ghaemiyeh.com
تَاريْخُ كَرْبَلاء
كَرْبَلاءُ... (التَّارِيْخ وَالقَدَاسَة)
الجُزء الخامس
السَّيد عبْدالصَّاحِب نَاصِر آل نَصْر الله
تَاريْخُ كَرْبَلاء
جميع الحقوق محفوظةٌ
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله، على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكة، أو بالتصوير، أو بالتسجيل، أو خلاف ذلك، إلاّ من بعد موافقة كتابية من المؤلف ومقدماً.
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1527 لسنة 2016
تَاريْخُ كَرْبَلاء
كَرْبَلاءُ... (التَّارِيْخ وَالقَدَاسَة)
الجُزء الخامس
السَّيد عبْدالصَّاحِب نَاصِر آل نَصْر الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل الخلق أجمعين، نبيّنا محمد الأمين، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين...
كنّا قد بحثنا في الجزء الرابع من هذا الكتاب عن تاريخ مدينة كربلاء في الفترة الممتدة من أيام ولاية الوالي المملوكي داود باشا على بغداد، فقد شهدت المدينة على يد هذا الوالي الظالم حوادثًا جسام إستمرت لسنوات طوال، إلى أن أراح الله منه البلاد والعباد عندما تم القضاء على حكم المماليك وكان هو آخرهم على يد علي رضا باشا اللاز، الذي على يديه بدأت المرحلة الأخيرة من حكم العثمانيين على العراق. ولم يكن حال كربلاء بعد القضاء على المماليك أفضل مما كان مرجوّاً، بل جاء من هو أفظع من داود باشا إجرامًا وظلمًا وهو السفاح الوالي محمد نجيب باشا الذي إستباح كربلاء بوحشية عارمة ودنّس المراقد المقدسة فيها وأجرى أنهارًا من دماء أهاليها. وقد إستمر الحكم العثماني جاثمًا على صدور الناس. وقد بحثنا جميع ما شهدته كربلاء من حوادث ووقائع وتغييرات للفترة الممتدة من سنة 1231ه إلى سنة 1324ه، الموافقة لسنة 1816م إلى سنة 1905م.
و في الجزء الخامس هذا سنبحث عن تاريخ كربلاء لفترة تمتد لربع قرن من الزمان، وتحديدًا من سنة 1324ه / 1906م لغاية سنة 1349ه / 1930م. وسيدخل ضمن هذا السرد التاريخي الفترة المهمة من حياة المدينة التي شهدت ما لم تشهده مدن العراق
الأخرى من حوادث ووقائع وتغييرات وصراعات بين الأهالي والسلطة وفي أوقات بين الأهالي أنفسهم نتيجة تسلط البعض ممن حُسبوا عليها وهم بالأصل ليسوا من أبنائها القدامى. وحدثت هذه الأمور والتغييرات الاجتماعية والسياسية خاصة في أواخر سنوات حكم الدولة العثمانية، ودخول البلد تحت ظل احتلال غاشم جدید عندما قامت بريطانيا باحتلال العراق، ونتيجة الشعور الوطني الذي سرى بين أبناء البلد الكريم ضد هذا الاحتلال ونيّاته الخبيثة، فقاموا بمقاومته بشدة حتى تم إعلان الثورة العراقية الكبرى وتم تأسيس ما يسمّى بالحكم الوطني عندما إعتلى فيصل بن الحسين على عرش العراق...
في هذه الفترة كان لمدينة كربلاء شأن كبير في الأحداث والمتغيرات، وسيلاحظ القارئ الكريم ما حدث في المدينة عندما نستمر بالبحث في هذا الجزء لغاية سنة 1349ه / 1930م.
والفترة التي نبحثها وقوامها ربع قرن من تاريخ كربلاء، كانت من أهم حلقات تاريخ المدينة وأعقدها، ونرجو أن يحالفنا التوفيق في نقل تلك الصفحات الخالدة التي عاشتها مدينة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلى القارئ والمتتبع الكريم، وندعو الباري سبحانه وتعالى أن يمكننا من تكملة البحث في الجزء السادس إن شاء الله... والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
المبحث الأول من الجزء الخامس هذا سوف نتحدث فيه عن أحوال كربلاء خلال ثمان سنوات، فقد شهدت المدينة حوادث وتغييرات كثيرة، لحين إندلاع الحرب العالمية الأولى، وبوادر الاحتلال البريطاني للعراق، وتعتبر هذه الفترة من الفترات المهمة التي مرّت بها كربلاء.
مذبحة العجم(1)(واقعة الزهاوي) في كربلاء
حدثت في كربلاء واقعة غريبة في يوم 21 رمضان 1324ه الموافق ليوم 7 تشرين الثاني 1906م، عندما كانت مجاميع من الإيرانيين المقيمين في كربلاء ومعهم بعض طلبة العلوم الدينية وبعض الزوار قد إعتصموا بالقرب من القنصلية البريطانية في كربلاء التي كانت تقع في محلة العباسية الغربية بالقرب من المخيم الحسيني، معترضين على إجراءات فرضتها الحكومة العثمانية بحقهم مطالبين برفعها، وقد ساعدتهم القنصلية البريطانية وشجعتهم، ولم يوافقوا على إنهاء اعتصامهم على الرغم من الوساطات الكثيرة، وبعد إنذارهم عدة مرات من قبل المتصرف، فجاء الأمر إلى
1) يقصد العامة بالعجم، هم الإيرانيون، بينما لفظة الأعاجم تطلق عادة على الأجانب من غير العرب، من إيرانيين وهنود وأتراك وأوربيين وغيرهم
الجنود بفتح النار عليهم وقُتل الكثير منهم وفرّ الباقون مذعورين من إجراء الحكومة هذا، وسُميت الحادثة بمذبحة العجم أو (واقعة الزهاوي) على اسم متصرف كربلاء الذي أصدر الأمر بتفريق المتجمعين بفتح النار عليهم.
ولمعرفة أسباب الواقعة هذه وتفاصيلها لابد من الإشارة إلى بعض المقدمات التي كان لها التأثير الكبير لحصول التمرد والاعتصام، وكان التأثير السياسي للإنكليز واضحًا فيها وكذلك الوضع المضطرب في إيران حيث كانت المطالبة بالعدالة وتأسيس حياة دستورية هناك.
في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي بدأت بريطانيا بل وقبل هذا الوقت بتكريس إهتمامها نحو العراق من أجل توسيع نفوذها في الشرق ولأهمية العراق من نواحي عديدة. ولوحظ أكبر تدخل في الشأن السياسي العراقي عندما تدخلت بريطانيا ومعها روسيا وفرنسا بعد حدوث واقعة نجيب باشا في كربلاء والمذابح التي حصلت فيها من قِبل الجيش العثماني على أثر ثورة الأهالي ضد الحكم التركي سنة 1258ه / 1842م كما ذكرنا الحادثة سابقًا. وإشتركت بشكل فعّال في ترسيم الحدود بين الدولتين الإيرانية والعثمانية، وخاصة حدود العراق مع إيران.
عقدت بريطانيا مع الدولة العثمانية بعض المعاهدات عن طريق سفارتها في بغداد وفتحت لها قنصليات في مدن عديدة في العراق، وعيّنت لها قناصل إنكليز أو نواب قناصل يديرون مصالحها في المدن العراقية. وفي سفارتها ببغداد وقنصلياتها المنتشرة في المدن كان التخطيط يجري على قدم وساق للتهيئة على أن يكون العراق إحدى مستعمراتها المستقبلية.
في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي، كان لبريطانيا نفوذ كبير في العراق، ولها قنصلية (أو ما يعادلها) دبلوماسيًا في كربلاء، وكان في السنوات الأولى من القرن العشرين نائبًا للقنصل البريطاني في كربلاء هو (محمد حسن خان القندهاري) وهو إنكليزي مسلم ومن رعاياهم من الهنود.
والخلافات بين الدولة الإيرانية القاجارية والدولة العثمانية مستمرة وطالما كانت حجج الدولة الإيرانية حول الزوار الإيرانيين، وإعتراضها على الدولة العثمانية بحجة أن رعاياها يلاقون معاملة قاسية وسيّئة وتُفرض عليهم ضرائب كبيرة، ويُمْنَعون من البقاء لمدة طويلة في مدن العتبات المقدسة. حيث كانت السلطات العثمانية وبأوامر من دولتهم ترفض إقامة الإيرانيين مُددًا طويلة، حتى لا يستوطنوا مدن العتبات وخاصة كربلاء والنجف.
إضافة لذلك كان سكان المدينة العرب لا يرغبون بتزايد أعداد المقيمين وغيرهم من الأجانب في مدينتهم لضيقها أولًا وعدم استيعاب أعداد كبيرة منهم عدا الزائرين الذين يفدون لمدة قصيرة لزيارة مرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ). ولا ننسى بأن خطة الدولة الصفوية خططت لزرع الإيرانيين في كربلاء وغيرها من المدن المقدسة للشيعة لغرض السيطرة والنفوذ وبدوافع مذهبية أيضًا، كذلك فعلت الحكومات القاجارية المتعاقبة.
وطالما تضايق أهالي كربلاء العرب من الإيرانيين الذين سكنوا المدينة وأخذوا يتدخلون بشؤونها وخاصة من رجال الدين الإيرانيين الذين يحترمهم أهالي المدينة، ولكنهم لم يقبلوا أن يتصدروا مواقع فيها ويكونوا هم أصحاب الشأن. أو من الذين بدأوا يرتزقون فيها على حساب أصحاب المهن والمصالح العرب من سكانها الذين شعروا بتزايد أعدادهم في كربلاء مما يؤثر على طبيعة مجتمعهم العشائري والمناطقي، وعلى عاداتهم وتقاليدهم العربية، وحتى على لغتهم العربية من خلال تعاطي المفردات الفارسية بكثرة فيها.
حتى أن الوالي المصلح مدحت باشا عندما زار كربلاء سنة 1869م وشهد تضايق المدينة بسكانها المحصورين داخل سورها، كانت من ضمن إصلاحاته الكبيرة إنشاء محلة جديدة بتخطيط عصري تقع جنوب المدينة القديمة سمّيت بمحلّة (العباسية)، وكان الإيرانيون المقيمون في المدينة القديمة هم الذين سكنوا المحلة الجديدة وفق ما أوردته المصادر.
وهنا إستغل الإنكليز الموقف كلّه، وبدأوا يحرّضون على إيقاد الصراع بين الدولتين العثمانية والإيرانية، ولأن نظرتهم نحو مستقبلهم في العراق واستعماره وهو بيد الأتراك وقتئذٍ، فقد مالوا نحو الإيرانيين وأخذوا يساندونهم ضد العثمانيين.
ففي سنة 1324ه / 1906م، فرضت الحكومة المحلية في كربلاء والتابعة للدولة العثمانية ضرائب خاصة على الوافدين من إيران وعلى الجالية الإيرانية الساكنة في المدينة. فأعلن الإيرانيون الساكنون في المدينة ومعهم قسم كبير من الزوار الإيرانيين عن إحتجاجهم على تلك الضرائب وتذمرهم منها... وكان يشجعهم على هذا الإحتجاج (محمد حسن خان القندهاري) نائب القنصل البريطاني في كربلاء.
تجمع الإيرانيون المحتجون(1)بالقرب من دار القنصلية وهم في حالة (التجاء) على غرار ما حدث في إيران في ذلك العام، حيث كانت إيران وقتها تعاني من (المشروطية) وهي حركة المطالبة بالدستور، عندما إلتجأ أهل (البازار) في طهران إلى المفوضية البريطانية ينشدون معونتها، وحين وجدوا منها تشجيعاً إلتجأوا إليها وخيّموا في حديقتها الواقعة في ضاحية (قولهك)، وهناك أخذ عددهم يزداد يومًا بعد يوم، وأعلنوا أنهم لن يرجعوا إلى فتح دكاكينهم حتى تجاب مطاليب الملتجئين. فإضطر الشاه للرضوخ لإرادة الناس.
فالإيرانيون في كربلاء قاموا بنفس (الالتجاء) إلى القنصلية الإنكليزية عندما وجدوا نائب القنصل يشجعهم على هذا الإحتجاج والتذمر ويقف بجانبهم ويمنّيهم بتحقيق مطالبهم، فتجمّعوا قرب مسجد ميرزا كريم الشيرازي في محلة العباسية الغربية قرب القنصلية البريطانية في كربلاء والقريبة من المخيم الحسيني.
قاموا بفرش الأرض بالبسط والسجاد ونصبوا الطاولات ليضعوا عليها (السماورات) وأباريق الشاي والصحون والأقداح في الشارع وعلّقوا خيامًا على الجدران ليستظلوا بها من أشعة الشمس، ونصبوا ست خيام أخرى في نفس الشارع
1) لم يكن الزوار وحدهم المعتصمون بل الأكثرية منهم كانوا من المقيمين وهم الأساس
وإستمروا على ذلك أكثر من خمسين يومًا يأكلون وينامون في مكانهم، لا يتحولون عنه حتى سدّوا الطريق على المارّة.
في بداية التجاء الإيرانيين إلى القنصلية البريطانية في كربلاء كان المتصرف وقتئذٍ هو (حسني باشا) الذي تسلّم متصرفية كربلاء في كانون الأول 1905م، وعندما فرضت الدولة الضرائب ومنعت إقامة الإيرانيين لمدة طويلة في كربلاء، لم يتمكن هذا المتصرف أن ينفّذ الأمر الصادر له من والي بغداد، وإثناء وجوده بدأ التجاء المقيمين الإيرانيين عند القنصلية البريطانية، وبقي الملتجؤون شهرًا ويومين لم يتمكن المتصرف من إيجاد حل للموضوع فإضطر الوالي في بغداد إلى عزله وتعيين (رشيد بك الزهاوي)(1)متصرفًا لكربلاء بالوكالة وهو المعروف بحزمه وحنكته، ليتولى إنهاء التمرد والالتجاء هذا فقد استعمل خلال ثمانية عشر يومًا مختلف الوسائل لإقناع الملتجئين.
حاول (رشيد بك الزهاوي) إقناع المعتصمين بالتفرّق ولكن محاولته لم تُجْدِ نفعاً أمام إصرار المعتصمين بتنفيذ مطاليبهم والتي هي ليس الإعتراض على الضرائب المفروضة فقط، بل على منع السلطات العثمانية منح الإقامات الشبه دائمية، ومزاولة العمل في بلد ليس بلدهم...
قام الزهاوي بمحاولة أخرى بتوسيط بعض العلماء ورجال الدين والسادة الأشراف، فقام هؤلاء بإلقاء الخُطب عليهم ودعوهم لإنهاء اعتصامهم هذا والعودة إلى ممارسة أعمالهم، لكن الملتجئين لم يعيروهم أي إهتمام.
1) رشيد بك الزهاوي استلم منصب متصرف كربلاء بالوكالة في 2 رمضان 1324ه/19/تشرين الأول 1906م وبقي في منصبه لغاية 27 ذي القعدة سنة 1324ه / 11 كانون الثاني 1907م، أي أنه بقي في كربلاء قرابة ثلاثة أشهر
كما بعث المرزا حسين الخليلي والسيد كاظم اليزدي إليهم رُسلاً من النجف ينصحونهم فلم يستمع أحد لهم. هذا الإصرار كان سببه وعدًا من القواص (الفرّاش) في القنصلية وهو رجل إيراني اسمه (شفيق) كان يؤملهم عن لسان نائب القنصل البريطاني بإعطائهم (باسبورت) جواز سفر بريطاني وقبولهم أتباع لبريطانيا.
وأخيرًا إضطر المتصرف أن يرسل إليهم مدير الشرطة لينذرهم، فقابلوا المدير بالاستهزاء وكأنهم كانوا واثقين أن الحكومة في العراق كحكومة إيران لا تستطيع أن تنتهك حرمة (الالتجاء) أو لعلهم ظنّوا أن بريطانيا العظمى كلها تقف معهم(1).
صورة الملتجئين الإيرانيين قرب قنصلية بريطانيا في كربلاء
وبعدها وجهت إليهم الحكومة ثلاثة إنذارات متعاقبة، كان الأول لمدة اسبوع والثاني لمدة أربع وعشرين ساعة والثالث ست ساعات. وكانت مدة الإنذار الثالث تنتهي عند منتصف ليلة 21/20 رمضان سنة 1324ه الموافق 7 تشرين الثاني
1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث: د. علي الوردي، ج 3 ص 125 - ص 126
سنة 1906م، لكن المعتصمين لم ينسحبوا من مكان الإحتجاج على الرغم من تدخل العشائر العربية من السادة العلويين وغيرهم من العشائر العربية غير العلوية وحثهم على إنهاء الاعتصام... فأحاط الجنود العثمانيون بالمعتصمين وفتحوا عليهم النار من بنادقهم وأخذ الرصاص مأخذه منهم، وقد قُتل في ذلك اليوم 70 من المعتصمين ووقع عدد كبير من الجرحى وهرب الباقون(1).
كان أحد رجال الدين المعروفين في كربلاء واسمه السيد علي الشهرستاني وهو إيراني الأصل قد أخذ على عاتقه التدخل في الموضوع وذهب إلى القنصل البريطاني في بغداد ليخبره بما جرى في كربلاء، وعندها وصل خبراء أرسلهم القنصل البريطاني في بغداد للتحقيق في الحادث(2).
وعند ثبوت حدوث المجزرة بحق المعتصمين، فقد تحمّلها والي بغداد (مجيد بك) بإعتباره ممثل الدولة العثمانية، فقررت الحكومة العثمانية عزله عن منصبه وعيّنت (أبو بكر حازم بك) واليًا جديدًا لبغداد.
وعن تحمل الوالي المسؤولية فإن البعض يذكر بأن الأوامر بفتح النار جاءت منه إلى المتصرف الزهاوي، والأخير طبّق التعليمات بعد أن إستخدم كافة الوسائل لمنع وقوع حصول المجزرة إلا أن المعتصمين رفضوا الإنصياع.
والغريب في الأمر أن الجنود عندما فتحوا النار على المتجمعين لاذ هؤلاء بمبنى القنصلية البريطانية، فوجدوا أبوابها موصدة وتركوهم يواجهون مصيرهم كأنهم لم يشجّعوا أحدًا على العصيان والتمرد والالتجاء!!!
1) ذكر السيد إبراهيم شمس الدين القزويني في مذكراته الخطية أسماء بعض القتلى الإيرانيين وهم: قربان القندرجي ومشهدي تقي البقال في الجاجين (هي منطقة في محلة باب السلالمة) وحسون البقال في طاق الزعفراني وسيد محمد الشيرازي القناط (شكرجي) وحسين كبابي وحسين سبزي وصانع حاج رضا القندرجي وميرزا حسين القندرجي وهدهد الحمال (العربنجي) وباقر أبو المحلبي... وغيرهم
2) لا يستبعد بان هناك تعاون وثيق كان يومها بين القنصل البريطاني والقنصل الإيراني في بغداد، وإلاّ ما علاقة الإنكليز بالتحريض على العصيان أولاً، ومن ثَمَّ إرسال لجنة للتحقيق في الحادث؟!!
كان السيد حسين بن السيد سعيد بن سلطان آل ثابت قد استلم سدانة العباس بعد وفاة والده السيد سعيد سنة 1285 ه / 1868م وكان حينها صغير السن ولم يبلغ سن الرشد، فتم تنصيب وصيّاً عليه وهو السيد حسين بن محمد علي آل ضياء الدين، يتولى شؤون السدانة لحين بلوغ السيد حسين سن الرشد ليتأهل بالقيام بواجبات السدانة. ولكن يبدو أن الوم الوصي السيد حسين آل ضياء الدين كان يطمع في السدانة لنفسه، وقد إستغل زيارة ناصر الدين شاه القاجاري لمرقد العباس سنة 1287ه / 1870م وقام بعمل إستكبره الشاه ناصر الدين فقال له أطلب ما تريد، فأجابه بأنه يريد سدانة العباس، فتدخل الشاه لدى السلطان العثماني وتم منح السدانة للسيد حسين آل ضياء الدين. وعندما إعترض السادن الشاب على ذلك إصطحبه ناصر الدين شاه معه إلى إيران وسلّمه سدانة الروضة الرضوية في (مشهد). كان السيد حسين آل ثابت يُلقب ب(نائب التولية) أو (صاحب التولية) على أساس أنه السادن الأصلي للعباس وقد أخذت منه السدانة.
ويقال بأنه ذهب إلى الإستانة ليعيد السدانة له، وذلك لم يثبت من مصدر موثوق، لأن ناصر الدين شاه عندما أعطى السدانة إلى السيد حسين آل ضياء الدين بموافقة الحكومة العثمانية، على أن يأخذ السيد حسين صاحب التولية وعائلته معه إلى إيران ليولّيه سدانة الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بدلاً من سدانة العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
وفي عام 1324ه / 1906م زار السيد حسين بن سعيد بن سلطان آل ثابت سادن الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مدينة آبائه وأجداده كربلاء لأول مرة بعد خروجه منها سنة 1287ه / 1870م، وتم استقباله بحفاوة بالغة في المدينة، وجلس في ديوان والده المشرف على صحن الحسين من جهة باب السدرة، ويزوره الناس من کافة الطبقات، وقد أرّخ قدومه أحد شعراء كربلاء من بني أسد بقصيدة مطلعها:
نعمْ عيشنا في مقدم القرم قد صفا *** وعاد رغيدًا في قدوم أخي الوفا
إلى قوله مؤرخًا:
فساعةُ قد وافيت للطفِّ أرخوا *** (بأنَّ حسينًا بالحسين تشرّفا)
شهدت بدايات القرن العشرين الميلادي حتى إكتمال عملية تجزئة المشرق العربي في عشرينيات القرن نفسه هجمة استخبارية، كان أبطالها رجال ونساء يعملون لصالح الاستخبارات البريطانية والألمانية والفرنسية في مناطق نفوذ الإمبراطورية العثمانية في محاولة لتهيئة الأوضاع ليستحوذوا على تلك المناطق بعد أن يساعدوا على إنهيار الدولة العثمانية. ومن رجال الاستخبارات هؤلاء كان (أس. أس. بتلر) ورفيقه (ل. إيلمر) اللذان يعملان في الاستخبارات البريطانية، وكانا مكلفين أصلاً بمهمات خاصة في شرق أفريقيا.
قام هذان الرجلان برحلتهما في خريف سنة 1907م / 1325ه إلى شرق أفريقيا وكانت (بغداد) محطتهم الأخيرة، وزارا كربلاء قبل وصولهما بغداد، فقد ذكر (بتلر) في محاضرة له في الجمعية الجغرافية الملكية في لندن يوم 22 شباط 1909 م ما نصّه: «بعد فترة قصيرة من وصولنا إلى بغداد بعد زيارتنا لكربلاء تبسم لنا الحظ فسمعنا أن بدويًا سيعود إلى قبيلته في الحال، وهو ينتسب إلى فرع ابن مجلاد من قبيلة بشر العنزية، التي تقطن الصحراء جنوب غرب كبيسة»(1).
وقد شرح بتلر في رحلته الكثير عن قبيلة الدليم عند مغادرته كبيسة متجهين إلى الجوف حيث قال: «إنَّ قبيلة الدليم تستوطن المنطقة المحاذية لشط الفرات والممتدة من كربلاء إلى هيت»(2).
كانت وجهتهما بعد بغداد العودة إلى إنكلترا عبر الخليج العربي، وقد غيّرا رأيهما فأرادا الذهاب إلى (الجوف) في شبه الجزيرة العربية ومنها إلى غرب دمشق بمساعدة بدوي من قبيلة عنزة اسمه محمد بن ماضي.
أوسكار رويتر هو مهندس ألماني وباحث معماري إهتم بدراسة (البيت الشرقي)، فقد زار العراق في العقد الأول من القرن العشرين الميلادي، وأقام فيه ثلاث سنوات يدرس ويبحث عن طراز البيت العراقي في مدن محددة وهي بغداد والحلة وكربلاء، وقد سمّى هذه المدن ب(العراق الغربي)، ويُعتقد أن مكوثه في كربلاء وبحثه فيها كان في سنة 1908م. وعندما رجع إلى بلاده كتب رسالة (دكتوراه) عن بحثه في العراق وحصل عليها من الأكاديمية الملكية السكسونية في مدينة درسدن بألمانيا، ونشر رسالة الدكتوراه بكتاب سنة 1909م.
كان نصيب كربلاء من دراسته وافرًا، فقد قدّم معلومات قيّمة عن طراز الدور السكنية في كربلاء، ومحتوياتها، وصوّر بكامرته الخاصة الكثير منها، وفي بعض الأحيان كان يتعذر عليه التصوير فيقوم برسم الدور أو أجزاء البيت الكربلائي ووضع خرائط هندسية لنوعية وأشكال الدور في المدينة والريف، ووصل إهتمامه بأدق التفاصيل، ونوعية التصاميم لدور الأغنياء من الناس، والبسطاء منهم.
وفي زيارته لمدينة كربلاء، قدّم لنا ما كانت عليه الدور في ذلك الوقت، وبعض شوارع المدينة وأزقتها، فإن رحلة أوسكار في كربلاء لها نكهة خاصة، وهي تنقلنا إلى زمن يزيد على القرن من الزمان نحن في شوق لمعرفة العمارة الكربلائية وروعة الفن المعماري فيها.
ذكر أوسكار جميع التفاصيل عن البيوت السكنية في كربلاء بشكل دقيق، فقد تحدث عن نوعية الأبواب، والحوش، والشناشيل، واللوجنتي(1)، والطالار (الطرار)، والليوان والأرسي، والغرف، والسرداب، والتختبوش(2).
شارع في محلة العباسية الشرقية سنة 1908م
ويقول أوسكار إن طراز البيوت الكربلائية المؤلفة من طابقين مع طارمة وسطية عالية من طابق واحد هو إلى حد ما تطبيق لنظام (الكبشكان)(3)على جميع الغرف
مع زيادة ارتفاع الطابق إلى 3 أمتار على الأقل، وفي بعض البيوت في كربلاء يوجد أرضيات مغطاة بالبلاط.
يقول أوسكار رويتر في كتابه:
«كما ويستخدم الجبس على نطاق واسع في كربلاء بسبب وجود المقالع الجبسية بالقرب منها، وفي الأساسات وغيرها من الأماكن المعرضة للرطوبة تستخدم المونة المائية العربية المؤلفة من 3 أجزاء رماد وجزء واحد كلس...»(1).
صورتان لدارين من الداخل في كربلاء تعودان لإثنين من الميسورين
ونعتقد بأن المعماري رويتر إهتم بالقسم الجديد من المدينة (محلة العباسية)، وذلك يظهر جلياَ من الصور والرسومات التي جاءت في كتابه، وللمتتبع الكربلائي يلاحظ ذلك جليًا، لأن قسم من هياكل الدور ما زالت باقية لحد الآن.
1) البيت العراقي في بغداد ومدن عراقية أخرى: أوسكار رويتر، ص 121 ترجمة محمود كبيبو، ط 1 - دار الوراق للنشر. لندن 2005 - 2006م
صورتان لنماذج من بنايات كربلاء قي العباسية الشرقية
واجهة أحد الدور في مدينة كربلاء من صور أوسكار رويتر
رسوم فوق مدخل أحد الحمّامات في كربلاء
صورة لبيت كربلائي من الخارج
بوابة أحد البيوت الكربلائية ورجل بالزي العربي سنة 1908م
صورتان لأشكال وتصاميم أبواب الدور الكربلائية القديمة
على أثر نشوء حركة المطالبة بالحريات وقيام مجموعة من رؤساء وأعيان كربلاء بتكوين حلف ضد العثمانيين سنة 1318 ه / 1901م وقد ذكرنا ذلك سابقًا، فقد تم تشكيل حزب الاتحاد والترقي قبل الانقلاب العثماني على السلطان عبد الحميد، وكان يعمل بشكل سرّي في بعض البلدان الخاضعة للدولة العثمانية، فقد تم تشكيل نواة لهذا الحزب في كربلاء وكان أغلب المؤسسين له هم من الذين أسسوا الحلف في سنة 1901م فقد كان تاريخ تأسيسه في كربلاء في أوائل سنة 1325ه / 1907م وكانت أهدافهم العمل من أجل تطبيق الحرية ونبذ الاستبداد والفساد والضغط العثماني على الناس. وكان العمل يتم بشكل سرّي وقد عُقد أول اجتماع للحزب في دار المرحوم الشيخ عبد الرزاق آل العواد في محلة باب بغداد، وكان الحضور هم:
1 - الحاج عبد المهدي الحافظ (رئيس بلدية كربلاء).
2 - الحاج الشيخ عبد الرزاق العواد (رئيس آل العواد).
3 - السيد محمد صادق السيد جعفر آل ثابت (عميد السادة آل ثابت).
4 - السيد علي بن السيد أحمد آل نصر الله (عميد السادة آل نصر الله).
5 - السيد سلمان آل نصر الله (المعروف بابن بنت الشيخ).
6 - السيد عبد الوهاب السيد عبد الرزاق الوهاب آل طعمة.
7 - السيد محمد علي آل ضياء الدين.
8 - السيد كاظم القطب آل طعمة.
9 - الحاج كاظم آل غريب (عميد أسرة آل غريّب).
10 - الشيخ كاظم بن عبد (عبد الحسين) أبو ذان (عميد آل معيبد)
ولنشاط هذا الحزب في كربلاء فقد وشى بعض العملاء في المدينة السلطات العثمانية في المدينة والتي قامت بمداهمة دار الشيخ عبد الرزاق العواد، وإعتقلت بعض أعضاء الحزب.
مجلس المبعوثان هو البرلمان العثماني أو المجلس النيابي، أسسه السلطان عبد الحميد الثاني بعد إقرار القانون الأساسي للدولة العثمانية (الدستور العثماني) في 7 ذي الحجة سنة 1293ه (كانون الأول 1876م)، فأجريت إنتخابات عامة لأول مرّة في التاريخ العثماني، وأسفرت الإنتخابات عن تمثيل المسلمين في مجلس المبعوثان ب 71 مقعدًا، والمسيحيين 44 مقعدًا و4 مقاعد لليهود.
إجتمع البرلمان رسميّاً في 4 ربيع الأول سنة 1294ه المصادف 18 مارس 1877م في حفل كبير أقيم في قاعة الاحتفالات في قصر (طولمه باغتشه). وبدأ المجلس عمله بجد ونشاط، وناقش مشاريع القوانين التالية: قانون الصحافة، والإنتخابات، وعدم مركزية الحكم، وإقرار الموازنة العامة للحكومة. ولم تطل الحياة النيابية كثيرًا، حيث لم تزد عن 11 شهر من تاريخ إنعقاده، فقد أصدر السلطان عبد الحميد قرارًا بتعطيل المجلس في 13 صفر 1295ه / 15 شباط 1878م وإستمر التعطيل زهاء 30 عامًا.
في العاشر من تموز سنة 1908م / 1327 ه ثار المنادون بالحرية في الدولة العثمانية ضد السلطان عبد الحميد يؤازرهم شيخ الإسلام محمد ضياء الدين متحججين بعدم العمل بالدستور العثماني الذي تم إقراره سنة 1293ه/ 1876م ولم يأخذ به السلطان عبد الحميد لاستبداده بالحكم. فقرروا خلع السلطان عبد الحميد وتنصيب أخاه محمد رشاد(1). وقرروا العمل بالدستور العثماني الذي صدر سنة 1293ه،
1) ولد السلطان محمد رشاد في 20 شوال سنة 1261ه / (1848م) وهو ابن السلطان عبد المجيد وأخو السلطان المخلوع عبد الحميد، وسمّي محمد الخامس. كان ضعيفًا ويرمى بالبلاهة وضعف الرأي، ودامت سلطته أيام الحرب العالمية الأولى، وتوفي في شهر رمضان سنة 1336ه/13 تموز سنة 19118م) فخلفه السلطان وحيد الدين بن السلطان عبد المجيد، وباسم محمد السادس، الذي إستمر في السلطنة إلى أن تم خلعه في 11 ربيع الأول سنة 1341 ه الموافق للأول من تشرين الثاني سنة 1922م، وبعد إسبوعين من خلعه هرب من تركيا بسفينة إنكليزية
وصارت الإدارة العثمانية تطبّق نظام (المشروطية)، ومنها تم إنتخاب مجلس مبعوثين (نوّاب) من سائر البلدان العثمانية ومنها بغداد والألوية العراقية ليقوم المجلس بمهمة التشريع، وكان الإنتخاب يتم على أساس لكل 50 ألف شخص ممثل واحد في المجلس. وتم إنتخاب الحاج عبد المهدي الحافظ نائبًا عن كربلاء في مجلس المبعوثان، ومدة الدورة 4 سنوات.
والمرحوم الحاج عبد المهدي الحافظ وهو سياسي وشاعر وأديب كربلاء وكان يشغل منصب رئيس بلدية كربلاء حينها. وقد أفتتح مجلس المبعوثان (النوّاب) في 17 كانون الأول سنة 1908م.
السيد محمد صادق آل ثابت(1)نائباً عن كربلاء في مجلس ولاية بغداد
عندما تم عقد مجلس المبعوثان في إسطنبول بعد عزل السلطان عبد الحميد وتنصيب أخيه السلطان محمد رشاد الذي إشتهر ب( محمد الخامس) على أن يتم العمل
1) هو السيد محمد صادق بن جعفر بن حسين بن محمد علي بن درويش بن محمد بن حسين بن ناصر بن ثابت بن نعمة الله بن (السيد ثابت الجد الأعلى للسادة آل ثابت)، المولود في كربلاء سنة 1286ه / 1869م والمقتول غدراً في 11 رمضان 1335 ه الموافق 30 حزيران 1917م، كان من رجالات كربلاء الأشداء ويتصف بالشجاعة والإقدام وله مركزه في المدينة، وكان بينه وبين آل كمونة في كربلاء خلاف حاد لم يتمكنوا من كسر شوكته في كربلاء، وكانت له أملاك في المسيّب، وقد نُصب له كمين مساء أحد الأيام وهو عائد من المسيّب على صهوة جواده وتم إغتياله، وشاع وقتها بأن آل كمونة هم الذين دبّروا حادث إغتياله للتخلص منه ومن نفوذه. وهو من مؤسسي حزب المحالفة سنة 19901م للمطالبة بالاستقلال عن العثمانيين أيام السلطان عبد الحميد. وفي عهد السلطان محمد رشاد عندما تأسس مجلس ولاية بغداد سنة 1328ه / 1909م كان المرحوم السيد محمد صادق نائبًا عن كربلاء في مجلس الولاية، وأعقب من البنين ثلاثة أولاد هم: السادة ضياء الدين ومحمود وحميد
بدستور سنة 1293ه / 1876م والذي كان ينص في بنوده تشكيل مجلس المبعوثان (يشبه البرلمان) ويتكون مركزيًا من جميع الولايات العثمانية، وأن يكون في كل ولاية مجلس يسمّى ب(مجلس الولاية). وفي ولاية بغداد تم تأسيس مجلس الولاية وحيث كانت كربلاء ضمن تشكيلاتها الإدارية فقد تم إنتخاب السيد محمد صادق بن جعفر آل ثابت نائبًا عن لواء كربلاء وعقد المجلس أولى جلساته في يوم السبت الثاني من محرّم 1327ه الموافق ليوم 23 كانون الثاني 1909م.
كان المرحوم السيد محمد صادق شخصية كربلائية لها وزنها وهو من زعماء المدينة حينها ويترأس أسرته العلوية العريقة، وقد أسس مع تسعة آخرين من زعماء كربلاء كما ذكرنا سابقًا نواة سرية لحزب الاتحاد والترقي في كربلاء أطلق عليه حينها (تجمع الحلف) أو حزب المحالفة وذلك سنة 1901م.
وتعرض أعضاء الحزب للملاحقة بعد معرفة السلطات العثمانية حينها بالتنظيم الذي كان يدعو إلى التحرر ونبذ الفساد والاستبداد السلطوي للعثمانيين. وكان لهذا التنظيم فروع سرية في كربلاء والمسيب والهندية والكاظمية، فقامت السلطات بالقبض على بعض الأعضاء الكربلائيين عدا السيد محمد صادق وغيره من الذين تخلصوا من الملاحقة.
أصدر والي بغداد (نجم الدين منلا) أمرًا بتعيين (جلال باشا) متصرفا للواء 1909 م /1327ه.
كان جلال باشا ينتمي إلى جماعة الأحرار التركية. وعمل في بغداد سكرتيرًا للوالي، وكان يميل للإصلاحات فقد إعترض عليه بعض أهالي بغداد على قول المس بيل في مذكراتها، وتم تلفيق بعض الأمور عليه منها أنه كان يجاهر بالإفطار في رمضان
ويدخّن أمام الناس في السوق... ولكن المتنفذين من حركة الأحرار في العاصمة إسطنبول طلبوا من والي بغداد تعيينه متصرفًا فصدر أمره إلى كربلاء.
على الرغم من أن جلال باشا لم يمكث طويلاً في كربلاء غير سنة واحدة وعدّة أشهر، فقد قام بأعمال جليلة لتطوير مركز المدينة، وهذه الأعمال والتوسعات أضرّت بمصالح البعض الذي أخذ ينتقد المتصرف وهذا ديدن الناس في كل زمان ومكان. ونُقل جلال باشا من وظيفته أواخر سنة 1910م/1328ه وحل محلّه المتصرف طاهر بك.
عندما حلَّ جلال باشا متصرفًا لكربلاء كان مجلس إدارة اللواء يتكون من:
1 - السيد عبد الحسين الكليدار - سادن الروضة الحسينية.
2 - السيد عباس آل ضياء الدين.
3 - السيد محمد مهدي بحر العلوم.
كانت رئاسة بلدية كربلاء وكالة بيد الحاج سلمان الحاج حمد آل عويّد، وذلك عندما تم إنتخاب الحاج عبد المهدي الحافظ رئيس بلدية كربلاء ليكون نائبًا عن كربلاء في مجلس المبعوثان في إسطنبول.
وعند تعيين جلال باشا تم إسناد رئاسة بلدية كربلاء أصالة إلى الحاج سلمان آل عويّد والذي إستمر في رئاسته للبلدية لغاية سنة 1912م / 1330ه.
عندما صدر الأمر بعزل والي بغداد نجم الدين منلا وقبل أن يغادر بغداد قام في يوم الخميس 23 ربيع الثاني سنة 1327ه / 13 مايس 1909م بزيارة كربلاء
والمرقدين الشريفين وعاد يوم الإثنين 25 منه، وسافر بعدها إلى إسطنبول مغادرًا منصب ولاية بغداد(1).
شاعت لفظة المشروطة في الأوساط العامة والخاصة والدواوين السياسية في وقتها، ويتذكرها الشيوخ الذين عاصروا تلك الفترة الزمنية التي ظهرت فيها وهي أوائل القرن العشرين. والمشروطة تشير إلى معنى (الشرط)، ومعناها السياسي (الدستور والمجلس)، فالحكومة المشروطة هي الحكومة الدستورية، ثم أطلق على الحكومة الملتزمة بالشرط (المشروطة) أي التي يشترط إلتزامها بالدستور، وأصبح هذا الاسم الرسمي لها.
والمشروطة هي أول دعوة قامت في إيران تنادي بالدستور والحكم بموجبه وترك العمل الفردي والاستبداد بالرأي، والإبتعاد عن رأي عامة الناس (الشعب) الذين هم الأساس في الحكومة ونظام الحكم، وعليهم تدور رحى العمل.
ولذكر الأحداث التي وقعت في كربلاء نتيجة الصراع بين أنصار المشروطية، وبين خصومهم الذين كانوا يطلقون عليهم أنصار (الاستبداد)، لا بد أن نبين للقارئ الكريم ملخصًا عن حركة المشروطية في إيران وتأثيرها فيما بعد على العراق.
ففي سنة 1896م قُتِل ناصر الدين شاه وخلّفه على عرش إيران ابنه (مظفر الدین شاه) الذي كان على عكس والده بالإضافة إلى أنه كان عليل البدن، وقد ترك شؤون الدولة بيد صهره (عين الدولة) المكروه من قِبَل الشعب الإيراني، فقد كان صلفًا ومتعسفًا وظالمًا.
في عام 1905م قُمعت الثورة ضد القيصر في روسيا فهرب بعض زعمائها إلى إيران وأصدروا الصحف وأخذوا يوجهون الشعب الإيراني نحو الأفكار
1) تاريخ العراق بين احتلالين: عباس العزاوي، ج8 ص 180
الديمقراطية الحرة، فبدأ تذمر الإيرانيين من حكومتهم. وكان هناك صراع بين الإنكليز والروس حول النفوذ في إيران، وكان الإنكليز يشجعون المشروطة في إيران نكاية بالروس. وعندما إلتجأ أهل (البازار) وهم التجار والكسبة إلى الاعتصام في الجوامع والأماكن العامة نتيجة تعسف الدولة ضدهم، وقف بعض رجال الدين معهم، وعندما طُردوا من جامع الشاه وسط طهران ذهبوا إلى بلدة الشاه عبد العظيم في جنوب طهران وإعتصموا هناك وأعلنوا أنهم باقون حتى تجاب مطاليبهم وهي: عزل (عين الدولة) الذي كان بمنصب رئيس الوزراء عن منصبه، وتأسيس (عدالت خانه) أي دار العدالة.
إزداد عددهم حتى إنضم إليهم إثنين من أكبر علماء طهران هما السيد (محمد الطباطبائي) والسيد (عبد الله البهبهاني)، ومن الوعاظ (آغا سید جمال الدين).
بعث لهم الشاه رسولاً ليسترضيهم فأعادوه خائبًا، فإضطر الشاه أن يرسل إليهم كتابًا بخط يده يتعهد بإجابة مطاليبهم، ورجع العلماء إلى طهران وإستقبلوا كأبطال ومعهم جموع الملتجئين.
لم يستطع الشاه تحقيق المطالب بتأثير صهره عين الدولة، ففي مايس 1906م أصيب الشاه بالشلل فإستغلها عين الدولة وأصدر أمرًا بإلقاء القبض على السيد محمد الطباطبائي، وإثناء تنفيذ أمر القبض وقع إصطدام بين الجنود والأهالي أدى إلى قتل شخص من الأهالي، وعند تشييعه حدث إصطدام آخر سقط من جرّائه خمسة عشر قتيلاً. فتوتر الأمر في إيران وغادر العلماء إلى مدينة قم المقدسة وهددوا الشاه بأنهم سيغادرون جميعاً إلى العراق ما لم تحقق مطاليبهم الشعبية، وأغلق أهل البازار دكاكينهم تأييدًا للعلماء، فصدر الأمر من الحكومة بنهب كل دكان يتم إغلاقه، فذهب أهل البازار إلى السفارة البريطانية في طهران وإلتجأوا في حديقتها، وإزدادت أعداد الملتجئين من التجار والعلماء والحرفيين وغيرهم وأخذوا يطالبون بالحرية والمساواة والشورى.
فإضطر الشاه لتحقيق مطالب الشعب، فعزل عين الدولة ونصّب مكانه أحد أنصار المشروطة وهو (نصر الله خان)، كما أمر بإجراء الإنتخابات للمجلس النيابي (المجلس الشوروي المللي). وإفتتح المجلس هذا في 7 ت 1 سنة 1906م، وحضر الإفتتاح الشاه بنفسه، وتم صياغة الدستور وصادق الشاه عليه بعد ثلاثة أشهر، ثم مات الشاه بعد ذلك بأيام. وبعد موت الشاه تولى الحكم ابنه (محمد علي) وكان طاغية سيء السيرة ظالمًا ومتكبرًا، ومنذ بداية حكمه نصب العداء للمجلس النيابي والحركة الدستورية، وتميز عهده بالصراع بين أنصار (الاستبداد) وأنصار (المشروطية). وكان تأثير المعاهدة الروسية البريطانية في نهاية آب 1907م كبيرًا حيث إقتسمت تلك الدولتان النفوذ في إيران، فنفوذ روسيا كان في شمال إيران، ونفوذ بريطانيا على جنوبها.
كانت روسيا ضد المشروطة بينما كان الإنكليز يؤيدونها، ولما أصبحت العاصمة طهران وشمال إيران تحت التأثير الروسي وكان الشاه محمد علي يميل بشكل كبير للروس، فصار يعمل بحرية ولا يخشى بريطانيا الداعمة للمشروطية، ونتيجة الصراع الروسي البريطاني فقد أثّرت روسيا على الشاه وشجعته على تعطيل الدستور دون الخشية من الإنكليز الذين تقربوا منهم في المعاهدة.
وبدأ محمد علي شاه يحشّد الأنصار للقضاء على حركة المشروطية في إيران وشعاره أنَّ (الدستور بدعة مخالفة للشريعة الإسلامية). وكان على رأس المؤيدين للشاه هو الشيخ (فضل الله النوري) الذي إتهم أنصار المشروطة بأنهم بابيّون وزنادقة، ويتزعم أنصار المشروطة السيدان محمد الطباطبائي وعبد الله البهبهاني، فإنقسم الشعب إلى فئتين متحاربتين، كل فئة تكفّر الأخرى وتدعو لمحاربتها.
تألفت في إيران نوادي ومجالس تسمى (الأنجمن) تجمع التبرعات وتحشد ويتم فيها التدرب على السلاح ومنهم رجال الدين بعمائمهم وهم يعتقدون بأنهم يقومون بواجب الجهاد. وفي صراع بين الشاه والمجلس النيابي تمكن أخيرًا الشاه
من ضرب المشروطية عندما أعلن الأحكام العرفية وأمر بتطويق المجلس وضربه بالمدافع، فإنتشر الرعب في طهران ولاذ الكثيرون إلى أماكن شتى هاربين من هول الإجراءات القاسية، وتم إعدام (المرزا جهانكير خان) صاحب إحدى الصحف، وكذلك إعدام أشهر وأشدّ وعّاظ المشروطية وهو (المرزا نصر الله الأصفهاني) الذي كان يُلقّب ب(ملك المتكلمين). وأعلن الشاه إلغاء المشروطية في كل ولايات إيران ومعاقبة أنصارها بالجلد أو الحبس أو الإبعاد.
عند ذلك إنفجرت الثورات على الشاه وكان أهمها في (تبريز) حيث نظّم أنصار المشروطة صفوفهم وسيطروا على المدينة، وكذلك ثار أهل (رشت) الذين تحركوا واحتلوا (قزوين) وتوجهوا جميعاً نحو طهران. ولكن أشد الثورات هذه كانت في (أصفهان) والتي قادها (السردار أسعد) رئيس قبائل البختيارية، فقد حشّد الجموع وإمتلك المدافع وتحرك في حزيران 1909م نحو طهران وإلتقى بقربها مع الحشود الزاحفة من (رشت و قزوين) وفي 12 تموز 1909 دخل طهران وإستولى عليها، فهرب الشاه محمد علي وإلتجأ إلى المفوضية الروسية، وأعلن الثوار خلعه وتتويج ابنه (أحمد) البالغ من العمر إثني عشر عامًا ووضعوا له وصيّاً لحين بلوغه سن الرشد.
هذه الأحداث كان لها تأثير كبير في الأوساط العراقية وخاصة في مدن كربلاء والنجف والكاظمية على الرغم من أنها وقعت ودارت في إيران، وذلك بسبب وجود المجتهدين الإيرانيين الكبار في العراق، وكثير من المقيمين الإيرانيين فيه.
وحينها كانت ترد الاستفتاءات من إيران حول المشروطة، هل هي حرام أم حلال؟، أهمها استفتاء من مجموعة كبيرة من أهل إيران إلى علماء النجف، الذين إصدروا (فتوى) مفادها أن قوانين المجلس الدستوري التي تم شرحها في طلب الاستفتاء هي قوانين مقدسة ومحترمة، وهي فرض على المسلمين وواجبٌ
تنفيذها، ومن يقف ضدها ويقاومها فإنه يقاوم أحكام الدين الحنيف، وواجب المسلمين الوقوف ضد من يعادي المجلس. ووقّع الفتوى عن المجتهدين (الملا كاظم الخراساني)، ولم يعارض أحد من المجتهدين سوى المرجع السيد (كاظم اليزدي) الذي إمتنع عن التوقيع، وإمتناعه هذا كان بداية الإنقسام بين المجتهدين الذي أخذ يتطور يومًا بعد يوم.
فأهل النجف إنقسموا إلى قسمين، قسم يدعو إلى المشروطية بزعامة الملا كاظم الخراساني، والآخر ضدها بزعامة السيد كاظم اليزدي، والذي كان يطلق عليهم بجماعة (الاستبداد).
وفي الكاظمية جرى نزاع شديد والأكثرية إعتبروا الملا كاظم الخراساني وأتباعه كفارًا لأنهم من (المشروطة). بينما كان العالم السيد محمد مهدي الصدر من أنصار المشروطة ومؤيديها.
وعندما أعلن الدستور في الدولة العثمانية في 23 تموز 1908م والذي كان يمثل نهجًا متقاربًا جدًا مع المشروطية، فأدّى ذلك إلى تدعيم موقف الملا كاظم الخراساني في العراق وإنخذال أعوان السيد كاظم اليزدي، لأن العراق كان تابعاً للدولة العثمانية حينها.
في كربلاء كان الوضع يختلف عن النجف، وحتى عن الذي كان يجري في الكاظمية. ففي كربلاء كان يتواجد أحد الوعّاظ الإيرانيين وهو من أنصار (الاستبداد) كما يطلق عليهم وقتها واسمه السيد (أكبر شاه)، كان خطيبًا مؤثرًا وله لحية طويلة وكان تأثيره على العامة كبير جدًا. كان يعِظ الناس ضد المشروطية قبل إعلان الدستور العثماني وبعده، ولا يخشى السلطات العثمانية ولا غيرهم... فإلتف حوله خلق كثير يستمعون يوميًا إلى خطبه النارية. فوصلت أخباره إلى إيران فقرر أنصار المشروطية إرسال واعظ إيراني من المشروطيين إلى كربلاء وهو (الشيخ جواد) ليقف أمام السيد أكبر شاه ويشرح للعامة أهداف المشروطة ونقض أفكار أعدائها.
وصل السيد جواد كربلاء في شهر آذار 1909م/ 1327ه، وبدأ يعتلي المنبر في الصحن الحسيني تارة وفي الصحن العباسي تارة أخرى، وينتقد أفكار المخالفين للمشروطية، ويشرح أهدافها التي تدعو إلى العدل والمساواة والشورى ونبذ الظلم والاستبداد والتعسف، والدعوة إلى الحريات والرجوع إلى مبادئ الدين الحنيف.
إنقسم الناس في كربلاء إلى قسمين، وظهرت الصراعات بين أنصار الطرفين وصلت إلى حد التصادم، وأخذ كل فريق يكفّر الفريق الآخر، ووصل الجدل بين الفئتين في كل مناطق المدينة وأسواقها وفي الجوامع والحسينيات وحتى في مدارس العلم الموجودة في كربلاء ومنها يتخرج رجال الدين، وتعدى الخلاف حتى حصل بين المجتهدين في المدينة.
كان الأسلوب الذي يتخذه وعّاظ الطرفين يأخذ مسألة قتل الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وموضوع الشورى الذي أدّى إلى وصول يزيد بن معاوية للحكم ويصبح خليفة!! فانصار المشروطة كانوا يعتقدون أنّ الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قُتِل بسيف الاستبداد، ولو كان نظام المشروطة سائدًا في زمانه لإختاره الناس خليفة عليهم بدلاً من يزيد. أما أنصار (الاستبداد) وهم معارضي المشروطة فيقولون المشروطية تعني الشورى، وإنّ الشورى هي التي أضاعت الخلافة من أهل البيت ووصول يزيد إلى سدّة الحكم!!
وتداولت الصحف البغدادية أخبار الجدال بين الشيخ جواد والسيد أكبر شاه، وكذلك أخبار الحوادث التي تقع في كربلاء خلال تلك الأيام نتيجة الإنقسام في المجتمع الكربلائي. ومن الحوادث التي جرت في كربلاء والتي كادت أن تودي بنتائج وخيمة هي أن أحد أعداء المشروطة قام بالتجاوز على الشيخ جواد مدفوعاً من جماعته وتطاول عليه بالكلام وأخذ يخطب أمامه بشكل هستيري وتقدم للإعتداء عليه، فهجم أنصار المشروطة عليه وقابلهم أنصاره وحدثت معركة بين الطرفين وسادت الفوضى في كل مكان، وقد حضر وكيل المتصرف ومعه قوة من الشرطة
وأوقف النزاع بشق الأنفس. وفي اليوم الثاني حضر الشيخ جواد وقام خطيبًا في المكان الذي إعتاد أن يلقي خطبه وبدأ يمدح العدل ويذم الظلم ويثني على انصار المشروطية ويذم الطرف الآخر.
في شهر نيسان 1909م وبعد الحادثة مباشرة أمرت الحكومة السيد أكبر شاه بمغادرة كربلاء إلى الكاظمية، ومنعه من التواجد والوصول إلى كربلاء، وتساءل البعض وإعترض على ذلك الإجراء لأن الكاظمية مثل كربلاء، وكان يفترض إبعاده إلى بلده إيران لرفع الضرر عن الناس وإنقاذ العراقيين من الفتنة.
وفي كربلاء إنقسم علماء الدين المجتهدين فيما بينهم، وهذا الإنقسام ألقى بظلاله على أتباعهم ومقلديهم حيث كان الجدال مستعرًا بين الطرفين. وكان بعض أكابر علماء المدينة يقفون مع المشروطة ويساندوهم ومنهم العالم الكبير السيد إسماعيل صدر الدين (الصدر) رحمة الله عليه.
(المس بيل)(1)
والمس بيل هي عميلة وكالة الاستخبارات البريطانية التي كانت ترفع رسائل رحلاتها إلى لندن لتُدرَس هناك وتكون إحدى قنوات المعلومات في غرف العمليات الاستخبارية. وهذه الآنسة (بيل) التي لعبت أدوارًا مهمة في العراق لما تحمله من معلومات عنه بحيث أصبحت فيما بعد سكرتيرة دار الإعتماد البريطاني منذ احتلال بغداد من قبل الإنكليز في عام 1917م وبقيت لسنوات عديدة، وكانت لها علاقات وطيدة مع الساسة العراقيين حينها وكانوا يسمونها (الخاتون)، وكانت إستشاراتها لرؤسائها مهمة للغاية ويُعتمد عليها. فقد زارت مدينة كربلاء وضواحيها قبل الاحتلال الإنكليز للعراق مرتين
في كربلاءفي عام 1909م / 1327ه زارت المس بيل مدينة كربلاء قادمة من (حلب) عن طريق البادية، بعد أن مرّت بحلب ومنها سارت بجانب مجرى نهر الفرات إلى تل الأحمر، فالبصيرة، ف(هيت)، ومن ثَمَّ إلى الأخيضر.
1) المس غيرترود بيل هي مستشرقة ورحّالة بريطانية مشهورة، وقامت برحلاتها إلى الشام والعراق قبل الحرب العالمية الأولى، وكانت رحلاتها في الحقيقة استخبارية لمصلحة الحكومة البريطانية التي كانت ومنذ زمن تعد العدة ليكون لها شأن في المنطقة، لأن الشام وبلاد الرافدين لهما موقعان إستراتيجيان مهمان، وبريطانيا كونها دولة استعمارية، فقد أعدت الخطط منذ القرن الثامن عشر الميلادي للتدخل في العراق. وكان قناصلها المعتمدون في بغداد قد بدأوا منذ ذلك الوقت التدخل بشؤون العراق بوجود السلطة العثمانية التى لم تكن بعيدة عن تحركات الإنكليز في العراق.
وصلت مدينة كربلاء في 30 آذار 1909م / 9 ربيع الأول 1327ه. وبقيت فيها حوالي إثني عشر يوماً، ثم غادرتها إلى (بابل) عن طريق (المسيّب).
كتبت مشاهداتها في جميع المناطق التي زارتها ونشرتها في كتابها الذي أطلقت عليه اسم (مراد) إلى مراد) الذي أصدرته في لندن عام 1911م.
وعن زيارتها لكربلاء تبدأ بالقول عن شؤون السفر في تلك الأيام وهي تقارن بين البادية والبحر في هذا الشأن... فكتبت تقول: أنها وصلت إلى عالمٍ جديد عليها من أوجه كثيرة. فقد إنتقلت من الجو المعروف في شمال سورية إلى بلدة عريقة في التقاليد الشرقية المتصلة بالأماكن المقدسة، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإنقسام والإنشقاق الكبير الذي حصل في الإسلام. فقد كانت البقعة مسرحًا للمأساة الأليمة التي وقعت فيها فأسفرت عن قتل الحسين بن علي. ثم نشأت حول الجامع الذي يضم قبر الحسين في داخله البلدة التي أصبحت بالنسبة لنصف المسلمين محجًا لا يقل عن مكة في أهميته.
ثم تذكر المس بيل في كتابها (مراد إلى مراد) في الفصل الخامس منه مشاهداتها عن كربلاء ومنها عندما كانت واقفة فوق سطح دار مجاور ومشرف على الروضة الحسينية المقدسة فتقول: «حينما كنت أقف فوق سطح دارٍ من الدور المجاورة لأتفرج على الساحة المزينة بالقاشاني الجميل الفخم، التي يقوم في وسطها الضريح المقدس، يسمح بالدخول فيها إلاّ للمسلمين. وحينما رفعت ناظري وسرحت الطرف نحو الغرب لمحت من بعيد البادية التي كانت جيوش النبي الكريم قد عبرتها لتقضي بعزمها الشديد وإيمانها الأكيد على المدينة القديمة وتدك عروشها المشيدة.
وعن أحوال مدينة كربلاء في ذلك الوقت تذكر المس بيل أن كربلاء تحيط بها البساتين المثمرة، وهذه البساتين تتميز بكثرة أشجار النخيل وتزرع معها أشجار الحمضيات التي تشتهر بها كربلاء، فأنواع التمور كثيرة وهي من أجود الأنواع على إختلافها، أما الحمضيات فكانت متميزة فإن جو المدينة يساعد جدًا على زراعتها وخاصة (البرتقال)، وتقول بأن أسواق المدينة كانت تتكدس في دكاكينها أكوام من البرتقال الجيد، وكذلك أكوام الليمون الحلو الأصفر(1)وكانت تشتري الكثير منه هنا وهناك، وتأكله وهي تمشي في الطريق لتروي غليلها الصدئ الذي إلتهب سعيره حينما عبرت البادية إلى كربلاء وهي قادمة من حلب.
وكانت تتكوم مع أكوام البرتقال والليمون أكوام الورد الإرجواني(2)، الذي كان يأخذ منه المارة بين آن وآخر حفنات يشمّونها في سيرهم.
دُعيت إلى وليمة كبيرة لم تذكر أسماء من دعاها ولا الحاضرين ولكنها ذكرت أحاديثهم في السياسة وإنتقادهم للعثمانيين ومتصرف كربلاء.
1) هذا النوع من الليمون يزرع في كربلاء بشكل خاص وتندر زراعته في مناطق أخرى من العراق ويسميه العامة (نومي حلو)، وبرتقال كربلاء تكون أسعاره دائمًا أغلى من أسعار برتقال المناطق الأخرى التي يزرع فيها ومنها (بعقوبة)، وذلك لجودته، وسبب هذه الجودة أن أشجار البرتقال في كربلاء تُركّب من أشجار الليمون الحلو وعندما تثمر يكون البرتقال حلو المذاق وكثير الماء وقشره خفيف غير سميك، أما في المناطق الأخرى فتركب أشجار البرتقال من أشجار (الرارنج) فيكون البرتقال ذو مذاق حامضي وقشرة سميكة
2) هو الورد (الجوري) الذي يزرع بكثرة في بساتين كربلاء ومزارعها وحتى في بيوت الأهالي داخل المدينة حيث توضع شتلاته في (سنادين) من الفخار، وللورد الجوري رائحة عطرة. وكانت مدينة كربلاء تشتهر بصناعة (ماء الورد)، حيث توجد معامل بسيطة في المدينة تقوم بعصر أوراق الورد هذا وخلاصة الماء المستخلص منه يوضع في زجاجات تباع كمطيبات، ويعمل منه نوع من الشربت يسمى (شربت ماء الورد)
متصرف كربلاء(1)
تذكر المس بيل أحاديث عن متصرف كربلاء حين زيارتها وقد سمعت المعلومات التي أوردتها من أحد متحدثيها(2)إثناء دعوة العشاء التي ذكرت عن ما ورد فيها من أحاديث في السياسة وأحوال الناس في المدينة.
وعن متصرف كربلاء كتبت المس بيل ما سمعته إثناء الجلسة فقالت: «فقد حصلت مدينة كربلاء بحلول العهد الجديد على متصرف له قصص غير مشرّفة لسمعته، وذات تأثير سيء على مقدرته في العمل في المدينة. فقد كان الرجل من المنتمين إلى جماعة الأحرار، وكان قد بدأ حياته في الوظيفة بتعيينه سكرتيرًا للوالي في بغداد. لكن أهالي بغداد كانوا قد إشتكوا منه خلال إشتغاله فيها لأنه شوهد في يوم من أيام رمضان يجاهر بالإفطار ويُدخّن على ملأ من الناس في السوق فأقصي عن منصبه. ولمّا كان ينتمي إلى جماعة الأحرار كان لابد أن يحظى بمساعدة الكثيرين من الشخصيات المرموقة في إستانبول، ولذلك أعيد تعيينه متصرفًا في كربلاء مؤخرًا. على أن سمعته السابقة لم تفسح له المجال للإشتغال المثمر في هذه المدينة المتعصبة، على الرغم من أهمية الأعمال والإصلاحات(3)التي شرع في تنفيذها. فبالنظر للجور الأعمى الذي كانت تمارسه الحكومة في كربلاء، وإهمال شؤون الري فيها، أخذت الأمور تتدهور فيها يومًا بعد يوم وساءت أحوالها المالية بحيث أصبح من المتعذر جباية أي نوع
1) كان متصرف كربلاء حينها هو (جلال) باشا) الذي عُيّن متصرفا لكربلاء عام 1909م وبقي فيها سنة واحدة وعدة أشهر
2) يبدو ان الجلسة التي شملت وليمة العشاء التي دُعيت إليها المس بيل قد حضرها أُناس كانوا يأخذون من الحكومة التركية موقفًا سلبيًا أو من الذين تضررت مصالحهم، وقد أعطوا للمس بيل المعلومات التي ذكرتها في رحلتها وهم يعرفون على اغلب الظن بنيّات الإنكليز وتحركاتهم الاستخبارية في العراق، وكذلك عن سبب رحلة المس بيل إلى العراق. محاولين نقل صورة الفوضى إثناء حكم الأتراك في تلك الفترة
3) للمتصرف جلال باشا إنجازات مهمة في كربلاء سيتم شرحها على إنفراد
من الضرائب منها. وكانت خزانة البلدة من جهة أخرى مرهقة برواتب المستخدمين الكثيرين، والمبالغ التقاعدية وغيرها التي كانت تدفع إلى الكثيرين من الناس على إختلاف طبقاتهم، ومعظمهم من طبقات رجال الدين. لذلك جوبه هذا المتصرف بمقاومة غير يسيرة حينما عمد إلى الاقتصاد بالنفقات، وقطع الرواتب عن مثل هؤلاء ليجد المال اللازم إلى تنفيذ بعض الإصلاحات والقيام ببعض الأعمال العمرانية ».
من المعلومات المهمة التي وردت في رحلة المس بيل هذه، تأكيدها على وجود المسطحات المائية (الأهوار) بين كربلاء والهندية، والتي ذكرها بعض الرحالة الذين قدِموا إلى كربلاء بواسطة السفن حيث كانت ترسو بالقرب من كربلاء لوجود هي هذه الأهوار.
وعندما بقيت المس بيل عدة أيام في كربلاء رغبت بمغادرتها إلى (بابل) لمشاهدتها والتعرف على أطلالها، وكانت في نيتها السفر عن طريق طويريج (الهندية) وكانت تجهل صعوبة ذلك الطريق لأن المسافة بين كربلاء وطويريج كان يشغل معظمها هور الهندية الذي كانت تغذيه مياه الفيضان و (الكسرات) من فرع الحلة(1)حسب قولها. فتقول: «فإن المنطقة الكائنة في غرب هذا الفرع، والتي تقع فيها مدينة كربلاء نفسها، ينخفض مستواها عن مستوى النهر، كما أن قاع النهر كانت ترتفع سنة بعد أخرى بتراكم الغرين المترسب فيه. ولذلك فكثيرًا ما كانت المياه تفيض إلى هور الهندية الذي تتوسع رقعته في بعض السنين فيهدد كربلاء بالذات، حتى أن مياهه قد تسربت إلى شوارعها فعلًا في بعض السنين(2). فكان يترتب على الملاكين وأصحاب الأراضي في
1) الصحيح هو نهر الهندية وهو فرع الفرات الأكبر من نهر الحلة، فإن نهر الحلة يبعد عن نهر الهندية شرقًا حوالي 19 كم
2) في الحقيقة أن مدينة كربلاء القديمة لا يمكن أن ترتفع عليها المياه لكونها تقع على هضبة ترتفع عن ما جاورها من الأراضي، وهذه الهضبة تنحدر نحو الشرق. ويمكن أن تصل مياه الفيضانات والمياه الزائدة إلى منطقة العباسية وهي المحلة الجديدة التي أنشاها مدحت باشا والواقعة جنوب شرق وجنوب المدينة القديمة والتي كانت هي أصلا أراضى منخفضة تركبها المياه أكثر أيام السنة. كما أن الشوارع التي قصدتها المس بيل هي الطرق المؤدية إلى أبواب المدينة بين البساتين المحيطة بالمدينة القديمة
هذه الحالة السهر على إنشاء الروف الواقي والسداد القوية لاتقاء خطر المياه، غير أنهم كثيرًا ما كانوا يهملون هذا الواجب فيشتد الخطر».
وعن موضوع الأراضي التي تتعرض للفيضان، فقد ذكرت المس بيل في رحلتها أن أحد المسلمين الهنود إشترى مساحات كبيرة من الأراضي التي تتعرض للفيضان، وكان في نيته أن يحافظ عليها بالسداد ويستثمرها كما يريد. فصرف مبالغ طائلة على ذلك وأوقف الخطر الزاحف على البلدة عند حده مدة من الزمن. لكنه عجز في النهاية وترك المشروع المرهق، فتجدد الخطر ولاسيما حينما وجد نفسه وحيدًا في الميدان من دون أن تتعاون معه الحكومة أو الجهات الأخرى وعلى الأخص العشائر المجاورة التي كانت تبذر تبذيرًا مسرفًا في استخدام الماء للسقي فيؤثر سوء تصرفها على توسع الهور.
غير أن المتصرف أراد إجباره على الاستمرار في العمل، لكنه لم يتمكن من ذلك نظرا لأن الرجل الهندي المسلم ذاك كان يتمتع بالحماية البريطانية(1).
وعلى كل ذلك فقد إرتأت المس بيل أن تغادر كربلاء متوجهة إلى بابل لمشاهدة آثارها عن طريق آخر هو طريق (المسيب). وتقول عن طريقها هذا بأنها وصلت إلى المسيب الواقعة على نهر الفرات، والتي كان فيها جسرًا من الزوارق فعبرته إلى الضفة
1) المقصود بالرجل الهندي المسلم هو: (النواب نوازش علي خان اللاهوري) الذي إشترى أراضي في مقاطعة البهادلية وبنى في الأرض قصراً سمي ب(قصر الهندي). فقد إبتاع من الحكومة العثمانية هذه الأراضي التي كانت تتصل ب(هو السليمانية)، وبإتصالها بهذا الهور فقد كان يتكرر ركوب الماء على هذه الأراضي وقد حاول مراراً أن يمنع عنها الماء فلم يفلح. وهور السليمانية كان يتصل بهور اللايح وهو السيب وهذه الأهوار تتصل بمستنقعات طويريج التي كانت تسمى هذه المستنقعات ب(هور الهندية)
الأخرى متوجهة إلى بابل وهي تقول: «إنه أول جسر حصل لي شرف عبور نهر الفرات عليه»(1).
قام المتصرف جلال باشا على الرغم ممّا قيل عنه بأعمال لا بد أن تُذكر بإحترام منها:
من الأعمال التي قام بها المتصرف جلال باشا هي فتح سوق باب قبلة الحسين سنة 1909م/ 1327 ه والذي سمي ب (سوق الحسين) وكان قد أنشأه من الفسحة أمام باب القبلة باتجاه المخيم الحسيني الحالي. وبقي هذا السوق إلى عام 1974م عندما تم تنفيذ مشروع توسيع شارع باب قبلة الحسين، وبعد إزالته أصبح موقع عندما السوق ساحة لوقوف السيارات.
وكذلك قام المتصرف بتوسيع (سوق مابين الحرمين) وهو سوق البزازين والذي سمي فيما بعد (سوق التجار الكبير).
وعندما تم توسيع هذا السوق كان شارع علي الأكبر لم يفتح بعد (وقد فتح من الفسحة التي أقيمت أمام باب الشهداء لصحن الحسين إلى باب قبلة العباس) وبعد ذلك تم فتح شارع الأمام علي من باب بغداد إلى ساحة البلوش (ساحة الإمام علي) فقطع هذا الشارع الجديد سوق التجار وشارع علي الأكبر إلى قسمين.
1) تم الإعتماد على ترجمة المرحوم الأستاذ جعفر الخياط لرحلة المس بيل المنشورة في موسوعة العتبات المقدسة، قسم كربلاء، وتم النقل بتصرف عنه
كانت مشيخة آل كمونة الأسديين بيد الشيخ محسن بن الحاج مهدي آل كمونة، وقد تحدثنا سابقًا عن النزاع الذي طال هذه الأسرة بسبب الزعامة والأملاك وسعيها لإستلام سدانة الروضة الحسينية.
بعد وفاة الشيخ محسن آل كمونة (والد الشيخ محمد علي والشيخ فخري)، فقد تزعّم مشيخة الأسرة الشيخ حسين بن محمد جواد بن الحاج مهدي آل كمونة. وفي 16 ربيع الثاني سنة 1327ه / 6 مايس سنة 1909م تم قتل الشيخ حسين وشاع خبر مقتله في المدينة بأن أخاه الشيخ عباس هو الذي قتله بسبب الرئاسة والأملاك(1)، وكان لمقتله وقع كبير في المدينة فقد أغلقت المحلات، وصار الناس في كربلاء ليس لهم غير تداول الحادث.
في سنة 1327ه / 1909م وفي زمن والي بغداد نجم الدين منلا، تأسست أول شركة لتسيير السيارات (أوتوموبيلات) بين بغداد وكربلاء، ومن كربلاء إلى النجف، وكان صاحب الفكرة أحد تجار بغداد وهو محمود أفندي شابندر زادة، وقد حظيت الفكرة بتأييد الوالي، وعرضت الشركة أسهمها للذين يرغبون بالمشاركة، فتهافت الناس عليها وقاموا بشراء الأسهم ووضع مبالغها في البنك العثماني. وعندما إجتمع أصحاب الأسهم لإنتخاب رئيس للشركة فقد فاز برئاستها كل من عبد الرزاق الجلبي والحاج سعودي الصفار، وقد إعترض آخرون على ذلك حيث كانوا يميلون إلى صاحب الفكرة محمود أفندي شابندر، وحصل نزاع بذلك مما أدّى إلى سحب المشتركين لأموالهم(2).
لكنّ هذه الفكرة ظلت في أذهان بعض التجار، حتى قاموا بعد سنتين من التاريخ بتأسيس شركة لتسيير السيارات بدأت عملها بين بغداد وكربلاء والنجف.
كانت الأوضاع في البلاد العراقية عامة وفي كربلاء خاصة من السوء والإهمال بحيث فُقِد الأمن وساد الكساد وباتت الأمور تنذر بالخطر وخاصة عندما بدأت ثورات العشائر، وكان والي بغداد نجم الدين منلا الذي عُيّن بمنصبه لتدارك التدهور الحاصل في الأوضاع العامة، لم يستمر مدة طويلة ليكمل ويرى أثر الإصلاحات التي بدأ بها، فقد تم نقله من ولاية بغداد وتم تعيين أحد المهندسين الكبار في الدولة العثمانية ليكون واليًا على بغداد وهو (محمد شوكت باشا)، وكان خطأ الدولة بتعيينه بمنصب إداري بعيد عن إختصاصه كبيرًا ولم يتمكن من إصلاح الوضع العام في الولاية، كما أن الدولة لم تعطه المجال لتنفيذ خططه فقد قامت بعزله ولم يكمل السنة في منصب الولاية.
وما كانت تعانيه كربلاء في فترة ولايته فقد إنبرى المرحوم الحاج عبد المهدي الحافظ بإعتباره نائبًا عن اللواء في مجلس المبعوثان ليسأل الوالي شوكت باشا عن أعماله والوضع المتدهور في كربلاء من نواحي عديدة، فإعتذر له الوالي بكثرة الأشغال والتحارير، وأنه كتب إلى العاصمة إسطنبول طالبًا الموافقة على بعض الإصلاحات وطلب مبالغ لها ليؤلف ضابطة الأمن وأنه لم يبال بالفتن ولكنه بقي مغلول اليدين لعدم إستجابة الدولة له، بل وتم نقله وتعيين بديلاً عنه على الرغم من أن آماله كانت في إصلاح المعارف والطرق والأمن العام وتأليف الشركات.
ولكن لم يتحقق أمر من هذه الأمور(1)وبدأ الناس في المطالبة بالإصلاح. وعلى الرغم من جهود نائب كربلاء الحاج عبد المهدي إلّا أن الأوضاع بقيت على حالها.
1) راجع تاريخ العراق بين احتلالين، ج 8 ص 184 - ص 185
في سنة 1328ه / 1910م زار الرحّالة الهندي محمد هارون الزنكي بوري العراق قادمًا إليه من بومباي في الهند عن طريق البحر ووصل إلى البصرة، ومنها بواسطة مركب نهري وصل إلى بغداد، وحال وصوله إليها توجه إلى الكاظمية لزيارة الإمامين الكاظميين (عَلَيْهِمَا السَّلَامِ)، ومنها توجه إلى سامراء حيث زار المراقد المقدسة فيها، ورجع إلى الكاظمية، ومنها هيأ نفسه للسفر إلى كربلاء الذي قرر أن يبقى فيها أطول مدة في رحلته ومنها يتوجه إلى النجف، ويعود بعد أيام إلى كربلاء حيث يتهيأ بعدها لإنهاء رحلته ويعود إلى وطنه الهند.
وقد شرع في تحرير رحلته وتدوينها بالكامل في أواخر شوال سنة 1329ه / 1911م وفرغ من عمله في السادس والعشرين من ذي القعدة من نفس السنة، وأسماه (الرحلة العراقية).
محمد هارون الزنكي بوري الهندي علاّمة فاضل وأديب ومؤرخ ومؤلف بارع. ولد في الهند في 24 ربيع الثاني سنة 1292ه / 1875م، في أسرة دينية معروفة ونشأ نشأة طيّبة... درس الأوليات والمقدمات على أعلام بلده، وعندما زار كربلاء في رحلته العراقية وبقى فيها أربعة أشهر حضر على أعلامها البارزين كما يَذكر في رحلته وأخذ الإجازة من العديد منهم في رواية الحديث ورجع إلى بلده بعد أن زار مشاهد أهل البيت (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وفي بلده (الهند) نزل في قرية حسين آباد وإشتغل بالوظائف الشرعية من الإمامة والتدريس والتأليف والإفادة. وترك مؤلفات ممتعة وآثارًا قيّمة منها الرحلة العراقية وغيرها الكثير. إنتقل إلى رحمة الله في يوم 14 جمادي الأولى سنة 1339ه / 1920م(1).
1) تم الإعتماد في ترجمته على كتاب (الرحلة العراقية) وصف أدبي وتاريخي للعتبات المشرفة في العراق قبل أكثر من مائة عام: محمد هارون، إعداد سماحة الشيخ أحمد محمد رضا الحائري الأسدي ص 10 - 12، ط 1 بیروت، سنة 1433ه / 2012م الصادر من مؤسسة الفكر الإسلامي
وعن رحلته إلى كربلاء فقد دوّن محمد هارون مشاهداته وملاحظاته عنها حيث إستقر فيها لمدة أربعة أشهر، وقد إستعرض ذلك في كتابه الموسوم (الرحلة العراقية) بإسلوب أدبي رائع، وذكر عن كربلاء وفضلها والمشاهد المقدسة فيها وعن أهلها وأسواقها وأمنها، وأعداد الزائرين الذين يفدون إليها والعلماء الأعلام الذي حضر عندهم وأجازوه بالرواية في الحديث، وعن إهتمام الممثلين الإنكليز من السفير في بغداد أو ممثله في كربلاء وغير ذلك من الأمور... ولأنه كتب الكثير عن كربلاء وغلب على إسلوبه الأدبي البديع طابع الإنشاء المطوّل، فإرتأينا أن نأخذ مما دوّن في كتابه عن رحلته إلى كربلاء الزبدة من النصوص التي أوردها بعيدًا عن الإطالة لينسجم موضوع رحلته مع بحثنا هذا(1).
في العشر الأواخر من شهر جمادي الثانية سنة 1328ه توجه محمد هارون إلى المشهد الحسيني (كربلاء) حيث يقول: إستأجرت عربانة فرنسية وهي خير مركب للسفر إلى تلك النواحي ولم تكن قبل ذلك من القرون، بل حدثت في هذا القرن، وثمن البطاقة إلى الأرض المباركة كربلاء روبيتان وكسره.
ومن الحوادث اليومية ما ظهر من السفير الإنكليزي المقيم في بغداد تعيين عدة رجال لمراعاة أحوال الزوار السائرين إلى تلك الأقطار، على كل منزل كالكاظمين والمسيب وكربلاء والنجف وغيرها من المنازل الوسطية يتعاهدون أحوالهم، ويحفظون أموالهم، ويراعون فيما يحتاج إليه المسافر الغريب، ولا يتركون أن يتطاولوا عليهم من بعيد أو قريب وإلاّ كان الطريق العراقي لا يخلو غالبًا من نهب أو سلب، وقتل أو حرب... وأما الآن بحمد الله كل من المنازل وما بينها آمن من كل روع(2)... ومما
ينبغي أن يذكر أن كل منزل من تلك المنازل، جامع الجميع ما يفتقر إليه الراحل الماء البارد والقهوة والخبز والبيض والدجاجة المشوية والبطيخ والخيار والرمان وغيرها. مما يساعده الزمان ويطلب كلها بثمن أرخص وسعر عادل لا يحيف أحد في البيع والشراء ولا يخادعون بالتدليس الغرباء، ولا يحتاج أحد إلى التقية في أداء المفترض عليه بل الناس سواسية في قضاء حقوقهم. وهذا من بركات السلطة الإنكليزية... وسارت المركبة الفرنسية وما زالت تجوب السباسب والفلوات، وتقطع الحزون والعقبات، منزلاً منزلاً وبلدًا بلدًا إلى أن طلع ابن ذكاء، وأفاضت أشعتها على جميع الأرجاء والأنحاء، وترائى أي سور البلد ، وحصاره وقبة المشهد ومناره، والوجد هزّ منّا الأكتاف والطرب حرّك الأعناق والأعطاف، وكادت النفس تطير شوقاً إلى الحضور وأشرفت الروح تزهق من فرط النشاط والسرور(1)...
يذكر لحظة وصوله المدينة وقد أستقبل بحفاوة وكان من المستقبلين الخدّام المكرمين للمشهد الذين التمسوا النزول في بيوتهم وفيهم السيد عبد الحسين الحائري(2)، والشيخ هادي حسين الجوينوري وكيل السفير الإنكليزي (هو القنصل الإنكليزي في كربلاء الذي يرعى مصالح المقيمين والزوار الهنود).
ويقول بأنه عزم النزول في بيت (السيد عبد الحسين)، وذهب معه وإستراح ساعة، ثم قام مع السيد لزيارة مشهد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ويذكر ذلك في حديث
1) الرحلة العراقية: محمد هارون، ص 89 - 92
2) ذكر سماحة الشيخ أحمد الحائري الذي أعدّ الكتاب في هامش ص 93 منه أن السيد عبد الحسين المذكور هو المرحوم السيد عبد الحسين آل طعمة الكليدار (سادن الروضة الحسينية)، ولا يوجد ما يؤكد ويشير صراحة انه هو الذي إستقبله وأنزله في بيته، لأن المرحوم السيد السادن وكل سادن كان بمقتضى مهامه استقبال الملوك والأمراء وكبار رجال الدول وإقامة الزيارة لهم، ولم يكن يتلقب يومًا بالحائري ولم نجد وثيقة له بهذا اللقب. كما أن محمد هارون لم يذكره بصفته
مسهب عن شرف وفضل زيارة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلى أن يصف وقوفه في حرمه الشريف فيقول: «... وأنا بتلك الحالة ولا أدري أنائم أم يقظان، وصاحٍ أم سكران، وما أراه طيف أم حقيقة وخيال موهوم، أم واقع معلوم، فراجعت نفسي، وسكنت وجلي، فإذا أنا بروضة أريضة، وجنّة عريضة، وحديقة رائعة، وبقعة لامعة، وفلك مكوكب، ورقيم مذهّب، نزلت الفردوس مع ما بها على الفلاة أم هي تاسع الجنّات، دار وأيّة دار، وحصار وأي حصار، صرح ممرد، وبناء مشيد، بيت الأمن والأمان ومحل نزول الغفران، منه السبيل الواضح إلى الله الكريم، وفيه المصعد إلى المقام المحمود وجنات النعيم، به تحط الأوزار، وعلى أرضه تُقبل التوبة والاستغفار، تشخص فيه الأبصار وتحار فيه الأنظار... هيبة لمن تضمنته تلك الثرى، وعظمة لمن أوته تلك القرى وإجلالاً لمن أجلّه الله فإرتفع، وأغره الله فإرتقى، وتفخيمًا لشأن من باع نفسه، وبذل مهجته وفدى بروحه في سبيل الله، وإشترى به رضاه ودار الخلود، ونال به منزلة الشافعة يوم الورود(1)...
ويتحدث محمد هارون عن أعداد وجنسيات الزائرين، وعن (ليلة الجمعة)(2)حيث يقول بأن الحرم والرواق والإيوان والطاق لا يبقى شبر إلاّ وفيه زائر، وتبقى الأبواب تمام الليل مفتوحة. أمّا في غيرها من الليالي فتغلق وتخمد الشموع بعد مضي ثلث الليل. كما يعدد الزيارات المخصوصة(3)لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حيث يغص
1) الرحلة العراقية، ص 95 - 96
2) ليلة الجمعة من كل أسبوع هي الليلة التي يتزاحم الناس فيها لزيارة الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فغالبية أهل المدينة يؤمون القبر الشريف للزيارة، ويأتي الكثير من الزوار الذين إعتادوا الحضور في ليالي الجمع إلى كربلاء للزيارة من مختلف المدن في العراق
3) الزيارات المخصوصة هي الزيارات المتفق عليها بالإجماع على ثواب الوصول إلى قبر الحسين وتتم الاستعدادات في المدينة لاستقبال الآلاف من الزائرين بل وصلت الآن إلى الملايين، وتكون أوقاتها معروفة والزيارات هي: العاشر من محرم والأربعين (20 صفر) والأول من رجب ومنتصفه و 27 منه وزيارة النصف من شعبان وزيارة عرفة، وزيارة العيدين
البلد بالناس. ويذكر صوت المناجي في المنارة حيث يقوم بتلاوة أبيات من شعر المناجاة والدعاء إلى طلوع الفجر حيث يؤذن لصلاة الصبح، فما أرتفع صوت المؤذن وقرع الأسماع يقوم أهل البلد من مضاجعهم ويسرعون زرافات وجماعات وفرقانًا إلى الحرمين الشريفين الحسين والعباس عليهما السلام.
ويؤدون فريضة الصلاة خلف أحد الفقهاء والمجتهدين... ويقول بأن جميع أهل كربلاء يحضرون وقتي العشي والأبكار إلى المشهد المبارك فلا تمضي لهم ساعة إلاّ وهم في عبادة الله...
يقول محمد هارون في وصف أهل كربلاء ما يلي: «أهل كربلاء كما وجدتهم عند الإعتبار ورأيتهم لدى الإختبار، والله يعلم بحقائق السرائر والأسرار، أناس أشربوا أفاويق حسن الأخلاق، وأفرغو في قوالب الصدق ولا غراق، متواضعون غير مستكبرين خافضون أجنحتهم غير مستنكفين، صادقون في المواعيد عادلون بين القريب والبعيد، لاسيما أهل السوق من كل صنف وطبقة من أولي التجارة والصفقة، إذا كالوا المبتاعين يوفون وإذا إكتالوا عليهم لا يَخسِرون ولا يُخسَرون، يقبلون على الغريب بوجه طلق، ولسان ذلق، وكلام ليّن، وخُلق هيّن، لا يخادعون في المعاملة، ولا يقاطعون في المواصلة، إذا أتيتهم في بيوتهم قاموا إليك ورحبّوا، وقبلوا الرأس والعين ثم قدموك وتأخروا، أكرموا مقدمك، وإغتنموا لديهم مجتمعك... وأكثرهم أهل الصناعة والحرفة، محترزين فيها من الخدعة والقرفة، وأهل الزراعة والتجارة، من دون فرق بين البداوة والحضارة، معايشهم بكسب الحلال، وهو يغنيهم عن الطلب والسؤال، مع تمام المحافظة على الأحكام الشرعية، ومراعاة القواعد الإسلامية، بارك الله في إكتسابهم، وكان لهم في مبدئهم ومابهم»(1).
1) الرحلة العراقية، ص 107 - 108
ويظن محمد هارون: «أن عمرانات كربلاء تحيط بها أربعة أميال مرتفعة، وتجمع بين نيّفًا ومئة ألف من العرب والعجم وأهل الهند والسند وغيرهم».
يقول محمد هارون: «أن القبة المشرفة الحسينية شرّفها الله وعظمها، ورفع إلى السماء بنائها وأدعمها، طالما دارت عليها الرحى، من أيدي العدى، وكثيرًا ما تعاوره الإنمحاء، من تعسف الأدعياء، ولكن دار رفع الله سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها...»(1).
ويذكر محمد هارون الحالات التي مرّت على قبر الحسين من تعمير بدأ سنة 64 ه وسنة 66 ه على يد محمد بن إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي(2)، كما ذكر الهدم الذي قام به المتوكل العباسي سنة 247ه وإعادة بنائه بعد مقتل المتوكل، وذكر تعميرات بني بويه والصحن الصغير، وما قام به إسماعيل الصفوي وكذلك ناصر الدين شاه من ملوك الدولة القاجارية(3).
وعن إنارة المرقد الطاهر للإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يعطي الرحالة محمد هارون وصفاً جميلاً في وقت لا يوجد (الكهرباء) فيه وإنما كانت الإنارة بالشموع فيقول:
1) نفس المصدر، ص112
2) في الحقيقة أن بناء أول عمارة على القبر الشريف كانت سنة 65 ه وقد أختلف عن اسم الشخص الذي قام بها، ولاصحة لما نقله محمد هارون عما قام به محمد بن إبراهيم المذكور، ولهذا الموضوع مكان آخر يمكن بحثه
3) ركّز محمد هارون في التعميرات على البويهيين وإسماعيل الصفوي وناصر الدين شاه، وفي الحقيقة أن عمارة المشهد الحسيني مرّت بعدة أدوار لم يذكرها في رحلته وقد جاء وصفه عن تعميرات المرقد الشريف بصورة موجزة تدل على عدم درايته الكاملة في هذا الموضوع من جانب، ومن الجانب الآخر تغافل بسبب مذهبي عن الأعمال التي قام بها غير ملوك إيران
«وفي كل ليلة توقد الشموع والزجاجات والمصابيح وسط الحرم وحوله ما ينيف على خمسمائة وفيها الفتائل الشمعية الطويلة في طول ذراعين أو أزيد على مشامع كبيرة أنه يرتفع حينًا على قامة الإنسان ولعلها في العداد عشرون أو ورائه. ولا ينقص ثمن كل واحد منها من نصف روبية إنكليزية وأما ما سواها من الشموع الصغار فأزيد على أن تقيسه الأفكار، وأعجب حالة وأشدها أثرًا في النفوس ساعة الإيقاد عند الغروب، وهو مما يأخذ بمجامع القلوب، فإن عدة رجال مخصوصين، وبعضهم من خلفاء ددا شاه (البكتاشيين) قدوة الموقدين المسرجين، يأتون أولاً إلى مرقده الشريف، الواقع خارج القبلة من المشهد المنيف، ويوقدون الشمع عند رأسه، ثم يغمرون أن ينبو على أساسه، فيخرجون من عنده وهم جماعة تشتمل على صفين، حتى ينتهون إلى قبال ضريح الإمام الحسين عليه صلوات رب المشرقين فيصفون بكمال التعظيم والإجلال، ويقومون بغاية الخضوع كما يقوم الخدمة بين يدي الإقبال، وفي أيديهم شموع طويلة موقدة، وفتائل كبيرة مصطحبة، ويتكلمون بكلام خفي لم أفهمه لعدم سماعها ولعلهم يستأذنون المولى في إشماعها، ثم يتقدم كبيرهم على سكون ووقار، وذل وصغار بين يد الإمام البار، ويتبعه الآخرون، وظنّي أن عددهم عشرون، فيضع الكبير أولاً شمعة بيده في المشمعة، وبعده أصحابه ثم يأخذ الخدام في إصطباح القناديل المعلقة، وإسراج المصابيح المؤتلقة، ومصرفها بالظن والتخمين ما يبلغ في كل شهر مئتين، ولا يعرف صاحبه بالعين، إلاّ أن يقال: أنه من خزانة مشرقين، بضياء النيّرين...».
وعن إدارة الحرم الشريف يقول محمد هارون في رحلته: «الضريح المقدس كأنه عرش ملك قوي نافذ الأحكام، والملك متمكن عليه في وجوه المملكة من الأعيان والأشراف والحشدة والخدام، يأمر وينهى ويدني ويقصي، ويحكم ويقضي، ويمنع ويسدي ويعذّب ويجزي ويؤاخذ ويغضي. وعساكره محيطة به من كل جانب، والخول والغلمان والعبيد والقيان، والفراش والبوّاب والكنّاس والحجّاب، وحفظة الخزائن
وناظورة الديوان، والوزراء والأركان، والكليدار(1)والكفشدار(2)، كلهم في تأدية فرائضهم حاضرون، وعلى محالهم قائمون، بأعمالهم مشتغلون، بأورادهم ماضون في وظائفهم ساكتون لا يتكلمون... وأمّا الكليدار أي صاحب المفاتيح فلا يكون أبدًا إلاّ رجل عابد زاهد، خاشع خاضع ورع مجاهد، وبيده فتح الأبواب وغلقها فإذا مضى ثلث الليل نادی: یا الله یا الله هو وبعض حواشيه وهو كلمة الإخبار بأن ساعة الرخصة قد حانت فروّحوا يا زوار إلى منازلكم، وإنهضوا إلى معاقلكم، ثم إذا بقى ثلث الليل ودخل وقت المناجاة، إلى ذلك الشريف المعتمد، وإستأذن الإمام المؤيد، المولى صاحب المرقد، عليه سلام الله الأحد الصمد. ثم فتح الأبواب كلها من: 1 - باب الصافي(3)، 2 - باب الزينبية، 3 - باب السدرة، 4 - باب القبلة، 5 - باب قاضي الحاجات، 6 - باب الرحمة(4)، 7 - باب السلطاني وغيرها(5)»(6).
وعن خزينة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وتسمى بالخزانة التي تحفظ فيها النفائس الموقوفة للحرم الشريف، يقول: «... وخزينته تحتوي على أغلى الجواهر والإعلاق، ويشتمل على التيجان المكللة بيواقيت وزبرجد وغيرها ذوات لمعان وإئتلاق، وفيها سيوف مرصعة، وأستار مزرقشة، ومصاحف مذهبة، وقناديل إبريزية، وحقاق فضية،
1) الكليدار: كلمة أعجمية معناها صاحب المفتاح، وهو ذاته (السادن) الذي يدير المرقد
2) الكفشدار: كلمة فارسية تعني (الكشوان) وهو المسؤول عن حفظ أحذية الزائرين في مدخل الحرم، وفي الروضة المطهرة عدة كشوانيات تقع في مداخل الحرم العديدة
3) باب الصافي: هي باب الشهداء التي تقع أمام جامع الصافي الذي سميت به وهي المدخل من الصحن الصغير (مقابر البويهيين) إلى الصحن الشريف
4) باب الرحمة: هي ذاتها باب الرجاء الواقعة في الزاوية الجنوبية الشرقية من الصحن الحسيني
5) هناك ثلاثة أبواب أخرى لصحن الحسين وهي: باب الكرامة الواقعة في الزاوية الشمالية الشرقية من الصحن، وباب السلام الواقعة في منتصف الضلع الشمالي للصحن الحسيني وقد فتحت من (إيوان الوزير) وتسمى في بعض الأحيان بباب الوزير، والباب الثالثة هي (باب الرأس) الواقعة في منتصف الضلع الغربي من الصحن بين بأبي السلطانية والزينبية
6) الرحلة العراقية، ص 119 - 121
وغيرها مما لا يعلم حالها إلاّ هذا الديوان، ولا يمكن أن يدخلها إلاّ سلطان أو مقرب من سلطان»(1).
ويصف محمد هارون عمل الكشوان وأهميته في الروضة، حيث يقول أنه بمنزلة الحاجب على أبواب الملوك، يراعي نعال كل غني أو مفلوك... وانه لا يشتبه عليه أمر النعال مهما كان عدد الداخلين والخارجين للحرم...
وبعد ذلك يصف البقعة (أي كربلاء) بقوله: «ولا غرو فإن البقعة التي قانونها غير قوانين الأراضي الأخر، وأمرها غير أمر الأصقاع المسكونة للبشر، وأهلها غير أهل البلاد أحوالاً، وعبادها غير عباد الأمصار أطوارًا أو مالًا شأنها أرفع، ومكانها أعزّ مكان، أهويتها غير أهوية الأمصار، وواديها فوق أودية الأقطار، ولو ظهرت عليها مثل تلك الآثار، وأودعت فيها أمثال هاتيك الأسرار، لا يستبعده من أشرب من كأس اللب جرعة، ولا يستنكره من خرج باسمه في ديوان العرفاء قرعة».
وعن أسواق كربلاء فقد سرد محمد هارون بشكل مسهب طبيعة الأسواق وتعامل الناس ونوعية البضائع المتوفرة والعملات المتداولة وندعه يقول: «أسواق البلد قائمة على قسطاس مستقيم، ومتوازنة على ميزان عادل قويم، عامرة بكل ما يفتاق إليه باد أو حاضر، أو مقيم أو مسافر، من جميع الحبوب المأكولة المطلوبة، والثمار الجنية المجلوبة، وفواكه مقتطفة، للقلوب مختطفة، من التمر بجميع أقسامه المختلفة، والأعناب بكل ألوانها المتشابهة الموتلفة، والخوخ والرمان، المزرى عقده على عقد المرجان، والتين والزيتون والتفاح والسفرجل والكمثرى والنارنج والأترج المجتلبة من الغصون، وغيرها من أنواع ما تخرجها من الثمار الآخذة بالقلوب الجالبة للعيون. وأصناف البقول والعقاقير الطرية والخيار، والبطيخ والهندوانج وما شاكلها من الأثمار، والأعجب وجدناها في كل فصل وشهر، وجميع أوقات أيام الدهر، وهكذا
1) المصدر نفسه ص 120، والخزانة تُسجل بذمة السادن أو من يتولى السدانة بعده بجرد رسمي دوري للحفاظ عليها من التلاعب والتلف، وتسلّم إلى السادن بمحضر رسمي ليكون مسؤلاً عنها
أنواع اللحوم من الشاة والبقر والكبش والجاموس والدجاجة والفروج، والقبج والتيهوج، والبيض المشوي وغير المشوي وخبز الخبيز والفطير ولحوم السمك المقلية والخيلن الطرية.
وهكذا أنواع الثياب الفاخرة من الخز والسنجاب والحرير والديباج، والأطلس المطرزة وغير المطرزة والبرود اليمنية والأكسية العراقية، والقمص الحجازية، والسراويل الهندية، ما يقي من البرد والحر، ويحفظ من القيظ والقر، وما يناسب أحوال جميع الناس من الفقراء والأمراء، والأقوياء والضعفاء، والكسبة والمثرين، وأهل المسكنة والمترفين. والأبواب للبيع والشراء مفتوحة غالب الأوقات، والشوارع مسلوكة في جميع الأزمان والآنات، مأمونة عن النهب وشن الغارات، مصونة من الآخذ والسرقات، وفي غير شهر الصيام تسد الأبواب بعد مضي الثلث من الليل وأمّا فيه فلا في الليل ولا في النهار، بل الناس مختارون في المعاملة من دون إكراه ولا إضجار، فهل تجد أيها الناظر في كتابي، المصغي إلى خطابي، مثل ذلك في قطر من الأقطار، أو تظن أن ترى ما يضاهيه في مصر من الأمصار، لا بل تتوهم، فأعتبر يا أخي وتفهم وإذن، فهو من خصائص تلك الأرض الطاهرة، وعجائب هاتيك الساهرة، فأسرع إليها بالعجل، وإسع في المشي وترهول، وإضرب أبساط الآبال، ونادي بالترحال، وإغتنم المهل، ولا تلقى أمرك في أيدي الأمل وتطع الليت واللعلّ. فإنك إنما تسافر حيّاً إلى الجنان، وتقيم في رياض الرضوان، تسمى في الخلد وأنت مشهود في الأعيان، وتغدو وتروح في نعم الله وأنت حي يقظان، فوالله لو جبت البلاد، وأتيت التلال والوهاد، وقطعت الفلوات، قاسيت العقبات، وسرت شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالاً، وبلادًا وقرى، وسهولاً وحزونًا، وجزيرة ومِصْررًا، وركبت ظهر المحيط الأعظم، وطفت حول العالم، لا ترى والله ما يشاكلها من منزل، ولا تبصر ما يماثلها من موئل، في جميع ما يناسب الحياة الدنيوية، والاحتواء على ما يلزم للمراحل الأخروية، ومع ذلك كلّه فهي سهلة المآخذ، متيسرة المنهج، لا عُسر في طريقها ولا حرج، ولا أمت
في شرعتها ولا عِوج، بل قدر المساعي إليها الفوز والفرج، وثواب حج بل الحج، فطوبى للمقبل إليها ثم طوباه، وما أولاه»(1).
وعن أسماء النقود المسكوكة والمتداولة في أيام رحلته وكذلك الأوزان فيذكرها محمد هارون ويعددها كما يلى: النقود المسكوكة المتداولة:
(ليرة): وهي سكة عثمانية توازي العملة الإنكليزية. (مجيدي): عملة عثمانية مسكوكة باسم السلطان العثماني عبد المجيد. (بِشلُق): عملة عثمانية. (منكة): وهي سكة إيرانية توازي من 8 - 9 ليرة إنكليزية. (قِران) عملة إيرانية توازي 4 إنكليزية. (قرآن عثماني): توازي 3 إنكليزية. (قمري عثماني): توازي 1 إنكليزية. (قمري إيراني) توازي 1 إنكليزية أيضاً. (نصف قرآن عثماني)، و (شش فلوس إيرانية)، (وقروش). (ورقة شاهي) متليك سكة نحاسية. واخيرًا (بول) سكة إيرانية قد يوازي منها الثمانية للقمري وقد يوازي إثنا عشر منها، الشذوذ يرقى إلى ثمانية عشر.
أمّا الأوزان السوقية التجارية فهي كما يذكر: شش نخود، درهم، مثقال، أوقية(2)نيم أوقية(3)، حقة(4)، مَنْ(5)، وزنة(6)، تغار(7)وتساوي عشرين مَنْ على ما سمعناه من بعض أهل المعرفة بها والله أعلم(8).
1) المصدر السابق، ص 125 - 128
2) أوقية: تعادل كيلوغرام واحد
3) نيم أوقية: نصف كيلوغرام
4) حقة: تعادل 4 كغم
5) مَن: تعادل 25 كغم
6) وزنة: تعادل 100 كغم
7) تغار: أو كما يطلق عليه العامة (طغار) يعادل 500 كغم، أو نصف طن، وفي بعض المناطق يتعامل التجار بالتغار على أنه 2 طن أي 2000 كغم
8) الرحلة العراقية، ص 128 - 129
يقول محمد هارون عن كربلاء بأن: أهلها في الأغلب يعرفون جميع الألسن من العربية والفارسية والتركية والهندية وغيرها، ويتكلمون عند الحاجة إليها، ولذلك يسهل الأمر على أهل جميع الأقطار البعيدة النازلين بها، ولكن الغالب على أهل نینوی(1)لسان الفرس... ومع ذلك فلسان العرب المتداول في العراق، المتدائر على ألسن أهل الأسواق، مغشوشة غاية الإغتشاش، للحسن الواقع في الألفاظ من التغيّر والتبديل والتحريف، والنقص والزيادة والتخفيف، ولذلك يتعسر الفهم على الأجانب(2)...
ومن أظرف ما ذكره في موضوع اللهجات حيث أورد أمثلة عن بعض الكلمات التي تتداول بالعربية العامية في المدينة ومنها:
(جِبِتْ) أي جئت به، (أكَل لَك) أي أقول لك، (شْكَلت) أي شيء تقول، (جاب) جاء به، (روح) إمضي، (فوك) أي فوق، يقول أحد منهم: (إصعد فوك) أي إصعد فوق السطح، (أكَعد) أي أقعد (جاسم) أي قاسم (كبر) أي كبر تكبيرًا، (جبير) أي كبير، (شنْهُ) أي شيء هو، (شِسْمَك) أي ما اسمك، (كَوم) أي قُمْ، (سوك) أي سوق، (أبو فاضل) أي أبو الفضل العباس (مِنّا) أي من هنا، وقد يقول القائل: (إنْطاك) أي أعطاك، وهكذا من محاسن لسانهم تركوا الإعراب الصحيح المرة، فكلما لحنت في القول يستأنسون بك، ويأوون إليك، وإن أعربت بالفصيح هربوا منك ويضحكون عليك، فالعارف باللسان العربي الفصيح لو عاشرهم شهر أو شهرين، متأملًا في مستعملاتهم يتمهر بين اللسانين، أما المتوحش منهم والهارب عنهم يعر لسانهم، وإني وجدت أكثر أهل الهند يتكلمون مثل الأعراب، ويحاورونهم في
لسانهم بلا إرتياب، في العرب عرب وفي العجم عجم كأحد منهم ولا ريب أنه أحسن لتسهيل الوصول إلى المرام وإزالة البينونة بين الأقوام(1).
يذكر بعد ذلك الرحالة محمد هارون في عجائب كربلاء ويعدّها بخمس وهي: سعر البضائع والأشياء متساوٍ في كل الأوقات، في أيام الزيارات المخصوصة وفي الأيام العادية، فهي لا تعتمد مبدأ كمية العرض وزيادة أو نقصان الطلب عليها. وكفاية ما في البلد على حسب الضرورة البلدية من الطعام والشراب وغيرها، حيث إن المواد موجودة دائمًا.
وأن الماء العذب متوفر دائمًا حتى إذا جف نهر الحسينية في الصيف، ففي كربلاء الآبار التي لا تنضب وتكفي أهل البلدة والأعداد الغفيرة من الزائرين. وهذا البلد الذي يزوره الآلاف في المواسم، فليس هناك عسكر فيه ولا ناظم ولا زاجر وآمر، ولا رادع ولا كالى، ولا عين ولا راصد ولا حارس وجار، ولا داع ولا طارد... أي أن المدينة تعيش في أمن تام والكل مشتغلون بشأنهم.
وأخيرًا فإن مشهد الحسين ومرقده قد يراه الإنسان يتسع إلى ألف أو ألفان، ولكن تجده في بعض الأوقات يتسع إلى مائة ألف أو يزيد، فيقدر محمد هارون إن تلك الحالة معجزة، وما هي إلا من قبيل الشرافة والجلالة...
ويصف محمد هارون موضوع المراثي الحسينية والمجالس التي تعقد في الصحن الحسيني الشريف فيقول: ولكني ما حضرت في ساعة من ساعات اليوم إلاّ ورأيت ذاكرًا بين القوم، بل وعدة ذاكرين بين أقوام، متفرقين فبعض يذكره بالفارسية، وبعضهم يرثيه في العربية والآخر يصف أحوال شهادته بالتركية، ومثله بكلمات حجازية وأناشيد عانية، والخامس بأبيات أعرابية في بحور إختراعية، والسادس
1) المصدر السابق، ص 131 - 132، وعلى ضوء ذلك لا بد من القول بأن مدن العتبات المقدسة يفدها الزائرين من مختلف الأقطار، فتجد أهلها وخاصة العاملين في المراقد المقدسة أو أصحاب المحلات يتكلمون عدة لغات، ومن حديث محمد هارون عن اللهجة العربية العامية نستدل على أن اللغة العربية هي السائدة في المدينة بعكس ما يتناقله البعض
بأغاني مصرية، أو أصوات سوقية وعلى هذا القياس في كل زاوية من زواياه، ذاكر مشتغل بذكره عليه السلام على مقتضى رضاه، ثم بعد كل صلاة من الفجر والزوال والعشاء، إذا فرغ الإمام (إمام الجماعة) عن الأوراد والدعاء، قام ذاكرًا بين يدي الصفوف، وأخذ يذكر أحوال الشهيد (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الملهوف، وأبكى الحاضرين، بكلامه الرقيق وصوته الحزين(1).
ويذكر أيضاً كثرة الوعّاظ وهم على أصناف ويسميهم (مسئلة كو)، فمنهم يختص بالنساء فيعظهن بما فيه صلاحهن، ومنهم من يعظ الرجال بعد صلاة الجماعات، ويخبروهم بالفرائض والمندوبات، وبما فيه صلاح الدنيا والدين.
وعن حوزة كربلاء في أيام رحلته فقد ذكر بأن مدينة كربلاء كانت محطاً لفحول الفقهاء وموطنًا لخيار العلماء وموردًا للطالبين الأذكياء، وهي منزلاً للتعلم والتعليم، ومحلاً للدراسة والتفهيم...
وذكر من علمائها السيد محمد باقر الطباطبائي والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ محمد حسين المازندراني، والسيد حسن الكشميري الحائري، والشيخ محمد المهدي الكشميري الحائري، والسيد مرتضى الهندي، والميرزا محمد الهندي الحائري، والسيد باقر الهندي الحائري، والملا محمد باقر الأصفهاني(2).
بعد أن تم نقل متصرف كربلاء جلال باشا في أواخر سنة 1910م / 1328ه، صدر الأمر بتعيين (طاهر بك) متصرفًا جديدًا لكربلاء.
بعد هذا التعيين لم يتغيّر مجلس إدارة اللواء وكذلك رئيس البلدية الحاج سلمان آل عويد لغاية نقل المتصرف طاهر بك من كربلاء في أوائل سنة 1912م/ 1330 ه بعد أن بقي في منصبه ما يقرب من سنة واحدة لاغير، وتم تعيين (عرفان بك) متصرفا جديدًا لكربلاء. والفترة التي قضاها طاهر بك في كربلاء لم تسجل له أية أعمال تذكر على صعيد الإصلاحات أو التوسعات التي كانت المدينة القديمة بحاجة ماسة لها.
في أوائل سنة 1911م/ 1329 ه- زارت (المس بيل) الضواحي القريبة من مدينة كربلاء من جهة البادية فكان مقدمها من سوريا أيضاً بمحاذاة الفرات، فمرّت بكبيسة وهيت والرمادي ومن هناك قصدت الرحالية وشفاثة (عين التمر) ومنه وصلت إلى قصر الأخيضر في 28 شباط 1911م.
وكانت ترسل رسائلها عن مشاهداتها في رحلتها هذه بشكل منتظم إلى مراجعها في لندن، ونعتقد بأن زيارتها الثانية التي نُشرت رسائلها فيما بعد في لندن سنة 1947م كانت تخص المعلومات عن مواقع البادية والعشائر البدوية المتواجدة فيها.
وزيارتها هذه كانت في فترة حكم والي بغداد (ناظم باشا)، والغريب أنها كانت تحمل رسائل توصية إلى بعض شيوخ العشائر البدوية لمساعدتها في مهامها الاستخبارية المشبوهة تلك.
فعندما وصلت إلى (قصر الأخيضر) كانت تحمل رسالة توصية إلى (الشيخ صخيل) شيخ عشيرة الزكَاريط(1)التي هي إحدى عشائر قبيلة (شمّر)، فخفَّ
1) عشيرة الزكَاريط هي من عشائر قبيلة (شمّر) القحطانية ومن (عبدة) أصلًا. وهم بدو رحّل يتمركزون بالقرب من مدينة كربلاء منذ زمن طويل. ومناطقهم بالقرب من قصر الأخيضر بين كربلاء وعين التمر. وقد إستقر الكثير منهم في منطقة (الشعيب) الواقعة بين الأخيضر ومنطقة منحدر (الطار)، ولقربهم من كربلاء فإن ارتباطهم بها كبير. والكثير منهم إنتقلوا من طور البداوة إلى إمتهان الزراعة في البساتين التي عمّروها قرب كربلاء. كان شيخهم الذي إستقبل المس بيل هو (صخيل بن (طلاع)، وإنتقلت المشيخة بعده إلى ولده (طلاع) ومن ثَمَّ إلى حفيده (برع) المتوفى سنة 1969. وبيت البرع يسكنون حاليًا في منطقة الشعيب. ومن أفخاذ عشيرة الزكاريط (الحجلة) وهم من البطون الكبيرة منهم. وكذلك (الشريفات) الذين يتمركز الكثير منهم في أراضي الكمالية والكَرطة شمال غربي كربلاء
إليها مسرعاً ومرحّبًا وساعدها إثناء الإقامة في الأخيضر ريثما تنتهي من مهمتها التي إدعت أنها مهمة آثارية!! وقد خصص الشيخ صخيل لها أفرادًا من عشيرته لغرض الحراسة والمساعدة، وعن هؤلاء قالت المس بيل أنها رأتهم يقومون بخياطة ملابسهم بأنفسهم، وحينما سألتهم عن السبب أجابوها بأن نساءهم لا يفعلون شيئًا سوى الجلوس وتزجية الوقت بالتوافه.
وتقول المس بيل في رسائلها، بأنها خرجت مع الشيخ صخيل في يوم من الأيام للصيد، فلاحظت على مسيرة ساعة من الأخيضر وجود (معمل) قديم للجص والملاط، وهي تعتقد بأن الجص كان يؤتى به من هذا المعمل لتشييد الأخيضر(1). فقد بادرت برسمه وتخطيطه قبل أن تعود إلى مخيمها. كما تقول بأن مقلع الأحجار التي شُيّد بها الأخيضر فيقع على مسيرة ساعة في الجهة المقابلة. وقد رسمت خارطة دقيقة للأخيضر وتقول عنها أنها أول خارطة للحصن (القصر) رُسمت، ونعتقد عدم صحة ذلك، لأن الأخيضر إهتم به الكثير من علماء الآثار قبلها.
وعندما غادرت موقع الأخيضر كانت وجهتها إلى بابل ومنها إلى بغداد، فسلكت طريق البادية نحو الشرق فتقول بأنها وبعد مسيرة أربع ساعات، مرّت بأول أثر من الآثار القديمة يقال له (مجده)(2)
سميت هذه المنارة بالموجدة (موقدة) وهي كلمة تعني إيقاد النار في أعاليها ليلًا لإرشاد الضالين في الصحراء المترامية الأطراف، وعند رؤيتهم للنار المستعرة والتي ترى من مسافات بعيدة ليلاً يتجه إليها المسافرون والقوافل. كما أنها تقع على هضبة عالية في منتصف الطريق بين خان العطشان الذي يبعد عنها 10 كم جنوبًا، وبين حصن الأخيضر الذي يبعد عنها 15 كم شمالًا، وهي مرتبطة تاريخيًا مع هذين الصرحين فالواصل إليها أيقن بالوصول إلى أحدهما. ويُعتقد بأن تاريخ بناءها يعود إلى الفترة التي بني فيها خان العطشان لإرشاد القوافل والحجاج، وتأكيد ذلك هو من تشابه مواد البناء المتكون من الطابوق الفرشي والنورة. أمّا وصف المنارة فهي عبارة عن شكل إسطواني يقوم على قاعدة مربعة الشكل طول كل ضلع من أضلاعها 10م. وقاعدتها مزينة بمنحنيات زخرفية تنتهي بعقود نصف دائرية من الآجر بواقع ثلاث حنايا في كل ضلع. بعد القاعدة المربعة يبدأ الشكل الإسطواني حيث يمتد إلى أعلى المنارة، ولكنه مختلف في الزخارف الآجرية التي نزيّن كل قسم. وقد ذكرناها بالتفصيل في الجزء الأول من كتابنا هذا مرفق مع الشرح صور لها
، وهو برج مدور مشيّد بالآجر تشييدا دقيقاً.1) الأراضي القريبة من حصن الأخيضر هي أراض كلسية، يستخرج منها حجر الكلس الذي يستخدم للبناء، ويدخل هذا الحجر في عدة صناعات إنشائية مثل صناعة الجص والنورة والإسمنت فيما بعد ويستخرج من المنطقة أيضًا الحصى والرمل المستخدم لأغراض البناء
2) هي منارة (الموجدة) من المواقع الأثرية التي ما زالت قائمة لحد الآن بالقرب من كربلاء هي منارة الموجدة. تقع هذه المنارة في الجنوب الغربي من كربلاء بمسافة 40 كم، والوصول إليها يكون على يسار طريق كربلاء - عين التمر، وتبعد عن كهوف الطار حوالي 14كم.
وتعتقد المس بيل بأن هذا الأثر هو من الأبراج التي كانت مقامة لحراسة الطريق. ويرجع تاريخه إلى تاريخه إلى القرن التاسع للميلاد. ثم تقول بأنها مرّت بخرائب (خان العطشان)(1)الذي يقوم في وسط سهل منبسط كانت تنتشر فيه قطعان (بني حسن)(2)وخيامهم. لأن قسمًا منهم كان يخيّم على مقربة من الخان نفسه. وإنه أثر جليل من الآثار القديمة، يعود تاريخ تشييده إلى القرن التاسع الميلادي أيضًا، أي إلى عهد الخلافة العباسية في سامراء على رأيها. كما تذكر بأن المنظر كان رائعاً في نظرها عندما حل الليل وخيّم الظلام فبانت نيران بني حسن منتشرة هنا وهناك في ذلك السهل الممرع الدال على جمال الربيع في البادية. وفي اليوم التالي غادرت المس بيل خان العطشان مستمرة بطريقها إلى بابل.
1) خان العطشان: هو بناء قديم تُرى أطلاله في البادية غربي الفرات على نحو 30 كيلومترًا جنوب غربي كربلاء. وتم شرحه في الجزء الأول من هذا الكتاب يمكن للقارئ الكريم الرجوع إليه ومشاهدة الصور المرفقة معه، وهي التي صورتها المس بيل في زيارتها هذه
2) بني حسن: ليست عشيرة واحدة متحدة الأصول والنسب، وإنما هي تجمع للعديد من العشائر الساكنة قرب بعضها، والتي كونت حلفًا لها، ومن عشائرها ألبو عباس والجباس والجميل والجراح والثراون. وجاء في كتاب العشائر والسياسة: أن القبائل التابعة لبني حسن هي: العِلي والعميرية وألبو عردي (السادة العرد) والبراجع والبدير والحميدات وجليحة والكرافة والمكاتيم والقريط والبوسلامة وبنو طرف وألبوعريف
يذكر المرحوم جعفر الخياط الذي ترجم رسائلها المنشورة سنة 1947م ما يلي: «وبعد أن تركت الخان في اليوم التالي مرَّ ركبها بالمخيمات المتروكة التي كان الوفر المتساقط قبل شهر من ذلك الوقت قد خلف آثاره فيها. فقد شاهدت الكثير من جثث الأغنام والحمير منتشرة حولها. وهي تقول أن الوفر يعد شيئًا غير مألوف في تلك الجهات، وأن مدير ناحية شفاثة كان قد قال لها حينما زارها في الأخيضر بأن الناس حينما إستيقظوا في الصباح هناك ووجدوا الأرض مكتسية به ظنّوا أنه طحين منثور. وبعد أن أكملت رسم خارطة الخان وموقعه توجهت مع الركب نحو نقطة تقارب منتصف الطريق بين كربلاء والنجف بعد أن رخّصت حراسها الزقاريط وإستصحبت حراسًا من رجال بني حِسن. وبعد ساعات قليلة من المسير بان للركب برج بابل من بعيد، ثم إتضح لهم بعد ذلك فصار كأنه قائم في وسط بحر من النخيل المنتشر، وشاهدوا بعد قليل خان الحماد محاطًا بالنخيل من بعيد، غير أنهم إتجهوا نحو خان المصلى فخيموا على مقربة منه.
وتقول إنه كان محاطاً بعدد قليل من الدور والآبار، وأنهم وجدوا هناك عددًا من الجنود، وأمكنهم شراء الدجاج ومعظم (وسائل الترف) الأخرى على حد قولها الذي تستدركه فتقول أن ذلك ينطبق على القادمين من البادية على الأقل»(1).
والي بغداد جمال باشا (السفاح)(2)يزور كربلاء
في سنة 1329ه / 1911م زار والي بغداد جمال باشا مدينة كربلاء ضمن جولة له شملت المسيّب والهندية والسدّة والحلة والديوانية والشنافية والشامية وأبي صخير
1) كربلاء في المراجع الغربية لجعفر الخياط، في موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء ص316
2) استلم جمال باشا ولاية بغداد في 5 رمضان سنة 1329ه / 29 آب 1911م، وإستقال من ولاية بغداد في 4 رمضان سنة 1330ه / 17 آب سنة 1912م، عند سقوط الوزارة، وقد إمتدحه البعض وذمّه آخرون على الرغم من أن فترة ولايته كانت سنة واحدة. وعرف بين العرب ب (السفّاح) بسبب قتله الكثيرين في الشام عندما كان قائد الجبهة هناك. إنتسب إلى جمعية الاتحاد والترقي، فنال مناصب متصرفيات وولايات عديدة حتى صار وزيراً للحربية، إغتاله الأرمن في تفليس عاصمة جورجيا وإغتالوا معه ولديه عندما ظفروا بهم وكانوا عائدين من بلاد الأفغان، وهو خريج المدرسة الحربية
والنجف وأنهاها في كربلاء، وكانت جولته هذه لتفتيش أمور الولاية والملحقات(1). ومن كربلاء عاد إلى بغداد. ولم يقدّم أي شيء لكربلاء التي كانت حينها تحتاج إلى الكثير من الخدمات. ويقال أنه نزلَ ضيفًا عند السيد قاسم الرشدي.
هو عمانوئيل فتح الله عمانوئيل مضبوط، أديب ورحّالة وتاجر نصراني بغدادي، قام برحلة إلى مدينتي كربلاء والحلة في شهر نيسان عام 1911م/1329ه، ودوّن رحلته هذه ونشرها في مجلة لغة العرب بعنوان (سفرة إلى كربلاء والحلة ونواحيها) نُشرت بقسمين، كان القسم الأول منها نشر في الجزء الثالث من السنة الأولى للمجلة الصادر في رمضان سنة 1329ه / أيلول سنة 1911م، والقسم الثاني نشرته المجلة في شوال 1329 ه / تشرين أول 1911م.
وللحقيقة فإن عمانوئيل فتح الله ذكر في رحلته أمورًا مهمة من خلال مشاهداته أولًا عن الطريق وواسطة النقل التي إستخدمها والمناطق التي إستراح فيها في سفره، والقصبات التي مرّ بها للوصول إلى مبتغاه، وفيما يخص كربلاء فقد قدّم شرحًا مفصلاً عن طبيعة المدينة وأسواقها وشوارعها وأزقتها وزراعتها وطبيعة سكانها ومصادر المياه وجوّها ولم ينسى ذكر المنشآت الحكومية والخدمية فيها، وعن المراقد المقدسة المشهورة فيها وعن الوحدات الإدارية التابعة لها من أقضية ونواحي، وبذلك فقد أعطى صورة كاملة تقريبًا عن مدينة كربلاء في العقد الأول من القرن العشرين الميلادي، كانت غاية في الأهمية من زائر غرضه نقل مشاهداته للتعريف بالأماكن التي حل بها ويستفاد من المعلومات التي نشرها كل من قرأ ما نشره ممن لم يعرف عن المدينة الكثير من خصوصياتها.
1) تاريخ العراق بين احتلالین، ج 8 ص. 219 عن جريدة الزوراء 2329 في 29 شوال
وفي مقدمة رحلته كتب يقول: سافرت في شهر نيسان من هذه السنة (يقصد سنة 1911م) إلى نواحي كربلاء والحلة فوقفت في طريقي على بعض الأمور لا تخلو من فوائد أحببت أن أدونها في لغة العرب لكي يطلع عليها من لم يعرف هذه النواحي من عراقنا فأقول: نحو عشرين سنة كان السفر إلى الحلة من الأمور الشاقة لما يتكلف المسافر من تحميل الأثقال وركوب البغال وإعداد الزاد وإتخاذ المبذرقة(1)لتخفره من الاعراب المبثوثة في بوادي هذه الأرجاء، أمّا اليوم فتوثير الطريق الواصل بغداد بالحلة وتمهيده أثار في أهل الوطن الغيرة على خير العموم، فأنشأوا شركات عجلات متعددة سهّلت اعظم التسهيل قطع السهول والحزون من دون أن يحصل ما يكدر صفو رحلتهم، اللهم إلاّ في النادر، والنادر لا يقاس عليه.
يبدو أنه غادر بغداد صباح يوم الأول من نيسان سنة 1911م وتحدث عن مشاهداته في الطريق، وما يهمنا هنا هو ما يتعلق بكربلاء منذ وصوله إلى قصبة المسيب، وندعه يصف ما شاهده فيقول: «... ثم أتممنا المسير نحو الساعة السابعة فهبطنا (المُسيَّب) فنزلنا من العجلات وعبرنا الجسر، وهذه القرية مبنيّة على ضفتي الفرات، فيها مساكن كثيرة وجامع فيه منارة ثم حجر صحي ودار برق (تلغرافخانة) إلى غير ذلك.
وسُميّت هذه البليدة باسم المسيب بن نجبة الفزاري وكان من أصحاب علي بن أبي طالب وخيارهم... المقتول في عين الوردة سنة 65ه(2)ولم يدفن فيها وإنما بني له فيها مزار فسمي باسم المزار. وفي المسيب حركة عظيمة لما يختلف إليها من الناس، إذ يُرى فيها كل سنة أكثر من مائتي ألف زائر يأتونها من جميع البلاد عن طريق بغداد ليذهبوا إلى كربلاء. أمّا عدد سكانها فيقدر بستة آلاف نسمة، وكان في نيّة مدحت باشا أن يجعل ممر السكة الحديدية على جسر يركب الفرات.
برحنا المسيب في الساعة السابعة وعشر دقائق، ونحو الساعة الحادية عشرة وصلنا إلى الإمام (عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب) وهو الذي قال عنه في أسد الغابة هو عون بن عبد الله، وإنما عبد الله هو أخوه على الذي نقلناه هو ما سمعناه(1). وهناك ضريح تظلله قبة معقودة من الحجر القاشاني، فوقفنا هنيهة لنريح دوابنا ثم أسرعنا في السير نحو الساعة الواحدة وكنا نمر ببساتين كربلاء، فإجتازت عجلاتنا تلك الخمائل إلى أن إنتهينا إلى المدينة»(2).
على الرغم من أنه وصف الطريق والخانات وأماكن الاستراحة وواسطة النقل التي كانت هي (العربات)، وشرح كل قصبة مرّ بها، والذي يهمنا هو ما دوّنه عن مدينة كربلاء.
وصل عمانوئيل كربلاء في يوم الجمعة 2 نيسان 1911م وكان بصحبته بعض أصدقائه الذين رافقوه من بغداد، ونتركه يصف ما شاهده عن كربلاء الجديدة التي سمّاها (شهرنو) ويقصد بها محلة العباسية التي أنشأها الوالي مدحت باشا فيقول: «وقد سرّنا منظر (كربلا) أعظم السرور، ولاسيما (كربلا الجديدة) أو شهرنو(3)،
1) في الحقيقة هناك إلتباس كبير حول مرقد الإمام عون، فالمرقد يعود إلى شخص تشابه اسمه مع الشهيد عون بن عبد الله بن جعفر (الطيار) بن أبي طالب، الذي أستشهد مع خاله الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في واقعة كربلاء في العاشر من محرم سنة 61 ه مع أخيه (محمد) و هما ولدا الحوراء زينب (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ومن الذين إستشهدوا يوم كربلاء من آل جعفر بن أبي طالب عمهما عبيد الله بن جعفر الطيار (أخ عبد الله بن جعفر زوج الحوراء زينب) والثلاثة مدفونون في حفرة الشهداء في الحرم الحسيني الشريف. أمّا الإمام عون المقصود والذي قبره بين المسيب وكربلاء هو لأحد العلماء الذي كان يسكن كربلاء واسمه العلامة السيد (عون بن عبد الله بن جعفر بن مرعي الحسني)، كانت له ضيعة في شمال مدينة كربلاء تبعد عنها ثلاثة فراسخ، وعندما كان في ضيعته وافته المنيّة ودفن فيها، وكان ذلك سنة 711ه / 1312م
2) مجلة لغة العرب (سفرة إلى كربلاء والحلة ونواحيها) / السنة الأولى، الجزء الثالث، عن رمضان سنة 1329ه / أيلول سنة 1911م، ص 108 - 109
3) شهر نو: كلمة فارسية من مقطعين، (شهر) تعني (مدينة) و(نو) معناها (الجديد أو الجديدة). ويقصد بها محلة العباسية التي أنشأها الوالي مدحت باشا
فإن طرقها منارة كلها تنيرها القناديل والمصابيح ذات الزيت الحجري. والقادم من بغداد إذا كان لم يتعود مشاهدة الطرق الواسعة والجادات العريضة أو إذا كان لم يخرج من مدينته الزوراء يدهش أعظم الدهش عند رؤيته لأول مرة هذه الشوارع الفسيحة التي تجري فيها الرياح والأهوية جريًا مطلقاً لاحائل يحول دونها كالتعاريج التي ترى في أزقة بغداد وأغلب مدن بلادنا العثمانية».
ويبدو أنه نزل ضيفًا على أحد تجار المدينة اسمه السيد صالح السيد مهدي، وقد رافقه في تجواله في المدينة شخص اسمه السيد أحمد.
وقد كتب عن مساء اليوم الأول الذي قضاه يتجول في كربلاء فيقول: «وأخذنا نطوف ونجول في الطرق فمررنا على عدة قهوات (يقصد بها مقاهي أو جايخانات) حسنة الترتيب والتنسيق، ورأينا فيها جوامع فيحاء، ومساجد حسناء، وتكايا بديعة البناء وفنادق تأوي عددًا عديدًا من الغرباء، وقصورًا شاهقة ودورًا قوراء (واسعة)، وأنهارًا جارية، ورياضًا غنّاء، وأشجارًا غبياء. والخلاصة وجدنا كربلاء من أمهات مدن ديار العراق، إذ إنّ ثروتها واسعة، وتجارتها نافقة، وزراعتها متقدمة، وصناعتها رائجة شهيرة، حتى أن بعض الصنّاع يفوقون مهرة صنّاع بغداد بكثير، لاسيما في الوشي والتطريز والنقش والحفر على المعادن والتصوير وحسن الخط والصياغة والترصيع وتلبيس الخشب خشبًا أثمن وأنفس على أشكال ورسوم بديعة عربية وهندية وفارسية وهندسية».
وفي نهار اليوم التالي ذهب إلى الأسواق حيث التقى بعض التجار الذين يتعامل معهم ويعرفهم، وقد وصف نهر الحسينية حيث قال: «وفي خارج المدينة نهر اسمه (الحسينية) وماؤه عذب فرات ومنه يشرب السكان، إلّا أن ماءه ينضب في القيظ فتحرج الصدور، وتضيق النفوس ويغلو ثمن الماء، فيضطر أغلبهم إلى حفر الآبار وشرب مياهها وهي دون ماء الحسينية عذوبة فتتولد الأمراض وتفشو بينهم فشوًا
ذريعاً كالحميات والأدواء الوافدة. والأمل أن الحكومة تسعى في حفر النهر وحفظ مياهه طول السنة».
ويقول أنه ألف نسمة، وجد في كربلاء مستشفى عسكري ودار حكومة (سراي) وثكنة للجند وصيدلية وحمامات كثيرة، ودار برق وبريد وبلدية وقيسريات(1)عديدة. وفيها قنصلية إنكليزية والوكيل مسلم وأغلب رعية الإنكليز من الهنود(2)، وفيها أيضًا قنصل روسي وهو مسلم أيضًا من كوه قاف (قوقاسي) وهيئة كربلاء الجديدة ترتقي إلى مدحت باشا الشهير». ويذكر عمانويل بأن عدد سكان مدينة كربلاء نحو 105 ألف نسمة، وهم خليط من العثمانيين (يقصد العرب رعايا الدولة) والإيرانيين بهم وبعض الأجانب المختلفي العناصر(3)، وقدّر عدد الزوار في أيام زيارته ب 20 ألف زائر وفدوا من ديار بعيدة، ولا يوجد في المدينة نصارى، ولكن فيها عدد قليل من اليهود. ويقول أن هواء كربلاء معتدل في الشتاء وردئ في الصيف لرطوبته، وأمّا في سائر أيام السنة فيشبه هواء سائر المدن العراقية.
ويصف العتبتين المقدستين فيقول: «والذي يجلب المسلمين إلى كربلا هو زيارة قبر الحسين ابن بنت رسول المسلمين وقبور جماعة من شهداء آل البيت، والحسين مدفون في جامع فاخر حسن البناء فيه ثلاث مآذن وقبّة، كلها مبنية بالأجر القاشاني
1) قيسريات جمع قيسرية أو كما يطلق عليها العامة (قيصرية)، وهي عبارة عن مجموعة من الدكاكين في موقع واحد يشبه الخان له باب رئيسي واحد كبير، يضم دكاكين يبيع أصحابها سلع ومواد متشابه، مثل العطارين، أو الصاغة، أو الخياطين أو صنّاع الأحذية ومهن أخرى
2) وإلى وقت قريب، بل وإلى الآن يوجد في كربلاء عوائل تحمل الجنسية العراقية وشهادة الجنسية تسجل فيها تبعيتهم الهندية البريطانية
3) يقصد بالعثمانيين هم العرب الذين يتجنسون بالجنسية العثمانية بإعتبار البلد يخضع للدولة العثمانية، ومن غير المعقول أن يكون عدد الإيرانيين هو أكثر من عدد سكانها العرب!!، حيث يقول أن عددهم 60 ألف! فنعتقد أن ما أورده الرحالة في هذا التقسيم السكاني هو بعيد جدًا عن الحقيقة، فكيف أحصى هذا العدد في يومين من بقاءه في المدينة، وقد يكون النقل جاء إليه مقصوداً من مضيفيّه أو مرافقيه
ومغشاة بصفيحة من الذهب الإبريز. وهناك ساعتان كبيرتان دقاقتان وكل ساعة مبنية على برج شاهق.
وفي كربلاء جامع آخر لا يقل عن السابق حسنًا في البناء وهو جامع العباس وفيه أيضا مئذنتان. وقبتان وساعتان كبيرتان على الصورة المتقدم ذكرها ووصفها».
وعن المدينة القديمة وأسواقها فيقول: «وفي هذه المدينة قسم قديم البناء والطراز، ضيّق الأزقة والشوارع والأسواق، إلّا أن ما يباع في تلك الأسواق بديع الصنع، وأغلب بضائعها تشاكل بضائع بلاد فارس... ومما يكثر في أسواقها أنواع الأحذية وكذلك تجد الزعفران الفاخر...». كما ذكر سلعة لا تجدها في غير كربلاء وهي (الترب) حيث توضع في محل السجود.
وعن الوحدات الإدارية التابعة للواء كربلاء وقتئذٍ فيقول: (يقسّم لواء كربلاء إلى ثلاثة أقضية وهي مركز قضاء كربلاء والهندية والنجف. وإلى سبع نواحٍ وهي: ثلاث منها في مركز القضاء وأسماؤها: المسيّب والرحالية وشفاثة، وواحدة في الهندية وهي الكفل، وثلاث في النجف وهي: الكوفة والرحبة والناجية».
وفي صباح اليوم التالي 4 نيسان 1911م غادر ومن معه كربلاء متوجاً إلى الحلة عن طريق عون - المسيب - الاسكندرية - الحصوة - خان الناصرية - خان المحاويل ثم الحلة. وكانت مدة زيارته لكربلاء نهارًا واحدًا وليلتين(1). وقد أعطى عمانويل فتح الله وصفاً كاملاً تقريبًا لما كانت عليه مدينة كربلاء في ذلك الوقت.
1) مجلة لغة العرب: الجزء الثالث، رمضان سنة 1329ه / أيلول سنة 1911م. ص 105 - ص 109، والجزء الرابع شوال سنة 1329 ه / تشرين أول سنة 1911م. ص 156 - ص 160
في أوائل سنة 1912م / 1330ه تم تعيين عرفان بك متصرفًا جديدًا للواء كربلاء، وبمجرد إستلام المتصرف مهام منصبه جرت إنتخابات لمجلس الإدارة والمجلس البلدي للواء كربلاء، وتم إنتخاب الذوات التالية أسماؤهم للمجلسين وهم:
1 - السيد عباس آل ضياء الدين.
2 - السيد السيد جواد آل الصافي.
3 - السيد محمد بن السيد حسين الوهاب.
4 - الشيخ محمد علي بن محسن آل كمونة.
1 - السيد سلمان السيد محمد علي الوهاب.
2 - الحاج الشيخ علي القنبر.
3 - الحاج سلمان الحاج حمد آل عويد.
4 - الحاج حبيب أغا طابور أغاسي.
وتم تكليف السيد سلمان محمد علي الوهاب برئاسة المجلس البلدي وكالة لحين تعيين شخص آخر أصالة.
وبعد مدة تم إسناد رئاسة البلدية إلى أحد الموظفين وهو (مظفر بك الحلّي) الذي أصبح بعد نقل عرفان بك قائمقامًا للحلة. وإستمر (عرفان بك) في منصبه متصرفًا لكربلاء حتى أيلول سنة 1914م. وتم استبداله ب(آصف بك).
ومن أهم ما جرى في أيام عرفان بك هو وضع الحجر الأساس لأول مستشفى عام في كربلاء، وقد تم الانتهاء منه سنة 1913م وتم إفتتاحه من قبله.
في سنة 1330 ه / 1912م قام العلامة السيد عبد الحسين الحجة بجلب أول مولد كهربائي يعمل في كربلاء وتم نصبه في الروضة الحسينية المقدسة، وكان من نوع (ليستر) إنكليزي الصنع، وعند تشغيله فقد إنتهت فترة الإنارة بالشموع، وفي ذلك الوقت لم يكن الكهرباء قد دخل إلى كربلاء حتى سنة 1342 ه / 1923م عندما قام السيد عبد الحسين نفسه بجلب مولد كبير لكربلاء.
والعلامة السيد عبد الحسين بن علي بن أبي القاسم الطباطبائي، هو من أحفاد السيد محمد المجاهد بن السيد علي صاحب الرياض. ولد السيد عبد الحسين في كربلاء وتوفي فيها سنة 1363 ه / 1944م، وكان من علماء كربلاء وأعيانها.
ممثلو كربلاء في مجلس المبعوثان في دورته الثانية
في سنة 1330 ه / 1912م تمت إنتخابات الدورة الثانية لمجلس المبعوثان وفاز بها ممثلون عن بغداد والبصرة وكربلاء والديوانية والمنتفك (الناصرية) والعمارة. فقد تم إنتخاب مُمثليْن عن كربلاء وهما(1):
1- فؤاد الدفتري.
2- نوري بك البغدادي.
وهما من غير أبناء كربلاء، على عكس الدورة الأولى التي أنتخب فيها السياسي الكربلائي الحاج عبد المهدي الحافظ. والدفتري هو والد محمود صبحي فؤاد الدفتري، وقد شغل فؤاد الدفتري منصب متصرف بغداد فيما بعد. أما نوري بك البغدادي فكان رئيس تحرير القسم التركي في جريدة الزهور البغدادية.
1) تاريخ العراق بين احتلالين عباس العزاوي، ج8 ص 223
الجبل الأسود أو (قره داغ) مقاطعة من مقاطعات البلقان، وتسمّى أيضا (مونتي نيغرو). وكانت هذه المقاطعة مع مقاطعة البوسنة والهرسك تسكنهما الغالبية المسلمة وكانت حينها تحت السيطرة العثمانية، ويجاور هاتين المقاطعتين (صربيا) المسيحية وكان الصراع الديني مستفحلاً بينهما. كان الصرب يستمدون قوتهم من البلدان الأوربية التي تقف ضد الدولة العثمانية التي كانت حينها قد أصابها الضعف بعد أن كانت دولة عظمى تسيطر على مناطق عديدة من أوربا.
وفي سنة 1330 ه / 1912م شن الصرب حربًا شعواء ضد مسلمي الجبل الأسود، مما استدعى بالدولة العثمانية الدخول في حرب البلقان لنصرة مسلمي المقاطعات تلك. وعندما إنتشر خبر الحرب فقد قام مسلموا العراق باستنهاض الهمم لنصرة مسلمي الجبل الأسود، فقد أقيم في شهر شوال سنة 1330 ه مؤتمرًا وحشدًا جماهيريًا واسعاً لسكان كربلاء في الصحن الحسيني الشريف شارك فيه علماء كربلاء والنجف والكاظمية، والبلدات المجاورة لها، وضم المؤتمر أيضا وفودًا من عدة جاليات إسلامية، وتم خلاله إعلان الجهاد لنصرة مسلمي الجبل الأسود في حربهم ضد الصرب وقد أفتى بالجهاد علماء كربلاء والنجف والكاظمية، وأخذ الناس يسارعون بتنفيذ فتوى الجهاد. وجاء في مجلة لغة العرب عن الموضوع ما يلي: «لما إنتشر خبر إعلان حرب الجبل الأسود لدولتنا العلية، تجمهر سكان كربلاء، في سلخ شوال في صحن الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وإشترك معهم جمّ غفير من مسلمي النواحي المجاورة، وأظهروا تحمّساً عظيمًا في هذا الخصوص...»(1).
1) مجلة لغة العرب: العدد الخامس ص 215 - السنة الثانية، تشرين الثاني 1912م: ذو الحجة 1330ه
بعد الحرب العالمية تأسست جمهورية يوغسلافيا من اتحاد الجبل الأسود وصربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا وسلوفينيا وأصبحت (بلغراد) الصربية عاصمة لجمهورية يوغسلافيا.
(الوا موسيل)(1)وكربلاء
بعد زيارة له إلى مدينة النجف الأشرف، قام العالم والباحث الجيكسلوفاكي الوا موسیل بزيارة العراق سنة 1912م، وقد إهتم برحلته الثانية هذه على مناطق الفرات الأوسط، ومنها مدينة كربلاء وما حولها، وكان لوصفه الذي أورده في رحلته هذه عن كربلاء وضواحيها غاية في الأهمية، فقد قدّم دراسة طوبغرافية لحقيقة الحال الذي وجده وذكر مناطق بأسمائها التي ما زالت تذكر لحد الآن، مما يعطي إنطباعاً للقارئ الكريم ونحن ننقلها له عمّا كانت عليه كربلاء في أوائل القرن العشرين الميلادي. وسنحاول إقتطاف ما له الأهمية في معرفته عن كربلاء ومشاهداته عن المناطق المحيطة بها.
غادر النجف يوم 29 نیسان 1912م متوجهًا إلى كربلاء، وقد ذكر مشاهداته في الطريق إليها ومروره ب (الخانات) بين المدينتين والقرى التي تمكن من الوصول إليها القريبة من نهر الفرات (شط الهندية) وقد ذكر أسماءها، وفي طريقه شاهد الكثير من الزوّار مسافرين على ظهور الحمير في طريقهم إلى النجف.
ویكتري الزوّار هذه الحيوانات من رجال بغداد: ينقلونهم إلى كربلاء، ثم يعودون إلى محل سكناهم وهم يحملون مسافرين جددًا، بينما ينقل أهل كربلاء الزوّار
1) الوا موسيل وهو بحاثة جيكوسلوفاكي ولد في سنة 1868م ومارس الحياة الأكاديمية دراسة وتدريسًا وأجاد لغات اهل البلاد العربية القديمة واتقن اللغة العربية قراءة وحديثًا، وفي رحلته حاول عمل على فحص دقيق للمناطق التي عني بدراستها، محاولاً بذلك تحديد موقع المعالم التي ورد ذكرها في المصادر التاريخية واقتضاء تحقيق ذلك بعدد من الرحلات إمتدت قرابة عشرين سنة، بدأها سنة 1896 إلى رحلته الأخيرة التي قام بها سنة 1915 التي ارتاد بها بادية السماوة والأطراف الشمالية من نجد، وكانت رحلته إلى كربلاء سنة 1912م
إلى النجف، ويعودون إلى مدينتهم ثانية. وفي نظير كراء الحمار يدفع الزائر من 15 إلى 20 قرشا (73 إلى 90 سنتًا) لرحلة واحدة.
وصل مشارف كربلاء ظهر يوم 30 نیسان 1912م حيث شاهد خان النخيلة ومن وراء الخان باتجاه كربلاء تبدأ بحيرة (هور براز)، وتقع إلى الشرق منه قرى التعبوري، الهنيدية، الزبيلية، والسليمانية. وتمتد إلى الغرب سهول جرداء متموجة، وتعرف بسهول المليحة، والطفحات.
ويقول: وإلى الشمال والشمال الغربي ظهرت الخطوط العامة السوداء لبساتين كربلاء وتألقت القبة الذهبية لجامع سيدنا الحسين. وإسترحنا من الساعة العاشرة إلى الحادية عشرة. وفي 11:45 رأينا في الغرب ربوة يقطعها صدع إلى قسمين تسمّى (أبو راسين)، كما شاهدنا أمامنا عدة كوَر (أفران) لصنع الجص. وفي الساعة 12:34 بعد الظهر دخلنا بساتين كربلاء عند قصر الهندي(1).
وبعد مسيرة قصيرة على سهل الملح المسمّى (الحجيمة) وصلنا في 1:05 إلى المدينة نفسها. ولمّا كان سَدُّ جدول الحسينية قد تهدّم في موضع واحد وغمرت المياه كثيرًا من الشوارع(2)، لذا واجهنا بعض المشقة في قيادة جمالنا خلال المدينة لبلوغ
1) قصر الهندي: يقع في أراضي مقاطعة البهادلية التي كان يطلق عليها لفظة (كربله) بتضخيم اللام، ويصلها فرع من نهر الحسينية يسمى كربله، والمنطقة تقع في أقصى الجنوب الشرقي من المدينة، وقصر الهندي، هو القلعة التي بناها «النواب نوازش علي خان اللاهوري» عام 1296ه / 1879م أصلًا من (القزلباش). وكان بناؤها ضخمًا وسكن فيها أحفاده وهم (آل النواب في كربلاء)، تحدثنا عن قصر الهندي سابقًا في الجزء الرابع من هذا الكتاب
2) يقصد الوا موسيل بأن المياه غمرت كثيراً من الشوارع... والمقصود بهذه الشوارع هي محلة العباسية التي بناها وأسسها الوالي مدحت باشا، وهذه المنطقة تقع في الجانب الجنوبي لمدينة كربلاء خارج سورها القديم، وهذه الأرض هي بالأصل منخفضة وكانت تشكّل مستنقعات وما يشبه الهور قديمًا، ويمكن أن تركبها المياه أيام الشتاء أو أيام الفيضان، وما أورده الرحالة صحيح في هذا الجانب. وقد إستغلها اهالي كربلاء إثاء محاصرتهم من قبل الأتراك أو من قبل العشائر التي كانت تغزوها لتأخير تقدمهم عليها. والتاكيد الآخر هو أن المدينة القديمة ليست فيها شوارع وإنما جميع طرقاتها أزقة، والمدينة القديمة أصلا ترتفع عن ما جاورها من مناطق خارج السور
بساتين الشمال حيث خيّمنا، في الساعة 2:24 بجانب خرائب (أمّ تل)... وعن سكان المدينة يقول الواموسيل إن كربلاء تضم نحو ثلاثين ألف نسمة نصفهم من الفرس(1). وأبرز القبائل بين السكان هم: بني سعد، سلالمة، الوزوم(2)والتهامزة(3)، والناصرية(4).
وأغنى الأُسر فيها أسرة دَدَه. فهم حفروا نهر الحسينية، وكافأهم السلطان سليم على ذلك بمنحهم مساحات واسعة من الأراضي(5). وأعظمها وجاهة أسرة البويع(6)، لأنهم قاموا بدفن الإمام الحسين.
ويستمر العالِم الواموسيل بوصفه حيث يقول: والمشهد الرئيسي يقوم في القسم الغربي من المدينة ويعرف بالصحن، أو الإمام سيدنا الحسين، وتعلوه قبّة ذهبية. أمّا الجامع الذي في القسم الشرقي فيسمى سيدنا العباس. وكان العمل قد بدأ بمبنى
1) نعتقد بأن هذه مبالغة من هذا الرحالة، فقد يكون قد وجد الفرس من الزائرين والساكنين فيها ولكن ذلك لا يعني أن نصفها من الفرس!
2) الصحيح هم (الوزون)، وهم بطن من خفاجة، وكانوا يسكنون بكثرة في مدينة كربلاء ولهم شأن كبير فيها. وكان رؤساؤهم من أعيان البلد وقادته
3) الصحيح هم (الطهامزة) بطن من خفاجة أيضًا، وذلك لنزوحهم من قرية الطهمازية التابعة للحلة منذ سنوات طوال، وكانت لهم مختارية محلة باب السلالمة وإلى الآن
4) الناصرية، يقصد بهم عشيرة النصاروة وهم من قبيلة ( عبادة) وجاءت تسميتهم من ناصرية الشط
5) نعتقد عدم صحة ذلك على الرغم من أن آل الددة من الأسر العلوية في مدينة كربلاء، وكانوا متسلمي التكية البكتاشية، ولهم أملاك في كربلاء، ولكنهم ليسوا هم الذين حفروا نهر الحسينية، وقد ساهم أتباعهم بكري النهر قد يكون أصح، كما أن السلطان سليمان القانوني هو الذي حفر نهر الحسينية وليس والده (سليم)، أما إذا كان المعني بسليم هذا هو سليم الثاني أو الثالث، فلم يذكر التاريخ أنهم قاموا بعمل يخص النهر المعني
6) لا توجد في كربلاء أسرة باسم البويع. وقد يقصد الرحالة (بني أسد) لأنهم أقدم من سكن المدينة وهم الذين دفنوا الأجداث الطاهرة بعد وقعة الطف لأنهم سكان القرى المجاورة لموقع الحادثة. أمّا عن وجاهتهم التي ذكرها، فيمكن أنه كان يعني (بيت كمونة) وهم من بني أسد حيث كانت لهم في تلك الأيام سطوة على المدينة وقد ترأسوها في بعض الأحايين
الحكومة سنة 1871 عند الطرف الجنوبي من المدينة بأمر من الوالي مدحت باشا، ولكنه لم يكتمل بعد. وقد وسّع هذا الوالي سوق المدينة ويبدأ عند مبنى الحكومة. وكان يطلق اسم كربلاء للدلالة على القسم الشرقي من البساتين فقط. أمّا المدينة الرئيسية فكانت تسمى المشهد أو مشهد الحسين. وإلى شمال بساتين كربلاء تقع ضواحي البقيرة(1)وبساتينها وحقولها، وإلى الشمال الغربي: بساتين قُرّة(2)وإلى الجنوب بساتين الغاضرية. وإلى الغرب من هذه الأخيرة تقع غزة ثم غلطاوية، نهر (الحُر)(3)، نهر العيساوي.
وأخيرًا الحيدرية من الغرب، ومن هذا الموقع إلى الجنوب الشرقي تقع قرى البازول، البديوانية الشريفية الهندي، البليبل وكربلاء»(4).
ثم يقول: «زارنا بعض الفلاحين العاملين في البساتين المجاورة ورسموا لي على الرمل خريطة المنطقة المحيطة بنا. وهكذا تمكنت من إكمال مذكراتي الطوبغرافية عن المنطقة الواقعة بين كربلاء وشفاثة، والرمادي. وكان أحد الفلاحين مخيّمًا غربي الإمام الحُر: وهو مرقد صغير بني في الطرف الجنوبي الغربي من البساتين، بجانب بئر
1) البقيرة يقصد بها مقاطعة (البكيرة)
2) بساتين قُرّة، يقصد بها منطقة (الكَرّة) وهي البساتين المحيطة بحي العباس حاليًا، وكانت مستنقعًا يجف الصيف ويسمى (الكَرّة). كما أن الغاضرية وهي أراضي الجعفريات في الشمال الغربي من الكّرة. وهي حاليًا القرية التي فيها كُور الطابوق الفرشي وكُوّر الفحم وفيها مدرسة السادة الابتدائية
3) الغلطاوية مقاطعة زراعية تقع شمال شرق المدينة القديمة وعلى نهر الحسينية ويمر بها طريق بغداد القديم. أمّا نهر (الحُر) فهو نهر (الرشدية) الحالي الذي يصل إلى ضريح الحر ويستمر حتى يصل قري قرية الشريعة وتصب بزايزه في بحيرة الرزازة، وهو الفرع الكبر الذي يتفرع من منطقة (البوبيات) غريب المدينة القديمة، والنهر الآخر هو الأصغر ويسمى (نهر الهنيدية) الذي يلتف حول المدينة من غربها ثم ينحرف إلى جنوبها الشرقي حتى تصل بزايزه البهادلية وقسم من الزبيلية
4) عن المناطق التي يتحدث عنها الوا موسيل هذه معروفة لدى العامة من أهل المدينة القدماء. والبليبل نهر معروف في الشمال الشرقي من المدينة القديمة وهو واحد من ثلاثة انهار تتفرع من نهر الحسينية متقاربة وتجري مياهها نحو شرق المدينة القديمة وهي (نهر بَغداد)، (نهر كرْبَلَه) وهو الذي يصل إلى قلعة الهندي، و(نهر بليبل)
(الخنيفس) وإلى جنوب هذا الموضع تقع قرية (شريعة السّليب)(1)، وإلى جنوب هذه القرية (الرزازة)، وفي الغرب الرشدية والضُحنَه. أمّا نهر القاضي فينتهي بعد أن يزوّد من هذه القرى جميعاً بالماء، إلى هور أبي دبس جنوبيّ تل حصانه. وفي المساء تأكدنا خطّ العرض، وقد أمضينا ليلة مزعجة جدًا بسبب البعوض. في 1 آيار سنة 1912 غادرنا الساعة 5:16 صباحًا فتراءتْ لنا ناحية الغرب أشجار قرية القرطة الخضراء، وإلى الجنوب الشرقي من هذه القرية تألق مشهد الإمام الحر بقبته الزرقاء. وفي 5:22 عبرنا نهر القاضي، وفي 5:45 عبرنا نهر الحُر...
وفي 6:20 عبرنا ركوبًا نهر الجمالية، وإرتفع إلى الشمال، على نتوء الجنوب الغربي من مرتفع واسع مشهد الإمام عون. وفي 7:10 شاهدنا بعض الخرائب إلى الشمال الغربي، وإلى اليمين بساتين القرّة. وتقع إلى الجنوب الغربي من الأخيرة بساتين الغاضرية. وفي 7:45 إخترقنا أرضًا رملية غير مزروعة مارّين بمشهد الإمام عون بقبته الخضراء وبابه الأخضر المطعم. وإلى شمالنا الغربي رأينا مرتفع أم الهوا وفي الشمال الشرقي مرتفع المرقدة، وفي الساعة الثامنة كنّا في نهر العلقمي القديم الذي كان ينقل الماء من الفرات خلال تلال الدعالج إلى كربلاء، وكان يرتبط بالجدول الذي يمتد إلى هور رايد. وفي 18 : 8 رأينا في الشرق بعض الخرائب الصغيرة نوعاً ما، وقرية الأوند(2).
وإلى الشمال مرتفع مرقدَة. ويسد الجانب الغربي من مستنقعات العنب والبحيرة طار عويد وتلال (المغراغير)(3).
1) هي قرية الشريعة الحالية التي تقع غرب (الحُر) بمسافة (5 كم). ومثلها إلى الرزازة
2) قرية الأوند: يقصد بها قرية (الوند) بين المسيب وكربلاء الآن ويمر بها نهر الوند المتفرع من نهر الحسينية وتبعد عن مدينة كربلاء الحالية 20 كم. واغلب سكانها من عشيرة المسعود، ومن (الخنافسة) وهم من طي، وآخرين. والوند مقاطعة معروفة وفيها قلعة (السيد قاسم بن السيد أحمد وفي بن السيد كاظم الرشتي) جد السادة آل الرشدي الحاليين في كربلاء
3) المغراغير: الصحيح هي (أم غراغر) وهي إحدى المقاطعات الزراعية حاليًا في شمال كربلاء ويمر بها نهر باسمها، وقد طمر جزء منه حاليًا وتسقى الآن من نهر راشد المغلف. وبعض المصادر تؤكد بان فيها كان (دير قراقر) في زمن الساسانيين، ويوجد فيها الان بعض التلال الأثرية والمسجلة لدى الآثار العامة
وهنا نحن أولاء نتقدم بين روابي الدعالج وبين سهول الملح التي تسمّى سهول الجازية(1)والسوارج.
وتقطع هذه جداول كثيرة نصف غائرة. وفي 9:58 رأينا خرائب أخرى إلى اليمين، ونزلنا للإستراحة. وفي 11:20 كنا في سهل البوبهاني، وتحمي هذه المنطقة من الفيضان سدود ترابية، وقد زُرعت فيها بساتين القثاء (الخيار) على نطاق واسع بصورة خاصة»(2).
كان ذلك الوصف الجميل الذي وصفه لكربلاء وضواحيها سنة 1330 ه / 1912م، وقد أعطى صورة عن كربلاء في أوائل القرن العشرين الميلادي.
كان عدد الرعايا الهنود المقيمين في كربلاء يتزايد وخاصة عندما أخذت بريطانيا تعمل على تأسيس موطئ قدم لها في العراق، وأخذت تقحم نفسها في الأمور الداخلية
1) الجازية: قرية تقع على آخر حدود الوند، بقول المرحوم السيد عبد الحسين الكليدار في كتابه (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء) ص 91 عن نهر العلقمي ما نصّه: «فعليه قاوم العلقمي كوارث الإعفاء والدروس حتى آخر القرن السابع، ثم أصبح أثراً بعد عين. وفي خبر كان يحدثنا العلامة الحسن بن يوسف في الخلاصة ص 58 عند ذكر عبد الغفار يقول: (هو من أهل الجازية قرية من قرى النهرين). وقفت بنفسي على دارس رسوم القرية قبيل الحرب العامة لسنة 1914م وموقعه في الشمال الشرقي من مدينة كربلاء على آخر حدود ضيعة الوند، يشاهد بظهر طلولها خزف وبعض زجاج مبعثر...». وفي هامش نفس الصفحة لمحقق الكتاب ورد ما يلي: «ورد في مقاتل الطالبيين ط القاهرة ص 542: مضى أبو السرايا نحو القصر فلما صار بالرحب، صار هرثمة إليه، فلحقه هناك، فقاتله قتالًا شديدًا، فهزم أبو السرايا وقتل أخوه. ومضى لوجهه حتى نزل (الجازية) وأتبعه هرثمة...»
2) الفرات الأوسط رحلة وصفية ودراسات تاريخية: الوا موسيل، من ص 63 إلى ص71، ترجمة د. صدقي حمدي والأستاذ عبد المطلب عبد الرحمن داود وراجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) ص 317 - ص 325 وفيه التفصيل عن رحلته هذه
وخاصة المتعلقة بالنزاع الإيراني العثماني الدائم، ولما كانت بريطانيا تستعمر الهند فقد أعدادًا كثيرة من مسلمي الهند للإقامة في كربلاء وفي مدن العتبات أخذت تشجع المقدسة الأخرى، وكان غرضها الرئيسي من ذلك هو سياسي بحت فهي تعمل على مخطط لها لاحتلال العراق، ومن خلال تواجد الهنود في كربلاء وبإعتبارهم من رعايا بريطانيا، فإتفقت مع الحكومة العثمانية بفتح قنصليات لها في المدن التي يتواجد فيها رعاياها من الهنود خاصة، ومن تلك المدن كانت كربلاء التي تواجدت فيها القنصلية البريطانية في محلة العباسية الغربية بجوار دار الحاج كريم الشيرازي.
ومن خلال دعمها للهنود في كربلاء ومن الأموال والمنح الإنكليزية وكذلك من أموال موقوفات مملكة (أودة)، فقد تم فتح مدرسة باسم الهنود سموها (مكتب) وينتسب إليها التلاميذ من جميع الرعايا والدراسة فيها مجانًا، على أن يتم فيها تعليم اللغة الإنكليزية، وفي سنة 1330 ه / 1912م تم إفتتاحها وكان عدد التلاميذ فيها 130 طالبًا. فقد جاء في مجلة لغة العرب عن جريدة الزهور العدد 289 ما يلي: «أسس الهنود مكتبًا مجانيًا يُقبل فيه التلميذ من أي رعية كان، وقد أدخلوا فيه تعليم اللغة الإنكليزية، وفي المكتب الآن نحو 130 طالبًا، وأغلبهم من رعية الدولة البريطانية، وكذلك أغلب معلميهم»(1).
كاظم الدجيلي(2)ورحلته إلى كربلاء وشفاثا وحصن الأخيضر
في ربيع الثاني سنة 1331 ه / آذار سنة 1913 م قام المرحوم كاظم الدجيلي بجولة من كربلاء إلى شفاثا فحصن الأخيضر، وقد كتب مشاهداته في مجلة لغة العرب الذي كان مديرها المسؤول وقتها.
ولأهمية المعلومات العيانية التي ثبتها في جولته ندوّن مختصر ما كتبه، بإعتبار أن المناطق التي زارها لها ارتباط وثيق بمدينة كربلاء وتاريخها القديم. وكان السبب من جولته التعرف على حصن الأخيضر بسبب كثرة المعلومات المتناقضة عليه. فقدم من بغداد إلى كربلاء وبقي فيها يومين ومنها بدأ رحلته مع بعض المرافقين له باتجاه شفاثا. غادر كربلاء صباح يوم الجمعة التاسع عشر من شهر ربيع الثاني 1331 ه الموافق 28 آذار سنة 1913م، وقد خرج من باب الحر(1)أحد أبواب سور كربلاء، وكان مسيرهم باتجاه الشمال الغربي وعلى طرف هور أبي دبس متجهين إلى شفاثا ومنها يعودون نحو الجنوب إلى الأخيضر لأن طريق البادية إلى الأخيضر كان خطرًا بسبب أعراب البادية وتسليبهم للمارة.
وفي طريقهم هذا يصف الدجيلي المناطق التي مر بها مثل موضع (رأس دخنة) وهو منتصف طريق شفاثا كربلاء، وإلى الجنوب منه وادي الأبيّض (وادي النعمان) ثم وصلوا إلى قبر (ابن حَمُّور) الذي يقابله ( رأس الملح) وهو في بحيرة كبيرة يُنقل منه الملح الناصع إلى كربلاء وبغداد، وهم مستمرون في سيرهم شاهدوا نخلات في البرية بالقرب من عين ماء تسمّى (العُوينة) وبعدها بساعة دخلوا بداية شفاثة في طريق تتخلله النخيل والأشجار والمروج الخضر والمياه الغزيرة، حتى وصلوا إلى شفاثا وفيها العين الكبيرة وتسمى المنطقة (قصر العين) وبقربها سوق البلدة، ويتحدث الدجيلي عن أهل شفاثة وجودهم وكرمهم، ويقول أن في شفاثا عيون كثيرة ماؤها جارٍ وعددها يقارب 30 عينًا، وهناك ما يقارب 100 عين ماء ماؤها راكد.
1) باب الحر أحد أبواب كربلاء وموقعها غرب المدينة القديمة، وجاءت تسميتها لوقوعها باتجاه الطريق الذي يوصل إلى مرقد الشهيد الحر بن يزيد الرياحي، وباب الحر كان يطلق عليها أيضًا (باب الطاق) لأنها تفضي إلى طاق كبيسة وطاق الزعفراني، والمنطقة بأجمعها سُمّيت بمحلة (باب الطاق)، لأن محلات كربلاء تمت تسميتها على أسماء أبواب السور الذي يحيط بالمدينة القديمة
وأكبر العيون الجارية هي (العين الكبيرة) و (عين الحمراء) وبقربها (عين مُرَيْزَة)، و (عين السِيب)، و (عين أم التّبِن)، و (العين الجديدة) وغيرها من العيون الجارية، وجميعها ماؤها كبريتي. أمّا أسماء العيون حول بلدة شفاثا فمنها (عين الصُفيْحة) وعين (أم الغُرّ) و (عين البِركَة) و (عين أم الغُوَيْل) و (عين أبو صَخَر) وغيرها.
ويذكر الدجيلي إن (المحلّة) عند أهل شفاثا تسمّى (قصر) وفيها 15 قصرًا ولكل قصر(1)شيخ أو رئيس. ويتحدث الدجيلي عن البناء في شفاثا وعن عدد النخيل فيها الذي يقارب 500 ألف نخلة، وعن أهلها.
وفي اليوم الثاني ذهبوا من شفاثا إلى قصر الأخيضر باتجاه الجنوب، ورافقهم مجموعة من الفرسان وخمسة من الجند العثماني لخطورة الطريق، ويشرح الدجيلي مشاهداته في الطريق إلى الأخيضر حيث يقول في فصل الأمطار تكون الأرض هناك مملوءة بزهر شقائق النعمان، ومرّوا بعين اسمها (الصُفيحة) وبقربها قصر ينسب إليها، كما شاهدوا بعد ذلك تلاً مستطيلاً بطول 100 متر وعرض 40 متر وارتفاع 6 متريُسمّى (آبجة) أي (آبْقَة) ثم مروا بالقُصيْر حتى وصلوا الأخيضر، وقام الدجيلي بوصفه بالكامل بكل دقة من الخارج والداخل، وناقش تاريخ الأخيضر والفرضيات عنه، ثم رجعوا إلى شفاثا. وفي صباح يوم الأحد وهو اليوم الثالث لمغادرتهم كربلاء توجهوا قاصدين قبر السيد (أحمد بن هاشم)، وذكر الدجيلي ما شاهده في الطريق حيث رأى (عين البركة) وبعدها عين الغويل وبعض التلال التي تسمى (البوب) وهي على طريق الرحالية، ثم تل (المحيرجة) وعلى يمين الطريق عين أبو صخر ثم تلول (العْقَيْد)، ومن بعدها (قصر البردويل) حتى وصلوا إلى مرقد أحمد بن هاشم، وبالقرب منه (عين السَّدّاح) وبجنبها قصر، ودونهما تلال كثيرة تسمّى (كسْرُونيَّة)،
1) أسماء القصور هي: قصر العين، قصر ألبو هَوى، قصر ثامر، قصر أم رميْلَة، قصر الجِنُوْن، قصر ألبو حسّان (وهو من أحسن وأكبر القصور)، قصر الإسالي، قصر الدراوشة، قصر الحساويين، قصر المالح، قصر ألبو حردان، قصر ألبو جربوع، قصر ألبو طريمش، قصر الخرايب، قصر السمينة، قصر شمعون، ورؤساء هذه القصور هم رؤساء شفاثا وأعيانها
وفي جنوب المرقد تل يسميه الأعراب (كهفًا) وفيه بيوت بناها أهل شفاثا يأوون إليها أيام الزيارة(1)...
وفي العدد الثاني عشر من السنة الثانية كتب نفس الكاتب (كاظم الدجيلي) الكثير عن أحمد بن هاشم حيث قال: أحمد بن هاشم ليس اسمه الصحيح، بل هو «... أبو طراز أحمد الناظر لرأس العين، المدفون في شفيئة ابن أبي الفائز محمد...» إلى آخر النسب الذي يرجع إلى السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
وذكر في هامش الصفحة 539 أن السيد أحمد له ذراري يقطنون كربلاء ومنهم وآل قفطون وآل نصر الله والمصالوة - جمع الموصلي عند آل ضوي وآل عوج العوام(2)- (كما يقول).
كان الواقع الصحي في مدينة كربلاء في حالة مزرية، حيث لا يوجد فيها أطباء ولا مؤسسات طبية تفي بالغرض، سوى بعض الحكماء الذين يمتهنون مهنة الطبابة بالتوارث وليس بالدراسة ويطلق على واحدهم (الحكيم)، كما كان العطارين بمثابة الصيادلة يبيعون الدواء العشبي لا غير، بينما يقوم الحلاقين ببعض أعمال الجراحة مثل فتح الدنامل وقلع السن وتضميد الجراح، وكان في داخل سور مدينة كربلاء القديمة ثلاثة مراكز بسيطة جدًا تعمل على غرار ما يسمى ب (المستوصف)، أحدها كان تابع للحكومة ويقع منطقة (القرّات خانة) في الميدان قريبًا من السراي القديم وكان يديره طبيب اسمه داود معيّن من الدولة وهو مستوصف عسكري، ومركز طبي آخر يقع في بستان (شمس الدولة) في منطقة باب الخان وملاصق للسور، والثالث يقع في سوق
قبلة الحسين المؤدي إلى المخيم الحسيني. وهذه المراكز فتحت أبوابها على نفقات بعض المتبرعين من أثرياء المدينة، وعلى النزر اليسير من مساهمة الحكومة المحلية العثمانية.
ولكثرة الأوبئة التي كانت تصيب المدينة والأمراض المعدية نتيجة إحاطة المدينة بالمستنقعات من جهاتها الشرقية والجنوبية، ولإعتماد أكثر الناس على الآبار الجوفية الموجودة في البيوت، وإزدحام المدينة القديمة بسكانها والزائرين الذين يفدون إليها لزيارة المراقد من أنحاء العراق والدول الإسلامية، فكانت دائمًا موبوءة بالأمراض التي تتفشى فيها بسرعة، فإرتأت الحكومة العثمانية بناء مستشفى حديث، يحتوي على كافة المستلزمات الطبية، فقررت تشييده في الجهة الجنوبية من المدينة وخلف المحلة الجديدة التي أسسها الوالي مدحت باشا، وبالقرب من محطة القطار فيما بعد، وقد وضع الحجر الأساس لها بإحتفال كبير سنة 1911م.
صورة لحفل وضع الحجر الأساس للمستشفى ويظهر في الصورة المتصرف (عرفان بك) جالسا في الوسط محاطاً بعدد كبير من أعيان ورؤساء وسادة البلد.
وفي یوم 10 تموز 1913م / 6 شعبان 1331ه تم إفتتاح المستشفى بحفل كبير وفي يوم حضره أهالي المدينة مبتهجين بهذا الإنجاز الكبير، وأطلق على المستشفى في البداية اسم (غُرَبا خستخانه سي) أي مستشفى الغرباء.
كان المستشفى يقع على نهر الهنيدية والباب الرئيسي له يلي الجسر الذي شُيّد على النهر، وفي المقدمة حديقة واسعة وجميلة يتخللها ممر على جانبيه نبات (إلياس) الجميل، والممر يفضي إلى القاعة الرئيسبة للمستشفى وسقف القاعة يرتكز على أعمدة بطول ستة أمتار، وحول القاعة غرف عديدة تبدأ بعيادة الطوارئ، وصالة العمليات، ثم إدارة المستشفى والمحاسب وغرف الأطباء، والمستشفى يحتوي على جناحين يمين ويسار القاعة الرئيسية، اليمين مخصص للمرضى من الرجال، واليسار للنساء، وكل جناح يحتوي على ثلاثة حمّامات، وفي خلف مبنى المستشفى يقع المطبخ. ولا تخلو البناية من النقوش والأعمدة التي تستند إليها ممرات الجناحين، وقد بنيت من الطابوق المفخور، والمتداول عند الأهالي بأن أحد المعماريين المشهورين في المدينة واسمه (علي أكبر المعمار) هو الذي بناها وأشرف على تنفيذها.
كان المستشفى صرحًا حديثًا في كربلاء وقد سمّي فيما بعد ب (المستشفى الحسيني)، ولكن هذا المستشفى تعرض في بداية إنشائِه إلى التخريب بسبب أعمال الشغب التي حدثت في كربلاء بعد أقل من سنتين من إفتتاحه، حيث يقول الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكراته: «ومن أهجن أفاعيل جُهّالهم تعرضهم للمستشفى البلدي وتشعيثهم إياه ونهبهم أدواته وأمتعته مما لا يكاد يفعله العدوّ بعدوّه، ولكن الجاهل عدوّ نفسه، وهذا المستشفى من أنفس المعاهد الحديثة النافعة في العراق وخصوصًا في كربلاء البلدة الموبوءة الفاسدة الهواء، وقد أنشأ على الطراز الحديث، خارج البلدة من جهة الجنوب الغربي، وأنفقت عليه أموال طائلة وكان الفراغ منه سنة 1332 ه»(1).
1) مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي، ص 78. علمًا أن الافتتاح كان سنة 1331ه، وليس 1332ه
صورة يوم إفتتاح المستشفى في 10 تموز 1913 والمحتفلون يقرأون سورة الفاتحة
وبعد ذلك تم إعادة ترميمه وتجهيزه بالمعدات، وبعد عدة سنوات وإثناء الفيضانات تعرض المستشفى كما تعرضت محلة العباسية إلى أضرار بسبب إنخفاض مستوى الأراضي حيث فاضت المستنقعات وركبت المياه المنطقة بأكملها.
إستمر هذا المستشفى الوحيد في المدينة يقدم خدماته وقد أضيفت إليه منشآت عديدة على مرّ السنين، إلى أن تم بناء المستشفى الجديد في بداية سبعينيات القرن العشرين الميلادي في نهاية شارع العباس المؤدي إلى النجف، وهو المستشفى الرئيسي الآن في كربلاء. أما البناية القديمة للمستشفى الحسيني اليوم فقد أصبحت أثرًا بعد عين، إذ قطعها شارع جديد وبنيت على جانبيه أبنية حديثة، ولم يبق منه سوى جزء صغير يستعمل الان كمخازن لمديرية صحة كربلاء.
الوالي جاويد باشا(1)يزور كربلاء
في يوم الأربعاء 16 ربيع الأول سنة 1332ه / 11 شباط سنة 1914م، زار والي بغداد جاويد باشا مدينة كربلاء، وكانت زيارته للمدينة ضمن جولة له إبتدأها بكربلاء ومنها إلى الهندية فالديوانية والسماوة ،والنجف لغرض التعرف على هذه المدن وإحتياجاتها.
وجاء في مجلة لغة العرب عن هذه الزيارة ما يلي: «سافر نهار الأربعاء 11 شباط والي الولاية؛ ليتجول في أرجائها راكبًا سيارته، وقد توجه إلى كربلاء توًا، ومنها إلى الهندية فالديوانية فالسماوة فالنجف. وليست الغاية من تجوّله تشويق الأهالي لحزب الاتحاد، كما أشاع بعضهم، بل مشارفة البلاد وحوائجها لا غير. ومما يؤكد حسن غايته، أنه أبعد المومسات عن مجاورة دار الإمارة(2)في كربلاء، وكُنَّ على طريق الزوّار بينها وبين النجف»(3).
1) تسلم جاويد باشا ولاية بغداد في 18 كانون الثاني سنة 1914م/ 21 صفر سنة 1332ه، ولم يُعلن في بغداد قراءة الفرمان كالعادة المتبعة، لأن تطور الإتصالات والتلغراف كان قد تم العمل وعن هذا الطريق تم الإعلان عن تنصيبه... سبقت مجيئه معلومات سيئة عنه نتيجة ما قام به مع الإلبانيين، وكان الناس غير مستبشرين به، وعندما وصل بغداد كانت له سيارة قيمتها 600 ليرة، وهو من الأركان الحربية برتبة أمير لواء، وعندما استلم منصب الولاية أضيفت إليه مفتشية الفيلق الرابع. وفي أيام ولايته وبعد أشهر قليلة من تسلمّه ولاية بغداد أُعلن النفير العام وتبعه إعلان الحرب العالمية الأولى، فاضطربت الأحوال في العراق. وفي زمانه احتل الإنكليز البصرة، وعلى أثر ذلك تم عزله من ولاية بغداد وهو لم يكمل السنة في منصبه. وبعد عزله كتب كتابًا عن أوضاع الحرب العامة والتدابير المتخذة في بغداد سمّاه (عراق سفري) أي (حرب العراق) وجّه به اللوم على حكومة دولته وذمّها وبرر موقفه ونحى باللائمة على الإدارة الاتحادية وسوء تصرفاتها في الجيش والإدارة ونعت حكومته بالظلم وأن سقوط البصرة بل والعراق كان من سوء هذه الإدارة والسياسة الخرقاء والحرب التي لا مبرر لإثارتها... ويُعد كتابه وثيقة من وثائق الحرب في العراق
2) لا نعلم ما يُقصد بدار الإمارة، هل هي السراي الحكومي أو غيره، وبالرغم من بحثنا لم نتوصل إلى وجود دار الإمارة بهذه التسمية في كربلاء، عدا دار الإمارة الموجود بين الكوفة والنجف، وهو أطلال وأن الزوّار من كربلاء إلى النجف وبالعكس لا يمرّون به
3) مجلة لغة العرب: العدد العاشر ص 559 - السنة الثالثة، نيسان 1914م
دخلت الدولة العثمانية الحرب عام 1914م، وفي 23 تشرين الثاني 1914م صدر بيان للعالم الإسلامي، تضمن فقرة يذكر فيها بأن (أمير المؤمنين) الخليفة العثماني يدعو المسلمين جميعاً من غير استثناء إلى الجهاد للدفاع عن قبر النبي وبيت المقدس وكربلاء والنجف وعاصمة الخلافة(1)...
كان وسط وجنوب العراق ليس على وفاق مع الأتراك، نتيجة السياسة الخاطئة للعثمانيين في هذه المناطق، ونشوء حركات تمرد وعصيان عديدة ضد الدولة العثمانية. وكان نصيب كربلاء من الحوادث كبيرًا، وقسوة الأتراك والتفسخ الحكومي كان في أشدّه. وعندما دخلت تركيا الحرب وفتحت لها عدة جبهات، فزادت حاجتها إلى الجنود، وكان لها في العراق أربع فرق عسكرية سحبت اثنتين منها وعدد كبير من الفرقة التي كانت في الوسط، وبقيت الفرقة الموجودة في البصرة.
بدأ الجنود الأتراك بالفرار من الجيش، «أمّا العراقيون فكانوا قد اعتادوا على معاداة الدولة وهم يعتبرون التجنيد كالضريبة يجب التهرب منه بكل وسيلة تقع في أيديهم»(2).
وكان (السفربرلك) أي النفير العام، وكل من يؤخذ للجندية في ذلك الوقت يقال بأنه ذهب في (السفربر)، وعندما تدق طبوله يهرب الرجال ويختفون في شتى الأماكن... ولم ينجُ من التجنيد سوى الذين يحملون رعويات أجنبية، فنجد بأن كثيرًا من أبناء كربلاء وهم عرب أقحاح قد حصلوا على الرعوية الإيرانية لكي ينجوا من التجنيد، ولم يعلم هؤلاء بأن ذلك سيكون عليهم وعلى أولادهم وأحفادهم فيما بعد وبالاً عظيمًا عندما تم تسفيرهم إلى إيران في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين!!
أخذ الإنكليز يخططون لاحتلال العراق لأهمية موقعه، ومعرفتهم بوفرة ثرواته وخيراته. وكانت خطتهم مبنيّة على أن تكون مدينة (البصرة) مدخلاً لهم.
كان أهالي كربلاء يرفضون الحكم العثماني بشكل كبير، ونتيجة هذا الرفض حدثت في كربلاء حركات عصيان ضد الحكم العثماني، وخاضت ضد جيوشه معارك كثيرة ذكرناها في بحثنا هذا.
وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى التي دخلتها الدولة العثمانية بجانب ألمانيا ضد الحلفاء واستدعت الحكومة الناس للتجنيد، فقد رفض أغلب الكربلائيين المشمولين بالتجنيد الالتحاق بالخدمة العسكرية مما دعا بالسلطات الحكومية أن تقف موقف المتشدد، واستعملت كافة وسائل الضغط والقوّة ضد المتخلفين عن التجنيد، وقد واجههم الأهالي بالمزيد من التصلب ورفض الالتحاق في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
في نفس الوقت كانت بريطانيا وعملاؤها المنتشرون في المدن العراقية ومنها كربلاء التي توجد فيها قنصلية بريطانية، تبث الإشاعات ضد الأتراك وتؤلب السكان على الحكومة. ولكن عندما علم العراقيون الأصلاء بأن هناك دولة تريد
احتلال العراق بأكمله، اتخذوا موقفاً آخر ينُمّ عن الارتباط الديني بالدرجة الأساس وخاصة عندما عرفوا بأن الدولة التي تريد احتلال العراق هي دولة غير مسلمة، فقرروا أن يقفوا مع الدولة العثمانية لكونها دولة مسلمة على الرغم من رفضهم لها ولكنهم فضّلوها على دولة غير مسلمة تريد المساس بأرض العراق واحتلاله، وكان الكربلائيون قد اتخذوا هذا الموقف أيضًا وكان لهم دور بارز في النضال ضد الإنكليز وسوف نورد ذلك تباعاً ضمن تسلسل الأحداث. كان الإنكليز يعدون العدّة لغزو العراق واحتلاله، لوجود مصالح اقتصادية لهم، وكانت في البداية المصالح التجارية التي بدأت في القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين، فقد إزدادت أهمية العراق الاقتصادية في نظر العالم بما فيه (بريطانيا)، حيث اكتشفت منابع غزيرة للنفط في ولايتي الموصل وبغداد. كما أن تقرير (وليم ولكوكس) عن مشاريع الري في العراق وما ينتج عن إنجازها من مستقبل زراعي زاهر، كان قد جلب الإنتباه لأهمية العراق الاقتصادية في المستقبل، حيث كتب ولكوكس عام 1909 تقريره وهو يبشّر العثمانيين بفيض الرخاء كالأنهار، وإذا عملت الحكومة ما أشار به في تقريره من أعمال الري وأنفقت مليونين و 200 ألف جنيه لمد سكة حديد من بغداد إلى دمشق، عادت بلاد ما بين النهرين إلى سابق عزّها ومجده... كما كانت للإنكليز مصالح سياسية وضرورات عسكرية لحفظ مصالح بريطانيا في الشرق وخاصة في أكبر مستعمراتهم الهند. وحاول الإنكليز فهم منافسيهم من الألمان(1)والروس(2)الذين كانو يعملون للحصول على قواعد لهم في نهاية الخليج العربي الشمالية.
1) حصلت ألمانيا سنة 1899م على إمتياز من الدولة العثمانية على إنشاء سكة حديد برلين - بغداد، ومن بغداد إلى سواحل الخليج العربي. وأن ألمانيا كانت لها الرغبة في التوسع سياسيًا واقتصاديًا بحيث أسست شركة (ونكهاوز) للأعمال التجارية في جنوب العراق وشمال الخليج العربي، وفتحت قنصلية لها في (بندر بوشهر) على الرغم من أن رعاياها فيه لا يزيدون عن ستة أشخاص. وعلى ذلك فقد كانت إنكلترا تراقب هذه الفعاليات بقلق شديد
2) كانت بريطانيا قد عقدت اتفاقًا سرًّيا سنة 1898 مع (مبارك) شيخ الكويت، تعهد هذا بموجبه أن لا يؤجر أرضاً أو يمنح إمتيازاً لأي أحد إلّا بموافقة بريطانيا!! على الرغم من أن الكويت في ذلك الوقت كانت قائمقامية تابعة للبصرة. كما لم يكن للكويت أية صفة دولية حتى يصح الشيخ مبارك على إعتبار خضوع الكويت لسيادة السلطان العثماني. ولكن خوف بريطانيا من أن تصبح الكويت (ميناء روسيا) أو نهاية لخط سكة الحديد. وبهذا الإتفاق وثّقت بريطانيا علاقاتها مع أمير الكويت
أمّا المطامع الإقليمية لبريطانيا فكانت رغبتها بإقتطاع القسم الجنوبي من العراق وربطه بالهند. وكان لبريطانيا مخطط لاحتلال الفاو والبصرة منذ عام 1912م وقبل الحرب العالمية الأولى، حيث أقرّت ذلك لجنة مؤلفة لهذا الغرض في 15 كانون الأول 1912 من أجل تعزيز مركز بريطانيا في بلاد العرب التركية أمام الموقف العدائي الذي كان يبديه الأتراك تجاه الإنكليز.
ومن الأسباب المهمة لرغبة بريطانيا باحتلال العراق هو إنضمام تركيا إلى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وكان احتلال البصرة(1)كما يدّعي الإنكليز هو لحماية المصالح البريطانية وتأييد أصدقائها في رأس الخليج العربي وخاصة شيخي الكويت والمحمّرة، بالإضافة إلى أن بريطانيا كانت تعتقد أن صداقتها مع ابن سعود مهددة إلى حد مّا بالخطر. وخشية بريطانيا من أن يستولي الأتراك على نهاية الخليج العربي وقد علم الإنكليز بأن ممثلي الأتراك وممثلي الألمان قد ذهبوا إلى إيران ليثيروا شعور الإيرانيين ضد بريطانيا، وحتى شيخ المحمرة كان هدفًا لتأثير الأتراك والألمان.
وعند دخول بريطانيا الحرب العالمية الأولى مع الحلفاء ضد تركيا وألمانيا، كانت تتخوف من إعلان الجهاد ضدها، وإذا ما أعلن الجهاد في بلاد العرب فسيصل ذلك إلى مسلمي الهند لإثارة حفيظتهم ضد الإنكليز.
وكان دعاة الجهاد في إيران قد قاموا بفعاليات إضطر على إثرها قناصل روسيا وإنكلترا لترك مراكزهم، كما طالب دعاة الحركة لحمل إيران على الدخول في الحرب إلى جانب ألمانيا وتركيا. وفي نفس الأثناء أرسلت بعثة تركية - ألمانية مشتركة إلى أمير
1) الحقيقة هي أن بريطانيا دخلت البصرة قبل دخول تركيا الحرب بإسبوعين!!
الأفغان يطالبونه بدخول الحرب إلى جانبهم ومهاجمة الهند، ولكنه كان مترددًا على الرغم من ضغوط دعاة الجهاد من الأفغان عليه.
كما أن حركة الجهاد في جزيرة العرب كان تأثيرها ضئيلاً ولكنهم خلقوا لبريطانيا بعض المتاعب. أمّا في العراق فقد أسفرت حركة الجهاد عن بعض النجاح(1).
تلك كانت أهم الأسباب التي دفعت الإنكليز إلى القيام بحملتهم العسكرية لاحتلال البصرة بقيادة الجنرال (دبليو. س. دلامين)، وقد صحب الحملة (السر برسي كوكس) كأكبر ضابط سياسي والذي كان له شأن إثناء احتلال الإنكليز للعراق فيما بعد.
قبل دخول تركيا الحرب بخمسة عشر يومًا، وتحديدًا في 16 تشرين أول 1914م تحرك من الهند لواء عسكري حُملَ بالبواخر بقيادة الجنرال (ديلامين)، وبعد اسبوع وصل البحرين. وانتظرت الحملة في مياه البحرين وجاءها الأمر في 2 تشرين الثاني 1914 بالتوجه إلى البصرة عن طريق شواطئ الكويت، فوصلت في اليوم التالي إلى مصب شط العرب.
في يوم 6 تشرين الثاني 1914م تقدمت القوات البريطانية بقيادة (ديلامين) نحو (الفاو) وفي يوم 7 تشرين الثاني إستولى الإنكليز عليها بسهولة، وتقدم قائد الحملة بجيشه صعودًا في شط العرب نحو (عبادان) لحماية المنشآت النفطية.
كل ذلك حدث بدون مقاومة من الأتراك، بل إن القائد التركي في البصرة لم يكن على علم بما حدث إلّا من خلال بعض الموظفين الذين فرّوا إلى البصرة، ويعني ذلك أن الأتراك لم يستعدّوا للطوارئ مما يدل على ضعف منظومة الاستخبارات ودوائرهم العسكرية.
1) الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 / الدكتور عبد الله فياض، ص 143 ص 147، ط 2 بغداد 1975
شنَّ الأتراك هجوماً مقابلاً في 11 تشرين الثاني، حيث فشل هذا الهجوم بمساعدة (الشيخ خزعل) أمير المحمرة الذي أخبر الإنكليز بنيّات الأتراك.
في 14 تشرين الثاني وصلت قوّات إنكليزية بمقدار فرقة عسكرية بقيادة الجنرال (باريت) ومعه مستشاره السياسي (السير برسي كوكس)، ومن ثُمَّ التحمت جيوش الإنكليز وتقدموا نحو البصرة.
نشبت معارك بين الأتراك والإنكليز تمكن بعدها الإنكليز من احتلال البصرة في 22 تشرين الثاني 1914، وبدخولهم البصرة فقد سيطروا على مدخل الخليج العربي باحتلالهم ثغر العراق الوحيد.
بعد احتلال البصرة كان المواطنون من مختلف مناطق العراق قد إستنجدوا برجال الدين في العتبات المقدسة يطلبون منهم النهوض والإعلان بالجهاد المقدس والنفير العام لمقاومة الجيش البريطاني، وفيما يلي نموذج نص إحدى البرقيات في 9 تشرين الثاني: «ثغر البصرة، الكفار محيطون به، الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع»(1).
تليت البرقية على الناس، وأخذت الخطب الحماسية تلهب المشاعر في المدن، على أن الإنكليز إذا احتلوا العراق فإنهم سيهدمون مساجده وعتباته المقدسة، ويحرفون القرآن، وينتهكون حرمات النساء، ويذبّحون الأطفال والشيوخ... فشاع الرعب والخوف بين الناس، وكانت الحكومة التركية تعمل جاهدة على تحريض الشيعة للانضمام إلى حركة الجهاد.
كان (السر برسي كوكس) أكبر ضابط سياسي في الحملة الإنكليزية قد أذاع بيانًا على السكان قال فيه:
«احتل الإنكليز البصرة، ومع هذا فليس لنا عداء مع السكان، وإني أعدكم بمستقبل ملؤه الحرية والعدالة»!!، ثم قال: «إن الحكومة البريطانية لم تكن في
1) وثائق الثورة العراقية الكبرى: كامل سلمان الجبوري. ج 1 ص22
حرب مع سكان ضفاف النهر العرب (يقصد بالنهر شط العرب)، طالما إبتعدوا عن القيام بأعمال عدوانية، وإن عداء الأتراك إضطر بريطانييا لإتخاذ هذه الخطوة لتحمي أصدقاءها وتحفظ مصالحها»!!!
ثم تقدم الإنكليز واحتلوا (القرنة) في 9 كانون الأول 1914م، وسهّل عليهم ذلك استعمال شط العرب للملاحة بعد شهرين تقريبًا من احتلال البصرة والقرنة.
شارك العديد من العلماء الأفاضل وكذلك الكثير من أفراد العشائر بالذهاب إلى جبهة الحرب.
أعاد الأتراك تنظيم قواتهم النظامية في العراق وأوكلوا قيادتها إلى (سليمان عسكري بك)، وعملوا ما بوسعهم لكسب تأييد العراقيين لهم في حربهم مع ا ع الإنكليز وذلك عن طريق إعلان الجهاد المقدس فكان لهم ما أرادوا(1).
كان لدخول الإنكليز واحتلال البصرة تأثير كبير على الناس في كربلاء شأنها شأن بقية مدن العراق، لأن الإنكليز غير مسلمين، وأن الأهالي كانت لديهم معلومات وافرة عن استعمار الإنكليز للهند من خلال الأعداد الكبيرة من الهنود المقيمين في كربلاء.
وعلى الرغم من عداء السكان للأتراك ولكن التأثير الديني يمنع تأييد حكم غير المسلم وخاصة بعد أن توضحت نيّات الإنكليز بالتوجه نحو بغداد لاحتلالها، وإذا ما تم ذلك فإن العراق برمتّه سيكون خاضعاً لحكم جديد غير مسلم وهذا ما يرفضه الجميع عدا العملاء، مهما كانت الوعود والمسببات.
أفتى معظم علماء العصر بوجوب الجهاد لدفع الضرر عن المسلمين، ورأوا أن تعزيز موقف العثمانيين المسلمين تجاه الإنكليز غير المسلمين أمرٌ لا مناص فيه حسبما تقتضيه أحكام الشريعة الإسلامية.
كانت مدن كربلاء والنجف والكاظمية قد شكلت المراكز القيادية لحركة الجهاد ضد الإنكليز، وذلك لكونها مدن العتبات المقدسة ومقرات المرجعيات الدينية
1) الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 / الدكتور عبد الله فياض، ص 149
الشيعية، ويتواجد فيها العلماء الأعلام الذين أصدروا فتاواهم بالجهاد، فهذه المدن أصبحت تجمعاً لإنطلاق المجاهدين منها إلى جبهة القتال.
فقد أفتى المرجع الكبير الشيخ مهدي الخالصي في الكاظمية بالجهاد ونشر رسالة عنوانها «الحسام البتار في جهاد الكفار».
وذهب وفد إلى النجف، وبعد ضغط شديد من علماء النجف المجاهدين على السيد (كاظم اليزدي) الذي كان يتصدر المرجعية الدينية العليا، والذي كان مترددًا في البداية، فقد أفتى في 16 كانون أول 1914 بالدفاع عن البلاد الإسلامية. وأرسل ولده (محمد) لاستنهاض العشائر الفراتية كما أرسله إلى جبهة القتال.
وأفتى الكثير من العلماء في النجف بالجهاد ومنهم شيخ الشريعة فتح الله الأصفهاني والشيخ محمد تقي الشيرازي (كان وقتها في سامراء قبل مجيئه إلى كربلاء) والسيد محمد سعيد الحبوبي وآخرون.
وفي مدينة كربلاء فقد كان للمرحوم العلامة السيد (إسماعيل الصدر) دور كبير في قيادة حملة الجهاد، فقد أفتى للجهاد كما أيد فتاوى بقية الأعلام.
كانت الحكومة العثمانية قد سعت جاهدة وراء الدعوة للجهاد بحيث أرسلت مندوبين عنها إلى العلماء للغرض المذكور، وبالرغم من أن هدف ساسة العثمانيين من وراء دعوة الجهاد كان سياسيًا، نجد بعض الأعلام المجتهدين، مدفوعين بعقيدتهم الدينية يعيرون هذه الحركة إهتمامًا كبيرا.
«ولم يكتف العلماء بالفتيا فقط بل خاضوا تلك المعامع بأنفسهم ووقفوا وقوف الأبطال وأبلوا بلاء حسنًا وكان أشدهم جهادًا وأكثرهم صبرًا وجلادًا المرحوم السيد محمد سعيد الحبوبي(1)، فإنه قاد جيشا جرارًا إلى جبهة (الشعيبة) منظما من
1) السيد الحبوبي رحمه الله أنفق أموالا طائلة لغرض الجهاد، وعن أحد المرافقين للحبوبي ذكر بأن نفقات الحبوبي على الحملة كانت كبيرة إلى حد أنه إضطر إلى رهن أملاكه الخاصة لينفق منها على المجاهدين. وأن متصرف الناصرية كلف أحدهم بأن يسلم الحبوبي ألف ليرة ذهبية وسيكون مثلها إسبوعيًا، ولكن الحبوبي رفض العرض قائلاً إن الجهاد بالمال والنفس، وعندما تمكن الإنكليز من صد هجمات المقاتلين وإنسحاب الأتراك من المعركة فقد رجع الحبوبي فيمن رجع باتجاه مدينته النجف، ولكنه توفى فى الناصرية حزنًا وكمداً غيرة على بلده رحمه الله
مجاهدین متطوعين ومسوقين قسراً قد شملتهم الجندية، وكذلك العلامة الشهير شيخ الشريعة، والعلامة السيد علي الداماد، فإن لهما مواقف مشهورة في حرب (القرنة) وما بعدها»(1).
كما أن الإمام مهدي الحيدري كان من بين العلماء الذين إلتحقوا بساحات الجهاد في (العمارة). وقد أسفرت الدعوة للجهاد عن تجمع ما بين 10 - 15 ألف مقاتل من أهالي المدن والعشائر بينهم 1500 من الأكراد. وقد توجه هؤلاء لمقاتلة الإنكليز في الشعيبة قرب البصرة.
كانت مدينة كربلاء في مقدمة المدن العراقية التي إستجابت لحركة الجهاد التي قادها العلماء الأعلام. فقد عقد اجتماع كبير في صحن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حضره كبار رجال الدين ووجهاء المدينة ورؤساؤها وساداتها وجمع غفير من الأهالي، وكان السيد إسماعيل الصدر في مقدمتهم حيث سار بالجماهير إلى الصحن الشريف، وألقى خطبة عصماء على الحاضرين في التجمع، وبعده ألقى المرحوم الشاعر والأديب الكربلائي الشيخ محمد حسن أبو المحاسن قصيدة حماسية ألهبت الشعور الوطني ومن أبياتها:
قوموا بواجب دينكم *** إن القيام لكم قد وجب
إن تنصروا دين الهدى *** فالنصر فيكم والغلب
إني نذير الإنكليز *** فيومهم منّا إقترب
1) ماضي النجف وحاضرها: الشيخ جعفر الشيخ باقر محبوبة، ج 1 ص 341
يقول الرهيمي في كتابه تاريخ الحركة الإسلامية في العراق: «وفي مدينة كربلاء المقدسة التي شارك مجموعة من علمائها في حركة الجهاد، فقد احتشد الأهالي والعلماء في تظاهرة كبرى يتقدمهم صدر العلماء السيد إسماعيل الصدر - جد السيد محمد باقر الصدر - وهو من أجلّ المجتهدين، الذي سار بهم إلى صحن الإمام الحسين، ثم تناول سيفًا مرصعاً محفوظاً في العتبة المباركة وقلدهُ إلى القائد العام نور الدين بك»(1).
وتناهض الكربلائيين لتلبية نداء الواجب والجهاد وأكملوا تهيئتهم للالتحاق بجهة القتال مع بقية المقاتلين، وتقدّم الكربلائيين المجاهدين سماحة المرحوم العلامة السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني «حيث أبلى بلاء حسنًا وعاد مع آخر من عاد من جبهة القتال»(2). وكان هجوم المجاهدين على الإنكليز في الشعيبة قد بدأ في 4 نیسان 1915.
بعد المعارك القاسية ضد الإنكليز من قبل المتطوعين من العشائر وأبناء المدن، الذين يقودهم العديد من رجال الدين الأجلاء، وتقدُم الإنكليز صعودًا من البصرة، حدثت حركة عصيان أو ثورة ضد الأتراك في الفرات الأوسط، وتميّزت حركة العصيان في المدن على الحكومة، على الرغم من مشاركتهم القتال ضد الإنكليز، وذلك لا يعني أن الفرات الأوسط كان راضيًا عن الحكم التركي، ولكن يعتبر الناس أن واجبهم الديني يحتم عليهم مقاتلة المحتل غير المسلم.
وللقارئ نموذج من رسالة وردت في وثائق الثورة العراقية الكبرى ج1 ص 136 - ص 137 بعث بها المرحوم السيد هاشم(3)السيد حسين آل نصر الله
1) تاريخ الحركة الإسلامية في العراق، الجذور الفكرية والواقع التاريخي 1900 - 1924، رسالة ماجستير ل- (عبد الرحيم الرهيمي) ص 168، ط 2 بيروت
2) الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 / فريق المزهر آل فرعون، ج 1 ص 38، ط 1 1952
3) هو السيد هاشم بن حسين بن هاشم بن أحمد بن نصر الله بن موسى بن إبراهيم بن السيد نصر الله. من سادات كربلاء وإخوته كل من السادة ناصر وسلمان ورشيد. أعقب السيد هاشم كل من السادة حسين وعباس ومحمد علي والدكتور صادق، وجميع أعقابه اليوم يسكنون بغداد
إلى قريبه المرحوم الحاج عبد الأمير ابن الحاج صادق القاموسي، يخبره بتوجهه إلى ساحات الجهاد.
أدى انشغال الأتراك بمعارك دجلة وسحب قواتها من الفرات الأوسط عاملاً مساعدًا للعصيان، وربما هناك عوامل أخرى لا نرغب بالتوغل فيها، وارتأت هذه المدن أن تدير أُمورها عن طريق رؤسائها المحليين، وعلى وجه الدقة على الاسلوب العشائري... وكانت أول مدينتين أعلنت العصيان أو الثورة على الأتراك هما (كربلاء والنجف) نتيجة العداء القديم بين الأهالي والعشائر مع العثمانيين.
نُقِل متصرف كربلاء (عرفان بك) وتم تعيين (آصف آغا) بدلاً عنه في منتصف سنة 1331ه، ولم يستمر في كربلاء سوى عدة أشهر فقد تم نقله بأمر من الباب العالي إلى وزارة الداخلية في محرم سنة 1332ه / 25 تموز 1914م)، وتم قضاء (ميتشا)(1).
نُقلِ متصرف كربلاء (آصف بك) من وظيفته وتم تعيين (سليمان ذهني باشا) وذلك في شهر أيلول سنة 1914م (محرّم 1332ه)، وإستمر سليمان ذهني في وظيفته إلى منتصف شعبان سنة 1333ه / حزيران 1915م أثر حوادث العصيان التي حدثت في مدينة كربلاء ضد الحكومة العثمانية.
تم إسناد رئاسة بلدية كربلاء إلى المرحوم السيد حسن بن السيد محمد بن السيد حسن بن السيد كنعان آل النقيب (درّاج)، وإستمر في منصبه حتى بعد قيام الثورة في كربلاء على الحكم العثماني وإستلام الأهالي إدارة مدينة كربلاء.
في حزيران من عام 1915م شنت عشائر بني حسن هجومًا على مدينة كربلاء، وكانت عشائر بني حسن تعادي أهالي كربلاء ويبادلهم الأهالي نفس الشعور بسبب مشاركة عشائر بني حسن في الكثير من الأوقات مع الأتراك وعساكرهم ضد أهالي كربلاء.
1) الوثائق العثمانية، وزارة الداخلية برقم 233396 سنة 1332ه
ولأن سكان المدينة كانوا على الدوام مناوئين للحكم التركي (العثماني)، فإن الحكومة العثمانية لم تفعل شيئًا ضد هذا الهجوم. وقد يكون هو أصلاَ قد جرى بعلمها وإستشارتها.
فقام المهاجمون بإقتحام المدينة، وأحرقوا السراي ونهبوه، كما صال وجال فرسانهم ومشاتهم في دروب المدينة، وتصدى لهم الأهالي بقوة وبسالة، وبعدها إنسحبت عشائر بني حسن بعد أن خلقت الفوضى داخل المدينة، مما دعا بالأهالي إلى طرد الحكومة التركية فيها، وإتفق أعيان وشيوخ وسادات البلد على تصريف شؤون المدينة.
جاء ذكر هذه الحادثة في كتاب (المس بيل) بعد نقلها حوادث النجف في نیسان 1915م حيث ذكرت ما نصّه: «وبعد شهر واحد، حزيران 1915، بدأت الفتن والنزاعات العلنية في كربلاء. ويبدو أن منشأها هجومًا شنته على البلدة قبيلة بني حسن المجاورة، التي كان بينها وبين سكان كربلاء عداء قديم لم تعمل الحكومة العثمانية شيئًا لتسكينه جريا على سياسة (فرّق تسُد) التي كانت تلتجئ إليها. وفي هذه المناسبة لم تجن الحكومة شيئًا من المشاحنات التي ربما تكون قد إستثارتها هي بنفسها. لأن بني حسن أحرقوا السراي ونهبوه، ثم هبت الغوغاء وطردت الحكومة وتولى شيوخ البلد برئاسة أسرة آل كمونة تصريف شؤونه»(1).
ذكرنا هذه الحادثة في البداية لأن لها صلة وثيقة بالأحداث التي وقعت في النصف من شعبان سنة 1333ه / 27 حزيران 1915م، وذلك لأن عشائر بني حِسن هاجمت كربلاء وإشتركت بقوّة مع الكثير من أهالي النجف والكثير من الكربلائيين الذين كانوا بقيادة بعض رؤساء كربلاء من آل كمونة في العصيان الذي حدث في المدينة والتجاوزات التي صدرت على دوائر الحكومة وعلى بيوت الساكنين في محلة العباسية من سلب ونهب وتقتيل وغيرها من الأمور الشائنة، والتي أدّت إلى سقوط الحكومة المحلية في كربلاء، ونتجت عنها الفوضى العارمة التي سوف نتحدث عنها لاحقا بالتفصيل.
1) فصول من تاريخ العراق القريب: المس، بيل ترجمة جعفر الخياط ص 29، طبع بیروت 1949م
في عام 1333ه / 1915م، كان متصرف كربلاء حينذاك هو (سليمان ذهني بك) وقائد الدرك هو (كامل أفندي السوري)، ورئيس بلدية كربلاء كان المرحوم السيد حسن بن محمد بن السيد حسن كنعان النقيب (آل دراج) وكالة.
وأعضاء مجلس الإدارة هم: السيد محمد بن السيد حسين الوهاب والسيد عباس آل ضياء الدين والسيد جواد الصافي والشيخ محمد علي كمونه.
أمّا أعضاء المجلس البلدي فهم: الشيخ علي القنبر والحاج حبيب أغا طابورغاسي والحاج سلمان الحاج حمد العوّيد.
ونتيجة الأحداث المتراكمة والعصيان في مدن الفرات الأوسط وخاصة في النجف بسبب طلب الأتراك بقوة للتجنيد، وزحف القوات الإنكليزية من البصرة وتقدمها شمالاً، وحدوث فوضى ومشاكل داخل مدينة كربلاء لم تتمكن الحكومة المحلية من السيطرة على الأمور عند هجوم عشائر بني حسن. فقد إندلعت في كربلاء حركة عصيان ضد الحكومة رافقتها أعمال شغب وحالات غوغائية فشلت الحكومة المحلية من السيطرة عليها.
من بعد نجاح النجف في عصيانها وذياع سيطها وسمعتها في الفرات الأوسط وإفتخار أهلها بما قاموا به، كانت كربلاء أول مدينة إقتدت بالنجف، وكان الفارون الخدمة العسكرية (الجندية) هم الشرارة الأولى.
ففي مساء يوم 14 شعبان 1333ه / الموافق ليوم 27 حزيران 1915م المصادف لزيارة النصف من شعبان التي يحتفل فيها المؤمنون بمولد الإمام صاحب الزمان (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قام الفارون من الجندية ومعهم الكثير من الأهالي بمهاجمة دار الحكومة (السراي) وكان فيها نحو أربعين جنديًا وقد آثروا الاستسلام بعد مناوشات قصيرة مع المهاجمين... وعند هذا إنثال الغوغاء على دار البلدية ودائرة البريد والبرق
والمدارس الرسمية وغيرها، فإنتهبوها وأضرموا النار فيها، ثم أخرجوا السجناء من السراي. كما إنتهبوا المستشفى الحسيني وكان يعتبر من المستشفيات الجيدة في ذلك الوقت(1)وقد تم الفراغ من إنشائه في العام السابق للأحداث.
لم يقف الأمر عند هذا الحد بل هجم أفراد من عشائر بني حِسن ومن أهالي النجف على المحلة الجديدة، وهي المحلة(2)التي أنشأها مدحت باشا وكان يسكنها الإيرانيون في الغالب، فنهبوا فيها نحو مائتي بيت، وإضطر سكان المحلة إلى هجرها والانتقال إلى المحلات الأخرى في كربلاء(3).
ويصف الشيخ محمد رضا الشبيبي حادثة كربلاء هذه بشيء مقارب لما ذكرناه أعلاه ولكن كان له رأي فيه فيقول: «ما تسامع العراقيون بحادثة النجف المتقدمة حتى صاروا يتوقعون أمثالها في بقية المدن العراقية لاستعداد النفوس للشر، غير أن العثمانيين حكّام العراق إضطروا إلى الإعراض عن تطلب البلط أي الفرار من الجندية وتساهلوا في أشياء غير ذلك، فأخلد الناس إلى السكينة لمّا رأوا من ضعف شأن الحكومة حتى أن أهل البلاد أصبحوا في الحقيقة حكام بلادهم، فلم يروا من حاجة إلى إبعاد العمال والمستخدمين اللّهم إلّا أهل كربلاء، فإنهم في أوائل ليلة 15 شعبان سنة 1333 ه هاجموا دار الحكومة وناجزهم الدرك وبعض الجند قليلاً، ولم يكونوا أكثر من أربعين جنديًا ثمّ سلّموا. فأضرم الثائرون النار في دار الحكومة ودار البلدية ودوائر البرق والبريد وبعض المدارس السلطانية (الحكومية) كل ذلك تقليدًا لأهل النجف دون أن يكون في البين باعث مشروع لإلقاح الفتنة. ولذلك إستذل كلّ أهل
1) يقول المرحوم الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكراته وهو يتحدث عن العصيان في ص 78 ما نصّه: والمستشفى الحسيني في كربلاء تم البدء بتشييده في العاشر من تموز سنة 1913 م) (شهر شوال 1331 ه)!!
2) هي محلة العباسية في كربلاء التي أنشأها مدحت باشا عام 1869م
3) راجع لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث: د. علي الوردي، ج 4 ص226
إلعراق فعلة الكربلائيين هذه، وطعنوا من أجلها الطعن المرّ الذي أصبح أوباشهم أهلًا له. خصوصًا وقد شاع أنهم إرتكبوا ما لم يرتكبه النجفيّون من المنكرات، وقد سلبوا النجفّيين أمتعتهم وأثاثاتهم وجميع ما يخصّهم... إلى أن يقول: وعلى أثر الحادثة إنقطعت المواصلة بين كربلاء وبغداد، وعزل والي الولاية، وتحامل أهل السنّة في دار السلام على شيعتها بالكلام، وظهرت بوادر التدابر والتنابذ في وقت أكبر حاجتنا فيه التواصل والتوادد ودفن الأحقاد والأضغان»(1).
في اليوم الثاني من الحركة إختلف زعماؤها على اقتسام المنهوبات، فجرى بينهم قتال في صحن الإمام الحسين سقط فيه قتلى وجرحى.
كان محمد علي كمونة وأخوه فخري قد تزعمها هذا العصيان، ويقال بأن محمد علي كمونة كان العقل المدبر للعصيان بينما كان أخوه فخري يقود المجاميع التي كانت تهاجم بنايات الدولة والتصدي للجندرمة وإصدار الأوامر بالسلب والنهب.
إضطر المتصرف إلى الإنسحاب من المدينة ومعه الموظفين الأتراك وأخذوا الملفات الرسمية وغادروا كربلاء. وأصبحت المدينة بدون حكومة وخالية من العسكر والشرطة، حيث تبين للأهالي سقوط الحكومة التركية.
وللقارئ الكريم ننقل الصورة التالية التي كانت عليها مدينة كربلاء قبل حوادث العصيان في كربلاء في منتصف شعبان 1333 ه، وقد جمعناها من مصادر عدة كان قد دوّنها بعض أعيان كربلاء وهي:
عندما حدثت ثورة النجف على العثمانيين في رجب سنة 1333ه / (1915م)، فقد ترقّب الكربلائيون أن تحدث إنتفاضة مماثلة لها في كربلاء، وخاصة بوجود أعداد كبيرة من شيوخ الفرات ومن بينهم بعض رؤساء النجف مسجونين في كربلاء، فقد كانت في كربلاء لجنة مؤتلفة من زعماء المدينة مهمتها الإشراف على حفظ الأمن في المدينة ومكوّنة من:
1) مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي ورحلاته، ص78 وص79
1 - الشيخ فخري كمونة.
2 - السيد محسن بن السيد علي الطويل آل نصر الله.
3 - السيد سعيد الشروفي آل طعمة.
4 - الشيخ عبد الرحمن العوّاد.
5 - الشيخ محمد بن علوان الوزني.
6 - الحاج حسن شهيّب آل معلّة.
7 - الشيخ مسربت الجار الله السعدي.
وكان رئيس الشرطة (الجندرمة) هو (سليم بك)، والمتصرف (سلمان ذهني بك) فإتصل قائد الشرطة بأعضاء لجنة حفظ الأمن في كربلاء وعقدوا اجتماعاً لهم في دار البلدية، وإتفقوا على تحرير كتاب إلى زعماء النجف يطلبون منهم السيطرة على أهل النجف عند قدومهم لزيارة النصف من شعبان ومنع حملهم للأسلحة، وطلبوا منهم عدم القيام بأعمال تجّر المدينة إلى ويلات وشغب هم في غنىً عنها، وأنهم سيتخذون أقسى الإجراءات في حالة حدوث أي أعمال تخلُّ بالأمن.
وفي يوم الثامن من شهر شعبان 1333ه جاء رد من زعماء النجف، وهم متفقون على ما طلب منهم زعماء كربلاء، وإنهم براء ممن يريد الفتنة في كربلاء، وقالوا إنهم طلبوا من وكيل قائمقام النجف (رمضان شلاش بيك) أن يكتب إلى المتصرف في كربلاء بأن أهل النجف بريئون من الإشاعة التي مفادها بأن أهل النجف يريدون القيام بأعمال شغب في كربلاء لإطلاق سراح المسجونين في كربلاء. ووقّع الرد عدد من رؤساء النجف وهم:
1 - الحاج سعد الحاج راضي.
2 - الحاج حسون شربة.
3 - السيد مهدي السيد سلمان.
4 - الحاج عطية أبو كَلل.
إطمأن زعماء كربلاء من خلال رد زعماء النجف إليهم، إلّا أن قائد الشرطة (الجندرمة) سليم بك لم يطمئن، وكان متأكدًا من حصول أعمال شغب، وليس لحاميته في كربلاء المقدرة على السيطرة على الأوضاع إذا ما حدث شيء لضعفها وقلّة إمكانياتها، فقدّم إستقالته وغادر كربلاء، فكلّف والي بغداد (سليمان نظيف بك) قائدًا للشرطة والدرك بديلًا للحاج سليم اسمه (الحاج كامل أفندي) وهو برتبة طابور قمنداني، وقد زوده الوالي بصلاحيات واسعة تمكنه السيطرة على مدينة كربلاء، فوصل كربلاء ونزل في دار صديقه الحاج خليل الاستربادي(1)، وقام على الفور بعدة إجراءات منها:
1 - اجتماعه برؤساء وزعماء كربلاء.
2 - أصدر العفو عن الهاربين من الجندية على أن يكونوا إحتياطي للجندرمة في كربلاء، فإستجاب له الكثير منهم، وأنشأ لهم معسكرًا من الخيام بالقرب - من الحامية.
3 - قابل المسجونين في كربلاء من شيوخ الفرات وزعماء النجف، ووعد بزيارة أهاليهم لهم.
4 - كلّف الشيخ عبد المحسن السعود (من شيوخ قبيلة المسعود) بتأمين طريق كربلاء - المسيّب.
5 - وعد بتخفيض الضرائب على الأهالي ومحاسبة الموظفين المرتشين.
1) الحاج خليل الاستربادي هو من أهل الكاظمية، وإرتحل إلى إيران فترة طويلة من الزمن، وعاد منها سنة 1329ه ولكن ليس إلى الكاظمية وإنما فضّل السكن في كربلاء، حيث إشترى دارًا فيها، وفتح محلًا لبيع الأقمشة وتزوج من كريمة السيد علي القطب، وأصبحت له في كربلاء منزلة من خلال علاقاته برؤساء المدينة والحكومة العثمانية فيها، وبعدها مع الإنكليز. كما إنه أصبح رئيسًا لبلدية كربلاء فترة طويلة من الزمن سنشير إليها لاحقًا
والغريب في الأمر أنه قام بكل هذه الإجراءات وهو رئيس للجندرمة والدرك بوجود المتصرف سليمان ذهني الذي يبدو أنه كان من الضعف بمكان جعله غير قادر على إدارة الأمور!!
ولكن الحاج كامل أفندي أظهر في الباطن عكس ما قام به، وكانت إجراءاته تلك لتهدئة الناس لاغير، إلّا أنه اتخذ إجراءات شديدة، ممّا أثرت عليه فيما بعد.
كان المعمّرون من أهالي كربلاء عندما يتحدثون عن هذا العصيان يؤكدون بأن فخري كمونة وشقيقه محمد علي كمونة كانا المدبريْن لهذا العصيان، فقد قيل بأن محمد علي كمونة كان قد إتصل ببعض زعماء النجف وطلب منهم المساعدة في إحداث أعمال ضد الحكومة في كربلاء بالرغم من أن شقيقه الشيخ فخري كان من زعماء كربلاء الذين كتبوا إلى أهل النجف بعدم المشاركة في أي أحداث في كربلاء إثناء زيارة النصف من شعبان، والدليل على موقف محمد علي وفخري من الأحداث هو ما أكدته المس بيل في كتابها فصول في تاريخ العراق القريب عندما أكّدت بأن محمد علي كمونة كان قد إتصل بالإنكليز وكوّن معهم علاقات سرية ضد الأتراك، وطلب من الإنكليز في حالة إنتصارهم على الأتراك أن ينصّبوه حاكمًا وراثيًا في ولاية مقدسة من سامراء إلى النجف وأرسل له السر برسي كوكس الذي كان وقتها الضابط السياسي للحملة الإنكليزية على العراق ردّاً وديّاً (لا لون له مع هدية مالية صغيرة، أثارت إمتنانه الفياض) حسب قولها(1).
وفي واقعة أخرى تؤكد تزعم الشيخ محمد علي للعصيان هو ما نقله أحد المشتركين فيه من أهالي النجف وهو السيد نعيم جويش الذي ذكر إلى بعض أهالي النجف: «بأن الشيخ محمد علي كمونة أعطى لكل من يشارك من النجفيين لمؤازرته في العصيان على حكومة كربلاء العثمانية خمس ليرات عثمانية وبندقية، وقد قبلنا ذلك منه وإشتركنا أنا (أي المتحدث نعيم جويش) وكردي عطية أبو كلل وسماوي أبو شبع ومحمد أبو
1) فصول من تاريخ العراق القريب: المس بيل. ترجمة جعفر الخياط، ص 96
شبع وعزيز الأعسم والحاج نجم وكاظم صبي وطلال العكاشي وإبراهيم الرماحي وعباس الرماحي والسيد هادي النقيب ومحمد العجمي وغلوم الشوشتري وغلوم زكي البهبهاني وغيرهم الكثير...».
أمّا بالنسبة إلى فخري كمونة فأثبتت أحداث العصيان إشتراكه بها وأن أتباعه كانوا من المشاركين في العصيان. وكان يلتف حوله الكثير من آل زنکَي ولفيف من أبناء محلة المخيم، ويقال بأن أول من هجم على سجن كربلاء هو أحد أعوان فخري كمونة واسمه (أحمد بن علوان زنکَي).
في يوم الرابع عشر من شعبان 1333ه إزدحمت كربلاء بالزائرين بمناسبة الزيارة الشعبانية من جميع مدن العراق، وفي ذلك اليوم شوهدت مجاميع كثيرة من عشائر بني حِسن وأعداد غفيرة من النجفيين قد تجمعوا بالقرب من السجن المودع فيه ما يقارب من 400 شخص من رؤساء عشائر الفرات ومن النجفيين مطالبين بإطلاق سراح السجناء، وبعكسه سيقوم المتجمهرون بإقتحام السجن وإخراج السجناء.
فأرسل المتصرف سليمان ذهني على شيخ عشائر بني حِسن وعلى الشيخ محمد علي كمونة بإعتباره من رؤساء كربلاء وطلب منهما تفريق المتظاهرين وتجنيب المدينة من أي عمل يعكّر صفو أجواء الزيارة وطلب أن يعاوناه على تهدئة الأمور، فأكدا له بأن الأمور لا تصل إلى حد الصدام بين الناس والحكومة، ولم يكونا صادقيْن معه. وكان المتصرف غير مطمئن لجوابهما فإتصل بالحاج عبد المهدي الحافظ وطلب منه التدخل لفض التجمهر، فخرج الحافظ وخاطب المحتشدين أمام السجن وطلب منهم إمهاله حتى الصباح ليتوسط لدى والي بغداد سليمان نظيف بك وتكفل لهم بإخراج السجناء، وطلب منهم التفرّق محلفًا إياهم بالحسين وبمولد الإمام الحجة عليهما السلام. تراجعت الحشود من أمام السجن ولكنهم لم يغادروا المنطقة التي فيها دوائر الحكومة وهي محلة العباسية.
وفي نفس الوقت كان رئيس الجندرمة والدرك كامل أفندي يوزّع قوته على الدوائر الحكومية ليمنع أي إقتحام عليها، على الرغم من أن قوّته كانت قليلة فقد زودهم بالعتاد والمؤن ليتحصنوا في السراي والبلدية ودوائر الحكومة الأخرى مثل الكمرك والبريد، بينما كانت هناك قوة تحرس السجن وعددهم 40 فردًا من الدرك.
ذهب الحاج عبد المهدي الحافظ إلى المتصرف وأخبره بأنه اتفق مع المجتمعين أمام السجن بأن يمهلوه الليلة حتى يتصل صباحًا بالوالي وعاد إلى بيته، ولكن الجموع لم يوفوا بوعودهم وبمجرد حلول الليل هجموا على السجن وكان أحد المهاجمين وهو من النجف واسمه محمد العجمي قد تسوّر باب السجن فرماه أحد الحراس وأرداه قتيلاً ثم تمكن المهاجمون من قتل الحارس وتمكنوا من السيطرة على السجن وحرّاسه وسلبوهم أسلحتهم وأطلقوا سراح السجناء وأشعلوا النار في منشآت السجن، وفي نفس الوقت هجمت جماعة أخرى على السراي وتمكنوا من احتلال مقر الجندرمة، وتم القبض على الحاج كامل أفندي قائد الجندرمة وسلبوا منه سلاحه وأنزعوه ملابسه ولفوّه بالحبال وضربوه وأرادوا قتله، ولكنه تمكن من الهرب ووصل إلى بيت الحاج عبد المهدي الحافظ. وإستولوا على الأسلحة وتوالت الهجمات على دوائر الحكومة الأخرى والمدارس القريبة منها وأضرموا النار فيها جميعاً وإختلط الحابل بالنابل، وبدأت عمليات إقتحام البيوت في العباسية وقامت المجاميع المهاجمة بأعمال السلب والنهب والحرق والتخريب وطالت الاعتداءات على ما يقارب من 200 بيت في محلة العباسية، ولم تطال هذه الأعمال المدينة القديمة، ولكن ساد الذعر فيها وبدا الإرتباك والخوف على الأعداد الغفيرة من الزائرين، ومن أهالي المدينة الذين كانوا يشاهدون النيران المشتعلة في العباسية.
ويؤكد السيد نعيم جويش أحد النجفيين المشاركين في العصيان بأن الكثير من النجفيين تركوا الواجب الذي جاءوا من أجله وإشتركوا في أعمال السلب والنهب، أمّا بالنسبة له فيذكر بأنه دخل في بيت السيد علي السبيلي رئيس المولوية
(الدراويش) ولم (يفرهد) سوى كيس فيه (تكي الشام) كان في سرداب البيت وقطعة قماش مطرزة بكتابة «لا إله إلّا الله محمد رسول الله - أبو بكر الصديق - عمر الفاروق - عثمان - علي» فأخذها مع كيس تكي الشام، وفي النجف باع قطعة القماش إلى شخص من أهل السماوة بمبلغ كبير!!!
وعلى إثر ذلك إجتمع بعض أعضاء لجنة الأمن من رؤساء كربلاء في صحن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وفي ديوان سادن الحسين السيد عبد الحسين الكليدار، وتخلف عنهم الشيخ محمد علي كمونة الذي كان في الأساس من المدبرين للعصيان مع الأسف، وكذلك السيد قاسم الرشتي (الرشدي) حيث كان في قلعته بمقاطعة الوند، وكذلك الشيخ رشيد المسرهد من شيوخ المسعود حيث كان خارج المدينة وقتها، وحضر إلى صحن الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) العلامة السيد محمد صادق الطباطبائي والعلامة الشيخ حسين المازندراني والسيد محمد مهدي بحر العلوم، وقرر المجتمعون ضرورة المحافظة على العتبتين المقدستين وحمايتهما والزائرين من أي اعتداء.
فتجمعت أعداد غفيرة من السادة من أسر خدم الروضتين وعلى مقدمتهم كل من السيد محسن بن السيد علي الطويل آل نصر الله والسيد عبد الوهاب آل طعمة والسيد هاشم محمد علي الإشيقر (هاشم شاه) والسيد عبد الحسين الددة والسيد سعيد الشروفي والسيد عباس آل ضياء الدين وغيرهم، كما تحشدت أعداد كبيرة من أفراد عشائر كربلاء وكان في مقدمتهم الشيخ عبد الرحمن العواد والشيخ الملا خضر شويلية والحاج حسن شهيّب والشيخ مسربت الجار الله (رئيس بني سعد) والشيخ علوان الوزني (رئيس الوزون) والشيخ عباس بن حسين بن محمد الحمزة (رئيس السلالمة) وغيرهم، وتوزعت عليهم الواجبات، وهي تسيير جماعات مسلحة لحفظ الأمن في مناطق المدينة القديمة، وكذلك قسم كبير توجّه إلى محلة العباسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإيقاف جماح المهاجمين.
وبقيت قوّة لحماية الروضة الحسينية المقدسة، بينما توجه المرحوم السيد محسن الطويل آل نصر الله ومعه جماعة كبيرة من أسرة آل نصر الله إلى الروضة العباسية حيث إلتحق بهم السيد عباس آل ضياء الدين ومجموعة من أفراد أسرته، وقد إلتحق بهم الشيخ عبد الرحمن آل العوّاد ومعه جميع آل العواد، وكانت مهمة الجميع المحافظة على أمن وسلامة الروضة العباسية المقدسة.
ومن المؤسف له أن تطال أيدي المهاجمين المستشفى الحسيني الذي لم يمض على بنائه غير سنة ونصف وقاموا بحرقه وسلب ما فيه، وذلك يدل دلالة واضحة على تخلف المهاجمين وهمجيتهم على صرح حديث أقيم لمصلحة الناس.
ومن الأمور التي تذكر في تلك الأحداث عندما نشب قتال في محلة باب الخان بين جنود الحامية وبعض الأهالي وسقط من الجنود بعض القتلى وتم الاستيلاء على أسلحتهم وهرب الباقون.
هكذا بدت الصورة ليلة النصف من شعبان سنة 1333ه / 26 حزيران 1915م، ومما يؤسف له أيضًا ما قام به أتباع فخري والشيخ محمد علي كمونة بمؤازرة عشائر بني حِسن وبعض النجفيين من أعمال فاقت التصوّر، وخرجت عن نطاق العداء بين الأهالي والحكومة، إلى التعدي على أموال وممتلكات الناس الآمنين وحتى على عوائل ونساء الذين كانوا يسكنون في محلة العباسية والتي كانت بيوتهم قريبة من دوائر الحكومة، وبدأ الذين تجاوزوا ونهبوا بنقل ما إستولوا عليه إلى مناطقهم في النجف والهندية وغيرها من أماكن سكناهم(1).
1) كان أحد أصدقاء المرحوم والدي وهو الحاج (...) في ضيافتنا، وهو من أهالي طويريج، وكان يتحدث عن والده الذي شارك في تلك الأحداث، وقال كنت شاباً وجاء والدي إلى كربلاء مع مجموعة من النجفيين وهجموا على دوائر الدولة وعلى بيوت المترفين وغالبيتهم من الإيرانيين الساكنين في محلة العباسية، وقد جلب معه إلى بيتنا في طويريج مجموعة من السجاد الثمين والأواني الفضية كان قد إستولى عليها من البيوت!!!
بعد ما تم في محلة العباسية ودوائر الحكومة دخل بعض الذين إشتركوا في العصيان إلى المدينة القديمة ووجدوا أبواب الروضتين مغلقتين والأسواق والحوانيت مغلقة وكانت دوريات من أهالي المدينة تتجول في الأسواق والأزقة لمنع حصول أي اعتداء، وتمكن أحد أبناء المدينة وهو عبد علي الشمخي الذي كانت بعهدته حراسة الأسواق حينها مع أفراد الحراسة معه بتأمين سلامة الأسواق.
نتيجة هذه الأحداث فقد سقطت الحكومة العثمانية المحلية في كربلاء، وهرب المتصرف سليمان ذهني وإلتجأ إلى دار الحاج عبد المهدي الحافظ ومعه الموظفين. كما إلتجأ قائد الحامية العسكرية القومسير محمد صبري إلى دار السيد محمد علي آل ثابت لعلاقة الصداقة بينهما، بعد أن كلّف السيد محمد علي صديقه المرحوم الشيخ عباس بن حسين الحمزة رئيس السلالمة بتخليص القومسير وعائلته وجلبهم إلى داره. وفي صباح اليوم التالي تم تسفير المتصرف والموظفين بحماية عشيرة المسعود إلى بغداد عن طريق المسيب.
على ضوء هذه الأحداث المؤسفة والفراغ الأمني الذي حصل في كربلاء بغياب سلطة الدولة، بادر السادة الأشراف ورؤساء ووجهاء مدينة كربلاء بعقد اجتماع في الصحن الحسيني الشريف بعد يومين من إعلان العصيان، وذلك للسيطرة على الموقف، وقرروا تشكيل مجلس يدير المدينة مؤقتًا، وأطلقوا عليه اسم (مجلس الحكم الإئتلافي المحلي) ويتكوّن من خمس عشرة شخصية من أبناء كربلاء لإدارة شؤون المدينة وهم:
السيد عبد الحسين السيد علي آل طعمة الكليدار (سادن الإمام الحسين)، الحاج عبد المهدي صالح حبيب الحافظ، السيد محمد مهدي بحر العلوم، السيد محسن السيد علي الطويل آل نصر الله، السيد سعيد السيد مصطفى الشروفي، السيد عبد الوهاب
السيد عبد الرزاق آل طعمة، السيد جواد آل الصافي، السيد كمال الدين السيد جعفر آل ثابت، السيد محسن السيد عباس النقيب آل دراج، السيد يوسف السيد علي الرئيس آل الوهاب، الشيخ محمد علي كمونة، الحاج حسن شهيّب آل معلة، الحاج مسربت جار الله طعمة العيد السعدي، الحاج رشيد مسرهد المسعودي، السيد قاسم السيد أحمد الرشدي
ترأس المجلس السيد عبد الحسين الكليدار، وأقرّ المجلس تعيين الشيخ طليفح الحسون الحسن رئيس (النصاروة) أمرًا للانضباط في المدينة. كما أقرّ استمرار السيد حسن السيد محمد النقيب برئاسة البلدية. وكان تاريخ تشكيل المجلس في 16 شعبان 1333ه الموافق 30 حزيران 1915م.
بالرغم من تشكيل هذا المجلس إلّا أن آل كمونة ممثلين بالشيخ فخري والشيخ محمد علي لم يلتزما بمقررات المجلس وفرضا هيمنتهما على المدينة من خلال دفع أعوانهما لإحداث فوضى داخل المدينة، وترويج الإشاعات لتخويف الأهالي بأن الحكومة العثمانية عازمة على إقتحام كربلاء بمساعدة عشائر الدليم وعشائر بني حِسن، وأظهرا نفسيهما بأنهما اللذان سيدافعان عن المدينة، وكانا يوجهان أتباعهم بالتجمهر وإقامة العراضات والهوسات، فإنقسمت المدينة إلى قسمين، الغالبية ضد تصرفات آل كمونة، أمّا أتباعهم فكانوا في غالبيتهم من الكسبة الإيرانيين وبعض أفراد من أهالي كربلاء الذين كانوا يسكنون في محلتي المخيم والزينبية. ويقول المعمرّون في المدينة أن الهوسة الشهيرة التي لا زال أهل كربلاء يتندرون بها وهي: «شیخ فخري لا تخاف... كربلا كلها تفنکَه» و «شیخ فخري لا تخاف خیمکَه کلها فشنکَه»... كانت قد أطلقت في ذلك الوقت وكان يقود الجموع فيها ميرزا أغا محسن خان ومهدي الشابندر اليزدي وهما من شقاوات وأتباع بيت كمونة.
بعد أيّام قليلة من تشكيل المجلس الإئتلافي الذي أنيطت رئاسته إلى السيد عبد الحسين الكليدار وحدوث الإنشقاق بين زعماء البلدة فقد تحجج رئيس المجلس
بذلك والحقيقة أن السيد عبد الحسين الكليدار علم بأن الحكومة العثمانية ماضية على عن استرجاع سلطتها على المدينة، وكان لا يريد تحمل أي مسؤولية وأن يُبعد نفسه الأحداث فترك المدينة وذهب إلى بستان له في مقاطعة اليوسفية(1)(قرب القنطرة البيضاء) وإعتكف بها وترك المدينة منتظرًا لما ستؤول إليه الأوضاع، وحتى سلاحه الشخصي أودعه لدى أحد معارفه خوفًا من دخول العسكر العثماني وتفتيش داره وإتهامه بالتعاون مع العصيان!!، وهذا ما يؤخذ عليه رحمه الله لأنه كان سادنًا للحسين وعليه يتحتم القيام بأمور كثيرة للحفاظ على المدينة والعتبة المقدسة. أمّا مناوئو السيد الكليدار فيقولون بأنه هرب من المدينة خوفًا من آل كمونة، وأنه أرسل أحد أصدقائه الذي تربطه به علاقة مصاهرة وهو (الحاج محمود الاستربادي) التاجر المعروف في الكاظمية إلى الوالي لينقل له عدم علاقة له بما حدث في كربلاء وإنه معتزل في بستانه لحين تأسيس حكومة عثمانية في كربلاء!
ومنذ سقوط كربلاء بيد الثائرين في 15 شعبان وإنسحاب الحكومة منها، كانت حكومة بغداد على الرغم من إنشغالها بالحرب ضد الإنكليز الذين بدأوا يتقدمون من البصرة نحو بغداد، لم تترك الوضع المرتبك في كربلاء على ما هو عليه، بل أخذت ترسل البعوث والجنود إلى المسيّب حيث يتجمّعون، فأقلق ذلك الأمر أهلها، بالإضافة إلى إنتشار حمى الملاريا في كربلاء والتي مات بسببها الكثير، مع كل ذلك فإن الحكومة إرتأت أن تعالج الأمر بحكمة، وتبتعد عن استعمال القوة لإخضاع
1) مقاطعة اليوسفية تتكون من 79 بستان، تعود ثلثي ملاكتها وقفًا إلى مصالح الروضة الحسينية تصرف الإطعام الطعام ومساعدة الفقراء والمحتاجين وتزويج فقراء المدينة ومساعدة الزوّار ممن يحتاج إلى مؤونة السفر والرجوع إلى بلده وإلى إجراء بعض ما تحتاجه الروضة الحسينية من ترميم وإصلاح. والمتولي على ثلثي الملاكة كل من يتولى السدانة. والثلث الثالث من الملاكة يعود إلى بعض أسر المدينة ومنهم حمزة ونبيهة أولاد عبد الرزاق غريّب، وسهمان من الثلث إلى السيد عبد الحسين إشتراه شخصيًّا من أصحابه. وللسيد عبد الحسين بستان في المقاطعة له الفلاحة (المغارسة) فيها فقط ومساحتها تقارب 3 دونم. وعندما تشرفنا بسدانة الروضة الحسينية آلت التولية إلينا على ثلثي الملاكة
المدينة، كما أن المجلس الذي تم تشكيله يضم شخصيات المدينة، بحيث تمكنوا من السيطرة على الوضع الأمني فيها لحين إيجاد الحل المناسب مع الحكومة(1).
توسط العلماء والوجهاء لدى الحكومة، وقام الوجيه نائب كربلاء في مجلس المبعوثان المرحوم عبد المهدي الحافظ بدور الوسيط. فوافقت الحكومة على إصدار العفو العام شرط أن يتم إعادة ما يمكن إعادته من المنهوبات، وبناء ما نقض وأحرق من دور الحكومة.
وفي 16 رمضان أي بعد شهر من العصيان جاء خمسون جنديًا من المسيب صحبة الحاج عبد المهدي الحافظ ومعهم وكيلاً للمتصرف وعددًا من الجندرمة والموظفين. وعند وصولهم كربلاء إستقبلهم الأهالي بالترحاب وتوجهوا مباشرة إلى الروضة الحسينية المقدسة لزيارة القبر الشريف، وأمام تكية الددة صعد الحاج عبد المهدي الحافظ منبرًا كان بقرب التكية في الصحن وألقى خطبة دعا فيها الناس إلى إطاعة الحكومة وشكر حكومة الوالي التي تغاضت عن جميع الأعمال التي حدثت في كربلاء وإصدارها العفو عن المطلوبين.
بقي هذا المجلس يدير شؤون المدينة لفترة لم تدم سوى أربعين يومًا، من 17 شعبان 1333ه إلى يوم 27 رمضان 1333ه الموافق 29 حزيران 1915م إلى يوم 7 آب 1915م، وذلك بسبب حصول الإتفاق مع الحكومة في بغداد بعودة سلطتها على المدينة، وتم تعيين (محمود جلال الدين بك بابان) متصرفًا لكربلاء بالوكالة الذي لم يدم وجوده في كربلاء سوى مدة قصيرة، فقد نقل من كربلاء وتم تعيين متصرف جديد وهو (حمزة بك) وكان كردي الأصل.
1) كان والي بغداد عند حدوث العصيان في كربلاء هو سليمان نظيف بك، وبعد العصيان بيومين أي في 17 شعبان 1333ه صدر الأمر بعزله وغادر بغداد في 24 شعبان، وتم تعيين نور الدين بك بدلًا عنه وتم تحديد السلطتين الإدارية والعسكرية وإناطتها به، فأصبح هو الوالي والقائد العام للجيوش في العراق. وهو الذي اتخذ الإجراءات بعد التفاوض والوساطات بإعادة سلطة الحكومة في كربلاء
بعد الأحداث التي وقعت في كربلاء والتي غادر بسببها متصرف كربلاء سليمان ذهني وظيفته، حيث تشكّل مجلس الحكم المحلي الذي قام بتسيير أمور المدينة، وبعد الوساطات التي جرت بين الأهالي والحكومة والإتفاق على إعادة سلطة الدولة على كربلاء، عيّنت الحكومة متصرفًا بالوكالة جاء مع الوسيط المرحوم عبد المهدي الحافظ، هو (محمود جلال الدین بابان)، الذي باشر عمله من 1 آب 1915 إلى 30 أيلول 1915م، ولم يكن سراي الحكومة مهيأ ليكون مقرًا للمتصرف والموظفين، فقد اتخذ المتصرف بيت السيد هاشم الإشيقر مقرًا له وتم توضيب بعض الأثاث البسيط له. ولما وجد المتصرف الحالة التي هو فيها وأن رؤساء كربلاء ما زالوا هم المتنفذين وهم الذين يقومون بإدارة شؤون الأهالي وأن الأوامر تصدر عنهم، فلم يرق له الحال وطلب إعفاءه من مهمته وغادر كربلاء.
وبعد أن هدأت الحالة في المدينة إرتأت الحكومة وبعد شهرين من إستلام محمود بابان متصرفية كربلاء بالوكالة إلى تعيّن متصرف شديد ذو حنكة وهو (حمزة بك) ليتمكن من السيطرة على كربلاء، ولكنه أخذ يستعمل الشدّة والقسوة مما أدّى إلى حدوث مشاكل جديدة في كربلاء نتجت عنها واقعة أليمة أخرى سيتم الحديث عنها لاحقًا.
باشر حمزة بك بوظيفته في شهر ذي القعدة سنة 1333ه / 1 تشرين الأول 1915م إلى شهر أيار سنة 1916م.
كان تعيين حمزة بك في وقت كانت تسود فيه الفوضى في كربلاء، وأن الرعب والخوف كان باديًا على الأهالي وأن بعض رؤساء المدينة يتحكمون بأمورها، فقرر حمزة بك السيطرة على الأمور في المدينة بشكل تدريجي وجعل الأمور كلها بيده، وعفى عن الجندرمة الذين هربوا أيام العصيان، وإهتم بزيادة أعدادهم، وقام بمساعدته كل من طابور قومنداني علي ولي وثريا بك، كما أنه بدأ من الصفر في كربلاء
حيث أراد كسب ود العلماء والزعماء في المدينة، وبدأ بترميم دار البلدية بمساعدة الأهالي، وقام الجندرمة باسترجاع أثاث الدوائر الحكومية، وفي نفس الوقت أراد كسب ثقة الأهالي فقد منع الجندرمة من دخول المدينة بأسلحتهم، وأعطى لنفسه جانبًا كبيرًا من الهيبة للفت نظر الأهالي. وفي نفس الوقت بث العيون ليتحرى عن المسببين للأحداث في كربلاء، فقد خلص إلى أن آل كمونة كانوا هم السبب في ما حصل بكربلاء، واكتشف بأن لهم إتصالات بالإنكليز، فأخذ يتحيّن الفرص في داخله ليوقع بفخري كمونة وأعوانه.
وكانت المدينة حينها منقسمة إلى فئتين، وكل فئة متكونة من أحلاف عشائرية وعلى ذلك كان هناك صراعاً بين زعماء المدينة، فالغالبية كانت ضد آل كمونة. وكانوا ينظرون إلى الشيخ فخري كمونة بأنه يجمع الجموع ويؤثر على كسبة المدينة ويستعمل القوّة ضد مناوئيه، وهذا الصراع لم يهدأ في كربلاء وإستمر مدّة طويلة. وكان على حمزة بيك مسايرة الأمور حتى يتمكن من بسط نفوذه، فكان يساير الجميع على منهج واحد والأهالي لا يعرفون ما يضمره لهم المتصرف والذي عُرف بذكائه وشدّته في التعامل.
إشتدت المعارك بين الأتراك والإنكليز المتقدمين من الجنوب باتجاه بغداد، وقد كانت هناك عدة وقائع وتمّ إيقاف التقدم الإنكليزي عند الكوت، وكان الإنكليز يديمون زخمهم أمام القوات التركية المتصدية، وكان نور الدين بك هو القائد العام للفيالق العثمانية وفي نفس الوقت استلم مهام الولاية في بغداد ليجمع بين الإدارة وقيادة الجيش.
ففي شهر ذي الحجة 1333 ه (تشرين الأول 1915م) وجّه نور الدين بك نداءً إلى علماء الدين في كربلاء والنجف طالبًا منهم إعلان الجهاد، وحث القادرين على حمل السلاح للتوجه إلى ساحات القتال.
وفي كربلاء تم عقد تجمع كبير في صحن العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) دعا إليه علماء الدين وسدنة الروضتين ورؤساء وزعماء كربلاء. وكان التجمع في يوم 2 ذي الحجة 1333ه الموافق ليوم 30 تشرين أول 1915م، حضره عدد من علماء الدين في المدينة وأعيان كربلاء من السادة ورؤساء العشائر العربية فيها، والخطباء والشعراء. وحضر التجمع متصرف كربلاء (حمزة بك) والموظفين وقادة الدرك والجندرمة.
في بداية الإحتفال صعد المنبر السيد عبد الوهاب الخطيب المفتي السني في كربلاء، وإبتدأ بقراءة آيات من القرآن الكريم وتبعها بكلمة موجزة أرفقها بالدعاء للسلطان العثماني وبالنصر على الكافرين الغزاة البريطانيين. ومن بعده إرتقى المنبر السيد محمد حسن (روضخون) بن السيد محمد كاظم آل طعمة وكان من خطباء المنبر الحسيني المشهورين في كربلاء، وألقى خطبة على المتجمهرين وبيّن فيها معاني الجهاد في الإسلام مستشهدًا بالآيات القرآنية التي تحث المسلمين على الجهاد. وألقى بعده الشاعر الشيخ محمد حسن أبو المحاسن قصيدة بالمناسبة، وتبعه الخطيب الكربلائي الشيخ محسن أبو الحب وألقى كلمة حماسية مشيرًا إلى قبر العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بأن الجهاد سيكون تحت راية أبي الفضل العباس وبركته، وقد ختمها بالدعاء لنصرة المسلمين، وبعدها توجه الحضور إلى داخل الحرم وسط تكبيرات المتجمهرين وتعالت الأصوات ب(حي على الجهاد) وفي داخل الحرم قام السيد مرتضی آل ضياء الدين برفع راية العباس الخضراء الموضوعة على الضريح الشريف وقبلّها وسلّمها إلى المتصرف الذي قبلها وناولها ليد أحد السادة من الخدم الذي حملها وتقدم بها الجموع سائرين نحو الروضة الحسينية،
وعند وصول الجموع إلى صحن الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إستقبلهم السادن السيد عبد الحسين الكليدار وإصطف خدم الروضة على الجانبين يتقدمهم إثنان من الخدم حاملي الصولجان من الفضة ودخل الجميع إلى حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عندها تلى السيد السادن الزيارة في الإيوان القبلي وتلى الدعاء بنصر المجاهدين ببركة الحسين والعباس عليهما السلام.
وعند الضريح الشريف قدّم السيد السادن بموافقة العلماء الأعلام سيفًا كان معلقًا على ضريح الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ليسلّم إلى القائد نور الدين بك ويتقلده للبركة، وتسلّمه منه المتصرف وقبله وناوله للسيد الذي حمل راية العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وتمنطق به، وخرج من الحرم تتبعه الجموع إلى خارج الروضة الحسينية وساروا في طرقات المدينة والجميع يردد بالنصر والجهاد حتى وصلوا إلى مقر الحكومة (السراي) وأودعوا فيه راية العباس وسيف الحسين.
وفي اليوم التالي وصل كربلاء وفد من علماء النجف وسدنة الروضة الحيدرية وجلبوا معهم مصحفًا شريفًا من الروضة الحيدرية حمله أحد خدم الروضة الحيدرية ممثلًا عن السدانة ليهدى إلى القائد نور الدين بك. وبات وفد النجف في كربلاء ليتهيأ مع وفد كربلاء للذهاب إلى بغداد.
وفي صباح اليوم الثالث من التجمهر في صحن العباس وكان يصادف الخامس من شهر ذي الحجة 1333ه الموافق لليوم الثاني من تشرين الثاني سنة 1915م تحرك من كربلاء وفد كربلاء والنجف الذي ضم كل من:
1 - شيخ الشريعة الأصفهاني.
2 - السيد علي الداماد.
3 - السيد مصطفى الكاشاني.
4 - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.
5 - الشيخ جعفر الشيخ عبد المحسن النجفي.
6 - الشيخ عبد الكريم الجزائري.
7 - الشيخ حسين القطيفي.
8 - السيد محمد السيد كاظم اليزدي.
9 - الميرزا مهدي نجل الآخوند الخراساني.
10 - الميرزا محمد رضا الشيرازي
11 - الشيخ عبد الرضا آل الشيخ راضي
12 - السيد مهدي السيد حيدر(1).
13 - العلامة السيد محمد علي الطباطبائي
14 - العلامة السيد حسين محمد باقر القزويني
15 - الشيخ يحيى الزرندي(2).
16 - العلامة السيد محمد علي هبة الدين الحسيني
17 - الشيخ إسحاق الحاج حبيب
18 - الشيخ الأديب الشاعر محمد حسن أبو المحاسن
19 - السيد عبد الوهاب عبد الرزاق الوهاب
20 - العلامة السيد محمد علي بحر العلوم
21 - السيد جواد آل زيني(3).
وقد خرج الكربلائيون عن بكرة أبيهم يتقدمهم المتصرف (حمزة بيك) وكبار موظفي الحكومة والسادة والعلماء ورؤساء العشائر لتوديعهم في إحتفال مهيب
1) مجلة الأقلام الجزء الثالث من السنة الأولى جمادي الآخرة 1384ه / تشرين الثاني 1964م. والمجلة ذكرت الأسماء الإثنا عشر الأولى فقط
2) مذكرات السيد إبراهيم شمس الدين القزويني ص8 من الدفتر السابع، حيث ذكر الأسماء الثلاثة الطبطبائي والقزويني والزرندي وقال متأسفًا بأن مجلة الاقلام لم تذكرهم وكان من بينهم والده العلامة السيد حسين القزويني
3) الأسماء الستة الأخرى وردت عن مصادر متفرقة
رفعت فيه الأعلام ودُقّت الطبول وتعالت أصوات المكبرين والمهللين داعين بالنصر لجيوش المسلمين.
وصل الوفد إلى بغداد ومنها إلى الكاظمية حيث كانوا بضيافة أحد العلماء، وفي یوم 12 ذي الحجة 1333ه الموافق 9 تشرين الثاني 1915م غادر الوفد بعد أن وفد بهم من علماء الكاظمية يتقدمهم السيد مصطفى الكاشاني من بغداد مع القائد نور الدين بك في باخرة نهرية متوجهين إلى جبهة الكوت.
علماء النجف وكربلاء في الكاظمية قبل توجههم إلى جبهة القتال في كوت العمارة
وعندما رست الباخرة عند مقر قيادة الجيش الذي كان يقوده (خليل باشا) نزل الجميع، وفي مقر القيادة تقدّم السيد مصطفى الكاشاني وقلّد القائد نور الدين السيف وأهداه المصحف ورفع راية العباس الخضراء وسلّمها للقائد. وكان لحضور الوفد وتقليد القائد السيف والمصحف والراية وقع كبير في ذلك الوقت.
ويقول السيد إبراهيم شمس الدين القزويني في مذكراته المخطوطة: «وإني كنت معهم (أي برفقة والده السيد حسين القزوين والطباطبائي والزرندي) وعمري
حينذاك سبعة عشر سنة، وأنا بقيت في الكاظمية وهم سافروا يوم الأربعاء في مركب الخليفة إلى الكوت، ورجعت أنا إلى كربلاء. وعندما كنت في الكاظمية مع والدي السيد حسين القزويني ورفيقيه زرنا مستشفى خان الكابولي المملوء بجرحى الحرب، وأخذنا معنا سكائر وحلويات لتوزيعها على الجرحى ووزعناها...»(1).
وقد حدثت معركة سلمان باك التي إنتصر بها الجيش العثماني في يوم 23/22 تشرين الثاني 1915م على الجيش الإنكليزي، فشاع بأن هذا النصر كان ببركة المصحف المهدى من مرقد الإمام علي والسيف الذي كان على ضريح الحسين وراية العباس التي كانت توشح الضريح الشريف.
وإثناء النصر كان وفد العتبات المقدسة موجودًا وشارك قسم منهم في القتال مع المجاهدين الذين لبوا نداء الجهاد وجرح عدد منهم تم نقلهم إلى الكاظمية وبغداد. وإمتدادًا لهذا النصر في سلمان باك تقدم قائد الجيش (خليل باشا) نحو الكوت وضرب حصارًا شديدًا بدأه في يوم 27 كانون أول 1915م، وقد عانت جيوش الإنكليز من شدة الحصار والطوق الذي فُرض على الجيش الإنكليزي بقيادة الجنرال تاوزند (طاوزند)، حتى بدأت عملية عسكرية في يوم 16 نيسان 1916م لأسر القائد الإنكليزي وجيشه، وفي يوم 29 نيسان 1916م إضطر الجنرال طاوزند بالاستسلام وجنوده البالغ عددهم 13 ألف و 100 جندي كان منهم الكثير من الجرحى وقد أصاب الجميع الهزال من شدة الجوع ونقص المؤن والعتاد، وكان حينها وفد العتبات قد عاد من الجبهة وزُفَّ إليهم النصر في الكاظمية، حيث عقد تجمع كبير في الصحن الكاظمي وأذيع خبر استسلام القائد الإنكليزي وأسر جيشه ببركة هدايا العتبات المقدسة.
1) مذكرات السيد إبراهيم شمس الدين القزويني المخطوطة، ص10 من الدفتر السابع
وفي كربلاء أقيم إحتفال في الروضة الحسينية وحضره خلق كثير من الناس وألقى الأديب الشاعر محمد حسن أبو المحاسن قصيدة مطلعها(1):
سرت نفحة الظفر العاطره *** بأرجاء أوطاننا الزاهره
إلى أن يقول:
وسيف الحسين بإيماضه *** يرد عيون العدى حاسره
يصول به قائد باسل *** له البأس والسطوة القاهره
ترف على رأسه راية *** أَلاَ بوركت راية ظافره
ولمّا إعتصمنا بآل الرسول *** تجلّت لنا الآية الباهرة
عندما توسط المرحوم الحاج عبد المهدي الحافظ بين الحكومة التركية والأهالي، ورغبة العلماء والأشراف والأهالي بعودة الحكومة إلى مدينة كربلاء لإنهاء الفوضى فيها، فقد باشر متصرف كربلاء الجديد (حمزة بك) في ذي القعدة من سنة 1334ه، وتحديدًا في يوم 1915/10/1م، وأرسلت الحكومة التركية بعد تسنمه منصبه جندرمة إلى كربلاء بقيادة (دلة علي)، وكان معه قائد الخيّالة (ثريا بك).
كان الغرض من إرسال هذا المتصرف والجيش هو السيطرة بقوة واستعمال الشدة على أهالي المدينة لمنعهم من الثورة والعصيان، وقد مارس المتصرف (حمزة بك) أشد حالات القسوة ضد المدنيين، وحاول أن يفرض سيطرته على المدينة بإذلال رؤسائها، وأمر الجيش بأن ينتشر داخل المدينة، وأن يعامل الناس بشدة لأتفه الأسباب. بدأ الجيش يتصرف بشكل غير لائق داخل المدينة، وتعرض بعض أفراده
1) ديوان أبي المحاسن الكربلائي: الشيخ محمد علي اليعقوبي، ص 105 - ط 1 النجف، سنة 1383ه / 1963م
لحرمات الأهالي، وأخذ يستغل الكسبة... فعرض رؤساء المدينة الأمر عدة مرّات على المتصرف الذي لم يستجب إلى طلباتهم، بل ازداد عنفًا معهم مما جعل رؤساء المدينة أن يستعدوا للقادم من الأيام، وأن يقفوا بوجه هذا المتصرف وجيشه حتى لو استدعى الأمر إلى القتال.
وفي نهاية شهر ربيع الأول من سنة 1334ه / بداية شهر شباط 1916م طلب زعماء كربلاء عقد اجتماع في الروضة الحسينية المقدسة، وقد وافق السادن السيد عبد الحسين الكليدار على مضض لعقد الاجتماع في الروضة الحسينية ليبعد نفسه عن المشاكل مع الحكومة العثمانية، فعُقد الاجتماع في اليوم التالي ولم يحضره الكثير من رؤساء كربلاء، وفي نفس اليوم عقد اجتماع ثاني في دار السيد محمد مهدي بحر العلوم حضره القسم الآخر ممن لم يحضر اجتماع الروضة الحسينية. وفي اليوم التالي إتفق الجميع بعد أن تضاربت الآراء في الاجتماعين بخصوص الإجراءات التي يجب إتخاذها، وبعد أخذ ورد إتفق رؤساء المدينة تشكيل وفد من عدد من رؤساء وأعيان كربلاء لمقابلة المتصرف (حمزة بك)، والطلب منه في إيجاد حلول للأمور التي تحدث في كربلاء منها تصرفات المتصرف وإجراءاته الشديدة، وإيقاف تجاوز الجيش والجندرمة على الأهالي وخاصة عندما يقومون بأعمال التفتيش على الهاربين من الخدمة العسكرية حيث كانوا يتصرفون بوحشية مع الأهالي ويسلبون البيوت عند التفتيش، وبات الكسبة في المدينة يتشكون من الضرائب، كما أن تصرفات حمزة بك المقصودة حول بث التفرقة والنزاع بين رؤساء المدينة وغيرها من الأمور التي كانت أهمها هي تصرفات المتصرّف نفسه وعنجهيته وتجاوزاته على الكثير من رؤساء البلد. وقد علم المتصرف باجتماعات زعماء المدينة من بعض رجال الدين الذين كان لهم موقف سلبي في ذلك الوقت متحججين بأن الدولة مسلمة وتحارب الإنكليز فليس الوقت مناسب للتصادم مع الحكومة.
في الخامس من ربيع الثاني 1334ه المصادف لليوم السادس من شباط 1916م ذهب الوفد إلى المتصرف وإجتمعوا به وقدّموا له طلبات أهل المدينة العادلة، وساد نقاش طويل بين الطرفين وكان قائد الجندرمة حاضرًا.
لم يكن المتصرف مرنًا مع الوفد بل تحدث معهم بعنجهية مفرطة وأظهر العناد في حديثه مع المتكلمين وخاصة مع السادن السيد عبد الحسين الكليدار الذي خوله الوفد بالحديث، وقال له: «إنني أعلم بأن الأهالي يجتمعون في ديوان السدانة لإثارة أعمال شغب في وقت حرج وسوف أسعى لعزلك من السدانة»، فإنبرى له الحاج عبد المهدي الحافظ وقال بإمتعاض شديد على تهجم المتصرف بأن الدولة والحكومة العثمانية بأمس الحاجة إلى الأهالي في وقت تخوض فيه حرب ضروس ضد الإنكليز، وتصرفاتك وعنجهيتك تؤدي بك وبالحكومة إلى ما لا تحمد عقباه، والناس في الخارج في هياج وإذا ما ثاروا فلن تتمكن أنت ولا قواتك في المدينة إيقافهم، وستكون العواقب بسببك وخيمة.
وعندما لم يجد الوفد أي تجاوب من المتصرف غادروا الاجتماع وهم في حالة غضب عارمة على سوء سلوك المتصرف.
وهنا بدأت الاجتماعات في محلات المدينة، وبدأ الأهالي بالاستعداد لمواجهة الأتراك لعدم قبولهم الوضع السائد في المدينة. مضافًا لذلك تأثير الإنكليز وأعوانهم في كربلاء، وصرفهم الأموال لزعزعة الأمن في المدينة، وفي نفس الوقت كان الأتراك يواجهون معارك شرسة مع الإنكليز في أنحاء متفرقة من جنوب ووسط العراق... كل ذلك كان من العوامل المساعدة للقيام بالعصيان في كربلاء.
كانت صحة الحاج عبد المهدي الحافظ في تدهور في تلك الأيام، وخرج من الاجتماع مع المتصرف وهو في حالة غضب مما أثّرت على صحته فلازم الفراش وبعد
أيام قليلة إنتقل إلى رحمة الله، وكانت وفاته قد أحدثت حزنًا عميقًا في نفوس الأهالي لما كان يتمتع به الحاج عبد المهدي من موقع خاص وإحترام الناس له.
أمّا سادن الحسين السيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة ففضّل مغادرة المدينة في ربيع الثاني 1334ه إلى بغداد، مما تسبب في عزله من السدانة، ويقال بأن حمزة بك كتب إلى نور الدين بك الذي أمر بعزله، وقام السيد عبد الحسين بن السيد أحمد آل طعمة بإدارة شؤون السدانة بالوكالة لحين تنصيب الشيخ حميد بن محمد علي كمونة سادنًا للحسين. ولم يعد السيد عبد الحسين الكليدار إلى كربلاء إلّا بعد ثلاث سنوات وتحديدًا في محرم سنة 1337ه كما ذكرنا ذلك عندما أثبتنا توليته للسدانة.
لواقعة حمزة بك تفاصيل كثيرة كتبها الكثير من معاصريها رحمهم الله، وكثير من الذين دوّنوا الحوادث وما حصل في كربلاء قد ذكرها وفق تصوراته وميولاته، لأن المدينة وقتها كانت منقسمة على نفسها بسبب صراعات الزعامة على المدينة، وقد جمعنا ما تمكنّا عليه من معلومات عن الحادثة ولمدة طويلة، في فترة التسعينيات من القرن العشرين الميلادي عندما كنت سادنًا للحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وكلما كنت أجد فرصة للحصول على المعلومات من السادة والشيوخ من المعمرين في المدينة عندما كنت ألتقي بهم، لأن الحادثة كانت ذات أهمية كبيرة في تاريخ كربلاء وقد حدثت في زمن ليس ببعيد جدًا حتى تغيب الحقائق عنها، ورحم الله جميع الذوات الذين دونوها على مختلف مشاربهم وأهوائهم، ومع ذلك فقد كانت الواقعة تسطّر تأريخًا مشرّفًا للمدينة وأهلها، على الرغم من الضحايا والنكبات التي حلّت بها، وإلى القارئ الكريم نوجز التفاصيل بما يلي:
1 - الحادثة كانت نتاج لأحداث أعمال العصيان التي حدثت في كربلاء في زيارة النصف من شعبان سنة 1333ه (حزيران 1915م) والتي كانت من تدبير آل كمونة الشيخ فخري والشيخ محمد علي.
2 - محاولة الحكومة العثمانية السيطرة على مدينة كربلاء بسبب كثرة أعمال الشغب التي حدثت فيها والتي كانت نتيجة السياسة العثمانية الخاطئة والمتسلطة على مدينة مقدسة في غاية من الأهمية، وبالرغم من أن الحكومة قد جرّبت حظها عدة مرّات باستعمالها القوة والشدّة المفرطة لإخضاع أهالي المدينة وفشلت بذلك، ولكنها لم تبدّل سياستها ولم تعتبر بما حصل سابقًا، فتعمدت بأن تُعيّن ضابطًا كرديّاً معروفًا بشدتّه ودهائه وهو (حمزة بك) الذي إتبع في البداية وسائل وإجراءات في ظاهرها إعادة الأمن والأمان للمدينة وساكنيها وتجاوز ما حصل سابقا، ولكنه كان يضمر الشر بداخله.
3 - كانت كربلاء منقسمة على نفسها إلى فئتين، الأولى كان يقودها الشيخ فخري كمونة ويلتف حوله أتباع من بعض عشائر كربلاء والمناطق القريبة من مقر سكناه وديوانه، بالإضافة إلى بعض الكسبة البسطاء وغالبيتهم من أصول إيرانية، وأكبر العشائر التي كانت تسانده هي آل زنکَي وأفراد من المناكيش.
أمّا الفئة الثانية وكانت الأكثرية وأكثر رؤساء العشائر والمناطق في كربلاء وأفرادهم بالإضافة إلى غالبية خدم الروضتين كانوا مع هذه الفئة وعلى رأسها الشيخ عبد الرحمن العواد والشيخ عمر العلوان الوزني ورؤساء بني سعد والسلالمة والطهامزة والنصاروة وغيرهم الكثير. وهذا الإنقسام أتاح للمتصرّف حمزة بك أن يزيد من الخلاف بين الفئتين عن طريق سياسة (فرّق تسُد).
4 - كان رجال الدين قد وقفوا على الحياد لتجنيب المدينة مخاطر النزاع المسلّح، وقام الكثير منهم بدور الوساطة بين الحكومة والأهالي، كما أن المتصرف إستغل ذلك بدهاء وحاول التقرّب من رجال الدين بوسائل عديدة منها إظهاره لهم
الإحترام البالغ وتنفيذ ما يطلبون من وساطة يقومون بها، وهي سياسة لم تغب عن ذهن الأهالي.
5 - كانت الدولة العثمانية تخوض حربًا ضروس ضد الإنكليز الذين احتلوا البصرة ووصلوا إلى الكوت وهم يتقدمون نحو بغداد، وكانت مجاميع كثيرة من الكربلائيين قد فرّوا من الجندية فإستغلهم فخري كمونة بذكاء وإستمالهم إليه ليزيد من قوّته.
6- كان أصل العداء يكمن بين المتصرف حمزة بك والشيخ فخري كمونة، وكل واحد منها يريد الإيقاع بالآخر، على الرغم من أن حمزة بك حاول التقرب من فخري كمونة وأظهر له الوفاق ولكن فخري كان شديد الإنتباه لهذه الحالة. والسبب من موقف العداء هذا للمعلومات التي يحملها حمزة بك عن فخري كمونة عن أحداث العصيان السابقة، كما أنّ المتصرّف قد زُوّد بمعلومات أكيدة بإتصال فخري كمونة وشقيقه الشيخ محمد علي بالإنكليز الذين زودوه بالمال ليجمع الأتباع ويشتري السلاح بشكل سرّي.
7 - كان فخري كمونة لا يؤمَن جانبه، فهو شخصية غريبة حقّاً، والنفوذ، ذكي ومداهن ومتلون، ويحاول أن تكون المدينة كلّها تحت سيطرته، وهو لا يملك عشيرة كبيرة فإن آل كمونة قد نزحوا من الكوفة في بداية القرن الثالث عشر الهجري وهم أفراد قلائل، وتمكنوا من إستلام سدانة الحسين لفترة من الزمن وقويت شوكتهم في المدينة. فلم يكن فخري محبوبًا لدى بقية رؤساء وزعماء كربلاء وكانت خلافاته معهم كثيرة، وعلى هذا الأساس فإن الكثير من رؤساء كربلاء لم يقفوا معه في نزاعه مع المتصرف وقد أخذوا جانب الحياد، كما أنهم لم يستجيبوا للمتصرف عندما أراد التقرب إليهم بمساعدته للقضاء على فخري كمونة، فقد كانوا يحملون شهامة وأخلاق كريمة وعزة نفس ومتواضعين في سلوكهم على الرغم من أنهم ذو قوّة وبأس شديد واتحاد في الرأي.
8 - كربلاء تحيطها الكثير من العشائر، وحاول طرفي النزاع المتصرف وفخري كمونة إستمالة تلك العشائر، ولكن أغلب تلك العشائر كانت قد وقفت على الحياد إلّا القليل جدًا، بل إن بعض هذه العشائر كان لها موقف مشرف عندما قام المتصرف وعسكره بقصف المدينة محاولًا إخضاعها بالقوة.
9 - أمّا الكسبة وأصحاب الأعمال فكانوا بين نارين، لأن أرزاقهم تأثرت كثيرًا بما كان يدور في المدينة، وحالة الخوف لدى البسطاء من الناس كانت سائدة، فالكل يحاول ويتمنى أن لا يحدث شيء للحفاظ على أموالهم وأعراضهم.
10 - إجراءات حمزة بك في زيادة العسكر وجلب السلاح إلى المدينة كانت تنبئ بمخاطر، وعندما إستنزفت جميع محاولات التهدئة بين الطرفين والتي كان يبتغيها فقد أمر عساكره بالعدوان على المدينة وقصفها بالمدافع، فجلبت عليه الويلات فقد إتحد رؤساء كربلاء بأجمعهم وقاوموا العسكر وهزموهم شر ذلك هزيمة، ونتج عن هروبه شخصيًا من كربلاء منكسرًا وفقد السيطرة على القوة العسكرية التي إستنجد بها من بغداد، وعند هروبه تم سلبه في الطريق وهو متجه إلى المسيّب وحيدًا وإلتجأ إلى مقاطعة الصافية مكسورًا، حيث ساعده السيد جواد الصافي وأبلغه مأمنه.
11 - الغريب في الأمر أن الأحداث كلّها كانت بسبب فخري كمونة، وعندما نشب القتال إنهزم إلى خارج المدينة لينجو بنفسه، بينما وقف الأبطال من رؤساء كربلاء وساداتها ومقاتليها من أبناء المناطق كافة ودحروا العساكر وهزموهم ولم يدخل فخري كمونة المدينة إلّا بعد أن سيطر الأهالي عليها وفرار حمزة بك وعسكره منها!!!
12 - والأغرب من ذلك أن الشيخ محمد علي كمونة شقيق فخري كان في النجف قبل حدوث الواقعة وبعدها، ولم يرجع إلى كربلاء إلّا بعد فترة منها، وقد تحجج فخري أمام رؤساء كربلاء بأنه: «يقوم بمقاومة الحكومة للحفاظ على مدينة كربلاء وإلّا كنت قد ذهبت إلى أخي في النجف»!!
كانت قد حدثت في أطراف كربلاء الجنوبية في يوم 16 جمادي الآخرة سنة 1334ه الموافق 20 نيسان 1916م معركة في منطقة (الصنکَر) بين أصحاب البساتين من عشيرة آل سعيد الكربلائيين وبين رعاة أغنام من عشائر آل جميل تجاوزوا على البساتين، وقد سمع أهالي كربلاء أصوات الرصاص وإستمر الصدام حتى الصباح عندما خرج إليهم بعض أهالي كربلاء وأفراد من العسكر لمساعدة آل سعيد، فحصلت مقاومة بين الطرفين وقتل من آل جميل ثلاثة أفراد وتم أسر ستة منهم وتم نهب ما لديهم، وسيق الأسرى إلى المدينة وتم سجنهم. وقُتل من الكربلائيين شخص واحد.
وعلمت العشائر المحيطة بالمدينة بالحادث فقامت بإرسال (عراضات) إلى كربلاء وفق مبدأ التحالف، ومن هذه العشائر التي نزلت (بعراضة) داخل المدينة هي عشيرة (ألبو حويمد)(1)، فدخلت العراضة المدينة صباحًا من باب الخان بسلاحهم وساروا إلى منطقة الميدان التي تقع فيها دائرة البلدية التي اتخذت مقرًا للجندرمة، وهم يهوسون ويهزجون ويهنئون فخري كمونة، وهم متجهون إلى محلة المخيم ومن ثَمَّ إلى ديوان آل كمونة، فتصدى لهم قائد الجندرمة مع مجموعة من أفراده وطلب منهم إلقاء السلاح فلم يستجيبوا له وإستمروا إلى وجهتهم.
كان في منطقة المخيم مخفر للجندرمة يقع على شارع السور بين المخيم الحسيني ودار السيد عبد الحسين الكليدار وبينهما ساحة المخفر، وخلف المخفر بستان تعود للسيد عبد الحسين الددة. وأمام المخيم الحسيني والمخفر دار السيد عبد الحسين الددة بموازاة السور.
1) عشيرة البو حويمد من قبيلة (طفيل)، ويسكنون في بساتين قرية الطف (الجَرْيَة) التابعة لناحية الحسينية، ويرأس عشيرة البو حويمد الشيخ محمد كاظم نايف، وكان من رجالاتهم (مهدي الهنّون) وغيره ممن كانوا من أعيان المنطقة
دخل قائد الجندرمة في المخفر وأرسل في طلب فخري كمونة وعندما جاءه طلب منه تسليم رئيس عشيرة ألبوحويمد، فإمتنع، فحدثت مشادة بين الإثنين وكان رجال فخري قد إنتشروا على سطوح المنازل المحيطة بالمخفر بأسلحتهم كما دخل آخرون بستان الددة وقد إستعدوا لمقاتلة الجندرمة الذين كانوا قد تحصنوا في المخفر في حالة تطور النزاع. فتدخل بعض وجوه المدينة وعلى رأسهم الشيخ عمر العلوان الوزني لفض النزاع بين فخري وقائد الجندرمة (علي ولي بك) الذي حاول إلقاء القبض على فخري وحال بينهما الشيخ عمر وقد تجمع جمهور غفير من الكربلائيين في باب المخفر فتشجع فخري وتمكن من الإفلات من قائد الجندرمة ووصل إلى أتباعه، وعندها أطلق أحد أتباع فخري من سلاحه طلقة واحدة رد جميع الجندرمة على مصدرها بإطلاق النار وهربت الجموع التي كانت تشاهد الحادث وإستمر إطلاق النار بين الجندرمة وأتباع فخري المتحصنين في سطوح الدور المحيطة بالمخفر. وإستمر إطلاق النار عدة ساعات عندها قرر أتباع فخري الهجوم على المخفر واحتلاله وقد تمكنوا من ذلك وقُتل منهم إثنان وتمت السيطرة على المخفر وأسروا من فيه، وهجمت جموع غفيرة على المخفر ونهبوا السلاح والعتاد وحتى ملابس الجندرمة، وكان عدد أفراد الجندرمة في المخفر خمسون عسكري.
وكان هناك مقرًا ثانيًا للجند بالقرب من ساحة الإمام علي (البلوش) حيث كان يتجمع الجند في دارين تابعين للسيد هاشم الإشيقر والسيد محمد (سركشك)، وإثناء القتال الذي دار على مخفر المخيم كانت مجاميع من أهالي كربلاء قد اتخذت مواقع لها لتمنع العسكر من دخول المدينة، فتحصن (النصاروة) في بيت (سمنيّة) المشرف على ساحة الإمام علي، والمناكيش تحصنوا في دار مقابلة لداري السيد هاشم والسيد محمد حسن. بينما كان الملا خضر شويلية وأفراد عشيرته قد تجمعوا في سوق الميدان، بينما تجمع آل الحميري ومعهم أفراد من عشيرة الحاج إبراهيم أبو والدة الانباريين في باب النجف والميدان وهي المنطقة المقابلة للبلدية.
وبعد أن تم السيطرة على مخفر المخيم أخذ من فيه من العسكر وبينهم ثلاثة ضباط أسرى وتوجهوا بهم إلى ديوان آل كمونة، وتم إتخاذ المخفر مقرًا لفخري كمونة ومعه آل زنكي وآل عويد.
وقد هجم محمد علوان زنكي على دار السيد هاشم الإشيقر فتصدى له أحد الجنود وأرداه قتيلًا، وهو شقيق أحمد علوان زنكَي الذي كان أول من هجم على سجن السراي في حادثة النصف من شعبان.
سقط في هذه الحادثة من الجنود ما يقرب من عشرين من الجندرمة في مخفر المخيم. أما خسائر الأهالي فكانت ثمانية أشخاص وأربعة أطفال. وكانت غنائم الكربلائيين قرابة 150 بندقية وكمية كبيرة من العتاد.
في المساء توقف القتال واعتبر الأهالي ان هذه المعركة كانت نصرًا لهم، ولكن الوضع لم يستقر وطرفي النزاع الحكومة والأهالي كانوا قد اتخذوا تدابير أخرى، ودعا علماء المدينة إلى اجتماع في دار السيد محمد مهدي بحر العلوم يحضره جميع رؤساء المدينة لغرض التداول، وإتفقوا على تكليف السيد محمد مهدي بحر العلوم مع إثنين من الرؤساء ليتفاوضوا مع المتصرف لعقد هدنة ما بين الطرفين وإيقاف القتال، وبعد لقائهم به وافق على وقف القتال شرط أن يكون الأهالي هم الذين يبدأون الهدنة، فذهب الثلاثة إلى فخري كمونة الذي رفض في البداية إيقاف القتال ولكنهم أقنعوه فوافق على الرغم من تعنته.
وفي صباح اليوم التالي الجمعة 18 جمادي الآخرة زار علماء المدينة المتصرف وأكدوا له رغبة الكربلائيين بعقد الهدنة والصلح فوافق على ذلك، ونادى منادي في المدينة يأمر الأهالي بفتح محلاتهم بأمر المتصرف وعلماء المدينة وموافقة الشيخ فخري على الهدنة والصلح.
كان حمزة بك يخطط لأمر آخر هو تعزيز القوة العسكرية في كربلاء فقد كان قد طلب ذلك من ولاية بغداد، فتم الإيعاز إلى قوة كانت متوجهة إلى السماوة بقيادة
البكباشي (المقدم) إبراهيم حقي أدهم بك تعدادها 300 جندي خيّال و 250 جندي مشاة ومدفعين، أن تتوجه إلى كربلاء من المسيّب. فأرسل إلى بعض رؤساء المدينة المحايدين أمثال عمر العلوان الوزني والشيخ عبد الرحمن العواد وآخرين ورجاهم بأن يستقبلوا القوة حتى لا يتعرض لها أحد من الأهالي وأخبرهما إن هذه القوة تدخل كربلاء وهي في طريقها إلى النخيب فعرعر، وفي نفس الوقت رجاهم بأن يستمروا بأخذ جانب الحياد(1).
فقبل هؤلاء وخرجوا يوم السبت 19 جمادي الآخرة أي بعد يوم واحد من عقد الهدنة إلى مقاطعة بدعة أسود على طريق عون - كربلاء حيث كانت للشيخ عمر العلوان بساتين فيها، ورافقهم قائد سرية البغال ثريا بك، وتم استقبال القوة وقائدها الذي كان يرافقه الشيخ عبد المحسن السعود أحد شيوخ المسعود، ودخلت القوة كربلاء في ساعة متأخرة من ذلك اليوم.
ولكن هذه القوة قد اتخذت من دار البلدية في الميدان مقراً لها، فعرف الشيخ عمر العلوان والشيخ عبد الرحمن العواد بأن حمزة بك لم يكن صادقًا وأن هذه القوة نزلت كربلاء لتقوية موقف حمزة بك الذي وصلته قوة أخرى قوامها 600 جندي بقيادة سعيد أفندي من الفرقة العسكرية في المنتفك.
وأصبحت مجموع القوّة في كربلاء تقارب 2000 عسكري بين ضابط وخيال وجندي مشاة ومدفعي، وسلّم المتصرف قيادة العسكر إلى إبراهيم حقي (أدهم بك).
1) يذكر المرحوم الحاج سليم العواد في أوراق مذكراته أن الشيخ عبد الكريم العوّاد (وهو الشقيق الأكبر للشيخ عبد الرحمن والشيخ عبد الجليل والثلاثة أولاد الشيخ عبد الرزاق العواد) كان مسجونًا في بغداد وأن المتصرف حمزة بك أراد أن يستميل الشيخ عبد الرحمن إلى جانبه ضد فخري كمونة أو على الأقل استمراره على الحياد، فأخبره بأنه سوف يتدخل بقوة لدى الحكومة العثمانية بإطلاق سراحه وإعادته إلى كربلاء، إلّا أن الشيخ عبد الرحمن عرف بنيّات المتصرف ولم يخضع له وكان في مقدمة رؤساء كربلاء في محاربة حمزة بك على الرغم من فرار فخري كمونة الذي تسبب في كل تلك الأحداث
عندما علِم الكربلائيون بأن دخول الجيش من المسيّب لم يمر بكربلاء متوجهًا إلى النخيب كما أشاع المتصرف، واستقرار هذه القوّة في المدينة، كما شاهدوا وصول تعزيزات أخرى وصلت كربلاء من المنتفك، فتأكدّو بأن حمزة بك ينوي ضرب كربلاء وإخضاع رؤسائِها بالقوة، وحتى الذين لم يقفوا مع الشيخ فخري كمونة في واقعة مخفر المخيم على الرغم من أنهم لم يثقوا بمواقف فخري كمونة أصلًا ولا بوعود المتصرف، وعرفوا بأن موضوع الهدنة والصلح لن يستمر على ما شاهدوه، فقرروا الاتحاد وتهيئة الأمور والاستعدادات وأخذ الإحتياطات للمواجهة الحتمية حتى لا يكونوا ضعفاء أمام الحكومة وأن يحافظوا على مدينتهم وأهاليهم إلى آخر نفس.
وجد فخري كمونة أنه في موقف صعب إذا ما حدث شيء من العسكر، وهو عمر يعلم جيدًا بأن رؤساء كربلاء وفي مقدمتهم الشيخ عبد الرحمن العواد والشيخ علوان الوزني لا يرتاحون له وهناك فجوة كبيرة بينهم خاصة عندما قاد فخري العصيان في زيارة النصف من شعبان، ومحاولته أن يتسيّد المدينة، فقرر اللجوء إليهم. فقام بزيارتهما ليظهر لهما الود وتجاوز الخلافات وعمد على استرضائهما، وبعدها زار بقية زعماء كربلاء، وطلب من السيد محمد مهدي بحر العلوم أن يسعى لعقد اجتماع لرؤساء المدينة ليوضح لهم موقفه وإعتذاره مما قام به سابقًا عندما تعاون مع النجفيين وعشائر بني حسن في النصف من شعبان.
خارطة توضح مواقع حادثة يوم 17 جمادي الآخرة 1334 ه 210 نيسان 1916م
عُقد الاجتماع بشكل سري حتى لا تصل أخباره إلى المتصرف، ودخل الشيخ فخري كمونة حاملًا المصحف الشريف وبيده مسدسه، وشرح للمجتمعين سبب طلبه عقد الاجتماع، وطلب من الجميع الصفح والعذر على ما قام به سابقًا، ثم بكى وقال بأن المدينة تواجه جيش عثماني كبير وأنتم متورطون معي في التصدي للحكومة وأنه فرد وحده لا يمكن أن يقف ويتصدى ولا عشيرة له وأن القلة الذين يتبعونه لا يمكنهم أن يقفوا أمام العسكر، وإنه يمكنه مغادرة كربلاء والالتحاق بأخيه محمد علي في النجف، وإذا إستولى العسكر على المدينة لا يُبقي فيها ولا يذر، وحلف بالقرآن وأعطاهم مسدسه وقال لهم إقتلوني به أفضل من أن يقتلني عسكر الترك، وإني سوف أقاتل من أجل كربلاء وليس من أجل أسرتي. فصدّقوه وحرّروا وثيقة بأن يشكلوا مجلسًا برئاسته ويؤازره أعضاء المجلس التالية أسماؤهم:
1 - الشيخ عمر العلوان الوزني: نائبًا للرئيس.
2 - الشيخ عبد الرحمن العوّاد: عن آل العواد والأسر المتحالفة معه.
3 - السيد حسن السيد حمود آل نصر الله: ممثلًا عن السادة والأعيان.
4 - الشيخ عبد بن عبد العزيز الهر: عن الطهامزة الخفاجيون.
5 - الشيخ نايف برغش الكَمر: عن السلالمة.
6 - الشيخ عبد علي الحميري: عن آل حِمْيَر.
7 - الشيخ طليفح الحسون: عن النصاروة.
8 - الشيخ علي القنْبر: من شيوخ بني سعد.
9 - الشيخ مهدي بن حسين الشيخ طالب: رئيس منطقة البلوش.
10 - الشيخ إبراهيم أبو والدة: عن الأنباريين
11 - الشيخ كريدي الحاج ذرب: عن ألبو عامر
12 - الشيخ مرسول الصبّار: عن الزوينات
وإتفقوا على تشكيل مجلس من ثلاثة علماء برئاسة السيد محمد مهدي بحر العلوم ومقره في ديوانه الغرض منه فض النزاعات التي قد تحدث بين الأهالي.
بدأت استعدادات اهالي كربلاء حيث أخذوا يتحصنون في مواقع مهمة في مختلف مناطق المدينة استعدادًا لأي هجوم أو اعتداء، وقد جمعوا السلاح والعتاد ومواد التحصين والمؤونة، كما أن الشيخ محمد علي كمونة أرسل السلاح والأموال من النجف إلى شقيقه الشيخ فخري، وكثير من الرؤساء والأهالي أرسلوا عوائلهم خارج المدينة، وكثير من رجال الدين غادروها خوفًا من قوادم الأيام. كما أرسل المجلس مبعوثين عنه إلى رؤساء العشائر المحيطة بكربلاء يطلبون النجدة لمساعدتهم على الحكومة وفي حال عدم إمكانيتهم المساعدة رجوهم أن لا يقفوا مع المتصرف والعسكر وأن يلزموا جانب الحياد، فإعتذروا عن المساعدة ولكنهم تعهدوا بأن يكونوا على الحياد.
وبدلًا من احتواء الأزمة من قبل المتصرف (حمزة بك) بشيء من الهدوء والرويّة، أخذ يوزع مدافع جيشه خارج سور المدينة. وأرسل المتصرف إلى زعماء عشيرة المسعود وتمكن من أخذ وعد منهم بأن يقفوا مع الحكومة في حالة نشوب صراع داخل المدينة، ومن جهة أخرى أبرق إلى قائمقام الهندية باستدعاء رؤساء عشائر بني حسن وكَريط وآل فتلة والطفيل إلى مقر القائمقامية في طويريج ليجتمع بهم شخصيّاً، وتمكن من أخذ وعد منهم في حالة نشوب حوادث في كربلاء فإن هذه العشائر تقف معه ومع الحكومة ضد أهالي كربلاء.
بدا الوضع في مدينة كربلاء متأزمًا جدًا وقد طالت الهدنة المعقودة بين المتصرف والأهالي بدون أن يحصل أي إنفراج في المواقف، ووجد المتصرف أنه في موقف قوي، فقد وزّع عساكره و نصب مدافعه وأراد أن يلقي على رؤساء المدينة الحجة فكتب كتابًا في يوم الخميس الثاني من رجب 1334ه الموافق 4 مايس 1916م إلى علماء الدين في كربلاء وهم: السيد محمد صادق الطباطبائي والسيد علي نقي والسيد عبد الحسين
الحجة والشيخ محمد حسين المازندراني، وطلب منهم عدم التوسط بينه وبين زعماء المدينة وإنه مُقبل على أمر سيجعل من يتزعم المدينة من الأهالي عِبرة لغيره، وختم كتابه بعبارة «ومن أنذر فقد أعذر».
وإنتشر خبر هذا الكتاب في المدينة ولكن علماء الدين قابلوا المتصرف وإقترحوا مبدأ الصلح على أن يتم ذلك في اجتماع يُعقد في ديوان السيد محمد مهدي بحر العلوم يحضره المتصرف حمزة بك وبعض قادته وكذلك يحضر فخري كمونة وباقي رؤساء المدينة، فقبل المتصرف بذلك وأخبر العلماء بأنه سيؤجل ما كتبه لهم لحين ما سيؤول إليه الاجتماع.
وفي اليوم التالي عقد الاجتماع وبعد أخذ ورد تم الإتفاق على ما يلي:
1 - يتعهد فخري كمونة ومن كان معه في حادث مخفر المخيم بإرجاع البنادق والعتاد الذي سُلب من المخفر ومن العسكر وتسليمها إلى قيادة الجندرمة.
2 - أن يتم رفع الاستعدادات والتحصينات من قِبل الطرفين، وأن لا يقوم فخري وغيره من الرؤساء بأي عمل يؤدي إلى إضطراب الأمن ويؤثر على الحياة العامة في المدينة.
3 - طلب رؤساء المدينة بعدم السماح لدخول أحد من العسكر إلى المدينة وهو يحمل السلاح حتى لا يتعدى عليه أحد ويحسب ذلك عليهم، فوافق المتصرف على ذلك وطلب من جانبه أن يكون لقادة العسكر الحرية في دخول المدينة وعدم التصدي لهم، فوافق الرؤساء.
وبعد انتهاء الاجتماع بساعة واحدة نادى منادٍ على الناس بالتوجه إلى أعمالهم، وكل من لديه سلاح إغتنمه من مخفر المخيم والعسكر عليه تسليمه إلى رئيسه.
فجُمع السلاح بأكمله وقام فخري كمونة بتسليم القسم غير الصالح للاستعمال وأبقى النوع الجيد، فأخبر ثريا بك المتصرف بذلك فغضب حمزة بك على عدم تنفيذ الشرط الأول من الاتفاق، وقد إعتبر ذلك نقضًا لما إتُفق عليه، وكان ذلك
غاية ما يريده ليقوم بتنفيذ خطته بإخضاع المدينة بالقوة، فكتب في يوم الخامس من رجب 1334ه / 7 مايس 1916م إلى نفس العلماء الذين توسطوا للصلح وعقد الاجتماع، وأخبرهم بأنه نزل عند رغباتهم لأنه كان يحترمهم ويقدرهم ولكن رؤساء المدينة أخلّوا بوعودهم ووجب تأديب كل من يقف ضد الحكومة، وطلب من العلماء الانتقال من مناطقهم داخل المدينة ويتحولوا إلى محلة العباسية حتى لا يصيبهم مكروه مما سيقدم عليه. كما إنه أبلغ إلى بعض الأشراف والأعيان المحايدين إلى الانتقال إلى محلة العباسية وسيكونوا بحمايته، ولكن الجميع رفض ذلك وقرروا البقاء في المدينة القديمة. وفي نفس اليوم أرسل كتابًا إلى السيد محمد مهدي بحر العلوم توعد فيه أهل المدينة بأنهم إذا إستمروا في العصيان ولم يأتوه صاغرين فإن جنوده سيحصدون رؤوسهم.
فأبلغ بحر العلوم رؤساء المدينة بمضمون الكتاب، فكان ردّهم ليقوم حمزة بك بما يريد وسوف يرى ردّنا كيف يكون.
على الرغم من ذكاء ودهاء المتصرف لكن عنجهيته وميله للقوة أنساه أمور كثيرة منها: أن الوضع العام في البلد في ظل الحرب ضد الإنكليز كان متأزما، وإن وضعه في المدينة بالرغم مما جمعه من قوّة من العسكر والسلاح ليس بالمستوى الذي يمكّنه من الاستمرار في قتال أهل المدينة وهو يعلم أن الأهالي مستميتون للدفاع عن مدينتهم وأنهم يمتلكون السلاح ولهم قدرة على المقاومة، كما إنه لم يدرس جيّدًا تاريخ الوقائع التي حدثت في كربلاء عبر تاريخها.
قام المتصرف بإصدار أمر إلى إبراهيم حقي (أدهم بك) قائد قواته بأن يعزل جنوب المدينة القديمة من باب الخان إلى باب النجف، ويحتل خارج السور بجنوده ليعزل المدينة عن أي إمداد يأتيها من الهندية أو النجف. وقام بنصب مدفعين أحدهما أمام مدخل سوق الحسين مقابل دار سادن الحسين وفوهة المدفع باتجاه المخيم حيث تجمع فخري كمونة وأتباعه. ووضع المدفع الثاني في فسحة الميدان قرب البلدية ووجه
فوهته نحو باب النجف وسوق الميدان حيث يتجمع أتباع الشيخ عبد علي الحميري والحاج إبراهيم أبو والدة والملا خضر شويلية. وكان أتباع الشيخ طليفح الحسون رئيس النصاروة والشيخ مهدي حسين الشيخ طالب رئيس منطقة البلوش يتجمعون في بيوت زقاق البلوش.
«وجد أهالي المدينة بأنهم في وضع حصار وعلموا بأنّ الأمر سيتطور إلى المواجهة فذهب بعض المحايدين من شخصيات كربلاء إلى السيد محمد مهدي بحر العلوم ليتوسط لدى المتصرف، ولكنه رفض معتذرًا بأن وساطاته السابقة قد فشلت فذهبوا إلى السيد محمد علي آل ثابت ورجوه أن يتدخل في الأمر لتجنيب المدينة الويلات، فقبِل على شرط أن يأتي معه من أهل المدينة من له علاقات ثقة وصداقة مع المتصرف وهما السيد حبيب جواد بحر العلوم والسيد حسين بن علي الرئيس آل الوهاب ليكونوا شاهدين على ما يدور بينه وبين المتصرف، فتقدم الثلاثة من سوق الميدان ووصلوا مدخل العسكر قرب دار البلدية وقابلوا ثريا بك الذي أوصلهم إلى المتصرف، وتمكن السيد محمد علي آل ثابت من إقناع حمزة بك بعدم التعرض على المدينة وقصفها كونها مدينة مقدسة وأن غالبية الأهالي كسبة وضعفاء، فقبل المتصرف الوساطة على شرط أن يقوم فخري كمونة وأتباعه بتسليم البنادق إلى الحكومة وأمهلهم يومين (48 ساعة) وسوف يأمر العسكر بالبقاء في مواقعهم التي تواجدوا فيها وتعهد بعدم إطلاق طلقة واحدة خلال هذه المدة، وعند تنفيذ الشرط سوف يسحب العساكر ولن يتعرض للمدينة بسوء.
فرجع السيد محمد علي آل ثابت وقابل فخري كمونة فرفض الأخير تسليم السلاح وقال للسيد محمد علي أن المتصرف يريد من ذلك إضعافنا عندما يسحب السلاح، فإذا سلمناه السلاح أو لم نسلّمه فهو ماضٍ بضرب المدينة محاولًا إخضاعها. فتصلّب فخري في موقفه هذا»(1). وحدثت بعض الاحتكاكات بين الأهالي والجيش
1) من أوراق المرحوم السيد محمد سعيد محمد علي آل ثابت، نحتفظ بها مع غيرها مما أتحفنا من معلومات رحمه الله
داخل المدينة، وقد قابلها الأهالي بنفس الشدة، وانقسمت المدينة إلى قسمين، قسم أراد عدم الدخول في مواجهة مع الأتراك وهؤلاء من المتلونين والخائفين، والقسم الأكبر كان على أشد الاستعداد لمواجهة الحكومة الظالمة.
إنطلقت الشرارة الأولى يوم الخميس 7 رجب 1334ه الموافق 9 مايس 1916م بطلقة من حوض منارة العبد(1)موجهة صوب العسكر المتجمع في الشارع الممتد من باب النجف حتى المخيم، مما استدعى العسكر بالرد على مصدر الإطلاقة ثم بدأ بقصف محلة المخيم وإرتفع صوت إطلاق النار بين الأهالي والعسكر، وأول من قُتل من الأهالي هو مطلق الرصاصة من منارة العبد، فقد تم رصده من مقر العسكر وتم قنصه فسقط من المنارة إلى الصحن.
وباستمرار إطلاق الرصاص تم توجيه المدفع المنصوب أمام سوق الحسين والأمر بقصف دار فخري كمونة القريب من المغتسل المتجمع عنده الكثير من الناس لتشييع معتمد المرجعية فهرب المشيّعون. وتم قصف ديوان آل كمونة في الزينبية ودارت رحى معركة شديدة في محلة المخيم بين الطرفين.
تقدم العسكر باتجاه المخيم فترك المتحصنون مواقعهم وإنسحبوا إلى منطقة باب الطاق، وفي منتصف الليل تمكن فخري كمونة من الوصول إلى سوق الميدان حيث يتواجد الملا خضر شويلية وأتباعه فإشتبكوا مع العسكر الذي قام بقصف سوق
1) كان فخري كمونة قد وضع خمسة أشخاص من أتباعه في حوض منارة العبد الواقعة في الجهة الشرقية من صحن الحسين لمراقبة تحركات العسكر، وكان قد توفي في صباح يوم الخميس معتمد المرجع الديني السيد محمد كاظم اليزدي في كربلاء، وقد تجمع الناس في مغتسل المخيم الواقع على نهر الهنيدية من طرف محلة المخيم والقريب من دار فخري كمونة، ويقال أن الطلقة أطلقت بسبب وفاة معتمد المرجعية، على العادة الجارية بإطلاق النار عند وفاة أحد الوجهاء والرؤساء وكان مطلقها أحد أتباع الشيخ فخري كمونة
الميدان وبعض مناطق باب النجف وإستشهد عدد من المقاتلين في منطقة البلوش فإنسحبوا إلى سوق العرب.
وكانت هناك صفحة أخرى قام بها الكربلائيون من منطقة باب الخان حيث هجموا على العسكر يتقدمهم عبد علي الحميري وإبراهيم أبو والدة، ولكن كان تقدم العسكر سريعاً وسقط من الجانبين الكثير من القتلى. وتمكن العسكر من السيطرة على ثلاث محلات هي المخيم وباب النجف وباب الطاق، عندها علِم فخري كمونة بأنه قد خسر المعركة فآثر الهروب إلى منطقة (البوبيات) الحالية وسلك الطريق الموازي لنهر الرشدية ووصل إلى منطقة (الكَاضي) في الكمالية محتميًا عند عشيرة اليسار!!!
بعد هروب فخري كمونة وتركه كربلاء تلاقي مصيرها، وبدأ نزوح الكثير من الأهالي عن طريق عون - المسيب حيث وقف أمامهم من كلفه حمزة بك من شيوخ المسعود بقطع الطريق حتى لا تصل إمدادات من المسيب إلى أهالي كربلاء فسقط عدد من الكربلائيين قتلى وعادوا إلى المدينة، فكان الموقف كما يلي: العسكر يتقدم من جنوب وشرق وغرب المدينة، وفي شمالها كان ضغط عشيرة المسعود، وكانت مناطق باب بغداد (باب العلوة) وباب السلالمة وباب الخان وصحن العباس عليه السلام ما زالت بيد الأهالي ولم يصلها العسكر، فإنبرى الشيخ عمر العلوان الوزني شيخ الوزون وأسرع إلى الشيخ عبد الرحمن العوّاد وأخيه الشيخ عبد الجليل العواد وأخبره بالموقف الخطير وتقدم العسكر وهروب فخري كمونة من كربلاء، فقال الشيخ عبد الرحمن: «الموت أشرف من أن نتخاذل كما هرب الذي أوقد نار الحرب وفرَّ من المعركة، والعباس أبو فاضل اليوم نهاية الترك على أيدينا»، فأسرع ومعه الشيخ علوان الوزني بالإتصال برؤساء كربلاء وهم:
1 - الشيخ علوان الجار الله شيخ بني سعد.
2 - الشيخ نايف برغش الكَمر شيخ السلاميين.
3 - الشيخ عبد علي الحميري شيخ الحميرات.
4 - الحاج إبراهيم أبو والدة شيخ الإنباريين.
5 - الشيخ محمد شهيب رئيس آل معلّة.
6 - الشيخ طليفح الحسون شيخ النصاروة.
7 - الشيخ حمود ابن الشيخ مهدي رئيس منطقة البلوش.
8 - الشيخ مرسول الصبّار رئيس الزوينات.
9 - الشيخ كريدي الذرب شيخ ألبو عامر.
وحضر الجميع في ديوان ألبو عواد ومعهم أتباعهم وقرروا الهجوم على العسكر وتخليص المدينة من الترك ودحرهم، وأقسموا يمين (العباس) أن لا يتراجعوا، إمّا النصر أو الشهادة. وتمكنوا بعد ذلك من جمع فلول المقاتلين من المحلات التي احتلها العسكر، فتقدم الجموع الشيخ عبد الرحمن العواد إلى باب قبلة العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وطرق الباب بقوة وهو يصيح: «أبو فاضل يا أخو زينب اليوم يومك»، وقامت المجاميع بشن هجوم من محلة باب الخان لتطويق العسكر، وتقسمت المجاميع بحملة قوية تمكنوا فيها من الوصول إلى القسم الشرقي من محلة العباسية وقاموا بتطويق الجيش، وكان الهجوم على الشكل التالي:
قام الشيخ عبد علي الحميري والحاج إبراهيم أبو والدة ومجاميعهم بالهجوم من عمر باب الخان. بينما قاد الشيخ عبد الرحمن العواد وأخوه الحاج عبد الجليل والشيخ العلوان ومجاميعهم بالهجوم من وسط البلدة وباب العباس نحو العسكر، أمّا الشيخ علوان الجار الله السعدي والشيخ نايف البرغش والحاج محمد شهيّب والحاج عبد الهر ومجاميعهم فقد هجموا من باب السلالمة باتجاه باب الطاق والمخيم لكسر جنود حمزة بك، أمّا الشيخ طليفح الحسون والشيخ حمود بن مهدي وبقية المجاميع من الزوينات
وألبو عامر فكانت وجهتهم الهجوم على باب النجف، وكان على سور العباس والبيوت الملاصقة به قد تحصن السادة من آل نصر الله وآل ضياء الدين والعديد من الأسر العلوية من خدم الروضتين المقدستين يقودهم السيد محسن الطويل آل نصر الله، وهم يرمون العسكر، بشكل متواصل، وكانت حملة قويّة تعالت فيها أصوات الرصاص من جميع أنحاء المدينة، كما تعالت أصوات الرجال وزغاريد النساء وهنَّ يشجعن المقاتلين.
صورة المرحوم الشيخ عبد الرحمن بن عبد الرزاق آل عوّاد
كان العسكر يضرب بشدة وقد أصيبت ساعة العباس بإطلاقة مدفع كما أصيبت القبة الشريفة، وعندما وجد الكربلائيون بأن مدافع حمزة بك طالت صحن العباس، مما أهاج الأهالي وأخذوا يستبسلون في قتال الترك، وأخذ السجال بين الطرفين يدور بمعارك قوية من زقاق إلى زقاق وحاول الأهالي إخراج الجند من المدينة بعد أن قُتل منهم الكثير، وفي نفس الوقت أستشهد عدد من أبناء المدينة، ونتيجة الحماس الظاهر لدى الناس فقد أخذ الجند بالتراجع، وبعد اصابة قبة العباس فقد توقفت المدفعية عن
القصف وأخذ الجنود يهربون وهم يصيحون (عباس کَلدي) أي خرج العباس!!... وقد إستبسل الشيخ عبد الرحمن العواد في هذه المعركة وبقية زعماء المدينة.
تراجع الجند بشكل كبير وتوقف القصف ولكن المواجهة مستمرة، فوجد حمزة بك نفسه في موقف حرج، فحاول الإلتماس بعلماء المدينة الذين واجهوه برفضهم وإن لم يوقف القتال فسيقومون بإعلان الجهاد الشرعي. فإتصل بالسيد محمد مهدي بحر العلوم والسيد عبد الوهاب الوهاب بأنه أرسل ثريا بك أحد قادته ليكون بين العسكر وجماعة عبد الرحمن العواد وليخبر الناس بأن حمزة بك أمر بإيقاف القتال ولكن مجاميع الكربلائيين لم تتوقف حتى توسط عبد الوهاب الوهاب لدى الشيخ عبد الرحمن العوّاد متوسلًا ومحلفًا إيّاه بالعباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أن يوقف القتال وقد منَّ الله على الكربلائيين بالنصر على الترك، وحتى يتم سحب قتلى الطرفين حيث كانت الجثث منتشرة في أزقة وشوارع المدينة، وفي نفس الوقت وصل رسول من قِبَل علماء المدينة يرجو من الشيخ عبد الرحمن العواد بإيقاف القتال، فقبل بذلك وهدأت الحالة وإنسحب العسكر إلى ثكناتهم وهم يسحبون قتلاهم ويجرّون أذيال الخيبة والخسران. وكان ذلك في ليلة يوم الثامن من رجب 1334ه، حيث إستمرت المعارك يومين.
إحتفل الكربلائيون بنصرهم وقاموا بجمع جثث قتلاهم وإستمرت حراسة المناطق من قِبل المسلحين الليل بطوله، وكانت بحق وقفة جليلة لأهالي كربلاء في المعركة المشرّفة التي قادوها ضد ظلم وتهور المتصرف حمزة بك، وفي هذه المعركة بان الكربلائي الشهم الغيور من المتخاذل.
كان موقف العشائر المحيطة بكربلاء متباين، بين الحياد والمساعد للأهالي والمتعاون مع الحكومة ضد أهالي المدينة. فقد وقفت عشائر بني حِسن على الحياد ولم تتدخل في هذه الواقعة لا مع الحكومة ولا مع أهالي المدينة عدا عشيرة آل جِميل التي
ساعدت أهالي كربلاء وساهمت في القتال معهم ضد الحكومة. ومن العشائر التي ساهمت و ساعدت أهالي كربلاء هي:
1 - عشيرة اليسار وقد أعطت عدة شهداء.
2 - عشيرة آل جميل وهي الوحيدة من عشائر بني حِسن.
3 - عشيرة كَريط.
4 - عشيرة السعيد.
5 - عشيرة ألبو حويمد.
6 - عشيرة السادة العرد والساكنين على نهر المشورب في الهندية الذين قدّموا المساعدات من سلاح ومؤونة.
7 - عشيرة العبودة.
8 - عشيرة البهادلية.
9 - عشيرة النصاروة في المسيّب الذين قاموا بتزويد أبناء عمومتهم في كربلاء بما يحتاجونه لأن غالبية النصاروة يسكنون كربلاء ورئيسهم الشيخ طليفح الحسون أحد زعماء المدينة.
قبل أن يبدأ القتال في المدينة وكان حينها الشيخ عبد الرحمن العواد والشيخ عمر العلواني الوزني من المحايدين لخلافهم مع الشيخ فخري كمونة. فقد إتصلوا بعشيرة المسعود وطلبوا مساعدتهم في حال تأزّم الأوضاع في المدينة، وإستجاب عدد من المسعود ودخلوا المدينة، ولكن فخري كمونة لم يعجبه دخول المسعود، ولم يقبل بما قام به الشيخ عبد الرحمن العوّاد والشيخ عمر العلوان، وكانت هذه وكانت هذه من عنجهية فخري وتهوره، فقد إنسحب المسعود وكانوا متجمعين بالقرب من ديوان آل النقيب.
وبعد ذلك ونتيجة موقف فخري كمونة هذا وقف المسعود مؤازرين للمتصرف حمزة بك حيث إنقسم المسعود إلى قسمين، فالذين كانوا يسكنون قرب خان العطيشي أخذوا بتسليب من هرب من كربلاء خوفًا من العسكر والقتال. وكان قسم آخر من المسعود قد قطع طريق عون - كربلاء ليمنع وصول تعزيزات عشيرة النصاروة وغيرهم من المسيّب، وحدثت مصادمات بين الطرفين في هذا الطريق. وموقف المسعود هذا هو الذي أجج حماس عبد الرحمن العواد وعمر العلوان عندما وجدوا كربلاء قد حوصرت من شمالها بالمسعود ومن العسكر في الجنوب، وقررا الدفاع عن المدينة ضد الحكومة.
بعد إنتصار الأهالي على عسكر الحكومة وخذلان المتصرف حمزة بك، ذهب أتباع فخري إليه حيث كان في الكمالية، يخبروه بما آل إليه الأمر وطلبوا منه الرجوع إلى المدينة، فعاد محاطًا بأتباعه ولكن أغلب أهالي المدينة قد عرفوا بهروبه، وأراد بعودته أن يقوم بعمل ما، فقرر هو وأتباعه استغلال الكسرة التي حدثت في سدة السعلوّة على هور السليمانية لأن الموسم كان موسم فيضان وأن المياه ستصل إلى جنوب مدينة كربلاء، فأمر أتباعه بكسر سدة ترابية على نهر الهنيدية وإنساب الماء من خلالها وغمر أجزاء من محلة العباسية، ووصلت مياه سدة السعلوة أيضًا، فوجد المتصرف أنه وعسكره قد حاصرتهم المياه فأصدر أمره إلى العسكر بمغادرة ثكناتهم والتجمع في مدخل مدينة كربلاء شمال منطقة باب بغداد، وتمركز العسكر قرب قنطرة أم حديبة، وإلتحق بهم المتصرف حمزة بك.
كان إنسحاب القائد العثماني إبراهيم حقي بك مع عسكره من داخل المدينة مساء یوم 11 رجب 1334ه الموافق 13 مايس 1916م وعسكر قرب قنطرة أم حديبة
القريبة من باب بغداد وعند مدخل المدينة الشمالي، وبعد ساعات إلتحق به المتصرف حمزة بك على صهوة جواده ومعه اليوزباشي ثريا بك ويحيط بهم فوج من الخيّالة لحمايتهم، وعندما رأى المتصرف تجمع العسكر بمعداتهم طلب من قائد العسكر إبراهيم بك أن يشن هجومًا على المدينة من باب بغداد، وقد رفض قائد العسكر تنفيذ الأمر وحدثت مشادة بينه وبين المتصرف حمزة الذي هدده بمعاقبته من قِبل الوالي لعدم تنفيذه الأمر، فلم يَعر له إبراهيم بك أي إهتمام وأصدر أمره إلى العسكر بعبور قنطرة أم حديبة والتوجه إلى منطقة الهيّابي ومنها يتابع سيره عن طريق (عون) إلى المسيّب. ويقال بأن حمزة بك بقي حتى جن الليل في مكانه، ثم غادر المنطقة مع ثلّة قليلة من حرسه لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.
وفي حديث كان لنا مع المرحوم السيد محمد سعيد بن السيد محمد علي آل ثابت في بيته في حي الحسين في تسعينيات القرن الماضي، عن سبب مقتل عمّه المرحوم السيد محمد صادق آل ثابت (سبق الحديث عنه)، فقد تطرّق الحديث إلى موقف المرحوم محمد صادق مع حمزة بك فقال السيد محمد سعيد: كان السيد محمد صادق راجعاً من المسيّب إلى كربلاء وإلتقى في طريقه بالمتصرف حمزة بك وجرى بينهما حديث عتب فيه المتصرف على أهل كربلاء وما لقي منهم وأخبره أنه لو عاد إلى كربلاء سيهدم المدينة على رؤوس أهاليها. فقال له السيد محمد صادق وهو يشك بعودته: إذا رجعت إعمل ما تريد!!، كما أن السيد استفسر منه عن سبب مغادرته كربلاء بمفرده، فأخبره بأن لصوصًا لم يعرفوني سرقوا مني راحلتي وتخلصت منهم بعد أن دفعت لهم 35 ليرة ذهبية، وكنت قريبًا من (قلعة الصافية)(1)، فتوجهت إليها ونزلت ضيفًا عند
1) مقاطعة الصافية هي مقاطعة زراعية تقع في منتصف طريق كربلاء - عون، شمال فدان السادة، تعود إلى السيد مهدي بن جواد بن السيد صافي (جد السادة آل الصافي في كربلاء) بن السيد علي العطار، وكانوا قديمًا يشتهرون بلقب عطاطير زادة. وكان السيد مهدي من وجهاء كربلاء وملاكيها، وقد شيّد جامعًا مشهورًا باسمه يقع أمام باب الشهداء وكان ملاصقًا للصحن الصغير، وأزيل الجامع سنة 1979م لوقوعه في مشروع ما بين الحرمين. وأعقب السيد مهدي السادة جواد وحميد وصالح وحسون، والعقب من ولديه جواد وصالح فقط. أمّا السيد جواد بن مهدي الصافي فكان من وجهاء كربلاء وأعقب ولدين هما السيد مهدي والسيد كاظم وبنتًا واحدة تزوجها مصطفى خان بن أسد خان. وأعقب السيد مهدي ولده السيد شاكر. أمّا السيد كاظم فقد أعقب ولدين هما السيد وهاب والسيد محمد علي. أما السيد صالح بن مهدي الصافي فأعقب ولده السيد حميد الذي أعقب إياد وعباس
(السيد جواد الصافي) وأبدلت ملابسي عنده وزودني بهذا الحصان وبعض الزاد ومستلزمات أخرى، وأنا ذاهب إلى المسيّب للالتحاق بالعسكر ولجلب جيش لكي أهجم على كربلاء.
بقي حمزة بك بصفته لازال متصرفًا لكربلاء بالقرب من العسكر في المسيّب وترك قائد الدرك المحلي (علي أفندي) في كربلاء، وكانت السلطات قد منعت الدخول والخروج من المدينة، حيث إتفق (حمزة بك) مع (مسرور بك)(1)معاون خليل باشا على أن يمدّه بأربعة طوابير من عسكر قدِمَ من حلب قوامه عشرة آلاف عسكري، وخيّم قرب بغداد، إضافة إلى العسكر الذي يقوده إبراهيم بك الذي كان يعيد تنظيمه في المسيّب حيث إلتحق به طابور من عشيرة الجنابيين ومجموعة مقاتلين من عشيرة المسعود.
وإتفقا بمجرد وصول طوابير حلب إلى المسيّب يتحرك حمزة بك بجميع القوات إلى كربلاء لإقتحامها وإخضاعها، وقد سُرَّ حمزة بك بذلك وهو يعد العدّة ليثأر من الكربلائيين، وهو ينتظر قدوم العسكر من بغداد حتى خاب ظنّه عندما وصلت برقية من مسرور بك وبأمر من القائد العام تأمر العساكر التي تحركت من بغداد مع العساكر الموجودة في المسيّب بالتوجه إلى الكوت لمساندة الجيش الذي يحاصر الكوت بقيادة خليل باشا.
وفي كربلاء كان الأهالي يحتفلون بنصرهم ولكنهم كانوا متهيئين لكل طارئ، وكانت الفترة التي تلت الواقعة فترة فوضى عارمة في المدينة على الرغم من أن الأهالي قد إنتصروا على عساكر الحكومة وسوف نقوم بالحديث عن هذه الفترة المهمة لاحقًا.
1) هو معاون قائد الجيش العثماني في العراق خليل باشا الذي حارب الإنكليز في الكوت
كانت واقعة حمزة بك وكان أهل كربلاء يحلو لهم تسميتها ب(دكَة حمزة بك) إمتدادًا لمواقف الكربلائيين لنبذهم الظلم والتسلط الحكومي العثماني، ويتفاخر الكثير من أبناء المدينة الآن باشتراك أجدادهم وبطولاتهم فيها. وبعد هذه الواقعة قام الشيخ فخري كمونة وشقيقه محمد علي بالإتصال بالبريطانيين في البصرة واستلما من الإنكليز مبالغ نقدية لقاء تعاونهما معهم وشكّل فخري كمونة قوّة قوامها 100 شخص يحملون السلاح ليقفوا معه ضد الأتراك إذا عادوا.
بعد حادثة حمزة بك سيطر الشيخ فخري كمونة على كربلاء... ونشبت الفتنة من جديد في شهر أيار من عام 1916م بعد أيام من واقعة حمزة بك، وكانت عارمة وسفكت فيها دماء كثيرة. حيث إن فترة العصيان هذه على الحكومة العثمانية أظهرت إلى الوجود بعض الظواهر، منها استفحال الفوضى نتيجة انعدام سلطة الدولة، ونشوب العصبيات العشائرية، وظهور النزاع بين المحلات داخل المدينة.
فكان زمن الحرب زمن فتنة وسلب ونهب واضطراب وعدم استقرار. فقد وجدت ظاهرة مشينة وهي ظاهرة فرض (الإتاوة) أو ما يسميها العامة (الخاوة)، على المسافرين والتجار وحتى على زائري العتبات المقدسة...
وفي كربلاء أخذت الإتاوة تأخذ شكلها كونها مدينة وفيها أسواق وتعيش على التجارة والمهن والحرف الأخرى. فأخذت الأتاوة تجبى وتفرض على بعض سكانها من الميسورين والتجار وأرباب المهن، وخاصة من الذين لا يوجد لهم عمق عشائري أو قبلي... ومثال على ذلك حادثة يتداولها أهل كربلاء ولوقت متأخر، وهي أن شخصًا اسمه الحاج (حبيب أبو الأكفان) وكان كربلائيًا يتعاطى تجارة الحبوب، وعلم (فخري كمونة) بأن هذا التاجر يجني أرباحًا من تجارته، فأرسل إليه وفرض عليه أتاوة قدرها مائة ليرة ذهب عثمانية. ولما لم يقبل التاجر دفع الإتاوة أمر فخري
كمونة جلاوزته باحتجازه في سرداب ديوانه، وأوسعوه ضربًا، وبعد أن نال الضرب وافق على دفع الخاوة وأطلق سراحه. وبعد فترة علم فخري كمونة بأن أرباح هذا التاجر قد ازدادت ففرض عليه الإتاوة مرة أُخرى، مما اضطر الرجل إلى ترك بلدته وباع كلَّ ما يملك وهَجَرها.
كان فخري كمونة قد هرب من كربلاء في واقعة حمزة بك بعد أن أشعل فتيلها، ولولا وقوف زعماء كربلاء الذين ذكرناهم عند شرحنا للواقعة وإيقاف حمزة بك وعساكره بالمواجهة والقوة والبسالة التي ظهر بها الكربلائيون بزعامة الشيخ عبد الرحمن العواد والشيخ عمر علوان الوزني وغيرهما من الرؤساء، لكان المتصرف حمزة بك قد دمّر المدينة وأهلها، وعندما إنتهت الواقعة بإنتصار الكربلائيين على الحكومة المحلية ورحيل حمزة بك ومعظم عساكره من كربلاء إلى المسيب، رجع فخري كمونة إلى المدينة محاولًا الإستفادة من النصر الذي تحقق ليفرض نفسه مرّة أخرى محاولًا مسك زمام الأمور بيده وهذه طبيعة الجبناء المتخاذلين، وقد ساعده في ذلك شقيقه محمد علي الذي كان وقت الواقعة في النجف وعاد بعد ثلاثة أيام من إنتهائِها محاطًا بأتباعه.
فقام فخري كمونة وأتباعه بأعمال سريعة ليعيد سيطرته على المدينة متجاهلًا زعمائِها الذين حققوا النصر الكربلائي، وليقوم بدور المتسلط إستنجد بعطية أبو كلل من النجف وبعض العشائر المجاورة ليقفوا بجانبه في تحركه الجديد، وتوجه إلى من تبقّى من الدرك العثماني وقائده محاولًا إثارة مشكلة ليقوم بطرده من المدينة.
كان آمر الدرك العثماني (علي أفندي) الذي بقي في كربلاء عندما رحل عنها المتصرف حمزة بك، ومعه مائة دركي، وسبق وذكرنا عملاء الإنكليز في كربلاء واتصال فخري كمونة وأخوه محمد علي بهم سرًا، بقي هؤلاء يغتنمون الفرص لاحداث مشاكل تقلق الأتراك من جهة، والاستفادة الآنية والمستقبلية من جهة أخرى.
حدثت مشادة كلامية بين فخري كمونة وآمر الدرك علي أفندي كان سببها أن جماعة من أتباع فخري كمونة قد تجمعوا أمام سراي الحكومة، وأخذوا يطلقون النار في الهواء، فطلب علي أفندي من فخري كمونة منعهم وأخذ أسلحتهم، فامتنع فخري وخرج من السراي، فأمر علي أفندي جنوده بإطلاق النار عليه، فردّ أتباعه بالمثل، وسقط من الطرفين ما يقارب الثلاثون جريحًا، وعندها ساد الرعب في كربلاء، وأرسلت الحكومة ثمانين جنديّاً مجهزين بالقنابل اليدوية.
عندها استنجد فخري كمونة بالعشائر المجاورة، وإنضم إليه (عطية أبو كَلل) النجف مع بعض أتباعه، وحاصروا سراي الحكومة ومخافرها، ومنعوا بيع الأطعمة للجنود والسقي من نهر الحسينية.
وساعدت عشيرة المسعود فخري كمونة بإحداث (كسرة) في سدة الفرات وإنهدر الماء فائضًا على كربلاء ودخل البلدة وغمر القسم الشرقي منها. كان ذلك 12 أيار (مايس)، وفي يوم 14 أيار أصبح الجنود مطوقين بين الماء والأهالي والرصاص ينهمر عليهم من منائر العتبات وشبابيك الدور وشرفات السور، فإنسابت المياه وطوقت المدينة عدا قسمها القديم، وهو مرتفع عن ما حوله، وسقط ضابطان جريحان وقتل ثلاثة جنود وجرح أربعة.
ولضيق أزقة المدينة القديمة وصعوبة حركة الجنود فيها والمدافع والعجلات، مما اضطر الجنود للإنسحاب من كربلاء بعد أن حملوا معهم موظفي الحكومة ووثائقها.
ولأن أطماع فخري كمونة لا يوجد لها حد فوجّه أنظاره إلى الروضة الحسينية المقدسة محاولًا إغتنام الفرصة للاستحواذ على السدانة وكان في حينها قد تم عزل السادن السيد عبد الحسين الكليدار وقام بأعمال السدانة أحد أفراد عشيرته، وهو السيد عبد الحسين بن أحمد بن حسن بن سلیمان بن درویش آل طعمة، فأجبر نائب الكليدار وعائلته وأفراد آخرين من أسرته بالإكراه على مغادرة المدينة، وبالفعل قد إرتحل هؤلاء تحت التهديد إلى المسيّب بعد أن لاذوا بديوان آل شويلية، الذين
أوصلوهم إلى المسيب بحماية أفراد من عشيرة النصاروة، وأراد إستلام السدانة ولكن سادات كربلاء ورؤساءها تدخلوا بشدة وكادت أن تحدث بين الطرفين مصادمات، ومنعوه من تحقيق غايته، وكان للملا خضر شويلية موقف لا ينسى في ذلك اليوم.
ومن الأعمال الشائنة التي قام بها فخري كمونة هو جرأته على نبش قبر السيد كاظم الرشتي المدفون في الروضة الحسينية. وقام بحرق دار السيد عبد الحسين الكليدار ومكتبته، وكذلك دار السيد قاسم الرشدي ومكتبته، وهجم أتباع آل كمونة على دار السيد أحمد محمد علي آل طعمة المللقّب (خبز شعير) وقتلوه غدرًا وكان من المجاهدين الذي حاربوا الإنكليز مع رجال الدين. وغيرها من الأعمال الوحشية.
والحقيقة عن هذه الحوادث هي أن أغلب أهالي المدينة لم يكن راضيًا على تصرف فخري كمونة وأتباعه. إضافة إلى مخاوفهم من إنتقام الحكومة القادم بعد انتصارها على الإنكليز في معارك (الكوت).
ويُنقل عن المرحوم العلامة السيد هبة الدين الحسيني أنه كان راجعاً من الكوت إلى كربلاء ومعه السيد أبو القاسم الكاشاني بعد إندحار الإنكليز في الكوت وأسر الجنرال (طاوزند)، وكانا قلقين على مدينة كربلاء لعلمهما بوجود عملاء لبريطانيا في كربلاء وخشيا على أهل المدينة من أن يقعوا في شباك هؤلاء العملاء بعد أن تم إخراج العثمانيين من المدينة، وعندما وصلوا المدينة وجدوها كما كان يدور في خلدهم، فالمدينة تغلي بالمشاكل والتجاوزات من آل كمونة وأتباعهم وأن العشائر التي تساندهم تسرح وتمرح فيها، وكانت (المس بيل) قريبة من كربلاء ونازلة بضيافة قبيلة عنزة في تلك الأيام وتتجول في أطراف كربلاء، وشاهدا بأن آل كمونة وخاصة الشيخ فخري قد إنفرد بالسلطة في كربلاء وإتبع سياسة البطش ليرهب خصومه.
إستمر آل كمونة بإتصالاتهم مع الإنكليز الذين كانوا يمنونهم الأماني ويرسلون لهم الأموال ليجمعوا بها الرجال والسلاح، وقد علمت السلطات العثمانية بذلك وقررت الإنتقام من آل كمونة الذين علموا بإنتصار الجيوش العثمانية في الكوت،
فذهب محمد علي كمونة يستنجد بالسيد (محمد كاظم اليزدي) الذي كان حينها المرجع الأعلى في النجف، ليتدخل لدى (أنور باشا) قائد الجيوش التركية، وكذلك تدخل السيد (مهدي الحيدري) في الكاظمية لدى (أنور باشا) ، فوافق الباشا على رجاءه، وذهب بوفد إلى كربلاء يرأسه السيد مهدي يضم السيد عبد الحميد والسيد أحمد والسيد راضي ومعهم الشيخ عبد الكريم الجزائري، والميرزا محمد رضا الشيرازي، والشيخ عبد الحميد الكليدار (سادن الروضة الكاظمية)، وإثنين من رجال الحكومة هما حلمي بك وحامد أفندي.
وصل الوفد إلى كربلاء في 30 أيار 1916م، وخرج الناس لاستقبالهم وهم يظهرون الندم، وكان يوم وصول الوفد هو يوم ذكرى (المبعث) في 27 رجب، فقال أحد الكربلائيين يخاطب السيد مهدي: «كما أن الله بعث جدّك الأعظم في مثل هذا اليوم رحمة للعالمين، فقد بعثك اليوم رحمة لنا»(1).
واجتمع الوفد برؤساء كربلاء، فأظهروا الطاعة وهم ينتظرون عودة الحكومة، وليست لهم شروط، وإعتذروا عمّا فات، وأكدوا السبب كان المتصرف (حمزة بك) وعلي أفندي ونعمان أفندي الأعظمي، وأنهم يخشون من هؤلاء بأن يسمموا أفكار الحكومة عن أهل كربلاء(2). فطمأنهم أعضاء الوفد بتعيين حكومة جديدة في كربلاء.
إنتهت بذلك سيطرة فخري كمونة وأخيه محمد علي على كربلاء، وعينت الحكومة العثمانية متصرفًا جديدًا هو (جلال بك). الذي كان متصرفا لكربلاء سنة 1327ه / 1909م.
المرحوم الشيخ عبد الكريم هو النجل الأكبر للمرحوم الشيخ عبد الرزاق العواد رئيس آل العوّاد الشمريين في كربلاء، والشيخ عبد الكريم يُعد من رجالات كربلاء مع أخويه الشيخ عبد الجليل والشيخ عبد الرحمن، وكانت له مواقف مشهورة ضد العثمانيين وحكمهم في كربلاء، يتميّز بالبطولة والشهامة وتنقاد له عشيرته ومن يحالفها.
صورة المرحوم الشيخ عبد الكريم بن عبد الرزاق آل عوّاد
ونتيجة لمواقفه ضد العثمانيين قاموا بسجنه في بغداد وكادت الحكومة أن تنفّذ به حكم الإعدام، ولم يهتز لذلك وكان أخواه في كربلاء يقودان مجاميع أبطال المدينة وخاصة في حادثة حمزة بك التي أشعلها الشيخ فخري كمونة وعندما حمى الوطيس ترك المدينة هاربًا إلى الكمالية!! بعد فترة قصيرة من حادثة حمزة بك إرتأى العثمانيون إطلاق سراح الشيخ عبد الكريم والذي إعتبروه أشد المناوئين للشيخ فخري عدوّهم في كربلاء، ولأن الشيخ عبد الكريم له شعبية واسعة بين رؤساء المدينة وسكانها،
فإنه قادر على الوقوف ضد آل كمونة، ولكن الأتراك لا يعرفون أخلاق الشيخ عبد الكريم، فمهما كانت الخلافات بينه وبين آل كمونة ولكنه كان يضع مدينته أمام عينه ولم يشأ أن يكون أداة بيد العثمانيين. ومع ذلك فقد تم إطلاق سراحه في أيلول 1916م/ 1335ه.
المرحوم الشيخ محمد رضا الشبيبي هو من أبرز أعلام العراق، فكان له في العمل الوطني القومي النصيب الوافر في حقبة مهمة جدًا من تاريخ العراق الحديث والأمة العربية إمتدت لما يزيد على نصف قرن منذ أن كان العراق يرزح تحت الحكم العثماني وكان جزءاً من سلطته الواسعة مرورًا بالاحتلال البريطاني، وبما بالحكم سمي الوطني. كان يدعو إلى الحرية ويناضل في سبيلها، ويرحل مندوبًا عن العراقيين ليبلّغ صوتهم خارج العراق. كان العلامة المرحوم الشبيبي من أبرز شعراء العراق الحديث، وله ديوان شعري طبع في القاهرة سنة 1940م.
شارك في التصدي للبريطانيين بعد دخولهم العراق سنة 1914م، وحضر معركة (الشعيبة) التي خُذل فيها العثمانيون وبعدها إنتحر قائد الجيش (سليمان عسكري). وشارك العلامة الشبيبي في الوزارات العراقية إبّان ما يسمى بالحكم الوطني بعد أن أصبح للعراق كيان وحكومة. وكان من المؤسسين للمجمع العلمي العراقي سنة 1934م.
1- هو: محمد رضا بن الشيخ محمد جواد بن محمد بن شبيب بن إبراهيم بن صقر الجزائري، والجزائر من بطائح الجنوب وهي (الجبايش) الحالية قرب الناصرية في جنوب العراق. ولد في مدينة النجف من أسرة عربية عريقة يوم الإثنين 6 رمضان سنة 1306ه / 1889م. يرجع نسبه إلى فخذ (المواجد) من قبيلة بني أسد، ولقب الشبيبي نسبة إلى (شبيب) جدّ أبيه. توفي ببغداد يوم الجمعة 2 شعبان سنة 1385ه المصادف 1965/11/26م ونقل جثمانه إلى مدينة النجف ودفن بها.
وخلال مسيرته العلمية والأدبية والجهادية الطويلة سجل له التاريخ صفحات ناصعة بيضاء، وعُدّ من رجالات العراق الوطنيين ذوي المواقف المشرفة على الدوام.
كان بالإضافة إلى كل ذلك قد قام برحلات عديدة إلى مدن العراق وبلاد الشام والقاهرة والمغرب الأقصى وغيرها، وقد دونها في مذكراته التي نشرت أقسام منها في بعض المجلات، وقد تصدّى ولده الأستاذ أسعد الشبيبي بإعداد مذكراته والتعليق عليها.
الشيخ محمد رضا الشبيبي في شبابه
وما يخص رحلاته العديدة إلى مدينة كربلاء، فقد دون المرحوم العلامة الشبيبي الكثير عنها، وذِكْره كربلاء كان جزءاً مهمًا من تاريخ المدينة المقدسة خاصة في أوائل القرن العشرين الميلادي. ومن مذكراته خلال الأعوام 1332 - 1336ه / 1914 - 1917م، ننقل ماورد في مذكراته عن كربلاء ورحلاته إليها فيقول:
«... ما تسامع العراقيون بحادثة النجف المتقدمة(1)حتى صاروا يتوقعون أمثالها في بقية المدن العراقية لاستعداد النفوس للشر، غير أن العثمانيين حكّام العراق إضطروا إلى الإعراض عن تطلب البلط أي الفرار من الجندية وتساهلوا في أشياء غير ذلك، فأخلد الناس إلى السكينة لمّا رأوا من ضعف شأن الحكومة حتى أن أهل البلاد أصبحوا في الحقيقة حكام بلادهم، فلم يروا من حاجة إلى إبعاد العمال والمستخدمين اللهم إلاّ أهل كربلاء، فإنهم في أوائل ليلة 15 شعبان سنة 1333ه، هاجموا دار الحكومة وناجزهم الدرك وبعض الجند قليلًا، ولم يكونوا أكثر من أربعين جنديًا ثم سلّموا، فأضرم الثائرون النار في دار الحكومة ودار البلدية ودار البرق والبريد وبعض المدارس السلطانية (الرسمية) كل ذلك تقليدًا لأهل النجف دون أن يكون في البين باعث مشروع لإلقاح الفتنة، ولذلك إستذلّ كلّ أهل العراق فعلة الكربلائيين هذه، وطعنوا من أجلها الطعن المرّ الذي أصبح أو باشهم أهلًا له، خصوصًا وقد شاع أنهم إرتكبوا ما لم يرتكبه النجفيون من المنكرات، وقد سلبوا النجفيين أمتعتهم وأثاثهم وجميع ما يخصّهم.
ومن الغريب أنهم لم يتمكنوا من حماية بلدهم فدخلها الأعراب وأهل البادية والغرباء ونهبوا دور الكربلائيين أنفسهم، أي الفرس منهم غالبًا، ما يوازي 200 دار في (كربلاء الحديثة) - يقصد بها محلة العباسية - ولذلك أصبح هذا القسم الجميل من المدينة موحشًا صفرًا من سكانه الذين هجروه إلى كربلاء العتيقة التي لا يسكنها إلاّ أشباه الأموات.
1) حادثة النجف بدأت في 8 رجب سنة 1333ه حيث هاجم النجفيون ثكنات الجيش العثماني بسبب رفضهم النفير العام الذي أعلنته الحكومة التركية، وإستمر القتال ثلاثة أيام حيث سيطر المهاجمون على المدينة وإستسلمت القوات الحكومية إليهم. وفي 13 رجب تم الصلح بعد أن تم تغيير المسؤولين فيها
وقد دام النهب والتعرض في شوارع كربلاء أيامًا، وذلك لضعف الثائرين وسوء تدبيرهم حتى أنهم ثاني يوم الحادثة فتنوا ما بينهم نزاعاً على المنهوبات، وتراموا في حرم المسجد الحسيني فجرح وقتل منهم جماعة.
ومن أهجن أفاعيل جهالتهم تعرضهم للمستشفى البلدي وتشعيثهم إيّاه ونهبهم أدواته وأمتعته مما لا يكاد يفعله العدو بعدوّه، ولكن الجاهل عدوّ نفسه، وهذا المستشفى من أنفس المعاهد الحديثة النافعة في العراق وخصوصًا في كربلاء البلدة الموبوءة الفاسدة الهواء، وقد أنشأ على الطراز الحديث، خارج البلدة من جهة الجنوب الغربي، وأنفقت عليه أموال طائلة وكان الفراغ منه سنة 1332ه.
وعلى أثر هذه الحادثة إنقطعت المواصلة بين كربلاء وبغداد، وعُزل والي الولاية، وتحامل أهل السنّة في دار السلام على شيعتها بالكلام، وظهرت بوادر التدابر والتنابذ في وقت أكبر حاجتنا فيه التواصل والتوادد ودفن الأحقاد والأضغان.
مازالت حكومة بغداد منذ يوم 15 شعبان تنفذ البعوث والجنود إلى المسيّب بعد حادثة كربلاء فأقلق ذلك أهلها، فعادوا إلى مفاوضة الحكومة العثمانية في العود، وتردد في ذلك نائبهم (عبد المهدي الحافظ) فصدر العفو العام عنهم وعن أهل النجف مصدرًا بإرادة الناحية السلطانية.
ففي 16 رمضان فصل عن المسيّب إلى كربلاء خمسون جنديًا مع النائب الكربلائي فإستقبلهم عامة الأهلين، وقد إشترط العثمانيون في إصدار الصلح إعادة ما يمكن إعادته من المنهوبات، وبناء ما نقض وأُحرق من دور الحكومة، وقد ورد كربلاء وكيل متصرف وشحنة وغيره من العمال والأعوان.
وفي يوم 5 شوّال ورد إلى كربلاء المتصرف الجديد (محمد حمزة بك) الذي تصرف في الناصرية إلى أن فتحها الإنكليز»(1).
يذكر المرحوم العلامة الشبيبي في مذكراته عن كربلاء سنة 1333ه / 1914م، بأن وباءً إنتشر في كربلاء وهو حمّى خبيثة فتكت بأهلها وسمّيت ب(حمّى كربلاء) لإنتشارها بها، فيقول: فشت هذه السنة في كربلاء حمّى خبيثة فتكت بأهلها فتكًا ذريعاً وبالزوّار والمترددين حتى سرت إلى بغداد والنجف وسواد العراق، فأتت على خلق كثير ودامت طويلًا حتى سمّيت (حمّى كربلاء) سببها تطامن أرض كربلاء وكثرة المستنقعات المتعفنة والبعوض فيها. وقد أعان على فشوّها هذه السنة فشوّاً لا يُعرف له نظير كثرة تبطح المياه وقلة العقاقير الطبية وإهمال العناية بالصحة العامة لإضطراب البلدة وفقدان الأطباء. وكانت وطأتها تخفّ وتشتدّ أحيانًا، بدأت في رجب ثم هانت وإشتدت وطأتها في رمضان أيضاً، وما زالت بين قوّة وضعف إلى اليوم أي 17 ذو الحجة سنة 1333ه.
وقلّ من سلم منها ممن دار عليه محيط كربلاء، فكنت ترى الباعة والمحترفين والفقراء يأتون في الحوانيت والشوارع وقد لا تمشي بضع خطوات حتى تلاقيك بضع جنائز، وبلغت الوفيات في كثير من الأيام أكثر من 200 نسمة، وأحصي عدد الوفيات بين رجب وذي الحجة فكانت 11000 أكثرهم من الفقراء.
عصر اليوم 17 من ذي الحجة سنة 1333 ه، قِدم النجف متصرف كربلاء محمد حمزة بك، ونزل على السيد علي بن السيد محمد سعيد الحبوبي(2).
جاء في مذكرات الشبيبي أن معركة نشبت بين آل جميل وهم من العشائر المتجمعة مع العشائر المسماة بني حسن حيث يقول:
«وفي يوم الخميس 17 جمادي الثانية سنة 1334ه / 1915م تناوش آل جميل من بني حسن مع أهل كربلاء وقُتل جماعة»(1).
يذكر الشبيبي عدة حوادث ووقائع حدثت في كربلاء سنة 1334ه / 1915م، ومن خلال سرده لتلك الحوادث فهو يعطينا تفصيلًا عن الوضع غير المستقر داخل المدينة أكان بين الأهالي والحكومة التركية، أو بين الأهالي أنفسهم.
ويستشف من ذلك أن النزاعات جميعها كانت إمّا رفض للحكم العثماني أو بسبب الزعامات داخل المدينة، فيقول العلامة الشبيبي عن (فتنة كربلاء) ما يلي:
«وقد عظمت فتنة كربلاء التي بدأت يوم الخميس(2)17 بقيت إلى الإثنين، ونشبت الحرب بين المقيمين في كربلاء وبين العرب من أهلها، فصار أفراد الدرك من جهة وأهل كربلاء معهم بعض العشائر من آل المسعود وغيرهم من الجهة الأخرى. وذلك أن قائد الدرك رآهم متظاهرين يطلقون النار، فطلب من عميدهم فخري الحاج مهدي كمونة(3)منعهم وأخذ أسلحتهم فلم يفعل، وخرج فأمر الدرك بإطلاق النار عليه ففعلوا ذلك وفعل جماعته مثل ذلك، وقُتِل جماعة من الفريقين قيل ثلاثون وقيل أكثر، وسخّر الثائرون مخفرًا أسروا فيه من الجند وقتلوا بعضهم وإنقطع الطريق بين كربلاء والنجف كما إنقطع في فتنة النجفيين وبني حِسن».
وبعد فتنة كربلاء هذه يذكر الشبيبي حادثة أخرى سماها بواقعة كربلاء حيث يقول: «قتل فيها من الكربلائيين أربعون، ومن الجند ثمانية ومثلهم جرحى ثقيلة جراحهم، ثم وردت المسيّب نجدة إلى الجند من بغداد فرضخ القوم لحكومة كربلاء وإصطلحوا على ما قيل»(1).
ويذكر المرحوم الشبيبي الفتنة الثانية التي حدثت في كربلاء ويقول بأنها إستمرت عدة أيام بدأت يوم الخميس 8 رجب سنة 1334ه، ولكن للأسف كان السرد في المذكرات لم ينطبق على الواقع الذي عرف عن هذه الحادثة لدى أهالي المدينة الذين لم تنقطع أحاديثهم عن هذه الواقعة لزمن طويل، وقد نقلها لنا الكثير ممن عايشوها وإشتركوا فيها، فهي واقعة (حمزة بك) على اسم متصرف كربلاء الذي قصف المدينة بالمدافع وإستباح المدينة جنده مما إضطر أهلها للدفاع عنها وعن أنفسهم وأهليهم وتمكنوا من طرد الأتراك من المدينة وعلى إثرها تم نقل حمزة بك بعد هروبه وقد أصاب المدينة الدمار والكثير من القتلى حتى من النساء والشيوخ والأطفال، وحتى الذين جاءوا لمساعدة الكربلائيين قاموا بنهبها بإعتراف الشبيبي حيث يقول: «في يوم 12 رجب سنة 1334ه، وفي يوم الجمعة 16 رجب سنة 1334ه، ورد المشاهدة (يقصد النجفيون) ومعهم أحمالهم من المنهوبات التي نهبت من أهل بهم كربلاء...»(2).
ومن مشاهداته الشخصية عند زيارته لمدينة كربلاء، يتحدث الشبيبي عن إشتداد البرد فيقول: وفي يوم الجمعة 15 ربيع الأول، إشتدت وطأة البرد إشتدادًا يقلّ إتفاقه في العراق ونزل برد قليل، وكان في كربلاء أكثر، وقد مات كثيرون رفقًا».
في سنة 1916م / 1334ه ساد في كربلاء وإنتشر مرض (حمّى الملاريا)، وكان وباءً خطيرًا إنشغل الناس به عن السياسة ومكائدها وعن المشاكل والنزاعات داخل المدينة، ويقال بأن الوفيات قدرت بربع أهل البلدة، وقد زادت وفشا فتكها في ربيع الأول سنة 1334ه، وقد ذكر بعض ثقاتها أن مجموعة الوفيات فيها بلغ: 40000 ألفًا، أي نصف سكانها أو أكثر، لأن الإحصاء أثبت أن نفوس الكربلائيين 75000 نسمة.
وانتشرت المستنقعات حواليها، حتى شملت البساتين التي تحيط بها، وقد سُدَّ نهر الحسينية خوفًا من تبطح المياه... والغريب أن البرد إشتد في تلك السنة، وسقط الثلج في كربلاء وهو شيء غريب لم تألفه المدينة مما زاد من عدد الوفيات.
بعد الفتنة التي حدثت في كربلاء حيث عيّنت الحكومة (جلال بك) متصرفًا لكربلاء، لم يبقَ جلال بك متصرفًا في كربلاء غير خمسة عشر يومًا، عندها عيّنت الحكومة العثمانية متصرفًا جديدًا هو (أسعد رؤوف بك)، ووصل مع موظفيه في شهر تموز 1916م، وسارت الأمور بشكل هادئ، وعهدت رئاسة البلدية وكالة إلى السيد عبد الوهاب عبد الرزاق وهاب آل طعمة، كما عين العثمانيون الحاج علوان الوزني عضوًا في مجلس إدارة كربلاء، وعبد الستار الجلبي عضوًا في المجلس البلدي.
إستمر أسعد رؤوف بك في وظيفته متصرفًا لحين احتلال الإنكليز لبغداد في 11 آذار 1917م، فترك كربلاء في 20 جمادي الأولى 1335ه/ 13 آذار 1917م. وكان آخر متصرف مُعيّن من قبل الحكومة العثمانية في كربلاء.
في تلك الأيام العصيبة التي كانت تمُرُّ بالمدينة، وجد أن هناك نشاطا فيها لعملاء الإنكليز وجواسيسهم. وينقل الدكتور علي الوردي ما جاء في مذكرات (حسام الدين نظمي بك) الذي كان يرأس مصلحة مقاومة الجاسوسية في العراق ما نصّه:
ونعتقد بأن الممارسات والشعائر التي تتعدى المألوف هي من بناة العهد الصفوي. «... أن الإنكليز أرسلوا آنذاك إلى كربلاء جاسوسًا خطيرًا منهم اسمه (ادکار وود)، وأخذ هذا الجاسوس يسعى مع أعوانه لإلقاء بذور الفتنة في تلك البلدة المقدسة... ومقابل ذلك أرسل الأتراك جاسوسة تركية هي (صد برك كمال خانم) وكانت تحترف الرقص في بغداد باسم (جهان خانم) لمكافحة دسائس (أدكار وود)، وكان هذا الأخير قد علم بها وأراد القضاء عليها عن طريق شخص من أعوانه اسمه (عبدة بن جوزي) فنجت باعجوبة وتمكن الأتراك من إلقاء القبض عليه وإعدامه في بغداد شنقًا بتاريخ 1 تشرين أول 1915م»(1).
ويُذكر أن محمد علي كمونة إتصل سرًا بالسر برسي كوكس في تشرين أول 1915 طالبًا من الإنكليز أن يتعهدوا له بتنصيبه حاكمًا وراثيًا مستقلًا في ولاية مقدسة تمتد من سامراء إلى النجف.
وكانت القوات الإنكليزية مشغولة بالزحف نحو بغداد، فأرسل كوكس إليه ردّاً وديًا لالون له مع هدية مالية صغيرة أثارت إمتنانه، ثم تُرك الأمر على هذه الحالة مؤقتًا لأن إنسحاب القوات الإنكليزية من سلمان باك بدّل الموقف السياسي بأجمعه، ولكن الإنكليز ظلوا على إتصال بالشيخ محمد علي كمونة، وواصلوا إرسال المال إليه من وقت لآخر ليساعده ذلك على الاحتفاظ بأتباعه والتمسك بموقفه في كربلاء(2).
لابد من وقفة مجردة من أي خصومة شخصية أو محاباة لأحد، ولكن للحقيقة المتداولة عند من عاصرناهم وسمعنا من أخبار تلك المرحلة من مراحل حياة وتاريخ المدينة المقدسة، فإن الحال يؤكد بأن آل كمونة وهم من بني أسد، إرتحل جدهم من الكوفة بعد أن حمل لقب (السادة آل كمونة) وهم من قدماء سدنة وخدام مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وآل كمونة في النجف سادةً أجلاء، كان جدهم المرحوم السيد محمد كمونة حاكمًا على كربلاء والنجف في فترة من الفترات، وكانوا وما زالوا من وجهاء النجف ويتشرفون بخدمة زوّار الإمام علي عليه السلام...
ولهم أملاك وضياع بظاهر الكوفة، وكان جد آل كمونة الأسديين في كربلاء يعمل عند السادة آل كمونة في النجف والكوفة (سركالا)، وذهب عليه لقب الشهرة أسد، هذا (كمونة)، ولكنه غير علوي وهو من آل مراد من بني وعند إرتحاله إلى كربلاء تزعم بني أسد فيها الذين يتواجدون بكثرة في المدينة.
إستغل آل كمونة الأسديين موقعهم في كربلاء، وطمعوا في سدانة الروضة الحسينية وقد نالوها في فترة قصيرة من الزمن بعد واقعة غدير دم (نجيب باشا)، باسلوب مشين ومعروف بين الأهالي ومتداول في الكتب التي أرخت الحادثة والتي ذكرناها في محلها من هذا الكتاب.
وللأسف الشديد وفي زمن محمد علي وفخري كمونة قام هذان الأخوان بأعمال لا تتوافق مع الخلق العربي الأصيل، وقد استعملوا أعمال مشينة لتحقيق مصالحهم ومآربهم الشخصية دائمًا، محاولين استغلال الظروف من خلال الحوادث التالية:
أ. استجلابهم الفسقة والشقاوات والقتلة واعتبارهم من أتباعهم.
ب. زيادة قوتهم وأموالهم عن طريق قبول الكثير من الإيرانيين وجعلهم من بني أسد لزيادة أتباعهم... وهناك (هوسة) معروفة تنقل عن هؤلاء عند وقوفهم مع فخري كمونة في صراعاته وخصوماته مع بعض عشائر وبيوتات كربلاء وهي: «شيخ فخري لا تخاف كربلا كلها تفنكَة»!!
ت. طمعهم في سدانة الروضة الحسينية بطرق غير لائقة.
ث. نتيجة لطمعهم في سدانة الحسين وعندما تم عزل السيد عبد الحسين الكليدار فقد تجرأوا على وضع اليد على مقاطعة اليوسفية لأن ثلثي ملاكتها تصرف لمصالح الروضة الحسينية والسادن هو المتولي وكل من يتولى السدانة، معتبرين إنها من أملاك السادن(1).
ج. الصراع فيما بينهم على تولي السدانة والنزاع الدائم على رئاسة الأسرة والاستحواذ على الأملاك حتى وصل الأمر إلى قتل بعضهم من أجل ذلك.
ح. عداوتهم التاريخية لآل العواد ومن يحالفهم، وآل العواد من البيوتات الوطنية والعربية العريقة في المدينة، لغرض السيطرة على كربلاء، والتاريخ لا زال يذكر لآل العواد مواقفهم الوطنية وتضحياتهم بشيء كبير من الفخر والإعتزاز. وأدّى نزاعهم الدائم مع عشيرة آل عوّاد إلى وقوع حوادث كثيرة تأثرت بها المدينة وأدّت إلى إنقسام أهلها إلى مجموعتين.
خ. اختلافهم ومعاداتهم لبيوتات السادة العلويين في المدينة، وكثيرًا ما ذكرت حوادث عن خطفهم لبعض السادة من خدم الروضتين وسجنهم في سرداب دیوانهم وقد قتل بعضهم غيلة إثناء حبسهم، وكثيرًا ما نقل عن تدخل عشائر المدينة لتخليص آخرين من قبضتهم. لأن السادة كانوا يعارضون أعمالهم على الدوام ولا يقبلون بها.
د. قتلهم العلامة السيد أحمد وفي نجل السيد كاظم الرشتي (الرشدي) عام 1295ه/ 1878م، عند باب السدرة وهو خارج من الصحن الحسيني بعد صلاة العشاء وقتل معه مرافقوه، وذلك بتحريض من محسن كمونة، بعد تهديده المسبق بقتله ومعه السيد جواد آل طعمة الذي سعى السيد أحمد وفي الرشتي بتعيينه، بعد أن كان يطمح الحاج محسن كمونة بالسدانة.
1) مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي ورحلاته، ص113
ذ. قتلهم المرحوم السيد محمد صادق آل ثابت، الذي كان من أشراف مدينة كربلاء، ويقف ندّاً لهم، وقد دبروا له مكيدة عندما كان عائدًا إلى كربلاء ممتطيًا فرسه من المسيب التي كانت له أملاك فيها، وعند وصوله منطقة الهيابي كمن له بعض أعوانهم وأردوه قتيلا.
ر. قتلهم المرحوم السيد أحمد بن محمد علي بن مرتضى آل طعمة المعروف بلقب (خبز شعير)، فقد أرسل آل كمونة ستة من أزلامهم وهجموا على داره وقتلوه غيلة وهو نائم في فراشه، وذلك في رمضان سنة 1334ه، وقد ذكر أسماء بعض القتلة مؤلف مدينة الحسين وهم: رضا قره الصباغ الإيراني، وحسون باقر، ومهدي الشابندر.
ز. تعاونهم مع الأتراك، حيث لم يكن لهم أي دور يذكر في الوقائع التي جرت بين الأهالي والحكومة العثمانية وخاصة في واقعة المناخور وواقعة نجيب باشا (غدير دم). بل استغلوا الأمر مع الأتراك لصالحهم. وتعاونوا مع الإنكليز. وفرضوا الأتاوات وعملوا بالتهريب لمصلحة من يدفع لهم اكثر الترك أم الإنكليز. وسنشرح ذلك لاحقًا.
عند وصول أنباء سقوط بغداد بيد الإنكليز في 11 آذار 1917، ورد أمر قائد الجيش التركي (خليل باشا) إلى متصرف كربلاء (أسعد رؤوف بك) بالانسحاب من كربلاء مؤقتًا والالتحاق ب(أحمد بك أوراق) قائد القوات التركية لمنطقة الفرات الذي كان قد خيّم في (الفلوجة)، فكتم المتصرف هذا الأمر خوفًا من إشاعة الفوضى وحفظًا على الموظفين من الاعتداء عليهم حتى لا تتكرر ر صور حادثة النصف من شعبان سنة 1333ه.
كان المرحوم السيد عبد الوهاب الوهاب آل طعمة حينها عضوًا في مجلس إدارة اللواء وكان يقوم بمهام رئاسة بلدية كربلاء بالوكالة، وتربطه بالمتصرف علاقة جيدة، فقد أباح له المتصرف بالأمر الذي وصله من قائد الجيش، وطلب مشورته وإعطاء الرأي لصيانة كربلاء كي لا تحدث فيها الفوضى، وكان يعتزم المتصرف تنفيذ الأمر الوارد إليه، وبعد أن تداول معه الرأي، رغب أن يبعث على سادن العباس السيد مرتضى ضياء الدين وطرح عليه الأمر أيضًا ودار حديث بينهما لتجنب أي أزمة في المدينة فقد إستمع إلى رأيهما، وقرر المتصرف أن يُسلّم المدينة وزمام الأمور فيها بيد زعمائها، وفي صباح اليوم الثاني أرسل إلى زعماء كربلاء وقد أبلغهم بقراره، فقد أوكل إدارة البلدة إليهم حتى يخرج منها مطمئنًا مع موظفيه، فتسلّم هؤلاء دور الحكومة والأسلحة والأعتدة الموجودة في المخازن، وإقتسموها فيما بينهم، وعينوا موظفين مؤقتين لجباية الضرائب.
وعند خروج المتصرف ودّعه أهل كربلاء، ورافقه قسم منهم إلى المسيّب. وقد أهداه السيد (مرتضی آل ضیاء الدین) سادن العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بغلة ثمينة مسرجة بسرج فضي لتقله في سفره، مع خيمة ووسائل الراحة للسفر... فخرج الكربلائيون لتوديعه ورافقه قسم منهم إلى بلدة المسيّب ومعه الموظفين الأتراك فقط وتأخر عنه العراقيون منهم.
ترك (أسعد رؤوف بك) كربلاء يوم الإثنين 19 جمادي الأولى سنة 1335ه / 12 آذار سنة 1917م، وكان آخر متصرف تركي يتولى إدارة شؤون المدينة. وإلتحق بالقوات التركية المنسحبة من مناطق أعالي الفرات. وبذلك إنتهى حكم العثمانيين الذين حكموا العراق ما يقارب من خمسة قرون.
فتولّى الشيخ محمد علي كمونة السلطة التشريعية، وتولى الشيخ عبد الرحمن العواد السلطة التنفيذية.
يقول المرحوم السيد عبد الرزاق الوهاب في كتابه (كربلاء في التاريخ)... بأن العراقيون عامة والكربلائيون خاصة والمفكرون وذوي الرأي الحصيف منهم بالأخص، بقوا في ريبة من أمر الحكومة الجديدة (يعني الإنكليز) إذ لا يعلم ما يصدر منها، وما عسى أن يكون مستقبل هذه البلاد عند نشوب مخالبها فيها حتى يوم 19 آذار 1917م عندما عُلّقَ منشور الجنرال (مود) (قائد الجيوش الإنكليزية التي احتلّت بغداد) على الجدران وتهافت أهل كربلاء على قراءته بين متفائل ومتشائم، ومنهم من قال: «لو كانت مواعيد بريطانيا صادقة لأعطت الهند استقلالها»، ومنهم من يؤمن ويصدّق مضامين المنشور بدليل اتحاد الشريف حسين مع الإنكليز، ومن بنود الاتفاق منح استقلال العراق(1).
1) كربلاء في التاريخ: السيد عبد الرزاق الوهاب، الجزء الثالث المطبوع فقط، ص9 - ص10، مطبعة الشعب، بغداد سنة 1353ه / 1935م
وأصبح مشايعو الإنكليز يذيعون في كربلاء وغيرها بنزول غضب السر برسي كوكس وانصباب نقمته على رأس كل من لم يهنئهم باحتلال بغداد، أو من لم يذهب بنفسه للتهنئة، فسافر المشوقون والناعقون مع كل ناعق إلى بغداد لعرض الطاعة وإبداء الإخلاص الحقيقي، وكتب قسم من المرتابين والمترددين برقيات وعرائض للتهنئة، قدموها ليأمنوا شر المحتلين على الأقل، بينما أحجم الآخرون عن ذلك مصممين على عرض أنفسهم إلى التهالك مهما كلف الأمر.
فإنقسم الكربلائيون إلى قسمين، بين مرحب بسلطة الاحتلال وله بذلك غايات سوف نأتي عليها، ومبغض ومتشائم وهؤلاء من الوطنيين الأحرار الذين يريدون لبلدهم العزة والاستقلال وأن يُحكم البلد من قِبل أهله.
وللأسف الشديد قام القسم الأول وبتحرض من محمد علي كمونة بإرسال برقية إلى ملك بريطانيا باسم رجال الدين وزعماء كربلاء والنجف وهم غير مرخصين بذلك من الأكثرية، معربين فيها عن ولائهم وترحيبهم بسلطة الاحتلال الإنكليزي وهذا نص البرقية وأسماء الموقعين عليها:
إلى حضرة صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى وإمبراطور الهند وما وراء البحار أدام الله سلطانه.
نهنئكم بورود عساكركم المنصورة إلى العراق، وحفظكم العتبات من ظلم الظالمين. الموقعون:
1 - السيد عبد الحسين الحجة.
2 - السيد محمد صادق الطباطبائي.
3 - الشيخ حسين المازندراني.
4 - العلامة أبو القاسم التبريزي.
5 - الشيخ عبد الكريم الزنجاني.
6 - السيد جعفر بحر العلوم.
7 - الشيخ شمشاد الهندي.
8 - الشيخ هادي الكشميري.
9 - الشيخ محمد رضا أسد الله.
10 - الشيخ فخر الدين (فخري) كمونة
وقد أكّدت هذه البرقية المس بيل سكرتيرة دار الاعتماد البريطاني عندما قالت: «وقد بعث علماء كربلاء والنجف برقية تهنئة إلى صاحب الجلالة، فأجابهم عن إعترافه بتسلمها، وإنّ رغبته الخالصة في إنتعاش العراق وسكانه والمحافظة على عتباته المقدسة وإستعادة مجدها القديم»(1).
وجاء في مذكرات السيد إبراهيم شمس الدين القزويني بأن جريدة هندية نشرت بتاريخ 3 تشرين الثاني 1917م نص البرقية وجواب ملك بريطانيا، وقد أرسلها أحد الأشخاص من الهند إلى المرحوم السيد عبود السيد علي آل نصر الله(2)، الذي أعطاها إلى المرحوم الشيخ محمد حسن أبي المحاسن ليطلع عليها، وعندها شاع خبر البرقية في كربلاء، ما أدى إلى استياء الوطنيين في المدينة والذين قرروا التشهير برافعي البرقية على أن هؤلاء لا يمثلون إلّا أنفسهم(3).
1) فصول من تاريخ العراق القريب: المس بيل، ص37، نقله إلى العربية جعفر الخياط، وساعدت وزارة التربية والتعليم بطبعه في بغداد سنة 1971م
2) هو السيد عبود بن السيد علي بن السيد أحمد الكليدار بن السيد نصر الله بن السيد موسى بن السيد إبراهيم بن السيد نصر الله (الجد الأعلى للسادة آل نصر الله) بن ناصر الدين بن يونس بن جميل بن السيد علم الدين الفائزي. كان السيد عبود من وجهاء وأعيان مدينة كربلاء، وكانت له علاقات واسعة في الهند من خلال كثرة الزائرين الهنود الذين كانوا من زوّاره، كما هو حال شقيقه السيد ناصر بن علي الأحمد آل نصر الله. أعقب السيد عبود ثلاثة أولاد هم السادة محمد وكاظم وعلي، أما محمد فلم يعقب وتوفي شابًا، وأعقب السيد كاظم ولديه المرحوم السيد رضا والدكتور عبد الحسين المقيم حاليًا في إنكلترا. أمّا السيد علي فقد أعقب أربعة أولاد هم السادة: رئيس المهندسين المتقاعد حسين، والمهندس المدني مصطفى والدكتور حسن إخصائي الباطنية والقلبية في كربلاء ومحمد المحاسب في الخطوط الجوية العراقية
3) مذكرات المرحوم السيد إبراهيم شمس الدين بن العلامة السيد حسين القزويني المخطوطة، الدفتر السابع ص14
وعلى أثر برقية هؤلاء(1)فقد سافر كل من العلامة السيد حسين القزويني حفيد السيد إبراهيم صاحب الضوابط والسيد محمد علي الطباطبائي والشيخ الأديب والشاعر (والوزير فيما بعد) محمد حسن أبي المحاسن إلى النجف الأشرف وقابلوا المرجع الأعلى يومئذٍ السيد محمد كاظم اليزدي وإستفتوه كتابةً بما يلي:
«هل يجوز للمسلم أن يهنئ المسيحي باحتلاله العتبات المقدسة؟ وما حكم ذلك الرجل المسلم في الإسلام؟... أفتونا مأجورين». فكتب المرجع الديني على ورقة الاستفتاء ما يلي: «الرجل الذي إرتكب هذا الفعل الشنيع فاسق فاجر لا يُدفن في مقابر المسلمين».
الأحقر خادم الشرع
محمد كاظم الطباطبائي(2)
جاء إلى كربلاء في تلك الأيام الميجر (هلتون يانغ) ومعه ضابط آخر لكشف الحالة والاطلاع على كربلاء وسير حالة الرأي العام فيها، وحلّا ضيفين لدى الشيخ فخري كمونة، وكان همُّ فخري أن يستولي على (سدانة الروضة الحسينية)، وقدّم أربعة من المعممين زاعمًا أنهم من رجال الدين ومن العلماء الأعلام وهم يمثلون علماء وأشراف المدينة وهم: السيد محمد إعتماد البهبهاني، والسيد حسن بن السيد علي الطباطبائي والشيخ جعفر الهر والروزخون تاج الهنداوي من طويريج، وأخذوا يكيلون المديح لفخري ويطلبون باسم العلماء والأشراف إبقاء أمر السدانة بيد فخري كمونة...
ويذكر السيد عبد الرزاق الوهاب في كتابه كربلاء في التاريخ نقلًا عن مذكرات هلتن يانغ: وفات كلّاً من الوسيط وصاحب الحاجة أن هذين الضابطين لا يهمهما
أمر السدانة، ولا كل ما يخالج ضمائرهم، بل إن همّهما الوحيد الاطلاع على الوضعية الراهنة للبلدة ليس إلّا وقد حملا في وطابهما ما تيسّر الاطلاع عليه، وآبا إلى بغداد مع أني ما زلت في شك وريبة في إطلاعهما على أي شيء ما زالت الستائر مسدولة دونهما، وما زالا محجوبين عن الأعين(1).
وقد ذكرنا بأنه بعد خروج متصرف كربلاء العثماني أسعد رؤوف بك فقد استلم الشيخ محمد علي كمونة السلطة التشريعية فيها، أي أنه أصبح شبه حاكم على المدينة. ولا يفوتنا ما ذكرناه سابقًا من إتصال محمد علي كمونة وأخوه فخري بالإنكليز قبل احتلال بغداد وبعدها.
وفي بداية الاحتلال الإنكليزي كان الشيخ محمد علي كمونة قد سارع بمراجعة مكتب رئيس الحكام السياسيين في العراق حاله حال الكثير من المتزلفين للإنكليز، فقد ذكرت المس بيل: «أن مكتب رئيس الحكام السياسيين إزدحم في الأيام الأولى من دخول البريطانيين بالزوار من جميع الطبقات، وكان بين الأوائل الذين قدموا الأماكن البعيدة محمد علي كمونة من شيوخ كربلاء، والحاج عطية أبو كَلل من النجف، وأعقبهما بعد ذلك شيوخ النجف الآخرون، وبعد أن عيّن للجميع المخصصات، رجعوا إلى أهلهم محولين بالمحافظة على الأمن حتى يكون بإمكان البريطانيين معالجة شؤون المدينتين مباشرة(2).
كان الإنكليز قد أسسوا في بداية القرن العشرين الميلادي في القاهرة مكتبًا يسمى ب(المكتب العربي)، وهذا المكتب يعنى بالشؤون الاستخبارية البريطانية. وهو عبارة عن بؤرة لما كانت تخطط له بريطانيا لاستعمار الدول العربية. وهذا المكتب هو الذي
دبّر أيام الحرب العالمية الأولى الإتصال بالشريف حسين في مكة وشجعّه على الثورة ضد الدولة العثمانية، ومجموعة هذا المكتب هي التي أوفدت (لورنس) لمساعدة قوات الشريف حسين بعد أن أعلن ما سمّي ب(الثورة العربية) على الأتراك في 9 شعبان سنة 1334ه/ بداية سنة 1916م. وهذا المكتب هو المشرف على موضوع منح اليهود وطنًا في فلسطين، وهو المشرف أيضًا على جميع العمليات الاستخبارية في الشرق العربي وخاصة (العراق)!!
والسير رونالد ستورز هو من الاستعماريين الإنكليز الذين يتألف منهم (المکتب العربي) في القاهرة. وقد تقلد عدة مناصب منها (حاكمية القدس) في أول عهد الاحتلال البريطاني لها. و (حاكمية قبرص) في الفترة التي نفي الشريف حسين بن علي هناك بعد خذلانه من قبل الإنكليز.
وزار ستوزر العراق بعد احتلاله من قبل الإنكليز بفترة قصيرة، وقد ألّف كتابًا نُشر في لندن سنة 1945م، دوّن فيه مذكراته اليومية ومنها زيارته إلى كربلاء والنجف في الأيام القلائل التي بقي فيها في العراق في شهر مايس سنة 1917م.
زار السير رونالد ستورز مدينة كربلاء في 17 مايس 1917م الموافق 26 رجب 1335ه، بصحبة المستر (غولد سميث) الذي كان من كبار موظفي الاحتلال الإنكليزي في العراق، وإستصحب معه في الطريق إلى كربلاء النواب خان صاحب (محمد حسين خان) الذي كان يشغل منصب معاون الحاكم السياسي في كربلاء والمعيّن من قبل الإنكليز.
يذكر ستورز في طريق رحلته إلى كربلاء أن النواب محمد حسين خان الذي كان معه في السيارة، كان يحمل معه صندوقًا كبيرًا يحتوي على (29000) روبية(1).
1) كان النواب محمد حسين خان يحمل هذا المبلغ وهو من موقوفات خيريات (أوده) وهي الاموال الموقوفة من ملك أوده في الهند يصرف على طلاب العلوم الدينية والفقراء وقد أوقف سنويًا مبالغ تصرف على العتبات في كربلاء والنجف. ولأن الإنكليز يحكمون الهند فإن هذه الأموال تأتي عن طريقهم محاولين استغلالها لمصالحهم، وكانت هناك لجنة في كربلاء تتولى صرف هذا المبلغ، ومثلها لجنة في النجف، وأعضاء اللجنتين كانوا معروفين بالولاء للإنكليز عند غالبية الناس
وقد واجهتهم في الطريق عاصفة شديدة من الغبار بالقرب من الإسكندرية، وبسببها فقد إضطروا المبيت في المسيّب. وفي المسيّب يقول ستورز أن بعض شيوخ العشائر في المنطقة زاروه في محل إقامته، وكان من بينهم الشيخ (محمد علي كمونة) مضيّفه في كربلاء الذي قدم منها إلى المسيب لاستقباله(1).
يذكر ستورز في مذكراته أنه في اليوم التالي غادر المسيب متوجهًا إلى كربلاء، وعند وصوله بالقرب من مقام (عون) ذي القبة الزرقاء إستوقفهم أحد الشيوخ العرب وقدّم لهم في خيمته الأنيقة شيئًا من الشاي والقهوة الممتازة(2).
وحينما وصل ركب السر رونالد ستورز إلى ما يقرب من البلدة تم استقباله ما بين صفوف النخيل المكتظة استقبالًا حافلًا وكان قد هيأ ذلك فخري كمونة، فنزل للسلام عليهم ثم إنصرفوا، فأثار إنصرافهم في عرباتهم وعلى ظهور الجياد غبارًا متعاليًا حجب عن ستورز وجماعته مناظر البساتين الخضراء العامرة بالنخيل وأشجار الليمون، والكروم وشجيرات الدفلى الزاهرة. وقد كان ذلك كلّه مصحوبًا بهتاف من جموع المتفرجين الزاخرة وزغاريد النساء!!
1) ليس غريبًا وجود الشيخ محمد علي كمونة في استقبال الاستعماري ستورز من المسيّب، فإن محمد علي كمونة يخرج لاستقبال هذا الشخص الاستعماري ويضيّفه في داره وبستانه دون رغبة أعيان وسادات ورؤساء البلد
2) كان هذا الشيخ هو (عبد المحسن بن سعود آل هتيمي) من رؤساء المسعود. وكان قد تعاون مع الإنكليز وأنيطت به من قبلهم بعض المهام. وجاء في كتاب العشائر والسياسة، وهو تقرير سري لدائرة الاستخبارات البريطانية ونقله للعربية الدكتور عبد الجليل الطاهر في ص 124 ما نصّه: «يسيطر عبد المحسن على قسم كبير من العشيرة التي تقع بصورة رئيسية إلى غرب الفرات مباشرة بعد سقوط بغداد. وقبل احتلال الفرات بصورة أكيدة وفعالة وأنيطت به مسؤولية المحافظة على طريق كربلاء - المسيب وقد برهن على كفائته»!!
وبعد الوصول إلى كربلاء إستقر بهم المطاف في قصر آل كمونة الذي كان محاطًا ببستانهم العامرة. وقد إستقبلهم في باب البستان شقيق محمد علي كمونة(1)، وساروا إلى القصر مخترقين المماشي المحفوفة بصفوف النخيل الباسقة، وشجيرات الدفلي الزاهرة، وأشجار المشمش والكَوجة. وكان جلوسهم في ظل الكروم التي كانت عرائشها غنية بأوراق الأعناب الغضة. وبعد أن إستراحوا، قُدّم لهم الغداء في مائدة كبيرة صفت فيها صحون الطعام الكثيرة مرةً واحدة في البستان نفسها. ويقول ستورز إنه أكل البامية اللذيذة في هذا الغداء لأول مرّة في حياته، فكانت شيئًا شهيًا.
وفي حوالي الرابعة والنصف بعد الظهر أخذهم معاون الحاكم السياسي للتجوال في أسواق البلدة والتفرج على معالمها العامة. وصعدوا بعد ذلك فوق سطح (بيت اليزدي)، فشاهد هناك قبة الحسين المذهبة، والمنارتين المذهبتين، وبرج الساعة المذهب، مع اللقالق التي كانت تسرح وتمرح فوقها بحرية. كما شاهد الصحن المزين بأفخر أنواع القاشاني وأزهاه.
وقد زار ستورز في المساء عدد من الوجوه والأشراف، فعلم منهم إن ثورة الشريف حسين في مكة كان قد رحّب بها العالم الشيعي لأنها جاءت ضد الأتراك فضلاً عن أنها كانت أنها كانت مشرفة للعرب.
ويذكر في هذا الشأن أن مضيّفهم محمد علي كمونة كان شخصًا مكروهًا في كربلاء، ولذلك لم يشأ أكبر عالمين مجتهدين في كربلا على ما يقول أن يزوراه وهو في منزل مضيّفه.
1) المقصود هو الشيخ (فخري كمونة) شقيق محمد علي
قرر أن يذهب هو إلى زيارة العالمين المجتهدين في بيتهما في صباح اليوم التالي أي في 19 مايس 1917م. فزار أولًا العلامة حسين المازندراني الذي يقول أنه أهم مجتهد في كربلاء على الإطلاق. وكان رجلاً مسنًا رقيق الشمائل، يجلس عادةً في مكتبته الصغيرة التي تضم حوالي أربعمئة كتاب أكثرها مخطوط. وقد كانت براعته في العربية والفارسية والهندستانية تدهش المتحدث إليه، وعلم من تحدث إليه أنه كان معجبًا بالحسين شريف مكة ومؤيدًا لحركته. ولمّا رأى الشيخ إهتمام السر رونالد بكتبه ومخطوطاته طلب أن يؤتى له بمفتاح وأراه مكتبته الأخرى بفخر وإعتزاز. لكنه إعتذر عن تصويره بصورة غير مباشرة، بل قدم له نسخة جاهزة من تصويره بعد أن كتب عليها صيغة الإهداء بنفسه. وقد لاحظ السر رونالد أن بيت العلامة المازندراني مثل غيره من البيوت الأخرى كان يخلو من الكراسي، وأن الجميع كانوا يجلسون على الأرض ويتكئون بالحائط.
بعد خروجه من بيت العلامة حسين المازندراني، زار ستورز المدرسة الإيرانية في كربلا فرأى الطلاب الصغار فيها يضعون أنواع العمائم فوق رؤوسهم، ومنها العمائم الخضر على ما يقول، وبعد أن صوّر المناظر فيها عاد إلى منزله في بستان كمونة.
وبعد أن تناول طعام الغداء مع جماعته غادر كربلاء إلى النجف، وهو يقول أنه رأى خارج البلدة من جهة الغرب أربع قباب شذرية اللون، ومن بينها قبة الحر.
كان بقاء الشيخ محمد علي كمونة بصفة الحاكم المؤقت لكربلاء حيث أقرّه الإنكليز كممثل لهم في كربلاء بعد دخولهم بغداد محتلين، قد تم معارضته من قبل الكتلة المعارضة في كربلاء، وقد شعرت سلطة الاحتلال بذلك على الرغم من قناعتها بأنه أفضل من يخدم مصالحها في تلك الفترة التي كانت تبني وتوطّد أساليب إدارتها الجديدة، ولم تكن ترغب في تغييره وإحلال حاكم إنكليزي لأن الموضوع لم يكن من صالح الإنكليز حينها. فقد ذكرت المس بيل عدم الانسجام بين كتلة آل كمونة وبقية زعماء المدينة، فتقول: بعد تخويلنا الشيخ محمد علي كمونة بالمحافظة على الأمن في كربلاء بصورة مؤقتة ريثما يكون بإمكاننا أن نعالج شؤون المدينة من قِبلنا مباشرة، لأننا إرتأينا بهذا وجه الخيار الوحيد الذي إلتجأنا إليه، لأن تعيين ضابط بريطاني مع ما يكفيه من الحرس لم يكن ممكنًا من الوجهة العسكرية. وقبل مضي أسابيع إتضح بأن هذا الترتيب لم يكن شيئًا مرضيًا للمدينة نفسها، فقد قيل أن ممثلنا يستخدم مركزه الممتاز في قضاء مآربه مما أثار سخطًا بيننا وبين شيوخ البلدة الآخرين وأهمهم أسرة آل العواد برئاسة عبد الكريم العواد...
وبعد فترة من تسلّم محمد علي كمونة حكومة المدينة، أرسلت حكومة الاحتلال بطلب محمد علي كمونة وشقيقه فخري للتداول في بغداد.
ذهب محمد علي وأخوه إلى مراجعة حكومة الاحتلال في بغداد، فتمّ إقرار فخري لحكومة كربلاء، وحوّلوا محمد علي كمونة إلى المسيب ليعاون حاكمها السياسي في تشكيل إدارتها وتعريفه بالرؤساء وتأمين الطرق...
وعندما خلا الجو لفخري كمونة في كربلاء حسب ما يذكر السيد عبد الرزاق الوهاب في كتابه (كربلاء في التاريخ)، وقد عايش تلك المرحلة مع والده... «فإنه (أي فخري) حادّ عن الخطّة التي كان يسير عليها أخوه في مسايرة الرؤساء، ومماشاة الأشراف... إذ كان فخري يجنح لنزَق الشباب ويميل إلى الشطط وعدم التريّث في
الأمور بخلاف محمد علي المتحلي بحنكة الشيوخ والذي حنكته التجارب العديدة، ولذا قد إستبدّ فخري كمّونة في الأمور مما لاحظه عليه زملاءه الرؤساء (لم يكن هو الوحيد في الساحة) فأصبحوا يتفاوضون همسًا عن كيفية الانتفاض عليه ومشاركته الحكم أو مقاسمته الضرائب التي إستبزّها خلال هذه المدة دون أن يشارك أحدًا وجعلوا يترقبون الفرص»(1).
نتيجة لما أوردناه أعلاه من انفراد فخري كمونة بالسلطة في كربلاء ومعارضة الآخرين من رؤساء المدينة لذلك، حتى حدث ذات يوم في دائرة البلدية سوء تفاهم بين فخري كمونة وبين عبد الرحمن العواد الذي آل إلى الانفصال، فانشقت كربلاء و انقسمت عشائرها إلى قسمين:
القسم الأول: آل العواد ورئيسهم المرحوم عبد الكريم العواد وأخواه عبد الرحمن وعبد الجليل، ومعهم عشيرة الوزون برئاسة عمر الحاج علوان وعثمان الحاج علوان. وآل معلة ومن يتبعهم من محلة باب السلالمة ورئيسهم الحاج حسن شهيّب وغيرهم، كما اصطف معهم السادة آل نصر الله وآل طعمة وآل ثابت وبقية السادة من خدام الروضتين المقدستين.
القسم الثاني: فكان فخري كمونة وتبعته بعض العشائر وكان منها الحميرات.
خرج فخري كمونة من دار البلدية، وجمع الجموع قاصدًا التوجه إلى مناوئيه... وقد إستعدّ آل العواد ومخالفيهم للأمر(2).
1) كربلا في التاريخ: السيد عبد الرزاق الوهاب، ج3 ص15
2) كانت قصبة كربلاء (المدينة القديمة) محاطة بسور، وللسور أبواب، ويقع مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام في وسط القصبة. وجغرافيا فإن العتبتين تفصلان المدينة شمالاً وجنوبًا، ومن محلات الشمال... محلة باب بغداد (باب العلوة)، ومحلة باب السلالمة، وجزء من محلة باب الطاق غربًا، وجزء من محلة باب الخان شرقًا. أما محلة المخيم ومحلة باب النجف، وجزء من باب الطاق وجزء من باب الخان وكذلك محلة (الجدَيْدة) العباسية التي تقع بعد الميدان أي خارج السور من ناحية الجنوب. وكان آل عواد يسكنون محلة باب بغداد (باب العلوة)، وآل معلة والسلاميون يسكنون باب السلالمة، أما الوزون فكانوا يسكنون في ثلاثة أزقة معروفة باسمهم لحد الآن بين المحلتين. كما أن أغلب السادة العلويين من آل نصر الله وآل طعمة وآل ضياء الدين وغيرهم من آل فائز وكذلك آل ثابت وغيرهم من آل زحيك فكانوا يسكنون الجانب الشمالي من المدينة، ويرتبط السادة العلويين بآل العواد وحلفائهم بروابط قوية منها الجيرة والخؤولة، فكانوا متساندين وأقرب منهم إلى القسم الثاني الذي يمثله فخري كمونة. وكان فخري كمونة وآل كمونة على العموم لا يميلون إلى السادة العلويين، وكانوا معه في خلافات دائمة نتيجة أطماع آل كمونة بالسدانة. بينما الحميريين يسكنون في باب الخان في القسم الشرقي منها
وبدأت معركة في سوق العباس بين آل العواد من جهة، والحميريين حلفاء آل كمونة من جهة أخرى. وأرسل فخري إلى آل عواد انذارًا شديدًا بلزوم مغادرة كربلاء مساء ذلك اليوم، أو يهدم دورهم ويخرجهم منها قسرًا. فتدخل العلماء والأعيان بالأمر وجعلوا يذهبون أفرادًا وجماعات على ديوان آل كمونة ودور آل العواد وجماعتهم لإصلاح ذات البين.
ونتيجة لتدخل الأعيان والعلماء فإن آل العواد أذعنوا لقبول الهدنة التي طالب بها الوسطاء، وإطاعة لأمر العلماء، ولكن فخري كمونة رفض الهدنة وتصلب على رأيه الأول.
فتحصّن كلا الطرفين في الدور وسطوح المنازل والأسواق، وأمسكوا رؤوس الطرق ليلًا وأصبح الخطر واقعاً في كربلاء.
في البداية كانت كفة فخري هي الراجحة، ولكن آل العواد أرسلوا صديقهم السيد عبد الحسين الددة الذي كان في قصره المسمى (الدراويش) والواقع على طريق كربلاء الحسينية، وذلك لجلب القبائل المحالفة له، فطلبوا رؤساء بني حسن وحضروا فعلًا وإجتمعوا في دار السيد عبد الحسين الددة مع الكربلائيين، ومن رؤساء عشيرة (الكَوّام) من المسعود، وقرروا فيه بعد شروط طلبوها أن تسير هذه القبائل نحو كربلاء، وتتريث خارجها ريثما يهجم آل عواد وحلفائهم على دار آل كمونة فتتبعهم
العشائر... وقد دخل عدد كبير من أفراد العشائر المدينة، وحلّوا ضيوفًا في دور العلوان (شيخ الوزون) وآل عواد وحسن شهيّب، وملؤوها وبقي الآخرون خارج المدينة منتظرين إلتهاب أول جذوة ليغيروا على كربلاء...
وللعلم فإن القبائل لا يهمها إنتصار آل العواد أو آل كمونة أو غيرهم، وإنما همهم الوحيد هو المشاركة في المعارك ليتسنى لهم السلب والنهب، وقد حدث ذلك أكثر من مرّة قبل هذا التاريخ. وعلى كل حال فقد إستولى الذعر والخوف والرعب على المدينة، وبدأ سكانها يخشون عاقبة هذه الحادثة، ودخول العشائر إلى كربلاء، كما أن زعماء كربلاء أحسّوا بالخطر الذي تنوي العشائر عليه، فأعاد العلماء عملية الوساطة مرة أخرى، وذهبوا إلى دار آل العواد وإستحلفوهم بشرف آبائهم وأجدادهم وشرحوا لهم ما سيجري على الفقراء والضعفاء فيما إذا هجمت الأعراب على المدينة...
فوافق الطرفان عندئذٍ على عقد الهدنة... ونعتقد بأن آل العواد وحلفائهم كانوا أصلاً جادين في إطفاء نار الفتنة، ولكن تصلب فخري كمونة هو الذي أطال الخلاف، وفي نفس الوقت أحسّ فخري بأن لا طاقة له بالاستمرار على هذا الخلاف خاصة في حالة تدخّل العشائر، ورأى أنه من الأفضل له الإذعان للصلح.
عقدت الهدنة المؤقتة وتم الصلح بين الأطراف المتخاصمة، واشتركت العشائر (التي كانت متأهبة) بالصلح، وقد تم ذلك بشرط أن تقسم ضرائب كربلاء ثلاثة أثلاث. ثلث إلى آل كمونة، وثلث إلى آل العواد، والثلث الأخير إلى عمران الحاج سعدون شيخ عشائر بني حِسن!!... إلّا أن هذا الاتفاق لم يتحقق، وبقيت الأحقاد كامنة في القلوب. وكان هذا النزاع قد حصل في كربلاء في منتصف عام 1917م الموافق 1336ه. نقول:
حول ما مرّ ذكره في هذه الفترة العصيبة التي عاشتها كربلاء، يتبين لنا أن السبب الحقيقي لهذه الأحداث هو ليس الضرائب ومن يحصل عليها... وإنما كان في المدينة تياران، أحدهما وطني مخلص ويحظى بإحترام ومحبة غالبية أهل المدينة، ويجلّ ساداتها
وعلماءها، وتيار آخر سلطوي نفعي ومصلحي، لا يهمه أي شيء سوى التسلق إلى الواجهة بعيدًا عن الأخلاق العربية والوطنية... وأن الأحداث هي التي تتكلم، وسوف نرى لاحقاً بما سندونه صواب هذا الرأي من عدمه.
وعندما أُخذ الحكم من الشيخ فخري كمونة، بدأ يتعامل بتهريب مواد تموينية إلى أعدائه السابقين (الأتراك)، من مواد عطارية وأطعمة وأقمشة... وقد علمت به السلطة الإنكليزية، فقبض عليه ووجهت له تهمة المتاجرة مع العدو، وصدر قرار بنفيه إلى الهند بصفته من أسرى الحرب. وبعد مدة تم نفي أخيه الأكبر الشيخ محمد علي كمونة إلى الهند أيضًا لتعامله مع الأتراك ضد الإنكليز لإغراض مصلحية لاغير، ومعاداة للإنكليز لأنهم سحبوا البساط من تحته ومن تحت أخيه.
إثناء تشكيل الحكومة المؤقتة بعد الاحتلال الإنكليزي أعيدت نقابة الحائر إلى آل الدراج بأمر من السربرسي كوكس المندوب السامي البريطاني، وتسلمها السيد محسن بن عباس بن محسن بن محمد كنعان بن حسن بن عباس بن بهاء الدين بن أحمد بن محمد الدراج. وإستمر في توليه النقابة لحين وفاته سنة 1339ه / (1920م) وتولاها ابنه السيد حسن من بعده.
أصدرت حكومة الاحتلال البريطاني أمرًا بإسناد منصب السدانة إلى الشيخ حميد كمونة في صيف 1917ه، وإستمر في السدانة عدة أشهر، وكان السيد عبد الحسين الكليدار قد تم عزله كما ذكرنا سابقًا لتركه المدينة، وأصبح حينها السيد عبد الحسين بن أحمد آل طعمة يقوم بمهام السدانة نيابة لحين استيلاء فخري كمونة عليها بعد أن أخرج نائب السادن وعائلته وأفراد من أسرته من كربلاء بعد أن هدده بالقتل.
وبالإتفاق مع الإنكليز فقد تسلّم الشيخ فخري حاكمية المدينة وأخوه الشيخ محمد علي معاونًا للحاكم الإنكليزي في المسيّب، وتعيين ولده الشيخ حميد سادنًا للحسين وتعيين ابن عمهم الشيخ هادي رئيسًا للبلدية!!! وبعد أن تم نفي والد الشيخ حميد وعمّه إلى الهند للأسباب التي وردت في تقرير المس بيل فقد تم عزله. ورجع السيد عبد الحسين بن أحمد آل طعمة إلى نيابة السدانة.
المس غيرترود بيل وكيلة الاستخبارات البريطانية التي جابت أنحاء العراق وكتبت عنه في عدة زيارات لها، وأصبحت سكرتيرة وكيل الحاكم الملكي العام في العراق بعد الاحتلال البريطاني للعراق. فقد طلبت الحكومة البريطانية في صيف عام 1920م من وكيلها العام في العراق أن يوافيها بتقرير مفصل عن الوضع العام في العراق وما وقع فيه خلال هذه المدة (من بداية الاحتلال إلى عام 1920م) الحافلة بالوقائع. فعهد بإعداد هذا التقرير إلى سكرتيرته المس بيل الذي قامت بكتابته بعشرة فصول سمته (استعراض الإدارة الملكية في العراق)، وقام المرحوم الأستاذ جعفر الخياط بترجمته وأصدره على شكل كتاب باسم (فصول من تاريخ العراق القريب) سنة 1949م (1368ه).
ومن الأهمية بمكان ذكر ما جاء في تقرير المس بيل عن كربلاء وعلى الأخص عن آل كمونة حيث قالت: «كانت أهم قضايا الفرات قضية المدينتين المقدستين كربلاء والنجف وليس قضية العشائر. فقد رجع شيوخ البلد من بغداد(1)وهم موكلون عنا بصورة وقتية، بتصريف شؤون الإدارة التي كانوا قد أسسوها بعد إخراج الأتراك الأخير في 1917، بعد أن منحوا من أجل هذه الخدمة بعض المخصصات. فكان
1) تقصد بهم من كربلاء الشيخ فخري والشيخ محمد علي كمونة. وآخرين من النجف
ترتيبًا هذا وجه الخيار الوحيد الذي إلتجأنا إليه، لأن تعيين ضابط بريطاني مع يكفيه من الحرس لم يكن ممكنًا من الوجهة العسكرية. وقبل مضي عدة أسابيع إتضح بأن هذا الترتيب لم يكن شيئًا مُرضيًا للمدينتين نفسيهما. فقد قيل بأن آل كمونة في کربلا كانوا يستخدمون مركزهم الممتاز في قضاء مآربهم، مما أثار سخطًا بيّنًا بين شيوخ البلدة الآخرين وأهمهم أسرة العوّاد التي يمثلها عبد الكريم العواد، الرجل الذي كانت عروبته أعرق بكثير من عروبة آل كمونة... وبالرغم من أن آل كمونة كانوا يعكرون بلا شك صفو الجو في رائعة النهار، يبدو انه لم يكن هناك ما التذمر الخطير تبريرًا كافيًا، لأن محمد علي كان يصرّف أمور الإدارة بوجه عام تصريفًا حسنًا كما انه حافظ على تهدئة البلد. إلّا أنه كانت هناك من وجهة النظر البريطانية إعتراضات أشد خطورة على الأخوين (تقصد فخري ومحمد علي). حيث إنهما بهم بدءاً بتسيير قوافل كثيرة لنقل التجهيزات إلى العدو من كربلا.
وقد عُلم بأن قوافل كبيرة كانت ترد من الشام وحلب معاً في طلب المواد الغذائية، كما كانت القوات التركية في الفرات تتزود بصورة مستمرّة من كربلا. وكان أهالي كبيسة التي لم تكن ضمن منطقتنا يلعبون دورًا مهمًا في هذا المسعى. وعندما عقدنا في حزيران إتفاقية مع فهد بك (هو الشيخ فهد الهذال والد محروت الهذال شیخ عنزة) شيخ مشايخ عنزة، أكبر مجموعة قبائلية موجودة في حدودنا الغربية، توقف نقل البضائع بطريق البادية لدرجة ما لكنّ تجاهل آل كمونة وإغضاءهم أدّيا إلى استئناف هذه التجارة بصورة تهريبية على طول الفرات عن طريق بلاد المسعود والجنابيين حيث لم يتسن لفهد بك فرض سيطرته.
وقد كان من المستحيل أن يكون محمد علي كمونة جاهلًا بما كان يجري من هذا القبيل، وإنما كانت هناك بيّنات كثيرة تدل على عكس ذلك. وأحسن ما يمكن أن يقال عن محمد علي في هذا الشأن أنه تجاهل وجود هذه الحركة بصورة إيجابية، بينما كان فخري كمونة مشتركًا فعّالاً فيها. حيث كانت شرطة البلدة التي إستخدمها محمد
علي كممثل للحكومة تُستخدم في توصيل البضائع المرسلة للعدو إلى خارج البلد بسلام، وكان إثنان من خدم آل كمونة يوقعان الرخصة المطلوبة عادة. وكانت أهم هذه الصادرات الأقمشة والرز والقمح والقهوة. وفي الوقت الذي كانت الأرباح الطائلة المستحصلة من جباية الرسوم بمقدار باون واحد وحتى باونين إثنين عن كل بعير محمّل، قد تكون كافية وحدها لتفسير سلوك آل كمونة في هذا الشأن، فإنه من المحتمل أيضًا أنهم أخذوا يدركون ان أطماعهم الشخصية المزوقة لا يمكن أن تتبلور في ظل الحكم البريطاني، وربما كانوا على هذا الأساس ميّالين إلى الإنصات إلى صوت العاطفة. ومما لا شك فيه أن الأتراك كانوا يقومون بدعاية واسعة النطاق بين القبائل الفراتية ويبذلون الوعود بالاستقلال عندما يُسترد العراق لحكم الباب العالي. لكن تزويد الجيش التركي كان لا يمكن أن يُسمح به مهما كانت الأسباب التي أدّت إليه.
وفي 7 أيلول دعا السر برسي كوكس، الحاكم الملكي العام، فخري كمونة للحضور إلى بغداد في التاسع منه. فإنصاع للأمر، وعند حضوره شرح له إشتراكه الذي لا ريب فيه في المتاجرة مع العدو وتشجيعه لها، كما قيل له ان وضعه هذا يجعل بقاءه في كربلا غير متفق مع المصلحة العسكرية، وأنه سوف يُرسل إلى الهند كضابط أسير من أسرى الحرب. فقبل طائعاً بالقرار الذي يستبعد عدم تكهنه به. وفي اليوم التالي تسلّم محمد علي أيضًا دعوة شفهية بالحضور إلى بغداد وجهها إليه الحاكم الملكي العام بواسطة ضابط الاستخبارات في كربلا. فأعرب عن رغبته بالسفر في اليوم التالي، لكنه سمع بخبر إعتقال فخري فعدل عن السفر بالرغم من (الحظ والبخت) اللذين أعطاه إياهما ضابط الاستخبارات. وعلى هذا بعث إليه الحاكم الملكي العام بكتاب شرح له فيه الأسباب التي دعت لإعتقال فخري، كما أضاف إلى ذلك انه بالنظر لما وقع ليس من مصلحة الحكومة بأن يبقى هو وكيلًا لها، ومن الضروري أن يُعيّن في مكانه ضابط بريطاني بصفة معاون حاكم سياسي. ثم أخبر بأنه إذا كان يفضل بالنسبة
للظروف الراهنة ان يبتعد عن كربلا فإن الحكومة ستتخذ الترتيبات اللازمة لإقامته بصورة مريحة في أي مكان آخر من العراق يُتفق عليه.
وبعد شيء من التردد قرر محمد علي الإذعان للدعوة وجاء إلى بغداد. وقد أقنعه في إتخاذ هذا القرار على الأكثر الشيخ حسين مازندراني أحد مجتهدي كربلا البارزين الذي ألحَّ عليه بشدة بأن لا يعصي أوامر الحاكم الملكي العام مذكرًا إيّاه في الوقت نفسه بأن الحكومة البريطانية لا تشبه الحكومة العثمانية بوجه من الوجوه، وان الوعود التي نعطيها نحن بسلامته يمكن أن يعتمد عليها بأمان. ثم إن الدور الذي لعبه السيد محمد كاظم اليزدي في النجف لم يكن أقل إستثارة للإمتنان، حيث إنه ردّ على طلب تقدم به إليه محمد علي كمونة في توسط قضيته بأنه إعتزل عن العالم منذ مدّة. وإذا اريد منه شيء يختص بأمور الآخرة فهو على استعداد لتلبية الطلب، لكنه لا يمكن أن يعرب عن أي رأي في شؤون الحكومة. وقد بيّن بصورة عرضية انه لا ينوي الإفتاء بالجهاد ضد الطيارات أو السيارات على أنه وافق أن يتوسط بعدم إسناد منصب (الكليدارية)، وهو منصب حامل مفاتيح خزائن العتبة، إلى شخص من أسرة أخرى، فأعطي المنصب لحميد بن محمد علي كمونة.
وبذا تعيّن معاون حاكم سياسي بريطاني في كربلا واختار محمد علي كمونة الإقامة ببغداد. وقد سُرّ بتنحية الأخوين من آل كمونة رؤساء الدين سرورًا بالغًا، أولئك الرؤساء الذين اضطروا من أجل سلامتهم أن يحافظوا على علاقات وديّة ظاهرية معهما بالرغم من أن إزدياد سلطة الكمونيين كان مثيرًا للقلق المفعم بالحسد بينهم. على أن الأسرة لم يقض عليها بهذا الترتيب، حيث إن محمد علي بقي يتمتع بأملاکه وعُيّن ولده كما ذكرنا سابقًا في منصب الكليدارية كما عيّن أخوه الشيخ هادي(1)رئيسًا للبلدية.
1) الشيخ هادي كمونة هو ليس أخًا لمحمد علي وفخري كمونة، فهو من أبناء عمهم، فهو هادي بن الشيخ محمد بن الميرزا حسن (سادن الحسين) بن محمد بن إبراهيم بن عيسى كمونة. وقد تولى الشيخ هادي رئاسة بلدية كربلاء سنة 1917م ولعدة أشهر، واعفي منها بداية سنة 1918م بقرار من لجنة قضائية كما ورد في تقرير المس بيل المنوه عنه أعلاه، وهو والد المرحوم المحامي الشيخ عبد الحسين كمونة الشخصية المعروفة في كربلاء والمشهور بطيبته وأخلاقه رحمه الله
لكن محمد علي اكتُشف في الخريف بأنه كان متمرسًا في بث الاشاعات المعادية، كما وجد أن هاديًا كان يجني أكثر من الأرباح المشروعة من منصبه. فألحق الأول (أي محمد علي) بأخيه في الهند وحوكم الثاني (أي هادي) على يد لجنة عدلية فوُجد مذنبًا. وفي الوقت نفسه أعيد منصب الكليدارية إلى أحد أفراد الأسرة التي كانت تتمتع به من قبل»(1).
وبذلك فقد إنتهت سلطة آل كمونة على كربلاء، وقد بان بشكل واضح ما قاموا به من أعمال وبإعتراف سلطة الاحتلال. كانت الإجراءات التي اتخذها الإنكليز ضدهم بمثابة النكبة الكبرى لهم، وهذا ليس غريبًا على من يمد يده لمساعدة المحتل على أبناء جلدته. ولكن هل إنتهى دور آل كمونة؟ فنراهم بعد العفو الذي صدر على المنفيين، كانت لهم مواقف غير مشرّفة خاصة في ثورة العشرين وكذلك عندما تعاونوا مع الحكام الإنكليز بعد فشل الثورة، وأصبح فخري كمونة هو المتبرع بملاحقة أبطال كربلاء من الثوار بعد أن قررت حكومة الاحتلال الاستيلاء على ممتلكاتهم وتغريمهم الأموال والأسلحة.
عندما وصلت أخبار النزاعات في كربلاء إلى بغداد، خشيت السلطة (حكومة الاحتلال) من إتساع هذا الخرق والانفلات الأمني، واعترفت بأنها تسرعت بتسليم السلطة في كربلاء إلى شخص ينفرد بالحكم فيها.
1) فصول من تاريخ العراق القريب: المس بيل، ترجمة جعفر الخياط، ص 42 - ص 45، دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع، بيروت، لبنان 1949م
لكي تستلم حكومة الاحتلال الإنكليزي زمام الامور والإدارة بيدها، أرسلت إلى كربلاء الميجر (الرائد) (أيدي) كضابط استخبارات بوجود فخري كمونة، وكان لهذا الضابط الإنكليزي مهمتان، الأولى مراقبة الوضع القريب من كربلاء وهو وضع القتال في الرمادي وأعالي الفرات، لأن المحتل البريطاني لم يكن قد أخضع تلك المناطق وكان القتال لازال مستمرًا بين الأتراك بقيادة (أحمد بك أوراق) والجيش البريطاني، وكان الإنكليز يحتاجون إلى الأخبار السرية التي ترد إليهم من جبهة القتال تلك، فقد كانت دار الميجر آيدي في كربلاء عبارة عن مركز للجواسيس والعيون الذين بثّهم هذا الضابط ويوجههم ليستقي الأخبار أينما يشاء وما أكثرهم في ذلك الزمان.
والمهمة الثانية له أنه إهتم بالأمور السياسية ومراقبة الأوضاع في كربلاء وإدارتها، وقد حصل على معلومات وافرة عمّا يقوم به فخري كمونة من أعمال، ويقوم بإرسال تقاريره اليومية إلى قيادته في بغداد.
لأهمية كربلاء وخطورة الوضع فيها وقربها من معارك أعالي الفرات، إرتأت سلطات الاحتلال البريطاني إرسال الكولونيل (العقيد) (لجمان)، الخبير والملم بمعرفة العشائر البدوية ومشايخهم وعاداتهم وطرق البر وشعابه وهضابه وآباره، من خلال عمله كجاسوس بريطاني متخفي لسنين طوال قبل الاحتلال البريطاني للعراق. وكان حاد الذكاء ولديه نزعة الشدّة والعنف والتعالي(1).
1) الكولونيل لجمان تم قتله في خان النقطة القريب من الفلوجة والذي سمّي فيما بعد ب(خان ضاري)، وسبب قتله أنه أرسل إلى شيخ زوبع (ضاري المحمود) وقد قام بالتجاوز عليه وإهانته مما استدعى بمرافقي الشيخ ضاري بقتله، وحينها قامت قائمة الإنكليز وقاموا بقصف مضارب زوبع ومتابعة الشيخ ضاري الذي إستجار بكربلاء وقد إحتضنه أعيانها ومن ثَمَّ تم تهريبه، وهو في طريقه إلى الموصل وكان شيخًا كبيرًا ومريضًا ألقي القبض عليه، وحوكم في بغداد وتم إعامه سنة 1920م
وفي كربلاء تمكن من تجنيد عددًا من الفرسان أسماهم (الشبانة) كانوا يرافقوه في جولاته خارج كربلاء وداخلها. وكانت مهمة لجمان في كربلاء متعددة الجوانب، منها ترتيب الأوضاع على برّ كربلاء لمنع تأثير القتال في جبهة الرمادي على كربلاء وتأمين التنقل ومراقبة طرق المواصلات، ومحاولته ضبط الأمن. وفي نفس الوقت وبعد أن إستقر في كربلاء بدأ يتحرّى على ما يقوم به فخري كمونة من استغلال لمنصبه، فجهد لجمان على معرفة سير الإدارة والأمن وصيانة الحقوق العامة. ولغرض منع التصرفات الشخصية فقد أخذ يتحرى عن أملاك الحكومة من بساتين وأراضي وعقارات كان فخري كمونة يتصرف بها. كما علِمَ لجمان بأن هناك تسريبات لتجارة العطارية والأقمشة والأطعمة إلى جبهة القتال في الفلوجة والرمادي كان لفخري كمونة مصلحة فيها.
وتأكد للجمان بأن موقف فخري كمونة كان مبني على استغلال منصبه لينتفع من خلاله، فأراد إيقاف تجاوزات فخري وأخيه محمد علي، فطلب سلطته أن ترسل طائرة وبعض المدرعات إلى كربلاء لإرهاب من فيها وعدم فسح المجال للقيام
1- في أيام القتال الذي كان دائراً في أعالي الفرات حيث مدن الفلوجة والرمادي وما تلاهما من بلدات كانت لا تزال في يد العثمانيين، وقد ساد القحط فيها، فكان تجار تلك المناطق وأغلبهم من أهالي (كبيسة) وهي إحدى نواحي لواء الدليم (الرمادي فيما بعد)، يأتون إلى كربلاء على الرغم من الأخطار لشراء البضائع منها، وكان فخري كمونة (الحاكم المؤقت) لا يسمح لهم بالتبضع مالم يستحصل ليرتين ذهب عن حمل كل بعير، وكان التجار الكبيسات يدفعون إلى فخري كمونة بدون جدل وهم راضون، ولكن هذا الأمر لم يَرُقُ لرؤساء كربلاء الآخرين الذين وجدوا بأن فخري كمونة هو المستفيد من العملية، فأخبروا الكولونيل لجمان بذلك وقد تواطئ معهم على نهب تلك البضائع وهي في طريقها إلى مدن اعالي الفرات، فعلم فخري كمونة بالأمر من التجار أنفسهم، فتبنّى الموضوع وأخفى البضائع في رباط (البهرة) المسمّى سيفي حسيني والواقع في منطقة (الفسحة) حيث لم يكن من طائفة البهرة أحد فيه. وعن هذا الموضوع يذكر السيد عبد الرزاق الوهاب في ص 21 من ج 3 من كربلاء في التاريخ فيقول: «... ولمّا علم الكربلائيون هجموا عليها (أي على المواد المعدة للتهريب) ليلًا وتصرّفوا بها وفرّقوها إلى أربعة أقسام متساوية، قسم لآل عواد وقسم للوزون وقسم آخر لآل عويّد والقسم الرابع لأهل الناصرية - يقصد بهم النصاروة -».
بأي حركة عدائية، وطلب من فخري كمونة السفر إلى بغداد وقد عارض في بداية الأمر ولكنه أذعن فيما بعد وتم نفْيه إلى الهند بتهمة مراسلة العدو وتموين جيشه، وبعد مدة شُمل أخيه محمد علي بالنفي أيضا كما مرّ ذكره سابقاً. وإقترح لجمان على حكومته إرسال حاكم وتشكيل إدارة جديدة في مدينة كربلاء لا تعتمد على حكم الشخص الواحد كما حصل إثناء تكليف فخري كمونة.
بعد نفي فخري كمونة إلى الهند أقدمت السلطات الإنكليزية بإلقاء القبض على كل من رشيد المسرهد من عشيرة المسعود وشعلان العيفان من عشيرة الكَوّام والحا. إبراهيم أبو والدة من وجهاء كربلاء وذلك بتهم مختلفة وارسلتهم إلى الهند نفيًا. وكانت هذه الإجراءات من قِبل الإنكليز لتهيئة الأجواء لهم ولتمهيد السبل لتعيين حاكم جديد لكربلاء من قِبلهم.
ففي 15 أيلول 1917م أرسل الإنكليز حاكما سياسيًا إلى كربلاء اسمه (الميجر بولي). الذي قام بتشكيل حكومة وإدارة جديدة، وقام بتعيين هادي كمونة لرئاسة البلدية الذي لم يدم في منصبه طويلًا حيث تم إقصاؤه فيما بعد ومحاكمته بتهمة الإنتفاع من منصبه وتغريمه. كما وضع إدارة للجباية، وأسس هيئة للإنضباط لغرض السيطرة وحفظ الأمن في كربلاء.
كان الميجر بولي يعمل بهدوء ووصف بأنه كان مرنًا ليّن العريكة، فإستمر في منصبه إلى 16 رمضان سنة 1337ه / 24 حزيران 1918م.
وفي أيام الحاكم السياسي الميجر بولي ووفق ما جاء في مذكرات (ولسون) الحاكم السياسي البريطاني في العراق في بداية الاحتلال، بأن السلطات البريطانية عيّنت السيد محمد مهدي بحر العلوم(1)في 1 شباط 1918 بمنصب معاون الحاكم السياسي
1) هو السيد محمد مهدي بن حسن آل بحر العلوم، وآل بحر العلوم أسرة علوية يرجع نسبها إلى الإمام الحسن المجتبى بن الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وتواجدت هذه الأسرة في كربلاء منذ القرن الثاني عشر الهجري، وكان جدهم السيد مرتضى بن عبد الكريم مولودًا في كربلاء والمتوفى فيها سنة 1204ه / 1789م. ولقب بحر العلوم جاء من السيد محمد مهدي بن مرتضي بن عبد الكريم، المولود في كربلاء سنة 1155ه / 1743م، الذي كان من أكابر العلماء في زمانه وأصبح بحرًا حقيقيًا للعلوم فلقب ب(بحر العلوم). وبرز من هذا البيت علماء أعلام مثل السيد حسين بن السيد محمد رضا العلوم الذي إرتحل إلى النجف وتوفي فيها سنة 1287ه / 1870م. والسيد علي نقي بن محمد تقي بحر العلوم المقتول في كربلاء سنة 1294ه / 1876م وقد ذكره العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني في كتابه (شهداء الفضيلة) ص333. برز السيد محمد مهدي بحر العلوم في كربلاء حيث كان عضوًا في مجلس إدارة كربلاء المنتخب سنة 1325ه / 1908م، وعندما سقطت الحكومة التركية في كربلاء ليلة 15 شعبان 1333ه / 1915م تشكل مجلس حكم إتلافي محلي من اعيان كربلاء، كان السيد محمد مهدي عضوًا فيه. وقد كان من المشاركين في ثورة العشرين. وأعقب ولده السيد صالح الذي أصبح نائبًا عن كربلاء في البرلمان العراقي، وهو والد السيد مهدي بن صالح بن محمد مهدي بحر العلوم
في كربلاء ليساعد حاكمها العسكري، في استمالة الأهالي إلى تعاونهم مع الاحتلال. وكان تعيينه لأغراض تخدم مصالحهم في المدينة.
الميجر بولي والسيد بحر العلوم - كربلاء المقدسة 1918
إلتحق الكابتن براي كحاكم سياسي في كربلاء، وفي زمانه تم إقصاء هادي كمونة من منصب رئاسة البلدية حيث حوكم من قِبل لجنة عدلية ووجد مذنبًا، وتم
تعيين الحاج محمد رشيد الصافي رئيسًا للبلدية. ولم يمكث الكابتن براي طويلًا في كربلاء غير عدة أشهر فقد كان شرسًا نزقًا ضاق الأهالي به ذرعاً فأحسّت بذلك السلطات الإنكليزية، ففي تشرين الأول من عام 1918م تم إعفاؤه من منصبه وتم تعيين حاكمًا آخر بدلاً عنه.
استلم الميجر بوفل منصبه حاكمًا سياسيًا في كربلاء بدلًا من الكابتن براي، وعيّنت السلطات البريطانية معاونًا له وهو محمد سروان خان الهندي وهو من أتباع النوّاب نوازش علي خان، وكان محمد سروان خان من الجالية الهندية البريطانية وقدم مع الاحتلال البريطاني. ولم يكمل الميجر بوفل السنة الواحدة في كربلاء فقد تم نقله منها.
بعد نقل الميجر بوفل من كربلاء تم إعادة تعيين الميجر بولي محله لمعرفته السابقة في المدينة، ولم يدم في كربلاء طويلًا حيث تم نقله إلى طويريج (الهندية).
بحركة تنقلات أجرتها السلطات البريطانية في الفرات الأوسط نتيجة بعض الأحداث التي وقعت في النجف وكربلاء، ولتنامي حركة المطالبة بالاستقلال وفي أيام الاستفتاء العام، فقد نقل الحاكم السياسي للحلة إلى نفس منصبه في كربلاء بديلًا عن الميجر بولي.
لنشاط حركة المعارضة ضد الإنكليز في كربلاء إرتأت السلطة البريطانية إختيار شخص مسلم من رعاياها، فتم تعيين محمد بهادر خان البوشهري الذي بقي في منصبه إلى أن تم طرده من كربلاء عند إعلان الثورة فيها سنة 1920م.
إثناء الأيام التي إنسحبت فيها الإدارة التركية، وبدأت تحل عنها الإدارة البريطانية في مناطق الفرات الأوسط، حدثت الفوضى في أغلب المناطق.
وفي يوم الجمعة المصادف 19 ذي الحجة 1335ه الموافق للخامس من تشرين الأول 1917م، وقعت حادثة بين أهالي كربلاء و (الحواتم) من عشائر بني حسن في منطقة خان الحماد (خان النص) وهي الآن ناحية الحيدرية.
كان أهالي كربلاء وكعادتهم السنوية يذهبون إلى النجف الأشرف لزيارة مرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في مناسبة يوم الغدير التي تصادف 18 ذي الحجة من كل عام. ولأن وسائط النقل وقتئذٍ لا تتعدى ركوب الدواب أو العربات التي تجرّها الخيول أو المشي على الأقدام، وغالبًا ما كانوا يذهبون للزيارة مجتمعين.
وكانت بين عشيرة الحواتم وأهالي كربلاء خصومة، وهذه الخصومة بسبب اشتراك عشيرة الحواتم مع بقية عشائر بني حسن بالهجوم والاغارة على كربلاء قبل هذه الحادثة بسنوات، وقد قتل وقتها من الحواتم المغيرين الكثير منهم. وقد جاءت الفرصة للأخذ بالثأر من الكربلائيين عند عودتهم من الزيارة.
عند إتمام الزيارة وعودة أهالي كربلاء من النجف، وعند وصولهم إلى منطقة خان الحماد (خان النص والتي أصبحت اليوم ناحية الحيدرية وألحقت بمحافظة النجف)، وكان فيهم شيوخًا ونساءً وأطفال، فتصدى لهم (الحواتم) بما يقرب من أربعمائة خيّال مدججين بالسلاح والعتاد، وقد أحاطوهم من كل الجهات وبدأوا بفتح النار عليهم، والكربلائيون عزّل مما جعل الكثير منهم يفرُّ في الأراضي الصحراوية المقفرة، وتمت مواجهتهم من قبل بعض الرجال الذين أخذوا على عاتقهم حماية أهل كربلاء والذين سقط منهم في الحال تسعة أشخاص وعدد كبير من الجرحى. ومن ضمن
القتلى كان المرحوم الشيخ (نايف البرغش)(1)رئيس عشيرة السلالمة في كربلاء، وهي من كبريات العشائر في المدينة.
وصادف في تلك الأثناء أن يكون المرحوم الحاج عبد الجليل العواد(2)مع جماعة من أتباعه بالقرب من الحادث، فأسرع لنجدة أهل مدينته وإشتبك مع المغيرين، وأبدى بطولة وبسالة لا نظير لها وتمكن ومعه بعض رؤساء كربلاء من صد عدوان الحواتم، والرجوع بالكربلائيين إلى مدينتهم مصطحبين معهم جثث القتلى وكذلك الجرحى.
وبعد سماع أهل المدينة بالحادثة فقد هبّوا للنجدة وكانت المعركة قد إنتهت فإستقبلوهم عند مشارف المدينة ليلًا. وفي صباح اليوم التالي جرى تشييع مهيب لجثمان الشيخ نايف البرغش وبقية القتلى من الكربلائيين.
بقيت هذه الحادثة تذكر في المدينة لسنوات طويلة، ويتحدث الناس ببطولة الحاج عبد الجليل العواد.
صورة المرحوم الشيخ عبد الجليل العوّاد
1) هو نايف ابن برغش بن هميلة بن زائد بن حمزة بن إبراهيم السلامي. كان يرأس السلاميين في كربلاء، وله أربعة أخوة هم، صحن وفهد ونجرس وفرمان. وبعد مقتل الشيخ نايف ترأس السلاميين ابنه المرحوم (كَمر) المتوفى سنة 1357ه / (1938م). وعند وفاته فقد تقدم السلاميين المرحوم الحاج (حسين النايف)
2) المرحوم الحاج عبد الجليل العواد، هو عبد الجليل بن عبد الرزاق بن حمود (حمادي) بن مال الله العواد. وهو من أبطال كربلاء، وأعقب ولده المرحوم الحاج أحمد الذي استلم مختارية العباسية الغربية لسنوات طوال، والذي أعقب ولده الأستاذ حيدر
في هذا المبحث سيتم الحديث عن مجريات الأمور والأحداث والمستجدات في كربلاء بعد إعلان انتهاء الحرب العالمية الأولى في 1918/11/11م.
لقد كانت هذه الفترة بالغة الأهمية في تأريخ مدينة كربلاء، وذلك لتنامي الشعور الوطني والقومي فيها، والصراع الذي كان يدور بين الغالبية الوطنية من أهلها يساندهم الكثير من رجال الدين من العلماء الأعلام، وبين أعوان الاستعمار والمتخاذلين والمتزلفين. وكان لزعماء المدينة وأعيانها من السادة العلويين ورؤساء العشائر والمناطق دورٌ كبير في هذه الفترة الممتدة لسنتين تقريبًا من حياة المدينة.
في بداية هذا المبحث لابد لنا من الحديث عن انتقال أية الله الشيخ محمد تقي الشيرازي إلى كربلاء، على الرغم من أنّ تاريخ انتقاله كان قبل نهاية الحرب العالمية الأولى، وللدور الذي قام به رحمه الله في الفترة التي نحن بصدد تداولها وموقعه الديني وقيادته لجميع الفعاليات التي جرت في كربلاء بعد نهاية الحرب العالمية حتى قيام ثورة العشرين التي قادها من خلال موقعه الروحي والديني والاجتماعي يومئذٍ حتى وفاته قبل انتهاء الثورة بوقت قصير.
ولد الشيخ محمد تقي وهو ابن محب علي بن ميرزا محمد علي کَلشن في شيراز بإيران سنة 1256ه / 1840م، وكان والده من كبار علماء الدين في شيراز، وقد نصح ولده بالرحيل إلى كربلاء لمواصلة تحصيله العلمي ومجاورة سيد الشهداء الامام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
وفي سنة 1271ه / 1854م هاجر الشيخ محمد تقي إلى كربلاء لينهل العلم فيها على كبار الأساتذة العلماء في ذلك الوقت. وبقي فيها سنوات طوال حتى حاز مرتبة عالية بين أقرانه من طلاب العلوم الدينية، بل تمت إجازته في كربلاء، وعندها إرتحل إلى سامراء ليلتحق بالعلامة الكبير المجدد السيد محمد حسن الشيرازي، وقد أصبح العلامة الشيخ محمد تقي من أقرب وألمع تلاميذ المجدد الشيرازي إليه. وعندما توفي المجدد الشيرازي سنة 1312ه، كان جديرًا بالميرزا محمد تقي أن يحل محل أستاذه واستلم الرئاسة الدينية في سامراء.
وبعد دخول الإنكليز سامراء رغب بالانتقال إلى كربلاء ليستوطنها مجاورًا لمرقد نصحه الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) والذي كان هو قصده من مهاجرته الأولى من شيراز.
يذكر ولده الشيخ عبد الحسين في جواب رسالة أرسلها السيد عبد الرزاق الوهاب له يستفسر منه حول سبب انتقال والده إلى كربلاء، وكان السبب من إرسال هذا الاستفسار هو ورود بعض الآراء التي تنتقص من الوطنية في كربلاء وردت بكتابات البعض بأن الشيرازي كان يفترض أن يرتحل إلى النجف ولكن تم نه من الوطنيين في النجف بالتوجه إلى كربلاء لتتوازن القوى الوطنية لأن الوطنية في كربلاء مشلولة!!!، ومن هؤلاء السيد عبد الرزاق الحسني النجفي الأصل، وكذلك فريق مزهر الفرعون في كتابه (الحقائق الناصعة) ص 79. وما ورد عن الحسني في كتابه (الثورة العراقية الكبرى) ما نصّه: «كان الامام الشيرازي يقطن سامراء، فعمل الوطنيون في النجف على نقله إليها. فلما أجاب الإمام رغبة الوطنيين إرتأى هؤلاء
جَعْل مقامه في كربلاء بدلًا من النجف لحفظ التوازن في القوى الوطنية، ولاسيما قد كانت الوطنية في كربلاء مشلولة...»(1).
ومما لاشك فيه هذا هو التجنّي بعينه، لأن لا يمكن لأحد أن يزايد على وطنية الكربلائيين والتاريخ يحدثنا بما قاموا به من ثورات ضد المحتل العثماني وكذلك البريطاني.
وبالرجوع إلى استفسار السيد عبد الرزاق الوهاب وجواب الشيخ عبد الحسين نجل الميرزا الشيرازي، فقد أجاب في رسالة مؤرخة في جمادي الآخرة سنة 1373ه / 1953م بما يلي:
«بعد احتلال القوات البريطانية مدينة سامراء وتكاثر الجنود فيها وتضايق سكانها حيث حلَّ الضيق المعاشي، فقرر المرحوم والدي إصطحاب طلاب العلوم الدينية إلى كربلاء، فوصل الكاظمية وبقي فيها عدة اشهر، وعندئذٍ طلب إليه المرحوم آية الله السيد حسن الصدر السكن في الكاظمية، فأجاب المرحوم والدي: بأن وصية والدي المرحوم ميرزا محب علي، هي أن أسكن كربلاء. وبعد قدومه جاءه وفد من علماء النجف طالبين إليه أن ينتقل إلى النجف ليسكن فيها.
أمّا ما قيل عن إرسال كتبه وأثاثه إلى النجف أو الموافقة على السكن فيها أو ورود كتاب من أحدٍ إليه أو إلى أخي محمد رضا حول هذا الموضوع فليس بصحيح. أما عن سبب انتقاله من كربلاء إلى سامراء وإقامته فيها كل تلك المدة الطويلة، فكانت لالتحاقه بمعيّة المرحوم آية الله الميرزا محمد حسن الشيرازي، وبوفاته إنتقلت الزعامة إلى المرحوم والدي، وأجمع العلماء على ضرورة بقائه في سامراء للمحافظة على المركز الروحي».
في يوم الأحد 18 صفر 1336ه / 2 كانون الأول 1917م وصل كربلاء الميرزا محمد تقي الشيرازي وقد استقبل استقبالًا حاشدًا من قِبل الأهالي وعلماء المدينة
1) الثورة العراقية الكبرى: عبد الرزاق الحسني، ص60 في الهامش
لمعرفتهم بمكانته العلمية الكبيرة، وإلتف حوله الوطنيون من أبناء المدينة وإعتبروه مرجعاً نضاليًا لهم. وعندما إستقر في كربلاء كان يتصدى للمرجعية في النجف السيد محمد كاظم اليزدي، وعندما توفي سنة 1919م كان من ينافس الميرزا محمد تقي الشيرازي على رئاسة المرجعية العلامة الملا كاظم الآخوند وبوفاته إنتقلت المرجعية العليا للميرزا محمد تقي الشيرازي ومقره كربلاء.
بعد عقد الهدنة عند انتهاء الحرب العالمية الأولى، نشط الوطنيون وجاهروا وسَعَوا في اجتماعاتهم بأن تصبح في العراق حكومة وطنية، ومَلِك عربي وعَلَم عراقي. وعندما صرّحت الحكومتان الفرنسية والبريطانية بتاريخ 11 صفر 1337ه الموافق ليوم 15 تشرين الثاني 1918م بمنح الأراضي العراقية المحررة من الأتراك حكمًا ذاتيًا، وإنشاء حكومة وإدارة وطنية يختارها الشعب. ساد الارتياح بين الناس والوطنيين خاصة.
وفيما يلي بلاغ الحلفاء الذي نُشر في باريس ونيويورك ولندن والقاهرة في 8 تشرين الثاني 1918م، وقد نُشر في بغداد يوم 15 تشرين الثاني 1918م:
«إن الغاية التي ترمي إليها كل من فرنسا وبريطانيا العظمى من خوض غمار الحرب في الشرق من جرّاء أطماع ألمانيا هو تحرير الشعوب التي طالما رزحت تحت أعباء استعباد الأتراك تحريرًا تامّاً نهائيًا، وتأسيس حكومات وإدارة وطنية تستمد سلطتها من رغبة نفس السكان الوطنيين ومحض إختيارهم ولتنفيذ هذه الغايات قد إتفقت كل من فرنسا وبريطانيا العظمى على تشجيع الأقطار التي يسعى في تحريرها والإعتراف بهذه الأقطار بمجرد تأسيس حكوماتها، بل لا همَّ لهما إلّا أن تظمنا بمساعدتها ومعاونتها الفعلية سير أمور هذه الحكومات والإدارات التي يختارها السكان الوطنيون سيرًا معتدلًا، وأن تظمنا سير العدل الشامل الخالي من شوائب المحابات، وأن تساعدا التقدم الاقتصادي بإنهاض الأهلين وتشجيع مشاريعهم،
وأن تساعدا على تعميم التعليم والتهذيب، وأن تضعا حدّاً للتفريق الذي طالما توخاه الأتراك في سياستهم، هذه هي الخطة التي ستسير عليها الحكومتان المتحالفتان في الأقطار المحررة».
وجاءت التعليمات الواردة من الحكومة البريطانية إلى وكيل الحاكم الملكي العام في العراق الكولونيل (ولسون) حول الاستفتاء العام لكل العراقيين، ويجري هذا الاستفتاء بإشراف الحكومة، وفيما يلي نص التعليمات الواردة:
من حكومة صاحب الجلالة
إلى وكيل الحاكم الملكي العام الكولونيل ولسن
أرجو أن تقوم بالتأكد من معرفة آراء الأهلين حول النقاط التالية:
1 - هل يفضلون تشكيل دولة عربية واحدة تقوم بإرشادها بريطانيا، وتمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج العربي؟
2 - وفي هذه الحالة، هل يرون أن الدولة الجديدة يجب أن يكون على رأسها أمير عربي؟
3 - وإذا كان الأمر كذلك، من هو الذي يرشحونه(1)؟
على أثر ذلك فقد إعتقد العراقيون بأن هذه أول بادرة بدرت بعد الحرب العالمية الأولى من قبل الحلفاء في تفعيل مواعيدهم وجعل الحلفاء وفي مقدمتهم بريطانيا أن يكونوا عند حسن ظن العرب وإطمئنانهم، فكان بلاغ الحلفاء ورسالة حكومة بريطانيا إلى وكيل الحاكم الملكي العام في العراق موضع إبتهاج وإرتياح العراقيين لتحقيق ما يصبون إليه.
وعلى ما ورد فقد نشر الكولونيل السير ويلسون بتاريخ 30 تشرين الثاني 1918م الموافق 25 صفر 1337ه ثلاثة أسئلة تطرح للاستفتاء العام عن شكل الحكومة المستقبلية في العراق، وعن الشخص الذي يريده العراقيون على رأسها. والأسئلة الثلاث هي:
1) وثائق الثورة العراقية الكبرى ومقدماتها ونتائجها: كامل سلمان الجبوري، ج2 ص173
1 - هل ترغبون بحكومة (مستقلة) تحت الوصاية الإنكليزية يمتد نفوذها من أعالي شمال الموصل إلى خليج (العجم)؟
2 - هل ترغبون أن يرأس هذه الحكومة أمير عربي؟
3 - من يكون ذلك الأمير الذي تختارونه(1)؟
كانت الحكومة البريطانية قد أبرقت إلى (ولسون)(2)طالبة أن يكون التعبير عن آراء السكان حقيقيًا ونزيهًا، ولكن ولسون أراد أن يثبت لحكومته صحة رأيه في الحكم الملائم للعراق، وأراد أن يثبت لها بأن العراقيين يرغبون من تلقاء أنفسهم في الحكم البريطاني المباشر(3).
فَعلم العراقيون من السؤال الأول بأن الإنكليز بدأوا يراوغون ويحيدون عن الحق، وفهموا بأن بريطانيا تريد وضع العراق تحت الوصاية الإنكليزية. فلم يرق لهم ذلك.
كذلك أخذ الإنكليز يوحون إلى أعوانهم بالتأثير على المواطنين لإنتخاب (السير برسي كوكس) ليكون هو الأمير على العراق، وقام الإنكليز بإتباع خطوات لتحقيق ذلك بطرق مختلفة منها الوعد والوعيد، وكذلك على البعض من معتمديهم يتزعمون بعض مناطق الفرات لتأييد فكرتهم.
فبعد أيام من نشر بيان الأسئلة دعا الإنكليز بعض أشراف ووجهاء المدن ورؤساء العشائر في الفرات للحضور في اجتماع يُعقد في مدينة الحلة، وقد لبّى الدعوة من أعيان كربلاء (السيد عبد الحسين الدده) ومن رؤساء عشائرها (عبد المحسن
السعود)(1). ولم يعرف الإنكليز طبيعة العراقيين الأصلاء، فإن الكبير أو الرئيس أو الزعيم لا يكذب أهله حتی وإن كان على إتصال وصداقة معهم، فالصداقة شيء والوطنية والانتماء شيء آخر.
ولما إكتمل الحضور تم الطلب من كل واحد من الحاضرين بتقديم مضبطة من محيطه (وإن كانت الأسماء الموقعة موهومة). فأجاب البعض وإعتذر آخرون، ولم يقدّم ممثلو كربلاء والديوانية شيئًا من هذا القبيل.
عندما خاب ظن الإنكليز وخاصة حكامهم السياسيين في المناطق، بدأوا يستعملون أساليب التفرقة على قاعدة (فرّق تسُد)، فتوزع الحكام الإنكليز على المدن الكبيرة في الفرات ليستدرجوا أهلها بقبول نيّات الإنكليز.
فجاء إلى كربلاء حاكم الفرات الأوسط (الميجر تيلر) ودعا معاون الحاكم السياسي لكربلاء (الميجر بوفل) عددًا كبيرًا من وجهاء كربلاء ورؤساء عشائرها إلى اجتماع يعقد في السراي استعدادًا لإجراء الاستفتاء.
عُقد الاجتماع في 16 كانون أول 1918م، وحضره (الميجر تيلر) وقال أن بريطانيا قررت الوفاء بوعدها للعرب، ولذلك تريد رأيكم في نوع الحكم والشخص الذي تختارونه...
كان الكربلائيون قد علموا باستفتاء النجف، ومفاوضة السير ولسون معهم على الأمر الذي تريده بريطانيا، علمًا بأن استفتاء النجف سبق اجتماع كربلاء... فأناب الكربلائيون الحديث عنهم إلى السيد عبد الوهاب الوهاب، الذي تكلم وطلب مهلة قدرها ثلاثة أيام لكي يتداولوا في الأمر مع غيرهم من أهالي كربلاء، فوافق الميجر تيلر وعاد إلى الحلة.
1) كربلاء في التاريخ: السيد عبد الرزاق الوهاب ج3 ص42. نقول:... علما بان عبد المحسن السعود لم يكن حينها الشيخ العام (لعشيرة المسعود) ولكنه وحسب ما جاء بكتاب العشائر والسياسة (تعريب عبد الجليل الطاهر) أنه كان متعاونًا مع الإنكليز وكان يعتبر رجلهم الذي يعتمدون عليه في منطقته
في ذات اليوم عقد اجتماع في دار السيد محمد صادق الطباطبائي للتداول في الأمر، واعقبه اجتماع آخر في دار آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي، وكان من بين الحاضرين في هذه الاجتماعات من كانت ميولهم إنكليزية، وحصل جدال وإختلاف بين الحاضرين، حيث إقترح البعض إختيار أحد أفراد الأسرة القاجارية (ملوك إيران) أميرًا للعراق!!، وإقترح آخرون إختيار أمير عثماني، ولكن الأغلبية العربية الساحقة أعلنوا رغبتهم في إختيار الأمير عبد الله أو الأمير زيد من أنجال الشريف حسين (نظرًا لترشيح السوريين فيصل بن الحسين ملكًا على سوريا)...
ونتيجة هذه الإختلافات في الآراء ولكي يتم حسم الموضوع الخطير هذا، وتلافيًا لظهور الإشاعات المغرضة طلب الكربلائيون فتوى من المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي لتتوضح لهم كيفية تعيين المنهج الذي يجب إتباعه، فقد قُدّم سؤال إلى سماحته ليأخذوا الجواب موثقًا، والسؤال هو: «ما يقول شيخنا وملاذنا حضرة حجة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين الشيخ ميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي متّع الله المسلمين بطول بقائه، في تكليفنا معاشر المسلمين بعد أن منحتنا الدولة المفخمة البريطانية العظمى في إنتخاب أمير لنا نستظل بظله ونعيش تحت رايته ولوائه، فهل يجوز لنا إنتخاب غير المسلم للإمارة والسلطنة علينا أم يجب علينا إختيار المسلم، بينوا تؤجروا».
فأجاب الميرزا الشيرازي على نفس ورقة السؤال بما يلي، وقد أعتبرت فتوى شرعية لا مناص من الإلتزام بها حيث كان الجواب:
«بسم الله الرحمن الرحيم ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين»
20 ربيع الثاني سنة 1337
الأحقر محمد تقي الحائري (الختم)
فتوى الميرزا الشيرازي حول الاستفتاء
وقد أرسلت نسخ عديدة من فتوى المرحوم الشيرازي إلى عشائر الفرات الأوسط وإلى بقية المدن العراقية، وكان لهذه الفتوى تأثير كبير على الأهلين، وكانت صدمة كبيرة للإنكليز.
على أثر هذه الفتوى التي وجدت تأييدًا كبيرًا من علماء كربلاء والذين إقتدوا به في الإفتاء فحرروا ورقة بتحريم إنتخاب غير المسلم لملوكية العراق، وهي نص السؤال وفتوى الشيرازي ووقعها الشيرازي أيضًا ومن بعد توقيعه وقع عليها علماء وخطباء كربلاء، وفيما يلي صورة عن الورقة وأسماء الموقعين عليها:
الأحقر علي الشهرستاني، محمد حسين الحائري المازندراني، محمد علي الحسيني، الأحقر عبد الهادي، الجاني محمد صادق الطباطبائي، الجاني عبد الحسين الطباطبائي، الجاني غلام حسين المازندراني، حرره محمد رضا الموسوي القزويني الحائري، حرره محمد إبراهيم الموسوي القزويني الحائري، الراجي محمد الموسوي البوشهري الحائري، بسم الله تعالى شأنه، رقمه الأحقر الجاني ابن علي الهادي الحسيني الحائري، الأحقر
جعفر الهر، الأحقر خادم الشريعة الطاهرة الإسلامية فضل الله الحائري المازندراني، الأحقر الجاني كاظم الموسوي البهبهاني، الأحقر أقل الطلبة شيخ مهدي
ورقة إفتاء علماء كربلاء
بعد ذلك عقد اجتماع في دار السيد محمد صادق الطباطبائي وثاني وثالث في دار الميرزا الشيرازي، وتم الإتفاق على كتابة مضبطة يوقعها العلماء والوجهاء والرؤساء، حيث قرروا أن يستظلّوا بظل راية عربية إسلامية، على أن يكون أحد أنجال الشريف حسين ملكًا مقيدًا بمجلس من أهالي العراق... وحررت المضبطة بتاريخ اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة 1337ه المصادف 18 كانون أول 1918م. وسميت هذه المضبطة بمضبطة (الوطنيين) وإلى القارئ الكريم نصّها وأسماء كل من وقّع عليها:
بمنّه تعالى
حسب تبليغ حضرة حاكم الحلة(1)لنا عن الدولة المفخمة البريطانية العظمى أنها قد تفضلت على العراقيين بطلب إنتخاب أي أمير يختارونه، وقد أمرنا أن نجتمع ونتداول الرأي في ذلك ثم نقدم النتيجة إلى حاكم كربلاء فتلقينا أمره بتمام الرغبة وقد سبق الوعد المنشور من الدولة المفخمة البريطانية بالإتفاق مع الدولة الفرنسوية بالعبارة الآتية:
(إن غرض الحكومتين من الحرب في الشرق تحرير الشعوب تحريرًا تامًا نهائيًا وإنشاء حكومات وإدارات وطنية في سورية والعراق تقوم بها الشعوب بذاتها من خالص رغبتها) كما نشرته جريدة العرب عدد (140 الصادرة في (15 تشرين الثاني 1918) وقد إجتمعنا نحن أهالي كربلاء إمتثالًا لأمركم وبعد مداولة الآراء وملاحظة الأصول الإسلامية وطبقًا لها، تقرر رأينا على أن نستظل بظل راية عربية إسلامية، فإنتخبنا أحد أنجال سيدنا الشريف ليكون ملكًا علينا مقيدًا بمجلس منتخب من أهالي العراق لسنين القواعد الموافقة لروحيات هذه الأمة وما تقتضيه شؤونها. تحريرًا في اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة 1337ه.
خادم الشريعة المطهرة - خادم الشريعة المطهرة
السيد حسن الطباطبائي - محمد علي الطباطبائي
کلیدار الروضة الحسينية - کليدار الروضة العباسية
السيد عبد الحسين - السيد مرتضى
نقيب الأشراف السيد محسن
1) هو الميجر (تيلر) الذي كان حاكم الفرات الأوسط ومقره في (لواء الحلة) آنذاك، وكانت كربلاء من توابع لواء الحلة يومئذٍ
عبد الحسين نجل آية الله الشيرازي، محمد رضا نجل آية الله الشيرازي، السيد عباس ضياء الدين، السيد محمد علي ثابت، السيد عبد الحسين الددة، السيد عبد الوهاب الوهاب، السيد عبود علي آل نصر الله، السيد محمد مهدي بحر العلوم، السيد محمد علي أبو المعالي، السيد سعيد الشروفي، السيد أحمد الوهاب، السيد علي نقي الشهرستاني، السيد جواد، السيد كمال آل ثابت، السيد علي مهدي البغدادي، السيد عيسى الحسيني، السيد حسن علّو، السيد صالح النقيب، السيد إبراهيم الشهرستاني، السيد عبد الحسين رئيس الخدام، السيد محمود زيني، السيد أحمد ضياء الدين، السيد حسين ضياء الدين، السيد مهدي زيني، بحر الشبيب/ رئيس اليسار، كاظم الحسين النجم / أحد رؤساء بني تميم، الشيخ عبد الكريم العواد / رئيس آل عواد، الشيخ طليفح الحسون / رئيس النصاروة، الشيخ عمر العلوان / رئيس الوزون، الشيخ علي المحمد المنكَوشي / رئيس المناكَيش، الشيخ عبد علي الحميري / رئيس حمْيَر، الشيخ محسن العلوان السلامي / رئيس السلاميين، الحاج علي القنبر / أحد رؤساء بني سعد، الحاج راضي الحمزة، علوان الشيخ عباس التاجر، الحاج مكاوي، عبد الرضا أبو والدة، عليوي الحاج غريب، الحاج وهاب الكلكاوي، محمد الكلكاوي، الشيخ محمد علي أبو الحب، الحاج حيدر راضي حيدر، الحاج قندي، سلمان الشبيب، الحاج حسن شهيّب، ظاهر الحاج حبيب، الحاج عبد أبو الهر، خضر الحاج عباس، عبد الجليل العواد، حسين المحسن العاشور، ملّا سعيد الوكيل، محمد علي الشيخ سلمان، وهاب بن محسن زيارة، أحمد الحاج جاسم منغص، شبیب عزب، عبد علي، سلمان الحاج حمد، الحاج كاظم أبو إذان
النسخة الأولى من مضبطة الوطنيين
النسخة الثانية من مضبطة الوطنيين
وكما أسلفنا بأن هذه المضبطة سميت بمضبطة الوطنيين، لكن بعض الموالين للإنكليز ومن ضعاف النفوس، والذين ربطوا مصالحهم بالمستعمر ابتغاء منافع دنوية، حرروا مضبطة مخالفة للمضبطة الأولى وطلبوا أن يكون العراق تحت ظل
الحكم البريطاني وذلك لمصلحة العموم... وحررت هذه المضبطة بتاريخ 21 ربیع الأول 1337ه الموافق 24 كانون أول 1918م، أي بعد ستة أيام من المضبطة الأولى.
ووقعت من قبل بعض الذين ندموا فيما بعد على ما فعلوه. وصورة هذه المضبطة سنوردها، ولا نرغب بذكر أسماء الموقعين عليها، لأنها زلّة ومثلبة تقع على أحفادهم... مثلما يفتخر أحفاد من وقع على المضبطة الأولى لما قام به آباؤهم وأجدادهم من موقف وطني شريف نابع من الجذر العربي الأصيل الذي ينتمون إليه.
يقول المرحوم السيد عبد الرزاق الوهاب في ج3 المطبوع من كتابه (كربلاء في التاريخ) ما نصّه: «ولمّا كان الحاكم الإنجليزي (بوفل)(1)لبق اللسان فإنه تمكن من إغراء بعض الكربلائيين القصيري المدى والقريبي النظر الذين يسعون لإرجاع بعض الأسرى من الهند أن ينظّموا مضبطة يمليها عليهم فيوقعوها - ولو من بضعة أنفار - ليثبت بها عدم عجزه أمام مرجعه الرسمي في تنفيذ الأوامر الصادرة إليه ومقابل ذلك تعهد لهم بتشبثه لدى ذلك المرجع بجلب المنفيّين من الهند فإستزلهم الشيطان ونسوا ذكر الله ودنسوا شرف الأمة وكرامة الوطن وكان ما أراد ونظّمت المضبطة»(2).
وفيما يلي نص مضبطة هؤلاء، ويلاحظ مدى الضعف والركّة والأخطاء اللغوية والخضوع فيها:
لحضرة الأجل الأكرم الحاكم الملكي بكربلاء المحترم
معروضات عموم أهالي كربلاء المقدسة هو أنه حسب الأمر الصادر علينا من حكومتنا العادلة البريطانية العظمى دامت عدالتها بالإنتخاب بإختيار أميرًا للعراق
1) الكابتن (بوفل) هو الحاكم العسكري في كربلاء إثناء الاستفتاء العام وقد أختير ليكون حاكمًا على كربلاء لما يتمتع به من معرفة ومرونة بالتعامل عكس الذي سبقه و هو الكابتن (براي) الذي كان شرسًا وقد أحسّت حكومة الاحتلال بسلبياته فإضطرت لتغييره بعد عدة أشهر من إستلامه منصبه وعيّنت بدله الكابتن (النقيب) بوفل
2) كربلاء في التاريخ / (الجزء الثالث المطبوع فقط) ص 50 وص 51
من خليج فارس إلى موصل فأطعنا الأمر المذكور وقد إجتمعت أفكارنا عمومًا وصار نظرنا على ما فيه صلاح العموم بأن تكون تحت ظل حكومتنا العطوفة الرؤفة البريطانية العظمى مدة من الزمان لترقي العراق خصوصاً ممالكنا وتعمير بلادنا. ويكون بذلك مصلحة للعموم والأمر لمن له الأمر.
21 ربيع الأول 1337ه
هذه المضبطة على ما فيها من مخازي وسوء سمعة فإن عدة أشخاص من الجهلة وقعوها وأرسلوها إلى الحاكم إلاّ أن الحاكم رجع عن رأيه السابق فلم يرَ ما يسد الثلمة التي تحدثها مضبطة الوطنيين لدى المراجع المختصة لسبك عباراتها وقوة حجتها وسمعة الموقعين فيها فعدل عن إرسالهما معاً، ومن وجهة نظر ثانية إلى خطر موقفه فيما إذا أرسل مضبطة الوطنيين وأهمل الأخرى فيكون بمثابة العاجز عن تنفیذ الأوامر الصادرة إليه، الأمر الذي يستوجب مسؤوليته فقرر إهمال المضبطتين معاً، ولمّا قُدّمت مضبطة الوطنيين إليه رفضها بحجة عدم تقديمهم إيّاها بوقتها المعيّن وإحتفظ بالثانية، وبعد يومين دفع بالثانية إلى السيد عبد الحسين الددة قائلًا له: «لا حاجة لي فيها، إفعل بها ما شئت»(1).
وقد ندم بعض الموقعين على المضبطة الثانية على ما قاموا به، وقد إعترفوا بذنبهم وطلب قسم منهم التوقيع على المضبطة الأولى!!
كان استياء الحاكم الإنكليزي من المضبطة الأولى واضحًا، وعذره في عدم تسلّمها بإعتبار إن الوقت قد إنتهى لقبولها وهذا الأمر لا يقبل الشك في إظهار استياءه وإلاّ لماذا وجّه أعوانه بكتابة مضبطة أملاها عليهم واستلمها منهم، ومن ثَمَّ أعادها كما أسلفنا!!
1) المصدر السابق، ج3 ص53
صورة المضبط الثانية
كان الوطنيون بقيادة المرحوم الميرزا محمد تقي الحائري قد إحتفظوا بنسخة من تلك المضبطة وأرسلو النسخة الثانية إلى الشريف (الحسين بن علي) بيد المرحوم
الشيخ محمد رضا الشبيبي، وكان الغرض من إرسالها أن هو يستند إليها الشريف حسين عندما يطالب الإنكليز بالعهود التي قطعوها...
وكانت مضبطة الوطنيين الكربلائيين وتوجيهات الميرزا الشيرازي حافزًا للعشائر الفراتية بحيث نظّموا مضابط أخرى في نفس المضمون وأُرسل قسم منها إلى الشريف حسين مع مضبطة الوطنيين الكربلائيين، وقسم آخر تأخر في كربلاء لورودها بعد سفر المرحوم الشبيبي.
يتبيّن من ذلك أن كربلاء كانت مع النجف والكاظمية وبغداد مدنًا معارضة في استفتاءاتها على الحكم تحت ظل الوصاية البريطانية. ونادت هذه المدن باستقلال العراق، وإتفقوا جميعاً على رئاسة البلاد من قبل ملك عربي من أنجال الشريف حسين، ولكن بقية المدن والبلدات إنصاعت لتأثيرات الإنكليز، وما كان يخطط له الحاكم الملكي الإنكليزي في العراق (ولسون).
لم يفتر كل ذلك من عزيمة الوطنيين وإستمرّوا في المطالبة بتحقيق مطالبهم المشروعة، ولم يقف الميرزا محمد تقي الشيرازي مكتوف الأيدي، فقد تحرك على عدة محاور منها إتفاقه مع (شيخ الشريعة) فتح الله الأصفهاني بإرسال رسالة إلى الرئيس الأمريكي (ولسون) عن طريق سفير أمريكا في طهران.
كما قاما بإرسال رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي يطلبان مساندته في دعم العراقيين بإقامة دولة عربية مستقلة إسلامية يرأسها ملك مسلم مقيّد بمجلس وطني، وهذه الرسالة أرسلت بمناسبة إنعقاد مؤتمر باريس الذي يحضره الرئيس الأمريكي.
وعلى صعيد آخر أرسل الميرزا الشيرازي رسالة إلى الأمير فيصل بن الحسين يفوّضه في مطالبة مؤتمر السلام وجمعية الأمم بتحقيق الاستقلال التام العاري عن الحماية والوصاية والتدخل الجنبي.
كانت الرسالة الأولى للسفير الأمريكي في طهران قد كتبت باللغة الفارسية وأدناه صورتها وترجمتها:
رسالة الشيرازي إلى سفير أمريكا في طهران
التاريخ خامس شهر جمادي الأولى طهران تحظى بخدمة جناب الأجل سفير دولة أمريكا المتحدة في طهران المحترم 1337
بعد الإحترام اللائق، لزمنا أن نحرر لكم في هذه الآونة على سبيل الإختصار ونظرًا لما أملته حكومة الدولة المعظمة أمريكا والشروط التي قدمها رئيسها لإحقاق الحق وتحرير الشعوب، فقد رأينا أن نراجع حكومتكم بتوسطكم ونستعين بها في نيل حقوقنا بتشكيل دولة عربية إسلامية، وأنتم تعرفون بأن كل أمة محاطة بقوى عسكرية محتلة فلا رأي مستقل لها، في التعبير عمّا في ضميرها ورأيها في الحرية والاستقلال، وحرية الرأي في هذا الزمان لا يطمئن لها والناس يخافون أن يعلنوا رغباتهم نتيجة الظروف القاسية المحيطة بهم، ولهذا السبب فإن أهالي العراق يتوسلون بدولتكم المعظمة لتعينهم على المطالبة بحقوقهم وتحقيقها. محمد تقي الحائري الشيرازي.
وفيما يلي رسالة الميرزا الشيرازي وشيخ الشريعة الأصفهاني في 12 جمادي الأولى سنة 1337ه بمناسبة إنعقاد مؤتمر باريس إلى الرئيس الأمريكي (ولسون) يطالبونه مساعدة ودعم العراقيين في تأسيس دولة عربية إسلامية مستقلة يرأسها ملك عربي مقيّد بمجلس وطني كما وردت بالنص الوارد في صورة الرسالة التالية:
لحضرة رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية المحترم
إبتهجت الشعوب جميعاً بالغاية المقصودة من الإشتراك في هذه الحروب الأوربية من منح الأمم المظلومة حقوقها المدنية والاستقلال حسب المنشورات عنكم وإنكم بما كنتم المبدء في هذا المشروع مشروع السعادة والسلام العام لابدّ وأن تكونوا الملجأ في رفع الموانع عنه وحيث شكّل مانعاً قويّاً من ظهور رغائب كثير من العراقيين على حقيقتها حين ما أظهرت الدولة الفخيمة البريطانية الحرية في إظهار رغائبهم مع أن الرأي السائد وللرغبة الصادقة منهم بما هم أمة مسلمة حريّة قانونية إختيار دولة جديدة عربية مستقلة إسلامية وملك مسلم مقيّد بمجلس وطني وأن الكلام في أمر الحماية ينتظر به تمام مؤتمر الصلح العمومي فالأمل منّا بما أنّا مسئولون للعراقيين في بثّ آمالهم وإزالة الموانع عن إظهار رغائبهم بما يكون كافيًا ليظهر الرأي العام على
حقيقة الغاية التي طلبتموها في الحرية التامة ويكون لكم الذكر الخالد في التاريخ بحريّة العراق ومدنيّته الحديثة.
محمد تقي الحائري الشيرازي في 12 ج1 1337 (ختم) شيخ الشريعة الأصبهاني (ختم)
نص رسالة الميرزا الشيرازي وشيخ الشريعة الأصفهاني للرئيس الأمريكي
وفيما يلي نص وصورة الكتاب الذي بعثه الميرزا محمد تقي الشيرازي في 8 رمضان سنة 1337ه إلى الأمير فيصل بن الحسين يفوضّه في مطالبة مؤتمر السلام وعصبة الأمم بتحقيق استقلال العراق التام:
بسمه تعالی
إلى صاحب السمو الأمير فيصل نجل ملك العرب الحسين بن علي خلّد الله ملكه لقد بلغنا ما بذلتموه من المساعي العظيمة وما تحملتموه من المجهودات الكبيرة لاستقلال البلاد فإستبشرنا بذلك كثيرًا وقدّرنا نهضتكم حق قدرها فشكر الله سعيكم وجزاكم أحسن الجزاء وتيقنوا أن عيوننا معاشر العلماء الروحانيين شاخصة إلى مدافعتكم ونعتبر مطالبتكم باستقلال البلاد صادرة من اعماق نفوسنا وصميم ضمائرنا وها نحن نوجب عليكم لما لنا من صفة التمثيل للطائفة الجعفرية مواصلة سعيكم إلى النهاية حتى يتحقق استقلال العراق استقلالًا تامًا عاريًا عن شائبة الحماية والوصاية وقد فوضناكم في خصوص مطالبة مؤتمر السلام وأعضاء عصبة الأمم على تحقيق استقلال البلاد التام وفقنا الله وإيّاكم للعمل بما فيه مصلحة الأمّة
8 رمضان سنة 1337
الأحقر محمد تقي الحائري
رسالة الميرزا الشيرازي إلى الأمير فيصل بن الحسين
وقد أرسل أهالي كربلاء وعدد من رجال الدين رسالة إلى الأمير فيصل بن الحسين يخوّلونه بمطالبة مؤتمر السلام وعصبة الأمم باستقلال العراق، وترشيح أخيه الأمير عبد الله بن الحسين لعرش العراق، وفيما يلي نص الرسالة وأسماء الموقعين عليها وصورة منها:
بسمه تعالی
إلى صاحب السمو الأمير فيصل نجل جلالة ملك العرب الحسين بن علي خلّد الله ملکه
يا سمو الأمير الكبير لقد بلغنا ما بذلتموه من الجهد العظيم لاستقلال البلاد العربية فقدرنا موقفكم حق قدره وأعظمنا نهضتكم الشريفة ولازال ولن يزال لجهادكم الكبير في سبيل أمة العرب الكريمة والدفاع عن حقوقها المشروعة شأن عظيم عند كافة العراقيين الذين بايعوا جلالة والدكم ملك العرب وقد صرحوا
بذلك غير مرّة في ألسنة الصحف والمناشير العربية وفي الإنتخابات السابقة. ها نحن معاشر الكربلائيين نعرض لسموكم رغائبنا الصادرة من أعماق نفوسنا وصميم قلوبنا على إختلاف طبقاتنا ونصرّح أمام المؤتمر العادل وأمام عصبة الأمم وأمام الحكومات الدمقراطية في كل أنحاء العالم، بأننا قد وكّلناكم وفوّضناكم تفويضًا مطلقًا في مطالبة مؤتمر السلام ووكلاء الدول العظام باستقلال العراق استقلالًا تامًا عاريًا عن شائبة الحماية والوصاية في ظل الوحدة العربية تحت إمارة سمو أخيكم الأمير عبد الله الشريف أيّده الله وحرسه مقيّدًا بمجلس تشريعي وطني. ونحن نسأل الله تعالى ان يحقق آمالنا ويوفقنا للقيام بواجبات حياتنا وضروريات استقلالنا ودوموا مظفرين.
12 رمضان 1337
ملاك / محمد نور عويّد، رئيس عشيرة السلامة وملاك / كَمر ابن نايف البرغش، من الأشراف / السيد ناصر نصر الله زاده عفي عنه (ناصر علي الأحمد آل نصر الله)، من الأشراف / وهاب زاده السيد عبد الوهاب (عبد الوهاب الوهاب آل طعمة)، ملاك / الحاج راضي الحمزة، رئيس عشيرة الناصرية (النصاروة) / هادي الحسون، ملاك / محمد علي بن عبد الرضا، رئيس عشيرة الوزون / عمر الحاج علوان، من الأشراف وأحد رؤساء سدنة الروضة المقدسة الحسينية وزعيم آل العلامة السيد نصر الله الحائري / السيد عبود (عبود علي الأحمد آل نصر الله)، ملاك / كاظم بن جواد زنكي، سركال / عبود بن حاج علي الأجحل، مختار في كربلاء / محمد علي الشيخ سلمان، رئيس العواودة / عبد الكريم العبد الرزاق (عبد الكريم العواد)، تاجر / الحاجي سعيد بن زراني، مجيد بن جار الله (من رؤساء بني سعد)، عثمان الحاج علوان (من رؤساء الوزون - خفاجة)، تاجر / حاجي حسون ابن سعودي، رئيس عشيرة النصاروية (النصاروة - عبادة) / طليفح الحسون، قصابي (القصاب) / عبد علي بن مهدي، ملاك / محمد بن علوان الدخيل، ملاك / أحمد بن حاج جاسم
يا سمو الأمير الكبير
نحن أعيان حملة عرش العلوم الشريفة في كربلاء المشرفة، قدّرنا مساعيكم العظيمة وما بذلتموه من الجهاد الكبير والتفادي الخطير لاستقلال البلاد العربية وها قد فوضناكم تفويضًا مطلقًا كما فوّضكم أشراف وزعماء كربلاء وإننا ننتظر بفارغ الصبر إنقاذ البلاد العراقية من الحكم الأجنبي وتخليص نفوس الأمة العراقية الكريمة التي ما زالت تئن من نير الاستبداد والاستعباد ودمتم لخير الأمة والبلاد.
12 رمضان سنة 1337
من حملة عرش العلوم الشريفة / يحيى الزرندي، خادم الشريعة المقدسة / السيد حسن الطباطبائي آل صاحب الرياض الشهير بالحاج أغا، من حملة عرش العلوم الدينية الشريفة / السيد محمد مهدي المولوي، من حملة عرش العلوم الشريفة / السيد محمد علي الطباطبائي
رسالة أهالي كربلاء إلى الأمير فيصل بن الحسين
زار يوسف غنيمة وهو يوسف بن رزق الله بن يوسف الشهبندر وهو من أسرة كلدانية قديمة ولد في بغداد سنة 1886م / 1303ه وتوفي سنة 1950م / 1370ه، باحث وكاتب عراقي يجيد التكلم بالفرنسية والإنكليزية والتركية، تاجر وأديب، شارك في إصدار العديد من المجلات منها مجلة المقتطف القاهرية، وتقلد أكثر من مرّة منصب الوزارة في العراق، زار كربلاء سنة 1337ه / 1919م ووصفها ووصف المراقد فيها، ونشر مقالًا عن زيارته هذه في مجلة المقتطف القاهرية في 1 تموز 1919م يقول فيه:
«إقتربنا من المدينة فتراءت لنا كربلاء ورأينا عسب النخيل ومآذنها المذهبة وقبابها المزينة بالقاشاني وأبراج ساعاتها الشاهقات فعلمنا أننا على مقربة من أمهات مدن العراق...». ويصف مرقد الحسين ويقول: «جامع الحسين وهو أكبر معهد ديني في كربلاء وربما كان من عداد المعاهد الدينية الكبرى في العراق طرًا، هناك مصرع الامام وهناك رفات رئيس شهداء الشيعة، وقد لاقى هذا المشهد على مرّ الأيام من الجور والعز ما لا يفصح به اللسان، وتقلب بين السعد والشقاء بتقلب السياسة والحكام، تارة تصول عليه يد الحكام فتخفي آثاره وتكرب أرضه، وتارة تحمي ذماره ويذود عن عقر داره فتشاد الأسوار الشاهقات حوله ويجود أهل التقى بالأصفر الرنان والأبيض الفتان، ويقدحون زناد الفكرة ليزينوه بنتائج الصناعات، فأبوابه جميلة كبيرة، يحيط بها القاشاني الفاخر يسر الخاطر ويبهج الناظر. وألوان القاشاني تمثل الأزهار المختلفة وبينها آيات الكتاب، وللمسجد دار قوراء مبلطة بالرخام اللطيف، وصحنه آية من آيات الصناعة، فإن حيطانه مغشاة بالآجر المطلي بالقاشاني الملون، وفي أطراف الأبواب سهوات على هيئة نخاريب (النخروب هو بيت النحل في الخلية) مرصعة بقطع المرايا، والأبواب مقوّسة أقواسًا تكاد تنطبق على نفسها إنطباقًا، وكلها مخرّمة وتخاريمها من الآجر المنحوت والمقطّع قطعاً مختلفة الكبر، ويدعم البناء الذي يطوف بالحرم أعمدة من الخشب عليها نقوش ناتئة، وفي أقصى المحرم مصطبة نفيسة تحتها
رمم الامام وهي عجيبة الحفر والصنع والتلوين، ترى من وراء مشبك من الفضة ذي أربعة أركان يتفرع من وسط الجانب الشرقي منه مشبك صغير من الفضة أيضًا على ضريح ابنه علي الأكبر الذي قُتل معه، وفي أعلى مشبك الحسين ستة عشر من الآنية المستطيلة الشكل كلها من الذهب وفي كل ركن من المشبكين رمانة من الذهب الإبريز أيضًا يبلغ طولها قراب نصف متر، وسقف الحرم مغشى بقطع من المرايا، وعلى ضريح الامام غطاء بديع الصنع وهو بساط من أفخر ما حاكته أيدي الفرس، وفي الزاوية الجنوبية من حرم الحسين ضريح كبير ملحود فيه أصحاب الحسين الذين قُتلوا معه في واقعة كربلاء وعلى وجه تلك الزاوية مشبك من الفضة الناصعة فيه أربعة شبابيك.
وفي جامع الحسين ثلاث مآذن وقبّتان (بل هي قبة واحدة) كلها مغشاة بغلالة من الذهب الإبريز، وفيه ساعتان كبيرتان كل منهما في برج شاهق».
في يوم الأحد السادس من شهر رمضان سنة 1338ه/ 24 مايس 1920م زار شاه إيران الشاب أحمد بن الشاه محمد علي القاجاري قادمًا من النجف الأشرف بعد أن زار مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وقد تم له استقبال كبير وأقيم له في مدخل المدينة قوس كبير ليمر موكبه من تحته، وأقيمت له إحتفالات كبيرة، وزار مرقد الأمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وبعد إنتهائه من مراسيم الزيارة توجه لقراءة الفاتحة في مقبرة عائلته القاجارية الواقعة في الناحية الغربية من الرواق الشمالي وبالقرب من مرقد السيد إبراهيم المجاب. وغادر بعدها لزيارة مرقد أبي الفضل العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وفي نفس اليوم غادر كربلاء متوجهًا إلى بغداد ومنها عاد إلى طهران عاصمة ملكه في 28 مايس 1920. وكان الشاه أحمد وهو آخر الملوك القاجاريين قد وصل بغداد في يوم الجمعة المصادف 21 مايس 1920م، وجرى له استقبال رسمي من الحكومة ومن المسؤولين البريطانيين في بغداد، والكثير من الوجهاء.
في هذا المبحث نحاول أن نركز على دور مدينة كربلاء في ثورة العشرين، وما حدث فيها خلال أيام الثورة وما سبقها. ودور المدينة وأهلها في تلك الفترة. إذا ما علمنا بأن ثورة العشرين عمّت العراق من شماله إلى جنوبه.
لم نشأ أن نتحدث عن الثورة بشكل عام ومفصّل في بحثنا هذا، ولكن سنذكر بالتفصيل كل ما يتعلق الأمر بمدينة كربلاء استمرارًا للبحث. لكون ذلك يعدُّ فصلًا مشرقًا من تاريخها فقد أعتُمدَت كمقر لقيادة الثورة، فكانت الفتاوى تصدر منها والاجتماعات تعقد فيها، إلى أن وصلت الحالة بأن يرفع فيها أوّل علم وطني للعراق، وتتشكل فيها حكومة الثورة.
فإن (الثورة العراقية الكبرى) سمّيت بثورة العشرين لإنطلاقها في منتصف عام 1920م، بعد أن كان التمهيد لها بفترة قاربت السنة الكاملة. وإندلاعها كان كان نتيجة أسباب كثيرة تطرّق إليها العشرات بل المئات ممن كتبوا عنها. منهم من معاصرًا لها، ومنهم من كتب عنها فيما بعد. وجاءت هذه الثورة نتيجة احتلال بريطانيا للعراق الذي بدأ من عام 1914م، حتى احتلال بغداد في آذار 1917م. وبقي جاثمًا على صدور العراقيين.
ظلّ الإنكليز في العراق بعد أن تقوّض الحكم العثماني فيه، وقد مرَّ علينا ما عاناه هذا البلد من الحكم العثماني، وعندما دخل الإنكليز أعلنوا بأنهم جاءوا محررين لا
فاتحين، وجاءوا ليمنحوا لهذه البلاد الاستقلال، على الرغم من أن الاحتلال البريطاني جوبه بمقاومة شديدة من أبناء العراق خاصة في الوسط والجنوب.
فخسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وتقهقرها أمام الغزو البريطاني هو الأمر الذي جاء بالإنكليز إلى هذا البلد لأهميته الستراتيجية وثرواته الهائلة التي تمتلكها أرضه. بعد أن إطمأنوا على وضعهم في العراق، نجد بأن أمورًا قد تغيّرت فكشّروا عن أنيابهم وأخذوا يمارسون سياسات ناقضت جملة وتفصيلًا عن ما صرّحوا به عند دخولهم ونجاح غزوهم للبلد.
ونلخص ذلك بعدة أمور على وجه السرعة حتى لا نخرج عن أصل بحثنا:
1 - ظهور بوادر سياسة الظلم والقهر التي إتبعها الإنكليز على أهل العراق، وشعور العراقيين بعدم صبرهم على الظلم والتعسف، وأن العرب أهل إباء وشمم، فهم يتمنون الموت بشرف رافضين حياة الذل والتخاذل.
2 - استغلال الإنكليز للعراق اقتصاديًا من خلال الهيمنة على موارده الطبيعية والزراعية والمائية والتجارية والصناعية والثقافية... وركزّوا في سيطرتهم على الموارد الزراعية وشرائها بأبخس الإثمان ومن ثَمَّ إعادة تصنيع المواد لتوريدها إلى نفس البلد، مما حدا بالضرر الكبير وخاصة على طبقة الزراع والفلاحين وهم اكثرية المجتمع العراقي، والذين كانوا في طليعة المقاومين.
3 - كان لعامل الضغط السياسي ومطالبة أبناء البلاد بحقوقهم في تقرير مصيرهم، وإختيارهم للحكومة والحكام الذين يريدونهم بإرادتهم، وقاد هذا الجانب أبناء المدن وأهل الرأي من العشائر... قابل ذلك أن السلطة الإنكليزية فرضت السيطرة الاستعمارية المباشرة على العراق، مما أوجد ضرورة تنسيق الجهود ونبذ الاستعمار في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وطالب العراقيون بحقهم الطبيعي في تقرير مصيرهم.
4 - زيادة كبيرة في الضرائب والرسوم التي فرضت من قبل سلطات الاحتلال البريطاني، وإعتمادها على أعمال (السخرة) لتأمين متطلباتها من مدّ خطوط سكك الحديد وحفر الأنهار وتنظيف الجداول وغيرها من الأعمال التي تخدم مصالحها وترهق العراقيين.
7 - التضييق على العراقيين في مجال الحريات، وخاصة في السفر وعقد الاجتماعات وإصدار الصحف، والتعبير عن الرأي وغيرها.
6 - سوء معاملة الحكام الإنكليز في المدن والقصبات في العراق، وعدم إحترامهم لأهل البلد وتعاليهم عليهم، غير عارفين بأن الوضع الاجتماعي للعراقيين له خصوصية وهناك خطوط حمراء لا يمكن أن يتم التجاوز عليها. ومن أمثال هؤلاء الحكام الإنكليز المتعجرفين، الميجر ديلي، والكولونيل لجمن وغيرهم الكثير.
7 - إصطفاف علماء الدين والمراجع(1)وأهل الحل والعقد مع الناس، ومعايشة همومهم وحاجاتهم، وكان للعلماء ورجال الدين من المراجع نفوذ في أوساط أهل المدن عامة والعشائر بصورة خاصة. وكانت فتاواهم مقدسة، فساهم هؤلاء بشكل فعّال بما يمليه عليهم الواجب الديني والوطني والقومي. فكان موقفهم مؤازرًا وساندًا وقائدًا في نفس الوقت. ورفض المجتمع العراقي ذي الغالبية العظمى من المسلمين بأن يسوسهم حكام غيرَ مسلمين.
8 - أن التراث البدوي الذي كان سائدًا في حقب زمنية متلازمة، كان السبب الذي أدّى إلى استمرار نشوب الثورات والحروب ضد العهد العثماني، نراه قد تجدد وإستمر في إسلوبه بمحاربة الإنكليز، إذا ما علمنا بأن المجتمع العراقي هو مجتمع عشائري.
1) ظهر في تلك الفترة بعض المراجع ورجال الدين الذين لا نقصدهم هنا في البحث، وهم قلائل، كانت لهم مواقف متخاذلة لأسباب عديدة. ولكن الغالبية العظمى من المراجع ورجال الدين وخاصة من الاصول العربية، كانت لهم حالة السبق والصدارة في مواقفهم العظيمة ضد الاحتلال الإنكليزي، وفي قيادتهم للثورة
9 - يذكر المرحوم الدكتور علي الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) أن هناك تقاربًا قد حصل بين (الأفندية) و(الملائية)، فكان الأفندية موظفين وضباط في العهد التركي، وقد فقدوا مناصبهم في عهد الاحتلال، وأخذوا يبثون الدعايات بقرب عودة الأتراك إلى العراق، فلديهم إمكانية كبيرة في إثارة مشاعر الناس وإشاعة التذمّر فيهم، وكان الناس يقولون عنهم بأنهم يمتلكون معلومات لاطلاعاتهم الواسعة (وفي الواقع كانت سطحية) فكان الناس يثقون بهم.
أمّا (الملائية) فهم رجال دين من الشيعة والسنة، فكان هناك فرق بينهم، حيث كان الملائية من السنة يأخذون رواتبهم من الدولة العثمانية، وهم يشبهون الموظفون الحكوميون. أمّا الملائي الشيعي فيستمد معاشه من جماهير الناس، فكلما إزداد إقبال الناس عليه وإعجابهم به إزدادت بذلك مواردهُ(1).
علمًا بأن الإنكليز إجتذبوا بعض الملائية من السنة والشيعة إليهم، وكان الناس يحتقرون هذا البعض من المتعاونين مع الإنكليز ويسمونهم ب (علماء الحفيز).
والحفيز ماخوذة من لفظة (أوفيس) باللغة الإنكليزية، وتعني الدائرة أو المكتب الحكوميان. وفي عهد الاحتلال حصل تعاون وثيق بين الأفندية والملائية، وكان له أثره الكبير في التقارب الطائفي الذي ظهر في عهد الاحتلال بين السنة والشيعة. وركز الأفندية على هذه العلاقة لأنهم علموا بان دعايتهم ضد الاحتلال أشدُّ تأثيرًا وأوسع نطاقًا.
10 - تميزت ثورة العشرين بعدة امور استجدت عمّا كان عليه الصراع سابقًا بين الناس والحكومات التي سبقت الإنكليز، فنرى بأن أهل المدن ساهموا مع أبناء العشائر في الأرياف وخاصة في الفرات الأوسط وعلى غير عادتهم، حيث كان
1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث: الدكتور علي الوردي ج 1/5 ص42
في السابق إحتقارًا متبادلًا بين الاثنين، كما أن المعارك السابقة لم تكن تأخذ طابعاً دينيًا ولم يفتي أحد من العلماء فيما سبق بتأييد إحدى تلك المعارك. فنراهم في ثورة العشرين قد أفتى العلماء وأيدوا الثورة وإعتبروها جهادًا في سبيل الله، وأنفقوا من أموال الحقوق الشرعية، بل زاد على ذلك أن الكثير منهم وجدناهم محاربين في جبهة القتال ويحثون الناس على الجهاد. وقد ساهم في قيادة الثورة علماء أجلاء منهم المجاهد آية الله الشيخ محمد تقي الشيرازي، وآية الله الشيخ مهدي الخالصي (الأسدي)، وآية الله الشيخ فتح الله الأصفهاني (شيخ الشريعة) وغيرهم الكثير من علماء النجف وكربلاء والكاظمية.
11 - من أسباب الثورة إنتشار مفاهيم لم تكن متداولة ولم تكن مألوفة لدى العراقيين فيما مضى، مثل الوطنية والاستقلال وتقرير المصير ونبذ الاستعمار... ذلك يعني بأن الحسّ الوطني قد تسارع في النمو على نحو ما شاهدنا.
12 - يقول أمين الريحاني... «أنه أعجب ما حدث في العراق بعد الاحتلال الإنكليزي هو ذا بلد لا صحافة فيه تذكر، ولا طرق مواصلات حديثة وصالحة، ولا قيادة... تعّمهُ الثورة فتربط اطرافه بعضها ببعض في أقل من شهر، ثم تستمر أشهرًا وهي تزداد قوة وهولًا. حتى أن العاصمة بغداد كادت تسقط في حوزة الثائرين»(1).
13 - نأخذ كذلك جانب الدعايات التي كانت ترد إلى العراق من سوريا ومن تركيا ومن إيران، وأشدها كانت الدعاية البلشفية التي أخذت ترد من روسيا بعد ثورة اكتوبر 1917م. ففي سوريا كان هناك الملك فيصل بن الحسين يحكم، وأكثر أركان حكمه من العراقيين، وهؤلاء بدأوا يشعرون بأن سوريا ليست لهم بمقام نهائي بعد أن رفع السوريون شعار (سوريا للسوريين) فوجهوا أنظارهم إلى وطنهم العراق، يسعون لاستقلاله ونيل المناصب فيه، وكان فيصل بن الحسين يدعمهم في ذلك.
1) ملوك العرب: أمين الريحاني، ج2
نستنتج من ذلك بأن (ثورة العشرين) التي إنطلقت شرارتها من الرميثة في الفرات الأوسط، وعمّت بعد ذلك العراق شماله وجنوبه، شرقه وغربه، كانت أول حدث في تاريخ العراق... حيث إشتركت كافة طبقات المجتمع العراقي من عالم دين وتاجر ومزارع وكاسب وفلاح وموظف ومثقف صاحب رأي وفكر... تجمعوا فكرًا وتنفيذًا على صعيد القول والفعل وهاجسهم الأوحد (يحيا العراق حرّاً مستقلا) على الرغم من علمهم بقوة جيوش الاحتلال، وتفوقهم في العدة والسلاح، إلّا أن الثوار إعتمدوا على إيمانهم العميق والقوي بشرعية ما يقدمون عليه، وإعتبروا ذلك جهادًا فرض عين. وللولوج في موضوع علاقة كربلاء بثورة العشرين، لابد أن نتطرق إلى بعض المقدمات التي سبقت إشتعال فتيل الثورة...
عندما احتل الإنكليز العراق، كان السيد كاظم اليزدي (آية الله محمد كاظم الطباطبائي اليزدي) متصديًا للمرجعية الدينية، ويعتبر هو المرجع الأعلى للشيعة ومقره في النجف الأشرف... وكان السيد كاظم قد اتخذ موقفاً خاصًا إثناء الاحتلال البريطاني... والحقيقة أن موقفه كان محيّرًا لما ورد عنه بعدئذٍ.
فإذا قيل أنه لم يقف بوجه الاحتلال، نجد عندما نتحدث عن مراحل دخول الإنكليز إلى العراق بداية من الجنوب، نرى بأن الكثير من رجال الدين والمراجع قد هبّوا لمقارعة الغزاة المحتلين، ولم نجد لليزدي أي موقف مغاير أو ممانع لهم في موقفهم هذا، وعدم الممانعة قد لا يعني التأييد، ولكن نعتمد في شكوكنا على أنه لم يصدر سوى فتوى واحدة بعد ضغط علماء النجف عليه وطلب الوفود التي كانت تصل النجف، حيث أفتى في 16 كانون الأول 1914م بالدفاع عن البلاد الإسلامية فقط، ولم يتحمس لما يمليه عليه واجبه الديني، وحتى مساهماته التي كانت تحت ضغط المراجع الآخرين لم تتعد إرسال ولده إلى مكان تواجد العلماء الذين شاركوا
بنفسهم ليس في رفع روح الحماسة بين أبناء الفرات الأوسط والجنوب فحسب، بل شاركوا في القتال ومنهم من أستشهد في سبيل الدفاع عن العراق، وإعتبروا موقفهم هذا جهادًا في سبيل الله.
رحم الله العلامة السيد محمد سعيد الحبوبي الذي كان من الأمثلة المشرّفة في الجهاد والدفاع عن الوطن، وغيره الكثير.
إعتبر البعض أن السيد كاظم اليزدي كان صديقًا للمحتلين، فإن الوثائق البريطانية تثبت بأنهم كانوا على علاقة جيدة معه. حيث ذكروا في تقرير سري إنكليزي عن السيد اليزدي عند وفاته ما نصّه: «أن نفوذه كان يستخدم بلا إنقطاع في مصلحتنا، وموته خسارة جديّة لنا»...
كما أن تقرير سري بريطاني آخر، ذكر علاقته الحسنة بالإنكليز... حيث ورد في التقرير هذه العبارة... (إننا نستطيع ان نعتمد على مساعدته دائمًا بشرط أن لا نذكر اسمه رسميّاً)(1).
وعدم إصدار فتوى ضد الإنكليز بالاسم جعل الكثير من المعارضين له يشككون به، وبدوا كأعداء له... وكان (النجفيون) قد اتخذوا منه موقفًا سلبيًا عندما طلبوا منه التدخل لدى الإنكليز سنة 1918م حول منع تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق عدد من ثوار النجف، وعددهم 11 شخص، فرفض التدخل لدى الإنكليز وكان بإمكانه إلغاء التنفيذ، أو على الأقل تخفيف الحكم... ورفضه التدخل ادّى إلى تنفيذ حكم الإعدام بهؤلاء الأبطال أمام أهلهم وأبناء مدينتهم... وكانت كلمة منه تنقذهم حتى لو لم يكن صديقًا للإنكليز لأنهم (أي الإنكليز) يعرفون تأثيره وموقعه جيدًا.
على كل حال فقد توفي السيد كاظم اليزدي في 30 نيسان 1919م. وكان هناك عدة أسماء في الحوزة الدينية لديهم القدرة والمكانة العلمية للتصدي للمرجعية العليا
1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث: د. علي الوردي ج 1/5 ص 67
وإستلامها. كان منهم الشيخ (كاظم الآخوند) في النجف، والشيخ (محمد تقي الشيرازي) في كربلاء، والشيخ (مهدي الخالصي الكبير) في الكاظمية وغيرهم.
كان الإنكليز يعرفون جيدًا من خلال المعلومات المتوفرة لديهم من مصادرهم الخاصة، بأن الميرزا محمد تقي الشيرازي سوف يستلم المرجعية العليا، لأن المنافس الأول له كان الشيخ كاظم الآخوند الذي كان طاعنًا في السن، ومريضًا عند وفاة اليزدي. فإتجه الإنكليز بفتح قنوات بينهم وبين الشيرازي، والتي بدأت بعد خمسة من وفاة اليزدي، عندما أرسل الكولونيل (هاول) نائب الحاكم الإنكليزي في العراق (ولسون) رسالة إلى الشيرازي معزيًا بها بوفاة اليزدي(1).
كما أن الحاكم الملكي العام في العراق (ولسون) قام في حزيران من عام 1919م بزيارة الإمام الميرزا الشيرازي، وكان مقرّه في كربلاء، وقد أصبح منذ فترة مرجعاً أعلى للطائفة بعد اليزدي. كان هدف هذه الزيارة التقرب والاسترضاء. وكان ولسون يجيد الفارسية التي تكلم بها مع الشيرازي... وأول موضوع تطرق إليه ولسون هو منصب كليدار سامراء (سدانة الروضة العسكرية)، وطلب من الشيرازي ترشيح رجل من الشيعة ليحل محل الكليدار الحالي (في وقته) الذي هو سني!!... لكن المرحوم الشيرازي فوّت عليه الفرصة حيث أجابه: «لا فرق عندي بين السني والشيعي، وأن الكليدار الموجود رجل طيّب ولا أوافق على عزله»(2)...
بعد ذلك قال ولسون للشيرازي طالبًا منه المساعدة على تصديق المعاهدة التي يروم الإنكليز عقدها بين بريطانيا وإيران، فكان رد الشيرازي:
«إننا اليوم في العراق ويهمنا أمره، وأن إيران وشعبها أعرف بشؤونهم، وأن هذا الأمر لا يعنينا». عندئذٍ طلب ويلسون من الشيرازي الإفتاء بالكف عن قتال الإنكليز
من قبل القبائل الإيرانية، فإمتنع الشيرازي. بعد ذلك رجع ويلسون من كربلاء إلى بغداد خائبًا(1).
ورد في مذكرات ولسون، أنه أخذ يذم الشيرازي ويشبهه بالبابا (ليو التاسع)، وإعتبره بأنه ميّال لتضليل نفسه والعالم من خلال تصنعه بالبساطة والتقديس...
في 11 حزيران 1919م كتب ولسون إلى لندن يقول... إن الشيرازي هو المجتهد في كربلاء، وهو في سن الخرف، ومحاط بعصابة من طلاب المال وهم يعملون ضد الإنكليز.
كما ذَمّته المس (بيل) وقالت بأنه عجوز واقع تحت سيطرة ابنه الأكبر الميرزا محمد رضا في كل الأمور. وإتهمت ابنه بأنه يقبض الأموال من الأتراك، وأن اسمه ورد في برقية من البلاشفة (الشيوعيون الروس) في مدينة (رشت) الإيرانية بأنه يدعو إلى البلشفية في كربلاء(2)!!
ولد المرحوم الميرزا محمد تقي سنة 1256ه / 1840م في شيراز من مدن إيران المشهورة. هاجر إلى كربلاء وهو في سن الخامسة عشرة من عمره سنة 1271ه لتحصيل العلوم الدينية.
وقد تتلمذ على أكابر علماء المدينة في ذلك الوقت، وبعدها ذهب إلى سامراء حيث إلتحق بالمرحوم العلامة (آية الله الميرزا حسن الشيرازي الكبير) لإتمام تحصيله العلمي، فكان بعدئذٍ من المقربين له ومن أكبر تلامذته. إستقر به المقام في (سامراء)، وعند وفاة أستاذه الميرزا حسن الشيرازي كان قد خلفه في الرئاسة الدينية للشيعة الامامية هناك، وكان يعلم الشيرازي بأن من ينافسه على موقع المرجعية بعد السيد
كاظم اليزدي هو الشيخ كاظم الآخوند حيث كان ندّاً له(1)حيث لم يستقم الأمر له إلاّ بعد وفاة الآخوند.
وعندما دخلت الجيوش البريطانية سامراء، لم يَطب للميرزا محمد تقي البقاء والسكن فيها، وقد رغب في الرجوع إلى محل نشأته وبداياته عند هجرته من إيران وهو فتى يافع... وأن هذا المحل هو مدينة كربلاء المقدسة. وكان في وقت عودته إلى كربلاء من المرشحين لأن يلي اليزدي في المرجعية.
فقد وصل كربلاء في 23 شباط 1918م، ونُقل عن أهل المدينة ممن عاصروا ذلك التاريخ، بأن يوم وصوله كان مشهودًا، حيث خرج الناس لاستقباله لِما عرفوا وسمعوا عن عُلو منزلته الفقهية وعِلمه الغزير وتقواه الصادقة.
ونعتقد بأن إختيار الشيرازي إلى كربلاء كمحل لاقامته، وليس في النجف بعد أن تركها لمدة تزيد عن الخمسين عامًا له أسبابه... منها أن المرجع الأعلى وهو اليزدي كان حيّاً ومقيمًا في النجف. وأن منافسه الوحيد في المرجعية الشيخ كاظم الآخوند مقيمًا في النجف أيضًا، وأن مدينة كربلاء يوجد فيها من العلماء الحاصلين على درجة الاجتهاد، ولكنه يعرف والآخرين أيضًا بأنه أعلمهم... فسوف تخلو له الساحة فيها.
كان الشيرازي في الثمانين من عمره عند قدومه إلى كربلاء، وكان قبل ذلك يتجنب السياسة ويؤثر العزلة.
عند استقراره في كربلاء وبعد وفاة اليزدي الذي تألم الإنكليز لموته!! وإستلامه زمام المرجعية، نراه قد اتخذ موقفًا مخالفًا لموقف سلفه اليزدي تجاه الإنكليز، كما أنه بدأ الاتصال بالعلماء ورجال الدين المؤثرين والمعادين للإنكليز أمثال المرحوم آية الله الشيخ مهدي الخالصي الكبير، الذي بقي مع الميرزا محمد تقي في كربلاء بعد استدعائه
1) حالة الندّية، ظاهرة في موضوع المرجعية... وبين المراجع أنفسهم، والمقلدون وينحازون إلى أحد أطرافها، وتتداول بينهم وهي حالة من الصراع المستديم والمبطن
من الكاظمية من قِبَله ليستعين به لمدة قاربت السنة، أي إلى قيام ثورة العشرين عام 1920م.
كربلاء من الجو سنة 1918م
بعد مضي سنة واحدة على الاحتلال البريطاني للعراق، بدأت الأحوال في مدينة كربلاء تغلي والشعور الوطني المناهض للاحتلال يتنامى بين طبقة واسعة من الوطنيين وأصحاب الفكر والرأي من أبناء المدينة.
وتم ذكرنا للأحداث التي عاشتها كربلاء إثناء الحرب العالمية الأولى وسنوات الاحتلال، أي تحديدًا الأحداث التي جرت في المدينة منذ عام 1914 إلى عام 1919م. وعندما جاء الميجر (بولي) الحاكم السياسي في كربلاء، حلّ الهدوء وإستقرّت الحالة العامة.
لكن توارد الأخبار عن الشريف حسين وأولاده وإنتصاراتهم على الأتراك، وما كان يدعو إليه البريطانيون من وعود عن الحكومة العربية، وحيث إن الوطنيين في
كربلاء كانوا يبحثون عن (رمز) يلتفون حوله بعد أن بدت لهم بوادر نقض المحتلين شيئًا فشيئًا الوعود التي نادوا بها، وبدأ المستعمر التقرب إلى طبقة خاصة في المجتمع منهم الروحانيين والأشراف والرؤساء والتجار من عراقيين وغير عراقيين، وتمكنوا من الوصول إلى فئة قليلة منهم ليستغلوهم حتى يكونوا أداة طائعة بيد المستعمر المحتل، للتأثير على الرأي العام ليحقق الإنكليز مآربهم.
وفي هذه الفترة بالذات أسست شريحة واعية ومؤمنة تختلف عن الفئة التي إعتمد عليها المحتل وقرّبها. فقد أسس الوطنيون في كربلاء (الحزب الإسلامي العربي) أو ما سمي ب(الجمعية الإسلامية العربية)، وكان هدف الجمعية (الحزب) رفض الحكم الإنكليزي والمطالبة باستقلال العراق وإختيار ملك مسلم له. كان يشرف على الجمعية آية الله الميرزا الشيرازي، وكانت الجمعية أشبه بحزب مُنَظَّم يرأسه الميرزا محمد رضا بن آية الله محمد تقي الشيرازي. ويضم هذا الحزب كل من المرحومين:
السيد محمد علي هبة الدين الحسيني.
السيد حسين القزويني آل صاحب الضوابط
السيد عبد الوهاب الوهاب
الحاج عبد الكريم العواد / رئيس آل العواد
الشيخ عمر والشيخ عثمان ولدا الحاج علوان / (رؤساء الوزون) من خفاجة
الحاج عبد المهدي القنبر / من رؤساء بني سعد
الشيخ طليفح الحسون / رئيس النصاروة
الشيخ محمد علي أبو الحب / من المشايخ والوجهاء في المدينة
الشيخ محمد حسن أبو المحاسن المالكي / الأديب والشاعر والسياسي(1)
1) كربلاء في التاريخ: السيد عبد الرزاق الوهاب، ج3 المطبوع، هامش رقم1 ص25
وأضاف السيد إبراهيم شمس الدين القزويني في مخطوطاته إسمين هما:
السيد أبو القاسم الكاشاني
السيد محمد مهدي المولوي
وانضم إليهم من السادة من آل طعمة وآل نصر الله وآل ضياء الدين وآل النقيب وآل ثابت، وغيرهم من وجوه وأعيان البلد... وسوف نتطرق إلى جميع الأسماء لاحقًا عند التطرق إلى تطورات الموقف مع المحتل... وكان تشكيل الحزب الإسلامي العربي(1)
إذا كان هذا اسم الحزب الإسلامي (العربي) يتنافى مع روح الإسلام ومبادئه، لماذا قبل آية الله محمد تقي الشيرازي على الاسم ولم يعترض عليه، وهو من أكابر فقهاء وعلماء عصره حينها؟ بل أيّده وكان نجله الشيخ محمد رضا من مؤسسيه. كما أن المرحوم العلامة السيد هبة الدين الحسيني قد ذكر في أحايين عديدة وفي مذكراته اسم الحزب الإسلامي العربي وكان هو من مؤسسيه، ولا يخفى على أحد مدى علمية وتفقّه السيد هبة الدين في علوم الشريعة والدين وكان من علماء عصره، ولم يعترض على التسمية وعلى صفة العروبة على الاسم. والعروبة هي لب الإسلام بدليل نزول القرآن بلغة العرب. وكم جاء في كتاب الله العزيز تأكيد على ذلك في آيات بينات منها:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الآية 2 من سورة يوسف). {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّه مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقِ} (الآية 37 من سورة الرعد). {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} (الآية 103 من سورة النحل). {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} (الآية 113 من سورة طه). {وَلَقَدْ ضَرَبَّنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الآيتان 27 و 28 من سورة الزمر). {حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الآيات 1، 2، 3 من سورة فصلت). {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ وَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} (الآية 44 من سورة فصلت).
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ} (الآية 7 من سورة الشورى). {حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الآيات 1، 2، 3 من سورة الزخرف). {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} (الآية 12 من سورة الاحقاف).
فلا أدري هل العروبة والقومية العربية كباقي قوميات الأرض تأسست على سبيل التناحر مع القوميات الأخرى؟ كما يفهمها البعض، وإنما شّرف الله سبحانه وتعالى العروبة بالقرآن الذي نزل بلسان العرب، كما شرّف البشرية بالنبي العربي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام. فلماذا هذا التحسس من العروبة ومن كل شيء عربي؟ ولماذا يدرس طلاب الحوزات العلمية القواعد العربية من الصرف والنحو والبلاغة، وإذا كان ذلك لا يُعجب البعض فليعمل على إلغاء (ألفية ابن مالك في مراحل المقدمات والسطوح). نعم التركيز على الجانب العروبي والإسلامي واجب شرعي فالمعادلة الأبدية لروح الرسالة هي: الإسلام والعروبة يقابلها الدين والعقيدة، ومن لا يحب العرب لا يُحب الإسلام، وهذا الأمر لا يأتي من فكر متعصب أو شوفينية قومية، وآيات القرآن الكريم التي أوردناها خير دليل على ذلك، وما هذه الإطالة إلّا أننا وجدنا بعض الأقلام المعادية لكل ما هو عربي، والبعض ممن يرتقون المنابر يتعمدون ذكر هذا النهج المخالف للشرع والعقيدة مع الأسف
بمباركة وعلم آية الله الشيرازي.1) في الطبعة الجديدة لكتاب مدينة الحسين (ضبط ومراجعة الامانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة، مركز كربلاء للدراسات والبحوث) في ج6 ص24 في الهامش ورد ما يلي: ركّز المؤلف على الجانب العروبي الإسلامي وهذا يتنافى مع روح الإسلام ومبادئه القيمة على إعتبار أن الإسلام قام على أساس التقوى والعمل الصالح وليس على أساس القوميات المتناحرة، بل الإسلام يرفض المبدأ القومي بدليل قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ}. نقول:
وعن تشكيل الحزب الإسلامي العربي تحدث المرحوم السيد هبة الدين الحسيني في مقابلة معه مع المرحوم مؤلف كتاب مدينة الحسين في تموز سنة 1951م قائلًا: في أوائل شهر شعبان من سنة (1336ه)، وبعد قدوم الإمام الشيرازي شكّلنا جمعية سرّية (الحزب الإسلامي العربي)، وكنا نحن المنتسبين إلى هذا الحزب نختلي عن أعين رُقباء البريطانيين في كربلاء وكنا نجتمع للمذاكرة وبعلم الإمام الشيرازي، وإنتخبنا نجله الأكبر المرزا محمد رضا رئيسًا لهذه الجمعية، وهو الذي لا يحيد عن سياسة والده قيد شعرة، بإبلاغ أوامره والتعبير عما يخالج ضميره.
وكثيرًا ما أخذنا نحن المجتمعين بإصدار مناشير نبعث بها الروح القومية العربية الإسلامية في نفوس إخواننا العراقيين ونستفزّهم للنهوض والعمل الجدّي لوضع منهاج البلاد. وكنا نوزع هذه المناشير تحت جنح الظلام ونرسلها بمختلف الوسائل إلى الزعماء ورؤساء عشائر الفرات. ولما تلقّينا صدى تجاوب بعض زعماء عشائر المنتفك، كآل حجام، وغيرهم ضاعفنا جهودنا للإكثار من هذه النشرات، بعد أن آزر إخواننا النجفيون مكتبنا لتبادل الآراء وإصدار المناشير فيما بيننا. وأخيرًا وبأمر من سماحة الإمام إنبثقت من الحزب لجنة خاصة لإصدار النشرات وأنيطت
صياغتها إلى زميلنا في الجهاد الشاعر الكبير محمد حسن أبي المحاسن، والحقير أنا، والسيد أبي القاسم الكاشاني والسيد حسين القزويني. وإنتخبنا السيد عبد الوهاب الوهاب مقررًا للجنة، وأوكل أمر استنساخ هذه النشرات إلى الشيخ صادق البزاز القزويني(1)الذي كثيرًا ما كنّا نعقد ندواتنا في داره، وكان يقوم بتوزيع هذه النشرات كل من الشيخ عبد الكريم العواد وعمر الحاج علوان(2).
كان هدف هؤلاء هو تشكيل جبهة متينة ملتفة حول قيادة الشيرازي لمحاولة تغيير الحالة العامة، ووضع لبنة لتأسيس حكومة عربية إسلامية. كانت تأتيهم الوعود لحين انتهاء الحرب العالمية الأولى، وتحقق الانتصار للإنكليز وحلفاءهم في 21 تشرين الأول 1918م، وعقدت الهدنة بين الإنكليز والأتراك.
دعا الحاكم الإنكليزي في كربلاء إلى إحتفال كبير بهذه المناسبة أقيم في (خان القطب)(3)وحضره خمسة آلاف شخص، وزعت فيه الحلويات من قبل بلدية كربلاء، وتكلم الحاكم الإنكليزي شارحًا أهمية إنتصار الإنكليز ونيّات حكومته. ولم تخلو كلماته المبطنة عن الترهيب والتهديد وتلى على الحاضرين منشور قائد جيش الاحتلال في العراق الجنرال (السير وليم رين مارشل).
بعد ذلك قام الحزب الإسلامي في كربلاء أو ما سمي بالجمعية الإسلامية، ببث الروح القومية والإسلامية بين المواطنين. ودعت هذه الجمعية رؤساء العشائر والزعماء من الوجهاء من مختلف مدن العراق إليها، وسعت إلى نبذ الاختلاف بين العشائر ليسود الوئام بين العراقيين.
1) هو تاجر الأقمشة الشيخ صادق القزويني وكانت داره في محلة باب الطاق. وفي هذا البيت تم تشكيل الحزب الإسلامي العربي، وفيه كانت تُعقد أغلب اجتماعات الحزب
2) مدينة الحسين، ج6 ص 25 - 26. طبعة العتبة الحسينية المقدسة. مركز الدراسات
3) خان القطب كان من أكبر الخانات في كربلاء ويقع في بداية محلة العباسية، خلف ملك المرحوم مزهر وشاح الحالي. وفي الأربعينيات كانت تقام فيه المهرجانات الفنيّة
لم يتمكن الإنكليز الحد من التحرك الإسلامي في كربلاء، وذكرت ذلك (المس بيل) رئيسة قسم الاستخبارات البريطانية في العراق، في تقرير رفعته إلى حكومتها في شباط عام 1919م، أبدت فيه إمتعاضها مما يجري في كربلاء بعد إصدار الفتوى(1)، وإتهمت جواسيس ودعاة عثمانيين بالوقوف وراء ذلك:
«لديها أدلة تظهر جواسيس ودعاة من الاستانة كانوا يعملون ضدنا في هذه المدينة (كربلاء) وقد وقعوا في أرض صالحة لما يزرعون»(2).
تشکلت جمعيات مماثلة في بغداد والنجف والحلة وغيرها من مدن العراق، وكانت هناك مراسلات ومنشورات متبادلة ترسل سريًا لكيلا تقع بيد حكومة الاحتلال وجواسيسها، وكان هناك أشخاص يعملون في الحكومة ولكنهم كانوا متعاطفين مع هذا التيار الوطني، وكانوا يتصلون بالشيخ محمد رضا نجل الشيرازي لأخذ الحيطة والحذر من بطش السلطة، أمثال المرحوم الأستاذ (خليل عزمي)، وكذلك أحد الموظفين لاحقًا في مجلس النواب عندما تشكل إبان الحكم الوطني ويدعى (السيد مهدي)، فكانا يخبران الجمعية بكل ما تقوم به الحكومة لتدارك عمل الجمعية السري.
بدأت المنشورات تأخذ دورها في الحماس بين الناس، وكانت تؤكد على عظمة الأمة العربية ودورها التاريخي العظيم بين الأمم... ويجب إنتظار سنوح الفرص للأمة العربية للاستقلال وإعادة العز والسلطان لها، كما نهضت سوريا منادية بالاستقلال فنالته...
وإمتدت المراسلات بين الجمعية وزعماء الفرات الأوسط، بل تعدّت إلى أقصى حد حتى وصلت إلى عشائر (المنتفك) المعروفين بالشهامة والنخوة العربية الأصيلة،
وكانت المراسلات تدعو إلى الاتفاق على المطالبة بالاستقلال... ووصلت مضابط رؤساء العشائر إلى الجمعية في كربلاء تؤكد معاهدتها وسعيها في سبيل تحرير العراق. وأصدر الميرزا محمد تقي الشيرازي فتوى بعدم إختيار غير المسلم للحكم، ونص الفتوى ما يلي: «ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للامارة والسلطنة على المسلمين».
أُرخت في ربيع الثاني عام 1337ه الموافق 1919/1/23م. وإنتشرت هذه الفتوى في الفرات الأوسط وبقية مدن العراق، وأيدها سبعة عشر عالمًا من علماء كربلاء.
وكانت هذه الفتوى عاملًا مهمًا في تطوير الوعي السياسي في العراق. فقد جعل الدين والوطنية في إطار واحد وصار الوطني متدينًا والمتدين وطنيًا، وأصبح شعار الحركة الوطنية الجديدة (حب الوطن من الإيمان).
لابد من ذكر حقيقة معينة وهي أن أهل المدينة وعلماءها كانوا منقسمين إلى قسمين: فريق من أهل كربلاء وبعض العلماء وهم الأقلية موالين لسلطة الاحتلال، وفريق آخر مناوئ له. والموالين لم يجهروا بولائهم خشية سوء السمعة وتعرّض الناس لهم، ولكنهم بإتصالاتهم الجانبية أعربوا للحاكم السياسي في كربلاء عدم رضاهم عمّا تقوم به الجمعية الإسلامية العربية (الحزب الإسلامي العربي)...
بعد صدور فتوى الشيرازي بمدة قصيرة وتحديدًا في 13 شباط 1919م الموافق 12 ج الأولى 1337ه، كتب آية الله الشيرازي كتابًا إلى الوزير المفوّض الأمريكي في طهران، متوسطًا ومستعينًا بالأمريكان في تأييد حق العراق بتشكيل دولة عربية... وكتب أيضًا بالتضامن مع آية الله الشيخ فتح الله الأصفهاني (شيخ الشريعة) الذي يليه في المنزلة الدينية كتابًا موجهًا إلى الرئيس الأمريكي (ودرو ولسون).
في ليلة النصف من شعبان 1337ه / 14 مایس 1919م عقد منتسبو الحزب الإسلامي العربي إحتفالًا جماهيريًا كبيرًا ساعدهم في إقامته المرحوم السيد مرتضى آل ضياء الدين (سادن العباس) بكل ما يتطلبه الإحتفال، وكان الإحتفال يهدف إلى العمل القومي العربي الإسلامي ضد الإنكليز، ولحماية المهرجان شكّل الحزب كتائب من الفدائيين من أبناء عشيرتي الوزون وآل عواد برئاسة الشيخ عبد الجليل العواد لحراسة المهرجان في حالة مداهمته من قوات الاحتلال في المدينة. وقد حضر الإحتفال آية الله الشيخ محمد تقي الشيرازي وكان دخوله للصحن العباسي الشريف من باب الحسن ويسير خلفه أعضاء الحزب المكلفين بإقامة هذا التجمع، وحضره أيضًا العلامة العروبي الكبير وشيخ المجاهدين سماحة الشيخ مهدي الخالصي الكبير، كما حضره من النجف الأشرف الشيخ محمد رضا الشبيبي وأخوه الشيخ محمد باقر والسيد الشاعر الكبير أحمد الصافي النجفي والسيد سعيد جريو. كما حضره من رؤساء عشائر الفرات السيد هادي زوين والسيد علوان الياسري والشيخ مرزوك العواد والسيد كَاطع العوادي وغيرهم.
إستهل المهرجان بكلمة ترحيبية لعريف الإحتفال السيد عبد الوهاب الوهاب الذي كان قد أنتخب مقررًا للجنة الدعاية والنشر في الحزب، وبعدها ألقيت الخطب والقصائد الوطنية التي تدعو إلى التكاتف والوقوف بحزم وشدّة ضد الاحتلال البريطاني، والحث على بذل الغالي والنفيس من أجل الجهاد ضد المستعمر، وقد ألقى المرحوم الشاعر محمد حسن أبي المحاسن قصيدة عروبية عصماء جاء فيها:
يا أيها الوطنُ العزيز لك الهنا *** قد نلتَ أشرفَ بغيةٍ ومرادِ
سيعيدُ تاريخُ العلى لك نفسه *** ويعودُ مجدُ رجالِكَ الأمجادِ
أبناءُ يعربَ يطلبونَ تُراثَهُم *** إنّ البنينَ أحقُّ بالإجدادِ
لا يقنعونَ من الفخارِ بتالدٍ *** ما لم يُضيفوا طارقاً لتِلادِ
يا ناطقاً بالضادِ ما لفضيلةٍ *** معنىً يتمُ لغير أهل الضادِ
وفي 2 آب 1919م ألقت السلطات الإنكليزية القبض على ستة أشخاص من أهالي كربلاء وسُفّروا إلى بغداد تمهيدًا لنفيهم إلى الهند، محاولة من الإنكليز كإجراء رادع ضد الجمعية الإسلامية العربية التي يرأسها نجل آية الله الشيرازي وهم:
1 - الشيخ عمر العلوان / رئيس الوزون.
2 - الحاج عبد الكريم العواد / رئيس آل العواد.
3 - الشيخ طليفح الحسون / رئيس النصاروة.
4 - الشيخ محمد علي أبو الحب / الخطيب المشهور.
5 - السيد محمد علي الطباطبائي.
6 - السيد محمد مهدي المولوي.
وفي 5 آب 1919م المصادف 28 ذي القعدة 1337ه، أرسل آية الله الشيرازي رسالة إلى الحاكم البريطاني (ولسون) طالبًا إخلاء سبيلهم لأنهم لم يقوموا بفعل یستدعي ذلك عدا مطالبتهم السلمية بحقوق بلدهم.
أجابه ولسون برسالة ذكر فيها:... بأن كربلاء أصبحت تؤوي أشخاص يشوّشون أفكار الناس ضد الحكومة البريطانية، وأنه كان يعتقد بأن الأمور سوف تتحسن إلاّ أن البعض قد زاد من جسارته وأن الأربعة أشخاص الأوائل من أهل المدينة ليست لهم علاقة بكم، ولا مع العلماء أو الروضات المطهرة، أمّا السيدان الآخران فإنهم ينشرون الاشاعات الكاذبة ضد الإنكليز، ونظرًا لرسالتكم فقد قررنا إرسال السيد محمد علي الطباطبائي إلى سامراء يسكن فيها، ولا يتدخل بأمور الناس. أمّا المولوي ولكونه هندي الأصل فنرتأي إرساله إلى موطنه الهند ليعيش هناك بحرية وأن يستريح الناس من إشاعاته، وأرسلت إليكم (النواب محمد حسين خان) الذي يعمل بخدمتنا ونعتمد عليه ولديه معلومات ينتقلها إليكم.
عند وصول هذا الرد عزم آية الله الشيرازي الهجرة إلى إيران ليفتي بالجهاد ضد الإنكليز. وعندما شاع هذا الخبر، بدأت الرسائل ترد إليه من الكاظمية والنجف وغيرها من مدن العراق، وذكروا في حالة هِجرته فسوف يسلكون نفس الدرب لأن حادث كربلاء قد أدمى قلوبهم، وهو اعتداء على الإسلام والعلماء، والمس بكرامة أهل البيت، ووقّع على تلك الرسائل كلٌّ من سيد كمال الدين ومحمد رضا الشبيبي ومحمد الشيخ يوسف وسيد حسين كمال الدين وعبد الرضا السوداني وسيد أحمد الصافي وسيد سعيد جريو(1).
وبعد أربعة أشهر إضطر (ولسون) إلى استرضاء آية الله الشيرازي، فأرسل مبلغًا كبيرًا من المال بيد محمد حسين خان الكابولي، فرفضه الشيرازي، وإضطر ولسون إلى إعادة المبعدين إلى كربلاء وذلك في 2 كانون أول 1919م، وإستقبلوا استقبالًا رائعاً... وصاروا قدوة للباقين الذين تمنوا أن يصلوا إلى وطنية هؤلاء، وقد إنقلب السحر على الساحر.
عندما وصلت إلى كربلاء أنباء المعاهدة الإيرانية البريطانية... ففي 11 نيسان 1919 دعا الشيرازي كلا من شيخ الشريعة (فتح الله الأصفهاني) من النجف، والعلامة السيد إسماعيل الصدر من الكاظمية، للاجتماع في بيته لغرض التداول بشؤون تلك المعاهدة، فأرسلوا إلى (وثوق الدولة) رئيس وزراء إيران طالبين منه الامتناع عن عقد المعاهدة.
لم تؤثر الرسالة في وثوق الدولة، ووقع المعاهدة في 9 آب 1919. وفي 20 آب 1919 أُقيمت حفلةٌ في ساحة الميدان(2)في كربلاء، وخطب فيها (حّماد خيري)
1) كربلاء في التاريخ: عبد الرزاق الوهاب ج3 ص85
2) ساحة الميدان، هي ذاتها ساحة الميدان الحالية في كربلاء على شارع الجمهورية. كانت سابقًا عبارة عن أرض زراعية خارج سور المدينة تسمى ب(بستان أم الجلاب)، وتعود إلى بيت هدو الحاليين في كربلاء. بعد واقعة نجيب باشا، قامت السلطات العثمانية ببناء سراي (قشلة) وبيت للحاكم وخلفهما مقر العساكر، وهذه المنشآت جميعها أقيمت على جانب السور الجنوبي الشرقي للمدينة القديمة بجوار باب النجف. وعندما فتح الوالي مدحت باشا محلة العباسية سنة 1868م ومن ثَمَّ أمر ببناء سراي جديد كان لغاية سنة 1970م قائماً في موقع بناية المحاكم الحالية (بجنب مبنى المحافظة حاليًا)، وتم تهديم جانب السور الجنوبي من محلة باب النجف، وأصبحت ميدانًا وحديقة عامة تفصل بين المحلة الجديدة والمدينة القديمة. ثم شغلت دائرة بلدية كربلاء السراي القديم وأصبحت باحة الحامية العسكرية ميدانًا كبيرًا تقام فيه الإحتفالات والتجمعات ومن ثَمَّ تم تشجير الميدان وأصبح حديقة جميلة، ومن ثَمَّ أزيلت بعد ذلك بناية البلدية بعد أن تم بناء بلدية كربلاء الحالية في بداية الستينيات من القرن العشرين، وبعدها تم نصب خزان ماء في وسط الميدان تحيط به الحديقة، وبعد توسع مشاريع إسالة الماء ونصب عدة خزانات للمياه أزيل خزان الماء في الميدان الذي يقع في وسط كربلاء بعد توسعها، ومن ثُمَّ أهمل الميدان وأصبح ساحة لوقوف السيارات والباعة المتجولين!
وهو موظف مصري لدى الإنكليز، فنقم الإيرانيون المقيمون في كربلاء على هذه المعاهدة، وكان ابن الشيرازي أكثر الناس نقمة عليها... وإضطر وثوق الدولة إلى الاستقالة في ربيع عام 1920م وألغيت المعاهدة فيما بعد.
كان أول حاكم سياسي إنكليزي تم تعيينه في كربلاء هو الميجر (بولي)، وتمكن هذا من السيطرة على أوضاع المدينة بعد أن ألغى الإنكليز هيمنة فخري كمونة وأخيه الشيخ محمد علي كمونة على مقدرات كربلاء التي أدّت إلى نشوء النزاعات والإضطرابات فيها، وفي فترة الاستفتاء العام والإعداد للثورة أراد الإنكليز تعيين شخص مسلم ليتولى شؤون كربلاء، فقد قرر الحاكم الساسي العام (ولسون) تعيين شخص من أصل إيراني اسمه (المرزا محمد البوشهري)، الذي عُرف فيما بعد باسم (محمد أحمد المحامي) وكان موظفًا في القنصلية البريطانية في (بوشهر) الإيرانية، وفي الحرب عَيّنه الإنكليز قاضيا في البصرة. وعند نقله إلى كربلاء منحه الإنكليز لقب (خان بهادر) فصار اسمه (الميرزا محمد خان بهادر). وكان يقصد (ولسون) من تعيينه کسب رضا آية الله الشيرازي وأهل كربلاء... والمعلومات تشير بأن الشيرازي كان يلوم حاكم كربلاء الجديد ولم يكن راضيًا عنه.
وفي أوائل آذار 1920 أصدر آية الله محمد تقي الشيرازي فتوى، حرّم فيها توظف المسلمين في الإدارة البريطانية.
في الشهور الأولى من عام 1920م كانت الحركة الوطنية قد نضجت في الفرات الأوسط، وحقيقة الأمر أن رجال الحركة الوطنية في بغداد وكربلاء لم يكونوا في بداية أمرهم يفكرون بالقيام بثورة مسلحة على الإنكليز، بل كان تفكيرهم متجهًا إلى المطالبة السلمية بتحقيق ما وعدهم به الإنكليز من الحرية والاستقلال.
ولم تظهر فكرة الثورة المسلحة إلّا لدى بعض سادة العشائر ورؤسائها في الفرات الأوسط وخاصة (المشخاب). ثم إنتشرت دعوتهم وأدّت إلى إندلاعها في (الرميثة).
في 8 آذار 1920 عندما كان الشيخ محمد رضا الشبيبي في دمشق، إلتقى بالعراقيين هناك وقرروا في دمشق إعلان استقلال العراق، ومبايعة عبد الله بن الحسين ملكًا عليه. كان الشبيبي الوحيد من بينهم يعرف علماء الفرات الأوسط وشيوخ عشائره، فتولى مهمة الاتصال بهم لإنضاج الحركة الوطنية عندهم.
في 16 نيسان 1920 إنتهز السيد (علوان الياسري) فرصة زيارة (المبعث) التي تحل في 27 رجب من كل عام. فدعا إلى اجتماع في داره بالنجف عددًا من رجال الدين ورؤساء العشائر، كما حضر الاجتماع الميرزا محمد رضا نجل آية الله الشيرازي، و طرحوا فكرة القيام بالثورة المسلحة على الإنكليز، فأيدها فريق وعارض فريق آخر، وإتفقوا على عدة أمور وقرروا:
1 - تأجيل الثورة في الوقت الحاضر، وان يتم التمهيد لها بالتوعية الوطنية والدينية.
2 - قرروا فتح فروع للجمعية الإسلامية العربية والتي يترأسها الميرزا محمد رضا في كل مدن العراق.
3 - توزيع منشور بتوقيع الشيرازي يأمر الجميع بالوحدة وجمع الشمل.
4 - جعل يوم الجمعة يومٌ للشعب تعطل فيه الأعمال ويُستغل لما يلزم الاستثارة والتحضير.
كان يُعْرَف عن آية الله محمد تقي الشيرازي في البداية عدم ميله للثورة المسلحة، وكان يؤمن بالمطالبة السلمية للحقوق دون اللجوء إلى حمل السلاح، وكان يعرف أيضًا قوة بريطانيا وبطشها ويخشى إراقة الدماء. لكن بعض الرؤساء حاولوا إقناعه بمقدرة العشائر على محاربة الإنكليز، وكان يؤيدهم نجله الميرزا محمد رضا محاولًا إقناع أبيه.
كانت زيارة النصف من شعبان(1)والتي يطلق عليها أيضًا (المحية) على الأبواب، وقد إستعد الكثير من رؤساء العشائر لحضورها في كربلاء، وللاتفاق أيضًا على خطة العمل.
وذهب السيد هادي زوين (رئيس عشيرة السادة الشريفات) أو الشَّرُفَة إلى بغداد لدعوة البغداديين لإرسال مندوب عنهم إلى كربلاء.
في 22 نسيان 1920م إجتمع وجهاء بغداد في دار (حمدي باشا بابان)، حضره السيد هادي زوين وقرروا إرسال (جعفر أبو التمّن) مندوبًا عنهم للاتفاق مع الشيرازي والرؤساء.
1) زيارة النصف من شعبان هي إحدى الزيارات (المخصوصة) التي تضم اعداد غفيرة من الزائرين لزيارة مرقد الإمام الحسين في كربلاء. وهي من الزيارات (الليلية) ومعناها إن وقت ذروة الزيارة منتصف ليلة الخامس عشر من شعبان من كل سنة. وتصادف هذه الليلة ذكرى ولادة الإمام المهدي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الامامية. فهي من زيارات (الفرح) كما يطلق عليها العامة. ويصادف في نفس الليلة ذكرى تحويل قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام (الكعبة). حيث نزلت الآية الكريمة: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}. فكانت هذه الليلة من الليالي العظام، ويحتفل بها المسلمون في جميع بقاع المعمورة. وفي ليلة النصف من شعبان وفي عدة سنوات شهدت كربلاء أحداث سوف يتم التطرق إليها لاحقًا
في 2 أيار 1920م سافر أبو التمن إلى كربلاء بصحبة السيد هادي زوين، وقابلا الشيرازي وحضرا الاجتماع الكبير الذي عقد ليلًا في كربلاء يوم 4 أيار 1920 في دار السيد أبو القاسم الكاشاني الملاصق للصحن الحسيني بمقربة من باب السدرة. وحضره بعض علماء النجف، ومن بغداد جعفر أبو التمن.
كما حضره السيد (نور الياسري) و (عبد الكريم الجزائري) و(علوان الياسري) و(قاطع العوادي) و(محسن أبو طبيخ) و (هادي زوين) و(محمد رضا الصافي) و(عبد الواحد الحاج سكر) و (شعلان الجبر) و (مجبل الفرعون) و(عبادي الحسين) و(مرزوق العواد) و(شعلان العطية) و(سعدون الرسن) و(علوان الحاج سعدون). ومن الكربلائيين (هبة الدين الحسيني) و (عبد الوهاب الوهاب) و (حسين القزويني) و(مهدي القنبر) و(طليفح الحسون) و رشيد (المسرهد) و(عبد الكريم العواد) وغيرهم من أهل البلد...
و قابل المجتمعون الشيرازي في داره وفاتحوه بالأمر، فقال: «الحمل ثقيل وأخشَ أن لا تكون للعشائر قابلية المحاربة مع الجيوش المحتلة»...
فأكدوا له قدرة العشائر، فقال: «أخشى إختلال الأمن والنظام وتعم الفوضى، وأن حفظ الأمن أهم من الثورة بل أوجب منها».
فأجابوه بقدرة سيطرتهم على الامور، ولمّا لم يَرَ بُداً من القول، قال: «إذا كانت هذه نيّاتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم»(1). وعلى حسب قول الميرزا محمد رضا ابن الشيرازي بأن قول والده هذا هو إفتاء بالثورة على الإنكليز.
1) الثورة العراقية الكبرى: عبد الرزاق الحسني ص99 وص 100 - صيدا 1972
في ليلة 5 أيار 1920م أي في الليلة التالية، عقد اجتماع آخر في دار السيد نور الياسري الواقع في محلة (باب السلالمة)(1)، حضره الذين شاركوا في الاجتماع الأول وبعد المداولة إتفقوا على الاستمرار في مطالبة الإنكليز بالاستقلال بالطريقة السلمية، فإذا أصرّ الانكليز على رفض مطالبهم وعاندوا في ذلك، فإن العشائر تلجأ عندئذ إلى القيام بالثورة المسلحة.
ولمّا إنفضّ الاجتماع ذهبوا جميعاً إلى ضريح الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وأقسموا بالقرآن على إنجاز ما إتفقوا عليه، ومن حَنَث في يمينه فهو ضالٌّ آثمْ. وقام بتحليفهم المرحوم السيد عبد الوهاب الوهاب واحدًا بعد الآخر.
تصاعدت الأحداث والتهبت قصبات ومدن العراق وبدأ الإنكليز يتضايقون من نشاط محمد رضا ابن آية الله الشيرازي المنطلق من كربلاء، ويعتقد الإنكليز بأن والده لم يكن راضيًا عن ابنه، وكذلك بعض العلماء في كربلاء حسب إدّعائهم.
حيث كتب الحاكم السياسي في كربلاء الميرزا محمد البوشهري إلى رئيسه في الحلة الميجر بولي، بأن الشيخ محمد حسين المازندراني والسيد حسن الطباطبائي والسيد عبد الحسين الطباطبائي والسيد مهدي الطباطبائي وهم من رجال الدين أعربوا عن عدم رضاهم من تحركات محمد رضا الشيرازي.
كان آية الله محمد تقي الشيرازي يؤيد التقارب الطائفي الذي إزداد في بغداد قبل إنطلاق الثورة. ولابد أن نذكر بأن ابن الشيرازي علاوة على نشاطه الوطني، فقد كان مؤيدًا للقومية العربية، ولم يكن الأمر غريبًا في ظرف زاد فيه التقارب بين القوميين والمتدينين. ورسالة لآية الله الشيرازي إلى الأمير فيصل بن الحسين في 7 رمضان 1338ه، ورسالة لابنه الميرزا محمد رضا إلى الأمير علي بن الحسين في نفس التاريخ أيضًا، تدل على صحة ما ذهبنا إليه.
1) مجلة (رسالة المشرق) الكربلائية، في عددها الصادر في رجب 1373ه
في 3 حزيران 1920م الموافق 16 رمضان 1338ه، إجتمع عدد كبير من وجهاء كربلاء لإختيار مندوبين عنهم لمقابلة السلطة، كما حدث في بغداد عندما قابل وفد من أهالي بغداد وذكروا للسلطة بانهم لا يقصدون إثارة المشاكل، وجُلَّ مطلبهم هو تأسيس حكومة وطنية حسب تصريحات الحلفاء ووعودهم وعملا بمقررات مؤتمر (سان ريمو)... فقد إتفق الكربلائيون على إختيار سبعة مندوبين ليقابلوا السلطة في بغداد وهم:
1 - الميرزا عبد الحسين الشيرازي (الابن الثاني للشيرازي).
2 - الشيخ محمد الخالصي (نجل الشيخ مهدي الخالصي الكبير).
3 - السيد محمد علي الطباطبائي.
4 - الشيخ صدر الدين المازندراني.
5 - السيد عبد الوهاب الوهاب.
6 - الشيخ محمد حسن أبو المحاسن.
7 - الشيخ عمر العلوان الوزني.
ونظّموا مضبطة بذلك وقعّوها وكَتَبَ عليها آية الله محمد تقي الشيرازي ما نصّه: «صحيحٌ نافعٌ مفيد إن شاء الله تعالى». كما حدث مثل ذلك في النجف بتاريخ 5 حزیران 1920م.
في 12 حزيران 1920م المصادف 25 رمضان 1338ه، عقد اجتماع كبير في صحن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ألقى فيه الشيخ محسن أبو الحب قصيدة وطنية من نظم الشاعر الشيخ محمد حسن أبو المحاسن كان مطلعها:
وثق العراقُ بزاهر استقباله *** والشعبُ متّفقٌ على استقلاله
وأعقبه الشيخ عمر العلوان (شيخ الوزون) بخطاب حماسي شديد ألهب مشاعر الجماهير المحتشدة في الصحن الشريف.
في اليوم التالي 13 حزيران 1920 قام رجال كربلاء بعقد اجتماع عام يتقدمهم الشيخ محمد رضا نجل الإمام الشيرازي في صحن العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ألقى فيه الشيخ محمد الخالصي (نجل الشيخ مهدي الخالصي الذي كان ملازمًا لوالده عندما استدعاه الشيرازي إلى كربلاء) خطابًا مثيرًا تحدّى به الإنكليز وكان له دويْ في كربلاء... وقد إشتدّ الحماس، وقطع بعض الرؤساء رباط عقالهم بسيفه، وتعالت أصوات الجماهير المحتشدة بعبارة الله أكبر إلى ساحات العز والجهاد أيها المسلمون والموت للإنكليز، وتبعتها هتافات وأصوات تتعالى وتنادي: لا نختار إلّا العز أو الموت. ومنها: يحيا العراق الموت أو الاستقلال، وكانت تلك الأصوات تهدر من مختلف أرجاء الصحن الشريف.
وبعد أن فرغ الشيخ محمد الخالصي من خطابه الجريء البليغ، إعتلى المنبر مجموعة الخطباء والشعراء الذين واصلوا الحماس وإثارة الرأي العام وإفهام الجماهير سلبية السلطة المحتلة بقطعها المفاوضات وإختيارها لسياسة العنف والإخضاع. وخرجوا من الاجتماع متأهبين ومستعدين للحرب وعازمين على الموت في سبيل حفظ حقوق العراق.
من بعد هذا التجمع عقد اجتماع في دار الشيرازي حضره بنفسه وحاشيته من العلماء. وقد إنتقد السيد هبة الدين الحسيني الشيخ محمد الخالصي على الشدّة التي استعملها في خطابه، وكان يخشى من القضاء على الحركة الوطنية في مهدها.
بعد الاجتماعات العامة التي عُقدت في الصحنين الشريفين غادر زعماء الفرات الأوسط وزعماء بغداد الذين كانوا يتواجدون في كربلاء وحضروا الاجتماعات
جميعها كلّ إلى بلده متأثرين بما شاهدوه من حماس الجماهير، وقام الشيخ محمد رضا نجل الشيرازي بكتابة مجموعة من الرسائل إلى جميع المدن بصحبة رجال يفهمون كيف يؤدون الأمانات، كما يحسنون الوصف لِما جرى في كربلاء من الإحتفالات الثورية، فكان لتلك الرسائل أثر بالغ في النفوس(1).
أعلن الحاكم البريطاني العام في العراق ( ويلسون) في 16 حزيران 1920 بأن الحكومة البريطانية قررت تكليف (السير برسي كوكس) بتشكيل حكومة وطنية في العراق وسوف يعمل على إقامة مجلس شورى برئاسة رجل عربي!!
قام ممثل الحكومة الإنكليزية في كربلاء محمد بهادر خان بكتابة تقرير مفصّل عمّا جرى في إحتفالات الصحنين الشريفين وبعث به إلى السير ويلسون طالبًا منه الحيطة للأمر والمبادرة إلى شل الحركة الثورية المنبعثة من كربلاء.
وحال إطّلاع الحاكم السياسي العام (ولسون) على التقرير، إتضح له أن ابن الشيرازي هو المثير للمشاكل في الفرات الأوسط فقرر إعتقاله مع اعوانه وأُرسل إلى الميجر بولي بتنفيذه.
كتب إلى الحاكم السياسي في الحلة الميجر (بولي) طالبًا منه الذهاب إلى كربلاء لإتخاذ ما يلزم من التدابير وإتخاذ إجراء صارم بحق الشيخ محمد رضا نجل الشيرازي ومعه بعض الأشخاص الذين يعتبرهم الإنكليز من المحرضين على الثورة من رجالات كربلاء.
عند وصول الكتاب إلى (الميجر بولي) توجّه إلى كربلاء على رأس قوّة آليّة كبيرة جُهّزت بالمدافع والرشاشات طوّق بها المدينة ووزعها على مداخلها وطرقاتها، وأخبر الناس بأنه لا يقصد سوى إلقاء القبض على بعض الأشرار والمتجاوزين على الفقراء والضعفاء وعددهم أربعة عشر شخصًا!! علمًا بأنه كان يوهم الناس حيث كان مراده
1) ثورة العشرين في ذكراها الخمسين (معلومات و مشاهدات في الثورة العراقية الكبرى: السيد محمد علي كمال الدين، تقديم علي الخاقاني، ص 241، مطبعة التضامن 1971
القبض على رؤساء المدينة الذين يحرّضون الناس ضد الإنكليز. كان ذلك في يوم الأحد الخامس من شهر شوال سنة 1338ه / الموافق 21 حزیران 1920م.
عَلِم آية الله الشيرازي بالأمر الذي كان مدعاة سخطه وإنزعاجه، وأرسل إلى الميجر بولي طالبًا اللقاء به في بيته ولكن الميجر بولي إمتنع القدوم، فكتب إلى الميجر بولي طالبًا منه الاستيضاح مع أنه يعلم بمقصده الحقيقي، وأن التوسل بالقوّة أمام مطالب البلاد ربما يقع بعده ما لا يحمد عقباه.
ردّ الميجر بولي على رسالة الشيرازي برسالة هذا نصّها: حضرة العلامة المجتهد الأكبر آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي دام علاه نعرض لحضرتكم أن قسمًا من قوّاتنا قد وردت إلى هذه الأنحاء لأجل حفظ الأمن وإلقاء القبض على عدد من الأشرار الذين يقصدون الإفساد ونهب الأموال وإلقاء الرعب في قلوب الأهلين، وأن قواتنا هذه لم تتعرّض للصلحاء الأبرار، فنرجو أن تطّلعوا على هذه المسألة لكي يرتفع الرعب والإضطراب عنكم، وفي الختام نقدّم لحضرتكم فائق الإحترام.
22 حزیران 1920م
حاكم الحلّة / الميجر بولي
كان الميجر بولي مداهنًا وكاذبًا في رسالته، لأن (الأشرار الذين يقصدون الإفساد ونهب الأموال وإلقاء الرعب في قلوب الأهلين) حسب قوله... ما هم إلّا رؤساء كربلاء وزعمائها!!
وعند إطّلاع الإمام الشيرازي على رسالة الميجر بولي أجابه برسالة مليئة بالنصح والإرشاد وهي: إلى حاكم الحلة السياسي الميجر بولي هداه الله...
قرأنا كتابكم وتعجبنا غاية العجب من مضمونه حيث جلب العساكر لمقابلة الأشخاص المطالبين بحقوقهم المشروعة الضرورية لحياتهم من الأمور غير المعقولة، ولا تطابق أصول العدل والمنطق بوجه من الوجوه، ويحتمل ان الأشخاص الذين
يقصدون الإستفادة من إيجاد الخلاف بين أهالي العراق والإنكليز هم غشّوكم لينالوا بواسطة ذلك مقاصدهم، وفي الليلة الماضية أردت مقابلتكم لرفع الشك في نفسكم كي لا تغفلوا عن هذه النكتة ولكنكم إمتنعتم عن ذلك، وإن نظريتنا في أمور المملكة أصلح وأنفع من سوق الجيوش واستعمال القوة الجبرية، وأدعوكم عجالة لأبلغكم أن تسوّلكم بالقوة قبال مطالب البلاد واستدعاءاتها مخالف للعدل ولإدارة البلاد، وإذا امتنعتم عن المجيء هذه المرّة أيضًا فستصبح وصيتي للأمة بخصوص مراعاة السلم ملغاة في ذاتها وأترك الأمة وشأنها، وبهذه الصورة تقع مسؤولية نتائج السوء عليك وعلى أصحابك. وفي الختام لي الأمل ان تؤثّر فيك هذه النصيحة كي لا يقع ما يُفسد النظام والأمن، ولكي لا تكونوا سببًا لإراقة دماء الأبرياء.
6 شوّال 1338ه محمد تقي الشيرازي
لم يهتم الميجر بولي بهذه الرسالة ولم يدرك مغبّة العناد الذي إستولى عليه، فمضى في مهمته التي جاء من أجلها إلى كربلاء، فقد أمر باستدعاء كل من:
1 - الشيخ محمد رضا نجل الإمام الشيرازي.
2 - السيد محمد علي (هبة الدين) الحسيني.
3 - السيد محمد علي الطباطبائي.
4 - الشيخ عبد الكريم العواد.
5 - الشيخ عمر العلوان الوزني.
6 - الشيخ عثمان العلوان الوزني.
7 - الحاج عبد المهدي القنبر.
8 - الحاج أحمد القنبر.
9 - الشيخ هادي كمونة.
10 - الشيخ محمد شاه (الهندي)
11 - الشيخ كاظم أبو إذان
12 - الحاج إبراهيم أبو والدة
13 - السيد أحمد البير(1).
إمتنع الجميع عن ملاقاة الميجر بولي، غير أن الإمام الشيرازي أمرهم بالذهاب حتى لو أدّى ذلك إلى نفيهم أو إعدامهم، فإستجابوا لأمره وذهبوا إليه عدا السيد هبة الدين الحسيني لأنه كان يشكو من ظهور الرمد في عينيه. وعند وصول هؤلاء الزعماء إلى مكان تواجد الميجر بولي وجدوا بأن السيارات المصفحة كانت بإنتظارهم، فتم إلقاء القبض عليهم وأركبوا في تلك السيارات وتوجهوا بهم إلى الحلة ومن ثَمَّ إلى البصرة، ومنها تم نفيهم إلى جزيرة (هنجام).
وقد تشفع شاه إيران للميرزا محمد رضا، وطلب من الإنكليز أن يسمحوا له بالمجيء إلى إيران. وسلّمه الإنكليز إلى حاكم (بندر عباس) الميناء الإيراني على الخليج العربي في 28 تموز 1920، وعاش بقية حياته في طهران. أمّا الباقون فقد أُسروا في (هنجام) إلى أن صدر (العفو العام) في العراق بتاريخ 30 أيار 1921.
1) هو المرحوم السيد أحمد بن السيد كاظم (أبو خشوم)، والسادة آل أبو خشوم من سادات المشهد الحسيني ومن خَدّام الروضتين المقدستين في كربلاء. ويرجع نسبهم إلى السادة (الغوالب) على اسم جدهم (غالب) وهم من أحفاد السيد موسى المبرقع بن الإمام محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). ويشاطر السادة آل أبو خشوم في كربلاء بالنسب من (غالب) كل من السادة (آل الحصونة) في الناصرية، و(آل مكَوطر) في الشنافية، و (آل ماميثة) في كربلاء و(آل مسافر) و (آل دخيل) و (آل هلالة) و (آل الكواز) وغيرهم. وفي كتابنا (بيوتات كربلاء القديمة) سقطت ترجمتهم سهوًا عند الطبع، وسيتم ذكرهم بالتفصيل كونهم من سادات البلد في الطبعة القادمة من الكتاب المذكور، فإليهم نقدم إعتذارنا. وبرز منهم في كربلاء رجال قد احتلوا مكانة مرموقة أمثال المرحوم السيد مهدي أبو خشوم، والمرحوم التربوي أستاذنا السيد عباس (غلام عباس) بن عبد بن كاظم أبو خشوم وإخوته، وهو ابن أخ السيد أحمد البير. وكذلك الصديق العزيز المهندس السيد حسن بن محمد بن مهدي بن محمد علي بن كاظم (أبو خشوم) وإخوته، ولازال الكثير منهم في كربلاء يتمتعون بسمعة حسنة. شارك السيد أحمد كاظم البير آل أبو خشوم والملقب (أبو الخيزران) في ثورة العشرين ونفي إلى جزيرة هنجام، كما ساهم في أحداث أخرى، وقد وجدنا له توقيع في مضبطة مؤتمر كربلاء الذي عقد لدرء غارات الإخوان في 15 شعبان 1340ه / 8 نیسان 1922م
كان التصرف السخيف بإعتقال زعماء كربلاء مثار سخط الجماهير، فهاجت كربلاء وعمَّ التمرد والتطاول على سلطة الاحتلال الإنكليزي، وكانت العاقبة التي حذّر منها الإمام الشيرازي وخيمة على الإنكليز، بحيث فقدت السلطات في المدينة سيطرتها على الأهالي وأصبحت إدارتهم في كربلاء في خطر شديد.
كان نفي ابن الشيرازي وأعوانه من الكربلائيين من أهم عوامل إندلاع شرارة ثورة العشرين. حيث إن إجراء الحاكم البريطاني قد أثار ضجة كبرى في الفرات الأوسط، وكتب الميرزا عبد الحسين (الابن الثاني للشيرازي) رسائل إلى رؤساء العشائر وقال لهم عن لسان أبيه «هذا اليوم يومكم»(1).
كان رد الفعل الأول في مدينة الحلة، فعندما علم أهل الحلة بتصرفات حاكمهم السياسي المهينة ثارت ثائرتهم، فعقدوا مجلسًا خطيرًا ساده الحماس في أحد الجوامع الكبيرة وتسابق الخطباء والشعراء في إلقاء الخطب والقصائد الحماسية، وأوضحوا موقف سلطة الاحتلال من الاعتداء على رجال العراق المخلصين، والنيّات السيئة التي أخفوها للوطنيين وإستعرضوا الأحداث التي مرّت على النجف وكربلاء، وهتفوا بأن يكون أحد أنجال الشريف حسين ملكًا على العراق، كما أعادوا تلاوة كتاب الشيرازي الذي انتشر بين القبائل في الفرات وسكان المدن.
أرسل الميجر بولي على قادة التجمع في الحلة وقام بإتخاذ إجراء مماثل لما حصل في كربلاء، فقد تم إلقاء القبض على ستة من زعماء الحلة الذين قادوا التجمع فيها، وأُرسلوا بالقطار إلى البصرة ومن ثَمَّ نُقلوا إلى المنفى في جزيرة (هنجام). وبعد نفي هؤلاء المجاهدين ساد الوجوم مدينة الحلة وأصبح الأهالي في حالة غليان شديد.
إنطلقت شرارة الثورة في 30 حزيران 1920 من (الرميثة) بعد إعتقال الإنكليز ل(شعلان أبو الجون) وابن عمه (غثيث) الذَيْن تعهدا على رأي البعض عند حضورهم (اجتماع كربلاء) أن يقوما بالثورة في السماوة.
1) الثورة العراقية الكبرى: السيد عبد الرزاق الحسني، ص117
تأثر الشيرازي بعد إسبوعين من قيام الثورة في السماوة من عدم نجدة الثوار من قبل بقية العشائر، وأبدى استياءه من هذا الموقف ومخافة أن تراق دماء بريئة نتيجة تخلّف العشائر التي أعطت الوعود له بأنها سوف تقاتل الإنكليز.
فقد أرسل وفدًا إلى (ولسون) في بغداد متمثلًا بالسيد هبة الدين الحسيني، والميرزا أحمد الخراساني، وبيدهم رسالة منه يعرض فيها شروط لإيقاف القتال قبل أن تنْضم العشائر الأخرى إليه، وهي سحب القوات الإنكليزية القوات الإنكليزية من منطقة القتال، وإعلان العفو العام وإعادة المنفيين.
رفض ولسون مقابلتهما وقال: «إن الشيرازي هو بذر هذه البذرة وهذا يوم حصادها».
وبعد هذا الرفض من قبل الحاكم البريطاني للعراق، فقد أصدر آية الله الشيرازي فتواه التي أجاز بها الثورة المسلحة، والتي تسمى (الفتوى الدفاعية) بعد إشتداد المعارك في الرميثة، وفشل محاولته التفاوض مع (ولسون).
وقال الشيرازي في إحدى رسائله إلى شيوخ العشائر: «إني فديت استقلال العراق بولدي، ومن عزَّ عليّ، وأنا مستعد بأن أفدي العراق بنفسي، وأمّا أنتم فإن أصّر الإنكليز على غصبكم حقكم وقابلوا إلتماسكم بالحرب، فيجب عليكم الدفاع بجميع قواكم ويُحرّم الرضوخ لهم والاستسلام».
أصبحت كربلاء في عهد الثورة ذات أهمية لسببين:
الأول: وجود آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي فيها، وهو المرجع الديني الأعلى للشيعة.
الثاني: قربها من جبهة القتال في الوند و طويريج والحلة وعموم مناطق الفرات الأوسط.
وكان رؤساء العشائر يعقدون اجتماعاتهم فيها، ومن ثَمَّ أصبحت العاصمة لحكومة الثورة التي إمتدّت سلطتها في جميع المدن والقصبات والأرياف من كربلاء شمالًا إلى الخضر جنوبًا.
وكانت كل المناطق التي دخلت في حوزة الثورة تحكم نفسها بنفسها، ولكن الأمور العامة كانت بيد الشيرازي وحاشيته في كربلاء. وبعد وفاته إنتقلت قيادة الثورة إلى آية الله الشيخ فتح الله الأصفهاني (شيخ الشريعة) الذي تصدى للمرجعية بعد الشيرازي ومقره في النجف.
المهم أن عهد الثورة في كربلاء تميّز بظاهرة استتباب الأمن والنظام، ولم تحدث حوادث نهب أو نزاعات عشائرية أو سرقة لدور الدولة أو الأهالي. وظلّت كربلاء هادئة في الأسابيع الثلاثة الأولى من الثورة، وكان حاكمها (الميرزا محمد البوشهري) يباشر وظيفته، وعندما وصلت أخبار معركة (الرارنجية) وإندحار الجيش البريطاني فيها، أعلم الزعماء آية الله الشيرازي بتفاصيل الموقعة وطلبوا إليه تنظيم كربلاء والمحافظة عليها من الاعتداءات الداخلية والخارجية، عندها أمر الشيرازي زعماء كربلاء بإعلان الثورة وطرد الحاكم ومن معه من الحامية، وإستلام شؤون البلدة والانضمام للثورة.
إجتمع رؤساء المدينة في دار البلدية، واستدعوا معاون الحاكم السياسي الميرزا محمد البوشهري، فلمّا حضر خاطبه (الملا خضر أبو شويلية)(1)أحد رؤساء عشيرة النصاروة:
1) هو المرحوم الملا خضر بن عبد العباس بن الحاج محسن بن علي بن محمد بن عباس بن محسن بن علي أبو شويلية، من وجهاء كربلاء، من آل عبس المتحالفين مع عشيرة النصاروة (عبادة) وكان من رؤسائهم، ومن رجال واقعة حمزة بيك عام 1915م، وكذلك من المساهمين في ثورة العشرين. توفي سنة 1354ه / 1936م وأعقب ولديه المرحوم الحاج ياس المتوفى سنة 1383ه، والمرحوم الحاج کریم شويليه
«بأن المدن المجاورة قد ثارت وإنقطع الإتصال بيننا وبينها، ولا يريد أهل كربلاء ان تبقى السلطة بيدك، لأن كربلاء لا تريد أن تتخلف عن واجبها الوطني، فنريد تسليم دوائر الدولة (الحكومة) إلى هيئة وطنية ينتخبها أهل كربلاء».
فطلب الحاكم راجيًا أن يمهلوه يومين... فوافقوا، وكان قصد الحاكم من طلب المهلة أن يتشاور مع مدير شرطة كربلاء المدعو (محمد أمين) الذي كان شديد الإخلاص للإنكليز، حول قدرته والشرطة على الصمود في مركز الشرطة لحين وصول نجدة لهم.
فأجابه بأنه قادر على الصمود لحد 20 يومًا، وبدأ في نفس اليوم بالتحصن وأحضر الطعام وحفر بئرًا في ساحة المركز، وبدأ يخطب بالشرطة ويشجعهم على الصمود ويمنيهم بالمكافأة... فإنبرى له أحد أفراد الشرطة بهوسة «مانطيعك... ما نطيعك... يا عبد السوجر مانطيعك»، وردد بقية أفراد الشرطة معه الهوسات وإندفعوا إلى باب المخفر هاربين إلى بيوتهم...
وعلى إثر أمر الشيرازي وفي عصر يوم 9 ذي القعدة 1338ه/ 24 تموز 1920م) الأهالي على دار الحكومة وإستولوا عليها... وطردوا الحاكم ومن معه من الموظفين وأفراد الشرطة، واستلموا البنادق والعتاد ومراكز الشرطة ودوائر الموظفين، وعهدت حراسة المدينة ليلًا لكل محلّة إلى رئيس تعهد في حفظ الأمن وأموال السكان(1).
إلتجأ الحاكم ومدير الشرطة ومعهم عريف إنكليزي اسمه (فورد) إلى دار (محمد رشيد الجلبي)(2)الصافي المجاورة لدار الحكومة وتطوّع (فخري كمونة) بحماية
1) الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 ونتائجها، ج1 ص247
2) هو الحاج محمد رشيد بن صادق بن محمد علي الجلبي الصافي، وعائلته تنتمي إلى قبيلة كندة، ونزحت إلى كربلاء في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، كان الجلبي من الأعيان وله ديوان في شارع العباس، تولى رئاسة البلدية سنة 1918 إلى أوائل سنة 1920، وكان عضوًا في مجلس الإدارة لعدة دورات، توفي سنة 1936 واعقب أربعة أولاد هم، جواد وحميد وصالح و محسن، ولهم اليوم اعقاب في کربلاء، ویتمتعون بمکانة حسنة فیها
هؤلاء، والمعروف عن موقف (فخري كمونة) من الثورة كان سلبيّاً، ويعتبره الثوار الكربلائيون خائنًا ومصلحيًا، فأركب هؤلاء في عربة (ربل) بصحبة ابن أخيه (حميد كمونة) وأوصلهم إلى عشيرة المسعود، وهؤلاء أوصلوهم إلى القوات الإنكليزية في المسيب(1). ووصلوا إلى بغداد سالمين.
كان يوم يوم إعلان الثورة في كربلاء يومًا رائعًا، حيث خرج سكان المدينة وهم يحملون بنادقهم وأسلحة أخرى وبدأوا بإطلاق الرصاص، وأصوات الهوسات ملات الفضاء.
وفي اليوم التالي ليوم إعلان الثورة، إجتمع رؤساء كربلاء ووجهائِها عند آية الله الشيرازي في داره، وتداولوا في أمر تنظيم الإدارة وقرروا تشكيل ثلاثة مجالس لإدارة البلدة هما (المجلس العلمي) و (المجلس الملّي) أي مجلس الشعب و(مجلس جمع الإعانات للمعوزين من الثوار)، وعيّنوا أعضاءها والأعمال التي تزاولها وكما يأتي:
المجلس العلمي: وأعضاؤه كل من:
1 - السيد محمد علي هبة الدين الحسيني.
2 - السيد أبو القاسم الكاشاني.
3 - الميرزا أحمد الخراساني.
4 - السيد حسين القزويني.
5 - الميرزا عبد الحسين الشيرازي (نجل آية الله الشيرازي الثاني).
ومهمة هذا المجلس بث الدعوة بين طبقات الناس في المدن والعشائر بلزوم الإشتراك في الثورة وتوسيع نطاق العمل، وتوجيه الإرشادات الدينية فيما يخص الثورة، والحكم في النزاعات التي قد تحدث، كما أن هذا المجلس يشرف على أعمال المجالس الأخرى، وقد أَنتخب السيد هبة الدين الحسيني رئيسًا له.
1) مذكرات (تحسين العسكري) ج2 ص179 وص180
المجلس الملّي (مجلس الشعب) وأعضاؤه ثمانية عشر عضوًا كان ثمانية منهم من سادات المدينة (العلويين) وهم:
1 - السيد عبد الوهاب الوهاب آل طعمة.
2- السيد حسن السيد حمود آل نصر الله.
3 - السيد عبد الحسين الددة.
4 - السيد محمد علي آل ثابت.
5 - السيد أحمد آل ضياء الدين.
6 - السيد محمد حسن (الروضخون) آل طعمة.
7 - السيد أحمد الوهاب.
8 - السيد إبراهيم الشهرستاني.
أمّا الباقون فكانوا من رؤساء المحلات وهم:
9 - الحاج عبد النبي العواد.
10 - الشيخ علوان الجار الله
11 - الشيخ هادي الحسون
12 - الشيخ عبد علي الحميري
13 - الشيخ عبد أبو هر
14 - الحاج محمد حسن شهيّب
15 - الشيخ كَمر النايف البرغش السلامي
16 - الشيخ علي المحمد المنكَوشي
17 - الحاج عزيز علوان الزنكَي
18 - الشيخ محمد حسن أبو المحاسن (ممثل الشيرازي في المجلس).
وتم تعيين (خليل عزمي) سكرتيرًا للمجلس. وعيّن (مهدي السامرائي) محاسبًا للمجلس والشيخ (محمد علي أبو الحب) أمينًا للصندوق. و(عبد الرزاق أفندي)
كاتبًا. ومهمة هذا المجلس ترشيح الموظفين وجباية الضرائب والرسوم وتوزيعها للصرف حسب ما يقتضي، وإدارة المستشفى، وتشكيل قوّة من الشرطة، وحسم الدعاوى وتأمين الطرق القريبة من كربلاء والقيام بواجب الإدارة بأكمل وجه.
مجلس جمع الإعانات للمعوزين من الثوار وأعضاؤه:
1 - السيد عيسى البزاز.
2 - السيد محمد رضا فتح الله(1).
3 - الحاج حيدر(2).
4 - الحاج قندي(3).
وكانت مهمة هذا المجلس جمع الإعانات لتموين المعوزين من الثوّار.
قدّمت لائحة أسماء أعضاء المجالس إلى آية الله الشيرازي الذي صادق بدوره عليها وعلى واجباتها، وأرسل القرارات إلى المجلس الحربي المكوّن من السيد علوان عباس الياسري وعبد الواحد الحاج سكر وعمران الحاج سعدون ومجبل الفرعون وعبادي الحسين وسماوي الجلوب وشعلان الجبر ورايح العطية.
وقد صادق عليها ثم شرح تحتها بأن هذه الإجراءات وقتية حيث إن المجلس الحربي سيعيّن بعد الان المتصرف والموظفين ليعمل كل منهم بواجباته.
ويذكر فريق مزهر الفرعون في الحقائق الناصعة ج1 ص248 عن مهمة المجلس الحربي فيقول: «ومهمة هذا المجلس تنظيم الخطط الحربية وسوق جيوش الثوار
1) هو المرحوم السيد محمد رضا (المتوفى سنة 1365ه) بن حسين بن السيد فتح الله بن أمين بن مصطفى بن أحمد بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن (طعمة الثالث)
2) هو الحاج حيدر بن راضي بن حيدر بن دحّام، من التراجمة وهم بطن من قبيلة شمّر. كان من وجهاء كربلاء ومن زعمائها، وهو والد المرحوم الحاج عبد الحسين حيدر والحاج سعد حيدر
3) هو الحاج محمد المشهور ب(الحاج قندي) المتوفى سنة 1346ه / 1927م بن عبيد بن قاسم الخفاجي. وهو والد المرحوم الحاج (سعد قندي)
وتنظيمها وتعيين قوّاد الحملات في الهجوم والدفاع، وجميع المجالس وضعت تحت إشراف آية الله الشيرازي إلّا المجلس الحربي فإنه ينظّم خططه بنفسه».
باشرت المجالس أعمالها وأول عمل قام به المجلس الملّي هو تعيين موظفين للبلدية وجباة وكتّابًا كما يستوجب الأمر، وشكّل قوة من الشرطة تضم مائة من المشاة وثلاثين خيّالاً. وتم تعيين الشيخ سمرمد الهتيمي أحد رؤساء المسعود آمرًا للشرطة الخيالة بمرتب شهري قدره 100 روبية، ومعه ثلاثين شرطيًا خيّالًا براتب 50 روبية لكل منهم، كما تم تعيين الشيخ عبد الرحمن العواد أمرًا لشرطة المشاة بمرتب 100 روبية وبمعيّته 100 شرطي راتب كل منهم 30 روبيّة(1).
وإشتدت المعارك في جميع أرجاء الفرات، و (ما يخص بحثنا) فقد زحفت قوّة إنكليزية باتجاه كربلاء وذلك في 14 آب 1920، فتصدى لها الثوار عند مقربة من نهر الحسينية وبالقرب من (السدّة)، فإضطرت القوة الإنكليزية إلى الانسحاب بعد تكبدها خسائر فادحة. وتمركز الثوار في منطقة (الوند) الواقعة بين المسيب وكربلاء، وهم في حماسة وتأهب بعد معارك الرارنجية والحلة والمسيب والسدة والحسينية...
في ليلة 4 آب 20/1920 ذي القعدة 1338ه أقدم الثوار المرابطون في الوند على احتلال مدينة المسيّب، فتم لهم احتلال الجانب الغربي منها بدون مقاومة، وفي صبيحة اليوم التالي تبادلوا مع الإنكليز إطلاق الرصاص والقنابل، ونهر الفرات يفصل بينهما. وطلب الثوّار المدد من الكربلائيين إلّا أن الشيخ فخري كمونة كان عائقًا للطلب مع أن الكثير من ثوار كربلاء بادروا بالالتحاق إلى الوند وخاضوا مع المتواجدين هناك معركة معركة المسيّب.
تمكن الإنكليز من إعادة احتلال المسيّب وكذلك سدّة الهندية، وباشروا بالتقدم قاصدين كربلاء عن طريق الحسينية - طويريج، فتصدى لهم الثوار وتمكنوا من دحرهم وإيقاف تقدمهم نحو كربلاء، فعادوا إلى سدة الهندية وتحصنوا بها.
1) الحقائق الناصعة: فريق الفرعون، ج1 ص249
كانت مناطق الحلة والمحاويل والمسيب وسدة الهندية وطويريج مسرحًا للعمليات الحربية وجميع هذه المدن قريبة جدًا من كربلاء.
قام آل العوّاد في كربلاء بإعداد تجمع في ديوانهم الواقع في محلة باب بغداد (باب العلوة) وفي الأزقة المحيطة بالديوان، الغاية منه التهيؤ وجمع المتطوعين والخروج لمقاتلة الإنكليز المحاصرين في صدر نهر الحسينية عند تفرعه من الفرات قرب سدة الهندية. فقد جاء في مخطوطات المرحوم السيد إبراهيم شمس الدين القزويني في باب وقائع الأيام ما يلي:
«من مذكرات السيد محمد علي السيد أحمد الكشميري حيث قال... جاء السيد عبد الرزاق الوهاب إلى داري وذلك في ليلة الرابع عشر من شهر ذي القعدة سنة 1338ه وقال لي كلفت السيد شمس الدين القزويني بجمع جميع آيات الجهاد الموجودة في القرآن ويكتبها بخط جيّد وواضح، والسبب أن حربيّة آل عواد بكره صباحًا يلتحقون بالمجاهدين في صدر الحسينية لمحاربة الجند البريطاني المحصور هناك، وفي صباح يوم 14 ذهبت برفقة الأصدقاء إلى دار عبد الجليل آل عوّاد، فرأيت بباب الدار فرسين مرخيتين، إحداهما بجانبها سيف مذهّب وعلم أخضر مكتوب عليه (نصر من الله وفتح قريب). وفي هذه الأثناء جاء (ملا علي القره غولي) قارئ القرآن ومجوده، فإختلى به السيد عبد الرزاق وأعطاه الآيات ليقرأها بصوته الجهوري أمام جمهور المجاهدين، ثم دخلت الدار وإختلطنا بالمجاهدين، ورأيت عبد الرحمن وعبد الجليل يشجّعون المحاربين ويعدونهم بالجنّة في سبيل نصرة الدين والعروبة والوطن، فأخذَت الجموع تخرج من الدار وتتزاحم بالوصول إلى ساحة القتال، وعبد الرحمن ينادي إلى حرب أعداء الدين والوطن وهم نصارى الإنكليز. وآخر من خرج من الدار هو ملا علي القره غولي، فقدّموا له الفرس وركب وهو حامل
العلم الأخضر والسيف على متنه، فصلّى على النبي المصطفى وإبتدأ بقراءة آيات الجهاد وبصوته الجهوري، والجموع مترنمين بأهازيج دينية وعربية ومنها (يالميرزة تامرنا إنطيعك)، وبجنب (ملا علي) كان عبد الجليل آل عوّاد راكب الفرس بكامل أسلحته، حاملًا السيف على متنه وأخوه عبد الرحمن ينظّم الجموع ويحرّض الناس بالالتحاق إلى المجاهدين لحرب أعداء الدين، حتى بلغنا راس القنطرة(1)فإذا الحربية تتجاوز الستمائة بل أكثر مسلحين بالبنادق من الكوجك جابلي والبيوك ماوزر والطليعة والماطلي وأم إصبع وفلنجة والقباقلي والمطبك(2)وغيرها.
وأنا والسيد عبد الرزاق والسيد حسين آرسطو والسيد شمس الدين القزويني أمام الجموع نشجعهم في سبيل إعلاء كلمة المسلمين وطرد المسيحيين من بلاد المسلمين. هذا ما رأيته في ذلك اليوم 14 ذي القعدة سنة 1338ه(3)والله العالم»(4).
في ليلة 20 ذي القعدة 1338ه قرر المجلس الحربي الهجوم على سدّة الهندية ليلًا وتمكنوا من محاصرة القوات الإنكليزية من أول الليل حتى الصباح، وعند بزوغ الشمس أتت الطائرات من بغداد وهاجمت الثوار الذين حاصروا الجيش الإنكليزي، وتم إسقاط إحداها، وبعد وابل القنابل من الطائرات والمدافع إنسحب الثوار بإنتظام بعد استشهاد واحد وثلاثين شهيدًا وجرح خمسة وستين من الثوار، وكان قتلى الإنكليز وجرحاهم أضعاف ذلك العدد.
بعد هذه المعركة إجتمع المجلس الحربي واتخذ عدة قرارات منها توزيع العشائر آل فتلة الهندية وبني حسن بين مدينتي طويريج والحلة لمنع هجوم الإنكليز من الحلة، وبتجمع عشائر بني حسن في مدينة طويريج المساعدة آل فتلة إذا تعرضوا لهجوم من الحلة، وكذلك يبادر آل فتلة لمساعدة بني حسن إذا تعرضوا للهجوم من جهة السدة، على أن تبقى قوات السادة العرد والدعوم وقسم من بني حسن مقابل الجيش الإنكليزي في سدة الهندية، وتذهب قوات لواء الشامية إلى منطقة الحسينية ليقوم قسم منها بالهجوم على صدر الحسينية وقسم لاحتلال المسيّب، وقسم آخر يبقى في منطقة الوند مرابطا هناك للحاجة.
ومن أهم تلك القرارات أيضًا أن يكون مقر قيادة الثوار في كربلاء، ويتواجد أعضاء المجلس الحربي فيها، ومنها تصدر التعليمات والأوامر للثوار.
بعد أيّام من إعلان الثورة في كربلاء، ساءت صحة آية الله الشيرازي والثورة مستمرة في الفرات الأوسط، وعند غروب شمس يوم 17 آب 1920 المصادف لليوم الثالث من ذي الحجة سنة 1338ه، توفي رحمه الله.
أصدر السيد محمد علي هبة الدين الحسيني بيانًا موجّهًا إلى قادة الثورة يعزّيهم والعالم الإسلامي بوفاة الشيرازي وهذا نصّه:
نعزيكم وعامة العالم الإسلامي بوفاة حجة الإسلام ورئيس العلماء الأعلام ركن النهضة العربية وروح الحركة الإسلامية الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي قدس الله روحه ونوّر ضريحه، فقد أفلت شمس حياته القدسية عند أُفول شمس الثلاثاء ثالث ذي الحجة 1338 بعد ما حوى ثلاثين درجة من فلك عمره الشريف في إحياء العلم والدين وإمحاء كيد الكافرين، بيد أن الذي تتسلى به قلوب نادبيه، قوة حياة مباديه وإشتداد العموم على ما كان فيه، ولا ريب في أن الإسلام حي بمن بقي من
بعده ممن ينهجون مسلكه من صحبه وجنده، ولم نزل ولا نزال ننتظر أخباركم المنيعة وإرجاعاتكم الشريفة.
3 ذي الحجة 1338
خادم العلم والدين
محمد علي الشهرستاني (الحسيني)
آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي
فكانت لوفاته رنة حزن هزّت العراق من أقصاه إلى أدناه بوفاة بطله الأوحد ومجاهده الأكبر، فتوقفت الأعمال الحربية حدادًا وصار الثوّار يعزي بعضهم البعض ويشجعه من جهة أخرى. وكان لوفاته صدىً في العراق وإيران، وسرت شائعات بأن الإنكليز قد (سمّوه) عن طريق أحد عملائهم. وجرى للمرحوم الشيرازي مهيب في كربلاء لم تشهد المدينة له مثيل. ودُفن رحمه الله في إحدى الحجرات المطلّة على الزاوية الجنوبية الشرقية من الصحن الحسيني(1)
ووجدنا في دائرة المعارف الحسينية للشيخ محمد صادق الكرباسي ذكر للمقبرة، وأضاف فيه معلومات خاطئة وملفقّة للأسف تشير إلى أنه عند إستلامنا سدانة الروضة الحسينية قمنا بجعل المقبرة قاعة للاستقبال وبنيناها على هذا الأساس، والقصد من ذلك هو تشويه للسمعة مما يجعل قارئ كتابه بأننا لا نحترم مواضع قبور المشاهير العظماء أمثال آية الله الشيخ الشيرازي رحمه الله، وللحقيقة نقول أن ادعاء الكرباسي يلفه الكذب للأسف وقصر النظر كما ورد في الكثير من محتويات كتابه، فإننا عندما استلمنا السدانة كانت المقبرة بعد توسعتها قد تم تغليف جدرانها بالمرمر على مستوى ثلاثة أمتار، وبقية الارتفاعات مع السقف تم زخرفتها بالطراز المغربي، ورصفت أرضيتها بالمرمر الإيطالي وأعدّت كقاعة مستقلة في الروضة ورفع منها شاهد قبر الإمام الشيرازي، كل ذلك تم في فترة سدانة السيد عادل الكليدار وليس في فترة تشرفنا بالسدانة، ويمكن الإطلاع على الفلم الخاص بأحداث شهر شعبان سنة 1991م حيث ظهرت القاعة بالشكل الذي وصفته أعلاه حيث استغلت من قبل المنتفضين كمركز للتداوي والعلاج، وهو دليل دامغ على صدق قولنا، وقد استلمنا السدانة بعد الأحداث بما يقارب السنة من الزمان، مع العلم بأننا قمنا بوضع حاجز حول موضع قبر الشيرازي الذي يقع بالقرب من الشباك الأول المطل على الصحن، وفرشنا الموضع بسجادة وفي وسطها طاولة وضعنا فوقها المصحف الشريف، فكانت المقبرة موضع إهتمامنا لا نُشكر عليه بل هو واجب وطني وشرعي. سامح الله الشيخ الكرباسي ومن زوده بتلك المعلومة التي نعرف جيدًا مصدرها!!
.1) كانت مقبرة المرحوم آية الله الشيرازي عبارة عن حجرة تقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من صحن الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وهي أول حجرة في الصحن على يمين الداخل من باب الرجاء، وكانت أبعاد الحجرة 4م × 6م، وعندما تم ضم المساحات المستملكة حوالي الصحن الشريف إلى مساحة الروضة الحسينية وبناء سور الروضة الجديد، إضيفت المساحة التي تقع خلف مقبرة الشيرازي إلى المقبرة الأصلية وفتحت معها الحجرة التي تقع بجوارها فأصبحت قاعة كبيرة.
وبعد وفاة الإمام الشيرازي إنتقلت الزعامة الدينية إلى آية الله شيخ الشريعة فتح الله الأصفهاني الساكن في النجف الأشرف، فإضطلع علاوة على المهام الدينية بالأعمال التي كان يقوم بها الشيرازي تجاه خدمة القضية الوطنية، وكان خير خلف لخير سلف وتمكن أن يسد الثغرة بإرشاداته وبياناته وتصلّبه وإخلاصه وتضحيته، علاوة على بعد نظره وقوة تفكيره.
الشيخ فتح الله شيخ الشريعة الأصفهاني
وإثر وفاة الشيرازي عادت الأحقاد والمنافسات بين رؤساء كربلاء... وأخذ الشيخ فخري كمونة يعمل لمصلحته محاولًا نشر الفوضى في صفوف الأهالي من خلال إيقاده للخلافات والتكتلات في المدينة، وفي نفس الوقت كانت البلاد تعيش ثورتها ضد المحتلين الإنكليز، ظهرت الحاجة إلى تعيين شخص برتبة (متصرف) للاشراف على الأمن والنظام في كربلاء، على أن يكون محترمًا من قبل الجميع.
حينما قامت الثورة الكبرى على أثر الفتوى التي أصدرها في شوّال سنة 1338ه / حزيران 1920م آية الله المرحوم الشيخ محمد تقي الشيرازي، عهد في تدبير الشؤون الوطنية وإدارة المدينة بعد مغادرة سلطة الاحتلال إلى أربعة أشخاص هم: العلامة السيد هبة الدين الحسيني والعلامة المجاهد أبو القاسم الكاشاني والعلامة الحاج ميرزا أحمد الخراساني والشيخ عبد الحسين النجل الثاني للشيرازي. وبعد وفاته رحمه الله في أوائل ذي الحجة سنة 1338ه قام بتحمل أعباء قيادة الإمام الشيرازي وتبعاتها الجسام أولئك العلماء الأربعة متحدين في الرأي والعمل من أجل المحافظة على الأمن وتدبير مصالح البلاد، ومتفقين ومتعاونين مع المجلس الحربي للثورة الذي مقره في كربلاء.
عندما أُخليت مدن وقصبات الفرات الأوسط من السماوة إلى المسيّب من الإنكليز، إجتمع هؤلاء العلماء مع قادة الثورة والرؤساء بكربلاء في (معسكر الحسينية) وقرروا تشكيل حكومة وطنية مؤقته في كربلاء ورفع العلم العراقي فيها.
عن هذا الموضوع ورد في كتاب الحقائق الناصعة لفريق مزهر الفرعون ما يلي: لقد فكّر المجلس الحربي أن ينصرف إلى الأعمال الحربية وإلى تنظيم خطة المقاومة والهجوم لتحرير مدينة بغداد، ولأجل أن يكون هناك من يشرف على شؤون اللجان التي عينها المجلس الحربي(1)لإدارة شؤون كربلاء لينصرف إلى إدارة شؤون هذه الواجبات
1) في الحقيقة أن اللجان (المجالس) التي تأسست في كربلاء لم يعينها المجلس الحربي وإنما زعماء كربلاء بإشراف الإمام الشيرازي، وأرسلت التشكيلات إلى المجلس الحربي للإطلاع عليها وتأييدها، لأنها تشكلت أصلًا من أجل الثورة كما مرّ سابقًا
ويقْصِر واجباته عليها فحسب. إجتمع المجلس الحربي وأصدر قراره التالي:
العراق/ المجلس الحربي
كربلاء في 18 ذي الحجة 1338
إجتمع المجلس الحربي بتاريخ 18 ذي الحجة سنة 1338ه(1)بمدينة كربلاء وتذاكر فيما يخص تنظيم شؤون المدن والمراكز التي احتلها الثوار، فقرر جعلها مناطق. وجعل كل منطقة متصرفًا يعيّن من قِبل المجلس، وهو يعين موظفين لمنطقته بنظره، يبقون مؤقتين حتى تُسن القوانين من قبل مجلس الأمة التشريعي وذلك بعد تطهير البلاد من الحكومة المحتلة، ويقوم المتصرف بأعمال الإدارة ويراجع المجلس الحربي بكل ما يهمّه ويحتاج مراجعته به، وتكون وظائفه حسبما ينص به النظام الذي سيكون مفعولًا به حتى يجتمع المجلس التأسيسي في بغداد أن شاء الله، والذي سيشترك فيه عموم أهالي العراق بطريقة الإنتخاب، وقد قسّم المجلس الحربي المناطق فجعل مدينة کربلاء منطقة وألحق بها طويريج والنجف وأبي صخير والشامية مع نواحيها، وعيّن المجلس السيد محسن أبو طبيخ متصرفًا لهذا اللواء على أن يكون راتبه الشهري ألف ربيّة وبذلك يُبلّغ ليستلم وظيفته.
التواقيع
أعضاء المجلس الحربي
صورة منه: إلى السيد محسن أبو طبيخ لإستلامه فورًا الوظيفة المذكورة.
صورة منه: إلى آية الله شيخ الشريعة للمعلومات.
صورة منه: إلى المجلس البلدي ليكون تابعاً وخاضعاً إلى المتصرف المذكور.
1) الموافق الأول من أيلول 1920م
صورة منه: إلى مجلس الإدارة ليكون تابعاً وخاضعاً إلى المتصرف المذكور(1).
اتخذ المجلس قراره بتشكيل أول حكومة وطنية في كربلاء لها عَلَم خاص، وأول متصرف للواء كربلاء الذي كان مقر قيادة ثورة العشرين حينها، فكان هذا الحدث العظيم والقرار الجريء قد اتخذ في يوم يحتفل به المسلمون وهو يوم الغدير وكما يسمّى بعيد الولاية وهو يوم 18 ذي الحجة بعد حجة الوداع عندما أعلن الرسول الكريم (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) ولاية الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عندما قال عليه الصلاة والسلام وهو يرفع يد الإمام علي أمام حشود المسلمين: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم والِ من والاه... إلى آخر الخطبة، فكان لقرار تشكيل الحكومة المؤقتة وتعيين أول متصرف في أيام الثورة له بالغ الأثر وكان يومًا مشهودا.
من قرارات المجلس الحربي بعد أن قرر تعيين المتصرف في كربلاء، هي تشكيل مجلسين هما المجلس الإداري والمجلس البلدي. فتقرر أن يتكون المجلس الإداري من أربعة أعضاء من الكربلائيين المشتركين أصلًا في المجلس الحربي وهم:
1 - السيد عبد الحسين الددة.
2 - الشيخ عبد الجليل العوّاد.
3 - السيد محمد السيد أحمد الكشميري.
4 - الشيخ رشيد المسرهد.
أمّا المجلس البلدي فكان يتألف من ثمانية عشر شخصًا كان غالبيتهم من المجالس التي تشكلت سابقًا وتم إضافة آخرين ليمثلوا جميع قطاعات المدينة وأعضاء هذا المجلس هم:
1 - السيد عبد الوهاب الوهاب آل طعمة.
2 - السيد محمد علي السيد جعفر آل ثابت.
3 - السيد هاشم السيد حسين آل نصر الله .
1) الحقائق الناصعة، ج1 ص376 - 378
4 - السيد محمد حسن السيد محمد كاظم (سر كشك) آل طعمة.
5 - السيد حسين السيد إبراهيم آل ضياء الدين.
6 - السيد سعيد السيد مصطفى الشروفي.
7 - الشيخ محمد حسن أبو المحاسن.
8 - السيد عيسى البزاز.
9 - الشيخ عبد النبي العوّاد.
10 - الشيخ هادي (شقيق الشيخ طليفح الحسون) رئيس النصاروة
11 - الشيخ عبد علي الحميري (رئيس آل حمْيَر في كربلاء)
12 - الشيخ عبد العزيز الهر (شيخ الطهامزة)
13 - الملا خضر شويلية (رئيس آل عبس المتحالفين مع النصاروة)
14 - الشيخ علوان الجار الله (رئيس بني سعد)
15 - الشيخ محمد حسن شهيّب (رئيس آل معلّة)
16 - الشيخ كَمر نايف البرغش (رئيس السلاميين)
17 - الشيخ حيدر بن راضي (رئيس التراجمة)
18 - الشيخ ساجت المسرهد (من شيوخ المسعود)
وأنيطت للمجلس البلدي مهمة التحضير والتهيئة لإقامة المهرجان الذي سيتم رفع العلم العراقي في ساحة الميدان وتنصيب المتصرف.
يوم 6 تشرين الأول سنة 1920م كان اليوم الرسمي لإعلان تشكيل الحكومة في كربلاء وتنصيب السيد محسن أبو طبيخ(1)متصرفًا لكربلاء.
1) هو السيد محسن بن حسن بن علي بن إدريس «الذي يُعتبر أول من إشتهر بلقب أبو طبيخ لإطعامه جموع أبناء منطقته طعام (طبيخ) وهو من الرز واللحم في (عام المجاعة) فإشتهر به هو وذريته من بعده بلقب أبو طبيخ»، والسيد إدريس هذا هو ابن السيد عبد العزيز الذي إشتهر ب(المسايحي) لأنه أول من شرع في منطقته بزراعة الشلب أي الرز والتمن بالماء سيحًا بعد أن كان المتعارف زراعته ديمًا على مياه الأمطار. ولد السيد محسن في ناحية غماس وهي من نواحي الديوانية سابقًا عام 1878م. وكان أحد رجالات العراق المعروفين ومن قادة ثورة العشرين. كان عضوًا في الوفد الذي ذهب إلى مكة في 9 آذار 1921 للإلتقاء بالشريف حسين والطلب منه بتعيين ولده عبد الله ملكًا على العراق. وعندما أختير فيصل بن الحسين ملكًا على العراق بدلًا من أخيه عبد الله كان السيد محسن أحد المستقبلين للملك فيصل في البصرة يوم الخميس 1921. وبعد تنصيب الملك فيصل الأول وتشكيل الحكومة العراقية اتخذ السيد محسن العاصمة بغداد مستقرًا وسكنًا له ولعائلته، وخلال فترة العهد الملكي كان السيد محسن أبو طبيخ عضوًا في مجلس الأعيان حتى ثورة تموز عام 1958، وبعدها توقف عن النشاط السياسي، وتم الاستحواذ على معظم الأراضي الزراعية لآل أبو طبيخ حسب قانون الإصلاح الزراعي حينها، مع أن رجال ثورة تموز كانوا يكنون له قدرًا كبيرًا من الإحترام. توفي رحمه الله سنة 1961. وكان له كتاب عنوانه المبادئ والرجال، ومجموعة من المخطوطات صدرت بعده بكتاب
كان للسيد محسن أبو طبيخ دارًا في كربلاء، وفي يوم التنصيب خرج من داره تحف به الجماهير المحتشدة على جانبي الطريق يهتفون بالحرية والاستقلال التام، وعلى الأرصفة تزغرد النساء، وأُخذ إلى مكان الإحتفال بالأهازيج والعراضات حتى وصل إلى دار البلدية في ساحة الميدان بكربلاء حيث أقيم إحتفال كبير بالمناسبة حضره أهالي المدينة، كما حضره الرؤساء والوجهاء وكان من بينهم رجال الحركة الوطنية في بغداد الملتجئين إلى كربلاء منهم:
السيد محسن أبو طبيخ
يوسف السويدي، والسيد محمد الصدر، وجعفر أبو التمن، وعلي البزرکَان، ومحمود رامز، وفهد البطيخ، وجميل رمزي القبطان، وعارف حكمت، وطه البدري، كما حضره الشيخ ضاري الظاهر(1)والميرزا أحمد الخراساني الذي أُرسل مندوبًا من قبل آية الله (شيخ الشريعة) الشيخ فتح الله الأصفهاني (الذي خلف الشيرازي في المرجعية) ليمثله في الإحتفال. وحضر من النجف الشيخ محمد باقر الشبيبي والسيد سعيد كمال الدين.
عند وصول السيد محسن أبو طبيخ إلى مكان الإحتفال حيث إحتشد جمهور غفير مع ألف مجاهد مسلح بالبنادق، وفرسان بعض القبائل بسيوفهم ورماحهم وبنادقهم وقوبل بالهتافات وإطلاق الرصاص إبتهاجًا، ووجد العلماء والأعيان والأشراف والزعماء بإنتظاره ومعهم أعضاء المجلس الحربي.
صعد الأستاذ علي البزرکَان(2)على سطح دار البلدية ورفع العلم العراقي (علم الثورة العربية في الحجاز) ذي الألوان الأربعة على وصف الشاعر العراقي صفي الدين الحلي المولود في الحلة سنة 677ه / 1278م والمتوفى في بغداد سنة 750ه / 1349م:
بِيضٌ صَنائِعُنا سودٌ وقائِعُنا *** خُضْرٌ مرابِعُنا حُمْرٌ مَواضِينا
بعدها ألقى البزركان كلمة مؤثرة قوبلت بالتصفيق والهتاف، وألقى الأستاذ جميل رمزي القبطان(3)خطبة حيّا فيها الحكومة والثورة والعروبة والإسلام.
1) من رؤساء زوبع والذي كان مطلوبًا من قبل الإنكليز على إثر حادث مقتل لجمن، وإلتجأ إلى كربلاء وأقام في دار السيد عبد الحسين الددة
2) علي البزركان كان من الذين خدموا قضية الثورة في بغداد وقامت السلطة المحتلة بملاحقته فهرب منها والتجأ إلى كربلاء مقر قيادة الثورة
3) جميل قبطان من مجاهدي بغداد الذين عملوا على مساندة الثورة في الفرات الأوسط وكان ضمن لجنة قيادية في بغداد تضم عسكريين وسياسيين ومن الطبقة المثقفة، تم إرساله إلى جبهة اليوسفية والمحمودية، وعند سيطرة الإنكليز على تلك المناطق طُلب من قبلهم فتمكن من الهرب والالتحاق بقيادة الثورة في كربلاء
بعد أداء المراسيم، جلس المتصرف في منصّته فتوافدت الجماهير عليه لتقديم التهاني والتبريكات، ومن ثَمَّ قام سكرتير المجلس الملّي (مجلس الشعب الإداري) في كربلاء الأستاذ (خليل عزمي) فألقى قصيدة أخذت مأخذها في قلوب الحاضرين الذين تأثّروا بها حيث كانت غاية في الحماسة والوطنية وكانت عبارة عن تحية لأول علم وطني يُرفع في العراق وعلى ربوع كربلاء وهذه أبياتها:
بشراك يا كربلا قومي أنظري العلما *** على ربوعك خفّاقاً ومبتسما
و كفكفي دمعك الهطال وإبتهجي *** فإن بند (بني قحطان) قد حكما
هذا هو العَلَم المحبوب فاحتفلي *** علیه یا کربلا وإستنهضي الهمما
وشاهدي كيف أمسى القلب مبتهجًا *** من الحماس ويهفو أن يريق دما
شعب تفانى وراء الحق مبتغيًا *** نيل الكرامة جار الغرب أو ظلما
ظلم وجور أبت أرواحنا شممًا *** إن نستكين لمن لم يرْعها ذمما
وإستوثقي أن دين الحق شيده *** وأن بيت الصليب إندك وانهدما
لله درّ بني قومي الضياغم ما *** أشدهم بوطيس الحرب حين حما
ما من زعيم بهم إلا لهُ صفة *** ترى به المجد والأنجاد والكرما
تراه في الحرب ضحاكا ومبتسما ***والسيف ما زال يبكي من يديه دما
قد حاز بالذب عن أوطانه قدما *** لا أخّر الله في حرب له قدما
وتوالت الخطب والقصائد تحيي المناسبة، ولم يقدّم أحد من أدباء وشعراء كربلاء والنجف شيئًا في المناسبة ويُعلل ذلك فريق مزهر الفرعون في الحقائق الناصعة بما يلي: «أما أدباء النجف وكربلاء وشعراؤها فلم يقدم أحد منهم ليقول شيئًا لأن العمل عملهم ومن واجب غيرهم أن يمدح العمل لا أن يمدحوه هم أنفسهم»(1).
1) الحقائق الناصعة، ج1 ص380
الأستاذ خليل عزمي
وفي أول يوم باشر فيه المتصرف قرر تعيين السيد نور السيد عزيز الياسري قائمقامًا لقضاء النجف ويلحق به أبو صخير، كما عيّن علي العفصان الراضي أحد شيوخ آل فتلة في الهندية قائمقامًا لطويريج. كما عيّن المتصرف الموظفين وقام بتنظيم الإدارة بحزم وكذلك أمور المالية وجباية الضرائب التي كان يدفعها المكلفون عن طيب خاطر بإعتبار الحكومة وطنية وليست أجنبية كما أخذ على عاتقه إرسال الرجال المحاربين من المجاهدين إلى ساحات القتال، وتبرّع السيد محسن برواتبه إلى المجاهدين ولم يقبض من تلك المخصصات شيئًا(1).
نقل لنا بعض الكربلائيين من المعمرين الذين عاشوا تلك الأحداث بأن الإدارة في كربلاء كانت تقوم على العدل والمساوات ووفّرت الأمان والرفاهية لسكان المدينة أكثر مما كان يحدث في فترات الحكم الوطني الذي أعقب ثورة العشرين، وتشكل المجلس البلدي في كربلاء من كافة طبقات المجتمع من 18 عضوًا نصفهم من
1) من الطرائف التي تروى حول تنصيب السيد محسن أبو طبيخ رواها لنا المرحوم جدي السيد حسين السيد جواد آل نصر الله رحمه الله وكان من الحاضرين في يوم التنصيب، أن رجلًا إيرانيًّا من الساكنين في كربلاء لم يفهم ما جرى، فهو تارة شهد إحتفال بقدوم الضابط العربي (فهد البطيخ) إلى كربلاء، وتارة شهد تنصيب محسن أبو طبيخ فقال متهكمًا (مرّة ابن بتيخ) و (مرّة أبو تبيخ) ما حصّلنا لا بتيخ ولا تبيخ، يقصد أنه لم يحصل لا على البطيخ ولا على الطبيخ!!
الأشراف والأعيان والنصف الثاني من الطبقة الوسطى، وتم منع حمل السلاح إلّا لمن كان من الحرس الوطني، كما تقرر تجهيز الشهداء ودفنهم مجانًا.
شفاثة هي (عين التمر الحالية والتابعة إلى كربلاء وتبعد عنها مسافة 80 كم غربًا ومرتبطة بصلات وثيقة مع كربلاء وتابعة لها منذ مئات السنين)...
عند وصول خبر إعلان الثورة في كربلاء أراد أهلها الاقتداء بأهل كربلاء، وكان يحكم شفاثة (حسين محمد الرفيع) الملقب (وكيل الحكومة).
وقد أرسل إليه (الكولونيل لجمن) في 29 تموز 1920 رسالة يدعوه بها أن لا يثيروا أي مشكلة، لأن أهل شفاثة ضعفاء ولا قدرة لهم على مقاومة الحكومة الإنكليزية، وأنه سوف يصل إليهم بعد ثلاثة أيام.
أخذ وكيل الحكومة الرسالة وذهب إلى قرية (الحساويين) حيث كان رؤساء شفاثة مجتمعين في دار رئيسها (روكان الحاج فيصل)، وقرأ عليهم رسالة (لجمن)، فقال روكان الفيصل: «نعم لا نستطيع مقاومة الإنكليز، ولكن ماذا نعمل إذا إجتمعت العشائر في شفاثة على الثورة، فلا يمكن أن نَشُذّ عنها».
أرسل وكيل الحكومة إلى (لجمن) يطلب منه عدم المجيء، لأن كربلاء والهندية (طويريج) بدون حكومة، والناس في هياج... لم يتسلم لجمن الرسالة لأن معاونه نسي تسليمها له. ففي 31 تموز 1920 أُعلنت الثورة في شفاثة، وإستولى الثوار على السراي ووضعوا خطة لإغتيال لجمن إذا وصل البلدة. وفي اليوم التالي وصل لجمن إلى البلدة بسيارته ولا يدري بما حصل... وعند وصوله عند مقربة من السراي إنهال عليه الرصاص، وفرَّ مسرعاً بمساعدة خادمه (حسن).
وفي اليوم التالي من هذا الحادث جاءت طائرات إنكليزية وأمطرت شفاثة بوابل من القنابل... لكن الأهالي بقوا مسيطرين على البلدة إلى أن وصلتهم أخبار دخول
الإنكليز إلى طويريج، ومن بعدها كربلاء. واستسلام كربلاء وسقوط الحكومة التي أسست فيها، فإستسلمت شفاثة للإنكليز على إثر ذلك.
كان الإنكليز يراقبون الوضع الجديد في كربلاء من خلال المعلومات التي تردهم من عملائهم في المدينة، وأخذت سلطات الاحتلال تعد العدة لوأد ما قام به الثوار في كربلاء قبل أن تستفحل الحركة وتشمل بقية المدن الكبرى في الفرات الأوسط، وقرر المحتلون إسقاط الحكومة الوطنية في كربلاء بالقوة من خلال تطويق المدينة واحتلال القصبات المحيطة بها.
ففي يوم 12 تشرين الأول 1920م شنّت القوات الإنكليزية هجومًا شاملًا على طويريج تساندها الطائرات الحربية، وقام المجاهدون وعشائر الهندية (طويريج) بالدفاع عن المدينة بشكل بطولي، وأرسلت إليهم الحكومة الوطنية في كربلاء المدد من المجاهدين والسلاح بشكل متواصل إلّا أن الهجوم كان كاسحًا وأخذت نيران الطائرات مأخذها في قصف مواقع الثوار، وتمكنت القوات الإنكليزية من دخول طويريج واحتلالها أمام تراجع الثوّار نحو كربلاء. كما قام القائد الإنكليزي (هالدين) بالهجوم في منطقة سدة الهندية وتمكن من الاستيلاء على ناظم نهر الحسينية المتفرع من الفرات في سدّة الهندية، واتخذ إجراءً قاسيًا بإغلاق الناظم وقطع جريان مياه النهر إلى كربلاء، ليعاقب سكان المدينة ويحرمهم من الماء لإعتقاده أن كربلاء هي المسؤولة الأولى عن قيام الثورة، مما إضطر الأهالي إلى حفر الآبار، وأدى إنقطاع الماء إلى خسائر فادحة للبساتين والمزروعات.
يذكر المعمرون من أهل كربلاء وممن عايشوا تلك الفترة، بأن عددًا من الموالين إلى الإنكليز في كربلاء، والمتعاونين معهم منذ بداية دخولهم واحتلالهم العراق (وقد ذكرناهم سابقًا)، والذين لم يقفوا مع الحكومة الوطنية المؤقتة، بل إستبعدهم
الوطنيون، ومن الذين كتبوا المضبطة الثانية في الاستفتاء التي أشرنا إليها، والمطالبين بالوصاية البريطانية على العراق... هم الذين نشروا الإشاعات لإرهاب السكان، وعند سقوط طويريج ظهرت في كربلاء حركة قوية تريد الاستسلام للإنكليز، وكان على رأس هذه الحركة (فخري كمونة) فقد كان موقفه بعيدًا عن الوطنية خلال الأحداث التي سبقت قيام الثورة وعند نشوبها وكان ضد الحكومة المؤقتة...
في مثل هذه الظروف الحرجة التي كانت الحكومة الوطنية في كربلاء تعد العدة لوقف أي هجوم على كربلاء بعد سقوط طويريج، قام أعوان الإنكليز بتوجيه من فخري كمونة بالتسلل إلى القوات الإنكليزية في طويريج والسدة وقابلوا القائد الإنكليزي (ساندرز) ليعرضوا خضوع المدينة، فأوعز إليهم بالذهاب إلى بغداد ومقابلة السر برسي كوكس. وفي نفس الوقت أمر القائد الإنكليزي بتشديد الحصار على كربلاء والتقدم ببطئ لإفشال ما قام به الوطنيون في المدينة.
ذهب العملاء والمتخاذلين وفق إيعاز ساندرز لمقابلة السر برسي كوكس في بغداد، وبعد مقابلتهم إيّاه قدّم لهم خمسة شروط لاستسلام كربلاء هي:
1 - تسليم سبعة عشر شخصًا للحكومة البريطانية خلال أربع وعشرين ساعة كونهم مجرمين.
2 - تسليم أربعة آلاف بندقية ومائة خرطوشة مع كل بندقية، نصفها حديث والآخر صالح للاستعمال، وإذا تعذر ذلك دفع غرامة عشرون ليرة عثمانية على كل بندقية حديثة، وعشر ليرات على الصالحة للاستعمال، وربية واحدة عن كل خرطوشة.
3 - إعادة جميع الأموال العائدة للحكومة وتعويض عن الخسائر.
4 - الطاعة لأوامر الحكومة.
5 - عدم قبول من يلتجأ إلى كربلاء من الفارين من وجه العدالة (حسب قوله)، وإذا لم ينفّذ الشرط الأول والثاني في المدة المعينة، وعدم تقديم سبب معقول لذلك
ستكون السلطة العسكرية مفوضة بإتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذها(1).
أمّا المطلوبون السبعة عشر هم:
1 - السيد محسن أبو طبيخ.
2 - الشيخ سماوي الجلوب.
3 - الشيخ مرزوق العواد.
4 - الشيخ عمران الحاج سعدون.
5 - الشيخ رشيد المسرهد.
6 - السيد هبة الدين الشهرستاني (الحسيني).
7 - الشيخ محمد الخالصي.
8 - السيد أبو القاسم الكاشاني.
9 - السيد محمد الكشميري.
10 - السيد حسين القزويني
11 - الشيخ أحمد الخراساني
12 - السيد عبد الوهاب الوهاب
13 - السيد عبد الحسين الددة
14 - الشيخ عبد الجليل العواد
15 - الشيخ عبد الرحمن العواد
16- الشيخ طليفح الحسون
17 - الشيخ محمد حسن أبو المحاسن
إرتبك الوضع في كربلاء من خلال محاصرة القوات المحتلة للمدينة، بالإضافة إلى تحرّك العملاء داخلها، وقيام فخري كمونة وأعوانه بمحاولة السيطرة على البلدة
1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث: د. علي الوردي ج 2/5 ص 143 - 144 نقلًا عن جريدة العراق الصادرة 22 ت1 1920
وتم له ذلك مدعومًا من الإنكليز، وحدث الإضطراب والشلل في الحياة العامة في المدينة. وقد تلقى فخري كمونة الأوامر من الإنكليز بإلقاء القبض على قادة الثورة في كربلاء ومعهم البغداديين الذين لجئوا إلى كربلاء(1)حيث تمكنوا من الهرب إلى النجف. وسلّم قسم من المطلوبين نفسه إلى السلطات وتم إلقاء القبض بمساعدة فخري كمونة على قسم آخر. أمّا السيد محسن أبو طبيخ والشيخ مرزوك العواد فلم يتمكن أحد منهما. وأمّا الشيخ عبد الجليل العواد فتمكن من الوصول إلى أبي صخير وإلتحق بالثوار ومعه خمسين فارسًا من الكربلائيين ومن بينهم: حسين الحاج جواد العوّاد، وحسن الحاج محمد العواد، وعباس المجاهد آل شخير، والسيد حسون القطب آل طعمة، والسيد حسين السيد علي آل ضياء الدين ورؤوف المعمار، وسعيد الصراف، وعبد الحسين منيدح، وتوفيق زيارة، والسيد مصطفى الهاشمي، وعلي أبو عرابيد، وصالح العمران، وحسن البغدادي وغيرهم.
لم تدم الحكومة الوطنية المؤقتة في كربلاء طويلًا بعد سقوط طويريج ونشاط العملاء في الداخل ومحاصرة كربلاء، فقد غادر المدينة متصرفها وهرب الكثير نتيجة الملاحقات التي جرت بحقهم. وقام فخري كمونة ورجاله بتنفيذ شروط الاستسلام. وقسّم البنادق والغرامة على أهل البلدة والعشائر التابعة لها، فمن يمتنع منهم عن الدفع يوضع الحجز على داره أو أملاكه...
ويقال أن الحجز وضع على 12 دارًا و 17 بستانًا و14 دكانًا وعلوتين وثلاث مقاطعات زراعية وخان واحد. ولم يرفع الحجز عنها إلا بعد دفع أصحابها ما فرض عليهم، وكان مجموع ما دفع 94 ألف ليرة عثمانية.
كما قام (فخري كمونة) بتفتيش الكثير من البيوت بحثًا عن الأشخاص المطلوبين، وإستحوذ على الأوراق والوثائق التي وجدها في بيوتهم. وقد تمكن من
1) راجع (الوقائع الحقيقية) / علي البازركان ص204
إلقاء القبض على عشرة منهم وسلّمهم للحكومة البريطانية، أمّا الباقون فقد تمكنوا من النجاة بطرق شتى(1).
بقيت كربلاء محاصرة لمدة خمسة وأربعين يومًا، وبعدها بدأ الزوار يفدون إليها ويخرجون، وهدأت الحالة وإستقر الأمر لحكومة الاحتلال يساعدهم فخري كمونة وأعوانه(2).
وفيما يلي نص ما جاء بأوراق الغرامات على سكان كربلاء:
رصاص - بنادق
1160 - 67 - أهل الناصرية (يقصد بهم النصاروة)
2388 - 68 بني سعد
814 - 64 - الطهامزة
1240 - 67 - ألبو عوّاد
620 - 33 - الوزون
884 - 33 - السلالمة
1313 - 66 - ألبو شهيّب
498 - 33 - المناكَيش
224 - 13 - العكوش (والصحيح هم البلوش)
392 - 25 - عزيز زنکَي
1) لمحات اجتماعية: د. علي الوردي، ج 2/5 ص 145
2) لقاء مع الحاج أحمد عبد الجليل العوّاد عام 1998م في ديوان سدانة الروضة الحسينية المقدسة، وسألته عن هذه الحوادث بإعتبار أن المرحوم والده وعمه كانا مطلوبين في ذلك الوقت، فأكد لي بأن والده أخبره بما قام به فخري كمونة وأعوانه، وقد إستغل فخري هذا الظرف على أساس الخصومات التي كانت بينه وبين آل العواد فإستسأد عليهم بقوة الإنكليز
214 - 12 - محمد نور
258 - ٣٣ - عبد علي الحميري
تسليم البنادق من العشائر
496 - ٢٢ - ألبو جرار
84 - 9 - التراجمة
75 - 16 - الکیظة
91 - بنو تمیم
15 - إلیاس
17 - الزوینات
1305 - 60 - ألبو حویمد
410 - 24 - ألبو جمال
296 - 38 - العکبة
225 - 28 - أهل الحجلة
420 - 29 - الجنابیین
رصاص - بنادق جدیدة - عتیق
18989 - 84 - 171 - ملاکو المزارع والمسقفات
29522 - 80 - 216 - التقسیم الثاني
47465 - 204 - 341 - التجار 1
45252 - 132 - 318 - التجار 2
12309 - 106 - 469 - شیوخ المدینة
10891 - 6 - 430 - عشائر البساتین
131400 - 1314 - أملاك الشیوخ
59000 - 14 - 45 أملاك الملاّكين
1217 - 1 - 20 - نقود عن الملاكين 378 ليرة 19 روبية
1500 - 50 - نقود عن الانصاف 500 ليرة 800 روبية
2917 - 60 - 31 - فخري كمونة
307 - 362 - 2001 - 2081
(الأملاك التي حُجزت بدلًا عن عدم التسليم)
عدد
12 - دار
37 - بستان
14 - دکان
2 - علوتان
3 - مقاطعات
1 - خان
المجموع 94 ألف ليرة ذهب عثمانية
وثيقة عبارة عن الأوراق التي كتبت عليها تفاصيل الغرامات المفروضة من قبل الإنكليز على سكان كربلاء، وأسماء المسفرين من الكربلائيين إلى (جزيرة هنجام) الذين عادوا من الأسر.
كانت الفترة الانتقالية في العراق هي الممتدّة بين احتلال العراق من قِبل الإنكليز عندما دخلوا بغداد في 11 آذار سنة 1917م لحين تتويج الملك فيصل الأول على عرش العراق سنة 1921م وبعد التتويج تبدأ فترة ثانية أطلق عليها فترة الحكم الوطني.
وإثناء الفترة الانتقالية عمل الإنكليز على تثبيت دعائم سيطرتهم الكاملة على العراق، كانت هذه المدّة مليئة بالأحداث، فسرعان ما تبيّن للعراقيين كذب ادعاءات المحتلين، وبدأ الشعب يعلن رفضه للاحتلال وكانت مدينة كربلاء سبّاقة في مقاومتها ورفضها وقد نالت نصيبًا كبيرًا من سوء معاملة المحتل لها، وقد ساعد المحتل عصبة من المتعاونين معه الذين كانوا يغلبون مصالحهم الشخصية على مصالح البلد، وفي نفس الوقت ظهرت قوى وطنية من رؤساء المدينة وأعيانها وساداتها والكثير من علماء الدين فيها وقد ساندهم الأهالي بالوقوف ضد مصالح المحتل الإنكليزي.
ومنذ عام 1917 م إلى تأسيس الحكم الوطني عام 1921م شهدت المدينة حراکًا وطنيّاً نيّرًا، كان من أهمها ما بحثناه سابقًا وخاصة عن كربلاء في ثورة العشرين، وحوادث جمّة تسارعت في ظل الفلتان الأمني والإداري، لابد للمتتبع الإطلاع بشكل دقيق على أحوال المدينة في هذه الفترة.
عيّنت الحكومة البريطانية (السير برسي كوكس) حاكم سياسي عام في العراق، وكان كوكس قد دخل العراق كمستشار سياسي في بداية الاحتلال، وكلف بمهمة أخرى خارج العراق... ووصل بعد تعيينه بمنصبه الجديد إلى بغداد يوم 11 تشرين أول 1920م، ولقب ب(المندوب السامي) إشارة إلى أنه لم يعد هناك حاكمًا سياسيًا للعراق، بل مندوبًا عن بريطانيا لإنشاء حكومة وطنية فيه!!
إرتأى كوكس في بداية الأمر أن يشكل وزارة مؤقتة، وقد أجّل موضوع إختيار الأمير أو الملك للبلاد لاحقًا. وتم إختيار نقيب أشراف بغداد السيد عبد الرحمن الكَيلاني لرئاسة الوزارة التي تم تشكيلها في 25 تشرين أول 1920م.
ذكرنا سابقًا أنه تم عزل السيد عبد الحسين الكليدار عن سدانة الحسين وتعيين الشيخ حميد بن محمد علي آل كمونة الأسدي، ولم يستمر الشيخ حميد في السدانة سوى عدة أشهر حيث تم عزله بسبب نفي والده وعمّه الشيخ فخري إلى الهند لثبوت تعاونهما مع أعداء الإنكليز حسب قول سلطة الاحتلال وقتئذٍ.
بقيت سدانة الحسين شاغرة حتى مجيئ السر برسي كوكس إلى بغداد وتعيينه بمنصب (المندوب السامي) في تشرين الأول سنة 1920م. وسارعت الوفود المتملقة من مختلف مدن العراق لتهنئة المندوب السامي على منصبه الجديد(1)وقدومه الميمون!!!، ومن هذه الوفود كان وفدًا يمثل أهالي كربلاء وقد إمتنع الوطنيون
1) ذلك يمثل التيار الذي كان يطالب بمضابط على وضع العراق تحت الوصاية البريطانية، متجردين من الانتماء الوطني باحثين عن المصالح والمنافع الشخصية. والوفد الذي ذهب من كربلاء لمقابلة السر برسي كوكس (المندوب السامي) لم يكن يمثل أهالي كربلاء، وإنمّا ذهب المشاركون فيه ليمثلون أنفسهم على الرغم من معارضة الكثير من الوطنيين المشاركة في الوفد، وطلبوا من أعضاء الوفد، أن لا يتحدثون باسم جميع أهالي كربلاء، لمعارضة غالبيتهم الاحتلال البريطاني والوصاية
الذهاب معهم لأن مقابلة المندوب السامي وتهنئته تُعد إعترافًا وقبولًا صريحًا بالاحتلال الإنكليزي.
كان من بين أعضاء الوفد الكربلائي السيد محمد حسن آل طعمة، والسيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة وآخرين من بينهم رجال دين من غير العرب، كانت مواقفهم هزيلة وخانعة إثناء ثورة العشرين.
تقدّم المرحوم السيد محمد حسن(1)محييًا ومهنئًا السر محييا ومهنئًا السر برسي كوكس وطلب منه مطلبين أولهما: ضرورة الإهتمام بمدينة كربلاء وسائر العتبات المقدسة. وثانيهما: إعادة السدانة إلى السادن المعزول السيد عبد الحسين الكليدار والذي كان حاضرًا مع الوفد حيث كان قد عُزل من قِبل الأتراك ثم عينت السلطة البريطانية الشيخ حميد كمونة سادنًا للحسين وعمّه فخري كمونة حاكمًا لكربلاء سنة 1917م.
فكان رد السر برسي كوكس على المطلب الأول ردّاً جميلاً، وبالنسبة للمطلب الثاني فكان ردّ كوكس بأن يتم إعادة تعيين السيد عبد الحسين الكليدار سادنًا للحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بعد أكثر من ثلاث سنوات من عزله.
ولتأكيد ذلك ننقل ما جاء في الكراسة البهية في أحوال وأنساب السادة آل طعمة العلوية بقلم المرحوم السيد محمد هادي محمد سعيد محمد حسن آل طعمة، وقد جاء ما نصّه: «... حينما حضرت وفود الألوية العراقية إلى بغداد لمقابلة السير برسي كوكس المندوب السامي البريطاني، كان وفد كربلاء من بين تلك الوفود... فتقدم المرحوم جدنا السيد محمد حسن محييًا السير برسي كوكس عارضًا عليه مطاليب أهالي كربلاء وضرورة الإهتمام بهذه المدينة المقدسة بل وسائر العتبات المقدسة والحفاظ على تربتها الطاهرة، فردَّ عليه السير كوكس ردّاً جميلاً بتلبية طلبات الكربلائيين، وبالمناسبة فقد كانت سدانة الروضة الحسينية قد أنتزعت من السيد عبد الحسين
1) هو المرحوم السيد محمد حسن بن محمد كاظم بن حسين بن درويش بن أحمد بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة الثالث (الجد الأعلى لأسرة آل طعمة)
السيد علي الكليدار آل طعمة بالقوة من قِبَل الشيخ فخري كمونة (في فترة تقهقر الأتراك العثمانيين حيث أصبح الشيخ فخري كمونة حاكم كربلاء)(1)فما كان من السير برسي كوكس إلّا أن إلتفت إلى جدنّا السيد محمد حسن قائلًا له: «أعدنا إلى عائلتكم السدانة الحسينية وأنت السادن منذ الآن» إلّا أن المرحوم جدّنا ردّ على السير كوكس قائلًا «السدانة خاصة بهذا السيد مشيرًا إلى السادن الفعلي المرحوم السيد عبد الحسين الكليدار» فإنحنى السير كوكس رافعاً قبعته ثلاث مرات لجدّي مكبرا فيه هذه الروح قائلًا: «أنت اعظم سيد رأيته في العراق لقد آثرت ابن عمّك على نفسك لهذا المنصب الشريف...»(2)!!!
ولتأكيد ما أوضحناه نقلنا الموضوع من مصدر لا يقبل الشك والتأويل، وذلك يدل دلالة واضحة بأن السيد عبد الحسين الكليدار عُزل من السدانة لمدة ثلاث سنوات، ودليل إعادته من قبل سلطة الاحتلال البريطاني هو أن (السير برسي كوكس) كان كبير الضباط السياسيين عند احتلال البصرة وبغداد، وتم سحبه إلى لندن، ومن ثَمَّ تم تعيينه بمنصب (المندوب السامي) في تشرين الأول سنة 1920م(3)بديلًا عن السير ولسن.
إستمر المرحوم السيد عبد الحسين الكليدار سادنًا للحسين لغاية سنة 1928م عندما تنازل لولده الأرشد السيد عبد الصالح بحجة رغبته في التفرغ للمطالعة
1) الحقيقة أن السيد عبد الحسين الكليدار عُزل من السدانة قبل الاحتلال الإنكليزي لبغداد وتحديدًا في أيام متصرف كربلاء حمزة بك ووالي بغداد أنور باشا، ويراجع بذلك كتاب مدينة الحسين الطبعة الجديدة وفي الجزء الخامس ص238 منه، ومؤلف الكتاب ابن عم السيد عبد الحسين الكليدار. وقد ذكرنا تفصيل ذلك سابقًا
2) الكراسة البهيّة فى أحوال وأنساب السادة آل طعمة العلوية: السيد محمد هادي محمد سعید محمد حسن آل طعمة. مهداة إلينا من قبل المرحوم مؤلفها سنة 1994م
3) تاريخ العراق السياسي الحديث: السيد عبد الرزاق الحسني. ج1 ص133 وص156
والتأليف والإنعزال حسب قول أسرته. وقد توفي رحمه الله في يوم 12 شّوال سنة 1380ه / 1960م ودفن في مقبرة خاصة في الصحن الحسيني عند باب الرجاء.
فخري كمونة قائمقام لكربلاء
بعد استسلام كربلاء عند فشل الثورة ضد الاحتلال الإنكليزي، قامت سلطات الاحتلال البريطاني بتعيين الشيخ فخري كمونة قائمقامًا لمركز لواء كربلاء، وكان الشيخ فخري متعاونًا حينها مع الإنكليز، ولم يكن له أيّ موقف مشرف إثناء ثورة العشرين، بل كان عينًا على الثوار، وهو الذي أخذ بتنفيذ العقوبات التي فرضها الإنكليز على ثوّار كربلاء، (كما ذُكر سابقًا)، واستلم منصبه في منتصف تشرين الثاني سنة 1920م (صفر 1339ه)، وبقي قائمقامًا لمدة قصيرة لم تتجاوز الشهرين، فقد تم إعفاءه من مهامه بتاريخ 25 كانون الثاني 1921م، واستبداله ب(حمید خان) قائمقامًا لكربلاء ومتصرفًا بالوكالة.
توفي نقيب كربلاء السيد محسن آل دراج سنة 1339ه/ (1920م)، فتولّى النقابة بعده ولده السيد حسن بن محسن بن حسن بن عباس بن محسن بن محمد كنعان آل النقيب (دراج). فقد أصدر نقيب أشراف بغداد ورئيس وزراء الحكومة العراقية المؤقتة السيد عبد الرحمن النقيب مرسومًا في نفس السنة بتولية السيد حسن نقابة أشراف كربلاء بعد والده. وإستمرت النقابة بيده مدة طويلة لحين وفاته رحمه الله سنة 1372ه/ (1952م).
كان السر برسي كوكس يرغب بأن تُسْنَد إحدى الحقائب الوزارية إلى رجل من الشيعة، ولكن كانت أمامه عقبتان...
الأولى: هي أن السيد عبد الرحمن النقيب وبعض الوزراء المتنفذين لم يوافقوا على ذلك.
والثانية: أن الشيعة أنفسهم كانوا يحتقرون أي رجل منهم يقبل بوزارة في ظل الاحتلال... وإذا قبل أحدهم نبذوه اجتماعيًا، وإذا كان هذا الرجل من رجال الدين أطلقوا عليه لقب (عالم الحفيز) أي (عالم الأوفيس) أو الدائرة، بمعنى أنه تابع للسلطة وبالتالي فهو صديق للإنكليز وعميلًا لهم...
بعد مرور شهرين من تشكيل الوزارة أقنع كوكس (النقيب) بالموضوع وبشيء من الصعوبة... ولمدة شهرين حاولوا أن يعثروا على رجل من الشيعة له مكانة ويقبل هو بالإشتراك في الوزارة. وأخيرًا وجدوا ضالتهم وتم العثور على رجل من أهل كربلاء يرضى بذلك هو السيد محمد مهدي بحر العلوم الملقّب بمرزه كجك(1). فأرسل إليه النقيب رسالة بتاريخ 24 كانون الثاني 1921م يسند إليه وزارة المعارف والصحة. فأجابه بحر العلوم برسالة طنانة في 4 شباط 1921م الموافق 25 جمادي الأولى 1339ه، يعلمه موافقته وهو يترقب الأمر السامي سعيًا على العين لا سعيًا على القدم.
وفيما يلي نص رسالة التكليف من رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب، ونص الرسالة التي بعثها السيد محمد مهدي بحر العلوم إلى السيد عبد الرحمن النقيب وهي مليئة بالعبارات التقليدية والتزلف والتعظيم للنقيب ويعلن موافقته على التكليف بتلهف!:
نص كتاب إسناد منصب وزارة المعارف إلى السيد محمد مهدي بحر العلوم(2):
ديوان مجلس الوزراء
بغداد في 14 جمادي الأولى 1339
إلى حضرة الحسيب النسيب صاحب السعادة السيد محمد مهدي آل بحر العلوم وفقه الله...
بعد التحية والسلام: لقد إعتمدنا على ما إتصفتم به من الدراية وقدرة السعي وراء المقاصد النافعة للوطن. ورأينا توجيه وزارة المعارف إلى عهدة معاليكم إعتبارًا من تاريخ هذا الكتاب، فالأمل أن تباشروا بأمورها على الوجه المنتظر من معاليكم بالهمة والإقدام لصالح البلاد وحكومتها وفقكم الله تعالى.
نقيب أشراف بغداد
عبد الرحمن
وقد أجاب السيد (بحر العلوم) على كتاب التكليف هذا بالجواب الآتي:
حضور جناب الأكمل الأفضل حضرة رئيس الوزراء نقيب الأشراف، والعظيم من صفوة آل عبد مناف، دام ظلّه وعلاه...
بعد السلام عليكم وعلى من يحظى شرفًا بخدمتكم ورحمة الله وبركاته
لقد تشرفت أناملي اليوم بإستلام أمركم الصادر عليَّ المؤرخ 14 جمادي الأولى 1339 مبتهجًا به حيث أنابني عن توجيه ألطافكم على مخلصكم. واني لأفتخر بخدمة الوطن والملة التي أصبحت زعيمها ولو لم يكن بها من الشرف إلّا إمتثال أوامركم لكفاني فخرًا. وها إنّي مترقب إجراء أمركم السامي سعيًا على العين لا سعيًا على القدم.
25 جمادي الأولى 1339
بحر العلوم زادة محمد مهدي
استلم السيد محمد مهدي بحر العلوم منصبه في 22 شباط 1921، ويقول (ولسون) الحاكم السياسي الملكي البريطاني العام في العراق في مذكراته عند احتلال الإنكليز للعراق، بأن السيد بحر العلوم كان في خدمة الإنكليز في بداية الاحتلال عندما عيّنه الإنكليز معاونًا للحاكم السياسي في كربلاء في 1 شباط 1918م(1)!!! وهذا سر إعتماده من قِبَل السر برسي كوكس (كما يقول السيد عبد الرزاق الحسني)(2).
ولغرض بحث موجز لهذا الموضوع يمكن أن نعود إلى نقطة مهمة حول المرجعية الشيعية ورأيها حول التحاق الشيعة في مؤسسات دولة الاحتلال...
إثناء الاحتلال البريطاني للعراق كان المرجع الديني الأعلى للشيعة هو آية الله السيد محمد كاظم اليزدي في النجف. وعندما توفي سنة 1919م حلَّ مكانه المرجع الديني آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي الذي كان مقيما في كربلاء وقاد ثورة العشرين ضد الإنكليز.
وعند وفاة الشيرازي في 17 آب 1920م كانت الثورة في عنفوانها... إنتقلت المرجعية العليا إلى آية الله الشيخ فتح الله الأصفهاني الملقب (شيخ الشريعة) المقيم وقتها في النجف، وقد أشرف على الثورة بعد الشيرازي إلى آخر أيامها.
في 18 كانون أول 1920م توفي شيخ الشريعة، أي في العام نفسه الذي توفى فيه الامام الشيرازي... كان هناك ثلاثة مجتهدين مرشحين للمرجعية، إثنان منهم يسكنان في النجف وهما: السيد أبو الحسن الأصفهاني، والميرزا حسين النائيني. والثالث يسكن (الكاظمية) هو آية الله الشيخ (مهدي الخالصي) وكان أكبر الثلاثة
سنّاً ويعترف زميلاه بمكانته ويحترمانه، وكان يمتاز عليهما كونه عربيًا من أسرة عراقية عربية عريقة، ومن قبيلة (بني أسد). (وقد استدعاه الشيرازي من الكاظمية إلى كربلاء ليكون قريبا منه ويساعده في الإعداد للثورة وإثناء قيامها واستمرارها إلى أن إنتهت وعاد رحمه الله إلى الكاظمية). والشيخ الخالصي كان يمتاز بإهتمامه الشديد في السياسة، ويعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الدين، فكان يعتبر الدين له ظاهر وباطن، وظاهره العبادات والشعائر، وباطنه ينحصر بالسعي لتخليص البلاد الإسلامية من الكفار. وكان يفضّل حكم الأتراك على حكم الإنكليز، بإعتبارهم مسلمين وهؤلاء الإنكليز كفّار. وفي نظره كذلك أن الحاكم المسلم ولو كان ظالمًا خير من الكافر العادل، وكان هذا الرأي مخالفًا لرأي قديم جاء عن (ابن طاووس) الذي أفتى بأن الكافر العادل خير من المسلم الظالم(1). وعندما فتحت أبواب الوظائف للعراقيين في الشهر الأول من عام 1921م أفتى الخالصي بحرمة الدخول فيها حيث إعتبرها تعاونًا الكفّار. وعند مجيء فيصل للعراق كان جاهدًا للتقرب من الخالصي، ولكن ابنه الشيخ محمد كان يبذل جهده ضد هذا التقارب... ويقول الشيخ محمد الخالصي بأن والده الشيخ مهدي قال لفيصل: «إني أبايعك على أن تطيع أمري بإنقاذ العراقيين من الإنكليز وتحصيل الاستقلال التام الناجز».
تم الرأي على أن تقدّم ألوية (محافظات) العراق مضابط حول قبولها ترشيح الأمير فيصل ملكًا على عرش العراق. وفي 19 آب 1921 أرسلت جميع ألوية العراق مضابطها إلى بغداد، كان قسمًا من هذه المضابط تؤيد الترشيح ولكن بشروط، ومن هذه الشروط هو استقلال العراق من الإنكليز، ومنها ما يؤكد استمرار مع ومن الانتداب البريطاني.
وما يخص (لواء كربلاء) فقد صدرت منه 28 مضبطة، كلها تبايع فيصل بن الشريف حسين وكانت خالية من أي شروط.
1) لمحات اجتماعية: د. علي الوردي ج 1/6 ص44 وص45
إثناء الوزارة الانتقالية (الأولى) التي شكّلها المندوب السامي البريطاني في العراق برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب الكَيلاني، فقد عرض السيد طالب النقيب وزير الداخلية مذكرة إلى مجلس الوزراء بتاريخ 29 تشرين الثاني 1920م حول:
1 - إعادة المنفيين والأسرى العراقيين.
2 - ضرورة إعلان العفو العام عن المتهمين بالجرائم السياسية.
3- إرسال معتمد من الوزراء إلى كربلاء والنجف لأجل تشكيل هيأة حكومية.
4 - أن تكون لهيأة الوزارة الحاضرة سلطة معتدلة تبرهن للأمة أن كل الأعمال ناشئة من إرادتها.
فبالنسبة إلى المطلبين الأول والثاني فقد أحالهما مجلس الوزراء إلى المندوب السامي البريطاني. وبالنسبة إلى الفقرة الثالثة فقد نسّب مجلس الوزراء إرسال جعفر باشا العسكري ومحمد الحبيب (أمير ربيعة) وعجيل باشا السمرمد (شيخ زبيد) إلى كربلاء والنجف لاستطلاع الأحوال هناك(1). وخاصة بعد ثورة العشرين حيث كانت الأحوال في المدينتين مضطربة بسبب الأحداث التي مرّت. وقد رفعت اللجنة الموفدة تقريرها إلى مجلس الوزراء، ولكن الشأن كان بيد الإنكليز، حيث رسموا الخطط التي تخص إدارات المدن والسيطرة عليها من قِبل الحكام السياسيين الإنكليز المعتمدين في المدن واتباعهم من المتعاونين معهم!!
أما بالنسبة إلى مطلب وزير الداخلية الرابع فقد قرر مجلس الوزراء أن يُطلب من المندوب السامي تبليغ التعليمات المقررة إلى المستشارين للعمل بموجبها.
1) تاريخ الوزارات العراقية: الحسني، ج1 ص27 وص28
أعلنت السلطات الإنكليزية في العراق العفو العام في 22 رمضان 1339ه الموافق 30 أيار 1921م. وفي يوم 24 شوال 1339ه / 1 تموز سنة 1921م وصل إلى كربلاء من هنجام كل من:
الشيخ عبد الكريم عواد، الشيخ عمر الحاج علوان، الشيخ عبد المهدي القنبر، الشيخ أحمد القنبر، الشيخ كاظم أبو إذان، السيد أحمد البير، الشيخ هادي كمونة، الحاج إبراهيم أبو والدة
ووصل محمد شاه یوم 28 شوال من السنة نفسها.
والسيد محمد علي الطباطبائي في 2 ذي القعدة من السنة نفسها.
أمّا الميرزا محمد رضا نجل الشيرازي فقد سُفّر إلى إيران بعد أن بقي في هنجام عشرين يومًا ونيّف(1).
أمّا المسجونون في سجن الحلة وقد كان منهم الكثير من الكربلائيين... فقد أطلق سراحهم يوم 31 أيار سنة 1921م / 23 رمضان سنة 1339ه وهم:
السيد محمد علي هبة الدين (الحسيني)، السيد عبد الوهاب الوهاب، السيد هادي الزوين، السيد حسين الددة، السيد حسين القزويني، السيد محمد الكشميري، السيد محمد السيد موسى العوادي، عمران الحاج سعدون، سماوي الجلوب، شخير اللهيمص، عبادي الحسين، إبراهيم السماوي، سلمان البراك، دليمي البراك، طليفح الحسون، عبد الرحمن العواد، عبد الجليل العواد، سلمان الكعيد، فرحان الدبي، دوهان الحسن، عبد الرسول تويج، نجم العبود، أمين كرماشة، متعب الشاني، علوان الشلال، خضير العاصي، حمود الصليلي، منوخ – من خفاجة، خادم الغازي، عبود العنيد، سلمان الفاضل
1) وثائق الثورة العراقية الكبرى (ومقدماتها ونتائجها) كامل سلمان الجبوري، ج5 ص 94 - 100
ورقة فيها أسماء المساجين في الحلة وهي من وثائق الثورة العراقية الكبرى
حمید خان(1)متصرفاً لكربلاء
إثناء الفترة الانتقالية وبتاريخ 15 كانون الثاني سنة 1921م تم تعيين (حمید خان آل نظام الدولة) قائمقامًا لمركز كربلاء من قبل سلطات الاحتلال الإنكليزي ويقوم بمهام متصرف لواء كربلاء بالوكالة.
1) حمید خان بن أسد خان الذي يرجع نسبه إلى الحاج محمد حسين خان الصدر الأعظم الأصفهاني، والمعرف بآل صدري أو نظام الدولة. ومحمد حسين خان كان الصدر الأعظم في إيران أيام حكم شاه إيران فتح علي القاجاري. ويقال بأن شاه إيران عندما أرسل الأموال لبناء سور لكربلاء بعد غزوة الوهابيين، كان محمد حسين خان هو الذي جلب الأموال والعمّال لبناء السور الذي تم البدء ببنائه سنة 1217ه / (1802م). هاجرت أسرة حميد خان إلى كربلاء في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وأول من سكن كربلاء منهم الحاج أسد خان (والد حميد) الذي اتخذها سكنًا له ولعائلته، وإبتاع أملاكًا عديدة داخل المدينة والعديد من البساتين في ضواحيها، وصاهر الحاج حبيب الحافظ الخفاجي، الذي كان يعد من ملاكي كربلاء وسراتها، وهو جد السياسي العراقي (عبد المهدي صالح حبيب الحافظ عضو مجلس المبعوثان ممثلاً عن كربلاء في إسطنبول). وأعقب أسد خان كل من حميد خان ومجيد خان و عزيز خان وأحمد خان ومصطفى خان. وكان مصطفى خان وهو شقيق حمید خان من أثرياء المدينة المتوفى سنة 1971م، وكان مصطفى خان قد صاهر المرحوم السيد جواد بن مهدي آل الصافي وأعقب كمال وطالب وأمير وفاضل. وما زالت أملاكهم في كربلاء وضواحيها باسمهم. كان حميد خان يجيد عدة لغات، منها الإنكليزية والتركية والفارسية والهندية بالإضافة إلى العربية. درس في الهند وتخرج منها، وكانت عمته في الهند زوجة (أغا خان الكبير) زعيم الطائفة الإسماعيلية. أعقب بنتًا واحدة تزوجها السيد ضياء جعفر وزير المالية في العهد الملكي، وهو والد الدكتور جعفر ضياء جعفر رئيس هيئة الطاقة الذرية في العراق ومن ثُمَّ رئيس هيئة الكهرباء بدرجة وزير
حمید خان متصرف كربلاء
عندما دخل الإنكليز النجف تم تعيينه من قِبلهم معاونًا للحاكم السياسي فيها. ثم عينّه الإنكليز قائمقامًا لقضاء النجف، وعندما ثارت النجف ضد الاحتلال سنة 1918م كان لا يزال قائمقامًا عليها. وإستمر في منصبه لحين إندلاع ثورة العشرين فقد حاصره الثوار وتمكن من الفرار إلى كربلاء متخفيًا فيها، وإثناء ثورة العشرين ألقي القبض عليه وأودع في سجن طويريج تحت رقابة الشيخ عمران
الحاج سعدون رئيس عشائر بني حسن. وعندما إستسلمت كربلاء بعد فشل الثورة واستيلاء الإنكليز عليها في 7 صفر 1339ه / تشرين الثاني 1920م، وكذلك على النجف أعاده الإنكليز قائمقامًا على النجف.
عيّن الإنكليز (فخري كمونة) بصفة قائمقام كربلاء، وبقي في منصبه مدة شهرين تقريبًا وتم إعفاؤه في 1921/1/25م وإستبدل محله حميد خان بن أسد خان ليقوم بمنصب القائمقام ومتصرفًا للواء كربلاء بالوكالة، إلى أن صدر أمر تعيينه (متصرفًا) لكربلاء في 1921/3/3م، وبقي في منصبه لغاية 1922/2/15.
أصبح فيما بعد نائبًا عن كربلاء في البرلمان العراقي، وتوفي في بغداد في كانون الأول سنة 1943م ونقل جثمانه إلى كربلاء ودفن في الصحن الحسيني الشريف قرب (منارة العبد).
وزير الداخلية (طالب النقيب)(1)في كربلاء
في 11 تشرين الثاني 1920م أصدر المندوب السامي البريطاني في العراق السير كوكس بيانًا بتأليف هيأة وزارية من رئيس وزراء ووزراء للداخلية والمالية
1) السيد طالب باشا النقيب البصري هو طالب باشا ابن السيد رجب بن السيد محمد سعيد بن طالب بن درويش الرفاعي، وأسرته تتولى نقابة أشراف البصرة انذاك، ولد في البصرة سنة 1287ه / (1871م) وكان نبها وجريئا بشكل فائق وكان ولعا بالمجازفة والمغامرة، عام 1901 عين متصرفا للواء الاحساء في نجد، استقال من المتصرفية بعد سنتين ثم عاد إلى الاستانة فعين عضوا بالقسم المدني من ديوان شورى الدولة وإستقر في منصبه حتى إعلان العمل في الدستور عام 1908 حيث انتخب عضوا في مجلس المبعوثان العثماني، ترأس الحزب الحر المعتدل الذي تأسس سنة 1909م، أسس فرعا لحزب الحرية والائتلاف المعارض لحزب الاتحاد والترقي في 6 اب 1911، وبعد فوزه بست مقاعد في مجلس المبعوثان عام 1914، طالب بحقوق العرب في الحكم والمساهمة في الوظائف العامة ونظام لامركزي في إدارة شؤونهم ومتابعة قضاياهم. وعند دخول القوات البريطانية إلى البصرة عام 1914 إبان الحرب العالمية الأولى، اعتقل النقيب ونفي إلى جزيرة بومباي نظرا لمعارضته للاحتلال الإنكليزي، إذ قضى في منفاه خمس سنوات، عاد بعدها إلى البصرة فتزامنت مع عودته اندلاع ثورة العشرين في العراق، فكان غير محبذ لقيامها، إذ كان من دعاة تحقيق الغايات السياسية بالطرق السلمية لاسيما إذا كان الصراع غير متكافئ بين الطرفيين. أصبح أول وزير للداخلية في تأريخ العراق في أول حكومة عراقية انتقالية برئاسة عبد الرحمن النقيب من 1920/10/27 ولغاية 1921/8/2. كان مرشحا قويا لتولي عرش العراق إلاّ أن بريطانيا أدركت حيال ذلك بأن السيد طالب النقيب ليس رجلها الموعود انه رجل قوي الشخصية ويشكل خطر عليها ما أدى ببريطانيا إلى إنهاء دوره السياسي وارسل منفيًا خارج العراق لابعاده عن منافسة الملك فيصل ولم يرجع للعراق أَلاَ في 1925/5/1 بعد أن قضى 4 سنوات في المنفى وبعد أن قوى ساعد فيصل. سافر إلى ألمانيا للعلاج فاجريت له عملية جراحية وتوفي أثرها في 1929/6/16م ونقل جثمانه إلى مدينة البصرة حيث دفن في مقبرة الحسن البصري في مدينة الزبير
والعدلية والأوقاف والصحة والدفاع والتجارة والأشغال العمومية، ووزراء آخرين لا تكون لهم وزارات خاصة، وسُمّيت بالوزارة الانتقالية. وفي تشرين الثاني سنة 1920 عقدت الوزارة أول اجتماع لها.
في أيام الوزارة الانتقالية التي كانت برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب الكَيلاني والتي أسسها الإنكليز قبل تتويج الملك فيصل الأول على عرش العراق، ففي سنة 1339ه / بداية عام 1921م زار وزير الداخلية السيد طالب النقيب كربلاء للتعرف على أحوالها، من جهة ومعرفة رأي الأهالي بمرشحهم لعرش العراق، لأن السيد طالب النقيب كان يطمح بإعتلائه.
خلال جولته في كربلاء زار وزير الداخلية السيد طالب النقيب أحد محلات (الكتاتيب) في زاوية من الجامع(1)الذي يقع خارج الصحن الحسيني عند الزاوية الشمالية الغربية من الصحن الصغير (مقابر البويهيين)، الذي يديره وقتذاك المرحوم الشيخ مهدي محمد تقي الخراساني المعروف ب(الرئيس) الذي كان يقوم بتدريس الأطفال.
1) الجامع هو الذي كان مقرًا للسيد العلامة إبراهيم القزويني صاحب الضوابط، وفيه مقبرته، وأصل الجامع والمقبرة هو المكان الذي كان يدرّس فيه صاحب الضوابط، وهو جزء من مدرسة السردار حسن خان، وموقع الجامع يكون ملاصقًا من الخارج لباب الكرامة الواقعة في الزاوية الشمالية للصحن الحسيني الشريف
شاهد الوزير الحالة التي فيها الأطفال والتي تفتقر إلى أبسط الوسائل التي يحتاجونها لتلقي العلم، فتبرع بمبلغ (1000 روبيّة) لتأسيس مدرسة حديثة، وسلّمها للشيخ مهدي الرئيس الذي قام باستأجار بناية دار تقع قرب الصحن الصغير وتحديدًا في بداية (عكَد الداماد)، وأسس المدرسة الابتدائية الرسمية الأولى في كربلاء والتي فتحت أبوابها سنة 1921م وسُميّت ب(المدرسة الأحمدية).
بعد ثورة العشرين (الثورة العراقية الكبرى) بمدة قصيرة تم تعيين السير برسي كوكس مندوبًا ساميًا ونائبًا عن ملك بريطانيا في العراق. وصل بغداد في أوائل تشرين الأول سنة 1920م وهو يحمل مشروعاً بريطانيًا جاء به ليضعه في مجال التطبيق. فقرر أن يؤلف حكومة مؤقتة من بعض العراقيين الموالين للإنكليز، على أن تكون تحت إدارته المباشرة، ويكون لها مستشارون بريطانيون يسيرونها على النحو الذي يحدد الأهداف البريطانية في العراق.
وقد رشح لرئاسة الحكومة نقيب بغداد السيد عبد الرحمن النقيب على فرض أن يكون للحكومة وجه عراقي لا بريطاني، وقد إنتخب كوكس للحقائب الوزارية كلاً من: طالب النقيب وزيرًا للداخلية، وساسون حسقيل وزيرًا للمالية، وجعفر العسكري وزيرًا للدفاع الوطني، وحسن راجي الباجه جي وزيرًا للعدلية، وعزت الكركوكلي وزيرًا للمعارف والصحة، وعبد اللطيف المنديل وزيرًا للتجارة، ومحمد علي فاضل وزيرًا للنافعة، ومصطفى الآلوسي وزيرًا للأوقاف. وكان تاريخ تأليف هذه الوزارة في 25 تشرين الأول سنة 1920م.
وبعد تشكيل الوزارة إعتذر حسن راجي الباجه جي عن القيام بأي مسؤولية في هذا العهد، فقام المعتمد السامي برسي كوكس بتغييرات في الوزارة فأناط وزارة العدلية إلى مصطفى الآلوسي والأوقاف إلى محمد علي فاضل، وفي 29 كانون الثاني 1921م
أناط وزارة النافعة إلى عزت الكركوكلي وسمّاها (وزارة الأشغال والمواصلات)، وعندما أصبحت وزارة المعارف والصحة شاغرة قرر كوكس أن يكون للشيعة منصب وزاري ففي 22 شباط 1921م أسندت هذه الوزارة الشاغرة إلى الكربلائي السيد محمد مهدي بحر العلوم بإعتباره من الشيعة الإمامية (كما ذكرنا ذلك سابقا).
بعد كل ذلك دار نقاش حول نوعية نظام الحكم الذي سيدير العراق، وكان في كل وزارة من وزارات الحكومة المؤقتة مستشار بريطاني يكون بيده الحل والربط في تسيير شؤون الوزارة المعنية وفق تصور الإنتداب البريطاني. وكان المستر فيلبي (عبد الله فيلبي بعد إسلامه) مستشار وزارة الداخلية يرتأي تطبيق النظام الجمهوري في العراق، حيث كان يرى أن الحكومة البريطانية كانت قد تركت للعراقيين إختيار نوع الحكم الذي يرتضونه، فشعر أن الأكثرية المثقفة في العراق كانت تميل إلى الحكم الجمهوري فقام فيلبي بتأييد الفكرة معتبرًا أنها تتفق وسياسة بريطانيا المعلنة، وقد غاب عنه أن دولته كانت لها أغراض غير السياسة المعلنة!! وعندما طرح فيلبي فكرته فقد أيدّه مِن العراقيين مَن كان يميل إليه مثل توفيق الخالدي والشيخ سالم الخيون (رئیس قبيلة بني أسد) وعبد المجيد الشاوي (من رؤساء قبيلة العبيد) والسيد محمود الكيلاني ابن رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب وفخر الدين الجميل وغيرهم من أتباع فيلبي. ولكن هذه الفكرة قد أخمدت بشدّة مما حمل فيلبي إلى إعتزال منصبه الاستشاري في وزارة الداخلية.
فبعد الحرب العالمية الأولى وجدت بريطانيا أنها تحت وابل ثقيل من أعباء النفقات والصرفيات، ومما زاد الطين بلّة أن بريطانيا تكبدت نفقات كبيرة بسبب العمليات العسكرية التي قامت بها لإخماد الثورة العراقية، حتى أن الرأي العام البريطاني نادى بوجوب الجلاء عن العراق لتخفيف الضرائب على المكلف البريطاني... وبعد أن
أنيطت وزارة المستعمرات إلى المستر تشرشل بعد نقله من منصب وزير الحربية فكان العراق وموضوعه قد أصبح تحت إشرافه، عندها أحيا مقترح كان قد طرحه المستر مونتاكو (وزير الهند) في 17 مايس سنة 1920 بأن تُعقد معاهدة مع العراق تتضمن بنود الانتداب وتؤسس حكمًا في العراق يدين بالولاء لبريطانيا ولم توافق الخارجية البريطانية عليه في حينه، ولكن تشرشل وجد المقترح جيدًا، «وإعتقدَ أن إدارة العراق من قِبل حاكم عربي يُقنّع بالسلطة التنفيذية ويؤازره الشعب بصورة علنية فيكون مربوطًا بعرفان الجميل وضامنًا لعقد معاهدة تصاغ فيها بنود الانتداب صوغًا، وتؤمن فيها المصالح البريطانية العامة، ويرعاها الحاكم العربي بنفسه، أفضل كثيرًا من أن تحكم حكمًا مباشرًا، يكلف دافع الضرائب البريطاني كثيرًا، ويؤدي إلى إنتشار روح الكراهية والعداء للسلطة الحاكمة»(1). وكانت بريطانيا قد إستبعدت فكرة الحكم الجمهوري بإعتبار أن المجتمع العراقي لا يتمكن وقتها على تطبيق المبادئ والأسس التي يتطلبها النظام الجمهوري.
وفق هذا المضمون ولمّا إستقر الرأي في العراق على تشكيل حكومة يرأسها حاكم فقد إشتد التنافس على عرش العراق، وطمعت جهات وشخصيات عديدة ولكل منها دفوعات وغايات. أمّا المرشحون فهم:
1 - المتقاعدون العثمانيون في بغداد كانوا يرشحون الأمير برهان الدین، نجل السلطان عبد الحميد للعرش العراقي، ويقولون أن الترك سيعودون إلى حكم العراق عن عربي قريب، فإنتخاب سليلهم المذكور أدعى لخدمة مصالحهم من ترشيح غيره.
2 - السيد عبد الرحمن الكيلاني، نقيب بغداد ورئيس وزراء الحكومة المؤقتة.
3 - نقيب البصرة السيد طالب باشا، الذي لعب دورًا مهمًا في القسم الجنوبي من العراق، ودانت البصرة لإرهابه وكرمه أيامًا، ثم قدر له أن يكون وزيرًا للداخلية في الحكومة المؤقتة كان يرى نفسه أفضل مرشح للعرش.
1) تاريخ العراق السياسي الحديث: السيد عبد الرزاق الحسني، ج1 ص171
4 - الشيخ خزعل أمير المحمرة المعروف بجوده وكرمه، وبثقة الإنكليز فيه وإعتمادهم عليه، الذي أخذ يصرف الأموال للفوز بالعرش، كما أنه كتب إلى المعتمد السامي البريطاني في العراق في الخامس من نيسان 1921 يطلب عضده في هذا الشأن. وقد حذا حذو الشيخ خزعل، غلام رضا خان أمير بشت كوه(1)الإيراني.
5 - كان بين الإنكليز المسؤولين من يرى وجوب إسناد هذا العرش إلى ابن السعود أمير نجد. وآخرون يرون تقديمه إلى آغا خان زعيم الإسماعيلية في الهند(2).
6 - كانت مضابط عراقية كثيرة قد قُدّمت إلى البريطانيين بأن يكون أحد أنجال الشريف حسين هو المرشح لعرش العراق وبالأخص الأمير فيصل.
كان فيصل بن الشريف حسين قد تم تنصيبه على عرش سوريا في آذار سنة 1920م وبعد معركة ميسلون في سوريا قرر الفرنسيون عزله عن عرش سوريا في 25 تموز 1920م. وعندما كان فيصل في سوريا وجد البريطانيون بأنهم إذا ذهبوا إلى ترشيح أحد أنجال الشريف حسين فسيكون المرشح هو الأمير عبد الله، ولكن بعد عزل فيصل عن عرش سوريا توجهت أنظار البريطانيين إليه لمفاوضته على عرش العراق.
فاتصل تشرشل بالأمير فيصل، وفاوضه بما يريد ويرتأي تشرشل منه، وأطلعه على مشروع الانتداب البريطاني على العراق، ومسؤوليات الحكومة المنتدبة تجاه عصبة الأمم، وعلى المصالح البريطانية في العراق، وأن يقدّم فيصل وعدًا بعقد معاهدة بين بريطانيا والعراق تقوم مقام الانتداب إذا أصبح ملكًا على العراق، فوافق الأمير فيصل على ما طرحه تشرشل وأبدى استحسانه وغبطته، وذلك يعني أن بريطانيا هي التي تضع الملك على العرش ولكن الأمور بيدها حسب المعاهدة التي ستتم بدل الانتداب!!!
وبما عرف عن تشرشل من دهاء في السياسة والحرب وحتى يحقق الخطة التي رسمها، فقرر عقد اجتماع يُعقد في القاهرة وقد تم ذلك في 12 آذار 1921م على شكل مؤتمر تمت مناقشة قضية العراق فيه بشكل مفصل وبالبنود التالية:
1 - علاقة الدولة العراقية الجديدة المقبلة مع بريطانيا العظمى وخاصة في مجال النفقات.
2 - البحث عن من سيتولى حكم العراق.
3 - نوع وشكل قوات الدفاع في الدولة الجديدة.
4 - بحث وضع المناطق الكردية وعلاقتها بالعراق.
وكان الوفد العراقي الذي حضر المؤتمر مؤلفًا من السير برسي كوكس المعتمد السامي البريطاني، وقائد القوات البريطانية في العراق الجنرال إيلمر هولدن، وجعفر العسكري وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة وزميله ساسون حسقيل وزير المالية، والمس بيل السكرتيرة الشرقية للمعتمد السامي، وبعض المستشارين الإنكليز في الوزارات العراقية. وسافر الأمير فيصل إلى القاهرة ليكون قريبًا من المؤتمر ليطّلع على الأمور عن كثب ولكنه لم يحضر المؤتمر.
وفي فقرة من سيتولى حكم العراق فقد طرحت أسماء الذين يتطلعون على عرش العراق وتم استعراضها، وبعد النقاش تم استبعاد الأمير التركي برهان الدين لأن البريطانيين لا يقبلون به، أما السيد عبد الرحمن النقيب فكان رجل كبير السن وإذا ما توفي فلا يوجد من أسرته من يحل مكانه أو يصلح للحكم. وأمّا السيد طالب النقيب على الرغم من أنه كان بإمكانه أن يُقدّم خدمات للإنكليز لعلاقته الجيدة بهم إلّا أن إزدياد خصومه في البصرة وبغداد حال دون ذلك. وبالنسبة إلى ابن سعود الذي كان يحظى بتأييد الكثير من الإنكليز فقد أستُبعد لأن ترشيحه يخلق خللا في التوازن في الجزيرة العربية حسب رأي المؤتمرين. وفي المؤتمر تم خلق الموانع على شيخ المحمرة (الشيخ خزعل) وعلى الباقين.
وطُرحت في المؤتمر فكرة النظام الجمهوري في العراق فقيل عنها بأن درجة العراق من الرقي لا تمكنه أن يمارس هذا الضرب من الحكم.
وعندما طُرح اسم الأمير فيصل بن الحسين إبتسم الحاضرون وكانت إبتسامتهم ذات مغزى بعيد!! فبدأ تشرشل يمدح الأمير فيصل ويذكر أنه من بيت عربي رفيع وهو ابن شريف مكة وله شخصية جيدة ويحترمه رجال الدين، ولكنه لم يذكر الاتفاق الذي حصل بينهما، وأن الأمير فيصل كان طوع بنان الإنكليز وهو حقيق بتنفيذ مخططاتهم إذا ما استلم عرش العراق، مع أن تشرشل كان يعلم جيدًا بأن هناك من يعارض ترشيح الأمير فيصل كونه غير عراقي ومنهم توفيق الخالدي وحتى السيد عبد الرحمن النقيب والسيد طالب النقيب، فيعتقدون أنهم أولى بإستلام العرش.
وفي النهاية تقرر أن يكون الأمير فيصل بن الحسين هو المرشح لعرش العراق وتم إخباره بالتهيؤ لإستلام منصبه على الرغم من أن الأنظار البريطانية السابقة كانت متوجهة إلى الأمير عبد الله بن الحسين ليتسلم عرش العراق عندما كان فيصل في سوريا قبل عزله من قِبل الفرنسيين، وقام الإنكليز بترضية عبد الله بتنصيبه أميرًا على إمارة شرق الأردن التي إستحدثوها لذات الغرض!
في 30 أيار 1921 صدر في بغداد بيان العفو العام عن جميع الذين شاركوا في ثورة العشرين، وفي بداية شهر حزيران 1921 أبرقت الحكومة البريطانية إلى الحجاز تطالب بسفر الأمير فيصل إلى العراق، فغادر الأمير ميناء جدة على الباخرة (نورث بروك) في يوم الأحد 12 حزیران 1921م / 6 شوال 1339ه وكان يرافقه المستر کورنوالیس(1)، ورستم حیدر سكرتير الأمير الخاص وثلاثة مرافقين وبعض الزعماء
1) أصبح كورنواليس بعد تتويج فيصل مستشارًا شخصيّا للملك، ثم أسندت إليه مستشارية وزارة الداخلية حتى عام 1935م، وأصبح سفيرًا للحكومة البريطانية في العراق من سنة 1941 إلى سنة 1945م
العراقيين الذي كانوا خارج العراق. ووصل الأمير فيصل بن الشريف حسين إلى البصرة في 23 حزيران 1921م / 17 شوال 1339ه، وإستقبل استقبالًا حافلًا، وكان على رأس المستقبلين متصرف البصرة (أحمد الصانع)، ومن البصرة إستقل الأمير فيصل القطار وتوجه إلى الحلة، وبعد وصوله إليها توجه إلى النجف الأشرف حيث زار مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وإلتقى ببعض علماء الدين ورؤساء المدينة.
وفي صباح يوم 27 حزيران 1921م توجه الأمير فيصل وحاشيته إلى كربلاء، وعندما وصل كربلاء كان معه نوري السعيد وتوفيق السويدي والسيد محمد الصدر وجعفر العسكري وعلي جودت الأيوبي وجعفر أبو التمن والسيد نور الياسري والسيد محسن أبو طبيخ والسيد هادي المكَوطر وعلي البزركان وغيرهم.
وكان المتصرف في كربلاء يومذاك (حميد خان) وكان استقباله في كربلاء حماسيًا... حيث رفعت الأعلام والزينة وتجمهر الأهالي حول موكبه، وتوجه فور وصوله لزيارة مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وبعد إنهائه الزيارة قرأ الفاتحة على روح قائد الثورة العراقية الكبرى المرحوم آية الله محمد تقي الشيرازي في مقبرته في الصحن الحسيني الشريف.
ثم توجه ماشيًا إلى مرقد أبي الفضل العباس من سوق التجار الكبير الذي فُرش بالسجاد على طوله كما يذكر بعض المعمرين الذين حضروا استقبال الأمير.
وعند وصوله الروضة العباسية إستقبله المرحوم السيد مرتضی آل ضياء الدين سادن العباس عند باب الإمام الحسن من الصحن الشريف، وإصطف خدم الحضرة على الجانبين، وأدّى مراسيم الزيارة وبعد إكمالها جلس في ديوان السدانة للإستراحة.
وينقل المعمرون من السادة خدم الروضتين أن الأمير فيصل بن الحسين عندما زار مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام أطال الجلوس في ديوان سادن العباس
الأمير فيصل في مرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وعلى يساره السادن السيد عبد الحسين الكليدار
المرحوم السيد مرتضى آل ضياء الدين بحضور جمع من خدم الروضة، وإستمع إلى أحاديث عدد من السادة وكان من بينهم المرحوم السيد محمد علي الموسوي آل أبي المعالي(1)الذي كان لطيف المعشر، ظريفاُ، وصديقًا مقربًا من السادن السيد مرتضى،
1) راجع كتابنا (بيوتات كربلاء القديمة) من ص324 إلى ص327. والسادة (آل أبو المعالي) الحاليون في كربلاء، هم من الأسر العلوية الكريمة التي تشرفت بخدمة الروضة العباسية في كربلاء ولهم فرمان في الخدمة، ويرجع نسبهم إلى السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وجدهم الأعلى هو السيد نصر الله بن قاسم بن محمد بن محمد علي بن (فتح الله الموسوي الحائري) بن أحمد بن علي بن حسن بن حسين بن عيسى الموسوي. والسيد محمد علي هو الابن الأكبر للسيد نصر الله بن قاسم. وقد ترجمنا أسرة آل أبي المعالي في كتابنا (بيوتات كربلاءالقديمة) وقد سقط سهوًا عند الطبع ترجمة ذرية السيد محمد علي، ومن المناسب في هذا المكان إتمام ذكرهم مشفوعًا بالإعتذار ونقول: أعقب السيد محمد علي بن نصر الله بن قاسم من الذكور أربعة وهم السادة قاسم وهاشم ونصر الله ومحمد حسن. أما السيد قاسم فأعقب السيد محمود الذي أعقب ولدين هما: الأستاذ المهندس فاضل أبو المعالي الخبير في مشاريع الري وكانت له بصمات في هذا المجال، وعباس. وأعقب السيد فاضل ولده الوحيد محمد الذي أعقب حسنين، أما عباس فقد اعقب محمد جعفر. وأمّا العقب من السيد هاشم بن محمد علي فهما السيدان محمد علي ومحمد حسين. أما السيد نصر الله بن محمد علي فقد أعقب السيدان علاء وصفاء. والرابع من أولاد السيد محمد علي بن نصر الله هو المرحوم الأستاذ محمد حسن الذي صاهر السيد إبراهيم الطويل آل نصر الله، وأعقب كل من كمال ونبيل وحسنين
فقد أبدى السيد محمد علي من الظرف وحسن الكلام بحضور الأمير فيصل الذي تسلّى بحديثه وقد سُرَّ بما سمعه من السيد فقال له الأمير فيصل هذا الكلام من (المعالي)، ومنذ ذلك الحين أخذ يطلق على السيد محمد علي ب (أبو المعالي)، وسَرَتْ هذه التسمية على أسرته إلى يومنا هذا.
الأمير فيصل في صحن العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وعلى يساره
السيد مرتضى ضياء الدين سادن العباس
وعندما إنتهى من زيارة مرقد أبي الفضل العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حضر مأدبة أقيمت له في دار الحاج خليل الاستربادي، حضرها جميع من رافق الأمير ومن إستقبله وبعض رجال الدين والرؤساء والعيان في كربلاء.
ونزل الأمير فيصل ضيفًا في دار الحاج خليل الاستربادي الواقعة في محلة العباسية، وقد بالغ الحاج خليل بالضيافة. وقابل الأمير فيصل في دار الحاج خليل رئيس قبيلة عنزة الشيخ فهد الهذّال، وإلتقى ببعض رؤساء القبائل والعشائر في الفرات الأوسط والغربية.
وفي اليوم التالي من زيارته توجه الأمير فيصل بن الحسين يرافقه متصرف كربلاء والوفد المرافق له إلى (طويريج)، حيث حلَّ ضيفًا على السيد هادي القزويني، وقد التقى ببعض الشخصيات وعاد مساءً إلى كربلاء.
و في الساعة التاسعة من صباح يوم 29 حزیران 1921م/ 23 شوال 1339ه غادر كربلاء متوجهًا إلى بغداد، وجرى له استقبال حاشد وعظيم فيها.
الأمير فيصل بن الحسين في ضيافة السيد هادي القزويني في طويريج
جاء في كتاب (مذكرات رؤوف البحراني) عن زيارة الأمير فيصل إلى كربلاء النص التالي حرفيّاً: «... ثم إتجه إلى كربلاء وقد أبرق جعفر العسكري للسيد هبة الدين (الحسيني) أن الأمير فيصل يصل غدًا الإثنين قبل الظهر إلى كربلاء، التي إحتفى أهلها به بالغ الاحتفاء، وزار الإمام الحسين وإجتمع فيه بكبار علمائها، وقد ذكرت جريدة العراق في عددها 348 لقاء الأمير في الروضة، وكلمة هبة الدين الترحيبية بمقدم الأمير في الروضة المقدسة، ثم توجّه في اليوم التالي إلى بغداد فوصلها عصر يوم الأربعاء حزيران 1921(1).
وأهم نجاح تمكن فيصل من تحقيقه في سبيل التأييد لإستلام عرش العراق، حصوله على بيعة المجتهد الكبير الشيخ مهدي الخالصي في الكاظمية، حيث كان الشيخ مهدي في السابق يمقت الأسرة الهاشمية لوقوفها في الحرب إلى جانب الإنكليز الكفار حسب رأيه.
ومن المفيد أن نذكر بأن ترشيح فيصل لعرش العراق واجه عدة مشاكل من قبل أفراد وجماعات كانت ترغب بأن يكون ملك العراق من العراق وليس من خارجه، كما أن الكثير كان يعتقد بأن فيصل قد إتفق مع الدولة التي احتلت العراق، وهذا الإتفاق الذي منحه الإنكليز على ضوئه عرش العراق سيكون وبالًا على العراقيين الذين وقفوا بشدة ضد الإنتداب البريطاني، وفي الحقيقة كان رأي مثقفي العراق هو رفض تكبيل العراق بقيود يصعب تجاوزها إلّا بالتضحيات الجسام، وكانت الرغبة العارمة لدى العراقيين هو تحقيق الاستقلال الناجز، ولا يرغبون غير ذلك بديلا، وقد أحسوا بأن الإنكليز لم يأتوا محررين كما إدعوا وإنما محتلين.
1) مذكرات رؤوف البحراني (لمحات عن وضع العراق منذ تأسيس الحكم الوطني عام 1920 لغاية عام 1963)، ص 132
تم تتويج الأمير فيصل بن الحسين ملكًا على العراق في يوم 23 آب 1921م الذي إختار تاريخ التتويج بنفسه، وهذا اليوم موافق ليوم 18 ذي الحجة سنة 1339ه، وهو اليوم الذي يعتبره الشيعة عيدًا لهم يسمّوه (يوم الغدير)... وكان فيصل ذكيًا في هذا الإختيار لأنه أراد أن يذكّر الشيعة بأنه من سلالة الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وهو اليوم الذي نصّب فيه النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وليّاً على المؤمنين بعد حجة الوداع.
كان يوم تتويج الملك فيصل الأول يومًا حافلًا في حياة أغلب العراقيين، فقد حضرته وفود من مختلف المدن العراقية، وكان وفد كربلاء يتألف من: السيد عبد الحسين الكليدار سادن الحسين، والسيد مرتضى آل ضياء الدين سادن العباس، والسيد عبد الوهاب الوهاب، والشيخ محمد حسن أبو المحاسن.
الكربلائي السيد محمد علي هبة الدين الحسيني(1)وزيراً للمعارف
وعند تشكيل الوزارة بعد إستلام فيصل لعرش العراق، ظهرت هناك إختلافات تركزت على وزارة الداخلية لأهميتها، والتأكيد على فصل وزارة الصحة والمعارف إلى وزارتين...
1) العلامة والمحقق والشاعر والمجاهد السيد محمد علي الملقب ب(هبة الدين) بن حسين بن محسن بن السيد مرتضى الفقيه بن العلامة السيد محمد بن الأمير السيد علي الكبير الحسيني الحائري. ولد في مدينة كربلاء حيث أسرته الدينية العربية الكربلائية التي يرجع نسبها لزيد الشهيد بن الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وكان السيد هبة الدين يلقب ب(الشهرستاني) نسبة إلى مصاهرة أسرته بآل العلامة السيد محمد مهدي الشهرستاني الكبير. وللسيد هبة الدين مواقف مهمة إثناء الحكم العثماني، كما أن له دورًا مشرًّفا وكبيرًا في الوقوف ضد الاحتلال الإنكليزي للعراق وفي الثورة العراقية الكبرى (ثورة العشرين) الذي كان من ثوّارها بل من أحد قادتها الوطنيين. من مؤلفاته كتاب (نهضة الحسين) وأصدر مجلتي العلم والمرشد البغدادية. اتخذ الكاظمية سكنًا ومستقرًا وأسس مكتبة الجوادين في الزاوية الجنوبية الشرقية من الصحن الكاظمي الشريف، توفي رحمه الله سنة 1966م ودفن في مكتبته في الصحن الكاظمي. ولمزيد من المعلومات راجع كتابنا بيوتات كربلاء القديمة ص 182 - ص 183
وعندما تشكلت الوزارة تم إسناد وزارة المعارف إلى الشيخ عبد الكريم الجزائري(1)من النجف الذي قدّم إعتذاره عن توزيره، فتم إختيار السيد هبة الدين الحسيني من كربلاء.
المرحوم العلامة الشيخ عبد الكريم الجزائري في أواخر أيام عمره
1) الجزائري رحمه الله من كبار المراجع العرب في النجف الأشرف، وكان في طليعة المراجع المجاهدين في العراق، ولد في النجف سنة 1289ه / (1872م)، نال الإجتهاد في بواكير عمره، وتحرك مع كبار العلماء لمحاربة الإنكليز عند احتلالهم البصرة عام 1914م، وكان الذراع القوي لقائد ثورة العشرين الشيخ الشيرازي، واعتبر من كبار مراجع الشيعة، وأصبح مستشار المرجع السيد أبو الحسن الأصفهاني في السياسة وغيرها. توفي في النجف سنة 1382ه / (1962م) وصلّى عليه السيد محسن الحكيم
لاحظنا مما ورد أعلاه، بأن رأي المرجعية في الانخراط في مؤسسات الدولة كان متباينًا لدى المراجع الكبار للشيعة.
فعندما أفتى المرحوم آية الله مهدي الخالصي بتحريم الدخول في مؤسسات دولة الاحتلال، كان إيمانًا منه بأن السلطة الإنكليزية هي سلطة محتلة وغير مسلمة، والذي ينضم إليها فهو عميل يخدم المحتل وهذا لا يجوز شرعاً، بينما لم يقدم السيد أبو الحسن الأصفهاني، ولا الشيخ حسين النائيني أي رأي في ذلك، لأنهما لم يكونا عراقيين ولا عربيين في الأصل، ولم يعرف لهما أي نشاط أو دور ضد الاحتلال بعكس المرحوم الخالصي. كما أن موافقة الخالصي على تولي فيصل عرش العراق كانت مشروطة بإنهاء الاحتلال والسعي لاستقلال العراق...
والملاحظ بأن الذين ترشحوا للمناصب الوزارية قبل فيصل ومعه كانوا من رجال الدين، بل ومن العلماء المعروفين، وكان منهم السيد محمد مهدي بحر العلوم والعلامة السيد هبة الدين الحسيني المشهور بنضاله ضد الإنكليز ومن بعده كان المرحوم الشيخ محمد حسن أبو المحاسن المناضل والشاعر المعروف والذي كان من ثوار العشرين. ذلك يعني بأن هناك إختلاف في الرؤى، وليس سعيًا للمناصب، ويمكن أن نحلل ذلك إلى عدة عوامل منها:
1 - أن الشيعة قبلوا الدخول في الوزارات لإعتقادهم بأنهم سيكونون بالقرب من مصدر القرار والتأثير فيه، ومن خلال ذلك يمكنهم المعارضة على أي أمر ينافي مبدأ الحصول على الاستقلال ورفض التبعية للمحتل.
2 - أن الشيعة يعتبرون أنفسهم بأنهم خططوا وقادوا ثورة العشرين، وقبلها كانوا المقاومين للاحتلال في بداية دخوله العراق... ومن ثَمَّ كانوا هم الأساس في الاستفتاءات التي أقرّت ترشيح ملك عربي يتولى عرش العراق. فلا يمكن أن يكونوا بعيدين عن أمر إدارة البلد بعد أن قدّموا التضحيات وقاموا بما يمليه عليهم الواجب القومي والوطني والديني.
3 - على الرغم من ذلك كله كان الكثير من المراجع لا يحبذ الانخراط في السياسة، ويعتقدون بوجوب فصل الدين عن السياسة، وقد خالفهم في هذا الرأي المرحوم الشيخ مهدي الخالصي، الذي كان رأيه هذا هو أحد العوامل التي أبعدته عن تولي المرجعية العليا، بعد أن كان للإنكليز وأعوانهم يد طولى في ذلك الإبعاد... وتبين لاحقًا صحة هذا الاعتقاد في التطورات التي حصلت إثناء المعاهدة البريطانية العراقية سيئة الصيت.
بعد تتويج الملك فيصل الأول في 23 آب 1921م، قدمت الوزارة الانتقالية إستقالتها في مساء يوم التتويج، وعَهَدَ الملك فيصل إليها القيام بالأعمال الوزارية وكالة لحين تشكيل وزارة جديدة دائمة.
تم تشكيل أول وزارة في عهده بعد الوزارة الانتقالية التي شكلها الإنكليز. وقد كلّف الملك فيصل السيد عبد الرحمن النقيب الكيلاني بتشكيلها بتوصية من المندوب السامي البريطاني، وكان الملك رغبًا بإناطتها إلى شخص آخر، ولكن الظرف حتم عليه ذلك الإختيار، فقدّم النقيب أسماء وزارته وكان من بينهم اسم العلامة الشيخ عبد الكريم الجزائري ليكون وزيرًا للمعارف.
«فاعتذر الشيخ الجزائري عن قبول هذا المنصب وذلك لمركزه الروحي الكبير في النجف الأشرف وترفعه عن الإشتراك في الحكم»(1).
فأختير العلامة السيد محمد علي هبة الدين الحسيني المشهور ب(الشهرستاني) وزيرًا للمعارف، وهو من أبناء مدينة كربلاء ومن علمائها الأعلام ومن قادة ثورة العشرين الروحيين. وهو بذلك أول وزير شيعي تم استيزاره بعد تأسيس الحكم الوطني في أيلول سنة 1921م، وقد سبقه في الوزارة الانتقالية تحت ظل الإنتداب الوزير الكربلائي أيضا السيد محمد مهدي بحر العلوم.
1) تاريخ الوزارات العراقية: الحسني، ج1 ص71
السید محمد علي هبة الدین الحسیني الملقّب ب(الشهرستاني)
العلامة السيد هبة الدين كان بحق وزيرًا ناجحًا وجريئًا وصادقًا فيما يقوم به من أجل العراق ورفعته، وكان العقبة الكأداء في طريق تحقيق مشاريعه الإصلاحية هو (ساطع الحصري) الذي كان مديرًا عامًا للمعارف. وفي زمن وزارة السيد هبة الدين أصبح ساطع الحصري معاونًا لوزير المعارف.
ومن يطّلع على مذكرات ساطع الحصري بجزئيها يجد بأنه كان قد اتخذ مواقفًا استعلائية ضد وزيري المعارف السيد هبة الدين والشيخ محمد حسن أبو المحاسن، ونعتهما بذوي الأفكار المتخلفة بل والمضحكة وبيّن بأنه هو الذي كان يدير الوزارة في زمانهما ولولاه لما كان هناك تعليم في العراق، وكان يحاول الحط من مقدرتهما في إدارة الوزارة، وكان كاذبًا في مدعاه ويُستشف بأنه كان يتخذ موقفًا مذهبيًا وطائفيًا لا يقبل النقاش، وكرهه لرجال الدين واضح عندما تقرأ في مذكراته ما ينسبه إليهما!! طلب الملك فيصل الأول من السيد هبة الدين أن تُؤسَسْ مدرسة للعشائر على نمط (عشيرت مكتبي) العثمانية، أي مدرسة العشيرة التي أسسها السلطان عبد الحميد
لغاية سياسية صريحة جمع فيها طائفة من أولاد رؤساء العشائر العربية والكردية الموجودة في مختلف الولايات العثمانية ويهدف منها زيادة ارتباط رؤساء العشائر بسدّته الملوكية. فقام السيد هبة الدين بإعداد برنامج مفصل ورائع وتفصيلي بإنشاء تلك المدرسة وموقعها وعدد التلاميذ وميزانية المدرسة ولغة المدرسة ومناهج التعليم والدروس فيها لكل مراحلها، والحصري يستخف بها بمذكراته(1).
كان الملك فيصل الأول قد زار بشكل سريع مدينة النجف الأشرف يوم 15 تشرين الأول سنة 1921م، وزار مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ومنها غادر عصرًا إلى مضارب قبيلة عنزة في بادية كربلاء حيث كان مدعوّاً لدى الشيخ فهد بك الهذال رئيس قبيلة عنزة، وفي صباح اليوم التالي غادر إلى بغداد.
و في أول زيارة له بعد تتويجه قام الملك فيصل بن الحسين ملك العراق بزيارة مدينة كربلاء حيث وصلها يوم 3 تشرين الثاني 1921م المصادف يوم الخميس الثالث من ربيع الأول 1340ه قادمًا من بغداد وعلى طريق المسيّب - الإمام عون - كربلاء. وفي منطقة الإمام عون خرج رؤساء عشائر كربلاء والكثير من أفراد عشائرهم والجميع على هيئة فرسان يمتطون الخيول وفي موكب مهيب رافقوه إلى مدخل مدينة كربلاء، حيث كان في استقباله عند قنطرة (أم حديبة) متصرف كربلاء (حمید خان) ورؤساء المدينة وساداتها وأعيانها، ودخل المدينة القديمة من باب النجف مارًا بمبنى البلدية ومتوجهًا إلى الروضة الحسينية المقدسة حيث أقيم له طاق من الخشب مزيّنًا بالأقمشة الملونة والزينة في بداية سوق باب القبلة.
وعند باب قبلة الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كان في استقباله السيد عبد الحسين الكليدار سادن الحسين وخدم الروضة المقدسة، وبعد إتمام الزيارة غادر متوجهًا إلى
1) مذكراتي في العراق: ساطع الحصري، ج1 ص135 - ص155
مرقد أبي الفضل العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) من باب الصحن الصغير ومنه إلى سوق التجار الكبير حتى باب الحسن عند مرقد العباس وكان باستقباله سادن العباس السيد مرتضی آل ضياء الدين وخدم الروضة العباسية، وبعد إتمام الزيارة إلتقى في ديوان السدانة لفيف من العلماء ورجال الدين ثم توجّه إلى دار المتصرف حيث محل إقامته. وقد أقيم له عصرًا حفلًا في دار البلدية وكان في استقباله وجهاء المدينة وأعيانها، وألقى الشيخ عمر العلوان الوزني كلمة ترحيبية باسم أهالي المدينة مشيدًا بجلالته. وألقيت في الجلسة قصائد تمدح الملك، وبعدها شكر الملك أهالي المدينة على حُسن استقبالهم واعدًا بأن يوجه عنايته على الدوام نحو شعبه، وأن يكون راعيًا ومهتمًا بالمدن المقدسة ومراقدها الدينية. وبعد انتهاء الحفلة غادر كربلاء متوجهًا إلى النجف الأشرف، وقد رافق موكبه أهالي كربلاء حتى بداية طريق النجف مودعين وشاكرين زيارته وإهتمامه بالمدينة.
عبد العزيز القصاب(1)متصرفًا لكربلاء
كان (حميد خان) متصرفًا للواء كربلاء قبل إنعقاد مؤتمر كربلاء، ويُعرف حميد خان بأنه من أعوان الإنكليز ومعتمدًا لديهم، وكان الملك فيصل يرغب بتعيين
1) سياسي وإداري قدير، كان قائمقام في السماوة ثم متصرفًا في الكوت وكربلاء والمنتفك (الناصرية) ثم متصرفًا للموصل وحينها كان له دور بارز في الموصل أيام مطالبة تركيا بولاية الموصل التي أقرت اللجنة الأممية بأنها عراقية. وأصبح وزيرًا للداخلية في وزارة عبد المحسن السعدون الثانية وكذلك في وزارة السعدون الثالثة، ووزيرًا للداخلية في وزارة توفيق السويدي، ووزيرًا للري والزراعة في وزارة السعدون الرابعة ووزيرًا للعدل في وزارة ناجي السويدي، ثم عُيّن رئيسًا للتفتيش الإداري خلفًا ل(كورنواليس)، ووزيرًا للداخلية في وزارة جميل المدفعي الثالثة، ثم عُيّن مراقبًا للحسابات العامة. وأنتخب خمس مرات لعضوية مجلس النواب، وأختير رئيسًا للمجلس أربع دورات نيابية، وعُيّن رئيسًا لهيئة الوصاية على العرش سنة 1947. إستقال من البرلمان في 27 ك1 1948 إحتجاجًا على ما جرى في وثبة كانون حيث ثار الشعب ضد معاهدة بورتسموث وعلى موقف حكومة صالح جبر. وبعد ثورة 1958 وإسقاط الملكية وإعلان الجمهورية غادر القصاب العراق إلى بيروت، وتوفي عام 1965م
شخصًا مواليًا له كما عيّن في الحلة متصرفًا عليها هو (علي جودت الأيوبي)، وأراد الملك تعيين (الحاج سليم) متصرفًا لكربلاء. وقد رفض المندوب السامي البريطاني (كوكس) تعیین مرشح الملك.
وتجنبًا لتعميق الخلافات بين الملك والمندوب السامي فقد توسط السيد عبد الرحمن النقيب رئيس الوزراء بين كوكس والملك وإقترح حلًا وسطًا هو تعيين (عبد العزيز القصاب) الذي إنتقل من الكوت وباشر في كربلاء في شباط 1922.
عبد العزيز القصاب متصرف كربلاء
كان القصاب إداريًا حازمًا، وتم توجيهه من قِبل الحكومة بضبط الأمن في کربلاء قبل إنعقاد (مؤتمر كربلاء) للقوى الوطنية ضد غارات الوهابيين.
وله في كربلاء أعمال تحسب له منها ترميمه المستشفى الحسيني الوحيد في كربلاء والذي أصابه الضرر الكبير في حوادث كربلاء العديدة، وأضاف إليه الخراب الفيضان الذي حدث في نهاية العقد الأول من القرن العشرين لوقوعه في منطقة منخفضة تركبها المياه الفائضة من الأنهر والمستنقعات القريبة منه.
كما كانت له أيادي بيضاء في إصلاح طريق كربلاء - المسيب المار عبر العطيشي، وترميم وبناء بعض القناطر التي كانت على الأنهار التي تقطعه وأصبح سالکًا بیسر لمرور السيارات والعربات.
وفي إنتخابات البلدية التي جرت في كربلاء بعهده والتي شابتها بعض المخالفات بين المرشحين لعضوية المجلس البلدي، فقد تدخل مباشرة لضبط عملية الإنتخابات التي فاز فيها برئاسة البلدية الشيخ (عثمان العلوان) رئيس عشيرة الوزون في كربلاء.
كما بادر في إصلاح وكري الأنهر في كربلاء والأقضية والنواحي التابعة لها.
وقد حصل على عدة كتب شكر من وزارة الداخلية بسبب أعماله في لواء كربلاء، ولكنه لم يستمر طويلًا في منصبه حيث تم نقله في 27 كانون الأول 1922 من كربلاء إلى لواء المنتفك (الناصرية)، وحل محله (علي جودت الأيوبي) متصرفًا للواء كربلاء.
هو الإنكليزي (سانت جون فيلبي) الذي يُعد من أشهر وأهم رحّالة القرن العشرين الميلادي، ومن الذين جعلوا جزيرة العرب مجال علمهم وعملهم. كان الباحث والسياسي والدبلوماسي والصحافي والمؤرخ والجغرافي والآثاري والتاجر! فكان مثار جدل ونقاش حول شخصيته وأهدافه وطموحه الشخصي والعام في موطنه الأصلي بريطانيا، وكذلك في الدول التي عمل بها.
ولد فيلبي عام 1885م في مدينة بادولا في جزيرة سيلان (سريلانكا)، حيث كان يقيم ويعمل والده في تجارة القهوة.
عندما كان في سن السادسة من عمره إنتقل والدته التي تخلّت مع عن والده إلى لندن. درس في مدارس النخبة الإنكليزية، وأظهر نبوغًا مبكرًا وتميزًا في تعليمه، حتى أكمل دراسته الجامعية في جامعة كامبردج الشهيرة عام 1907م، وإهتم بدراسة اللغات، فتعلم الفرنسية والألمانية والعربية والأوردية والفارسية.
سانت جون فيلبي
عُيّن في الهند وعمل بها لمدة سبعة أعوام، وفي عام 1915م تم نقله للعمل بالإدارة البريطانية في العراق، ومن ثَمَّ مساعدًا للمندوب السامي البريطاني في بغداد. وإختلف فيلبي مع سياسة حكومته في العراق بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918م، وبدأ بإتخاذ مواقف عبّر عنها علانية وخاصة فيما يتعلق بإقامة حكم ملكي في العراق.
بدأ إهتمامه بعد ذلك بالجزيرة العربية وأبدى تقديرًا كبيرًا لعبد العزيز آل سعود عندما ذهب على رأس بعثة بريطانية للقاءه، وإعتقد بأنه الزعيم العربي الذي يجب أن تتعامل معه بريطانيا، ونُقل إلى عمّان سنة 1921م كمندوب سياسي لبريطانيا في شرق الأردن حتى سنة 1924م، ومن ثَمَّ ترك العمل الحكومي عام 1925م وإلتحق بالملك عبد العزيز ليعمل عنده مستشارًا حتى وفاة الملك عبد العزيز.
أعلن فيلبي إسلامه عام 1930م ولقبّه الملك عبد العزيز باسم (عبد الله) الذي عُرف به لاحقًا. كما مارس فيلبي التجارة والإستشارات التجارية، ولعب دورًا في قدوم شركات التنقيب عن النفط في السعودية.
إختلف فيلبي مع الملك سعود بن عبد العزيز على ما يكتبه فيلبي عن السعودية في الغرب، فغادر المملكة عام 1955م مجبرًا، وتراجع الملك سعود عن قراره فرجع فيلبي إلى الرياض عام 1956م متفرغًا للكتابة. توفي فيلبي في بيروت عام 1960م عن عمر ناهز الخامسة والسبعين.
خلال وجوده في السعودية قام بعدة رحلات باحثًا ومستكشفًا ودارسًا، فكتب عن الربع الخالي وكُتب أخرى تناولت تاريخ الجزيرة العربية، وعن رحلاته وتجاربه.
قام فيلبي برحلة إلى منطقة الجوف حيث بدأها من عمّان في شهر آذار (مارس) عام 1922م عندما كان في شرق الأردن، وكان هدف الرحلة دراسة وضع المنطقة السياسي، وكان برفقته الميجر هولت الذي كان يهتم بالمنطقة عدة سنوات لدراسة إمكانية إقامة سكة حديد الصحراء، أي الخط الممتد من الشرق إلى الغرب من شط الفرات عند هيت والرمادي إلى خط سكة حديد الحجاز بالقرب من عمّان.
وفي هذه الرحلة قام بزيارة مدينة كربلاء. وقبل أن يتطرق إلى زيارته للمدينة المقدسة، ذكرها في كتاب رحلته عدة مرات حيث قال: «لقد كنت في هذا الوقت أستعد لزيارة واحة الجوف الشهيرة، كجزء من واجباتي السياسية. لقد طرحت فكرة افقة الميجر هولت لي فقفز فرحًا، لأن ذلك سيمكنه من دراسة إمكانات إقامة خط سكة حديد عبر وادي السرحان. وتوصلنا بدراساتنا بعد سلسلة من الإحباطات والمحاولات إلى ما وراء الجوف، عبر البراري إلى حدود الهلال الخصيب عند كربلاء»(1).
وفي مكان آخر ذكر في رحلته كربلاء عندما قال: «بدأنا نفكر بخيار العودة عن طريق العراق. من خلال هذا الطريق غير المباشر، يظهر أننا سنصيد عصفورين بحجر واحد. فأولًا الطريق آمن، وثانيًا سيستطيع الميجور هولت إغتنام الفرصة لإنهاء استطلاعه لإمكانية إقامة خط سكة حديد. قدّم فراج (أحد المرافقين العرب)
1) الرحالة الأوربيون في شمال الجزيرة العربية: د. عوض البادي، ص 474، الدار العربية للموسوعات
لنا بعض الآمال بمساعدتنا في هذا المشروع (السفر عن طريق العراق) مقابل مكافأة. ولأختصر القصة سألني فراج عما سأدفعه بصراحة، وإجبته بصراحة أيضًا 100 جنیه عند الوصول إلى النجف أو كربلاء...»(1).
كانت رحلة فيلبي من الجزيرة العربية إلى كربلاء صحراوية المسلك، حيث سلك طريق البادية من (كاف) إلى (الجوف)، ومن ثَمَّ إلى (سكاكا)، ومنها إلى وادي (عرعر) حيث دخل العراق، ثم (النخيب) ومنه إلى (حصن الأخيضر)، ف(الشعيب) وبموازاة (هور أبي دبس) حتى وصلوا إلى كربلاء، وقد وصف في هذا الطريق مشاهداته في بادية كربلاء، وهو يقول: «حسب مسارنا، فنحن الآن قد سرنا عبر منخفض وادي عرعر ما يتعدى 200 ميل. ومن هنا سنذهب شمالًا وشمال شرق فوق قفرٍ مرتفع وموحش، الحرارة فيه تزداد كلما تقدمنا نحو تخوم العراق. مسير 14 ميلًا ذلك المساء وصباح يوم 7 يونيو قادتنا لنستقي عند آبار (جديدة الحمير) في (شعيب الحمير) وهو منخفض يتجه شمال - شرق أو شرق - شمال - شرق موازيًا لمنخفض عرعر. هنا رأينا ذئبًا ضخمًا ينسل خلسة من جانبنا. تقدمنا بقوة فوق صحراء واسعة بدون أية سمات خاصة، حيث خيّمنا بعد 30 ميلًا. خلال رحلتنا من كاف إلى الجوف وبعدها إلى سكاكا ثم إلى كربلاء، كنا نتحرك ونحن في قلق متواصل خوفًا من مقابلة أعداء. وهذا جعلنا طيلة الرحلة لانجرؤ على إشعال النار في المخيم، لا في الليل ولا في النهار. وخلال الساعات الحارة وقت الظهر وعند القيلولة لم نكن نبني الخيمة وكان علينا الاكتفاء باستخدام فَرْشَة صغيرة نمدها فوق رؤوسنا، وبنادقنا تشكل أعمدة لها. بعيدًا عن الحوادث البسيطة، التي ذكرتها لم نقابل بشرًا طوال مسيرنا، وإستمر ذلك حتى وصلنا تخوم أرض كربلاء حيث بدأنا نرى حياة بشرية مرة أخرى.
مسيرة 17 ميلًا صباح يوم 8 يونيو أوصلتنا إلى خط (شعيب عبيدة) الذي يبدأ عند مجمع للمياه على بعد 100 ميل في المنطقة التي خلفناها وراءنا. يسيل هذا الوادي
1) نفس المصدر، ص 495
من هنا، مارًا بالقلعة العربية الباقية منذ العصور الوسطى، أي قلعة أخيضر على حدود الهلال الخصيب، ويسيل إلى بحيرة أبو دبس الكبيرة. في قاع هذا الشعيب، قریبًا من نقطة دخولنا، وصلنا عند آبار نخيب حيث قضيت - وبالرغم من الحر الشديد - نصف ساعة سارةً في إصطياد طيور الطهيوج الصحراوية، التي تدور حول الماء بغض النظر عن أية أخطار ومهما كانت متعبة كما لاحظنا. أمّا قطعان الغزلان الكبيرة، التي تعديناها خلال الظهيرة فيبدو أنها مصابة بنفس الحالة، حيث إصطاد الصيادون معنا عددًا منها وأحضروها لنا، بينما وقف واحد منها جامدًا على بُعد 300 ياردة، على الرغم من أن واحدًا من العرب أطلق عشرة رصاصات باتجاهه. وفي نهاية هذا العرض من عدم نجاح التصويب على الهدف، تراجع الصياد بهدوء مع تنهيدة تُعبّر عن الغضب.
لقد إتبعنا خط (شعيب عبيدة) المنفرج، متقدمين عبر مرتفعات تدعى (عبارات) وعندها خيّمنا، وكانت تبعد 13 ميلًا عن آبار النخيب. وفي اليوم الثاني، عبرنا منطقة ذات نفس طبيعة ورتابة ما سبقها لمسافة 40 ميلًا ولكنها تزخر بالغزلان والطيور. مشينا هذه المسافة لنخيم في أرض مرتفعة، ولكن مسيرة 26 ميلًا أوصلتنا منتصف نهار 10 يونيو إلى بقايا قصر أخيضر، وهو واحد من أروع نماذج قصور الصيد العربية الموجودة، ويقع على ضفة (شعيب عبيدة) حيث توجد المياه بكثرة. خيمنا في تلك الليلة على بعد 4 أميال من هذا المكان، باتجاه أبو دبس، وفي الصباح التالي كنّا سعداء لمنظر المنارات وقباب مسجد الحسين ابن مؤسس فرع شيعة الإسلام.
أرسل الحاكم العربي لكربلاء(1)، الذي أرسلنا له مسبقًا نعلمه بوصولنا، مرافقًا ليرحب بنا، وقد عاملونا بكرمٍ بالغ.
1) هو المرحوم عبد العزيز القصاب الذي كان (متصرفًا) لكربلاء إعتبارًا من 1922/2/16م لغاية 1922/12/26م حيث نُقل إلى نفس منصبه في لواء المنتفك (الناصرية)
هكذا أنجزت رحلتنا، وتقدمنا إلى الرمادي يوم السابع عشر من شهر يونيو (حزيران) حيث غادرت مع الميجور هولت عائدين إلى عمّان عن طريق الجو وتركنا مرافقينا يعودون مباشرة عبر الصحراء على ظهور الإبل»(1).
سبق وأن هاجم الوهابيون مدن العراق وأغاروا على قبائله، وما كانت غزوة الوهابيين على كربلاء نهاية سنة 1216ه / 1801م ومحاولاتهم غزو مدينة النجف واعتداءاتهم على عشائر وقبائل الجنوب العراقي إلّا بدواعي مذهبية وتوسعية.
ولكن ما قام به الوهابيون الذين كان يُطلق عليهم (الاخوان النجديين)(2)ليلة 12 رجب سنة 1340ه / 11 آذار 1922م حيث أغارت قبيلة الدويش الوهابية بقوّة كبيرة من (الأخوان) الوهابيين التابعين لابن سعود بقيادة (فيصل الدويش) على أطراف (المنتفك) والعشائر العراقية في جنوب الناصرية، فأكثرت في القتل والنهب، ونتج عن ذلك قتل المئات ونهب الحلال من الإبل والأغنام والخيل والحمير وبيوت أفراد القبائل تلك، مما دعا الشعب بسبب هذا الهجوم أن يقف موقفًا حازمًا لوقف هذه الاعتداءات، لأن هذه الإغارة تختلف عن الغارات السابقة إختلافًا كبيرًا(3).
1) الرحالة الأوربيون في شمال الجزيرة العربية (منطقة الجوف ووادي السرحان) 1845 – 1922م: الدكتور عوض البادي، ص 502 - 504. 14232ه / 2002م، الدار العربية للموسوعات، بيروت، لبنان
2) كان يطلق على الوهابيين لفظة (الاخوان) وهي الكلمة التي كانوا هم يطلقونها على أنفسهم في شبه الجزيرة العربية، وهي في الحقيقة تبتعد عن معناها كثيرًا
3) كان قد هاجم الإخوان النجديون عشيرة الظفير العراقية في كانون الأول سنة 1920م بداعي الإنتقام منها لحمايتها أفخاذ من قبيلة (شمّر) الهاربين من نجد، وكذلك هاجموا قبيلة (الأعاجيب) العراقية ثم قبيلة (الزياد) العراقية لأن هاتين القبيلتين كانتا تتعاونان مع قبيلة شمّر. وبعد تتويج الملك فيصل بقليل قام الإخوان الوهابيون بغزو أفراد من قبيلة شمّر بين مدينتي النجف والسماوة
وأثارت هذه الحادثة رعبًا شديدًا في العراق، وخاصة بين عشائر الفرات الأسفل والوسط، وظنّ الكثيرون أنها مقدمة لهجوم وهابي عام على العراق، وأن الأخوان سيذبحون البشر وسيهدمون العتبات المقدسة، وينتهكون حرمات النساء ويهلكون الحرث والنسل(1)، إذا ما علمنا بأن العراق قد عانى من غارات الوهابيين في السابق.
على الرغم من أن الشعب العراقي تحفّز لدرء الخطر إلّا أن الحكومة البريطانية التي تفرض الإنتداب على العراق والتي يقع عليها مسؤولية حماية حدوده من أي اعتداء خارجي، لم تقُم بما عليها من إلتزامات عدا أنها قامت بحملات استطلاع جوية فقط.
والحقيقة هي أن الإنكليز كانوا يعدّون إلى المعاهدة البريطانية العراقية، وفي ظل ظروف المفاوضات عليها أرادت بريطانيا أن تبعث برسالة إلى العراقيين بأنه لا سبيل غیر قبول المعاهدة لحمايتهم من الاعتداءات الخارجية.
واسباب تلك الغارة عديدة منها أن (حمود السويط) أحد مشايخ الظفير نهب 25000 ليرة من أحد التجار العراقيين بعد تتويج الملك فيصل، فلما طولب بها ظعن بقبيلته إلى الأراضي النجدية فلقي فيها الأمان والترحاب، وعمل لدى ابن سعود عاهل نجد في جباية الزكاة من القبائل العراقية التي كانت ترعى أغنامها في المراعي النجدية المجاورة.
كما أن أفخاذًا من قبيلة شمر التي يرأسها ابن الرشيد (أمير حايل) كانت قد لجأت إلى العراق بعد أن قوّض ابن سعود إمارة (ابن رشيد) في عام 1921م، فكانت هذه الأفخاذ تخفي بين ضلوعها حقدًا يدفعها إلى الإغارة على القبائل النجدية كلما وجدت لذلك سبيلا، وكانت بريطانيا تعرف كل ما تقدم معرفة دقيقة فصارت تستغل الأمور لمصالحها الشخصية(2).
ومن الأسباب الأخرى أن حكومة الملك فيصل الأول عيّنت في كانون الثاني 1922م (يوسف السعدون) قائدًا لقوات الهجّانة على الحدود الجنوبية، وكان هناك عداء بين السعدون وبين حمود السويط الظفيري، فاتخذها الظفيري حجة ليكون على رأس الهجوم.
وكانت الحكومة العراقية قد أرسلت لجنة إلى لواء المنتفك (الناصرية) مؤلفة من نوري السعيد ممثلًا عن وزارة الداخلية وداود الحيدري ممثلًا عن وزارة العدلية والرئيس الأول (الرائد) الحاج رمضان ممثلًا عن وزارة الدفاع وإنضم إليهم الميجر (يدس) المستشار الإنكليزي للواء المنتفك. وكان عليهم معرفة أسباب وقوع الحادثة وتفاصيلها والمسؤولين عنها، وتقدير الأضرار التي لحقت بالأهلين، ونوع المساعدة والمعاونة التي يجب أن تقدّم إليهم للتخفيف عن خسارتهم، وكانت نتائج التحقيق ما يلي:
1 - إن عدم وجود حدود رسمية بين العراق ونجد حمل ابن سعود على الإجتهاد في نشر سلطانه على القبائل والعربان المنتشرين بين حدود نجد وسكة حديد العراق.
2 - إن عشيرة الظفير الساكنة في بادية العراق معرضة لهجوم القبائل النجدية عليها لسبب وجود أحد رؤسائها (حمود السويط) تحت حماية ابن سعود ورعايته.
3 - قدرت اللجنة الأضرار التي لحقت بالقبائل العراقية كالتالي: 694 قتيلًا ونهب 130 رأسًا من الخيل، و 2530 جملًا و 3811 حمارًا و 43010 رأسًا من الغنم، ونهب 781 بيتًا(1).
كان الملك فيصل الأول رحمه الله عند إعتلائه عرش العراق يتقرب إلى الشيعة، وقد وقعت الحادثة فزادت من هذا التقارب.
1) هذه الأرقام وردت في نتائج التحقيق الذي أجرته وزارة الداخلية بكتابها المؤرخ في 24 آذار 1922م
طلب الملك فيصل من (السير برسي كوكس) المساعدة لتأديب الأخوان، ولكن الملك شعر بأن كوكس كان غير مهتم بشكل كبير بالموضوع، مما دعا الملك بالتفكير في استنفار العشائر التي قامت بثورة العشرين وقد يشجعها ذلك على القيام بثورة أخرى.
في نفس الوقت كان الملك في هذا الظرف الخطير محاطًا بعدد من رؤساء العشائر الذين شاركوا في ثورة العشرين أمثال محسن أبو طبيخ وعبد الواحد الحاج سكر وشعلان أبو الجون وعلوان الياسري وكَاطع العوادي... وهم يؤكدون للملك قدرة العشائر على محاربة (الأخوان) لو إمتلكوا السلاح. وقد شجّعوا الملك على إعلان الجهاد على الأخوان.
إستنجد الملك بالوزارة لمساعدته ضد الأخوان، فأرسل رسالة إلى مجلس الوزراء عن طريق رئيس ديوانه (رستم حيدر) شارحًا لهم أهمية الموضوع ومخاوفه من سيطرة وإنتشار نفوذ عبد العزيز بن سعود مما يجعل العشائر العراقية المتواجدة في المنطقة إمّا أن تدخل في طاعته قسرًا أو تنزح من تلك البادية حذرًا من توالي الغزوات عليها. وأن الملك يتفاوض مع المندوب السامي لإتخاذ تدابير لأمان الرعايا العراقيين في أراضيهم على أن يتكفل (كوكس) بمخابرة السلطان ابن سعود بتعيين الحدود بين المملكتين وإزالة أسباب الخلاف، إلّا أنه لم يحصل على نتيجة، فطلب الملك من المجلس مقترحًا أن يناقش مجلس الوزراء الموضوع بدقة وإهتمام، وأن يتخذ قرارًا يكفل تأمين العشائر والمدن من العدوان، لحين أن يتم معرفة نتائج الإتصالات بين المندوب السامي وابن سعود.
ناقش مجلس الوزراء في 1922/3/27 كتاب رئيس الديوان الملكي، فكانت آراء الوزراء متباينة، فوزير العدلية ناجي السويدي طلب أن يفاتح كل من الملك والمندوب السامي بما يلي: «هل يوجد خلاف بين حكومة العراق وبين حكومة نجد؟ فإذا كان هناك خلاف فما هي أسبابه؟ وطلب السويدي تعيين موقف حكومة بريطانيا تجاه المسألة، وهل هي مسؤولة عن الدفاع عن حدود العراق؟».
وفي الحقيقة كانت تساؤلات السويدي عمّا إذا كان هناك خلاف بين الملك فيصل وابن سعود، لأن المعروف والواضح بأن هناك خلافًا قديمًا بين الأسرتين الهاشمية والسعودية، ولكن لا أحد من المسؤولين يجرأ على الجهر به بينما السويدي أشار إليه بشكل غير مباشر.
أيّد السويدي في طرحه هذا أربعة وزراء هم: الدكتور حنا الخياط وزير الصحة وعبد اللطيف المنديل وزير التجارة والحاج رمزي بك وزير الداخلية وعزت باشا وزير الأشغال والإتصالات.
أما وزير المعارف السيد محمد علي هبة الدين فذكر بأن الحادثة مهمة ويجب تداركها، وطلب استيضاح موقف الحكومة العراقية وموقف حكومة بريطانيا منها.
أمّا وزير المالية ساسون حسقيل فذكر «أنه إذا فرضنا أن مسؤولية الدفاع واقعة على بريطانيا كما أعتقد، فيجب على الحكومة العراقية أن تنظر في أمر قوتها فهل هي مستعدة للإشتراك مع القوات البريطانية؟».
استدعى الملك خمسة وزراء كان من بينهم السيد هبة الدين وطلب منهم الإستقالة من مناصبهم لأنهم فقدوا ثقته بهم، فقدم ناجي السويدي إستقالته وأعقبه وزير الداخلية الحاج رمزي وكذلك وزير التجارة عبد اللطيف المنديل وأيضًا وزير الأشغال والإتصالات عزت باشا، ولم يقدّم وزير المعارف السيد هبة الدين إستقالته بينما قدم ساسون حسقيل إستقالته تضامنًا مع المستقيلين إلاّ أن إستقالته لم تقبل، وصدرت الإرادة الملكية بإعفاء الوزراء الأربعة من مناصبهم ومعهم وزير الصحة الدكتور حنا الخياط. مما أدّى إلى غضب السر برسي كوكس الذي إنتقد الملك على عدم إستشارته إيّاه في قبول إستقالتهم. وخاطب الحكومة البريطانية منتقدًا تصرف الملك إلّا أنه تراجع في رسالة أخرى لحكومته مخاطبًا لندن بأنه يوصي أن لا تدمّر مكانة فيصل في نظر شعبه العراقي، وطلب من رئيس الوزراء عبد الرحمن الكيلاني أن يختار وزراء ليحلّوا محل الوزراء الذين تمت تنحيتهم.
وفي الأول من نيسان 1922م صدرت إرادتان ملكيتان بتعيين توفيق الخالدي (متصرف بغداد) وزيرًا للداخلية، وصبيح بك نشأت وزيرًا للأشغال والمواصلات.
وفي الوقت الذي كان رئيس الوزراء يبحث عن أسماء ملائمة لاستيزارهم لسد النقص الحاصل نتيجة الأزمة حيث كانت وسائل الإعلام والصحف خاصة تتداول الحوادث على الحدود العراقية الجنوبية والأزمة الوزارية التي لم يتم إكمال نصاب الوزارة، كان الرأي العام متحفزًا لموضوع هجوم النجديين وضرورة إتخاذ مواقف جدية لحماية عشائر ومدن العراق من اعتداء الوهابيين، فكانت المبادرة قد أتت من المرجعية الدينية في النجف الأشرف.
عندما لم يرى الشعب العراقي موقفًا جادًا من الحكومتين العراقية والبريطانية والجماهير تستشيط غضبًا وهي ترى ما حلَّ بإخوانهم في الجنوب والرغبة في الإنتقام وأخذ الثأر بدأت تتزايد بين صفوف الناس فبادر قادة الرأي العام في العراق والزعماء الوطنيون فيه بمفاوضة العلماء على عقد مؤتمر يناقشون فيه الحوادث التي أدمت قلوب العراقيين وأن يقرروا التدابير اللازمة لصد العدوان.
عقدت المرجعية الدينية الشيعية في النجف اجتماعات ترأسها آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني والميرزا حسين النائيني... المرجعان الكبيران في النجف، وقرروا عقد مؤتمر في كربلاء يحضره رؤساء العشائر ووجهاء المدن العراقية لوضع خطة للدفاع عن البلاد. أرسلوا إلى الإمام آية الله الشيخ مهدي الخالصي الكبير في الكاظمية يدعوانه للحضور إلى كربلاء والمساعدة بأمر رؤساء العشائر في عموم العراق بالحضور للمؤتمر لما كان للمرحوم الشيخ مهدي الخالصي من مكانة عالية ومنزلة رفيعة في نفوس الشعب العراقي لكونه العالم العربي الكبير في العراق والذي يحظى باحترام وتقدير الجميع وهو أبرز شخصية دينية يومئذ، وأن يرأس الجهود والتدابير لرد عادية الوهابيين.
وتقرر أن يكون موعد المؤتمر من 10 إلى 15 شعبان، ويصادف هذا التاريخ زيارة (المحية) في منتصف شعبان الذي يوافق هذا التاريخ من 8 إلى 13 نيسان 1922م.
لبّى الإمام الخالصي هذه الدعوة فأرسل (250) برقية إلى الرؤساء والزعماء يدعوهم لحضور المؤتمر في كربلاء، فأصاب حكومة رئيس الوزراء الكيلاني الذعر من هذه الحركة وأوعزت إلى دوائر البرق بعدم إرسال البرقيات، وعندما علم الإمام الخالصي بذلك أرسل ولده الشيخ محمد إلى المشايخ والرؤساء حاملًا معه دعوات مكتوبة ومختومة من قبل الإمام الخالصي إليهم، كما قابل الشيخ محمد الملك شخصيًا باسم والده يدعوه لحضور المؤتمر وقَبِل الملك الدعوة.
وكانت الصيغة التي جاءت بها الدعوة للمشايخ والرؤساء والأعيان كما يلي:
«بمناسبة تجاوز الاخوان على حدود العراق تقرر أن يجتمع علماء النجف وكربلاء للمذاكرة في كربلاء فيما يتعلق بذلك، نسأل الله تعالى أن لا يخلي هذه الجامعة الإسلامية منكم ومن أمثالكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الراجي محمد مهدي الكاظمي الخالصي. 7 شعبان 1340ه».
المرحوم الإمام الشيخ مهدي الخالصي
نسخة من الدعوة التي وجهها الشيخ محمد مهدي الخالصي مؤرخة ومثبّتة بختمه. وقد زودنا بها الفريق الحقوقي الحاج طارق توفيق البلداوي.
فعندما رأت الحكومة هذا الإصرار سمحت بإبراق البرقيات الموقوفة ولكنها أعطت للموضوع أهميته، كان توفيق الخالدي في أول أيام وزارته وهو مقرّب من المندوب السامي البريطاني ومن رئيس الوزراء الكيلاني، وفي نفس الوقت كان لا يحظى بثقة الملك فيصل الأول، فأمر الخالدي إرسال القوات اللازمة لصيانة الأمن والنظام في كربلاء، وأوعز إلى متصرف كربلاء (عبد العزيز القصاب) بإتخاذ الإجراءات لحفظ النظام.
قام متصرف كربلاء عبد العزيز القصاب بإتخاذ الإجراءات التي أُمر بها من قبل الحكومة، ومن ثَمَّ أصدر بيانًا وفيما يلي نصّه حرفيًا:
بناء على قرب الاجتماع الذي سيُعْقد في كربلا المقدسة، يقتضي إتباع التعليمات الآتية:
1 - الدخول في المدن مسلحًا ممنوع.
2 - الاجتماعات العامة تحت السقوف جائزة، وأمّا الاجتماعات في الشوارع والعراء ممنوعة.
3 - لا يجوز إجراء المظاهرات بتاتًا.
4 - يجب أن تكون الاجتماعات بإذن أكبر مأموري الحكومة، ويتبع أحكام قانون الاجتماعات في ذلك. كما أنه يجب الإصغاء لأول أمر يعطى من قِبل أكبر مأموري الحكومة في المحل.
فالرجاء من جميع الأهالي إتباع هذه المواد
متصرف لواء كربلا: عبد العزيز
تم تأليف لجنة للإشراف على المؤتمر، ووضعت منهاجًا من ثلاث عشرة مادة، وإختيار أربع لجان فرعية هي:
1 - اللجنة الأولى: تؤلف من الشيخ محمد الخالصي وعبد الحسين الجلبي وأبو طالب الأصفهاني، ومهمتها بث النصح في وجوب المحافظة على الراحة والسكينة في الاجتماعات، وتسافر اللجنة عن طريق الحلة والنجف.
2 - اللجنة الثانية: تؤلف من صادق الاستربادي وحمدي الباججي وعبد الرسول كبة وإدريس الكاظمي وعبد الهادي الجلبي ومسؤولها جعفر أبو التمّن، ومهمتها الاعداد لسفر الشيخ مهدي الخالصي ومن معه من أهل الكاظمية وبغداد إلى الحلة فكربلاء.
3 - اللجنة الثالثة: تؤلف في كربلاء من الشيخ محمد حسن أبو المحاسن والسيد عيسى البزاز والسيد خليل الاستربادي والسيدهاشم شاه (الاشيقر) ومحمد الكشميري الكريم والسيد محمد رضا آل نصر الله والشيخ عمر العلوان الوزني والشيخ عبد الکریم
العواد (جميعهم من أهالي كربلاء وأعيانها)، ومهمتها تنظيم الاجتماعات في كربلاء.
4- اللجنة الرابعة: تؤلف من رؤساء وخدّام العتبات المقدسة في كربلاء، ومهمتها التعرف على القادمين والضيوف، وتعيين محل سكناهم وتمهيد طريق إيصالهم إلى الاجتماعات.
في 8 نيسان 1922م وصل آية الله الخالصي إلى كربلاء وإستقبله رؤساء كربلاء من طويريج، كون قدومه كان من الحلة ... وكان بالاستقبال عدد من مشايخ النجف وأربعمائة فارس من عشيرة (المسعود). عند وصوله إلى كربلاء نزل في دار المرحوم آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي.
كان في يوم 5 نيسان قد عقد اجتماع (لأهل السنة) في بغداد بمبادرة من الشيخ عبد الوهاب النائب الذي دعاهم للاجتماع وعقده، ناقشوا فيه أمر (الأخوان) وهل يتوجب قتالهم لتجاوزهم بما إقترفوه في المسلمين العراقيين... وأجمعوا رأيهم على وجوب الدفاع العام ومحاربة (الوهابيين).
فقال الشيخ عبد الوهاب النائب: «إن أخواننا الجعفرية قد صمموا على الاجتماع وإعطاء القرار بهذا الخصوص، ولمّا لم يكن بيننا وبينهم خلاف في أي شيء فكلمتنا واحدة».
وإستقر رأي الحضور بإنتخاب وفد منهم لحضور مؤتمر كربلاء، فأختير الشيخ (عبد الوهاب النائب) رئيسًا للوفد، وكل من أحمد الشيخ داود، وإبراهيم الراوي، وعبد الجليل الجميل أعضاء، وأفتى علماء السنة(1)(بوجوب قتال الوهابيين).
وفي الساعة الثانية من صباح يوم 10/ نيسان/ 1922 تحرك موكب أعيان بغداد إلى مؤتمر كربلاء منطلقًا من جامع الفضل في بغداد، ويتقدم الوفد الشيخ عبد الوهاب
1) نستميح القارئ عذرًا عندما نذكر مصطلحات (شيعة وسنة) لأننا لانؤمن بالتسميات وكلنا مسلمون لافرق بيننا، ولكن الضرورة أحكمت ذكرها لمتطلبات البحث لا غير
النائب وإبراهيم الراوي وأحمد الشيخ داود وعبد الجليل الجميل، إضافة إلى عدد من الشباب المثقف مودعين من جمهور كبير بأعلامهم وطبولهم.
في عصر يوم 10 نيسان وصل موكب علماء السنة كربلاء، وإجتمعوا بالخالصي في دار الشيرازي ونزلوا ضيوفًا في دار السيد قاسم الرشدي.
وفي نفس اليوم وصل وفد من الموصل إلى كربلاء، كان من بينهم الشيخ عجيل الياور ومولود مخلص وسعيد الحاج ثابت وأيوب عبد الواحد وعبد الله النعمة وثابت عبد النور وعبد الله آل رئيس العلماء ومحمد أغا رئيس الكَركَية. وأرسلت معهم إلى الخالصي برقية من أهل تكريت والشرقاط ينتدبون مولود مخلص ليمثلهم في المؤتمر وهم مستعدون لتطبيق أي قرار يصدر من المؤتمر...
كما وصلت إلى الخالصي مضبطة من تكريت موقعة من النقيب السيد أحمد وكلٌ من محمد عرب ومصطفى الحاج حسن وزيدان الخلف من رؤساء عشائر تكريت، أحمد الخطاب وندا الحسين رئيسا عشيرة (البيكَات)، ومقيم وسلمان الحاج حميد رئيسا عشيرة (الحديثيين)، تحمل نفس معاني البرقية الأولى وهي التضامن مع المؤتمرين ومساندتهم والوقوف معهم، واستعدادهم لتطبيق كافة مقررات المؤتمر بالأموال والأنفس.
ويجب أن نشير إلى أنه لم يكن يريح البعض هذا التضامن الطائفي في كربلاء، مما دعا بجريدة الاستقلال في عددها الصادر يوم 6 نيسان 1922 أن تقف مع المؤتمر، وانتقدت النفر المسيء له مما دعا وزير الداخلية توفيق الخالدي بإغلاقها لمدة ثلاثة أسابيع، مع العلم بأن الخالدي كان موضع شك وريبة وعدم إرتياح من قبل الملك فيصل.
كان الملك فيصل يرغب بصدق حضور المؤتمر بنفسه، ولكن المندوب السامي البريطاني لم يقرُّ رغبة الملك، وأخبره من الأفضل عدم المشاركة، مما دعا بالبلاط الملكي أن يأمر الحكومة بتمثيله فإنتدبت وزارة الكيلاني وزير الداخلية توفيق
الخالدي بالسفر إلى كربلاء ومراقبة أعمال المؤتمرين وكان الخالدي يوافي الحكومة والمندوب السامي بما يحدث يوميًا عن طريق إرساله البرقيات يوميًا.
لم يطمئن الملك لتوفيق الخالدي عندما إنتدبته الحكومة لحضور المؤتمر، فأرسل مدير الشرطة العام (نوري السعيد) ليمثل الملك شخصّيًا(1).
بدا نوري السعيد نشطًا من خلال إتصاله بالوطنيين أمثال عثمان العلوان الوزني وعمر العلوان الوزني وكَاطع العوادي وغيرهم. وكان مدير شرطة كربلاء آنذاك (هاشم العلوي) الذي ساعد نوري السعيد في مسعاه.
في 9 نيسان 1922 تم إفتتاح المؤتمر باجتماع أوّلي حضره آية الله الشيخ مهدي الخالصي، وآية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني، ووزير الداخلية توفيق الخالدي وكبار المدعوّين. وتقرر فيه تنظيم مضابط يوقعها الرؤساء والوجهاء تتضمن مبادئ الشعب ومقاصده السياسية المتعلقة بقضية (الأخوان) الوهابيين.
وفي الأيام اللاحقة من جلسات المؤتمر صدرت مضابط عديدة قرروا فيها:
1 - وجوب الدفاع عن البلاد ومقاتلة الأخوان بمعاونة الجيش الملكي النظامي.
2 - أكدوا تعلقهم ومساندتهم لعرش الملك فيصل والثقة بسياسته.
3 - طلبوا استرداد المنهوبات وتعويضها ودفع الديّات عن القتلى المظلومين.
1) يذكر الحسني في هامش ص90 من ج1 من تاريخ الوزارات العراقية ما يلي: «في تقرير للمخابرات البريطانية تاريخه 15 نيسان 1922 تقول الفقرة (331) منه {إن الملك فيصل ندب مدير الشرطة العام. وهو نوري السعيد للحضور في كربلا متنكرًا. والعمل على حث المؤتمرين على تأييد سياسة الملك إزاء الإنكليز. وأن نوري توجه إلى هذه المدينة المقدسة فعلًا. ونزل في بستان للسيد قاسم رشدي. وصار يتصل برؤساء القبائل سرًا. يحثهم على الوقوف صفًا واحداُ أمام قضية الأخوان. ووجوب تأييد سياسة الملك فيصل الرامية إلى تخفيف الإعتماد على الإنكليز. والمطالبة برفض الإنتداب البريطاني على العراق}. ويقول التقرير أن سلوك نوري هذا عرّضه إلى نقد شديد من قِبل أصحابه في بغداد». وفي الحقيقة كان التقرير فيه الكثير من المبالغة والتجني بل والكذب أيضًا لأن نوري السعيد كان موجودًا في المؤتمر ويعمل علنًا
في يوم 15 شعبان الموافق 13 نيسان 1922 كان الاجتماع النهائي والكبير الذي عقد في صحن الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وقرأ (جعفر أبو التمّن) برقية وصلت الملك فيصل يشكر المؤتمرين، وبعدها ألقى أبو التمّن خطابًا شكر فيه القائمين بالمؤتمر وأهل كربلاء والعلماء والحضور جميعاً، وتحدث عن فظائع الأخوان في الحجاز والعراق، وإنفضّ المؤتمر.
وتم في نهاية المؤتمر إعداد مضبطة وقعها أغلب المجتمعين في مؤتمر كربلاء من سادات وأشراف وزعماء القبائل والعشائر وأعيان مدن العراق، وقد أعدّت بنسختين إحداهما قُدّمت إلى جلالة الملك فيصل ملك العراق، والثانية إلى العلماء الأعلام. وفيما يلي نص المضبطة وأسماء الموقعين عليها:
بسم الله وبه نستعين
نحن الموقعين أدناه سادات وزعماء وأشراف مدن العراق. إصالة عن أنفسنا ونيابة عن ممثلينا لدعوة حجج الإسلام دامت بركاتهم الذين يمثلونا والرأي العام الإسلامي. حضرنا الاجتماعات المنعقدة في كربلاء والمنتهية في اليوم الخامس عشر من شعبان سنة الألف وثلاثماية وأربعين. وبناء على ما أوقعه الخوارج الإخوان بإخواننا المسلمين من الأفعال الوحشية من القتل والسلب والنهب. فقد إتفقت كلمتنا بحيث لم يختلف من بيننا أحد في كل ما تقتضيه مصلحة بلادنا عامة، وحفظ المشاهد المقدسة وقبور الأولياء خاصة. وسلامتها من جميع طوارئ العدوان. وعلى الأخص عادية الأخوان.
وقررنا معاونة القبائل بكل ما بوسعنا وإستطاعتنا لمدافعة الخوارج الأخوان ومقاتلتهم العائد أمر تدبيرها لإرادة صاحب الجلالة الملك فيصل الأول الساهر على حفظ استقلال بلادنا. وبناء على تعلقنا بعرش السدة الملوكية. فإنا نطلب من جلالته إسعاف مطلوب الأمة في أمر القتلى والمنهوبات التي أوقعها الخوارج الإخوان حسب
القوانين المرعية. وقد نظمنا بذلك نسختين فقدمنا واحدة منها لأعتاب صاحب الجلالة. والثانية للعلماء الأعلام والله المستعان.
الموقعون:
السيد هادي نقيب أشراف النجف الأشرف، كليدار الروضة الكاظمية شيخ علي، کليدار الروضة المطهرة الحيدرية السيد علي، علي الحسيني القزويني، هادي الجودة النجفي، السيد مهدي آل السيد سلمان، حاج حسون شربة، السيد أبو الحسن الكاظمي، كاظم السيد علي، عبد الرزاق شمسه، حسين الظاهر، كاظم الحاج داود، جعفر الحاج محمد، السيد جعفر آل عطيفة، الحاج جعفر آل أبي التمن، عبد المحسن شلاش، الحاج أسعد، حاج مجيد مكية، مصطفى ابن محمد العطار، محمد جواد الحلي، محمد العطار، محمد طاهر الجوهر، عبد الرسول كبة، محمد رؤوف جرجفجي، عبد الحسين الجلبي، السيد عبد الوهاب وهاب زادة، السيد أحمد وفي آل الرشدي، عبد الحسين جرجفجي، عبد الحسين وزیر، حسن بن...، علوان بن سعودي، هاشم بن سيد عطية، حاج حسن بن الحاج حبيب، أحمد جرجفجي، حاج عبد الهادي الحاج جواد، الشيخ مطلق، جعفر الأعسم، عبد الرسول الحاج حسون تويج، السيد موسى، محمد مطر، عبد الكريم الحاج عبد الرضا، علي الحاج حمادي الحسن، الشيخ حسن أبو المحاسن، السيد كاظم الرفيعي، تومان عودة، سيد حميد أبو العيس الكاظمي، عبد الهادي الفلوجي، محمد الحاج معروف، سيد أحمد بن كاظم، علي بن عبد الحسين، جاسم الظاهر، السيد محسن السيد عباس، عبد الرزاق حمزة، حاجي عبودي، حمودي شهيب المولى، جوادي بن مهدي، سيد يحيى الحبوبي، حسين الطرف، سید محمد زوين، محمد حسن فلوجي، السيد محمود السيد شاكر، السيد شاكر السيد محمد الحلي، حمود بن صالح عبيدة، محمد بن عبد الفتاح، مجيد بن حسن كظماوي، مهدي بن محمد علي، كاظم بن عيسى الحمود، حسين الحلي، حماد، حاج محمد العبد الحسين، السيد عبد الكاظمي، حاج رشاد الكاظمي، محمد باقر السيد محمد مهدي
زوين، محمد حسن فلوجي، أحمد بن حسن الحاج عليوي العامري، عبد الباقي بن عبد الله، عبد الجليل ناجي، على الخرسان، سيد علي، محمد السيد عبد الرسول عطيفة، عمر الحاج علوان الوزني، سيد هادي، حسن جبر، وهاب الحاج مرزا عفجاوي، حاج مهدي الفلوجي، محمد الحاج مهدي، شعلان الحاجم شيخ الطهامزة، شيخ حسين العبود رئيس ألبو حسب الله، علي الصالح رئيس بلدية الكوفة، عثمان العلوان الوزني رئيس بلدية كربلاء، عبد المهدي القنبر، محمد علي بن سلمان، السيد عيسى، محمد الحاج حسن الشهيب، شیخ علوان الجار الله رئيس عشيرة بني سعد، شيخ حسن بن محمد حمزة رئيس ناحية أهالي بلد، السيد ناجي السيد علي عفجاوي، السيد علي السيد عبد الله محنة عفجاوي، سلمان الشراد عفجاوي، السيد مهدي الرفيعي.
وكانت مدينة كربلاء مزدحمة جدًا في زيارة النصف من شعبان في تلك السنة، وأرسلت الحكومة قوّة من الجنود لحفظ الأمن.
كان الملك فيصل متابعاً بشكل يومي لوقائع المؤتمر من خلال ما ينقل إليه من المعلومات الدقيقة عن مجريات الأمور، وعندما إطلع جلالته رحمه الله على مقررات المؤتمر وما جاء في المضبطة الموقعة من قِبل المؤتمرين، أبرق إلى كربلاء البرقية التالية:
إلى حضرات حجج الإسلام العلماء الأعلام والرؤساء الكرام...
لقد بلغنا ما تحلّى به اجتماعكم هذا التاريخي من مظاهر الحمية الشريفة، والوطنية الصادقة، ومآثر الحكمة والرويّة، وما أظهر تموه من الإخلاص نحونا، جزاكم الله عنا وعن الدين والوطن والأمة خير الجزاء. وانا نبتهل إلى الباري عزّ وجل أن يوفقنا وإيّاكم لما فيه حفظ كيان الوطن المحبوب، وتعزيز كلمة الأمة، وإعلاء شأنها والله خير مجيب والسلام عليكم أجمعين.
بغداد
15 شعبان 1340
12 نیسان 1922
فيصل
صورة المضبطة
كان المؤتمر إثناء أيّام إنعقاده لم يخلُ من الانشقاق والاختلاف، حيث إمتنع بعض رؤساء العشائر التوقيع على المضابط، ومن هؤلاء: عدّاي الجريان رئيس ألبو سلطان، ورشيد العنيزان رئيس اليسار في الحلة، وعمران الزنبور رئيس بني عجيل، وشمران الجلوب رئيس آل فتلة في الهندية، ومراد الخليل رئيس الجبور.
وإجتمع هؤلاء في (الحلة) بعد انتهاء المؤتمر الذي إنعقد في كربلاء، وقرروا تنظيم مضبطة مضادة لمضابط المؤتمر، يحتجّون فيها على تدخل علماء الدين في السياسة، وأكدوا كذلك بأنهم يعلنون تمسكهم بالانتداب البريطاني!!
وإتصل قسم من هؤلاء بالشيخ علي السليمان رئيس عشائر الدليم(1)، وذهب هذا الأخير في 19 نيسان 1922 إلى السر برسي كوكس في بغداد ليأخذ رأيه في الموضوع حسب تكليف قسم من الرؤساء المعارضين...!! فردّ عليه كوكس بعدم تنظیم مضبطة مضادة للمؤتمر، لكي لا تعتبر هذه الأمور دسيسة إنكليزية، ونصحه بأن يقابلوا الملك فيصل ويشرحون له بأن المؤتمرين في كربلاء هم متطرفون وسوف يقودون البلاد إلى مساوئ جمّة...!
ذهبوا إلى الملك وبعدها قابلوا (عبد الرحمن النقيب) الذي شجعهم على إعداد مضبطة مضادة، فكتبوها وملؤوها بالشتائم وإنتقدوا المؤتمر والقائمين عليه(2).
على إثر هذه المضبطة المشينة فقد حصل ما كان (كوكس) يخشاه فإن بعض أفراد العشائر التابعين لأصحاب هذه المضبطة بدأوا ينظّمون مضابط يعلنون عدم إعترافهم برؤسائهم الحاليين ويريدون إختيار رؤساء غيرهم... وأرسلوا المضابط إلى آية الله الشيخ مهدي الخالصي ليحتفظ بنسخة منها ويقدّم الأخرى إلى الحكومة.
ومن المؤسف أيضًا أن السيد جعفر أبو طبيخ وصل إلى الحلة ومعه رؤساء من الخزاعل ليوقعوا على المضبطة المعارضة لمؤتمر كربلاء... وقالوا بأن عشائر الشامية باستثناء الشيخ عبد الواحد الحاج سكر والسيد نور الياسري والسيد علوان الياسري، يقفون موقف المعارض لمؤتمر كربلاء ومقرراته، ويقف معهم الشيخ سالم الخيّون
1) من خلال أحداث تاريخ العراق منذ دخول الإنكليز واحتلال بغداد وثورة العشرين، نرى بان هؤلاء كانوا قد ربطوا مصيرهم بالمحتل وتزلفوا له، وإبتعدوا كل البعد عن المواقف الوطنية وقد إنجرّوا وراء مصالحهم والحفاظ على مواقعهم
2) نص المضبطة نقلها الدكتور علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية، عن وثيقة من وثائق البلاط الملكي كنسخة ثانية مكتوبة على ورقة غير موقعة وغير مؤرخة
رئيس قبيلة بني أسد، وخيون العبيد وبعض رؤساء المنتفك (الناصرية)، وإجتمعوا في الحلة بالمستشار السياسي الإنكليزي وأبلغوه بأن الفرات كُلّهُ متكتل بحزم لمقاومة أي تدخل ضد الانتداب البريطاني(1)!!!
من خلال مؤتمر كربلاء يمكن لنا أن نذكر ما تمخض عن هذا المؤتمر الهام من نتائج كانت في غاية الأهمية نوجزها بمايلي:
1 - أوضح المؤتمر بعد انتهاء إنعقاده بأن هناك خلاف حاد بين الملك والسير برسي كوكس، وهذا الأخير يعتبر المؤتمر دعوة مدعومة من البلاشفة (الروس) والأتراك، لجرّ العشائر للهياج ضد السياسة البريطانية، كذلك جر الملك من قبل العلماء ورجال الدين وشيوخ العشائر الذين سبقوا أن شاركوا في ثورة العشرين إلى إتخاذ موقف ضاغط على الإنكليز، وهذا ما أوضحه كوكس في رسائله إلى لندن.
2 - تصور البعض أن مؤتمر كربلاء مؤتمرًا فاشلًا لأنه لم يحقق ما كان يصبو ذلك إلى الضغط الإنكليزي. ولكن ثبت العكس بعد ذلك.
3 - على الرغم من كل ذلك فإن المؤتمر جعل كوكس يبذل جهدًا لتسوية النزاع بين العراق وابن سعود لصالح العراق. حيث يمكن للمتتبع الرجوع إلى تفاصيل (معاهدة المحمّرة) التي تمت في مؤتمر عقد في بداية أيّار 1922، وفيها كان ترسیم الحدود بين الدولتين السعودية والعراق على الرغم من استياء ابن سعود. ومنذ ذلك الحين بدأ كوكس يضغط على ابن سعود بشكل كبير، مما نجد نتائج هذا الضغط بزوال خطر الوهابيين على العراق(2).
1) مجلة المثقف العربي، حزيران 1974 مقال للسيد صالح جواد كاظم
2) عندما رأى (كوكس) المندوب السامي البريطاني في العراق هياج الرأي العام والإتهام الصريح للحكومة البريطانية على أنها كانت وراء تلك الحوادث الفظيعة، بعث ببرقية إحتجاج إلى عبد العزيز بن سعود، ثم إقترح حدودًا مؤقتة بين العراق ونجد، ودعا إلى عقد مؤتمر في المحمرة لترسيم الحدود، ومنع الغارات النجدية على الأراضي العراقية، وتم ذلك في (معاهدة المحمرة) التي تم التوقيع عليها في السابع من رمضان سنة 1340ه الموافق للخامس من مايس سنة 1922م، والتي وقّع عليها كل من أحمد الثنيان آل سعود سكرتير سلطان نجد عبد العزيز بن سعود ومندوبه الشخصي، وصبيح بك نشأت وزير الأشغال والمواصلات المندوب الشخصي للملك فيصل الأول، وب. ه. بورديللون سكرتير المندوب السامي لملك بريطانيا في العراق مندوبًا عنه. وتحدد في المعاهدة الإتفاق على الكثير من الأمور التي تخص المملكتين من حدود وتسمية العشائر القاطنة في كل مملكة والأبار والتعهد بتأمين طريق الحج وكذلك المبادلات التجارية والرسوم وأن يكون التنقل بين المملكتين بوثيقة (الباسبورت) وغيرها من الأمور، ولكن الإسفين الأخطر الذي دق في هذه المعاهدة هي أن لجنة تجتمع في بغداد تتألف من شخصين لكل حكومة يرأسها أحد الإنكليز منتخب من المندوب السامي لرسم الحدود وعلى الطرفين قبولها بدون إعتراض!! وفي الحقيقة أن المندوب السامي لم يرغب ولا يرق له قيام مفاوضات ودية بين العاهلين العراقي والنجدي مباشرة، لأن الجميع والرأي العام يعرف أن قضية الحدود كانت منبعثة عن أيد إنكليزية دساسة، ومما يؤيد ذلك هو المادة السادسة والأخيرة من معاهدة المحمرة والذي نصّها: «إذا حصل لا سمح الله. خصام بين إحدى الحكومتين وحكومة بريطانية العظمى تكون هذه المعاهدة منفسخة»!! وما الخلافات السعودية والعراقية لعشرات السنين كانت بسبب الحدود التي رسمها الإنكليز ووضعوا (منطقة محايدة) كانت تستخدم دائمًا في الخلافات بين العراق والسعودية إلى أن تم في ثمانينيات القرن العشرين تعديل الحدود وإقتسام المنطقة المحايدة بين الطرفين
4 - دلل المؤتمر من خلال مشاركة أهل السنة ورؤساء المناطق والمدن في الموصل، وبرقيات الآخرين من الشرقاط وتكريت... بأن هناك تلازمًا قويًا بين أبناء الشعب سنة وشيعة، وعندما يداهم العراق خطر ما تلغى الطائفية والمذهبية والمناطقية، وتحل الأخوّة ويبقى العراق شامخًا.
كان مؤتمر كربلاء ظاهرة فريدة على تلاحم الشعب العراقي ووقوفه متحدًا على صد العدوان، وكانت مقرراته هي صوت الشعب ورأيه، ورسالة إلى المحتل الإنكليزي بأن الشعب العراقي يمكن أن يتخذ موقفًا حازمًا إذا ما أضطر لذلك، وهذا المؤتمر أوضح للإنكليز أن الرأي العام العراقي يقف مع مليكه ولا بد للرضوخ إلى مطاليبه، والعراقيون عرفوا نيّات الإنكليز وأن جميع ما يحدث في بلدهم بسبب تلك السياسة البريطانية ومصالحها.
كما كان للمؤتمر تأثير آخر في إكمال الوزارة التي إستقال منها خمسة وزراء بسبب
أحداث الإخوان والأزمة بين الملك والحكومة، فبعد المؤتمر بثلاثة أيام صدرت الإرادة الملكية في 15 نيسان 1922م بتعيين الحاج جعفر أبو التمن وزيرًا للتجارة، وهو من الناشطين في مؤتمر كربلاء، وقوبل تعيينه هذا بالاستحسان من قبل القوى الوطنية العراقية. وقبِل المندوب السامي تعيينه لضمان الحصول على تأييده للمعاهدة التي يعدّها الإنكليز، حيث كان أبو التمن في صفوف المعارضة وكانت رغبة رئيس الوزراء والمندوب السامي أن يستلوه من جبهة المعارضة!
وفي 24 نیسان 1922م صدرت الإرادة الملكية بتعيين عبد المحسن السعدون للإستفادة من علاقته الجيدة بسلطان نجد عبد العزيز بن سعود. ولم يتم تعيين وزير للصحة لأن وزارة الصحة تم إلغاؤها وأصبحت مديرية عامة تتبع لوزارة الداخلية.
أمّا في كربلاء فقد أثبت الكربلائيون بما قام به علماء الدين ورؤساء العشائر وسادة وأعيان المدينة من أهالي كربلاء بحسن تنظيم وضيافة وتهيئة الأجواء الملائمة لعقد جلسات المؤتمر في وقت كانت المدينة تشهد زخمًا هائلًا من الزائرين بسبب الزيارة الشعبانية، وكان كل أهل كربلاء بدون استثناء يقفون على تهيئة كافة المستلزمات بشعور وطني لإنجاح تلك التظاهرة الكبيرة، وقد تبيّن ذلك عندما شكر عدد من الرؤساء الحاضرين في المؤتمر بكلماتهم أهالي كربلاء وحسن ضيافتهم واهتمامهم بالضيوف، بل وبتوقيعهم على مضبطة المؤتمر والمشاركة في قراراته.
عندما دخل الإنكليز كربلاء بعد ثورة العشرين ونصّبوا الشيخ فخري كمونة قائمقامًا لكربلاء وتم إعفاءه بعد شهرين وتعيين حمید خان محله ومتصرفًا بالوكالة إلى أن تم تثبيته متصرفًا، شغل رئاسة البلدية في كربلاء السيد سعيد بن هاشم آل عيسى البغدادي(1)أصالة بالتعيين.
1) وهو من السادة الحسينيين المشهورين بآل البغدادي في كربلاء، وآل عيسى البغدادي هم من أحفاد زيد الشهيد بن الإمام زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ). هاجر بيت البغدادي إلى كربلاء في بداية القرن الثالث عشر الهجري، وآل عيسى هؤلاء هم ليسوا آل عيسى الحسنيون الذين كانوا يسكنون كربلاء قديمًا. وكان السيد سعيد من الأعيان ومن أصحاب الأملاك في كربلاء
وعند قدوم الأستاذ عبد العزيز القصاب متصرفًا لكربلاء تطلب الأمر لإعداد إنتخابات لرئاسة البلدية، فبعد الانتهاء من مؤتمر كربلاء بأربعة أشهر أجريت الإنتخابات تحت إشراف المتصرف ففاز برئاسة البلدية الشيخ عثمان العلوان(1)رئيس عشيرة الوزون في كربلاء، وهو من الشخصيات الوطنية البارزة في المدينة، فباشر في منصبه في بداية شهر محرم 1341ه / أيلول 1922م وإستمر رئيسًا للبلدية حتى عام 1345ه / 1926م.
الشيخ عثمان العلوان الوزني
1) هو عثمان بن علوان بن فليح بن جدوع الوزني، وعشيرة الوزون بطن من خفاجة، والوزون من العشائر الكبيرة في كربلاء، ولهذه العشيرة مواقف مشرفة في تاريخ المدينة. وفي ثورة العشرين نفي عثمان العلوان مع أخيه عمر إلى جزيرة هنجام، وبعد عودته وأخيه الذي انتخب عضوًا في المجلس التأسيسي العراقي سنة 1924م كانا من المعارضين للمعاهدة البريطانية العراقية سنة 1925م. إنتخب الشيخ عثمان نائبًا عن كربلاء لعدة دورات في البرلمان العراقي، وهو من مؤسسي فرع حزب الإخاء الوطني في كربلاء. توفي سنة 1938 ودفن في كربلاء (راجع كتابنا بيوتات كربلاء القديمة ص 261 - ص 266 وفيه التفصيل)
الليدي درور (دراور) سيدة إنكليزية زارت العراق في مطلع تشكيل الحكومة العراقية في (العهد الملكي) الذي تم فيه تنصيب (فيصل بن الحسين) ملكًا على العراق. وكتبت عن العراق (بلاد الرافدين) كل مشاهداتها حيث زارت مناطق عديدة منه، وكانت مدوناتها هذه قد نُشِرت في كتاب سمته بين دجلة والفرات وصدر سنة 1923م باللغة الإنكليزية، وقد تصدى لترجمته الأستاذ فؤاد جميل باسم (في بلاد الرافدين... صور وخواطر) حيث أصدره في بغداد سنة 1961م.
ويبدو من تاريخ نشرها لكتابها أنها زارت العراق سنة 1922م. وقد كانت زيارتها إلى كربلاء في شهر شباط من تلك السنة.
كانت الليدي دراور كاتبة للقصص الخيالية، كانت تنشر باسم (أثل سسل ستيفنس) ومنذ زواجها بالسير أدوين دراور سنة 1910م بدأت تنشر باسم (الليدي دراور) فتقول عن كتابها هذا في مقدمته:
«وقد سبق لي ان كتبت شيئًا عن كثير من هذه الموضوعات قبلاً، ولكن هناك زوايا عدة يستطيع الكاتب أن يرى البلد منها. ولعلّ القُصّاص يجدون فيه وفي سكانه، مادة قيّمة تغذي إنتاجهم بوجه لم يسبق إليه أحد من قبل. لقد شغفت ببيتي العراقي حبّاً جما. وعنيت بالأساطير كثيرًا، ولم أعن بالتاريخ إلاّ لماما.
وإنصرفت بكليتي إلى استقصاء عادات العراقيين والخرافات الشائعة في البلد، ولم أتناول موضوع السياسة البريطانية أو معضلات الحكومة المحلية إلاّ قليلا. وأستميح قرائي عذرًا أن رأوني أسير وراء خيالي المنسرح، فلقد إعْتَدت على كتابة القصص الخيالية!».
ولليدي دراور مصنفات عدة تناولت فيها موضوعات (الصابئة) و(اليزيدية) و (مأثورات العامة) ومنها كتابها الذي نأخذ منه مادتنا عن رحلتها إلى كربلاء. وتتمتع دراور بإسلوب سلس يسير، وقصصي ممتع.
كانت الليدي دراور قد زارت النجف قبل كربلاء، ومن النجف توجهت إلى کربلاء عن الطريق الصحراوي، وندعها تشرح ما دونته عن الطريق هذا حتى وصولها إلى كربلاء، فتقول: «وتلي (كربلاء) - عند الشيعة - (النجف) من حيث الأهمية، وفي مقدور المرء أن يزورها من النجف أو الحلة. ولا يسلك الطريق الصحراوي الذي يربطها بالنجف إلاّ لماما، لكن الزوّار، وعلى الرغم من ذلك، يسلكون الطريقين دومًا. ولو ترك المرء (النجف) وسلك هذا السبيل فإنه يشاهد أولاً الكثير من القبور، ومنها ما تعلوه القباب المغشاة بالقاشاني المموّه، ومنها ما تبنى على غرار المزارات الشائعة، أو بالآجر، والبقية الباقية لا تعدو أن تكون أكداسًا من طين. وقد يشاهد المرء بين الفينة والفينة موكباً جنائزيًا... أو كلاب بريّة وهي حائمة بين القبور.
وبين (النجف) و (كربلاء) قاع صفصف رملي وآثار الطريق المتيهة التي تربط المدينتين سريعة المحو، ولاسيما عند هبوب العجاج لذلك، كثيرًا ما يضلّ السالكون الطريق. أن طولها 40 ميلاً، وليس فيها من المعالم شيء، وقد تغور عجلات السيارة في كثيب...
وكان يومًا فاختيَ اللون من أيام شباط عندما سلكت هذا الطريق... وقنابر(1)الصحراء، وهي ليست بذات عرف، دائبة الشدو والغناء. ولا تعدم الصحراء هذه، على الرغم من الملوحة الظاهرة عليها، شيئًا من النبت، وفيها زهرات لا عهد لي بها من قبل. وقطفت منها زهيرة خشاش أرجوانية اللون وعذقاً من زهيرات بريّة غريبة أخرى، إن أرضها مسطحة محصاة، ومهما بلغ تسكابُ المطر عليها من شدّة فهي باقية كبلقع مهجور.
1) قنابر، جمع قنبرة أو قُبّرة، وهي نوع من الطيور الصغيرة بحجم العصفور أو البلبل. وجاء في المنجد أنها من فصيلة القُبَّريّات دائمة التغريد، تفتش عن غذائها في الحقول وعلى الطرق
وما أن يقترب المسافر منها إلاّ وتتلاشى الخضرة التي تتراءى في الأفق (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء). وتنبت فيها الأعشاب متباعدة، لذلك تظهر الأرض وكأنها جرداء رمادية.
ومررنا في طريقنا ب (خان المصلّى) وهو على بعد 12 ميلًا من (النجف). وتوجد من مثل هذا الخان ثلاثة(1)، إنها على الطريق بين كربلاء والنجف، وهي محصنة جميعاً. وفي مقدور الزوّار أن يجدوا فيها المأكل والمشرب والمأوى. ووقفت بنا السيارة عند (خان حماد) وهو في منتصف الطريق تمامًا. إنه قرية ذات أسوار عالية، وفيها بيوت، ودكاكين، وإسطبلات وأجنحة خاصة للزوّار. وهؤلاء يخشون أبناء العشائر كثيرًا، ولعل هذه الملاجئ المحصنة خير دريئة تقيهم أخطار مكان منعزل كهذا الطريق. وقادنا المدعو (منديل) مختار (خان المصلّى)(2)إلى بيته، وقد فرشت أرضه الحصر، وتناثرت عليها الوسائد. وقدَّم لنا المخيض (شنينة) في آنية كبيرة، كما قُدّمت لنا الأرغفة المسطحة، والدجاج المشوي والبرتقال وعجّة البيض (البيض المخفوق). وفي سرع سريع إنطلقت السيارة بنا نحو كربلاء، ولم نزر في طريقنا إليها (خان النخيلة). وتلتقي الصحراء بالمدينة على حين غرّة، وعلى مسافة تقرب من ميل، خارج كربلاء نفسها، ومن بعيد تتراءى قباب كربلاء ومنائرها بين النخل. إن شذى زهور الباقلاء هو أول ما تستروحه في مسرى نسماتها الحلوة العليلة... وأنت مقبل على المدينة. ويتكاثف الشجر، ويطالعك بعده منظر ساحر فتّان. هذا نَوْر كثير من أنوار اللوز والتفاح، إنه يتلألأ بين النخيل، وتتدلّى أغصان شجره القائم على حفافي (الحسينية) فوق صفحة مائها الصافي الرقراق. وهذا طريق آخر بين الجنائن ويفضي إلى المدينة نفسها.
1) بين النجف وكربلاء ثلاثة خانات والمسافات بينها متساوية، وهي خان المصلّى الأقرب إلى النجف ومن ثُمَّ خان الحماد (خان النص) وخان النخيلة (خان الربع) الأقرب إلى كربلاء، ويجد القارئ تفصيل عنها في بعض مواضع هذا الكتاب
2) نعتقد المقصود به خان الحماد (خان النص) لأنه الخان الأكبر بين الخانات ويتكون من عدة خانات وحوله قرية توفر للمسافرين والزائرين الكثير من إحتياجاتهم
وبعد (النجف) - وخططها جامدة على ما رأيت - تطالعك (كربلاء) فتنة للناظرين. فشوارع الجزء الحديث من المدينة(1)مفتوحة مستقيمة، وكأنها هندمت بالقّدة والفادن والبركار... وإنك لترى الحمير تمر فيها وهي محملة خضرا. لقد خلفنا الصحراء المقفرة المالحة ظهريًا، فنحن الآن في أرض رسوبية خصبة. وبيوت القسم القديم من المدينة تحيط بمساجدها.
إن شوارع هذا القسم ملتوية، ولا حظّ لها من إنتظام. ولكربلاء مقبرة في (وادي الأمان)(2)وإليها تنقل أجداث الموتى من كل بلد ناء سحيق. إن كانت النجف هي الرأس المفكر عند الشيعة فالقلب كربلاء. إنها أشد قدسية من النجف، فبمجرد ذكر اسم (الحسين) الذي تضم تربتها رفاته يثير في نفوس الشيعة أقوى أحاسيس الولاء له. وتبكي نسوة العراق اليوم الحسين كما بكت بابل (تموز)(3)في الماضي القديم. وسرد قصة ما عاناه (الشهيد) يثير فيهن الأسى فتقطع منهنَّ نياط القلوب. وعلى مقربة من موقع كربلاء اليوم حاصَرَ هراطقة الخليفة(4)وجنده (الحسين بن علي) ومنعوا عنه الماء، ثم أجهزوا عليه. إنها أفجع مآسي تاريخ الإسلام طرّاً. والقُصّاص في شهر محرم، يروونها وتُمثّل وقائعها كمأساة: فهناك رجال يرتدون ملابس خاصة ليمثلوا شخصياتها الرئيسية. إنهم يسيرون في موكب يطوف بالمدينة، وبينهم (الفرنجي) – وقد ألبسوه قبعة شمسية وملابس أوربية – وتروي الأساطير إنه أسدى ل (الحسين) معروفا.
1) تقصد محلة العباسية التي أمر أنشأها الوالي مدحت باشا جنوبي المدينة سنة 1869م
2) وادي الأمان: هو المقبرة الرئيسية للمدينة التي كانت تقع في الجهة الجنوبية الشرقية منها خارج السور وهي في منطقة (باب طويريج) الحالية
3) دموز أو (الراعي) إله الخضرة، وقد ورد اسمه في الكتاب المقدس (تموز) و(ادونيس)
4) تقصد به درور (یزید بن معاوية بن أبي سفيان)
ولا يمر شهر محرّم إلاّ ويموت فيه بعض أبناء الشيعة نتيجة ضرب (القامات) على الهامات، أو السلاسل على الظهور. إنهم يحتفلون بذكرى الفاجعة في جميع الأمكنة التي يحلّون فيها، وكربلاء دوماً في المقدمة منها. ذلك أن جثمان (الشهيد) مقبور فيها تحت قبّة (الحضرة الكبيرة) - وهي أشد العتبات المقدسة حرمة وأكثرها ثروة. وإن شهر محرم هو الشهر المفضل في أداء الزيارات إليها.
وفي (كربلاء) مسجد آخر تعلوه قبة مغشاة بالقاشاني ومنائر ذهبية(1)ويضم رفات الإمام العباس، وهو أخ للحسين من أبيه. ولو أقسم الشيعي حانثًا بالحسين لما ناله عقاب، فالإمام وديع يصفح، لكن العباس عصبي المزاج وعسكري صارم، يؤمن بالضبط والربط، لذلك لن يجسر أحد على أن يقسم به حانثًا. ألم تر في سقف مسجد الإمام العباس رأس رجل معلق به؟! قيل أنه أقسم باسم الإمام زورًا، فما كان من الرأس إلاّ أن يطير عن الجسد ويلتصق بالسقف. فإن أقسم إمرؤ بالعباس زورًا فلا معدى من أن يصيبه مثل هذا.
وكربلاء غنية بالأركان الملونة الجميلة، وجمالها ليس كجمال النجف، لكن الشارع العظيم المستقيم المؤدي إلى المسجد الكبير لا حظّ له من الخلابة والجدة. وتنتهي أسواقها المتعرجة دوماً بأبواب تعلوها طوق مغشاة بالقاشاني. ومن هذه الأبواب يصار إلى مرقد (الحسين) البهيج(2). وغالبية سكان المدينة من الفرس
1) لم تكن المنارتان في مرقد العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مطليتان بالذهب بالكامل، وإنما كانت مذهبة من (الحوض) إلى الأعلى فقط، ومن الحوض إلى الأسفل كانت مغشاة بالقاشاني، وإلى وقت قريب جدًا تم تذهيبها بالكامل
2) في بداية القرن العشرين الميلادي وإلى نهاية الثلث الأول منه، كانت أبواب الصحنين الشريفين هي التي تصب فيها ممرات الأزقة في المدينة في وقت لم تفتح بعد الشوارع الرئيسية فيها، وأمام كل باب كانت فسحة من الأرض تتفرع منها الأزقة والأسواق، وما زالت آثار الأزقة موجودة إلى الآن
ووجوههم سمراء شاحبة بيضوية الشكل، وأجسامهم متهدمة. إنهم لا يرمقون المار بنظرة الرضى، وهم لا يغرون أحدًا على أن يشتري منهم شيئا. ولا أظن أن في مقدور المسيحي أن يجد دكانًا واحدًا في المدينة يبيعه حجرًا نقشت عليه سورة من القرآن، مهما أجزل له في العطاء والثمن، بَل له شراء نسخة من القرآن كله.
والدكاكين في أسواق كربلاء مغرية، وفيها كثير من العطارين، ولو سألتهم أن يسمحوا لك بشم إحدى قناني الروائح العطرية الصفراء، أو إختبار ما تريد شراءه منها لما وقفوا دون ذلك. وفيها باعة الأحجار الكريمة والمجوهرات يعرضون عليك الحلي الذهبية والصناديق التي تحفظ فيها التعاويذ، أو جزءاً من القرآن الكريم، والحجول، ذهبية وفضية، وما هو مخصص منها للأطفال ذو أجراس، وكذلك الأقراط الفارسية وهي جميلة الصنع ومموّهة. وفي مقدورك أن تشتري السِبَح من كل نوع أيضاً، ومنها ما صنع من خشب الزيتون، أو الكهرمان أو غيره... ومنها ما هو مصنوع من الزجاج الرخيص أيضًا.
وتختص كربلاء بنوعين من الحرف: إعداد الأكفان للموتى، وإنك لتجد على هذه الأكفان سورًا من القرآن، وصنع (التُرب) من طين المدينة وتزيينها بالزخرف. وفي مقدور الزائر لذلك أن يرجع إلى بلده، ومعه الكفن الذي يدّخره ليوم موته، وتربة يسجد عليها كل يوم عند صلاته.
هذا والفواكه والخضر في كربلاء موفورة، ومنها التمور على أنواعها، والبرتقال والليمون، والباذنجان، والخس، والباقلاء، وما إلى ذلك... وشاهدت فيها السلال مليئة باللوز والجوز. وفي دكاكين الحلواتية كثير من الحلوى الإيرانية، وفطائر وولائق ذوات ألوان فاتحة، وفيها (اللقم التركي). ويرتدي أهل المدينة الكفافي أو يعتمون بالعمائم. ولعل شوارعها اليوم هي نفس الشوارع التي شهدتها أيام الإسلام الأولى. وللتعصب فوائد، ولاسيما من الوجهة الجمالية.
وهناك صناعة أخرى تجعل السوق فتنة للناظرين – تلك هي صناعة السلال الملوَّنة، تحاك في المدينة، ويشتريها كثير من زوّارها.
وتعني بزوّار كربلاء، شأن باقي زوّار العتبات المقدسة، طائفة محترفة خاصة من الناس. ولدى كل فرد منها منهج مرسوم لزيارة المساجد، وإقامة الصلاة، وإرسال الدعاء، وهم يحصلون لقاء ذلك على شيء من الأجور والعطايا. وفي داخل المسجد لوحات دوّنت عليها أدعية خاصة يرددها الزائر التقي، كما أن فيه طائفة من الناس تعيش على نفحاته. وفي مقدمة ما يلتزم الزائر به الطواف حول المرقد. ويكلف الدفن في الرواق، أو في المزار الداخلي (160 روبية) وفي الأبنية الخارجية 40 روبية.
ويقال(1)أن مرقد الحسين على شيء كبير من النفاسة والجمال. وعلى الرغم من أن الهبات والعطايا التي تنثال عليه لا تضاهي ما ينثال منها على مرقد النجف، فهي كثيرة نسبيًا. ونفائس المرقد مخبأة ويعني بها قيِّمه (الكليدار).
وعدد المقاهي في كربلاء أكبر من عددها في النجف. إنها تكسب شوارع المدينة مسحة محببة. ولا تستنكر الشيعة، على غرار ما يفعله السنيون والوهابيون (المتطهرون) رسم الصور البشرية، لذلك فإنك تجد جدران المقاهي مزدانة بالصور. ولقد لحظت منها سلسلة تمثل قصة (رستم وسوهراب) ووقائع حربية، ومناظر في (الحريم) وما إلى ذلك. كما أني رأيت صورة طير كبير له رأس إمرأة، ولعله (سمرك) المذكور في الأساطير الفارسية. وهناك صور أخرى مستوحاة من الأساطير والتأريخ أيضاً. وعلى مقربة من باب الحلة مقهى يختلف إليه كثير من (السادة). إنهم يجلسون
1) كبقية الرحالين الأجانب من غير المسلمين، فإن الليدي دراور لم تتمكن من دخول المرقد الشريف، وإنما تم وصفه لها، كالحالة التي وصفتها عن الحنث في اليمين عند قبر أبي الفضل العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ)
فيه بعمائمهم الخضراء الزاهية ويحتسون القهوة... وفوق رؤوسهم بلبل يشدو في قفص. إنه منظر يمتع الناظرين.
واستضافتها في (كربلاء) إمرأتان مسلمتان، إحداهن زوج تاجر، والأخرى أمّه. أمّا الزوجة ففتاة جميلة في عفرة العمر(1)، وهي تشدُّ حول رأسها (عصَّابة) سوداء تلامس حاجبيها، وتتدلى من رأسها جديلتان سوداوان مخضبتان بالحنّاء، وتقع كل جديلة على جنبة من جانبي وجهها. أمّا الأم فإمرأة ذكية لطيفة تُعنى بتتبع سير الرجال وأخبار السياسة، وعلى الرغم من أنها لم تغادر وصيد الباب. والمرأتان ليستا متبرمتين بسجنهما البيتي... إنهن يرددن قائلات: «إنها التقاليد، ونحن بها راضيات وإليها مطمئنات)).
وسلكنا لدى مغادرتنا كربلاء إلى الحلة طريقاً وعرًا، وكُتب علىَّ أن أسلكه في زيارتي الأخرى. إنه جد مختلف عن الطريق الصحراوي بين النجف وكربلاء. ولا ينقطع النبت الأخضر القائم على جانبي طريق الحلة - كربلاء بتاتًا. وأنك لتشاهد بينه النخل باسقات وهي تطيف بيوت القرويين، والماشية ترعى، وقنوات الري بمائها الراكض. وإنك لتلحظ عليه الرعيان والزراع وبأيديهم (المساحي)، أو الزوّار وهم يركبون العربات أو يمتطون صهوات الخيل، أو يمشون على الأقدام. ويكثر على جانب منه الحمام البري والغراب. وقد تمر بك بين الفينة والفينة طائفة من الزوّار... وقد تعجب أن رأيت المرأة تمشي والرجل يزهو راكبا(2).
من أجل البدء بعملية سياسية تعتمد إسلوب الحياة البرلمانية في العراق، بعد تتویج الملك فيصل الأول، إرتأت الحكومة التي كانت تعمل تحت تأثير الإنتداب البريطاني أن يتم تأليف (مجلس تأسيسي) من 100 عضو يُنتخب أعضاؤه من جميع الألوية العراقية، ليكون النواة للبرلمان العراقي. وحددت الحكومة على أن تتم عملية الإنتخابات في اليوم الأول من شهر ربيع الأول 1341ه الموافق ليوم 24 تشرين الأول 1922م.
ففي العاشر من تشرين الأول سنة 1922م / 19 صفر 1341ه تم التوقيع على المعاهدة العراقية البريطانية من قِبَل رئيس الوزراء عبد الرحمن الكيلاني نقيب بغداد والسير برسي كوكس المعتمد السامي لملك بريطانيا في العراق، بعد عشرة أشهر من المفاوضات عليها وتهيئة الأجواء لها، إلّا أن المعارضة العراقية الوطنية كانت لها مخاوف من استمرار الإنتداب البريطاني على العراق بصور شتى.
وقد عارض الكثير من الوطنيين العراقيين المعاهدة بصيغتها المعلنة ومنهم وزراء في الحكومة النقيبية الثالثة وأبرزهم كان المرحوم محمد جعفر أبو التمن والذي إستقال من الوزارة بسببها. وكان الرأي العام العراقي متحفظًا على قبول المعاهدة.
ولمّا رأت الحكومة العراقية شدة المعارضة عليها أقرّت بأن التصديق عليها لا يتم إلى أن تجري إنتخابات المجلس التأسيسي والذي ستكون له وحده الصلاحية لقبول المعاهدة، وعند موافقة المجلس التأسيسي عليها بعد أن يتكوّن، فعند ذلك تقوم الحكومة بالتصديق عليها.
وحول الشروع بالإنتخابات المنوي إجرائها حسب النظام المؤقت الصادر في 1922/3/4م، فقد صدرت الإرادة الملكية في 19 تشرين الأول 1922م بإجراء الإنتخابات في موعدها المحدد ليقرر المجلس المنتخب المواد التالية:
1 - دستور المملكة العراقية (القانون الأساسي).
2 - قانون إنتخاب مجلس النواب.
3 - المعاهدة العراقية - البريطانية.
وعلى إثر ذلك وجّه وزير الداخلية عبد المحسن السعدون في 20 تشرين الأول 1922م متصر في الألوية بلزوم المباشرة بإنتخاب المجلس التأسيسي، وإلتزام النظام والسكينة، وأن لا يفسحوا مجالاً لما يشوّش الأذهان من الأباطيل (حسب رأيه)، وإلتزام خطة الحياد (أي عدم تدخّل موظفي الحكومة في الإنتخابات)، وأن تكون الإنتخابات بكامل الحرية، وبعكسه ستكون المعاقبة شديدة.
كل هذه الإجراءات التي قامت بها الحكومة إلّا أن روح المقاطعة سرت بين صفوف الشعب بسرعة، فأصدر علماء الدين فى النجف وكربلاء والكاظمية فتاوى شرعية بحرمة الإشتراك في الإنتخابات(1)، وكانت حجتهم في هذه الفتاوى هي أنه لا يجوز للشعب أن يشترك في الإنتخابات إلّا بعد أن تستجيب الحكومة للمطالب التالية:
1 - إلغاء الإدارة العرفية(2).
2 - سحب المستشارين الإنكليز من الألوية إلى بغداد(3).
1) كما صدرت بيانات عن علماء السنة بمقاطعة الإنتخابات لنفس الأسباب. وكذلك مطارنة النصارى، حيث دعوا المسيحيين إلى المقاطعة تمسكًا بالإجماع الوطني. وألصقت فتاوى وبيانات المسلمين على أبواب الجوامع والمساجد، وبيان التحريم للمسيحيين على أبواب الأديرة والكنائس
2) لم تكن هناك أحكام عرفية، ولكن الناس إعتبروا سياسة الإرهاب التي لجأ إليها المندوب السامي في مكافحة الشعور الوطني وسياسة مستشاريه الإنكليز في الألوية
3) كان المستشارون الإنكليز في الألوية يسيطرون على مقاليد الأمور ويوجهونها لمصلحة سلطة الإنتداب وكان ارتباطهم بالمندوب السامي مباشرة. وقد ضاق بهم الأهالي ذرعاً وخاصة في مناطق الفرات الأوسط، فكان هؤلاء يرفعون تقاريرهم اليومية عن كل ما يدور ويوجهون بإتخاذ إجراءات قسرية بحق المعارضين للإنتداب. فتحفزت مدن الفرات وإستمر الرؤساء والزعماء على عقد اجتماعاتهم رافضين الإنصياع لبلاغات الحكومة ولم يقيموا وزنًا للمفاوضات الجارية حول المعاهدة وأبرقوا إلى الملك فيصل برفض الانتداب وإسقاط أي حكومة تصادق على معاهدة لا تقبلها الأمة، وضرورة تشكيل وزارة وطنية يقبلها عامة الشعب، وإطلاق حرية الصحافة. كما وجهوا إلى المعتمد السامي البريطاني في العراق برقية يعلموه بأنهم لا ينكرون صداقة حكومة بريطانيا ولكن رغبة الشعب والأمة لا تتنازل عن رفض الإنتداب رفضاً تاماً، ورفع تدخل أية سلطة أجنبية على العراقيين لأنهم قادرين على إدارة بلدهم. كما رفع رجال الدين مضبطة خاصة إلى رئيس الوزراء يؤكدون فيها ضرورة استقلال الحكومة عن أية سلطة أجنبية، فكل قرار أو معاهدة أو قانون إنتخاب يجب أن يتم برضى الأمة وقبولها، وإذا أجبرت الأمة على شيء من غير قناعتها فسوف لا ينفذ من قبل الناس. وكان زعماء القبائل في الفرات الأوسط قد تجمعوا في النجف في زيارة الغدير سنة 1340ه، فكتب المستشار السياسي إلى بغداد، عندها كلفت وزارة الداخلية متصرف كربلاء عبد العزيز القصاب الذهاب إلى النجف ليحول دون قيام أعمال تخل بالأمن العام، وقد كلف المتصرف مدير شرطة اللواء بأخذ قوة إلى النجف وبعدها ذهب بنفسه وإجتمع مع الرؤساء في دار المرجع الديني السيد أبو الحسن الأصفهاني حول البرقيتين التي رفعها رؤساء العشائر إلى الملك والمعتمد السامي فإنبرى السيد محسن أبو طبيخ حيث قال: ((كنت في بغداد وقد قابلت مستشار وزارة الداخلية كورنواليس، وذكرت له أعمال المستشارين الإنكليز في الألوية، وضغطهم على الناس، وتجبرهم وتعسفهم، وطلبت منه رفعهم من الألوية، وبعد الكلام الطويل معه وعدني بأنه سيزيح المستشارين عن مراكز هم، وقد مضت مدة فلم ینفّذ وعده فأطلب من المتصرف أن يطلب إلى الداخلية تنفيذ هذا الأمر حالاً وإذا لم يتحقق ذلك فنحن في حل مما يحدث في البلاد)). هذا النص أورده عبد العزيز القصاب في مذكراته ص223. إلّا أن المتصرف أنكر علمه بذلك وطلب مراجعة وزارة الداخلية حول الموضوع وسيوافيهم بالجواب، فقبل المجتمعون، وعندها طلب المتصرف من المرجع الأصفهاني إصدار فتوى بحرمة التظاهرات لصيانة الأمن العام فأجيب إلى طلبه. فعندما فاتح المتصرف وزارة الداخلية حول ما قاله أبو طبيخ أنكرت الوزارة ذلك، فبدرت من المتصرف أمور دلّت على أنه يحاول القبض على الموقعين على البرقيتين، فإنتبه الرؤساء لذلك وسافروا خلسة إلى أبي صخير ومنها أبرقوا إلى الملك بأنهم فهموا من المتصرف أن الحكومة أمرت بحبسهم والمتصرف أجابهم بسوء العاقبة وهو ينتظر الجواب لينفذ ما يؤمر به، وأنهم بارحوا النجف إلى ديارهم عن طريق أبي صخير، وأنهم مصممون على الدفاع عن أنفسهم وحقوق الشعب ولا يأتمنون الحكومة على شيء وطالبوا بإسقاط الوزارة
3 - إعادة المنفيين السياسيين إلى وطنهم.
4 - السماح بتأليف الجمعيات.
وعلى صعيد كربلاء فقد هاج الرأي العام فيها، وعاشت المدينة خلال إسبوع كامل حالة من الإضراب والتجمع في المناطق العامة وفي الصحنين الشريفين.
وكان حديث الأهالي هو تأييد فتاوى علماء الدين التي أصدروها بتحريم الإشتراك في إنتخابات المجلس التأسيسي وكذلك رفض المعاهدة العراقية البريطانية، رافضين السياسة التي تنتهجها سلطات الإنتداب البريطاني على الشعب وتأثيرها
المباشر على الحكومة العراقية التي طالما كانت تنصاع إلى أوامر المندوب السامي البريطاني، على الرغم من أن علاقة الملك بالمندوب كان يشوبها التوتر.
وعبثًا حاول متصرف اللواء إقناع الأهالي إلّا أن أهل كربلاء كانوا متمسكين بمقاطعة الإنتخابات. وقد حوصر المستشار السياسي البريطاني في كربلاء في مقره، وحاولت الحكومة المحلية السيطرة على الوضع لكنها لم تفلح لأن الأجواء كانت ملبدة بغيوم الغضب والثورة إذا ما تم تجاهل رأي الأهلين في وطنهم.
ونتيجة لفتاوى العلماء في النجف وكربلاء والكاظمية، وتأييد الشعب لما ورد فيها، فقد أخذت الهيئات الإنتخابية في معظم مناطق العراق بالإستقالة. كما أن تأثير المقاطعة على المستوى السياسي كان كبيرًا، ولم يتم إجراء الإنتخابات في موعدها المقرر، فاستقالت الوزارة بأكملها في 16 تشرين الثاني 1922م.
ولد علي جودت الأيوبي في الموصل سنة 1886م وكان والده عسكريًا في الدرك العثماني، تخرج ضابطاً من المدرسة العسكرية الرشدية في بغداد، وشارك في الحرب العالمية الأولى مع الجيش العثماني.
علي جودت الأيوبي وهو في العقد السادس من عمره
كما شارك في معركة الشعيبة ضد الإنكليز، وإلتحق بالجيش العربي مع الأمير (الملك فيما بعد) فيصل بن الحسين وكان مقربًا له، وعينه متصرفًا للحلة بعد إعتلائه العرش، استلم عدة مناصب وزارية وأصبح رئيسًا للوزراء سنة 1934م. توفي سنة 1969م.
في 27 كانون الأول سنة 1922م تم نقل متصرف كربلاء عبد العزيز القصاب إلى منصب متصرف لواء المنتفك، وحلَّ بدلاً عنه المرحوم علي جودت الأيوبي الذي باشر بوظيفته متصرفًا للواء كربلاء في 28 كانون الأول 1922م ولم يستمر طويلاً في كربلاء سوى ستة أشهر حيث نقل إلى المنتفك وإنفك من المتصرفية في 24 مايس 1923م. وتم إستلام متصرفية كربلاء بعده وكالة (عبد الوهاب محمود) لمدة شهر واحد لحين تعيين مولود مخلص متصرفًا بالأصالة في لواء كربلاء.
لم يبق المرحوم علي جودت الأيوبي متصرفًا في كربلاء غير ستة أشهر حيث نُقِل إلى لواء المنتفك (الناصرية) وحل محلّه (مولود مخلص) متصرفًا جديدًا في كربلاء، وقد باشر بوظيفته بتاريخ 26 حزيران 1923م.
مولود مخلص متصرف كربلاء
ومولود مخلص هو مولود بن أحمد بن السيد رجب بن شهاب بن أحمد الطويل بن مصطفى، وهو من عشيرة السادة الجواعنة في تكريت ويرجع نسبه إلى الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). ولد في الموصل سنة 1885م، ومخلص كلمة أطلقها عليه الشريف حسين لشجاعته في المعارك وإخلاصه للقضية العربية وحمل أولاده هذا اللقب. درس وعاش في الموصل لأسرة تكريتية، وكان ضابطًا في الجيش العثماني، وإنضم إلى جمعية العهد وحارب ضد الإنكليز في البصرة، ومن ثَمَّ كان يدعو إلى الاستقلال عن تركيا فإنضم إلى الشريف حسين سنة 1916م. ويعتبر من الرعيل الأول من رجالات الثورة العربية. عمل مع الملك فيصل في سوريا وعاد إلى العراق سنة 1921م وشارك في تأسيس الجيش العراقي. شارك في تأسيس الحزب الوطني وأصبح عضوًا في مجلس الأعيان عام 1925 في عدة دورات ونائبًا لرئيس المجلس. ثم نائبًا في البرلمان عن بغداد لعدة دورات، وقف ضد انقلاب بكر صدقي وتعرض حينها لمحاولة إغتيال، وأنتخب رئيسًا لمجلس النواب سنة 1937 إلى 1941م. ولم يؤيد حركة رشيد عالي الكيلاني. ثم عين عضوًا في مجلس الأعيان سنة 1944 لحين وفاته سنة 1951م ودُفن في تكريت.
وعندما كان متصرفًا في كربلاء جرت إنتخابات المجلس التأسيسي للعراق في 25 شباط 1924م والتي فاز فيها عن كربلاء المرحوم عمر العلوان الوزني، وكانت حينها الحكومة متخوفة من مقاطعة الأهالي للإنتخابات كما حدث قبل سنة من ذلك عندما أفتى بعض العلماء بمقاطعتها، ولكن عندما أقرت الحكومة إجراءها في شباط 1924 كان لمولود مخلص دور بارز في المحافظة على النظام والهدوء وقد تمت بنجاح دون تدخل موظفي الحكومة وتأثيراتهم. وفي 1 نيسان 1925م قدّم إستقالته وغادر متصرفية لواء كربلاء.
وبعد ثلاثة أشهر من إستقالته وفي 7 تموز 1925 تم تأسيس مجلس الأعيان في العراق كبداية للحياة النيابية فيه، فتم تعيين مولود مخلص عضوًا فيه.
أرسلت الحكومة القاضي حسين فهمي النائب ليقوم بأعمال المتصرف وكالة وباشر في 1925/4/1م لغاية 1925/5/6م، حيث تم تعيين متصرف جديد وهو (عبد الله الدليمي).
لم تتمكن الحكومة العراقية من إجراء إنتخابات المجلس التأسيسي وهو المعوّل عليه بالمصادقة على المعاهدة العراقية - البريطانية، وبدونه لا يمكن تمرير المعاهدة، وقد ذكرنا سابقاً بأن هذه الانتخابات لم تتم بسبب فتاوى مراجع الدين وكبار العلماء(1)ورفض الشارع العراقي للمعاهدة، لأن المعاهدة كانت ترمي إلى تكريس الاحتلال البريطاني وإبقاء العراق تحت نفوذ سلطة الانتداب بوجود ملك للبلاد وحكومة عراقية.
كان الضغط البريطاني شديدًا على الحكومة العراقية والملك بشأن المعاهدة، وكان حينها عبد المحسن السعدون وزيرًا للداخلية، والذي كان يريد إجراء الإنتخابات بالقوّة، ولمّا لم يتمكن من أخذ موافقة مجلس الوزراء قدّم إستقالته منها.
إقتنع الإنكليز بأن السيد عبد الرحمن النقيب لم يعد صالحًا لإدارة الحكومة بعد أن أشهر علماء الدين بفتاويهم الصارمة والتي ينصاع لها أغلب أطياف الشعب العراقي، فحصلت القناعة لديهم بأن الموقف يحتاج إلى رجل حازم وليس إلى رجل ذي مهابة
1) في ربيع الأول سنة 1341ه الموافق لشهر تشرين الثاني 1922م تم كتابة استفتاء للمراجع حول إنتخابات المجلس التأسيسي، فصدرت فتاوى من قِبل المرجع الديني السيد أبو الحسن الأصفهاني والعلامة محمد حسين الغروي النائيني وكذلك من المرجع الشيخ مهدي الخالصي، وكان من أشد العلماء موقفًا هو الشيخ الخالصي الذي أيّد فتواه علماء الكاظمية ومنهم السيد حسن الصدر والشيخ عبد الحسين آل ياسين والسيد محمد مهدي الصدر والشيخ مهدي المراياتي والشيخ مهدي جوموقة والسيد مهدي الخراساني والميرزا إبراهيم السلماسي والشيخ إسماعيل الأسدي والشيخ راضي الخالصي والشيخ محمد الأسدي والسيد أسد الله الحيدري، وكذلك لفيف من علماء كربلاء والنجف، وهذا دليل على قوة المعارضة حينها، مما أفشل عملية الإنتخابات للمجلس التأسيسي
فقط لإدارة مجلس الوزراء، بالإضافة إلى أن الملك فيصل كان غير مرتاح من النقيب ویرید تبديله برجل من أعوانه، وكان يرغب بجعفر العسكري ليكون رئيسًا للوزراء.
كان الإنكليز يبحثون عن رجل قادر على الوقوف بوجه المعارضة الشديدة التي أبداها العراقيون ضد المعاهدة وعدم قبولهم إجراء الإنتخابات للمجلس التأسيسي لكي تُمرر المعاهدة من خلاله، وكذلك يقف في وجه الملك أيضًا!!، فوجدوا ضالتهم في عبد المحسن السعدون لكي يخلف النقيب في رئاسة الوزارة وإعتبروه رجل المرحلة المناسب.
كان السعدون يختلف عن غيره من السياسيين العراقيين، فهو معروف بالصراحة ولا يميل إلى الرياء وعلاوة على ذلك كان قوي الشخصية ذا صلابة وثبات، وإذا أبرم أمرًا سار فيه قدمًا لا يبالي أرضي الناس عنه أم غضبوا. ويقول عنه خيري العمري: «أن السعدون كان معتقدًا أن مفهوم الوطنية لم يتبلور بعد في العراق، وأن أهل العراق ليسوا شعبًا واحدًا بل شعوبًا متباينة». وكان السعدون يرى العراق محاط بالأعداء من كل جانب كابن سعود والأتراك والإيرانيين والفرنسيين، ولهذا فإن مصلحة العراق في رأي السعدون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتعاون مع الإنكليز، فليس من الحكمة أن يواجه العراق أولئك الاعداء بمفرده مع العلم أنه لا يملك من القوة ما يساعده على الصمود أمامهم، فلو أن الإنكليز إنسحبوا من العراق لأكله أعداؤه المحيطون به خلال زمن قصير(1).
شكّل عبد المحسن السعدون وزارته وأسند لنفسه وزارة العدلية وكالة، ووزع الحقائب الوزارية كما يلي: ناجي السويدي وزيرًا للداخلية، وساسون حسقيل للمالية وعبد المحسن شلاش للأشغال والمواصلات، وقد إعتذر عن المشاركة في الوزارة بسبب فتاوى المجتهدين وخشيته من الرأي العام، فتم إسناد هذه الوزارة إلى ياسين
1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج 1/6 ص 206 - ص 207
الهاشمي، وعبد اللطيف المنديل للأوقاف، وعبد الحسين الجلبي للمعارف(1)، ونوري السعيد للدفاع وكالة.
وصمم السعدون على إجراء الإنتخابات بالرغم من صدور الفتاوى بتحريمها، وقد جوبه قراره هذا بمقاطعة شديدة خاصة في كربلاء والنجف والكاظمية. ولما كانت وزارة الداخلية بيد ناجي السويدي وهي الوزارة المعنية بإجراء الانتخابات، فقد تمكن السعدون بموافقة الإنكليز بتسليم ناجي السويدي وزارة العدلية التي كانت تدار بالوكالة من قِبل السعدون، ليستلم وزارة الداخلية بالوكالة وليشرف بنفسه على إجراء الانتخابات مهما كلف الأمر.
في شهر كانون الثاني سنة 1923م جرت تهديدات تركية على الحدود الشمالية للعراق، وخاصة في منطقة زاخو وراوندوز، فقام المجتهدون من المراجع بإصدار فتوى تحريم الدفاع عن العراق ضد الأتراك بإعتبارهم مسلمين وأن الإنكليز كفّار، فقرر السر برسي كوكس ترحيل العلماء الموقعين على الفتوى ونفيهم إلى إيران بإعتبارهم رعايا إيرانيين، وكان الملك فيصل ضد هذا الرأي لأن عواقبه ستكون خطيرة. وكان الشيخ مهدي الخالصي ينتقد الملك فيصل بسبب إخلاله بشروط توليه عرش العراق، كما عُرف عن الخالصي ميله الشديد إلى الأتراك، فبدأت الخطوات لإيقافه وبقية المجتهدين أصحاب الفتاوى عند حدّهم حسب رأي الملك والإنكليز والحكومة العراقية.
وبعد حدوث التغيير في السياسة البريطانية تجاه العراق وخاصة بعد إستقالة وزارة لويد جورج في 23 تشرين الثاني 1922م، وإمتناع الوزارة البريطانية الجديدة عن تصديق المعاهدة مع العراق بسبب الحملة القوية ضد الحكومة الإنكليزية لإنفاقها
1) كان يُعتبر عبد الحسين الجلبي من أعوان الشيخ مهدي الخالصي، وعندما تم استيزاره إستنكره الناس وأخذوا يذمونه ذمًا قبيحاً ويشتمونه في الكاظمية عندما وجدوه ينقلب فجأة ويصبح من رجال الحكومة، وتم الاعتداء عليه عندما أراد الدخول للصحن الكاظمي بدعوى أنه كافر لا يجوز له دخول المساجد، وقد نجي بإعجوبة
المبالغ الطائلة في العراق، بل طالب بعض النواب بالانسحاب من العراق، ذلك كلّه جعل الحكومة البريطانية الجديدة تقوم باستدعاء السر برسي كوكس لمشاورته في الأمر. وفي 19 كانون الثاني 1923م طار كوكس إلى لندن، وكان ذلك مبررًا لوزارة السعدون بالتمهل في موضوع الانتخابات، وهي تنتظر استقرار الرأي في بريطانيا حول المعاهدة.
في 31 آذار 1923م عاد كوكس إلى بغداد وهو يحمل ملحقًا للمعاهدة باسم (بروتوكول) يتضمن موافقة الحكومة البريطانية على تخفيض مدة المعاهدة من عشرين سنة إلى أربع سنوات.
إستبشر الملك والوزراء بهذه الخطوة وأذاع إلى الشعب بيانًا ذكر فيه أن الحكومة العراقية «تخطو خطوة كبيرة أخرى في سبيل تحقيق أماني الأمة بهذا الملحق الجديد للمعاهدة». واستدعى الملك عددًا من شيوخ الفرات الأوسط منهم عبد الواحد الحاج سكر ومحسن أبو طبيخ وعلوان الياسري وقاطع العوادي وشعلان أبو الجون وأقنعهم بأن البروتوكول كسب للعراق وأن الشروع في إنتخاب المجلس التأسيسي ضروري، فوافق الرؤساء على رأيه ما عدا أبو طبيخ حيث صرّح بأنه غير قادر على مخالفة علماء الدين الذين أفتوا بحرمة الإنتخاب، ولكنه سيبذل جهده للتوفيق بين إرادة العلماء وسياسة الحكومة(1). وقد كلّف الملك السيد علوان الياسري والسيد قاطع العوادي ليذهبوا إلى الشيخ مهدي الخالصي لمحاولة إقناعه بسحب فتوى التحريم، ولكنهما فشلا في المهمة لتصلّب الخالصي في رأيه. بعد ذلك تجددت فتاوى التحريم مرة أخرى وأخذت تُوزع في مدن العراق كافة.
1) تاريخ القضية العراقية: محمد مهدي البصير، ج 2 ص 501. بغداد 1923
إمتعض الإنكليز وكذلك الملك ورئيس وزرائه السعدون من هذه الفتاوى وقد نفذ صبرهم وقرروا ضرورة إتخاذ إجراءات لمعالجة الحالة ولكنهم إختلفوا في طريقة العلاج. فكان رأي السعدون استعمال الشدّة مع المجتهدين وبدون تردد أو خشية، بينما الإنكليز كانوا يتخوفون من هذه السياسة التي قد تؤدي إلى ثورة العشائر وعندها سيضطرب الأمن في البلاد، ولكن كان لدى الملك أملاً بإقناع المجتهدين الذين كان أغلبهم يحملون الجنسية الايرانية. وهنا وجد السعدون هذه الثغرة لدى المجتهدين على أنهم عجم فهم غرباء عن العراق ولا يحق لهم التدخل في سياسة البلد. وإذا ما أرادوا التدخل في السياسة فعليهم أن يتجنسوا بالجنسية العراقية وإلّا فالحكومة لها الحق أن تبعدهم عن العراق. وعلى هذا الرأي وفي 9 حزیران 1923 صدر تعدیل لقانون العقوبات البغدادي والذي بموجبه يحق للحكومة نفي الأجانب بسبب الجنح التي يرتكبونها. وبعد هذا التعديل وفي 17 حزيران عقد مجلس الوزراء جلسة خاصة قرر فيها الشروع بالإنتخابات، واستعمال الشدّة مع الذين يقاومونها عن طريق نفي الأجانب منهم خارج البلاد وإحالة العراقيين منهم إلى المحاكم، وصدرت بعض الصحف البغدادية التي تدعو إلى محاربة الدخلاء والطلب من الحكومة أن تمنع كل من ليس بعراقي أو عربي التدخل في شؤون العراق.
أرادت الحكومة العراقية أن تضعف المجتهدين المعارضين لسياستها وقررت البدء بتحجيم دور الشيخ مهدي الخالصي الذي تعتبره الحكومة المعارض الأخطر بين العلماء، وهو عراقي وعربي حتى تتمكن بسهولة من كسر شوكة المجتهدين الآخرين وخاصة الإيرانيين منهم. فجاءتها الفرصة المناسبة عندما أعدّت بلدة الكاظمية توديعاً حافلاً للسيد محسن أبو طبيخ في الصحن الكاظمي حضره الخالصي وكثير من رؤساء العشائر ورجال المعارضة، فقام أحد أتباع الخالصي بإلقاء كلمة حماسية فأخذت الجماهير تهتف بسقوط الحكومة.
وبعد انتهاء المهرجان التوديعي سارت الجموع تحف بأبو طبيخ على شكل مظاهرة من الكاظمية إلى علاوي الحلة مستخدمين كافة وسائط النقل، الترامواي، والعجلات والكثير ذهبوا مشيًا على الأقدام، وفي علاوي الحلة إعترضتهم قوة من الشرطة وحدث صدام بين الجماهير والشرطة وأطلق الرصاص، وقامت الشرطة بأخذ محسن أبو طبيخ بالسيارة إلى محطة القطار وسافر إلى سوريا. وكان أبو طبيخ قد خالف الملك كما ذكرنا فطلب منه الملك مغادرة العراق لفترة وجيزة حتى يهدأ الوضع، فقرر أبو طبيخ السفر إلى سوريا.
اتخذت الحكومة هذه الحادثة ذريعة مع حوادث أخرى قام بها أتباع الخالصي في الكاظمية وتم حبس أولاده، فقررت القبض على الشيخ الخالصي ونفيه إلى جدّة. كان هذا رأي السعدون ولكن الملك كان مترددًا فإتفقا على أن يذهب الملك في زيارة تفقدية إلى البصرة ويقوم السعدون بالقبض على الخالصي.
في يوم 18 حزيران غادر الملك إلى البصرة على باخرة نهرية، وفي يوم 26 حزيران تم إلقاء القبض على الخالصي بعد منتصف الليل، وتم تسفيره مع الموقوفين من أولاده وأتباعه بقطار خاص إلى البصرة في نفس الليلة، وفي الصباح عندما علم أهل الكاظمية بالخبر أغلق الناس محلاتهم وتجمهروا في الشوارع إلّا أن قوات الشرطة هددت الجموع فعاد الوضع هادئًا.
عندما وصلت الأخبار إلى النجف في صباح يوم 27 حزيران الموافق ليوم الأربعاء 14 ذي القعدة سنة 1341ه، عمّ الإضراب وتجمهر الناس وأعلن المجتهدون أنهم يتضامنون مع الخالصي، وإن عملية نفيه هي إهانة للدين وأهله، وإتفقوا على الهجرة من العراق إحتجاجًا، وهذا ما كانت تريده الحكومة وهو رأي السعدون خاصة.
في عصر نفس اليوم غادر النجف عدد من المجتهدين يتقدمهم المرجع الديني الأعلى حينها السيد أبو الحسن الأصفهاني، وكذلك الميرزا حسين النائيني، متوجهين إلى مسجد (السهلة) للإعتكاف فيه ليلة واحدة، وقد كان في توديعهم حشد كبير من النجفيين، وفي السهلة زارهم جمهور من أهل الكوفة.
وفي صباح اليوم التالي ذهب المجتهدون إلى الكوفة وإستقلوا الزوارق البخارية متوجهين إلى طويريج (الهندية)، ومنها ركبوا السيارات إلى كربلاء حيث إستقبلهم الأهالي عند مدخل المدينة. وكان للحكومة علمٌ بما يجري فأخذت الاستعدادات لأي أمر أو طارئ قد يحدث وخاصة إن مدينة كربلاء يتواجد فيها الكثير من العلماء المجتهدين وهم من رعيل المراجع وقتئذٍ.
كان وصول مراجع النجف إلى كربلاء مساء يوم الخميس 28 حزیران 1923م، وكان متصرف كربلاء (مولود مخلص) قد باشر بعمله في كربلاء قبل يومين من وصول المجتهدين إلى كربلاء، وكانت الحكومة قد زودته بالتعليمات حول الأوضاع وما سيحدث بإعتبار أن النجف قضاء تابع إلى لواء كربلاء، فاتخذ المتصرف في أول يوم مباشرته في كربلاء إجراءات شديدة، منها أنه أبرق إلى قائمقام النجف ببرقية يذكر فيها:
1 - يجب أن لا تأذنوا لأحد بالسفر إلى إيران مع العلماء الإيرانيين.
2 - يجب أيضًا أن لا تأذنوا لأحد بالخروج من النجف إلّا بإذن من الحكومة.
3 - إمنعوا الوسائط النقلية عن نقلها ركاب بدون إذن من دائرة الشرطة إلى صدور أمر آخر.
4 - بلّغوا بذلك دائرة الشرطة.
أجابه قائمقام النجف بما يلي:
1 - لم يسافر أحد من أهالي النجف إلى إيران مع العلماء الإيرانيين، بل سافروا إلى كربلاء. ولم يبق في النجف من لم يلتحق.
2 - أمّا منع جميع الركاب والمسافرين مطلقًا إلى كربلاء وغيرها يوجب الحرج والقيل والقال.
3 - الحال والحمد لله في النجف في كمال الهدوء والسكينة.
4 - نرجو التصريح بأسماء من يجب منعه ومن لم يجب. منتظرون أمركم(1).
عندما وصل المجتهدون إلى كربلاء ومن معهم من الأتباع، تم إرشادهم من قِبل الشرطة بالنزول في خيمة كبيرة نُصبت لهم قرب سراي الحكومة، وإنضم إليهم عدد من المجتهدين الكربلائيين، وزارهم المتصرف مولود مخلص للتفاهم معهم بأمر من الحكومة في بغداد محاولاً إقناعهم بعدم مغادرة العراق وأن ينصرفوا إلى الأمور الدينية وحدها وسيبقون موضع إحترام الحكومة، غير أنهم أصرّوا على مغادرة العراق.
أخبر المتصرف الحكومة في بغداد بإصرارهم على المغادرة، وإنهم لم يوافقوا على الرأي المطروح عليهم، فأبرقت الحكومة إلى المتصرف تأمره بتسهيل سفر الذين يحملون الجنسية الإيرانية منهم، أمّا الباقون فيجب إبقاؤهم في العراق ووضعهم تحت مراقبة الشرطة. ومكثوا في كربلاء ثلاث ليالٍ فقط.
في يوم الأحد الأول من تموز 1923م الموافق 18 ذي القعدة 1341 ه تم تسفير المجتهدين الذين يحملون الجنسية الإيرانية وكانوا تسعة وهم:
1 - أبو الحسن الأصفهاني.
2 - حسين النائيني.
1) لمحات اجتماعية، ج 1/6 ص 228 - ص 229، عن مقال للأستاذ عبد الرحيم محمد علي بعنوان (النجف والمجلس التأسيسي) في مجلة (الرابطة) النجفية، العدد الصادر في أيلول 1975م، وقد تم النقل من قبلنا بتصرف لا يبتعد عن النص
3 - جواد الجواهري.
4 - علي الشهرستاني.
5 - عبد الحسين الشيرازي.
6 - أحمد الخراساني.
7 - مهدي الخراساني.
8 - حسن الطباطبائي.
9 - عبد الحسين الطباطبائي.
ويصحبهم 25 رجلًا من أتباعهم. وكان متصرف كربلاء قد كلّف مدير شرطة كربلاء (صالح حمام) بمهمة التسفير، وقد أركبوا جميعاً في سيارات سارت بهم تحت حراسة قوية من الشرطة، حيث غادروا كربلاء إلى الدورة قرب بغداد ومنها عبروا نهر دجلة، وفي يوم 2 تموز تم إركابهم في قطار خاص إلى خانقين ومنها إلى الحدود الإيرانية وتم نقلهم إلى كرمنشاه.
في يوم 3 تموز كتب القنصل الإيراني ببغداد (جلال الدین خان كيهان) إلى المندوب السامي البريطاني يعبّر عن إحتجاجه على تسفير المجتهدين، وإنهم قد عوملوا معاملة المجرمين، وهذا الأمر يُعد إهانة تجاه علماء المسلمين بوجه عام ولطائفة الشيعة بوجه خاص، فأجابه المندوب السامي بأن العراقي الشيخ مهدي الخالصي أبعدته الحكومة لأنه تدخل في سير الإنتخابات وأفتى بتكفير الذين يشاركون فيها(1)، أما الآخرون
1) فيما يخص المرحوم آية الله الشيخ مهدي الخالصي فقد غادر البصرة على سفينة متجهة إلى بومبي في الهند، بعد أن وصلت باخرته إلى بومبي ومنها نقل إلى سفينة أكبر تسير على خط الهند – لندن ليصل بها إلى جدة، وهو في الطريق أبرق الشيخ خزعل أمير المحمرة إلى الملك فيصل راجيًا منه أن يكون الخالصي بضيافته، فإعتذر الملك فيصل، وعندما وصلت الباخرة إلى عدن وصلت إلى الخالصي برقية من الحكومة الايرانية عن طريق حاكم عدن تدعوه هو وأولاده إلى إيران، فأجاب الخالصي أنه يريد الحج لإقتراب موسمه ثم ينظر في أمر الدعوة، فوصل إلى جدة ومنها إلى مكة وحج في ذلك الموسم، وبعد إتمام موسم الحج قرر تلبية الدعوة الايرانية، فوصل إلى قم وسرعان ما حدث خلاف بينه وبين المجتهدين المسفرين، فكانت رغبة هؤلاء العودة إلى العراق، وبقي الشيخ الخالصي في إيران وكانت له مواقف كثيرة ضد البريطانيين، وحدثت بينه وبين علماء إيران مشاكل عديدة حتى توفي رحمه الله وهو خارج بلده. أما المجتهدون السيد أبو الحسن الأصفهاني ومن معه فقد أخذوا يرسلون الوساطات إلى الملك للرجوع إلى العراق، فكانوا في قم محل عدم إرتياح من قبل علماء قم، وأن الحوزة إذا لم تكن في النجف فلا يعترف بها من الآخرين، وهذا الموضوع لا يخص بحثنا، وفي النهاية عاد العلماء المسفرون بالإتفاق مع الحكومة والإنكليز، مما حدا ببعض الكتّاب القول بأن عملية التسفير كان مخطط لها بين المرجع السيد أبو الحسن الأصفهاني والإنكليز والله أعلم
فقد أبلغهم متصرف كربلاء محاولاً إقناعهم بأنهم سيبقون موضع إحترام الحكومة إذا حصروا جهودهم في المسائل الدينية فقط، ولكنهم رفضوا ذلك وأصرّوا على العودة إلى وطنهم إيران، وقد وفّرت لهم الحكومة كل وسائل الراحة في سفرهم على الرغم من أنهم حاولوا إثارة المظاهرات في طريقهم من النجف إلى كربلاء ضد الحكومة.
العلماء المسفرين ومن معهم يتوسطهم السيد أبو الحسن الأصفهاني عند وصولهم كرمنشاه يوم الأربعاء 20 ذي القعدة 1341ه
لم يكن في مدينة كربلاء طاقة كهربائية تستعمل للإنارة حتى قام المرحوم العلامة السيد عبد الحسين الحجة بجلب مولد كهربائي صغير إلى الروضة الحسينية استخدامه للإنارة بدل (الشموع) التي كانت تستعمل سابقًا، وكان ذلك في سنة 1912م / 1330ه. ولم يعرف الكثير من الكربلائيين الكهرباء حتى شاهدوه في الروضة الحسينية.
وفي سنة 1923م / 1342 ه وفي زمن الملك فيصل الأول الذي كان يولي إهتمامًا بمدن العتبات المقدسة وبمساعدة والي الجبل بجهود بذلها العلامة السيد عبد الحسين الحجة، تم نصب ماكنة كبيرة لتوليد الطاقة الكهربائية لمدينة كربلاء، وتم نصبها في منطقة (الفسحة)(1)في محلة باب الخان. وفي البداية تم إيصال التيار الكهربائي إلى العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، ثم قامت البلدية بنصب الأعمدة ومد الأسلاك لإنارة الشوارع والأزقة لتنهي عملية الإنارة بالفوانيس.
ثم قام الأهالي بالإشتراك فيها، والموسرون من أهل المدينة هم أول من ربطوا الإنارة لبيوتهم، ثم توالت إشتراكات الأهالي، ليعوّضوا الكهرباء عن وسائل الإضاءة القديمة. وفي ارجوزة المرحوم الشيخ محمد السماوي حيث قال:
حين إستبان مَصْرِفُ الأوقافِ ٭٭٭ للنورِ في الروّضةِ غيْرِ كافِ
وأين ذاكَ الوقْفُ حتى يُصْرَفا ٭٭٭ لقد مضى به الزمانُ وقَفا
وانْتبه الناسُ من الهُجودِ ٭٭٭ فجادت الأكفُّ بالموْجودِ
ولمْ يَزَلْ يُهْدي إلى الضريحِ ٭٭٭ كُلُّ عريقٍ بالوَلا صريحِ
1) منطقة الفسحة في كربلاء تقع بالقرب من شارع العباس وتبتعد عن باب قبلة العباس بحدود 300م، وكان المكان الذي نصب فيه المولد الكهربائي في خان قديم مجاور إلى الرباط السيفي لطائفة البهرة. وعندما تم رفع المولد فيما بعد من مكانه بعد أن تم نصب المولدات الحديثة التي نصبت في حي الحسين في منتصف خمسينيات القرن العشرين، أصبح مكانها خان لبيع الخضروات (خان المخضّر)، وعلوة لبيع الأسماك
حتى لقد أرْبَوا على ما نَضَبا ٭٭٭ في كُلِّ شيءٍ وخصوصًا في الضَّيا
ثمَ أتى نَجْلُ الحُسيْنِ فيصلُ ٭٭٭ فشبّها ماكنةً تتصلُ
ماكنَةً تَشُعُ ضَوْءاً يُجْتَلى ٭٭٭ بين الأماكنِ التي في كربلا
فضلاً عن المراقِدِ المُحْتَرمةْ ٭٭٭ فإنها لفضلِها مقدَّمةْ
وآزَرَهُ في جلبِها والي الجَبَل ٭٭٭ مُساعِدًا لهُ على خيْرِ عَملْ(1)
رضا خان البهلوي(2)رئيس وزراء إيران يزور كربلاء
كان رضا خان البهلوي بن عباس قلي الرشتي قائدًا للجيش الإيراني في زمن الشاه أحمد القاجاري ووزيرًا للدفاع، وقام بانقلاب ضد الشاه أحمد وأصبح رئيسًا للوزراء، ومسك زمام الأمور بيده بعد أن غادر الشاه أحمد إيران إلى أوربا، ولم يعد منها لحين وفاته ونقل جثمانه إلى كربلاء، عندها أعلن رضا خان اعتلاءه عرش إيران سنة 1925م.
رضا خان بهلوي
1) مجالي اللطف بأرض الطف، ص 409، طبعة الروضة العباسية المقدسة
2) ولد رضا بهلوي سنة 1878م في مازندران، وهو من عائلة امتهنت الجندية فوالده وجده كانا ضابطين، ودخل هو في الجيش حتى أصبح وزيراً للدفاع. يعتبر رضا بهلوي باني إيران الحديثة، أبدى تعاطفًا مع هتلر إثناء الحرب العالمية الثانية مما جعل بريطانيا والاتحاد السوفيتي يقومان بغزو إيران سنة 1941م، وتم عزله وتنصيب ابنه محمد مكانه، تم نفيه إلى بومبي في الهند ثم إلى جزيرة موريشيوس ثم إلى جوهانسبور غ عاصمة أفريقيا الجنوبية، توفي في المنفى سنة 1944م
وعندما كان رضا بهلوي رئيساً لوزراء إيران قام بزيارة إلى العراق سنة 1342ه / 1923م، وقام بزيارة كربلاء ومرقد الامام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وفي نفس اليوم الذي وصل فيه عاد إلى بغداد ومنها إلى طهران.
استيزار الكربلائي الشيخ محمد حسن أبو المحاسن(1)
بتاريخ 22 تشرين الثاني 1923 صدرت الارادة الملكية بتكليف الفريق جعفر العسكري بتشكيل الوزارة الخامسة، تألفت الوزارة في 26 ت2 وكانت تخلو من وزيري الأوقاف والمعارف في يوم تأليفها.
وجاء في تاريخ الوزارات العراقية نقلاً عن المراجع البريطانية: «لقد دخل وزارة العسكري - الأولى - وزيران شيعيان هما: وزير المالية الحاج عبد المحسن شلاش النجفي(2)
النجف لآل رشيد أمراء حائل في الجزيرة العربية، وزاول الصيرفة ووكيلًا للمصرف العثماني في النجف. من رجال السياسة والاقتصاد حيث كان من الشخصيات الأدبية ووجيهًا مشهوراً ومن رجال ثورة العشرين حيث ساهم بأموال كثيرة لإنجاح الثورة. أصبح وزيراً عدة مرات، وأنتخب نائبًا عن لواء كربلاء في مجلس النواب (1925 - 1928). توفي رحمه الله سنة 1948م
، ووزير المعارف الحاج محمد حسن أبو المحاسن الكربلائي.1) المرحوم الشيخ محمد حسن أبو المحاسن، هو محمد حسن بن حمّادي بن محسن بن سلطان الجناجي الحائري، وينتسب بيته إلى آل علي وهي عشيرة معروفة تنتسب إلى مالك الأشتر النخعي، ومن هذا البيت من يتلقب بالمالكي. هاجر هذا البيت إلى كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري من جناجة الحلة، و (جناجة) قرية معروفة تقع على نهر الهندية المتفرع من الفرات، وهي الآن تقع ضمن الحدود الإدارية لقضاء الهندية (طويريج). وقرية جنانة كانت تسمى قديمًا قناقية أو قناقيا. وأول من سكن منهم كربلاء هو الحاج محسن بن سلطان الجناجي المالكي. وبقيت أملاكهم وعلاقتهم مستديمة في جناجة، وفي كربلاء صاهروا السادة آل نصر الله. والشيخ محمد حسن أبو المحاسن كان شاعرًا بليغًا وقومي وعروبي النزعة، ووطني النضال والكفاح والعمل. ولد في كربلاء سنة 1293ه / 1875م وتوفي فيها سنة 1344ه /1926م. كان له دور كبير في ثورة العشرين، وغالبًا ما كان ممثلاً عن آية الله الشيرازي في عدّة مواضع منها ممثله في المجلس الملي (الذي تم الحديث عنه)، وأعتقل مع ثوار كربلاء إبان ثورة العشرين في سجن الحلة. وإستوزر لوزارة المعارف كما مبين أعلاه. أعقب المرحوم الشيخ محمد حسن أبو المحاسن عدة أولاد منهم كامل ومحمد حسين وشريف وعبد الرزاق ومعين. وجميعهم لهم أولاد وأحفاد يقيمون الآن في (جناجة) وينتشرون في الهندية، ولهم مكانة فيها. كان المرحوم الشيخ محمد حسن أبو المحاسن من دعاة الوحدة العربية، وتبيّن ذلك من شعره الذي وثّق بديوان صدر له سنة 1966م، طبعه ونشره الشيخ محمد علي اليعقوبي باسم (ديوان أبي المحاسن الكربلائي)
2) هو الحاج عبد المحسن بن عبود آل شلاش الخفاجي، المولود في النجف سنة 1882م، وكان والده من أكبر تجار عصره. درس العربية والأدب ثم مارس التجارة، وكان في أوائل شبابه وكيلاً تجاريًا في.
وكان الغرض من إدخالهما استرضاء الشيعة الذين كانوا ناقمين على الوزارة السعدونية الأولى بسبب نفيها العلماء إلى إيران، والتمهيد لعودة هؤلاء العلماء إلى العراق بعد الانتهاء من إنتخابات المجلس التأسيسي. وكان الملك يرغب في عودتهم، كما كانت الحكومة العراقية قد وعدت سفير بريطانية في طهران بهذه العودة إذا ما فرغت من إجراء الإنتخابات المذكورة»(1).
الشيخ محمد حسن أبو المحاسن
ونقل ساطع الحصري في مذكراته قصة طريفة عن استيزار محمد حسن أبو المحاسن يقول فيها: «(ثار الجدل عن الآراء المتضاربة حول الرجل الذي يتولى وزارة المعارف - وكان الرأي متجه ان يستلم وزارة المعارف رجل من الشيعة – فإقترح
1) تاريخ الوزارات العراقية: الحسني، ج 1 ص 188 – ص 189
علي جودت الأيوبي اسم رجل من كربلاء يعرفه منذ كان متصرفًا هو محمد حسن أبو المحاسن ووصفه بأنه (فقير) أي أنه مطواع لا يميل إلى مخالفة زملاءه، وفي 3 كانون أول صدرت الارادة الملكية بتعيين أبو المحاسن وزيرًا للمعارف. وقد تبيّن فيما بعد أن هذا الرجل ليس (فقيرا) كما كانوا يتصورونه، بل كان من أكثر الوزراء إعتراضاً ومخالفة))(1).
على الرغم من الذي قاله ساطع الحصري فقد ذكر في مذكراته أمورًا ينتقد فيها الشيخ أبو المحاسن، وفي الحقيقة كانت على ما يبدو ملفقة لأن ديدن الحصري كان يقف ضد استيزار السيد هبة الدين وكذلك الشيخ أبو المحاسن.
سبب موقف الحصري هذا هو أنه كان يصول ويجول في المعارف ويعتبر نفسه باني التعليم في العراق فلا يروق له وزراء معممين من الشيعة!!، لأن السيد هبة الدين والشيخ أبو المحاسن كانا من المجاهدين الوطنيين وعلى درجة عالية من العلم والأدب ولهم تصوراتهم الخاصة في العملية التربوية وبنائها، ونحن لم نتجن على الحصري فمن يقرأ مذكراته يجد فيها ذلك النفس المقيت وما موقفه من الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي كان معلمًا في زمانه وقام بفصله بدعاوى باطلة وملفقة تنم عن مذهبية مقيتة.
في أول إجراء يتخذه الشيخ أبو المحاسن في الوزارة هو الإصرار على تبديل مدير مدرسة كربلاء (مدير المعارف في اللواء) محمد نظيف أفندي، وكان ساطع الحصري مدير المعارف العام ضد طلب الوزير مبررًا ذلك بأن تقارير المفتشين كانت تثني عليه، وفي الحقيقة كان ساطع الحصري لا يرغب بأن يأمره أحد حتى لو كان الوزير نفسه وهذا ما عرفه الشيخ أبو المحاسن، فأصرَّ على نقل نظيف أفندي من كربلاء لأنه يعرفه جيدًا وهو ابن المدينة ويعرف ما لا يعرفه ساطع، وبعد أخذ ورد إنصاع الحصري لأوامر الوزير، وتم نقل نظيف أفندي إلى بعقوبة واستبداله بمدير مدرسة بعقوبة.
1) مذكراتي في العراق)/أبو خلدون ساطع الحصري ج 1 ص 371 - ص 372
لم يكن قرار أبو المحاسن هذا بسبب أن الموما إليه لا يصلح في وظيفته بمدينة مثل كربلاء فقط، وإنما أراد أن ينقل رسالة إلى الحصري بأنه الوزير وما على الحصري إلّا تنفيذ الأوامر وليس كما كان سابقًا منفردًا بشؤون المعارف ويسيّرها على هواه. وهذا ما ثبت فيما بعد، عندما طُرد ساطع من العراق سنة 1941م. ومن يقرأ مذكراته سيجد بأنه كان متعاليًا وذا نفس طائفي، ويحاول أن يبيّن للدولة أن الوزراء هم ليسوا بكفائته فهو الذي يسيّرهم!!!
كان قد تقرر إزالة إيوان الروضة الحسينية المقدسة (الطارمة القبلية) لحدوث تصدعات فيها ولقدمها وإعوجاج بعض أعمدتها، ولميلان الجناح الأيمن منها، وذلك في العقد الأول من القرن العشرين الميلادي، وتم الإتفاق مع بعض المختصين للذهاب إلى الهند لإختيار وجلب الأعمدة الخشبية من أشجار خاصة تكون جذوعها من (خشب الساج) وأن تكون مستقيمة وذات أطوال محددة، وبعد أن تم تهيئتها قامت الحرب العالمية الأولى فتعذر وصول الأعمدة لحين أن إنتهت الحرب، فقد تم جلبها من الهند وهي مربوطة بإحدى السفن تجرها وهي عائمة في مياه البحر إلى أن وصلت البصرة. ومن البصرة تم ربطها بإحدى السفن النهرية التي تمخر في نهر الفرات حتى وصلت إلى الكوفة، ومن مرسى الكوفة تم نقلها برّاً إلى كربلاء بواسطة العربات التي أعدّت خصيصًا لنقل الأعمدة.
وفي كربلاء تم المباشرة بتهديم الإيوان القديم وفي نفس الوقت أنيطت مهمة تصنيع الأعمدة من قبل أحد النجارين القدماء من أهالي الكاظمية و (من بيت أسود).
تم الانتهاء من تشييد الإيوان سنة 1342 ه / 1923م وهو في حلة بديعة، فقد أقيم للأعمدة أساس محكم وكان عدد أعمدة الطارمة إثني عشر عمودًا، إثنان منها في الوسط بارتفاع ثلاثة عشر مترًا يحملان القسم المرتفع من الإيوان، وثلاثة أعمدة
بارتفاع تسعة أمتار في جهتي الشرق والغرب لتحمل الجانبين المنخفضين من الإيوان، يليهما عمودان في كل من جهتي الشرق والغرب بطول أربعة أمتار ليستند إليها سقف المخالع (الكشوانيات) المؤدية إلى الطارمة.
تم صنع الأعمدة مضلعة الشكل قطر قاعدتها 60 سم وقطر بدنتها التي ترتبط بالتيجان 40 سم، والتيجان مقرنصة قاعدتها مربعة في الأعلى طول أضلاعها 90 سم يستند إليها سقف الإيوان. وتم تزيين سقف الإيوان بنقوش جميلة وملونة.
وبعد إكتمال تشييد الإيوان القبلي الجديد ظهرت الروضة الحسينية بمظهر بديع يسر الناظرين. وجرى بالمناسبة إحتفال حاشد ألقيت فيه الخطب والقصائد والمراثي بهذه المناسبة.
بتاريخ 10 كانون الأول 1923م المصادف لليوم الثاني من جمادي الأولى سنة 1342 ه زار مدينة كربلاء جلالة الملك فيصل الأول بصحبة السر هنري دوبس(1)المندوب السامي البريطاني في العراق حيث قاما بوضع الحجر الأساس لمحطة قطار كربلاء، ليكون فرعاً من خط بغداد البصرة عِبر سدّة الهندية، وهذا المشروع بدأ به الوالي مدحت باشا لربط كربلاء - خانقين بخط سكة حديد لتسهيل نقل الزائرين الإيرانيين. والذي واكبته عدة عراقيل حينها، وتولّت الحكومة العراقية إكماله لأهميته البالغة، وبعد سنتين من هذا التاريخ تم إفتتاح المحطة.
1) هو السير هنري روبرت كونوي دوبس، كان معاونًا للمندوب السامي السير برسي كوكس من سنة 1920 إلى 1923م، وأصبح دوبس هو المندوب السامي البريطاني خلفًا لكوكس لغاية أوائل 1929م، وكان أشد من سلفه تدخلاً في شؤون حكم العراق
إنتخاب الشيخ عمر العلوان الوزني(1)عن كربلاء عضواً في المجلس التأسيسي
تحدثنا سابقاً عن الرفض القاطع لتشكيل المجلس التأسيسي في العراق والذي كان الغرض منه المصادقة على المعاهدة البريطانية العراقية الأولى، ولأن المعاهدة بقيت غير مصادق عليها فلم تدخل في حيّز التنفيذ لعدم إمكانية تشكيل المجلس الذي له الصلاحية في التصديق. حتى وصل الأمر بأن يضغط المعتمد البريطاني على الملك والوزارة بضرورة تشكيل المجلس التأسيسي وإلّا فإن الإنكليز ستكون لهم إجراءات أخرى...!!
الشيخ عمر علوان الوزني
1) هو الشيخ عمر بن علوان بن فليح بن جدوع الوزني، وهو شقيق المرحوم الشيخ عثمان العلوان. كان الشيخ عمر العلوان أحد أبرز رجال الحركة الوطنية في كربلاء والعراق، ولد سنة 1880م، وكان من مؤسسي الجمعية الوطنية الإسلامية المطالبة باستقلال العراق. وقد تم نفيه إلى الهند عدة شهور من قبل الإنكليز وأطلق سراحه مع الآخرين في 2 كانون أول سنة 1919م، وإشترك في ثورة العشرين وكان من رجالاتها في كربلاء، وبعد استسلام كربلاء تم نفيه إلى جزيرة هنجام لحين صدور العفو العام سنة 1921م. وإنتمى إلى فرع حزب الإخاء الوطني في كربلاء، وتوفي سنة 1931م في كربلاء وأعقب أربعة أولاد هم: سعد الذين تسلم مناصب وزارية في العهد الملكي، وخطاب وكامل وفاضل
تم إجراء الإنتخابات في 25 شباط 1924م كما أسلفنا وفاز عن كربلاء الشيخ عمر علوان الوزني، وهو من شيوخ كربلاء ورؤسائِها الوطنيين، ومن غير الكربلائيين ممثلاً عنها هو (رؤوف الجادرجي). كان المرحوم الشيخ عمر العلوان من أوائل المعارضين للمعاهدة التي تم تأسيس المجلس لغرض المصادقة عليها.
وقبل منتصف الليل يوم 10 حزيران 1924م وبضغط من الإنكليز إلتأم المجلس بحضور 68 عضوًا من أصل 100 عضو، وبرئاسة عبد المحسن السعدون وتم طرح تقريرين ليصوت المجلس عليهما الأول تقرير المعارضين للمعاهدة وعددهم 25 عضوًا إنسحب فور قراءة التقرير إثنان منهم وهما عمران الحاج سعدون والشيخ اکباشي السعد فاعتبر الموقعون عليه 23 مندوبًا بدل 25، ومن المعارضين في التسلسل الثالث كان المرحوم الشيخ عمر العلوان(1). وتقرير الموالين وعددهم 28 عضوًا. وبعد التصويت كان عدد الموافقين 36 والمخالفين 24 من بينهم الشيخ عمر العلوان، وإستنكف (إمتنعوا عن التصويت) ثمانية من الأعضاء. وعندما حصلت الأكثرية بالموافقة فلا حاجة بعد ذلك للتصويت على المعاهدة لأنها سارت بالأكثرية البسيطة، فإن المعاهدة تمت المصادقة عليها ب 36 صوتًا من مائة صوت!!! وكان كل ذلك تحت التهديد والوعيد!
فكان هذا الموقف الوطني للشيخ عمر العلوان يُحسب له ولمدينة كربلاء برفض الخضوع والخنوع للإنكليز.
للمرحوم الشيخ عمر العلوان الوزني مواقف وطنية أخرى لابد أن تذكر تخليدًا له منها: عندما كان ممثلاً عن لواء كربلاء في المجلس التأسيسي كما ذكرنا، وقد تم تأليف لجنة للمصادقة على المعاهدة العراقية - البريطانية الأولى، فقد أنتخب عضوًا
1) تاريخ العراق السياسي الحديث: السيد عبد الرزاق الحسني، ج 2 ص 99 – ص101
في اللجنة المكلفة لتدقيق المعاهدة، وقد أثبت رأيه مكتوبًا وهو: إن المعاهدة جاءت بشكل لا يتفق مع الاستقلال التام الذي يتطلبه العرب عامة والعراق خاصة منذ سنين، ولقد أتت المعاهدة بصورة انكل نقطة فيها تضارع الإنتداب (أي تؤيده)، ولقد دَقّقَت لجنة تدقيق المعاهدة وذيولها فرأيناها ثقيلة لا تُمكّن العراق من القيام بهذه المسؤوليات.
أمّا عن قضية الموصل التي كانت تركيا تطالب بها، فكان له موقف وطني آخر في المجلس التأسيسي الذي كان يناقش القضية، ففي جلسة المناقشة تحدث وأوضح أن الموصل تهم العراقيين، وطلب من المجلس الوقوف وقفة تمنع التفريط بها لأي أجنبي فقال نصّاً: «بصفتي مندوب كربلاء المشرفة والنجف المقدس، خُوّلتُ نيابة عن أهل كربلاء والنجف بأن أعرض عليكم وعلى سيّدنا (يعني الملك) أن الكربلائيين حاضرون لكل ما يقتضيه العراق والموصل، وحاضرون لتقديم جيش إذا كانت الحكومة بحاجة إلى ذلك، وإنهم حاضرون إلى الفداء بكل غالٍ ونفيس في سبيل القضية التي ضحينا الضحايا العزيزة من أجلها».
وكان من أوائل الداعين إلى التجنيد الإجباري في العراق فقد قال: لا استقلال بلا قوة، فإذا أردتم الاستقلال فاستعدوا للدفاع عن بلدكم وحفظ كيانه.
وكانت له في المجلس أدوار أخرى مثل مطالبته بسن القانون الأساسي (الدستور)، وقد ساهم مساهمة فعالة فيه وخاصة في مجال التعليم، وجعل اللغة العربية لغة البلاد، وفي مجال الحريات الشخصية، وكذلك تحديد من هم العراقيين في الأصل. كما كان له دور كبير في تأسيس مجلس الأعيان.
في 1925/5/26 الموافق الرابع من شهر ذي القعدة 1343ه، باشر الأستاذ عبد الله الدليمي بمنصبه متصرفًا جديدًا للواء كربلاء. كانت كربلاء في ذلك الوقت
تعيش حالة من الفوضى الإدارية ونقص في الخدمات، ولم يتمكن المتصرف الجديد من القيام بأية أعمال تخدم المدينة فقد ساد خلاف شديد بين المتنفذين من الأهالي حينها بسبب تشعب إنتمائهم للحركات التي بدأت بالظهور متماشية مع أوضاع البلد، فنشأت تكتلات داخل المدينة وبرزت عندما تمت المطالبة بإجراء إنتخابات لرئاسة البلدية، فكان تعدد القوى ظاهرًا والكل ينادي بإصلاحات للمدينة تتماشى مع الوضع الجديد في البلد.
وكان يشغل رئاسة البلدية حينها المرحوم الشيخ عثمان علوان الوزني منذ عام 1922م / 1341ه، فقرر المتصرف إجراء إنتخاب رئيس للبلدية وذلك في شهر شباط 1926م / 1345 ه ففاز بها السيد عبد الوهاب عبد الرزاق الوهاب وكان كبير السن وقد داهمه المرض مما تطلب الأمر لتعيين رئيس للبلدية بالوكالة فقد قرر المتصرف في آذار 1927م تعيين الحاج محمد حسن شهيّب آل معّلة بمنصب الرئيس لحين نهاية فترة بقاء المتصرف في منصبه.
هو السيد عبد الحسين بن أحمد بن حسن بن سليمان بن درويش بن أحمد بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة الثالث (الجد الأعلى لآل طعمة) بن السيد علم الدين الفائزي.
كان قد تسلّم سدانة الروضة الحسينية بالنيابة عندما تركها السيد عبد الحسين آل طعمة الكليدار في ربيع الثاني سنة 1334 ه الذي تم عزله من قِبل والي بغداد، ولم يعُد إلى كربلاء إلى سنة 1337ه، (والسيد عبد الحسين بن أحمد هو ابن عم والد السيد عبد الحسين الكليدار، فهما متشابهين بالاسم واللقب).
كان السيد عبد الحسين أحمد طعمة وفي أيام نيابته على السدانة قد إختلف مع الشيخ فخري كمونة لمنعه أعوان الشيخ فخري الدخول وتسوّر مآذن الروضة الحسينية وأسوارها، مع ذلك المنع فقد نفذ الشيخ فخري ما يُريد وهدد نائب السادن السيد عبد الحسين بن أحمد. وبمجرد دخول الإنكليز وتسلّم فخري كمونة زمام الأمور في كربلاء قام بإخراج السيد النائب وعائلته ومجموعة كبيرة من أفراد أسرته من مدينة كربلاء بالقوّة، فإلتجأ ومن معه إلى ديوان الملا خضر شويلية الذي قام بحمايته وأسرته ومن معهم وقام بتسفيره إلى مدينة المسيّب بحراسة رجال من عشيرة النصاروة حيث أوصلوهم سالمين(1).
وعندما تم نفي فخري كمونة إلى الهند وعزل ابن أخيه الشيخ حميد بن محمد علي كمونة من سدانة الحسين الذي استلمها لعدة أشهر بمساعدة الإنكليز وعمّه الشيخ فخري، عاد السيد عبد الحسين بن أحمد طعمة واستلم نيابة السدانة، لحين تعيين السيد عبد الحسين الكليدار (السادن المعزول) سادنًا مرّة أخرى بأمر من السير برسي كوكس.
وفي سنة 1925م تم تعيين السيد عبد الحسين أحمد آل طعمة عضوًا في مجلس الأعيان(2)ممثًلا عن كربلاء بأمر من الملك فيصل الأول الذي يتم تعيين أعضاء هذا المجلس من قِبله، بينما مجلس النوّاب يتم بالإنتخاب. وأخذ يُلقب ب (السيد عبد الحسين أعيان).
وفي الدورة الثانية لمجلس الأعيان التي بدأت سنة 1347ه / 1928م، تم ترشيحه أيضًا إلى عضوية المجلس إلّا أن الدعوة الموجهة له ذهبت بالخطأ إلى السيد عبد الحسين آل طعمة الكليدار، الذي تنازل عن السدانة لولده الأرشد ليلتحق
بمجلس الأعيان، والخطأ جاء بسبب تشابه الأسماء واللقب، فكل منهما اسمه عبد الحسين ولقبهما آل طعمة. وبعد معرفة الخطأ والطلب من السيد الكليدار أنه غير المعني بالموضوع، فقد أصر على البقاء لأنه يحمل كتاب الدعوة، ولا يتمكن من الرجوع لأنه كان قد تنازل لولده عن السدانة، وكان عمره حينذاك 48 عامًا.
عُيّن السيد عبد الحسين أعيان بن أحمد مديرًا لأوقاف كربلاء سنة 1931م / 1350 ه لحين وفاته سنة 1935م / 1354ه.
عندما تم إقرار القانون الأساسي (الدستور) سنة 1925م، والذي أقرّ وضع الأسس الديمقراطية في الحياة السياسية عن طريق تشكيل برلمان عراقي منتخب يتكوّن من مجلسين هما: مجلس النوّاب ومجلس الشيوخ (الأعيان).
يتم تشكيل المجلس الأول بناءً على حق الإقتراع للمؤهلين، أي إجراء إنتخابات نيابية في عموم ألوية (محافظات) العراق، ويتم إختيار عدد النواب على النسبة التي حددها القانون بعدد سكان كل لواء. أمّا مجلس الأعيان فيتم تعيين أعضاءه من قِبَل الملك.
والفترة الممتدة من عام 1925م إلى عام 1958م في العهد الملكي، كانت هذه المرحلة قد شهدت 16 دورة إنتخابية، ومدة الدورة أربع سنوات، ومن خلال الدورات الستة عشر لم تستكمل المدة القانونية للبرلمان سوى لثلاث دورات فقط. فقد كان البرلمان يحل نفسه أو يُحَلْ وفق الظروف السياسية في العراق من أحداث وتغيير الوزارات أو لأسباب خلافية أخرى ينص عليها الدستور.
وفي هذا الصدد سنذكر أسماء نوّاب كربلاء في المجلس النيابي حسب الدورات ووفق السرد الزمني لمباحث هذا الكتاب.
أسفرت إنتخابات المجلس النيابي في دورته الأولى التي بدأت أعمالها بتاريخ 16 تموز 1925م بفوز مرشحين إثنين عن لواء كربلاء وكلاهما من النجف الأشرف وهما:
1 - السيد كاظم السيد سلمان(1).
2- الحاج عبد المحسن شلاش(2).
المرحوم الحاج عبد المحسن شلاش
1) كان السيد كاظم من أعيان النجف، وهو من آل السيد سلمان، من الأسر العربية العلوية المشهورة في النجف، وكانت لهم الزعامة سنة 1270 ه، وجاء لقبهم على اسم جدهم السيد سلمان بن درويش بن يعقوب بن يوسف بن محمد بن العلامة السيد هاشم الحطاب المتوفى سنة 1160 ه بن السيد محمد بن عواد بن محمد بن السيد عوّاد الكبير (الذي ينتمي إليه السادة آل العوّادي)، ويرجع نسبهم إلى السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام كوسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). نبغ منهم ساسة ومحامون وتجار ونوّاب في العهد الملكي، وكانت لهم مواقف جليلة في صد هجمات الوهابيين كبقية عشائر النجف
2) تم ترجمة الحاج عبد المحسن شلاش في هذا الجزء من الكتاب في موضوع استيزار محمد حسن أبو المحاسن
ذكرنا في الجزء الرابع من هذا الكتاب عندما تحدثنا عن كربلاء في زمن الوالي مدحت باشا، بأن الوالي المصلح أراد أن يربط مدن العتبات كربلاء والنجف بفرع لخط سكة الحديد الممتد بين بغداد والبصرة، لتسهيل عملية نقل البضائع والزائرين، وبالرغم من أن الوالي بدأ بالمشروع إلّا أنه توقف لأسباب كثيرة مرّ بها البلد، وكانت الغاية الرئيسية منه لنقل الزوّار من خانقين إلى بغداد ثم إلى كربلاء، فخط خانقين بغداد تم العمل به ولكن الفرع الخاص بكربلاء قد توقف.
وفي سنة 1923م بدأت الحكومة العراقية بإنشاء محطة للقطار في كربلاء مع توابعها في المنطقة التي تقع جنوب المستشفى الحسيني التي تم إنشاءه سنة 1913م، كما بدأت في نفس الوقت إنشاء خط السكة من منطقة سدة الهندية وصولاً إلى كربلاء وصاحب مد الخط إنشاء الجسور والقناطر التي تمر عليها سكة القطار ومسار الخط كان يبدأ من محطة سدة الهندية عابرًا الفرات على جسر حديدي أقيم للقطار فقط، ثم يمر بمقاطعة أم الحمام ويعبر نهر الحسينية من منطقة العكَابات فيقطع طريق كربلاء - بغداد القديم بالقرب من نهر أبو سليمان حتى يصل خلف مرقد الإمام عون حيث أنشأت خلف المرقد محطة فرعية صغيرة يتوقف عندها القطار لوقت قصير ثم ينطلق نحو كربلاء مارًا بمقاطعة بدعة أسود ثم الوْدَيْ فالحر الصغير ثم مقاطعة الحيدرية حتى يصل إلى محطة كربلاء الرئيسية. وقد تم إفتتاح المحطة في 18 شباط 1925م / 25 رجب 1343 ه، وفي يوم الإفتتاح وبمناسبة تدشين قطار كربلاء فقد تم نقل زوار كربلاء المتوجهين إلى الكاظمية لحضور مناسبة وفاة الامام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وبالمجّان.
وكان أهالي كربلاء يركبون القطار عندما يريدون زيارة الإمام عون، فيتحرك بهم القطار في الساعة الثامنة صباحًا ويصل إلى محطة عون في الساعة التاسعة والربع،
ويعودون في القطار أيضًا النازل من سدة الهندية الذي يصل في الساعة الخامسة عصرًا ويصلون كربلاء عند الغروب.
كان لهذا الخط أهميته البالغة على صعيد نقل الزائرين والبضائع من البصرة وبغداد، وكان ينقل أيضاً صهاريج الوقود إلى كربلاء.
صورة لقطار في محطة كربلاء مع بعض منتسبي المحطة في نهاية خمسينيات القرن العشرين
في يوم الجمعة الأول من شهر مايس 1925م / الثامن من شوال 1343ه، زار كربلاء الملك فيصل الأول ومعه ولي العهد الأمير غازي، وقد تم استقبالها بحفاوة بالغة وخرج أبناء المدينة للترحيب به، فزار الروضة الحسينية المقدسة وبعدها توجه إلى مرقد أبي الفضل العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ومنه غادر متوجهًا إلى بغداد.
كانت الموصل ضمن العراق إثناء الحكم العثماني، وأصبحت إحدى الولايات كبغداد وشهرزور والبصرة. والموصل وكما هو معروف عربية الأصول والعراقة وأبناؤها يشكلون النسيج المجتمعي العربي في الغالب الأعم. فغالبية سكانها ينحدرون من خمس قبائل رئيسية وهي: شمّر وطي والجبور والدليم والبقارة، وأفخاذ من قبائل أخرى. ويوجد فيها مسيحيون ينتمون إلى عدة طوائف، وأكراد وتركمان. وإثناء الحرب العالمية الأولى احتل الإنكليز البصرة في تشرين الثاني 1914م، ثم بغداد في آذار 1917م وهي عاصمة العراق ومركز الحكم فيه. بينما إستمرت الهيمنة العثمانية على الموصل حتى قبل نهاية الحرب العالمية الأولى بأربعة أيام(1).
كانت بريطانيا وفرنسا قد عقدتا إتفاقية سرية عُرفت بإتفاقية (سايكس بيكو) تم بموجبها تقسيم الولايات العثمانية العربية بين الدولتين، فكانت ولاية الموصل من منطقة النفوذ الفرنسي. وقبل انتهاء الحرب عقد الحلفاء هدنة مع تركيا وألمانيا في 30 تشرين الأول 1918 بعد أن تبين تفوق الحلفاء على تلكما الدولتين لحين الإتفاق النهائي على وقف الأعمال الحربية وإعلان انتهاء الحرب.
احتل الإنكليز الموصل في 7 تشرين الثاني 1918م وذلك بالرغم من عقد الهدنة قبل عدة أيام. وبعد إكتشاف النفط في ولاية الموصل تمكنت بريطانيا من إقناع فرنسا بالتنازل عن الموصل في معاهدة (سيفر) سنة 1920م.
ولكن تركيا إستمرت بالمطالبة بالموصل بحجة إن احتلالها من قبل الإنكليز تم بعد عقد الهدنة وإيقاف الأعمال القتالية، وتم عرض الموضوع على عصبة الأمم لتقرر عائدية الموصل.
1) تم الإعلان عن انتهاء الحرب العالمية الأولى في 1918/11/11م، بينما احتل البريطانيون الموصل في 1918/11/7م
شكّلت (عصبة الأمم) لجنة أممية من ثلاثة أعضاء يرأسها ديبلوماسي (سويدي) وعضوين آخرين أحدهما (مجري) والثاني (بلجيكي)(1).
في النصف الثاني من عام 1925 جاءت اللجنة إلى العراق ليشرفوا على وثائق ومستندات وجغرافية منطقة الموصل والعراق فيما يثبت أن الموصل جزء من أجزاء العراق.
قامت الحكومة العراقية حينئذٍ بإنتخاب عشرة أشخاص من أعيان كل لواء (محافظة) من ألوية العراق للتوقيع في مضابط تؤكد عراقية الموصل وعدم التفريط بها بإعتبارها جزء لا يتجزأ من العراق، على أن تُقدّم هذه المضابط إلى اللجنة الأممية التي تزور العراق، لترفقها مع الوثائق وتقدمها إلى عصبة الأمم لدعم حق العراق ودحر الأتراك بخصوص هذا الادعاء الباطل.
أمّا الأسماء المنتخبة من أعيان كربلاء للتوقيع على المضبطة هم كل من:
1 - السيد عبد الحسين آل طعمة / كليدار الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
2- السيد مرتضى آل ضياء الدين / كليدار العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
3 - السيد محمد علي آل ثابت.
4 - السيد محسن الطويل آل نصر الله.
5 - السيد حسن النقيب.
6 - السيد قاسم الرشدي.
7 - السيد حسين القزويني.
8 - الشيخ عبد الكريم العوّاد.
9 - الحاج إبراهيم أبو والدة.
10 - الشيخ كاظم أبو إذان.
1) مجلة العربي لشهر حزيران 1969م
دعا متصرف كربلاء حينها (عبد الله الدليمي) الأعيان المذكورين للتوقيع على المضبطة في سراي الحكومة، فحضر سبعة منهم ووقعوا على المضبة أما الثلاثة الآخرون فهم:
1 - المرحوم السيد مرتضى آل ضياء الدين (كليدار العباس) ولمرضه فقد أرسل نيابة عنه أرشد أولاده المرحوم السيد (محمد حسن) للتوقيع على المضبطة.
2 - المرحوم السيد قاسم الرشدي لمرضه وكبر سنّه فقد أرسل ولده المرحوم السيد (أحمد) للتوقيع على المضبطة بتخويل من والده.
3 - المرحوم السيد حسين القزويني، عندما طلب المتصرف حضوره فقد تبيّن أنه كان مسافرًا إلى النجف، فأمر المتصرف بإحضار ولده المرحوم السيد (إبراهيم شمس الدين) وأخذ توقيعه على المضبطة المذكورة نيابة عن والده السيد حسين. وكان عُمر السيد إبراهيم حينها لم يتجاوز السادسة والعشرين عامًا، فقد أخذ المتصرف عبد الله الدليمي توقيعه بشهادة كاتب التحرير المرحوم (صالح الحاج عبد المهدي الحافظ)، وقواص المتصرف (فراش) المدعو عبد الكريم بن موسى(1).
وأرسلت المضبطة إلى بغداد وسلمت إلى اللجنة الأممية مع مضابط الألوية الأخرى. في نفس العام (1925م) قررت عصبة الأمم عودة الموصل إلى العراق.
المرحوم السيد عبد الرزاق الحسني من أشهر الكتّاب والمؤرخين العراقيين في القرن العشرين الميلادي، ويُعدّ الحسني موسوعي ومؤرخ نزيه وصادق فيما يكتب، فقضى معظم حياته يكتب عن تاريخ العراق والأمة العربية بصدق ومنهجية وعلمية وبأمانة وإخلاص، وله مؤلفات كثيرة... كان من إحداها كتاب (موجز تاريخ البلدان العراقية) الذي إنتهى من تأليفه في 15 ربيع الأول 1349ه / 9 آب 1930م
1) مذكرات المرحوم السيد إبراهيم شمس الدين القزويني الخطية، الدفتر الثامن
وطبع في نفس السنة، دوّن فيه من خلال جولاته في مدن العراق معلومات تاريخية واجتماعية وروحية عن تلك المدن. وفي كتابه هذا دوّن مشاهداته ومعلوماته عن مدينة كربلاء في الربع الأول من القرن العشرين الميلادي وقال:
من بين الألوية العراقية التي تمتاز بقدسيتها وبتاريخها الوضاء الحافل بجلال الأمور وعظام الحوادث في تاريخ هذا القطر، (لواء كربلا) المنحصر بين ألوية الحلة والدليم والديوانية. فقد أخبرتنا الأسفار التاريخية عن معارك خطيرة دارت رحاها في ربوع هذا اللواء، تجلت فيها الفضائل والمعجزات كما تجلى فيها النُبل والثبات على المبادئ المقدسة. وأخبرتنا أيضًا عن مدن كبيرة وحصون منيعة أنشأت في أرجائه لم يبق منها غير الإنقاض ولم يعرف من تأريخها إلاّ النزر اليسير. ولئن قضت الظروف المؤلمة أن يكون هذا اللواء في معزل عن الإصلاح الذي تتطلبه حضارة القرن العشرين وتتطلبه المدينة الحاضرة، فعلى المستقبل القريب يعلق أهلوه آمالاً جسامًا للنهوض بلوائهم إلى مستوى ألوية بغداد والبصرة والموصل سواءً أكان ذلك من الوجهة العمرانية والتجارية أم من الوجهة العلمية والأدبية وما ذلك على ناشدي الإصلاح ببعيد.
ويذكر الحسني كربلاء في التاريخين القديم والحديث فيقول: وهي بلدة قديمة عرفت بهذا الاسم قبل الإسلام بزمن طويل، واستيفاء البحث عن قدمها، يكلف الباحث كثيرًا من متاعب الاستسقاء والتنقيب لعدم وجود منابع تاريخية وافية وموثوق بصحتها يصح الركون إليها.
ثم يفصّل الحسني حديثه عن كربلاء في التاريخ القديم ويذكر إشتقاق اسمها القديم بالتسميات التي سبق وأن ذكرناها في الجزء الأول من هذا الكتاب، ويقول أن إطالة البحث في قدم كربلا والتوصل إلى معرفة تاريخها عن طريق الإشتقاق اللفظي، یعیي المؤرخ فيجعله يتخبط في ديجور من التوهمات والإحتمالات التاريخية ولا يصل به إلى نتيجة يقينية وربما كان في تلك الأطلال والخرائب المتفرقة ما يكشف لنا تاريخ كربلا القديم الغامض ولكن في المستقبل. لهذا فقد إكتفيت بما قدمته على أن أعود
إلى البحث مرة ثانية متى إجتمعت لديّ دلائل ومصادر أخرى ومتى تهيأ للمنقبين والآثريين أن يفتحوا كنوز تاريخ العراق المجهول فيتحفونا به.
ثم يقول: ومتى مرّت على ذاكرة الإنسان لفظة (كربلا)، إغرورقت عيناه بالدموع السخية وتذكر المآسي التي حدثت في هذه البقعة يوم تغلبت القوة الغاشمة على الحق ولعبت الغطرسة الأموية دورها المحزن في التاريخ العربي حتى أن الإمام (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الحسين بن علي لمّا حلّ بها سأل بعض أصحابه عن اسم البقعة التي هو فيها، فقيل له يا أبا عبد الله إنها تسمى كربلا فقال (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أرض كرب وبلاء، وهمّ بالرحيل عنها فمنعه أصحابه عن ذلك. وقد سبق أن نزلها أبوه الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في سفره إلى حرب صفين وشوهد فيها متأملاً في ما يحيط بها من أطلال وآثار، فَسُئِلَ عن ذلك فقال (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إن لهذه الأرض شأنًا عظيمًا، فهاهنا محط ركابهم وها هنا مهراق دمائهم، فَسُئِلَ عن التفصيل فقال (ثقل لآل محمد ينزلون هاهنا).
هذا كل ما لهذه الأرض من قيمة تاريخية تحفظها لها أسفار التاريخ القديم، وقد حصل كثير من التغيير والتبديل في مجرى الفرات وتقسيمه لمدنها وقراها فلا يمكن بالضبط تعيين مواقع المدن الشهيرة التي أنشأت أيام البابليين ومن جاء من بعدهم، كما أن الإحاطة بأسماء القرى التي أسست أيام الفتح الإسلامي فيها متعذر نظرًا لنقصان التاريخ.
أمّا عن تاريخ كربلاء الحديث فيدوّن الحسني في كتابه ويقول: أمّا كربلا اليوم فتبعد عن بغداد 64 ميلاً ويربطها بها سكة حديد أنشأت عام 1925م وهي مدينة واسعة جالسة على ضفة ترعة الحسينية اليسرى ويحيط بها شجر النخيل الوارف وتغرس فيها أشجار الفواكه الباسقة على إختلاف أنواعها. وجادات المدينة وأسواقها منظمة من حيث العموم، ففيها مبانٍ عامرة وفيها جادات واسعة ومؤسسات فخمة، إلاّ أن هندسة البناء فيها هندسة قديمة. وهي من حيث العمران تقسّم إلى قسمين: يسمى الأول (كربلا القديمة) وهو الذي أقيم على أنقاض كربلا القديمة في التاريخ.
ويدعى الثاني (كربلا الجديدة) وهو الذي خطط في عهد ولاية المصلح الكبير مدحت باشا عام 1285ه وبني بعد عام 1300 ه على طراز يختلف عن الطراز الأول، إلاّ أنه تهدم مع الأسف بالتدريج حيث أقيم على أرض سبخة تنز فيها المياه فتأكل أسس الجدران ولهذا يحيط بكربلا اليوم مستنقع كبير كثيرًا ما يهدد حياة سكانها والزائرين لها بأمراضه الكثيرة الأنواع. ومع أن الحكومة لا تزال تبذل هممًا تذكر في دفنه، فإن خطره لا يزال يفعل فعله في الأهلين الأمر الذي يجعل سكان المدينة صفر الوجوه هزيلي الأجسام معرضين للأمراض المختلفة. وعن عدد الزائرين الذين يفدون لزيارة المراقد المقدسة فيها فيقول: ويؤم المدينة في كل عام ألوف من الزائرين لضريح سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ولاسيما في أيام الزيارات المخصوصة، فإن معدل عدد الزوار فيها يبلغ (185000) نسمة.
وعن مرقد الامام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يقول: وضريحه اليوم مُقام وسط صحن عظيم تلألأ البدر في كبد السماء. وعلى مسافة قريبة من هذا الصحن مدفن أخيه العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) المقتول معه في يوم واحد وهو أيضاً وسط صحن كبير لا يقل عن بقية صحون مراقد الأئمة (عَلَيْهِ السَّلَامُ) من حيث هندسة البناء وضخامته وقببه ومآذنه وكثرة المجوهرات والمرصعات التي إعتاد المسلمون أن يزينوا بها الأماكن المقدسة.
وعن التنظيمات الإدارية في وقت رحلته يقول الحسني: يتقوم لواء كربلا من مركز اللواء وتتبعه ناحيتان. ومن قضاء واحد هو (قضاء النجف) وفيه ناحية واحدة يقال لها ناحية الكوفة(1).
أما مركزه فمدينة كربلاء التي سبقت الإشارة إليها، وأمّا الناحيتان التابعتان إلى المركز فهما:
1) التنظيمات الإدارية تتغير دائماً، فتلحق وحدات إدارية وتنقل وحدات أخرى وتكون تابعيتها إلى متصرفيات مجاورة حسب الظروف لكل مرحلة زمنية. وقد ذكر الكثير من الرحالة الذين زاروا كربلاء وحداتها الإدارية، وقد أوردناها في صفحات هذا الكتاب، ومن المفيد أن يطلع القارئ الكريم على هذه التغييرات لإعمام الفائدة
1 - الحسينية... ومركزها خان العطيشي (بالتصغير) الواقع في منتصف طريق (كربلا - المسيب) وهو مرجع للعشائر والمزارعين في الناحية المذكورة.
2 - شفاثة... ومركزها قرية شفاثه الواقعة على بعد 42 ميلاً عن كربلا، وهي بليدة كانت تعرف باسم شفاثی - كحبالى - كما جاء في تاج العروس.
وقد سُميت في زمن الفتح بعين التمر وفيها نخل كثير تسقيه المياه الكبريتية الكثيرة في هذه القرية.
وتجتمع هذه المياه في الأعين العديدة الواقعة في وسط البليدة والتي تكّون فيها برقًا عظيمًا تتصاعد منه الأبخرة صباحًا فتجعل البليدة في ظلام دامس فإذا صار وقت الظهر إنقشع ذلك الضباب الكثيف وصفا الماء فصار زلالاً، وفي شفاثه وضواحيها معادن ملحية كثيرة، ونفوسها زهاء خمسة آلاف نسمة»(1).
في يوم 8 شوّال سنة 1344ه / 20 نيسان 1926م أقدّم الوهابيون السعوديون على تهديم قبور آل بيت النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) في مقبرة بقيع الغرقد، مستندين إلى فتوى أصدرها علماؤهم في 25 رمضان 1344ه، وبعد الفتوى بأيام هدموا قبور الأئمة الأطهار والصحابة في البقيع، وسووها بالأرض، وشوّهوا محاسنها وتركوها معرضًا لوطئ الأقدام، ودوس الكلاب والدواب.
وتم نهب كل ما كان في ذلك الحرم المقدّس من فرش وهدايا وآثار قيّمة وغيرها، وحوّلوا ذلك المزار المقدس إلى أرض موحشة مقفرة. وكان هذا الهدم هو الثاني، فالأول قام به آل سعود سنة 1220ه / 1805م عندما هاجموا المدينة المنوّرة وإستولوا عليها. وعندما قام العثمانيون بدحرهم وطردهم منها وإعادتها تحت سيطرتهم، قامت
1) موجز تاريخ البلدان العراقية: السيد عبد الرزاق الحسني، ص53 - 59
الحكومة العثمانية وبمساعدة الكثير من المتبرعين بإعادة بناء تلك القبور، وأصبحت أجمل مما كانت عليه سابقًا.
يصف قبور البقيع قبل هدمها الرحّالة السويسري (لويس بورخارت) الذي إعتنق الإسلام وسمّى نفسه إبراهيم فيقول: «كانت القباب مشيّدة هناك، كقبة أزواج النبي وأولاده وبناته ومرضعته حليمة السعدية. وقبة أم البنين زوجة الإمام علي وقبتها قرب قبة عمّات النبي، وكانت أيضًا قبة جابر بن عبد الله الأنصاري وغيرهم. وأكبر القباب كانت قبّة واحدة مرتفعة أكبر من سائر القبب، وتحتوي قبور أئمة البقيع(1)مع العباس عمّ النبي ولا أدري هل كانت فاطمة بنت أسد(2)معهم أم في قبّة خاصة بها؟
أمّا عن القبور داخل القبة فكانت مرتفعة عن الأرض ومتّسعة ومغشيّة بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مرّصعة بصفائح الصفر (النحاس)، ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة، وأجمل منظر، وفي نفس تلك القبّة كانت تزار الزهراء حيث يحتمل قبرها... وكانت خارج القبّة بفاصلة قليلة قبّة مبنيّة على بيت الأحزان، حيث كانت الزهراء تخرج إلى ذلك المكان وتبكي على أبيها...».
وبعد تهديم قبور البقيع وصفها نفس الرحّالة فقال: «تبدو مقبرة البقيع حقيرة جدًا لا تليق بقدسية الشخصيات المدفونة فيها. وقد تكون أقذر وأتعس من أي مقبرة موجودة في المدن الشرقية الأخرى التي تضاهي المدينة المنورة في حجمها، فهي تخلو
1) أئمة البقيع هم: الإمام الحسن المجتبى سبط الرسول (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، والإمام علي زين العابدين، والإمام محمد بن علي (الباقر)، والإمام جعفر بن محمد (الصادق) عليهم السلام
2) هي فاطمة بنت أسد بن هاشم، أم الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وهي التي ربت النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومن أوائل المسلمات، وعندما توفيت بالمدينة تولى الرسول (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) دفنها، وأشعرها قميصَه، وإضطجع في قبرها، وكانت قد ولدت لأبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ) طالبًا وعقيلاً وجعفراً وعليًّا وأم هانئ واسمها فاختة، وجمانة
من أي قبر مشيّد تشييدًا مناسبًا، وتنتشر القبور فيها وهي أكوام غير منتظمة من التراب. يحدّ كل منها عدد من الأحجار الموضوعة فوقها».
ثم يصف قبور أئمة أهل البيت (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وقبر العباس عم النبي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وعمّات النبي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فيقول: «فالموقع بأجمعه عبارة عن أكوام من أكوام التراب المبعثر، وحفر عريضة ومزابل!!».
ويصف الرحّالة (ايلدن رتر) الذي زار المدينة المنورة بعد الحادثة حيث قال: «لقد هدّمت القباب البيضاء التي كانت تدل على قبور آل البيت النبوي... وأصاب القبور الأخرى نفس المصير فسُحِقَت وهُشّمَت».
قبور أئمة البقيع قبل التهديم
بعدما إنتشر خبر تهديم القبور، إستنكره المسلمون في جميع أنحاء العالم، على أنه عمل إجرامي يسيء إلى أولياء الله، ويحط من قدرهم، كما يحط من قدر آل رسول الله وأصحابه. ومثل ما فُعل في بقيع الغرقد، فقد تم تهديم قبور شهداء (أُحد) ومنهم قبر الحمزة بن عبد المطلب عم النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ).
قبور أئمة البقيع في الوقت الحاضر
وصل خبر تهديم قبور أئمة البقيع إلى أهالي مدينة كربلاء، فكان وقعه كالصاعقة عليهم، وهاج الناس في دروب المدينة وشوارعها، وأغلق الناس محلاتهم وأوقفوا البيع والشراء، وتجمعوا في مرقدي الأمام الحسين والعباس عليهما السلام وساروا في مواكب عزاء مرددين شعارات تدل على الحزن والأسى على تهديم قبور الأئمة من آل البيت (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وإعتبروها جريمة نكراء قام بها الوهابيون ضد آل بيت الرسول (صَلَّی اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، وتجاوزًا على قدسيتهم، وطالبوا العالم الإسلامي من خلال توافدهم لمراجع الدين إصدار فتاوى حول موضوع الهدم.
في اليوم الثاني ظهرت مدينة كربلاء حزينة وقد جابت شوارعها مواكب العزاء واللطم ورفعت في المدينة الأعلام السوداء حزنًا على ذلك الحادث الجلل.
وفي السنة التالية أصبح يوم 8 شوال يوم حداد لدى أهالي كربلاء حيث قاموا بإعلان الحداد ورفعوا الأعلام السوداء وحملوا أربعة نعوش ملفوفة بقماش أسود
وساروا وراء النعوش إلى مرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ومن ثَمَّ إلى مرقد العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) بمواكب عزاء. وأصبح ذلك تقليد سنوي مثله مثل مناسبات وفيات أهل البيت(1)
(وفاة)، ويلبس غالبية الأهالي الملابس السوداء، وتظهر المدينة غارقة في الحزن
.للمرحوم العلّامة السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر مقولة في إحدى خطب الجمعة في مسجد الكوفة، حيث تطرّق فيها إلى قبور أئمة البقيع وقال رحمه الله: «وأصبح تاريخ يوم الهدم يوم معيّن من السنة يسمى يوم (هدم القبور)، ومصيبته تعادل مصيبة ذكرى وفاة أحد المعصومين عليهم السلام. وأصبح الناس يعملون بهذه المناسبة تعازي وذكريات ونحو ذلك»(2).
بعد سنة ونصف من آخر زيارة له لكربلاء، زار الملك فيصل الأول مدينة كربلاء في 1926/11/26م وكان في استقباله متصرف اللواء عبد الله الدليمي وأعيان ووجهاء ورؤساء العشائر في كربلاء، وتوجه حال وصوله إلى زيارة مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وبعدها توجه إلى مرقد العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ومنه إتجه بصحبة المتصرف إلى دائرة المتصرفية ومنها غادر إلى النجف مودعاً بحفاوة بالغة.
بعد أن إستمر عبد الله الدليمي متصرفًا لكربلاء لمدة سنتين وثلاثة أشهر تم نقله من كربلاء، وقد تم الأمر إلى عبد الله المظفر أن يتسلم متصرفية كربلاء بالوكالة لحين تعيين متصرف بالأصالة، وسبق للمظفر أن عمل موظفاً في كربلاء. وبعد شهرين تقريبًا تم نقله إلى منصب قائمقام قلعة سكر، وتم تعين المرحوم عبد الحافظ نوري
1) إعتاد اهالي مدينة كربلاء على إقامة الحداد عندما تمر ذكرى وفاة أو استشهاد أحد الأئمة من آل البيت عليهم السلام، فيغلقون المحلات والمطاعم والمقاهي، ويقيمون مواكب العزاء، ويسمى ذلك اليوم يوم
2) جاء ذلك في خطبة الجمعة للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر رضوان الله عليه بتاريخ 3 جمادي الثانية سنة 1419ه / (1998م)
متصرفًا للواء كربلاء في 12 آب 1927م، وإستمر في منصبه لغاية 16 نيسان 1930م، وفي عهده جرت إنتخابات رئاسة البلدية.
عندما تم تعيين عبد الحافظ نوري متصرفًا لكربلاء كان السيد كاظم السيد أحمد النقيب عضو المجلس البلدي يشغل رئاسة بلدية كربلاء بالوكالة، وجرت الانتخابات لتعيين رئيس البلدية في جو ساده شيء من الخلاف بين أعضاء المجلس على اسم الرئيس حتى تم إسناد رئاسة البلدية إلى السيد كاظم النقيب، وبقي فيها لغاية سنة 1931م.
الملك فيصل في كربلاء
بعد شهرين من آخر زيارة له، قام الملك فيصل الأول بزيارة مدينة كربلاء والمراقد المقدسة فيها يوم الخميس 20 كانون الثاني 1927م / 17 رجب 1345ه وكان بصحبته رشيد عالي الكَيلاني.
دوایت م. دونالدسون باحث إنكّليزي ودكتور في اللاهوت، ودكتور في الفلسفة، جهد بكل الوسائل لدراسة تأريخ الشيعة وعقائدهم، وقرر أن يعيش سنوات بقربهم ليستطلع ما يمكن معرفته عن الشيعة، فقد عاش لمدة 16 عام في مدينة (مشهد) بخراسان يبحث وينقب لهذا الغرض، وليكون قريبًا من مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ثامن الأئمة الإثني عشر عليهم السلام، ومن خلاله تمكن أن يزور جمیع المشاهد المقدسة لأئمة الشيعة وأن يرسم صورة جليه لأمل وإيمان الألوف من المسلمين في الهند والعراق وسوريا ومصر، الذين يقطعون المسافات الشاسعة في سبیل غفران ذنوبهم حسب قوله.
وقد أخرج كتابًا ضخمًا سمّاه «عقيدة الشيعة - تاريخ الإسلام في إيران والعراق» في لندن سنة 1933م (1352ه)، وفي هذا الكتاب فصلاً موسعاً عن كربلاء، وفصل آخر عن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
وجاء في موسوعة العتبات المقدسة / قسم كربلاء: «ومع ما في الكتاب من مبالغات وأغلاط غير متفقة مع الواقع، ومع أنه يحاول إعتبار الكثير من الخرافات والغرائب التي تعب في جمعها كأنها جزء من العقائد الإسلامية الشيعية فقد آثرت أن أورد هنا إنطباعات المؤلف عن كربلا، وبعض ما توصل إلى معرفته عن المعتقدات الإسلامية عند الشيعة»(1).
في صيف سنة 1928م / 1347ه تسنى للدكتور دونالدسون أن يزور العتبات الشيعية المقدسة في العراق كلّها، وكربلاء منها على الأخص، إتمامًا لمشروعه في كتابة مؤلف خاص عن عقائد الشيعة وتأريخهم. وفي تقديمنا لرحلة دونالدسون في هذا البحث سنعتمد على ما دونّه دونالدسون نفسه في كتابه (عقيدة الشيعة) المعرّب من قبل (ع. م.)، والمطبوع في مصر سنة 1946م.
في الباب الثامن من كتاب عقائد الشيعة وفي عنوان (كربلا، أشهر المشاهد الشيعية) يقول دونالدسون: «أتذكر يوم غادرنا الفندق في بغداد بالساعة الرابعة صباحًا لزيارة كربلا، وقطعنا الصحراء بسيارة فورد من طراز (ت) القديمة وهي تسير بأقصى سرعتها، وقبيل السادسة خففنا السرعة في أرض رملية كثيفة في طريق ملتوٍ بين بساتين النخيل المحيطة بالمدينة المقدسة. كان الفصل صيفًا، فكنا نشاهد جماعات من الناس هنا وهناك باتوا ليلتهم تحت النخيل. وقد أخذوا يهيئون شاي
1) موسوعة العتبات المقدسة (قسم كربلاء)، ص 361، عن بحث للأستاذ المرحوم جعفر الخياط بعنوان كربلاء في المراجع الغربية، وكان الباحث قد إعتمد على كتاب دونالدسن هذا (عقيدة الشيعة) الذي ترجمه السيد عبد المطلب الأمين وطبعه في بغداد
الصباح بالسماورات، أو كانوا جالسين عند حافة ساقية(1)من الماء يستاكون. وتقع المدينة على بعد ثلاثة أميال أو أربعة داخل البساتين لا يحميها سور(2)فبلغناها بعد دقائق معدودات، وجلسنا في مقهى أمام مشهد الحسين تقريبًا نتناول فطورنا من الخبز الإيراني (يسمى خبز العجم) الحار والشاي والتمر. والغريب أن الشخص في المقهى الإيراني لا يتناول إلّا الشاي لعدم تيسر غيره إلّا نادرا. وتركت السيارة لألتقط صورة للشارع الرئيسي الممتد إلى الحضرة، غير أن منظر القبة الذهبية، آفسده برج الساعة الكبيرة في الزاوية. وكنت أرى من مكاني في المقهى، النقوش الدقيقة المشتبكة على الكاشاني في مدخل الصحن وعلى المنائر. وقد ربطت سلسلة حديدية عند الباب لتؤشر الحد الذي لا ينبغي (للكافر النجس) أن يجتازه(3).
إن زيارة هذا المشهد مع الإعتقاد بنبوة محمد وإمامة الحسين المنصوص عليها من الله لمن أعظم الأعمال وأهمها، فإن الزائر يحصل على الأمان من سقوط سقف داره عليه أو الغرق أو الحرق أو الوحوش الضارية. أمّا لغير المؤمن فإن إجتياز هذه السلسلة جريمة قد تؤدي إلى الموت على يد الرعاع لأن مثل هذا العمل ينجس الصحن المقدس حول القبر. ولمّا فكّرت في السهولة التي جئت بها إلى كربلا تحققت أن المسافر الإعتيادي يختلف عن الزوار إختلافاً تاماً.
1) يقصد بالساقية هي (نهر الحسينية)، لأن طريق بغداد - كربلاء كان يأخذ مساره بمحاذات النهر إبتداءً من خان العطيشي إلى مدخل كربلاء قرب باب بغداد (باب العلوة) التي كانت تبعد عن النهر 300 م تقريبًا
2) كان يحيط بالمدينة سور تم بناءه مجددًا سنة 1217ه / 1802م، ولتوسع المدينة إلى خارج سورها لم يعد يشاهد إلّا من أماكن قليلة
3) كان لا يسمح لغير المسلم من دخول العتبات المقدسة، ومن غير المعقول أن يطلق على (الكتابي) كونه كافرًا، والكافر هو الذي لا يؤمن بوجود الله سبحانه وتعالى، وقد أفتى بعض علماء الإمامية ومنهم المرجع الكبير المرحوم السيد محسن الحكيم بأن الكتابي إذا تم التأكد من عدم نجاسته فلا مانع من دخوله على الأقل في الصحن ليرى معالم المرقد ويتعرف عن قدسية المكان. وموضوع السلسلة الحديدية أمراً مبالغاً فيه، أو أن بعض رجال الدين يفتون بالتشدد في هذا الموضوع يصاحبه جهل العامة بالمضمون
وكان في المقهى عدد من هؤلاء الزوار قد خرجوا من الحمّام قبل مدة قصيرة، وجلسوا على التخوت ولفّوا حول أجسادهم العارية مئزرًا أحمر وهم يتناولون الشاي. وسيلبسون ملابسهم النظيفة ويزورون حسب طقوس دقيقة معينة(1). ورأيت شيخًا ذا وجه يقربه إلى القلب، تاركًا شايه إلى جانبه ليبرد وهو يصلي وكان كلما سجد وضع جبهته على تربة صغيرة من الطين».
صورة قديمة لباب قبلة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) تعود إلى أوائل القرن العشرين الميلادي، وتظهر المقهى على اليمين وفي يسار الصورة بائع الخبز ويقف رجل مئتزر بإزار الحمام، وأن المكان يشابه حينه وصف دونالدسون
1) في الحقيقة لا يشترط الغسل قبل الدخول لزيارة مرقد الحسين أو أي مرقد آخر للأئمة، وشرط الغسل واجب في العمرة والحج قبل لبس الإحرامات في مكة المكرمة. ويمكن أن يكون قسم من هؤلاء قد أتعبهم الطريق ولكي يتخلصوا من وعثاء السفر ووساخة ملابسهم فيقومون بالغسل الإعتيادي والوضوء فيما إذا أراد الزائر الصلاة. كما أن في زيارة الحسين لا توجد طقوس معينة غير الأمر المعتاد في قراءة الزيارة ولثم الضريح الشريف والصلاة في جامع الحرم ركعتين قربة لله تعالى استحبابًا لا وجوبًا. فالذي يقوم به البعض من أعمال يعتقدها هو إحترامًا للإمام وقدسيته فهي لا تدخل في باب الطقوس مطلقًا
التربة الحسينية شيء مميز لدى الشيعة الذين يسجدون عليها في صلاتهم، وكثيرًا ما كانت تلفت نظر الغربيين الذين يزورون كربلاء، أو بقية المسلمين من غير الشيعة لعدم معرفتهم بالسبب الذي يتخذها الشيعة في سجودهم. ويذكر دونالدسون ملاحظاته عن التربة الحسينية فيقول: «رأيت عددًا من الدكاكين في الشارع الرئيسي وفي كل منها مئات من هذه الترب، لاشك وانها للبيع. وقد أخبرني بعضهم أن أحد الأئمة قال أن بيع التربة المأخوذة من الأرض المعجونة بدم الحسين كبيع لحمه. إلاّ أننا عندما غادرنا كربلا دفع السائق عشرين فلسًا لشراء علبة من الكبريت وأخذ عددًا من الترب بدل الباقي، ويحمل بائعو الترب مئات منها في صينية، كهدية إسمية لمن عليه لاسيما الزائر، قائلين أنهم لا يعينون ثمنًا لها. وأنهم سيحصلون على ثمنها يوم القيامة. ولما كانوا يحصلون ثمنها في هذه الدنيا فقد أصبحت هذه العادة إزعاجًا للزوار الأغنياء. ويشتري التجار الهنود كل مئة تربة بثلاث روبيات وفي بيوت كثيرة من كربلا سراديب مملوءة منها.
ويقال أن طين هذه الترب مأخوذة من المكان الذي قُتل فيه الحسين وتستعمل المسبحات المعمولة من هذا الطين بصورة عامة تقريبًا. وتتألف المسبحة من أربع وثلاثين حبة، فيقضي المؤمن التقي أوقات فراغه بالتسبيح قائلاً (الله أكبر) أربعاً وثلاثين مرة و (الحمد الله) ثلاثًا وثلاثين مرة و (سبحان الله) ثلاثًا وثلاثين مرة(1).
وإذا مات الشيعي فهو عظيم الحظ إن وضعت قلادة من هذا الطين حول رقبته وخاتم الطين في سبابته اليمنى ومعضد من الطين حول كل من ذراعيه وصرة من التراب الذي يكنس من القبر في يده اليمنى، ويستحسن أن تكتب بعض الآيات من القرآن على كفنه بهذا الطين». ويذكر دونالدسون أيضًا أحاديث وردت في كتب
1) هذه التسبيحات تسمى (تسبيح الزهراء) عليها السلام. وجرت العادة لدى غالبية الشيعة قيامهم بهذه التسبيحات بعد كل صلاة من الفروض الخمسة
الشيعة منها (تحفة الزائرين) للعلامة المجلسي وهذه الأحاديث وردت عن أئمة أهل البيت في فضل تربة الحسين.
ويستمر دونالدسون بسرد مشاهداته عن كربلاء فيقول: «ودقت ساعة البرج ثلاثًا أي الثالثة بعد طلوع الشمس فنظرت نحو البرج فرأيت الترميم المزيف الذي أجري بصفائح الزيت... ثم مشيت إلى السلسلة التي تحدد الصحن ونظرت إلى الداخل بكل شوق. فكم إشتاقت نفسي إلى دخول هذا المكان وقضاء النهار كله في درس النقوش الكاشانية وقراءة الكتابات».
وفي كتاب رحلته هذه يذكر دونالدسون ما ذكره جغرافيو العرب مثل الأصطخري وابن حوقل ونقله عنهم لسترينج وكذلك براون والمستوفي في نزهة القلوب، ما يخص تاريخ بناء الروضة الحسينية وما قام به المتوكل وهدمه للقبر، ومن ثَمَّ إعادة بناءه، وعن البويهيين وبنائهم المرقد وعن حريق المرقد، وإعادة بناءه. كما تطرق إلى وصف ابن بطوطة الطنجي لكربلاء والمرقد الشريف في رحلته.
وعن موضوع وصول قافلة للزائرين وهو واقف عند باب الصحن الحسيني فيقول: «وبينا انا واقف عند الباب أفكر بأحسن وسيلة أتمكن بها من مشاهدة ما له أهمية تاريخية من البناء، إذ سمعت صوتًا يشبه غناء غير متزن. فقد وصلت قافلة من الزوار بدلالة المطوفين. ولما إقتربوا مني كانوا يرددون ما يقوله المطوف أمامهم من دعاء الزيارة للسلام، وهاهم أولاء زوار أضناهم التعب، جاءوا من بلاد بعيدة. ولم يقدموا بسيارات بل قضوا بين أربعة أسابيع وثمانية في الطريق ينهضون صباح كل يوم مع طلوع الشمس فيقضون بين ثماني وإثنى عشر ساعة على ظهور البغال وكانوا رجالاً ونساء يدل مظهرهم على أنهم من أهل القرى أو بعض العمال أو صغار البياعين. ومما يلفت النظر بينهم عدد من العجائز، رأين أحفادهن وها قد تحقق ما قد كنَّ يحلمن به طول أيام حياتهن. وكنت أدرس وجوههم وهم يمرون من أمامي في طريقهم إلى أحد الخانات القريبة. وكان مظهرهم كله يدل على الجد.
فهل لنا أن ندرك مغزى هذه الزيارة لهم، فإنهم طول حياتهم، كلما ختن طفل أو تزوج عروسان أو مات أحد، جاء رجل من رجال الدين وأخذ يعيد على مسامعهم فصلًا من مأساة كربلا، وهم يبكون. ويعلمون مقدار الثواب الذي وعدتهم الأئمة في هذه الزيارة. أليس ذلك في الكتب؟ ألم يسمعوه من القراء كل ليلة من سفرهم؟ فقد سمعوا وهم أطفال أن 4000 ملك يحيطون بقبر الحسين وملائكة يبكون عليه ليلًا ونهارًا، وكلما جاء زائر حتى من أقاصي الأرض ذهبت الملائكة لاستقباله وإذا مرض عادته وإذا مات مشت وراءه إلى قبره وإستغفرت له. وقد قيل لهم أن الله نفسه ينظر في إحتياج الزوار وإنه يغفر ذنوبهم لخمسين سنة. وجاء معظمهم بمبالغ غير وافية من المال وهم يعلمون عدد الأيام التي يتمكنون بها من شراء الخبز في كربلاء ويبقى لديهم ما يكفيهم للرجوع. وعليهم أن يدفعوا بعض المال في سبيل الخير، وهذا المال هو مما إقتصدته العائلة منذ مدة طويلة، ومثل هذا المال يدفع إلى مؤسسات التأمين في البلاد التي لم تعد تهتم بأمر الزيارات ونحوها».
ويذكر دونالدسون بتفصيل كثير عن الكتب التي إطّلع عليها والتي تنقل عن الأئمة فضل زيارة الحسين ومقدار الفائدة منها للذي يؤدي الزيارة عن عقيدة وإيمان.
وينقل أيضًا ما حدث في سهل كربلاء حيث وطأت خيول جيش عمر بن سعد بن أبي وقاص جسد الحسين وإختلط دمه ودم من أستشهد معه بتراب كربلاء. فأصبحت أرض مقدسة عند طائفة كبيرة من المسلمين كان ولاؤهم دومًا لآل بيت محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ). وهم يحيون ذكرى مقتله كل عام بمواكبهم العزائية في محرم، فيعيدون تمثيل الحوادث الدامية التي جرت في كربلا جميعها.
وينقل دونالدسون عن كتب التاريخ حول الحائر الذي يقول أنه حرم الحسين في كربلاء، فقد أورد عن الطبري في تاريخه مواضيع كثيرة، ويبدو أنه تأثر في هذا المجال بكتاب تحفة الزائرين للمجلسي الذي نقل عنه الكثير من الأمور التي تخص فضل كربلاء وزيارة الحسين وموضوع معجزة الماء الذي حار حول قبر الحسين ولم يصبه
بعد أن هدمه المتوكل وحرثه وأجرى الماء عليه ولذلك سمي ب (الحائر). ويتطرق دونالدسون إلى الروايات التي قرأها عن تراب كربلاء الذي جاءت به الملائكة من بيت المقدس إلى كربلاء ليدفن فيها الحسين(1).
وأن الملائكة هيأوا قبره قبل مقتله بألف سنة، وأن مریم العذراء عليها السلام جاءت من الشام إلى كربلاء فولدت عيسى ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) بالمكان الذي دفن فيه الحسين ثم عادت تلك الليلة إلى الشام(2). وأن الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مر بأرض كربلاء وبينّ فضلها وفضل من يدفن فيها. وفي معرض حديثه عن المشهدين في كربلاء (مرقد الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام) يقول دونالدسون: «وتبين الصورة المأخوذة من الجو وجود مشهدين في كربلاء وكلاهما ضمن البقعة المقدسة. ويتشابهان تشابهًا عظيمًا، فلكل منهما منائر وبرج ساعة وطارمة وصحن وإيوانات وحُجر كالتي في الخانات. وبناء آن مركزيان بنفس الحجم والشكل تقريبًا وفسحة حول القبر للطواف. إلّا أن هناك فروقًا ظاهرة يلاحظها الناظر لأول وهلة. فالمشهد الذي في مقدم الصورة له ثلاث منائر بدلاً من إثنتين. وهذا مشهد الحسين الذي تتلألأ فيه قبته المغشّاة بالذهب إذا طلعت عليها الشمس. أمّا المشهد الذي في مؤخر الصورة فهو للعباس أخي الحسين من أبيه، وقبته مغشّاة بالكاشاني الأخضر ولها منظر رائع أمام السماء الصافية كأنها سلحفاة هائلة الخلقة إذا نظرتها تحت الغمام. ويقال أن العباس هذا أبدى شجاعة نادرة في المعركة، وقد نشأت الروايات في خطر اليمين الكاذبة عند قبره. وهو كما أخبرني صديق شيعي ليس بإمام تنتظر منه الرحمة بل من أصدق الرجال وأشجعهم».
1) في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام لم تذكر كربلاء ولا الطف إلّا مرّة واحدة جاءت في روايات مختلفة وعديدة ولكن مضمونها واحد، هو أن الرسول (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) أخبر من قبل الأمين جبرائيل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بأن سبطه الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يقتل في أرض تسمى (كربلاء)، وقد أعطي شيئًا من ترابها، والرواية أو الروايات عن حديث الرسول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) جاءت عن أم المؤمنين أم سلمة (رض) زوج النبي ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ). وقد ذكرناها في الجزء الأول من الكتاب
2) كانت على الجدار المقابل لرأس الحسين نقش لثلاث نخلات محفورة على المرمر إشارة للرواية
ويقول دونالدسون حول إدراك أهمية المشهدين في كربلاء فلابد للمرء أن يتتبع ما كابده الإمام الحسين في نهايته مع أهل بيته وأصحابه، فينقل ما كتبه الدينوري في الأخبار الطوال وكذلك اليعقوبي في تاريخه عن بطولات أصحاب الحسين وفي مقدمتهم أخيه العباس وابنه علي بن الحسين (علي الأكبر)، وكيف أن العباس قدّم إخوته عبد الله وجعفر وعثمان(1)وقال لهم «تقدموا – بنفسي أنتم – فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه»، فقاتلوا يدافعون عن أخيهم الحسين وإستشهدوا الواحد تلو الآخر، حتى بقي العباس قائمًا أمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يقاتل دونه ويميل حيث مال حتى قُتل.
ويتحدث دونالدسون عن مقتل ابن الحسين (الرضيع)، إلى أن يصف الكيفية التي أستشهد بها الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بعد البطولة النادرة التي قاتل بها القوم وحده، وذكر أسماء الذين إشتركوا في هذه الجريمة البشعة النكراء إلى أن تم حز رأسه الشريف.
ويذكر أيضًا أنه وبالرغم من مرور ألف سنة على حدوث هذه المأساة في كربلاء، فلا يزال مئات الألوف من الزوار يفدون إليها كل سنة، وأكثرهم من إيران، ويكاد يكونون من أنحاء البلاد الإسلامية كافة. وهم يحملون معهم في كثير من الأحيان رفات بعض أقاربهم ممن أوصوا بدفنهم في كربلا.
1) أخوة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الأربعة من أبيه الذين استشهدوا معه هم: العباس وعبد الله وجعفر وعثمان، وأمهم هي (أم البنين) رضوان الله عليها (فاطمة بنت حزام الكلابية)، وقد ربّت أولادها الأربعة على محبة أخويهم الحسن والحسين حيث تكفلت بتربيتهما بعد وفاة والدتهما فاطمة الزهراء عليها السلام. وقد ضرب هؤلاء الأخوة أروع الأمثلة في الوفاء والإخلاص لأخيهم الحسين، يتقدمهم (العباس) الذي كان بطل الأبطال وحامي الحمى وساقي العطاشى عندما إلتهب وطيس المعركة في يوم عاشوراء بكربلاء
صورة قديمة لكربلاء من الجو في عشرينيات القرن العشرين الميلادي وردت في كتاب (عقيدة الشيعة) لدونالدسون صاحب الرحلة
وصف دونالدسون حرم العباس وقبره حسب ما نُقل إليه من مرافقيه المسلمين، وهو ينقل في رحلته هذا الوصف ويتأسف لعدم رؤيته للمرقدين بنفسه، فيقول: «وعند مدخل ضريح العباس كتبت لوحة كبيرة للزوّار (أن لا تتبختر على هذه الأرض التي طالما عفّر الملائكة والملوك جباههم)، وقبة هذا المشهد غير مذهبة إذ يقال أن نادر شاه وهو الذي أمر ببنائها رأى شخصًا في المنام وهو على ما يظن أبو الفضل العباس فوبخه قائلًا (إنني أصغر سنًا من الحسين وما أنا إلّا تراب قدميه، فعليك أن تفرق في البناء بين السيد والعبد)(1).
1) حول نادر شاه ورواية الحلم الذي رآه، نقول: نادر شاه لم يقم بأي تعمير في العتبات المقدسة في كربلاء غير الهدايا التي قدمها والتي كانت من غنائم الهند التي احتلها. ونادر شاه جدد بناء مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في النجف وكسى قبته بالذهب. أمّا زوجته وهي كريمة الشاه حسين الصفوي، فقد تبرعت بمبالغ مقدارها عشرين ألف (نادري) لمرقد الحسين لإجراء بعض الأعمال التي كانت تحتاج إليها الروضة الحسنية حينها، فما ذكره الرحالة دونالدسون عن نادر شاه وحلمه هذا بعيد عن الصحة، وقد يكون قد قيل من قبل أحد كتّاب السلاطين لدى نادر شاه لتعظيم شأنه
وداخل الضريح مزيّن بالسجاد الإيراني الثمين مما قدمه التجار هدية، وقد نقشت أسماؤهم في زاوية من السجاد. وتتدلى الشمعدانات(1)من الفضة والذهب تحت القبة. وفوق الضريح نفسه مشبك من الفضة بسيط الصنع، والقبر داخل هذا المشبك، وعليه عمامة وسيف».
حلف اليمين عند قبر العباس(2).
وعن الحلف عند ضريح أبو الفضل العباس عليه السلام يقول دونالدسون حسب ما نُقل إليه: «ولعل أغرب ما يراه الإنسان هو بقعة سوداء مدورة في سقف القبة، وتروى قصة في أن رجلاً حلف يمينًا كاذبة عند هذا الضريح فطار رأسه عن بدنه وإصطدم بالسقف.
وتؤكد القصة على الأقل أن القسم الأعظم من الشيعة يترددون في القسم برأس أبي الفضل العباس كذبًا. ويطوف الزوار بقبره ثلاثًا وإذا صاروا تحت البقعة السوداء إعترفوا بذنوبهم وإستغفروا الله»(3).
1) نعتقد أنها المعلقات من الثريات والقناديل، لأن الشمعدانات كانت توضع على الأرضية وعلى الرفوف
2) ظاهرة أداء اليمين عند ضريح أبي الفضل العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ما زالت لحد يومنا هذا، وخاصة عرب العراق الذين يعتقدون بشيء لا يقبل الشك أن اليمين عند ضريح العباس قطعي ويُصدَّق به الحالف مهما كانت الأسباب والظروف. وحتى عندما يتم الصلح في الجلسات العشائریة، ولکي لا یُنقض الصلح یقوم الطرفان بعَقد قطعة من القماش بیضاء یسمونها (رایة العباس). ومن الغریب في الأمر أن البعض قد یحلف بالمصحف الشریف ولکنه یتردد في الحلف بالعباس (وهو عن جهالة) لأن الیمین بالمصحف الشریف وهو کتاب الله لا یعادله في الیمین والقسم الشرعي شيء آخر. أما السبب في الحلف والیمین بالعباس لأنه وکما یطلق علیه الناس باللهجة العامیة أنه (أبو راس الحار)، وما تقدیر الناس للعباس إلّا لوقفته المشرّفة مع أخیه الحسین ودفاعه عنه وعن حرائر أهل بیت النبوة، وإیمانه المطلق بمبادی نهضة وثورة الحسین (عَلَیهِ السَّلَامُ) وشدته وبطولته في ساحات الوغی، والشجاعة عند العرب لا یضاهیها شيء فهي عنوان المروءة والبسالة والکرم والجود، وکان العباس یحمل هذه الصفات التي کان علیها أبوه أسد الله الغالب علي بن أبي طالب (عَلَیهِ السَّلَامُ)
3) نعتقد بعدم صحة هذه القصة، على الرغم من أننا نؤمن على وجه اليقين من خلال مشاهدات شخصية وما روي لنا وما سمعناه عن آبائنا وأجدادنا أن اليمين عند ضريح العباس حقيقة لا غبار عليها في التحقيق، وكثيراً ما حلف البعض به كذبًا، فقد لاقى مصيراً ومساوئ لا يُحسد عليها. أما عن البقعة السوداء فلم نجد لها ما يثبت وجودها أصلًا فنحن من سلالة خدم المرقدين الشريفين وتشرفت شخصيًا ولسنوات طوال بسدانة مرقد الحسين عليه السلام
وعن مرقد العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يقول دونالدسون بأنه: ((في داخل مشهد العباس يشير الدليل إلى خزينة الشهداء حيث دُفن أولاد الحسين وغيرهم من أهل البيت».
وهذا كلام غير دقيق وعارٍ عن الصحة لأن ضريح الشهداء أو (حفرة الشهداء)(1)موجودة في حرم الحسين، أما ولداه علي الأكبر وعبد الله الرضيع فقبرهما عند رجل الحسين وجميعهم في قبر واحد.
وبعد أن تحدث دونالدسون عن المعلومات التي إستقاها عن ضريح العباس، فقد ذكر ضريح الإمام الحسين بشيء من التفصيل ومعلومات نُقلت له فيقول: «أمّا ضريح الإمام الحسين تحت القبة الذهبية فعليه مشبكان، الداخلي منهما من الذهب(2)
1) الشهداء في واقعة كربلاء رضوان الله عليهم كانوا إثنين وسبعين شهديدًا بضمنهم سيد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فقد أفرد قبر الأمام الحسين ودفن معه ولديه علي الأكبر وعبد الله الرضيع عند الرجل. أما الصحابي الجليل الشهيد حبيب بن مظاهر الأسدي فقد دفن بقبر منفرد لأن الذين قاموا بدفن الأجساد هم بنو أسد الذين كانوا يسكنون ضواحي أرض الواقعة في قرى الغاضرية ونينوى وغيرها، وكان الصحابي حبيب من شيوخ بني أسد واعمدتهم في الكوفة. ودفن أبو الفضل العباس في محل مصرعه بقبر منفرد، أمّا الشهيد الحر بن يزيد الرياحي التميمي، فكان بنو تميم يسكنون غرب أرض كربلاء من ناحية البادية، ولكونه من بني تميم فقد أخذوا جثمانه ودفنوه في موضعه الحالي. وبقية الشهداء من أبناء الحسن ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ومنهم القاسم، وأخوة الحسين وأولاد عمّه وبقية أصحابه الذين إستشهدوا مع الحسين ومنهم عشرة من صحابة رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد دفنوا جميعًا في حفرة واحدة تسمى اليوم ب (حفرة الشهداء) وعليهم ضريح قمنا بفضل من الله بتوسيعه سنة 2000م / 1421ه عندما كنت أتولى سدانة الروضة الحسينية المقدسة. ولا يفوتنا أن نذكر بأن من الشهداء إمرأة واحدة هي (أم وهب) إستشهدت في واقعة كربلاء مع ولدها رضوان الله على الشهداء السعداء جميعا
2) لم يكن هناك مشبك داخلي من الذهب وإنما صندوق خاتمي من الخشب الصندل المزين بزخارف من العاج والنارنج تم وضعه على القبر الشريف سنة 1172ه / 1758م، وقد أصاب هذا الصندوق بعض الخراب والتكسير عندما هاجم الوهابيون كربلاء سنة 1216ه، فتم ترميمه سنة 1225ه / 1810م. وكتب عليه ((بعد تكسير أعداء الله له في سنة 1216 وقام بتجديده خان جان القاجار سنة 1225 كتبه صالح الكَلكَاوي)). ولا يزال هذا الصندوق الخاتمي البديع داخل الضريح الشريف إلى يومنا هذا
والخارجي من الفضة البديعة الصنع. وقد أهدى هذا المشبك الفضي ناصر الدين شاه وعليه اسمه)).
وعن موضوع الدفن في المرقد الشريف يذكر دونالدسون ما يخص عملية الدفن في مشهد الحسين فيقول: «... وإلى يمين مدخل مشهد الحسين سرداب عظيم يبلغ طوله نحو 200 يارد(1)ينزل إليه بدرجات(2). ويؤتى بجنائز الزوار الأجانب محمولة بتوابيت، فيوضع من يُدفن منهم هناك في هذا السرداب. ومثل هذا في مشهد العباس وأخبرت بأنه لا يدفن أحد في هذين السردابين إلّا بعد دفع رسم لا يقل عن خمسمائة روبية».
يصف دونالدسون الإجراءات الخاصة بفتح ضريح الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، والحقيقة أن بعض ما نقله في رحلته يجانب الحقيقة، وقد يكون السبب من الشخص الذي وافاه بالمعلومات، فيقول: « ... يأتي الزوار بمختلف الهدايا من النقود والجواهر والمصوغات ويلقونها داخل المشبك. وعلى الأخص عندما ينذرون نذورًا ثقيلة للإمام وأستجيب ما يطلبونه(3)، فيلقون بنذورهم داخل المشبك الذهبي، ويفتح
1) اليارد (الياردة) قياس مساوٍ ل 91 سم و 44 ملم، ويعني أن طول السرداب 183 متر تقريبًا، حسب ما ورد في قول دونالدسون
2) السرداب كان في الصحن، والصحن عبارة عن سرداب مسقف بأقواس معقودة تتكئ على اعمدة، وعندما قمنا بعملية فحص المياه الجوفية في الروضة الحسينية لغرض معالجتها بعد أن تم الحفر في منطقة معينة من الصحن وجدنا السرداب والأقواس والعقود، وإلى بداية سبيعينات القرن العشرين الميلادي كانت تجرى عملية الدفن في الصحنين الشريفين ومنع بعد ذلك نتيجة ارتفاع مناسيب المياه الجوفية في الصحنين
3) الشيعة يؤمنون بشفاعة الأئمة من آل البيت (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وأولياء الله الصالحين. وكثيراً ما كانوا ينذرون النذور ويجلبونها إلى المشاهد المقدسة أو قبور الأولياء، ويتم الإيفاء بالنذر عندما تتحقق أمانيهم ومطالبهم التي بسببها عقدوا النذر. وبعض العامة ممن لا يفقهون عن ما يقومون به فيطلبون من أحد الأئمة تحقيق ما يصبون إليه، وفي حالة التحقيق عليهم إيفاء النذر، وهنا فإن الذي يطلب من الإمام بدون التأكيد على أن النذر لله، والله وحده الذي تُرجع إليه الأمور، فإن نذره باطل بل وحرام، لأن الله هو العاطي وهو الرازق وهو القادر على كل شيء، فما الإمام إلّا هو ذو صاحب منزلة عند الباري عزوجل وبشفاعته لمنزلته عند الله يمكن أن يستجيب الباري سبحانه طلب السائل. فما الإمام أو الولي إلّا وسيلة لا غير. فعندها يقوم الشخص الذي نذر نذراً يقدمه إلى مشهد الإمام أو الولي الذي توسل به وبعكسه فلا يجوز النذر. أما كيفية النذر فيقول الشخص: إلهي بحق ومنزلة هذا الإمام وبشفاعته عندك وقولك الكريم: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (الآية 186 من سورة البقرة) فإذا تحقق مطلبي منك يا ربِّ سبحانك فإني سأقوم بتقديم نذري عند مرقده الشريف
المشبك بين آن وآخر وتجمع الهدايا ويعلن عنها قبل أن تباع ويؤخذ ثمنها، جزءاً من مال المشهد. ويجري فتح المشبك بشبه إحتفال يحضره ممثلون عن السلطة المدنية
وأخبرني شاهد عيان ممن أسعدهم الحظ بمشاهدة جمع الهدايا وكنس داخل الضريح بصورة رسمية. قال: وقع الإختيار أولاً على إثنين من السدنة فإغتسلا في حوض ماء بارد وإلتف كل منهما بأزار أبيض كالكفن شد بخيوط حول العنق والرسغين والكعبين. وليس ذلك من جهة الطهارة وحدها بل لئلا يُظن أنهما أخفيا شيئًا من الأشياء الثمينة في طيّات ملابسهما. ولمّا دخلا عند الضريح سجدا عند القبر وزحفا على أيديهما وأرجلهما إلى داخل المشبك، وبعد أن مسحا التراب عن الأشياء الثمينة التي وجدوها دون أن ينثروه، فالتراب نفسه ثمين، وبعد دقائق معدودات خرجت فيران بيضاء وهي تركض حول القبر. وقد أخرجها الخبز الخاص الذي يضعه في المشبك من أدبرت عنه الدنيا فيدعو الإمام للتوسط له. ولما شاهد السادنان اللذان يكنسان القبر ذلك، هتفا (ها أن الملائكة تعمل معنا)، فهلل الناس وكبّروا لأن الملائكة حسب الأخبار الواردة يتخذون الصورة التي يختارونها(1)
أمّا عن موضوع الملائكة، فالشيعة تعتقد بأن الملائكة يحفون بقبر الحسين وفي قبور الأئمة، وفي زيارة (وارث) للإمام الحسين جاء في أحد مقاطعها: ((السلام عليك وعلى الملائكة الحافّين والمحدقين بقبرك الشريف))، وحتى عند الدخول يسلّم الزائر على النبي وأهل البيت ومن ضمن السلام يقول السلام على ملائكة الله الصالحين
. وبعد 31) من الأخطاء التي وقع بها دونالدسون نتيجة النقل غير الصحيح والمبالغ فيه والذي إعتمده وهو يكتب عن عقائد الشيعة ويصف مراقد أئمتهم. فكيف يمثل الناس الملائكة بالفئران؟!! لأنني عشت شخصيًا مثل هذه الحالة عندما كنت أتولى سدانة المشهد الحسيني، فإن بعض الناس الجهلة يقومون برمي قطع من الخبز وكذلك قطع من البطاطا أو غيرها مما يؤكل داخل ضريح الإمام الحسين ليتشفع لهم عند الله لأنهم في فاقة وضنك من العيش ويطلبون الرزق والقوت من الله، وهم لا يعلمون الضرر الذي يلتحق بالضريح الشريف من خلال تجمع الحشرات وبعض القوارض لأن ما يرمونه يبقى مدة داخل الضريح إلى أن يتم تنظيفه. وكم كنا نجد بعض الفئران والحشرات عندما كنا نفتح الضريح لإخراج ما بداخله ومن ثُمَّ تنظيفه. فقد قضينا على القوارض والحشرات عندما استعملنا وضع المبيدات في جميع أركان وزوايا أرضية الضريح بعد تنظيفه. أمّا عن الأشياء التي تلقى داخل الضريح فحدث ولا حرج ولا مكان لذكرها هنا وقد تكون فيها بعض من أسرار الناس الجهلاء.
ساعات من النفض والكنس وجمع الأشياء الثمينة وتفريقها أخرجت المجوهرات وأخرجت معها كمية من التراب المقدس الذي جمعاه بكل اعتناء. فنقلت الأساور والقلائد الثمينة،... إلخ، إلى خزينة المشهد وهي تؤلف جزءاً من الدخل النظامي، وجمع السدنة التراب في صرر تباع للزوار. لأنهم يعتقدون أنها إذا دُفنت مع الإنسان غُفِرَت له ذنوبه.
وبعد أن تمت هذه العملية، أقيمت القراءة الحسينية (روضة خواني) وأعيد ذكرى مأساة كربلا. ودار السدنة حول القبر يضربون أكتافهم المكشوفة بالسلاسل التي علقت بها المسامير أو السكاكين الصغيرة وقد كشفوا القسم الأعلى من أجسادهم حتی السرّة. ويصيحون (حسين! حسين!) باسم شهيد الشهداء(1)
فنستخلص مما ورد عن دوتالدسون أنه نقل له بعض شعائر شهر محرم ودمجه في هذه الحادثة
، والشفيع لهم يوم1) نعم لفتح ضريح الإمام مراسيم في الابتداء وعند نهاية ما تسمى ب (الفتحة)، ومن ضمن هذه المراسيم ان سادن الروضة الذي بيده المفاتيح يصلي عند باب الضريح ركعتين، ويفتح باب الضريح أمام لجنة الفتحة المكونة من أكبر مسؤول إداري في مدينة العتبة، وقاضي الأحوال الشرعية وأعضاء آخرين، ويقوم السادن بتكليف إثنين من خدم الروضة يطمئن من طهارة ملابسهم ونظافة اليد (نزيهين) فيدخلون داخل الضريح بعد أن يقبلوا عتبة الضريح، ويقومان بتفريغ المحتويات... وعند الانتهاء من العمل وتنظيف داخل الضريح المقدس يدخل السادن ويصلي ركعتين داخل الضريح عند الرأس (وهذا ما كنت أقوم به) وقد سمعناه من أجدادنا، ويخرج السادن ويغلق باب الضريح، ثم يقوم الجميع بقراءة زيارة وارث ومن أحب بعدها أن يصلي ركعتين في الحرم قربة إلى الله تعالى، وتجري المراسيم بكل قدسية وإحترام. أما ما نقله دونالدسون عن القراءة الحسينية ومن ثُمَّ يدور السدنة (الخدام) حول الضريح ويضربون أكتافهم المكشوفة بالسلاسل المعلقة فيها المسامير والسكاكين ويصيحون حسين حسين، فهذا محض افتراء ولم نسمع به من أجدادنا أبدًا، وحتى أن الضرب بالسلاسل والسكاكين ينتج عنه خروج الدم من الأجساد وعندها سوف ينجس الدم أرض الحرم، وحتى في شعائر التطبير وغيرها يمنع الأشخاص الذين يقومون بها من الدخول إلى الحرم للحفاظ على طهارة المكان من الدم.
القيامة))(1).
بعد انتهاء أعمال الدورة النيابية الأولى لمجلس النواب في 28 كانون الثاني 1928م، بدأت التحضيرات لإجراء الإنتخابات النيابية للدورة الثانية، وبعد إجرائها فاز بعضوية مجلس النوّاب عن كربلاء نائبان من أبناء مدينة كربلاء وهما:
1 - السيد أحمد الوهاب(2).
2 - الشيخ عثمان العلوان الوزني(3).
1) عقيدة الشيعة (وهو كتاب عن تاريخ الإسلام في إيران والعراق)/ دوایت. م. دونالدسون، الدكتور في اللاهوت، ودكتور في الفلسفة، كتبه سنة 1933م/1352ه. ترجمه (عَلَيْهِ السَّلَامُ). م وتم طبع الكتاب في مصر في 25 ذو القعدة سنة 1365ه / 19 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1946م. وقد إعتمدنا رحلتة في كتابه من ص 102 إلى ص 112
2) هو المرحوم السيد أحمد بن محمد بن سليمان بن حسن بن محمد علي آل الوهاب من آل السيد يوسف ويرجعون إلى قبيلة آل زحيك، وآل الوهاب (غير الفائزيين) وآل جلوخان (غير الفائزيين) هم أولاد عم ومن آل السيد يوسف. وآل السيد يوسف هم أولاد عم السادة آل ثابت وآل النقيب (درّاج) وغيرهم من آل زحيك. كان المرحوم السيد أحمد الوهاب من رجالات كربلاء الوطنيين، فقد حارب الإنكليز في معارك سدة الهندية هو وفلاحي مقاطعة أسرتهم، وشارك في ثورة العشرين، وأصبح نائبًا عن كربلاء في عدة دورات إنتخابية وله مواقف جليلة إثناء نيابته. توفي سنة 1946م. وأعقب من الأولاد أربعة السادة يوسف وعلي وحسين ومحمد
3) الشيخ عثمان هو غني عن التعريف وقد تناولنا سيرته في هذا الكتاب عدة مرات، فهو عثمان بن علوان بن فليح بن جدّوع بن خويتم بن عذيّة بن سالم بن جغيّم بن محسن بن سراج بن حمد بن نجم بن عبد بن علي بن سراج بن برصم الخفاجي. والشيخ عثمان من رؤساء كربلاء وله تاريخ مجيد مفعم بالبطولة، وهو شيخ عشيرة الوزون وهي من أكبر العشائر الخفاجية في كربلاء. توفي رحمه الله سنة 1940م، وأعقب ثلاثة أولاد هم: الدكتور عفان وعدنان وهشام
في الأول من شهر تشرين الثاني سنة 1928م / 1346ه، تم فتح أوّل سجن في كربلاء(1). وكانت الحكومة العراقية قد قررت فتح عدة سجون في بعض المدن العراقية لإيداع المحكومين فيها وهي ليست (مواقف) كما كانت في مخافر الشرطة، فهذه السجون كانت تابعة إلى مصلحة السجون التابعة لوزارة العدلية. ففي الأول من تشرين الأول 1928م تم فتح سجن الرمادي. وفي 15 تشرين الأول من نفس السنة تم فتح سجن الديوانية. وبعدهما كان فتح سجن كربلاء المنوّه عنه، وكان بنايته خلف السراي الحكومي القديم في محلة العباسية.
الملك فيصل الأول في كربلاء
ضمن زيارته المتكررة لمدينة كربلاء فقد زار الملك فيصل الأول كربلاء والمراقد المقدسة فيها يوم الأحد 14 تشرين الأول 1928م / الموافق ليوم 29 ربيع الثاني 1347ه.
كان السيد عبد الحسين بن علي بن جواد آل طعمة الكليدار قد تسلّم سدانة الحسين بعد وفاة والده السيد علي سنة 1318 ه / 1900م، وقد واجهته خلال فترة سدانته عدة مشاكل ترك على أثرها السدانة ومن ثَمَّ تم عزله لثلاث سنوات تقريبًا، وتم إعادته إلى السدانة بأمر من السير برسي كوكس المعتمد السامي الإنكليزي، كما ذكرنا ذلك سابقًا.
1) مجلة لغة العرب: العدد السابع ص 446 - السنة الخامسة (1928م)
وفي سنة 1347ه / 1928م تنازل عن السدانة إلى ولده الأرشد السيد عبد الصالح الذي كان شابًا حينها، وقد ذكر مؤلف كتاب تاريخ مرقد الحسين والعباس بأن السيد عبد الحسين وفي سنة 1347ه سعى إلى نقل السدانة لولده السيد عبد الصالح، وذلك رغبة منه في الإعتكاف والعبادة والإنصراف إلى التأليف والكتابة(1). بينما يذكر مؤلف مدينة الحسين بأنه سعى عام 1343 ه رغبة منه في الاعتكاف والعبادة والدراسات الخاصة إلى نقل السدانة إلى ولده محمد صالح(2).
وقد ظهر التباين واضحًا عن سنة التنازل في كِلا المصدرين، والتطابق في سبب التنازل. وفي الحقيقة أن السيد عبد الحسين تنازل عن السدانة سنة 1347ه / 1928م لولده السيد عبد الصالح، ولكن سبب التنازل كان خلاف ما تم ذكره في المصدرين المشار إليهما أو يزعم به البعض لتبرير التنازل. والحقيقة هي غير ما ذُكر ...!!، ومن أجلها وبعيدًا عن التجريح الذي قد يظنّه البعض فإن الكثير من المعمرين من السادة خدم الروضتين الحسينية والعباسية كانوا يقولون بأن تنازل السيد عبد الحسين كان بسبب رغبته الشديدة بالحصول على مقعد كربلاء في مجلس (الأعيان).
فقد حصل خطأ في رسالة أرسلت إلى السيد عبد الحسين بأنه تم تعيينه (عينًا) في مجلس الأعيان، وكان المجلس يتم تعيين أعضاءه من قِبل الملك، وأن قانون المجلس يمنع العضو ممارسة أي منصب آخر، فسارع السيد عبد الحسين للتنازل عن السدانة لولده الأرشد. وبعد أن تم ذلك على عجالة ذهب السيد عبد الحسين للالتحاق في المجلس ففوجئ بأنه غير الشخص المعني بالترشيح وأن المقصود هو السيد (عبد الحسين باش أعيان) الذي كان عضوًا في مجلس الأعيان في دورته الأولى، وهو من السادة آل طعمة أيضًا.
ولأن الأسماء متشابهة فقد أخطأ الكاتب عندما أرسل الدعوة إلى عنوان السيد الكليدار في كربلاء، ولكن السيد عبد الحسين أصّر بشدّة بأنه يحمل كتاب الدعوة، وتمسك به على الرغم من إعتراض المجلس. وفي سنة 1349 ه عندما حُلّ المجلس رجع السيد عبد الحسين بمطالبة ولده بالتنحي عن السدانة ليستلمها هو مرّة أخرى ولكن جوبه برفض الابن عن التنازل، وقد طُلب منه التفرّغ للقراءة والبحث وقد تمرّض بالكآبة عندما عزل نفسه وتوفي رحمه الله في يوم الأربعاء 12 شوّال 1380 ه / 29 آذار 1961م ، ودُفن في مقبرة خاصة في صحن الحسين تقع على يمين النازل من باب الرجاء وهي الحجرة التي تلي مقبرة العلامة الشيخ محمد الخطيب وتقابلها مقبرة آل شهيّب. كانت تلك الرواية المعروفة بين السادة الخدم وكانوا يتداولونها دائمًا، وقد بحثنا عن صحة تلك الرواية طويلًا حتى عثرنا على مقال للأستاذ معن عبد القادر آل زکریا، نشره بتاريخ 2010/6/25م، وكان بعنوان الانتخابات النيابية في العهد الملكي الدستوري - وهو ينقل من مذكرات خير الدين العمري - مقدمات ونتائج - فقد ذكر في الجزء الأول الحادثة التالية وهو يتحدث عن الإنتخابات النيابية حيث يقول: ... وبخصوص تعيين (أعضاء مجلس الأعيان)، فقد حصل أن كانت الحكومة قد إستصدرت الارادات الملكية بتعيين الأعيان. وكان من بين أسماء المرشحين (للعينية) اسم يشترك فيه رجلان (إسمًا وشهرةً) وكان الفارق بين الرجلين أن الرجل المطلوب (تعيينه) كان من بلدة (النجف) والاسم الثاني وهو (غير المرغوب فيه) من بلدة كربلاء ولمّا نشرت الأسماء سارع (الكربلائي) وحضر نيابة المجلس عند إستلامه كتاب الدعوة الذي وصله في داره وينص فيه تعيينه (عينًا). ولمّا جاء إلى بغداد ورآه الوزراء اكتشفوا (ساعتها) أنه ليس الرجل المطلوب أو المرغوب فيه، وأن الكاتب قد أخطأ المقصود و (عنْون) الكتاب الرسمي إلى كربلاء بدلًا من النجف. فكانت يومها غلطة فظيعة إستصعب إصلاحها، كون المذكور تأبط كتاب العينية العتيدة بكل شدّة وإقتحم باب قاعة
الأعيان واحتل مكانه بينهم، فأراد الوزراء إقناعه كي يفسح المجال للرجل المطلوب، غير أن الرجل إستسأد وإستحصن في مجلس الأعيان. ولم يبرح الأرض، وبقي عينًا (على عينك يا تاجر)...! أمّا الرجل الثاني، فقد عاد إلى النجف يحمل خفي حنين، لاعنًا أجداد ذلك الكاتب اللعين(1).
والحقيقة أن الشخص المعني بترشيح الملك هو عبد الحسين أعيان آل طعمة الذي كان عينًا في المجلس السابق. فإن كليهما من أهل كربلاء، ولكن السيد عبد الحسين بن أحمد آل طعمة الملقب ب ( عبد الحسين أعيان) كان وقت الدعوة يسكن النجف، وذلك لخلاف دار بينه وبين السادن عبد الحسين الكليدار آل طعمة، وسبب الخلاف هو أن السيد عبد الحسين أعيان كان قد إستلم نيابة السدانة فترتين، الأولى عندما تم عزل ابن عمه السادن عبد الحسين آل طعمة الكليدار لحين إخراجه من كربلاء من قِبَل فخري كمونة، والثانية عندما تم عزل حميد كمونة من السدانة فإستلم النيابة مرة أخرى، وكان يطمح أن يكون هو السادن الأصيل، إلّا أن إعادة تعيين السيد عبد الحسين الكليدار بأمر من السر برسي كوكس حال دون ذلك. ومّا يؤكد بأن السيد عبد الحسين الكليدار أنه كان المعني بما ورد عن خير الدين العمري في روايته، فقد قام رحمه بعد سنتين من تنازله وعدم موافقة ولده السيد عبد الصالح بإعادة السدانة إليه، فقد كتب السيد عبد الحسين وثيقة ذكر فيها تنازله في نهاية سنة 1349 ه، ولم يذكر فيها أسباب تنازله التي إدعاها الذين ذكرناهم قبل قليل، وذكر في الوثيقة أنه أهدى مصحفًا للروضة الحسينية يبقى وقفًا فيها. والوثيقة موقعة في 30 ذي
1) مذكرات خير الدين العمري (مقدمات ونتائج)، ج 1 ص 212 - ص 227. وخير الدين العمري كان موظفًا في تشريفات الملك فيصل الأول، ثم نائبًا في المجلس النيابي، وبعدها أصبح رئيسًا لبلدية الموصل ردحًا من الزمن
الحجة 1349ه، بينما كان تنازله الأولي في سنة 1347 ه كما يذكر التاريخ أحد أبناء أسرته(1)، وهذا دليل على صدق روايات العامة.
الوثيقة التي كتبها المرحوم السيد عبد الحسين الكليدار وموضّح فيها التاريخ
1) كان يفترض وحسب النظام أن يتم الجرد والتسليم في سنة 1347ه / 1928م، ولكن تأخر الجرد إلى سنة 1349ه / 1930م هو الدليل على أن السيد عبد الحسين كان ينوي العودة إلى السدانة، وعندما وجد بأن ذلك أصبح مستحيلًا لتمسك ولده بها، فقد حضر (الوالد) الجرد مع ولده في نفس السنة التي قدّم وثيقة التنازل في (30 ذي الحجة 1349ه) التي أشرنا إليها قبل قليل، والتي جاءت متأخرة سنتين عن موعدها، وكان يُفترض به أن يقدمها مكتوبة سنة 1347ه، وهذا دليل على صحة الروايات التي يتداولها خدم الروضتين من المعمرين عن الموضوع الحقيقي للتنازل
تولى السيد عبد الصالح السدانة سنة 1347ه / 1928 بعد تنازل والده عنها كما ذكرنا، وإستمر في السدانة لغاية 5 شعبان 1401ه / 7 حزيران 1981م، عندما تمت إحالته على التقاعد، وتوفي رحمه الله سنة 2005م في لندن، ونُقل جثمانه إلى كربلاء ليُدفن فيها(1).
سُجّل في كربلاء وملحقاتها بما فيها من العشائر داخل ناحيتي شفاثا والحسينية 37,166 نسمة، فيها 407و17 ذكر و 19,759 أنثى، وفي هذا العدد الأجانب أيضًا(2).
عندما تنازل السيد عبد الحسين الكليدار عن السدانة إلى ولده الأرشد السيد عبد الصالح سنة 1347ه / 1928م بسبب رغبة السيد عبد الحسين أن يكون عضوًا في مجلس الأعيان والذي ينبغي على عضو المجلس أن لا تكون له مسؤولية أخرى، فكان تنازله حسب إعتقاده مؤقتًا ويمكنه بعدها إستعادة السدانة من ولده (وهذا ما كان يتداوله الكثير من المعمرين من خدم الروضتين)، ولمّا إنتهت فترة مجلس الأعيان بعد سنتين، طلب السيد عبد الحسين من ولده التنحي عن السدانة إلّا أن الأخير إمتنع وتمسك بها بقوّة وطلب من والده الاعتزال مما سبب للوالد خيبة أمل، وتذرعت
1) كانت فترة توليه السدانة 53 سنة، وأعقبه في السدانة ولده المحامي السيد عادل. وأعقب السيد عبد الصالح ثلاثة أولاد هم السادة الدكتور المهندس علي وعادل وعبد الإله، وأعقب الدكتور علي كلًا من حسين وعمار، وأعقب عبد الإله المقيم في خارج العراق ولده ياسر، ولم يعقب السيد عادل
2) مجلة لغة العرب: العدد السادس، ص 479، السنة السادسة، حزيران 1928
أسرته بأنه يريد الانزواء والتفرغ للدراسة والتأليف. فكان لزامًا وحسب النظام المتبع في العتبات المقدسة أن يتم جرد الخزانة التي ستكون بعهدة السادن الجديد.
فقدت أوفدت مديرية الأوقاف العامة المفتش العام فيها وهو المرحوم (منير القاضي) سنة 1349 ه / 1930م إلى كربلاء، ليشرف على عملية الجرد التي حضرها السادن السابق(1)وولده الذي استلم السدانة.
وذكر منير القاضي في مجلة المجمع العلمي العراقي مقالاً مختصرًا عن خزانة الروضة الحسينية حيث وضع ثلاثة جداول بها، الأول: عن المصاحف المخطوطة الثمينة والأثرية، والجدول الثاني عن المجوهرات والحلي والتحف والسيوف والستائر الحريرية، والجدول الثالث عن السجاد الثمين الذي كان موقوفًا للعتبة.
1) حضور السادن السابق (الوالد) في عملية الجرد سنة 1349ه / 1930م، وبعد سنتين من تنازله عن السدانة (لولده)، هو إعتراف ضمني لما ذكرناه من ملابسات، وكانت وثيقة التنازل المؤرخة في 30 ذي الحجة من سنة 1349 ه والتي جاءت متأخرة سنتين عن موعدها دليل آخر على ما يتداوله خدّام الروضتين من المعمرين عن الموضوع الحقيقي للتنازل
1 - لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، د. علي الوردي، دار الرشد، بيروت، ط 14262ه / 2005م.
2 - الرحالة الأوربيون في شمال الجزيرة العربية، منطقة الجوف ووادي سرحان 1845 - 1922م، الدكتور عوض البادي، دار بلاد العرب، الرياض، 1997م. وط 2 من الدار العربية للموسوعات. بيروت 1423ه / 2002م.
3 - البيت العراقي في بغداد ومدن عراقية أخرى، أوسكار رويتر. ترجمة محمود كيبو، دار الوراق للنشر، لندن، ط 1 2005 - 06 2 - 2006م.
4 - تاريخ العراق بين احتلالين، المحامي عباس العزاوي، ط 1 بغداد.
5 - موسوعة العتبات المقدسة، قسم كربلاء: جعفر الخليلي. دار التعارف، بغداد ط 1 سنة 1386ه / 1966م.
6 - الرحلة العراقية (وصف أدبي وتاريخي للعتبات المسرفة في العراق قبل أكثر من مائة عام)، محمد هارون. إعداد الشيخ أحمد محمد رضا الحائري الأسدي، مؤسسة الفكر الإسلامي، بيروت، ط 1 سنة 1433ه / 2012م.
7 - كربلاء في أدب الرحلات، عبد الصاحب ناصر آل نصر الله. ط 1 مؤسسة البلاغ، بيروت، لبنان سنة 1434ه / 2013م.
8 - كربلاء في المراجع الغربية، جعفر الخياط، بحث منشور في موسوعة العتات المقدسة: قسم كربلاء لجعفر الخليلي. دار التعارف. بغداد.
9 - مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي ورحلاته، تقديم وإعداد وتوثيق كامل سلمان الجبوري. دار الرافدين للطباعة والنشر، ط 1 بيروت سنة 1432ه / 2011م.
10 - تركيا في الحرب، الباحث التركي أحمد أمين، نيو هيفين، 1930.
11 - الثورة العراقية الكبرى سنة 1920، د. عبد الله فيّاض، ط 2 بغداد سنة 1975م.
12 - وثائق الثورة العراقية الكبرى ومقدماتها ونتائجها، إعداد وتحقيق كامل سلمان الجبوري، دار المؤرخ العربي، العراق، النجف الأشرف. ط 1 سنة 1430ه / 2009م.
13 - ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر باقر محبوبة. دار الأضواء للطباعة والنشر، ط 2 سنة 1986م.
14 - تاريخ الحركة الإسلامية في العراق، الجذور الفكرية والواقع التاريخي 1900 - 1924، رسالة ماجستير، عبد الرحيم الرهيمي، الطبعة الثانية، بيروت، لبنان.
15 - الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920، فريق مزهر آل فرعون. ط 1 سنة 1952.
16- فصول من تاريخ العراق القريب، المس بيل. ترجمة جعفر الخياط. بيروت، لبنان، 1949.
17 - ديوان أبي المحاسن الكربلائي، الشيخ محمد علي اليعقوبي. ط1، النجف الأشرف، 1383ه / 1963م.
18 - الإمام الثائر السيد مهدي الحيدري، السيد أحمد الحسيني، ط1، النجف الأشرف سنة 1386ه.
19- كربلاء في التاريخ، السيد عبد الرزاق آل الوهاب. مطبعة الشعب، بغداد، 1353 ه / 1935م.
20 - العشائر والسياسة، تقرير الاستخبارات البريطانية، تعريب الدكتور عبد الجليل الطاهر.
21 - الثورة العراقية الكبرى، عبد الرزاق الحسني. بغداد
22 - ملوك العرب، أمين الريحاني، دار الجيل، بيروت، لبنان. ط8 1987م.
23 - مدينة الحسين، محمد حسن الكليدار، الطبعة الجديدة لمركز الدراسات والبحوث في العتبة الحسينية المقدسة.
24 - ثورة العشرين في ذكراها الخمسين (معلومات و مشاهدات في الثورة العراقية الكبرى)، السيد محمد علي كمال الدين. تقديم علي الخاقاني، مطبعة التضامن سنة 1971م.
25 - مذكرات تحسين العسكري، تقديم ومراجعة أ. د. صالح محمد العابد. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
26 - الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية، علي البزركان. بغداد.
27 - الكراسة البهية في أحوال السادة آل طعمة العلوية، محمد هادي محمد سعيد محمد حسن آل طعمة.
28 - تاريخ العراق السياسي الحديث، السيد عبد الرزاق الحسني. ط3. مطبعة دار الكتب، بيروت، لبنان، 1395 ه / 1975م.
29 - تاريخ الوزارات العراقية، السيد عبد الرزاق الحسني. ط6، مركز الأبجدية للطباعة والنشر، بيروت، 1402ه / 1982م.
30- مذكرات أرنولد تالبوت ولسون (الحاكم المدني البريطاني في العراق، الجزء الثاني، 1936، لندن.
31 - بيوتات كربلاء القديمة، عبد الصاحب ناصر آل نصر الله. مؤسسة البلاغ، بيروت، ط 1 سنة 1432ه / 2011م.
32 - مذكراتي في العراق 1921 - 1941، ساطع الحصري. منشورات دار الطليعة، بیروت. ط 1 كانون الثاني سنة 1967.
33 - في بلاد الرافدين، صور وخواطر، ليدي دراور، ترجمة فؤاد جميل. ط 1 سنة 1961م. مطبعة شفيق، بغداد.
34 - تاريخ القضية العراقية، محمد مهدي البصير، بغداد، 1923.
35 - مجالي اللطف بأرض الطف، الشيخ محمد طاهر السماوي، إصدارات العتبة العباسية المقدسة 1432ه / 2011م.
36 - دائرة المعارف الحسينية (تاريخ المراقد)، الكرباسي، الشيخ محمد صادق محمد. إصدار المركز الحسيني للدراسات، لندن، المملكة المتحدة. ط1 سنة 1419ه / 1998م.
37 - الروضة الحسينية وإسهامات المبدعين الجليلة، إعداد سعيد هادي الصفّار، ط 1 عن بيت العلم للنابهين. بيروت، لبنان 1427ه / 2006م.
38- مذكرات عبد العزيز القصاب، إعداد وتحقيق د. خالد عبد العزيز القصاب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، سنة 2007م.
39 - عقيدة الشيعة (تاريخ الإسلام في إيران والعراق)، دوايت م. دونلدسن، تعريب( ؇). م. طبع في مصر سنة 1365ه / 1946م.
40 - موجز تاريخ البلدان العراقية، السيد عبد الرزاق الحسني. بغداد، 1349 ه / 1930م.
41 - مذكرات رؤوف البحراني (لمحات عن وضع العراق منذ تأسيس الحكم الوطني عام 1920 لغاية عام 1963). ط1.
42 - تاريخ مرقد الحسين والعباس عليهما السلام، سلمان هادي طعمة. مؤسسة الأعلمي، بيروت. 1416ه / 1996م.
43 - مذكرات خير الدين العمري، مقدمات ونتائج، بغداد.
44 - مدينة الحسين، محمد حسن مصطفى الكليدار. مطبعة تموز، كربلاء. الطبعة الأولى.
45 - أرشيف وزارة الداخلية العراقية لسنة 1922م.
46 - مذكرات المرحوم السيد إبراهيم شمس الدين بن العلامة السيد حسين القزويني، المخطوطة.
47 - مذكرات المرحوم الحاج سليم محمد العوّاد المخطوطة.
48 - مجموعة أوراق بتدوين المرحوم السيد محمد سعيد السيد محمد علي آل ثابت.
49 - مجلة المثقف العربي، مقال للسيد صالح جواد كاظم، عدد حزيران سنة 1974م.
50 - مجلة الرابطة النجفية، مقال ل (عبد الرحيم محمد علي) بعنوان (النجف والمجلس التأسيسي). عدد أيلول سنة 1975م.
51 - مجلة العربي الكويتية، عدد حزيران 1969م.
52 - مجلة رسالة الشرق (الكربلائية)، العدد الصادر في رجب 1373 ه / (1953م).
53 - مجلة الأقلام، الجزء الثالث من السنة الأولى، جمادي الآخرة 1384ه / تشرين الثاني 1964م.
54 - مجلة لغة العرب، للأب أنستانس الكرملي، العدد 12 السنة 3 حزيران 1914. وج 3 السنة الأولى رمضان 1329ه أيلول 1911م. وج 4، شوال 1329 ه تشرين أول 1911م. والعدد 5 السنة 2 ذو الحجة 1330 ه تشرين الثاني 1912م. والعدد 3 السنة 2 رمضان 1330ه أيلول 1912م. والعدد 1 السنة 3 تموز 1913م. والعدد 12 السنة 2 حزيران 1913م. والعدد 10 السنة 3 نيسان 1914م. والعدد 7 السنة 19285م.
55 - الوثائق العثمانية الرسمية، نظارت (وزارة) الداخلية، وثيقة برقم 233396 لسنة 1332ه.
56 - وثائق قديمة ومقابلات شخصية عديدة مع ذوات من المعمرين في كربلاء.
انتهى الجزء الخامس
يتبعه الجزء السادس بعون الله
مقدمة الجزء الخامس...7
أحوال كربلاء 1906 - 1914م13240 - 1332ه...9
مذبحة العجم (واقعة الزهاوي) في كربلاء...9
سَحِب (حسني باشا) وتعيين رشيد الزهاوي بالوكالة...13
السيد حسين بن سعيد آل ثابت سادن الإمام الرضا (عليه السلام) يزور كربلاء...16
(بتلر، وإيلمر) في كربلاء وباديتها...17
المعماري (أوسكار رويتر) وكربلاء...18
الاتحاد والترقي في كربلاء...25
عبد المهدي الحافظ نائبًا عن كربلاء في مجلس المبعوثان...26
السيد محمد صادق آل ثابت نائبًا عن كربلاء في مجلس ولاية بغداد...27
جلال باشا متصرفًا لكربلاء...28
مجلس إدارة كربلاء ورئيس البلدية...29
رئاسة البلدية...29
والي بغداد المعزول يزور كربلاء...29
حركة المشروطية وتأثيرها على كربلاء...30
الصراع حول المشروطية في كربلاء...33
(المس بيل) في كربلاء...36
متصرف كربلاء...39
المس بيل تغادر كربلاء عن طريق المسيب...41
أعمال المتصرف جلال باشا في كربلاء...42
1 - إنشاء سوق الحسين...42
2 - توسيع سوق مابين الحرمين...42
مقتل الشيخ حسين بن محمد جواد آل كمونة...43
تأسيس شركة لتسيير السيارات بين بغداد وكربلاء...43
الأوضاع العامة في ولاية بغداد عامة وفي كربلاء خاصة...44
محمد هارون الحسيني الزنكي بوري في كربلاء...45
الطريق إلى كربلاء...46
الوصول إلى كربلاء...47
وصف أهالي كربلاء...49
بناء الضريح المقدس...50
إنارة وإدارة المرقد الشريف...50
اللغات واللهجة الدارجة في كربلا...56
طاهر بك متصرفًا لكربلاء...58
المس بيل في أطراف كربلاء...59
والي بغداد جمال باشا (السفاح) يزور كربلاء...62
عمانويل فتح الله يزور كربلاء ويكتب عنها...63
عرفان بك متصرفًا لكربلاء...69
مجلس إدارة اللواء...69
المجلس البلدي...69
نصب أول مولد كهربائي في الروضة الحسينية...70
ممثلو كربلاء في مجلس المبعوثان في دورته الثانية...70
مؤتمر حاشد في الصحن الحسيني الشريف لنصرة مسلمي الجبل الأسود...71
(الوا موسيل) وكربلاء...72
تأسیس مدرسة للهنود في كربلاء...77
كاظم الدجيلي ورحلته إلى كربلاء وشفاثا وحصن الأخيضر...78
بناء المستشفى الحسيني في كربلاء (خستخانه سي)...81
الوالي جاويد باشا يزور كربلاء...85
كربلاء في فترة الحرب العالمية الأولى والاحتلال الإنكليزي للعراق...86
كربلاء في أيام احتلال الإنكليز للبصرة...87
احتلال الإنكليز للبصرة...90
اجتماع في الصحن الحسيني الشريف...94
آصف بك متصرفًا لكربلاء...97
سليمان ذهني باشا متصرفًا لكربلاء...97
السيد حسن آل النقيب رئيسًا لبلدية كربلاء...97
هجوم عشائر بني حسن على كربلاء...97
العصيان في كربلاء (حادثة نصف شعبان سنة 1333ه)...99
تشكيل مجلس حكم إئتلافي محلّي...109
حمزة بك متصرفًا لكربلاء...113
نداء الوالي والقائد العام إلى أهالي كربلاء والنجف بالجهاد ضد الإنكليز...114
التجمع في صحن العباس (عليه السلام)...115
حادثة حمزة بك...120
وفاة الحاج عبد المهدي الحافظ...122
عزل السيد عبد الحسين الكليدار من السدانة...123
تفاصيل واقعة حمزة بك...123
تسلسل الحوادث...127
مخفر الجندرمة في منطقة المخيّم...127
تشکیل مجلس التصدي في كربلاء...133
يوم الواقعة...138
موقف عبد الرحمن العواد وعمر علوان الوزني...139
موقف العشائر المحيطة بكربلاء...142
موقف عشيرة المسعود...143
عودة فخري كمونة إلى المدينة...144
الخلاف بين حمزة بك وقائد عسكره...144
كربلاء بعد واقعة حمزة بك...147
تجدد الفتنة في كربلاء...148
إطلاق سراح الشيخ عبد الكريم العواد...152
رحلات الشيخ محمد رضا الشبيبي لكربلاء...153
حادثة كربلاء...155
عودة العثمانيين إلى كربلاء...156
حمّى كربلاء...157
متصرف كربلاء...157
الوقائع في كربلاء...158
الوباء وسقوط الثلج في كربلاء...160
أسعد رؤوف بك متصرفًا جديدًا لكربلاء...160
العملاء والجواسيس ونشاطهم في كربلاء...161
كربلاء أثناء احتلال الإنكليز لبغداد...165
السر (رونالد ستورز) في كربلاء...170
المبيت في المسيّب...172
استقباله في مدخل كربلاء...172
في قصر آل كمونة...173
استقباله لعدد من وجوه البلد...173
زيارته للعلامة حسين المازندراني...174
زيارته للمدرسة الإيرانية في كربلاء...174
مغادرته كربلاء إلى النجف...174
تعيين فخري كمونة حاكمًا مؤقتًا لكربلاء...175
النزاع بين آل كمونة وآل العواد...176
السيد محسن بن عباس آل دراج نقيبًا للحائر...179
تعيين الشيخ حميد بن محمد علي كمونة سادنًا للحسين...179
تقرير المس بيل وما يخص آل كمونة في كربلاء (نكبة آل كمونة)...180
الحكّام السياسيين الإنكليز في كربلاء...184
الميجر آيدي...185
الكولونيل لجمان (ليتيشمان)...185
الميجر (الرائد) بولي...187
الكابتن (النقيب) براي...188
الميجر (الرائد) بوفل...189
الميجر بولي...189
الميجر (الرائد) تيلر...189
محمد بهادر خان...189
حادثة خان الحماد...190
كربلاء من نهاية الحرب العالمية الأولى إلى اندلاع ثورة العشرين...192
انتقال آية الله الشيخ محمد تقي الشيرازي إلى كربلاء...192
كربلاء إثناء الاستفتاء العام...195
السير ويلسون الحاكم العام للعراق...197
يوسف غنيمة يصف كربلاء ومراقدها...218
الشاه أحمد القاجاري يزور كربلاء...219
كربلاء في ثورة العشرين...220
المرجعية الدينية...225
الميرزا محمد تقي الشيرازي...228
الوضع العام ونشوء الحركة الوطنية في كربلاء...230
الجمعية الإسلامية العربية (الحزب الإسلامي العربي)...231
إحتفال جماهيري في الروضة العباسية المقدسة...237
تعيين الميرزا محمد البوشهري حاكمًا لكربلاء...240
التمهيد للثورة...241
الاجتماع الأول في كربلاء...242
الاجتماع الثاني...244
اجتماع كبير في الصحن الحسيني...245
الاجتماع في صحن العباس (عليه السلام)...246
إعلان الثورة في كربلاء...252
حربيّة آل العوّاد...259
انتقال مقر قيادة الثوار إلى كربلاء...260
وفاة الشيرازي...261
شيخ الشريعة فتح الله الأصفهاني...263
تشكيل حكومة وطنية مؤقتة في كربلاء...264
تنصیب متصرف كربلاء ورفع العلم العراقي...267
الثورة في شفاثة...272
استسلام كربلاء...273
تسليم البنادق من أهل مدينة كربلاء...277
كربلاء بعد ثورة العشرين إلى تتويج الملك فيصل بن الحسين...281
إعادة تعيين السيد عبد الحسين الكليدار سادنًا للحسين بأمر من المندوب السامي الإنكليزي...282
فخري كمونة قائمقام لكربلاء...285
السيد حسن بن محسن بن عباس آل درّاج نقيبًا للأشراف في كربلاء...285
محمد مهدي بحر العلوم وزيرًا للمعارف...286
رأي المرجعية حول انضمام الشيعة إلى مؤسسات دولة الاحتلال...288
لجنة من الوزارة الانتقالية تزور كربلاء...290
إعلان العفو العام وإعادة الأسرى من هنجام وإطلاق سراح المسجونين...291
حميد خان متصرفًا لكربلاء...292
وزير الداخلية (طالب النقيب) في كربلاء...294
تأسيس أول مدرسة رسميّة في كربلاء...295
الأمير فيصل بن الحسين في كربلاء...296
كيف أُختير الأمير فيصل على عرش العراق...297
توجّه فيصل إلى العراق...301
الأمير فيصل في كربلاء...302
كربلاء أيام الحكم الوطني...307
وفد مدينة كربلاء لحضور مراسيم تتويج الملك...307
الكربلائي السيد محمد علي هبة الدين الحسيني وزيرًا للمعارف...307
الملك فيصل الأول يزور كربلاء...312
عبد العزيز القصاب متصرفًا لكربلاء...313
رحلة (فيلبي) لكربلاء...315
مؤتمر كربلاء...320
الدعوة لعقد مؤتمر شعبي في كربلاء...325
بيان لمتصرف كربلاء إلى الأهالي...327
وقائع المؤتمر...331
نتائج مؤتمر كربلاء...337
الشيخ عثمان العلوان الوزني رئيسًا لبلدية كربلاء...339
رحلة ليدي درَاوَر إلى كربلاء...341
في طريقها إلى كربلاء...342
وصفها للمدينة وأسواقها...345
المقاهي في كربلاء...347
في البيت الذي استضافها أهله...348
مغادرة كربلاء إلى الحلة...348
مقاطعة إنتخاب المجلس التأسيسي في كربلاء...349
علي جودت الأيوبي متصرفًا لكربلاء...352
مولود مخلص متصرفًا للواء كربلاء...353
حركة المجتهدين وتسفير علماء الدين...355
إجراءات الحكومة ضد العلماء...359
المجتهدون يغادرون النجف إلى كربلاء...360
إجراءات متصرف كربلاء...361
حال المجتهدين في كربلاء...362
نصب أول مولدة كهرباء في مدينة كربلاء...365
رضا خان البهلوي رئيس وزراء إيران يزور كربلاء...366
استيزار الكربلائي الشيخ محمد حسن أبو المحاسن...367
الانتهاء من تشييد إيوان الروضة الحسينية...370
الملك فيصل والمندوب السامي في كربلاء...371
إنتخاب الشيخ عمر العلوان الوزني عن كربلاء عضوًا في المجلس التأسيسي...372
مواقف عمر العلوان في المجلس التأسيسي...373
عبد الله الدليمي متصرفًا لكربلاء وانتخاب رئيس للبلدية...374
تعيين السيد عبد الحسين أحمد آل طعمة عضوًا في مجلس الأعيان عن كربلاء...375
نوّاب كربلاء في المجلس النيابي (البرلمان) في العهد الملكي – الدورة الأولى...377
الدورة الإنتخابية الأولى...378
إنشاء محطة القطار في كربلاء...379
الملك فيصل الأول والأمير غازي في كربلاء...380
مضبطة أعيان كربلاء حول مشكلة الموصل...381
المؤرخ عبد الرزاق الحسني وكربلاء...383
حادثة تهديم قبور أئمة البقيع وتأثيرها في كربلاء...387
الملك فيصل الأول يزور كربلاء...391
عبد الحافظ نوري متصرفًا لكربلاء...391
السيد كاظم السيد أحمد النقيب رئيسًا للبلدية...392
الملك فيصل في كربلاء...392
رحلة الدكتور (دوايت دونالدسون) لكربلاء...392
(التربة) الحسينية...396
دونالدسون يصف قبر العباس (عليه السلام)...401
حلف اليمين عند قبر العباس...402
وصفه لضريح الحسين (عليه السلام)...403
وصف إجراءات فتح الضريح...404
نوّاب كربلاء في الدورة الإنتخابية الثانية...407
فتح أول سجن عام في كربلاء...408
الملك فيصل الأول في كربلاء...408
تنازل السيد عبد الحسين الكليدار عن سدانة الحسين لولده الأرشد السيد عبد الصالح...408
السيد عبد الصالح بن عبد الحسين الكليدار يتولى سدانة الروضة الحسنية...413
عدد نفوس كربلاء سنة 1928م 13460ه...413
جرد خزانة الروضة الحسينية المقدسة...413
المصادر...415