصلاة خلف أحد إلا إذا وثق في دينه أو خاف سيفه وهذا فيه تورية كما وضحه الامام (عليه السلام)، وهذا فيه تورية كما وضحه الامام (عليه السلام) والإمام كان قد قال أولاً وقبل سؤال الرجل: «صلوا في مساجدكم، وصلوا مع أئمتكم»، فالعناية في هذا الكلام ظاهرة، وبه تتضح العلة الموجبة لترك الصلاة.

ومنها صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إن أناساً رووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه صلّى أربع ركعات بعد الجمعة لم يفصل بينهن بتسليم، فقال: «يازرارة، إن أمير المؤمنين (عليه السلام) صلى خلف فاسق، فلما سلم وانصرف قام أمير المؤمنين (عليه السلام) فصلى أربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم فقال له رجل إلى جنبه: يا أبا الحسن، صليت أربع ركعات لم تفصل بينهن؟ فقال (عليه السلام): أما إنها أربع ركعات مشبهات وسكت. فوالله ما عقل ما قال له» (2).


1) مرآة العقول 253:15/ 5.

2) الكافي 3 : 374 / 6، الوسائل 7: 350 / 4، ب 29 من أبواب صلاة الجمعة.

ومنها عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك إنا نصلي مع هؤلاء يوم الجمعة وهم يصلّون في الوقت - أي بعد الزوال؛ لأن جماعة من العامة كانوا يصلونها قبل الزوال كأحمد بن حنبل من متأخريهم، والخلاف مذكور في كتاب الخلاف (1)- فكيف نصنع؟ فقال (عليه السلام) «صلوا معهم». فخرج حمران إلى زرارة فقال له: قد أمرنا أن نصلي معهم بصلاتهم. فقال زرارة: هذا مالا يكون إلاّ بتأويل، فقال له حمران قم حتى نسمع منه. قال: فدخلنا عليه فقال له زرارة إن حمران أخبرنا عنك أنك أمرتنا أن نصلي معهم فأنكرت ذلك، فقال (عليه السلام) لنا: «كان الحسين بن علي يصلّي معهم الركعتين فاذا فرغوا قام فاضاف اليها ركعتين» (2). ففي هذا إشارة إلى أن في قوله: «معهم» تورية، فهو لا يقصد الاقتداء بهم؛ لأن المعية لا تقتضي- الأقتداء وإن أوهمته، بل يصلي صلاته الفرادى معهم. فهذا الذيل – وهو إضافة ركعتين - كان قد أخفاه عن حمران لبعض الأسباب ربما للتقية، وأنه في المجلس كان من يتقى منه. وفي معاني الاخبار للصدوق الكثير من الروايات التي صرح فيها الائمة (عليهم السلام) انهم يريدون من بعض اقوالهم خلاف ظاهرها، حيث ان المعنى الظاهر لا يتلاءم مع تعاليمهم ومبادئهم، فمثلاً في الرواية عن الجماعة وانهم مع الحق فان ابا عبدالله (عليه السلام) يفسرها (بان المراد من الجماعة اهل الحق وان قلوا) (3)وذلك لان بعض الناس كانوا مأنوسين ببعض اراء العامة، وان الحق مع


1) الخلاف 1: 620 مسألة 390.

2) الكافي 3: 375/ 7، الوسائل 7: 351 / 5، ب 29 من صلاة الجمعة.

3) معاني الاخبار ص 151، وفي هذا المعنى روايات عديدة ذكرت في معاني الاخبار، عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: سئل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) عن جماعة امته، فقال: جماعة امتي اهل الحق وان قلوا)، ومنها قيل لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ما جماعة امتك ؟ قال : من كان على الحق وان كانوا عشرة).

الجماعة، لذلك فانه (عليه السلام) فسر الجماعة باهل الحق، وهو تفسير خلاف الظاهر.

وفي رواية اخرى، حول قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) (اختلاف امتي رحمة) فسر الامام (عليه السلام) الاختلاف بالاختلاف لطلب العلم (1). وفي معتبرة عبدالله بن سنان قال (قلت له : عورة المؤمن على المؤمن حرام، قال : نعم، قلت : تعني سفلية، قال: ليس حيث تذهب، انما هو اذاعة سره) (2)، ولكن قد يقال، لا يعلم ارادة خلاف الظاهر من هذه الرواية لانه في كتب اللغة فسرت العورة بكل شيء مستور، أو كل امر يستحي منه.

وغيرها من الروايات الكثيرة الدالة على هذا الامر، ونكتفي بما ذكرناه.

الامر الثاني : واما ما يستكشف التورية وإرادة خلاف الظاهر من خلال ملاحظة بعض القرائن كاختلاف الأحاديث مثلاً وتدل على ذلك روايات، منها رواية محمد بن يحيى الخثعمي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن النفساء فقال: «كما كانت، تكون مع مامضى من أولادها وما جربت». قلت: فلم تلد فيما مضى؟ قال: «بين الاربعين إلى الخمسين» (3). والروايات في تحديد النفاس كثيرة ومختلفة، والمختار أنه من


1) نفس المصدر ص 154.

2) نفس المصدر ص 242.

3) التهذيب 1: 177/ 507، الاستبصار 1: 152/ 527الوسائل 2: 388/ 18، ب3 من أبواب النفاس.

حيث الكثرة كالحيض، والإمام (عليه السلام) هنا لم يرد أن يبين الواقع صريحاً فعبر بما بين الأربعين والخمسين وهو عشرة ايام.

وقال المحقق الهمداني بعد ذكر الحديث: (احتمال التورية في هذه الرواية قوي جداً، حيث إنه أجمل حكمها وقال: «كما كانت تكون مع مامضى من أولادها». فلما قال السائل: (فلم تلد فيما مضى)، قال: «بين الأربعين والخمسين»، فلا يبعد أن يكون مقصوده من التحديد بما بين الأربعين والخمسين التحديد بالعشرة الواقعة بينهما» (1).

وإنما علمنا وقوع التورية في هذا الحديث لأجل اختلاف الروايات في تحديد النفاس وكون راويه – وهو محمد بن يحيى - عامياً وإن كان موثقاً، وكيفية اسلوب التعبير فيه.

ومنها معتبرة علي بن مهزيار الواردة في باب نجاسة الخمر قال: قرأت في كتاب عبدالله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك، روي زرارة عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما قالا: «لابأس بأن تصلي فيه إنما حرم شربها». وروي عن غير زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ - يعنى المسكر - فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، وإن صليت فيه فأعد صلاتك»، فأعلمني ما آخذ به فوقع (عليه السلام) بخطه وقرأته : «خذ بقول أبي عبدالله (عليه السلام)» (2).


1) مصباح الفقيه 1 : 338.

2) الكافي 3 : 407 / 14التهذيب 1 : 281 / 826 الوسائل 3: 468/ 23 ب38 من أبواب النجاسات.

ولا يعلم ماذا يقصد من قوله (عليه السلام): «خذ بقول أبي عبدالله» مع أن كلا القولين نسبا لأبي عبدالله (عليه السلام)؛ أحدهما رواه زرارة يدل على الطهارة، والآخر رواه غير زرارة يدل على النجاسة، فإن كان المراد قوله الواقعي فهو غير معلوم، وإن أريد قوله المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) فكلاهما مروي عنه، ولوكان المراد هو الأخذ بما انفرد به - أي المنقول عن أبي عبدالله فقط – لكان المناسب أن يعبر بـ(خذ بالرواية الثانية) أو (بخبر زرارة). ومع ملاحظة اختلاف الآراء حول نجاسة الخمر وطهارته وذهاب حتى بعض علمائنا إلى طهارته يعلم أن هذه الجملة تشتمل على الستر والتورية، حيث لايريد (عليه السلام) بيان الحكم الواقعي والتصريح به، لاجل بعض الاثار المترتبة عليه وإنما كلامه مجمل.

ومما يؤكد وقوع التورية في هذه المعتبرة ذهاب العامة إلا ربيعة الرأي إلى النجاسة (1)مما يدعو الإمام إلى كتمان الحكم الترخيصي لو كان الحكم الواقعي هو الطهارة. فهذه من المسائل الحسّاسة التي ربما اقتضت الكتمان والتورية. وأما الفقهاء فبعضهم جعل قول أبي عبدالله (عليه السلام) في الرواية بمعنى التخيير لورود كليهما عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وبعضهم جعله بمعنى الأخذ بالقول الأخير مستدلاً بأنه لولاه لم يفهم الراوي شيئاً وقد ذهب إلى ذلك صاحب الجواهر والمحقق الهمداني حيث ان صاحب الجواهر والهمداني يذهبان إلى أن المراد هو قول أبي عبدالله (عليه


1) انظر المجموع 2: 563.

السلام) المنفرد عن قول أبيه، وهو الحكم بالنجاسة، بعد امتناع الأخذ بهما جميعاً باعتبارهما قول أبي عبدالله (عليه السلام)، والتخيير غير مقصود (1).

وقال في التنقيح تأييداً للقول بالنجاسة: (على ان الرواية الدالة على طهارة الخم ايضاً لو كانت مراده من قول أبي عبد اللّه لكان هذا موجباً لتحيّر السائل، ولوجب عليه إعادة السؤال ثانياً لتوضيح مراده وأن قول الصادق (عليه السلام) أية رواية، فإن له (عليه السلام) حينئذ قولين متعارضين، وحيث إن السائل لم يقع في الحيرة ولا إنه أعاد سؤاله يستكشف منه أنه أراد خصوص الرواية الدالة على نجاسة الخمر (2)ويلاحظ أنه (قدس سره) أخذ عدم تحير السائل مفروضاً، مع أن السؤال كان بالمكاتبة، بالإضافة إلى أنه لا يلزم على الإمام التصريح بالجواب دائماً حيث إنهم (عليهم السلام) ذكروا بأنه لا يلزم الجواب عما يريده السائل أحياناً. وقد اعتبر جمع، منهم المحقق الهمداني والتنقيح، هذا الحديث من الأخبار العلاجية في مورد تعارض الروايات في نجاسة الخمر خاصة فانها من ادلة الترجيح لروايات النجاسة.

ومنها الروايات المختلفة في حكم الصلاة في الأماكن الأربعة، فيلاحظ فيها اهتمام الأئمة (عليهم السلام) ببيان امتيازها في ذلك عن بقية الأماكن، ولكن الناس بل حتى فقهاء الشيعة آنذاك لم يكونوا بمستوى استيعاب هذا الأمر و تحمله، وأنه كيف يتم فيها بدون قصد الإقامة عشرة أيام؛ ولذلك حاولوا بيانه بأسلوب ليس فيه إثارة، وبأجوبة مختلفة اشتمل بعضها على التورية أو الكتمان أو العدول، وخاصة الحكم من الموسعات؛ لذلك أجابوا بأجوبة مختلفة.


1) الجواهر 6: 9. مصباح الفقيه 1: 549.

2) التنقيح 3: 93.

ولذا ورد في بعض الروايات مثل رواية حماد بن عيسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: «من مخزون علم اللّه الإتمام في أربعة مواطن: حرم اللّه وحرم الرسول (صلى اللّه عليه وآله) حرم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحرم الحسين بن علي (عليه السلام)» (1). ومثله في موضع آخر (2)وإن كان في سنده إسماعيل بن مرار، لكنه لا إشكال فيه عندنا، فهو يدل على أن الحكم فيه هو الإتمام وإن لم ينو الإقامة عشرة أيام.

ولكن جاء في الحديث عن علي بن مهزيار عن محمد بن إبراهيم الحصيني قال: استامرت أباجعفر (عليه السلام) في الإتمام والتقصير قال: «إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيام وأتم الصلاة». قلت: إني أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة. قال: «انو مقام عشرة أيام وأتم الصلاة» (3).

ويلاحظ أن الإمام (عليه السلام) هنا عدل عن الجواب؛ فإنه سئل عما إذا لم ينو عشرة أيام وأجاب (عليه السلام) فيما إذا نوى عشرة أيام يتم. ووجوب الإتمام مع نية الإقامة واضح، وقال صاحب الوسائل في ذيل هذا الحديث: (أقول: هذا موافق لما مضى؛ فإن النية مع علم عدم الإقامة غير معتبرة) (4).

وكذا في رواية معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): مكة والمدينة كسائر البلدان؟ قال: «نعم». قلت: روى عنك بعض أصحابنا أنك قلت لهم:


1) التهذيب 5: 43 / 1494، والاستبصار 2: 334 / 21191، والوسائل 524:8 / 21 ب 25 من أبواب صلاة المسافر.

2) الكافي 4 : 524 / 3، الوسائل 8: 529 / 19، ب 25 من أبواب صلاة المسافر.

3) التهذيب 5 : 427 / 1484، الوسائل 8: 528 / 15، ب 25 من أبواب صلاة المسافر.

4) الوسائل 8: 528 / ذيل الحديث : 5، باب 25 من أبواب صلاة المسافر.

«أتموا بالمدينة لخمس». فقال إن أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة، فكرهت ذلك لهم؛ فلهذا قلته» (1). حيث إنهم لو صلوا قصراً، فسوف يخرجون قبل الناس الذين يصلون تماماً. فالإمام (عليه السلام) عدل عن الجواب الحقيقي، وهو خصوص هذه الأماكن المقدسة في الإتمام للمسافر إلى هذا السبب المذكور في الرواية.

ومن الواضح أن العذر المذكور لا يصحح الأمر بالإتمام مالم يكن جائزاً في الواقع، ففيه كتمان.

ومثله ماروي عنه بسند صحيح قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن التقصير في الحرمين والإتمام، فقال: «لاتتم حتى تجمع على مقام عشرة أيام». فقلت: إن أصحابنا رووا عنك أنك أمرتهم بالتمام ! فقال: «إن أصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلون ويأخذون نعالهم ويخرجون، والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة، فأمرتهم بالتمام» (2). فالعلة المذكورة لاتصحح الأمر بالإتمام مالم يكن في الواقع جائزاً، ففيه كتمان وتورية حيث إن فيه إشارة إلى أن الشيعة لو صلوا ركعتين فسيخرجون قبل الناس الذين يصلون أربعاً، فأمرهم بالأربعة؛ ليخرجوا ويدخلوا مع الناس، وإنما أمرهم (عليه السلام) بالإتمام لهذه النكتة، وفيه عدول عن الجواب الواقعي.

والسر فيه ماذكرناه من عدم تحمل واستيعاب أكثر الأصحاب للفرق بين المواضع الأربعة وغيرها في الصلاة - وعلى الاخص بالنسبة لحرم مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وحرم أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) وقد تقدم عن ايوب بن نوح انه قال


1) علل الشرائع : 454 م 10، الوسائل 8: 531 / 27، ب 25 من أبواب صلاة المسافر.

2) التهذيب 5 : 428 / 1485، الوسائل 8: 534 / 34، ب 25 من أبواب صلاة المسافر.

لسعد بن عبدالله وقد سأله عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد الذي روي فيها، فقال: أنا اقصر، وكان صفوان يقصر، وابن أبي عمير وجميع أصحابنا يقصرون (1). فهذه أمثلة تظهر التورية فيها بمعونة اختلاف الأخبار، وكيفية التعابير.

الجهة الثالثة: في بيان ما هو السبب في اعلامهم بان في كلامهم التورية واللحن ؟ والكتمان، وانهم يتكلمون بسبعة أو سبعين وجهاً، وان الكلام الذي يصدر منهم يقبل التأويل بوجوه متعددة، مدى ارتباط اعلامهم باستخدام التورية في حديثهم وما هو تأثير ذلك في الفقاهة واستنباط الأحكام الشرعية. وماهو السبب في إعلامهم هذا ؟

وهنا ثلاثة أمور:

الأمر الأول: الغرض هذا الإعلام.

الأمر الثاني: هل لهذا الإعلام تاثيره في الفقه والاستنباط؟

الامر الثالث في ضوابط استكشاف التورية في كلامهم.

الأمر الاول: الغرض من هذا الاعلام فمما لاشك فيه أن الأئمة (عليهم السلام) استهدفوا بإعلامهم أنهم يتكلمون على سبعين وجهاً تنزيه أنفسهم عن الكذب، وأنهم في ظروف التقية. يستخدمون أسلوب التورية ولا يصدر منهم كذب، وكذا يقصدون بذلك تنزيه رواة أحاديثهم مما يترتب على نقلهم الأقوال المختلفة من سوء الظن بهم، والتشكيك في انتساب الفقه الشيعي للأئمة (عليهم السلام)؛ وبذلك يحثون الناس على أخذ المعارف منه.


1) تقدم في ص 200.

ولكن وقع البحث في أنه هل للأئمة (عليهم السلام) وراء هذا الهدف غرض آخر للإعلام أو لا؟ فهنا ثلاثة آراء:

الرأي الأوّل: الظاهر من كلمات السيّد اليزدي في رسالة التعادل والترجيح هو الثاني، فهو يرى بأنه لا يوجد لهم غرض وراء هذا الإعلام سوى دفع تصور وقوع الكذب عنهم تقية - بناءً على عدم كون التورية من الكذب – دون أن يكون لهذا الإعلام تأثيره في استكشاف الأحكام الشرعية في أقوالهم في عملية الاستنباط. فهو يرى أن الكلام الصادر عن تقية لا يجدي الفقيه شيئاً؛ لأنه لو كان المعنى التأويلي له واحداً، فإن الفقيه لايستطيع أن يفرضه الحكم الواقعي؛ فإنه من الممكن أن يكون الأئمة : مجبورين على إلقاء هذا الكلام؛ إذ لا طريق لهم إلى السكوت، فمن باب الاضطرار تكلّموا بهذا الكلام. ومعه فلا دليل على أن المعنى التأويلي هو المطابق للواقع وإذا تعدد فلا يمكن أن يعتبر أحد المعاني التأويلية بخصوصه هو المراد دون غيره.

ولكن يلاحظ عليه ان منشأ هذا القول هو أن السيّد اليزدي لم يلاحظ من نصوص الباب سوى ماورد في قسم من الروايات التي ذكرناها الثانية، وقد فسرها – كما ذكرنا - بأن للكلام الظاهر المخالف للمعنى المقصود وجوها تأويلية يمكن التخلص معها من الكذب (1). ولكن ذكرنا أن عمدة روايات باب التورية مادل على انهم (عليهم السلام) يتكلمون بوجوه متعددة، ولهم من جميعها المخرج فالأئمة (عليهم السلام) أنفسهم ذكروا أنهم يتمكنون من التكلم بأي أسلوب وبأي كلام دون أن يكذبوا فيه، حتى لو كانوا مضطرين بكلامهم ولهم المخرج في ذلك.


1) تقدم ص 250.

هذا بالإضافة إلى أن بعض الروايات التي تدل على إعلامهم باستعمال التورية في أقوالهم اشتملت على الحثّ والتحريض على معرفة معاريض الكلام ولحنه لا لأجل التخلّص من الكذب في استعمال التورية بل لأجل حث الأصحاب على فهم كلام الأئمة (عليهم السلام). ومع هذا فكيف يمكن الالتزام بما ذكره؟

الرأي الثاني: ويستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري التي ذكرناها سابقاً عن رسائله أن فائدة هذا الإعلام تبرير وتوجيه الجموع التبرعية والتأويلية البعيدة في رواياتهم (عليهم السلام) وذلك لاجل ارادة خلاف الظاهر من كلمات الأئمة : كثيراً، فلا يستبعد التأويلات والجموع التي ربما كانت بعيدة، والتي ذكرها الشيخ الطوسي في التهذيبين وإن كانت في حدود ذاتها بعيدة ولاشاهد عقلائي عليها ومن هنا يبرر قاعدة الجمع مهما امكن. وان لم يكن وفق الموازين العقلائية. وان التورية لهذا الداعي، مع انه لا يكون داعيا عند العقلاء. ولكن هذا الرأي غير صحيح فالإعلام بوجود التورية في كلمات الأئمة (عليهم السلام) ليس بداعي أن يتمكن أي شخص من أن يجمع بين رواياتهم المختلفة بما يرغب من وجوه الجمع وإن كان باختيار الجموع والتأويلات البعيدة، بل لابد أن يكون استكشاف المعنى المراد منها والجمع بينها على ضوء الموازين العقلائية.

الرأي الثالث: - وهو الحق - : أن إعلام الأئمة: بوجود التورية واللحن في كلامهم يقصدون به توجيه الأذهان إلى أن استكشاف الأحكام الواقعية من كلامهم وفهم أقوالهم لا يتم إلا بمعرفة التورية واللحن وفق قواعد سنذكرها، وأن الجمع بين أقوالهم المختلفة يتم وفق (الجمع الاستنباطي). فلا يتمكن من الجمع بينها بل فهمها الا إذاكان مطلعاً على أساليب كلامهم ومعاريضه ولحنه والتورية، وأسباب

الكتمانو تناسب هذه الاسباب مع الاحكام وامثالها من الاساليب العامة أو الخاصة في اقوال الائمة (عليهم السلام)، لا بد من الاحاطة بها لفهم كلامهم او الجمع بين اقوالهم المختلفة، وهذا هو الهدف من اعلامهم بوجود التورية.

وسيأتي توضيح هذا الجمع في محله (1).

فهدفهم من هذا الإعلام هو أن يعرفونا على منهج التفكير والاستنباط، والجمع المشروع بين الاخبار المتعارضة. وأنه ليس المراد كل جمع نستذوقه من أي شخص كان، بل الأمر يحتاج إلى إحاطة بأساليب الأئمة (عليهم السلام) والمعاريض واللحن في كلامهم.

وهذا هو الهدف الاول، من اعلامهم، ولعل هناك اهدافا اخرى يمكن ان تكون سببا لهذا الاعلام :

1 - رفع التوهم عن الائمة (عليهم السلام) انفسهم، لان بعض العامة حينما كانوا يسمعون هذه الاقوال المتخالفة من الائمة (عليهم السلام) فيتوهمون، ان اختلاف فتاواهم، کاختلاف فتاوی علماء العامة، مما يرتبط بتبدل الرأي، وانهم يفتون استناداً للقياس أو الاستحان وامثالها، بل ربما سرت هذه الفكرة لبعض علماء الشيعة، كابن الجنيد، حيث توهم ان اختلاف اقوال الائمة (عليهم السلام) لاعتمادهم على الرأي والقياس فهذه الروايات التي اعلنوا بوجود التورية في كلامهم فيها تهدف القول بان هذا الاختلاف الظاهري، لا يكشف عن الاختلاف في الرأي لانهم يفتون على ضوء اصول ثابتة ومسلمه ولا بد من علاج هذا الاختلاف الظاهري، وان الفقيه المحيط باساليب الائمة (عليهم السلام) وباللحن والمعاريض، يتوصل للمراد الحقيقي، وانه


1) يأتي في ص 573.

قد حصل كتمان في بعض الموارد ومن خلال الجمع الصحيح بين اقوالهم فيتوصل لمرادهم.

2 - تزكية رواتهم: إذ لو نقل الرواة اقوالاً متعارضة بحسب الظاهر، فسوف يساء الظن بهم، ونتيجته امران:

أ - الشك بانتساب الفقه الشيعي للائمة (عليهم السلام)، لان كل راو يذكر قولاً مخالفاً للآخر، وهذا ما يوجب ان يشك البعض بصحة هذا الفقه وان الائمة (عليهم السلام) كيف تصدر منهم الاقوال المتخالفة، فلا بد أن يكون الرواة بانفسهم قد اخترعوا هذه الاراء من انفسهمو نسبوها للائمة (عليهم السلام).

ب - تكذيب الرواة انفسهم.

ولاجل دفع هذه الاثار المترتبة على الاجوبة المختلفة حيث توجب التشكيك والتكذيب، كما توهمه بعض العامة، بل ربما بعض الخاصة كابن قبة، كما نقلنا عنه حيث ذهب إلى ان الاختلاف نشأ من الوضاعين والمدلسين، حيث وضعوا اخبار أو نسبوها للائمة (عليهم السلام)، كما نقل عنه الشيخ الصدوق في اكمال الدين، اذن فاعلام الائمة عليهم (عليهم السلام) بوجود اللحن والمعاريض في كلامهم، لدفع هذا التوهم، وان للاختلاف اسباب اعمق، وليس مصدره الرواة، لان الثقات منهم معتبرون وينقلون بامانة ودقة، وانما قد يكون الاختلاف من الائمة (عليهم السلام) انفسهم.

الامر الثاني : مدى تأثير هذا الاعلام في الفقه والاستنباط: ولأجل توضيح هذه الفكرة لابد ان نذكر مقدمة يتوضح من خلالها مورد البحث هنا، وهي أنه قد اتضح من خلال بعض البحوث السابقة أن الستر والكتمان في كلمات الأئمة – أي أن كلام

الأئمة (عليهم السلام) المشتمل على الستر والكتمان بحيث لا يتطابق فيه المراد الاستعمالي مع المراد الجدي - يكون على نوعين: ستر طبيعي، وستر غير طبيعي.

أما الستر الطبيعي: فالعمدة فيه ثلاثة موارد:

الأول: الستر في التعليمات التي تعتمد الغالب على أسلوب التدرج في بيان الأحكام؛ إذ لا يمكن في مجال التعليم بيان الأحكام بعوارضها ولواحقها وعناوينها الثانوية دفعة واحدة؛ فيلقي العام بظاهره وهو يريد به الخاص واقعاً وهكذا، حيث لا يتطابق فيه الظاهر مع الإرادة الجدية، ففيه نوع من الستر والكتمان.

الثاني: الستر في موارد الفتيا؛ فإن المفتي يمنح السائل ما يعينه على العمل وفق الموازين القانونية من دون أن يقصد بيان جميع الطرق المحتملة، أو أن هذا الطريق او الحكم هو المتعين في الواقع، أو أنه أحد أفراد الواجب التخييري. وقد سبق بيان ذلك تفصيلاً (1)فيطبق المفتي في ذهنه الحكم على موضوع القضية ويلقي للمستفتي نتيجة التطبيق، وهو يشتمل على نوع من الستر حيث لا يبين الحكم الواقعي بصورته الحقيقية للمخاطب، فربما كان الحكم تخييرياً في الواقع وقد بينه له كحكم معين.

الثالث: مايصدر من الأئمة (عليهم السلام) من الأحكام بماهم ولاة الأمر وساسة العباد، وبملاحظة المصالح الوقتية التي تفرضها ظروف الشيعة أو ظروف إنسان خاص، فإنه قد يتوهم أن الأحكام هذه أحكام دائمية وواقعية لان دائرة الحكم الولائي كما ذكرنا في خصوص الموسعات، كما في مثال تحريم أكل الخيل والبغال والحمير في فترة ما من قبل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لاحتياج الناس لركوبها، أو مثل فرض الزكاة على مال التجارة أو الخيل أو اخبار التحليل في الخمس بناءاً على بعض الاراء وانه


1) تقدم في ص 165.

حكم ولائي، ففيه كتمان وستر على الحكم الواقعي، حيث يتوهم السامع انه هو الحكم الواقعي بينما هو حكم ولائي مؤقت.

فالستر في هذه الموارد طبيعي باعتباره ضرورة تفرضها طبيعة التعليم والفتيا والأحكام الولائية.

وأما الستر غير الطبيعي، فهو المتحقق في مجالات التورية واللحن، هو المقصود بالبحث هنا، حيث يختار المتكلّم أسلوباً خاصاً لبعض أسباب الكتمان. وهذا النوع هو الذي يعبر عنه باللحن والمعاريض، أما النوع الأول فقد كانت المباحث السابقة منعقدة لأجله وإن كان بحثنا هنا يزيده وضوحاً. فهل إن معرفة أساليب التورية واللحن له تأثيره في فهم الكلام عامة والأحاديث خاصة، أو لا؟

ذكرنا سابقاً أن المعرفة معاريض الكلام دوره في الأدب العربي، بحيث يعتبر الجاهل بأساليبه غبياً كما قال الشاعر:

ولقد لحنت لكم لكيما تعرفوا*** واللحن يعرفه ذوو الألباب

فذوو الالبابهم الذين يعرفون ان في هذا الكلام تورية، بل يدركون ذلك المعنى المستور الذي حاول المتكلم اخفاءه من خلال التورية لان اللحن لا يعنى الستر المطلق الذي لا ينكشف مطلقاً، بل الستر بحدود المصلحة المقتضية له، بحيث يدرك ذو اللب ان الكلام صدر تورية، بل ربما ادرك المعنى الذي يقصده المتكلم جداً.

وقد ذكرنا سابقاً كلام السيّد المرتضى. وان غير العارف بالتورية والمعاريض واللحن واساليبها في الادب العربي، لا يحق له تفسير الروايات.

وقد تعرضنا لبعض الأحاديث التي تحث على معرفة لحن كلامهم (عليهم السلام) ومعاريضه، وهنا نشير إلى أحاديث أخر، فمنها ما في كتاب التوحيد للصدوق

وتفسير البرهان في قوله تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (1)عن ابن بابويه عن أبيه قال: حدثنا عبد اللّه بن جعفر الحميري قال: حدثنا أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن فضيل عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: «يا أبا عبيدة، إياك وأصحاب الخصومات والكذابين علينا؛ فإنهم تركوا ما أمروا بعمله، وتكلفوا علم السماء. يا أباعبيدة خالقوا الناس بأخلاقهم، وزايلوهم بأعمالهم، إنا لا نعد الرجل فقيهاً عاقلاً حتى يعرف لحن القول» ثم قرأ هذه الآية: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (2).

والحديث صحيح سنداً.

وجاء في البحار نقلاً عن كشف المحجة عن كتاب عبدالله بن حماد الأنصاري عن عاصم الحناط عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله، ولكن فيه: «فقيهاً عالماً» (3)وفي موضع آخر: «فقيهاً عاقلاً» (4).

وينقل في موضع آخر عن غيبة النعماني بسند مرسل عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) «خبر تدريه خير من عشرة ترويه، إن لكل حقيقة حقا، ولكل صواب نوراً - ثم قال -: إنا والله لا نعد الرجل من شيعتنا فقيهاً حتى يلحن فيعرف اللحن» (5). ومعنى (تدريه) أن من تعرف على جميع مقاصد الحديث وخصوصياته و اسباب ذكر الحديث وحدوده. فهو أفضل من عشرة أحاديث أو أكثر


1) محمد: 30.

2) التوحيد 458 / 24، البرهان في تفسير القرآن 5: 71 5.

3) كشف المحجة : 19، البحار 2: 137 / 47.

4) بحار الأنوار 2: 139/ 58.

5) البحار 2: 208/ 101.

لا يعرف خصوصياتها إلا معرفة عابرة. وهذا هو المراد من (دراية الحديث) لا ان المراد منها معرفة مجرد الظواهر. لان ذلك لا يستدعي كل هذا الحث، لان اكثر الرواة يعرف الظواهر، وانما المراد من (تدريه) معنى اخص من معرفة مجرد الظاهر، فهناك فرق بين الراوي والفقيه، وجملة (ان لكل حق حقيقة)، إذا كانت مقدمة للجملة اللاحقة، فهي تدل على ان من طرق معرفة اللحن والمعاريض والتورية ودراية الحديث، مقايسة الكلام بالاصول التكوينية والشرعية المسلّمة للمتكلم، فاذا لم يظهر موافقته لها فيعرف ان في الكلام لحناً او تورية.

فالملاحظ أن هذه النصوص تعتبر عدم معرفة لحن القول نقصاً في الفقيه، وقد سبق أن نقلنا قول الإمام (عليه السلام) لزرارة الذي لم يفقه التورية في كلامه: «وما أراك بعد إلا هاهنا» (1)، ويقصد بأنك بعد لا تعرف التورية.

فمعرفة لحن الكلام ومعاريضه ضرورة لابد منها في استنباط الحكم الشرعي وفي الفقاهة، وذلك لجهات :

منها : أن الأئمة (عليهم السلام) في بيانهم للأحكام اتبعوا النهج العربي وأساليبه في الكلام ومعرفة لحن الكلام مما لابد منه في الأدب العربي بل مطلق اللغات بحيث يعد الجاهل بمعاريض الكلام غبياً. بالإضافة إلى أن العرب أو أدباء العرب كانوا يستعملون التورية واللحن في كلامهم.

ومنها: تأكيد الأئمة (عليهم السلام) على ملاحظة جوانب الكلام الصادر منهم بل ومن غيرهم وفهم معاريضه ولحنه. وقد اهتم الفقهاء بهذه الجهة كما سبق أن ذكرنا


1) تقدم في ص 275.

ذلك عن الشيخ المفيد. وأصر على ذلك من المتأخرين صاحب الجواهر؛ فإنه تعرض إلى ضرورة ملاحظة معاريض كلام الأئمة : ولحنه في مواضع متعددة من كتابه نذكر بعضها، فمنها ماجاء في (بحث ذبائح أهل الكتاب)، فإنه بعد نقله لخبر بشير بن أبي غيلان الشيباني: قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى والنصاب قال: فلوى شدقه وقال: «كُلها إلى يوم ما». يقول: (بل لا يخفى على من رزقه اللّه فهم اللحن في القول أن هذا الاختلاف منهم في الجواب ليس إلا لها) اي للتقية، ثم يذكر الروايات وطوائفها التي تبلغ اثنتى عشرة طائفة (1).

ومنها ما جاء في خصوص الروايات المختلفة في النفاس قال: (وقد يشعر به تكرير حكايتها في الأخبار، بل ربما أجابوا عن سؤال من سألهم بنفس الحكاية من دون تصريح بالحكم كما في صحيحة ابن مسلم، وأيضاً فعدولهم عن التصريح بالجواب إلى نقل رواية أو ذكر حكاية مما تفوح منه رائحة التقية كما لا يخفى على المتتبع العارف بأساليب الكلام إلى غير ذلك من المرجّحات الكثيرة) (2).

فالالتفات إلى لحن الكلام موجود في كل احد إما بموهبة من اللّه أو بالممارسة بالتعرف على طرق التورية وضوابطها.

الامر الثالث - وهذه هي المهم في هذا البحث - انه هل يمكن تحديد ضوابط وقواعد ارتكازية معينة يتمكن من خلالها الإنسان التوصل إلى اشتمال الكلام على التورية واكتشاف وجه التورية فيه؟ فإن هذه القواعد وإن كانت ارتكازية موجودة في مرتكزات الناس وأذهانهم لكن هل يمكن تحديد المرتكزات وتصنيفها بصورة علمية


1) الجواهر 259:36.

2) الجواهر 3: 384.

وفنية أم لا ؟ كما ذكروه في قواعد علم المنطق، فانها ارتكازية عند العقلاء أو الاذكياء، وانما علماء المنطق جمعوا تلك المرتكزات بقواعد وضوابط علمية محددة. وبعبارة أخرى: ما هي تلك القواعد التي نفهم من خلالها أن الكلام يشتمل على التورية؟ وما يمكن افتراضه ضابطاً للتورية أحد طريقين:

الطريق الأوّل ما ذكره بعض الأعاظم ممن ادركنا بحثه في الجملة (1)، وبيانه بتقريب منا يتم من خلال ذكر ثلاثة مقدمات:

المقدمة الأولى: قد يتصور ان إعلام الأئمة (عليهم السلام) عن وجود التورية في كلامهم هو في الحقيقة إعلام منهم بإلغاء حجية الظواهر في كلامهم (عليهم السلام) فإنه لما كان مبنى حجية الظواهر هو الميثاق العقلائي العام حيث إن كل عاقل يتعهد بإرادة مايكون كلامه ظاهراً فيه، وإن كلامه بظاهره يكون مبرزاً لمقاصده. وهذا الميثاق الاجتماعي مورده ما إذا لم يعلم بكثرة إرادة خلاف الظاهر من كلام المتكلم؛ إما بتصريحه بذلك، أو للعلم به من الخارج، أو بوجود علم إجمالي بإرادة خلاف الظاهر كثيراً من كلامه، حيث ان أدلة التورية والمعاريض حسب هذا التصور تدل على إعلامهم بأنهم يريدون خلاف الظاهر كذكر العام وإرادة الخاص جداً أو ذكر المطلق وإرادة المقيد واقعاً. ولذا ينقل الشيخ في رسائله عن السيّد الصدر شارح الوافية أنه قد ذهب إلى أن حجية ظواهر كلام الأئمة (عليهم السلام) لأجل الإجماع العملي لا


1) الظاهر ان المراد منه المرحوم الميرزا مهدي الاصفهاني (قدس سره) وما ذكره السيّد الاستاذ تقريب كلامه المذكورة في رسالته التي صنفها في خصوص المسألة وسماها (المواهب السنية والغايات الرضوية).

لأجل بناء العقلاء (1)لما ذكرناه ان بناء العقلاء على ارادة الظاهر من الكلام يسقط نتيجة الاعلام بانه يريد خلاف ظاهر كلامه كثيراً.

ولكن يلاحظ عليه ان هذا التصور باطل؛ فإن الأئمة : في مجال تفهيم المقاصد كانوا يسيرون وفق هذا الميثاق الاجتماعي والعقلائي، فلابد أن يكون إعلامهم عن وجود التورية والمعاريض في كلامهم له حدود معينة بحيث لا ينا في حجية ظواهر كلامهمولا بد من تفسير هذا الاعلام بتفسير لا يتنافى وحجية ظواهر كلامهم، وإلاّ لو ألغينا حجية ظواهر كلامهم لم يكن هناك معنى لدعوتهم الناس إلى التزود من علومهم، وأخذ المعارف منهم، ولانسدَّ باب الاستفادة من كلامهم (عليهم السلام)، وهو مما لايمكن الالتزام به؛ فإن أخذ هذه المعارف منهم متوقف على حجية الظواهر وتعهدهم بهذا الميثاق، وإذا سقط هذا التعهد انسدت أبواب الاستفادة منهم.

إذن فلابد أن نعيد النظر في التورية، فهل حقيقة التورية في الأمثلة المذكورة هي إرادة خلاف الظاهر، أم غيره؟

المقدمة الثانية: ان الظهور على قسمين واقعي، ومتوهم. والمقصود من إعلامهم بوجود اللحن أو التورية في كلامهم إلغاء الظهور المتوهم فحسب لا الواقعي. وتوضيحه أن جميع موارد التورية لم يرد فيها خلاف الظاهر بل المراد الجدي فيها نفس المعنى الظاهر الواقعي، لا أن المراد هو غير الظاهر، لكن السامع نتيجة عدم إحاطته بالجهات، وقصور فكره أو اختلاط ذهنه ببعض الأوهام يتخيل ماليس بظاهر ظاهراً، وإلا لو كان واعياً بالخصوصيات المكتنفة بالكلام لعرف المعنى الظاهر منه. فهو قد اختلط ذهنه بما يوهم عليه الأمر، فيسأل عن الشيء فيجيبه المتكلم بما يوافق توهمه،


1) الرسائل 1: 63.

فيتخيل السائل بظهور ما من كلام المتكلم ويتخيل ماليس ظاهراً بأنه هو الظاهر، وهذا هو الذي يؤدي إلى خفاء المقصود الأصلي الظاهر من الكلام واقعاً على المستفهم.

وهذه هي حقيقة التورية، فحينما يسأل عن وجود الشخص في البيت يجيبه بأنه ذهب صباحاً إلى المسجد وهذا الجواب له ظهور واقعي وهو ظهور منطوقه بأنه ذهب صباحاً إلى المسجد، ولابد أن يكون موافقاً لمراده جداً؛ لأنه ليس من قبيل الاستعارة والكناية التي يختلف فيها المراد الاستعمالي مع المراد الجدي وأن الملاك فيها المراد الجدي بالذات. ففي هذا الجواب يكون المراد الاستعمالي مطابقاً للمقصود الجدي، ولكن المستفهم - لتصوره أن الجواب يطابق السؤال وفق ماهو المرتكز في الأذهان من لزوم تطابقهما نفياً وإثباتاً - يتخيل وجود ظهور ثان في الكلام غير الظهور المنطوقي بانه يجبه وفق مايريده- وهو عدم وجوده في البيت - وهو توهم محض ولسكن الشخص الذكي والفقيه المنتبه يلتفت إلى حقيقة الأمر؛ فإن عدول المسؤول عن كلمة مختصرة وهي (لا) أو (نعم) إلى هذا الجواب المفصل لابد أن يكون لسبب؛ لأنه على خلاف قانون انتخاب الأسهل الطبيعي من دون مبرر. وأما من لا يتفطن إلى هذه النكتة الطبيعية فيتوهم أنه يريد إخباره بعدم وجوده في البيت بهذا الأسلوب من الكلام.

فالتورية لاتعني إلغاء الظهور الواقعي للفظ كي تكون على خلاف الموازين العقلائية، بل إنها في الحقيقة أخذ بنفس الظهور الواقعي للفظ، ولكن الخلل ينشأ من قصور السامع في فهمه وعدم تفطنه للخصوصيات المقترنة بالكلام فحسب ماليس بظاهر من الكلام ظاهراً.

المقدمة الثالثة: علامة التورية بل حقيقتها هي نفس العدول عما يقتضيه المقام، فإن طريقة تمييز الظهور الواقعي عن الظهورات الوهمية واحدة وهي عدول المسؤول في مقام الإجابة عما يتقتضيه المقام من أسلوب وفق القوانين الجارية في الاستعمالات إلى كلام وأسلوب آخر فلو حصل العدول في مقام عن مقتضى الحال لغيره، فلا بد ان يتوجه الانسان الحصول التورية في الكلام. وهذا العدول إما أن يكون هو حقيقة التورية بذاتها، أو أمارتها الوحيدة، فقد ورد في تاج العروس: (ورى الخبر : ستره وأظهر غيره) (1)، وفي حديث داود بن فرقد المتقدم قال (عليه السلام)«أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا إن الكلمة تنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب» (2). والصرف التغيير والعدول. ونتيجة لهذه المقدمات الثلاث، فان الاعلام هذا لاجل التأكيد على بقاء حجية الظواهر والحفاظ عليها، وان لا نتوهم الظهور في معنى لا يكون اللفظ ظاهراً فيه، ويلزم ان لانصرف ظاهر الكلام لمعان وتفسيرات وهمية، حسب أوهامنا، بل يلزم التوجه لخصوصيات المقام والكلام، وملاحظة حصول العدول وامثاله، لنلتفت للظهور الواقعي وعدم السقوط في الظهور المتوهم.

هذا ملخص تقريب كلام بعض الاعاظم في هذا المجال ببيان منا، ولكن يمكن الخدشة في المقدمات المذكورة.

أما المقدمة الأولى - وهي أن التورية لو كان معناها إرادة خلاف ظهور الكلام لكان إعلان التورية موجباً لإلغاء حجية الظهورات - فهو غير صحيح فإنه إنما


1) تاج العروس 1: 389.

2) تقدم في ص 256.

يوجب إلغاء حجية الظهور إذا لم تكن هناك ضوابط تميز مقام التورية عن غيره. والكلام لا يحمل عليها إلا مع توفّر ظروفها وشروطها، فالتورية كالمجاز والاستعارة والكناية فإنها حالات تعرض لكلام الأشخاص، وينثلم فيها الظهور الواقعي ولكن من دون أن يتعرض لحجية ظهور الكلام، فإنه مالم تقم قرينة عليها فإن ظاهر الكلام يبقى على حجيته. فلو التزمنا بأن حقيقة التورية في بعض المجالات تعني إرادة خلاف الظاهر، فإن الإعلام عن وجود التورية لا يقتضي سقوط كلام المتكلم عن الحجيّة، ولا يكشف عن عدم التزامه بالمواثيق والالتزامات الاجتماعية بل إن هذا الإعلام من أجل تنبيه السامع إلى التأكد من عدم وجود تورية في الكلام من خلال ملاحظة الضوابط وطرق معرفة التورية. فإذا لم يكن في المقام مايدل على وقوع التورية، فإن ظاهر الكلام يكون حجة.

فتبين أن الإعلام بوقوع التورية في كلامهم لا يعني إسقاطهم لحجية الظهور في كلماتهم أو تعين إرادة الظهور الواقعي في مجالات التورية، ولا يلزم قبول ما يظهر من صاحب شرح الوافية على ما في الرسائل من أن مقتضى الأصل هو عدم حجية ظواهر الأخبار أيضاً؛ لوجود المحكم والمتشابه فيها ولكنّا عملنا بالأخبار ؛ لوجود الإجماع العملي على ذلك (1).

فالتورية إذن – كالمجاز وكذكر العام وإرادة الخاص وغيره من موارد الاختلاف بين الإرادة الاستعمالية والجدية - تحتاج إلى قرينة وشاهد، ولابد من الفحص عن تلك القرائن، ومالم توجد بعد الفحص فإنه يتعين الأخذ بالظهور وفق الميثاق


1) الرسائل 1: 63.

الاجتماعيف الاعلام عن وجود المجاز والكناية والاستعارة في كلامه، لا يعني اسقاط حجية الظهور من كلامه، وانما يعني دفع السامع أو المخاطب إلى التأكد من وجود القرائن على خلاف الظاهر، فان وجدت فهو، وان لم توجد اخذ بالمعنى الظاهر، وكذلك الامر في مجال الاعلام عن وجود التورية، فانها في بعض أقسامها ياد من الكلام خلاف ظاهره، ولكن الاعلام عن وجودها لاجل تنبيه السامع. وحثه على معرفة وجود قرائن التورية او عدم وجودها.

وأما المقدمة الثانية - وهي أن الإعلام بوقوع التورية في الحقيقة إلغاء للظهورات المتوهمة وإنما يراد منه الظاهر الواقعي - فهي أيضاً غير صحيحة على إطلاقها؛ فإن من موارد التورية أيضاً مالا يكون للكلام ظاهر مطلقاً، كما إذا كان الكلام مجملاً كما سبق في صحيحة زرارة المتقدّمة الواردة في أن علياً (عليه السلام) صلى أربع ركعات بعد الجمعة من دون فصل بهما، وحينما قال له رجل إلى جنبه : يا أبا الحسن، صليت أربع ركعات لم تفصل بينهن ؟ فقال: «أما إنها أربع ركعات مشبهات»، وسكت، فيقول الإمام الباقر (عليه السلام) «فوالله ما عقل ماقال له» (1)فالكلام مجمل في نفسه.

وكما إذا أجاب من فاجأه بأنك قلت هذا بقوله : (علم اللّه ماقلته)، فيدور أمر (ما) بين النافية والموصولية. كما أن من موارد التورية ما يراد به خلاف ظاهره، كما في قولك: (ما رأيت زيداً ولا كلمته) أي ما ضربت رئته ولا جرحته، وكما في قوله (عليه السلام) «من مثل مثالاً أو اقتنى كلباً، فقد خرج عن الإسلام». ثم يبين أنه يقصد بتمثيل المثال نصب دين غير دين اللّه ويقصد بالكلب مبغض أهل البيت (عليهم


1) معاني الأخبار : 181 /، الوسائل 24 / 374 / 2، ب19 من أبواب آداب المائدة.

السلام)، وكذلك حين ذكر الحائك فقال إنه ملعون (1)، ثم يبين أنه عنى به الذي يحوك الكذب على اللّه ورسوله - وإن كانت الروايتان ضعيفتين سنداً - وكما في قول بعض الشيعة حينما طلب منه خارجي التبري من عثمان وعلي: (أنا من علي، ومن عثمان بريء) يريد أنه من شيعة علي وهو بريء من عثمانو منها قول إبراهيم (عليه السلام) (اني سقيم)، مع انه لم يكن مريضاً وقد فسر بتفسيرات اخرى، ولا اشکال بان هذه معان تاويلية مخالفة لظاهر الكلام، اذن فهناك موارد واستعمالات عديدة للتورية يراد منها خلاف الظاهر، ولا تنحصر بموارد اراده الظاهر الواقعي لا المتوهم كما توهم.

واما المقدمة الثالثة - من أن ضابط التورية هو العدول عما يقتضيه المقام من الكلام فإذا اقتضى المقام إلقاء الكلام بنحو ما ولكننا ألقيناه بنحو آخر خلاف ما يقتضيه المقام فهو شاهد على وجود التورية، مستشهداً بما عن تاج العروس وبعض الروايات – فهو معارض بما جاء في اللغة من أن التورية هي الستر (2)وهو كما يتحقق بالعدول المذكور يتحقق بغيره أيضاً كما في حالات إلقاء الكلام ابتداءً من دون سبق سؤال وغيره؛ فالعدول ليس حقيقة التورية ولا أنه المقياس الوحيد لهافان العدول وان كان من مقدمات التنبيه على وجود التورية، ولكنه ليس علة تامة لها، وانما تحتاج لمقدمات اخرى كما سنبينه، مع انه قد توجد التورية دون ان يكون في الكلام عدول، كما في قوله (علم اللّه ما قلته). وقد جاء في رواية الحمران أن الإمام (عليه السلام) قال له : «صل معهم» فقال له زرارة: اتقاك. فأجاب: كيف اتقاني مع أني لم اسئله وانما ابتدأني


1) كما في تاج العروس 10: 389.

2) لسان العرب 15: 392.

بالكلام؟ ثم تبين له انه كان تورية، فهناك موارد لا يوجد عدول مع وجود التورية فيها.

إذن، فانحصار طريق التورية بالعدول فقط، فإذا تحقق العدول تحققت التورية وإلا لأنه قد توجد التورية ولا عدول.

فلا؛ غير صحيح نعم، العدول من المنبهات لوجود التورية، فهذا البيان بمقدماته الثلاث غير تام.

الطريق الثاني: أن للتورية مقاييسها ومعالمها المتعددة، فلاجل معرفة وجود التورية في الكلام، لا بد من ملاحظة امور توجب الوثوق بحصول التورية وهي قد تجتمع في استعمال واحد، وقد تنفرد بما يعلم وقوع التورية في الكلام ولا تنحصر بأمارة واحدة كالعدول أو الظهور المتوهم كما في البيان السابق. والأمارات التي يمكن أن يستكشف منها - ولو بمعونة بعضها البعض - وقوع التورية في الكلام عبارة عن أمور ونشير الى بعض أماراتها في امور :

الأمر الأول: ما ذكر في البيان الأوّل، وهو العدول من كلام إلى كلام آخر. وقد مر ما يناسبه في تعليق صاحب الجواهر على روايات النفساء، وكما في عدولهم (عليهم السلام) عن الجواب إلى نقل رواية أو ذكر حكاية كما جاء في رواية زرارة التي سبق ذكرها فإنه يشكل في نفسه أمارة على وقوع التورية فيه، وكذلك ماذكرناه في تقريب البيان الأوّل من الأمثلة العرفية (1).

الأمر الثاني: عدم مطابقة الكلام الصادر للأصول العقائدية والشرعية والقانونية التي يلتزم بها المتكلم، فإذا رأينا أن ظاهر الكلام لا ينسجم مع الأصول التي تبناها


1) تقدم في ص 244.

المتكلم فإن هذا يشكل بدوره أمارة على وقوع التورية في كلامهو على عدم ارادة المعنى الظاهر. ومثاله ماذكره العلامة الأميني في كتابه الغدير في باب نوادر الأثر في علم عمر - الجزء السادس نقلاً عن كتب العامة - عن حذيفة بن اليمان أنه لقي عمر بن الخطاب، فقال له عمر : كيف أصبحت يابن اليمان؟ فقال: كيف تريدني أن أصبح ؟ أصبحت والله أكره الحق، وأحبّ الفتنة، وأشهد بمالم أره وأصلي على غير وضوء، ولي في الأرض ماليس اللّه في السماء. فغضب عمر لقوله وانصرف من فوره، وقد اعجله امر وعزم على اذى حذيفة. فبينما هو في الطريق إذ مرّ بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فرأى الغضب في وجهه، فقال: «ما أغضبك ياعمر». قال: لقيت حذيفة فسألته: كيف اصبحت فقال : أصبحت أكره الحق. قال: «صدق، يكره الموت وهو حق». قال: ويقول: أحب الفتنة. قال: «صدق يحب المال والولد وقد قال اللّه تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (1). فقال: ياعلي، ويقول: أشهد بمالم أره. قال (عليه السلام) (صدق، يشهد اللّه بالوحدانية والموت والبعث والقيامة والجنة والنار والصراط ولم ير ذلك كله» (2). والسبب في ذلك عدم مقايسة عمر حديث حذيفة مع الأصول التي يعتقد بها، فلم يلتفت إلى استخدام حذيفة للتورية.

ومن الشواهد عليه ماذكره السيّد المرتضى في أماليه في تفسير قوله (صلى اللّه عليه وآله) «من تعلم القرآن ثم نسيه لقي اللّه تعالى وهو أجذم». وقد فسره أبو عبيد – وهو القاسم بن سلام من فقهاء العامة واللغويين - بمقطوع اليد، ويرفض ابن قتيبة – وهو


1) التغابن: 15.

2) الغدير 6: 105 - 106.

من محدثي العامة واللغويين - ماذكره أبو عبيد فإنه لا معنى لعقوبة الناس بقطع اليد؛ إذ لا مناسبة بين النسيان وقطع اليد؛ لأن العقوبة لابد أن تناسب الذنب، فحمله هو على الجذام - أي يبعث مجذوما - ويشتركان في حمل الأجذم على المعنى الحقيقي. لكن السيّد يجيب بقوله: «أما أبو عبيد فخطأه من حيث إنه لم يفطن للغرض في الخبر، وضل عن وجهه، وإلا فالأجذم هو الأقطع لا محالة كما قال، إلا إنه لا يليق بهذا الموضع، وإذا حمل عليه لم يفد شيئاً. وإن كانت تنبهته التي اوقعته في هذا التأويل ظنه أن ذلك يكون على سبيل العقوبة له على نسيان القرآن فليس كما ظن؛ لأن الجذم ليس بعقوبة؛ لأن اللّه تعالى قد يجذم أولياءه، والصالحين من عباده، وتقطع أعضاؤهم بالأمراض، وقد يبتدىء خلق من هو ناقص الأعضاء. فليس بلازم في الجذم أن يكون عقوبة على نسيانه، ولكان حفظ القرآن بأسره فرضاً واجباً وحتماً لازماً؛ لأن العقوبة لاتستحق بترك ما ليس بواجب، وليس حفظ جميع القرآن كذلك» (1).

فليس المراد من الاجذم معناه الحقيقي، بل المراد أن من نسي هذه الصفة الكمالية بعث ناقصاً كما أن الأجزم ناقص. وإنما فسر - الأجذم بالناقص، فلما ذكره من الوجهين، فحمله على المعنى الحقيقي لا يتلاءم والأصول التي يلتزم بها الشارع المقدس.

وربما كان في بعض الروايات إشارة إلى هذا العامل في التورية مثل ما يرويه الوسائل عن الخثعمي قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «من عرف أنا لا نقول إلاّ حقاً فليكتف بما يعلم منا، فإن سمع منا خلاف ما يعلم فليعلم أن ذلك دفاعاً منا


1) الامالي 1 : 7 - 8.

عنه» (1). فلابد من مقايسة الكلام الصادر مع المتبنيات والأصول التي يعتقدها المتكلم، واستكشاف مراد المتكلم على ضوء تلك المقايسة. وفي رواية الميثمي إشارة إلى ذلك حيث ورد فيها: «نرخصُ فيما لم يرخص فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ولا نأمر بخلاف ما أمر به رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إلا لعلة خوف ضرورة» (2).

الأمر الثالث: استكشاف وقوع التورية في الكلام من خلال ملاحظة مجموع الأقوال الصادر من المتكلم، ومقايستها مع ماصدر منه بالفعل، فربما استكشف التقية من خلال مقارنتها بسائر الأقوال. وقد أشير إلى هذا المعلم للتورية في رواية زرارة السابقة حيث أجاب الإمام (علیه السلام) على اعتراض زرارة: «يا زرارة ماتراني قلت: صلّوا في مساجدكم، وصلوا مع أئمتكم»، فهو تنبيه لزرارة على أنه كان المفروض عليه أن يلتفت إلى وقوع التورية التي استعملها الإمام (عليه السلام) في كلامه بعد ملاحظة كلامه السابق.

الأمر الرابع: استكشاف وقوع التورية في الكلام من ملاحظة الظروف والملابسات التي تحتف بصدوره، كأن لم تكن بحيث تناسب التصريح بالمطلوب الواقعي بحيث لا يقتضي المقام التصريح بالمطلوب، ولا يتناسب ظاهر الكلام مع المقام فيعلم أن فيه لحناً او تورية، ولكن هناك بعض الافراد لم يلتفتوا إلى ظروف صدور الكلام لذلك لم يلتفتوا لمعاريضه، كما جاء في الغدير في نوادر الأثر في علم عمر أنه جاءت امرأة إليه فقالت يا امير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، فقال لها: نعم الرجل


1) الكافي 1: 53 / 26، الوسائل 27 : 108 / 3، به من أبواب صفات القاضي.

2) وسائل الشيعة 18 : 81 / 21، ب9 من أبواب صفات القاضي، بحار الأنوار 2: 233/ 15.

زوجك. وكان في مجلسه رجل يسمّى كعباً فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذه المرأة تشكو زوجها في أمر مباعدته إياها عن فراشه فقال له: «كما فهمت كلامها احكم بينهما» (1)، فلم يلتف أن مقامه مقام من بيده الحكم و أن ما يناسب مقامه ان تكون المرأة في مجال الشكوى من زوجها ليرتدع عن مباعدته لها، وليست في مقام مدح زوجها وبيان ذلك كفضيلة يمتاز بها. إذن، فلابد من ملاحظة الظروف التي تكلم فيها المتكلم.

الأمر الخامس: كشف وقوع التورية في الحديث من ملاحظة جو صدوره، كما لو كانت موجبات الستر والكتمان من المداراة للسائل وغيرها متوفرة أو كانت الظروف ظروف تقية فربما توصل لاستعمال التورية فيها، كما نلاحظ أمثلته العرفية كثيرة، فلو طلب أحد الالتقاء بزيد، وكانت الظروف تقتضي صعوبة اللقاء معه لكثرة أعماله فأجاب خادمه: إنه ذهب صباحاً إلى المسجد، فإن احتمال التورية في الجواب قوي.

ويمكن أن يكون مثالاً له في الخارج قضية بيعة أبي حنيفة لأبي العباس السفاح: «لما نزل أبو العباس السفاح في الكوفة توجه إلى العلماء وجمعهم فقال: إن هذا الأمر قد أفضى إلى أهل بيت نبيكم (صلى اللّه عليه وآله) (جعل بني العباس من أهل البيت وهو مرفوض عند الشيعة) وجاءكم اللّه بالفضل، وأقام الحق، وأنتم معاشر العلماء أحق من أعان عليه، ولكم الحباء والكرامة والضيافة من مال اللّه فبايعوا بيعة تكون عند إمامكم

حجة لكم وعليكم، وأماناً في معادكم لا تلقوا اللّه بلا إمام. فنظر القوم إلى أبي حنيفة فقال : إن أحببتم أن أتكلم عني وعنكم؟ قالوا قد أحببنا. فقال: الحمد للّه الذي بلّغ الحق من قرابة نبيه (صلى اللّه عليه وآله) (والملاحظ أن في هذا الكلام تورية؛ وذلك لأنه عداه بـ (من)؛ ليدلل على أنه تعالى قربه إليهم، لا أنه أوصله إليهم، وإلا لعداه بـ


1) الغدير 6 : 107.

(إلى) كما هو مقتضى القاعدة فيه. وعبر بالقرابة دون أهل البيت الذي استخدمه السفاح في حديثه؛ فعدل عن لفظ أهل البيت إلى القرابة؛ ليبين أن لفظ (أهل البيت) لا يشمل الاعمام واولادهم) قد بايعناك على أمر اللّه عداه بـ (على) لا بالباء؛ ليحتمل له معنيين ان يراد بامر اللّه الخلافة او يراد أنه بايعه على أن يمتثل أمر الله)، ثم قال: والوفاء لك بعهدك إلى قيام الساعة» (1). وهذه الجملة الأخيرة بظاهرها لا معنى لها إذ كان المناسب أن يقول: إلى آخر حياتي؛ ولذا سأله الفقهاء عن ذلك فقالوا: ما أردت بقولك: قيام الساعة؟ لكن ربما أراد قيامي الساعة، فحذف الياء، واشبع الكسرة.

فتبين أن جوّ الرعب والإرهاب قد يعين على اكتشاف وقوع التورية في الكلام وربما يكون هذا العامل هو الذي كشف عن وجود التورية في قول الشيعي: (أنا من علي، ومن عثمان بريء) كما مرّ، مع ملاحظة اعتقاده بالإمامة وعدوله عن التصريح الصريح الذي يقتضي أن يقول: برئت في أول كلامه.

الأمر السادس: كشف التورية من الأمارات التي تظهر على المتكلم حين أدائه الحديث تدل على انه في مقام التورية وعدم التصريح بالواقع، مثل ظهور الاضطراب الشديد على وجهه، أو بروز حركة منه تدل على ذلك، كما جاء في حديث بشير بن أبي عيلان الشيباني المتقدم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى والنصاب، قال: فلوى شدقه، وقال: «كلها إلى يوم ما فليه لشدقه – وهو زاوية الفم من باطن الخدين – أمارة على إرادته الكتمانحيث استظهر صاحب الجواهر


1) أبو حنيفة (أبو زهرة) ص 41.

والمحقق الهمداني وقوع التورية في قوله (بين الخمسين والستين) وانما استظهر ذلك من الاضطراب السابق قبل الكلام.

فتبين أن العدول في الحديث هو أحد العوامل والامارات للكشف عن وقوع التورية لا أنه الامارة او العامل الوحيد، وإن كان من أهمها. وتبين أيضاً حجم تاثير معرفة الملاحن والتورية والمعاريض في استنباط الأحكام الشرعية.

وماجاء في كتاب فرائد العوالي في شرح شواهد الأمالي (لبعض أحفاد صاحب الجواهر) تعليقاً على قول السيد: «إن من لا يعرف اللحن لاحق له في تفسير كلماتهم» من قوله : «مع كون كلام النبي (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) لم يجر على نحو كلام العرب في جميع الاستعمالات، وحتى الأحكام. نعم، لا يمنع ذلك في غير الأحكام» (1)فهو بالإضافة إلى أنه يخالف قول جده لكنه غير صحيح في نفسه كما توضّح.

هذا تمام الكلام في البحث الثاني حول أنواع الكتمان وأسبابه.


1) فرائد الغوالي: 57.

البحث الثالث: في بيان التناسب بين أسباب الكتمان والأحكام الشرعية

هل إن كل سبب من أسباب الكتمان المتقدمة يصحح كتمان كل حكم من الأحكام الشرعية، أو إنه لا يصحح إلا كتمان الأحكام الملائمة له؟

وبيان البحث يتوقف على ذكر مقدمة، وهي أنه يمكن تقسيم الأحكام الشرعية إلى قسمين:

1 - أحكام مضيّقة ويقصد بها ما تمحض فيها الحكم للتكليف والتضييق على المكلف، من دون أن تكون فيه جهة تسهيل أو ترخيص. وهي قد تكون من الأحكام الوضعية كالنجاسة وقد تكون من الاحكام التكليفية كالواجبات المضيقة مثل وقت صلاة الجمعة وصوم شهر رمضان.

2 - أحكام موسعة : ويقصد بها: الأحكام التي تشتمل على التوسعة ولو من جهة، كالمستحبات والمكروهات والواجبات التخييرية بل التعينية ذوات الأفراد الطولية، مثل صلاة الظهر، فهي وإن كانت واجبة لكن فيها جهة ترخيص؛ لوجود التخيير في أفرادها الطولية. فالمستحبات والمكروهات تشتمل على الترخيص بالنسبة للطرف المقابل فعلاً أو تركاً، خاصة المستحبات. وهي ذات أنواع تختلف من حيث الرجحان شدة وضعفاً كما في النوافل، أو بحسب الأوقات. وهكذا الحال في الواجبات التخييرية؛ وذلك لأن وجوب كل طرف منها مشوب بالترخيص في تركه في الجملة.

ويختلف تأثير أسباب الكتمان الأربعة في تصحيحها وتبريرها لكتمان الأحكام الشرعية:

السبب الأول: المداراة مع السائل وهو يصحح كتمان الأحكام الشرعية بقسميها الموسعة والمضيقة؛ إذ قد تكون حلية شيء خاص من الأحكام المشهورة بين المسلمين بحيث لا يتحمل الناس بيان حرمته، كما لو كان السائل يعتقد بحلية السمك الذي لا فلس له بحيث لا يتحمل بيان حرمته، فهنا يمكن - ولأجل المداراة - كتمان هذا الحكم المضيق. وقد ورد في الحديث: «أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض» (1).

وكذلك لو كان يعتقد بحرمة لحم الحمر الأهلية مع كون حكمها الواقعي الحلية فيكتمها. نعم، بالنسبة للأحكام التي يمكن الاستدلال لها بظهور آية بوضوح، أو بحديث شريف مشهور بين المسلمين - وإن لم يفت العامة بموجبه – لا وجه لمداراة السائل المعتقد بخلافه؛ إذا أن مثل هذا الحكم يكون معه وسيلة إثباته المشتركة فلا مصحح لكتمانه بل يتعين إبراز هذا الحكم. ولعل ماورد في صحيحة زرارة ناظر لهذه الفكرة، قال: قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال: «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً: شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج». وما رواه الكليني في الصحيح عن زرارة قال: قلت لإبي جعفر (عليه السلام) في المسح على الخفين تقية؟ قال: «لا يُتقى في ثلاث». قلت: ماهن؟ قال: «شرب الخمر - أو قال: المسكر - وهو الحق، إذ لم يقل أحد بحلية الخمر - والمسح على الخفين ومتعة الحج» (2).

وإنما لا يتقي الإمام (عليه السلام) في هذه الموارد الثلاثة؛ لأن في احاديث العامة أنفسهم ما يدل على حرمة شرب مطلق المسكرات، وكذلك المسح على الخفين.


1) الكافي 2 : 117 / 4، وسائل الشيعة 12: 200/ 1.

2) الوسائل 11/ 469 ح5.

وجاء في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته (عليه السلام) يقول: «جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى اللّه عليه وآله) وفيهم علي (عليه السلام) فقال: وما تقولون في المسح على الخفين؟ فقال المغيرة بن شعبة: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) يمسح على الخفّين. فقال علي (عليه السلام) قبل المائدة أو بعدها؟ فقال: لا أدري» (1).

وكذلك متعة الحج وإن كان عمر قد أنكرها، لكن لوجود الأدلّة والنصوص العديدة لديهم عليها فلا مصحح للمداراة فيها؛ ولذا فهم التزموا بمتعة الحج.

إذن، فالحكم وإن كان خلافه بين المسلمين مشهوراً إلا إنه – ولوجود دليل معتمد عليه عند الجميع كظاهر الكتاب، أو حديث مشهور عندهم يمكن الاستناد اليهما - لم يستعمل الإمام (عليه السلام) المداراة في هذه الموارد.

وأما تلك الأحكام التي يوهم ظاهر القرآن خلافها، أو توجد احاديث مشهورة عندهم تدل على خلافها ففي مثل هذا المجال تتحقق المداراة؛ إذ أن المصدر الرئيس لتلك الأحكام المخالفة لمرتكزات الجمهور والعامة عبارة عما أملاه الرسول (صلى اللّه عليه وآله) على الامام علي (عليه السلام) المعروفة بصحف الامام علي (عليه السلام)، أو السنة النبوية التي خفيت على الناس بعد فرض عدم تدوين الحديث لأكثر من مئة عام، أو كان الحكم قد صدر منهم ولائياً أو اصول علم يرثها كابر عن كابر، او الاستمداد الرباني كما تدل عليه الروايات وأمثالها والاعتقاد بهذه المصادر يعتمد على


1) التهذيب 1 : 361 / 1091، الوسائل 1 : 408 / 4، ب 38 من أبواب الوضوء.

معرفة الإئمة : معرفة حقيقية ومعرفة خصائصهم وأحوالهم وحتى بالنسبة لجديد العهد بالتشيع لا يتحمل مثل هذا فضلاً عن غيرهم.

وفي مثله يصح كتمان الحكم الواقعي عنه مداراة فمن كان جديد عهد بالتشيع او بمعارفه، فربما لا يتحمل التصريح بهذه الاحكام مباشرة، بل لا بد من الاخذ بيده بالتدريج، لايصاله لمقام المعرفة بالامام والامامة، حتى يذعن بهذه المصادر، وقد ذكرنا ان التدريج منهج يستخدمه العقلاء واصحاب المبادئ، وقد استخدمه الرسول (صلى اللّه عليه وآله) في بيان الاحكام الاسلامية، فمثلاً المشهور بين العامة حرمة ما يصيده الكلب المعلّم إذا أكل الكلب مقداراً من الصيد، وقد ورد في الصحيحين مايدل على حرمته وإن ورد أيضاً في كتبهم مايدل على حليته، بل ربما احتج له بقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ) (1)، وإطلاق قوله تعالى: (وما أكل السبع) (2). والفتوى المعروفة عندنا هي حلية الحيوان حتى لو أكل الكلب المعلم مقداراً من اللحم أحياناً، فهنا يكون مجال المداراة مع السائل فيمكن كتمانه عنه والحكم مضيق.

السبب الثاني: إلقاء الاختلاف بين الشيعة، وقد وضحناه في محله، وأن الروايات تدل على أنهم احياناً يلقون الاختلاف بين الشيعة صوناً لدمائهم وأموالهم وأعراضهم. وهذه الروايات واردة في خصوص الموسعات أي فيما إذا كان في الحكم جهة توسعة لكن أفراده تتفاوت بين الأفضل وغيره، كالصلاة في أول الوقت وفي غير أول الوقت أو في عدد النوافل، أو التخيير في الأماكن الأربعة وأمثالها، ففي هذه الموارد يتمكنون من بيان فرد لشخص وفرد آخر لغيره ؛ كي يتحقق الاختلاف بينهم،


1) المائدة: 4.

2) المائدة: 3.

فلا يجوز الترخيص بفعل محرّم أو ترك الواجب لبعض الشيعة ليقع الاختلاف بينهم في المضيقات.

نعم، لو كان هناك سبب آخر بالإضافة إلى سبب إلقاء الاختلاف في مورد من الموارد كما لو اجتمع معه المداراة مع السائل فهنا يكون التأثير لذلك السبب إذا كان يقتضي يتحقق في المضيقات أيضاً فلو انحصر سبب الكتمان بإلقاء الاختلاف بين الشيعة فإن مجاله يكون الحكم الموسع لان غرض الأختلاف يتحقق به، فيأمر بعضاً بشق من شقوق الواجب التخييري ويأمر الآخر بالشق الآخر، أو يعين لبعض عدداً معيناً للرواتب ويعين للآخر عدداً آخر. كما يدل على اختصاصه بالموسعات صحيحة عبيد بن زرارة التي ذكرناها سابقاً: «ما أمرناك ولا أمرناه إلا بأمر وسعناه ووسعكم الأخذ به».

السبب الثالث: التقية بأقسامها الأربعة. ويجدر أن تلاحظ مدى علاقتها یکتمان الأحكام بقسميها:

أولاً: التقية بالنسبة للمحافظة على نفس الشيعي أو ماله أو عرضه، فإنها تبرر كتمان الحكم المضيق والموسع معاً، كما في تعيين وضوء على خلاف الكيفية الصحيحة لعلي بن يقطين (1)وداود الزربي (2)، والحكم من المضيقات الإلزامية.

ثانياً : إذا كان المستفتي من العامة، أو كان من جملة الحضور في المجلس، أو كان المستفتي شيعياً لكن ممن لا يكتم السر، وهذا أيضاً يبرر كتمان الحكم الموسع والمضيق.


1) الارشاد: 221، الناقب في المناقب: 453، مناقب آل أبي طالب : 408 عوالي اللآلي 1: 433 / 136، وسائل الشيعة 1 : 312، ب 32 من أبواب الوضوء.

2) اختيار معرفة الرجال 2: 600 / 564، مستند الشيعة 1: 101.

ثالثاً: فيما إذا كانت التقية للخوف من السلطان؛ فإنها تبرر كتمان الأحكام الإلزامية أيضاً، كما في فتوى الإمام الباقر (عليه السلام) بحلية ما أخذته البزاة والصقور (1).

رابعاً: إذا كانت التقية لأجل أن الحكم الواقعي مما يمكن أن يتخذ مستمسكاً للطوائف الأباحية الملحدة التي كانت تنسب نفسها إلى الشيعة ولا تلتزم بالأحكام الإلزامية فمجالها الأحكام الترخيصية فقط؛ فإنها التي يمكن أن تكون مستنداً لهؤلاء على دعواهم دون الأحكام الالزامية كما أوضحناه؛ فإنهم لو أبرزوا الحكم الموسع والترخيصي لأمكن توهم هذه النسبة. أما لو أبرزت الأحكام المضيقة والمشددة فلا يخطر توهم الارتباط بالطوائف الإباحية، مثل تعيّن تأخير المغرب عند الخطابية حتى تشتبك النجوم (2)، وكذا إيجابهم إعادة مافات الحائض من الصلاة أيام عادتها كالصوم.

السبب الرابع: السوق إلى الكمال، ومجاله الأحكام الترخيصية فقط كما وضحناهلانها هي التي تسوق الانسان للكمال، فيكتم الإمام جهة الترخيص فيها ليسوقهم إلى الكمال لأجل أن يسير الفرد والمجتمع في مسير التكاملمن خلال العمل بذلك المستحب مثلاً.

واتضح من ذلك اختلاف أسباب الكتمان من حيث التأثير في الأحكام؛ فبعضها يؤثر في كتمان الحكم الشرعي مطلقاً، وبعضها في الموسعات فقط، وبعضها في الأحكام الترخيصية فحسب.

فعلى هذا - وتطبيقاً لذلك - إذا وردت من الإمام روايتان متعارضتان يعلم بكتمان الحكم في أحدهما، فإذا أمكن حصر ومعرفة سبب الكتمان فيه فقد نتمكن من تعيين


1) الكافي 6 : 207 / 1، تهذيب الأحكام 9: 33 / 130.

2) انظر مختلف الشيعة 2: 61 / المسألة: 15.

النص الذي تحقق فيه الكتمان منهما. فإذا وردت روايتان إحداهما تدل على نجاسبة الخمر، والأخرى تدل على الطهارة، وفرضناه في الواقع طاهراً، فهنا يمكن فرض الكتمان بسبب المداراة مع السائل باعتبار ذهاب العامة جميعهم سوى ربيعة الرأي إلى النجاسة (1)فيتعين الكتمان في رواية النجاسة، بخلاف ما لو كان الحكم الواقعي هو النجاسة فإن صدور الحكم بالطهارة منهم بلا مبرر، أو أن كتمان الطهارة لأجل عدم اعطاء مستند للإباحيين في دعواهم وقضية شرب بعض الخلفاء للخمر إن ثبتت – وقد أنكره بعض المتأخرين تعصباً لهم - لا تصحح القول بأن الحكم بالطهارة كان للتقية بعد إجماع علمائهم على النجاسبة مع أنهم أكثر ارتباطاً بالخلفاء آنذاك.

هذا موجز ما أردنا التنبيه عليه بالنسبة للترابط بين أسباب الكتمان والأحكام المكتومة، ولكن مقابل هذا الرأي ما اختاره بعض الأعاظم (2)من أن اختلاف الحديث مختص في الموسعات؛ لأن هذا الاختلاف بين الروايات بعد ثبوت صدورها من الائمة (عليهم السلام) دليل على كون الحكم من الموسعات، وأما المضيقات فلا يوجد فيها اختلاف الحديث. ويظهر ذلك أيضاً من كلمات بعض الأصوليين مثل صاحب الكفاية الذي يرى أن الترجيح في الخبرين المتعارضين بالمرجّحات بماجاء في الأخبار العلاجية مستحب لا لازم قال : (ويشهد به الاختلاف الكثير بين مادل على الترجيح من الأخبار) (3)وظاهر أن نفس الاختلاف ما بين روايات الترجيح دليل على ان الترجيح من المستحبات والاحكام الموسعة.


1) انظر كتاب الطهارة للشيخ الانصاري: 360، مصباح الفقيه 1: 548.

2) هو المحقق الميرزا مهدي الاصفهاني (قدس سره).

3) الكفاية: 444.

وما استدل به، أو يمكن أن يستدل به لذلك روايات الرواية الأولى: رواية عبد الأعلى بن أعين قال: دخلت أنا وعلي بن حنظلة على أبي عبدالله (عليه السلام) فسأله علي بن حنظلة. عن مسألة فأجاب فيها، فقال علي: فإن كان كذا وكذا؟ فأجابه بوجه آخر حتى أجابه فيها بأربعة وجوه، فالتفت إلي علي بن حنظلة وقال: يا أبا محمد، قد أحكمناه (المحاسن: هذا باب قد احكمناه)، فسمعه أبو عبدالله (عليه السلام) فقال له : «لا تقل هكذا يا ابا الحسن؛ فإنك رجل ورع، إن من الأشياء أشياء ضيقة (المحاسن: مضيقة)، وليس تجري إلا على وجه واحد منها وقت الجمعة وليس لوقتها إلا حدّ واحد حين تزول الشمس، ومن الأشياء أشياء موسعة تجري على وجوه كثيرة، وهذا منها. والله إن عندي سبعين وجها» (1).

ويظهر أن ابن حنظلة تصور بأن الأجوبة المختلفة تجري في جميع الموضوعات والأحكام فعرفه الإمام الحقيقة، وأن الاختلاف مختص بالموسعات. وقد ورد ذكر الحديث في كتاب الاختصاص وبصائر الدرجات (2)إلا إن كتاب الاختصاص لم تثبت نسبته إلى المفيد هذا اولا، وثانياً أن مصدره كتاب بصائر الدرجات فلا يعد مصدراً مستقلاً. وسند الحديث في المحاسن صحيح؛ لأن عبد الأعلى هو ابن أعين كما صرح باسمه في المحاسن والبصائر، وكذلك في البصائر سنده صحيح؛ فإن محمد بن إسماعيل هو ابن بزيع ظاهراً. وعبد الأعلى ثقة؛ إما لعَدّ الشيخ المفيد له في الرسالة العددية من فقهاء أصحاب الصادقين (عليهما السلام)، وإما لوروده في أسناد تفسير علي بن إبراهيم وإن لم نعتبر نحن الطريق الثاني، وربما استدل لوثاقته بطرق أخرى.


1) المحاسن: 299 / 4، الوسائل 7 : 320 / 21، ب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

2) الاختصاص: 287.

وهذا الحديث يمكن تفسيره بأحد وجهين:

الوجه الأول: ما ذكره المجلسي بعد نقله له عن الاختصاص والبصائر قال: (لعل ذكر وقت الجمعة على سبيل التمثيل، والغرض بيان أنه لا ينبغي مقايسة بعض الأمور لبعض في الحكم، فكثيراً ما يختلف الحكم في الموارد الخاصة، وقد يكون في شيء واحد سبعون حكماً بحسب الفروض المختلفة) (1). فاختلاف الأجوبة في موضوع واحد نتيجة اختلاف فروضه وشقوفه ؛ فإن كان كذا فإن اختلاف الحيثيات والقيود يوجب اختلاف الموضوع ويتبعه الحكم، فالموسعة ما يتصور فيها شقوق متعددة بحسب الفروض المكثرة للحكم بتبع تكثر الموضوع، والمضيقة بخلافها؛ حيث إنها ليس فيها هذه الكثرة. وعلى هذا التفسير فلا يكون للحديث علاقة بما نحن فيه.

لكن يلاحظ على هذا التفسير للحديث:

أولاً: أن معنى المضيق على هذا التفسير : ما ليس له شقوق عديد وما لا يختلف الحكم فيه باختلاف القيود والحيثيات، والموسع بخلافه. وهو لا ينسجم مع بقية الروايات التي فسرت المضيق بالحكم الذي لا يكون من جهة التكليف فيه شائبة ترخيص كالمحرمات والواجبات كما ذكرناه من الروايات، والموسع ما فيه ذلك كما ورد ذلك في صحيحة زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إن من الأمور أموراً مضيقة واموراً موسعة، وإن الوقت وقتان، والصلاة مما فيه السعة، فربما عجّل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وربما آخر إلا صلاة الجمعة؛ فإن صلاة الجمعة من الأمر المضيق، إنما لها وقت واحد حين تزول، ووقت العصر - يوم الجمعة وقت


1) البحار 2: 197 - 198.

الظهر في سائر الأيام» (1). ومثله حديث ربعي بن عبدالله والفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن من الأشياء أشياء موسعة وأشياء مضيقة، فالصلاة مما وسع فيه تقدم مرة وتوخر اخرى، والجمعة مما ضيق فيها وقتها يوم الجمعة ساعة تزول، ووقت العصر فيها وقت الظهر في غيره» (2)وظاهرها أن المراد ما كان المكلف في سعة من حيث اختيار أي فرد من أفراده الطولية كالصلاة اليومية، فهو يتضمن الترخيص من حيث الأفراد، ويقابله المضيق وهو مالا يكون له سوی فرد واحد فلا شائبة للترخيص فيه، لا كون الموسع ذا شقوق يختلف بحسبها الأحكام والمضيق غيره.

ثانياً: أن ما جاء في ذيل الحديث المذكور من قوله (عليه السلام) «وإن له عندي سبعين وجهاً» جاء في الروايات السابقة التي تضمنت نفس هذا التعبير: «سبعون وجهاً لنامن كلها المخرج» فلابد أن يكون مفهومها هو نفس ماذكرناه في بيان مفهوم تلك الأحاديث، وهو أنهم يجيبون في موضوع واحد بأجوبة شتى بحسب المناسبات والعوارض كالأعذار وغيرها. فلايتم ماذكره المجلسي تفسيراً للحديث.

الوجه الثاني: أن يكون المقصود من ذلك أن للأيمة: بما هم ولاة الأمر حق الأمر في الموسعات بوجوه مختلفة، كما في الواجب التخييري حيث يمكنه (عليه السلام) الجواب بأجوبة مختلفة فيأمر الغني في كفارة الإفطار العمدي بعتق رقبة ويأمر البدين بالصوم شهرين متتابعين، ويأمر الثالث الذي يكون وضعه متوسطاً بالتصدق على ستين مسكيناً، فيأمر بأحد الأفراد العرضية أو الطولية بحسب المناسبة، وأما في


1) التهذيب 3: 13/ 46، الوسائل 7: 316 / 3، ب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

2) الكافي 3: 274/ 2 الوسائل 7: 20 / 21 ب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

الأمور المضيقة فلا يصلح الأمر إلا بوجه واحد، فإذا صح ذلك أمكن استكشاف كون الحكم من الموسعات من نفس صدور الإجابة عليه بوجوه متعددة ولا يرد عليه ما أورد على التفسير الأول من الاعتراض.

ولكن يلاحظ على ذلك أنه لا يعني عدم صدور الأجوبة المتعددة في المضيقات مطلقاً، بل غايته أنه لا يصدر فيها منهم (عليهم السلام) أجوبة متعددة من قبيل الأجوبة المختلفة في الموسعات كما في حالات إلقاء الاختلاف بين الشيعة أو للسوق إلى الكمال ونحوهما، فيمكن أن تصدر منهم في المضيقات أجوبة مختلفة من باب المداراة للسائل أو التقية.

إذن، فاختلاف الأحاديث في الموسعة أمر طبيعي ومتعارف بسبب السوق للكمال، أو إلقاء الخلاف فهو على القاعدة، لكن هذا لا يكون دليلاً على عدم استعمالهم (عليهم السلام) اختلاف الأجوبة في الأحكام المضيقة أيضاً بسبب مداراة السائل أو التقية.

إذن، فالرواية لا تدل على الحصر وإن دلت على وجود الاختلاف في الموسعات ولكن لا على سبيل الحصر فيها بحيث تنتفي في المضيقة أيضاً. فيكون معنى الحديث إذن أن هناك فرقاً بين الأمور الموسعة والأمور المضيقة، بأن الأولى - بحكم طبيعة سعتها - تتحمل الأجوبة المختلفة عدولاً من التعليم إلى الفتيا بخلاف الأمور المضيّقة، فالحديث غير ناظر إلى الاختلاف الحاصل من عُروض العوامل غير الطبيعية كالمداراة والتقية.

هذا بالإضافة إلى أننا نعلم بأن الأئمة (عليهم السلام) قد مارسوا الكتمان في موارد الأحكام الإلزامية المضيقة أيضاً كالموسعات، وصدرت منهم فيها أجوبة مختلفة. فلابد

إذن في مجال اختلاف الأحاديث أن نستكشف سر الكتمان فيها وبموجبه نتعرف على نوعية الحكم المكتوم بأنه ترخيصي أولا.

الوجه الثالث : ان الموسعات كالمستحبات، يمكن ان تختلف مراتبها من حيث مراتب الفضل، وباختلاف حالات السائل، كما في وقت الصلاة اليومية، فتختلف مراتبها من حيث الفضل حسب حالات الانسان، فانه لو كان مريضاً أول الوقت امكنه تأخيرها بعد ساعة من وقتها، لذلك تصلح هذه الاحكام للروايات المختلفة حسب هذه المراتب والحالات، واما الحكم المضيق كوجوب صلاة الجمعة، فليس لها الا وقت واحد، فلو كان مريضاً أول الوقت سقطت عنه، فلا يصلح لاجوبة وروايات مختلفة فيه.

و اشكل عليه : بما ذكرناه، انه وان امكن وجود الاجوبة المختلفة في الموسعات لاجل اختلاف مراتب الفضل او حالات الانسان، ولكن هذا لا يعني حصر وجود الاختلاف فيها، بل يمكن وجوده في المضيفات أيضاً، لعلة خوف أو ضرورة، كما اننا رأينا وجود روايات واجوبة متعددة في المضيفات ايضاً.

الرواية الثانية: خبر الميثمي الذي ذكرناه سابقاً من مقدمة جامع الأحاديث فإنه قد استدل به على أن اختلاف الأحاديث يختص بالموسعات؛ فإنه ورد فيه: قلت: فإنه يرد عنكم الحديث في الشيء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) مما ليس في الكتاب وهو في السنة ثم يرد خلافه، فقال: «كذلك قد نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) عن أشياء فهي حرام فوافق في ذلك نهيه نهي اللّه وامر بأشياء فصار ذلك الأمر واجباً لازماً كعدل فرائض اللّه، فوافق أمره أمر اللّه فما جاء في النهي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) نهي حرام ثم جاء خلافه لم يسع استعمال ذلك، وكذلك فيما أمر به لأنا لا نرخص

فيما يرخص فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ولا نأمر بخلاف ما أمر به رسول اللّه إلا لعلة خوف ضرورة، فإما أن نستحل ما حرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) أو نحرم ما استحل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، فلا يكون ذلك أبداً؛ لأنا تابعون لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وأن رسول اللّه نهى عن أشياء ليس نهي حرام بل إعافة وكراهة، وأمر بأشياء ليس بأمر فرض ولا واجب بل أمر فضل ورجحان في الدين ثم رخص في ذلك للمعلول وغير المعلول.

فما كان عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) نهي إعافة أو أمر فضل فذلك الذي يسع استعمال الرخص فيه إذا ورد عليكم عنا فيه الخبران باتفاق يرويه من يرويه في النهي ولا ينكره، وكان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما يجب الأخذ بهما. فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّه فما كان في كتاب اللّه موجوداً حلالاً أو حراماً فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وأمره.

وما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة ثم كان الخبر الأخير خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وكرهه ولم يحرمه. فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً أو بأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع» (1).

فتختص الرخصة في العمل عند اختلاف الأحاديث بالموسعات عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) فقط، ولا يوجد في سنده من يختلف فيه إلا محمد بن عبدالله المسمعي.


1) الوسائل 18/ 81 ح 21.

قال الصدوق بعد نقل هذا الحديث : (وقال مصنف هذا الكتاب: كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد سيئ الرأي في محمد بن عبدالله المسمعي راوي هذا الحديث، وإنما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب؛ لأنه كان في كتاب الرحمة، وقد قرأته فلم ينكره، ورواه لي) (1). فيحتمل أن محمد بن عبدالله المسمعي نقل هذا الحديث عن كتاب الميثمي، وكتاب الميثمي له رواة كثيرون غير محمد بن عبد اللّه، فيمكن أن يكون لابن الوليد طرق معتبرة أخرى لهذه الرواية.

فالسند معتبر لا خدشة فيه، ولكن الحديث في الدلالة فهي وان دلت على امكان صدور الروايات المختلفة في الموسعات، فيقول لبعضهم اغتسل للجمعة ولبعضهم يجوز لك ترك غسله حيث ان الجملة دلت على صدور الامر والنهي في خصوص ما وسعه اللّه، بما لم يأمر به امر فرض ولم ينه عنه نهي حرام، ولكن هذه الجملة لا تدل على الحصر، وانه لا يصدر منهم الروايات المختلفة في غير الموسعات. بل تدل على خلافه ؛ فإنها في الشق الأول من الرواية حول الاحكام الالزامية المضيقة او لا نأمر بخلاف ما امر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) الا لعلة خوف او ضرورة، أي في تلك الموارد الالزامية قد يصدر من الائمة (عليهم السلام) الخبر المخالف لاجل الخوف على انفسهم أو على المستفتي، على نفسه او ماله او عرضه، او الخوف من رجوعه عن التشيع وغيرها، اذن فالرواية تدل على أنهم قد يصدر منهم ترخيص في الحكم المضيق الذي لا توسعة فيه، كما لو نهى عنه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وإنما يرخصون فيه لعلة خوف أو ضرورة، كما صدر منهم في عهد بني أمية من كفاية صيد البزاة والصقور عن التذكية. وأما ما يكون من الأحكام التي فيها جهة توسعة، فإن الرواية تدل على


1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 21.

ثبوت حق الإعلان والتبليغ لهم، فيمكن لهم الترخيص فيها كما يمكن لهم عدم الترخيص فيها بحسب الحالات.

فاتضح أن الرواية لا تدل على انحصار الاختلاف في الموسعات فقط، بل تدل على إمكان صدور الحكم المخالف كالترخيص في المضيقات أيضاً فيما إذا كانت هناك ضرورة.

الرواية الثالثة: رواية عبدالله بن زرارة التي تقدم نقلها في شأن أبيه، فقد جاء فيها: فلا يضيقن صدرك من الذي أمرك أبي وأمرتك به وأتاك أبو بصير بخلاف الذي أمرناك به، لا والله ما أمرناك وما أمرناه إلا بأمر وسعنا ووسعكم الأخذ به، ولكل ذلك عندنا تصاريف ومعان توافق الحق. ولو أذن لنا لعلمتم أن الحق في الذي أمرناكم به». فهي تدل على ان جميع الأجوبة حق ولا يتصور أن يكون جميع الأقوال والأجوبة المختلفة حقاً إلا في الموسعات فقط.

ولكن مورد الرواية - كما هو واضح - في مجال إلقاء الاختلاف بين الشيعة، وموردها الأحكام غير الإلزامية. ولا ريب أن كلا القولين فيها حق، ولكن لا تدل الرواية على اختصاص اختلاف الحديث في هذا المورد وبالموسعات، ولا تدل على أن کل اختلاف ينشأ منهم فلابد أن تكون جميع أطرافه على حق، فيمكن أن يصدر منهم الاختلاف مع عدم كون جميع الأطراف على حق.

الرواية الرابعة: ما ورد في الأخبار العلاجية من الحكم فيها بالتخيير، حيث ورد فيها: «بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك» مما يدل على أن الحكم الواقعي فيها هو التخيير والتوسعة وهو لا يتصور إلا في الموسعات.

وتلك الروايات بالأضافة إلى ضعف سندها لا تدل على أن التوسعة حكم واقعي فيها ليختص في الموسعات، بل هو حكم ثانوي جعل في الموسعات، فهو كالتخيير في الأخذ بفتوى المجتهدين المتساوين في العلمية على المشهور. بالإضافة إلى أن التخيير الظاهري بالأخذ بكل واحد منهما تخييراً في مورد الجهل بالواقع لا يدل على أن الحكم الواقعي للموضوع هو التخيير. فيعلم من جميع ما ذكرناه، انه بعد العلم بصدور الخبرين المتعارضين من الامام (عليه السلام) وانهما صدرا من باب التشريع العام لا الحكم الولائي، فلا بد ان نلاحظ اسباب الكتمان التي ذكرناها، وان اي سبب منها هو الملائم لمورد الخبرين، وبعد ذلك يمكن تحديد الحكم المكتوم - انه من المضيفات أو الموسعات على ضوء ما ذكرناه من تناسب كل سبب مع قسم من هذين القسمين أوسع كليهما.

هذا تمام الكلام في الأمر الثاني من موجبات الاختلاف في الأحاديث، حيث كان منشأ الاختلاف من قبل الأئمة (عليهم السلام) أنفسهم.

الأمر الثالث: في بيان اختلاف الأحاديث الناشئ من الرواة والنقلة والنساخ

ولهذا العامل تأثيره الكبير في اختلاف الأحاديث، والجهات المتعلقة بالرواة سواء كانت عمدية أو غير عمدية كثيرة، إلا إن أصول عوامل الاختلاف من هذه الجهة قسمان:

القسم الأوّل: الاختلاف الناشئ عن سوء قصد وعمد، فيضع الحديث أو ينقص بعضه مما يؤثر في مدلوله أو يزيد فيه بما يؤثر في تغير المدلول وغير ذلك.

القسم الثاني: الاختلاف الناشئ مما ذكر، لكن لا عن سوء قصد وعمد. فالبحث في مقامين :

المقام الأوّل: الاختلاف الناشئ من تعمد الرواة للزيادة أو النقيصة أو الوضع.

والبحث هنا يقع في جهات ثلاث:

الجهة الأولى: في إثبات وقوع ذلك، وأن هناك من تعمد الدس والوضع على النبي (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) مما سبب وقوع الاختلاف بين الأحاديث. ولا نقصد بذلك التعرف على هوية الوضاعين وتفصيلات هذا العامل؛ فإنه مما يتكفله علم الرجال، بل المراد إثبات وقوع الكذب على الرسول والأئمة الهداة (عليهم السلام) في الجملة.

الجهة الثانية: البحث عن دواعي وعوامل الدس والوضع في الأحاديث سواء على النبي (صلى اللّه عليه وآله) او الائمة (عليهم السلام) مما يعين الباحث على تمييز الحديث الموضوع من غيره. فان هذه الجهة تفيدنا فيما لو احتملنا ان طائفة من الروايات موضوعة، فلا بد ان نلاحظ مضمون الخبر، فهل يتلاءم مع دواعي الافراد الوضاعين للحديث أم لا، لنميز الموضوع عن غيره.

الجهة الثالثة: بيان أنحاء الوضع العمدي وأقسامه، فتارة يضع كتاباً وينسبه إلى الأئمة (عليهم السلام)، وأخرى ينسب تأليف أحد العلماء إلى الأئمة، وثالثة بالتصرف في كتاب أحد العلماء وغيره.

أما البحث في الجهة الأولى، فإن هناك الكثير من الشواهد تدل على وجود بعض الرواة والرجال الوضاعين حيث كانوا يضعون الأحاديث منذ زمن النبي (صلى اللّه عليه وآله) وينسبونها كذبا للنبي (صلى اللّه عليه وآله) او للائمة (عليهم السلام) ونحن هنا نشير إلى بعض الروايات التي صرح فيها النبي (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) بوجود الوضع على نحو الكبرى الكلبة، او تشير بعضها الآخر إلى التصريح باسماء بعض الافراد الذين كانوا يضعون الحديث كالمغيرة بن سعيد. كما ان هناك اقوال بعض العلماء المعاصرين للائمة (عليهم السلام) أو المتأخرين عنهم في التصريح عن بعض الرجال بانه كذاب أو وضاع وامثاله. بوجود الأشخاص الذين كانوا يكذبون عليهم بنحو الكبرى الكلية.

اما بالنسبة للوضع على الرسول (صلى اللّه عليه وآله)، فينقل في الكافي رواية سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «وقد كذب على رسول اللّه

(صلى اللّه عليه وآله) في عهده حتى قام خطيباً وقال: أيها الناس، قد كثر على الكذابة، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (1). وجاء في شرح الدراية للشهيد الثاني: (هذا الحديث يمكن ادعاء تواتره فقد نقله عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) من الصحابة الجم الغفير، قيل: الرواة منهم له أربعون، وقيل: ست وستون صحابياً... ولم يزل العدد الراوي لهذا الحديث في ازدياد. وظاهر أن التواتر يتحقق بهذا العدد، بل بما دونه) (2). فكلما ازداد الاطلاع على المصادر والكتب كلما كثر عدد الرواة لهذا الحديث. اذن فكان في زمان الرسول (صلى اللّه عليه وآله) جماعة مارسوا الوضع، وخاصة من المنافقين.

واما بالنسبة لإثبات تحقق الوضع في أحاديث الأئمة (عليهم السلام) فتدل عليه رواية يونس بن عبدالرحمن المعتبرة يرويها محمد بن عيسى بن عبيد عنه، قال: إن بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر فقال: يا أبا محمد، ما أشدّك في الحديث واكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا ! فما الذي يحملك على رد الأحاديث؟ فقال حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديث المتقدمين، فإن المغيرة بن سعيد (لعنه الله) قد دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا اللّه ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا محمد (صلى اللّه عليه وآله) (3).


1) الكافي 1: 150 - 1/52.

2) الرعاية في علم الدراية: 68 - 69.

3) رجال الكشي: 224/ 401.

فهذه الرواية تثبت وقوع الدس في كتب الأصحاب، بل إننا نلاحظ اليوم مع كون الكتب مطبوعة تحرف في الطبعات اللاحقة أو يزاد فيها أو ينقص كما يلاحظ في بعض الكبت التي تتضمن فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، فنلاحظ ان الكتاب المطبوع جديداً في مصر يختلف عن المطبوع في الهند، حيث حذفت منه بعض النصوص التي لا يراها الناشر أو غيره موافقة المعتقداته ورغباته، فمكارم الاخلاق للطبرسي المطبوع في مصر كلما ذكر الإمام الحسن (عليه السلام) يعبر عنه بالحسن البصري. فكيف في الكتب الخطية ؟ حيث ان البعض كانوا يستنسخون الكتاب فيضيفون أو يحذفون منه ما شاء حسب رغباتهم، لان مؤلفي الكتب كانوا يعطون مؤلفاتهم للوراقين ليستنسخوها وربما اضاف أو حذف الوراق منه شيئاً، إلى أن يقول: (وافيت العراق فوجدت فيها قطعة من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) ووجدت أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبدالله (عليه السلام) وقال لي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبدالله (عليه السلام)، لعن اللّه أبا الخطاب. وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون في هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛ فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن) (1).

وقد استنتج صاحب الحدائق من هذا الحديث أن هذا كان شأن عامة الأصحاب، فقال في مقدمة الحدائق: (أقول : انظر (أيدك اللّه تعالى) إلى ان مادل عليه هذا الحديث


1) رجال الكشي: 224 / 401.

من توقف يونس في الأحاديث واحتياطه فيها، وهذا شأن غيره أيضاً كما سيظهر لك إن شاء اللّه تعالى) (1). مع انه على خلاف مقصوده أدل، فإن ظاهره ان يونس كان منفرداً في أمره هذا ؛ وانه ينقد الحديث نقداً داخلياً، ولا يقبله لمجرد سماعه - بل يرى مدى حصول الوثوق بصدوره من خلال القرائن المختلفة على ذلك، ولذا فقد أنب على ذلك فدافع عن نفسه بذلك.

وكذلك الحديث المنقول في الكافي بسند معتبر أيضاً عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله (عليهم السلام) يقول: «رحم اللّه عبداً حبنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم، أما والله لو يروون محاسن كلامنا لكانوا به أعزّ، وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشيء، ولكن أحدهم يسمع الكلم فيحط إليها عشراً» (2).

وفي رجال الكشي (3): محمد بن قولويه قال: حدثني سعد بن عبدالله قال: حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يوماً وقد دخل عليه الفيض بن المختار فذكر له آية من كتاب الله عز وجل تأوّلها أبو عبدالله (عليه السلام) فقال له الفيض: جعلنا اللّه فداك، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم، قال: «وأي الاختلاف يافيض؟». فقال له الفيض: أني لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أشك في اختلافهم في حديثهم حتى أرجع إلى المفضل بن عمر فيوقفني من ذلك على ما تستريح به نفسي ويطمئن إليه قلبي. فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «أجل هو كما ذكرت يافيض، إن الناس أولعوا بالكذب علينا،


1) الحدائق 1 : 10.

2) فقه الرضا: 356.

3) رجال الكشي: 297/ 528.

إن اللّه افترض عليهم لا يريد منهم غيره، إني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند اللّه وإنما يطلبون الدنيا، وكلُّ يجب أن يدعي رأساً، إنه ليس من عبد يرفع نفسه إلاّ وضعه».

وفي رجال الكشي أيضاً في ذم بعض من ينتحل التشيع بسند عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إن ممن ينتحل هذا الأمر لمن هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين اشركوا» (1).

وينقل عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «لو قام قائمنا بدأ بكذابي الشيعة فقتلهم» (2). وهناك روايات كثيرة في ذم المغيرة بن سعيد وأبي الخطاب وفارس بن حاتم وأمثالهم. حيث اشتكى الائمة (عليهم السلام) منهم كثيراً، وانهم كذابون، وامثالها من الفاظ الذم والقدح والشكوى، واما ما صرح به اصحاب الائمة (عليهم السلام) او العلماء اللاحقون عن بعض الرجال بانهم وضاعون للحديث فهي اقوال كثيرة، لا مجال لذكرها هنا وتلاحظ في كتب الرجال.

فالأمر واضح يظهر لكل من يراجع كتب الرجال حيث نسبت الوضع إلى بعض الرجال حين ترجمتها لهم، حيث كان هناك أفراد وجماعات في زمان النبي (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) تمارس عملية الوضع والدس والتزوير في


1) رجال الكشي: 297/ 528.

2) رجال الكشي: 299/ 533.

أحاديثهم ورواياتهم وربما من خلال هذه الروايات نتوصل إلى وجود الدس حتى في الكتب.

وأما البحث في الجهة الثانية: ففي اغراض الوضع وعوامله ودواعي الكذب على المعصومين، ونحن لا نستطيع تحديد أغراض الوضع وإحصائها بصورة مفصلة، فهناك بعض الأفراد كانوا يضعون الحديث لأغراض تافهة، ففي كتاب أضواء على السنة المحمدية نقلاً عن الحاكم عن سيف بن عمر التميمي قال: (كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكتاب يبكي، فقال له: مالك؟ قال: ضربني المعلم. قال: لأخزيهم اليوم، حدثنا عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المساكين) (1)فاذا كان الوضع للحديث بمثل هذه الاغراض التافهة.

إذن فكيف يمكن تحديد وإحصاء أغراض الوضع جميعها؟ ولكن نذكر الأغراض والعوامل الأصلية والأساسية لوضع الأحاديث، والملاحظ أن أمثال هذه العوامل وذكرها الآخرون، لكن حاولنا إضافة بعض الشواهد إليها وتحديدها:

العامل الأوّل: الترغيب إلى الخيرات والترهيب عن الشرور، وقد نقل بأنه كان من العامة رجال كثيرون على ظاهر الصلاح والزهد يضعون الحديث لذلك، حيث يتصورون بأنه من جملة أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليميل الناس إلى فعل الخير ويرتدعوا عن الشرور والمفاسد.


1) اضواء على السنة المحمدية: 139.

جاء في مقباس الهداية والأضواء مانصه : (واخرج الحاكم في المدخل بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة : من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد اعرضوا عن القرآنو اشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة) (1).

وعقد في كتاب أضواء على السنة المحمدية فصلاً مستقلاً في هذا الموضوع بعنوان (الوضاعون الصالحون) (2)، وكذا في كتاب الغدير عقد باباً لذلك (3)، وربما كان في الشيعة أيضاً من يحمل هذه الفكرة ويضع الحديث لذلك كما ورد في بعض من قيل فيه : إنه كذاب وضاع أنه كان يجعل الأحاديث في الخيرات، فمثلاً عبدالله بن عبدالرحمن الأصم ورد فيه في مجمع الرجال نقلاً عن ابن الغضائري: (وله كتاب في الزيارات يدل على خبث عظيم ومذهب متهافت، وكان من كذابة أهل البصرة) (4).

وعن النجاشي: (ضعيف غال ليس بشيء، روى عن مسمع بن كردین وغيره له کتاب المزار سمعت ممن رآه فقال لي: هو تخليط) (5).

وكتابه هذا من المصادر الأصلية لكامل الزيارات وقد نقل عنه (30) مورداً، وأغلب رواياته طويلة وتتضمن أموراً غريبة.


1) مقباس الهداية 1 : 410، اضواء على السنة المحمدية: 139.

2) أضواء على السنة المحمدية: 138.

3) انظر الغدير 5 : 277 - 356، 9 : 218 - 264، 10: 3، 77، 94.

4) مجمع الرجال 4 : 25.

5) رجال النجاشي: 217/ 566.

ومن مصادر كتاب كامل الزيارات أيضاً ما يرويه جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الذي ذكر النجاشي في ترجمته: (إنه كان ضعيفاً في الحديث، قال أحمد بن الحسين: كان يضع الحديث وضعاً، ويروي عن المجاهيل وسمعت من قال: كان أيضاً فاسد المذهب والرواية، ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل أبو علي ابن همام وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزراري رحمهما اللّه تعالى) (1).

ولابد من المقارنة بين ما نقرؤه في كتب الرجال، وما نواجهه في كتب الحديث فربما توصلنا من خلال ذلك إلى نتائج مفيدة في الحديث والرجال، فنحن نرى الصدوق (قدس سره) ينقل في كتابه ثواب الأعمال حديثاً في فضائل سور القرآن، ونجد في سنده الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني (2)وحينما نراجع كتب الرجال نجد أن الكشي ينقل عن محمد بن مسعود: قال: سألت علي بن الحسن بن فضال عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني، فقال: كذاب ملعون، رويت عنه أحاديث كثيرة، وكتبت عنه تفسير القرآن كله من أوله إلى آخره إلا إني لا أستحل أن اروي عنه حديثاً واحداً) (3).

العامل الثاني: إثراء الفكر الاسلامي والشيعي، حيث يتوهم البعض أن ذكر بعض القضايا التاريخية أو بعض الحكم والامتثال ونسبة المطالب الحكمية أو التاريخية أو المعلومات المرتبطة ببعض الأمور التكوينية والعلل الطبيعية لبعض الظواهر كالزلزلة وغيرها إلى المعصوم يثري الثقافة الإسلامية ويكمل نقصها ويرفع بذلك من منزلة المعصومين والمعارف الإسلامية المتلقاة عنهم فيضع الحديث في هذه المجالات، ويجعل


1) رجال النجاشي: 122 / 313.

2) ثواب الأعمال: 130/ 1.

3) رجال الكشي: 552 / 1042.

له سنداً يوصله للمعصوم. ففي كتاب أضواء على السنة المحمدية: (قال خالد بن يزيد: سمعت محمد بن سعيد الدمشقي يقول : إذا كان كلام حسن لم أر بأساً من أن أجعل له إسناداً) (1).

ولعل من هذا المجال ما وضعه كعب الأحبار ووهب بن منبه من الإسرائيليات. كما يلاحظ أيضاً عن علل الشرايع للصدوق (2)من كتبنا، حيث ينقل عدة من الإسرائيليات التي لا يمكن الاعتماد عليها من حيث السند وبعضها تصل إلى عبدالله بن عمر بالإضافة إلى اضطراب متنها، والسيد الخوئي حينما يبحث عن الكافي (3)يذكر أنه توجد فيه روايات يقطع بمخالفتها للواقع كذكر الزهرة وغيرها من الروايات المرتبطة بالتكوينيات.

العامل الثالث: ما يقصد به مدح بعض المذاهب أو بعض رجال المذهب وامثال ما يذكر فيها فضائل بعض الخلفاء الزمنيين كما ذكر في كتاب الغدير، او تضعيف بعض الرجال وذمهم، أو في مدح رجال بعض المذاهب أو ذمهم واتباع كل مذهب يمدح رجاله ويذم رجال الآخر، وكل طائفة تنسب احاديثها للرسول (صلى اللّه عليه وآله)، وهو كثير عند العامة، فينقل في كتب المثالب والمناقب حديثاً نصه (يكون في أُمّتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي (4). ويقول ايضا (اضطرت الشافعية إزاء ذلك إلى أن يرووا في


1) أضواء على السنة المحمدية: 137.

2) علل الشرائع 2: 486 - 490 / باب المسوخ وأصنافها.

3) الكافي 8: 474/306.

4) اضواء على السنة المحمدية: 121.

إمامهم حديثاً يفضلونه على كل إمام وهذا نصه: (قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله): اللهم اهدِ قريشاً؛ فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً) (1)لأن الشافعي كان من قريش.

وأنصار الإمام مالك أيضاً وضعوا في إمامهم هذا الحديث: (يخرج الناس من المشرق إلى المغرب فلا يجدون عالماً أعلم من عالم أهل المدينة) (2)، وكأنهم طبقوا هذه العناوين على إمامهم بمتمم الجعل التطبيقي فانه وان كان في المدينة أو لقريش علماء اخرون، ولكن لاجل الدعاية الكبيرة ينصرف عالم قريش أو المدينة آنذاك عند اهل السنة للشافعي او مالك.

وفي رواياتنا أيضاً ورد ذم هشام بن الحكم (3)ويونس بن عبدالرحمن مثلاً، فربما كانت هناك جماعات مناوئة لأمثال هؤلاء وضعت الأحاديث بل ربما ألفت الكتب في ذمهم والقدح فيهمكما الفت بعض الكتب في ذم هشام بن الحكم.

العامل الرابع: الوضع بداعي العامل القومي، فإنه كان بين الشعوب الإسلامية تفاخر وتباغض مع ان اساس الفضيلة في الاسلام هو التقوى كما في الآية الشريفة ولكن كان هناك تفاخر بين الشعوب وخاصة في تلك الفترة، مما أدى إلى وضع بعض الروايات التي تتضمن ذم شعب ومدح آخر، فكثيراً ما نجد في كتب الرجال كتباً تحت عنوان (كتاب فضل العرب على العجم)، و(كتاب فضل العجم على العرب). وورد في الروايات أيضاً فقد جاء في مصادر متعددة كالكافي والتهذيب والفقيه والعلل عن


1) كنز العمال 12: 25/ 23806.

2) أضواء على السنة المحمدية: 122.

3) انظر اختيار معرفة الرجال 549:2 - 564 / 488، 496، 498 – 500.

أبي الربيع الشامي - وسند الفقيه إليه صحيح بحسب الصناعة - عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لا تخالط الأكراد فإن الأكراد حي من الجن كشف اللّه عنهم الغطاء» (1)، وأبو الربيع لم يوثق.

وفي الوسائل أيضاً باب تحت عنوان (كراهة مناكحة الزنج والخزر والخوز والسند والهند)، وفيه (لا تسبوا قريشاً ولا تبغضوا العرب ولا تذلّو الموالي) (2). والعجب أن يتسرب أمثال ذلك إلى الكتب الفقهية والرسائل العملية، فيفتي الشرائع والجواهر والوسيلة بكراهة معاملة الأكراد، مع كونهم في الغالب من المسلمين بل من الشيعة وفيهم الأعاظم والعلماء.

وفي روايات أهل السنة وردت أحاديث في ذم الأتراكوربا كان هدف بعض الوضاعين من وضع هذه الروايات التي تذم بعض الشعوب، ونسبتها لائمتنا المعصومين (عليهم السلام) لاجل ان يشمئز ابناء تلك الشعوب من التشيع، وفي بعض روايتنا يشير إلى ان وضع الاحاديث لاجل ذلك.

العامل الخامس: ما استهدف به هدم الإسلام وتضعيف معارفه ومبادئه الجليلة المقدسة بوضع الأحاديث التي تدلّ على الجبر والتشبيه او الغلو، أو يقصد به الحط من مقام القرآن الكريم بوضع مايدل على تصحيفه أو تحريفه. وكان السيّد البروجردي يقول في درسه: إنه قد اشترك العامة والخاصة في وضع الأحاديث القادحة في صيانة القرآن اما الزنادقة والملاحدة فغرضهم تشويه القرآن الكريم وهو اساس الدين وهناك


1) الفقيه 3: 100 / 390، الوسائل 17 : 416 / 2، ب 32 من أبواب آداب التجارة.

2) علل الشرائع : 4/393، الوسائل 20 : 83 / 4، ب 31 من أبواب مقدمات النكاح.

شواهد تدل على وجود افراد كانوا يستهدفون اسقاط القرآن الكريم عن السندية ؛ أما العامة بعض فكانوا يقصدون بذلك أن يظهروا أنه لولا جمع الخلفاء للقرآن المجيد لكانت بقية آياته تذهب أيضاً، فهم يهدفون من وراء ذلك مدح الخلفاء بجمعهم القرآن وأنهم خدموا الإسلام، وأما بعض ضعاف الشيعة فقد قصدوا من وضع روايات التحريف القدح فيهم بدعوى أنهم حرفوا وألغوا بعض آيات القرآن المجيد وحذفوها عن قصد.

وبالتأمل في هذه الروايات يتبين ضعفها ووضعها من قبل هؤلاء الأفراد أو الجماعات التي تستهدف هذه الأهداف. وماذكر فهو بالنسبة لبعض العامة والخاصة لا جميعهم، ولذا فروايات التحريف لا نجدها إلا في الكتب غير المعتبرة.

والرواية قد لا يكون فيها دلالة على ذلك ولكنها تحرّف لتكون من أمارات وقوع النقصان في القرآن كما نلاحظه في الرواية الموجودة في الكافي الشريف عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «ان القرآن الذي جاء به جبرئيل على محمد (صلى اللّه عليه وآله) سبعة آلاف آية» (1)هذه برواية الوافي، ولكن جاء في الكافي - الطبعة الحديثة «سبعة عشر ألف آية» (2).

وهكذا في نسخة تحف العقول فيكون المحذوف منه ما يقارب ثلثيه، أما على نقل الوافي فلايكون الخبر دليلاً على النقصان، ويكون ذكر «سبعة آلاف» من باب تدوير العدد.


1) الوافي 9: 1780/ 7.

2) الكافي 2 : 463 / 28.

ومنها أيضاً ما وضع لأجل هدم دعائم الإسلام وأحكامه كما في الحديث الذي ينقله الوسائل عن الصدوق في معاني الأخبار، وهو يرويه بسند معتبر عن الفضيل بن عثمان قال: سئل أبو عبدالله عما روي عن أبيه : «إذا عرفت فاعمل ما شئت»، وأنهم يستحلون بعد ذلك كل محرم؟ فقال: «مالهم لعنهم اللّه ؟ انما قال أبي: إذا عرفت فاعمل ماشئت من خير يقبل منك» (1). حيث كانوا يعتقدون أن الإنسان لو وصل لمرحلة من المعرفة والعرفان فله العمل ما شاء حيث كانوا يهدفون عدم الالتزام والعمل بالاحكام والتكاليف الاسلامية العملية، لذلك فسروا الواجبات والمحرمات بانها محبة رجل أو بغضه.

وروى في العلل بإسناد عن المفضل بن عمر أن أبا عبدالله كتب إليه كتاباً فيه: «إن اللّه عز وجل لم يبعث نبياً قط يدعو إلى معرفة اللّه ليس معها طاعة في أمر ولا نهي، وإنما يقبل اللّه من العباد العمل بالفرائض التي فرضها اللّه على حدودها، مع معرفة من دعا إليه ومن أطاع... ومن زعم أن ذلك إنما هي المعرفة، وأنه إذا عرف اكتفى بغير طاعة، فقد كذب وأشرك، وإنما قيل: اعرف واعمل ماشئت من الخير؛ إنه لا يقبل منك ذلك بغير معرفة، فإذا عرفت فاعمل لنفسك ما شئت من الطاعة قل أو كثر؛ فإنه مقبول منك» (2).

وينقل هذه الرواية بالتفصيل صاحب المستدرك عن بصائر الدرجات عن المفضل أنه كتب إلى أبي عبدالله (عليه السلام) فجاءه هذا الجواب من أبي عبدالله (عليه


1) معاني الأخبار : 181 / 1، الوسائل 1: 116 / 5، ب 28 من أبواب مقدمات العبادة.

2) علل الشرائع : 250 / 7، الوسائل 1 : 124 / 18، ب 29 من أبواب مقدمة العبادات.

السلام): «أما بعد فاني أوصيك ونفسي بتقوى اللّه وطاعته؛ فإن من التقوى الطاعة... جاءني كتابك فقرأته وفهمت الذي فيه فحمدت اللّه على سلامتك وعافية اللّه إياك ألبسنا اللّه وإياك عافيته في الدنيا والآخرة كتبت فذكرت أن قوما أنا أعرفهم، كان أعجبك نحوهم وشأنهم، وأنك أبلغت فيهم أموراً تروى عنهم كرهتها ولم ترهم إلاّ طريقاً حسناً وورعاً وتخشعاً، وبلغك أنهم يزعمون أن الدين إنما هو معرفة الرجال ثم بعد ذلك إذا عرفتهم فاعمل ما شئت.

وذكرت أنك قد عرفت أن أصل الدين معرفة الرجال فوفقك اللّه.

وذكرت أنه بلغك أنهم يزعمون أن الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج والعمرة والمسجد الحرام والبيت الحرام والمشعر الحرام والشهر الحرام هو رجل، وأن الطهر والاغتسال من الجنابة هو رجل، وكل فريضة افترضها اللّه على عباده هو رجل، وأنهم ذكروا ذلك بزعمهم أن من عرف ذلك الرجل فقد اكتفى بعمله به من غير عمل، وقد صلى وآتى الزكاة وصام وحج واعتمر واغتسل من الجنابة وتطهر وعظم حرمات اللّه والشهر الحرام والمسجد الحرام.

وأنهم ذكروا من عرف هذا بعينه وبحدّه وثبت في قلبه جاز له أن يتهاون فليس له ان يجتهد في العمل وزعموا انهم إذا عرفوا ذلك الرجل فقد قبلت منهم هذه الحدود لوقتها وان هم لم يعملوا بها، وانه بلغك انهم يزعمون ان الفواحش التي نهى اللّه عنها الخمر والميسر والربا والدم والميتة ولحم الخنزير هو رجل وذكروا ان ماحرم اللّه من نكاح الامهات والبنات والعمات والخالات وبنات الاخ وبنات الاخت وماحرم اللّه

على المؤمنين من النساء فما حرم اللّه انها عنى بذلك نكاح نساء النبي (صلى اللّه عليه وآله) وما سوى ذلك يباح كله (1).

وجاء في كتاب الكشي بسند معتبر عن أحمد بن محمد بن عيسى قال: كتبت إليه في قوم يتكلمون ويقرؤون أحاديث ينسبونها اليك وإلى آبائك فيها ما تشمئز منه القلوب، ولا يجوز لنا ردّها إذا كانوا يروونها عن آبائك (عليهم السلام) ولا قبولها لما فيها، وينسبون إلى قوم يذكرون أنهم من مواليك، وهو رجل يقال له على بن حسبيكة، وآخر يقال له القاسم اليقطيني، من أقاويلهم: إنهم يقولون: إن قول اللّه عزوجل: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) معناها رجل، لا سجود ولا ركوع، وكذلك الزكاة معناها : ذلك الرجل لا عدد درهم ولا اخراج المال، وأشياء من الفرائض والسنن تأولوها وسيروها على الحد الذي ذكرت فإن رأيت أن تبين لنا وتمن علينا بما فيه السلامة لمواليك ونجاتهم من هذه الأقاويل التي تخرجهم إلى الهلاك فكتب (عليه السلام) ليس هذا ديننا فاعتزله» (2).

فهؤلا ذهبوا إلى أن الحج والزكاة والصلاة كلها معرفة رجل، والزنا وشرب الخمر رجال فإذا أطاع هؤلاء أو عادى أولئك فسوف تفرغ ذمته من التكاليف الإسلامية، وبعضهم كان ينتحل التشيع.

العامل السادس: الوضع بهدف ترويج بعض الأنظمة الاقتصادية التي يعتقدون أنها تكفل تحقيق العدالة الاجتماعية، فإن مانراه اليوم من الأنظمة الاقتصادية ليست


1) بصائر الدرجات 526 مستدرك الوسائل 114:22.

2) رجال الكشي: 516/ 994.

وليدة يومها بل إن لها جذوراً تأريخية في الغالب كما يظهر بمراجعة كتاب (تاريخ الجمعيات السرية في الإسلام). وهذه المذاهب كانت في الأغلب للغلاة المنتحلين للإسلام، وربما منهم القرامطة، ولعل هؤلاء قد ورثوا مبادئهم من تيارات سابقة أمثال المزدكية والخرّمية، ففي مجمع الرجال في ترجمة محمد بن بشير (من الغلاة): والمواساة واجبة في كل ما ملكوه من مال أو خراج وغير ذلك) (1)وربما يكون منه مافي الوسائل نقلاً عن الكافي عن سليمان بن صالح وأبي شبل جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «ربح المؤمن على المؤمن رباً إلا أن يشتري بأكثر من مائة درهم فاربح عليه قوت يومك» (2). ولكن السند ضعيف وهو يشير إلى حرمة اخذ الأرباح الزائدة، وقد جاء في بعض الروايات تخصيص ذلك بزمان القائم (عليه السلام)؛ لتكون من الأهداف التي تنفذ عند ظهوره. ولكنها مع ضعفها لا يبعد أن تكون موضوعة لتأخذ تأثيرها في أوساط المجتمع، وتحقق الأغراض التي استهدفت من خلال وضعها حيث يحتمل وضعها لذلك، فانه في السابق كانت تطرح امثال هذه الروايات في اوساط المجتمع الاسلامي وتنسب للرسول (صلى اللّه عليه وآله) أو الائمة (عليهم السلام). لتأخذ تأثيرها وتحقق اغراض واضعيها، ولكن اليوم بفضل علم الرجال، قد كشفت حقيقة هذه الاحاديث، ولكن مع ذلك يوجد في عصرنا، من يحاول تأويل الاحاديث والروايات الصحيحة تاويلات تلاءم اغراضهم، كما انه في السابق كان من يحاول تأويل الروايات لاجل التوصل لبعض الاغراض.


1) الكافي 5 : 114 / 22، الوسائل 17 : 396 / 1، ب 10 من أبواب آداب التجارة.

2) الفهرست ك 152 / 380.

العامل السابع: الوضع بهدف إحياء العادات والسنن الجاهلية أو المبادئ التي كانوا يعتنقونها قبل إسلامهم، ففي فهرست الشيخ الطوسي في ترجمة علي بن إبراهيم يقول: (واستثنى الصدوق من كتاب الشرائع حديثاً يدل على تحريم لحم البعير قال: لا استحل أن ارويه؛ لأنه محال) (1)، والظاهر أن اليهود يحرمون أكلها لركوب الإنسان عليها.

وهناك رواية في نجاسة عرق الجنب من الحرام ضعيفة، ولا يبعد كونها موضوعة؛ لأن اليهود يقولون بنجاسة عرق الجنب مطلقاً؛ إذ لا توجد هناك رواية تدلّ عليه من الأئمة المتقدمين (عليهم السلام) كما فصلناه في كتاب الطهارة.

العامل الثامن: الوضع من أجل ترويج مذهب فقهي معين، ففي أضواء على السنة المحمدية: (قال أبو العباس القرطبي في شرح صحيح مسلم: وأجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول اللّه نسبة قولية، فيقولون في ذلك: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) كذا؛ ولهذا نرى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ولا تليق بجزاله كلام سيد المرسلين، ولأنهم لا يقيمون لها أسناداً) (2).

العامل التاسع: الوضع لأجل التقرب للملوك والخلفاء وتبرير ممارساتهم، ففي مقباس الهداية: (دخل غياث بن إبراهيم على المهدي بن المنصور - وكان يعجبه الحمام الطيارة الواردة من الأماكن البعيدة - فروى حديثاً عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) أنه


1) الفهرست: 152 / 380.

2) أضواء على السنة المحمدية: 122.

قال: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح». فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما خرج قال المهدي: أشهد أنه كذب على رسول اللّه ما قال رسول اللّه (جناح)، لكنه أراد أن يتقرب إلينا. وأمر بذبحها) (1)وفي كتاب الأضواء نقل الرواية عن وهب بن وهب وانه وضعها للرشيد.

الجهة الثالثة : في اساليب الوضع وأنواعه. ويتم الوضع على أنواع:

النوع الأول: ان تنسب بعض الكتب إلى الأئمة (عليهم السلام) مع أنها ليست من تصنيفهم. ونحن لانستطيع الجزم بذلكفي الكتب التي سنذكرها، بل نذكره على سبيل الاحتمال والظن فحسب، فمن ذلك التفسير المعروف الذي ينسب إلى الإمام العسكري (عليه السلام) وقد كتب العلامة البلاغي رسالة حول عدم صحة هذه النسبة.

ومنه أيضاً كتاب العلل للفضل بن شاذان الذي نسب إلى الامام الرضا (عليه السلام) والذي نقله الصدوق في كتابي علل الشرائع وعيون أخبار الرضا، وعد في مفتاح الكرامة والمستمسك رواياته من الروايات الصحيحة أو المصححة وفي بحوثنا الفقهية والرجالية بحثنا عن هذا الكتاب بصورة مفصلة وقد نسبه بعض المتأخرين عن الفصل - وربما كان هو علي بن محمد بن قتيبة، أو غيره - إلى الإمام الرضا (عليه السلام) لبعض الدواعي بعد نسبة الرسالة وهي تبحث عن فلسفة الاحكام إلى الفضل، حيث يقول في آخرها: (قلت للفضل بن شاذان لما سمعت منه هذه العلل: أخبرني عن هذه العلل التي ذكرتها عن الاستنباط والاستخراج وهي من نتائج العقل


1) مقباس الهداية 406:1.

أو هي ما سمعته ورويته؟ فقال لي: ماكنت لأعلم مراد اللّه تعالى بما فرض، ولا مراد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) بما شرع وسنّ، ولا أعلل ذلك من ذات نفسي، بل سمعتها من مولاي أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) المرة بعد المرة والشيء بعد الشيء فجمعتها. فقلت له فأحدث بها عنك عن الرضا (عليه السلام)؟ قال: (نعم) (1).

إلا إننا أقمنا شواهد على أنه من تأليف الفضل؛ فإن الفضل لم يدرك الرضا (عليه السلام) فولادته كانت بعده (عليه السلام) وعد في الرجال من أصحاب الهادي والعسكري (عليهما السلام) وعد أبوه من أصحاب الجواد (عليه السلام) فكيف يمكنه أن يروى عن الرضا (عليه السلام) ؟ ثم إن نفس الرسالة تشتمل على أمور لا يحتمل ان تصدر من الرضا (عليه السلام) كقوله: «فإن قال قائل: فاخبرني لم كلف الخلق؟ قيل: لعلل. فإن قال: فاخبرني عن تلك العلل معروفة موجودة هي أو غير معروفة ولا موجودة؟ قيل: بل هي معروفة موجودة عند أهلها. فإن قال قائل: أتعرفونها أنتم أم لا تعرفونها؟ قيل له: منها ما نعرفه ومنها ما لا نعرفه».

ومن الواضح أن مثل هذا لا يصدر عن الإمام (عليه السلام) ومثله قوله: (وری بعض الأئمة (عليهم السلام) أنه قال: «ليس من ميت يموت إلا خرجت منه جنابة»، ومثله قوله: «فإن قيل: لم غيرت عن أصل الصلاة التي قد افترضها اللّه عز وجل: قيل: لأن العلة تغيير أمر من الامور، وهو الكسوف لما تغيرت العلة تغير المعلول». ونحو


1) عيون أخبار الرضا (علیه السلام) 2 : 121/ 2.

ذلك مما لا يمكن للإمام أن يقوله. وقد بحثنا عن كتاب (العلل) للفضل في دراسة مستقلة ليس هنا مجال ذكرها.

النوع الثاني: ان ينسب الكتاب لبعض الرواة، مع انه يحتمل عدم كونه له، وهو مشتمل على روايات، فيدعى أن رواياته صادرة عن الأئمة (عليهم السلام)، وربما اعتبر البعض على سبيل الاحتمال أن كتاب سليم بن قيس الهلالي من هذا القبيل وأنه من وضع أبان بن أبي عياش. وينسب ابن الغضائري هذه الدعوى إلى أصحابنا. وكذلك بالنسبة إلى أصلي زيد النرسي والزراد، قال الشيخ الطوسي في الفهرست: (لزيد النرسي وزيد الزراد أصلان، ولم يروهما محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، وقال في فهرسته لم يروهما محمد بن الحسن بن الوليد، وكان يقول: هما موضوعان، وكذلك كتاب خالد بن عبد اللّه بن سدير. وكان يقول: وضع هذه الأصول محمد بن موسى الهمداني) (1). قال (خالد بن عبد اللّه بن سدير له كتاب. ذكر أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي عن محمد بن الحسن بن الوليد أنه قال: لا أرويه؛ لأنه موضوع، وضعه محمد بن موسى الهمداني) (2). وقول الصدوق هذا وإن ناقشه البعض، لكن يبقى قوله موجباً للاحتمال في هذه الأصول.

النوع الثالث: الدس في بعض الكتب، فيدخل الدس والتزوير في بعض روايات الكتاب. ويدل عليه مانقلناه عن يونس بن عبدالرحمن أن هشام بن الحكم أخبره عن أبي عبدالله (عليه السلام) أن المغيرة بن سعيد (لعنه الله) قد دس في كتب أصحاب أبيه (عليه السلام) أحاديث لم يحدث بها ونقل يونس عن الرضا (عليه السلام) أنه قال له


1) الفهرست: 130/ 299.

2) الفهرست: 122 / 269.

حينما عرض عليه كتب أصحاب الصادقين (عليه السلام) (إن أبا الخطاب كذب على أبي عبدالله (عليه السلام) لعن اللّه أبا الخطاب وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون في هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)).

ويقول الشيخ المفيد في كتابه تصحيح الاعتقاد بالنسبة لكتاب سليم بن قيس بان اصله صحيح، ولكن حدث الدس فيه. قال : (وأما ما تعلق به أبو جعفر من حديث صحیح غير سليم الذي رجع فيه إلى كتاب المضاف إليه برواية أبان بن أبي عياش، فالمعنى فيه أن هذا الكتاب غير موثوق، وقد حصل فيه تخليط وتدليس)(1).

ويقول النجاشي في ترجمة محمد بن علي بن النعمان (مؤمن الطاق) من رجاله: (وله كتاب (افعل ولا تفعل) رأيته عند أحمد بن الحسين بن عبيدالله رحمه اللّه، كتاب كبير حسن، وقد أدخل فيه بعض المتأخرين أحاديث تدل فيه على فساد، ويذكر تباين أقاويل الصحابة) (2).

النوع الرابع: أن يزاد في الحديث، وقد مرّ في رواية أبي بصير قول الإمام (عليه السلام) «ولكن أحدهم يسمع الكلمة فيحطّ إليها عشراً».

النوع الخامس : أن ينقص في الحديث بما يخل بالمراد كما مر من تحريف الغلاة؛

لقوله: «إذا عرفت الحق فاعمل ماشئت من خير يقبل منك» حيث نقص منه تحريفا لقوله إلى قوله: «إذا عرفت فاعمل ماشئت» ولكن بين الامام (عليه السلام) وجود نقيصة فيها، لم يذكرها بعض الرواة وبين الحق فيها.


1) تصحيح الاعتقاد: 149.

2) رجال النجاشي: 325/ 886.

هذا كله في الوضع عن عمد اختصرنا البحث فيه لكونه قليل الأثر في الفقه، والأهم هو الوضع لا عن تعمد.

المقام الثاني: في التغيير الحاصل في الأحاديث لا عن سوء نية وعمد، بل نتيجة القصور أو العوامل النفسية، كالاختلاط في آخر العمر وغيره أو ضعف الحافظة وقصور الفهم أو لأجل ابتلائهم ببعض الامراض الروحية والنفسية بحيث لا يفهمون ما يسمعون كما هو الواقع، بل حسب ما في نفوسهم من تصوّرات وإيحاءات، أو لوجود الرواسب الفكرية من الحب والبغض وأمثالهما ولذلك يتصرفون في متون الروايات حسب هذه العوامل. وربما كان السبب الاستعجال في تأليف الكتاب أو نقل الحديث أو كثرة المشاغل والأعمال التي توجب الاشتباه في التأليف والنقل، كما نسب ذلك للشيخ الطوسي. وهذا النوع من التصرف كثير في الأحاديث حتى إن صاحب الحدائق الذي هو من الأخباريين الذين يرون قطعية صدور أخبار الكتب الأربعة يصرح في كتابه مراراً وفي مواضع متعددة بأنه قلما يوجد في التهذيب حديث لم تنله يد التحريف سنداً أو متنأوان السبب في ذلك كثرة اشتغالات الشيخ.

ويقول أيضاً: (وربما قيل بترجيح رواية التهذيب؛ لأن الشيخ أعرف بوجود الحديث وأضبط خصوصاً مع فتواه بمضمونها في النهاية والمبسوط. وفيه أنه لا يخفى على من راجع التهذيب وتدبّر أخباره ما وقع للشيخ رحمه اللّه من التحريف والتصحيف في الأخبار سنداً ومتناً، وقلما يخلو حديث من أحاديثه من علة في سند أو متن. وأما فتواه رحمه اللّه، فالكلام فيها أظهر من أن يخفى على من مارس الفن والترجيح بهذه القاعدة في جانب رواية الكافي أظهر) (1).


1) الحدائق 3: 156.

ويقول في موضع ثان: (ومن الظاهر الذي لا يكاد يختلجه الشك أن هذه الرواية هي الرواية التي نقلها الشيخ في التهذيب، لكنه أسقط منها هذه العبارة سهواً وزاد عوضها قوله : «فاغتسل» والرواية كما ذكرناه من الزيادة موجودة في كتب الصدوق: الفقيه والخصال.

الظاهر أن هذه الزيادة سقطت من قلم الشيخ كما لا يخفى على من له أنس بطريقته سيما في التهذيب، وما وقع له فيه من التحريف والتصحيف والزيادة والنقصان في الأسانيد والمتون بحيث إنه قلّما يخلو حديث من ذلك في متنه أو سنده كما هو ظاهر للممارس)(1). وقد وافق على ذلك في المعجم (2).

ولكن توجيه كل جهات الإشكال إلى الشيخ غير وجيه؛ لأنه يعني الخدشة في ضبطه ووثاقته (قدس سره)، وهي مسلمة عن الجميع. وتفصيل الجواب عن هذه الشبهة بما يدفع ذلك عن الشيخ الطوسي تعرضنا له في مباحثنا الفقهية، ونشير هنا إليه بالإجمال، وخلاصته: ان الشيخ ينقل الرواية الواحدة من مصادر متعددة، لذلك قد تكون مختلفة من حيث النسخة او السند أو المتن، وإذا كان خطأ او اختلاف ففي هذه المصادر، وهذا ما يدل على كثرة تتبعه وامانته في النقل لا انه يدل على خطأه واشتباهه، فانه لو كان ينقل متناً أو سنداً واحداً مع ان الموجودة غيره لكان خلاف الامانة، توضيحه : إن اختلاف الحديث في التهذيب عن غيره على أقسام:


1) الحدائق 209:4.

2) معجم رجال الحديث 1 / 50.

الأول: أن ينقل الشيخ الطوسي الحديث عن مصدر كالكافي مثلاً، ولكن الموجود في المصدر خلافه.

الثاني: أن ينقل الشيخ الحديث عن مصدر لا يوجد بأيدينا اليوم، ولكن يذكر أنها مصادر متعددة مثل كتاب محمد بن أحمد بن يحيى وكتاب علي بن الحسن بن فضال أو كتاب أحمد بن محمد بن عيسى وكتاب أحمد بن محمد ابن خالد.

الثالث: أن يبتدئ السند بشخص واحد كالحسين بن سعيد ولكن ينقل الحديث عنه تارة بنحو، وأخرى بنحو آخر.

أما في القسم الأول، فلا يمكن أن ننسب الخطأ فيه إلى الشيخ إذ أن مرجع اختلاف نقل الشيخ مع المصدر إلى اختلاف نسخ المصدر، فنرى أن ما ينقله الشيخ عن الكافي مثلاً ربما اختلف في بعض الموارد عما هو بأيدينا اليوم من الكافي، ومن الواضح أنه هذا بمجرده لا يصحح نسبة الخطأ إلى الشيخ؛ فربما كانت نسخته التي استند إليها في النقل من الكافي كذلك. والواقع أن اختلاف نسخ الكافي مما لا يمكن إنكاره؛ فإن هذه الظاهرة نجدها في نقل الصدوق عن الكافي أيضاً، فينقل رواية عن الكافي في بعض كتبه كالتوحيد مثلاً، وحينما نراجع الكافي الذي هو بأيدينا اليوم نجده يختلف عما ينقله الصدوق عنه في السند أو المتن.

والعجب ممن يلقي تبعات هذا الاختلاف على عاتق الصدوق، يقول الشيخ المجلسي في البحار بعد نقله حديثاً عنه في كتاب التوحيد عن الشيخ الكليني بإسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (هذا الخبر مأخوذ من الكافي وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق، وإنه إنما فعل ذلك ليوافق مذهب أهل العدل)(1).


1) بحار الأنوار 5: 156.

ولعله يظهر بعد التتبع أن النسخة التي كانت عند الصدوق من الكافي هي أكمل من النسخة التي بأيدينا اليوم، فمن حيث السند مثلاً، فلما نجده أحياناً من نقل الصدوق عن الكافي رواية مسندة، لكن في نسختنا اليوم نجدها مرفوعة، ومن حيث المتن فكذالك يظهر بوضوح حينما نقارن توحيد الصدوق مع توحيد الكافي.

فتبين أنه ليس من الصحيح أن ننسب الخطأ إلى نقل الشيخ أو الصدوق عن الكافي وغيره لمجرد مغايرته للنسخة التي هي بأيدينا اليوم، وإنما هو لاختلاف النسخة، ولكننا نؤكد كثيراً على اعتبار النسخة التي بأيدينا ووثاقتها وصحة نسبتها.

وأما القسم الثاني، فالظاهر أن الشيخ (قدس سره) نقل النص من مصادر متعددة، ونقل في كل موضع على النحو الذي وجده في مصدره هناك. ومعنى هذا أن الاختلاف إنما هو في اختلاف مصادره في النسخة لا أنه أخطأ في نقل الحديث أو أخل بنقله؛ فهو دليل على أمانة الشيخ ووثاقته وجلالته لاضعفه.

وأما القسم الثالث: فالذي يبدو لأول وهلة أن في نقل الشيخ عن كتاب الراوي الواحد اشتباه، لأنه – وكما صرح في المشيخة – بأنه ينقل عن كتاب من ابتدأ باسمه في السند والمفروض أنه ليس لمن بُدئ باسمه واختلف الحديث الذي نقله عنه كتابان كي يحتمل أن يكون منشأ الاختلاف هو اختلاف الحديث في الكتابين، بل الكتاب واحد والنقل متعدد ومختلف.

ولكن هذا أيضاً غير صحيح، وقد فصلنا الجواب عنه في محله، وإجماله أن من لاحظ المشيخة يجد أن هناك من ينقل الشيخ عنهم أحياناً بلا واسطة من كتبهم كما أن هناك من ينقل عنهم أيضاً ويبدأ باسمهم ولكن بواسطة كتاب آخر، فمثلا بالنسبة لأحمد بن محمد بن عيسى نراه تارة يقول فيه كما في مشيخة التهذيب: (وما ذكرته عن

أحمد بن محمد بن عيسى الذي أخذته من نوادره فقد أخبرني به الشيخ أبو عبد اللّه)(1)ويقول أخرى في نفس المشيخة: (ومن جملة ماذكرته عن أحمد بن عيسى ما رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب...) (2).

وهو في مواضع من المشيخة فراجع.

فتراه تارة يأخذ من النوادر وينقل عن ابن عيسى مع الإشارة إلى سنده إليه، وأخرى يذكر أسانيد أخرى تدلّ على نقله الحديث عن ابن عيسى لا من كتابه بل عن الكافي مثلاً، أو عن كتاب سعد بن عبد اللّه، أو الصفار، وهكذا. فالاختلاف إنما نشأ من اختلاف كتابه عن تلك الكتب، أو تلك الكتب فيما بينها.

فالإشكال على الشيخ بما ذكر في الحدائق مع ما يترتب عليه من الآثار الفاسدة ليس بصحيح في نفسه، لكن يمكن أنه نخرج من ذلك بنتيجة هي أنه قد وقع الخطأ غير العمدي؛ فإنه لما حصل الاختلاف في نقل الرواية الواحدة بين نقل كتاب الكافي أو كتاب الصفار أو غير ذلك، فلابد أن يفرض أن بعض النقلة أو المستنسخين أو الرواة أو المؤلفين قد تسامح في النقل.

فالفرق بين ما بنينا عليه وما ذكره هؤلاء - مع الاتفاق على وقوع الاشتباه في النقل -، ان هؤلاء يلقون تبعات تلك الاختلافات كلها على غفلة الشيخ باعتبار أن كثرة المشاغل تورث الغفلة أكثر، لكننا نرى أن لهذا الاختلاف اسبابا يمكن أن تكون غفلة الشيخ أحدها، والغالب فيها اختلاف المصادر التي ينقل عنها أحاديثه.

(عنوان) اسباب الاختلاف غير العمدي : -


1) مشيخة التهذيب 74:10.

2) مشيخة التهذيب: 42:10 - 43.

ويجدر التعرف على أسباب الاختلاف غير العمدي ومناشئه، وهي أمور:

السبب الأول: النقل بالمعنى. ولا نهدف هنا البحث عن جواز النقل بالمعنى كما هو مذهب الأكثر كالمحقق وصاحب الفصول، أو عدمه. يقول المحقق في المعارج: (المسألة الرابعة : يجوز رواية الخبر بالمعنى بشرط ألا تكون العبارة الثانية قاصرة عن المعنى الأصل بجميع فوائدها) (1). ثم يحتج لذلك ببعض الوجوه.

وقال في الفصول: (يجوز للراوي نقل الحديث بالمعنى، ولا يسقط عن الحجية. ولا نعرف في ذلك خلافاً بين أصحابنا، وعليه أكثر مخالفينا) (2).

وقد وردت في جواز النقل بالمعنى روايات نقلت في مقدمة جامع الأحاديث، نذكر منها صحيحة محمد بن مسلم كمثال لذلك قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أسمع الحديث منك فأزيد وانقص؟ قال: «إن كنت تريد معانيه فلا بأس» (3).

وإنما نستهدف من خلال التعرض لهذه الظاهرة هنابيان النتائج الطبيعية التي تترتب على النقل بالمعنى، فإنه يعني تبديل ألفاظ الحديث بألفاظ تفيد نفس المعنى، ومن الواضح أن اختلاف الأفراد في الاستيعاب والالتفات إلى دقائق الأمور واختلاف مستوياتهم في الوعي والإدراك يوجب فوات الكثير من الخصوصيات والنكات الدخيلة في المعنى؛ مما يورث الاختلاف في الأحاديث. وقلما نجد في رواة الأسانيد ونقلة الأحاديث من يكون عارفاً برموز الحديث وأسرار البيان، ويفهم الفرق بين القتيا والتعليم، ويتفطن لمعاريض الكلام ولحنه، ويميز بين الحقيقة والمجاز


1) معارج الأصول: 153.

2) الفصول: طبعة حجرية غير مرقمة.

3) انظر جامع الأحاديث: 404 و 405 و 406.

والاستعارة والكناية؛ فأغلب النقلة لم يكونوا كذلك، وبالطبع فإن نقلهم للحديث بالمعنى مع اختلافهم في استيعاب رموزه سيؤدى إلى اختلاف الحديث. فان النقل بالمعنى ليس سهلاً فرب حامل فقه إلى من هو افقه منه، ورب حامل فقه وليس بفقيه.

وتجدر هنا الإشارة إلى ظاهرتين نشأتا من النقل بالمعنى، وعلى الفقيه ملاحظتهما في مرحلة الاستنباط:

الظاهرة الاولى: توهم تعدّد الرواية في موضوع، وترتيب الأثر عليه في مرحلة الاستنباط مع أن التدقيق فيها سنداً ومتناً يقضي بوحدتها لذلك نلاحظ بعض العلماء المحققين كثيراً ما يرجعون الروايتين او الاكثر المتشابهة في المضمون والمتحدة في الراوي والمروي عنه إلى رواية واحدة - وانما الاختلاف بينهما لأجل النقل بالمعنى. ونذكر لذلك مثالاً تطبيقياً لتوضيح الحال رويت في موضوع العصير العنبي روايتان عن عبدالله بن سنان:

الأولى: ما رواه في الكافي عن علي عن أبيه عن أبي محبوب عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام): «كل عصير أصابته النار، فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه» (1). وقد استفاد بعض العلماء ومنهم شيخ الشريعة من تقييد الحرمة بإصابة النار عدم الحرمة فيما لو على بغير النار (2).


1) الكافي 6 : 419/ 1، الوسائل 25 : 1282، ب 2 من أبواب الأشربة المحرمة.

2) افاضة القدير في أحكام العصير : 17.

وهناك رواية ثانية في الكافي عن علي عن أبيه عن عبد اللّه بن المغيرة عن عبد اللّه بن سنان قال: ذكر أبو عبدالله أن العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فهو حلال (1).

فاذا فرضنا وحدة الروايتين وأن التعدد نشأ من النقل بالمعنى – وهي ليست بعيدة - وفرضنا أن الصورة الواقعية للرواية هي الثانية دون الاولى فيشكل ما استفاده شيخ الشريعة.

الظاهرة الثانية : ما انتهجه بعض المتأخرين من المحدثين كصاحب الوسائل (قدس سره) في مقام نقل الحديث، فينقل حديثاً في موضوع من الكافي مثلاً، ثم يرويه عن التهذيب بقوله: روى الشيخ نحوه، أو مثله، من دون تنبيه على الاختلافات الجزئية الموجودة بينها المؤثرة أحياناً في المعنى عند بعض الناظرين ولو لم تكن مؤثرة عند صاحب الوسائل. فعد صاحب الوسائل الحديث الثاني نحواً من الأوّل أو مثله مبتن على استفادته من الحديث معنى يشابه الحديث الأول ويماثله؛ ولهذا ينبغي للفقيه أن يراجع بنفسه متن الحديث الثاني ولا يكتفي بذكره في الوسائل بعنوان مثله أو نحوه. ولو أتى صاحب الوسائل بالحديث مع اختلافاته الجزئية لكان أليق وأنسب (2)بكتابه


1) الكافي 6 : 394 / 4، الوسائل 25 : 283 5 بابا 2 من ابواب الأشربة المحرمة.

2) وقد روعيت في جامع أحاديث الشيعة هذه الناحية بالنسبة إلى الكتب الأربعة دون غيرها، فلو كانت نسخة الفقيه مثلاً مختلفة مع الخصال أو العلل أو العيون من حيث اللفظ يكتفى بالإشارة إليها بقوله مثلاً: روى في الخصال نحوه مع أن تلك الكتب ليست أقل شهرة من الفقيه فكان من المناسب ذكر الاختلافات في سائر كتب الحديث المعتبرة ايضاً، ولا يكتفى بالكتب الاربعة.

الحديثي الذي هو مرجع للفقهاء، ولربما يستفيد فقيه منه غير ما استفاده هو منه (قدس سره).

ونذكر من باب التطبيق مثالاً واحداً، فقد جاء في الوسائل رواية عن الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان بن يحيى وفضالة عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أحدهما قال: سألته عن الهدي الواجب إذا أصابه كسر أو عطب أيبيعه صاحبه ويستعين بثمنه في هدي؟ قال (عليه السلام): «لا يبيعه، فإن باعه فليتصدق بثمنه وليهدِ هدياً آخر»، الحديث. وجاء الحديث في الفقيه (1)وفي الوافي وجامع الأحاديث عنه هكذا: «سألته عن الهدي الواجب إن أصابه كسر أو عطب ايبيعه؟ وإن باعه ما يصنع بثمنه ؟ قال (عليه السلام): «إن باعه فليتصدق بثمنه» (2). فليس فيه كلمة «لا يبيعه»، ومن الظاهر تأثيره في اختلاف المعنى، فلا ينبغي عد الحديث نحوا من الحديث الأول. اللهم إلا أن تكون النسخة الموجودة عنده مشتملة على كلمة (لا يبيعه)، أو صححها تصحيحاً قياسياً.

السبب الثاني: الإدراج والمراد منه : ان يذكر الراوي كلاما منه بعد الحديث، ولكن لا يجعل علامة تفصل بين كلامه وكلام الامام (عليه السلام)، لذلك قد يتوهم بان كلامه من جملة الرواية ايضاً، وهذا ما يوجب الاشتباه، ولهذه الظاهرة تأثير كبير في الفقه، وتمييز كلام الراوي عن متن الرواية، يحتاج لخبرة معينة، لان الملاحظ في بعض كتب الحديث حتى الوسائل والوافي في بعض الاحاديث الخلط بين كلام الامام


1) التهذيب 5 : 217 / 731، الفقيه 2: 298 / 1482 الوسائل 14: 136 / 2، ب 27 من أبواب الذبح.

2) الوافي 8: 1146/ 13964، جامع الأحاديث.

والراوي، وان ميزوا بينهما في موارد اخرى. وهو كما ذكره والد الشيخ البهائي في درايته: (أن يذكر الراوي حديثاً ثم يتبعه كلاماً لنفسه أو لغيره، فيرويه من بعده متصلاً، فيتوهم أنه من الحديث، ويقال للزائد (مدرج)، وللحديث: (مدرج فيه). ومن اقسام الإدراج أن يكون عنده حديثان بإسنادين، فيرويها بأحدهما، أو يسمع حديثاً من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه فيرويه عنهم باتفاق.

وكله حرام، وإنما يتفطن له الحذاق، وكثيراً مايقع عن غير عمد كأن يُلحق بالحديث تفسير أو نحوه بقصد التوضيح، فيتوهمه من بعده أنه منه. ومثل هذا يقع في إجازات الكتب كثيراً، وقد وقع لنا في كتاب التهذيب مواضع حكمنا فيها بالإدراج، و مواضع يغلب فيها ذلك على الظن، ومواضع يشك فيها، وسبب ذلك عدم فصل النساخ الحديث عن غيره، ونحوها. فإذا وقع كلام للمصنف مناسب للحديث أوهم كونه منه) (1).

وفي كلامه إشارة إلى أن عبارة الشيخ الطوسي والمفيد في المقنعة كثيراً ماتوهم كونها جزء الرواية، وقال: (ينبغي لكاتب الحديث أن يكتب أول الكتاب بعد البسملة اسم الشيخ - إلى أن قال -: ثم يجعل بين كل حديثين دائرة حمراء أو سوداء. وأكد من ذلك أن يفصل بين الحديث وغيره مما يتصل به من كلام المؤلف بهاء مشقوقة هكذا (هـ) أو نحوها؛ لئلا يختلط الحديث بغيره، كما وقع لنا في بعض أحاديث التهذيب من الالتباس بكلام المقنعة وكلام الشيخ الطوسي فلم نميزه إلا بعد عسر شديد وتفتيش


1) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار: 114.

تام. وتكون الدائرة المكوّرة أولاً علامة لأول الحديث، فإن كان بعد الحديث حديث آخر اكتفي بها بينهما، وإن كان بعده كلام تعينت الهاء.

وهذا في مثل التهذيب والاستبصار واجب ؛ لاختلاط أحاديث التهذيب بكلام المقنعة وكلام الشيخ، واختلاط أحاديث الاستبصار بكلام الشيخ وغيره في وجه الجمع وغيره. وقد ميزت – بحمد اللّه – في كتابي بعضاً عن بعض، بحيث لا يلتبس فيه شيء بشيء) (1).

ولا يخفى التهافت بين كلاميه، فإنه ذكر في كلامه الأوّل أن بعض الموارد حكم فيها بالإدراج قطعاً وبعضها ظناً وبعضها لم يميز بل مشكوك فيه ولايزال مشكوكاً وهنا يقول: وقد ميزت في كتابي بعضاً عن بعض بحيث لا يلتبس فيه شيء عن شيء)، فتأمل. والإدراج الموجود على قسمين:

فتارة يكون بلحوق الكلام في آخر الحديث بما يوهم كونه منه، وسنذكره.

وأخرى يكون في وسط الحديث، كما جاء في رواية عمار بن مروان قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس، فقد نقلها العلامة المجلسي في البحار عن الخصال بلا ذكر للحلال المختلط بالحرام (2). وهكذا في طبعات متعددة من الخصال.

نعم، قد ذكرت هذه الجملة في بعضها، وما في بعض الكتب من اتفاق نسخ الخصال على ذكرها فخطأ، ويحتمل قوياً أنها زيادة أدرجت في الحديث من باب التصحيح القياسي لبعض النساخ أو المصححين، ومنشؤه ذكر الصدوق هذا الحديث


1) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار: 194.

2) البحار 96: 2/189، الخصال: 290/ 51.

في باب الخمسة فأضافوا الخامس تكميلاً لعدد ولكن الظاهر أن مبرر الصدوق في ذكر الرواية في هذا الباب اشتمالها على الخمس بالضم، فهو لم يفرق بين الخمس والخمس في إيرادهما جميعاً في الباب. ويشهد له الحديث الثاني في نفس هذا الباب، فإنه لا يشتمل على خمسة أمور، بل مضمونها وجوب الخمس.

وهناك تقسيم آخر للإدراج فتارة يقع الإدراج في المصادر المفقودة، وأخرى في المصادر الموجودة عندنا. فالبحث يقع في جهتين:

الجهة الاولى: بأن يلاحظ الإدراج بالنسبة للمصادر التي لم تصل لأيدينا، كما في الأصول التي اعتمد عليها في الكتب الأربعة، فإنها لم تكن تخلو من تذييل للمؤلّف، أو تفسير له، أو تعليل لمدلول الحديث وعلى الخصوص فيما إذا كان مؤلفه من الفقهاء؛ ومن هنا يقع الاشتباه بين متن الحديث وكلام المؤلف ومصنفوا الكتب الأربعة إنما نقلوا الأحاديث من تلك المصادر وفق ما رأوه واستظهروه، والشواهد تثبت أن ذيل بعض الروايات إنما هو من تعليقات صاحب الأصل المفقود، أو يحتمل أن يكون منه، فلا يوثق بكونه من الإمام (عليه السلام). وكنموذج لذلك نذكر:

1 - رواية الكافي عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء، وكان عليك قضاء صلوات، فابدأ بأولهن، فأذن لها وأقم، ثم صلها، ثم صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكل صلاة». وقال: قال أبو جعفر (عليه السلام) «وإن كنت قد صليت الظهر وقد فاتتك الغداة فذكرتها، فصل الغداة أي ساعة ذكرتها ولو بعد العصر، ومتى ماذكرت صلاة فاتتك صليتها. وقال: إن نسيت

الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثم صل العصر، فإنما هي أربع مكان أربع (1).

ومحل الاستشهاد هو دلالة الذيل على جواز العدول إلى الظهر المنسية من العصر بعد الفراغ منها أيضاً، وهو مختار شاذ من الأصحاب، والأشهر على عدمه.

وأجيب عن دلالة الحديث على الجواز بإعراض قدماء الأصحاب عنه.

ولكن المجوزين بما أنهم لم يعتبروا إعراض القدماء؛ لذلك أفتوا بالجواز. ولكن إعراض قدماء الأصحاب عن خبر واضح الدلالة مع كونه بمرأى منهم ومسمع يكشف عن وجود خلل فيه منعهم من الفتوى على طبقه، والخلل الذي نفهمه في الحديث ويظهر بالتأمل هو أن «وقال ان نسيت» ليس من الباقر (عليه السلام)؛ ولذا لم يكرر قوله (قال أبو جعفر (عليه السلام)) كما كان في الفقرة السابقة عليها. فاختلاف السياق يكشف عن كون التفريع هذا من زرارة نفسه والرواية نقلت من كتاب حريز، وقد كان كتاب حريز في الصلاة كتاباً فقهياً مشهوراً بين الأصحاب، وكان يقرأ حتى زمان النجاشي كما يظهر من ملاحظة سنده إليه في رجاله (2). وكان يتمتع بشهرة بالغة، والأصحاب كانوا يعرفون متنه من حاشيته، ويميزون بين كلام الإمام وكلام زرارة ؛ لأنه ربما نقل فيه اراء زرارة، فيتوهم انها رواية. ولذا نراهم قد أعرضوا عن مدلول هذه القطعة مع كونها كانت بمرأى منهم ومسمع.


1) الكافي 3: 291/ 1.

2) رجال النجاشي: 144/ 375.

ولكن بما أن الكتاب نفسه غير موجود عند المتأخرين ليفهموا من القرائن أن الكلام للإمام أو لزرارة؛ فلذلك طرحوها من أجل إعراض المشهور في حين ناقشهم من لا يعتني بإعراض المشهور. وهناك بعض الشواهد الأخرى التي تدل على أن كتاب حريز كان يشتمل على بعض الفتاوى والتوضيحات التي تلقاها من اساتذته.

2 - رواية الكافي أيضاً لمرسلة يونس القصيرة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «أدنى الطهر عشرة أيام». وذلك أن المرأة أول ما تحيض ربما كانت... – وبعد أسطر – وقال : كل ما رأت المرأة في ايام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض وكل ما رأته بعد أيام حيضها فليس بحيض (1). وقد عدّ المتأخرون جملة (وذلك أن المرأة...) من متن الحديث، فاعترض بعض الأعاظم على الحديث في رسالته في الدماء الثلاثة بوجوه ونحن وإن ناقشناها في المباحث الفقهية لكننا في الوقت نفسه نعتقد بان هذه الجملة ليست من الحديث وإنما هي شرح للرواية من يونس نفسه.

فتبين أن حالة خفاء المصادر تختلف عن حالة وجودها بالنسبة لاحتمال الإدراج وعدمه؛ إذ ليس من السهل إثبات الإدراج مع عدم الاطلاع على المصدر وعدم وجوده، وأما لو كان موجوداً فسوف ينقدح احتمال الإدراج. هذا بالنسبة للإدراج في المصادر المفقودة.

الجهة الثانية: الادارج في المصادر الموجودة بأيدينا، وأمثلته كثيرة، فنحن إذا لاحظنا الوافي والوسائل نجد أن أحدهما ينقل في ذيل الرواية عبارة، ولا ينقلها الآخر؛ مما يشير إلى اعتقاده بعدم كونها من الحديث. ومنشأ الاشتباه هو عدم الفصل في التهذيبين


1) الكافي 3: 576.

والفقيه بين الحديث وكلام الشيخ والصدوق بفصل واضح مثل كلمة (بيان) أو كلمة (أقول) كما هو المعهود بين المتأخرين. وقد نقلنا عبارة والد الشيخ البهائي الدالة على أن كلام التهذيب كثيراً ما يشتبه مع الحديث وقد حاول هو التمييز بينهما (1).

وكمثال لذلك نذكر رواية من التهذيب ورواية من الفقيه، فقد جاء في التهذيب عن الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) مثل ذلك وزاد فيه: فإن أوصى أن يحج عنه رجل فليحج ذلك الرجل، فإن أوصى أن يحج عنه حجة الأسلام ولم يبلغ ماله ذلك وليحج عنه من بعض المواقيت روى ذلك...) (2). وقد توهم سيد المدارك وصاحب الجواهر والمستمسك رحمهم اللّه كون جملة (فإن اوصى أن يحج عنه حجة...) من الحديث لاجل انها ذكرت بعد صحيحة الحلبي ملحقة بها دون تمييز بين كلام الامام وغيره، فعبروا عنها بصحيحة الحلبي.

وقد التفت معلّق المستمسك إلى عدم كونه من الرواية؛ لوضوح العبارة في كونه من كلام الشيخ؛ ولذا نرى أن الوسائل والوافي لم يذكروها ضمن الرواية.

وفي الفقيه عدة موارد يذكر فيها الصدوق كلاما له في ذيل الرواية، فيظن انه من متنها، منها ما رواه الفقيه في ذيل صحيحة زرارة في صلاة الجمعة: (وقال زرارة قلت له على من تجب الجمعة؟ قال: «تجب على سبعة نفر من المسلمين، ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام». فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمهم بعضهم وخطبهم (3)وقد اختلف في كون الجملة الاخيرة (فإذا اجتمع...) من الحديث أو من


1) التهذيب 5: 405 / 1410، الفقيه

2) المدارك، جواهر الكلام، المستمسك.

3) الفقيه 1: 267/ 1218.

كلام الصدوق، والأكثر على الأوّل، إلا إن الوحيد البهبهاني وصاحب مفتاح الكرامة والسيد البروجردي ذهبوا إلى الثاني وانه من كلام الصدوق وهو المختار (1).

السبب الثالث: تشابه الخطوط، فإن التشابه بين حروف اللغة وتركيب الكلمات يؤدي بطبيعته إلى الاختلاف في القراءة، فإن تغيير حرف واحد أو إسقاطه كاف لتغيير مدلول الرواية تماماً وكمثال لذلك نذكر رواية عبيد بن زرارة المرتبطة بمسألة العدول من سورة إلى سورة أخرى عن الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ غيرها، فقال: «له أن يرجع ما بينه وبين ان يقرأ ثلثيها» (2). ويرى السيّد البروجردي بأن الرواية فيها تصحيف، والصحيح هو (أن يقرأ ثلثها) لا (ثلثيها)؛ ولذا فقد اتفق القدماء على ان له العدول مالم يتجاوز النصف وبه افتى السيّد في العروة (3). ولم يعملوا برواية الثلثين.

ورواية عبيد وإن دلت على جواز العدول مالم يبلغ ثلثي السورة، وافتى الشيخ جعفر الكبير في كشف الغطاء بمضمونها، وذهب بعض المتأخرين ممن لا يعتني باعراض القدماء في حاشيته على العروة إلى أنه الأحوط، لكن إعراض القدماء عنها مع كونها واضحة الدلالة وبمرأى ومسمع منهم - لأنها في كتاب الحسين بن سعيد، والسند لا خدشة فيه يوجب الشك في صحة المتن. وقد ذكرنا في مباحثنا الفقهية ان الظاهر ان اللفظة الصحيحة هي (نصفها)، لان هذه من روايات كتاب ابن أبي عمير، وسنذكر ان كتبه تعرضت للتصحيح القياسي. وقد ذكرنا مبعدات لما ذكره


1) حاشية المدارك.

2) التهذيب 2 : 293 / 1180، الوسائل 6 : 101 / 2، ب 36 من أبواب القراءة في الصلاة.

3) العروة الوثقى.

العلامة البروجردي ولا مجال لذكرها هنا ومنها الرواية المذكورة في الوسائل (من حدد قبر أو مثل مثالاً)، ويذكر صاحب الوسائل ان الصفار قرأها (من جدد قبرا) وسعد بن عبدالله (حدد قبراً) والبرقي (جدث قبرا)، والظاهر ان الكلمة قد سقطت نقطتها او لم تسقط، وكل را وقرأها بقراءة، وهذا الاختلاف انما نشأ بسبب التشابه في الحروف. وطبيعة الخط العربي بحيث تختلف الكلمات ومعانيها بالنقاط، وبعض الكتب لم تكن منقطة، وكذلك تبدل الخط الكوفي للخط المتعارف، مع التشابه الكبير بين كلمات الخط الكوفي، ومثل هذه البحوث خارجة عن كلامنا، وان كان للتعرف عليها تأثيرها الفاعل في معرفة الروايات، والاختلاف بينها وتشابه الخطوط وامثالها.

وكذلك ربما وقع هذا التشابه في الخطوط في السند لا في المتن، قال الوحيد البهبهاني (قدس سره) في الفائدة الخامسة من فوائده الرجالية: (وربما يذكر في موضع هاشم، وفي موضع هشام كما سنشير إليه في هشام بن المثنى. وربما يذكر في موضع (ابن فلان) وفي موضع (ابن أبي فلان) بزيادة أو نقصان يشير إليه ما سيجيء في يحيى بن العلاء وخالد بن بكار وغيرهما. وربما يذكر في موضع بالياء المثناة وفي موضع بالباء الموحدة كبريد ويزيد ويسار، ونظائر ذلك).

والتصحيف والتحريف يتصور في المتون اكثر من الأسانيد لأنها كثيراً ما كانت تتعرض للتصحيح القياسي دون الأسانيد.

السبب الرابع: التصحيح القياسياو تصحيح الكتب، ويقصد به: تصحيح العبارة في المتون والاسانيد التي لا يمكن ؛ قراءتها؛ لعدم وضوح خط المؤلف أو المستنسخ الأوّل، أو لتعرضه للمطر وغيره - او لاسباب اخرى ولكن لا بالرجوع إلى النسخ

القديمة أو النسخة المكتوبة بخط المؤلف بل بملاحظة الأشباه والنظائر من الأحاديث واللغة وغير ذلك، أو بملاحظة الطبقات في الأسانيدور بها ادخل الاجتهاد والرأي في هذا التصحيح.

وقيل في كتاب ابن أبي عمير: إنه حين لم يستجب لرغبة السلطة حبس، فوضعت أخته كتبه في سرداب فسال عليها المطر، فخفيت بعض كلماتها، وصار الكثير من رواياته مراسيل؛ لعدم إمكان قراءة اسم الراوي، وصعوبة التصحيح القياسي في الأسانيد، ولكن متون رواياته تعرّضت للتصحيح القياسي كثيراً؛ ومن هنا يجب التأمل كثيراً في متون رواياته، وإن كانت مراسيله حجة عندنا.

ويلاحظ أيضاً أن التصحيح القياسي لم ينحصر بالعبارات غير المقروءة، بل قد تكون العبارة واضحة ويمكن قراءتها ولكن القارئ او الكاتب يرى أن الحديث - وحسب تصوره - لا يستقيم، فيصححه ويبرزه، وكأنها الحديث من الأصل كذلك. وهو أمر يجري في الأسانيد كما هو في المتون؛ أما في الأسانيد فيقول العلامة الشيخ حسين بن عبدالصمد والد الشيخ البهائي في وصول الأخيار – وكان يحاول تصحيح التهذيبين - : (ينبغي للحاذق التنبه للزيادة في السند والنقص..). إلى أن يقول: (وأما النقص فبأن يروي رجل عن آخر، ومعلوم أنه لم يلحقه أو لحقه ولم يرو عنه، فيكون الحديث مرسلاً أو منقطعاً، وإنما يتفطن له المطلع بمعرفة الرجال ومراتبهم ونسبة بعضهم إلى بعض. وقد يقع من سهو الناسخ كثيراً كما وقع في كثير من التهذيب فتنبهنا له وأصلحناه من فهرست الشيخ الطوسي أو مما في كتب الأحاديث و مما يعين على

ذلك معرفة أصحاب الأئمّة...). إلى أن يقول : (وكتاب ابن داود في الرجال مغن لنا عن جميع ما صنف في هذا الفن، وإنما اعتمادنا الآن في ذلك عليه) (1).

فنلاحظ ان هذا العلامة حاول تصحيح أسانيد التهذيب وغيره من كتب الحديث مما يعتقد أن فيه إرسالاً أو انقطاعاً بالاعتماد على كتب الرجال مثل فهرست الشيخ ورجال ابن داود الذي ذهب بعض العلماء : ان فيه اشتباهات كالمولى عبدالله التستري في شرح التهذيب، بينما بالغ اخرون في مدحه كوالد الشيخ البهائي وذهبت جماعة انه كبقية كتب الرجال فيه الصحيح والسقيم، وليس الأمر منحصراً به أو بخصوص كتاب التهذيب - وإن كان أكثر توجه الفقهاء في ذلك إليه، فكانوا يحاولون تصحيح أسانيد كتب الحديث بالرجوع إلى كتب الرجال - ولكن الرجاليين هم أيضاً يحاولون تصحيح الرجال وكتب الرجال بالرجوع إلى أسانيد كتب الحديث، فإذا أرادوا التغيير والتبديل والتصحيح فإنهم يفرضون أسانيد الأحاديث تامة وصحيحة وخالية من كلّ نقص، ويصححون الرجال بموجبها. ففى مجال تنظيم الطبقات يذكر بأن الشخص المعين مثلاً في التهذيب نقل عن فلان، وبذلك يحدّد طبقته، فنلاحظ أنهم في تصحيح الرجال يعتمدون كثيراً على أسانيد كتب الحديث.

وكذلك في المتون فإنهم كانوا يصححون المتن بقياسه مع متون الأحاديث الأخرى التي تتفق معه في الموضوع أو غيره. ونذكر هنا عبارة المجلسي في البحار التي تكشف عن حقيقة الأمر في عملية التصحيح قال : (وكتبناه - أي قرب الإسناد من نسخة قديمة مأخوذة من خط الشيخ محمد بن إدريس، وكان عليها صورة خطه هكذا:


1) وصول الأخيار: 116.

الأصل الذي نقلته منه كان فيه لحن صريح وكلام مضطرب على ما وجدته فصورته خوفاً من التغيير والتبديل، فالناظر فيه يمهد العذر، فقد بينت عذري فيه) (1).

اذن فلو وجدوا المتن المذكور للكتاب في كتاب آخر وتعبير آخر، فيحاولون تصحيح هذا المتن على ضوء المذكور في الكتاب الآخر، او ربما ذكر توضيح للمتن في حاشيته - فيدخل الحاشية في المتن في نسخ اخرى، فمثلاً حواشي أبي علي ابن الشيخ الطوسي على الفهرست ادخلت في متن الفهرست و طبع كذلك، وقد تعرضت بالخصوص الكتب غير المقروءة للتصحيح القياسي.

فيلاحظ أنهم كثيراً ما كانوا يعثرون على كتب مغلوطة، فيقومون بتصحيحها وفق مايبدو لهم، وربما احتاط بعضهم فكف عن ذلك. ويمكن ان نعتبر رواية عار بن مروان المتقدمة الذكر مثالاً لذلك؛ فإنه صحح الحديث باعتبار عنوان الباب.

ومنها كتب ابن أبي عمير نتيجة لحادثة حبسه اصاب بعض كلماتها في المتن أو السند ما يوجب صعوبة قراءتها - لذلك تعرضت للتصحيح القياسي.

وفي موثقة ابن أبي بكير وراويها ابن ابي عمير التي نقلت عن الكافي قال سأل زارة أبا عبدالله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر، فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله): «إن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وألبانه كل شيء منه فاسدة لا تقبل تلك الصلاة حتى تصلي في غيره مما أحل اللّه أكله» (2). والعبارة كا هو ملاحظ


1) البحار 26:1.

2) الكافي 3: 1/397.

مضطربة ومشوشة، والذي يبدو لنا أن كلمة (وبر) الاولى كانت مكتوبة في الحاشية بعد سقوطها من المتن، ثم في الاستنساخ الثاني غير موضعها في المتن، فالصحيح هو (ان الصلاة في كل شيء وبر حرام أكله...)، وإلا فليس لوبر الحيوان وبر وشعر وجلدوانما هي للحيوان نفسه لا لو بره، فهو في الحقيقة في مجال الاحتراز عن مثل المعز الذي هو وبر ولكن لا يحرم أكله؛ فيختص الحديث بالسباع فقطحيث ان فيها وبراً.

ولكن الأعلام وحيث لم يلتفتوا إلى هذه النكته أخذوا موضوع الفساد هو (كل ما يحرم أكله)، ونحن ذكرنا في الفقه أنه لا دليل على هذه الكبرى المشهورة (عدم الإجزاء في الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه). وقد اختار السيّد الأصفهاني في حاشيته على العروة الرأي الذي ذكرناه وإن وافق المشهورة في وسيلته.

السبب الخامس: تقطيع الروايات، وهو قد يكون من جهة تقطيع كلام السائل بإلغاء بعض الخصوصيات منه بتصوّر عدم دخلها في الحكم الصادر من الإمام، أو بتصور أن السؤال يعرف من جواب الإمام، أو من خلال التعرف على الجوّ الفقهي للسؤال. وهو كثير في الروايات، فكثيراً ما تجد الأسئلة مما لا يفهم المقصود منها إلا بمعرفة الجواب. واخري قديكون التقطيع في جواب الإمام (عليه السلام).

وفي الغالب يكون الداعي إلى تقطيع كلام الراوي هو الاختصار؛ فإن السائل عادة يذكر كل ما يحتمل دخله في تحديد وظيفته الشرعية حسب نظره للامام (عليه السلام) أو للمفتي، وهي قد لا يكون لبعضها دخل في الحكم الشرعيبنظر الكاتب او الفقيه، ولذا فإن الفقيه الراوي يحذف تلك الخصوصيات، مع أن الأمانة في النقل تفرض على

الراوي نقل الكلام بكل أجزائه وخصوصياته، ويبقى الفقيه الناظر ليرى مدى دخل الخصوصيات في الحكم.

وعلى أي حال فيمكن حصر العوامل التي تدعو إلى التقطيع في كلام السائل واختصار السؤال في موارد.

المورد الأوّل: إلغاء بعض خصوصيات السؤال لاعتقاد الناقل عدم دخلها في الحكم، أو لتصوره وضوحها من خلال ما ذكره من السؤال إن فرض دخلها قطعاً أو احتمالاً.

ومثال ذلك ماجاء في الوافي نقلاً عن الكافي عن محمد بن الحسين عن ابن هلال عن عقبة بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل أتى جبلاً فشق فيه قناة وجرى ماؤها سنة، ثم إن رجلاً أتى ذلك الجبل فشق قناة اخرى فذهبت قناة الآخر بماء قناة الأول، فقال: «يتقاسمان بحقائب (بعقائب) البئر ليلة ليلة، ينظر أيهما أضرت بصاحبها، فإن كانت الأخيرة أضرت الأولى فلتعور (أي تطمس) وقضى بذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وقال: إن كانت الأولى أخذت ماء الأخيرة لم يكن لصاحب الأخيرة على الأوّل سبيل» (1)ولكن قد حذف بعض السؤال في الكافي، وانا حذف ذلك من السؤال لتصوّر عدم دخله في الحكم، أو تصور وضوحه من بقية اجزاء الرواية ويلاحظ صبغة السؤال بصورة كاملة في كتاب الفقيه.

المورد الثاني: إلغاء بعض خصوصيات السؤال باعتقاد أنها تفهم من جواب الإمام (عليه السلام)، وأمثلته كثيرة نذكر منها صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه


1) الكافي 5: 294 / 7، الفقيه 3: 58 م 3420.

(عليه السلام) أنه قال فيمن صام تسعة وعشرين «إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً» (1). فإن موضوع السؤال قد حذف ولكنه يفهم من الجواب، فإن الشهر قد يكون ثلاثين يوماً وقد يكون تسعة وعشرين يوماً، فمجرد صوم تسعة وعشرين يوماً لا يقتضي سؤالاً، فلابد أن يكون السؤال عمن صام تسعة وعشرين يوماً وهو لم ير هلال شهر رمضان وبنى على كون شعبان شهراً كاملاً، فهل يجب عليه القضاء، فيما لو صام تسعة وعشرين يوماًمع احتمال كون الشهر ثلاثين.

المورد الثالث: أن تلغى بعض خصوصيات السؤال لكونها تفهم من خلال التعرّف على الجو الفقهي السائد آنذاك. ومثاله معتبرة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الميت، فقال: «يستقبل بباطن قدميه القبلة» (2)، والسؤال عن الميت مبهم والجواب بالاستقبال لم يتضح أنه في أي حال، هل هو حال الاحتضار، أو الغسل، أو الدفن، أو غير ذلك؟ ولكن بملاحظة الجوّ الفقهي آنذاك يظهر أنه يسأل عن حالة الاحتضار؛ لأنه كان موضوع خلاف بين فقهاء العامة والخاصة آنذاك، فلولا معرفة الجو الفقهي في ظرف صدور الرواية لكان السؤال مبهماً، ولربما كان غير المحيط بالجو الفقهي آنذاك يتمسك بالإطلاق لإثبات تعيين الاستقبال في جميع الحالات.

وأما بالنسبة للتقطيع في كلام الإمام فكذلك يمكن أن يكون المنشأ لذلك جهات: الجهة الأولى : اعتقاد الناقل عدم كون الجملة المحذوفة من الإمام (عليه السلام) وهو ممن التزم بنقل الأخبار الصحيحة في كتابه، فالصدوق مثلاً ينقل رسالة


1) التهذيب 4 : 158/ 443.

2) الكافي 3: 127/ 2.

العلل للفضل بن شاذان كرواية، لاعتقاده بأنها من الإمام (عليه السلام)، فينقلها بتمامها في كتاب العلل ويعلق على جملة من الموارد فيها بأنه من غلط الفضل، ويذكرها أيضاً في كتاب عيون أخبار الرضا ولكن يحذف منها ما اعتقد أنه من غلط الفضللان عيون اخبار الرضا بمعنى الصحاح لذلك لا يرى المبرر لنقل الجمل أو الروايات التي ليست صحيحة برأيه.

والمحدث النوري ينقل امراً أهم من هذا، فإنه قال في مستدركه: (ويظهر من بعض الموارد أن الصدوق كان يختصر - الخبر الطويل ويسقط منه ما أدّى نظره إلى اسقاطه) وكل ذلك لاجل ان من لا يحضره الفقيه كتاب فتوى للصدوق كما ذكر ذلك

في مقدمته او لم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت إلى ايراد ما افتي به واحكم بصحته، واعتبر انه حجة فيما بيني وبين اللّه) فيحتمل حذفه لبعض الجمل التي لا توافق رايه. ثم يذكر كلام المحقق التستري في كشف القناع من اضطراب أمر الصدوق، ونقله لكلام المجلسي في البحار كما مر ذكره، ولكن تبين أنه غير صحيح (1)ولا نؤيد المستدرك في جميع الشواهد التي ذكرها على وجود الحذف في الفقيه.

فعلى الباحث ان يلتفت إلى وجود هذا الاحتمال في بعض الروايات أحياناً وعلى الأخص في الكتب الفتوائية كالفقيه مثلاً وإن كان دأبنا أن ننظر إليها بما أنها كتب روائية.


1) المستدرك 11: 169.

الجهة الثانية : ان يقتصر الناقل على موضع حاجته من الرواية فقط فينقله في كتابه، دون سائر اجزائها وهذا الأمر كثيراً مانراه في الاستبصار؛ لأنه ألف للجمع بين الأخبار، فهو حينما يطرح موضوعاً فإنه يتعرّض لما يتعلق به من الأخبار المختلفة او موارد الاختلاف في الرواية الواحدة. كي يحل اختلافها، ولا علاقة له بما لا يمت إلى الموضوع بصلة حيث ينقل موارد الاختلاف في الروايات دون غيرها فيتصور المراجع له بأن ما ينقله هو جميع الرواية. فلو لاحظنا التهذيب او الكافي واطلعنا على تلك الروايات التي ذكرها الشيخ في الاستبصار فسندرك انه لم ينقل فيه جميع الرواية، بل موارد المعارضة منها فحسب، ومثال ذلك ما يرويه عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: في الرجل يموت في السفر في أرض ليس معه إلا النساء. قال: «يدفن ولا يغسل. والمرأة تكون مع الرجال بتلك المنزلة تدفن ولا تغسل» (1).

وفي موضع آخر من التهذيب ينقل هذه العبارة ويزيد في ذيلها: «إلا أن يكون زوجها معها، فإن كان زوجها معها غسّلها» (2). ولم ينقله في الاستبصار، مع أنه مما يوجب تغيّر الحكم، لخروجه عن مورد حاجته، لأنه إنما ذكر تلك الرواية في الاستبصار باعتبارها معارضتها مع مادل على وجوب التغسيل من وراء الثوب، فلاحظ التهذيب.

الجهة الثالثة : ان يعتقد الناقل عدم ارتباط الجملة المحذوفة بما قبلها، فينقل بعض الرواية دون البعض الآخر كما لو راى مثلاً بأن الالف واللام فيها للجنس لا للعهد ليذكر الجملة السابقة المعهودة ومثال ذلك ما في التهذيب: الحسين بن سعيد


1) الاستبصار 1: 201/ 709.

2) التهذيب 1: 438 / 1414.

عن حماد عن زرارة قال قلت له (عليه السلام) أرأيت ماكان تحت الشعر ؟ قال (عليه السلام) : «ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه ولا يبحثوا عنه، ولكن يجري عليه الماء» (1).

وقد احتج بعض الفقهاء بإطلاقه لإثبات عدم وجوب الغسل لما تحت الشعر بما يشمل الوضوء والغسل معاً، ولكن بمراجعة الفقيه يظهر أن مانقل من النص، هو في واقعه ذيل الحديث مفصل، وموضوعه الوضوء فقط وليس له إطلاق يشمل الغسل (2). في حين أن الناقل له تصور انقطاعه عن بقية فصول الحديث، فأوهم الإطلاق. والتقطيع هذا ليس من الشيخ الطوسي، بل من المصدر نفسه وهو كتاب الحسين بن سعيد؛ لأن الشيخ لم يكن عنده المصدر المذكور.

الجهة الرابعة : أن يحذف بعض الحديث اعتماداً على فهمه من عنوان الباب حيث إنه يذكر في البداية (باب كذا) ثم يذكر الروايات المرتبطة بهذا الباب. وقد نجد ذلك في الكافي أحياناً، فمثلاً جاء في (باب عدة المتعة) : علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «ان كانت تحيض فحيضة، وان كانت لا تحيض فشهر ونصف» (3). فلولا عنوان الباب لكان ضمير «تحيض» مجملاً، وإنما يرتفع الإجمال بالرجوع إلى عنوان الباب.

ومن الواضح أن الجوامع الحديثية المتأخرة كالوسائل تنقل الحديث بالذات من دون الإشارة إلى عنوان الباب، وبالطبع فإن الحديث سيكون مجملاً.


1) التهذيب 1: 364 / 1106.

2) الفقيه 1 : 28/ 88.

3) الكافي 5: 458 / 1.

ولا يبعد أن يكن من هذا القبيل ماجاء في الجزء الثالث في باب (الوضوء من سؤر الحائض والجنب واليهودي والنصراني والناصب) في الحديث الخامس يُروى عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن عبد اللّه بن المغيرة عن سعيد الأعرج قال: سالت أبا عبدالله (عليه السلام) عن سؤر اليهودي والنصراني، فقال: «لا» (1). فإن الظاهر منه أنه يريد بقوله: «لا» عدم جواز شربه، ولكن لا يبعد أن يكون موضوع السؤال والجواب هو الوضوء بالسؤر المذكور، باعتبار أن عدم جواز الوضوء به لا يستلزم نجاسته؛ فينسجم مع سؤر بقية المذكورين في عنوان الباب وهو سؤر الجنب والحائض. بخلاف ما لو كان الموضوع هو الشرب؛ فإنه يستلزم عرفاً نجاسته فيختلف كثيراً عن مثل سؤر الجنب والحائض.

هذا بالإضافة إلى أن هذا الحديث نفسه ورد في الناصريات، والسؤال فيه. الوضوء بسؤرهما (2).

الجهة الخامسة: أن يحذف لأجل وضوحه من خلال ملاحظة بقية العبارة. كما مر في خبر عقبة بن خالد، ومثله ماجاء في الوسائل، وبإسناده (الصدوق) عن موسى بن القاسم عن أبي جبلة عن عليّ عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «إذا اشتريت أضحيتك، وقمطتها وصارت في رحلك فقد بلغ الهدي محله» (3).


1) الكافي 3: 5/11.

2) الناصريات: 84.

3) التهذيب 5 : 23 / 79 الوسائل 14 : 157 / 7، ب 39 من أبواب الذبح.

فحذف منها ماجاء في رواية الكليني من قوله: «فإن أحببت أن تحلق فاحلق» (1). وهذا الحذف من وهو من عمل موسى بن القاسم لا من الشيخ الصدوق؛ لأنه إنما نقله كذلك من كتابه، ولعل موسى إنما حذفه لتوهمه أنه واضح لقوله تعالى: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) (2)ولكن المتأخرين استدلوا باطلاق الرواية على أن الهدي إذا صار في الرحل فقد بلغ محله وإن ضل بعد ذلك.

إلى هنا تم المقصد الثاني من علل اختلاف الأحاديث، ولعلّ من كل ما ذكرناه في المقام الثاني مما يرتبط بالاختلاف من جهة الرواة، يظهر عدم صحة الالتزام بأصالة عدم الاشتباه في كل مورد، بل لابد أن تكون للفقيه الخبرة في الكتب والرجال وأساليب نقلهم وتغييراتهم الجائزة عندهم، والتصحيح القياسي، والنقل بالمعنى وغيرها. ولابد من ملاحظتها عند تقويم الروايات دون الاكتفاء بأصالة عدم الاشتباه لاول نظرة بدون مراجعة وتفحص، إذ مع ملاحظة هذه العوامل والظروف كيف يكون اصل عدم الاشتباه من الأصول العقلائية؟


1) الفقيه 2 : 30 / 1494.

2) البقرة: 196.

المقصد الثالث : في الأخبار العلاجية وملحقاتها

إشارة:

قبل الدخول في بحوث هذا المقصد تجدر الإشارة العابرة إلى ما مر في المقصدين السابقين من ان التعارض بين الخبرين يتقوم بالعلم إجمالاً بمخالفة أحد الظهورين للواقع، وأنه إذا تعين بين خبرين فإن القاعدة تقتضي التساقط ؛ لعدم شمول أدلّة الحجية لهما.

ولكن الطريقة العقلائية في مجال تعارض الأمارتين الكاشفتين عن الواقع هو التفحص في كلتا الأمارتين فإن كان في إحداهما جهة مرجحة تصرف عنه الريبة الحاصلة فيهما من العلم الاجمالي بمخالفة إحداهما للواقع إلى الأمارة الأخرى الفاقدة للمرجح، بحيث يُطمأن إلى أن الجهة المخالفة للواقع ليست في ذات المزية، ولذلك تتعين فيها الحجية. وهذه قاعدة عقلائية جارية في كل مورد توجد فيه يعلم بمخالفة إحداهما للواقع، سواء كان الواقع حكماً أو واقعة تاريخية أو غيرها.

والميزة الصارفة للريبة عند العقلاء امور مختلفة في مجال الروايات وكتب الحديث او مطلق الكتب، من قبيل ملاحظة النسخ الأكثر قدماً، باعتبارها بعيدة عن التصحيف والتحريف والتصحيح القياسي التي يقوى احتمالها في النسخ المستحدثة، وكذا ملاحظة النسخ التي كتبت بخط المؤلف، وكذلك تطابق صياغة أحدها مع الأسلوب المعهود والسبك المتعارف من المخبر عنه. كما نلاحظه في مجال تشخيص الموارد المشكوكة في الشعر وأنها للشاعر الفلاني أو لا حيث يقارن بأسلوبه وسبكه في سائر شعره.

ويجب أن يلاحظ أنه قد يكون تصوّر التعارض بينهما وهماً محضاً، فإن الجاهل بأساليب الاستعمال وقواعد اللحن والمعاريض، أو الذي لا يعرف الفرق في البيان بين

التعليم والفتيا، ولا ينتبه إلى التطور التاريخي الذي طرأ على اللغة، يتوهم اختلاف الأحاديث ولكن العارف بذلك لايرى تعارضاً بينها.

فهذه بعض الموازين التي يلاحظها العقلاء في حالات اختلاف الأمارتين ومنها الخبران.

والمقصود في هذا البحث أن يلاحظ أن ماجاء في الأخبار العلاجية من مرجّحات هل هي مرجحات تعبدية اعتبرها الشارع في تعارض الخبرين، لذلك نكتفي بالمرجّحات المنصوصة، أو أنها إرشاد إلى مزايا عقلائية توجب صرف الريبة من أحدهما للآخر. فالأئمة (عليهم السلام) قد أرشدوا فقهاء اصحابهم إلى ما يصلح أن يكون مرجحاً لأحد الخبرين، وذكروهم بصغريات الكبرى المرتكزة لديهم وبينوا بعض المرجّحات إعانة وتعليما لهم في مرحلة الاستنباطلا ان المرجّحات المذكورة على سبيل الحصر أو التعبد.

أما الأخبار العلاجية فهي طوائف:

الطائفة الأولى: ما دل على الترجيح بالإجماع والشهرة

إشارة:

وقد يتعرض فيها إلى المرجّحات الأخرى أيضاً، لكن المقصود من ذكرها هنا دلالتها على مرجحية الإجماع والشهرة فقط. وقد اشتهر لدى الأعلام التعرّض في هذا المقام لروايتين هما مرفوعة زرارة مقبولة ابن حنظلة، لكن يجدر بنا الإشارة إلى روايات أخرى واردة في الموضوع، وإلى أقوال من بعض قدماء أصحابنا تشير إلى ثبوت مرجّحية الشهرة عند الأئمة (عليهم السلام)، فربما يحصل من انضمام المجموع اطمئنان عقلائي بثبوت مرجحية الشهرة ولو فرضنا المناقشة في سند الروايتين.

فمن أقوال القدماء ماذكره الشيخ الأقدم الكليني في مقدمة الكافي الشريف من التاكيد على ذلك بقوله: (فاعلم يا اخي (أرشدك الله) أنه لا يسع أحد تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء قدس سرهم برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله (عليه السلام): «خذ بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لاريب فيه».

ومنها ما جاء في كلام ابن قبّة المتقدم جوابه عن اعتراض بعض الزيدية على الإمامية في اختلافهم ما نصه: (ولما كثر هذا - يعني الكذب عليهم – وظهر، شكوا إلى أيمتهم فأمروهم بأن يأخذوا بالمجمع عليه فلم يفعلوا وجروا على عادتهم...).

وأما الروايات التي أشرنا إليها فمنها مارواه في الاحتجاج مرسلاً بقوله: (روي عنهم (عليهم السلام) أنهم قالوا: «إذا اختلف أحاديثنا عليكم فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا؛ فإنه لا ريب فيه».

ومنها - عن الرسالة العددية للمفيد - الحديث المعروف، قول أبي عبدالله (عليه السلام): «إذا أتاكم عنا حديثان مختلفان فخذوا منهما ما وافق القرآن، فإن لم تجدوا لهما شاهداً من القرآن، فخذوا بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لا ريب فيه».

ويحتمل أن يكون هذا الخبران مأخوذين من المقبولة، وعلى الأخص الثاني منها؛ إذ لو كان هذا الحديث معروفاً كما ذكره رحمه اللّه لوصل إلينا عادة، مع أنه ليس لنا حديث كذلك، بل إن نفس عده حديثاً معروفاً يقرب احتمال أخذه من المقبولة؛ لأن المقبولة حديث معروف.

ومن الروايات المرتبطة بالمقام ما في الوسائل عن كتاب الاختصاص عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد (استاذ المفيد) عن أبيه (محمد بن الحسن استاذ الصدوق، وهما من أكابر الأصحاب) عن أحمد بن إدريس (وهو من الأكابر أيضاً) عن محمد بن أحمد بن إسماعيل العلوي (وقد يوثق بدعوى أنه يستفاد من ترجمة النجاشي للعمركي أنه كان من مشايخ أصحابنا بالإضافة إلى وروده في أسناد تفسير القمي، عن محمد بن الزرقان الدامغاني قال: قال أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): «لما أمرهم هارون الرشيد بحملي دخلت عليه... فقال - يعني: هارون - : أحب أن تكتب لي كلاماً موجزاً له أصول وفروع ويكون ذلك مما عُلّمته من أبي عبدالله (عليه السلام)، فقال: نعم... فكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم. جميع أمور الأديان أربعة: أمر لا اختلاف فيه وهو اجتماع الأمة على الضرورة التي يضطرون إليها والأخبار المجمع عليها، وهي الغاية المعروض عليها كل شبهة والمستنبط منها علم كل حادثة، وأمر يحتمل الشك، والإنكار غير مجد...».

وجاءت الرواية في مجموعة الشهيد نقلاً عن كتاب التلعكبري، وكذا في تحف العقول مع اختلاف في المتن.

هذا ما أردنا التعرض له، وبعد ذلك نبحث عن الروايتين اللتين ذكرهما الأصحاب؛ أما الأولى - مرفوعة زرارة - فقد نقلت في المستدرك وفي جامع الأحاديث في المقدمة عن عوالي،اللآلي، قال: روى العلامة مرفوعاً إلى زرارة بن أعين قال: سألت الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكما الخبران أو الحديثان المتعارضان، فبأيها آخذ؟ قال: «يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر» فقلت: ياسيدي، انهما معاً... فهي تدل بوضوح على كون الشهرة من مرجّحات باب التعارض. وعمدة الملاحظة فيها المناقشة في سندها فإنها مروية عن كتاب عوالي اللآلي، وقد أثيرت حولها شبهات نذكرها ضمن جهات:

الجهة الاولى: وفيها جانبان:

الاول: التردد في وثاقة مؤلفهو ذلك من ناحيتين، الناحية الاولى، لعدم التصريح بوثاقته في كلمات الاعلام، كما تأمل فيه من هذه الناحية صاحب الروضات.

وفيه: انه لا وجه للتأمل بعد ملاحظة ماقاله العلماء في شأنه، فراجع ما نقله المستدرك عن أمل الآمل ولؤلؤة البحرين ورياض العلماء والإجازات. وأما عدم التصريح بوثاقته بكلمة (ثقة)، فقد أجاب عنه في المستدرك بأن كثيراً من العلماء المذكورين في الإجازات والكتب المعدة لترجمتهم لم يُقل في حقهم اكثر مما قيل في ترجمة صاحب العنوان، ولم يعهد بينهم تزكيتهم وتوثيقهم بالألفاظ الشائعة المتداولة في الكتب الرجالية التي استعملوها في مقام تزكية الرواة وتعديلهم.

الناحية الثانية: اشتمال كتابه على ما يوجب الريبة في مؤلفه، قال المجلسي (قدس سره) في مقدمة البحار : (وكتاب عوالي اللآلي وإن كان مشهوراً، ومؤلفه في الفضل معروفاً، لكنه لم يميّز القشر من اللباب، وأدخل أخبار متعصبي المخالفين بين روايات الأصحاب؛ فلذا اقتصرنا على نقل بعضها).

قال المحدث البحراني في مقدمة الحدائق: (بخلاف الرواية الأخرى، فإنا لم نقف عليها في غير كتاب عوالي اللآلي مع ما هي عليه من الرفع والإرسال، وما عليه الكتاب المذكور من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار والإهمال، وخلط غثها بسمينها وصحيحها بسقيمها كما لا يخفى على من وقف على الكتاب المذكور).

وقال أيضاً في لؤلؤة البحرين (والشيخ محمد بن أبي جمهور كان فاضلاً مجتهداً متكلّماً، له كتاب عوالي اللآلي جمع فيه جملة من الأحاديث إلا إنه خلط الغث بالسمين، وأكثر فيه من أحاديث العامة؛ ولهذا إن بعض مشايخنا لم يعتمد عليه).

فالاشكال عليه هو إدخاله أخبار المخالفين في كتابه وخلطها برواياتنا. ولكن يلاحظ على ذلك أنه كما نقل أحاديثنا فكذلك نقل أحاديث العامة الموافقة لأحاديثنا، أو انه ذكر احاديثهم مختلطة باحاديثنا في مسائل غير مهمة كالمسائل الاخلاقية، ولكن يمكن التمييز بينها، كما يلاحظ في بعض كتب علمائنا أيضاً، ولا يسمى هذا خلطاً؛ حيث إن لكل منها محلهفلا توجب الوهن في الكتاب او المؤلف لاجل ذلك، ويمكن التمييز فيما بينها، بل إن كان ذلك لغرض صحيح فإنه يكون عملاً صحيحاً، فإن العلامة المجلسي الذي ذكرنا ملاحظته على الكتاب المذكور، هو نفسه يذكر في بداية كتابه مجموعة من كتب العامة التي نقل عنها روايات في كتابه البحار لغرض تصحيح بعض متون أحاديثنا، أو لتأييدها بها، أو لأجل إلزام العامة فيما ينكرون برواياتهم.

والصدوق أيضاً في كتاب علل الشرائع ينقل روايات العامة، أو روايات من ينقل عنه هؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد اللّه بن عمر، وفي كتابه (معاني الأخبار) ينقل روايات كثيرة عن كتاب أبي عبيد (القاسم بن سلام) في غريب الحديث. والظاهر أن ذكر صاحب العوالي لأحاديث المخالفين في كتابه كان بحسب مقتضيات زمانه.

والخلاصة أن ذكره بعض أحاديث المخالفين في كتابه بنحو يمكن التمييز بينهما ولغرض صحيح لا يوجب وهن الكتاب أو مؤلفه.

الجهة الثانية: أن ابن أبي جمهور ينقل الرواية عن العلامة، وقد راجعنا كتب العلامة فلم نجد الرواية فيها، وهذا ما يورث الشك. وبهذا الاشكال استشكل المحقق النائيني في فوائد الأصول وتبعه بعض الأعاظم.

وهذا الإشكال إنما يتوجه إذا كانت جميع كتب العلامة – وعلى الخصوص كتبه في الحديث - قد وصلت إلينا، ولكن الواقع أن أكثر ما ألّفه العلامة وجميع ما كتبه في الحديث لم يصل إلينا، فإنه ذكر في الخلاصة أن له تصانيف كثيرة في الحديث، وقد عدّ منها كتاب (استقصاء الاعتبار في تحرير معاني الأخبار)، وأنه ذكر فيه كل حديث وصل إليه وأنه بحث في سند كل حديث وبحث أيضاً عن متنه ودلالته وكون متنه محكماً أو متشابهاً، وكذا ذكر ما اشتمل عليه المتن من المباحث الأصولية والأدبية، وما يستنبط منه من الأحكام الشرعية وغيرها، وأنه كتاب لم يعمل مثله. وقد نقل عنه في كتاب المختلف في مسألة طهارة سؤر ما لا يؤكل لحمه.

وعد منها أيضاً كتاب (مصابيح الانوار)، وقال فيه: (ذكرنا فيه كل أحاديث علمائنا، وجعلنا كل حديث يتعلق بفنّ في بابه، ورتبنا كلّ فن على أبواب. ابتدأنا فيه بما

روي عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) ثم بعده بما روي عن علي (عليه السلام) وكذلك إلى آخر الأئمة (عليهم السلام)).

وعد منها كذلك كتاب (الدر والمرجان في الأحاديث الصحاح والحسان). وفي بعض نسخ الخلاصة أنه عشرة أجزاء، مع أنه لم يصل الينا مثل هذا الكتاب ولا غيره كي نلاحظ هل أن المرفوعة فيها أو لا.

نعم، هي غير موجودة في التذكرة والمنتهى والتحرير والإرشاد والقواعد، لكنها كتب فقهية لم تعد لنقل الأحاديث

والملاحظ أنه كانت توجد الكثير من الكتب قبل عهد الصفويين واختفت بعد ذلك حيث كانت المعارك والفتن، وبعد ان هدأت الأوضاع عاد التفكير إلى حفظ الكتب وجمعها، وقد وصلت الينا الكتب التي بقيت بعد تلك الظروف والحروب، لذلك اختفت بعض الكتب، مثل كتاب مدينة العلم للصدوق وكتاب الجامع للبزنطي - فقد نقل عنهما الشهيد الأول في الذكرى، ولكنهما لم يصلا إلينا - وكتاب التكليف للشلمغاني كان موجوداً بنسخته الاصلية لدى ابن أبي جمهور، وينقل عنه في كتاب عوالي اللآلي، ولكنها فقدت بعده.

الجهة الثالثة: أن الرواية بالنسبة إلينا مرسلة ؛ فإن صاحب عوالي اللآلي ينقلها عن العلامة، والعلامة لم يذكر سندها للإمام وإنما رفعها إلى زرارة. وهذا هو العمدة في الإشكال على المرفوعة.

وقد يجاب عن ذلك بان ابن أبي جمهور قد صرح في مقدمة كتابه بوثاقة الرواة الواقعين في أسانيد رواياته، فقال: (بهذه الطرق، وبما اشتملت عليه من الأسانيد المتصلة المعنعنة الصحيحة الأسناد المشهورة الرجال بالعدالة في الفتوى وصدق

اللهجة أروي جميع ما أرويه وأحكيه من أحاديث الرسول (صلى اللّه عليه وآله)، والأئمة (عليهم السلام) فهو توثيق منه لجميع الرواة إلى زرارة.

ولكن يلاحظ عليه :

أولاً : أنه ينقل بعض روايات المخالفين بأسانيدها المذكورة في كتبهم. إذن فلابد أن يكون قصده من قوله هذا إثبات صحة سنده إلى نفس الكتب المشتملة على هذه الأحاديث لا إلى ما بعد الكتاب: إلى النبي (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) من الأسانيد، وإلا لكان ذلك يعني توثيقه الجميع رواة المخالفين لنقله الروايات عن صحاحهم وكتبهم ولا يمكن الالتزام بذلك.

وثانياً: أن ظاهر قوله : (مرفوعاً) هو أن العلامة رفعها إلى زرارة، ومعنى رفعها لزرارة على ما في بعض كتب الدراية، أنه نسبها إلى زرارة دون أن يكون للعلامة سند للرواية لا أنه كان لها سند فحذفه ابن أبي جمهور ولا اقل من الإجمال، فتسقط الرواية عن الاعتبار.

وإنما احتملنا الإجمال؛ لأن بعضهم يرى أن المرسلة ما كان لها سند في الأصل، ولكن صاحب الكتاب حذفه، حيث إن البعض يتصور أنه مرسلة باعتبار بعض كلمات علماء الدراية، ومنهم والد الشيخ البهائي؛ فإنه قال آخر بحث المرفوع: (فقول محمد بن يعقوب مثلاً في الكافي علي بن إبراهيم رفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «طلبة العلم ثلاثة»... كما نقلناه سابقاً، يقال له : مرفوع، لاتصاله بالمعصوم وإن كان منقطعاً بل المعضل. وأما علي بن إبراهيم فإنه بالنسبة إليه يمكن أن يكون متصلا،

وكذا بالنسبة إلى محمد بن يعقوب إذا كان علي بن إبراهيم قد رواه اياه متصلاً، ومحمد بن يعقوب هو الذي حذف السند).

فعرّف المرسل بأنه ماكان له سند في الأصل، وإنما صاحب الكتاب كالكافي مثلاً هو الذي حذف السند.

ومثل هذا الكلام جاء في كتاب علوم الحديث لأبي الصلاح، وهو من أهل السنة.

ولكن هذا المعنى للمرسل أو المرفوع خلاف ماجاء في كتب أغلب علماء الدراية مثل دراية الشهيد والرواشح السماوية ومقباس الهداية وغيرها.

وعلى أي حال فالخبر ساقط سنداً ولا يعتمد عليه.

وأما الرواية الثانية: مقبولة عمر بن حنظلة - والبحث فيها يقع من جهتين:

الجهة الاولى: في مصادرها وسندها.

الجهة الثانية : في دلالتها على موضوع البحث أي (فقه الحديث).

اما الجهة الاولى، فالرواية هذه موجودة في مصادر متعددة نذكرها:

المصدر الأوّل: الكافي وقد تكرر نقلها فيه فتارة ينقلها في الأصول في كتاب اختلاف الحديث حيث يذكرها بصورة كاملة، وأخرى يذكرها في الفروع، وينقل منها بعض الفقرات المرتبطة بجعل القضاء للفقهاء، وهي لا علاقة لها بموضوع بحثنا هنا.

وسند الكافي إليه هو (محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد ابن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة.

المصدر الثاني: التهذيب، وقد تكرر نقلها فيه أيضاً، فتارة ينقلها بتمامها عن كتاب محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن عيسى عن صفوان وكما هو الملاحظ، فهو في

الطريق يلتقي مع سند الكافي عند محمد بن عيسى، واخرى ينقلها في موضع آخر عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسن بن شمون عن محمد بن عيسى.

فهو ينقل صدر الحديث هنا عن الكافي نفسه، لما ذكرناه في محله من أن الشيخ الطوسي متى ما ابتدأ في السند بأحد مشايخ الكليني كعلي بن إبراهيم ومحمد بن يحيى وأمثالهم فهو يعني أنه قد أخذ الحديث من الكافي بقي أن نشير إلى أن نسخة الكافي الموجودة تدل على أن محمد بن يحيى يروي الحديث عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب كما هو كذلك في المورد الآخر، وهو سند معتبر لا خدشة فيه، ولكن نسخة التهذيب تدل على أن محمد بن يحيى ينقل الرواية عن محمد بن الحسن بن شمون، فلا يكون السند معتبر الان ابن شمون كما في كتب الرجال ذكر عنه انه ضعيف جداً فاسد المذهب غال.

والظاهر أن نسخة الكافي هي الصحيحة؛ فإن محمد بن يحيى لم يرو قط عن محمد بن الحسن بن شمون كما أن محمد بن الحسن بن شمون هذا لم يرو قط عن محمد ين عيسى وإنما المناسب بحسب الراوي والمروي عنه هو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وهو من أجلة الأصحابو الظاهر (ابن شمون) من اضافة بعض النساخ، وقد اشار في المعجم للملاحظة التي ذكرناها. وأما سند الشيخ إلى كتاب محمد بن علي بن محبوب فهو معتبر كما في الفهرست. وأمّا محمد بن عيسى بن عبيد فهو ثقة على الأظهر وكذلك صفوان وداود بن الحصين، وأما عمر بن حنظلة فسيأتي الحديث عنه قريباً.

المصدر الثالث: من لا يحضره الفقيه، وهو ينقل الحديث بإسناده عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة مبتدئاً بقوله: (قال: قلت في رجلين اختار كل واحد منهما رجلا...). وينقل قطعة من الحديث في موضوع آخر عن داود بن الحصين عن أبي

عبدالله (عليه السلام) من دون وساطة عمر بن حنظلة : (في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما خلاف، فرضيا بالعدلين).

وسند الصدوق إلى داود معتبر، وهو محمد بن الحسن عن سعد بن عبدالله عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحكم بن مسكين عن داود بن الحصين. والحكم هذا وإن لم يرد فيه توثيق لكن روى عنه ابن أبي عمير.

المصدر الرابع: الاحتجاج، ويروي فيه جميع الحديث. فتبين أن ما يرتبط من الحديث ببحثنا - هو كون الإجماع والشهرة من مرجحات باب التعارض - قد نقله المشايخ في المصادر الثلاثة وكذا في الاحتجاج.

ومن هذا التفصيل تبين ما في عبارة الشيخ الأنصاري ومن تبعه تمن تاخر عنه حيث نقل تمام الحديث ثم قال: (رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم إلى عمر بن حنظلة)، فإن الصدوق لم يرو صدر الحديث أصلاً.

ومنشأ الخطأ تبعيتهم لما توهمه عبارة صاحب الوسائل فإنه ابتدأ بنقل صدر الحديث بقوله: (سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما - إلى أن قال : فإن كان كل واحد اختار رجلاً). ثم أتى ببقية الحديث (وقال : رواه الصدوق بإسناده عن داود بن حصين عن عمر بن حنظلة)، ثم ينبه على اختلاف طفيف في المتن.

وكيف كان فالأمر سهل بعد رواية المشايخ الثلاثة لما هو محل الحاجة في بحثنا.

وأما عمر عمر بن حنظلة فلم يرد فيه توثيق في كتب الرجال، ولكن هناك محاولات لإثبات وثاقته، أوثقها على ما نعتمد عليه نحن رواية صفوان بن يحيى عنه مباشرة في متعة الحج وغيرها، وصفوان من الثلاثة الذين لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة،

وربما وجد في بعض الموارد رواية ابن أبي عمير عن أيضاً، فالرواية إذن صحيحة، ولا تفتقر في تصحيحها إلى قبول الأصحاب لها.

نعم، من يرفض أصل المبنى في الثلاثة كما عليه بعض الاعاظم، فانها ستكون ضعيفة عنده.

واما الجهة الثانية - فقه الحديث - فنذكر متن الرواية، ثم نتعرض للفصول التي ترتبط ببحثنا؛ لأن بعض فصولها غير مرتبطة به.

فأما المتن الكامل فهو : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجلين من اصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فيتحاكمان إلى السلطان وإلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال: «من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً؛ لأنه بحكم الطاغوت، ومن أمر اللّه تعالى أن يكفر به قال اللّه تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)». قلت فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم اللّه استخفّ وعلينا ردّ، والراد علينا راد على اللّه، فهو على حد الشرك بالله». قلت: فإن كان كل رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: «الحكم ماحكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى مايحكم به الآخر». قال: قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الآخر. قال: فقال: «ينظر إلى ما كان من رواياتهم عنا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور

عند أصحابك فإن المجمع عليه لاريب فيه». وبقية الحديث في أصول الكافي في باب اختلاف الحديث والقطعة الأولى من الرواية إلى قوله: «فهو على حد الشرك» وإن كانت مرتبطة ببحث الاجتهاد والتقليد والقضاء، ولكن وتمهيداً لبحثنا نشير إلى أن هناك اتجاهين في تفسير مدلولها.

الاتجاه الأوّل: ما ذهب إليه المشهور من دلالتها على القاضي المنصوب، أي على نصب الامام (علیه السلام) فقهاء الشيعة للقضاء بنصب عام، كما كانت هي السنة الجارية في الحكومات، فإن نصب القضاة كان من شؤون السلطان، وقد جاء في عهد الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر أمره إيَّاه بنصب القضاة بصفات خاصة.

وهذا الاتجاه نتيجته نصب المجتهدين للقضاء بنحو العموم الاستغراقي، فالرواية تدل على أن الإمام (عليه السلام) نصب كلّ فقيه قاضياً، وأن كل فقيه يمتلك منصب القضاء حسب هذا النصب العامفتكون من الأدلّة على اعتبار الفقاهة في القاضي المنصوب.

الاتجاه الثاني: ان يكون مفادها قاضي التحكيم، أي على الشيعة اختيار القاضي ومن اختاروه يجعله الإمام (عليه السلام) حاكماً عليهم فينفذ قضاء من اختاروه. فيقصد بالرضا في الرواية الاختيار والانتخاب كما ذكرناه في مواضع متعددة، ومنها في موضوع صيغ العقود؛ فإن قولك: (رضيت) يعني اخترت لا أنه بمعنى إبراز الرضا النفسي، وعلى هذا يكون العموم بدلياً.

والكلام في الحديث يقع في الفصول الثلاثة التالية:

الفصل الأوّل:

قوله: (فإن كان كل رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟ قال (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر». وهذا المقطع كما هو ظاهر يدل على الترجيح بالصفات. وقد اختلف العلماء في دلالة هذا المقطع من الرواية على ثبوت الترجيح بالصفات بالنسبة للراوي كما تدلّ على ثبوته في القاضي، والظاهر من الشيخ الانصاري في بعض كلماته وإن خالفه في بعضها الآخر، والمحقق النائيني اختيار ذلك، وعليه المحقق الهمداني أيضاً في حاشيته على الرسائل وكذا السيّد الطباطبائي في رسالته، مصححاً ذلك بان الحكم والفتوى في الصدر الأوّل كانا بنقل الرواية عن المعصوم (عليه السلام) لا بالاستناد إلى الرواية والاستنباط منها واختاره أيضاً المحقق الاشتياني في حاشيته على الرسائل. لكن المحقق العراقي وبعض الأعاظم كما في التقريرات رفضا دلالته على الترجيح بصفات الراوي في باب الروايات، وخصاها بالترجيح بالصفات في الحاكم فحسب والمحتملات التي طرحها الأعلام في تفسير هذا المقطع من المقبولة أربعة:

1 - أن يكون مجال الترجيح بالصفات هو اختلاف قاضيين منصوبين.

2 - أن يكون مجاله اختلاف قاضيين للتحكيم.

3 - أن يكون مجاله اختلاف الرواة.

4 - أن يكون مجاله اختلاف فقيهين في الفتيا.

وإنما يرتبط الفصل المذكور بموضوع البحث إذا دلّ على الاحتمال الثالث دون سائر الاحتمالات فلابد من ملاحظة الحديث لنرى مدى دلالته على هذه الاحتمالات.

أما الاحتمال الأوّل، فهو يوافق صدر الرواية الدال على القاضي المنصوب أي جعل الإمام (عليه السلام) منصب القضاء للفقهاء، ولكن يشكل عليه باشكالات : الاشكال الاول: انه لا معنى للتعدد في القاضي المنصوب أو التشريك بالحكم، فان القول بوجود قاضيين منصوبين رجع اليهما المتنازعان في دعوى واحدة ويكون لهما حق الحكم فيها بعيد. والملاحظ أن التعدد أخذ مفروضاً في الرواية كما يظهر من قوله: (فإن كان كل واحد منهما اختار رجلاً ورضيا ان يكونا الناظرين في حقهما) حيث افترض اختيار كل منهما لرجل وهو يفترض التعدد، ومثل هذا لا يلائم القاضي المنصوب؛ اما في الخاص فإن الفقهاء اختلفوا في إمكان نصب الإمام بنصب خاص لأكثر من قاض واحد في محل واحد، واختار البعض المنع؛ لوقوع الاختلاف بينهم في الغالب بما يوجب تضييع الحقوق ونقض الغرض من نصب القاضي الذي جعل لاجل حسم مادة النزاع وارجاع الحقوق لاصحابها.

وقيل بالجواز ؛ فإن الإمام أعلم بمصالح رعيته، وليس لنا تحديد تكليف له، وهو الحق.

وأما لو كان المراد بالنصب النصب العام كما هو مدلول الحديث حيث جعل كل فقیه قاضياً بالاستقلال، ويكون حكمه هو الفصل في الدعوى، ولا معنى للتشريك في الحكم أو التعدد في الرجوع لقاضيين منصوبين في النصب العام، بخلاف ما إذا فسرنا هذا المقطع حسب الاتجاه الثاني وأن المراد قاضي التحكيم فإنه يعقل فيه التشريك، حيث يتصوّر انتخابهم واختيارهم لشخصين ليحكما في دعواهما بنحو التشريك؛ لانه منوط بكيفية اختيارهم.

ولكن استفادة ذلك منه يتوقف على استظهار الإطلاق في الرواية؛ لتدل على جعل حق الحكم لكل من ينتخبه الناس وبنفس الكيفية التي يتم انتخابه بها، أما إذا أنكرنا الإطلاق من هذه الجهة باعتبار أن الظاهر من قوله: (فليرضوا به حكماً) هو اشتراط انتخاب رجل واحد في جعل حق الحكم له، فإن التشريك لا يصح أيضاً.

وعلى أي حال، فإذا لم يتم التشريك في الحكم، فإن الحديث لا يكون مرتبطاً بالقاضي المنصوب، إذ لا معنى للرجوع إلى قاضيين كذلك؛ فإن اختيار القاضي بيد المدعيو حين يحكم هذا القاضي فيكون حكمه نافذاً ويحصل به فصل الخصومة، فاذا عرض دعواه لدى قاض منصوب فإنه يجب عليه الحضور عند هذا القاضي ولا يحق له الرجوع إلى قاض آخر. وعلى تقدير التداعي فالقاضي يتعين بالقرعة، ولا معنى لرجوع كل واحد إلى قاض، ولا معنى أيضاً لتعدد الحكم بأن نفرض أنهما ذهبا أولاً عند قاض منصوب فحكم لهما، ثم وبعد خروجهما رضيا بقاض منصوب آخر ليحكم بينهما فإنه لا يجوز للقاضي الثاني ان يحكم في الدعوى بعد حكم الأول؛ لأنه من أنحاء ردّ الحكم وهو محرم، ولو حكم لم يكن حكمه نافذاً. وإذا كان جاهلا بصدور الحكم من الحاكم الأوّل، فإن حرمة الرد ترتفع، ولكن عدم النفوذ يبقى، فلا يكون حكمه نافذاً. اذن فهذه الجملة (فاختار كل منهم رجلاً) لا تتناسب مع الرجوع للقاضي المنصوب، وعلى هذا فلا معنى للرجوع للمرجحات، إذ لا معنى للترجيح بالاعدل او الافقه، لان الملاك هنا في التقدم الزماني فالحكم الصادر اولاً يتحقق به الفصل، ولا معنى للترجيح بذلك.

الاشكال الثاني : على تقدير صحة التعدد في القاضي المنصوب، ورجوع المتنازعين إليهما، وفرض صحة التشريك في الحكم إذا اختار الشيعة اثنين ليحكوا فيما بينهم

بنحو التشريك وأنفذ الإمام (عليه السلام) ذلك، فايضاً لا معنى للترجيح المذكور؛ إذ في فرض اتفاقهما في الحكم فإنه يكون نافذاً بمقتضى الجعل، ومع اختلافهما لايكون معنى للترجيح أصلاً، فإن نفوذ حكم الأعلم والأعدل في حالة اختلافهما معناه أن الحكم دائماً يكون حكمه، فيكون ضم غيره إليه كضم الحجر إلى الإنسان.

فتبين أنه لا معنى لاستفادة نفوذ حكم القاضي بنحو التشريك من المقبولة، كما لا وجه لاستفادة نصب قضاة متعدّدين منها، وعلى تقدير صحة نصب قضاة متعددين وإن كان بنحو التحكيم ونفوذ حكم القاضي بنحو التشريك مع الغير فلا معنى للترجيح بالصفات مطلقاً؛ اتفقا في الحكم أو اختلفا. الاشكال الثالث : ثم إن عبارة (فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما) لاتدل على قضائهما في الدعوى، فإن القاضي حاكم وليس بناظر. متى حكم فحكمه فصل للدعويفالرواية عبرت (انهما ناظران) بينما القاضي المنصوب حاكم وله الحكم الفصل وليس ناظراً.

فتبين ان احتمال إرادة الترجيح في القاضي المنصوب من هذا الفصل لا وجه له.

واما الاحتمال الثاني - وهو ان يكون مجال الترجيح بالصفات بحسب المقبولة هو قاضي التحكيم - فهو وإن كان ممكناً من حيث إمكان فرض التشريك في الحكم فيه كما ذكرناه، من انهما يختاران حكمين ليحكما بينهما بالتشريك، ولا يأتي في ما ذكرناه في القاضي المنصوب، لكنه لا يناسب صدر الرواية الوارد في القاضي المنصوب.

وعلى تقدير التنزل وعدم لزوم الارتباط التام بين الصدر والذيل، فإن قوله (فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما) إنما جاء كذلك في الكافي، وأما في التهذيب فالعبارة هكذا: (فإن كان كل واحد منهما اختار رجلاً، وكليهما اختلفا في حديثكم)، وهو

لا يدل على تراضيهما بالتشريك المفروض، بل يدل على ان كل واحد قد انتخب قاضياً خاصاً ورضي بهولا يدل على رضاهما بحكم المجموع.

وبناء على نسخة الكافي والفقيه يأتي فيه احتمالا نالاحتمال الاول: فقد يكون الرضا بالرجلين بنحو الانحلال فيكون كل منهما راضياً بأحدهما فيكون مفادها مفاد رواية موسى بن اكيل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل يكون بينه وبين أخ له منازعة في حق، فيتفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما، فاختلفا فيما حكما. قال: «وكيف يختلفان» ؟ قال : حكم كل واحد منهما للذي اختاره الخصمان. فقال: «ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين اللّه، ويمضي حكمه» فالمعنى : ان كلا منهما اختار حاكماً ورضي به، دون ان يدل على الرضا بحكم المجموع، فيكون على هذا الاحتمال بمعنى نقل التهذيب، ويحتمل ان تكون هذه الزيادة (فرضياً..) في الكافي اما لاجل النقل بالمعنى، او لاجل ان نقيصة التهذيب اشارة لعدم دخله في الحكم. إلا إن الأظهر في هذه الرواية هو الاحتمال الثاني الاتي وان أن كلاً منهما اختار رجلاً مقدمة لتراضيهما على حكم كليهما.

الاحتمال الثاني : يكون بنحو العام المجموعي بان يرضى كل منهما بحكم كلا الرجلين بنحو المجموع، وافتراض قاضي التحكيم إنما يصح على التقدير الثاني فحسب. لكن على هذا الافتراض أيضاً لا معنى للترجيح بالصفات كما ذكرنا ؛ إذ مع اتفاقهما في الحكم فهو نافذ ولا مجال لإعمال الترجيح و المفروض تراضيهما على حكم المجموع بنحو التشريك، ومع اختلافهما فلا يكون حكمهما نافذاً وقاضي التحكيم انها يكتسب اعتباره من خلال اختيار المتنازعين ورضاهما فيتحدد بحدوده. لأن منشأ نفوذ حكمهما حسب الفرض هو تراضيهما بهما، وهما إنما رضيا بهما ليحكما في الدعوى

بنحو التشريك لا أن يقضي كل منهما بخلاف الآخر، فلايكون حكمها نافذاً بمعنى أنهما رضيا بالحكم الذي يتوافق عليه الحاكمان معاً. أما مع اختلافهما، بأن حكم كل منهما بما يخالف الآخر، فلم يرضيا بمثل هذا الحكم المختلف بهونتيجة ذلك سقوط حكمهما مع الاختلاف، فلا معنى لقوله بأن الحكم ما حكم به أفقهها.

على أن المقبولة تضمّنت الترجيح بالأفقهية، فهي تستبطن اعتبار اجتهاد الرجل، مع أنه على الصحيح لا يعتبر في قاضي التحكيم الاجتهاد.

ومن هنا يتضح أيضاً أن ماذكره المحقق العراقي وصاحب الرسائل الجديدة ومباني الاستنباط من أن مورد المقبولة الترجيح بالصفات في القاضي فقط، غير صحيح سواء قصد به قاضي التحكيم أم القاضي المنصوب، فلاحظ.

وأما الاحتمال الثالث - وهو أن يكون مورد المقبولة هو الترجيح بالصفات في الراوي كما يناسبه قوله: (وكلاهما اختلفا في حديثكم)، فهي تامر بالأخذ بالأعدل مثلاً من حيث إنه راو لا من بقية الجهات، والناس آنذاك كانوا يرجعون إلى الرواة لا لأنهم فقهاء وأصحاب دراية، بل لأنهم يروون أحكام الشرع عن الأئمة (عليهم السلام)، وبما أن الرواة في فرض المسألة قد اختلفوا في الرواية عنهم (عليهم السلام)، ولذا فالإمام (عليه السلام) يذكر مرجّحات الرواية، ولا ينافيه تكرر ورود كلمة (الحكم) فيها، ونسبة الحكم إليهما بقوله : فيما حكما)، «ولحكم ما حكم»، و«ما يحكم به» - فالحكم لا يختص ببابي الفتوى والقضاء، وإنما يستعمل فيما يعتقده الإنسان أيضاً كما قيل في باب القضايا: (إن القضية هي المشتملة على الحكم بالوقوع أو اللاوقوع)، أو يقال : فلان حكم بعدالة زيد) وعلى هذا الاحتمال فتدل الرواية على الترجيح في صفات الرواة في باب اختلاف الرواية، ولكن يلاحظ على هذا الاحتمال الثالث:

أولاً: أن المقبولة تأبى هذا الحمل ؛ حيث لا يتلام هذا المقطع بذلك مع سائر مقاطع المقبولة، لانها وردت في مورد الفقهاء لا الرواة. يناسب صدر الحديث المختص بالفقيه، وذلك لظهور قوله (عليه السلام): «ينظر من كان منكم ممن... فإني قد جعلته عليكم حاكما» في جعل الحكومة والقضاء بين الناس للفقهاء الذين نظروا في الحلال والحرام، وعرفوا أحكامهم، ولا يكفي فيه أن يكون راوياً فحسب دون نظر ودراية، وكذلك لا يتناسب مع ذيل الحديث وهو قوله (علیه السلام): «افقههما» الذي هو صريح في اعتبار الفقاهة فيه، ويعتبر في الفقاهة الدقة والعمق في فهمخصوصيات الكلام، والقدرة على الاستنباط، لا مجرد نقل الحديث، فكيف تحمل على الراوي فحسب؟

ثانياً: أن هذا الحمل ينافي ماورد في نسخة التهذيب منها قوله : (ان المفتيين غبي عليهما معرفة حكمه...) حيث عبّر بالمفتيين، وما ورد في نسخة الكافي (ان كان الفقيهان عرفا حكمه) وواضح بأن المفتي والفقيه غير الراوي. فهذا الاحتمال لا وجه له أيضاً وباطل، وإذا بطلت الاحتمالات الثلاثة.

تعين الاحتمال الرابع تفسيراً للمقبولة، ويكون مفادها رجوع كل واحد. المتنازعين إلى فقيه يعتقد بأعلميته لمجرد استفتائه واستعلام الحكم الشرعي الكلي منه، كما هو دأب عوام الشيعة منذ عصر الحضور حتى زماننا، حيث كانوا يرجعون إلى فقهائهم لتحصيل العلم بالأحكام الشرعية، فكان الشيعة يرجعون لهم في معرفة الأحكام الشرعية وترضى بما يفتي به الفقيه.

كما أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يرجعون الناس أحياناً إليهم أيضاً كما ورد بالنسبة إلى يونس بن عبدالرحمن وجاء في حقه: (وكان يشير إليه بالعلم والفتيا)؛

فالمراد بالعلم التدريس، والمراد بالفتيا: الرجوع لاخذ الأحكام الشرعية وإن كان بتطبيق أصل من الاصول المتلقاة منهم (عليهم السلام) على المورد لمقتضى قولهم (عليهم السلام): «علينا القاء الأصول وعليكم التفريع»، فيكون مورد الترجيح بالصفات في المقبولة هو الفقهاء في مقام الفتوى ولا تكون من مرجحات باب تعارض الروايات؛ لأنه قد يختلف الفقيهان ويتعارضان فيرجع لهذه المرجّحات في ترجيح احدهما على الآخر.

ولكن قد يعترض على هذا الاحتمال بأنه لا يتناسب مع صدر الحديث وذيله ؛ أما عدم تناسبه للصدر، فلأن الصدر يرتبط بباب القضاء والحكومة، فلابد أن يكون الكلام متفرعاً عليه حيث إنه في الصدر يتعرض لنصب القاضي، فيكون سؤال عمر بن حنظلة في الذيل : (فإن كان كل واحد منهما) متفرعاً عليه ومر و مرتبطاً به.

ولكن يجاب عن ذلك بأننا لو فسرناها بالفقهاء فإنّ التناسب سيكون ملحوظاً بينهما، فإن للفقهاء جهتين: الاولى: جهة الرجوع اليهم في الفتيا، ومثل هذا الأمر ليس جعلياً وليس خاضعاً للنصب، وإنما هو ارتكازي من باب رجوع الجاهل للعالم كما أن المسلمين منذ صدر الإسلام كانوا يرجعون إلى الفقهاء.

الثانية: منصب القضاء، وقد جعله الإمام (عليه السلام) للفقهاء في هذا الحديث.

وإنما أكد على وجود الجهتين في مقابل العامة حيث كانوا فاقدين لهما؛ لأنهم لم يكن لديهم الفقه الصحيح المستنبط من الكتاب والسنة الصحيحة، وكذلك لم يكونوا منصوبين ممن له حق النصب، وهو الإمام (عليه السلام). ومن هنا نهى عن الرجوع اليهم في صدر الحديث وجعل منصب القضاء الجميع فقهاء الشيعة، وعمر بن حنظلة من خلال الرواية التفت إلى انه عليه الرجوع لفقهاء الشيعة لكونهم فقهاء بمعنى أن

لديهم الفقه الصحيح، فيصح مراجعتهم في الشبهات الحكمية. والمفروض ان الشبهة في المورد حكمية رجع فيها كل من المتنازعين إلى فقيه للنظر فيها، كما كان ذلك ديدنهم في معرفة الأحكام الشرعية حيث كانوا يرجعون فيها إلى فقهائهم، والمفروض اختلاف الفقيهين اللذين رجع إليهما المتخاصمان في الفتوى في هذا المورد لأنه مع اتفاقهما فلا تخاصم، فسأل الإمام (عليه السلام) عن اختلاف الفقيهين.

والنصب الجديد لم يغنه عن السؤال؛ إما لأنه قد عُلّق على اختيار الشيعة لقاض حسب الاتجاه الثاني - وهو أمر لم يكن بالميسور آنذاك - أو لأنه يعتبر في القاضي في موارد الشبهات الحكمية أن تكون فتاواه حجّة، وهو الفقيه الجامع لشرائط التقليد. فهو يسأل عن اختلاف فقيهين اجتمعت فيهما شرائط التقليد في الفتوى وقد نشأ اختلافهما في الفتوى عن اختلافهما في الحديث، وكل فقيه رجع في فتواه الحديث يختلف عن حديث الآخر، وقد رجعا إليها لاستعلام فتواهما في المسألة حيث يتوقف رفع الاختلاف على معرفة ذلك؛ إذ ليس المورد من الشبهات الموضوعية كما هو الحال في صدر المقبولة. وكذلك أجاب (عليه السلام) عن اختلاف الفقيهين في الفتوى في مورد واحد، ومفاد الجواب عدم اعتبار فتوى غير الأعلم وغير الأورع في الجهات الدخيلة في الاستنباط عند تعارضهما مع فتوى الأعلم والأورع.

اما وجه عدم تناسبه للذيل، فلأن المعهود في مورد اختلاف المجتهدين في الفتوى ولم يكن لأحدهما مرجّح على الآخر هو الأخذ بأحوط القولين - على القول بالتساقط، أو التخيير في الأخذ بأي منهما - وليس المعهود أن يرجع المكلف إلى مستند فتوى الفقيهين ليرى أياً منهما قد أفتى بموجب الرواية المجمع عليها، فيأخذ به ويترك الشاذ غير المشهور بين الأصحاب.

وواضح ان اختيار الأحوط أو التخيير لا معنى له في موارد الخصومة، فكل من المتخاصمين يعلم ماهو الأحوط، ولا أقل من كونه هو الصلح، كما أن كلا منهما يختار ماهو الأنفع له فلا تنحل الخصومة بذلك.

اذن، فذيل الرواية دل على انه عند اختلاف المجتهدين على المترافعين الرجوع لمدارك المجتهدين والأحاديث التي اعتمدوها ليُرى أي منهما المرجح، لا انه يعمل بالاحتياط او التخيير الذي يمكن للعامي، اما الرجوع لمدارك الفقيهين فهذا مما لا يمكن للعامي. فحمل المقبولة على المجتهدين يعني إرجاع العوام للنظر في مدارك الفقهاء المختلفين.

ولكن يجاب عن ذلك أيضاً بأن الإمام (عليه السلام) لم يُرجع مسألة النظر في مدرك الفتويين إلى نفس المترافعين ليقال بأن ذلك ليس معهوداً عند الشيعة بل قال: «ينظر»، منبهاً على أنه في حالة اختلاف الفتويين لابد من الرجوع إلى شخص ثالث يمكنه النظر في مدرك الفتويين، وله القدرة على ترجيح أحدهما على الآخر بما يملكه من الإحاطة بروايات الأصحاب التي كان من الصعب الإحاطة بها آنذاك؛ فإن الجوامع الحديثية لم تكن في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) مدوّنة، بل كان لدى كل فقيه جملة من الروايات، ومادوّن من الأصول في تلك الفترة كان موجز أو كانت متفرقة ولم تكن مبوبة، بحيث يحيط الفقيه بكل ما في المسألة من روايات، كما هو الشأن في الكتب الأربعة وامثالها، وإنما دونت الجوامع الحديثية في زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) كمشيخة ابن محبوب، وجامع الآثار ليونس، ونوادر ابن أبي عمير، وغيرها.

وما دوّن منها وان كان موسعاً وشاملاً الا انه لم يكن منظماً ومبوبا بحيث يسهل على الفقيه تمييز المشهور من الشاذ منها كما عليه جوامعنا الحديثية اليوم. بالإضافة إلى

أنها لم تكن عند كل أحد، ومن أجل ذلك ذكر الإمام (عليه السلام) أنه لو اختلف الفقيهان اللذان رجع إليهما المتخاصمان في الحديث الذي هو المستند لفتواهما في هذه القضية المتنازعة حيث لم تنحل الخصومة بينهما مع هذا الاختلاف كما هو واضح فليسأل الشخص الثالث عن مدركها ومدى اعتباره، وتقديم أي منهما. ولابد أن يكون هذا الثالث الناظر في فتوى الفقيهين ومداركهما فقيهاً كبيراً محيطاً بهذه الروايات المتشتتة، قادراً على تمييز المشهور منها عن النادر، وله القدرة على معرفة الموافق منها للكتاب والسنة ومعرفة المخالف لهما بما نختاره في معنى الموافقة والمخالفة، ويكون أيضاً محيطاً بآراء العامة ليعرف الرواية المخالفة لهم والرواية الموافقة، بل ويكون عالماً بما حكامهم وقضاتهم إليه أميل، كما ورد في بعض فقرات المقبولة مثل هذا لابد أن يكون فقيهاً كبيراً متبحراً في الفقه، وهو الأعلم من الفقيهين اللذين اختلفا في حكم المسألة، فيجب الرجوع إليه لوجوب تقليد الأعلم وإن كان ذلك في خصوص المسألة المتنازع فيها. اذن ففي الذيل لم يرجع الامام (عليه السلام) للمترافعين، ليأتي الاشكال بعدم بعدم التناسب، وانما ارجع للثالث الناظر بمدارك الفقيهين، وان يكون الاعلم منهما، ليميز وليرجح احدهما على الاخر

فتبين بأن فصول الرواية مترابطة، وما ذكر من الترجيح بالصفات مجاله اختلاف الفتويين، ولا علاقة له بباب التعادل والتراجيح وصفات الراوي، بل ترتبط باب الاجتهاد والتقليد.

الفصل الثاني:

ما يتضمن الترجيح بالإجماع والشهرة، وهو قوله (عليه السلام) «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك ويؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك؛ فإن المجمع عليه لاريب فيه» وفي تفسير هذا المقطع من الرواية مسالك أربعة:

المسلك الأول - وهو المختار - وبيانه يتوقف على ذكر مقدمتين:

المقدمة الأولى: ذكرنا أن الأصل العقلائي في باب تعارض الأمارتين هو الأخذ بذي المزية الصارفة للريبة، الحاصلة من العلم إجمالاً بمخالفة إحدى الأمارتين للواقع منه إلى الأمارة الأخرى، بحيث لا يعد الأخذ به من الأخذ بالمشتبه، وليس قول الإمام (عليه السلام) في مجال الترجيح بالصفات: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما» إلا تطبيقاً لهذا الأصل العقلائي، فمتى كان أحد الفقيهين المختلفين في الفتوى أعلم من الآخر – أي أقدر على استنباط الأحكام منه في كل الجهات الدخيلة في عملية الاستنباط؛ من العلم بطرق إثبات صدور الرواية بما في ذلك علم الرجال وعلم الحديث بماله من الشؤون كمعرفة الكتب، ومعرفة الرواية المدسوسة بالاطلاع على دواعي الوضع التي مرّ ذكرها في فصل علل اختلاف الحديث، وكذا معرفة النسخ المختلفة، وتمييز الأصح عن غيره والخلط الواقع بين متن الحديث وكلام المصنفين ونحو ذلك، وكذا فهمه للمراد من النص بتشخيص القوانين العامة للمحاورة وخصوص طريقة الأئمة (عليهم السلام) في بيان الأحكام، والإحاطة بعلم الأصول والعلوم الأدبية، والاطلاع على أقوال من عاصرهم من فقهاء العامة، واستقامة نظره في مرحلة تفريع الفروع على الأصول، فمتى كان احد الفقيهين كذلك – فإن احتمال

إصابة الواقع في فتاواه سيكون أقوى من احتمالها في فتاوى غيره، وبالطبع فالريبة الحاصلة من العلم الإجمالي بالمخالفة ستنصرف إلى فتوى غيره.

وكذا إذا كان أحد الفقيهين أعدل بحيث لا يكون منطلقه في فتواه جلب منفعة أو دفع ضرر ومفسدة. أو كان أحدهم أورع من غيره في الفتوى بأن كان أكثر تثبتاً واحتياطاً في الجهات الدخيلة في الافتاء. اذن بناء العقلاء انه لو وجد مرجح يصرف الريبة من أحد الدليلين المتعارضين للآخر، فيعملون بذي المرجح، ولا يقبلون طرحه كالاخر، نعم مع التساوي يبنون على التساقط.

فنلاحظ أن الإمام (عليه السلام) يركّز على مرجّحات لو توفرت عند العقلاء أيضاً في غير مجال الفتوى لأخذوا برأي ذي الصفات باعتباره رأياً لا شبهة فيه بخلاف رأي الفاقد لها، ففي مجال الطب إذا تعارض رأي طبيبين في تشخيص مرض أو تعيين علاج مرض، وكان أحدهما أكثر خبرة وكفاءة في الطبّ من الآخر، أو كان أحدهما أكثر اهتماماً بخدمة الناس وأداءً لمهنته كطبيب حاذق من غيره، أو كان في تشخيصه أو تحديد العلاج أكثر تثبتاً واحتياطاً من الآخر، فلا ريب في أن تشخيصه وتحديده للعلاج مما يتعيّن الأخذ به عند العقلاء، ويكون الأخذ بتشخيص الآخر وعلاجه أخذاً بالمشتبه.

المقدمة الثانية: إن كلمة الريب في قوله (عليه السلام): «فإن المجمع عليه لا فيه»، لا تعني الشك وعدم العلم، كي يكون نفيه اى قوله: «لاريب فيه» بمعنى العلم والقطع، فليس هذا هو المقصود من أن المجمع عليه لاريب فيه. كيف، ويقابله الشاذ الذي يحتمل فيه ألا يكون هو المخالف للواقع أيضاً وإن كان الاحتمال أضعف؟

فالريب على ما يظهر من كلمات اللغويين والمفسرين أخص من الشك، فهو يعني التهمة وسوء الظن المستند إلى شاهد ودليل، كما يدلنا على ذلك قوله تعالى: (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) حيث قيّد الشك بكونه مريباً؛ ولذا لايقال في من لا يعرفه: إن فيه ريباً، بل إنما يأتي ذلك فيما إذا ساء الظنّ بشخص، وكان ذلك عن مستند أو شبه مستند، فالجملة المذكورة تعني بأن المجمع عليه لا يساء به الظن ولا تهمة فيه، بخلاف الشاذ فإن شذوذه دليل ومستند يوجب إساءة الظن به واتهامه بمخالفته للواقع. فالمعنى : ان تلك الريبة الحاصلة من العلم الاجمالي منصرفة من هذا الطرف للآخر، وليس معناه انه مقطوع الصحة والصدور، وهذا هو القانون العقلائي الذي ذكرناه.

ولاجل أن تتبلور الفكرة أكثر نذكر كلمات اللغويين في هذا المجال، مؤكدين على أنهم لا يستطيعون تبيان المعنى التحليلي الدقيق للكلمات، وإنما شأنهم في الغالب تفسير المعنى الحقيقي المعين بلوازمه وملزوماته كما ذكرناه في بحث حجية اللغوي، قال الزمخشري في الكشاف: (الريب): مصدر (رابني) إذا حصل فيك الشك. وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها، ومنه ما روى الحسن بن علي (عليه السلام) قال: «سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) يقول: دع ما يريبك إلى مالا يريبك، فإن الشك ريبة، وإن الصدق طمأنينة». فالنفس تسكن للصدق وتقلق فيما إذا كان الأمر مشكوكاً وتضطرب ولا تستقر).

وقال الراغب: (الريب: أن تتوهّم بالشيء أمراً ما فينكشف عما تتوهمه. قال اللّه تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ)، أو (فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) :

وفي مجمع البحرين حول قوله تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ) (الريب: مصدر راب يروبه) إذا حصل فيه الريبة وحقيقة الريبة : قلق النفس واضطرابها. والمعنى في وضوح دلالته لا ينبغي أن يُرتاب فيه).

وقال في مجمع البيان: (والريب الشك، وقيل هو أسوأ الشك، وهو مصدر (رابني) الشيء من فلان (يريبني)، إذا كنت مستيقناً منه بالريبة، فاذا اسأت به الظن ولم تستيقن بالريبة قلت: أرابني من فلان أمر. وأراب) الرجل إذا صار صاحب ريبة).

وقال في لسان العرب: (الريب: صرف الدهر، والريب والريبة الشك والظنة والتهمة).

إذن، يفهم من هذه الكلمات أن الريبة أو الريب هو سوء الظن المستند لكاشف ناقص، فاذا كان الريب وسوء الظن الحاصل من كاشف ناقص، فإن من منطبقاته و مصاديقه موارد العلم الإجمالي بمخالفة إحدى الأمارتين، للواقع؛ فإن هذا العلم الإجمالي الذي له نحو كاشفية بالنسبة إلى أطرافه يوجب وقوع الريبة في مؤدى كلتا الأمارتين بمعنى أن هذا العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع يوج يوجب سوء الظن بجميع أطرافه، فسوء الظن مستند إلى كاشف ناقص وهو العلم الإجمالي، فاذا وجدت ميزة في إحداهما صرفت سوء الظن والريبة عن أحد الأطراف، فإن العلم الإجمالي هذا ينحل ويصح أن يقال فيه بأنه لا ريب فيه، وإنما الريب في الطرف الآخر.

فالمجمع عليه والمشهور لا يحصل فيه الريب والاضطراب الناشئ من العلم الإجمالي بمخالفة احدهما للواقع وكأنه لا معارض له.

فإذا توضح ذلك يتبين أن قوله (عليه السلام): «فإن المجمع عليه لا ريب فيه» مسوق للإرشاد إلى هذه الكبرى الكلية مع الإشارة إلى بعض مصاديقها النوعية، ويكون مفاد الحديث: أنه متى تعارض خبران وحصلت الريبة في كل منهما بسبب العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع، فإنه يجب الأخذ بالمجمع عليه أو المشهور منهما، ولكن ذلك ليس الخصوصية فيهما، وإنما لكون الإجماع عليه أو اشتهاره مزية توجب صرف الريبة عنه إلى الخبر الآخر، فليس ترجيح المجمع عليه على الشاذ ترجيحاً تعبدياً، فيوجد علم إجمالي ببطلان أحد الطرفين، وهذا الاحتمال قوي لانه متقوم بالعلم وليس كالاحتمال في الشك البدوي. وهذه الرواية تقول: إن احتمال المخالفة في المجمع عليه ليس مقروناً بشاهد، وهو ضعيف جداً ولا يعتني به الانسان؛ لأنه مقرون بقرائن توجب تصديقه ولا يبقى مجال للقلق النفسي فيتوجه هذا الاحتمال والقلق وسوء الظن للطرف الآخر الذي يفقد هذه المزية فقوله (فان المجمع فيه لا ريب فيه) يعنى انه لا مبرر لان تعتبر المورد من الشبهات، وقد ذكرنا في بحثالبراءة ان المراد من الشبهة ما يشتبه فيه الحق والباطل اشتباه الحلال بالحرام فحسب، بل هنا الامر واضح، لانه مقرون بقرائن توجب صحته ونفي التحير واحتمال البطلان فيه، وبذلك يستهدف بيان نفس القانون العقلائي، وانه لو علمنا بمخالفة احد الطريقين للواقع اجمالاً. والعلم الاجمالي متقوم باحتمالين للبطلان فيهما قوة لدعمهما بالعلم الاجمالي، فلا بد من توفر مزية توجب ان يصل احتمال البطلان في احدهما إلى درجة من الضعف تقتضي صرف الريبة منه للآخر، فيصبح لا ريب فيه، بينما الآخر تتمثل فيه الريبة ومن هذا المنطلق لا نقول بتعبدية المرجّحات بل نتعدى منها لكل المرجّحات التي توجب صرف الريبة من احدهما للآخر

وتظهر الثمرة بين تعبدية الأمر بترجيح المجمع عليه وإرشاديته في الخبر المجمع عليه إذا كانت فيه ريبة وسوء ظن، ولكن من جهة أخرى، وسوء الظن مستند لشاهد و كاشف؛ فعلى القول بكونه مرجحاً تعبّدياً فإنه يتعيّن الأخذ به وإن كان الآخر مما لا ريب فيه، أما على القول بكونه إرشاداً إلى بناء العقلاء بترجيح ما تصرف عنه الريبة إلى الطرف الآخر، فإنه لا يشمل مثل هذا الخبر المجمع عليه، وذلك لأنه وإن كان مجمعا عليه ولكن توجد فيه ريبة ولا تنصرف الريبة عنه للآخر.

ومثاله العرفي: أنه لو أجمع الأطباء على تشخيص مرض معين وخالفهم طبيب واحد، واحتملنا خطأ المجمعين كلهم؛ إما لعدم امتلاكهم أجهزة ووسائل الكشف الكافية والمتطورة، أو لعامل آخر يشتركون فيه، بخلاف ذلك الطبيب المخالف لهم فإنه يملك الأجهزة أو يفقد ذلك العامل المشترك، فإنه لابد من الأخذ بتشخيصه دون هؤلاء؛ لأن الريبة لم تنصرف عنهم للاخر بل تركزت فيهم.

والمثال التطبيقي: له في الفقه أنه ورد في روايات كثيرة الأمر بالتقصير في مواضع التخيير الأربعة، وكان أكثر أصحابنا في الطبقة السادسة يأمرون بالتقصير فيها، ففى كامل الزيارات عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه قال: سألت أيوب بن نوح – وهو من وكلاء الأئمة – عن التقصير في هذه المشاهد، والذي روي فيها، فقال: (أنا أقصر، وكان صفوان يقصر وابن عمير وجميع أصحابنا يقصرون). وفي الصحيح عن علي بن مهزيار قال: (كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): إن الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين فمنها أن يأمر أن يتم الصلاة ولو صلاة واحدة، ومنها: أن يامر بالتقصير ما لم ينو مقام عشرة، ولم أزل على الإتمام فيهما إلى أن

صدرنا من حجنا في عامنا هذا فإن فقهاء اصحابنا أشاروا عليَّ بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة أيام فصرت إلى التقصير وقد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك...).

وهناك روايات، ولكن أقل عدداً منها، تدلّ على التخيير بين القصر والتمام في هذه المشاهد، فهنا نلاحظ أن روايات القصر مما أجمع عليه الأصحاب، ولكن روايات التخيير هي التي لاريب فيها، فلذا يتعيّن الأخذ بروايات التخيير وإن لم تكن مجمعاً عليها؛ لكونها لاريب فيها، فليس الترجيح بالإجماع تعبدياً.

وكيف كان فنحن لانرى أن الترجيح يدور مدار صدق عنوان المجمع عليه من الخبرين، بل العبرة بكون الشهرة والإجماع مما يورث الاطمئنان والوثوق بعدم المخالفة للواقع، ويكونان صارفين للريبة الحاصلة من العلم الإجمالي بالمخالفة للواقع.

والحاصل أن المدار في الترجيح في باب التعارض إنما هو صرف الريبة عن الخبر الراجح؛ سواء تحقق ذلك بالإجماع والشهرة، أو بمخالفته للعامة، أو بغيرهما. ولابد من ملاحظة منشأ الريبة فيهما، فإن كان العلم الاجمالي موجباً للريبة في الصدور بأن علمنا إجمالاً بعدم صدور أحد الخبرين المتعارضين عن المعصوم. ولكن لا نميزه بشخصه، فلابد من تحصيل المرجّح الصدوري والسندي بأن يوجب صرف الريبة عن السند والصدور من أحدهما للآخر، وأما إذا علمنا إجمالاً بعدم صدور أحدهما لبيان الحكم الواقعي الجدّي وإنما صدر للتقيّة مثلاً وإن أحرزنا صدر وهما، فهنا لابد من تحصيل المرجّح الجهتي كمخالفة العامة مثلاً بأن يوجب صرف الريبة عن أحدهما بالنسبة للآخر من حيث الجهة.

ومن هنا ذكرنا في بحث التعدّي عن المرجّحات المنصوصة أن الحق ما عليه الشيخ الأنصاري من التعدّي عنها، لا اختصاص الترجيح بالمنصوص فقط؛ وفاقاً للمشهور

الذين ذهبوا للتعدّي أيضاً، ولكن الفرق بيننا وبينهم أنهم يرون كفاية الترجيح بكل ما يوجب القرب إلى الواقع وإن لم يوجب صرف الريبة عن الخبر المشتمل على المرجّح، بمعنى أنه يتعدّى لكلّ مرجح يوجب أقربية الخبر للواقع بالنسبة للآخر وإن لم يبلغ لهذه الدرجة، وأما نحن فنرى أنه يعتبر في الترجيح أن يشتمل الخبر الراجح على مزية توجب صرف الريبة عنه للخبر الآخر، بحيث يبقى كأنه لا معارض له حسب القانون العقلائي الذي ذكرناه، فنتعدى لكل مرجّح يوجب صرف الريبة، لا أن الملاك في الترجيح هو الأقربية للواقع.

فتبين مما ذكرنا التفسير المختار للحديث، فما يأتي من النزاع في المسالك الآتية في تفسير الحديث من أن المراد بالإجماع والشهرة أهو في الرواية أو في الفتوى لا أثر له في البحث؛ فإن المدار على هذا المسلك في ما يوجب صرف الريبة. فاذا كانت الريبة من حيث الجهة - أي العلم إجمالاً بعدم صدور إحدهما لبيان الحكم الواقعي الجدي بل للتقية - فالذي ينفيها هو الشهرة الفتوائية، فتكون هي المرجح لإحدهما على الآخر؛ وذلك لضعف احتمال التقية ممن هم بطانة الأئمة وخواصهم، في حين أن الخبر النادر فتوى يقوى فيه احتمال التقية. وإن كانت الريبة من جهة صدور الحديث من الأئمة، فالذي يزيلها هو الشهرة الروائية؛ فإن الخبر الذي يشتهر روايته ونقله عند الأصحاب ومشهورهم، يشتمل على قوة الصدور ويرجّح صدوره على الخبر الذي يندر نقله منهم.

وعلى ضوء ذلك يتضح أن نفي الريب في كلامه (عليه السلام) أمر واقعي وحقيقي لاتعبدي، بأن يحصل وجداناً - من خلال هذه المرجّحات الصدورية أو

الجهتية - نفي الريب عن أحدهما للآخر، ولكن المراد من الريب: هو وجود شاهد ناقص على المخالفة وهو العلم الإجمالي بها.

المسلك الثاني - وذهب إليه بعض الأعاظم - وهو أن هذا الفصل من الرواية يشير إلى شرط من شروط حجيّة خبر الواحد الظنّي الصدور، وهو ألا يكون معارضاً لما هو مقطوع الصدور من كتاب أو سنة تعارضاً مستقراً، فهو نظير ما جاء من الروايات، التي تضمنت لزوم طرح الروايات المخالفة للكتاب والسنة القطعية صدوراً، فكل رواية رأيناها مخالفة للكتاب والسنة القطعيّي الصدور كالخبر المتواتر، فيلزم طرح تلك الرواية وعدم حجيتها فهذه الرواية لا تشير لكبرى عقلائية أو ارتكازية معروفة، بل إلى امر تعبدي يفهم من هذه الرواية وامثالها. وانه يعتبر في حجية ظني السند ان لا يتعارض مع قطعي السند. ولا يقصد بالسنة فيها خصوص الحديث النبوي، بل فعل المعصوم وقوله وتقريره، مما هو قطعي صدوراً كما لو كان متواتراً اتفق الكثير على روايته فيقطع بصدوره سنداً فاذا عارض الحديث مثل هذه السنة القطعية الصدور وجب إلغاؤه وطرحه. وفي المقبولة يقصد بالضمير في «المجمع عليه» هو صدوره - أي الاتفاق والاجماع على روايته - «و لا ريب فيه» هو القطعي والمقطوع به صدوراً وفي مقابلة الشاذ النادر الذي يعنى عدم القطع بصدوره، فيكون مفاده أن الحديث الذي رواه عامة الأصحاب إلا الشاذ منهم يكون مقطوع الصدور سنداً وإن كان في دلالته أو جهة صدوره ريب.

قال في مباني الاستنباط: (إن المراد بالمجمع عليه ليس هو المشهور المصطلح، بل المراد به: هو الخبر الذي رواه جميع الأصحاب حتى صار بحيث لا شك في صدوره عن المعصوم (عليه السلام)، ولذا جعله (عليه السلام) مما لاريب فيه بقوله: «فإن

المجمع عليه لاريب فيه»، وحكم بوجوب اتباعه، حيث طبق (الأمر بين الرشد) عليه بقوله: «إنما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد حكمه إلى اللّه» فلو كان المراد به المشهور الاصطلاحي لم يكن وجه لتطبيق (الأمر بين الرشد عليه)، فيكون الخبر المذكور حينئذ من السنة القطعية، إذ ليس المراد بالسنة خصوص الخبر الذي يعلم بصدوره عن النبي (صلى اللّه عليه وآله)، بل المراد به مطلق الخبر المقطوع صدوره عن المعصوم (عليه السلام)، فيسقط الخبر الشاذ المعارض له عن الحجية رأساً؛ لكونه مخالفاً للسنة القطعية.

وعلى هذا تكون الرواية ناظرة إلى تمييز الحجة عن اللاحجة دون ترجيح أحد المتعارضين على الآخر بالشهرة فلا تكون مرتبطة بباب المرجّحات، الذي يعتمد على ان يكون كلا الخبرين حجة، ولا ينافي ما ذكرناه فرض الراوي الشهرة في كل واحد من الروايتين ؛ إذ المراد بها - كما ذكرنا - ليست الشهرة المصطلحة بل المراد بها : الوضوح والظهور كما في اللغة، ومنه قولهم (شهر فلان سيفه) و(سيف شاهر) أي واضح ظاهر. فالمراد بكون كل واحدة من الروايتين مشهورة: كونها بحيث قد رواهما الجميع فصارتا واضحتين وظاهرتين بين الأصحاب بحيث لا يشكّ أحد في صدورهما عن المعصوم (عليه السلام)).

ومن المظنون أن ما ذكره من كون المراد بالمجمع عليه: رواية الجميع له لعل فيه مسامحة في التعبير، وإلا فافتراض نقل جميع أصحاب الأئمة لحديث لا يعدو الوهم والخيال؛ فإنه كيف يمكن فرض إجماع أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) الذين أحصاهم ابن عقدة أربعة آلاف، واستدرك عليه ابن نوح مع تفرقهم في أرجاء المعمورة، فكيف يتفق هؤلاء جميعاً على رواية واحدة يروونها جميعاً. وعلى تقدير إمكان

ذلك فكيف يمكن افتراض علم عمر بن حنظلة أو غيره بذلك، ليتبعه ويترك مخالفه، وخاصة في ذلك الزمانإذ لم تكن مستلزمات ووسائل هذا العلم بجميع الرروايات والرواة متوفرة آنذاك، مع ملاحظة أن الرواة - بل حتى الفقهاء منهم - كانوا يمتلكون بعض الأصول لا جميعها، ولم تكن الاصول مبوبة، بالاضافة لما ذكرناه من تفرّق الرواة في البلدان؟

إذن، فلابد أن يكون المقصود بالمجمع عليه : هو اتفاق جماعة معتد بهم من الأصحاب على روايته بحيث يوجب نقلهم الاطمئنان والوثوق بصدوره من المعصوم، من أنه إذا نقل عشرة من اصحاب الأئمة (عليهم السلام) رواية عن المعصوم مع اختلاف مسالكهم وأذواقهم فإنه يورث الاطمئنان بصدوره منه (عليه السلام) عادة. اذن فالمراد من المجمع عليه هو الوثوق به، لا القطع، ولعل السائل فهم الوثوق لا القطع منه، لقوله (قد رواهما الثقات عنكم)، وان الشهرة تعني رواية الثقات عنكم بما يوجب الوثوق بالصدور.

ثم إن الوارد في المقبولة هو «بين أصحابك»، وهذا التعبير لا يستظهر منه رواية جميع أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) له بل الظاهر منه أصحاب عمر بن حنظلة. والملاحظ أن عمر بن حنظلة لم يكن معاشراً لهم جميعاً، وغاية ما يمكن تصوّره أن يكون معاشراً لعشرة أو خمسة عشر منهم، بحيث يصدق عليهم أنهم أصحابهو حمله على القطعي، لا يتلاءم مع قوله بعد ذلك (فان كان الخبران مشهورين وقد رواهما الثقات عنكم)، إذ ان افتراض وجود خبرين مشهورين بهذا المعنى من الشهرة مع كونها متعارضين، افتراض موهوم، إذ كيف يروى جميع الاصح خبرين متعارضين.

ومع ذلك يشكل على هذا المسلك:

أولاً - الإمام (عليه السلام) بقوله: «فإن المجمع عليه لاريب فيه» يستهدف تعليل حكمه بلزوم الأخذ بما اشتهر نقله بين أصحابه، والتعليل لابد أن يكون بأمر ثابت واضح إما عقلائياً أو شرعياً؛ لأنه من قبيل الواسطة في الإثبات فإما أن يكون من الكبريات والقواعد العقلائية بحيث يلتفت إليها عامة العقلاء، أو من القواعد الشرعية البديهية والقطعية الواضحة عند جميع المتشرعة، وإلا فالتعليل بأمر تعبدي خفي لغو بحيث تكون هذه الرواية وامثالها مبينة لهذا التعليل، فهذا مما لا يصح القليل به، فلو كان المراد من المجمع عليه ولا ريب فيه ما ذكره، لكان التعليل به لغواً باعتباره تعليلاً بامر تعبدي خفي يراد إثباته وتوضيحه للناس بنفس الرواية أو بروايات تأتي بعد ذلك.

فإن قلت ان طرح ما خالف الكتاب والسنة كان من القواعد الشرعية الواضحة عند المتشرعة، ولاشك أن المجمع عليه من قبيل الكتاب والسنة، والمخالف له يلزم طرحه؛ وذلك لأن الروايات الآمرة بطرح ما خالف كتاب اللّه والسنة كثيرة ومعروفة عندهم، فالتعليل المذكور في هذه الرواية المقبولة يشير إلى هذه الروايات والكبرى المعروفة عندهم، وهي طرح ماخالف الكتاب والسنة، فلايكون تعليلاً بأمر خفي.

فنقول: إن مورد روايات الطرح هو الحكم الواقعي الشرعي الجدي، ويلزم طرح كل حكم يخالفه، في حين أن مورد المقبولة على رأيه الكلام القطعي الصدور وإن لم يكن صادراً لبيان الحكم الواقعي جداً؛ إذ ربما صدر للتقية.

إذن، فروايات الطرح لاعلاقة لها بموردنا، ولا تدل على لزوم طرح ما خالف كلاماً صادراً من المعصوم قطعاً وإن لم يكن مراداً جداً بل المراد بها لزوم طرح ماخالف

حكم اللّه وحكم الرسول، فهي تعني طرح ماخالف الحكم القطعي لا الكلام القطعي الصدور وإن لم يكن مراداً جداً. وبعبارة أخرى إن الأحاديث التي أمرت بطرح ما خالف الكتاب والسنة تشير إلى حقيقة أن الأئمة (عليهم السلام) لا يصدر منهم ما يدلّ على هدم ما بناه الإسلام أو بناء ما هدمه الإسلام من السنن الجاهلية، أما الروايات الآمرة بالأخذ بما وافق الكتاب والسنة فإن المراد بالموافقة فيها: الموافقة الروحية، وسيأتي بيانها.

على أنه لم يثبت قطعية الروايات حتى عند الشخص الذي سمع الرواية من الإمام، ولذلك نجد أن الكثير من أصحابنا إذا ماسمعوا بأنفسهم رواية من الإمام ثم عرضوها على فقهاء أصحابنا فإن أبدوا فيها شكاً لم يأخذوا بها.

وثانياً: أن تفسير الحديث بذلك - أي بالكلام القطعي الصدور – لا يتناسب مع بقية مقاطع الحديث التي تدل على إرادة الحكم القطعي الواقعي لا الكلام القطعي وإن لم يكن مراداً جداً، أمثال قوله بعد هذه العبارة: «أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد حكمه إلى اللّه عز وجل وإلى الرسول». ومن الواضح أن المراد من البين رشده: هو الحكم لا الظاهر الصادر قطعاً وإن لم يكن مراداً جداً.

وكذلك قوله بعد ذلك: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله): حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك». والمقصود منها: ما يتضمنه الخبر من الحكم، وإلا فمجرد صدور الخبر من المعصوم قطعاً لا يقتضي أن يكون الشيء حلالاً بيناً شرعاً، فربما لم يكن المقطوع الصدور لبيان الحكم الواقعي الجدي، أو كان فيه جهات ضعف اخرى من حيث الظهور والدلالة.

ومن الواضح أن القصد من ذكر هذين الأصلين هو إدخال «المجمع عليه» تحت ماهو «بين»، فالمراد من قوله (عليه السلام) لاريب فيه هو نفس ما عبر عنه في هذين الاصلين بـ«البيّن» هو الحكم والمدلول لا الظاهر وإن لم يكن مراداً جداً، فالمراد منه : الحكم البين لا الرواية المقطوعة الصدور.

وكذلك ماورد في ذيل الحديث : «فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»، والمراد من الشبهة - كما ذكرناه في بحث أصالة البراءة -: أنها قد تطلق على اشتباه الحق بالباطل كما هو المراد بهاهنا، وقد تطلق على اشتباه الحلال بالحرام. ومن الواضح أن اتصاف الكلام بالحق أو الباطل لا يكون بمجرد القطع بصدوره، بل لابد من ملاحظة الجهة والدلالة أيضاً، كما أن ظاهر قوله (عليه السلام): «فإن المجمع عليه لاريب فيه» هو نفي الريب عنه من جميع الجهات لامن حيث الصدور فقط.

فهذا المسلك يبتني على أن المراد من المجمع عليه ولاريب: هو الكلام القطعي الصدور فقط دون ملاحظة القطع من حيث الجهة والدلالة، وهو غير تام، كما أن ظاهر قوله (عليه السلام): «فإن المجمع عليه لاريب فيه» هو نفي الريب عنه من جميع الجهات لا من حيث الصدور فقط، فهذا المسلك غير تام.

المسلك الثالث : ما يستفاد من كلمات المحقق البروجردي كما تلقيناه منه في درسه، وملخصه أن الجملة تدلّ على حجية الشهرة في الفتوى وإن كانت مجردة عن الرواية، ويصطلح عليها بـ (الشهرة الفتوائية)، وليست ناظرة إلى الشهرة في الرواية، فإن الالف واللام في قوله: «فإن المجمع عليه» موصولية، والموصول لا يتعين إلا بصلته، وهي مدخولها، والمتصوّر فيه الحكم؛ لأنه اشمل من الرواية، فالفتوى قد لا تستند إلى

رواية. فالمراد: الفتوى والحكم الذي أجمع عليه، وهو الذي لاريب فيهاي اعتبر حجة، وليس المراد أن الرواية المجمع عليها هي التي لاريب فيها.

والمراد من المجمع عليه: اشتهاره لا اتفاق الجميع، كما يقال: أجمع الأطباء على كذا فإنه يقصد به عادة أن الأكثرية عليه ولا يعني السؤال من جميع الأطباء، ومراجعة كل طبيب المعرفة تشخيصه.

فالرواية إذن في مقام إلغاء احتمال الخلاف تعبداً عما اشتهر فتوى، فهي في مقام بيان حجية الشهرة الفتوائية لا الشهرة الروائية.

وتفصيل الجواب عنه في بحث الشهرة وإجمال الحديث هنا أنه يمكن الإشكال على هذا المسلك بوجوه.

الوجه الأول: أنه يبتني على كون (ال) في قوله: «فإن المجمع عليه» موصول، ولكن ذلك غير متعين، بل الأظهر أن تكون (ال) للعهد ؛ لأن الرواية قبل هذه الجملة ذكرت لفظ «المجمع عليه» في قوله : (ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك). فيلاحظ أن ماذكر سابقاً هو لفظ الرواية لا الفتوى والحكم، والجملة تعليل للأمر بالأخذ بالمجمع عليه المذكور في الجملة السابقة، والمراد من «المجمع عليه» الذي أمر به سابقاً: هو الرواية، فيكون المقصود منه هنا أيضاً الرواية «المجمع عليه» بحسب العهد الذكري.

الوجه الثاني: على تقدير أنه موصول فإن تعين الموصول لا يجب أن يكون بالصلة فحسب بل قد يتعين بالقرائن الحافة بالكلام، وفي الرواية قرائن تصلح أن تكون دليلاً على أن المراد الرواية المجمع عليها، أمثال قوله : (فإن كان الخبران عنكم قد رواهما

الثقات عنكم)، وقوله : «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك»، حيث تدل على أن موردها الروايتان المتعارضتان، وغيرها من القرائن تفيد أن المقصود هو الرواية المجمع على نقلها، لا مجرد اشتهار الحكم، فإنه جعل الخبر موصوفاً للشهرة، إضافة إلى أنه فسر المشهور بقوله: (قد رواهما الثقات عنكم)، وكلها قرائن على إرادة الخبر والرواية، وإلا لو كان الحديث عن الحكم المشتهر لكان ضم الخبر إليه من قبيل ضم الحجر إلى الإنسان، ولا موجب لذكر الخبر والرواية في المقبولة.

إذن، فجعل الموصول كناية عن الحكم في غير محله. واما البحث عن الشهرة الفتوائية وانها حجة أم لا، فهذا نبحث عنه في بحث الشهرة.

الوجه الثالث: إن كان الاعتبار بالشهرة في الفتوى لم يكن وجه للتأكيد على مستند الحاكمين، أي الرواية التي استند إليها الفقيه الحاكم في حكمه، وكان المناسب أن يركز على الحكم بالذات فيقول: (ينظر في ذلك الحكم المجمع)، ولا موجب للاهتمام بالرواية التي هي الحاكم في حكمه.

الوجه الرابع: أن ظاهر التعليل في قوله: «إن المجمع عليه لا ريب فيه» أنه تعليل بأمر ارتكازي لا تعبدي، ولو تم ما ذكر لكان تعليلاً بأمر تعبدي؛ لأن حجية الشهرة الفتوائية ليست أمراً مرتكزاً، ولذلك كان المعروف بين العامة والخاصة عدم حجيتها كما ذكره الشيخ في رسائله.

المسلك الرابع: مايستفاد من كلمات المحقق البروجردي أيضاً وقد ذكره على تقدير التنزل عن المسلك السابق، وأنه لو سلّمنا أن المراد بالمجمع عليه: هو الخبر إلا إن المراد

من الجملة هو حجية الشهرة في الفتوى من الرواية، فإن المراد من الإجماع هو الشهرة، وذلك لأن الخبر المجمع عليه فيه حيثيتان: حيثية نقل الكلام، وحيثية الحكم الذي يشتمل عليه الخبر. واتصاف الخبر بكونه مجمعاً عليه كما يحتمل أنه بلحاظ نقله أي الشهرة الروائية، والرواية المشهور نقلها بين الاصحاب وان لم يفتوا على طبقها فكذلك يحتمل أن يكون بلحاظ الاعتماد عليه والفتوى به فليس المراد من الرواية لحاظ نقلها من المعصوم، بل بلحاظ اشتمالها على رأي المعصوم لا الخصوصية في النقل، بل رأيه والاتفاق عليه.

وورود الكبرى اي جملة «فإن المجمع عليه لاريب فيه» في مقام التعليل يعين الاحتمال الثاني، فإنه وإن لم يكن ارتكازياً بل إنما يثبت بالتعبد لكن لابد من التحفظ على مناسبة الحكم للموضوع، فان الكبرى إذا وردت في مقام التعليل، فاذا لم تكن ارتكازية عقلية أو عقلائية أو من البديهيات الشرعية، ولكن على الاقل ان يوجد تناسب بين الموضوع والمحمول، بحيث لو رتب الحكم على الموضوع فيرى العقلاء التناسب بينهما واقتضاء الموضوع لهذا الحكم ونفي الريب لا يتناسب مع نقل الرواية فقط وان كان النقل مشهوراً دون الفتوى عليه، من دون اعتماد عليها، فإنه لو فرض وجود خبر اشتهر نقله، بأن نقله أكثر من واحد من الرواة ولكن لم يعمل به أحد، فلا يكون خبراً لاريب فيه، وإنما يكون الخبر مما لاريب فيه إذا عمل العلماء بمضمونه وأفتوا بهاذن فالرواية لاتناسب الشهرة الروائية. بل إن اشتهار نقل الرواية من دون الاعتماد عليها يزيدها ريباً ؛ لذلك فإنه حتى لو اشتهر نقل رواية عن شخص ولكن بطانته وخواصه أعرضوا عنها، فهذا الإعراض يوجب الريبة في مضمونها، ولذا قيل بان الخبر كلما ازداد صحة ازداد بالاعراض عنه ضعفاً. فالشهرة الروائية إنما تنفي

الريب من جهة الصدور فحسب، مع أن المراد من الحديث نفي الريب جهة ومضموناً بالإضافة للصدور ؛ لقوله (عليه السلام): «فيؤخذ به من حكمنا» وهو يناسب الشهرة الفتوائية.

وعلى ضوئه فيكون المراد من قوله: «فإن المجمع عليه لاريب فيه» : أن الخبر المفتى به حجة، والشاذ الذي لم يعمل به لا يكون حجة، بمعنى أن الرواية التي لم يفت بها المشهور معرض عنها وهي لا يعتمد عليها. ولاغرابة في الإفتاء بالخبر، حيث كان المعهود فيما بين القدماء الفتوى بلفظ الخبر، بمعنى أنهم في كتبهم الفقهية، وخاصة كتب الفتوى المجردة عن الاستدلال، حينما يذكرون المسألة الفقهية يذكرون نص الرواية وعبارتها، لا أنهم يذكرون فيها عباراتهم. ومن هنا قيل – كما في الرسائل: إن الأصحاب ينزلون فتاوى علي بن بابويه منزلة روايته؛ لأن رسالته مشتملة على نصوص الروايات ومتونها مع حذف السند.

وفي خطبة المبسوط يشكو الشيخ الطوسي أهل عصره بأنه كان يقصد تصنيف كتاب مفصل يعبر فيه بتعبيراته لابمتون الروايات، ولكن الطائفة يصعب عليها التعدّي في الفتوى عن لفظ الحديث ومضمونه، فيكون المراد هو اشتهار الحديث بالفتوى به.

فيعلم من هذه الشواهد أن فتاواهم كانت رواياتهم، فإذا قيل: إن الخبر مجمع عليه، فيعني أن الفتوى مجمع عليها. قال بعض الأعاظم على ما في الرسائل (بل لو دل دليل على وجوب الأخذ به بالرواية التي اشتهر روايتها وترك الشاذ رواية، فإنه لايدل على الاشتهار بحسب الرواية فحسب دون الفتوى؛ لأن المرسوم المتعارف لدى القدماء إنما

هو نقل الرواية في مقام الفتوى، وكأن متون الرويات فتاواهم، فنقل الرواية وشهرتها مساوقة للشهرة الفتوائية).

وهذا يعني أنه إذا صرح بلزوم الأخذ بالرواية المشهورة فليس المراد: الأخذ بالرواية التي اشتهر نقلها بين الأصحاب، بل المراد اشتهار الفتوى. هذا تقريب لرأي السيد البروجردي مع اضافات للتقريب منا:

ويمكن المناقشة في هذا المسلك ؛ فإن ظاهر «المجمع عليه» و«المشهور» حينما يجعلان وصفاً للرواية لا الفتوى؛ وذلك لأن اعتبار «المجمع عليه» و«المشهور» وصفين للفتوى أو الحكم الذي تتضمنه الرواية لانفس الرواية من قبيل وصف الشيء بحال متعلّقه، وهو من المجاز في الإسناد لا يصار إليه إلا بقرينة فان ظاهر وصف الشيء هو وصفه بحال نفسه لا بحال متعلقه، فنفس الرواية لا بد ان تكون مشهورة، لا ان مفادها ان الرواية لا تمتلك شهرة واستفاضة وانما الفتوى بها مشهورة، فالحمل على هذا يكون من الاسناد المجازي لا يصار اليه الا بقرينة، وما ذكر قرينة ودليلاً على إرادته غير تام، ولا يمكن الاعتماد عليه؛ فإنه ذكر لذلك دليلان و قرینتان :

الدليل الأول: أن القرينة على إرجاع الوصف للمتعلّق هو مناسبة المحمول للموضوع، ومقتضى لزوم وجود التناسب بين المحمول وهو «لاريب فيه»، والموضوع وهو «المجمع عليه» يفرض أن يكون الموضوع هو الفتوى المجمع عليها لا الرواية بالذات، فتكون هي الموصوف؛ لأن ما يناسب الإجماع بين العلماء أو الشهرة هو مضمون الرواية وحكمها لانفسها.

وفيه أن التعليل بأمر تعبدي على أساس التناسب بين الموضوع والحكم إنما يقع في مرحلة لاحقة ومتأخرة رتبة عن التعليل بأمر ارتكازي عقلائي أو بديهي شرعاً، فإذا أمكن التعليل بالمرحلة الأولى - وهي الأمر الارتكازي أو البديهي الشرعي – لا تصل النوبة للتعليل بأمر تعبدي ناشئ من مجرد التناسب بين الموضوع والمحمول، مثل (اکرم العالم) ؛ فإن الأخذ به لو لم توجد هناك كبرى ارتكازية يمكن التعليل بها. وقد ذكرنا في بيان المسلك الأول أن القضية المذكورة تشير إلى حقيقة ارتكازية وقد اعترف بها العامة والخاصة واتفق عليها الاصوليون منهم، وسيأتي بيانه في مبحث التعدي عن المرجّحات المنصوصة. سوى البعض الشاذ من المتأخرين، وهي تعين العمل عند العقلاء بذي المزية الصارفة للريب منه إلى الآخر.

ومع إمكان التعليل بالكبرى الارتكازية لايصل الدور إلى التعليل بالأمر التعبدي، ومن الواضح أن هذا ينسجم مع كون «المجمع عليه» و «والمشهور» وصفين للرواية بالذات؛ لأنه الأمر الارتكازي.

ومع التنزل عن ذلك، فإن قوله لاريب فيه أي أن العلة التعبدية كما تتناسب مع الفتوى تتناسب مع الرواية أيضاً إذا كانت صحيحة ومعمولاً بها، فأيضاً يصدق عليها لاريب فلا وجه لحصر عدم الريب بالفتوى؛ وذلك لأن التناسب الذي هو شرط التعليل بالأمر التعبدي موجود حتى مع كون الموضوع هو الرواية المشهورة أو الفتوى كذلك؛ لما سيأتي أن الشهرة والإجماع أيضاً يوجبان قوة الخبر صدوراً وجهة، ويوجبان عدم الريب جداً في الخبر.

أما الشهرة الروائية فدلالتها على قوة صدور الرواية عن المعصوم واضحة وكذلك دلالتها على تقوية الجهة - أي صدورها لبيان الحكم الواقعي – لما ذكرناه

سابقاً من أن الروايات التي كانت تنقل عادة مما يؤخذ بها ويعمل بها، وأما ماكان يصدر تقية فإنهم لم ينقلوه لعدم الحاجة العملية في نقله. فاشتهار نقل حديث يدلّ بنفسه على كون صدوره لأجل بيان الحكم الواقعي، فإذا اشتهر نقل رواية عند الأصحاب فلا يكون ذلك إلا إذا احرز صدورها، وكذلك أحرز عدم التقية فيها، وأما إذا لم يحرز صدورها ولم يحرز كونها لبيان الحكم الواقعي، بل كان للتقية مثلاً، فلا يشتهر نقلها عندهم، إذا فالشهرة الروائية موجب لقوة الصدور والجهة وموجبة لعدم الريب في الخبر.

وأما الشهرة الفتوائية فدلالتها على صدور الرواية لأجل بيان الحكم الواقعي واضحة؛ لما ذكرنا من أن المشهور فتوى مما لا ريب فيه؛ إذ لا يحتمل أن يتقي الإمام (عليه السلام) من بطانته وخاصته، وكذا دلالتها على صدور الرواية من المعصوم.

نعم، تختلف الشهرة الروائية عن الفتوائية في ان العناية والنظر فيها إلى اثبات الانتساب والصدور اكثر في حين ان العناية في الفتوائية متجهة إلى إثبات جهة الصدور وكونها صادرة لبيان الحكم الواقعي أكثر ؛ ولذلك نلاحظ أن الأصحاب كانوا إذا سمعوا رواية على خلاف ما أفتى به الفقهاء الشيعة فانهم يحملونها على القية. فظهر أن كلتا الشهرتين مما تؤدي لصرف الريبة عن الخبر، فالتناسب المطلوب وعدم الريب موجود على كلا التقديرين لا على خصوص تقدير إرادة الشهرة الفتوائية فقط.

الدليل الثاني: أن فتاوى الأصحاب آنذاك كانت هي رواياتهم، ورواياتهم هي فتاواهم، ومن هنا قيل بأن الأصحاب يُنزلون فتاوى علي بن بابويه منزلة روايته، وذكرنا عبارة الشيخ الطوسي في خطبة المبسوط وفيها أن الطائفة يصعب عليهم إذا ما تعدت الفتوى لفظ الحديث ومضمونه، وقد ذكرنا في بحث الإجماع أن الشيخ كان

يدعي إجماع الأصحاب لمجرد وجود رواية في كتبهم، كل ذلك يكشف عن أن المراد من الرواية المجمع عليها : الاتفاق على الفتوى، لا مجرد الرواية والنقل.

ولكن يلاحظ عليه أن غاية مايدل عليه الشاهدان الأولان هو أن الإفتاء بمتون الروايات كانت طريقة جماعة من الأصحاب في الثلث الأول من القرن الرابع، وهو عهد ابن بابويه المتوفى سنة (329)، والنصف الأول من القرن الخامس، وهو زمن الشيخ الطوسي، ولكن ذلك لا يجيز لنا أن ننسب ذلك إلى جميع الأصحاب والعلماء وفي جميع الازمنة، ولو كانت هذه الفكرة شاملة لم يخص ابن بابويه بذلك في الذكر وإنما ينسب لغيره أيضاً من فقهاء الأصحاب مثل يونس بن عبدالرحمن والفضل بن شاذان وأمثالهما، والمقبولة إنما هي في النصف الأوّل من القرن الثاني عصر - صدور الحديث المذكور، فهل كان أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) كذلك؟

وفي الواقع أنه لا شاهد على ذلكوان القدماء يفتون بمتون الروايات، بل إن الشواهد تدل على خلافه؛ وانهم انما يصدرون فتاواهم على اساس الاستنباط ومن باب علينا القاء الاصول وعليكم التفريع، وخاصة مع عدم تدوين الروايات آنذاك تدوينا مبوبا، يوجب الاحاطة بها ليفتوا بمتونها، او انهم يقيسون مضمون الروايات بشواهد الكتاب والسنة، اذن فقد كانوا مهمتين بتفريع الفروع عن الأصول التي استقوها من الأئمة (عليهم السلام)، وهذا يستلزم عدم التقيد بمتون الروايات، ومن هنا فقد نُسبوا من قبل معاصريهم المتقيدين بالأخبار إلى القياس، كما يظهر ذلك من مراجعة كتاب الارث من الكافي والتهذيب والفقيه ؛ وليس المراد منه القياس المصطلح بل مقايسة الروايات مضمونياً مع الكتاب او السنة القطعية او الاعتماد على الاستنباط في تفريع الفروع على الاصول وامثالها، في مقابل الذين يأخذون بكل

حدیث بدون تفحص وتحقيق. فإن هؤلاء المتقيدين بالأخبار حينما يلاحظون فتاوى يونس والفضل بن شاذان التي كانت في واقعها تطبيقاً للأصول التي تلقوها من الأئمة، - حيث لم يكن هؤلاء من المطلعين على تلك الأصول فانهم ينسبون فتاواهم إلى القياس.

بل يظهر من جملة من الروايات أن جمعاً من الأصحاب آنذاك كانوا يعملون بالقياس بمعناه المصطلح ولكن الائمة (عليهم السلام) ردعوهم بشدة عن ذلك، واشكلوا على هذا القياس باشكالات عديدة، كما ناقشوا ابا حنيفة وامثاله من المعتمدين على القياس والأدلّة الظنية غير المعتبرة، والروايات عديدة في ذلك، ولا بأس بذكر بعض عبارات جامع الأحاديث:

1 - قال سماعة: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن عندنا من قد أدرك أباك وجدك، وإن الرجل منا ليبتلي بشيء لا يكون عندنا فيه شيء فيقيس؟ قال (عليه السلام) «إنما هلك من كان قبلكم حين قاسوا».

2 - عن سماعة أيضاً عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت: أصلحك اللّه، إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فلايرد علينا شيء إلا وعندنا فيه شيء مسطر، وذلك مما أنعم اللّه به علينا بكم، ثم يرد علينا الشيء الصغير الذي ليس عندنا فيه شيء فينظر بعضنا إلى بعض وعندنا ما يشبهه، فنقيس على أحسنه؟ فقال: «مالكم وللقياس؟».

3 - عن محمد بن حكيم قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إن قوما من أصحابنا قد تفقهوا وأصابوا علماً، ورووا أحاديث، فيرد عليهم الشيء فيقولون فيه برأيهم؟ فقال: «لا، وهل هلك من مضى إلا بهذا واشباهه؟».

4 - عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): ترد علينا أشياء لانجدها في الكتاب والسنة، فنقول فيها برأينا؟ فقال: «اما إنك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على اللّه عز وجل».

فهذه الروايات تدل على أن بعض كبار الأصحاب حتى تمن أدرك الإمام الباقر (علیه السلام) كان يقيس في الأحكام.

وبالجملة، فلا يمكن استكشاف أساليب وطرق قوم عاشوا زمناً من أساليب وطرق قوم عاشوا زمناً آخر. بالإضافة إلى أنه قد وصل إلينا فتاوى جملة من فقهائنا ممن سبق عصر الشيخ الطوسي لا نجدها بالفاظ،الروايات، مثل فتاوى ابن أبي عقيل وابن الجنيد والجعفي (صاحب الفاخر)، وهكذا أساتيذ الشيخ الطوسي كالمفيد والمرتضى ومعاصريه كسلار وأبي الصلاح غايته أن الشيخ على مايظهر من خطبة المبسوط كان مبتلى بجماعة من المحدثين ترفض الفتيا بغير نص الأحاديث، وهذا لا يعني أن جميع الشيعة في جميع الأزمنة كانوا كذلكل ذلك لم تكن شكواه من جميع الفقها بل من بعضهم من المتقيدين بالحديث.

وأما ما ذكر في بحث الإجماع عن الشيخ فقد تعرضنا له هناك وناقشناه.

فتبين أن جميع المسالك المذكورة في تفسير هذا الفصل من المقبولة مخدوشة، والحق هو المسلك الأوّل.

الفصل الثالث: مما يرتبط بالترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة

قوله: قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم، قال: «ينظر فيما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة». قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة - كما في الكافي، واحتمل بعضهم أن الصحيح عزفا وهو المنع، وفي التهذيب: أن المفتيين غوى عليهما معرفة حكمه من كتاب أو سنة – ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم، بأي الخبرين فيؤخذ ؟ قال (عليه السلام) «ما خالف العامة ففيه الرشاد».

وفي الفقيه قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال (عليه السلام): «ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة أخذ به». قلت: جعلت فداك، فإن وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لها فباي الخبرين يؤخذ ؟ قال : «بما يخالف العامة فإن فيه الرشاد».

فلا نرى في نسخة الفقيه قوله: (أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة)، وهو المناسب لسياق الحديث، حيث يفرض شخص ثالث ينظر في فتوى المفتيين لا ان المراد المفتيان المغثبان أنفسهما.

وعلى كل تقدير فالمدلول العام لها هو جعل موافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة معاً من مرجّحات تعارض الخبرين، وكأن فيه إشعار بأن العامة حينما يخالفوننا فانما يخالفون الكتاب والسنة في الحقيقة، والسائل حينما رأى أن الإمام (عليه السلام) اعتبر الجميع : موافقة الكتاب ومخالفة العامة من المرجّحات، وهو يعلم أن موافقة الكتاب

والسنة من المرجّحات، ولكن لا يعلم أن مخالفة العامة بذاتها وبالاستقلال من المرجّحات، فهو لذلك في السؤال فرض التفكيك بينهما فقال: (ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟).

فالتفكيك كان لاجل شكه في اعتبار مخالفة العامة من المرجّحات، لذلك سأل عنه خاصة لا لأجل الترتيب بين هذين المرجّحين، كما ذكره في مباني الاستنباط من (أن الجمع بينهما في قوله (عليه السلام).... ليس من جهة كون مجموعها مرجحاً واحداً، وإنما ذلك من جهة فرضه (عليه السلام) أحد الخبرين واجداً لجميع المرجّحات وفرض الآخر فاقداً له). فاستفاد منه الترتيب بينهما، فإنه غير صحيح؛ لأن السؤال عن مرجحية مخالفة العامة وإن كان بعد كلام الإمام (عليه السلام)، ولكن الإمام (عليه السلام) جعل المرجحين في البداية في رتبة واحدة، ومع جعلهما في رتبة واحدة في کلامه (عليه السلام) الأول قبل سؤال السائل، فلا يستفاد الترتيب بينهما.

وسيأتي الحديث عن مرجحية موافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة بالتفصيل في تقريب الاستدلال بالطائفتين اللاحقتين، هذا تمام الكلام في الطائفة الأولى.

الطائفة الثانية : ما دل على موافقة الكتاب والسنة

وهي الروايات التي صرحت باعتبار موافقة الكتاب وطرح ما خالفه.

والذي نستفيده من هذه الأخبار أمور ثلاثة :

الأمر الأوّل: إلغاء وطرح كل رواية يخالف مضمونها الكتاب والسنة القطعية، بأن يكون لسانها هادماً للأحكام الثابتة فيهما، والمراد من السنة: ما يعم ماورد عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) ولا يختص الهدم بلسان معين، بل يشمل لسان التباين والعموم من وجه والعموم المطلق والحكومة فاذا وجدت رواية باي لسان تستهدف هدم الاحكام الثابتة فهي مطروحة.

الأمر الثاني: أن من مقومات وشروط حجية الخبر موافقة مضمونه للكتاب والسنة، بأن يقوم عليه شاهد منهما أو شاهدان كما في بعض الروايات فلا يكفي في الحجية وثاقة رواته فحسب، بل لابد من عرض مضمونه ومفاده على أصول الشريعة ومبادئ المذهب الجعفري؛ فإن كان موافقاً لها بحيث يكون امتداداً لها أخذ به، وإلاّ لزم طرحه.

وهذا هو مقتضى حجية الخبر الموثوق به دون خبر الثقة مطلقاً؛ فإن عدم توافق المخبر به مع أصول وأهداف المخبر التي يعتمد عليها في سائر أقواله يسلب الوثوق عنه؛ ففي مجال الشعر مثلاً لا يكفي في انتساب بيت من الشعر إلى شاعر ما أن ينقله ناقل ثقة عنه، بل لابد أن يتلاءم مع ما يحمله الشاعر من أفكار ومتبنيات وصفات نفسية، فإذا لم يتطابق البيت المنسوب إليه مع ما ذكرناه فإنه لا يمكن التصديق والوثوق

بكونه من شعره. وهكذا إذا نسبت نظرية علمية أو أصولية دقيقة إلى عالم أخباري لا يتبنى هذه الطريقة في فهم الشريعة وأحكامها.

الأمر الثالث: أن موافقة ظاهر الكتاب والسنة من عموم أو إطلاق أو غيرهما يعدّ من المرجّحات في الخبرين المتعارضين.

والفرق واضح بين هذا الأمر وما سبقه. والذي يرتبط ببحث التعارض هو هذا الأمر: (الثالث)؛ حيث يفرض فيه خبران توفرت فيهما شرائط الحجية، ولكن منع من العمل بهما معاً العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع، لذلك يرتبط هذا الأمر باب التعارض. وأما في الأمر الأول والثاني فيتعرض لشرطين مقومين لأصل الحجية في الأخبار، فهما يرتبطان بشروط أصل الحجية لا في مقام الترجيح بين الحجتين.

ولأجل التفكيك بين الروايات الواردة في هذا المجال لا بد ان نشير باختصار إلى هذين الأمرين الاول والثاني أيضاً، فالبحث إذن يقع في جهات ثلاث:

الجهة الأولى: يعتبر في حجية الخبر إلا يخالف مضمونه المعارف الاسلامية الثابتة والمسلّمة في الكتاب والسنة. ويقصد بالمخالفة هنا: ما ذكرناه في بدايات مباحث علل اختلاف الحديث، من أن المراد بها ما يعتبر هدماً لما بناه الإسلام أو بناء ما هدمه الإسلام من الأحكام والسنن الجاهلية وقد وضحناه في محله، فاذا ورد خبر يناقض مدلوله الاحكام الشرعية الثابتة بالضرورة مثل وجوب الصلاة والزكاة والحج، أو كان دالاً على تحريم ما كان محرماً في العرف الجاهلي وقد أحلّه الإسلام، فإنه يلزم طرح مثل هذا الخبر كما اشير إليه في رواية الميثمي.

ولابد هنا من التنبيه على أمرين:

الأمر الأول: أن ما ذكرناه في شأن لزوم طرح ما يخالف الكتاب والسنة، بالإضافة إلى دلالة الأخبار عليه هو بذاته من الواضحات؛ فإن الأحكام التي يبينها الأئمة صلوات اللّه عليهم - لا تخلو إما أن تكون تبليغاً عن اللّه وعن رسوله (صلى اللّه عليه وآله)، وإما أن تكون أحكاماً ولائية صدرت منهم بمقتضى كونهم ساسة الأمم وأولياء النعم، وفي كليهما لا يمكن تصور مخالفتهما للثوابت الإسلامية المعلومة بالكتاب والسنة، أما إذا كان الحكم الصادر منهم تبليغاً عن اللّه وعن الرسول فالأمر واضح؛ فإنه كيف يخالف أحكام اللّه والرسول (صلى اللّه عليه وآله) مع كونه مبلغا عنهما؟ وأما إذا كان حكماً ولائياً فقد ذكرنا في المقصد الثاني أن مادلت عليه الروايات هو جعل الحكم ولاية في مجال منطقة الفراغ لان الروايات والأدلّة دلت على ان لكل واقعة حكماً، وتبين هناك أن منطقة الفراغ لا تعني الوقائع التي تخلو عن حكم شرعي، بل المقصود : مجال الأحكام غير الإلزامية كالمستحب والمكروه والمباح، بحيث لا ينافيها جعل الإلزام فيها لمصلحة تفرض ذلك، فيمكنهم في المباح او المستحب مثلاً ان يصدر منهم حكم الزامي من باب الولاية، كما يمكن للانسان من خلال الشرط أو النذر ان يلزم عملاً معيناً عليه وان كان مباحاً أو مستحباً بالاصل، كذلك الائمة (عليهم السلام) يمكنهم فرض الالزام من باب الولاية على بعض الافراد او عموم الناس لمصلحة تقتضي ذلك. مثل فرض حقوق أخرى في أموال الناس، ومثل إيجاب المستحب أو تحريم المكروه، بالإضافة إلى ما حددته الشريعة في الأحكام الأولية الدائمة لوجود مصلحة تفرض ذلك. ومثل هذا التشريع لا يعد مخالفة للقوانين الشرعية الثابتة، بل هو إحياء للكتاب والسنة، وتشديد للمستحب حيث يوجبه وللمكروه حيث يحرمه.

الأمر الثاني: تبين أن المعيار في المخالفة الموجبة لطرح الخبر ورفضه هو هدمه لما بنته الشريعة أو بناؤه لما هدمته، فهذا هو الملاك في طرح الخبر، فكل خبر أدى لهذه النتيجة يجب طرحه بأي لسان وأسلوب تضمّنه هذا الخبر؛ سواء كانت النسبة بينه وبين الكتاب والسنة التباين كما لو قال الخبر: (لا تجب الصلاة أو الزكاة)، أو كانت بنحو مخالفة الخاص للعام أو العامين من وجه كما لو نسب للإمام (عليه السلام) قوله: (إذا عرفت فاعمل ماشئت) الدال على تقييد الالتزام بالتكاليف وتخصيصها بعدم بلوغ مرحلة العرفان، فإذا بلغ مرحلة العرفإن سقطت عنه التكاليف، وقد ورد عن الأئمة (عليهم السلام) تكذيبهم لهذا القول المنسوب إليهم.

وكذلك لو لم يكن اللسان لسان المخالفة بل كان بلسان المسالمة والتنزيل والتفسير والحكومة كما لو نسب إليهم (عليهم السلام) قولهم: «إن الصلاة رجل، وإن الزكاة رجل»، فيكفي محبة الرجل في ارتفاع التكاليف، وهذا أيضا هدم للأحكام الثابتة كالصلاة والزكاة.

ولكن قد يستفاد من بيان الشيخ الأنصاري (قدس سره) في بحث حجية خبر الواحد اعتراض على ماذكرنا من معنى المخالفة حيث قال: (والمراد من المخالفة للكتاب في تلك الأخبار الناهية عن الأخذ بمخالف الكتاب والسنة، ليست هي المخالفة على وجه التباين الكلي، بحيث يتعذر أو يتعسر الجمع؛ إذ لا يصدر من الكذابين عليهم ما يباين الكتاب والسنة كلية؛ إذ لا يصدقهم أحد في ذلك، فما كان يصدر من الكذابين من الكذب لم يكن إلا نظير ماكان يرد من الأئمة (عليهم السلام) في مخالفة ظواهر الكتاب والسنة. وملخصه انه يبعد ان تكون هذه الروايات الامرة بطرح ما خالف الكتاب والسنة، ناظرة للمخالفة على نحو التباين الكلي؛ إذ

لا يصدر من الكذابين ما يخالف الكتاب والسنة بصورة صريحة، وعلى نحو التباين. التي لا تقبل التحمل من المسلمين او الشيعة، وانما يصدر منهم بلسان يقبل التحمل كلسان التخصيص مثلاً، لان من يكذب أو يضع الحديث لا يكذب كذباً واضحاً صريحاً.

ولكن يلاحظ عليه : كأنه (قدس سره) قاس ظروفه بالجو الذي كان يعيشه الأئمة (عليهم السلام)، حيث لا يمكن صدور ما يباين الكتاب والسنة ويخالفهما مخالفة صريحة في مثل ظروفه، ولكن ليس كذلك في كل الظروف فإنه من الواضح أنه كان الكثير آنذاك ممن نسب نفسه إلى الأئمة (عليهم السلام)، وتقنّع بولايتهم وأسمائهم؛ ليتوصل من خلال ذلك إلى اغراضه السياسية ومنافعه الذاتية وغيرها من الأهداف، كما تدل على ذلك الشواهد والنصوص الكثيرة، وأمثال هؤلاء قد نسبوا بعض الروايات والآراء للأيمة (عليهم السلام)، وهي تتصف بالمخالفة الشديدة وقد قبلها او تردد البعض في قبولها. وكيف يتصوروا عدم تصديق الناس لأكاذيب هؤلاء إذا كانت مباينة للكتاب؟ وقد عقد الكافي باباً تحت عنوان (كراهة القول فيهم بالنبوة) حيث يظهر منه وجود القائل بألوهيتهم أو نبوّتهم، ويظهر ذلك بوضوح بملاحظة ماجاء في ترجمة بعض الغلاة كالمغيرة غيره، بل إن بعض تلك الفرق لاتزال باقية بأفكارها التي رفض الشيخ تصديق الناس بها حتى عصرنا الحاضر كالاغاخانية وهم من بقايا الخطابية، أو النصيرية، أو الدروز.

وهكذا نرى وجود روايات مخالفة بنحو التباين للكتاب والسنة وقد تقبلها الناس، مع مناقضتها الصريحة للقرآن والسنة، ونفذت فعلاً بين المسلمين، وبقيت، وكيف لم يتقبلها الناس كما ذكره الشيخ مع نفوذها داخل المجتمع الإسلامي وبقائها هذا الزمن

الطويل ؟ اذن فقد كانت هناك جماعات تستهدف أهدافاً عقائدية او اجتماعية او اقتصادية أو سياسية أو غيرها، نسبو انفسهم للائمة (عليهم السلام) ونسبوا لهم (عليهم السلام) امثال هذه الاراء، رأوا بعض الخلفاء يغرقون بملذاتهم ويستغلون الحدود الاسلامية واموال المسلمين لتثبت سلطانهم وكانت في نفوسهم رواسب ثقافية وعقائدية غير اسلامية، ولم يؤمنوا بالتعاليم الاسلامية او يتعرفوا عليها معرفة صحيحة، لذلك حملوا ونشروا امثال هذه المبادىء والاراء المنحرفة أو المتطرفة، ونسبوها للائمة (عليهم السلام) كذبا دعما لمواقفهم، وربما كان بعض الخلفاء واعداء اهل البيت (عليهم السلام) في اذهان المسلمين، ولكنهم لم ولن يتمكنوا من ذلك.

وقد انتهج الأئمة (عليهم السلام) مختلف الأساليب في محاربة هذه التيارات والحدّ من انتشار أفكار هذه الفرق الضالة كإفشاء نواياهم وفضحهم وتكذيبهم ولعنهم، والنهي عن معاشرتهم ومجالستهم وغيرها، ومن هذه الأساليب هذه الروايات التي تصرح بطرح ما خالف الكتاب والسنة.

وان من ينسب اليهم مثل هذه الاقوال المنحرفة غير صحيح، فلا يصدر منهم ما يخالف الكتاب والسنة بالمعنى الذي ذكرناه.

وما ذكرناه من تفسير هذه الروايات لا علاقة له بما أستفاده بعض الأعاظم من هذه الروايات، وأنه لو خالف الخبر الظنّي السند قطعيه ألغي الظني وإن كان في القطعى ريب من جهة، احتمال صدوره عن تقية.

ولكن يلاحظ عليه أن هذا القول إنما يتعرّض لحيثية الصدور فقط دون ملاحظة حيثية الجهة، وإن القطعي سنداً يقدّم قبل النظر في جهته، مع أن المعارضة لا تتحقق إلا من جهة تنافي المدلولين، فلابد من ملاحظة المدلولين وإجراء المرجّحات الجهتية

أولاً، وبعد ذلك يلاحظ نفس الصدور والسند، فإن مرحلة الصدور متأخرة من حيث الترجيح عن مرحلة جهة الصدور والمدلول، ولا يستفاد مثل هذا الفهم من هذه الروايات، وتحميله عليها لا وجه له.

الجهة الثانية: في اعتبار موافقة الكتاب والسنة في حجية الخبر وأنه يشترط في حجية كل خبر موافقته لهما، وقد دل على هذا الشرط روايات كثيرة نذكر بعضها: 1 - جامع الأحاديث: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله): «إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فدعوه» وقد نقلت هذه الرواية في الكافي والبحار والأمالي وغيرها، وفي سندها النوفلي، ولم تثبت وثاقته، ورويت أيضاً في رسالة القطب الرواندي بسند صحيح عن جميل بن دراج، ولكن الرسالة المذكورة لم تثبت.

والحقيقة : هي الراية والبيرق والعلامة، وما يتعين على الإنسان حمايته، فيقال: فلان حامي الحقيقة، فيكون المراد من الرواية: أن على كل حق علامة، وعلى كل صواب وضوحاً وعلامة الحق موافقته لكتاب اللّه. وهذه الجملة مسبوقة بقوله (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، ان على كل حق.

وقد ذكرنا سابقاً انه ليس المراد من الشبهة اشتباه الحلال بالحرام فحسب وانا اشتباه الحق بالباطل أيضاً، ففي كل مورد لا توجد امارة تعين الحق او الباطل، فلا بد من الوقوف عنده، كما ذكرنا توضيح ذلك في بحث البراءة، فاذا لم يكن الحق مبيناً، والامارة الدالة على الحكم واضحاً فلا يؤخذ به، ثم ذكر بعده (إن على كل حق حقيقة)، وفي كتاب الشافعي في شرح الكافي تأليف ملا خليل القزويني قال في تفسير هذه الجملة الحق ضد الباطل، والمراد به هنا ما امكن فيه الحق - قال اللّه تعالى في سورة

الشورى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللّه - والحقيقة: الراية، ان على حق حقيقة، يعني ان كل حق له راية، وكل ما يجب على الرجل ان يحميه، يقال فلان حامي الحقيقة..).

فكل حق عليه امارة وكل ثواب فيه نور ووضوح وفرع عليه في الرواية (فا وافق كتاب اللّه فخذوه).

أي لا يمكن ان تكون الرواية صفة، ولكن لا توجد حقيقة تدل عليها، ولا يكون هناك ثواب وليس له نور (كلامكم نور) - لذلك تكون موافقة الكتاب معتبرة. وكذلك عدم المخالفة معتبرة في حجية الخبر.

2 - روى الكشي بسند معتبر عن يونس وقد تقدم ذكر الخبر إن بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر فقال: يا أبا محمد، ما أشدك في الحديث وإنكارك لما يرويه أصحابنا! فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟ فقال : حدثني هشام بن الحكم أنه سمع ابا عبدالله (عليه السلام) يقول: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق الكتاب والسنة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة، فإن المغيرة بن سعيد (لعنه الله) قد دس في كتب أصحابنا احاديث». اذن فالنقد الداخلي للرواية أو المقايسة المضمونية معتبرة ولا يمكن الاعتماد فحسب على مجرد صحة السند لحدوث الدس في الكتب، والذي يدس سيذكر سنداً صحيحاً له.

3 - معتبرة أيوب بن الحر عن الكافي والمحاسن وتفسير العياشي مرسلاً قال: سمعت أباعبدالله (عليه السلام) يقول: «كل حديث مردود إلى كتاب اللّه والسنة، وكل شي لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف».

4 - رواية أيوب بن راشد وهو ثقة؛ لراوية صفوان عنه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «مالم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف».

5 - الكافي: عن محمّد بن إسماعيل وفيه بحث وهو يبدأ في أسانيد الكافي، وقد كتبت رسائل في تعيينه ومدى اعتباره عن الفصل بن شاذان عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم وغيره، وفي المحاسن : عن أبي أيوب المدائني عن ابن أبي عمير عن الهشامين جمعياً وغيرهما عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «خطب النبي (صلى اللّه عليه وآله) بمنى فقال: يا أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، وإن لم يوافق كتاب اللّه فلم أقله».

6 - عن المحاسن ونقله عنه في البحار عن ابن فضال عن علي بن أيوب عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إذا حدثتم عني بالحديث فانحلوني اهنأه وأسهله وارشده، فإن وافق كتاب اللّه فأنا قلته، وإن لم يوافق كتاب اللّه فلم أقله». وقوله: «اهناه» مقدمة للأمر بالعرض على الكتاب باعتبار أن ما في الكتاب يشتمل على هذه الصفات، لأن الشريعة سمحاء، وقد تنبه لذلك صاحب الفصول من أنه مرتبط بجملة «فإن وافق»، وهو مقدمة له، ولكن السند ضعيف بعلي بن أيوب وإن كان وارداً في أسانيد تفسير القميوهناك روايات اخرى بهذا المعنى، وما ذكرناه قليل من كثير، وبعضها ضعيفة السند منها مرسلة الاحتجاج عن الحسن بن الجهم قال (قلت للرضا (عليه السلام) تجيئنا الاحاديث عنكم مختلفة قال : ما جاءك عنا فقسه على كتاب اللّه فان كان شبيهها فهو منا، وان لم تشبهها فليس منا).

ومنها في تفسير العياشي (عن العبد الصالح (عليه السلام)) قال: إذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب اللّه واحاديثنا، فان اشبهها فهو الحق، وان لم يشبهها فهو الباطل. وغيرها من الاحاديث بهذا المعنى.

ونبحث في هذه الروايات في مقامين: المقام الأول: رأينا في مدلول هذه الروايات وماذا نفهم منها.

المقام الثاني: ماذا فهم منها علماؤنا ومتقدموا اصحابنا و متأخر وهم بعد الشيخ الأنصاري.

المقام الاول : ويقع البحث في امرين:

الأمر الأوّل: اننا نفهم منها الموافقة المضمونية.

ولا يقصد بالموافقة هنا: الموافقة مع عموم القرآن وإطلاقه، فإنه ليس شرطاً في اعتبار الخبر، وإلا فما يصنع بالمخصصات والمقيدات الكثيرة للقرآن؟ ولا يبعد أن يكون المراد بها: الموافقة الروحية، أي توافق مدلول الرواية مع أصول الأهداف العليا للإسلام المنصوصة في الكتاب والسنة كما تدل عليه التعبيرات الورادة في الرويات التي ذكرناها، مثل «وجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب الله» و «على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً»، و «انحلوني أهنأه» فلو كانت الرواية في مجال العلاقات الاجتماعية فلابد ان تتلائم مع العدل والاحسان وتكريم البشر والعدالة الاجتماعية (ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان) والناس سواسية امام اللّه تعالى ولافضل إلا بالتقوى، فالطعن ببعض الشعوب مثلاً لا يتلائم معها، واذا كانت الرواية في مجال العبادة والعلاقة مع الرب فلابد من ان تدل على تقديسه وحصر العبادة فيه، اذن فلابد ان تكون الرواية امتداداً وتأكيداً للاهداف العليا المنصوصة في الكتاب والسنة، ولابد من

وجود تناسب وشباهة بين مفاد الروايات والمبادئ والاحكام المسلمة في الكتاب والسنة، كما يلاحظ في منهج البحث في العصر الحديث، فاذا رأينا اشعاراً يشك في نسبتها للمتنبي مثلاً، فيلاحظ مدى توافقها مع روحية المتنبي وفلسفته واسلوبه والجو والمحيط الذي صدر فيه، ففى شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد حين سأل شيخه عن نهج البلاغة انه للرضى اجاب انه نفس الإمام، واني للرضي هذا النفس.

وقد أرشدنا الأئمة (عليهم السلام) إلى كيفية الاستئناس والاستشهاد بالكتاب في هذا المجال من خلال روايات كثيرة لا حاجة إلى نقلها هنا، منها ماذكر في الكافي: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إذا حدثتكم بشيء فاسألونى من كتاب الله». ثم قال في بعض حديث «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال». فقيل له: يابن رسول اللّه هذا من كتاب الله؟ قال: «إن اللّه عزوجل يقول: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ)، ومنها : ليس للعبد أن يخرج إلى سفر إذا دخل شهر رمضان؛ لقول اللّه عز وجل: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)». لاحظ جامع الأحاديث، تفسير الميزان، حيث ينقل رواية مطولة في ذلك وغيرهما.

وهذا المعنى هو الذي يؤكده القدماء من الأصحاب مثل ما نجده في كتاب الشرائع، يقول (والأول أشبه بأصول المذهب وقواعده)، وما في نكت النهاية من أن هذا الخبر ليس له قوة المعارضة مع الأصول وغيرها، وتفصيل الحديث في مباحث حجية خبر الواحد.

ولعله لاجل اعتماد بعض اصحابنا القدماء على تقويم الرواية من خلال مقايستها بمضامين القرآن الكريم والسنة القطعية، قد نسب لبعضهم القول بالرأي أو القياس، بهذا المعنى (فقسه على كتاب اللّه) والمراد انهم يعتمدون على الخبر الموثوق به بان

يحصل لهم الوثوق بصدوره من خلال طرق متعددة، وعلى ضوء حساب الاحتمالات وملاحظة الرواة والنسخ، وتناسب مضمونه عم ظروف الصدور واهداف الراوي، ومدى توافقه مع اهداف المخبر ومبادئه والامور المسلمة عند المتكلم وامثالها، فيتعرض عندهم الخبر في الامور المهمة للنقد الداخلي من اجل قبوله.

وبعض اصحاب الائمة (عليهم السلام) كانوا يعتمدون هذه الطريقة في حجية الخبر امثال يونس والفضل بن شاذان و جميل بن دراج وغيرهم، وهو مسلك القدماء من علمائنا، لذلك ذكر السيّد المرتضى قيام اجماع القدماء على عدم حجية خبر الواحد، والظاهر ان مراده ما ذكرناه في مقابل حجية خبر الثقة الذي ذهب اليه العامة، بل ادعى بناء العقلاء عليه، ولكن ذكرنا في محله ان بناءهم في مجال مصالحهم ومفاسدهم وتحديد القضايا التأريخية والاجتماعية وفي الامور المهمة عندهم على الوثوق بالخبر من خلال القرائن التي ذكرنا بعضها.

الجهة الثالثة: الترجيح بموافقة الكتاب والسنة ومخالفتهما عموماً وإطلاقاً، بمعنى موافقة الخبر لعموم القرآن وإطلاقة أو مخالفته لهما هل هي من المرجّحات. ومادل على ذلك روايتان :

الرواية الأولى: مقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة، فقد جاء فيها: قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: «ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة».

ويقصد بالموافقة هنا كما ذكرناه سابقاً: الموافقة مع ظاهر القرآن والسنة من عموم أو إطلاق، وربما يقال: لماذا لم تفسر الموافقة هنا بنفس التفسير الذي ذكرناه في مجال الروايات الواردة في عد موافقة الكتاب شرطاً مقوماً لحجية الخبر، وهو الموافقة الروحية؟ ولماذا نفسرها بالموافقة لعموم الكتاب وإطلاقه؟

والجواب عن ذلك بوجوه:

الأول: اختلاف الجملتين من حيث المورد؛ فإن مورد المقبولة روايتان متخالفتان استند إليهما فقيهان في مسألة ما، وقد أمر الإمام (عليه السلام) أولاً بالأخذ بالمجمع عليه لان الريبة الحاصلة من العلم الاجمالي بمخالفة احد الخبرين للواقع، ولا بد من مرجح لصرف الريبة، والاجماع او الشهرة في احدهما مما يوجب ذلك. ولكن بما ان المفروض ان كليهما مشهور فالشهرة لا توجب صرف الريبة من احدهما للآخر، لذلك فالامام (عليه السلام) يشير المرجح آخر وبعد فرض الراوي اشتهار الخبرين عند الأصحاب ذكر الإمام الترجيح بموافقة الكتاب، مما يدل على أن الخبرين بذاتها كانا واجدين لشرائط الحجية لولا التعارض، في حين أن الروايات السابقة ناظرة إلى تعيين شروط حجية الخبر ؛ فاختلف المورد فيهما، فالروايات السابقة ناظرة إلى مرتبة سابقة على التعارض وإعمال المرجّحات أي في مجال بيان الشرط في حجية الخبر وان موافقة الكتاب شرط لاصل حجية الخبر كما ذكرناه في البحث السابق، أما المقبولة فناظرة إلى ما بعد حجية الخبرين والتعارض بينهما، وذكرنا أن التعارض إنما يكون بين الحجتين وانه بعد حجية كل منهما، فما هو المرجح لاحدهما على الآخر، فيذكر ان المرجح الموافقة مع عموم الكتاب او اطلاقه، وهو غير الموافقة المضمونية في الطائفة السابقة، فلا بد من اختلاف معنى الموافقة في كلّ منهما.

الثاني: اختلافهما لساناً، فإن السان هذه الرواية يختلف عنه في تلك الروايات، ففى تلك الروايات عبر الإمام (عليه السلام) بالأخذ بما وافق كتاب اللّه أو بما قام عليه شاهد أو شاهدان من كتاب اللّه، فلسان هذه الروايات هي الموافقة مع نفس الكتاب، لا مع حكم من احكامه وهو وإن كان في حد ذاته مجملاً لكن قد علمنا من القرائن الداخلية والخارجية أن المقصود بها التوافق الروحى والهدفي، أما في المقبولة فإن الإمام (عليه السلام) يعبر بقوله: «ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة»، فلسانها الموافقة لحكم الكتاب والسنة الذي يدل عليه ظاهر الكلام، فالملاك هو توافق حكمه مع حكم الكتاب يعنى إفادتهما معاً لحكم واحد فلا علاقة له إذن بالاستناس من حكم الحكم آخر، وانما المراد الموافقة مع عموماته واطلاقاته واختلاف اللسان يدل على اختلاف معنى الموافقة فيهما.

الثالث: جاء في المقبولة بناءً على نسختى التهذيب والكافي : قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة أو غبى عليهما حكمه من كتاب وسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفا لهم؟، فهو يفرض فقدان جهة الترجيح التي ذكرها الإمام (عليه السلام) في العبارة السابقة أي عدم استفادة حكمه من الكتاب والسنة والتأكيد فيه كما ذكر أولاً على الحكم بالذات، وهو يكشف عن كون المراد بالموافقة : التوافق مع ظاهر الكتاب في الحكماي عمومه واطلاقه، لا الموافقة الروحية.

نعم، هذه الجملة غير موجودة في نسخة الفقيه، ولكن الظاهر أن ذلك لتلخيص الصدوق للخبر كما يفعله أحياناً، ونسخة الفقيه لا تعارض مجموع نسختني التهذيب

والكافي المنقولة روايتهما من مصدرين مختلفين معتمدين فان الشيخ نقله عن كتاب محمد بن على بن محبوب في حين أن الكليني نقله عن غيره.

وبعض شراح الكافي، وهو الملا خليل القزويني، احتمل ان العبارة الصحيحة (عزفا حكمه) قال (ويحتمل ان يكون بالعين المهملة والزاء المعجمة والفاء على صيغة المجهول من عزفت الشيء اي منعته وصرفته، أي منعا حكمه من الكتاب، والمقصود انهما لم يعلما حكمه من الكتاب) ومثل هذا التصحيف في النصوص من حيث النقاط كثير، كما احتمله القزويني، فيكون معناه على هذا الاحتمال، انهما لم يتمكنا من معرفة حكمه من الكتاب، ولكن بناء على ان الصحيح (عرفا حكمه) فكيف يتصور معرفة الفقيهين لحكمين متعارضين دلت عليهما الروايتان المتعارضتان من الكتاب والسنة يقول القزويني في تصوير ذلك (وذلك بان يكون مثلا ظاهر آية موافقاً لاحدهما، وظاهر آية اخرى موافقا للاخر، وكل منهما يعتقدان تأويل الاخرى اسهل، ونظيره ما قالوه في الجمع بين الاختين في ملك اليمين من أن عموم قوله تعالى (وان تجمعوا بين الاختين) يقتضي حرمته، وعموم قوله (و ما ملكت ايمانكم) يقتضي حليته، ورووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال : احلتهما اية وحرمتها اخرى، وأنا انهى عنهما نفسي..) اذن فعرفا حكمه، يعني ان كلا من الفقهين اعتمد على ظاهر اية تدل على رايه.

الرابع: عُدّت مخالفة العامة في المقبولة في رتبة موافقة الكتاب والسنة، وبموج وحدة السياق وكون المراد من مخالفة العامة : مخالفة أحكام حكامهم وقضاتهم وفقهائهم، دون المخالفة الروحية يكون المراد بموافقة الكتاب ذلك أيضاً. فلا إشكال

في الاحتجاج بالمقبولة على الترجيح في باب التعارض بموافقة إطلاق الكتاب وعمومه.

وقد سبق أن ذكرنا في صدر البحث سابقاً أن المرجّحات ليست تعبدية بل إنها إرشاد إلى الطريقة العقلائية في الأخد بذى الميزة التي تصرف الريبة منه إلى غيره.

وسيأتى في محله أن موافقة الخبر لظاهر الكتاب موجبة لتقوية جهة الصدور فيه؛ إذ مادام هناك عموم وإطلاق قرآنى موافق لحكم الإمام (عليه السلام)، فإن الأئمة لم يكونوا يتقون في بيان ذلك الحكم، لإمكان الاحتجاج به عليهم، بخلاف ما إذا لم يكن عموم قرآني يخالف ما عليه الناس، فإن احتمال التقية فيه وارد ولذا فتكون موافقة الخبر لإطلاق القرآن أو عمومه من مرجّحات باب التعارض، ومن موجبات صرف الريبة عن الخبر إلى ما لا يكون موافقاً له كذلك.

الرواية الثانية: ما جاء في الوسائل: سعيد بن هبة اللّه الرواندي في رسالته التي ألفها في أحوال أحاديث أصحابنا وإثبات صحتها عن محمّد وعلي ابني علي بن عبد الصمد عن أبيهما عن أبى البركات علي بن الحسين عن أبي جعفر بن بابويه عن أبيه عن سعد بن عبدالله عن أيوب بن نوح عن محمد بن أبي عمير عن عبد الرحمن بن أبي عبدالله قال: قال الصادق (عليه السلام) «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعوضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فردوه، فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه».

أما البحث عن سند الرواية، وهل هي معتبرة أم لا؟ فنقول: لتصحيح سند الرواية ينبغي إثبات ثلاثة أمور:

الأوّل: في سند الشيخ الصدوق إلى الإمام (عليه السلام)، وهو صحيح لا إشكال فيه.

الثاني: في سند القطب الرواندي صاحب الرسالة إلى الصدوق، وهناك كلام حول أبي البركات ذكره صاحب المستدرك، وأنه لم يرد فيه توثيق بخصوصه غير ماكتبه بعض النسّاخ وراء بعض الكتب حيث عبر عنه بـ (الإمام الزاهد)، ولكن يمكن تصحيحه.

الثالث: وهو العمدة في صحة نسبة هذه الرسالة إلى القطب الرواندي، وإنما يهتمّ بهذه الجهة مثل هذه الأهمية الخاصة؛ لأن بعض الأعاظم خص هذه الرواية من بين روايات الترجيح بالاعتبار، فاعتمد على المرجّحين المذكورين فيها فقط، وهما موافقة الكتاب ومخالفة العامة، وأنهما المرجّحان في باب تعارض الروايات فحسب دون غيرهما من المرجّحات لذكرهما في هذه الرواية المعتبرة برأيه. قال المحقق النراقي في مناهج الأصول في مبحث التعادل والترجيح ونقله عنه المحقق الأصفهاني في كتابه نهاية الدارية: (وهذه الرسالة غير ثابتة من القطب ثبوتاً شائعاً فلا حجية فيما نقل عنها).

اذن فهناك من تأمل في نسبة الرسالة للقطب، والحر العاملي وان كان من اجلاء الثقات ولكن ذكرنا ان خبر الثقة لوحده لا يكفي، حتى لو كان عن حسن، مالم يقترن بقرائن توجب الوثوق بالصدور، والرسالة مفقودة لنتعرف على وجود شواهد تفيد الوثوق، ولكن يمكن ان تتصور طرق يستدل بها على صحة نسبتها توجب الوثوق بذلك.

والطرق المتصوّرة لإثبات نسبة هذه الرسالة إلى القطب ثلاثة:

الأوّل: اشتهار الرسالة المذكورة عن القطب.

الثاني: أن المحدث الحر العاملي وباعتبار كونه خبيراً بمعرفة الكتب والنسخ الخطية وإثبات إسنادها إلى أصحابها قد ذكر بأن هذه الرسالة للقطب الراوندي، فيعتمد على قوله.

الثالث: تصحيح إسنادها إلى القطب بموجب كون الحر العاملي له إجازة بنقل جميع الكتب من مشايخه فيصل السند بهذا الطريق إلى القطب الراوندى من خلال الإجازة ولا يمكن تصحيح نسبة الكتاب إلى القطب الرواندي بهذه الطرق لضعفها:

أما عن الطريق الأول، فلم تصدر دعوى اشتهار هذه الرسالة بين الأصحاب من أحد أبداً، بل ربما نفى عنها الشهرة كما تؤيد هذا النفي بعض الشواهد:

1 - أن الفاصل الزمني بين القطب الراوندي المتوفّى عام 573 هجري، والشيخ الحر العاملى المتوفي عام 1104 هو 531 سنة، ونحن لم نعثر خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة على من ينقل عن هذه الرسالة سوى من سنشير إليه، فلو كانت مشهورة لكانت تعتبر من مصادر العلماء في كتبهم وبحوثهم.

2 - الملاحظ أن الشيخ ابن شهر آشوب في كتابه معالم العلماء، والشيخ منتجب الدين في فهرسته وهما من أجلة تلامذة القطب يترجمان أستاذهما في كتابيهما، ويذكران تصانيفه، وعلى الأخص الشيخ منتجب الدين، حيث ذكر في ترجمته حتى مثل (رسالة مختصرة في الخمس)، و (رسالة أخرى في الخمس)، و (رسالة في غسل الجنابة)، ولكن لم يذكر هذه الرسالة في تصانيفه، ولو كانت مشهورة لكان من الجدير ذكرها. ولا نقصد بذلك أن يكون ذلك من الشواهد على عدم كون الرسالة هذه من تصانيف القطب، فإن العلمين اللذين أشرنا إليهما لم يثبت أنهما كانا بصدد حصر - تصانيفه

وإحصائها جميعاً ليكون عدم ذكرهما للرسالة من مؤشرات نفى كونها من تصنيفه، بل نستهدف من ذكر هذا نفي دعوى اشتهار الرسالة بذاتها؛ فإنها لو كانت مشهورة لكان المناسب أن تذكر في قبل تلميذيه في جملة تصانيفه.

ذكر صاحب البحار مصادره لكتابه في الفصل الأول من المقدمة بعنوان: (في بيان الاصول والكتب الماخوذ منها في الجزء الأول)، ولم يذكر هذه الرسالة من جملتها، ولكن ورد في أثناء الحديث أن بعض الثقات نقل له عن هذه الرسالة، ولا يقصد بهذه العبارة تصحيح طريقه إلى الشيخ القطب أو طريقه إلى الإمام (عليه السلام)، وإنما يريد التأكيد على كون الواسطة في نقل الرسالة بعض الثقات، ويفهم من هذه العبارة أيضاً أن الرسالة لم تكن عنده.

نعم جاء في كتاب أمل الآمل للحر العاملي في ترجمة الشيخ القطب الراوندي ما يشير إلى كون هذه الرسالة من تصانيفه، فإنه بعد ذكره ما قاله تلميذاه الشيخ ابن شهر اشوب والشيخ منتجب الدين فيه، قال: (أقول : وقد رأيت له كتاب قصص الأنبياء أيضاً، وكتاب فقه القرآن، رسالة أحوال أحاديث أصحبنا وإثبات صحتها). فالملاحظ أنه لم ينسب ذكر الرسالة إلى أصحاب الفهارس، وإنما زعم أنه قد رآها. إذن فلم تثبت شهرة الكتاب.

وأما عن الطريق الثاني، فقد يتأمل في كون صاحب الوسائل من ذوي الخبرة والاختصاص في فن معرفة الكتب، فإن بعض علماء هذا الفن ذكروا بأنه كثيراً ما يعتمد في مجال الاعتماد على الكتب ونسبتها إلى أصحابها على وجوه ضعيفة وقرائن خفية، فمثلا المحدث النورى يقول في رده على صاحب الجواهر الذي أيد عدم صحة كتاب الجعفريات، بعدم نقل الحر في الوسائل عنه: (وأما ثالثاً، فقوله رحمه اللّه ولذا لم

ينقل عنه الحر في الوسائل، فإن فيه أنه من أين علم أن الكتاب كان عنده ولم يعتمد عليه، ولذا لم ينقل عنه ؟ بل المعلوم المتيقن انه كغيره من الكتب المعتبرة لم يكن عنده ولو كان لنقل عنه قطعاً، فإنه ينقل من كتب هي دونه بمراتب من جهة المؤلف، أو لعدم ثبوت النسبة إليه، أو الضعف الطريق إليه، كفضل الشيعة للصدوق وتحف العقول وتفسير فرات وإرشاد الديلمي ونوادر احمد بن محمد بن عيسى والاختصاص للمفيد، بل ذكر امل الآمل جملة من الكتب لم يعرف مؤلفها، ولذا لم ينقل عنها، ولم يذكر هذا الكتاب مع أنه يتشبث في الاعتماد أو النسبة بوجوه ضعيفة وقرائن حفية)، فهذا النص من محدث خبير في هذا الفن وصاحب ذوق في مجال معرفة الكتب عن طريقة الحر العاملي في هذا المجال.

ويحدثنا الشيخ الحر العاملي بنفسه عن طريقته في إثبات نسبة الكتب إلى أصحابها؛ قال في الوسائل الفائدة الرابعة : في ذكر الكتب المعتمدة التي نقلت منها أحاديث هذا الكتاب، وشهد بصحتها مؤلفوها وغيرهم، أو قامت القرائن على ثبوتها وتواترت عن مؤلفيها، أو علمت صحة نسبتها إليهم بحيث لم يبق شك، كوجودها بخط أكابر العلماء، وتكرر ذكرها في مصنفاتهم، وشهادتهم بنسبتها، وموافقة مضامينها لروايات الكتب المتواترة، أو نقلها بخبر واحد محفوف بالقرينة إلى غير ذلك.

هذه هي مقاييس الحر العاملي في معرفة الكتب ونسبتها لأصحابها، والتي يحصل له من خلالها العلم بالنسبة، بحث لا يبقى فيها شك ولا ريب، بل الظاهر أنه يكتفي لذلك بما هو دون هذه الأساليب التي ذكرها هنا فتراه مثلاً بالنسبة لكتاب النوادر لأحمد بن محمد بن عيسى الذي احتمل المجلسي أن يكون للحسين بن سعيد؛ ولذا رمز إليه في البحار بـ (ين)، والمصحح خطأه، وكتب بدله (منا)؛ لأن النوادر في فقه الرضا،

جود في مكتبة السيّد الحكيم وكان من كتب الحر في مكتبته وكتب في آخره: (واعلم أني قد وجدت لهذا الكتاب نسختين صحيحتين عليهما آثار الصحة والاعتبار، ثم إنى تتبعت ما فيه من الأحاديث، فوجدت أكثرها منقولة في الكتب الأربعة وأمثالها من الكتب المشهورة والمتواترة، والباقي منها قد رويت في الكتب المعتمدة ما يوافق مضمونه؛ فلا وجه للتوقف فيه. وقد رأيت أحاديث كثيرة نقلها الشيخ والشهيد وابن..... والحميري والطبرسي وغيرهم في مصنفاتهم من نوادر أحمد بن محمد بن عيسى، وتلك الأحاديث موجودة هنا. وبالجملة فالقرائن على اعتباره كثيرة، وليس فيه ما يُنكر أو ما يخالف الأحاديث المروية من الكتب الأربعة ونحوها والله اعلم.

وكتب قبل هذه العبارة (يروي المصنف عن الحسين بن سيعد، وعن مشايخة أيضاً، فإنهما شريكان في المشايخ، ويروي أيضاً عن أبيه كثيراً، وهو ينا في ظن من ظن انه من كتب الحسين بن سعيد إذ ليس لأبيه رواية أصلاً).

وهذه من طرق صاحب الوسائل لإثبات نسبة الكتاب إلى أحمد بن محمد بن عيسى، وفي الاعتماد على الكتب ونسيتها لأصحابها، وهي لا تدلّ على تضلّعه في هذا الفن.

وفي مجال أسانيد الروايات نراه مثلاً يعبّر عن مستطرفات السرائر بالمتواترات، ويكفي أن تكون للباحث أدنى معرفة بطبقات الرواة ليحكم بعدم صحة هذه الدعوى أحياناً، فمثلاً بالنسبة لما يستطرفه ابن ادريس عن كتاب أبان ابن تغلب صاحب الإمام الباقر والصادق (عليه السلام) نراه أحياناً ينقل عنه بالواسطة عن الإمام الصادق (عليه السلام) والامام الرضا (عليه السلام) وليس بالمباشرة، فقد ورد في السرائر: (أبان عن معمر بن خلاد عن الرضا (عليه السلام))، مع أن وفاة أبان بن

تغلب كانت في عام (142) هجرية وولادة الإمام الرضا (عليه السلام) كانت في سنة وفاة الصادق (عليه السلام) اى عام 148، فأبان وبعد ستة سنوات من وفاته ينقل عن الإمام الرضا (عليه السلام) مع الواسطة. وسيأتي في الطريق الثالث ما يوضح ذلك أكثر.

وعلى أي حال فمع ملاحظة هذه الموارد والشواهد وغيرها لا يمكن الاعتماد على خبرة صاحب الوسائل في الكتب والنسخ. والملاحظ أنه قد ذكرت في العصر الحديث في علم تحقيق الكتب طرق وأساليب عديدة في معرفة الكتب والنسخ ومدى صحة نسبتها لأصحابها، لسنا في مقام البحث فيها.

واما عن الطريق الثالث وهو ما ذهب إليه بعض الأعاظم من تصحيح سند الرسالة بإجازات الحر فهو يبتنى على معرفة حقيقة الإجازة وعلى مدى تأثيرها في تشخيص وتصحيح المصداق الخارجي للكتاب الذي وقع متعلقاً لها. فالظاهر وكما اختاره الشيخ الحر العاملي نفسه أن الإجازات لا ميزة لها الا التيمن والتبرك باتصال الأسانيد بالمعصومين (عليهم السلام) فلا يثبت بها السند او صحة الكتاب وثبوت نسبته لصاحبه، وانما عليه الفحص عن صحة الكتاب والنسخة ونسبتها لصاحبها مالم یکن بنفسه ثابتاً، قال في الفائدة الخامسة : (في بيان بعض الطرق التي نروي بها الكتب المذكورة عن مؤلفيها. وإنما ذكرنا ذلك تيمناً وتبركاً باتصال السلسلة بأصحاب العصمة (عليهم السلام) لا يتوقف العمل عليه لتواتر تلك الكتب وقيام القرائن على صحتها ومتونها كما يأتي).

ويرى البعض ضرورة الإجازة ليكون الفقيه راوياً لحديتهم، فتشمله أدلة رواية أحاديثهم. ومهما يكن الأمر فمورد الإجازة هو الكتاب الكلي المعنون بعنوان كذا

كالمحاسن مثلاً، فأجيز له كتاب كالمحاسن بصورة كلية ولا دلالة لها على أن هذا الكتاب الخارجي هو كتاب المحاسن، أو أن هذه النسخة هي نسخته الأصلية، وإنما تمييز ذلك على الشخص المجاز فعليه أن يميز الكتاب الذي اجيز له نقله، وتمييزه يكون حجة له؛ لأن اجتهاد الفقيه حجة له. فمثلا جاء في بحار الانوار: (وكتاب دعائم الاسلام قد كان اكثر أهل عصرنا يتوهمون أنه تأليف الصدوق (قدس سره)، وقد ظهر لنا أنه تاليف أبي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر. ومنشأ هذا التوهم هو أنه قد ذكر في كتب الصدوق كتاب بهذا العنوان)

فالمجاز هو الذي يشخص ذلك بعد تطبيق الكتاب فينسبه إلى المجيز، ويكون حجة له. هذا هو مجال الاجازة وتأثيرها. ولكن نراهم قد توسعوا في ذلك، فإذا اجيز في نقل كتب السيّد المرتضى مثلاً وعدّ المجيز كتبه وذكرها في إجازته، لكن لم يذكر في ضمنها مثلاً رسالة المحكم والمتشابه، فاذا توصل المجاز إلى كونها من كتبه أيضاً فإنه يمكنه أن ينقل هذه الرسالة بالسند المندرج في الإجازة عن السيد. بل نلاحظ أن مثل الشهيد الثاني والمحقق آقا حسين الخونساري يرويان رجال ابن الغضائري ومسنداً عن النجاشي، وغيره عن الحسين بن عبيد اللّه الغضائري، كما جاء في مقدمة المعجم، مع أنه لم يدع أحد بأن الحسين بن عبيد اللّه له كتاب في الرجال، وإنما هو تاليف ابنه أحمد بن الحسين الغضائري، وهؤلاء ليس لهم سند للابن وإنما سندهم هذا إلى الاب.

بل قد يتجاوز التساهل في ذلك، فيروون الكتاب عن شخص مسنداً لكن المؤلف لا يوجد له ذكر في الفهارس، ولكن يدعى بأن العلماء السابقين قد أدركوا المؤلف؛ فهم إذن قد نقلوه عنه، فينقل الكتاب بأسانيده إلى أولئك العلماء.

فيلاحظ أنهم ينقلون الكتاب الذي اعتبروه من تأليف شخص معين باجتهادهم، ثم ينقلونه عنه بالأسانيد التي ارتبطوا بها بالإجازة. غايته أنهم يراعون جهة التطابق من حيث الطبقة، بل قد يتجاوزون ذلك أيضاً، فكأن الإجازة موردها الكتب الواقعية للمؤلّف وإن لم يطلع المجيز عليها ولم يذكرها في متن إجازته.

وإجازات الشيخ الحر العاملي للكتب على أقسام - أي أن الكتب التي يرويها الحرّ بالإجازة تنقسم لأقسام أربعة - كلّها محل تأمل عندنا:

القسم الاول: حيث يذكر للكتاب سنداً بالخصوص في الفائدة الخامسة، مع انه لم يثبت كون الكتاب للرجل، أو ثبت أنه ليس له، فهو يروي مسنداً رسالة عن شخص صريحاً ثم يتبين من الخارج أنه اجتهد في ذلك، واعتقد بأن الرسالة لذلك الشخص، من دون أن تذكر تلك الرسالة في إجازاته، كما هو الحال بالنسبة لكتاب (قصص الانبياء) لسعيد بن هبة اللّه الرواندي، فيقول عنه في الوسائل: (ونروي كتاب الخراج والجرائح وكتاب قصص الانبياء لسعيد بن هبة اللّه الرواندي عنه بالاسناد السابق عن العلامة). فمعناه أنه يروى هذا الكتاب عن سعيد بن هبة اللّه نفسه، لكن بمراجعة البحار تظهر حقيقة الأمر، فالعلامة المجلسي في خصوص هذا الكتاب يقول: (وكتاب قصص الأنبياء أيضاً على ما يظهر من أسانيد الكتاب واشتهر أيضاً، ولا يبعد أن يكون تأليف فضل اللّه بن علي بن عبيد اللّه الحسني الرواندي كما يظهر من بعض أسانيد السيّد ابن طاووس. وقد صرح بكونه منه في رسالة النجوم وكذا فلاح السائل).

ولا ريب في أن هذا الكتاب لم يذكر في الإجازات، ولا نسب إلى سعيد بن هبة الله؛ فقد تقدم قول الحر العاملي نفسه في أمل الآمل بعد نقله للكتب المذكورة في الفهارس (أقول: وقد رأيت له كتاب قصص الأنبياء أيضاً).

وهذا الكتاب هو الذي يتردد في مؤلفه بين القطب الراوندي، وفضل اللّه الراوندي لا الرسالة التي نبحث عنها هنا. وصاحب المقابيس أيضاً تردد فيه كذلك راجع المقابيس و الملاحظ ان هذه الرسالة التي نبحث عنها، لم يذكرها تلامذة القطب في جملة كتبه، فلا تدخل في اجازات الحر - لان اسماء الكتب الداخلة في الاجازات مذكورة، كما ذكرها الشيخ المجلسي في البحار، وليس منها هذه الرسالة، وعلى تقدير دخولها فيها، فلا يصح اثبات نسبة الكتاب أو النسخة لصاحبها لمجرد الاجازة ما لم يثبت بالفحص ذلك، فهذه الرسالة لا يعلم كونها للقطب، وليس لصاحب الوسائل سند معتبر لها، وليست داخلة في الاجازات، لكن بما أنه توصل باجتهاده إلى أنها من من مؤلفاته واقعاً؛ لذلك يرى شمول الإجازة والسند المعتبر لسائر الكتب لها.

فنلاحظ أن صاحب الوسائل ينقل الكتاب هذا عن القطب بسنده المعتبر إليه، ولسكنه غير موجود في الفهارس، وعلمنا بالقرائن الخارجية بأنه يرى باجتهاده أن هذا الكتاب من جملة تصانيف القطب الراوندي. ومن ذلك يعلم أن الحر العاملي يرى شمول الإجازة حتى للكتب غير المذكورة في نص الإجازة، لكن يرى باجتهاده أنها واقعاً من مؤلّفات بعض المؤلّفين المذكورين في متن الإجازة.

ومنها أيضاً كتاب المحكم والمتشابه للسيد المرتضى، فإن صاحب الوسائل قال: (رسالة المحكم والمتشابة للسيد المرتضى). فراه ينسب هذا الكتاب إلى السيّد ويرويه عنه، قال في الفائدة الخامسة : (ونروي رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى بالإسناد

السابق عن الشيخ ابي جعفر الطوسى عن السيّد المرتضى). ولكن الملاحظ أن سنده إلى الشيخ يتصل بفهرست الشيخ، مع أننا لا نجد لهذه الرسالة في الفهرست عيناً ولا أثراً، فكيف يكون للحرّ سند لهذه الرسالة؟ ولان سنده للشيخ لاشملها، بل ولا أن سبك التأليف وأسلوبه فيها يتناسب وطريقة السيّد في سائر مؤلفاته كما ذكره بعض محققي كتبه وأحواله من المعاصرين.

القسم الثاني: الكتب التي يذكرها صاحب الوسائل صريحاً في الفائدة الرابعة من وسائله، ولكن لا نجدلها في الفائدة الخامسة سنداً خاصاً مستقلاً، وإنما يرويها بسنده العام لكتب الرجل، كما نجده مثلاً بالنسبة لكتاب الاختصاص، فإنه ينسبه في الفائدة الرابعة إلى الشيخ المفيد فيذكر في المصادر التي اعتمد عليها ونقل عنها أحاديث كتابه: (53 - كتاب الاختصاص له). أي للشيخ المفيد، لكن في الفائدة الخامسة لم يرو عنه بسند خاص، وإنما يذكر جملة من مشايخه ومنهم الشيخ المفيد، ثم يقول (فإنا نروي كتبهم ورواياتهم بالسند المذكور إليهم أو إلى الشيخ بأسانيده السابقة في طرق التهذيب والاستبصار وفي الفهرست، وفي طرق الصدوق السابقة، وغير ذلك إلى المشايخ المذكورين كلهم بطرقهم إلى الأئمة (عليهم السلام)).

فهو يرى أنه من كتب المفيد، فيرويه عنه بطرقه إلى المفيد مع أنه ليس له طريق خاص لهذا الكتاب، ولكن المحقق (آغا بزرك الطهراني) بعد تحقيق له حول هذا الكتاب، أثبت أنه ليس من تصانيف المفيد، وأوضحه بعض الفضلاء في مقدمة الكتاب طبعة النجف الأشرف. وهو يعني أن لمشايخه طرقاً إلى هذه الكتب.

القسم الثالث : الكتب التي نقل عنها بسنده العام إلى جميع الكتب، وسنده هو ما ذكره في موضع من فوائده (ونروي باقي الكتب بالطرق المشار إليها والطرق المذكورة عن مشائخنا وعلمائنا)، وهو يعنى ان المشائخة طرقاً إلى هذه الكتب.

ولنأخذ بعض هذه الكتب لنرى مدى مطابقة ذلك مع ما هو الموجود ومدى صحه اعتبار هذه الكتب ووجود الطرق المعتبرة لها. فمثلا تفسير فرات بن إبراهيم الذي ذكره صاحب الوسائل في جملة الكتب المعتمدة التي نقل منها أحاديث كتابه، ولم يذكر في مشيخته طريقاً خاصاً إليه، بل هو يدخل في السند العام الذي ذكره في آخرها، حيث ذكر أن لمشايخه طرقاً لأمثال هذه الكتب، وإنه يعتمد على هذه الطرق في اعتبار الكتب. ولكن لا نعلم متى اطلع مشايخه على هذا الكتاب؛ فإنه غير موجود حتى في كتب الرجال.

نعم، ذكر في كتب الرجال اسم فرات وقيل فيه: إنه (غال كذاب)، ولكن من دون ذكر اسم الأب، إلا إذا كان قد استظهر مما يرويه الصدوق من الروايات وفيها عنوان فرات بن إبراهيم أن الشيخ الصدوق يرويها من كتابه، وبما أن الشيخ الحر له إسناد و طرق إلى جميع كتب الشيخ الصدوق وبذلك يكون له سند لهذا التفسير فإنه يكون هذا التفسير لفرات بن إبراهيم، وإلا فالكتاب لا سند له بخصوصه، وإنما نثبت سند الحرله بهذه الطريقة التي ذكرناها. لكن هذه الطريقة في إثبات كتب الرجل هل هي معتبرة عند أهل الخبرة أم لا؟

ومنها كتاب تحف العقول للحسين بن علي بن شعبة، الذي لم يذكر مؤلفه حتى في كتب القدماء.

ومنها ما يكون له سند عام للرجل وللكتب لكن يدخل في تطبيق الكتاب على الموجود، مثل نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى، وقد سبق ذكره وتحدثنا عنه سابقاً، فهو ينقله عن الشيخ الطوسي بإسناده إلى أحمد بن محمد ابن عيسى.

ومن مصادره التي اعتمد عليها كتاب قرب الإسناد للحميري، والعلامة المجلسي في البحار يقول حوله: (وكتاب قرب الإسناد من الأصول المعتبرة المشهورة، وكتبناه من نسخة قديمة مأخودة من خط الشيخ محمّد بن إدريس، وكان عليها صورة خطه هكذا: (الأصل الذي نقلته منه كان فيه لحن صريح، وكلام مضطرب، فصورته على ما وجدته، خوفاً من التغير والتبديل، فالناظر فيه يمهد العذر، فقد بينت عذري فيه...)).

القسم الرابع: الكتب التى نقل منها الحديث، ولم يذكرها في الفائدة الرابعة وتكون مشمولة لقوله في آخرها بعد نقل المصادر: (وغير ذلك من الكتب التي صرحنا بأسمائها عند النقل منها)، مثل الرسالة التي هي محل بحثنا. ولا بد أن يكون سندها إلى القطب الراوندي هو الإجازة العامة المذكورة في آخر الفائدة الخامسة.

وعلى كل حال فإنه ينبغى إلا نتجاوز الحدود التي اعتبروها للإجازة، فليست الإجازة وسيلة لإثبات الكتاب لصاحبه، وإنما الغرض منها اتصال السلسلة بالأئمة (عليهم السلام) تيمناً وتبركاً. هذا محصل ما ذكرناه في الدورة السابقة.

ولكن وجدنا بعد ذلك أن غير الحر العاملي أيضاً ينقل عن هذه الرسالة، فمنهم صاحب هداية الأبرار الذي كان معاصراً للشيخ الحرّ العاملي، وكانت وفاته قبل وفاة الحر، وقد ترجمه الحر، في كتابه أمل الآمل.

ومنهم والد العلامة المجلسي (قدس سره) في شرحه على الفقيه على ما لا حظناه قبل مدة ولا يحضرنا الآن، ولكن لا نعلم لماذا ينقل العلامة المجلسي- عن الكتاب بتوسط بعض الثقات، فالظاهر أنه لم يكن عنده.

وعلى كل حال فإن نقل جماعة يعيشون طرفاً واحداً وحقبة زمنية واحدة، لا يكون كاشفاً عن ثبوت الرسالة واعتبارها، فالرواية غير ثابتة عن القطب الراوندى. تم الحديث عن الطائفة الثانية.

الطائفة الثالثة: مادل على الترجيح بمخالفة العامة

والمقصود من ذكر هذه الطائفة هو ملاحظة أنها هل تدلّ على أمر غير ما ذكرناه في المقصد الثاني في بحث علل اختلاف الأحاديث وأسباب الكتمان وخاصة في بحث التقية، حيث ذكرنا أنه ليس كل قول للامام (عليه السلام) موافقاً لرأي من آراء العامة محمولاً على التقية، وإنما يتقي (عليه السلام) أو يحتمل التقية من آراء الحكام أو القضاة؛ لأنهم في الغالب متعاونون مع الحكام أو مع رأي العالم، أو والمذهب الذي يعتنقه أكثر العامة، أما العالم الذي لا نفوذ له ولرأيه بين العامة، او انه لا يمثل رأي الحكام. أو العالم الذي ولد أو انتشر رأيه بعد الإمام الباقر أو الصادق (عليهما السلام) أو غيرهما من الأئمة (عليهم السلام) فلا موجب للتقية من رأيه. هذا خلاصة ما ذكرناه هناك.

والروايات كثيرة في هذا الباب، لكن عمدتها روايتان:

الأولى: مقبولة عمر بن حنظلة.

الثانية: حديث وارد في رسالة القطب الراوندي.

أما المقبولة فهي تبدأ بقوله: (عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميرات، فيتحا كمان إلى السلطان)، ثم وبعد ذكر المرجّحات الموجبة لصرف الريبة من إحدى الروايتين للأخرى، وبعد فرضه للخبرين أنهما مشهوران، وقد عرف حكمهما من الكتاب، وكان أحدهما موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم قال (عليه السلام): «خذ خالف العامة أو ما خالف العامة ففيه الرشاد». قلت جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعاً؟ قال (عليه السلام): «ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر». فنلاحظ أن الرواية جعلت الميزة والترجيح في هذا الفرض

في الرواية التي لا يميل إليها قضاة العامة وحكامهمفهذه المقبولة تدل على الترجيح بمخالفة العامة، وهم يشتملون على الفقهاء والحكام والقضاة، فان وافقت احدى الروايتين جميع العامة بطوائفهم الثلاثة فترجح الرواية الاخرى المخالفة لها. واما لو توافقت احداهما مع بعض طوائفهم، والاخرى مع الاخرين، وهذا معنى (فان وافقهما)، فالفقهاء يذهبون لرأي، بينما الحكام والقضاة أي من بيده السلطة لرأي آخر، فهنا يرجح ما يخالف الحكام والقضاة، لانهم هم الذين يتقى ويحذر منهم، وتقدم الرواية المخالفة لهم، اذن فالمعيار في الترجيح، اما مخالفة العامة جميعهم، أو مخالفة الحكام والقضاة، وفي ذكر الامام (عليه السلام) في المقبولة، مخالفة العامة خلال موافقة الكتاب، اشارة إلى ان بعض احكام العامة المخالفة المدرسة اهل البيت (عليهم السلام) هي مخالفة للكتاب والسنة.

ولتوضيح هذه الفكرة، توجد ثلاث طبقات عند العامة :

الطبقة الاولى والثانية : الحكام والقضاة، وهم يمثلون في الغالب جانب السلطة الحاكمة، ولهم احكامهم واراؤهم الخاصة، التي تتلاءم في الغالب مع سلطاتهم.

والحكام والقضاة يمثلان نوعين من القضاوة والحكم كما ذكره كل من صنف في تاريخ التمدن الاسلامي، مثل جرجي زيدان وحسن إبراهيم حسن وغيرهما، ونحن نتعرض اليه بايجاز.

لقد كان هناك منصب للقضاء بين الناس يشغله الفقيه الذي كان مستعداً للتفاهم مع السلطة حيث تنصبه قاضياً، وكان هناك منصب أعلى من منصب القضاء الرسمي ويعبر عنه بـ (ديوان المظالم) وهو اعلى من منصب القضاء، ويتصداه السلطان بنفسه. وقد تأسس هذا الديوان في عهد سليمان بن عبد الملك وأول من باشر العمل فيه عمر

بن عبد العزيز ولعل هذا الديوان يشبه (محكمة الاستئناف) في عصرنا. والذي دعا إلى تأسيس هذا الديوان أن هناك مظالم كانت تحدث من أفراد لا يتمكن القاضي العادي من الحكم فيها ورفعها، مثل الدعاوى على شيوخ العشائر وعلى المنتسبين إلى السلطان وأقربائه، وأصحاب الدواوين بل والقضاة أنفسهم، فتأسس هذا الديوان وكان الغرض منه استماع مثل هذه الظلامات، وكان السلطان هو المتصدي له، وإذا واجهوا خلال ذلك إشكالاً فكانوا يرجعون فيه إلى الفقهاء هاتان طائفتان: احداهما القضاة والثانية الحكام.

الطائفة الثالثة: الفقهاء والمفتون. ولم تكن الفتيا آنذاك منصباً يتصدّاه شخص معين من قبل السلطة، بل كان العلماء كسائر الناس يتعيشون بما يكتسبونه بأنفسهم، وربما منعوا من الفتوى أحياناًو البعض منهم لم يرغب في التصدي للمناصب الحكومية، وهناك الكثير من افراد المجتمع يرجعون في قضاياهم ومنازعاتهم للفقهاء وان لم يكن لهم منصب حكومي، بل لانهم فقهاء وقولهم يملك الحجة الشرعية حسب نظرهم، وان لم يكن حكمهم نافذاً حكومياً.

وكان قبول منصب القضاء من الفقهاء من مؤشرات إثبات والولاء للسلطة، كما أن رفضه كان يدل على عدم الولاء لها. قد مر أن المنصور عرض تصدي منصب القضاء على أبي حنيفة فرفض، فطلب منه أن يفتي للقضاة في مشاكل أمورهم فأبى، فحبسه وضربه، ولم يتضح بعد ذلك سبب موته. لذلك فان بعض فقهاء العامة كانوا يرفضون قبول منصب القضاء، وكان القضاة ينصبون ويعزلون حسب مشتهيات السلطات، فمن لم يخضع للسلطة في أحكامه وقضائه فإنه سيواجه مصاعب من قبل السطلة،

وكان بين القضاة والمفتين تنافر وتعارض، كما نجده بين أبي حنيفة وأبن أبي ليلى، فإنه كان يخطئ قضاء ابن أبي ليلى كثير أو الشافعي في كتاب الام له فصل حول الاختلاف بين أبي حنيفة وابن أبي ليلى، بل كان بعض الفقهاء يحذرون من القضاة و معارضتهم بل حتى ائمتنا (عليهم السلام) كانوا يحذرون منهم، اكثر من حذرهم من الفقهاء الذين ليس لهم منصب حكومي أو قضائي كابي حنيفة مثلاً، لذلك رأينا بعض الروايات تناقش أبا حنيفة وعلى قياسه وطريقته في الاستدلال بدون حذر وتقية.

وينقل في المعجم حديثاً يرويه المشايخ الثلاث بسند صحيح عن خالد بن بكر الطويل قال : دعاني أبي حين حضرته الوفاة إلى ان قال: قد خلت على ابي عبدالله (عليه السلام) بعد ذلك فاقتصصت عليه قصتي ثم قلت ماترى؟ فقال (عليه السلام): «أما قول ابن ابى ليلى فلا أستطيع رده، وأما فيما بينك وبين اللّه فليس عليك ضمان. وابن ابي ليلى كان من القضاة، ويلاحظ من الرواية حذر الإمام (عليه السلام) منه.

والغالبية من الناس كانت تطعن في القضاة؛ لأنهم لم يكونوا أحراراً في أحكامهم، بل كانوا مجبورين على اتباع ما توحيه السلطة التنفيذية لهم والحكم بما ترغب فيه السلطة. ينقل لنا صاحب مقاتل الطالبيين صورة عن وضع القضاة وعلاقتهم مع السطلة آنذاك، فيقول حول موضوع الأمان الذي منحه الرشيد ليحيى بن عبد اللّه بن الحسن : (ثم جمع له الرشيد الفقهاء وفيهم محمّد بن الحسن صاحب أبي يوسف القاضي، والحسن بن زياد اللؤلئي وأبو البختري وهب بن وهب، فجمعوا في مجلس، رخرج إليهم مسرور الكبير بالأمان، فبدأ محمّد بن الحسن فنظر فيه فقال: هذا أمان

مؤكد لا علة فيه وكان يحيى قد عرضه بالمدينة على مالك وابن الدراوردي وغيرهم، فعرفوه أنه مؤكد لا علة فيه قال: فصاح عليه مسرور وقال: هاته فدفعه إلى الحسن بن زياد للؤلئي فقال بصوت ضعيف هو امان، واستلبه أبو البختري وهب بن وهب فقال : هذا باطل منتقض ؛ قد شقّ عصا الطاعة وسفك الدم، فاقتله ودمه في عنقي.

فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره، فقال له: اذهب فقل له : خرقه إن كان باطلاً بيدك، فجاءه مسرور، فقال له ذلك، فقال: شقه يا أباهاشم. قال له مسرور: بل شقه أنت إن كان منتقضاً. فاخذ سكيناً وجعل يشقه، ويده ترتعد حتى صيره سيوراً، فأدخله مسرور على الرشيد، فوثب فأخذه من يده، وهو فرح وهو يقول له: يا مبارك يا مبارك. ووهب لا بي البختري ألف ألف وستمائة ألف، وولاه القضاء وصرف الآخرين، ومنع محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة، وأجمع على إنفاذ ما أراده في يحيى بن عبد اللّه) والملاحظ ان المصادر العلمية لبعض القضاة واحكامهم كانت ضعيفة، فلم تكن لهم تلك الفقاهة التامة وفي رواياتنا اعتراضات عديدة على ابن أبي ليلي وابن شبرمة وغيرهما، ذكرت في الوافيو هذا كله لان بعض القضاة لم يعتنوا بقضاء الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل بالتزام قضاء بعض الخلفاء السابقين اذن فبعض القضاة مع ارتباطهم بالسلطة الحاكمة وخضوعهم احياناً لرغابتها لم تكن لهم الاحاطة التامة فقهياً.

والمراد من مخالفة العامة الذي جعل في الحديث المرجح الاول هو مخالفة جلهم؛ بقرينة أنه فرع عليه بقوله: (فإن وافقهما الخبران جميعاً؟). والمراد من مخالفة جل العامة هو ما يلتزم به العامة إلا من شذمنهم مقابل مدرسة أهل البيت وفقههم، كالقول

بالتعصيب والعول وحرمة المتعة وغيرها مما هو من معالم الفقه العامي، وليس المراد: مخالفة أحد أفراد العامة أو بعضهم.

وهذا غير ما يقصد بموافقة الخبرين للعامة في فرض السائل بقوله: (فان وافقها الخبران جميعاً؟) فإن المقصود بها : موافقة الخبرين في غالب المسائل التي يختلف فيها علماؤهم وبالطبع سيكون أحد الرأيين هو الذي يجري عليه حكامهم وقضاتهم. فلا يمكن الاستدلال بالمقبولة على أن مخالفة العامة مرجّحة بصورة مطلقة.

ويلاحظ هنا أيضاً أن هذا المرجح ليس تعبدياً، بل هو من أفراد القاعدة العامة التي ذكرناها في باب الترجيح. وهي قاعدة عقلائية، بمعنى أن كل ما يوجب صرف الريبة من أحد الخبرين للآخر يكون مرجحاً، ولا شك في أن مخالفة العامة يوجب ذلك، فهو في الحقيقة من مصاديق ما يصرف الريبة عن خبر إلى مخالفة. وقد أرشد إليه الإمام (عليه السلام)؛ فإن عامة فقهاء العامة إذا تبنّت رأياً وتابعهم العامة عليه فهنا يكون مورداً للتقية؛ لأن السلطة والعامة تكون معهم، فالخبر الذي يوافقهم يكون فيه الريب، لقوّة احتمال صدوره عن تقية. وقوله (عليه السلام): «ماخالف العامة ففيه الراشاد»، إرشاد إلى اندراجه تحت كبرى «أمر بيّن رشده» التي ذكرها قبل هذا المقطع.

وعليه فلا يختص المرجّح هذا بالخبرين المتعارضين المشهورين اللذين قد رواهما الثقات من الأصحاب وإن كان ذلك مورد المقبولة، فإن الإمام (عليه السلام) نبهه إلى قاعدة كلّية مع إرشاده إلى بعض صغرياتها الخفية التي لولا إرشاده وهدايته لبقينا أمام الخبرين المتعارضين في حيرة.

أما الجملة الثانية التي جاء فيها الترجيح بما يميل اليه قضاتهم وحكامهم إذا اختلف فقهاؤهم فقد سبق شرحه إجمالاً وكذلك الحال في مرجحية مخالفة ما يكون

حكامهم وقضاتهم أميل إليهفيستفاد من هذه الرواية ان بعض الحكام كانوا يتدخلون في بعض احكام المعاملات، بل حتى في بعض الاحكام العبادية، كما يظهر من مراجعة كتاب (النص والاجتهاد)، ليعرف مدى تدخلهم في تغيير الاحكام، فلم يكونوا تابعين تماما للسنة النبوية حرفيا، بل كانت تتدخل احياناً مصالح السلطة الحاكمة وتتقدم على كل نص.

إذن فالإمام (عليه السلام) يتقي من الرأي الذي يلتزم به جل العامة، أو من الرأي الذي تتبناه السلطة أو القضاة، اما الرأي لا يؤمن به إلا النادر من غير السلطة فلا موجب للتقية منه.

وقد تبيّن مما ذكرناه أن تولي الحكّام للقضاء إنما كان في خصوص المظالم التي لا يتمكن القاضي من تنفيذ الحكم فيه، لا نتسابها إلى السلطان، أو غير ذلك؛ ولذا فكان السلطان بنفسه يتصدّى للحكم فيها أو عامله في البلد.

أما القضاة فكانوا أضعف من ذلك؛ فإنهم في عهد بني أمية وبدايات الحكم العباسي كانوا يتصدون للقضاء بحكم العامل، ولكن على عهد المنصور صار القاضي يعيّن من قبل السلطان نفسه، وبالطبع فإن درجة قدرة القاضي ستكون بمقدار قربه من السلطان.

وعلى كل حال فإن الأخذ بما يخالف ما عليه قضاتهم وحكامهم إنما هو لقوة احتمال صدور الموافق لرأيهم عن تقية، وأن المخالفة له فيه الرشدفان بعض الحكام والقضاة كانت لهم مخالفة ومنازعة مع فقهاء العامة، مع ان هؤلاء الفقهاء لم يدعوا الخلافة - فتكون مزاحمتهم للائمة (عليهم السلام) اشد، لان بعض الخلفاء كانوا يعلمون بانهم اهل للخلافة أكثر منهم، فتكون تقيتهم (عليهم السلام) من هؤلاء الحكاما شد.

ويتضح السر في ذلك بملاحظة الكتب التاريخية التي تستعرض كيفية إدارة شؤون الدولة آنذاك، فإن القاضي لم يكن في قضائه بمعزل عن الدولة، بل كان يشغل منصباً في جهاز الدولة؛ ولذا فكان للسلطة التنفيذية كل التأثير عليه، فإن أمر عزله ونصبه بيد الوالي أو السلطان. بالإضافة إلى ان القضاة آنذاك لم تكن احكامهم وقوانينهم تابعة لمذهب فقهي. خاص، لعدم انتشار المذاهب الأربعة آنذاك، بل كانت في الغالب تنشأ من آرائهم الخاصة، إلا في عهد أبي يوسف حيث كان يفرض مذهب أبي حنيفة. ولكنه كان بعد عهد الإمام الصادق (عليه السلام)، فلا معنى لتقيّة الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) منه.

ولا نقصد بالرأي الخاص هنا الذي يعمل به القضاة آنذاك : القياس الذي تبنته مدرسة أبي حنيفة؛ فإن القياس هذا يحتاج على الأقل إلى معرفة حكم الأصل كي يقيس عليه الفرع، وهو مما كان يفقده أو لئك القضاة أيضاً؛ وذلك لأن تدوين الحديث ونقله كان محظوراً حتى عصر عمر بن عبد العزيز، فلم يكن هناك مصدر قانوني فقهي يرجع إليه القضاة في أحكامهم سوى بعض قضايا السابقين من القضاة أو العمل بارائهم الشخصية أيضاً.

وقد تقدم في بحث تدوين الحديث الذي ذكرناه في موضوع حجية خبر الواحد أن هناك خطبتين للإمام علي (عليه السلام) يشتكي فيهما من جهل القضاة.

فتأثر القضاة بالسلطة وجهلهم بالمستند الفقهي في شؤون قضائهم، وحكمهم في الأمور حسب آرائهم الخاصة، من أهم العوامل التي أدت لأن تكون آراؤهم وأحكامهم مخالفة للواقع. بالأضافة لما ذكرنا من ان الفقهاء كانوا يبتعدون عن تولّي منصب القضاء لما كان فيه من ضعة ومنقصة عند الناس فقد طلب من سفيان الثوري

تصدي القضاء فامتنع، وفرّ إلى البصرة ومات مختفياً، وهكذا أبو حنيفة. وقد ورد في رواياتهم عن أبي هريرة: «من عين قاضياً فقد ذبح بغير سكين»، وبذلك يظهر السر في أمرهم (عليه السلام) بطرح ما وافق القضاة والحكام من الخبرين المتعارضين.

والمهم في المقام تحديد الوظيفة لنا، حيث إن قضايا القضاة والحكام وأحكامهم آنذاك لم تدوّن في الكتب كأحكامهم الفقهية وآرائهم لتكون واضحة معلومة لنا، ولنعرض الاخبار عليها ونطرح ما وافقها وإن كانت احكامهم آنذاك واضحة ظاهراً المعاصريهم، وبعضها وخاصة ما يرتبط بمصالح الدولة وإن كان معلوماً لكن بعضها الآخر ليس بواضح، وعلى الأخص بالنسبة للقضايا التي لا ترتبط بالدولة، ولا يكون فيها جهة مثيرة تملك طابعاً سياسياً حيث لا يتدخل فيها الحكام.

أما بالنسبة للقضايا التي تثير حساسية ولو بنحو غير مباشر فإن الحكام كانوا يتدخلون فيها مباشرة؛ وبذلك تسجل في الكتب، وتكون معلومة للآخرين، فحينما أفتى مالك بأنه ليس لمستكره،طلاق، وكان هذا يعني فيما يعني أن البيعة إذا كانت عن إكراه فليست بملزمة؛ لأن هذه الفتوى تشير إلى أصل كلي هو عدم تحقق الاعتبار مع كون المعتبر مكرهاً، أو عدم اعتار العمل شرعاً فيما لو صدر عن إكراه مطلقاً. فقبض عليه وضرب ضرباً مبرحاً.

أما مثل الصوم في الحج ونحوه، فلا علاقة له بأحكام القضاة والحكام وبمجالاتهم وشؤونهم، وإنما له علاقة بالفقهاء وآرائهم، ولذلك لم يكن من الخطورة والصعوبة مخالفتهم في هذه الفتاوى، إلا إذا كان الفقيه وجيهاً عند الناس وله مكانه بالغة عندهم، فتصعب مخالفته بصورة صريحة وواضحة؛ لأنه يصطدم بذلك مع الرأي العام. وقد ذكر في كتاب الأم للشافعي ما يدل على أنه كان في كل مدينة فقهاء كثيرون

وهم يتخاصمون فيما بينهم. فلا مجال للتقية من آراء أمثال هؤلاء الفقهاء مع مخالفة البعض منهم للآخر. فحمل الخبر على التقية لمجرد موافقته لفتوى فقيه قد يكون آنذاك مغضوباً عليه أو مطارداً من قبل السلطة، أو خائفاً منها كأبي حنيفة، في غاية الوهن.

نعم، بعد أبي حنيفة اشتهرت آراء تلاميذه أمثال أبي يوسف ومحمد بن الحسن بعد تصحيحيهم لآراء أستاذهم الاعتقادية، وتفاهمهم مع الدولة. ولكن ذلك كان بعد زمان الإمام الصادق (عليه السلام)، فلا معنى لتقية الإمام الباقر والصادق (عليه السلام) من آراء وفتاوى أبي حنيفة أو حمل أقوالهما على التقية لموافقتها لآراء أبي حنيفة ومما يترتب حول البحث التأريخي الذي ذكرناه، فكرة ذكرناها في بحث التقية، فان المخالفة مع احكام القضاة والحكام في الديوان والمواريث او في الصلاة جماعة وامثالها، من المجالات التي يتصدى لها القضاة والحكام، كانت تعبر معارضة للسلطة، والملاحظ ان بعض العامة كانوا يخضعون لهذه الاحكام، لانه في اعتقادهم غير الصحيح ان الخليفة ولي الامر. وكذلك الافراد المنسوبين للخليفة، سواء كان حاكماً او قاضياً، وكانوا يغضون النظر عن مقاييس تعيين الحكام والقضاة، او مقاييس حكمهم وقضائهم، والسلطة حينما تريد اشاعة امر بين الناس، سواء كان مباحاً او محرقاً، أو ترويج بدعة بينهم، فتتوسل بمختلف وسائل لترويجها واثبات مشروعيتها واقناع الناس بها، مع ملاحظة ان بعض العامة، يعتقدون باتباع الخليفة بما انه ولي الامر، لذلك يكتسب ذلك الامر او البدعة صفة عمومية من خلال ذلك الاعتقاد وتلك الاساليب، وهذا هو معنى العامة في الرواية (ما خالف العامة ففيه الرشاد) ومرجعها لهذا التفكير العمومي الذي اوحته السلطة، وتبنت تنفيذه واشاعته، وهذه

الاحكام تتمثل باحكام القضاة والحكام، واما الفقهاء والمفتون، فلا يملكون منصب القضاء، بل كانوا يتجنبونه، وربما خالفوا السلطة أو القضاء واحكامها، وكان تأثير ونفوذ هؤلاء الفقهاء قليلاً في زمان الامام الصادق (عليه السلام)، بل كانوا مختلفين كثيراً في الرأي والفتوى، وخاصة في المسائل الفرعية، ففي الكوفة مثلاً كان يوجد ما لا يقل عن شيئين فقيها من فقهاء العامة، وفي المسائل الجزئية التي لا تمس السلطة لو وردت رواية في رواياتنا، موافقة لرأي احد فقهاء العامة، فحملها على التقية لانها موافقة لرأي أبي حنيفة مثلاً، غير صحيح، مع ملاحظة عدم نفوذ هم آنذاك، ومع الاختلاف الشديد بينهم، حيث كان احدهم يخالف الاخر، وكان الاختلاف جائزاً بينهم، بل ان بعضهم كانوا يقولون بالتصويب وان للفقهاء حق التشريع في بعض المجالات، فلا حذر أو التقية من مخالفتهم، في هذه المسائل غير الحساسة.

نعم في الاحكام والمسائل الحساسة، فتحتمل التقية والحزر منهم، وعلى ضوء هذه الحقائق التاريخية والفقهية، فيكون قول الامام (عليه السلام) بلزوم الاخذ بما خالف العامة، او بما حكم به حكامهم وقضاتهم، من الامور الطبيعية. لأنه كان يلزم التحفظ من تلك السلطة لحد ما وملاحظة الكتمان - معها.

اذن فما هو المتعارف في الكتب الفقهية، من حمل بعض روايات الامامين الباقر والصادق (عليهما السلام) على التقية، لمجرد موافقتهما لفتوى او رأي من اراء العامة، باطلاقه غير صحيح كما لو وافق رأي الشافعي، مع انه متأخر زمانا عن الامام الصادق (عليه السلام)، او مع مالك مع انه ظهر امره بعد زمان الامام الصادق (عليه السلام)، إذ لا معنى للتقية من شخص او رأي ليس له وجود. بل حتى على تقدير وجوده، فلا يكون رآيه ملزماً من قبل السلطة، ليتقى منه.

لذلك لا بد من ملاحظة هذه الحقائق في تقويم رواياتنا. ولا بد من التفكيك بين القضاة والحكام والفقهاء، وكانت بين العامة اتجاهات ومدارس واحكام مختلفة، فاذا لم يصل الحكم أو الفتوى لدرجة المس بالسلطة الحاكمة، فليس له ذلك الشأن، الذي تلزم التقية منه، بل ربما كانت الاختلافات ونشرها، مما يفيد السلطة.

وعلى كل حال فهذه الرواية أيضاً ترشد إلى صغرى من صغريات تلك الكبرى العقلائية التي تكرر ذكرها.

وأما رواية القطب الرواندي فهي عن أبي جعفر بن بابوية عن أبيه عن سعد بن عبدالله عن أيوب بن نوح عن محمّد بن أبي عمير عن عبد الرحمن بن أبي عبدالله قال: قال الصادق (عليه السلام) : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب اللّه فخذوه وماخالف كتاب اللّه فردّوه، فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامة فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه».

وقد مر البحث حول سندها، وهي على تقدير صدورها فإنها تعتبر المرجح مخالفة أخبار العامة دون آرائهم وبينهما عموم من وجه؛ ولكن لا يبعد ان يكون المرجح المخالفة لاخبار العامة، وذلك لان أكثر أخبارهم لم تكن مدوّنه، وكانت تختلف عن فتاواهم، فإن المحدثين المتقدمين لم تكن لهم مكانتهم وتأثير هم آنذاك وإنما كانت الأهمية لأهل الرأي، ولكن هؤلاء لم يعتمدوا على الأخبار التي كانت عندهم في الفتوى، حتى قيل : إن أبا حنيفة لم يعتمد في الفقه كله على أكثر من سبعة عشر - حديثاً كما مر ذلك عن ابن خلدون.. ولكن كان من الصعب قبول هذا الرأى.

نعم، بعد تلك الفترة جاء دور المحدثين أمثال مالك والشافعي، وشاع أمرهم في زمن المتوكل، ولكنه كان بعد عهد الإمام الصادق (عليه السلام)، ولعل هذا المذهب كان في بدايات أمره.

وبالإضافة لما ذكرنا فإن أخبار العامة لم تكن مدونة للمنع من تدوينها من قبل الحكومات انذاك، بل كان المشايخ يقرؤها بعضهم على بعض آخر إلى زمن عمر بن عبد العزير الذي راى بدايات انهيار الدولة الأموية. فاجرى بعض الاصلاحات لذلك رفع المنع من تدوين الحديث وأول كتاب صُنّف في الحديث هو كتاب الموطأ لمالك، الذي لا يشتمل على أحاديث كثيرة ولسكنه كان بعد وفاة الإمام الصادق (عليه السلام) حيث كتب الموطأ باشراف العباسين بان يجتنب رخص ابن عباس وتشديدات عبدالله بن عمر، لان ابن عباس كان جدهم الا ان افكاره كانت تتلاءم مع اراء الشيعة، لانه من تلاميذ الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن ارائه الترخيص في المتعة وغيرها، وبعد ذلك اعتبر كتابا رسميا، مع ان الموطأ لا يشتمل الا على احاديث قليلة.

فما نجده من انتشار الحديث بتأليف الصحاح والسنن والجوامع كلها إنما حدثت في زمن متأخر. هذا لو لم نقل بما ذكره أحمد أمين من أنه لو مثلنا الأحاديث برسم بياني من زمن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) إلى الأزمنة المتأخرة، لوجدناها كمخروط رأسة في زمانه (صلى اللّه عليه وآله) وقاعدته في زماننا، فهي تتسع وتزداد يوما بعد آخر. فعلى هذا لو كان الواجب في الخبرين المتعارضين الأخذ بما يخالف أخبار العامة، لكان من اللازم على الشيعة آنذاك في زمان الإمام الصادق (عليه السلام) حيث لم

تدون أحاديث العامة ولم تشتهر بين الناس أن يدرسوا عند مشايخهم فترة؛ ليعرفوا أحاديثهم ويتعرفوا على ما يخالفها من أحاديثنا. وهو أمر صعب.

نعم، هذا الأمر كان يناسب العصر الذي شاعت فيه أحاديث العامة، وراج فيه سوق المحدثين كما في عهد المتوكل. وعلى أي حال فنحن لا نعترف بسند الحديث.

وأما من يعتبر سنده، فلا يصح له أن يعتبر المرجّح والملاك في الترجيح أقوال العامة في الروايتين المتعارضتين، فنقول مثلا : هذه الرواية تطابق رأى مالك أو رأي أبي حنيفة، فيحملها على التقية أو تطرح، وترجّح الرواية الأخرى المخالفة لأقوالهم، بل لا بد أن يكون ملاك الترجيح أحاديث العامة لا أقوالهم وآراؤهم بمقتضى رواية القطب؛ ولذلك لا بد من ملاحظة صحاحهم وسننهم وأحاديثهم ثم تعرض الأحاديث المعارضة عليها ويؤخذ بما يخالفها.

اذن فالقول بان هذه الروايات تدل على الترجيح بالمخالفة (الاخبار العامة)، لا مجال له، مع ما ذكرناه من ظروف اخبارهم، وعدم تدوينها، فكيف يرجع لملاحظة مدى موافقة الرواية لاخبارهم مع انه يحتمل ان يكون مقصود هذه الروايات التي ترجح بالمخالفة لاخبار العامة، ان بعض رواتنا قد روى عن العامة والخاصة فاختلطا عليه، وربما نسب ما سمعه عن العامة للخاصة أو بالعكس، كما نقل عن أبن أبي عمير حيث سئل عن السبب في تركه التعرف على أخبار العامة وروايتها، فاجاب لاجل التخلص عن مثل هذا الاشتباه والاختلاط.

ولكن هذا الاحتمال بعيد عن مدلول هذه الروايات، التي ترجح مخالفة العامة وانما الاقرب ان مقصودها ما ذكرناه.

والصحيح ما ذكرناه، ان مخالفة العامة ليس مرجحاً تعبديا برأسه، بل انه خاضع للقاعدة العقلائية التي ذكرناها في صرف الريبة.

وعلى أي حال فقد اختلف الأصحاب في كون مخالفة أخبار العامة من مرجّحات باب التعارض، يقول المحقق في المعارج: (المسئلة التاسعة : قال الشيخ: (إذا تساوت الروايتان في العدالة والعدد عمل بأبعدهما من قول العامة). والظاهر أن احتجاجه في ذلك برواية رويت عن الصادق (عليه السلام)، وهو إثبات لمسألة علمية بخبر واحد، وما يخفي عليك ما فيه، مع أنه طعن فيه فضلاء من الشيعة كالمفيد وغيره).

وملخص كلام المحقق أننا لو قلنا بحجية خبر الثقة أو الموثوق به فإنما هو بعد ملاحظة المخبر به، فإن كان يتضمّن فرعاً من الفروع، فالخبر الواحد يكفي لإثباته، وأما إذا تضمن أصلاً تتفرغ منه فروع كثيرة فإن خبر الواحد لا يكفي لإثباته حيث إن العقلاء لا يعتمدون على الخبر الواحد في إثبات الأصول. إذن فالاعتماد على الخبر الواحد مرتبط بدوجة أهمية الحكم الذي يتضمن الخبر إثباته، فإننا نجد من انفسنا أن الخبر لو كان يتضمن أمراً عادياً فإنه يحصل الوثوق به سريعاً، وأما إذا اشتمل الخبر على قضية اقتصادية أو عسكرية فلا يعتمد عليه إلا بعد التفحص في القرائن وتحريها. وبذلك يعسر الاعتماد على رواية رويت عن الصادق (عليه السلام) في هذه المسألة المهمة وهي مسألة الترجيح في الخبرين المتعارضين في كل أحاديث الفقه.

ولكن اشكل المتأخرون على ما ذكره المحقق، وهو عدم اثبات المسألة الاصولية بخبر الواحد الثقة، بان دليل حجيّة خبر الثقة، كما يشمل المسألة الفرعية، كذلك يشمل المسألة الاصولية كليهما، بلا فرق لاطلاق الدليل، ولكن وكما ذكرنا الاقرب صحة، اي المحقق، لأن المسألة الاصولة، تحتاج إلى مضمون الخبر، ولا يكفي نقل

الثقة فحسب، بل لا بد من ملاحظة ما نقله وانه يتلاءم مع اصول المذهب ومبادئ الشريعة، وهذه الفكرة وان كانت تشمل جميع المسائل الفرعية والاصولية في رأينا، لان الحجة الخبر الموثوق به ولكنه يتأكد في المسائل الاصولية والعلمية

وكلام المحقق حسن في نفسه، ولكن إنما نتقبله في بحثنا فيما إذا كان الحديث يتضمن مرجحاً تعبدياً، وقد ذكرنا في محله أن المقبولة تتضمن إرشاداً إلى ماجرى عليه العقلاء من اعتبار المرجّحات التي تصرف الريبة عن الخبر إلى مخالفه، ومن باب التنبيه على بعض صغرياتها من قبل الإمام (عليه السلام) ولا تتضمن مرجحاً تعبدياً. ونحن نقطع بهذه الحقيقة من خلال دراستنا للمحيط والظروف التي كانت تتحكم في صدور الرواية آنذالك فليس الترجيح بالمخالفة من باب الاعتماد على خبر واحد فحسب في مسألة علمية كهذه وإنما هو أيضاً اعتماد على تلك المسيرة والمرتكزات العقلائية التي كان الخبر إرشاداً لها، وقد اتضح مما ذكرنا أن مخالفة العامة من مرجحات باب التعارض، ولكن بشرط أن تكون عاملاً في صرف الريبة عن الخبر المخالف إلى الموافق، وإلا فمجرد موافقة الخبر للعامة لا يصحح الترجيح.

فالرواية تشير للقاعدة العقلائية، والمهم صرف الريبة من احد الخبرين للاخر، فربما كانت الاخبار الموافقة للعامة، هي الحق، واما المخالفة غير صحيحه، كما في اخبار العدد في شهر رمضان، حيث انه بمقتضى صرف الريبة عقلائياً، تنصرف الريبة عن الاخبار النافية لتحديد شهر رمضان بالثلاثين، وتتوجه لاخبار الثلاثين. فان بعض الفقهاء في ذلك العصر كالصدوق اخذوا بروايات الثلاثين، ولكن ردها جماعة من الاصوليين والمحققين من علمائنا كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي، قد ناقشوا فيها، والفت رسائل في ذلك، تسمى بالرسائل العددية، حيث يرون هذه

الروايات غير موافقة للقواعد العلمية، بل ان شهر رمضان كسائر الشهور، بالاضافة إلى ان الشيخ في التهذيب. والشيخ المفيد في رسالته، يذكون روايات كثيرة بان الميزان هو الرؤية لا العدد، ولكن بما ان الصدوق ذكر رأيه بلهجة شديدة لذلك قوبل بذلك.

الطائفة الرابعة: ما تدلّ على الترجيح بالأحدثية

ويقصد به: رحجان الخبر المتأخر صدوره زماناً على المتقدم في الصدور. ونسب القول بالترجيح بالأحدثية إلى الشيخ الصدوق؛ استناداً إلى عبارة مذكورة في الفقية، فإنه بعد نقله خبرين يقول: (قال مصنف هذا الكتاب: لست أفتي بهذا الحديث بل أفتي بما عندي بخط الحسن بن علي (عليه السلام). ولو صح الخبران جميعا لكان الواجب لأخد بقول الأخير كما أمر به الصادق (عليه السلام)، وذلك أن الأخبار لها وجوه ومعان، وكل إمام أعلم بزمانه واحكامه من غيره من الناس).

واختلف فيما يقصده الشيخ الصدوق بقوله هذا، ففي الحدائق يستظهر أنه يقبل الترجيح بالأحديثه مطلقاً، ولكن في الوسائل قال: (يظهر من الصدوق أنه حمله على زمان الإمام خاصة، فإنه قال في توجيهه : (إن كل إمام أعلم بزمانه...)).

والظاهر الأخذ بقول صاحب الحدائق؛ فإن تعليل الصدوق وإن كان يقتضي ما ذكره صاحب الوسائل من أنه لو كانت علة الترجيح بالأحدثية هي أعلمية كل إمام بزمانه - لاقتضى عدم الترجيح بها في زمان الغيبة، لأن قول كل إمام يكون حجة في زمانه، إلا إن استعمال الصدوق للترجيح في غير مورد صدور الحكم وعصره يدل على أنه يجعله مرجحاً مطلقاً.

والكلام في هذا المرجح يقع في ثلاث جهات:

الجهة الاولى: في ذكر الروايات الواردة في موضوع الاحدثية، والبحث عن سندها ودلالتها.

الجهة الثانية: في بيان أنه هل إن الأحدثية مرجّح عقلائي في باب التعارض، أو إنه تعبدى من قبل الشارع؟

الجهة الثالثة: في بيان حكم ما لورويت رواية عن بعض الفقهاء المعاصرين لأحد الأئمة المتأخرين : وهم أصحاب الجوامع ومن وصلت إليهم الروايات المتخالفة المروية عن الأئمة السابقين : فاستفتوا فيها الإمام المتأخر عن هذه الأخبار المتعارضة، فهل تقدم رواية الامام اللاحق التي تمثل رأيه في الاخبار المتعارضة السابقة عليها أم لا ؟ من روايات الأئمة الصادرة في هذا المجال أم لا؟ وهذه الجهة لا ترتبط بالترجيح بالأحدثية، ولكن ألحقناها به لوجود التناسب فيما بينهما، وسيأتي توضيحه.

أما البحث في الجهة الاولى، فالروايات الواردة في خصوص الموضوع ثلاثة:

الرواية الأولى: ماجاء في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن أبي عمر الكناني قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): ـيا أبا عمر أرايت لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا، ثم جئتني بعد ذلك فسالتني عنه، فأخبرتك بخلاف ماكنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك، بأيهما كنت تأخذ؟». قلت: بأحدثهما وأدع الآخر، فقال: «قد أصبت يا أبا عمر، أبي اللّه إلا أن يعبد سراً. أما والله لئن فعلتم ذلك إنه لخير لي ولكم ابي اللّه عز وجل لنا في دينه إلا التقية».

وقد عبر عنها بمصححة أبي عمر الكناني، ولكنه غير صحيح؛ لأن أبا عمر الكناني لم يعنون ولم يذكر في كتب الرجال، فهو مجهول، وليس له في الكتب الاربعة سوى هذه الرواية.

ولكن جاء في الوسائل، نقلاً عن كتاب المحاسن للبرقي عن أبيه عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عند اللّه (عليه السلام) مثله. فهشام بن سالم ينقله هنا عن الإمام مباشرة بدون توسط أبي عمر الكناني، فالسند معتبر.

ولكن يلاحظ على ذلك:

اولاً: أن هذه الرواية غير موجودة في كتاب المحاسن الذين بين أيدينا، ولم يعثر معلق الوسائل عليها أيضاً، وفي جامع الأحاديث ينقلها عن طريق الوسائل عن المحاسن، فلا بد أن تكون عند صاحب الوسائل نسخة أخرى من المحاسن تشتمل على هذه الرواية، ولا نعلم هل يمكن الوثوق بنقل صاحب الوسائل أو بنسخته على تقدير وجودها أو أن النسخة المطبوعة أرجح من نسخة صاحب الوسائل؟

وثانياً: أن هذه الرواية الواحدة تارة ينقلها هشام بن سالم عن الإمام مباشرة وأخرى بواسطة أبي عمر الكناني، والواقعة واحدة، فمع غض النظر عن القرينة الآتية يدور الأمر فيها بين نسختين، والأرجح من حيث الاعتبار نسخة الكافي، لا نسخة المحاسن التي لم تشتهر كالكافي؛ فإن نسخة الكافي كانت مقروءة ومتداولة عند العلماء عبر التاريخ، وأما نسخة المحاسن فليست كنسخة الكافي في الاعتبار، ولا اعتبار بأصالة عدم الغفلة عن الزيادة لو دار الأمر بينها وبين النقيصة. وماذكر من أن بناء العقلاء جار على تحقق الغفلة عن النقيصة لا الزيادة، فليس هو من الأصول العقلائية كما أو ضحناه في محله، بل قيل : إنه قد زيد في المحاسن ونقص من قبل النساخ فيثبت أن هشاماً نقل الرواية عن أبي عمر الكناني، فلا يعتمد عليها.

ثالثا: أن نفس متن الحديث يشهد بأن الراوي أبو عمر الكناني؛ لأنه قد تكرر ذكر أسمه فيها حتى على نقل المحاسن مرتين، وهما قوله : «يا أبا عمر، أرأيت لو حدثتك»، وقوله: «قد أصبت يا أبا عمر». ومن الواضع أن لفظ (ابا عمر) لم يكن من كنى هشام بن سالم؛ فيعلم من ذلك أن المراد به هو الكناني. بالإضافة إلى أن هشاماً لو كان حاضراً في المجلس فلا معنى لنقل الرواية عن أبي عمر، وإذا لم يكن في المجلس فكيف ينقلها بلا واسطة.

فهذه القرائن تبعث الاطمئنان بكون الراوي هو أبو عمر الكناني، وأن هشاماً نقلها بوساطته، فيسقط الحديث من حيث السند والرواية مع هذه الاحتمالات ليست مورداً للوثوق والاطئنان بالصدور.

واما من حيث الدلالة، فإنها تدل على الترجيح بالأحدثية في الجملة، وسياتي بيان حدوده.

الرواية الثانية: ماجاء في الواسائل عن الكافي عن علي عن أبيه عن عثمان بن عيسى عن الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «أرايتك لو حدثتك بحديث العام، ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه، بأيهما كنت تأخذ؟». قال: كنت آخذ بالأخير. فقال لي: «يرحمك اللّه». ولا ندري هل المراد من بعض أصحابنا هو نفس أبي عمر الكناني لتكون الروايتان رواية واحدة، أم غيره فتكون مرسلة. وعلى أي حال فهي ضعيفة بالإرسال بالإضافة إلى جهالة حسين بن المختار.

الرواية الثالثة: ما جاء في الوسائل أيضاً عن الكافي عن علي عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس عن داود بن فرقد عن المعلى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إذا جاء حديث عن أولكم وحديث عن آخركم، بأيهما نأخذ؟ فقال:

«خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله». قال: ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم». قال الكليني: وفي حدیث آخر: «خذوا بالأحدث».

ولا يبعد أن يكون قوله في الذيل إشارة إلى رواية أبي عمر الكناني في كتاب الإيمان والكفر. وقد نقل هاتين الروايتين في باب اختلاف الحديث في أول أصول الكافي فقصد بذلك الإشارة إلى تلك الرواية.

وكيف كان فالحديث عن السند تارة يكون حول إسماعيل بن مرار ولكن يمكن دفع الاعتراض عنه وأخرى حول المعلى بن خنيس الذي ضعفه جميع الرجاليين، مع أنه قد وردت فيه روايات مادحة وقد يرفض تضعيفهم له مع وجود هذه الروايات المادحة، ولكن فيه تردد.

وأما من حيث الدلالة فإن ارتباطه بالترجيح بالأحدثية يبتني على إرجاع الضمير في «خذوا به» إلى الأخير، ولكن يحتمل أن يرجع إلى «أحدهما» أي العنوان الانتزاعي، فيكون نظير قوله (عليه السلام): «بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك»، فيدل على التخيير. ويحتمل أن يكون المراد: خذبهما على طبق الموازين العقلائية في المتعارضين، فيكون الخبر مجملاً لا دلالة فيه على المراد.

على أنه قد يكون الأمر بالأخذ بالمتأخر من باب قلة الأسناد وكثرة الرواية عن الائمة المتأخرين غير الجهات الاتية في الجهة الثانية من البحث، وقوله (عليه السلام): «إنا والله لا ند خلكم الأ فيما يسعكم» يقصد به: أنا لا نأمركم بما يضيق عليكم كعرض جميع الأخبار علينا أو أخذ جميع الأحكام منا، أو الأخذ بالأخير بناء على الاحتمال الثاني، أو غير ذلك. وعلى أي حال فهي لا تدل على المطلوب.

الجهة الثانية: هل يمكن تخريج الترجيح بالأحدثية على الموازين العقلائية؟ وهل إن الترجيح بالأحدثيّة جار وفق الموازين والمرتكزات العقلائية كما يشير إليه قول أبي عمر على تقدير ثبوت الرواية : (بأحدثهما وأدع الآخر)، على اعتبار أنه من العقلاء، ويأخذ بالسيرة العقلائية في هذا المجال، مع ما يقال من أنه لا معنى للترجيح بالأحدثية مع كون الأخبار كاشفة محضة؟ كما إذا وقعت واقعة فجاء عنها خبران أحدهما يوم السبت والآخر يوم الاحد، فما هي الميزة في المتأخر كي يؤخذ به؟ وأي معنى للترجيح بمجرد صدوره متأخراً؟

ولكن ذكرنا أن الأحاديث ليست كاشفة فحسب، بل إن لا ختلاف الأحاديث مناشئ. ومبادئ. وما يمكن أن يكون مرتبطاً بالمقام أمور ثلاثة يمكن أن تعتبر أسباباً للترجيح بالأحدثية.

الأمر الأول: أن من المحتمل أن يكون الحكم الذي بينه الإمام السابق أو الحكم المتقدم من الإمام الواحد، حكماً ولائياً يدور مدار المصالح والمفاسد المتغيرة، فاذا تبدلت الظروف ينتهي أمده فيجعل حكماً اخر، أو يرجع إلى الحكم الذي سبق تلك الظروف. وقد تقدم ذكر بعض الشواهد على ذلك، كما لو ورد خبر بتحريم استعمال الدخان لبعض المفاسد المترتبة على استعماله ثم ورد خبر آخر بحليته، فإنه يتعين الأخذ بالأحدث، او يحمل على انتهاء أمد الحرمة فيعود الحكم إلى ما كان عليه أولاً وهذه هي طبيعة الاحكام الولائية.

الأمر الثاني: قد سبق أن ذكرنا أن للأئمة (عليه السلام) حق النشر والكتمان بحسب المصالح المقتضية لذلكولا تجب عليهم الاجابة عن كل سؤال يطرح عليهم، كما لا يجب عليهم ذكر الواقع بجميع حدوده وتفصيلاته، فلربما يكتم حكماً لا قتضاء

المصلحة ذلك، ولكن مصالح الكتمان متغيرة بحسب ما يرتبط بالسائل، أو بعموم الشيعة أو بأنفسهم (عليه السلام)، فمثلاً قد يأمر شخصاً بالتوضؤ ثلاثاً ثلاثاً، أو بأن يمسح على الخفين تحفظاً عليه وصوناً له لتواجده في زمان أو مكان يجب عليه الاتقاء فيهما، وهو لا يعلم بحاله، ثم وبعد تغيّر الوضع أو انتقاله إلى مكان آخر يأتيه الأمر بالتوضؤ بالصورة الصحيحة فهنا يتعين عليه الأخذ بالأحدث، سواء كان الحكم واقعياً أو بحكم المصالح التي يعلمها الإمام (عليه السلام).

وذلك لاختلاف طبيعة الحكام او القضاة أو الظروف، من حيث الشدة والضعف، ولذلك قد تتغير بعض الاحكام، ولا بد من الاخذ من الامام الحي، وفي بعض الروايات التأكيد على الشيعة في معرفة امامهم، والسؤال منه، ليتفقهوا، او إذا افتي تقية فيلزم على الشيعة العمل به، لاجل الابقاء على ارتباطهم بالامام، فعن علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن عيسى بن عبيد عن أبي جعفر الاحول عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: (لا يسع الناس حتى يسألوا أو يتفقهوا ويعرفوا امامهم ويسعهم ان يأخذوا بما يقول ولو كان تقية)، لذلك يجب عليهم الاخذ بالاحدث.

الأمر الثالث قد تقدم في بحث الفتيا أنها عبارة عن تطبيق المفتي الكبرى الكلية في نفسه على ماسأله المستفتي، فيمكن أن تنطبق كبرى معينة على المستفتي في عام في حين أنها في عام لاحق تنطبق عليه كبرى كلية أخرى، وبذلك يتغير حكمه.

اذن، فموضوع الحكم قد يتغيّر بالنسبة لشخص واحد باختلاف الحالات التي تعرض على الشخص، فقد تمربه أدوار ثلاثة من حيث الفقر والغنى، وفي جميع هذه الحالات يرتكب ما يوجب الكفارة، وبذلك سيختلف الحكم باختلاف وضعه من حيث التمكن والغنى، فقد يؤمر بذبح شاة باعتبار كونه فقيراً، وبعد تغير حالة وتمكنة

قليلاً يؤمر بذبح بقرة، ولكن بعد ذلك لما يكثر ماله ويصبح موسراً يحكم عليه بذبح بدنة. ولاريب في مثل هذه الحالات من وجوب الأخذ بالحكم الأحدث، فحكم المفتي حكم الطبيب، فإنه يطبق القانون الطبي على المريض ليرى ما ينطبق عليه، ففي حالة ربما يقول للمريض : اشرب دواء، وفي حالة اخرى اشرب دواء غيره، فكذلك المفتي يشخص السائل وأوضاعه فيطبق الحكم الكلي عليه. فمن الطبيعي إذن أن يكون في مرحلة الفتيا اختلاف في الحالات الاحكام.

وهكذا قد يفترق الأمر بحسب المصطلحات باختلاف الظروف، فلو أوصى شخص في زمان بجزء ماله لزيد مثلاً وكان المتبادر لفظ الجزء آنذاك السدس، ثم تغير المصطلح فانه في الوصية الجديدة لابد من الاخذ بمدلوله الجديد لا القديم. ولأجل ذلك جاء في منية المريد للشهيد الثاني بأنه (لا حق لشخص أن يفتي إلا إذا ماعلم العادات والشؤون المتعلقة بمحل سكونة المستفتي)).

فاتضح أنه يجب الأخذ بالأحدث من أقوال الطبيب والمقوم والمفتي على وفق الموازين العقلائية. وقد أشير إلى بعض ما ذكرنا في ذيل رواية ابي عمر الكناني في قوله (عليه السلام): «قد أصبت يا أبا عمر، أبى اللّه إلا أن يعبد سراً، أما والله لئن فعلتم ذلك إنه لخير لي ولكم، أبي اللّه عز وجل في دينه إلا التقية». وكذلك ما جاء في رواية المعلى بن خنيس من أمره بالأخذ بالمتأخر، فإنه قد يكون إشارة إلى بعض ما ذكرناه من أن الحكم الذي يصدر من الإمام المتقدّم يكون نافذاً حتى يصدر من الإمام المتأخر خلافه، كما هو الشأن في القوانين المجعولة عند تبدّل الظروف أو تبدل الحكومات.

وعلى ضوء ذلك فلا وجه لتوهم أنه يتعين علينا نحن أيضاً الأخذ بالأحدث بالنسبة إلينا مطلقاً، فالروايات المذكورة إنما هي فتاوى، وقد سبق أن الفتوى لا تكون حجة على غير المستفتي. إذن فلابد من ملاحظة الروايات على ضوء الموازين المذكورة.

فما ذكر في هذه الامور الثلاثة والاخذ بالاحدث، انما هو على ضوء الموازين العقلائية، ولكن هذه الامور انها ترتبط بزمان الحضور، ولاؤلئك الافراد الذين عاشوا في ذلك الزمان، لا الافراد والذين ياتون بعد قرون، لاختلاف الظروف، والحالات المرتبطة بالمستفتي أو مصالح النشر والكتمان، ولكن هذه الامور تفيد الفقهاء في عصر الغيبة - وكيفية معالجتهم لحالات المستفتين، وتعريفهم بالضوابط التي يمشون عليها في حالات الحكم الولائي، وظروف النشر والكتمان، اذن فالاحدثية لا يستفاد اعتبارها مرجحاً من الرواية بل انها منبهة ومرشدة للفقهاء في طريقة العمل في امثال تلك الظروف.

فتبين أننا في غنى عن هذا البحث بعد ضعف الروايات، وعدم دلالة ما يمكن أن يصح منها، لكن ربما تكون الروايات معبّرة عما كان يفعله الأئمة (عليهم السلام) وأصحابهم في مثل هذه الظروف لتكون خطة للفقهاء ومقلديهم يسيرون على وفقها.

وأما الجهة الثالثة، فهناك أصول وكتب تشتمل على الروايات صنفت في زمن الصادقين (عليهما السلام)، ولكن في عهد الكاظم والرضا (عليهما السلام) صار الأصحاب بصدد تأليف الجوامع الحديثية، مثل جامع الآثار ليونس عبد الرحمن، ونوادر ابن أبي عمير، ومشيخة الحسن بن محبوب. وقد اشتملت هذه الجوامع على تلك الاصول بعد عرضها على الإمام (عليه السلام) وتنقيحها، وإذا ما واجهوا

روایات متعارضة فيها حاولوا علاج التعارض فيما بينها باعتبارهم فقهاء. وكان يقل رجوع هؤلاء إلى امام عصرهم؛ لعدم تمكنهم من ذلك، وعلى الأخص في عهد الإمام الكاظم (عليه السلام) الذي قضى مدة طويلة في السجن، كذلك الهادي والعسكري (عليه السلام) اللذين فرضت عليهما الإقامة الجبرية في سامراء. فالأمر كان موكولاً إلى الفقهاء، وهؤلاء إنما كانو يراجعون الإمام (عليه السلام) في خصوص ما يستعصي عليهم حلّه، فإذا رأينا الفقهاء يسألون الرضا (عليه السلام) عن مسألة اختلف ما ورد فيها عن آبائه البررة (عليهم السلام) ويعجزون عن علاج التعارض، لذلك يطرحون هذه الاخبار المتعارضة على الامام (عليه السلام) ليتعرفوا على القول الفصل فيها. ويجيبهم الإمام (عليه السلام) بجواب، فلاريب في تعيّن الأخذ بالجواب والقول الفصل الذي ذكره الامام الرضا (عليه السلام) دون الاخذ بالروايات المتعارضة ؛ فان جوابه (عليه السلام) يكون ناظراً إلى الروايات المتعارضة الواردة في ذلك الموضوع وحاكما عليها ؛ ولذا يجب الأخذ به.

ونحن قد سلكنا هذا الطريق في علاج بعض الروايات المتعارضة في الفقه، كما في مسألة من أجنب نفسه متعمداً مع علمه بعدم وجود الماء أو علمه بتضرره باستعماله، فإنه قد جاء فيها ما يدلّ على وجوب الغسل والإعادة، وجاء في بعض آخر ما يدل على الترخيص في التيمم فيها، فنلاحظ أن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الذي كان من كبار فقهاء الطبقة الثالثة ومن أصحاب الرضا (عليه السلام) يروي عن دواد بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) ما يدل على الترخيص بالتيمم، ولكنه يعود ليطرح المسألة بعينها على الرضا (عليه السلام).

والمسالة كانت مشهورة لكثرة الابتلاء بها، فلابد أن يكون سؤاله هذا لأجل أن يجد علاجاً للاختلاف الموجود بين الروايات في ذلك. وجواب الإمام (عليه السلام) كان ناظراً إلى ما ورد عن آبائه (عليه السلام) وحاكماً عليها؛ ولذا يتعين الأخذ به لذلك، لا لكونه هو الأحدث.

فتبين أن الترجيح بالأحدثية لا أصل له، وفي غاية الضعف.

إلى ها ننتهي من ذكر أخبار الترجيح، وقد اتضح أن شيئاً منها لا يرتبط ببيان مرحج تعبدي، بل كلها تشير إلى ذلك الأصل العقلائي المتبع في باب تعارض الأمارات التي تمكن الفقيه من صرف الريبة من أحد الخبرين للآخر، بل وحتى الطائفة الأخيرة التي استدل بها على الترجيح بالأحدثية توضح بأنها تشير إلى ذلك الأصل العقلائي أيضاً.

الطائفة الخامسة: أخبار التخيير

وهي جملة من الروايات استدل بها على كون الحكم في الخبرين المتعارضين هو التخيير. ويقصد به التخيير الأخذي، فإذا أخذ المكلف بأحدهما كان حجة في حقه. والتخيير كماترى حكم خلاف القاعدة، فالأصل العقلائي في المتعارضين هو الترجيح مع وجود ميزة مرجحة، والتساقط مع التكافؤ وفقد المرجح.

وقد التزم جماعة كثيرة بذلك في الخبرين المتعارضين، والشيخ الكليني في مقدمة کتابه الكافي الشريف بعد أن ذكر المرجّحات وأكد على أنه لا يعرف من ذلك كله إلا أقله قال: (ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كله إلى العالم وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله: «بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم».

ولكن اختلفت أقوالهم في أن التخيير حكم ثابت للخبرين المتعارضين مطلقاً وإن اشتمل أحد الخبرين على ميزة مرجحة كما عن صاحب الكفاية وربما نسب للشيخ الكليني في الكافي أو أن التخيير يأتي في مرتبة متأخرة عن ملاحظة الترجيحات وفي صورة التعادل فقط.

وأخبار هذه الطائفة على قسمين قسم ذكر فيها التخيير حكماً للخبرين المتعارضين على نحو الكبرى الكلية، وقسم يعرض فيه السائل خبرين على الإمام (عليه السلام)، وهو يتصور أنهما متخالفان فيجيبه الإمام (عليه السلام) بما يدل على التخيير بينهما:

القسم الأول. ولما كان القسم الأول يتمثل في جملة من الروايات وردت في الكافي وعوالي اللآلي والاحتجاج، والرويات والواردة في المصدرين الأخيرين جميعها مرسلة،

ولذا فهي بالإعراض عنها أولى، فإنا نقف عند روايات الكافي منها فقط وما جاء فيه في هذا المجال روايتان:

الاولى: موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يروية؛ أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع ؟ قال : «يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه». قال الكليني بعد نقل الحديث: (وفي رواية أخرى: «بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك»). ويظهر أن الثانية مأخوذة من بعض أحاديث الطائفة الثانية، فالعمدة هي الموثقة، والاستدلال بها على المطلوب يعتمد على تمامية أمرين:

الأول: أن يكون الحديث وارداً في اختلاف الروايتين، بمعنى أن السؤال فيها عن وظيفة الفقيه عند اختلاف الأحاديثبان يدل حديث على الامر والآخر على النهي، أما إذا كانت واردة في تحديد وظيفة العامي عند اختلاف الفتاوى، فإنها ستكون من روایات باب الاجتهاد والتقليد لا من نصوص الباب. ويؤكد ذلك أن عبارة (رجل اختلف عليه رجلان...) ظاهرة في اختلاف فقيهين عليه بفتويين مختلفتين، وكل منهما يروي مستند فتواه فالاختلاف إنما هو في الفتوى، ومنشؤه اختلاف الروايات.

الثاني: على تقدير ارتباطها باختلاف الروايات ولكن انما تدل على المطلوب فيما لو كان المقصود بالذيل في قوله: «فهو في سعة حين يلقاه»: أنه في سعة بالأخذ بأي منهما شاء، لتدل على التخيير الاخذي، والا فلو كان ذلك لدوران الامر بين محذورين أو غيره فهو لا يدل على المطلوب.

وكلا الأمرين ممنوعان.

أما الاول، فلأنه وإن فهم المشهور منها ورودها في الحديثين المختلفين ولذا نرى الكافي يدرجها ضمن روايات باب اختلاف الأحاديث، واستظهره أكثر من شراح الكافي مثل المجلسي والملا صالح المازندراني، بل عليه عامة الاصولين الذين لا حظنا مصنفاتهم وآراءهم لكن مثل الملا رفيع الكيلاني من شراح الكافي يرى أن الصحيحة ورادة في الفتويين المختلفتين.

والتدقيق في ظاهر الحديث يؤكد صحة ما فهمه الشارح الأخير وانها مرتبطة باختلاف المفتيين ؛ فإن قول السائل: (اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه) ظاهر في أنه يعرض فقيهين اختلفا في أمر رجل عامي، وأحد الفقيهين يأمره بأخذه والفقيه الآخر ينهاه عنه؛ لأن المتعارف في التعبير عن امر كهذا يكون بمثل هذه العبارة، وإلا فلو كان الواقع هو فقيه نقل له رجلان حديثين مختلفين، لكان المناسب أن يعبر عنه هكذا: (في رجل اختلف عليه حديثان في أمر)، فقوله (اختلف عليه) يدل على أنه سألهما عن أمره، فكانا في مقام تعيين وظيفته بالنسبة إليه.

وقوله: (وكلاهما يرويه) يدلّ على أن مستند فتوى الفقيهين هو ما يرويانه، لا أنهما ينقلان للعامي روايتين؛ فإن شأن الراوي نقل الحديث فقط لا تحديد وظيفة المكلفين والفتويفهما يختلفان في حكم الواقعة الواحدة، ومنشأ اختلافهما في الفتوى أو الحكم اختلافهما في الرواية، وذلك لاجل عدم اطلاع احدهما على مستند الاخر وروايته، ولكنها في نظره ضعيفة سنداً او دلالة او غير ذلك. وفي قوله: (وكلاهما يرويه) إشارة إلى أن مستند الفقيهين في فتواهما ليس هو القياس والاستحسان، بل أن مستندهما في ذلك ماروي لهما عن الأئمة (عليهم السلام).

فشأن هذه الصحيحة شأن مقبولة عمر بن حنظلة، حيث ورد فيها: (وكلاهما اختلفا في حديثكم). وقد تبين بما لا مزيد عليه أن موردها اختلاف الفقيهين في الفتوى لا اختلاف الحديث. وعليه فلا يكون التعبير بقوله : (كلاهما يرويه) شاهداً على أنها واردة في الحديثين المختلفين، كما لم يكن شاهداً لذلك في المقبولة، فإنه كان متعارفا فيما بينهم آنذاك.

ثم جاء فيها: (أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه)، وهذه الجملة أيضاً تناسب إرادة الاختلاف في الفتوى؛ لأن الفقيه هو الذي يطبق الكبريات على القضية الخارجية، ويرشد العامي إلى وظيفته الشرعية بحسب ما يراه من حاله فيأمره أو ينهاه إرشاداً، وأما الراوي فهو لا يأمر ولا ينهى، وإنما شأنه نقل الحديث فقط.

ثم جاء فيها: «يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه»، وهو تعبير يلائم الفتيا أيضاً؛ لأن إيكال الفقيه إلى رجل يخبره وأمره بالإرجاء لا يتناسب مع شأنه، بل لابد من إرجاعه إلى القواعد العقلائية مما يوجب صرف الريبة من أحدهما إلى الآخر، لا أنه متى واجه روايتين متعارضتين يجب عليه أن يتوقف وهو في سعة، فعن أي شيء هو في سعة؟ عن الفتوى أو عن القضاء أو عن الاجتهاد والاستنباط؟ لا معنى لكل ذلك.

على أنه لو قال: (حتى يلقى الإمام فيخبره) لكان لإرادة الفقيه وجه، ولكنه قال: ـيرجئه حتى يلقى من يخبره»، وهو عام، والمراد به هو الأعلم الذي يُجري وجوه الترجيح بين الحديثين، فيحكم بما يخرج به فهو يتناسب مع فرض كون الرجل عامياً راجع فقيهين ولا يقصد بهما الأعلم، ولعله عنى ذلك بقوله: (رجلين من أهل دينه)

فاختلفا في حلّ مشكلة، فاجيب بأنه يؤخّر الأمر حتى يلقى من يخبره ممن يكون كلامه حجة في حقه، ويكون رأيه حاكماً على رأي المفتيين، وهو في سعة في هذه الفترة.

فظاهر عبارات الصحيحة أن موردها هو اختلاف المجتهدين ومرتبطة بباب الاجتهاد والتقليد.

هذا بالنسبة إلى الامر الأول، أما الأمر الثانيفانه على تقدير ارتباط الصحيحة باختلاف الراويين لا المفتين، فانها تدل على التخيير الاخذي فيها مع اختلاف الروايتين فيما لو لم تدل على ان التخيير لسبب آخر، بينما المطلوب دلالتها على التخيير الاخذي، فهناك احتمالات متعدّدة في بيان معنى السعة والتخيير غير ما قيل من أنه يعني السعة في الأخذ لتكون نتيجته التخيير:

الاحتمال الأول: ما ذكره بعض الأعاظم، وهو أن يكون قوله: «هو في سعة حتی يلقى...» إرشاد إلى ما يحكم به العقل في مورد (دوران الأمر بين محذورين من التخيير واللاحرجية) لان السائل يفرض أن احدهما يأمره والآخر ينهاه عنه، وبما أن ظاهر الأمر الوجوب والنهي الحرمة، لذا فإنه يحصل عنده علم إجمالي بأنه إما واجب وإما حرام، وهو مورد دوران الأمر بين محذورين.

ولكن هذا الكلام يتوقف على مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن يكون ظاهر الأمر والنهي المذكورين في الرواية: المولوى الاستقلالي منهما، وإلا فلو كان الأمر إرشادياً وكان الحكم شرطياً لم يحكم العقل بالتخيير.

المقدمة الثانية: أن نفرض حصول علم إجمالي للسائل بصحة أحد الحكمين المذكورين، وإلا فلو احتمل غيرها وأن الحكم الواقعي هو الاستحباب أو الكراهة، فإن العقل لا يحكم بالتخيير، بل يكون ذلك مثل بقية موارد الشبهات البدوية.

ولكن هاتين المقدمتين كلتاهما ممنوعتان

أما المقدمة الاولى، فسواء فرضنا أن الأمر والناهي في الصحيحة هو الحديثان، أو فرضناهما الفقيهين فإنه لا يتبادر دائماً من الأمر والنهي هنا التكليفي المولوي الاستقلاليلان هناك اوامر ونواهي ارشادية او احكاما وضعية. فلو سال سائل عن السمك الذي ليس له فلس فحكم أحدهما بالحلية والآخر بالحرمة، فإنه يصدق أن أحدهما يأمر بالأكل والآخر ينهى عنه. فالأمر له أنحاء متعددة، فيمكن أن يكون أمراً شرطياً او ارشاد للجزئية او الشرطية كما في صلاة الظهر يوم الجمعة، فأحدهما يأمر بالجهر والآخر ينهى عنه، مع أن المورد فيه ليس من دوران الأمر بين محذورين؛ إذ يتمكن الإنسان من الاحتياط بتكرار الصلاة على أن حمل الحديث على خصوص موارد دوران الأمر بين محذورين حمل له على فرد نادر في الغاية، فإنه قلما يوجد هناك مورد اختلفت فيه الروايات أو الفتاوى بنحو الوجوب والحرمة.

واما المقدمة الثانية، فمن أين يُحرز أن السائل قد حصل له علم إجمالي بمطابقة أحدهما للواقع ليدور الأمر بين محذورين، لانه متوقف على العلم اجمالاً بصدق احدهما، ولكن هذا الشخص انما يعلم ان هذا خبر وذاك خبر آخر، ويمكن ان يكون كلاهما مخالفا للواقع، فلا يتحقق هذا العلم الاجمالي، ليكون من موارد دوران الامر بين المحذورين، وذلك لان الخبرين لا ينفيان الثالث كاحتمال الاستحباب والكراهة

مثلاً؟ فيكون كبقية الشبهات البدوية حيث يحتمل أن كليهما على خلاف الواقع، فلا يوجد هذا العلم الإجمالي.

ولو سلمنا بها تين المقدمتين، فلو كان الحديث مرتبطاً بالفقيه الذي حكي له روايتان وفرضنا أنه لا يجب الترجيح، فإنه لا يمكن إجراء حكم دوران الأمر بين محذورين في حقه وأمره بذلك، بل انه بعد عدم الترجيح والتساقط لا بد من الأمر بملاحظة ما إذا كان هناك عموم أو إطلاق أو أصل يقتضي أحد الشقين. فإن كان ذلك، فلابد من الرجوع إليه بعد تساقط الدليلين لا أن يأمره بإجراء حكم دوران الأمر بين المحذورين راساً، فإنه يمكن أن يكون في مورد التعارض عموم فوقاني يرجع إليه، لا يصل معه الأمر للأخذ بالسعة.

نعم، لو فسرنا الحديث بما ذكرناه من ارتباطه باختلاف المفتيين، فإن الأمر بإجراء حكم دوران الأمر بين محذورين يتوجه إلى العامي ما دام لم يصل إلى الأعلم؛ إذ لا يمكن أن يخاطب بالرجوع إلى العام الفوقاني.

فاتضح أن هذا الاحتمال ضعيف.

الاحتمال الثاني: أن يفسر قوله: «فهو في سعة» بالبراءة، فهذا الحكم سواء كان وجوبياً أو تحريمياً لا يكون إلزامياً ؛ وان كان الأمر والنهي استقلاليا مولويا لأنه ورد فيه حديثان، ولا يعلم إجمالاً بمطابقة أحدهما للواقع ليكون العلم الاجمالي منجزاً ؛ لأن مجرد ورود روايتين متخالفتين فيه لا يعني أنه لا ثالث لهما، فلا يكون الاحتمال منجزاً بالنسبة إليه، فتجري البراءة عن الوجوب والحرمة.

ولكن لا وجه للحكم ابتداء بالبراءة فيما إذا كان موضوع الصحيحة هو الفقيه الذي رويت له روايتان إحداهما تأمر والاخرى تنهى عنه؛ لأن الحكم بالبراءة لا يجري بالنسبة إليه إلا بعد الفحص وغيره من شروط البراءة:

نعم، إذا كان الموضوع هو العامي المقلد وقد اختلف في حكمه فقيهان، فيتصور أن تجري في حقه البراءة.

الاحتمال الثالث: أن يفسر قوله : «فهو في سعة» بأنه كذلك، أي في سعة من جهة هذين الدليلين المتعارضين فحسب، فهو يفرضهما كالعدم ويجري في الواقعة حسب ما تقتضيه القواعد. فبالنسبة للمقلد فإن علم إجمالاً بوجود حكم إلزامي بين الفتوييين يتعين عليه العمل به، وإن كان مجتهداً عمل وفق ما تقتضيه الموازين لا أنه يعمل بالبراءة ابتداء.

ويلاحظ أن الاحتمالين الثاني والثالث أقرب من حمل الحديث على التخيير الأخذي الذي يبتني عليه الاستدلال بالحديث.

فتبين أن المقدمة الثانية ممنوعة أيضاً، ويتعين أن يكون مورد الحديث هو اختلاف الفتويين، فهو مرتبط بباب الاجتهاد والتقليد. فإذا اختلف مجتهدان في فتوى فلا يجب الأخذ بالأحوط، بل إن الفتويين تتساقطان مالم يكن هناك علم إجمالي منجز، فيتعين الاحتياط، ولكنه فرض خارج عن مورد الرواية.

هذا تمام الكلام في الرواية الاولى. وفي ذيل هذه الرواية ذكر الكافي او في رواية اخرى بايهما اخذت من باب التسليم وسعك)، ولا يعلم انها رواية اخرى بنفس السند والسؤال المذكور في صدر الرواية. او انها رواية اخرى مرسلة لم يذكر سندها،

ولا دليل على الاحتمال الاول، لتكون حجة، إذ يحتمل الثاني، ولا يعلم مورد الرواية.

الرواية الثانية: وهي رواية المعلى بن خنيس التي سبق ذكرها في الطائفة الرابعة، بناءً على رجوع ضمير الغائب في «خذوا به» إلى «أيهما» وانه يمكن الاخذ بالحديث الاول او الثاني حتى يبلغكم عن الحي كما ذكره جمع من شراح الكافي، مع دعوى أنه يأمر بالأخذ مطلقاً ولكن استظهار ذلك من الرواية بعيد إذ يحتمل ان يكون الضمير (خذ به) يرجع للحديث الثاني الذي ورد عن (اخركم)، وبذلك ترتبط بالبحث السابق وهو مر حجية الاحدثية. ومع وجود الاجمال في الرواية لوجود احتمالين فيها فلا يمكن الاخذ بها، وخاصة انه بناء على احتمال التخيير فانها تدل على الرجوع اليه على ضوء الموازين العقلائية، لاننا ذكرنا انه حسب القاعدة العقلائية في باب الروايات تقديم الخبر الذي يشتمل على المرجح العقلائي. بالإضافة إلى ضعفها سنداً كما مر. فاتضح أن روايات القسم الأوّل لا تدل على التخيير.

القسم الثاني: الروايات التي تمثل تطبيق قاعدة التخيير في الخبرين المتعارضين، حيث يعرض فيها خبران متعارضان على الإمام ويسأل عن الوظيفة تجاههما فيجيب بالتخيير وهو روايتان أيضاً، وقد ذكر العلماء ثالثة نقلت عن فقه الرضا، ولكن بما أنه لا اعتبار لهذا الكتاب بحيث يعتبر ما فيه رواية فلذلك نعرض منها فان فقه الرضا هو نفس كتاب (التكليف) للشلمغاني، وهو من المعاصرين للحسين بن روح، وقد ارسله لقم، فامضاه علماؤها إلا في موردين. وكان مؤلفه يأمل ان يصبح الكتاب الرسمي للشيعة، ولكن بعد ان ارتد مؤلفه الشلمغاني اعرض عن الكتاب. ولم يكتسب الصفة التي كان ياملها، وقد استفاد الشيخ الصدوق ووالده في رسالته من

هذا الكتاب، لان بعض عباراتها نفس عباراته. ولا حجية لهذا الكتاب، لانه ليس كتاب رواية، بل كتاب احد الافراد، وان كان عالماً، حتى لو كان تأليفه في عهد الحسين بن روح، وربما تحت نظره، على تقدير صحة النسخة التي بين ايدينا، ولكن لا حجية لكل ذلك. بالاضافة إلى أن الإشكال عليها يظهر من خلال الإشكال على الروايتين:

الرواية الاولى: ماجاء في غيبة الشيخ الطوسي (كتاب آخر: فرأيك أدام اللّه عزك في تأمل رقعتي، والتفضل بما يسهل لأضيفه إلى سائر أياديك علي، واحتجت ادام اللّه عزك أن تسأل لي بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهد الأول للركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبر ؟ فإن بعض أصحابنا، قال: لا يجب عليه التكبير ويجزئه أن يقول: بحول الله وقوته أقوم وأقعد.

الجواب قال: إن فيه حديثين أما أحدهما فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة اخرى فعلية تكبير، وأما الآخر فإنه روي أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه للقيام بعد القعود تكبير، وكذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى، وبأيهما أخذت من باب التسليم كان صواباً).

هذه مكاتبة محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري مع الحسين بن روح، وهذه الأسئلة طرحت بعنوان أنها من علماء قم فهو يسأل عن وجوب التكبير عند القيام من التشهد ومنشأ الشبهة هو ان بعض الأصحاب قال بأنه لا يجب، فهو يعني أنه لولا هذه الشبهة التي اثارها بعض الأصحاب، لكنا نقول بوجوبها. ولا يقصد بالوجوب هنا معناه المصطلح عليه في مقابل الاستحباب، لعدم وجوب ما عدا تكبيرة الإحرام، بل يقصد به الثبوت، فهو يسأل: هل إن التكبيرة بعد التشهد من السنن الثابتة، أو إنه إذا جيء

بها فهي بعنوان الذكر المطلق ؟ فطلب من الحسين بن روح أن يسأل له بعض الفقهاء كما هو ظاهر اللفظ، فإن بغداد كانت يومئذ المجمع العلمي للشيعة إلى زمان هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف في عام (448)، حيث انتقلت الحوزة العلمية منها إلى النجف، وكان الفقهاء مجتمعين في بغداد، وكان الحسين بن روح رضوان اللّه عليه شيخ الشريعة فطلب منه ذلك. ومنه يتضح أن الحسين بن روح لم يكن هو مفتيا وإنما طلب منه أن يسأل الفقهاء.

ويمكن مناقشة سند الحديث من وجوه:

الوجه الأول: أن المصدر الرئيسي للحديث هو كتاب الغيبة للطوسي اما الاحتجاج، فهو وإن نقل الحديث مع تصديره بعبارة يستظهر منها أن السؤال المطلوب كان من الإمام (عليه السلام)، إلا إنه لا يعتمد عليه وان جعله الوسائل أصلاً وعطف عليه رواية الشيخ في الغيبة فقال : (وروى الشيخ في الغيبة مثله بالاسناد الاتي).

وفي كتاب الغيبة ينقل الشيخ درجين (والدرج هو الكتاب المطوي او الطومار) يقول بعد نقل الثاني الذي يشتمل على حديثنا هذا: (قال ابن نوح: نسخت هذه النسخة من الدرجين القديمين اللذين فيهما الخط والتوقيعات).

ولا ندري مدى صحة نقله الذي هو مع الواسطة فإن ابن نوح كان من مشايخ النجاشي، وأما ما جاء في كتاب الغيبة قبل نقل الدرجين من قوله: (وقال ابن نوح: أول من حدثنا بهذا التوقيع أبو الحسين محمد بن علي بن تمام، وذكر أنه كتبه من ظهر الدرج الذي عند أبي الحسن بن داود فلما قدم أبو الحسن بن داود قرأته عليه وذكر أن هذا الدرج بعينه كتب به أهل قم إلى الشيخ أبي القاسم، وفيه مسائل وأجابهم على

ظهره بخط أحمد بن إبراهيم النوبختي). فهو إنما يتناسب مع الدرج الأول ولا يعلم شموله للدرج الثاني الذي فيه محل الاستشهاد منه هنا.

الوجه الثاني: هناك سؤال وجواب ملحق بهذا السؤال ينقله الشيخ الطوسي في الغيبة يقول: (أخبرنا جماعة عن أبي الحسن محمّد بن أحمد بن داود القمي قال: وجدت بخط أحمد بن إبراهيم النوبختي وإملاء أبي القاسم الحسين بن روح على ظهر كتاب فيه جوابات ومسائل انفذت من قم يسأل عنها هل هي جوابات البقية (عجل اللّه فرجه)، أو جوابات محمد بن علي الشلمغاني) ؟ وهذا الأمر يرجع إلى خط محمد بن إبراهيم النوبختي كاتب الحسين بن روح. فيمكن ان يقال بان محمد بن احمد بن داود القمي إنما كان يعلم بأنه خط أحمد بن إبراهيم، ولكن من اين علم أنه من إملاء الحسين بن روح، أو يقال: إن الخط كان هو خط أحمد بن إبراهيم؟ ولكن أحمد هذا لم

يوثق في كتب الرجال وإن كان من طائفة بني نوبخت الذين كانوا من رؤساء الشيعة.

الوجه الثالث: يستفاد من بعض الأمارات أن الأسئلة الموجهة إلى الحسين بن روح كانت على قسمين: قسم تكفّل هو بالإجابة عنها، وقسم كان يعرضه على الإمام (عليه السلام) فيجيب عنها. فمثلاً جاء في غيبة الطوسي عن أبي غالب الزراري وهو من اكابر علمائنا في قضية اختلافه مع زوجته وتصميمه على أن يكتب كتاباً إلى إمام العصر (عجل اللّه فرجه) قال: (ثم دخلت بغداد وكان الصاحب بالكوفة في ذلك الوقت أبو جعفر محمد بن أحمد الزجوزجي وكان لي كالعم أو كان كالوالد، فنزلت عنده ببغداد وشكوت إليه ما أنا فيه من الشرور الواقعة بيني وبين الزوجة وبين الأحماء، فقال لي: تكتب رقعة وتسأل الدعاء فيها. فكتبت رقعة وذكرت فيها حالي وما أنا فيه من خصومة القوم لي وامتناعهم من حمل المرأة إلى منزلي، ومضيت بها أنا وأبو جعفر إلى محمد بن علي وكان

في ذلك الواسطة بيننا وبين الحسين بن روح وهو إذ ذاك الوكيل، فدفعناها إليه وسألناه إنفاذها، فأخذها مني وتأخر الجواب عني اياماً، فلقيته فقلت له: قد ساءني تأخر الجواب عني. فقال: لا يسؤك هذا، فإنه احب لي ولك. وأومأ إلى أن الجواب إن قرب كان من جهة الحسين بن روح، وإن تأخر كان من جهة الصاحب (عجل اللّه فرجه...).

إذن يقع الشك في الرواية من حيث إن الحميري طلب من الحسين بن روح السؤال من ولي العصر (عجل اللّه فرجه)، فيكون قوله : (تسأل لي بعض الفقهاء) كناية عن الحجة (سلام اللّه عليه)، أو أنه طلب من أن يسأل في ذلك بعض الفقهاء الذين كانوا في بغداد كما يشهد به ظاهر جملة من عبارات الدرجين :

ففي الدرج الأول: (وقد عودتني (أدام اللّه عزّك) من تفضّلك ما أنت أهل أن تجريني على العادة، وقبلك (أعزك اللّه) فقهاء، وأنا محتاج إلى أشياء تسأل لي عنها).

وفي ذيلها : فرايك (أدام اللّه عزك) بالتفضل على بمسألة من تثق به من الفقهاء عن هذه المسائل وإجابتي عنها منعماً مع ما تشرحه لي).

وأما الدرج الثاني، فقد مضى ذكر صدوره وفيه (أحتجت (أدام اللّه عزك) أن تسأل لي بعض الفقهاء عن المصلّى...).

فإن قيل: إن هذه التوقيعات وإن جاءت في حالات الحسين بن روح، ولكن العلماء أسندوها إلى صاحب العصر (عجل اللّه فرجه)، فذكر النجاشي في محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري أنه كاتب صاحب الأمر (عجل اللّه فرجه).

قلنا: لا دليل على كون كلام العلماء ناظراً إلى التوقيع الثاني، فيمكن أن يكون ناظراً إلى التوقيع الأوّل، أو غيرهما من التوقيعات.

هذه شبهات تثار حول سند الحديث، وهي موجبة للتوقف فيها.

هذا كله مما يتعلق بسند الحديث، وأما الدلالة، فقد يناقش في كونه مصداقاً للخبرين المتعارضين؛ فإن النسبة بين الروايتين هي العموم المطلق، فإحداهما تدلّ على أنه كلما انتقل المصلي من حالة إلى أخرى وجب التكبر، والثانية تدل على أنه ليس في القيام عن السجود أو التشهد تكبير، فيخصص عموم الأوّل بالثاني. ولا يعلم لماذ وقع الاختلاف فيها بين أهل قم، فأن الأسئلة هذه كانت منهم، لامن خصوص محمد بن عبدالله الحميري، مع ملاحظة أن استنكار الحميري لقول بعض الفقهاء لابد أن يكون لأجل حديث رآه.

ولكن هذه الشبهة تندفع بأن ماذكر أوّلاً من أنه إذا انتقل من حالة إلى أخرى وجب التكبير الظاهر أنه نقل إجمالي لا تفصيلي؛ إذ لم ترد رواية بهذا اللسان في كتب الخاصة ولا العامة، نعم جاء في نيل الأوطار للشوكاني: عن ابن مسعود قال: رأيت النبي (صلى اللّه عليه وآله) يكبر في كلّ رفع وخفض، وقيام وقعود). ورواه أحمد والنسائي والترمذي وغيرهم. ونقلوه عن الإمام علي (عليه السلام) أيضاً، وقالوا: ان أوّل من ألغى التكبيرات هو عثمان لضعفه عن ذلك، وتبعه معاوية ثم تبع معاوية زياد بن أبيه).

وقال الشيخ الطوسي في الخلاف : (إذا انتقل من ركن إلى ركن من رفع إلى خفض ومن خفض إلى رفع ينتقل بالتكبير، إلا إذا رفع رأسه من الركوع فإنه يقول: «سمع اللّه لمن حمده»، وبه قال جميع الفقهاء. وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وجابر، وقال عمر بن عبدالعزيز: لا يكبر إلا تكبيرة الافتتاح، وبه قال سعيد بن جبير.

دليلنا إجماع الفرقة؛ فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأيضا فلا خلاف أن من فعل ما قلناه كانت صلاته... وروى الزهري عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: «كان

رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) يكبر كلما خفض ورفع فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله»).

وأياً كان فلابد من أن يفرض أنه كان لدى محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري خبر صرّح فيه بوجوب التكبير عند كل رفع وخفض، وقيام قعود، فلذلك بقي متحيراً، كما أن الخبر الثاني أيضاً فيما يبدو منقول إجمالاً، وربما كان تفصيله ماتكرر في روايتنا من أنه في مجموع الصلوات اليومية خمس وتسعون تكبيرة، وقد روي ذلك بطرق متعددة عن الإمام علي (عليه السلام)، وكذا في الكافي رواه بسند معتبر عن عبدالله بن المغيرة، وفسرهن بأنه في الظهر إحدى عشرة تكبيرة... إلى آخره.

وفي البحار: (العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم أقل ما يجب من التكبير في كل صلاة جملتها ما قاله الصادق (عليه السلام): «إن أقل ما يجب في الصلوات الخمس من التكبير خمس وتسعون تكبيرة منها تكبيرات القنوت وليس في النهوض من التشهد تكبيرة، وإنما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول إذا قام من التشهد: بالله أقوم وأقعد أهل الكبرياء والجبروت والعظمة»، ولوكان في النهوض من التشهد تكبير لكان التكبير في الصلاة كلّها تسعاً وتسعين تكبيرة، فالتعارض ثابت بين الخبرين كما هو المناسب لسؤال علماء قم، فيندفع هذا الاعتراض عن الحديث من هذه الجهة.

ولكن الاحتجاج بهذا الحديث يبتني على مقدّمة أخرى؛ إذا قد يعترض عليه بأن الحكم بالتخيير وإن كان ثابتاً هنا، وهو ظاهر في التخيير الظاهري كما سيأتي في الرواية الثانية، ولكن كيف يتم استفادة كبرى كلية منه بحيث يكون هو الحكم في جميع الروايات المتعارضة؟ ولذلك فلابد أن يقال: إن حكم الأئمة (عليهم السلام) وفق أصول يرثونها كابراً عن كابر كما ورد في الحديث، فإذا تمت دلالة هذا الحديث على

التخيير الأخذي في هذين الروايتين تثبت في بقية موارد تعارض الأخبار؛ إذ لافرق بين مورد و مورد من هذه الجهة.

هذا، ولكن الحديث كما هو مجمل من حيث السند والدلالة، كذلك هو مجمل من هذه الجهة أيضاً، فإنه يمكن دعوى أن الحديث وإن كان يؤكّد كبرى كلية ولا يختص بمورده، ولكن تلك الكبرى ليست هي كلّ خبرين متعارضين، بل خصوص الأخبار المتعارضة الواردة في الموسعات فقط، فالإمام يحكم فيها بالتخيير وفقاً للمصالح التي تقتضي ذلك لكون الحكم من المستحبات.

على أنه يمكن دعوى أنه لو كان الإمام في فرض المسألة يحكم بثبوت التكبير لكان يؤدّي إلى ذهاب وجهة واعتبار الفقيه المنكر لذلك، ولو كان يحكم بعدم ثبوته لكان يؤدي إلى ذهاب اعتبار الطائفة الأخرى؛ ولذلك حكم بالتخيير.

فاتضح أن غاية مايدل عليه الحديث هو أنه إذا ورد في الموسعات خبران متعارضان فإن المكلف مخيّر بينهما ظاهراً، وذلك إما للسوق إلى الكمال، أو لإلقاء الخلاف بين الشيعة، أو غير ذلك.

الرواية الثانية: مايرويه التهذيب بسند صحيح عن علي بن مهزیار قال: قرات في كتاب لعبدالله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام) اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبدالله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم أن صلهما في المحمل، وروى بعضهم : لا تصلهما إلا على الأرض، فاعلمني كيف تصنع أنت لأقتدي بك ؟ فوقع (عليه السلام): «موسع عليك بأيهما عملت».

والسند معتبر، لأن عبدالله بن محمد لم يرد في سلسلة السند، ولكن الذي يمكن أن يقال هنا: إن أبا الحسن (عليه السلام) إن كان هو الرضا (عليه السلام) باعتبار أن

لعبد اللّه بن محمد عنه مسائل فتكون رؤية على بن مهزيار للكتاب بنحو الوجادة، وأنه قد عرف خط الرضا (عليه السلام) بحدسه واجتهاده، وإن كان هو الهادي (عليه السلام) باعتبار انه كان وكيلاً له - فإنه عارف بخطه - فيكون حجة. ولكن هذه الملاحظة غير مهمة، وإنما المهم هو البحث عن دلالتها على الموضوع، فقد زعم جماعة أنها لا ترتبط بمقامنا هذا.

ولكن توضيح ارتباطها بمحل البحث يتوقف على مقدمات ثلاثة:

المقدمة الأولى: أن بين الحديثين المذكورين في الرواية تعارضاً مستقراً، ولا يمكن افتراض جمع عرقي بينهما، فإن الأمر فيه إرشاد الى شرطية الاستقرار والاستقبال في ركعتي الفجر، والنهي إرشاد إلى عدم الشرطية، لا أنهما تكليفان كي يحمل النهي على الكراهة بقرينة ورود الأمر بها؛ لأن الإرشادية هي القاعدة في الأمر بالحصة من المركبات أو النهي عنها.

المقدمة الثانية: أن يقصد بقوله : موسع عليك التوسعة في الأخذ بحسب الظاهر، بمعنى أنه بأي الحديثين أخذت كان حجة عليك؛ ليكون مفاده التخيير ظاهراً.

لا يقال: إنه يتعين حمل التوسعة في الحديث على التخيير الواقعي لا الظاهري؛ لوجهين:

إحدهما: أن السائل قصد معرفة الحكم الواقعي، ولذا قال: (فاعملني كيف تصنع أنت لاقتدي بك)، فهو لا يسأل بأي الروايتين يأخذ كي يجيبه الإمام بالتخيير الظاهري، ومقتضى أصالة تطابق الجواب والسؤال هو أن يكون جوابه أيضاً بياناً للحكم الواقعي، فيكون مفاد الرواية التخيير الواقعي.

وثانيها: أن وظيفة الأئمة : هي بيان الأحكام الواقعية وإيصالها للناس لا الأحكام الظاهرية، وإنما هي شأن المجتهد.

لأنا نقول:

أما الوجه الأوّل فيعترض عليه بأن غرض الراوي وإن كان هو معرفة الحكم الواقعي في هذه الحالة، ولكن لا يجب أن يكون كذلك دائماً. وقد أشرنا إلى ذلك في المقصد الثاني.

هذا بالإضافة إلى أن الراوي لم يقصد معرفة الحكم الواقعي بقوله ذلك، بل كان غرضه معرفة عمل الإمام (عليه السلام)، وكان المناسب أن يبين له الإمام (عليه السلام) عمله، ولكنه (عليه السلام) أعرض عن السؤال واجابه بما يتعين عليه فعله. وأما الوجه الثاني، فهو أوضح فساداً من الأول؛ فإن الإمام (عليه السلام) إن لم يبين الأحكام الظاهرية فمن الذي يبينها إذن؟

المقدمة الثالثة: ما مرّ في الحديث السابق أيضاً من أن الإمام (عليه السلام) وان كان قد ذكر ذلك الحكم في خصوص هاتين الروايتين إلا إنه لا خصوصية للمورد، بل إنما حكم بذلك لكونهما خبرين متعارضين، فيستفاد منه كبرى كلية لكل خبرين كذلك.

والجواب: أن المقدمتين الأوليين وإن كانتا صحيحتين لكن المقدمة الثالثة ممنوعة فإن أحكام الأئمة (عليهم السلام) وإن كانت طبق أصول يرثونها كابراً عن كابر، إلاّ إن الأصل الذي ابتنى عليه التخيير في مورد الرواية قد يكون هو التخيير بين الخبرين المتعارضين في خصوص الموسعات فقط، فلأجل ألا يبرز التوسعة في الحكم الواقعي قال له: «موسع عليك بأيهما عملت»، كما هو الشأن في رواية عبيد بن زرارة، عبد الأعلى بن أعين والميثمي.

الرواية الثالثة: رواية فقه الرضا. (والنفساء تدع الصلاة أكثر مثل أيام حيضها وهي عشرة أيام، وتستظهر بثلاثة أيام، ثم تغتسل، فإذا رأت الدم عملت كما تعمل المستحاضة. وقد روي ثمانية عشر يوماً، وروي ثلاثة وعشرين يوماً، وبأي هذه الأحاديث اخذ من جهة التسليم جاز).

وهذه الكتاب لا اعتبار به بحيث يعد ماجاء فيه رواية، ولا يبعد كونه كتاب التكليف للشلمغاني، حيث يمثل رأي فقيه فحسب على تقدير صحة النسخة التي بين أيدينا.

على أن الجواب عنه تبين مما ذكرنا في الروايتين السابقتين، فالمؤلف إما تصور أنه يستفاد من الروايتين كبرى كلية في كل خبرين متعارضين فحكم في خصوص ماورد في النفساء بالتخيير، أو تصور أن الأمر في النفساء من جملة الموسعات فيثبت فيها التخيير الذي استفيد من الروايتين في خصوص الموسعات.

فالفتوى بالتخيير هنا إما أن يكون منشؤه الخطأ في تشخيص الكبرى التي تشير إليها الروايتان كما هو منشأ خطأ الكليني حيث استفاد منهما ثبوت التخيير في مطلق الخبرين المتعارضين، أو الخطأ في الصغرى. هذا تمام البحث حول أخبار التخيير.

الطائفة السادسة: روايات التوقف

ويعبر عنها بأخبار الردّ أو التوقف، وقد ادعي بأنها تدلّ على وجوب الإرجاء أو التوقف أو الرد للأيمة (عليهم السلام) لدى تعارض الأخبار دون الترجيح أو التخيير أو إجراء الأصول العملية. والروايات في هذا الباب عديدة لابد من استعراضها والبحث عن مدى دلالتها.

الرواية الأولى: ماجاء في ذيل مقبولة عمر بن حنظلة وقد ذكرناها سابقاً، وفيها بعد التعرض للمرجحات وتساوي الخبرين قال: «إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات».

ومن الواضح أنه لا يستفاد منها المنع عن الترجيح والتوقف ابتداء لأن الأمر بالإرجاء إنما جاء بعد ذكر المرجّحاتو فقدانها، ولكن البحث في أنها هل تدلّ على أن وظيفة المجتهد هو التوقف والإرجاء عند تعارض الأخبار الواصلة إليه ؟

الظاهر أنه لا يستفاد ذلك من هذا الحديث؛ لما ذكرناه سابقاً من ان المفروض في الحديث هو اختلاف المفتينلان موردها كما ذكرنا اختلاف المفتين لا الراويين، ولذا ورد فيها قوله : «ينظر إلى ماكان من روايتهما» في ذلك الذي هو شروع في ذكر الترجيحات بصيغة المجهول، فإنه حين افترض السائل أن الناظر لا يمكنه الترجيح حينئذ أجاب الإمام (عليه السلام) بقوله : «إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك». وفي هذه الجملة احتمالان :

الاحتمال الأوّل: أن يكون خطاب «أرجئه» متوجهاً للفقيه الناظر وهو الفقيه الثالث الذي يفرض الرجوع إليه لينظر إلى مدرك الفقيهين المختلفين، لانه أعلممنهما، كما أوضحناه في محله.

الاحتمال الثاني: أن يكون الخطاب متوجّها للمقلد الذي يرجع للفقيه المجتهد، وذلك لاختلاف الضمائر واللسان ؛ فإنه في قوله (عليه السلام) أولاً في صدر الرواية : «ينظر إلى ماكان» الضمير فيه راجع للفقيه المجتهد الذي يمكنه التعرف على المرجّحات في حين أن قوله: «فأرجئه» الضمير فيه راجع للمقلد؛ إذ أن الواجب على المقلد حين عجز المجتهد الناظر الثالث من معالجة التعارض والترجيح، أن يؤخّر أخذه إلى أن يتمكن من ملاقاة الإمام ليعين له الحكمولا يأخذ بفتوى احد الفقيهين فإذا كان هذا هو مفاد الرواية فلا علاقة لها تماما بما نحن فيه؛ وذلك لأن الذي يرجع للإمام (عليه السلام) غير من يقوم بالترجيح، أما بناء على الاحتمال الأوّل فيرتبط بما نحن فيه ارتباطاً ما بغض النظر عن اختلاف اللسانوان هذا الفقيه الثالث في صورة عدم ظفره بمرجح يوجب صرف الريبة فيتوقف عن الفتوى، ويؤخرها للقاء الامام (عليه السلام)، والمفروض تمكنه منه لانه في زمان الحضور. فربما يعترض على القول بالإرجاء بأن مقتضى القاعدة حين التعارض هو التساقط لدى بعضو الرجوع للاصول، والتخيير لدى بعض آخر، إذن فكيف أمر فيها بالإرجاء والتوقف؟

ولكن للجواب عن هذا الاعتراض يقال : بما أن زمان السؤال هو زمان حضور الإمام (عليه السلام) والتمكن من لقائه، فلذلك لا يجوز للفقيه إجراء الأصول العملية في الشبهات الحكمية مع تعارض الخبرين وعدم وجود المرجح ؛ لأنه يشترط في جريانها الفحص عن الدليل واليأس عن الظفر به، وأما مع التمكن من الفحص

والرجوع للإمام (عليه السلام) ليتعرف على الحكم الواقعي، فلايمكنه إجراء الأصول. ومن هنا لابد للفقيه من التوقف حتى يحظى بلقاء الإمام (عليه السلام).

إذن فالأمر بالإرجاء هنا دون إجراء الأصول العملية؛ لأن الشرط في جريانها غير متحقق، وكذلك عدم الحكم بالتخيير، لأجل أن المفروض هو أن المورد مورد المنازعة بين الطرفين، ولا معنى للتخيير فيهفلا تدل على انه في زمان الغيبة مع تعارض الخبرين وعدم المرجح يلزم التوقف وعدم جواز الرجوع للاصول العملية لانه مع الفحص عن الدليل واليأس منه يتحقق الموضوع لجريان الاصول.

وأما بناء على الاحتمال الثاني فلا علاقة له ببحثنا؛ لأنه في مقام بيان وظيفة المستفتي، وأنه عليه الرجوع للأعلم، فإذا وجد الفقيه الأعلم وهو الفقيه الثالث الناظر في مدارك فتوى الفقيهين المختلفين عاجزا عن بيان حكمه فيلزم عليه الرجوع للإمام (عليه السلام) وهو العالم بالواقع. فالرجوع للإمام (عليه السلام) إنما هو بنفس ملاك الرجوع للأعلم، بل بما هو أقوى فيه؛ لأنه (عليه السلام) هو الأعلم الواقعي لانه مع التعارض بين الفتويين وعدم المرجح، لا بد من تأخير أخذه حتى يلقى الامام (عليه السلام)، لان الاخذ باحدهما من الاخذ بالشبهة، (قف عند الشبهة) وقد فسرنا الشبهة باشتباه الحق بالباطل، وهو صادق هنا، حيث لا يمكنه تحديد الحق.

إذن فقوله: «أرجئه» إنما هو الإرجاء في حكم الواقعة ليتعرف عليه من الإمام (عليه السلام)، لا الإرجاء في المنازعة؛ إذ يمكن معالجة المنازعة وحلها بالصلح وغيره. فلايستفاد من ذيل رواية عمر بن حنظلة ماهو على خلاف القاعدة.

الرواية الثانية: ما نقله محمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات وهى مذكورة في المستدرك وبحار الأنوار وجامع الأحاديث عن محمد بن عيسى بن عبيد في

كتاب التوقيعات، قال: أقرأني داود بن فرقد الفارسي كتابه إلى أبي الحسن الثالث الإمام الهادي (عليه السلام) وجوابه بخطه، فقال: نسألك عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك قد اختلفوا علينا فيه، فكيف العمل به على اختلافه؟ إذن نردّ إليك، فقد اختلف فيه؟ فكتب وقرأته: «ما علمتم أنه قولنا فالزموه، ومالم تعلموه فردوه إلينا».

والمراد من العلم هنا الأحاديث كما هو المعروف آنذاك، كما ذكر في بعض الكتب کهوامش تاريخ التمدن الاسلامي.

ويدور البحث عن هذه الرواية في سندها ودلالتها:

أما سند الرواية، فإن هذه الرواية ذكرت في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار، وهذا الكتاب وإن ثبت أنه من كتب الصفار وإن لم يروه بعض القميين كالصدوق، إلا إن الاطمئنان بأن جميع ما يوجد في هذه النسخة - – التي هي المصدر للمتأخرين كصاحب الوسائل - قد صح عن الصفار من دون زيادة فيه من بعض رواته كمحمد بن يحيى العطار وغيره مما لا يخلو من إشكال وكلام، وقد تعرضنا له في بعض البحوث السابقة.

وأما محمد بن عيسى بن عبيد فهو ثقة ظاهراً، وكان خبيراً في خطوط الأئمة المتأخرين (عليهم السلام) وتوقيعاتهم، وقد ألف كتاب التوقيعات الذي جمع فيه الكتب والرسائل التي كانت موقعة بتوقيعات الأئمة (عليهم السلام). وهذه الرواية نقلها الصفار من هذا الكتاب، فلا يعترض أنه كيف عرف أن الخط هو خط الإمام الهادي (عليه السلام) وتوقيعه، مع خبرته في هذا المجال.

إذن فالسند معتبر وصحيح، لولا بعض التأمل في كتاب البصائر من الجهة التي ذكرناها لا من جهة عدم وجود السند الصحيح إليه.

وأما دلالة الرواية، فما المراد من الرد المذكور في الرواية: «ومالم تعلموه فردوه إلينا» ؟ فهل المراد منه الرد إلى اللّه ورسوله بمعنى التوقف، ليرتبط بما نحن فيه ارتباطاً ما، أو المراد منه عرض الأخبار المتعارضة على الإمام (عليه السلام) ليحكم بما هو الواقع منها فتكون الرواية أجنبية عما نحن فيه؟

والظاهر هو الثاني: حيث إن المراد منها أنه حينما تتعارض الروايات ولم يمكن تمييز الحق منها على وفق الموازين العقلائية بالرجوع للمرجحات الصارفة للريبة عقلائيا فتعرض على الإمام المعاصر (عليه السلام) ليبين القول الفصل فيها ويميز الحق فيها. وبما انه لم يكن بوسع الامام (عليه السلام) الإجابة عن جميع الروايات المتعارضة، فإنه (عليه السلام) لم يأذن بعرض جميع الأخبار المتخالفة عليه، بل فصل بين مايمكن تمييز الصحيح والواقع منها على ضوء الموازين العقلائية وبين غيرها، وبذلك يفتح المجال للفقهاء في مجال الاستنباط الفقهي.

إذن فالمراد من قوله (عليه السلام): «فردوه إلينا» هو العرض على الإمام (عليه السلام) والرد إليه ؛ لأجل بيان الحق فيه. وكانت هذه الطريقة متبعة ومتداولة لدى الرواة المعاصرين للأيمة المتأخرين (عليهم السلام) في عرض الأخبار المتعارضة على الأئمة (عليهم السلام)، ليبينوا الحق فيها بعد عدم تمكن الفقهاء من معالجتها، كما ورد ذلك في مسألة طهارة الخمر ونجاسته؛ حيث توجد روايتان مختلفتان فيها ورجع لأبي الحسن (عليه السلام) لبيان الحق منهما. وهكذا في مسألة زكاة الحبوب، وزكاة

الفطرة وغيرها حيث عرضوا فيها الروايات المتعارضة على الامام (عليه السلام) في صورة التحير وعدم التمكن من معالجتها.

إذن، فالراد في الحديث لا يعني التوقف، بل يعني العرض، كما ورد نظيره في رواية الميثمي. فالمراد أنه لابد من عرض الأخبار المتعارضة على الإمام بعد العجز عن علاجها وفق الموازين العقلائية.

الرواية الثالثة: وهي مشابهة في المتن للرواية الثانية، وتختلف في المصدر، فقد نقلها ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم إلى مولانا أبي الحسن علي بن محمد، وهي ظاهراً مجموعة من مسائل ومكاتبات رواها ابن إدريس عن الحميري وابن عياش من رجال متعددين مثل أيوب بن نوح وعلي بن ريان وداود الصرمي وابن مهزيار، ومن جملتها مسائل محمد بن علي بن عيسى، فابتدأ بها بقوله: (مسائل محمد بن علي بن عيسى: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن زياد، وموسى بن محمد (عن محمد) بن علي بن عيسى قال : كتبت إلى الشيخ (موسى الكاظم) (أعزه اللّه وأيده) أسأله عن الصلاة في الوبر... ثم عطف عليه مسائل أخرى بقوله: قال: (وكتبت إليه) إلى أن قال: وسألته (عليه السلام) عن المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك (صلوات اللّه عليهم) قد اختلف علينا فيه كيف العمل به على اختلافه أو الرد اليك فيما اختلف فيه؟ فكتب (عليه السلام): «ما علمتم أنه قولنا فالزموه، ومالم تعلموه فردوه إلينا».

والظاهر أن كلمتي (موسى الكاظم) زيادة من بعض النساخ لتفسير (الشيخ) وهو وهم؛ لأن محمد بن علي لم يكن من أصحاب الكاظم (عليه السلام) وقد عرفت عنوان المستطرفات في أول المسائل بأنها عن أبي الحسن علي بن محمد. ويؤيد الزيادة

عدم ورودها في نسخة أخرى من السرائر أشير إليها في هامش الطبعة الحديثة في المستطرفات. وهكذا لم ترد الزيادة في نقل الوسائل ففيه : كتبت (إلى الشيخ – يعني الهادي (عليه السلام) - أسأله عن الصلاة...) و في البحار كتبت إلى الشيخ (أعزه الله وأيده) أسأله عن الصلاة). وفسّره المجلسي في ذيل الرواية بقوله: (الشيخ هو الهادي (عليه السلام)).

ثم إن محمد بن علي بن عيسى قد وصفه النجاشي بقوله (كان وجها بقم)، وأما محمد بن أحمد بن زياد، وموسى بن محمد - وهما راويان للمسائل عن محمد بن علي فغير مذكورين في كتب الرجال، ولا طريق لتوثيقها.

والإشكال الآخر الجاري في كثير من مرويات المستطرفات هو عدم الوثوق بالنسخ من الكتب التي ينقلها عنها، مادامت ليست من الكتب المشهورة من قبيل الكتب الاربعة.

ولا يدفع هذا الإشكال وجود سند لابن ادريس إلى الكتب؛ فإنه من قبيل أسانيد الإجازات، ولا يفيد في إثبات أن المنقول عنه هو نفس الكتاب الذي يرويه بالإجازة. فإذا كان الكتاب من الكتب المشهورة مثل الكتب الأربعة، فهو بطبيعة الحال يكون مورداً للسماع والقراءة وتكثر نسخة وتشتهر ولا يحتاج النقل عنه إلى السند إلا من باب التيمّن كالإجازات المتداولة اليوم بالنسبة إلى الكتب الأربعة. وأما إذا لم يكن الكتاب مشهوراً وكان النقل عن نسخته على نحو الوجادة - كما هو الغالب – فينحصر طريق الإثبات في أخبار الناقل، وشهادته أن النسخة هي كتاب فلان مثلاً. وبما أنه أمر حدسي، فلايقبل فيه إلا قول ذوي الخبرة.

وقد مرت الإشارة إلى وقوع بعض الأخطاء في مرويات المستطرفات من قبيل ما ينقله عن كتاب أبان بن تغلب بعد ما وصفه بقوله: (صاحب الباقر والصادق (عليهما السلام))، وهذا مما يسلب الاعتماد عليه ومدى خبرته.

أما دلالة الرواية، فالبحث عنها كما في البحث عن دلالة الرواية السابقة، وأنها في مقام بيان رد الأخبار المتعارضة وعرضها على الإمام (عليه السلام)، والإذن له في هذا العرض. وبما أنه ليس في وسع الإمام (عليه السلام) أن يأذن في عرض جميع الروايات المتعارضة، لذلك أذن له في عرض الروايات المتعارضة التي لاسبيل فيها لتحصيل العلم منها بقول الإمام (عليه السلام). فهذه الرواية وأمثالها لا تتعرض لإلغاء المرجّحات العقلائية التي تؤدّي إلى إثبات قول الإمام، كما لا تتعرض للوظيفة فيما لم يمكن الرد للإمام (عليه السلام).

الرواية الرابعة : وقد نقلها الطبرسي في احتجاجه، وننقلها من مقدمة جامع الأحاديث قال: روى سماعة بن مهران قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) قلت: يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر ينهانا عنه؟ قال: «لاتعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله عنه» قال: قلت لابد أن نعمل بأحدهما. قال: «خذ بما خالف العامة» وقد نقلت هذه الرواية في كتاب الكافي بصورة أخرى كما ذكرناه سابقاً، وهي تتضمن الحكم بالسعة حتى لقاء الإمام (عليه السلام)، ولكن ذكرنا هناك أن هذه الرواية ترتبط بالمستفتيين ولا اثر لهما في التوقف، إضافة إلى أن الرواية مرسلة في الاحتجاج، ومخالفتها لنقل الكافي مما يزيدها وهناً.

الرواية الخامسة : ويه رواية الميمثمي، وقد سبق نقلها. وهي مفصلة ذكرت في جامع الأحاديث، وورد فيها: «ومالم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا الينا علمه،

فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم وعليكم بالكفّ والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان منا».

ولكن هذا لا ينفي الترجيح بالمرجّحات وهي مما ترتبط بزمان حضور الإمام (عليه السلام)، ولا تدلّ على التوقف في زمان عدم التمكن من الوصول للإمام (عليه السلام). وقد تحدثنا بالتفصيل عنها هناك.

واتضح من خلال هذه الروايات أنه لايدل شيء منها على وجوب التوقف كما هو رأي المستدل.

هذا هو نهاية الكلام في الطوائف من الروايات المرتبطة بالأخبار العلاجية.

تنبيهات

إشارة:

التنبيه الأوّل : كيفية الجمع بين اخبار التخيير والتوقف:

تعرض العلماء إلى كيفية الجمع بين أخبار التخيير (الطائفة الخامسة) وأخبار التوقف والإرجاء (الطائفة السادسة) بعد وضوح التعارض بينها. وقد ذُكرت وجوه كثيرة لعلاج ذلك، وقد نقل السيّد الطباطبائي ثمانية وجوه عن العلماء، واختار هو وجها تاسعاً وللمحقق النائيني والعراقي أيضاً كلام في هذا المقام.

ولكن على ضوء ما ذكرناه في البحث عن هاتين الطائفتين من الروايات لاتبرز مشكلة تحتاج إلى علاج، وتوضيح ذلك : أنه يمكن تقسيم الروايات الواردة في التخيير والإرجاء - مما لها سند في الجملة لا ماكان مرسلاً كمرسلة الاحجاج – إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: ما استظهرنا ارتباطه بتعارض الفتاوى دون الأخبار.

القسم الثاني: ما يرتبط بتعارض الخبرين ولكن استظهرنا أنها ترتبط باختلاف الأحاديث في الموسعات فحسب، حيث تكون السعة فيها في الحكم الواقعي.

القسم الثالث: ما يرتبط بتعارض الخبرين وحكم فيها بالتوسعة أو التوقف.

أما القسم الأوّل، فيستفاد من هذه الطائفة في باب الاجتهاد والتقليد، فإذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم واختلفا في الرأي فهل الوظيفة هي الاحتياط أو تخيير المكلف بالأخذ بأيهما شاء.

وعمدة الروايات من هاتين الطائفتين مما يرتبط بهذا القسم روايتان:

الرواية الأولى: موثقة سماعة، وقد سبق الحديث عنها، وفيها: فقال (عليه السلام): «يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه». وقد استظهرنا منها أنها مرتبطة بباب الإفتاء كما وضحناه بالتفصيلفهي تدل على وجوب الارجاء عند تعارض الفتويين إلى زمان لقاء الاعلم، اما الامام أو الفقيه وخلال تلك الفترة هو في سعة، ولكن هذه السعة والتخيير في مقام العمل، ولا ينافي الارجاء المأمور به في هذه الرواية، لان الارجاء يختص بالأخذ باحدى الفتويين، حيث حكم الإمام (عليه السلام) بالسعة عند عدم التمكن من الوصول للأعلم، فلا يجب الاحتياط مثلاً.

الرواية الثانية : وقد حملناها على اختلاف المفتيين وهي ذيل مقبولة عمر بن حنظة قال: «إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك؛ فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات».

وقد استظهرنا من تغاير السياق في الصدر والذيل ان الصدر كان متوجهاً للفقيه الثالث الناظر في الفتوتين المتعارضتين ومدركهما، بينما في الذيل فانه ناظر للمستفتي حيث امر بالارجاء على تقدير عدم تمكن الناظر من الترجيح والافتاء، ولا طريق للمستفتي لاستكشاف الحكم الواقعي فلا بد من تأخيره إلى لقاء الامام (عليه السلام)، فالارجاء الاخذ باحدى الفتويين، إلى ان يلقى الامام (عليه السلام)، وهو المراد بالوقوف عند الشبهة، فان كلا من الفتويين المتعارضتين يصدق عليها انها شبهة، إذ لا يعلم انها حق او باطل، فلا يجوز الاخذ بها، ولكن انما لم يصرح بالسعة فيها، لان المنازعة في دين او ميراث بين شخصين، ولا يناسبه الحكم بالسعة، بل لا بد من فصل الخصومة بصلح او بتراض على قاضي التحكيم، والسعة لانفصل النزاع.

وأما القسم الثاني - الروايات المختصة بالموسعات - فالحكم بالتوسعة من الإمام (عليه السلام) في هذه الأخبار المتعارضة، من باب اختلاف الأخبار في الموسعات، ويجوز فيها التوسعة والتخيير الاخذي. فلا يستفاد منها الحكم بالسعة والتخيير الاخذي في الخبرين المتعارضين او الفتويين المتعارضين مطلقاً بل في خصوص الموسعات.

وقد ذكرت كبرى هذا الأمر في خبر الميثمي، وذكرت صغراه في خبر علي بن مهزیار :

ففي الأوّل، بعد أن قسم الأوامر الصادرة عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) إلى إلزامية وغير،الزامية، ذكر أن ما يمكن لنا الرخصة فيه هو الأوامر غير الإلزامية: «وماكان في السنة نهي إعاقة أو كراهة ثم كان الخبر الآخر خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وكرهة ولم يحرمه، فذلك الذي يسع الاخذ بهما جميعاً أو بايهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله».

واما في الخبر الثاني حيث يسأل الامام (عليه السلام) عن حكم الصلاة في المحمل هل يجوز أو تجب على الارض، لاختلاف الاخبار في ذلك، فوقع (عليه السلام) موسع عليك بايهما عملت وقد نقلنا الخبر في موضعه.

وأما القسم الثالث، فليس هناك رواية تامة سنداً ودلالة تدل على هذا المعنى في هاتين الطائفتين لكي يبحث عن وجه الجمع وعلاج التعارض بينهما؛ لأن العمدة فيها روایتان رواية بصائر الدرجات ورواية مستطرفات السرائر، وقد ورد فيها: «ما علمتم أنه قولنا فالزموه، ومالم تعلموه فردوه إلينا».

وقد ناقشناها دلالة كما سبق من أن المراد من الرد هو العرض لا التوقف، وكأن قصد الراوي الاستجازة من الإمام (عليه السلام) في رد وعرض جميع الأخبار المتخالفة عليه، فأجابه الإمام (عليه السلام) بأنه يجب الرجوع للمرجحات فيما يحتمل فيه الترجيح ويجوز عرض غيرها من الروايات، بالإضافة إلى أن هناك كلاماً حول الإجازة والإذن في الرد، وهل يدل على وجوبه أم لا، مضافاً إلى أن موردها كان في زمان الحضور لا الغيبة.

واما رواية الميثمي، فقد ورد في ذيلها (فان لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا الينا علمه، فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بارائكم وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وانتم طالبون باحثون حتى ياتيكم البيان من عندنا).

والمنهي في هذه الرواية هو تفسير الروايات بالرأي، والظاهر ان المراد به اتخاذ موقف وحكم مسبق قبل البحث عن النصوص الواردة من الشارع، ثم البح-ث عما يلائمه من النصوص، وفرض احكامه ومعتقداته المسبقة على النص. وتوجيه المتعارضين بنحو من التأويل ليناسب رأيه الخاص، أو ترجيح احدى الروايات المتعارضة بوجوه غير موجبة للرجحان لمجرد توافقها مع رأيه الخاص، وهو غير جائز قطعاً، بل لا بد من البحث الموضوعي المجرد في النصوص، واتخاذ موقف محايد، و اجتناب جميع النزعات والافكار المسبقة على ملاحظة النصوص، ثم النظر لها لمجرد كشف الواقع واستنباط الحكم الشرعي سواء في تفسير الروايات، او في ترجيح احا المتعارضين.

ويمكن ان يكون الغرض من هذه الروايات الردع عن الترجيح بالقياس الاختراعي او الاستكشافي. فقد نقل المحقق عن بعضهم الترجيح بالقياس.

فغاية ما تدل عليه هذه القطعة من رواية الميثمي، هو المنع من ترجيح احدى الروايتين مع عدم رجحانها باحد الوجوه الموجبة لصرف الريبة عنها إلى الاخرى، مع فرض التمكن من لقاء الامام (عليه السلام) والمنع من تفسير الروايات بالرأي بالمعنى الذي ذكرناه.

هذا كله بالنسبة لاخبار التوقف، وأمّا أخبار التخيير فالعمدة منها مرسلتا الاحتجاج:

الأولى: نقلها في جامع الأحاديث عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلّهم ثقة، فموسع عليك حتى ترى القائم فترده عليه».

والثانية: نقلها في جامع الأحاديث أيضاً عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ قال: «ما جاءكم عنا فقسه على كتاب اللّه وأحاديثنا، فإن كان يشبهها فهو منا، وإن لم يشبهها فليس منا». قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيهما الحق. فقال: «إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما اخذت».

ولكن لا جدوى في البحث عنهما علمياً، لضعفهما سنداً.

إذن، فهناك ثمرة وتأثير للبحث عن أخبار التوقف والتخيير في باب الاجتهاد والتقليد والموسعات كما أوضحناه، ولكن لم يثبت إثارته لمشكلة تحتاج للحل والعلاج كما تصوّره الأعاظم.

التنبيه الثاني : وجوب الترجيح أو الحكم بالتخيير مطلقا:

إشارة:

هل يجب الرجوع للمرجحات في باب التعارض أو يحكم بالتخيير مطلقاً؟ حتى مع وجود المرجّحات في احد الخبرين.

ذهب المشهور من العامة والخاصة إلى لزوم الأخذ بالترجيح إذا وجد. ولكن نقل الرأي الثاني عن الشاذ من العامة وبعض المتأخرين من الخاصة كصاحب شرح الوافية وصاحب الكفاية، حيث التزموا بالتخيير حتى مع وجود المزية، فالعمل بالمرجّحات مستحب عندهم. وقد نسبه صاحب الكفاية للشيخ الكليني، والصحيح هو لزوم الترجيح مع وجود المرجّحات ولكن لا على وجه التعبد بالمرجّحات المنصوصة، لما ذكرنا سابقاً ان ادلة الترجيح ارشادية للطريقة المتبعة عند العقلاء في كل امارتين متعارضتين.

ويلزم التأكيد في البداية على أن مرادنا من المرجح هو المعنى الذي يستفاد من مقبولة عمر بن حنظلة ويوافقه بناء العقلاء، وهو ما يصرف الريبة الحاصلة من العلم الإجمالي بمخالفة أحد الخبرين للواقع من أحدهما للآخر، بحيث يقال للراجح بأنه لا ريب فيه، وللثاني بأن فيه الريب.

ولابد من ملاحظة أدلّة الطرفين ودراستها؛

أدلة القول بوجوب الترجيح

أما أدلة القول بوجوب الترجيح، فهي وجوه:

الوجه الأوّل: بناء العقلاء؛ فإن العقلاء إذا واجهو طريقين وحجتين متعارضتين، فإنهم لا يأخذون بأحد المتعارضين بطريقة عشوائية، بل يلاحظون أياً منهما يشتمل على المزية ليستحق الأخذ به، أما الذي لا يستحق الأخذ به لعدم توفره على المزية فلا يأخذون به ولا يذهبون ابتداءً إلى التساقط أو التوقفو لكن لا يكتفون بادني وجه للترجيح، بل يلاحظون في ذلك صرف الريبة عن احدهما للاخر، بحيث بعد الراجح كانه لا معارض له، كما هو المشهور في الطريقة المتعارفة في تعارض الطيبين مثلاً في تشخيص المرض او العلاج، وقولي اهل الخبرة في تسعير البضائع والدور وغير ذلك وهذا هو المبنى الاساس في ترجيح فتوى الاعلم على غيره. وقد ذكر السيد اليزدي مثل ذلك في رسالته حول التعادل والترجيح.

ولم يردع الشارع عن هذا البناء العقلائيو هو يكفي في امضائه، وما توهم من أن مقتضى أخبار التوقف والتخيير هو الردع عنه، فسيأتي الجواب عنه، وعن عدم قابليتهما للردع. مضافاً إلى إمضاء هذا البناء بمقبولة عمر بن حنظلة التي سبق ذكرها.

الوجه الثاني: دعوى الإجماع على وجوب الترجيح: وقد ذكره الشيخ الأنصاري والسيد الطباطبائي.

قال الأوّل في رسائله: (المشهور وجوب الترجيح، وحكي عن جماعة منهم الباقلاني والجبّائيان عدم الاعتبار بالمزية وجريان حكم التعادل. ويدل على المشهور مضافاً إلى الإجماع المحقق السيرة القطعية المحكية عن الخلف والسلف).

وقال الثاني نقلاً عن غاية المأمول: (إنه يجب العمل بالترجيح؛ لأن المعهود من العلماء كالصحابة ومن خلفهم من التابعين أنه متى تعارضت الأمارات اعتمدوا على الراجح ورفضوا المرجوح) ونقل أيضاً عن كتاب الإحكام وجوب العمل بالدليل الراجح؛ لما علم من اجماع الصحابة والسلف في الوقائع المختلفة على وجوب تقديم الراجح من الظنين. وعن كتاب المبادئ دعوى الإجماع على وجوب العمل بأرجح الخبرين.

ولكن الظاهر أن الإجماع والسيرة ليسا تعبديين، ولا وجهاً مستقلاً، فلا يستكشف منه حکم تاسيس شرعي كما هو المقصود من دعوى الاجماع في كل مورد وإنما ذهب العلماء والاصحاب إلى وجوب الترجيح جرياً على بناء العقلاء لا با هم متشرعة، والتزموا بالترجيح بما أنهم من العقلاء وهو مدرك الاجماع خصوصاً في العامة الذين لا نص لهم في الترجيح لكي يحتمل منهم التعبد بالنص.

إذن، فليس هذا الوجه وجهاً مستقلاً عن سابقه، نعم يصلح أن يكون دليلاً على إمضاء البناء المذكور وعدم الردع عنه، مضافاً إلى إمكان استناد الإجماع إلى الرواياتوما ذكرناه من مدركية هذا الاجماع هو الجواب الصحيح عن دعوى الاجماع.

ولكن المحقق الخراساني في الكفاية اعترض على تحقق هذا الإجماع من جهة أن الكليني في ديباجة الكافي له عبارة يستظهر منها القول بالتخيير مطلقاً، وسيأتي التعرض لذلك بعد استعراض سائر الأدلّة ومع مخالفة مثل الكليني مع ما سيذكر من اختلاطه بالنواب وغيرهم كيف يمكن القول لتحقق الاجماع، ولكن سيأتي البحث عن ذلك.

الوجه الثالث: الروايات التي تأمر بالترجيح. وعمدتها مقبولة عمر بن حنظلة، وقد ذكرنا أنها في مقام الإرشاد لبناء العقلاء، ولا تدلّ على أي تعبد شرعي.

إذن فهذه الوجوه الثلاثة ترجع إلى وجه واحد وهو بناء العقلاء الذي أشارت الروايات إليه وإلى تطبيقه، وجرى عليه العلماء قديماً وحديثاً.

الوجه الرابع : أن ما نحن فيه هو من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، والأصل فيه الأخذ بالتعيين ووجوب الاخذ بالراجح وذلك للقطع بحجية ذي المزية على كل حال سواء كان الحكم الواقعي هو التعيين أو التخيير، أما لو اخذنا بالمرجوح فقد تمسكنا بما هو مشكوك الحجية، والشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية، كما هو مذكور في محله، فمع الشك في حجية غير ذي المزية فهو مساوق للقطع بعدم حجيته.

ولكن هذا الوجه ضعيف؛ إنما يتم فيما لو قلنا بأن ما يقابل الترجيح هو التخيير الأخذي، فيما لو لم نقل بالترجيح، وأما لو قلنا إن ما يقابله أمر آخر فلايتم الأصل، كما في الالتزام بالتساقط، أو الالتزام بالتخيير، بمعنى التوسعة العملية، لا السعة في الأخذ الذي يعني بأن الخبر الذي أخذنا به حجة، كما يظهر ذلك في بعض الأدلّة كموثقة سماعة في تعارض الفتاوى. فعلى كلا القولين لايتم الأصل المذكور. أما بناءً على القول بالتساقط فيسقط كلاهما عن الحجية لا أن ذا المزية هو الحجة، وكذلك بناء على التوسعة العملية، لكن الشارع قال بأنه إذا لم يكن لديكم دليل وحجة فانتم في سعة.

إذن، فأين تعيين حجية ذي المزية مطلقاً على نحو التعيين؛ ليقدم في مقام دوران الأمر بينه وبين التخيير؟

فهذا الوجه غير صحيح عندنا.

هذه، هي الأدلّة التي استدل بها على الترجيح، وقد ظهر أن مرجع الثلاثة الأولى - وهي الصحيحة - إلى بناء العقلاء مع الإمضاء الشرعي.

بقي الكلام في ماوعدنا بالحديث عنه من اعتراض المحقق الخراساني في الكفاية على الإجماع، ولابأس في التعرض له.

قال المحقق الخراساني في الكفاية : (إن دعوى الإجماع مع مصير مثل الكليني إلى التخيير وهو في عهد الغيبة الصغرى ويخالط النواب والسفراء، وقال في ديباجة الكافي: (ولا نجد شيئاً اوسع ولا احوط من التخيير مجازفة).

ولكن يمكن التأمل في كلام الكفاية من جهات ثلاث:

الأولى: ما المراد من عبارة الكليني ؟ فهل إن مراده: عدم الاعتناء بالمرجّحات إطلاقاً وإنما يحكم بالتخيير ابتداء، أو إن مراده: بما أن موارد الرجوع للمرجحات قليلة لذلك فالمرجع غالباً هو التخيير؟ فلا يستفاد منها التحيير مطلقاً.

وانما رأيه لزوم الترجيح مع وجود المرجّحات، ثم التخيير مع عدم امكان الترجيح.

وقد اختلف في ذلك، فقال صاحب الحدائق في مقدمات حدائقه: (والمستفاد من كلام ثقة الاسلام في ديباجة كتاب الكافي أن مذهبه فيما اختلف فيه الأخبار هو القول بالتخيير، ولم أعثر على من نقل ذلك وذهب إليه، مع أن عبارته ظاهرة الدلالة طامحة المقالة، وشراح كلامه قد زيفوا عبارته وأغفلوا مقالته).

ويظهر من كلام صاحب الحدائق أن أكثر شراح الكافي قد فهموا من عبارته المعنى الثاني و هو التخيير مع عدم وجود المرجح لا مطلقاً، وقد ذهب إليه المحدث الاستربادي والسيد الطباطبائي والمحقق الاصفهاني وغيرهم.

وغاية ما يمكن قوله في تفسير كلام الكليني أنه مجمل، فلا يتعين المعنى الأول، وهو الأخذ بالتخيير مطلقاً حتى مع وجود المرجّحات.

الثانية : الملاحظ أن المحقق الخراساني نقل بالمعنى او اختصر كلام الكليني على وجه يوهم خلاف مراده، فإن ظاهر نقله أن الكليني اعتبر التخيير جامعاً لصفتين: الاحتياط والأوسعية، ولكن ليس في عبارته ان القول بالتخيير احوط، بل لا يناسب ذلك مقام الكليني، إذ لا معنى لكون التخيير احوط وانما هو خلاف الاحتياط، اذن كون التخيير أحوط غير واضح المعنى وننقل هنا عبارة الكليني بنصها من الكافي، فإنه قال في مقدمة الكافي بعد ذكره للمرجحات ماهذا لفظه: (ونحن لا نعرف من ذلك إلا أقلة، ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم وقبول ماوسع من الأمر فيه بقوله: «فبأيهما أخذت من باب التسليم وسعك»).

وقد ذكر شراح الكافي وكذلك المحقق الاصفهاني أن العبارة ذكرت على نحو اللف والنشر المرتب، أي لانجد شيئاً أحوط من رد علم ذلك كله إلى العالم ولا أوسع من قبول ما وسع الأمر فيه)، فالأحوط هو الرد للعالم، والأوسع هو القبول من باب التسليم. وهذا لا يعني أن الأخذ بالتخيير هو أحوط أيضاً. ولعل صاحب الكفاية تبع في هذا الاختصار المخل بالمقصود في عبارة الشيخ الانصاري حيث حاول توجيه كون التخيير احوط فان.

نعم، كلام الشيخ في الرسائل يوهم هذا المعنى؛ لأنه قال: (وأما وجه كونه أحوط مع أن الاحوط التوقف والاحتياط في العمل).

الثالثة : وهذا هو المهم حيث يبرز السؤال حول مدى مخالطة الشيخ الكليني للنواب والسفراء وهل كانت مخالطة بدرجة تكون معها معلوماته وكتاباته في مرأى منهم وفي معرض تصحيحهم لها ؟ والتعرف على هذا الأمر له أهمية بالغة؛ فقد بالغ البعض في ذلك واستهدفوا من خلاله تأييد اعتبار كتابه القيم (الكافي)، بلحاظ أن تأليفه كان بمرأى من النواب، بل زاد بعضهم بأن الكتاب عرض على الحجة (صلوات الله وسلامه عليه وعجل فرجه)، إلى غير ذلك مما يستوجب قبول جميع رواياته وكون التشكيك فيه من دأب العجزة.

ولكن الظاهر أنه لا دليل على أن الكليني كان في بغداد حين تأليفه لكتاب الكافي بحيث يكون مخالطاً للنواب عن الإمام (عليه السلام) وربما كان الري خلا تاليفه الكافي، فكيف يكون كمبرأى من النواب بحيث يكون مخالطاً لهم خلال فترة تأليفه، وإن ذكرت عبارات بهذا المعنى من قبل بعض المتأخرين، منها ما ذكره السيّد بحر العلوم في الفوائد الرجالية، قال (قدس سره) (وقد اتفق تصنيفه الكافي في الغيبة الصغرى بين أظهر السفراء في مدة عشرين سنة كما صرح به النجاشي وغيره. ويتوهم من هذه العبارة أن النجاشي وغيره أيضاً صرح بأن تأليف الكافي كان بين أظهر السفراء، مع أن النجاشي لم يذكر ذلكولم يصرح بمجموع ما ذكره السيّد بحر العلوم، وانما صرح بخصوص ان تأليفه كان خلال عشرين سنة، وإنما قال في ترجمة الشيخ الكليني: (كان شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجهها ووجههم وكان اوثق الناس في الحديث واثبتهم صنف كتاب الكافي في عشرين سنة). ويظهر من كلامه

ان الكليني كان زمان اشتهاره وعظمته في الري فالكليني عنده من علماء الري لامن علماء بغداد، نعم ذكر النجاشي بأن الشيخ الكليني ألف الكافي في مدة عشرين سنة.

ونظير هذه العبارة أو أصرح منها ما ذكره المحدث النوري في المستدرك، والملا خليل القزويني في شرح الكافي وغيرهما. ولكن ليس هناك مستند لصحة هذا الرأي. ولاشك بأن الشيخ الكليني جاء إلى بغداد، إلا إن تاريخ وروده إلى بغداد مجهول عندنا، وإنما المعلوم لدينا أنه كان سنة 327 في بغداد وقد توفي سنة 328 أو 329، وكان الأصحاب يسمعون منه الكافي خلال تلك المدة ويستجيزون منه روايته، كما يظهر ذلك من الاستبصار، ولكن لا يعلم ابتداء مجيئه إلى بغداد أو سببه، وقد يكون السبب في نزوحه من الري الاضطرابات التي شهدتها هذه المدينة في تلك الفترة من سنة (304) إلى (323) - كما يُلاحظ بمراجعة دائرة المعارف الاسلامية - حيث تداولتها أيدي الحكام، فسيطر عليها السامانيون أوّلاً الذين كانوا يحكمون خراسان، وبعد ذلك استولى عليها حاكم،آذربايجان، ثم انتزعها منهم السامانيون، إلى أن ملكها الديالمة سنة (323) واستقرت في أيديهم قبل أن يدخلوا بغداد سنة (333). وبطبيعة الحال كان يقترن بهذه التغيرات مجازر بشرية كما هو الحال في نظائرها، وكان ذلك سبباً لاضطرار جماعة من العلماء في الري وضواحيها إلى الهجرة لبلاد أخرى، ولما كانت بغداد في ذلك العهد المجمع العلمي للمسلمين عموماً وللشيعة خصوصاً؛ فإنهم توجهوا إليها، وكان من هؤلاء المهاجرين الشيخ الكليني.

وكما لايعلم تاريخ هجرته لبغداد، لا يعلم أن تأليفه لكتاب الكافي كان في بغداد أيضاً، أو لا. وعلى تقدير أنه كان في بغداد في عهد الحسين بن روح والسمري وتاليفه الكافي خلال ذلك فهذا لا يعني صحة جميع أقواله وآرائهو موافقتها لاقوال

الائمة (عليهم السلام)، فلم تكن وظيفة النواب تصحيح آراء وأقوال الفقهاء المعاصرين لهم في مجال مباني الاستنباط والمسائل الفقهية ولو كان كذلك لم يقع اي اختلاف بينهم، مع اننا نجد الاختلاف بينهم موجوداً، ولو صح ما ذكر لوجب الأخذ بجميع ارائه في الكافي، مع ما يلاحظ للكليني من اراء شاذة في الفقه ولم يأخذ بها احد من المتأخرين كوجوب العقيقة كما يظهر من الكافي وغيره، وإنما كانت مهمة النواب رعاية أحوال الشيعة وأمورهم. وهذا القول نظير القول بأن فلاناً ألف كتابه في زمان الشيخ الأنصاري، أو بين أظهر علماء كبار منهم الشيخ الأنصاري، وهذا ابن أبي عقيل كان معاصراً للشيخ الكليني، وكان يسكن بغداد أيضاً مع ماهو المعروف عنه من الاراء الشاذة.

نعم، كان تأليف كتاب التكليف للشلغماني تحت نظر الحسين بن روح، ولكن بعد انحرافه والسخط عليه فقد كتابه تأثيره وزال عنه اعتباره.

وعلى أي حال فإن مثل هذه الادعاءات أقرب للآمال والتمنيات، وليست قضايا تاريخية مسلمة، فإن كتاب الكافي على جلالته وعظمته ليست المناقشة فيه من دأب العجزة كما قيل ولا يمكن القول بصحة جميع ما ذكر فيه.

أدلة القول بالتخيير

استدل القائلون بالتخيير وعدم وجوب الترجيح بأدلة:

الدليل الأول: الإجماع على التخيير ؛ اما مطلقاً على تقدير عدم وجود المرجّحات.

الدليل الثاني: ان الاصل في المتعارضين هو التخيير.

الدليل الثالث: روايات التخيير.

ولابد من ملاحظة هذه الأدلّة لنتعرف على مدى صحتها ودلالتها في هذا المجال.

أما الإجماع، فهو، وليست دعواه إلا مجازفة ولا شاهد عليها، بل الشواهد على خلافها؛ لمخالفتها لبناء العقلاء، والروايات الدالة على الترجيح كالمقبولة. وعلى تقدير تحقق هذا الإجماع فهو مدركي او محتمل المدركية، إذ يحتمل استناده لأخبار التخيير التي سبق فساد الاحتجاج بها؛ إما سند، أو دلالة، أو كليهما.

واما أن الاصل في المتعارضين التخيير، فقد سبق مناقشته في المقصد الأول، حيث ذكرنا أن الاصل هو التساقط دون التخيير، إضافة إلى أن الأصل إنما يكون دليلاً حيث لا دليل.

وقد ذكرنا في المقصد الاول : ان من الوجوه المتصورة لاثبات ان المتعارضين ينفيان الثالث.

الوجه الاول : ان يكون احد الدليلين المعين في علم اللّه هو الحجة، الوجه الثاني : ان الجامع الانتزاعي هو الحجة وهو عنوان احدهما او احدها.

الوجه الثالث : ان كل واحد منها حجة إذا كان الاخر مخالفاً للواقع.

ولكن كل هذه الوجوه الثلاثة لا تساعد على التخيير الاخذي، لتوقف هذا التخيير على كون احدهما لا على التعيين حجة.

اما الوجه الاول : وان احدهما معينا في علم اللّه هو الحجة واقعاً، فانه يحتمل في صورة اختيار احدهما كما هو مقتضى التخيير، ان لا يصادف الحجة الواقعية.

اما الوجه الثاني : وان الحجة هو الجامع الانتزاعي بين الدليلين. فهو لا ينتج حجته هذا الفرد بعينه، لان الفروض ان الحجية تعلقة بالجامع لا بهذا الفرد المعين.

وما ذكره بعض الاعاظم في مبحث جريان البراءة فيما إذا دار الامر بين التعيين والتخيير في مجال التكليف، بعد الاعتراف بان الوجوب التخييري متعلق بالجامع الانتزاعي، ان اصالة البراءة تجري في التقييد باحد الفردين، وبذلك يكون الاصل هو التخيير، لا التعيين.

فهو ضعيف، كما ذكرناه في محله، ولا مجال للبحث عنه هنا، نعم ذكرنا ان بعض الوجوه المتصورة هناك هو حجية احدهما على تقدير عدم الاخذ بالاخر، وبالعكس وهذا يقتضي التخيير، الا اننا بينا هناك ان هذا اضعف الوجوه، مع ان بقية الوجوه ايضاً لم تكن مقرونة بقرائن.

و مما ذكرنا يظهر انه لا مجال للقول باننا لو اخذنا بالراجح فهو مقطوع الحجية وان أخذنا بالمرجوح فهو مشكوك الحجية، والشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها، وذلك لان الراجح على اكثر المسالك ليس مقطوع الحجية.

واما الروايات، فقد بحثنا عنها بالتفصيل في الطائفة الخامسة، وذكرنا أن ما يدل على التخيير فيها أخبار ثلاثة: مرسلتا الاحتجاج، ومرسلة الكليني.

وتقريب الاستدلال بها أن هذه الروايات مطلقة في دلالتها على التخيير، حيث تشمل صورة وجود المرجّحات، وليس هناك ما يصلح لتقييدها؛ لأنه لا يوجد دليل على الترجيح؛ وذلك لأن الأدلّة التي ذكرت للترجيح غير تامة، وأما بناء العقلاء عليه

فننكره من أساسه، وأما الإجماع على الترجيح فهو غير حجة، وأما الاصل فإنه انا يكون دليلاً حيث لادليل، وأما الروايات الدالة على الترجيح بالمرجّحات فإنها غير دالة عليه؛ لأنها ضعيفة إما دلالة أو سنداً؛ فالمرفوعة مثلاً ضعيفة سنداً، وأما المقبولة فعلى تقدير صحتها سنداً فإنها لا تتم دلالة؛ لأنها ترتبط بموارد الحكومة وتخالف الحاكمين، كما ذكره صاحب الكفاية.

وأما عدم امكان تقييد روايات التخيير بأدلة الترجيح، فلأنه يلزم منه حمل أخبار التخيير على الفرد النادر ؛ إذ من النادر أن يكون الخبران متساويين من دون مزية ومرجّح لأحدهما على الآخر، خاصة لو ذهبنا لوجوب التعدي عن المرجّحات المنصوصة كما هو الرأي المختار.

ويضاف لذلك أنه يلزم من القول بالتقييد تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ فإن السائل لو سأل عن وظيفته في خبرين متعارضين؛ فلو أجيب بالتخيير واعتمد في تقييده على القرينة المنفصلة، فإن ذلك يعني الإذن للسائل بالعمل بغير ذي المزية، وهو قبيح. إذن فغاية الأمر حمل أخبار الترجيح على الاستحباب.

هذا غاية ما يمكن قوله في تقريب الاستدلال بروايات التخيير. ولكن لايصح هذا التقريب سواء في أصل المبنى من ثبوت روايات تدل على التخيير مطلقاً أو فيما بني عليه.

مناقشة أصل المبنى

إن أخبار التخيير إما ضعيفة دلالة وإن تمت سنداً، فموثقة سماعة مثلاً مرتبطة بتعارض الفتاوى والتخيير والتوسعة فيها تخيير في مرحلة العمل لا التمسك واعتبار

الحجية كما مر تفصيله، ورواية علي بن مهزيار مرتبطة بنحو من الجمع الدلالي، أي التوسعة في الموسعات فهي مختصة بالموسعات، أو بعض هذه الاخبار ضعيف سنداً ودلالة كمرسلة الاحتجاج عن الحارث بن المغيرة. وأما الوجه في ضعفها دلالة، فلأنها لا ترتبط بالاخبار المتعارضة ولا تدل على التخيير الاخذي، بل إنها في مقام بیان جواز الاعتماد على خبر الثقة وإن لم يعلم بموافقته للواقع حتى يتمكن من الوصول للإمام (عليه السلام).

وعلى تقدير دلالة بعض الاخبار على التخيير في الاخبار المتعارضة، لكن ليس لها إطلاق يشمل صورة وجود المرجّح. وبالإضافة لضعفها سنداً كمرسلة الاحتجاج الأخرى عن الحسن بن الجهم - وقد سبق ذكرها - فيتقيد اطلاقها بعدم وجود المرجح العقلائي الموجب لصرف الريبة. وذلك لأن السؤال قد قيد بقوله: (لا نعلم أيهما الحق)، وهذا يعني اشتباه الحق بالباطل، ونحن نتقبل عدم جواز الترجيح في مثل موارد الاشتباه كما مضى وسيأتي الحديث عنه بالتفصيل، لأن الترجيح عندنا لا يعني وجود المزية التعبدية فحسب، بل يعني وجود خصوصية في أحد الخبرين بحيث يوجب خروجه عن عنوان المشتبه وما فيه الريبة. وفي مثل هذه الموارد يعلم الحق منهما ويخرج عن الاشتباه.

والقائل بالتخيير مطلقاً، وعدم وجوب الترجيح حتى مع وجود المرجّحات، فلا بد له من مناقشة وتفنيد الأدلّة التي ذكرت على وجوب الترجيح، ولكنه لا يمكنه ذلك أما بناء العقلاء فلا يقبل الشك والريبة بالمعنى الذي ذكرناه، وأنه إذا وجد كاشفان ولكن كان في أحدهما مزية تبعده عن الاشتباه والريبة بحيث تصرفه للآخر، فإن العقلاء يأخذون به، بل إن هذا البناء العقلائي من القوة إلى الدرجة التي يصلح

معها أن يكون قرينة متصلة على التقييد على تقدير وجود أدلة على التخيير مطلقاً، فهذا البناء يمنع من انعقاد الإطلاق. وقد تقدّم أن الإجماع والسيرة يؤكدان هذا البناء العقلائي.

ولا بد للقائل بعدم وجوب الترجيح من منع حجية بناء العقلاء على الترجيح، بدعوى ردع الشارع عنه، ولذلك طريقان :

الطريق الاول : التمسك باطلاق ادلة التخيير، وان كان بمعنى التوسعة في مرحلة العمل، بحيث يشتمل صورة امكان الترجيح.

الطريق الثاني : التمسك باطلاق ادلة التوقف بالنحو المتقدم ايضاً.

ويتوقف الطريق الاول : على منع حجية مقبولة عمر بن حنظلة، بدعوى انه لم يوثق في كتب الرجال، ولا اثر لنقل صفوان وابن أبي عمير والبزنطي عن الراوي في التوثيق، كما لا اعتبار لقبول الاصحاب في جبر السند، واما إذا اعتبرنا الرواية معتبرة بذلك، كما بيناه سابقاً، فلا مجال لدعوى الردع، إذ هي كافية في اثبات لزوم الترجيح، فتقيد اطلاقات التخيير المزعومة، وقد ذكرنا ان في المقبولة مقطعين، احدهما يرتبطبالمفتيين، والاخر يرتبط بالراويين وعلى تقدير سقوط المقبولة عن الاعتبار او ارتباطها بالفتوى - لا بالرواية والراوي، ووجود اطلاق بحسب ظاهر اللفظ يدل على التخيير، فالظاهر ان بناء العقلاء كاف في منع انعقاد الاطلاق، لانه قرنية حالية على التقييد بغير صورة امكان الترجيح، وعليه فلا مجال لدعوى ردع هذا الاطلاق عن بناء العقلاء، واما مرفوعة زرارة ورواية رسالة القطب، فقد ذكرنا التأمل في سندهما.

واما الطريق الثاني : فالعمدة في ادلة التوقف رواية الميثمي على تقدير اعتبارها سنداً، و مورد توهم الاطلاق فيها قوله (وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وانتم طالبون

باحثون حتى ياتيكم البيان من عندنا أو التمسك بها يتوقف على ان نحمل قوله (عليه السلام) (طالبون باحثون) على البحث عن القرائن وموجبات صرف الريبة عن احدهما إلى الاخر، والا فالوقوف مخصوص بحال الطلب والبحث - واما بعد العثور على المرجّحات، فلا وجه للتوقف بمقتضى الرواية، وقد مر الكلام فيها.

وأما الوجهان اللذان ذكرا لعدم قابلية إطلاقات التخيير للتقييد بصورة عدم وجود المرجح، فالجواب عنهما بوجهين مشترك ومختص.

اما الجواب المشترك : فما سبق ذكره من أن بناء العقلاء من القوة بحيث يمنع من انعقاد الإطلاق لروايات التخيير من أصله.

واما الجواب المختص :

فيعترض على الوجه الأوّل : بأننا لو بنينا على ما ذهب إليه معظم المتأخرين من عدم التعدي عن المرجّحات المنصوصة، وقلنا باختصاص المرجّحات بموافقة الكتاب ومخالفة العامة كما ذهب إليه بعض المتأخرين، فجوابه واضح، لأنه من النادر وجود إطلاق كتابي في مورد التعارض، كما أنه من النادر أن يكون أحد الخبرين مخالفاً للعامة بما لهذه الكلمة من معنى، بحيث يشمل المخالفة لميول حكامهم وقضاتهم.

وأما إذا بنينا على التعدي عن المرجّحات المنصوصة كما هو الرأي المختار، فلا نعني به الترجيح بأي مرجّح كان بل المرجح المعتبر هو الذي يوجب صرف الريبة عن أحد الخبرين للآخر، ومثل هذا المرجح مما يقل وجوده، كما لو فرضنا أن الإجماع أو الشهرة مما لا يوجبان صرف الريبة؛ وذلك لعدم استقلال المجمعين فكرياً، بأن علمنا مثلا أن الشهرة ناشئة من تقليد جيل لجيل دون استقلالية في الرأي منهم، فلا توجب صرف

الريبة، أو لعدم نبوغهم إلى الحد المطلوب في ذلك مثلاً. وعلى ذلك فلا يجوز الترجيح بالإجماع أو الشهرة.

وعلى ضوء هذه الفكرة في الترجيح المعتبر ذكرنا أنه لو فرضنا أن اختلاف أحد المجتهدين في المستوى العلمي عن الآخر كان ضئيلاً، فلا يتعين تقليد مثل هذا المجتهد الأعلم بدرجة قليلة، وإنما يعتبر في تعيّن تقليده دون الآخر فيما لو بلغ اختلافه عن الآخر إلى الدرجة التي يعتبر معها قول الآخر ساقطاً، وذلك لاحاطة مثل هذا المجتهد الاعلم بتاريخ المسألة، وكتب الحديث ولحن الكلمات، وغير ذلك مما يعد المجتهد الآخر بالنسبة إليه في بداية سلّم الاجتهاد.

ويعترض على الوجه الثاني - لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة – بأنه لابد من ملاحظة الفرق بين موارد الفتيا وموارد التعليم، فبما أن أساس التعليم على التدرج في البيان، لذلك فلا مانع من تاخير البيان؛ لأنه لا يحتاج للعمل فيه. ومن هنا فلا يلزم من تاخير المقيّد أو الاعتماد على القرائن المنفصلة تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة. وماذكر من أنه يلزم من تأخير التقييد تأخيرُ البيان إنما يتحقق ذلك في موارد الفتيا. وأما ما ذكره البعض من عدم القبح في تأخير البيان عن وقت الحاجة، فقد تعرضنا له في مبحث المطلق والمقيد.

والخلاصة أن ما ذكر من الوجوه ضعيف.

وأما ما ذهب إليه صاحب الكفاية من أن المرجّحات إنما ذكرت من باب تمييز الحجة عن اللاحجة، وذلك أن الخبر المخالف للكتاب اعتبر زخرفاً، ولذلك لا يكون حجة من أساسه، وكذلك الخبر الموافق للعامة لا يجري فيه أصالة الجهة.

فيعترض عليه بما تقدم إيضاحه من أن ماجاء في الروايات بطرح ما خالف الكتاب إنما يراد به المخالفة الروحية للكتاب إما هدماً أو بناء وهذا أجنبي عن روايات التخيير. وأما مخالفة العامة فليست بنحو تمنع من جريان أصالة الجهة حتى لا يجري فيه الترجيح.

وبما أن هذه الآراء والأقوال قد أجيب عنها في تقريرات بعض الأعاظم ولو بنحو آخر فلذلك لن نطيل الكلام حولها.

وعلى كل حال فقد ظهر مما ذكرنا صحة القول بلزوم الترجيح.

و حاصل هذا التنبيه : ان الترجيح بحسب المرجّحاتو صرف الريبة واجب لا بد منه في موارد التعارض، وهو مذهب اكثر العلماء بل المخالف نادر جداً.

التنبيه الثالث: التعدي عن المرجّحات المنصوصة :

إشارة:

وقد طرح العلماء هذا البحث بعنوان (التعدي عن المرجّحات المنصوصة)، ولكننا نرجح طرح البحث بصيغة أخرى من أن الترجيح هل هو أمر عقلائي أو تعبدي، بمعنى أن المرجّحات المنصوصة في الروايات هل هي إرشادات وتطبيقات للكبرى العقلائية والقانون العقلائي الذي ذكرناه مراراً من لزوم الترجيح بما يوجب صرف الريبة من أحد الخبرين للآخر، ومن هنا كانت هذه المرجّحات المنصوصة توجيهات للفقيه وتذكير أو تعليما له بما يمكن وقوعه مرجحاً في الأحكام الشرعية، وذلك لعدم كون المرجح معيناً ومشتركاً في جميع مجالات التعارض، أو إن هذه المرجّحات المنصوصة تعبدية يلزم الاقتصار عليها؟.

وإنما رجحنا هذا العنوان؛ لأنه أعم من وجه من العنوان الذي طرحه العلماء للبحث؛ وذلك لأنه كما تتسع دائرة المرجّحات بما يتعدى عن المرجّحات المنصوصة فيما لو توفرت المزية على وصف صرف الريبة، لكنها لم تكن منصوصة، فكذلك قد تتضيق في مجالات أخرى كما لو فقدت المرجّحات المنصوصة لوصف صرف الريبة حيث لا يجوز العمل بها.

وقد تبين من البحوث السابقة ان القول بالتعدي هو الصحيح، فالمناط ايجاب المزية لصرف الريبة عن صاحبها لفاقدها، فلو وجد هذا الوصف في مزية غير منصوصة اخذنا به، وكذلك لو كانت المزية منصوصة، ولكنها فاقدة لهذا الوصف لسبب من في المقام فلا اعتبار بها، كما إذا كانت احدى الروايتين مشهورة، ولكن

علمنا منشا الاشتهار وانه لا يعتمد على وجه صحيح، بحيث تبقى الريب فيها، او وجدنا احداهما موافقة للعامة، ولكن تبين لنا بالمناسبات ان مضمونها لا يساعد على كتمان الحكم الواقعي.

وبذلك يتبين ان ما طرحناه، اوسع مما ذكره القوم حيث عبروا بامكان التعدي عن المرجّحات المنصوصة، فانه على طرحنا، ربما لا يؤخذ بالمنصوصة لفقدانها الوصف المذكور.

أقوال العلماء وتاريخ المسألة

وقبل الدخول في البحث يلزمنا التعرض وبإجمال لتاريخ هذه المسألة، والظاهر من أقوال الخاصة والعامة عدم الالتزام بمرجحات معينة، بل إنهم عملوا في مجال الترجيح على الضابط الذي سنذكره. وقد استمر هذا الرأي حتى زمان المحدث الاستربادي - وهو من علماء القرن الحادي عشر وأوّل من انتقد الأصوليين من الشيعة - حيث ذهب إلى التقيد بالمرجّحات المنصوصة في باب الترجيح، وزعم ان كثيراً من القدماء يذهبون لرأيه فكان من الأمور التي انتقدها على الأصوليين اعتمادهم على آرائهم في ترجيح الأخبار المتعارضة. قال الشيخ الأنصاري في رسائله: (ولذا طعن غير واحد من الأخباريين على رؤساء المذهب مثل المحقق والعلامة بأنهم يعتمدون في الترجيحات على أمور اعتمدتها العامة في كتبهم مما ليس في النصوص منها عين ولا أثر).

وتبعه في ذلك جمع من الأخباريين أمثال صاحب الحدائق، فقد قال في حدائقه ونقله الشيخ في رسائله بعد كلامه السابق: (وقد ذكر علماء الأصول من وجوه

الترجيحات في المقام مما لا يرجع إلى محصول، والمعتمد عندنا على ما ورد من أهل البيت (عليه السلام) من الأخبار الدالة على وجوه الترجيحات).

ولعل تشدد الاخباريين في هذه المسألة، لاجل توهمهم انها تمهد السبيل للقول بالرأي في الروايات، وقد ذكرنا في بحث القياس ان احد الاسباب التي دعت الاخباريين إلى نسبة القول بالرأي إلى بعض علمائنا الاصوليين هو القول بالتعدي عن المرجّحات المنصوصة، ولكن سنذكر ليس للقول بالتعبد والتقيد بالمرجّحات المنصوصة اثر ووجود في كلمات السابقين.

وقد وافقهم على ذلك أيضاً المحقق النراقي في مناهج الأصول كما نقله عنه السيّد الطباطبائي في رسالته: (وما للرعية الجاهلة وتمييز روايات الإمام من دون الرخصة فيه، بل مع النهي الصريح عنه كما في الرواية الرابعة عشرة). ومراده منها رواية الميثمي.

وقد ذهب إلى هذا الراي أيضاً من متأخري الأصوليين المحققون الثلاثة: الشيخ النائيني والعراقي والأصفهاني ثم تبع هؤلاء بعض من تأخر عنهم. والملاحظ أن الكثير من الأصوليين تأثروا برأي المحدّث الاستربادي وإن اختلفوا معه في المنهج. ولكن لم يذهب لهذا الرأي من سبق على المحدث الاستربادي.

نعم ربما يستظهر ذلك من كلام الكليني، قال في مقدمة الكافي (فاعلم يا أخي أرشدك اللّه أنه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله...). وقد تقدم الحديث عن هذه العبارة إجمالاً، وأنه رحمه اللّه هل يقول بالتخيير مطلقاً ابتداء أم بالترجيح بالمنصوص، ثم التخيير؟ وعلى الثاني فهل يلتزم بالترتيب بين المرجّحات أو لا يلتزم

به كما هو ظاهر نقله لها دون الترتيب؟ وعلى تقدير ثبوت ذلك عنه فليس له موافق من العلماء؛ لأن العلماء من الخاصة والعامة متفقون على التعدي، فليس رأي المحقق أو العلامة إحداثاً لأمر لم يسبق به. ففي الفوائد القديمة للوحيد البهبهاني: (إن مشايخنا القدماء ورواة الأخبار والوسائط بيننا وبين المعصوم طريقتهم في الأخبار النقد والانتخاب و تصحيح الحديث على ظنونهم والبناء عليها، وعدم قصرهم في الترجيحات المنصوصة).

فلم نجد عيناً ولا أثراً للقول بالتعبد بالمنصوص في الترجيح في كتب القدماء، ولم ينقل ذلك عنهم كما يظهر بمراجعة المعارج للمحقق ونهاية الأصول للعلامة وشرح التهذيب للسيد عميد الدين وغيرها، حيث يظهر أنه ليس هناك من يلتزم بهذا الرأي، فالشيخ الطوسي في مقدمة الاستبصار حيث يتعرض بإيجاز لتعارض الأخبار نلاحظ أنه رجح بالعدد أو النقل باللفظ أو المعنى أو السماع أو الإجازة. ولاريب أن مثل هذه المرجّحات لم ترد في النصوص.

قال في مقدمة الاستبصار (وان كان هناك ما يعارضه فينبغي ان ينظر في المتعارضين فيعمل على أعدل الرواة في الطريقين، وان كانا سواء في العدالة عمل على أكثر الرواة عدداً) ولا ريب في أن كثرة العدد لم ترد في النصوص.

وقال في مقدمة التهذيب (فاذا اتفق الخبران على وجه لا ترجيح لاحدهما على الآخر بينت ان العمل يجب ان يكون بما يوافق دلالته الاصل وترك العمل بما يخالفه) وموافقة الاصل ايضاً ليست من المرجّحات المنصوصة.

وقال الشيخ الصدوق في الفقيه، بعد ان روى صحيحة علي بن جعفر المانعة من الصلاة وبين يدي المصلي سراج، وبعد ان روى رواية ضعيفة مرفوعة عن عمرو بن إبراهيم الهمداني. انه لا بأس به لان الذي يصلي له أقرب إليه من ذلك، وقال في مقام تقديم الثانية مع ضعفها، ولكنها رخصة اقترنت بها علة، صدرت عن ثقات ثم اتصلت بالمجهولين والارتفاع فمن اخذ بها لم يكن مخطئاً بعد ان يعلم ان الاصل هو النهي، وان الاطلاق هو الرخصة، والرخصة رحمة).

ولكن أي من هذه المرجّحات هي منصوصة، كونها رخصة، أم اقترانها بعلة أم صدورها عن الثقات، ومن البعيد ان يكون منشأ قوله بتقديم الرخصة ما روي في المحاسن عن أبي عبدالله (عليه السلام) من مصابيح الظلم (انه قال، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إذا حدثتم عني بالحديث فانحلوني اهنأه واسهله وارشده، فان وافق كتاب اللّه فانا قلته، وان لم يوافق كتاب اللّه فلم اقله) وقد مر الكلام فيه، وقلنا بان الظاهر ان الجملة الاولى مقدمة للثانية، وان المراد الاخذ بما وافق الكتاب وليس المراد الاخذ بالاسهل كيفما كان.

وقد نقلنا فيما سبق عبارة للشيخ المفيد في أوائل المقالات، مفادها ان الراوي لو كان من كبار العلماء كمحمد بن مسلم وزرارة فترجح روايته عند التعارض. وقد نقل هذا أيضاً عن الشيخ الطوسي كما في معارج المحقق، مع أنه ليس ذلك من المرجّحات المنصوصة).

وهذه كلها أمارات وشواهد على عدم التزام أحد بتعبدية الترجيح، والاقتصار على المنصوص. وقد ذهب لهذا الرأي أيضاً شيخ المحققين الأنصاري والسيد الطباطبائي.

وبعد هذا المدخل التاريخي للمسألة ندخل في صميم البحث فنقول: يلزمنا لأجل الوصول إلى الحق في هذه المسألة ملاحظة الأدلّة السابقة التي استدلّ بها على الترجيح؛ لنتعرف على مدى دلالتها في هذا المجال، وهل تدل على التعدي أو الاقتصار على المرجّحات المنصوصة؟

الأدلّة على التعدي :

أما بناء العقلاء، فمن الواضح أنه يقتضي التعدي؛ إذ لا منصوص عندهم. وقد ذكرنا انه حجة بضميمة عدم الردع او الامضاء مباشرة.

وأما الإجماع، فكذلك؛ لما ذكرناه من أن القول بوجوب الاقتصار قول حادث عند الشيعة، وأما العامة فليس لديهم مرجحات منصوصة.

وأما الأصل وهو أصالة التعيين عند دوران الامر بين التعيين والتخيير في الحجية، فهو يقضي بالتعدي أيضاً؛ إذ لا فرق في ذلك بين المنصوص وغيره كما هو واضح فهذه الأدلّة كلها تقتضي عدم التعبد بالمرجّحات المنصوصة، وانما المناط صرف الريبة من أحدهما للآخر.

وأما الروايات، فإن عمدتها المقبولة؛ لأنها هي أهم روايات الباب، وقد تقدم منا أنها إرشاد لما بنى عليه العقلاء. ولكن يجدر البحث عن مدلول الروايات في هذا الموضوع، وهل إنها تدل على وجوب التعدّي أو لا تدل على ذلك، ولا على عدم وجوب التعدي، أو إنها تدل على عدم جواز التعدّي؟ وقد اختلفت الآراء في ذلك وقبل الدخول في تقويم الآراء ينبغي علينا البحث عن مقتضى القاعدة، لنستفيد منها على تقدير إجمال الرواية.

والرأي الذي نختاره : أن مقتضى القاعدة هو الترجيح بمطلق المرجّحات، ولكن فيما إذا استوجبت المزية صرف الريبة عن ذي المزية؛ وذلك لما ذكرناه من بناء العقلاء على ذلك الذي لم يصدر ردع عنه شرعاً.

وربما يقال بأن مقتضى القاعدة هو التخيير؛ وذلك لأن أدلّة التخيير مطلقة، ولكن خرجنا عن إطلاقها في المرجّحات المنصوصة لقيام الدليل عليها، وأما في الموارد التي لم يقم الدليل على الترجيح بها فيبقى الإطلاق حينئذ نافذاً ومحكماً.

ولكن هذا فاسد كما ذكرناه سابقاً؛ لعدم الإطلاق في أدلة التخيير؛ لأن ما يدل منها على التخيير في المتعارضين لا يخلو من إشارات إلى وجوب الترجيح أولاً، وبعد ذلك يؤخذ بالتخيير كمرفوعة العلامة وإحدى مرسلتي الاحتجاج.

وربما يقال بأن مقتضى القاعدة هو التوقف؛ لما جاء في رواية الميثمي من قوله (عليه السلام): «وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه؛ فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا». ولكن يعترض على هذا القول:

1 - بضعف الرواية سنداً؛ لما تقدم من أن محمد بن الحسن بن الوليد (شيخ الصدوق) كان سيّئ الظن في محمد بن عبدالله المسمعي (راوي الحديث)، ولا توثيق للمسمعي في كتب الرجال.

2 - بأنه ليس مفاد الرواية عدم جواز التعدّي، بل إنها في مقام النهي عن الجموع الدلالية التي لا شاهد عليها وليست على وفق الضوابط والموازين التي وردت عنهم (عليهم السلام) في هذا المجال والتي تقدم ذكرها. إذن فلم يكن الكلام فيها عن الترجيح ليقال بأنها تمنع من الترجيح بالرأي، بل كان الكلام في الجموع الدلالية.

3 - أنه (عليه السلام) قال فيها بعد ذلك: وانتم طالبون وباحثون، ولابد من افتراض أن المراد منه هو البحث عن المرجّح وطلبه بعد عدم تحقق موازين الجمع وضوابطه في المورد.

ويتضح من ذلك كله أن مقتضى القاعدة هو الترجيح المطلق بالتعدي عن المرجّحات المنصوصة بالصورة التي ذكرناها من صرف الريبة إذا ما افترضنا اجمال الرواية.

واما البحث عن المقبولة فالملاحظ أن المرجح الأول الذي ذكر فيها يبتدئ من قوله (عليه السلام): «ينظر إلى ماكان من روايتهم في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه عند أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك؛ فإن المجمع عليه لاريب فيه».

وهذه الفقرة كالفقرات اللاحقة وردت على سبيل الإرشاد لذلك البناء العقلائي والكبرى العقلائية التي تتضمنها وتتبطنها فقرات الرواية، لانها وردت من باب التعليل، ولا وجه للتعليل بامر تعبدي، وانما لا بد أن يكون بامر ارتكازي عقلائي وهو التي أشرنا إليها أكثر من مرة في مقام الترجيح بين الأمارتين المتعارضتين، وهي ملاحظة ما يوجب صرف الريبة عن إحداهما واختصاصها بالأخريبحيث يوجب الاطمئنان بعد المحاسبة بصحة مقتضى تلك الامارة، وقد مر ان عليه بناء الاصحاب والعلماء السابقين، فإذا صرفت الريبة من إحدى الروايتين للأخرى وجب الأخذ بتلك الرواية. فمعنى الرواية أنه لو وجد خبران: أحدهما مجمع عليه، والآخر شاذ ونادر، وجب الأخذ بالمجمع عليه؛ لأنه لاريب فيه؛ وذلك لزوال الريب الحاصل من

جهة العلم الإجمالي بمخالفة أحد الخبرين للواقع، من المجمع عليه، وانحصاره في الشاذ والنادر.

والمراد من الريب والريبة كما ذكرنا : وجود أمارة توجب سوء الظن والتهمة في الخبرين لان الريب هو التحير والتردد ومظنة الكذب وتهمته. واما الكبرى العقلائية المذكورة فهي مطوية في الرواية.

ثم قال (عليه السلام) بعد ذلك: «وإنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه عز وجل ورسوله».

والأمر له معان عديدة، ولعل المراد منه هنا: الطرق والكواشف والإمام (عليه السلام) أدخل المجمع عليه في الأمر البين الرشد.

والرشد كما في لسان العرب هو (نقيض الغي، ورشد الإنسان إذا أصاب وجه الأمر والطريق). وقولهم : أرشده اللّه يعني يعني هداه.

والبين هو الوضوح والظهور والجلاء، فالمراد من قوله: «أمر بيّن رشده» أن يكون وجه الحق وطريقه واضحاً فيه.

وأما المشكل، ففي كتب اللغة يعني ما تشاكل فيه وجه الحق والباطل وتشابها. وفي أقرب الموارد (المشكل: المشاكلة في الهيئة والصورة، وأشكل الأمر التبس).

ومعنى ذلك كله أنه لو كان هناك أمر اشتبه فيه الحق بالباطل فلا يجوز اتباعه، وأما لو كان الرشد بيناً كما في المجمع عليه فيجب اتباعه.

اذن بالاجماع والشهرة يرتفع الاشكال من الرواية، لان المشكل كما ذكرنا ما التبس فيه الحق بالباطل، والمرجّحات الموجبة للتبين ورفع الاشكال، ومنها الاجماع والشهرة تمنع من التوقف ورد علمه اللّه والرسول (صلى اللّه عليه وآله) وتوجب الاخذ

به لان التبين ليس الا وضوح الشيء وهو معنى العلم أيضاً، ومرجع جميع هذه التعبيرات لامر واحد وهو زوال التردد والتحير، فلو تعارض قول طبيبين في تشخيص المرض او العلاج، ولم يكن بينهما مرجح عقلائي، اشكل الامر، واما لو ترجح احدهما بملاحظة كثرة الممارسة أو الخبرة أو علو درجته وشهادته الجامعية وغيرها من وجوه الترجيح فلا يبقى الاشكال ولا يصدق عليه انه امر مشكل عند العقلاء.

وبما أن هذا الحكم بالاتباع والأخذ معلل بما ذكرناه من الكبرى العقلائية في صرف الريبة، والعلة كما ذكروا - تعمّم وتخصص - فلذلك جاز لنا التعدي إلى كل ما يوجب صرف الريبة ولا يختص بالإجماعاو الشهرة. وكذلك لايجوز لنا الترجيح بالإجماع فيما لو لم يوجب صرف الريبة لعدم توفره على العلة كما إذا علمنا ان الشهرة ناشئة من تقليد جيل لجيل آخر من دون استقلال بالرأي والتفكير فالشهرة من هذا القبيل لا توجب صرف الريبة ولا يصح الترجيح بها.

وعلى كل حال، فإن «الرشد» تعبير آخر عما لاريب فيه، كما أن الغي تطبيق لما فيه الريب. وهذه الجملة هي الكبرى لقوله : «فإن المجمع عليه لاريب فيه».

ثم قال (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله): حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم».

وهذا الكلام منه (عليه السلام) استشهاد بالسنة النبوية، ومن باب الأخذ بشواهد الكتاب والسنة، فبعد أن ذكر (عليه السلام) الكبرى بقوله: «أمر بين» استأنس بكلام الرسول (صلى اللّه عليه وآله) من باب التوافق مع تعاليمه (صلى اللّه عليه وآله). ولا

يعتبر في ذلك أن يكون المعنى المراد من كلام الإمام مدلولاً لكلام النبي (صلى اللّه عليه وآله) بالدلالة المطابقية.

وبعد ذلك في مقام الجواب عن سؤال السائل فيما لو وجد أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفاً لهم فباي الخبرين يؤخذ؟ يقول الإمام (عليه السلام) «ما خالف العامة ففيه الرشاد».

و«الرشاد»: هو الرشد، والمراد منه هنا تطبيق الكبرى التي سبق أن ذكرها الامام (عليه السلام) بقوله: «أمر بين رشده»، ويعني بذلك أن مخالفة العامة تدخل الخبر ضمن الأمور البيّن رشدها.

وفي ذيل الرواية، وبعد أن يسأله السائل فيما لو وافق الخبران كلاهما حكامهم، يجيب الإمام (عليه السلام): «إذا كان كذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات».

فالسائل يسأل فيما لو لم يوجد شيء من المرجّحات في أحد الخبرين، فما العمل؟ فأجابه (عليه السلام) بالإرجاء إلى لقاء الإمام (عليه السلام) ليوضح له الحق من الباطل ثم علّل الإمام (عليه السلام) الأمر بالإرجاء بقوله: «فإن الوقوف عند الشبهات»، بمعنى أن التوقف عند اشتباه الحق بالباطل أولى من الاقتحام فيها من يُظهر من ذلك أن العلة في الأمر بالإرجاء ليس هو فقدان المرجّحات التعبدية المنصوصة في الرواية، وانما هو دخول هذا الامر في الامور المشكلة التي يجب رد علمها إلى اللّه ورسوله والوقوف عندها، فالملاك في الارجاء هو حصول الشبهة؛ لعدم وجود ما يزيلها عند الفقيه، وأما إذا انتفت الشبهة حتى بغير ماذكر في الحديث من المرجّحات، فلا يجب الإرجاء؛ لما ذكرناه من أن العلة تعمّم وتخصص.

وقد ذكرنا في محله ان المراد من الشبهة في المقام ما اشتبه الحق بالباطل وان كانت في بعض الموارد تستعمل في اشتباه الحرام بالحلال.

و من خلال جميع ما ذكرناه حول هذه الرواية يتضح لنا أن هذه الرواية إرشاد للكبرى العقلائية والمرجّحات العقلائية التي تحكم في مجال تعارض الكاشفين بالأخذ بما لا ينطبق عليه عنوان المشكل والمشتبه وما فيه الريب، بل يؤخذ فيها بالعناوين المقابلة لها. وهذا المعنى هو الذي نفهمه من الرواية، ونتيجته إفادتها التعدي عن المرجّحات المنصوصة إلى غيرها كما ذهب لذلك الشيخ الأنصاري أيضاً.

ولكن صاحب الكفاية أثار بعض الشبهات حول المقبولة واستدل بها على إثبات تعبدية المرجّحات وعدم التعدي عنها. فقد ذكر المحقق الخراساني في الكفاية أموراً ثلاثة لرأيه هذا:

فالأمر الأوّل والثاني أشار اليهما بقوله: (مع ما في عدم بيان الإمام (عليه السلام) للكلية كي لا يحتاج السائل إلى إعادة السؤال مراراً، وما في أمره (عليه السلام) بالإرجاء بعد فرض التساوي فيما ذكر من المزايا المنصوصة من الظهور في أن المدار في الترجيح على المزايا المخصوصة كما لا يخفى.

فقد ذهب صاحب الكفاية في الأمر الأوّل إلى عدم ذكر الإمام (عليه السلام) للكبرى الكلية في الترجيح كما يظهر ذلك من الأسلئة المتكررة.

ولكن يعترض على ذلك:

أولاً: ما ذكره من عدم ذكر الإمام (عليه السلام) لما يستفاد منه الكبرى الكلية في أوّل المرجّحات غير صحيح؛ وذلك لأن أول المرجّحات بين الأخبار على الرأي

المختار هو الترجيح بالاجماع؛ لأنه (عليه السلام) يقول: «ينظر إلى ما كان من روايتهما في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك»، واما الترجيح بالصفات التي ذكرت بعد ذلك فقد ذكرنا فيما سبق أنها ترتبط بالمفتيين لا الراويين. ومن الواضح أن تلك الكبرى الكلية قد بينت في ضمن أول المرجّحات في قوله: فإن المجمع عليه لاريب فيه، وإنما لامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع وأمر بين غيه فيجتنب، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)...». وهذه التعبيرات جميعها تتضمن الكبرى الكلية بوضوح إلا إنها خلال ذكر صغريات لتلك الكبرى.

فان هذه الجملة ذكرت من باب التعليل، وقد ذكروا ان العلة تعمم وتخصص وليس ذلك الا لان التعليل يتضمن بيان القانون الكلي. وقد بينا ان التعليل لا بدان يكون بامر عقلائي ارتكازي، وهو الكبرى الكلية التي تتضمنها وتشير اليها فقرات الرواية، وليست هذه الفقرات والمرجّحات الا تطبيقات لها.

وثانياً: أن الإمام (عليه السلام) لو كان يذكر الكبرى الكلية صريحاً من البداية لبقي الاحتياج مع ذلك إلى الأسئلة المذكورة في المقبولة؛ لأن الكبرى في نفسها وإن كانت عقلائية لكن ربما لا يتوجه الفقيه إلى الخصوصيات والتطبيقات لها والتي توجب صرف الريبة عن أحد الخبرين الصادرين عن الإمام (عليه السلام) للآخر. لذلك فلابد للإمام (عليه السلام) أن يؤشر عليها أحياناً؛ ليكون الفقيه ملتفتاً مثلاً إلى تأثير الإجماع وموافقة الكتاب ومخالفة العامة وميول حكّامهم وقضاتهم في صرف الشبهة والريبة.

إذن فتكرر الأسئلة مما تقتضيه طبيعة أمثال هذه الكبريات التي ربما لا يلتفت إلى خصوصياتها وتطبيقاتها.

إذن فتكرر لأسئلة ليس لأجل عدم ذكر القانون الكلّي، بل لأجل احتياجه إلى أمثلة تطبيقية مساعدة على تنفيذ ذلك القانونلاجل تعليم كيفية التطبيق، وخاصة فيما لوكان مورد التطبيق خارجاً عن حدود الفهم المتعار فكما في الامارات الدالة على الاحكام الشرعية فانها تحتاج لانواع خاصة من المرجّحات، وربما لا تجري فيها بعض المرجّحات المتعارفة في الامارات العرفية، ولكن الكلام في انها هل تختص بالمنصوصة، او ان ما نص عليه الشارع ليست الا تطبيقات جزئية للقانون الكلي، كجميع موارد الامثلة التطبيقية التي تلقى على المتعلمين تمرينا لهم على تطبيق القانون في موارده، وتحتاج إلى التأشير على التطبيقات والخصوصيات التي ربما يغفل عنها الفقيه.

وذهب صاحب الكفاية في الأمر الثاني إلى أن الإمام (عليه السلام) أمر بالإرجاء بعد فقدان المرجّحات المنصوصة، فلو كان الترجيح بغير الأمور المذكورة جائزاً لم يكن أي وجه لسد باب الترجيح بعد افتراض الراوي فقدانها.

ولكن يعترض عليه في هذا الأمر أن الأمر بالإرجاء لو كان مطلقاً لكان هناك مجال لمثل هذا الاعتراض، ولكن الملاحظ أن الأمر بالإرجاء معلل بدخول المورد في

الشبهات لقوله (عليه السلام): «فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». وهذا التعليل يرشد إلى أن كل ما يوجب ارتفاع عنوان الشبهة وإن كان بغير هذه المرجّحات، فلا يجب الإرجاء والوقوف، ولكن اذا بقي الأمر مشتبهاً وجب الإرجاء؛ لعدم وجود ما يوجب صرف الريبة وخروج الخبر عن عنوان المشكل.

الأمر الثالث مما اشار إليه صاحب الكفاية في البحث اللاحق الذي يبحث فيه عن (مقدار التعدي عن المرجّحات)، ويمكن الاستفادة منه هنا في مجال الاستدللال على دلالة المقبولة على تعبدية المرجّحات قال في الكفاية : (ثم إنه بناء على التعدي حيث

كان في المزايا المنصوصة مالا يوجب الظن بذي المزية ولا أقربيته، كبعض صفات الراوي مثل الأورعية أو الأفقهية إذا كان موجبهما مما لا يوجب الظن، أو الاقربية كالتورع عن الشبهات والجهد في العبادات وكثرة التتبع في المسائل الفقهية أو المهارة في القواعد الأصولية، فلا وجه للاقتصار على التعدّي إلى خصوص ما يوجب الظن أو الأقربية، بل إلى كل مزية ولم تكن موجبة لأحدهما كما لا يخفى).

و ملخص كلامه : أن الإمام (عليه السلام) جعل من المرجّحات أموراً لا تتلاءم ودخول ماذكره في الكبرى العقلائية، أمثال الترجيح بالأفقهية والأورعية؛ فإن معرفة الراوي لمسائل أبواب العبادات أو المباحث الأصولية كمبحث اجتماع الأمر والنهي، وبحث الترتب، لا يوجب الأقربية للواقع، وهكذا الورع في الشبهات كما لا يخفى.

ولكن يعترض عليه :

أولاً: لقد تقدم منا أن الصفات المذكورة في المقبولة لا ترتبط بالترجيح بين الروايتين : وإنما هي ترتبط بالترجيح بين المفتيين. وقد بحثنا بالتفصيل عن فقه الحديث و مدى دلالته في هذا المجال.

ثانياً: لو سلمنا ارتباط الترجيح بالصفات برواة الأحاديث، فبملاحظة التعليلات المذكورة في الرواية كما تقدم شرحها بالتفصيل ينبغي علينا أن نفسر هذه المرجّحات بتفسير تنطبق عليه الكبرى المستفادة من التعليلات دون نن نعكس الأمر، فنعتبر الترجيح بها دليلاً على تعبدية المرجح. وبحسب هذا التفسير الذي نذكره لهذه المرجّحات، فانها ستكون موجبة لصرف الريبة، وتخرج عن كونها تعبدية محضة

(فالأفقهية) مثلاً تعني الفهم الدقيق للمطلب، والوصول إلى عمق المراد دون الفهم العام، فنحتاج في فهم الروايات إلى فقاهة وخبرة خاصة في معرفة أساليب

الأئمة (عليهم السلام) وأحاديثهمو في إلقاء التعليمات والفتاوى، ومعرفة اصول الشريعة واراء المدارس المعارضة لمدرسة اهل البيت (عليهم السلام) وغيرها من العوامل والاساليب التي يلزم معرفتها لاجل تأثيرها في فهم كلام الأئمة (عليهم السلام) ومرادهم، وقد ذكروا (انا لا نعد الرجل فقيها حتى يفهم معاريض كلامنا). وبما أن أكثر الروايات نقلت بالمعنى لا باللفظ، فلذلك احتيج للفقاهة والانتباه والفطنة في فهم المعنى وصحة تلقيه منه، وخاصة إذا كان المعنى دقيقاً وعلمياً. ومن هنا يكون للافقهية تأثيرها الكبير في أقربية الرواية للصدور، فلا يراد من الأفقهية معرفة المطالب التي ليس لها دخل كبير في صدور الحديث، كبعض القواعد الأصولية مثلاً كما ذكره صاحب الكفاية، وإنما المراد منها ما تجعل من صاحبها أدق من غيره في تلقي الرويات وفهمها؛ لأن الافراد يتفاوتون في مقدار التلقي والفهم بحسب اختلاف مستوياتهم.

ولذلك نرى قدماء أصحابنا كانوا يلاحظون هذه الجهات أيضاً في مجال الترجيح، وقد ذكرنا سابقاً أن عمر بن أذينة كان يعرض رواياته التي سمعها من الرواة – حتى الثقات منهم بل الأفاضل أمثال محمد بن مسلم وغيره - على زرارة ليأخذ برأيه في اعتبارها وعدمه، وليس ذلك إلا لأجل شكه في صحة تلقيه عن الرواة، أو تلقي الرواة عن الإمام (عليه السلام). ومن تلك الروايات ما رواه له محمد بن مسلم في الكافي في باب المواريث، مع أن ابن مسلم من الأجلاء، ولعله لاجل ان بعض الرواه كان يتشددون في الحديث، ويعرضون ما سمعوه على اجلاء الاصحاب لتصحيحها قيل عن بعضهم (قام الاجماع على تصحيح ما يصح عن جماعة من فقهاء الرواة) وتفسير هذه المقولة بهذا التفسير، لا بالتفسيرات الاخرى التي ذكرت لها. ولذلك

ذكر في معارج الاصول للمحقق الحلي نقلاً عن الشيخ أن الطائفة رجحت روايات محمد بن مسلم وأمثاله على غيره، قال (قدس سره) (رجح الشيخ بالضابط والعالم والأعلم، محتجاً بأن الطائفة قدمت ما رواه محمد بن مسلم وبريد بن معاوية وفضل بن يسار ونظائرهم على من ليس لهم حالهم).

فتبين ان المراد بالأفقهية ليس معرفة القواعد الأصولية فحسب، بل سعة الاطلاع على الأمور الدخيلة في فهم مراد الأئمة (عليهم السلام) وتلقي الأحكام الشرعية منهم كذلك.

واما الأورعية، فالمراد بها - على تقدير كونها مرجّحة للرواية – خصوص الأورعية في نقل الحديث أو الفتوى، كما تقتضيه مناسبة الحكم للموضوع، وجعله مزية في الحديث، وليس المراد منها الورع في الحلال والحرام مثلاً في موضوعنا. فإذا قيل: ارجع للطبيب الورع فيراد منه : الورع من حيث إعطاء الدواء، لا من الجهات الأخرى كما هو واضح.

والثقات من رواتنا وإن كانوا متصفين بالورع جميعاً، ولكن لاريب في اختلافهم في ذلك على درجات، فمنهم من يتقيد مثلاً بنقل جميع جوانب الحديث دون زيادة و نقصان، وبعضهم قد لايراعي بعضها؛ لتوهم عدم دخلها في الموضوع، فلا ينافي وثاقتهو عدالته، كما نشاهد هذا الفرق بوضوح في جامعي الأحاديث فقد ذكر النجاشي في ترجمة حماد بن عيسى أنه قال: (سمعت عن الصادق (عليه السلام) سبعين حديثاً فلم أزل أشك فيها، حتى وصلت إلى هذه العشرين).

ثم قال: (وكان من صدقه أن روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وعبد اللّه بن المغيرة، وعبدالله بن سنان، وأضرابهم). وإنما جعل هذا من أمارات صدقه؛ لأنه مع

كونه من رواة الإمام الصادق (عليه السلام)، كان ينقل ويروي عن سائر رواة الإمام (عليه السلام) أيضاً، وكأنه كان يسأل من هؤلاء ما سمعه بنفسه من الإمام (عليه السلام) ليتأكد من سماعة فالورع وان كان مكلفا بحسب مفهومه الا ان المراد بالورع حين يُجعل مرجّحاً للرواية بحيث يكون مزية في الرواية قرينة واضحة على ارادة خصوص الاورعية في نقل الحديث. وكذلك حين يجعل الورع مرجحاً في الفتوى، فیراد به: التورع في الفتوى.

وقد ذُكرت أمور أخرى غير ما ذكرنا لتأييد تعبدية المرجّحات المنصوصة، مثل ما ذكر من أنه يستبعد كون ميل الحكام أو القضاة مرجحاً عقلائياً؛ إذ لادخل له في الترجيح، فلابد من حمله على التعبد.

ولكن اتضح الجواب عن ذلك فيما سبق وسيأتي في مبحث الترتيب بين المرجّحات، حيث إن ملاحظة الوضع الاجتماعي آنذاك، وسيطرة الحكام على أفكار الشعوب كافيان في تفسير وجه الترجيح بمخالفة الحكام والقضاة بحسب بناء العقلاء.

فظهر من جميع ما ذكرناه أن المقبولة تدل على جواز التعدي عن المرجّحات المنصوصة كما ذهب الشيخ الأنصاري لهذا الرأي أيضاً وإن اختلف مستنده عنا. وعلى تقدير عدم دلالتها على التعدي فيكفي في ذلك بناء العقلاء كما تقدم توضيحه.

التنبيه الرابع : حدود التعدي عن المرجّحات المنصوصة:

بعد لالتزام بالتعدي عن المرجّحات المنصوصة، فما هي حدودا هذا التعدي؟ هنا اقوال؛ فذهب البعض إلى أنه يجب التعدي إلى كل مزية وإن لم توجب الأقربية للواقع صدوراً أو جهة. وقد اختار هذا الرأي صاحب الكفاية.

وذهب بعض آخر إلى أنه يعتبر في المزية أن توجب الأقربية للواقع. وبناء على هذا الرأي، فما هو المعيار في ذلك؟ فهل هو مجرد احتمال الأقربية في أحدهما ولو لم يصل إلى درجة الظن كما هو ظاهر الشيخ الانصاري؟ أو إن المعيار تحقق الظن الشخصي اوالنوعي بأنه أقرب للواقع؟ والبحث في هذه المسألة يقع في مقامين:

المقام الأوّل: (وجوب التعدي لكل مزية ومرجح وإن لم توجب الأقربية للواقع)، وقد ذكر صاحب الكفاية أنه بناءً على التعدي من المرجّحات المنصوصة فلابد من التعدي إلى مطلق المزايا، كما لو كان الراوي لأحد الخبرين فطحياً والآخر زيدياً، فالفطحي بما أنه يعتقد بإمامة الأئمة الاثني عشر بالإضافة لاعتقاده بعبد اللّه الأفطح، فيكون أقرب إلينا من الزيدي المنكر لبعض لأيمة (عليهم السلام) إلا القائم بالسيف. أو مثل الأفصحية في غير الخطب؛ اذ يمكن أن يكون الأفصح في الخطب مرجحاً للصدور، مع أن مثل هذه المزايا ربما لا توجب الأقربية للواقع.

ولأجل تقويم هذا الرأي لابد أن نلاحظ الأدلّة التي يستدل بها على التعدي، لنرى مدى دلالتها على ذلك، والأدلّة كما ذكرنا هي بناء العقلاء، والإجماع والسيرة، والروايات وعمدتها مقبولة عمر بن حنظلة، والأصل.

أما بناء العقلاء، فالملاحظ أن العقلاء لا يعتنون بالمزايا التي لا توجب الأقربية للواقع في إحدى الأمارتين المتعارضتين، فلم يقم بناؤهم على الترجيح بمطلق المزية، وان لم توجب قرباً، كما لو كان أحد المخبرين هاشمياً والآخر من الأطباء، وغيرها من الأمور التي لا توجب الأقربية للواقع.

وأما الإجماع والسيرة؛ فإن قلنا بأنهما على وفق بناء العقلاء فحسب من دون تعبد في الترجيح كما هو الرأي المختار، فحكمهما حكم بناء العقلاء، وأما لو قلنا بتعبديتهما فبما أن مقتضى القاعدة هو التخيير او التساقط، والإجماع أو السيرة دليلان لبيان يقتصر فيهما على القدر المتيقن. والقدر المتيقن في الترجيح هو المورد الذي تكون فيه المزية موجبة للأقربية من الواقع، ويرفع اليد عنهما في غير هذا المورد.

وأما الروايات – وعمدتها المقبولة - فقد تقدم منا أن المستفاد منها وجوب الترجيح بما يوجب القرب للواقع، بأن تصرف الريبة من أحد الخبرين للآخر، حيث ذكرنا أن المقبولة إمضاء وتوضيح لبناء العقلاء، فالكلام فيها هو الكلام فيه. وقد تقدم أيضاً البحث عن رأي صاحب الكفاية، وأن رأيه بوجوب التعدي لمطلق المرجّحات مستند لتصوره بان المرجّحات المذكورة في المقبولة - ومنها الأفقهية، والأورعية وغيرهما - لا توجب الأقربية للواقع، ومع ذلك اعتبرت في المقبولة من المرجّحات. فلذلك لابد لنا على القول بالتعدّي أن نتعدى إلى مطلق المرجّحات وإن لم توجب الأقربية للواقع.

ولكن ناقشنا هذا الرأي:

أولاً : بان الترجيح بالصفات المذكورة ليس مذكوراً في مرجحات الرواية، بل هو من مرجحات الفتوى، فهو يرتبط بتعارض الفتويين لا الروايتين.

ثانياً أن الأفقهية والأورعية كما ذكرنا في التنبيه الثالث سواء جعلت مرجحاً للفتوى أو الرواية، لابد من حملها على ما توجب الأقربية للواقع، وهذا الحمل إنما نأخذ به بمعونة القرائن المحتفّة بصدر المقبولة وذيلها، وغيرها من القرائن الخارجية كبناء العقلاء، حيث إن الظاهر أنها مسوقة لإمضاء ما بنى عليه العقلاء في هذا المجال.

فالمراد بالأفقهية: ما يرتبط بباب التعارض، أما في الرواية فيراد من الأفقه فيها: بان يكون الشخص أدق وأعمق ملاحظة من الآخر في فهم الروايات وتمييزها عن غيرها، وخاصة في النقل بالمعنى – وهو الأكثر - وأكثر معرفة في مجال اختلاط كلام الراوي بكلام المعصوم، وكذلك في التوجه للخصوصيات والقرائن الدخيلة في المراد، سواء كانت مقامية او مقالية، التي لها تأثيرها في فهم المعنى وتوضيحه فربما غير الفقيه أو الافقه في نقله للرواية بالمعنى، له بعض التصرف في معناها، مع عدم قدرة الذاكرة وخاصة لغير الفقيه من التوجه والاستحضار والاستيعاب لجميع خصوصيات المعنى، وكذلك فان الافقه اكثر معرفة باساليب اقوال الائمة (عليهم السلام) وقيمة كتب الحديث وأهميتها، وطبقات الرواة. وكذلك روف صدور الرواية فربا غير الأفقه يعتقد بعدم دخل بعض الخصوصيات الدخيلة في فهم المراد؛ او ربما لا يتنبه اليها فلذلك لا ينقلها.

وأما في الفتوى، فيراد من الأفقه الأعرف بلحن كلامهم (عليهم السلام) ومعاريضه وتورياته.

وأما الأورعية، فإذا كانت مرتبطة بالفتوى أو في الرواية فيراد بها الورع في تلك الأمور المرتبطة بهذا المجال، أي الورع في الفتوى أو في نقل الحديث، وليس المراد منه الورع في الحلال والحرام مثلاً. فإذا قلنا: إن الفقيه متورع في فتواه، فهذا يعني أنه يفتي مع التأمل والتدقيق الكافي، كما هو المعيار في الوثوق بالأطباء مثلاً، كما نقلنا عن حماد من أنه كان يشكك في نقل الحديث، فلا ينقل مالا يطمئن إليه، لذلك فبعض الرواة على الرغم من سماعهم للحديث يتورعون في نقل ونسبة الكلام لصاحبه.

واما الأصل - وهو دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، حيث إن الاصل فيه هو التعيين - فيعترض عليه بأنه بناء على الالتزام بهذا الاصل لاننا اشكلنا عليه سابقا فإما أن نقول بأن أدلّة وروايات التخيير مطلقة لصورة وجود المرجّح وعدمه، أو نقول بأنها مقيّدة بصورة عدم وجود المرجح بقرينة متصلة كبناء العقلاء، أو منفصلة كأدلة الترجيح:

فإن قلنا بأن أدلة التخيير مطلقة، فتتعارض مع بناء العقلاء والإجماع اللذين يدلان على الترجيح فيما إذا وجدت المزية الموجبة للأقربية، لأنهما إنما يحددان الترجيح بهذه المزية لا كل مزية، وأما لو لم تكن هناك مزية موجبة للأقربية، فتبقى إطلاقات التخيير محكمة.

وأما لو قلنا بأن أدلة التخيير مقيدة بصورة عدم وجود المرجح وتقييدها إما ببناء العقلاء وهو قرينة حالية، أو بالأخبار الدالة على الترجيح وهي قرينة منفصلة، فقد ذكرنا أن بناء العقلاء والأخبار إنما يحكمان بالترجيح فيما لو كانت المزية موجبة للقرب من الواقع لا مطلقاً، فيبقى إطلاق التخيير محكماً في غير هذا المورد. وعلى كل حال فلا مقتضي الجريان الاصل.

واتضح من خلال ذلك كله أن أدلة التعدّي جميعاً تدل على التعدي إلى المزية التي توجب قرباً للواقع في ذي المزية، وتوجب بعداً عنه في الاخر الفاقد لهذه المزية. أما التعدي لكل مزية وإن لم توجب الأقربية للواقع، فهو غير صحيح.

المقام الثاني: بعد البناء على التعدي لكل مزية توجب الاقربية للواقع صدوراً أو جهة، فهل المعيار في ذلك مجرد احتمال الأقربية للواقع كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري، أو يلزم تحقق الظن الشخصي كما عن المحققين القمي والميرزا حبيب اللّه الرشتي او المعيار في ذلك صرف الريبة بحسب الموازين العقلائية، أي الظن النوعي؟ هنا أقوال في هذه المسألة:

أما القول الأول - وهو ما ذكره الشيخ الأنصاري من الاكتفاء بمجرد الاحتمال بأقربية أحدهما للواقع وان لم يبلغ هذا الاحتمال درجة الظن – فالظاهر أن مستنده أن أمثال الأورعية والأفقهية ونحوهما المذكورة في المقبولة لا توجب إلا احتمال الأقربية دون الجزم أو الظن الشخصي أو النوعي بالأقربية ويعترض عليه بما ذكرناه في مناقشة صاحب الكفاية:

اولاً: أن الترجيح بالصفات مرتبط بالفتوى دون الرواية. وثانياً: أن الكلام محفوف بما يدل على عدم كفاية مجرد الاحتمال، كما سيأتي توضيحه.

أما القول الثاني – اعتبار الظن الشخصي بأقربية أحدهما للواقع – فيمكن توجيهه بأن العقلاء والعلماء في مورد التعارض يعملون بالخبر الذي يتوفر فيه الظن لهم شخصيا بأنه أقرب للواقع دون غيره. ويدل عليه ما ذكره الوحيد البهبهاني في فوائده من أن الأصحاب يعملون بالظن في مقام الترجيح.

قال (مشايخنا القدماء ورواة الاخبار الوسائط بيننا وبين المعصوم طريقهم في الاخبار النقد والانتخاب وتصحيح الحديث على ظنونهم والبناء عليها وعدم قصورهم بالترجيحات المنصوصة) وذهب اليه الميرزا القمي ايضا ولكن يظهر الجواب عن هذا القول حين نبحث عن القول الثالث.

أما القول الثالث - وهوما نذهب إليه - فهو أنه في موارد الأمارتين المتعارضتين لابد أن تكون المزية بدرجة توجب عند العقلاء صرف الريبة الناشئة من العلم الإجمالي بمخالفة إحداهما للواقع، من إحداهما للأخرى، بحيث يصبح المصروف عنه الريبة كأنه لا معارض له. وفي هذه الحالة يأخذ العقلاء بالراجح، وأما لو لم يصل لذلك، فلا يأخذون به ولا يكتفون بمجرد الظن الشخصي. والمقياس بناء العقلاء بما هم عقلاء لا بما هم خاضعون لبعض التاثيرات.

فالمعيار هو المرجّحات العقلائية، لا المظنة الشخصية التي يعتمد فيها الإنسان على جهاته النفسية، أو على الجهات التي لا يعتمد عليها العقلاء بما هم عقلاء، كما لو حصل للإنسان الظن الشخصي بسبب الإيحاءات والدعايات والتأثيرات من دون ملاحظة ومحاسبة إدراكية دقيقة من خلال الطرق والموازين العقلائية او حساب الاحتمالات، فلا قيمة عقلائية وعلمية لمثل هذا الظن كما لو حصل للانسان بسبب الدعايات والإيحاءات الظن بأن جميع روايات الكافي الشريف ارجح من غيرها بسبب ما اشتهر من معاشرة الشيخ الكليني للنواب في عهد الغيبة الصغرى، ولكن لا يوجد أساس إدراكي وعقلائي لمثل هذا الترجيح، وهكذا لو قال أحد بأن الطبيب زيداً أفضل من خالد لأنه درس في جامعة راقية أرقى من الجامعة التي درس فيها خالد. فهذه المقاييس لا اعتبار لها، بل لا بد من ملاحظة درجاته ومعدله، ومجرد دراسته في

جامعة ارقى لا يكفي في تفوّقه لو كان معدله ضعيفاً، حيث يمكن أن يكون الطالب الآخر الذي درس في الجامعة الاخرى التي هي أقل شأناً أكثر معدلاً ونبوغاً. وكذلك فيما اشتهر بين الطلبة من الاعتقاد الكبير بتلاميذ بعض العلماء الكبار أمثال الشيخ الآخوند ورجحانهم على غيرهم، فمثل هذا الظن الناشئ. من هذه العوامل الأحساسية لا يعتمد عليه إذن فالمعيار هو التعدي بحسب بناء العقلاء لا بما أنهم متأثرون بإحساسهم في ترجيح أحد على آخر، بل بما هم أحد على آخر، بل بما هم عقلاء، بحيث يبلغ الظن عندهم درجة توجب صرف الريبة عن أحدهما للآخر فلا يرون قيمة وأهمية لقول المرجوح بالنسبة لقول الراجح، فيكون قول الراجح هو الحجة عندهم.

إذن، فالمتبعهو صرف الريبة على ضوء الموازين العقلائية، وهذا هو القدر المتيقن من الإجماع.

ومقبولة عمر بن حنظلة تشير لهذا البناء العقلائي، وتطبيقاً له فإن مثل الدعايات والإيحاءات لا توجب رشداً ليصدق على ذلك الأمر الحاصل نتيجة لها أنه «بين رشده».

إذن، فالرأي المختار هو التعدي الخصوص ما يوجب صرف الريبة على وفق الموازين العقلائية كما ذكرناه.

التنبيه الخامس : الترتيب بين المرجّحات

إشارة:

بعد القول بلزوم الترجيح بالمرجّحات يقع الكلام في أنه هل يوجد ترتيب بين هذه المرجّحات، أو أنه يتحقق التعارض بينها؟ كما لو كانت إحدى الروايتين موافقة للكتاب والأخرى مخالفة للعامة، فإن قلنا بالترتيب فنرجّح ذا المزية المتقدمة رتبة على الآخر، وإن لم نقل بالترتيب فتتساقط الروايتان ونرجح للأصل.

والكلام يقع في مقامين:

المقام الأوّل: بناءاً على الاقتصار في المرجّحات المنصوصة وعدم التعدي عنها فهل نقول بالترتيب أم لا؟

والمرجّحات المنصوصة ثلاثة عند البعض، وهي: الشهرة والشذوذ، وموافقة الكتاب، ومخالفة العامة، وذلك فيما لو كان المستند هو المقبولة. وعند بعض آخر اثنان، وهما: موافقة الكتاب ومخالفة العامة؛ استناداً لمصححة القطب الراوندي.

والقائلون بالاقتصار على المرجّحات المنصوصة لهما مسلكان

المسلك الأوّل: الاعتماد في الترجيح بالمرجّحات المنصوصة على النص، فنأخذ بها؛ لأنها منصوصة.

والمسلك الثاني: الاعتماد فيه على القاعدة لا لاجل النص، وذلك لضعف الروايات.

فنأخذ بهذه المرجّحات المنصوصة لا لأجل أنها منصوصة، بل لأجل أنها مقتضى القاعدة التي تقتضي الأخذ بنفس هذه المرجّحات المذكورة في الروايات ولكن بما أن الروايات ضعيفة لذلك فإننا ناخذ بالقاعدة. وهي تقتضي الترجيح والترتيب بين موافقة الكتاب ومخالفة العامة.

والظاهر أنه على كلا المسلكين لابد من القول بالترتيب، لذلك سنتحدّث في هذه المسألة على كلا المسلكين.

المسلك الأوّل: فيما لو اعتمدنا على الترجيح بالمرجّحات المنصوصة على النص والروايات والعمدة في النصوص المشتملة على المرجّحات روايتان مقبولة عمر بن حنظلة، والثانية خبر القطب الراوندي.

أما المقبولة، فقد دلت على الترجيح أولاً بالشهرة والشذوذ، وبعد ذلك حين فرض السائل كونهما مشهورين رجحت بموافقة الكتاب ومخالفة العامة. ومن هذا الكلام يستفاد الترتيب بين المرجّح الأوّل وهو الشهرة، وما بعده من موافقة الكتاب ومخالفة العامة.

وأما بالنسبة لموافقة الكتاب ومخالفة العامة، فقال (عليه السلام): «ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة». ومن هذا التعبير يظهر انه جعلهما في رتبة واحدة، وبعد ذلك تقول الرواية : فقلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهما، بأي الخبرين يؤخذ؟ قال (عليه السلام): «ماخالف العامة ففيه الرشاد».

وفي الجملة الأولى احتمالان:

الاحتمال الأول: أن يكون المرجّح هو موافقة الكتاب فحسب، وأما ذكره من مخالفة العامة أوّلاً فللتعريض بأحكام العامة المقابلة للخاصة بأنها في الغالب مخالفة للكتاب، واعتمادها على الرأي والاستحسان وتأثرها بمصالح الحكام ولم يذكر مخالفة العامة كمرجح على مستوى موافقة الكتاب في هذه الجملة، وإنما مستواه في الترجيح بعد ذلك كما سيذكره.

فإذا صح هذا الاحتمال فيستفاد الترتيب بين موافقة الكتاب ومخالفة العامة، فتكون مخالفة العامة متأخرة رتبة عن الترجيح بموافقة الكتاب؛ لأن السائل فرض بعد ذلك عدم وجود موافقة الكتاب والسنة، وذكر الترجيح بمخالفة العامة فحسب. وأما ذكرها أولاً مع موافقة الكتاب فليس للترجيح بل للتعريض كما ذكرناه.

الاحتمال الثاني: أن نقول بأن مراد الإمام (عليه السلام) من ذكر مخالفة العامة أولاً مع موافقة الكتاب : أنهما في رتبة واحدة في المرجحية، ولكن لما كان السائل قد احتمل المعنى الأول وأنه ليس مراد الإمام (عليه السلام) من ذكر المخالفة مع موافقة الكتاب: اعتبارها مرجحاً بل للتعريض، أو أنه استغرب كيف تكون مخالفة العامة من المرجّحات، لذلك سأل الإمام (عليه السلام) عنها بالخصوص، وهل إنها مرجح أم لا على تقدير عدم وجود الموافقة لكتاب مع مخالفة أحد الخبرين للعامة وموافقة الآخر لهم وعلى هذا الاحتمال الثاني فلا تدل المقبولة على الترتيب بين موافقة الكتاب ومخالفة العامة.

ولاجل وجود هذين الاحتمالين تكون المقبولة مجملة لا يثبت بها الترتيب تعبداً.

وأما رواية القطب الراوندي، فهي قد صرحت بالترتيب تقريباً بين موافقة الكتاب ومخالفة العامة، فقد جاء فيها: قال الصادق (عليه السلام): «إذا ورد عليكم حديثان

مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردوه، فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه وما خالف أخبارهم فخذوه» فقد جعل (عليه السلام) مخالفة العامة مرجحاً بعد موافقة الكتاب.

فإذا ذهب أحد لاعتبار كلتا الروايتين المقبولة، ورواية القطب الراوندي، فتكون كل منهما شارحة للأخرى : أما إن رواية القطب شارحة للمقبولة، فلانها صرحت بالترتيب بين موافقة الكتاب ومخالفة العامة تقريباً، بل تحقيقاً، في حين أن المقبولة مجملة من هذه الجهة وأمّا أن المقبولة شارحة لرواية القطب، فلأنها اكتفت بأخبار العامة، لانها جعلت المرجح المخالفة لأخبار العامة، ولكن المقبولة قد ذكرت المخالفة للعامة أنفسهم دون أن تخص الذكر بأخبارهم فيعلم من ذلك أن المراد بما جاء في رواية القطب الراوندي العرض على أخبار العامة لا لخصوصية فيها بل لأجل أن العامة يعتمدون على أخبارهم في أحكامهم وفتاواهم، فالضابط فتاواهم.

والنتيجة: أنه بناء على اعتبار الخبرين والاعتماد عليهما فيمكن القول بالترتيب بين موافقة الكتاب ومخالفة العامة. ولكن هنا :رأيان أحدهما لصاحب الكافية والآخر للمحقق النائيني، حيث ناقشا فيما ذكرناه:

الرأي الأول: رأي صاحب الكفاية: يتلخص رأيه بأنه لا يستفاد من هذه الروايات الترتيب، بل إنها في مقام بيان أن هذا مرجح وذاك مرجح دون الترتيب، فلا يمكن استفادة الترتيب من المقبولة والمرفوعة مطلقاً. والأهم عندنا هو ملاحظة المقبولة؛ لأن المرفوعة ليست حجة، وكذلك فإن المهم في نظر صاحب الكفاية هو المقبولة وأيضاً.

قال في الكفاية : (وأما لو قيل بالاقتصار على المزايا المنصوصة فله وجه، لما يتراءى من ذكرها في المقبولة والمرفوعة، مع إمكان أن يقال: إن الظاهر كونها كسائر أخيرا الترجيح لصدور بيان أن هذا مرجح وذاك مرجح ؛ ولذا اقتصر في غير واحد منها على ذكر مرجح واحد، وإلا لزم تقييد جميعها على كثرتها بما في المقبولة، وهو بعيد).

وتوضيح ما ذكره : أنه قد اقتصر في غير واحد من الروايات على ذكر مرجح واحد کالاجماع كما في مرسلتي الكافي والاحتجاج، وقد تقدم ذكرهما، أو مخالفة العامة كما في عدة روايات كمرسلة القطب ومرسلة الاحتجاج، وفي بعضها الآخر ذكر مرجحان، فاذا بنينا على تقييد جميع هذه الروايات بالمقبولة التي ذكرت فيها مرجحات ثلاثة على المختار – لأن الترجيح بالصفات كما ذكرناه لا يرتبط بالراوي - فإن هذا القول بالتقييد بعيد جداً.

ولكن يعترض عليه:

أولاً: لو اقتضت المقبولة التقييد، فلا فرق فيه بين تعدد المطلقات التي تقيدها المقبولة وعدمه، وخاصة بناءً على ما ذكرناه سابقاً من عدم استهجان التقييد، وحمل المطلق على المقيد في باب التعليمات؛ لأنها مبنية على التقييد، فتصلح لأن تتعرض لأكثر من تقييد. وهذه الروايات في مقام التعليم. والقاء الكبرى الكلية.

وثانياً: أن بعض الروايات المشتملة على المرجح الواحد لاحاجة لتقييدها ولو التزمنا بالترتيب كالرواية التي ذكر فيها الإجماع، لأنه المرجح الأوّل في المقبولة.

ثالثاً: عدم وجود الروايات المعتبرة الكثيرة التي تشتمل على المرجح الواحد، لتتعرض للتقييد، فيكون هذا التقييد مستهجناً؛ وذلك لأن الروايات المعتبرة والحجة منها قليلة جداً، بل مفقودة على بعض الآراء؛ لأن غالب ما اشتمل على المرجح

الواحد إنما نقل مرسلاً وكذلك الرواية المشتملة على المرجحين، لأن افضلها ما جاء في رسالة القطب الراوندي، وقد ذكرنا عدم ثبوتها.

الرأي الثاني : رأي المحقق النائيني: قال في فوائد الأصول: (مقتضى القاعدة تقديم المرجح الصدوري على الجهتي والجهتي على المضموني، إلا أن يقال: ان، موافقة الكتاب من المرجّحات الصدورية).

وعلى ضوء رأيه هذا اعترض على صحيحة القطب الراوندي – مع تعبيره عنها بالصحيحة - فقال: (ان العمل بهذا الصحيح مشكل)؛ وذلك لأنها تقدم موافقة الكتاب على مخالفة العامة، مع أن مقتضى القاعدة التي ذكرها هو العكس، حيث إن القاعدة عنده تقضتي تقديم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي، والمرجح الجهت على المرجح المضموني.

ولكن يُناقش هذا الرأي:

أولاً : عدم صحة القاعدة التي ذكرها من تقديم المرجح الصدوري أولاً ثم الجهتي ثانياً ثم المضموني ثالثاً، وسيأتي التعرض لهذه الفكرة حين البحث عن الترتيب بناءً على التعدي.

وثانياً: أن رأيه يتوقف على كون مخالفة العامة مرجّحاً جهتيا فحسب، دون أن يكون له تأثيره في أصل الصدور ولكن يمكن اعتبار مخالفة العامة مرجحاً صدورياً أيضاً لشواهد نقلناها سابقاً، منها مانقل عن ابن أبي عمير عن سبب تركه لعلوم العامة وكان قد أخذ بها، فقال: (إن جماعة من أصحابنا ممن اشتغلوا بعلوم الخاصة والعامة كان يختلط عليهم الأمر، فكانوا ينقلون علوم العامة عن الخاصة، وهكذا العكس).

وثالثاً: على تقدير أن مقتضى القاعدة ذلك، فهل يمكن طرح رواية صحيحة لمخالفتها لمقتضى القاعدة، وإنما الأولى هو العكس.

هذا كله بناء على الاقتصار على المرجّحات المنصوصة والاعتماد في الترجيح بها على النص.

المسلك الثاني: بناء على الاقتصار على المرجّحات المنصوصة والاعتماد في الترجيح بها على القاعدة لا النص؛ فلا يؤخذ بها لأنها منصوصة بل لأنها مقتضى القاعدة. وقد ذهب إليه بعض الأعاظم حيث ذهب إلى انحصار المرجّحات بمرجحين: مخالفة العامة، وموافقة الكتاب، وقال بتقديم رتبة موافقة الكتاب على مخالفة العامة.

وتوضيح كلامه ان السبب الذي دفعه للاعتماد في الترجيح بهما على القاعدة لا النص هو التزامه بعدم صحة الروايات في هذا الباب، أما المقبولة فقد اعترض على سندها؛ لأن عمر بن حنظلة غير موثق فإنه لا يعتمد على رواية صفوان وأضرابه عنه. وأما رواية القطب الراوندي فإنه وإن نقل لنا أنه كان يصر على اعتبار رسالته، ولكن نقل لنا أنه استشكل عليها في بعض دوراته الأخيرة.

إذن، فقد حاول تخريج هذه المرجّحات على طبق القاعدة، وتبعه على هذا الرأي بعض من تأخر عنه أيضاً.

اما بالنسبة لموافقة الكتاب، فذكر في وجه تخريجه على القاعدة، ان الرويات قد أمرت بطرح ما خالف الكتاب، ومقتضى إطلاقها طرح المخالف؛ أعم من كون مخالفته للكتاب بنحو التباين، أو العموم، أو الخصوص، وهذا يقتضي طرح كل ما خالف الكتاب ولو كان مثل الخاص الذي ينافي عموم الكتاب. ولكن السيرة العملية

للعلماء قامت على العمل بالخاص المخالف لعموم الكتاب فيخصصون العموم الكتابي بخبر الثقة الواحد الدال على الخاص وبما أن السيرة دليل لبي فلذلك يؤخذ بالقدر المتيقن منها، وهو صورة عدم معارضة الخاص بما يساويه في الدلالة. فالخبر المخالف لو لم يكن له معارض وكانت المخالفة بنحو العام والخاص فنلتزم بحجية وأما مع معارضته بخبر موافق للكتاب فليس حجة، ولذلك لو تعارض خبران وكان فوقهما عموم كتابي، فيجب طرح الخبر المخالف للكتاب؛ لعموم الروايات المتقدمة الآمرة بطرح الخبر المخالف للكتاب ولا سيرة في هذا المورد لتخصص عموم تلك الروايات؛ لما ذكرناه من اختصاص السيرة بصورة عدم معارضة الخاص مع خاص آخر، فلا مقتضى لحجية الخبر المخالف للكتاب.

وبعبارة أخرى إن بناء العقلاء على العمل بخبر الثقة الواحد قد ردع عنه بالأخبار الآمرة بطرح ما خالف الكتاب بأي نحو كان ولو بنحو الخاص والعام وقد خرجنا عن ذلك بالسيرة العملية للعلماء في خصوص الخبر الذي ليس له معارض، فيجوز تخصيص الكتاب به، وأما لو كان معارضاً بخاص آخر، فإن دليل الحجية – وهو السيرة – قاصر عن شموله؛ فلا يكون هناك دليل على حجيته ومن ذلك يتضح عدم جواز الأخذ بالخاص المخالف للكتاب مع معارضته بخبر آخر.

وأما بالنسبة لمخالفة العامة، فطريقة تخريجه على القاعدة أن أصالة الجد (عدم التقية) في الخبر المخالف للعامة أقوى منها في الخبر الموافق لهم، ففي مرحلة الإرادة التصديقية – أي مرحلة تطابق الارادة الاستعمالية مع الارداة الجدية – يكون أحد الخبرين أقوى من الآخر، وعلى ذلك فبنفس الملاك الذي نقدم فيه الخاص على العام - وذلك بحمل العام على الخاص - نقدم أيضاً الخبر المخالف للعامة على الموافق لهم؛

وذلك لأن الجمع العرفي الذي يعتمد في أساسه على تقديم الأقوى على الأضعف لا يختص بمرحلة الإرادة الاستعمالية، بل يشمل كذلك الكاشفين اللذين يختلفان في تطابق الإرادتين قوة وضعفاً، والخبر المخالف للعامة أقوى تطابقاً من الموافق لهم.

ومن هنا يتبين ان الترجيح بما يخالف العامة على وفق القاعدة.

واما الترتيب بين هذين المرجحين فواضح؛ فإن الجمع العرفي والمرجّحات إنما تعرض على الخبرين مع افتراض وجود المقتضي لحجيتهما، واما الخبر المخالف للكتاب بنحو الخاص والعام في صورة معارضته بخبر خاص له مخالف للكتاب ايضا، فلا مقتضي الحجيته كما ذكرناه. ومرحلة الجمع الدلالي وما يلحق به إنما هي بعد ثبوت الحجية لكلا الدليين المتعارضين، والمفروض أنه لا مقتضى لحجية الخبر المخالف لكي يرجح بمرجح دلالي.

وهذا توضيح لما نقل عن بعض الأعاظم في بعض دوراته الأخيرة، وقد ذكرنا وجوده في بعض الكتب المتأخرة.

والملاحظ أن ما ذكره بالنسبة للترتيب بين المرجحين صحيح على تقدير التسليم بالتخريجين المذكورين. ولكن هناك مجال للكلام فيهما، أما بالنسبة للتخريج الأول، فهو يتوقف على مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن المخالفة المذكورة في الروايات التي تأمر بطرح ما خالف الكتاب، أو أن المخالف له زخرف أو باطل أو (دعوه)، والمراد من (دعوه): أنه يجب أن تدعه؛ لأنه باطل، يراد من المخالفة مطلق المخالفة بجميع أنواعها من التباين الكلي والجزئي والعموم والخصوص، وبذلك تدلّ على عدم جواز تخصيص العام الكتابي

بالخبر الواحد كما ذهب لهذا الرأي السيّد على تقدير القول بحجية الخبر الواحد وبعض العامة أيضاً، وقد استدلوا بأدلّة مشابهة لهذا الدليل بالجملة.

المقدمة الثانية: ان هذه لروايات الآمرة بطرح المخالف للكتاب رادعة عن بناء العقلاء على العمل بخبر الواحد مطلقاً، ولكن السيرة العملية عند العلماء - إلا من شذّ منهم، القائمة على تخصيص الكتاب بالخبر الواحد في صورة عدم معارضته بخبر واحد آخر - تفيد حجية خصوص الخبر غير المعارض بخبر مثله، ونتيجة ذلك عدم حجية الخبر المعارض لعدم الدليل على حجيته؛ لقصور السيرة عن شمولها له.

ولكن يعترض على كلتا المقدمتين:

أما على المقدمة الأولى، فما ذكرناه مراراً وتعرضنا له في بحث العام والخاص من جواز تخصيص العام الكتابي بالخبر الواحد، ودليله بإجمال أن مخالفة الخاص للعام غير مشمولة للمخالفة المنهية؛ وذلك لأننا نعلم بورود الكثير من المخصصات والمقيدات عن المعصومين (عليهم السلام) لعمومات الكتاب سواء كانت هذه المخصصات على سبيل التواتر أو الآحاد، كالتحديدات التي تعرضت لها آية السرقة، أو اية الحل: (أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)، وقوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ)، حيث لم يستثن فيها إلا القليل من المحرمات، فلم يذكر الكلب والسباع وغيرها، بل يلزم صدور مثلها من المعصومين (عليهم السلام)؛ لأن وظيفتهم تبيين الكتاب الكريم وتفصيل ما أجمله كما أشير لذلك في الروايات الشريفة. وكثرة صدور هذه المخصصات والمقيدات يكون بمنزلة القرينة المتصلة الحالية التي تمنع من انعقاد ظهور للمخالفة بما يشمل مخالفة الخاص للعام والمقيد للمطلق.

هذا لو قلنا بأن المخالفة تعم مثل هذا النوع ولكن تخرج أمثال مخالفة الخاص والعام، والمطلق والمقيد بهذه القرينة؛ وذلك لأن لسان هذه الروايات الدالة على طرح المخالف لسان التحاشي والإنكار، وهو لا يشمل ما يعلم يقيناً بصدوره منهم، ولكن ذكرنا في المقصد الأول من هذا الكتاب بالتفصيل أن هناك جماعة ذهبت إلى خروج التخصيص أو التقييد من عنوان المخالفة أساساً، وذلك لوجود الجمع العرفي فيه، إلاّ إن فيه كلاماً سيأتي الحديث عنه بالتفصيل.

إذن فعلى تقدير كون هذا النوع من المخالفة، فإن الروايات التي أمرت بطرح ما خالف الكتاب لا يراد منها مثل هذا النوع من المخالفة قطعاً؛ لدلالتها على عدم حجية المخالف، ولا شك بحجية المخصصات والمقيدات فالمراد من المخالفة في هذه الروايات: المخالفة بنحو التباين؛ إما على نحو التباين الكلي بلا إشكال فيه أو الجزئي على كلام فيه سيأتي في تنبيه لاحق أو المراد المخالفة الروحية هدماً لما بناه القرآن الكريم أو بناءً لما هدمه، وهو الرأي المختار، فلا ظهور لهذه الأخبار، بالنسبة للمخالفة بنحو الخاص والعام.

وأما المقدمة الثانية، فيعترض عليها بوجهين:

الوجه الأول: لو فرضنا شمول هذه الروايات الآمرة بطرح ما خالف الكتاب لموارد التخصيص والتقييد، فلا يمكن تخصيص هذه الروايات بالسيرة العملية للعلماء، وذلك لإباء لسان هذه الروايات عن التخصيص؛ لأن لسان الرويات ليس لسان الحجية وعدمها، بل لسان الصدور وعدمه، فإنها تنفي صدور ذلك عنهم.

الوجه الثاني: أن هؤلاء في بحث حجية الخبر الواحد قالوا بقيام بناء العقلاء على حجية خبر الثقة، وزعموا عدم ردع الشارع عنه، ولكنهم هنا في مورد المخالفة

للكتاب قالوا بقيام السيرة العملية للعلماء على العمل بالخبر الواحد، ولكن سيرتهم إنما هي قائمة على حجية الخبر الموثوق به - وهو المعبر عنه بالصحيح القدمائي الذي أشار إليه الكليني في مقدمة الكافي - لا مجرد خبر الثقة ونتيجة ذلك أن ما قام عليه بناء العقلاء من العمل بخبر الثقة، وقد ردع عنه في هذا المورد؛ لأنه إنما يؤاخذ فيه بالخبر الموثوق به لا مجرد خبر الثقة.

وعلى ضوء ذلك يلزم التفكيك في حجية الخبر، ففي صورة عدم مخالفة الخر للكتاب فالحجة هو خبر الثقة، وفي صورة مخالفته له، فالحجة هو الخبر الموثوق به، وهذا مما لم يلتزم به.

واما التخريج الثاني لتصحيح اعتبار مخالفة العامة مرجحاً على وفق القاعدة، من جعل الجمع الجهتي في الجموع العرفية، فيعترض عليه باعتراضين:

الاعتراض الأوّل: أن هذا الرأي ذهب إلى مثله المحقق الرشتي في مجال الترتيب بين أنحاء الترجيح حيث قدم المرجّحات الجهتية رتبة معللاً بأنها كالجموع الدلالية.

قد اعترض عليه المحقق الآخوند والسيد الطباطبائي بأن حمل أحد الخبرين على التقية - بدعوى أن الإرادة الجدية لا تتطابق في إحداهما مع الإرادة الاستعمالية فيما إذا كانت الارادة الاستعمالية على نحو التورية، أو أنه لا يراد ظاهر الكلام بالإرادة الجدية اصلاً فيها إذا لم تكن كذلك - لايسمى جمعاً عرفياً؛ لأنه لو كان هذا الصنف جمعاً، إذن فما هو معنى الطرح؟ لذلك لولا وجود الدليل الخارجي في ذلك الجرى عليهما أحكام المتعارضين، فليس مورد مخالفة العامة مثل مورد حمل المطلق على المقيد أو العام على الخاص وأمثالها من موارد الجمع العرفي. وعلى هذا فلا يمكن تقديم المخالف للعامة على الموافق لهم.

ولكن هذا الوجه لا يخلو من تأمل؛ وذلك لأن بعض الموارد التي ذهب العلماء إلى أنها من موارد الجمع العرفي نلاحظ أن العرف يرى الخطابين فيها من المتعارضين، فلا تختلف عن موارد الجمع الجهتي.

والوجه في ذلك ما ذكرناه بالتفصيل في مباحث العام والخاص وتعرضنا له في المقصد الأوّل، وسيأتي موسعاً في المقصد الرابع أن العام لو كان من التعليمات وقد صدر الخاص قبل وقت الحاجة للعمل بالعام، فإن التخصيص في مثل ذلك يكون عرفياً بوضوح؛ لأن ذلك مما تقتضيه طبيعة التعليم الذي يعتمد على التدرّج في البيان، وأما إذ كان العام من قبيل الفتيا، أو كان من التعليمات ولكن صدر الخاص بعد وقت الحاجة للعمل به - كما لو أمر أولاً بإكرام العلماء مطلقاً، فأكرم المكلّف في مدة شهر الكثير من العلماء البرّ منهم والفاسق، وبعد ذلك قال: (لاتكرم العلماء الفساق) - فإن مثل ذلك يحمل على النسخ فيما لو صدر من المولى العادي، ولكن بما أنه لا يمكن القول بمثل هذا الحمل في الأئمة المعصومين (عليهم السلام)؛ فلذلك لابد من القول بالتخصيص فيها، وبما أن التخصيص هنا على خلاف القاعدة؛ لتأخره عن وقت الحاجة، فلذلك لابد من التعرف على السبب في تأخير البيان، وكتمان الحكم الخاص خلال تلك المدة؛ فهو كموارد التورية يحتاج لمصحح في صدور ذلك، ولذلك لابد من تخريج حمل العام على الخاص في مثل هذه الموارد على ضوء قواعد الكتمان ومبرراته التي ذكرناها سابقاً، وليس هو مجرد جمع عرفي حتى يقال بافتراقها عن الجمع الجهتي؛ ولذلك فضلنا في المقصد الرابع التعبير عن أمثال هذا الجمع بـ(الجمع الاستنباطي).

الاعتراض الثاني: أنه لو تمّ هذا الرأي من كون أصالة الجد كقوة أحد الظهورين، للزم من ذلك أن يكون الجمع الجهتي في عرض الجمع الدلالي، مع أن هؤلاء يذهبون إلى تأخير الجمع الجهتي عن الجمع الدلالي، فمثلاً حول روايات طهارة الكتابي ونجاسته، فان مقتضى الجمع الدلالي تقديم روايات الطهارة؛ وذلك لأنها نص فيها، في حين ان روايات النجاسة ظاهرة فيها، وأما مقتضى الجمع الجهتي فهو تقديم روايات النجاسة لموافقتها للعامة، ولكن هؤلاء لا يلتزمون بالجمع الجهتي، فهم لا يرفضون الخاص الموافق للعامة وإنما يخصّصون العام به.

وربما يتوهم بأن هناك مبرراً للطولية بينهما، وتقديم الجمع الدلالي على الجمع الجهتي؛ وذلك لأن تقديم الخاص على العام وأمثاله تعتبر من الأمور العامة، لأن جميع العقلاء يأخذون بهذا الجمع في أقوال المتكلم الواحد، وأما الجمع الجهتي فهو مما يرتبط بظروف وحالات خاصة ولمتكلم خاص، كما لو كان بعض الأفراد من زعماء المجتمع أو الدين، حيث تفرض عليهم ظروفهم المعينة مثل هذه الأساليب في الكلام ومن الجدير تقديم الجهات العامة على الجهات الخاصة التي تعرض للمتكلّم؛ لأنها تعد عند العرف أشد معارضة.

ولكن هذا الوجه واضح الفساد وذلك لأن الظروف الخاصة هي أيضاً ظروف عامة بالنسبة لتلك الفئة الخاصة، فلا تختص الظروف الجهتية بالإمام (عليه السلام) فحسب، بل إنها تشمل كل زعيم ديني أو اجتماعي أو سياسي.

مضافاً إلى ذلك أنه يمكن القول بعكس ما ذكر في هذا الوجه؛ لأن الظروف الخاصة أشد ارتباطاً بطبيعة حال المتكلم، فهي أولى تقديماً على الأمور العامة

هذا تمام الكلام في مسألة الترتيب بناءً على الاقتصار على المرجّحات المنصوصة والنتيجة هي لزوم القول بالترتيب.

والمقام الثاني: بناء على التعدي عن المرجّحات المنصوصة - كما هو الرأي المختار - وأن المعيار هو صرف الريبة من أحد الخبرين المتعارضين للآخر، فهل يوجد ترتيب بين المرجّحات، أم لا يلحظ هذا الترتيب؟ فهنا صورتان:

فتارة نذهب إلى أن الترجيح بالمرجّحات المنصوصة من باب التعبد، ولكن نتعدى عنها إلى مرجحات أخرى ببناء العقلاء أو بمناسبات أخرى. فالنصوص دلت على التعبد بمرجحات معينة وأما التعدي فنستند فيه على ادلة أخرى كبناء العقلاء، ففي مثل هذه الصورة، يأتي الكلام السابق الذي ذكرناه بناء على عدم التعدي في حدود المرجّحات المنصوصة التي نتعبد بها، وأما بالنسبة للمرجحات الأخرى التي نتعدى إليها، فيأتي ما سنذكره لاحقاً.

واخرى: بأن نذهب إلى أن الترجيح إنما هو ببناء العقلاء فحسب، وأما الروايات الشريفة فهي إرشاد لهذا البناء وتطبيقات له لا أنها تشير إلى مرجحات تعبدية معينة.

عدم اختصاص تأثير المرجح في مجال واحد من الرواية : -

وقبل الدخول في البحث لابد لنا من دراسة هذه المسألة صغروياً، والتعرف على فكرة لها أهميتها في هذا المجال، وهي: هل إن كل واحدة من المرجّحات المذكورة متمحضة في مجال من المجالات المرتبطة بالرواية - فالشهرة مثلاً متمحضة في التأثير بقوة الصدور ومرتبطة بها دون غيرها من المجالات ومخالفة العامة متمحضة في قوة جهة الصدور وأصالة الجد، وموافقة الكتاب فإنها متمحضة في قوة المضمون – أم إن

كل واحدة من هذه المرجّحات لها تأثيرها في قوة الصدور والجهة والمضمون دون أن تتمحض بواحد منها؟

وهذا البحث طبعاً إنما هو بقطع النظر عن بلوغ كل مرجح للجهات المذكورة إلى حد صرف الريبة ؛ فإنه أمر آخر لابد من ملاحظته على كل حال.

والملاحظ في هذه المرجّحات والمزايا أن لكل واحدة خاصة ظاهرة، كما يظهر من أقوالهم حيث تنسبق منها هذه الخاصة للنظر ابتداء.

فالشهرة مثلا بحسب ظاهرها مما ترتبط بأصل الصدور ولها تأثيرها في قوته، فإنه وفق حساب الاحتمالات في صورة كثرة الرواة للرواية الواحدة إلى حد الشهرة، سوف يضعف احتمال الخطأ أو الدس أو الاشتباه الناشئ من النقل بالمعنى، أو عدم فهم الخصوصيات التي يشتمل عليها كلام المتكلم او اشتباه کلام المتكلم بغيره بسبب تعدد الشيوخ، أو غير ذلك من الاحتمالات التي يعتد بها في الراوي الواحد وعدم الشهرة في نقل الرواية، بحيث تضعف احتمالات صدوره. في حين أنه لو توفرت الشهرة فإنها توجب قوة احتمال صدوره ومن هنا كان احتمال الصدور في الخبر المشهور أقوى منه في خبر الواحد.

وأما مخالفة العامة، فلها تأثيرها في جهة الصدور حيث تقوى فيها أصالة الجد ويضعف فيها احتمال عدم إرادة الحكم الواقعي بالإرادة الجدية، مع ملاحظة ظروف التقية التي كان يعيشها الأئمة (عليهم السلام)، ولذلك كان زرارة يذهب للإمام (عليه السلام) في وقت خاص حتى لا يفتيه بالتقية كما تقدم الحديث عن ذلك؛ لذلك اعتبرت مخالفة العامة من المرجّحات الجهتية.

وأما موافقة الكتاب، فإنها اعتبرت من المرجّحات المضمونية، وذلك لتأثيرها في قوة المضمون وأقربيته للواقع، فإن أصالة العموم أو الإطلاق في العام أو المطلق الكتابي يقتضي ظهور الكلام في مطابقة الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية، وإذا كانت هناك رواية مطابقة لهذا المعنى فيتوافقان في مجال الكشف عن الواقع.

ولكن ليس بحثنا هنا حول هذا الارتباط والتأثير للمرجحات، وإنما نبحث هنا حول تمخض كل واحدة من المرجّحات بتلك المجالات أو عدم تمحضها. والرأي الصحيح أنها غير متمحضة بذلك.

وأما الشهرة، فإنها آنذاك كما كانت توجب قوة الصدور فإنها كذلك تكون موجبة لقوة جهة الصدور؛ وذلك لأن الروايات التي ينقلها جماعة من كبار الرواة والفقهاء الذين يهتمون بفتاوى الأئمة (عليهم السلام) وضبطها مما يضعف فيها احتمال التقية، بالنسبة للروايات التي لا ينقلها امثال هؤلاء، كما قال الشيخ المفيد في آخر شرح اعتقادات الصدوق: (وما خرج للتقية لايكثر روايته عنهم، كما تكثر رواية المعمول به، بل لابد من الرجحان في أحد الطرفين على الآخر من جهة الرواة حسب ما ذكرنا).

والسر في ذلك أن الرواة إنما كانوا يهتمون بضبط فتاوى الأئمة (عليهم السلام) ونقلها لأجل تعلم الأحكام الإلهية، والتعرف على الأحكام الواقعية بواسطة الروايات الشريفة، لا لمجرد نقل القول فحسب، بل لأجل الوصول للأحكام الواقعية ليطابق عملهم الواقعلان الائمة (عليهم السلام) لا يعبرون الا عن الاحكام الواقعية الالهية.

وإذا اشتهرت رواية في مجتمع شيعي - كالكوفة حيث كان اكثر الشيعة يعيشون فيها في زمان الإمام الصادق (عليه السلام)، وكان مسجد الكوفة يعتبر الجامعة

العلمية لهم حيث كانت تعقد فيه حلقات الدرس والبحث وان كان فيها غير الشيعة ولكن كان الطابع العام فيها الطابع الشيعي، كما تشير إليه بعض المصادر التاريخية، يقول الحسن بن علي الوشا (إني رأيت تسعمئة شيخ في مسجد الكوفة وكلّهم يقول: حدثني جعفر بن محمد)، وكل من الرواة كان ينقل ما سمعه من الإمام (عليه السلام) مهتماً بحفظه وضبطه - إذن فإذا اشتهر في مثل هذا الوسط الشيعي، رواية ما مع اهتمامهم البالغ بنقلها من أجل الوصول للواقع، فهذا بالطبع كما يوجب الاطمئنان بصدورها فكذلك يوجب قوة صدورها لبيان الواقع، فإذا قال الإمام (عليه السلام) لعمر بن حنظلة وهو كوفي خذ بما اشتهر بين أصحابك»، فهذه الشهرة توجب قوة الصدور والجهة معاً في مثل هذا الوسط الشيعي.

فالرواة لو كانوا يقطعون بصدور الخبر تقية، أو احتملوها احتمالاً قوياً، فما هو الدافع لهم على الاهتمام به ونشره وضبطه؟ مع ملاحظة اهتمامهم البالغ بتمييز الخبر الصادر تقية عن غيره، فكانوا يقولون لمن أفتاه الإمام (عليه السلام) تقية: (أعطاك من جراب النورة)، أو يقولون: (اتقاك). وكانوا يكرهون أن يفتيهم الإمام تقية؛ فلذلك قد يسالونه عن وجه التقية عنهم، فكان (عليه السلام) يجيبهم: «ما اتقيتك ولكني اتقيت عليك» بل أكثر من ذلك فربما كانوا لا يسالون مسائلهم من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الملأ العام، بل يعينون وقتاً خاصاً لمسائلهم، كما ذكرناه عن زرارة. ومع هذه التشديدات والبحث عن الحكم الواقعي فكيف تشتهر الرواية الصادرة تقية بينهم.

وإذا ضبطوا بعض الروايات الصادرة تقية فإنما لأجل بعض المقاصد، كما لو كان في الحديث دلالة واضحة على صدوره تقية، كرواية علي بن يقطين التي جاء فيها أمر

الإمام له بان يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، معللاً بأنك تحضر مجالسهم، فأمره بذلك حفاظاً عليه، وبعد أن ارتفعت الحالة الطارئة رجع إلى ما كان عليه.

وكذلك رواية البقباق قال: دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) قال فقال لي: «ارو عني: من طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فقد بانت منه»، ومن الواضح انه لا يراد من هذه الرواية العمل بها بل لاجل بعض الاهداف.

اذن فالشهرة بين أمثال هؤلاء الرواة والفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، وملاحظة هذه الظروف والعوامل، كما توجب قوة الصدور فإنها توجب قوة الجهة، وعدم صدورها تقية، بل لبيان الحكم الواقعي بل يمكن القول بأنها توجب قوة الدلالة والمضمون أيضاً؛ وذلك لأنها إذا أو جبت قوة الجهة فانها توجب قوة الدلالة فهراً؛ للترابط بين الجهة والدلالة؛ لأن الغالب في الروايات الصادرة تقية، أن تكون فيها علامات الأخفاء والتورية وإلقاء الكلام الذي يوهم المخاطب بأنه ظاهر في معنى ما، حيث يعدل فيه الإمام عن الجواب لذكر حكم آخر، فلا يتطابق فيه الجواب مع السؤال، وغيرها من الشواهد التي تضعف من دلالة الكلام في حين ان الرواية التي لا تصدر تقية تكون واضحة المعنى في مقام البيان وهذا يوجب قوة دلالتها.

والخلاصة أن الشهرة لا تتمحض في التأثير بالصدور فحسب، بل لها تأثيرها في جهة الصدور والدلالة أيضاً.

وأما مخالفة العامة فهي كذلك لا تتمحض بالتأثير في قوة الجهة بل لها تأثيرها في قوة الصدور، بل الدلالة أيضاً؛ لما ذكرناه سابقاً عن ابن أبي عمير حيث سئل عن السبب في إعراضه عن نقل روايات العامة، وكان قد تعلمها من قبل فأجاب: إني رأيت كثيراً من الأصحاب قد سمعوا علم العامة وعلم الخاصة فاختلط عليهم، حتى

كانوا يروون حديث العامة من الخاصة وحديث الخاصة من العامة). ومثل هذا الاختلاط لا يظهر في الروايات المخالفة للعامة.

إضافة إلى أن السلطة وأتباعها كانوا يدسون ويزوّرون الأحاديث في كتب أصحابنا حتى تتوافق معهم في القضاء والسياسة، كما كان يفعل ذلك بعض المخالفين للأيمة (عليهم السلام) أمثال المغيرية وغيرهم، بل كانوا يوحون للسذج من أصحابنا ليقوموا بذلك. ومن الواضح ضعف احتمال هذا الدس والتزوير في الروايات المخالفة للعامة.

وكذلك ما ذكرناه قبل قليل من أن الأحاديث المخالفة للعامة خالية من العلامات التي تتصف بها الروايات الموافقة للعامة عادة من التورية والعدول عن الجواب وغيرها، مما لها تاثيرها في الدلالة.

فلمخالفة العامة تأثيرها في قوة الدلالة والمضمون، وانه هو المطابق للواقع دون الموافق، وذلك لان بعض احكام العامة كانت موافقة لاحكام السلطة الحاكمة حيث كانت تتدخل احياناً فتلغي بعض النصوص والاحكام حسب مصالحها، فوضعت حكم الطلاق ثلاثاً، حتى لا يتجرىء ولا يكثر الناس من الطلاق - واسقطوا من الاذان حي على خير العمل لبعض الاسباب ففي مثل ذلك كانت الاحكام غالباً تخالف الواقع، بالاضافة إلى انهم وبسبب ابتعادهم عن مدرسة اهل البيت (عليهم السلام) ومنعهم لتدوين الحديث وغيرها من العوامل اعتمدوا احياناً في الاستنباط على بعض الأدلّة الظنية غير المعتبرة كالاقيسة والتفسير بالرأي، فلم يتمكن البعض من التمييز بين الناسخ والمنسوخ، كما ذكر ابن خلدون في مقدمة، ان الزهري، قال اعيى العلماء تمييز الناسخ من المنسوخ، وكذلك لم يتمكن البعضمن تمييز الحكم

الولائي اي ما صدر من الرسول (صلى اللّه عليه وآله) من باب الولاية، وما صدر منه على نحو التشريع العام، وغيرها من الملابسات والعوامل التي احاطت ببعض احكام العامة، مما توجب مخالفة بعضها للواقع، ومن هنا كانت المخالفة مع هذه الاحكام المخالفة للواقع، مما توجب قوة المضمون وكون الحكم المخالف لها اقرب للواقع.

ولذلك يمكن القول بان مخالفة العامة، كما انها توجب قوة الجهة، وكذلك توجب قوة المضمون والدلالة والصدور، فلا يمكن اعتبارها متمحضة في المرجح فحسب.

ومن الجدير أن نذكر بأننا لا نقول بتأثير مطلق القوة والضعف في ترجيح الرواية على الاخرى، بل لابد ان يصل المرجّح إلى درجة صرف الريبة، ولكن الهدف من ذكر ذلك أن نؤكد على أن هذه الجهات لا تتمحض في المجالات المذكورة بل لها تأثيرها في مجالات أخرى أيضاً.

وأما موافقة الكتاب، فكما أنها توجب قوة المضمون كذلك فإنها توجب قوة الجهة أيضاً؛ وذلك لأن فتاوى الأئمة (عليهم السلام) لو طابقت العموم أو إطلاق الكتاب أو السنة النبوية، فلاحاجة للتقية والحذر فيها؛ لكون الحكم مذكوراً بالإطلاق أو العموم في القرآن الكريم، وبذلك تقوى جهة الصدور أيضاً. وان الحكم هو الحكم الواقعي، والمضمون فيعتبر مرجحاً مضمونيا لان المطابق لعموم الكتاب واطلاقه يكون هو المراد الواقعي من باب اصالة التطابق بين الارادة الاستعمالية والجدية ومقام الاثبات والثبوت، وإذا وافقت الرواية الآية الشريفة فيتطابقان في الكشف عن الواقع. ويمكن أن يدل على هذه الفكرة ماجاء في رواية زرارة عنه (عليه السلام) «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً: شرب المسكر، والمسح على الخفين...». ولعله لا يتقي فيها لظهور

الآيات والسنة الثابتة عند العامة بهذه الأحكام، ومع وجودها فلا داعي للتقية؛ لأنه يمكن الاحتجاج بها وقد وضحنا هذه الكفرة سابقا.

نعم إنما تكون التقية فيما لو استندوا (عليهم السلام) في الحكم الواقعي لأمور خفية عن العامة، كما لو استندوا لصحف علي (عليه السلام) كما ذكر في بعض الروايات، أو لأصول علم يرثونها كابراً عن كابر، أو للإمدات الغيبية. ومثل هذه الأمور الخفية عن العامة، والتي يختص بها الأئمة (عليهم السلام) والتي يتعرفون من خلالها على الاحكام الواقعية التي تخالف بعض احكام العامة، مما يمكن إظهارها للخاصة دون العامة، مما تشتد فيها دواعي التقية بينما بعض العامة في الغالب يعتمدون احياناً على الأدلّة الظنية غير المعتبرة كالقياس والاستحسان او بعض الاحاديث التي تعرضت للتحريف أو الوضع بسبب المنع من التدوين او الاعتماد على مجرد الذاكرة، وإذا كان كذلك، فموافقة الكتاب كما انها توجب قوة المضمون فكذلك توجب قوة الجهة.

إذن فلا تتمحض موافقة الكتاب بالتأثير في القوة مضموناً.

وهذه مقدمة ذكرناها قبل استعراض الأقوال؛ للتعرف على صغرى المسألة، وقد توصلنا من خلالها إلى أن كل واحدة من هذه المرجّحات لا تتمحض مرجّحيتها في جانب دون جانب آخر، بل يمكن أن يكون لها تأثيرها في جوانب أخرى.

الاقوال حول الترتيب في المرجّحات:

وأما الأقوال في مسألة الترتيب بين المرجّحات - فقد ذكرنا بعضها كرأي المحقق النائيني الذي ذهب إلى أن مقتضى القاعدة تقديم المرجح الصدوري ثم الجهتي ثم المضموني، في حين أن المحقق الرشتي ذهب إلى تقديم الجهتي على المرجح الصدوريبل

المضموني. ونحن في هذا البحث نحاول تأييد هذا الرأي الذي يتبناه المحقق الرشتي، ونحن وإن وافقناه في أصل الرأي لكن نختلف عنه في أمرين:

الأول: اختلافنا معه في تقريب الاستدلال على هذا الرأي، لذلك فإنكارنا لتقريبه لا يعني إنكارنا لأصل رأيه.

والثاني: اختلافنا معه في معنى الجهة، حيث إن الجهة التي نذهب إليها أوسع من الجهة التي يقولون بها من انحصارها في خصوص التقية، بل بتفسيرنا تشتمل على كل ما يوجب كتمان الحكم الواقعي، امّا التقية من العامة فهي إحدى جهات الكتمان، في حين أن هناك مبررات أخرى للكتمان، أمثال إلقاء الاختلاف بين الشيعة والسوق للكمال، أو المدارة مع السائل، أو صدور الحكم على سبيل الفتيا لا التعليم الذي يكون الكتمان فيه طبيعياًكما تقدّم. بمعنى ان كل ما ذكرناه في مبحث علل اختلاف الحديث يندرج في مفهوم الجهة برأينا.

الرأي الاول والمختار : - ونتعرض هنا لبيان هذا الرأي المختار وتقريبه، وتوضيح صحة هذا القول يتم من خلال تقريبين أحدهما على وفق بناء العقلاء والروايات وسيرة العلماء، ثانيهما: تقريبه الفني والأصولي.

التقريب الأول : الملاحظ في امثال هذه الموارد حين يصدر قولان متعارضان من شخص واحد له زعامة اجتماعية أو دينية ونفوذ بين الناس، وهناك معارضون لأفكاره، وربما فرضت عليهم الظروف أحياناً عدم التصريح والتجاهر بافكاره، لذلك ربما استخدم أساليب الكتمان، وتكون لأقوالهم وجوه عديدة وقد ذكرنا اسباب الكتمان في محله، فإن العقلاء تجاه هذين القولين الصادرين من هذا الزعيم الديني أو

الدنيوي لا يبحثون ابتداءً عن مرجحات الصدور، ولا يتهمون النقلة والرواة، ويشككون في الصدور ابتداء بل يقارنون الكلام بمتبنيات القائل ودواعيه عن الكلام دون المبادرة لتكذيب الناقل كما يلاحظ أن بعض الافراد كانوا يسألون الإمام (عليه السلام) فيجيبهم، وحينما يراجعون فقهاء الشيعة يقولون لهم: (قد اتقاكم). وقد مرّت الشواهد على ذلك.

إذن فإنهم وخاصة أولئك الذين يحيطون بأفكارهم ومبانيهم، يحاولون تمييز أقوالهم المتعارضة بنظر الآخرين، وملاحظة ظروفها ودواعي الكتمان فيها، ومدى ملاءمتها لأهداف ذلك القائل ومبانيه، فربما فرض على أمثال هؤلاء الزعماء اختلاف الظروف اختلاف أسلوب كلامهم، فربما يتكلم بنحو في مجلس خاص، ويتكلم بنحو آخر لعموم الناس كالصحفيين مثلاً.

ويتأكد ذلك بعد إعلام الأئمة (عليهم السلام) أنفسهم بأنهم يتكلمون أحياناً على هذا الأسلوب، وأنهم يجيبون على الزايادة والنقصان، أو أنهم يجيبون في المسألة الواحدة بسبعين وجهاً لهم من جميعها المخرج وكذلك تأكيداتهم الكثيرة على اصحابهم بالدقة والتأمل والتفقه في الروايات ومعرفة أساليبهم في الكلام، أمثال «حديث تدريه خير من الف ترويه»، أو «لا يكون الرجل فقيهاً حتى يعرف معارض كلامنا».

وهناك دوافع لهذا الاعلام منهم (عليهم السلام)؛ إما لأجل الإعلام بأن الأئمة (عليهم السلام) كسائر الزعماء الذين لهم نفوذهم الاجتماعي، ولهم أنصارهم وأتباعهم وخاصة بين الجماعات التي ليست بأيديها السلطة، أو لأجل وجود بعض المغرضين والمناوئين الذين يتهمون الرواة من أجل الحد من انتشار علوم الأئمة

(عليهم السلام) ولذلك فيلزم ألا يعتبر الكلام الصادر منهم كلام شخص عادي، بل لابد من التعرف على أساليبهم في الكلام ومعاريض كلامهم ولحنه.

أو لأجل تزكية رواة الائمة (عليهم السلام) من الخاصة؛ حتى لا يتوهم البعض أنهم يكذبون على الإمام (عليه السلام)، أو لأجل رفع مستوى الرواة فقهاء الشيعة حتى يفكروا بدقة في الروايات للتوصل لدقائقها وتميزهم عن فهم عموم الناس او العامة للروايات، الذي يعتمد فحسب على فهم مفردات الروايات، بل عليهم أن يتأملوا في المعاريض واللحن وظروف المتكلم وشخصيته ودواعي الكلام وأمثالها.

إذن، فبناء العقلاء قائم على أنهم لو سمعوا كلامين متعارضين بالنظر البدوي من متكلم يفرض عليه مقامه الاجتماعي كتمان بعض الأمور أحياناً، فإنهم يفترضون صدور القولين ومحاولة تصحيح كليهما على أساس تلك الدواعي والظروف فيميزون اما عدم تعارضها او تحديد القول الحق فيها، والقول الذي صدر كتمانا ولا تتطابق فيه الارادة الاستعمالية مع الجدية. وبعد ذلك - لو لم يمكنهم ذلك – يتجهون للتشكيك في الصدور بلا فرق في ذلك فيما لو سمع أحد الكلامين من الإمام، أو سمع كليهما، أو نقل غيره له كلا الكلامين المتعارضين.

و من هنا فإن بناء العقلاء جار في مثل هذا المتكلم الذي له مثل هذه الظروف الخاصة، في ملاحظة دواعي الكتمان وضوابط النشر والتبليغ في فهم مراده من أقواله، فربما اكتشفنا من خلالها أن الظاهر المتوهم من كلامه ليس هو المراد الحقيقي له بل هو توهم الظهور فحسب، كما لو سأل أحد عن هذا الشخص : هل إنه في البيت؟ فيجيبه الخادم: إنه ذهب إلى المسجد صباحاً ومثل هذا الجواب بناء على قاعدة موافقة الجواب للسؤال يحمل على الكناية عن عدم وجوده في البيت الآن، ولكن لو علم

المخاطب بعد ذلك ولو بنقل الثقة بوجوده في البيت وقت السؤال، فحينها يحمل قول الخادم على الإيهام لا الكناية. وهكذا الأمر في الظهورين المتعارضين بالنظر البدوي، فربما يرتفع التعارض فيما لو لاحظنا ظروف المتكلم التي ذكرناها، حيث يتبين أن التعارض متوهم لا حقيقي.

وقد يكون المنشأ لتوهم التعارض هو إجراء قاعدة الاشتراك في الأحكام، كما لو أجاب عن شخص سأله عن كفارته: أنه عليه بدنة، والآخر سأله نفس السؤال فأجاب أن عليه بقرة، والثالث. أن عليه دم شاة، فيتوهم التعارض بينهما لان المفروض اشتراكهم في الحكم، مع اختلاف أجوبة الإمام (عليه السلام)، ولكن بعد التأمل في قول الإمام نراه قد صدر على سبيل الفتيا لا التعليم، حيث يكون الموضوع في الفتيا مجهولاً، وإنما بعطي الإمام (عليه السلام) نتيجة الحكم ولا يبين فيه الموضوع؛ ولذلك ربما اختلف الموضوع، فكان الموضوع لحكم كل واحد منهم غير موضوع الآخر، في حين انه يتوهم التعارض بينها؛ لقاعدة الاشتراك وانما التعارض صوري، وربما اختلاف الحكم لاجل اختلاف ظروف المخاطب من حيث الجهات النفسية، او من جهة خلفيات الحكم، كما لو صدر الأمر مع وجود توهم الحظر والتحريم مسبقاً، اما في ذهن المخالطب أو بصورة عامة، فلا يدل الامر على الوجوب. او يصدر النهي مع وجود الوجوب مسبقاً او توهمه واعتقاد المخاطب له، فلا يدل على الحرمة وبالتأمل في الفرق بين الفتيا والتعليم في أقوال الأئمة (عليهم السلام) يزول هذا التعارض المتوهّم.

إذن فالملاحظ جريان بناء العقلاء على ذلك، من التأمل في كلام مثل هذا المتكلم، أو في الخبرين المتعارضين الصادرين منه على وفق أساليبه في الكلام وظروفه ونفوذه.

وكذلك هي طريقة الرواة السابقين، حيث كانوا ملتزمين بذلك، فنرى بأنهم لو سمعوا بأنفسهم كلاماً من الإمام (عليه السلام) ثم ينقلونه لغيرهم فربما يقال لأحدهم بأن الإمام (عليه السلام) اتقاك، لذلك هم أنفسهم لا يعملون بالرواية التي سمعوها وإنما يأخذون بما يرويه غيرهم.

وقد ذكرنا سابقاً شواهد على هذه الحالة منها رواية عبدالله بن محرز قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إن رجلاً مات وأوصى إليَّ تركته وترك ابنة؟ قال: فقال: «أعطها النصف». قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي اتقاك، إنما المال لها فدخلت عليه (عليه السلام) بعده فقلت: أصلحك اللّه، إن أصحابنا زعموا أنك اتقيتني. فقال: «لا والله ما اتقيتك، ولكن اتقيت عليك أن تضمن فهل علم بذلك أحد» ؟ قلت له : لا. قال: «أعطها مابقي».

وهناك رواية أعجب من ذلك وهي مارواه عمر بن أذينة عن علي بن سعيد البصري قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) إني نازل في بني عدي، ومؤذنهم وإمامهم وجميع أهل المسجد عثمانية يبرؤون منكم ومن شيعتكم، وأنا نازل فيهم، فما ترى في الصلاة خلف الإمام؟ قال: «صل خلفه» قال: وقال: «احتسب بما يسمع، ولو قدمت البصرة فسألك الفضيل بن اليسار وأخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل وتدع قولي».

قال علي: فقدمت البصرة فأخبرت فضيلا بما قال فقال: هو أعلم بما قال، لكني قد سمعته وسمعت أباه يقولان: «لا يعتد بالصلاة خلف الناصب، واقرأ لنفسك كأنك وحدك».

قال: فأخذت بقول الفضيل وتركت قول أبي عبدالله (عليه السلام).

وهذه الرواية ضعيفة، ولكن نحن نذكرها للتاييد لا للاحتجاج.

وكذلك العلماء، فانهم جروا على هذه الطريقة من ملاحظة المرجّحات الجهتية أولاً بهذا المعنى، كما نقله السيّد الطباطبائي في رسالته عن بعض أعاظم معاصريه - والظاهر أنه المحقق الرشتي - فقال رحمه اللّه : (ثم هذا الفاضل أيد ما ذكره من تقديم المرجح الجهتي على الصدوري بأن الفقهاء كثيراً ما يحملون الموافق على التقية مع اشتمال الآخر على المرجّحات الصدورية، كما حملوا الأخبار الواردة في كفارة النذر أنها كفارة رمضان على التقية، وأخوا بما دلّ على أنها كفارة يمين، مع كون الطائفة الأولى أظهر وأصح. بل يظهر من بعض تقديمه على المرجح الدلالي أيضاً).

إلى أن قال: (ويظهر من البهبهاني أيضاً تقديمه عليها حيث إنه جعل تقديم الصدور على الشهرة ومخالفة العامة في المقبولة من جملة الإشكالات فيها).

إذن فقد بلغ ما ذكرناه من الوضوح والتسالم عند الأصحاب بحيث اعترض على الرواية لأجل ذلك من تقديمها الصدور على مخالفة العامة والشهرة، وإن كان هذا الاعتراض في نفسه غير صحيح؛ وذلك لما ذكرناه سابقاً من ارتباط الصفات بالفتوى لا بالرواية.

وكذلك يظهر ذلك من مراجعة الاستبصار، حيث نراه على الغالب في الروايات المتعارضة أنه لا يطرحها، بل يحملها - ما أمكن – على ضرب من التقية أو الكتمان.

إذن فهذه الطريقة التي ذكرناها من ملاحظة المرجّحات الجهتية قبل الصدور، مع تفسير الجهة بذلك المعنى العام، مما قام عليها بناء العقلاء وسيرة الأصحاب والعلماء.

التقريب الثاني: التصوير الفني الأصولي لهذا الرأي. ولتوضيحه نقول: هناك جهتان في الخبرين المتعارضين:

الجهة الأولى : لابد أن نعرف أن هناك نوعين من الكشف: أحدهما نوع الكشف في كلام المتكلم نفسه كالإمام (عليه السلام) - أي المحكي – والآخر نوع الكشف في الخبر الحاكي عن قول المتكلم كخبر زرارة مثلاً عن الإمام (عليه السلام)، ويختلف ملاك الكشف في كل منهما عن الآخر:

أما الكشف في قول الإمام نفسه، فإنه يبتني على أصالة الظهور، وأساس حجية الظهور كما أوضحناه في محله هو الميثاق العقلائي بتعهد كل متكلم بالالتزام بظاهر كلامه، وأن ظاهر كلامه متطابق مع مراده الجدي فإذا كان كلامه ظاهراً في معنى فهو متعهد وملتزم عقلائياً تجاه الآخرين بأن مراده الواقعي هو هذا المعنى الظاهر، الا إذا قامت قرينة خاصة على عدم ارادته له، وهذا الميثاق العقلائي الاجتماعي هو الأساس لحجية الظهور، سواء حصل الظن أو الوثوق من كلامه بأنه مراده أم لا.

إذن، فليس الالتزام بهذا لأجل الوثوق.

وأما الكشف في الخبر الحاكي عن قول الإمام (عليه السلام) كخبر زرارة مثلاً، فمثل هذا النوع يدخل في حجية الخبر، والملاك فيها إما حجية خبر الثقة، أو حجية الخبر الموثوق به على الخلاف وأنه أياً منهما يعتبر كاشفاً وحجة عند العقلاء وقد ذكرنا في محله المراد من الخبر الموثوق به بان يتعرض الخبر ومضمونه للنقد الداخلي والمتني وملاحظة حالات الراوي والمقايسة المضمونية، لنرى مدى تناسب المضمون المخبر به مع الواقع، أو مع حالات المخبر عنه، والاصول المسلمة عندهوغيرها من الامور التي تلاحظ في تقويم الخبر، ومدى حصول الوثوق منه.

إذن، فهناك كاشفان يختلف معيار الكشف في كل منهما عن الآخر؛ فأحدهما وهو قول الامام اي المنكشف والمحكي من الخبر يبتني على حجية أصالة الظهور، والآخر يبتني على حجية خبر الثقة أو الخبر الموثوق به وإذا كان تناف بينهما فمن جهات أخرى كما سنذكره في الجهة الثانية.

الجهة الثانية: ماهي حقيقة التعارض؟ ذكرنا في بداية مبحث التعارض، أنه عبارة عن تنافي مدلولي دليلين على نحو يعلم إجمالا بمخالفة أحدهما للواقع، وكان العلم الإجمالي المذكور ناشئاً من قضية بينة عقلية أو شرعية أو عقلائية وقد مر هناك توضيح هذه الفكرة بالتفصيل.

فالتنافي بالذات والحقيقة هو بين المدلولين، أما التنافي في الحاكي – وهو قول الإمام (عليه السلام) - فهو مع الواسطة في العُروض أو المجاز في الإسناد، حيث يسري التنافي من المدلول للدال بلحاظ الحكاية عنه، وإلا فإنه لا يوجد تناف في نفس قولي الإمام (عليه السلام)، وإنما يتصفان بالتنافي لاتصاف مكشوفها بذلك؛ لأنه لامانع من إنشاء القولين في نفسهما في الخارج، ولكن ينعكس تنافي المدلولين على الدالين.

وبعد ذلك يتصف قولا الراويين بالتنافي بالعرض؛ لأنهما يتضمنان الحكاية عن قولين للإمام (عليه السلام) متنافيين مدلولا فيسري التنافي من قولي الإمام (عليه السلام) إلى قولي أبي بصير وزرارة، فالتنافي بين قولي الراويين متأخر رتبة عن التنافي بين قولي الإمام.

وإذا عالجنا التنافي بين قولي الإمام بمعونة الجهات التي ذكرناها في التقريب الأوّل إجمالاً وتعرّضنا لها بالتفصيل في بحوث سابقة، كمبحث علل اختلاف الحديث يرتفع

التنافي بين قولي الراويين أيضاً فلا تنافي بين صدورهما، حيث إننا بملاحظة الأمور الجهتية ربما توصلنا لصدور كلّ منهما، ولكن أحدهما صدر بهذا الداعي والآخر بداع آخر بان كان كلاهما مراداً وحقاً، أو ان المراد احدهما واما الاخر فقد صدر كتمانا وليس مراداً وحقاً جداً، فلا يحكيان عن أمرين متنافيين ومعه فلا يبقى التعارض بينهما صدوراً لنبحث عن المرجّحات السندية والصدورية فيهما؛ فإن إعمال هذه المرجّحات على تقدير التعارض والتعارض بين الخبرين يتوقف على وجود التنافي بالعرض بين الحاكيين، وهذا إنما يتوقف على وجود التنافي بين قولي الإمام (عليه السلام)، والتنافي فيهما إنما هو في صورة التنافي واقعاً بين المدلولين وإذا ارتفع التنافي في المرحلة السابقة – وهو قول الإمام (عليه السلام) - لا يبقى مجال للتنافي في المرحلة اللاحقة - وهو قول الراوي - ولو بالعرض والمجاز، حتى نتمسك بالمرجّحات الصدورية.

لان التعارض يتوقف على وجود كاشفين يكشفان عن أمرين متنافيين وهذان لا يكشفان عنهما، فيثبت صدورهما ولكن بداعيين، فلا مبرر للمرجح السندي والصدوري الذي يستهدف اثبات صدور احدهما دون الآخر، إذ لا موضوع له مع احراز صدورهما بمقتضى المرجح الجهتي، فمثلاً يكون احدهما قد صدر لاجل السوق للكمال، فكتم فيه جهة الترخيص ؛ بينما الخبر الاخر ذكر الترخيص، لاجل ضعف المخالطب من التشديد معه في الحكم، وكلا الحكمين مراد جداً وح-ق. او ان احدهما صدر وهو المراد الجدي والحق والآخر صدر ايضاً ولكنه ليس هو الحق وانا صدر من باب التقية مثلاً.

نعم، لو لم يتم علاج التعارض في مرحلة المرجّحات الجهتية، فهنا تصل النوبة للمرجّحات الصدورية والسندية، وهذا بدوره على قسمين:

فتارة نعلم إجمالاً بأن أحد القولين غير صادر عن الإمام (عليه السلام) وهنا لابد من العمل بالمرجّحات الصدورية.

وأخرى مورد الاشتباه واحتمال الصدور، فهنا يتولّد علم إجمالي آخر، وهو أن هذا الخبر إما أنه غير صادر، أو غير مراد، والخبر الآخر أيضاً إما أنه غير صادر أو غير مراد، وهذا العلم الإجمالي يوجب دخول الخبرين في عنوان التعارض. وطرفا التعارض هذا الظهوران والصدوران، ولكن بما انه لا يمكن اعمال المرجّحات الدلالية بالنسبة للظهورين، لذلك لا بد من علاج التعارض بالمرجّحات السندية أو الصدورية.

وربما يعترض على ذلك بأن إعمال المرجّحات الجهتية متفرع على حجية كلا الخبرين، بمعنى أن يكون كل منهما منجزاً أو معذراً؛ لأن التعارض إنما هو بين الحجيتين لا بين الحجة واللاحجة، فلابد من افتراض حجية كلا الخبرين ولكن المفروض – بناءً على إجراء المرجّحات الجهتية - أن نعلم إجمالاً بأن أحدهما ليس بحجة وهو الصادر تقية مثلاً، وغير كاشف عن المراد الجدي للإمام (عليه السلام)، فالموافق للعامة صدر تقية، في حين أن المخالف لهم هو الكاشف عن حكم اللّه الواقعي فحسب مع أن جعل الحجية للحاكيين والخبرين متوقف على اتصاف محكيها بالحجة، إذ لولاه لا معنى لاتصاف الخبرين كليهما بالحجية صدوراً، وهنا لا اثر لاعتبار الحجية والكاشفية لأحدهما؛ لأن ما صدر تقيّة لا اثر للتعبد بصدوره؛ ولذلك فلا يعقل تقديم المرجّح الجهتي؛ لأنه متوقف على حجية الصدور لكلا الكلامين، والمفروض – بناء على إعمال المرجّحات الجهتية - أن نعلم إجمالاً بعدم حجية أحدهما، ولا يمكن اعتبار الحجية له فإذا لم يكن أحدهما حجّة فلا تجري فيهما قواعد التعارض والترجيح.

والجواب عن هذا الاعتراض:

أولاً: أنه ينتقض عليه بالمتكافئين سنداً، اللذين يُرجع فيهما إلى المرجح الجهتي، فيرد عليه نفس الاعتراض، فيقال: إن هذين الدليلين هل هما حجتان أم لا؟ فيرد على الأوّل لغوية جعل الحجية لموافق العامة الذي صدر تقية، ويرد على الثاني أن الترجيح لا موضوع له في ظرف عدم الحجية، فكيف يحكم بترجيح غير الحجة؟

ثانياً: وهو الجواب الحلّي، أن المرجح الجهتي يتوقف على وجود الحجية الاقتضائية لكل منهما - أي أن يكونا حجة لولا التعارض - ولا يتوقف على الحجة الفعلية، فيكفي في تحقق موضوع المرجّح الجهتي أن يكون كل واحد من الخبرين حجة في نفسه بغض النظر عن التنافي بينهما، ولا يعتبر فيه الحجية الفعلية للمتعارضين، حتى نقول بلغوية الحجية الفعلية لاحدهما.

ثالثاً: على تقدير اعتبار توفر الحجية الفعلية للمتعارضين، فبما أنه يعتبر في جعل الحجة الفعلية للصدور أن يكون هناك أثر لجعلها، فيكفي في الأثر المترتب لجعل الحجية صدوراً أن يكون مقدمة لأعمال المرجّح الجهتي، فلايكون جعل الحجية لغواً وبلا أثر، وذلك لتوقف إجراء المرجح الجهتي عليها ويكفي هذا الأثر في تصحيح جعل الحجية بالصدور واعتبارها.

رابعاً ذكرنا في مبحث الأحكام الوضعية - حيث إن الحجية من الأحكام الوضعية – أن هذه الأحكام لا تدور صحتها واعتبارها على وجود الأثر الفعلي لكل مورد منها بالخصوص، وإنما الأحكام الوضعية موضوعات تنفيذية للأحكام الشرعية، كالزوجية التي هي موضوع لجواز الاستمتاع، والعقلية كالحجية بالنسبة للمنجزية والمعذرية، بل يكفي فيها كونها معرضاً لتحقق شرط أثرها، فنرى مثلاً

إمكان اعتبار الطهارة للسمك الموجود في قعر المحيط مع عدم ابتلاء المكلفين بها فعلاً، أو اعتبار النجاسة أو الحرمة للخنزير في القطب الشمالي أو الجنوبي قبل اكتشافه، أو جعل الإباحة وصحة التملك للثمار والأشجار الموجودة في الغابات أو الجزائر البعيدة، وأن من حازها ملكها فإن هذه الأحكام أحكام كلية، ولكن تحققها فعلاً متوقف على تقدير القدرة عليها، فلا يلزم من عدم إمكان الوصول إليها – أي عدم الأثر الفعلي – عدم إمكان اعتبار هذه الأحكام.

إذن، فالأحكام الوضعية هي موضوعات تنفيذية إذا تحققت شرائطها، فتترتب عليها آثار؛ ولذلك نقول هنا بأنه لا مانع من جعل الخبرين حجة فعلية بلحاظ أنه لو كانت تجري فيهما أصالة الجهة لكانت منجزة ومعذرة.

إلى هنا تم الكلام في هذا القول الذي نتبناه في مسألة الترتيب بين المرجّحات، حيث ذهبنا إلى تقديم المرجح الجهتي بالتقريب الذي ذكرناه وهناك أقوال في هذه المسألة نستعرضها تباعاً.

الرأي الثاني: أن القاعدة تقتضي تقديم رتبة المرجّحات الصدورية على المرجّحات الجهتية. وقد ذهب إلى هذا الرأي الشيخ الأنصاري - مع احتمال توجيهه على وجه آخر - والمحقق النائيني وعلى هذا الرأي فلو كان أحد الراويين أعدل وأفقه من الآخر - لو قلنا بأنهما من المرجّحات في الرواية - فيرجح خبره وإن احتمل التقية على الخبر الآخر المخالف للعامة.

وهناك تقريبان لهذا الرأي:

التقريب الأوّل: ماذكره المحقق النائيني في فوائد الأصول، وإجماله أن استنباط الحكم الشرعي من الخبر يتوقف على مراحل ثلاثة مترتبة من حيث الاعتبار:

الأولى: أن يكون الخبر الحاكي عن قول المعصوم حجة ومثبتاً لصدوره.

الثانية: أن يكون كلام الإمام (عليه السلام) ظاهراً في معناه.

الثالثة: أن يكون هذا الظهور الصادر من الإمام (عليه السلام) مسوقاً لبيان حكم الله الواقعي لابداعي التقية أو الكتمان.

وقد ذكر أمراً رابعاً لاحاجة لذكره.

إذن فمرحلة صدور الكلام بداعي بيان الحكم الواقعي متأخرة عن مرحلة التعبد باصل الصدور؛ وذلك لأن جريان أصالة الجهة يتوقف على وجود كلام كاشف، فما لم يثبت صدور الكلام عن المعصوم فلا مورد الجريان أصالة الجهة، وبذلك نتوصل إلى تقديم المرجّحات الصدورية على الجهتية.

ثم إنه قدس سره استظهر ذلك من مقبولة ابن حنظلة؛ لأنه قدم فيها المرجح الصدوري على المرجح الجهتي.

ويلاحظ عليه: ان توقف جریان اصالة الجهة على اثبات الصدور لا يستلزم تقدم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي.

وبعبارة أخرى إن هنا مسألتين:

الأولى: توقف جريان أصالة الجهة على التعبد الفعلي بصدور الخبر.

الثانية: تقدم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي.

فعلى فرض تسليم المسألة الأولى وعدم القول بكفاية التعبد الاقتضائي في جريان أصالة الجهة لايلزم منه ثبوت المسألة الثانية، بل لابد من ملاحظة أن موضوع المرجّح

الجهتي هل هو الحجة الاقتضائية كما مر بأن يوجد هناك كاشفان نوعيان بحيث لولا وقوع التعارض لشملتهما أدلة الحجية كما أن موضوع المرجح الصدوري هو هذا، أو ان الموضوع هو الحجة الفعلية على الصدور بدعوى لزوم اللغوية في الفرض الأوّل؟ وقد تقدم دفع لزوم اللغوية، وبناء عليه يكون كلا المرجّحين في رتبة واحدة ولابد في تقديم أحدهما من إقامة الدليل، فالكلام المذكور على حد تعبير بعض الأعاظم (مجرد استحسان).

التقريب الثاني: وهذا الوجه الذي يتلاءم أكثر مع كلام الشيخ الأنصاري وربما صرح به بعضهم وخلاصته أن الموضوع للمرجح الجهتي هو الكاشفان نوعاً، ولكن بحكم العقل لابد من تقييد هذا الموضوع بالكاشفين اللذين لم يحكم الشارع بعدم صدور احدهما، أما لو حكم الشارع بعدم صدور أحدهما فلا موضوع؛ لأصالة الجهة، ولا للمرجح الجهتي فيه وإن كان له كشف نوعي؛ لأن الموضوع هو الكاشف الذي ثبت صدوره من الشارع.

وعلى ضوء ذلك فلابد من ملاحظة المرجّح الصدوري، فإذا وجد مرجح صدوري في أحد الخبرين فإنه وإن لم يكن مانعاً من الكشف النوعي بالنسبة للآخر، ولكن بحكم الشارع بالترجيح نحكم بعدم صدور المرجوح، فإذا حكمنا بعدم صدوره فلا يبقى موضوع الأصالة الجهة و المرجح الجهتي؛ لأن مؤدى المرجح الصدوري أن الراجح صادر والمرجوح غير صادر وعلى ذلك فتكون أدلة المرجح الصدوري حاكمة على أدلة المرجح الجهتي.

وهذا التقريب وإن كان أولى من التقريب الأوّل، ولكنه يتوقف على أمور لا تخلو من التأمل.

الأمر الأوّل: أن هذا التقريب يتوقف على اتصاف الخبرين بالتعارض والتنافي؛ لأن إعمال المرجّحات يتوقف على صدق عنوان التعارض عليهما، وإلا فلا مجال لإعمال المرجّحات الصدورية أيضاً.

ولكن تقدم منا في التقريب الأوّل للرأي المختار أن اتصاف الخبرين الحاكيين - كقولي زرارة وأبي بصير - بالتعارض مسبوق بالتنافي في مرحلة سابقة بين المحكيين، وهما قولا الإمام (عليه السلام)، فإذا ثبت التنافي في مرحلة المحكي بقي التعارض في مرحلة الحاكي، أما لو زال التعارض بينهما في تلك المرحلة من خلال ظروف الجهة وأسبابها، فلا يبقى التعارض بين الحاكيين، حتى نعمل بالمرجح الصدوري فيهما.

الأمر الثاني: أن ما ذكر في هذا الكلام إن كان تحليلاً وتفسيراً لبناء العقلاء، فقد ذكرنا بأن بناءهم قائم على تقديم المرجح الجهتي على الصدوري، واستعرضنا الشواهد عليه، فدعوى العكس تحتاج لدليل.

وإن فرض عدم ثبوت بناء العقلاء على هذا الترتيب، وان كان ما ذكر وجهاً عقلياً لإثبات تقدم المرجح الصدوري، وذلك لانتفاء موضوع المرجح الجهتي مع إجراء المرجح الصدوري؛ لأن موضوعه الكاشف الاقتضائي الذي لم يحكم بعدم صدوره، وهذا مما يحكم به العقل فيأتي نفس الكلام في المرجح الصدوري، لأن موضوعه هو الكاشف النوعي الذي لم يحكم الشارع بعدم صدوره لبيان الحكم الواقعي. فموضوع حجية الخبر والمرجح الصدوري، هو الكاشف الصادر لبيان الحكم الواقعي أما إذا حكم بأن هذا الخبر لم يصدر لبيان الحكم الواقعي فلا تجري فيه أدلة حجية الخبر، والمرجح الصدوري.

إذن فالعقل كما يقيد موضوع المرجح الجهتي بالخبر الذي لم يحكم الشارع بعدم صدوره، وكذلك يقيد موضوع المرجح الصدوري، وبإجراء المرجح الجهتي ينتفي موضوع المرجح الصدوري، فكل من المرجحين يزيل موضوع الآخر ويمنع من تحققه، فالحكومة من الطرفين، فالأخذ بحكم العقل هذا يؤدي عدم إجراء كل من المرجحين لثبوت التقييد من كلا الطرفين، فينبغي علينا الرجوع لبناء العقلاء الذي تقدم منا انه قائم على تقديم المرجح الجهتي.

الأمر الثالث: أن هذا التقريب يتوقف على أن الحكم بصدور أحدهما - وهو الراجح - يقتضي الحكم بعدم صدور الآخر المرجوح وهذا هو مفاد المرجّحات الصدورية، فينتفي موضوع المرجح الجهتي بعد الحكم بعدم صدوره.

ولكن هذاليس بصحيح كما ذكره السيّد الطباطبائي في رسالته، والمحقق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية من أن الحكم بصدور أحد الخبرين إنما يقتضي- عدم الحكم بصدور الآخر لا أنه يفيد الحكم بعدم صدور وبذلك يبقى الموضوع للمرجّح الجهتي؛ لأن موضوعه الكاشف النوعي الذي لم يحكم الشارع بعدم صدوره ولكن في هذا الكلام تفصيل.

وأخيراً يجدر القول بأن ماذكره المحقق النائيني للاستشهاد على هذا الرأي بمقبولة عمر بن حنظلة، يلاحظ عليه أن الصفات المذكورة في المقبولة مما لا ترتبط بالراوي بل بالمفتي كما ذهبنا إليه، أما الشهرة فإنها ليست متمحضة في التأثير في الصدور فحسب، بل لها تأثيرها في الترجيح الجهتي أيضاً، فلا يصح الاستدلال بالمقبولة الدالة على تقديم الشهرة على المرجح الصدوري.

الرأي الثالث: أن مورد المرجّح الصدوري يختلف عن مورد المرجح الجهتي، لذلك لا معنى للبحث عن تعارض المرجّحات مع اختلاف موضوعها؛ وذلك لأن مورد المرجّحات الجهتية خصوص الخبرين القطعيين صدوراً، فاذا احرز صدورهما فيتساءل هل صدرا لبيان الحكم الواقعي أم لا، اما إذا لم يحرز صدورهما فلا معنى للبحث عن الداعي والجهة للصدور أما مورد المرجح الصدوري فالخبران الظنيان صدوراً، ولا مجال للمرجح الجهتي فيهما.

ويعتمد هذا الرأي على مقدمتين:

المقدمة الاولى أن أصالة الجهة - وتعني حمل الكلام على بيان الحكم الواقعي - أو المرجح الجهتي الذي هو في الحقيقة يوجب التأثير في قوة أصالة الجهة لأحد الخبرين قد أخذ في موضوعها الكلام المحرز الصدور بقيد الإحراز لا مطلق الكلام من حيث الإحراز وعدمه.

والكلام المحرز أعم من كون إحرازه وجدانياً كالكشف التام، أو تعبدياً كالكشف الناقص فهو الذي تجري فيه أصالة الجهة، ليقال بأنه صدر بداعي بيان الواقع، وهو مورد إجراء المرجّح الجهتي، فإذا كان مخالفاً للعامة فيقال: إنه أقوى من الآخر، وأما الكلام الذي لا يحرز صدوره لا وجداناً ولا تعبداً فلا تجري فيه أصالة الجهة ولا المرجح الجهتي.

اما بالنسبة لاصالة الجهة فموضوعها هو الكلام المحرز، لا انه مطلق الكلام، سواء كان محرزاً أو غير محرز، وذلك لان الاطلاق المتصور هنا اما لحاظي أو ذاتي، وكلاهما غير معقول، فلا يعقل بالنسبة لاصالة الجهة الاطلاق بنوعيه،

أما الإطلاق اللحاظي، بأن نقول بوجود دليل يدل على حمل الكلام - مطلقاً؛ المحرز وغير المحرز - على بيان الحكم الواقعي ومطابقته للمراد الجدي ولكن لا يعقل القول بأن الكلام مطلقاً سواء أحرز صدوره أو لم يحرز صدوره يلزم حمله على بيان الحكم الواقعي، وذلك للغوية الإطلاق بالنسبة للكلام الذي لم يحرز صدور هلان الكلام غير محرز الصدور لا معنى للقول بانه صدر بداعي بيان الواقع او غيره.

وأما الإطلاق الذاتي، فإن أصالة الجهة من الأصول العقلائية، وبناء العقلاء مقيد بذاته عند العقلاء بأن الكلام المحرز هو الذي يحمل على بيان الحكم الواقعي، سواء كان محرزاً وجداناً أو تعبداً فالموجود هنا هو التقييد الذاتي لا الاطلاق الذاتي.

وكذلك الأمر بالنسبة للمرجّح الجهتي فهو موجب لتقوية أصالة الجهة أصالة الجهة فيكون مترتباً عليها فلا يعقل فيها الاطلاق أيضاً بأحد الوجهين؛ وذلك لأننالوا اعتبرناه من باب بناء العقلاء يكون له تقييد في ذاته كأصالة الجهة، أما لو اعتبرناه من باب التعبد والروايات، فلابد أن يكون الإطلاق فيها لحاظياً إذا وجد ولكن الملاحظ عدم تضمن الروايات للإطلاق بالنسبة إلى كون الخبر محرزاً أو لم يكن محرزاً، فلابد من الالتزام بالتقييد فيها.

وعلى كل حال فلابد من الالتزام بالتقييد بالكلام المحرز الصدور في مورد أصالة الجهة والمرجح الجهتيلانه اخذ في موضوعهما الكلام المحرز لا الكلام باطلاقه.

المقدمة الثانية: في الخبرين القطعيين. وبما أن الشرط الذي اعتبرناه في المقدمة الأولى - وهو إحراز الصدور - متحقق فيهما، فلذلك تجري أصالة الجهة والمرجح الجهتي

أما بالنسبة للخبرين الظنيين فهنا افتراضان فتارة نفترض أن لأحدهما مرجحا صدورياً دون الآخر، ليحكم بصدوره ولا يحكم بصدور الآخر، وأخرى نفترض أنهما متكافئان.

أما في الافتراض الأول، فإننا نحكم بصدور ذى المرجح الصدوري، وتجري فيه أصالة الجهة لو احتجنا إليها، أما المرجّح الجهتي فلا موضوع له؛ لأن المرجوح لم يحرز صدوره، فلا تجري فيه اصالة الجهة حتى يمكن تقويتها بالمرجح الجهتي؛ لأننا إنما نحتاج للمرجّح الجهتي لترجيح إحدى كفتي أصالة الجهة في أحدهما على الآخر، والمفروض عدم جريان أصالة الجهة في الطرف المرجوح صدوراً لتترجح بواسطة المرجح الجهتي؛ وذلك لعدم إحراز صدوره.

وأما في الافتراض الثاني، فلا يمكن الحكم بصدور أي واحد من المتكافئين، ولا يجري فيه أصالة الجهة ولا المرجح الجهتي؛ لما اعتبر في المقدمة الأولى من ان الموضوع لهما هو الكلام المحرز صدوراً، والمفروض عدم إحراز الصدور في أي منهما.

فالنتيجة ان مورد المرجّحات الجهتية الخبران القطعيان خاصة في حين أن مورد المرجّحات السندية الصدورية الخبران الظنيان خاصة فلا تعارض بينهما مع اختلاف المورد. وربما أشير لهذه الفكرة في المقبولة أيضاً؛ لأن الإمام (عليه السلام) ذكر الترجيح بالمرجّح الجهتي ومخالفة العامة، بعد أن افترض كون الخبرين مشهورين، بناء على أن المراد من المشهور أنه مقطوع الصدور كما ذهب إليه بعض الأعاظم، وقد تقدم ذكره سابقاً.

ولكن يمكن مناقشة هذا الرأي بكلتا مقدمتيه :

أما مناقشة المقدمة الأولى، فيقال: إن هذه المقدمة - على تقدير تسليمها، والالتزام بأن موضوع أصالة الجهة أو المرجح الجهتي مقيد بالكلام المحرز صدوره وجداناً أو تعبداً - غير مثمرة؛ لأنها تتوجّه بنفسها على اصالة السند والصدور والمرجح الصدوري أيضاً، وذلك لأن موضوعها أيضاً لا يمكن أن يكون مطلقاً بالنسبة للجهة أي لكل خبر سواءً أحرزنا صدوره لبيان الحكم الواقعي أم أحرز عدم ذلك؛ فإن بناء العقلاء والروايات الدالة على حجية الخبر، أو الترجيح بالصدور، لا إطلاق فيها لكل خبر سواء أحرزنا أنه لبيان الحكم الواقعي ولو بالأصل العقلائي أو لم نحرز ذلك، بل إنها مقيدة فيما لو أحرز صدوره لبيان الواقعلذلك يأتي فيه نفس ما ذكر في المقدمة الاولى، وان الاطلاق اللحاظي لغو، واما الذاتي فان بناء العقلاء مقيد ذاتاً باحراز كون الكلام لبيان الواقع أما احرازاً وجدانياً او تعبدياً.

فموضوع كل من أصالة الجهة والمرجّح الجهتي، وكذلك موضوع أصالة السند والمرجّح السندي، كل منهما مقيد بالآخر، فكما أن موضوع أصالة الجهة والمرجح الجهتي متوقف على إحراز الصدور والإطلاق فيه لغو، فكذلك دليل حجية الخبر والمرجح السندي متوقف على أصالة الجهة وإحراز صدور الكلام فيه لبيان الواقع، والإطلاق فيه لغو فيتوقف كل منهما على الآخر ولا يلزم من ذلك الدور المحال؛ لما سنذكره حين البحث عن الرأي الرابع من أن الحجية تتوقف على دعائم لو تحققت جميعها حكم بالحجية، أمثال الخبر المحكوم بصدوره، والمسوق لبيان الحكم الواقعي فكلا الامرين احراز الصدور والجهة اخذا على السواء في حجية الخبر. وسيأتي توضيحه بالتفصيل.

أما مناقشة المقدمة الثانية، فلأنها تتوقف على أمر قد سبق مناقشته، فقد ذكرنا أن مجرد وجود الخبرين الحاكيين عن قول الإمام (عليه السلام)، المتنافيين ظهوراً لا يكفي في اتصافها بالتعارض، بل لابد في تحقق ذلك من وجود التنافي بين مدلوليها اي المحكي لهما وهو قول الإمام (عليه السلام) في المرحلة السابقة، لكي يسري هذا التنافي إلى الحاكيين. ولكن لو ارتفع التنافي في تلك المرحلة السابقة – أي في قولي الإمام – فلا موضوع لاتصاف الخبرين الحاكيين بالتنافيلنحتاج للمرجح السندي، لانه متوقف على وجود الريبة وعدم صرفها من احد الخبرين للاخر، واما لو صرفت من احدهما للآخر في مرتبة المرجح الجهتي - فلا تبقى ريبة ليحتاج للمرجح السندي. فهذا الرأي أيضاً غير صحيح.

الرأي الرابع: ويذهب إلى عدم الترتيب بين المرجّحات المذكورة، بل إنها – سواء ارتبطت بالصدور أو الجهة أو المضمون – جميعها سواسية وفي مرتبة واحدة نعم لو كان بعضها أقوى من الآخر في مورد وجب الأخذ بالأقوى أياً كان سواء كانت قوته في السند او الجهة، ويسقط الضعيف عن الاعتبار، وقد قوّى المحقق الخراساني هذا الرأي بناء على التعدّي عن المرجّحات المنصوصة، حيث ذهب إلى أن المعيار هو الأقربية للواقع، فما كان أقوى منها فيوخذ به.

وتبناه السيّد الطباطبائي في رسالته، ولكنه ادعى - زيادة على ما ذكر - أن المرجح الجهتي في خصوص التقية – أي من حيث مخالفة العامة وموافقتهم – أقوى من سائر المرجّحات الصدورية والجهتية والمضمونية؛ لأن الملاك في الترجيح هو القوة والضعف لا الترتيب بحسب الرتبة. وذهب إلى هذا الرأي أيضاً المحقق العراقي على ما ذكر في (نهاية الافكار)، حيث زعم رجوع جميع المرجّحات إلى المرجح

الصدوري، وتبعه على ذلك السيّد الحكيم في (حقائق الأصول) في نهاية بحثه في هذا الموضوع بعد أن قوّى في بدايته رأي الشيخ.

وبما أنه لا يمكن لنا التعرض لجميع التقريبات المذكورة لهذا الرأي فلذلك نقصر الكلام على جهتين:

الأولى: في ذكر التقريب الأقوى من غيره.

الثانية: التعرض لما ذهب إليه السيّد الطباطبائي من أن الترجيح بمخالفة العامة أقوى من سائر المرجّحات؛ وذلك لأن كلامه لو تم في هذا المجال لاقترب كثيراً من رأينا الذي ذكرناه سابقاً من تقديم المرجّح الجهتي في الرتبة على الصدوري، لأن كلا الرأيين ينتجان تقديم المرجح الجهتي، سواء كان على أساس قوته أو لأجل تقدمه في الرتبة.

الجهة الأولى: أن حجية الخبر بحيث يتصف بالحجية بالحمل الشائع ويترتب عليها أثرها من التنجيز والتعذير، تتوقف على دعائم لو اجتمعت كلها لاتصف الخبر بالحجية، فإذا لم تتحقق كلّها أو واحد منها، لم يتصف الخبر بها.

وهذه الدعائم هي:

صحة السند اي اعتبار وجود الكاشف بالنسبة إلى صدوره كوجود خبر الثقة أو الموثوق به.

تحقق الظهور ووجود أصل يتكفل بحجية ظهوره وبأن الظاهر مسوق لبيان الحكم الواقعي كما يتكفل بذلك الميثاق العقلائي.

تحقق الجهة وأن يكون مضمونه هو تمام مراد المتكلّم كما تقتضيه أصالة التطابق بين المراد التفهيمي والجدي.

وجود الاثر الشرعي وأن يكون مؤدى الخبر حكماً شرعياً، فلو أخبر (بأن هذا الحبل أطول من ذاك الحبل)، فلا مجال لوصفه بالحجّية؛ إذ ليس لهذا الخبر اثر شرعي.

ألا يكون له معارض متكافئ معه أو أقوى منه.

فإذا توفرت هذه الدعائم جميعاً اتصف الكلام بالحجية بالفعل، بمعنى أن مؤداه لو كان حكماً إلزامياً فيكون منجزاً، وإن كان مؤداه حكماً ترخيصياً أو نفي الحكم الإلزامي فإنه سيكون معذراً. اما لو لم تتوفر احد هذه الدعائم أو كلها، فلا مجال لجعل الحجية للخبر، فاذا توفرت هذه الدعائم في كلا الخبرين كان كل منهما حجة فعلاً، والا اختصت الحجية باحدهما.

والتعارض بين الخبرين في واقعة وكما تقدم أيضاً عن بعض في بداية المقصد الأول، يعني تزاحم الخبرين في مرحلة الاتصاف بالحجية؛ إذ لا يمكن اتصافهما معاً بالحجية، لوجود العلم الإجمالي بالخلاف في المتعارضين، فيتنازع الخبران ويتسابقان لنيل الحجية، فإذا توفرت نقطة الضعف في أحدهما بالنسبة لهذه الدعائم المذكورة للحجية، فإن الآخر الذي يمتلك القوة ولو في ناحية أخرى دون أن يوجد ما يكافئها في ذلك الخبر الضعيف ويسد ضعفه، هو الذي يتصف الحجية.

ولا فرق في ذلك في حصول القوة في أي دعامة من دعائم الحجية المذكورة سواء في الصدور أو الظهور أو التطابق بين الإرادتين أو غيرها، لأن التزاحم بين مجموع ومجموع، لا دعامة مع دعامة مشابهة لها في الخبر الآخر، فالمجموع كله يعتبر موضوعاً واحداً للحجية، كالمركب الواحد الذي يعتمد على دعائم، فإن كان أحدهما أقوى في جانب في حين أن الآخر ضعيف في جانب آخر غير جانب القوة في الأوّل، فهنا تترتب

الحجية على الأقوى، فالخبر الأقوى بلحاظ مجموع الجهات المذكورة يغلب على الضعيف والمرجوح.

ولا ترتيب بين هذه الدعائم؛ لأنها جميعاً مقدمات بل وموضوع لمعنى واحد وهو الحجية، فهى في مستوى واحد.

ويحتمل أن يكون هذا التقريب أقوى التقريبات المحتملة لهذا الرأي.

ولكن يمكن مناقشة هذه الجهة : إن هذا الرأي يعتمد على تفسير الحجية بالمنجزية والمعذرية الفعلية، ولكن الحجية هنا ليست بهذا المعنى؛ وذلك لأن العقلاء لا يجعلون هذا المعنى للحجية، فلا يجعلون المنجزية والمعذرية، وانما الحجية بهذا المعنى حكم عقلي، انما يحكم به لو اجتمعت بعض الامور في الخبر، حيث سيحكم العقل باستحقاق العقاب او عدمه، فالعقلاء لا يجعلون امراً بسيطا وانما يجعلون حججاً وكواشف متعددة لو اجتمعت في مورد - كالخبر، وكان المورد حكماً شرعياً قابلاً للتنجيز والتعذير ولم يبتل المورد بالمعارض المساوي أو الأرجح - فإن العقل هنا يحكم بالمنجزية - بمعنى حجية المولى على العبد - والمعذرية، بمعنى حجية العبد على المولى؛ حيث يدرك العقل حسن العقوبة أو قبحها. ولكن هذه الحجية بمعنى المنجزية والمعذرية لم تكن مجعولة من العقلاء، وإنما جعل العقلاء أصولاً وكواشف متعددة كلاً منها مستقلة في الاعتبار والجعل من قبل العقلاء، فالعقلاء مثلاً جعلوا كاشفية خبر الثقة أو الموثوق به بصورة مستقلة وكذلك جعلوا كاشفية الظهور عن المراد الجدي او ان الظاهر لبيان الواقع وليس فيه كتمان وغيرها، ولكنها قد تجتمع في مورد ضمن الشروط التي ذكرناها فينتزع العقل منها الحجية بمعنى التنجيز والتعذير، وليس

المجعول هنا عند العقلاء أمراً ومجعولاً واحداً تتعارض دعائمه مع غيره، لذلك لابد من ملاحظة طريقة جعل العقلاء لهذه الاصول والكواشف ومراتبها عندهم فنرى أنهم جعلوا كل كاشف في مرحلة تختلف عن مرحلة جعل الكاشف الآخر. وقد رأينا في تقريب الرأي الأوّل أنهم اعتبروا المرجّحات الجهتية أسبق رتبة بالنسبة لغيرها.

نعم، لو توفرت جميع هذه الأصول والكواشف في مورد فإن كان الخبران متكافئين فلم يعتبروا شيئاً منهما، وإن كان أحدهما أرجح بحسب مقاييس الترجيح كان هو الحجة.

إذن فهذه الجهة تبتني على تفسير الحجية بالمنجزية والمعذرية، وأما لوكانت بمعنى آخر كما ذكرناه فلا تصح.

الجهة الثانية: حيث يذهب السيّد الطباطبائي إلى أن المرجح الجهتي – ولكن في خصوص مخالفة العامة والتقية - هو الأقوى من سائر المرجّحات؛ وذلك لكثرة الأخبار الصادرة تقية، وقلّة الأخبار الموضوعة والكاذبة. وقد نقلنا عن صاحب الحدائق وغيره مثل هذا الرأي سابقاً.

قال في رسالته (ولا يبعد القول بكون الجهتي اقوى من حيث نوعه فيما بايدينا من الاخبار من حيث تنقيح الاخبار عن الاخبار المكذوبة وغلبة التقية في الاخبار، نعم المرجح الصدوري مقدم على الجهتي من غير جهة التقية لندرتها ومن ذلك يظهر تقديم الجهتي من جهة التقية من غيرها).

ولكن ذكرنا سابقاً بأن المفيد والمحقق انكرا كثرة وجود الأخبار الصادرة تقية بين رواياتنا، وإذا وجدت فإنها شاذة ونادرة. أما ما ذكره من تنقيح أصحابنا للأخبار

وتمييز الصحيح عن غيره، فهذا وإن كان صحيحاً - وهناك من حاول القيام بعملية التنقيح - ولكن لاتزال الكثير من الأخبار الضعيفة موجودة.

إضافة إلى أن الترجيح الصدوري لا يعني وجود الأخبار المكذوبة، والمناقشة في سند الآخر لكونها مكذوبة عليهم (عليه السلام)؛ فإنه قد يكون منشأ اختلاف الروايتين عروض اشتباهات من الرواة من ناحية عدم الالتفات إلى خصوصيات الكلام، وإلغاء ماهو دخيل في المعنى أو تغييره بألفاظ أخر. فإننا نجد كثيراً أن الرواية الواحدة نقلت بأسانيد مختلفة مع بعد تعددها يدل على ان ذلك إنما حدث فيها بفعل من الرواة، وقد تقدم منا ذكر الشواهد عليه.

بالاضافة إلى ان الاهتمام الذي حفزهم لتنقيح الكتب من الاخبار المكذوبة فهو بنفسه لا بد ان يحفزهم على تنقيحها من الاخبار الصادرة تقية - فما الفرق بينهما وأما ما ذكره من قوة التقية بالنسبة للدواعي والجهات الأخرى، فهذا أيضاً قد ظهر التأمل فيه من البحوث السابقة، حيث ذكرنا كثرة الروايات المختلفة التي صدرت لأجل إلقاء الخلاف بين الشيعة، أو السوق للكمال وأمثالها، وربما كانت اكثر من الروايات الصادرة تقية فليس التقية أقوى من سائر الدواعي في هذا المجال.

وخلاصة هذا التنبيه أن الأقرب هو ملاحظة الخبرين المتعارضين على ضوء القواعد التي ذكرناها في المقصد الثاني؛ فإن ارتفع التنافي بينهما وصرفت الريبة من أحدهما للآخر فهو العلاج، وإلا أخذنا بالمرجّح الصدوري في مرحلة لاحقة.

التنبيه السادس : في تعارض العامين من وجه

مع كون احدهما قطعي السند كالكتاب والاخر ظني السند كالخبر الواحد الثقة أو الموثوق به.

ولأجل أن نتعرف على جهة البحث، نقول: إن البحث عن العامين من وجه يقع في جهتين :

الجهة الأولى: هل يدخل هذان العامان في مورد الروايات الآمرة بطرح ما خالف الكتاب والسنة، أم لا؟

الجهة الثانية: هل يدخلان في عموم أدلة الترجيح، أم لا؟

ومورد كل واحدة من هاتين الجهتين غير مورد الأخرى، والبحث في هذا التنبيه يتحدد في الجهة الاولى، وموضوعها فيما لو كان هناك عامان من وجه، يتعارضان مع كون دلالة كل واحد منهما بالعموم، ولكن أحدهما قطعي السند والآخر طنيه، كما لو كان أحدهما عموماً كتابياً وفي مقابله عموم غير كتابي، ورواية غير قطعية السند كخبر الثقة او الموثوق به، وبينهما نسبة العموم من وجه، فهل إن الأدلّة الدالة على لزوم طرح ما خالف الكتاب تقتضي طرح المظنون السند في مورد التعارض – أي المجمع لان الرواية خالفت العموم الكتابي - أم لا؟.

وقد اختلف في هذه المسألة الأعاظم من العلماء المتأخرين ممن بحثوا عنها على قولين، فذهب بعضهم كالمحققين النائيني والعراقي إلى أن الأخبار الآمرة بطرح ما

خالف الكتاب لا تشمل مورد العامين من وجه، وإنما تختص في المتباينين بالتباين الكلي في جميع مدلولها وذهب بعض آخر ممن تأخر عنهما إلى أن هذه الأخبار تشمل العامين من وجه أيضاً. فلابد من الأخذ بالمجمع بالعام الذي نقطع بصدوره، واما المظنون الصدور فهو غير حجة فيما لو عارض المقطوع بصدوره.

والملاحظ أن هنا مسلكين في مدلول الروايات الآمرة بطرح ما خالف الكتاب والسنة:

المسلك الأوّل: ما ذهبنا إليه في فهم هذه الأخبار وأن مدلولها أحد أمرين على سبيل منع الخلو.

المعنى الأوّل: أن يكون المراد من المخالفة فيها : مخالفة الأحكام الاسلامية؛ وذلك لان الأحكام الاسلامية في موقفها من أحكام الشرائع السابقة أو عادات الجاهلية يصح تقسيمها إلى قسمين:

الأحكام البنائية: أي ما بني عليه الاسلام ومابناه من الأحكام التأسيسية كوجوب العبادات.

الأحكام الهدمية: أي ماهدمه الاسلام من الأحكام التي كانت موجودة قبله والتي أبطلها الاسلام، كحكمهم في الابل فيما إذا ولدت عدة أولاد وكانت إناثاً بحرمة لحمها وركوبها كما أشير لذلك في القرآن الكريم.

فالمراد من هذه الأخبار أننا لانخالف الأحكام الإسلامية بأن نهدم ما بني عليه الاسلام من الاحكام التأسيسيه، ولا نبني ما هدمه الإسلام من الاحكام والسنن الجاهلية، بل نحن نتبعه ونسلم به فلو نسبت لهم رواية تخالف الأحكام الإسلامية الثابتة لزم طرحها، كما لو فرض ورود رواية تدل على أن الصلاة مفروضة على من

بلغ سن الستين، فلا تلاحظ النسبة بينهما من العموم والخصوص المطلق أو من وجه؛ فإن الخاص بالنسبة للعام لو كان من الخصوص والعموم المطلق، لا من وجه، ولكنه يهدم ما بناه الاسلام من الاحكام التأسيسية كما ذكرناه في مثال ما لو ورد بما يدل على اختصاص وجوب الصلاة لمن بلغ الستين ورفعها عن غيره، فان النسبة بين هذا الدليل وعموم ادلة وجوب الصلاة العموم والخصوص المطلق، ولكن مع ذلك يطرح الخاص، لصدق عنوان المخالفة عليه لو كان من النوع الذي يستوجب هدماً لما بناه الإسلام، وجب طرحه كالمثال الذي ذكرناه بل حتى لو كان بلسان الحكومة كما لو قال (الصلاة رجل)، أو (إذا عرفت فاعمل ماشئت) فإن هذه الألسنة من الحكومة أو التخصيص هدم لما بناه الإسلام وهو وجوب الصلاة مثلاً، ولا يصدر مثل الهدم من الأئمة (عليهم السلام). والألسنة غير ملحوظة، فلا خصوصية زائدة على هذا المعنى للعامين من وجه الذي يكون أحدهما قطعي السند والآخر طنيه عن سائر المباحث.

وهذا المعنى للمخالفة هو المناسب لمثل قوله: «ما خالف كتاب اللّه فهو زخرف» أو «لم نقله» أو «دعوه» مما لم تقابل فيها المخالفة بالموافقة.

المعنى الثاني: أن يكون المراد من المخالفة: عدم الموافقة الروحية مع الكتاب، وهذا المعنى يتناسب مع مجموعة من الأحاديث التي اشتملت على الحكم بعدم جواز الأخذ إلا بما وافق الكتاب، وقد ذكرنا في محله أن المراد من الموافقة في هذه الروايات هي الموافقة الروحية لا النصية، وفسرنا هناك المراد من الموافقة الروحية بأنها كون الحكم الذي نسب للأيمة (عليهم السلام) امتداداً للأحكام القرآنية متناسباً معها بلحاظ الأهداف والأصول؛ ولذلك قالوا: «إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً،

فما وافق كتاب اللّه فخذوه». والمراد من النور: الموافقة مع الأسس التي يتضمنها الكتاب العزيز، والتي تؤلّف أصول الفكر التشريعي في الإسلام.

ولا يبعد أن يكون هذا هو المراد من المخالفة، أي عدم الموافقة الروحية؛ وذلك لأن بعض الروايات كروايتي السكوني والقطب الراوندي قد ذكرت المخالفة بعد ذكر الموافقة مما يدل على هذا المعنى «وما خالف كتاب اللّه فذروه».

فالمراد منها أنه لو لم يكن على الحديث نور ولم يقم عليه شاهد أو شاهدان فذروه.

وبعد أن التزمنا أن المراد من الموافقة الموافقة الروحية، فتعبيرهم بـ«ما خالف» ليس موضوعاً مستقلاً، بل هو تصريح لعكس نقيض الجملة المتقدمة، أي «مالم يوافق».

وهذان تفسيران للروايات التي أمرت بطرح ما خالف كتاب اللّه، وعلى ضوئها – وكما ذكرنا - لا تلاحظ في صدق المخالفة نسبة الأدلّة فيما بينها ولا ألسنتها، فسواء كانت نسبة العموم والخصوص من وجه، أو المطلق أو التباين، أو كان اللسان لسان المعارضة أو الموافقة كالحكومة، فإذا تظمنت المخالفة على احد التفسيرين فتطرح كما ذكرنا أمثلتها.

وبناء على هذا المسلك، فينتفي الموضوع من أساسه لعدم تأثير النسبة بين الدليلين في ذلك، حتى يقال بأن النسبة لو كانت التباين الكلي فهو المتيقن دخوله في هذه الروايات، وأما الخصوص والعموم المطلق فهو خارج عنها، ثم يقع البحث عن مدى شمول المخالفة لما كانت النسبة العموم والخصوص من وجه؛ لأن الملاك في المخالفة وعدمها ليست هي النسبة ليكون لها تأثيرها.

وعلى هذا المسلك لابد من علاج التنافي بين العامين من وجه بأسلوب آخر، وعلى ضوء القواعد التي ذكرناها سابقاً في مبحث علل اختلاف الحديث، وسيأتي البحث عنها ومدى علاقتها هنا في التنبيه اللاحق.

وعلى ضوئها فإذا استطعنا أن نفهم دخول المجمع في أحدهما أخذنا به وإلا فنحكم بالتساقط، فمثلاً لو كان أحد العامين قطعي السند ولكنه من التعليمات والآخر ظني السند ولكنه على سبيل الفتيا، فهنا تقدّم الفتيا ويدخل المجمع فيها؛ وذلك لأن التعليمات مما يعتمد فيها على المخصصات المنفصلة، لأخذ التدرج فيها، في حين أن الفتيا لا تعتمد على المخصصات المنفصلة؛ لأن الاعتماد عليها غير صحيح؛ وذلك لأنها تلقى للعمل الفعلي للمخاطب إلا أن يوجد مصحح من مصححات الكتمان. ولكن لو لم يوجد، فتكون الفتيا هي الأقويفعمومات واطلاقات الفتيا اقوى من التعليمات، فيكون المجمع داخلاً فيها.

كذلك لو توفر في أحدهما إحدى علل الكتمان التي تقدم ذكرها في المقصد الثاني، فإن كلا منهما يعارض الآخر في المجمع، وبما أنهما لم يقيدا، وعدم التقيد والتحديد الموجود في الواقع نوع من الكتمان لكل طرف فلابد من ملاحظة دواعي هذا الكتمان هل إنه بداعي إلقاء الخلاف، أو السوق للكمال، أو غيرها؟ فنعالجها على ضوء هذه الموازين.

المسلك الثاني: في تفسير هذه الأحاديث. ويتمثل في ملاحظة المخالفة على وفق النسبة بين الدليلين؛ فإن كانت النسبة بينهما على نحو التباين فلا ريب في طرح مظنون السند، فيما لو كان مباينا كليا للعموم الكتابي وذلك لدخوله فيما خالف كتاب اللّه، وأما إذا كانت نسبة العموم والخصوص المطلق فإنها ليست مخالفة، وذلك لوجود

الجمع العرفي فيهما، وإنما يقع البحث حول العامين من وجه، فيما لو افترضنا عدم وجود الجمع العرفي بينهما، وهو محل نزاع بين العلماء، فهل يدخل المجمع في عنوان المخالفة ويلزم طرحه ام لا؟

ذهب البعض إلى أن هذه الأخبار شاملة للعامين من وجه، فيسقط المجمع في العامين من وجه في مورد التعارض كما ذكر ذلك في مباني الاستنباط، فيما ذهب المحققان النائيني والعراقي إلى عدم شمول هذ الروايات لمورد العامين من وجه بل تختص بالمتباينين، كما ذكرناه.

إذن فالبحث والنزاع حول هذه المسألة إنما يتم على ضوء المسلك الثاني. أما القول بشمول الروايات الآمرة بطرح ما خالف الكتاب للعامين من وجه فيمكن الاستدلال له بإطلاق هذه الروايات، فإن المراد منها مطلق المخالفة - ولا فرق بين أنواع المخالفة - فتشمل التباين الكلي بحيث كان الكلام متمحضاً بالمخالفة مع الكتاب، وكذلك تشمل التباين الجزئي بأن كانت المخالفة في جزء منه. وفي مورد العام والخاص من وجه تكون المخالفة في جزء منه؛ لأن التنافي بينهما في المجمع، فتصدق المخالفة في ذلك الجزء، وهو المجمع.

ويمكن أن يدعم هذا الدليل بما يستفاد من كلمات الشيخ الانصاري في الرسائل من أن هذه الروايات إنما صدرت لردع الوضاعين والكذابين، وعدم الأخذ برواياتهم، ومن الواضح أن هؤلاء الذين يضعون الحديث عن المعصومين (عليهم السلام) لا يضعون الأحاديث التي تتباين كلياً مع الكتاب؛ إذ لا يتقبل منهم ذلك في المجتمع الاسلامي وهم يدركون أن محيط المسلمين ووضعهم لا يقتضي وضع مثل هذه الأحاديث التي تخالف الكتاب مخالفة صريحة وإنما يضعون الأحاديث القابلة

للتصديق بين المسلمين وهي ما تكون مخالفتها على نحو العموم من وجه، بحيث تمس الكتاب بطريقة خفية لا جلية واضحة يدركها كل مسلم.

ولكن يمكن مناقشة هذا الرأي بعدم شمول تلك الروايات المورد العامين من وجه بتقريبين :

التقريب الأوّل: أن هذه الروايات يمكن تقسيمها ابتداء إلى قسمين.

أحدهما ما كان لسانه لسان التحاشي، بمعنى أنها تنفي صدور المخالف من الأئمة (عليهم السلام)، والتحاشي عنه، والتبري منه.

وثانيهما: ماكان لسانه لسان إلغاء حجية الخبر المخالف ونفيها إذا كان لهذا القسم وجود.

أما بالنسبة للقسم الأوّل فيها أن هذا القسم لا ينفي الحجية ابتداءً وإنما ينفي في رتبة مقدمة صدور الروايات المخالفة للكتاب عن الأئمة (عليهم السلام) لانهم يتحاشون عن ذكره، ولكن هذا غير صحيح، وذلك لاننا نعلم بانه كان يصدر منهم بعض ما يخالف الكتاب والسنة بمثل هذه المخالفة من التخصيص والتقييد، كيف وقضية المخصصات للكتاب والسنة منهم كثيرة، مع انها مخالفة ظاهراً، فلذلك بمكن القول بأن مثل هذه الروايات لا تشمل الرواية التي تكون نسبتها مع الكتاب عموما من وجه. وخاصة فيما لو لم يكن المجمع في الواقع داخلاً في عموم الدليل الكتابي ونحوه.

اذن فليس المراد منها إنكار صدور كلام يخالف بظاهره الكتاب؛ لأنا نقطع بصدور المنافي لظاهر الدليل القطعي في التعليمات، وذلك لأن الحكم في التعليمات عادة ربما لا يذكر الحكم الواقعي بتمامه من البداية ولا يكون بتمامه مراداً بالإرادة الجدية، بل يذكر العام ويريد الخاص في الواقع، خاصة مع وجود مبررات كتمان القيد أو الخصوص،

فلا يلاحظ في التعليمات عدم مخالفة دليل لآخر حتى بنحو العام والخاص، بل ربما كانت المخالفة طبيعية فيه لميزة التدرج في التعليمات، بالإضافة إلى وجود الكثير من المخصصات للكتاب، وهي مخالفة له ظاهراً، فلو قلنا بشمول هذا القسم لإنكار صدور المخالف في ظاهره للكتاب للزم عدم صدور الخاص منهم (عليهم السلام).

بل ربما يقطع المتفحص في الروايات بصدور البعض منها التي تكون النسبة بينها وبين الدليل القطعي نسبة العموم من وجه، وهذا يكون قرينة متصلة بعدم شمول روايات عدم الصدور للمخالفة بنحو العموم من وجه، بالإضافة إلى روايات ان التحاشي وإنكار الصدور ولو قلنا بشمولها للمخالفة مع كل قطعي الصدور ولا تختص بالكتاب، بل تشمل الرواية القطعية الصدور كالخبر المتواتر، كما هو الصحيح، ولكن يلاحظ عليه ان قطعية بعض الروايات أو ظنيتها ربما تخضع لبعض الظروف والعوامل دون أن يكون هناك فرق بين الخبرين بالذات، فلا يمكن جعل القطعية أو الظنية ملاكاً للتقديم والتأخير مع عدم وجود ضابط لهما.

وربما كانت هناك بعض الظروف والعوامل التي قد تساعد على أن تصبح بعض الأخبار مقطوعة الصدور، فمثلاً لو قال المولى في مجلس : (أكرم كل عالم)، وبعد ذلك في مجلس آخر قال: (لاتكرم شارب الخمر)، أو (يحرم إكرام من يتصرف في مال الغير بما حرمه اللّه)، فالظروف تساعد على اشتهار رواية العالم للاهتمام بالعلم والعلماء وكثرة نقلها وسماعها وكثرة الدواعي عليها بما يوجب قطعيتها، في حين أن رواية الخمر أو مال الغير مما يتجنب الناس نقلها فتصبح لسوء حظها ظنية الصدور؛ لأنه لا ينقلها إلا ثقة واحد. وعلى ذلك فيلزم على هذا المتكلم ان يتحاشيء ويتجنب ذكر القول الثاني؛ وذلك لأن رواية العالم قد اشتهرت وصارت قطعية الصدور.

إذن، فليست هناك ضابطة معينة للقطع أو الظن بالصدور، فلامعنى لجعله الملاك في التقديم والتأخير، حتى نحكم على ضوئه باعتبار ما قطعنا نحن بصدوره نتيجة لبعض العوامل والظروف التي أدت لنقله بكثرة، ونطرح مانظن بصدوره المخالف له لعدم الدواعي على نقله بكثرة، بالإضافة إلى أنه لو كان العموم غير مراد جدا من العام الكتابي بالنسبة لبعض أفراده، فلا ينافي قدسية الكتاب واحترامه صدور الأقوال المخالفة لظاهره، مع علمنا بصدور الكثير من المخصصات للعمومات الكتابية في الاحاديث الشريفة، فاذا كانت مثل هذه المخالفة مما تمس قداسة الكتاب لم تصدر من المعصومين (عليهم السلام).

وبإيجاز فإن هذا القسم من الروايات التي تنكر صدور الروايات المخالفة كقوله (عليه السلام): «لا تصدقوه علينا أو لم نقله» لا يحتمل شمولها للعامين من وجه.

وأما بالنسبة للقسم الثاني من الروايات التي مفادها إلغاء حجية المخالف ونفيها، فلا تتوجه إليها الاعتراضات التي وجهناها للقسم الأوّل ويمكن أن يعد من هذا القسم رواية السكوني المروية في الكافي، ورويت في رسالة القطب الراوندي أيضاً، فقد ورد فيها: «إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فدعوه»، فلم يقل (عليه السلام): إنه باطل، بل قال: «دعوه» بمعنى: اتركوه، أي إنه ليس بحجة. وعلى هذا المعنى فيكون ظهور المظنون في المجمع مخالفاً للكتاب.

ولكن يعترض على ذلك:

أوّلاً: أن في. سند هذه الرواية في الكافي - النوفلي وهو لم يثبت توثيقه، ولا يكفي في توثيقه وروده في رجال كامل الزيارات؛ إذ لم يثبت توثيقهم، وأما سند القطب الراوندي فإنه وإن لم يكن فيه النوفلي ولكن تقدم منا عدم ثبوت هذه الرسالة.

وثانياً: قد تقدم منا أن معنى «ماخالف كتاب اللّه فدعوه» بقرينة المقابلة واقترانه بالصدر (إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً)، يقصد منه أن المخالف ليس بحق ولا بحقيقة ولانور ولا صواب. وهذا يعني أنه باطل وضلال، وهذا مرجعه أيضاً إلى عدم الصدور لا عدم الحجية.

وثالثاً: أن هذه الروايات كما ذكرنا تدل أولاً على عدم الصدور، وتشير ثانياً بالدلالة الالتزامية إلى عدم جواز التصديق. ومرجع هذا إلى إلغاء السند وطرح الرواية المخالفة للعام الكتابي من وجه بتمامها، مع أن القائل بشمول هذه الأخبار الآمرة بطرح ما خالف الكتاب للعامين من وجه إنما يقول بطرح مظنون السند في خصوص المجمع، لا إلغاء أصل السند و الخبر لذلك يتمسكون بالخبر في مورد الافتراق. فالاستدلال بهذه الروايات لا يتلاءم والمدعيو بعبارة اخرى ان الروايات التي تقول بطرح ما يخالف الكتاب، مختصة بما كان جميع مضمون الخبر وكل دلالته مخالفاً للكتاب، لا ان مقدار منه مخالف له، بينما المقدار الاخر غير مخالف، كما في العامين من وجه، حيث ان مقدار المجمع مخالف للكتاب، بينما مقدار الافتراق غير مخالف، ولا يمكن القول بسقوط مقدار من الخبر دون الآخر، لانه يلزم منه التجزي في سقوط الرواية، فهذا الخبر بالنسبة لمقدار المجمع غير صادر من الامام وزخرف وباطل ولم يقله دون الآخر، مع ان الخبر واحد يحتوي على مقدار المجمع وغيره، فان لم يصدر فلا بد أن يكون كله لم يصدر لا مقدار منه. فلا معنى للتجزي في سقوط

الصدور، لذلك نختص هذه الروايات بالخبرين المتباينين بالتباين الكلي، حيث يتصور سقوط الرواية بتمامها.

ربما يقال: إن هذه الأخبار التي دلت على طرح ما خالف الكتاب على قسمين: قسم منها يدلّ على عدم صدور المخالف وإلغاء صدوره، وهذا خارج عن مورد بحثنا؛ لأنه يتعلق بالخبر، والخبر لا يتعدّد بتعدد المبرز ليكون الخبر الواحد خبرين: خبر في مورد الافتراق وخبر في مورد الاجتماع، فإذا أريد الاستدلال بها على طرح العام من وجه؛ لأنه مخالف فإنها توجب سقوط العام الظني عن الحجية مطلقاً بتمامه، لا سقوطه عن الحجية في خصوص المجمع.

ولكن إنما نستدل في موردنا بمثل خبر السكوني الذي لا يشتمل على لفظ (الخبر) وإنما عبر فيه باسم الموصول (ما)، (ان على كل حق حقيقة وعلى كل ثواب نورا، فما وافق کتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فدعوه) وهذا يشمل كل ما خالف الكتاب سواء كان طريقاً أو قانوناً أو أصلاً أو أمارة، فالمخالف الذي يلزم طرحه يختص بالظهور المخالف للكتاب أو المقدار منه المخالف للكتاب، وهو ظهور العام الظني في المجمع أي مورد الاجتماع. ولا يمكن تعميم الطرح والمخالفة للخبر نفسه بجميع دلالته وظهوره، بحيث يشمل مورد الافتراق أيضاً؛ وذلك لأنه لا يطلق عليه المخالف، إلا بالمجاز في الإسناد - أي إسناد الشيء إلى غير ما هو له – من باب إسناد وصف الجزء للكل، فنسند المخالفة إلى جميع مدلول الخبر باعتبار وجود المخالفة في جزء منه، وهو مورد الاجتماع. والمجاز خلاف الأصل، فلابد من الاقتصار في الطرح على الظهور في المجمع فحسب؛ لأنه هو المخالف بالحمل الشائع واقعاً، دون مورد الافتراق. فانه على تقديران المراد من المخالفة في هذه الروايات التباين الكلي، فان

المفروض ان بين الدليلن في مورد الاجتماع نسبة التباين الكلي، لان المراد من الموصول مطلق الكاشف وهو يشمل المقدار من الدليل المخالف للكتاب لا جميع الخبر، وفي هذا المقدار، يتخالفان تخالفا كليا وليس عدنا تباين كلي وجزئي.

و من هنا في المثال السابق يلزم طرح خصوص إكرام العالم الذي يتصرف في مال الغير بغير ما أحله اللّه، وهذه لا تقتضي شمول المخالفة لغيره من باقي ظهور العام ودلالته، ليشمل مورد الافتراق أيضاً.

فإنه يقال: إذا لاحظنا المخالفة في حدودها المعينة فحسب، وفي مقدار المخالفة بحيث هي المخالفة بالحمل الشائع من دون ملاحظة الظرف والوعاء الذي وقعت فيه هذه المخالفة أيضاً، فإن مثل هذا الإشكال سيتوجه للعام والخاص مطلقاً أيضاً، ولا يختص بالعام والخاص من وجه؛ وذلك لأن الخاص كذلك يخالف العام المطلق في حدود الخاص، فيلزم طرح الخاص المخالف للعام الكتابي أيضاً. فلو قال: (أكرم كل عالم)، ثم قال: (لاتكرم العالم الفاسق)، فإن الثاني يخالف الأوّل في حدود العالم الفاسق؛ وذلك لان أصالة التطابق تقتضي وجوب إكرام الفاسق أيضاً.

ففي خصوص حصة الخاص يتباين مقدار دلالة العام مع الخاص بالتباين الكلي فلا بد ان تشمل روايات المخالفة الكتاب للعام والخاص المطلق، مع ان احداً لا يقول به. مضافاً إلى أن هذا الاستدلال يتوقف على مقدمات ممنوعة، منها حجية رواية السكوني، ومنها تفسير الرواية بنفي الحجية، وقد تقدم مناقشتها.

والنتيجة أن الرأي الصحيح بناء على المسلك الثاني في تفسير أخبار طرح المخالف للكتاب ماذهب إليه المحققان النائيني والعراقي قدس سرهما من عدم شمول هذه الأخبار للعامين من وجه.

ويجدر اخيراً الاشارة إلى أن السبب في حصرنا البحث فيها التنبيه في المتعارضين اللذين تكون دلالتها بالعموم، ولم نتعرض لحكم ما لو كانت دلالة احدهما أو كليهما بالاطلاق، وذلك اما بالنسبة للاول (وهو ما لو كانت دلالة احدهما بالعموم والاخر بالاطلاق) فان العام يكون مقدما على المطلق، فيدخلان في الجمع الدلالي، ومع امكان الجمع فلا يبقى مجال للتعارض، لذلك نحيل هذا الفرع لبحوث الجمع الدلالي، واما بالنسبة للثاني، أي ما كانت دلالة كليهما بالاطلاق. فان الاطلاق ليس مستفاداً من الكتاب، وانما هو بحكم العقل، فلا يصدق على مخالفة انه مخالف للكتاب، ولذلك قد التزموا فيه بالتساقط، ولكن سيأتي البحث عن مدى صحة هذا القول.

التنبيه السابع : في تعارض العامين من وجه في صورة كونهما ظنيين سنداً

فهل تجري فيها المرجّحات الجهتية أو المضمونية أو السندية، أم لا؟

ومن الطبيعي أن محل الكلام فيما لو كان التعارض مستقراً، بأن لا يوجد جمع دلالي بينهما، فلا يشمل الموارد التي يوجد فيها جمع دلالي بين المتعارضين؛ إذ إنه لو وجد ذلك لم يبق مجال لإجراء قواعد الترجيح على المشهور؛ إذا إنها بالجمع الدلالي تخرج عن التعارض. وأما موارد الجمع الدلالي فيما قيل فهي الصور التالية التي سوف نذكرها بإجمال:

الأوّل: أن تكون دلالة أحدهما بالعموم - أي بالوضع – كقوله: (أكرم كل عالم)، والثاني بالإطلاق - أي بمقدمات الحكمة - كقوله (لا تكرم الفاسق)، فقد قيل: إن ما يدل بالعموم وضعاً متقدم على ما يدل بالإطلاق.

الثاني: أن يكون أحد الاطلاقين شمولياً كقوله : (لاتكرم الفاسق)، والإطلاق الآخر بدلي كقوله (أكرم عالماً)، حيث يقدم الشمولي كما ذكره المحقق النائيني.

الثالث: أن تكون هناك نكتة تقتضي دخول المجمع تحت أحد العامين دون الآخر، كما إذا كان دخول المجمع في أحدهما يوجب سقوط عنوان الأخر عن الموضوعية. كالمثال المعروف، حيث ورد: «كل شيء يطير فلا بأس ببوله وخرئه»، وورد أيضاً: «اغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه»، حيث يجتمعان في بول الطائر الذي لا يؤكل لحمه، ويتعارضان فيه حيث إن أحدهما يحكم بطهارته والآخر بنجاسته، ولكن إذا أدخلنا المجمع في الأوّل لم يلزم منه اى محذور إلا تقييد الثاني، أما لو عكسنا الأمر

وأدخلنا المجمع في الثاني فإنه يلزم سقوط عنوان الطائر عن الموضوعية في العام الأول. ولهذا لابد من إدخال المجمع تحت العام الأوّل وتوضيحه أكثر في محله الرابع: إذا كان الدليلان بنحو تعدد الشرط واتحاد الجزاء، كقوله (إذا خفي الاذان فقصر، وإذا خفيت الجدران فقصر) بناء على وجود مثل هذين التعبيرين فان العرف يساعد على الجمع بينهما بكلمة (او) أو بكلمة الواو. إلى غير ذلك من الموارد التي سيأتي تفصيلها في المقصد الرابع فان هذه الموارد تخرج عن محل التعارض بموجب الجمع الدلالي بينها.

والملاحظ ان المسألة لم تأخذ نصيبها من التفصيل والتوضيح عند قدماء الأصوليين، وقد تعرض لها الشيخ الأنصارى في رسائله إجمالاً مع ذكر بعض الاحتمالات والترديدات التي استظهرنا منها ذهابه إلى القول بإعمال المرجّحات مطلقاً. غير أن المتأخرين عن الشيخ قد اهتموا بالبحث عنها اهتماماً كبيراً، والمستفاد من العلماء المتأخرين في هذه المسألة أقوال خمسة:

القول الأول: عدم إجراء المرجّحات مطلقاً في هذه المسألة، وانما الحكم هو التعارض والتساقط وهو مختار المحقق العراقي ونسبه للمشهور بل المعظم، إلا أننا نتأمل في هذه النسبة مع ما ذكرناه من عدم تعرض القدماء لهذه المسألة، وقيل – كما هو ظاهر أيضاً - بأن صاحب الجواهر كثيراً ما يكرر في كتابه هذه الجملة بان الدليلين بينهما عموم من وجه فيتعارضان ويتساقطان، ولم يظهر منه العمل بالمرجح في ذلك.

القول الثاني: اجراء جميع المرجّحات مطلقاً وذلك لصدق المخالفة بينها، وهو الذي ذكرنا أنه ظاهر الشيخ الأنصاري.

القول الثالث - وهو مختار المحقق النائيني كما في فوائد الأصول - : القول بالتفصيل بين المرجّحات السندية فلا تجري وغيرها من المرجّحات الجهتية والمضمونية، فتجري.

والوجه في ذلك أننا لو قلنا بإجراء المرجّح السندي، فإن لزم منه سقوط المرجوح سنداً عن الحجية بتمام مدلوله حتى في مورد الافتراق - وهو غير مورد التعارض - فيلزم منه طرح الحجة بلا وجه؛ لأن التعارض إنما وقع بين الراجح والمرجوح في خصوص مورد الاجتماع، فطرح ماسواه بلاوجه وان لم يلتزم بسقوط المرجوح في مورد الافتراق، بل في خصوص مورد الاجتماع - بمعنى التبعيض في الصدور والحجية - فهو غير معقول؛ لأن الكلام والمبرز الواحد إذا كان صادراً، فلا وجه للتفكيك في مدلوله، بأن يسقط عن الحجية بالنسبة لبعض ولا يسقط بالنسبة للبعض الآخر، وإن لم يكن صادراً فكذلك لايلزم منه انحلال نفس الخبر، لذلك فان المرجح الصدوري او السندي لا وجه له.

نعم، يعقل التبعيض في الجهة كما لو قال: (اكرم العالم)، ويكون أبقاؤه مطلقاً بالنسبة للفاسق لخوف ونحوه. لذلك يجري المرجح الجهتي.

القول الرابع: ما يستفاد من كلام المحقق الهمداني في حاشيته على الرسائل، من التفصيل بين العامين من وجه اللذين يقبلان الحمل على الجهات، وبين مالا يقبل ذلك.

أما في الصورة الأولى فيما لو امكن حملهما على الجهات؛ فإن العقلاء والعرف لا يعدونهما متخالفين، وإنما يحملونهما على الجهات، فلا يجري الترجيح فيه، كقوله: (أكرم كل عالم)، وقوله: (لا تكرم أي فاسق)، فيحمل المثال الأوّل على أن العلم

يقتضى الإكرام، وفي المثال الثاني يحمل على أن الفسق يقتضي عدم الإكرام، فلا يرون التخالف بينهما وإن تحيروا في مقام العمل والامتثال ولا تلازم بين التحير في مقام العمل والتعارض؛ فالعام والخاص لا يقولون بالتعارض بينهما مع شدة الإحساس بالتنافي بينهما.

وأما في الصورة الثانية - فيما لو لو يقبل الحمل على الجهات، كقوله: «إذا خفي الأذان فقصر، وإذا خفيت الجدران فقصر» فلو كان بينهما نسبة العموم من وجه فإنه يصدق عليهما الحديثان المتخالفان، ولذلك تجري فيهما المرجّحات بملاحظة تخالفها. وسيأتي توضيح كلام المحقق الهمداني.

القول الخامس: ما ذهب إليه بعض الأعاظم كما في تقريراته، من التفصيل بين ما لو كانت دلالة العامين من وجه بالعموم، فيدخلان تحت عنوان الخبرين المتخالفين، فتجري فيهما المرجّحات، وما لو كانت الدلالة بالإطلاق، فلا تجري المرجّحات، لعدم دخولهما تحت هذا العنوان. ووجهه في ذلك أن الإطلاق أمر عدمي فلايكون حديثاً أو خبراً، وأما لو اختلفا في الدلالة، فكان أحدهما بالإطلاق والآخر بالعموم، فهنا يوجد المرجّح الدلالي كما مرت الإشارة إليه.

هذه خلاصة الأقوال في المسألة، والذي نراه في هذه المسألة هو الفرق بين ما لو التزمنا بأن ملاك الترجيح هو بناء العقلاء وان المرجّحات عقلائية، وبين ما لو التزمنا بأن ملاك الترجيح هو التعبّد والروايات وأن المرجّحات تعبدية.

فلو استندنا في الترجيح لبناء العقلاء كما هو الرأي المختار وان الروايات مشيرة لكبرى العقلائية وهي صرف الريبة الحاصلة من العلم الاجمالي بمخالفة احدهما للواقع - وقدعين الامام (عليه السلام) بعض صوارف الريبة مما ايده العقلاء، فالحق

هو التفصيل بين ما لو كان العامان من وجه قابلين للتقييد بغير المجمع مع احتمال تقييد أحد العامين من وجه بقيد إما واقعاً فقط ولكن أسقطه الإمام (عليه السلام) كتماناً؛ لداع من دواعي الكتمان، أو ظاهراً وواقعاً بأن كان القيد موجوداً ولكن الرواة لم ينقلوه وغفلوا عنه، فتجري،المرجّحات وبين مالو لم نحتمل التقييد على أحد الوجهين.

ففي الصورة الأولى كما لو قال: (أكرم كل عالم)، واحتملنا تقييده بالعادل؛ إما واقع ولكن الإمام (عليه السلام) كتم القيد لعدم تمكنه من ابراز هذا التقييد لداع من دواعي الكتمان، أو أنه (عليه السلام) ذكره ولكن الراوي غفل عن ذكره، كما هو الغالب في سقوط القيود المقترنة بالروايات، ففي هذه الصورة تجري المرجّحات بحسب بناء العقلاء؛ وذلك لأن هذه القضية : (أكرم كل عالم)، تحكي عن قضيتين؛ إيجابية وسلبية :

أما القضية الايجابية، فهي جعل العالم متعلّق المتعلق لوجوب الاكرام، فإن الوجوب متعلق بالاكرام والاكرام متعلق بالعالم، فيكون العالم متعلق المتعلق.

وأما القضية السلبية، فهي عدم تقييد العالم بالعادل؛ إذ إن الراوي لونقل هذا الكلام مجرداً عن قيده لو كان له قيد، لكان ذلك جرحاً في وثاقته؛ إذ المفروض على الراوي الثقة أن ينقل الكلام بكل ما يشتمل عليه من قيود دخيلة في الحكم وبالصورة التي ألقاها المتكلم.

وهكذا الأمر في القضية الثانية، وهي لا تكرم أي فاسق)؛ فإنه يأتي الكلام نفسه من إنقسامها لجهة إيجابية وسلبية.

ومن هنا فنحن نحتمل التقييد في إحدى القضيتين؛ إما في مقام الثبوت واقعاً، ولكن كتمه الإمام (عليه السلام) بداعي التقية مثلاً، أو في مقام الإثبات ظاهراً ولكن غفل الراوي في نقله، ولذلك فلامانع من إجراء المرجّحات حتى الصدورية فيها؛ لأن احتمال إلغاء القيد بالنسبة لخبر الأوثق أو الأفقه أو الأورع أضعف بكثير بالنسبة لخبر الأقل وثاقة أو فقاهة أو ورعاً ولذا فانه يشمل المجمع ويخرج المجمع عن عنوان الآخر، فيكون محكوماً بحكم الاشهر. وهكذا تجري المرجّحات الجهتية وتطبيق قواعد الكتمان كما هو واضح ؛ لاحتمال إلغاء الإمام (عليه السلام) للقيد في قوله: (أكرم كل عالم) بملاحظة داع من دواعي الكتمان.

وأما في الصورة الثانية - فيما لو علمنا إجمالاً بأن أحد العامين من وجه غير صادر من أصله وهو وهو أحد فروض التعارض، كما تعرضنا لذلك في المقصد الأوّل، حيث ذكرنا هناك بأن التعارض قد لا يحصل من التناقض أو التضاد، بل نتيجة العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع خارجاً إذا كان هذا العلم الإجمالي مستنداً لقضية بينة - ففي هذه الصورة لامانع من إعمال المرجح الصدوري، ولكن نتيجة ذلك سقوط الخبر من أصله لا في خصوص المجمع.

إذن، فلا مانع من جريان المرجّحات بجميع أقسامها في أكثر موارد العامين من وجه، وهي صورة احتمال التقييد لأنها تمثل أكثر موارد العامين من وجه.

وأما لو استندنا في الترجيح للتعبد المستفاد من الروايات وأن المرجّحات تعبدية ويلزم الاقتصار على مورد الرواية في ذلك، فهنا يلزم علينا أن نرى هل يصدق الحديثان المختلفان على العامين من وجه أم لا؟ وذلك لأن موضوع الحكم بالترجيح

في الروايات هو (الحديثان المختلفان)، والصحيح عدم الصدق، فلا تجري المرجّحات فيها مطلقاً كما ذهب إليه أصحاب القول الأوّل الذي ذكرناه ضمن الأقوال.

ويتوقف توضيح هذا البحث على بيان مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن العناوين التي يتصف بها الكلام تنقسم من حيث اتصافها بالوحدة والكثرة إلى قسمين:

القسم الأول: العناوين التي تدور في وحدتها وتعددها مدار المبرز - بالكسر – فإذا كان المبرز واحداً يكون العنوان واحداً، وإذا كان متعدّداً يكون العنوان متعدداً، مثل عنوان الصدق والكذب، فإنهما من صفات الكلام وتدور وحدته وكثرته مدار المبرز والكلام. فالكلام الواحد لا يتصف إلا بصدق واحد أو بكذب واحد، فلو قال الشخص: (عندي ألف درهم)، ولم يكن عنده شيء فلا يقال: إنه كذب ألف كذبة، بل تعد كذبة واحدة، وكذلك لو قال: (ان محلات البلد معطلة في هذا اليوم) مع أنها لم تكن معطلة فلايقال: إنه صدر منه كذب بعدد محلات البلد. والوجه في ذلك، أن الكذب والصدق من العناوين التي يتصف بها الكلام من حيث إنه ميرز، ولذلك قيل: (صدق الخبر مطابقته للواقع، وكذبه عدم المطابقة).

القسم الثاني: العناوين التي تدور في وحدتها وتعددها مدار المبرز – بالفتح – مثل عنوان الغيبة أو القذف فلو قال الشخص : (كل أهل البلد فساق)، فإنه يعتبر قد اغتاب كل فرد من أهل ذلك البلد، ولكل فرد حكمه. ولذلك فلو اغتاب شخصين وكان أحدهما متجاهراً دون الآخر، فيكون قد اغتاب غير المتجاهر دون المتجاهر ؛ وذلك لأن الغيبة كشف المستور، ولا يصدق هذا المعنى في المتجاهر، ويصدق على الآخر.

ولابد أن نتعرف على العناوين المأخوذ في الروايات لنرى مدى انطباق هذا التقسيم عليها. إن العناوين المأخوذة في الروايات على نوعين: أحدهما مما يرتبط بالموضوع، والآخر مما يرتبط بالمحمول وهو الحجية.

أما بالنسبة للموضوع من العناوين المرتبطة بنفس الخبر، فقد أخذ الموضوع في هذه الأحاديث عنوان «الحديثان المختلفان»، وأما عنوان «المتعارضان»، فلا يوجد إلا في مرفوعة زرارة، وهي ليست بحجة وأما عنوان الحديث فهو من العناوين التي تدور وحدتها وتعددها مدار المبرز - بالكسر - كعنوان الصدق والكذب، فيعتبر حديث الراوي حديثاً واحداً وإن ترتب الحكم فيه على أشخاص متعددين. فلو نقل زرارة عن الإمام (عليه السلام) أنه قال: (أكرم كل عالم) فلا يقال : انه نقل أحاديث كثيرة بلحاظ انحلال الحكم فيها على عدد العلماء إلى أحكام متعددة.

وأما بالنسبة للمحمول من العناوين المرتبطة بحجية الخبر أو عدم حجيته، فقد عبر فيها بأمثال هذه التعبيرات «خذه، خذوه، دعوه، ذروه»، وهذه مما يقطع بأنها كناية عن الحجية وعدمها، وعنوان الحجية من العناوين التي تدور في وحدتها وكثرتها مدار المبرز - بالفتح - ولذلك لو قامت البينة على أن ما في الصندوق لزيد فهي حجة على أن كل مافيه لزيد، فلو كان فيه عباء وقباء واقر زيد بان العباء الموجود في الصندوق ليس له، فيتعارض هذا الاقرار مع البينة، والاقرار متقدم عليها، لذلك تسقط البينة عن الحجية بالنسبة للعباء، وتبقى حجّة في الآخر وهو القباء؛ لان البينة تنحل إلى حجتين.

إذن فالموضوع في الأحاديث – وهو الحديث – غير منحل، في حين ان محمولها وهو (الحجية) منحل، فماذا نعمل ؟ فهل العبرة بملاحظة الموضوع او المحمول؟

المقدمة الثانية: أن هذه الروايات كما ذكرت عنوان الحديث والأخذ، فإنها ذكرت عنواناً آخر وهو عنوان التخالف أيضاً، الحديثان المختلفان فما المراد من التخالف فيها؟ فهل يراد مطلق التخالف حتى لو كان من وجه، أو يراد منه التخالف المطلق وهو يعنى التباين الكلي بين الحديثين، فينحصر موضوع المرجّحات في المتباينين تماماً؟ ولا يشمل العامين من وجه.

فربما يقال : إن ظاهرها إرادة المعنى الثاني وهو التخالف المطلق لامن جهة عدم صدق عنوان التخالف في الأحكام المحمولة على الجهات كما ذهب إليه المحقق الهمداني، ولامن جهة عدم صدقه في الإطلاقين كما ذهب إليه بعض الأعاظم. وسيأتي التعرض لهذه الآراء، وانما ظهورها في الثاني من جهة أن الإطلاق في مفهوم التخالف إنما ينعقد ليشمل تخالف العامين من وجه إذا كان مفهوم المخالفة متساوياً في جميع الموارد وبنحو واحد.

ولكن الملاحظ أن مفهوم الاختلاف في الحديثين من المعاني المشككة التي لها مراتب؛ لأنه من الواضح أن التحالف المطلق غير التحالف من وجه، والماهية المشككة إذا كان التشكيك فيها في مقام الإثبات كما هو في مقام الثبوت، فتحمل على المرتبة القوية، وذلك لانصرافها إليها؛ فتنصرف الروايات هنا إلى خصوص التخالف المطلق أما في غيرها فيكون الانصراف بدوياً. وممايدل على ان المراد من المخالفة في الروايات المخالفة المطلقة وعدم شمولها للعامين من وجه فانه لو اشتمل احد العامين على مزية، وقدمناه، فهذا يعني سقوط الخبر المرجوح وطرحة تماماً حتى في مورد الافتراق، كما هو مقتضى التعارض والترجيح، مع انه لا تخالف بينهما في هذه الموارد، والسبب ان الموضوع هو الحديثان المختلفان ولو في الجملة، فلو تحقق هذا الموضوع جرت فيه

المرجّحات، ويرجح ذو المزية، ويطرح الآخر، وهو مما لا يلتزم به، فلو قال : (اکرم العلماء) و (لا تكرم الفساق)، فانه بوجود فرد ينطبق عليه العنوانان، العالم والفاسق، وكان لقوله (لا تكرم الفساق) مزية مرجحة له على الاخر، فيلزم سقوط الدليل الاخر المرجوح حتى بالنسبة للعالم العادل، وهو مما لا يلتزم به، والقائلون بالترجيح لم يقولوا بذلك، بل اخذوا بالمرجح في المجمع فحسب دون مورد الافتراق، فبهذه المناسبة الارتكازية، مع التشكيك المذكور، وانصراف الاطلاق لخصوص المخالفة المطلقة. فتحمل الروايات على إرادة الاختلاف المطلق لا مطلق الاختلاف فلا تشمل هذه الروايات موارد العامين من وجه حتى فيما لم يحتمل حملها على الجهات.

إن قلت: إن صحة التقسيم المذكور للتخالف إلى قسمين، فيما لو لاحظنا مفهوم التخالف بمعناه الواسع بما يشمل التخالف المجازي ومع العناية، أما لو قلنا بأن المراد منه التخالف بالذات الحقيقي وبمعناه الدقيق لم يصح تقسيمه للقسمين، كما لا تدخل فيه موارد العامين من وجه؛ وذلك لأن العامين من وجه إنما يوصفان بالتخالف ليس بلحاظ تخالفهما في ذاتهما، بل بلحاظ تخالفهما في حصة خاصة وهي مورد الاجتماع فحسب، دون أن يكونا متخالفين مطلقاً في تمام مدلولهما.

وإنما اسندنا التخالف إلى العامين من وجه أنفسهما، فبالعناية والمجاز في الاسناد؛ ومع الواسطة في العروض وذلك باتّصاف الكل بوصف الجزء، مع ان ظاهر التخالف الذي هو موضوع المرجّحات هو التخالف بالذات لا بالعرض، فيكون الموضوع لهذه الأخبار هو التخالف الحقيقي لا المجازي، وهو في المتباينين في جميع المضمون، وأما في العامين من وجه فهو في حدود المجمع خاصة؛ لأنهما متباينان فيه خاصة حقيقة وعليه فلا تنقسم المخالفة إلى مخالفة مطلقة، ومطلق المخالفة ؛ لأن ذلك إنما يصح فيما لو

أخذنا المخالفة بمعناها الواسع بما يشمل المخالفة مع العناية فتبطل بذلك دعوى التشكيك والتقسيم.

قلت الظاهر من هذه الروايات اتصاف الحديثين أنفسهما بالتخالف لا مضمونه ومحكية، فقد أمر فيها بالأخذ بالحديث نفسه أو تركه (خذوه، أو دعوه، او ذروه) كلها تشير لنفس الحديث، ولا يعني بذلك أنه يوجد أمران: حديثان، وتخالف، بل هو أمر واحد، وهو حديث متصف بالتخالف، والحديث هو عنوان لمجموع الكلام – أي العام فما ذكر انها يصح فيما لو اخذنا المحكوم بهذا الحكم وهو الاخذ او الترك هو المضمون لا نفس الحديث - فإذا وصف الحديثان بتمامهما بالاختلاف مع كون التنافي جزئياً وفي جزء من مضمونهما وهو مورد الاجتماع، فلابد من الالتزام بالمجاز في الإسناد في صدق الاختلاف على نفس الحديثين، وأما ظهور العام في المجمع فليس حديثاً لما ذكرناه من أن الحديث من العناوين التي لا تتعدد بتعدد المبرز والمضمون وإنما تدور مدار المبرز والكلام.

وعلى هذا فبما أن وصف الحديثين بالتخالف انما هو بلحاظ المضمون، فهذا ظاهر في المخالفة الكلية بأن يتخالفا بتمام مدلوليهما، وعلى هذا فمن الواضح عدم شمول الأخبار للعامين من وجه؛ إذ لا يوجد تخالف بتمام المدلول فيهما. فلا تشمل الروايات العامين من وجه الا باحد وجهين اما من باب تنقيح المناط أو من باب التعدي في موضوع المرجّحات لاجل مناسبات وقرائن، فنتعدى من موضوعها وهو التباين لغيره، وهو العامان من وجه.

وأما القول بالتوسعة من باب تنقيح المناط، فهو ظني لانه مع فرض كون الحكم تعبدياً فيكون تنقيح المناط ظنياً، وهو لا يغني عن الحق شيئاً، واما القول بالتعدي، فان

المناسبات الموجبة للتعدي في المرجّحات على غير ما ذكرناه من بناء العقلاء، فلا يمكنها اثبات التعدي عن نفس المرجّحات المنصوصة فضلاً عن ايجابها التعدي عن موضوع هذه المرجّحات إلى غيره، فالنتيجة عدم جريان المرجّحات في العامين من وجه، ولكن نحن على تقدير الالتزام بان الروايات ارشاد لبناء العقلاء فيمكن القول بالتعدي ولذلك اخترنا في بحث التعدّي عن المرجّحات بالتوسعة من باب تخريج الترجيح في الروايات على أساس بناء العقلاء.

وظهر مما ذكرنا هنا، أنه بناءً على التعدي عن المرجّحات المنصوصة يجري الترجيح مطلقاً؛ في العامين من وجه، وغيرهما وأما بناءً على عدم التعدي فلا يجري الترجيح فيه مطلقاً.

وبعد هذا التوضيح لبعض المقدمات والملاحظات التي لها تأثيرها في هذه المسألة، نعود مرة أخرى للتعرف على رأينا فيها. فقد ذكرنا أن الحكم فيها يختلف، فيما لو استند في الترجيح لبناء العقلاء عما لو استندنا فيه للتعبد والروايات. وأما بناء على القول بالترجيح ببناء العقلاء، فالحق جريان الترجيح مطلقاً في مورد العامين من وجه، فلو فرضنا أن زرارة روى عن الإمام (عليه السلام) قوله : (اكرم كل عالم)، وروى أبو بصير عنه (لاتكرم أي فاسق)، وبينهما العموم من وجه، فإنهما وإن كانا خبرين لكن كل واحد مهما بلحاظ كاشفيتهما وطريقيتهما ينحل إلى أمر ثبوتي وسلبي. وبالنتيجة تحصل بينهما أربعة أمور: فخبر زرارة يكشف عن أمر ثبوتي وهو كون اكرام العالم محكوم بهذا الحكم الالزامي، وامر سلبي وهو عدم تقييد العالم بالعدول، وكذلك الأمر في خبر أبي بصير، فإنه يدل على أمرين ثبوتي وهو حرمة إكرام الفاسق، وسلبي وهو عدم تقييد الفاسق بالجاهل، ويتعارض هذان الخبران في الأمر السلبي؛ وذلك

لأننا نعلم إجمالاً بأن إحدى هاتين القضيتين مقيدة في عالم الثبوت، وإلا لزم اجتماع حكمين متضادين في المجمع. وهذا التعارض الناشئ من عدم التقييد يكشف إما عن كتمان الإمام (عليه السلام) للقيد في أحد الخبرين لأحد الدواعي، أو لحذف الرواة للقيد غفلة أو اشتباهاً.

إذن ففي الأمر السلبي فيهما الذي يكشف عنه الخبران، ونعلم إجمالاً بمخالفة أحدهما للواقع، تجري المرجّحات الصدورية والجهتية على الترتيب الذي ذكرناه سابقاً، فعلى الرأي المختار من تقديم المرجّحات الجهتية، فلابد من ملاحظة دواعي الكتمان والأسباب التي أدت إلى كتمان الحكم وإهمال القيد، مما ذكرناه بالتفصيل في المقصد الثاني، فإن تم علاج التعارض به فهو، وإلا اخذ بالمرجّحات الصدورية فنأخذ بالأشهر أو الأوثق أو الأفقه أو الأعدل، وغيرها في المجمع.

إذن، فجريان الترجيح في العامين من وجه ليس لأجل انحلال الخبر إلى خبرين؛ لما ذكرناه من عدم انحلال عنوان الخبر، بل لأنهما يحكيان عن جهة إيجابية وسلبية وهما يتعارضان في الجهة السلبية.

وأما بناء على القول بالترجيح تعبداً مستندين فيه للروايات، فإن شمول الروايات للعامين من وجه متوقف على صدق الحديثين المختلفين عليهما.

والحق في هذه الصورة عدم جريان الترجيح في العامين من وجه مطلقاً؛ لأن إدخال العامين من وجه في عنوان (الحديثان المختلفان) إما أن يكون مبنياً على دعوى الانحلال، أو على تقدير عدم الانحلال، بل بلحاظ اختلاف الخبرين بذاتها، ولا يصح إدخالهما في هذا العنوان على كلا التقديرين.

أما عدم صحة إدخالهما فيه مبنياً على الانحلال، فلما ذكرناه في المقدمة الأولى من أن العناوين التي تصدق على الخبر – أي ما يحكي عن ثبوت شيء لشيء، أو نفيه عنه - تختلف وحدة وكثرة بسبب اختلاف اللحاظات، فبعض العناوين تابعة للمبرز كالصدق والكذب، وبعضها الآخر تابعة للمبرز كالغيبة والقذف على احتمال في ذلك، وأما عنوان (الحديث) فهو كعنوان (الخبر) حيث يدور مدار المبرز دون المبرز فإنما يتعدد بتعدد الحديث نفسه. ولذلك فلو حدثنا زرارة بحديث (أكرم كل عالم)، فلا يصدق ان زرارة قد حدثنا بأحاديث كثيرة باعتبار انحلال الحكم في العام إلى أحكام عديدة بعدد أفراد العام، وإنما الذي يصدق هنا أن زارة قد حدثنا بحديث واحد ذي مضمون قابل للانحلال. وعلى ذلك، فلا يمكن القول بوجود حديثين في مورد الاجتماع: أحدهما لزرارة والآخر لأبي بصير، وهما متخالفان.

وأما الانحلال بلحاظ الحجية فإن الحجية بحسب أحد معانيها - وهو المنجزية والمعذرية - تنحل بعدد أفراد الحكم، فإذا كان المكلف عالماً بعالمية البعض وجاهلاً بعالمية البعض الآخر، فالتكليف يكون منجزاً بالنسبة للبعض الذي يعلم بأنه عالم، ومعذراً بالنسبة للبعض الآخر الذي يجهل بأنه عالم.

وأما الحجية بلحاظ الكاشفية فهي أيضاً قد تكون منحلة، ولكن هذا مجرد فرض.

وأما القول بانحلال الحجية بحسب انحلال الأحكام كما هو المختار خلافاً للبعض فلا يكفي للقول بدخول العامين من وجه في الروايات التي تعبر بـ «إذا جاءكم حديثان مختلفان»؛ وذلك لأن القائلين بعدم الدخول لا يقولون بأن الحجية ليست قابلة للانحلال بل إنهم يقولون بأن الموضوع الذي ترتب عليه الحكم هو (الحديثان المختلفان)، وهو غير منحل كما ذكرنا بحسب انحلال الأحكام والمضمون.

إذن، فهؤلاء يقولون بان الانحلال بلحاظ المحمول - أي الحجية – لا يتمكن من جعل الموضوع - أي الخبر - منحلاً بحسبه، حتى يصدق هنا (الحديثان المختلفان).

وأما عدم إدخال العامين من وجه في (الحديثين المختلفين) على تقدير عدم الانحلال بلحاظ اختلاف الخبرين ذاتهما، فيعترض عليه:

أولا : بأنه يلزم منه إسقاط الخبر المرجوح بتمام مدلوله حتى في غير مورد الاجتماع، وهذا مالايلتزم به احد.

وثانياً: بأن يتوقف على شمول عنوان (الحديثان المختلفان) الذي ورد في رواية القطب الراوندي وأمثالها كالمقبولة، لمطلق الاختلاف بين الحديثين، ولو كان الاختلاف في الجملة وفي بعض المدلول، مع أن ظاهر الحديثين المختلفين هو إرادة الاختلاف المطلق بتمام الخبر؛ وذلك لأمرين:

الأوّل: ماتقدم من أنه القدر المتيقن الذي ينصرف إليه لفظ الاختلاف، وذلك لأن الاختلاف - كما ذكرنا - ماهية مشككة ذات مراتب.

الثاني: أن قوله: «خذ به» أو «خذوه» ظاهر في الأخذ بتمام المدلول لاببعضه، وإلاّ لزم أن يرجع الضمير إلى بعض المدلول، مع أن المذكور هو الكل، فرجوعه للبعض خلاف الظاهر.

إذن، فعلى تقدير عدم الانحلال فلا وجه لأدخال العامين من وجه في هذه الروايات بتوهم صدق الحديثين المختلفين عليهما ولو من وجه.

وهذا هو الذي اردنا بيانه في هذه المسألة بناءً على التعبد في الترجيح ومن ذلك كله يظهر النظر في أقوال المسألة التي ذكرناها في بداية هذا البحث.

أما القول الأول - وهو عدم الرجوع للمرجحات مطلقاً في العامين من وجه، وقد ذكرنا أنه مختار المحقق العراقي، وقد نسبه للمشهور، وربما اختاره غيره أيضاً - والوجه في هذا القول ما ذكرناه في المقدمة الثانية من عدم شمول المخالفة للعامين من وجه وانما تختص بالتباين الكلي، فان المرجّحات المذكورة في الروايات كالاخذ بالمشهور وترك الشاذ والاخذ بقول الاعدل والافقه بناء على كونهما من المرجّحات وقضية موافقة الكتاب أو مخالفة العامة كلها تعبدية، لا انها جارية وفق القانون العقلائي، مع ارشاد الائمة (عليهم السلام) لمصاديق بعض المرجّحات في الاخبار، ولذا فلا بد من التعبد بظاهر النصوص، والموضوع المأخوذ فيها (الحديثان المختلفان) وهما لا يصدقان على العامين من وجه. ولكن هذا الوجه اننا ذكرنا أنه بناء على الترجيح العقلائي؛ استناداً لبناء العقلاء، فهذا القول غير صحيح؛ وذلك لأن المرجّحات تجري مطلقاً بناء عليه. وأما بناء على الترجيح التعبدي، وان روايات الترجيح تعبدية لا ارشادية فهذا القول صحيح ولكن من الجهة التي ذكرناها بالتفصيل، لا بالوجه الذي ذكره المحقق العراقي من إرجاع جميع المرجّحات إلى الصدور أو غير ذلك من الوجوه. ولكننا لا نعترف باصل هذا المسلك وهو تعبدية المرجّحات.

وأما القول الثاني - وهو إجراء جميع المرجّحات مطلقاً في العامين من وجه – فهذا القول صحيح بناء على الترجيح العقلائي كما تقدم منا توضيحه بالتفصيل. وأما بناء على الترجيح التعبدي ولاستناد للروايات لاسيما إذا كان المستند خصوص رواية القطب، فلا يصح هذا القول بأي وجه من الوجوه.

ومنه يظهر النظر فيما ذكره بعض الأعاظم في مباني الاستنباط ومصباح الأصول من الالتزام بالشمول مع بنائه على التعبد وعدم التعدي من المرجّحات المنصوصة بتقريب مطول يتلخص في أن الكلام الذي يحكي عما هو قابل للانحلال هو بدوره ينحل بلحاظ انحلال محكيّة، وبما أن الكلام أو الخبر يحكي عن الحجية، والحجية من العناوين القابلة للانحلال؛ فإن كلام الإمام قابل للانحلال بحسب الأفراد. فان الروايات في مقام بيان جعل الحجيّة، لانها هي المراد من قوله (خذ به، او ذروه) والحجية قابله للانحلال العامين من وجه تنحل لقضيتين، فقوله (اكرم العالم) تحكي عن قضيتين (العالم العادل يجب اكرامه) و (العالم غير العادل يجب اكرامه). وكذلك قضية (الا تكرم الفاسق). والمتخالفان هما القضيتان (العالم غير العادل يجب اكرامه والفاسق العالم يحرم اكرامه) فيعتبران حديثين مختلفين، وتجري فيهما المرجّحات.

وهذا الوجه غير تام؛ لأن مجرد إمكان انحلال قول الإمام وزرارة عقلاً، غير مفيد؛ وذلك لأن المنكر للانحلال لا ينكر كون الحجية قابلة للانحلال كما في البينة والشهادة كمثال الصندوق الذي ذكرناه سابقاً، وإنما يقول بأن عنوان الموضوع الذي اخذ في الروايات هو عنوان الحديثان المختلفان لا ان الموضوع فيه هو الحجية. وما يصحح شمول المورد لهذه الروايات هو انحلال الحديث لا انحلال المحكي أو الحجية. وقد تقدم منا أن عنوان (الحديث) غير قابل للانحلال.

وأما القول الثالث - وهو ما ذهب إليه المحقق النائيني من التفصيل بين المرجّحات الصدورية فلا تجري في العامين من وجه وبين المرجّحات الجهتية والمضمونية فتجري، ولعل اساسه كلمة اشار اليها الشيخ ضمن كلامه، وهي ان التفكيك في مرحلة الصدور في الكلام الواحد غير معقول والمرجّحات الصدورية تثبت صدور احدهما

ولا تثبت صدور الثاني على رأي، أو تثبت عدم صدوره على رأي آخر، والكلام الواحد غير قابل للتفكيك بان نقول هذا صادر بالنسبة لبعض مضمونه، وغير صادر بالنسبة للبعض الآخر، ولكن بالنسبة للمرجحات الجهتية والمضمونية فيقبل التفكيك بان يكون المضمون والدلالة في بعضه حجة وفي بعضه الاخير ليس بحجة بلحاظ صدوره تقية - ولكن ظهر الجواب عنه فيما سبق، سواء قلنا بالانحلال للأمر الإيجابي والسلبي، أو قلنا بالانحلال المضموني في المحكي.

أما على الأوّل كما لونقل أن الامام (عليه السلام) قال: (أكرم العالم) و (لا تكرم الفاسق) وهو ينحل إلى أمر وجودي وسلبي فالتفكيك واضح، فإن التعارض إنما يقع بين الجهتين السلبيتين في الخبرين، ويمكن التفكيك بهذا اللحاظ إما في مرحلة النقل أو في مرحلة الإرادة الجدية، فيمكن أن يكون غير الأوثق والاضبط غافلاً عن القيد فبلحاظ (أكرم العالم) نصدقه وأما بلحاظ أن الإمام (عليه السلام) لم يقيده بقيد فلا تصدقه؛ لاحتمال التقييد. ولا يضر عدم صدق الخبرين المتعارضين؛ لأن المعيار عندنا في الترجيح هو بناء العقلاء، وهو لا ينحصر في الخبرين بل يشمل كل كاشفين متنافيين مطلقاً.

وأما على القول بالانحلال المضموني - أي انحلال قول الإمام (عليه السلام) بحسب الحجية، وقول الراوي بالتبع بلحاظ أن الحجية فيها واحدة - فلا فرق بين أن نقول: (قول الإمام (عليه السلام) حجة) أو (قول زرارة حجة)؛ لأن الحجية هنا بمعنى المنجزية والمعذرية، وبما أنه يمكن التفكيك والانحلال في الحجية فيسري انحلال الحجية في قول الإمام (عليه السلام) إلى قول زرارة الحاكي عنه. وبناء

على إمكان التفكيك فيمكن أن تكون الجملة الواحدة منحلة من حيث الحجية، فتكون حجة في بعضها وليست بحجة في البعض الآخر. وهذا هو نتيجة المرجح الصدوري.

هذا بغض النظر عن الإشكال السابق من أنه بناء على التعبد فلا يصدق الخبران ولأجل ذلك فلا مورد لإجراء المرجّحات الصدورية والجهتية والمضمونية.

وأما القول الرابع – وقد اختاره المحقق الهمداني من ان الفرق بين موارد إمكان حمل العامين على الجهات وعدمه - ففيه نظر؛ قال في حاشيته على الرسائل: (وليعلم أن العامين من وجه وأشباههما قد لا يعدان عرفاً من الأخبار المتعارضة التي يرجع فيها إلى المرجّحات السندية، وهذا فيما إذا تعلقت الأحكام المختلفة بموضوعاتها بعناوينها لكلية بلحاظ مصاديقها الخارجية، فيصدق عنوان من تلك العناوين الكلية على بعض المصاديق، كما لو أمر الشارع بإكرام العلماء أو الهاشميين، ونهي عن إكرام الفساق وشاربي الخمر مثلاً، فيتصادق العنوانان على شخص فإن هذا ليس موجباً لأن يعدّ الخبران لدى العرف من الأخبار المتعارضة، بل صدق الخبرين المتنافيين على مثل (أكرم العلماء، ولا تكرم النحويين) ونظائرها من موارد العام والخاص أوضح من صدقه على مثل (صلّ ولا تغصب)، أو (يجب إكرام العلماء، ويحرم إكرام الفساق وشاربي الخمر) ونظائرهما مما أمكن فيها تعليق الحكم على الجهات التي هي عناوين موضوعاتها. غاية الأمر أن للعرف طريق جمع يندفع به التنافي في مثل العام والخاص دون مثل (صل ولا تغصب) ونظائرهما، فيحكمون في مثل هذه الموارد بإجمال المراد لا بصدور كلامين متنافيين في الأمر كما هو مناط الرجوع إلى المرجّحات.

نعم، كثيراً ما يعد العامان من وجه لدى العرف من المتنافيين، وهذا في غير ما أمكن فيه تنزيل الحكم على الجهات، كما لو وردا في مقام التحديد لشيء كما لو قال في مقام بيان حد القصر «إذا خفي الأذان فقصر»، وفي خبر آخر: «إذا خفيت الجدران فقصير»، وكان بينهما العموم من وجه أو ورد مثلاً (الذي لا يؤكل لحمه فبوله نجس) وفي خبر آخر (الذي يطير فلابأس بخرئه وبوله)، فيتعارضان في بول الطير الذي لا يؤكل لحمه، ففي مثل هذه الموارد يعد العامان من وجه لدى العرف كالمتباينين من المتعارضين، فإن أمكن الجمع بينهما بأن يرد بعضها إلى بعض على وجه يرتفع بينهما التنافي عرفاً بمؤنة قرينة داخلية أو خارجية فهو، وإلا فالمتجه هو الرجوع إلى المرجّحات بالنسبة إلى مورد المعارضة لاغير. ولا بعد فيه بالنظر إلى ما عليه بناء العرف والعقلاء في مقاصدهم التي يعوّلون فيها على الأخبار من باب الطريقية كما سنوضحه إن شاء اللّه.

إلا إن استفادته من أخبار الباب لا يخلو عن إشكال اللهم إلا أن يدعى ذلك بتنقيح المناط أو بعض التقريبات التي سنشير إليها، فليتأمل).

والظاهر ان مراده ان العامين من وجه على قسمين قسم لا يعتبر عند العقلاء من الكلامين المختلفين، وذلك فيما إذا كان كل منهما قابلاً للحمل على جهة من الجهات غير الجهة التي حمل عليها الآخر، وذلك فيما إذا كان الحكم في الدليل متعلقاً بالعنوان بلحاظ مرائتيته لا فراده و مصاديقه الخارجية، مثل قوله (اكرم العلماء) و (لا تكرم الفساق) فالعرف لا يرى تخالفاً بينهما، فلا يعترف بصدور كلامين متخالفين، وان تحير في مقام العمل والامتثال، في المجمع من حيث تعيين الوظيفة فيه، بل ان التنافي والتخالف بين العام والخاص المطلق اوضح، مثل (اكرم العلماء ولا تكرم

النحويين)، فان العرف يرى التخالف واضحاً بينهما، وانه لا بد من العلاج، مع انها اخرجوهما في الخبرين المتخالفين، اذن فهذا القسم خارج من الروايات ولا تجري فيه المرجّحات.

وقسم ليس كذلك، وانما اخذ العامان معرفين لشيء آخر، فيراهما العرف متخالفين، مثل قوله (إذا خفي الاذان فقصر، وإذا خفيت الجدران فقصر) او (كل شيء يطير فلا بأس ببوله وخرئه، واغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه)، فانها حديثان مختلفان بنظر العرف لذلك تجري فيهما المرجّحات.

ويلاحظ على رأيه بما ملخصه : ان المرجّحات اما ان نقول انها عقلائية. فلا تدور مدار الخبرين المتعارضين بل الملاك الطريقان الموجبان لتحير المكلف، فلا بد من جريانها في كلا القسمين واما لو كانت تعبدية، فان الكلام في التعدي عن المرجّحات المنصوصة بعد ما كان الخبران متخالفين ذاتا.

توضيحه : أنه إن أريد التفصيل بلحاظ بناء العقلاء في الترجيح، وأن المرجّحات عقلائية، فهذا لا وجه له؛ لأنه لا يختلف فيها الأمر بين أن يعد العرف الخبرين متعارضين أم لا ؛ فإن هذه المرجّحات لا تدور مدار صدق الخبرين المختلفين، بل الملاك عند العقلاء في هذا المجال أن يوجد طريقان مؤداهما متخالفان من جهة العلم الإجمالي بتقييد أحدهما مثلاً، ولا تتوقف على صدق الخبر الاصطلا. في المتنافيين بل تجري المرجّحات في بناء العقلاء في مطلق الأمارات المتنافية الموجبة لتحيّر المكلف. وهو قدس سره يعترف بأنه في القسم الأوّل يتحيّر العرف، إلا إنه يقول بأنهما لا يقال لهما: الخبران المتنافيان، إضافة إلى أن عنوان التنافي لم يرد في الأخبار

إذن، فمجرد ذلك لا يمنع من جريان المرجّحات العقلائية.

وأما ما ذكره في القسم الثاني - من دعوى التعدّي ببعض المناسبات، بعد الاعتراف بعدم استفادة التعدي من ظاهر الأخبار أو الإشكال في ذلك - فلا يصح أيضاً؛ لما سبق من أنه لو اعتمدنا على الروايات فهي غير منطبقة على القسم الثاني أيضاً، كما أنه لو اعتمدنا على بناء العقلاء فيجري في هذا القسم. وعلى هذا فالتفريق بين القسمين غير واضح.

مضافاً إلى أنه لم يعلم المراد بقوله في القسم الأوّل (إنه يحمل على الجهات):

فاما أن يكون مراده أن جهة العلم تقتضي،الإكرام وجهة شرب الخمر تقتضي عدم الإكرام، ومجرد الاقتضاء هو الموجب لرفع التنافي، وفيه.

أن الخبرين سيكونان حينئذ من القضايا المهملة ولا تحير أن وجوب الإكرام متوجه لكل فرد من العالم بجهة علمه، وكذلك عدم وجوب الإكرام لكل فرد من الفاسق.

وبالطبع سوف يتحقق التعارض بينهما، بعد وضوح مرآتية كل منها بالنسبة إلى مصاديقها عقلاً وعرفاً ولو بلحاظ بعض مضمونها.

إذن، فلا يعلم ما هو مراده من الحمل على الجهات.

وأما التمثيل بما ذكره (إذا خفي الأذان فقصر)، و(إذا خفيت الجدران فقصر)، فهو محل إشكال؛ وذلك لأن خفاء الأذان أو الجدران في أنفسهما وإن كان بينهما العموم من وجه، حيث إن البلدان تختلف في ذلك، فقد يخفى الأذان أولاً في بلد كما قد ينعكس الأمر في بلد آخر، إلا إنه لا يوجد هنا عامان من وجه لكي نفرض وقوع التعارض بينهما، فإن منطوقيهما مثبتان ولا تنافي بينهما، وإنما قيل بالتنافي بين مفهوم كل منهما مع منطوق الآخر، والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق. وعلى كل حال ففي هذين

المثالين وإن كان بين الموضوعات نفسها العموم من وجه، إلا إنه لاربط له بالمقام؛ لأن الكلام في تعارض الأحكام.

وأما المثال الثاني وهو (كل شيء يطير...) فإن أريد من الحمل على الجهات الحمل على معنى واسع فيمكن أن يقال بان الطير يقتضي الطهارة ذاتاً، وأما عدم مأكولية اللحم فتقتضي النجاسة، وأما قابلية التقييد فهي ثابتة في كليهما.

وعلى كل حال فكلامه لا يرجع إلى محصل.

وأما القول الخامس - وهو التفصيل بين ما إذا كانت دلالة العامين من وجه على الشمول بالعموم أي بالوضع - فتجري المرجّحات غايته أنها تكون من باب التجزئة في المضمون، بأن يكون في بعضه حجة وفي البعض الآخر ليس بحجة، وأما لو كانت الدلالة بالإطلاق - أي بمقدمات الحكمة - فلا تجري المرجّحات.

وقد اختار هذا القول بعض الأعاظم، قال في مصباح الأصول: (وذلك لأن الإطلاق بمعنى اللابشرط القسمي المقابل للتقييد غير داخل في مدلول اللفظ؛ إذ اللفظ موضوع للمهية المهملة التي يعبر عنها باللا بشرط المقسمي، فلا يروي الراوي عن الإمام (عليه السلام) إلا ثبوت الحكم للطبيعة المهملة، أما إطلاقه فهو خارج عن مدلول اللفظ، ويثبت بحكم العقل بعد تمامية مقدمات الحكمة.

وعلى هذا فلا تعارض بين الخبرين باعتبار نفس مدلوليهما؛ فإنه لا تنافي بين الحكم بوجوب إكرام العالم على نحو الإهمال وحرمة إكرام الفاسق كذلك ليقع التعارض بين الخبرين الدالين عليهما. ولاسبيل للعقل إلى الحكم بأن المراد منهما وجوب إكرام العالم ولو كان فاسقاً، وحرمة إكرام الفاسق ولو كان عالماً؛ فإنه حكم بالجمع بين الضدين،

والحكم بالإطلاق في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، فيسقط الدليلان معاً في مادة الاجتماع، ويرجع إلى دليل آخر من عموم أو إطلاق، ومع فقده يكون المرجح هو الأصل العملي).

وتوضيح هذا القول بنحو أكمل بحسب مبناه واسسه أن للاطلاق مرحلتين: إطلاق في مرحلة الثبوت، وإطلاق في مرحلة الإثبات:

أما الإطلاق الثبوتي الذي هو اللابشرطية، فإنهم اختلفوا في أن تقابله مع التقييد هل هو بنحو التضادّ أو العدم والملكة؟ والصحيح أن تقابله مع التقييد تقابل التضاد لا بنحو العدم والملكة كما ذهب اليه المحقق النائيني؛ وذلك لأن التقييد امر وجودي، واما الاطلاق بمعنى اللابشرط فهو من اعتبارات الماهية والاعتبار بنفسه امر وجودي، هذا لو لاحظنا الاعتبار بنفسه، وكذلك لو لاحظنا المعتبر لان الاطلاق أمر وجودي، وليس معناه عدم التقييد، بل هو رفض القيود والمعبر عنه بالإرسال، وتمامية الماهية، أي أنه يقصد جميع الحصص. وهذه كلها أمور وجودية لانها تكون نتيجة فعل الأمر، وهذا أحد أسس هذا القول.

وأما الإطلاق الإثباتي - أي كيفية استكشاف الإطلاق الثبوتي من ظاهر القضية المجعولة إثباتاً - فالذي يكشف عنه هو حكم العقل، وليس الألفاظ التي عدت من المطلقات كأسماء الأجناس حيث ذهب الأصوليون قبل سلطان العلماء إلى أنها تدل على الإطلاق بالوضع وأما بعده فقد ذهبوا إلى ان الألفاظ إنما وضعت للماهيات بذاتها؛ ولذلك ذكروا أنه لا يلزم المجاز من تقييد المطلق، كما لو قال: (أعتق رقبة مؤمنة). وعلى هذا الأساس فالألفاظ تدل على ثبوت الحكم لذات الماهية على نحو الإهمال، والإهمال مساوق للجزئية والجزئي ليس له شمول واطلاق فمدلول اللفظ

بالوضع ليس فيه اطلاق، والذي يدلّ على الإطلاق الثبوتي في مقام الإثبات أي استكشاف الاطلاق الثبوتي من خلال ظاهر القضية المجعولة اثباتاً هو حكم العقل بملاحظة أمور يعبر عنها بمقدمات الحكمة، فإن العقل حين يرى بأن المولى قد وجه حكماً لماهية ما، ولم يقيدها بقيد مع تمكنه من التقييد، وكان المولى في مقام البيان، فيستكشف من خلال هذه المقدمات أن الماهية التي تعلق بها الحكم هي مرسلة ولا بشرط في مقام الثبوت أيضاً كما هي مطلقة في مقام الإثبات.

إذن، فالذي يكشف عن الإطلاق الثبوتي هو حكم العقل لا اللفظ لان القضية اللفظية كما ذكرنا انها تدل على ترتب الحكم على الماهية المهملة فحسب، ولكن إنما يتم حكم العقل فيما لو لم يوجد مانع من كشف الاطلاق، وهذا المانع اما دليل منفصل على التقييد؛ لأنه مع وجوده فلا يمكن للعقل الحكم بعدم دخل الخصوصية في الحكم، وكذلك لا يتم حكم العقل إذا وجدت هناك موانع أخرى كما في العامين من وجه فيما لو كان كل منهما مطلقاً، حيث لا يمكن الحكم بإطلاقها؛ لأنه لو حكم العقل باللا بشرطية في كليهما لزم اجتماع الضدين في المجمع.

وعلى ضوء ذلك فلا يوجد في مورد العامين من وجه المطلقين کاشفان متعارضان؛ لأن اللفظ في القضية التي تعلق فيها الحكم بالماهية إنما يدل على أصل الماهية المهملة، فلا يتحقق التعارض فيهما، وأما الإطلاق المنكشف بحكم العقل، فهو ممتنع في مورد العامين من وجه؛ إذ لا يحكم العقل بالإطلاق في مورد العامين من وجه المطلقين، كما ذكرناه.

إذن، فحين نعبر عن هذا المورد بأنهما إطلاقان يتعارضان فيتساقطان، فإنما هو من قبيل التسامح في التعبير؛ إذ لا يوجد إطلاقان في الواقع ليتعارضا ويتساقطا.

ولاجل ذلك فلا يصدق (الخبران المتعارضان) في مورد المطلقين المتعارضين؛ لأن ما يحكي عنه الخبر والقضية اللفظية - وهو الماهية المهملة - لا موضوع للتعارض فيه؛ لعدم التعارض بين قضيتين جزئيتين؛ لعدم وجود الإطلاقين، وأما حكم العقل الذي يكون هو الكاشف عن الاطلاق الثبوتي فهو منتف في هذا المورد.

إذ لا مقتضي له، بمعنى عدم وجود الوسيلة لهذا الاستكشاف، وهو عدم وجود المانع من الاطلاق، ومع فرض التعارض فلا يمكن للعقل الحكم بثبوت كلا الاطلاقين، لانه يلزم منه الحكم بالمتناقضين، واما الحكم بثبوت احدهما دون الآخر فهو ترجيح بلا مرجح فيسقط الحكم والاستكشاف العقلي والروايات اخذ في موضوعها الخبران المتعارضان، أي تعارض المحكي بالخبرين والمفروض عدم التعارض في مدلول اللفظ واما العقل فلا يكشف عن الاطلاق الثبوتي، الذي هو امر وجودي إذ لا حكم ولا كشف له في صورة التعارض.

وقد رتب القائل بهذا الرأي على هذا المبنى أموراً متعددة، منها ما لو تعارض الخبر الظني سنداً مع القطعيبنحو العموم من وجه، كما لو خالف الخبر العام الكتابي. فقد فصل في هذه المسألة بين ما لو تعارض الخبر الظني مع العموم، وبين مالو تعارض مع الإطلاق فيسقط الخبر الظني فيما لو تعارض مع العموم دون ما لو تعارض مع الإطلاق أي فصل بين ما لو كانت دلالة الكتاب بالعموم أي بالوضع، وبين ما لو كانت بالاطلاق أي بالعقل ؛ وذلك لان إطلاق الجملة ليس لفظاً لكي يكون كتاباً أو سنة قطعية، وإنما الحاكم بالإطلاق هو العقل فلا يكون الخبر الظني مخالفاً للكتاب أو السنة؛ إذ الإطلاق ليس كتاباً أو سنة.

ولكن يمكن التأمل في هذا المبنى؛ أما ما ذكره في الأساس الأول حول الإطلاق الثبوتي من أنه أمر وجودي، وتقابله مع التقييد تقابل التضاد، فهو غير صحيح؛ لما ذكرناه في مبحث المطلق والمقيد من أن الإطلاق أمر عدمي، وتقابله مع التقييد تقابل العدم والملكة، كما ذهب إليه أيضاً المحقق النائيني. فحين يقول المولى: (أعتق رقبة) بدون تقييد فهنا لا يقال بأنه عمل عملين: أحدهما توجيه الوجوب للرقبة، والآخر إطلاقه وعدم تقييده بالإيمان وعدمه، وإنما عمل عملاً واحداً وهو توجيه وجوب العتق للرقبة، ولكن هناك عمل لم يعمله وهو تقييد الرقبة والتقييد هو ارتباط مفهوم بمفهوم آخر في وعاء النفس فانه قبل اعتبار الحكم لاحظ الافراد، وادرك توفر المصلحة في الجميع، ثم جعل الحكم للماهية، فالإطلاق هو عدم التقييد، ولكن عدم التقييد بالنسبة للأغيار من أوصاف وغيرها، مع تمكنه منه، يعتبر عملاً بالاعتبار الأدبي، ولذا يقال مجازاً: إن أرسله، أو اطلقه، أو انتزع منه التمامية، أو نقول: إنه رفض القيود، أو جعل الموضوع تمام الماهية. فكل هذه التعبيرات انتزاعات عقلية من عدم الفعل، في حالة التمكن منه، وإلا فإنه ليس هناك أمر وجودي وهو الرفض او الارسال او اي عمل آخر حقيقة صادر من المولى يسمى بالإطلاق.

فالإطلاق الثبوتي أمر عدمي محض مع إمكان التقييد، والتقابل إنما هو بالعدم والملكة، ولا ينافي ذلك اتصافه بالحسن والقبح؛ لأن الأمر العدمي قد يتصف بهما بلحاظ العناوين الثانوية. فالذي لايقوم للقادم المحترم لم يفعل شيئاً، ولكن عدم العمل وعدم القيام أنفسهما يعتبره العقلاء عملاً بالاعتبار الأدبي، ويتصف بالحسن والقبح، لذلك فإنه وإن لم يفعل الجالس شيئاً، ولكن يصدق في قوله: (إنه اهانني).

وأما بالنسبة لما ذكره حول الاطلاق الإثباتي، وان الإطلاق ليس ظهوراً لفظياً، فإنها يتم كلامه بالنسبة للظهور اللفظي الناشيء من الوضع وأن اللفظ وضعاً يدل على الإطلاق. وهذا قد رده سلطان العلماء ومن اتبعه من المحققين، وذلك لما ذكرنا أن اللفظ إنما وضع للماهية المهملة في ذاتها. فليس للفظ المطلق ظهور افرادي في الاطلاق، ولكن له ظهور تركيبي.

وأما التعبير عنه باللابشرط المقسمي، فهو ضعيف؛ فإن الوضع الإفرادي للفظ المطلق لا يعقد للكلمة ظهوراً في الإطلاق والشمول؛ لعدم وضع الكلمة له. ولكن هذا الكلام لايتم في الظهور التركيبي، حيث ينعقد للكلام المركب ظهور في معنى بلحاظ مجموع أمور، كعدم التقييد مع التمكن منه، وعدم قصد الإجمال؛ لأن الظهور لا ينحصر بالظهور الإفرادي الناشئ من الوضع، ليعترض عليه بأن هذا الرأي هو الشائع قبل سلطان العلماء دون من بعده، وإنما المراد منه الظهور التركيبي المنعقد للكلام بلحاظ اكتنافه بمقدمات الحكمة.

وعلى هذا الرأي، فللكلام ظهور يسمى بالإطلاق الإثباتي ويأتي فيه نفس الكلام الذي ذكر في العموم، حيث تكون دلالته على الشمول وضعية، وبذلك تكون حجيته على الشمول بأصالة التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت؛ وذلك لأننا لم نعتبر الإطلاق في مقام الإثبات أمراً وجودياً، مع كون الإطلاق في مقام الثبوت أمراً عدمياً حتى ينتفي التطابق بعد عدم التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت بل إن ما اعتبرناه هو عدم الملكة في كلا المقامين: الإثبات والثبوت فمن عدم الملكة في مقام الإثبات نستكشف عدم الملكة في مقام الثبوت، فإذا ورد دليل منفصل من المولى، فهذا يزيل أصالة التطابق على نحو الحكومة والورود كما ذكرناه في العام أيضاً، لا أنه يزيل

الظهور الإطلاقي. أما لو وجد مانع آخر كما لو كان الإطلاقان متمانعين، فبما أنهما لا يمكن اتصافهما بالحجية، فيكونان متعارضين. فإذا كان للمطلق ظهور تركيبي في مقام الاثبات فيصدق انهما ظهور ان تعارضان ويدخل في قواعد التعارض.

والفكرة السابقة كانت مبتنية على عدم وجود ظهور للخبرين في الإطلاق وإنما كان الإطلاق مستنداً للحكم العقلي الذي ينتفى بالبيان المنفصل أيضاً، أما لو فرضنا أن الاطلاق له ظهور، فلا يمكن إزالته بالقرينة المنفصلة؛ لما ذكرناه من انعقاد الظهور التركيبي لمجموع الكلام وما اتصل به فلا يمكن إزالة مثل هذا الظهور إلا بالقرينة المتصلة، أمّا الدليل المنفصل فيكون حاكماً على أصالة التطابق دون منعه من أصل الظهور. وعلى هذا الرأي - من كون الإطلاق الثبوتي أمراً عدمياً، والإطلاق الإثباتي ظهوراً - فلابد من الالتزام بدخول الخبرين المطلقين العامين من وجه في عموم الأخبار العلاجية على تقدير الالتزام بدخولهما فيه.

هذا بالاضافة إلى ان لازم صحة هذا المسلك هو عدم التعارض بين هذين القولين: (أكرم العالم) و (لا تكرم العالم)، بدعوى أن كلا منهما يثبت الحكم للماهية المهملة فيكون كل منهما يحكي عن قضية مهملة؛ لأن اللفظ موضوع للماهية المهملة، والإهمال مساوق للجزئية. ولا منافاة بين القضيتين الجزئيتين؛ ولكن هذا اللازم غير صحيح لما قلناه: إنه لا معنى لحمل مثل هاتين القضيتين على الإهمال، ووضوح التنافي عرفا بين هاتين القضيتين.

و ملخص ما ذكرناه فإن القول الخامس يعتمد على الفكرة التي ناقشناها من كون الإطلاق الثبوتي وجودياً، وأما الإطلاق الإثباتي فهو حكم عقلي. فظهر من جميع ما ذكرناه أن الحق جريان جميع المرجّحات العقلائية في العامين من وجه، الظنيين سنداً

بناءً على الاستناد في الترجيح لبناء العقلاء. وأما بناءً على التعبد والاستناد للروايات، فلا تجري المرجّحات فيها لما تقدم توضيحه بالتفصيل.

التنبيه الثامن: في بيان حكم اختلاف المفسرين والرواة والنسخ

فهل تجري فيها المرجّحات، أم نقول بالتساقط ابتداءً

اختلاف المفسرين: فمثلا رواية فسرها بعض بمعنى وفسرها آخر، بمعنى آخر فهل يجري فيهما الترجيح بالمرجّحات، أم لا؟

الظاهر عدم جريانه في أقوال المفسرين؛ أعم من كونهم رواة للحديث، أو شراحه أو لغويين؛ وذلك لأننا نقول بعدم حجية قول المفسرين للفقيه، بل لابد للفقيه بنفسه من استظهار المعنى المراد من النص فإن حصل له القطع أو الاطمئنان به فهو، وإلا فلا أثر لقول المفسرين. وهذا نظير قول اللغوي الذي ذهبنا إلى عدم حجيته.

وعلى ضوء ذلك فإن أمكن للفقيه استظهار المعنى من هذه المعاني المطروحة للحديث، فيأخذ به، وإلا وجب ترتيب آثار الإجمال على هذا الكلام؛ لأن النص المجمل المردّد بين معنيين بمنزلة العلم الإجمالي، فإذا فرضنا أن كلاً من طرفي العلم الإجمالي كان حكماً إلزامياً أو ما بحكمه تنجز، ووجب العمل به الاحتياط والاخذ بكلا المعنيين ان لم يحصل الانحلال، وإلا رجعنا للأدلة المرخصة.

ومثاله ما ذكرناه في بحث المكاسب حيث ورد عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) أنه نهى عن بيع الغرر، وتردد معنى الغرر بين الخطر والخديعة، فلو كان بمعنى الخطر فيصح الاستدللال به على اعتبار العلم بالعوضين أو القدرة على التسليم في صحة البيع، وأما لو كان بمعنى الخديعة فيكون مرتبطاً بالنهي عن المعاملة الغبنية لعدم علم

المغبون وعدم إعلام الغابن له بذلك، أو النهي عن بيع المعيب مع إخفاء العيب، وعدم إظهاره، فيدور الأمر بين المعنيين.

ومن المسلم أنه على المعنى الثاني - أي الخديعة - لا يكون البيع الغبني أو بيع المعيب فاسداً، وإنما هو موجب لخيار الغبن أو العيب فقط وإنما يكون حراماً تكليفا لحرمة الخديعة، وأما لوكان الغرر بمعنى الخطر فيكون الحديث إرشاداً إلى شرطية العلم أو القدرة، ونتيجته فساد البيع مع فقدان أحد الشرطين. وإذا تردد المعنى بينهما، فيكون في قوة العلم الإجمالي إما بالحرمة التكليفية على معنى الخديعة، وإما بالحرمة الوضعية على معنى الخطر، وبما أننا نعلم من الخارج بحرمة البيع خديعة، فلايكون هذا العلم الإجمالي منتجاً ومنجزاً، لانحلاله بالعلم التفصيلي بحرمة أحد الطرفين.

وعلى تقدير عدم العلم بحرمة الخدعة من الخارج فلابد من الالتزام بكلتا الحرمتين؛ للعلم الإجمالي المنجز.

وعلى كل حال فلا يجري الترجيح في أقوال المفسرين؛ لأن استظهار أي فقيه ليس حجة على فقيه آخر بل لابد لكل فقيه من التفقه والاستظهار بنفسه.

اختلاف الرواة: وليس المراد به: ما يشمل اختلاف الروايات عن الإمام (عليه السلام)، فإنه قد تقدم الكلام عنه في البحوث السابقة، وأما هنا فنحن نعلم بأن الاختلاف يقع من قبل الرواة أنفسهم بأن ينقل كلا الراويين قضية واحدة، ولكن كل منهما ينقلها بصورة تختلف عن الآخر؛ سواء كان الاختلاف في نقل الراويين المباشرين للإمام (عليه السلام) كزرارة ومحمد بن مسلم، أو كان الاختلاف في نقل الراويين المتأخرين عن المباشرين أو غيرهم كنقل عمر بن أذينة وعبدالله بن بكير عن زارة. ويعبر عن الاختلاف في النقل في مصطلح علم الدراية (الحديث المضطرب المتن).

اذن، ففي هذا المبحث، نعلم بان الاختلاف من الرواة انفسهم، ولا ينافي ذلك وثاقتهم، مثل ورد في بعض روايات قاعدة لا ضرر انها بنحو (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) او بدون (في الاسلام)، والمعنى يختلف كما ذكرناه في محله، وربما كان الاختلاف نتيجة النقل بالمعنى. فكل شخص يفهم معنى معيناً من النص، وينقله حسب فهمه فيوجد الاختلاف، وربما يكون الاختلاف نتيجة التقديم والتأخير، مثل ما ورد في دوران الدم بين الحيض و القرحة، وقد اختلف في الجانب الايمن والايسر، وانه ايهما مخرج الحيض، او مخرج القرحة، وغيرها من اسباب اختلاف الرواية، فما هي الوظيفة في مثل هذه الحالات؟

فهل تجري المرجّحات في هذا الاختلاف أم لا؟ والمراد منها: إعمال المرجّحات المناسبة للمقام كالترجيح بالشهرة والشذوذ، أو بالأعدلية والأفقهية، بناء على كونها من المرجّحات كما هو الثابت على المختار من القول بالتعدي، لامثل الترجيح بالتقية وأمثالها، إلا بالوجه الذي ذكرناه سابقاً من تصویر ارتباطها بالصدور. ففي إعمال المرجّحات و جهان، بل قولان:

القول الأول: جريان الترجيح بهذه المرجّحات، وربما يظهر من بعض الكلمات ككلام السيّد الداماد في الرواشح السماوية (1)، والشيخ المامقاني في مقباس الهداية الاتفاق على إعمال المرجّحات (2)وإنما اختلفو في أنه لو فرضنا أن أحدهما ذو مزية مهما كانت ولو لم توجب إلا مجرد الأقربية للواقع، فهل يصدق عنوان المضطرب عليه أم لا؟ حيث يظهر من ذلك أن الأخذ بذي المزية أمر مفروغ عنه.


1) الرواشح السماوية: 191.

2) مقباس الهداية 1 : 387.

القول الثاني: مانسب إلى الشيخ الأنصاري في فقهه، وإلى المحقق الخراساني في رسالته عن الدماء الثلاثة كما نقل في المستمسك عنهما من القول بعدم جريان الترجيح بالمرجحا تنعم القائل بالتخيير عند فقدان المرجّحات لا يمكنه القول به هنا، لان المأخوذ في روايات التخيير (بايهما اخذت من باب التسليم وسعك) وهو مرتبط بالتسليم للائمة (عليهم السلام) لا للرواة، ولكن ذكرنا ان اخبار التخيير غير ثابتة من اساسها. ولابد من ملاحظة المسألة من خلال المسلكين في إعمال المرجّحات:

المسلك الأوّل: الاستناد في الترجيح لبناء العقلاء، حيث لا يتوقف ذلك على صدق عنوان الخبرين المتعارضين الوارد في الأخبار العلاجية، بل إن هذه المرجّحات تجري في مطلق الطرق والأمارات العقلائية على الاختلاف في معيار الترجيح، وأنه الأقربية أو الظن او صرف الريبة كما هو المختار والمهم صرف الريبة الحاصلة من العلم الاجمالي بمخالفة احدهما للواقع من احدهما للآخر، على ما بنى عليه العقلاء، من دون فرق في ذلك بين تعارض الفتاوى والأحاديث وكلام أهل الخبرة كالأطباء وغيرهم، مع ملاحظة الترجيح في كل مورد بحسبه ولكل مورد مرجحه العقلائي.

وعلى هذا المسلك فلاريب في جريان الترجيح؛ إذ لا خصوصية للخبرين، بل الترجيح أمر عقلائي جار في كل متعارضين.

المسلك الثاني: القول بأن الترجيح تعبدي، والاقتصار على المرجّحات التعبدية، فيجري فيه القولان المذكوران فلابد من ملاحظتهما على هذا المسلك.

ويمكن تقريب القول بعدم جريان الترجيح في الجملة أو بالجملة بأحد وجهين:

الوجه الأول: أن موضوع الروايات التي حكم فيها بلزوم الترجيح إنما هو مجيء الخبرين المختلفين عن الإمام (عليه السلام) فان ظاهر هذه الروايات ومنصرف

بعضها ما لم يعلم منشأ الاختلاف هل هو من جهة نفس الائمة (عليهم السلام) لمصالح يقتضيها، أو من الرواة انفسهم، ومثل هذا الموضوع لا يصدق في موردنا، حيث يعلم ان الاختلاف من الرواة انفسهم فلا يدخل في موضوع الروايات سواء وقع هذا الاختلاف من الراوي المباشر لقول الإمام (عليه السلام)، أو الراوي مع الواسطة بالنسبة لكلام الراوي الذي قبله. فمثلاً لو سأل الإمام (عليه السلام) عن حكم عبادة كالصلاة من حيث الاعادة وعدمها، فأجاب بشيء واحد، لكن أحد الراويين قال: إن الإمام (عليه السلام) أجاب بـ (يعيد)، في حين أن الثاني قال بأنه أجاب بـ (لا يعيد)، فهنا لا يتحقق خبران عن الإمام (عليه السلام)، وإنما اختلفا في حكاية كلام واحد وخبر واحد. وأوضح من ذلك فيما لو اختلف الراويان غير المباشرين في كلام الراوي الذي نقلا عنه، كما لو نقل عبد اللّه بن بكير كلام زرارة بنحو، بينما نقله عمر بن أذينة بنحو آخر، فلا يصدق أنهما اختلفا في الحديث عن الإمام، وإنما اختلفا في نقل كلام زرارة مثلاً.

واما تنقيح المناط فان قطعيه غير ممكن، واما ظنية فلا عبرة فيه، ويمكن الجواب عن هذا الوجه بأن الموضوع يصدق في هذا المورد؛ وذلك لأنه يصدق فيه (وصول الحديثين المختلفين إلينا)، فتشمله الاطلاقات فلو وجدنا مثلاً حديثاً في الكافي نقله عن زرارة بنحو، وعن محمد بن مسلم بنحو آخر، فيصدق وصول حديثين مختلفين إلينا ولا يشترط فيه احتمال كون الاختلاف من جهة الامام (عليه السلام) نفسه. وهكذا في الاختلاف من الرواة غير المباشرينكما لو نقل زرارة عن الامام رواية واحدة في مجلس واحد، ولكن الرواة عن زرارة اختلفوا في النقل عنه فنقلوه بصورتين مختلفتين بنحو نعلم باشتباه،احدهما، فهنا يصح ان نقول ان عبدالله بن بكير يروي عن

زرارة عن الصادق (عليه السلام) كذا، وعمر ابن اذينة يروي عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) كذا.

نعم، يصح أن نقول بأن الرواية واحدة بلحاظ ماصدر من الإمام نفسه، وإن ماحدث به هو أمر واحد، ولكن بلحاظ تعدد النقل والكاشف لا يمكن أن نعده خبراً واحداً، وإنما هما خبران مختلفان فالاختلاف يجعلهما خبرين؛ فليس المعيار في المخبر عنه، بل في الخبر نفسه.

إذن فلا يعتبر في الموضوع صدور كلامين مختلفين من الإمام، بل المعتبر هو اختلاف الكاشفين في مرحلة الإخبار عن كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو متحقق هنا.

الوجه الثاني: في أغلب موارد اشتباه الرواة لا يمكن إحراز مجيء خبرين، وتوضيحه، يتوقف على بيان مقدمة هي أن الاشتباه الواقع من الرواة إما أن يكون في رتبة سابقة على قصد الحكاية والإخبار، كما لو كان الاشتباه في مبادىء قصد الحكاية، كما لو كان الاشتباه في السماع فأحدهما لم يحسن السمع بخلاف الآخر، وكل منهما يخبر عما سمعه فيحصل الاختلاف، أو أن أحدهما يشتبه في مبادئ النقل بالمعنى، فيعتقد المخبر بالخبر وبالمعنى الذي ينقله، ولكنه يشتبه في المبادئ وإما ان يكون الاشتباه في رتبة متأخرة عن النقل والحكاية، بمعنى أن مورد الاشتباه يقع حال نقل الخبر بعد سماعه تاماً، كما لو سبق لسان الراوي إلى لفظ لا يريده، فقال: (أكرم زيداً)، وهو يريد (عمراً)، أو يشتبه كذلك في حال كتابته، فهو من سهو القلم، فيكتب شيئاً لايريده.

والملاحظ أنه يعتبر في صدق الخبر قصد الحكاية، فلا يصدق بدونه مع اختلاف الآراء في نحو اعتباره في صدق الخبر، فذهب بعض إلى أن محكي الخبر ومدلول الجملة

الخبرية هو نفس قصد الحكاية، كما ذهب إليه بعض الاعاظم (1)في حين أنه ذهب بعض آخر وهو مذهب القدماء أن المحكي له ومدلولها هو الحكم بالوقوع أو اللاوقوع، والحكم لا يتحقق بدون القصد. ولكن ذهب المشهور من المتأخرين إلى أن محكية هو وقوع النسبة أو لا وقوعها، والقصد من مبادئ الخبر، وعلى كل حال، فلا ريب في إناطة الخبر بقصد الإخبار والحكاية، وأما مالا قصد فيه فليس خبراً، كما ذكرنا في السابق اللسان أو سهو القلم.

وعلى ضوء ذلك فإن كان الاشتباه في الرتبة السابقة على الحكاية ومبادئه، فلا ريب في تحقق الخبر وصدقه فيصدق وجود خبرين ؛ لأنه كلام مسبوق بقصد الحكاية، أما لو كان الاشتباه في الرتبة اللاحقة فنقطع بعدم تحقق الخبر؛ إذ لا يصدق على ما تلفظ به أحد الراويين أنه خبر لانه لم يقصد الحكاية عنه، أما الآخر فهو خبر فنحن نعلم بصدور خبر واحد، ولكن عدم علمنا بتشخيصه انه خبر زيد او خبر عمرو.

ولو تردد الأمر بينهما وشككنا في أن الاشتباه قد حصل في الرتبة السابقة على قصد الحكاية ليصدق عليهما عنوان الخبرين او المتأخرة كي لا يصدق عليهما، فنشك في صدق الخبر عليه وعدمه فلا يصدق عليهما عنوان الخبرين وانما يكون من باب اشتباه الخبر باللاخبر، ولا يمكن إحرازه بأصالة القصد التي هي من الأصول العقلائية لمعارضتها بأصالة عدم الاشتباه في الرتبة السابقة على الحكاية، حيث إنه يعلم إجمالا بعروض اشتباه إما في مرتبة الحكاية وإما في مرتبة سابقة عليها، فتتعارض الأصول وتتساقط، ويبقى صدق الخبر مشكوكاً فيه.


1) المحاضرات 84:1.

ولا مجال فيه للاستدلال بأدلة تعارض الخبرين؛ لأنه من قبيل التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية للعامو الغالب في موارد اشتباه الرواة هو الشك في ظرف الاشتباه، انه قبل قصد الحكاية او بعده اذن فالغالب عدم تشخيص كون المورد من موارد تعارض الخبرين، كي تجري فيها المرجّحات.

وهذا الإشكال يستفاد من كلام المستمسك (1)ثم أجاب عن بما لا يخلو عنه وجه، وهو أن مقتضى أصالة القصد في الخبرين كون كل منهما خبراً حقيقة، ولا يعارضها أصالة عدم الخطأ في الرتبة السابقة - أي مرحلة التحمل ومبادئ الخبر لأنها لا أثر لها في نفي أحكام التعارض عنهما؛ لأن موضوع تلك الأحكام مطلق الخبرين، وان علم إجمالاً بالخطأ في مبادئهما كمرحلة التحمل. فحيث إن هذا الأصل لايترتب عليه أثر من تلك الجهة تبقى أصالة القصد بلا معارض.

فظهر أن الحق هو إعمال المرجّحات على كلا المسلكين وإن كان المختار أن ملاك الترجيح هو بناء العقلاء لا التعبد. وممن نبه على أن بناء العقلاء على الترجيح في باب اختلاف الرواة هو المحقق الهمداني في كتاب الطهارة من مصباح الفقيه، في بعض الفروع وإن نسب إليه في مباني الاستنباط عكس ذلك، ولكن الظاهر عدم صحة النسبة.

ويبقى هنا أمر ينبغي التعرض له وهو أن اختلاف الرواة في رواية واحدة لو أدى لاختلاف المعنى، قد يكون منشأ هذا الاختلاف هو النقل بالمعنى للرواية، وقد يكون منشؤه التقديم والتأخير الذي يؤدي لاختلاف المعنى مثل ماورد في تمييز دم الحيض


1) المستمسك 3: 184.

عن دم البكارة، وأنه إن خرج من الجانب الأيمن فهو كذا، وإن خرج من الجانب الأيسر فهو كذا؛ فقد نقل مختلفاً في الكافي والتهذيب، بناء على كونه من قبيل اختلاف الروايات. ولكن سيأتي أنه من قبيل اختلاف النسخ؛ لأن التهذيب ينقل أيضاً عن الكافي، وقد يكون منشأ الاختلاف الزيادة والنقيصة، كحديث «لاضرر ولا ضرار على مؤمن» الذي تقدم البحث عنه بتوسع في قاعدة (لاضرر).

وفي خصوص القسم الأخير - وهو قسم الزيادة والنقيصة – ذهب بعض الأعاظم إلى لزوم الحكم بالزيادة؛ لوجود مرجّح خاص في ذلك. وقد مر بحثه بالتفصيل في مبحث (لاضرر)، ولكن نذكره بصورة موجزة هنا فنقول: ان ماذكر من أن الأصل تقديم الزيادة غير تام عندنا، وإنما الصحيح هو لزوم ملاحظة القرائن، فتلاحظ المناسبة بين أجزاء الكلام، وتعدد النقل على تعبير، ووحدته على التعبير الآخر، إلى غير ذلك، فإن أدّى إلى حصول الوثوق فهو، وإلا كان المورد مجملاً، فلابد من الأخذ بالقدر المتيقن.

والقائلون بترجيح الزيادة استدلوا بوجوه نستعرضها والجواب عنها بإيجاز:

الوجه الأوّل: مافي مصباح الأصول في بحثه عن قاعدة (لاضرر) وغيره، من أن الأمر يدور بين غفلتين: الغفلة عن الزيادة والغفلة عن النقيصة، وأصالة عدم الغفلة عن الزيادة مقدم على أصالة عدم الغفلة عن النقيصة؛ لأن الغفلة في الزيادة أبعد منها في النقيصة؛ فإنه يحتمل قوياً غفلته في النقيصة وأما غفلته في الزيادة والإضافة فإنها بعيدة (1).

وقد ناقشنا هذا الوجه :


1) مصباح الاصول 2: 519.

أولاً: بأن الأمر لايدور بين الغفلتين؛ لأنه قد تكون الزيادة إنما وقعت لأجل النقل بالمعنى، وربما استفاد الرواي وجود قيد من قرائن كلام المتكلم ولحنه فذكره في الرواية، كما قد تكون النقيصة لأجل البناء على الاختصار أو تصور الراوي أن القيد غالبي وليس احترازياً فلا حاجة له، أو غير ذلك.

وثانياً: أن ماذكره لو سلم، فهو يبتني على أمر عادي وطبيعي؛ وذلك لان الغفلة بالنسبة للنقيصة التي هي بمعنى الذهول تقتضي بطبيعتها ألا ينقل الإنسان شيئاً؛ لأن ذلك مما يقتضيه النسيان. أما الغفلة بالنسبة لزيادة شيء في الكلام، فهي تحتاج لأمر زائد، كما لو فرضنا أنه كان هناك أمر آخر في ذهن الراوي قد اختلط بكلام الإمام وأضافه إليه في النقل ونحو ذلك.

ولكن يعترض عليه بأن ما ذكره من البعد في إيجاب الغفلة للزيادة مسلّم، ولكن إذا أريد من ذلك أنه يوجب الظن بالزيادة، فالظن لا يغني عن الحق شيئاً، وإن أريد بناء العقلاء على ذلك، فهو غير ثابت فلو فرضنا أن شخصاً أراد تسليم ألف دينار لآخر أو تسلمه منه، فاعطى المال لشخصين لكي يحسباه ويعدّاه، فقال أحدهما بعد الحساب: إنه ألف دينار، وقال الآخر: إنه ألف وخمسة وعشرون ديناراً، فهنا لا يبني على الزيادة وخاصة في التسلم الذي فيه منفعة للشخص.

الوجه الثاني : ما ذكره شيخ الشريعة الأصفهاني في رسالة (لاضرر) من أن تقدم أصالة الغفلة في الزيادة قاعدة مطّردة، وقد احتج بها العلماء دائما (1).


1) قاعدة لاضرر : 15.

وقد أجبنا عنه بنقل جملة من أقوال علماء العامة كالزيلعي في نصب الراية (1)، ومن الخاصة كالمحقق النائيني (2)حيث اعترضوا على هذا الاصل.

الوجه الثالث: ماقيل من أن الدواعي على الزيادة أقل من الدواعي على النقيصة؛ فإن الزيادة إما أن تكون ناشئة من الافتراء او الاشتباه، ولا سبيل للأول بعد افتراض وثاقة الراوي، وأما النقيصة فقد يكون سببها الاختصار، أو الغفلة، أو تصور استفادة الخصوصية من سائر الكلام فلايرى بأساً في إسقاطها.

والجواب عنه بايجاز أن مناشئ الزيادة لا تنحصر في الافتراء والغفلة، فقد تكون الزيادة ناشئة من فهم الراوي القيد من لحن الكلام أو استنباطه من القواعد الكلية فيضيفه للرواية، كما يحتمل ذلك في «لاضرر ولا ضرار على المؤمن» حيث تخيل الراوي أن تعميم الحكم للكافر لا يناسب الشدة المأمور بها في التعامل مع الكفار؛ لذلك يحتمل إضافته (على المؤمن)، أو لغير ذلك.

اختلاف النسخ: ولابد من بحثه ولو استطراداً، والاختلاف في النسخ إما أن يكون في وجود باب أو حديث في نسخة دون نسخة أخرى، كما لو اختلفت نسخ الكافي في ذلك، أو يكون الاختلاف في متن حديث، فيذكر في نسخة بنحو ويذكر في أخرى بنحو آخر كما لو كانت الرواية الموجودة في نسخة الكافي عندنا بنحو، بينما الشيخ ينقلها عن الكافي بنحو آخر. والكلام يدور حول القسم الثاني، ولكن نتكلم في القسم الأوّل أيضاً؛ لإطلاق عنوان اختلاف النسخ عليه أيضاً وإن كان أجنبياً عن البحث، فنقول: إن اختلاف النسخ في القسم الأوّل، قد يكون اختلافاً واقعياً، كما ذكر في كتب الرجال


1) نصب الراية 1 : 336.

2) رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني: 192.

والفهارس بأنّ لكتب العلاء بن رزين أربعة نسخ، أو لكتاب الحسين بن سعيد خمسة نسخ، تعمل الطائفة بنسخة أحمد بن محمد بن عيسى، كما نقله النجاشي عن شيخه ابن نوح. فاختلاف النسخ هنا لايعني نقل الرواية الواحدة في هذه النسخ بأنحاء مختلفة، وإنما يعني به العمل الذي كان شائعاً عند القدماء، بل مثل هذا العمل نلاحظ شيوعه أيضاً عند المتأخرين قبل طبع الكتاب، بل ربما اختلفوا في العمل حتى بعد طبعه لو تعددت طبعات الكتاب فربما استجد لهم حديث كانوا غافلين عن ذكره فيستدرك ذكره في نسخة أو طبعة أخرى وربما حذفوا حديثاً منه إذا بدا لهم فساده أو عدم مناسبته. وربما غيروا بعض الكلمات وامثالها ولذلك يلاحظ وجود الاختلاف بين نسخ الكتاب الواحد بحسب تقدّم زمانها أو تأخره.

وكان مثل هذا الاختلاف متعارفاً في نسخ الكتاب، وقد تقدم أن ذكرنا أن الموطأ لمالك كان (25) نسخة؛ لأنه كان ينقص فيه غالباً ويزيد فيه أحياناً، والمشهور منها الآن نسختان: نسخة محمد بن يحيى ونسخة محمد بن الحسن الشيباني، ونظير ذلك في كتبنا، مثل كتاب الكافي فإنه كان ذا نسختين، وربما كانت في بعض النسخ زيادة على النسخ الأخرى.

إذن، فقد يوجد الحديث في نسخة ولا يوجد في نسخة أخرى، فماذا نفعل تجاه ذلك؟ فإن وجد سند معتبر لكلتا النسختين من الكافي مثلاً، فلا يضر عدم وجود الحديث في إحداهما بعد ثبوته في الأخرى بسند معتبر، وأما إذا لم يوجد سند معتبر لخصوص النسخة المزيدة فيها فلا يجوز الأخذ بالحديث المزيد كحجة شرعية؛ لأن ثبوت الكافي ونحوه إنما هو لأجل الاستفاضة والشهرة، وهذا إنما يتم فيما اتفقت عليه النسخ من الروايات، وأما في الزيادة فلا يمكن إثبات الخبر الزائد بذلك.

وأخرى يكون اختلاف النسخ موهوماً كما نجده في الفهارس بالنسبة لبعض الكتب كالكافي، فإن كتبه بحسب أبوابه قد عدت في بعض الفهارس كفهرست الشيخ (30) كتاباً بينما قد عدت في رجال النجاشي أكثر من ذلك، وعدت في إجازة الشهيد الثاني (50) كتاباً. وكذلك وقع الاختلاف حول معالم العلماء لابن شهر آشوب، فربما جعل هذا الاختلاف، أو تغاير الكافي الموجود بأيدينا عما كان سابقاً دليلاً على اختلاف النسخ، وقد جعل البعض ذلك إشكالاً على كتاب الجعفريات كما فصلناه في بعض البحوث.

ولكن الاختلاف المذكور ليس معبراً عن اختلاف النسخ في نقل الروايات، وإنما هو اختلاف في تعداد الكتب، وربما يكون من قبل المصنفين أنفسهم، فقد يرى موضوعاً لائقاً لعقد باب أو كتاب له بصورة مستقلة ثم يبدو له في ذلك، ويرى إدراجه تحت باب أو كتاب آخر، فمثلاً يجعل لباب الوقف كتاباً مستقلاً تارة، ويعتبره في ضمن الصدقات تارة أخرى. وعلى ضوء ذلك يتامل فيما ذكره بعض الاعاظم من الاشكالات على الجعفريات، لان مثل ذلك لا يكون دليلاً على تغاير النسخ ونحوه.

وعلى كل حال فهذا القسم من الاختلاف من النسخ أجنبي عن بحثنا، وما نريد البحث عنه هنا هو نقل الحديث الواحد بنحوين يختلفان في المعنى؛ إما لأجل النقل بالمعنى، أو لأجل التقديم والتأخير الموجب له، أو لأجل الزيادة والنقيصة.

وما يستفاد من كلمات العلماء هنا أقوال عديدة:

الأوّل: عدم جريان الترجيح، وإنما نقول في هذا الاختلاف بالتساقط مطلقاً.

الثاني: ملاحظة المرجّحات مطلقاً، ولكن تلاحظ تلك المرجّحات المناسبة للمقام، بأن توجب صرف الريبة من إحدى النسختين للأخرى، كما لو كانت مقروءة على الأعاظم من العلماء.

الثالث: التفصيل بين الاختلاف الواقع بين النسخ في كتب القدماء وبين وقوعها في كتب المتأخرين؟ ففي الأول تجري المرجّحات؛ لأن مرجعها لاختلاف في الرواية، كما لو فرض أن الرواية في الكافي الموجود بأيدينا قد نقلت بنحو في حين أن الشيخ نقلها في التهذيب عن الكافي بنحو آخر، وقد سمع الشيخ الكافي من مشايخه إلى الكليني، فهذا يكون من قبيل اختلاف الرواية ويعمل بالمرجّحات فيها.

وأما في اختلاف النسخ عند المتأخرين، كما في اختلاف أرباب الجوامع الثلاثة المتأخرة البحار والوافي الوسائل، فلا يعمل بالمرجّحات فيها، وذلك لعدم ارتباطها باختلاف الروايات؛ إذ لم يكن نقل كل واحد من هؤلاء عن نسخة معينة مسموعة.

وربما توهم البعض أن اختلاف النسخ مطلقاً يرجع لاختلاف الروايات، بتوهم أن المتأخرين أيضاً ينقلون الكتب عن أصحابها بسند معتبر أيضاً، بل ذكر في خاتمة الرسائل، أنه ربما يقال بأن اختلاف النسخ المعتمدة نظير اختلاف القراءات في القرآن الكريم فما يقال هناك يقال هنا، وإن تواتر الكتب المنقول عنها نظير تواتر القرآن، وكذا العلم بها إجمالاً أو تفصيلاً.

وهذا ضعيف للغاية، والرأي الصحيح في مجال اختلاف النسخ: أنه لابد من ملاحظة موجبات الوثوق والاطمئنان في النسخ لاننا نقول بحجية الخبر الموثوق به، فإن حصل الاطمئنان بملاحظة حساب الاحتمالات بصحة إحدى النسختين وأصالتها وأنه المنقول باللفظ دون الآخر فهو الحجة، وإلا فلا. ومن موجبات الوثوق

والاطمئنان في هذا المجال، مالوكانت فتاوى القدماء من أصحابنا مطابقة لإحدى النسختين؛ لأنهم أكثر اطلاعاً على المصادر الحديثية الأخرى.

واما الالتزام بتساقطها مطلقاً فلا وجه له.

كما أن القول باجراء المرجّحات المذكورة في الروايات مطلقاً في هذا المورد لا وجه له ايضاً، وذلك لعدم العلم بأن القدماء كانوا ينقلون الكتب عن طريق السماع، بل ربما نقلوا عن النسخ والكتب أيضاً.

إذن، فالطريقة المتبعة في مجال اختلاف النسخ، هو ملاحظة القرائن الداخلية كتطابق الجملات، أو الخارجية كالجو الفقهي وفتاوى القدماء أو قراءة النسخة على كبار العلماء وعدمها، فإن حصل من خلال ذلك الوثوق بإحدى النسختين فتكون حجة وإلا فلا حجية لأي منها.

ولا فرق في ذلك بين الزيادة والنقيصة، حيث ذكر هنا أيضاً ما ذكرناه في البحث السابق من أصالة عدم الزيادة والنقيصة، ولكن لا اعتبار به، وكذلك لا فرق بين النقل بالمعنى وغيره.

هذا ما أردنا ذكره في مبحث اختلاف النسخ استطراداً. ومن يمارس عملية الاستنباط يواجه فروعاً ومباحث كثيرة تزيد على ما ذكرناه هنا في هذا المبحث ولكن لا يلزم ذكرها هنا، ولابد من معالجتها في محله.

إلى هنا تم الكلام في المقصد الثالث.

المقصد الرابع: في بحوث الجمع الدلالي

إشارة:

ذكرنا في المقصد الأوّل أن التعارض الذي نبحث عنه هو تعارض الظهورات وان امكن الجمع الدلالي فيها ؛ ولذا دخلت مباحث الجمع الدلاليفي بحوث تعارض الأدلّة. ولهذا المبحث أهمية خاصة، كما له أهميته في مرحلة التطبيق في الفقه حيث نرى توجه الفقهاء في الكثير من المسائل إلى الجمع الدلالي بين الأخبار الواردة فيها.

وفي هذا المقصد مباحث :

المبحث الأول: جواز الجمع الدلالي وعدمه

ومعنى ذلك أنه هل يجب عند تعارض الظاهرين الجمع بينهما دلالة؟ ولو لم يمكن هذا الجمع بينهما فحينئذ تصل النوبة لإجراء قواعد التعارض، من التخيير مطلقاً، أو القول بالترجيح أولاً ثم التخيير، أو الترجيح أولاً ثم التساقط، أو لا يجب الجمع الدلالي وإنما من البداية نتعامل مع الروايتين معاملة المتعارضين ونلتزم فيهما بقواعد التعارض المذكورة؟

والجموع الدلالية التي تقع هنا موضوعاً للبحث عادة هي أمثال حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد والظاهر على الأظهر، كحمل الأمر والنهي على الاستحباب أو الكراهة أو كان العامان من العموم والخصوص من وجه، وتعارضا في المجمع، ولكن احدهما يمتلك مرجحاً دلاليا، كما لو كانت دلالة احدهما بالعموم والآخر بالاطلاقا و ان الاطلاق في احدهما بدلي وفي الآخر شمولي، حيث ذهبوا لتقديم العموم على الاطلاق او الشمولي على البدلي، وكذلك موارد التعارض بين أكثر من دليلين، التي يطلق عليها بحوث انقلاب النسبة وغير ذلك مما يشملها التعبير بالجمع العرفي.

المشهور بين العلماء لزوم الجمع الدلالي، ولكن نسب إلى جماعة من العلماء إنكار الجمع الدلالي.

وينبغي التأكيد على هذه الملاحظة بأن مورد البحث هو تعارض الأخبار الواردة عن المعصومين فيما بينها وأما لو فرض التعارض بين عام كتابي وخاص من أحاديث

الرسول (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) فهو خارج عن مورد النزاع؛ وقد مر البحث عنه سابقاً وذلك لأن من المسلمات أن وظيفة النبي (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) أن يبينوا تفصيل ما ذكر في القرآن الكريم. (كما دلت عليه الآية الشريفة (وانزلنا إليك الكتاب لنبين للناس ما انزل إليهم)) وقد ذكرنا سابقاً أن القرآن الكريم بما أنه باللسان العربي فهو يمشي على وفق أسلوب هذا اللسان الذي كان مألوفاً ومتعارفاً عند العرب من ذكر العام وإرادة الخاص منه أو بالعكس؛ لذلك فالظاهر جريان مثل هذه الجموع في مورد التعارض بين العام الكتابي والخاص من الروايات، وهذا مما لا خلاف فيه.

فمحور الكلام الروايات الصادرة من النبي (صلى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) في الفترة الممتدة من زمان الرسول (صلى اللّه عليه وآله) إلى زمان غيبة الإمام الغائب (عليه السلام)، وهو عام (260) هجرية، حيث صدرت منهم روايات كثيرة وفي أزمنة متعدّدة وفي أجواء وأوضاع اجتماعية مختلفة مع مخاطبين تختلف درجاتهم وعقائدهم وميولهم في المجالات الاجتماعية والسياسية، وخاصة من زمان الإمام الباقر (عليه السلام) إلى زمان العسكري (عليه السلام) في حدود (160) عاماً حيث صدرت منهم أكثر رواياتنا. كما لوصدر عام من الإمام الباقر (عليه السلام) ثم صدر الخاص من الإمام الرضا أو الجواد أو العسكري (عليهم السلام). فهناهل نحمل العام على الخاصمع انه قد عمل بالعام أو المطلق، فهل تعتبر الاقوال الصادرة من الائمة المتعددين، وفي ظروف مختلفة بحكم الكلام الصادر من متكلم واحد في محيط واحد، حيث يحمل العقلاء العام في كلامه على الخاص، فهل نعمل ذلك في اقوالهم المتعددة ؟ وهل تصح مثل هذه الجموع الدلالية العرفية في هذه الروايات أم لا؟

نسب إلى جماعة إنكار الجمع العرفي فيذهبون للتخيير أو التساقط من البداية، حتى مع وجود الجمع العرفي، مع عدم وجود المرجح، فقالوا بالتخيير بين العام والمطلق والخاص والمقيد، ومن قال بالتساقط يقول به من البداية والرجوع لعام فوقي او الاصل، امثال الشيخ الطوسي في بداية الاستبصار حيث قال: (أو إن كان هناك ما يعارضه فينبغي أن ينظر في المتعارضين فيعمل على أعدل الرواة في الطريقين، وإن كانا سواء في العدالة عمل على أكثر الرواة عدداً، وإن كانا متساويين في العدالة والعدد وهما عاريان من جميع القرائن التي ذكرناها نظر فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على بعض الوجوه وضرب من التأويل، كان العمل به أولى من العمل بالآخر الذي يحتاج مع العمل به إلى طرح الخبر الآخر؛ لأنه يكون العامل بذلك عاملاً بالخبرين معاً) (1).

وذكر السيّد الطباطبائي في رسالته حول التعادل والتراجيح، أن عبارته في العدة (2)هي أيضاً نظير عبارته في الاستبصار.

و ممن نسب إليه إنكار الجمع العرفي المحقق القمي، وكذلك المحقق البحراني في الحدائق لذلك يعترض كثيراً على الأصوليين في مجال حملهم الأمر الظاهر في الوجوب على الاستحباب أو النهي على الكراهة عند المعارضة، وذلك لعدم ورود ذلك في النصوص، وذكر أنه لابد من إعمال المرجّحات المنصوصة في هذه الموارد. ويظهر هذا الرأي أيضاً من صاحب الكفاية والشيخ الحائري ولكن ذهب المشهور إلى اعتبار


1) الاستبصار 4:1.

2) العدة في أصلو الفقه 1: 376.

الجمع الدلالي او العرفي، ومع وجوده يكون التعارض بين الدليلين متوهماً لا مستقراً وقد استدل على حجية هذه وصحة الجمع الدلالي الدلالية والعرفية بأدلة ثلاثة: بناء العقلاء، والسيرة، والروايات.

الدليل الأوّل: بناء العقلاء. فإنه لو صدرت أقوال متعددة ومختلفة من متكلم واحد او من افراد متعددين لهم حكم المتكلم الواحد كالائمة (عليهم السلام)، وكان أحدها عاماً والآخر خاصاً أو مطلقاً ومقيداً أو ظاهراً أو اظهر، فإن العقلاء يبنون على حمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد وغيره، وكذلك نراهم يعملون بالجموع الدلالية مهما أمكن في مرحلة استكشاف مراد المتكلم. ولم يردع الشارع المقدس عن هذا البناء العقلائي بل يلاحظ مثل هذا الرأي في القوانين الحديثة، فلو كتب المتعاقدان عقداً وكان هناك تناقض أو تضاد بين بعض كلماتهما، فيلزم على القاضي التوفيق بينها مهما أمكن، ففي كتاب نظرية العقد للسنهوري: (وأما إذا كانت عبارتان ظاهرهما التناقض، فليجتهد القاضي في التوفيق بينهما بقدر ما يستطيع، فإن أمكن إعمال العبارتين معاً فعل، وإلا فيجتهد في إعمالهما إلى أقصى حد يتمكن من ذلك. وأما إذا كان التناقض بحيث لا يمكن إعمال العبارتين معاً فيختار تطبيق العبارة التي يظهر أن المتعاقدين كانوا يريدونها دون الأخرى، وأما إذا تعذر تغليب عبارة على غيرها، فالظاهر أن العبارتين تمحو إحداهما الأخرى) (1).

وما ذكره السنهوري ربما كان أوسع من حدود الجمع العرفي وكأنه نظير ما عن ابن أبي جمهور الأحسائي من قوله : (إن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح)، إذن فبناء


1) نظرية العقد: 942.

العقلاء قائم على مثل هذا الجمع الدلالي. وبما أنه لم يصدر ردع عن هذا البناء شرعا فيكون حجة.

ولكن يمكن الاعتراض على هذا التقريب باعتراضين:

الاعتراض الأول: أننا لا ننكر بناء العقلاء إجمالاً على الجمع والتوفيق بين العبارات التي تبدو متخالفة بالنظر الابتدائي، ولكن إنما يبنون على الجمع فيما لو لم يوجد محذور من الاعتماد على القرينة المنفصلة، بمعنى أنه لا يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأما لو لزم منه هذا المحذور بحيث يقبح عندهم الاعتماد على القرينة المنفصلة فلم يثبت بناء للعقلاء في ذلك. فلو قال المولى أولا : (أكرم كل عالم من يوم السبت)، ثم بعد ذلك وبعد فترة من العمل وفق هذا العام وبعد أن اكرم المأمور جماعة من العلماء عدولاً وفساقاً فاذا صدر منه كلام يتصادم مع ظهور الكلام الأول قال المولى: (يحرم إكرام الفساق من العلماء)، فهنا لا يحمل العرف الخطاب الثاني على أنه مخصص للأول، فإن حقيقة التخصيص أن الحكم كأنه مقيد من الأول، فلو كان الحكم كذلك فإنه يقبح على المولى عرفاً عدم ذكر القيد من أول الأمر، فإن عدم ذكره للقيد من ذلك الحين أدّى إلى إكرام الفساق أيضاً.

لذلك فإن العقلاء في مثل هذه الموارد يحملون القول الثاني على النسخ فيما لو كان المتكلم مما يمكن في حقه تبدل الرأي وتغيره، وأما لو لم يتصور تبدل الرأي في مثل هذا المتكلم فانهم يحكمون بالتعارض بين كلاميه والروايات التي هي محل للابتلاء هي في الغالب من هذا القبيل.

إذن فلم يثبت استقراء بناء العقلاء على هذه الجموع العرفية في أمثال هذه الموارد التي يكون الاعتماد على القرينة المنفصلة فيها مخالفاً للقواعد.

والشاهد على عدم بناء العقلاء على الجمع في امثال ذلك وعدم كون هذه الجموع عقلائية دائماً ما ذكرناه في بداية بحوث التعادل والتراجيح من تأثير اختلاف الأحاديث في نفوس الخاصة والعامة، كما أشار لذلك الشيخ في مقدمة التهذيب، قال: (ذاكرني بعض الأصدقاء - أيده اللّه - ممن أوجب حقه علينا بأحاديث أصحابنا – أيدهم اللّه، ورحم السلف منهم - وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبأزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا، وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا. سمعت شيخنا أبا عبد اللّه - أيده اللّه - يذكر أن أبا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة، فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث، وترك المذهب ودان بغيره لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها) (1).

إذن، فلو كانت مثل هذه الجموع الشائعة عند المتأخرين جموعاً عرفية وواضحة عند العقلا، لم يكن هناك أي موجب لمثل هذه الحيرة والاضطراب، او التشكيك العقائدي وزال التعارض بين الكثير من الروايات، ولم يبق منها إلا القليل مما لا توجب مثل هذا الاضطراب والحيرة.

وكذلك تعرض الكليني في مقدمة الكافي لشكوى الأخ الذي طلب منه تأليف الكافي، حيث شكا من اختلاف الأحاديث، قال: (وذكرت أن أموراً قد أشكلت عليك لاتعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها، وأنك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها، وأنك لاتجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه


1) التهذيب 1 : 2.

فيها) (1). مع أن العقلاء لو كانوا يدركون عدم التعارض فيما لو واجهوا الخبرين، فلاحاجة لمذاكرة أحداو الاشكال في هذا الاختلاف.

وأما ما ذكره المحقق النائيني في فوائد الأصول في الجواب عن هذا الاعتراض حيث قال: (إن هذه البيانات المنفصلة كاشفة عن اتصال كل عام بمخصصه، وقد اختفت علينا المخصصات المتصلة ووصلت إلينا هذه المخصصات المنفصلة). ثم يقول في مقام الاستدلال على ما ذكره: (فإنا نرى كثيراً من المخصصات المنفصلة المروية عن الأئمة (عليهم السلام) ترويه العامة بطرقهم عن النبي (صلى اللّه عليه وآله)، فيكشف ذلك عن اختفاء المخصصات المتصلة علينا) (2)، فيعترض عليه :

أولا: أن ما ذكره لو سلم، فإنما يتم في خصوص العام والخاص، ولا يشمل غيره. على أن هناك مواضع لا يحتمل فيها حملها على الاتصال بكلام آخر او ان الاتصال فيها غير معقول، كما في بعض موارد العامين من وجه ومورد انقلاب النسبة، أو حمل الأمر على الترخيص ونحوه، والبحث لا يختص بخصوص العام والخاص. وكان على المحقق النائيني ان يذكر شواهد على رأيه، وان هناك مخصصات ذكرها الائمة (عليهم السلام) لكلام الرسول (صلى اللّه عليه وآله) وقد ذكرها العامة أيضاً في احاديثهم، نعم ربما يعتمد على هذا الوجه في انكار بناء العقلاء في الاعتماد على القرائن المنفصلة في الموارد التي يقبح عندهم الاعتماد عليها، كما لو كان الحكم من قبيل الفتيا، وقد ذكرنا في محله عدم الاعتماد فيها على القرينة المنفصلة، لانها تلقى لعمل المخاطب، او كان


1) الكافي 6:1.

2) فوائد الأصول 4 : 734.

من قبيل التعليم، ولكن تنتهي المدة المضروبة للتعليم، فمثلاً الطالب الذي يدرس الطب في ست سنوات، يمكن ان يذكر له العام في سنة والخاص بعد سنتين أو ثلاث او خلال المدة المضروبة للتعليم واما ان يذكر له الخاص بعد مئة سنة. فليس هذا بعقلائي.

ثانياً: أن رواية بعض المخصصات من طرق العامة إنما يدل على عدم ورود التخصيص من قبل الأئمة (عليهم السلام)، وليس فيه دلالة على أن الإمام (عليه السلام) ذكر المخصص عند ذكره العام متصلاً به.

ومما يجدر قوله : إنه لو كانت هذه الجموع عرفية، فلا معنى لذلك الاختلاف الكبير بين الفقهاء في كيفية الجمع بين الروايات المتعارضة فنلاحظ مثلاً أن المحقق الهمداني يجمع بين روايتين متعارضتين بنحو من الجمع في حين ان صاحب الجواهر يجمع بينهما بنحو آخر، وثالثاً بنحو ثالث، ولو كان عرفياً لكان موحداً عند الجميع، بل ربما نرى بعض الفقهاء يفتي بفتوى استناداً للجمع بين الروايات. ولكن كلما فكرنا في وجه الجمع لا نتوصل إليه إلا إذا سأل فيجيب بذلك الوجه، فلا يوجد مثل هذا الجمع إلاّ في فكره الشريف، مع أن الجمع لو كان عرفياً فيلزم عدم اختلافه عند الجميع، أو على الأقل لابد من التفات الإنسان إليه إذا عرف أن هناك جمعاً.

إذن فتسمية أمثال تلك الجموع بالعرفية، ربما كان لأجل تهيئة الأذهان لتقبلها وعدم استغراب أو استيحاش الطالب منها.

الاعتراض الثاني: ما ذكره المحقق الآخوند والعلامة الحائري من أن بناء العقلاء وإن كان صحيحاً ولكن الأخبار العلاجية رادعة عن هذا البناء العقلائي؛ لانها تشمل بإطلاقها موارد الجمع العرفي؛ وذلك لأنه قد اخذ فيها عنوان (الخبران المختلفان)،

وهذا العنوان يشمل مطلق الاختلاف سواء كان بين المطلق والعام والمقيد والخاص فضلا عن موارد انقلاب النسبة التي هي من الأمور الدقيقة.

قال المحقق الآخوند في الكفاية: (فإن جلّ العناوين المأخوذة في الأسئلة لولا كلها يعمها (أي موارد الجمع العرفي) كما لا يحفى، ودعوى ان المتيقن منها غيرها مجازفة، غايته انه كان كذلك خارجاً لا بحسب مقام التخاطب) (1). فان القدر المتيقن الخارجي ليس مانعاً من الاطلاق، وانما عنده المانع منه القدر المتيقن في مقام التخاطب.

وقال العلامة الحائري في الدرر (المرتكزات العرفية لا يلزم أن تكون مشروحة مفصلة عند كل أحد حتى يرى السائل عدم احتياجه إلى السؤال عن حكم العام والخاص وأمثاله) (2)اذن فربما تحير عامة الناس في امثال هذه الموارد حتى مع وجود العام والخامس والظاهر والاظهر، لان الجمع بينها تحتاج لمهارة وخبرة خاصة لذلك تشملها الاخبار العلاجية. ثم أيد مدعاه برواية الحميري التي ذكرناها سابقاً؛ حيث إن النسبة بين الحديثين فيها العموم والخصوص المطلق، وبرواية علي بن مهزيار، حيث ان الخبرين فيها من قبيل الظاهر والأظهر، فإنه يلاحظ فيهما أمران:

أحدهما: أن السائل قد طرح خبرين واعتبرهما متعارضين مع وجود الجمع العرفي بينهما. ومع ذلك بقي السائل متخيراً ويسأل عن العلاج.

والثاني: أن الإمام (عليه السلام) أجرى حكم المتعارضين فيها؛ حيث حكم بالتخيير، وهو من أحكام التعارض لدى هؤلاء في موارد الجمع العرفي.


1) كفاية الاصول: 449.

2) الدرر ص 679.

وهذان وجهان لهذين العلمين، يمكن الاعتراض بهما على بناء العقلاء، ولكن يمكن مناقشة هذين الوجهين:

أما الوجه الأول، فإن هذه الجموع المتداولة في كلمات الفقهاء وأمثالها إن أريد بأنها موجودة في بناء العقلاء بنحو عام وبصورة مطلقة وشاملة، فقد يتوجه عليها الاعتراض المذكور من إنكار هذا البناء، أما إذا صححنا هذه الجموع ووجهناها بتوجيه آخر يستفاد من البحوث التي تقدم ذكرها منا، فلا يتوجه هذا الاعتراض.

توضيح ذلك، أنه لو كان المراد من الجمع العرفي في كلماتهم اعتبار المتكلمين المتعددين كمتكلم واحد، واعتبار الأقوال الملقاة فيأجواء وظروف مختلفة، ولمخاطبين تختلف مذاهبهم وميولهم ككلام واحد، فيتوجه الاعتراض المذكور من إنكار مثل هذا الجمع العرفي أو الجموع التي ذكرها العلماء، وجود البناء العقلائي عليها، ولسكن ما نريد أن نقوله هنا تصحيحاً لجموع الفقهاء هو أن الجموع التي يتبناها الفقهاء بين أقوال الأئمة (عليهم السلام) تعتمد على قاعدة أخص من ذلك، هي عقلائية بدورها حيث يجرى عليها بناء العقلاء في هذه المجالات الخاصة بالنسبة لبعض زعماء الملل والنحل واقوالهم مع ان ظروفهم تفرض عليهم استخدام اساليب معينة في الكلام، والتعبير عن ارائهم. وذلكلأن المتكلم الذي يستخدم التورية والكتمان في أقواله أحياناً بلحاظ ما يملكه من مقام ديني أو اجتماعى أو سياسي وخاصة مع إعلامه بنفسه أنه يلزم الدقة والتفقة في أقواله من أجل الوصول لمراده الجدّى، كما صدر أمثال ذلك من أيمتنا (عليهم السلام) حيث قالوا كما ذكرنا سابقاً: «إنا نجيب على الزيادة

والنقصان» (1)، «حديث تدريه خير من ألف ترويه» (2)، «إنا لا نعد الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا» «أو حتى يلحن فيعرف اللحن».

وكذلك مع تأكيده أن في كلامه محكماً ومتشابهاً كمحكم القرآن ومتشابهه، وأن كلامه ليس على مستوى فهم العموم وغيرها من الأمور التي تستوجب تمييز كلام مثل هذا المتكلم عن سائر المتكلمين وفهمه عن فهم كلام غيره، فلا يمكن أن يتعرف على أساليب كلامه وفهمه كل واحد من أبناء العرف وإنما يتعرف عليها الخبير المطلع على تلك الأساليب والخصائص المعينة التي أشرنا إليها بان يعرف دواعي الكتمان والنشر عند هذا الزعيم، واساليبها قواعدها، ويعرف اصوله واهدافه الاساسية، ولا يتمكن من ذلك الامن كان من خواص هذا الزعيم وبطانته، أو المتخصصون من العقلاء الذين تعرفوا على تلك الاساليب والخصائص.

ومن هنا يحق للفقيه العارف بهذه القواعد والأساليب التوصل لفهم مرادهم من أقوالهم، واستكشافه على ضوء تلك القواعد والأساليب. ولذلك فمن المعقول الجمع بين أقوالهم المختلفة بتلك الجموع التي قام بها الفقهاء وعملوا بها، ومثل هذا الجمع مما يبني عليه العقلاء أيضاً ويجرون عليه، ولكن في مستوى خاص ولأمثال هذا المتكلم المعين الذي له أساليبه وقواعده الخاصة، ولا يعم جميع الناس.

لذلك في الجموع عند العقلاء بين أقوال هذا المتكلم ربما اختلفت عن الجموع والفهم في أقوال المتكلم العادى.


1) الكافي 1 : 3/52.

2) معاني الأخبار 3/2.

إذن، فإذا كان المراد أن هذه الجموع التي نقوم بها بين الروايات والأقوال المختلفة للأيمة (عليهم السلام) هي جموع عرفية عقلائية عامة كأقوال سائر الناس كما هو الأمر في المخصصات المنفصلة الواردة قبل وقت العمل بالعام، حيث يكون الجمع فيها عرفياً عقلائياً يتفهمه ويتعقله عامة أبناء العرف والعقلاء، فهذا الرأي مما تدل الشواهد على خلافة.

وإنما المراد منها التوجيه الآخر الذي ذكرناه مما لا يمكن لأي أحد القيام به ولا يتفهمه العموم بل يختص بفهمه الفقهاء حيث يجمع بين أقوال مثل هذا المتكلّم الذي يتصدّى لزعامة اجتماعية أو دينية، حيث تكون له أساليبه وقواعده الخاصة في الكلام، فيجمع بين أقواله المختلفة على ضوء تلك الأساليب والقواعد، وهو مانسميه بـ(الجمع الاستنباطي). وهذا الجمع مما لا يمكن لكل أحد من أبناء العرف القيام به وتفهمه، وإنما تختص معرفته بأولئك المتخصصين في معرفة لحن كلام الأئمة (عليهم السلام) كما أكد ذلك صاحب الجواهر فيما تقدم نقله عنه فإن هؤلاء يعرفون قواعد الإعلام والنشر، ومواقعه وأساليبه، وقوانين الكتمان ومواقعه وأساليبه عند الأئمة الهداة (عليهم السلام)، وغيرها من الخصائص والأمور التي ذكرناها في المقصد الثاني. فإن هؤلاء العارفين المتخصصين هم الذين يحق لهم الجمع بين أقوال الأئمة المختلفة على ضوء ما ذكرناه، ويجب عليهم اتباعها لفهم المراد من كلامهم.

كما أن العقلاء أنفسهم يجمعون بين أقوال مثل هذا المتكلم المعين الذي له هذه الخصائص والأساليب في الكلام بمثل هذا الجمع فيما لو علموا بأن هذا المتكلم يختلف عن غيره من المتكلمين في أساليبه وضوابط كلامه. فبناء العقلاء أيضاً قائم على مثل هذه الجموع التي يقوم بها الفقهاء بالنسبة لأقوال الأئمة المختلفة.

والملاحظ أن الجمع الذي نقول به يشمل أيضاً حمل الكلام على التورية والمعاريض وأمثالها، فهو أوسع بكثير مما اصطلح عليه بالجمع العرفي

وأما الوجه الثاني - وهو أن الأخبار العلاجية رادعة عن بناء العقلاء - فيشكل عليه ما ذكرناه سابقاً من أن الأخبار العلاجية إنما هي إرشاد لبناء العقلاء في الترجيح الذي يقوم على ملاحظة صرف الريبة من إحدى الروايتين أو الأمارتين إلى الأخرى. فهذه الأخبار تساعد الفقيه على معرفة مصاديق هذه الكبرى العقلائية بما يناسب المورد وليس فيها تعبد. وعلى ذلك فإذا أمكن علاج الاختلاف بين الروايات على ضوء موازين الجمع الاستنباطي من ملاحظة أسباب الكتمان وأساليبه وغيرها حيث بها تزول الريبة بعد استكشاف مراد المتكلم على ضوء الأصول والقواعد التي يعمل بها، فلا تصل الرتبة إلى صرف الريبة على ضوء الموازين والمرجّحات المذكورة في الحديث كالشهرة والشذوذ وموافقة الكتاب ومخالفته.

بالإضافة إلى أن هذه الروايات - والمعتمد منها خاصة - قد وجه الخطاب فيها للفقهاء، فهم الذين يقومون بالعلاج بين الأخبار؛ ففى رواية عمر بن حنظلة مثلاً - بعد أن أرجع الإمام (عليه السلام) النظر للفقيه في صدر الرواية يحث قال: «انظروا إلى رجل منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» وسؤال السائل فيما لو اختلف الفقهيان قال (عليه السلام) بعد ذلك - : «ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه لدى أصحابك» (1). وقد تقدم منا أن المراد من الناظر هنا هو رجل ثالث ولا بد أن يكون فقيهاً بالطبع ممن يعلم بمستند


1) الكافي 1 : 54 / 10. الوسائل 27 : 136 / 1، ب 11 من أبواب صفات القاضي.

الطرفين، وهما الفقيهان اللذان رجع اليهما المتخاصمان ويتمكن من معرفة المجمع عليه، وموافقة الكتاب ومخالفة العامة وميول حكام الجور. فلو لم يكن فقيهاً مطلعا على كل ذلك لم يمكن إرجاع عملية الترجيح في مثل ذلك إليه ليكون ناظراً في آراء الفقيهين، كما أن عنوان الفقيه نفسه - الذي استخدم قبل هذا في الرواية - ليس المراد منه ما يرادف الفهم، وإنما يراد منه التعمق والدقة في الأمر، كما ورد في الحديث: «إنا لا نعد الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا»، أو «حتى يلحن فيعرف اللحن».

إذن فالخطاب موجه للفقيه، والفقيه إنما يعالج الاختلاف على ضوء تلك المرجّحات فيما إذا لم يكن له طريق لاستكشاف مراد المتكم.

نعم، إذا لم يتمكن الفقيه من علاج المشكلة على ضوء دراية الحديث، فيفزع لهذه المرجّحات والموازين التي هي جارية وفق بناء العقلاء ايضاً.

فهذه الرواية ونظائرها واردة في مقام إرشاد الفقهاء إلى طريق التفقه على ضوء القواعد العامة العقلائية والقواعد الخاصة لاستنباط الحكم من خلال الروايات المختلفة. ومن المعلوم تقدم الجمع الدلالي بالمعنى الذي ذكرناه على الترجيح بحسب ما هو المرتكز عند العقلاء بنحو ما قررناهاذن فهذه الروايات التي ترشد للأخذ بالموازين العقلائية، كيف تردع عن بناء العقلاء.

نعم، يحتمل أن تكون بعض الروايات العلاجية واردة في جواب مستفت يعرض على الإمام فتويين أو فتاوى مختلفة منقولة عنه (عليه السلام) أو عن آبائه (عليهم السلام)، ويريد علاج مشكلته الفعلية بعد أن أحرز اتحاد مورد السؤال مع الفتاوى المعروضة من حيث الموضوع، فجوابه (عليه السلام) في هذا المورد بترجيح بعض

الروايات على بعض معناه عدم الرجوع إلى الجمع الدلالي في المورد نفسه. وربما لم يكن جمع دلالي صحيح فيه فلإاطلاق له ليستفاد منه إلغاء الجمع الدلالي رأساً ولو في سائر الوارد.

وأما ما أضافه المحقق الحائري في مقام الدعم للوجه المذكور من الخبرين: مكاتبة الحميري، وخبر علي بن مهزيار، فيرد على المكاتبة:

أولاً: أنه قد يناقش في سند الرواية أحياناً؛ لأمور منها أنه لا يعلم أن المجيب فيها هو الإمام الحجة «عجل اللّه فرجه» كما سبق، ولا أهمية لهذا الاشكال كثيراً.

ثانياً: أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يتم فيما لو كان الحديثان بالصورة المذكورة في التوقيع من قوله: (الجواب: أن فيه حديثين. أما أحدهما فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه تكبير، وأما الآخر فإنه روي أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثم جلس ثم قال فليس عليه بعد القعود تكبير)، حتى يكون بين هذين الحديثين المنقولين بهذه الصورة في التوقيع جمع عرفي. ولكن تقدم منا أن الشواهد تدلّ على أن الحديث الأول قد نقل بالمعنى نقلاً إجمالياً، وإنما هو إشارة إلى ما مضى نقله عن الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: «كان رسوال اللّه (صلى اللّه عليه وآله) يكبر كلما خفض ورفع، فما زالت تلك صلاته حتى لقي اللّه تعالى». وعلى ذلك فلا يوجد جمع عرفي بينهما؛ وذلك لعدم كون النسبة بينهما بهذه الصورة نسبة العموم والخصوص المطلق.

ثالثاً: أن هذا يبتني على أن الحكم بالتخيير فيها إنما هو من باب التخيير الأخذي في مورد الروايات المتعارضة، ولكن هذا غير صحيح، وإنما هو من التخيير في الموسعات؛ لما تقدم من أن الأئمة (عليهم السلام) في موارد الموسعات لهم مثل هذا الاختلاف في

البيان، فالأمر بأخذ أحدهما إنما هو بلحاظ التوسعة الواقعية المختصة بالموسعات، ولا يستفاد منه أن ذلك هو حكم المتعارضين أيضاً فالتخيير في الموسعات غير التخيير في الخبرين المتعارضين.

وأما خبر علي بن مهزيار في قوله: «صلهما في المحمل» و «لا تصلها إلا على الأرض» (1)، فيرد عليه:

أولاً: أنه لا يوجد هنا جمع دلالي بين الخبرين؛ لأن كلاً منهما إرشاد إلى الشرطية - أي شرطية الاستقرار والاستقبال في النافلة – وعدمها.

وثانياً: أن التخيير هنا إنما هو من باب التخيير في الموسعات، وليس من باب التخيير في الخبرين المتعارضين كما وضحناه في محله بالتفصيل.

وقد تقدم البحث موسعاً عن هذين الخبرين عند استعراض اخبار التخيير في المقصد الثالث فراجع.

فظهر من ذلك التأمل في الاستشهاد والمذكور.

ومن كل ذلك يتضح أن الدليل الأول الذي استدل به على صحة الجمع العرفي - وهو بناء العقلاء - لامناقشة فيه، ولكن على التفسير الذي ذكرناه من تفسير الجمع الدلالي بالجمع الاستنباطي وملاحظة العقلاء للخبرين المتخالفين الصادرين من متكلم له مكانة اجتماعية خاصة، وقد صدر الخبران في ظروف واجواء مختلفة، لمخاطبين يختلفان في عقائدهما وميولهما وظروفهما، فالعقلاء في مثل ذلك يجيزون مثل هذا الجمع، بل ربما أوجبوه، فتكون مثل هذه الجموع صحيحة، ولكن شريطة أن يتم الجمع على ضوء موازين الاستنباط التي يعرفها الفقيه. الذي اطلع على تلك الموازين


1) التهذيب 3: 228 / 228، الوسائل 3 240 / 8، ب 14 من أبواب القبلة.

والاساليب، فالجمع الذي يدركه الفقيه واهل الخبرة والتخصص، ربما لا يدركه عامة الناس كلهم.

الدليل الثاني: السيرة. وقد إشار إليه صاحب الكفاية. والفرق بين السيرة وبناء العقلاء أن بناء العقلاء يلزم أن يكون قائماً على امر عام لم يردع عنه الشارع، والحكم المستكشف منه هو حكم إمضائي أما السيرة فهي تعبر عن عمل طائفة خاصة تابعة لمنهج خاص مثل المسلمين أو الإمامية، فهي تكشف عن رأي رئيسهم ومتبوعهم، والحكم المستكشف بالسيرة حكم تأسيسي وبناء العقلاء في حجيته يحتاج لعدم الردع واحرازه، بينما سيرة المتشرعة فانها كاشفة عن عدم الردع بالشروط المذكورة لها، منها اتصالها بزمان المعصومين، إذن، فيختلف بناء العقلاء عن السيرة في الكاشف والمنكشف. قال المحقق الخراساني: (اللهم إلا أن يقال: إن التوفيق في مثل الخاص والعام، والمقيد والمطلق كانت عليه السيرة القطعية من لدن زمان الأئمة (عليهم السلام)، وهي كاشفة إجمالاً عما يوجب تخصيص أخبار العلاج بغير موارد التوفيق العرفي لولا دعوى اختصاصها به) (1). والملاحظ في كلامه أن مورد السيرة ليس كل جمع عرفي وإنما هو فيما لو كان من قبيل العام والخاص، والمطلق والمقيداو ان هذه السيرة على الجمع العرفي مستمرة من زمان الائمة (عليهم السلام) إلى زماننا.

وقد اعترض عليه العلامة الحائري بأنه مع مخالفة مثل الشيخ الطوسي – وقد نقلنا كلامه في الاستبصار سابقاً - فكيف يمكن ادعاء قيام السيرة على ذلك؟ وكيف


1) الكفاية: 449.

خفيت على مثل الشيخ؟ ولابد للسيرة من شاهد عليها، ولا يمكن ادعاؤها بمجرد الذوق والاستحسان.

لذلك يمكن تقريب السيرة التي ادعاها المحقق الآخوند رحمه اللّه بذكر بعض الشواهد عليها، فيمكن الاستشهاد لها بما في اعتقادات الصدوق - وقد نقلنا كلامه سابقاً - من أن اعتقادنا في المجمل والمبين أن المجمل يحمل على المبين (1)، وبما نراه في كلمات بعض من سبق الشيخ الطوسي كالصدوق في الفقيه من بعض الجموع التي تشبه ذلك، وبما في الكافي في (باب ما وضع رسول اللّه الزكاة عليه) علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس عن عبدالله بن مسكان عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: وضع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) الزكاة على سبعة أشياء: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذهب والفضة والابل والبقر والغنم وعفا عما سوى ذلك». قال يونس معنى قوله : ان الزكاة في سبعة اشياء وعفا عما سوى ذلك، انها ذلك في أوّل النبوة كما كانت الصلاة ركعتين ثم زاد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فيها سبع ركعات، وكذلك الزكاة وضعها وستها في أول نبوته على سبعة أشياء، ثم وضعها على جميع الحبوب (2)، فيقصد يونس بكلامه هذا الجمع الدلالي بين الروايات التي تجعل الزكاة على الحبوب وماينفيها عنها كالخبر المذكور.

وقد جاء في كتابي الشيخ الكثير من هذه الجموع، وسيأتي الكلام حول جموع الشيخ.


1) الاعتقادات: 89.

2) الكافي 2/509:3.

ولكن يمكن المناقشة في الشواهد المذكورة ومناقشة وجود السيرة على الجمع العرفي عند عند الاصحاب والعلماء السابقين. في مجال الروايات المتعارضة، وهذه المناقشة تعتبر توضيحاً لرأي الشيخ الحائري مع اضافات وشواهد منا.

أما كلام الصدوق فربما كان أجنبياً عن المقام؛ لأن حمل المجمل على المبين ليس منه.

وأما جمع يونس بن عبدالرحمن، فلا علاقة له بمثل هذه الجموع؛ لأنه من قبيل النسخ، فهو يريد القول بأنه يجب الأخذ بالمتأخر.

وأما جمع الصدوق في بعض الموارد في كتاب الفقيه، فلا يمكن الاعتماد عليه؛ لأننا نرى الصدوق يقول في الفقيه نفسه في الجمع بين خبرين: (دل أحدهما على عدم البأس في أن يصلي المصلي وبين يديه سراج حيث عبر فيه «لابأس»، ودل الآخر على عدم جواز ذلك وهو خبر علي بن جعفر حيث عبر «لايصلح»...، قال: (ولكنها رخصة اقترنت بها علة فمن أخذ بها لم يكن مخطئاً بعد أن يعلم أن الأصل هو النهي، وأن الإطلاق هو رخصة، والرخصة رحمة) (1). فهو لم يجمع بين الخبرين جمعاً عرفياً؛ لأن الجمع بين «لا بأس» و «لايصلح» هو الحمل على الكراهة، وهو من أوضح مصاديق الجمع الدلالي عندنا.

ويضاف لذلك أنه لو كانت السيرة قائمة بين العلماء على مثل هذه الجموع التي تسمى بالعرفية، فلابد أن تشتمل عليها بعض جوامع الحديث ككتاب الحسين بن سعيد وعلي بن مهزیار ونوادر ابن أبي عمير وجامع الآثار ليونس بن عبدالرحمن، ولكان بين أيدينا اليوم تراث علمي كبير من الجمع العرفي، إضافة إلى أن هذه الكتب


1) الفقيه 1 : 250 - 251/ 764.

المشتملة على الجموع سوف تواجه تلك الشبهات التي أثارتها مشكلة اختلاف الأحاديث منها الاضطراب العقائدي عند البعض كما أشرنا إليه، وانه بسبب وجود الروايات المتعارضة عن المعصومين، وجد بعض التزعزع العقائدي عند البعض، كما اشار إليه الشيخ في مقدمة الاستبصار، وبذلك يتجنب الشيعة الوقوع في المشاكل التي أشرنا إليها سابقاً، والتي أدّت إلى أن يُطلب من الشيخ الطوسي في أوائل وروده لبغداد تأليف كتاب لمعالجتها. فإن تلك الكتب التي تحوي على تلك الجموع سوف تغني عن تأليف مثل هذا الكتاب؛ لوجود تلك الكتب آنذاك، حيث كانت من مصادر الشيخ في كتابيه، وكانت محفوظة في مكتبات الشيعة وغيرها كمكتبة سابور وخاصة مع وجود الكثير من فقهاء الشيعة قبل الشيخ الطوسي فنلاحظ ان النجاشي في رجال وصف (46) شخصاً بالفقاهة مع انه لم يصف بعض كبار الرواة والعلماء بذلك، فلو كان كل فقيه يجمع جمعاً عرفياً، لكان الحاصل من ذلك تراثاً علمياً كبيراً من الجموع العرفية، ولكان الشيخ والسيد المرتضى وغيرهما يشير إلى هذه الجموع التي قام بها العلماء، مع ملاحظة اختلاف العلماء في بعض الجموع كما يلاحظ ذلك في زماننا ايضا، حيث يختلف بعض العلماء فيما بينهم في نوع الجمع بين الروايات، فكل فقيه يذهب لجمع خاص، ولو كان جمعاً عرفياً لكان يلتفت إليه ابناء العرف وخاصة العلماء بصورة واضحة، فلا يرون اختلاف الاحاديث ولا تعارضها، ولا تحصل المشاكل والاثار المترتبة على اختلاف الاحاديث.

إذن، فلو كانت الجوامع الحديثية مشتملة على تلك الجموع لما وجد مثل ذلك التحير والاضطراب الناجم عن اختلاف الأحاديث حتى يلتجئ للشيخ الطوسي لمعالجتها، حين وروده لبغداد، وقد كان عمره آنذاك (23) عاماً؛ لأن عمره حين وفاة

الشيخ المفيد - أي سنة 13 4 - كان (28) عاماً وقد كتب التهذيب إلى آخر كتاب الصلاة في هذه المدة؛ لأنه عبر عن الشيخ المفيد فيها بـ (قال الشيخ، ايده اللّه، فيعلم أن المقدمة كتبها آنذاك، وقد جاء فيها: (فالاشتغال بشرح كتاب يحتوي على تأويل الأخبار المختلفة والأحاديث المتنافية من أعظم المهمات في الدين ومن أقرب القربات إلى اللّه تعالى؛ لما فيه من كثرة النفع) (1).

لو كانت هذه الجموع العرفية موجودة او كانت واضحة عند العرف او العلماء، لما حدثت تلك المشاكل المترتبة على الاخبار المتعارضة وخاصة المشكلة العقائدية، ولما طلب من الشيخ القيام بعملية الجمع بين تلك الاخبار المواجهة هذه الاثار المترتبة عليها.

فكيف حصلت تلك المشكلة، فيما إذا كانت مؤلفات الشيعة مشتملة على مثل هذه الجموع، وبالخصوص إذا كانت عرفية؟ على أن الشيخ الذي جمع بين الأخبار بمثل تلك الجموع يقول في المقدمة: (ومهما تمكنت من تأويل بعض الأحاديث من غير أن أطعن في إسنادها فإني لا أتعدّاه... حتى أكون عاملاً على الفتيا والتأويل بالأثر، وإن كان هذا مما لا يجب علينا لكنه مما يؤنس بالتمسك بالأحاديث) (2).

إذن فلو كانت هناك سيرة بين العلماء على الجمع العرفي لدونت وكتبت في كتب السابقين التي كانت موجودة آنذاك، وبذلك لا تحدث تلك المشكلة التي سببها اختلاف الأحاديث. اضافة إلى عدم التعرض لمثل هذا الجمع في الكافي؛ فهو إما إنه


1) تهذيب الأحكام 1: 3.

2) تهذيب الأحكام 1: 3 - 4.

لا ينقل إلا الخبر الذي يفتي به فلا ينقل الأخبار المتعارضة، أو إنه إذا نقلها فلا يحاول الجمع بينها جمعاً دلالياً مع ملاحظته لها.

إذن، فمن أين نستكشف أن سيرة العلماء من زمان الباقرين (عليهما السلام) إلى زماننا هذا كانت قائمة على الجموع الدلالية، وخاصة بالنحو المعروف من الجمع الدلالي في زماننا؟ اذن فلا يعلم وجود السيرة على الجمع العرفي، ولا توجد شواهد عليها، بل الشواهد على خلافها، وفقهاؤنا انما سلكوا في بحوثهم على طريقة بناء العقلاء والروايات المشيرة لهذا البناء.

الدليل الثالث: الروايات. الروايات الشريفة التي تقدم نقل البعض منها تشير إلى ضرورة الجمع بين أخبار الأئمة (عليهم السلام) وهي وإن أمكن الخدشة بسند بعضها ولكن يصح الاحتجاج بمجموعها. وهي طوائف:

الطائفة الاولى: الروايات التي تحث الأفراد على فهم مراد الأئمة (عليهم السلام) من الأجوبة المختلفة التي يلقونها حول موضوع واحد؛ فمنها معتبرة الأحول التي تقدم نقلها عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: «أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا، إن كلامنا لينصرف على سبعين وجها» (1)، وقد تقدم توضيح المراد من «سبعين وجها» وقلنا: إن المراد منها: أن الأئمة (عليهم السلام) يجيبون بأجوبة مختلفة لبعض الدواعي والأغراض. فقوله (عليه السلام): «أنتم» فيه حثّ وتحريض على معرفة المراد من خلال الدقة والتعمق في الأجوبة المختلفة الصادرة منهم (عليهم السلام).

ومنها: ما تقدم نقله عن التهذيب بسند صحيح عن زرارة قال: كنت جالساً عند أبي جعفر (عليه السلام) ذات يوم إذ جاءه رجل فدخل عليه، فقال له: جعلت فداك،


1) معاني الأخبار 1 : 13 / 1، وفيه عن داود بن فرقد.

إني رجل جار مسجد فإذا أنا لم أصل معهم وقعوا في وقالوا: هو كذا وكذا. فقال: «أما لئن قلت ذلك لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من سمع النداء ولم يجبه من غير علة فلا صلاة له» فخرج الرجل فقال له: «لاتدع الصلاة معهم وخلف كل إمام». فلما خرج، قلت له: جعلت فداك كبر على قولك لهذا الرجل حين استفتاك، فإن لم يكونوا مؤمنين؟ فضحك (عليه السلام) فقال: «ما اراك بعد إلا هاهنا يا زرارة، فأي علة تريد اعظم من أنه لا يوتم به؟». ثم قال: «يا زرارة ما تراني قلت: صلوا في مساجدكم، وصلوا مع أيمتكم» (1).

فالملاحظ أن الإمام (عليه السلام) ذكر في جواب زارة وجهين:

أحدهما: أنه قال: «من غير علة»، وعدم الايمان أحد العلل عند أيمة أهل البيت (عليهم السلام).

والثاني: أن قوله: «صلوا» رافع لإطلاق من سمع...» في ذاته لو فرض وجوده. والشاهد على ذلك ما ذكره في الجهة الثانية التي نبه عليها بقوله: «يا زرارة ماتراني قلت...»، فهو يريد أن يبين هذه الحقيقة وأنه لابد من فهم مراد الأئمة (عليهم السلام) في الأحاديث المتعارضة الصادرة منهم في موضوع واحد، وملاحظة ما فيها من اللحن والعدول، وهذا نحو من أنحاء الجمع. وهناك روايات أخرى بهذا المعنى تقدم ذكرها.

ومنها: (حديث تدريه خير من الف ترويه، ولا يكون الرجل فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا، وان الكلم من كلامنا ينصرف على سبعين وجها لنا من كلها


1) التهذيب :3 24/ 84.

المخرج وامثالها من الروايات التي ذكرناها في مبحث التورية تؤكد على ان الفقيه هو الذي يعرف الاساليب العقلائية العامة أو المختصة بالائمة (عليهم السلام) في المحاورة، وقواعد النشر والكتمان، فليس كل احد يتمكن من فهم المراد والمقصد الحقيقي من اقوالهم، او الجمع بين اقوالهم المتعارضة، بل هو الذي يعرف هذه الاساليب. وليس الفقيه الذي يحكم بالتعارض لمجرد ان يرى حديثين متعارضين ويجري عليهما قواعد التعارض من التساقط او التخيير، بل هو الذي يتأمل في كلامهم حسب تلك الاساليب وربما ارتفع التعارض من خلال الجمع الاستنباطي الذي ذكرناه.

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على لزوم الأخذ بالمحكم ورد المتشابه إليه كما هو الأمر في القرآن الكريم؛ منها ما في العيون - وذكرت في جامع الأحاديث – قال: حدثني أبي قال: حدثني علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن أبي حيون مولى الرضا (عليه السلام) - وهو لم يوثق عن الرضا (عليه السلام) قال: «من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم».

ثم قال: «إن في اخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ومحكماً كمحكم القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا» (1). ونظيرها روايات أخرى يأتي ذكر بعضها.

وأما معنى المتشابه، فقد قال الشيخ الأنصاري في الرسائل: (والمراد من المتشابه بقرينة قوله: «ولا تتبعوا متشابهها فتضلوا هو الظاهر الذي أريد خلافه، إذا المتشابه؛ إما المجمل وإما المؤول، ولا معنى للنهي عن اتباع المجمل. فالمراد: إرجاع الظاهر إلى


1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1 : 290 / 39 جامع الأحاديث 1: 163/ 81.

النص أو الأظهر) (1). وفي هذا حث على الأخذ بالظواهر في خصوص المقدار المراد منها. واما المتشابه فهو ما اريد خلاف ظاهره

الطائفة الثالثة: ماتدل على أنه يوجد في روايات الأئمة (عليهم السلام) عام وخاص، والمراد من العام فيما يذكر في الروايات كما أوضحناه في مبحث العام والخاص، أحد معنيين:

الأول: أن يراد بالعام : ما أريد به العموم وإن ذكر في مورد خاص، وأما المراد من الخاص، فما يراد به الخصوص وان كان ظاهره عاماً.

الثاني: المصطلح الاصولي.

ومن هذه الطائفة خبر سليم بن قيس الهلالي المذكور في جامع الأحاديث، وقد ذكرناه. وفيه بعد الفقرة التي ذكرناها منه في الطائفة الثانية: «وآخر رابع لم يكذب على رسول اللّه، مبغض للكذب خوفاً من اللّه وتعظيماً لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ولم ينسبه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على سمع لم يزد ولم ينقص عنه، وعلم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ؛ فإن أمر النبي مثل القرآن ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام ومحكم ومتشابه، وقد كان يكون من رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) الكلام له وجهان، وكلام عام وكلام خاص، وقال اللّه عزوجل: (ما آتاكم الرسول فخذوه).


1) الرسائل 2 : 778.

وهذه الأخبار حين تنبه على ذلك، فإنها تقصد منه الحث على معرفة ذلك، كما ورد في الروايات أنه لابد للشخص أن يميز عموم القرآن عن خصوصه، كما أنه يعلم من ذلك أن المراد من العام والخاص هو المعنى الأول.

الطائفة الرابعة: الروايات التي تحث على معرفة الناسخ من المنسوخ، كصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: قلت: فاخبرني عن أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) صدقوا على محمد أم كذبوا ؟ قال «صدقوا». قلت: فما بالهم اختلفوا؟ قال: «أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) فيسأله عن المسألة فيجيبة فيها بالجواب، ثم يجيئه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً؟» (1). وغير ذلك من الروايات التي علل فيها اختلاف الأحاديث بالنسخ.

وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة للمقام مع خروج النسخ الاصطلاحي عن محل البحث هو أن النسخ في كلمات الصحابة والتابعين ومن بعدهم كان يراد منه ما هو أوسع من النسخ الاصطلاحي المتعارف الذي يعنى انتهاء أمد الحكم بحيث يشمل تقييد المطلق وتخصيص العام وبيان المبهم والمجمل كما ذكر هذا المعنى للنسخ السيّد الخوئي في تفسير البيان. وأوضحه جماعة من أهل السنة منهم الشاطبي في الموافقات قال فيها: (إن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخاً، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل


1) الكافي 1: 3/52.

أو منفصل نسخاً، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخاً كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر) (1). ثم يستشهد على ذلك بكلمات الصحابة والتابعين.

وعلى ذلك فيراد من الناسخ والمنسوخ ما يشمل كل ما يغير ظهور الكلام.

وعلى كل حال فلا ريب أنه لأجل التعرف على مراد المتكلم الواحد، يلزم الاقتباس من مجموع كلماته التي يرتبط بعضها ببعض آخر، كما هو المسلّم في فهم القرآن الكريم وتفسيره؛ وذلك لأن الإنسان لا يبين جميع الأمور في كلام واحد، كما لا تكون كلماته بمستوى واحد، فقد تكون بعض كلماته بمستوى الإجمال، وبعضها الآخر بمستوى التفصيل، وانما ينكشف مراده من خلال ضمّ بعضها للبعض الآخروان الفقيه كما ذكرنا هو الذي يعرف معاريض الكلام ودواعي الكتمان والفرق بين الفتيا والتعليم وامثالها، كلها مؤثرة في فهم كلام الأئمة (عليهم السلام) وفي الجمع بين الاخبار المتعارضة، ومثل هذا الفهم والجمع لا يمكن لكل احد القيام به وانا يختص بالمتخصصين وهم الفقهاء بتعبير الروايات، وبناء العقلاء ايضاً قائم على فهم امثال الائمة (عليهم السلام) او الجمع بين اقوالهم المتعارضة، بمثل هذا الجمع العرفي الخاص، الذي نعبر عنه بـ (الجمع الاستنباطي) وضحنا هذه الفكرة اكثر في محله، فهو جمع عرفي عقلائي ايضاً ولكن ضمن شروط خاصة. والروايات التي ذكرناها بطوائفها الأربع يمكن الاستدلال بها لذلك أو تأييدهفانها تشير أيضاً للفكرة التي ذكرناها في فهم كلام الأئمة (عليهم السلام) او الجمع بين اقوالهم.

فالجمع بين الروايات أمر صحيح وبدونه لا تجرى قواعد التعارض.


1) الموافقات 3: 108.

المبحث الثاني: حدود الجمع الدلالي والمسموح منه

بعد الالتزام بصحة الجمع الدلالي في الجملة فما هي حدود هذا الجمع ؟ وما هو النحو الجائز منه؟

و مما يجدر التأكيد عليه أن تقييد هذا الجمع بـ (الدلالي) إنما هو للاحتراز عن الجمع العملي ؛ لأنه في موارد اختلاف الطرق والأمارات وتعارضها يمكن الجمع بنحوين: الجمع الدلالي، والجمع العملي.

والجمع العملي بدوره على نوعين: فتارة يعمل بكلا الدليلين المتعارضين احتياطاً، وأخرى يعمل بمضمون كل من الطريقين في بعض مدلوله، كما لو قامت بينة على أن هذه الدار لزيد وقامت بينة أخرى على أنها لعمر وفرضنا تساوى البينتين عدداً وعدالة، فلابد هنا من الجمع بين هذين الطريقين، بالأخذ بكل واحد منها في نصف مدلولهما، كما ورد ذلك في الروايات أيضاً، فيقال بان نصف الدار لزيد ونصفها الآخر لعمرو.

ولكن هذا لا يسمى جمعاً دلالياً، بحيث يكون مقتضاه أن مقصود البينة التي شهدت على أن الدار لزيد أن نصفه له، وكذلك البيئة الأخرى، ولكنه جمع عقلائي.

وقد يعد من هذا القبيل مالو تعارض المقوّمان كما تعرض لذلك الشيخ الأنصاري في مسألة الارش في مكاسبه في خيار العيب حيث ذكر بأنه لو اختلف المقومات في قيمة المعيب والصحيح، فينصف. ولكن دخوله في هذا الباب غير صحيح كما أوضحناه في المكاسب؛ لأن الآخذ بالحد الوسط في تعارض المقومين ليس من قبيل

تعارض الطرق؛ لأن المقوم لا يخبر عن قيمة الشيء وإنما هو ينشيء ويجعل للشيء قيمة بحسب ملاحظة القيمة السوقية، ولكن العقلاء يبنون على أخذ الحد الوسط بين القيمتين، فلو قال أحد المقومين: إن قيمة المال (2000) دينار، وقال الآخر: إن قيمته (1000) دينار، فيعدل بين القيمتين وتعتبر القيمة (1500) دينار. وفي رأينا أن الخلاف بين الشهيد والمشهور في هذه المسألة يبتني على هذا الأمر.

وعلى كل حال فالجمع الدلالي يعني استكشاف مراد المتكلم من كلماته المختلفة الصادرة عنه، ولا يعني العمل بالنصف من كلامه في كل من مورد، كما هو مقتضى الجمع العملي، بل بمعنى ملاحظة مراد المتكلم في مقام الثبوت مثلاً وإن اختلفت أقواله ظاهراً.

وللجمع الدلالي أنحاء ومحتملات، وقد تبين في البحث السابق النحو الصحيح من أنحائه، ولكن لابد من ملاحظة الأدلّة التي اعتمد عليها في توجيه الجمع؛ لكي يتضح الحق منها، فنقول: إن هناك أنحاء واحتمالات أربعة للجمع الدلالي تختلف حسب الأدلّة التي استدل بها له.

الأول: الالتزام بأن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، كما قيل بأن ابن أبي جمهور قد ادعى الإجماع على مثل هذا الجمع (1). وقد نقل السيّد الطباطبائي كلامه في رسالة التعادل والترجيح، وربما تنطبق على هذا النحو عبارة الشيخ في مقدمة التهذيب، حيث قال (ومهما تمكنت من تأويل بعض الاحاديث من غير ان اطعن في اسنادها فلا اتعدى، واجتهد ان اروي في معنى ما اتاول الحديث عليه حديث آخر يتضمن ذلك


1) عوالي اللئالي 4 : 136.

المعنى) وهذا الجمع هو نوع من التأويل مهما امكن) (1)هذا الرأي يوسّع من دائرة الجمع إلى أقصى ما يمكن. ويمكن أن يطلق على هذا النحو من الجمع بالجمع التبرعي أو التورّعي لمناسبة تقتضيهاي لورع الفقيه من طرح الروايات عن المعصومين (عليهم السلام).

الثاني: الجمع الذي قامت عليه السيرة بأن يحدد الجمع بما قامت عليه سيرة العلماء، على اعتبار أن الدليل على الجمع هو السيرة، كالجمع بين العام والخاص والمطلق والقيد، فليس المراد: مطلق الجمع، وإنما يتحدد بتلك الجموع التي مارسها العلماء. وهذا هو مقتضى كلام المحقق الآخوند، وقد تقدم كلامه في هذا المجال. وبذلك تخرج الكثير من الجموع التي التزم بها المتأخرون كانقلاب النسبة وغيره. وإذا شك في مورد بقيام السيرة عليه وعدمه، فلابد من الاقتصار على القدر المتيقن؛ لأن السيرة دليل لبّي، فيكون الدليل قاصراً عن شمول غيرها.

الثالث: الجمع العرفي، بناء على أن الدليل على الجمع هو بناء العقلاء بتقريبه الأول. والمراد من الجمع العرفي: أن يكون هذا الجمع في مستوى فهم عموم العرف، ولا يعتمد على خبرة خاصة للشخص، بحيث لو عرض على عموم الناس هذان الكلامان لما بقي العرف متحيراً، بل إنهم يتوسلون بهذا الجمع. ولذلك فلا يمكن العمل بالجمع الذي لا يدركه العرف، والذي يفوق في مستواه فهم عموم الناس، بحيث يعتمد هذا الجمع على فقاهة وخبرة معينة؛ لأن الملاك فيه هو العرض على العرف. لذلك لو فرضنا أننا لو عرضنا المتعارضين على العرف لاستنكر صدور المتعارضين، وإن وضح له مبادئ هذا الجمع كالجمع بين قوله: «ليس عليه شيء»


1) التهذيب 1: 3.

وقوله : «وعليه بدنة» أو «عليه الحج من قابل» حيث جمع بينهما بالتخصيص؛ فلا يصح العمل بمثل هذا الجمع على هذا المبنى؛ لعدم تقبل العرف العام له. وقد ذكرنا أن مستند هذا الجمع هو بناء العقلاء بالتقريب الأول له، كما تقدم منا ذكره.

الرابع: الجمع الاستنباطي وقد فسرناه فيما سبق، والدليل عليه بناء العقلاء، ولكن لا على مستوى عامة الناس بل على مستوى الخاصة، أي على مستوى ذلك المتكلم الذي يعلم مسبقاً بأنه يتكلم الكلام المختلف بحسب دواعي الكتمان، ويحث على التعرف على مقاصده، وأساليبه وقواعده الخاصة في الكلام بحسب مكانته الاجتماعية. فالمراد من الجمع الاستنباطي: ملاحظة الكلمات المختلفة الصادرة على مستوى واحد سواء صدرت من متكلم واحد أو من متكلمين، على ضوء القواعد التي تستفاد من كلام المتكلم نفسه في مجال النشر والكتمان؛ لذلك لا يناط صحة هذا الجمع بتقبل العرف وفهمه إلا بعد تعرفه على قواعد النشر والكتمان وموازينه.

فهذه أنحاء أربعة من الجمع بحسب ملاحظة أدلتها فما هو الصحيح منها؟

اما النحو الأول – وهو الجمع مهما أمكن - فلا دليل عليه إلا الإجماع الذي ادعاه ابن أبي جمهور. ولا يبعد أن يريد من الإجماع: إجماع من تأخر عن الشيخ؛ لأن الشيخ كان متبعاً لدى العلماء لفترة طويلة في فتاواه وآرائه، وإن كان قد نبه في مقدمة التهذيب على أن هذه الجموع التي يذكرها في كتابه ليست واجبة، وإنما ذكرها؛ لانها مما توجب أنس الأذهان بالأحاديث، وأما ما تقدم ذكره من كلام السنهوري الذي له مثل هذا الرأي في الجمع، فلا أساس له في بناء العقلاء.

وأما النحو الثاني - وهو الجمع بحسب قيام السيرة – فيمكن مناقشته :

أولاً: بأن هذا النحو يتوقف على استقراء سيرة العلماء على ذلك، وهو لم يثبت.

وثانياً: بأن هذا النحو يتوقف على عدم استناد السيرة؛ لا إلى بناء العقلاء في المستوى العام، ولا إلى بناء العقلاء في المستوى الخاص الذي ذكرناه ولكن هذا غير صحيح؛ لأن السيرة ليست مستقلة وإنما هي مستندة للدليل، وهذا الدليل؛ إما إنه بناء العقلاء فترجع السيرة إلى الدليل الأول، وإما إلى الروايات فترجع إلى الدليل الأخير؛ فليست السيرة دليلاً مستقلاً.

نعم، بالنسبة للمحقق الآخوند الذي استدل بالسيرة لتصحيح الجمع الدلالي يلزمه الاقتصار على الجموع التي تثبت بالسيرة.

وأما النحو الثالث - وهو الجمع العرفي - فهو كما أشرنا إليه يتوقف على افتراض استقرار بناء العقلاء في المستوى العام على مثل هذه الجموع ولو فصل بين الكلامين المختلفين مئة عام مثلاً، وهذا غير تام على أن هؤلاء الذين يجمعون بمثل هذه الجموع لا نظن تقيّدهم بملاحظة العرف في الجموع التي تخطر في أذهانهم.

وعلى ضوء ذلك فيمكن القول بأن النحو المتعين هو الرابع وهو ماسميناه بالجمع الاستنباطي الذي يعتمد على فقاهة المستنبط ولا علاقة له بقيام سيرة العلماء على مثل هذا الجمع «فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (1)كما ورد في الحديث. ويعتمد مثل هذا النحو من الجمع على ملاحظة الأوضاع والأجواء والمخاطبين والمعاصرين للكلام ومستوى الكلام وخصوصياته، ونوع الحكم من أنه ولائي أو غيره، كما أوضحنا ذلك كله وغيره في المقصد الثاني.


1) أصل زيد الزراد: 153، الخصال: 149/ 182.

المبحث الثالث: وهو ما يعبر عنه بالمرجّحات الدلالية، وهي أمور:

إشارة:

الأمر الأول: لو كان هناك دليلان بينهما العموم من وجه، وكل منهما يشتمل على حكم ينافي حكم الآخر، ودلالة أحدهما بالعموم والآخر بالإطلاق، حيث يتعارضان في المجمع. والملاحظ أن المراد بالعموم ما كانت فيه أداة وضعت للعموم وبالإطلاق: غير ذلك – كما سيأتي توضيحه - كما لو كان العام (أكرم كل عالم)، والمطلق (لا تكرم الفاسق).

وقد اختلف العلماء في هذا المورد؛ فذهب الشيخ الأنصاري إلى ترجيح العموم على الأطلاق، وقواه جمع من المتأخرين كالمحقق النائيني وبعض ممن تأخر عنه، وذهب بعض آخر إلى عدم تقديم العموم، كما ذهب إليه صاحب الكفاية (1)وقواه المحقق العراقي (2).

قال الشيخ الأنصاري في الرسائل: (لا إشكال في ترجيح التقييد على ما حققه سلطان العلماء؛ من كونه حقيقة، ولأن الحكم بالإطلاق من حيث عدم البيان، والعام بيان، فعدم البيان للتقييد جزء من مقتضى الإطلاق... فالمطلق دليل تعليقي والعام دلیل تنجیزی) (3).

وملخص كلام الشيخ في هذا المورد: أن اسماء الأجناس - كما ذهب إليه سلطان العلماء - إنما وضعت للماهية المهملة، وأما اللابشرطية - أي الإطلاق – فهي حيثية خارجة عن حدود الموضوع لاسم الجنس، وإنما تستفاد اللابشرطية من الأداة


1) كفاية الأصول: 450.

2) مقالات الأصول: 159.

3) الرسائل 2/ 792.

الموضوعة للعموم. فدلالة العام على الشمول وضعية تنجيزية، وأما دلالة الإطلاق على اللابشرطية والشمول فهي بمقدمات الحكمة. ومن هذه المقدمات عدم وجود البيان، فدلالته تعليقية معلقة على عدم البيان على التقييد، وبما أن العام يصلح أن يكون بياناً على عدم توفر اللابشرطية في المطلق فيكون المجمع محكوماً بحكم العام دون حكم المطلق. وهذا بيان إجمالي لمراد الشيخ في هذا المقام.

وقال المحقق الآخوند في الكفاية : (عدم البيان الذي هو جزء المقتضي في مقدمات الحكمة إنما هو عدم البيان في مقام التخاطب لا إلى الأبد... ولابد في كل قضية من ملاحظة خصوصياتها الموجبة لأظهرية أحدهما من الآخر) (1).

ومراده من هذا الكلام: أنه لا فرق بين المطلق والعام، لأن المطلق إنما يناط ظهوره بالشمول بعدم البيان المتصل، فالبيان المنفصل ليس له تأثير في ظهور المطلق، لان عدم البيان الذي هو من مقدمات الحكمة انما هو عدم البيان المتصل لا عدم البيان إلى الابد فاذا لم يوجد بيان القيد المتصل، وفي مقام التخاطب فينعقد في الشمول، واما القيد المنفصل في غير مقام التخاطب فلا ينفي ظهور المطلق. وعلى ذلك فيكون ظهور المطلق ظهوراً تنجيزياً أيضاً كظهور العام، فيكون هنا ظهوران تنجيزيان متعارضان، ولابد في تشخيص أظهرية أحدهما من الآخر من ملاحظة خصوصيات الكلام.

وهذان كلامان لعلمين كل منهما يمثل قولاً مخالفاً للآخر. ولكن لمعرفة الحق في المسألة لابد من التعرف على ما يبتني عليه النزاع هنا، ويظهر محل النزاع مما سبق ذكره بالتفصيل حين البحث فيما لو كان الخبران عامين أو مطلقين، أو احدهما عاماً والآخر


1) كفاية الأصول: 450.

مطلقاً في التنبيه السابع من تنبيهات الأخبار العلاجية - الذي كان يشمل العامين من وجه - بالتقريب الذي رأينا ابتناء النزاع عليه، وإن بني على غيره في أقوال العلماء.

وذكرنا هناك بعد الاعتراف بعدم دلالة المطلق بالوضع على اللابشرطية والشمولية، ولكن هل أن دلالة المطلق على الشمول والإطلاق هل هي دلالة لفظية، بأن يكون للفظ المطلق ظهور في الأطلاق، ومن هذه الاطلاق او الظهور الاثباتي باصالة التطابق بين مقام الاثبات والثبوت، نكتشف الاطلاق الثبوتي، لاجل التناسب بين الكاشف والمنكشف وان نفس الماهية متعلقة للحكم فيكون الإطلاق في مقام الإثبات كاشفاً عن شمولية الحكم في مرحلة الثبوت، وبذلك يكون المطلق كالعام ظاهراً في الشمول وعلى هذا الرأى فيقع التعارض بين ظاهرين تنجيزيين، أو إن دلالة المطلق على الشمول دلالة عقلية، وذلك لأن اللفظ إنما وضع للماهية المهملة، وهي لا ظهور لها في ذاتها في الإطلاق والشمول، إلا مع توفر مقدمات الحكمة، وبذلك سيكون العقل كاشفاً عن الأطلاق الثبوتي وعلى هذا الرأي فيكون المطلق حجة تعليقية لان كاشفية العقل تتوقف على عدم بيان مخالف له والعام يصلح ان يكون بياناً؟

وهذان الرأيان يبتنيان على بحث تقدم ذكره وهو أن الإطلاق الثبوتي الذي نحاول الكشف عنه، هل هو أمر وجودي، وبذلك يكون التقابل بين الإطلاق والتقييد، من قبيل التضاد، كما ذهب إليه بعض الاعاظم أو إنه أمر عدمي، أى عدم التقييد في الموضوع القابل وبذلك يكون التقابل بينهما من قبيل العدم والملكة؟

فإن قلنا بأن الإطلاق في مرحلة الثبوت أمر عدمي، والتقابل بينه وبين التقييد من العدم والملكة، كما قوّيناه وفاقاً للمحقق النائيني وجماعة، وكذلك المطلق في مقام

الإثبات كالمطلق في مقام الثبوت أمر عدمي ومتطابق معه، وبذلك يصلح أن يكون كاشفاً عن الإطلاق في مقام الثبوت؛ اعتماداً على اصالة التطابق بين مقام الاثبات والثبوت وذلك لأن المطلق في مقام الثبوت يعني إثبات حكم للماهية مع عدم التقييد مع التمكن منه، وفي مقام الاثبات هو كذلك، وتقابله مع التقييد تقابل العدم والملكة فمن عدم التقييد في مقام الاثبات مع التمكن منه يستكشف عدم التقييد في مقام الثبوت أيضاً، وذلك لأنه مع عدم التقييد مع التمكن منه، ينعقد للكلام ظهور في الشمول في مقام الإثبات. ولكن هذا الظهور ليس مستنداً للوضع الأفرادى، ليكون ظهوراً أفرادياً، كما كان يقول به المتقدمون على سلطان العلماء، بل انه مستند لقرائن حالية ومقالية، فهو ظهور تركيبي كما أوضحناه ولهذا الظهور صلاحية الكشف عن مقام الثبوت؛ لأنه أيضاً كان عدم التقييد مع التمكن منه، التمكن منه، فها من نوع واحد فيتطابقان من باب اصالة التطابق التي ذكرناها، وإذا انعقد للمطلق ظهور في الاطلاق فلا بد من تحقق دليل آخر يزيل اصالة التطابق هذه، وذاك الدليل الآخر لا بد أن يكون عند العقلاء مزيلاً لاصالة التطابق، فينعقد للمطلق ظهور، والبيان المنفصل سواء كان مقيداً أو عاماً يتعارض مع ظهور المطلق لا انه يمنع من ظهوره بحيث يكون ظهور المطلق تعليقياً، وظهور العام تنجيزيا، لان وجود المقيد مانع من اصالة التطابق، لا من ظهور المطلق، وهذا هو نفس الكلام الذي نقوله في العام والخاص، فظهور العام يقتضي شمول الحكم لكل فرد وبحكم اصالة التطابق : نكشف ان الحكم في الواقع ثابت لكل فرد، وظهور دليل الخاص يتنافى مع هذا الظهور، ولسبب ما يتقدم ظهور الخاص على ظهور العام، ويمنع من اصالة التطابق، وهذا الكلام بنفسه يأتي في المطلق، حيث انه بورود المقيد او العام يحصل التعارض بين ظهورين، كما ذهب اليه

صاحب الكفاية. وعلى ضوء هذا الرأى فينعقد للمطلق ظهور وبذلك يتعارض مع الظهور العام في المجمع.

وأما لو قلنا بأن التقابل بين الإطلاق والتقييد في مقام الثبوت تقابل التضاد، وإن الإطلاق أمر وجودى في مقام الثبوت وأما في مقام الإثبات فلا يوجد إلا عدم التقييد، فلا يصلح أن يكون مقام الإثبات كاشفاً عن الإطلاق الثبوتي الذي هو أمر وجودي يعبر عنه برفض القيود والإرسال والتمامية؛ إذ لا ظهور للفظ في مقام الإثبات بذلك، وانما يستكشف الاطلاق الثبوتي بحكم العقل، لانه لو تعلق الحكم في مقام الاثبات بقضية وماهية مهملة، ولم يقيدها المولى مع تمكنه من التقييد وكان في مقام البيان، فيحكم العقل بثبوت الإرسال والإطلاق في مقام الثبوت من خلال ذلك، وبذلك يكون إطلاق المطلق حكماً عقلياً يتوقف على عدم البيان المتصل المقارن للكلام، وعدم البيان المنفصل المتأخر عنه حيث يكون استكشاف الاطلاق الثبوتي متوقفا على عدم هذا البيان، وأما إذا وجد أحد هذين البيانين فيزول الكشف والحكم العقلي والمفروض أن العام في موردنا يصلح أن يكون بياناً، فيرتفع حكم العقلولا يمكن معه استكشاف الاطلاق الثبوتي ولا ظهور في المقام. وهذا بخلاف الرأى الأول، فإن المفروض انعقاد الظهور للفظ في الإطلاق واللابشرطية مع كون اللابشرطية في مقام الإثبات والثبوت من نوع واحد، فيمكن اكتشاف عدم التقييد ثبوتاً من عدم التقييد إثباتاً مع التمكن منه، وبذلك ينعقد للفظ ظهور في الإطلاق، فيتعارض الظهوران فلا يمكن على هذا الرأى القول بان ظهور أحدهما - وهو المطلق تعليقي - وظهور العام تنجيزي، كما يصح ذلك على الرأى الثاني.

وقد تقدم منا اختيار الرأي الأول، وهو أن الإطلاق الثبوتي عبارة عن عدم التقييد، وأن تقابله مع التقييد من تقابل العدم والملكة، وأما هذه التعبيرات في مورد الإطلاق بالإرسال ورفض القيود والتمامية، فهي إما أمور انتزاعية أو اعتبارية من قبيل المجاز والتسامح الأدبي، فيكون الرأي الصحيح في هذه المسألة هو رأي صاحب الكفاية.

وقد اتضح مما ذكرنا أن رأي الشيخ ومن تبعه يبتني على القول بأن انكشاف الإطلاق بحكم العقل، وأما رأي المحقق الآخوند ومن تبعه يبتني على كون انكشاف الإطلاق بالظهور اللفظي.

وإنما بنينا النزاع على ما ذكرناه؛ لأن ما في كلمات العلماء من ابتناء النزاع على كون ظهور المطلق تعليقياً وظهور العام تنجيزياً مما لا يكاد يخفى فساده، وذلك لأن ظهور اللفظ ليس قابلاً للتعليق، فإن الظهور إنما ينعقد بملاحظة ذات الكلام، والشيء لا ينقلب عما وقع عليه. وعلى ضوء ما ذكرناه فإن البيان المنفصل إنما يمنع من حجية هذا الظهور دون أن يمنع من أصل انعقاده.

وعلى الرأي المختار في هذه المسألة، يظهر أنه في المطلق والعام يوجد ظهوران متعارضان، فما هو المرجح لأحدهما؟

وقد ذكر صاحب الكفاية - كما نقلنا - أنه (لابد في كل قضية من ملاحظة خصوصياتها الموجبة لأظهرية أحدهما من الاخر) (1)أي في تقديم ظهور المطلق أو ظهور العام يختلف باختلاف الموارد ولكن كلامه هذا مجمل؛ إذ أنه لم يبين تلك الخصوصيات.


1) كفاية الأصول: 450.

ولكن يمكن القول بالتفصيل هنا على ضوء ما سبق ذكره في المبحث الثاني، بل في المبحث الأول من أن الصحيح من أنحاء الجمع هو الجمع الاستنباطي لذلك في مقام الترجيح لا بد من معالجة المسألة على ضوء ما ذكرناه من اختلاف مستويات الكلام، وهو التفصيل في مستويات الكلامين المتعارضين - أي مستوى العام ومستوى المطلق - في صدورها فقد يكون مستوى أحدهما التعليم والآخر في مستوى الفتوى، وقد يكون كلامها على مستوى التعليم، أو كلاهما على مستوى الإفتاء. والحكم في كل مستوى يختلف عن الآخر.

ويجدر الإشارة في البداية إلى أننا نريد من التعليم: إلقاء الأصل الكلي ضرباً للقاعدة، كما أشار لذلك صاحب الكفاية في بحث العموم والخصوص في معنى العموم، وإنما يُلقى هذا الاصل الكلي لأجل الرجوع إليه في حالة الشك. وقد ذكرنا أنه في التعليمات يجوز تأخير بيان المخصص والمقيد؛ لأنها مبنية على التدرج في البيان، أما الفتوى فتعني ذكر الحكم للمستفتي بالمقدار الذي يتضح معه وظيفته الشخصية. و في مثل ذلك لا يصح التعويل على القرائن المنفصلة؛ لأن الحكم إنما يذكره المولى لأجل أن يعمل به الشخص فعلاً، فتأخير البيان المنفصل يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، مع عدم مناسبته لشأن الإفتاء الذي يقتضي بيان الحكم للمخاطب بأسهل طرقه.

وبعد هذا التمهيد نعود لاستعراض الصور الثلاثة للكلامين المتعارضين على اختلاف مستوياتهما:

الصورة الأولى : ما إذا اختلفا في المستوى، كما إذا كان أحد الدليلين على مستوى التعليم والآخر على مستوى الإفتاء، فهنا يقدم العمل بالثاني الإفتائي وان كان بلسان

الاطلاق على الدليل الاول التعليمي وان كان بلسان العموم، كما لو قال: (يجب إكرام كل عالم) و (لا تكرم الفساق). وذلك لأن الثاني أقوى ظهوراً في الشمول من الأول وإن كانت دلالة الأول بالعموم ودلالة الثاني بمقدمات الحكمة؛ وذلك لأن مقدمات الحكمة التي قلنا بأنها من قبيل القرائن الحالية والمقامية الكاشفة عن الحكمة ربما تتأكد بواسطة الخصوصيات المتوفرة في الكلام. ومن هذه الخصوصيات مستواه في بيان الحكم، وقد ذكرنا عدم احتمال التعويل في الإفتاء على القرائن المنفصلة إلا لضرورة تقتضيه، كما سيأتي؛ لقبح الاعتماد على القرائن المنفصلة في الفتيا إلا لأحد دواعي الكتمان. وعلى ضوء ذلك فيلزم العمل في المجمع بالدليل الصادر على مستوى الافتاء وان كان مطلقاً.

الصورة الثانية: أن يكون كلا الدليلين على مستوى التعليم، فهنا يلاحظ في الترجيح درجة الظهور، فيقدم الاظهر على الظاهر وفي مسألتنا لا يبعد القول بتقديم ما كانت دلالته بالوضع على ما كانت دلالته بمقدمات الحكمة؛ وذلك لأنه وإن وجد الدال على الشمول في كليهما وهو الظهور في المطلق والعام كما ذكرناه لكن الدال على الشمول في العام هو أداة موضوعة للعموم، واستخدام المتكلم الذي يلاحط خصوصيات كلامه لهذه الأداة لابد أن يكون بداعي التأكيد على شمول العام لجميع أفراده؛ فإنه لو لم يكن قاصداً لهذا التاكيد، لم يكن هناك دافع لاستخدام الأداة، بل كان يكتفي بقوله: (أكرم العالم)، ولم يقل : (أكرم كل عالم). وهذه النكتة التي يشتمل عليها العام تستوجب أظهرية أحد الدليلين من الآخر.

وهذا الكلام بالنسبة لواقع الدليلين، أما لو فرضنا عدم توجه بعض الرواة لمثل هذه الخصوصيات، فعبروا عن المطلق الشمولي بالعام الشمولي أو العكس، فهذا الفرض خارج عن محل البحث؛ لأن كلامنا في العام والمطلق الصادرين من المتكلم.

الصورة الثالثة: فيما لو كان كلا الدليلين على مستوى الإفتاء. والظاهر أن جهة الإفتاء ذات قدرة كبيرة بحيث لا أهمية بإزائها لكون دلالة أحدهما بالوضع ودلالة الآخر بالإطلاق؛ ولذلك يعدان من قبيل المتعارضين. ومن هنا ينبغي التعرف على السبب وراء جعل البيان بصورة اللابشرطية وعدم التقييد، فلابد من ملاحظة أسباب الكتمان ومصححاته؛ فإن وجدت في العام دون المطلق عمل به ولم يعمل بالآخر وكذلك العكس.

وبما ذكر يتضح كيفية تطبيق الجمع الاستنباطي وآثاره التي يتميز بها عن الجمع العرفي، فلاحاجة لاستعراض النتائج المتميزة المترتبة على كل واحد من هذين الجمعين في بحث مستقل وسيتضح ذلك أكثر من خلال البحوث اللاحقة.

الأمر الثاني: من المرجّحات الدلالية مالو تعارض إطلاقان بنحو العموم من وجه ولكن الإطلاق في أحدهما شمولي وفي الآخر بدلي، فهل يقدم الإطلاق الشمولي على البدلي كما نسب للشيخ وقواه المحقق النائيني (1)، وعليه ندخل المجمع في الاطلاق الشمولي وتقيد الاطلاق البدلي بغير المجمع أو يتعارض الإطلاقان ويتساقطان، كما


1) فوائد الاصول 4 : 732، أجود التقريرات 513:2.

ذهب إليه صاحب الكفاية وبعض من تبعه؟ كما لو قال: (صلّ) و (لا تغصب) و (أكرم عالماً) و (لا تكرم الفاسق)، حيث يتعارضان في مورد الاجتماع.

ولأجل توضيح أدلة الاقوال أكثر، ينبغي علينا التمهيد بذكر مقدمة تسلط الضوء عليها، وأنه في مورد الإطلاق البدلي حيث يكون المأمور به هو صرف الوجود ويحصل الغرض بالإتيان بأي فرد من الأفراد، وأي حصة من حصص المأمور به، فهل لجواز الإتيان بأية حصة من الحصص دخل في اللا بشرطية والإطلاق الثبوتي، أم لا؟

وتوضيحه أن الجواز في مورد الإطلاق البدلي - أي جواز الإتيان بأية حصة - يستعمل في معنيين:

الأول: الجواز الوضعي، يمعنى أنه في انطباق الطبيعي على كل حصة من الحصص، يكفي الإتيان بأي واحد منها في تحصيل الغرض على نحو يسقط المأمور به بامتثاله، وهذا هو مقتضى قاعدة (إن الإجزاء عقلي والانطباق قهري)، فالإتيان بأي فرد من أفراد الماهية كاف في انطباقها عليه وفي حصول الغرض وسقوط المأمور به بامتثاله، فالماهية المأمور بها تنطبق على الفرد المأتي به. وهذا مما لاكلام فيه، فالجواز الوضعي مقوّم للأبشرطية، وإلا فلا معنى للابشر طية بدونه؛ فإنه لو قال: (أكرم عالماً)، وأكرم المأمور العالم الفاسق، فإذا لم يكن مجزئاً، فهذا معناه أنه يجب إكرام العالم العادل وبذلك تنتفي اللابشرطية.

الثاني: الجواز التكليفي، بمعنى عدم المانع شرعاً من تطبيق الماهية على كل واحد من الحصص وعدم حرمته. وفي ارتباط هذا الجواز باللابشر طية بالنسبة للوجوب البدلي احتمالات :

الاحتمال الأول: القول بأن هذا الجواز مقوّم للأبشرطية ومصحح لها، بحيث لو كان الإتيان بإحدى الحصص محرماً عليه فلا تعقل اللابشرطية. ففي مثال (أكرم عالماً) إنما يصدق أنه لا بشرط بالنسبة للخصوصيات إذا لم يكن هناك مانع من تطبيقه على كل فرد وحصة، وأما إذا كان هناك مانع شرعي في هذا التطبيق – كما لو نُهي عن حصة من حصص الطبيعي بأن قال: (لاتكرم العالم الفاسق) - فسوف تنتفي اللابشرطية، كما تنتفي فيما لو لم يمكن تطبيقه على كل فرد من أفراد الماهية.

إذن، فاللا بشرطية والإطلاق يتقومان بجواز تطبيق الماهية على كل حصة من حصص الماهية.

والوجه في هذا الرأي دعوى أن اللابشرطية - أي الإطلاق - من الاعتبارات العقلائية، والعقلاء لا يصححون مثل هذا الاعتبار فيما لو لم تكن جميع الأفراد متساوية عقلاً أو شرعاً، بمعنى انه يشترط في هذا الاعتبار العقلائي للأبشر طية عدم وجود المنع التشريعي عن بعض الحصص. وهذا الرأي هو مختار المحقق النائيني.

الاحتمال الثاني: إن جواز تطبيق الماهية على كل حصة من الحصص، وإن لم يكن مصححاً مقوماً للإطلاق واللا بشرطية، لكنه ملازم لهما، فلازم قوله: (أكرم عالماً) على تقدير إطلاقه ثبوتاً هو جواز تطبيق الإكرام على حصة من الحصص بالنسبة للمكلف، فالإطلاق يدلّ على الجواز بالملازمة. ويستفاد هذا الرأي من كلمات بعض الأعاظم (1).

الاحتمال الثالث: القول بأن الجواز التكليفي ليس مقوّماً للإطلاق واللابشرطية في موارد الشمول البدلي ولا لازماً له، بل هو من المقارنات؛ فإن وجد إطلاق مقامي


1) مصباح الاصول 3 : 380.

فيمكن إثبات هذا الجواز، وإلا فلا يمكن إثباته، فلو قال: (أكرم عالماً)، فاللا بشرطية فيه تقتضي أن يكون انطباق الطبيعي على أي فرد يؤتى به فهرياً والإجزاء عقلياً. وهذا هو الجواز الوضعي أما حرمة الإتيان ببعض الأفراد فلاينافي اللابشرطية.

ويشهد لذلك أنه لو فرض قيام المصلحة الملزمة واقعاً بصرف الوجود، الذي يتحقق ضمن أية حصة من الحصص حتى ضمن الحصة المحرمة، وقد أتى المكلف بالحصة المحرمة، فلاوجه للأمر بالإتيان به ثانياً بعد ذلك. فمثلاً لو فرضنا أن مزاج العبد يميل للصفراء، فقال له المولى: (يجب عليك شرب السكنجبين) باعتبار أنه رافع للصفراء، ولكنه حرم عليه بالحرمة التكليفية شرب الحامض في أول الصبح؛ باعتبار أنه يوجب ابتلاءه بالحمى بحسب مزاج العبد فلو فرضنا أن العبد تناول السكنجبين أول الصبح في ضمن الفرد المحرم فلا يمكن القول بأنه لم يمتثل أمر المولى والبد له من الامتثال ثانياً؛ وذلك لأن الأمر بشرب السكنجبين كان لا بشرط بالنسبة للأوقات وفائدته مرتبة في جميع الأوقات، ولكن لاينافي ذلك العقوبة فيما لو أتى به ضمن الفرد المحرم، ولا يستوجب ذلك امتناع انطباق المأمور به على الفرد المأتي به، وإلا كان بشرط لا، والمفروض أنه لا بشرط.

والمختار من هذه الاحتمالات هو الأخير، يعني: ارتباط الإطلاق البدلي بالجواز الوضعي فحسب؛ لأنه المقوّم له، ولا ارتباط له بالجواز التكليفي، وليس الجواز التكليفي مقوّماً للإطلاق الثبوتي ولا ملازماً معه، وإنما هو من مقارناته. لذلك فإذا كان هناك إطلاق مقامي فيستكشف منه الجواز التكليفي وإلا لم يمكن استكشافه، فمثلاً لو قال المولى: (صل ولا تغصب)، فلا إطلاق لفظي لقوله: (صل) من حيث الأمكنة؛ لأن المولى ليس في مقام البيان من هذه الجهة ليقال بأننا نستكشف جواز

الصلاة حتى في الأمكنة المغصوبة. وهكذا لو شككنا في أنه في مقام البيان، فهو بمنزلة إحراز عدم البيان أثراً ونتيجة.

نعم، قد يوجد الإطلاق المقامي في مورد كما في قوله: (أكرم العالم) بالنسبة للصفات التي ينقسم إليها العالم كالفاسق والعادل.

إذن، فإذا كان للبدلي إطلاق فهو إطلاق مقامي وليس إطلاقاً لفظياً.

وهذه محتملات ثلاثة في هذه المسألة، نلاحظ مايناسبها من الأقوال:

أما على الاحتمال الأول - أي الالتزام بأن الجواز الشرعي، (وهو بمعنى عدم المانعية الشرعية في كل فرد) مصحح ومقوم للإطلاق الثبوتي في موارد الإطلاق البدلي، وأضفنا له مقدمة أخرى وهي أن التمسك بالإطلاق الإثباتي متوقف على إحراز إمكان الإطلاق الثبوتي، وأما لو أحرزنا عدم إمكانه أو لم نحرز إمكانه، فلا يمكن إحراز الإطلاق الثبوتي بالإطلاق الإثباتي، فمثلاً إذا لم نعلم بإمكان إطلاق الصلاة بالنسبة لقصد القربة أو عدم إمكانه، كما لا يمكن التقييد، كما هو رأي جماعة، أو إذا لم نعلم بجواز اجتماع الأمر والنهي فنأخذ بإطلاق الأمر في المجمع أو عدم جوازه - ففي مثل ذلك لا يمكن استكشاف الإطلاق الثبوتي من خلال الإطلاق الإثباتي.

وبعبارة أخرى أن إحدى مقدمات الأخذ بالإطلاق الإثباتي وإثبات اللابشرطية، أن نحرز إمكان اللابشرطية والإطلاق الثبوتي، فإذا لم يحرز أو أحرز عدمه، فلا يمكن اكتشاف الإطلاق الثبوتي بالإطلاق الإثباتي.

وعلى ضوء هاتين المقدمتين - على تقدير تماميتهما - يلزم تقدم الإطلاق الشمولي على الإطلاق،البدلي، فمثلاً قوله: (لا تكرم الفاسق يشتمل على النهي عن حصة من

حصص (أكرم العالم)، ومع هذا النهي فلا يعقل تحقق الإطلاق الثبوتي له بلحاظ المقدمة الأولى التي اعتبرنا فيها الجواز التكليفي الشرعي، بمعنى كون عدم الحرمة من مصصحات اللابشرطية في المقام. وإذا تم ذلك فلا يعقل انعقاد الإطلاق للمطلق البدلي بلحاظ المقدمة الثانية؛ لأنه بعد دلالالة الإطلاق الشمولي على عدم كون افراد المطلق البدلي متساوية فينتفي موضوع الإطلاق البدلي.

وهذا هو العمدة من أدلة المحقق النائيني في هذا الموضوع كما يستفاد من فوائد الأصول وأجود التقريرات في مبحث تعارض الأدلّة (1)، وإن اكتفى فيهما بالمقدمة الأولى من اعتبار تساوي الأفراد في الإطلاق البدلي، أما الوجوه العديدة التي نسبت للمحقق النائيني في أجود التقريرات وغيره فلا يعلم مدى التزامه بها؛ لأنها وجوه ضعيفة، وكأن المحقق النائيني كان يقصد تقريب هذه الفكرة للأذهان بعبارات مختلفة، فتوهّمها البعض أنها وجوه متعدّدة. ونتيجة ذلك تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي.

ولكن هذا الرأي بكلتا مقدمتيه غير صحيح في رأينا؛ فإن الرأي المختار كما بحثناه بتوسع في مسألة اجتماع الأمر والنهي، والنهي عن العبادة، أن اللابشرطية البدلية إنما تتقوم بالجواز الوضعي فحسب، لا بالجواز التكليفي؛ ولذا يصح العمل والامتثال حتى مع وجود الحرمة التكليفية، وتتحقق معها اللابشر طية، ولذا صح أن يصرح المولى في المثال السابق بـ (تناول السكنجبين ولو صباحاً)؛ مما يدل على أن حرمة الحصة تكليفاً لا تنافي الجواز الوضعي، وأن الجواز التكليفي ليس مقوما للأبشر طية، وإلا لم يعقل التصريح بالجواز في المثال المذكور مع وضوح معقوليته. فللا بشرطية تعني عدم


1) فوائد الاصول 4: 732، اجود التقريرات 2 : 514.

دخل شيء آخر في الملاك الملزم الموجب لإيجاب تناول السكنجبين، وإنما تناوله بذاته يستوفي المصلحة.

وأما على الاحتمال الثاني - أي القول بأن الجواز التكليفي لازم للابشرطية، كما ذهب إليه جماعة من العلماء كصاحب الكفاية حيث يلزم حمل كلامه على هذا المعنى - فيتعارض مفاد الإطلاق البدلي مع مفاد الإطلاق الشمولي؛ لأن الإطلاق البدلي يدلّ بالدلالة الالتزامية على جواز التطبيق على أية حصة من الحصص تكليفاً، وأما الإطلاق الشمولي فيثبت حرمة حصة منها.

ولكن هذا القول غير صحيح؛ وذلك لعدم الملازمة بين الإطلاق البدلي والجواز التكليفي؛ وذلك لجواز اجتماعهما كما مر.

وأما على الاحتمال الثالث - وهو الرأي المختار - فالجواز التكليفي إنما يمكن استفادته من الإطلاق المقامي وذلك بأن يكون المولى مثلاً في مقام البيان حين يقول: (أكرم عالماً)، ولم يقيده بالعدالة، فيعلم منه إرادة الإطلاق، فيقع التعارض بين الإطلاق المقامي والإطلاق اللفظي الشمولي.

وهذا هو تحرير لمحل البحث، ويعلم منه خروج أمثال (صلّ ولاتغصب) عن محل البحث؛ إذ ليس له إطلاق من جهة المكان.

وإذا اتضح ذلك فقد يقال بترجيح الإطلاق اللفطي الشمولي على الإطلاق البدلي لأحد وجوه:

الأول: أن الإطلاق الشمولي من العناوين الثانوية في مثل (لا تغصب) و (لاتكرم الفاسق) بناء على اعتباره منه، وهي تتقدم على العناوين الأولية ولوكانا شموليين

كقوله: (يجوز أكل لحم الغنم)، وقوله: (لا تغصب). وقد بيّن وجه هذا التقديم في محله.

الثاني: على تقدير عدم كونه عنواناً ثانوياً كما في قوله: (لاتكرم الفاسق)، فإن الجمع بينهما عرفاً يقتضي حمل الجواز المستفاد من الإطلاق المقامي على الإباحة اللااقتضائية، وهي تزول فيما إذا وجد المقتضي.

الثالث: أن الإطلاق الشمولي بما أنه لفظي فيقدم على الإطلاق المقامي.

وعلى كل حال فالملاك في التقديم هو قوة الظهور، أو كون العنوان ثانوياً، ونحو ذلك مما سبق ذكره حين التعرض لمستوى التعليم والفتيا.

فظهر مما ذكرناه أنه بناء على الرأي المختار لايدور الامر بين الإطلاق البدلي والإطلاق الشمولي لكي يبحث عن تقديم أي منهما على الآخر، وإنما التعارض بين الإطلاق المقامي الدال على شمول الجواز التكليفي لكل حصة حصة، والإطلاق الشمولي اللفظي الدال على حرمة بعض الحصص. فالتقديم على ضوء ذلك لا يبتني على ماذكره المحقق النائيني؛ لأنه يتوقف على كون الجواز التكليفي مقوماً للإطلاق، وكون الإطلاق الإثباتي متوقفاً على الإطلاق الثبوتي وإنما يبتني على أمور أخرى كالعناوين الثانوية، أو حمل الجواز على الجواز اللااقتضائي، أو قوة الظهور إذا لم يعارض بها في الطرف الآخر.

فالبحث على الرأي المختار يختلف موضوعاً ومحمولاً.

الأمر الثالث: وقد اعتبر أيضاً من المرجّحات الدلالية، فيما إذا دار الأمر بين النسخ والتخصيص، فذكروا أن التخصيص مقدم على النسخ ومورد هذا الامر فيما كان

هناك دليلان بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق كما ذكر في مباحث الألفاظ، في حين أن مورد الأمرين السابقين كان العموم من وجه.

وقد ذكر هناك صور عديدة، لكن المهم منها صورتان :

الصورة الأولى: أن يكون العام متقدماً زماناً والخاص يصدر متأخراً عنه، ولكن بعد مضي وقت الحاجة للعمل بالعام.

الصورة الثانية: عكسها، بأن يصدر الخاص أولاً ثم يصدر العام بعد وقت الحاجة للعمل بالخاص.

وتفصيل الكلام في هاتين الصورتين وسائر الصور مر في أواخر بحث العام والخاص، ونتعرض هنا إلى البحث عنها بإيجاز مع الإشارة لبعض النكات المهمة.

الصورة الأولى - أن يصدر العام أوّلاً أما الخاص فيصدر بعد وقت الحاجة للعمل بالعام - وهنا هل إن مقتضى القاعدة الالتزام بأن الخاص ناسخ أو أنه مخصص؟ والفرق بين النسخ والتخصيص أن النسخ عبارة عن إنشاء حكم جديد في حصة خاصة بعد أن كانت محكومة بحكم العام واقعاً قبل صدور الخاص، فنلتزم فيه بتغير حكم العام في الحصة إلى جعل حكم آخر له، لتغير المصالح والمفاسد، كما لوقال أولاً: (أكرم كل عالم) وبعد تحقق إكرام العلماء خارجاً الفساق والعدول قال: (لاتكرم العالم الفاسق).

أما التخصيص فهو الالتزام بأن حكم العام من الأول لم يكن شاملاً لحصة الخاص، فيكشف بصدور الخاص وعدم شمول حكم العام للحصة كون مقام الإثبات بالنسبة لحكم العام أوسع من مقام الثبوت - يعني عدم تطابق الإرادة

الاستعمالية في جميع مضمونها مع الارادة الجدية في العام - فالإرادة الجدية في مقام الثبوت أضيق من دائرة الاستعمالية في مقام الإثبات

فما هو الرأي الصحيح في هذا المورد؟ هنا كلام في بين العلماء، ومثل هذا الأمر إما أنه يقع في العرف، أو في كلام النبي (صلى اللّه عليه وآله)، أو كلام الأئمة الطاهرين (عليهم السلام):

أما في العرفيات، فلو وقع ذلك، فالعرف يحمله على النسخ بلا إشكال، ويحكم بتغير رأيه وتبدله في حصة من حصص موضوع العام؛ لقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة عند العرف، فمثلاً كان يرى أولاً وجوب إكرام كل عالم، ثم وجد المصلحة في عدم إكرام العالم الفاسق فتبين له أن الحكم في هذه الحصة غير واجد للملاك، أو أنه مزاحم لملاك أقوى. ولا يحتمل عند العرف التخصيص في هذا المورد؛ لأنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو قبيح ذاتاً أو اقتضاء.

وأما حدوث ذلك في المجال الشرعي - كما لوصدر الدليلان في زمان الرسول (صلى اللّه عليه وآله) - فهنا أيضاً لامانع من الالتزام بالنسخ، ولكن لا من جهة المبدأ - أي تبدل الرأي - بل من جهة أن حكم العام كان من الأوّل ذا ملاك إلى أمد خاص في علم المولى، ولكن لم يبرز التحديد من الأول، وبعد ذلك أبرز بلسان حكم جديد رافع للحكم الأول في الحصة المعينة.

ولا اشكال في وقوع النسخ في زمان الرسول (صلى اللّه عليه وآله) وأنه كان متعارفاً في أحاديثه (صلى اللّه عليه وآله) كما تدل على ذلك بعض الروايات التي تقدم ذكرها كقوله (عليه السلام): «إن الأحاديث نسخت بعضها بعضاً».

وما ذكرناه سابقاً من أن النسخ في كلام القدماء له معنى أعم من النسخ المصطلح بما يشمل العام والخاص لاينافي وقوع النسخ المصطلح في كلام الرسول (صلى اللّه عليه وآله) ؛ وذلك لانه أحد أفراده قطعاً. وإنما الكلام فيما لو وقع النسخ في روايات الأئمة المعصومين (عليهم السلام) كما لو صدر العام عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) أو عن أحد الأئمة المتقدمين كالإمام الباقر أو الصادق (عليهما السلام) ثم بعد وقت العمل بالعام صدر الخاص عن الإمام (عليه السلام) أو عن أحد الأئمة المتأخرين (عليهم السلام)، كما لو صدر عن الإمام الرضا (عليه السلام)

وهذا المورد هو الأهم، وهو محل الابتلاء في الأحاديث الواردة. وقد ذكر الأعلام وجوهاً لتقديم التخصيص على النسخ، مر البحث عنها ومناقشتها بالتفصيل في محله.

ولأجل توضيح الحكم في المقام لابد من ملاحظة أمور:

الأمر الأول: أن لو فرضنا أنه في هذه الصورة يدور الأمر بين النسخ والتخصيص فحسب دون ما سيأتي ذكره في الامور اللاحقة فلا يترتب على هذا المبحث ثمرة عملية لنا كما ذكره بعض الأعاظم (1)لأننا لم ندرك ولم نعش الفترة المتوسطة الممتدة بين العام والخاص، وإنما وُجدنا بعد صدور كليهما؛ فسواء كان الخاص مخصصاً للعام أو ناسخاً له ينبغي علينا العمل بالخاص، فلا أثر عندنا لدوران الأمر بينهما.

الأمر الثاني: هل إن مجرد صدور العام المتقدم والخاص المتأخر عن الأئمة (عليهم السلام) يوجب دخوله في بحثنا، أم لا؟


1) مصباح الاصول 3: 382.

توضيحه: أن مورد البحث إنما يتم فيما لو قطع بعدم صدور حكم الخاص سابقاً أي قبل حضور وقت العمل بالعام، وإنما أنشئ فعلا وقت الخطاب، أو إنه ولو كان صادراً سابقاً لكنه لم يبلغ وإنما بقي مخزوناً في مرحلة الإنشاء. فإذا فرضنا أنه قد سبق هذا المخصص الصادر بعد وقت العمل بالعام مخصص مثله قبل وقت العمل، فسوف يكون هذا الفرض خارجاً عن مورد البحث.

وبعد هذا نقول: إنه لاسبيل لنا بالنسبة إلى المخصص الصادر من الإمام المتأخر (عليه السلام)؛ للعلم بصدوره بعد حضور وقت العمل بالعام المتقدم؛ وذلك لأن الأحاديث الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام) في بيان الأحكام ظاهرة او محتملة في سبق الأحكام مضموناً وتبليغاً، فلا يحرز تحقق العنوان المبحوث فيها، وهو عدم سبق صدورها.

نعم، ربما حصل لبعض الأفراد الاطمئنان أحياناً بأنها لم يكن لها وجود سابقاً، مثل نجاسة الناصبي أو خمس أرباح المكاسب لو افترضنا عدم سبقها ولكن في الغالب لا يتميز ذلك.

غاية الأمر قيام الحجّة على أن الإمام الصادق (عليه السلام) بين هذا الحكم في أحاديثه، وخاصة فيما لو كان مفاد الخاص منقولاً ولو بطريق ضعيف عن الإمام المتقدّم أو الرسول (صلى اللّه عليه وآله) وان كان عن طريق العامة. ومع هذا الاحتمال فلا يمكن إحراز عدم سبق صدور الحكم عن الإمام نفسه أو عن الإمام المتقدم عليه حتى يحرز صدور الخاص وحدوثه بعد الإمام إلا في موارد نادرة. ومع هذا الاحتمال فلا يحرز النسخ.

الأمر الثالث: على تقدير علمنا بعدم سبق صدور الخاص، بحيث أحرزنا أن زمان الخطاب الخاص هو أول ما يصدر فيه هذا الحكم محتوى أو إبرازاً، ومع ذلك فلا يدور الأمر بين النسخ والتخصيص، بل يبرز احتمال ثالث، وهو احتمال الحكم الولائي، حيث إن الأئمة (عليهم السلام) بما أنهم ساسة الأمم وولاة الأمر وتجب طاعتهم، فتكون لهم الولاية على جعل الحكم بحسب المصالح والمفاسد المتغيرة، وإلزام المكلفين بها، ولا يسمى هذا الحكم نسخاً؛ لأنه لا ينافي الحكم السابق؛ إذ هو من قبيل العناوين الثانوية، فكما يمكن للإنسان أن يلزم عملاً على نفسه بنذر أو بشرط أو يمين أو بيع أو شراء أو غيره، فلا يقال: إنه قد نُسخت الإباحة مثلاً، وكذلك الأئمة (عليهم السلام) الذين هم أولى بنا من أنفسنا، فلهم حق التشريع والإلزام في حدود منطقة الفراغ، ولكن هذا التشريع الخاص يعتبر فيه ألا يكون موجباً لتحليل الحرام أو تحريم الحلال بالمعنى الذي ذكرناهبان لا يكون هادما لما بناه الاسلام من احكام تاسيسية أو بانيا لما هدمه - الاسلام من احكام وسنن جاهلية.

إذن فإذا كان الحكم الخاص في حدود منطقة الفراغ ومناسبا للإحكام الولائية ولا يلزم من تشريعه تحليل الحرام أو تحريم الحلال، وقد ألزم به الأئمة (عليهم السلام) بلحاظ المصالح والمفاسد المتغيرة، ومناسباً لشأنهم بما أنهم ولاة الأمر، وكان ظاهراً كما هو المفروض في كون الحكم جديداً وحادثاً، إبرازاً أو مبرزاً، فمثل ذلك يوجب الظهور في أن الحكم المجعول من الأئمة (عليهم السلام) من قبيل الأحكام المؤقتة او الولائية. وكما تقدم أنه جاء في بعض الروايات أن علياً (عليه السلام) فرض الزكاة في الخيل العتاق والبراذين وذكرنا في محله عدم تمامية ماذكره الفقهاء من حمل هذه الرواية على استحباب الزكاة في هذا المورد؛ وإنما الحكم فيه حكم ولائي موقت،

ولكن الحكم الموقت الذي يجعله الأئمة (عليهم السلام) تارة يمضيه الامام المتأخر أيضاً فيستمر مفعوله إلى زماننا أيضاً وحتى ظهور الإمام الحجة - عجل اللّه فرجه -، وأخرى لا يفعل ذلك فيتحدد هذا الحكم بزمان الواضع.

وعلى كل حال فعلى تقدير إحراز حدوث الخاص مبرزاً وإبرازاً، فلا يمكن القول بدوران الأمر بين النسخ والتخصيص؛ لأنه يبرز احتمال ثالث فيه وهو احتمال كونه حكماً ولائياً، وهذا الحكم ليس بنسخ ولا تخصيص، بل هو من قبيل عروض عنوان آخر، إذ ليس كل حكم مغير للحكم السابق يسمى ناسخاً، فانه لو كان من الاحكام الولائية فلا يسمى نسخاً، كما لو الزمنا على انفسنا بالنذر امراً مباحاً، فلا يقال انه ناسخ للاباحة، ومع هذا الاحتمال فلا يحرز النسخ.

الأمر الرابع: ينبغي علينا ملاحظة هذين الاحتمالين النسخ والتخصيص في ذاتهما في صورة تأخير الخاص عن وقت العمل بالعام:

أما النسخ، فقد يتأمل فيه بأن وظيفة الأئمة (عليهم السلام) تبليغ الأحكام المفروضة من قبل اللّه، أو المسنونة بجعل النبي (صلى اللّه عليه وآله)، فهم تابعون لهم، وليس من وظيفتهم النسخ، كما أنهم أنفسهم قالوا: «كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف» (1). ونحوه (2)، فإن النسخ من أوضح أفراد المخالفة حيث يحصل فيه تحليل الحرام وتحريم الحلال، وهكذا الأمر في الأحكام الوضعية فيما لو اعتبرت النجاسة لشيء طاهر في الشريعة أو بالعكس، فما قيل من دوران الأمر بين النسخ والتخصيص فهو باطل.


1) الكافي 1 : 69 / 3، وسائل الشيعة 18 : 79 / 14، ب 9 من أبواب صفات القاضي.

2) الكافي 1: 4/69.

وقد أجاب عن ذلك بعض الأعاظم بأن منشئ الحكم واقعاً وأصالة هو الرسول (صلى اللّه عليه وآله)، ولكنه (صلى اللّه عليه وآله) جعل الحكم الناسخ وديعة عند الأئمة (عليهم السلام) ليبرزوه في الوقت المناسب، وحين انتهاء أمد الحكم الأول. فإبراز الأئمة (عليهم السلام) للحكم الثاني ليس إنشاء منهم بل هو تبليغ لما أودع، لديهم فهو بيان للنسخ حقيقة وليس ناسخاً (1).

وقد ناقشنا هذا الرأي فيما سبق بأنه وإن كان ممكناً في نفسه، إلا إن الروايات لا تساعد عليه؛ وذلك لأنها تنفى صدور ما يخالف الكتاب والسنة من الأئمة (عليهم السلام) بمختلف صوره.

وأما التخصيص، فقد ذهبوا إلى عدم المانع من الالتزام به فهو ممكن في هذا المورد.

وأما الاشكال عليه بأن التخصيص يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو قبيح، فإنه يناقش بأن قبح تاخير البيان عن وقت الحاجة قبح اقتضائي، فإن القبح على نوعين: قبح ذاتي كقبح الظلم، وقبح اقتضائي كقبح الكذب فإذا كان الشيء قبيحاً ذاتاً فلا يمكن ارتفاع قبحه بعروض العوارض، وأما لو كان قبيحاً بالقبح الاقتضائي، فيرتفع قبحه ويكون حسناً بالعوارض، كما لو توقف نجاة المؤمن على الكذب. وما نحن فيه - وهو تاخير البيان عن وقت الحاجة - ليس قبحه ذاتياً بل اقتضائياً، وبذلك يمكن ارتفاع القبح بمصالح في الكتمان.

توضيح ذلك: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ إما لأجل إلزام المكلف بفعل لا مصلحة ملزمة فيه، أو الإلزام بترك مالا مفسدة ملزمة فيه فيما إذا كان العام


1) مصباح الاصول 3: 382.

الزامياً. وهذا الإلزام قبيح؛ لأنه تحديد لحرية الإنسان مع كون الملاك الواقعي غير ملزم، أو أن العام لو كان ترخيصياً فيلزم منه الترخيص فيما يوجد فيه الملاك الملزم. ولكن هذا القبح اقتضائي؛ إذ يمكن أن تكون هناك مصالح في كتمان الحكم ابتداء؛ فإنه قد يكون للشيء في نفسه مصلحة ملزمة ولكن في بيانه وإعلامه مفسدة، لان لكل من الاعلام والنشر حسابه الخاص وبذلك يرتفع قبح ترك بيانه.

وهذا الرأي صحيح في نفسه، ولكن لابد من التعرف بدقة على حدوده، ويظهر ذلك من خلال ما ذكرناه سابقاً من ملاحظة أسباب الكتمان وبواعثه الأربعة، وهي: التقية، والمداراة مع السائل، وإلقاء الاختلاف بين الشيعة، والسوق إلى الكمال. وكذلك ملاحظة مدى ارتباط الأحكام المكتومة مع أسباب الكتمان، فإن بعض الأحكام ترتبط ببعض دون أخرى، وليس كل حكم يرتبط بكل سبب منها، فيختلف المصحح للكتمان احياناً باختلاف نوع الحكم المكتوم، ولا يصلح كل مصحح لكتمان أي حكم، فلو كان العام مشتملاً على حكم ترخيصي والخاص متضمن للحكم الإلزامي، فقد كتم هنا الحكم الإلزامي بالنسبة لبعض الحصص. والمصحح لكتمان الحكم الإلزامي سببان: إما المداراة مع السائل او التقية فحسب؛ فإنه لا معنى لكون إلقاء الخلاف بين الشيعة، أو السوق للكمال، موجباً لكتمان الحكم الإلزامي؛ لأنه لا معنى للسوق للكمال مع كتمان الحكم الإلزامي، كما أن إلقاء الخلاف بين الشيعة مختص بالموسعات كما ذكر في الروايات.

إذن فكتمان الحكم الإلزامي إما لأجل التقيّة أو المدارة مع السائل، فإذا فرضنا التزام العامة بالحكم الإلزامي الذي يتضمنه الخاص، فلا يمكن القول بتصحيح

الكتمان بالتقية أو المداراة فهنا لابد من الأخذ بحل آخر لتصحيح ذلك، وهو حمل الخاص على الحكم الولائي مثلاً، فإذا لم يحتمل ذلك، فنقوم بتأويل أحد الدليلين بما يرتفع به التنافي، فنحمل الخاص على ما لا يوجب التخصيص كحمله على تأكيد الاستحباب كما لو قال أولاً : (يستحب إكرام العلماء)، ثم قال: (أكرم العلماء العدول)، وفرض أن العامة أيضاً يقولون بوجوب إكرام العلماء العدول فهنا لا يمكن الالتزام بالتخصيصاذن فمع عدم امكان الحمل على التخصيص لاجل عدم توفر مصححاته، ولا النسخ، فهنا نرفع اليد عن ظهور الحكم في الخاص في الالزام، وانما نحمله على الحكم الاستحبابي، فليس تخصيصاً ولا تشريعاً خاصاً، اذن فلا يدور الامر دائماً بين النسخ والتخصيص ثبوتاً، بل يوجد احتمال ثالث في الخاص غيرهما، وهو حمل الخاص على معنى مجازي، حتى لا يكون نسخاً ولا تخصيصاً، وهو حمل الخاص الظاهر في الوجوب لانه امراً على الاستحباب.

وأما لو فرضنا اشتمال العام على حكم الزامي، وأن الخاص حكم ترخيصي ففى العام كتمان للحكم الترخيصي. ومصحح هذا الكتمان يمكن أن يكون أحد أسباب الكتمان الأربعة؛ لما ذكرناه من أن الحكم الترخيصي - يمكن تصحيح كتمانه بجميع أسباب الكتمان.

ومحصل مانذكره في الصورة الأولى أنه لو طرحنا البحث على النحو المعروف من معرفة الوظيفة فيما إذا دار الأمر بين النسخ والتخصيص، فلا يترتب عليه أثر عملي بالنسبة لنا كما ذكرناه، ولو ترتب فيشكل إحراز عدم سبق ذكر الخاص إبرازاً أو مبرزاً، كما وضحناه في الأمر الثاني. ومع إحراز ذلك فإن الاحتمالات لا تنحصر في النسخ

والتخصيص، لاحتمال كون الحكم ولائياً إذا وجدت موارده، كعدم كون حكم العام إلزامياً كما ذكرناه في الأمر الثالث.

وإذا لم يوجد ذلك أيضاً فتصل النوبة إلى احتمالي النسخ والتخصيص، والأول لا يصلح أما الثاني فبعد بيان السر في عدم قبح تأخير البيان ذاتاً، فنعالج المسألة على ضوء بحوث علل اختلاف الأحاديث، فإن وجدت، وإلا عالجناه بحل آخر بمعنى تأويل الخاص بما يخرج عن كونه مخصصاً.

فظهر إلغاء النسخ في هذه الصورة، وإنما يدور الحكم بين كونه ولائيا في موارد قليلة، أو مخصصاً، أو تأويلاً، وبذلك نتعرف على نموذج آخر من نماذج الجمع الاستنباطي.

الصورة الثانية: أن يكون الخاص متقدماً والعام متأخّراً مع صدور العام بعد وقت الحاجة للعمل بالخاص، وبعد الجري العملي بالفعل أو بالقوة على طبق الخاص. وإنما قيدناها بصدور العام بعد العمل بالخاص؛ لأنه لو كان قبله لم يحتمل النسخ؛ لأنه يقبح النسخ قبل وقت العمل. ففي هذه الصورة هل يعتبر العام ناسخاً أو مخصصاً فيجب العمل بالخاص في الحصة، كما لو قال المولى أولاً : (يجب إكرام العالم الفاسق)، ثم بعد مضي مدة طويلة قال: (يحرم إكرام كل فاسق).

والبحث عن هذه الصورة كالبحث عن الصورة الأولى، يقع في موردين: فتارة يقع ذلك فيما لوصدر من أهل العرف أو في زمان النبي (صلى اللّه عليه وآله)، واخرى فيما لو وقع في كلمات الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).

أما في المورد الأول، فتدخل المسألة في بحث تعرضنا له سابقاً، وهو فيما لو تعارض العامان من وجه مع كون دلالة أحدهما بالاطلاق، ودلالة الآخر بالعموم، وإن كان

بين الدليلين العموم والخصوص المطلق ظاهراً، وقد قلنا هناك بان العموم أظهر من الإطلاق؛ لذلك يقدم العام ولكن إذالم تكن هناك حيثية أخرى توجب تقديم الإطلاق، كما ذكره صاحب الكفاية أيضاً (1)، خلافاً لما ذهبت إليه جماعة من العلماء من ترجيح العموم بصورة مطلقة (2).

أما الوجه في دخول مسألتنا في المبحث السابق؛ فإن الخاص له إطلاق أزماني، وأن حكم الخاص ثابت للعالم الفاسق في كل زمان حتى ما بعد زمان صدور العام، وأما العام فله عموم أفرادي، فيتعارض الإطلاق الأزماني للخاص مع العموم الأفرادي للعام، فيكون التعارض في الواقع بين عامين من وجه؛ دلالة أحدهما بالعموم والآخر بالإطلاق. وإذا لم تكن هنا حيثية خاصة، فلابد من تقديم العام على المطلق؛ وذلك لأن دلالة الخاص بالإطلاق، ودلالة العام بالعموم. ونتيجته القول بالنسخ لا بمخصّصية هذا العام، مع أن المشهور بينهم هو ترجيح التخصيص، وعدم القول بالنسخ.

والكلام في هذا الموضوع طويل وموسع، وقد سبق البحث عن بعض مسائله في بحوث سابقة كمبحث العام والخاص، ومبحث استصحاب الحكم الزماني، وبعض البحوث الفقهية كخيار العيب والغبن ؛ ولذلك سنتعرض له هنا باختصار، وقد ذكرنا رأينا في هذه المسألة.

ولكن قد يعترض عليه بوجوه:


1) كفاية الاصول: 450.

2) انظر كفاية الاصول: 450، حقائق الاصول 2: 577.

الوجه الأوّل: ما يستفاد من كلام المحقق النائيني في المقام، وهو إنكار المقدمة الأولى، وهي الإطلاق الأزماني للخاص وذلك لأن الدليل يتكفل ببيان جعل أصل الحكم، ولا يدل على استمرار الحكم زماناً، فلو جعل الحكم، وأراد إفادة استمراره فلابد أن يصدر خطابان أحدهما: (شرب الخمر حرام)، والثاني: (حرمة الخمر مستمرة)، فالاستمرار محمول مترتب على موضوع وهو الحرمة، فلابد ان يجعل أولاً الحرمة ثم يجعل الاستمرار بجعل ثان؛ ولذلك فإن الدليل الأول غير متكفّل لا ثبوتاً ولا إثباتاً ببيان الاستمرار حتى نقول بمعارضته للعام (1).

ولكن يمكن مناقشة هذا الوجه من جهات عديدة منها ما ذكره المحقق النائيني نفسه في مواضع مختلفة كخيار الغبن (2)وغيره تعرض فيها لهذه الفكرة، حيث ذكر أن شمول الحكم للأزمنة المتأخرة على قسمين:

فتارة يكون بجعلين، بجعل الحكم أولاً ثم بجعله مستمراً. والجعل الواحد في مثل ذلك لا يمكن أن يتكفّل ببيان كلا الحكمين بل لابد من تحقق جعلين، كما لا يتكفل به كلام واحد بل لابد من كلامين.

وأخرى يمكن استفادة الاستمرار من نفس الكلام باعتبار كون الموضوع له ذا أفراد طولية، فلأجل إطلاق الكلام بالنسبة لجميع الأفراد الطولية؛ جاز استفادة الاستمرار منه فإذا قال: (كل عالم فاسق يجب إكرامه)، فإن للعالم الفاسق أفراداً فعلية وأفراداً طولية، ولا يختص هذا الحكم والكلام بالأفراد الموجودة فعلاً؛ لأن القضية حقيقية. ولا يعتبر وجود فرد لها في حالة البيان وفي مرحلة جعل الحكم على نحو


1) فوائد الأصول 4 : 739 اجود التقريرات 2: 515.

2) منية الطالب في حاشية المكاسب 2 : 86.

القضية الحقيقية، ومسألتنا من قبيل القسم الثاني، ويتحقق الإطلاق في الموضوع بالنسبة للأفراد الطولية.

ومنها أن كلامه في الشق الأول محل تأمل أيضاً؛ لأن الاستمرار بما أنه ليس من الأحكام فليس قابلاً للجعل المستقل كما فصلناه بتوسع في مبحث الاستصحاب، بل لابد من جعله تبع الحكم، فالمجعول لا محالة هو الحرمة المستمرة.

ثم إن المحقق النائيني قدس سره قال بعد كلامه السابق بان الدليل الخاص بعد عدم تكلفه لبيان الاستمرار، فلابد في إثبات استمرار الحكم من التمسك بدليل آخر وهو الاستصحاب، ولكنه أصل عملي لا يحتمل معارضته مع العموم. وأما قوله: «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة» فهو مما يرتبط بنسخ اصل الشريعة ولا يقصد عدم وقوع النسخ في الشريعة نفسها وفي بعض أحكامها (1).

ولكن لا حاجة لمناقشة هذه الخصوصيات بعد عدم صحة مبناها.

الوجه الثاني: المنع من كون دلالة العام على الاستيعاب والشمول بالوضع، حتى يدخل في البحث السابق بحسب المقدمة الثانية. وهذا الوجه يبتني على ما ذهب إليه المحقق المذكور في مبحث العام والخاص، من أن أداة العموم إنما تدل على استيعاب جمع مدخوله، وأما إن مدخوله هو الماهية بشرط شيء أو لا بشرط أو بشرط لا، فلاتدل عليه؛ لأنه خارج عن معنى أداة العموم، فلابد من إثبات كون الماهية لا بشرط - الذي هو مفاد العموم - من التمسك بمقدمات الحكمة.


1) فوائد الأصول 4: 739.

ويعترض عليه بأن المبنى المذكور باطل كما تعرضنا لذلك في محله، وأن، أداة العموم إنها وضعت لتدل على أن العنوان بجميع مصاديقه موضوع للحكم. وهذا يعني أن أي قيد من القيود لا دخل له في الحكم؛ فإن قوله : (أكرم كل عالم) يدل على أنه يجب إكرام جميع أفراد العالم، ولا يوجد شيء ينافي شمولية الحكم، أو إذا وجد فهو لا ينافيه فالأداة تدل على أن الموضوع للحكم هو (العالم) ولا دخل لأي شيء من الأوصاف في الحكم وجوداً أو عدماً.

الوجه الثالث: ما سبق من أن العموم لا يقدم مطلقاً على الإطلاق وإنما هما من قبيل تعارض الظهورين، وبطبيعة الحال فإن العام أظهر من المطلق باعتبار أن دلالته على الشمول بالوضع، ولكن لو فرضنا وجود ميزة في الإطلاق توجب قوته فيمكن الالتزام بتقديم الإطلاق.

وقد ذكر صاحب الكفاية هذا الوجه بتقريب أن غلبة التخصيص وكثرته، وندرة النسخ وقلته توجبان تقدم إطلاق الخاص الأزماني وأظهريته من عموم العام الأفرادي؛ لأن كثرة التخصيص - وقد قيل: ما من عام إلا وقد خص – أدت إلى وجود جهة موهنة في العموم، كما أن قلة النسخ أوجبت قوة الإطلاق الأزماني.

ثم إن صاحب الكفاية ناقش في هذا الوجه، وقد ذكر في مباني الاستنباط تقريب هذا الوجه عن صاحب الكفاية مقتصراً عليه دون أن يذكر مناقشته لهذا الوجه، حيث ذكر صاحب الكفاية بأن الغلبة إذا ما استوجب أقوائية الظهور وبلغت إلى هذا الحد فهو، وإلا فمجرد الغلبة خارجاً لايفيد. وبعبارة أخرى أنه يعتبر أن تكون الغلبة بحيث تعد من القرائن المكتنفة بالكلام الموجبة لقوة ظهور المطلق في الإطلاق.

قال صاحب الكفاية: (من أن غلبة التخصيص إنما توجب أقوائية ظهور الكلام في الاستمرار والدوام من ظهور العام في العموم إذا كانت مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعد من القرائن المكتنفة، وإلا فهى وإن كانت مفيدة للظن بالتخصيص إلا إنها غير موجبة لها كما لا يخفى) (1)لأن الظن لا يغني عن الحق شيئاً.

ونضيف لذلك أن محل الكلام كما ذكرناه في مفروض المسألة الكلمات الصادرة من العرف أو من النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله)، وأما كلمات الأئمة (عليهم السلام) فلها موازين خاصة سنذكرها. ومن المعلوم عدم إحراز غلبة التخصيص على النسخ في هذا المورد؛ لأن الكثير من الأحكام كانت تتعرض للنسخ ولو في بعض أفرادها.

واما الاعتراض عليه بأن العموم مطلقاً مقدم على الإطلاق فهو اعتراض مبنائي؛ لأنه يبتني على القول بأن الإطلاق أمر عقلي يرتفع بمطلق المعارض، وهذا لا يصح عند صاحب الكفاية كما ذكرناه سابقاً، حيث ذهب في مجال تقديم أحدهما إلى ملاحظة الخصوصيات الموجبة لقوة الظهور في أي منهما. فهذا الوجه أيضاً غير تام.

الوجه الرابع: مافي كلام بعض الأعاظم، قال في مباني الاستنباط: (إن احتمال كون العام ناسخاً للخاص المتقدم فيما إذا انعقد للعام ظهور في استغراق جميع الأفراد، ومع وجود الخاص لا ينعقد له هذا الظهور؛ لأن الخاص المتقدم يكون قرينة عرفية على عدم إرادة الاستغراق من العام، وقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة إن سلم لا يستلزم قبح تقديمه على وقت الحاجة؛ إذ من الجائز أن يقدم الخاص ثم يؤتى بالعام فيجعل الخاص


1) الكفاية ص 451.

المتقدم قرينه على عدم إرادة العموم منه والحاصل أن وجود الخاص مانع من انعقاد الظهور للعام، ومعه لا يبقى وجه لاحتمال كونه ناسخاً) (1).

ولكن هذا الوجه محل تأمل؛ إذ أن مثل هذا الخاص المتقدم كيف يكون مانعا من انعقاد الظهور للعام المتاخر، فإن من سمع الخاص هل يبقى مرتكزاً في ذهنه، ولاسيما مع أطلاقه الأزماني ليكون مانعاً عن انعقاد ظهور العام وخاصة فيما لولم يصل الخاص إلى من سمع العاموقد صدر قبل مدة طويلة كمئة عام ولراو آخر، وخاصة لو كان في قضية شخصية. فعلى أي وجه نقول بأن الخاص الصادر من النبي (صلى اللّه عليه وآله) من قبيل القرائن المكتنفة بالكلام العام الصادر من الإمام الصادق (عليه السلام).

إضافة إلى أن الخاص لا يكون بوجوده معارضاً للعام، وإنما يعارضه بإطلاقه الأزماني. وعلى مبنى هذا القائل لا ينعقد الإطلاق مع وجود معارض له كالعام.

واتضح من خلال ذلك كله أن القاعدة تقتضي الالتزام بالنسخ فيما لو وقع مثل ذلك في كلام النبي (صلى اللّه عليه وآله). ولكن المهم في المقام البحث عن المورد الثاني، وهو مالو وقع ذلك في كلام الأئمة (عليهم السلام) لأهميته الكبيرة في مجال التطبيق الفقهي. ويقع الكلام حول ذلك ضمن بحوث:

المبحث الأول:

لو ثبت العام عن الإمام الرضا (عليه السلام) مثلاً والخاص عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) أو الامام الباقر (عليه السلام). ولكن من أين نحرز أن العام الموجود قد


1) مباني الاستنباط: 466 - 467.

صدر بعد وقت العمل بالخاص، حتى تكون النسبة بينهما العموم من وجه وليس العموم والخصوص المطلق ؟ لما ذكرناه في الصورة الأولى من أن كلمات وأحاديث الأئمة الهداة (عليهم السلام) بما أنها ظاهرة في تبليغ الأحكام عن اللّه ورسوله (صلى اللّه عليه وآله)، فلا يمكن القول بأن العام قد صدر بعد العمل بالخاص؛ لنقول بدوران الأمر بين النسخ والتخصيص؛ فإن النسخ يتوقف على كون الحكم – كالعام في مثالنا - حادثاً وجديداً من الإمام (عليه السلام) بعد الحكم المنسوخ كالخاص مع أنه يحتمل صدور العام قبل الخاص او بعده ولسكن قبل وقت العمل بالخاص، من نفس الامام الذي صدر منه الخاص، ولكن قامت الحجة على وصوله من الإمام المتاخر فحسب دون قيامها على صدوره فربما كان العام قد أبلغ في مرات عديدة، ولكن لم يصل إلينا من باب الاتفاق والصدفة، أو أنه وصل ولكن بطريق ضعيف لا يعتمد عليه.

فما ذكر من أن النسبة بين العام والخاص نسبة العموم من وجه، يبتني على كون مفاد العام قد صدر متاخراً، وأما على تقدير صدوره من الأوّل وانما بلاغه ووصوله كان متأخراً فلا يتم ذلك.

المبحث الثاني:

إذا فرضنا كون الحكم الصادر من الإمام (عليه السلام) ولائياً، فهنا لا مجال لدوران الأمر فيه بين النسخ والتخصيص ؛ وذلك لأن تشريع الأئمة (عليهم السلام) من حيث كونهم ساسة العباد وأولي الأمر، وولايتهم على جعل الأحكام على ضوء المصالح والمفاسد المتغيرة لا يعتبر نسخاً للحكم الأول؛ لأنها نظير الالتزامات الثانوية

التي يلزم بها الإنسان نفسه بالصلح والشرط والعهد واليمين والنذر وغيرها؛ فإن هذه الأحكام ثانوية صادرة منهم في منطقة الفراغ بحسب المصالح والمفاسد المتغيرة.

ومثل هذا التشريع الثانوي الولائي لا يعتبر نسخاً، فمثلاً ورد في الروايات عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) أنه فرض الزكاة في تسعة أشياء وعفا عما سوى ذلك (1)وهي تدلّ على أن وجوب الزكاة في الغلات منحصر في أربعة منها، فإذا ورد عن أحد الأئمة (عليهم السلام) وجوب الزكاة في الحبوب أو «كل ما كيل أو وزن فعليه الزكاة»، واحتملنا كون وجوب الزكاة في جميع هذه الأمور حكماً ولائياً لبعض المصالح أن أمثال كثرة الفقراء أو غيرها، فلابأس بحمل الحكم على الحكم الولائي وهو لا يعتبر نسخاً كما هو واضح.

المبحث الثالث:

أن مافي كلامهم من دوران الأمر بين النسخ والتخصيص في اقوال الأئمة (عليه السلام)، محل إشكال:

أما النسخ، فما المراد منه؟ فإن كان المراد منه أن يصدر من الأئمة (عليهم السلام) حكم ينسخون به الحكم السابق، فهذا مما يُقطع ببطلانه؛ لأن ذلك ليس من شأن الأئمة (عليهم السلام) لان الروايات دلت على عدم صدور النسخ وانه لا يصدر منهم ما يخالف كتاب اللّه وسنة نبيه، وإنما وظيفتهم التبعية لأحكام اللّه فرائض وسنناً.

وأما لو كان المراد منه ما ذكر في بعض الكلمات، من أن الحكم الناسخ كان مودعاً لدى الإمام حتى يحين زمان إبلاغه في وقته، فلا يكون الحكم الناسخ بإحداث من


1) الفقيه 2 : 8 / 26، الرسائل 53:9 / 1، ب 8 من أبواب الزكاة.

الإمام وجعله. وهذا الاحتمال وإن كان ممكناً في نفسه، لكنه خلاف ظاهر الروايات الدالة على عدم صدور الناسخ منهم بصورة مطلقة.

وأما التخصيص، فهو محل إشكال في بعض الصور؛ فإن الخاص المتقدم لو كان مشتهراً بحيث يصلح أن يكون قرينة مكتنفة بالكلام العام ومانعاً عن انعقاد العموم، فلا يدور الأمر بينه وبين النسخ، بل يحمل على التخصيص.

نعم، إنما يتمّ هذا الكلام والدوران فيما لو لم يكن الخاص في معرض الوصول، ولم يكن بذلك الشيوع وإنما هو بحاجة للبيان، فهنا لو ذكر العام وحده ولم يذكر مخصصه فيكون فيه كتمان واضح؛ إذ أن المولى كتم مخصصه، إذا اصدر العام بدون تخصيص، وليس الخاص من قبيل القرنية المقترنة لتمنع من ظهوره بالعام والكتمان يحتاج إلى مصحح كما ذكرناه أكثر من مرة، فيأتي فيه ما ذكرناه في الصورة الأولى من البحث عن مصححات الكتمان.

فهنا يلاحظ العام فتارة يكون من التعليمات، وإنما يلقى لأجل بيان الضابطة الكلية، كما قالوا (عليهم السلام): «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع» (1)حتى يرجع لهذه الأصول في حالة الشك، كما هو المتعارف في تعليم جميع العلوم، حيث يبين القواعد الكلية والعامة ابتداءً، وبعد ذلك يذكر ما يكملها والملاحظات عليها، فلا مانع من الكتمان في التعليمات وإن تضمن الاعتماد على القرينة المنفصلة، ولكن تأخير البيان في هذا المجال لم يكن عن وقت الحاجة، فلا محذور فيه.


1) مستطرفات السرائر : 58 / 21، الوسائل 27: 62 / 552 ب 6 من أبواب صفات القاضي.

وأخرى يكون الحكم العام من الفتاوى، والاعتماد فيها على القرينة المنفصلة يعد من تأخير البيان عن وقت الحاجة، ومن هنا فإذا لم يذكر القرينة المنفصلة حين إلقاء الحكم، فهذا فيه كتمان، ولابد من ملاحظة أسباب الكتمان السابقة ومصححاته، لنرى مدى تناسبها مع التخصيص والأحكام المكتومه. فإذا كان الحكم الخاص المتقدم ترخيصياً، والحكم العام المتأخر إلزامياً، كما لو قال الخاص: (يستحب إنقاذ الذمي الغريق)، وقال في العام بعد ذلك: (يجب إنقاذ كل غريق)، فالحكم المكتوم هنا حكم ترخيصي. وفي الترخيصي يمكن أن يكون كل سبب من الأسباب الأربعة للكتمان مصححاً لكتمانه، وهي: المداراة مع السائلن والتقية، وإلقاء الاختلاف بين الشيعة، والسوق إلى الكمال.

وأما لو كان الأمر بالعكس بأن كان الحكم الخاص الزامياً، في حين أن حكم العام ترخيصي، كما لو قال في الخاص المتقدم: (أكرم العالم العادل)، وبعد ذلك قال في العام المتأخر : (يستحب إكرام العلماء) فالحكم المكتوم هنا هو حكم إلزامي، ومصحح كتمان الحكم الالزامي إنما يكون أحد أمرين : إما التقية أو المداراة من السائل دون غيرهما من المصححات، فإن فرض أن العامة لا يقولون بلزوم إكرام العالم العادل، ويكون الحكم باللزوم مما يثيرهم، فالتقية تصلح أن تكون مصححاً لكتمانه، وأما لو فرض أن العامة أيضاً يقولون بلزوم إكرام العلماء العدول، فلا مصحح للكتان هنا، فلا معنى للتخصيص.

و من هنا لابد من البحث عن علاج،آخر كما لو احتملنا حمل الخاص على الاستحباب المؤكد فنحمله عليه؛ إذ مع عدم وجود المصحح للكتمان فنفزع للحل الثالث، وهو التصرف بظهور (إكرام العالم العادل) الظاهر في الوجوب لنحمله على

الاستحباب المؤكد. كما ذكرناه في الصورة السابقة، من انه في بعض الموارد لا يدور الامر بين النسخ والتخصيص، وانما يوجد احتمال ثالث وهو حمل اللفظ على خلاف ظاهره، كحمل الامر الظاهر في الوجوب على الاستحباب.

ومن خلال ذلك يظهر التأمل في أقوال الأعلام في مسألة دوران الأمر بين النسخ والتخصيص، فإن الحمل على النسخ غير صحيح مطلقاً، وأما التخصيص فإن تم ففي بعض الموارد.

المبحث الرابع: التعارض بين أكثر من دليلين

إشارة:

وهو آخر بحوث تعارض الأدلّة والمرجّحات الدلالية، وهو بحث يشترك مع بقية بحوثه من جهة، كما أنه يمتاز عنها بجهة:

أما جهة الاشتراك، فهي أنه مع تعين أطراف المعارضة فيه؛ فإن أمكن الجمع الاستنباطي فيما بين الأدلّة المتعارضة تعين ذلك، وإلا فإنه تجري فيه قواعد التعارض التي سبق ذكرها في تعارض الدليلين من الترجيح ثم التساقط على الرأي المختار، أو الترجيح ثم التخيير، أو التخيير ابتداءً على اختلاف الاراء في ذلك.

وأما جهة الامتياز فهي التي سنشير إليها في البحوث الآتية.

وفي باب التعارض بين أكثر من دليلين يقع البحث في مقامين:

المقام الأول: في تعيين أطراف المعارضة فيما لو اشتبه الأمر في ذلك. ونؤكد هنا بأن ظاهرة اشتباه أطراف المعارضة من خصائص تعارض الأكثر من دليلين.

المقام الثاني: فيما تختص به موارد تعارض الأكثر من دليلين في مرحلة الجمع الدلالي من خصائص ومزايا، وهو البحث المعروف بـ (انقلاب النسبة).

وقبل الدخول في البحث نوكد بأن هناك صورتين من صورة المسألة خارجتين عن محل البحث هما:

الصورة الأولى: ما إذا كان مورد التعارض فيها بيناً، وكان امتناع الجمع فيما بينها من الواضحات، وذلك فيما لو كانت النسبة بين الأدلّة المتعارضة هي التباين، كما لو قال: (يجب إكرام العلماء) و (يحرم إكرام العلماء)، وورد (يستحب إكرام العلماء)،

فمورد التعارض فيما بينها واضح لوحدة الموضوع في الأدلّة الثلاثة كلها، وعدم إمكان الجمع بينها مما لا يكاد يخفى.

وكذا لو كانت النسبة فيما بين الأدلّة المتعددة هي العموم من وجه، كما لو قال: (يجب إكرام العلماء)، و (يحرم إكرام الفساق) و (يستحب إكرام الشعراء)، فمورد التعارض فيها هو مورد اجتماع الأدلّة الثلاثة، وهو (العالم الشاعر الفاسق). كما أنه لا طريق للجمع بينها، لعدم إمكان حصول أنحاء الجمع السابقة الذكر فيها.

الصورة الثانية: ما اتضح فيها مورد التعارض وإمكان الجمع بينهابان كان العلاج والجمع العرفي بينها واضحاً بينا، كما لو ورد دليلان وبينهما نسبة العموم من وجه يتعارضان في المجمع، ويرد دليل خاص يتعرض الخصوص المجمع، ويتضمن حكماً مغايراً لحكمي العامين من وجه كما لو قال : (أكرم كل عالم) و (لاتكرم كل فاسق) وقال: (يستحب إكرام العالم الفاسق) ؛ فان الدليل الثالث يكون مخصصاً لكلا الدليلين؛ لتكفّله ببيان حكم ما تعارض فيه الدليلان بنحو العموم من وجهفيكون المجمع خاضعاً لحكم الخاص وحده. ولا مجال في هذه الصورة لانقلاب النسبة، بدعوى أنه يتم تخصيص أحد العامين بهذا الدليل الخاص ثم تلاحظ نسبة هذا العام المخصَّص مع العام الآخر، فربما انقلبت النسبة بينهما من العموم من وجه إلى العام والخاص المطلق، كما ورد في تقريرات بعض الأعاظم عبارة تفيد دخول هذه الصورة في موارد انقلاب النسبة. ولعل ذلك من المقرر، قال في مباني الاستنباط: (فلو ورد خاص وعامان بينهما عموم من وجه) كما إذا قال: (أكرم العلماء) و(لاتكرم الفساق) و (يستحب إكرام العالم الفاسق)، فهل يلاحظ في مثله أحد العامين مع الخاص أولاً، ثم يلاحظ مع العام الآخر، فربما تنقلب النسبة من العموم من وجه إلى العموم المطلق،

أو يلاحظ جميعها في عرض واحد فتبقى النسبة على حالها؟ قولان، أقواهما الأول، وفاقاً للمحقق النائيني، وخلافاً للشيخ وصاحب الكفاية) (1).

وهذه العبارة التي ربما لم ترد في بعض التقريرات الأخرى يمكن التأمل فيها من جهات :

الأولى: لما كانت نسبة العامين المذكورين إلى الخاص على حد سواء، فملاحظة الخاص ابتداءً مع أحدهما وتخصيصه به دون الآخر ترجيح بلا مرجح.

الثانية: مع فرض إمكان تخصيص كلا العامين المذكورين بالدليل الخاص رأساً فإنه يتعين ذلك؛ ضرورة لزوم حمل كل عام على الخاص، ولا موجب للعدول عن ذلكفانه لغو، على أن هذا ليس من محل النزاع في شيء؛ لأنه إنما يأتي حيث لا يوجد جمع عرفي متسالم عليه بين الأدلّة كي يكون لانقلاب النسبة أثر وفائدة.

الثالثة: إذا كانت نتيجة انقلاب النسبة هي نفسها ما يستحصل بتخصيص كلا العامين ابتداءً بالخاص، فما هو اثره اذنفمثل هذا العمل لغو، لاننا سواء لاحظنا الخاص مع العامين معا دفعة واحدة واعتبرناه مقدما ومخصصاً لكليهما كما اخترناه، أو اننا فعلنا ذلك متدرجا كما هو المذكور في التقريرات او نقول بتساقط العامين من وجه في المجمع والرجوع فيه للمخصص، فان نتيجة هذه الصور جميعاً واحدة، فتقديم احد العامين بالملاحظة بلا اثر.

الرابعة: ما نسب إلى الشيخ من انكار انقلاب النسبه مطلقاً غير صحيح، فإنه لا ينكرها على الإطلاق كما هو رأي صاحب الكفاية، حيث ذهب إلى إنكار الانقلاب مطلقاً (2).


1) مباني الاستنباط 2 : 468.

2) الكفاية: 452.

فتبين أن هاتين الصورتين خارجتان عن محل البحث، وتبقى الصورة التي ذكرناه، فهي التي تقع مورداً لانقلاب النسبة. والبحث فيها يقع في مقامين:

المقام الأول: فيما إذا خفي مورد المعارضة

والمهم منها صورتان:

الصورة الأولى: فيما إذا ورد عام ومخصصان يستوعبان جميع أفراد العام أو أكثر أفراده، بحيث لو أريد تخصيصه بهما معاً لزم التخصيص المستهجن، كما لو قال: (أكرم العلماء) و (يكره إكرام العالم الفاسق) و (يستحب إكرام العالم العادل)، فإذا لاحظنا العام مع أحد الخاصين فلا يلزم من تخصيصه به التخصيص المستهجن، أما إذا خصص العام بكلا هذين الخاصين فإنه لا يبقى لحكمه مورد.

والاحتمالات او المسالك في هذه الصورة ثلاثة:

المسلك الأوّل: وقوع التعارض بين الأدلّة الثلاثة جميعاً، فتكون المعارضة ثلاثية الأطراف، باعتبار علمنا إجمالاً بأن ظاهر أحد هذه الثلاثة غير مراد قطعاً؛ لأن نتيجة الأدلّة الثلاثة هو الالتزام بصدور حكمين متضادين من المولى. وقد ذكرنا أن ضابط التعارض هو العلم إجمالاً بمخالفة أحد الظاهرين أو الظواهر المتعددة للواقع؛ استناداً إلى قضية بينة عقلية أو عقلائية أو شرعية.

وهذا الاحتمال هو المختار في هذه الصورة.

المسلك الثاني: ما يظهر من كلمات جملة من الأعلام بأن المعارضة في هذه الحالة تقع بين العام ومجموع الخاصين، فتكون المعارضة ثنائية الأطراف؛ فنلاحظ العام من طرف ومجموع الخاصين من طرف آخر، فان الخاص لو كان وحده لقدم على العام، ولكنه مع الخاص الآخر بشكل وحدة مجموعية، وتكون نسبته مع العام نسبة التباين، ولا بد من العلاج لأنا نعلم إجمالاً بعدم إرادة إما ظاهر العام، أو ظاهر الخاصين. ولذا فيجب ملاحظة الترجيح بين العام ومجموع الخاصين، فإن توفّر ما يوجب صرف الريبة عن العام إلى الخاصين أخذ به، وتقع المعارضة ثانية بين الخاصين، للعلم إجمالاً بعدم إرادة ظاهر أحدهما، فإن كان هنا أيضاً مرجّح لأحدهما تعيّن الأخذ به، وإلا تساقطا.

فإن كان عندنا عام راجح على أحد الخاصين المعارضين له ولكنه مرجوح بالنسبة إلى الخاص الآخر، فيما أن المعارضة تلاحظ بينه وبين مجموع الخاصين؛ فإن العام هنا وإن كان مرجوحاً بالنسبة إلى أحدهما، لكنه راجح بالنسبة إلى الآخر، فيكون العام متكافئاً مع المجموع بعد الكسر الانكسار وتكون النتيجة هي التساقط.

وأما على الاحتمال الأوّل، فانه يؤخذ بالعام الراجح والخاص الأرجح، ويطرح الخاص المرجوح وسيجيء توضيح الفرق بين هذين الاحتمالين.

ويظهر هذا الاحتمال من كلمات جماعة منهم الشيخ الأنصاري قدس سره وصرح به المحقق الآخوند في الكفاية، وحاشية الرسائل وكذا صرح به المحققون الأصفهاني والعراقي والحائري والنائيني في تقريره (1).


1) الرسائل 794/2، الكفاية : 452، نهاية الدراية 351/6 نهاية الافكار 160/4، درر الفوائد : 683. اجود التقريرات 2/ 518 وفوائد الاصول 742:4.

وعلى هذا الاحتمال، يكون هناك تعارض بالذات بين العام والخاصين معاً، وتعارض بالعرض بين الخاصين على تقدير الأخذ بالعام.

المسلك الثالث: وهو ما يظهر من بعض الأعاظم في كتاب (الرسائل) من أن المعارضة تقع بين الخاصين فحسب، وأما العام فإنه يخرج عن حدود المعارضة، ونتيجته هو تعيين ملاحظة المرجّحات في الخاصين فقط (1).

فهذه احتمالات ثلاثة في تحديد أطراف المعارضة.

أما الاحتمال الأوّل - وهو كون المعارضة هنا ثلاثية الأطراف - فقد ذكرنا أنه ينشأ من وجود ملاك التعارض فيه وهو العلم الإجمالي لعدم مطابقة أحد هذه الظهورات الثلاثة للواقع استناداً إلى قضية بينة عقلية أو عقلائية أو شرعية حيث يوجب الريبة في أحدها، فإذا وجد ما يوجب صرف الريبة إلى أحد الأطراف تعيّن طرحه والأخذ بما صرفت عنه الريبة.

وأما المسلك الثاني فهو ينشأ من أن العام لا يخالف كلاً من الخاصين على انفراده؛ إذ مع فرض ملاحظة العام مع أحد الخاصين فإنه يتعيّن تقديم أحد الخاصين فإنه يتعيّن تقديم الخاص عليه، وإنما يخالف مجموع الخاصين سواء اختلفا في الحكم أو اتفقا وعلى تقدير اتفاقهما فيه فانهما يكونان كدليل واحد من خلال تعديل قوى الأدلّة في وحدة مجموعية. لذلك يتكافأ هذا المجموع نتيجة لهذا التعديل مع العام. فالفرق بين مجموع الخاصين وبين هذا الدليل الواحد المنتزع منهما بالنشر واللف فقط، حيث يكون الخاصان نشراً لذلك الدليل الواحد.


1) رسالة في التعادل والترجيح: 93.

وعليه فلابد من ملاحظة الترجيح بين العام ومجموع الخاصين؛ فإن رجح العام عليهما تعيّن الأخذ به وإن كان العام راجحاً بالنسبة لأحدهما مرجوحاً بالنسبة إلى الآخر فإنه يتعامل معهما معاملة المتساويين؛ لأن المركب من المرجوح والراجح يكون مساوياً للطرف الآخر العام بقانون تعديل القوى وموازنتها والكسر والانكسار فيها، فإذا كانت درجة العام ثلاثة ودرجة أحد الخاصين اثنين والخاص درجة واحدة فإنه تتكافأ قوى طرفي المعارضة.

ولكن يلاحظ عليه أن التعارض إنما يكون بين الأدلّة، وهي متعددة، وأما عنوان مجموع الخاصين فليس دليلاً خارجياً كي يكون طرفاً للمعارضة. فهذه الوحدة ليست أمراً حقيقياً وإنما هي أمر اعتباري انتزع من هذا الخاص وذاك. فالموجود خارجا هو كل واحد من الخاصين لا المجموع بما هو مجموع، وقد فرض العلم إجمالاً بمخالفة أحد هذه الظهورات الثلاثة للواقع، فيتعين وقوع التعارض بين الأدلّة الثلاثة.

هذا الإضافة إلى أن لازم هذا المسلك ملاحظة الترجيح بين مجموع الخاصين بعد التعديل مع العام، مع أن الحاكم بالترجيح في باب التعارض هو العرف فان تعديل القوى او موازنتها وملاحظة نسبتها مع العام من المتساويين، فليس له وضوح عند العرف، مع ان ادلة المرجّحات انما تكون للطرق بنظر العرف، وهو إنما يقضي بملاحظة المرجّحات في كل واحد من الأدلّة بصورة مستقلة والمرجّحات انما هي للطريق الخارجي، والمجموع ليس له وجود خارجي لتشمله ادلة المرجّحات، إذ لا واقعية له الا في الذهن، ليقال ان المجموع هو طريق فهو ارجح أو مرجوح أو مساو، وانما في الخارج الخاصان والعام، فلا بد من ملاحظة المرجّحات في الثلاثة، لان المرجّحات عرفاً انها تترتب على الطرق الواقعية

المسلك الثالث: فلم يذكر له وجه صريح، ولم يتضح المبرر لإخراج العام من المعارضة، والمفروض وجود أدلة ثلاثة ضمنية مع وجود العلم الإجمالي بمخالفة أحد الأدلّة الثلاثة للواقع ومنها العام. فالشيء إنما يخرج عن مجال المعارضة إذا كان بيناً أو مبيناً، مثل قضية استحالة اجتماع النقيضين أو اجتماع الضدين، كأن يقال مثلاً بأنا نعلم إجمالاً؛ إما أن تكون قضية استحالة اجتماع النقيضين غير صحيحة أو الدليل الحاكم بحرمة الفعل الكذائي أو الحاكم بعدم حرمته، فقضية استحالة اجتماع النقيضين ولوضوحها تكون هي الخارجة عن حدود العلم الاجمالي؛ إذ لاترديد فيها.

فالقضية الخارجة عن حدود التعارض لابد أن تكون واضحة أو مبينة، كما لو علمنا من الخارج بأنه لا يجب في هذا الوقت إلا صلاة واحدة، وقام دليل يدل على وجوب الظهر، وآخر يدل على وجوب الجمعة. فالدليل الأوّل إذا كان قطعياً بيناً فإنه يخرج عن حدود التعارض، وأما إذا لم يكن بيناً ولا مبيناً كما في الدليل العام هنا – إذ لم يفرض كونه قطعياً - فلماذا يخرج عن حدود التعارض؟ وهل إن مجرد كونه دليلاً عاماً يصحح خروجه عن مورد المعارضة، كما يظهر ذلك من عبارة بعض الأصوليين حيث عبروا عنه بالعام الفوقاني، مع العلم إن ضابط التعارض – وهو العلم إجمالاً بمخالفة أحد هذه الأدلّة الثلاثة بما فيها الدليل العام للواقع - ينطبق عليه؟ فاما ان يكون مدلول العام غير صحيح، او مدلول الخاصين، ولا مبرر لخروجه عن حدود التعارض مع صدق مفهومه عليه.

وعلى أي حال فما يمكن تصوّره في هذا المجال تقريباً مصححاً لهذا المسلك وجهان :

الوجه الأوّل: ما جاء في كتاب (الرسائل الجديدة) ردّاً على الاحتمال الثاني، ونصه: (ففيه أن مجموع الدليلين ليس من الأدلّة، بل لا وجود له في الخارج وإنما هو اعتبار عقلي، فالموجود في الخارج والصادر من الأئمة (عليهم السلام) كل واحد من الخاصين بخصوصه، والعام لايباين ولا يعارض كلاً منهما ولا يعارض المجموع الذي لا وجود له. فالتعارض إنما هو بين الخاصين ولو بالعرض) (1).

وفيه أن الخاصين أيضاً لا تعارض بينهما في أنفسهما وإنما ينشأ التعارض من العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع. وقد ذكرنا أن مورده قضية منفصلة مانعة الخلو تحتوي على ثلاثة أطراف، ويشك في كل طرف منها، فما ذكره إنما ينتج التعارض بين الأدلّة الثلاثة جميعاً لاخروج العام من دائرة التعارض.

الوجه الثاني: المشهور هو عدم التعامل مع الخاص والعام معاملة المتعارضين وملاحظة المرجّحات فيما بينهما ؛ لأن حجية العام بالنسبة لكل فرد من أفراده تعليقية، بمعنى أن حجيته بالنسبة إليه معلقة على عدم قيام حجة في خصوص هذ الفرد تدل على حكم مخالف لحكم العامو هو الدليل الخاص. وهذا التأخر الرتبي يوجب خروج العام من حدود المعارضة مع الخاص فالعامة دائماً متاخر رغبة عن الخاص، لان حجية العام في كل مورد لولا وجود الخاص، فاذا وجد الخاص فلا يكون العام حجة في تلك الحصة، لذا يجمع بينهما مباشرة، بخلاف الدليلين الخاصين؛ فإن حجية كل منهما منجزة وغير معلّقة على عدم ورود خاص آخر؛ ولذا تقع المعارضة بينهما فحسب ويلحظ العام في مرتبة متأخرة عن تطبيق قواعد التعارض على الخاصين.


1) رسالة في التعادل والترجيح ص 94.

ويلاحظ عليه أن مجرد كون الدليل عاماً والآخر خاصاً لا يكون مبرراً لعدم وقوع التعارض بينهما، وكذا القول بأن حجية الدليل العام معلّقة على عدم ورود خاص مخالف له، فهذا غير تام بإطلاقه، ولكل خاص فليس لدينا قانون عام بدلعلى عدم التعارض بين العام والخاص ؛ إذ قد يلاحظ التعارض بين العام والخاص أحياناً، كما إذا لزم من تخصيص العام بهذا الخاص لوحده أو مع خاص آخر التخصيص المستهجن، كما لو كان الخاص مستوعباً لأكثر أفراد العام أو جميعها، فلو قال: (أكرم العلماء)، ثم قال: (لا تكرم العالم الفاسق)، وفرضنا أن أكثر العلماء آنذاك هم فسقة، وبما أن الخاص وحده او كلا الخاصين هنا يستوعبان مدلول العام بحيث يلزم التخصيص المستهجن، فلا يمكن أن تكون حجية العام بالنسبة إليهما تعليقية؛ للزوم إلغاء ظهور العام بعد ورودهما، أو استلزام التخصيص المستهجن للعلم بعدم تطابق مقام الإثبات فيه مع مقام الثبوت. وبعبارة اخرى : ان قضية تقدم الخاص على العام في مرحلة الحجية قضية عقلائية فتتحدد بحدود بناء العقلاء، ففي موارد امکان الجمع العرفي يتقدم الخاص على العام اما لو وجد عارض يمنع من التخصيص، اما الاستهجان الفردي او الانظمامي للخاص الآخر او لاجل تأخير بيان الخاص عن وقت الحاجة وامثالها، فلا تكون حجية العام تعليقية لولائية، لان التعليقية ليست قاعدة كلية بل خاضعة بقول العرف والعقلاء.

فالحق أن العام مثل هذه الموارد يتعارض مع الخاصين في حدود استلزام تقدمها عليه للتخصيص المذكور، فهو يدافع عن نفسه في الجملة لابكل مدلوله.

إضافة إلى أنه لو صح القول بأن حجية العام في مثل هذا المورد تعليقية فلماذا إذن يتعارض الخاصان فيما بينهما، والمفروض أن تعارضها بالعرض؟ ألا يعني ذلك فرض كون العام دليلاً وحجة بالفعل؟

وبالجملة فالمسالك المذكورة في المقام كما ظهر لا يمكن الاعتماد على الثالث والثاني منها؛ إذ أن المسلك الثالث يلزم منه خروج العام بما هو أحد أطراف العلم الإجمالي بمخالفة أحد الأدلّة الثلاثة للواقع من أطراف ذلك العلم بلا مبرر.

والمسلك الثاني يدفعه أمران:

الأوّل: ما ذكرناه من أن كل واحد من الخاصين بحده يُشكّل طرفاً للعلم الإجمالي المذكور.

الثاني : استلزامه لملاحظة جهات الترجيح في مجموع الخاصين لاكل واحد منهما على حدة، وهو أمر لا يساعد عليه العرف والعقلاء.

فالحق هو المسلك الأول. وانه لدينا علم اجمالي بان احد الظهورات الثلاثة مخالفاً للواقع، سواء لم يكن صادرا او انه صادر لا لبيان الواقع، وهذا العلم الاجمالي يوجب التعارض بين الثلاثة، ولا بد من العلاج أو البحث عن المر.

والفرق بين المسالك أو الاحتمالات الثلاثة واضح؛ اذ على لأخير ينبغي ملاحظة قواعد الترجيح فيما بين الخاصين فقط؛ لخروج العام عليه عن حدود المعارضة. واما الفرق بين المسلك او الاحتمال الأول والثاني وهو العمدة في المقام فلأجل أن يتضح ذلك جيداً نستعرض موردين للفرض يتبين من خلالهما الفرق بين الاحتمالين:

المورد الأول: ما إذا كان أحد الأدلّة الثلاثة راجحاً والآخر مرجوحاً والثالث ارجح، فكان أحد الخاصين هو الأرجح والخاص الآخر مرجوحا في حين ان العام يكون راجحاً.

فعلى الاحتمال الأول المختار يخرج الخاص المرجوح من حدود المعارضة، ويبقى العام الراجح مع الخاص الأرجح فيخصصه.

ولكن على الاحتمال الثاني بما أن قواعد الترجيح تلاحظ بين العام ومجموع الخاصين، وتتعاضد قوى الخاصين فيتكافآن في القوة مع العام المعارض؛ وذلك لأنه إذا فرضنا ضمّ الخاص المرجوح للخاص الأرجح فيكون متكافئاً مع العام الراجح فإن قلنا بالتخيير بين المتكافئين كما ذهب إليه صاحب الكفاية وغيره، كان لنا الخيار بالأخذ بأي منهما، فلو لم نأخذ بالعام وانما اخذنا بالخاصين، فلا تتحقق معارضة اخرى بينهما، اذلا تنافي بينهما، واما إذا فإن أخذنا بالعام فإن مجموع الخاصين با هو مجموع يسقط عن الاعتبار. ولكن سقوطه لا يستلزم سقوط الجميع؛ ولذا تتحقق معارضة اخرى بين الخاصين انفسهما، فان واجد راجح ومرجوح.

وبالطبع فإن الخاص الأرجح يتقدّم على المرجوح، ولو كانا متساويين فنأخذ بالتخيير او التساقط على الخلاف وإن التزمنا بالتساقط كما هو الحق، فيسقط طرفا المعارضة وهما العام ومجموع الخاصين عن الاعتبار. ولكن الجميع لا يسقط، فتحدث معارضة اخرى بين الخاصين أنفسهما ويقدّم الخاص الأرجح. فنلاحظ أنه على المسلك الأول لا تصل النوبة للتساقط أو التخيير بعد افتراض عدم تكافؤ الأدلّة، وأما على المسلك الثاني فإن قواعد التعارض والترجيح تجرى فيها.

المورد الثاني: أن يفرض رجحان أحد الخاصين، وتساوي العام والخاص الآخر، فعلى المسلك الأول يتعيّن الأخذ بالخاص الراجح ويسقط الآخران: العام والخاص الآخر، وأما على المسلك الثاني المشهور فيجب الأخذ بالخاصين فحسب؛ فإن طرف المعارضة حسب الفرض هو مجموع الخاصين المركب من الراجح والمساوى مع العام.

وواضح أن المركب منها أقوى من العام المساوي لأحد الخاصين لان المركب من الراجح والمساوي ارجح ؛ فيطرح العام.

الصورة الثانية: إذا ورد عامان بينهما نسبة العموم من وجه، كما إذا ورد: (يستحب إكرام العلماء)، وورد: (يكره إكرام الفساق)، ويفترض ورود خاص لكل واحد من هذين العامين يعارضه في مورد افتراقه عن العام المعارض له، كما إذا ورد أيضاً: (يجب إكرام العلماء العدول)، وورد : (يحرم إكرام الجاهل الفاسق). ففي مجال تحديد أطراف المعارضة في مثل هذه الصورة قولان:

القول الأول: أن التعارض يختص بالعامين فقط ولا يسري إلى الخاصين، وهو مختار المحقق النائيني (قدس سره) (1)وتقريبه ببيان منا أنه لا ريب في تعارض العامين من وجه بالنسبة إلى المجمع، وأمّا الخاصان فلا تعارض بينهما لا ختلاف موضوعهما، ولا تعارض بينهما وبين العامين لوجود الجمع الدلالي بين كل عام مع خاصه. فتارة لا نقول بانقلاب النسبة، خلافاً للمحقق النائيني قدس سره، ومرجعه إلى مقايسة العام قبل التخصيص مع العام الآخر وملاحظة نسبتهما، واخرى نلتزم بانقلاب النسبة.


1) اجود التقريرات 2 : 518.

فعلى المسلك الأول وهو عدم انقلاب النسبة لابد من ملاحظة كل عام مع العام الآخر، فإذا كان أحدهما راجحاً على الآخر نأخذ به ونقدّمه على قرينه في مورد تنافيهما، وهو المجمع، ونخصص الآخره، ثم نخصص العام الراجح باحد الخاصين، واما العام المرجوح الذي خصصناه بالعام الراجح، فتقدم خاصه عليه؛ لا للتخصيص، وذلك بجعله قرينة على المراد من العام؛ لأنه يستلزم بقاء العام بلا فرد؛ لأن المفروض تخصيصه أولاً بالعام الراجح بإخراج المجمع عنه، فإذا خصصناه ثانياً بالخاص يل-زم إعدام جميع أفراده. فوجه تقديم الخاص عليه هو أظهريّته من العام، بلحاظ تركيزه على حصة خاصة بخلاف العام.

ومما ذكرنا ظهر حال تكافؤ العامين وتساقطهما في المجمع ؛ فإن الخاصين يقدمان عليهما لا للتخصيص والقرينية، بل بملاك الأظهرية، وإلا يلزم بقاء العام بلا فرد. هذا بناء على إنكار انقلاب النسبة.

وأما بناء على انقلاب النسبة، فنخصص كلّ عام بمخصصة، ثم نلاحظ العامين المخصّصين، فتنقلب النسبة إلى التباين. فعلى أي حال يكون الخاصان خارجين عن حدود المعارضة، لتقدمهما على العامين إما بملاك التخصيص على القول بالانقلاب وإما بملاك الأظهرية على القول بانكاره.

القول الثانى وهو القول بثبوت التعارض بين الأدلّة الأربعة جميعاً وهو مختار بعض أعاظم تلامذته (1)وتقريبه بما تندفع عنه بعض الاعتراضات هو أن هنا أدلة أربعة نتكفل بإثبات أحكام أربعة، وهى الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة، وهي


1) مصباح الاصول 3: 400.

أحكام مختلفة، ولكن لموضوعات ثلاثة وهى (العالم العادل) و (الجاهل الفاسق)، و (العالم الفاسق) وهو المجمع، وهو يعني افتراض ثبوت حكمين مختلفين لموضوع واحد، فإن الموضوعات الثلاثة لا تتحمل أكثر من ثلاثة أحكام، لاستلزام ذلك اجتماع الضدين بمعناه المتصور في الأحكام وذلك للتضاد بين الاحكام المتغايرة بالمعنى المعقول لها اما من حيث المبدأ أو المنتهى فلا بد أن يكون أحد هذه الأحكام الأربعة على خلاف الواقع. فنحن نعلم جمالاً بان أحد هذه الظهورات الأربعة ليس بحجة؛ إما لعدم صدوره من المعصوم (عليه السلام)، أو انه صادر ولكنه لبيان الحكم الواقعي لعدم مطابقة الإرادة الجدية فيه للإرادة الاستعمالية باعتبار صدوره تقية أو غيره. فيتحقق التعارض بينها لفرض تحقق ملاكه، وهو العلم الاجمالي المذكور فتلاحظ قواعد الترجيح فيها جميع و علاج هذا التعارض، اما الحكم بعدم صدور احد الاحكام الاربعة، أو انه صدر لا لبيان الحكم الواقعي.

فمبنى هذا القول هو العلم بمخالفة أحد الأحكام الأربعة التي تدل عليها هذه الظهورات الأربعة للواقع بنحو الإجمال، لا العلم بعدم صدور أحد هذه الأدلّة الأربعة كذلك، كما جاء في بعض العبارات، ولذا فالتقريب يجري حتى مع فرض العلم بصدورها جميعاً من المعصوم، إذا علم بعدم تطابق الإرادة الجدية في أحدها بنحو الإجمال مع الإرادة الاستعمالية فلاحظ.

وقد يعترض على هذا القول بوجهين:

الوجه الأول: أن العلم الإجمالي بعدم مطابقة احد الاحكام الاربعة للواقع الموجب لعدم حجية واحد من هذه الظهورات الأربعة المتعارضة ينحل بعلم إجمالي صغير هو العلم إجمالاً بعدم مطابقة الإرادة الجدية في أحد العامين من وجه في خصوص المجمع

للإرادة الاستعمالية فيه؛ اذلا يحتمل أن يكون إكرام العالم الفاسق مستحباً ومكروهاً. فلدينا علم اجمالي بكون المجمع محكوما باحد الحكمين لا بكليهما، فاما ان يكون محكوماً بالكراهة او الاستحباب وبما أن دائرة هذا العلم أضيق من دائرة العلم الأول، بمخالفة احد الاحكام الاربعة للواقع ونتيجته التعارض في دائرة اضيق، وهو التعارض بين العامين من وجه في المجمع لذلك ينحل العلم الاجمالي الكبير وعدد المعلوم بالإجمال في العلم الاجمالي الصغير مساو لعدد المعلوم بالإجمال في ذلك العلم الاجمالي الكبير، فهو في كلا العلمين واحد.

وقد ذكر في مباحث الظن أنه إذا حصل علم إجمالي صغير في نفس مورد العلم الإجمالي الكبير، كما لو قامت بينة على نجاسة أحد الإناءين بين عشرة اوان مما علم إجمالاً بنجاسة أحد العشرة، فإن العلم الإجمالي الكبير ينحل بالعلم الإجمالي الصغير في الاناء من إذ لم يكن لدينا علم اجمالي الا بنجاسة اناء واحد، فاذا قامت بينة على نجاسة احد الاناءين فيتطابق العلمان في كون النجس واحداً وما وراء الاناءين خارج عن دائرة العلم الاجمالي. وهكذا في المقام ومعه فلا يبقى علم إجمالي وراء المجمع.

ولكن هذا الاعتراض واضح الضعف ؛ فإنه كما يوجد لدينا علم إجمالي بمخالفة أحد الظهورين العامين من وجه في المجمع للواقع، فلدينا أيضاً علم إجمالي بمخالفة أحد الظهورين في طرفي الافتراق للواقع أيضاً. فكما نعلم إجمالاً بأن المجمع إما غير محكوم بالاستحباب أو غير محكوم بالكراهة، فكذلك نعلم إجمالاً بأن (العالم العادل) إما لا يكره إكرامه أولا يحرم،

فهنا علوم إجمالية صغيرة ثلاثة، ويتقوم الإجمالي الكبير بها جميعاً فلا ينحل بأحدها، ولا وجه لقياس المورد بمثل ماذكر مثالاً؛ فإن الانحلال إنما يتصوّر إذا لم يتقوم العلم الإجمالي الكبير إلا بعلم إجمالي صغير واحد فقط.

الوجه الثاني: أن ماذكر من وجود علم إجمالي بمخالفة أحد الأحكام الأربعة المذكورة للواقع، ونتيجته وقوع التعارض بين الأدلّة المثبتة لها، وكون احد الظهورات الاربعة غير حجة وإن كان صحيحاً، ولكن هذا العلم الإجمالي يتقوم بعلوم إجمالية ثلاثة: علم إجمالي بمخالفة أحد الحكمين الثابتين للمجمع وهو العالم الفاسق للواقع، وعلم بمخالفة أحد الحكمين الثابتين لمورد افتراق أحد العامين له، ويتمثل في العالم العادل، وعلم إجمالي بمخالفة أحد الحكمين الثابتين لمورد افتراق العام الآخر له ويتمثل في الجاهل الفاسق فيثبت لكل واحد من الموضوعات الثلاثة حكمان متعارضان.

والعمدة في التعارض هنا هو العلوم الإجمالية الثلاثة لا بخصوص العلم الإجمالي الكبير الواحد الذي ينتزع منها؛ فإن كل مورد تحققت فيه علوم إجمالية ثلاثة يمكن افتراض علم إجمالى واحد كبير يضم جميع الأطراف. فمثلاً لو كان عندنا عشرة أوان وعلمنا بوجود إناء نجس في كل اثنين منها، فإنه يصح أن يقال بأننا نعلم إجمالاً بنجاسة نصف الأواني العشرة.

فالمهم هو ملاحظة العلوم الإجمالية الثلاثة ومدى جريان قواعد الترجيح فيها؛ أما التعارض المفروض في المجمع فهو مستقر كما ذكرنا، فالعامان من وجه يتعارضان فيه بدرجة متساوية، فتجري بالنسبة إليه القواعد المذكورة، وأما التعارض المفروض في

موردي الافتراق فإنه بذوي وغير مستقر، ومن قبيل تعارض الخاص والعام، وفي مثله يتقدّم الخاص ويخصّص العام المعارض له.

فمجرد العلم الإجمالي بمخالفة أحد الظهورات الثلاثة للواقع، لا يقتضي كون التعارض بينهما مستقراً؛ إذ مع توفر مقومات الجمع الدلالي فيها، فإنه يكون بدوياً اذن فنوع التعارض يختلف في موارد الافتراق بين الخاصين والعامين عن مورد الاجتماع بين العامين من وجه، فان التعارض في مورد الافتراق هو غير مستقر، لان الخاص متقدم على العام، بينما التعارض في مورد الاجتماع مستقر وتجري فيه قواعد التعارض والترجيح، وهذا القول يبتني على عدم التمييز بين نوعي التعارض في الموردين، وإلاً فلو كان مجرد وجود العلم الإجمالي المذكور موجباً لأعمال قواعد التعارض لجرى ذلك في العام والخاص والمطلق والمقيد.

بل ولازم إعمال قواعد التعارض بمجرد العلم الإجمالي بمخالفة أحد الظهورات المتعارضة للواقع، هو أنه إذا كان أحد العامين أرجح من البقية لتعين الأخذ به وطرح ما سواه بما فيه الخاص المخالف له. ولا يمكن الالتزام بذلك؛ فهذا القول لا يمكن التوافق معه.

كما أن القول الأول يمكن التأمل فيه على ما بنينا عليه من أن تقدم الخاص على العام ليس مقبولاً بإطلاقه، بل فيه تفصيل بين العمومات الملقاة في مقام التعليم وبين الملقاة في مقام الإفتاء.

فالكبريات في مرحلة التعليم يكون الاعتماد فيها على القرائن المنفصلة أمراً طبيعياً تقتضيه طبيعة التعليم، وهذا بخلاف العمومات في مرحلة الفتوى وعلاج حاجة المستفتي في مرحلة العمل، فإن كتمان المراد الواقعي والاعتماد على القرائن المنفصلة

يتوقف على وجود أسباب خاصة من التقية والمداراة وغيرهما التي بحثنا عنها في المقصد الثاني فما دام لم يوجد سبب مناسب، يشكل تقديم الخاص على العام.

فعلى مسلك المحقق النائيني أي انقلاب النسبة يتم القول بلحاظ العامين بعد التخصيص وإخراج الخاصين عن حدود المعارضة بشرط غض النظر عن قضية التعليم والفتوى، أو فرض الكلام في التعليم.

وهكذا الحال بناء على إنكار انقلاب النسبة؛ فإن تخصيص العام الراجح بأحد الخاصين لا يتم على إطلاقه، وإنما يصح في التعليم، وأما إذا كان من قبيل الإفتاء، أو كان الفصل بين العام والقرينة المنفصلة خارجاً عن حدود التعليم، فلابد حينئذ من ملاحظة الأدلّة الأربعة على ضوء أسباب الكتمان.

وأما العام المرجوح والالتزام بتقدّم الخاص عليه من باب الأظهرية لا القرينية، ففيه أن لازمه طرح ظهور العام تماماً وفي جميع مدلوله وهو غير جايز.

نعم، إن كان ظهور العام على نحو يقبل التأويل، يحمل بقرينة الخاص على معناه التأويلي، كما لو قال: (ينبغي إكرام العلماء)، واستظهرنا منه الاستحباب، فيحمل بقرينة الخاص على الوجوب.

المقام الثاني : (بحث انقلاب النسبة)

الدلالي من خصائص ومزايا وهو البحث المعروف بـ (انقلاب النسبة)

ذكرنا سابقاً أن من طرق الجمع الدلالي بين الدليلين تقديم الخاص على العام، ولكن هذه الطريقة للجمع على الرغم من وضوحها في ذلك البحث واجهت هنا بعض الشبهات من جهتين:

الجهة الأولى: أن العام المخصص الذي قد عُبّر عنه أحياناً بالخاص، هل هو كالخاص في تقدمه على العام المعارض له أولا؟

الجهة الثانية : أن العام المخصص كالعام فيما لو ورد عليه مخصص أخر أم لا؟

ونحن حاولنا حصر كل بحوث انقلاب النسبة في هاتين الجهتين، ولكن الأعلام لم يطرحوا هذه البحوث من خلال عناوين محددة، بل ذكروا أمثلة وبحثوا هذه المسائل من خلالها، مع أن مهمة الاصولي ليست التعرض للمصاديق والصغريات، بل البحث عن الكبريات والقواعد الكلية. وعلى أي حال فهنا مبحثان.

المبحث الأول: في أن العام المخصص هل هو كالخاص في لزوم تقديمه على العام المعارض له، أم هو ليس كذلك؟ ونتيجته أن العام المخصص لو كان كالخاص، ففي الموارد التي يكون بين الدليلين العامين عموم من وجه مثلاً، وكان أحد الدليلين مخصصاً بدليل خاص في مورد الافتراق، فيصبح هذا العام المخصص كالخاص، حيث

يختص بالمجمع لانه لو كان كالخاص فيتقدم على العام المعارض له في المجمع من باب تقدّم الخاص على العام. أما لو لم نقل بذلك فلا يكون العام المخصص محكوماً بحكم الخاصبل انه يتعارض مع العام الاخر في المجمع ولا يتقدم عليه.

ومثاله في العامين من وجه إذا ورد (يستحب إكرام العلماء)، و (يكره إكرام الفساق)، وورد: (يجب إكرام العلماء العدول) وهو لتعرضه إلى العام الأول فإنه سيتقدم عليه ويخصصه بالعلماء غير العدول فقط فهل هذا العام المخصص في حكم الخاص، كما لو قال المولى : (يستحب إكرام العلماء غير العدول)، حتى تكون نسبته مع العام الآخر وهو (يكره اكرام الفساق) نسبة الخاص إلى العام، ويتقدم عليه في المجمع بالتخصيص، وهذا معنى كون العام المخصص كالخاص، أو أنه ليس كذلك، بل إن النسبة بين الدليلين تبقى على ما كانت عليه، وهى نسبة العموم من وجه، ويتعارضان في المجمع؟

وكذلك الأمر في المتباينبين كما لو ورد: (يستحب إكرام الشعراء)، و(يكره إكرام الشعراء)، و (لايستحب إكرام الشاعر الفاسق)، فهذا الدليل الثالث يخصص العام الأول فحسب، ولا يتعرض للعام الثاني لعدم معارضة قوله: (لايستحب) لقوله: (یکره)، وبعد تخصيصه للعام الأول، هل يكون هذا العام المخصص في حكم الخاص كما لو قال المولى : (يستحب اكرام الشاعر غير الفاسق)، فتنقلب النسبة ما بين العامين من التباين إلى العموم المطلق ويخصصه أم لا؟

وفي هذه المسألة رأيان:

الرأي الأول: أن العام المخصص كالخاص في تقدمه على العام المعارض له. وقد ذهب لهذا الرأي الشيخ والمحقق النائيني (1)وبعض الأعاظم (2)، وقد عبر هؤلاء عن ذلك (بانقلاب النسبة) (3)، ومال إليه المحقق الخراساني ولكنه اعتبر تقدم العام المخصص لكونه كالنص في الباقي بعد التخصيص. ويستفاد مثل هذا المعنى أيضاً من كلمات الشيخ كما يظهر بالتامل في مجموعها، فإنه وإن عبّر في بعض المواضع، بانقلاب النسبة، ولكن الظاهر أنه يذهب إلى وجه مماثل لما اعتمده المحقق الآخوند وجهاً للتقدم.

ومهما اختلفت الطرق في تقريب هذا الرأي، فكلها تشترك في اعتبار العام المخصص كالخاص.

الراي الثاني : ما ذهب إليه المحققان الأصفهاني والعراقي (4)، من أن العام المخصص لا يكون بحكم الخاص، ولذا فإنه لا يتقدم على معارضه بالتخصيص بل تجري قواعد التعارض فيهما، ولا فرق في ذلك بين كون النسبة بين العامين عموما من وجه أو تبايناً. وهذا الرأي هو المختار.


1) يلاحظ اجود التقريرات 2: 518.

2) مصباح الاصول 3: 399.

3) ومرجعه إلى ان العام المخصص خاص موضوعاً، فالنسبة بينه وبين العام نسبة الخاص إلى العام، والفرق بينه وبين مسلك المحقق الخراساني انه بناء على الثاني يكون العام المخصص في حكم الخاص في وجوب تقديمه على العام لمكان الاظهرية من دون ان تنقلب النسبة لبقائه بعد على العموم.

4) نهاية الدراية 6: 349. نهاية الافكار 409:4.

ولأجل أن عمدة ما علل به الرأي الأول في الازمنة المتأخرة هو انقلاب النسبة، فلذا نرى أن الأجدر بنا قبل أن نتعرض لأدلة القائلين به أن نذكر مقدمة نتعرف من خلالها على الموضوع أكثر، ونبين وجهة نظرنا في تلك الأدلّة وإن كنا سنتعرض أيضاً إلى الطرق الاخرى التي ذكرت لإثبات الرأي الأول.

والمقدمة تشتمل على أمرين:

الأمر الأول: ونشير فيه بإيجاز لما ذكرناه في بداية بحث تعارض الأدلّة حول بيان حقيقة التعارض وكيفية تحقق التنافي بين المدلولين والظهورين والحجتين.

ذكرنا أن التعارض بين الأدلّة إنما يتحقق حيث يوجد علم إجمالي بمخالفة أحد الظهورات للواقع، ويستند هذا العلم إلى قضية بيّنة أو مبينة؛ حيث نعلم بمخالفة أحد مداليل تلك الظهورات للواقع. فالحقيقة أن التنافي إنما هو بين مداليل الأدلّة ذاتها، ويسري إلى الأدلّة بالعرض؛ فهي غير متنافيه بالذات، وإلا لم يعقل تحققها في الخارج وقد وجدت. فالتعارض وصف يثبت للظواهر التي تتنافى مداليلها بالذات.

وبالطبع فالمقصود من الظاهر هو الكاشف النوعي. ونتيجته هذا التصادم عدم إمكان اتصاف الظهورات كلها بالحجية فعلاً، فيتحقق بينها تناف بالتبع في مرحلة الاتصاف بالحجية مع التأكيد على أننا إنما قلنا : (بالتبع) ولم نقل: (بالعرض)؛ لعدم إمكان اجتماع حجج متعارضه؛ لما يستلزمه ذلك من محاذير كلزوم اجتماع التعبد بالمتناقضين أو المتضادين. فاذا تحقق التنافي بين هذه الأدلّة في مرحلة الحجية، فلابد من ملاحظة أدلة حجية هذه الظهورات؛ فإن كان بينها طولية، بحيث يكون أحدهما مقدماً على الآخر في الاتصاف بالحجية، فيكون المقدم هو الحجة أما المؤخر فلا يكون حجة. وقد ذكرنا أن مناشئ الطولية في الحجية متعددة، فمنها ما تكون بلحاظ الجمع

الدلالي، وذلك فيما إذا كان لأحد الظهورين مزية في الدلالة كما في الخاص والعام، فإن حجية العام بالنسبة إلى الخاص لولائية، أو فقل: (تعليقية أو اقتضائية) بخلاف الخاص.

ومنها ما يكون بلحاظ الجمع الجهتي إذا ما استوجب الحكم بحجية أحدهما فعلاً بحسب موازين النشر والكتمان.

ومنها ما يكون بلحاظ المرجّحات السندية إذا استلزمت صرف الريبة عن أحدهما إلى الآخر. فمع فرض الطولية في اتصافهما بالحجية، فلا يتصور التزاحم فيما بينها؛ لعدم التزاحم في الطوليات، بل يتصف أحدهما بالحجية الفعلية ولا يتصف الآخر بها.

وإن لم يكن بينها طولية من تلك الجهة بأن كانت الأطراف جميعها في عرض واحد في الحجية، فلا يتصف واحد منها بالحجية وتتساقط.

هذا ما نتبناه في حقيقة التعارض، وهو يختلف مبدئياً مع الفكرة التي تبتني عليها نظرية انقلاب النسبة، فإن مباحث الجمع الدلالي تكون داخلة في بحث التعارض، خلافاً لمن يرى خروجها عنها، وإن ذكرها في بحث التعارض استطرادي.

الأمر الثاني: في بيان السر والهدف من ملاحظة النسبة بين الأدلّة المتعارضة.

إن الهدف من تطبيق النسب الأربعة المذكورة في المنطق في الأدلّة المتعارضة هو أحد أمرين:

الأول: لتشخيص نقطة تعارض ومحل الظهورات وحدودها، فإن التعارض قد يكون لتنافيها في تمام مدلولها كما في المتباينين، أي إن هذا الدليل بكل مدلوله يتنافى مع الدليل الآخر، كما لو دل أحد الدليلين على وجوب أكرام العلماء، ودل الآخر على استحباب إكرام العلماء وقد يكون ذلك لتنافيهما في بعض المدلول لكليهما كما في

العامين من وجه، أو لتنافي بعض مدلول أحدهما لكل مدلول الآخر كما في العام والخاص. والغرض من تشخيص نقطة التعارض طبعا إعمال قواعده فيها. اذن فملاحظة النسبة لاجل تحديد محل التعارض حيث لا يمكن اتصافهما في الحجية في ذلك المحل.

ويلاحظ أن محل التعارض ذاتاً هو ما يتنافي فيه الدليلان، ولكنه في المتباينين يكون في تمام المدلول، وفي غيره يكون في جزء منه. فتوصيف مجموع الدليلين في غير المتباينين بالتعارض يكون على نحو الواسطة في العروض.

الثاني: إنما تلاحظ النسبة بين الأدلّة المتعارضة لأجل أن تكون مقدمة للوصول إلى جمع دلالي، فالجمع الدلالي لا مورد له في المتباينين. وفي العامين من وجه قد تكون ملاحظة النسبة ذاتاً يرشد إلى جمع دلالي بينهما، كما لو كان دخول المجمع في أحد العامين موجباً لأختصاص مورد العام الآخر بالفرد النادر، وهو مستهجن؛ فهنا يدخل المجمع فيه ويعامل معه معاملة الخاص.

وهكذا لو كان إدخال المجمع في الآخر موجباً لسقوط العنوان المأخوذ في الأول، مثل قوله (عليه السلام): «كل شيء يطير فلا بأس ببوله وخرئه» (1)، وقوله (عليه السلام): «إغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه» (2)، فلو قلنا بدخول المجمع وهو الطائر الذي لا يحل أكله في عنوان «إغسل ثوبك...»، فإنه يوجب سقوط عنوان الطائر عن الخصوصية. ومثله مالوكانت دلالة أحدهما بالعموم والآخر بالإطلاق؛ فيقدم ما كانت دلالتة بالعموم في الجملة.


1) الكافي 3: 985، الوسائل 3 : 12 / 1، ب 10 من أبواب النجاسات.

2) الكافي 3: 75 / 3، الوسائل 3: 405 / ب 8 من أبواب النجاسات.

وهكذا في العموم المطلق، فإنما تلاحظ النسبة بين الدليلين لأجل التوصل إلى المرجّح الدلالي، وهو تقدّم الخاص على العام كما هو المشهور. وتقدمة عليه؛ إما لأن الخاص يعتبر عند العقلاء قرينة بالنسبة إلى العام؛ لكونه أخص مضموناً منه، أو لأن الخاص أقوى طهوراً من العام؛ لتمركز طهوره في الحصة، بخلاف العام فإن ظهوره يتوزع على الحصص بحد سواء. وملاحظة النسبة هنا إنما تكون في حدود الظهور النوعي؛ سواء كانت حجيته اضيق نطاقاً من حدود ظهوره، أو هي مساوقة له.

وبذلك يتضح الوجه في عدم انقلاب النسبة؛ فإن العام المخصص لا يشارك الخاص في وجه تقدمه على العام؛ فإن ظهوره لا يتمركز في الحصة التي يكون حجة فيها، وإنما هو عام يشمل الحصة الخارجة بالتخصيص أيضاً، وانما استكشفنا كون المراد الجدي أضيق منه من الخارج، فلا تتوفر فيه نكتة تقديم الخاص على العام لتلاحظ النسبة بين العامين بعد تخصيص العام المبتلى بالخاص المخالف، كما هو مقتضى فكرة انقلاب النسبة.

هذه هي المقدمة التي أردنا بيانها قبل الدخول في البحث الأدلّة والطرق على اثبات نظرية انقلاب النسبة ويظهر من بعض الاعلام في الرسائل الجديدة أن نظرية انقلاب النسبة تبلغ من الوضوح بحيث لا تحتاد إلى إقامة دليل عليه، لذلك ادعى الانقلاب من دون إقامة دليل عليه (1).

ونستعرض بعض الطرق لاثبات والرأي الاول الطريق الأوّل:


1) رسالة في التعادل والترجيح : 98.

وجاء في تقريرات بعض الأعاظم في البرهنة على ذلك (1)أن نظرية الانقلاب يكفي في التصديق بها والإذعان لها تصور مقدمتين وبتصور هما يكون التصديق بها من الواضحات. ونحن نذكر منها ما يرتبط بالموضوع:

المقدمة الأولى: أن للفظ بالاضافة إلى دلالته التصورية التي لا تقع محلاً للبحث دلالتين تصديقيتين:

الاولى: دلالته على أن المتكلم أراد تفهيم هذا المعنى، وهذه الدلالة هي التي يعبر عنها بالظهور ويتدخل في تحققها مجموع القرائن المقالية والمقامية المحتفّة بالكلامو للقيود المتصلة باللفظ تأثيرها في سعة هذه الدلالة والظهور وضيقها. وقد تقوم قرينة على عدم وجود هذه الدلالة، كما إذا صدر الكلام من شخص نائم أو تمن يتدرب على كيفية أداء هذه اللفظ. ويصح لتحديد المدلول بهذه الدلالة جميع القرائن المتصلة في الكلام سواء كانت اللفظية أو غير لفظية.

الثاني: دلالته على أن ما أراد المتكلم تفهيمه بالكلام مطابق لإرادته الجدية، بمعنى أن الكلام قد القي. بداعي الجدّ دون غرض آخر كالتقية وضرب القانون. وتحرز هذه الدلالة بأصل عقلائي يعبّر عنه بـ (أصالة الجد) و (أصالة الجهة).

ووجود القرينة المنفصلة كالمخصص المنفصل لا يتدخل في الدلالة التصديقية الأولى لتوجب؛ فإن ظهور الكلام بعد انعقاده لا ينقلب عما وقع عليه، بل الذي يؤثر فيها هو القرائن الحافة بالكلام المتصلة به فحسب، فظهور الكلام بحكم العقلاء أو بحكم الوضع حسب اعتقاده يدل على ان ظاهر الكلام مقصود بالتفهيم.


1) مصباح الاصول 2: 386.

ولكن الدلالة التصديقية الثانية مشروطة بعدم وجود قرينة منفصلة على خلافه، سواء خالفته في تمام مدلوله أو بعضه، ومن جملة القرائن المنفصلة الخاص المنفصل، فإنه إذا وجد مع العام، فإن ظهور الكلام في العموم وإن كان لا ينثلم بذلك، ولكنه يؤثر في الكشف عن حدود تطابق الإرادة الجدية مع الإرادة الاستعمالية التفهيمية، فهو يدل على عدم تطابقهما في حصة الخاص.

وهذه الدلالة التصديقية الثانية هي الموضوع للحجيّة، فالكلام الذي تنعقد له هذه الدلالة مع ملاحظة القرائن المنفصلة يدلّ على ان مراد المتكلم هو نفس المضمون. فوجود الخاص المنفصل إذن كما في المقام يوجب تضييق العام في مرحلة الدلالة التصديقية الثانية، فهو يؤثر في تضييق حجية العام باعتبار أن تلك الدلالة موضوع لهادون ان يؤثر في ظهوره.

المقدمة الثانية: من الواضح أن اللاحجة لا يعارض الحجة، وإنما يقع التعارض بين الحجتين اللولائيتين، فالذي هو حجة بنفسه لولا المعارضة هو القابل لان يكون طرفاً للمعارضة، فلو حددت حجية العام بالمخصص فلا يصلح أن يعارض غيره إلا في حدود ما هو حجّة فيه فتترتب عليه قواعد التعارض.

وبعد وضوح هاتين المقدمتين، ووضوح أن وجود الخاص مضيق لحجية العام، وأن التعارض لا يتصوّر إلا بين الحجتين لولا المعارضة تتضح مسألة انقلاب النسبة اذ لا بد من ملاحظة العام المخصص في حدود الباقي بعد التخصيص لا في حالة شموله الأول.

وبالطبع فإن النسبة بينه وبين العام الآخر تكون حينئذ هي العموم المطلق. فلو فرض أن المولى قال مثلا. (يستحب إكرام العلماء) و (يكره إكرام الفساق) وقال:

(يجب إكرام العلماء العدول)، فالدليل الأول وإن كان ظاهراً في استحباب إكرام جميع العلماء باعتبار عدم اقترانه بقرينة تضيّق من دائرة الدلالة التصديقية الاولى، لكنه في مرحلة الدلالة التصديقية الثانية يختص بغير العدول فقط؛ لقيام القرينة المنفصلة أي الخاص على عدم شمول الحكم للعدول. فحجيته إذن تختص بما وراء حدود التخصيص، وهو مورد الاجتماع مع الدليل الآخر.

واذا لا حظنا النسبة بين الدليلين الأولين في حدود ما هما حجة فيه؛ فإن النسبة تنقلب إلى العموم المطلق وهذا هو معنى انقلاب النسبة. وعليه فلا يكون التعارض بينهما مستقراً؛ لأنه من موارد الجمع الدلالي، ولا يمكن أخذ الدليل الاول بكل مدلوله طرفاً للمعارضة، لتكون النسبة العموم من وجه بعد ثبوت عدم حجيته في مورد الافتراق، ولا تعارض بين الحجة واللاحجة، وإنما التعارض بين الحجتين اللولائيتين، فلابد من ملاحظة المعارضة بين الدليلين في حدود ما هما حجة فيه.

ولا بد أن نلاحظ النقاط التي ترتكز عليها فكرة انقلاب النسبة لكي نرى مدى وفاء المقدمتين المذكورتين بها.

النقطة الأولى: أن العام يخصص بالخاص أولاً، فيتفرع عليه أن العام المخصص يلحق بالخاص في تقدمه على العام المعارض له، وهو أن يؤخذ في التقريب مفروغاً عنه، ولكنه ليس بتلك الدرجة من الوضوح كما أنكره المحقق الأصفهاني، فإن تخصيص العام يبتني على فرض ثبوته كي يتم تخصيصه بالخاص. ولكن مع مرجوحية العام أو تساويه مع معارضه العام الآخر لا يتم فرض وجوده.

نعم، إذا كان العام المبتلى بالخاص راجحاً فإنه يتم ذلك ويخصصه الخاص كما مرّ، لكن لا حاجة حينئذ لإدخال المجمع فيه إلى دعوى انقلاب النسبة وغيرها.

فمثلاً إذا ورد : (يستحب إكرام العلماء)، وورد: يكره إكرام الفساق)، فمع فرض وجود المرجح في الثاني، فإن المجمع وهو العالم الفاسق يكون مشمولاً لعموم الدليل الثاني، ويختص الدليل الأول بمورد الافتراق الذي ورد فيه الخاص ولا سيما إذا كان المرجح صدورياً؛ لانه يحتمل معه أن المولى قد قال: (يستحب إكرام العالم العادل). ولكن الناقل تسامح بالنقل وهكذا لو فرضنا تساويهما وتساقطها، فإن حجية الدليل الأول تنحصر بمورد خاصه فقط، فلا يبقى لقوله : (يستحب إكرام العلماء) عموم كي بخصصه بالدليل الخاص، فإن الموجود هو (إكرام العالم) إما بشرط لا عن الفسق، أو مهملاً من هذه الجهة مما يمنع من احتمال التخصيص.

النقطة الثانية: مع فرض التسليم بأن الخاص يخصص عامه، فينحصر مورد خجية العام بالعالم غير العادل، ولكن هذا البيان بمجرده لا يكفي للقول بانقلاب النسبة، بل لابد من ملاحظة السر في تقدّم الخاص على العام وانتفاء أصالة مطابقه الإرادة الاستعمالية للإرادة الجدية في العام عند وجوده. فإن كان ذلك لقوة ظهور الخاص باعتبار تمركز الإرادة التفهيمية في خصوص الحصة، فيكون ظهوره فيه أكد وأقوى من ظهور العام في الحصة؛ لأنه يشمل أفراده جميعاً بإرادة تفهيمية عامة، فإذا كان هذا هو ملاك التقدم فإنه غير متحقق في العام المخصص؛ فإن القرينة المنفصلة لا توجب هدم الظهور المنعقد، وإنما توجب تحديد الحجية وتضيقها، كما اعترف به في المقدمة الثانية.

فالعام إدن يبقى على عمومه وشموله لحصصه وافراده كما كان قبل التخصيص بإرادة تفهيمية واحدة، وتضييق دائرة حجيتها لا يوجب أخصية الظهور.

وبعبارة ادقّ: إن تضييق دائرة حجية العام بما سوى مورد الخاص لا يوجب أقوائية ظهورة في الحصة الباقية بعد التخصيص، والمفروض أن الأقوائية هي الملاك في تقدّم الخاص على العام.

وإن كان تقدم الخاص على العام لكونه حجة اخص، فيشمل العام المخصص باعتباره حجة أخص من العام.

ولكن الظاهر بحسب ما هو المنسجم مع الأذهان العرفية هو الأول، أي إن تقدّم الخاص على العام إنما هو بنكتة أخصية الظهور بلحاظ أقوائيته وآكديته، كما نلاحظ ذلك بوضوح في البيانات الدولية، فإن الأمر الواحد تختلف أهميته إن ذكر بلفظ العموم أو صرح به بالخصوص وعلى هذا يجري بناء العقلاء فان ما هو المذكور بنحو العموم أقل أهمية عندهم مما هو مذكور بنحو الخصوص.

فتقدم الخاص على العام من الواضحات، ولكن القائل بانقلاب النسبة يرى بأن ذلك لنكتة تسري إلى العام المخصص أيضاً، ولكن لم يذكر دليلاً على ذلك ولا برهان له عليه.

وبعد وضوح هاتين النقطتين نعود إلى المقدمتين لنرى مدى دلالتهما عليهما:

أما المقدمة الاولى، فهي بحسب الظاهر تكاد تكون مبهمة، فإنها تتلخص في كلمة واحدة وهي أن الدلالة التصديقية الثانية تتحدّد بالقرينة المنفصلة. وقد تبين بأن تحديدها وزوالها لا ينحصر بورود القرينة المنفصلة كي يتحقق أساس فكرة انقلاب النسبة، بل إن وجود العام المساوي أو الأرجح أيضاً يمنعان من انعقادها ويورثان الشك فيها. ومعه فلا يبقي عموم كي يخصص بالخاص المنافي له لتنقلب النسبة بين العامين إلى العموم المطلق.

وعليه فبما أن العام الأول المبتلى في مورد افتراقه بالخاص مبتلى بعام يعارضه في المجمع، والمفروض ان العام الآخر إما أن يكون مساوياً له أو أن تكون في الثاني جهة مرجحة له عليه، فلا يحرز مع ذلك عمومه كي يخصص بالخاص المخالف. وما الفرق بين الخاص المعارض وغيره مما يقدم عليه أو يساويه فيتساقطان في الحصة؟ وما الدليل على تقديم ملاحظة الخاص مع العام على غير الخاص كالعام الآخر؟

فالمقدمة الاولى لم تبين وجه الطولية في ذلك بين الخاص والعام الآخر بل تقتصر على القول بانتقاء أصالة الجدّ عند وجود القرينة المنفصلة، لكن كما أن الخاص يعارض العام فكذلك يعارضه العام الآخر، فلما ذا قدم الخاص؟ فكما أن الخاص المنفصل يذهب بموضوع أصالة التطابق فكذلك وجود العام المكافئ أو الأرجح.

نعم، لو أمكن القول بأن القرينة المنفصلة كالخاص المنفصل تحدد الدلالة التصديقية الثانية للعام، ولكن العام المعارض لا يرفعها وإنما هي حجج متعددة، لصح ما ذكر، ولكن لا يمكن الالتزام بهذا، فإن من جملة المرجّحات مخالفة العامة وهي توجب حمل الموافق على التقيّة، ومعناه رفع اليد عن أصالة الجهة وأصالة الجد كما اعترف به.

وأما المقدمة الثانية وهي أن اللاحجة لا يعارض الحجة، والعام بعد تخصيصه لا يكون حجة في العموم كي يعارض العام الآخر ففيها:

أولاً: أن مركز التنافي في العامين من وجه هو المجمع، وكما أن العام غير المخصص حجة فيه فكذلك العام المخصص، فإن التخصيص إنما يذهب بعامه في مورد الافتراق فحسب، وأما في موضع معارضته مع العام الآخر وهو المجمع فلم يرد له معارض كي يسقط بموجبه عن الحجية. فقد تحقق ضابط التعارض.

إذن، فكل واحد من العامين حجّة في المجمع لولا المعارضة، فيكون من معارضة الحجة مع الحجة.

ودعوى ابتناء التعارض على كون طرفي المعارضة حجّة في تمام مدلوليهما حتى في ما هو خارج عن حدود التنافي فعلى مدعيها، فإن التعارض قد يكون منوطاً بمطلق الظهورين الصالحين للمعارضة فلابد من تقریب دعوی انقلاب النسبة بنحو يندفع به هذان الاعتراضان ولو على المبنى، وهو يتوقف على أمرين:

الامر الأول: ذكر في أول بحث تعارض الأدلّة وفي بحث السر في حجية العام في الباقي بعد التخصيص أن السر في تقدّم الخاص على العام هو أن أصالة الجد العقلائية التي تثبت أن المراد التفهيمي في العام مطابق للمراد الجدي قد اخذ في موضوعها الشك والدليل الخاص الوارد يرفع هذا الشك، ويضيق موضوع أصالة التطابق في العام في حدود حصته؛ ولذا فهو يتقدم على العام، وأساس ذلك هو القرينة، فالحكم بالتطابق بين الارادتين في العام مشروط بما إذا لم ينصب المولى قرينة متصلة أو منفصلة على عدم الإرادة الجدية في حصة خاصة.

فعلى هذا فلا يعتبر الخاص مع العام من قبيل حجتين متعارضتين، بل هما ظهوران وحجية أحدهما في طول حجية الآخر، بمعنى أن مع وجود الخاص يرتفع موضوع حجية العام، فحجية العام مفروضة في غير موارد تعارضه مع الخاص. فالخاص إذن يصرف حجية العام إلى ما وراء حدود التخصيص.

الأمر الثاني: أن مورد قواعد التعارض تعارض حجتين لولا ئيتين، فموارد تعارض الحجة مع اللاحجة خارجة عن نطاق تلك القواعد موضوعاً.

ببيان ثان أن الدليلين المتعارضين لا يصدقان إلا حيث لا يكون في أي واحد من الحجتين نقص سوى ما يعرضه نتيجة لتعارضه مع الحجة الاخرى. وعلى هذا فإن كانا متساويين تساقطا، وإن كان في أحدهما مرجّح اخذ به وسقط الآخر. فأصالة التطابق يجب أن تكون جارية في كليهما لولا التعارض؛ لكي يكون التعارض فيما بينهما مستقراً.

وعلى ضوء هذين الأمرين يتضح أن الخاص الوارد في مورد الافتراق والعام المعارض كلاً منهما يشغل رتبة معينة في مقام المعارضة، فالخاص - كما ثبت في الأمر الأول - يحدد موضوع حجية العام، أما العام المعارض فهو وإن أوجب انتفاء الحجية عن العام المبتلى بالخاص، لكنه ليس من ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه، ليتحد رتبة مع الخاص، بل هو من باب انتفاء الحكم عن موضوعه لوجود معارض مساو أو أقوى. وحينئذ فتكون بينهما طولية طبعاً.

وفي الظهورين المتعارضين إما أن يجمع بينهما بمقتضى قواعد الجمع العرفي أو أن تجري فيهما قواعد التعارض المستقر من الترجيح،

وبما أن الثاني متعذر لإمكان الجمع العرفي فيتعين الأول اذن.

وهنا نعود إلى النقطتين السابقتين اللتين لو حظنا على مبنى الانقلاب لنرى مدى صحتهما وفق هذا التقريب:

أما النقطة الاولى التي كنا نتساءل فيها عن سر تقديم الخاص في ملاحظته مع العام على العام المعارض له مع أنهما في معارضتهما للعام المتبلى بالخاص في عرض واحد، فقد اتضح مما ذكرنا الإجابه عليها؛ فإن تأثير الخاص والعام المعارض في العام المبتلى بالخاص ليسا في عرض واحد، فالخاص المنفصل يعتبر قرينة بالنسبة للعام. ومن

الواضح أن ثبوت الحجية للعام يتوقف على ملاحظة الظهور العام الحاصل من ملاحظة القرائن الحالية والمقالية وما يرتبط بالحجيّة من القرائن العرفية، وإن كانت غير مؤثرة في ظهوره باعتبارها قرائن منفصلة، لكنها تعد من متمماته ومكملاته بلحاظ الحجية؛ فإن موضوع الحجية وهو أصالة التطابق بين مقامي الاثبات والثبوت ينتفي بقيام القرينة على عدم كون جزء من الظهور مقصوداً بالارادة الجدية.

فالقرينة اذن تعتبر من شؤون ذي القرينة؛ ولذا لا يعد العام والخاص من المتعارضين عندهم، كما تقدم ذكره ؛ لأن التعارض إنما يكون بين الحجتين اللتين تكونان في عرض واحد فتتنافسان في الموضوع. فإذا تخلى أحد الدليلين عن المنافسه بمجرد وجود الآخر كما هو الأمر في العام والخاص، فلا تكون بينهما معارضة. وذكرنا أن حجية العام معلّقة على عدم وجود الخاص فلابد في اعتبار العام وحجيته من ملاحظة ما علقت حجيته عليه، أي الخاص.

وعليه فتكون ملاحظة العام مع خاصّة أولا، ثم ملاحظته مع العام المعارض له أمراً طبيعياً؛ ولذا قلنا بان العام المتبلى بخاصه يخصص به أولاً ثم يلاحظ مع العام الآخر، فإن العام الآخر يعتبر معارضاً، ومرحلة التعارض متأخرة عن ملاحظة العامين بما لهما من التوابع والمكملات المؤثرة في تحديد حجيتهما.

ولعل ذلك هو مراد بعض الأعاظم من المقدمة الاولى التي مهدها لتقريب القول بالانقلاب (1).

وأما النقطة الثانية التي كانت تتساءل عن وجه عد العام المخصص كالخاص في تقدمه على العام المعارض له مع احتمال كون تقدّم الخاص على العام لقوة ظهورة،


1) مصباح الاصول 3: 387.

وهذه الخاصة غير متوفرة في العام المخصص، فقد تبين مما ذكرنا الجواب عليها أيضاً، فإنه قد فرض أن بين ظهور العام المخصص والعام الآخر تعارضاً، فإما أن يجمع بينهما وفق قواعد الجمع العرفي، أو تطبق قواعد التعارض فيهما. وبما أن الثاني غير محتمل فيتعين الأول.

والوجه في بطلان الثاني أننا ذكرنا أن مورد تعارض الأدلّة ما إذا كان هناك دليلان توفرت فيها مقومات الحجية من جميع الجهات وقد تنافيا بمدلوليهما، فإذا لم يتحقق هذا الضابط في أحدهما بتمام مدلوله أو ببعضه فلا يمكن عد ذلك من التعارض، والمفروض هنا أن العام المبتلى بالخاص قد سقط ببعض مدلوله عن الحجية بالتخصيص وتحددت حجيته بما سوى الخاص فقط، فلابد ان تلاحظ النسبة بين هذا المقدار منه والعام المعارض، وهي ليست من العموم من وجه ولا من التباين كي تجري فيهما قواعد التعارض ومجرد تنافي تمام ظهوره الذي سقط بعض مدلوله عن الحجية بالتخصيص مع العام الآخر لا يحقق مورد تلك القواعد؛ لأنه من معارضة الحجة مع اللاحجة، فاذا لم يمكن حريان أحكام التعارض فيتعين اذن الجمع الدلالي بينهما بمقتضى قواعد الجمع العرفي بين المخصص والعام، وهو معنى انقلاب النسبة.

ويترتب على هذا التقريب خروج مباحث العام والخاص، بل مطلق موارد الجمع العرفي، عن حدود التعارض.

هذا غاية ما يمكن قوله في توضيح تقريب المبنى المذكور.

ولكن ذكرنا مراراً بأن التعارض مورده أن يكون هناك ظهوران كاشفان عن حكمين لا يمكن اجتماعهما؛ لتنافيهما وتنافر هما، فيتصف الظهوران المذكوران بالتنافي بالعرض فيمتنع حينئذ أن يتصفا معاً بالحجية. ولا يفترق في ذلك المتباينان والعامان

من وجه والعام والخاص؛ فان ظهور العام مع ظهور الخاص متعارضان أيضاً. فاذا قال المولى : (يجب إكرام كل عالم)، ثم قال: (لا يجب إكرام أي عالم فاسق)، فهما متعارضان؛ لأن الموجبة الكلية تعارضها السالبة الجزئية وتناقضها، ولذا فالعقلاء يلاحظون خصوصيات الدليلين كي يخرجوا بعلاج لهذا التعارض كما هو شأنهم في غير العام والخاص، فهم يترددون بين النسخ أو التأويل في أحدهما أو التخصيص، فاذا رأوا أن الأنسب هو الحمل على التخصيص اختاروه علاجاً للتعارض، فتتحدد حجية العام بما وراء حدود التخصيص، وهذا ما يعبر عنه بالطولية في الحجية.

فليس تقدم الخاص على العام باعتبار قرينيته بالنسبة للعام، وإنما يقدمه العقلاء بلحاظ أقوائية ظهوره وآكديته بلحاظ تمركز العناية فيه. وهذا نفسه جار في العامين من وجه والمتباينين أيضاً ففي العامين من وجه قد يتصور الجمع الدلالي بين الدليلين، فيتم الجمع بينهما كذلك، كما في تعارض العموم والإطلاق، فإذا لم تتوفر مقومات الجمع الدلالي بينهما؛ فإن ترجح أحدهما على الآخر لمزية فيه أخذ به وطرح الآخر، والإتساقطا.

وبالجملة، فكما يقدمون الخاص على العام فكذلك يقدّمون المعارض إذا كان فيه جهة رجحان، أو يحكمون بالنساقط في فرض التساوي. فأصالة الجد تتقيد بهما وتنتفي بأي واحد منهما بلا فرق بينهما في ذلك، فكما أنها ترتفع بوجود الخاص المخالف، فكذلك ترتفع بوجود العام المعارض المساوي أو الأرجح. فحجيته مشروطة بعد مهما، ولا طولية بينهما؛ كي يقال بأن العام يلاحظ أولا مع الخاص ويتم تخصيصه به ثم يلاحظ بعد ذلك مع العام المعارض.

وإنما تتصور الطولية في الحجية في الكاشفين عن أمرين متنافيين بحيث يمتنع اتصافهما كليهما بالحجية، فإما إلا يتصف شيء منهما بها وإما أن يكون في أحدهما مزية ترجحه على الآخر، فيكون هو الحجة، ويعبر عنها بالحجية الطولية. وهذا الأمر يتحقق في الخاص بملاك وفي ما سواه من المتعارضين غير المتكافئين بملاك آخر.

وعلى هذا المبنى فالخاص يكون داخلاً في حدود التعارض أيضاً.

فتبين أن فرض الطولية بين الخاص والعام المعارض لا يعود إلى محصل؛ فإن الحجية محددة منذ البدء بما وراء ذلك؛ فان هذه الامور عقلائية، ولو سئل العقلاء عن عام هل هو حجة، لأجابوا بأنه لو لم يكن هناك خاص أو معارض أرجح أو مساو فهو حجة.

فالتقريب المذكور لا يعدو عن كونه تصوراً محضاً لا يؤيده شيء من الشواهد العقلائية ولا البراهين التي تقتضيها الصناعة، فالعقلاء لا يؤيدون الطولية بين الخاص والعام المعارض في ملاحظته مع العام، ولا يؤيدون كون مطلق الحجة الأخص مقدمة على الحجة الأوسع، كما يوضحه اختلاف العلماء فيه. فهذا الطريق لإثبات انقلاب النسبة غير صحيح.

الطريق الثاني: وهو المستفاد من كلام الشيخ الانصاري على إجمال فيه، وكأنه يبتني على قاعدة (الجمع مهما أمكن أولى من الطرح)، قال قدس سره في الرسائل: (والسر في ذلك واضح؛ إذ لولا الترتيب في العلاج لزم إلغاء النص أو طرح الظاهر المنافي له راساً وكلاهما باطل) (1).


1) الرسائل 2: 799.

ومراده من (النص) هو الخاص، وبـ (الظاهر المنافي له): العام المخصص. فذكر أنه إما أن يلتزم بالترتيب بالعلاج بمعنى أننا أولاً نقدّم الخاص على أحد العامين، ثم نلاحظ ذلك العام المخصص مع العام الآخر، فإذا عملنا بذلك فقد اخذنا بالأدلّة الثلاثة، وإلا فاما أن نرفع اليد عن الخاص الوارد في مورد الافتراق أو طرح الظاهر المنافي لذلك النص رأساً حتى في مورد الاجتماعو كلاهما باطل.

يلاحظ عليه :

أولاً: أن سقوط الظاهر إن كان بلا موجب فهو باطل، وأما سقوطه بسبب ومصحح فلا مانع منه حيث تكون معارضته في المجمع مع العام المساوي أو الأرجح، وفي مورد الافتراق مع الأظهر وهو الخاص يكفي مصححاً لسقوطه تماماً. وهكذا لو قلنا بسقوطه هو والخاص في مورد الافتراق كما هو المختار، فهو سقوط بلا مصحح، فليس عندنا قاعدة عقلائية تقول بأنه لابد من المحافظة على النص والظاهر والاجتناب عن الغائهما مهما أمكن، بل الثابت عند العقلاء هو عدم اسقاط دليل بلاوجه مصحح، وليس هو جار فيما نحن فيه؛ فإن سقوط العام هنا لا بتلائه بالمعارض الأرجح أو المساوي له فيتساقطان وسقوط النص أي الخاص لأجل عدم توفر ملاك المخصص فيه، فليس سقوطهما بلا مصحح عقلائي.

وثانياً: أن الدليل أخص من المدعى؛ لأنه قد يكون الظاهر هو الأرجح فيدخل المجمع فيه، فلا يلزم أي محذور ويخصص به الآخر كما يخصصه الخاص. فالطريق المذكور غير تام.

الطريق الثالث: ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره على إجمال كثير في عبارته، ومحصله أن التخصيص في مورد الافتراق بالمستوعب أو بغيره يوجب أن يكون العام في غير مورد التخصيص كالنص (1).

ويلاحظ عليه أنه إن كان مقصوده أن بالتخصيص يتقوى ظهور العام في الباقي فهو محال، فالشيء لا ينقلب عما وقع عليه، وبالتخصيص المنفصل لا يتغير ظهور العام الشمولي. وإن كان مقصوده أن حجيته تتحدد فيكون كالنص، فهو يرجع إلى مبنى انقلاب النسبة، وقد مضى الكلام فيه.

فتبين أن شيئاً من الطرق المذكورة لا تفي بإثبات كون المخصص كالخاص. وبما أن هذا المبنى لا يخلو من مناشئ ارتكازية، فهل يمكن أن نتوصل إلى بديل للطرق المذكورة يؤدي ثمرتها غالباً؟

والذي نراه نحن أن الأدلّة الصادرة لا تخلو؛ إما أن تكون من قبيل التعليمات، ونقصد بها : إلقاء الأصول لاستخراج الفروع منها، واخرى من قبيل الفتيا، ويقصد بها : ذكر حكم في مورد خاص بتطبيق الكبريات الكلية عليه من دون أن يذكر الموضوع الواقعي للحكم.

والتعليمات بدورها تنقسم إلى قسمين:

فتارة يفرض الخاص صالحاً لتحديد وتخصيص كل من العامين على ضوء المبنى الذي نذهب اليه، وهو أن الخاص محدد ومخصص لكلا العامين وإن اعتبره الاعلام مخصصاً لأحدهما فحسب، واعتبروا العام المخصص هو المخصص للعام الآخر،


1) الكفاية 452.

وذلك فيما لو اتحد حكم الخاص سنخاً مع حكم أحد العامين مع تعرضه لموضوع كليهما إذا كان له مفهوم.

واخرى يفرض الخاص غير صالح لتخصيص كلا العامين، كما إذا لم يكن الخاص متعرضاً لموضوع احدهما أو لم يكن له مفهوم.

أما القسم الأول، فمثاله في المتباينين ما لو ورد: (يجب إكرام كل عالم)، وورد: (لا يجب اكرام أي عالم)، وورد أيضاً: (يجب إكرام كل عالم عادل)، فعلى ضوء رأى الأعلام يكون الدليل الثالث مخصصاً للدليل الثاني فحسب فيخصصه بالعالم غير العادل، ثم يتكفل هذا العام المخصّص بتخصيص الدليل الأول، وهو تفكير يبتني على عدم إمكاك تخصيص العامين معاً بالخاص، وأما لو قلنا بأن الخاص كما يخصص الدليل الثاني بمنطوقه، فكذلك يخصص الدليل الأول أيضا ولكن بمفهومه، فلا حاجة إلى ماذكره الأعلام من التدريج في التخصيص وبذلك نكون قد توصلنا إلى نفس النتيجة من دون أن نسلك طريقهم الذي تبين ضعفه.

ومثاله في العامين من وجه قوله : (يستحب إكرام كل شاعر)، و: (لا يستحب إكرام أي فاسق) و: (لا يستحب إكرام أي شاعر فاسق). والكلام فيه كالكلام في المثال الأول، فالدليل الثالث، كما يمكنه أن يخصص الدليل الثاني، يمكنه بمفهوم القيد أن يخصص الدليل الأول أيضاً. ففي مثل ذلك إذا كان للخاص مفهوم فلا حاجة إلى دعوى ان المخصص كالخاص.

وأساس ذلك ما ذكرناه في بحث مفهوم الوصف وفاقاً لبعض وإن لم يطبقه هنا من ان الوصف ان اعتمد على موصوف أغم منه من وجه أو مطلقاً؛ فانه يثبت لهذا الوصف مفهوم، ولكن بالدرجة الاولى ونقصد من المفهوم في الدرجة الاولى: ما

يقابل مفهوم الشرط، وذلك بما أن الأصل في القيود هو الاحترازية ويقصد به: أصالة التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت فما يؤخذ قيداً في الموضوع في مقام الإثبات فهو مأخوذ كذلك في مقام الثبوت. ونتيجة ذلك أن الطبيعي اللابشرط ليس هو تمام الموضوع للحكم، وإلا لكان ذكر الوصف في الجملة لغير الاحتراز، وهو خلاف أصالة التطابق ما بين مقامي الإثبات والثبوت. وأما بقية خصص الطبيعي فهل يثبت لها هذا الحكم أو لا؟ فلا تدل عليه هذه القاعدة نفياً ولا إثباتاً، وإنما تدل فحسب على ان الطبيعي اللابشرط ليس هو تمام الموضوع دون تعرضها لسائر الحصص غير الحصة التي تقيد بها الموضوع، بخلاف مفهوم الشرط، حيث ينفي الحكم عن بفية الحصص كما ينفيه عن الطبيعي، فإذا قال المولى: (أكرم كل عالم عادل) فلهذه الجملة مفهوم، وهو أن وجوب الإكرام ليس بثابت لكل عالم، وإلا فلو كان الواجب هو إكرام كل عالم لم يكن ذكر قيد العدالة للاحتراز، وهو خلاف الأصل المتقدم ذكره، فإنه يقتضي التطابق بين مقامي الإثبات والثبوت. وعليه فقوله: (أكرم كل عالم عادل) بنفسه يتكفل بتخصيص قوله : (يجب إكرام كل عالم) ولكن بالمفهوم، لان الدليل العام يعتبر العلم تمام الموضوع لوجوب الاكرام، ولكن الدليل الخاص بمفهومه ينفي كون العلم بمجرده موضوعاً للحكم بالوجوب.

فالمفهوم في القضية الشرطية لا ينفي كون الطبيعي تمام الموضوع فحسب، بل إنه ينفي الحكم عن أيه حصة اخرى غير الحصة المقترنة بالشرط، فلا تقوم أية حصة مقام هذه الحصة في موضوعيتها للحكم، فلو قال: (العالم إن كان عادلاً فيجب إكرامه)، فهذا يدل على ارتباط العالمية بوجوب الإكرام في فرض العدالة فحسب، فاذا لم يتحقق هذا الفرض بأن كان عالماً ولم يكن عادلاً فلا يجب إكرامه؛ سواء كان هاشمياً أو شاعراً

أو إلى آخره أي لا يجب إكرامه وإن تخصص بخصوصية اخرى، فيدلّ على الانتفاء عند الانتفاء.

وأما الوصف المعتمد على الموصوف في حالة كون الوصف أخص من الموصوف مطلقاً أو من وجه، فلا يدلّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، وإنما يدل على أن الماهية لا بشرط لبست هي تمام الموضوع في القضية باعتبار أن الأصل في القيود: الاحترازية، فلا ينافيي ورود دليل آخر يثبت الحكم نفسه لحصة اخرى من الطبيعي موصوفة بوصف آخر كالشاعر مثلاً.

وعلى هذا المبنى فإن الوصف بمفهومه قابل لتحديد العام أو المطلق الذي يدلّ على ثبوت الحكم لنفس الطبيعة اللابشرط.

وعلى هذا فلا حاجة في مجال تخصيص الدليل إلى افتراض كون المخصص كالخاص كما عليه القوم، بل إن ان الخاص بمفهومه يخصص الدليل الاول. كما انه بمنطوقه يخصص الثاني، واما إذا كان الخاص قضية شرطية فتحديده وتخصيصه لكلا الدليلين العامين أكثر وضوحاً، ولذا لم تدخل القضية الشرطية في بحث الأعلام في هذا المجال.

إلا إن الظاهر من كلمات جمع من الأعاظم كما ورد في مباني الاستنباط ومصباح الاصول (1)دخول مثل هذا المورد في محل البحث، وأنه من فروع مبحث انقلاب النسبة؛ لأنهم ذكروا في هذا الموضوع مثالاً يدلّ على ذلك، وهو مسألة إرث الزوجة من العقار، والجمع بين الروايات المختلفة فيها، فمنها ما يدل على إرثها من العقار مطلقاً، ومنها ما يدل على عدم إرثها منه مطلقاً، ومنها ما يدل على أنها ترث منه إن


1) مباني الأستناط 2: 486 ومصباح الأصول 401:3.

كانت ذات ولد. فالطائفة الثالثة تقيد الزوجة بكونها ذات ولد، ولا يبعد أن يكون هذا التقييد من قبيل المفهوم بالدرجة الثانية، فهي تقيد الطائفتين الأوليين كليهما.

غايته أنها بمنطوقها تخصص روايات عدم إرث الزوجة مطلقاً، وبمفهومها تخصص روايات عدم إرث الزوجة مطلقاً، وبمفهومها تخصص روايات الإرث مطلقاً، فلا حاجة إلى التشبث بتخصيص الطائفة الثانية وكون المخصص كالخاص.

فتبين أن إدخال ما يتوفر فيه مفهوم الوصف فضلاً عما يتوفر فيه مفهوم الشرط في هذا المبحث، وبناء التخصيص فيه على انقلاب النسبة، وكون المخصص كالخاص محل إشكال وإن كانت النتيجة على كلا الطريقين واحدة. فذكر مثل هذه الأمثلة قد تؤدّي إلى التباس الأذهان، فإن الشخص قد يدرك بوجدانه وحسب مرتكزاته لزوم تخصيص كلا الدليلين، ولكن الطرق التي سلكت لإثبات هذا الارتكاز الوجداني وفق الصناعة لم تكن صحيحة وليست هي مناشئ ارتكازه الحقيقية، وربما أدت هذه الوجوه الصناعية إلى تقبل البعض بها وأنها هي مناشئ مرتكزاته الوجدانية من دون الالتفات لذلك. وهذا ربما يوجب الالتباس على مناشئه الارتكازية الحقيقية.

وهناك شواهد متعددة في الأصول تؤكد هذه الحقيقة.

وأما القسم الثاني من التعليمات وهي فيما إذا فقد الخاص صلاحية تخصيص كلا الدليلين، كما لو لم يكن للخاص مفهوم فلا يمكنه تخصيص سوى أحد العامين وهو الذي ينبغي البحث عنه.

ومثاله في العامين من وجه كما لو قال: (يستحب إكرام كل عالم) و (يحرم إكرام أي فاسق)، وورد: (يجب إكرام كل عالم عادل)، فهذا الدليل الثالث لا يرتبط بالثاني موضوعاً لكي يخصصه، وإنما يخصص الدليل الأول فحسب.

نعم بعد تخصيصه للدليل الأول تنقلب النسبة بين الأول والثاني إلى العموم المطلق فيخصصه على مبنى الأعلام.

ومثاله في المتباينين كما لو قال: (بحب إكرام كل عالم) و: (لا يجب إكرام أي عالم)، وورد: يجب إكرام كل فقيه؛ فإن الوصف في الدليل الثالث لا يصلح لتقييد الدليل الأول، لعدم اعتماده على موصوف ليثبت له مفهوم بالدرجة الاولى، وإن تصور ثبوت مفهوم له فهو مفهوم اللقب، وقد ذكرنا أنه ليس بحجة.

وفي مثل هذه الموارد يعتبر الأعلام العام المتبلى بالخاص مخصصاً، وأن العام المخصص كالخاص يخصص العام الآخر. وهو جمع عرفي عندهم، ولا يتعرضون إلى البحث عن مصحح الكتمان في العامين بعد العلم بعدم إرادة ظاهر هما جداً إذا كان الواجب في المثال هو إكرام الفقية أو العالم العادل.

ولكن من الواضح أن هذا الاسلوب خارج عن حدود المتعارف لدى الناس، ولا يصلح هذا الجمع لعلاج هذا التهافت في الكلام والكتمان. فما هو المصحح لأن يصرح المولى تارة بـ (يجب اكرام كل عالم)، واخرى بـ(لا يجب إكرام كل عالم) من دون تعرضه لذكر الفقية، والمفروض أنه هو الواجب إكرامه واقعاً؟ فهذا الكتمان يحتاج إلى مصحح. ومن هنا ينبغي علينا معالجة مثل هذه الأقوال الصادرة من المتكلّم الواحد على ضوء أسباب الكتمان التي تقدم ذكرها في بابه، فإن امكننا معالجة التعارض على ضوئها فهو، وإلا فلابد من التعامل معها كأدلّة متعارضة. فمثلاً ربما يكون السبب في تصريحه بإكرام العالم مطلقاً مع أن مراده الواقعي هو أكرام خصوص الفقيه هو حضور طوائف اخرى من العلماء غير الفقهاء في مجلس التعلّم منعه من تخصيص الخطاب بالفقية؛ لأنه سيثير استنكار سائر العلماء، وهكذا قد يفرض في قوله: (لا يجب إكرام

أي عالم) حضور الجهلة في المجلس بما يمنعه من التصريح بإكرام العلماء، ونحو هذا العلاج يتحتم الأخذ به بالنسبة لأقوال المتكلم الذي أعلن بنفسه أنه يتكلم على وجوه مختلفة أو على سبعين وجهاً، وأمثال هذه التصريحات التي تقدم ذكرها على لسان الأئمة (عليه السلام) في بحث علل اختلاف الأحاديث. وفي كثير من الأحيان نصل إلى نتيجة انقلاب النسبة نفسها بملاحظة أسباب الكتمان لا من باب تخصيص أحد العامين بالعام المخصص.

هذا كله في التعليمات، اما في الفتيا: فالأمر فيها أسهل سواء كان لها مفهوم او لا، فلو فرض أن ثلاثة سألوا عن حكم إكرام العلماء وكان أحدهم يقيم في بلد علماؤه كلهم عدول، والثاني يقيم في بلد ليس فيهم إلا العالم الفاسق، والثالث يقيم في بلد فيه علماء عدول وغيرهم، وفرض أيضاً ان الحكم الواقعي هو وجوب إكرام خصوص العلماء العدول، فالإمام وبمقتضى قواعد الفتيا يجيب الأول بوجوب إكرام العلماء، والثاني بعدم وجوب إكرام العلماء والثالث بوجوب إكرام العلماء العدول. ولا منافاة بين هذه الأجوبة الثلاثة على ضوء قواعد الفتيا، حيث يكون جواب كل سائل يتلاءم والحالة التي هي محل ابتلائه.

وهذا نظير الطبيب فيما لو راجعه ثلاثة افراد، كل يقيم في بلد خاص غير بلد الآخر، فأحدهم يقيم في بلد ليس فيه إلا الماء العذب، والثاني يسكن بلداً لا يوجد فيه إلا الماء المحتوي على املاح والثالث يقيم في بلد فيه كلا القسمين من الماء، ونفرض أن اللازم عليهم جميعاً اجتناب الماء العذب أثناء الأكل؛ لأنه مضر لهم، فيقول للأول: (لا تشرب الماء أثناء الأكل)، وللثاني: (لا مانع من شرب الماء اثناء الأكل)، وللثالث: (لا تشرب الماء العذب أثناء الاكل). ولا منافاة بين هذه الأقوال الثلاثة؛ لأن الموضوع

الواقعي للحكم غير مذكور فيها، ولكن يمكن لطبيب آخر أن يستكشفه من خلال هذه الأجوبة المختلفة.

وبذلك نتوصل إلى النتيجة نفسها التي توصل إليها الأعلام، لكن على ضوء مقاييس الفتيا. فالاختلاف فيما بيننا وسائر الأعلام في كل هذه الأقسام الثلاثة عدا موارد جزئية خاصه هي في الطريق لا في النتيجة.

هذا هو رأينا في انقلاب النسبة، فإننا وأن لم نقل به ولكننا مقتربون منه، بمعنى أننا متوافقون مع العلماء في النتيجة تقريباً.

المبحث الثاني: في معرفة حدود العام في مجال تعارض أكثر من دليلين بعد البناء على تقدم الخاص على العام، فما هو المقصود من العام هنا وهل ان العام المخصص كالعام فيما لو رد عليه مخصص آخر ام لا؟ وسيتضح المراد من هذا المبحث لاحقاً ؟

وهنا امور ينبغي البحث عنها :

الأمر الأول: إذا ورد عام و خاصان بينهما عموم مطلق أو من وجه مع اختلافهما زماناً، بأن كان أحد الخاصين متقدماً زماناً على الآخر، فهل يلاحظ العام مع الخاص المتقدم زماناً أولاً فيخصصه، ثم يلاحظ هذا العام المخصص مع الخاص المتأخر، ام إن الخاص المتأخر يلاحظ مع العام بعمومه؟

فالبحث يدور حول إيجاب التقدم الزماني لأحد الخاصين تخصيصاً للعام وتحديداً له، فلا يعامل بعده مع الخاص المتأخر زماناً معاملة العام والخاص، أو ان العام يبقى على عمومه ولا بد من التعامل معه معاملة العام والخاص مطلقاً.

ومثاله مالو قال المولى: (أكرم العلماء) ثم قال : (لا تكرم الفساق من العلماء)، ثم بعد ذلك يرد خاص آخر متأخر زماناً، وهو: (لاتكرم النحويين)، فهل يخصص العام بكلا الخاصين في عرض واحد، أو يخصص العام أولاً بالخاص المتقدم ثم تلاحظ نسبته مع الخاص المتأخر، حيث إن النسبة بالطبع سوف تنقلب من العموم المطلق إلى العموم من وجه؟ كمالو قال من الأول : (اكرام العلماء غير الفساق)، حيث إن نسبته مع (لا تكرم النحويين) نسبة العموم من وجه فيتعارضان في النحوي العادل.

وهكذا الأمر لو كانت النسبة بين الخاصين العموم المطلق وافترضنا أن أخص الخاصين متقدّم زماناً على الخاص الآخر، كما لو قال: (أكرم العلماء) ثم قال: (لا تكرم النحويين)، ثم قال بعد ذلك: (لا تكرم الادباء). فبناء على انقلاب النسبة فنخصص العام بالخاص الأول، فيكون العام بعد التخصيص هكذا: (أكرم العلماء غير النحويين)، ونسبته مع (لا تكرم الأدباء) نسبة العموم من وجه، ويتعارضان في الأديب غير النحوي.

ونظير ذلك في الفقه ما لو فرضنا أنه ورد في الأدلّة الشرعية: (ليس في العارية ضمان)، ثم ورد: (في عارية الدرهم والدينار ضمان)، ثم بعد ذلك ورد: (في عارية الذهب والفضة ضمان)، فبين الخاصين عموم و خصوص مطلق، وأخص الخاصين متقدم زماناً على الآخر، فإذا خصصنا العام بدليل الدرهم والدينار، فإن النسبة بين الخاص المتأخر والعام المخصص تنقلب إلى العموم والخصوص من وجه، فيتعارضان في غير المسكوك من عارية الذهب والفضة بناء على انقلاب النسبة.

فهل إن تقدم أحد الخاصين زماناً على الآخر يوجب انقلاب نسبة العام مع الخاص المتأخر أم لا؟ الحق عدم انقلاب النسبة سواء قلنا في المبحث السابق بانقلاب النسبة أم لم نقل به.

أما بناءً على إنكار انقلاب النسبة كما ذهبنا اليه فالأمر واضح؛ حيث ذكرنا أن المعيار في تشخيص العام والخاص هو الظهوران النوعيان التفهيميان، وهو لا يتغير بورود مخصص منفصل عليه، لا الظهوران بما هما حجة، والمفروض هنا أن العام باق على ظهوره في العموم، ولا ينقلب بتخصيصه بالمتقدم عما وقع عليه؛ إذ الشي لا ينقلب عما وقع عليه؛ ولذا يلاحظ الخاص المتأخر مع العام نفسه.

وأما بناءً على الالتزام بانقلاب النسبة في البحث السابق، فإن كان الوجه في ذلك ما ذكرناه في تقريب فكرة انقلاب النسبة، لم يكن لانقلاب النسبة هنا وجه أيضاً؛ فإننا ذكرنا أن الخاص يعتبر قرينة على العام المبتلى به دون العام المعارض له، فهو كان موجباً لزوال موضوع الحجية. فلابد إذن من ملاحظة العام المبتلى بالخاص مع خاصه أولاً ثم ملاحظته مع معارضه ثانياً، وهو لا يتحقق هنا، مع افتراض أن كلا منها خاص بالنسبة للعام، ويصلح أن يكون قرينة عليه، وإن كانت النسبة بين الخاصين نفسها هي العموم من وجه.

وإن كان الوجه في انقلاب النسبة في المبحث السابق وجهاً آخر، كما لو قلنا: إن الخاص الوارد أولاً يخصص حجية العام، فلابد من ملاحظة العام في حدود حجيته مع الخاص الآخر، فأيضاً لا يمكن الالتزام بانقلاب النسبة هنا، وذلك لأن التقدم والتأخر الزمانيين إما أن يلاحظا بالنسبة لزمان الصدور أو بالنسبة لزمان الوصول أو ما في حكمه.

فان كان المعيار هو ملاحظة التقدم والتأخر زماناً بلحاظ الصدور من المولى، فهو غير محتمل هنا؛ وذلك لأن الأساس لانقلاب النسبة هو أصالة التطابق بين مقام الاثبات التي كان المخاطب يجريها بالنسبة للعام باعتبارها اصلاً عقلائياً، وهي ترتفع بالعلم بوصول الخاص أو كونه في معرض الوصول لأن موضوعها الشك؛ فهي إذن ثابتة ما دام لم تقم حجة في بعض مدلول العام على خلافه لدى المكلف، ومع قيام الحجة على ذلك يرتفع موضوع أصالة التطابق، فالأصل يرتفع من حين وصول الخاص.

فهي اذن كسائر الأصول اللفظية العملية التي لا ترتفع موضوعاتها بوجود البيان الواقعي للمولى، وإنما ترتفع عند وصول البيان إلى المكلف. ففي مبحثنا وإن فرضنا تأخر أحد الخاصين عن الآخر صدوراً، لكن المفروض وصول كليهما معاً إلى المكلف في زمن واحد، فلا اعتبار في مثله بتعدد زمان الصدور.

وأما إن كان المعيار هو ملاحظ التقدم والتأخر زماناً بلحاظ الوصول إلى المكلف، أو كونه في معرض الوصول كذلك، فالمتقدم يرفع موضوع أصالة التطابق بالنسبة لنفسه، وبعد وصول المتأخّر فلا بد من ملاحظته من العام في حدود الحجية. فالقول بالانقلاب لا وجه له أيضاً. وذلك لأن الخاص المتقدم وإن أوجب وصوله ارتفاع موضوع أصالة التطابق، ونتحدد بحدود الخاص الواصل ولا مجال لها مع وصوله، إلاً إن العلم بحدوثه إنما يرفع موضوع أصالة التطابق حدوثاً فقط، فما دام الخاص باقيا على حجيته فإن أصالة التطابق تبقى مرفوعة، وأما إذا ارتفع الخاص بعد ذلك فإن أصالة التطابق تعود إلى فاعليتها وتاثيرها.

فالعلم بالخاص حدوثاً لا يرفع أصالة التطابق حدوثاً وبقاء، بل إن زوال الأصل هذا يدور مدار العلم بالخاص حدوثاً وبقاء فما دام نعلم بوجود الخاص الحجة فإن الأصل يرتفع، فالعلم بوجود الخاص الحجة حدوثاً يؤثر في زوال أصالة التطابق حدوثاً، كما إن العلم بوجوده بقاء يؤثر في زوال الأصل بقاء. فلو فرض أننا اعتقدنا بحجية خبر خاص فخصصنا به العام، ثم علمنا أنه غير صحيح سنداً مثلاً، فإن أصالة التطابق في العام تعود إلى فاعليتها وتأثيرها.

وعلى هذا ففي الآن الأول الذي وصل إلينا الخاص حتى أن وصول الخاص الثاني فإن أصالة التطابق ترتفع وتتحدد حجية العام بالخاص الواصل. ثم وفي الان الذي يصل إلينا فيه الخاص الثاني يكون قد وصل إلينا خاصان، وكلاهما يخالفان جريان أصالة التطابق في العام؛ فالخاص الأول يحاول إزالة أصالة التطابق ببقائه حجة، والخاص الثاني يحاول إزالته بحدوثه، فهما يحاولان إزالة الأصل في زمان واحد.

اذن، فمجرد إزالة الخاص الأول لأصالة التطابق في الزمان السابق لا تأثير له في بقائها كذلك؛ فان القرينة كانت واحدة أوّلاً، ثم إذا تعددت فهما يزيلان الأصل معا كلا على استقلال، فوصول أحدهما قبل الآخر غير مؤثر بوجه.

نعم، لو كان الخاص الوارد أولاً مزيلاً لأصالة التطابق حدوثاً وبقاء منذ الأول، لكان للانقلاب وجه، ولكنه ليس كذلك.

وعلى هذا فلو فرض أن المعيار هو الاختلاف الزماني بالوصول، فلا يمكن القول بالانقلاب، وهكذا إذا قلنا بأن أصالة التطابق في العام ترتفع بمجرد كون الخاص في معرض الوصول، فلو فرض أن أحد الخبرين المشتملين على الحكم الخاص كان في معرض الوصول أولاً كما لو ذكر الخبر في بابه المناسب له، وكان الآخر في معرض

الوصول أيضاً ولكن لم يذكر في بابه المناسب له، ففي زمن صيرورتهما معاً في معرض الوصول تنتفي اصالة التطابق في العام بالنسبة لمورديهما معاً. هذا هو ما نختاره نحن في المقام.

ولكن لبعض الأعاظم كلام في المقام لا بد من ملاحظته:

فانه يظهر منه قبول قبوله الانقلاب فيما إذا فرض صدور الأدلّة جميعاً من متكلم واحد، قال في مباني الاستنباط : (وفيه أن كبرى ما ذكر وإن كان صحيحاً، إلا إن تطبيقه على المورد غير صحيح، وذلك لما ذكرناه سابقاً من أن الروايات الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) وإن كان بحسب الكشف) إلى آخره (1).

وقال أيضاً: (نعم لو فرض صدور عام و خاصين مختلفين زماناً عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) لكان لتوهم انقلاب النسبة وجه، لكنه غير واقع ظاهراً) (2).

ولا يخفى انه لم يعلم وجه لإنكاره صدور العام والخاص المختلفين زماناً، اللهم إلا ان يتمسك فيه بالاستصحاب.

وكيفما كان، فظاهره قبوله لكبرى انقلاب النسبة في المقام، مع جعله المعيار في ذلك الاختلاف الزماني بحسب صدور الخاص كما هو ظاهر كلامه الثاني. وقد اتضح مما ذكرنا أن ذلك محل تأمل من وجوه:

الأول: أنه يبتني على كون مورد التعارض الظهورين الحجتين، لا أنه الظهوران الكاشفان نوعاً، كما هو المختار.


1) مباني الاستنباط 2: 475.

2) مباني الاستباط 2 : 476.

الثاني: أنه يعتمد القول بانقلاب النسبة، ونحن إن التزمنا بها في الجهة الاولى فإنما هو لوجه لا يتحقق هنا، فإن رتبة الخاص والعام المعارض كانت مختلفة، فيخصص العام أولاً بالخاص، ثم يصل دور المعارضة مع العام المعارض وأماهنا فكلا الخبرين خاصان وفي رتبة واحدة، ويصلحان قرينة على العام من دون أن يكون لأحدهما مرجح.

الثالث: على تقدير الالتزام بانقلاب النسبة حسب تصور الأعاظم، فإن المعيار هنا هو وصول الخاص لا أصل الصدور؛ إذ ان الخاص بمجرد صدوره لا يوجب ارتفاع اصالة التطابق في العام.

أضف إلى ذلك جميعاً أن العرف في مثل هذه الموارد لا يساعد على الالتزام بالانقلاب، فلو فرض أن مولى قال لعبده: (أكرم العلماء)، ثم قال: (لا تكرم النحويين) ثم قال: (لا تكرم الفساق)، فإن العبد لا يعود يسأل عن تكليفه تجاه النحوي العادل.

فتبين من كل ما ذكرنا أن توارد المخصّصين على العام لا يوجب انقلاب نسبة الخاص المتأخر مع العام من العموم المطلق إلى العموم من وجه.

الأمر الثاني: في كيفية ملاحظة النسبة مع العام المخصص بمتصل، أو ما هو بحكمه، والمخصص المتصل على قسمين:

الأول: المخصص المتمحض في الأتصال. وهو إما أن يوجب تعنون موضوع العام بخصوصيته، كما هو الحال في الصفة، فإنها توجب أن يكون الموضوع في القضية هو

الطبيعي بشرط شيء مثل (أكرم العلماء العدول)، فموضوع الحكم (العلماء والعدول). وكما هو الحال في بدل البعض من الكل مثل (أكرم العلماء عدولهم).

وإما ان يكون موجباً لتحديد نسبة الحكم إلى الموضوع بحالة تحققه، كما في الجملة الشرطية، بناءً على ما ذكرناه في مفهوم الشرط، من أن القيد يعود إلى النسبة فهو يحدد الارتباط المفروض بين العالم ووجوب الإكرام بحال كونه عادلاً فيما لو قال: (العالم إن كان عادلاً فأكرمه)، ونعبر عن كل ذلك بالمخصص المتمحص بالاتصال. ولا إشكال أن في مثله تلاحظ النسبة مع العام بما هو مخصص به، لا بما هو عام لانه مع تقييد الموضوع او الحكم او النسبة بقيد خاص فلا يبقى للعام ظهور في العام، وانما ينعقد ظهوره في الخاص، حيث ان الخاص المتصل يضيق ظهور العام به واما إذا كان مخصصاً بمنفصل؛ فإن النسبة تلاحظ بما هو عام بنفسه من دون ملاحظة مخصصهلما ذكرناه ان العام باق عل ظهوره وانما المخصص المنفصل يضييق ويحدد حجيته

الثاني: لا يكون المخصص المتصل كذلك، ونعبّر عنه بالمخصص المتصل غير المتمحض بالاتصال، وهو كأدوات الاستثناء، مثل (إلا) الاستثنائية وأخواتها، فهي من جهة تترتب عليها آثار المخصص المتصل، فهي بدلالتها على الحصر مطلقاً أو مع سبق النفي تفيد تأكيد عموم المستثنى منه بالنسبة لغير مورد المستثنى؛ وهذا معن-ى الحصر ولذا فلا يمكن أن نلحظها بلحاظ المخصّص المنفصل، ولكنها من جهة اخرى لا توجب تخصيص الموضوع كما هو شأن المخصص المتصل، ففي مثل قوله: (أكرم كل عالم إلا الفساق منهم) فإنه يعني أنه قد اقتطع من الحكم العام جزء. فالجملة الاستثنائية بمدلولها الوضعي لا تتكفل ببيان صفة من الصفات، وكذا لا تتكفّل بتعليق نسبة الحكم إلى موضوعه على شرط، بل هي تدلّ على خروج بعض أفراد موضوع عام

ثبت له حكم على عمومه. لان (الا) الاستثنائية غير الصفتية التي هي بمعنى (غير) التي توجب تقييد الموضوع، وكذلك ليست (الا) كاداة الشرط لتوجب ان يكون الحكم على الموضوع معلقا على الشرط او الوصف.

ولذا فإن الجملة المستثناة تعتبر جملة مستقلة؛ ولأجله فقد عدت كذلك، فيبحث المغني عنها في الباب الرابع وأنها هل يكون لها محل من الإعراب ام لا (1).

فالملاحظ أن (إلا) لا تحدد العام ابتداءً، وقبل ثبوت الحكم له تحديداً وتخصيصا يمنع عن انعقاد العموم موضوعاً أو حكماً، كما هو شان الوصف وغيره من المخصصات المتصلة، بل هو اقتطاع واخراج لبعض الحصص من تحت الحكم بعد شموله لها. وهذه الخاصة من مميزات المخصص المنفصل؛ فان مفاد المخصص المنفصل هو أن بعض حصص العام ليست محكومة بحكمه جداً، من دون نظر له إلى تقييد الموضوع أو تعليق الحكم.

إذن فلا ريب في أن الاستثناء يختلف عن سائر القيود المتصلة التي تتمحض بالاتصال كما ربما عبّر في الكفاية بما يشعر كونه كذلك.

ومن هنا وقع البحث في الاستثناء الذي هو برزخ بين المخصص المتصل والمخصص المنفصل ففيه قولان: الأول: ان الاستثناء بحكم المتصل، اختاره الشيخ الانصاري وفاقا لبعض من تقدم عليه، كالمحقق القمي في جامع الشتات والسبزواري في الكفاية وصاحب الرياض واصبح من الامور المسلمة عند المتأخرين، وان الاستثناء كالمخصص المتصل موجبا لعدم انعقاد الظهور في غير المستثنى، فيكون المستثنى منه ضيقا لا عمومية له حيث يتعين بحسب المرتكزات العقلائية والقواعد الأصولية أن


1) مغني اللبيب 2: 558.

يضم إلى العام في ملاحظة النسبة بين العام ومعارضه الثاني: ان الاستثناء كالمنفصل، والعام باق على عمومه ويلاحظ عاما حين المعارضة، وقد اختاره من المتأخرين صاحب الجواهر في كتاب العارية وصاحب المسالك، وينقل الشيخ عبارته في الرسائل، ونسب لاكثر المتقدمين فلا نضم الاستثناء للعام، فلا نعتبر الاستثناء من الدليل المتصل لا يوجب انقلاب النسبة، وانما يكون احد الدليلين معارضاً لنفس العام، لان العام باق على عمومه، اذن فان النسبة تلحظ بين العام بعمومه مع معارضه؟ وهذان الأحتمالان يؤثران في مرحلة الجمع الدلالي، فمثلا إذا قال المولى: (أكرم العلماء إلا الفساق منهم) و: (لا تكرم النحاة)؛ فان قلنا ان الاستثناء في حكم المخصص المنفصل اي بنينا على أن المعيار في ملاحظة النسبة في مثل هذا المورد هو نفس المستثنى منه وبدون ملاحظة أنه قد اقتطع منه شيء بعنوان الاستثناء، فالنسبة بينهما تكون العموم المطلق، ويتحقق التخصيص حتى وإن كان بين مدخول إلاً والمخصص المنفصل عموم من وجه، وإن بنينا على ملاحظة النسبة بين العام مع الاستثناء والدليل المعارض لها، فإنها ستكون العموم من وجه؛ فإن العام والاستثناء بمنزلة أن يقال : (اكرم العالم غير الفاسق)، وحينئذ يقع التعارض بينهما في (النحوي العادل).

وهكذا إذا كانت النسبة بين المستثنى والدليل المنفصل هي العموم المطلق بان يكون مدخول (إلا) أخص مطلقاً من موضوع الدليل المنفصل، كما إذا قال: (أكرم العلماء إلاً النحويين منهم) ثم قال: (لا تكرم الادباء)؛ فإنه إذا لوحظت النسبة بين المستثنى منه بضميمة الاستثناء والدليل المعارض، فإنهما سيتعارضان في (الأديب غير النحوي).

وقد ادعي بأن أخبار ضمان العارية إذا كانت ذهباً أو فضة من مفردات هذه القاعدة، فقد جاء في بعضها: «ليس في العارية ضمان»، وجاء في بعض آخر: «ليس في العارية ضمان إلا في الذهب والفضة»، وجاء أيضاً: «ليس في العارية ضمان إلا في الدرهم والدينار». وقد ذكر المحقق السبزواري (صاحب الذخيرة) أنه يقع التعارض بين عقد المستثنى من الدليل الثاني، وعقد المستثنى منه من الدليل الثالث في الذهب غير المسكوك، فان الدليل الثالث بعمومه ينفي الضمان في عاريته، والدليل الثاني بإطلاقه يثبت الضمان في عاريته، فيرجع فيه إلى عموم عدم الضمان في العارية، فيختص الضمان بالمسكوك من الذهب والفضة.

ولكن الأذهان العرفية في مثل ذلك تلاحظ النسبة بين المخصص المنفصل وذات المستثنى منه فحسبن فمثلاً إذا قيل: (أكرم جيراني إلا الفساق منهم)، ثم قيل: (ولا تكرم الشعراء من جيراني)؛ فإن الدليل الثاني يخصص عموم (أكرم جيراني)، كما أن المخصص المتصل يخصصه، فهو قد أخرج الفسقة من العموم أولاً بواسطة أداة الاستثناء، ثم أخرج الشعراء بواسطة مخصص آخر منفصل.

ولا يقال في مثل ذلك بأن المعارضة تقع بين الدليل الأول والدليل الثاني في (الشاعر العادل)؛ فيرجع إلى العموم الفوقاني إن وجد فيكرم، وإلا فهما يتساقطان.

وعلى أي حال فالعرف ببابك، فهل تراه في موردنا يعتبر الاستثناء أول مخصص ورد على المستثنى منه، ويعتبر الدليل الثاني مخصصاً آخر ورد عليه وهكذا، أو أنه يرى أن أداة الاستثناء التي تعني الإخراج توجب ضم المستثنى مع المستثنى منه، فكأنه قال: (أكرم جيراني واخرج الفساق منهم) فإن الفرق بين الحروف والأسماء إنما هو بالنشر واللف والاجمال والتفصيل حيث ان الحرف يعبر عن المعنى باللف والاجمال

والاسم يعبر عن نفس المعنى بالنشر والتفصيل، كما ذكرنا في محله في مبحث المعنى الحرفي، وحينئذ فيقع التعارض بينهما؟

فالعرف إذن يشهد بأنه لا فرق بين الدليل المنفصل والاستثناء في عدم انضمامه إلى العام حين تلاحظ النسبة بينه وبين معارضه على أن الإخراج بنفسه يدل على ذلك فإنه يعني استثناء ما لولاه لدخل.

وعلى أي حال ففي مثال العارية رأيان؛ لأن هذا البحث طرح في الأصول في موضوعنا وفي الفقة في ضمان العارية، ويظهر من الجواهر أن أول من استشكل في ذلك واعتبر النسبة بين الدليلين العموم من وجه هو صاحب الذخيرة وتبعه صاحب الرياض؛ ولذا فقد ذهبا إلى نفي الضمان في عارية الذهب والفضة غير المسكوكين وخالفهما صاحب الجواهر في ذلك في كتاب العارية واختار لزوم ملاحظة النسبة بين الدليل المنفصل وذات المستثنى منه بعمومه، ولكن الشيخ الأنصاري وجميع من تاخر عنه تبعوا الفاضل الخراساني صاحب الذخيرة وان النسبة العموم من وجه.

وقد يقرب هذا رأي الشيخ ومن تأخر عنه بأن النسبة إما أن تلاحظ بين ذات الظهورين الكاشفين نوعاً، أو بين الظهورين الحجتين.

فبناء على الثاني فلا ريب أن الاسثناء يوجب تحديد حجية المستثنى منه، فلابد في ملاحظة النسبة بينه وبين معارضه ان نلاحظه في حدود حجيته أي منضماً إلى الاستثناء وبالطبع فإن النسبة تنقلب إلى العموم من وجه؛ فإن قوله (عليه السلام): «إلا الدرهم والدينار» يكون محدداً لحجية لا ضمان في العارية فلا يعتبر عاماً، فيكون كالمورد الذي يكون فيه العام مخصصاً بالتوصيف أو بنحو بدل البعض أو الاشتراط. وربما يكون وضوح الأمر عند جماعة مستنداً إلى هذا الأمر.

وأما بناءً على الأوّل فلأن الظهور النوعي للكلام لابد أن يلاحظ في الكلام مع جميع ما يعدّ عرفاً من ملابساته ومحدّداته، وبالطبع فالاستثناء منها. فظهور الكلام لا ينعقد في العموم أصلاً؛ مع وجود اداة الاستثناء فإن للمتكلّم أن يلحق بكلامه ماشاء مادام متشاغلاً بالكلام.

ويضاف إلى ذلك ماقد يستفاد من بعض كلمات المحقق النائيني، حيث لم يفرّق بين (إلا) الاستثنائية والصفتية، حيث عبر عنها بكلمة غير كما في فوائد الاصول في هذا المبحث وفي مبحث الجمل المتعقبة باستثناء واحد، وصاحب الجواهر يقول في الردّ على مبنى الذخيرة والرياض بأنهم لو حملوا (إلا) على معناها الظاهر – وهو الاستثناء دون التوصيف – لكانوا مأمونين من الوقوع في الخطأ. فنلاحظ أنه يرى بأن اختيارهم هذا الرأي منشؤه خلطهم بين (إلا) الصفتية والاستثنائية.

وعلى أي حال فإن كان الوجه فيما ذكره هؤلاء وان الاستثناء بحكم المخصص المتصل هو الذي أشار إليه صاحب الجواهر وهو حمل (الا) على الصفتية اي غير، لا الاستثنائية ولذلك توجب تضييق الموضوع وتحديده، فلا ينعقد له ظهور في العموم فهو واضح الضعف لما ذكر بانه خلط بين (الا) الاستثنائية والصفتية، والظاهر منها هي الاستثنائية لا الصفتية لتكون محددة للموضوع، وإن كان الوجه هو انقلاب النسبة فهو صحيح على رأي من يرى الانقلاب. وأما على عدم الالتزام بانقلاب النسبة، فهل يتعين ملاحظة النسبة بين المستثنى منه بعمومه مع الدليل الآخر وعد الاستثناء تخصيصاً ورد عليه، والدليل المنفصل تخصيص آخر مع كون الاستثناء مؤكداً

لعمومه واستقلاله عنه كما هو مختار المسالك والجواهر (1)، أم إن النسبة تلاحظ بين المستثنى منضماً إلى الاستثناء مع الدليل الآخر؟

ولصاحب الجواهر كلام هنا : (فالواجب ملاحظة التعارض بين نفس الأدلّة من غير تقدير شيء ناشئ من الاجتهاد فيها) (2)فرأي صاحب الجواهر هو ملاحظة النسبة بين نفس الدليلين، لا ان الموضوع يكون محدداً، ولكن قد تتصور وجوه اجتهادية لتصحيح جعل الاستثناء بحكم المخصص المتصل:

الوجه الأول : ماذكرناه بان (الا) تحمل على الصفتية لا الاستثنائية، ولكن ذكرنا الجواب عن هذا الوجه، انه خلاف الظاهر عرفاً من لفظ (الا)، لان ظاهرها الاستثناء.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقق النائيني من أن (العلماء) في المثال إما مقيد بالفسق أو بعدمه؛ إذ لا يعقل الإهمال في الواقعيات والتقييد بالفسق أيضاً لا معنى له؛ فلابد من كونه مقيداً بعدم الفسق فيكون الموضوع هو الماهية بشرط لا عن الفسق، الوجه الثالث: ما يعتقده المحقق النائيني أيضاً من أنه لابد من جريان مقدمات الحكمة في متعلق العام أيضاً، فلا ينعقد للعام مع وجود الاستثناء المذكور إطلاق أو عموم كي يلاحظ طرفاً للنسبة توضيحه : ان انعقاد الظهور في العموم حتى في الموارد التي توجد فيها ادواة العموم، لا يستفاد عموم حكم العام لجميع افراد متعلق الاداة من نفس اداة العموم، بحيث يكون لها ظهور في العموم، وانما يستفاد من اجراء مقدمات


1) الجواهر 27: 187.

2) الجواهر 27: 187.

الحكمة في مدخول الاداة، وإذا تمت، فيستفاد شمولية حكم العام لجميع افراده، ولا شك بان وجود الاستثناء مانع من جريان مقدمات الحكمة، ولو من باب احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، فعلى هذا فلا ينعقد للعام ظهور في العموم. ولكن في مبحث العام والخاص ناقشنا هذا الرأي، وقلنا بان العموم يستفاد من نفس اداة العموم، لانها وضعت لشمول الحكم لجميع حصص مدخولها فوضعت لهذا المعنى، وان مدخولها لا بشرط عن جميع الخصوصيات ولا تحتاج لاجراء مقدمات الحكمة في استفادة الشمولية.

ويضيف صاحب الجواهر: (وأما تقدير الدرهم والدينار وملاحظته مهملا عن إخراجهما مع موضوع الذهب والفضة الشاملين لهما، وجعل التعارض بينهما من وجه – إلى آخر ما سمعته – فهو شيء خارج عن النصوص، صاغه الوهم، فصار مغالطة على الأفهام الردية التي لاتفرّق بين مفاهيم الألفاظ ومصاديقها إذا كان فيها نوع خفاء) (1)يقصد بقوله: (لا تفرق بين مفاهيم الالفاظ ومصاديقها) أنه إذا عرضت هذهالأدلّة على العرف الحكم بأن ذكر خصوص المسكوك من الذهب والفضة في بعض الأدلّة لأجل أهميتها عن سائر المصاديق فلا يتحقق تعارض بينها أصلاً. فمثلا لو قيل: (أكرم العلماء إلا زيداً وعمراً)، ثم قال (لاتكرم الفساق) مع كونهما من كبار فسقتهم فلا يتحقق التعارض بين الدليلين بل إن العرف يحمل ذكر زيد وعمرو على اعتبارهما من مصاديق الدليل الثاني، وإن كان نبه عليهما فلاهميتها.

ولا نقصد بذلك الدخول في المسألة والبحث عنها فقهياً، فموضعه في الفقه، وإنما نهدف إلى التأكيد على مدى استغراب صاحب الجواهر من القول بكون النسبة بينهما


1) الجواهر 27: 187.

هي العموم من وجه، فكيف مع ذلك تنسب أمثال هذه الأنحاء من الجمع إلى العرف مع عدم بنائه عليها؟ فهل إن علم الأصول تابع للمرتكزات العرفية ومحكماً لها، أو إنه عبارة عن قواعد معينة متميزة عن العرف وتفرض القواعد العرفية فرضاً والمرتكزات العرفية والعقلائية مع محدودية الموضوع في باب الاستثناء.

ويلاحظ أن صاحب الجواهر في اختياره هنا قد انفرد بهذا الرأي بين المتأخرين، وخاصة بعد اختيار الشيخ وجميع من جاء بعده لرأي صاحب الذخيرة، لكن الرأي المختار هو رأي صاحب الجواهر.

الأمر الثالث: إذا ورد عام وخاصان وكان أحد الخاصين قطعياً، فهل إن الخاص القطعي كالمخصص المتصل يلاحظ مع العام اولاً وبعد ذلك تلاحظ النسبة بين العام المخصص والخاص الآخر، أو إنه لا فرق في المخصص المنفصل بين كونه قطعياً أو غير قطعي.

ونقل الشيخ الأنصاري في رسائله كلاماً عن المحقق النراقي ربما يستظهر منه اعتبار المخصص القطعي كالمتصل، قال في الرسائل: (قد توهم بعض من عاصرناه فلاحظ العام بعد تخصيصه ببعض الأفراد بإجماع ونحوه مع الخاص المطلق الآخر. فإذا ورد: (أكرم العلماء) ودل من الخارج دليل على عدم وجوب إكرام فساق العلماء، وورد أيضاً: (لا تكرم النحويين)، كانت النسبة على هذا بينه وبين العام بعد إخراج الفساق عموماً من وجه. ولا أظن يلتزم بذلك فيما إذا كان الخاصان دليلين لفظيين؛ إذ

لا وجه لسبق ملاحظة العام مع أحدهما على ملاحظته مع الآخر، وإنما يتوهّم ذلك في العام المخصص بالإجماع أو العقل لزعم أن المخصص المذكور يكون كالمتصل) (1).

وقوله: (بإجماع ونحوه) هل يقصد به ما هو دليل لبي كالإجماع مثل الدليل العقلي، أو يقصد به ما يكون قطعياً بلحاظ كون الإجماع قطعياً، فيراد بقوله: (ونحوه) مطلق ما ماثله من هذه الجهة ؟ والظاهر أنه لا دخل للبيّة الدليل في هذه المسألة.

نعم، ذكر في بحث (التمسك بالعام في الشبهات المصداقية للمخصص اللبي) عدة وجوه لبيان الفرق بينه وبين المخصص اللفظي إلا إنها لا مجال لها هنا. وعلى هذا فلابد أن يكون مراده بذلك التأكيد على جهة القطعية في الإجماع، فيكون معنى الكلام المذكور هو انه متى كان احد الخاصين قطعياً، والآخر حجة، فإنه لابد من ملاحظة النسبة بين مجموع العام والخاص القطعي مع الخاص الثاني، فتنقلب النسبة بينهما إلى العموم من وجه.

ويلاحظ عليه أن القطعية في الخاص تارة يراد بها مطلق ما كان قطعياً، وأخرى يراد بها ما تصل قطعيته إلى درجة البداهة والضرورة :

فإن كان المراد من القطعي في كلامه المعنى الثاني - بحيث إنه يعتبر من القرائن الحالية المحفوفة بالكلام والمانعة من انعقاد الظهور للعام إلا في الخاص، فما ذكره من أن المخصص المذكور كالمتصل صحيح وواضح ضرورة عدم انعقاد الظهور بذلك إلا في الحصة الخاصة - وتكون النسبة بين ظهور العام المخصص والدليل الخاص الآخر هو العموم من وجه لا المطلق، كما لو قال: (أكرم العلماء)، وكان عدم وجوب


1) الرسائل 2: 795 مناهج الأحكام 317، عوائد الايام: 349 - 353.

إكرام الفساق ضرورياً بحيث كان لفظ العلماء له ظهور في العدول فحسب، ثم قال: (لا تكرم الشعراء)، فلا ريب أن النسبة بينهما تكون هي العموم من وجه.

ولكن من البعيد حمل كلامه على هذا المعنى من القطعية، فإنه لا ينسجم مع قوله: (كإجماع ونحوه)؛ فإن غاية ما يمكن أن يقال في الإجماع: إنه دليل قطعي، وأما إنه بديهي أو ضروري فلا يكون إلا إذا قصد به إجماع كل طوائف المسلمين، هو خلاف ظاهر العبارة. فتعين إذن إرادة المعنى الأول للقطعية.

ولكن مع ذلك يمكن تقريب هذا القول للشيخ النراقي الذي ينسب إلى بعض المتأخرين أيضاً بأن حجية العموم تبتني على جريان أصالة التطابق بين الإرادة الاستعمالية والجدية، وبما أن موضوع هذا الأصل كبقية الأصول هو الشك، فهو ينتفي وجداناً إذا كان الخاص قطعياً من جميع الجهات حتى جهة تخصيصه للعام، ويزول الشك به تخصصاً أو وروداً حيث ينتفي معها موضوع الحجية في العام حقيقة.

وإن لم يكن الخاص قطعياً من جميع الجهات كذلك، فإن موضوع الأصل هذا ينتفي على نحو الحكومة التضييقية. وقد سبق أن ذكرنا ان هذا النوع من الحكومة مرجعها إلى التصرف في المحمول مثل التخصيص، وإنما تختلف عنه باللسان والتعبير فقط، فلسان الحكومة لسان المسالمة مع العام ولسان التخصيص لسان المعارضة معه، فهو إذن يتصرف في المحمول أي الحجية.

وعلى ضوء هذا يتبين أن المخصص القطعي يختلف رتبة عن المخصص الظني؛ فإن الأول ينفي أصالة التطابق موضوعاً، والثاني يتقدم عليها محمولاً، أي حكماً. ومن هنا لابد في الرتبة الأولى من ملاحظة ما يتصرف في الموضوع باعتباره مانعا من كاشفية العام عن المراد الجدي، فأصالة التطابق تنتفي فيه بانتفاء الموضوع والمقتضي فمع

المخصص القطعي لا يكون هناك مقتضى لإرادة المعنى العام في مرحلة الدلالة التصديقية الجدية.

ولكن مع ذلك فهذا الرأي للشيخ النراقي والتقريب المذكور محل تأمل من وجوه: الأول : أن هذه الفكرة تماثل فكرة انقلاب النسبة التي تلاحظ التعارض في الدائره التي يكون فيها العام حجة، لا في دائرة ظهور العام، وقد تقدم منا مناقشة فكرة انقلاب النسبة بالتفصيل في مبحث (أن المخصص كالخاص أو لا)، حيث إنها تعتبر المخصص حجّة فيما وراء حدود التخصيص، فلابد أن تلاحظ النسبة في نفس تلك الحدود التي يكون العام فيها حجة، لا في حدود ظهوره. ولكن ذكرنا هناك أن الملاك في التعارض هو الظهوران الكاشفان نوعاً، وهما لا ينقلبان بورود التخصيص المنفصل عليهما.

ووجه المماثلة مع مبحثنا هو أن الكلام هنا وإن لم يكن من مفردات تخصيص عموم المخصص إلا إنه في العام المخصص تلاحظ النسبة مع العام بعمومه لا بما هو حجّة فيه. ومثل هذا الملاك موجود فيما نحن فيه، والعام هنا بظهوره أعم مطلقاً من خاصه الآخر، فيقدم عليه ويخصصه.

الثاني: أن هذا التقريب يبتني على الفرق في التخصيص بين الخاص القطعي والظني بأن يكون تقديم الخاص القطعي على العام بملاك التخصص أو الورود، وتقديم الخاص الظني على سبيل الحكومة، ونحن قد أنكرنا ذلك في أوائل مبحث التعارض. حيث ذكرنا ان اصالة التطابق مرجعها إلى تعهد عقلائي بأن ما ينطق به المتكلم كالعام يتوافق بتمامه مع مراده الجدي، مالم توجد حجة على التفكيك بين الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدّية فهذا التعهد العقلائي محدود من الاول بذلك. ولا

فرق في الحجة هذه بين كونها قطعية من جميع الجهات أو أنها خبر ثقة أو موثوق به؛ لأن ذلك كله يؤدي إلى انتفاء الأصل عند العقلاء على سبيل الورود.

الثالث: أن مجرد الاختلاف الرتبي بين المخصص القطعي وغيره بأن الأول ينفي أصالة التطابق موضوعاً والآخر ينفيها محمولاً، لا أثر له في ملاحظة النسبة، ليل-زم ملاحظة المتصرف في الموضوع أولاً ثم يلاحظ المتصرف في المحمول مع اتفاقهما في إزالة أصالة التطابق بين الإرادة الاستعمالية والجدية، بل الملاك هنا ملاحظة النسبة بين العام المخصص والدليل الخاص الآخر في كلا القسمين، المخصص القطعي والظني المعتبر، فكلاهما ينفيان اصالة التطابق، ويوجبان تضييف حجية العام، وملاحظة التعارض بين العام المخصص والدليل الآخر.

وهذا غير ما ذكرناه في تقريب القول بانقلاب النسبة، فإن التقدم هناك بلحاظ أن ملاحظة الخاص معتبر في تعيين المراد من العام عرفاً، وهو متقدم بطبعه على ملاحظته منسوباً إلى معارضه وعلى أي حال فلا يمكن المساعدة على الكلام المذكور.

ثم لابأس بالتعرض في هذه المناسبة إلى جهتين:

الجهة الأولى: أن دعوى المحقق النراقي من تقديم المخصص القطعي من جميع الجهات على غيره في ملاحظته مع العام إنما هو في القطعي من جميع الجهات.

وربما قيل في هذا المجال: إنه إذا وجد عام وخاصان وأحدهما أخص من الآخر مطلقاً، فلابد من تخصيص العام بأخص الخاصين أولاً، وبعد ذلك يلاحظ مع الخاص الآخر، حيث تنقلب النسبة إلى العموم من وجه، كما لو قال المولى: (أكرم العلماء) و: (لا تكرم النحويين) و : (لا تكرم الأدباء)، فبما أن خروج النحويين وهو اخص الخاصين من تحت العام مقطوع به في كلا الخاصين فهذا قدر متيقن وقطعي بالنسبة

لهذين الدليلين، لا انه قطعي مطلقا، فلا بد أن يلاحظ الخاص المتعرض لحكم النحويين مع العام أولاً ثم بعد ذلك تلاحظ نسبته مع الخاص الاخر.

وقد ذكر هذا المحقق النائيني وناقشه، وذكر المحقق العراقي أنه بناءً على الالتزام بانقلاب النسبة لابد من قبول ذلك.

ولكن يظهر جواب هذا الكلام فيما ذكرناه في جواب المحقق النراقي؛ لأننا لم نقبل هذا الأمر في المقطوع به حقيقة فضلاً عن المقطوع النسبي؛ إذ أن عدم وجوب إكرام النحويين لم نقطع به حقيقة، وإنما هو قدر متيقن في كلا الخاصين.

الجهة الثانية: ذكر المحقق النائيني أيضاً أنه لو كان هناك عموم فوقاني غير مخصص و عام آخر مخصص بمخصص متصل أخصّ، وعام ثالث مخصص بمتصل أعم، كما إذا ورد: «ليس في العارية ضمان» و «وليس في العارية ضمان إلا في الدرهم والدينار» و «ليس في العارية ضمان إلا في الذهب والفضة»، فلابد من تخصيص العام الأول – الذي لا يشتمل على التخصيص - بالعام المشتمل على المخصص الأخصّ، ثم ملاحظة النسبة بينه وبين الخاص الثاني؛ وذلك لأجل أن التقييد بأخص الخاصين متيقن من كلا العامين الآخرين. وهذا ما ورد في فوائد الاصول (1).

ولكن ذكرنا بأن المعيار في ملاحظة النسبة هو نفس الظهور الكاشف كما ذكره هو في الإجابة عن التوهم الذي تعرض له.


1) فوائد الاصول 4 : 751.

وفي أجود التقريرات ذكر تقريباً آخر لهذه الكبرى وهو أنه مالم ينحل التعارض بين هذين الدليلين اللذين بينهما عموم من وجه، فلا يمكن الرجوع إلى العام الأول بل هو أيضاً سيقع طرفاً للمعارضة (1).

وفي مباني الاستنباط أجاب عن كلا التقريبين المذكورين في فوائد الاصول وأجود التقريرات.

ولكن بما أن أصل النظرية يبتني على مبان وأسس غير معتمد عليها، لذلك نعرض عن ذكرها.

هذا تمام الكلام في مبحث التعارض بين أكثر من دليلين، وبه يتم المقصد الرابع، كما يتم به أيضاً كتاب تعارض الأدلّة، وعلى ضوء القواعد والكبريات التي ذكرناها خلال هذه الدراسة يمكن معالجة الكثير من الفروع والمسائل التي ذكرت في هذا الموضوع.

والحمد للّه رب العالمين

انتهيت من كتابة المسودة للدورة السابقة التي حضرتها في النجف الاشرف، ليلة 28 جمادى الاولى عام 1398 هجرية. وهو اليوم الذي انتهى إليه السيّد الاستاذ من دروسه في تعارض الأدلّة.

وانتهيت من كتابة المبيضة للدورة السابقة واستنساخها من المسودة في قم المقدسة 23 شهر رمضان المبارك عام 1404 هجريه.


1) اجود التقريرات 519:2.

وانتهيت من كتابة المقارنة بين الدورة السابقة والدورة الجديدة يوم الأربعاء 14 / ذى الحجة الحرام/ 1414 هجرية