ghaemiyeh.com
سرشناسه : مجلسی، محمد تقی بن مقصود علی، 1003-1070ق.
عنوان قراردادی: من لايحضره الفقيه، شرح
عنوان و نام پدیدآور: روضه المتقين فى شرح من لا يحضر الفقيه / تأليف محمد تقی مجلسی، وثقت اصوله و حققته و علقت عليه ، لجنه التحقيق في موسسه دارالکتاب الاسلامی
مشخصات نشر : قم دار الكتاب الاسلامی، 1387ش. مشخصات ظاهری : 1-20 جلد یاداشت عربی .
کتاب حاضر شرحی بر من لا یحضره الفقيه ابن بابویه است .
موضوع : ابن بابویه، محمد بن علی ،311-381 ق من لا يحضره الفقيه - نقد و تفسير - احادیث شیعه - قرن 4ق.
رده بندی کنگره: 1387 80217 م 2الف/BP129 رده بندی دیویی: 297/212
شماره کتابشناسی ملی : 1185375
با مشارکت و حمایت معاونت امور فرهنگی وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی چاپ و منتشر گردید
الكتاب: ...............روضة المتقين (ج5)
المؤلف :................ المولى محمد تقى المجلسي (رحمۀ الله علیه)
الناشر: .................مؤسسة دار الكتاب الاسلامي
الطبعة :...........الاولى 1429 هـ ق / 2008م
المطبعة :......... مطبعة ستار
عدد المطبوع :...........(3000) دوره
الترقيم الدولي (للمجموعة) : ...........5-216-465-964-978
الترقيم الدولي (ج 5) :........... 9-221-465-964-978
قم - ميدان المعلم - شارع رقم 22 - المبنى رقم 26
تلفن: 7744970 - 7730994 فاکس: 7837383
محرر الرقمي: مرتضی الحاتمي الفرد
روضه المتّقين
شرح من لا يحضره الفقيه للصَّدوق
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
روضَة المتَّقِينَ
في
شرح من لا يحضره الْفَقِيةُ لِلصَدُوقِ
تألیف
العلّامة الحوراء محمّد تقي المجلسي
الجزء العاشر
توثيق وتدقيق وتصحيح
قسم التحقيق في موسّسة دار الكتاب الإسلامي
موسّسة دار الكتاب الإسلامي
سرشناسه : مجلسی، محمّد تقی بن مقصود علی، 1003-1070ق.
عنوان قراردادی: من لا يحضره الفقيه شرح
عنوان و نام پدیدآور: روضه المتقين فى شرح من لا يحضر الفقيه / تأليف محمّد تقی مجلسی، وثقت اصوله و حققته و علقت عليه، لجنه التحقيق في موسسه دارالکتاب الاسلامی
مشخصات نشر: قم دار الكتاب الاسلامی، 1387ش. مشخصات ظاهری : 1-20 جلد یاداشت: عربی.
کتاب حاضر شرحی بر من لا یحضره الفقيه ابن بابویه است.
موضوع : ابن بابویه، محمّد بن علی،311-381 ق من لا يحضره الفقيه - نقد و تفسير – احادیث شیعه - قرن 4ق. رده بندی کنگره: 1387 80217 م 2الف/BP129 رده بندی دیویی 297/212:
شماره کتابشناسی ملی : 1185375
با مشارکت و حمایت معاونت امور فرهنگی وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی چاپ و منتشر گردید
الكتاب: روضة المتقين (ج10)
المؤلف : المولى محمّد تقی المجلسی (رَحمهُ اللّه)
الناشر: مؤسسة دار الكتاب الاسلامي
الطبعة : الاولى 1429 هـ ق / 2008م
المطبعة : مطبعة ستار
عدد المطبوع : (3000) دوره
الترقيم الدولي (للمجموعة) : 978-964-465-216-5
الترقيم الدولي (ج 10): 978-964-465-226-4
قم - ميدان المعلم - شارع رقم 22 - المبنى رقم 26
تلفن: 7744970 - 7730994 فاکس: 7837383
انموذج من نسخة الكتاب الخطية (كتاب القضاء)
انموذج من نسخة الكتاب الخطية (كتاب القضاء)
انموذج من نسخة الكتاب الخطية (كتاب العتق)
انموذج من نسخة الكتاب الخطية (كتاب العتق)
بسم اللّه الرحمن الرحيم
قال أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الفقيه مصنّف هذا الكتاب (رضیَ اللّهُ عنهُ):
3216 - روى أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إياكم أن يحاكم بعضكم
أبواب القضايا والأحكام
باب من يجوز التحاكم إليه ومن لا يجوز
(قال) الشيخ السعيد (أبو جعفر - إلى قوله - روى أحمد بن عائذ) في الصحيح، ورواه الكليني والشيخ في القوي (1)(عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال) وفيه (2)(قال: قال - إلى قوله - بعضكم) من الشيعة
1) الكافي 7: 412، باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور، ح 4. التهذيب 6 : 219، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 8. لكن لم يسند فيهما إلى أحمد بن عائذ.
2) فإنه وإن وثقه النجاشي في رجاله مرتين رجال النجاشي : 188. وقال: «إنه ثقة ثقة» إلا أنه ضعفه الشيخ في موضع من الفهرست الفهرست : 141. ونقل عن الكشي ما يوهم ضعفه والله العالم.
بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا فاجعلوه بينكم قاضياً، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه.
(بعضاً) منهم، أو الأعم (إلى أهل الجور) وهو غير العالم؛ فإن قضائه جور؛ لعدم العلم وإن كان صالحاً في غيره.
(ولكن انظروا إلى رجل منكم) من الاثني عشرية (يعلم) بالعلم المتعارف الشامل للظن القوي؛ لأن الغالب أنّ أصحابهم (صلوات اللّه عليهم) أيضاً ما كان يحصل لهم العلم بالمشافهة، سيّما إذا كان في عباراتهم العام والخاص والمجمل والمطلق وغيرهما ممّا لا يوجب العلم غالباً، فكيف بغيرهم من بعيدي العهد عنهم، مع أنه لا يمكن رفع الأحكام بالكلية، ولو كان المطلوب اليقين لما أمكن لغير المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مع أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) كانا يبعثان القضاة إلى البلاد، ويستبعد أن يكونوا عالمين بجميع الأحكام ولا يجتهدوا في المسائل (شيئاً من قضائنا) أو قضايانا (فاجعلوه - إلى قوله – إليه) يدلّ ظاهراً على جواز التجزي، وجواز كون المتجزي قاضياً، فالمفتي بطريق أولى، وعلى أنّ المتجزي أيضاً منصوب من قبل الإمام حال الغيبة أيضاً، وعلى وجوب التحاكم إليه. ويمكن أن يكون المراد به أنّ العالم غيرهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) لا يمكنه العلم بجميع القضايا.
فإنّ الظاهر من الأخبار أنّ لكلّ واقعة قضاء خاصاً بها، فعلى تقدير كونه مجتهداً في الجميع لا يكون عالماً بجميع قضاياهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) لم ترد، لكن ظاهر الخبر شموله للجميع، بل الظاهر شموله للمحدّث أيضاً وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد لو لم نقل بظهوره فيه كما كان دأب أصحابهم في العمل بالخبر دون الرأي والاجتهاد. نعم، يجب أن يكون بحيث يعرف الأخبار ويمكنه الجمع بينها سيما بالنظر إلى غير
3217 - وروى معلى بن خنيس، عن الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له قول اللّه
العربي، بل الغالب في هذا الزمان أنه مع صرف أوقاتهم في الأزمنة الطويلة في طلب العلوم لا يحصل لهم الارتباط بأخبارهم فكيف بمن لم يكن له رتبة في العلم.
وروى الشيخ في القوي عن أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أصحابنا فقال: «قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارء (أي تدافع) بينكم (أو ترادى بينكم كما في بعض النسخ) في شيءٍ من الأخذ والعطاء أن تتحاكموا إلى أحدٍ من هؤلاء الفسّاق. اجعلوا بينكم رجلاً ممّن قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته قاضياً، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر»(1).
والظاهر أنّ هذا الخبر كان قبل الزلّة أو بعد التوبة، ولهذا تلقاه الأصحاب بالقبول مع تأيده بأخبار أخر، وهذا كخبر ابن حنظلة الآتي في عدم دلالته على المتجزي. ولا تنافي بين خبريه؛ لأنه يمكن أن يكون سماعه مرّتين كما في كثير من الأخبار من شخص واحد.
(وروی معلی بن خنیس) كالصحيح كالشيخ (2)(عن الصّادق (صلوات اللّه عليه)) الظاهر من نقل هذا الخبر إما لبيان أن الحكومة - مخصوصة بالأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) فيأول بأنّ الحكومة - حقهم ومع وجودهم أو لا يجوز بدون إذنهم مع أنه لا يدلّ الآية على الاختصاص، بل الظاهر منها ومن الخبر أنّ الأمانة هنا الإمامة ويجب على الإمام أن ينص على الإمام الذي بعده وهو عبارة عن أداء الأمانة والإمامة (3).
عز وجل: (إِنَّ اللّه يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) قال: على الإمام أن يدفع ما عنده إلى الإمام الذي بعده، وأمرت الأئمة أن يحكموا بالعدل وأمر الناس أن يتبعوهم.
(وأمرت الأئمة) إذا حكموا بين الناس (أن يحكموا بالعدل وأمر الناس أن يتبعوهم) أي أمروا أن يتحاكموا إليهم ويقبلوا حكمهم، ودلالتها على الأخير باعتبار أنهم جعلوا حاكمين عليهم، فلو لم يجب التحاكم إليهم لكان نصبهم عبثاً، ولا يجوز للحكيم العبث. فعلى هذا التوجيه يجب المحاكمة إليهم حال حضورهم وتسلّطهم. ولا يدل على عدم جواز المحاكمة إلى غيرهم مع غيبتهم أو إذنهم. ويمكن أن يكون المراد باتباع الناس إيَّاهم اتباعهم في القضاء أو الأعم بحيث يشمله، فحينئذ له مدخل في هذا الباب. وفي بعض النسخ: عدل الإمام وفي بعضها: على الإمام، وهو أظهر كما يظهر من أخبار المعلّى في الكافي. وروى الكليني في القوي كالصحيح، بل الصحيح عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّوجلّ: (إِنَّ اللّه يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (1)قال: «إيَّانا عنى أن يؤدّى الأول إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح، (وإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) الذي في أيديكم، ثمّ قال للناس: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (2).
3218 - وروی عطاء بن السائب، عن عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا كنتم في أئمة جورٍ فاقضوا في أحكامهم ولا تشهروا أنفسكم فتقتلوا، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم.
إيانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين بطاعتنا، فإن خفتم تنازعاً في أمر فردوه إلى اللّه وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم كذا نزلت وكيف يأمرهم اللّه عزّوجلّ بطاعة ولاة الأمر ويرخص في منازعتهم؟ إنّما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: (أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)» (1)وظاهره الاختصاص عند حضورهم والتمكن من التحاكم إليهم، ولا ريب فيه.
(وروى عطاء بن السائب) في القوي كالشيخ بسندين(2)عن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (قال: إذا كنتم في أئمة جور) أي في أزمنتهم أو نيابتهم كرهاً، والمراد بهم العامّة وإن احتمل العموم (فاقضوا في أحكامهم) تقيّةً ما لم يستلزم القتل ظلماً؛ فإنّه لا تقيّة فيه إذا كان المقتول مؤمناً. أما إذا كان منهم وشهد عليه اثنان منهم فظاهر الأخبار الكثيرة وهذا الخبر جواز الحكم عليه. وفي الجراح تردّد، والاجتناب أحوط ما لم ينته إلى قتل نفسه فيجوز.
(ولا تشهروا أنفسكم) بالتشيّع وإجراء أحكامكم (فتقتلوا وإن تعاملتم بأحكامنا) في بلاد الشيعة أو بلادهم مع الإمكان بدون التشهير (كان خيراً لكم).
3219 - وروى الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: أيما مؤمن قدم مؤمناً في خصومة إلى قاض أو سلطان جائرٍ فقضى عليه بغير حكم اللّه عزّوجل فقد شركه في الإثم.
ويؤيده ما رواه الشيخ عن علي بن محمّد قويّاً، قال: سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منا في أحكامهم ؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يجوز لكم إن شاء اللّه إذا كان مذهبكم فيه التقيّة والمداراة لهم» (1)وإن احتمل أن يكون المراد به نقل الأخبار عنهم تقية ومداراة لينقلوا أخبارنا.
(وروى الحسن بن محبوب عن عبد اللّه بن سنان) في الصحيح كالكليني والشيخ (2)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال أيما مؤمن قدم) بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدّم (مؤمناً) أي تقدّمه ليجيء خصمه خلفه، أو جاء به وهو أظهر (في خصومة إلى قاض أو سلطان جائرٍ) أي كلُّ منهما جائر أو يعم القاضي (فقضى عليه بغير حكم الله) عمداً أو الأعم منه ومن الخطأ (فقد شركه) المستتر راجع إلى المقدم والبارز إلى القاضي (في الإثم) ففي صورة العمد ظاهر، وفي صورة الخطأ بناء على الاختصاص بالمعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما كان الواقع في زمانهم لكن كان الغالب أيضاً فيه قضاة الجور من العامّة، ويدلّ ظاهراً على عدم جواز الترافع إلى حكام الجور كغيره من الأخبار (3). وسيجيء.
3220 - وروى حريز، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: أيما رجل كان بينه وبين أخ له مماراةٌ في حي فدعاه إلى رجل من إخوانكم ليحكم بينه، وبينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال اللّه عزّوجلّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنْتَهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن
قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ الآية.
(وروى حريز عن أبي بصير) في الصحيح كالكليني والشيخ (1)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) - إلى قوله - له) وكانا من الشيعة بقرينة الأخوة (مماراة) أي مجادلة ومنازعة (في حق) مال أو غيره من الحقوق كالشفعة والولاية (فدعاه) الأخ أو الرجل (إلى رجل من إخوانكم) أي من الشيعة (ليحكم بينه وبينه).
أي له رتبة الحكم، وإلا لقال ليصلح وأمثاله (فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء) من قضاة العامّة (كان - إلى قوله - من قبلك) أي في الواقع ليسوا بمؤمنين ولو كانوا مؤمنين بما أنزل إليك لما خطر ببالهم ما خطر وكذا لو كانوا مؤمنين بالتوراة والإنجيل؛ لأنك مذكور فيهما بالرسالة والحقية.
(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) (2).
وهو كعب بن الأشرف كما نقل أنه كان بين مسلمين منازعة، فقال أحدهما: إنا نتحاكم إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)و قال الآخر : إنا نتحاكم إلى كعب، فنزلت(3)، ويطلق
على الشيطان والجبت واللات والعزى وغيرها من الأصنام، وعلى رؤوس الضلال وكلما عبد من دون اللّه والغالب في أخبارنا الإطلاق على الثاني والجبت على الأول (1)(وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) (2)وغيره.
فظاهر الخبر جواز التحاكم إلى علماء الشيعة وصريحه حرمة التحاكم إلى الباطل من علماء العامّة والخاصة كما تقدّم، بل اليهود والنصارى في تقريرهم في الذهاب إلى حكامهم وإن كان بعيداً من الخبر.
ويؤيده ما رواه الشيخ في الصحيح عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت رجلان من أهل الكتاب نصرانيان أو يهوديان كان بينهما خصومة فقضى بينهما حاكم من حكامهما بجور فأبى الذي قضى عليه أن يقبل وسأل أن يردّ إلى المسلمين؟ قال: «يردّ إلى حكم المسلمين» (3).
فأما ما رواه الشيخ في القوي عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن الحاكم إذا أتاه أهل التوراة وأهل الإنجيل يتحاكمون إليه كان ذلك إليه إن شاء حكم بينهم وإن شاء تركهم» (4)فيمكن حمله على حال التقيّة أو على التفويض إذا كان الحاكم الإمام أو على الشرط في حال الهدنة إذا لم يرد خصمه.
وروى الكليني والشيخ في القوي(1)، عن عبد اللّه بن مسكان - والظاهر أنه المأخوذ من كتابه سيما بالنظر إلى الكليني (رضیَ اللّهُ عنهُ)- عن أبي بصير - والظاهر أنه ليث - قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): قول اللّه عزّوجل في كتابه: (ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ) (2)فقال: «يا أبا بصير إن اللّه عزّوجلّ قد علم أنّ في الأمة حكّاماً يجورون، أما أنه لم يعن حكّام أهل العدل ولكنّه عنى حكام أهل الجور، يا أبا محمّد إنه لو كان لك على رجل حقٌّ فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكّام أهل الجور ليقضوا له لكان ممّن حاكم إلى الطاغوت وهو قول اللّه عزّوجلّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ)» (3).
وروى الشيخ في الموثق كالصحيح عن الحسن بن علي بن فضال، قال: قرأت في كتاب أبي الأسد إلى أبي الحسن الثاني (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقرأته بخطه، سأله ما تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكّامِ) (4)قال: فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخطه: «الحكّام القضاة»، قال: ثمّ كتب تحته «هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في أخذه ذلك الذي حكم له إذا كان قد علم أنه
3221 - قال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنّة، رجل قضى بجورٍ وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجورٍ وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة.
ظالم» (1)أي المدّعي وإن كان القاضي محقاً. وهذا تفسير آخر للآية وبعمومها شامل لهما، ويمكن أن يراد بالضمير الحاكم فيرجع إلى الأوّل، ويدل على عدم جواز الترافع إليهم وأنّ ما يأخذه حرام، كما سيأتي التصريح به في أخبار أخر.
باب أصناف القضاة ووجوه الحكم
من الحق والباطل والجائز والحرام.
(قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني والشيخ عن البرقي مرسلاً عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)ولا شك فيه للإجماع (3)والأخبار المتواترة عنهم (صلوات اللّه عليهم)، أنه يجب أن يكون
وقال (صلوات اللّه عليه): الحكم حكمان: حكم اللّه عز وجل، وحكم أهل الجاهلية، فمن أخطأ حكم اللّه عزوجل حكم بحكم أهل الجاهلية.
القاضي مجتهداً أو عالماً، ولا أقل فيما يقضي، فلو لم يكن كذلك كان عاصياً ولو قضى بالحق، والظاهر من العلم العلم الشرعي الشامل للظن المتاخم للعلم، أو مطلق الظن على ما هو المشهور بين الأصحاب، ويحتمل أن يكون المراد به العلم اليقيني فحينئذ يخرج غير المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو المنصوب من قبله بالخصوص، فحينئذ يكون المراد منه زمان الحضور أو في زمان الغيبة إذا كان مستند الحكم قطعياً، كالخبر المتواتر أو الإجماع المعلوم دخول المعصوم فيه كما سيأتي.
(وقال (صلوات اللّه عليه))(1)أي الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تنمة هذا الخبر كما ذكره الكليني والشيخ (2)(الحكم حكمان) بالضم (حكم الله) وهو ما يكون من العالم ويكون موافقاً للحق.
(وحكم أهل الجاهلية) أي الكفر وهو حكم غير ما ذكر وإن كان مطابقاً للحق؛ لكون الحاكم باطلاً. وفي الكافي بإسقاط لفظة: أهل في الموضعين، وهو أحسن.
ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «الحكم حكمان: حكم الله، وحكم الجاهلية، وقد قال اللّه عزّوجلّ: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّه حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (3)وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في
ومن حكم بدرهمين بغير ما أنزل اللّه عزّوجل فقد كفر بالله تعالى.
الفرائض (أي المواريث) بحكم الجاهلية»(1).
ويدل على أن المخطىء غير معذور، ويمكن أن يكون مع التقصير في الاجتهاد.
وروى الشيخ عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مسنداً أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: «لسان القاضي بين جمرتين من نار حتى يقضي بين الناس، فإما إلى الجنة أو إلى النار» (2).
(ومن حكم بدرهمين) إلى آخره والظاهر أنه من كلام المصنف؛ لعدم ذكره في هذا الخبر في الكافي والتهذيب.
وروى الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن إبن أبي عمير، عن محمّد ابن حمران، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «من حكم في درهمين بغير ما أنزل اللّه عزّوجلّ فهو كافر باللّه العظيم»(3).
وفي القوي عن عبد اللّه بن مسکان رفعه قال قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «من حكم في درهمين بحكم جور ثمّ جبر عليه كان من أهل هذه الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّه فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (4)» فقلت: وكيف يجبر عليه؟ فقال: «يكون له
1) الكافي 7 : 407، باب أصناف القضاة، ح 2 التهذيب 6 : 218، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 4.
2) التهذيب 6 : 292 باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 15.
3) الكافي 7 : 408، باب من حكم بغير ما أنزل اللّه عزّوجلّ، ح 2 التهذيب 6 : 221، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 15.
4) المائدة : 44.
سوط وسجن فيحكم عليه، فإن رضي بحكومته وإلا ضربه بسوطه وحبسه في سجنه»(1).
وروى الكليني في القوي عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من حكم في درهمين بغير ما أنزل اللّه عزّوجلّ ممّن له سوط أو عصا، فهو كافر بما أنزل اللّه عزّوجلّ على محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (2). التقييد بالجبر في هذه الأخبار يمكن أن يكون لبيان الحكم؛ لأنه إذا لم يكن جبراً فهو صلح ولا بأس به، وإن لم يكن من أهل الحكم أو لإخراج أهل العدل في ذلك الزمان، كما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): ربّما كان بين رجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منا فقال: «ليس هو ذاك (أي المنهي عنه) إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط»(3).
ويحتمل أن يكون لإخراج المفتي، فإنّه لا يحكم بالجبر، بل يقول: هذا حكم الله. ويجب عليكم العمل به، وإن كان خطر الفتوى أيضاً عظيماً؛ لما رواه الكليني والشيخ والبرقي في الصحيح عن أبي عبيدة، قال: قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه»(4)يمكن أن يكون المراد بالعلم ما يكون حكمه معلوماً من القرآن، وبالهدى
1) الكافي 7 : 408، باب من حكم بغير ما أنزل اللّه عزّوجلّ، ح 3. التهذيب 6 : 221، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 16.
2) الكافي 7 : 407، باب من حكم بغير ما أنزل اللّه عزّوجل، ح 1.
3) التهذيب 6 : 223، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 24.
4) الكافي 1 : 42، باب النهي عن القول بغير علم، ح 3. الكافي 7 : 409، باب أن المفتي ضامن، ح 2. التهذيب 6: 223، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 23. المحاسن 1 : 205، باب النهي عن القول والفتيا بغير علم، ح 60.
ما يكون من السنّة، أو ما يكون حكمه من الأخبار المروية عن الأئمة (صلوات اللّه عليهم) سواء كان الخبر متواتراً أو غيره، كما كان في أزمنتهم (صلوات اللّه عليهم) من عمل الشيعة عليها.
وروى الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كان أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاعداً في حلقة ربيعة الرأي فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه، فلما سكت قال له الأعرابي أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يرد عليه شيئاً، فأعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك، فقال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هو في عنقه؟» قال: «أو لم يقل: كل مفت ضامن»(1).
وروى البرقي في الموثق عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض» (2).
وبسندين قويين عن أبي عبد اللّه وعن أبي الحسن (صلوات اللّه عليهما) مثله(3). والأخبار بذلك متواترة معنى (4).
ويؤيد الفرق ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن فضالة - بفتح الفاء - ابن أيوب - وهو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه - عن داود بن فرقد، قال: حدّثني رجل عن سعيد بن أبي الخضيب البجلي، قال: كنت مع ابن أبي ليلى مزامله حتى جئنا إلى المدينة، فبينا نحن في مسجد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذ دخل جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقلت لابن أبي ليلى تقوم بنا إليه، فقال: وما نصنع عنده؟ فقلت: نسائله ونحدثه، فقال: قم، فقمنا إليه فسائلني عن نفسي وأهلي، ثمّ قال: «من هذا معك؟» فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين، فقال له: «أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين؟» فقال: نعم، فقال: «تأخذ مال هذا فتعطيه هذا؟ وتقتل هذا وتفرّق بين المرء وزوجه لا تخاف في ذلك أحداً؟» قال: نعم، قال: «فبأي شيء تقضي؟» قال: بما بلغني عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبي بكر وعمر، قال: «فبلغك عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : إن عليّاً أقضاكم»؟ قال: نعم، قال: «فكيف تقضي بغير قضاء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد بلغك هذا؟ فما تقول: إذا جيء بأرض من فضة وسماء من فضة ثمّ أخذ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بيدك وأوقفك بين يدي ربّك وقال: يا ربّ، إن هذا قضى بغير ما قضيت» قال: فاصفر وجه ابن أبي ليلى حتى عاد مثل الزعفران، ثمّ قال لي: «التمس لنفسك زميلاً، والله لا أكلمك من رأسي كلمة أبداً» (1).
1) الكافي 7 : 408، باب من حكم بغير ما أنزل اللّه عزّوجلّ، ح 5. التهذيب 6 : 220، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 13.
3222- روى سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: اتقوا الحكومة فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبي أو وصي نبي.
باب اتقاء الحكومة
لعظم خطرها وكثرة شروطها، وهذا بالنظر إلى من لم يتعين عليه بتعيين الإمام أو لانحصار شرائطها فيه، أو بالنظر إليهما أيضاً، بأن لا يحكم مهما أمكن ويصالح.
(روی سلیمان بن خالد) في الحسن كالصحيح، ورواه الشيخ والكليني أيضاً عنه (1)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : اتقوا الحكومة) مطلقاً، أو مع عدم اجتماع شرائطها. أو نيابة عن الجائر كما كان الغالب في أزمنتهم (فإن الحكومة) حقها (إنّما هي للإمام) الأصل أو مطلقاً، ويقيد بما ذكر (العالم بالقضاء) باليقين (العادل في المسلمين) كالمعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو هو المعصوم (كنبي) بدل من الإمام (أو وصي نبي) فنوابهم (صلوات اللّه عليهم) يجرون الأحكام بدلاً منهم لا بالأصالة، أو يعم الوصي بحيث يشمل النواب وفيه بعد، والظاهر حمله على المبالغة؛ لأن يتقى منه مهما أمكن كما في الخبر الآتي.
1) الكافي 7 : 406، باب أن الحكومة إنما هي للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ح 1. التهذيب 6 : 217، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 3.
3223 - وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشريح: يا شريح، قد جلست مجلساً ما جلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي.
(وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني والشيخ في القوي عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) «قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)(لشريح) قاضي الكوفة من قبل عمر وعثمان (يا شريح قد جلست مجلساً ما جلسه) وفي الكافي: ما يجلسه وفي التهذيب: لا يجلسه، «إلّا نبي أو وصي نبي أو شقي» فعلى نسخة الأصل يمكن أن يؤوّل بأنّ كلّ من جلسه غيرهما يشقى أخيراً أو غالباً، وعلى ما فيهما إما أن يحمل على الغالب أو في زمانهما بدون إذنهما كما هو المشهور أنه (صلوات اللّه عليه) أراد عزله عن القضاء فقال: أهل الكوفة نحن بايعناك على سنّة الشيخين، وهو منصوب عمر لا تعزله، فلما رأى الفتنة تركه واشترط عليه أن لا يمضي شيئاً ولا يحكم حتى يعرضه عليه (صلوات اللّه عليه).
كما رواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لما ولّى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شريحاً القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه»(2)وسيجيء أيضاً.
1) الكافي 7 : 406، باب أنّ الحكومة إنما هي للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ح 2. التهذيب 6 : 217، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 1. ولكن في النسخة التي عندنا من الكافي والتهذيب «لا يجلسه» بدل «ما جلسه».
2) الكافي 7 : 407، باب أنّ الحكومة إنما هي للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ح 3. التهذيب 6 : 217، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 2.
3224 - روى محمّد بن مسلم قال: مر بي أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنا جالس عند القاضي بالمدينة فدخلت عليه من الغد فقال لي: ما مجلس رأيتك فيه أمس؟ قال: قلت له: جعلت فداك إنّ هذا القاضي لي مكرم، فربما جلست إليه. فقال لي: وما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعمك معه.
وفي خبر آخر فتعم من في المجلس.
باب كراهة مجالسة القضاة في مجالسهم
أو كراهية مخففة ومشددة بالمعنى الأعم الشامل للحرمة (مجالسة القضاة في مجالسهم) للقضاء وهو الظاهر أو الأعم.
(روى محمّد بن مسلم) في القوي كالصحيح كالكليني والشيخ (1)(فتعمك) أي اللعنة (معه) أي القاضي.
(وفي خبر آخر) أي من محمّد بن مسلم في تتمّة هذا الخبر بدل هذه الجملة. وترجع إلى معنى الأولى، لكن اللفظ مختلف ويظهر من أمثاله أنهم ينقلون لفظ الخبر غالباً. والظاهر من محمّد بن مسلم أنه كان ينقل بالمعنى كما تقدّم من
1) الكافي 7 : 410، باب كراهية الجلوس إلى قضاة الجور، ح 1. التهذيب 6 : 220، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 12.
3225 - وروي في خبر آخر: أنّ شرّ البقاع دور الأمراء الذين لا يقضون بالحق.
3226 - وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنّ النواويس شكت إلى اللّه عزّ وجلّ شدّة حرّها فقال لها عزّوجلّ: اسكتي، فإنّ مواضع القضاة أشدّ حرّاً منك.
رخصته (عليه السلام) له أن ينقل بالمعنى ولهذا اختلفت الرواية عنه هنا وإن أمكن أن يكون في واقعتين وهو بعيد من مثله أن لا ينزجر في المرة الأولى.
والظاهر أن هذا ليس قادحاً في عدالته؛ لأنه كان مخطئاً في الاجتهاد، والظاهر أنه كان يجلس معه لا للإكرام فقط، بل لئلا ينجر عدم الجلوس إلى العداوة أو لتنبيهه على الحق كما سيجيء، مع أنه يحتمل المبالغة في الكراهة أو استلزام هذا الفعل للعنة لو لم يكن له وجه من التقيّة وغيرها لئلا يحبّوهم، وقال اللّه تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّه وَرَسُولَهُ) (1). والظاهر حرمته كما تقدّم.
(وروي في خبر آخر أنّ شر البقاع) كجبال جمع بقعة - بالضم ويفتح - : القطعة من الأرض على غير هيئة التي إلى جانبها، والمراد هنا الأعم (دور) كصور جمع الدار (الأمراء الذين لا يقضون بالحق) فلا يحسن دخولها مطلقاً، أو في وقت الحكم كالسابق أو عبارة عن شناعة أفعالهم وهو أظهر كاللاحق.
(وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن النواويس) (2)موضع من مواضع جهنّم، وذكره هنا لبيان أن محلهم في الآخرة أيضاً شرّ المحال أو استطراداً كالسابق وهو أظهر.
3227 - روى الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان قال: سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرّزق فقال: ذاك سحت
باب كراهة أخذ الرزق من القضاء
الظاهر أن مراده الحرمة كما يظهر من الخبر (روى الحسن بن محبوب عن عبد اللّه ابن سنان) في الصحيح ورواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح (1)السحت: الحرام، وعلّل بأن القضاء عبادة والأجر عليها حرام، ويمكن أن يكون المراد بالسلطان الجائر، ويكون الحرمة باعتبار الأخذ منه، والمشهور جواز أخذ الرزق من بيت المال؛ لأنه معدّ للمصالح وهذا أعظمها، والاحتياط في الترك مطلقاً.
وأما الأخذ من المتحاكمين فحرام؛ لما رواه الكليني والشيخ في الموثق عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «الرشى في الحكم هو الكفر بالله» (2).
وعن يزيد بن فرقد قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن السحت؟ فقال: «هو الرشي في الحكم» (3)والرشى - مثلثة جمع الرشوة مثلثة - : الجعل، وسيجيء أيضاً في
1) الكافي 7 : 409، باب أخذ الأجرة والرشا على الحكم، ح 1. التهذيب 6 : 222، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 19.
2) الكافي 7 : 409، باب أخذ الأجرة والرشا على الحكم، ح 2. التهذيب 6 : 222، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 18.
3) الكافي 7 : 409 باب أخذ الأجرة والرشا على الحكم، ح 3. التهذيب 6 : 222، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 17.
3228 - روى السكوني بإسناده قال: قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يد اللّه فوق رأس الحاكم ترفرف بالرّحمة فإذا حاف في الحكم وكله اللّه عزّوجل إلى نفسه.
موثقة أبي بصير أن الرشى في الحكم هو الكفر بالله العظيم(1)، وظاهره الحرمة مطلقاً بالنسبة إلى المعطي والآخذ سواء كان لحق أو باطل كما ذكره أكثر الأصحاب وقيل بالجواز لاستنقاذ الحق، وفيه إشكال. وروى الشيخ في القوي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «لعن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من نظر إلى فرج امرأة لا تحلّ له، ورجلاً خان أخاه في امرأته، ورجلاً احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة»(2)وهو شامل للفتوى وتعليم العلوم الدينية أيضاً، وسيجيء الأخبار في التجارة.
باب الحيف في الحكم
أي الجور والظلم (روى السكوني) في القوي كالكليني والشيخ (3)(بإسناده) أي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما في الكافي والتهذيب: يد الله، أي قدرة اللّه (فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة) أي رحمته تعالى قريب منه بالشمول، ويؤيده بالحق فعلاً وقوّةً ويعصمه من الخطأ (فإذا حاف وَكَلَه اللّه إلى نفسه)
وفي بعض النسخ: فإذا حاف في الحكم، كما في التهذيب، أي إذا جار في حكم منع لطفه منه، نعوذ بالله منه.
وروى الشيخ قوياً عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ): «أنه اشتكى عينه فعاده رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فإذا علي لا يصبح فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أجزعاً أم وجعاً يا علي؟ قال: يا رسول اللّه ما وجعت وجعاً قط أشدّ منه، فقال: يا علي، إنّ ملك الموت (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا نزل ليقبض روح الفاجر أنزل معه بسفود من نار فينزع روحه منه فتصيح جهنّم، فاستوى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالساً فقال: يا رسول الله، أعد علي حديثك فقد أنساني وجعي ما قلت، فهل يصيب ذلك أحداً من أمتك ؟ قال : نعم حكّام جائرين - أو حكماء جائرون - وأكل مال اليتيم وشاهد الزور»(1)الظاهر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عرف مداواته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه المداواة.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح - على الظاهر - عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان في بني إسرائيل قاض كان يقضي بالحق فيهم، فلما حضره الموت قال لامرأته: إذا أنا مت فاغسليني وكفّنيني وضعيني على سريري وغطي وجهي، فإنك لا ترين سوءاً، فلما مات فعلت ذلك ثمّ مكثت بذلك حيناً ثمّ إنها
كشفت عن وجهه لتنظر إليه فإذا هي بدودة تقرض منخره ففزعت من ذلك، فلما كان الليل أتاها في منامها، فقال لها : أفزعكِ ما رأيتِ؟ قالت: أجل فزعتُ، فقال لها: أما لئن كنت فزعت ما كان الذي رأيت إلا في أخيك فلان، أتاني ومعه خصم له، فلمّا
1) التهذيب 6 : 224، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 29.
3229 - روي عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): من حكم في درهمين فأخطأ كفر.
3230 - وروى معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه قال: أي قاض قضى بين اثنين فأخطأ سقط أبعد من السماء.
جلسا إليّ قلت: اللهم اجعل الحق له، ووجّه القضاء له على صاحبه، فلما اختصما إلي كان الحق له، ورأيت ذلك بيناً في القضاء، فوجّهت القضاء له على صاحبه فأصابني ما رأيتِ لموضع هواي كان مع موافقة الحق»(1).
باب الخطأ في الحكم
(روي عن أبي بصير) في الموثق وقد تقدم قريباً منه (2).
(وروى معاوية بن وهب) في الحسن كالصحيح، ورواه الكليني والشيخ - أيضاً - مسنداً عنه (3)(عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) يدلان كالأخبار السابقة على أن المخطىء غير
1) الكافي 7: 410 من حاف في الحكم، ح 2. التهذيب 6 : 222 - 223، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 21.
2) الكافي 7 : 408، باب من حكم بغير ما أنزل اللّه عزّوجل، ح 2. التهذيب 6 : 221، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 15.
3) الكافي 7 : 408، باب من حكم بغير ما أنزل اللّه عز وجل، ح 4. التهذيب 6 : 221، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح 14.
3231 - روي عن الأصبغ بن نباتة أنّه قال: قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين.
معذور، ولعله مع التقصير في الاجتهاد، والسقوط كناية عن العدول عن الحق إلى الباطل، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس أو عبارة عن انحطاط درجته في الجنّة لو كان محقاً بالشرائط مع تقصير ما.
باب أرش خطأ القضاة
(روي عن الأصبغ) في الموثق والشيخ عنه في القوي(1)(أنه قال: قضى) أي حكم (أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن ما أخطأت القضاة) اجتهاداً أو غلطاً أو نسياناً (في دم) أي قتل (أو قطع عضو (فهو على بيت مال المسلمين) وهو أجرة الأرض المفتوحة عنوة أو قهراً، وهو مال المسلمين قاطبةً يصرف في مصالحهم، ولما كان القضاء من مصالحهم ولا يطل دم امرىء مسلم فلو كان على أرض القاضي لما قضى أحد سيما في الغالب من أحوالهم من الفقر ممّن لا يأخذ الرشوة فاقتضى الحكمة كونه من بيت المال.
1) التهذيب 6 : 315، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 79.
3232 - روي عن داود بن الحصين، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف
باب الاتفاق على عدلين في الحكومة
في التحكيم أو التعميم وهو أظهر، بل الظاهر أنّ قاضي التحكيم من طرق العامّة كما يظهر من الأخبار، ولم ينقل كونه في زمان النبي وأمير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما) ولو علم وجوده لا يعلم أنه من باب التحكيم، بل يمكن أن يكون من باب العموم إلا أن يصطلح بأن من كان في دولة المعصوم ممّن لم يكن منصوباً على الخصوص فهو تحكيمي، ومن كان في زمان الغيبة أو عدم الدولة كما في أزمنة باقي الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) فهو تعميمي، ولا مشاحة في الاصطلاح، وعلى أي حال يجب أن يكون القاضي عالماً ولو بالاجتهاد، إن جوزنا قضاء المجتهد.
(روي عن داود بن الحصين) في طريق المصنّف الحكم بن مسكين وهو مجهول الحال، وإن حكم بعض الأصحاب بعدالته؛ بناءً على ما ذهب إليه الشيخ وسيجيء، لكن رواه الشيخ في الحسن كالصحيح عنه (1)و (داود) ثقة واقفي، فالحديث موثق، لكن تلقوه بالقبول وعمل الأصحاب عليه.
(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما) أي جميعاً أو جعل كلّ واحد واحداً غير الآخر بينهما (في حكم وقع بينهما فيه خلاف) أي بين الخصمين
1) التهذيب 6: 301، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 50.
فرضيا بالعدلين فاختلف العدلان بينهما على قول أيهما يمضي الحكم، قال: ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما، فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الآخر.
3233 - وروى داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت في رجلين اختار كلّ واحدٍ منهما رجلاً فرضيا أن
(فرضيا بالعدلين) وظاهره اشتراط العدالة (واختلف العدلان بينهما) لاختلاف رأيهما باعتبار اختلاف الرواية أو غيره (عن قول أيهما يمضي الحكم) أي يجري وبقول أيهما يعمل ؟ (قال: ينظر إلى أفقههما) في فقه القضاء والمسائل المعتبرة فيه أو مطلقاً؛ فإنّ الأفقه أعلم بهذه المسائل أيضاً، أو باعتبار شرف العلم (وأعلمهما بأحاديثنا) فإنّ أعظم مبادئ الفقه العلم بالحديث، ويحتمل أن يكون تفسيراً للأفقه؛ فإنّ العلم بالكتاب وإن كان أشرف وأهم لكن أكثره يعلم من الأحاديث، وبهذا الاعتبار خص الحديث بالذكر (وأورعهما)؛ فإنّ للورع والتقوى مدخلاً عظيماً في إفاضة العلوم وفهم الآيات والأخبار مع الأمن من الكذب والغلط فإنّ الورع لا ينقل ولا يفسر ما لم يعلم (فينفذ حكمه) أي الأعلم الأورع لكن إذا تعارض الأعلم والأورع فالمشهور تقديم الأعلم، والتخيير أظهر.
(وروی داود بن الحصين) في القوي (عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)).
هذه الرواية هي المشهورة بمقبولة عمر بن حنظلة، وتلقاها الأصحاب بالقبول(1)وهي العمدة في التفقه والاجتهاد، ولها طرق كثيرة مشتركة في (داود) وهو ثقة واقفي و (ابن حنظلة) وإن لم ينص الأصحاب عليه بجرح ولا تعديل، لكن وثقه
1) انظر: تحرير الأحكام 5 : 119. مسالك الأفهام 13 شرح : 343. كفاية الأحكام 2 : 660.
الشهيد الثاني في الدراية (1)ولهذا سمّوها بالمقبولة على ما ذكره الشهيد الثاني.
والظاهر من وجه التسمية صحة مضمونها من أخبار أخر، فصار عندهم بمنزلة المتواترة معنى مع أنها صحيحة بثلاث طرق عن صفوان، وهو ممّن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه (2)، ولا بأس بأن نذكر أولاً متنها مسنداً بالطرق المختلفة. ثمّ نذكر ما يستنبط منها من الأحكام.
فمن ذلك ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن داود بن الحصين، عن عمر ابن حنظلة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك؟ قال - وفي التهذيب فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) - : «من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقاً ثابتاً له؛ لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر اللّه أن يكفر به قال اللّه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) (3)».
قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حَكَماً؛ فإنِّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه وعلينا ردّ، والراد
علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله».
قلت: فإن كان كل واحد - وفي التهذيب - منهما - اختار رجلاً من أصحابنا - وفي التهذيب - رجلاً وكلاهما إلى آخره، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلف - أو اختلفا - في حديثكم - وفي التهذيب: في حديثنا ؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».
قال: فقلت: إنهما - وفي الكافي : قلت فإنهما - عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل - وفي التهذيب : ليس يتفاضل - واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: «يُنظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه أصحابك - وفي الكافي من أصحابك - فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك؛ فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، وإنّما الأمور ثلاثة: أمر بين رشدُهُ فيتبع - وفي التهذيب : فمتبع - وأمر بيّن غيه فيجتنب، وأمرٌ مشكل يردُّ علمه إلى اللّه تعالى - وفي الكافي - وإلى رسوله - قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات - وفي الكافي : المحرمات - ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم».
قلت: فإن كان الخبران عنكما - وفي التهذيب : عنكم - مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: «ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامّة. فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامّة» قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة؟ - وفي التهذيب :
أرأيت أنّ المفتيين، أو المتفقين أو الخصمين غبي عليهما معرفة حكمه من كتاب وسنة - ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ - أو نأخذ ؟ قال: «ما خالف العامّة ففيه الرشاد».
فقلت: - جعلت فداك - فإن وافقهما الخبران جميعاً؟ قال: «ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر».
قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: «إذا كان كذلك فأرجه حتى تلقى إمامك؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات (1).
وروى الكليني في الصحيح والشيخ عن صفوان عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحلّ ذلك؟ فقال: «من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً؛ لأنه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر اللّه أن يكفر به» قلت كيف يصنعان؟ قال: «أنظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فارضوا به حكماً؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه، فإنّما بحكم اللّه قد استخف وعلينا ردّ، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله»(2).
يكونا الناظرين في حقهما فاختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثنا. قال: الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما، وأصدقهما في الحديث، وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر قال: قلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا ليس يتفاضل واحد منهما على صاحبه قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به
وروى الشيخ في القوي عن موسى بن أكيل النميري - الثقة - عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سئل عن رجل يكون بينه وبين أخ - أو آخر - منازعة في حق فيتفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما فاختلفا فيما حكما؟ قال: «وكيف يختلفان ؟» قلت حكم كل واحدٍ منهما للذي اختاره الخصمان فقال: «ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين اللّه فيمضي حكمه»(1).
والظاهر أنّ المصنّف ذكر بعض الخبر الذي رواه الكليني لما ذكره مضمون أول الخبر في أخبار أخر أو كان السقط من عمر أو داود كما في أخباره الأخر وكان ينقل بحسب الاحتياج كما كان دأب المحدّثين من توزيع الخبر، أو كان السماع منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مكرّراً.
قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فرضيا أن يكونا الناظرين) أي على سبيل البدلية أو مع الاتفاق (وكلاهما اختلفا في حديثنا) أي كان اختلاف الحديث سبباً لاختلاف الحكم، ويفهم منه تجويز العمل بالخبر الواحد؛ لما في ترجيح الأعدل والأصدق، بل الأعلم أيضاً؛ لأنه أعرف بالمقصود، والأورع أيضاً لاحتياطه في النقل، ولا يلزم الدور؛ لأنّ
1) التهذيب 6 : 301 باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 51.
المجمع عليه أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه حكمنا لا ريب فيه،
الأخبار الدالة على جواز العمل بخبر الواحد متواترة وإن أمكن أن يكون المراد به الحاكم على الخصوص ولا ريب فيه، إنما الخلاف في الخبر لكن الظاهر منه العموم.
(المجمع عليه أصحابك) أي يعمل بالخبر الذي أجمع الأصحاب على العمل به؛ فإنّ الظنّ بصحته أقوى، أو يعلم من عملهم به أنّ المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) راض به وإلا لنبّههم على كذبه واحتج به على حجيّة الإجماع (1)، لكن الظاهر إجماعهم على نقله في كتبهم بأن كان متواتراً أو مستفيضاً كما يفهم من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك). بل الظاهر منهم أن مرادهم بالإجماع أيضاً الشهرة كما نبه عليه الشهيد في الذكرى (2)وإن كان ظاهر الخبر شهرة النقل لا العمل، وإن أمكن التعميم كما هو شأن القدماء من عملهم بالنصوص لا بالآراء، فإذا اشتهر عملهم على الخبر يظهر منه أنه كان معلوم الصدور أو مظنونه بالظن المتاخم للعلم عن المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لكن لم يظهر لنا إلى الآن أن يعلم عملهم من مصنّف غير تصنيف الأخبار إلا نادراً من المتأخرين منهم كالفضل بن شاذان وابن بابويه، بل الظاهر منهم أيضاً أنهم كانوا ينقلون متون الأخبار في كتبهم الفقهية.
لكن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ظاهره أن يكون متواتراً، أو
وإنما الأمور ثلاثة أمرٌ بين رشده فمتبع، وأمر بين غيه فمجتنب، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه عزّ وجل، قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ
محفوفاً بالقرينة الموجبة للعلم وإن أمكن أن يكون عدم الريب بالإضافة إلى الشاذ؛ فإنّه مشكوك فيه والمستفيض مظنون الصدق.
(وإنّما الأمور ثلاثة أمر بيّن رُشده) وصوابه كالكتاب والسنة المتواترة، أو المعلومة، أو يعم بحيث يتناول المظنون بالظنّ القريب من العلم (فمتبع) يجب اتباعه والعمل به (وأمر بين) ظاهر (غَيُّهُ) وبطلانه كأخبار المجبّرة والغلاة وأمثالهما من الفرق المبتدعة إذا كان معلوماً كذبها، أو مظنوناً (فمجتنب) يجب اجتنابه وترك العمل به (وأمرٌ مشكل يردّ حكمُهُ إلى اللّه) كالشواذ التي ليست لها قرينة على صدقها فلا يعلم حينئذ ولا يظن أنه من المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيشكل العمل به ويشكل ردّه أيضاً؛ لأنه يمكن أن يكون من المعصوم فيقال: اللّه أعلم، أو اللّه ورسوله أعلم، أو يعلم وهو أحوط؛ لئلا يظنّ أنّ للقائل علماً كما ورد في الأخبار الكثيرة المذكورة في الكافي وغيره (1).
(وشبهات بين ذلك) سواء لم يكن معلوم الصدور أو معلوم المراد، كالأوامر الواردة في الأخبار إذا لم تكن معلوم الوجوب والاستحباب.
(فمن ترك الشبهات) أي لا يجزم بها علماً وعملاً بل يدعه في حيز الإمكان (نجا من المحرمات أى الواقعية ويكون الترك مندوباً؛ لأنّ بناء التكليف على الظاهر
1) انظر الكافي 5 : 166، باب بدون العنوان، ح 2. الاستبصار 2: 324، باب من يحج عن غيره، ح 3. التهذيب 7: 89، باب بيع الثمار، ح 21.
بالشبهات ارتكب المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم.
قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم،
لا على الواقع كما في الحكم على المدّعى عليه بالعدلين مع إمكان كذبهما. بل مع ظنّه أيضاً، أو الظاهرية أيضاً، كما فيما نحن فيه؛ لأنّ الشاذ المخالف للأخبار المعلومة مظنون الكذب فيجب طرحه وإن رواه الثقة وعمل بخبره في غير صورة التعارض و يؤيده قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (وهلك من حيث لا يعلم)؛ لأنه لا يجوز العمل به مع تعارضه للمعلوم؛ أو لأنه عمل بغير المعلوم، ويمكن أن يكون المراد بالهلاك المبالغة في الكراهة كما تقع كثيرة في الأخبار (1).
(قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين) بأن كانا متواترين ويجوز التعارض في المتواترين عندنا للتقية وإن حكم بنفيه عامة الأصوليين منا تبعاً للعامة غافلين عن التقيّة أو مستفيضين أو خبري واحدين محفوفين بالقرينة، ومنها عمل أصحابنا المتقدمين العاملين بالنصوص لا بالآراء عليهما.
(قد رواهما الثقات عنكم) أي العدول المعتمدين الضابطين كما في عرف المتأخرين، أو الأعم، ومنهم ومن الموثقين كما هو مقتضى اللغة واصطلاح القدماء منا؛ ولهذا كانوا ينقلون أخبارهم ويعملون عليها مع عدم المعارض أو مع التأيد بالشهرة وهو أظهر فيفهم منه جواز العمل بالموثق وإن كان من كلام الراوي لتقريرها عليه وإن أمكن أن يكون المراد بهم المعهودين السابقين الموصوفين بالعدالة إن لم نقل بإطلاق العدل عليهم أيضاً، فإنّ الظاهر حدوث الاصطلاح
1) انظر: الکافی 2 : 297 و 299، باب طلب الرئاسة، ح 2 و 7. و 6 : 276، باب أنس الرجل في منزل أخيه، ح 3.
قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامّة أخذ به.
والله تعالى يعلم.
(قال - إلى قوله - أخذ به) المراد بموافقة الكتاب أن يكون الخبر موافقاً لنصه كما في وجوب غسل الوجه واليدين ومسح الرأس أو لظاهره كما في مسح الرجلين. وإن أمكن أن يقال: إنّه أيضاً من النصوص وحكم الشيخ (رضیَ اللّهُ عنهُ)بشموله لمفهوم الموافقة والمخالفة وأمثالهما وتبعه الأصحاب.
والمراد من السنّة إما السنة المتواترة، وبها يستغني عن الخبر كالكتاب سيما نصه، أو الأخبار العامّة كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «المؤمنون أو المسلمون عند شروطهم»(1)«والناس مسلّطون على أموالهم» (2)«وإذا أمَرْتُكُم بشيءٍ فأتوا به ما استطعتم» (3)وأمثالها وإن أمكن الكلام عليها فيما عدا الأوّل، فإنّ أكثرها لم ينقل من طرق المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) أصلاً فكيف يكون أصلاً، فالظاهر أنّ المراد بها موافقته للأخبار التي نقل منا إليكم. كالأخبار التي وردت في نفي القياس، والعول والتعصيب، وغسل الرجلين وأمثالها ممّا تفرّدت بها الإمامية، وكان عملهم عليها ويخالفهم العامّة جميعاً أو جلّهم كالمتعة. ويفهم منه وجوب معرفة الكتاب والسنّة ليعرض الخبر عليه.
ويؤيده ما رواه الكليني وغيره بأسانيد كثيرة.
منها: في الصحيح عن أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «كلُّ شيءٍ مردود إلى الكتاب والسنة، وكلُّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف»(1).
وفي الصحيح عن هشام بن الحكم وغيره عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «خطب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمنى فقال: أيُّها النّاس، ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله»(2).
وفي الصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)يقول: «من خالف كتاب اللّه وسنّة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد كفر (3).
وفي القوي عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن على كلّ حيّ حقيقةً (أي دليلاً) وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدعوه» (4).
وفي القوي كالصحيح عن عبد اللّه بن أبي يعفور، قال - وحدّثني حسين بن أبي العلاء: إنّه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس. قال : سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به؟ قال: «إذا ورد عليكم حديث
فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإلا فالذي جاءكم به أولى به»(1).
إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في الأخذ بكتاب اللّه والعمل به(2)، وهي أكثر من أن تحصى، بل الظاهر من هذه الأخبار وغيرها أنّ الخبر بنفسه ليس بحجة ما لم يكن له مؤيد من الكتاب والسنة.
ويمكن الجمع بينها وبين الأخبار المتواترة الدالة على جواز العمل بالأخبار، بأن يحمل أخبار النهي على حالة التعارض أو في صورة المخالفة للكتاب والسنة. كأخبار الغسل والعول والتعصيب وأمثالها ممّا هو معلوم ضرورة أنها من مفتريات العامّة وبدعهم، وأخبار العمل على ما لم يعلم مخالفتها لهما أو ظنّ موافقتها لهما أو لواحد منهما أو بالنسبة إلى علماء أصحاب الأئمة (صلوات اللّه عليهم)، فإنهم كانوا قريبي العهد إلى زمان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكان يمكنهم العلم بذلك، أو بأن يكون المراد بأخبار النهي أنه متى لم يعلم الموافقة والمخالفة لا يمكن العمل، فيجب عليكم أن تنتهوا فيها إلينا؛ لأنّ علم القرآن كما هو عندنا وأمرتُم بالأخذ منا، فإذا أخذتم منا فقد عملتم بالكتاب والسنة، ويؤيد ذلك أخبار كثيرة مذكورة في الكافي وغيره كما في خبر سليم بن قيس الهلالي (3). لكن هذا في غير قطعيات القرآن ومحكماته.
قلت: جعلت فداك وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لها بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: بما يخالف العامّة، فإن فيه الرشاد. قلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر قلت: فإن وافق حكامهم وقضاتهم الخبران جميعاً. قال: إذا كان كذلك فأرجه. حتى تلقى إمامك،
(قلت: جعلت فداك وجدنا) الظاهر أنّ مراد الراوي أنه لو لم تعرض على الكتاب والسنة هل يسعنا أن نعمل بمخالف العامّة فإنّه أسهل ؟ فجوز العمل على المخالفة؛ فإنّ الظاهر ورود خلافه عنهم تقية.
(قلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً) بأن يكون عندهم أيضاً خبران أو قولان مشهوران كما في أكثر أخبارنا، وأخبارهم (قال: ينظر) إلى آخره، فإنّ الظاهر أن التقية من هؤلاء.
(فأرجه) من الرجه، أي أخّره، أو من الإرجاء بحذف الهمزة بمعناه كما في القرآن (1).
(حتى تلقى إمامك) أي لا تعمل بأحدهما حتى تسأل عن المعصوم إذا أمكن كما كان حال السائل؛ لئلا ينافي ما ورد بطرق متكثّرة عنهم (صلوات اللّه عليهم): «بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك» (2)أو لا تحكم بأحدهما أنه حكم اللّه الواقعي
بل لك أن تعمل بأيهما شئت من جهة التسليم لهم وإن كانوا قالوا (عَلَيهِم السَّلَامُ) على التقيّة.
بل لو عملت بالتقيّة كان أحسن لو لم تلزم كما رواه الكليني في الموثق كالصحيح عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمرٍ كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه، والآخر ينهاه عنه كيف يصنع ؟ قال: «يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى سعة حتى يلقاه» (1).
وفي القوي كالصحيح عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال لي: «يا زياد، ما تقول لو أفتينا رجلاً ممّن يتولانا بشيءٍ من التقية؟» قال: قلت له: أنت أعلم جعلت فداك، قال: «إن أخذ به فهو خير له وأعظم أجراً (2).
وفي كثير من الأخبار «خذوا بالأحدث (3)، وفي كثير منها: «خذوا بقول الحي. فإنّه أعلم بما يصلحكم» (4)، وهذا هو المراد من الأخبار التي وردت: «أنّ الأخبار تنسخ كما ينسخ القرآن» (5)وإن احتملت التفويض أيضاً أو إخبار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وجمع بعض الأصحاب بأنّ الإرجاء في حقوق النّاس كما هو ظاهر خبر ابن حنظلة (6). والتخيير في حقوق الله، لكن الظاهر من الأخبار الكثيرة اتحاد الحكم، إذا تأملت
فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.
تعرف صحة ما اخترناه والله تعالى يعلم.
(فإن الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام) وهو رمي النفس بلا روية (في الهلكات) والهلكة: الهلاك أي مواضعها أي التثبت في الجزم بأحد الخبرين: بانه حكم اللّه الواقعي خيرٌ من الجزم الذي هو القول بما لا يعلم والافتراء على اللّه تعالى (ومَنْ أَظْلَمُ ممّن افْتَرَىٰ عَلَى اللّه كَذِبًا) (1).
ويمكن أن يكون المراد به النهي عن الجزم والأمر بالاحتياط في أكثر المسائل. مثلاً في الأوامر الواردة عنهم، وكذا النواهي مع عدم القرينة لا يمكن القول بالوجوب ولا الندب ولا يترك كما في السورة والقنوت والسلام، وبالعكس في النهي.
ولا يقال: إنه إذا لم يدلّ دليل على الوجوب، والطلب معلوم فكان مندوباً؛ لأنّ الواسطة موجودة وهو عدم العلم بأحدهما ؛ لأنه يمكن أن يكون دليل الوجوب موجوداً ولم يصل إلينا أو لم نفهمه، فإذا لم نتركه وأوقعناه بنية القربة لم نخالف قول اللّه تعالى، بخلاف الجزم بأحدهما. ونيّة الوجه لم تثبت وإن كان الاحتياط في فعلها أيضاً إن أمكن، وهنا لا يمكن، وكذلك الحكم في النهي، بل فيه أسهل؛ لأنه ترك محض لا يحتاج إلى نيّة وإن توقف الثواب عليها.
1) الأنعام : 21 و 93.
ويؤيده أول الخبر مع أخبار كثيرة متواترة دالة على لزوم الاحتياط (1)، بل يمكن أن يقال قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «حلال بيّن» من المتواترات؛ لتكثر طرقه عند الخاصة والعامّة.
وروی المصنّف العيون في القوي كالصحيح وصححه أيضاً قال: حدّثنا أبي و محمّد بن الحسن (رحمهما الله)، قالا حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه المسمعي، قال: حدّثني أحمد بن الحسن الميثمي، إنه سئل الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوماً. وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الشيء الواحد ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنّ اللّه عزّوجل حرم حراماً، وأحلّ حلالاً، وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرم اللّه أو تحريم ما أحل اللّه أو دفع فريضة في كتاب اللّه، رسمها بين قائم بلا ناسخ نسخ ذلك فذلك ما لا يسع الأخذ به؛ لأن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يكن ليحرم ما أحل الله، ولا ليحلل ما حرم اللّه ولا يغيّر فرائض اللّه وأحكامه، كان ذلك كله متبعاً مسلّماً مؤدّياً عن الله، وذلك قول اللّه عز وجل: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (2)فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) متبعاً لله مؤدياً عن اللّه ما أمره به من تبليغ الرسالة».
قلت: فإنه يرد عنكم الحديث في الشيء عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ممّا ليس في الكتاب وهو في السنة ثمّ يرد خلافه؟ فقال: وكذلك قد نهى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن أشياء نهي حرام، فوافق في ذلك نهيه نهي الله، وأمر بأشياء فصار ذلك الأمر واجباً لازماً كعدل فرائض الله، ووافق في ذلك أمرُهُ أمر الله، فما جاء في النهي عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نهي حرام ثمّ جاء خلافه لم يسع استعمال ذلك، وكذلك فيما أمر به؛ لأنا لا نرخّص فيما لم يرخص فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولا نأمر بخلاف ما أمر رسول اللّه إلا لعلة خوف ضرورة، فأما أن نستحلّ ما حرم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو نحرم ما استحله رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلا يكون ذلك أبداً؛ لأنا تابعون لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مسلمون له كما كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تابعاً لأمر ربه عز وجل مسلّماً له، وقال اللّه عزّوجلّ: (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (1).
وأن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نهى عن أشياء ليس نهي حرام بل إعافة وكراهة، وأمر بأشياء ليس أمر فرض ولا واجب، بل أمر فضل ورجحان، ثمّ رخص في ذلك للمعلول وغير المعلول فما كان عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نهي عن إعافةٍ وأمر فضل فذلك الذي يسع استعمال الرّخص فيه إذا ورد عليكم عنا فيه الخبر (2)باتفاق يرويه ومن يرويه في النهي ولا ينكره، وكان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيها (3).
يجب الأخذ بأحدهما أو بهما جميعاً، وبأيهما شئت وأحببت موسع عليك ذلك(1)من باب التسليم لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والرد إليه وإلينا وكان تارك ذلك من باب العناد والإنكار وترك التسليم لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مشركاً بالله العظيم».
«فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب اللّه موجوداً حلالاً أو حراماً فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فأعرضوه على سنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فما كان في السنة موجوداً منهياً عنه نهي حرامٍ أو مأموراً به عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأمره، وما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة ثمّ كان الخبر الآخر خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكرهه ولم (2)يحرمه فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً أو بأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وما لم تجدوه في شيءٍ من هذه الوجوه فردو إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم وعليكم بالكفّ والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا».
قال الصدوق: قال مصنف هذا الكتاب (رضیَ اللّهُ عنهُ): كان شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضیَ اللّهُ عنهُ) سيء الرأي في محمّد بن عبد اللّه المسمعي راوي هذا الحديث. وإنما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب؛ لأنه كان في كتاب الرحمة، وقد
قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي انتهى(1).
فتدبّر فيه أنهم ما كانوا يروون ما لم يعتقدوا صحته، وعدم إنكار شيخه؛ لرؤيته هذا الخبر في أصل أحمد وهو ثقة ولم يبال بجهالة راويه، أو لوجوده في أصول أخر أو لموافقته لللأخبار المتواترة، وإذا تدبّرت هذا الخبر وجدته أصلاً من الأصول في هذا الباب جامعاً للأخبار والقواعد الجمع بين الأحاديث المختلفة غالباً.
ويؤيده ما رواه ابن أبي جمهور في عوالي اللآلي، بإسناده إلى العلامة مرفوعاً إلى زرارة بن أعين، قال: سألته (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما أخذ؟ فقال : يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر»، فقلت: يا سيدي إنهما معاً مشهوران مرويان مأثوران عنكم؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «خذ بما يقوله أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك»، فقلت: إنهما معاً عدلان مرضيّان مولّقان؟ فقال: «انظر إلى ما وافق منهما مذهب العامّة فاتركه وخذ بما خالفهم؛ فإنّ الحق فيما خالفهم»، فقلت: ربّما كانا معاً موافقين لهم أو مخالفين. فكيف أصنع ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذاً فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط» فقلت: إنهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنع؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر» (2)، وفي رواية أنه قال:
«إذن فأرجه حتى تلقى إمامك» (1).
وروى الشيخ في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله عزّوجلّ: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ) (2)«فالعدل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والإمام من بعده يحكم به وهو ذو عدل منكم، فإذا علمت ما حكم به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والإمام، فحسبك ولا تسأل عنه» (3).
وهو يدلّ على التخيير، وقوله: (ذَوَا عَدْلٍ) يمكن أن يقرأ بالتثنية كما عن القراءة المشهورة ويكونان النبي والإمام أو بالمفرد ويكون على سبيل البدل كما هو قراءة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) و ورد في الخبر الصحيح وغيره عنهم أنه لما أخطأت به الكتاب.
وذكر الطبرسي في كتاب الاحتجاج خبر عمر بن حنظلة ثمّ ذكر: جاء هذا الخبر على سبيل التقدير؛ لأنه قل ما يتفق في الآثار أن يرد خبران مختلفان في حكم من الأحكام موافقين للكتاب والسنة، وذلك مثل الحكم في غسل الوجه واليدين في الوضوء؛ لأنّ الأخبار جاءت بغسلها مرّة مرّة وبغسلها مرتين مرتين
وظاهر القرآن لا يقتضي خلاف ذلك بل يحتمل كلتا الروايتين، ومثل ذلك يوجد في أحكام الشرع.
وأما قوله لا للسائل «أرجه» وقف عنده حتى تلقى إمامك» أمره بذلك عند تمكنه من الوصول إلى الإمام، أما إذا كان غائباً ولم يتمكن من الوصول إليه والأصحاب كلهم مجتمعون على الخبرين ولا يكون هناك رجحان رواة أحدهما على رواة الآخر بالكثرة والعدالة كان الحكم بهما من باب التخيير.
يدلّ على ما قلناه ما روي عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ قال: «ما جاءك عنا أعرضه على كتاب اللّه وأحاديثنا، فإن كان ذلك يشبههما فهو منا وإن لم يشبههما فليس منا» قلت: يجيئنا الرجلان، وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحق؟ فقال: «إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت».
وما رواه الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلُّهم ثقة، فموسع عليك حتى ترى القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فترده عليه».
وروي عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى آخره(1)، وذكر قريباً مما أوردناه آنفاً انتهى (2).
ويؤيده ما رواه عن محمّد بن جعفر بن عبد اللّه الحميري فيما كتب إلى صاحب الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اختلاف الأصحاب في الرواية في مسألة، فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «بأتهما أخذ من باب التسليم كان صواباً»(1).
وذكر الشيخ قطب الدين سعيد بن هبة اللّه الراوندي (رضیَ اللّهُ عنهُ)- في الرسالة التي صنفها في بيان أحوال أحاديث أصحابنا وصحتها - : أخبرنا الشيخان محمّد وعلي ابنا عبد الصمد، عن أبيهما، عن أبي البركات علي بن الحسين، عن أبي جعفر بن بابويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله. عن أيوب بن نوح، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه في الصحيح، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فأعرضوهما على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوه, وما خالف كتاب اللّه فذروه، فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فأعرضوهما على أخبار العامّة فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه».
وفي القوي عن الحسن بن الجهم، قال: قلت للعبد الصالح (عَلَيهِ السَّلَامُ): هل يسعنا فيما يرد علينا منكم إلا التسليم لكم؟ فقال: لا والله لا يسعكم إلا التسليم لنا»، قلت: فيروى عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيء ويروي منه خلافه فبأيهما نأخذ؟ قال: «خذ بما
1) نقله في آخر الاحتجاج بعنوان (کتاب آخر لمحمّد بن عبدالله الحميري إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً) الاحتجاج للطبرسي 2 : 304.
خالف القوم، وما وافق القوم فاجتنبه»(1).
وروى الشيخ في القوي عن علي بن أسباط، قال: قلت له (أي الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)) : يحدث الأمر من أمري لا أجد بداً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه؟ قال: فقال: «ائت فقيه البلد إذا كان ذلك فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإنّ الحق فيه» (2)، إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة في هذا المعنى.
والظاهر أن المراد بالتسليم لهم قبول أحاديثهم وإن كان مخالفاً لظاهر عقولهم الضعيفة، خصوصاً إذا كانت مختلفة بحسب الظاهر، فإنّه يمكن أن يكون الاختلاف بالعموم والخصوص أو بحسب النهي والجواز، ويحمل النهي على الكراهة أو للتقية أو بغيرها من الوجوه التي ذكرت في خلال هذا الكتاب وستذكر إن شاء اللّه تعالى. وأما التي لا تصل إليها عقولنا فنسلّم لهم ونعمل بالأمرين تخييراً مع عدم إمكان الجمع بأحد الوجوه المذكورة.
وذهب جماعة من المحدّثين إلى العمل بالتخيير أوّلاً، ويقولون إن الجمع متعذر أو متعسر لأنا لا نعلم أنّ ما نقول هو مراد المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو غيره وإن كنا نعلم مجملاً
1) انظر: الأصول الأصيلة للفيض القاساني : 95. الوسائل 27 : 118، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة، ح 29 و 31. لم تكن الرسالة المذكورة موجودة عندنا وكفى بوجودها وصحة انتسابها إلى القطب الراوندي (رَحمهُ اللّه) شهادة مثل هذا الخبير الماهر رحمه اللّه تعالى.
2) التهذيب 6 : 294، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 27.
أنه مؤوّل كما ذكره شيخنا ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني (رضیَ اللّهُ عنهُ)(1)، وله وجه. لكن يلزم منه طرح الأخبار المتواترة الواردة في الجمع، إلا أن يقال: إن ذلك مختص بالفضلاء من أصحاب الصادقين (صلوات اللّه عليهم)، حيث كانوا عارفين بالكتاب والسنة عن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ولا يكون لنا إلا التخيير، أو يعمل بالتخيير في الجمع بين هذه الأخبار أيضاً بأن يكون المكلّف مخيراً بين الجمع والتخيير، لكن أكثر أخبار التخيير دالة على أن التخيير بعد الجمع.
وروي في وجوب التسليم بعد الآيات أخبار كثيرة، منها : ما رواه الكليني (رضیَ اللّهُ عنهُ) في الصحيح عن الكاهلي، قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لو أن قوما عبدوا اللّه وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وحجّوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثمّ قالوا لشيءٍ صنعه الله، أو صنعه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ألا صنع خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم، لكانوا بذلك مشركين ثمّ تلا هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثمّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)» (2)إلى غير ذلك من الأخبار المروية في الكافي والمحاسن (3)وغيرهما.
1) في ديباجة أصول الكافي 1 : 9، خطبة الكتاب، حيث قال بعد كلام طويل له: ما هذا لفظه ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كله إلى العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقبول ماوسع من الأمر فيه بقوله: بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم انتهى.
2) الكافي 2 : 398، باب الشرك، ح 6. ثمّ قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعليكم بالتسليم والآية في سورة النساء : 65.
3) انظر: المحاسن 1 : 270، باب تصدیق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
3234 - قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من ابتلى بالقضاء فلا يقضين وهو غضبان.
باب آداب القضاء
(قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) رواه الكليني (رضیَ اللّهُ عنهُ) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(1).
وكذلك جميع ما يرويه المصنّف عن السكوني فهو بهذا الإسناد. وعلي ثقة، وأبوه ممدوح كالثقة باعتماد القميّين بل غيرهم على حديثه، بل لم نجد أحداً یرد حديثه وكذلك النوفلي، وذكر بعض القميين أنه غلا في آخر عمره ولم يثبت. والسكوني وإن كان المشهور أنه عامي (2)، لكنّه لثقته أجمعت الطائفة على قبول حديثه، بل الظاهر أنه شيعي يتقي من العامّة؛ لكثرة روايته عن الصّادق له في جميع الأبواب (3). ويمكن أن يكون ذلك وجه الاتفاق والظاهر أن الخبر كان في كتاب السكوني فلا يضر ضعف الطريق لو كان ويمكن أن يكون الكتاب معروضاً على
3235 - وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا كان الحاكم يقول لمن عن يمينه ولمن عن يساره ما تقول؟ ماترى؟ فعلى ذلك لعنة اللّه والملائكة والناس
بعض الأئمة (صلوات اللّه عليهم)، وباعتبار قبوله أجمع الأصحاب على نقله وعلى العمل به (1)سيّما ثقة الإسلام الكليني ورئيس المحدّثين المصنّف وكذلك أكثر الأخبار المنقولة عن أمثاله.
(من ابتلي بالقضاء) بأن عينه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو لم يكن أحد في البلد غيره ممّن يستحق للقضاء أو لغيره من الأسباب الملزمة، ويدل على أن الأولى تركه مهما أمكن باعتبار تعذر شرائطه أو تعسّرها (فلا يقضين وهو غضبان)؛ لأن الغضب باستيلاء الشيطان، ومتى كان مستولياً على الإنسان لا يمكنه فهم الحق، فكيف العمل عليه خصوصاً إذا كان الغضب على أحد المتخاصمين بصدور خلاف أدب أو سب وشتم منه، فالواجب أو الأولى تركه إلى أن يسكن الغضب أو يراجع إلى غيره ممّن له أهلية الحكم.
(وقال الصادق) رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن داود بن أبي يزيد. وهو ثقة ثقة، وكتابه معتمد الأصحاب، ولهذا اعتمدوا على مراسيله عمن سمعه عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2). (إذا كان - إلى قوله - ما تقول؟) يعني إذا كان جاهلاً بالحكم ويحكم بقول غيره أو برأي غيره كما كان في أزمنة الخلفاء، ولو كان السؤال لتحقيق
أجمعين، ألا يقوم من مجلسه ويجلسهما مكانه.
3236 - وإنّ رجلاً نزل بعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمكث عنده أياماً ثمّ تقدم إليه في حكومة لم يذكرها لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أخصم أنت؟ قال: نعم. قال: تحوّل عنا؛ فإن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نهى أن يضاف الخصم إلا ومعه خصمه.
الحق إذا كان مشتبهاً عليه أو لزيادة الوثوق فالظاهر جوازه، بل استحبابه كما ذكره الأصحاب، أو إذا كان غيره أعلم منه، ويؤيده قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إلا أن يقوم من مجلسه ويجلسهما مكانه) لقبح تقدّم المفضول عقلاً وشرعاً، كما تقدّم من تقديم الأعلم والأفضل وجوباً.
(وإنّ رجلاً) رواه الكليني والشيخ بإسنادهما السابق إلى السكوني، عن أبي عبد اللّه (1)، ويدل على كراهة ضيافة أحد المتخاصمين بدون صاحبه؛ لئلا ينكسر قلبه؛ ولئلا يميل قلب الحاكم إلى جانب الضيف لأجل المؤانسة كما يحصل غالباً في غير المعصوم، فهو وإن كان بريئاً منه لكنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخرجه ليتأسى به غيره.
والظاهر أنّ إخراجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن داره كان للتأديب؛ لأنّ غرضه كان إمالته (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى نفسه، فلمّا كان غرضه باطلاً أدبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإلا فيمكن ضيافة خصمه؛ لئلا ينكسر قلب واحد منهما، إلا أن يقال: إنّه لمّا ذكر الخصومة كان يجب عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يحكم بينهم وجوباً فورياً فلا يمكنه تركها إلى أن يضيف خصمه معه، مع أنه لا يمكن تدارك الأيام الماضية إلا بالإخراج.
1) الكافي 7 : 413، باب أدب الحكم، ح 4. التهذيب 6 : 226 و 227، باب آداب الحكام، ح 4.
3237 - وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): من أنصف الناس من نفسه رضي به حكماً لغيره.
3238 - وروي عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأوّل حتى تسمع من الآخر، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء.
(وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني في الحسن كالصحيح عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1)(من أنصف الناس من نفسه رضي به حكماً لغيره) يعني إذا كان الرجل منصفاً بأن يحكم على نفسه لو كان مبطلاً ويعترف بالحق، أو يكون بحيث يحبّ للناس ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه فهو مرضي بأن يكون حاكماً على غيره، وهذه هي العدالة المطلوبة في الحاكم فهي بالمعنى الأوّل من الشروط الواجبة وبالمعنى الثاني من المستحبة.
(وروي عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الشيخ في القوي كالصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2). وروى الصدوق بأسانيده المتكثّرة عن الرضا، عن آبائه عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لي : لما وجهني إلى اليمن: «إذا تقوضي (3)إليك فلا تحكم لأحد الخصمين دون أن تسأل من الآخر، قال: فما شككت في قضاء بعد ذلك» (4)والظاهر أن النهي للحرمة، ويظهر منه عدم جواز الحكم على الغائب إلا أن
قال عليّ : فما زلت بعدها قاضياً وقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اللهم فهمّه القضاء.
3239 - وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لشريح: يا شريح، لا تسار أحداً
يحمل على الإمكان، أو يكون النهي للكراهة، وهذا المعنى مجرّب في كل حكومة وينبغي أن يكون العمل عليه.
(وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): فما زلت بعدها قاضياً) يعني لما عملت بهذا المعنى تبين لي في كل واقعة حقها، والظاهر أن هذا القول منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان معجزاً وكان من الأبواب التي يفتح منه ألف باب أو كان سبباً لإلهام اللّه على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كل واقعة حكمها بإعجازه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (وقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اللهم فهمه القضاء). واستجاب اللّه دعاءه وتواتر عند الخاصة والعامّة علمه بالقضاء بحيث يشدّ أن يحكم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في واقعة بمثل ما حكم في مثلها(1)، ويظهر من أحكامه لا أن اللّه تعالى في كل واقعة حكماً مخصوصاً بها. كما تواتر عنه وعن أولاده المعصومين (صلوات اللّه عليهم) أجمعين (2).
(وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لشريح) رواه الكليني والشيخ عن البرقي مرفوعاً قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)، والظاهر أنّ الضمير المستكن راجع إلى أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (يا شريح لا تُسارّ أحداً في مجلسك) فإنّ قول السرّ يوهم المتخاصمين بأوهام كثيرة
في مجلسك، وإذا غضبت فقم ولا تقضين وأنت غضبان.
3240 - وروى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يقدّم صاحب اليمين في المجلس بالكلام.
(وإذا غضبت فقم) حتى يسكن الغضب كما روي في الأخبار الكثيرة (1)وهو مجرب، أو اترك القضاء حتى يسكن الغضب إلا إذا كان الغضب اللّه عند رؤية منكر وعلم من نفسه أنه لا يزيد على الحق في الحد والتعزير، والأولى ترك الحكم هنا أيضاً كما اشتهر من فعل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين أراد قتل الكافر ومج بصاقه على وجهه لا فأمسك عن قتله، فسأله الكافر ما أبطأك من قتلي؟ فقال (صلوات اللّه عليه): «إن قتلك كان الله، فلما فعلت هذا الفعل حصل لي الغضب فامتزج القربة بغيرها». فلما رأى ذلك منه الكافر أسلم. والظاهر أنّ هذا تعليم منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لغيره أو كان لإسلامه كما وقع، ويؤيده عموم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ولا تقضين وأنت غضبان) على سبيل التأكيد.
(وروی محمّد بن مسلم) في القوي كالصحيح (عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) - إلى قوله - بالكلام) (2)أي حكم وأمر أن يقدّم في سماع دعوى من على يمين خصمه إذا شرعا
1) انظر: الكافي 7 : 413، باب أدب الحكم، ح 5. الكافي2 : 305 باب الغضب، ح 12. الأمالي للشيخ الصدوق : 420، ح 25.
2) في الفقه الرضوي : 260 - 264، باب القضاء والأحكام، اعلم أنه يجب عليك أن تساوي بين الخصمين حتى في النظر إليهما حتى لا يكون نظرك إلى أحدهما أكثر من نظرك إلى الثاني، فإذا تحاكمت إلى الحاكم فانظر أن تكون على يمين خصمك، وإذا تحاكم خصمان فادعى كل واحد منهما على صاحبه دعوى فالذي يدعى الدعوى أحق من صاحبه أن يسمع منه، فإذا ادعى جميعاً فالدعوى للذي على يمين خصمه انتهى، فالظاهر أنه قيد المصنّف أولاً، ثمّ أخذ الشيخ منه ثمّ تبعهما الأصحاب منه رحمه اللّه تعالى.
3241 - وروى الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا تقدمت مع خصم إلى وال أو إلى قاض فكن عن يمينه يعني عن يمين الخصم.
معاً في الدعوى، فلو شرع واحد منهما فهو المقدّم كما فهمه الأصحاب، وفهمه ابن سنان أو ابن محبوب من كلام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ما سيجيء في صحيحتهما، ويمكن أن يكون الفهم من القرائن الحالية أو المقالية، والظاهر أن فهم الأصحاب من الاعتماد على فهم الراوي الثقة الفاضل، وجعلوا فهمه حجة مثل روايته، ويمكن أن يكون المراد تقديم من على يمين الحاكم كما هو الظاهر من صحيحة ابن سنان، ويؤيده ما روي مستفيضاً أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقدّم من على يمينه في الشرب والإعطاء والغسل وغير ذلك(1)، واحتمل ابن الجنيد أن يكون المراد به تقديم المدّعي؛ لأنه صاحب اليمين على المدّعى عليه، لكن ينافيه خبر ابن سنان، مع أنّ ذلك مشترك بينهما كما في ردّ اليمين؛ فإنّه للمنكر، مع أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المجلس يأباه إلا أن لا يكون التنمة في خبره.
(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح كالشيخ (2)(عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا تقدمت مع خصم إلى وال) من ولاة الحق أو الجور (أو قاض) كذلك (فكن على يمينه) أي يمين الوالي أو القاضي لقرب المرجع (يعني عن يمين الخصم) حتى إذا شرعتما معاً في الدعوى سمع منك لا من خصمك؛ لأن يكون ذلك
3242 - وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من ابتلي بالقضاء فليساو بينهم في الإشارة والنظر في المجلس.
سبباً لميل الحاكم إليك إذا كنت على الحق، ويكون هذا التعليم لعلمه بأن مثل عبد اللّه (1)لا يدعي الباطل، أو لكونهم مائلين إلى اليمين ويكون ذلك بالنظر إلى قضاة الحق والجور كما كان الواقع في تلك الأزمنة، ولو فسّر الخبر بمن على يمين الوالي حينئذ كان أظهر ؛ لأنه ورد متكثراً في صحاحهم أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يقدم من على يمينه في الشرب وغير ذلك (2)، ولعلّ هذا المعنى أظهر من الخبر لو لا مخالفة الأصحاب في فهمهم.
(وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) رواه الكليني والشيخ بإسنادهما عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «من ابتلي بالقضاء فليسا و بينهم في الإشارة وفي النظر وفي المجلس» (3)والظاهر أن إسقاط الواو وفي من النساخ أو يكون خبراً آخر، وروى الأصحاب عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحدهما
ما لا يرفع على الآخر».
والأكثر على وجوب التسوية في السلام عليهما وجوابه لهما، وإجلالهما والقيام لهما، والنظر إليهما، والاستماع والكلام وطلاقة الوجه وسائر أنواع الإكرام وعدم تخصيص أحدهما بشيء من ذلك؛ لأنه ينكسر به قلب الآخر ويمنعه من إقامة حجته. والمراد بالتسوية في الإشارة إما الإشارة بالجلوس، أو بذكر الدعوى، أو التواضع أو بتعليم ما عليه أو الأعم من بعض أو من الجميع أو منها ومن غيرها، وفي النظر بأن ينظر إليهما على السواء أو لا ينظر إليهما إلا عند سماع الدعوى والجواب. ويمكن التعميم أيضاً وعدم النظر عندهما إلى واحد منهما أولى بأن يطرق رأسه وفي المجلس، بأن يجلسهما بين يديه معاً ليسهل النظر إليهما معاً والاستماع لهما. هذا إذا كانا مسلمين أو كافرين، أما لو كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً جاز أن يرفع المسلم في المجلس؛ لما روي أنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جلس بجنب شريح في حكومة له مع يهودي في درع، وقال: «لو كان خصمي مسلماً لجلست معه بين يديك، ولكنّي سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : لا تساووهم في المجلس»(1).
أما العدل بين المتخاصمين فلا ريب في وجوبه وفي البواقي مشكل؛ لضعف المستند واشتراك الأمر بينه وبين الاستحباب، فالتوقف أولى، لكن الاحتياط في العمل وعدم الترك. أما في الميل القلبي فلا ريب في عدم الوجوب؛ لتعذره في غير المعصوم، بل روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لو أنه لما قسم بين نسائه قال: «هذا قسمي
1) انظر: الغارات 1 : 124. و 2 : 722.
3243 - وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لشريح: يا شريح، انظر إلى أهل المعك والمطل والاضطهاد ومن يدفع حقوق النّاس من أهل المقدرة واليسار ومن يدلي بأموال المسلمين إلى الحكام.
فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك»(1)يعني الميل القلبي.
(وقال أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) لشريح) سيجيء سنده (2).
(يا شريح، أنظر إلى أهل المغك والمطل) مفسّره، وفي بعض النسخ بدون (المعك) وكأنه من النساخ لوجوده في الكافي والتهذيب وفي نسخة من التهذيب: المعل - باللام - بمعنى الاختلاس، والمطل: التسويف والتأخير، والاضطهاد بمعنى الظلم وليس فيهما (ومن يدفع) وفي الكافي: ودفع (حقوق الناس) مبين لما تقدّم (من أهل المقدرة) أي القدرة، وفي بعض النسخ المذرة - بالذال - بمعنى الفساد، والأصح الأول كما فيهما ويؤيده (واليسار ومن يدلي بأموال المسلمين إلى الحكام) مقتبس من قوله تعالى: (ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) أي لا يأكل بعضكم مال بعض على الوجه الذي لم يبحه اللّه (وتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ) أي ولا تلقوا حكومتها إلى الحكام أو لا تدفعوا بأموالهم ملقياً إلى الحكّام أي الجائرين أو الأعم. (لِتَأْكُلُوا) بالتحاكم (فَرِيقًا) أي طائفة (مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ) أي بما يوجب
فخذ للناس بحقوقهم منهم، وبع العقار والديار، فاني سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: مطل المسلم الموسر ظلم للمسلم، ومن لم يكن له مال ولا عقار ولا دار فلا سبيل عليه.
إثماً كشهادة الزور واليمين الكاذبة، أو ملتبسين بالإثم (وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (1)إِنَّكم مبطلون؛ فإن ارتكاب المعاصي مع العلم أقبح، أي إذا تحقق عندك أنه من أهل التسويف والمكر والحيلة فتدبر في بيّنته بالتفريق، وفي يمينه بالتعويق؛ لئلا يبطل حق مسلم بمكر، كما كان من شأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما سيجيء من قضاياه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو إذا تحقق الحق فخذ الحق منه عاجلاً ولا تؤخّره؛ لكيلا يذهب إلى حاكم أجور منك ويذهب بحقه.
ويؤيده قوله: (فخذ للناس بحقوقهم منهم) أي عاجلاً (وبع العقار) إذا كانت له ووفت بحقوقهم (والديار) جمع الدار أي إذا كانت زائدة عمّا يحتاج إليه كمّاً وكيفاً أو كانت مرهونةً أو بالنظر إلى المماطل تعزيراً، ويؤيده قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فإني سمعت - إلى قوله – للمسلم) وإذا كان ظالماً يحلّ عقوبته وعرضه كما سيجيء، أو إذا كان التأخير ظلماً فيجوز بيع هذه الأشياء ليخلص منه.
(ومن لم يكن - إلى قوله – عليه) كما قال تعالى: (فَنَظِرَةٌ إِلى مَيسَرَةٍ) (2)وسيجيء أحكامه.
واعلم أنه لا يحمل الناس على الحقِّ إلا من ورعهم عن الباطل، ثمّ واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك حتى لا يطمع قريبك في حيفك، ولا ييأس عدوّك من عدلك وردّ اليمين على المدّعي مع بينة.
(واعلم أنه لا يحمل الناس على الحق إلّا من ورعهم) بالراء المهملة المشدّدة من الورع، أو بالمعجمة أي منعهم (عن الباطل) أي لا ينبغي ولا يجوز للولاة، المداهنة والمساهلة في أحكامه تعالى، فإذا شدّد الوالي عليهم يصير عظة لغيرهم أو لا يمكن الحق بدون دفع الباطل (ثمَّ واس) أي ساو (بين المسلمين) المتخاصمين أو الأعم كما كان شأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع أصحابه والقاضي نائبه (حتى لا يطمع قريبك في حيفك) بأن تميل إلى جانبه ظلماً (ولا ييأس عدوك من عدلك) غاية واحدة للتسوية في المذكورات.
(ورد اليمين على المدّعي مع بيّنته) إذا كان الدعوى على الميت أو الطفل أو المجنون والغائب كما قيل، أو الأعم مع التهمة، أو للتقيّة كما ذهب إليه جماعة من العامّة (1)وإلا فلا يمين على المدّعي : لما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم والكليني في القوي كالصحيح عنه قال: سألت أبا جعفر عن رجل يقيم البيّنة على حقه هل عليه أن يستحلف؟ قال: «لا» (2)وفي الموثق كالصحيح عن عن أبان
فإنّ ذلك أجلى للعمى، وأثبت في القضاء.
عن أبي العباس، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله(1).
وروى الكليني والشيخ في الموثق كالصحيح عن أبان عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2). وفي الصحيح عن علي بن الحكم أو غيره، عن أبان، عن أبي العباس عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا أقام الرجل البيّنة على حقه فليس عليه يمين، فإن لم يقم البيّنة فردّ عليه الذي ادعى عليه اليمين فأبى أن يحلف فلا حق له»(3)وظاهر الأخبار المتواترة أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه(4)، وسيأتي صحيحة جميل وغيره.
(فإنّ ذلك أجلى للعمى وأثبت في القضاء) أي إذا حلف المدّعي مع بينته يحصل الظنّ بصدق دعواه غالباً أو في المواضع المتقدّمة وغيرها ممّا سيجيء، وذهب بعض أصحابنا - أيضاً - على العموم، وسيجيء وتقدّم الأخبار المستفيضة بل المتواترة على خلافه، فالتخصيص أولى.
1) الكافي 7 : 417 باب أن من كانت له بينة، ح 2. التهذيب 6 : 231 باب كيفية الحكم والقضاء، ح 14.
2) الكافي 7 417، باب أنّ من كانت له بيئة ذيل ح 2. التهذيب 6 : 230، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 12.
3) الكافي 7 : 417، باب أنّ من كانت له بينة، ح 2. التهذيب 6 : 231 باب كيفية الحكم والقضاء، ح 14.
4) انظر: الكافي 7 : 361 و 362، باب القسامة، ح 4 و 6 و 415، باب أن البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه.
واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حدّ لم يتب منه.
أو معروفاً بشهادة الزور، أو ظنيناً، وإياك والضجر والتأذي في مجلس القضاء الذي أوجب اللّه تعالى فيه الأجر، وأحسن فيه الذخر لمن قضى
(واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض) أي الأصل في المسلم بمعنى المؤمن أو الأعم العدالة كما ذهب إليه القدماء إلا إذا علم فسقه بارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة، ويمكن حمله على التقية كما ذهب إليه معظم العامّة (إلّا مجلوداً في حد) ثبت موجبه من الكبائر (لم يتب منه) وسيجيء أنه يكفي في القذف إكذاب نفسه، ولا يشترط مضي زمان يحصل فيه الملكة كما ذهب إليه أكثر المتأخرين (أو معروفاً بشهادة الزور) بالتواتر والاستفاضة أو العدلين (أو ظنيناً) أي يكون متهماً في الشهادة كالشريك فيما هو شريك فيه، والوصي فيما هو وصي فيه، وشهادة العاقلة في نفي الجناية إذا كان محصوراً والحاصل أن يجرّ إلى نفسه نفعاً أو يدفع ضرراً. ويمكن شموله لشهادة السائل بكفّه : لما فيه من مهانة النفس، والشهادة قبل الطلب وغير ذلك ممّا سيجيء.
(وإياك والضَجَر) - محركة - : ضيق القلب والكراهة، ولو حصل أسبابه والتأذي. بل ينبغي إزالتهما عن النفس بملاحظة الثواب العظيم والأجر الجزيل لمن قضى بالحق. وفي الكافي والتهذيب (1)بزيادة: واعلم أنّ الصلح جائز بين المسلمين إلا صلح حرم حلالاً أو أحلَّ حراماً، والغرض من ذكره هنا بيان رجحان الصلح مهما أمكن، ويكون الجواز بالمعنى الأعم والتعبير لرفع توهم حظره بعد ثبوت الحق، أو
1) الكافي 7: 412، باب أدب الحكم، ح 1. التهذيب 6: 225، باب آداب الحكام، ح 1.
بالحق، واجعل لمن ادعى شهوداً غيباً أمداً بينهم.
واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حدّ لم يتب منه، فإن أحضرهم أخذت له بحقه، وإن لم يحضرهم أوجبت عليه القضيّة، وإياك أن تنفّذ حكماً في قصاص أو حدّ من حدود النّاس أو حق من حقوق اللّه عزّوجل حتى تعرض ذلك عليّ،
مع إمكانه؛ فإنّه وإن قضى بالحق لا يعلم مطابقته للواقع والصلح خير، وترك المصنّف؛ لذكره في باب الصلح، والذكر هنا أولى؛ لما ذكرناه.
(واجعل لمن ادعى شهوداً غيباً) جمع غائب (أمداً بينهم) الظاهر أنّ الأجل لمن ثبت عليه الحق بالبيّنة أو الإقرار وادّعى أداءه بشهودٍ فيؤجل بقدر الذهاب والتجهيز والمجيء إذا لم يكن بعيداً بحيث يتعطل الحق. ويحتمل المدّعي - أيضاً - إذا كان يحضر المدّعى عليه كثيراً أو الأعم ولا يحلّف حتى ينقضي الدعوى فحينئذ يقول الحاكم: أجلتك إلى كذا، أو الأعم منهما (فإن أحضرهم أخذت له بحقه) أي المدّعى عليه لو كان أدّاه سابقاً أو بحق القضاء أو المدّعى، وهو ظاهر.
(وإن لم يحضرهم) في ذلك الأجل (أوجبت عليه القضية) وتحكم على المدّعى عليه، أو على المدّعي بأنه يظهر أن دعواك باطلة. وفي بعض النسخ: له. بدل: عليه، ويكون الضمير راجعاً إلى الخصم في الصورتين (وإياك أن تنفذ حكماً) وهذا عزله في الواقع. قيل: يظهر منه جواز إقامة الحدود للقاضي المحق، ويؤيده ما رواه الشيخ في القوي، عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قلت: من يقيم الحدود السلطان أو القاضي؟ فقال: «إقامة الحدود إلى من إليه الحكم»(1)، ويؤيده العمومات أيضاً.
1) التهذيب 10 : 155، باب من الزيادات من كتاب الحدود، ح 52.
وإياك أن تجلس في مجلس القضاء حتى تطعم شيئاً إن شاء اللّه تعالى.
روى ذلك الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
(وإياك أن تجلس في مجلس القضاء حتى تطعم شيئاً) ليكون النفس مطمئنةً، ويدل على كراهته حال الجوع والحق به الشبع المفرط والعطش والمرض والغم والألم والخوف والحزن والفرح الشديدان، وغلبة النعاس والملال ومدافعة الأخبثين وحضور طعام تنوق نفسه إليه ونحو ذلك من المشغلات؛ لأن الظاهر من الأكل قبله حصول الاطمئنان ليتمكن من النظر، ويؤيده ما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: «لا يقضي القاضي وهو غضبان، ولا يقضي إلا وهو شبعان ريان، ولا يقضي وهو غضبان مهموم ولا مصاب محزون» (1)ولا بأس به؛ للتساهل في أدلة السنن.
(روى ذلك) أي رواية شريح (الحسن بن محبوب) في الصحيح والكليني والشيخ في الحسن كالصحيح، عنه والحسن ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، فلا يضر ضعف ما بعده، ولهذا تلقاها الأصحاب بالقبول والعمل عليها (عن عمرو بن بن أبي المقدام، عن أبيه عن سلمة بن كهيل)(2).
وكلُّ واحدٍ منهم لا يخلو من مدح وذم.
1) شرح مسلم 12 : 15 السنن الكبرى 106:10. مجمع الزوائد 4 : 194. فتح الباري 13 : 121. كنز العمال 6: 103، ح 15040. صحیح مسلم،5 : 1320، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان إلى قوله: غضبان وقال في هامشه ويلتحق بالغضب كل حال يخرج الحاكم فيها عن سداد النظر واستقامة الحال كالشبع المفرط والجوع المقلق والهم والفزع البالغ ومدافعة الحدث وتعلق القلب بأمر ونحو ذلك، خص الغضب بالذكر لشدة استيلائه على النفس وصعوبة مقاومته انتهى.
2) الكافي 7: 412، باب أدب الحكم، ح 1. التهذيب 6 : 225، باب آداب الحكام، ح 1.
3244 - في رواية يونس بن عبد الرحمن، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن البيّنة إذا أقيمت على الحق أيحل للقاضي أن يقضي بقول البيّنة فقال: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر
باب ما يجب الأخذ فيه بظاهر الحكم
(في رواية يونس بن عبد الرحمن) في الصحيح كالكليني والشيخ(1)والمصنف وإن لم يذكر طريقه إليه لكن الظاهر أنه أخذه من كتاب يونس، وكان من المتواترات وهو ممّن أجمعت العصابة فلا يضرّ الإرسال (عن بعض رجاله - إلى قوله - بقول البيئة) وإن لم يعلم حالها كما يظهر من الجواب أو وإن لم يكن موافقاً للحق كما يظهر من أول الجواب، لكنّ الأظهر الأوّل: لما في الكافي والتهذيب من زيادة: إذا لم يعرفهم من غير مسألة، والظاهر أنّ السقط نسيان من المصنّف أو من النساخ. (فقال - إلى قوله - بظاهر الحكم).
وفي الكافي أن يأخذوا بها بظاهر الحكم وفي التهذيب: بظاهر الحال، الظاهر أن المراد به أنه يكفي فيهما الاستفاضة ولا يحتاج فيها إلى العلم وهي الظن المتاخم
1) الكافي 7: 431، باب النوادر، ح 15. التهذيب 6 : 288، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 5.
الحكم: الولايات، والمناكح، والذبائح، والشهادات، والأنساب.
للعلم. وقيل : هي ما يوجب العلم، وعلى هذا يلغو التخصيص بالخمسة ظاهراً، بل العلم متبع وأقوى من الشاهدين بكثير كما ذكره الأصحاب(1).
ويمكن أن يقال: البيّنة أقوى لورودها في الآيات والأخبار وحصول العلم مخفي على الناس إلا في أمثال الشهادات، ويبعد أن يستند الأحكام بعلم الحاكم مثلاً ولا يعلم أنه صادق فيه أم لا، بخلاف الشاهدين وللخلاف في جواز أن يحكم الحاكم بعلمه، فلولا ذلك لم يقع الخلاف، إلا أن يقال: إن ظاهر هذا الخبر يدلّ على جواز الحكم بالاستفاضة فكيف بالعلم. ويمكن أن يقال: المراد به الحكم فيها بصحة أفعال المسلمين ولا يحتاج فيها إلى التفتيش فيدلّ على العمل بالاستفاضة بطريق أولى.
(الولايات) أي يكفي في ولاية الحكم الاستفاضة، بل مع حصول الظن بصدقه بخط الإمام وأمثاله، وكذا ولاية الأب والجد له والوصي والمولى والقيم، أو يحمل ولاياتهم على الصحة؛ لكونهم مسلمين، ولا يجب الفحص عن صدقهم وكذبهم وعدالتهم وغير ذلك من شرائط الصحة، أو لا يشترط في أحكامهم أن يكون موافقاً للواقع كما سيجيء (و) كذلك الحكم في (المناكح) في الاستفاضة بالزوجية أو في الحكم بها بظاهر أحوالهم، أو في جواز التناكح بسائر أصناف المسلمين (والذبائح) من سائر أصناف المسلمين وعدم الفحص عن شرائطها، وكذا الجلد منها (والشهادات) كذلك (والأنساب) بالاستفاضة. وفيهما بدلها: والمواريث وهي أنسب بما تقدّم من توارث المسلمين بعضهم من بعض وإن اختلفت آراؤهم كما سيجيء.
1) انظر: مسالك الأفهام 13 : 385 مجمع الفائدة 12 : 32. كفاية الأحكام 2 : 672.
فإذا كان ظاهر الرّجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه.
(فإذا كان ظاهر الرجل) وفيهما ظاهره وهو أعم (ظاهراً مأموناً) بأن يكون حسن الظاهر وفي زي الصلحاء، أو ظاهره العدالة، أو بعد الفحص القليل، بأن يسأل عن محلته وعشيرته عن حاله، وقالوا: لا نعلم منه إلا خيراً (جازت شهادته) وتقبل ولا يسأل عن باطنه مطلقاً، أو لحصول الظنّ بالملكة المشهورة بالعدلين أو التواتر، أو إذا استفاض عدالته، أو شهد العدلان بها فذلك كافٍ، ولا يحتاج كل أحد إلى معاشرته.
باب الحيل في الأحكام
للحكم بالواقع من الأئمة المعصومين سيّما أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليهم)؛ لعلمهم بالواقع في الوقائع وإن كان لم يجب عليهم ذلك إلا في زمان القائم (صلوات اللّه عليه)، كما ورد به الأخبار المتواترة وبأنه إذا ظهر القائم (صلوات اللّه عليه) يحكم بحكم آل داود ولا يسأل بينة (1)والمشهور في الأخبار أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكم بذلك في مواطن خاصة وبين العامّة أنه كان يحكم كذلك أبداً، ويمكن أن يكون الحكم بذلك دائماً مختصاً بسليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما تقدّم والله تعالى يعلم. ولمّا لم يمكنهم القول بأنهم عالمون يحتالون في ذلك.
أما إنّه غير واجب؛ فلما رواه الكليني وغيره في القوي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
1) انظر: بصائر الدرجات : 279.
أنه قال: «أحكام المسلمين على ثلاثة شهادة عادلة أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية من أئمة الهدى» (1)وهي وهي ما سيجيء من السنن، ويمكن أن يكون الثالث هي الحيل. ويكون مخصوصاً بهم أو يعمهم وغيرهم، والأول أظهر.
وفي الصحيح عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان، وبعضكم ألحن (أي أفهم وأعلم) بحجته من بعض، فأيّما رجلٍ قطعت له من مال أخيه شيئاً (أي بالبيّنة الكاذبة أو اليمين الكاذبة) فإنّما قطعت له قطعة من النار» (2).
وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «في كتاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن نبياً من الأنبياء شكا إلى ربِّه، فقال: يا ربِّ، كيف أقضي فيما لم أشهد ولم أرَ ؟ قال : فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه : احكم بينهم بكتابي وأضفهم إلى اسمي فحلفهم به وقال: هذا لمن لم تقم له بينة» (3).
وفي الصحيح عن أبان بن عثمان عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «في
1) الكافي 7: 432، باب النوادر، ح 20. التهذيب 6 : 287، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 3.
2) الكافي 7 : 414، باب أنّ القضاء بالبينات والأيمان، ح 1. التهذيب 6 : 229، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 3.
3) الكافي 7 : 415، باب أنّ القضاء بالبينات والأيمان، ح 4. التهذيب 6 : 228، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 1.
كتاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن نبياً من الأنبياء شكا إلى ربِّه القضاء، فقال: كيف أقضي بما لم تر عيني ولم تسمع أذني؟ فقال: اقض بينهم بالبينات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به. وقال: إن داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: يا ربِّ أرني الحقِّ كما هو عندك حتى أقضي به، فقال: إنك لا تطيق ذلك. فالح على ربِّه حتى فعل، فجاء رجل يستعدي (أي يستنصر) على رجل. فقال: إنّ هذا أخذ مالي، فأوحى اللّه عزّوجلّ إلى داود: إن هذا المستعدي قتل أبا هذا وأخذ ماله، فأمر داود بالمستعدي فقُتِل وأخذ ماله فدفعه إلى المستعدى عليه، قال: فعجب الناس وتحدّثوا، حتى بلغ داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودخل عليه من ذلك ما كره فدعا ربَّه أن يرفع ذلك ففعل، ثمّ أوحى اللّه عزّوجل إليه أن احكم بينهم بالبينات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به» (1)، والإضافة : التخويف والإسناد والإمالة، والأوّل أنسب.
وفي الصحيح عن إسماعيل بن جعفر قال اختصم رجلان إلى داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بقرة، فجاء هذا ببينة على أنها له، وجاء هذا ببينة على أنها له، قال: فدخل داود المحراب فقال: «يا ربِّ إنّه قد أعياني أن أحكم بين هذين فكن أنت الذي تحكم، فأوحى اللّه عزّوجل إليه: أخرج فخذ البقرة من الذي في يده فادفعها إلى الآخر واضرب عنقه»، قال: فضجّت بنو إسرائيل من ذلك وقالوا جاء هذا ببينة وجاء هذا ببينة، وكان أحقهم بإعطائها الذي هي في يده فأخذها منه وضرب عنقه وأعطاها هذا، قال: فدخل داود المحراب فقال «يا ربي ضجّت بنو إسرائيل ممّا حكمت به»، فأوحى إليه ربُّه: «إنّ الذي كانت البقرة في يده لقي أبا الآخر فقتله وأخذ البقرة منه، فإذا جاءك مثل
1) الكافي 7: 414 باب أنّ القضاء بالبينات والأيمان ح 3. التهذيب 6: 228 باب كيفية الحكم والقضاء، ح 2.
هذا فاحكم بينهم بما ترى ولا تسألني أن أحكم حتى الحساب»(1).
وفي الحسن كالصحيح عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إنّ داود سأل ربه أن يريه قضيّة من قضايا الآخرة، فأوحى اللّه عزّوجل إليه: يا داود إنّ الذي سألتني لم أطلع عليه أحداً من خلقي ولا ينبغي لأحدٍ أن يقضي به غيري، قال: فلم يمنعه ذلك أن عاد فسأل اللّه أن يُرِيَهُ قضيّةً يُرِيَهُ قضيّةً من قضايا الآخرة، قال: فأتاه جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له: يا داود لقد سألت ربَّك شيئاً لم يسأله قبلك نبي، يا داود إنّ الذي سألت لم يطلع عليه أحداً من خلقه ولا ينبغي لأحدٍ أن يقضي به غيره، قد أجاب اللّه دعوتك وأعطاك ما سألت.
يا داود إن أول خصمين يردان عليك غداً القضيّة فيهما من قضايا الآخرة، قال: فلما أصبح داود جلس في مجلس القضاء أتاه شیخ متعلّق بشاب، ومع الشاب عنقود من عنب فقال له الشيخ يا نبي اللّه إنّ هذا الشاب دخل بستاني وخرب كرمي، وأكل منه بغير إذني، وهذا العنقود أخذه بغير إذني، فقال داود للشاب: ما تقول؟ فأقر الشاب أنه قد فعل ذلك فأوحى اللّه عزّوجل إليه: يا داود، إنّي إن کشفتُ لك عن قضايا الآخرة فقضيتَ بها بين الغلام والشيخ لم يحتملها قلبك ولم يرضَ بها قومك.
يا داود، إن هذا الشيخ اقتحم على أبي هذا الغلام في بستانه فقتله وغصب بستانه وأخذ منه أربعين ألف درهم فدفنها في جانب بستانه، فادفع إلى الشاب سيفاً ومر أن
1) الكافي 7: 432، باب النوادر، ح 21. التهذيب 6 : 287، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 4.
3245 - في رواية النضر بن سويد يرفعه أنّ رجلاً حلف أن يزن فيلاً فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يدخل الفيل سفينة ثمّ ينظر إلى موضع مبلغ الماء من السفينة فيعلّم عليه، ثمّ يخرج الفيل ويلقي في السفينة حديداً أو صفراً أو ما شاء فإذا بلغ الموضع الذي علم عليه أخرجه ووزنه.
يضرب عنق الشيخ، وادفع إليه البستان ومُرهُ أن يحفر في موضع كذا وكذا ويأخذ ماله، قال: ففزع من ذلك داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجمع إليه علماء أصحابه وأخبرهم الخبر وأمضى القضية على ما أوحى اللّه عزّوجلّ إليه» (1)إلى غير ذلك من الأخبار، وذكرتها؛ لفوائد كثيرة لا تخفى على المتدبّر فيها.
(في رواية النضر بن سويد يرفعه) أي أرسله إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فيمكن أن يكون الإرسال من النضر، وأن يكون من راوي النضر بأن يكون أسنده إليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأرسله راويه عمداً أو لنسيانه الرواة (إنّ رجلاً حلف أن يزنَ فيلاً) ظاهره انعقاد اليمين على فعل المباح؛ لتقريره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليه ولم يقل إن حلفك باطل عبث، ويمكن أن يكون راجحاً بأن يكون حلف على التصدّق بوزنه من الطعام أو غيره، والجفنة: القصعة. والزبرة: القطعة الحديد، جمعها زُبَر كزفر، وعلّمه - كنصر وضرب - وسمه.
روى الشيخ في الصحيح عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابه يرفعه إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل حلف أن يزن الفيل فأتوه به فقال: «ولم تحلفون بما لا تطيقون؟» فقلت: قد ابتليت فأمر بقرقور (أي سفينة) فيه قصب فأخرج منه
1) الكافي 7 : 421، باب النوادر، ح 1.
3246 - وفي رواية عمرو بن شمر عن جعفر بن غالب الأسدي: رفع الحديث قال: بينما رجلان جالسان في زمن عمر بن الخطاب إذ مرّ بهما رجل مقيد فقال أحد الرجلين: إن لم يكن في قيده كذا وكذا فامرأته طالق ثلاثاً. فقال الآخر: إن كان فيه كما قلت فامرأته طالق ثلاثاً. فذهبا إلى مولى العبد وهو المقيّد. فقالا له: إنا حلفنا على كذا وكذا فحل قيد غلامك حتى نزنه. فقال: مولى العبد امرأته طالق إن حللت قيد غلامي، فارتفعوا إلى عمر فقضوا عليه القصة فقال عمر مولاه أحق به، اذهبوا به إلى عليّ بن أبي طالب لعله يكون عنده في هذا شيء فأتوا عليّاً فقضوا عليه القصّة فقال: ما أهون هذا، فدعا بجفنة وأمر بقيده فشدّ فيه خيط وأدخل رجليه والقيد في الجفنة، ثمّ صبّ عليه الماء حتى امتلأت، ثمّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ارفعوا القيد فرفعوا القيد حتى أخرج من الماء، فلما أخرج نقص الماء ثمّ دعا بزبر الحديد فأرسله في الماء حتى تراجع الماء إلى موضعه والقيد في الماء، ثمّ قال: زنوا هذا الزبر فهو وزنه.
قصب كثيرة، ثمّ علم صبغ الماء بقدر ما عرف صبغ الماء قبل أن يخرج القصب، ثمّ صير الفيل فيه حتى رجع إلى مقداره الذي كان انتهى إليه صبغ الماء أولاً، ثمّ أمر بوزن القصب الذي أخرج، فلمّا وزن قال : «هذا وزن الفيل» (1)، ثمّ ذكر حكاية القيد والخبر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
(وفي رواية عمرو بن شمر) إلى آخره، لا خلاف عندنا في بطلان الطلاق باليمين
1) التهذيب 8 : 318، باب النذور، ح 61.
قال مصنف هذا الكتاب (رضیَ اللّهُ عنهُ): إنما هدى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى معرفة ذلك؛ ليخلّص به النّاس من أحكام من يجيز الطلاق باليمين.
3247 - وروى أحمد بن عائذ، عن أبي سلمة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين مملوكين مفوّض إليهما يشتريان ويبيعان بأموال مواليهما فكان بينهما كلام فاقتتلا فخرج هذا يعدو إلى مولى هذا، وهذا إلى مولى هذا وهما في القوة سواء فاشترى هذا من مولى هذا العبد، وذهب هذا فاشترى هذا من مولاه، وجاء هذا وأخذ بتلبيب هذا وأخذ هذا بتلبيب هذا، وقال كلّ واحدٍ منهما لصاحبه: أنت عبدي قد اشتريتك. قال: يحكم بينهما من حيث افترقا فيذرع الطريق فأيهما كان أقرب، فالذي أخذ فيه هو الذي سبق الذي هو أبعد وإن كانا سواء فهما رد على مواليهما.
والطلاق ثلاثاً فالظاهر حمله على التقيّة، أو لبيان جهل عمر على أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يقل إنّ الطلاق صحيح، بل ذكر إمكان معرفته، فتوجيه المصنّف لا وجه له.
(وروى أحمد بن عائذ) في الصحيح والكليني في القوي كالصحيح(1)(عن أبي سلمة) سالم بن مكرم مختلف فيه (عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين مملوكين مفوّض إليهما) والظاهر أنّ التفويض غير التوكيل أو توكيل خاص بزمان العبودية، كما هو الظاهر في العادة، وإلا فالظاهر صحة شراء الأخير أيضاً؛ لعدم المنافاة خصوصاً في
1) الكافي 5 : 218، باب نادر، ح 3. ولكن في الكافي مفصلاً.
3248 - وفي رواية إبراهيم بن محمّد الثّقفي قال: استودع رجلان امرأة وديعة وقالا لها: لا تدفعي إلى واحد منا حتى نجتمع عندك، ثمّ انطلقا فغابا فجاء أحدهما إليها وقال: أعطيني وديعتي فإنّ صاحبي قد مات فأبت حتى كثر اختلافه إليها ثمّ أعطته ثمّ جاء الآخر فقال: هاتي وديعتي. قالت: أخذها صاحبك وذكر أنّك قد مت، فارتفعا إلى عمر.
فقال لها عمر: ما أراك إلا وقد ضمنت فقالت المرأة: اجعل عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيني
مثل هذه الصورة التي لم يتحقق بعد مملوكينه للثاني، وفي صورة تساوي الطريقين يردان إلى مولاهما (1)لعدم الترجيح وروى الكليني مرسلاً فيها القرعة(2)، مع أنّ عمومها أيضاً يشمله، فإنّها لكل مشكل كما سيجيء، والتلبيب: جمع الثياب عند النحر في الخصومة ثمّ جرّه وما في موضع اللبب من الثياب.
(وفي رواية إبراهيم بن محمّد الثقفي) الممدوح ولم يذكر طريقه إليه، والظاهر أنه أخذه من كتابه، أو من الكافي وفيه: الحسين بن محمّد، عن أحمد بن علي الكاتب، عن إبراهيم بن محمّد الثقفي، عن عبد اللّه بن أبي شيبة، عن حريز، عن عطاء بن السائب عن زاذان (قال: استودع رجلان امرأة) إلى آخره (3).
وبينه فقال له: اقض بينهما فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الوديعة عندها وقد أمر تماها ألا تدفعها إلى واحد منكما حتى تجتمعا عندها، فائتني بصاحبك ولم يضمنها وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنما أرادا أن يذهبا بمال المرأة.
3249 - وروى عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كان الرجل على عهد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) جاريتان فولدتا جميعاً في ليلةٍ واحدةٍ إحداهما ابناً والأخرى بنتاً، فعمدت صاحبة الابنة فوضعت ابنتها في المهد الذي كان فيه الابن وأخذت ابنها.
فقالت: صاحبة الابنة الابن ابني وقالت صاحبة الابن الابن ابني، فتحاكما إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأمر أن يوزن لبنهما. وقال: أيتهما كانت أثقل لبناً فالابن لها.
هذا من القضايا التي احتال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه حتى عمل بالواقع لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إنما أرادا أن يذهبا بمال المرأة) ولهذا لم يجيء بصاحبه.
(وروی عاصم بن حميد) في الصحيح كالشيخ (1)(عن محمّد بن قيس) الثقة بقرينة الراوي وكونه صاحب كتاب القضايا والظاهر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمل بالواقع، ويمكن أن يتعدّى منه أيضاً للتجربة وصحة الخبر والتأسي (فعمدت) أي قصدت، وفي بعض النسخ: فعديت أي ظلمت.
1) التهذيب 6 : 315 باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 80.
3250 - وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): ضرب رجل رجلاً في هامته على عهد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فادعى المضروب أنه لا يبصر بعينيه شيئاً، وأنه لا يشم رائحةً وأنّه قد خرس فلا ينطق فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن كان صادقاً فقد وجبت له ثلاث ديات النفس فقيل له: وكيف يستبين ذلك منه يا أمير المؤمنين حتى نعلم أنه صادق؟ فقال: أما ما ادعاه في عينيه وأنه لا يبصر بهما فإنه يستبين ذلك بأن يقال له ارفع عينيك إلى عين الشمس، فإن كان صحيحاً لم يتمالك إلا أن يغمض عينيه، وإن كان صادقاً لم يبصر بهما وبقيت عيناه مفتوحتين.
وأما ما ادعاه في خياشيمه وأنه لا يشم رائحةً فإنه يستبين ذلك بحراقٍ يدنى من أنفه، فإن كان صحيحاً وصلت رائحة الحراق إلى دماغه ودمعت عيناه ونحى برأسه.
وأما ما ادعاه في لسانه من الخرس وأنه لا ينطق فإنه يستبين ذلك بإبرة تضرب على لسانه، فإن كان ينطق خرج الدم أحمر وإن كان لا ينطق خرج الدم أسود.
(وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني والشيخ في القوي عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1)، فيمكن أن يكون للصدوق طريق آخر، والهامة الرأس. والحراق والحراقة ما يقع فيه النار عند القدح. وقد عمل بمضمونه بعض الأصحاب (2)، وبعضهم ردّه بالضعف، ويحمل هذه الأمور على حصول اللوث
3251 - وروى سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: أتي عمر ابن الخطاب بجارية فشهد عليها شهودٌ أنّها بغت وكان من قصتها أنها كانت يتيمة عند رجل، وكان للرّجل امرأةٌ، وكان الرّجل كثيراً ما يغيب عن أهله، فشبت اليتيمة وكانت جميلة فتخوّفت المرأة أن يتزوجها زوجها إذا رجع إلى منزله، فدعت بنسوة من جيرانها فأمسكنها ثمّ افتضتها بإصبعها، فلما قدم زوجها سأل امرأته عن اليتيمة فرمتها بالفاحشة، وأقامت البيّنة من جيرانها على ذلك، قال: فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فلم يدر كيف يقضي في ذلك.
فقال للرجل : اذهب بها إلى عليّ بن أبي طالب، فأتوا بها عليّاً وقضوا عليه القصة فقال لامرأة الرّجل: ألك بيّنة؟ قالت: نعم هؤلاء جيراني يشهدن عليها بما أقول، فأخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) السيف من غمده وطرحه بين
ليثبت بالقسامة.
(وروى سعد بن طريف) في الموثق (عن الأصبغ بن نباتة) ورواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1). (بغت) أي زنت (افتضتها) أزالت بكارتها (فرمتها بالفاحشة) أي نسبتها إلى الزنا (فقال الرجل اذهب) وفي بعض النسخ للرجل كما في الكتابين وهو أظهر (من غمده) - بالكسر - غلافه ؛
1) الكافي 7 : 425، باب النوادر، ح 9. التهذيب 6 : 308 باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 59.
يديه ثمّ أمر بكل واحدة من الشهود، فأدخلت بيتاً ثمّ دعا بامرأة الرجل فأدارها بكل وجه، فأبت أن تزول عن قولها فردّها إلى البيت الذي كانت فيه. ثمّ دعا بإحدى الشهود وجثا على ركبتيه وقال لها: أتعرفيني أنا عليّ ابن أبي طالب، وهذا سيفي وقد قالت امرأة الرجل ما قالت، ورجعت إلى الحق وأعطيتها الأمان فاصدقيني وإلّا ملأت سيفي منك، فالتفتت المرأة إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالت: يا أمير المؤمنين الأمان على الصدق، فقال لها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): فاصدقي فقالت: لا والله ما زنت اليتيمة، ولكن امرأة الرجل لما رأت حسنها وجمالها وهيئتها خافت فساد زوجها فسقتها المسكر ودعتنا فأمسكناها فافتضتها بإصبعها. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللّه أكبر اللّه أكبر، أنا أوّل من فرّق بين الشهود، إلّا دانيال ثمّ حد المرأة حدّ القاذف، وألزمها ومن ساعدها على افتضاض اليتيمة المهر لها أربع مائة درد ئة درهم،
حيلة لتخاف ونقرّ بالحق (و) كذا (جثا على ركبتيه) والبواقي من الحيل؛ لكونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عالماً بكذبها أو ليظهر الحق من الباطل (ورجعت إلى الحق) أي ترجع للمشارفة أو لتحققه واقعاً كما في (إذا وقعت) (وأعطيتها الأمان) أي في الذهاب إلى محلها السابق ونحوه أو الأمان من القتل ؛ لكونها غير مستحقة له، أو مع الاستحقاق تعزيراً وزجراً ونكالاً لغيرها (ملأتُ سيفي منك) وفي الكافي: لأملأن منك السيف، وفي التهذيب لأمكننّ السيف منك. أي لأقتلنّك، أو أقدّكِ بنصفين حتى يملأ السيف أحشاءكِ (أنا أوّل من فرّق بين الشهود إلّا دانيال) أي في واقعة الزنا وإلا فسيجيء تفريق الشهود من داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) (المهر لها) وفي الكتابين: ألزمهن جميعاً العقر وجعل عقرها (أربعمائة درهم) العقر: الجرح، وهو دية البكارة والمشهور أنها مهر أمثالها.
وفرّق بين المرأة وزوجها، وزوّجه واليتيمة ساق عنه المهر إليها من ماله.
فقال عمر بن الخطاب فحدّثنا يا أبا الحسن بحديث دانيال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال: إن دانيال كان غلاماً يتيماً لا أب له ولا أم، وإن امرأة من بني إسرائيل عجوزاً ضمّته إليها وربته وإنّ ملكاً من ملوك بني إسرائيل كان له قاضيان، وكان له صديق وكان رجلاً صالحاً وكانت له امرأة جميلة وكان يأتي الملك فيحدثه فاحتاج الملك إلى رجل يبعثه في بعض أموره فقال للقاضيين: اختارا لي رجلاً أبعثه في بعض أموري فقالا: فلان فوجهه الملك فقال الرّجل للقاضيين: أوصيكما بامرأتي خيراً فقالا: نعم فخرج الرّجل وكان القاضيان يأتيان باب الصديق فعشقا امرأته.
فراوداها عن نفسها فأبت عليهما فقالا لها: إن لم تفعلي شهدنا عليك عند الملك بالزنا؛ ليرجمك فقالت افعلا ما شئتما، فأتيا الملك فشهدا عليها أنها بغت وكان لها ذكر حسن جميل، فدخل الملك من ذلك أمر عظيم واشتد غمّه وكان بها معجباً فقال لهما : إنّ قولكما مقبول، فأجلوها ثلاثة أيام ثمّ ارجموها ونادى في مدينته احضروا قتل فلانة العابدة؛ فإنّها
والظاهر أنه كان مهر أمثالها ذلك (وفرّق بين المرأة وزوجها) بالطلاق كما وقع التصريح به فيهما (وزوجه اليتيمة وساق عنه) كما هو فيهما، وفي بعض النسخ: عنها، وهو من النساخ وإن أمكن أن يكون (عن) بمعنى اللام؛ لمجيء الجارة كل واحدة مكان الأخرى.
(فراوداها عن نفسها) أي طلباً مواقعتهما إيَّاها (ليرجمك) وفيهما ثمّ «لنرجمنك» (وكان لها ذكر حسن) أي بالصلاح والتقوى (وكان بها مُعجَباً) بالفتح - يعجبه صلاحها، واتهم القاضيين ولا يعرف وجه الحيلة (فأجّلوها) أو (فاجلدوها) (ثلاثة أيام ثمّ ارجموها).
قد بغت وقد شهد عليها القاضيان بذلك، فأكثر الناس القول في ذلك فقال الملك لوزيره: ما عندك في هذا حيلة ؟ فقال: لا والله ما عندي في هذا شيء.
فلما كان اليوم الثالث ركب الوزير وهو آخر أيامها فإذا هو بغلمان عراة يلعبون وفيهم دانیال فقال :دانیال یا معشر الصبيان، تعالوا حتى أكون أنا الملك وتكون أنت يا فلان فلانة العابدة، ويكون فلان وفلان القاضيين الشاهدين عليها، ثمّ جمع تراباً وجعل سيفاً من قصب ثمّ قال للغلمان: خذوا بيد هذا فنحوه إلى موضع كذا، والوزير واقف وخذوا هذا فنحوه إلى موضع كذا.
ثم دعا بأحدهما فقال: قل حقاً؛ فإنّك إن لم تقل حقاً قتلتك قال: نعم والوزير يسمع فقال له: بم تشهد على هذه المرأة، قال: أشهد أنها زنت؟ قال: في أي يوم. قال: في يوم كذا وكذا. قال: في أي وقت؟ قال: في وقت كذا وكذا. قال: في أي موضع ؟ قال: في موضع كذا وكذا. قال: مع من؟ قال: مع فلان بن فلان. فقال: ردّوا هذا إلى مكانه وهاتوا الآخر، فردّوه وجاءوا بالآخر فسأله عن ذلك فخالف صاحبه في القول. فقال دانيال: اللّه أكبر اللّه أكبر، شهدا عليها بزورٍ ثمّ نادى في الغلمان إن القاضيين شهدا على فلانة بالزور، فاحضروا قتلهما فذهب الوزير إلى الملك مبادراً فأخبره بالخبر فبعث الملك إلى القاضيين فأحضرهما ثمّ فرّق بينهما وفعل بهما كما فعل دانيال بالغلامين، فاختلفا كما اختلفا فنادى في النّاس وأمر بقتلهما.
وفيهما (فارجموها بعد ثلاثة أيّام)، والزور الباطل (وأمر بقتلهما) كما يفعله الملوك أو كان شريعة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كذلك.
3252 - وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): وجد على عهد أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) رجل مذبوح في خربة وهناك رجل بيده سكين ملطخ بالدم، فأخذ ليؤتى به أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأقرّ أنه قتله فاستقبله رجل فقال لهم: خلّوا عن هذا فأنا قاتل صاحبكم فأخذ أيضاً وأتي به مع صاحبه أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما، دخلوا قصوا عليه القصّة فقال للأوّل ما حملك على الإقرار، قال: يا أمير المؤمنين، إنّي رجل قصابٌ وقد كنت ذبحت شاة بجنب الخربة، فأعجلني البول فدخلت الخربة وبيدي سكين ملطخ بالدم فأخذني هؤلاء وقالوا: أنت قتلت صاحبنا، فقلت: ما يغني عني الإنكار شيئاً وهاهنا رجلٌ مذبوح، وأنا بيدي سكين ملطخ بالدم، فأقررت لهم أني قتلته فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) للآخر ما تقول أنت قال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين، فقال أمير المؤمنين : اذهبوا إلى الحسن ابني ليحكم بينكم، فذهبوا إليه وقصوا عليه القصّة فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما هذا فإن كان قد قتل رجلاً فقد أحيا هذا والله عزّوجل يقول: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) ليس على أحدٍ منهما شيء وتخرج الدية من بيت المال لورثة المقتول.
(وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه(1)قال: أخبرني بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ورواه الشيخ مرسلاً عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)،
1) الكافي 7 : 289 باب نادر، ح 2. التهذيب 6 : 315، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 81.
3253 - وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): توفّي رجل على عهد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخلّف ابناً وعبداً، فادعى كلّ واحدٍ منهما أنه الابن، وأن الآخر عبد له، فأتيا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتحاكما إليه فأمر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يثقب في حائط المسجد ثقبين ثمّ أمر كلّ واحدٍ منهما أن يدخل رأسه في ثقب ففعلا، ثمّ قال: يا قنبر جرّد السيف وأسر إليه لا تفعل ما أمرك به، ثمّ قال: اضرب عنق العبد، قال: فنحى العبد رأسه فأخذه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال للآخر: أنت الابن وقد أعتقت هذا وجعلته مولى لك.
والظاهر أخذه من الفقيه، وبمضمونه عمل أكثر الأصحاب؛ لانجبار ضعفه بالشهرة، وحكم الشيخين الأجلين بصحته فلا بأس بالعمل به، وذهب بعض أصحابنا إلى التخيير كما في نظائره وسيجيء، والظاهر أنّ العمل بهذا النص المعلل أولى من العمل بالقياس المردود مع حصول الشبهة، بل العلم العاري بصحة رجوعه عن الإقرار، بل لو لم يرجع عن الإقرار أيضاً، وإخراج الدية من بيت المال؛ لئلا يطل دم امرىء مسلم وهو المصالح المسلمين.
(وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) ورواه الكليني في الحسن كالصحيح، عن عبد اللّه بن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن رجلاً أقبل على عهد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الجبل حاجاً ومعه غلام فأذنب فضر به مولاه فقال: ما أنت مولاي، بل أنا مولاك، قال: فما زال ذا يتوعد ذا وذا يتوعد ذا ويقول: كما أنت حتى نأتي الكوفة يا عدو اللّه فأذهب بك إلى
أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما أتيا الكوفة أتيا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: الذي ضرب الغلام أصلحك اللّه هذا غلام لي وأنه أذنب فضربته فوتب علي، وقال الآخر هو والله غلامي إن أبي أرسله معي ليعلمني وأنه وثب علي يدعيني ليذهب بمالي قال: فأخذ هذا يحلف وهذا يحلف، وهذا يكذب هذا. وهذا يكذب هذا قال فقال: «انطلقا فتصادقا في ليلتكما هذه ولا تجيئاني إلا بحق»، قال: فلما أصبح أمير المؤمنين لا قال لقنبر: «اثقب في الحائط ثقبين» قال: وكان إذا أصبح عقب حتى تصير الشمس على رمح يسبّح، فجاء الرجلان واجتمع الناس فقالوا: لقد وردت عليه قضية ما ورد عليه - وفي التهذيب : علينا مثلها - لا يخرج منها، فقال لهما: «ما تقولان»، فحلف هذا أن هذا عبده وحلف هذا أنّ هذا عبده، فقال لهما: «قوماً فإنّي لست أراكما تصدقان»، ثمّ قال لأحدهما : أدخل رأسك في هذا الثقب»، ثمّ قال للآخر: «أدخل رأسك في هذا الثقب»، ثمّ قال: «يا قنبر، عليّ بسيف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عجل، أضرب رقبة العبد منهما»، قال: فأخرج الغلام رأسه مبادراً ومكث الآخر بالثقب - وفي التهذيب: في الثقب - فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للغلام: «ألست تزعم أنك لست بعبد؟» فقال: بلى، لكنه ضربني وتعدى علي قال : فتوثق له أمير المؤمنين ودفعه إليه(1). أي عهد ونذر وحلف المولى أن لا يضرب العبد.
ويمكن أن يكون هذه الواقعة غير ما في الأصل؛ للاختلاف الكثير، وعلى الأصل
1) الكافي 7 : 425، باب النوادر، ح 8. التهذيب 6 : 307، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 58.
3254 - وروى عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: أتي عمر بن الخطاب بامرأة تزوّجها شيخ، فلمّا أن واقعها مات على بطنها فجاءت بولد فادعى بنوه أنها فجرت، وتشاهدوا عليها، فأمر بها عمر أن ترجم فمروا بها على عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالت: يا ابن عم رسول الله، إنّي مظلومةٌ وهذه حجتي فقال: هاتي حجتك، فدفعت إليه كتاباً فقرأه فقال: هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوّجها، ويوم واقعها، وكيف كان جماعه لها، ردّوا المرأة فلما كان من الغد دعا علي بصبيان يلعبون أتراب وفيهم ابنها فقال لهم: العبوا، فلعبوا حتى إذا
يكون العتق من ماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو برضاه أو لأنّ للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اختيار النفس والمال، ويمكن أن يكون التوثيق كناية عن عتقه.
(وروی عمرو بن ثابت، عن أبيه) أبي المقدام في القوي، ورواه الكليني والشيخ والبرقي في القوي كالصحيح عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)(وتشاهدوا عليها) أي الإخوة على الظاهر وكانت شهادتهم لجرّ النفع غير مقبولة (فقال: هاتي حجتك) والقبالة مشتملة على ذكر الشهود وهم حجة فسميت بالحجة تجوزاً ؛ أو لأنها قرينة على صدقها (تعلمكم) بالشهود أو بالدعوى، وأفعال المسلمين محمولة على الصحة، مع أنّ الولد للفراش (أتراب)(2). أي ذوي أسنانه
ألهاهم اللعب فصاح بهم فقاموا وقام الغلام الذي هو ابن المرأة متكئاً على راحتیه فدعا به عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فورثه من أبيه وجلد إخوته المفترين حداً حداً، فقال له عمر: كيف صنعت قال: عرفت ضعف الشيخ في تكأة الغلام على راحتيه
3255 - وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): دخل على المسجد فاستقبله شاب وهو يبكي وحوله قوم يسكتونه، فقال ما أبكاك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن شريحاً قضى عليّ بقضيّة ما أدري ما هي إنّ هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في سفرهم فرجعوا ولم يرجع أبي فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله فقالوا ما ترك مالاً، فقدمتهم إلى شريح فاستحلفهم، وقد علمت يا أمير المؤمنين أن أبي خرج ومعه مال كثير
(وجلد إخوته المفترين حداً حداً)؛ لأنهم قذفوها ولم يثبتوا زناها وكانت شهادتهم باطلة، ويمكن أن يكون (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمل بعلمه الواقعي كما في نظائره.
(وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) ورواه الكليني في الموثق عن أبي بصير عنه (1). ورواه أيضاً قريباً من هذه الرواية قوياً عن الأصبغ بن نباتة (2)(يُسكتونه) من
فقال لهم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ارجعوا فردّوهم جميعاً، والفتى معهم إلى شريح فقال له: يا شريح كيف قضيت بين هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين ادعى هذا الغلام على هؤلاء النفر أنّهم خرجوا في سفر وأبوه معهم فرجعوا ولم يرجع أبوه فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله فقالوا: ما خلف شيئاً فقلت: للفتى هل لك بينة على ما تدعي فقال: لا فاستحلفتهم. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا شريح هيهات هكذا تحكم في مثل هذا.
فقال: كيف هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا شريح، والله لأحكمن فيهم بحكم ما حكم به خلق قبلي إلا داود النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، يا قنبر، ادع لي شرطة الخميس فدعاهم فوكّل بهم بكل واحد منهم رجلاً من الشرطة، ثمّ نظر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى وجوههم فقال: ماذا تقولون، أتقولون إنّي لا أعلم ما صنعتم بأب هذا الفتى ؟ إنّي إذا لجاهل، ثمّ قال: فرقوهم
التسكين أو الإسكات (هكذا تحكم في مثل هذا) يعني كان يجب عليك أن تسألني في أمثال هذه الوقائع حتى أحكم بالواقع كما اشترطت عليك في القضاء، أو لما كان موضع التهمة كان يجب عليك السؤال والتفتيش، أو لمّا ادعوا موته وأنه ما خلّف مالاً كان يمكنك طلب الشهود والتفريق حتى يتبيّن الحق، أو لما خرج معهم كان يجب عليهم أن يرجعوا به أو أثبتوا موته، وأنه لم يخلّف شيئاً كما يدلّ عليه أخبار كثيرة ستجيء إن شاء اللّه في القصاص (ادعُ لي شرطة الخميس) الخميس: الجيش سمّي به؛ لأنه ينقسم بخمسة أقسام المقدّمة، والساقة والميمنة والميسرة والقلب. والشرط: الأقوياء الذين يتقدمون الجيش كأنهم شرطوا على عدم الرجوع حتى يفتحوا أو يقتلوا.
وغطوا رءوسهم ففرّق بينهم وأقيم كلّ واحدٍ منهم إلى أسطوانة من أساطين المسجد ورءوسهم مغطاة بثيابهم.
ثم دعا بعبيد اللّه بن أبي رافع كاتبه. فقال: هات صحيفة ودواة وجلس علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مجلس القضاء واجتمع النّاس إليه فقال: إذا أنا كبرت فكبّروا ثمّ قال: للنّاس أفرجوا ثمّ دعا بواحد منهم فأجلسه بين يديه فكشف عن وجهه ثمّ قال لعبيد اللّه اكتب إقراره وما يقول.
ثم أقبل عليه بالسؤال ثمّ قال له: في أي يوم خرجتم من منازلكم وأبو هذا الفتى معكم فقال الرجل: في يوم كذا وكذا فقال: وفي أي شهر فقال: في شهر كذا وكذا قال: وإلى أين بلغتم من سفركم حين مات أبو هذا الفتى قال: إلى موضع كذا وكذا قال وفي أي منزل قال: في منزل فلان بن فلانٍ قال وما كان من مرضه قال كذا وكذا قال وكم يوماً مرض؟ قال: كذا وكذا يوماً قال فمن كان يمرّضه وفي أي يوم مات ومن غسله، وأين غسله، ومن كفنه، وبما كفنتموه، ومن صلى عليه، ومن نزل قبره، فلما سأله عن جميع ما يريد كبر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكبر الناس معه فارتاب أولئك الباقون ولم يشكوا أنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم وعلى نفسه فأمر أن يغطى رأسه وأن ينطلقوا به إلى الحبس، ثمّ دعا بآخر فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه ثمّ قال: كلاً زعمت أني لا أعلم ما صنعتم فقال: يا أمير المؤمنين ما أنا إلا واحد من القوم، ولقد كنت كارهاً لقتله، فأقرّ ثمّ دعا بواحدٍ بعد واحد فكلهم يقرّ بالقتل، وأخذ المال ثمّ ردّ الذي كان أمر به إلى السجن فأقر أيضاً، فألزمهم المال والدم.
فقال شريح: يا أمير المؤمنين وكيف كان حكم داود فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن داود النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مرّ بغلمة يلعبون وينادون بعضهم بعضاً مات الدين، فدعا منهم غلاماً فقال له: يا غلام ما اسمك؟ قال: اسمي مات الدين، فقال له داود (عَلَيهِ السَّلَامُ): من سماك بهذا الاسم؟ قال: أمّي، فانطلق إلى أمه فقال: يا امرأة ما اسم ابنك هذا؟ قالت مات الدين فقال لها. ومن سمّاه بهذا الاسم؟ قالت أبوه قال: وكيف كان ذلك؟ قالت: إنّ أباه خرج في سفر له ومعه قوم وهذا الصبي حمل في بطني، فانصرف القوم ولم ينصرف زوجي فسألتهم عنه فقالوا: مات. قلت: أين ما ترك؟ قالوا: لم يخلّف مالاً فقلت أوصاكم بوصية قالوا: نعم. زعم أنك حبلى فما ولدت من ولد ذكر أو أنثى فسمّيه مات الدين فسميته. فقال: أتعرفين القوم الذين كانوا خرجوا مع زوجك قالت: نعم. قال: فأحياء هم أم أموات؟ قالت: بل أحياء قال: فانطلقي بنا إليهم، ثمّ مضى معها فاستخرجهم من منازلهم فحكم بينهم بهذا الحكم فثبت عليهم المال والدّم. ثمّ قال للمرأة سمّي ابنك هذا: عاش الدين.
ثم إن الفتى والقوم اختلفوا في مال أب الفتى كم كان. فأخذ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاتمه وجمع خواتيم عدّةٍ ثمّ قال: أجيلوا هذه السهام فأيكم أخرج خاتمي فهو الصّادق في دعواه؛ لأنّه سهم اللّه عزّ وجل وهو سهم لا يخيب.
(ثم إن الفتى والقوم اختلفوا في مال أب الفتى) فبحسب الظاهر كان القول قول المنكر؛ لأنّ الفتى مدّع للزيادة، لكن لما تبين فسقهم وكذبهم علي (صلوات اللّه عليه) بالقرعة والظاهر أنّ كل واحد من المنكرين أقروا بقدر من المال إن المال كان كذا
3256 - وقضى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في امرأة أتته، فقالت: إن زوجي وقع على جاريتي بغير إذني فقال للرجل : ما تقول؟ فقال: ما وقعت عليها إلا بإذنها فقال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن كنت صادقة رجمناه، وإن كنت كاذبة ضربناك حداً، وأقيمت الصلاة، فقام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصلّي ففكرت المرأة في نفسها فلم تر لها في رجم زوجها فرجاً ولا في ضربها الحدّ فخرجت ولم تعد ولم يسأل عنها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
3257 - وقضى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل جاء به رجلان فقالا: إن هذا سرق درعاً، فجعل الرّجل يناشده، لما نظر في البيّنة وجعل يقول: والله لو كان
قدراً والفتى كان يدعي الزيادة، فجمع (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاتمه مع خواتيم عدة بقدرهم وأعطى شخصاً جاهلاً بها، وقال: ضع كل خاتم عند واحدٍ منهم فمن وقع عليه خاتمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان هو المصيب في دعواه. وهذه القرعة مخالفة لما سيجيء من أحكام القرعة. لكن على سبيل الإعجاز وقع خاتمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المحق منهم، فعلى هذا يكون الإخراج مجازاً، ويمكن أن يكون (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخفى الخواتيم تحت مصلاه وأمر كلّ واحدٍ بإخراج خاتم منها ويكون الإجالة مجازاً.
(وقضى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)- إلى قوله – صادقة) بأن تشهد البيّنة (رجمناه)، لكونه محسناً. وسيجيء هذا الخبر عن وهب وحكم المصنّف بضعفه (فقام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) تأخيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحد؛ لعدم موجبه بالنظر إلى الرجل، وبالنظر إلى المرأة للشبهة وإمكان إثباته.
(وقضى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1)(فجعل الرجل يناشده) ويحلفه بأن لا تقطع يدي وهما
1) الكافي 7 : 264، باب النوادر، ح 23. التهذيب 6 : 318 باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 83.
رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما قطع يدي أبداً قال: ولم؟ قال: كان يخبره ربي عزوجل أني بريء فيبرئني ببراءتي، فلما رأى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مناشدته إياه دعا الشاهدين وقال لهما: اتقيا اللّه ولا تقطعا يد الرجل ظلماً، وناشدهما ثمّ قال: ليقطع أحدكما يده ويمسك الآخر يده فلما تقدّما إلى المصطبة ليقطعا يده ضربا الناس حتى اختلطوا، فلما اختلطوا أرسلا الرجل في غمار الناس وفرّا حتى اختلطا بالنّاس، فجاء الذي شهدا عليه فقال: يا أمير المؤمنين، شهد عليّ الرّجلان ظلماً فلما ضربا الناس واختلطوا أرسلاني وفرا، ولو كانا صادقين لما فرّا ولم يرسلاني فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): من يدلني على هذين الشاهدين أنكلهما.
كاذبان في الشهادة، فلما علم (عَلَيهِ السَّلَامُ) كذبهما ولم يمكنه بحسب الظاهر أو للتقية طرح شهادتهما، وكان يعلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنهما بعد التخويف لا يقطعان يده أحال عليهما (المصطبة) كالدكان يجلس عليه، والظاهر أنها كانت للحدود (في غمار الناس) كثرتهم (من يدلّني على هذين الشاهدين) على الاستفهام حتى (أنكلهما) وأعزّرهما تعزيراً يكون نكالاً لغيرهما، والظاهر أنه كان مجرد التهديد أو لتأخير الحدّ ظاهراً.
وروى الكليني قوياً عن الأصبغ رفعه، قال: أتي عمر بخمسة نفر أخذوا في الزنا فأمر أن يقام على كلّ واحدٍ الحد، وكان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حاضراً، فقال: «يا عمر ليس هذا حكمهم». قال: فأقم أنت عليهم الحكم، فقدّم واحداً منهم فضرب عنقه وقدّم الثاني فرجمه وقدّم الثالث فضرب الحد، وقدّم الرابع فضربه نصف الحد، وقدّم الخامس فعزّره، فتحيّر عمرُ، وتعجّب النَّاسُ من فعله.
فقال عمر: يا أبا الحسن، خمسة نفر في قضية واحدة أقمت عليهم خمسة حدود ليس شيء منها يشبه الآخر ؟ فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أما الأول فكان ذمّيّاً خرج عن ذمته لم يكن له حكم إلا السيف وأمّا الثاني فرجل محصن كان حده الرجم. وأما الثالث فغير محصن حده الجلد، وأما الرابع فعبد ضربناه نصف الحد، وأما الخامس فمجنون مغلوب على عقله»(1).
وروي قوياً عن عاصم بن ضمرة السلولي، قال: سمعت غلاماً بالمدينة وهو يقول: يا أحكم الحاكمين احكم بيني وبين أمّي، فقال له عمر بن الخطاب: لم تدعو على أمك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّها حملتني في بطنها تسعة أشهر وأرضعتني حولين فلما ترعرعتُ أي نشأت وكبرتُ وعرفت الخيّر من الشر ويميني من شمالي طردتني وانتفت منّي وزعمت أنها لا تعرفني، فقال عمر: أين تكون الوالدة؟ قال: في سقيفة بني فلان، فقال عمر: عليَّ بأم الغلام.
قال: فأتوا بها مع أربعة إخوة وأربعين قسامة (أي الشهود أو الشهود الذين يحلفون على شهادتهم) يشهدون لها أنها لا تعرف الصبي، وأنّ هذا الغلام غلام مدع ظلوم غشوم (أي ظلوم) يريد أن يفضحها في عشيرتها، وأن هذه جارية من قريش لم تتزوّج قطّ وأنها بخاتم ربِّها، فقال عمر: يا غلام ما تقول؟ فقال: يا أمير المؤمنين.
1) الكافي 7 : 265، باب النوادر، ح 26. التهذيب 10 : 50، باب حدود الزنا، ح 188.
هذه والله أمي حملتني في بطنها تسعة أشهر وأرضعتني حولين، فلما ترعرعتُ وعرفت الخير من الشر، ويميني عن شمالي، طردتني وانتفت مني، وزعمت أنها لا تعرفني، فقال عمر: يا هذه ما يقول الغلام فقالت يا أمير المؤمنين، والذي احتجب بالنور فلا عين تراه وحق محمّد وما ولد، ما أعرفه ولا أدري من أي الناس هو، وإنه غلام مدع يريد أن يفضحني في عشيرتي، وإنِّي جاريةٌ من قريش لم أتزوّج قط، وإنى بخاتم ربِّي، فقال عمر: ألكِ شهود؟
فقالت: نعم هؤلاء، فتقدّم الأربعون القسامة فشهدوا عند عمر، أن الغلام مدعِ يريد أن يفضحها في عشيرتها، وأنّ هذه جارية من قريش لم تتزوّج قطُّ، وأنها بخاتم ربها، فقال عمر: خذوا هذا الغلام وانطلقوا به إلى السجن حتى نسأل عن الشهود. فإن عُدّلت شهادتهم جلدته حدّ المفتري.
فأخذ الغلام ينطلق به إلى السجن فتلقاهم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض الطريق فنادى الغلام: يا بن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إنني غلام مظلوم، وأعاد عليه الكلام الذي کلم به عمر، قال: ثمّ قال: وهذا عمر قد أمر بي إلى الحبس، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ردّوه إلى عمر»، فلما ردّوه، قال لهم :عمر: أمرت به إلى السجن فرددتموه إلي؟
فقالوا: يا أمير المؤمنين أمرنا علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن نرده عليك، وسمعناك وأنت تقول: لا تعصوا لعليّ أمراً. فبينا هم كذلك إذ أقبل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: «علي بالغلام» فأتوا بها، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا غلام ما تقول؟» فأعاد الكلام، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعمر: «أتأذن لي أن أقضى بينهم» فقال عمر: سبحان الله، وكيف لا وقد سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: «أعلمكم علي بن أبي طالب».
ثمَّ قال للمرأة: «يا هذا ألكِ شهود؟» قالت نعم فتقدم الأربعون قسامة
فشهدوا بالشهادة الأولى، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الأقضي اليوم بقضية بينكما هي مرضات الربّ من فوق عرشه، علَّمنيها حبيبي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)»، ثمّ قال لها: «ألكِ وليُّ؟» قالت: نعم، هؤلاء إخوتي. فقال لإخوتها: «أمري فيكم وفي أختكم جائز؟» قالوا: نعم يا بن عم محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أمرك فينا وفي أختنا جائز. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أشهد الله. وأشهد من حضر من المسلمين إنّي زوّجت هذه الجارية من هذا الغلام بأربعمائة درهم والنقد من مالي، يا قنبر عليَّ بالدراهم»، فأتاه قنبرُ بها فصبها في يد الغلام قال: «خذها فصبها في حجر امرأتك ولا تأتينا إلا وبك أثر العرس» يعني الغسل.
فقام الغلام فصب الدراهم في حجر المرأة ثمّ تلبَّبها، فقال لها: قومي فنادت المرأة : النّار. النّار يا بن عمّ محمّد تريد أن تزوّجني من ولدي؟ هذا والله ولدي زوّجني إخوتي هجيناً (أي معتقاً) فولدتُ منه هذا، فلما ترعرع وشبّ أمروني أن أنتفى منه وأطرده، وهذا والله ولدي، وفؤادي يتقلى (أي يتململ) ويضطرب أسفاً على ولدي، ثمّ قال: ثمّ أخذت بيد الغلام وانطلقت ونادى عمرُ وا عمراه لو لا علي لهلك عمر» (1).
وفي الحسن كالصحيح عن عمر بن يزيد، عن أبي المعلّى - وفي بعض النسخ أبي العلا - عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «أتي عمر بن الخطاب بامرأة قد تعلّقت برجل من الأنصار وكانت تهواه ولا تقدر له على حيلةٍ، فذهبت فأخذت بيضة فأخرجت منها الصفرة، وصبّت البياض على ثيابها بين فخذيها ثمّ جاءت إلى عمر فقالت:
1) الكافي 7 : 423، باب النوادر، ح 6. التهذيب 6 : 304، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 56.
يا أمير المؤمنين. إنّ هذا الرجل أخذني في موضع كذا وكذا ففضحني قال: فهم عمرُ أن يعاقب الأنصاري، فجعل الأنصاري يحلف - وأمير المؤمنين جالس - ويقول: يا أمير المؤمنين، تثبت في أمري. فلمّا أكثر الفتى قال عمر لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا الحسن ماترى ؟ فنظر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بياض على ثوب المرأة وبين فخذيها فاتهمها أن تكون احتالت لذلك، فقال: «ائتوني بماء حار قد أغلي غلياناً شديداً» ففعلوا، فلما أتي بالماء أَمَرَهم فصبّوا على موضع البياض، فاشتوى ذلك البياض فأخذه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فألقاه في فيه، فلما عرف طعمه ألقاه مِنْ فيه، ثمّ أقبل على المرأة حتى أقرّت بذلك ودفع اللّه عزّوجلّ عن الأنصاري عقوبة عمر» (1).
والأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصى، وتدلّ على خطر أمر القضاء وأن القضاء لا يصلح إلا للمعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولمن نصبه خاصاً أو عاماً عند الضرورة، وعلى أي حال فالصلح أولى مهما أمكن.
وروى الكليني في القوي عن عقبة بن خالد، قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لو رأيت غيلان بن جامع واستأذن عليَّ وأذنتُ له وقد بلغني أنه كان يدخل إلى بني هاشم - أو بني العباس أو بني فاطمة؛ لأن يعطيهم شيئاً من ابن هبيرة - فلما جلس قال: أصلحك الله، أنا غيلان بن جامع المحاربي قاضي ابن هبيرة قال: قلت: يا غيلان، ما أظنّ ابن هبيرة وضع على قضائه إلا فقيهاً؟ قال: أجل، قلت: يا غيلان تجمع بين المرء وزوجه؟ قال: نعم، قلت وتفرّق بين المرء وزوجه ؟ قال: نعم، قلت: وتقتل؟ قال: نعم، قلت: وتضرب الحدود؟ قال: نعم، قلت: وتحكم في أحوال اليتامى؟
1) الكافي 7: 422، باب النوادر، ح 4. التهذيب 6 : 304، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 55.
قال: نعم، قلت بقضاء من تقضي ؟ قال : بقضاء عمر، وبقضاء ابن مسعود، وبقضاء ابن عباس، وأقضى من قضاء علي بالشيء.
قال قلت: يا غيلان ألستم تزعمون - يا أهل العراق - وتروون أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: «عليّ أقضاكم. أو أقضاكم عليّ»؟ قال: وقلت: كيف تقضي يا غيلان؟ قال: أكتب: هذا ما قضى به فلان بن فلان الفلان بن فلان يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من سنة كذا، ثمّ أطرحه في الدواوين قال: قلت: يا غيلان هذا الحتم من القضاء؟ فكيف تقول إذا جمع اللّه الأوّلين والآخرين في صعيد ثمّ وجدك قد خالفت قضاءَ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ قال : فأقسم بالله جعل ينتحب، قلت: أيها الرجل أقصد لسانك (أي انظر لا تتكلّم بشيءٍ يضرك في الآخرة أو كسره) ثمّ قدمت الكوفة - هذا من كلام عقبة بن خالد - فمكثت ما شاء الله. ثمّ إني سمعت رجلاً من الحي يحدّث وكان في سمر ابن هبيرة (1)، قال : والله إني لعنده ليلة إذ جاء الحاجب فقال: هذا غيلان بن جامع فقال: أدخله قال : فدخل فسائله ثمّ قال له: ما حال الناس؟ أخبرني لو اضطرب جيل من كان لها (أي لو وقعت معضلة من يعرف كشفها، والظاهر أن ابن هبيرة كان شيعياً يعرف حال الأئمة) قال: ما رأيت ثمّ أحداً إلا جعفر بن محمّد، قال: فأخبرني ما صنعت بالمال الذي كان معك؟ فإنّه بلغني أنه طلبه منك فأبيت، قال: قسمته، قال: أفلا أعطيته ما طلب منك؟ قال: ما رأيت ثمّ أحداً إلا جعفر بن محمّد، قال: فأخبرني ما صنعت بالمال الذي كان معك ؟ فإنه بلغني أنه طلبه منك فأبيت قال: قسمته، قال: أفلا أعطيته ما طلب منك؟ قال: كرهتُ أن أخالفك، قال: فسألتك بالله أمرتك أن تجعله أولهم قال: نعم، قال: ففعلت؟ قال: لا، قال: فهلا خالفتني
1) السمر - المسامرة وهي الحديث بالليل الصحاح 2 : 688.
3258 - روى الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه قضى أن يحجر على الغلام المفسد حتى يعقل.
وأعطيته المال كما خالفتني فجعلتني آخرهم؟ أما والله لو فعلت ما زلت منها سيداً ضخماً، حاجتك (أي هاتها) قال تخليني قال تكلّم بحاجتك، قال: تعفيني عن القضاء، قال: فحسر عن ذراعيه ثمّ قال: أنا أبو خالد لقيته والله علياً ملقفاً(1)نعم قد أعفيناك واستعملنا عليه الحجاج بن عاصم (2). يمكن أن يكون الضمير في لقيته راجعاً إلى نفسه وهو أبو خالد أو إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والعلي: العالي، والملقف: العالم الحاذق، والضخم - بالفتح ومحركة - : العظيم أو الواسع العطاء.
باب الحجر والإفلاس
المحجور: هو الممنوع من التصرف في ماله؛ لصغر أو جنون أو سفه أو ملك أو فلس أو مرض والمفلس من كان مديناً ولا يفي ماله بديونه.
(روى الأصبغ بن نباتة) - بفتح الهمزة، وقد يروى: بالكسر وبضم النون، ويروى بالفتح - من خواص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والطريق إليه قوي (أنه قضى أن يحجر على الغلام المفسد) أعم من أن يكون بالغاً أم لا : لقوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً
وقضى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الدين أنه يحبس صاحبه فإذا تبين إفلاسه والحاجة فيخلي سبيله حتى يستفيد مالاً.
فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (1)وقوله تعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّه لَكُمْ قِيَامًا) (2)إلى غير ذلك من الآيات والأخبار التي سيذكر بعضها (حتى يعقل) ولا يفسد أمواله بالإسراف والتبذير أو يصلح ماله بالضبط والتنمية.
(وقضى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الدين) إذا ثبت على المستدين بأن يكون له مال أولاً، أو كان أصل الدعوى مالاً لا مثل المهر على الفقير (خلي سبيله حتى يستفيد مالاً) كما قال تعالى : (وإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) (3)، ورواه الشيخ في الموثق عن عمار مثله (4)، ويمكن أن يكون هذا خبر عمّار، وفي الموثق عن غياث مثله بطرق ثلاثة (5). وروى الشيخ بإسناده إلى السكوني أنّ عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يحبس في الدين ثمّ ينظر فإن كان له مال أعطى الغرماء، وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: «اصنعوا به ما شئتم إن شئتم فآجروه، وإن شئتم استعملوه» (6).
فيمكن أن يكون على سبيل التعزير بأن كان يعلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن له مالاً ويدافع؛ لئلا ينافي ظاهر الآية والأخبار، فمن ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد اللّه بن
وقضى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل يلتوي على غرمائه أنه يحبس، ثمّ يؤمر به فيقسم ماله بين غرمائه بالحصص فإن أبي باعه فقسمه بينهم.
3259 - وسأل أبو أيوب الخزاز أبا عبد اللّه له عن الرجل يحيل الرّجل بالمال أيرجع عليه قال: لا يرجع عليه أبداً إلا أن يكون قد أفلس قبل ذلك.
المغيرة عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن امرأة استعدت (أي استنصرت) على زوجها أنه لا ينفق عليها، وكان زوجها معسراً فأبى أن يحبسه وقال: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (1).
(وقضى (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني والشيخ في الموثق عن عمار (2)(في الرجل يلتوي) أي يتثاقل ويدافع على غرمائه مع حلول الدين (أنه يحبس) أي في السجن، أو عن التصرف في ماله وهو أظهر (ثمَّ يؤمر فيقسّم) هو (ماله بين غرمائه بالحصص) بنسبة الدين (فإن أبي) الغريم من البيع والقسمة (باعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقسمه بينهم) (وسأل أبو أيوب الخزاز) في الصحيح، ورواه الكليني والشيخ في الموثق عن منصور بن حازم (3)(إلا أن يكون قد أفلس قبل ذلك) ولم يكن عالماً به ولا مناسبة له بهذا الباب إلا من حيث لفظ الإفلاس وكأنه سهو؛ لأنّ الغرض من ذكر هذا الباب وأمثاله في باب القضاء أنّ القاضي يحجر ويمنع.
1) التهذيب 6 : 299، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 44. والآية في سورة الشرح : 5.
2) الكافي 5 : 102، باب إذا التوى الذي عليه الدين على الغرماء، ح 1. التهذيب 6 : 191، باب الديون وأحكامها، ح 37 ولكن فيه إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يفلس الرجل على غرمائنا إلى آخره. وفي الكافي (يحبس الرجل) بدل قوله: (كان يفلس الرجل).
3) الكافي 5 : 104، باب الكفالة والحوالة، ح 4. التهذيب 6 : 212، باب الحوالات، ح 3.
3260 - روى السكوني بإسناده قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا يشفعن أحدكم في حدّ إذا بلغ الإمام، فإنّه لا يملكه فيما يشفع فيه وما لم يبلغ الإمام فإنّه يملكه فاشفع فيما لم يبلغ الإمام إذا رأيت الندم، واشفع فيما لم يبلغ الإمام في غير الحدّ مع رجوع المشفوع له، ولا تشفع في حق امرئ مسلم أو غيره إلا بإذنه.
باب الشفاعات في الأحكام
(روى السكوني بإسناده) هنا والكافي (1)(لا يشفعن أحدكم في حد) أو أحدٍ (إذا بلغ - إلى قوله - وما لم يبلغ الإمام) أو واشفع فيما لم يبلغ الإمام (فإنّه - إلى قوله - فيما لم يبلغ الإمام) أو واشفع عند الإمام (في غير الحد - إلى قوله - إلا بإذنه).
اعلم أنه قد وقع من النسّاخ في هذه الرواية أغلاط كثيرة مع اختلاف النسخ في هذا الكتاب، وقد وقع من الفضلاء - أيضاً - أغلاط كثيرة، والصحيح ما في الكافي والتهذيب، (لا يشفعن أحد - وبخط الشيخ - أحداً) (2)وهو سهو (في حد إذا بلغ الإمام فإنّه يملكه) أي صار الحد ملكاً له فلا يمكن الشفاعة؛ لأن ملك الإمام ملك الله، ولا مداهنة في حقه تعالى بعد ثبوته، وعلى نسخة الكتاب لا يملك الإمام
درء الحد بعد ثبوته وهو أحسن واشفع فيما لم يبلغ الإمام إذا رأيت الندم، أي اشفع عند الشهود بأن لا يشهدوا عند الإمام؛ لأنه تاب أو عند الإمام بأنه تاب فلان من ذنب وقع عليه، فإن شهد عندك أحدٌ فلا تقبل؛ لأنه تاب قبل البلوغ إليك واشفع عند الإمام في غير الحد مع الرجوع (وفي التهذيب بدله) (مع الرضا (1)من المشفوع له) أي شفّع عند الإمام للمشفوع إذا تاب في التعزير دون الحد، فإنه وإن ثبت موجبه، لكن التوبة تزيله أو في غير التعزير من الأموال والحقوق يجوز فيه الشفاعة بالصلح مع احتمال الرجوع أو مع رضى المدّعي كما في التهذيب: (ولا تشفع في حق امرئ مسلم ولا غيره إلا بإذنه) (2)أي الإمام أو الشخص وهو أظهر، وحلّ المتن أيضاً هو هذا. وروى الكليني والشيخ في الصحيح، عن محمّد بن قيس - الثقة - عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان لأم سلمة - زوجة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - أمة فسرقت من قوم فأتي بها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكلمته أم سلمة فيها فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يا أم سلمة، هذا حد من حدود اللّه لا يضيع فقطعها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (3).
وفي الموثق كالصحيح عن أبان بن عثمان، عن سلمة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان أسامة بن زيد يشفع في الشيء الذي لا حدّ فيه، فأتى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بإنسان قد وجب عليه حد فشفع له أسامة فقال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا يشفع في : حد»(4).
وفي الصحيح عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا يعفى عن الحدود
3261 - روی صفوان بن مهران عن عامر بن السمط، عن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرّجل يقع على أخته قال: يضرب ضربة بالسيف بلغت، منه ما بلغت فإن عاش خلد في الحبس حتى يموت.
التي اللّه دون الإمام (أي عنده) فأما ما كان من حقوق الناس في حد فلا بأس أن يعفى عنه دون الإمام» (1)أي بأن يعفو عنه مستحقه كالقذف والسرقة على خلاف فيها، إلى غير ذلك من الأخبار التي سيجيء بعضها في باب الحدود وغيره.
باب الحبس بتوجه الأحكام(2)
أي بأمرهم في موارد خاصة - أو الأحكام - كما في بعض النسخ، وعلى النسختين لا يخلو من شيء.
(روى صفوان بن مهران) في الحسن كالصحيح (عن عامر بن السمط) وهو مجهول (عن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) وروى الكليني مرسلاً(3)ما في معناه وسيجيء الأخبار في ذلك في الحدود (بلغت منه ما بلغت) أي سواء قتلته أم لا، ولا يشترط في الزنا بالمحارم الإحصان.
3262 - وروى السكوني بإسناده أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال في رجل أمر عبده أن يقتل رجلاً فقتله قال: هل عبد الرّجل إلّا كسوطه وسيفه فقتل السيد، واستودع العبد السجن.
3263 - ورفع ثلاثة نفر إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمّا واحد منهم أمسك رجلاً وأقبل الآخر فقتله والثالث في الرّؤية يراهم فقضى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الذي في الرؤية أن تسمل عيناه وقضى في الذي أمسك أن يحبس حتى يموت كما
(وروى السكوني بإسناده) ورواه الشيخ والكليني أيضاً عنه(1)وفي الموثق كالصحيح، عن إسحاق بن عمّار مثله في المعنى (2). وردّهما الشيخ بمخالفتهما للقرآن والأخبار، ووجههما بمن كان معتاداً لذلك (3)، ويمكن التوجيه؛ لصغره أو بزوال عقله حين الأمر من المولى الجبّار. ويمكن جمعهما بالتخصيص؛ لأنه لم يرد نص في العبد سوى هذين، فإذا لم يكن لهما معارض أشكل طرحهما.
(ورفع ثلاثة نفر إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) هذه رواية السكوني بإسناده إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)(4)، وبمضمونها عمل الأصحاب؛ لتأيدها بروايات صحيحة سنذكرها عند ذكر المصنّف هذه الرواية في الحدود إن شاء اللّه تعالى (فقضى - إلى قوله – عيناه) أي من يرى الأطراف؛ لئلا يطلع أحدٌ وهو بالفارسية: ديده بان، والشمل:
1) الكافي 7 : 285 باب الرجل يأمر رجلاً بقتل رجل، ح 3. التهذيب 10 : 220، باب الاثنين إذا قتلا، ح 13.
2) الكافي 7 : 285، باب الرجل يأمر رجلاً بقتل رجل، ح 2. التهذيب 10 : 220، باب الاثنين إذا قتلا، ح 12.
3) التهذيب 10 : 220، باب الاثنين إذا قتلا، ذيل ح 13.
4) الكافي 7 : 288، باب الرجل يمسك الرجل فيقتله الآخر، ح 4. التهذيب 10 : 219، باب الاثنين إذا قتلا، ح 10.
أمسكه وقضى في الذي قتل أن يقتل.
3264 - وفي رواية حمادٍ، عن حريز أن أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لا يخلّد في السجن إلا ثلاثة الذي يمسك على الموت يحفظه حتى يقتل.
والمرأة المرتدّة عن الإسلام والسارق بعد قطع اليد والرجل.
أن يجعل عينه أعمى بالقلع أو بإذهاب النور منها كما سيجيء.
(وفي رواية حماد) في الصحيح عن حريز والكليني في الحسن كالصحيح (1)(أنّ أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لا يخلد في السجن إلا ثلاثة) الحصر إضافي (الذي يمسك على الموت يحفظه حتى يُقتل) بأن أمسكه حتى قتله آخرُ أو أمر بقتله، كما ورد به الأخبار الصحيحة وستجيء.
(والمرأة المرتدّة عن الإسلام) وإن كانت فطريّة، ولا تقتل المرأة بالارتداد بل تحبس وتضرب أوقات الصلوات حتى ترجع وتصلي (والسارق بعد قطع اليد) اليمنى في السرقة الأولى (والرجل) اليسرى في الثانية يحبس في السجن حتى يموت إلا أن يسرق في السجن فيقتل.
وروى الشيخ في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يحبس في السجن إلا ثلاثة: الغاصب، ومن أكل مال يتيم ظلماً، ومن اؤْتُمِنَ على أمانة فذهب بها، وإن وجد له شيئاً باعه غائباً كان أو شاهداً» (2)والحصر إضافي بالنسبة إلى الأموال.
3265 - وروى عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: على الإمام أن يخرج المحبوسين في الدين يوم الجمعة، إلى الجمعة ويوم العيد، إلى العيد فيرسل معهم فإذا قضوا الصلاة والعيد ردّهم إلى السجن.
3266 - وفي رواية أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: يجب على الإمام أن يحبس الفساق من العلماء والجهال من الأطباء والمفاليس من الأكرياء وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): حبس الإمام بعد الحدّ ظلم.
(وروى عبد اللّه بن سنان) في الصحيح ورواه الشيخ مرسلاً عن عبد الله بن سيابة (1)، والظاهر أخذه من الفقيه، فيمكن أن يكون السهو من النساخ أو من الشيخ رحمه اللّه تعالى كما هو شأنه كثيراً، ويدل على وجوب صلاة الجمعة والعيدين ولا شكّ فيه مع حضور الإمام.
(وفي رواية أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي) عن أبيه في الصحيح (عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ))(2)أرسل؛ لعدم إمكان رؤية البرقي عليّاً، ويدلّ على الوجوب على الإمام، وفي تعدية الحكم إلى الحكّام إشكال، ولا شكّ في لزومه؛ لأنّ مدار الفساد في الدين والنفس والمال عليهم غالباً.
(وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الشيخ بإسناده إلى السكوني عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(3)وإذا كان الحد في
3267 - قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً.
حدود اللّه أو حدود الناس ولم يرد فيه حبس من الشارع فلا شك أنه ظلم، وروي في بعض الموارد، وسيجيء، وهو مخصص لهذا العام أو مقيد لهذا المطلق.
باب الصلح
(قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه) كما سيجيء [في] الأخبار الصحيحة، بل هو من المتواترات.
(والصلح جائز بين المسلمين) كما قال تعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ) (1)وغيرها من الآيات وتقدّم في خبر شريح، والظاهر أنه يجوز مع الإقرار والإنكار (إلا صلحاً أحل حراماً) بأن يصلح على شرب الخمر، وأكل مال الغير عدواناً، وأمثالهما (أو حرم حلالاً) بأن لا ينكح زوجة أخرى أو لا يجامع زوجته وغيرهما. وروى الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:
1) النساء : 128.
«الصلح جائز بين المسلمين» (1)، أي ليس بحرام فلا ينافي الرجحان للآية والأخبار (2).
وروى الشيخ في القوي عن أبي حنيفة السابق قال: مرّ بنا المفضل، وأنا وختني نتشاجر في ميراث فوقف علينا ساعة فقال: تعالوا إلى المنزل فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم ودفعها إلينا من عنده حتى استوثق كلُّ واحدٍ منا من صاحبه، ثمّ قال: أما إنّها ليس من مالي ولكن أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمرني إذا تنازع الرجلان من أصحابنا في شيءٍ أن أصلح بينهما وأفتديهما من ماله، فهذا مال أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).
وروى الكليني في الحسن كالصحيح عن الحلبي - والظاهر أن أمثال هذه الأخبار صحيحة؛ لأنّ في الطريق إبراهيم بن هاشم وهو من مشايخ الإجازة مع أنه اعتمد القمّيّون عليه في نقل كتب الكوفيين، ولو لم يكن في نهاية الثقة والاعتماد لما اعتمدوا عليه، لكنّا نسلك مسلك المتأخرين - ورواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي وأبي الصباح، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه وكان من المال دين، فقال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال ولك الربح وعليك التوى (أي النقصان فقال: «لا بأس إذا اشترطا، فإذا كان شرطه يخالف كتاب اللّه فهو ردُّ إلى كتاب اللّه عزّوجلّ» (4).
3268 - وروى العلاء عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال في رجلين كان لكلّ واحدٍ منهما طعام عند صاحبه ولا يدري كلّ واحدٍ منهما كم له عند صاحبه فقال: كلّ واحدٍ منهما لصاحبه لك ما عندك ولي ما عندي، فقال: لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت أنفسهما.
3269 - وروى عليّ بن أبي حمزة قال: قلت لأبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل
(وروى العلاء عن محمّد بن مسلم) في الصحيح كالشيخ، والكليني في الحسن كالصحيح، ورواه الشيخ في الصحيح، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).
(عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) أنه (قال في رجلين) هذا من الصلح الضروري، أو يقال: إن ما هو معلوم بأنه عند صاحبه يجب إقباضه والمشكوك فيه لا يجب، فيمكن أن يكون عند الفحص يكون عند واحد أكثر ممّا عند الآخر، فالصلح غير لازم؛ ولهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت أنفسهما). وهو إما من الصلح، وعلى هذا يدلّ على جواز الصلح في الربوي والجهالة لا مدخل لها في الجواز ظاهراً؛ لأنه يمكن دفعها بضم شيء آخر من غير الجنس إليهما، ويؤيده الأصالة(2)، ويمكن أن يكون من باب الإبراء وهو أظهر فلا يتم الاستدلال.
(وروى علي بن أبي حمزة) في الموثق كالكليني والشيخ(3)، ويدل على عدم
يهودي أو نصراني كانت له عندي أربعة آلاف درهم فمات ألي (1)أن أصالح ورثته ولا أعلمهم كم كان؟ قال: لا يجوز حتى تخبرهم.
جواز الصلح بدون الأخبار بما في الذمة والرضا بعده، لكن لا يدلّ على عدم ظاهراً، وكان مستند المشهور من الصحة ظاهر العمومات السابقة والاحقة ولا يخلو من إشكال بعد هذا النص، ويدلّ على أنّ الحق ينتقل إلى الوارث كسائر عمومات الإرث. وروى الكليني والشيخ في الصحيح، عن عمرو بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا كان للرجل على الرجل دين فمطله حتى مات ثمّ صالح ورثته على شيء، فالذي أخذته الورثة لهم وما بقي فهو للميت يستوفي منه في الآخرة، وإن هو لم يصالحهم على شيء حتى مات ولم يقض عنه فهو للميت يأخذه به»(2).
ويمكن أن يقال: حق الاستيفاء لكلِّ واحدٍ من الورثة إلى أن يصل إلى اللّه تعالى: لأنه يصدق أنه أخذ حقه لكن ما دام حيّاً، ويمكن أن يترتب الأثر عليه ميناً أيضاً للتقصير، ويحمل هذا الخبر على أنّ معظم الحق له، ويدل أيضاً على أن الصلح لا ينفع إذا لم يعلم واقعاً، وفي الظاهر إشكال.
ويدل على وجوب الاخبار، بل على عدم وقوع الصلح ظاهراً أيضاً، وعلى أحكام كثيرة ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح (3)- غالبا - عن أبي ولاد الحناط
قال: اكتريتُ بغلاً إلى قصر ابن هبيرة (1)ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة أخبرتُ أنّ صاحبي توجه إلى النيل - وهو بلد بين بغداد وواسط وقرية بالكوفة - فتوجهت نحو النيل (2)- فلما أتيت النيل - خُبِّرتُ أنّ صاحبي توجّه إلى بغداد فأتبعته وظفرت به وفرغت ممّا بيني وبينه ورجعنا إلى الكوفة وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فأخبرت صاحب البغل بعذري وأردت أن أتحلّل منه وأرضيه، فبذلت له خمسة عشر درهماً فأبى أن يقبل. فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة وأخبره الرجل، فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته إليه سليماً، قال: نعم بعد خمسة عشر يوماً، قال: فما تريد من الرجل؟ قال: أريد كرى بغلي فقد حبسه عنّي خمسة عشر يوماً، فقال: ما أرى لك حقاً؛ لأنه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف وركبه إلى النيل وإلى بغداد فضمن قيمة البغل وسقط الكري. فلمّا ردّ البغل سليماً وقبضته لم يلزمه الكري.
قال: فخرجنا من عنده وجعل صاحب البغل يسترجع (أي يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (3)من المصيبة التي وقعت عليها) فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحلّلت منه، فحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما أفتى به أبو حنيفة، فقال: «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءَها والأرضُ بركتها» قال: فقلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): فما ترى أنت؟ قال: «أرى له عليك مثل كرى بغل ذاهباً
من الكوفة إلى النيل، ومثل كرى بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كرى بغل من
بغداد إلى الكوفة توفيه إياه».
قال: فقلت: جعلت فداك، قد علّقته بدراهم فلى عليه علفه؟ فقال: «لا : لأنك غاصب» فقلت: أرأيت لو عطب البغل أو نفق، أليس كان يلزمني؟ قال: «نعم قيمة بغل يوم خالفته قلت: فإن أصاب البغل كسر أو دبر (1)أو عقر (2)(أي جرحا)؟ فقال: «عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه عليه»، قلت: فمن يعرف ذلك ؟ فقال: «أنت. وهو إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك. فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين أكري (3)كذا وكذا فيلزمك».
قلت: إني كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحلّلني، فقال: «إنما رضي بها وحللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم، ولكن أرجع إليه فأخبره بما أفتيتك به. فإن جعلك في حل بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك».
قال أبو ولاد: فلما انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري فأخبرته بما أفتاني به أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقلت له: قل ما شئت حتى أعطيكه فقال: قد حببت إلى جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووقع في قلبي له التفضيل، وأنت في حلّ، وإن أحببت أن أرد عليك الذي
3270 - وروى أبان عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)في الرّجل يكون عليه دين إلى أجل مسمى فيأتيه غريمه ويقول له: انقد لي من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيّته، أو يقول: انقد لي بعضاً وأمد لك في الأجل فيما بقي فقال: لا أرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً؟ يقول اللّه عزّوجلّ: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ).
أخذته منك فعلت (1).
وروى الشيخ في القوي عن عبد الرحمن بن الحجّاج وداود بن فرقد جميعاً عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالا: سألناه عن الرجل يكون عنده المال لأيتام فلا يعطيهم حتى يهلكوا، فيأتيه وارثهم ووكيلهم فيصالحه على أن يأخذ بعضاً ويدع بعضاً ويبرئه ممّا كان أيبرأ منه؟ قال: «نعم» (2)وظاهره الإعلام والإبراء بطيب النفس، أو يحمل على البراءة الظاهرية.
(وروى أبان) في الموثق كالصحيح بل الصحيح؛ فإنّ جارحه بالناووسية علي بن الحسن وهو فطحي، ورواه الشيخ في الصحيح عن أبان (عن محمّد بن مسلم) ورواه أيضاً في الصحيح والكليني في الحسن كالصحيح عن الحلبي(3)والكليني في القوي والشيخ في الصحيح عن أبان عمّن حدّثه (عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) والحلبي
3271 - وروى حماد عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل يعطي أقفزةً من حنطة معلومة يطحنون بالدراهم فلما فرغ الطحان من طحنه نقده الدراهم وقفيزاً منه وهو شيء قد اصطلحوا عليه فيما بينهم قال: لا بأس به، وإن لم يكن ساعره على ذلك.
عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويدلّ على جواز الصلح ببعض الحق على بعض المدة، وعلى بعض المدة ببعضها، وعلى عدم جواز التأجيل بالزيادة على الحق وإن كان على سبيل الصلح؛ فإنه رباً يقول اللّه عزّوجلّ: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ). بالنقص عنها (ولا تُظْلَمُونَ) (1)بالزيادة عليها والاستشهاد بالآية؛ لأجل الزيادة والنقص بالصلح ثبت بالأخبار المستفيضة (2).
ويؤيده ما رواه الشيخ في الصحيح، عن الحلبي وغير واحد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل يكون عليه الشيء فيصالح ؟ فقال: «إذا كان بطيبة نفس من صاحبه فلا بأس» (3).
(وروى حماد) في الصحيح كالشيخ (4)(عن الحلبي - إلى قوله – الدراهم) الظاهر أن المراد به أنه أعطاه بعض الدراهم (وقفيزاً منه) أي من الدقيق الذي طحنه (وهو شيء قد اصطلحوا عليه فيما بينهم) أي اصطلحوا على بعض الدراهم بالدقيق (قال: لا بأس به وإن لم يكن ساعره على ذلك) وإن لم يقع البيع والشراء على ذلك، والصلح
3272 - وروى الحسن بن محبوب، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: إني كنت عند قاض من قضاة المدينة فأتاه
أيضاً من أنواع المعاوضات. ويمكن أن يكون المراد به أنه وقع الأجرة على الدراهم. ولكن حين القبض أبدل عن بعضها بالدقيق، وهذا المعنى أمر مقرّر عند الطحانين. ففي الحقيقة كانه وقع العقد على بعض الدراهم، والدقيق لما كان مقرراً عندهم فيجوز حينئذ جبرهم على أخذ الدقيق عوضاً عن بعض الدراهم، أو لأنه لما كان يعطي الدقيق الذي حصل بفعل الأجير وله فيه أجيره، فكأنه جعل فعله أجرة على فعله، فلما توهم السائل هذا التوهم أجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه لا بأس به؛ لأنّ العقد وقع على الدراهم لا على الدقيق، وحين يعطى الدقيق فهو ملكه إن كان عليه الأجرة.
لكن على هذا يكون ترك الواو أحسن في قوله: (وإن لم يكن) وإن أمكن أن يكون فرداً خفياً؛ لعدم إيقاع البيع كما ذكر، ويمكن أن يكون المراد بالدراهم جميعاً وكان العقد عليها، لكن تقرّر عندهم أنهم يأخذون الزيادة بحسب ما تقرر عندهم كما هو المقرّر الآن عند بعضهم أنه يأخذون كفّاً لكلّ من، ويكون السؤال باعتبار وجوب إعطائهم أو جوازه ويكون الجواب باعتبار أنّ المقدّر كالمذكور وهو أظهر من الخبر، لكن ذكرُ المصنّف والشيخ هذا الخبر في باب الصلح، يؤيد المعنى الأول، لكن الفهم غير حجة، مع أنه ليس بصريح في أنهما أي شيءٍ فهما منه.
(وروى الحسن بن محبوب عن العلاء) في الصحيح كالكليني والشيخ(1)(عن محمّد بن مسلم - إلى قوله - المدينة) معاشرتهم إيَّاهم إمّا للتقيّة أو للتعليم وقضاء
1) الكافي 5 : 290، باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها، ح 4. التهذيب 7 : 215 - 214، باب الإجارة، ح 23.
رجلان فقال أحدهما: إنّي اكتريت من هذا دابة ليبلغني عليها من كذا وكذا إلى كذا وكذا فلم يبلغني الموضع فقال القاضي لصاحب الدابة: بلغته إلى الموضع قال: لا قد أعيت دابتي فلم تبلغ فقال له القاضي: ليس لك كراء إذ لم تبلغه إلى الموضع الذي اكترى دابتك إليه قال : فدعوتهما إلي فقلت للذي اكترى ليس لك يا عبد اللّه أن تذهب بكراء دابة الرّجل كلّه وقلت للآخر: يا عبد اللّه ليس لك أن تأخذ كراء دابتك كله ولكن انظر قدر ما بقي من الموضع وقدر ما ركبته فاصطلحا عليه ففعلا.
حوائج المضطرين، أو لئلا يحكموا بخلاف الحق مهما أمكن، أو لإجراء الحق (إنّي اكتريت) إلى آخره، وفيهما: (إنّي تكاريت هذا يوافي بي السوق يوم كذا وكذا) أي لأصل إلى مكان للعرب سوق فيه والآن أيضاً كذا؛ لأنه لا يمكنهم أن يكون السوق في مكان، بل كان لهم أيام خاصة يجتمعون للمعاملة فيها، والظاهر أنه كان هذا الشرط في أصل الإجارة وكان باطلاً؛ لعدم إمكانه غالباً (فلم يبلغني الموضع) وفيهما: (وأنه لم يفعل، قال: فقال: ليس له كرى) وليس فيهما الزيادة مع قوله: إذا لم تبلغه إلى الموضع الذي اكترى دابتك وكأنه نقل بالمعنى أو لوجوده في الخبر الآتي أو نقلاه بالمعنى.
والظاهر أنه لما أعيت الدابة ولم يكن التقصير من جانب المكاري، فكان يجب أن يوزّع أجرة المثل على المسمّى كما قاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان هذا مشكلاً صعباً أمرهما بالصلح (ففعلا) وفيهما: (فترادا بينكما) يعني إن أخذ المكاري كلّ الكراية فليرة الزائد على ما اصطلحا عليه وبالعكس.
3273 - وروی منصور بن يونس، عن محمّد الحلبي قال: كنت قاعداً عند قاض وعنده أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالس فأتاه رجلان فقال أحدهما إنّي تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لى متاعاً إلى بعض المعادن فاشترطت أن يدخلني المعدن يوم كذا وكذا؛ لأنّ بها سوقاً أتخوّف أن يفوتني، فإن احتبست عن ذلك حططت من الكراء عن كل يوم احتبسته كذا وكذا وإنّه حبسني عن ذلك الوقت كذا وكذا يوماً فقال القاضي: هذا شرط فاسد وفه كراه، فلما قام الرجل أقبل إلي أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: شرطه هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه.
3274 - وفي رواية عبد اللّه بن المغيرة عن غير واحد من أصحابنا،
(وروی منصور بن يونس) في الموثق مثلهما (1)(عن محمّد الحلبي) ويدلّ على جواز شرط النقصان دون شرط العدم، ويؤيّده عموم قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «المسلمون عند شروطهم» (2)، بخلاف العدم؛ فإنّه غرر.
(وفي رواية عبد اللّه بن المغيرة في الصحيح كالشيخ (3)(عن غير واحد من أصحابنا) مع أن أصحابه غالباً الثقات، ولهذا أجمعت العصابة على تصحيح
عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين كان معهما در همان فقال أحدهما الدرهمان لي وقال الآخر هما بيني وبينك فقال: أما الذي قال: هما بيني وبينك، فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له وأنه لصاحبه ويقسم الآخر بينهما.
ما يصح عنه، وتلقوا خصوص هذا الخبر بالقبول مع توافقه للأصول وتأيده بأخبار أخر، مثل ما رواه الشيخ في الحسن كالصحيح، عن محمّد بن أبي حمزة عمّن ذكره. عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين كان بينهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي. وقال الآخر: هما بيني وبينك ؟ فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قد أقر أن أحد الدرهمين ليس له فيه شيء وأنه لصاحبه، وأما الآخر فبينهما» (1).
وسيجيء خبر السكوني أيضاً، وأكثر الأصحاب ذكروه في باب الصلح الجبري. وذكر بعضهم أنه إذا لم يكن في يد واحد منهما أو كان في يديهما فالنزاع في الدرهم الواحد، وبسبب التصرّف أو الدعوى يكون لهما مع يمين كل واحد منهما لصاحبه؛ فإن نكلا أو حلفا يكون لهما، وإن حلف أحدهما كان له كما سيجيء الأخبار في هذا الباب. أما إذا كان في يد أحدهما، فمع تعارض البينتين يكون للخارج على المشهور وللداخل على قول، ومع عدمها يكون لصاحب اليد. ومع اختصاص المدّعى بها يكون له، ومع اختصاص المدّعى عليه بها يكون له، وهل للمدعى عليه يمين؟ فيه نظر سيجيء.
أما إذا كان المدّعي واحداً فهو له كما رواه الشيخ في الصحيح - على الظاهر -. والكليني في القوي، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت: عشرة كانوا جلوساً ووسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضاً ألكم هذا الكيس؟
1) التهذيب 6 : 292، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 16.
3275 - وروی عبد اللّه بن مسكان عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجلين كان لهما مال منه بأيديهما ومنه متفرق عنهما فاقتسما بالسوية ما كان في أيديهما وما كان غائباً فهلك نصيب أحدهما ممّا كان عنه غائباً واستوفى الآخر أيردّ على صاحبه قال نعم ما يذهب بماله.
3276 - وفي رواية ابن فضال، عن أبي جميلة، عن سماك بن حرب، عن ابن طرفة أن رجلين ادعيا بعيراً فأقام كل واحد منهما بينة فجعله
فقالوا كلهم لا، فقال واحد منهم : هو لي فلمن هو ؟ قال: «للذي ادعاه؟»(1).
(وروی عبد اللّه بن مسكان) في الصحيح كالشيخ (2)(عن سليمان بن خالد) ويدلّ على عدم جواز قسمة ما في الذمم بل كلّ ما حصل لكلّ واحدٍ منهما كان لهما، وما تلف كان عليهما، هذا إذا لم يقع الصلح في القسمة بعدها ويؤيده ما رواه الشيخ في الموثق والقوي عن حفص بن غياث ما في معناه (3)، وستجيء في باب الحوالة.
(وفي رواية ابن فضال) وهو الحسن في القوي كالكليني والشيخ(4)، ويدل على أنّ مع تعارض البينتين يكون بينهما، هذا إذا لم يكن في يد أحدهما. وسيجيء تمام القول في هذا المعنى، وذكره في باب التعارض أولى كما فعله الشيخان.
1) التهذيب 6 : 292 باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 17. الكافي 7: 422، باب النوادر، ح 5.
2) التهذيب 6 : 207، باب الصلح بين الناس، ح 8.
3) التهذيب 6 : 212، باب الحوالات، ح 5. وفيه غياث بن إبراهيم، لا حفص بن غياث.
4) الكافي 7 : 419، باب الرجلين يدعيان ح 5. التهذيب 6: 234، باب البينتين يتقابلان، ح 5.
على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بينهما.
3277 - وفي رواية الحسين بن أبي العلاء، عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل يبضعه الرّجل ثلاثين درهماً في ثوب وآخر عشرین درهماً في ثوب فبعث الثّوبين ولم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه. قال: يباع الثّوبان فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثّمن، والآخر خمسى الثّمن. قال: فقلت: فإنّ صاحب العشرين قال: لصاحب الثلاثين اختر أيهما شئت قال: لقد أنصفه.
3278 - وفي رواية السكوني، عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن
(وفي رواية الحسين بن أبي العلاء) وهو ممدوح. لكن في الطريق ضعف كما فيهما (1)، ولكن عمل الأصحاب به فضعفه منجبر بالشهرة (2)، والظاهر أنه مأخوذ من أصل (عن إسحاق بن عمار في الرجل يبضعه) (3)أي أعطاه ما يشتري به له أمانة. والظاهر أنه من الصلح الجبري؛ للاشتباه والمناسب القرعة؛ للإشكال. والإنصاف في التخيير.
(وفي رواية السكوني) في القوي كالشيخ (4)، وعمل به الأصحاب في الصلح
1) الكافي 7 : 421 - 422، باب النوادر، ح 2. التهذيب 6 : 208 باب الصلح بين الناس، ح 13.
2) انظر: مختلف الشيعة 6 : 215 مجمع الفائدة 9 : 345 الحدائق الناضرة 21 : 104.
3) الابضاع هو أن يدفع الانسان إلى غيره مالاً ليبتاع به متاعاً ولا حصة له في ربحه بخلاف المضاربة، مجمع البحرين 4 : 301.
4) التهذيب 6 : 208 باب الصلح بين الناس، ح 14.
أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في رجل استودع رجلاً دينارين واستودعه آخر ديناراً فضاع دينار منهما فقال: يعطى صاحب الدينارين ديناراً، ويقتسمان الدينار الباقي بينهما نصفين.
3279 - وروي عن صبّاح المزني رفعه قال: جاء رجلان إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: أحدهما يا أمير المؤمنين إن هذا غاداني فجئت أنا بثلاثة أرغفة وجاء هو بخمسة أرغفة فتغدينا، ومرّ بنا رجل فدعوناه إلى الغداء فجاء فتغدى معنا، فلما فرغنا وهب لنا ثمانية دراهم ومضى فقلت: يا هذا قاسمني فقال: لا أفعل إلا على قدر الحصص من الخبز قال: اذهبا فاصطلحا. قال يا أمير المؤمنين: إنه يأبى أن يعطيني إلا ثلاثة دراهم
الجبري، وهو كما تقدّم.
(وروي عن صباح المزني) ثقة، قرق (1). ورواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سمعت ابن أبي ليلى(2)- وهو من أصحاب الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووصف بأنه صدوق مأمون والظاهر أنه محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلا وهو لم يلق أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكن أبوه من أجلة أصحابه، ويمكن أن يكون هو أيضاً لقبه (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأنه نقل أنه صار معمّراً، ويمكن أن يكون الراوي محمّداً عن أبيه والظاهر أنه مرسل غاداني، أي أكل معي غدوة (اذهبا فاصطلحا) لعدم تميز قدر ما أكلوا وفيهما «فإنّ قضيتكما دنيّة» فلما بالغاً حكم بينهما بعلمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما أكلا وبإعطائه
ويأخذ هو خمسة دراهم فاحملنا على القضاء قال: فقال له: يا عبد الله، أتعلم أنّ ثلاثة أرغفة تسعة أثلاث قال: نعم قال: وتعلم أن خمسة سة أرغفة خمسة عشر ثلثاً قال: نعم. قال: فأكلت أنت من تسعة أثلاث ثمانية وبقي لك واحد وأكل هذا من خمسة عشر ثمانية وبقي له سبعة وأكل الضيف من خبز هذا سبعة أثلاث ومن خبزك هذا الثّلث الذي بقي من خبزك فأصاب كلّ واحدٍ منكم ثمانية أثلاث فلهذا سبعة دراهم بدل كلّ ثلث درهم ولك أنت لثلثك درهم فخذ أنت درهماً وأعط هذا سبعة دراهم.
إياهما بنسبة ما أكل.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قضی أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) في رجل أكل وأصحاب له شاة؟ فقال: إن أكلتموها فهي لكم، وإن لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا، فقضى فيه: «أنّ ذلك باطل، لا شيء في المؤاكلة من الطعام ما قل منه وما كثر ومنع غرامة فيه»(1)والظاهر أنه قمار محرّم بخلاف السابق؛ فإنّه تبرع وإحسان ولا بأس به.
وهي الاستقامة على الحق وعدم العدول عنه أو التوسط بين الإفراط والتفريط. وفي العرف قيل: هي الملكة الحاملة على التقوى باجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغيرة، وقيل: بإضافة المروّة، وهي هنا اجتناب ما يشعر بخفة العقل ومهانة النفس، كالأكل ماشياً وفي السوق وتزيي العالم بزي الجندي، ومستندهم هذا الخبر.
1) الكافي 7 : 428، باب النوادر 11. التهذيب 6 : 290، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 10.
3280 - روي عن عبد اللّه بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): بم تعرف عدالة الرّجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم.
فقال: أن تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج، واليد واللسان، وتعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عزوجل عليها النار، من شرب
باب العدالة
(روى عبد اللّه بن أبي يعفور) في الحسن كالصحيح بل الصحيح، ورواه الشيخ في القوي عنه باختلاف في المتن (1)(قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : بما تعرف) أو (بم) بحذف الألف؛ لغلبة الاستعمال (عدالة الرجل - إلى قوله - وعليهم).
أي من حيث العدالة التي قال اللّه تعالى: (وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (2)، فلا ينافي ردّ الشاهد من جهة أخرى (فقال: أن يعرفوه) بالياء أو التاء (بالستر) أي يكون مستور العيوب، سواء لم يكن له عيب أو كان ولم نعلم؛ لأنا مكلفون بالظاهر إجماعاً لا بالواقع، ويؤيده قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (والعفاف) أي الاجتناب عن المحارم، بل الشبهات كما هو المتبادر في عرفهم (صلوات اللّه عليهم) في باب العفّة (وكف البطن) عن المأكولات والمشروبات المحرمة، أو الأعم منها ومن الشبهات (والفرج) كذلك (واليد) عمّا حرم اللّه تعالى عليها (واللسان) من الغيبة والفحش والكذب وغيرها من أنواع
الخمور والزنا، والرّبا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف، وغير ذلك والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه.
حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه
المحرمات أو مع الشبهات.
(وتعرف) مع ذلك، أو تفصيل لإجماله (باجتناب الكبائر) بأن يكون ملكة له كما هو الظاهر أو الأعم (التي أوعد اللّه عليها النار) توضيحي أو تقييدي، والأوّل أظهر؛ لذكره هنا ما لم يذكر في الأخبار المقيّدة (من شرب الخمر) أو الخمور ليتناول صريحاً كل مسكر (والزنا) واللواط بطريق أولى؛ لكونه أفحش (والربا) مع العلم (وعقوق الوالدين) ويشمل الأجداد والجدّات من الطرفين وإن علوا كما قيل، ولم يبعد (والفرار من الزحف) أي القتال الواجب (وغير ذلك) من أنواعها؛ فإنّها تصير إلى السبعين والمشهور في الأخبار أنّ الكبائر الموبقة سبع (1)وسيجيء في الكبائر.
(والدلالة على ذلك) أي الاجتناب من الكبائر (أن يكون ساتراً لجميع عيوبه) بأن لا يرتكب محرّماً ظاهراً، ويشعر بأنّ الذنوب كلها كبائر كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب، وادّعى الطبرسي إجماع الشيعة على ذلك (2)أو يخص العيوب بالكبائر ويؤيده قوله: (حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه) الصغائر أو
1) انظر: الكافي 2 : 276، باب الكبائر.
2) قال في تفسير الآية: اختلف في معنى الكبيرة (إلى أن قال) وقيل كل ما نهى اللّه عنه فهو كبيرة عن ابن عباس وإلى هذا أصحابنا فإنهم قالوا: المعاصي كلها كبيرة من حيث كانت قبائح لكن بعضها أكبر من بعض وليس في الذنوب صغيرة وإنما يكون صغيراً بالإضافة إلى ما هو أكبر منه ويستحق العقاب عليه تفسیر مجمع البیان 3 : 70. انتهى موضع الحاجة.
وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في النّاس، ويكون معه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن.
بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علةٍ، فإذا كان كذلك لازماً لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلّته قالوا: ما رأينا منه إلا خيراً، مواظباً على الصلوات متعاهداً لأوقاتها في مصلاه، فإن ذلك
ما لم يزوها لحرمة التجسس، ويؤيده (وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته) بالكفاية أو عيناً إذا انحصر في جماعة، أو إذا سئل عن حالهم (وإظهار عدالته في الناس) بيان للتزكية، أو هي القول بأنه مبرأ من العيوب (ويكون معه) مع ما ذكر أو منه مع ما ذكر (التعاهد للصلوات الخمس) بإيقاعها تامة بشرائطها (إذا واظب) وداوم (عليهن) بالإيقاع وعدم الترك (وحفظ مواقيتهن) الكاملة (بحضور جماعة المسلمين) أي جماعة في المسجد أو غيره (وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم) في مساجدهم أو الأعم إلا من علّة، كالمطر والوحل وفسق الإمام وغيرها ممّا ذكر في باب الجماعة.
(فإذا كان كذلك) أي ساتراً لعيوبه (لازماً لمصلّاه عند حضور الصلوات الخمس) ومنها الجمعة، بل هي أعظمها (فإذا سئل عنه في قبيلته) من قومه (ومحلّته قالوا: ما رأينا منه إلا خيراً) حال كونه (مواظباً على الصلوات متعاهداً لأوقاتها في مصلاه) كأنهم يقولون: لا نعرف منه عيباً، ونشاهد منه الخير، ويدلّ على الاكتفاء بالاستفاضة في العدالة وعلى حسن الظاهر ظاهراً (فإنّ ذلك) الأخبار أو التعاهد للجماعة.
يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين، وذلك أن الصلاة ستر وكفارة للذنوب.
وليس يمكن الشهادة على الرّجل بأنه يصلي إذا كان لا يحضر مصلاه، ويتعاهد جماعة المسلمين، وإنّما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلي، ومن يحفظ مواقيت الصلوات، ممّن يضيع ولو لا ذلك لم يمكن أحداً أن يشهد على آخر بصلاح؛ لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين، فإنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هم بأن يحرق قوماً في منازلهم؛ لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، وقد كان منهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك، وكيف تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من اللّه عزّ وجل ومن رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيه الحرق في جوف بيته بالنّهار، وقد كان يقول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا صلاة لمن
(يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين) فما لم يكن فيه هذه الملكة لا تقبل شهادته. (وذلك أنّ الصلاة ستر وكفارة للذنوب) فلو كان له ذنب لكانت الصلاة مكفّرته؛ أو لأنّ الصلاة مكفّرة، فستر العيوب بالصلاة (وليس يمكن الشهادة) التي شرطها العلم على الرجل بأنه يصلي إذا كان لا يحضر مصلاه غالباً ؛ أو لأنه إذا لم يصل جماعة فكأنه لم يصلِّ (ويتعاهد) عطف على (يحضر) أي لا يتعاهد (لأن من لا يصلي لا صلاح له) فلمّا كان عدم الصلاة مانعاً يجب العلم بعدم المانع، أو لأن عدم الجماعة مانع، ويؤيده قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فإنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) همّ بأن يحرق قوماً في منازلهم)؛ لتركهم الجماعة ؛ أو لئلا يتركوا الصلاة سيّما بالنظر إلى المنافقين، وتعدّى
لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلا من علةٍ.
3281 - روي عن عبيد اللّه بن علي الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّا يردّ من الشهود فقال: الظَّنين، والمتهم، والخصم قال: قلت: فالفاسق والخائن قال: هذا يدخل في الظنين.
العلة إلى الجميع بضبط القواعد، كما في حرمة قليل الخمر وإن لم يسكر؛ لئلا يتعدّى إلى الكثير، وقد تقدم الأخبار الصحيحة في الأخبار الصحيحة في ذلك. فظهر من هذا الخبر اشتراط العدالة بملكة الكف عن الكبائر، وبملازمة الجماعة إلا من علة، وسيجيء ما ينافي ذلك لكن العمل على ذلك.
باب من يجب ردّ شهادته ومن يجب قبول شهادته
(روى عن عبيد اللّه بن علي الحلبي) في الصحيح، ورواه الكليني والشيخ في الصحيح عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّا يردّ من الشهود؟ قال: «الظنين والمتهم والخصم» قال: قلت: الفاسق والخائن؟ قال: «كل هذا يدخل في الظنين»(1).
وفي الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما يردّ من
1) الكافي 7: 395 باب ما يرد من الشهود، ح 3. التهذيب 6 : 242، باب البينات، ح 3.
3282 - وفي حديث آخر قال: لا يجوز شهادة المريب والخصم ودافع
الشهود؟ قال: فقال: «الظنين والمتهم» قال: قلت: والفاسق والخائن؟ قال: «ذلك يدخل في الظنين» (1).
وفي الصحيح عن عبد اللّه بن مسكان عن سليمان بن خالد قال سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الذي يردّ من الشهود فقال الظنين(2).
والمراد بالظنين من يظن أنه لا يصدق أو يُتهم كالشريك فيما هو شريك فيه، والوصي كذلك، وشهادة العاقلة في نفي الجناية والفاسق والخائن يدخلان فيه؛ لأنهما إذا لم يخافا من اللّه تعالى يمكن أن يكذبا فلا يحصل الظنّ بصدقهما. والمراد بالخصم إما ما ذكر في الظنين؛ فإنّه يشهد لنفسه فهو مخاصم فكيف يكون شاهداً، أو من كان بينه وبين المشهود عليه عداوة دنيوية أو صدر منه المخاصمة معه، وكيف كان فهو والمتهم أيضاً داخلان في الظنين، ويمكن أن يكون مراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكل ذلك ما يعتهما.
(وفي حديث آخر) رواه الشيخ في الموثق عن سماعة، قال: سألته عمّا يردّ من الشهود؟ فقال: (المريب) (3)وهو من يحصل الريب في صدقه كالظنين، ومثل السائل بكفّه والعبد لمولاه، ودافع مغرم كشهادة العاقلة بنفي الجناية فيما أمكن فيه
مغرم، أو أجير أو شريك، أو متهم أو تابع، ولا تقبل شهادة شارب الخمر، ولا شهادة اللاعب بالشطرنج والنرد، ولا شهادة المقامر.
شهادة، كما إذا شهد شهود بأنه وقع الجناية يوم الخميس خطأ وشهدت العاقلة بأنه كان يوم الخميس عندنا من أوّله إلى آخره (أو أجير) وحمل على التهمة أو إذا لم يكن عادلاً، وسيجيء.
(أو شريك) فيما هو شريك فيه (أو متهم) كالفاسق والخائن وغيرهما، تعميم بعد تخصيص أو يخص بالأولين (أو تابع) كالخدم والعبيد المتهمين(1)، وفي بعض النسخ «أو بائع» كشهادته لأحد المشتريين بملكه قبل قبض الثمن، وليس التابع في التهذيب، وفيه بعد المتهم (كل هؤلاء تردّ شهادتهم).
(ولا تقبل شهادة شارب الخمر) للأخبار الكثيرة (2)بأنه إذا شهد فلا تزكوه مع أنه فاسق (3)(وكذا شهادة اللاعب بالشطرنج والنرد ولا شهادة المقامر) تعميم بعد التخصيص، وهذا كلام المصنّف ظاهراً، ويمكن أن يكون من تتمة خبر سماعة، وعلى أي حال فلا تقبل شهادتهم؛ للأخبار السالفة والآتية مع أن القمار من الكبائر
3283 - وروى علي بن أسباط، عن محمّد بن الصلت قال: سألت أبا الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رفقة كانوا في طريق فقطع عليهم الطريق فأخذ اللصوص فشهد بعضهم لبعض فقال: لا تقبل شهادتهم إلا بالإقرار من اللصوص، أو شهادة من غيرهم عليهم.
3284 - وروى الحسن بن محبوب عن العلاء، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: تجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ المسلم. قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه) : يعني لغير سيده.
كما قال تعالى: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) (1).
(وروى علي بن أسباط) في الموثق كالصحيح كالكليني والشيخ(2)(عن محمّد بن الصلت) مجهول (قال: سألت أبا الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)) عمل بمضمونه أكثر الأصحاب (3)، وحمله بعض على كونهم شركاء أو على التقيّة، وهو أظهر؛ لأنّ الغالب أنه كان في مجلسه بخراسان جماعة من العامّة، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتقي منهم كثيراً وإلا فالرفاقة والصحبة لا يمنع من قبول الشهادة عندنا، كما سيأتي.
(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح كالشيخ بطريقين صحيحين(4)، ويدل على قبول شهادة العبد مطلقاً، وتقييد المصنّف سيذكر وجهه قريباً.
3285 - وروى الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار بن مروان قال: سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو قال: سأله بعض أصحابه: عن الرّجل يشهد لأبيه، أو الأخ لأخيه، أو الرّجل لامرأته. قال: لا بأس بذلك إذا كان خيراً تقبل شهادته لأبيه، والأب لابنه، والأخ لأخيه.
(وروى الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار بن مروان) في الصحيح كالكليني والشيخ (1)(إذا كان) كل واحدٍ منهم (خيراً) أي عادلاً.
ويؤيّده ما رواه الكليني في الحسن كالصحيح، والشيخ في الصحيح، عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)، والكليني أيضاً في الصحيح عنه (صلوات اللّه عليه)، قال: «يجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه» (3)وفي الموثق عن سماعة مثله (4).
وفي القوي عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): «أن شهادة الأخ لأخيه تجوز إذا كان مرضيّاً ومعه شاهد آخر»(5).
ورويا في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: قال: «يجوز شهادة
1) الكافي 7 : 393، باب شهادة الوالد للولد ح 4. التهذيب 6 : 248، باب البينات، ح 36.
2) الكافي 7: 393، باب شهادة الوالد للولد، ح 2. التهذيب 6 : 247، باب البينات، ح 35.
3) الكافي 7 : 393، باب شهادة الوالد للولد، ح 3.
4) الكافي 7 : 393، باب شهادة الوالد للولد، ح 1. التهذيب 6 : 247، باب البينات، ح 34.
5) التهذيب 6 : 286، باب البينات، ح 195.
3286 - وفي خبر آخر: أنه لا تقبل شهادة الولد على والده.
الرجل لامرأته، والمرأة لزوجها إذا كان معها غيرها»(1).
وفي الصحيح عن عمار بن مروان قال: سأل أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو قال: سأله بعض أصحابنا عن الرجل يشهد لامرأته قال: «إذا كان خيراً جازت شهادته لامرأته»(2)والظاهر أنّ المصنّف أدخل هذا الخبر في الأوّل، وترك ما يخص به، ويمكن أن يكون التفريق من الكليني.
(وفي خبر آخر أنه لا تقبل شهادة الولد على والده هذا الخبر وإن كان غير مناف للأخبار المتقدّمة؛ لأنّ السابقة له وهذا عليه إلا أنه مناف لمنطوق الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ) (3)، وقوله تعالى: (وأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلهِ) (4)وللأخبار المتواترة بالنهي عن كتمان الشهادة (5)، ولقوله تعالى: (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ
3287 - وروى الحسن بن زيد نحواً ممّا ذكره عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: أتي عمر بن الخطاب بقدامة بن مظعون قد شرب الخمر
قَلْبُهُ) (1)ولخصوص ما رواه الكليني في الصحيح عن إسماعيل بن مهران، وفي القوي كالشيخ عن علي بن سويد السائي (2)، عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كتب أبي في رسالته وسألته عن الشهادات لهم فأقم أو قال: أقم الشهادة اللّه ولو على نفسك، أو الوالدين والأقربين، فيما بينك وبينهم، فإن خفت على أخيك ضيماً (أي ضرراً) فلا»(3). وسيجيء خبر داود بن الحصين في معناه (4)، مع أن الخبر مرسل لكن عمل به أكثر الأصحاب؛ لما فيه من العقوق، كما أنه لا يقتل الوالد بالولد.
ويمكن الجمع بأن تكون الشهادة واجبة ولا تقبل لكنّه بعيد غاية البعد، فالأصح القبول، ويحمل الخبر على تقدير صحته على ما لو كان الولد فقيراً، كما سيجيء في الأخ في اللّه وتقدم آنفاً.
(وروى الحسن) والحسين، وهو أظهر كما فيهما (5)(بن زيد) والظاهر أنه
1) البقرة : 283.
2) سيجيء رواية الصدوق بعض الخبر عن علي بن سويد السائي وطريقه إليه صحيح بطرق متكثرة منه (رَحمهُ اللّه).
3) الكافي 7 : 381، باب كتمان الشهادة، ح 3. التهذيب 6 : 276، باب البينات، ح 162.
4) التهذيب 6 : 257، باب البينات، ح 80.
5) الكافي 7 : 401، باب النوادر، ح 2. التهذيب 6: 280، باب البينات، ح 177.
فشهد عليه رجلان أحدهما خصي وهو عمرو التميمي، والآخر المعلى ابن الجارود، فشهد أحدهما أنه رآه يشرب وشهد الآخر أنه رآه يقيء الخمر، فأرسل عمر إلى أناس من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيهم علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما تقول يا أبا الحسن؛ فإنّك الذي قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أعلم هذه الأمة وأقضاها بالحق فإنّ هذين قد اختلفا في شهادتهما، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما اختلفا في شهادتهما وما قاءها حتى شربها فقال: هل تجوز شهادة الخصي ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما ذهاب أنثييه إلا كذهاب بعض أعضائه.
ذو الدمعة مربى الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1)، والطريق إليه في الكتب قوي وعمل به الأصحاب. واستشكله بعضهم بأنه لم يقع الشهادة على فعل واحد، بل على الفعل ولازمه، وقبوله مخالف للأصول، والخبر على تقدير صحته حكاية واقعة. ويمكن أن يكون (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمل بعلمه فيها، ويدلّ أيضاً على جواز شهادة الخصي ولا بأس به؛ لدخوله في عموم الرجل، وسيجيء قبول شهادة دينار الخصي على عد الأضلاع أيضاً.
1) قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مربی الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) نقول: في رجال النجاشي : 52، الحسين بن زيد بن علي بن الحسين أبو عبدالله يلقب ذا الدمعة كان أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تبناه وربّاه وزوجه بنت الأرقط وروي عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وكتابه يختلف الرواية له انتهى ونقل في تنقيح المقال في علم الرجال عن أبي الفرج في المقاتل : 257، أنه شهد حرب محمّد و ابراهيم ابني عبدالله ثمّ توارى وكان مقيماً في منزل جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) رباه ونشأ في حجره منذ قتل أبوه وأخذ عنه علماً كثيراً فلما لم يذكر فيمن طلب ظهر لمن يأنس به من أهله ثمّ ظهر ظهوراً تاماً إلا أنه كان لا يجالس أحداً ولا يدخل إليه إلا من كان يثق به وكان يلقب ذا الدمعة لكثرة بكائه انتهى.
3288 - وروى إسماعيل بن مسلم، عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: لا تقبل شهادة ذي شحناء، أو ذي مخزية في الدين.
(وروى إسماعيل بن مسلم) السكوني في القوي مثلهما(1)(قال: لا تقبل شهادة ذي شحناء) أي العداوة الدنيوية، وإن لم توجب الفسق، وفيهما بدله (فحاش) وهو ظاهر (أو ذي مخزية في الدين) كولد الزنا والمحدود قبل التوبة، أو غير الاثني عشرية، أو الفاسق مطلقاً، أو المستخف بأمر الدين كالسائل بالكف، والذي يأخذ الأجرة على الأذان والصلاة وأمثالهما ممّا سيجيء.
أما ولد الزنا؛ فلما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم قال: قال: أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا تجوز شهادة ولد الزنا» (2).
وفي الموثق كالصحيح عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «لو أن أربعة شهدوا عندي على رجل بالزنا وفيهم ولد الزنا لحددتهم جميعاً؛ لأنه لا تجوز شهادته ولا يؤم الناس» (3)وفيه إشعار بأن الشهادة كالإمامة.
وروى الكليني في القوي كالصحيح والشيخ في الموثق كالصحيح، عن أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ولد الزنا أتجوز شهادته؟ فقال: «لا» فقلت: إن
الحكم بن عتيبة يزعم أنها تجوز؟ فقال: «اللهم لا تغفر ذنبه»(1).
وفي الكافي بزيادة: «ما قال اللّه عزّوجلّ للحكم بن عتيبة: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَك ولِقَوْمِك)» (2)أي أنّ القرآن وأحكامه لا يعرفهما إلا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقوله الأئمة المعصومون (عَلَيهِم السَّلَامُ) وليس الحكم منهم، بل يحكم برأيه واجتهاده أنه مسلم، ولا يعلم أنّ في القرآن خلافه. ويمكن أن يكون الخلاف في قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) (3)وهو ليس بمرضي، أو لغيره ممّا يعلمونه هم (عَلَيهِم السَّلَامُ) لا غيرهم.
وروى الشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن شهادة ولد الزنا؟ فقال: «لا، ولا عبد» (4)ويحمل في العبد على التقيّة، كما سيجيء.
وفي الموثق كالصحيح عن عيسى بن عبد اللّه - وهو مشترك بين القمي الثقة والهاشمي الممدوح - قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة ولد الزنا؟ فقال: «لا يجوز إلا في الشيء اليسير إذا رأيت منه صلاحاً»(5)ويمكن حمله على التقيّة؛ لما تقدم.
وأما المحدود قبل التوبة؛ فلقوله تعالى: (ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً) (6)مع
قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأَصْلَحُوا) (1)مع أنه فاسق قبلها.
ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن ابن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المحدود إن تاب أتقبل شهادته؟ فقال: «إذا تاب، وتوبته أن يرجع ممّا قال ويكذب نفسه عند الإمام وعند المسلمين، فإذا فعل فإنّ على الإمام أن يقبل شهادته بعد ذلك» (2)وسيجيء.
أما الكافر والفاسق؛ فظاهر ممّا تقدم ؛ ولقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَا فَتَبَيَّنُوا) (3)ولقوله تعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (4). ولا فسق أعظم من الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وما يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) (5)ولغيرها من الآيات.
وأما السائل بالكف ؛ فلما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سألته عن السائل الذي يسأل في كفّه أتقبل شهادته؟
3289 - وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من شهد عندنا بشهادة ثمّ غير أخذنا بالأولى، وطرحنا الأخرى.
فقال: «كان أبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقبل شهادته إذا سأل في كفّه» (1).
وفي الموثق كالصحيح - بالحسن بن فضال - عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «ردّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شهادة السائل الذي يسأل في كفه». قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لأنه لا يؤمن على الشهادة؛ وذلك لأنه إن أعطي رضي وإن منع سخط» (2).
(وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) رواه الشيخ في القوي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: (من شهد - إلى قوله - الأخرى)(3)وسيجيء من الأخبار ما ينافيه ظاهراً، فيحمل على الإقرار كما سيجيء من إطلاق الشهادة عليه تجوّزاً، أو على شهادة الصبيان كما سيجيء، أو إذا شهد وهو عدل ثمّ صار فاسقاً ولو بتغيير الشهادة وحكم بالأولى، فحينئذ يطرح الأخرى ويضمن ما أتلفه بالشهادة كما سيجيء؛ ولما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأخذ بأول الكلام دون آخره»(4)، وفي بعض النسخ الصحيحة بحذف: لا، فيكون مؤوّلاً كالسابق، أو يحمل على الإقرار المتعقب بالاستثناء، والشرط والصفة وأمثالها، وهو في معنى (الكلام لا يتم إلا بآخره).
3290 - وروى محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لا تصلى خلف من يبغي على الأذان، والصلاة بالناس أجراً، ولا تقبل شهادته.
3291 - وروى العلاء بن سيابة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لا تقبل شهادة
(وروى محمّد بن مسلم) في القوي كالصحيح كالكليني والشيخ عن العلاء بن سيابة (عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لا تصل خلف من يبغي)(1)أي يطلب (على الأذان إلى قوله - شهادته) واستدل به على حرمة أخذ الأجرة على العبادة وإن كانت مندوبة. ويمكن حمله على الكراهة في الصلاة وفي الاستشهاد أولاً، لكنه بعيد.
(وروى العلاء بن سيابة) في القوي كالصحيح مثلهما(2)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لا تقبل شهادة صاحب النرد) أي المقامر به أو اللاعب به وإن كان للحذق، أو من يكون عنده ولو لم يلعب به؛ لوجوب كسره عليه وإن كان الترك صغيرة، لكن يصير الإصرار كبيرة ولو كان عنده يوماً ولو لم يكن له.
بل الجلوس في مجلس القمار أيضاً حرام، كما روى الكليني في الحسن كالصحيح عن حماد بن عيسى، قال: دخل رجل من البصريين على أبي الحسن الأول (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : جعلت فداك. إنني أقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج ولست ألعب بها ولكن أنظر ؟ فقال: «ما لك ولمجلس لا ينظر اللّه إلى أهله»(3)ولما تقدم من حرمة
صاحب النرد والأربعة عشر، وصاحب الشاهين. يقول: لا والله وبلى والله مات والله شاهه، وقتل اللّه شاهه والله تعالى ذكره شاهه ما مات ولا قتل.
3292 - وروى سماعة بن مهران، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ولا بأس بشهادة الضّيف إذا كان عفيفاً صائناً، قال: ويكره شهادة الأجير لصاحبه، ولا بأس بشهادته لغيره، ولا بأس بها له عند مفارقته.
الجلوس في مجلس الفسق وسيجيء أيضاً.
(والأربعة عشر) قمار كذلك (وصاحب الشاهين) أي الشطرنج - بالكسر وبالفتح كذلك (يقول: لا والله وبلى والله) أي مع أنه يقامر يحلف أيضاً، ويقول اللّه تعالى: (ولا تَجْعَلُوا اللّه عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ) (1)خصوصاً عند مخالفة اللّه (مات والله شاهه وقتل والله شاهه) أي يكذب والكذب قبيح وإن كان بالاصطلاح، إلى هنا عبارة الكافي والتهذيب. والظاهر أنّ التتمة من كلام المصنّف وفهمه كذلك. أي الشاه بمعنى الملك، أو ملك الملوك، وهو اللّه تعالى ويقبح إطلاقه على غير اللّه تعالى، وإن كان بالاصطلاح، والأظهر ما قلناه، وصاحب الشطرنج أيضاً عام كما ذكر، وسيجيء الأخبار في ذلك في باب القمار.
(وروى سماعة) في الموثق كالشيخ (2)(عفيفاً) عن المعاصي (صائنا) بمعناها أو ضابطاً (قال ويكره شهادة الأجير لصاحبه) أي استشهاده أو مع وجود غيره ممّن
3293 - وروی فضالة عن أبان قال: سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شريكين شهد أحدهما لصاحبه قال: تجوز شهادته إلا في شيءٍ له فيه نصيب.
يثبت الحق بشهادته أو مع التعارض يقدم شهادة غيره، ويحمل عليه ما رواه الكليني والشيخ عن العلاء بن سيابة في القوي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان أمير المؤمنين اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجيز شهادة الأجير» (1)وتقدم أيضاً في خبر وتقدم أيضاً في خبر سماعة وسيجيء أيضاً.
(وروى فضالة) بالفتح في الصحيح (عن أبان) كالشيخ (2)، لكن قال: (عمن أخبره) كما. سيجيء عن الكليني.
ويدل على عدم قبول شهادة الشريك فيما هو شريك فيه كما تقدم، وروى الكليني في الموثق كالصحيح، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال: سألت أبا عبد اللّه لا عن ثلاثة شركاء شهد اثنان لواحد؟ قال: «لا يجوز شهادتهما»(3).
وروى الشيخ - في الضعيف - عن أبان عن عبدالرحمن، قال: سألت
3294 - وروي عن طلحة بن زيد عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: شهادة الصبيان جائزة بينهم، ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهليهم.
أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ثلاثة شركاء ادّعى واحد وشهد الاثنان؟ قال: «تجوز»(1)ويحمل على ما لم يكن له فيه نصيب، ويمكن أن يكون السهو من الشيخ، أو يكون التفريق والجمع من أبان أو عبد الرحمن.
(وروى عن طلحة بن زيد) في الموثق (قال: شهادة الصبيان جائزة بينهم) أي بين المسلمين، أو بين الصبيان أو بين العامّة (ما لم يتفرّقوا أو يرجعوا إلى أهليهم) وإن كانوا مجتمعين، ويمكن أن يكون الترديد عن الراوي.
وحمل على ما إذا تواتر بحيث يحصل العلم من اتفاقهم أو على القتل؛ لما روياه في الصحيح، عن محمّد بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة الصبيان؟ قال: فقال: «لا، إلا في القتل يؤخذ بأول كلامه دون الثاني»(2).
وفي الحسن كالصحيح عن جميل، قال قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يجوز شهادة الصبيان؟ قال: «نعم، في القتل يؤخذ بأول كلامه دون الثاني منه»(3).
وفي القوي عن جميل، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الصبي هل يجوز شهادته في القتل؟ قال: «يؤخذ بأول كلامه دون الثاني منه»(1).
وفي الصحيح عن أبي أيوب الخزاز، قال: سألت إسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام ؟ فقال : إذا بلغ عشر سنين قال قلت ويجوز أمره؟ قال فقال: إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته»(2)، والظاهر أنه قاس، وذكر العلماء هذا الخبر ؛ لبيان أنه لم يكن أهلاً للإمامة وإلا فلا حجة في قوله سيما في القياس.
وروى الشيخ في الموثق كالصحيح عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة الصبي والمملوك فقال: على قدرها يوم أشهد يجوز في الأمر الدون ولا يجوز في الأمر الكبير (3)قال عبيد وسألته عن الذي يشهد على الشيء وهو صغير قد رآه في صغره ثمّ قام به بعد ما كبر ؟ قال: فقال: «تجعل شهادته نحواً أو خيراً - من شهادة هؤلاء» (4)فمحمول على التقيّة أو على سبيل الاستصلاح والجزء الثاني معمول به كما سيذكر.
3295 - وروى إسماعيل بن مسلم عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ): أن شهادة الصبيان إذا شهدوا وهم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها، وكذلك اليهود والنصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم، والعبد إذا شهد على شهادة ثمّ أعتق جازت شهادته إذا لم يردّها الحاكم قبل أن يعتق، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن أعتق العبد لموضع الشهادة لم تجز شهادته.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه): أما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا لم يردّها الحاكم قبل أن يعتق؛ فإنّه يعني به أن يردّها لفسق ظاهر أو حالٍ يجرح عدالته، لا لأنه عبد؛ لأن شهادة العبد جائزة وأوّل من ردّ شهادة المملوك عمر، وأمّا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن أعتق العبد لموضع الشهادة، لم تجز شهادته كأنه كأنه يعني إذا كان شاهداً لسيّده، فأما إذا كان شاهداً لغير سيّده جازت شهادته عبداً كان أو معتقاً إذا كان عدلاً.
(وروى إسماعيل بن مسلم) السكوني في القوي كالكليني والشيخ في الموثق كالصحيح(1).
(إذا شهدوا) وفي الكافي: «إذا أشهدوا»، ويدلّ على أن الاعتبار بحال الأداء لا التحمل، وأما في العبد فمحمول على التقيّة؛ لما تقدم.
ويؤيده ما رواه الكليني في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال في الصبي يشهد على الشهادة؟ قال: «إن عقله حين يدرك أنه حق، جازت
1) الكافي 7 : 389، باب شهادة الصبيان ح 5. التهذيب 6 : 250، باب البينات، ح 48.
شهادته» (1).
وروى الكليني والشيخ في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عن الصبي والعبد والنصراني يشهدون بشهادة فيُسلم النصراني أتجوز شهادته؟
قال: «نعم»(2).
والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: سألته عن نصراني أشهد على شهادة ثمّ أسلم بعد أتجوز شهادته؟ قال: «نعم، هو على موضع شهادته» (3)أي كانه شهد في حال إسلامه أو يشهد على يقينه وإن احتمله حال الكفر، وفي القوي عن عبيد مثله ولم يقل في حديثه: «نعم» (4).
فأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): عن نصراني أشهد على شهادة ثمّ أسلم بعد أتجوز شهادته؟ قال: «لا»(5)فمحمول على التقيّة.
ويمكن أن يكون «لا» كناية عن «لا تسأل في هذا المجلس» كما قال شيخنا البهائي (رَحمهُ اللّه) : لما تقدم ولما روياه في الصحيح، عن محمّد بن حمران، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: سألته عن نصراني أشهد على شهادة ثمّ أسلم بعد أتجوز شهادته
قال: «نعم، هو على موضع شهادته»(1).
وأما العبد فقد تقدم الأخبار الصحيحة على قبول شهادته مطلقاً وسيجيء حديث شريح في قبولها. وروى الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً» (2).
وفي القوي كالصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شهادة المملوك، قال: «إذا كان عدلاً فهو جائز الشهادة إن أول من ردّ شهادة المملوك عمر ابن الخطاب؛ وذلك أنه تقدم إليه مملوك في شهادة فقال: إن أقمت الشهادة تخوّفت على نفسي وإن كتمتها أثمت بربّي، فقال: هات شهادتك، أما إنا لا نجيز شهادة مملوك بعدك» (3).
وفي القوي كالصحيح عن بريد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن المملوك يجوز شهادته؟ قال: «نعم، إن أول من ردّ شهادة المملوك لفلان» (4)فظهر أن الأخبار الواردة في الردّ محمولة على التقيّة والذي حمل المصنّف على رد شهادة المملوك لمولاه، فإما للجمع بين الأخبار وقد عرفت حاله، وإما الاتهام وهو أيضاً بعيد: لأنّ
1) الكافي 7 : 398، باب شهادة أهل الملل، ح 5. التهذيب 6: 253، باب البينات، ح 61.
2) الكافي 7 : 389، باب شهادة المماليك، ح 1. التهذيب 6 : 248، باب البينات، ح 39.
3) الكافي 7 : 390، باب شهادة المماليك، ح 2. التهذيب 6 : 248، باب البينات، ح 38.
4) الكافي 7 : 390، باب شهادة المماليك، ح 3. التهذيب 6 : 248، باب البينات، ح 40.
3296 - وروى الحسن بن محبوب، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب.
اتهام الزوجين والوالدين والأخوين أكثر. ومع هذا لا يوجب الرد.
وكذلك ما رواه الشيخ في الموثق كالصحيح، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مواليه؟ فقال: «تجوز في الدين والشيء اليسير» (1)، لا يدلّ على ما ذهب إليه المصنف؛ لأنّ التقييد من الراوي مع أنّ دلالته بمفهوم اللقب وهو ضعيف اتفاقاً، مع أنه لا يقول المصنف بالفرق بين اليسير والجليل. وفي الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل مات وترك جارية ومملوكين فورثهما أخ له فأعتق العبدين، وولدت الجارية غلاماً فشهدا بعد العتق أنّ مولاهما كان أشهدهما أنه كان يقع على الجارية وأن الحمل منه؟ قال: «يجوز شهادتهما ويردان عبدين كما كانا» (2)ولا يدل على أن شهادة العبد غير مقبولة كما هو ظاهر.
(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح كالشيخ عن محمّد بن مسلم(3)، (تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة) أي المسلمين أو العامّة (على أهل الكتاب) لأنه مثلهم
3297 - وروى محمّد بن أبي عمير، عن العلاء بن سيابة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال: قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقبل شهادة سابق الحاج إنه قتل راحلته، وأفنى زاده وأتعب نفسه واستخف بصلاته، قيل: فالمكاري والجمال والملاح، فقال: وما بأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء.
في الخروج عن الحق، وذكر الشيخ بعده وقال: (العبد المملوك لا يجوز شهادته) أي على المسلم تقيةً، أو يكون استفهاماً إنكارياً أو تعريضياً على العامّة.
(وروى محمّد بن أبي عمير) في الصحيح (عن العلاء بن سيابة) وجهله لا يضر، وهما في الموثق عنه (1)(لا تقبل شهادة سائق الحاج) وقرىء بالباء الموحدة، أي من يتقدم الحجاج مع جماعة؛ ليصلوا قبلهم بأيام، وبالمثناة من يتأخر عنهم إلى قريب من أول ذي الحجة ويسوقهم بالتعجيل التام إلى أن يدرك الحج، ونقل أنهم رأوا هلال ذي الحجة في القادسية وهي بالكوفة بأربعة فراسخ (2)ثمّ أدركوا الناس بعرفة (أنه قتل راحلته) وهو ظلم (وأفنى زاده) بالطرح للثقل أو بالأكل للجوع الحاصل من الحركة (واستخف بصلاته)؛ لأنهم يصلّون على الراحلة أو في غاية التخفيف بحيث يخلون بواجباتها ولو لم يكن فسقاً فهو مناف للمروّة (قيل فالمكاري) فهم وإن كانوا
1) الكافي 7 : 396، باب ما يرد من الشهود، ح 10 التهذيب 6: 243 باب البينات، ح 10. ولكن لم يرويا عن محمّد بن أبي عمير.
2) قال في مجمع البحرين 3 : 470، والقادسية قرية قريبة من الكوفة إذا خرجت منها أشرفت على النجف مرّ بها إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودعا لها بالقدس وأن تكون محلة الحاج قال في المغرب: بينهما وبين الكوفة خمسة عشر ميلاً وفي المصباح: القادسية قرية قريبة من الكوفة من جهة الغرب على طرف البادية على نحو خمسة عشر فرسخاً وهي آخر أرض العرب وأول حدود سواد العراق وهناك واقعة مشهورة في خلافة الثاني، انتهى.
أجراء لكن لا يطلق الأجير غالباً إلا على من آجر نفسه، فلا ينافي أخبار كراهة شهادة الأجير وإن أمكن أن يكون المراد شهادتهم لغير من استأجر منهم. ورويا في القوي عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن يجيز شهادة سائق الحاج»(1).
ويدل على اشتراط الصلاح ولا يعلم إلا بالمعاشرة.
ويؤيده ما رواه الشيخ في القوي كالصحيح عن ابن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): بما يعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ قال: فقال: «أن تعرفوه بالستر والعفاف والكفّ عن البطن والفرج، واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك والدال على ذلك كله والساتر لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وغيبته ويجب عليهم توليته وإظهار عدالته في الناس التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن و حافظ مواقيتهن بإحضار جماعة المسلمين وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علّة، وذلك أن الصلاة ستر وكفارة للذنوب، ولو لا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على أحدٍ بالصلاح؛ لأنّ من لم يصل فلا صلاح له بين المسلمين؛ لأن الحكم جرى فيه بالحرق في جوف بيته».
قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلا من
1) الكافي 7 : 396، باب ما يرد من الشهود، ح 12. التهذيب 6: 243، باب البينات، ح 12.
علة»، وقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لا غيبة إلا لمن صلّى في بيته ورغب عن جماعتنا. ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته وسقطت بينهم عدالته و وجب هجرانه، وإذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره، وحذره، فإن حضر جماعة المسلمين وإلا أحرق عليه بيته ومن لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته وثبتت عدالته بينهم»(1).
وفي القوي عن عبد الكريم بن أبي يعفور، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)قال: «تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر والعفاف، مطيعات للأزواج تاركات البذاء والتبرج إلى الرجال في أنديتهم»(2)أي مجالسهم وهو معنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (من أهل البيوتات) أو بمعنى معروفات بالستر أو الأعم.
فأما ما رواه الشيخ في الصحيح بطريقين والكليني أيضاً، عن حريز، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان ولم يعدل الآخران؟ قال: فقال: «إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعاً، وأقيم الحدّ على الذي شهدوا عليه. إنما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا وعلموا، وعلى الوالي أن يُجيز شهادتهم إلا أن يكونوا معروفين بالفسق (3)فيمكن حمله على التقيّة كما يحمل مثله من الأخبار، وظاهره مع الشيخ
3298 - وروي عن عبد اللّه بن المغيرة قال: قلت للرّضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل طلق امرأته وأشهد شاهدين ناصبيّين. قال: كلّ من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته.
في أن الأصل في المسلم العدالة ما لم يعرف الفسق والحق أن هذه المسألة من المشكلات من جهة الأخبار.
(وروي عن عبد اللّه بن المغيرة) في الصحيح والشيخ في القوي عنه (1)(قال - إلى قوله – ناصبيّين) مظهرين لعداوة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أو الأعم منهم ومن غير المحق (قال: كل من ولد على الفطرة) أي فطرة الإسلام بأن كان مسلماً وإلا فلا مدخل لها فيها (وعرف بالصلاح في نفسه) بأن كان عادلاً إمامياً فإن غيرهم ليسوا بصالحين، أو يحمل على التقية. وعلى أي حال وردت تقيةً أو عليهم وعلى الكفار لا على المؤمنين؛ فإنه لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط الإيمان(2). ولو تعارض الجرح والتعديل فالمشهور تقديم الجرح؛ لأن الجارح مثبت والمعدل ناف(3). ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ في القوي، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يحكم في زنديق إذا شهد عليه رجلان عدلان مرضيان وشهد له ألف بالبراءة، يجيز شهادة الرجلين ويبطل شهادة الألف؛ لأنه دين مكتوم» (4).
3299 - وروي عن عبيد اللّه بن على الحلبى قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): هل تجوز شهادة أهل الذمة على غير أهل ملّتهم؟ قال: نعم، إن لم يوجد من أهل ملّتهم جازت شهادة غيرهم، إنه لا يصلح ذهاب حق أحد.
(وروي عن عبيد اللّه بن علي الحلبي) في الصحيح (1)(قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هل يجوز شهادة أهل الذمة) أو أهل ملّة كما في النسخة الأخرى: (على غير أهل ملتهم) كاليهودي على النصراني وعلى المجوس أو سائر أصناف الكفار؛ فإنّ الكفر ملة واحدة، أو على المسلم في الوصية كما قيد في الأخبار.
مثل ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن ضريس الكناسي، قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أو عن شهادة أهل الملل أو ملّة هل تجوز على غير أهل ملّتهم؟ فقال: «لا، إلا أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصية؛ لأنه لا يصلح ذهاب حق امرىء مسلم ولا تبطل وصيته»(2).
وفي الحسن كالصحيح والصحيح عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عز وجل: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) (3)قال: «إذا كان الرجل في أرض غربة
لا يوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم في الوصية»(1).
وفي الموثق عن سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة أهل الملة؟ قال: فقال: «لا تجوز إلا على أهل ملّتهم، فإن لم يجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصية؛ لأنه لا يصلح ذهاب حق أحد» (2).
وفي الصحيح عن حمزة بن حمران القوي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلَّ: (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) (3)؟ قال: فقال: «(اللذان ﴿منكم) مسلمان (واللذان من غيركم) من أهل الكتاب» قال: «فإنما ذلك إذا مات الرجل المسلم في أرض غربة فطلب رجلين مسلمين؛ ليشهدهما على وصينه فلم يجد مسلمين فيشهد على وصيّته رجلين ذمّيّين من أهل الكتاب مرضيين عند أصحابهما» (4).
وأما أنه لا يجوز في غيرها، فللاشتراط في الأخبار والآية؛ ولما روياه في الحسن كالصحيح عن أبي عبيدة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «يجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل ولا يجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين» (5).
والظاهر من الآية والأخبار اشتراط السفر، وذهب بعضهم إلى العدم وأن المفهوم
1) الكافي 7 : 4 باب الإشهاد على الوصية، ح 3 و 398، باب شهادة أهل الملل، ح 6. التهذيب 6 : 252، باب البينات، ح 58 و 9 : 180 باب الإشهاد على الوصية، ح 11.
2) الكافي 7 : 398 باب شهادة أهل الملل ح 2. التهذيب 6 : 252، باب البينات، ح 57.
3) المائدة : 106.
4) الكافي 7 : 399 باب شهادة أهل الملل، ح 8. التهذيب 6: 253، باب البينات، ح 60.
5) الكافي 7 : 398 باب شهادة أهل الملل، ح 1. التهذيب 6 : 252، باب البينات، ح 56.
3300 - وروى الحسن بن علي الوشّاء، عن أحمد بن عمر قال: سألته عن قول اللّه عزّوجل : (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) قال: اللذان منكم مسلمان، واللذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم تجد من أهل الكتاب فمن المجوس؛ لأن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، وذلك إذا مات الرجل بأرض غربة فلم يجد مسلمين يشهدهما فرجلان من أهل الكتاب.
3301 - وروى حماد، عن الحلبي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في
ضعيف سيما في الواقعة الخاصة كما في قوله تعالى: (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَّا) (1)والأحوط الاشتراط.
(وروى الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عمر) الحلبي في الصحيح وهو كما تقدم من الاشتراط وأنّ حكم المجوس حكمهم، بل ظاهر الآية يشمل غيرهم من الكفار أيضاً، لكن الأخبار المتواترة (2)خصها بأهل الكتاب والمجوس مع أنّ الأصل عدم القبول إلا في المعلوم الثبوت.
(وروى حماد) في الصحيح كالشيخ (عن الحلبي) (3)والشيخ في الصحيح عن
المكاتب: كان النّاس مرّةً لا يشترطون إن عجز فهو رد في الرّق، فهم اليوم يشترطون والمسلمون عند شروطهم، ويجلد في الحدّ على قدر ما أعتق منه، قلت: أرأيت إن أعتق نصفه أتجوز شهادته في الطلاق؟ قال: إن كان معه رجل وامرأة جازت شهادته.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه) : إنما قال ذلك على جهة التقيّة، وفي
محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1)، وفي الموثق عن سماعة في الطلاق إلى آخره عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (كان الناس مرّة) (2)أي كان المقرّر عندهم أنهم (لا يشترطون إن عجز فهو رد في الرق) بل كان المعمول أن يكاتبوا الغلام ويطلقوا (فهم اليوم يشترطون) أنه إن عجز فهو ردُّ فى الرق (والمسلمون عند شروطهم) أي وإن كان عملهم على الإطلاق، لكن نقلوا عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن المسلمين عند شروطهم، ويجب عليهم الوفاء بشروطهم سيما إذا كان في عقد لازم كالكتابة (ويجلد في الحد على قدر ما أعتق منه) في المطلق فإنّ المشروط لا يعتق منه شيء وإن بقي من مال الكتابة قليل بخلاف المطلق، فإنّه يعتق منه بمقدار ما يؤدّي ويحدّ بقدره حد الحر وبقدر العبودية حد الرق، فإن أعتق نصفه يجلد في الزنا خمسة وسبعين سوطاً.
(قلت أرأيت) أي أخبرني (إن أعتق - إلى قوله - شهادته)(3)لأنّ المرأة بنصف الرجل ونصف المكاتب الذي صار حرّاً بالنصف فحصل العدلان، والتقيّة التي أوّله المصنّف بها مشكل؛ لأنهم لا يشترطون العدلين في الطلاق إلا أن تحمل على إثبات
الحقيقة تقبل شهادة المكاتب والرجل معه شاهدين، وأدخل المرأة في ذلك؛ لئلا يقول المخالفون: إنّه قبل شهادةً قد ردّها إمامهم، وأما شهادة النّساء في الطلاق فغير مقبولة على أصلنا.
3302 - وروى عبد اللّه بن المغيرة عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: من ولد على الفطرة وعرف بالصّلاح في نفسه جازت شهادته.
3303 - وروي عن العلاء بن سيابة قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة من يلعب بالحمام. قال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق. قلت: فإنّ من قبلنا
الطلاق عندهم (قد ردّها إمامهم) أي عمر كما تقدم أنه ردّ شهادة المملوك، واحتمال كون المراد به عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكون التشنيع على سبيل الإلزام بعيد؛ لما سيجيء سيجيء أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن يتقي في هذا، وسيجيء في خبر شريح (على أصلنا) أي قواعدنا التي أخذناها من الأخبار الصحيحة في تفسير الآية (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (1)، وإن كانت الآية صريحة فيه وسيجيء.
(وروى عبد اللّه بن المغيرة) في الصحيح والشيخ في القوي (2). هذا الخبر تتمة الخبر السابق، وتكراره يمكن أن يكون لتكرار سماعه منه (عَلَيهِ السَّلَامُ). والظاهر أنه كان في أصله مكرراً، كما ذكره الشيخ أيضاً هكذا مكرراً.
(وروي عن العلاء بن سيابة) في الموثق عنه وهو مجهول الحال (إذا كان لا يعرف بفسق) في اللعب كالرهان أو الأعم.
يقولون قال عمر هو شيطان.
فقال: سبحان الله، أما علمت أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: إن الملائكة لتنفر عند الرهان، وتلعن صاحبه ما خلا الحافر والخف والريش والنصل، فإنّها تحضرها الملائكة، وقد سابق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أسامة بن زيد، وأجرى الخيل.
(ما خلا الحافر) كالخيل والبغال والحمير (والخف) من الإبل والفيل (والريش) كالسهم أو الحمام على ظاهر الخبر (والنصل) من السيف والرمح والسهم، والظاهر أنه محمول على التقيّة. ويمكن أن يكون المراد بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (سبحان الله) إنكار كون اللاعب به مطلقاً شيطاناً ويكون الاستشهاد لحرمة الرهان كما قاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ما لم يعرف بفسق» أي رهان فسق لا مطلق اللعب به.
ويؤيد ما ذكرنا أنّ الشيخ روى هذا الخبر في الموثق، عن العلاء بن سيابة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة من يلعب بالحمام؟ فقال: «لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق» (1)، ثمّ قال: وبهذا الإسناد قال: سمعته يقول: «لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام، ولا بأس بشهادة صاحب السباق والمراهن عليه، فإن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أجرى الخيل وسابق، وكان يقول: إن الملائكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش وما سوى ذلك قمار حرام»(2).
وأنت تعرف أنه لا يدلّ على جواز الرهان في الحمام، والظاهر أن تغيير الأسلوب للتقية كما ذكر في حياة الحيوان أن وهب بن وهب القاضي أدخل الريش في الخبر
3304 - وروي عن داود بن الحصين قال سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: أقيموا الشّهادة على الوالدين والولد، ولا تقيموها على الأخ في الدين الضير، قلت: وما الضير ؟ قال : إذا تعدّى فيه صاحب الحق الذي يدعيه قبله خلاف ما أمر اللّه عز وجل ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومثل ذلك أن يكون لرجل على آخر دين وهو معسر، وقد أمر اللّه تعالى بإنظاره حتى ييسر فقال: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)ٍ ويسألك أن تقيم الشّهادة وأنت تعرفه بالعسر، فلا يحل لك أن تقيم الشهادة في حال العسر.
عند المنصور وأعطاه مالاً جليلاً، ثمّ قال بعد ذهاب وهب: أشهد أن لحيته لحية كذاب، وما افترى هذا الخبر إلا لرضاي، ونقل عن حفص بن غياث القاضي أيضاً للمهدي بمثل وهب فالظاهر حرمة الرهان فيه.
(وروي عن داود بن الحصين) في القوي كالشيخ (1)(قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)يقول: أقيموا الشهادة على الوالدين والولد).
وإن أضرّ بهما إذا كانا قادرين على المشهود به (ولا تقيموها على الأخ في الدین الضير) أي شهادة الضرر الغير المستحق له كما في الشهادة عليه حال كونه معسراً و تعلم أو تظن أنه إذا شهدت عليه يأخذون منه بالإضرار كما في حكام الجور، وكذا العدل إذا لم يكن له بيّنة بإعساره، ويؤيّده ما تقدّم من خبر علي بن سويد وغيره
1) التهذيب 6 : 257، باب البينات، ح 80.
3305 - وروى مسمع كردين؛ عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أربعة شهدوا على رجل بالزنا فرجم، ثمّ رجع أحدهم وقال: شككت في شهادتي قال: عليه الدّية. قال: قلت: فإنّه قال: شهدت عليه متعمداً قال: يقتل.
والآية (1).
وروى الكليني والشيخ في الصحيح، عن محمّد بن القاسم بن الفضيل، عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته قلت له: رجل من مواليك عليه دين لرجل مخالف يريد أن يعسره ويحبسه وقد علم أنه ليس عنده ولا يقدر عليه وليس لغريمه بينة هل يجوز أن يحلف له ليدفعه عن نفسه حتى ييسر اللّه له وإن كان عليه الشهود من مواليك قد عرفوا أنه لا يقدر هل يجوز أن يشهدوا عليه؟ قال: «لا يجوز أن يشهدوا عليه ولا ينوي ظلمه»(2).
(وروى مسمع كردين) في القوي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (عليه الدية) أي ربعها وإنما جعل عليه الدية؛ لأنه شهد بالظن أو بالشك؛ لأنّ العلم لا يتغيّر (قال: يقتل) بعد رد ثلاثة أرباع الدية.
ويقرب منه ما رواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح، عن بعض أصحابه، ابن محبوب عن عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا
ثم رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل؟ قال: «إن قال الراجع أوهمت ضرب الحد وغرم الدية، وإن قال: تعمّدت قتل» (1).
ويدل على التقييد ما روياه في الحسن كالصحيح عن الكناني، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فلمّا قتل رجع أحدهم عن شهادته؟ قال: فقال: «يقتل الراجع ويؤدّي الثلاثة إلى أهله ثلاثة أرباع الدية» (2).
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شاهد الزور ما توبته قال: «يؤدّي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله إن كان النصف أو الثلث إن كان شهد هذا وآخر معه» (3).
ويدل على أن الاعتبار بالعدد الذي حكم الحاكم عليه وإن ثبت بالأقل؛ لأنه لا يوجد الثلث في الشهادات إلا باعتبار الشاهد.
وفي القوي عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أربعة شهدوا على رجل أنهم رأوه مع امرأة يجامعها وهم ينظرون فرجم ثمّ رجع واحد منهم قال: «يغرم ربع الدية إذا قال: شبه عليّ، وإذا اثنان وقالا: شبه علينا غرم نصف رجع الدية. وإن رجعوا كلُّهم وقالوا: شبه علينا غرموا الدية، فإن قالوا: شهدنا بالزور قتلوا
3306 - وروى محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: لا آخذ بقول عرّافٍ، ولا قائف، ولا لص، ولا أقبل شهادة الفاسق إلا على نفسه.
جميعاً»، وفي رجلين شهدا على رجل أنه سرق فقطعت يده ثمّ رجع أحدهما، فقال: «شبه علينا غرماً دية اليد من أموالهما خاصة»(1).
(وروی محمّد بن قيس) في الحسن كالصحيح (عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول لا آخذ) أي لا أعمل (بقول عرّاف) فسّر بالكاهن، والطبيب والرمال، والمنجم وأمثالهم ممّن يخبرون عن الغيب كذباً وتخميناً (ولا قائف) أي المخبر عن الأنساب بالقيافة وهو كالعراف أو منهم تخصيصاً بعد التعميم (ولا لصٍّ) مثلثة السارق؛ لأنهم فسّاق (ولا أقبل شهادة الفاسق إلا على نفسه)؛ لأنه إقرار وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
ورويا في القوي كالصحيح عن جراح المدائني عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «لا أقبل شهادة الفاسق إلا على نفسه» (2)ويفهم منه عدم قبول شهادة غير المؤمن إلا أن يقال: الفسق خروج عن طاعة اللّه مع العلم ولا خلاف في اشتراط الإيمان في الشهادة أما الرواية فالمشهور جواز العمل بالموثق؛ لإجماع الطائفة على ما نقله الشيخ على ما رواه السكوني وحفص بن غياث وطلحة بن زيد من العامّة وغيرهم كسماعة، وابن بكير، وأبان وبنو فضال. والطاطريون وأضرابهم (3).
1) التهذيب 6 : 285، باب البينات، ح 193.
2) الكافي 7 : 395، باب ما يرد من الشهود، ح 5. التهذيب 6 : 242، باب البينات، ح 5.
3) قال الشيخ أبو جعفر الطوسي (رَحمهُ اللّه) في عدة الأصول 1 : 133، وأما الفرق الذين أشاروا إليهم من الواقفية والفطحية وغير ذلك فعن ذلك جوابان: أحدهما أنّ ما يرويه هؤلاء يجوز العمل به إذا كانوا ثقاة في النقل وإن كانوا مخطئين في الاعتقاد إذا علم من اعتقادهم تمسكهم بالدين وتحرجهم من الكذب ووضع الأحاديث، وهذه كانت طريقة جماعة عاصروا الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) نحو عبد اللّه بن بكير وسماعة بن مهران ونحو بني فضال من المتأخرين عنهم وبني سماعة ومن شاكلهم انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه.
3307 - وروی سلیمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال له رجل: أرأيت إذا رأيت شيئاً في يدي رجل أيجوز لي أن أشهد أنه له؟ فقال: نعم. قلت: فلعله لغيره؟ قال: ومن أين جاز لك، أن تشتريه ويصير ملكاً لك، ثمّ تقول بعد الملك هو لي، وتحلف عليه ولا يجوز لك أن تنسبه إلى من صار ملكه إليك من قبله، ثمّ قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق.
(وروى سليمان بن داود المنقري) في القوي كالكليني والشيخ (1)ويدلّ على جواز الشهادة بالملك بمجرد كونه في يده، وعلله (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه إذا انتقل إليك وادعى أحد عليك، يجوز لك أن تحلف عليه أنه ملكي فكيف لا يجوز الشهادة على ملكيته، ولو لم يكن كذلك لم يقم للمسلمين سوق؛ لأنّ من كان في يده شيء ولم تحكم عليه بالملكية فيجب أن يشهد عدلان بأنه ملكه، ومن كان في يده شيءٌ ولا تعلم أنه ملك
1) الكافي 7 : 387، باب بدون عنوان، ح 1. التهذيب 6 : 261، باب البينات، ح 100. وفيه بعد قوله نعم (قال الرجل اشهد أنه في يده ولا اشهد أنه له) فلعله لغيره فقال له أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أفيحل الشراء منه؟ قال: نعم فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلعله لغيره إلى آخره، إلا أنه قال لم يقم (بدل) ما قام.
لغيره وكان وكيلاً كالسمسار فيجب أن لا تشتري منه ما لم يثبت وكالته وملكية صاحبه، ويحصل الحرج العظيم مع أنه تعالى قال: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرج) (1).
بل الظاهر أنه يجوز الشهادة باستصحاب الملك ؛ لما روياه في القوي كالصحيح عن يونس، عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): الرجل يكون في داره ثمّ يغيب عنها ثلاثين سنة ويدع فيها عياله ثمّ يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما أحدث في داره ولا ندري ما حدث له من الولد؟ إلا إنا؟ لا نعلم نحن أنه أحدَثَ في داره شيئاً ولا حدث له ولد ولا تقسم هذه الدار بين ورثته الذين ترك في الدار حتى يشهد شاهد عدل أن هذه الدار دار فلان بن فلان مات وتركها ميراثاً بين فلان وفلان فنشهد، أو نشهد على هذا؟ قال: «نعم». قلت: الرجل يكون له العبد والأمة فيقول أبَقَ غلامي وأبقت أمتي فيوجد في البلد فيكلّفه القاضي البيّنة إن هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه أفنشهد على هذا إذا كلّفناه ونحن لا نعلم أحدث شيئاً؟ قال: «فكلّما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد عليه»(2).
وفي الحسن كالصحيح عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن ابن أبي ليلى يسألني الشهادة على هذه الدار مات فلان وتركها ميراثاً وأنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له؟ فقال: «اشهد بما هو على علمك» قلت: إن ابن أبي ليلى
3308 - وروى إسماعيل بن مسلم عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شهد عنده رجل وقد قطعت يده ورجله بشهادة، فأجاز شهادته وقد كان تاب وعرفت توبته.
يحلفنا بغَموس؟ قال: «احلف إنّما هو على علمك» (1).
(وروى إسماعيل بن مسلم) السكوني في القوي كالكليني والشيخ (2)(عن جعفر بن محمّد عن أبيه (صلوات اللّه عليهما)) ويدلّ على قبول شهادة المحدود بعد التوبة، ثمّ ذكرا بعده وبهذا الإسناد قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ليس يصيب أحد أحداً فيقام عليه ثمّ يتوب إلا جازت شهادته» (3)ورويا في الصحيح، عن النضر ابن سويد وحماد، عن القاسم بن سليمان قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حداً ثمّ يتوب لا يعلم منه إلا خيراً تجوز شهادته؟ قال: «نعم، ما يقال عندكم؟» قلت: يقولون توبته فيما بينه وبين اللّه ولا تقبل شهادته أبداً، فقال: «بئسما قالوا كان أبي يقول : إذا تاب ولا يعلم منه إلا خير تجوز شهادته» (4).
وفي القوي كالصحيح عن أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن القاذف بعد ما يقام عليه الحدّ ما توبته؟ قال: «يكذّب نفسه» قلت: أرأيت إن أكذب نفسه وتاب أتقبل شهادته؟ قال: «نعم» (5).
1) الكافي 7 : 387 باب بدون عنوان ح 2. التهذيب 6 : 262، باب البينات، ح 101.
2) الكافي 7 : 397 باب شهادة القاذف والمحدود، ح 3. التهذيب 6 : 245، باب البينات، ح 23.
3) الكافي 7 : 397 باب شهادة القاذف والمحدود، ح 4. التهذيب 6: 245، باب البينات، ح 24.
4) الكافي 7 : 397، باب شهادة القاذف والمحدود، ح 2. التهذيب 6 : 246، باب البينات، ح 25.
5) الكافي 7 : 397 باب شهادة القاذف والمحدود، ح 1. التهذيب 6 : 245، باب البينات، ح 20.
3309 - وروى صفوان بن يحيى، عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن شهادة النساء هل تجوز في نكاح أو طلاق أو رجم؟ قال: تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه.
وفي القوي كالصحيح، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ). قال: سألته عن الرجل الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحد إذا تاب؟ قال: «نعم»، قلت: وما توبته؟ قال: «يجيء فيكذِّب نفسه عند الإمام ويقول: قد افتريت على فلانة ويتوب ممّا قال» (1). وقد تقدّم الآية والخبر الصحيح في ذلك.
(وروی صفوان بن يحيى) في الحسن كالصحيح (عن محمّد بن الفضيل) وهو مشترك. وروى الكليني في الصحيح عنه والشيخ بطريقين صحيحين عن الحسن بن محبوب، وعن الحسين بن سعيد عنه (2)، ولا يضر الجهالة؛ لإجماع الأصحاب على صفوان والحسن بن محبوب.
(عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن شهادة النساء هل تجوز) منفردات أو منضمات وفي الإيقاع أو في الإثبات :(قال: تجوز شهادة النساء) منفردات ومنضمات (فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه) كالعذرة والمنفوس أي غالباً؛ فإنّ
وتجوز في النكاح إذا كان معهنّ رجل،
النظر إلى فرج المرأة حرام على الرجل والمرأة، لكن عند الاضطرار تقدّم المرأة وجوباً على الرجل وتجوز في حد الزنا مطلقاً أو الرجم؛ للتقيد به في الأخبار وإن وردت مطلقةً، والمطلق يحمل على المقيد سيّما إذا كان على سبيل الاشتراط كما سيجيء، وفي وجوب الحمل مع إثباتهما أو نفيهما إشكال، نعم لا شكّ مع التغاير، والأكثر على الحمل وقبلوا شهادة الرجلين وأربع نسوة في الحد، وفيه إشكال؛ لأنه لم يصل إلينا خبر يدلّ عليه صريحاً مع وجوب درء الحد بالشبهات.
(وتجوز في النكاح) أي في الإثبات أو الإيقاع أو استحباباً أو تقيةً (إذا كان معهن رجل) بأن كان رجل وامرأتان. وقيل: ثبوت المهر بذلك دون أصل النكاح عملاً بالأصلين؛ لأنّ الشاهد والمرأتين يجوز في حقوق الناس دون حقوق اللّه والنكاح منهما بالاعتبارين، وسيجيء أيضاً.
فأما ما رواه الشيخ في القوي عن إسماعيل بن عيسى، قال: سألت الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) هل يجوز شهادة النساء في التزويج من غير أن يكون معهنّ رجل؟ قال: «لا، هذا لا يستقيم» (1)فمحمول على الإثبات أو على الإيقاع باعتبار الإثبات كما يظهر من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هذا لا يستقيم» أي لا يثبت بها؛ لما رواه الشيخ، عن محمّد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «إنما جعلت البيّنة في النكاح من أجل المواريث»(2)وسيجيء في باب النكاح.
ولا تجوز في الطلاق، ولا في الدم، وتجوز في حد الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتين، ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة.
وروي في القوي عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ): أنه كان يقول: «شهادة النساء لا تجوز في طلاق، ولا نكاح، ولا في حدود، إلا في الديون وما لا يستطيع الرجل النظر إليه» (1)ويحمل على التقيّة، ويمكن حمل قوله: (لا تجوز في الطلاق) على الإطلاق (وفي النكاح والحدود) على الانفراد، ويحمل الاستثناء في الديون على الجمع مع الرجال وكلُّ فهم ذلك على الراوي، وفيه أيضاً نوع من التقيّة.
(ولا تجوز في الطلاق ولا في الدم) أي القصاص أو الأعم، وخص بقوله: (وتجوز في حد الزنا) كالسابق (إذا كان ثلاثة رجال وامرأتين) ولا خلاف فيه؛ لتواتر الأخبار به (2)(ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة) أي في الرجم أو الأعم.
ويؤيّده ما رواه الكليني في الصحيح عن محمّد بن مسلم، قال: قال: «لا يجوز شهادة النساء في الهلال ولا في الطلاق»، وقال: سألته عن النساء يجوز شهادتهن؟ قال: فقال: «نعم في العذرة والنفساء» (3). أي في الولادة.
وهما في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «لا يجوز شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا يجوز في الرجم شهادة رجلين وأربع نسوة، ويجوز في ذلك ثلاثة رجال وامرأتين» وقال: «يجوز شهادة النساء وحدهنّ
بلا رجل في كل ما لا يجوز للرجال النظر إليه، ويجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس» (1)أي في الرابع، كما سيجيء.
وفي الصحيح عن ابن محبوب، عن إبراهيم الخارقي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «يجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه ويشهدوا عليه، ويجوز شهادتهن في النكاح ولا يجوز في الطلاق ولا في الدم، ويجوز في حد الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان ولا تجوز إذا كان رجلان وأربع نسوة، ولا يجوز شهادتهن في الرجم» (2).
وفي الحسن كالصحيح عن جميل بن دراج ومحمّد بن حمران، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلنا أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: «في القتل وحده»(3)أي باعتبار الدية، أو على التفصيل السابق، ويؤيده أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقول: «لا يطل، أو لا يبطل دم امرء مسلم» (4).
1) الكافي 7 : 391، باب ما يجوز من شهادة النساء، ح 8. التهذيب 6 : 264، باب البينات، ح 107.
2) الكافي 7 : 392، باب ما يجوز من شهادة النساء، ح 11. التهذيب 6 : 265، باب البينات ح 112.
3) الكافي 7 : 390، باب ما يجوز من شهادة النساء، ح 1. التهذيب 6 : 266، باب البينات، ح 116.
4) الكافي 7 : 390، باب ما يجوز من شهادة النساء، ذيل ح 1. التهذيب 6 : 266، باب البينات ذيل ح 116.
وروى الكليني في الحسن كالصحيح والشيخ في الصحيح، عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سئل هل تقبل شهادة النساء في النكاح؟ فقال: «تجوز إذا كان معهنّ رجل، وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لا أجيزها في الطلاق»، قلت: يجوز شهادة النساء مع الرجل في الدين؟ قال: «نعم» وسألته عن شهادة القابلة في الولادة؟ قال: «تجوز شهادة الواحدة» وقال: «تجوز شهادة النساء في (1)المنفوس والعذرة» وحدّثني من سمعه يحدّث: «أنّ أباه أخبره أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أجاز شهادة النساء في الدين مع يمين الطالب يحلف بالله أنَّ حقه لحقِّ» (2).
وهما في الحسن كالصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن شهادة النساء في الرجم؟ فقال: «إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، وإذا كان رجلان وأربع نسوة لم تجز في الرجم»(3).
وفي الموثق عن أبي بصير، قال: سألته عن شهادة النساء؟ فقال: «يجوز شهادة النساء وحدهنّ على ما لا يستطيع الرجال ينظرون إليه، ويجوز شهادة النساء في النكاح إذا كان معهنّ رجل، ولا تجوز في الطلاق ولا في الدم غير أنها تجوز شهادتها أو شهادتهن في حد الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، ولا تجوز شهادة
رجلين وأربع نسوة»(1).
وفي الموثق كالصحيح عن عبد اللّه بن بكير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «يجوز شهادة النساء في العذرة وكل عيب لا يراه الرجل»(2).
وفي القوي كالحسن عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟ قال: «نعم، ولا تجوز في الطلاق» قال: وقال علي : «يجوز شهادة النساء في الرجم إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، وإذا كان أربع نسوة ورجلان فلا تجوز في الرجم» قلت : تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال: «لا» (3).
فأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان لم يجز في الرجم ولا يجوز شهادة النساء في القتل» (4).
وما رواه في الموثق كالصحيح عن غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القود»(5).
1) الكافي 7 : 391، باب ما يجوز من شهادة النساء، ح 4. التهذيب 6 : 264، باب البينات، ح 109.
2) الكافي 7 : 391، باب ما يجوز من شهادة النساء، ح 7. التهذيب 6 : 271، باب البينات، ح 137.
3) الكافي 7 : 391، باب ما يجوز من شهادة النساء، ح 9. التهذيب 6 : 265، باب البينات ح 111.
4) التهذيب 6 : 265، باب البينات، ح 113.
5) التهذيب 6 : 265، باب البينات، ح 114.
وفي القوي عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القود» (1).
فمحمول على التقيّة بقرينة الأخيرتين، وعلى هذا يكون استفهاماً إنكارياً، فإنّ رواتهما عامية، مع أنه يمكن حمل الأخيرتين على الانفراد أو في غير الرجم. ويمكن حمل الخبر الأول على عدم عدالة الشهود كما حمله الشيخ، لكنه بعيد ويمكن حمل الأخبار الأوّلة على ثبوت الحد في الرجم لا على ثبوت الرجم وهو أيضاً بعيد.
ويؤيد الأخبار الأوّلة ما رواه الشيخ عن زيد الشحام قال: سألته عن شهادة النساء. قال: فقال: «لا يجوز شهادة النساء في الرجم إلا مع ثلاثة رجال وامرأتين، فإن كان رجلان وأربع نسوة فلا يجوز في الرجم» قال: فقلت: أيجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ فقال: «نعم»(2).
وفي الصحيح عن محمّد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «شهادة النساء تجوز في النكاح ولا تجوز في الطلاق» وقال: «إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان جاز في الرجم، وإذا كان رجلان وأربع نسوة لم تجز» وقال: «يجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال»(3)أي في هذه الصورة.
وروى الشيخ في الصحيح عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، قال:
3310 - وسأل عبيد الله بن علي الحلبي أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة القابلة في الولادة؟ قال تجوز شهادة الواحدة، وشهادة النساء في المنفوس والعذرة.
3311 - وقضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غلام شهدت عليه امرأة أنه
سألت أبا الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمثل ما في المتن إلا في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ولا يجوز شهادة رجلين وأربع نسوة في الزنا والرجم، ولا يجوز شهادتهن في الطلاق ولا في الدم» (1).
(وسأل عبيد اللّه بن علي الحلبي) في الصحيح كالشيخ والكليني في الحسن كالصحيح (2)(قال تجوز شهادة الواحدة) أي في ربع ميراث المستهل (وشهادة النساء) أربع نسوة (في المنفوس)؛ لأنه لا يحضره الرجال غالباً، وتحضره النساء فربما صاح ومات فلو لم يسمع فيه شهادة النساء لضاع حق الوارث (والعذرة)؛ لأنّ النساء مقدمة على الرجال في النظر إلى الفرج وإن كان حراماً عليهما، وسيجيء أيضاً وتقدّم.
(وقضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) والظاهر أنه من كتاب محمّد بن قيس في القضايا فيكون حسناً كالصحيح و رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (3)(في غلام شهدت عليه امرأة أنه) أي
دفع غلاماً في بئر فقتله، فأجاز شهادة المرأة.
3312 - وروى زرارة عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا فقالت: أنا بكر فنظر إليها النّساء فوجدوها بكراً. قال: تقبل شهادة النساء.
3313 - وسأل عبد اللّه بن الحكم أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن امرأة شهدت على له رجل أنه دفع صبياً في بئر فمات. قال: على الرّجل ربع دية الصبي بشهادة المراة.
الغلام (دفع غلاماً في بئر فقتله فأجاز شهادة المرأة) بحساب شهادة المرأة، وهذه الزيادة موجودة في التهذيب، وهو المراد لو لم تكن كما هنا، والظاهر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه حسب امرأتين برجل في الدية لا في القصاص كما سيجيء.
(وروى زرارة) في الصحيح والشيخ في القوي كالصحيح عنه (1)(عن أحدهما إلى قوله - شهادة النساء) في دفع الحد عنها ولا يعزّر الشهود للشبهة لاحتمال كذبهن، بل تعارضا وتساقطا ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ قوياً عن السكوني. عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «أتي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بامرأة بكر زعموا أنها زنت فأمر النساء فنظرت إليها، فقلن: هي عذراء، فقال: ما كنت لأضرب من عليها خاتم من اللّه عزّوجلّ». وكان يجوّز شهادة النساء في مثل هذا(2).
(وسأل عبد اللّه بن الحكم) في الضعيف، كالشيخ (3)ونقل خبره إما؛ لأنه
1) التهذيب 6 : 271، باب البينات، ح 140.
2) الكافي 7 : 404 باب النوادر، ح 10. التهذيب 6: 278، باب البينات، ح 166.
3) في رجال النجاشي : 225، عبدالله بن الحكم الأرمني ضعيف روى عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) له كتاب وفي تنقيح المقال 2 : 179، نقلاً عن ابن الغضائري إنه ضعيف مرتفع القول لا يعبأ به يقال إنه روى عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (إلى أن قال) في التنقيح وضعفه في الوجيزة وغيرها أيضاً وكان ضعفه مسلم انتهى. والحديث في التهذيب 6 : 267، باب البينات، ح 120.
3314 - وروى ابن أبي عمير، عن الحسين بن خالد الصيرفي، عن أبي الحسن الماضي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كتبت إليه في رجل مات وله أم ولد وقد جعل لها سيدها شيئاً في حياته، ثمّ مات قال: فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): لها ما آتاها به سیدها
لم يثبت عند المصنّف ضعفه ؛ أو لاعتبار الأصحاب كتابه بأن كانوا نقلوه عنه حال كونه ثقة ثمّ ارتفع قوله وصار ضعيفاً ؛ أو لتأيده بأخبار أخر ؛ أو التأييد تقدم خبر زرارة في هذا المعنى. فأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن ربعي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا يجوز شهادة النساء في القتل» (1)، فيحمل على القصاص؛ لما تقدم من الأخبار وسيجيء أيضاً.
(وروى ابن أبي عمير) في الصحيح كالكليني (2)(عن الحسين بن خالد الصيرفي) ولم يذكر حاله، لكن يفهم من الأخبار أنه عظيم الشأن؛ لما روي «اعرفوا منازل الرجال على قدر رواياتهم عنا»(3).
(عن أبي الحسن الماضي) موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد يطلق على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لكونه ماضياً بالنسبة إلى الأخير الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لها ما آتاها به) أي أعطاها وفي
1) التهذيب 6 : 267، باب البينات، ح 121.
2) الكافي 7 : 29، باب الوصية لأمهات الأولاد، ح 2.
3) رجال الكشي : 6، ح 3. وفيه: اعرفوا منازل الناس إلى آخره، نعم نقله صاحب الوسائل (رَحمهُ اللّه) في باب 11، من أبواب صفات القاضي حديث 41 كما هنا وكتب في حاشية الوسائل أنه في أوّل كتاب الكشي بخطه (رَحمهُ اللّه) والله العالم.
في حياته معروف ذلك، لها تقبل على ذلك شهادة الرجل والمرأة والخدم غير المتهمين.
3315 - وروى حماد عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أجاز شهادة النساء في الدين وليس معهنّ رجل.
الكافي: «ما أمر به سيدها» وكأنه من النسّاخ (في حياته معروف ذلك لها) أي كان السيد يعطيها الأشياء في حياته وكان متعارفة وهو قرينة الصدق أو إحسان السيد لها تقبل على ذلك شهادة الرجل أي الرجلين أو مع المرأة أو بالنسبة والمرأة كذلك (والخدم غير المتهمين) صفة للأخير ويشمل الأجير أو مختص به، فيحمل أخبار ردّ شهادة الأجير على الاتهام أو يخص عموم الخدم بالأجير.
(وروى حماد) في الصحيح كالشيخ بطريقين صحيحين (1)(عن الحلبي - إلى قوله - رجل) أي في الوصيّة بالدين أو مع يمين المدّعي كما سيجيء.
وما في الوصيّة؛ فلما رواه الكليني والشيخ في الصحيح، عن ربعي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شهادة امرأة حضرت رجلاً يوصي. فقال: «يجوز ربع ما أوصى بحساب شهادتها»(2).
والشيخ في الصحيح عن محمّد بن قيس بسندين عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصيّة لم يشهدها إلا امرأة فقضى أن تجاز شهادة المرأة
في ربع الوصية» (1).
وأيضاً في الصحيح عن محمّد بن قيس قال: قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصيّة لم يشهدها إلا امرأة أن يجوز شهادة المرأة في ربع الوصية إذا كانت مسلمة غير مريبة في دينها» (2)أي كانت على الحق؛ فإنّ غيره ريب وسيجيء أيضاً.
فأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن إبراهيم بن محمّد الهمداني، قال: كتب بن هلال إلى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): امرأة شهدت على وصيّة رجل لم يشهدها غيرها وفي الورثة من يصدّقها، وفيهم من يتهمها ؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا، إلا أن يكون رجل وامرأتان. وليس بواجب أن ينفذ شهادتها» (3)فمحمول على التقيّة أو على عدم القبول في الجميع.
وكذا ما روياه في الموثق كالصحيح عن أبان عن عبد الرحمن، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المرأة يحضرها الموت، وليس عندها إلا امرأة يجوز شهادتها؟
قال: «يجوز شهادتها في العذرة والمنفوس» (4)مع أنه لم ينف شهادتها وهذا أيضاً قرينة التقية.
3316 - وروى الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل مات وترك امرأة وهي حامل فوضعت بعد موته غلاماً، ثمّ مات الغلام بعد ما وقع إلى الأرض فشهدت المرأة التي قبلتها به أنه استهل وصاح حين وقع إلى الأرض ثمّ مات بعد. فقال: على الإمام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام.
ويحمل على الربع ما رواه في الموثق كالصحيح عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «يجوز شهادة المرأة في الشيء الذي ليس بكثير في الأمر الدون، ولا تجوز في الكثير» (1).
وكذا ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألت الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : عن امرأة ادّعى بعض أهلها أنها أوصت عند موتها من ثلثها بعتق رقيق أو رقبة لها، أيعتق ذلك وليس على ذلك شاهد إلا النساء؟ قال: «لا يجوز شهادة النساء في هذا» (2)وإن أمكن أيضاً أن يقال: إنّ ذلك من حقوق اللّه تعالى.
وفي الحسن كالصحيح عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال: «يجوز شهادة امرأتين في استهلال»(3)أي في النصف كما تقدم.
(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح كالكليني والشيخ (4)(عن عمر بن يزيد)
ويدل على قبول شهادة النساء في المنفوس بحساب الشهادة؛ لأنه إذا قبل ربعه في امرأة فيصدق على كل امرأة فيقبل شهادة المرأتين في النصف والثلث في الثلاثة الأرباع، والأربع في الجميع، ويؤيده الأخبار السالفة أيضاً وما سيأتي.
ويدلّ عليه أيضاً ما روياه في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «يجوز شهادة القابلة في المولود إذا استهل، وصاح في الميراث ويورث الربع من الميراث بقدر شهادة امرأة واحدة» قلت: فإن كانت امرأتين؟
قال: «يجوز شهادتهما في النصف من الميراث»(1).
وفي القوي كالصحيح عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: أجيز شهادة النساء في الغلام صاح أو لم يصح، وفي كلّ شيءٍ لا ينظر إليه الرجال يجوز شهادة النساء فيه»(2)والترديد بقوله: «صاح أو لم يصح» يمكن أن يكون متعلق الشهادة أي يقبل في صياحه وفي عدم صياحه، وأن يكون المراد به أنه إذا شهدت النساء بحياته تقبل سواء صاح أو لا ؛ لأنّ المدار على العلم بالحياة كما سيجيء في الميراث.
وروى الشيخ في الصحيح عن العلاء، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) - والظاهر سقوط محمّد من القلم - قال: «لا يجوز شهادة النساء في «الهلال»، وسألته هل يجوز شهادتهن
3317 - وفي رواية أخرى: إن كانت امرأتين تجوز شهادتهما في نصف الميراث، وإن كنّ ثلاث نسوةٍ جازت شهادتهن في ثلاثة أرباع الميراث، وإن كنّ أربعاً جازت شهادتهن في الميراث كله.
وحدهن؟ قال: «نعم في العذرة والنفساء»(1).
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم قال: سألته يجوز شهادة النساء وحدهن؟ قال: «نعم في العذرة والنفساء» (2)والظاهر أنّ هذا هو الخبر السابق، وهو أيضا قرينة السقوط كما يقع كثيراً من الشيخ.
وفي القوي عن جابر، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «شهادة القابلة جائزة في الميراث على أنه إن استهل أو برز ميتاً إذا سئل عنها فعدلت» (3).
(وفي رواية أخرى) لم نقف على هذه الرواية في شيء من الأصول ولعله رآه. ويمكن أن يكون الرواية رواية ابن سنان المتقدمة بأن كانت التتمة موجودة في أصله ولم ينقله الرواة، أو قاس المصنّف لظهور العلة، بل الظاهر أنه يفهم من أوّل الخبر حكم البقية ولم يفهمه ابن سنان أو فهمه وسأله ثانياً؛ للتوضيح فلما وضح لم يسأله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن البقية.
3318 - قضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بشهادة شاهد ويمين المدّعي.
باب الحكم بشهادة الواحد ويمين المدّعي
هذا ممّا أجمع عليه أصحابنا الإمامية ؛ لتواتر الأخبار عن الأئمة المعصومين (صلوات اللّه عليهم) بذلك (1).
(قضی رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) روى الكليني والشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق»(2).
وفي الحسن كالصحيح عن حماد بن عيسى، قال: حدّثني أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «حدّثني أبي أنّ رسول اللّه قضی بشاهد ویمین»(3).
وفي الحسن كالصحيح والشيخ في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل على أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسألاه: عن شاهد
ويمين؟ فقال: «قضی به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقضى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندكم بالكوفة» فقالا: هذا خلاف القرآن؟ فقال: «وأين وجدتموه خلاف القرآن؟» فقالا: إن اللّه تبارك وتعالى يقول: ﴿وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (1)، فقال: «هؤلاء تقبلوا شهادة واحد ويمين» الخبر (2)أي دلالته بمفهوم اللقب وهو باطل، والاستفهام إنكاري مع أنه تعالى قال: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) (3)وسيجيء تتمة الخبر في خبر شريح.
وفي الموثق عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): عن الرجل يكون له عند الرجل الحق وله شاهد واحد ؟ قال : فقال: «كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق» (4)وفي القوي كالصحيح و الشيخ في الصحيح، عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «كان علي (صلوات اللّه عليه) يجيز في الدين شهادة رجل ويمين المدّعي» (5).
وروى الشيخ في الموثق كالصحيح، عن أبي مريم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:
1) الطلاق : 2.
2) الكافي 7 : 385، باب شهادة الواحد ويمين المدّعي، ح 5. التهذيب 6 : 273، باب البينات، ح 152.
3) البقرة : 282.
4) الكافي 7 : 385، باب شهادة الواحد ويمين المدّعي، ح 3. التهذيب 6 : 272، باب البينات، ح 147.
5) الكافي 7 : 385، باب شهادة الواحد ويمين المدّعي، ح 1. التهذيب 6 : 275، باب البينات، ح 154.
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : نزل علي جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحكم بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق وحكم به أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعراق.
«أجاز رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شهادة شاهد مع يمين طالب الحق إذا حلف أنه لحق»(1)وعن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) قال: «كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق»(2).
(وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)) كأنه نقل بالمعنى، أو ورد بهذا العنوان ولم يصل إليَّ (3).
وروى الشيخ في القوي كالصحيح عن العباس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له أبو حنيفة: كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد ؟! فقال جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): قضى به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقضى به علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندكم فضحك أبو حنيفة، فقال جعفر : أنتم تقضون بشهادة واحد شهادة مائة فقال ما نفعل؟ فقال: بلى تشهد مائة فترسلون واحداً يسأل عنهم ثمّ تجيزون شهادتهم بقوله» (4).
الظاهر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألزمه بأن قضاتهم يرسلون نائبهم؛ ليسمع عن الشهود ويقضون به.
1) التهذيب 6: 273، باب البينات، ح 149.
2) الكافي 7 : 385، باب شهادة الواحد ويمين المدّعي، ح 4. التهذيب 6 : 272، باب البينات، ح 146.
3) في أمالي الصدوق في المجلس الثامن والخمسين أورد حديثين مسندين لفظ أحدهما هكذا: أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قضى باليمين مع الشاهد الواحد وأن علياً لها قضى به بالعراق ولفظ الآخر هكذا جاء جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأمره أن يأخذ باليمين مع الشاهد الواحد، وكان المصنّف (رَحمهُ اللّه) لخص مضمونهما معاً ونقله هنا والله العالم. الأمالي للشيخ الصدوق: 445.
4) التهذيب 6 : 296، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 33.
مع أنه جور، فكيف تنكر فعل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفعل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مع أن اليمين بمنزلة الإقرار أو الشاهد في اليمين المردودة و مع النكول على قول جماعة منهم، وليس هذا أول بدعه عليه اللعنة فإنّه كان يعمل بالقياس ويترك الخبر، وإن شئت التفصيل فلاحظ كتاب كشف الحق ونهج الصدق للعلامة.
وفي الموثق كالصحيح عن داود بن الحصين، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل معهن إذا كانت المرأة منكرة؟ فقال: «لا بأس به» ثمّ قال لي: «ما يقول في ذلك فقهاؤكم؟» قلت يقولون: لا يجوز إلا شهادة رجلين عدلين، فقال: «كذبوا لعنهم اللّه وهوّنوا واستخفوا بعزائم اللّه وفرائضه أو فروضه وشدّدوا وعظموا ما هوّن اللّه إنّ اللّه أمر في الطلاق بشهادة رجلين عدلين فأجازوا الطلاق بلا شاهد واحد والنكاح لم يجيء عن في تحريمه فسن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ذلك الشاهدين، تأديباً ونظراً؛ لئلا ينكر الولد والميراث. وقد ثبت عقدة النكاح ويستحل الفرج، ولا أن يشهد (أي بدون الإشهاد)، وكان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجيز شهادة امرأتين في النكاح عند الإنكار (أي اليمين) ولا يجيز في الطلاق إلا بشاهدين عدلين» قلت: فأنى ذكر اللّه تعالى وقوله: (فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ) (1)؟ فقال: «ذلك في الدين إذا لم يكن رجلان فرجل وامرأتان. ورجل واحد ويمين المدّعي إذا لم يكن امرأتان، قضى بذلك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعده عندكم»(2).
وفي القوي كالصحيح عن القاسم بن سليمان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:
3319 - وروى الحسن بن محبوب، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لو كان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق النّاس، فأما ما كان من حقوق اللّه عزّ وجل ورؤية الهلال فلا.
«قضی رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بشهادة رجل مع يمين الطالب في الدين وحده»(1).
(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح كالشيخ (2)ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال: «كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يجيز في الدين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدين، ولم يكن يجيز في الهلال إلا شاهدي عدل» (3). أما الهلال فقد تقدّم الأخبار فيه في كتاب الصوم وهنا، ويؤيده أيضاً ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال ولا يقبل في الهلال إلا رجلان عدلان»(4).
فأما ما رواه الشيخ في الموثق عن داود بن الحصين، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث طويل، قال: «لا يجوز شهادة النساء في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين ولا بأس في الصوم بشهادة النساء ولو امرأة واحدة (5)فمحمول على الاستحباب احتياطاً للصوم.
3320 - روى منصور بن حازم: أن أبا الحسن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا شهد لطالب الحق امرأتان ويمينه فهو جائز.
3321 - وروى حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدين يحلف بالله إن حقه لحق.
باب الحكم بشهادة امرأتين ويمين المدّعي
(روی منصور بن حازم) في الحسن كالصحيح كالكليني والشيخ إلا أنهما قالا: عن منصور بن حازم قال: حدّثني الثقة، عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1). ولهذا غير الأسلوب ولا ينفع؛ لأن اللبس لا يرتفع (امرأتان ويمينه) بالرفع تجوزاً، أو بالنصب بأن يكون الواو بمعنى مع.
(وروى حماد عن الحلبي) في الصحيح وهما في الحسن كالصحيح (2)ويؤيدهما صحيحة محمّد بن مسلم وموثقة داود وقد تقدما، ولا معارض لهذه الأخبار إلا
3322 - روى العلاء، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرّجل يشهد حساب الرّجلين ثمّ يدعى إلى الشهادة قال: إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد.
3323 - وروى ابن فضال، عن أحمد بن يزيد، عن محمّد بن مسلم، عن
مفهوم الأخبار والمنطوق مقدّم عليه، فلا وجه لتوقف بعض الأصحاب في العمل بها ظاهراً (1).
باب إقامة الشهادة بالعلم دون الإشهاد
أي في أنه لا يجب إلا إذا خاف فوت الحق (روى العلاء) في الصحيح (عن محمّد ابن مسلم) وروى الكليني والشيخ في القوي كالصحيح عن العلاء، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما سمع منهما؟ قال: «ذلك إليه إن شاء شهد، وإن شاء لم يشهد، فإن شهد شهد بحق قد سمعه، وإن لم يشهد فلا شيء عليه؛ لأنهما لم يشهداه» (2).
وروى ابن فضال، عن أحمد بن يزيد عن محمّد بن مسلم) روى الكليني عن
أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرّجل يشهد حساب الرّجلين ثمّ يدعى إلى الشهادة قال: يشهد.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد عن ابن فضال عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم (1). وكان التبديل من النساخ.
ويؤيدهما ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت»(2)، وأيضاً في الصحيح عن محمّد بن مسلم مثله. وأيضاً في القوي عنه مثله. وفي الحسن كالصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله. ثمّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد قوله: «وإن شاء سكت» وقال: «إذا أشهد لم يكن له إلا أن يشهد» (3).
وفي القوي عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت، إلا إذا علم من الظالم فيشهد ولا يحل له أن لا يشهد» وفي الكافي : «إلا أن يشهد» (4).
وحمل هذه الأخبار على صورة كان فيها غيرهما من الشهود التي يثبت الحق بهم كما يشعر به خبر يونس؛ لما سيجيء من الأخبار الدالة على وجوب الشهادة مع
1) الكافي 7: 381، باب الرجل يسمع الشهادة، ح 3 متن الخبر في الكافي في الباب المذكور هكذا إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت إلا إذا علم من الظالم فليشهد ولا يحل له إلا أن يشهد.
2) الكافي 7 : 381، باب الرجل يسمع الشهادة، ح 2. التهذيب 6 : 258، باب البينات، ح 83.
3) الكافي 7 : 381، باب الرجل يسمع الشهادة، ح 1. التهذيب 6 : 258، باب البينات، ح 84.
4) الكافي 7: 382، باب الرجل يسمع الشهادة، ح 4. التهذيب 6 : 258، باب البينات، ح 85.
3324 - وروى عليّ بن أحمد بن أشيم قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال: فلانة طالق، وقوم يسمعون كلامه ولم يقل لهم اشهدوا، أيقع الطلاق عليها؟ قال: نعم، هذه شهادة أفتتركها معلّقة.
العلم وإن أمكن تخصيصها بهذه، والاحتياط في الإقامة.
(وروى علي بن أحمد بن أشيم) على وزن أفعل وقرىء مصغراً في القوي كالكليني والشيخ (1)، ويؤيده ما روياه في الحسن كالصحيح عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر، قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): عن رجل كانت له امرأة طهرت من حيضها فجاء إلى جماعة فقال فلانة طالق يقع عليها الطلاق ولم يقل: اشهدوا؟ قال: «نعم»(2). وفي الحسن كالصحيح عن صفوان عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سئل عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال: فلانة طالق، وقوم يسمعون كلامه ولم يقل لهم اشهدوا أيقع الطلاق عليها؟ قال: «نعم هذه شهادة»(3).
واعلم أنه لا منافاة بين هذه الأخبار والأوّلة؛ لأنه لا ريب في الوقوع إنما الخلاف في وجوب الإقامة.
(أفتتركها معلّقة) وفيهما: «أفتترك معلّقة» أي لا ذات زوج ولا مطلقة.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه) : معنى هذا الخبر الذي جعل الخيار فيه إلى الشاهد بحساب الرّجلين هو إذا كان على ذلك الحق غيره من الشهود، فمتى علم أن صاحب الحق مظلوم ولا يحيى حقه إلا بشهادته وجب عليه إقامتها ولم يحلّ له كتمانها.
3325 - فقد قال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): العلم شهادة، إذا كان صاحبه مظلوماً.
3326 - روي عن محمّد بن الفضيل قال: قال العبد الصالح (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا ينبغي للذي يدعى إلى شهادة أن يتقاعس عنها.
(العلم شهادة) يمكن أن يكون المصنّف نقل خبر يونس، وأن يكون غيره وسيجيء أيضاً في باب إحياء الموات ما يتعلّق بهذا.
باب الامتناع من الشهادة إلى آخره
أي حرمته (روى محمّد بن فضيل) المشترك ولم يذكر المصنّف طريقه إليه، لكن رويا في الصحيح عنه (1)، والتقاعس التأخّر، ويظهر منه أن وجوب إقامة الشهادة
1) الكافي 7 : 380 باب الرجل يدعى إلى الشهادة، ح 3. التهذيب 6 : 276، باب البينات، ح 159. ولكن متن الخبر فيهما هكذا: عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عز وجل: (ولا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا). فقال : إذا دعاك الرجل لتشهد له على دين أو حق لم ينبغ لك أن تقاعس عنه.
3327 - وروى هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عزّوجلّ: (ولا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) قال: قبل الشهادة وفي قوله عزّوجلّ: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ عَائِمٌ قَلْبُهُ) (1)قال بعد الشهادة.
فوري إلا أن يراد به الكتمان مجازاً. ويحتمل أن يكون المراد التقاعس عن تحمل الشهادة.
(وروى هشام بن سالم) في الصحيح كالشيخ والكليني في الحسن كالصحيح (2)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)- إلى قوله - قبل الشهادة) أي للتحمّل، أي إذا دعي الشاهد، لأن يتحمّل الشهادة فلا يجوز له أن يأبى عن التحمّل، بل يجب عليه التحمّل، والظاهر أنّ هذا الوجوب كفائي، إن امتنع الكل أتموا جميعاً، وإن تحمل اثنان فيما يثبت بالشاهدين مثلاً سقط عن الباقين من المكلّفين، وإن انتفع المدّعي بالزيادة مع موت أحدهما أو غيبته أو جرحه الخفي، أو لحصول اليقين وأمثالها، نعم يستحب قضاء حاجة أخيه المؤمن وهل يسقط الوجوب بتحمّل الواحد فيما يثبت بالشاهد واليمين؟ فيه نظر من مشقة اليمين غالباً، ومن رفع الحاجة به، وكذا فيما يثبت باليمين والمرأتين في السقوط عن الرجال، ولعلّ الأظهر السقوط، والأحوط العدم.
(قال بعد الشهادة) أي بعد تحمّلها لأداء الشهادة أي من يكتم الشهادة بأن لا يؤدّيها أو أدّاها على خلاف الواقع فإنّه آثم قلبه أي صار آثماً بكتمان الحق
أو كافر قلبه كما سيجيء هنا وفي باب الكبائر، والظاهر أن وجوب الأداء أيضاً كفائي كالتحمّل. ويؤيّده ما رواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه قال : في قول اللّه عز وجل: (ولا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) (1)فقال: «لا ينبغي لأحد إذا دُعي إلى شهادة يشهد عليها أن يقول: لا أشهد لكم فذلك قبل الكتاب»(2).
وفي القوي كالصحيح عن أبي الصباح الكناني كالحلبي إلى قوله: وذلك(3). وفي الموثق عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله (4). وفي القوي كالصحيح عن جراح المدائني، قال: «إذا دعيت إلى الشهادة فأجب»(5).
ومثله عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6)قال: «لا يأبى الشهداء أن تجيب حين تدعى قبل الكتاب» وفي التهذيب : «لا يأبى الشاهد أن يجيب حين
1) البقرة : 282.
2) الكافي 7 : 379، باب الرجل يدعى إلى الشهادة، ذيل ح 2. التهذيب 6 : 275، باب البينات ح 158. ولكن لم يرو في التهذيب عن الحلبي.
3) الكافي 7 : 379 باب الرجل يدعى إلى الشهادة، ح 2. التهذيب 6 : 275، باب البينات، ح 156.
4) الكافي 7 : 379، باب الرجل يدعى إلى الشهادة، ح 1. التهذيب 6 : 275، باب البينات، ح 158.
5) الكافي 7 : 380، باب الرجل يدعى إلى الشهادة، ح 5. التهذيب 6 : 275، باب البينات ح 157.
6) الكافي 7 : 380، باب الرجل يدعى إلى الشهادة، ح 6. التهذيب 6 : 276، باب البينات، ح 160.
3328 - وروى عثمان بن عيسى عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: يكون للرّجل من إخواني عندي الشهادة ليس كلّها تجيزها القضاة عندنا قال: إذا علمت أنّها حقٌّ فصححها بكل وجه حتى يصح له حقه.
يدعى قبل الكتاب».
(وروی عثمان بن عیسی) (1)في الموثق وإن لم يذكر طريقه إليه؛ لأن الظاهر أنه أخذ من كتابه، والأظهر أخذه من الكافي وطريقه إليه صحيح - عن بعض أصحابه - ولا يضر الإرسال؛ للإجماع على عثمان (قال: إذا علمت أنها حقٌّ فصححها بكل وجه) أي بالتعبير اللفظي، كما إذا كان للمرأة على زوجها مال بسبب المتعة، ولا يصححون العامّة ذلك، فيجوز أن يشهد عليه بأنّ للمرأة عليه الصداق أو المهر أو المال، وكما إذا أخذ واحد من العصبة نصف التركة من البنت الشيعية بسب التعصيب فيجوز للشاهد التعبير عنه بالدين وأمثال ذلك.
وهل يجوز للشاهد إذا كان امرأة واحدة ويجوز شهادتها في الربع إن تضاعف الموصى به بأربعة أضعافه ليحصل له المال تماماً؟ فيه نظر من العموم، ومن أنّ الظاهر من الخبر تصحيحها عند العامّة، وللكذب مع عدم الضرورة؛ ولأن الشارع قرر الربع بشهادتها لا الكل على أنّ ذلك الحكم مخالف للأصول، فكلما كانت المخالفة أقل كان أولى أو يقال الربع متيقن والباقي مشكوك فيه، والمنع من ثبوت
1) الكافي 7 : 387 باب بدون عنوان، ح 3. التهذيب 6 : 262، باب البينات، ح 102.
3329 - وروى جابر، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : من كتم الشهادة أو شهد بها؛ ليهدر بها دم امرىء مسلم، أو ليتوي مال امرىء مسلم أتى يوم القيامة ولوجهه ظلمة مد البصر، وفي وجهه كدوح تعرفه الخلائق باسمه ونسبه، ومن شهد شهادة حيّ، ليحيي بها مال امرى مسلم أتى يوم القيامة ولوجهه نورٌ مدّ البصر تعرفه الخلائق باسمه ونسبه.
ثم قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): ألا ترى أنّ اللّه عزّ وجل يقول: ﴿وأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلّه).
المال بشهادة واحدة متيقن والمتيقن لا يترك بالمشكوك فيه.
(وروى جابر) في القوي مثلهما (1)(من كتم الشهادة) بأن لا يشهد (أو شهد بها) زوراً وكذباً، أو إذا كان حراماً، بأن يقاد مسلم بكافر، أو بظلم على مؤمن (ليهدر) يتعدى، ولا يتعدى بضم العين وكسرها، أو من الإهدار، أي يبطل بها (دم امرىء مسلم) بأن لا يقتل مستحق القتل أو يقتل غير مستحقه - أو ليتوي - توي كرضى هلك وأتواه الله، وفيهما: «ليزوي» - بالزاي - أي ليجمع ويأخذ، وما في المتن أوفق بما رواه العامّة في صحاحهم (ولوجهه ظلمة مد البصر) أي تتعدى إلى غيره بمقدار ميل، والغالب في السواد والظلمة عدم التعدي وهنا يتعديان (وفي وجهه كدوح) أي خدشة وجراحة (تعرفه الخلائق باسمه ونسبه) بأن كانت الخدشة كتابه بأنه فلان بن فلان الفلاني، ويمكن أن يكون حالاً ولا يكون الجراحة سبباً لمعرفتهما، وكذا النور.
هذا كله كلام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (ثم قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) مستدلاً على قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله
1) الكافي 7 : 380، باب كتمان الشهادة، ح 1. التهذيب 6 : 276 باب البينات، ح 161.
عزّ وجلّ : وأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (1).
أي مخلصاً لوجهه؛ لأنها عبادة، والثواب مع العقاب للأمر الدال على الوجوب؛ أو لأن الإقامة اللّه يستلزم أن يكون موافقاً للحق ولا يكون مخالفاً له، أو استدل بالآية أيضاً على وجوب الإقامة أو أقيموا الشهادة كما أراد اللّه أن تكون موافقاً للحق. أو اللّه لا لرضى الناس إذا كانوا على خلاف الحق، أو أقيموا من قبل الله، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ) (2)، ولقوله تعالى: (ولا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّه إِنَّا إِذا لَمِنَ الاثمِينَ) (3).
ويؤيده ما رواه الشيخ في القوي كالموثق عن داود بن الحصين، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «إذا شهدت على شهادة فأردت أن تقيمها فغيرها كيف شئت. ورتبها وصححها بما استطعت حتى يصح - أو تصحح - الشيء لصاحب الحق، بعد أن لا يكون تشهد إلا بالحق فلا تزيد في نفس الحق ما ليس بحق فإنّما الشاهد يبطل الحق، ويحق الحق وبالشاهدين يوجب الحق وبالشاهد يعطى، وأن الشاهد في إقامة الشهادة بتصحيحها بكل ما يجد إليه السبيل من زيادة الألفاظ والمعاني والتفسير في الشهادة ما به يثبت الحق ويصححه، ولا يؤخذ به زيادة على الحق. مثل أجر الصائم القائم المجاهد بسيفه في سبيل الله» (4).
3330 - وقال في قول اللّه عزّ وجلّ: (وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ عَاثِمٌ قَلْبُهُ) (1)قال: کافر قلبه.
3331 - روى محمّد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شهادة الزور قال: إذا كان الشيء قائماً بعينه ردّ على
(وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)) سيجيء عن الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معتبرة عمرو بن عبيد (كافر قلبه) أي بمنزلة الكافر كما في أصحاب الكبائر أو ستر قلبه الحق.
باب شهادة الزور
الكذب والباطل (وما جاء فيها) من الإثم في الآخرة والغرامة في الدنيا.
(روى محمّد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج) في الصحيح كالكليني والشيخ. وأيضاً في الحسن كالصحيح عنه(2)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شهادة) وفيهما: «في شاهد» (الزور) بأن يعترفا بأنهما شهدا بالباطل، أو يتواتر عند الحاكم خلاف ما شهدا به لا إذا شهد عدلان بأنهما شهدا، بزور أو ثبت بهما، أو بالتواتر أنهما معتادان بشهادة الزور؛ لإمكان صدقهما في هذه الواقعة وكذب المخالفين لهما (قال: إذا كان الشيء قائماً بعينه رد على صاحبه) ولو حكم الحاكم بشهادتهما، كما هو ظاهر الإطلاق.
صاحبه، وإن لم يكن قائماً ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل.
3332 - وروی سماعة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: شهود الزور يجلدون حداً، وليس له وقت ذلك إلى الإمام، ويطاف بهم حتى يعرفوا ولا يعودوا. قال: قلت: فإن تابوا وأصلحوا أتقبل شهادتهم بعد ؟ فقال: إذا تابوا تاب اللّه عليهم، وقبلت شهادتهم بعد.
3333 - وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا أخذ شاهد زور فإن كان غريباً بعث به إلى
(وإن لم يكن قائماً) بل تلف في يد المدّعي (ضمن) أي الشاهد، أو المدّعي، أو هما على البدل لكن قراره على المدّعي بقدر ما أتلف) أي الشاهد بالشهادة أو المدّعي (من مال الرجل) وقد تقدّم الأخبار في ذلك أيضاً.
(وروى سماعة) في الموثق كالشيخ (1)(يجلدون حدا) أي تعزيراً بقرينة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وليس له وقت) أي مقدر (ذلك إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)) بما يعلم من حال الشاهد وقدر ما شهدوا عليه، والمشهور أنّ القاضي مثله وبرأيه (ويطاف بهم) في الأسواق أو في قبائلهم (لكي يُعرفوا) ولا يعتمد عليهم أو إهانة لهم (ولا يعودوا) بسبب. هذا النكال أو قبائلهم في الاستشهاد بهم (قال : قلت: فإن تابوا) إلى آخره.
وفي التهذيب بدله: «وأما قول اللّه عزّ وجل: (ولا تَقْبَلُوا) (2)إلى آخر ما سيجيء، وفي رواية ابن سنان، وما في المتن أصح، ويمكن أن يكونا خبرين عن سماعة.
(وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الشيخ في الموثق عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر عن أبيه
حيه، وإن كان سوقيّاً بعث به إلى سوقه، ثمّ يطيف به، ثمّ يحبسه أياماً، ثمّ يخلي سبيله.
3334 - وروى إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في امرأة شهد عندها شاهدان بأن زوجها مات فتزوجت ثمّ جاء زوجها الأوّل قال لها: المهر بما استحل من فرجها الأخير،
أن علياً (عَلَيهِم السَّلَامُ)(1)(ثم يحبسه أياماً) والتوقيت كان برأيه أو ثلاثة أيام؛ لأنها أقل الجمع، وهذا أيضاً أحد أنواع التعزير، والظاهر أنّ في جميع المعاصي التي لم يرد فيها نص التعزير برأي الإمام أو الحاكم.
(وروى إبراهيم بن عبد الحميد) في الموثق كالصحيح كالكليني والشيخ في القوي كالصحيح (2)(عن أبي بصير - إلى قوله - زوجها مات) كما في التهذيب أيضاً. وفي الكافي: «طلقها» «أو مات»، وما في المتن أصوب (فتزوّجت ثمّ جاء زوجها الأول).
وتبيّن أنّ الشاهدين شهدا بزور (قال لها: المهر) أي مهر المثل؛ لبطلان العقد في الواقع.
هذا إذا جامعها؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (بما استحل من فرجها الأخير) ويحتمل المسمّى أو
ويضرب الشاهدان الحد، ويضمنان المهر بما غرّا الرجل، ثمّ تعتد وترجع إلى زوجها الأول.
3335 - وروى الحسن بن محبوب، عن العلاء وأبي أيوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين شهدا على رجل غائب عند امرأته بأنه طلقها فاعتدت المرأة وتزوجت، ثمّ إنّ الزوج الغائب قدم فزعم أنه لم يطلقها وأكذب نفسه أحد الشاهدين فقال: لا سبيل للأخير عليها، ويؤخذ الصداق من الذي شهد ورجع فيرد على الأخير، ويفرّق بينهما وتعتد من
ما يسمى مهراً، أو بما بعث إليها قبل الدخول بها، وسيأتي حكمه (ويضرب الشاهدان الحد) أي التعزير، أي الإمام أو الحاكم (ويضمنان المهر بما غرّا الرجل) أي بتغريرهما الزوج الأخير؛ فإنه وإن انتفع بالدخول لكن يعطي المهر للدخول دائماً. وقيل: يضمنان ما أعطى إلا أقل ما يسمى مهراً؛ للوطء. وفي بعض النسخ زيادة: «لها» بعد المهر، وتركه أولى كما فيهما. والظاهر أنّ ضمان المهر للزوج الأخير لو أداه وإلا فللزوجة، والترك أولى ؛ ليشملهما ثمّ تعتد للأخير. ولو حصل حمل كان للأخير، ويكون ولد شبهة كالصحيح، ويلحق به وترجع إلى زوجها الأول. وعلى ما في الكافي من وجود الطلاق فمحمول على رجوع الشاهدين.
(وروى الحسن بن محبوب عن العلاء) بن رزين (وأبي أيوب) إبراهيم بن عثمان. أو ابن عيسى في الصحيح، كالكليني والشيخ بسندين(1).
(عن محمّد بن مسلم - إلى قوله - ويؤخذ الصداق) أي المسمى أو كالسابق.
1) الكافي 6 : 149، باب المرأة يبلغها موت زوجها. التهذيب 6 : 285 و 286، باب ح البينات، ح 194 و 197.
الأخير، ولا يقربها الأوّل حتى تنقضي عدتها.
أو نصفه بنسبة الشهادة، كما تقدّم في صحيحة محمّد بن مسلم، وهذا من باب الرجوع لا من باب شهادة الزور؛ لاحتمال كذب الزوج والراجع.
فأما ما روياه في الموثق كالصحيح عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شاهدین شهدا على امرأة بأنّ زوجها طلقها فتزوجت ثمّ جاء زوجها فأنكر الطلاق قال يضربان الحد ويضمنان الصداق للزوج، ثمّ تعتد ثمّ ترجع إلى زوجها الأوّل (1). فمحمول على رجوعهما عن الشهادة؛ لإمكان كذب الزوج.
ويؤيده ما روياه في الحسن كالصحيح عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل شهد عليه رجلان بأنه سرق فقطع يده، حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده، وإنّما شبّهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية ولم يجز شهادتهما على الآخر» (2).
ويظهر منه أنه قطع من الزند وإلا لكان عليهما إمّا خمسا الدية على القول بالتسوية بين الإيهام وسائر الأصابع، أو ثلث الدية على القول بالتفاضل، ويمكن حمله على التقيّة، أو على أنه قطعاً من الزند موافقاً للعامة ولم يقطعها (صلوات اللّه عليه).
3336 - وروى عليّ بن مطر، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إن شهود الزور يجلدون حداً ليس له وقت ذلك إلى الإمام، ويطاف بهم حتى يعرفهم النّاس، وقوله عزّوجلّ: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) (1).
قلت: بم تعرف توبته؟ قال: يكذب نفسه على رءوس الأشهاد حيث يضرب، ويستغفر ربه عزّوجلّ، فإن هو فعل ذلك فثم ظهرت توبته.
3337 - وقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا ينقضي كلام شاهد زورٍ من بين يدي الحاكم حتى يتبوأ مقعده من النار، وكذلك من كتم الشهادة.
3338 - وروی صالح بن ميثم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ما من رجل
(وروى علي بن مطر) في القوي عن عبد الله بن سنان، وهو كخبر سماعة المتقدم (2).
(وقوله عزّوجلّ) يمكن أن يكون من تتمّة الرواية ويكون سؤالاً آخر لا مدخل له بشهادة الزور، وأن يكون من كلام المصنّف وتقدم الأخبار في ذلك.
(وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) رواه الكليني مرسلاً عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(3). (لا ينقضي) وفي بعض النسخ تكرارها ثلاثاً؛ للتأكيد، وليس في الكافي، أي لا يتم كلامهما حتى يستحق مكانه من النار، فكأنه بالشهادة قرّر لنفسه منزلاً في النار.
(وروی صالح بن ميثم) الممدوح ولم يذكر طريقه إليه، والظاهر أخذه من كتابه أو
يشهد شهادة زورٍ على رجل مسلم ليقطع ماله إلّا كتب اللّه له مكانه صكاً إلى النار.
3339 - وروى جميل بن دراج، عمّن أخبره، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في الشهود إذا شهدوا على رجل ثمّ رجعوا عن شهادتهم وقد قضي على الرّجل ضمنوا ما شهدوا به وغرّموا فإن لم يكن قضي طرحت شهادتهم ولم يغرم الشهود شيئاً.
الكافي، وفيه في الصحيح، عن أبان عنه (1)، وفيه: «ليقطعه» وهو أولى (إلا كتب اللّه له مكانه) أي لأجل إيقاعه شهادة الزور، أو في ذلك المكان (صكا) أي كتاباً (إلى النار) أي يكتب له أنه يصير إلى النار جزماً، وروى الكليني في الحسن كالصحيح، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «شاهد الزور لا تزول قدماه حتى تجب له النار» (2).
(وروى جميل) في الصحيح وهما في الحسن كالصحيح (3)(عمن أخبره) ولا يضرّ الإرسال؛ للإجماع على جميل مع عمل الأصحاب (4)(وقد قضى على الرجل) أي حكم الحاكم بشهادتهما (ضمنوا ما شهدوا به) لمن شهدوا عليه وإن كان العين باقياً؛ لأنه لم يعلم كذبهما في الشهادة، ويمكن كذبهما في الرجوع، فيؤاخذان
3340 - روى عبد اللّه بن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف أن لا حق له قبله
بإقرارهما بخلاف ما لو علم كذبهما وقد تقدّم.
باب بطلان حق المدّعي بالتحليف وإن كان له بينة
وأقامها بعده (روى عبد اللّه بن أبي يعفور) في الحسن كالصحيح وهما في الموثق كالصحيح عنه(1)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه) سواء كان قبل الحلف أو بعده، وسواء كانت له بيّنة أو لا. علم بها أم لم يعلم. ثمّ علم (فاستحلفه) عند الحاكم، وبأمره أوّلاً. نعم إذا لم يتبرع به قبل سؤال المدّعي؛ لعدم صدق الاستحلاف عليه (فحلف أن لا حق له قبله) وإن أجابه بالأخص منه أو استحلفه بالأخص مثل أن يقول المدّعي أقرضتك كذا درهماً فيقول المنكر: ما اقترضت منك، فيقول المدّعي أحلف على أنك لم تقترض مني، فحينئذ لا يلزم إجابته، بل يكفي الحلف على عدم اشتغال ذمّته بما ادعاه؛ لأنه يمكن أن يكون اقترض منه وأداه، ولو قال بالواقع انقلب مدعياً، وليس له بينة عليه
1) الكافي 7 : 417، باب أن من رضي باليمين فحلف له فلا دعوى له بعد اليمين، ح 1. التهذيب 6 : 231، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 16.
ذهبت اليمين بحق المدّعي، ولا دعوى له.
قلت: وإن كانت له بينةٌ عادلةٌ قال: نعم. وإن أقام بعد ما استحلفه بالله خمسين قسامةً ما كان له حقٌّ فإنّ اليمين قد أبطلت كل ما ادعاه قبله ممّا قد استحلفه عليه.
(ذهبت اليمين بحق المدّعي) ظاهراً ويكون مشغول الذمة واقعاً لو كان كاذباً. ويجب عليه أن يؤدّي حقه، و يجب على المدّعي أن يأخذه بقرينة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ولا دعوى له)؛ لأن مبنى الدعوى على الظاهر لا على الواقع.
(قلت: وإن كانت له بينة عادلة) من العدلين أو العدل والعادلتين (قال: نعم) لا دعوى له (وإن أقام بعد ما استحلفه بالله خمسين قسامة) - بالفتح : الشهود، أو مع القسم (ما كان له) جزاء لإن إن كانت شرطية، وتأكيد إن كانت وصليةً (فإنّ اليمين - إلى قوله – عليه) ولا يجوز له الدعوى على الكل ولا على البعض إذا استحلفه على الكل. أما إذا ادعى على بعض الحق وحلف على نفي الحق كلياً؛ فإنه لا يبطل الدعوى بل ينصرف إلى ما ادعاه، ويجوز له حينئذ دعوى البعض الآخر.
ويؤيّده ما رواه الشيخ والكليني في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم ابن عبد الحميد، عن خضر النخعي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده؟ قال: «إن استحلفه فليس له أن يأخذ منه شيئاً، وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه»(1).
1) الكافي 7 : 418، باب أنّ من رضي باليمين فحلف له فلا دعوى له بعد اليمين، ح 2. التهذيب 6 : 231، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 17.
وفي القوي كالموثق عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن بعض أصحابه في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده فيحلف له يمين صبر أله عليه شيء؟ قال: «ليس له أن يطلب منه، وكذلك إن احتسبه عند اللّه فليس له أن يطلبه منه»(1).
والاحتساب عنده تعالى بأن يبرئ ذمته الله، أو بأن يقول: أسقطت حق اليمين عنك وآخذ بدله من الله.
وروى الشيخ في الصحيح والكليني في القوي كالصحيح، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه ثمّ - أو - و - حلف، ثمّ وقع له عندي مال أفآخذه لمكان مالي الذي أخذه وأجحده وأحلف عليه كما صنع ؟ قال: «إن خانك فلا تخنه ولا تدخل فيما عبته عليه»(2).
والظاهر أنه لمكان الحلف وإن كان السياق للأمانة والظاهر أنه لا فرق بين الدعوى والتقاص.
ورويا في القوي، عن عبد اللّه بن وضاح - الثقة - قال: كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم فقدمته إلى الوالي فأحلفته فحلف وقد علمت أنه حلف يميناً فاجرة، فوقع له بعد ذلك عندي أرباح ودراهم كثيرة، فأردت أن أقبض الألف درهم التي كانت لي عنده وحلف عليها، فكتبت إلى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخبرته
3341 - قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من حلف لكم بالله على حق فصدقوه ومن سألكم بالله فأعطوه، ذهبت اليمين بدعوى المدّعي ولا دعوى له.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه): متى جاء الرّجل الذي يحلف على حق تائباً وحمل ما عليه مع ما ربح فيه فعلى صاحب الحق أن يأخذ منه
إنِّي قد أحلفته فحلف وقد وقع له عندي مال، فإن أمرتني أن آخذ منه الألف درهم التي حلف عليها فعلت؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا تأخذ منه شيئاً، إن كان قد ظلمك فلا تظلمه ولو لا أنك رضیت بیمينه فحلّفته لأمرتك أن تأخذها من تحت يدك، ولكنك رضیت بیمینه فقد مضت اليمين بما فيها»، فلم آخذ منه شيئاً وانتهيت إلى كتاب أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
(قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) رويا في الموثق كالصحيح عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لا تحلفوا إلا بالله ومن حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرضَ، ومن حُلف له بالله فلم يرض فليس من اللّه عزّ وجلّ» (2)والكليني في الموثق كالصحيح عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي عبد اللّه قال: «من حلف بالله فليصدق ومن لم يصدق فليس من الله، ومن حلف له بالله فليرضَ ومن لم يرضَ فليس من الله» (3)ويمكن أن يكون من تنمة خبر ابن أبي يعفور، وإن لم يذكراه منه.
رأس المال ونصف الربح ويردّ عليه نصف الربح؛ لأنّ هذا رجل تائب روى ذلك مسمع أبو سيّار، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسأذكر الحديث بلفظه في هذا الكتاب في باب الوديعة إن شاء اللّه تعالى.
3342 - روى أبان عن جميل، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا أقام المدّعي البيّنة فليس عليه يمين، وإن لم يقم البيّنة فردّ عليه الذي ادعي عليه اليمين فأبى فلا حق له.
(ويرد عليه نصف الربح) الظاهر أنه على الاستحباب أو على وجه الصلح؛ لأنه يمكن أن يكون الشراء بالعين ويكون الربح للمالك، وأن يكون في الذمة ويكون للمشتري فأصلح بينهما بالمناصفة.
باب الحكم برد اليمين وبطلان الحق بالنكول
أي نكول المدّعي عن اليمين المردودة (روى أبان) في الموثق كالصحيح (عن جميل - إلى قوله - يمين) وقد تقدم الأخبار في ذلك في ذكر خبر شريح (وإن لم يقم البيّنة فردّ عليه) أي على المدّعى (الذي ادعى عليه اليمين فأبى) عن اليمين (فلا حق له) ولا خلاف في الحكم بالنكول هنا ولا في الثبوت مع حلف المدّعي بعد ردّ المنكر، وإنما الخلاف فيما إذا نكل المنكر ولم يردّ اليمين على المدّعي هل يحكم الحاكم بنكوله ؟ أو يردّ الحاكم اليمين على المدّعي ؟ فالذي يظهر من الأخبار الحكم بالنكول مع أنه لم يرد خبر صريح بردّ الحاكم.
ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن
أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في الرجل يدعي ولا بيّنة له؟ قال: «يستحلفه، فإن ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له» (1). وفي القوي كالصحيح عن عبيد بن زرارة. عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل يدعى عليه الحق ولا بينة للمدعي؟ قال: «يستحلف أو يردّ اليمين على صاحب الحق، فإن لم يفعل فلا حق له» (2).
وفي الصحيح عن يونس رواه، قال: «استخراج الحقوق، أو الحق بأربعة وجوه بشهادة رجلين عدلين فإن لم يكن فرجل وامرأتان فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدّعي فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدّعى عليه، فإن لم يحلف وردّ اليمين على المدّعي فهي واجبة أو فهو واجب عليه أن يحلف ويأخذ حقه، فإن أبى أن يحلف فلا شيء له»(3).
وفي الحسن كالصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «يردّ اليمين على المدّعي» (4)وهو مجمل يفسّره الأخبار المفسّرة، واستدل عليه بردّ(5)الحاكم
1) الكافي 7 : 416، باب من لم تكن له بيّنة، ح 1. التهذيب 6 : 230، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 8.
2) الكافي 7 : 416، باب من لم تكن له بينة، ح 2. التهذيب 6: 230 باب كيفية الحكم والقضاء ح 7.
3) الكافي 7 : 416، باب من لم تكن له بينة، ح 3. التهذيب 6 : 230 باب كيفية الحكم والقضاء ح 13.
4) الكافي 7 : 417، باب من لم تكن له بيّنة، ح 5. التهذيب 6 : 230، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 11.
5) هكذا في النسخة التي عندنا ولعل الصحيح واستدل به على ردّ الحاكم إلى آخره.
3343 - روي عن ياسين الضرير، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت للشيخ - يعني موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أخبرني عن الرجل يدعي قبل الرّجل الحق فلا يكون له بينةٌ بما له قال: فيمين المدّعى عليه.
اليمين على المدّعي بعمومه ولا عموم له.
وفي القوي عن أبان عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل يُدعى عليه الحق وليس لصاحب الحق بيّنة؟ قال: «يستحلف المدّعى عليه، فإن أبى أن يحلف وقال: أنا أردّ اليمين عليك لصاحب الحق فإنّ ذلك واجب على صاحب الحق أن يحلف ويأخذ ماله»(1)وقد تقدّم وسيجيء الأخبار في ذلك أيضاً.
باب الحكم باليمين على المدّعي حقاً
(روي عن ياسين الضرير) في القوي كالصحيح مثلهما(2)(عن عبد الرحمن ابن أبي عبد الله، قال: قلت للشيخ : - يعني موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) قوله يعني قول الراوي؛ لرفع احتمال أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنه يطلق عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً مع كون الراوي راوياً عنهما (أخبرني عن الرجل يدّعي قبل الرجل الحق) أي عنده الحق (فلا يكون له بينة بماله، قال: فيمين المدّعى عليه) بالفتح أي ثابت أو بالكسر أي يمين المدّعي ثابت على
فإن حلف فلا حق له، وإن ردّ اليمين على المدّعي فلم يحلف فلا حق له، فإن كان المطلوب بالحق قد مات وأقيمت عليه البيّنة فعلى المدّعى اليمين بالله الذي لا إله إلا هو، لقد مات فلانٌ وإِن حقه لعليه فإن حلف وإلّا فلا حق له، لأنا لا ندري لعله قد أوفاه ببينة لا نعلم موضعهم أو بغير بينة قبل الموت فمن ثمّ صارت عليه اليمين مع البيّنة.
وإن ادّعى بلا بينة فلا حق له لأنّ المدّعى عليه ليس بحى ولو كان حيّاً لألزم اليمين أو الحق أو يرد اليمين فمن ثمّ لم يثبت له
المدّعى عليه والأوّل أظهر.
(فإن حلف) المنكر (فلا حق له) للمدعي (فعلى المدّعي اليمين بالله الذي لا إله إلّا هو) أي يحلفه بهذه العبارة سيّما بالنسبة إلى المجوس؛ فإنّهم مشركون، أو بالتوصيف من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لقد مات فلان وأن حقه لعليه) التقييد بهذه العبارة؛ لأن الميت لا ذمة له حتى يقول: والله إن حقي عليه.
(فإن حلف) المدّعى عليه فيها (وإلا فلا حق له) وألحق به الغائب والصبي والمجنون للعلة المنصوصة.
وفيه أنه يمكن زوال أعذارهم بخلاف الميت مع أنه روي في الغائب أنه يؤدى إليه بكفيل (وإن ادّعى بلا بيّنة فلا حق له) تعليل لوجوب البيّنة كاليمين، ولا ينافي سماع ذلك إذا ادعى العلم على الوارث، فيحلف على نفي العلم.
ويؤيده صحيحة محمّد بن الحسن الصفار في ذلك (1)ولا يضر جهالة ياسين؛ لأنّ الأصحاب تلقته بالقبول، ويمكن أن يكون وجه عمل الأصحاب تايده بالصحيحة وغيرها.
1) الظاهر أنّ المراد بها ما يأتي من المصنّف في باب الشهادة على المرأة والله العالم.
3344 - روى شعيب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه ذكر أنّ علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتاه قوم يختصمون في بغلة فقامت البيّنة لهؤلاء أنهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا، وقامت البيّنة لهؤلاء أنهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا فقضى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بها لأكثرهم بينة واستحلفهم.
باب حكم المدّعيين في حق إلى آخره
(روى شعيب) في الصحيح كالكليني والشيخ، ورواه أيضاً في الحسن كالصحيح بدون قول علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن لم يذكر المصنّف طريقه إليه؛ لأنّ الظاهر أخذه من كتابه أو من الكافي كما تقدّم مراراً.
(عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) وفيهما قال: سألته عن الرجل يأتي القوم فيدعي داراً في أيديهم، ويقيم الذي في يده الدار البيّنة أنه ورثها عن أبيه، ولا يدري كيف كان أمرها ؟ فقال: «أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه».
وذكر (أنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)- إلى قوله - واستحلفهم) قال: فسألته حينئذ فقلت: أرأيت إن كان الذي ادعى الدار قال: إنّ أبا هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن ولم يقم الذي هو فيها بينة إلا أنه ورثها عن أبيه؟ قال: «إذا كان أمرها هكذا فهي للذي ادعاها وأقام
3345 - قال أبو بصير: وسألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يأتي القوم فيدعي داراً في أيديهم ويقيم البيّنة ويقيم الذي في يده الدار البيّنة أنها ورثها عن أبيه ولا يدري كيف أمرها فقال: أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه): لو قال الذي في يده الدار: أنها لي وهي ملكي وأقام على ذلك بيّنةً، وأقام المدّعي على دعواه بينة كان الحق أن يحكم بها للمدعي؛ لأنّ اللّه عز وجل إنما أوجب البيّنة على المدّعي، ولم يوجبها على المدّعى عليه.
البيّنة عليها» (1).
فانظر إلى الذي فعله المصنّف بهذا الخبر من التقديم والتأخير والإسقاط والتوجيه والذي يظهر من هذا الخبر أنه إذا أمكن التوفيق بين البينتين يوفق بينهما كما في الصورة الأخيرة ولا شك حينئذ في تقديم بيّنة الخارج؛ لأنها تشهد على غصب الأب، وبيّنة الداخل تشهد على الإرث ولا منافاة بينهما، وأما في صورة التنافي كالثانية فالترجيح بالأكثرية مع اليمين وذهب إليه جماعة من الأصحاب(2).
وذهب جماعة (3)إلى ترجيح بيّنة الخارج؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه» (4)، وجماعة إلى ترجيح بينة الداخل(5)لأن البينتين
1) الكافي 7 : 418، باب الرجلين يدعيان ح 1. التهذيب 6: 234، باب البينتين يتقابلان، ح 6.
2) انظر: مختلف الشيعة 8 : 366 مسالك الأفهام 14 : 85. كفاية الأحكام 2 : 729.
3) انظر الخلاف 3: 130 و 6 : 329. جواهر الفقه : 58. السرائر 2 : 168.
4) الكافي 7 : 361، باب القسامة، ح 4. التهذيب 6 : 229 باب كيفية الحكم والقضاء، ح 5.
5) انظر الخلاف 3 : 130.
إذا تعارضتا تساقطتا، فبقي اليد للداخل، والخبر حجّة عليهما.
وأما في الصورة الأولى فإنّه اجتمع فيها البيئة بالملك المطلق، وبالسبب الذي هو الإرث، فذهب جماعة إلى تقديم ذي السبب مطلقاً، وجماعة إلى تقديم الخارج، وجماعة إلى تقديم الداخل. ويظهر من الخبر أن الترجيح بالشهود.
وروى الكليني والشيخ في الموثق كالصحيح، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنّ رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دابة في أيديهما، وأقام كل واحد منهما البيّنة أنها نتجت عنده، فأحلفهما علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحلف أحدهما وأبي الآخر أن يحلف، فقضى بها للحالف، فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما وأقاما البيّنة؟ قال: أحلّفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين، قيل: فإن كانت في يد أحدهما وأقاما جميعاً البيّنة؟ قال: أقضي بها للحالف الذي هي في يده» (1).
فيحمل هذا الخبر على التساوي في العدالة والعدد والظاهر أنه إذا كانت في أيديهما أو لم تكن في أيديهما يكون حكمهما سواء، ولما لم يسأل في الصورة الأولى حلّفهما جميعاً، لم يُجب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه. ويمكن أن يكون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فإن حلفا» حكماً لهما، وأما في الصورة الأخيرة وترجيح ذي اليد؛ فلكون ذي اليد ذا السبب أو تعارضهما وتساقطهما.
ومثله ما روياه في الموثق كالصحيح عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):
1) الكافي 7 : 419، باب الرجلين يدعيان، ح 2. التهذيب 6 : 233 باب البينتين يتقابلان، ح 1.
ولكن هذا المدّعى عليه ذكر أنه ورثها عن أبيه ولا يدري كيف أمرها، فلهذا أوجب الحكم باستخلاف أكثر هم بيّنة ودفع الدار إليه، ولو أن رجلاً
«أنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اختصم إليه رجلان في دابة، وكلاهما أقام البيّنة أنه أنتجها، فقضى بها للذي هي في يده، وقال: لو لم يكن في يده جعلتها بينهما نصفين»(1)ويمكن أن يكون الحكم بالمناصفة على سبيل المصالحة، كما فعله الشيخ (2)أو يكون مخيراً بينه وبين القرعة.
وروى الشيخ في الحسن كالصحيح عن منصور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل في يده شاة فجاء رجل فادّعاها وأقام البيّنة العدول أنها ولدت عنده ولم يهب ولم يبع، وجاء الذي في يده بالبيّنة مثلهم عدول أنها ولدت عنده لم يبع ولم يهب؟ قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «حقها للمدعي، ولا أقبل من الذي في يده بينة؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما أمر أن يطلب البيّنة من المدّعي، فإن كانت له بينة، وإلا فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر اللّه عزّوجلّ»(3).
ويدلّ ظاهراً على تقديم بيّنة الخارج ولو كان ذا السبب، كما ذهب إليه جماعة (4)، ويمكن الجمع بالتخيير، والحق أن هذه المسألة من المعضلات.
(ولكن هذا المدّعى عليه ذكر أنه ورثها عن أبيه) يعني أن بينة شهدت بالسبب
ادعى على رجل عقاراً أو حيواناً أو غيره وأقام شاهدين وأقام الذي في یده شاهدين واستوى الشهود في العدالة لكان الحكم أن يخرج الشّيء من يدي مالكه إلى المدّعي؛ لأنّ البيّنة عليه، فإن لم يكن الشيء في يدي أحد وادعى فيه الخصمان جميعاً فكلّ من أقام البيّنة فهو أحق به، فإن أقام كلّ واحدٍ من هما البيّنة فإنّ أحق المدّعيين من عدل شاهداه، فإن استوى الشهود في العدالة فأكثر هما شهوداً يحلف بالله ويدفع إليه الشّيء، هكذا ذكره أبي (رضیَ اللّهُ عنهُ) في رسالته إليّ.
فمن ثمّ تعارضت مع بيّنة الخارج وحكم بالترجيح بالأكثرية، والذي يظهر من تتمة هذا الخبر أنه يضعف حكم البيّنة والدعوى بهذا؛ لأنه معترف بأنه لا يعرف حالها، ويمكن أن يكون أبوه غصبها، ولهذا لم يذكر التتمة؛ لمخالفتها لما ذهب إليه وسيجيء أيضاً الأخبار في ذلك.
فأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّه بن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ): «أنه قضى في رجلين ادعيا بغلة، فأقام أحدهما شاهدين والآخر خمسة، فقال لصاحب الشهود الخمسة: خمسة أسهم. ولصاحب الشاهدين سهمان»(1).
فحمله الشيخ على الاستصلاح دون مر الحكم؛ لأنه الحكم للخمسة باعتبار الكثرة.
1) التهذيب 6 : 237، باب البينتين يتقابلان، ح 14.
قال أبي (رضیَ اللّهُ عنهُ) في رسالته إلي: اعلم يا بني، أن الحكم في الدعاوي كلّها أنّ البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه.
باب الحكم في جميع الدعاوي إلى آخره
والمدّعي: من يترك لو ترك الخصومة. وقيل: من يدّعي خلاف الأصل، وقيل: من يدعي خلاف الظاهر، والمنكر في مقابله والغالب التوافق، وقد يظهر فائدة الخلاف فيما إذا أسلم الزوجان قبل الدخول واختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معاً والنكاح باق بيننا، وقالت المرأة بل على التعاقب ولا نكاح بيننا.
فإن قلنا: المدّعي من لو ترك ترك، فالمرأة المدّعية والزوج مدعى عليه؛ لأنه لا يترك لو ترك؛ فإنّها تزعم انفساخ النكاح فيحلف ويحكم باستمرار النكاح إذا حلف.
وإن قلنا: إنّ المدّعي من يخالف قوله الظاهر، فالزوج هو المدّعي؛ لأنّ التساوي الذي يزعمه أمر خفي خلاف الظاهر، والمرأة مدعى عليها؛ لموافقتها الظاهر فتحلف، فإذا حلفت حكم بارتفاع النكاح.
وإن قلنا: إن المدّعي هو الذي يذكر خلاف الأصل فالمرأة مدعية أيضاً؛ لأنّ الأصل عدم تقدّم أحدهما على الآخر، إلى غير ذلك من الصور النادرة.
وأما أن البيّنة على المدّعي، فقد تقدم من الأخبار ما يدلّ عليه، ويدلّ عليه أيضاً ما رواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن الحلبي وجميل وهشام، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «البيّنة على المدّعي، واليمين على من أدعي
فإن نكل عن اليمين لزمه الحق، فإن ردّ المدّعى عليه اليمين على
عليه»(1).
وفي الموثق كالصحيح - وسيجيء في الصحيح أيضاً - عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن اللّه حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم، حكم في أموالكم أنّ البيّنة على من ادعى واليمين على من ادعي عليه؛ لكيلا يبطل أو بطل دم امریء مسلم»(2)، وسيجيء أيضاً.
(فإن نكل) (3)
فقه الرضا: 260 باب القضاء والأحكام.
المدّعى عليه (عن اليمين لزمه الحق) بمجرد النكول، ولا يحتاج إلى أن يردّ الحاكم اليمين على المدّعي. وذكر الأصحاب أن الحاكم يقول له: إن حلفت، وإلا جعلتك ناكلاً ثلاث مرات استظهاراً (4)، ولم نقف إلى الآن على خبر يدلّ عليه، وقد تقدّم من الأخبار المستفيضة ما يدلّ على الحكم بمجرد النكول، وسيجيء خبر الأخرس أيضاً، وقد تكلّمنا على ذلك فيما سبق، وذكر الأصحاب أنّ الأحوط الرد، وفيه نظر.(فإن ردّ المدّعي) إلى آخره، وقد تقدم الأخبار في ذلك، وهو إجماعي
1) الكافي 7 : 415، باب أنّ البيّنة على المدّعي، ح 1. التهذيب 6 : 229، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 4.
2) الكافي 7 : 361، باب القسامة، ح 6. و 415، باب أنّ البيّنة على المدّعي، ح 2. التهذيب 6 : 229، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 5.
3) اعلم أن عبارة الرسالة عبارة الفقه الرضوي، وفيه إذا لم يكن للمدعي شاهدين وفي المتن شاهدان والتغيير من النساخ منه رحمه اللّه تعالى وحشره اللّه مع الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ).
4) انظر: المبسوط 8: 159 شرائع الإسلام 4: 874 إيضاح الفوائد 4 : 331.
المدّعي إذا لم يكن للمدعي شاهدان فلم يحلف فلا حق له إلا في الحدود فلا يمين فيها.
وفي الدم، فإنّ البيّنة على المدّعى عليه واليمين على المدّعي؛ لئلاً يبطل دم امرئ مسلم.
(إلا في الحدود فلا يمين فيها)؛ لأنها من حقوق اللّه تعالى، ومبناها على التخفيف.
ويدلّ عليه ما رواه الكليني - وقال: عدة من أصحابنا - ورواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) برجل، وقال: يا أمير المؤمنين هذا قذفني فقال له: ألك بينة؟ فقال: لا، ولكن استحلفه فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا يمين في حد ولا قصاص في عظم»(1).
وروى الشيخ في الموثق كالصحيح عن إسحاق بن عمار، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنّ رجلاً استعدى (أي استنصر) عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) على رجل، فقال: إنه افترى عليَّ، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للرجل: أفعلت ما فعلت؟ فقال: لا، ثمّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمستعدي: ألك بينة؟ قال: فقال: ما لي بينة فأحلفه لي قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما عليه يمين»(2)(وفي الدم) أي إلا فيه (فإنّ البيّنة على المدّعى عليه) بأن يقيمها على النفي إذا أمكن (واليمين على المدّعي) بالقسامة (لئلا يبطل دم امرئ مسلم) وسيجيء حكمه في القسامة إن شاء الله.
3346 - روي عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأول (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لا بأس بالشّهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو يحضر من عرفها.
ولا يجوز عندهم أن يشهد الشهود على إقرارها دون أن تسفر فينظر إليها.
باب الشهادة على المرأة
(روي عن علي بن يقطين) في الصحيح، وهما في الحسن عنه (عن أبي الحسن الأول (عَلَيهِ السَّلَامُ)) وهو موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ فإنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن كان مكنى بأبي الحسن لكنا - معشر الإمامية - لا نكنيه به بل نلقبه بأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما لقبه اللّه تعالى به وهو من خصائصه، كما تقدم. (وليست بمسفرة) أي كانت متنقبة أو من وراء الستر، ولا ينظر إلى وجهها إذا عرفت بعينها بأن يعلم الشاهد أنها هي أو يحضر من يعرفها من العدلين أو العدل المحفوف بالقرائن الموجبة للعلم.
(ولا يجوز عندهم) أي العامّة وهو باطل؛ لأنّ المدار على العلم، وفي الكافي والتهذيب بدله: «فأمّا إن لا تعرف بعينها ولا يحضر من يعرفها فلا يجوز للشهود أن يشهدوا عليها وعلى إقرارها دون أن تسفر وينظروا إليها»(1)وهو الأصوب(2)فإذا
1) الكافي 7 : 400، باب الرجل يشهد على المرأة، ح 1. التهذيب 6 : 255، باب البينات، ح 70.
2) فإن العامّة حكموا بجواز اسفارها لوجهها مطلقاً، والرواية المنقولة من الكافي والتهذيب قد تضمنت جواز الأسفار والنظر إليها إذا لم تعرف بعينها ولم يكن هناك من يعرفها بسماع الصوت أو وجود المحرم مثلاً وهو أليق بها وأوفق بعموم الغضّ في آية الغضّ كما لا يخفى والله العالم.
3347 - وكتب محمّد بن الحسن الصفار (رضیَ اللّهُ عنهُ) إلى أبي محمّد الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم، هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد عدلان أنها فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها، أو لا تجوز الشهادة عليها حتى تبرز وتثبتها بعينها ؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ) : تتنقب وتظهر للشهود إن شاء الله، وهذا التوقيع عندي بخطه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
نظروا إليها حين التحمل وجب أن ينظروا إليها أيضاً حين الإقامة، فإن علموا أن تلك المرأة هذه وكان في باله فليشهد وإلا فلا. وهذا من المواضع التي يجوز النظر إليها؛ للضرورة.
(وكتب محمّد بن الحسن الصفار) في الصحيح كالشيخ (1)(في رجل أراد أن يشهد) بالتحمل (على امرأة ليس لها بمحرم) يفهم من تقريره (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدم جواز النظر إلى وجه الأجنبية كالسابق (هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر) إذا لم يعرفها إلا بالعدلين (حتى تبرز و تثبتها) ويعلمها (بعينها) بشخصها (فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ)) وكتب فرماناً (تتنقب وتظهر للشهود إن شاء اللّه) يكتب للتيمن، والظاهر حمله على التقيّة أو الاستحباب؛ لزيادة المعرفة بشخصها من رؤيتها (وهذا التوقيع عندي بخطه (عَلَيهِ السَّلَامُ)) يظهر أنهم كانوا يتباهون بالمكاتيب، فما اشتهر بين المتأخرين من ضعفها ضعيف؛ لما سيجيء.
1) التهذيب 6 : 255، باب البينات، ح 71.
3348 - روى إسماعيل بن مسلم عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه قال: تبطل الشهادة في الرّبا والحيف وإذا قال الشهود: إنّا لا نعلم خل سبيلهم، وإذا علموا عزّرهم.
باب إبطال الشهادة على الحيف
الظلم (أو الجنف) - بالجيم - : الميل، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا) (1)وخلاف السنة بأن يكون بدعة حراماً.
(روى إسماعيل بن مسلم) السكوني في القوي (تبطل الشهادة في الربا) بل يحرم؛ لما سيجيء من لعن شاهدي الربا. وروى الشيخ في الصحيح عن محمّد بن الحسن الصفار قال: كتبت إلى الأخير (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل يكون له على رجل مائة درهم فيلزمه فيقول له: أنصرف إليك إلى عشرة أيام وأقضي حاجتك، فإن لم انصرف فلك عليّ ألف درهم حالة من غير شرط، وأشهد بذلك عليه، ثمّ دعاهم إلى الشهادة. فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا ينبغي لهم أن يشهدوا إلا بالحق ولا ينبغي لصاحب الدين أن يأخذ إلا الحق إن شاء الله»(2)(والحيف) الظلم، أو الجنف وهو الميل إلى الباطل في الوصية وغيرها (وإذا قال الشهود: إنا لا نعلم) أنه ربوا أو حيف حين شهدنا عليه (خل سبيلهم)؛ لأنهم كانوا معذورين (وإذا علموا عزّرهم) الحاكم.
3349 - وفي رواية عبد اللّه بن ميمون عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال: يا رسول اللّه أحب أن تشهد لي على نخل نحلتها ابني قال: ما لك ولد سواه قال: نعم. قال: فنحلتهم كما نحلته؟ قال: لا. قال: فإنّا معاشر الأنبياء لا نشهد على الحيف.
3350 - وفي رواية أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي (رضیَ اللّهُ عنهُ) قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا تشهد على من يطلق لغير السنة.
3351 - قال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا شهد رجل على شهادة رجل فإنّ شهادته تقبل وهي نصف شهادة، وإن شهد رجلان عدلان على شهادة رجل فقد
(وفي رواية عبد اللّه بن ميمون) في الحسن كالصحيح (فإنّا معاشر الأنبياء لا نشهد على الحيف) والظاهر كراهته؛ لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفى الشهادة عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ولو كان حراماً لمنعه عنه، مع أنه سيجيء الأخبار الصحيحة الدالة على جواز تفضيل بعضهم على بعض.
(وفي رواية أبي الحسين) في الصحيح (قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) أرسله عنه؛ لعدم ملاقاته له (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسيجيء في الطلاق.
باب الشهادة على الشهادة
(قال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا شهد رجل على شهادة رجل) الظاهر أنه على سبيل المثال وإلا فالمرأة أيضاً كذلك (فإنّ شهادته تقبل وهي نصف شهادة) لكنه لا يفيد ولا يصح
ثبت شهادة رجل واحد.
3352 - وروى غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان لا يجيز شهادة رجل على شهادة رجل إلّا شهادة رجلين على شهادة رجل.
3353 - وروي عن عبد اللّه بن سنان عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل شهد على شهادة رجل فجاء الرجل فقال: إنّي
انضمام اليمين إليه أيضاً كما في شاهد الأصل، لكنّها جزء للعلة. فإذا انضم إليها شهادة رجل آخر يصير بمنزلة شاهد واحد لكنّهما إذا شهدا على جماعة، يثبت بهما شهادتهم جميعاً.
(وروى غياث بن إبراهيم) في الموثق كالصحيح كالشيخ عن طلحة بن زيد(1)وهو كالسابق.
(وروى عبد اللّه بن سنان) في الصحيح كالكليني والشيخ (عن عبد الرحمن) والصواب وعبد الرحمن (بن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) أيضاً في الصحيح وهما في القوي كالصحيح عنه (2)(عن أبي عبد الله) روى الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد اللّه ابن سنان كما في المتن وهما في القوي كالصحيح عن عبد الرحمن مثله(3)(إلى
لم أشهده قال: تجوز شهادة أعدلهما وإن كانت عدالتهما واحدةً لم تجز شهادته.
3354 - وسأل صفوان بن يحيى أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل أشهد أجيره
قوله أعدلهما).
والظاهر أنّ تبديل الواو بـ «عن» من النسّاخ. وعلى أي حال فالحديث صحيح ويدل على أنه لو تعارض الأصل والفرع يقدّم الأعدل. واستشكله بعض الأصحاب بأنه يشترط في قبول الفرع تعذر الأصل فكيف يجتمع معه (1). وأجيب بأنه يمكن تعذر الوصول حين الشهادة، فلما شهد حضر الأصل وأنكر، وينبغي أن يقرأ: (لم أشهده بالافعال؛ ليتحقق التعارض بأن يقول الأصل جزماً على سبيل شهادة النفي أو من باب علم يعلم، ويكون المراد الجزم أيضاً لا أنه ليس في بالي، فإنه حينئذ يقدّم الفرع (لم تجز شهادته) أي الفرع وتسقط ؛ للتعارض. ويمكن القول بالقرعة، لكنّه لم يقل به على الظاهر أحد؛ لكونها على خلاف الأصل فيعمل بالمتيقن.
(وسأل صفوان بن يحيى) في الحسن كالصحيح والشيخ في الصحيح(2)، ويدلّ على عدم قبول شهادة الأجير حال كونه أجيراً، وقبوله بعد المفارقة ظاهراً؛ للتقرير. ويمكن أن يقال: إنّه سأل عن حاله بعد المفارقة، فقال: يجوز بلا كراهية، ويكفي في المفهوم هذا القدر. مع ضعف دلالة المفهوم، لكن في اليهودي يصح مفهومه لا من حيث المفهوم، بل من الآية والأخبار كما تقدم، ولا مناسبة لهذا الخبر مع تاليه بهذا الباب وكان ينبغي ذكرهما سابقاً، والظاهر أن المصنّف فهم من قوله: (أشهد أجيره)
على شهادة ثمّ فارقه أتجوز شهادته بعد أن يفارقه ؟ قال: نعم. قلت: فيهودي أشهد على شهادة ثمّ أسلم أتجوز شهادته؟ قال: نعم.
3355 - وروى العلاء عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الذمي والعبد يشهدان على شهادة ثمّ يسلم الذمي ويعتق العبد أتجوز شهادتهما على ما كانا أشهدا عليه؟ قال: نعم، إذا علم منهما بعد ذلك خير جازت شهادتهما.
3356 - وروى غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا تجوز شهادةً على شهادة في حد ولا كفالة في حد.
على شهادة ذلك وهو أفصح.
(وروى العلاء) في الصحيح (عن محمّد بن مسلم - إلى قوله - خير) أي عدالة (جازت شهادتهما) وهو كالسابق، لكن المفهوم هنا أقوى، ويحمل في العبد على التقيّة مع معارضته للمنطوق.
(وروى غياث بن إبراهيم) في الموثق كالصحيح كالشيخ(1)لأن مبنى الحدود على التخفيف، ويؤيده ما رواه الشيخ في الموثق عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه كان لا يجيز شهادة على شهادة في حد (2).
3357 - وروي عن محمّد بن مسلم، عن الباقر أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الشهادة على شهادة الرّجل وهو بالحضرة في البلد قال: نعم. ولو كان خلف سارية ويجوز ذلك إذا كان لا يمكنه أن يقيمها لعلّةٍ تمنعه من أن يحضر ويقيمها فلا بأس بإقامة الشهادة على شهادته.
3358 - وروى عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: أشهد على شهادتك من ينصحك قالوا: أصلحك اللّه كيف يزيد وينقص.
(وروي عن محمّد بن مسلم) في القوي كالصحيح كالشيخ(1)، ويدلّ على جواز الشهادة على الشهادة وإن كان حاضراً إذا لم يمكنه الإقامة.
فأما ما رواه الشيخ في الموثق كالصحيح عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه أن علياً (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: «لا أقبل شهادة رجل على رجل حي وإن كان باليمن»(2). فمحمول على التقية. ويمكن حمله على أنه لا يقبل شهادة رجل واحد، بل يحتاج إلى عدلين على عدل.
(وروى عمرو بن جميع) في الضعيف (أشهد على شهادتك من ينصحك) أي من يريد الخير لك (قالوا :) جماعة من الحاضرين (كيف) أي كيف ينصح (يزيد وينقص) حتى يكون نافعاً عند الأداء، كما في الشهادة على أجر المتعة عندهم
قال: لا، ولكن من يحفظها عليك ولا تجوز شهادة على شهادة على شهادة.
3359 - روي عن عليّ بن غراب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لا تشهدن على شهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك.
وكيف يزيد وينقص مع عدم جوازهما، والنصح لا يكون إلا هكذا (قال: لا) يزيد ولا ينقص أو ما أردت ما فهمت (ولكن من يحفظها) أي الشهادة عليك؛ ليذكرك ولا تنسى (ولا تجوز شهادة) بمرتبتين، يمكن أن يكون من كلام المصنّف وهو الأظهر وأن يكون من تنمّة الخبر، وعلى أي حال عمل به الأصحاب وإن ضعف الخبر أو كان مرسلاً؛ لأنها على خلاف الأصل عمل عليه في المتيقن، وهو ما كان بمرتبة واحدة وإن احتمل دخوله في العموم، فإنّها أيضاً شهادة على شهادة أو انجبر ضعفه بعمل الأصحاب.
باب الاحتياط في إقامة الشهادة
بأن لا يشهد ما لم يعلمه يقيناً (روي عن عليّ بن غراب)(1)في القوي مثلهما عن أبي عبد اللّه (2)(قال: لا تشهدون على شهادة) أي مشهود به مجازاً شائعاً، كما تقدم (حتى تعرفها كما تعرف كفّك) ويدك والتخصيص بها؛ لظهورها وعدم
3360 - وروي عن عليّ بن سويد قال: قلت لأبي الحسن الماضي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يشهدني هؤلاء على إخواني. قال: نعم أقم الشهادة لهم وإن خفت على أخيك ضرراً.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه): هكذا وجدته في نسختي، ووجدت في غير نسختي: وإن خفت على أخيك ضرراً فلا، ومعناهما قريب؛ وذلك أنه إذا كان لكافر على مؤمن حق وهو موسرّ ملي به وجب إقامة الشهادة عليه بذلك، وإن كان عليه ضررٌ بنقص من ماله ومتى كان المؤمن معسراً وعلم الشاهد بذلك فلا تحلّ له إقامة الشهادة عليه وإدخال الضرر عليه
مستوريتها.
(وروي عن علي بن سويد) في الصحيح، ورواه الكليني في الصحيح عن إسماعيل بن مهران وهما في القوي عن علي بن سويد(1)
ولكن لفظ الحديث في الكافي والتهذيب هكذا وسألته عن الشهادات لهم قال: فاقم الشهادة للّه عزوجل ولو على نفسك أو الوالدين أو الأقربين فيما بينك وبينهم فإن خفت على أخيك ضيماً فلا.
(قال: قلت لأبي الحسن الماضي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يشهدني هؤلاء) العامّة (على إخواني) من الإمامية (قال: نعم - إلى قوله - ضرراً) وفيهما: «قال: نعم، فأقم الشهادة لله ولو على نفسك أو الوالدين والأقربين فيما بينك وبينهم، فإن خفت على أخيك ضيماً فلا» والضيم: الضرر على الغير، وتقدم (ومعناهما قريب) أي يمكن إصلاحه وإلا فهما ضدّان.1) الكافي 7 : 381 باب کتمان الشهادة، ح 3. التهذيب 6 : 276، باب البينات، ح 162.
بأن يحبس أو يخرج عن مسقط رأسه أو يخرج خادمه عن ملكه، وهكذا لا يجوز للمؤمن من أن يقيم شهادةً يقتل بها مؤمن بكافر ومتى كان غير ذلك فيجب إقامتها عليه فإنّ في صفات المؤمن ألا يحدث أمانته الأصدقاء، ولا يكتم شهادة الأعداء.
3361 - وروي عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل يشهدني على الشهادة فأعرف خطي وخاتمي ولا أذكر من الباقي قليلاً ولا كثيراً. فقال: إذا كان صاحبك ثقةً ومعك رجل ثقة فاشهد له.
وروي أنه لا تكون الشهادة إلا بعلم من شاء كتب كتاباً، أو نقش خاتماً.
(أن لا يحدث أمانة) أي ما ائتمن عليه (الأصدقاء ولا يكتم شهادة الأعداء) أي يشهد لهم وإن كانوا أعداءه، وروي ذلك بطرق كثيرة في الكافي(1)وغيره (2).
(وروي عن عمر بن يزيد) في الصحيح كالكليني والشيخ (3)، وطرحه أكثر الأصحاب(4)، ويمكن حمله على حصول العلم الثاني بالخبر المحفوف بالقرائن إن حصل، وحصوله غالبي، ولا منافاة بينه وبين غيره من الأخبار.
(وروي أنه) إلى آخره.
روياه في القوي عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «لا تشهد بشهادة لا تذكرها؛ فإنّه من شاء كتب كتاباً ونقش خاتماً» (1)أي مثل خطك وخاتمك.
ورويا في الصحيح عن الحسين بن سعيد قال كتب إليه جعفر بن عيسى: جعلت فداك، جاءني جيران لنا بكتاب زعموا أنهم أشهدوني على ما فيه، وفي الكتاب اسمي بخطي قد عرفته ولست أذكر الشهادة، وقد دعوني إليها فأشهد لهم على معرفتي أن اسمي في الكتاب ولست أذكر الشهادة أو لا تجب لهم الشهادة عليَّ حتى أذكرها، كان اسمي في الكتاب بخطي أو لم يكن؟ فكتب: «لا تشهد»(2).
فأما الشهادة على الإيمان فالظاهر أنه يكفي فيها أن يكون ظاهر المشهود له الإيمان؛ لما روياه في الصحيح عن إبراهيم بن أبي البلاد عن سعد الإسكاف قال: لا أعلمه إلا قال: عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان في بني إسرائيل عابد فأعجب به داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأوحى اللّه عزّوجلّ :إليه لا يعجبك شيءٌ من أمره فإنه مراء، قال: فمات الرجل، فأتي داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقيل له: مات الرجل فقال :داود: ادفنوا صاحبكم، قال: فأنكرت بنو إسرائيل وقالوا: كيف لم يحضره؟ قال: فلمّا غُسل قام خمسون رجلاً فشهدوا بالله ما يعلمون منه إلا خيراً، قال: فلما صلوا عليه قام خمسون آخرون
3362 - كتب محمّد بن الحسن الصفار (رضیَ اللّهُ عنهُ) إلى أبي محمّد الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل ؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدّعي يمين.
فشهدوا بالله ما يعلمون منه إلا خيراً، فلما دفنوه قام خمسون فشهدوا بالله ما يعلمون منه إلا خيراً، فأوحى اللّه عزّوجل إلى داود (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما منعك أن تشهد فلاناً؟ فقال داود: يا ربّ للذي أطلعتني عليه من أمره، قال: فأوحى اللّه تعالى إليه أن ذلك كذلك، ولكنّه قد شهد قوم من الأحبار والرهبان ما يعلمون منه إلا خيراً فأجزت شهادتهم عليه وغفرت له علمي فيه»(1).
وإن احتمل أن يكون شهادتهم بالعلم لأنهم ما كانوا يعلمون أنه مراء. لكن ورد أخبار من طرقهم أنّ الشهود شهدوا على طرّار هكذا وغفر اللّه له بمجرد القول، وهو مناسب لرحمته وكرمه.
باب شهادة الوصي للميت وعليه دين
(كتب محمّد بن الحسن الصفار (رضیَ اللّهُ عنهُ)) في الصحيح كالكليني والشيخ (2)(إلى أبي محمّد الحسن بن علي العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)- إلى قوله - يمين) أي لا تقبل شهادته
وكتب إليه أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميت صغيراً أو كبيراً بحق له على الميت أو على غيره وهو القابض للوارث الصغير وليس للكبير بقابض ؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم، وينبغي للوصي أن يشهد بالحق ولا يكتم شهادته.
وكتب إليه أو تقبل شهادة الوصي على الميت بدين مع شاهد آخر عدل فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم. من بعد يمين.
3363 - سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرّجل يكون له على الرجل حق
فيما هو وصي فيه، ولا يمين على الوصي؛ لإثبات مال الطفل، بل البلّغ يحلفون ويأخذون أنصباءهم إن كانوا، والطفل يحلف حين يبلغ ويأخذ نصيبه.
(وكتب إليه - إلى قوله – شهادته) أما بالنسبة إلى الكبير فلا ريب في القبول، وأما بالنسبة إلى الصغير فيحمل على ما ليس بوصي فيه، أو على وجوب الشهادة وإن لم تقبل، كما في الفاسق.
(وكتب إليه - إلى قوله - من بعد يمين) أمّا قبول شهادته؛ فلكونها على الميت لاله، وأما اليمين فللاستظهار لمّا كان الدعوى على الميت، ويمكن أداؤه له مع عدم علم الوصي أو الوارث أو إبراؤه فيحلف على بقاء الحق.
باب النهي عن إحياء الحق بشهادات الجور
(سئل أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن يونس، عن
فيجحد حقه ويحلف أن ليس له عليه شيء وليس لصاحب الحق على حقه بينةٌ أيجوز له إحياء حقه بشهادة الزور إذا خشي ذهاب حقه قال: لا يجوز ذلك لعلّة التدليس، وهذا في رواية يونس بن عبد الرحمن عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ).
بعض أصحابه عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1)(قال: لا يجوز ذلك لعلّة التدليس) وفي الكافي: التدنيس، وكذا في بعض نسخ التهذيب وبخط الشيخ (رَحمهُ اللّه) التدبيس - باليائين وبالنون : من الدنس وبالياء من الذل وباللام إخفاء الحق، والنون أحسن.
ورويا في القوي عن الحكم أخي أبي عقيلة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن لى خصماً يتكثر عليَّ بالشهود الزور، وقد كرهت مكافأته مع أني لا أدري أيصلح لي ذلك أم لا؟ قال: فقال لي: «أما بلغك عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه كان يقول: لا تؤسروا أنفسكم وأموالكم بشهادات الزور ما على امرىء من وكف (أي نقص) في دينه ولا مأتم من ربه أن يدفع ذلك عنه، كما أنه لو دفع بشهادته عن فرج حرام أو سفك دمحرام كان ذلك خيراً له، وكذلك مال المرء المسلم» (2)أي يجوز دفع الظلم عن نفسه وعن غيره بشهادة الزور لا جلب النفع بها.
3364 - قال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا دفنت في الأرض شيئاً فأشهد عليها؛ فإنّها لا تؤدي إليك شيئاً.
باب نوادر الشهادات
(قال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا دفنت في الأرض شيئاً فأشهد) من الإشهاد عليها (فإنّها لا تؤدي إليك شيئاً)؛ لأنه كثيراً ما ينسى أو يموت ولا يطلع عليه الوارث ويضيع حقهم. ويمكن أن يكون المراد به المبالغة في الإشهاد؛ فإنّ الغالب على الناس إنكار المال مع عدم الشهود، ولهذا قال تعالى: (وأشْهِدُوا إِذَا تَبايَعْتُمْ) في المداينة (واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) (1)إِلَى غير ذلك من الآيات والأخبار.
واختلف الأصحاب في غير الطلاق في أنّ الإشهاد هل هو على الاستحباب أو للإرشاد في أمر الدنيا؛ لئلا يضيع حقهم ويحصل التنازع
ولا ريب في أنه لو نوى القربة وامتثال الأمر يثاب عليه، إنما الخلاف في أنه عبادة مشروطة بالنية حتى لو لم ينو لم يحصل الامتثال أم لا؟ والظاهر عدم الاشتراط.
1) البقرة : 282.
3365 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) أول شهادة شهد بها بالزور في الإسلام شهادة سبعين رجلاً حين انتهوا إلى ماء الحوأب فنبحتهم كلابها، فأرادت صاحبتهم الرجوع وقالت: سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول لأزواجه إن إحداكن تنبحها كلاب الحوأب في التوجه إلى قتال وصيّي علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فشهد عندها سبعون رجلاً أنّ ذلك ليس بماء الحوأب، فكانت أول شهادة شهد بها في الإسلام بالزور.
(وقال) الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أول شهادة - إلى قوله - رجلاً) الظاهر أن المراد به الأولية بهذا الاجتماع العظيم أو الإضافية وإلا فشهاداتهم بالزور قبل هذا كان أكثر من أن تحصى، وليس هذا أوّل قارورة كسرت في الإسلام كما هو ظاهر لمن تتبع السير والأخبار، وهذا الخبر أيضاً من المتواترات ونقلوا في معجزات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونقل صاحب النهاية (1)والقاموس (2)وغيرهما (3)و (الحَوْأَب) - ككوكب - : منزل بين مكة والبصرة (والنباح) أصوات الكلاب (والصاحبة) عائشة الخارجية على علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وقعة الجمل.
3366 - وقيل للصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّ شريكاً يردّ شهادتنا فقال: لا تذلّوا أنفسكم. قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه): ليس يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك النهي عن إقامتها؛ لأن إقامة الشهادة واجبة، إنما يعنى بها تحمّلها يقول لا تتحملوا الشهادات فتذلوا أنفسكم بإقامتها عند من يردّها. وقد روي عن أبي كهمس أنه قال: تقدمت إلى شريك في شهادة لزمتني فقال لي: كيف أجيز شهادتك وأنت تنسب إلى ما تنسب إليه؟ قال: أبو كهمس فقلت: وما هو ؟ قال: الرفض. قال: فبكيت، ثمّ قلت نسبتني إلى قوم أخاف ألا أكون منهم فأجاز شهادتي وقد وقع مثل ذلك لابن أبي يعفور ولفضيل سكرة.
(وقيل للصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن، بن أبي حمزة، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت له أو قلنا له: (إنّ شريكاً) من قضاة العامّة (يردّ شهادتنا) للتشيع، قال (فقال: لا تذلّوا أنفسكم) (1)أي لا يجب التحمّل ولا الإقامة؛ لأنّ الغرض من الشهادة إثبات الحق ولا يثبت مع حصول الذلة وهو منهي عنه، لكن المصنّف حمله على التحمّل وأوجب الشهادة ولو لم يسمع، والعموم يدفعه مع أنه لم يرد خبر يدلّ على وجوب الشهادة حينئذ، والعمومات مخصوصة بذلك والاحتياط معه.
(قد روي) الظاهر أنه استشهد به على الوجوب بفعل الصحابي، أو بإمكان القبول كما وقع، والظاهر أنه لم يفهم مراده أو فهم ورحمه؛ لبكائه.
(وقد وقع مثل ذلك لابن أبي يعفور ولفضيل سكرة) لقب له.
1) التهذيب 6: 283، باب البينات، ح 184.
3367 - روى طلحة بن زيد عن الصادق، عن أبيه أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قضى بالشفعة ما لم تورّف، يعني تقسم.
روى الكليني والشيخ في القوي عن ابن أبي يعفور قال: لزمته شهادة فشهد بها عند أبي يوسف القاضي فقال أبو يوسف ما عسيت أن أقول فيك يا بن أبي يعفور وأنت جاري، ما علمتك إلا صدوقاً طويل الليل، ولكن تلك الخصلة، قال: وما هي؟ قال: ميلك إلى الترفض (أي رفض الصحابة أو التشيّع) فبكى ابن أبي يعفور حتى سالت دموعه ثمّ قال: يا أبا يوسف تنسبني إلى قوم أخاف أن لا أكون منهم. قال: فأجاز شهادته (1).
باب الشفعة
ذكر هذه الأبواب فيما بين أبواب القضايا للاحتياج فيها إلى الأحكام غالباً. وتركه أولى.
والشفعة - بالضم - : استحقاق تملك الشقص على شريكه المتجدّد ملكه بالبيع قهراً بعوض، والشريك شفيع؛ لأنه يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به كأنه كان واحداً وتراً فصار زوجاً وشفعاً.
(روى طلحة بن زيد) في الموثق (أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قضى) وحكم بالشفعة بثبوتها (ما لم تورف) كيفرح (يعني تقسم) ويجعل له الحدود، وعبارة الشيخ في الموثق عن طلحة بن زید، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: «لا شفعة إلا
1) الكافي 7 : 404، باب النوادر، ح 8. التهذيب 6 : 278، باب البينات، ح 168.
3368 - وروى عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال: لا ضرر ولا إضرار.
لشريك غير مقاسم» وقال: «إنّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال : لا يشفع في الحدود» وقال: «لا تورث الشفعة» (1).
والمراد بالحدود: إما ما جعل له الحد كالمورف، أو كان في المحدود صحف، أو ذكر بمجرد المناسبة اللفظية؛ كما تقدم أنه لا شفاعة في الحدود، وأما إرثها ففيه خلاف، ذهب جماعة من الأصحاب (2)إلى العدم لهذه الرواية، والأكثر على الثبوت؛ لعموم الآية وضعف الخبر مع احتمال التقيّة بل هي الظاهرة (3).
(وروى عقبة بن خالد) لم يذكر طريقه إليه، والظاهر أخذه من الكافي وفيهما في القوي كالصحيح عنه (4)(بالشفعة بين الشركاء) يفهم منه ثبوتها مع الكثرة إلا أن يحمل على المورد، أو الجمع على الاثنين، كما هو الشائع (في الأرضين والمساكن) ظاهره التخصيص، كما ذهب إليه جماعة (5)(وقال: لا ضرر ولا إضرار) أو ولا ضرار، كما هو فيهما، وفيهما: وقال: (إذا أرفتِ الأرف وحدَّتِ الحدود فلا شفعة) فيمكن أن
1) التهذيب 7 : 167، باب الشفعة، ح 18.
2) انظر كشف الرموز 2: 397، تذكرة الفقهاء 12 : 284.
3) انظر: تذكرة الفقهاء 12 : 283، مختلف الشيعة 5 : 347، المهذب البارع 4 : 278 و 279.
4) الكافي 5 : 280، باب الشفعة، ح 4. التهذيب 7 : 164، باب الشفعة، ح 4.
5) انظر: المختصر النافع : 249. كشف الرموز 2 : 392. تذكرة الفقهاء 12 : 195.
3369 - وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا أرفت الأرف وحدت الحدود فلا شفعة ولا شفعة إلا لشريك غير مقاسم.
3370 - وروى إسماعيل بن مسلم، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: قال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): الشفعة على عدد الرجال.
يكون ذلك مقول قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أو مقول قول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).
أما نفي الضرر والضرار فالمراد بهما النهي (1)؛ لئلا يلزم الكذب؛ لتحققهما غالباً.
والمراد بالضرر ما يكون من جانب واحد وبالضرار ما يكون من جانبين، أو كان تأكيداً له، وبالإضرار فعل ما يؤدى إليه، فالمراد به أنه لو لم يشرع الشفعة؛ لتضرر الشريك بشركة الأجنبي، فاقتضى الحكمة وجودها. ولما ثبت الشفعة فيجب أن لا يضر الشريك المشتري، بأن يأخذ منه بلا ثمن أو بثمن مؤجل لو كان حالاً، وغير ذلك من أنواعه، وسيأتي أخبار الضرار.
(ولا شفعة إلا لشريك غير مقاسم) والظاهر أنه كان من تتمة الخبر، ولكن لم يذكراه. ويمكن أن يكون من كلام المصنّف وتقدّم مثله وسيجيء
(وروى إسماعيل بن مسلم) السكوني في القوي كالشيخ (2)(الشفعة على عدد الرجال) أي بعدد الرؤوس لا بقدر السهام، كما إذا كان دار بين ثلاثة كان لأحدهم
3371 - وفي رواية طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: قال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): الشفعة على عدد الرّجال.
الثلث ولآخر النصف ولآخر السدس فباع صاحب الثلث نصيبه، فلو كان بعدد الرؤوس يكون الثلث بينهما نصفين، ولو كان بقدر السهام كانت بينهما أرباعاً. والمشهور بين الأصحاب عدم العمل بهذا الخبر للضعف ولمعارضة الأخبار المعتبرة الآتية. ويمكن حمله على الاستحباب للمشتري.
(وفي رواية طلحة بن زيد) في الموثق مثله، وحملهما على التقيّة أولى؛ لأن راوبيهما عامتين مع موافقتهما لمذهب أكثرهم (وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)) روياه في القوي عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1)(قال: ليس لليهودي والنصراني شفعة) أي على المسلم؛ لأنه سبيل تسلّط وقهر، (وَلَنْ يَجْعَلَ اللّه لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (2).
(وفي رواية طلحة بن زيد) في الموثق كالشيخ (3)، وقد تقدم ويمكن حمله على نفي الإرث فيها كالأموال بل على الرؤوس كما لو كان الشريك واحداً، فمات من ورثة مختلفين في الإرث، فلو طلبوا الشفعة كانوا على السواء ولو لم يطلبها إلا واحد منهم فله أن يأخذ الجميع أو يترك إلا مع رضى المشتري بأخذ الحصة وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (على عدد الرجال) على هذه الصورة، لكن المشهور أنها تقسم بين الورثة على السهام كالمال.
3372 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس لليهودي والنصراني شفعة ولا شفعة إلا لشريك غير مقاسم.
3373 - وفي رواية طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): الشفعة لا تورث.
3374 - وفي رواية السكوني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لا شفعة في سفينة، ولا في نهر، ولا في طريق، ولا في رحى، ولا في حمام.
3375 - وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وصيّ اليتيم بمنزلة أبيه، يأخذ له الشفعة
(وفي رواية السكوني) في القوي مثلهما (1)، لكن ليس فيهما ذكر الرحي والحمام. وذكر الأصحاب أنّ عدم الشفعة في هذه الأشياء؛ لعدم قبولها القسمة غالباً. فلو كانت قابلة للقسمة ثبتت فيها. والظاهر أنّ العلة مستنبطة. ويمكن أن يكون لوجه آخر لا نعرفه. هذا إذا بيع النهر والطريق منفردين، أما إذا بيعا أو بيع أحدهما مع الملك فالظاهر الثبوت كما سيجيء.
(وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) روياه في القوي عن السكوني بإسناده إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)(وصيّ اليتيم) وكذا الجد بطريق أولى (بمنزلة أبيه).
إذا كانت له رغبة وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): للغائب الشفعة.
3376 - وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا وقعت السهام ارتفعت الشفعة.
(إذا كانت رغبة) أي مصلحة مرغوباً فيها، وفيهما إذا كان له رغبة فيها، والضمير في (له) يمكن أن يكون راجعاً إلى اليتيم ويكون كالمتن وإلى الوصي ويرجع إليه. ويمكن أن يستدل بعمومه على موروثية الشفعة لكن مع عدم المعارض.
(وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)) في هذه الرواية (للغائب الشفعة) وفيهما شفعة، أي في الغيبة، بأن ينصب الوكيل لأخذه بها، أو إذا حضر يكون معذوراً مع الجهل، ومع العلم فيه إشكال.
(وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) روياه في القوي كالصحيح عن جميل، عن محمّد بن مسلم عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).
ويؤيده ما روياه في الموثق كالصحيح عن أبي العباس وعبد الرحمن بن أبي عبد الله قالا : سمعنا أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «الشفعة لا تكون إلا لشريك لم يقاسم» (2).
وروى الكليني في القوي عن جميل بن درّاج عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: «الشفعة لكل شريك لم يقاسم»(3).
3377 - وسئل الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الشفعة لمن هي؟ وفي أي شيء هي؟ وهل تكون في الحيوان شفعة؟ وكيف هي؟ قال: الشفعة واجبة في كل شيء من حيوان، أو أرض، أو متاع، إذا كان الشيء بين شريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحق به من غيره، فإن زاد على الاثنين فلا شفعة لأحدٍ منهم.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه) : يعني بذلك الشفعة في الحيوان وحده، فأما في غير الحيوان فالشفعة واجبة للشركاء وإن كانوا أكثر من اثنين، و تصديق ذلك ما رواه.
3378 - أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد اللّه بن سنان قال: سألته
(وسئل الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) روياه في الصحيح عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته (1)(عن الشفعة قال: الشفعة واجبة) ثابتة (في كلِّ شيءٍ من لا حيوان، أو أرض، أو متاع) التعميم مذهب بعض الأصحاب (2)وأكثر العامّة (3). وحمله الأكثر على التقية، ويمكن حمل الحيوان على الإنسان والمتاع على أعيان الأرض، كالأبنية والأشجار، ويدل على عدم الشفعة مع كثرة الشركاء، كما هو المشهور (4). أما ما ذكره المصنّف فإلغاز وتعمية.
(وما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد اللّه بن سنان) في الصحيح، فدلالته
عن مملوك بين شركاء أراد أحدهم بيع نصيبه. قال: يبيعه، قال: قلت فإنهما كانا اثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه فلما أقدم على البيع قال له شريكه: أعطني. قال: هو أحق به ثمّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا شفعة في حيوان إلا أن يكون الشريك فيه واحداً.
على ما ذكره المصنّف بمفهوم اللقب الضعيف. ويمكن حمل الحيوان على الإنسان بقرينة السؤال عنه.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا يكون الشفعة إلا لشريكين ما لم يقاسما - كما في الكافي - وما لم يتقاسما - كما في التهذيب - فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة»(1).
وروى الشيخ في الصحيح وفي الموثق كالصحيح، عن عبد الله بن سنان قال قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): المملوك يكون بين شركاء فباع أحدهم نصيبه فيقول صاحبه: أنا أحق به أله ذلك؟ قال: «نعم، إذا كان واحداً»(2). وفي الصحيح والكليني في الحسن كالصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه لأنه قال في المملوك بين شركاء فيبيع أحدهم نصيبه فيقول صاحبه أنا أحق به أله ذلك؟ قال: «نعم، إذا كان واحداً» فقيل له : في الحيوان شفعة ؟ فقال: «لا» (3)أي في غير الإنسان؛ لئلا يتناقض.
وفي الموثق كالصحيح عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «ليس في
3379 - وروى الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل اشترى داراً برقيق ومتاع وبز وجوهر فقال: ليس لأحد فيها شفعة. وإذا كانت داراً فيها دورٌ وطريق أربابها في عرصة واحدة فباع أحدهم داراً منها من رجل وطلب صاحب الدار الأخرى الشفعة، فإنّ له عليه الشفعة إذا لم يتهيأ له أن يحوّل باب الدار التي اشتراها إلى موضع آخر، فإن كان حوّل بابها فلا شفعة لأحدٍ عليه.
الحيوان شفعة» (1). فظهر ممّا ذكر عدم الثبوت مع الكثرة وثبوته في المملوك دون باقي أصناف الحيوان، ولا يمكن حمل صحيحة ابن سنان على الحيوان : لأنه لا قسمة فيه (وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح، والشيخ في الموثق كالصحيح (2)(عن علي بن رئاب - إلى قوله - شفعة) ويدلّ على اشتراط كون الثمن مثليّاً، فإن ما ذكر ليس بمثلي، كما ذهب إليه جماعة (3)، وجماعة (4)إلى ثبوتها في غير المثلي بالقيمة، والخبر حجة عليهم إلا أن يكون لهم خبر لم يصل إلينا. (وإذا كانت داراً) روى الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن دار فيها دور طريقهم واحد في عرصة الدار، فباع بعضهم منزله من رجل. هل لشركائه أن يأخذوا بالشفعة؟ فقال: «إن كان باع الدار وحوّل بابها إلى طريق غير ذلك فلا شفعة لهم، وإن باع الطريق مع الدار فلهم الشفعة (5).
و من طلب شفعة وزعم أنّ ماله غير حاضر وأنه في بلد آخر انتظر به مسيرة الطريق في ذهابه ورجوعه وزيادة ثلاثة أيام فإن أتى بالمال وإلا فلا شفعة له.
ورويا في الحسن كالصحيح والشيخ أيضاً في الموثق كالصحيح عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : دار بين قوم اقتسموها فأخذ كل واحد منهم قطعة وبناها وتركوا بينهم ساحة فيها ممرهم، فجاء رجل فاشتری نصیب بعضهم أله ذلك؟ قال: «نعم، ولكن يسدّ بابه ويفتح باباً إلى الطريق، أو ينزل من فوق البيت ويسدّ بابه، فإن أراد صاحب الطريق بيعه فإنّهم أحق به وإلا فهو طريقه يجيء حتى يجلس على ذلك الباب»(1). وفي الموثق: «وإن أراد يجيء حتى يقعد على ذلك الباب المسدود الذي باعه لم يكن لهم أن يمنعوه»(2). والظاهر أنّ المراد أنه لا يخرج الطريق عن ملكه إذا لم يبعه، وأما إذا باعه فلهم الشفعة. والظاهر أن المراد بيعه مع الدار كما دل عليه خبره الآخر. وذهب بعض الأصحاب إلى ظاهره وجمع بينه وبين الخبر السابق الدال على عدم الشفعة في الطريق بحمل هذا الطريق على ما أمكن قسمته، والأوّل على ما لا يمكن وشرطوا إمكان القسمة في المشفوع كما تقدم (3).
(ومن طلب شفعة) روى الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: سألت أبا جعفر الثاني (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل طلب شفعة أرض فذهب على أن يحضر المال فلم يتفق
وإذا قال طالب الشفعة للمشتري : بارك اللّه لك فيما اشتريت أو طلب منه مقاسمة فلا شفعة له.
وكان شيخنا محمّد بن الحسن (رضیَ اللّهُ عنهُ) يقول: ليس في الموهوب والمعاوض به شفعةٌ، إنّما الشفعة فيما اشتريت بثمن معلوم ذهب أو فضة، ويكون غير مقسوم وحديث علي بن رئاب يؤيد ذلك.
أو فلم ينظر - فكيف يصنع صاحب الأرض إذا أراد بيعها، أيبيعها أو ينتظر مجيء شريكه صاحب الشفعة؟ قال: «إن كان معه بالمصر فلينتظر به ثلاثة أيام، فإن أتاه بالمال وإلا فليبع وبطلت شفعته في الأرض وإن طلب الأجل إلى أن يحمل المال من بلد إلى آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الرجل إلى تلك البلدة وينصرف وزيادة ثلاثة أيام إذا قدم، فإن وافاه وإلا فلا شفعة له» (1). وقيده بعض الأصحاب بما لم يتضرر المشتري بطول الطريق.
(وإذا قال طالب الشفعة للمشتري بارك اللّه لك) وهو رضا، ويدلّ على إسقاطه الشفعة، وحمله الأصحاب على ما لو علم بالشفعة، ولو لم يعلمها مطلقاً أو في تلك الصورة، فإنّها لا تسقط، وكذا في طلب المقاسمة.
(وكان شيخنا) إلى آخره. الظاهر أنه شرط في البيع أن يكون بثمن الذهب أو الفضة وإلا فهو معاوضة وليس ببيع والشفعة لا تكون إلا في البيع.
لما روياه في الصحيح عن هارون بن حمزة الغنوي، عن عبد اللّه لا قال: عن سألته الشفعة في الدور شيء واجب للشريك ويعرض على الجار و هو أحق بها من غيره؟ فقال: «الشفعة في البيوع إذا كان شريكاً فهو أحق بها بالثمن»(2).
وإذا تبرأ الرجل إلى الرجل من نصيبه في دارٍ أو أرض فلا شفعة لأحدٍ عليه ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
3380 - وروى الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل تزوج امرأة على بيت في دار له وله في تلك الدار شركاء قال: جائز له ولها ولا شفعة لأحد من الشركاء عليها.
وفي الاشتراط نظر. بل الظاهر أن ما وقع بلفظ البيع فهو بيع وبلفظ المعاوضة معاوضة، بل المشهور أنّ المعاوضة أيضاً من البيع (1)إلا في الهبة المعوّضة، وسؤال هارون عن الجار كان باعتبار الشهرة بينهم من ثبوتها للجار، فنفاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله: «إذا كان شريكاً»، وتقدم الأخبار المستفيضة، بل المتواترة بذلك.
(وإذا تبرأ الرجل إلى الرجل) بأن يقول ليس لي حق في هذا الملك وهذا ملكك، ويصير بمنزلة الإقرار أو الهبة ولا شفعة فيهما، ويمكن أن يكون المراد به إسقاط الشريك الشفعة فحينئذ ليس له ولا لوارثه طلبها والأوّل أظهر. (ولا قوة إلا بالله) الظاهر أنه كان من تتمّة رواية، وكانوا (عَلَيهِم السَّلَامُ) يختمون به كلامهم تبركاً، أو من المصنّف ويكون الغرض أنهم لا يتركون طلبها بالتبري إلا أن يدفعهم اللّه تعالى.
(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح كالشيخ (2)، ويدل على ثبوتها في البيع فقط، أو عدم ثبوتها مع كثرة الشركاء.
3381 - روی جابر بن يزيد ومعاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: من وكل رجلاً على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبداً حتى يعلمه بالخروج منها، كما أعلمه بالدخول فيها.
باب الوكالة
بالفتح ويكسر.
(روى جابر بن يزيد) في القوي (ومعاوية بن وهب) في الحسن كالصحيح، والشيخ عنهما في القوي (1)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: من وكل رجلاً) أي مثلاً على إمضاء أمر من الأمور الذي لا يتعلّق غرض الشارع بوقوعه من مباشر بعينه لا مثل العبادات البدنية والقسم بين الزوجات أو يعمّ إلا ما أخرجه دليل. فعلى هذا تشمل مثل إزالة النجاسة عن الثياب سيما إذا كان الوكيل ثقة، ويمكن أن يقال: إن الغرض هنا استصحاب الوكالة لا العموم والخصوص، لكن باعتبار عموم اللفظ يفهم منه (فالوكالة ثابتة) وإن عزله عند العدلين (حتى يعلمه) ويخبره وإن كان بقبول الثقة كما سيجيء، ويمكن أن يكون المراد به العلم الشرعي بالعدلين (بالخروج منها) أي بالعزل عن الوكالة (كما أعلمه بالدخول فيها).
1) التهذيب 6: 213، باب الوكالات، ح 1.
3382 - وروي عن عبد اللّه بن مسكان عن أبي هلال الرّازي قال: قلت لأبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل وكل رجلاً بطلاق امرأته إذا حاضت وطهرت وخرج الرجل فبدا له فأشهد أنه قد أبطل ما كان أمره به وأنه قد بدا له في ذلك قال: فليعلم أهله وليعلم الوكيل.
3383 - وروي عن علاء بن سيابة قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن امرأة
فعلى الأول يكون التشبيه في أصل الإعلام وعلى الثاني لا بد من العدلين، كما أنه لا يثبت الوكالة إلا بهما أو بما هو أقوى منهما من المشافهة أو التواتر أو الخبر المحفوف بالقرائن ويمكن أن يقال بجواز الدخول فيها أيضاً بقول الثقة وإن لم يثبت إلا بالعدلين، وهذا هو الأظهر من الأخبار كما سيجيء متفرقاً فيها.
(وروى عبد اللّه بن مسكان) في الصحيح والكليني والشيخ في الموثق كالصحيح عنه (1)(عن أبي هلال الرازي) ولا يضر جهالته؛ للإجماع على ابن مسكان (فبدا له) أي عرض له رأي في عدم الطلاق (قال: فليعلم أهله وليعلم الوكيل) أما إعلام الوكيل فظاهر، وأما إعلام الأهل فللتأكيد استحباباً ولئلا تتزوّج ؛ ولإدخال السرور عليها. وفيه دلالة على جواز التوكيل للحاضر في الطلاق.
(وروي) في الموثق كالصحيح عن أبان (عن علاء بن سيابة) بالفتح والتخفيف تابعية، وهو مجهول ولا يضر للإجماع على أبان والشيخ في القوي(2)
وكلت رجلاً بأن يزوجها من رجل فقبل الوكالة فأشهدت له بذلك فذهب الوكيل فزوجها ثمّ إنّها أنكرت ذلك الوكيل، وزعمت أنها عزلته عن الوكالة فأقامت شاهدين أنها عزلته.
فقال: ما يقول من قبلكم في ذلك؟ قال: قلت: يقولون ينظر في ذلك، فإن كانت عزلته قبل أن يزوّج فالوكالة باطلة والتزويج باطل، وإن عزلته وقد زوّجها فالتزويج ثابت على ما زوّج الوكيل، وعلى ما اتفق معها من الوكالة إذا لم يتعد شيئاً ممّا أمرت به واشترطت عليه في الوكالة. قال: ثمّ قال: يعزلون الوكيل عن وكالتها ولم تعلمه بالعزل فقلت: نعم. يزعمون أنها لو وكلت رجلاً وأشهدت في الملأ وقالت: في الملأ اشهدوا أني قد عزلته وأبطلت وكالته بلا أن يعلم بالعزل، وينقضون جميع ما فعل الوكيل في النكاح خاصة وفي غيره لا يبطلون الوكالة، إلا أن يعلم الوكيل
عنه، بل في الحسن عنه.
والظاهر أنهم رووا عن كتابه وهو من الأصول المعتمدة، كما يظهر من المصنّف (ثمَّ إنّها أنكرت ذلك الوكيل) أي وكالته حين العقد (وزعمت) أي قالت (إنّها عزلته عن الوكالة) قبل العقد (ما يقول من قبلكم) أي من عندكم من العامّة (يعزلون الوكيل) أي يحكمون بعزله مع عدم علمه بالعزل (وأشهدت في الملأ) عند جماعة كثيرة (وقالت في الملأ) أي عندهم أيضاً كما في التهذيب. وفي بعض النسخ: «في الخلا» أي في الخلوة عند الشهود (اشهدوا أني قد عزلته لبطلت وكالته بلا أن يعلم) وفي بعضها: «وأبطلت» ويكون الجزاء حينئذ محذوفاً، وفي التهذيب:
بالعزل، ويقولون: المال منه عوض لصاحبه، والفرج ليس منه عوض إذا وقع منه ولد.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): سبحان اللّه ما أجور هذا الحكم وأفسده، إن النكاح أحرى وأحرى أن يحتاط فيه، وهو فرج، ومنه يكون الولد، إن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتته امرأة استعدته على أخيها فقالت: يا أمير المؤمنين، وكلت أخي هذا بأن يزوجني رجلاً وأشهدت له ثمّ عزلته من ساعته تلك، فذهب فزوجني ولي بيّنةٌ أنّي عزلته قبل أن يزوّجني، فأقامت البيّنة فقال الأخ:
«بطلت وكالته وإن لم يعلم العزل، أو ولا إن يعلم بالعزل» (ويقولون المال منه عوض لصاحبه) فلو كانت الوكالة صحيحة أو باطلة كان الأمر سهلاً؛ لأن له عوضاً (والفرج ليس منه عوض إذا وقع منه ولد) أي لو كان العقد باطلاً كان الولد ولد زناء وليس النكاح من قبيل المعاوضات حتى لو كان باطلاً كان المهر بإزاء الوطء وكان عوضه؛ لأن الزنا لا عوض له، أو لأنّ المال يمكن تبديله إذا لم يكن مرضيّاً بخلاف الولد. فالاحتياط في عدم إمضاء الوكالة.
(فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): سبحان الله) أي أنزّه اللّه تعالى عن أن يفترى عليه بمثل هذا الافتراء أو على العادة للإنكار (ما أجور هذا الحكم وأفسده) أي ما أفسده للتعجب (إنّ النكاح أحرى) وفي التهذيب بزيادة: «وأجرى» - بالجيم بعد الحاء كما في بعض النسخ - أي هو أليق وأشد جرياناً أو جرأة (أن يحتاط فيه) ويمكن أن يقرأ بالحاء كما في بعض النسخ للتأكيد (وهو فرج، ومنه يكون الولد) أي أنهم يقولون في المال إنه متى لم يعلم الوكيل بالعزل يكون ما فعله صحيحاً؛ للاحتياط في عدم تضييع مال المشتري
يا أمير المؤمنين، إنّها وكلتني ولم تعلمني أنها عزلتني عن الوكالة حتى زوّجتها كما أمرتني.
فقال لها: ما تقولين؟ قالت قد أعلمته يا أمير المؤمنين فقال لها: ألك بينة بذلك فقالت: هؤلاء شهودي يشهدون قال لهم: ما تقولون قالوا: نشهد أنها قالت: اشهدوا أنّي قد عزلت أخي فلاناً عن الوكالة بتزويجي فلاناً، وأنّي مالكة لأمري قبل أن يزوجني فلاناً فقال: أشهدتكم على ذلك بعلم. منه ومحضر قالوا: لا قال: فتشهدون أنّها أعلمته العزل كما أعلمته الوكالة، قالوا: لا قال: أرى الوكالة ثابتة والنكاح واقعاً أين الزوج فجاء فقال: خذ بيدها بارك اللّه لك فيها قالت: يا أمير المؤمنين، أحلفه أني
فكيف لا يحتاطون في الفروج مع أنها أليق بأن يحتاط فيها؛ لأن العقد كما يمكن أن يكون باطلاً يمكن أن يكون صحيحاً، وإذا حكمتم ببطلانه و تزوجت زوجاً آخر كان زنا وأولاده من زنا، فلمّا إنّكم تحتاطون بالاستحسان العقلي فلأي شيء لا تحتاطون في عكسه، وغرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطلان استحسانهم وأنه لا يجوز الجرأة في أحكام اللّه تعالى بمثل هذه الاستحسانات العقلية، بل يجب فيها أن يتبع النصوص الشرعيّة. ثمّ استدلال (عَلَيهِ السَّلَامُ) - على الظاهر - بفعل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو من قول اللّه وقول رسوله ولا يمكنهم الإنكار (يشهدون) بأنّي قد عزلته (فقال) أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كيف تشهدون» كما في التهذيب. وفي بعض النسخ: «يشهدون» (قال لهم ما تقولون) والمعنى واحد، وقول المرأة تمويه؛ لأنها ادعت الإعلام وكان الإشهاد على العزل فقط (فقالت: يا أمير المؤمنين أحلفه) أي الزوج؛ ليفيد الحلف أو
لم أعلمه العزل وأنّه لم يعلم بعزلي إيّاه قبل النكاح فقال: وتحلف قال: نعم يا أمير المؤمنين، فحلف وأثبت وكالته وأجاز النكاح.
3384 - وروي عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل قال لآخر: اخطب لي فلانة فما فعلت شيئاً ممّا قاولت من صداق، أو ضمنت من شيء أو شرطت، فذلك لي رضاً وهو لازم لي، ولم يشهد على ذلك، فذهب فخطب له وبذل عنه الصداق وغير ذلك ممّا طالبوه وسألوه فلما رجع إليه أنكر ذلك كله. قال: يغرم لها نصف الصداق عنه؛ وذلك أنه هو الذي ضيّع حقها، فأما إذا لم يشهد لها عليه بذلك الذي قال له: حلّ لها أن تتزوّج ولا تحل للأوّل فيما بينه وبين اللّه عز وجل إلا أن يطلقها؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنِ) (1)فإن لم يفعل فإنّه مأثومٌ فيما بينه وبين اللّه عزّوجل وكان
الوكيل تبرعاً وإلا فلا فائدة في يمينه؛ لأنه لو أقرّ حينئذ لكان إقراره في حق الغير فلا ينفع نكوله بطريق أولى، فالظاهر أنه لمجرد التشفّي والاسترضاء.
(وروي عن داود بن الحصين) في القوي كالشيخ (2)(مما طالبوه وسألوه) كما في التهذيب، وفي بعضها: فسألوه (قال: يغرم لها نصف الصداق عنه)؛ لكون الفسخ قبل الدخول (وذلك أنه) هو الذي (ضيّع حقها)؛ لعدم الإشهاد مع ادعاء الوكالة
الحكم الظاهر حكم الإسلام وقد أباح اللّه عز وجل لها أن تتزوّج.
3385 - وروى محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل وكل آخر على وكالة في أمر من الأمور وأشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال: اشهدوا أنّي قد عزلت فلاناً عن الوكالة فقال: إن كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكل عليه قبل أن يعزل عن الوكالة، فإنّ الأمر واقع ماض على ما أمضاه الوكيل كره الموكّل أم رضي. قلت: فإنّ الوكيل أمضى الأمر قبل أن يعلم بالعزل أو يبلغه أنه قد عزل عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه قال: نعم. قلت: فإن بلغه العزل قبل أن يمضي الأمر، ثمّ ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء ؟ قال: نعم، إن الوكيل إذا وكل ثمّ قام عن المجلس فأمره ماض أبداً،
وفضيحة المرأة، وسيجيء أيضاً في الصحيح عن ابن محبوب، ويدل على النصف (وكان الحكم) الظاهر بالنصب خبر كان (حكم الإسلام) بدل من الحكم أو الظاهر صفة للحكم، وحكم الإسلام خبر كان.
(وروى محمّد بن أبي عمير) في الصحيح كالشيخ (1)(عن هشام بن سالم) (بثقة) أي مع معتمد عليه وإن لم يكن عدلاً، كما هو الظاهر.
وقيل: لا بد منه إذ لا اعتماد على الكافر والفاسق؛ لقوله تعالى: (إن جاءَكُمْ) (2). لكن الظاهر هنا الاكتفاء بالثقة، لعدم جواز التصرف، أو لبطلانه وإن
والوكالة ثابتةٌ حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة.
3386 - وروى حماد عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال في رجل ولته امرأة أمرها إما ذات قرابة أو جارةٌ له لا يعلم دخيلة أمرها (1)فوجدها قد دلّست عيباً هو بها قال: يؤخذ المهر منها ولا يكون على الذي زوجها
لم يثبت، والآية تؤيده بالتثبت والتبيّن. ويمكن الحمل على ما تقدّم من الأعلام بأن يكون المراد بالثقة الجنس: ليشمل العدلين والمحفوف بالقرينة، لكن الأوّل أظهر. (أو يشافه) أو يشافهه أي يعزله بحضوره، وأصله من إدناء الشفة إلى الشفة.
(وروى حماد) في الصحيح كالشيخ والكليني في الجزء الأول في الحسن كالصحيح وفي الجزء الآخر في الصحيح (2)(عن الحلبي) وفي الصحيح عن أبي الصباح الكناني (عن أبي عبد اللّه - إلى قوله - لا يعلم وكيله) وفي بعضها: «دخلة» مثلثة وفيهما: «دخيلة» وهما بمعنى باطن (أمرها) أي لا يعلم عيبها (قال: يؤخذ المهر منها).
1) في نسخة: «لا يعلم وكيلها دخلة أمرها». والدخل الداء والعيب والريب ومحركة ما داخلك من فساد في عقل أو جسم، القاموس المحيط 3: 375.
2) أورد الجزء الأول من الخبر في الكافي 407:5، باب المدالسة في النكاح، ح 10. وأورد الجزء الثاني من الخبر في الكافي 5 : 397 باب المرأة تولى أمرها رجلاً، ح 1. وأورد كل الخبر في التهذيب 6 : 216، باب الوكالات، ح 7.
شيء، وقال في امرأة ولّت أمرها رجلاً فقالت: زوّجني فلاناً. قال: لا زوجتك حتى تشهدي بأنّ أمرك بيدي فأشهدت له فقال عند التزويج للذي يخطبها يا فلان عليك كذا وكذا قال : نعم. فقال: - هو للقوم - اشهدوا أنّ ذلك لها عندي وقد زوّجتها من نفسي فقالت المرأة: ما كنت أتزوجك ولا كرامة ولا أمري إلّا بيدي وما وليتك أمري إلا حياء من الكلام قال: تنزع منه ويوجع رأسه.
3387 - وفي نوادر محمّد بن أبي عمير، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل قبض صداق ابنته من زوجها ثمّ مات هل لها
ويرد على الزوج إن أخذت، ويحمل العيب على ما يجوز الفسخ كالقرن والعفل، والجذام، والبرص، والجنون، على ما سيجيء.
(قال: تنزع منه ويوجع رأسه) بالضرب أو باللطم واللكم للتدليس، فإنّ الظاهر من التفويض تفويض المهر وغيره إلى رأي الوكيل لا التزويج من غير الزوج المزبور.
(وفي نوادر محمّد بن أبي عمير) أي في كتابه المسمى بالنوادر في الصحيح كالشيخ(1).
والظاهر أنّ الشيخ أخذ من المصنّف. ويمكن أن يكون أخذه من كتاب ابن أبي عمير وطريقه إليه أيضاً صحيح على الظاهر (عن غير واحد من أصحابنا) أي
1) التهذيب 6 : 215، باب الوكالات، ح 6.
أن تطالب زوجها بصداقها، أو قبض أبيها قبضها ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن كانت وكلته بقبض صداقها من زوجها فليس لها أن تطالبه، وإن لم تكن وكلته فلها ذلك، ويرجع الزوج على ورثة أبيها بذلك إلا أن تكون حينئذٍ صبية في حجره فيجوز لأبيها أن يقبض صداقها عنها، ومتى طلقها قبل الدخول بها فلأبيها أن يعفو عن بعض الصداق ويأخذ بعضاً وليس له أن يدع كله وذلك قول اللّه عزّوجلّ: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) يعني الأب والذي توكله المرأة وتوليه أمرها من أخ أو قرابة أو غيرهما.
عن جماعة من العلماء، ومثل هذا المرسل أقوى مراتبه، مع أن مراسيله كالمسانيد، وإجماع الأصحاب عليه (فليس لها أن تطالبه) ولها أن تطالب ورثة الأب لو لم تكن أخذت منه (فيجوز لأبيها) لا ريب في الجواز، لكن هل لها أن تطالب الورثة بالمهر الذي أخذه الأب إشكال من أنّ الظاهر من أفعال المسلمين الصحة، فيمكن أن يكون أنفقه عليها فيما أمكن. ومن أنّ الأصل العدم. أما في الزيادة على النفقة العادية بالنسبة إليها على نفسه مع فقره، فالظاهر جواز الطلب (فلأبيها أن يعفو عن بعض الصداق) أي عن الزائد عن النصف الذي عفا اللّه عنه (إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) (1)أي له ولاية العقد (يعني الأب) في حال الصغر، أو حال كونها بكراً، كما سيجيء على الخلاف، وكذا الجد للأب، فإنه أب (والذي توكله المرأة وتولّيه أمرها) في كلِّ شيءٍ أو في الإسقاط.
1) البقرة : 237.
3388 - روى حماد بن عيسى عمّن أخبره، عن حريز، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : أوّل من سوهم عليه مريم بنت عمران وهو قول اللّه عزّ وجلّ: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ)
باب الحكم بالقرعة
(روی حماد بن عیسى) في الصحيح (عمّن أخبره) ولا يضر الإرسال؛ للإجماع على حماد (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (1).
ذكر المفسرون أنه لما جيء بمريم إلى بيت المقدس؛ لتكون محرّرة وخادمة له، تنازع الأحبار وتخاصموا في تكفّلها؛ لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم. فقال زكريا: أنا أحق بها؛ لأن خالتها عندي وقال الأحبار له: إنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها، ولكنّا نقترع عليها فاستقر رأيهم على القرعة.
واختلف في كيفيتها، فقد قيل: إنّهم انطلقوا إلى نهر جار فألقوا أقلامهم بشرط أن من ارتفع قلمه فوق الماء فالكفالة له فارتز (2)قلمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوق الماء ورسبت أقلام
والسهام ستّةٌ، ثمّ استهموا في يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما ركب مع القوم فوقعت السفينة في اللّجّة، فاستهموا فوقع السهم على يونس ثلاث مرّاتٍ قال: فمضى يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى نفسه ثمّ
الباقين من الأحبار، وكان أقلامهم من حديد وكانوا يكتبون التوراة بها (1).
وقيل : بشرط أن من جرى قلمه على خلاف الماء فهو أحق فحصل له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
(والسهام ستة) أي كان المتنازعون فيها، أو عمدتهم ستة فاقترع (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعددهم وسمّي بالسهم؛ لكون القرعة التي كانت على لحم الجزور به كما سيجيء. ويحتمل أن يكون المراد استحباب كون السهام سنة في كل واقعة، كما سيجيء من انضمام سهام مبهمة إليها. ويمكن أن يقرأ بالنون أي السهام بالقرعة سنة ماضية من الأنبياء والأوّل أظهر. وذكر جماعة من المفسّرين أن عددهم كان تسعة وعشرين (3)فيحمل الست على من استهم منهم على أنّ أقوال المفسّرين - فيما تتبعنا - مأخوذة من تاريخ اليهود والكذابين.
(ثم استهموا) واقترعوا (في يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوقعت) أو وقفت (السفينة في اللجة) أي معظم الماء، وجاء الحوت فاتحاً فاه، وقالوا: هذه علامة مذنب بيننا، فقال يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنا المذنب» وقال القوم حاشا أن تكون بل نرجو النجاة بك (فاستهموا) بسؤال يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فوقع السهم على يونس ثلاث مرات) متعلق باستهموا.
كان عند عبد المطلب قد ولد له تسعة بنين فنذر في العاشر إن رزقه اللّه غلاماً أن يذبحه فلما ولد عبد اللّه لم يكن يقدر أن يذبحه ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في صلبه فجاء بعشر من الإبل فساهم عليها وعلى عبد اللّه فخرجت السهام على عبد اللّه فزاد عشراً فلم تزل السّهام تخرج على عبد اللّه ويزيد عشراً فلما أن خرجت مائةٌ خرجت السهام على الإبل فقال عبد المطلب ما أنصفت ربي فأعاد السّهام ثلاثاً فخرجت على الإبل فقال: الآن علمت أن ربي قد رضي فنحرها.
3389 - وروي عن محمّد بن الحكيم قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شيء فقال لي: كل مجهول ففيه القرعة.
(إن رزقه اللّه غلاماً أن يذبحه) والظاهر أنّ هذا النذر كان منعقداً في ملة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما وقع إرادة ذبح الولد منه (فنحرها) ومنه علم عبد المطلب. أن الدية مائة من الإبل وجاء الوحي إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بتقرير ما فعل كما سيجيء.
(وروي عن محمّد بن الحكم) لم يذكر المصنّف طريقه إليه، وذكر إلى محمّد ابن حكيم، وطريقه إليه صحيح و هو ممدوح، والظاهر أنّ السهو من النساخ ويؤيده أن الشيخ روى هذا الخبر بعينه قوياً عن محمّد بن حكيم(1)(كلّ شيءٍ مجهول) وفي التهذيب كل مجهول (ففيه القرعة) وروي مستفيضاً عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أن كل مشكل
1) التهذيب 6 : 240، باب البينتين يتقابلان، ح 24.
فقلت: إن القرعة تخطىء وتصيب فقال: كلّ ما حكم اللّه عزّ وجلّ به فليس بمخطئ.
3390 - وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما تقارع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللّه تعالى إلا خرج سهم المحق.
3391 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أي قضيّة أعدل من القرعة إذا فوّض الأمر إلى الله، أليس اللّه تعالى يقول: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) ؟
فيه القرعة» (1)(كلّما حكم اللّه عزّوجلّ به فليس بمخطىء) كما في التهذيب، وفي بعضها: يخطىء، يعني: كما أنّ اللّه تعالى قرّر اليمين والبيّنة قرّر القرعة أيضاً، ولا تجب أن تكون موافقاً للواقع، كما فيهما وإذا وقعت بشروطها من التفويض التام وغيره فلا تخطىء.
كما يظهر من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ما تقارع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللّه تعالى إلا خرج سهم المحق) فلو خالف لكان من عدم التفويض، وسيجيء مسنداً في صحيحة أبي بصير.
(وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أي قضية) أيّ حكم (أعدل) وقع موافقاً للعدل أوفق (من القرعة) بشرط التفويض، واستشهد (صلوات اللّه عليه) بقول اللّه تعالى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) (2)، أي كان يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المخرجين بالقرعة، وكان غرض اللّه تعالى هو، والقرعة بينته، والاستشهاد في التفريع وهو كالتعليل، وسيجيء مسنداً في الأخبار. وأصل الإدحاض بطلان الحجة هذا بحسب الظاهر. وأما بحسب الواقع فكان الغرض معراج يونس ليُريه اللّه تعالى آيات البحر، كما قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
3392 - وروى الحكم بن مسكين، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا وطىء رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوه جميعاً أقرع الوالي بينهم، فمن قرع كان الولد ولده ويردّ قيمة الولد على صاحب الجارية قال: فإن اشترى رجل جارية فجاء رجل
(وروى الحكم بن مسكين) (4)في القوي (عن معاوية بن عمار - إلى قوله - جميعاً) الظاهر أنها كانت ملكهم، والملك شبهة وإن علموا بالتحريم كما سيجيء (فمن قرع) - كنصر - غلبهم بالقرعة (كان الولد ولده ويردّ قيمة الولد) أي بقية القيمة
1) انظر: البحار 30 : 505. الصوارم المهرقة : 65.
2) البقرة : 253.
3) انظر: علل الشرائع 1 : 124، باب العلة التي من أجلها صار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أفضل الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ). الأمالي للشيخ الطوسي : 154، ح 8 مدينة المعاجز 4 : 208، ح 285.
4) التهذيب 8 : 169، باب لحوق الأولاد بالآباء، ح 14. وليس في سند التهذيب الحكم بن مسكين.
فاستحقها وقد ولدت من المشتري ردّ الجارية عليه وكان له ولدها بقيمته.
3393 - وروى عن زرعة عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إنّ رجلين اختصما إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دابة فزعم كل واحد منهما أنها نتجت على مذوده، وأقام كلّ واحدٍ منهما بينة سواء في العدد، فأقرع بينهما
أو تمامها إذا أحلّ صاحبها لهم ووطؤها بالشبهة وإلا فالزنا لا يلحق به النسب (فاستحقها) أي أثبت أنها له وهي حقه (وكان له) أي للمشتري (ولدها) للشبهة (بقيمته) يوم ولد حياً كما سيجيء.
ويؤيده ما رواه الكليني في الحسن كالصحيح عن الحلبي ومحمّد بن مسلم والشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا وقع الحر والعبد والمشرك بامرأة في طهر واحد فادعوا الولد أقرع بينهم، فكان الولد للذي يخرج سهمه»(1)وسيجيء أيضاً.
(وروى زرعة عن سماعة) في الموثق كالشيخ (2)، ويدل على أنه إذا تساوى البينات في العدالة أو العدد يقرع بينهما سواء كان في أيديهما أو في يد أحدهما أو
سهمين فعلم السهمين على كلّ واحدٍ منهما بعلامة ثمّ قال: اللهم ربّ السماوات السبع، وربّ الأرضين السبع، وربّ العرش العظيم، عالم الغيب والشهادة الرّحمن الرّحيم أيهما كان صاحب الدابة وهو أولى بها، فأسألك أن تخرج سهمه، فخرج سهم أحدهما فقضى له بها.
في يد ثالث إذا كانت الشهادة على السبب (فعلم) - بالتخفيف - أي وسم (السهمين) أي كتب رقعتين باسمهما، أو كتب الدابتين كل واحد بعلامة تتميز إحداهما عن الأخرى، ولعلّه أظهر. والظاهر أن الدعاء سيما المخصوص على الاستحباب والأحوط أن لا يترك.
ويؤيده ما رواه الشيخ في القوي عن عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول الرجلين : اختصما في دابة إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فزعم كل واحد منهما أنها نتجت عنده على مذوده، وأقام كل واحد منهما البيّنة سواء في العدد، فأقرع بينهما بسهمين فعلم السهمين، كل واحد منهما بعلامة، ثمّ قال: «اللهم رب السماوات السبع، وربّ الأرضين السبع، وربّ العرش العظيم، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، أيهما كان صاحب الدابة وهو أولى بها فأسألك أن تفرّج».
وفي خبر آخر عنه: أن تقرع وتخرج سهمه فخرج سهم أحدهما فقضى لربها.
وكان أيضاً إذا اختصم الخصمان في جارية فزعم أحدهما: أنه اشتراها وزعم الآخر: أنه أنتجها، فكانا إذا أقاما البيئة جميعاً قضى بها للذي أنتجت عنده (1).
1) التهذيب 6 : 236، باب البينتين يتقابلان، ح 13.
3394 - وروى البزنطي، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين شهدا على رجل في أمرٍ وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهد عليه الأولان قال: يقرع بينهم، فأيهم قرع فعليه اليمين، وهو أولى بالقضاء.
وقد تقدم خبر الدابة ويجمع بينهما بأنه إذا لم يكن ترجيح لأحدهما يحكم بالقرعة، كما هو الظاهر.
(وروى البزنطي) أي أحمد بن محمّد بن أبي نصر في الصحيح (عن داود بن سرحان) ورواه الكليني والشيخ في القوي كالصحيح عنه (1)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجلين شهدا على رجل في أمر) كما هو فيهما. وفي بعض النسخ: (في امرأة) ولعله من النساخ، ويدل على القرعة مع تساوي الشهود مطلقاً.
وأما في المرأة فقد رويا في الحسن كالصحيح عن ابن فضال، عن داود بن أبي يزيد العطار، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل كانت له امرأة، فجاء رجل بشهود أنّ هذه المرأة امرأة فلان وجاء آخرون فشهدوا أنها امرأة فلان فاعتدل الشهود (أي في العدد) وعدّلوا؟ قال: «يقرع بين الشهود، فمن خرج سهمه فهو المحق وهو أولى بها»(2)وسيجيء. ويدلّ على الإطلاق أيضاً ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي، قال سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجلين شهدا على أمر وجاء
3395 - وروى حماد بن عثمان، عن عبيد اللّه بن علي الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حر فورث سبعة جميعاً. قال: يقرع بينهم ويعتق الذي خرج سهمه.
آخران فشهدا به على غير ذلك فاختلفوا؟ قال: «يقرع بينهم، فأيهم قرع فعليه اليمين فهو أولى بالحق»(1).
ورويا في القوي عن زرارة، عن أبي جعفر قال: قلت له: رجل شهد له رجلان بأن له عند رجل خمسين درهماً، وجاء آخران فشهدا بأن له عنده مائة درهم كلهم شهدوا في موقف؟ قال: «أقرع بينهم، ثمّ استحلف الذين أصابهم القرع بالله أنهم يحلفون بالحق» (2)،(3)وهو سهو النساخ.
(وروى حماد بن عثمان) في الصحيح كالشيخ (4)(عن عبيد اللّه بن علي الحلبي قال : أول مملوك أملكه فهو حر) يحمل على أنه نذر أو حلف أو على الاستحباب؛ لما من أنه لا عتق قبل ملك (فورث سبعة جميعاً) بأن كان وارثاً دون غيره أو على السراية (قال: يقرع بينهم) ويحمل على من كان نينه على واحد كما رواه
الشيخ قوياً عن الحسن الصيقل، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر فأصاب ستة؟ قال: «إنّما كان نينه على واحد فليختر أيهم شاء فليعتقه» (1)وعلى هذا يكون الأمر بالقرعة على الاستحباب، وكذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبان، عن عبد اللّه بن سليمان قال: سألته عن رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر فلم يلبث أن ملك ستة أيّهم يعتق؟ قال: «يقرع بينهم ثمّ يعتق واحداً» وسألته عن رجل يزوّج وليدته رجلاً، وقال: أول ولد تلدينه فهو حر. فتوفي الرجل وتزوجها آخر فولدت له أولاداً؟ فقال: «أما من الأول فهو حر، وأما من الآخر فإن شاء استرقهم» (2). وفي الصحيح عن حماد بن عيسى، عن سيابة وإبراهيم بن عمر - الثقة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل قال : أول مملوك أملكه فهو حر. فورث ثلاثة؟ قال: «يقرع بينهم، فمن أصابته القرعة أعتق» قال: «والقرعة سنة» (3)(أي طريقة) جرت من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو في هذا المقام.
ويدل على أنه إذا لم ينو واحداً يعتق الجميع، ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي رفعه قال: قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل نكح وليدة رجل أعتق ربها أول ولد تلده فولدت توأماً؟ فقال: «أعتق كلاهما» (4)ويمكن حمله على الاستحباب إلا أن يكون مراده أول بطن.
3396 - وروى حريز عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل يكون له المملوكون فيوصي بعتق ثلثهم قال: كان عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسهم بينهم.
3397 - وروى عن موسى بن القاسم البجلي، وعلي بن الحكم، عن عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّه قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدّتهم سواء وعدالتهم سواء أقرع بينهما
(وروى حريز) في الصحيح كالشيخ (1)(عن محمّد بن مسلم - إلى قوله - يسهم بينهم) أي يقرع على ثلثهم بالقيمة، وسيجيء كيفيتها. ويؤيده ما روياه في القوي عن محمّد بن مروان عن الشيخ - يعني أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لتصريحه به في خبر آخر - قال: «إنّ أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) مات وترك ستين مملوكاً، وأوصى بعتق ثلثهم، فأقرعت بينهم فأعتقت الثلث» (2).
(وروى موسى بن القاسم) في الصحيح (وعلي بن الحكم) في الصحيح والكليني في القوي عن أبان (3)(عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) ويدل
على أيهما تصير اليمين وكان يقول: اللهمّ ربّ السماوات السبع، وربّ الأرضين السبع من كان الحق له فأدّه إليه، ثمّ يجعل الحق للذي تصير اليمين عليه إذا حلف.
3398 - وروى الحسن بن محبوب، عن جميل، عن فضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن مولودِ ليس له ما للرجال، وليس له ما للنساء قال: هذا يقرع عليه الإمام، يكتب على سهم عبد الله، وعلى سهم آخر أمة الله، ثمّ يقول الإمام أو المقرع: اللهم أنت اللّه لا إله إلا أنت، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، بين لنا أمر هذا المولود.
على العموم (على أيهما يصير اليمين) أي كان القرعة تبين من عليه اليمين أو لتبين (إذا حلف) أي القرعة تبين الحالف فما لم يحلف لم يأخذ.
(وروى الحسن بن محبوب، عن جميل) بن صالح في الصحيح كالشيخ، والكليني والشيخ في الصحيح عن علي بن رئاب (عن فضيل بن يسار (1)- إلى قوله - ما للنساء) بأن كان له ثقبة يخرج البول منه، أو لم تكن له شيء، بل كان له دبر فقط (قال: يقرع عليه الإمام) مع الإمكان بقرينة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ثم يقول الإمام أو المقرع)
1) الكافي 7 : 158، باب آخر منه، ح 2. التهذيب 6 : 239، باب البينتين يتقابلان، ح 19. و 9 : 356، باب ميراث الخنثی، ح 7.
حتى يورّث ما فرضت له في كتابك، ثمّ يطرح السهمين في سهام مبهمة، ثمّ تجال فأيهما خرج ورّث عليه.
أي الحاكم أو الأعم (حتى نورث له ما فرضت) كما هو فيهما (ثم يطرح السهمين في سهام مبهمة) والأولى أن تكون أربعة لتصير سنة كما تقدم (ثم تجال) أي تدار بالتشويش بحصول الإبهام، أو يخرج واحد واحد حتى يخرج الذكر أولاً أو الأنثى.
ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد اللّه بن مسكان، عن إسحاق الفزاري - وفي التهذيب المرادي وهما مجهولان ولايضر - والشيخ في الموثق كالصحيح عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1)قال: سئل وأنا عنده عن مولود ولد وليس بذكر ولا أنثى وليس له إلا دبر كيف يورث؟ قال: «يجلس الإمام ويجلس معه ناس(2)من المسلمين فيدعو (أو (فيدعون اللّه ويجيل السهام عليه على أي ميراث، يورثه ميراث الذكر أو ميراث الأنثى، فأيُّ ذلك خرج ورَّثه عليه، ثمّ قال: وأيُّ قضيّةٍ أعدل من قضيّة يجال عليه بالسهام إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ)» (3).
وفي الصحيح عن ابن فضال والحجال عن ثعلبة بن ميمون، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سئل عن مولود ليس بذكر ولا أُنثى، ليس له إلا دبر، كيف يورث؟ ثمّ ذكر مثل ما تقدم، ثمّ قال: «وما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في
3399 - وروى عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: بعث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اليمن. فقال له حين قدم حدّثني بأعجب ما ورد عليك قال: يا رسول الله، أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطئوها جميعاً في طهر واحد فولدت غلاماً فاختلفوا فيه كلّهم يدعي فيه، فأسهمت بينهم ثلاثة فجعلته للذي خرج سهمه، وضمنته نصيبهم.
كتاب الله، ولكن لا تبلغه عقول الرجال» (1). فأما ما رواه الشيخ في الموثق كالصحيح عن عبد اللّه بن بكير، عن بعض أصحابنا عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) في مولود ليس له ما للرجال ولا ما للنساء إلا ثقب يخرج منه البول على أي ميراث يورث؟ قال: «إن كان إذا بال يتنحى بوله (أي إلى ناحية واحدة) ورّث ميراث الذكر، وإن كان لا يتنحى بوله ورّث ميراث الأنثى» (2)فيمكن حمله على التخيير بينه وبين القرعة، أو يحمل أخبار القرعة على ما لم يكن له ثقب. وأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد عمّن ذكره عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال : «القرعة لا تكون إلا للإمام» (3)فمحمول على الإمكان.
(وروی عاصم بن حميد) في الصحيح كالشيخ (4). لكنه قال: عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ). (عن أبي بصير - إلى قوله - فأسهمت بينهم) كما في التهذيب - وفي بعض النسخ فأسمهت ثلاثة - والظاهر أنه من النساخ (وضمنته) أي من قرع (نصيبهم) أي نصيب باقي الشركاء من قيمة الولد يوم ولد حيّاً، ونصيب الأم؛
فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ليس من قوم تقارعوا وفوضوا أمرهم إلى اللّه إلا خرج سهم المحق.
لصيرورتها أم ولد، وسيجيء في موضعها وكذا أكثر ما ذكر هنا لبيان أصل القرعة. وسيجيء غير ذلك ممّا فيه القرعة في مواقعه.
(فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) تقريراً لفعل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ). وروى الشيخ في الصحيح عن جميل قال: قال الطيار لزرارة: ما تقول في المساهمة أليس حقاً؟ فقال زرارة: بل هي حق. وقال الطيار أليس قد رووا - أو ورد - أنه يخرج سهم المحق؟ قال: بلى، قال: فتعال حتى أدعي أنا وأنت شيئاً، ثمّ نساهم عليه وننظر هكذا هو ؟ فقال له زرارة: إنما جاء الحديث بأنه ليس من قوم فوضوا أمرهم إلى اللّه تعالى ثمّ اقترعوا إلا خرج سهم المحق، فأما على التجارب فلم يوضع على التجارب.
فقال الطيار : أرأيت إن كانا جميعاً مدعيين ادعيا ما ليس لهما من أين يخرج سهم أحدهما ؟ فقال له زرارة إذا كان ذلك جعل معه سهم مبيح، فإن كانا ادعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح (1).
والجواب الحق: أنهما إذا كانا مبطلين لا يحصل التفويض، ولا يكون إلا من المحق أو الشاك بعد تيقن الحق في أحدهما.
1) التهذيب 6 : 238، باب البينتين يتقابلان، ح 15.
3400 - روى سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل تكفّل بنفس رجل أن يحبس وقال له: اطلب صاحبك.
باب الكفالة
بالفتح - هي التعهد بالنفس.
(روى سعد بن طريف) في الموثق (عن الأصبغ بن نباتة) ورواه الشيخ في الموثق كالصحيح عن عمار بن مروان. وكذا الكليني عن عمار (1). والظاهر أنه ابن مروان الثقة. ويحتمل أن يكون ابن موسى الموثق ورواه الشيخ أيضاً في الموثق كالصحيح عن إسحاق بن عمار، وهما عن جعفر، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن علياً (صلوات اللّه عليه) أتي برجل كفل برجل بعينه فأخذ بالمكفول فقال: «احبسوه حتى يأتي بصاحبه»(2).
واعلم أنه لا يدلّ هذه الأخبار على أداء ما عليه، كما ذكره الأصحاب إلا أن
وقضى (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه لا كفالة في حد.
3401 - وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي العباس الفضل بن عبد الملك: ما منعك من الحج؟ قال: كفالة تكفّلت بها قال: ما لك وللكفالات أما علمت
يقال: الكفيل إذا تحقق حبسه فلا علاج له من الحبس إلا بأداء ما على المكفول. وإلا لزم تكليف ما لا يطاق في غالب الأوقات.
(وقضى (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه لا كفالة في حد) الظاهر أنه تتمة الخبر. وعدم الكفالة؛ لأنه إن كان المكفول غائباً فلأن مبنى الحدود على التخفيف وإن كان حاضراً فلا يجوز التأخير بقوله تعالى: (ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) (1).
ورويا في القوي كالصحيح عن عبيد اللّه بن علي الحلبي قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعمر بن الخطابک ثلاث إن حفظتهنّ وعملت بهن كفتك ما سواهن وإن تركتهنّ لم ينفعك شيءٌ سواهن» قال: وما هن يا أبا الحسن؟ قال: «إقامة الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب اللّه في الرضا والسخط، والقسم بالعدل بین الأحمر والأسود (أي العجم والعرب)» فقال له عمر: لعمري لقد أوجزت وأبلغت،(2)وسيجيء الأخبار في ذلك.
(وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الشيخ في الصحيح عن أبي الحسن الخزاز (3)
أن الكفالة هي التي أهلكت القرون الأولى.
3402 - وروي عن الحسين بن خالد قال: قلت لأبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ):
(وكأنه أحمد بن النضر الثقة) ويحتمل غيره ويمكن أن يكون الأخذ من كتاب الفضل فيكون صحيحاً. وروى الكليني في الصحيح عن حفص بن البختري قال: أبطأت عن الحج فقال لي أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما أبطأ بك عن الحج ؟» فقلت: جعلت فداك، تكفلت برجل فحقرني(1)(من التحقير أي قال لي: يا ضعيف) أو بالفاء والزاي أي دفعني، فقال: «ما لك والكفالات (2). أما علمت أنها أهلكت القرون الأولى» ثمّ قال: «إنّ قوماً أذنبوا ذنوباً كثيرة فأشفقوا منها وخافوا خوفاً شديداً، فجاء آخرون فقالوا: ذنوبكم علينا. فأنزل اللّه عزّوجل عليهم العذاب ثمّ قال تبارك وتعالى: خافوني واجترأتم عليّ» (3). والظاهر أنهما كفلا رجلاً من العامّة، أو مع عدم قدرتهما على أداء ما على المكفول، وإلا فهي من أعظم قضاء حوائج المؤمن وبسببه يسر المؤمن. وأما كفالة الذنوب فالعذاب بها للجرأة لا أنها تكفل لقوله تعالى: ﴿ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (4)، والمناسبة بين كفالة المال والذنوب باعتبار الجرأة مع عدم القدرة.
(وروي عن الحسين بن خالد) أو الحسن كما في بعض النسخ، ولم يذكر
جعلت فداك قول الناس: الضامن غارم فقال: ليس على الضامن غرم، إنما الغرم على من أكل المال.
3403 - وروى داود بن الحصين، عن أبي العباس، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)
طريقه إليهما، لكن الكليني رواه عنه في القوي والشيخ في الصحيح.
والحسين حسن، والحسن ثقة (1)(إنّما الغرم على من أكل المال) أي إذا ضمن بإذن المضمون عنه فالضمان بالأخرة عليه وإلا فلا شك في أن الضامن يغرم، ويدلّ عليه أخبار كثيرة ستجيء.
(وروي عن داود بن الحصين) في القوي والشيخ في الصحيح عنه، والكليني(2)في الموثق كالشيخ عن أبان (عن أبي العباس) لكن الخبر عن أبان، عن أبي العباس قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل كفل لرجل بنفس رجل؟ وقال: «إن جئت به، وإلا عليك (3)خمسمائة درهم» قال: «عليه نفسه ولا شيء عليه من الدراهم، فإن قال: علي خمسمائة درهم إن لم أدفعه إليه فقال: يلزمه الدراهم إن لم يدفعه إليه».
ويمكن أن يكون سمعه مرّتين أو نقله بالمعنى، وعلى أي حال عمل به أكثر الأصحاب مع مخالفته للأصول بوجوه الأوّل من حيث التقديم والتأخير مع أنّ الكلام لا يتم إلا بآخره، ووجّه بأنه من باب عليّ ألف درهم من ثمن مبيع لم أقبضه،
قال: سألته عن الرّجل يتكفل بنفس الرجل إلى أجل فإن لم يأت به فعليه كذا وكذا درهماً قال: إن جاء به إلى الأجل فليس عليه ما مال وهو كفيل بنفسه أبداً إلا أن يبدأ بالدراهم، فإن بدأ بالدراهم فهو لها ضامن إن لم يأت به إلى الأجل الذي أجله.
3404 - وسأل داود بن سرحان أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الكفيل والرهن في بيع النسيئة. قال: لا بأس.
سيما في خبر أبان والثاني من حيث عدم لزوم المال في الكفيل، ووجه بأنه لا يفهم منه أن المكفول مشغول الذمة بكذا وكذا أو بخمسمائة درهم. ويمكن أن يكون من قبيل الرهان الفاسد، بل هو الظاهر منهما والثالث من جهة أن الظاهر من الخبرين أنّ الضمان ضمّ ذمّة إلى ذمّة، كما هو مذهب العامّة وليس بناقل، كما هو عند الخاصة؛ لقوله: (إن لم يأته).
ويمكن التوجيه بأن يكون المال الذي على المضمون مؤجّلاً فبالضمان ينقل مؤجلاً.
(وسأل داود بن سرحان) في الصحيح كالشيخ (1)(أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) - إلى قوله - لا بأس به) وروى الكليني في الصحيح عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته
1) التهذيب 6 : 210 باب الكفالات والضمانات، ح 8.
3405 - وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): الكفالة خسارة غرامة ندامة.
عن الرهن والكفيل في بيع النسيئة؟ قال: «لا بأس به»(1)ولا يتوهم أنه لا يجب عليه أن يعطيه في الحال ولا يجوز للبائع أن يسأل منه في الحال؛ لأنّ الذمة مشتغلة به ويكفي اشتغال الذمة للاستيثاق بهما.
(وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن داود الرقي قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مكتوب في التوراة: كفالة ندامة غرامة»(2)، أي الكفالة مستلزم للندامة والغرامة إن لم يحضر الكفيل المكفول.
ويدلّ على المشهور من الغرامة، ويمكن أن يكون المراد أنهم يغرمون وإن لم يلزم كما في الندامة.
وروى الشيخ في القوي عن عطاء عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: جعلت فداك إن علي ديناً إذا ذكرته فسد علي ما أنا فيه؟ فقال: «سبحان الله، وما بلغك أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يقول في خطبته: من ترك ضياعاً فعلي ضياعه (أي تداركه) ومن ترك ديناً فعلي دينه.
ومن ترك مالاً فأَكِلُهُ (أي إلى الورثة) - وفي الكافي: فللورثة - فكفالة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ميتاً ككفالته حيّاً، وكفالته حيّاً ككفالته ميتاً فقال الرجل نفست عني جعلني اللّه فداك (3).
3406 - روى غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) في رجلين بينهما مال منه بأيديهما ومنه غائب عنهما فاقتسما الذي بأيديهما، وأحال كلّ واحدٍ منهما بنصيبه، فقبض أحدهما ولم يقبض الآخر فقال: ما قبض أحدهما فهو بينهما وما ذهب فهو بينهما.
3407 - وروي أنه احتضر عبد اللّه بن الحسن فاجتمع إليه غرماؤه
باب الحوالة
(روى غياث بن إبراهيم) في الموثق كالصحيح كالشيخ(1). وتقدم ما في معناه في صحيحة سليمان بن خالد في باب الصلح وكان ذكره هناك أولى. وذكر هذا الخبر هنا باعتبار لفظ الحوالة؛ لأن الظاهر أن الحوالة في الدين إذا اقتسم؛ لأنّ لكل منهما حقاً في الدين الذي يأخذه الآخر، فكان كل واحد منهما يحيل الآخر بحقه عليه، ومع هذا لا يصح؛ لإمكان عدم وصول أحدهما ويضيع حق الآخر فلا يجوز قسمة ما في الذمم سواء قسم بلفظ الحوالة أو بغيره.
(وروي أنه احتضر) رواه الكليني والشيخ في القوي عن عيسى بن عبد اللّه الهاشمي (2)قال : احتضر (أي صار) بحال الاحتضار في ظنّهم؛ لأنّ الظاهر أنه الذي قتله الدوانيقي في زمان أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (عبد اللّه بن الحسن) المثنى بن الحسن بن
فطالبوه بدين لهم. فقال لهم: ما عندي ما أعطيكم، ولكن ارضوا بمن شئتم من أخي وبني عمي علي بن الحسين أو عبد اللّه بن جعفر فقال: الغرماء أمّا عبد اللّه بن جعفر فملي مطول، وأمّا عليّ بن الحسين فرجل لا مال له صدوق وهو أحبّهما إلينا، فأرسل إليه فأخبره الخبر فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أضمن لكم المال إلى غلّةٍ ولم يكن له غلّةٌ. فقال: القوم قد رضينا فضمنه، فلما أتت الغلة أتاح اللّه عز وجل له المال فأدّاه.
3408 - وسأل أبو أيوب أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرّجل يحيل الرجل بالمال أيرجع عليه؟ قال: لا يرجع عليه أبداً إلا أن يكون قد أفلس قبل ذلك.
علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (أو عبد اللّه بن جعفر) الطيار (أضمن لكم إلى غلة) أي وقت الحاصل، الظاهر أنه وعد منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الا ضمان حقيقي؛ لأن المشهور اشتراط ضبط الأجل فيه كما سيجيء.
(أتاح الله) أي قدر الله، وهذا من باب الضمان لا من باب الحوالة إلا أن يكون مراده من الحوالة أعم من أن يكون ذمة المحال عليه مشغولة بمثل المال، أو لم يكن أو الأعم من الضمان. ويؤيّده عدم ذكر باب الضمان فالظاهر إدخاله في هذا الباب والباب المتقدم. وسيجيء بعض الأخبار منه في باب الدين أيضاً.
(وسأل أبو أيوب) في الصحيح. وقد تقدم في باب الحجر. ويؤيده ما رواه الشيخ والكليني في الموثق عن منصور بن حازم :قال سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يحيل على الرجل أيرجع عليه؟ قال: «لا يرجع عليه أبداً إلا أن يكون قد أفلس قبل ذلك» (1). ويحمل على ما لو لم يعلم بإفلاسه أولاً.
1) الكافي 5 : 104، باب الكفالة والحوالة، ح 4. التهذيب 6 : 212، باب الحوالات، ح 3.
3409 - وروى البزنطي، عن داود بن سرحان قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل كانت له عند رجل دنانير فأحال له على رجل آخر بدنانيره فيأخذ بها دراهم أيجوز ذلك؟ قال: نعم.
(وروى البزنطي) في الصحيح كالشيخ عن داود بن سرحان(1). ذكره في باب الصرف أولى وسيجيء الأخبار الصحيحة في الأخبار الصحيحة في ذلك، وهذا من قبيل تبديل عين بعين أخرى، وليس من باب البيع حتى يشترط فيه التقابض في المجلس كما توهمه السائل.
وروى الكليني في الحسن كالصحيح وفي القوي أيضاً عن زرارة عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في الرجل يحيل الرجل بمال كان له على رجل آخر فيقول له الذي احتال برئت ممّا لي عليك؟ فقال: «إذا أبرأه فليس له أن يرجع عليه، وإن لم يبرئه فله أن يرجع على الذي أحاله» (2)ويحمل على عدم الرجوع لو ظهر إفلاسه لا مطلقاً. ور. وروى الكليني في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء؟ فقال: «إذا رضي الغرماء فقد برئت ذمة الميت»(3).
وروى الشيخ في الموثق كالصحيح وفي الصحيح أيضاً - على الظاهر - عن عمر
ابن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل ضمن ضماناً ثمّ صالح على بعض ما صالح عليه - أو ثمّ صالح عليه - كما في الخبر الصحيح، فقال: «ليس له إلا الذي صالح عليه» (1)وفي القوي كالصحيح عن ابن بكير مثله(2)، وعمل به الأصحاب كما في شراء الدين (3). ولا ينافيه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يجيئني فأشتري له المتاع من الناس وأضمن عنه، ثمّ يجيئني بالدراهم فآخذها فأحبسها عن صاحبها وآخذ الدراهم الجياد فأعطي دونها؟ قال: «إذا كان يضمن فربّما شدّد عليه يعجل قبل أن يأخذ. ويحبس بعد ما يأخذ قال لا بأس به» (4)لأنه لم يذكر ردّ التفاوت ولا يعد في الزومها، مع أنّ هذا التفاوت ليس بزيادة حتى يجب عليه ردّه، بل لا يمكن ردّه للربا.
وأما شراء الدين فقد روى الكليني والشيخ في القوي كالصحيح عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل كان له على رجل دين فجاءه رجل فاشتراه منه بعرض (أي متاع) ثمّ انطلق إلى الذي عليه الدين فقال له: أعطني ما لفلان عليك فإني قد اشتريته منه، كيف يكون القضاء في ذلك ؟ فقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «يردّ عليه الرجل الذي عليه الدين ماله الذي اشتراه به من الرجل الذي له الدين» (5).
1) التهذيب 6 : 206، باب الصلح بين الناس ح 4. و 210، باب الكفالات والضمانات، ح 7.
2) التهذيب 6 : 210، باب الكفالات والضمانات، ح 6.
3) انظر: السرائر 2 : 71، مختلف الشيعة 6 : 214. كفاية الأحكام 1 : 594.
4) التهذيب 6: 203، باب القرض وأحكامه، ح 14.
5) الكافي 5 : 100، باب بيع الدين بالدين، ح 2. التهذيب 6 : 189، باب الديون وأحكامها ح 26.
3410 - روى غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله، عن آبائه
وفي القوي كالصحيح عن محمّد بن الفضيل :قال قلت للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل اشترى ديناً على رجل، ثمّ ذهب إلى صاحب الدين فقال له: ادفع إليَّ ما لفلان عليك فقد اشتريته منه ؟ قال : «يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين وبرىء الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه» (1).
باب الحكم في سيل وادي مهزور
بتقديم الزاي على الراء هو وادي بني قريظة بالحجاز، وأمّا بتقديم الراء على الزاي فموضع سوق المدينة تصدق به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)على المسلمين، كما في النهاية وفي القاموس واد (2).
(روى غياث بن إبراهيم) في الموثق كالصحيح كالكليني والشيخ(3). وأيضاً في
1) الكافي 5 : 100، باب بيع الدين بالدين، ح 3. التهذيب 6 : 191، باب الديون وأحكامها، ح 35. وفي موضع آخر من التهذيب 6 : 189، ح 26. هكذا: محمّد بن الفضيل عن أبي حمزة قال: سئل أبو جعفر اللّه عن رجل كان له على رجل دين فجاءه رجل فاشترى منه بعرض ثمّ انطلق إلى الذي عليه الدين فقال له: أعطني ما لفلان عليك فإني قد اشتريته منه فكيف يكون القضاء في ذلك ؟ فقال له أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): يردّ عليه الرجل الذي عليه الدين ماله الذي اشتراه من الرجل الذي له عليه الدين.
2) النهاية لابن الأثير 5 : 262، القاموس المحيط 2 : 161.
3) الكافي 5 : 278، باب بيع الماء ومنع فضول الماء، ح 3. التهذيب 7 : 140، باب بيع الماء ح 4.
عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سيل وادي مهزور أن يحبس الأعلى على الأسفل الماء للزرع إلى الشراك، وللنخل إلى الكعب ثمّ يرسل الماء إلى الأسفل من ذلك.
3411 - وفي خبر آخر للزرع إلى الشراكين وللنخل إلى الساقين.
الموثق كالصحيح عن غياث بن إبراهيم مثله (1)، لكن للنخل إلى الكعبين وللزرع إلى الشراكين وفي القوي كالموثق عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سيل وادي مهزور للنخل إلى الكعبين ولأهل الزرع إلى الشراكين»(2).
وفي القوي كالصحيح عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في شرب النخل بالسيل أنّ الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك». وفي التهذيب: «وينزل من الماء إلى الكعبين، ثمّ يسرح الماء إلى الأسفل الذي يليه كذلك حتى ينقضي الحوائط ويفنى الماء» (3)والظاهر أن الحكم لا يختص بوادي مهزور، بل هو عام في كل ماء مباح، كما روي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أن الناس في الماء شركاء» (4)، وسيجيء ويشعر به الخبر الأخير أيضاً. والمراد بالأعلى المتقدم؛
1) الكافي 5 : 278، باب بيع الماء ومنع فضول الماء، ح 4. التهذيب 7 : 140، باب الديون وأحكامها، ح 5.
2) الكافي 5 : 278، باب بيع الماء ومنع فضول الماء، ح 5.
3) الكافي 5 : 278 باب بيع الماء ومنع فضول الماء، ح 6. التهذيب 7 : 140، باب بيع الماء، ح 6.
4) سنن أبي داود 2 : 140، ولفظ الحديث :هكذا عن رجل من المهاجرين من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال غزوت مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثلاثاً أسمعه يقول: المسلمون شركاء في ثلاث في الكلاء والماء والنار انتهى، وفي التهذيب 7 : 146، باب بيع الماء والمنع منه، ح 33، عن محمّد بن سنان عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن ماء الوادي فقال: إن المسلمين شركاء في الماء والنار والكلاء.
وهذا على حسب قوة الوادي وضعفه.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه) : سمعت من أثق به من أهل المدينة أنه وادي مهزور. ومسموعي من شيخنا محمّد بن الحسن (رضیَ اللّهُ عنهُ) أنه قال: وادي
لسبق حقه ولو كان أسفل، أو يخص بما لم يسبق حق الأسفل من إخراج النهر منه سابقاً على الأعلى، والمراد بالشراك معقده وهو في الغالب على العظم الثاني على ظهر القدم. فالظاهر أنّ المراد بالكعب العظم الذي بين الساق والقدم الذي يلعب به الصبيان، كما ذهب إليه العلامة - في المسح - إليه(1)، وحينئذ لا منافاة بین هذه الأخبار وخبر الساقين، بل الظاهر منه توضيح الكعب.
(وهذا على حسب قوة الوادي وضعفه) جمع بين الأخبار، ولو قلنا بالمنافاة لكان الجمع بحسب الاختلاف من الأرضين بالاحتياج إلى الماء أولى، بل الظاهر أنّ المدار على الاحتياج إلى الماء أولى، بل الظاهر أنّ المدار على الاحتياج إليه عرفاً وحكمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) به كان بناء على الاحتياج إلى هذا المقدار في تلك الأرض وإن كان الأحوط عدم الخروج من النص.
(ومسموعي) الظاهر أنّ الغلط نشأ من إثبات اللغة بالقياس مع اختلاف اللغتين وفيهما إلى أسفل من ذلك فاللام من النساخ وإن أمكن دخولها على الجملة بعد (من).
1) انظر: تذكرة الفقهاء 1 : 170.
مهروز - بتقديم الرّاء غير المعجمة على الزاء المعجمة - وذكر أنها كلمة فارسيّة، وهو من هرز الماء، والماء الهرز بالفارسية: الزائد على المقدار الذي يحتاج إليه.
3412 - سأل منصور بن حازم أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حظيرة بين دارين فذكر أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قضى بها لصاحب الدار الذي من قبله القماط.
3413 - وروى عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن
باب الحكم في الحظيرة
أي الحاجز (بين دارين) من القصب أو الأعم إذا كانت على السطح.
(سأل منصور بن حازم) في الحسن كالصحيح كالكليني(1). ورويا في الصحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن خُص بين دارين فزعم (أي قال : «إنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قضى به لصاحب الدار الذي من قبله وجه القماط»(2).
(وروى عمرو بن شمر) في القوي وإن عدّ ضعيفاً؛ لأن الظاهر أنه من كتاب جابر.
جده، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنه قضى في رجلين اختصما إليه في خص فقال: إنّ الخص للذي إليه القمط.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه): الخصّ الطنّ الذي يكون في السواد بين الدور والقمط هو شد الحبل، يعني أن يكون الخصّ هو الذي إليه شد
(الخص الطن) وهو الحزمة من القصب، وفي النهاية (1)والقاموس(2): الخص: بيت يعمل من الخشب والقصب، والمراد هنا جداره الفاصل بين البيتين، وفي النهاية في حديث شريح اختصم إليه رجلان في خص فقضى بالخص للذي يليه القمط - هي جمع قماط - :وهي الشروط التي يشد بها الخص ويوثق من ليف أو خوص أو غيرهما (3)، ومعاقد القمط تلي صاحب الخص. والخص: البيت الذي يعمل من القصب، هكذا قال الهروي (4)بالضم.
وقال الجوهري(5)والفيروزآبادي(6): القمط - بالكسر - : كأنه عندهما واحد، وقريب منه ما قاله الزمخشري في الفائق (7).
وقال العلّامة في التذكرة : معاقد القمط تكون في الجدران المتخذة من القصب وشبهه، وأغلب ما يكون ذلك في السور بين السطوح فيشد بحبال أو بخيوط، وربما
الحبل، وقد قيل: إنّ القماط هو الحجر الذي يغلق منه على الباب.
3414 - روى جميل بن دراج، عن زرارة، عن أبي جعفر في قوله عزّوجلّ: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ)
جعل عليها خشبة معترضة ويكون العقد من جانب والوجه المستوي من جانب، ووجه الترجيح مع الرواية أنّ الظاهر أنّ من كانت إليه المعاقد قد وقف في ملكه وعقد (1).
(وقد قيل - إلى قوله - الباب) فيكون مانعاً من الانفتاح، وهذا أيضاً قرينة على أنّ الجدار للذي عليه بابه؛ لأن الانفتاح من داخل يكون غالباً لصاحب الباب، وملكية الباب قرينة ملكيّة الجدار، والذي في التذكرة من جعل الخشبة معترضة عليه قرينة أيضاً، كما ذكر والظاهر أنّ القماط معاقده وهو الشائع الآن من جعل الوجه المستوي إلى الخارج.
باب الحكم في نفش الغنم
أي رعيها (في الحرث روى جميل بن دراج) في الصحيح (عن زرارة - إلى قوله. (وسُلَيْمَانَ) أي اذكرهما إ(ِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ) أي الزرع، وقيل: الكرم (إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ) أي رعيت ليلاً، وقيل: بالأعم (غَنَمُ الْقَوْمِ) (2)ذكر أكثر المفسرين: أنه
قال: لم يحكما إنما كانا يتناظران (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)
دخل رجلان على داود (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إنّ غنم هذا دخلت حرثي وما أبقت منه شيئاً، فقال داود: «اذهب فإنّ الغنم لك». فخرجا فمرًا على سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: «كيف قضى بينكما فأخبراه» فقال: «لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا الحكم» فأخبر بذلك داود فدعاه فقال: «كيف كنت تقضي بينهما؟ فقال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له منافعها من الدر والرسل (أي اللبن والنسل والوبر) حتى إذا كان حرثه من العام المستقبل كهيأته يوم أكل دفعت الغنم إلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه وذهب» (1)وقيل: إن الغنم دخلت ليلاً على كرم فأفسده. هذا ما قاله أكثر المفسرين (2).
لكن ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه لم يقع في الحكم بقوله: (قال : لم يحكما إنما كانا يتناظران) أي كان على وجه المناظرة، وفي بعض النسخ ينتظران، أي الوحي، كما سيجيء.
(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) على سبيل الوحي والإلقاء في القلب، وفي بعض النسخ: (ففهمها سليمان) بأن يكون تفسير القرآن من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أي القضية، أي الفتوى أو المسألة.
وبما ذكره يندفع الشبهة التي أوردها العامّة في جواز الاجتهاد على الأنبياء،
3415 - وروى الوشّاء، عن أحمد بن عمر الحلبي قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ) قال: كان حكم داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقاب الغنم والذي فهم اللّه عزّوجل سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن حكم لصاحب الحرث باللبن والصوف ذلك العام كله.
ولو قلنا بما ذكروا من التفسير لقلنا إنّ ما أفتاه سليمان كان ناسخاً لما حكم به داود وكانا من اللّه تعالى، ويؤيده قوله تعالى بعده: (وكُلّاً آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا) (1)والاجتهاد لا يفيد إلا الظن ولا يجوز العمل به مع القدرة على العلم بالإجماع، ولهذا كان يتوقف رسولنا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الوقائع إلى أن ينزل الوحي من اللّه تعالى، ولو كان يجوز له الاجتهاد لما كان يتوقف ولم يكن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أقل من المجتهدين.
(وروى الوشاء) الحسن بن علي في الصحيح (قال: كان حكم داود (عَلَيهِ السَّلَامُ)) أي ما أراد أن يحكم أو ما حكم به في الظاهر على سبيل الامتحان؛ لئلا ينافي ما سبق.
روى الكليني في القوي عن معاوية بن عمران عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن الإمامة عهد من اللّه عزّوجل معهود لرجال مسمّين، ليس للإمام أن يزويها عن الذي يكون من بعده. إنّ اللّه تبارك وتعالى أوحى إلى داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن اتخذ وصيّاً من أهلك؛ فإنّه قد سبق في علمي أن لا أبعث نبياً إلا وله وصيّ من أهله، وكان لداود أولاد عدة، وفيهم غلام كانت أمه عند داود وكان لها محبّاً، فدخل داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليها حين أتاه الوحي، فقال لها: إنّ اللّه عزّ وجل أوحى إليّ يأمرني أن أتخذ وصيّاً من أهلي، فقالت له امرأته فليكن ابني قال : ذاك أريد وكان السابق في علم اللّه المحتوم عنده أنه
1) الأنبياء : 79.
سليمان، فأوحى اللّه تبارك وتعالى إلى داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن لا تجعل دون أن يأتيك أمري.
فلم يلبث داود أن ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم والكرم، فأوحى اللّه عزّوجل إلى داود أن اجمع ولدك فمن قضى بهذه القضية فأصاب فهو وصيك من بعدك. قال: فجمع داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولده، فلما أن قص الخصمان قال سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ): یا صاحب الكرم متى دخلت غنم هذا الرجل كرمك ؟ قال: دخلته ليلاً، قال: قد قضيت عليك يا صاحب الغنم بأولاد غنمك وأصوافها في عامك هذا.
ثم قال له داود (عَلَيهِ السَّلَامُ): فكيف لم تقض برقاب الغنم وقد قوّم ذلك علماء بني إسرائيل، فكان ثمن الكرم قيمة الغنم أي في حكمهم، فقال سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الكرم لم تجتث (أي لم تهلك من أصله وإنّما أكل حمله وهو عائد في قابل، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى داود: أن القضاء في هذه القضية ما قضى سليمان به، یا داود أردت أمراً وأردنا أمراً غيره، فدخل داود على امرأته فقال أردنا أمراً وأراد اللّه أمراً غيره ولم يكن إلا ما أراد اللّه عزّوجلّ فقد رضينا بأمر اللّه عزّوجلّ وسلمنا. وكذلك الأوصياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) ليس لهم أن يتعدوا بهذا الأمر فيجاوزون صاحبه إلى غيره»(1).
وروى الكليني والشيخ في القوي كالصحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّوجلّ : (ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ؟) (2)
فقال: «لا يكون النفش إلا بالليل إنّ على صاحب الحرث أن يحفظ الحرث بالنهار، وليس على صاحب الحرث حفظها بالنهار، إنّما رعيها وأرزاقها بالنهار، فما أفسدت فليس عليها، وعلى صاحب الماشية حفظ الماشية (1)بالليل عن حرث الناس فما أفسدت بالليل فقد ضمنوا وهو النفش وإن داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكم للذي أصاب زرعه رقاب الغنم وحكم سليمان الرسل والبلة (2)وهو اللبن والصوف في ذلك العام» (3).
وفي الصحيح عن هارون بن حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن البقر والغنم والابل تكون في المرعى فتفسد شيئاً هل عليها ضمان؟ فقال: «إن أفسدت نهاراً فليس عليها ضمان؛ من أجل أن أصحابه يحفظونه، وإن أفسدت ليلاً فإن عليها ضماناً» (4). ويظهر منه أنّ هذا الحكم باقٍ لم ينسخ، ومنافع العام لو كان(5)مواقعاً لما أفسدت والظاهر أنه ضامن لما أفسدته.
ورويا في القوي كالصحيح، عن ابن مسكان عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: قول اللّه عزّوجل : (ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ) (6)قلت: حين حكما في الحرث كانت قضيته واحدة؟ فقال: «إنّه كان أوحى اللّه تعالى
3416 - روى إسماعيل بن مسلم، عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: قضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رجل باع نخلة
إلى النبيين قبل داود إلى أن بعث اللّه داود أي غنم نفشت في الحرث فلصاحب الحرث رقاب الغنم ولا يكون (أي النفش) إلا بالليل، فإنّ على صاحب الزرع أن يحفظ بالنهار، وعلى صاحب الغنم حفظ الغنم بالليل، فحكم داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما حکمت به الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) من قبله، وأوحى اللّه عزّوجل إلى سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ): أي غنم نفشت في زرع فليس لصاحب الزرع إلا ما خرج من بطونها، وكذلك جرت السنة بعد سليمان. وهو قول اللّه عزّوجلّ: (وكُلّاً آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا) (1)فحكم كل واحد منهما بحكم اللّه عز وجل» (2).
باب حكم الحريم
وهو الحق وإن لم يكن على سبيل الملكية، وسمّي به لحرمة التصرف فيه بدون إذن من له الحريم، أو لأنه يحرم منع صاحبه من التصرف فيه على بعض الوجوه كما سيأتي.
(روى إسماعيل بن مسلم) السكوني في القوي مثلهما (3)(في رجل باع نخلة)
واستثنى نخلة قضى له بالمدخل إليها، والمخرج منها، ومدى جرائدها.
3417 - وروى وهب بن وهب، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن
وفيهما: «نخلاً» أي بستاناً منها بأن باع أصولها أو ثمرتها (واستثنى نخلة) واحدة منها لم يبعها (فقضى) أي حكم (له) أي للبائع (بالمدخل إليها والمخرج منها) أي بحق المرور ما دامت النخلة أو ثمرتها؛ لقضاء العادة بذلك وإن لم يذكر حق المرور. فكأنه استثنى مع النخلة حق المرور.
(ومدى جرائدها) أي منتهى طول أغصانها في الهواء أو محاذيه في الأرض؛ لسقوط الثمرة أو هما، وذلك كله من حريم النخلة المستثناة. والظاهر أنّ هذا الحريم ليس بملك لصاحبه فلا يجوز بيعها منفرداً، بل هو حق يجوز الصلح عليه.
ويؤيده ما روياه في القوي كالصحيح عن عقبة بن خالد أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قضى في هوائر النخل أن يكون النخلة والنخلتان للرجل في حائط الآخر فيختلفون في حقوق ذلك، فقضى فيها أنّ لكل نخلة من أولئك من الأرض مبلغ جريدة من جرائدها حين بعدها (1). والهوائر : جمع الهار، أي الساقط والمستثنى من البيع. وفي التهذيب: هزائر، وهو قريب منه. وفي بعض نسخه، هذا وكأنهما تصحيف من النساخ، ويظهر منه الحق في الهواء والأرض معاً.
(وروى وهب بن وهب) الطريق إليه صحيح، وهو وإن كان ضعيفاً لكن لما كان
1) الكافي 5: 295، باب جامع في حريم الحقوق ح 4. التهذيب 7 : 144، باب بيع الماء والمنع منه، ح 26.
علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقول : حريم البئر العادية خمسون ذراعاً إلا أن
خبره مشهوراً ورواه الثقات من غير طريقه اعتمد المصنّف عليه، بل الظاهر من أحوال القدماء أنهم كانوا ينظرون إلى الكتاب فإن كان رواياته موجودة في غير ذلك الكتاب وكان صاحبه ثقة في النقل ولو بملاحظة الكتاب كانوا يعتمدون عليه، لكن الأخبار التي وصلت إلينا مخالفة له.
فمن ذلك ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «حريم البئر العادية أربعون ذراعاً حولها» وفي رواية: «خمسون ذراعاً إلا أن يكون إلى عطن أو الطريق فيكون أقل من ذلك إلى خمسة وعشرين ذراعاً (1)» والظاهر أن التتمة من كلام الكليني، ومراده من الرواية هذه الرواية.
وفي القوي عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ما بين بئر المعطن إلى بئر المعطن أربعون ذراعاً، وما بين بئر الناضح إلى بئر الناضح ستون ذراعاً، وما بين العين إلى العين (يعني القناة) خمسمائة ذراع، والطريق يتشاح عليه أهله فحده سبع أذرع»(2).
وروى الشيخ في الموثق عن البقباق عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: «إذا تشاح قوم
يكون إلى عطنٍ أو إلى طريق فيكون أقل من ذلك إلى خمسة وعشرين ذراعاً.
في طريق، فقال بعضهم: سبع أذرع وقال بعضهم : أربع أذرع، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا بل خمس أذرع» (1)وحمل الاختلاف باختلاف الطرق بحسب المارة، أو في السبع على الاستحباب.
واعلم أنه ذكر الأصحاب أن الحريم إنّما يكون إذا أحدث في الموات(2)، أما إذا كان في العامر فالناس مسلّطون على أموالهم وإن أضر بالجار، لكنه الإضرار المكروه. والمراد بالبئر العادية - بالتشديد - المنسوبة إلى عاد. أما القديمة البائرة إذا أريد حفرها بعد طمها لمرور الأيام، أو البعيدة العمق كأنها فعلهم لمشقة حفرها. أو كقامة عاد وأولاده، فإنّه اشتهر ونقل أنهم كانوا طوالاً، فعلى هذا تحتاج إلى الحريم للنزح كما هو عادة الأعراب، ويحمل اختلاف الروايات أيضاً باختلاف الآبار من جهة العمق فكلّما كان عمقه أكثر كان حريمه بقدره أطول، أو باعتبار الماء والاحتياج، ففي الناضح التي ينزح الماء منها للزرع لزم أن يكون حريمه أكثر؛ لئلا ينقطع ماؤها بسبب المعارض. وكذا بئر المعطن - بكسر الطاء - أو العطن - بفتحها - التي ينزح منها لسقي الإبل كان الاحتياج إلى مائها أقل من الناضح. وكذا للبقر والغنم أو للمارة والقافلة.
وإليه أشار بقوله: (إلى خمسة وعشرين ذراعاً) فلا يكون أقل منها. والظاهر أنه
3418 - وقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : حريم النخلة طول سعفتها.
3419 - وروي أن حريم المسجد أربعون ذراعاً من كل ناحية.
لكل منهما مدخل في الحريم، ولهذا لا يجوز في حريمها الإحياء بحفر البئر وغيره بخلاف العين، ومن ثمّ ذهب جماعة إلى التحديد بالاحتياج، والعمل بالمنصوص أولى، فيحمل خبر الخمسين على الناضح وجوباً والستين استحباباً. أو يحمل على المعطن استحباباً، بأن يكون الأربعون واجباً، أو على ناضح يكون الزرع قليلاً، أو على بئر تكون للقوافل الكثيرة. والأولى مراعاة ذلك في المعمورة؛ لعموم ما رواه الثقتان الكليني والشيخ في الموثق عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إنّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم» (1). أي لا يُضر ولا يَضرّ.
وأما حريم النهر فقد روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه رفعه قال: «حريم النهر حافتاه وما يليها» (2). أي يطرح الطين والممر زائداً عليه، كما هو الظاهر كما عليه معظم الأصحاب، ويؤيده أخبار الضرار.
(وروي أنّ حريم المسجد أربعون ذراعاً من كل ناحية) (3).
الظاهر أن المراد به أن يكون حواليه فضاء للوضوء والطهارة، كما هو المتعارف
وحريم المؤمن في الصيف باع.
وروي عظم الذراع.
3420 - وروى عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل أتى جبلاً فشق منه قناة جرى ماؤها سنةً، ثمّ إنّ رجلاً أتى ذلك الجبل فشق منه قناةٌ أخرى فذهبت قناة الآخر بماء قناة الأوّل، قال: يقايسان بحقائب البئر ليلة
في كثير من البلاد أنه ليس لهم مطهرة إلا في الرحاب. ويحتمل أن يكون المراد عدم إحداث مسجد آخر في هذا المقدار؛ لئلا يعطل الأوّل من المصلين، أو حريمه في التعظيم، بأن لا يكون راكباً فيه، بل إذا كان راكباً مثلاً صار راجلاً. عنده وأمثاله من التعظيم والاحترام.
(وحريم المؤمن في الصيف باع) وهو قدر مدّ اليدين؛ لحرارة الهواء والتأذي منها ومن الرائحة الكريهة كالإبط وغيرها من المؤذيات. هذا إذا لم يصلوا جماعة وإلا فلا حريم، بل يستحب التضام.
(وروي عظم الذراع) يمكن حمله على صلاة الجماعة، أو في الشتاء لو لم يكن الصيف في أول الخبر، كما هو المتعارف في مثل هذا النقل.
(وروى عقبة بن خالد) لم يذكر طريقه إليه. والظاهر أخذه من كتابه أو الكافي (1). ورواه الثقتان في القوي عنه (عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال - إلى قوله - يقايسان)
1) الكافي 5 : 294، باب الضرار، ح 7. إلى قوله: فلتعور.
ليلة، فينظر أيتها أضرت بصاحبتها، فإن كانت الأخيرة أضرت بالأولى فليتعوّر (1)، وقضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك، وقال: إن كانت الأولى أخذت ماء الأخيرة لم يكن لصاحب الأخيرة على الأولى سبيل.
أو يقاسان. وفي التهذيب: عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «يكون بين البئرين إذا كانت أرضاً صلبة خمسمائة ذراع، وإذا كانت أرضاً رخوةً فألف ذراع» قال: «وقضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رجل احتفر قناة وأتى لذلك سنة، ثمّ إنّ رجلاً حفر إلى جانبها قناة، فقضى أن يقاس الماء بجوانب البئر ليلة هذه وليلة هذه، فإن كانت الأخيرة أخذت ماء الأولى عورت الأخيرة، وإن كانت الأولى أخذت ماء الأخيرة لم يكن لصاحب الأخيرة على الأولى - أو الأول - شيء»(2).
وفي الكافي بالإسناد القوي كالشيخ عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل أتى جبلاً فشق فيه قناة فذهب قناة الآخر بماء قناة الأوّل، قال: فقال: «يتقاسمان بحقائب البئر ليلة ليلة، فينظر أيهما أضرت بصاحبتها، فإن رأيت الأخيرة أضرت بالأولى فلتعور» (3). ثمّ ذكر بعين هذا الإسناد عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «يكون بين البئرين إن كانت أرضاً صلبة خمسمائة ذراع، وإن كانت أرضاً رخوةً فألف ذراع» (4)فتأمل فيه والظاهر أنهم أخذوا من كتابه ونقلوا بالمعنى، أو بعضهم به وبعضهم بلفظه وعلى أي حال فنسخة المقايسة أولى
من المقاسمة و الحقائب أولى من الجوانب. ويكون الحاصل أن يلاحظ عمق البئر ويحبس ماؤها في كل ليلة حتى يعلم أيهما أضرت بالأخرى و (الحقيبة) العجيزة والجمع حقائب و (التعوير) - بالمهملة - : التعمية، أي تطم وكأنه بالطم يصير أعمى. وفي النهاية : عورت الركية إذا طممتها وسددت أعينها التي ينبع منها الماء، ومنه حديث عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أمره أن يعور آبار بدر» (1). ويفهم من أول الخبر أن المدار على الضرر ومن آخره التحديد بالمشهور، فيمكن أن يحمل التحديد على الغالب ؛ لأنّ الغالب زوال الضرر بالحدين في الحالتين. أو يحمل عدم الضرر بالتحديد المشهور. كما هو عليه الأكثر، لكن الأخبار التي تدل على أن المدار على الضرر أصح وأكثر.
فمنها ما رواه الكليني في الصحيح عن محمّد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن يحفر قناة أخرى إلى قرية له. كم يكون بينهما في البعد حتى لا يضر بالأخرى في الأرض إذا كانت صلبة أو رخوة؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «على حسب أن لا يضر إحداهما بالأخرى إن شاء الله» قال: وكتبت إليه رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطل هذه الرحى، أله ذلك أم لا؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يتقي اللّه ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضر أخاه المؤمن»(2). وروى الشيخ في الصحيح، عن محمّد بن علي بن محبوب - كالمصنف على ما سيجيء في
3421 - وسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوم كان لهم عيون في أرض قريبة بعضها من بعض فأراد رجل أن يجعل عينه أسفل من موضعها الذي كانت عليه وبعض العيون إذا فعل بها ذلك أضرت ببقيتها وبعضها لا تضرّ من شدة الأرض فقال: ما كان في مكان جليد فلا يضره وما كان في أرض رخوة بطحاء فإنّه يضر.
باب الكلاء قال كتب رجل إلى الفقيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل كانت له رحى إلى آخر ما ذكر في الخبر الأول (1). لكن بتقديم سؤال الرحى عكس الأول، لكن السؤال السؤال والجواب الجواب. فالظاهر أنّ المراد بالرجل السائل محمّد بن الحسين السائل في الخبر الأوّل، وبالفقيه أبو محمّد العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويحتمل غيرهما أيضاً، لكنه بعيد.
وأما الحكم في الرحى فالظاهر حمله على الاستحباب لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يتقي الله» إلى آخره. ولو لم يكن جائزاً لقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا»، كما هو الغالب في الجواب، أو على ثبوت الحق في الماء ولو بالصلح، والاحتياط ظاهر.
(وسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوم) رواه الكليني في القوي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)(أن يجعل ال عينه أسفل) بأن يجعل العين عميقاً، أو في مكان حضيض أو بالمعنى الظاهر، وهو أيضاً كذلك، كما هو المجرب أو الأعم من الكل؛ للتعليل بالإضرار (في مكان شديد)، أي صلب أو جليد بمعناه. والكافي كالأول بزيادة قوله: وإن عرض رجل
3422 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكون: بين البئرين إن كانت أرضاً صلبةً خمسمائة ذراع وإن كانت رخوة فألف ذراع ذلك أضرت ببقيتها
3423 - وروى الحسن الصيقل عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال
على جاره أن يضع عينه كما وضعها وهو على مقدار واحد؟ قال: «إن تراضيا فلا يضر، ويكون بين العينين ألف ذراع» قوله: كما وضعها أي قريباً من الأخرى محدثاً بعدها.
(وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني والشيخ في القوي عن عقبة بن خالد (1)، وقد تقدم وتقدم رواية مسمع بالتحديد بخمسمائة ذراع وحمل على الصلبة والرواية الآنفة بألف ذراع وحمل على الرخوة لرواية التفضيل، وهو المشهور بين الأصحاب(2). وحمل روايتي الإضرار المجمل على هذا التفصيل.
ويمكن حمل روايات التحديد بالغالب والعمل على الإضرار، ويختلف باختلاف الأرضين في الصلابة والرخاوة، وهو الأظهر. والأحوط العمل بالتفصيل، إلا أن يضر فلا يضره. ويؤيده أخبار الإضرار وهي متواترة المعنى، وقد تقدم بعضها، وسيجيء أيضاً بعض هذه الأخبار مع أخبار أخر في باب الكلاء.
(وروى الحسن الصيقل) في القوي (عن أبي عبيدة الحذاء) وروى الكليني
أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان لسمرة بن جندب نخلة في حائط بني فلان فكان إذا جاء إلى نخلته نظر إلى شيء من أهل الرّجل يكرهه الرجل. قال: فذهب الرجل إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فشکاه فقال: یا رسول الله، إن سمرة يدخل عليّ بغير إذني فلو أرسلت إليه فأمرته أن يستأذن حتى تأخذ أهلي حذرها منه، فأرسل إليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فدعاه فقال يا سمرة، ما شأن فلان يشكوك ويقول يدخل بغير إذني، فترى من أهله ما يكره ذلك يا سمرة، استأذن إذا أنت دخلت، ثمّ قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يسرك أن يكون لك عذق في الجنة بنخلتك؟ قال: لا، قال لك ثلاثة قال: لا، قال: ما أراك يا سمرة إلا مضاراً، اذهب يا فلان فاقطعها واضرب بها وجهه.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه): ليس هذا الحديث بخلاف الحديث الذي ذكرته في أوّل هذا الباب من قضاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رجل باع نخله واستثنى نخلة فقضى له بالمدخل إليها والمخرج منها؛ لأن ذلك فيمن اشترى النخلة مع الطريق إليها وسمرة كانت له نخلة ولم يكن له الممرّ إليها.
والشيخ في الموثق كالصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن، فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة، فلما تأبى جاء الأنصاري إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فشكا إليه فخبره، الخبر فأرسل إليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخبره بقول الأنصاري وما شكا وقال: إذا أردت الدخول فاستأذن فأبى، فلما أبي ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله، فأبى أن يبيع . فقال: لك بها عذق مذلّل في الجنّة، فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
للأنصاري: اذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار»(1).
وروى الكليني في القوي عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن سمرة بن جندب كان له عذق وكان طريقه إليه فى جوف منزل رجل من الأنصار، فكان يجيء ويدخل إلى عذقه بغير إذن من الأنصاري، فقال الأنصاري: يا سمرة لا تزال تفجأنا على حال لا نحبّ أن تفجأنا عليها، فإذا دخلت فاستأذن، فقال: لا أستأذن في طريق وهو طريقي إلى عذقي قال فشكاه الأنصاري إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). فأرسل إليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأتاه فقال له: إن فلاناً قد شكاك وزعم أنك تمر عليه وعلى أهله بغير إذنه فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل فقال: يا رسول اللّه استأذن في طريقي إلى عذقي، فقال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): خلّ عنه ولك مكانه عذق في مكان كذا وكذا فقال: لا، قال: فلك اثنان قال : لا أريد. فلم يزل يزيده حتى بلغ عشرة أعذاق فقال: لا. قال: فلك عشرة في مكان كذا وكذا فأبى، فقال: خلّ عنه ولك مكانه عذق في الجنة. قال: لا أريد. فقال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إنك رجل مضار، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن قال : ثمّ أمر بها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقلعت، ثمّ رمى بها إليه. وقال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): انطلق فاغرسها حيث شئت» (2)سمرة - بضم الميم - وجندب - بضم الجيم والدال وبفتحهما وكدرهم - والعذق - بفتح العين - : النخلة بحملها، والمراد هنا النخلة الواحدة والحائط البستان والأنصار: مسلموا أهل المدينة الذين نصروا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والمذلل : ما دلیت عنا قيده، أو سويت، أو وضع
3424 - روى محمّد بن علي الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: من الذي أجبر على نفقته. قال الوالدان والولد والزوجة والوارث الصغير، يعني الأخ وابن الأخ وغيره.
عذقه على الجريدة لتحمله. ويظهر منه أنه كان له الطريق، ولكن لما كان الواجب عليه الاستئذان في الدخول وأمره رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) به ولم يأتمر استحق التعزير فعزّره بقلع نخلته. ويظهر منه ومن أمثاله من الأخبار المتواترة جواز الشكاية وأنها لیست من الغيبة المحرمة ويفهم منه أنهم كانوا ينقلون الخبر بالمعنى؛ لأن الواقعة واحدة على الظاهر، وسيجيء الاخبار ايضا في نفي ! الضرار.
باب الحكم بإجبار الرجل على نفقة أقربائه
الأبوان وإن علوا، والأولاد وإن نزلوا والزوجة بمنزلتهم، بل هو أقوى فإن نفقتها تقضى والمملوك في حكمهم وسيجيء.
(روى محمّد بن علي الحلبي) في الصحيح (1).
(مَن الذي أجبر على نفقته) أي تجب علي نفقته ويجبرني الحاكم عليها (قال: الوالدان) وإن علياً كما يظهر من خبر زيد الشحام مع أن إطلاق الوالدين على الجد والجدة في الآيات والأخبار شائع (والولد) وإن نزل : لما تقدّم (والزوجة) الدائمة لا المتعة كما سيجيء (والوارث الصغير) استحباباً كما ذكره الأصحاب، ويفهم من
1) الاستبصار 3: 43، باب من يجبر الرجل على نفقته، ح 1.
الروايات الكثيرة، ولا ينافي الإجبار ؛ لأنه يكون في المندوبات، كما في الأذان وزيارة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ويؤيده ما رواه الكليني في الموثق والشيخ في القوي عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه (صلوات اللّه عليه) قال: «أتي أمير المؤمنين بيتيم فقال: خذوا بنفقته أقرب الناس منه من العشيرة كما يأكل ميراثه» (1).
ويؤيده أيضاً ظاهر الآية: (وعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِك) (2)والاحتياط ظاهر.
وروى الكليني في الحسن كالصحيح والشيخ في القوي كالصحيح عن حريز. عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت من الذي أجبر عليه وتلزمني نفقته؟ قال: «الوالدان والولد والزوجة» (3).
وفي القوي كالصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: من يلزم الرجل من قرابته ممّن ينفق عليه ؟ قال: «الوالدان والولد والزوجة» (4).
وروى الشيخ في الصحيح عن محمّد الحلبي، عن أبي الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «والوارث الصغير» يعني الأخ وابن الأخ ونحوه(5).
وفي القوي عن جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: «لا يجبر
1) الكافي 4 : 13، باب من يلزم نفقته ح 2. التهذيب 6: 293، باب من الزيادات، ح 21.
2) البقرة : 233.
3) الكافي 4 : 13، باب من يلزم نفقته ح 1. التهذيب 6: 293، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 19.
4) الكافي 4 : 13، باب من يلزم نفقته، ح 3.
5) التهذيب 6: 293، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 20.
الرجل إلا على نفقة الأبوين والولد قال: قلت لجميل فالمرأة؟ قال: قد روى أصحابنا عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه قال: «إذا كساها ما يواري عورتها وأطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه وإلا طلّقها» قال: قلت لجميل فهل يجبر على نفقة الأخت؟ قال: «إن أجبر على نفقة الأخت كان ذلك خلاف الرواية»(1).
وذكر الشيخ عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن جميل مثله، غير أنه قال: قلت لجميل: فالمرأة؟ قال: قد روى أصحابنا. وهو عنبسة بن مصعب وسورة بن كليب عن أحدهما (2).
والذي وجدنا في الكافي علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل ابن دراج قال: لا يجبر الرجل إلا على نفقة الأبوين والولد. قال ابن أبي عمير: قلت لجميل بن دراج والمرأة؟ قال: قد روى عن عنبسة بن مصعب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا كساها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه وإلا طلقها» (3)ولعله كان بطريق آخر لم نطلع عليه.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً: الأب والأم والولد، والمملوك. والمرأة وذلك أنهم عياله لازمون له» (4).
1) التهذيب 6: 293، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 22.
2) التهذيب 6 : 294، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 23.
3) الكافي 5 : 512، باب حق المرأة على الزوج، ح 8. التهذيب 6 : 347، باب المكاسب، ح 98.
4) الكافي 3 : 552، باب تفضيل القرابة في الزكاة، ح 5. التهذيب 4 : 56، باب من تحل له من الأهل، ح 7.
3425 - جاء أعرابي إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فادعى عليه سبعين درهماً ثمن ناقة باعها منه فقال: قد أوفيتك فقال: اجعل بيني وبينك رجلاً يحكم بيننا، فأقبل رجل من قريش فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) احكم بيننا. فقال: للأعرابيّ
وفي الموثق كالصحيح عن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: لي قرابة أنفق على بعضهم وأفضل بعضهم، فيأتيني إبان الزكاة أفأعطيهم منها؛ قال: «مستحقون» لها قلت نعم قال: «هم أفضل من غيرهم أعطهم». قال: قلت: فمن ذا الذي يلزمني من قرابتي حتى لا أحسب الزكاة عليهم؟ فقال: «أبوك وأمك» قلت: أبي وأمي؟ قال: «الوالدان والولد»(1)، وتقدم الأخبار في هذا المعنى وسيجيء أيضاً.
باب ما يقبل من الدعاوي بغير بينة
(جاء أعرابي إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) رواه المصنّف في الأمالي قوياً عن الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2). قال: جاء إلى آخره.
(فأقبل رجل من قريش) المسموع مشهوراً أنه كان أبا بكر وكان الغرض من رفع
ما تدعي على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: سبعین درهماً ثمن ناقة بعتها منه فقال: ما تقول يا رسول الله؟ قال: قد أوفيته فقال للأعرابي: ما تقول؟ قال: لم يوفني فقال لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ألك بيّنة على أنك قد أوفيته قال: لا قال للأعرابي: أتحلف أنك لم تستوف حقك وتأخذه فقال: نعم. فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لأتحاكمن مع هذا إلى رجل يحكم بيننا بحكم اللّه عز وجل.
فأتى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعه الأعرابي فقال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما لك يا رسول الله؟ قال: يا أبا الحسن، احكم بيني وبين هذا الأعرابي. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أعرابي، ما تدعي على رسول اللّه قال: سبعين
الحكومة إليه إظهار جهالته على العالمين وإن كانت أظهر من الشمس عند المؤالف والمخالف، ولكن كان لإتمام الحجة على المنافقين كما في دفع سورة (براءة) إليه وأخذه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منه، وكما في إعطاء الراية في خيبر إليه ثمّ إلى أخيه في البطلان عمر وإظهار عجزهما عن ولاية غزوة فكيف بولاية العامّة في الدين والدنيا على العالمين.
وظاهر أنّ من كان متخلّقاً بأخلاق اللّه تعالى ولا ينطق عن الهوى لا يغلط في أمثال هذه الأمور التي لا تخفى على الأغبياء فكيف تخفى على عقل الكل ولا ينافي ذلك أيضاً العتاب من اللّه تعالى عليها بقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّه لك) (1)، فإنّه أيضاً كان لمصالح جليلة منها دفع غلوّ الغالين كما لا يخفى على العالمين.
1) التحريم : 1.
درهماً ثمن ناقة بعتها منه فقال: ما تقول يا رسول اللّه قال: قد أوفيته ثمنها فقال: يا أعرابي أصدق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيما قال. قال: لا ما أوفاني شيئاً، فأخرج علي سيفه فضرب عنقه فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لم فعلت يا علي ذلك؟ فقال: يا رسول اللّه نحن نصدقك على أمر اللّه ونهيه وعلى أمر الجنّة والنار والثواب والعقاب ووحي اللّه عزّوجلّ، ولا نصدقك في ثمن ناقة هذا الأعرابي وإنّي قتلته؛ لأنه كذبك لما قلت له أصدق رسول اللّه فيما قال: فقال لا ما أوفاني شيئاً فقال: رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أصبت يا علي فلا
وأما النهي عن العود إلى مثلها مع الحكم بالإصابة، فالظاهر أنه لما كان في بدو الإسلام لم يكن قتل المرتد متحتماً، ولهذا كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتجاوز أحياناً؛ لئلا يرجعوا كفاراً مع وقوع الارتداد عن عمر كثيراً في زمانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، مثل البقاء على حج الإفراد مع قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إنك لن تؤمن بهذا أبداً»(1).
والمنع عن الدواة والقلم مع قوله : إنّ الرجل ليهجر (2).
1) الكافي 4 : 246، باب حج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ح 4. التهذيب 5 : 455، باب من الزيادات في فقه الحج، ح 234. وفيه بعد أمره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالتحلل لمن لم يسق الهدي ما هذا لفظه: قال له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رجل من القوم: لنخرجن حجاجاً وشعورنا تقطر ؟ فقال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «اما إنك لن تؤمن بعدها أبداً»، إلى آخره.
2) فتح الباري 8 : 101. انظر: مسند أحمد 1 : 324. صحيح مسلم 5 : 76. السنن الكبرى 3 : 433. وانظر: صحيح البخاري 7: 9 كتاب المرضى والطب مسنداً عن عبيدالله بن عبد اللّه عن ابن عباس (رضیَ اللّهُ عنهُ) قال: لما حضر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هلم اكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا - (منهم) من يقول: قربوا يكتب لكم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كتاباً لن تضلوا بعده (ومنهم) من يقول ما قال عمر، فلما اكثروا اللغو (اللغط - في موضع) والاختلاف عند النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قوموا - قال عبيدالله فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بین رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولفظهم انتهى.
تعد إلى مثلها، ثمّ التفت إلى القرشي وكان قد تبعه فقال: هذا حكم اللّه لا ما حکمت به.
3426 - وفي رواية محمّد بن بحر الشيباني، عن أحمد بن الحارث
وغير ذلك من الوقائع التي سيجيء بعضها إن شاء الله، مع أن الحق أنهم لم يؤمنوا أبداً، وكان الإسلام الظاهري منهم؛ لأجل الدنيا لما سمعوا من اليهود والنصارى أخبارهم بخروج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من تهامة، كما يدل عليه قول صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) في خبر سعد بن عبد اللّه (1). ويظهر منه أيضاً أنه كان ذلك مذهب الإمامية قديماً وحديثاً.
(وفي رواية محمّد بن بحر) أو يحيى (الشيباني) الظاهر أن الرواة كلهم من العامّة وذكره للحجة عليهم، ويمكن أن يكون الخبر مرويّاً من الخاصة أيضاً
1) في حديث طويل نقله الصدوق (رَحمهُ اللّه) في اكمال الدين واتمام النعمة.
قال: حدّثنا أبو أيوب الكوفي قال: حدّثنا إسحاق بن وهب العلاف، قال حدّثنا أبو عاصم النبال عن ابن جريج، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: خرج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من منزل عائشة فاستقبله أعرابي ومعه ومعه ناقة فقال: يا محمّد، تشتري هذه الناقة ؟ فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): نعم، بكم تبيعها يا أعرابي؟ فقال: بمائتي درهم فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): بل ناقتك خير من هذا. قال: فما زال النبي يزيد حتى اشترى الناقة بأربع مائة درهم. قال: فلما دفع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الأعرابي الدراهم ضرب الأعرابي يده إلى زمام الناقة. فقال: الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، فإن كان لمحمّد شيءٌ فليقم البيّنة قال: فأقبل رجل فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أترضى بالشيخ المقبل؟ قال: نعم يا محمّد. فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): تقضي فيما بيني وبين هذا الأعرابي. فقال: تكلّم يا رسول اللّه فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي.
عند المصنف، أو كان متواتراً عنده لما حكم بصحة الأخبار المنقولة في هذا الكتاب. والمسموع في هذا الخبر أيضاً أنه كان الشيخ الأوّل المنافق الأول والثاني الثاني - عليهما وعلى أتباعهما لعائن اللّه تعالى -. ويفهم من الخبرين أنه إذا ادعى رجل على الحاكم ينبغي أن يرافع إلى آخر من نائبه أو غيره، وإن أمكن أن يكون لإظهار الغلط فقط، لكن الظاهر الأول. ولا منافاة بينهما بأن يكونا مرادين مع إظهار أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاض بالحق، كما رووا أيضاً عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أقضاكم وأعلمكم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (1)متواتراً.
1) انظر: الكافي 7 : 408، باب من حكم بغير ما أنزل الله، ح 5. و 424، باب النوادر، ح 6. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) 2 : 80.
فقال الأعرابي: بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، إن كان لمحمّد شيء فليقم البيّنة. فقال الرجل: القضيّة فيها واضحة يا رسول الله، وذلك أن الأعرابي طلب البيّنة. فقال له النبي : اجلس فجلس ثمّ أقبل رجل آخر. فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أترضى يا أعرابي بالشيخ المقبل؟ قال: نعم، يا محمّد. فلما دنا قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اقض فيما بيني وبين الأعرابي. قال: تكلم يا رسول اللّه فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي. فقال الأعرابي: بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي إن كان لمحمّد شيءٌ فليقم البيّنة. فقال الرجل: القضيّة فيها واضحة يا رسول الله؛ لأنّ الأعرابي طلب البيّنة. فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اجلس حتى يأتي اللّه بمن يقضي بيني وبين الأعرابي بالحق. فأقبل علي بن أبي طالب فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أترضى بالشّاب المقبل؟ قال: نعم، فلما دنا قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)ذيا أبا الحسن اقض فيما بيني وبين الأعرابي. فقال : تكلم يا رسول الله. فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي فقال الأعرابي: لا بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، إن كان لمحمّد شيءٌ فليقم البيّنة. فقال علي : خل بين الناقة وبين رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال الأعرابي: ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البيّنة. قال: فدخل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) منزله فاشتمل على قائم سيفه ثمّ أتى فقال: خل بين الناقة وبين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). قال ما كنت بالذي أفعل، أو يقيم البيّنة قال: فضربه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضربة.
فاجتمع أهل الحجاز على أنه رمى برأسه وقال بعض أهل العراق:
(فاجمتع أهل الحجاز) أي الموجود في رواياتهم مع روايات أكثر أهل العراق (أنه
بل قطع منه عضواً قال: فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما حملك على هذا يا علي فقال: يا رسول اللّه نصدّقك على الوحي من السماء ولا نصدقك على أربعمائة درهم.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه) هذان الحديثان غير مختلفين؛ لأنهما في قضيتين وكانت هذه القضيّة قبل القضية التي ذكرتها قبلها.
3427 - وروى محمّد بن بحر الشيباني، عن عبد الرحمن بن أحمد الذهلي قال: حدّثنا محمّد بن يحيى النيسابوري قال: حدّثنا أبو اليمان
رمى برأسه من الضربة.
(قال مصنف هذا الكتاب) غرضه أنه يجب أن يكون هذه الواقعة قبل الواقعة الأولى: لأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نهاه عن العود، ولم يمكن منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) العود إليه؛ لعصمته الثابتة بالكتاب والسنة والعقل. ويمكن أن يكون بعدها ويكون النهي إرشادياً، والحكم باقٍ أيضاً بأن من كذب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يجب قتله حتماً، بل يجب قتل الشاك أيضاً كما سيجيء.
(وروى محمّد بن بحر الشيباني) روى الكليني في الصحيح عن معاوية بن وهب قال (أي أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقرينة ما سيجيء) : كان البلاط حيث يصلى على الجنائز سوقاً على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يسمى البطحاء، يباع فيها الحليب والسمن والأقط. وإن أعرابياً أتى بفرس له فأوثقه، فاشتراه منه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثمّ دخل ليأتيه بالثمن. فقام ناس من المنافقين فقالوا: بكم بعت فرسك ؟ قال بكذا وكذا. قالوا: بئس ما بعت، فرسُك خير من ذلك. وإن رسول اللّه خرج إليه بالثمن وافياً طيباً، فقال
الحكم بن نافع الحمصي قال: حدّثنا شعيب عن الزهري، عن عبد اللّه بن أحمد الذهلي قال: حدّثني عمارة بن خزيمة بن ثابت أن عمه حدّثه وهو من أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ابتاع فرساً من أعرابي فاسرع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المشي؛ ليقبضه ثمن فرسه فأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس وهم لا يشعرون أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السّوم على الثّمن فنادى الأعرابي فقال: إن كنت مبتاعاً لهذا الفرس فابتعه وإلا بعته فقام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين سمع الأعرابي فقال: أو ليس قد ابتعته منك فطفق الناس يلوذون بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبالأعرابي وهما يتشاجران.
الأعرابي: والله ما بعتك. فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «سبحان الله، بلى والله، لقد بعتني» وارتفعت الأصوات فقال الناس : رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقاول الأعرابي، فاجتمع ناس كثير.
فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أصحابه إذ أقبل خزيمة بن ثابت الأنصاري ففرج الناس بيده حتى انتهى إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : أشهد يا رسول الله، لقد اشتريته منه. فقال الأعرابي : أتشهد ولم تحضرنا. وقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أشهدتنا؟» قال : لا يا رسول الله، ولكنّي علمت أنك اشتريت أفأصدقك فيما جئت به من عند اللّه ولا أصدقك على هذا الأعرابي الخبيث؟ قال: فعجب له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال له: «يا خزيمة: شهادتك شهادة رجلين»(1).
1) الكافي 7 : 400، باب النوادر، ح 1.
فقال الأعرابي : هلم شهيداً يشهد أنّي قد بايعتك، ومن جاء من المسلمين قال للأعرابي : إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يكن ليقول إلا حقاً حتى جاء خزيمة بن ثابت فاستمع لمراجعة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والأعرابي فقال خزيمة: إنّي أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على خزيمة فقال: بم تشهد؟ قال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شهادة خزيمة بن ثابت شهادتين وسماه ذا الشهادتين.
فانظر أيها العاقل إلى هذه الأصحاب وجهلهم وعدم تفطنهم بما تفطن له خزيمة مع ظهوره كالشمس، واختلافهم بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الأذان الذي كانوا يسمعون في كل يوم خمس مرات فكيف يستبعد غفلتهم عن غدير خم مع دواعي الدنيا وبغض أكثر الناس للحق مع قوله تعالى: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) (فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (1).
والحديث المتواتر في صحاحهم السنة في الحوض أنهم يمنعون عنه فيقول النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إلهي أصيحابي، أصيحابي» فيقول اللّه تعالى: «يا محمد ما تدري ما أحدثوا بعدك. ارتدوا على أعقابهم القهقرى» (2)ومع هذا كلهم عدول باتفاقهم.
و تقبيض المال : إعطاؤه لمن يقبضه والسوم في المبايعة: القول حتى يجتمعا على ثمن، واللوذ بالشيء الإحاطة به والتشاجر التنازع، وطفق يفعل كذا: أي جعل كما في نسخة اتفق والمراجعة: المعاودة.
3428 - وروى محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان في
وهذا خزيمة من كبار أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقال الفضل بن شاذان: إنه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1). ونقل ابن طاوس (رضیَ اللّهُ عنهُ) إنه من الاثني عشر الذين نصحوا أبا بكر في ترك الخلافة بمجمع المهاجرين والأنصار في حديث طويل (2). وذكر العامّة أنه كان مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستشهد في صفين بعد عمار ابن ياسر (3)، لكنّهم ذكروا أنه لما قتل عمار تيقن أنّ الحق مع علي فجرد سيفه وقاتل حتى قتل، وهو افتراء عليه(4).
ويدل الأخبار الثلاثة على جواز المنازعة في الماليّات. والظاهر أنها كانت لبيان الجواز، وإلا فمن كان لا ينظر إلى الجنة وما فيها ليلة المعراج حتى قال تعالى: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ ومَا طَغَى) (5)كيف ينازع في الدنيا.
(وروى محمّد بن قيس) في الحسن كالصحيح كالكليني والشيخ في الصحيح
مسجد الكوفة فمرّ به عبد اللّه بن قفل التيمي ومعه درع طلحة فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة. فقال ابن قفل: يا أمير المؤمنين، اجعل بيني وبينك قاضيك الذي ارتضيته للمسلمين، فجعل بينه وبينه شريحاً. فقال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقال شريح يا أمير المؤمنين هات على ما تقول بينة، فأتاه بالحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فشهد أنها درع طلحة أخذت يوم البصرة غلولاً فقال شريح: هذا شاهد ولا أقضي بشاهد حتى يكون معه آخر، فأتى بقنبر فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقال: هذا مملوك، ولا أقضي بشهادة المملوك فغضب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثمّ قال: خذوا الدرع، فإنّ هذا قد قضى بجورٍ ثلاث مرّاتٍ، فتحوّل شريح عن مجلسه وقال: لا أقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجورٍ ثلاث مرّاتٍ فقال له على (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إنِّي لما قلت لك: إنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هات
وهما عن عبد الرحمن بن الحجاج بزيادة: قال: دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل على أبي جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ) فسألاه عن شاهد ويمين؟ فقال: «قضی به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقضى به علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندكم بالكوفة فقالا : هذا خلاف القرآن، فقالا: إن اللّه تبارك وتعالى يقول: (وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (1)فقال لهما أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فقوله: (وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) هو لا تقبلوا شهادة واحد ويمين» أي ليس عينه ولا لازمه إلا بمفهوم اللقب الغير المعتبر عند العقلاء، ثمّ قال: «إن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان
1) الطلاق : 2.
على ما تقول بيّنةً وقد قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيثما وجد غلول أخذ بغير بينة فقلت: رجل لم يسمع الحديث، ثمّ أتيتك بالحسن فشهد فقلت: هذا شاهد واحد ولا أقضي بشاهد حتى يكون معه آخر، وقد قضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بشاهد ويمين، فهاتان اثنتان، ثمّ أتيتك بقنبر فشهد فقلت: هذا مملوك وما بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً، فهذه الثالثة ثمّ قال : یا شريح، إن إمام المسلمين يؤتمن من أمورهم على ما هو أعظم
قاعداً في مسجد الكوفة» (1)إلى آخر الخبر، باختلاف يسير غير مغير للمعنى ولهذا لم نذكره.
والظاهر هنا إرسال فإنّ عبد الرحمن لم ينقل روايته عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن أمكن أن يكون عدم النقل للندرة، لكن بقاؤه إلى زمان الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) يؤيد الإرسال أيضاً.
ويمكن أن يكون الضمير في قال: راجعاً إلى أبي عبد اللّه أو أبي الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فإنّه كثيراً ما ينقل الخبر من الكتاب ويكون المرجع مذكوراً سابقاً، وينقل كما هو ويحصل الاشتباه كما في الخبر السابق عن معاوية بن وهب، وهو الأظهر؛ لأنّ جلالته يمنع من التدليس وهذا نوع منه لو لم يكن كما ذكرنا.
أما تحوّل شريح عن مجلسه فيدل على كفره كما هو ظاهر من ردّ قول المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستخفّاً وأما قوله : (حيثما وجد غلول أخذ بغير بينة) فمحمول على كونه ظاهراً مشهوراً كما في الواقعة. وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (يا شريح) إلى آخره، ملاطفة معه تقيّة كما سبق.
1) الكافي 7 : 385، باب شهادة الواحد ويمين المدّعي، ح 5. التهذيب 6: 273، باب البينات، ح 152.
من هذا؟ ثمّ قال أبو جعفر : فأوّل من ردّ شهادة المملوك رمع.
3429 - وروی محمّد بن عيسى بن عبيد عن أخيه جعفر بن عيسى قال: كتبت إلى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعلت فداك المرأة تموت فيدعي أبوها أنه أعارها بعض ما كان عندها من المتاع والخدم، أتقبل دعواه بلا بينة؟ أم لا
وفي الكافي والتهذيب : ثمّ قال: ويحك - أو ويلك - إمام المسلمين إلى آخره علاوة على أغلاطه الظاهرة بأنّ إمام المسلمين أولى بهم من أنفسهم وتطلب منه البيّنة، لكنّه كان معذوراً؛ لأنّ أبا بكر طلب من فاطمة سيدة نساء العالمين البيّنة على فدك، وردّ شهادة أمير المؤمنين والحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) مع آية التطهير، وشهادة أم أيمن مع شهادة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لها بالجنة ولم يحصل منه إلا طلب البيّنة.
(ثم قال أبو جعفر) لم يكن فيهما.
و (رمع) مقلوب عمر وقد تقدّم. فدل الخبر على قبول شهادة الواحد مع يمين المدّعي، وتقدّم الأخبار في ذلك.
(وروی محمّد بن عیسى) في الصحيح كالكليني والشيخ (1)(عن أخيه جعفر بن عيسى) الممدوح (قال: كتبت إلى أبي الحسن) الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ). ويدل على قبول قول الأب بغير بينة، ويحمل على ما علم كونه من الأب سابقاً، والأصل عدم الانتقال مع أنه لا يعرف إلا من قوله وعدم المعارض للخبر ظاهراً. وربما استشكل فيه بأن يد
1) الكافي 7 : 431، باب النوادر، ح 18 التهذيب 6 : 289، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 7.
تقبل دعواه إلا ببينة فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): تجوز بلا بينة؟ قال: وكتبت إلى أبي الحسن يعني عليّ بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ)جعلت فداك، إن ادعى زوج المرأة الميتة أو أبو زوجها أو أم زوجها في متاعها أو في خدمها مثل الذي ادعى أبوها من عارية بعض المتاع والخدم أيكون بمنزلة الأب في الدعوى؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا.
3430 - وروى محمّد بن أبي عمير، عن رفاعة بن موسى النخاس، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا طلق الرجل امرأته فادعت أن المتاع لها وادعى أنّ المتاع له كان له ما للرجال ولها ما للنساء.
وقد روي أنّ المرأة أحق بالمتاع؛ لأنّ من بين لابتيها قد يعلم أنّ المرأة تنقل إلى بيت زوجها المتاع.
المرأة دليل على الملكية، فيكون القول قول ورثة المرأة. والظاهر أنه يحتاج إلى اليمين لو قيل بقبول قوله. أما غيره فلا يقبل قوله إلا بالبيّنة وهو موافق للأصول.
(وروى محمّد بن أبي عمير، عن رفاعة بن موسى النخاس) في الصحيح. ورواه الشيخ في القوي(1)(عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) بزيادة قوله: «وما يكون للرجال والنساء قسم بينهما».
(وقد روي) إلى آخره، روى الكليني في الصحيح والشيخ بطرق متعددة صحيحة
1) التهذيب 6 : 294، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح 25.
عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألني: «هل يقضي ابن أبي ليلى بالقضاء ثمّ يرجع عنه ؟» فقلت له: بلغني أنه قضى في متاع الرجل والمرأة إذا مات أحدهما فادّعاه ورثة الحي وورثة الميّت، أو طلقها الرجل فادعاه الرجل وادعته المرأة أو النساء بأربع قضيّات فقال: «وما ذاك؟».
فقلت: أما أوليهن فقضى فيه بقول إبراهيم النخعي كان يجعل متاع الرجل الذي لا يكون للرجل للمرأة، ومتاع الرجل الذي لا يكون للنساء للرجل، وما كان للرجال والنساء بينهما نصفين. ثمّ بلغني أنه قال: إنّهما مدعيان جميعاً، فالذي بأيديهما جميعاً بينهما نصفان. ثمّ قال: الرجل صاحب البيت، والمرأة الداخلة عليه وهي المدّعية، فالمتاع كله للرجل إلا متاع النساء الذي لا يكون للرجال فهو للمرأة. ثمّ قضى بعد ذلك بقضاء لولا أني شاهدته لم أروه عليه : ماتت امرأة منا ولها زوج وتركت متاعاً فرفعته إليه فقال: اكتبوا المتاع فلما قرأه قال للزوج: هذا يكون للرجل والمرأة فقد جعلناه للمرأة إلا الميزان فإنّه من متاع الرجل فهو لك.
فقال لي: «فعلى أي شيءٍ هو اليوم» قلت: رجع إلى أن قال بقول إبراهيم النخعي أن جعل البيت للرجل.
ثمّ سألته عن ذلك فقلت: ما تقول أنت فيه؟ فقال: «القول الذي أخبرتني أنك شهدته وإن كان قد رجع عنه»، فقلت: يكون المتاع للمرأة؟ فقال: «أرأيت إن أقامت بينة إلى كم كانت تحتاج ؟» فقلت: شاهدين فقال: «لو سألت من بينهما - يعني الجبلين ونحن يومئذ بمكة - لأخبروك أنّ الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه): يعني بذلك المتاع الذي هو من متاع النساء المتاع الذي هو يحتاج إليه الرّجال كما تحتاج إليه النساء، فأما ما لا يصلح إلا للرّجال فهو للرّجل، وليس هذا الحديث بمخالف للذي قال له ما للرجال ولها ما للنساء، وبالله التوفيق.
المرأة إلى بيت زوجها فهي للتي جاءت به، وهذا المدّعي فإن زعم أنه أحدث فيه شيئاً فليأتِ عليه البيّنة» (1).
وروى الشيخ في الموثق عن سماعة قال: سألته عن الرجل يموت، ما له من متاع البيت ؟ قال: «السيف والسلاح والرحل وثياب جلده»(2)ويدل على أن المشترك للمرأة.
(قال مصنف هذا الكتاب) جمع بينهما بأنّ الخبر الأول دلّ على أن للرجال ما للرجال وللنساء ما للنساء، وليس فيه المشترك بينهما. وذكر في الخبر الثاني أنّ المشترك أيضاً للنساء ولا منافاة بينهما لو لم يكن في الخبر التتمة التي ذكرها الشيخ، وعلى تقدير وجود التنمة يحصل التعارض بينهما، فعلى قانون الجمع لزم أن يعمل بالأخير لصحتها واستفاضتها عن عبد الرحمن على أنه لو عمل به يمكن حمل خبر رفاعة على الاستحباب استصلاحاً واحتياطاً. وعلى أي حال عمل على الظاهر مع أن يد كل واحد منهما على المال وهو يقتضي التشريك. وهل يعطى من غير يمين أو معها ؟ فيه نظر، والمناسب للأصول اليمين.
3431 - روى السكوني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنه سئل عن رجلٍ أبصر طيراً فتبعه حتى وقع على شجرة، فجاء رجل آخر فأخذه فقال للعين ما رأت ولليد ما أخذت.
3432 - وروى عليّ بن عبد اللّه الورّاق (رَحمهُ اللّه)، عن سعد بن عبد اللّه
باب نادر
(روى السكوني) في القوي (1)(عن جعفر بن محمّد - إلى قوله - للعين ما رأت) أي ليس لصاحبها من الطير نصيب، وإن كان سعيه سبباً لسهولة أخذ الآخذ ؛ لأن المباحات لا تملك بدون أخذها.
(ولليد ما أخذت) أو قبضت وظاهره التملك بمجرّد الأخذ وعدم الاحتياج إلى نية التملك، فلو أرسله من يده وأخذه آخر لا يملكه الآخر إلا أن يكون الإرسال إعراضاً عنه.
(وروى علي بن عبد اللّه الورّاق (رَحمهُ اللّه)) هو من مشايخ المصنف، والظاهر ثقته
1) التهذيب 9 : 61، باب الصيد والذكاة، ح 257.
عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن أبي عمير، عن حماد، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الأخرس كيف يحلف إذا ادعي عليه دين فأنكره ولم يكن للمدعي بينةٌ؟ فقال: إن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتي بأخرس فادعي عليه دين فأنكره، ولم يكن للمدعي عليه بينة فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للأمة جميع ما يحتاج إليه، ثمّ قال: ائتوني بمصحف، فأتي به فقال: للأخرس ما هذا فرفع رأسه إلى السماء وأشار أنه كتاب الله، ثمّ قال: ائتوني بوليه، فأتوه بأخ له فأقعده إلى جنبه ثمّ قال: يا قنبر، عليّ بدواة وصينية، فأتاه بهما ثمّ قال: لأخ الأخرس قل لأخيك: هذا بينك وبينه إنه علي فتقدّم
مع كونه من مشايخ إجازة الذين بعده وكلهم ثقات صاحبوا الكتب، فلا يضر عدم ذكر أصحاب الرجال إيَّاه مع أنّ للمصنف طرقاً صحيحة إلى سعد وأحمد ومحمّد، وحماد. وذكر في الفهرست: أنّ كلّما رويته في هذا الكتاب عن سعد فقد رويته عن جماعة من الثقات وكذا البواقي كما ذكره بعض مشايخنا (رضي اللّه عنهم) (1). فعلى هذا لا يضر الضعف والجهالة في كثير من الأخبار التي كانت هكذا.
على أنه روى هذا الخبر الكليني والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم(2). والمراد بوليه المتولّي لأمره الذي يُفهمه المطالب بالإشارات ويفهم إشاراته ويفهم منه جواز التخويف كما سبق في الأخبار الأخر.
إليه بذلك، ثمّ كتب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرّحمن الرّحيم، الطالب الغالب، الضار النافع، المهلك المدرك، الذي يعلم السر والعلانية، إن فلان بن فلان المدّعي ليس له قبل فلان بن فلان - أعني الأخرس - حق ولا طلبة بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب، ثمّ غسله وأمر الأخرس أن يشربه فامتنع فألزمه الدين.
(الطالب الغالب) أي إذا أراد تعذيب أحد وطلبه يغلب عليه، ولا يمكنه الهرب منه، أو طالب الخير من عبيده، والغالب على كلِّ شيءٍ من الممكنات ولا يعجزه شيء (الضار) للعاصين (والنافع) للمطيعين (والمهلك) بالموت والتعذيب سيما لمن حلف به بغير الحق (المدرك) لمن طلبه أو العام بالمدركات.
والظاهر جواز التغليظ مع المصلحة سيما في موضع التهمة وإن لم يجب على الحالف إلا أن يلزمه الإمام فيجب إطاعته مطلقاً.
والظاهر جواز تحليفه بالإشارة المفهمة وإن كان العمل بهذا الخبر أولى لصحته ويدلّ على الاكتفاء بالنكول في الإلزام بالحق وعدم الاحتياج إلى يمين المدّعي. كما تقدّم أيضاً.
ولما كان هذا الباب باب النوادر فلا بأس بذكر بعض الأخبار النادرة فيه.
روى الكليني في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان قال : لما قدم أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أبي العباس وهو بالحيرة خرج يوماً يريد عيسى بن موسى فاستقبله بین الحيرة
والكوفة ومعه ابن شبرمة القاضي فقال: إلى أين يا أبا عبد اللّه ؟ فقال: «أردتك» فقال: قصر اللّه خطوك. قال: فمضى معه فقال له ابن شبرمة: ما تقول يا أبا عبد اللّه في شيء سألني عنه الأمير فلم يكن عندي فيه شيء؟ فقال: «وما هو؟» قال: سألني عن أول كتاب كتب في الأرض. قال: «نعم، إنّ اللّه عزّوجل عرض على آدم ذريته عرض العين في صور الذر نبياً، فنبيّاً وملكاً فملكاً ومؤمناً فمؤمناً وكافراً فكافراً. فلما انتهى إلى داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: من هذا الذي نبّيته (1)وكرّمته وقصرت عمره، فقال: أوحى اللّه عزّوجل إليه: هذا ابنك داود عمره أربعون سنة، وإني قد كتبت الآجال وقسمت الأرزاق، وأنا أمحو ما أشاء. وأثبت وعندي أم الكتاب، فإن جعلت له شيئاً من عمرك ألحقته له، قال: يا ربِّ قد جعلته له من عمري ستين سنة تمام المائة، قال: فقال اللّه عزّوجلّ لجبرئيل وميكائيل وملك الموت اكتبوا عليه كتاباً فإنّه سينسي قال: فكتبوا عليه كتاباً وختموه بأجنحتهم من طينة عليين، قال: فلما حضرت آدم الوفاة أتاه ملك الموت فقال :آدم يا ملك الموت ما جاء بك؟ قال: جئت لأقبض روحك، قال: قد بقي من عمري ستون سنة، فقال: إنك جعلتها لابنك داود، قال: فنزل جبرئيل وأخرج له الكتاب، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): فمن أجل ذلك إذا خرج الصك على المديون ذلّ المديون فقبض روحه» (2). ويدلّ على استحباب كتابة القبالة؛ لتكون مذكرة لا لتكون حجة كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبُ بِالْعَدْلِ) (3)، ويمكن أن يكون الأمر إرشادياً.
وروى الكليني والشيخ في القوي كالصحيح عن محمّد بن قيس وفي الصحيح أيضاً عنه عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن شهادة الأعمى؟ فقال: «نعم، إذا أثبت» (1)أي إذا علم بأن تكون في شيء لا يحتاج العلم به إلى النظر. وفي القوي عن جميل قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة الأصم في القتل؟ قال: «يؤخذ بأول قوله ولا يؤخذ بالثاني»(2)فالظاهر أنه وقع سهو من النساخ أو الرواة في تصحيف الصبي بالأصم كما تقدم، أو يكون تعبداً في القتل وحده ويكون العلة مخفية عنا كالصبي.
وروى الكليني في الحسن كالصحيح عن البزنطي، عن إسماعيل بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): كيف صار القتل يجوز فيه شاهدان والزنا لا يجوز فيه إلا أربعة شهود والقتل أشد من الزنا؟ فقال: «لأن القتل فعل واحد، والزنا فعلان فمن ثمّ لا يجوز إلا أربعة شهود على الرجل شاهدان، وعلى المرأة شاهدان».
ورواه بعض أصحابنا عنه، قال: فقال لي: «ما عندكم يا أبا حنيفة؟» قال: قلت: ما عندنا فيه إلا حديث عمر أنّ اللّه أخذ في الشهادة كلمتين على العباد. قال: فقال لي: ليس كذلك يا أبا حنيفة، ولكن الزنا فيه حدّان، ولا يجوز إلا أن يشهد كل اثنين على واحد؛ لأنّ الرجل والمرأة جميعاً عليهما الحد، والقتل إنما يقام على القاتل
ويدفع عن المقتول»(1).
وفي الصحيح عن أبي شعيب المحاملي عن الرفاعي - المجهول -(2)قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل قتل رجلاً عن حفر بئر عشر قامات بعشرة دراهم، فحفر قامة ثمّ عجز فقال: «له جزء من خمسة وخمسين جزءً له (3)من العشرة دراهم» (4).
أي يبسط العشرة عليها بأن يكون للقامة الأولى جزء وللثانية جزء آن إلى العشرة فله عشرة أجزاء منها؛ لأن الغالب أنه كلّما يكون أعمق تكون الأرض أصلب ويكون إخراج ترابها أشق. أو يحمل على بئر يكون هكذا بأن يكون أجرة القامة الثانية منها ضعف الأولى وهكذا. ويدلّ على أنّ مع العجز تنفسخ الاجارة في الذي عجز عنه.
وفي القوي عن أبي عبيدة قال: قلت لأبي جعفر، وأبي عبد اللّه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): رجل دفع إلى رجل ألف درهم يخلطها بماله ويتجر بها، فلمّا طلبها منه قال: ذهب المال. وكان لغيره معه مثلها ومال كثير لغير واحد فقال له: «كيف صنع أولئك؟» قال: أخذوا أموالهم نفقات. فقال أبو جعفر وأبو عبد اللّه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): «جميعاً يرجع عليه بماله، ويرجع
هو على أولئك بما أخذوا»(1).
الظاهر أنّ الرجوع؛ لأجل التقصير أو التعدي؛ لأنه كان يجب أن يبسط النقصان على الجميع مع الإفلاس وبدونه بطريق أولى، ومع الإفلاس يكون المراد بالرجوع إليه الرجوع؛ ليرجع على أولئك، ومع التعذّر يكون في ذمته ولا يرجع صاحب المال عليهم إلا مع البيّنة أو إقرارهم باشتراك المال.
وفي الصحيح عن هارون بن حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل استأجر أجيراً فلم يأمن أحدهما صاحبه، فوضع الأجر على يد رجل فهلك ذلك الرجل ولم يدع وفاءً فاستهلك الأجر؟ فقال: «المستأجر ضامن؛ لأجل الأجير حتى يقضي، إلا أن يكون الأجير دعاه إلى ذلك فرضي بالرجل، فإن فعل فحقه حيث وضعه ورضي به» (2).
وروى الشيخ في الصحيح عن حماد عن المختار قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما تقول في بيت سقط على قوم فبقي منهم صبيان، أحدهما حر والآخر مملوك لصاحبه، فلم يعرف الحر من العبد؟» قال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا ونصف هذا، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ليس كذلك، ولكنه يقرع بينهما فمن أصابته القرعة فهو الحر ويعتق هذا فيجعل مولى لهذا»(3)وقد تقدّم فعل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تداعي الحر والعبد كذلك.
وفي الصحيح عن حماد، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) باليمن في قوم انهدمت عليهم دارهم وبقي صبيان، أحدهما حر والآخر مملوك، فأسهم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بينهما، فخرج السهم على أحدهما فجعل له المال وأعتق الآخر» (1).
وفي الموثق عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي، عن آبائه، قال: سئل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن الساحر ؟ فقال : «إذا جاء رجلان عدلان فيشهدان عليه فقد حلّ دمه» (2)
وفي القوي عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتي بعبد لذمّي قد أسلم فقال: أذهبوه (3)فبيعوه من المسلمين، وادفعوا ثمنه إلى صاحبه ولا تقروه عنده» (4).
وفي القوي عن نوح بن دراج، قال: قلت لابن أبي ليلى: أكنت تاركاً قولاً قلته أو قضاءً قضيته لقول أحد ؟ قال : لا، إلا رجل واحد :قلت من هو؟ قال: جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ)(5).
وفي الموثق كالصحيح عن أبي مريم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)قال: قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لو قضيت بين رجلين بقضية ثمّ عادا إليَّ من قابل لم أزدهما على القول الأول؛ لأنّ الحق لا يتغير» (1)هذا في الواقعة الخاصة، وفي مثلها يمكن التغير كما وقع كثيراً؛ لأن الظاهر أنّ لله تعالى في كل واقعة حكماً خاصاً يختص بالمعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وفي الصحيح عن محمّد بن أبي حمزة عن رجل بلغ به أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: مرّ شيخ مكفوف كبير يسأل فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما هذا؟» فقالوا: يا أمير المؤمنين نصراني قال: فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «استعملتموه (أي أخذتم منه الجزية) حتى إذا كبر وعجز منعتموه أنفقوا عليه من بيت المال» (2).
ويدلّ على إعطاء مال بيت المال إلى فقراء المسلمين مع عدم وفاء الزكاة لهم بطريق أولى.
وفي القوي عن عبد العزيز بن محمّد (3)قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمن أخذ أرضاً بغير حقها وبنى فيها؟ قال: «يرفع بناءَه وتسلّم التربة إلى صاحبها؛ ليس لعرق
ظالم حق ثمّ قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «من أخذ أرضاً بغير حق كُلّف أن يحمل ترابها إلى المحشر» (1).
والعرق - بالفتح - كناية عن تعبه، أو بمعنى حركته وعمله، أو - بالكسر - ويكون المراد به العرق الذي يكون في البدن المجوّف الذي فيه الدم، ويكون كناية عن عمله؛ لأنّ العمل يكون بقوّة الروح الطبيعي من الأوردة، أو بقوة الروح الحيواني من الشرائين. وقرئ بتنوين عرق، ويكون الظالم صفته وبالإضافة بالمعنى المتقدم، أو بمعنى عروق الشجر والزرع والبناء.
وفي القوي عن أمية بن عمر وقال سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن سفينة انكسرت في البحر فأخرج بعضه بالغوص، وأخرج البحر بعض ما غرق فيها فقال: «أما ما أخرجه البحر فهو لأهله، اللّه أخرجه، وأما ما أخرج بالغوص فهو لهم وهو أحق به»(2)أي الغواصين على الظاهر، وحمل على إعراض أصحابه عنه أو أصحاب المال، ولا يحتاج إلى التكليف وإن كان فيه مخالفة ما للظاهر، فإنّها أحسن من تلك المخالفة والله تعالى يعلم. وفي الموثق عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ): أنه كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حد، ولا في غيره حتى وليت بنو أمية فأجازوا البينات (3).
وفي القوي عن طلحة بن زيد مثله (1)وهما مخالفان للمشهور بين الأصحاب، لكنّه ليس للخبرين معارض من الأخبار فينبغي أن يكون العمل عليهما.
وفي القوي عن محمّد بن مسلم وزرارة عنهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) جميعاً قالا: «لا يحلف أحد عند قبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على أقل ممّا يجب فيه القطع»(2)ويدل على جواز التغليظ في اليمين وعلى كراهته في الأقل من ربع الدينار.
وفي القوي عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: جعلت فداك، في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة سنة وأربع عشرة سنة» قلت: فإن لم يحتلم فيها؟ قال: «وإن لم يحتلم فإنّ الأحكام تجري عليه»(3). وسيجيء صحيحة ابن سنان وغيرها ممّا يتضمن ذلك.
وفي الموثق عن إسحاق بن عمار، عن جعفر عن أبيه أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقول: «لا ضمان على صاحب الحمام فيما ذهب من الثياب لأنه إنما أخذ الجعل على الحمام ولم يأخذ على الثياب» (4). وفيه دلالة على أنّ الأجر الذي يعطى الحمامي من باب الجعالة، ويمكن أن يكون من باب الإجارة أيضاً، وعلى أي حال فيجوز.
3433 - قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : من أعتق مؤمناً أعتق اللّه بكل عضو عضواً من النار، وإن كانت أنثى أعتق اللّه بكل عضوين منها عضواً من النار؛ لأنّ المرأة بنصف الرجل.
باب العتق وأحكامه
(قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه رفعه قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(1)، وفي تخصيصه؛ لعموم الأخبار الصحيحة نظر.
روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار، وحفص بن البختري والكليني في الحسن كالصحيح عنهما، وعن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال في الرجل يعتق المملوك قال: «يعتق لكل عضو منه عضواً من النار»(2).
وفي الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «من أعتق مسلماً أعتق اللّه بكل عضو منه عضواً من النار» (3)والكليني في القوي
3434 - وروى حماد عن الحلبي، عن عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: يستحبّ للرجل أن يتقرّب عشيّة عرفة ويوم عرفة بالعتق والصدقة.
كالحسن عن بشير النبال قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «من أعتق نسمة صالحة لوجه اللّه كفر اللّه عنه بها مكان كل عضو منه عضواً من النار»(1).
(وروى حماد عن الحلبي) في الصحيح والكليني في الحسن كالصحيح عنه، وعن معاوية بن عمار وحفص بن البختري والشيخ في الصحيح عن الأخيرين (2).
(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : ويستحب للرجل) وكذا المرأة على الظاهر؛ لأن الغالب ذكر الرجل؛ لشرفه مع عموم الحكم.
(أن يتقرب) إلى اللّه تعالى (عشية عرفة) وهي بعد الزوال إلى المغرب أو إلى الصبح.
(ويوم عرفة) تعميم بعد التخصيص، فإنّه يستحب إلى الزوال أيضاً، أو يخص العشية بما بعد اليوم إلى الصبح من يوم العيد (بالعتق والصدقة) يمكن أن يكون الفائدة في العتق أن يحج حجة الإسلام، فإنّه إذا أدرك أحد الموقفين حراً أدرك الحج - كما تقدم - مع قطع النظر عن أنه يوم العتق من النار فينبغي أن يزيد في أسبابه.
ويستحب مؤكداً عتق مملوك خدم سبع سنين روى الكليني والشيخ في القوي عن بعض آل أعين، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من كان مؤمناً فقد عتق بعد سبع
سنين أعتقه صاحبه أم لم يعتقه، ولا يحلّ خدمة من كان مؤمناً بحر سبع سنين»(1)وحمل على تأكد استحبابه. والأحوط أن لا يخدمه بعدها.
ويتأكد الاستحباب إذا أتى بقيمته ليحرّر؛ لما رواه الشيخ في الموثق كالصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا أتى المملوك قيمة ثمنه بعد سبع سنين فعليه أن يقبله» (2)، ويمكن حمله على الكتابة بأن يكون الإتيان مجازاً على طلبها.
وكذا يستحب عتقه. وقيل: يجب إذا ضربه بمقدار حد من الحدود لم يجب عليه (3)لما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من ضرب مملوكاً له بحد من الحدود من غير حد وجب اللّه على المملوك (4)لم يكن لضاربه كفارة إلا عتقه» (5)
لكن لفظ الحديث :هكذا من ضرب مملوكاً حداً من الحدود من غير حدٍ أوجبه المملوك على نفسه لم يكن إلى آخره.
.وينبغي أن يكتب له كتاباً كما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن إبراهيم بن أبي البلاد :قال قرأت عتق أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإذا هو شرحه: «هذا ما أعتق جعفر بن
3435 - وروي عن أبي بصير، وأبي العباس، وعبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمته أو خالته
محمد، أعتق فلاناً غلامه لوجه اللّه لا يريد منه جزاءً ولا شكوراً على أن يقيم الصلاة، ويؤدّي الزكاة، ويحج البيت، ويصوم شهر رمضان، ويتولى أولياء الله، ويتبرأ من أعداء الله، شهد فلان وفلان وفلان ثلاثة» (1)والكليني في الحسن كالصحيح عن ابن سنان عن غلام أعتقه عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هذا ما أعتق جعفر بن محمّد، أعتق غلامه السندي فلاناً على أنه يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأن محمّداً عبده ورسوله، وأنّ البعث حقٌّ، وأنّ الجنّة حقٌّ، والنار حق، وعلى أنه يوالي أولياء الله، ويتبرأ من أعداء الله، ويحلّ حلال الله، ويحرّم حرام الله، ويؤمن برسل اللّه ويقرّ بما جاء من عند الله، أعتقه لوجه اللّه لا يريد منه جزاءً ولا شكوراً، وليس لأحدٍ عليه سبيل إلا بخير شهد فلان»(2).
(وروي عن أبي بصير) في الموثق (وأبي العباس) الفضل بن عبد الملك البقباق في الصحيح (وعبيد بن زرارة) في القوي كالصحيح، ورواه الشيخ(3)في الصحيح، عن أبان عنهم (عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إذا ملك الرجل والديه) وإن علا بالإجماع (أو أخته) من الأبوين أو أحدهما (أو عمّته) وإن علت (أو خالته).
أو ابنة أخيه أو ابنة أخته وذكر أهل هذه الآية من النساء عتقوا جميعاً، ويملك الرّجل عمه وابن أخيه وابن أخته وخاله.
ولا يملك أمه من الرّضاعة، ولا أخته ولا عمته ولا خالته، فإذا ملكهن عتقن قال: وما يحرم من النسب من النساء؛ فإنّه يحرم من الرضاع وقال: يملك الذكور ما خلا الوالد والولد، ولا يملك من النساء ذات رحم محرم
وإن علت (أو ابنة أخيه أو ابنة أخته) وإن نزلتا (وذكر أهل هذه الآية من النساء) والظاهر أنها قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وعَمَّاتُكُمْ وخالا تُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) (1). إلى هنا لا ما بعده من قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) فَإِنَّهُنَّ وَإِن كن محارم لكن لا يعتقن بالملك. أو يكون المراد به المحرمات بالنسب فقط. والظاهر أنه من الراوي، ويمكن أن يكون قرأ هذه الآية عليه عند ذكر ما تقدم، والذي ذكرنا من التعميم فهو مراد من الآية اتفاقاً، فلو كان القراءة منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان دلالته على التعميم أظهر (عتقوا جميعاً) بمجرد الملك اختياراً كالشراء والاستيهاب أو اضطراراً كالميراث.
(ولا يملك أمه من الرضاع) وإن علت (ولا أخته ولا عمته ولا خالته) وإن علتا (فإذا ملكهن) أي ما كان من الرضاع (عتقن) قهراً (قال:) موجود في بعض النسخ كما في التهذيب (وما يحرم من النسب فإنّه يحرم من الرضاع) ويعتق. فيدخل فيه البنت وإن نزلت وبنت الأخ وبنت الأخت وإن نزلتا (وقال: يملك الذكور ما خلا الوالد) وإن علا (والولد) وإن نزل فيملك العم والخال، والأخ وابنه، وابن الأخت كما تقدم، والتكرير للتوضيح ولبيان القاعدة الكلية كما في قوله: (ولا يملك من
1) النساء : 23.
قلت: وكذلك يجري في الرّضاع ؟ قال: نعم، يجري في الرّضاع مثل ذلك.
النساء ذات محرم) أو رحم، وفي التهذيب: «ذات رحم محرم».
(قلت:) توضيحاً (وكذلك يجري في الرضاع) من عتق العمودين مطلقاً والمحارم من النساء.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم. عن أبي جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا ملك الرجل والديه أو أخته، أو عمته أو خالته، عتقوا في التهذيب : اعتقوا - ويملك ابن أخيه وعمّه (1)- وفي التهذيب: بإضافة وخاله وفيهما - ويملك أخاه وعمه وخاله من الرضاعة» (2)وفي الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا يملك الرجل والده ولا والدته - وفي التهذيب: والديه ولا ولده - ولا عمته ولا خالته ويملك أخاه وغيره من ذوي قرابته من الرجال» (3).
وروى الكليني في الصحيح والشيخ في القوي، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): عمّا يملك الرجل من ذوي قرابته؟ قال: «لا يملك والده ولا والدته وفي التهذيب : والديه ولا ولده - ولا أخته ولا ابنة أخيه، ولا ابنة أخته ولا عمته ولا خالته، ويملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوي قرابته ولا يملك أمه
من الرضاعة» (1).
والكليني في الموثق كالصحيح، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمّته أو خالته عُتقوا، ويملك ابن أخيه وعمه وخاله، ويملك أخاه وعمه وخاله من الرضاعة»(2).
وروى الكليني في القوي كالصحيح والشيخ في الموثق كالصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يتخذ أباه أو أمه أو أخاه أو أخته عبيداً؟ فقال: «أما الأخت فقد عتقت حين يملكها، وأما الأخ فيسترقه وأما الأبوان فقد عُتقا حين يملكهما»، قال: وسألته عن المرأة ترضع عبدها أنتخذه عبداً؟ قال: «تعتقه وهي كارهة» (3)وفي التهذيب: يعتقونه وهم كارهون، أي يعتق بغير اختيار منهم أو يخلي سبيله.
وروى الشيخ في الصحيح والكليني في الحسن كالصحيح عن الحلبي، وابن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في امرأة أرضعت ابن جاريتها؟ قال: «تعتقه»(4).
1) الكافي 6 : 178، باب ما لا يجوز ملكه من القرابات، ح 7. التهذيب 8 : 240، باب العتق وأحكامه، ح 100.
2) الكافي 6 : 177، باب ما لا يجوز ملكه من القرابات، ح 4.
3) الكافي 6 : 178، باب ما لا يجوز ملكه من القرابات، ح 6. التهذيب 240:8، باب العتق وأحكامه، ح 99.
4) الكافي 6 : 178، باب ما لا يجوز ملكه من القرابات ح 5. التهذيب 8 : 243، باب العتق وأحكامه، ح 111.
وفي القوي كالصحيح عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): عن المرأة ما تملك من قرابتها؟ فقال: «كلَّ أحد إلا خمسة أبوها، وأمها، وابنها، وابنتها. وزوجها» (1)، أي ينفسخ النكاح بالملك.
وروى الشيخ في الصحيح عن محمّد بن ميسر، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: رجل أعطى رجلاً ألف درهم مضاربة فاشترى أباه وهو لا يعلم ذلك؟ قال: «يقوم، فإن زاد درهم واحد عتق، واستسعي الرجل»(2).
وفي الموثق كالصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: «يملك الرجل أخاه وغيره من ذوي قرابته من الرجال» (3).
وفي الموثق كالصحيح عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «يملك الرجل ابن أخيه وأخاه من الرضاعة» (4).
وفي الموثق كالصحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن امرأة ترضع غلاماً لها من مملوك حتى تفطمه يحلُّ لها بيعه؟ قال: «لا، حرم عليها ثمنه. أليس قد قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ؟ أليس قد
صار ابنها؟ فذهبتُ أكتبه، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس مثل هذا يكتب»(1)وكأنه للتقية أو للوضوح أو لقلته، ولا ينسى مثل هذا إلى الذهاب إلى داره.
وفي الموثق كالصحيح عن أبان عن رجل عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «الرجل يملك أخاه إذا كان مملوكاً ولا يملك أخته» (2).
وفي القوي عن أبي عتيبة، عن أبي عبد الله، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): غلام بيني وبينه رضاع يحل لي بيعه؟ قال: «إنّما هو مملوك. إن شئت بعته - أو بعه - وإن شئت أمسكته - أو أمسكه - ولكن إذا ملك الرجل أبويه فهما حرّان» (3).
وفي الحسن كالصحيح عن كليب الأسدي قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يملك أبويه وإخوته؟ فقال: «إن ملك الأبوين فقد عُتقا، وقد يملك إخوته فيكونون مملوكين ولا يعتقون» (4).
وفي الموثق كالصحيح عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا يملك الرجل أخاه من النسب ويملك ابن أخيه، ويملك أخاه من الرضاعة» قال: وسمعته يقول: «لا يملك ذات محرم من النساء، ولا يملك أبويه ولا ولده»، وقال: «إذا ملك والديه أو أخته أو عمّنه أو خالته أو بنت أخيه - وذكر هذه الآية من النساء (5)
عتقوا، ويملك ابن أخيه وخاله ولا يملك أمّه من الرضاعة، ولا يملك أخته ولا خالته إذا ملكهم عتقوا» (1)، أما ما ذكر في أول الخبر من عدم تملك الأخ أخاه فمحمول على الاستحباب؛ لما تقدم.
ومثله ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل يملك ذا رحم يحل له أن يبيعه أو يستعبده؟ قال: «لا يصلح له أن يبيعه وهو مولاه (أي وارثه) وأخوه، فإن مات ورثه دون ولده، وليس له أن يبيعه ولا يستعبده» (2).
وفي الموثق كالصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل زوج جاريته أخاه أو عمّه أو ابن عمه أو ابن أخيه فولدت ما حال الولد ؟ قال: «إذا كان الولد يرث من ملكه عتق» (3)أي كان وارثاً لمالكه، فيحملان على الاستحباب جمعاً بين الأخبار.
وأما ما رواه في الموثق عن إسحاق بن عمار، عن عبد صالح (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل كانت له خادم فولدت جارية فأرضعت خادمه ابناً له، وأرضعت أم ولده ابنة خادمه، فصار الرجل أبا بنت الخادم من الرضاع يبيعها؟ قال: «نعم، إن شاء باعها فانتفع بثمنها قلت: فإنّه كان قد وهبها لبعض أهله حين ولدت، وابنه اليوم غلام
شاب فيبيعها ويأخذ ثمنها ولا يستأمر ابنه أو يبيعها ابنه؟ قال: «يبيعها هو ويأخذ ثمنها ابنه، ومال ابنه له»، قلت: فيبيع الخادم وقد أرضعت ابناً له؟ قال: «نعم، وما أحبّ له أن يبيعها»، قلت: فإن احتاج إلى ثمنها؟ قال: «فيبيعها»(1).
فالمراد به جواز بیع الخادم، فإنّها صارت بمنزلة أم ولده، والرضاع لحمة كلحمة النسب لا كلحمة المصاهرة كما سيجيء. وقوله : قلت: فإنه كان قد وهبها إلى آخره، استبعاد من السائل في جواز بيع أم الغلام من الرضاع منه أو من الغلام. وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يبيعها هو» إلى آخره، رفع استبعاده بأنّ الخادم له لا من الغلام فيجوز له أن يبيعها و يأخذ ثمنها ابنه، والذي أخذه الغلام من مال أمّه من الرضاعة مال أبيه. فلو كان المالك وهبها من الغلام لما جاز له بيع أمه، لكن لم يهبها منه ثمّ بعد ذلك استبعد عنه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إنه لا يصير سبباً لحرمة البيع، بل صار سبباً لكراهته، لكنه إذا احتاج إلى ثمنها ارتفعت الكراهة أيضاً.
وما رواه الشيخ في الموثق عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فملكه فهو حر إلا ما كان من قبل الرضاع»(2)فيدل على كراهة بيع الأخ من النسب لا من الرضاع، كما تقدم في خبر عبيد.
وما رواه في الموثق كالصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيع الأم من الرضاعة قال: «لا بأس في ذلك إذا احتاج» (3)فمحمول على بيع أم ولده من
3436 - وروى حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جارية كانت بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه قال: إن كان موسراً كلّف أن يضمن، وإن كان معسراً أخدمت بالحصص.
3437 - وروى محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قضى أمير المؤمنين في عبد كان رجلين فحرّر أحدهما نصفه وهو صغير،
الرضاع، كما تقدم في خبر إسحاق مع شذوذه، أو على عدم حصول شرائط الرضاع. أو على التقية.
(وروى حماد عن الحلبي) في الصحيح كالشيخ (1)أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ليس مثل هذا يكتب» وكأنه للتقية أو للوضوح أو لقلته، ولا ينسى (عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى قوله - أن يضمن) أي يعتق الجميع بالسراية وعليه ضمان قيمة حصة الشريك (وإن كان معسراً أخدمت بالحصص) ويحمل على عجز الجارية عن السعي أو إرادتها العبودية كما سيجيء.
(وروى محمّد بن قيس) في الحسن كالصحيح، وروى الكليني في الحسن كالصحيح عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من كان شريكاً في عبد أو أمة قليل أو كثير، فأعتق حصته ولم يبعه فليشتره من صاحبه فيعتقه كله، وإن لم يكن له سعة من المال نظر قيمته يوم أعتق، ثمّ يسعى العبد في حساب ما بقي حتى يعتق»(2). وبإسناده عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عبد كان
وأمسك الآخر نصفه قال: يقوم قيمة يوم حرّر الأول، وأمر المحرّر أن يسعى في نصفه الذي لم يحرّر حتى يقضيه.
بين رجلين، فحرّر أحدهما نصيبه وهو صغير، وأمسك الآخر نصفه حتى كبر الذي حرّر نصفه قال: يقوم قيمة يوم حرّر الأوّل، وأمَرَ المحرر أن يسعى في نصفه الذي لم يحرر حتى يقضيه»(1). وروى الشيخ الجزء الأوّل في الصحيح إلى قوله: «حتى يعتق» وفيه تغيير ما من تبديل قوله : (ولم يبعه) بقوله: «وله سعة» ومن زيادة قوله: «منه ما أعتق» بعد قوله : (يوم أعتق). وفيما ذكره المصنّف من الجزء الثاني تغيير ما من تبديل (نصيبه) بـ «نصفه» ومن إسقاط قوله : (حتى كبر الذي حرر نصفه) بعد قوله: (وأمسك الآخر نصفه). والظاهر أنّ التبديل فى قوله: (وله سعة) بقوله: (ولم يبعه) وقع من نساخ الكافي، وكذا إسقاط قوله : (حتى كبر الذي حرر نصفه) من نساخ الفقيه، فإنّه مغيّر المعنى؛ لأنّ الظاهر مع وجوده قراءة قوله: (وأمر المحرر) عدمه بالفتح. وأما قوله: (وهو صغير) فالمراد به المحرّر بالكسر، ويدلّ بالكسر، ومع على جواز عتق الصغير، كما يدلّ عليه أخبار أخر ستجيء.
ويدل الجزء الأوّل على وجوب مباشرة الإعتاق كما يدلّ عليه أخبار أخر والجزء الثاني على العتق القهري كما هو المشهور ويدلّ عليه أيضاً أخبار أخر. ويمكن حمل الأولة على دفع القيمة؛ فإنّه بمنزلة المباشرة للعتق. ويمكن حملها أيضاً على توقف العتق على دفع القيمة، كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب (2).
3438 - وروى محمّد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرّجلين يكون بينهما الأمة فيعتق أحدهما نصفه، فتقول الأمة للذي لم يعتق نصفه لا أريد أن تقوّمني، ذرني كما أنا أخدمك، وأنه أراد أن يستنكح النصف الآخر قال: لا ينبغي له أن يفعل، إنّه لا يكون للمرأة فرجان، ولا ينبغي له أن يستخدمها، ولكن يقومها ويستسعيها.
(وروى محمّد بن الفضيل) المجهول حاله - كما تقدم - الغير المذكور سنده في فهرست المصنّف والظاهر أنه أخذه من كتابه المشهور، أو من الكافي كما هو دأبه. لكن في بعض نسخ الكافي (ردّني) مكان: (ذرني). ورواه الكليني في القوي كالصحيح (1)، ويمكن أن يكون محمّد بن القاسم بن الفضيل الثقة المذكور فيه حسناً كما ذكره بعض، لكن الاحتمال لا ينفع. ويظهر من اعتماد المصنّف وغيره عليه أنه كان ثقة أو كان كتابه معتمداً. وذكر هذا الخبر في كتاب النكاح أولى، ويدلّ ظاهراً على عدم العتق القهري وعلى أنّ السعي باختيار المملوك (وأنه أراد أن يستنكح النصف الآخر) الذي صار حرّاً (قال: لا ينبغي) أي لا يجوز (له أن يفعل؛ لأنه لا يكون للمرأة فرجان) أي لا يستباح نصفه بالملك ونصفه بالعقد؛ لأن النكاح أمر بسيط لا يبعض، وقال اللّه تعالى: (إِلّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) (2)، وظاهر الانفصال الحقيقي دون منع الخلو بأن لا ينافي الجمع (ولا ينبغي له أن يستخدمها) أي بكلها وإلا فيجوز المهاياة كما سيجيء، أو على الكراهة كما هو الظاهر (ولكن يقومها ويستسعيها) حتى تصير حرة؛ لأنه ليس اللّه شريك.
وفي رواية أبي بصير مثله، إلا أنه قال: وإن كان الذي أعتقها محتاجاً فليستسعها.
3439 - وروى حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سئل عن رجلين كان بينهما عبد، فأعتق أحدهما نصيبه قال: إن كان مضاراً
(وفي رواية أبي بصير) في الموثق (مثله) إلى آخره، روى الكليني في الصحيح عن أبي بصير قال: سألته عن الرجلين تكون بينهما الأمة فيعتق أحدهما نصيبه فتقول الأمة الذي لم يعتق: لا أبغي تقوّمني، ذرني أو ردّني كما أنا أخدمك. أرأيت إن أراد الذي لم يعتق النصف الآخر أن يطأها أله ذلك؟ قال: «لا ينبغي له أن يفعل؛ لأنه لا يكون للمرأة فرجان، ولا ينبغي له أن يستخدمها، ولكن يستسعيها، فإن أبت كان لها من نفسها يوم، وله يوم» (1)والظاهر أنّ المصنّف أخذهما من الكافي وفيه كما ذكر، فالظاهر أنه وقع السهو منه في التتمة، ويمكن أن يكون مأخوذاً من كتاب أبي بصير، وكان فيه التتمتان فنقل الكليني إحداهما، والمصنف الأخرى. وروى الكليني في الموثق عن سماعة قال: سألته عن رجلين بينهما أمة فزوجاها من رجل، ثمّ إنّ الرجل اشترى بعض السهمين؟ قال: «حرمت علیه»(2)، وسيجيء في النكاح أيضاً.
(وروى حماد عن الحلبي) في الصحيح والكليني في الحسن كالصحيح (3)، (عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) - إلى قوله - إن كان مضاراً) أي كان قصده الضرر مع القربة، أو حصل
كلّف أن يعتقه كله وإلا استسعي العبد في النصف الآخر.
3440 - وروى حريز، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل ورث غلاماً وله فيه شركاء، فأعتق لوجه اللّه نصيبه فقال: إذا أعتق نصيبه مضارّةً وهو موسرّ ضمن للورثة، وإذا أعتق نصيبه لوجه اللّه عز وجل كان الغلام قد أعتق منه حصة من أعتق ويستعملونه على قدر ما لهم فيه، فإن كان فيه نصفه عمل لهم يوماً وله يوم، وإن أعتق الشريك مضاراً فلا عتق له؛ لأنه أراد أن يفسد على القوم، ويرجع القوم على حصتهم.
الضرر بعتقه وإن لم يقصده، أو يقال بصحة العتق مع قصد المضارّة، وإن لم يحصل له الثواب.
(كلّف أن يعتقه) بالمباشرة أو بدفع الثمن كما تقدم. هذا إذا كان قادراً، ومع العجز يبطل في حصته أيضاً، كما (روى حريز) في الصحيح كالشيخ (1)(عن محمّد بن مسلم إلى قوله - وإن أعتق الشريك مضاراً) وفي التهذيب: «وهو معسر» وهو الصواب، وكأنه سقط من النساخ ؛ ليتم المقابلة (ويرجع القوم على حصتهم)، أو حصصهم، أي من العبد ويمكن أن يكون المراد به الرجوع إلى القيمة على تقدير سقوط قوله: «وهو معسر» بأن يكون المراد بعدم العتق عدم الثواب عليه ويكون تفسيراً للجملة الأولى، والسقوط أظهر، وعلى تقدير الوجود ويمكن أيضاً أن يكون المراد به عدم الثواب ويكون العتق في حصته ماضياً إلا أن يكون قصده المضارة فقط بدون ضم
1) التهذيب 8: 221 باب العتق وأحكامه، ح 27.
القربة إليها.
ومع ذلك أيضاً مشكل، فإنّه يمكن أن يكون العتق صحيحاً لا ثواب له؛ لعموم الأخبار السالفة؛ ولما رواه الكليني في الحسن كالصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه؟ قال: «إنّ ذلك فساد على أصحابه فلا يستطيعون بيعه ولا مؤاجرته» قال: «يقوم قيمةً فيجعل على الذي أعتقه عقوبة وإنما جعل ذلك عليه لما أفسده» (1).
وفي الموثق عن سماعة، قال: سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه؟ فقال: «هذا فساد على أصحابه يقوم قيمةً ويضمن الثمن الذي أعتقه؛ لأنه أفسده على أصحابه»(2).
وروى الشيخ في الصحيح بسندين عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن المملوك يكون بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه؟ قال: «إنّ ذلك فساد على أصحابه فلا يستطيعون بيعه ولا مؤاجرته» قال: «يقوم قيمةً فيجعل على الذي أعتقه عقوبة وإنما جعل ذلك لما أفسده (3).
فظهر من هذه الأخبار أنّ عتق الحصة مضارّة ولا مدخل للقصد في ذلك، فيحمل
التعليل - فيما ورد فيه - على الغاية كما في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لدوا للموت وابنوا للخراب»(1). ويمكن حمل هذه على القصد أيضاً.
وروى الكليني والشيخ في القوي كالصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوم ورثوا عبداً جميعاً فأعتق بعضهم نصيبه منه، هل يؤخذ ممّا بقي؟ قال: «نعم يؤخذ بما بقي» وفي الكافي: «منه بقيمته يوم أعتق»(2).
وروى الشيخ في الصحيح عن حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سئل عن رجل أعتق غلاماً بينه وبين صاحبه؟ قال: «قد أفسد على صاحبه، فإن كان له مال أعطى نصف المال، وإن لم يكن له مال عومل الغلام يوم للغلام ويوم(3)للمولى ويستخدمه، وكذلك إن كانوا شركاء» (4).
وفي القوي عن علي قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مملوك بين الناس فأعتق بعضهم نصيبه؟ قال: «يقوم بقيمته ثمّ يستسعي فيما بقي ليس للباقي أن يستخدمه ولا يأخذ منه الضريبة» (5)ويحمل على إرادة العبد الاستسعاء جمعاً.
وأما ما رواه في الموثق كالصحيح عن يعقوب بن شعيب، وعن الحسن بن زياد قالا : قلنا لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): الرجل أعتق شركاء له في غلام مملوك عليه شيء؟ قال:
3441 - وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا عتق إلا ما أريد به وجه اللّه عزّوجل.
3442 - وروى العلاء عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)قال: سألته عن الرّجل تكون له الأمة فيقول: متى آتيها فهي حرة، ثمّ يبيعها من
«لا»(1)، فيحمل على ما إذا أراد به وجه اللّه تعالى أو مع العجز؛ لما رواه الشيخ في الصحيح عن البزنطي عن أحمد بن زياد - ولا يضر ضعفه - عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن الرجل يحضره الوفاة وله مماليك لخاصة نفسه، وله مماليك في شركة رجل آخر، فيوص في وصيّته مماليكي أحرار ما حال مماليكه الذين في الشركة؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يقومون عليه إن كان ماله يحتمل فهم أحرار» (2).
(وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني في الحسن كالصحيح عن هشام بن سالم وحماد وابن أذينة و ابن بكير وغير واحد عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(3)(قال: لا عتق) مجزياً أو كاملاً يستحق به الثواب (إلا ما أريد به وجه اللّه تعالى) أي رضاه والتوجه والتقرب إليه تعالى أو ذاته تعالى. وروى الكليني في الموثق عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه قال : لا عتق إلا ما طلب به وجه اللّه تعالى (4).
(وروى العلاء) في الصحيح كالشيخ (5)(عن محمّد بن مسلم - إلى قوله - متى آتيها) أي آلى منها وحلف أو يكون عتقاً بيمين فاسد أو وردت تقية. وعلى أي حال
رجل آخر، ثمّ يشتريها بعد ذلك قال: لا بأس بأن يأتيها قد خرجت من ملکه
3443 - وروي عن سماعة قال: سألته عن رجل قال لثلاثة مماليك له: أنتم أحرار وكان له أربعة فقال له رجل من الناس: أعتقت مماليكك قال: نعم، أيجب عتق الأربعة حين أجملهم أو هو للثلاثة الذين أعتق ؟ قال: إنّما يجب العتق لمن أعتق.
فالحلف منصرف إلى هذه الحال، فإذا ارتفعت انحلت اليمين. وعلى تقدير الفساد يكون مماشاة معهم كما سيجيء في سيجيء في الظهار.
(وروي عن سماعة) في الموثق كالشيخ (1)(أعتقتَ مماليكك؟) أو مملوكيك كما في التهذيب من النسختين: (أعتق) بالمعلوم أو أعتقوا بالمجهول (فقال: إنما يجب العتق لمن أعتق)؛ لأن مراده الإخبار عن المعتوقين فلا عبرة بعموم اللفظ باعتبار أنه جمع مضاف وهو للعموم عند المحققين والسؤال أيضاً قرينة الفهم فرجح (عَلَيهِ السَّلَامُ)العهد للقرينة، ولكن يظهر الفائدة في الواقع والظاهر بأنه لو كان السؤال والجواب إنشائين ينعتق الجميع مع القصد أو الإطلاق، ولو كان السؤال استفهاماً أو خبراً كان الجواب خبراً، فحينئذ ينصرف إلى ما نوى وكذا لو كان السؤال إنشاء والجواب خبراً.
ولو كان السؤال استفهاماً أو خبراً وتوهم إنشاءً فأجاب بالإنشاء، ففيه إشكال. من أن نعم بمنزلة تكرير السؤال، وهو لا يصلح للإنشاء. ومن أنه يكفي في الإعادة مجرد اللفظ ونوى الإنشاء، فلو ادعى المجيب الإخبار يقبل قوله ظاهراً ويُدان
1) التهذيب 8: 226، باب العتق وأحكامه، ح 46.
3444 - وروى حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل زوج أمته من رجل وشرط له أنّ ما ولدت من ولد فهو حر، فطلقها زوجها أو مات عنها فزوجها من رجل آخر ما منزلة ولدها قال: بمنزلتها، إنما جعل ذلك للأوّل، وهو في الآخر بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء أمسك.
بنيته واقعاً.
ولو سمع الشاهدان أو الحاكم السؤال والجواب ولا يمكن الاستفسار بموته أو جنونه، فهل يحكم بعتق الأربعة بناء على الظاهر من سماع إقرار العقلاء على أنفسهم، وظاهر اللفظ يدلّ على العموم أو يعمل بالقرينة؟ من أن الظاهر كونه استفهاماً أو خبراً، وكون الجواب على طبقه مع أنّ المدار في الإقرار على العدم أو التخفيف، فيه إشكال. وظاهر الأخبار انصراف الجواب على ما وقع منه مطلقاً.
وروى الشيخ في الصحيح عن صفوان عن الوليد بن هشام قال: قدمت من مصر ومعي رقيق، فمررت بالعاشر فسألني فقلت: هم أحرار كلّهم. فقدمت المدينة فدخلت على أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبرته بقولي للعاشر فقال: «ليس عليك شيء» قلت: إن منهم جارية قد وقعت بها وبها حمل؟ قال: «ليس ولدها بالذي يعتقها، إذا هلك سيدها صارت من نصيب ولدها» (1). ويدلّ على أن اللفظ بدون القصد. لا اعتبار به كما سيجيء أيضاً.
(وروى حماد) في الصحيح كالشيخ (2)(عن الحلبي - إلى قوله - بمنزلتها) أي في
3445 - وقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك.
الملكيّة، ويدل على أنه إذا لم يشترط الحرية يكون الولد مملوكاً. والأخبار التي وردت بحرية الولد محمولة على وجوب دفع القيمة على الأب حتى ينعتق، كما سيجيء في النكاح
(وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) رواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(1)(لا طلاق قبل نكاح) فلو قال: إن نكحت فلانة فهي طالق لم يقع وكان لغواً (ولا عتق قبل ملك) مثله. ويؤيده ما روياه في القوي عن مسمع أبي سيار، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لا عتق إلا بعد ملك» (2).
وروى الشيخ في الصحيح عن ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من أعتق ما لا يملك فلا يجوز» (3)، وبعمومه يشمل العتق الفضولي.
وروى الكليني في الصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان الذين من قبلنا يقولون: لا عتاق ولا طلاق إلا بعد ما يملك الرجل» (4).
3446 - وسأله عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن رجل قال لغلامه: أعتقك على أن أزوجك جاريتي هذه، فإن نكحت عليها أو تسرّيت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك، فنكح أو تسرى أعليه مائة دينار ويجوز شرطه ؟ قال: يجوز عليه شرطه
وفي الحسن كالصحيح عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق وإن اشتريت فلاناً فهو حر، وإن اشتريت هذا الثوب فهو فيء للمساكين؟ فقال: «ليس بشيء لا يطلق إلا ما يملك، ولا يعتق إلا ما يملك، ولا يصدق إلا بما يملك»(1)وغير ذلك من ذلك من الأخبار، وسيجيء أيضاً. ولا ينافي ذلك ما تقدم من الأخبار الصحيحة في رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر فورث سبعة أو ستة أنه يقرع أو يخيّر (2)؛ لأنها محمولة على النذر كما تقدم.
(وسأله عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه) في الصحيح، ويدلّ على جواز الشرط في العتق ولزومه؛ لأن مبنى العتق على اللزوم كالنكاح. ومثله ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهما (صلوات اللّه عليهما) في الرجل يقول لعبده: أعتقتك على أن أزوجك ابنتي، فإن تزوجت عليها أو تسريت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك فتسرى أو تزوّج ؟ قال: «عليه شرطه»(3)، والتسري: أخذ
السرية، وهو أن يختار أمة للوطء.
3447 - وقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل أعتق مملوكه على أن يزوجه ابنته وشرط عليه إن تزوّج أو تسرّى عليها فعليه كذا وكذا قال: يجوز.
3448 - وسأله يعقوب بن شعيب عن رجل أعتق جاريته وشرط عليها أن تخدمه خمس سنين، فأبقت ثمّ مات الرجل فوجدها ورثته ألهم أن يستخدموها؟ قال: لا.
(وقال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) يمكن أن يكون رواية محمّد بن مسلم ونقله بالمعنى، وأن يكون غيره. وروى الكليني في الحسن كالصحيح عن إسحاق بن عمار وغيره، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن الرجل يعتق مملوكه ويزوجه ابنته، ويشترط عليه إن هو أغارها (1)أن يردّه في الرق؟ قال: «له شرطه» (2)، وهو يدل على جواز شرط العود في الرق، واستشكله الأصحاب وعمل به جماعة (3).
(وسأله يعقوب بن شعيب) في الحسن كالصحيح ورواه الكليني والشيخ في الصحيح عنه قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(4)(ألهم أن يستخدموها؟ قال: لا)؛ لأنّ الخدمة ليس بمثلية حتى يعوض منها بها. وهل لهم أجرة المثل عليه؟
المشهور ذلك. وقيل بالعدم؛ لعدم ذكرها في الواقعة، ولو كانت لازمة ولم يذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اسكتوا عمّا
3449- وروى جميل عن زرارة، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في رجل أعتق عبداً له مال لمن مال العبد قال: إن كان علم أن له مالاً تبعه ماله وإلا فهو للمعتق، وفي رجل باع مملوكاً وله مال قال: إن علم مولاه الذي باعه أنّ له مالاً فالمال للمشتري، وإن لم يعلم البائع فالمال للبائع.
سكت اللّه عنه» (1)
ويدلّ على جواز شرط الخدمة أيضاً ما رواه الكليني في الموثق كالصحيح عن عبد الرحمن، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : أوصى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: «إنّ أبا نيزر. ورباحاً، وجبيراً أعتقوا على أن يعملوا في المال خمس سنين»(2).
وروى الشيخ في الصحيح عن العلاء، عن محمّد عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: سألته عن الرجل يكون له الأمة فيقول يوم يأتيها فهي حرة ثمّ يبيعها من رجل، ثمّ يشتريها بعد ذلك؟ قال: «لا بأس بأن يأتيها قد خرجت من ملكه» (3)فظاهره جواز العتق مع شرط الجماع، والأظهر أنه عتق بيمين وهو باطل، وتعليله (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنها قد خرجت من ملكه، لرفع وسوسة السائل أو وقع تقيّة، أو يحمل على اليمين وإن لم يذكرها.
(وروى جميل) في الصحيح (عن زرارة، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)) ورواه
3450 - وروى ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا كان للرجل مملوك فأعتقه وهو يعلم أنّ له مالاً ولم يكن استثنى السيد المال حين أعتقه فهو للعبد.
الكليني في الحسن كالصحيح عن زرارة عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، و بسند آخر في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) كالشيخ (1)، وبمضمونه عمل أكثر الأصحاب(2).
وقيل: بأن المال للمعتق بالكسر، وحمل الرواية على الاستحباب، لكن الرواية من المشاهير، ويؤيّده ما سيجيء من الأخبار فالعمل بها متعيّن.
(وروى ابن بكير) في الموثق كالصحيح (عن زرارة) وهو كما سبق.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن ابن بكير، عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(3)(قال: إذا كاتب الرجل مملوكه وأعتقه) إلى آخره، والظاهر أن تصحيفها بـ (كان للرجل مملوك فأعتقه) وقع من النسّاخ وإن أمكن أن يكون خبراً آخر، لكن التتبع يشهد بخلافه (ولم يكن - إلى قوله - للعبد) يدلّ ظاهراً على أن العبد يملك ومع عدم الاستثناء يكون للعبد. ومع الاستثناء يكون للمالك بالمفهوم.
3451 - وسأله عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن رجل أعتق عبداً له وللعبد مال فتوفّي الذي أعتق العبد لمن يكون مال العبد، أيكون للذي أعتق العبد أو للعبد ؟ قال: إذا أعتقه وهو يعلم أن له مالاً فماله له، وإن لم يعلم فماله لولد سيده.
وفي الاستبصار بزيادة: «وإلا فهو له»(1).
ويمكن أن يحمل على الأخبار المتقدمة بأنّ المولى إذا علم ولم يستثنه فكأنه أعتق المال مع العبد ويكون مقيداً للأخبار السابقة.
وروى الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن أبي جرير قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل قال لمملوكه: أنت حر ولي مالك. قال: «لا يبدأ بالحرية قبل المال، يقول له: لي مالك وأنت حر برضى المملوك» (2)وظاهره تملك العبد، ويمكن الجمع بين الأخبار، بأن يحمل ما يدلّ على ملكه على فاضل الضريبة وأرش الجناية وغيرهما ممّا ورد فيه نص وعدمه على غيرها.
(وسأله عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه) في الصحيح والشيخ في الموثق كالصحيح عنه، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(3)، وهو كما تقدم في الدلالة على التفصيل.
3452 - وروى جميل عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل أعتق مملوكه عند موته وعليه دين قال: إن كان قيمة العبد مثل الذي عليه ومثليه جاز عتقه، وإلا لم يجز.
(وروى جميل) في الصحيح (عن زرارة) كالشيخ والكليني في الحسن كالصحيح وسيجيء في الصحيح عن جميل (عن أبي عبد اللّه (1)- إلى قوله - ومثله)، وفي بعض النسخ: ومثليه. والظاهر أنه من النساخ كما في جميع كتب الأخبار والفقه. وكما سيجيء أيضاً مفرداً يعني إذا أعتق سدس الغلام يستسعي في الباقي لا إذا كان أقل منه، فإنّه إضرار على الورثة وأصحاب الديون.
ويؤيّده ما رواه الكليني والشيخ في الموثق كالصحيح عن الحسن بن الجهم قال: سمعت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في رجل أعتق مملوكاً له وقد حضره الموت، وأشهد له بذلك، وقيمته ستمائة درهم، وعليه دين ثلاثمائة درهم، ولم يترك شيئاً غيره؟ فقال: «يعتق منه سدسه ؛ لأنه إنّما له منه ثلاثمائة درهم، ويقضي منه ثلاثمائة درهم فله من الثلاثمائة ثلثها وهو السدس من الجميع»(2).
وروى الكليني والشيخ في الصحيح بسندين عن عبد الرحمن بن الحجاج قال:
سألني أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هل يختلف ابن أبي ليلى وابن شبرمة؟ فقلت: بلغني أنه مات مولى لعيسى بن موسى وترك عليه ديناً كثيراً، وترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم. فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك، فقال ابن شبرمة: أرى أن يستسعيهم في قيمتهم فيدفعها إلى الغرماء، فإنّه قد أعتقهم عند موته. وقال ابن أبي ليلى أرى أن أبيعهم وأدفع أثمانهم إلى الغرماء، فإنّه ليس له أن يعتقهم عند موته وعليه دين محيط بهم، وهذا أهل الحجاز اليوم يعتق الرجل عبده وعليه دين كثير فلا يجيزون عتقه إذا كان عليه دين كثير، فرفع ابن شبرمة يده إلى السماء فقال: سبحان اللّه ؟ يا بن أبي ليلى متى قلت بهذا القول والله ما قلته إلا طلب خلافي، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وعن رأي أيهما صدر ؟» قال: قلت: بلغني أنه أخذ برأي ابن أبي ليلى، وكان له في ذلك هوى فباعهم وقضى دينه قال: «فمع أيهما من قبلكم؟» قلت له مع ابن شبرمة، وقد رجع ابن أبي ليلى إلى رأي ابن شبرمة بعد ذلك، فقال: «أما والله إنّ الحق لفي الذي قال ابن أبي ليلى، وإن كان قد رجع عنه». فقلت له: هذا ينكسر عندهم في القياس فقال: «هات قايسني»، فقلت: أنا أقايسك؟ فقال: «التقولن بأشدّ ما يدخل فيه من القياس» فقلت له: رجل ترك عبداً ولم يترك مالاً غيره، وقيمة العبد ستمائة درهم ودينه خمسمائة درهم، فأعتقه عند الموت كيف يصنع؟ قال: «يباع العبد فيأخذ الغرماء خمسمائة درهم ويأخذ الورثة مائة درهم» فقلت: أليس قد بقي من قيمة العبد مائة درهم عن دينه؟
فقال: «بلی». قلت: أليس للرجل ثلاثة يصنع به ما يشاء؟ قال: «بلی» قلت:
3453 - وروى حماد، عن الحلبي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: في الرجل يقول: إن مت فعبدي حرّ، وعلى الرّجل دين قال: إن توفّي وعليه دين قد أحاط
أليس قد أوصى للعبد بالثلث من المائة حين اعتقده؟ فقال: «إن العبد لا وصيّة له إنما ماله لمواليه». فقلت له: فإذا كانت قيمة العبد ستمائة درهم ودينه أربعمائة درهم؟ فقال: «كذلك يباع العبد فيأخذ الغرماء أربعمائة درهم، ويأخذ الورثة مائتين، ولا يكون للعبد شيء». قلت له: فإنّ قيمة العبد ستمائة درهم ودينه ثلاثمائة درهم فضحك وقال: «من هاهنا أتى أصحابك فجعلوا الأشياء شيئاً واحداً ولم يعلموا السنّة إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة، أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتهم الرجل على وصينه وأجيزت وصينه على وجهها، فالآن يوقف هذا فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلاثة للورثة ويكون له السدس» (1).
وفي الصحيح عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «إذا ترك الدين عليه ومثله أعتق المملوك واستسعي» (2).
وفي الصحيح عن حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّه قال: «إذا ملك المملوك سدسه استسعي وأجيز»(3).
(وروى حماد) في الصحيح (عن الحلبي) ورواه الشيخ أيضاً مرتين في الصحيح عن حماد، عن الحلبي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل قال: إن متُّ فعبدي حرٌّ.
بثمن العبد بيع بيع العبد، وإن لم يكن أحاط بثمن العبد استسعي العبد في قضاء دین مولاه وهو حر به إذا وفاه.
3454 - وروى محمّد بن مروان عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: إن أبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ترك ستين
وعلى الرجل دين؟ فقال: «إن توفي وعليه دين قد أحاط بثمن العبد بيع العبد وإن لم يكن أحاط بثمن العبد استسعي العبد في قضاء دين مولاه وهو حر إذا وفاه»(1)والظاهر أنّ تلك الجملة سقطت من النساخ لأنه لا خلاف بين العامّة والخاصة في بطلان العتق مع الاستيعاب. وأما مع عدمه ففيه الخلاف، وذهب جماعة إلى ظاهر هذا الخبر (2)، ويمكن حمله على ما سبق؛ لأنه مجمل، والأخبار السابقة مفصلة معللة صحيحة، فيحمل الحرية والاستسعاء على ما إذا عتق منه سدسه، والله تعالى يعلم.
(وروی محمّد بن مروان) مشترك ولم يذكر المصنّف طريقه إليه. والظاهر أخذه من الكافي، وفيه في القوي عن أبان عن محمّد بن مروان(3). ورواه الشيخ في الصحيح عن فضالة، عن أبان (4)- وهما ممّن أجمعت العصابة فلا يضر جهالته..
مملوكاً وأوصى بعتق ثلثهم، فأقرعت بينهم فأخرجت عشرين فأعتقتهم.
3455 - وروى حريز، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل ترك مملوكاً بين نفر فشهد أحدهم أن الميت أعتقه قال: إن كان الشاهد مرضيّاً لم يضمن وجازت شهادته في نصيبه واستسعي العبد فيما كان للورثة.
وروى الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يكون له المملوكون فيوصي بعتق ثلثهم؟ قال: «كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسهم بينهم»(1)، وقد تقدم.
قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فأخرجت عشرين فأعتقهم) يدلّ ظاهراً على اعتبار العدد، وعلى الإخراج بالحرية وإن أمكن أن يكون قيمتهم مساوية، أو راعى القيمة مع العدد. والظاهر أنه يمكن التعديل في مثل ذلك العدد ولا ريب في أنه إذا أمكن التعديل بالعدد والقيمة كان أحسن ومع عدم الإمكان ففيه خلاف، والمشهور اعتبار القيمة. ويمكن القول بالتخيير لصدق الثلث عليهما. أما إذا أوصى بعتق عبيده ولم يكن له سواهم، فالظاهر حينئذ مراعاة القيمة؛ لأنّ الوصيّة من الثلث قيمة. ويمكن الإخراج على الرقية حتى يبقى القدر المطلوب والتوزيع بأن يخرج بعضهم على الحرية وبعضهم على الرقية حتى يبقى المطلوب.
(وروى حريز عن محمّد بن مسلم) في الصحيح كالشيخ (2)(قال: إن كان الشاهد مرضيّاً) الظاهر أنه الفرد الخفي أي مع أنه مرضيٌّ لا يصير إقراره سبباً للسراية؛ لأنه لم يعتق فكيف إذا لم يكن مرضيّاً. ويمكن أن يكون مفهومه: إذا لم يكن مرضيّاً
3456 - سأل إسحاق بن عمار أبا إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يعتق مملوكه عن دبر ثمّ يحتاج إلى ثمنه قال: يبيعه قال: قلت: فإن كان له عن ثمنه غنى
يضمن القيمة للورثة كما في السراية إذا كان مضاراً، وفيه بعد. ويمكن أن لا يسمع قوله مع عدم كونه مرضيّاً في السراية وإن سمع إقراره على نفسه في عتق حصته. ومثله ما رواه الكليني في القوي عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).
وروى الكليني والشيخ في القوي، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل مات وترك عبداً فشهد بعض ولده أنّ أباه أعتقه؟ قال: «يجوز عليه شهادته، ولا يغرم ويستسعى الغلام فيما كان لغيره من الورثة» (2).
باب التدبير
وهو عتق المملوك بعد وفاته.
(سأل إسحاق بن عمار في الموثق كالشيخ (3)(فإن كان له عن ثمنه غنى) أي
قال: إذا رضي المملوك فلا بأس.
3457 - وروى جميل، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن المدبّر أيباع قال: إن احتاج صاحبه إلى ثمنه ورضي المملوك فلا بأس.
3458 - وروي عن العلاء، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في الرّجل يعتق غلامه أو جاريته عن دبر منه ثمّ يحتاج إلى ثمنه أيبيعه قال: لا إلّا أن يشترط على الذي يبيعه إياه أن يعتقه عند موته.
3459 - وسئل أبو إبراهيم عن امرأة دبرت جارية لها فولدت
لا يحتاج إليه، فهل يجوز بيعه حينئذ قال: (إذا رضي المملوك فلا بأس) أي لا كراهة فيه، وهي أيضاً بأس، كما يدل عليه ما سيجيء من الأخبار.
(وروى جميل) في الصحيح كالشيخ (1). ويدلّ على اشتراط جواز بیعه بالاحتياج ورضى المملوك وهو على الاستحباب.
(وروى العلاء عن محمّد بن مسلم) في الصحيح (2)(أن يعتقه عند موته) أي موت البائع أو المشتري بأن يجعله مدبّراً وهو أيضاً على الاستحباب. فإن اجتمع مع الأولين كان أحسن بأن يبيع خدمته مدة حياته أو يشترط على المشتري عتقه بعد موته. وروى الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثل ذلك (3).
(وسئل أبو إبراهيم (صلوات اللّه عليه)) رواه الكليني والشيخ في الموثق كالصحيح عن
الجارية جارية نفيسة فلم يدر أمدبّرة هي مثل أمها أم لا ؟ فقال: متى كان الحمل كان وهي مدبّرة أو قبل التدبير قلت: جعلت فداك لا أدري أجبني فيهما جميعاً فقال: إن كانت الجارية حبلى قبل التدبير ولم يذكر ما في بطنها فالجارية مدبّرة، وما في بطنها رقّ، وإن كان التدبير قبل الحمل ثمّ حدث الحمل فالولد مدبّر مع أمّه؛ لأنّ الحمل إنّما حدث بعد التدبير.
عثمان بن عيسى، عن أبي الحسن الأول (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن امرأة دبرت جارية لها فولدت الجارية جارية نفيسة ولم تعلم المرأة حال المولودة، هي مدبرة أو غير مدبرة؟ فقال: «متى كان الحمل بالمدبّرة أقبل أن دبرت أو بعد ما دبرت؟» فقلت: لست أعلم ولكن أجبني فيهما جميعاً؟ فقال: «إن كانت المرأة دبرت وبها حبل ولم يذكر ما في بطنها، فإنّ الجارية مدبّرة والولد رق، وإن كان إنما حدث الحمل بعد التدبير فإنّ الولد مدبّر بتدبير أمه» (1).
وكأنه نقل بالمعنى. ويدلّ على أنّ التدبير ليس بمنزلة العتق في العلم وعدمه. ويمكن حمله على الاستثناء بأن ينوي عدمه؛ لما سيجيء أيضاً في خصوص التدبير من مساواته للعتق في العلم وعدمه وعلى أنّ أولاد المدبّر مدبّرون وإن رجع عن تدبير والده؛ لأن هذا التدبير لم يقع منه وإنّما وقع من اللّه تعالى فليس له الرجوع في تدبير الأولاد.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن أبان بن تغلب قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل دبّر مملوكته ثمّ زوّجها من رجل آخر فولدت
1) التهذيب 8: 260، باب التدبير، ح 10. الكافي 6 : 184، باب المدبر، ح 5.
3460 - وسأل الحسن بن علي الوشّاء أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل دبر جارية وهي حبلى فقال: إن كان علم بحبل الجارية فما في بطنها بمنزلتها، وإن كان لم يعلم فما في بطنها رقّ، قال: وسألته عن الرجل يدبر المملوك وهو حسن الحال ثمّ يحتاج أيجوز له أن يبيعه؟ قال: نعم، إذا احتاج إلى ذلك.
منه أولاداً، ثمّ مات زوجها وترك أولاده منها، فقال: «أولاده منها كهيأتها، فإذا مات الذي دبّر أمّهم فهم أحرار» قلت له: أيجوز للذي دبّر أمهم أن يرد في تدبيره إذا احتاج؟ قال: «نعم» قلت: أرأيت إن ماتت أمهم بعد ما مات الزوج وبقي أولادها من الزوج الحر، أيجوز لسيدها أن يبيع أولادها وأن يرجع عليهم في التدبير؟ قال: «لا. إنما كان له أن يرجع في تدبير أمهم إذا احتاج ورضيت هي بذلك»(1). ويدل أيضاً على أنّ الولد مملوك إذا لم يشترط الحرية، كما تقدم وسيجيء
(وسأل الحسن بن علي الوشاء) في الصحيح كالشيخ والكليني في القوي كالصحيح (أبا الحسن) علي بن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)، وهو كالأخبار السابقة في العلم وعدمه، وفي جواز البيع بدون الكراهة مع الاحتياج. ويؤيده أيضاً ما رواه الكليني والشيخ في القوي كالصحيح عن الوشاء قال: سألت أبا الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يدبر المملوك وهو حسن الحال ثمّ يحتاج هل له أن يبيعه؟ قال: «نعم، إن احتاج إلى ذلك» (3).
3461 - وروي عن العلاء، العلاء، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: المدبّر من الثلث وللرّجل أن يرجع في ثلثه إن كان أوصى في صحة أو مرض.
(وروى العلاء) في الصحيح كالكليني والشيخ (1)(عن محمّد بن مسلم قال: المدبّر من الثلث) أي وصيّة ومنه (وللرجل أن يرجع في ثلثه) أي وصينه سواء كانت الوصية في الصحة أو المرض.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المدبّر قال: «هو بمنزلة الوصيّة يرجع فيما شاء منها»(2).
وفي الصحيح عن هشام بن الحكم قال: سألته (أو سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) عن الرجل يدبر مملوكه أله أن يرجع فيه؟ قال: «نعم، هو بمنزلة الوصية»(3).
و في الحسن كالصحيح عن زرارة عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: «المدبّر من الثلث» (4).
وفي الحسن كالصحيح عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المدبّر هو بمنزلة الوصية يرجع فيها وفيما شاء منها؟ فقال: «نعم»(5). وفي بعض
1) الكافي 7 : 22، باب أنّ المدبر من الثلث، ح 3. التهذيب 9: 225، باب وصية الإنسان لعبده، ح 33.
2) الكافي 6: 183 باب المدبّر، ح 2. التهذيب 9: 225 باب وصية الإنسان لعبده، ح 34.
3) الكافي 7 : 22، باب أنّ المدبر من الثلث، ح 2. التهذيب 9: 225، باب وصية الإنسان لعبده، ح 36.
4) الكافي 7 : 22، باب أنّ المدبر من الثلث، ح 1. التهذيب 9 : 225، باب وصية الإنسان لعبده، ح 35.
5) الكافي 6 : 183 باب المدبر، ح 9. التهذيب 9 : 225، باب وصية الإنسان لعبده، ح 34.
3462 - وروى أبان عن أبي مريم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سئل عن الرّجل يعتق جاريته عن دبر أيطؤها إن شاء؟ أو ينكحها، أو يبيع خدمتها حياته؟ قال: نعم، أي ذلك شاء فعل.
النسخ الصحيحة كخير معاوية الأول.
وفي الموثق كالصحيح عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن المدبّر أهو من الثلث؟ فقال: «نعم، وللموصي أن يرجع في وصيته في صحة كانت وصينه أو مرض» (1).
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل دبّر مملوكاً له، ثمّ احتاج إلى ثمنه؟ قال: فقال: «هو مملوكه إن شاء باعه وإن شاء أعتقه، وإن شاء أمسكه حتى يموت، فإذا مات السيد فهو حر من ثلثه»(2)وغير ذلك من الأخبار وسيجيء في باب الوصايا أيضاً.
(وروى أبان) في الموثق كالصحيح كالشيخ (3)وهو كالسابقة في الدلالة. ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ في الموثق عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «المدبّر مملوك، ولمولاه أن يرجع في تدبيره، إن شاء باعه وإن شاء وهبه، وإن شاء أمهره» قال: «وإن تركه سيده على التدبير ولم يحدث فيه حدثاً حتى يموت سيده، فإنّ
3463 - وروى عاصم، عن أبي بصير قال: سألته عن العبد والأمة يعتقان عن دبر فقال: لمولاه أن يكاتبه إن شاء، وليس له أن يبيعه إلّا أن يشاء العبد أن يبيعه مدة حياته، وله أن يأخذ ماله إن كان له مال.
المدبّر حرّ إذا مات سيده وهو من الثلث، إنّما هو بمنزلة رجل أوصى بوصية ثمّ بدا له بعد، فغيرها قبل موته وإن هو تركه ولم يغيّرها حتى يموت أخذ بها»(1).
(وروی عاصم) بن حميد في الحسن كالصحيح والشيخ في الصحيح (2)(عن أبي بصير - إلى قوله - عن دبر) أي عقيب الحياة ويدبّران (فقال: لمولاه أن يكاتبه إن شاء)؛ لأنه تعجيل لعتق كل واحد منهما (وليس له أن يبيعه) على الاستحباب (إلّا أن يشاء العبد أن يبيعه قدر حياته) ويظهر منه جواز هذا البيع وإن كان الزمان مجهولاً مع أنه بيع المنافع. ويمكن عوده إلى الصلح وهو أيضاً على الاستحباب؛ لما تقدم من الأخبار.
(وله أن يأخذ ماله إن كان له مال) ويدلّ على أنّ العبد لا يملك. ويمكن حمله على غير مورد الرواية وسيجيء.
ويؤيده ما رواه الشيخ في القوي عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ)قال: «باع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لخدمة المدبّر ولم يبع رقبته»(3).
3464 - وسأله عبد اللّه بن سنان عن امرأة أعتقت ثلث خادمها عند موتها أعلى أهلها أن يكاتبوها إن شاءوا وإن أبوا قال: لا، ولكن لها من نفسها ثلثها وللوارث ثلثاها يستخدمها بحساب الذي له منها، ويكون لها من نفسها بحساب ما أعتق منها.
وفي القوي عن وهب، عن جعفر، عن أبيه أن علياً (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: «لا يباع المدبّر إلا من نفسه»(1).
وفي القوي عن علي قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل أعتق جارية له عن دبر في حياته؟ قال: «إن أراد بيعها باع خدمتها حياته، فإذا مات أعتقت الجارية وإن ولدت أولاداً فهي بمنزلتها (2)إلى غير ذلك من الأخبار. وعمل بها جماعة من الأصحاب (3)والحمل على الاستحباب أولى؛ لما تقدم.
(وسأله عبد اللّه بن سنان) في الصحيح كالشيخ عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(4)قال: سألته عن امرأة أعتقت ثلث خادمها كما في التهذيب، وخادمتها كما في بعض النسخ (عند موتها أعلى أهلها أن يكاتبوها) بالكتابة المصطلحة أو الاستسعاء مجازاً (قال: لا) لا ريب في عدم وجوب المكاتبة، وأما الاستسعاء فيحمل على ما لم ترد الخادمة. ويحمل على ما لو لم يكن لها سواها وإلا فالظاهر أنه ينعتق بانعتاق جزء
3465 - وروى أبان، عن عبد الرحمن قال: سألته عن الرجل قال لعبده: إن حدث بي حدث فهو حر، وعلى الرّجل تحرير رقبة في كفارة يمين أو ظهار، أله أن يعتق عبده الذي جعل له العتق إن حدث به حدث في كفارة تلك اليمين؟ قال: لا يجوز الذي يجعل له في ذلك.
منه، كما تقدم في السراية. وإن كان أكثر الأخبار في السراية في حصة الشريك، لكن تدل على نفسه بالطريق الأولى. وعمل بعض الأصحاب بظاهر الخبر (1).
(وروى أبان) بن عثمان في الموثق كالصحيح كالشيخ (2)(عن عبد الرحمن) ابن أبي عبد اللّه (قال: سألته) أي أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (قال: لا يجوز الذي يجعل له ذلك) وفي التهذيب: «جعل»، ويدلّ ظاهراً على عدم إجزاء عتق المدبّر عن العتق الذي يجب عليه في كفارة اليمين أو الظهار، ويخالف الأخبار المتقدمة فيحمل إما على الاستحباب أو إذا لم يرجع عن التدبير، أو يحمل على أنه لو مات لم يكن للورثة أن يجعل هذا العتق بدلاً من غيره؛ لأنّ بالموت ينعتق، فكيف يمكن عنقه أو على أنه إذا كان حيّاً نوى أنه يكون كفارة حتى يحصل له التدبير والكفارة، بل يجب التعجيل، ولا يجوز التأخير إلى الموت مع لزوم الصيغة.
وروى الكليني في الصحيح عن ابن محبوب عن إبراهيم الكرخي - وهو كثير
3466 - وروى وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: سألت أباعبدالله
الرواية - قال : قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن هشام بن أديم سألني أن أسألك عن رجل جعل لعبده العتق إن حدث بسيده حدث الموت فمات السيد عليه تحرير رقبة واجبة في كفارة أيجزي عن الميت عتق العبد الذي كان السيد جعل له العتق بعد موته. ته في تحرير الرقبة التي كانت على الميت؟ فقال: «لا» (1).
وروى الشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل جعل لعبده العنق إن حدث به حدث وعلى الرجل تحرير رقبة واجبة في كفارة يمين أو ظهار، أيجزي عنه أن يعتق عبده ذلك في تلك الرقبة الواجبة عليه؟ قال: «لا»(2). كالمتن. وكذا ما رواه في الموثق كالصحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل جعل لعبده العتق إن حدث به الحدث فمات الرجل وعليه تحرير رقبة واجبة وكفارة يمين أو ظهار، أيجزي عنه أن يعتق عنه في تلك الرقبة الواجبة عليه ؟ فقال: «لا» (3).
(وروى وهيب بن حفص) في الموثق كالصحيح كالشيخ (4)(عن أبي بصير)
عن رجل دبّر غلامه وعليه دين فراراً من الدين قال: لا تدبير له، وإن كان دبّره في صحةٍ منه وسلامة فلا سبيل للديان عليه.
ويدل على بطلان تدبير المريض المدين، ويحمل على الاستيعاب أو تضرر الديان. وعلى أنه لو دبّر في حال الصحة يمضي عنقه، ويحمل على عدم تضرر الديان بأن يكون له غير العبد ما يفي بدينه؛ لأنه بمنزلة الوصية والدين مقدم عليها. وعليه يحمل ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن بيع المدبر ؟ قال: «إذا أذن في ذلك فلا بأس به.
وإن كان على مولى العبد دين فدبّره فراراً من الدين فلا تدبير له، وإن كان دبره في صحة وسلامة فلا سبيل للديان عليه ويمضي تدبيره»(1)لما تقدم من الأخبار: ولما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل دبّر مملوكه ثمّ احتاج إلى الثمن؟ قال: «فهو له يبيع إن شاء وإن أعتق فذلك من الثلث (2).
وفي الموثق عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت: إن أبي هلك وترك جاريتين قد دبّرهما وأنا ممّن أشهد لهما، وعليه دين كثير فما رأيك؟ فقال: «رضي الله عن أبيك ورفعه مع محمّد وأهله صلى اللّه عليه وعليهم. قضاء دينه خير له إن شاء الله» (3).
3467 - وروى ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن بريد بن معاوية قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل دبّر مملوكاً له تاجراً موسراً فاشترى المدبّر جارية بأمر مولاه فولدت منه أولاداً ثمّ إنّ المدبّر مات قبل سيده فقال: أرى أن جميع ما ترك المدبّر من متاع أو ضياع فهو للذي دبره، وأرى أنّ أمّ ولده رقّ للذي دبره، وأرى أن ولدها مدبّرون كهيئة أبيهم فإذا مات الذي دبّر أباهم فهم أحرار.
3468 - وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): المعتق عن دبر هو من الثلث، وما جنى هو والمكاتب وأم الولد فالمولى ضامن لجنايتهم.
(وروى ابن محبوب عن علي بن رئاب) في الصحيح كالكليني والشيخ(1)(عن برید بن معاوية قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) ويدلّ على بطلان التدبير بموت العبد قبل المولى دون الأولاد، وعلى أن العبد لا يملك كما تقدم.
(وقال علي (صلوات اللّه عليه)) رواه الشيخ في الموثق عنه (صلوات اللّه عليه)(2)، ويدلّ على أن التدبير من الثلث وجنايته وجناية المكاتب وأم الولد على المولى، ويحمل على أنها في رقبتهم فيتلف من مال المولى وسيجي، أن المولى لا يضمن عبداً. ويمكن حمله على التقيّة؛ لأن رواة الخبر زيدية.
3469 - وروى محمّد بن سنان، عن العلاء بن الفضيل، عن أبي
والظاهر أنّ التدبير كما يصح تعليقه بموت المولى يصح تعليقه بموت من جعل المولى خدمة العبد له؛ لما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل يكون له الخادم فيقول: هي لفلان تخدمه ما عاش، فإذا مات فهي حرّة، فتأبق الأمة قبل أن يموت الرجل بخمس سنين أو ست سنين ثمّ تجدها ورثته لهم أن يستخدموها بعد ما أبقت؟ فقال: «لا، إذا مات الرجل فقد عتقت» (1). وتقدم مع اختلاف.
باب المكاتبة
هي والكتابة مصدران مزيدان مشتقان من المجرد وهي معاملة من السيد مع عبده؛ لتحريره، والكتابة مستحبة مع علم الخير ؛ لقول اللّه تبارك وتعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) (2). وسيجيء المراد من الخير في الأخبار.
(روی محمّد بن سنان) في القوي (عن العلاء بن الفضيل) وهو ثقة، والظاهر
عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عزّ وجل: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) قال: إن علمتم لهم مالاً.
قال: قلت: (وآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللّه الَّذِي آتَاكُمْ). قال: تضع عنه من نجومه التي لم تكن تريد أن تنقصه منها شيئاً ولا تزيده فوق ما في نفسك.
أخذه من كتابه فلا يضر ضعف محمّد، مع أنه وتقه المفيد واعتمد عليه الكليني والمصنف، ورواه الكليني والشيخ بهذا السند (1)عن أبي عبد اللّه (صلوات اللّه عليه) في قول اللّه عزّوجلّ: (فَكَاتِبُوهُمْ) الظاهر أنّ الخطاب مع السادة ((إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) قال: إن علمتم لهم مالاً) أي ظننتم أنهم يقدرون على المال أو على كسبه لأداء مال الكتابة أو التعيش بعدها أو الأعم. ولا ينافي ما سيجيء من انضمام الإيمان أو الإسلام به.
وما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول الله عزّ وجلّ: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). قال: «إن علمتم لهم ديناً ومالاً»(2).
وكذا ما رواه الكليني في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: سألته عن قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) ؟ قال: «الخير إن علمت أن عنده مالاً» (3)مع أنه مع انه سيجيء عن المصنّف عن محمّد بن مسلم ضم الدين.
وكذا ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي من تفسيره بالمال وسيجيء.
فقلت كم؟ قال: وضع أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمملوك له ألفاً من ستة آلافٍ.
والظاهر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما اكتفى بالمال كان يعلم من حال السائل أنه يعلم إنه لا خير في المال بدون الدين، بل يمكن أن يكون اعتقاده الاكتفاء بالدين، فذكر المال لرفع وهمه. أو يكون هذا المعنى من الرواة، كما يظهر من الحلبي ومحمّد بن مسلم أنهما ذكرا مرّة المال ومرة المال والدين. وعلى أي حال فلا ريب في أنه لا بد منهما؛ لصحة الأخبار. ويمكن أن يكون المال كافياً في الجواز ولا يكون كافياً في الاستحباب بل لا بد منهما. أو كان وجود المال سبباً للاستحباب واجتماعهما سبباً؛ لتأكده وهو أظهر، سيّما إذا طلب العبد المكاتبة.
(قال: قلت: وآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللّه الَّذِي آتَاكُمْ))، يمكن أن يكون المخاطب به السادة أو الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أو المؤمنين أو الأعم، والمراد بمال اللّه يمكن أن يكون هو الزكاة أو حط النجوم منها أو من غيرها، لكن خصص (عَلَيهِ السَّلَامُ) حط النجوم بالمتعارف بأن يكون الكتابة بقيمة العبد ويحط منها أو لا يزيد لأجل الحط، بل كلما كان مقصود السيد من كتابته وإن كان زائداً عن قيمته ينبغي أن يحط عنه.
(ولا تزيده فوق ما في نفسك) لأن تحط عن الزيادة.
(فقلت: كم) فقال: السدس فيمكن أن يكون السدس أقل مراتبه أو الأكثر أو الوسط وهو أظهر. فيمكن الاكتفاء بالأقل منه كما روي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ). ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللّه الَّذِي آتَاكُمْ) (1)قال:
1) النور : 33.
3470 - وروى عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن المكاتب يشترط عليه إن عجز فهو رد في الرّق فعجز قبل أن يؤدّي شيئاً قال: لا يردّ في الرّقّ حتى يمضي له ثلاث سنين ويعتق منه مقدار
«الذي أضمرت أن تكاتبه عليه لا تقول أكاتبه بخمسة آلاف وأترك له ألفاً، ولكن انظر إلى الذي أضمرت عليه فأعطه» (1)أي حطه أو أعطه بيده حتى يعطيك.
(وروی عمرو بن شمر عن جابر) وهو كالسابق في الضعف على المشهور كالشيخ (2)(عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)- إلى قوله - ثلاث سنين) يحمل على استحباب صبر المولى، وإلا فالظاهر أنه بمجرد التجاوز عن النجم للمولى أن يردّه رقاً إلا أن يكون مطلقاً فيرد في الباقي، والصدر النجم وهو المقدر في كل شهر أو سنة وسمي به؛ لأنّ العرب كانوا يؤرّخون بطلوع النجم فاستعير لكل مقدر من الزمان، وكذا الصدر بمعنى الرجوع عن الشريعة رياً.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)
ما أدى صدراً، فإذا أدى صدراً فليس لهم أن يردّوه في الرّق.
قال: قلت له: إنّي كاتبت جارية لأيتام لنا واشترطت عليها إن هي عجزت فهي ردٌّ في الرق. وأنا في حل ممّا أخذت منكِ؟ قال: فقال: «لك شرطك، وسيقال لك: إنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقول: يعتق من المكاتب بقدر ما أدى من مكاتبته فقل: إنما كان ذلك من قول علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل الشرط، فلما اشترط الناس كان لهم شرطهم» فقلت له: وما حد العجز ؟ فقال: «إن قضاتنا :يقولون إن عجز المكاتب أن يؤخر النجم إلى النجم الآخر حتى يحول عليه الحول» قلت : فما ذا تقول أنت؟ قال: «لا، ولا كرامة ليس له أن يؤخر نجماً عن أجله إذا كان ذلك في شرطه»(1).
وفي الصحيح عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مكاتبة أدت ثلثي مكاتبتها وقد شرط عليها إن عجزت فهي ردُّ في الرق ونحن في حلّ ممّا أخذنا منها وقد اجتمع عليها نجمان؟ قال: «تردّ ويطيب لهم ما أخذوا منها»، وقال: «ليس لها أن تؤخّر النجم بعد حلّه شهراً واحداً إلا بإذنهم» (2).
وسيجيء الأخبار الدالة على أن مع العجز في المشروط يردّ رقاً ويصدق على التأخير عن النجم بيوم، والأولى الصبر عليه نجماً أو نجمين ولا أقل من شهر والصبر ثلاث سنين أحسن. ويمكن حمله على التقيّة؛ لأنه ليس عندهم المكاتبة المشروطة وفي المطلقة لا يكون عجز بالنسبة إلى ما تحرّر وفي غيره يكون مهاياة.
وكذا ما رواه الشيخ في الموثق عن غياث عن إسحاق بن عمار، عن جعفر،
3471 - وسئل الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدّى بعضها قال: يؤدى عنه من مال الصدقة، إنّ اللّه عزّوجل يقول في كتابه: (وَفِي الرِّقَابِ).
3472 - وسأل عليّ بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عن رجل كاتب مملوكه فقال بعد ما كاتبه: هب لي بعض مكاتبتي وأعجل لك مكاتبتي أيحل ذلك؟ قال: إن كان هبة فلا بأس وإذا قال: تحطه عنّي وأعجل لك فلا يصلح.
عن أبيه: «أن علياً (عَلَيهِم السَّلَامُ) كان يقول : إذا عجز المكاتب لم يرد مكاتبته في الرق ولكن ينتظر عاماً أو عامين، فإن قام بمكاتبته وإلا ردّ مملوكاً»(1)وكذا ما سيجيء من خبر القاسم بن سليمان مع اشتراك الجميع في الضعف.
(وسئل الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الشيخ عن إبراهيم بن هاشم مرسلاً، عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)وتقدم في باب الزكاة.
(وسأل علي بن جعفر) في الصحيح كالكليني والشيخ في القوي كالصحيح (3)(وإذا قال: حطه عني) كما في الكافي والتهذيب، وفي بعض النسخ: «تحطه» وحمل
3473 - وروى عمّار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكاتب بين شريكين فيعتق أحدهما نصيبه كيف يصنع الخادم. قال: يخدم الثاني يوماً ويخدم نفسه يوماً قلت: فإن مات وترك مالاً؟ قال: المال بينهما نصفان بين الذي أعتق وبين الذي أمسك.
3474 - وروى ابن محبوب، عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)
على الكراهة؛ لما سيجيء من جواز الحط في الدين إذا عجل، وعدم جواز الزيادة عليها وتأخير الأجل وتقدم أيضاً. ويمكن اختصاص مال الكتابة بعدم الجواز، فإنّه خاص وهو مقدم على العام، فالأحوط أن يكون بعنوان الهبة.
(وروى عمار الساباطي) في الموثق كالكليني والشيخ (1)(في مكاتب) كما في التهذيب، ومكاتبة كما في الكافي، ويدلّ ظاهراً على عدم السراية، إلا أن يحمل على فقدان شرطها من الفقر، أو القربة كما تقدم، وعلى عدم الاستسعاء، إلا أن يحمل على عدم إرادة العبد إيّاه، أو على المهاياة وعلى الميراث بالولاء.
(وروى ابن محبوب) في الصحيح كالكليني والشيخ (2)(عن عمر بن يزيد) ويدلّ
عن رجل أراد أن يعتق مملوكاً له وقد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة ورضي بذلك منه المولى فأصاب المملوك في تجارته مالاً سوى ما كان يعطي مولاه من الضريبة. فقال: إذا أدى إلى سيده ما كان فرض عليه فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك. قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه : أليس قد فرض اللّه عزّوجلّ على العباد فرائض فإذا أدوها إليه لم يسألهم عمّا سواها قلت له: فللمملوك أن يتصدق ممّا اكتسب، ويعتق بعد الفريضة التي يؤديها إلى سيّده قال: نعم، وأجر ذلك له. قلت: فإن أعتق مملوكاً ممّا كان اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء المعتق فقال: يذهب فيتولّى إلى من أحبّ فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه وورثه قلت له: أليس قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الولاء لمن أعتق ؟ فقال: هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله. قلت: فإن ضمن العبد الذي أعتقه جريرته وحدثه يلزمه ذلك ويكون مولاه ويرثه فقال: لا يجوز ذلك لا يرث عبد حرّاً
على أن المملوك يملك فاضل الضريبة، بأن يقول المولى له: اكتسب وأعطني كل يوم كذا ويكون الباقي لك. والتمثيل؛ للتوضيح لا أنه قياس؛ لأنهم عارفون بأحكام اللّه تعالى بالنصوص عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). ويدل على رفع الحجر عنه في الفاضل وصحة عتقه وعدم الولاء على معتقه؛ لأنّ فائدة الولاء الإرث، ولا يرث العبد الحر. لكن لمعتقه أن يتخذ ضامناً لجريرته؛ لأنه سائبة لا ولاء لأحد عليه سوى الإمام فإن حصلت له قرابة أو ضامن فهم مقدمون على ولاء الإمامة في الإرث، ويدل على
3475 - وروى أبان، عن أبي العباس، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل قال: غلامي حرّ، وعليه عمالة كذا وكذا سنة قال: هو حر وعليه العمالة قلت: إن ابن أبي ليلى يزعم أنه حرّ وليس عليه شيء. قال: كذب، إن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعتق أبا نيزر وعياضاً ورياحاً وعليهم عمالة كذا وكذا سنة، ولهم رزقهم وكسوتهم بالمعروف في تلك السنين.
اشتراط الحرية في الضامن، وسيجيء تملكه لأرش الجناية أيضاً وعمل بهما المصنّف (1)وجماعة من الأصحاب (2). وذهب جماعة إلى عدم تملكه مطلقاً. وحملوا الروايتين على الشذوذ ؛ لمنافاته لظاهر الآية، والأخبار الكثيرة، وأجيب بأنهما خاص وهما عام والخاص مقدم مع أنّ الآية في قوله تعالى: (عَبْداً مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) (3)يمكن أن يكون القيد احترازياً، لكن ورد الأخبار الصحيحة الدالة على أن القيد توضيحي. ويدل على أن المملوك لا يملك شيئاً. فظهر أن العمدة الأخبار، والجمع بينها بالعموم والخصوص مقدّم على ترك بعضها سيما مع صحة الخبر بالاصطلاحين (4).
(وروى أبان) في الموثق كالصحيح كالشيخ (5)(عن أبي العباس) الفضل بن
3476 - وروى القاسم بن بريد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكاتب شرط عليه إن عجز أن يردّ في الرّق قال: المسلمون عند شروطهم.
عبد الملك الثقة. ويدلّ على جواز شرط العمل في العتق ولا ينافي القربة، بل ربما كان له أصلح وعدم ذكر القربة لا يدلّ على العدم؛ لأنه يكفي في النية أن يكون مقصوده القربة بخلاف التلفظ بالإعتاق؛ فإنّه لا بد منه.
ونيزر بالنون قبل الزاي، وفي الكافي (1)بالعكس كما في بعض النسخ، ورياح قرئ بالموحدة والمثناة، و لهذا اختلفت النسخ فيه. وفي الكافي بدل عياض: جبير مصغراً، والعمالة - مثلثة -: رزق العامل وأجر العمل والظاهر أن المراد هنا الخدمة تجوزاً - كما تقدم من الكافي - على أن يعملوا في المال خمس سنين.
(وروى القاسم بن بريد) الثقة. وفي الطريق محمّد بن سنان ولا يضر كما تقدم.
(عن محمّد بن مسلم - إلى قوله - عند شروطهم) أي ملازمون ويؤتون بها واجباً أو مستحباً أو الأعم، وهنا على الوجوب.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إنّ المكاتب إذا أدّى شيئاً أعتق بقدر ما أدّى إلا أن يشترط مواليه إن عجز فهو مردود فلهم شرطهم» (2).
وروى الكليني في الحسن كالصحيح والشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المكاتب يؤدي بعض مكاتبته فقال: «إنّ الناس كانوا
3477 - وسئل الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المكاتب فقال: يجوز عليه ما شرطت عليه.
لا يشترطون وهم اليوم يشترطون والمسلمون عند شروطهم، فإن كان شرط عليه إن عجز رجع وإن لم يشترط عليه لم يرجع وفي قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) (1)قال: «كاتبوهم إن علمتم لهم مالاً»(2)وفي الكافي بزيادة قال: وقال في المكاتب: «يشترط عليه مولاه أن لا يتزوج إلا بإذن منه حتى يؤدّي مكاتبته» قال: «ينبغي له أن لا يتزوج إلا بإذن منه، إنّ له شرطه»(3).
(وسئل الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني في القوي عن أبان، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(4)قال: سألته (عن المكاتب قال: يجوز عليه) أي يلزمه (ما شرطت عليه) أي كل شرط شرط عليه في عقد الكتابة، ولمّا كان بناء العتق على اللزوم يصير الشروط فيه لازماً ولا يصير العقد جائزاً، بخلاف الكتابة، فإنّها معاملة مع العبد ويصير العقد جائزاً. ويمكن أن يكون الجواز بالمعنى الأعم بأن يصيّرها بعض الشروط جائزاً ويكون بعضها لازماً يجب الوفاء به، كما لو شرط فيه أن لا يتزوج، كما سيجيء من بطلان النكاح.
ومثل ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل كان له أب مملوك وكانت لأبيه امرأة مكاتبة قد
3478 - وقضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكاتبة توفيت وقد قضت عامة ما عليها وقد ولدت ولداً في مكاتبتها، فقضى في ولدها أن يعتق منه مثل الذي عتق منها، ويرق منه مثل ما رقّ منها.
أدّت بعض ما عليها، فقال لها ابن العبد : هل لك أن أعينك في مكاتبتك حتى تؤدّي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار على أبي إذا أنت ملكت نفسك؟ قالت: نعم. فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار عليه بعد ما ملك. في التهذيب بعد ذلك قال: «لا يكون لها الخيار المسلمون عند شروطهم»(1)، ويدلّ على لزوم الشرط في غير العقد أيضاً.
(وقضى أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)) رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال (2): «قضى» إلى آخره، (وقد قضت عامة ما عليها) أي أكثره والمراد بها المطلقة، فإنّه يعتق منه ومن ولده بمقدار ما يؤدي، والذي يروي عنه المصنف، بل الكليني والشيخ أيضاً هو محمّد بن قيس الثقة صاحب كتاب القضايا عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بقرينة رواية عاصم بن حميد ويوسف بن عقيل عنه غالباً، بل الظاهر أنّ الراوي واحد ولم نطلع على رواية من محمّد بن قيس من غير
كتاب القضايا، فحديثه صحيح مع صحة رواته، فلا يلتفت إلى قول بعض أصحابنا
3479 - وروى حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المكاتب يشترط عليه مولاه أن لا يتزوج إلا بإذن منه حتى يؤدّي مكاتبته قال: ينبغي له أن لا يتزوج إلا بإذن منه إنّ لهم شرطهم.
فيه بالحكم بصحته تارة وبضعفه بالاشتراك أخرى (1).
(وروى حماد) في الصحيح (عن الحلبي) (2)، يدل على عدم جواز نكاح المكاتب مع شرط العدم وهو ظاهر، بل الظاهر أنه لا يجوز بغير إذن المولى كما سيجيء. وروى الكليني والشيخ في الموثق عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «المكاتب لا يجوز له عتق ولا هبة ولا نكاح ولا شهادة ولا حج حتى يؤدي ما عليه إذا كان مولاه قد شرط عليه إن عجز عن نجم من نجومه فهو ردّ في الرق»(3).
وروى الشيخ في الصحيح عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «المكاتب لا يجوز له عتق ولا هبة ولا تزويج حتى يؤدّي ما عليه إن كان مولاه شرط عليه إن هو عجز فهو ردُّ في الرق، ولكن يبيع ويشتري وإن وقع عليه دين في تجارة كان على مولاه أن يقضي دينه؛ لأنه عبده»(4)وسيجيء أيضاً.
3480 - وروى جميل بن دراج، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكاتب يموت وقد أدّى بعض مكاتبته وله ابن من جاريته وترك مالاً قال: يؤدّي ابنه بقية مکاتبته ويعتق ويرث ما بقي.
(وروى جميل بن دراج) في الصحيح كالشيخ (1)(عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) والمراد به المكاتب المطلق. وروى الشيخ في الصحيح أيضاً عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مكاتب يؤدّي بعض مكاتبته ثمّ يموت ويترك ابناً له من جارية له؟ فقال: «إن كان اشترط عليه أنه إن عجز فهو رِقٌ رجع ابنه مملوكاً والجارية، وإن لم يشترط عليه صار ابنه حرّاً ويردّ على المولى بقية المكاتبة وورثه ابنه ما بقي»(2).
وروى الكليني والشيخ في الموثق عن محمّد بن حمران، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن مكاتب يؤدّي بعض مكاتبته ثمّ يموت ويترك ابناً له من جاريته؟ قال: «إن كان اشترط عليه صار ابنه مع أمه مملوكين، وإن لم يكن اشترط عليه صار ابنه حرّاً وأدّى إلى الموالي بقية المكاتبة وورث ابنه ما بقي»(3).
وروى الشيخ في الصحيح، عن البزنطي، عن محمّد بن سماعة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)
قال: في المكاتب يكاتب فيؤدّي بعض مكاتبته، ثمّ يموت ويترك ابناً ويترك مالاً أكثر ممّا عليه من المكاتبة؟ قال: «يوفّي مواليه ما بقي من مكاتبته، وما بقي فلولده»(1)، وسيجيء صحيحتا أبي الصباح وابن سنان في هذا المعنى. والظاهر أنّ المصنّف رجّح هذه الروايات ويخالفها ظاهراً، ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن بريد العجلي، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل كاتب عبداً له على ألف درهم ولم يشترط عليه حين كاتبه إن هو عجز عن مكاتبته فهو ردّ في الرق، وأنّ المكاتب أدّى إلى مولاه خمسمائة درهم ثمّ مات المكاتب وترك مالاً وترك ابناً له مدركاً؛ قال: «نصف ما ترك المكاتب من شيء، فإنّه لمولاه الذي كاتبه، والنصف الباقي لابن المكاتب لأن المكاتب مات ونصفه حر ونصفه عبد للذي كاتبه فابن المكاتب كهيئة أبيه نصفه حر ونصفه عبد، فإن أدّى إلى الذي كاتب أباه ما بقي على أبيه فهو حر لا سبيل لأحد من الناس عليه»(2).
وروى الكليني والشيخ في الصحيح، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه قال: «المكاتب يرث ويورث على قدر ما أدّى» (3).
وفي الصحيح عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكاتب توفي وله مال قال: «يحسب ميراثه على قدر ما أعتق منه لورثته، وما لم يعتق منه لأربابه الذين كاتبوه من ماله»(1).
وفي الصحيح عن محمّد بن قيس والكليني في الحسن كالصحيح، عنه عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) «أنه قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن المكاتب يرث بحساب ما أعتق منه»(2).
وروى الكليني في القوي كالصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في مكاتب مات وقد أدّى من مكاتبته شيئاً وترك مالاً وله ولدان أحرار، فقال: «إنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقول: يجعل ماله بينهم بالحصص»(3).
وسيجيء أخبار أخر في باب الوصايا والميراث فيجمع بينها تارة بأنه يؤدي من ماله لا من الكل، والأخبار السابقة ليست بصريحة في الكل بل ظاهرة فيه ويعدل عن ظاهرها لهذه الأخبار. وتارة بأنّ مال الكتابة من الأصل وما يبقى فهو بالنسبة. وتارة بأنه إن أراد الأولاد الكتابة فمالها مقدّم والباقي لهم أو بالنسبة. وإن لم يريدوها
1) الكافي 7 : 151، باب ميراث المكاتبين ح 4. التهذيب 9 : 349، باب ميراث المكاتب، ح 1.
2) انظر: ما نقله الشارح فلم نجده في الكتابين بهذا اللفظ ويمكن نظره إلى ما روياه في الكتابين: الكافي 7 : 151، باب ميراث المكاتبين ح 4. والتهذيب 8: 275 باب المكاتب، ضمن ح 32. ولكن لفظ الحديث هكذا: عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قضى أمير المؤمين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكاتب توفي وله مال؟ قال: يقسم ماله على قدر ما أعتق منه لورثته وما لم يعتق يحتسب منه لأربابه الذين كاتبوه وهو ماله.
3) الكافي 7: 152، باب ميراث المكاتبين ح 7. التهذيب 9: 352 باب ميراث المكاتب ح 9.
3481 - وسأله سماعة عن العبد يكاتبه مولاه وهو يعلم أن ليس له قليل ولا كثير. قال: فليكاتبه وإن كان يسأل الناس ولا يمنعه المكاتبة من أجل أنه ليس له مال، فإنّ اللّه عزّوجل يرزق العباد بعضهم من بعض فالمحسن معان.
3482 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل ملك مملوكاً له فسأل صاحبه المكاتبة أله أن لا يكاتبه إلا على الغلاء قال: نعم.
فيقسم بينهم وبين الولي بالنسبة والأوّل أشهر وأظهر، والله تعالى يعلم.
(وسأله سماعة) في الموثق مثلهما (والمحسن معان) كما في التهذيب (1). وفي الكافي والمؤمن معان. ويقال: والمحسن معان أي يعينه اللّه تعالى أو يلزم إعانته. ويدلّ على استحباب الكتابة مع الفقر أيضاً وإن أمكن أن يكون قادراً على التكسب.
(وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الشيخ في الموثق كالصحيح عن أبان عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2).
ويدل على جواز المكاتبة بأكثر من ثمنه أو المعتاد المعروف وإن كان الاكتفاء بذلك أولى. ويدلّ ظاهراً على تملك العبد وإن أمكن أن يكون المراد به القدرة على تحصيله.
3483 - وروى حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المكاتب يكاتب ويشترط عليه مواليه أنه إن عجز فهو مملوك ولهم ما أخذوا منه قال: يأخذه مواليه بشرطهم.
3484 - وروى معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: في مملوك كاتب على نفسه وماله وله أمةٌ وقد شرط عليه أن لا يتزوّج فأعتق الأمة وتزوجها قال: لا يصلح له أن يحدث في ماله إلّا الأكلة من الطعام ونكاحه فاسد مردود، قيل : فإنّ سيّده علم بنكاحه ولم يقل شيئاً قال: إذا صمت حين يعلم ذلك فقد أقرّ قيل: فإن كان المكاتب أعتق أفترى أن يجدد نكاحه أو يمضي على النكاح الأوّل قال: يمضي على نكاحه.
(وروى حماد) في الصحيح (عن الحلبي) ويدلّ على جواز الشرط في الكتابة بأن يقول: إذا عجزت فأنت رق وما أعطيت فلي. ويلزم العبد الوفاء به وإن استحب للمولى الصبر ثلاث سنين كما تقدم.
(وروى معاوية بن وهب) في الحسن كالصحيح وهما في الصحيح(1)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: في مملوك كاتب على نفسه) بأن يصير حراً بمال الكتابة (وماله) بأن يكون المال له بعد الكتابة وإن كان المال موجوداً وزائداً على مال الكتابة؛ للإطلاق وتقريره (عَلَيهِ السَّلَامُ) (قال : لا يصلح له أن يحدث في ماله إلا الأكلة) - بالفتح - المرّة - وبالضم - اللقمة والقرصة والطعمة (من الطعام) الظاهر أنه ورد مبالغة في عدم التبذير والتصرف في غير تحصيل مال الكتابة (ونكاحه فاسد مردود) أي آئل إلى الفساد، أو حرام مطلقاً أو بدون الرخصة بعده (قيل فإن) إلى آخره.
1) الكافي 6 : 188، باب المكاتب ح 12. التهذيب 8: 269، باب المكاتبة، ح 11.
3485 - وروى عليّ بن النعمان عن أبي الصباح، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المكاتب يؤدّي نصف مكاتبته ويبقى عليه النّصف ثمّ يدعو مواليه إلى بقية مكاتبته فيقول لهم: خذوا ما بقي ضربةً واحدةً قال: يأخذون ما بقي ثمّ يعتق وقال في المكاتب يؤدّي بعض مكاتبته ثمّ يموت ويترك ابناً ويترك مالاً أكثر ممّا عليه من مكاتبته قال: يوفّى مواليه ما بقي من مكاتبته وما بقي فلولده.
أي سكوته مع علمه دليل الرضا، ويدلّ على صحة العقد الفضولي، كما يدلّ عليه أخبار كثيرة ستجيء.
(وروى علي بن النعمان) في الصحيح كالشيخ (1)(عن أبي الصباح) إبراهيم بن نعيم. ورواه الشيخ أيضاً في الصحيح عن الحلبي (2)(عن أبي عبد اللّه - إلى قوله - يأخذون ما بقي) أي يجوز أو يستحب ورواه الشيخ أيضاً في الصحيح عن الحلبي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتغيير ما غير مغيّر للمعنى.
ولا يجب الأخذ قبل النجم؛ لما رواه الكليني والشيخ في الموثق كالصحيح عن إسحاق بن عمار، عن جعفر عن أبيه: «أنّ مكاتباً أتى عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: إن سيدي كاتبني وشرط علي نجوماً في كل سنة، فجئته بالمال كله ضربة، فسألته أن يأخذه كله ضربة ويجيز عتقي، فأبى عليّ. فدعاه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له: صدق، فقال له: ما لك لا تأخذ المال وتمضى عتقه؟ قال: ما آخذ إلا النجوم التي شرطت وأتعرض من ذلك
3486 - وروى ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكاتب يموت وقد أدى بعض مكاتبته وله ابن من جاريته قال: إن كان اشترط عليه إن عجز فهو مملوك رجع ابنه مملوكاً والجارية وإن لم يكن اشترط عليه أدى ابنه ما بقي من مكاتبته وورث ما بقي.
3487 - وروى جميل بن دراج، عن مهزم قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المكاتب يموت وله ولد فقال: إن كان اشترط عليه فولده مماليك وإن لم یکن اشترط عليه سعى ولده في مكاتبة أبيهم وعتقوا إذا أدوا.
إلى ميراثه فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنت أحق بشرطك» (1)، ويمكن حمل الأخبار الأولة على الوجوب وطرح هذا الخبر ؛ لضعفه. فالاحتياط في الأخذ. وتتمة الخبر كخبر جميل وقد تقدم.
(وروى ابن أبي عمير) في الصحيح كالشيخ، ورواه الكليني في الحسن كالصحيح عن الحلبي و (عن عبد اللّه بن سنان)(2)وهو أيضاً كالسابق وتقدم.
(وروى جميل بن دراج) في الصحيح كالشيخ (3)(عن مهزم) وهو مجهول ولا يضر، ويدل على بطلان الكتابة المشروطة بالموت، ويمكن حمله مع غيره من
الأخبار على أنه آئل إلى البطلان ويجوز للمولى فسخها. ويدلّ على لزوم السعي في المطلقة، وعلى أنه ما لم يؤدّوا لم ينعتقوا.
فأما ما رواه الكليني في الصحيح والشيخ في القوي كالصحيح، عن مالك بن عطية قال: سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل مكاتب مات ولم يؤد من مكاتبته شيئاً وترك مالاً وولداً؟ قال: «إن كان سيده حين كاتبه اشترط عليه إن عجز عن نجم من نجومه فهو ردّ في الرق وكان قد عجز عن نجم، فما ترك من شيء لسيده وابنه ردّ في الرق إن كان له ولد قبل المكاتبة، وإن كان كاتبه بعد ولم يشترط عليه فإنّ ابنه حر فيؤدي عن أبيه ما بقي عليه ممّا ترك أبوه، وليس لابنه شيء من الميراث حتى تؤدي ما عليه، فإن لم يكن أبوه ترك شيئاً فلا شيء على ابنه»(1).
فمحمول على أنه لا شيء عليه من المال المتروك عن أبيه، ولا ينافي السعي. أو يحمل على أنه لا يجبر على السعي ويكون الباقي مملوكاً: لما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن مالك بن عطية، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عن رجل أعتق نصف جاريته، ثمّ إنّه كاتبها على النصف الآخر بعد ذلك؟ قال: فقال: «فليشترط عليها أنها إن عجزت عن نجومها فإنّها تردّ في الرق في نصف رقبتها» «قال: فإن شاء كان له في الخدمة يوم ولها يوم وإن لم يكاتبها» قلت: فلها أن تتزوّج في تلك الحال؟، قال: «لا، حتى تؤدي جميع ما عليها من نصف رقبتها»(2).
ويظهر منه عدم السراية في نصفه. ويمكن قراءتها بالمجهول بأن يكون المعتق غيره ولم يحصل فيه شرائط السراية. كما يحمل ما رواه الشيخ في القوي عن حمزة بن حمران، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال : سألته عن الرجل أعتق نصف جاريته ثمّ قذفها بالزنا ؟ قال: فقال: «أرى أنّ عليه خمسين جلدة ويستغفر الله»، قلت: أرأيت إن جعلته في حل وعفت عنه؟ قال: «لا ضرب عليه إذا عفت من قبل أن ترفعه»، قلت: فيغطي رأسها منه حين أعتق نصفها؟ قال: «نعم، وتصلي وهي مخمرة الرأس ولا تتزوّج حتى تؤدّي ما عليها أو يعتق النصف الآخر» (1).
أما ما ورد فيه من الخمسين فالمناسب أربعين إلا أن يحمل أن يكون العتق زائداً على النصف وأطلق عليه النصف مجازاً.
ويدلّ أيضاً على عدم جواز وطيها ما رواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن الحسين بن خالد عن الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سئل عن رجل كاتب أمة له، فقالت الأمة: ما أديت من مكاتبتي فأنا به حرة على حساب ذلك. فقال لها: نعم. فأدت بعض مكاتبتها وجامعها مولاها بعد ذلك ؟ وقال: «إن كان استكرهها على ذلك ضرب من الحد بقدر ما أدّت من مكاتبتها ودرء عنه من الحد بقدر ما بقي له من مكاتبتها، وإن كانت تابعته فهي شريكته في الحد تضرب مثل ما يضرب» (2)وسيجيء أن الملك شبهة دارئة للحد وإن كان عالماً بحرمة الوطء.
3488 - وروى محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إن اشترط المملوك المكاتب على مولاه أنّه لا ولاء لأحدٍ عليه أو اشترط السيد
وفي القوي عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: في مكاتبة يطأها مولاها فتحمل قال: «يردّ عليها مهر مثلها وتسعى في قيمتها، فإن عجزت فهي من أمهات الأولاد»(1).
وفي الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رجل وقع على مكاتبته فنال من مكاتبته فوطئها، قال: «علیه مهر مثلها، فإن ولدت منه فهي على مكاتبتها، وإن عجزت فردّت في الرق فهي من أمهات الأولاد» قال: وسألته عن اليهودي والنصراني والمجوسي هل يصلح أن يسكنوا في دار الهجرة؟ قال: «أما أن يلبثوا بها فلا يصلح» وقال: «إن نزلوا نهاراً وخرجوا بالليل فلا بأس»(2)وسيجيء هذه الأحكام في محالها إن شاء اللّه تعالى.
(وروی محمّد بن قيس) في الحسن كالصحيح والشيخ في الصحيح (عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) وفي التهذيب هكذا قال: «إن اشترط المملوك المكاتب على مولاه أنه لا ولاء لأحد عليه إذا قضى المال فأقر بذلك الذي كاتبه، فإنّه لا ولاء لأحد عليه،
ولاء المكاتب فأقرّ المكاتب الذي كوتب فله ولاؤه، قال: وقضى أمير المؤمنين في مكاتب اشترط عليه ولاؤه إذا أعتق فنكح وليدة لرجل آخر فولدت له ولداً فحرّر ولده ثمّ توفي المكاتب فورثه ولده فاختلفوا في ولده من يرثه فألحق ولده بموالي أبيه.
3489 - وقضى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكاتبة توفيت وقد قضت عامة الذي
وإن اشترط السيد ولاء المكاتب فأقرّ الذي كوتب فله ولاؤه» (1)أما الأول فإنّه لا ولاء للسيد على المكاتب وهو سائبة، فشرطه للعدم مؤكد. وأما الثاني فإنّه يصير ضامناً لجريرته، ويجوز للمكاتب أن يتخذ الضامن سواء فيه المولى وغيره.
(قال) أي محمّد بن قيس أو أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا السند (فنكح وليدة) أي أمة (فحرر ولده) أي صاحب الوليدة (ثمّ توفي المكاتب فورثه ولده) أي الجميع أو بالنسبة (فاختلفوا في ولده) أي ولد ولد المكاتب (من يرثه) هل يرثه مولى أبيه الذي حرّره أو المولى الذي كاتب جده وشرط الولاء له؟
قال (فألحق) أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ولده بموالي أبيه)؛ لأن لهم الولاء أصالة وميراثاً؛ وليس لمولى المكاتب إلا ولاء ضمان الجريرة وهو غير موروث. ويمكن أن يقرأ فحرّر على صيغة المجهول، ويكون الاختلاف في ولد المكاتب لا ولد الولد.
(وقضى علي (صلوات اللّه عليه)) تقدم بعينه، ولا وجه لإعادته إلا أن يكون في كتاب محمّد بن قيس مكرّراً، أو سمعه منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مكرراً فكرر للتأكيد.
1) التهذيب 8: 270، باب المكاتبة، ح 18.
عليها فولدت ولداً في مكاتبتها فقضى في ولدها أنه يعتق منه مثل الذي عتق منها ويرق منه مثل الذي رقّ منها.
3490 - وروى عمر صاحب الكرابيس، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل كاتب مملوكه واشترط عليه أن ميراثه له فرفع ذلك إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأبطل شرطه وقال: شرط اللّه قبل شرطك.
[حكم اشتراط إرث المكاتب]
(وروى عمر صاحب الكرابيس) الظاهر أنه عمر بن يزيد، وطريقه إليه صحيح. ويحتمل أن يكون عمر بن السالم الثقة (1). ولم يذكر طريقه إليه وكلاهما موصوفان بصاحب السابري والسابرية كرباس من بلاد سابور. ورواه الشيخ مرّة في الصحيح، عن أبي أحمد - والظاهر أنه ابن أبي عمير - عن عمر صاحب الكرابيس (2)، ومرة في الحسن كالصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)، ومرّة في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن جميل(4)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)- إلى قوله - أن ميراثه له) أي وإن كان له ولد لا بعنوان ضامن الجريرة. فإنّه يصح كما تقدم. ويؤيده قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (شرط اللّه قبل شرطه) فإنه تعالى قرر الميراث لأهله، فمع وجود الوارث لا يجوز شرطه لغيره. أما لو شرط بعنوان ضامن الجريرة
3491 - وروى العلاء، عن محمّد بن مسلم، بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عزّ وجلّ: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) (1)قال: الخير أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمّداً رسول الله، ويكون بيده عمل يكتسب به أو يكون له حرفة.
3492 - وروي عن القاسم بن سليمان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يستسعي المكاتب؛ لأنهم لم يكونوا يشترطون إن عجز فهو رقّ، وقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لهم شروطهم. وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ينتظر بالمكاتب ثلاثة أنجم
بأنه لو لم يكن لك وارث فأنا أرثك وأضمن جريرتك، فإنه يصح كما تقدم.
(وروى العلاء) في الصحيح (عن محمّد بن مسلم) يدلّ على أن المراد بالخير في الآية الإسلام، وعبّر عنه بالشهادتين والقدرة على الأداء، أو عبر له عنه بأن يكون بیده عمل يكتسب به كالنجارة والبناء، أو يكون له حرفة كالتجارة.
(وروي عن القاسم بن سليمان) في القوي كالشيخ (2)(عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن عليّاً كان يستسعي المكاتب) أي في المطلق الذي حرّر منه شيء حتى يؤدّي تمامه أو مطلقاً (أنهم لم يكونوا يشترطون) أي لم يكن الشرط في زمان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والصحابة وكانت الكتابة مطلقة، ولكن (لهم شروطهم)؛ لقول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «المسلمون عند شروطهم» (3)وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ينتظر بالمكاتب ثلاثة أنجم استحباباً، كما تقدم. ويحمل ثلاث سنين على أن يكون النجم سنة وكان مقرراً
فإن هو عجز ردّ رقيقاً.
3493 - قال: وسألته عن قول اللّه عزّوجلّ: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللّه الَّذِيَ اتَاكُمْ) (1)قال: سمعت أبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لا يكاتبه على الذي أراد أن يكاتبه ثم يزيد عليه ثمّ يضع عنه، ولكنّه يضع عنه ممّا نوى أن يكاتبه عليه.
3494 - روى إسماعيل بن مسلم عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)قال: قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الولاء لحمة كلحمة النسب، لا تباع ولا توهب.
عندهم، والباقي تقدم.
باب الولاء للمعتق
أو ولاء المعتق.
(روى إسماعيل بن مسلم) السكوني في القوي كالشيخ (2)(الولاء لحمة كلحمة النسب) قرىء الولاء بفتح الواو وكسرها وهو الإرث أو تسلط عليه أو تسلط هو سبب الإرث، واللحمة قرئت بفتح اللام وضمها وبفتح الأولى وضم الثانية، واللحمة في الثوب ما ينسج في السداء، وشبه الولاء بذلك؛ لما يلحق به الارتباط حتى يصير المولى بمنزلة القريب في الميراث كما تخالط اللحمة سداء الثوب الا يباع ولا يوهب كانت العرب تهبه وتبيعه فنهى عنه؛ لأنّ الولاء كالنسب فلا يزول
3495 - وقيل للصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): لم قلتم مولى الرجل منه ؟ قال: لأنه خلق من طينه ثمّ فرّق بينهما فردّه السبي إليه فعطف عليه ما كان فيه منه فأعتقه فلذلك هو منه
بالإزالة. ويؤيّده ما رواه الشيخ في القوي كالصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال : سألته عن بيع الولاء يحل؟ قال: «لا يحل»(1).
(وقيل للصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه المصنّف في العلل قويّاً عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)(لم قلتم إن مولى الرجل منه) المراد بالمولى هنا المعتق - بالفتح - وكان الراوي سمع هذا الكلام منه أو من غيره (صلوات اللّه عليهم) فيسأل فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن المعتق والمعتق مخلوقان من طينة واحدة ؛ إما لأن الغالب أنّ الإمامي لا يعتق من عبيده إلا من كان إماميّاً، فينكشف حينئذ أنهما كانا من طينة واحدة؛ لأنّ الشيعة كلهم مخلوقون من طينة عليين، ثمّ فرّق بينهما وصار في بلاد الكفر، ثمّ ردّه السبي إليه، فلما أسلم وصار معتقداً للحق تذكر ما كان من الألفة التي كانت في عالم الأرواح وعطف عليه فحرره؛ وإما لأنهما كانا في عالم الأرواح مقترنين، كما سيجيء: «أنّ الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (3)، وبالائتلاف انكشف التعارف في ذلك العالم سيما التعارف الذي صار سبباً للعتق.
3496 - وروي عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرّجل يعتق الرجل في كفارة يمين أو ظهار لمن يكون الولاء قال: للذي أعتق.
3497 - وفي رواية عبيد اللّه بن علي الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه
(وروی عاصم بن حميد) في الحسن كالصحيح والشيخ في الصحيح (1)(عن أبي بصير - إلى قوله – أعتق) هذا الخبر مخالف للأخبار الكثيرة (2)ولعمل الأصحاب (3)لأن المعتق في اليمين والظهار سائبة لا ولاء لأحد عليه. وحمله بعض الأصحاب على الشرط. ويمكن قراءته بصيغة المجهول، وكذا ما في التهذيب يعتق، أي ولاية لنفسه ولا ولاء لأحد عليه، فإذا تولّى أحداً فله الولاء وسيجيء الأخبار النافية له ظاهراً.
(وفي رواية عبيد اللّه بن علي الحلبي) في الصحيح والكليني والشيخ في الحسن كالصحيح (عن أبي عبد اللّه (4)- إلى قوله - الولاء لمن أعتق) أي ليس
ذكر أن بريرة كانت عند زوج لها وهي مملوكة، فاشترتها عائشة فأعتقتها فخيّرها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إن شاءت تقرّ عند زوجها، وإن شاءت فارقته، وكان مواليها الذين باعوها قد اشترطوا ولاءها على عائشة فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الولاء لمن أعتق، وصدّق على بريرة بلحم فأهدته إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فعلقته عائشة وقالت: إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا يأكل الصدقة، فجاء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، واللحم معلق فقال: ما شأن هذا اللحم لم يطبخ؟ قالت: يا رسول اللّه صدّق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): هو لها صدقة. ولنا هديّةٌ، ثمّ أمر بطبخه فجرت فيها ثلاث من السنن.
للبائع وإن اشترطه. ويظهر منه أنّ الشرط الفاسد لا يفسد العقد. ويمكن أن تكون المشترية أخبرته قبل الشراء بذلك (فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): هو لها صدقة ولنا هدية) والفرق بينهما إما بالنية وإما بأن الهدية تهدى تعظيماً للمهدى إليه بخلاف الصدقة، ويمكن أن يكون اللحم زكاة واجبة، وفيه بعد.
(فجرت تلك) أي الثلاثة المذكورة من السنن من القواعد الشرعية. وفي الكافي والتهذيب: «فجاء فيها ثلاث من السنن» وهو أظهر. والظاهر أنه من الناخ وسيجيء حكم التخيير في بابه.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال قالت عائشة لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن أهل بريرة اشترطوا ولاءها. فقال
رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الولاء لمن أعتق» (1).
وفي الحسن كالصحيح عن الحلبي ومحمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الولاء لمن أعتق»(2).
وفي الموثق كالصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث بريرة: أنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال لعائشة: «أعتقي، فإن الولاء لمن أعتق (3).
وفي القوي كالصحيح عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في امرأة أعتقت رجلاً لمن ولاؤه؟ ولمن ميراثه؟ قال: «للذي أعتقه، إلا أن يكون له وارث غيرها» (4)
وفي القوي كالصحيح عن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل إذا أعتق، أله أن يضع نفسه حيث شاء ويتولّى من أحب؟ فقال: «إذا أعتق اللّه فهو مولى للذي أعتقه، فإذا أعتق وجعل سائبة فله أن يضع نفسه حيث شاء ويتولّى من شاء» (5).
وروى الشيخ في الصحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن امرأة أعتقت رجلاً لمن ولاؤه ولمن ميراثه؟ قال: «للذي أعتقه إذا لم يكن له
1) الكافي 6 : 198، باب الولاء لمن أعتق، ح 4. التهذيب 8: 250، باب العتق وأحكامه، ح 140.
2) الكافي 6 : 197، باب الولاء لمن أعتق، ح 1. التهذيب 8 250، باب العتق وأحكامه، ح 138.
3) الكافي 6 : 198، باب الولاء لمن أعتق، ح 1. التهذيب 8: 250، باب العتق وأحكامه، ح 139.
4) الكافي 6 : 198، باب الولاء لمن أعتق ح 5. التهذيب 8: 250، باب العتق وأحكامه، ح 141.
5) الكافي 6 : 197، باب الولاء لمن أعتق ح 2. التهذيب 8: 250، باب العتق وأحكامه، ح 142.
3498 - وروى صفوان بن يحيى، عن العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل اشترى عبداً وله أولاد من امرأة حرّة فأعتقه قال: ولاء أولاده لمن أعتقه.
وارث غيرها»(1).
وفي الصحيح عن الحسن بن سعيد قال كتبت إلى أبي جعفر الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ): الرجل يموت ولا وارث له إلا مواليه الذين أعتقوه هل يرثونه ولمن ميراثه؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لمولاه الأعلى (2)(أي المعتق بالكسر) لا الأسفل - وهو المعتق بالفتح».
(وروی صفوان بن يحيى) في الحسن كالصحيح وهما في الصحيح (3)(عن العيص بن القاسم - إلى قوله - لمن أعتقه) وحمل على أنّ الحرّة كانت معتقة وكان الولاء قبل حرية الوالد لمولى الوالدة، فلمّا أعتق الوالد انجر الولاء إلى مولاه، فيكون ولاء الأولاد لمولى الأب إذا لم يكن لهم وارث غيره.
ومثله ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في العبد يكون تحته الحرّة قال: ولده أحرار، فإن عتق المملوك لحق بأبيه» (4)،(5)لما رواه
3499 - وروي عن بكر بن محمّد أنه قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)ومعي علي ابن عبد العزيز فقال لي: من هذا؟ قلت: مولانا فقال: أعتقتموه أو أباه.
الشيخ في الموثق كالصحيح عن أبان عن رجل عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يجر الأب الولاء إذا أعتق»(1).
وفي الصحيح عن الحسين بن سعيد مرسلاً، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن حرّة زوّجتها عبداً لي، فولدت منه أولاداً، ثمّ صار العبد إلى غيري فأعتقه، إلى من ولاء ولده؟ إلى ولاء ولده إذا كانت أمهم مولاتي أم إلى الذي أعتق أباهم؟ فكتب: «إن كانت الأم حرّة جرّ الأب الولاء، وإن كنت أنت أعتقت فليس لأبيهم جرّ الولاء»(2). فأما ما رواه في الموثق كالصحيح عن أبان عمّن ذكره، عن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قيل له: اشترى فلان رجل بالمدينة مملوكاً كان له أولاد فأعتقهم فقال: «إنّي أكره أن أجرّ ولائهم» (3)فمحمول على كراهة قصد الولاء في العتق، بل ينبغي أن يكون العتق لوجه اللّه أو يزوّج المولى حتى يحصل له أولاد يرثونه ولا ربط له في الجر وإن وقع بلفظه.
(وروي عن بكر بن محمّد) في الصحيح كالكليني والشيخ(4)(قلت: مولانا) أي معتقنا بالفتح (فقال: أعتقتموه) أي أنت وأبوك والظاهر أن المعتق كان أبوه أباه
فقلت: بل أباه. فقال: ليس هذا مولاك، هذا أخوك وابن عمّك، وإنما المولى الذي جرت عليه النّعمة، فإذا جرت على أبيه فهو أخوك وابن عمك.
(فقلت: بل إياه) أي أعتق أبي أباه (فقال: ليس هذا مولاك هذا أخوك) للإيمان (وابن عمك) للولاء والظاهر أنّ نهيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان لاستخفافه، به وهو مكروه وإن استحق الإرث بالولاء مع فقد الوارث ؛ أو لأنّ الولاء موروث به لا موروث.
ومثله ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن بكر بن محمّد، عن جويرة - وفي التهذيب عن كبيرة - قالت: مر بي أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنا في المسجد الحرام أنتظر مولى لنا فقال: «يا أم عثمان ما يقيمك هاهنا ؟ فقلت أنتظر مولى لنا فقال: «أعتقتموه؟» قلت: لا، أعتقنا جده. فقال: «ليس هذا مولاكم، هذا أخوكم» (1).
وفي القوي كالصحيح عن الحسن بن مسلم قال: حدثتني عمتي قالت: إنّي جالسة بفناء الكعبة إذ أقبل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما رآني قال: «إلي» فسلّم عليَّ، ثمّ قال: «ما يجلسك هاهنا؟» فقلت أنتظر مولى لنا قالت: فقال لي: «أعتقتموه؟» فقلت: لا، ولكنّا أعتقنا أباه، فقال: «ليس ذلك بمولاكم، هذا أخوكم وابن عمكم، إنما المولى الذي جرت عليه النعمة، فإذا جرت على أبيه وجده فهو ابن عمك وأخوك»(2). وروى الكليني في الصحيح عن عبد اللّه بن جندب يرفعه إلى أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال: «إنّما المولى، الجليب العتيق وابنه عربي وابن ابنه من أنفسهم»(3)
قال: وسأله رجل وأنا حاضر فقال: يكون لي الغلام ويشرب ويدخل في هذه الأمور المكروهة فأريد عتقه فأعتقه أحب إليك أم أبيعه وأتصدق بثمنه ؟ فقال: إنّ العتق في بعض الزمان أفضل، وفي بعض الزمان الصدقة أفضل، العتق أفضل إذا كان النّاس حسنةً حالهم، وإذا كان الناس شديدةً حالهم فالصدقة أفضل، وبيع هذا أحب إلي إذا كان بهذه الحال.
3500 - وروى الحسن بن محبوب، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)
الجليب العبد الذي جيء به من بلاد الكفر للتجارة أي هذا العبد إذا أعتق فهو مولى وابنه من جملة العرب ومن جملة داخليهم، وابن ابنه من نفس العرب. فالأولى أن لا يسمّى المرتبة الثانية والثالثة بالمولى وإن ورث للنهي عنه في أخبار كثيرة وسيجيء غير ما ذكرناه أيضاً.
(قال) أي بكر بن محمّد في الصحيح كالكليني عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سأله رجل وأنا حاضر (1)(المكروهة) أي المحرمة وإطلاق الكراهة على الحرمة وعلى الأعم منها ومن الكراهة شائع (فقال) فصل (صلوات اللّه عليه) حكم أفضلية العتق والصدقة مطلقاً، ثمّ ذكر خصوص الواقعة بأنّ هنا الصدقة أولى؛ لأن عنقه إعانة له على الإثم، ومثل هذه الإعانة مكروهة، ولهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وبيع هذا أحب إلي»؛ لأنه يمكن أن يتوب (2)بعد العتق.
(وروى الحسن بن محبوب عن سماعة في الموثق كالصحيح. ويمكن أن يقال
في رجل يملك ذا رحمه هل يصلح له أن يبيعه أو يستعبده ؟ قال: لا يصلح له بيعه ولا يتخذه عبداً وهو مولاه وأخوه في الدين وأيهما مات ورثه صاحبه إلّا أن يكون له وارثٌ أقرب إليه منه.
3501 - وروى حذيفة بن منصور، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: المعتق هو المولى والولد ينتمي إلى من يشاء.
بصحته؛ لأنه صح عن الحسن، وإجماع العصابة عليه كالشيخ (1)(في رجل يملك ذا رحمه) الظاهر أنّ المراد به مثل الأخ وابنه وابن الأخت والعم والخال ويكون محمولاً على الكراهة. ويمكن حمله على الأعم من الحرمة والكراهة ويكون شاملاً للعمودين أو يعم تغليباً، ويكون شاملاً لذوات الأرحام، والأول أظهر؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وهو مولاه) أي وارثه (وأخوه في الدين) فكيف يبيعه أو يستعبده (وأيهما مات ورثه صاحبه) في موت العبد ظاهر وفي موت الحر إذا لم يكن له وارث حر فحينئذ يشترى ويورث (إلا أن يكون له وارث أقرب إليه منه) فحينئذ يشترى الأقرب ويورث وسيجيء.
(وروى حذيفة بن منصور) الثقة في القوي كالشيخ (2)(قال: المعتق) بالفتح (هو المولى والوارث أو المسمّى بالمولى (والولد) أي ولده (ينتمي) أي ينتسب (إلى من شاء أي لا يقال: استحباباً إنّه مولى المالك، فإنّ المالك لم يعتقه بل اللّه مولاه
3502 - وروى الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع قال: سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن السائبة قال: هو الرّجل يعتق غلامه ثمّ يقول له: اذهب حيث شئت، ليس لي من ميراثك شيءٌ ولا عليّ من جريرتك شيء، ويشهد على ذلك شاهدين.
أعتقه لمّا كان أبوه حرّاً. ولا ينافي ذلك أن يرث المالك عنه بالولاء وهو كالأخبار المتقدمة. ولم يذكر المصنّف تأويلاً لهذه الأخبار، وربما يتراءى أنه لا يعتقد إرث أولاد المنعم لكنّه ذكر في باب الميراث بالولاء أنه يورث به.
(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح عنه كالكليني والشيخ (1)(عن خالد بن جرير) وكان صالحاً (عن أبي الربيع) الشامي خليد أو خالد بن أوفى، له كتاب اعتمد عليه الأصحاب (عن السائبة) وهو المعتق الذي ليس عليه ولاء ولا وارث له، من تسييب الدابة، وهو إرسالها تذهب وتجيء كيف شاءت وهو المعتق في الكفارات والنذور والكتابة وأمثالها (هو الرجل يعتق غلامه ثمّ يقول له :) لفظاً (اذهب حيث شئت) وتولّ من شئت (وليس لي من ميراثك شيء)؛ لأن الولاء سبب للإرث فإذا شرط نفيه ينتفي (ولا عليّ من جريرتك) أي جنايتك خطأ (شيء)؛ لأن المولى ضامن لجناية المعتق وبسببه يرثه (ويشهد على ذلك شاهدين)؛ ليعلم أنه لا يضمن جنایته خطأ، وظاهره أنّ الولاء يسقط بالشرط والمشهور أنه لحمة كلحمة النسب،
1) الكافي 7: 171، باب ولاء السائبة، ح 6. التهذيب 8: 256، باب العتق وأحكامه، ح 162.
3503 - وروي عن شعيب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سئل عن المملوك يعتق سائبة قال: يتولّى من شاء، وعلى من يتولّى جريرته وله ميراثه قال: قلت: فإن سكت حتى يموت ولم يتول أحداً قال: يجعل ماله في بيت مال المسلمين.
3504 - وروى ابن محبوب، عن عمار بن أبي الأحوص قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن السائبة قال: انظر في القرآن فما كان فيه تحرير رقبة فذلك يا عمار السائبة التي لا ولاء لأحد من المسلمين عليه
وكما أنه لا يمكن إسقاط النسب ولا يمكن اسقاط الولاء، فيحمل على أن هذا القول في السائبة فيما لم يكن له ولاء عليه فقال: ويشهد عليه تأكيداً له؛ ليعلم أنه سائبة ولا يدعي عليه ورثة المولى أو للتقية.
(وروي عن شعيب) الثقة، ولم يذكر طريقه إليه ورواه الكليني والشيخ في الصحيح عنه (1)(عن أبي بصير) الثقة (قال: يجعل ماله في بيت مال المسلمين) وهو بيت مال الإمام، فإنّ ماله مصروف في مصالح المسلمين، ولا يتصرف من ماله شيئاً. والظاهر أنه ورد تقية، فإنّه مذهب جميع العامّة، وعندنا الإمام وارث من لا وارث له.
(وروى ابن محبوب) في الصحيح مثلهما (2)(عن عمار بن أبي الأحوص) وهو مجهول ولا يضر (فقال: انظر في القرآن فما كان فيه فتحرير رقبة) أي ما كان
إلا اللّه عز وجل، فما كان ولاؤه اللّه عزّوجلّ فهو لرسوله، وما كان لرسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فإن ولاءه للإمام، وجنايته على الإمام وميراثه له.
3505 - وروى ياسين، عن حريز، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن مملوك أراد أن يشتري نفسه فدسّ إنساناً
في الكفارات واليمين والظهار (إلّا الله) منقطع، أي ولكن اللّه تعالى عليه الولاء.
(وروى ياسين) الطريق إليه صحيح كالشيخ (1)وهو مجهول (عن حريز) الثقة (عن سليمان بن خالد) وفي التهذيب (عن حريز عمّن حدثه عن سليمان) فزاد جهالة.
وفي التهذيب :هكذا عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن مملوك أراد أن يشتري نفسه فدسّ إنساناً هل للمدسوس أن يشتريه كله من مال العبد؟ قال: «إن أراد أن يشتريه كله من مال العبد فلا ينبغي، وإن أراد أن يستحل ذلك فيما بينه وبين الله عزّوجل حتى يكون ولاؤه له فليزد هو من قبله من ماله في الثمن شيئاً، إن شاء درهماً وإن شاء ما شاء بعد أن يكون زيادة من ماله في ثمن العبد يستحل به الولاء، فيكون ولاء العبد له» وأخبرنا ذلك من يُريد أي وصل ذلك الحديث إلينا من طريق بريد العجلي أيضاً، ولم يذكر الشيخ طريقه إلى بريد في الفهرست ولا في غيره.
1) التهذيب 8: 236، باب العشق وأحكامه، ح 83.
هل للمدسوس أن يشتريه كله من مال العبد ولا يخبر السيد أنه إنما يشتريه من مال العبد؟ قال: لا ينبغي، وإن أراد أن يستحل ذلك فيما بينه اللّه عزّ وجل حتى يكون ولاؤه له فليزد هو ما يشاء بعد أن يكون زيادة من ماله في ثمن العبد يستحل به الولاء فيكون ولاء العبد له.
وبين
وفي نسخ الفقيه اختلاف من قوله: (هل للمدسوس أن يشتريه كله من مال العبد) بزيادة: (ولا يخبر السيد أنه إنما يشتريه من مال العبد، قال: لا ينبغي وإن أراد) إلى آخره. وفي بعضها: (إنّما يشتريه من مال عبده، قال: إن أراد) أن يشتريه كله من مال العبد فلا ينبغي وإن أراد إلى آخره. وفي بعضها بزيادة: (نعم) بعد: (قال) وهو غلط، وما في التهذيب أحسن، وإن كان المطلوب ظاهراً.
والدس: الإخفاء. ويدلّ على تملك العبد ويحمل على فاضل الضريبة كما تقدم أو أرش الجناية كما سيجيء في خبر إسحاق بن عمار أو غيره جمعاً. ويدلّ على حصول الولاء بزيادة درهم إذا أعتقه الله.
وروى الشيخ في القوي عن داود الصرمي قال قال : الطيب - أي الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ)- : «يا داود، إن الناس كلهم موال لنا فيحل لنا أن نشتري ونعتق» فقلت له: جعلت فداك إن فلاناً قال الغلام له قد أعتقه: بعني نفسك حتى أشتريك قال: «يجوز. ولكن إنما يشتري ولاءه»(1).
(كلهم موال لنا) أي العبيد التي تجاء من أهل الحرب سواء كان بالغلبة أو السرقة أو غيرهما فيحل لنا ولشيعتنا برخصتنا الشراء منهم، ويكون استنقاذاً لحقهم، بخلاف
1) التهذيب 8: 237 باب العتق وأحكامه، ح 89.
3506 - وروى الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب، عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل كان عليه عتق رقبة فمات من قبل أن يعتق رقبة فانطلق ابنه فابتاع رجلاً من كسبه فأعتقه عن أبيه وإن المعتق
العتق الذي يقع من أهل الخلاف، فإنّه لا يصح كما لا يصح شراؤهم. وأما جواز بيع نفسه فهو كناية عن تضمين الجريرة كما أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المملوك يعطي الرجل ما لا ليشتريه فيعتقه قال: «لا يصلح له ذلك» (1).
فيمكن أن يكون عدم الصلاح في العتق؛ لأنه ليس ماله حتى يعتقه ويرث به، أو على أنّ المال ليس له بأن كان من غير الصورتين والأشهر العمل بهذا الخبر باعتبار أن العبد لا يملك شيئاً.
(وروى الحسن بن محبوب عن أبي أيوب) إبراهيم بن عثمان أو عيسى (عن بريد العجلي) في الصحيح كالكليني والشيخ (2)، بل هو الأصل المعتمد عليه في هذا الباب (قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل كان عليه عتق رقبة) وجوباً للنذر وشبهه أو كفارة (فمات من قبل أن يعتق رقبة) كانت واجبة عليه (فانطلق ابنه فابتاع رجلاً من كسبه وفي الكافي والتهذيب من كيسه أي من ماله (فأعتقه عن أبيه) مجمل
أصاب بعد ذلك مالاً ثمّ مات وتركه لمن يكون ميراثه قال: فقال: إن كانت الرقبة التي كانت على أبيه في نذرٍ أو شكر أو كانت واجبة عليه، فإنّ المعتق سائبة لا سبيل لأحدٍ عليه. قال: فإن كان تولّى قبل أن يموت إلى أحدٍ من المسلمين فضمن جنايته وجريرته وحدثه كان مولاه ووارثه إن لم يكن له قريب من المسلمين يرثه، وإن لم يكن توالى إلى أحد حتى مات فإنّ ميراثه للإمام إمام المسلمين إن لم يكن له قريب يرثه من المسلمين.
فصله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فقال: إن كانت الرقبة التي كانت على أبيه في نذر) وفي الكافي والتهذيب بدله: «في ظهار» وهو أظهر (أو شكر) أي نذر أو عهد أو يمين جعل اللّه عليه إن عافاه من بليّة فعليه عتق رقبة شكراً، أو وفق لطاعة أو ترك معصية فكذلك (أو كانت واجبة عليه) بأي وجه كان. تعميم بعد التخصيص سواء كان في النذر وشبهه، زجراً أو في الكفارات غير الظهار وفيهما: «أو واجبة عليه» (فإن المعتق يكون سائبة) وفيهما «فإنّ المعتق سائبة» (لا سبيل لأحد عليه) من الولاء.
(فإن كان تولى) وفي التهذيب قال: «وإن كان توالى» (قبل أن يموت) بتضمن الجريرة (إلى أحد من المسلمين) فيه إشعار باشتراط الإسلام في مولى تضمن الجريرة (فضمن جنايته وجريرته) وفيهما: «وحدثه» أي قال: إن وقع منك خطأ في القتل أو في الطرف أو المنافع فأنا ضامن فيمكن أن يكون الحدث أو الجريرة تفسيراً للجناية، وأن يكون الجناية القتل والحدث غيره (كان مولاه ووارثه) تفسيري على الظاهر وتقدم (إن لم يكن له قريب) يرثه من المسلمين فإنّ الكافر لا يرث من المسلم ومع عدم الضامن.
(فإنّ ميراثه للإمام إمام المسلمين) وفيهما: «فإنّ ميراثه لإمام المسلمين» أي
جميعهم وهو المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فظهر أنّ الولاء بالقرابة مقدّم على ولاء العنق وهو على ولاء تضمن الجريرة وهو على ولاء الإمامة، والإمام وارث من لا وارث له حتى ضامن الجريرة.
كما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا والى الرجل الرجل فله ميراثه وعليه معقلته»(1)، أي ديته.
وفي الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من أعتق رجلاً سائبة ليس عليه من جريرته شيء، وليس له من ميراثه شيء، وليشهد على ذلك» (2)وفي التهذيب بزيادة: وقال: «من تولّى رجلاً ورضي بذلك فجريرته عليه وميراثه له».
وروى الشيخ في الصحيح عن ابن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيمن كاتب عبداً أن يشترط ولاءه إذا كاتبه وقال: إذا أعتق المملوك سائبة أنه لا ولاء عليه لأحد إن كره ذلك، ولا يرثه إلا من أحب أن يرثه، فإن أحب أن يرثه ولي نعمته أو غيره فليشهد رجلين بضمان ما ينوبه لكل جريرة جرّها أو حدث، فإن لم يفعل السيد ذلك ولا يتوالى إلى أحد فإن ميراثه يردُّ إلى إمام المسلمين» (3).
وفي الصحيح عن أبي عبيدة قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل أسلم فتوالى
إلى رجل من المسلمين؟ قال: «إن ضمن عقله وجنايته ورثه وكان مولاه»(1).
وفي الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في من أعتق عبداً سائبة أنه لا ولاء لمواليه عليه، فإن شاء توالى إلى رجل من المسلمين فليشهد أنه يضمن جريرته وكل حدث يلزمه فإذا فعل ذلك فهو يرثه، وإن لم يفعل ذلك كان ميراثه يردّ إلى إمام المسلمين» (2).
وروى الكليني في الصحيح والشيخ في الموثق عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن مملوك أعتق سائبة ؟ قال : «يتولّى من شاء وعلى من تولاه جريرته وله «میراثه قلت: فإن سكت حتى يموت؟ قال: «يجعل في بيت مال المسلمين»(3).
وروى الشيخ في الموثق عن علاء (عن محمّد) عن أحدهما قال: سألته عن السائبة والذي كان من أهل الذمة إذا والى أحداً من المسلمين على أن يعقل عنه فيكون له ميراثه أيجوز ذلك؟ قال: «نعم» (4)، وأما ما ورد أنه يجعل ماله في بيت مال المسلمين فقد تقدم تأويله وحمله على التقيّة أظهر : لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «اختلف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعثمان في
الرجل يموت وليس له عصبة يرثونه وله ذو قرابة لا يرثونه، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ميراثه لهم. يقول الله: (وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (1)وكان عثمان يقول: يجعل في بيت مال المسلمين»(2).
وكذا ما روى الكليني في الحسن كالصحيح عن ابن أبي عمير، عن خلاد السندي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في الرجل يموت ويترك مالاً وليس له أحد أعط المال - أو الميراث - همشاريجه - أو همشهريجه -» (3)وهو معرب همشهري، أي أهل بلده.
وروى الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن خلاد عن السري - وفي الفهرست خلاد السندي له كتاب (4)- يرفعه إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل يموت ويترك مالاً ليس له وارث قال: فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أعط همشاریجه» (5).
وهما في الصحيح عن داود عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «مات رجل على عهد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن له وارث فدفع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ميراثه إلى
همشهريجه - أو همشاريجه -» (1)فمحمول على أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعطاه ماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليهم تبرعاً للأخبار السالفة.
ولما رواه الكليني (رَحمهُ اللّه) والشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر قال: «منمات وليس له وارث من قرابته ولا مولی عتاقه ضمن جريرته - وفي بعض نسخ التهذيب : ولا ضامن جريرة - فماله من الأنفال»(2). وروى الكليني في الصحيح عن محمّد الحلبي والشيخ في الموثق كالصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه في قول اللّه تبارك وتعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) (3)، قال: «من مات وليس له مولى فماله من الأنفال» (4).
وروى الكليني في الحسن كالصحيح عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من مات وترك ديناً فعلينا دينه وإلينا عياله، ومن مات وترك مالاً فلورثته، ومن مات وليس له موالي فماله من الأنفال»(5).
وفي الحسن كالصحيح عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي
1) الكافي 7 : 169، باب بدون عنوان ح 1. التهذيب 9 : 387 باب ميراث من لا وارث له، ح 5.
2) الكافي 7 : 169، باب من مات وليس له وارث ح 2. التهذيب 9: 387، باب ميراث من لا وارث له، ح 3.
3) الأنفال : 1.
4) الكافي 7 : 169، باب من مات وليس له وارث، ح 4. التهذيب 9 : 386، باب ميراث من 9 لا وارث له، ح 1.
5) الكافي 7: 168 باب من مات وليس له وارث، ح 1.
الحسن الأول (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «الإمام وارث من لا وارث له» (1).
وروى الشيخ في الموثق كالصحيح عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «من مات لا مولى له ولا ورثة فهو من أهل هذه الآية: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)» (2)والأنفال: العطايا الزائدة على الخمس، مثل ميراث من لا وارث له ورؤوس الجبال وبطون الأودية وغيرها ممّا تقدم، وسيجيء إن شاء اللّه في الميراث.
فأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «السائبة وغير السائبة سواء في العتق»(3)فمحمول على أنهما متساويان في ثواب العتق وفي مجرد الثواب وأنّ بعضه أفضل من بعض.
وأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «السائبة ليس لأحد عليها سبيل، فإن والى أحداً فميراثه له وجريرته عليه، وإن لم يوال أحداً فهو أقرب الناس لمولاه الذي أعتقه» (4)فيحمل على الإمام، فإنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا صار سبباً لعتق مواليه من النار.
قال: وإن كانت الرقبة التي على أبيه تطوّعاً وقد كان أبوه أمره أن يعتق عنه نسمة فإنّ ولاء المعتق هو ميرات لجميع ولد الميت قال: ويكون الذي اشتراه فأعتقه بأمر أبيه كواحد من الورثة إذا لم يكن للمعتق قرابة من المسلمين أحرار يرثونه.
ووجه الإلغاز التقيّة، كما رواه الكليني والشيخ في القوي كالصحيح عن عبد اللّه ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت :له مكاتب اشترى نفسه خلف مالاً قيمته مائة ألف ولا وارث له ؟ قال: «يرثه من يلي جريرته» قال: قلت: من الضامن لجريرته؟ قال: «الضامن لجرائر المسلمين»(1).
وروى الشيخ في القوي كالصحيح عن محمّد بن القاسم بن فضيل(2)عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل صار في يده مال لرجل ميت لا يعرف له وارثاً كيف يصنع بالمال؟ قال: «ما أعرفك لمن هو ؟» يعني نفسه (3)، أي أنت عارف أنه لإمام المسلمين.
(قال: وإن كانت الرقبة) التي وليس فيهما «التي» (على أبيه - إلى قوله - لجميع ولد الميت) وفي الكافي والتهذيب (4)بزيادة: «من الرجال»، والظاهر أنه سقط من
قال: وإن كان ابنه الذي اشترى الرقبة فأعتقها عن أبيه من ماله بعد موت أبيه تطوّعاً منه من غير أن يكون أبوه أمره بذلك، فإنّ ولاءه وميراثه للذي اشتراه من ماله فأعتقه عن أبيه إذا لم يكن للمعتق وارث من قرابته.
النساخ، ويستبعد أن يكون السقط من المصنّف باعتبار أنه لا يعتقده، بل اعتقاده كما ء أنّ الولاء كالنسب في جميع الأحكام وأنه كما يرث الذكور يرث الإناث والميراث من الطرفين، فإنّ العبد أيضاً يرث المولى، وتقدم أن الوارث هو المولى الأعلى، فحينئذ لما كان أعتقه من مال أبيه فكأنه أعتقه أبوه ويكون هو كأحدهم، ولا يرث منهم إلا الرجل؛ لأنّ الميراث بإزاء العقل الذي هو الدية ولا يعطى الدية إلا الرجال كما سيجيء.
ولما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي ولاد حفص بن سالم الحناط قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل أعتق جارية صغيرة لم تدرك، وكانت أمه قبل أن تموت سألته أن يعتق عنها رقبة من مالها فاشتراها فأعتقها بعد ما ماتت أمه لمن يكون ولاء المعتق؟ قال: فقال: «يكون ولاؤها لأقرباء أمّه من قبل أبيها، ويكون نفقتها عليهم حتى تدرك وتستغني قال: ولا يكون للذي أعتقها عن أُمّه من ولائها شيء»(1).
وفي الصحيح عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى (أي علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) في رجل حرّر رجلاً فاشترط ولاءه، فتوفي الذي أعتق وليس له ولد إلا النساء، ثمّ توفي المولى وترك مالاً وله عصبتها فاحتق (2)(أي اختصم) في ميراثه
بنات مولاه والعصبة، فقضى بميراثه للعصبة الذي يعقلون عنه إذا أحدث حدثاً يكون فيه عقل»(1). أي دية.
وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن امرأة أعتقت مملوكاً ثمّ ماتت؟ قال: «يرجع الولاء إلى بني أبيها»(2).
وفي الصحيح عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على امرأة أعتقت رجلاً واشترطت ولاءه ولها ابن فألحق ولاءه بعصبتها الذين يعقلون عنه دون ولدها» (3).
وفي القوي عن محمّد بن عمر بن يزيد أنه كتب إلى أبي جعفر محمّد بن على التقي (صلوات اللّه عليهما) يسأله عن رجل مات وكان مولى لرجل وقد مات مولاه قبله وللمولى ابن وبنات فسألته عن ميراث المولى؟ فقال: «هو للرجال دون النساء» (4).
(وإن كان ابنه) اشتراه من ماله وأعتقه عن أبيه فولاؤه له دون غيره من ورثة أبيه؛ لأن الولاء للمعتق، وهو المعتق.
3507 - روى الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن أم الولد. قال: أمة تباع وتورث وتوهب وحدها حدّ الأمة.
باب أمهات الأولاد
(روى الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب) في الصحيح، وهما في الحسن كالصحيح (1)(عن زرارة - إلى قوله - تباع) أي لا تخرج بمجرده عن الملكية، ولهذا تباع لو مات ولدها وفي ثمن رقبتها وغير ذلك من المستثنيات (وتورث) مع موت الولد ومع حياته أيضاً يرثها الولد وتنعتق عليه (وتوهب) كما تباع (وحدها حدّ الأمة) في الزنا والقذف وغيرهما ما لم تنعتق بموت المولى من نصيب ولدها، وهو ردّ على العامّة فإنّهم توهموا أنها لما تشبثت بالحرية فهي بمجرد الاستيلاد يكون حكمها حكم المرأة، ويشنعون بجهلهم على باب مدينة علم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع اعترافهم بأنه لا أعلم الصحابة وأقضاهم، ورووا بذلك الأخبار الشائعة عن سيد المرسلين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2)
فتح الملك العلى: 65. تفسير الثعالبي 1 : 52.
.3508 - وروى الحسن بن محبوب، عن وهب بن عبد ربه، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل زوج أم ولد له عبداً له ثمّ مات السيد قال: لا خيار لها على العبد هي مملوكة للورثة.
3509 - وفي رواية محمّد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمّد
روى الكليني في الصحيح عن صفوان عن أبي مخلد السراج قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لإسماعيل حقيبة (1)والحرث النضري: «اطلبا لي جارية من هذا الذي تسمونه كدبانوجة، تكون مع أم فروة» فدلونا على جارية لرجل من السراجين قد ولدت له ابناً ومات ولدها، فأخبروه بخبرها فأمرهم فاشتروها وكان اسمها: رسالة. فغيّر اسمها وسمّاها سلمى، وزوجها سالماً مولاه وهي أم الحسين بن سالم(2).
(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح (عن وهب بن عبد ربه - إلى قوله - للورثة) سيجيء أنّ عتق الأمة سبب لخيارها في فسخ النكاح، وعدم الخيار هنا إمّا ولدت ولدها أو لعدم شرط العتق من وجود مال تكون الأمة حصة الولد حتى تنعتق على الولد؛ لأن تملك العمودين سبب للانعتاق كما تقدم في الأخبار الشائعة، ويؤيده التعليل بكونها مملوكة لهم.
(وفي رواية محمّد بن علي بن محبوب) في الصحيح
ابن عيسى عن البزنطي، عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرّجل يموت وله أمّ ولد وله منها ولد أيصلح للرجل أن يتزوجها؟
(أيصلح للرجل أن يتزوّجها؟) ظاهر السؤال جواز التزويج، وظاهر الجواب كراهة التزويج بدون إذن ولدها؛ لأنه كمولاها باعتبار أنها عتقت من مال ولدها.
والذي ذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) من فعل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعدم الجواب بـ (لا) أو (لا يصلح) دليل الكراهة.
وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أن قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «في وصية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أما بعد: فإنّ ولائدي اللاتي أطوف عليهنّ السبعة عشر منهنّ أمهات أولاد معهنّ أولادهن ومنهنّ حبالى، ومنهن من لا ولد له. فقضائي فيهن إن حَدَثَ بي حدث أن من كان منهنّ ليس لها ولد وليست بحُبلى فهي عتيق لوجه اللّه عزّوجل ليس لأحد عليهنّ سبيل، ومن كان منهنّ لها ولد أو حُبلى فتمسك على ولدها وهي من حظه، فإن مات ولدها وهي حية فهي عتيق ليس لأحد عليها سبيل»(1).
ويفهم منه أنها تنعتق بموته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لكن تحفظ؛ لئلا يضيع الولد مع أنه يمكن القول بالحرمة في أمهات أولادهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فإنّهنّ لسن كسائر الناس. والظاهر من المصنّف القول برقيّة أم الولد وأنها لا تنعتق إلا بمباشرة الولد العتق، ولهذا ذكر في هذا الباب أمثال هذا الخبر، وهو مذهب جماعة من الأصحاب لكن الظاهر من الأخبار الكثيرة
1) الكافي 7 : 49، باب صدقات النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)ووصاياهم، ح 7، التهذيب 9 : 146، باب الوقوف والصدقات، ح 55.
فقال: أخبرت أنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوصى في أمهات الأولاد اللاتي كان يطوف عليهن فمن كان منهنّ لها ولد فهي من نصيب ولدها ومن لم يكن لها ولد فهي حرّة، وإنما جعل من كان منهنّ لها ولد من نصيب ولدها؛ لكيلا تنكح إلا بإذن أهلها.
3510 - وروی سلیمان بن داود المنقري، عن عبد العزيز بن محمّد. قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو سمعته يقول: لا تجبر الحرّة على رضاع الولد، وتجبر أم الولد.
3511 - وروی ابن مسكان عن سليمان بن خالد، عن بعضهم (عَلَيهِم السَّلَامُ). قال: كان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا مات الرجل وله امرأة مملوكة اشتراها من ماله فأعتقها، ثمّ ورّثها.
خلافه كما سيجيء.
(وروی سلیمان بن داود المنقري) (1)في القوي. ويدل على عدم إجبار الحرة وإجبار أم الولد؛ لأنها أمة للمولى ويجب عليها إطاعة المولى، وسيجيء. والغرض من ذكره هنا الدلالة على كونها أمة وإن تشبت بالحرية.
وروى ابن مسكان في الصحيح (عن سليمان بن خالد - إلى قوله - مملوكة)
1) الكافي 6 : 41، باب الرضاع، ح 4. التهذيب 8 : 107، باب الحكم في الأولاد المطلقات، ح 11.
ورواه الشيخ في الصحيح مثله (1). وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في الرجل الحر يموت وله أم مملوكة، قال: «تشترى من مال ابنها ثمّ تعتق ثمّ يورثها»(2).
وفي الصحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في رجل توفي وترك مالاً وله أم مملوكة، قال: «يشتري أمه وتعتق ثمّ يدفع إليها بقية المال» (3).
وفي الصحيح عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في الرجل الحر يموت وله أم مملوكة قال: «تشترى من مال ابنها ثمّ تعتق ثمّ يورثها» (4)، فيمكن أن يكون التصحيف من النساخ، لكن سيجيء هذا الخبر من المصنّف في كتاب الميراث كما هو في كتاب الميراث كما هو هاهنا. ويبعد أن يكون التصحيف في كليهما. فالظاهر أن سليمان بن خالد سمع مرة منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) امرأة ومرة الأم. وموافقة الشيخ له مؤيّد أيضاً، وسيجيء أحكامه في كتاب الميراث.
1) التهذيب 9 : 337، باب الحر إذا مات وترك وارثاً مملوكاً، ح 18.
2) الكافي 7 : 147، باب ميراث المماليك، ح 1. التهذيب 9: 334، باب الحر إذا مات وترك وارثاً مملوكاً، ح 4.
3) الكافي 7 : 147، باب ميراث المماليك، ح 2. التهذيب 9: 334، باب الحر إذا مات وترك وارثاً مملوكاً، ح 5.
4) الكافي 7 : 147، باب ميراث المماليك، ح 5. التهذيب 9 : 337 باب الحر إذا مات وترك وارثاً مملوكاً، ح 18.
3512 - وروى عمر بن يزيد، عن أبي إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال: قلت له: أسألك ؟ قال: سل، قلت: لم باع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمهات الأولاد ؟ فقال: في فكاك رقابهنّ. قلت: وكيف ذاك ؟ قال: أيما رجل اشترى جارية فأولدها ثمّ لم يؤد ثمنها ولم يدع من المال ما يؤدى عنه أخذ ولدها منها وبيعت وأدّي ثمنها قلت فتباع فيما سوى ذلك من الدين ؟ قال: لا.
3513 - وروى عاصم، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أيما رجل ترك سرّيّة لها ولد أو في بطنها ولد أو لا ولد لها فإن كان أعتقها ربها عتقت وإن لم يعتقها حتى توفّي فقد سبق فيها كتاب اللّه عزّ وجلّ وكتاب اللّه أحق.
(وروى عمر بن يزيد) في الصحيح (عن أبي إبراهيم) كالشيخ والكليني (1). لكن في الكافي: قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو قال لأبي إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أخذ ولدها منها وبيعت وادي ثمنها كما في الكافي والتهذيب. وفي بعض النسخ: «أخذ ولدها ثمنها منه وبيعت والظاهر تصحيف عنها» ب-: ثمنها)»: لقرب المشابهة. والمراد أنه يجوز بيع أم الولد في ثمن رقبتها فقط لا في غيرها وهو عام فكلما دلّ الدليل على جواز بيعها فيه خص العام به وإلا فالعام على عمومها واستثنى - بعض الأصحاب - منه قريباً من عشرين صورة أكثرها بالاستنباط.
(وروى عاصم) في الحسن كالصحيح كالكليني والشيخ في الصحيح (2)، (عن محمّد بن قيس) باختلاف كثير غير مغيّر للمعنى (فقد سبق فيها كتاب اللّه عزّوجل) أي في الميراث، فتورث أم الولد (وكتاب اللّه أحق) بالتقديم في الاتباع
قال: وإن كان لها ولد وترك مالاً تجعل في نصيب ولدها ويمسكها أولياء ولدها حتى يكبر الولد فيكون هو الذي يعتقها إن شاء، ويكونون هم يرثون ولدها ما دامت أمةً، فإن أعتقها ولدها عتقت وإن توفّي عنها ولدها ولم يعتقها، فإن شاؤوا أرقوا وإن شاؤوا أعتقوا.
ويدل ظاهراً على عدم نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة سيما بخبر الواحد، لكن الظاهر أنه ردّ على العامّة القائلين بالعتق بمجرد الاستيلاد (تجعل في نصيب ولدها) والظاهر الانعتاق به؛ لأنّ عتق القرابة قهري (ويمسكها أولياء)، أي ورثة (ولدها حتى يكبر الولد)، حمله الأصحاب على أنه إذا لم يؤد ثمن رقبتها فحينئذ يجوز بيعها فيه، لكن يستحب للغرماء أن يصبروا حتى يكبر الولد ويعطى ثمنها استحباباً، كما رواه الشيخ في الموثق عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل اشترى جارية فولدت منه ولداً فمات، قال: إن شاء أن يبيعها باعها، وإن مات مولاها وعليه دين قدمت على ابنها فإن كان ابنها صغيراً انتظر به حتى يكبر ثمّ يجبر على قيمتها، فإن مات ابنها قبل أمه بيعت في ميراث الورثة إن شاء الورثة»(1)أي في ثمن رقبتها.
وبعض الأصحاب بالوجوب وفي الكافي إلى قوله: «جُعِلت في نصيب ولدها»(2)وليس فيه هذه الزيادة. وفي التهذيب موجودة بغير لفظة الفقيه.
قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل ترك جارية وقد ولدت منه ابنة وهي صغيرة غير أنها تبين الكلام فأعتقت أمها فتخاصم فيها موالي أبي الجارية فأجاز عتقها لأمها.
(وقضى أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)) بهذا السند الأنف، وفي الكافي والتهذيب (1)وهو أيضاً مخالف للمشهور لو قلنا بعدم انعتاقها باعتبار عدم اعتبار عتق الصبي. لكن ورد فيه أخبار كثيرة ستجيء وهو أيضاً يشعر بالانعتاق، ولو لم ينعتق بالموت لما انعتق بعتق الولد الصغير الغير المميّز كما يظهر من قوله: «غير أنها تبين الكلام»، أي تظهره وتقدر على التكلم به، ولهذه الأمور لم يعمل الأصحاب به.
ومثله ما رواه الشيخ في القوي عن أبي بصير، عن عن أبي عبد عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل اشترى جارية يطأها فولدت له فمات قال: «إن شاؤوا أن يبيعوها باعوها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها وإن كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه وإن كان ولدها صغيراً ينتظر به حتى يكبر ثمّ يجبر على قيمتها، فإن مات ولدها بيعت في الميراث إن شاء الورثة» (2)ويحمل ذلك على ثمن الرقبة.
كما يحمل ما رواه الشيخان (3)في الصحيح عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سئل وأنا حاضر عن رجل باع من رجل جارية بكراً (4)إلى سنة فلما قبضها المشترى أعتقها من الغدو تزوجها وجعل مهرها عتقها ثمّ مات بعد ذلك
بشهر فقال أبو عبد اللّه : «إن كان للذي اشتراها إلى سنة مال أو عقدة تحيط بقضاء ما عليه من الدين في رقبتها، فإن عتقه ونكاحه جائز إن قال، وإن لم يكن للذي اشتراها فأعتقها وتزوجها مال ولا عقدة يوم مات تحيط بقضاء ما عليه من الدين برقبتها، فإن عنقه ونكاحه باطلان؛ لأنه أعتق ما لا يملك، و أرى أنها رق لمولاها الأوّل، قيل له: فإن كانت علقت - من الذي أعتقها وتزوجها - ما حال الذي في بطنها؟ فقال: الذي في بطنها مع أمه كهيأتها» (1).
وروى الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثل خبر أبي بصير إلى قوله على ولدها من نصيبه (2).
وفي القوي كالصحيح عن يونس في أم ولد ليس لها ولد مات ولدها ومات عنها صاحبها ولم يعتقها هل يحل لأحد تزويجها؟ قال: «لا. هي أمة لا يحل لأحد تزويجها إلا بعتق من الورثة فإن كان لها ولد وليس على الميت دين فهي للولد، إذا ملكها الولد فقد عتقت بملك ولدها لها وإن كانت بين شركاء فقد عتقت من نصيب ولدها وتستسعى في بقية ثمنها» (3)، وهذا الخبر أصرح ما في الباب، لكنه موقوف على يونس، ويمكن أن يكون مستنبطه من الأخبار لكن محمّد بن يعقوب وغيره يعتمدون على ما في كتابه وسيجيء في باب البيع أخبار في ذلك.
3514 - وروى الحسين بن سعيد عن صفوان بن يحيى، عن الوليد بن هشام قال: قدمت من مصر ومعي رقيق فمررت بالعاشر فسألني فقلت: هم أحرارٌ كلّهم، فقدمت المدينة فدخلت على أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبرته بقولي للعاشر فقال: ليس عليك شيءٌ فقلت: إن فيهم جارية قد وقعت عليها وبها حمل قال: لا أليس ولدها بالذي يعتقها إذا هلك سيدها صارت من نصيب ولدها.
(وروى الحسين بن سعيد عن صفوان بن يحيى) في الصحيح كالشيخ(1). (عن الوليد بن هشام) مجهول ولا يضر؛ لصحته عن صفوان، ويدل على أن الإقرار بالعتق لدفع ضرر العشور لا يصير سبباً للعتق (فقلت: إن فيهم جارية)، أي هل ينعتق أم ولدي بإقراري (فقال: لا أليس) وفي بعض النسخ والتهذيب: (فقال أليس بالذي يعتقها ؟) أي هو سبب لعتقها فكأنه أعتقها مجازاً، والصدوق حمله على الحقيقة موافقاً للأخبار السابقة، وعلى أي حال فالمراد به لا تنعتق بقولك للعاشر بل انعتاقها بالولد مباشرة أو تسبيباً، والحق أن هذه المسألة من المعضلات من حيث مخالفة الأخبار الصحيحة للأصول والقواعد ومن حيث مخالفتها للعامة ولزوم الأخذ بما يخالفهم؛ لما تقدم من الأخبار في القضاء.
1) التهذيب 8: 227، باب العتق وأحكامه، ح 48.
3515 - روى الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان. قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: إنّ النّاس كلهم أحرارٌ إِلَّا من أقرّ على نفسه بالرّق، وهو مدرك من عبد أو أمة، ومن شهد عليه شاهدان بالرّق صغيراً كان أو كبيراً.
باب الحرية
(روى الحسن بن محبوب) في الصحيح كالشيخ والكليني في الحسن كالصحيح (1)(عن عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: الناس) وفي الكافي والتهذيب يقول: كان علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: (الناس كلهم أحرار) أي الأصل فيهم الحرية (إلّا من أقر على نفسه بالرق) وفيهما بالعبودية (وهو مدرك)، أي بالغ (من عبد أو أمة) سواء كان المقر عبداً أو أمة فإنه يقبل إقرارهما على أنفسهما ما لم يعلم كذبهما يعلم نسبهما وحريتهما ؛ فإنه لا يقبل (ومن شهد عليه) بالمجهول أي شهد عليه البيّنة (بالرق صغيراً كان أو كبيراً) فإن الفرد الخفي، الكبير فإنه يقبل البيئة عليه وإن أنكر والظاهر أن البيئة يجوز لها الشهادة عليه باليد كما تقدم وسيجيء.
1) الكافي 6 : 195، باب نوادر ح 5. التهذيب 8: 235 باب العتق وأحكامه، ح 78.
3516 - وروي عن العباس بن عامر، عن أبان، عن محمّد بن الفضل الهاشمي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل أقر أنه عبد قال: تأخذه بما قال، أو يردّ المال.
(وروي عن العباس بن عامر) في القوي كالصحيح كالشيخ (1)(عن أبان) الموثق (عن محمّد بن الفضل الهاشمي* المجهول (يأخذه بما قال) أي يؤاخذ بإقراره (أو يرد المال) أي إذا اشتراه أحد بقوله : إني عبد، ثمّ ظهر كذبه فعليه أن يرد على المشتري الثمن، بل بما اغترم؛ لأنه ضيع حقه، وكذا إذا رجع عن إقراره لكن حينئذ لا يعقل المؤاخذة برد المال بل له أن يستعبده بإقراره، ويمكن المؤاخذة لو قلنا بتملكه وكان له الثمن من فاضل الضريبة وغيره.
ورواه الشيخ في الموثق كالصحيح عن أبان عن الفضل عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل حر أقر أنه عبد قال: «يؤخذ بما أقر به»(2).
وفي الموثق عن أبان، عن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن
لا شراء مملوكي أهل الذمة فقال: «إذا أقروا لهم بذلك فاشتر وأنكح»(3)وفي الموثق عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رقيق أهل
3517 - وروى السكوني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إذا عمي العبد فلا رقّ عليه، والعبد إذا أجزم فلا رق عليه.
3518 - وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا عمي العبد فقد عتق.
الذمة اشتري منهم شيئاً؟ فقال: «اشتر إذا أقروا لهم بالرق»(1)وسيجيء الأخبار في ذلك في باب البيوع.
(وروى السكوني) في القوي كالكليني والشيخ (2)، ويدل على أن العمى والجذام سببان للعتق وقال الصادق) روياه في الحسن كالصحيح عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا عمي المملوك فقد عتق» (3)والتغيير مضر (4).
وفي القوي كالصحيح عن إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا عمي المملوك أعتقه صاحبه، ولم يكن له أن يمسكه» (5)وإطلاق الإعتاق عليه مجاز، ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن أبي البختري - وهو ضعيف لكن
1) الكافي 5 : 211، باب الشراء الرقيق، ح 10. التهذيب 7: 70 باب ابتياع الحيوان، ح 14.
2) الكافي 6 : 189، باب المملوك إذا عمى أو جذم ح 2. التهذيب 8: 222، باب العتق وأحكامه، ح 31.
3) الكافي 6 : 189، باب المملوك إذا عمى أو جذم ح 4. التهذيب 8: 222، باب العتق وأحكامه، ح 32.
4) يعني أن تبديل المملوك الذي في الخبر بالعبد كما فعله الصدوق (رَحمهُ اللّه) مضر بالمعنى لشمول الأول للأمة أيضاً دون الثاني.
5) الكافي 6 : 189، باب المملوك إذا عمى أو جذم، ح 3. التهذيب 8 : 223، باب العتق وأحكامه، ح 33.
3519 - وروى هشام بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيمن نكل بمملوكه أنه حرّ لا سبيل له عليه سائبة يذهب فيتولّى إلى من أحبّ، فإذا ضمن حدثه فهو يرثه.
كتابه معتمد - عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا يجوز في العتاق الأعمى والمقعد، ويجوز الأشل والأعرج»(1).
(وروى هشام بن سالم) في الصحيح كالكليني والشيخ بسندين(2)(عن أبي بصير إلى قوله – عليه) والتنكيل التعذيب بمثل قطع العضو كالأنف والذكر والخصيتين، والعين والاذن واليد والرجل ولا شك فى الانعتاق بما يكون فيه الدية كاملة، أما بمثل أذن واحد ففيه خلاف، وظاهر الأخبار الانعتاق أيضاً.
روى الكليني والشيخ في القوي عن جعفر بن محبوب، عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «كل عبد مثل به فهو حر» (3)، والتمثيل كالتنكيل، وفي النهاية: مثلت بالحيوان أمثل به مثلاً، إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه أو أذنه، أو مذاكيره، أو شيئاً من أطرافه والاسم: المثلة، فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة (4)، وفيه: قد نكل به تنكيلاً إذا جعله عبرة لغيره، والنكال العقوبة التي تنكل الناس عن فعل، جعلت له جزاء (5).
1) الكافي 6 : 196، باب نوادر، ح 11. التهذيب 8: 230، باب العتق وأحكامه، ح 65.
2) الكافي 7: 172، باب ولاء السائبة، ح 9. التهذيب 8: 223 باب العتق وأحكامه، ح 35.
3) الكافي 6 : 189، باب المملوك إذا عمى أو جذم، ح 1. التهذيب 8: 223، باب العتق وأحكامه، ح 34.
4) النهاية لابن الأثير 4 : 294.
5) النهاية لابن الأثير 5 : 117.
3520 - وروي في امرأة قطعت ثدي وليدتها: أنها حرة لا سبيل لمولاتها عليها.
3521 - وروى طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في رجل أعتق بعض مملوكه قال: هو حرّ كله، ليس اللّه عزوجل شريك.
(وروي) رواه الكليني في الحسن كالصحيح، والشيخ في الصحيح عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في امرأة قطعت ثدي وليدتها أنها حرة لا سبيل لمولاتها عليها، وقضى فيمن نكل بمملوكه فهو حر لا سبيل له عليه سائبة يذهب فيتولى إلى من أحب فإذا ضمن جريرته فهو يرثه» (1).
(وروي في امرأة قطعت ثدي وليدتها) أمتها (أنها حرة) ويصدق على الواحدة أيضاً لو لم يكن ظاهراً فيه.
(وروى طلحة بن زيد) في الموثق كالشيخ (2)ويدل على السراية في حق نفسه كما دل على الشريك، الأخبار المتظافرة (3)، مع أنها تدل على حق نفسه بطريق أولى (ليس اللّه تعالى شريك) يدلّ على وجوب الاستسعاء أو استحبابه لا أقل.
وروى الشيخ في الموثق كالصحيح عن غياث بن إبراهيم الدارمي، عن جعفر، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): أن رجلاً أعتق بعض غلامه فقال: «هو حر كله ليس اللّه شريك» (4).
فأما ما رواه الشيخ والكليني في الصحيح عن مالك بن عطية (1): من عدم الانعتاق ظاهراً، فتقدم تأويله مع غيره.
وما روياه في القوي عن النضر بن شعيب الحارثي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل توفي وترك جارية أعتق ثلثها فتزوجها الوصي قبل أن يقسم شيء من الميراث إنها تقوم وتستسعى هي وزوجها في بقية ثمنها بعد ما تقوم، فما أصاب المرأة من عتق أورق جرى على ولدها(2)، فمحمول على ما لم يكن له غيرها فأعتقها فيصح من الثلث.
وروى الشيخ في الموثق عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن امرأة أعتقت عند الموت ثلث خادمها هل على أهلها أن يكاتبوها ؟ قال: «ليس لها ذلك ولكن لها ثلثها، فلتخدم بحساب ما أعتق منها» (3)وحمل على التدبير، فإذا أعتق ثلثها بعد موتها بالتدبير فلا يسري؛ لأنه ليس لها شيء بعده، وإنما هو مال الورثة؛ لما رواه في الموثق كالصحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن امرأة أعتقت ثلث خادمها بعد موتها أعلى أهلها أن يكاتبوها إن شاؤوا وإن أبوا؟ قال: «لا. ولكن لها ثلثها وللوارث ثلثاها، ويستخدمونها بحساب الذي لهم منها، ويكون لها
3522 - وروى السكوني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في رجل أعتق أمةً وهي حبلى، فاستثنى ما في بطنها. قال: الأمة حرّة وما في بطنها حر؛ لأنّ ما في بطنها منها.
من نفسها بحساب ما أعتق منها» (1). وروى الشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم وفي الصحيح، عن ابن مسكان جميعاً، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: امرأة أعتقت ثلث خادمها عند الموت هل على أهلها أن يكاتبوها إن شاؤوا وإن أبوا؟ قال: «ليس لها ذلك، ولكن لها ثلثها وللوارث ثلثاها، فتخدم بحساب ذلك ويكون لها بحساب، ما أعتق منها» (2)فيمكن حملها أيضاً على أنه لم يكن لها غيرها.
ويؤيده ما رواه الشيخ في القوي عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: «إن رجلاً أعتق عبداً له عند موته لم يكن له مال غیره» قال: قال: سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: «يستسعي في ثلثي قيمته للورثة»(3).
(وروى السكوني) في القوي كالشيخ (4)(فاستثنى ما في بطنها) حال العقد. ويكون محمولاً على الاستحباب أو بعده بزمان لا يتصل به عرفاً.
3523 - وروي عن سيف بن عميرة قال: سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أيجوز للمسلم أن يعتق مملوكاً مشركاً ؟ قال: لا.
(وروي عن سيف بن عميرة) الثقة في القوي كالشيخ (1)(قال: لا) أي لا يجوز، ويؤيده أنه إعانة على كفره وفسقه وموادة معه، وهما منهيان بنص القرآن، فأما ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن الحسن بن صالح - المجهول - عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعتق عبداً له نصرانياً، فأسلم حين أعتقه» (2)فلما كان يعلم أنه سيسلم، ويمكن حمل الأوّل على الكراهة، والثاني لبيان الجواز، وبحكم الكافر، الناصب بل أشد منه. أما إذا كان من المستضعفين فالظاهر الجواز؛ لما روياه في الصحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقلت: الرقبة تعتق من المستضعفين؟ قال: «نعم» (3)، والظاهر أنّ المراد بها الرقبة الواجبة في الكفارة، كالظهار واليمين ممّا ورد مطلقة لا مثل كفارة القتل فإنها مقيدة بالمؤمنة.
وروى الشيخ في القوي كالصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عزّ وجلّ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (4)قال: «يعني مقرة»(5)، ويحتمل أن يكون
المراد بجواز عتق المستضعف، والكافر عتقهم في غير الواجب، وبالنهي في الواجب. وروى الشيخ في الصحيح عن أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): جعلت فداك إن امرأة من أهلنا اعتل صبي لها فقالت: اللهم إن كشفت عنه ففلانة حرة، والجارية ليست بعارفة فأيما أفضل - جعلت فداك - نعتقها، أو يصرف ثمنها في وجوه البر ؟ فقال: «لا يجوز إلا عتقها» (1)، فيمكن أن يكون لزوم العتق باعتبار أن النذر وقع على عتقها بخصوصها على أنها غير صريحة في النذر؛ لأنها لم تقل اللّه علي وإن كان في معناه، ويستحب الوفاء بمثله كما سيجيء وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لا يجوز محمول على الكراهة).
وروى الكليني في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)قال: سألته عن الصبي يعتقه الرجل؟ فقال: «نعم، قد أعتق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولدانا كثيراً»(2)وفي الصحيح عن ابن محبوب قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسألته عن الرجل يعتق غلاماً صغيراً. أو شيخاً كبيراً، أو من به زمانة ومن لا حيلة له فقال: «من أعتق مملوكاً لا حيلة له فإن عليه أن يعوله حتى يستغني عنه، وكذلك كان
أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يفعل إذا أعتق الصغار ومن لا حيلة له»(1)، فظهر أن استحباب عتقهم مشروط برعاية حالهم، وإلا فالعتق تضييعهم.
ويؤيده ما روياه في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن من أعتق النسمة فقال: أعتق من أغنى نفسه»(2).
أي من كان له كسب أو حرفة أو مال لا يحتاج إلى السؤال والكدية، بل ربما صار سبباً للسرقة، ويمكن أن يكون المراد به أعتق من خدمك، حق خدمته بأن أتى لخدمته سبع سنين أو صار شيخاً كما سيجيء، أو الأعم فهذه الأخبار لا تدل على جواز عتقهم في الواجب، أو غيره سيما إذا كان الواجب، المؤمنة وأطفال الكفار بحكمهم في الكفر وإن كانوا طاهرين إلا أن يكون الأطفال مسلمين، بأن يكون أحد أبويه مسلماً كما سيجيء.
وروى الشيخ في الموثق عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا أسلم الأب جر الولد إلى الإسلام، فمن أدرك من ولده دعي إلى الإسلام فإن أبي قتل، وإذا أسلم الولد لم يجر أبويه ولم يكن بينهما ميراث» (3). أي من الطرفين، بل يرث الولد دون الأب كما سيجيء في الميراث وربما يفهم من إعتاق أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الولدان، عدم اشتراط الإسلام؛ لأن الظاهر والغالب منهم الكفر، إلا أن يقال: إنهم واسطة بين المؤمن
3524 - وروى أبو البختري، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لا يجوز في العتاق الأعمى والأعور والمقعد، ويجوز الأشل والأعرج.
والكافر، ولهذا ورد إعتاقهم عند فقد العارف.
كما رواه الشيخ في القوي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له، جعلت فداك، الرجل يجب عليه عتق رقبة مؤمنة فلا يجدها كيف يصنع ؟ قال: فقال: «عليكم بالأطفال فأعتقوهم، فإن خرجت مؤمنة فذاك، وإلا لم يكن عليكم شيء»(1).
وروى الكليني في الصحيح أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعتق ألف مملوك من کد یده (2).
وروى الشيخ في الموثق كالصحيح أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعتق عبداً له فقال له: «إن ملكك لي، ولكن قد تركته لك» (3)، ويفهم منه جواز العتق بالكناية.
(وروى أبو البختري) في الصحيح عنه، وكتابه معتمد وإن كان ضعيفاً في نفسه، فإن مدار القدماء كان على الكتاب (قال: لا يجوز في العتاق الأعمى)؛ لأنه ينعتق بالعمى فكيف يصح تحصيل الحاصل (والأعور) الظاهر أنه زيادة من النساخ والأظهر جوازه؛ لما رواه الكليني والشيخ هذا الخبر بعينه بدون لفظ الأعور (4)
3525 - وروي عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل عليه عتق رقبة فأراد أن يعتق نسمة أيهما أفضل أن يعتق شيخاً كبيراً أو شاباً أجرد ؟ قال: أعتق من أغنى نفسه، الشيخ الكبير أفضل من الشاب الأجرد.
(والمقعد) الذي هو أشل الرجلين أو أقعده المرض بحيث لا يرجى زواله وحركته، هو كالأعمى ينعتق بالإقعاد على المشهور (ويجوز الأشل) اليد (والأعرج) الرجل؛ فإنهما لا ينعتقان بالشلل والعرج، فيجوز إعتاقهما في الكفارات والنذور وغيرها؛ للأصل، ولعدم المانع.
ويجوز المرأة أيضاً لذلك، ولما تقدم من الأخبار ولخصوص ما رواه الشيخ في الحسن كالصحيح عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: إنّ علقمة بن محمّد أوصاني أن أعتق عنه رقبة فأعتقت عنه امرأة فيجزيه، أو أعتق عنه رقبة من مالي؟ قال: «يجزيه» ثمّ قال: «إن فاطمة امرأتي أوصتني أن أعتق عنها رقبة، فأعتقت عنها امرأة»(1).
(وروي عن علي بن جعفر) في الصحيح كالشيخ والكليني (2)(إيها) وفيهما أيهما (أفضل) ثواباً (أن يعتق شيخاً كبيراً) لم يصل إلى حد الإقعاد (أو شاباً أجرد) لا شعر على لحيته قال: أعتق من أغنى نفسه من الخدمة وهو هنا أظهر، أو من يمكنه تحصيل الرزق، والغالب في الكبير القدرة دون الأجرد، وربما كان سبباً لفساده.
3526 - وروي عن أحمد بن هلال قال: كتبت إلى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان علي عتق رقبة فهرب لي مملوك لست أعلم أين هو أيجزيني عتقه ؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم.
3527 - وروي عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): عن رجل له مملوك قد أبق منه، يجوز أن يعتقه في كفّارة الظهار ؟ قال: لا بأس به، ما لم يعرف منه موتاً.
(وروي عن أحمد بن هلال) الطريق إليه صحيح وكتابه معتمد فلا يضر ضعفه (كتبت إلى أبي الحسن) الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنه من رواته (عتق رقبة) أو نسمة كما في بعضها (فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم) وينبغي أن يحمل على أنه لم يطل المدة بحيث يظن موته، بل يكون المظنون حياته، لأن اليقين لا يزيله إلا يقين مثله، ووجوب العتق يقيني والحياة مشكوك فيها، وربما يقال بالإطلاق ما لم يعلم الموت أو يظن بناء على أن الأصل الحياة؛ لما رواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل قد أبق منه مملوكه أيجوز أن يعتقه في كفارة اليمين والظهار؟ قال: «لا بأس ما لم يعرف منه موتاً» قال: أبو هاشم (رضیَ اللّهُ عنهُ): وكان سألني نصر بن هاشم القمي أن أسأله عن ذلك (1)، والظاهر أن التعبير بالمعرفة؛ ليشمل الظن.
(وروي عن أبي هاشم الجعفري) من أولاد جعفر الطيار (رضیَ اللّهُ عنهُ) عنهما وتقدم، وفي الطريق جهالة، لكن كتابه معتمد وهو ثقة جليل القدر عظيم المنزلة عند الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر (صلوات اللّه عليهم)، وروي عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ).
1) الكافي 6 : 199، باب الإباق ح 3. التهذيب 8: 247 باب العتق وأحكامه، ح 123.
3528 - روى سعيد بن يسار، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: لا بأس بأن يعتق ولد الزنا.
3529 - وروى عنبسة بن مصعب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: جاريةٌ لي زنت أبيع ولدها ؟ قال: نعم. قلت: أحج بثمنه ؟ قال: نعم.
3530 - وروى حماد، عن الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ولد الزنا أيشترى أو يباع أو يستخدم ؟ قال: نعم، إلا جارية لقيطة؛ فإنّها لا تشترى.
باب ما جاء في ولد الزنا واللقيط
(روى سعيد بن يسار) الثقة في القوي والكليني في الصحيح والشيخ في الموثق كالصحيح(1)، ويدلّ على جواز عتق ولد الزنا، بل بعمومه على جوازه في الواجبات أيضاً.
(وروى عنبسة بن مصعب) لم يذكر طريقه إليه، ورواه الشيخ في الموثق عنه (2). وهو ناووسي، ويدلّ على جواز بيعه وحلية ثمنه.
(وروى حماد) في الصحيح كالشيخ (3)(عن الحلبي - إلى قوله - لقيطة) أي
ملتقطة من الطريق والاستثناء منقطع، ولما كان الغالب فيه أنه ولد زناء أدخل فيهم. لكن بحسب الظاهر يحكم عليه بالإسلام إذا وجد في دار الإسلام أو دار الكفر، وكان فيها مسلم يمكن ولادته منه، ويؤيّده ما رواه الكليني في القوي كالصحيح عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن ولد الزنا أشتريه أو أبيعه أو أستخدمه ؟ فقال: «اشتر واسترقه واستخدمه وبعه، فأما اللقيط فلا تشتره» (1).
وروى الشيخ في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ولد الزنا أيشترى ويستخدم ويباع؟ قال: «نعم»(2).
وفي الموثق كالصحيح عن أبان عمن أخبره عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن ولد الزنا أشتريه أو أبيعه أو أستخدمه فقال: «اشتر، واسترقه واستخدمه وبعه، فأما اللقطة فلا تشتره» (3)والمراد به اللقيط. فأما ما رواه في الحسن كالصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت له : تكون لي المملوكة من الزنا أحج من ثمنها وأتزوج ؟ فقال: «لا تحج، ولا تتزوج» (4).
وفي القوي عن أبي خديجة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «لا يطيب ولد الزنا، ولا يطيب ثمنه أبداً، والممراز لا يطيب - وفي التهذيب والممزيز: لا يطيب - إلى سبعة آباء» فقيل له: وأي شيء الممراز، أو الممزيز؟ فقال: «الرجل يكسب
3531 - وروى حماد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: المنبوذ حرّ إن شاء جعل ولاءه للذين ربوه، وإن شاء لغيرهم.
3532 - وفي رواية المثنى عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إن طلب الذي رباه بنفقته وكان موسراً ردّ عليه، وإن لم يكن موسراً كان ما أنفق صدقة.
ما لا من غير حله فيتزوج به أو يتسرى به فيولد له فذلك الولد هو الممراز» (1)أو الممزيز، وفي القاموس المرز: العيب والشين وامترز عرضه نال منه(2)، فمحمول على الكراهة.
(وروی حماد بن عثمان) أو ابن عيسى في الصحيح كالشيخ (3)(عن حريز عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: المنبوذ) أي اللقيط (حر) اثبة، ولا يرثه إلا الضامن، والزوج والزوجة أو الإمام.
(وفي رواية المثنى) الحسن كالشيخ، لكن رواه الشيخ عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(4).
ورواه الكليني والشيخ في الموثق كالصحيح عن مثنى، عن حاتم بن إسماعيل المدائني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «المنبوذ حر، فإن أحب أن يوالي غير الذي رباه والاه» وفي التهذيب فإن أحب أن يوالي الذي التقطه والاه وإن أحب أن يوالي غير الذي التقطه والاه، وإن طلب منه الذي رباه نفقته وكان موسراً رد عليه، وإن لم يكن موسراً صار ما أنفقه صدقة، وفي الكافي وإن كان معسراً كان ما أنفق عليه صدقة(5)
3533 - وروى زرارة عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه قال: في لقيطة وجدت. فقال: حرّة لا تشترى ولاتباع، وإن كان ولد مملوك لك من الزنا فأمسك أو بع وإن أحببت هو مملوك لك.
والظاهر أن المثنى رواه مرتين بواسطة وبغيرها أو تقل بالمعنى.
(وروى زرارة) في الصحيح والشيخ في الحسن (1)(عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)) وروى الكليني في الحسن، عن زرارة عن أبي عبد اللّه قال: «اللقيطة لا تشترى ولا تباع»(2).
ورويا في الصحيح عن عبد الرحمن العرزمي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «المنبوذ حر، فإذا كبر فإن شاء تولى الذي التقطه وإلا فليرد عليه النفقة وليذهب فليوال من شاء» (3).
وفي الصحيح عن ابن محبوب، عن محمّد بن أحمد - وهو مجهول - قال: سألت أبا عبد عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن اللقيطة قال: «لا تباع ولا تشترى» ولكن استخدمها بما أنفقت عليها» (4). وفي الحسن كالصحيح عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن اللقيط فقال: «حر لا يباع ولا يوهب»(5).
والمشهور بين الأصحاب أنه إن أنفق على اللقيط بقصد الرجوع إذا لم ينفق عليه
1) التهذيب 8 : 228، باب العتق وأحكامه، ح 55.
2) الكافي 5 : 224، باب بيع اللقيط وولد الزنا، ح 1.
3) الكافي 5: 225، باب بيع اللقيط وولد الزنا، ح 3. التهذيب 7: 78، باب ابتياع الحيوان، ح 50.
4) الكافي 5 : 225، باب بيع اللقيط وولد الزنا، ح 4. التهذيب 7: 78 باب ابتياع الحيوان، ح 49.
5) الكافي 5 : 225، باب بيع اللقيط وولد الزنا، ح 5. التهذيب 7: 78، باب ابتياع الحيوان، ح 48.
أحد تبرعاً ولم يكن بيت مال ينفق منه عليه يرجع، وإلا فلا يرجع (1)وظاهر الأخبار جواز الرجوع مطلقاً.
واعلم أن المصنّف لم يذكر الأخبار الدالة على شروط العتق، ويمكن أن يكون تركها للظهور. فمنها: العقل، فلا يجوز عتق المجنون والسكران والمغمى عليه، روی الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن ابن أذينة عن زرارة أو قال ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية وفضيل وإسماعيل الأزرق ومعمر بن يحيى - وهم الرهط الذين يروي ابن أذينة عنهم غالباً - عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن المدله ليس عتقه عتقاً (2).
وفي القوي كالصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن المرأة المعتوهة الذاهبة العقل أيجوز بيعها وصدقتها؟ قال: «لا»، وعن طلاق السكران وعتقه؟ قال: لا يجوز (3).
وفي الموثق كالصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا يجوز عتق السكران» (4)، وفي القاموس المدله كمعظم الساهي القلب، الذاهب العقل من عشق
1) انظر: جامع المقاصد 6 : 115، متناً وشرحاً. شرح اللمعة 7 : 76، متناً وشرحاً.
2) الكافي 6 : 191، باب عتق السكران، ح 3. ولم نجده في كتب الشيخ.
3) الكافي 6 : 191، باب عتق السكران، ح 2. التهذيب 8: 217، باب العتق وأحكامه، ح 9.
4) الكافي 6 : 191، باب عتق السكران، ح 4. التهذيب 8: 218 باب العتق وأحكامه، ح 10.
ونحوه، أو من لا يحفظ ما فعل وما فعل به (1)، وفي النهاية: المعتوه وهو المجنون المصاب بعقله (2).
ومنها: البلوغ، لما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ»(3)فأما ما رواه الكليني والشيخ في القوي عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق وتصدق، وأوصى على حد معروف وحق فهو جائز» (4)وروى الكليني في الصحيح و الشيخ في الموثق كالصحيح، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «إنّ الغلام إذا حضره الموت فأوصى ولم يدرك جازت وصيته لذوي الأرحام ولم تجز للغرباء»(5).
وروى الشيخ في الموثق كالصحيح والكليني في القوي عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قال أبو عبد اللّه : «إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته»(6).
وروى الكليني في الموثق عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا بلغ الغلام
1) القاموس المحيط 4 : 283 و 284.
2) النهاية لابن الأثير 3 : 181.
3) عوالي اللآلي 3 : 528، ح 3.
4) الكافي 7 : 28، باب وصية الغلام والجارية، ح 1. التهذيب 8: 248، باب العتق وأحكامه، ح 131.
5) الكافي 7 : 28 باب وصية الغلام والجارية، ح 2. التهذيب 9 : 181، باب وصية الصبي، ح 3.
6) الكافي 7 : 29، باب وصية الغلام والجارية، ح 3. التهذيب 9: 181 باب وصية الصبي، ح 1.
عشر سنين فأوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته، فإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته»(1).
وروى الشيخ في الموثق كالصحيح عن أبي بصير وأبي أيوب، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغلام ابن عشر سنين يوصي قال: «إذا أصاب موضع الوصية جازت» (2).
وفي الموثق كالصحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن وصية الغلام هل تجوز؟ قال: «إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيته» (3)وفي الموثق كالصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل، وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم» (4)، وفي الموثق كالصحيح عن عبيد اللّه الحلبي ومحمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سئل عن صدقة الغلام ما لم يحتلم قال: «نعم إذا وضعها في موضع الصدقة» (5)، وغيرها من الأخبار، فظهر تواتره والعتق أيضاً من الصدقات.
فحمل تارة على استحباب العمل بوصاياه إذا لم يمنع مانع، بأن يكون وارثه طفلاً أو نحوه، وأما بأن يكون بالغاً بغير الاحتلام ويصدق في العشر؛ لأنه ممكن
الاحتياط ظاهر للأخبار (1)، ولعمل جماعة من الأصحاب عليها(2)، والحامل لهم على التأويل مخالفتها ظاهراً لظاهر قوله تعالى: (وابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (3)فلا يمكنون من التصرف في أموالهم إلا بعد البلوغ والرشد.
وروى الشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «انقطاع يتم اليتيم الاحتلام، وهو أشده وإن احتلم ولم يونس منه رشد وكان سفيهاً أو ضعيفاً، فليمسك عنه وليه ماله» (4).
وفي القوي عن عيسى بن زيد عن جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يثغر الصبي (أي يسقط) أسنانه المقاديم لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع. يفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، ومنتهى طوله لإحدى وعشرين ومنتهى عقله لثمان وعشرين إلا التجارب» (5).
وفي الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا بلغ أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات، وجاز له كل شيء إلا أن يكون
سفيها أو ضعيفاً»(1).
وفي الصحيح عن العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن اليتيمة متى يدفع إليها مالها؟ قال: «إذا علمت أنها لا تفسد ولا تضيع» فسألته إن كانت قد تزوجت فقال: «إذا زوجت فقد انقطع ملك الوصي عنها» (2).
وفي الموثق عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشر سنة كتبت له الحسنة، وكتبت عليه السيئة وعوقب وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك وذلك أنها تحيض لتسع سنين» (3).
وفي القوي، عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا تدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين» (4). إلى غير ذلك من الأخبار التي ستج ستجيء في مواضعها والاحتياط ظاهر.
ومنها: الاختيار، فلا يصح عتق المكره؛ لما روياه في الحسن كالصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن عتق المكره فقال: «ليس عتقه بعتق»(5)وفي الحسن كالصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن طلاق المكره
1) الكافي 7 : 69، باب الوصي يدرك أيتامه، ح 7. التهذيب 9 : 183، باب وصية الصبي، ح 14.
2) الكافي 7 : 68، باب الوصي يدرك أيتامه ح 4. التهذيب 9: 184، باب وصية الصبي، ح 15.
3) الكافي 7 : 68، باب الوصي يدرك أيتامه، ح 6. التهذيب 9 : 184، باب وصية الصبي، ح 16.
4) الكافي 5 : 398، باب الحد الذي يدخل بالمرأة فيه، ح 3. التهذيب 7 : 410، باب السنة في عقود النكاح، ح 9.
5) الكافي 6 : 191، باب عتق السكران والمجنون والمكره، ح 1. التهذيب 8 : 217، باب العشق وأحكامه، ح 8.
وعتقه فقال: «ليس طلاقه بطلاق ولا عتقه بعتق» فقلت: إنّي رجل تاجر أمر بالعشار، ومعي مال فقال: «غيبه ما استطعت وضعه مواضعه»، وقلت: فإن حلفني بالعتاق والطلاق؟ قال: «احلف له، ثمّ أخذ تمرة فحفر - أو فحفن - بها من زبد كان قدامه» فقال: «ما أبالي حلفت لهم بالطلاق والعتاق أو أكلتها»(1)، والحفر والغمس والحفن أخذ الشيء بالراحة أو أخذ الشيء لنفسه.
والحاصل أنه لا بأس به بل يكون مستحباً.
وفي القوي عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سمعته يقول: «لو أنّ رجلاً مسلماً مرّ بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوف على نفسه أن يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شيء» (2). وفي الصحيح عن ابن محبوب، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سمعته يقول: «لا يجوز عتق في استكراه فمن حلف أو حلف على شيء من هذا وفعله فلا شيء. عليه» (3)الخبر إلى غير ذلك من الأخبار، فظهر منها أن الإكراه يحصل بتضييع المال وأمثاله، وهذا هو العتق باليمين الذي عندنا باطل بخلاف العامّة.
ومنها: التلفظ بالعتق روى الكليني في الحسن كالصحيح عن زرارة والشيخ في القوي عنه قال: قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): رجل كتب بطلاق امرأته، أو بعتق
3534 - قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): العبد الآبق لا تقبل له صلاة حتى يرجع إلى مولاه.
غلامه أو مملوكه ثمّ بدا له فمحاه قال: «ليس ذلك بطلاق ولا عتاق حتى يتكلم به»(1).
وفي الصحيح عن أبي حمزة الثمالي قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرجل قال لرجل: اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها، أو اكتب إلى عبدي بعتقه يكون ذلك طلاقاً أو عتقاً؟ قال: «لا يكون طلاق ولا عتق حتى ينطق به لسانه، أو يخط بيده وهو يريد الطلاق والعتق ويكون ذلك منه بالأهلة والشهور، ويكون غائباً عن أهله»(2). وحمل ذلك على الأخرس وعمل به في الغائب خاصة جماعة من أصحابنا في الطلاق (3)، وسيجيء بقية الأحكام في باب الطلاق وغيره وإنّما ذكرنا الأهم.
باب الإباق
(قال أبو جعفر (صلوات اللّه عليه)) قد تقدم في باب الوضوء، وروى الكليني في القوي
3535 - وقال الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): المملوك إذا هرب ولم يخرج من مصره لم يكن ابقاً.
3536 - وروى زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه سئل عن رجل يتخوّف إباق مملوكه، أو يكون المملوك قد أبق، أيقيده أو يجعل في عنقه راية ؟ قال: إنّما هو بمنزلة بعير يخاف شراده، فإذا خفت ذلك فاستوثق منه وأشبعه واكسه. قلت: وكم شبعه ؟ قال: إنما نحن نرزق عيالنا مدين تمراً.
كالصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «ثلاثة لا يقبل اللّه لهم صلاة: أحدهم العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه» (1)وتقدم تفسيره.
(وقال الصّادق (صلوات اللّه عليه)) رواه الكليني مرسلاً عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)، وتظهر الفائدة، في جواز الرد بهذا العيب، والظاهر جوازه فإنّه إذا لم يخرج من المصر أيضاً فإنّه عيب، وفيما اشترط في العقد عدم إباقه بخلاف سائر العيوب فإنه برىء من ضمانه والمشهور الرجوع في ذلك إلى العرف، لعدم صحة الخبر.
(وروى زيد الشحام) في القوي كالكليني (3)(أو يجعل في عنقه) أو في رقبته كما في الكافي (رايةً)، وهي القلادة التي تجعل في عنق الغلام الآبق، ويدل على جواز مثل هذه الأمور؛ للحفظ، وعلى وجوب نفقة الغلام بمقدار الشبع والكسوة.
3537 - وروی محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن جارية مدبّرة أبقت من سيّدها سنين ثمّ إنّها جاءت بعد ما مات سيدها بأولاد ومتاع كثير وشهد لها شاهدان أن سيدها كان قد دبرها في حياته من قبل أن تأبق قال: أرى أن وجميع ما معها للورثة قلت: ولا تعتق من ثلث سيّدها قال لا إنّها أبقت عاصية اللّه ولسيدها فأبطل الإباق التدبير.
3538 - وروى إسماعيل بن مسلم عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) اختصم إليه في رجل أخذ عبداً أبقاً وكان معه ثمّ هرب منه قال:
(وروی محمّد بن مسلم) في القوي كالصحيح مثلهما (1)، ويدل على أن الإباق من المولى يبطل التدبير إذا كان معلقاً بموته، بخلاف ما إذا كان معلقاً بموت غير المولى كما تقدم في صحيحة يعقوب في باب التدبير وروى الشيخ في الموثق كالصحيح عن العلاء بن رزين، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل دبر غلاماً له، فأبق الغلام فمضى إلى قوم فتزوج منهم ولم يعلمهم أنه عبد فولد له وكسب مالاً ومات مولاه الذي دبره فجاء ورثة الميت الذي دبر العبد فطالبوا العبد فما ترى؟ فقال: «العبد وولده رق لورثة الميت قلت: أليس قد دبر العبد ؟ فذكر أنه لما أبق هدم تدبيره و رجع رقاً»(2).
(وروى إسماعيل بن مسلم) السكوني في القوي (3)، وفيه دلالة على أن القول قول الآخذ مع اليمين، ويؤيده ما روياه في الصحيح عن محمّد بن قيس، عن أبي
يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما سلبه ثيابه ولا شيئاً ممّا كان عليه ولا باعه ولا داهن في إرساله فإذا حلف برىء من الضمان.
3539 - وروى غياث بن إبراهيم الدارمي عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال: في جعل الآبق إنّ المسلم يردّ على المسلم.
3540 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل أخذ آبقاً ففرّ منه قال: ليس عليه شيء.
جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «ليس في الإباق عهدة» (1)أي ضمان ويمكن أن يكون المراد أن البائع لا يضمن إباقاً يحصل عند المشتري إذا لم يكن قبله، ويمكن التعميم ويخص بالدليل، وروى الشيخ في الموثق كالصحيح عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه ليس في إباق العبد عهدة إلا أن يشترط المبتاع»(2)وهو يؤيد المعنى الثاني.
(وروى غياث بن إبراهيم الدارمي) في الموثق كالصحيح مثلهما(3)(أن المسلم يرد على المسلم) يمكن أن يكون خبراً ويكون معناه أن الرد من حقوق الإسلام أو خبراً بمعنى الأمر الندبي، ويمكن بعيداً أن يكون الضمير راجعاً إلى الجعل المقرر، أو يحمل على وجوب الرد بدون الجعل إذا لم يجعل صاحبه.
لكن روى الشيخ في القوي عن مسمع كردين، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جعل في جعل الآبق ديناراً إذا أخذه في مصره، وإن أخذه في غير مصره
3541 - وروى الحسن بن محبوب، عن الحسن بن صالح، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل أصاب دابة قد سرقت من جار له فأخذها ليأتيه بها فنفقت قال: ليس عليه شيء.
فأربعة دنانير (1)فيمكن حمله على الاستحباب، ورويا في الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن جعل الآبق والضالة قال: «لا بأس به» (2)والجعل - بالضم -: ما يجعل ويقرر للعمل، وبالفتح المصدر، ويمكن قراءته بهما.
(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح كالكليني (3)(عن الحسن بن صالح) الثوري زيدي المذهب، وكتابه معتمد ولا يضر ضعفه أيضاً؛ لصحته عن الحسن (عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل أصاب دابة قد سرقت) لا ربط للدابة في هذا الباب، والظاهر أنه سهو من النساخ والصواب ما في الكافي، فإنه الأصل على ما ظهر لك من التنبع، وفيه: (أصاب عبداً آبقاً) فأخذه وأفلت منه العبد قال: «ليس عليه شيء»، قلت: فأصاب جارية قد سرقت من جار له فأخذها ليأتيه بها فنفقت (وفي بعضها: فألقت) قال: «ليس عليه شيء» يحمل على صورة عدم التقصير؛ فإنّه محسن و(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) (4).
3542 - وروى عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال: إن العبد إذا أبق من مواليه ثمّ سرق لم يقطع وهو ابق؛ لأنه بمنزلة المرتدّ عن الإسلام، ولكن يدعى إلى الرجوع إلى مواليه والدخول في الإسلام، فإن أبى أن يرجع إلى مواليه قطعت يده بالسرقة، ثمّ قتل، والمرتدّ إذا سرق بمنزلته.
3543 - وروى ابن أبي عمير، عن أبي حبيبٍ، عن محمّد بن مسلم عن
(وروى علي بن رئاب) في الصحيح كالكليني(1)(عن أبي عبيدة) وهذا الخبر أيضاً يدلّ على أن الآبق بمنزلة المرتد ويدعى إلى الرجوع إلى مواليه أولاً؛ لأنه أهم وبمنزلة إسلامه فإن أبى أجبر على ذلك إلا أن يكون قاطع الطريق، ولا يمكن أخذه إلا بقتله أو يخاف منه على المولى بأن يهدده بالقتل وعلم من حاله ذلك (والمرتد إذا سرق مثل ذلك) فإن المشبه به أقوى وسيجيء تفصيله في باب الحدود إن شاء الله.
(وروى ابن أبي عمير) في الصحيح (عن أبي حبيب)(2)ناجية له كتاب، وروى الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن ابن أبي حبيب، وهو أيضاً مجهول ولا يضر؛ لصحته عن ابن أبي عمير، ورواه الشيخ أيضاً (3)عن السكوني (عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)).
أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل اشترى من رجل عبداً وكان عنده عبدان فقال للمشتري اذهب بهما فاختر أحدهما ورد الآخر، وقد قبض المال فذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده قال: ليردّ الذي عنده منهما ويقبض نصف ثمن ما أعطى من البائع، ويذهب في طلب الغلام، فإن وجده اختار أيهما شاء وردّ الآخر، وإن لم يجده كان العبد بينهما نصفه للبائع ونصفه للمبتاع.
والسكوني، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (قال: سألته عن رجل اشترى من رجل عبداً) أي من عبدين عنده بأن يكون له من كل واحد منهما نصف (وكان عنده عبدان) فإنه وإن كان الظاهر أنه اشترى عبداً في الذمة لكن الجواب لا يوافقه فيجب أن يحمل على الإشاعة (فقال للمشتري) تبرعاً (أذهب بهما) ولاحظهما (فاختر أحدهما ورد الآخر) على (وقد قبض) بالتشديد أي المشتري أو بالتخفيف أي البائع (المال) الثمن (فذهب بهما المشتري)؛ للتدبر فأبق أحدهما من عنده) بدون تفريط المشتري (قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليرد الذي عنده منهما) أي نصفه أو لأجل النصف أو للحفظ (ويقبض) أي يرتجع (نصف ثمن ما أعطي) لانفساخ العقد في النصف، للتلف في الثلاثة، أو لكونه ابقاً بالانكشاف مع رضى البائع؛ لئلا يلزم تبعيض الصفقة (ويذهب في طلب الغلام) تبرعاً أو يقرأ مجهولاً؛ ليشملهما أو كل واحد منهما (فإن وجد) الآبق (اختار أيهما شاء) كما خيره البائع (ورد الآخر) من العبدين مع نصف الثمن الذي ارتجع به أو النصف الآخر وهو الثمن وهو بعيد (وإن لم يجده) لم يكن عليه شيء بسبب الآبق؛ لما لم يفرط، و (كان العبد بينهما) فاندفع الإشكالات.
3544 - وروي عن أبي جميلة، عن عبد اللّه بن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: اكتب للآبق في ورقة أو في قرطاس: بسم اللّه الرّحمن الرحيم، يد فلان مغلولة إلى عنقه إذا أخرجها لم يكد يراها، ومن لم يجعل اللّه له نوراً فما له من نور، ثمّ لفّها ثمّ اجعلها بين عودين ثمّ ألقها في كوة بيت مظلم في الموضع الذي كان يأوي فيه.
3545 - وروي عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ادع بهذا الدعاء للآبق واكتبه في ورقة: اللهم السّماء لك والأرض لك، وما بينهما لك، فاجعل ما بينهما أضيق على فلانٍ من جلد جمل حتى تردّه عليّ، و تظفرني به، وليكن حول الكتاب آية الكرسي مكتوبة مدوّرة، ثمّ ادفنه وضع فوقه شيئاً ثقيلاً في الموضع الذي كان يأوي فيه بالليل.
(وروي عن أبي جميلة) الطريق إليه صحيح ووثقه النجاشي(1)، وضعفه الشيخ(2)وقال علي بن الحسن: إنه صالح، وكتابه معتمد (في ورقة) من الشجر، أو الترديد من الراوي (إذا أخرجها) أو إذا أخرج يده لاتباع الآية والكوة: ثقب البيت، وإذا لم يكن البيت الذي كان يأوي فيه مظلماً فليجعل مظلماً.
(وروي عن معاوية بن عمار) في الصحيح (مدورة) أي يكون على شكل الدائرة. فإن حول الكتاب أعم منها، أو يشمل الأطراف الأربعة، فإنّ الحول ليس بصريح فيه والأوّل أظهر وأولى (ثمّ ادفنه) في الأرض (وضع) بعد الدفن وفي بعضها: (أو ضع فوقه شيئاً ثقيلاً) بأن يكون أحدهما مجزياً، و الجمع أولى، ويدل على أن وضع الحجر والتراب على مثل آية الكرسي ليس باستخفاف، وإنما يصير بالقصد كذلك،
3546 - روى هشام بن سالم، عن عمار الساباطي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام
والخبر الأول باعتبار عدم ذلك أولى والثاني مجرب ولم تجرب الأول.
باب الارتداد (عن الإسلام)
بأن يتركه أو ينكر شيئاً ممّا ثبت أنه جاء به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، كحدوث العالم لا بالمعنى الذي ذكره بعض الحكماء من الحدوث الذاتي، أو يفعل شيئاً يدلّ على استخفاف ما عظمه اللّه تعالى كالحدث في الكعبة، وإلقاء القرآن في القاذورات، أو يفعل ما يختص بالكفار من سجدة الصنم؛ لأشد الزنار والخال الأصفر، فإنهما ليسا بصريحين في الكفر وإن كانا علامة الكفار. وسيجيء تفصيله في الأخبار، وذكره فيما بين باب العتق باعتبار أن الغالب في العبيد الإسلام بعد الكفر والكفر بعد الإسلام، أو لأن الرد إلى الكفر يستلزم الكفر السابق لغة وإن كان في الشرع أعم.
(روى هشام بن سالم) في الصحيح مثلهما (1)(عن عمار الساباطي) الموثق (قال: معت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول كل مسلم بين مسلمين) كما في الكافي أو ابن مسلم، كما في بعض النسخ والتهذيب، أي إذا كان أبواه مسلمين وحصل العلوق بعد إسلامهما أو إسلام أحدهما فهو فطري مولود على فطرة الإسلام، كما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «كل مولود يولد على الفطرة، ولكن أبواه اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه(2)، فإذا كان الأبوان معاً كافرين وحصل العلوق فهو ملي فإن الكفر ملة واحدة». (ارتد عن الإسلام) بأحد
وجحد محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نبوّته وكذبه فإنّ دمه مباح لكل من سمع ذلك منه.
وامرأته بائنة منه فلا تقربه ويقسم ماله على ورثته، وتعتد امرأته عدة المتوفّى عنها زوجها، وعلى الإمام أن يقتله إن أتي به ولا يستتيبه.
الأسباب السابقة أو بما بعده. (وجحد محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نبوته وكذبه) فيكون تفسيرياً، وعلى الأوّل أيضاً. يمكن أن يكون تفسيرياً، لأن من جحد ما علم ثبوته من الدين ضرورة فقد جحده وجحد نبوته وكذبه فيما جاء به، والضروريات مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج، والوضوء والغسل، وحرمة الخمر واللواط والزنا، وأمثالها ممّا لا ينفك مسلم عن معرفته بخلاف حرمة الوطء في الحيض والنفاس مع كونها إجماعية، لكن ليست بضرورية لإمكان جهل كثير من المسلمين بها، وقال بعض بكفر من جحد الإجماعيات من كافة المسلمين وإن لم تكن ضرورية كحرمة لبس الحرير.
(فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه) بإذن الإمام في غير سب النبي والأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) وتكذيبهم. و مطلقاً فيهما، أو مطلقاً في الجميع كما هو ظاهر اللفظ. لكنه بعيد ومشكل للاختلاف الكثير في الضروريات، فربما كان عنده ده ضرورياً ولم يكن عند غيره ضرورياً، كما أنه يمكن أن يحصل للعالم العلم بحرمة الوطء في الحيض وأنه قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا يحصل ذلك العلم من غيره سيما من كان في أطراف بلاد الإسلام وتجدد إسلامهم والأحوط اشتراط إذن الإمام أو نائبه الخاص أو العام على المشهور.
(وامرأته بائنة منه) ولا تنتظر خروج العدة كما في الملي، وفي الكافي: يوم ارتد (فلا تقربه) للبينونة (ويقسم ماله على ورثته) المسلمين وإلا فللإمام (وتعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها) فإن زوجها كأنه مات (وعلى الإمام أن يقتله إن أتي به)
بالمجهول، ولا يسقط القتل بالتوبة إجماعاً (ولا يستتيبه) ولا تقبل توبته ظاهراً إجماعاً.
والظاهر قبول توبته عند اللّه تبارك وتعالى وصحة عباداته بعدها كما تقدم من قبول توبة الخوارج مع كونهم من أشد الكفار وأنجسهم وعدم استفصاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أحوالهم من الفطرة والملة، وربما يقال: إن أمر بدو الإسلام كان مغايراً لما بعده؛ لكونهم حديثي عهد بالإسلام، ولو كان يعمل معهم هذا العمل لما كان بقي من أهل الدنيا أحد، فبناء عليه لا يخرج أزواجهم عن الزوجية إلا بعد انقضاء العدة، فلو رجع فيها كان أحق بها، وكذلك الطهارة والتملك وغيرها لقبح تكليف ما لا يطاق عقلاً وسمعاً؛ لكونهم مكلفين إجماعاً، لكن إن قيل بقبول توبته عند اللّه لا يلزم محذور، فعلی هذا يجب عليه العبادات ويجب على المسلمين الاجتناب عنه بقتله، وكلما حصل له شيء فورثته يقسمونه بينهم.
ويؤيده ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن مسلم تنصر قال: «يقتل ولا يستتاب» قلت: فنصراني أسلم ثمّ ارتد عن الإسلام قال: «يستتاب فإن رجع وإلا قتل»(1).
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم قال سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المرتد فقال: «من رغب عن دين الإسلام وكفر بما أنزل اللّه على محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد إسلامه فلا توبة له، وقد وجب قتله وبانت امرأته منه، ويقسم ما ترك على ولده» (2).
وفي الصحيح عن أبي ولاد الحناط، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن رجل ارتد عن الإسلام لمن يكون ميراثه؟ قال: «يقسم ميراثه على ورثته على کتاب الله» (1).
وفي الموثق كالصحيح بسندين عن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن بزيعاً يزعم أنه نبي قال: «إن سمعته يقول ذلك فاقتله» قال: فجلست إلى جنبه غير مرة فلم يمكنني ذلك(2).
وفي الحسن كالصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن سئل عن رجل شتم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: «يقتله الأدنى فالأدنى قبل أن يرفعه إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (3)وفي الصحيح عن بريد العجلي قال: سئل أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام فقال: «يسأل هل عليك في إفطارك إثم ؟ فإن قال: لا فإنّ على الإمام أن يقتله وإن هو قال: نعم فإنّ على الإمام أن ينهكه ضرباً» (4)وتقدم في الصوم أيضاً نظير هذا الخبر.
1) الكافي 7: 152، باب ميراث المرتد عن الإسلام، ح 2. التهذيب 9 : 373، باب ميراث المرتد، ح 3.
2) الكافي 7 : 258، باب حد المرتد 13. التهذيب 10 : 141، باب حد المرتد والمرتدة ح 20.
3) الكافي 7 : 259، باب حد المرتد 21. التهذيب 10 : 141، باب حد المرتد والمرتدة ح 21.
4) الكافي 4 : 103، باب من أفطر متعمداً، ح 5. التهذيب 4: 215، باب حكم من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً، ح 1.
وفي الصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من أخذ في شهر رمضان وقد أفطر فرفع إلى الإمام يقتل في الثالثة» (1)وفي الحسن كالصحيح عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا ارتد الرجل المسلم عن الإسلام بانت منه امرأته كما تبين المطلقة، وإن قتل أو مات قبل انقضاء العدة فهي ترثه في العدة ولا يرثها إن ماتت وهو مرتد عن الإسلام» (2).
وفي القوي كالصحيح عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أرأيت لو أن رجلاً أتى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال: «والله ما أدري أنبي أنت أم لا؟ كان يقبل منه؟» قال: «لا ولكن كان يقتله إنّه لو قبل ذلك منه ما أسلم منافق أبداً» (3).
وفي القوي عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «أتي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بزنديق فضرب علاوته (4)(أي رأسه) وبسند آخر منه بزيادة: فقيل له: إن له مالاً كثيراً فلمن يجعل ماله ؟ قال: «لولده ولورثته ولزوجته»(5).
1) الكافي 7 : 258، باب حد المرتد ح 12. التهذيب 10 : 141، باب حد المرتد والمرتدة، ح 18.
2) الكافي 7 : 153، باب ميراث المرتد عن الإسلام، ح 3.
3) الكافي 7 : 258، باب حد المرتد، ح 14. التهذيب 10 : 141، باب حد المرتد والمرتدة ح 22.
4) الكافي 7 : 257، باب حد المرتد، ح 6.
5) الكافي 7 : 258، باب حد المرتد، ح 15 التهذيب 10 : 140، باب حد المرتد والمرتدة، ح 16.
وبهذا الإسناد أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يحكم في زنديق إذا شهد عليه رجلان عدلان مرضيان وشهد له ألف بالبراءة جازت شهادة الرجلين وأبطل شهادة الألف؛ لأنه دين مكتوم (1).
وبهذا الإسناد قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «المرتد تعزل عنه امرأته، ولا تؤكل ذبيحته، ويستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل يوم الرابع» (2).
وفي القوي عن جابر، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)- كما فيهما بالاختلاف - قال: «أتي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) برجل من بني ثعلبة قد تنصر بعد إسلامه فشهدوا عليه فقال له أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما يقول هؤلاء الشهود؟ قال: صدقوا وأنا أرجع إلى الإسلام فقال: أما إنك لو كذبت الشهود لضربت عنقك وقد قبلت منك رجوعك هذه المرة، فإياك أن تعود إلى ارتدادك، فإنك إن رجعت لم أقبل منك رجوعاً بعده»(3).
وروى الشيخ في الحسن كالصحيح عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إن ارتد الرجل المسلم عن الإسلام بانت منه امرأته كما تبين المطلقة ثلاثاً.
3547 - وروى السكوني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ): أن المرتد عن الإسلام تعزل عنه امرأته، ولا تؤكل ذبيحته، ويستتاب ثلاثاً، فإن رجع وإلا قتل يوم الرابع إذا كان صحيح العقل.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه): يعني بذلك المرتد الذي ليس بابن مسلمين.
3548 - وروى حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المرتدّة عن الإسلام قال: لا تقتل وتستخدم خدمة شديدة، وتمنع عن الطعام
تعتد منه كما تعتد المطلقة، فإن رجع إلى الإسلام وتاب قبل أن يتزوج فهو خاطب ولا عدة عليها منه له وإنما عليها العدة لغيره، فإن قتل أو مات قبل انقضاء العدة أعتدت منه عدة المتوفى عنها زوجها وهي ترثه في العدة ولا يرثها إن ماتت وهو مرتد عن الإسلام(1)، فالظاهر أنه المرتد الملي؛ لقبول رجوعه بخلاف الفطري؛ فإنه يعتد منه عدة المتوفى عنها زوجها، كما تقدم في خبر عمار وسيجيء أيضاً.
(وروى السكوني) في القوي ويدلّ على الاستتابة، ويحمل على الملي والأحوط الاستتابة ثلاثة أيام كما في الخبرين.
وروى حماد) في الصحيح كالشيخ عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)، وكان السهو من النساخ (عن الحلبي - إلى قوله – شديدة) أي في الابتداء؛ لعلها ترجع وبعده تخلد
والشراب، إلا ما تمسك به نفسها، وتلبس أخشن النّياب، وتضرب على الصلوات.
3549 - وفي رواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا ارتدت المرأة عن الإسلام لم تقتل ولكن تحبس أبداً.
في السجن أو على التخيير، لما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «لا يخلد في السجن إلا ثلاثة الذي يمسك على الموت، والمرأة ترتد عن الإسلام. والسارق بعد قطع اليد و الرجل»(1).
وفي الموثق كالصحيح عن عباد بن صهيب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل قال: والمرأة تستتاب فإن تابت وإلا حبست في السجن واضربها» (2)، من الضرب أو من الضرر ليشمل غيره (إلا ما تمسك به نفسها) أي بقدر سد الرمق وروي ثلث المعتاد (وتضرب على الصلوات) لو تركها حتى تصلي.
(وفي رواية غياث بن إبراهيم) في الموثق كالصحيح كالشيخ(3)، وهو كالسابق وروى الشيخ في الصحيح والكليني في الحسن كالصحيح، عن ابن محبوب، عن غير واحد من أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في المرتد: «يستتاب فإن تاب إلا قتل. والمرأة إذ ارتدت عن الإسلام استتيبت فإن تابت ورجعت وإلا خلدت في
السجن وضيق عليها في حبسها»(1).
فأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وليدة كانت نصرانية فأسلمت وولدت لسيدها، ثمّ إنّ سيدها مات وأوصى بها عتاقة للسرية على عهد عمر، فنكحت نصرانياً ديرانياً - وبالسند الموثق (2)له وأوصى بإعتاق السرية، فنكحت رجلاً نصرانياً دارياً - وهو العطار فتنصرت فولدت منه ولدين وحبلت بالثالث قال: فقضى أن يعرض عليها الإسلام فعرض عليها فأبت فقال: ما ولدت من ولد نصرانياً، فهم عبيد لأخيهم الذي ولدت لسيدها الأول وأنا أحبسها حتى تضع ولدها الذي في بطنها فإذا ولدت قتلتها»(3).
فالظاهر أنه تهديد لها، لعلها تسلم مثل قوله (صلوات اللّه عليه) في الخبر - خبر الثعلبية - (لم أقبل منك رجوعاً بعده) مع أنه كان ملياً، ومثل هذه التهديدات كثير في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما تقدم وكما سيجيء في اليمين من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (والله لأقتلن معاوية)(4)تحريصاً لأصحابه على الجهاد مع أنه كان يعلم موته (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل معاوية بإخبار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كما ذكره العامّة والخاصة أن معاوية عليه اللعنة أراد أن يعلم أنه هل يقتل على يد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أم لا، فقرر ثلاثة رجال أن يجيئوا إلى الكوفة متعاقبة
3550 - وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما فرغ من أهل البصرة أتاه سبعون رجلاً من الزّط فسلّموا عليه وكلّموه بلسانهم ثمّ قال لهم: إنّي لست كما قلتم أنا عبد اللّه مخلوق. قال: فأبوا عليه وقالوا: لعنهم الله، لا بل أنت أنت هو. فقال لهم: لئن لم ترجعوا عمّا قلتم، ولم تتوبوا إلى اللّه عز وجل لأقتلنّكم. قال: فأبوا عليه أن يتوبوا ويرجعوا. قال: فأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن تحفر لهم آبار فحفرت ثمّ خرق بعضها إلى بعض ثمّ قذف بهم فيها، ثمّ جن رءوسها ثمّ ألهب في بئر منها ناراً، وليس فيها أحد منهم فدخل فيها الدخان عليهم فماتوا.
ويقولوا مات معاوية، فجاءوا فسر أصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخبروه بهذا فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن هذا من كيده ويريد هذه المعرفة وأنا أقتل قبله ويكون بعدي وتقتنون به»(1).
(وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الكليني في القوي عن كردين عن رجل، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)(2)، ويؤيده ما روياه في الصحيح عن هشام بن سالم وفي الحسن كالصحيح أيضاً عنه، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «أتى قوم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالوا: السلام عليك يا ربنا فاستنابهم فلم يتوبوا فحفر لهم حفيرة وأو قد فيها ناراً، وحفر حفيرة أخرى إلى جانبها وأفضى بينهما، فلما لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة، وأوقد في الحفيرة الأخرى حتى ماتوا» (3)والزط جنس من السودان والهنود.
قال مصنف هذا الكتاب (رَحمهُ اللّه) : إن الغلاة - لعنهم اللّه - يقولون لو لم يكن علي رباً لما عذبهم بالنار فيقال لهم: لو كان ربّاً لما احتاج إلى حفر الآبار، وخرق بعضها إلى بعض، وتغطية رؤوسها.
(قال مصنف هذا الكتاب) الظاهر أن هذه المقالة من المصنف؛ لعقولهم السخيفة، وبعيد أن لا يفهم المصنّف سخافة هذه المقالة، فإن الغلاة يقولون: إنه ورد من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: «لا يعذب بالنار إلا رب النار»(1)، وهذا الخبر لم يثبت عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولو ثبت وصح فجوابهم أن ما فعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) من إحراقهم بالنار، لما كان بأمر اللّه تعالى فكأن اللّه تعالى عذبهم وسيجيء في حد اللواط أخبار مستفيضة تدل على جواز إحراق اللوطي بالنار، ولا خلاف فيه.
ولما ثبت بالبراهين العقلية بل بديهته أن الواجب الوجود قديم ومعلوم ببديهة العقل أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ابن أبي طالب ولم يكن فحدث، فكيف يكون الممكن واجب الوجود، ولو أنهم قالوا بحلول اللّه تعالى في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). فمع أن الحلول أيضاً باطل عقلاً وسمعاً كيف يختص الحلول به (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فبناء على الحلول كل الناس واجب الوجود كما يقوله ملحدة الصوفية، ولو أنهم قالوا بحدوث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبأنه رب ولما خلقه اللّه تعالى فوض خلق العباد إليه كما يقوله الحكماء في العقول، فمع تسليم إمكانه قول بلا دليل مع النهي المتواتر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في هذه
1) الصراط المستقيم 2 : 305. البحار 19 : 352.
النسبة(1)، ولو ورد خبر ضعيف في أنهم الخالق والرازق، لكان محمولاً على أنهم العلل الغائية للخلق والرزق، فنسب هذا المعنى إليهم كما روي متواتراً عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لولاك - وفي الأخبار الكثيرة لولاك وعلي - لما خلقت الأفلاك والجنة والنار»(2). حاشا أن يكون ورد منهم ما يكون سبباً لإضلال الخلائق، بل الوارد في الأخبار المتواترة خلافه، وفي تكفير من يقول بهذه المقالة وخصوص هذه الأخبار الواردة في قتلهم وإحراقهم بالنار.
ولو كانوا صادقين في هذه المقالة لما أحرقهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنار، وصح عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: «يا علي ستهلك من أمتي فيك اثنان محب غال، ومبغض قال» رواه العامّة والخاصة متواتراً بالمعنى(3)، وإذا كان الغلاة في سخافة العقل بالمرتبة التي تنكر البديهيات جاز مقابلتهم بهذه المقالات وإلزامهم بالقتل أحسن كما تقدم، فلو تكلم أحد بأني لا أعلم أن محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رسول أو صادق لما جاز شرعاً تنبيهه بالأدلة والبراهين، بل يجب قتلهم، لأنه إذا ثبت وظهر كالشمس في رابعة النهار نبوته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلو جوز مثل هذه المقالات لجاز أن يتكلم مع منكري البديهيات وكيف يمكن إسكاتهم.
ولكان يحدث ناراً في أجسادهم فتلهب بهم فتحرقهم، ولكنه لما كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) عبداً مخلوقاً حفر الآبار وفعل ما فعل حتى أقام حكم اللّه فيهم وقتلهم، ولوكان من يعذب بالنار ويقيم الحدّ بها رباً لكان من عذب بغير النار ليس بربّ، وقد وجدنا اللّه تعالى عذب قوماً بالغرق، وآخرين بالرّيح، وآخرين بالطوفان، وآخرين بالجراد والقمل والضفادع والدم، وآخرين بحجارة من سجيل، وإنما عذبهم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قولهم بربوبيته بالنار دون غيرها لعلّة فيها حكمة بالغة، وهي أنّ اللّه تعالى ذكره حرّم النار على أهل توحيده فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو كنت ربكم ما أحرقتكم بالنار وقد قلتم بربوبيتي، ولكنكم استوجبتم منّي بظلمكم ضد ما استوجبه الموحدون من ربهم عزّوجلّ، وأنا قسيم ناره بإذنه، فإن شئت عجلتها
وغرضنا من الإطالة في ذكر الأخبار أن يعلم أنه لا يجوز شرعاً إسكات المرتد بالدليل، بل يجب مقابلتهم ومعارضتهم بالسيف، ألا ترى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هل عارضهم بالأدلة إني لست باله بل استنابهم فلما لم يتوبوا أحرقهم بالدخان، ويمكن أن يكون الوجه في عدم إحراقهم بالنار مع جوازه أن لا يتشبث الغلاة بذلك على أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحرق كثيراً بالنار، وسيجيء في الحدود.
(ولكان يحدث ناراً في أجسادهم) لو كان أحدث لتمسكت الغلاة به أيضاً، وظاهر أن (عَلَيهِ السَّلَامُ)ا كان قادراً على ذلك ولو بالدعاء (لكان من عذب بغير النار ليس برب) سخافة هذا القول ظاهر لا يمكن التكلم به إلا مع سخفاء العقول كالغلاة وإلا
لكم، وإن شئت أخرتها، فمأواكم النار هي مولاكم، أي هي أولى بكم وبئس المصير ولست لكم بمولى، وإنّما أقامهم أميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قولهم بربوبيته مقام من عبد من دون اللّه عزّوجلّ صنماً.
3551 - وذلك أنّ رجلين بالكوفة من المسلمين (1)أتى رجل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فشهد أنه رآهما يصلّيان لصنم. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ويحك لعله بعض من يشتبه عليك أمره، فأرسل رجلاً فنظر إليهما وهما يصلّيان لصنم فأتى بهما. قال: فقال لهما: ارجعا فأبيا فخذ لهما في الأرض أخدوداً وأجج فيه ناراً فطرحهما فيه، روى ذلك موسى بن بكر عن الفضيل، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فظاهر أنه إذا قيل: لا يعذب بالنار إلا رب النار كان المعنى قصر تعذيب النار به تعالى أي لا يعذب بها غيره لا أنه لا يعذب بغير النار.
(وذلك أن رجلين) سنده ما سيذكره من بعد، ورواه الشيخ أيضاً من كتاب الحسين بن سعيد عن النضر، عن موسى بن بكر، ولم يذكر المصنّف طريقه إلى موسى فالظاهر أخذه من كتاب الحسين (2)(من المسلمين) الظاهر الإسلام (فخد لهما في الأرض أخدوداً) وفي التهذيب: خدا الظاهر أن الشق في الأرض كان؛ لأن لا يحرقهما بالنار، بل بحرارتها ودخانها، ويمكن أن يكون الشق لتسهيل طرحهما فيه (والأجيج) توقد النار.
3552 - وكتب غلام الأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه: إني قد أصبت قوماً من المسلمين زنادقة وقوماً من النّصارى زنادقة فقال: أما من كان من المسلمين ولد على الفطرة ثمّ ارتدّ فاضرب عنقه ولا تستتبه، ومن لم يولد منهم على الفطرة فاستتبه فإن تاب وإلا فاضرب عنقه، وأمّا النّصارى فما هم عليه أعظم من الزندقة.
(وكتب غلام لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الشيخ في الموثق عن عثمان بن عيسى رفعه (1). ولما كان ذلك أيضاً في كتاب الحسين اعتمد عليه المصنّف (وقوما من النصارى زنادقة) ليست في بعض النسخ لكنها موجودة في التهذيب، والمراد بالزنديق الملحد الذي أنكر ضرورياً من ضروريات الدين، سواء كان في دين الإسلام أو غيره، والمشهور أن الصابئين من زنادقة النصارى؛ لأنهم أدخلوا في النصرانية عبادة الكواكب مع عبادة المسيح على نبينا وآله و عليه السلام، وفصل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مرتد المسلمين بين الفطري والملي دون النصارى؛ لأن مذهبهم الباطل لترك تصديق سيد المرسلين أعظم بطلاناً من إحداث ما أحدثوا، أو لأنهم يعبدون المسيح وعبادة المخلوق المحدث الظاهر الحدوث أشنع وأقبح من عبادة الكواكب التي لم يشاهدوا حدوثها.
ويدل على تقرير النصارى بالإلحاد في دينهم وقال اللّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَير الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (2)فيحمل على أنهم لم يحدثوا هذا التزندق في زمانه
3553 - وفي رواية موسى بن بكر عن الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ رجلاً من المسلمين تنصر فأتي به علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاستتابه فأبى عليه فقبض على شعره. وقال طئوا عباد اللّه عليه فوطئ حتى مات.
3554 - وروى فضالة، عن أبان أنّ أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: في الصبي إذا شب فاختار النصرانية وأحد أبويه نصراني أو جميعاً مسلمين. قال: لا يترك، ولكن يضرب على الإسلام.
(صلوات اللّه عليه) حتى لا يقررهم عليه، بل أحدثوا قبله كما يظهر من قوله تعالى: (والصَّابِئِينَ) (1)، وهم ملحدة النصارى وكانوا في زمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو لعدم إمكان تغییر ما قرره الشيخان الكافران.
(وفي رواية موسى بن بكر) رواه الشيخ والكليني في الصحيح عنه(2)، وهو واقفي كثير الرواية (وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) طأوا عباد اللّه عليه) أي اضربوه بالرجل، باللكد ويدلّ على جواز قتل المرتد به أيضاً، والظاهر أن الإمام مخير في قتله بأي نوع شاء من أنواعه، ولهذا كان يفعل في كل واقعة بنوع خاص.
(وروى فضالة) في الصحيح ورويا في القوي (3)(عن أبان) الموثق كالثقة. لكنهما ذكرا عن بعض أصحابه أن (أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال في الصبي إذا شب) بلغ وصار شاباً، ويمكن حمله على المراهق (واختار النصرانية) بعد أن كان تابعاً لأحد أبويه المسلم، أو لأبويه المسلمين (قال: لا يترك) فإنه بمنزلة المرتد (ولكن يضرب على الإسلام) عند الاستتابة أولاً فإن لم يؤثر يقتل.
3555 - وروى ابن فضال، عن أبان أن أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: في الرّجل يموت مرتداً عن الإسلام وله أولاد ومال قال: ماله لولده المسلمين.
3556 - وقال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا أسلم الأب جرّ الولد إلى الإسلام، فمن أدرك
ويؤيده ما رواه الشيخان - الكليني والطوسي - في القوي كالصحيح عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الصبي يختار الشرك وهو بين أبويه قال: «لا يترك»(1)وذاك إذا كان أحد أبويه نصرانياً؛ لأن الطفل تابع لأشرف الأبوين في الإسلام كما سيجيء سيجيء أيضاً، والظاهر أنه لو لم يقبل يقتل؛ لما تقدم؛ ولما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن سعيد قال: قرأت بخط رجل إلى أبي الحسن الرضاء : رجل ولد على فطرة الإسلام ثمّ كفروا شرك وخرج عن الإسلام، هل يستتاب أو يقتل ولا يستتاب؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يقتل» (2).
(وروى ابن فضال) في الموثق كالصحيح (عن أبان) كالشيخ وفي بعض النسخ: ابن تغلب، والظاهر أنه غلط، بل هو ابن عثمان. وليس في التهذيب، بل فيه، عن أبان ورواه في الكافي في الحسن كالصحيح عن أبان بن عثمان عمن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)(قال ماله لولده المسلمين) دون الكفار.
(وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) رواه الشيخ في الموثق عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(4)، وتقدم.
من ولده دعي إلى الإسلام، فإن أبي قتل، وإن أسلم الولد لم يجر أبويه ولم يكن بينهما ميراث.
3557 - روى سعد بن سعد، عن حريز قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل قال لمملوكه: أنت حر ولي مالك قال: يبدأ بالمال قبل العتق، يقول: لي مالك وأنت حر برضاً من المملوك.
باب نوادر العتق
(روی سعد بن سعد) ثقة لم يذكر طريقه إليه ورواه الكليني والشيخ في الصحيح (1)(عن أبي جرير) الممدوح زكريا بن إدريس، وفي بعض النسخ: (عن حريز) وكأنه كان نسخة العلامة كذلك حيث قال: وفي الصحيح، عن حريز، لكن الظاهر أنه من النساخ، واستدل به على تملك المملوك، ويمكن حمله على ما يملك من فاضل الضريبة وأرش الجناية (قال لا يبدأ بالحرية قبل المال)؛ لأنه إذا قال: أنت حر يصير حرا ولا ينفع قوله: (ولي مالك) بخلاف العكس، فإن فيه تصريحاً بأن العتق بإزاء المال، وقيل الكلام لا يتم إلا بآخره وهذا على سبيل الاستحسان والندب؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فإن ذلك أحب إلي).
1) الكافي 6 : 191، باب المملوك يعتق وله مال، ح 5. التهذيب 8: 224، باب العتق وأحكامه، ح 39.
3558 - وسأله الحسن الصيقل عن رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حر فأصاب سنّةً فقال: إنما كانت نيّته على واحد فليختر أيهم شاء فليعتقه.
(وسأله الحسن الصيقل) في القوي كالشيخ (1)تقدم صحيحة الحلبي بالقرعة، وهنا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتخيير فتحمل القرعة على الاستحباب وعتق واحد منهم بناء على أن قصده كان على واحد للتعليل المذكور، فلو كان قصده المجموع لكان عتقهم لازماً وكذا المطلق على الظاهر؛ لصدق الأوّل على الجميع بالنسبة إلى ما يملكه بعده، وظاهره أنه عتق يمين باطل، ويحمل على النذر وشبهه؛ لأن الغرض من السؤال أنه هل ينعتق الجميع أو لا ينعتق الجميع أو ينعتق بعض دون بعض لا في أنه هل هذا العتق يصح أم لا؟
والأحوط عتق السبعة لو لم يكن نيته على واحد لما رواه الكليني في الصحيح عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، عن أبيه رفعه قال: قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل نكح وليدة رجل أعتق ربّها أوّل ولد تلده، فولدت توأماً فقال: «أعتق كلاهما» (2)هذا إذا جاء التوأمان معاً، أما إذا كان أحدهما سابقاً فالظاهر وجوب عتق أوّل من يخرج. ويحتمل أن يكون المراد بالأوّل أوّل الحمل وهو أظهر، فحينئذ يعتقان وهو كالمتن في انعقاد العتق باليمين، ويحمل على النذر بقرينة قوله : أعتق بالمعلوم، دون انعتق ويحتمل قراءته بالمجهول ويكون كالسابق وتقدم.
3559 - وروى إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار قال: كتبت إليه أسأله عن المملوك يحضره الموت فيعتقه مولاه في تلك الساعة فيخرج من الدنيا حرّاً، هل للمولى في عتقه ذلك أجر أو يتركه مملوكاً فيكون له أجر إذا مات وهو مملوك له أفضل ؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): يترك العبد مملوكاً في حال موته فهو آجر لمولاه، وهذا العتق في تلك الساعة لم يكن نافعاً له.
3560 - وروى محمّد بن عيسى العبيدي، عن الفضل بن المبارك أنه كتب إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد (صلوات اللّه عليهما) في رجل له مملوك فمرض أيعتقه في مرضه أعظم لأجره أو يتركه مملوكاً. فقال: إن كان في
(وروى إبراهيم بن مهزيار) في الصحيح كالشيخين (1)(عن أخيه - إلى قوله - آجر لمولاه)؛ لأن العتق الذي ليس للقربة لا يثاب عليه ولا يمكن قصد القربة مع الجزم أو الظن الغالب بموته، وأما الأجر فهو لكل مضرة دنيوية وهو حاصل، وإن لم ينو القربة والمشهور بين المتكلمين أن الأجر منقطع، والثواب دائم، وبانقطاع نفع الأجر لا يحصل الألم بأن ينسيه من خاطره أو يخفف تدريجاً بحيث لا يشعر، وفي هذا الخبر إشعار بما يقولونه وليس بصريح فيه سيما مع قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أجر» نعم إذا صبر عليه ورضي فإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
(وروى محمّد بن عيسى العبيدي) وهو ابن عبيد فنسب باسم جده (عن الفضل بن المبارك) في القوي (أنه كتب إلى أبي الحسن علي بن محمّد) الهادي (صلوات اللّه عليهما) - إلى قوله - إن كان في مرض) ولم يظهر أمارات الموت (فالعتق أفضل له)؛ لأنه يمكن القربة هنا فكثيراً ما يصح المريض.
1) الكافي 6 : 195، باب نوادر، ح 8. ولم نعثر عليه في كتب الشيخ.
مرض فالعتق أفضل له؛ لأنه يعتق اللّه عزّ وجل بكل عضو منه عضواً من النار، وإن كان في حال حضور الموت فيتركه مملوكاً أفضل له من عتقه.
3561 - وروى محمّد بن عيسى العبيدي عن الفضل بن المبارك البصري، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: جعلت فداك الرجل يجب عليه عتق رقبة مؤمنة فلا يجدها كيف يصنع ؟ فقال: عليكم بالأطفال فأعتقوهم، فإن خرجت مؤمنة فذاك، وإن لم تخرج مؤمنة فليس عليكم شيء.
(وروى محمّد بن عيسى العبيدي) في الصحيح كالشيخ (1)(عن الفضل بن المبارك البصري عن أبيه) وهما مجهولان (عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) - إلى قوله - مؤمنة) مثل كفارة القتل، فإن الآية فيها مقيدة بالمؤمنة وإلحاق غيرها بها قياس، مع أنه روى الكليني في الحسن كالصحيح عن معمر بن يحيى، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال: سألته عن الرجل يظاهر من امرأته يجوز عتق المولود في الكفارة؟ فقال: «كل العتق يجوز فيه المولود إلا في كفارة القتل، فإن اللّه عزّ وجلّ يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) يعني بذلك مقرة قد بلغ الحنث» (2).
(فلا يجدها كيف يصنع) جوز (عَلَيهِ السَّلَامُ) اعتق الأطفال فقد المؤمن فإنهم ملحقون بالسابي في الطهارة والإسلام على احتمال مع رجاء إيمانهم أيضاً، ويحتمل حينئذ وجوب الصيام؛ لصدق عدم الوجدان، والجمع أحوط
3562 - وروى معاوية بن ميسرة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن الرجل يبيع عبده بنقصان من ثمنه ليعتق فقال له: العبد فيما بينهما لك على كذا وكذا أله أن يأخذه منه؟ قال: يأخذه منه عفواً، ويسأله إيَّاه في عفو، فإن أبي فليدعه.
(وروى معاوية بن ميسرة) في القوي كالصحيح كالكليني(1)(قال يأخذه منه عفواً) أي على السهولة في أنه غير لازم عليه.
روى الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار والكليني في القوي كالصحيح عنه قال: قال غلام سندي لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إني قلت لمولاي: بعني بسبعمائة وأنا أعطيك ثلاثمائة درهم فقال له أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن كان يوم شرطت لك مال فعليك أن تعطيه، وإن لم يكن لك يومئذ مال فليس عليك شيء»(2).
ورويا في القوي كالصحيح عن فضيل قال: قال غلام لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إني كنت قلت لمولاي بعني بسبعمائة درهم وأنا أعطيك ثلاثمائة درهم فقال له أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن كان يوم شرطت لك مال فعليك أن تعطيه، وإن لم يكن يومئذ شيء فليس عليك شيء»(3)وروى الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار قال: قال لي عبد مسلم عارف أعتقه رجل فدخل به على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: يا هذا ما هذا السندي؟ قال الرجل: عارف وأعتقه فلان فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ليت إني
3563 - وروى السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال: قال علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): في مكاتبة يطؤها مولاها فتحبل قال: يردّ عليها مهر مثلها وتسعى في قيمتها فإن عجزت فهي من أمهات الأولاد.
3564 - ودخل ابن أبي سعيد المكاري على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له: أبلغ اللّه من قدرك أن تدعي ما يدعى أبوك.
كنت أعتقته»، فقال السندي لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إني قلت لمولاي، بعني بسبعمائة درهم وأنا أعطيك ثلاثمائة درهم فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن كان يوم شرطت لك مال فعليك أن تعطيه، وإن لم يكن لك مال يومئذ فليس عليك شيء»(1)فظهر من هذه الأخبار المعتبرة أن العبد يملك ويمكن حمله، على ما يملك.
(وروى السكوني) في القوي مثلهما (2)، ويدل على عدم جواز وطي المولى، المكاتبة ومع الوطء فلها مهر المثل مع الجهل بالحرمة أو مطلقاً؛ لشبهة الملكية وتسعى في مال الكتابة فإن أدته وإلا فيعتق بعد الموت المولى من نصيب ولدها.
(ودخل ابن أبي سعيد المكاري) رواه الكليني والشيخ عن بعض أصحابنا(3). والظاهر أنه الحسين بن هاشم من وجوه الواقفة، وكان منكراً لإمامة أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فقال له: أبلغ اللّه) الهمزة للاستفهام أي وصلت إلى مقام الإمامة.
1) التهذيب 8: 246، باب العتق وأحكامه، ح 120.
2) الكافي 6 : 188، باب المكاتب، ح 16. التهذيب 8 : 269، باب المكاتبة، ح 14. ولكن روى الشيخان عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
3) الكافي 6: 195، باب النوادر، ح 6. اختيار معرفة الرجال 2 : 765، ح 884. التهذيب 8: 231، باب العتق وأحكامه، ح 68. و 318، باب النذور، ح 60.
فقال له: مالك أطفأ اللّه نورك، وأدخل الفقر بيتك، أما علمت أنّ اللّه تبارك وتعالى أوحى إلى عمران أنّي واهب لك ذكراً فوهب له مريم ووهب لمريم عيسى، فعيسى من مريم ومريم من عيسى وعيسى ومريم شيء واحد، وأنا من أبي وأبي مني وأنا وأبي شيء واحد.
فقال له ابن أبي سعيد: فأسألك عن مسألة. فقال: لا إخالك تقبل مني ولست من غنمي ولكن هلمها. فقال: رجل قال عند موته كل مملوك لي
(فقال له مالك) وأي شيء لك أو أي مطلوب لك (أطفأ اللّه نورك) نور الإيمان، على الإخبار أو الإنشاء، وهو أظهر لقوله (وأدخل الفقر بيتك) كما أدخلت فقر الدين على نفسك (أو ما علمت).
الظاهر أنّ الواقفة متمسكون بأن الإمام جعفر بن محمّد (صلوات اللّه عليهما) كثيراً ما كان يقول يخرج منّي من ينور اللّه به العباد والبلاد، ويظهر الحق، فقالوا: يجب أن يكون ذلك موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يحصل منه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في أيام حياته، فيجب أن يكون باقياً إلى أوان ظهوره، وهو المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيجيبه (صلوات اللّه عليه) أن الذي قاله جدي هو في، أو في ولدي القائم (صلوات اللّه عليه) كما أوحى اللّه تعالى إلى عمران إني واهب لك ذكراً ولم يكن الذكر منه، بل كان سبطه ولهذا قالت: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى) (1)أَي الذكر الذي وعدت زوجي، فنحن نور واحد كما أنّ مريم وعيسى (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) كانا من نور واحد فأنا وولدي من عطاء اللّه تعالى لجدي الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويجوز أن يكون المشابهة مجرد كونهما من نور واحد فكيف تستبعد أن يبلغ اللّه قدري قدر أبي؟.
(فقال: لا إخالك) بكسر الهمزة وقد يفتح أي لا أظنك (أن تقبل مني ولست من غنمي) أي ممّن يعتقد إمامتي - بضم الغين - أي من غنيمتي التي أعطاني اللّه تعالى
1) آل عمران : 36.
قديم فهو حر لوجه اللّه تعالى. فقال: نعم، إنّ اللّه عزّوجل يقول: (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم) فما كان من مماليكه أتى له ستة أشهر فهو قديم حرّ قال: فخرج افتقر حتى مات ولم يكن له مبيت ليلة لعنه الله.
3565 - وروى الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي الورد، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سألته عن مملوك نصراني لرجل مسلم عليه جزية قال :نعم، إنّما هو مالكه يفتديه إذا أخذ يؤدّي عنه.
وهم الشيعة المحقة وبالفتح، أي من رعيتي التي هم كالغنم وأنا كالراعي، ويمكن أن يكون لا أخالك على قياس لا أبا لك كلمة لعن ودعاء عليه، ويكون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقبل مني استفهاماً، وأن يكون فعلاً أي لا أتخيل وأظن أن تقبل مني (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (1)وهو عود العذق الذي تقادم عهده حتى يبس وتقوس.
وذكروا أنه يصير كذلك في كلّ ستة أشهر، فظهر إطلاق القديم على ذلك في كتاب اللّه تعالى فينعتق كل عبد يكون في ملكه ستة أشهر، وقيل: يرجع في ذلك إلى العرف لضعف الخبر، ولكن الشيخان الأعظمان حكما بصحته وعمل به معظم الأصحاب (2)(فخرج وافتقر) بدعائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (مبيت ليلة) أي قوتها.
(وروى الحسن بن محبوب) في الصحيح (عن هشام بن سالم، عن أبي الورد) الممدوح (إذا أخذ يؤدى عنه) أي هي فداء الغلام النصراني فلا يضر أخذه من المسلم، والمشهور عدمه ويمكن حمله على التقيّة.
تم بحمد اللّه الجزء العاشر حسب ما جزيناه، ويتلوه بتوفيق اللّه الجزء الحادي عشر. والحمد لله أولاً وآخراً.
1 - القرآن الكريم
2 - الاحتجاج : أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، ط / انتشارات أسوة - قم، سنة 1413هـ.
3 - الاستبصار : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / دار الكتب الإسلامية - طهران، سنة 1390هـ.
4 - الأصول الأصيلة : الفيض الكاشانی، ط / سازمان چاپ دانشگاه، ایران، سنة 1390 ق.
5 - الاعتقادات في دين الإمامية : الشيخ الصدوق، ط / دار المفيد، بيروت، سنة 1414 = 1993 م.
6 - الأمالي : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / مؤسسة البعثة - قم، سنة 1414هـ.
7 - الأمالي، الشيخ الصدوق، ط / مؤسسة البعثة، قم، سنة 1417.
8 - إيضاح الفوائد : محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي، فخر المحققين، ط / مؤسسة كوشانپور - طهران، سنة 1388هـ.
9 - بحار الأنوار : محمّد باقر المجلسي، ط / مؤسسة الوفاء - بيروت، سنة 1403 هـ = 1983م.
10 - بصائر الدرجات : الصفار الحسين بن فروغ، ط / مؤسسة الأعلمي - طهران سنة 1404ق.
11 - تاج العروس : محمّد مرتضى الزبيدي، ط / دار مكتبة الحياة - بيروت، سنة 1306هـ.
12 - تحرير الأحكام : الحسن بن يوسف بن المطهر، العلّامة الحلّي، ط / مؤسسة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - قم سنة 1420هـ.
13 - التحرير الطاوسي : الشيخ حسن صاحب المعالم ط / سيد الشهداء - قم، سنة 1411.
14 - تذكرة الفقهاء : الحسن بن يوسف بن المطهر، العلّامة الحلّي، ط / مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)لإحياء التراث - قم، سنة 1414هـ. والطبعة الحجرية.
15 - تفسير البغوي البغوي، ط / دار المعرفة، بيروت.
16 - تفسير الثعالبي : الثعالبي، ط / دار إحياء التراث العربي، بيروت، سنة 1418.
17 - تفسير الثعلبي : ط / دار الإحياء التراث العربي، بيروت، سنة 1422 = 2001 م.
18 - تفسير الجلالين : المحلى السيوطي، ط / دار المعرفة، بيروت.
19 - تفسیر جوامع الجامع : الشيخ الطبرسي، ط / مؤسة النشر الإسلامي، سنة 1418.
20 - تفسير الرازي : الرازي.
21 - تفسير السمرقندي : أبوليث السمرقندي، ط / دار الفكر، بيروت.
22 - تفسير السمعاني : السمعاني، ط / دار الوطن - رياض، سنة 1418 = 1997 م.
23 - تفسير مجمع البيان : الشيخ الطبرسي، ط / مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، سنة 1415 = 1995 م.
24 - تنقيح المقال في علم الرجال : المامقاني (الحجري).
25 - تهذيب الأحكام : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / دار الكتب الإسلامية - طهران سنة 1390هـ.
26 - جامع المقاصد : علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي، المحقق الثاني، ط / مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث قم، سنة 1408هـ.
27 - جواهر الفقه : القاضي ابن البراج، ط / مؤسسة النشر الإسلامي، قم، سنة 1411.
28 - جواهر الکلام : محمّد حسن النجفي، ط / دار الإحياء التراث - بيروت. ودار الكتب الإسلامية - طهران.
29 - الحدائق الناضرة : يوسف البحراني، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1408هـ.
30 - حلية الأبرار: السيد هاشم البحراني، ط / مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، سنة 1411.
31 - الخصال: محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الشيخ الصدوق، ط/ مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1403هـ.
32 - خلاصة الأقوال : العلامة الحلّي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1417.
33 - الخلاف : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1411هـ.
34 - الدراية في تخريج أحاديث الهداية : ابن حجر، ط / دار المعرفة، بيروت.
35 - ذخيرة المعاد : محمّد باقر بن محمّد مؤمن السبزواري، ط / مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم، حجرية.
36 - ذكرى الشيعة : محمّد بن مكي العاملي الشهيد الأوّل، ط / مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم، سنة 1419هـ.
37 - رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال) : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / انتشارات دانشگاه – مشهد.
38 - رجال النجاشي : أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1407هـ.
39 - الرعاية في علم الدراية : الشهيد الثاني، ط / مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة، سنة 1408.
40 - السرائر : محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي قم، سنة 1417هـ.
41 - سنن أبي داود : أبي داود سليمان ابن الأشعث السجستاني، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيروت.
42 - السنن الكبرى : أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ط / دار المعرفة - بيروت سنة 1413هـ = 1992 م.
43 - شرائع الإسلام : نجم الدين جعفر بن الحسن المحقق الحلّي، ط / الآداب - النجف الأشرف، سنة 1389هـ = 1969م.
44 - شرح أصول الكافي : محمّد صالح المازندراني، ط / دار الإحياء التراث العربي بيروت، سنة 1421هـ = 2000 م.
45 - شرح مسلم : النووي، ط / دار الكتاب العربي - بيروت سنة 1407 = 1987م
46 - شرح اللمعة : الشهيد الثاني، ط / مطبعة امير - قم، سنة 1410 ق.
47 - صحيح البخاري : محمّد بن اسماعيل بن إبراهيم البخاري، ط / دار ابن كثير - بيروت، سنة 1410هـ = 1990م.
48 - الصحاح : اسماعيل بن حماد الجوهري، ط / دار العلم للملايين - بيروت سنة 1407هـ 1987م.
49 - صحیح مسلم : مسلم بن الحجاج بن مسلم القشري النيشابوري، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيروت سنة 1374 هـ = 1955م.
50 - الصراط المستقيم : علي بن يونس العاملي، ط / الحيدري، سنة 1384.
51 - الصوام المهرقة : الشهيد نور اللّه التستري، ط / نهضت، ایران، سنة 1367.
52 - الطبقات الكبرى : محمّد بن سعد، ط / دار صادر، بيروت.
53 - عدة الأصول : محمّد بن حسن الطوسي، ط / مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم.
54 - عدة الداعي : أحمد بن محمّد بن فهد الحلي، ط / مكتبة وجداني - قم.
55 - علل الشرائع : محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الشيخ الصدوق، ط/الحيدرية النجف الأشرف، سنة 1386 هـ = 1966م.
56 - عيون أخبار الرضا اللّه : محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، الشيخ الصدوق، ط / مؤسسة الأعلمي - بيروت، سنة 1404هـ.
57 - عوالي اللآلي : محمّد بن علي بن إبراهيم الاحسائي، ط / سيد الشهداء - قم، سنة 1403هـ.
58 - الغارات : إبراهيم بن محمّد الثقفي.
59 - غنية النزوع : السيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي، ط / مؤسسة الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - قم، سنة 1417هـ.
60 - فتح الباري: شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني، ابن حجر، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيروت سنة 1348هـ.
61 - فتح العزيز : عبدالكريم الرافعي، دار الفكر.
62 - فتح الملك العلى : أحمد بن الصديق المغربي ط / مطابع نقش جهان، تهران، سنة 1403 = 1362 ش.
63 - فقه الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) = الفقه الرضوي = الفقه المنسوب للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ط / المؤتمر العالمي للإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) - مشهد، سنة 1406هـ.
64 - فيض القدير في شرح الجامع الصغير : المناوي، ط / دار الكتب العلمية - بيروت سنة 1415 = 1994م.
65 - الفهرست الشيخ الطوسي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم سنة 1417.
66 - القاموس المحيط : محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيروت، سنة 1412 هـ = 1991م.
67 - الكافي : محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، ط / دار الكتب الإسلامية - طهران سنة 1367ش.
68 - الكافي في الفقه : تقي الدين بن نجم الدين بن عبيد اللّه الحلبي، أبو الصلاح، ط / مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)- اصفهان، سنة 1403هـ.
69 - كتاب الموطأ : الإمام مالك، ط / دار إحياء التراث العربي، بيروت، سنة 1406 - 1985م.
70 - كشف الرموز : الحسن بن أبي طالب بن أبي المجد اليوسفي، الفاضل الآبي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1408هـ.
71 - كشف اللثام : محمّد بن الحسن الاصفهاني، الفاضل الهندي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم - سنة 1420هـ.
72 - كفاية الأحكام : محمّد باقر بن محمّد مؤمن السبزواري، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1423هـ.
73 - كنز العمال: علاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي، ط / مؤسسة الرسالة - بيروت، سنة 1409 هـ = 1989م.
74 - المبسوط : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية - طهران.
75 - مجمع البحرين : فخر الدين الطريحي، ط / مؤسسة البعثة - قم المقدسة، سنة 1414هـ.
76 - مجمع البيان: الطبرسي الفضل بن الحسن، ط / مؤسسة الأعلمي - طهران سنة 1415هـ.
77 - مجمع الزوائد : الهيثمي، ط / دار الكتاب العلمية - بيروت، سنة 1408 = 1988 م.
78 - مجمع الفائدة والبرهان : أحمد بن محمّد المقدس الأردبيلي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1405 هـ = 1364 ش.
79 - المجموع : أبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، ط / دار الفكر - بيروت.
80 - المحاسن : أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، ط / دار الكتب الإسلامية - قم.
81 - المحلى : ابن حزم الأندلسي، ط / دار الفكر، بيروت.
82 - مختصر بصائر الدرجات : الحسن بن سليمان الحلي، ط / منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، سنة 1370 = 1950 م.
83 - المختصر النافع : نجم الدين جعفر بن الحسن المحقق الحلّي، ط / دار الأضواء - بيروت، سنة 1405 هـ = 1985 م.
84 - مختلف الشيعة : الحسن بن يوسف بن مطهر، العلّامة الحلّي، ط/ مكتب الاعلام الإسلامي - قم، سنة 1417 هـ = 1375 ش.
85 - مدينة المعاجز : السيد هاشم البحراني، ط / مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، سنة 1413.
86 - مرآة العقول : محمّد باقر المجلسي، ط دار الكتب الإسلامية - طهران، سنة 1405 هـ = 1363 ش.
87 - المسائل العزية (الرسائل التسع) : نجم الدين جعفر بن الحسن المحقق الحلي، ط / مكتبة المرعشي النجفي - قم، سنة 1413 هـ = 1371 ش.
88 - مسالك الأفهام : زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني، ط / مؤسسة المعارف الإسلامية - قم، سنة 1414هـ.
89- مستدرك الوسائل : ميرزا حسين النوري الطبرسي، ط / مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم، سنة 1407هـ
90 - مسند أحمد : أحمد بن محمّد بن حنبل، ط / دار الإحياء التراث العربي - بيرون سنة 1991 م = 1412هـ.
91 - المصنّف ابن أبي شيبة الكوفي، ط / دار الكفر - بيروت سنة 1409 - 1989م.
92 - المغني : موفق الدين أبي محمّد عبد اللّه بن أحمد بن محمّد بن قدامة، ط / دار الكتاب العربي - بيروت.
93 - المقنع : محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، الشيخ الصدوق، ط / مؤسسة الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - قم، سنة 1415هـ.
94 - المواقف : الإيجي، ط / دار الجيل - بيروت، سنة 1417 = 1997 م.
95 - المهذب البارع : أحمد بن محمّد بن فهد الحلّي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم سنة 1411هـ.
96 - النهاية : محمّد بن الحسن الطوسي، ط / قدس محمّدي - قم.
97 - النهاية في غريب الحديث : المبارك بن محمّد الجزري، ابن الأثير، ط / مؤسسة اسماعيليان - قم سنة 1364 ش.
98 - نهاية المرام : السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي - قم، سنة 1413هـ.
99 - نهج البلاغة : تحقيق صبحي الصالح، ط / دار الهجرة - قم، سنة 1412.
100 - وسائل الشيعة : محمّد بن الحسن الحر العاملي، ط / مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم، سنة 1410هـ.
101 - اليقين : السيد ابن طاووس، ط / مؤسسة دار الكتاب، ایران، سنة 1413 ق.
كتاب القضاء...9
أبواب القضايا والأحكام... 11
باب من يجوز التحاكم إليه ومن لا يجوز... 11
[التحاكم إلى حكام الجور]... 11
[الحكومة للإمام ال أو من نصبه] ...13
[لزوم الحكم بالعدل] ...14
[جواز التحاكم إلى الحاكم الجائر عند التقيّة]... 15
باب أصناف القضاة ووجوه الحكم... 20
[القضاة أربعة]... 20
[تحريم الحكم بغير ما أنزل اللّه] ...22
باب اتقاء الحكومة ...26
[التحذير الشديد من قبول الحكومة] ...26
باب كراهة مجالسة القضاة في مجالسهم ...28
[النهي عن الجلوس في مجلس القضاء]... 28
باب كراهة أخذ الرّزق على القضاء... 30
[الارتزاق من القضاء سحت]...30
باب الحيف في الحكم... 31
[حرمة الجور والظلم في الحكم]...31
باب الخطأ في الحكم... 33
باب أرش خطأ القضاة... 34
[أرش خطأ القضاة في بيت المال].... 34
باب الاتفاق على عدلين في الحكومة ...35
[الرجوع إلى الأفقه والأعلم والأورع عند اختلاف الحكمين]... 35
[لزوم الأخذ بالمجمع عليه عند الاختلاف]... 41
[الأخذ بموافق الكتاب والسنة عند الاختلاف]... 44
[لزوم التوقف في الحكم عند الشبهة]... 49
[حديث شريف عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وجوه الجمع بين الأخبار المختلفة] ...50
[نقل مرفوعة علّامة عن العوالي]... 53
[نقل كلام الطبرسي في وجه الجمع بين الأخبار المختلفة]... 54
[نقل كلام قطب الدين الراوندي في وجه الجمع] ...57
[نقل قول المحدثين في وجه الجمع] ... 59
باب آداب القضاء... 59
[توثيق الشارح للسكوني] ...59
[القضاء حال الغضب] ...60
[لزوم التساوي بين المتخاصمين في جهات القضاوة حتى في السلام وجوابه] ...66
[ما أمر به علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) شريحاً في آداب القضاوة]... 68
باب ما يجب الأخذ فيه بظاهر الحكم... 75
[وجوب الأخذ بالظاهر في خمسة مواضع] ...75
باب الحيل في الأحكام ...77
[بعض ما ورد من حكم داود النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالواقع]... 78
من حلف أن يزن الفيل]... 81
[ما قضى به عليه في زمن عمر بن الخطاب]... 82
[إذا ادعى رجلان على أن الآخر عبد له] ...83
[بعض قضايا وأحكام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)] ...84
[قضية أخرى في زمن عمر بن الخطاب وإرجاعه إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)] ...87
[إرجاع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) القضاء إلى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)]...91
[حكم علي في رجلين ادعى كل واحد منهما أنه مولى والآخر عبده]... 92
[قضى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حق امرأة ولدت وادّعى بنو زوجها أنّها فجرت]... 94
[حكم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حق رجل قتل في السفر وادعى رفقائه أنه مات حتف أنفه] ...95
[حكم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خمسة نفر زنوا]... 100
[إذا ادعت الأم أن الولد ليس لها]... 101
[إذا ادعت المرأة زناء الرجل بها وكشف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كذبها] ...103
باب الحجر والإفلاس ...106
[حجر الصبي حتى يعقل] ...106
باب الشفاعات في الأحكام ...109
[عدم جواز الشفاعة في حدّ] ...109
باب الحبس بتوجه الأحكام ...111
[من جامع أخته ومن أمر عبده بقتل آخر فقتله]...111
[إخراج المحبوسين لصلاة الجمعة]... 114
[لا يحبس أحد بعد الحدّ]... 114
باب الصلح... 115
[كلّ صلح جائز إلا المحلل للحرام وبالعكس] ...115
[نقل صحيحة أبي ولاد المشتمل على أحكام كثيرة]... 118
[الصلح على ما كان في يده لآخر فصالحه الوارث على بعضه]...121
[إذا أودع الرجل درهمين وآخر درهماً فتلف أحد الدراهم] ...125
[إذا اقتسم الشريكان المال ثمّ تلف نصيب أحد الشريكين]...127
[إذا بيع الثوبان لرجلين واشتبه أحدهما بالآخر]... 128
باب العدالة... 1131
[بيان حقيقة العدالة وما يكون معرّفاً لها] ...131
باب من يجب ردّ شهادته ومن يجب قبول شهادته... 135
[يردّ شهادة الظنين والمتهم والخصم] ...135
[يردّ شهادة شارب الخمر والمقامر] ...137
[شهادة القريب القريبه إلا ما استثنى]... 139
[شهادة الولد على والده]...140
[حكم من شهد عليه أحد الشاهدين بشرب الخمر والآخر بقيئه] ...141
[حكم شهادة ولد الزنا]... 1413
[شهادة الكافر والفاسق والسائل] ...145
[شهادة من يبغى على الأذان والصلاة بالناس أجراً]... 147
[شهادة الضيف لمضيفه] ...148
[شهادة أحد الشريكين لصاحبه] ...149
[شهادة الصبيان]... 150
[قبول شهادة المملوك] ...154
[اشتراط الصلاحية في قبول شهادة الشهداء كلهم] ...155
[شهادة أهل الكتاب على المسلمين في حال الضرورة] ...160
[شهادة المملوك المبعض]... 162
[النهي عن إقامة الشهادة على الأخ في الدين الضير وتفسير الضير]... 166
[حكم رجوع الشاهد عن شهادته] ...167
[جواز الشهادة بالملك استناداً إلى اليد] ...170
[التفصيل في شهادة النساء] ...173
باب الحكم بشهادة الواحد ويمين المدّعي ...188
باب الحكم بشهادة امرأتين ويمين المدّعي ...193
[قبول شهادة امرأتين ويمين صاحب الحق في حقوق الناس]... 193
باب إقامة الشهادة بالعلم دون الإشهاد... 194
[وجوب الشهادة إذا توقف الحق عليها]... 194
باب الامتناع من الشهادة وما جاء في إقامتها وتأكيدها وكتمانها... 197
[عدم جواز التأخير عن الشهادة اذا دعي إليها]... 197
[تصحيح الشهادة بكل وجه يثبت الحق المشهود به]... 200
[عقاب تارك الشهادة في مورد وجوبها] ...201
باب شهادة الزور وما جاء فيها... 203
[في أن شاهد الزور ضامن] ...203
[شهود الزور يجلدون حداً]... 204
[شهادة الشاهدين على امرأة بأنه مات زوجها ثمّ جاء زوجها]... 205
[حكم ما إذا رجع الشهود عن شهادتهم] ...209
باب بطلان حق المدّعي بالتحليف وإن كان له بيّنةُ ...210
[حكم ما إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر]... 210
باب الحكم برة اليمين وبطلان الحق بالنكول ...214
باب الحكم باليمين على المدّعي على الميت حقاً بعد إقامة البيّنة... 216
باب حكم المدّعيين في حق يقيم كل واحد منهما البيّنة على أنه له... 218
باب الحكم في جميع الدعاوي... 223
[البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه إلا ما خرج]... 223
باب الشهادة على المرأة ...226
[جواز الشهادة على إقرار المرأة الغير المسفرة إذا عرفت بعينها]... 226
باب إبطال الشهادة على الحيف والرّبا وخلاف السنة ...228
[تحريم الشهادة في الربا]... 228
باب الشهادة على الشهادة ...229
[كراهة تخصيص بعض الأولاد بالعطاء وكراهة الشهادة عليه] ...229
[الشهادة على الشهادة نصف شهادة الأصل] ...229
[حكم قبول شهادة من لم يستشهد] ...230
[عدم جواز الشهادة على الشهادة في الحدود] ...232
[اشتراط الحفظ في الشاهد مطلقاً]... 233
باب الاحتياط في إقامة الشهادة ...234
[عدم جواز الشهادة ما لم يعرف المشهود به كمعرفة كفّه]... 234
[حكم ما إذا شهد استناداً إلى خطه وخاتمه ولم يذكر الواقعة] ...236
[جواز الشهادة على إيمان المؤمن استناداً إلى الظاهر]... 237
باب شهادة الوصي للميت وعليه دين... 238
[شهادة الوصي بدين للميت مع شاهد آخر]... 238
باب النهي عن إحياء الحق بشهادات الزور ...239
[عدم جواز إثبات الحق بشهادة الزور] ... 239
باب نوادر الشهادات ...241
[من دفن شيئاً في الأرض فليشهد عليه]...241
[أول شهادة شهد بها زوراً في الإسلام]... 242
[عدم وجوب تحمل الشهادة إذا استلزم ذلة الشاهد عند القاضي] ...243
باب الشفعة ...244
[ثبوت الشفعة في الأرض المشاعة] ...245
[الشفعة على عدد الرجال] ...246
[لا شفعة في سفينة ولا في نهر ولا في طريق]... 248
[ثبوت الشفعة للغائب]... 249
[إمهال الآخذ بالشفعة لإحضار الثمن إلى أن يتمكن]... 253
[تبري الرجل في نصيبه مسقطة للشفعة أم لا] ...255
باب الوكالة... 256
[ثبوت وكالة الوكيل ما لم يبلغه الخروج منها ولم يعلمه بالعزل] ...256
[حكم رجل وكل رجلاً بطلاق امرأته] ...257
[من وكل رجلاً في التزويج فزوج له الوكيل ثمّ أنكر الموكل التوكيل]... 261
[حكم امرأة قد دلّست عيباً هو بها ووكلت رجلاً في تزويجها فزوجها] ... 263
[عدم جواز أخذ الأب صداق ابنته إذا لم توكله في ذلك] ...264
باب الحكم بالقرعة... 266
[أوّل من اقرع له مريم بنت عمران ثمّ يونس النبي له ثمّ عبد المطلب] ... 266
[كل مجهول ففيه القرعة] ...268
[القرعة في ولد جارية وطئها رجلان أو أكثر] ...270
[كيفية القرعة]... 271
[تعارض الشهود في أمر من الأمور]... 273
[حكم القرعة فيمن قال : أول مملوك أملكه فهو حرّ] ...274
[القرعة فيما إذا أوصى بعتق ثلث مماليكه] ...276
[حكم القرعة في مولود ليس له فرج الرجال ولا النساء]... 277
باب الكفالة ...281
[حبس الكفيل حتى يحضر المكفول له] ...281
[لا كفالة في الحدود]... 282
[ليس على الضامن غرم]... 283
[جواز الكفالة والرهن في بيع النسيئة]... 285
باب الحوالة ...287
[عدم صحة الحوالة في الدينين إذا لم يقبض أحدهما ما أحيل له]... 287
[جواز ضمان من لا مال له إذا رضي به المضمون له] ...287
عدم لزوم اتحاد ما يحال به للدين]... 289
باب الحكم في سيل وادي مهزور ...291
[كيفية حكم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ذلك] ...291
باب الحكم في الحظيرة بين دارين ...294
[حكم حظيرة بين دارين إذا اختلف صاحبهما]... 294
[بيان الاختلاف في خصّ]... 296
باب الحكم في نفش الغنم في الحرث ...296
[تلف الغنم زرع الغير] ... 296
باب حكم الحريم ...301
[من باع نخلة واستثنى شجرة من بستانه فله المدخل والمخرج]... 301
[حريم البئر في الأراضي الموات]... 302
[حريم المسجد] ...305
[حريم المؤمن]...306
[حريم القنوات]... 306
[حريم العيون]... 309
[لزوم الاستيذان لمن كان له في دار الغير شجرة ونقل خبر سمرة بن جندب] ...310
باب الحكم بإجبار الرّجل على نفقة أقربائه ...313
[وجوب نفقة الوالدين والأولاد والزوجة] ... 313
باب ما يقبل من الدعاوي بغير بينة ...316
[وجه ارجاع بعض القضايا إلى أبي بكر وعمر]... 316
[المنع من الدواة والقلم ونسبة عمر الهجر إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)]... 318
[قضاء عليه في قصة شراء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الناقة والفرس من أعرابي أنكره على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)] ...319
[حكم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخطاء شريح القاضي في درع طلحة وأنه قد جار فيه ثلاث مرات] ...325
[اختلاف المرأة مع أبيها في متاع البيت] ...328
[اختلاف المرأة المطلقة مع زوجها في متاع البيت]... 329
باب نادر ...332
[من أبصر طيراً وأخذه آخر لمن هو ؟] ...332
[كيفية إحلاف الأخرس] ...332
[استحباب الكتابة اذا ادان رجلاً وذكر أول كتاب كتب في الأرض]... 334
[علة لزوم أربعة شهود في الزنا دون القتل] ...336
[من استوجر لحفر بئر إلى حد وعجز عن الإتمام] ...337
[حكم من ادعى تلف مال المضاربة]... 337
[حدّ الساحر] ...339
[عدم تغير الحكم في القضية الواحدة بتعدد الرجوع إلى القاضي]... 340
[من بنى على أرض مغصوبة يجب هدم البناء إذا لم يرضى المالك]... 340
[حكم المال الذي غرق فأخرج بعضه البحر وأخرج بعضه بالغوص].. 341
[في كم تجري الأحكام على الصبيان] ...342
كتاب العتق والتدبير والمكاتبة ...343
باب العتق وأحكامه ...345
[استحباب العتق وفضيلته]... 345
[استحباب الكتابة لعتقه] ... 347
[من ينعتق من قراباته] ...348
[سراية العتق بعتق بعضه]... 356
[اشتراط قصد القربة في العتق]... 363
[عدم صحة العتق قبل الملك] ...366
[حكم مال العبد إذا أعتق] ...369
[حكم دين المملوك إذا اعتق]... 372
[إذا أوصى بعتق ثلث مماليكه]... 375
باب التدبير ...377
[الرجوع في التدبير بالبيع وغيره]... 377
[حكم ولد المدبرة] ...378
[جواز وطي الجارية المدبرة ما دام حياته]... 382
[جواز مكاتبة المدبر] ...383
[جواز عتق المدبّر في كفارة اليمين أو الظهار]... 385
[حكم التدبير فراراً من الدين] ...386
[المدبّر من الثلث] ...388
باب المكاتبة ...389
[تفسير قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً)] ...389
[استحباب صبر المولى عند تأخير المكاتب عن تأخير المكاتب عن أداء مال الكتابة إلى ثلاث سنين]... 392
[جواز اشتراط الرد في الرق مع العجز عن أداء مال الكتابة].... 392
[هبة المولى بعض مال الكتابة ليستعجل في العتق] ...394
[إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد مع الشريك الآخر] ...395
[مالكية العبد لفاضل الضريبة] ...395
[جواز جعل عمل على العبد عند الإعتاق]... 397
[ولد المكاتبة يعتق بحساب ما عتق منها] ...400
[جواز اشتراط ترك التزويج على العبد حتى يعتق]... 401
[إذا مات المكاتب وقد أدّى بعض مال الكتابة يؤدي عنه ولده بقية مكاتبته] ...402
[المكاتب يرث ويورث بقدر ما عتق منه] ...403
[جواز الكتابة مع عدم المال للعبد] ...405
[أولاد المكاتب إذا مات قبل أداء تمام مال الكتابة]... 408
[حكم اشتراط المكاتب عدم ولاء سيده عليه] ...411
[ولد المكاتبة إذا أدّت ما عليها] ...412
[حكم اشتراط إرث المكاتب]... 413
[المراد من الخير في آية المكاتبة] ...414
باب ولاء المعتق ...415
[الولاء لحمة كلحمة النسب] ...415
[معنى قوله مولى الرجل مخلوق من طينته]... 416
[حكم الولاء إذا أعتقه في كفارة يمين أو ظهار]... 417
[قصة بريرة وعائشة في الولاء]... 417
[الولاء لمن أعتق]... 418
[حكم ولاء أولاد من اعتق] ...420
[حكم ولاء الرحم]... 423
[عدم انتماء الولد إلى المولى]... 424
[معنى السائبة] ...425
[حكم ولاء من اشترى العبد من مال العبد] ...427
[حكم ما إذا أعتق عبداً عن أبيه لمن ولاؤه] ...429
باب أمهات الأولاد... 439
[حكم أم ولد حكم القن]... 439
[إجبار أم الولد على إرضاع ولدها دون الحرة]... 443
[الإقرار بالعتق للخوف من العدو لا يوجب الانعتاق] ... 448
باب الحرية ...449
[نفوذ الإقرار بالرقية وحكم ما إذا انكشف الخلاف] ...450
[حكم الاستثناء في بطن الأمة حين الإعتاق]... 455
[حكم إعتاق المولى المسلم العبد الكافر أو المستضعف]... 456
[جواز عتق العبد الصغير]... 457
[حكم عتق العبد الآبق في الكفارة]... 461
باب ما جاء في ولد الزنا واللقيط ...462
[جواز عتق ولد الزنا] ...462
[شرائط العتق] ...466
باب الإباق ...472
[حرمة الإباق على العبد]... 472
[حكم جعل العبد مقيداً إذا خاف إباقه]... 473
[لا يقطع العبد الآبق إذا سرق]... 477
باب الارتداد... 480
[ثبوت الارتداد بشهادة عدلين]... 485
[حکم ارتداد المرأة] ...486
[حكم من ادعى الربوبية لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ)] ...490
باب نوادر العتق ...497
[هل يكفي عتق الأطفال في الكفارة] ...500
مصادر التحقيق... 505