ghaemiyeh.com
تاريخ كَرْبَلاء
كربلاء ... (التاريخ وَالقَدَاسَة )
الجزء الثاني
السيد عبدالصَّاحِب نَاصِر آل نصر الله
تاريخ كَرْبَلاء المجلد 2
جميع الحقوق محفوفة
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع أو نقله على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكة، أو بالتصوير، أو بالتسجيل، أو خلاف ذلك، إلا من بعد موافقة كتابية من المؤلف ومقدماً.
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1527 لسنة 2016
محرر الرقمي: صديقة الحسني
تاريخ كَرْبَلاء
كربلاء ... (التاريخ وَالقَدَاسَة )
الجزء الثاني
السيد عبدالصَّاحِب نَاصِر آل نصر الله
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »
الحمدُ لله والصلاة والسلام على رسول الله النبي العربي الكريم وعلى آل بيته الكرام الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين وبعد...
من فضل الله علينا أكملنا الجزء الأول من تاريخ مدينة كربلاء والذي بحثنا فيه قٍدم كربلاء وأثبتنا وجودها واسمها والمدن والحواضر والقرى القديمة المحيطة بها وكل ما يتعلق بها في المجالات التاريخية والجغرافية والإجتماعية والحربية والتراثية والصفة الروحية التي إكتسبتها وجعلتها تحمل صفة القدسية منذ آلاف السنين التي سبقت ظهور الإسلام.
وفي الجزء الثاني هذا سنقوم ببحث شامل عن مدينة كربلاء إبتداءً من الدول الحاكمة في العراق قديماً، وعلاقة هذه الدول بكربلاء. ثم نقوم بشرح كربلاء في عهد النبوة والإشارة إليها بالذات من قِبل الرسول الكريم (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي ما ينطق عن الهوى، وتتبعنا أحوالها في عهد النبي (صَلَّ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وفي فترة الخلافة الراشدة ثم في العصر الأموي والعصر العباسي بأدواره الخمسة، وبضمنها العهد البويهي والعهد السلجوقي الذين كانا ضمن فترة العهد العباسي. ثم تحدثنا عن فترة العهد الإيلخاني (المغول)، ثم شرحنا الحكم الجلائري في العراق وأوضاع كربلاء في ظله. كما شرحنا حكم تيمور لنك ودولتي الخروف الأسود والخروف الأبيض، وتطرقنا إلى أحوال كربلاء في هذه الفترات الزمنية.
وفي هذا الجزء من الكتاب تطرقنا إلى تأسيس الدولة الصفوية التي حكمت العراق في عهدين نشير إلى عهدها الأول في هذا الجزء، ومنذ إحتلالها لبغداد حتى انتهاء عهدها الأول في العراق سنة 941ه-/ 1534م عندما إحتل السلطان العثماني بغداد.
ومما يميّز الجزء الثاني عن سابقه بأننا سوف نتوغل في شرح الدول والحكومات التي إحتلت العراق وكانت مدينة كربلاء ضمن سيطرتها، وقد بحثنا بشكل مختصر عن مراحل تأسيس تلك الدول والحكومات لإغناء البحث وزيادة التمعن في كافة الأسباب والموجبات التي حددت مسيرة تلك الحكومات وتأثيراتها على العراق بشكل عام وعلى كربلاء كمدينة مقدسة ومهمة جدّا بشكل خاص.
كما بحثنا الدويلات والإمارات العربية التي تأسست في العراق في ظل وجود دول محتلّة للعراق، والتي كان لتلك الإمارات علاقة وثيقة بالبحث لأن مدينة كربلاء خضعت لسيطرتها سنين طوال بل إن بعضها كان مركز حكمه فيها.
وفي هذا الجزء أيضاً تطرقنا إلى الأخطاء الكثيرة التي وردت في الكتب التي بحثت عن تاريخ كربلاء، وكان لزاماً علينا بحثها وتصويبها بالمصادر الموثوقة والتحليل العلمي الواقعي والمبدئي ودون إنحياز مبتعدين عن النقد غير البنّاء والتجريح، لأن الغاية هي إيصال الفكرة الصحيحة للقارئ الكريم وفي نفس الوقت تثبيت التصويب لتلك الأخطاء حتى لا تستمر بالتداول.
وقد رفدنا هذا الجزء ببعض الخرائط والصور التي تهم القارئ الغرض منها توضيح الموضوع ضمن البحث وتقريب الصورة للمتلقي.
جميع محتويات الجزء الثاني هذا إعتمدنا في بحثها على مصادر موثوقة وبحوث معتبرة جهدنا في دراستها والتحقق منها، وإسلوب التحليل العلمي والوثائقي لإيصال الفكرة إلى المتلقي دون إنحياز.
وكان لزاماً علينا أن نقول بأننا رفضنا الإعتماد على مصادر طائفية موغلة بالتمذهب والغلو والتي اعتمدها غيرنا في تدوينه عن تاريخ كربلاء، لأن فيها ما يزكم الأنوف من روائح التفرقة والتحشّد والشد الطائفي والمذهبي.
والله نسأل أن ينال هذا البحث وهذا الجهد المتواضع رضى من يريد التعرف على تاريخ مدينة سيد الشهداء الأمام الحسين عليه السلام) (كربلاء) والله ولي التوفيق.
المؤلف
أرض كربلاء والمدينة التي تأسست فيما بعد، هي جزء مهم من أرض العراق، بلد السواد والرافدين، ومهبط الأنبياء والرسل، وبلد الحضارات. شهد العراق دول نشأت فيه وكان لها شأن كبير وتأريخ حافل، وتعرضت إلى الغزو والاعتداء من شعوب كانت ترنو إلى السيطرة على العراق لكثرة خيراته، ولموقعه المتميز.
لو تتبعنا التأريخ سنجد النعمة التي وهبها الله للعراق هي ذاتها النقمة التي حلّت وتحل عليه دائماً بسبب الحروب والاحتلالات التي شهدها منذ فجر التأريخ ولحد الآن طمعاً في خيراته. والغريب في الأمر نجده دائما ينفض عنه غبار التبعية والتسلط وينهض من خلال إرثه العميق المتجذر في عمق التاريخ والتجارب التي مرّ بها شعبه عبر الحقب الزمنية الموغلة في القدم.
بما أن كربلاء جزء من العراق، فلابدّ من الإشارة إلى الدول التي حكمت العراق، من خلال الحديث عن تكوينها واستمرارها ومن ثَمَّ تداعيها وإضمحلالها، لمعرفة تأثيرها على كربلاء كأرض ومدينة من النواحي السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية والعلمية. وسوف نبدأ بالحكومات والدول القديمة التي كانت تسيطر على العراق منذ سنة 3000 ق.م إلى الفتح الإسلامي، ومن ثُمَّ الحكم الإسلامي بعد الفتح العربي الإسلامي له، وتحديدًا في زمن الخلفاء الراشدين قبل الفتح وبعده،
والدولة الأموية ثم العباسية وحكم الدويلات المتعاقبة عليه إلى الحكم الصفوي والعثماني وفترة الصراع بينهما، إلى الاحتلال البريطاني وما تلاه.
سنجد أن كربلاء كانت في خضّم تلك التحولات والأحداث قد نالت نصيبها من الرخاء والويلات معاً، وسنجمل الحديث عن كل ذلك بشيء يوصل للقارئ الكريم جانباً مهماً . المعلومات التي يحتاجها أبناء البلد ولو بشكل موجز بعيدًا عن الملل والرتابة. وسيجد القارئ أهمية كربلاء من جميع النواحي التي ذكرناها، وأنها كانت وستبقى بعون الله جزءًا مهماً من العراق الموحد، على الرغم من جميع الصعوبات والاختناقات التي مرّت بها، فما دامت القباب الذهبية لمرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام شامخة فيها، ويرنو إليها المسلمون من مختلف بقاع الأرض على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، كونها قلعة النبوغ والقدسية. ليعطروا أنفاسهم بعبق التضحية والفداء، وهم يتنفسون أنسام الحرية التي ضحّى من أجلها رائد النضال ضد التسلط والظلم والقهر الإمام والرمز والقائد والوتر الخالد الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
أرض كربلاء في عصور ما قبل الإسلام
تحدثنا سابقاً عن نبذة تاريخية لما كان عليه العراق القديم وهو مانسمية ب- (فجر التاريخ)، كما تحدثنا عن كربلاء قديماً أرضاً وموقعاً وتسمية. ولابد لنا في هذا المنحى أن نعرف حقيقة ما كانت عليه أرض كربلاء في الأزمنة الغابرة بداية من السومريين إلى نهاية العصر الساساني الذي قُضي عليه عندما تم فتح العراق في أكبر معارك المسلمين وهي معركة القادسية التي إندحر فيها الفرس الساسانيين على يد المسلمين في منتصف العقد الثاني للهجرة حيث بدأت عمليات تحرير العراق وفتحه من سنة 12 للهجرة إلى أن إنتهت بفتحه بالكامل سنة 16 للهجرة بعد النصر المؤزر في معارك نهاوند وجلولاء.
1 - زمن سومر وأكد
السومريون سكنوا القسم الأسفل من أرض شنعار، وهي مناطق جنوب السهل الرسوبي الخصب في العراق والسومريون ليسوا من الساميين)، وليس لهم صلة بالقبائل السامية التي كانت تنزل بادية العراق. وبادية العراق هي القسم الغربي من أرض مابين النهرين، وأرض كربلاء وطفّها كانت أقرب منطقة إلى الأراضي الخصبة من العراق وتحدها مع البادية الغربية. وفي هذه الأرض التي كانت حلقة الوصل بين الشرق والغرب، أي بين المنطقة التي كانت تسكنها القبائل السامية، وبين الشعب السومري الذي كان الحاكم المطلق على جزء من الهلال الخصيب ومدنه في جنوب العراق. لأن وسط وجنوب العراق هو جزء من الهلال الخصيب الذي أطلق عليه هذا الإصطلاح الدكتور (برتستد) ويشمل وادي الرافدين وسوريا وفلسطين وشرقي الأردن.
فإن أرض كربلاء كانت أقرب الطرق لمن كان يطمع بأرض مابين النهرين من الغرب، وتُعتبر بوابة الوصول إلى أرض الخصب والنماء والثروات، بالإضافة إلى أنها تُعتبر أرض مقدسة و (حرم الإله) إلى غير ما ذكرناه سابقاً.
وأرض كربلاء تأثّرت بالصراعات التي دارت بين الأكديين الذين كانوا يسكنون الفرات الأوسط، وهي المناطق القريبة جداً من (طف البادية)، وبين السومريين الذين بنوا أور وأرك وأريدو ولجش وغيرها).
بلاد أكد تقع شمال مملكة سومر ، وكانت القبائل السامية الرحّالة تحتل البادية والفرات الأوسط، ولمّا رأت هذه القبائل ضالتها للمراعي الخصبة لقطعان مواشيها، أخذت تقيم فيها مدنّا ك- (بورسيما وكيش ونفّر وإجادة وغيرها) وهذه المدن لا تبتعد كثيرًا عن طف البادية (أرض كربلاء).
نجد أن دولة أكد وشعبها من القبائل السامية أخذت تنظر إلى منطقة النفوذ لدولة سومر في جنوبها. وفي سنة (2750) قبل الميلاد كان يحكم دولة أكد ملك
يدعى (سرجون) الأكدي، تمكن من القضاء على نفوذ السومريين وجعل سهل شنعار تحت سيطرته وسلطانه، وإمتدّ بنفوذه إلى البحر الأبيض المتوسط، وكانت جيوشه تتجمع في أرض كربلاء لتنطلق بفتوحاتها نحو بلاد الشام وصولاً إلى البحر المتوسط، فإكتسبت أرض كربلاء أهمية أخرى تأخذ الجانب السوقي والإستراتيجي لإنطلاق الحملات العسكرية منها، فمن الطبيعي أن تكون منطقة التجمع هذه مهمة فتبنى فيها المنشآت والمعابد والمسالح ، فهي منطقة الإنطلاق والإمدادات.
إنتقل الأكديون من حياة البداوة إلى نعيم الحضارة، وشمل هذا التطور أرض كربلاء كونها جزء من الدولة الأكدية. وعندما ضَعُفت الدولة الأكدية، فقد إستغل السومريون هذا الضعف فثاروا عليهم لإستعادة استقلالهم، وخضع الأكديون لذلك الأمر ورأوا أن يوحدوا الشعبين تحت سلطة واحدة، فتأسست بذلك (مملكة أكد وسومر) سنة 2500 قبل الميلاد.«وإمتزجت في سهل بابل حياة السومريين الجبليين بحياة ساميّي البادية إمتزاجاً سياسياً تخفى وراءه أحقاد وذكريات مؤلمة، وقد إشتهر من ملوكها سرجون الساميّ ونرام سن »(1).
لم تبتعد أرض كربلاء حينها عن تلك الصراعات والتطورات، كما أنها أصبحت جزء مهم من مملكة اكد وسومر، بإعتبارها بوابة الشرق.
وما يؤكد لنا بأن كربلاء كأرض كانت معروفة قبل تأسيس مملكة أكد وسومر، هي إحدى تسمياتها التي تؤكد بأنها جاءت من القبائل السامية التي كانت تسكن في أنحاءها وسمّوها ب- (كرب إل ) أي قرب الإله أو حرم الإله.
فقد جاء في لسان العرب للأب أنستانس الكرملي بأن (كرب الأمر كروباً: دنا ) ... قال عبد القيس بن خفاف البرجمي:
أبنّي إن أباك كاربُ يومه*** فإذا دُعيت إلى المكارم فأعجل
1) 1- تاريخ العراق السياسي الحديث : السيد عبد الرزاق الحسني ج1، ص17.
وكل شيء دنا فقد كرب، وكربت الشمس للمغيب دنت، وكربت الشمس للغروب، وكربت الجارية أن تُدرك(1)....
أمّا (إل) فمعناه عند الساميين (الإله)، وعلى ذلك يعتقد بعض المؤرخين بأن تسمية كربلاء ساميّة وتعني قرب الإله أو حرم الإله، أو مَقْدَسَ إله.
2- كربلاء في زمن الدولة البابلية
أصبحت مملكة أكد وسومر محط أنظار وأطماع أقوام أخرى من الشرق والغرب. كان (العيلاميون) يسكنون شرق مملكة أكد وسومر في جبال خوزستان. وقد طمعوا بالسيطرة على مملكة أكد وسومر وإستعدّوا لغزوها، وكان لهم ذلك بعد معارك طاحنة سالت فيها أنهار من الدماء، وتم لهم الاستيلاء على عاصمة المملكة (أور) وقادوا الملك السومري أسيرًا إلى عاصمتهم شوش (ششتر ) وذلك في سنة 2320 قبل الميلاد، وإستولوا على ما تبقى من المملكة وما كان تابعاً إلى (أور) شيئًا فشيئًا.
بينما كانت الأحداث تتواتر في القسم الجنوبي من سهل العراق (سهل شنعار)، كان قسمه العلوي الذي كان بيد الأكديين يشهد أحداثًا أشد ضراوة تستهدف مناطقهم من قبل إحدى القبائل السامية التي كانت تسكن بجوار البحر الأبيض المتوسط منذ عهود قديمة وهم (العموريين) الذين يسمون أيضاً ب- (الأموريين).
إتجهت قبائل العموريين السامية نحو العراق وأخذت تهبط سقي الفرات، وكان تقدمها من أرض كربلاء القريبة جدا من مدينة (بابل) التي كانت يومها بلدة صغيرة، ولكنها تعتبر ذات أهمية بالغة كونها تتربع في وسط السهل الخصب لبلاد ما بين النهرين. وتم لهم السيطرة عليها وجعلوها قاعدة لهم عندها بدأت تحارب من جاورها من مدن وأراضي مملكة أكد وسومر حتى إستولت عليها وأسست هذه القبائل السامية مملكة عظيمة سميّت ب- (المملكة (البابلية وكان ذلك في سنة 2200 ق.م.
1) 1- موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء، ص 14.
دخلت الدولة البابلية حروب طاحنة مع العيلاميين في الشرق، وتمكن (حمورابي) سادس ملوك الدولة البابلية من دخول عاصمة العيلاميين (شوش)، وخضعت بلادهم له، وقد إتخذ مدينة (بابل) عاصمة لملكه عام 2100 قبل الميلاد، بعد أن
عمرها ووسعها وجعلها إحدوثة زمانه حتى دُعِيَت البلاد كلها باسمها.
في القرن العاشر قبل الميلاد كانت أرض كربلاء تعرف ب- (كربلهاتاني)، حيث إحتلها الآراميون وقطعوا طرق الإتصال بين بابل وبارسيبا. وقد ذكرنا ذلك في الجزء الأول في باب التسمية وهنا ومن ضمن السياق التاريخي عن الدول الحاكمة وتأكيدًا على أن هذه الأرض معروفة نعيد ما جاء في مجلة سومر المجلد 18 ونصّه:
«بدأت المملكة البابلية بالإنحطاط. وفي سنة 986 ق.م في عهد (نابو - موكين - بال) وهو أول ملك من السلالة البابلية الثامنة، توفق الآراميون من إحتلال القسم الواقع من الفرات بقرب كربلا تاني مدة 4 سنين، وقطعوا بذلك طرق الإتصال بين بابل وبارسيبا ».
لأن أرض كربلاء كانت قريبة جدًا من مدينة (بابل)، فكان لها شأن في تلك الحقبة المهمة من الزمان كان البابليون يعتبرون أرض طف كربلاء بالغة القدسية، حيث كثرت فيها معابدهم وتوزعت فيها مناطق مقابرهم. كما أن طف كربلاء كان الحزام الفاصل بين البادية الغربية وبين عاصمة المملكة بابل. ومن هذه الأرض كانت أيضاً تنطلق حملات البابليين نحو الغرب، فأرض كربلاء ذات تحصين عالي بسبب كونها منطقة تجمع عسكري مفتوحة نحو الغرب.
يُذكر أنه في زمن حمورابي الذي حكم زهاء 43 سنة والذي كان مهتماً بتشييد المعابد وحفر الأنهر وشق الترع وإهتمامه بالعمران، فقد شمل إهتمامه بأرض طف كربلاء بإعتبارها إمتدادًا لمملكته، ووجدت في زمنه تجمعات سكانية في هذه الأرض على شكل قرى سكنها الكثير من الناس لكثرة العيون الموجودة في أرجائها وتواجد المسالح العسكرية فيها، وإهتمام سكانها بالزراعة والرعي، والأهم من ذلك كله هو
وجود المعابد وبقربها (المدافن ) القبور التي كانوا يودعون أمواتهم فيها في مناطق مرتفعة وجافة خالية الرطوبة.
وعلى ذلك كانت إحدى تسميات كربلاء حسب ما يذكر المؤرخون بأنها جاءت من القرى التابعة لبابل، وسميت القرى المنتشرة في ربوعها ب- (كُوَر بابل)، والكور مجموع (كورة) والكورة تعني (قرية)، وبذلك هي قرى بابل).
من القرى التي كانت تعتبر مدافن لأقوام ذلك الزمان هي (النواويس) التي حددنا موقعها قرب هور السيب الحالي وهي أراضي مقاطعة (فريحة) الحالية والتي كانت أرضها مرتفعة على ما حولها، وفي النواويس اكتشفت الكثير من القبور بحيث كان الموتى يوضعون في ناووس فخاري، ويتم دفن الناووس.
مع العرض أن في ذلك الزمان كان نهر الفرات القديم يمر في المنخفض الحالي الذي يحادد كهوف الطار، وبسبب سرعة جريانه تغيّر مجراه إلى الجهة الثانية من الطف الممتد من الأنبار إلى بادية السماوة الحالية.
وقد ذكرنا سابقاً بأن أرض كربلاء كانت ضمن منطقة طسوج النهرين، وتسمية طسوج النهرين جاءت من نهر الفرات (بالاكوباس)، ونهر (كري سعدة) المندثر حالياً وكان في بعض أقسامه يمر نهر العلقمي. وأن الأراضي ما بين هذين النهرين كانت تسمى ب- (طسوج النهرين) وهي المدن أو القرى التي كانت ضمن هذه المنطقة. ولأن كربلاء لم تكن مدينة أو قرية في ذلك الزمن، بل إن الأرض المسماة باسمها كانت تضم هذه القرى.
جاء في موسوعة العتبات المقدسة ما نصّه:«وكل ما يمكن أن يقال عن تاريخها القديم أنها كانت من أمهات مدن طسوج النهرين الواقعة على ضفاف نهر بالاكوباس (الفرات القديم) وعلى أرضها معبد للعبادة والصلاة، كما يستدل من الأسماء التي عرفت بها قديماً كعمورا، ماريا، صفورا، وقد كثرت حولها المقابر، كما عثر على جثث موتى داخل أواني خزفية يعود تاريخها إلى قبل العهد المسيحي... ومن المعلوم أن
كربلاء ليست على ضفة الفرات ولا على ضفافه، فالقائل لو قال (كورة كربلاء) لكان القول علمياً »(1).
3 - كربلاء فى زمن الدولتين الأشورية والكلدانية
حكمت سلالة حمورابي زهاء 155 سنة، وضعفت الدولة البابلية مما سهّل للحتّيون الجبليون وهم أقوام غير سامية نزحوا من الأناضول أن يهاجموا سهل شنعار، وأوقعوا فيه الخراب والدمار وإستولوا على بابل ومكثوا فيها زهاء قرن واحد، وإنسحبوا إلى بلادهم. وكان منهم قوم آريين يُعرفون بالكشيّين، تمكنوا من تأسيس دولة لهم في (عقرقوف) التي كانت تسمى (دور) كوريكادو)، وإستمر حكمها 577 سنة، ومن الطبيعي أن تكون أرض كربلاء في وقتها تابعة إلى هذه الدولة، ولكن أهمية أرض طف كربلاء وقراها قد ضعفت، ولم يعد لها نفس الأغراض التي كانت الدول السابقة تهتم بها، إضافة إلى بعدها عن عاصمة مُلك الكشيين عقرقوف. وتحول إهتمام طريق بلاد الغرب منها إلى أعالي الفرات.
وكان العالم المتمدن وقتئذٍ تحت سيطرة مملكتين عظيمتين: المملكة الحثية في بلاد الأناضول وشمالي سورية والمملكة المصرية في سقي النيل وجنوبي سورية، ولهذا لم يكن للدولة (الكوشية) أو (الكشيّة) في العراق شأن كشأنهما.
نزل الآشوريون شمال العراق منذ عام 3000 قبل الميلاد، وهم من الأقوام السامية، وهو نفس وقت نزول الأكديين أرض شنعار. وإتصل الآشوريون بالسومريين ودخلوا تحت حكم سرجون وحمورابي. وعندما ضعفت الدولة البابلية وتقوضت من قبل الحثييّن وكذلك الكشيين الذين هم من الحثيين بعد أن أسسوا دُوَلَهم، إستطاع الآشوريون من الإغارة عليهم وتمكنوا من بسط نفوذهم على قسم من مناطقهم، وفي ذات الوقت هجم الآشوريون على بابل وإستولوا عليها.
1) 1- موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء، ص 16 .
عندما إنتصف القرن الثامن قبل الميلاد كانت الدولة الآشورية قد إمتد نفوذها إلى ربوع سورية ومعظم البلاد الفينيقية الواقعة على ساحل البحر المتوسط، وأصبحت حدودها من بلاد أرمينية في الشمال والخليج العربي في الجنوب وبلاد ماذي في الشرق وضفاف البحر المتوسط في الغرب. وبلغت هذه الدولة ذروتها في زمن مليكيها سرجون الثاني وابنه سنحاريب. وكانت عاصمة دولة آشور هي (نينوى) القريبة من الموصل الحالية.
على ضوء حدود الدولة الآشورية آنفة الذكر فإن أرض كربلاء كانت ضمن السيطرة الآشورية، بحيث عادت لها أهميتها البالغة. ومما يدعم رأينا هذا هو أن مدينة أسست في أرض كربلاء وسميت ب- (نِينَوى)، وأخذت اسمها من نينوى العليا إحدى عواصم الدولة الآشورية. وما زالت أطلال نينوى قائمة بالقرب من مدينة كربلاء الحالية، وتقع في شمال شرقي كربلاء بمسافة لا تزيد عن (8) كيلومتر (تم التطرق إليها ضمن القرى المحيطة بكربلاء.
جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي في موضعين عن نينوى الجنوبية حيث قال: «نينوى بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح النون والواو بوزن طيطوى... وبسواد الكوفة ناحية يقال لها نينوى منها كربلاء التي قتل بها الحسين رضي الله عنه» (1).
وفي كتابه المشترك وضعاً والمفترق صقعاً قال ياقوت الحموي: « ونينوى كورة كانت بأرض بابل منها كربلاء التي قتل بها الحسين بن علي»(2).
وجاء في موسوعة العتبات المقدسة - قسم كربلاء - ما نصه : ونينُوى من الأسماء الآشورية. ولا نشك في أنَّ نينوى السفلى سميت باسم نينوى العليا إحدى عواصم الدولة الاشورية المشهورة في التاريخ سُمّيت إمّا لمعارضتها وإما لإدامة ذكراها، وعلى عادة الناس في تسمية البلدة التي يُنشئونها بعد المهاجرة من بلادهم والجلاء عنها
ويسمونها باسم بلدتهم التي هاجروا منها. وهذا معروف قديماً وحديثاً، وهو من أجمل ضروب الوفاء، وإن كان لغير الأحياء (1).
وعندما تُؤسس قرية أو مدينة في أرض كربلاء كالتي ذكرت يعني ذلك أن أرض كربلاء عادت لها أهميتها ودب النشاط فيها وبدأت المنطقة تشهد بناء المعابد، وإمتد هذا النشاط إلى بلدة عين التمر الموغلة في القدم والتي تتربع وسط الصحراء غرب أرض كربلاء.
ونجد ولحد الآن الكثير من أطلال المعابد ودور العبادة اليهودية ومن ثُمَّ النصرانية، خاصة في زمن كانت تلك الديانات منتشرة في تلك الأرجاء.
عندما إشتدت الإضطرابات في الدولة الآشورية وبدأ فيها الضعف، كانت قبيلة (كلدو) وهي إحدى القبائل السامية الرحالة تزحف ببطئ نحو سواحل الخليج العربي. وعندما وجدت ضعفًا في الدولة الآشورية زحفت نحو سهل (بابل) وإحتلته، وسيطرت على مدينة بابل وعمّرَتْها بعد أن خرّبها سنحاريب، وإتخذتها قاعدة لتوسيع نفوذها في المنطقة.
قام الملك الكلداني نبو بولاصر) بمهاجمة آشور وإتفق مع الماذيين لإسقاط الآشوريين في شمال العراق وشمال سورية وتم لهم ذلك، فأخذ الماذيون قسمها الشمالي، بينما حصل الكلدانيون على القسم الجنوبي من المملكة الآشورية، وبذلك إنقرضت الدولة الآشورية عام 606 قبل الميلاد. وبدأ يسطع نجم الدولة الكلدانية التي إتخذت مدينة (بابل) عاصمة لها، وهم آخر من تسلط على بابل من الساميين.
4- كربلاء في العهد الساساني
كانت بلاد فارس خاضعة ل- (الماذيين) الذين تربطهم والفرس لُحْمَة النَسب. الماذيون من الشعب (الآري)، وكانوا يسكنون البلاد المسماة الآن (أذربيجان). وفي
1) موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء، ص15 – 16.
زمن الدولة الكلدانية ساهموا مع الكلدانيين في إقتسام مملكة آشور. كانت فارس في ذلك الوقت خاضعة للماذيين.
ظهر (كورش) الفارسي في ذلك الوقت وكان طموحه التخلص من سيطرة (الماذيين) وتأسيس إمبراطورية فارسية كبرى. عندما رأى إنشغال الماذيين بحروبهم في الغرب، تمكن من الثورة عليهم وإستطاع أن يحتل ملكهم، ويجعل الشعبين الماذي والفارسي تحت راية واحدة ، وأن يعلن نفسه ملكا على دولة سماها (دولة الكيانيين). أخذ كورش يوسع نطاق سيطرة دولته بحيث قضى على (اللديين) عام 546 ق.م، وبسط نفوذه أيضًا على آسيا الغربية وتمكن من طرد الإغريق من شاطيء آسيا الصغرى. وتوجه إلى الكلدانيين الذين كانوا يحكمون العراق، فقضى على دولتهم عام 539 ق.م.
وعندما سيطر على الدولة الكلدانية وإنقراضها «فقد طويت أعلام الساميين التي كانت تخفق على روابي العراق وقلاعه، ونُشِرت عوضها رايات الشعب الآري، الغريب عن هذه البلاد. فإنقطع سير التاريخ العراقي منذ ذلك الحين. وإنحطّت حالة البلاد العراقية التي كانت حتى ذلك الوقت وحدة سياسية وجغرافية، وتردّت حتى صارت ولايتها تابعة إلى سيطرة أجنبية » (1).
قُتِل (كورش) عام 529 ،ق.م، وخلّفه ابنه (قمبيز) الذي تمكن من السيطرة على مصر عام 524 ق.م، وبعد وفاته خلّفه في الحكم (دارا) الذي سار في حكمه على نهج التوسع والسيطرة.
العراق في تلك الأيام تحت حكم الدولة الفارسية (الكيانية)، ويؤدي الأتاوة لتلك الدولة. وله حاكم يدير دفّة الإدارة والحرب والسياسة، كما كان للعراق مجلس قضائي يسير على ماجاءت به شريعة البلاد، لأن (الكيانيين كانوا (مجوس) على دين
1) تاريخ العراق السياسي الحديث: عبد الرزاق الحسني، ج 1، ص20.
(زرادشت)، وكانت البلاد العراقية على دين آخر ، فلم ير الملك الفارسي أن يحمل أهل العراق على الدخول في الديانة الزرادشتية لذلك قام المجلس المذكور.
في ذلك الوقت تمكن (ملك مقدونيا ) وهو والد الإسكندر المقدوني الشهير من توحيد ممالك البلاد اليونانية وجعلها دولة واحدة. وعندما قتل خلّفه ابنه (الإسكندر) الذي أراد فتح جزيرة العرب وأن يجعل العالم تحت زعامة واحدة، فحرر آسيا الغربية من الفرس وأخذ يطاردهم أينما ذهبوا، وإشتبك مع (دارا) في معركة (إربل ) عام 331 قبل الميلاد ودحره وهرب دارا بعد المعركة ووُجد مقتولاً قرب مدينة (بلخ). وبمقتله إنقرضت الدولة الفارسية، وحلّ في أراضيها اليونانيون.
سار الإسكندر قاصدًا (بابل)، ودخلها فأصبح العراق تحت سيطرته. وعندما مات الإسكندر وهو شاب، تطاحن قادته فيما بينهم على الملك، فتقاسم أربعة من قادة جيوشه الدولة، فكان نصيب (سلوقس) معظم ما كان يعرف بمملكة الفرس في آسيا ومن ضمنها العراق. وأنشأ سلوقس الدولة (السلوقية) في العراق عام 331 ق.م وبنى عاصمة لدولته في وسط العراق وسماها (سلوقية)(1).
كان (الفرثيون) (2)وهم يتصلون بالنسب مع الفرس قد خضعوا لحكومات عديدة آخرها الدولة السلوقية، وعندما وجدوا أن السلوقيين بدأ الضعف يتسرب فيهم نتيجة حروبهم فيما بينهم ، ومع الرومانيين فتمكنوا عام 247 ق.م من السيطرة على قسم كبير من الدولة السلوقية، حتى جاء زعيمهم (أرشاق) الذي تمكن من القضاء نهائيًا على الدولة السلوقية والاستيلاء على مخلفاتهم وذلك سنة 126 ق.م.
1) سلوقية عاصمة السلوقيين، تقع في الضفة اليمنى لمجرى نهر دجلة جنوب بغداد الحالية نحو ثلاثين كيلومتراً، وأصبحت حينها تضاهي بابل من حيث العمران والنفوذ سلوقية: عاصمة السلوقيين، تقع في الضفة اليمنى لمجرى نهر دجلة جنوب بغداد الحالية نحو ثلاثين كيلومتراً، وأصبحت حينها تضاهي بابل من حيث العمران والنفوذ.
2) الفرثيون : نسبة إلى بلاد فرثية، المسماة اليوم (خراسان). وهم قوم يتصل نسبهم بالفرس الإيرانيين، وكانوا قد خضعوا لحكومات مختلفة آخرها الدولة السلوقية.
وفي العراق بنى الفرثيون (الإرشاقيين ) عاصمة جديدة لهم قبالة (سلوقية) سمّوها (طيسفون) وهي ذاتها (المدائن)، لأنهم لم يرتضوا بسلوقية عاصمة لهم، ولا ببابل التي خرّبتها الحروب، فكان لهم ذلك.
لم يدُم الحال للفرثيين، فإن الرومانيين تمكنوا من القضاء على الدولة السلوقية في سوريا، وتوجهت أنظارهم إلى العراق فوقعت بينهم معارك عنيفة. وإستمر ذلك وقتاً طويلاً.
حتى ثار الفرس سنة 224 بعد الميلاد بقيادة (أردشير بن بابك)، فتمكنوا من السيطرة على جميع بلاد فارس، وتوجهوا إلى العراق عام 226م فدحروا (أردوان) آخر ملوك الفرثيين في معركة (هرمز) في نفس السنة، فإنقرضت الدولة الفرثية (الإرشاقية) بعد أن دام حكمها 473 عاماً .
ومنذ سنة 226م أصبح العراق تحت نير الفرس الساسانيين. فتقدمت البلاد في خطوات واسعة بالرقي والتقدم وإزدهرت فيها أعمال الري، وإتخذوا (طيسفون) المدائن عاصمة لملكهم، وأقاموا الصرح الماثل للعيان إلى الوقت الحاضر (إيوان كسرى) في المدائن.
مات أردشير بن بابك سنة 241م فخلفه ابنه (سابور الأول) فسارعلى نهج أبيه في التوسع والإصلاح. وإشتهر بين الملوك الساسانيين (سابور الثاني) (310م. 379م) و (قباذ الأول) (488 م . 531م) و(كسرى الأول أنو شروان) (531م. 579م) الملقب ب- (العادل) و (كسرى أبرويز) (590م. 628م) وهو الذي تلقى في (طيسفون) كتاب النبي الكريم (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) يدعوه إلى الإسلام فإستخف بالدعوة وأمر عامله على اليمن بالتوجه لقتال النبي والمسلمين ولكنه لم يتمكن بسبب تهالك الدولة وكثرة المشاكل فيها . وهو الذي حدثت في زمنه النكبة الكبرى للساسانيين عندما كانوا قد إقتطعوا ( أنطاكية) من الدولة الرومانية، فوقعت بينهم حروب طاحنة وتمكن القيصر ( هرقل ) من مطاردة الساسانيين إلى عقب
دارهم، فوصل (النهروان) بالقرب من عاصمتهم ، فخلع الساسانيون كسرى أبرويز عام 628م ونادوا بابنه شيرويه قباذ الثاني ملكا عليهم، وهو الذي عقد الصلح مع (هر قل) على أن تبقى الحدود على ما كانت عليه من قبل.
إستمر حكم الساسانيين إلى أن بدأت حروب تحرير العراق التي قامت بها الدولة الإسلامية إبتداءً من سنة 12ه-، حتى كانت معركة القادسية الفاصلة بين المسلمين والفرس الساسانيين التي إنتهت آخر وقائعها سنة 16ه-/636م. كانت منازل ملوك الفرس في أوّل ملك أردشير بن بابكان (بابك) ب- (أصطخر) من كُوَرْ فارس، ثم لم تزل الملوك تنتقل، حتى ملك أنوشروان بن قباذ فنزل المدائن من أرض العراق، فصارت دار الملك، وأجمع العلماء من المنجمين والمتطببين أنه ليس في المملكة بلدٌ أصحّ ولا أفضل، ولا أعدل من تلك البقعة، وما قرب منها من إقليم بابل (1).
وفي زمن قباذ والد أنوشروان تم إنشاء الكُوَر والطساسيج، وهي تقسيمات إدارية، وكان للعراق له ثمانية وأربعون طسوجاً على الفرات ودجلة. منها كُور في أرض كربلاء وهي سورا ونهر الملك وباروسما وغيرها
دام حكم الدولة الساسانية من سنة 226م إلى سنة 636م... وملك فيهم إثنان وثلاثون ملكاً تصارع الكثير منهم على الحكم ووصل الحد ببعضهم إلى قتل أبيه أو أخيه من أجل العرش. أما ملوكهم فهم أردشير بن بابكان (بابك) وكان ملكه أربع عشرة سنة. ومن بعده ابنه سابور بن اردشير وهو (سابور الأول). ثم ملك هرمز بن سابور بن أردشير، وكان ملكه سنة واحدة. ومن ثَمَّ ملك ابنه بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير، وكان ملكه ثلاث سنين.
ثم ملك بهرام (2)بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير، وكان ملكه سبع عشرة سنة. ثم ملك ولده بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن اردشير، فكان ملكه أربع
سنين. ثم ملك أخوه نرسي بن ،بهرام وكان ملكه تسع سنين. ثم ملك ابنه هرمز بن نرسي بن ،بهرام وكان ملكه تسع سنين أيضاً. ثم ملك ابنه سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام الملقب (سابور ذا الأكتاف)، وكان عاتيًا متجبراً، ومعاديًا للعرب وهم الذين سمّوه بذي الأكتاف. ومَلَكَ إثنتين وسبعين سنة.
ثم ملك أردشير بن هرمز أخو سابور، وملك أربع سنين ثم خُلع. وملّكت الفرس بعده سابور بن هرمز، وخضع له عمّه أردشير المخلوع ومنحه الطاعة، وكان ملکه خمس سنين . ثم ملك بهرام بن سابور، وقتل بعد أن حكم إحدى عشرة سنة. ثم ملك يزدجرد بن سابور الذي كان فضَّا، غليظاً سيّء السيرة كثير الشرّ سام شعبه العذاب، ومات برفسة فرس وكان مُلكه إحدى وعشرين سنة. ثم ملك ابنه بهرام جور بن يزدجرد بن سابور، الذي نشأ بأرض العرب.
كان أبوه قد دفعه إلى النعمان بن المنذر بن ماء السماء (ملك الحيرة)، فأرضعته نساء العرب، ونشأ على أخلاق جميلة ، وقد رفضه الفرس وقالوا (بهرام ابنه قد نشأ بأرض العرب، لا علم له بالملك وأجمعوا أن يملكوا رجلاً غيره، فسار بهرام في العرب)(1). وأعانه العرب في جلوسه على العرش، وكان ملكه تسع عشرة سنة.
ثم ملك يزدجرد بن بهرام بن یزدجرد بن سابور، وكان ملكه سبع عشرة سنة. ثم ملك بعده هرمز بن يزدجرد بن بهرام بن یزدجرد بن سابور، وكان له أخ يدعى (فيروز) كان قد هرب إلى ملك (الهياطلة) وهم (الصغد) بين بخارى وسمرقند، وساعدوه بجيش تمكن به من قتل أخيه (هرمز) وجلس على العرش، وكان ملكه سبعاً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده ابنه بلاش بن فیروز بن يزدجرد بن بهرام لمدة أربع سنين، ثم ملك بعده أخوه قباذ بن فيروز الذي ثارت عليه الفرس وأزالوه عن ملكه وحبسوه،
1) تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 205.
وملكوا أخاه جامسب بن فيروز، فقامت أخت قباذ بتهريبه من السجن وإلتجأ إلى (الهياطلة) وبقي عندهم سنة واحدة، وأمدوه بجيش تمكن به من استرجاع ملكه من أخيه، وكان ملكه ثلاثًا وأربعين سنة.
ثم ملك بعده ابنه كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام، وهو الذي ساعد سيف بن ذي يزن على دحر الحبشة في اليمن، وكانت لأنوشروان إصلاحات وأعمال جليلة نقلها المؤرخون، وفي زمانه حدثت حملة (إبرهة الحبشي) على الكعبة سنة 570م والذي سمي ذلك العام ب- ( عام الفيل). وكان ملكه ثماني وأربعين سنة.
ثم ملك ابنه هرمز بن أنوشروان، الذي حدثت بينه وبين ابنه (كسرى أبرويز) عداوة بتحريض بعض الفرس المعادين لهرمز، وقد هرب أبرويز من أبيه إلى أذربيجان، ومنها تمت مساعدته بجيش سار نحو ملك والده، تمكن من السيطرة على الحكم وأخذ والده فحبسه وسمل عيناه، وكان مُلك هرمز إثنتي عشرة سنة. فجلس ابنه كسرى أبرويز على العرش وكان قد طغى، وبغى، وعتا، وظلم، وجار، فثار عليه الفرس وخلعوه وملكوا ابنه شيرويه بن أبرويز ، وكان الفرس قد حبسوا أبرويز وقتلوه في السجن، وكان ملكه ثماني وثلاثين سنة.
وملك شيرويه بن أبرويز الذي قام بقتل سبعة عشر أخاً له، وتزوج بنساء أبيه، ولم يدم ملكه سوى ثمانية أشهر فيات.
ثم ملك ابنه أردشير بن شيرويه بن أبرويز، وكان طفلاً فإختار له الفرس وصيَّا یدیر المملكة حتى يصبح اردشير بالغا، وثار قائد الجيش (شهر براز) على الحكم، وتمكن من قتل أردشير الذي لم يدم حكمه سوى سنة وستة أشهر، وجلس على العرش (شهر براز ) أو ( شهريار ) كما ذكره المسعودي في روايته.
ولكن الفرس لم تقبل به فقتلوه، وفي رواية أن ابنة لكسرى أبرويز يقال لها (أرزمي دخت) وهي عمّة أردشير، هي التي قتلت شهريار. فلم يجد الفرس رجلاً من سلالة الملك فملكوا بوران بنت كسرى أبرويز ، ودام ملكها سنة وأربعة أشهر.
ثم ملكت بعدها أختها (آزَرْ ميدخت بنت كسرى) وهي نفسها (أرزمي دخت) التي قتلت شهريار. وطلبها للزواج إصبهند خراسان (أي رئيس الفرس في خراسان ويلقب نفسه بعماد )المملكة واسمه (فرّخهرمزد) وهو والد (رستم) قائد جيوش الفرس أيّام القادسية وفتح المدائن والعراق من قبل المسلمين، فلم تقبل به وإحتالت عليه وقتلته وكان ملكها ستة أشهر. وملك الفرس بعدها أحد أحفاد أردشير بن بابك وهو كسرى بن مهرجشنس فقتلوه بعد أيام من جلوسه على العرش ولم يُكمل شهراً واحداً.
بحثوا عن رجل من سلالة الملوك فوجدوا (فيروز) الذي أولده أنوشروان من قبل أمّة (جارية)، وبعد وقت قصير قتلوه وجاء بعده فرخزاد خسرو بن کسری، فتوّج وملك سنة واحدة. ثم جاء الفرس ب- (یزدجرد بن کسری) وكانت امه (حجّامة)(1)وقع عليها كسرى.
ولمّا أتى لملكه أربع سنين قَدِمَ سعد بن أبي وقاص القادسية، وتم الاستيلاء على المدائن عاصمة الملك وتم فتح العراق وهرب يزدجرد بن كسرى وتتبعه المسلمون وهو يتخفى في المدن، وعندما كان في مرو متخفيًا بطاحونة تمكن صاحبها من قتله، وكان منذ جلوسه على العرش لحين مقتله عشرين سنة، بقي ست عشرة منها هاربًا، وهو آخر ملوك الدولة الساسانية.
1) جاء في لسان العرب (الحجامة : تداوي بالمحجم وهو شيء كالكأس يُفرغ من الهواء، ويوضع على الجلد فيحدث تهيجا ويجذب الدم أو المادة بقوة).
كما ذكرنا سابقاً بأن الساسانيين بدأ حكمهم في العراق سنة 226م، وإتخذوا (المدائن) طيسفون عاصمة لملكهم، والمدائن لا تبعد كثيرًا عن أرض كربلاء أو طف الفرات، فقد أولى الساسانيون إهتمامًا كبيرًا لهذه الأرض لأسباب عديدة منها :
1 - أنها كانت أرض تعجُّ بالنشاط في الأزمنة التي سبقتهم في حكم العراق، وخاصة البابليين إثناء أدوار حكمهم الثلاثة فكانت الأرض تشمل عدة مدن وقرى قديمة، فهي تجمع سكاني قديم لأقوام متنوعة من الآراميين والأموريين والأنباط فإن الأقوام السامية النازحة إلى بلاد الرافدين وخاصة من الجزيرة العربية وبلاد الشام، كان مرورها وتواجدها الأول في أرض كربلاء، ومن توغلها إلى داخل أرض السواد.
2- أن أرض كربلاء كانت الأرض المشُرِفة على السواد من خلال طفّها الممتد من نهر الفرات إلى الجنوب بمحاذاة البادية، واضعة الصحراء غربها وشرقها سواد العراق فهي البوابة المهمة للحركة والنشاط.
3- كثرة الأنهار التي تجري في أرضها منذ القدم. ومحاددتها إلى منخفضات لتجمع زوائد المياه من نهر الفرات، وكثرة العيون العذبة في أراضيها، أعطتها هذه العوامل أهمية بالغة للحركة والنشاط السكاني الإجتماعي بكل صوره، ومن هذه النشاطات الرعي والزراعة لخصوبة أرضها.
4- جغرافية الأرض وتنوع التضاريس فيها من هضاب ووديان ومسطحات مائية وبطائح، وجودة مناخها، أعطاها ميزة أخرى لتشكل عامل جذب سكاني من ناحية وعسكري من ناحية أخرى.
5- من خلال الآثار والأطلال الكثيرة التي أكتشفت على أرضها، ومن ضمنها كثرة المعابد والأديرة والكنائس لمختلف الديانات القديمة التي كانت تمجد بعض الآلهة للأكديين والبابليين والآشوريين، ومن ثَمَّ الديانات التالية الموحدة منها اليهودية والمسيحية، وحتى الديانة الزرادشتية المجوسية إثناء فترة حكم الفرس، جعلها تُعرَف بشكل واضح وجلي كونها أرض مقدسة، لها الكثير من الروحانية فقد وضعت في محل الإحترام والتقديس حتى أنها كانت في كثير من الأحيان مدافن لموتاهم وأماكن لتأدية طقوسهم فيها، والدليل هو ما وجد فيها من آثار.
6- لو رجعنا إلى أصل تسميتها في الروايات المتعددة نجدها حرم الإله وبيت الإله والفعل العلوي وغيرها مما ذكرناه في التسمية بمصادره... نجد أنها كانت أرض مقدسة، وهذه الحالة من القدسية أعطتها الإهتمام الواسع والكبير من قبل الدول التي حكمت العراق في العصور الغابرة، قبل أن ينزل بها الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ويستشهد فيها وتكون مثوى جسده الشريف وتتعاظم قدسيتها لتبلغ العلى والطهر.
7 - موقع أرض كربلاء كونها تشرف على البادية الغربية، جعلها موضع إهتمام الدول الحاكمة للعراق بهذه البوابة الغربية. فأنشأت فيها المسالح والمراصد ومواقع التموين وتواجد قوات عسكرية، وهذه بمجموعها تحتاج إلى منشآت وسكن وطرق مواصلات وجسور وما إلى ذلك، وخير دليل هو الخندق الذي حفره (سابور) من الفرات ويمر بها نحو الجنوب، واجرى الماء فيه وأصبح فيما بعد مجرى لأحد أنهار كربلاء المهمة في المنطقة، وكان هذا الخندق للرصد والمراقبة من ناحية الغرب.
8- من أهم الأمور التي لابدَّ للمرء أن يتمعّن فيها هي هجرة الكثير من القبائل العربية ونزوحها إليها وإتّخاذ هذه القبائل الكثير من المواطن في أرضها سكناًومستقراً لهم. وهذا ما يجده القارئ الكريم في عدة أبواب من بحثنا هذا.
9- شمول أرض كربلاء بالتقسيمات الإدارية الساسانية، ضمن الإستانات والطساسيج والرساتيق لكثرة المدن والقرى فيها والأنهار، ولا يبتعد عنا موضوع معارك فتح العراق التي قام بها المسلمون بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني وخالد بن الوليد وأبي عبيد الثقفي وذلك قبل فتح العراق في معركة القادسية.
فقد كانت أرض كربلاء والمناطق المحيطة بها مسرحاً كبيرًا لهذه العمليات التي سنتطرق إليها في فصل كربلاء في العصر الإسلامي الأول. من ذلك كله نجد بأن أرض كربلاء وطفّها كانت في العهد الساساني ذات أهمية بالغة من جميع النواحي السكانية والدينية (الروحية والإدارية والعسكرية وغيرها. فهنا وجب علينا ذكر أحداث العصر الساساني فيها.
.أ هجرة القبائل العربية إلى أرض كربلاء
القبائل العربية التي نزحت من الجزيرة العربية إلى أرض العراق، كان بداية نزوحها قبل الميلاد، أي قبل العصر الساساني بعدة قرون، وسبب النزوح هو حالة الجدب والتغيرات المناخية التي أصابت الجزيرة، وشحة المياه فيها فأخذت القبائل بالتوجه نحو سواد العراق وتمكن بعضها من تأسيس دويلات ومدن لها، وأهمها مدينة الحيرة، فهي أول حاضرة للعرب بعد نزوحهم من الجزيرة أقيمت في العراق.
وإمتدت القبائل النازحة نحو الشمال والغرب والكثير منها إتخذ (عين التمر) مقراً للتجمع وأسسوا دويلات لهم فيها وحواليها وخاصة قبائل (قضاعة)، وعين التمر حاضرة قديمة وهي ملتقى طرق المواصلات بين العراق والشام، وكان لموقعها في قلب الصحراء وكثرة مواردها المائية بعيونها المنتشرة بكثرة تأثيرا وموئلاً لاستقرار بعض القبائل العربية.
كما أن أرض كربلاء كانت تنتشر فيها مدن وقرى عديدة شجعت نزوح قبائل أخرى فيها، وكان السبق لقبيلة بني أسد حيث إنتشرت في (سورا) و(نينوى) و (باروسا) و (الغاضرية) و (النواويس) و (العقر) و (شفية) وغيرها.
كما أن قبيلة تميم قد إتخذت من غرب كربلاء موطنا لها وأسست بلدة كانت هي المركز لتجمعها وهي (الحزن) التي تقع بين قصر الإخيضر والطار، وتبعت بلدة الحزن عدة تجمعات منتشرة حواليها. وغيرها من القبائل التي تحدثنا عنها بالتفصيل في موضوع هجرة القبائل ونحن هنا نتحدث عن تواجد القبائل العربية في أرض كربلاء في العهد الساساني لربط أحداث الفترة التي نحن بصددها.
ب. معارك الساسانيين مع قبائل العرب في كربلاء
كانت القبائل العربية التي نزحت إلى عين التمر والحيرة والأنبار في مقدمتهاقبائل قضاعة. وكان اكبر ثقلهم في عين التمر ويقودهم مالك بن نضر بن زهير.
وكانت قضاعة على غير رأي الساسانيين. وكثيرًا ما تخوّف منهم (سابور الأول) وهو سابور بن أردشير بن بابك، وسابور هذا هو ثاني ملوك الساسانيين الذي إستلم العرش بعد وفاة أبيه سنة 241م. وكما أسلفنا سابقاً فإن عين التمر تقع في البادية وهي قريبة عن أرض كربلاء، وجاء خوف سابور من أن تتحالف قضاعة مع الروم ضد الفرس، فوجه جيشًا لمحاربة قضاعة متوجها من أرض كربلاء، وتمكن من غلبهم وكان ذلك في منتصف القرن الثالث الميلادي، وعندما غلبهم سابور فقد رحل قسم منهم إلى (الحضر)، وقسم آخر بقي في بادية السماوة.
أمّا الذين بقوا في البادية فكانت لهم معارك مع (سابور الثاني) الملقب بسابور ذي الأكتاف، وهو سابور بن هرمز بن نرسي بن .بهرام. وكانت الغلبة فيها لقبائل العرب. كان سابور الثاني معاديًا للعرب وكارها لهم، وأقام طيلة فترة حكمه على معاداة العرب، لا يظفر بأحد منهم إلّا خلع كتفه، فلذلك سمي سابور ذو الأكتاف. وسبب
هذه العداوة حسب ما أورده اليعقوبي في تاريخه: «مات هرمز وسابور صبي في المهد، فأقام أهل مملكته متلومين عليه حتى ترعرع وشبّ، ثم ظهر منه عتق وجبرية، فغزا بلاد العرب، وغوّر عليهم الماء، وغزاه ملك الروم، وهو إليانوس، فأعانته العرب من جميع القبائل، ثم تسرّعت قبائل العرب إلى سابور، فأوقعت به في دار ملكه، حتى هرب، وخلا ملكه فإنتهبت مدينته وخزائنه، ثم جاء سهم غرُب (لا يُدرى راميه) فقتل إليانوس ملك الروم فملكت الروم يوبنيانوس، فصالح سابور. وأقام سابور على معاداة العرب لا يظفر بأحد منهم إلّا خلع كتفه، فلذلك سمّي سابور ذا الأكتاف »(1). ومن هنا كان موقف سابور ذي الأكتاف من العرب.
ت. حفر خندق سابور
كان ملوك الفرس الساسانيين يخشون على دولتهم من ناحية الغرب، كونها مكشوفة على البادية، ولكثرة خشيتهم من العرب الساكنين في تلك الأنحاء ولتفادي تعاونهم مع جيوش قد تأتي من الشام قرروا حفر خندق يمتد من الفرات قرب الأنبار نازلاً نحو الجنوب، ماراً بأرض كربلاء ويسير موازيًا لنهر الفرات حتى يصل إلى (الإبلة) فكاظمة في أقصى الجنوب.
الذي حفر هذا الخندق هو (سابور) ويؤكد البعض أنه سابور ذي الأكتاف ولیس سابور الأول بن أردشير.
جاء في موسوعة العتبات المقدسة:
«... وهي عيون كانت للموكلين بالمسالح التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم... (2).
وقد نصب سابور المسالح والمراصد على طول هذا الخندق، وأجرى فيه الماء فيما بعد، وأصبح بعدها مجرى لاحد أنهار كربلاء الذي يصل إلى نواحي الكوفة تقريباً وهو (نهر كري سعدة) الذي إتحد بعدها بنهر نينوى، وأصبح خراباً مع الزمن وتم حفر نهر غيره يرفد من الفرات لسقي كربلاء ومحيطها.
وأقطع سابور الأرض والعيون للموكلين بالمسالح، يعتملونها من غير أن يلزمهم خراجّاً، فلمّا كان يوم ذي قار وإنتصر العرب، غلبت العرب على طائفة من تلك العيون وبقي بعضها بيد الأعاجم، ثم لما قدم المسلمون الحيرة هربت الأعاجم بعد ما طمت عامّة ما كان في أيديها منها (1)...
ث. بناء مدينة باروسما
تحدثنا سابقاً عن مدينة باروسما وموقعها في مبحث المدن القديمة التابعة لأرض كربلاء، وموقعها في (العطيشي ) مركز ناحية الحسينية حالياً وآثارها ظاهرة للعيان من خلال الأطلال والتلال الموجودة بجوار إعدادية زراعة كربلاء الحالية.
ومدينة باروسما كانت موضع إهتمام الساسانيين لأهمية موقعها، ويمر بها خندق سابور، وقد سكنتها قبائل بني أسد عند نزوحها للمنطقة. وأصبحت باروسما من الطسوج المعروفة تتبع لها عدة رساتيق. وباروسما قريبة من مدينة نينوى القديمة فهي تقع في الشمال الغربي لنينوى، ولا تبعد عنها أكثر من 10 كم تقريباً.
وهناك من يذكر بأن باروسما بنيت في زمن يسبق الساسانيين، ولكننا إعتمدنا على ما أوردته مديرية الآثار العامة التي تولّت المحافظة على آثارها من خلال ما ذكرته في دليلها الآثاري.
1) راجع المصدر السابق نفسه.
ج. مشاركة القبائل العربية في معركة ذي قار
معركة ذي قار هي أول معركة إنتصر فيها العرب على الفرس الساسانيين قبل الإسلام، وقد شارك العرب من القبائل التي كانت تسكن أرض طف كربلاء وما حولها في هذه المعركة مساعدة لأخوانهم من القبائل العربية المتنازعة مع الفرس، وكان لقبيلتي أسد وتميم دورًا متميزاً في المعركة.
حياة الرسول (صلى الله عليه وعلى آله)
كانت كربلاء كأرض قبل أن تكون مدينة وحاضرة في الوقت الذي ظهر الإسلام في مكة والجزيرة العربية خاضعة إلى الحكم الساساني، وحتى القبائل العربية التي سكنت قرى الطف ومدنه وإنتشرت بعد نزوحها من شبه الجزيرة العربية منذ القرن الثالث الميلادي، قد تنصّر أكثرها وذلك ما نلاحظه في الحيرة وعين التمر ونينوى وباروسما والغاضرية والعقر وسورا وبارسيبا وفي بلدة الحكماء، فكان هذا الفضاء من الأرض الذي يحيط بأرض كربلاء عبارة عن تجمع كبير للكثير من القبائل العربية التي إستقرت في المدن والقرى التي ذكرناها سابقاً، والذي كان قسا منها ضمن أرض الطف ( كربلاء) أو محيطة بها وقريبة جدا عنها.
عندما ظهر الإسلام كانت هذه الأرض بعيدة عن موطن الرسالة المحمدية التي ظهرت بداية في مكة ولم تنتشر إلّا في مناطق شبه الجزيرة العربية. وفي نفس الوقت كانت هناك صراعات بين القبائل العربية وبين الدولة الساسانية، فالساسانيون يتدينون بالمجوسية، وعندما حدثت معركة ذي قار التي كانت أول إنتصارات العرب على الفرس الساسانيين فقد شارك عرب الطف وما حوله مع أبناء عمومتهم في هذه المعركة.
بقيت الحيرة وسورا وبرس وعين التمر وقرى الطف وباروسما والأنبار خاضعة للساسانيين وفيها مسالحهم، إلى أن بدأت بوادر الفتوحات العربية الإسلامية للعراق
في زمن الخليفة أبو بكر الصديق إبتداءً من الإبلة صعودا إلى سواد العراق وخاصة في مناطق الفرات الأوسط والبادية الغربية وهي حدود الدولة الساسانية من الغرب.
وفي حياة الرسول عليه الصلاة والسلام لم تذكر كربلاء ولا الطف إلاّ مرة واحدة جاءت في روايات مختلفة وعديدة لكن مضمونها واحد، هو أن الرسول (صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم) أخبر من قبل الأمين جبرائيل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بأن سبطه الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يُقتل في أرض تسمى (كربلاء)، وقد أعطي شيئًا من ترابها، والرواية أو الروايات عن حديث الرسول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) جاءت عن أم المؤمنين أم سلمة (رَضِوَاللَّهُ عَنْهَا) زوج النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وعن غيرها.
ولأهمية الموضوع الروحية والتاريخية وجدنا من المناسب أن نذكر هذه الرواية على إختلاف ما ذكر حولها لأن سياق البحث يتطلب ذلك ونحن نبحث عن كربلاء تأريخيّاً.
فأغلب الكتب المعتبرة ذكرت تلك الرواية بمختلف صُوَر نَقْلِها، منها، تاريخ دمشق للحافظ الكبير ابن عساكر والمعجم الكبير للطبراني، والطبقات الكبرى لابن سعد، وكنز العمّال للمتقي، وذخائر العقبى للمحب الطبري، وتاريخ الإسلام للذهبي، والكامل في التاريخ لابن الأثير ، ومستدرك الصحيحين، ومقتل الخوارزمي وغيرها الكثير. كما خص السيد مرتضى العسكري في كتاب معالم المدرستين (1)مختلف تلك الروايات بالذكر. أما الروايات التي تذكُر كربلاء والطف وشط الفرات هي: روايات أم سلمة:
أ. عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال: أخبرتني أم سلمة رضي الله عنها: ان رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) إضطجع ذات ليلة للنوم فإستيقظ وهو خاثر (2)
ثم إضطجع فرقد ثم إستيقظ وهو خاثر دون ما رأيت به المرة الأولى ثم إضطجع فإستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبلها فقلت ما هذه التربة يا رسول الله؟ قال: أخبرني جبرئيل أن هذا يقتل بأرض العراق – يعني الحسين – فقلت له: يا جبرئيل : أرني تربة الأرض التي يقتل بها ، فهذه تربتها (1) .
ب. عن صالح بن إربد: روى الطبراني وابن أبي شيبة والخوارزمي وغيرهم واللفظ للأول، عن صالح بن إربد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:
قال رسول الله : إجلسي بالباب، ولا يلجن عليّ أحد، فقمت بالباب إذ جاء الحسين رضي الله عنه فذهبت أتناوله فسبقني الغلام فدخل على جده، فقلت: يا نبي الله جعلني الله فداك أمرتني أن لا يلج عليك أحد، وأن ابنك جاء فذهبت أتناوله فسبقني، فلما طال ذلك تطلعت من الباب فوجدتك تقلب بكفيك شيئًا ودموعك تسيل والصبي على بطنك؟ قال: نعم، أتاني جبريل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فأخبرني أن أمتي يقتلونه، وأتاني بالتربة التي يقتل عليها فهي التي أقلب بكفي (2). ت. عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أم سلمة قالت: كان رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) جالساً ذات يوم في بيتي فقال: لا يدخل علي أحد، فإنتظرت فدخل الحسين رضي الله عنه، فسمعت نشيج رسول الله (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) يبكي فإطلعت فإذا حسين في حجره والنبي (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) يمسح جبينه وهو يبكي فقلت: والله ما علمت حين دخل فقال أن جبريل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كان معنا في البيت فقال: تحبه؟ قلت: أما من الدنيا فنعم، قال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها:
كربلاء. فتناول جبريل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) من تربتها فأراها النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ). فلما أحيط بحسين حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء، قال: صدق الله ورسوله، أرض كرب وبلاء (1).
ث. عن شقيق بن سلمة في معجم الطبراني وتاريخ ابن عساكر ومجمع الزوائد وغيرها واللفظ للأول، عن أبي وايل شقيق بن سلمة عن أم سلمة قالت: كان الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بين يدي النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) في بیتي فنزل جبريل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فقال : يا محمد أن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدک فأومأ بيده إلى الحسين فبكى رسول الله (صَلَّ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) ووضعه على صدره، ثم قال رسول الله (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) : وديعة عندك هذه التربة، فشمها رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال: ويح كرب وبلاء. قالت: وقال رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ : يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دماً فإعلمي ان ابني قد قتل، قال : فجعلتها أم سلمة في قارورة . ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول: إن يوماً تحولين دماً ليوم عظيم (2).
ج. عن سعيد بن أبي هند: في تاريخ ابن عساكر وذخائر العقبى وتذكرة خواص الأمة وغيرها واللفظ للأول عن عبد عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه قال: قالت أم سلمة رضي الله عنها. كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) نائما في بيتي فجاء حسين رضي الله عنه يدرج فقعدت على الباب فأمسكته مخافة أن يدخل فيوقظه، غفلت في شيء فدب فدخل فقعد على بطنه قالت فسمعت نحيب رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) فجئت فقلت: يارسول الله والله ما علمت به، فقال إنما
جاءني جبريل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) - وهو على بطني قاعد - فقال لي: أتحبه؟ فقلت نعم، قال أن أمتك ستقتله، ألا أريك التربة التي يقتل بها؟ فقلت: بلى، قال:
فضرب بجناحه فاتى بهذه التربة، قالت: وإذا في يده تربة حمراء وهو يبكي ويقول: ياليت شعري من يقتلك بعدي ؟ (1).
ح عن شهر بن حوشب في فضائل ابن حنبل وتاريخ ابن عساكر وذخائر العقبى وغيرها واللفظ للأول عن شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت: كان جبريل عند النبي (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ والحسين معي فبكى فتركته فدنا من النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) فقال جبرئيل : أتحبه يا محمد؟ فقال: نعم، قال جبرئيل: إنَّ أمتك ستقتله !!! وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها، فأراه إياها فإذا الأرض يقال لها : كربلا (2).
خ. عن داود في تاريخ ابن عساكر وغيره واللفظ له، عن داود، قال: قالت أم سلمة: دخل الحسين على رسول الله ففزع فقالت أم سلمة: مالك يا رسول الله؟ قال: أن جبريل أخبرني أن ابني هذا يقتل وانه إشتد غضب الله على من يقتله (3). د. في معجم الطبراني وتاريخ ابن عساكر وغيرهما واللفظ للأول، عن أم سلمة قالت قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقتل الحسين بن علي (رَضَ اللَّهُ عَنْهُ) على رأس ستين من مهاجري (4).
ذ. في معجم الطبراني: عن أم سلمة قالت قال رسول الله يقتل الحسين حين يعلوه القتير. قال الطبراني: القتير : الشيب (5).
1) تاریخ ابن عساكر ح. 626 ، ذخائر العقبى، ص 147 ، تذكرة خواص الأمة 142 .
2) فضائل الحسن والحسين عن كتاب الفضائل لأحمد ابن حنبل ح. 44، ص23، طبقات ابن سعد ح 272 ، تاریخ ابن عساكر ح. 624 ، ذخائر العقبى، ص 147 .
3) كنز العمال ج 23: 112.
4) تاریخ ابن عساكر وتهذيبه ج 4 ، ص 325 ، مقتل الخوارزمي ج 1 ، ص 161 .
5) ترجمة الحسين في معجم الطبراني ح. 42 ، ص 121 .
روايات عائشة:
أ. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن في تاريخ ابن عساكر ومقتل الخوارزمي ومجمع الزوائد وغيرها عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: أن رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) أجلس حسينًا على فخذه فجاء جبريل إليه، فقال: هذا ابنك؟ قال: نعم، قال: أما أن أمتك ستقتله بعدك، فدمعت عينا رسول الله، فقال جبريل: إن شئت أريتك الأرض التي يقتل فيها؟ قال: نعم. فأراه جبريل ترابًا من تراب الطف. وفي لفظ آخر : فأشار له جبريل إلى الطف بالعراق فأخذ تربة حمراء، فأراه إياها فقال: هذه من تربة مصرعه(1).
ب. عن عروة بن الزبير في مجمع الطبراني وغيره واللفظ له، عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل الحسين بن على رضي الله عنه على رسول الله (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو يوحى إليه فنزا على رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو منكب ولعب على ظهره فقال جبريل لرسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) : أتحبه يا محمد؟ قال: يا جبريل ومالي لا أحب ابني؟ قال: فإن أمتك ستقتله بعدك، فمد جبريل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يده فأتاه بتربة بيضاء فقال: في هذه الأرض يقتل ابنك هذا يا محمد واسمها الطف، فلما ذهب جبريل عَلَيْهِ السَّلَامُ) من عند رسول الله (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) والتربة في يده يبكي فقال: يا عائشة أن جبريل (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أخبرني أن الحسين ابني مقتول في أرض الطف، وإن أمتي ستفتتن بعدي، ثم خرج إلى أصحابه، فيهم علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر، رضي الله عنهم وهو يبكي فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال : أخبرني جبريل: أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه (2).
ت. عن المقبري : في طبقات ابن سعد وتاريخ ابن عساكر واللفظ للثاني، عن عثمان بن مقسم عن المقبري عن عائشة قالت : بينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) را قد إذ جاء الحسين يحبو إليه (1)فنحيته عنه ثم قمت لبعض أمري فدنا منه، فإستيقظ (رسول الله وهو يبكي!! فقلت: ما يبكيك؟ قال: ان جبرئيل أراني التربة التي يقتل عليها الحسين، فإشتد غضب الله على من سفك دمه. قالت: وبسط (النبي) يده فإذا فيها قبضة من بطحاء فقال : يا عائشة والذي نفسي بيده إنه ليحزنني فمن هذا من أمتي (الذي يقتل حسينًا من بعدي؟ (2).
ث. عن عبد الله بن سعيد في طبقات ابن سعد ومعجم الطبراني وغيرهما واللفظ للأخير عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن عائشة: أن الحسين بن علي دخل على رسول الله (صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، يا عائشة أَلَا أعجبك لقد دخل علي ملك آنفا ما دخل عليّ قط فقال: إن ابني هذا مقتول، وقال: إن شئت أريتك تربة يقتل فيها، فتناول الملك بيده فأراني تربة حمراء (3).
وعن أم سلمة أو عائشة، كما في مسند أحمد وفضائله وطبقات ابن سعد وتاريخ الإسلام وسير النبلاء للذهبي ومجمع الزوائد واللفظ للأول، عن عبدالله بن سعيد عن أبيه عن عائشة أو أم سلمة - شك عبد الله أن النبي قال لأحدهما : لقد دخل على البيت ملك لم يدخل علي قبلها، فقال لي: أن ابنك هذا حسين ،مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء (4).
1) يقال: (حبا الصبي حبوا ) أي زحف على يديه وبطنه.
2) طبقات ابن سعد في ترجمة الحسين ح 270 ، وتاريخ ابن عساكر ح. 628 .
3) معجم الطبراني ح. 49 ، ص 124 ، كنز العمال ج 13، ص113 ، تاریخ ابن كثير ج8، ص199.
4) مسند أحمد ج 6 ، ص 294 ، تاریخ ابن عساكر ح. 625 ، تاريخ الإسلام للذهبي ج 3، ص11، الصواعق المحرقة، ص 115 ، مجمع الزوائد ج 9، ص187 ، كنز العمال ج13، ص111.
رواية معاذ بن جبل:
في معجم الطبراني ومقتل الخوارزمي وكنز العمال واللفظ للأول عن عبداالله بن عمرو بن العاص أن معاذ بن جبل أخبره قال: خرج علينا رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) متغير اللون فقال: أنا محمد أوتيت فواتح الكلام وخواتمه، فأطيعوني ما دمت بين أظهركم ، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله عزوجل أحلّوا حلاله، وحرموا حرامه، أتتكم المؤتية بالروح والراحة، كتاب الله من الله سبق، أتتكم فتن كقطع الليل المظلم، كلما ذهب رسل جاء ،رسل تناسخت النبوّة فصارت ملكا رحم الله من أخذها بحقها، وخرج منها كما دخلها. أمسك يا معاذ واحص، قال: فما بلغت خمسة. قال يزيد لا يبارك الله في يزيد، ثم ذرفت عيناه، ثم قال: نعي إلي حسين، وأوتيت بتربته، وأخبرت بقاتله، والذي نفسي بيده لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعوه إلّا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلط عليهم شرارهم وألبسهم شيعاً ، ثم قال : واها لفراخ آل محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم) من خليفة مستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف . الحديث (1).
رواية سعيد بن جمهان:
جاء في تاريخ دمشق لابن عساكر ما يلي: أخبرنا أبو غالب وأبو عبد الله ابنا الحسن قالا: أنبأنا أبو الحسين محمد بن أحمد الأبنوسي، انبأنا محمد بن عبيد بن بيري (الواسطي) إجازة. قالا : وأخبرنا أبو تمام الواسطي إجازة، أنبأنا أحمد بن عبيد قراءة، أنبأنا ابن أبي خيثمة خالد بن خداش، أنبأنا حماد بن زيد: عن سعيد بن جمهان: أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وسلّم بتراب من تربة القرية التي قتل فيها الحسين وقيل: اسمها كربلا. فقال صلّى الله عليه وسلّم. كرب وبلا(2).
روایات ابن عباس:
أبو الضحى في مقتل الخوارزمي، عن أبي ،الضحى، عن ابن عباس قال: ما كنا نشك أهل البيت وهم متوافرون أن الحسين بن علي يُقتل بالطف (1).
ب. سعيد بن جبير في تاريخ ابن عساكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أوحى الله تعالى: يا محمد إني قد قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا، وسبعين ألفا (2).
في ما ورد أعلاه نجد بشكل قاطع لالبس فيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد ذكر كربلاء وأرض الطف لأول مرة بالاشارة إلى مقتل سبطه الامام الحسين عليه السلام، ومن هذه الناحية جاءت أهمية كربلاء وأرض الطف وتربتها، بل هو التأكيد من النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) على قدسيتها، وهو عليه الصلاة والسلام (ما ينطق عن
الهوى).
ولم نجد بعد هذه الحادثة وحديث النبي عن مقتل الحسين وأرض كربلاء بالاسم ما ذكر عن النبي أو عن أحد من أصحابه لحين وفاته صلوات الله عليه حتى بداية الخلافة الراشدة وبدأ فتوحات العراق سنة 12 للهجرة.
أبي بكر وعمر وعثمان
شهدت أرض كربلاء وما حولها من مدن وقرى، الكثير من الوقائع والأحداث في أوائل حركات تحرير العراق من الفرس الساسانيين، وكان ابتداء هذه الحركات والفتوحات في زمن الخليفة أبي بكر الصديق، وتحديداً بعد الانتهاء من حروب الردّة التي إنشغلت بها الدولة الإسلامية بعد وفاة النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) .
وقاد الحركات الأولى في العراق المثنى بن حارثة الشيباني وسُوَيْد بن قُطْبَة العجلي وأبو عبيد الثقفي والد المختار . فقد جاء في الأخبار الطوال للدينوري ما نصه: «قالوا: فلما أفضى الملك إلى بوران بنت كسرى بن هرمز شاع في أطراف الأرضين أنه لا ملك لأرض فارس، وإنما يلوذون بباب إمرأة، فخرج رجلان من بكر بن وائل، يقال لأحدهما المثنى بن حارثة الشَّيْباني، والآخر سُوَيْد بن قُطبة العجلي، فأقبلا حتى نزلا فيمن جمعا بتخوم أرض العجم، فكانا يُغيران على الدهاقين فيأخذان ما قدرا عليه، فإذا طلبا أمْعَنَا في البر فلا يتبعها أحد، وكان المثنى يغير من ناحية الحيرة، وسويد من ناحية الأبلة وذلك في خلافة أبي بكر ، فكتب المثنى بن حارثة إلى أبي بكر رضي الله عنه يُعْلِمَهُ ضَرَاوتَه بفارس، ويعرفه ،وَهَنَهم، ويسأله أن يمده بجيش »(1).
1) الأخبار الطوال للدينوري، تحقيق د. عصام محمد الشيخ علي، ص 163 .
وصل كتاب المثنى إلى الخليفة أبي بكر فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد الذي كان قد فرغ من حروب الردة، أن يسير إلى الحيرة فيحارب فارس، ويضم إليه المثنى ومن معه، فسار خالد والمثنى بأصحابهما، حتى أناخا على الحيرة، وتحصن أهلها في القصور الثلاثة وهي القصر الأبيض وقصر ابن بقيلة وقصر العدسيين (1).
ما يهمنا هنا في البحث الحركات والفتوحات التي وقعت بالقرب من أرض طف كربلاء وفيها حصريًا إتماماً للبحث، فجميع الحركات التي كانت بالقرب من كربلاء لها تأثيرها المباشر بإعتبار طف كربلاء والقرى والحواضر المحيطة به وفيه هي الحدود الغربية للدولة الساسانية، وفيها مسالحها على ريف السواد، وينتشر العرب في تلك المناطق. مما يدل على أهمية طف كربلاء زمن فتوحات المسلمين للعراق.
إمتدت مناطق الحركات من الحيرة إلى الأنبار وشملت مناطق الفرات الأوسط يسار ويمين نهر الفرات منها النخيلة وبانقيا القريبة من الكفل الحالية وكوثى وبرس (برسيبا) وسورا وكسكر وساباط قرب المدائن) وأُليس (وهي من قرى الأنبار) (2)ومن ثَمَّ الأنبار وباروسا (شمال شرق كربلاء) ونينوى ومسالح كربلاء وعين التمر ودومة (قصر الإخيضر ) وغيرها وكانت أرض كربلاء في وسط تلك الأحداث والفتوحات.
ومجمل ما جاء في فتوح البلدان للبلاذري حول الفتوحات التي تمت في أرض كربلاء وبقربها وماحولها نذكر مقتطفات منه تخص البحث وكما يلي: قالوا: وبعث
1) جاء في فتوح البلدان للبلاذري، ص228 تحقيق نجيب الماجدي ما يلي: (( وروي عن يزيد بن نبيشة العامري أنه قال: قدمنا العراق مع خالد بن الوليد فإنتهينا إلى مسلحة العذيب (ماء بين القادسية والمغيثة)، ثم أتينا الحيرة وقد تحصن أهلها في القصر الأبيض وقصر ابن بقيلة وقصر العدسيين فأجلنا الخيل في عرصاتهم، ثم صالحونا، قال ابن الكلبي : العدسيون من كلب نسبوا إلى أمهم وهي كلبية أيضًا )).
2) جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي، ج 1، ص 248 ما يلي : ( أليس: الموضع الذي كانت فيه الوقعة بين المسلمين والفرس في أول أرض العراق من ناحية البادية، وفي كتاب الفتوح: أليس قرية من قرى الأنبار ذكرها في غزوة أوليس الآخرة )).
خالد بن الوليد بشير بن سعد أبا النعمان بن بشير الأنصاري إلى بانقيا فلقيته خيل الأعاجم عليها فرخبنداذ فرشقوا من معه بالسهام، وحمل عليهم فهزمهم، وقتل فرخبنداذ، ثم انصرف و به جراحة انتقضت به وهو بعين التمر فمات منها.
قالوا وأتى خالد الفلاليج (1)منصرفه من بانقيا وبها جمع للعجم، فتفرقوا ولم يلق كيدا فرجع إلى الحيرة فبلغه أن جابان في جمع عظيم بتستر فوجّه إليه المثنى بن حارثة الشيباني، وحنظلة بن الربيع بن رباح الأسيدي من بني تميم، وهو الذي يقال له حنظلة الكاتب، فلما إنتهيا إليه هرب وسار خالد إلى الأنبار فتحصن أهلها، ثم أتاه من دله على سوق بغداد وهو السوق العتيق الذي كان عند قرن الصراة (2).
فبعث خالد المثنى بن حارثة فأغار عليه فملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء وما خف محمله من المتاع، ثم باتوا بالسليحين وأتوا الأنبار وخالد بها فحصروا أهلها وحرقوا في نواحيها ... فلما رأى أهل الأنبار ما نزل بهم صالحوا خالدًا على شيء رضي به فأقرهم.
ثم أتى خالد عين التمر فألصق بحصنها وكانت فيه مسلحة للأعاجم عظيمة، فخرج أهل الحصن فقاتلوا، ثم لزموا حصنهم فحاصرهم خالد والمسلمون حتى سألوا الأمان، فأبى أن يؤمنهم ، وإفتتح الحصن عنوة وقتل وسبى، ووجد في كنيسة هناك جماعة سباهم، فكان من ذلك السبي: حمران بن إبان بن خالد النمري، وقوم يقولون كان اسم أبيه إبان، وحمران مولى عثمان، وكان للمسيب بن نجبة الفزاري فإشتراه منه فأعتقه... وقد قيل إن خالدًا صالح أهل حصن عين التمر ...
1) الفلاليج هي طسوج تقسيمات إدارية وضعها الساسانيون) منها طسوج الفالوجا العليا، وطسوج الفالوجة السفلى والتي كانت النهرين) شمال كربلاء من ضمن الفالوجا السفلى والنهرين كانت تسمى بها كربلاء وهي المنطقة المحصورة بين خندق سابور نهر) كري سعدة فيما بعد) وبين نهر الفرات (بالاكوباس، شط الهندية الحالي) وقيل بل بين خندق سابور ونهر سورا ، وقد تم الحديث عن ذلك في فصل أنهار كربلاء.
2) الصراة نهر يتفرع من الفرات ويتجه نحو نهر دجلة ويصب فيه بالقرب من بغداد.
قالوا: وكان هلال عقة بن قيس بن البشر النمري على النَّمِر بن قاسط بعين التمر ، فجمع لخالد وقاتله فظفر به فقتله وصلبه.
وقال قوم: إن خالدًا أتى دومة (1)من عين التمر ، ففتحها ثم أقبل إلى الحيرة فمضىمنها إلى الشام، وأصح ذلك مُضِيّه من عين التمر.
هذه مقتطفات مما أورده البلاذري في فتوح البلدان عن الحركات التي قام بها خالد بن الوليد وقادته في بداية فتوحاته للعراق من جهة الحيرة وما بعدها (2).
في سنة 14ه- ومن ضمن وقائع فتوحات العراق حدثت واقعة (يوم النخيلة)(3)، حيث إن (مهران بن مهربنداذ (الهمذاني كان يقود جيشاً للفرس قوامه إثني عشر ألفا وعبر جسراً على نهر البويب (وهو فرع من الفرات فكان مغيضاً للفرات زمن الأكاسرة يصب في الجوف وصار مما يلي دير الأعور (ما يقرب من ناحية الحيدرية الحالية بين كربلاء والنجف).
يذكر البلاذري أيضا في فتوح البلدان ما نصه:
«عسكر المسلمين بالنخيلة، وكان الناس فيما تزعم بجيلة جرير بن عبد الله، وفيما تقول ربيعة المثنى بن حارثة، وقد قيل : إنهم كانوا متسايدين على كل قوم رئيسهم، فإلتقى المسلمون وعدوهم فأبلى شرحبيل بن السمط الكندي يومئذ بلاءً حسنًا، وقُتِل مسعود بن حارثة أخو المثنى بن حارثة، فقال المثنى :
1) دومة : هي قصر الإخيضر الحالي وما جاوره .
2) فتوح البلدان للبلاذري، تحقيق نجيب الماجدي، ص 227 - 233 .
3) النخيلة غير خان النخيلة. والنخيلة هو ذات موضع خان الربع بظاهر النجف حاليًا بإتجاه كربلاء، وتقع شمال غرب الكوفة، وتبعد عن مدينة النجف الحالية ما يقارب 19 كم أمّا خان النخيلة وهو ذات خان الربع جنوب كربلاء الحالية، وإشتهر كونه أول المنازل على طريق كربلاء، النجف والكوفة، وموقع خان النخيلة الحالي هو بإزاء قرية (العقر) وهي إحدى قرى طف كربلاء، وكذلك ليس بعيدا عن مدينة (سورا) القديمة التي تم الحديث عنها سابقا، وبين خان النخيلة والنخيلة موقع وسط هو (خان الحماد الحالي، خان النص) وفيه دير الأعور .
يا معشر المسلمين لا يرعكم مصرع أخي فإن مصارع خياركم هكذا، فحملوا حملة رجل واحد محققين صابرين حتى قتل الله مهران، وهزم الكفرة، فأتبعهم المسلمون يقتلونهم فقل من نجا منهم ... ثم لم يزل المسلمون يشنون الغارات ويتابعونها فيما بين الحيرة وكسكر وفيما بين كسكر وسورا وبربيسما وصراة جاماسب وما بين الفلوجتين والنهرين وعين التمر، وأتوا حصن مليقيا وكان منظرة ففتحوه، وأجلوا العجم عن مناظر كانت بالطف»(1).
أما الدينوري المتوفى سنة 282ه- فقد ذكر في كتابه القيم الأخبار الطوال فتوحات العراق الأولى ونذكر مقتطفات ما يخص موضوعنا عن كربلاء وما حولها وكما يلي: «... ثم ورد كتاب أبي بكر على خالد مع عبد الرحمن بن جميل الجمحي، يأمره بالشخوص إلى الشام ليُمِدّ أبا عبيدة بن الجراح (2)بمن معه من المسلمين، فمضى، وخلّف بالحيرة عمرو بن حزم الأنصاري مع المثنى، وسار على الأنبار، وانحط على عين التمر، وبها مسلحة لأهل فارس فرمى رجل منهم عمرو بن زياد بن حذيفة بن هشام بن المغيرة بنشابه، فقتله، ودفن هناك.
وحاصر خالد أهل عين التمر حتى إستنزلهم بغير أمان، فضرب أعناقهم، وسبى ذراريهم، ومن ذلك السبي أبو محمد بن سيرين وحمران بن إبان مولى عثمان بن عفان، وقَتَلَ فيها خالد خفيرًا كان بها من العرب يسمى هلال بن عقبة، وصلبه، وكان من النمر بن قاسط، ومرَّ بحي من بني تغلب والنمر، فأغار عليهم، فقتل وغنم حتى إنتهى إلى الشام ولم يزل عمرو بن حزم والمثنى بن حارثة يتطرفان أرض السواد ويُغيران فيها حتى توفي أبو بكر »(3).
ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان ما نصّه:«قال أبو عبيدة بن معمر بن المثنى: لمّا فرغ سعد بن أبي وقاص من وقعة رُستم بالقادسية وضمن أرباب القرى ما عليهم بعث من أحصاهم ولم يسمهم حتى يرى عمر فيهم رأيه، وكان الدهاقين ناصحوا المسلمين ودلوهم على عورات فارس وأهدوا لهم وأقاموا لهم الأسواق ثم توجه سعد نحو المدائن إلى يزدجرد وقدم خالد بن عرفطة حليف بني زهرة بن كلاب فلم يقدر عليه سعد حتى فتح خالد ساباط المدائن ثم توجه إلى المدائن فلم يجد معابر فدلوه على مخاضة عند قرية الصيادين أسفل المدائن فأخاضوها الخيل حتى عبروا وهرب يزدجرد إلى إصطخر .
فأخذ خالد كربلاء عنوة وسبى أهلها فقسمها سعد بين أصحابه ونزل كل قوم في الناحية التي خرج بها اسمه فأحْيوها فكتب بذلك سعد إلى عمر فكتب إليه عمر أن حولهم، فحولهم إلى سوق حَكَمَة، ويقال إلى كويفة ابن عمر دون الكوفة، فنقضوا فكتب سعد إلى عمر بذلك ... »(1).
جاء في تاريخ الطبري ما نصه وخرج خالد في عمل عياض (عياض بن غنم) ليقضي ما بينه وبينه ولإغاثته، فسلك الفلوجة حتى نزل بكربلاء أيامًا وعلى مسلحتها عاصم بن عمرو، وعلى مقدمة خالد الأقرع بن حابس، لأن المثنى كان على ثغر من الثغور التي تلي المدائن، فكانوا يغاورون أهل فارس، وينتهون إلى شاطئ دجلة قبل خروج خالد من الحيرة وبعد خروجه في إغاثة عياض... إلى أن قال: وأقام خالد على کربلاء أياماً، وشكا إليه عبد الله بن وثيمة الذَّباب، فقال له خالد: إصبر فإني إنما أريد أن أستفرغ المسالح التي أمر بها عياض فنسكنها العرب، فتأمن جنود المسلمين أن يؤتَوْا من خَلفهم، وتجيئنا العرب آمنة وغير مُتَعْتَعَةٍ، وبذلك أمرنا الخليفة، ورأيه يعدل نَجْدَة الأمة. وقال رجل من أشجع فيما حكى ابن وثيمة:
1) معجم البلدان ياقوت الحموي، ج 1، ص 491 .
لقد حُبِسَتْ في كربلاء مطيتي ***وفي العَيْنِ حتى عاد غَيًّا سمينها إذا زَحَلتْ من مَبْرَكِ رَجَعَتْ له لَعَمْرُ أبيها إنني لأهينهاويمَنعها من ماءِ كلّ شريعةٍ رِفاق من الذّبان زُرقُ عيونها (1)
وجاء في تاريخ الطبري أيضاً ما نصّه :«حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، أن أبا بكر كتب إلى خالد بن الوليد يأمره أن يسير إلى العراق، فمضى خالدٌ يريد العراق، حتى نزل بقريات من السواد، يقال لها بانيقيا وباروسا وأليس (2)، فصالحه أهلها، وكان الذي صالحه عليها ابن صلويا، وذلك في سنة إثنتي عشرة، فقبل منهم خالد الجزية وكتب لهم كتابا فيه: الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد لابن صلويا السوادي - ومنزله بشاطئ الفرات – إنك آمن بأمان الله - إذ حقن دمه بإعطاء الجزية - وقد أعطيت عن نفسك وعن أهل خَرْجك وجزيرتك ومنْ في قريتك - بانيقيا وباروسما - ألف درهم، فقبلتها منك، ورضي من معي من المسلمين بها منك، ولك ذمة الله وذمة محمد ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) ، وذمة المسلمين على ذلك وشهد هشام بن الوليد»(3).
وجاء أيضاً : «وبعث خالد بن الوليد عمّاله ومسالحه، فبعث في العمالة عبد الله بن وثيمة النَّضري، فنزل في أعلى العمل بالفلاليج على المنعة وقبض الجزية، وجرير بن عبد الله على بانقيا وبَسْما، وبشير بن الخصاصية على النهرين فنزل الكويفة ببانبورا، وسُوَيْد بن مقرن المزني إلى نِستَر ، فنزل العَقْر(4)فهي تسمى عقر سويد إلى اليوم...»(5).
1) تاريخ الطبري، ج 2، ص 299 وص ،300، بيروت، دار الأميرة، ط1، 2010م.
2) بانيقيا: تقع قرب مدينة الكفل الحالية وباروسما : تم شرحها سابقًا وأطلالها في العطيشي مركز ناحية الحسينية التابعة حاليا لمحافظة كربلاء وأليس إحدى قرى الأنبار.
3) تاريخ الطبري، ج 2، ص 285 ، وقد تم تدوين النص ذاته عندما تم شرح باروسما) كإحدى المدن القديمة شمال كربلاء الحالية، يمكن الرجوع إليه.
4) العقر : إحدى قرى طف كربلاء، وتقع في جنوب شرق كربلاء الحالية.
5) تاريخ الطبري، ج 2، ص 297 .
وقد ذكر الطبري في تاريخه فتح خالد بن الوليد لعين التمر بشكل مفصل سنة 12ه-، كما ذكر فتحه حصن دومة القريب من عين التمر وهو قصر الإخيضر.
وعلى ما ذكره الطبري من إغاثة خالد بن الوليد لعياض بن غنم الذي كان
محاصراً لدومة الجندل (1)
والموضع الثاني ذكره ياقوت أيضا في ج 2 ص 486 :« بالكوفة والنجف محلة منها، ويقال اسمها دومة لأن عمر لما أجلى أكيدر صاحب دومة الجندل قدم الحيرة فبنى بها حصنًا وسماه دومة أيضًا » ... وعلى ذلك فإن دومة هذه التي يذكرها الكثير من الباحثين أنها ذاتها قصر الإخيضر الحالي والتي كانت قديما تتبع الحيرة وقريبة من عين التمر . كما تؤكد أحداث فتح خالد بن الوليد عين التمر والاستيلاء على حصن ،دومة، كما ذكر أعلاه من الأحداث التي ذكرها المؤرخون في هذا الموضوع ومنهم ابن كثير في البداية والنهاية.
، فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ما نصّه:«ولما قدم الوليد بن عقبة على الصدّيق بالخمس رده الصديق إلى عياض بن غنم مدداً له وهو محاصر دومة الجندل فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قوماً، وهم قد أخذوا عليه الطرق وهو محصور أيضاً، فقال عياض للوليد: إن بعض الرأي خير من جيش كثيف، ماذا ترى فيما نحن فيه؟ فقال الوليد: أكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده، فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به فكتب إليه من خالد إلى عياض: إيّاك أريد.
لبث قليلاً تأتِكَ الحَلائِبُ ***يَحْمِلْنَ آسادًا عليها القاشِبُ ***كتائب تتبعها كتائب»(2)
وعن وقعة عين التمر فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ما نصّه:«لما إستقل خالد بالأنبار إستناب إليها البزرقان بن بدر وقصد عين التمر وبها يومئذ مهران بن بهرام جُوبين في جمع عظيم من العرب، وحولهم من الأعراب طوائف من النمر
1) دومة الجندل موضعان ، وذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان ،ج 2، ص487 ما نصّه: «وقال أبو عبيد السكوني دومة الجندل حصن وقرئ بين الشام والمدينة قرب جبلي طيّء كانت به بنو كنانة من كلب، قال: ودومة من القريات من وادي القرى إلى تيماء أربع ليال».
2) البداية والنهاية ابن كثير ، ج 6 ، ص 593 ، دار صبح ط 1 2006م.
وتغلب وإياد ومن لاقاهم وعليهم عقَّة بن أبي عقَّة، فلما دنا خالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدًا، فقال له : دونكم وإياهم، وإن إحتججتم إلينا أعناكم، فلامت العجم أميرهم على هذا، فقال: دعوهم فإن غلبوا خالدًا فهو لكم، وإن غُلبوا قاتلنا خالدًا وقد ضعفوا ونحن أقوياء، فإعترفوا له بفضل الرأي، عليهم، وسار خالد وتلقاه عقة فلما تواجهوا قال خالد لمجنبتيه : إحفظوا مكانكم فإني حامل، وأمر حماته أن يكونوا ورائه، وحمل على عقة وهو يسوي الصفوف فإحتضنه وأسره وإنهزم جيش عقة من غير قتال فأكثروا فيهم الأسر، وقصد خالد حصن عين التمر، فلما بلغ مهران هزيمة عقة وجيشه، نزل من الحصن وهرب وتركه، ورجعت فلال النصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحاً فدخلوه وإحتموا به، فجاء خالد وأحاط بهم وحاصرهم أشد الحصار، فلما رأوا ذلك سألوه الصلح فأبى إلا أن ينزلوا على حكم خالد، فنزلوا على حكمه فجعلوا في السلاسل وتسلم الحصن ثم أمر فضربت عنق عقة ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أيضاً أجمعين. وغنم جميع ما في ذلك الحصن، ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلامًا يتعلمون الإنجيل وعليهم باب مغلق، فكسره خالد وفرقهم في الأمراء وأهل الغناء، وكان حمران صار إلى عثمان بن عفان من الخمس ومنهم سيرين والد محمد بن سيرين أخذه أنس بن مالك، وجماعة آخرون من الموالي المشاهير أراد بهم وبذراريهم خيرًا»(1).
جاء في الكامل في التاريخ في موضوع ابتداء أمر القادسية حركات المسلمين قبل القادسية الفاصلة الكثير من الوقائع قرب أرض طف كربلاء ومنها ما نصّه:
«وأرسل سعد (سعد بن أبي وقاص) السرايا ورستم بالنجف والجالينوس بين النجف والسَّيْلحين (2)، فطافت في السواد، فبعث سوادًا وحميضة في مائة مائة، فأغاروا
على النهرين (1)، وبلغ رستم الخبر فأرسل إليهم خيلاً، وسمع سعدٌ أن خيله قد وغلت فأرسل عاصم بن عمرو وجابر الأسديّ في آثارهم فلقيهم عاصم وخيل فارس تحوشهم ليخلّصوا ما بأيديهم، فلما رأته الفرس هربوا ورجع المسلمون بالغنائم. وأرسل سعدٌ عمرو بن معدي كرب وطليحة الأسديّ طليعة، فسارا في عشرة، فلم يسيروا إلّا فرسخاً وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسَرْحَهم على الطفوف قد ملأوها... »(2).
وجاء في الكامل في التاريخ لابن الأثير وفي حوادث سنة ثلاث عشرة للهجرة عندما تم تنصيب يزدجرد من ولد شهریار بن کسری ما نصّه:
«... فجاؤوا به فملّكوه وهو ابن إحدى وعشرين سنة وإجتمعوا عليه، فإطمأنت فارس وإستوثقوا وتبارى المرازبة في طاعته ومعونته فسمّى الجنود لكلّ مسلحة ، وثغر، فسمّى جند الحيرة والأبلة والأنبار وغير ذلك.
وبلغ ذلك من أمرهم المثنّى والمسلمين، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب بما ينتظرون من أهل السواد، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد من كان له عهد ومَنْ لم يكن له عهد، فخرج المثنى حتى نزل بذي قار ونزل الناس بالطفّ في عسكر واحد . . .»(3).
وجاء في الكامل لابن الأثير أيضاً في حوادث سنة أربع عشرة ما نصّه:
«فإستغاث أهل السواد إلى يزدجرد وأعلموه أن العرب قد نزلوا القادسية ولا يبقى على فعلهم شيء وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات ونهبوا الدوابّ والأطعمة،
وإن أبطأ الغياث أعطيناهم بأيدينا، وكتب إليه بذلك الذين لهم الضياع بالطفّ وهيّجوه على إرسال الجنود» (1).
لقد كانت أرض طف كربلاء من ضمن ريف السواد، وهو الحد الغربي لمُلك الساسانيين الفرس، وعلى إمتداد أرض الطف كانت مسالحهم، وجميع المدن والقرى المنتشرة حوالي أرض كربلاء كانت تحت سيطرتهم وعليها قادة منهم ويأتمر العرب بأمرتهم، وكان العرب قد سكنوا هذه المناطق منذ إرتحال القبائل العربية إليها في القرن الثالث الميلادي، وقد تنصّر أكثر العرب في هذه المناطق، كما كان ملوك الحيرة نصاری، وان الديارات والكنائس كانت منتشرة في المنطقة بين أرض كربلاء والحيرة، وكربلاء وعين التمر.
فلما إبتدأت عمليات فتوح العراق في السنة الثانية عشرة أيام الخليفة أبي بكر الصديق فقد إبتدات العمليات في إتجاهين الأول نحو الإبلة (البصرة فيما بعد)، والثاني نحو الحيرة. والحيرة قريبة جداً من كربلاء، وهي على ابتداء الطف الذي يتجه نحو الشمال حتى الأنبار. فمن الطبيعي أن تشمل الحركات في المناطق المحيطة بأرض كربلاء، بعد الحيرة كانت الحركات في بانيقيا وسورا وبرس وكوثى وباروسا والأنبار وعين التمر والنهرين وداخل الطفوف، فمن ذلك فإن كربلاء كانت مسرحاً للعمليات، وجميع المناطق التي ذكرناها قد تم فتحها وطرد الفرس ومسالحهم منها، وكل ذلك كان قبل معركة القادسية التي فتح العرب المسلمون كامل العراق وتم القضاء على الدولة الساسانية.
ذكر البلاذري في وصف نهر نسبه إلى سعد بن عمرو بن حرام، وهذا النهر کان يمر بطف كربلاء، وغالب الظن أنه نهر كري سعدة الذي أصابه الضمور قال:«وحدثني أبو مسعود وغيره أن دهاقين الأنبار سألوا سعد بن أبي وقاص أن يحفر لهم
1) نفس المصدر ، ج 2 ، ص 455 .
نهرًا كانوا سألوا عظيم الفرس حفره لهم، فكتب إلى سعد بن عمرو بن حرام يأمره بحفره )).
قد يكون هذا الحدث تم عند رجوع سعد بن أبي وقاص من المدائن، أو عندما مصّر الكوفة وأصبح أميرها وكانت طسوج النهرين تابعة للكوفة وقتها ومنها أرض كربلاء.
ما مرّ ذكره كان في زمن خلافة أبي بكر وخلافة عمر بن الخطاب حول كربلاء وما حولها. ولم نجد في المصادر التاريخية أن كربلاء ذُكرت في خلافة عثمان بن عفان.
الإمام علي (عليه السلام)
في خلافة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فقد ذكرت كربلاء في عدة مواضع منها:
إن الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عندما إنتهى من حرب الجمل وإتخاذه الكوفة مقراً له حتى ينتهي من أمر الشام والخوارج بعدها. فقد كان يعسكر في (النخيلة) ويخرج منها إلى صفين مارا بأرض كربلاء حتى يصعد الفرات من الأنبار، وهو ذات الطريق عند عودته حتى يمرَّ بها راجعاً إلى الكوفة.
جاء في كتاب الروض المعطار لمحمد بن عبد المنعم الحميري ما نصّه:
«وذكر ابن عساكر أن الحسين بن علي رضي الله عنهما قتل بنينوى، وحكي عن بعضهم أنه كان مع علي رضي الله عنه وهو ذاهب إلى صفّين، فسمعه لما حاذى نينوى يقول : صبراً أبا محمد صبرًا أبا محمد، فقلت من أبو محمد يا أمير المؤمنين؟ فقال: الحسين، يُقتَل ها هنا »(1).
ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة ريحانة رسول الله عدة روايات عن مرور الإمام علي بن أبي طالب بأرض كربلاء وهو متوجه إلى صفين، فقد أشار سلام
1) الروض المعطار في خبر الأقطار محمد بن عبد المنعم الحميري، ص 586 ، تحقيق الدكتور إحسان عباس ط 2 1980 عن مؤسسة ناصر للثقافة.
الله عليه وهو بمحاذاة نينوى بأن الحسين يقتل في شط الفرات وهي إحدى تسميات كربلاء والقريبة جدًا من نينوى، وهذه إحدى تلك الروايات:
«عن عبد الله بن نجيّ عن أبيه أنه سار مع علي – وكان صاحب مطهرته – فلمّا حاذى نينوى - وهو منطلق إلى صفيّن - فنادى عليّ : إصبر أبا عبد الله إصبر أبا عبد الله بشط الفرات. قلت : وماذا؟ قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله أغَضِبَك أحد ؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبرئيل قبل فحدثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات. قال: فقال: هل لك إلى أن أشمّك من تربته؟ قال: قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا»(1).
وهنا دلالة واضحة على أن الإمام علي مرّ بأرض كربلاء، وأن نينوى من قراها، وإذا كان الإمام علي قد أشار إلى الأرض التي يُقتل فيها ولده الحسين فقد كان على مرمى البصر من نينوى القريبة من موقع استشهاد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ). جاء في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي بسنده إلى أبي سعيد التيمي قال: «أقبلنا مع علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) من صفين فنزلنا كربلاء، فلما إنتصف النهار عطش القوم...» (2).
وفي رواية أخرى أن الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وهو عائد من صفّين نزل بكربلاء ورآه أحد أصحابه ينحني على أرضها وهو يقول: «هاهنا محط رحالهم ومهراق دمائهم» فسأله : ومن هم يا أمير المؤمنين، قال: «ثقل لآل محمد ». وأصل هذه الرواية وردت في كتاب صفيّن عن نصر بن مزاحم قال: حدثنا سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن كثير ، عن أبيه: أنَّ عليَّا أتى كربلاء فوقف بها، فقيل يا أمير المؤمنين هذه كربلاء. قال
ذات كرب وبلاء. ثم أومأ بيده إلى مكان فقال: هاهنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم، وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال: هاهنا مهراق دمائهم.
ومن الروايات التي ذكرت فيها كربلاء في زمن خلافة الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ما جاء عن ابن عساكر في تاريخه وعن ابن سعد في الحديث (85) من الجزء الثامن من الطبقات الكبرى ، عن عبيد ( أو أبو عبد الله) الضبي قال:
دخلنا على أبي هرثم الضبي حين أقبل من صفين وهو مع عليّ – وهو جالس في دكان له - وله إمراة يقال لها جرداء وهي أشد حبّاً لعلي وأشد لقوله تصديقاً – فجاءت شاة فبعرت فقال: لقد ذكرني بعر هذه الشاة حديثًا لعلي !! قالوا: وما علم عليّ بهذا؟ قال: أقبلنا من صفّين فنزلنا كربلا فصلّى بنا عليّ صلاة الفجر بين شجيرات ودوحات حرمل(1)ثم أخذ كفاً من بعر الغزلان فشمّه ثم قال: أوه أوه يُقتل بهذا الغائط قوم يدخلون الجنة بغير حساب . قال أبو عبيد قالت جرداء: وما تنكر من هذا؟ هو أعلم بما قال منك. نادت بذلك وهي في جوف البيت.
وفي رواية أخرى تحمل نفس المضمون عن الأعمش عن أبي إسحاق عن كدير الضبيّ قال بينا أنا مع علي بكربلاء بين أشجار الحرمل إذ أخذ بعرة فشمّها ثم قال: ليبعثّن الله من هذا الموضع قوماً يدخلون الجنة بغير حساب.
وجاء في موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء في بحث للدكتور مصطفى جواد ما نصّه:
«... أن الإمام عليّاً - (عَلَيْهِ السَّلَامُ). مرّ بكربلاء ولّجج في الصحراء قبل سنة أربعين الهجرية، ولم يذكر أحد من المؤرخين إنشاء مدينة باسم كربلاء في تلك السنين الأربعين، وهذا مرادنا بقولنا أنها غير إسلامية... »(2).
جاء في مخطوط للمرحوم السيد حسين البراقي وهو (الدرة البهية والجوهرة المضية) وفي موضوع نزول الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ كربلاء في طريقه إلى صفين، ما نصّه:«ذكر ابن الجوزي في تذكرة الخواص قال : ذكر ابن سعد عن الشعبي قال: لما مرّ علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بكربلا في مسيره إلى صفين وحاذى نينوى وهي قرية على الفرات وقف ونادى صاحب مطهرته، أخيرًا يا عبد الله ما يقال لهذه الأرض، فقال: كربلاء، فبكى حتى بل الأرض من دموعه، ثم قال (عَلَيْهِ السَّلَامُ) دخلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يبكي، فقلت له ما يبكيك. قال كان عندي جبرئيل آنفا و ما وأخبرني أن ولدي الحسين يُقتل بشط الفرات بموضع يقال له كربلاء. وقد روى الحسن بن كثير وعبد خير قالا:
لما وصل علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلى كربلا وقف وبكى وقال: بأبي أغْلَيْمة يقتلون هاهنا، هذا مناخ ركابهم هذا موضع رحالهم، هذا مصرع الرجل، ثم إزداد بكاؤه. الحديث... وفي التهذيب وقرب الإسناد والبحار عن جعفر بن محمد عن أبيه (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قال: مرّ علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بكربلاء في إثنين من أصحابه، فلما مرّ بها ترقرقت عيناه بالبكاء ثم قال هذا مناخ ركابهم وهذا ملقى رحالهم وهاهنا مهراق دمائهم طوبي لكِ من تربة عليك تهراق دماء الأحبة. إنتهى »(1).
وهناك روايات عديدة يذكرها المؤرخون عن قول الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في هذا الخصوص تختلف في التعبير وتتفق في المضمون. تدل جميعها بأن كربلاء كانت معروفة باسمها قبل أن يُقتل الإمام الحسين فيها سنة 61 ه-.
وعلى ذكر كربلاء فقد أورد ابن عساكر قول رأس الجالوت (2)بأنهم كانوا يعلمون بأن ابن نبي يُقتل بأرض اسمها (كربلاء).
1) الدرة البهية والجوهرة المضية مخطوط للمرحوم السيد حسين البراقي من ، ص38 إلى، ص44. من نسخة مكتبة المرحوم العلامة الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمه الله.
2) رأس الجالوت: ترجمة للعبارة الآرامية (ريشي جالوتا) وهي بالعبرية (روش جولاه) وتعني حرفيا ( رئيس المنفى). أي أنه رئيس الجماعة اليهودية في بلاد الرافدين فرأس الجالوت هو مقدم علماء اليهود، والجالوت هم الجالية الذين جلو من فلسطين زمن نبوخذ نصّر . ورأس الجالوت منصب يتولاه أحد اليهود على أن يكون من نسل النبي داود، وكان هذا المنصب موجودا قبل الإسلام وبعده.
قال : وأنبأنا سليمان بن أحمد ، انبأنا محمد بن محمد التمار البصري، أنبأنا محمد بن كثير العبدي، أنبأنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن العلاء بن أبي عائشة عن أبيه عن رأس الجالوت قال: كنا نسمع أنه يُقتل بكربلا ابن نبي، فكنت إذا دخلتها ركضت فرسي حتى أجوز عنها، فلمّا قتل حسين جعلت أسير بعد ذلك على هيئتي (1).
أما الطبري في تاريخه فيذكر خبر رأس الجالوت كما يلي: عن العلاء بن أبي عائشة قال: حدّثني رأس الجالوت عن أبيه قال: ما مررت بكربلا إلّا وأنا أركض دابتي حتى أخلف المكان، قال: قلت: لم؟ قال: كنا نتحدث أن ولد نبي مقتول في ذلك المكان، وكنت أخاف أن أكون أنا، فلما قتل الحسين قلنا : هذا الذي كنا نتحدث، وكنت بعد ذلك إذا مررت بذلك المكان أسير ولا أركض (2).
وقد مرّ الإمام الحسن (عَلَيْهِ السَّلَامُ) خامس الخلفاء الراشدين بكربلاء فترة خلافته وهو يتقدم إلى ساباط من النخيلة لحرب معاوية، حيث كان يُعسكر في النخيلة بظاهر الكوفة.
بدأ العصر الأموي سنة 41 للهجرة، عندما تنازل الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام بالخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان بن حرب الأموي، إثر موضوع صلح الحسن الذي ذكره المؤرخون من كل الطوائف، ولنا رأي فيه وفي أحداث تلك الفترة من تاريخ الإسلام(1).
فبداية تأسيس الدولة الأموية في الشام كان نتيجة صراع على السلطة، رغب فيه والي الشام معاوية بن أبي سفيان عندما لم يبايع الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بالخلافة محتجاً بطلب دم عثمان علما بأنه لم يكن ولي الدم حتى !!... ولكنه دخل مع الإمام علي في حروب طاحنة حدثت في (صفّين)، وكانت الغلبة دائما فيها للشرعية المتمثلة بخلافة الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
لكن حيلة رفع (المصاحف) التي أحدثها عمرو بن العاص بالإتفاق مع معاوية بعد أن وجدا بأن الهزيمة الماحقة قد حلّت بجيش الشام، ومن ثَمَّ عملية (التحكيم) المثيرة للجدل والخداع الظاهر الذي قام به عمرو بن العاص ممثل معاوية في التحكيم واستغفاله لأبي موسى الأشعري الذي فُرض من قبل بعض أصحاب الإمام علي من المتآمرين على الإمام الذي لم يرغب أصلاً بتمثيله له لما كان يرى فيه الكثير من
1) راجع كتابنا (التضحية والرمز) دراسة نقدية بالرواية التاريخية عن ثورة الحسين: الصادر عن مؤسسة البلاغ في بيروت سنة 2009م.
اللين وعدم الشدة وعدم صلاحيته لمهمة كهذه أمام أحد دهاة العرب وهو عمرو بن العاص بن وائل، الذي كان يقف دائما مع معاوية طمعاً بولاية مصر.
هذا التحكيم السيء الصيت الذي تسبب بشرخ كبير بين المسلمين، وأحدث فيما بعد فوضى عارمة أدّت إلى إنشقاق المسلمين، وتكونت على أثره فرق (الخوارج) الذين أصبحوا أعداء للإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ولمعاوية في نفس الوقت، وقاموا بأعمال خرجت عن منطوق الرسالة الإسلامية وثقافتها وسلوكياتها وتشددوا لحد يفوق التصور، وأراقوا الدماء وأشعلوا حروباً أزهقت آلاف الأرواح من المسلمين وأصبحوا (المارقين) الذين تنبأ الرسول الأعظم ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) بهم كما (الناكثين) للعهد.
إستغل معاوية كافة الظروف والوسائل المشروعة منها وغير المشروعة، مثل (الترهيب والترغيب والعنف ورشوة البعض) معتمدًا على الأموال الطائلة التي كانت بحوزته، وعلى فترة ولايته الطويلة على الشام وبعده عن الحجاز والعراق، وإصطفاف ضعاف النفوس والطلقاء ومن المؤلفة قلوبهم وحديثي العهد بالإسلام معه، وإعتماده على أساليب الغش والخداع والافتراء والمناورة، وجرأته على رفض الخليفة الشرعي والمعقودة له المبايعة من المهاجرين والأنصار وعموم المسلمين، وهذا بحد ذاته دليل دامغ على خروج معاوية عن إجماع الأمة والشرعية. وهو بذلك قد مال عن خط الإسلام بموقفه هذا، وإدعى ما ليس له في الأمر شيء.
فقد بدأ معاوية يشكل تيّارًا خطرًا للمعارضة غير المشروعة بشكل يلفت النظر، وكان موقفه يشكل الخطر الأول، لأن معاوية رفض الشرعية، وإتخذ من قميص عثمان دريئة وذريعة ليقف في صف المعارضة مع بعض الناكثين لبيعة الإمام ممن يُعدون من الصحابة وهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة. وبدأ معاوية يطلب بما لا يستسيغه منطق العقل في دعواه، فهو يطلب من الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلام) قتلة عثمان وبعد ذلك يجعل الأمر شورى بين المسلمين !!
فما موقع معاوية الشرعي لأن يطلب ذلك بوجود الشرعية ؟!!... فكان رد الإمام عليه بأن يدخل فيما دخل فيه الناس أولاً، ويقبل بإجراءات الإمام التي كانت منها إعفاء معاوية من ولاية الشام، ويتم الأمر بالتحقق من حادث القتل، ويأخذ كل ذي حق حقه، وليكن بعد ذلك القصاص العادل... مع العلم أن تقاعس معاوية عن نجدة ابن عمه من الأسباب التي أدت إلى حادث القتل، بالرغم من أن الخليفة قد إستنجد به مرارا... ولكن معاوية رجل داهية، قرأ الوضع بشكل كامل، وبقائه في أكبر ولاية وأكبر إقليم في الدولة هذه المدة الطويلة، فقد أعد للمستقبل عدته وإشترى الذمم بأموال المسلمين، وسيطر على كل ما يخص الدولة في إقليمه، وتصرّف كأنه الرأس في الدولة وأخضع كل شيء في الإقليم إلى نفوذه.
وعندما وجد الإمام علي موقف معاوية وتمنعه في الشام، وموقفه المعلن ضد الشرعية والبيعة تهيأ الإمام علي بإعتباره خليفة للمسلمين، ومن واجبه الشرعي توحيد الدولة ولا بد أن تلتحم ولاية الشام بالدولة، لأن بقاء الوضع على حاله يشكّل تمزقاً في الدولة الإسلامية ويمكن أن يتطور الموقف إلى الشتات الإسلامي... فقد أعدّ الإمام العدة بعد أن نفدت جميع الوسائل السلمية، فقرر الإمام استعمال القوة العسكرية لإخضاع الشام.
وعندما إستُشهد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) على يد الخارجي المجرم عبد الرحمن بن ملجم المرادي غيلة عندما كان الإمام يصلّي صلاة الصبح في محراب مسجد الكوفة، وكان حينها يعد الإمام العدّة للقضاء على معاوية وإخضاع الشام وإعادتها إلى حظيرة الدولة الإسلامية.
بعد أيّام من استشهاد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) تمّت مبايعة ولده الإمام الحسن بالخلافة من قبل المسلمين وفي مسجد الكوفة، ولم تكن هذه المبايعة للإمام الحسن توريئًا كونه ابن الخليفة المقتول، بل كانت لما يحمله سبط رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)
من إمكانيات قيادية وعلم متوارث عن جده الرسول (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وجهاد في سبيل الله والرسالة المحمدية، ولإتفاق عامة المسلمين بعد أن ذهب أغلب صحابة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) وغابوا عن الساحة إمّا بالاستشهاد في سبيل الله أو الإغتيال أو الموت أو لكبر السن، فكان الإمام الحسن (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وقتها قد شارف الأربعين سنة من العمر، وأصبح في قمة الرجولة، إضافة إلى أنه تربى في أحضان جده الرسول (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) ونال منه المكرمات فهو ولده وريحانته، وكان الإمام الحسن تلميذا في مدرسة إمام المتقين والده الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الذي نهل منه العلم والشجاعة والفضائل ... وبايعت للإمام الحسن ولايات الدولة الإسلامية جميعها عدا الشام وواليها معاوية بن أبي سفيان.
وجرت مكاتبات بين الإمام الحسن بن علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ومعاوية، لم تسفر على شيء سوى تصميم معاوية على تحقيق رغباته السلطوية ناكرًا للشرعية، وأخذ يعدّ العدة بشتى الوسائل للنيل من الإمام الحسن بل من اجل مصالحه الشخصية والأسرية محاولاً السيطرة على دولة الإسلام. مما إضطر الإمام الحسن بإعداد العدة وتهيئة الجيوش والمسير نحو الشام لمحاربة معاوية والقضاء عليه، لتعود بلاد الشام إلى الدولة الإسلامية الشرعية.
في الوقت نفسه كان الإمام الحسن (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يواجه الكثير من المشاكل والصعوبات والمؤامرات، وتثاقل الكثير من أصحابه وضُعْفَ إستجابتهم واستعداهم للقتال، فلم يعودوا مثل ما كانوا مع أبيه، بل وحتى في حياة أبيه كانوا قد بدأوا بالتراخي وضعفت هممهم مما إستدعى الإمام علي في كثير من خطبه المشهورة في أواخر أيامه أن يوجه لهم الإنتقاد على ما لاحظه منهم من هبوط العزيمة والميول إلى الدعة. ومع ذلك كلّه وبمساعدة بعض الصحابة الخلّص من أصحاب أبيه وأصحابه أمثال عدي بن حاتم وقيس بن سعد بن عبادة وآخرين، فقد هيأ جيشا وسلّم قيادته
إلى ابن عمّه عبيد الله بن عباس بن عبد المطّلب (1)، على أن يتوجه إلى أعالي الفرات ويقف عند مقربة من الشام ولا يلتحم مع جيش معاوية إلى أن يلتحق الإمام به من (ساباط ) (2) بعد أن يستكمل إعداد بقية الجيش على أن تصل أخبار عبيد الله يوميًا ليكون على علم بمجريات الأمور.
وعندها حدثت مؤامرة فظيعة كان يرسم لها معاوية مع بعض من كانوا مع الإمام الحسن، وقد طبقت هذه المؤامرة على صفحتين، الأولى في جيش الإمام القريب من الشام، حيث تم رشوة قائد الجيش عبيد الله بن عباس بالمال (ألف ألف درهم) أي مليون يستلم نصفها في معسكره والنصف الآخر عندما يلتحق بجيش معاوية، وفي رواية أخرى يستلم عبيد الله النصف الآخر عند دخول معاوية إلى الكوفة!! فقد تحول عبيد الله مع ثلة من المقاتلين ليلاً صوب معسكر معاوية، وعندما أصبح الصبح لم يجد الجيش قائده، وعندها حدثت الفوضى في صفوف الجيش عندما رأوا أن قائدهم يهرب إلى عدوّهم ويصطف معه ضد إمامهم.
1- عبيد الله بن عباس هو ابن العباس بن عبد المطلب عم النبي ( صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهو أخ عبد الله بن عباس ابن عم الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) الذي كان ساعده الأيمن وعندما ولاه البصرة إستحوذ على بيت المال وعندما طالبه الإمام باستجوابه ومحاسبته أخذ المال وذهب إلى مكة وإعتزل الإمام علي. وهذا أخوه كان أول من نادى في مسجد الكوفة لبيعة الإمام الحسن بالخلافة، وهو الذي قام مقتربا من المنبر بمسجد الكوفة وقال بصوت مرتفع () معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه يهدي به الله من إتبع الرضوان في سبيل السلام، ويخرجكم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديكم إلى صراط مستقيم .. نجده كان أول من ضعف ومالت نفسه إلى المال وخان الأمانة التي بعنقه وخذل ابن عمه خليفة المسلمين !!
2- ساباط: مدينة في وسط العراق تقع على الجهة الغربية من نهر دجلة، وتبعد عن (المدائن) نحو 30 كيلومتر وقد إتخذها الإمام الحسن منطقة لتجمع بقية جيشه الذي يلتحق به من بقية مناطق الدولة، ومن ثَمَّ يلتحق بمقدمة جيشه الرابض قرب الشام.
تمكن قيس بن سعد بن عبادة (1)من السيطرة على الموقف عندما برزت أريحيته مخاطبًا الجيش قائلاً: « إختاروا إما أن تقاتلوا بلا إمام أو تبايعوا بيعة ضلال »، فقالوا: (بل نقاتل بلا إمام).
وكانت الصفحة الثانية عندما أثيرت إشاعات في معسكر الإمام الحسن في ساباط بأن الإمام الحسن (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كاتب معاوية على الصلح (فإلى أين أنتم ذاهبون...)، وهي أخبار إفتعلها من كان مع الحسن وقلبه مع معاوية متفقاً معه سرّاً، وقد خانوا خليفتهم طمعاً في مال ووجاهة وسلطان من معاوية... فحدثت فوضى عارمة وصلت إلى الحد الذي نهبوا به فسطاط الحسن ومتاعه، بل ناداه البعض من المغفلين ب- (مذل المؤمنين)، وهاجمه أحدهم بفأس وهو يقول له يا حسن لقد كفرت وكفر أباك !! وضربه هذا المعتوه بالفأس على فخذه وجرحه جرحًا بليغا وكان ينوي إغتياله...
وهرع أصحاب الإمام الحسن إليه وحملوه إلى المدائن عند واليه فيها، وتم تطبيبه وعلاجه من جراحاته، وعلى أثر هذه الفوضى العارمه في جيشه المتقدم، وفي ساباط مقر تجمعه، وبعد شفائه جزئياً من جرحه عاد إلى الكوفة، والناس في هرج ومرج غير مصدقين ما حصل ...!!(2).
1) قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي: هو ابن الأنصاري سعد بن عبادة رئيس الخزرج في المدينة، وكان سعد بن عبادة والدقيس من الحاضرين يوم السقيفة، ولم يوافق على بيعة أبي بكر الصديق وكان وقتها مريضًا. وكان قيس بن سعد بن عبادة من أصحاب الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وقد ولاه الإمام على مصر، وحاول معاوية إستمالته فلم يتمكن ، وقد بث معاوية دعايات عنه وصلت إلى الإمام علي فحواها أن قيسا كاتب معاوية وكان ذلك تضليلا لإحداث التفرقة بين أصحاب الإمام ، وكان قيس عالما بلعبة معاوية، وقد حسم ولائه للإمام علي، ومع ذلك فقد إستقدمه الإمام وعفاه من الولاية خوفًا عليه وحرصاً، وفي المؤامرة التي نتحدث عنها أعلاه فقد حاول معاوية إستمالته مرة أخرى بوسائل عدة، فكتب قيس إلى معاوية: (( والله لا تلقاني أبدا إلا بيني وبينك الرمح )). وبقي قيس على نهجه مع الحسن كما كان مع والده ناصرا ومعينا ومؤازرا.
2) راجع تفصيل هذه المؤامرة الدنيئة في كتابنا التضحية والرمز)، ص 289 - 298، وفيها وصف كامل عمّا جرى من أحداث غريبة.
إلى أن وصل الأمر بالتنازل عن الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان، على أن يتولاها الإمام الحسن بعده في الصلح الذي عقد بينهما وسمي بصلح الحسن المثير للجدل منذ ذلك الوقت لحد الآن بين العلماء والمؤرخين والمفكرين والباحثين عن الحقيقة (1).
بعد التنازل إرتحل الإمام الحسن من الكوفة إلى المدينة، وبعد عشر سنوات تعرض الإمام الحسن للإغتيال ب- (السُمْ) وتم التخلص منه مسموما على يد زوجته (جعدة بنت الأشعث بن قيس بتحريض من معاوية، وكان والدها الأشعث مع الإمام علي والإمام الحسن، ولكنه كان يضمر لهما الشر وقد تعاون مع معاوية في الخفاء مع غيره أمثال المغيرة بن شعبة وآخرين !!
كانت مؤامرة التخلص من الحسن (عَلَيْهِ السَّلَامُ) هي من قبيل معاوية عندما أراد أن يجعل ولاية عهده إلى ابنه يزيد)، وقد نصحه الأحنف بن قيس أن لا يعلن رأيه والحسن على قيد الحياة، فكانت المؤامرة المدبرة لإنهاء حياة الإمام الحسن، والتخلص من الشرط الأساسي من شروط الصلح والتنازل حسب ما قيل عن الشروط، ليخلو له الجو بإعلان ابنه يزيد المشهور بالفسق واللهو وشرب الخمر واللعب بالكلاب ليكون خليفة على المسلمين، وقد تم ذلك فيما بعد وأحدث شرخاً في الأمة الإسلامية وجرت أنهار من الدماء وزهقت أرواح وتهدمت مدن وصوامع من أجل ذلك وكان
1) لقد طرح الكثير من الباحثين والكتاب موضوع (صلح الحسن)، ومن يتابع جميع ما كُتب عن الصلح يجد المرارة ، بل يتوقف عند أكثر من مكان لغرابة ما تم تدوينه مع الأسف، وكل واحد أخذ الموضوع حسب تفكيره وإجتهاده وانتماءه الطائفي والمذهبي ... وكانت أكثر الكتابات والتحليلات غرابة هي ما صدرت عن علماء أفاضل يتبعون لنهج آل البيت، ومنهم من أعطى تبريرات للصلح لا يقبلها ذو نباهة وإطلاع عن أئمة أهل البيت، مع العلم أن التاريخ وهذه حالة غريبة) قد أخفى معلومات وحوادث عن عشر سنوات منذ تنازل الحسن إلى يوم استشهاده، والعشر سنوات لم يصلنا منها إلا النزر اليسير من المعلومات، بينما يذكر التاريخ عن حوادث وقعت في يوم أو عدة أيام ما يملؤ المجلدات !! ... وقد خصصنا في كتابنا (التضحية والرمز) فصلاً كاملاً عن ذات الموضوع (صلح الحسن) وناقشنا بكل علمية وجرأة وتجاوزنا الخطوط الحمر التي وضعها البعض لإعتبارات عدة مع الأسف، وإعتبرناها منافية للحقيقة وتجد فيها تقليلًا غير مقبول إطلاقًا من شأن إمام عظيم وسيد حصور وقائد وعالم وجواد كريم مثل الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام.
أولّها الأمر بقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام في أكبر عملية إغتيال في التاريخ شملت استشهاده واستشهاد إخوته وأبناءه وأبناء عمومته وثلة رائعة من أصحابه الخلّص في معركة غير متكافأة جرت أحداثها يوم العاشر من محرم الحرام سنة 61 ه- على أرض كربلاء الطهور، وطيف برأسه من كربلاء إلى الكوفة حتی الشام، وأخذت حرائر رسول الله والأطفال وحرائر الشهداء سبايا !!!
تأسست الدولة الأموية في عام 41 للهجرة (662) للميلاد)، وحكم فيها معاوية وابنه يزيد، وإنتقلت منهما إلى مروان بن الحكم (طريد رسول الله) ومستشار الخليفة عثمان ووزيره وقاتل طلحة بن عبيد الله وصاحب الفتن ومسببها في زمن ابن عمه الخليفة عثمان بن عفان، والذي كانت أمور الدولة والخليفة بيده !! ... وكانت الثورة على الخليفة عثمان ومقتله هو السبب الأول والرئيسي فيها، وإنتقال الخلافة إلى مروان هذا جاء بعد أن رفض معاوية الثاني بن يزيد بن معاوية الخلافة بعد موت أبيه.
بعد مروان بن الحكم الذي لم يحكم سوى ستة أشهر ومات هرماً غير مأسوف عليه فقد إستخلفه ابنه عبد الملك بن مروان أبو الأكبش الأربعة الذين أصبحواخلفاء بعده، فقد تولى الخلافة سنة 65ه- وبقي في الملك إلى سنة 86ه- وهي سنة وفاته. وكان قبل توليّه الحكم يجالس العلماء ويحفظ الحديث ويتعبد في المسجد وكان متقشفاً، ولما أفضى الأمر إليه كان المصحف بيده فأطبقه وقال: «هذا آخر العهد بك أو هذا فراق بيني وبينك ».
وفي زمنه أطلق يد الحجاج بن يوسف الثقفي وولاه العراقين البصرة والكوفة وأتبع له ولايات أخرى تحت سيطرته، ذلك السفاح الذي لم يردعه رادع ولا دين ولا ذمة، وقد إستباح مدينة الرسول وضرب الكعبة بالمنجنيق لإخضاع عبد الله بن الزبير بن العوّام الذي ثار على حكم الأمويين وفصل العراق والحجاز عن دولتهم، وقتله
وصلبه على أحد أبواب مكة. وضيّق على العلويين وقتل العابد الزاهد العالم سعيد بن جبير صبراً ولم يَعِشُ بعد جريمته إلّا قليلا.
تولى الخلافة بعد عبد الملك ابنه الوليد بن عبد الملك، ولّي الأمر سنة 86ه- بعد وفاة أبيه إلى سنة 96ه-، وفي أيّامه توفي الإمام علي زين العابدين، ويقال أن الوليد بن عبد الملك دسّ إليه السُّم، ويقال أن هشام بن عبد الملك هو الذي دسّ إليه الشم بأمر من الوليد ولم يؤكد تلك الروايات مصدر محايد.
وجاء من بعده سليمان بن عبد الملك الذي حكم إلى سنة 99ه-، وأراد الوليد أن يبايع لولده عبد العزيز فأبى سليمان، فكتب الوليد إلى عماله فلم يُحبه إلّا الحجاج بن يوسف الثقفي وقتيبة بن مسلم الباهلي، ولهذا غضب سليمان على آل الحجاج ونكبهم عندما إستلم الحكم. وقتل قتيبة بن مسلم سنة 96ه- وعزل عمّال الحجاج وعذّب أهله. وكان سليمان يأخذ برأي عمر بن عبد العزيز في بعض أموره يستشيره فيها .
ولّي الأمر مر بعد سليمان ابن عمّه عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بوصية من سليمان في سنة 99ه- إلى سنة 101ه-، وحُمِدت سيرته، وأسرع إلى تبديل سياسة أسلافه، فأمر بتخفيف الضرائب والخراج عن الناس ، كما أنه ردَّ (فدك) إلى ولد فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ومنع الناس من لعن الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام). على الرغم من ذلك فإن بعض الشيعة لا يمتدحونه كما جاء في بحار الأنوار (1)برواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه ذمّ عمر بن عبد العزيز وقال (يجلس مجلساً لاحقَّ له) أي الخلافة. ويرى الكثير من الشيعة أن الخلافة لا تجوز إلا لأهل البيت.«فالخلافة منصب إلهي جعله الله لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وكل من إستولى
1) راجع بحار الأنوار للعلامة المجلسي ، ج 46 ، ص 23 ، وكثير من مفكري الشيعة ينتقد ما جاء به المجلسي في البحار من روايات و احاديث وردت عنه في مجلده الكبير.
على هذا المنصب - غصباً وظلماً - فهو غاصب ظالم، حتى ولو كان عابداً عادلاً، فمن الطبيعي أن يلعنه أهلُ السماء. قال تعالى: إِنَّا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المتّقين »(1).
بعد عمر بن عبد العزيز الذي تخلّص منه أمراء الأمويين لشدته عليهم، تولى الأمر يزيد بن عبد الملك، الذي حكم من سنة 101ه- إلى سنة 105ه-، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية.
كان يزيد بن عبد الملك صاحب لهو ولذّة، وهو صاحب حبابة وسلامة وهما جاريتان وكان شغوفاً بهما. وماتت حبابة فمات بعدها بيسير أسفًا عليها. وكان قد تركها أياماً لم يدفنها، لعدم إستطاعته فراقها، فعوتب على ذلك، فدفنها. ويقال إنه نَبشَها بعد الدفن حتى شاهدها (2).
تولى الأمر بعده هشام بن عبد الملك سنة 105ه- إلى أن توفي سنة 125ه-. كان هشام من دهاة الأمويين ويقارن بمعاوية وعبد الملك. كان غليظا خشن الطبع شديد البخل سيّء المجالسة أحْوَلاً ، وكان شديد البغض للعلويين، وحاول الإنتقام منهم، والإنتقاص من قدرهم كلّما سنحت له الفرصة.
وأوغل هشام بالحقد والكره لآل بيت النبوة وطاردهم وضيّق عليهم ومنع زيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام، وقتل الشهيد زيد بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين عليهم السلام في جبّانة الكوفة وصلبه على جذوع النخل وأحرق جثته بعد أن ثار زيد على الحكم الأموي.
وحبس الشاعر الفرزدق لمدحه الإمام زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في الكعبة بقصيدته الميمية المشهورة أمام هشام الذي غضب وأمر بحبسه. وكانت بين هشام والإمامين الباقر والصادق عليهما السلام مناظرات نقلها الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
ومن بعده تولّى الأمر الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي حكم من سنة 125ه- إلى أن قُتِلَ سنة 126ه-. وكان فاسقاً خليعاً ماجناً . قال المؤرخون أنه كان مصروف الِهِمَّة إلى اللهو والأكل والشرب وسماع الغناء.
جاء في البداية والنهاية عن الوليد بن يزيد: «كان هذا الرجل مُجاهرًا بالفواحش، مصرًا عليها، منتهكاً محارم الله عز وجل لا يتحاشى معصية، وربما إتّهمه بعضهم بالزندقة والإنحلال من الدين، فالله أعلم، ولكن الذي يظهر أنه كان عاصياً شاعراً ماجناً متعاطياً للمعاصي، لا يتحاشاها من أحد، ولا يستحي من أحد، قبل أن يلي الخلافة وبعد أن ولّي »(1).
نَقِمَ الناس عليه وثاروا، وقادهم ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك وتمكتوا من قتل الوليد والوليد بن يزيد هو الذي أمر بقتل يحيى بن زيد بن علي زين العابدين لخروجه على الأمويين بعد قتل أبيه الشهيد زيد من قبل هشام. وحينها إرتحل يحيى من الكوفة إلى نينوى قرب كربلاء ، ومنها توجّه إلى خراسان.
وتولّى الأمر بعد هذا الماجن، يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان سنة 126 ه- ولم يستمر في الحكم سوى خمسة أشهر . وكان يسمّى ( يزيد الناقص)، لأنه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيّات الناس ، وردَّ العطاء كما كان أيام هشام. وفي أيامه كثرت الإضطرابات في الدولة على أكثر مما كان عليه الوضع. وعندما توفي (يزيد الناقص) لم يوص لأحد بعده.
جاء في العقد الفريد ما نصّه:«وكان مولاه قطن ( وهو الموكل بخاتم الخلافة) قد إفتعل عهدًا على لسان يزيد بن الوليد لأخيه إبراهيم بن الوليد، ودعا أناساً فشهدوا علیه زورا» (2).
فتولاها إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك في نهاية سنة 126ه- (ذي الحجة) ولم تدم ولايته سوى ثلاثة أشهر.
فقد كثرت الثورات والمشاكل في الدولة وسقطت هيبتها، نتيجة الصراع الداخلي من ناحية وتعاظم أمر الدعوة العباسية من ناحية أخرى وإنسلاخ ولايات عديدة من الدولة، فخلع إبراهيم نفسه في صفر من عام 127 ه- وسلّم الأمر إلى مروان بن محمد، ويقال ان مروان قتله وصلبه وقيل غرق في نهر الزاب.
تولّى مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الملقّب ب- (مروان الحمار) الحكم سنة 127ه- إلى سنة 132ه- حيث قُتِل في بوصير بمصر، وبمقتله إنتهى الحكم الأموي وأصبح الأمويون طعمة للسيف وتفرّقوا في البلاد وزالت دولتهم التي حكمت إحدى وتسعين سنة وتسعة أشهر.
كان لكربلاء وهي لم تكن مدينة بعد في عهد الأمويين نصيب كبير من الأحداث والوقائع. وكان أعظمها وأفظعها هو استشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام على ثراها، وأصبحت أرضها طهوراً وملاذا لطلاب الحرية من المؤمنين والمسلمين كافة وعلا شأنها وإرتفعت فيها صور ملاحم البطولة والفداء التي سطرها سيد الشهداء الإمام الحسين وآل بيته وأصحابه الكرام، عندما وقف بوجه الباطل ليصلح أمة جده ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
فقدّم نفسه ومن معه قرابين طاهرة في مذبح الحرية وفي معركة غير متكافئة يوم العاشر من محرم سنة 61ه-، فأعطى للبشرية دروساً في المبدئية والنضال والإصلاح من أجل إعلاء كلمة الحق ضد الباطل وعدم الشرعية، وأصبحت كربلاء وواقعة الطف فيما بعد مناراً وإسطورة تحكى على مدى الأجيال لضمها رفات أبي الأحرار وآل بيته وأصحابه الميامين. وها هو الآن مثوى الإمام الحسين في كربلاء قبلة للزائرين وطلّاب الحرية من جميع بقاع المعمورة، وتعلو في كربلاء الآن المنائر الذهبية على قبره
الشريف لتحكي تاريخاً مفعاً بالبطولات وأسمى أنواع التضحيات التي قُدّمت من أجل استمرار شعاع الإسلام الخالد وتصحيح مسيرته من أي إنحراف أو خلل.
عندما إستشهد الإمام الحسن بن علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مسموماً سنة 51 للهجرة، خلا الجو لمعاوية ليعلن ولاية العهد لولده يزيد الذي كانت حياته كلها لهو ولعب ومجون. وقد عارض الكثير من المسلمين هذا الاستخلاف غير الشرعي لانه امر غريب عن الدولة الإسلامية من ناحية، وعدم كفاءة يزيد ومعرفتهم به وبأخباره من ناحية أخرى. وإنتقدوا معاوية على عملية التوريث هذه التي قالوا عنها (قيصرية وكسروية)، لأن القياصرة الرومان والأكاسرة الفرس كانوا يورثون الحكم.
وجاء الإعتراض أيضاً من وجوه الأمويين أمثال مروان بن الحكم وعبد الله بن عامر بن كريز وسعيد بن العاص وآخرين، مما دعا معاوية إلى شراء ذمم الكثيرين بالمال وغيره لتأييد مسعاه، كما دفع أموالاً للشعراء ومنهم مسكين الدارمي (1)الذي أظهر الولاء عندما أراد معاوية استخلاف يزيد فقال مسكين:
ألا ليت شعري ما يقولُ ابن عامِر ومروان أم ماذا يقول سعيدٌ بني خلفاء الله مهلا فإنما*** يبوئها الرحمان حيثُ يريد*** إذا المنبر الغربيُّ خلاه ربّه ***فإن أمير المؤمنين يزيدُ (2)
فكانت بدعة من معاوية عندما أمرّ ابنه الفاسق على رقاب المسلمين، والإسلام لم يكمل بعد إلّا عدة عقود منذ نزول الوحي وبدأ الرسالة المحمدية السمحاء. وكان
معاوية يعلم بأن البيعة لولده لن تكون سهلة وخاصّة في الحجاز والعراق، لوجود المعارضة الشديدة على هذا الإجراء، لامتلاء الساحة حينها بأسماء لامعة لها تأثير كبير على الناس يتقدمهم الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن جعفر (الطيار) بن أبي طالب. فكان همُّ معاوية هو أخذ بيعة الإمام الحسين والعبادلة الأربعة هؤلاء، حاول مراراً في حياته وفشل في مسعاه.
كان الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وبالرغم من إعتراضه وخلافه الدائم مع معاوية بسبب ما قام به معاوية من سياسة وأعمال تبتعد عن الشرعية وتعاليم الإسلام الحنيف ... ومتابعته الدائمة والتشديد على أصحاب الإمام علي والإمام الحسن عليهما السلام ووصل التضييق عليهم حتى بالأعطيات والأرزاق، ورشوته بالمال والمناصب إلى البعض لوضع الأحاديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، وغيرها من الأمور الكثيرة التي ذكرتها كتب التاريخ المعتمدة وفي بعض كتب الصحاح. إلّا أن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لم يَثْر وينهض عليه للبيعة التي كانت برقبة الحسين عندما تنازل الإمام الحسن (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عن الخلافة لمعاوية، وعدم رغبة الإمام في نقض ما تعهد به ولو كان على غير وفاق معه (1).
ويُنقل عن الحسن البصري رحمه الله قول مشهور مفاده أن واحدة من أربع حالات فقط قام بها معاوية تجعله تحت طائلة الحساب الإلهي وهي:
1- تجاوزه على القيادة الشرعية والخليفة الشرعي منتخب وهو الإمام علي، وخروجه على إختيار الأمّة. ومطالبته بما لا يحق له شرعاً ولا عرفاً وهذا يعنى عدم إلتزامه وإعترافه بقيم ومباديء الإسلام.
1) راجع كتابنا (التضحية والرمز)، ص 403 - 433 ، وفيه تفصيل كامل مسند بمصادر موثوقة عن فترة وجود الإمام الحسين في زمن معاوية وعلى جانبين، الأول الإمام الحسين في زمن معاوية والإمام الحسن على قيد الحياة. والثاني: الإمام الحسين في زمن معاوية بعد استشهاد الإمام الحسن.
2- إقراره بسب ولعن الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) على المنابر في جميع البلدان الإسلامية، واستلحاقه زياد بن أبيه (1).
3- قتله الشهيد حجر بن عدي الكندي وأصحابه صبرا في (مرج عذراء) قرب الشام دون وجه حق بعد أن أعطاهم الأمان.
4 - استخلافه يزيد على رقاب المسلمين.
عندما كان الإمام الحسن حيَّا ومعه الإمام الحسين، إتصل بهما أهل الكوفة ومنهم حجر بن عدي الكندي وسليمان بن صرد الخزاعي وعلي بن محمد بن بشير الهمذاني وغيرهم الكثير، وأرادوا من الإمام الحسن أن يغيّر رأيه وأن ينقض بيعته لمعاوية ولكنه رفض ذلك.
روى البلاذري بأن الإمام الحسن لم يؤيد أهل الكوفة فيما أرادوا، فقد قال لهم في نهاية ردّه إليهم: « ... وألزموا بيوتكم، وأمسكوا، وكفوا أيديكم حتى يستريح برُّ ويستراح من فاجر ».
وإشارة إلى ردود الإمام الحسن إلى بقية الوفود التي كانت تفد إليه من جميع الأمصار يُعلمهم بأنهم أهل مودة وهم شيعة لأهل البيت، فمن حقه عليهم أن يستمعوا له ويأتمروا بأمره ، وأن لا يستسلموا وإنما هو إنتظار إلى حين...
1) زياد ابن أبيه: لم يكن يعرف له أب، وكان يسمى زياد بن سميّة، وسمية عاهر ومن صاحبات الرايات الحمر، وقد وطئها عدد من رجالات مكة في يوم واحد وعندما ولدته إدعاه أكثر من واحد من رجال قريش منهم العاص بن وائل والد عمر بن العاص، وأبو سفيان بن حرب والد معاوية ... وكان زياد واليا على خراسان في خلافة الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وراسله معاوية وإستلحقه بنسبه على أنه ابن أبي سفيان، بقصد تركه عليا ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فمال زياد إلى معاوية وإلتحق بالشام وأخذ يسمى زياد بن أبي سفيان. وفي خلافة معاوية ولاه العراقين البصرة والكوفة وأخذ يبطش بأتباع الإمام علي. وزياد هذا هو والد المجرم عبيد الله بن زياد الذي ولّي البصرة بعد وفاة أبيه، وعندما خرج الإمام الحسين من مكة إلى الكوفة ولاه يزيد الكوفة أيضًا، وإنتدبه لقتل الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
يقول الدكتور طه حسين: «فهو إذًا يهيئهم للحرب حين يأتي إبّانها، ويحين حينها، ويأمرهم بالسلم المؤقتة حتى يستريحوا ويحسنوا الاستعداد، ومن يدري لعلّ معاوية أن يريح الله منه، فتستقبل الأمة أمرها على ما يحب لها صالحو المؤمنين »(1).
أمّا بالنسبة للإمام الحسين فكان موقفه في هذا الشأن متطابقاً مع موقف ورأي أخيه الإمام الحسن لأنه صاحب الأمر. عندما أظهر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) معارضته لمعاوية على توريث يزيد للخلافة بعد استشهاد الإمام الحسن (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، فقد كتب والي المدينة حينها (مروان بن الحكم إلى معاوية يخبره بتوافد الناس على الحسين، وإعتقاده بأن الحسين يضمر الخروج، حيث إن رجالاً من العراق والحجاز يختلفون إليه وأن الحسين لا يؤمن وثوبه، وطلب مروان من معاوية أن يعلمه برأيه...
فكتب معاوية إلى الإمام الحسين عدة كتب، ومما كتب له كتاباً كان فيه شيء من التهديد ومنه :« أمّا بعد... فقد إنتهت إلىَّ أمور عنك إن كانت حقاً فإني أرغب بك عنها، ولعمر الله إن من اعطى عهد الله وميثاقه الجدير بالوفاء... وإن أحق الناس بالوفاء من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها. فنفسك فذكر، وبعهد الله أوْفِ فإنك متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فإتق شق عصا هذه الأمة »(2).
فأجابه الإمام الحسين :«أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنه إنتهت إليك عني أمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير ، فإن الحسنات لا يهدي إليها ولا يسدد إليها إلّا الله تعالى... وأمّا ما ذكرت إنه رقي إليك عني فإنّما رقاه إليك الملّاقون، والمشّاؤون بنميم، المفرقون بين الجمع وكذب الغاوون... ما أردت لك حرباً، ولا
خلافًا، وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك، ومن الإعتذار فيه إليك، وإلى أوليائك القاسطين الملحدين، حزب الظلمة وأولياء الشياطين...
ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين، الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم ؟ ثم قتلتهم ظلماً وعدوانًا من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة ألا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، جرأة على الله واستخفافًا بعهده... أولست قاتل ابن الحمق صاحب رسول الله (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) العبد الصالح فقتلته بعدما آمنته؟...
أولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد بن ثقيف؟ وزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) - الولد للفراش وللعاهر الحجر - فتركت سنة رسول الله وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلطته على أهل الإسلام، يقتلهم، ويقطع أيديهم وأرجلهم ويسمل عيونهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك.
أولست قاتل الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سميّة أنهم على دين عليّ، فكتبت إليه أن أُقتل كل من كان علىّ دين علي فقتلهم، ومثّل بهم بأمرك. ودين عليّ هو دين ابن عمّه الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي أنت فيه.
وقلت فيما قلت أنظر لنفسك ولدينك، ولأمة محمد، وإتق شق عصا هذه الأمّة وإن تردهم إلى فتنة. وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمّة من ولايتك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي وديني ولأمة محمد من أن أجاهدك.
وقلت فيما قلت: إن أنكرك تنكرني، وإن أكدك تكدني، فكد ما بدا لك، فإنّي أرجو ألّا يضرني كيدك، وأن لا يكون أحدٌ أضرّ منه على نفسك، لأنك ركبت جهلك، وتحرصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والإيمان والعهود والمواثيق، ولم تفعل ذلك إلّا
لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقّنا، وليس الله بناس لأخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة... »(1).
وروي في موضع آخر أن الإمام الحسين ردّ على معاوية برسالة توثّق أعماله منها: « ... فأبشر يا معاوية بالقصاص وإستيقن بالحساب واعلم أن الله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها... إلى أن قال... وأخذك الناس ببيعة ابنك الغلام الحدث يشرب الشراب ويلعب بالكلاب وما أراك إلّا خسرت نفسك وتبلات دينك، وغششت رعيّتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل وأخفت الورع التقي والسلام »(2).
فصعق معاوية من رد الحسين وهو يقول :«أن أثرنا بأبي عبد الله إلّا أسدًا »!!
وهو إعتراف صريح من معاوية بمكانة وعظمة الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ). ولكن ذلك كله لم يصل إلى أحد الأمرين التاليين:
الأول: نقض الإمام الحسين العهد والمبايعة التي اعطاها وأخيه الإمام الحسن إلى معاوية.
الثاني: الثورة على معاوية.
أعلن معاوية في الشام عن ولاية العهد لابنه يزيد، فمن الطبيعي أن تجد البيعة قبولاً في الشام مقر عاصمة الدولة الأموية آنذاك وفي بعض المناطق المحددة من الدولة، ولكن نجاح البيعة هو دخول أهل الحجاز (مكة والمدينة) وأهل العراق (الكوفة والبصرة وقبولهم لها ، لأن هذه المناطق المهمة من الدولة كانت عصية على الأمويين لوجود المعارضة على هذا الأمر فيها.
فإضطر معاوية لأن يرجع مرة أخرى إلى المدينة المنورة محاولاً أخذ البيعة لولده وليواجه المعارضين مباشرة ...
عند وصوله إليها لم يجمع المعارضين كلّهم بل إختار الرأس، فأرسل إلى الإمام الحسين وبحضور عبد الله بن عباس ... وأخذ معاوية بدايةً الحديث اللين، سائلاً عن أحوال الإمام الحسين وعن أبناء أخيه الحسن، وبعد ذلك دخل في الحديث والإشادة بولده يزيد، ودعاهما إلى بيعته... . فما كان من الإمام الحسين إلّا أن يَرُدّ معاوية برد أفحمه فيه بخطبة وضع فيها النقاط على الحروف، ومنها قوله عليه السلام بعد رفضه طلب معاوية:
«هيهات هيهات يا معاوية !! فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج ولقد فضّلت حتى أفرطت، وإستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجرت حتى جاوزت مابذلت لذي حق من اسم حقه من نصيب، حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر ونصيبه الأكمل...
إلى أن قال الإمام الحسين... وفهمت ما ذكرت عن يزيد وإكتماله، وسياسته لأمة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان مما إحتويته بعلم خاص. وقد دلّ يزيد من نفسه على موضع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي، تجده باصراً ، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلّا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص... إلى أن قال ... فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأباطيل وقلتم كان ويكون حتى أتاك الأمر يامعاوية من طريق كان قصدها لغيرك فإعتبروا يا أولي الأبصار »(1).
1) الإمامة والسياسة، ج 1 ، ص 195 - 196.
وعجز معاوية إلّا أن يُظهر دهشته على هذا الموقف الصلب من الإمام بعد أن أسمعه من درر الكلام وعدم الرغبة في البيعة، وظلّ يتميز غضباً ويعلم أنه لم يستطع أن يخدع الحسين.
وبعدها غادر معاوية المدينة متوجّها إلى مكة، وقد إصطحب معه الإمام الحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر، وفي مصدر آخر أنه إصطحب مع هؤلاء عبد الله بن عباس.
وفي مكة بدأ معاوية يفكر بأساليب أخرى منها العنف والترهيب والمكر والخداع، وعرض عليهم البيعة مرة أخرى فإمتنعوا عنها إلى أن هددهم بقطع رأس أي منهم إن عارضه فيما سوف يقول... وجعل على كل واحد منهم رجلين بأيديهم السيوف لينفذوا أمره إن نطق أحد بكلمة، وخرج إلى الناس كما يذكر ابن الأثير في الكامل حيث قال معاوية مخاطبًا أهل مكة:
«إنّ هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبتز أمر دونهم ولا يقضى إلّا عن مشورتهم، وإنهم رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوا على اسم الله ... » فبايعه الناس وغادر بعد ذلك مكة (1). ظنًا منه أن الأمر إنتهى وسوف يستقر الحكم لولده يزيد من بعده... وفاته أن ذلك كان بمثابة الشرارة التي ولدت الثورة على ولده، وبها كانت بداية النهاية لحكم بني أمية ولو إلى حين.
وقبل موت معاوية بسنة حجّ الإمام الحسين ومعه عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر الطيار) بن أبي طالب، وجمع في (منى) سبعمائة من بني هاشم ونسائهم، ومن الأمصار ممن يعرفون فضائل أهل البيت، ونحو مئتي رجل من أصحاب النبی (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وخطب فيهم الحسين شاجباً سياسة معاوية، وداعياً المسلمين الإلتزام بالإسلام الصحيح ولم يكن الإمام إلى هذا الوقت راغباً بالخروج على معاوية ليس خوفًا وإنما لعدم إمتلاكه القوة الكافية والوسائل التي يمكن أن
1) الكامل في التاريخ: ابن الأثير ، ج 3، ص 252 .
يواجه بها ،معاوية، ولإمتلاك معاوية الوسائل والإمكانية لأن يُظهر الثورة عليه بأنها خروج عن الإطار العام للدولة الإسلامية، وإنها غير شرعية لوجود بيعة له من الحسين وسوف تؤطر الثورة بالتمرد على النظام... بالرغم من أن بعض أهل الكوفة
كاتبوا الإمام الحسين بالخروج على معاوية ومنهم جعدة بن هبيرة بن أبي وهب.
لكن الكثير من الموالين لآل البيت أسرعوا إلى نصح الإمام الحسين بعدم الخروج وأن لا يسمع لأهل الكوفة، ومن الذين علم بذلك أبو سعيد الخدري وكان موالياً لأهل البيت وذكر للإمام الحسين بأن أهل الكوفة ما لهم ثبات ولا عزم على أمر، ولا صبر على سيف.
فكان رد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لشيعته بأن يخلدوا إلى الصبر والإلتصاق بالأرض ما دام معاوية حيَّا، وإذا مات معاوية والإمام الحسين حي فسوف يعلمهم برأيه، لأنه كان يعلم بأنه وبني أمية على الضد حيث قال مرّة: «أنا وهم الخصمان اللذان إختصما في ربهم ».
مات معاوية وقام بعده ابنه يزيد على الرغم من أن النظام الإسلامي لم يقر مبدأ الوراثة في الحكم، فإن الخليفة يختاره المسلمون، والمبدأ الإسلامي يعتمد على أساس إنتخاب الخليفة، وقد يكون بشورى والإنتخاب والتنصيب يتم وفق امور حددها الإسلام.
منذ إستلام يزيد بن معاوية الحكم بعد أبيه فقد ظهر للعيان الوجه الحقيقي للحكم الأموي، وإكتشف المجتمع الإسلامي عورات هذا النظام الجائر، و(ذاق طعم عذابه وخبر ألوانًا من عسفه وظلمه في الأرزاق والكرامات وإنزاحت عن بصيرته الغشاوة) (1).
ومنذ اليوم الأول لتسلم يزيد مقاليد الحكم إتبع سياسة تختلف عن سياسة أبيه الذي عرف بدهائه وتروّيه في الأمور وإحتفاظه بالغطاء الديني الذي لفّه حوله
1) ثورة الحسين العلامة محمد مهدي شمس الدين، ص 134 .
وإستغله لترسيخ موقعه في الحكم، نجد أن ابنه يزيد قد إبتعد عن هذا الغطاء بشكل سافر وأسدل الستار عليه من خلال أعماله وتصرفاته ونهجه الإنحلالي.
وأول أمر شغل يزيد بعد موت معاوية هو أخذ البيعة من المعارضين وعلى رأسهم الإمام الحسين... والأمر الآخر هو حرب أهل العراق لكراهتهم بيعته منذ وجود والده وبعده... و « تجاوبهم مع الحسين وذلك ما أدى به في أول خطاب له على أهل الشام »(1).
فوجّه يزيد همه الأول للبيعة له، ولأن أهل الأمصار لم يعلموا بعد بموت معاوية، فأرسل كتابين إلى والي المدينة (الوليد بن عتبة) يخبره في الأول بموت معاوية وكتابه الثاني أخذ البيعة ممن أبوا سابقاً وعلى رأسهم الحسين بن علي وإلا فقطع الأعناق... وقد جاء في هذا الكتاب : «أمّا بعد فخُذْ حسينًا، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير بالبيعة اخذا ليس فيه رخصة، حتى يبايعوا والسلام »(2).
ففزع الوليد بن عتبة من ذلك، وكيف يفعل عملاً لم يتمكن معاوية نفسه القيام به. وكان الوليد ذا حنكة ورشد فإستشار مروان بن الحكم شيخ الأمويين والذي كان قبله واليا على المدينة بأمر يزيد بن معاوية هذا، فأشار عليه مروان بأن يدعوهم عنده ويطلب منهم البيعة ليزيد، وإن أبوا فيقتلهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بالأمر فسيدَّعي كل واحد منهم بالأمر لنفسه، مع أن الحسين لن يجيبك إلى بيعة يزيد ولا يطيعه أبدا. فقال الوليد لمروان ويحك يا مروان من كلامك هذا، وأحْسِن القول في ابن فاطمة فإنه بقية النبوة.
وإتفقا على أن يُرسلا إليهم ويطرحا الأمر ليروا بعد ذلك ما ستؤول إليه الأمور. فأرسل الوليد بن عتبة يستدعي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير... فذهبا إليه ومعهم رجال وان الإمام الحسين دعا عددًا من أهل بيته من الرجال بسلاحهم
ليدخلوا على والي المدينة إذا ناداهم الحسين قال الوليد للإمام الحسين بحضور مروان بن الحكم: «دعوتك للبيعة ليزيد بن معاوية» .... فأراد الإمام أن يجيب الوالي ويتخلص من دعوته بالحسنى عندما قال: «مثلي لا يبايع سرّا، ولا يجتزئ بها مني سراً، فإذا خرجت للناس ودعوتهم للبيعة، ودعوتنا معهم كان الأمر واحدًا». فإقتنع الوليد برأي الحسين وشكره ليلتقوا صباح الغد. وربما كان رأي الحسين أن يجاهر بعدم البيعة أمام الناس ويدعوهم إلى الثورة والإطاحة بيزيد.
وقبل أن يخرج الإمام الحسين من مجلس الوالي إغتاظ مروان بن الحكم ونهر الوليد على السماح للحسين بالمغادرة دون أخذ البيعة منه، وطلب منه أن يحبسه وإلّا قطع عنقه، فقد قال مروان: «لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدًا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، ولكن إحبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه ».
فإلتفت الحسين إلى مروان وقال له صارخاً: «ويلي عليك يا ابن الزرقاء، أنت تأمر بضرب عنقي كذبت ولؤمت»(1).
وهنا إلتفت الحسين إلى الوالي الوليد بن عتبة مؤكدًا له صراحة رفضه البيعة ليزيد حسب قول بعض المؤرخين ... بقوله «أيها الأمير، إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم ويزيد رجل فاجر، شارب للخمر، وقاتل للنفس المحرمة، ومعلن الفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون... ».
وجاء في كتاب (اللهوف) لابن طاووس... بعد أن لام مروان الوليد على سماحه للحسين بالخروج دون تحقيق ما أرادوا... فردّ الوليد على مروان بن الحكم قائلاً: « ويحك ! إنك أشرت علي بذهاب ديني ودنياي والله ما أحب أبن أملك الدنيا بأسرها وأني قتلت حسينًا... سبحان الله !! أأقتل حسينًا أن قال لا أبايع... والله ما
1) أنساب الأشراف البلاذري، ج 4 القسم الثاني، ص15.
أظن أحداً يلقى الله بدم الحسين إلّا وهو خفيف الميزان، لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيّه، وله عذاب أليم ».
أمّا والي المدينة فقد كتب إلى يزيد بما حدث وجاء ردُّ يزيد بأمرين:
الأول: أخذ البيعة من أهل المدينة حتى إذا إضطرّه ذلك إلى استعمال القوة.
الثاني: قتل الحسين بن علي وإرسال رأسه إلى الشام.
وقد رفض الوليد بن عتبة تنفيذ أمر خليفته قائلاً: « لا أقتل ابن بنت رسول الله ولو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها ».
على ضوء ما كان من حكم معاوية من سوء وإبتعاد واضح على نهج الرسالة وعلى مسيرة الحياة العامة والسياسة الفجة التي إتبعها معاوية واساليب الدهاء والمكر والخداع والقتل غير المشروع متشبئا بالدين الذي جعله وسيلة لتدعيم حكمه، والتغيير الواضح في أعماله وسياسته خاصة بعد استشهاد الإمام الحسن، نجد بأن الإمام الحسين لم ينهض في زمانه للبيعة التي بعنقه إضافة إلى أن مستلزمات الثورة لم تتوفر للإمام حينها ولأسباب أخرى ذكرناها سابقا ...
الآن وقد إستجد الوضع عند إستلام يزيد بن معاوية الذي لم يكن مؤهلاً لأن يتولى أمور المسلمين، وكان استخلافه خارج الشرعية، ونيّاته المبيّته الخبيثة إتجاه رموز المسلمين ومن لم يقبل بالبيعة له بالإضافة إلى كشف الغشاوة عن أعين الناس وتجربتهم المريرة مع الحكم الأموي... فإن الأسباب التي كانت تؤجل الثورة قد زالت، وبدأ الطريق ممهدا للاستعداد والقيام بها من أجل إعلاء كلمة الحق والعدل، ومن أجل الإصلاح في أمة محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وتقويم مسيرة الإسلام.
على الرغم من رفض المجتمع ليزيد وحتى البيت الأموي... ومن بايعه إمّا متزلفا أو خائفًا خانعاً، فليس هناك مبرر للحسين الذي لم يبايع بأي شكل من أشكال البيعة ليزيد، وجدير به التحرك والنهوض أمرًا بالمعروف وناهيا عن المنكر ومصلحاً.
وهذا ما يثبت من قبل الإمام الحسين مشروعية حركته ونهضته بإعتبار أن موقفه هذا سيكون ضد حاكم جائر لا تنطبق عليه الشرعية ولا يقر استخلافه مبدأ إسلامي.
بعد الذي جرى في المدينة مع الوالي ومروان بن الحكم، وجد الإمام الحسين بأن المدينة لا يصلح البقاء فيها بعد الان، وقرر أن يكون بجوار البيت الحرام في مكة، ليبتعد عن الأمويين ومضايقاتهم وخاصة بعد موت معاوية وجلوس يزيد ابنه مكانه. وغادر الإمام الحسين المدينة ومعه إخوته وأبناؤه وأبناء أخيه واخته الحوراء زينب وولديها، ورافقته نساؤه وبعض من أشياعه... وترك في المدينة أخاه محمد بن الحنفية ليكون له عينًا فيها، وأعطاه وصيته التي ترجم فيها أهدافه النبيلة، ويُعلمه أنه خارج على حكم يزيد ومن تبعه من بني أمية وأعوانهم ، طالبًا الإصلاح في أمة جده الرسول الكريم ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ، وأنه مأمور بهذا العمل. وجاء في وصيته التي دفعها إلى أخيه محمد بن الحنفية:
« إنِّي لَمَّ أخْرُج أشرا ولا بطرا ، ولا مُفْسِدًا، ولا ظايا، وإنّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصلاح في أمة جدّي، أُريدُ أن آمر بالمعروفِ وأَنْهى عَن المنكر، فَمَنْ قَبِلَني بقبول الحق فالله أولى بالحق، وَمَنْ رَدَّ عليَّ هذا أصْبِرُ حتى يحكُمَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَ القَوْمِ بالحق، وهوَ خَيْرُ الحَاكِمين... ».
كان تاريخ خروج الحسين من المدينة يوم 28 رجب عام 60 للهجرة، ووصل مکة الیوم الجمعة الموافق لليوم الثالث من شهر شعبان (1)من عام 60ه-... ونزل في دار العباس بن عبد المطلب (2).
إختلف إليه أهل مكة ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق... وكان والي مكة من قبل يزيد حينها (عمرو بن سعيد (الأشدق) الذي قابل الإمام الحسين وسأله عن سبب قدومه مكة، فأجابه الحسين أنه جاء عائدًا بالله وبالبيت الحرام الذي من دخله كان آمنًا.
فكتب والي مكة إلى يزيد يعلمه بقدوم الحسين إلى مكة وإزدحام الناس عليه، فكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يذكره بأن ابن عمّه الحسين بن علي وعبد الله ابن الزبير في مكة يبغون الفتنة ويعرضون أنفسهم إلى التهلكة، وطلب منه أن يبعد الحسين عن نيّاته ويمنّه بالعطايا والأموال.
فرد عليه ابن عبّاس : «إنما الحسين ورد مكة مستجيرًا بالبيت الحرام ومبتعدا من إساءة عمالك عليه، وأما ابن الزبير فلا علاقة لنا به، ولا نحنُ مسؤولون عن تصرفاته، فقد كان عدّوا لنا ... ».
جاء في كتاب البداية والنهاية ما نصّه: «... فعكف الناس على الحسين، يفدون إليه ويقدمون عليه، ويجلسون حواليه ويستمعون كلامه ... »(1).
كان ابن الزبير لا يرتاح لوجود الحسين في مكة، ومتى ما وجد الحسين فيها فإن أحدا لا يعير لابن الزبير رأيًا. وذكر البلاذري في أنساب الأشراف: «... وأن عبد الله بن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين في الحجاز، ولا أحَبُّ إليه من خروجه إلى العراق طمعاً في الوثوب بالحجاز، وعلماً بأن ذلك لم يتم له إلا بعد خروج الحسين ...» (2).
عندما إستقرّ الإمام الحسين في مكة بدأ بتنظيم أمر نهضته، وهو يدعو الناس إلى الوقوف أمام ظلم بني أمية، مبينًا الحقيقة الدامغة للأمة، حاتّهم على عدم البيعة
ليزيد بوصفها غير شرعية، ولكنه لم يطلب الخلافة لنفسه ولم يصرح بذلك أبداً ولكنه أعلمهم بأنه مأمور شرعًا للوقوف بوجه هذه البيعة ومحاولاً الإصلاح وتطبيق المبادئ السامية التي جاء بها الإسلام الحنيف والعودة إلى التراث الثر الذي أسسه جده المصطفى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) حاثًا الناس على عدم الخضوع والخنوع أمام الاستبداد.
كتب الإمام الحسين إلى رؤساء البصرة ومنهم الأحنف بن قيس، والمنذر بن جارود، ويزيد بن مسعود بن عمرو وغيرهم... يدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإن السنّة قد أميتَتْ والبدعة قد أُحْييَت (1).
وفي مكة أيضاً بدأت كتب أهل الكوفة ترد الإمام الحسين، يطلبون منه القدوم إليهم لأنهم بغير إمام ويذكرون في كتبهم : «إنَّ الناس ينتظرونك، لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل يابن رسول الله، فقد إخضر الجناب وأيْنعَتْ الثمار، وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار، فأقدم إذا شئت فإنما تقدم على جُنْدِ لك مجنّدة »(2)... بعد توالي
1) عندما وصلت كتب الحسين إلى رؤساء البصرة كان الوالي عليها حينذاك هو المجرم (عبيد الله بن زياد بن أبيه)، فسلّم المنذر بن جارود رسول الإمام الحسين وحامل كتابه إليه إلى الوالي الذي قام بقتل الرسول وشكر المنذر أمّا الأحنف بن قيس فكتب إلى الحسين الآية الكريمة التالية: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} . حيث لم تكن له رغبة بالوقوف معه ونصرته... أمّا يزيد بن مسعود بن عمرو فقد جمع بني تميم وبني حنظلة وبنى سعد، ودعاهم إلى نصرة الحسين فاستجابوا له وبدأ يهيئ نفسه للخروج وعندما حانت ساعة خروجه للإلتحاق بالحسين بلغه مقتله في كربلاء، فجزع وتأسف لعدم نيله السعادة ومشاركة ابن رسول الله في نهضته. وذكر عبد الرزاق المقرّم في كتابه (مقتل الحسين)، ص 16 : (( ... وكان رهط من البصريين قد إلتحقوا بالإمام الحسين في مكة وضموا رحالهم إلى رحله حتى وردوا معه إلى كربلاء وقتلوا معه )).
2) من الذين كتبوا إلى الإمام الحسين شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث وعزرة بن قيس وعمر بن الحجاج ومحمد بن عمير بن عطارد وهؤلاء كتبوا إليه يدعوه لينصروه وكانوا فيما بعد ممن شاركوا في قتله عليه السلام، وكان من أبرز قاتليه هو شبث بن ربعي وكان يهوديا وأسلم وإرتد عن الإسلام بعد وفاة النبي ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، ورجع إلى إسلامه بعد انتهاء حروب الردة والقضاء عليها، ومن ثُمَّ قاتل مع الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في صفين، وكتب إلى الحسين يدعوه، ثم كان فيما بعد من قادة جيش بن زياد ومن الذين شاركوا بحز رأس الحسين مع شمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس. بينما هناك العديد من أشراف الكوفة بقوا على وفائهم للحسين مثل الصحابي هانئ بن عروة الذي أستشهد مع مسلم في الكوفة، والصحابي حبيب بن مظاهر الأسدي الذي قدم مع الحسين إلى كربلاء وأستشهد معه.
الكتب على الحسين من أهل الكوفة، كتب إليهم أنه بعث إليهم ابن عمه وثقته (مسلم بن عقيل بن أبي طالب) وأمره أن يكتب إليه بحقيقة حالهم ورأيهم، وإذا ما رأى منهم الصدق فيما خاطبوه وما جاء في كتبهم فإنه سوف يقدم إليهم(1).
غادر مسلم بن عقيل مكة ليلة النصف من رمضان (2)، ماراً بالمدينة لزيارة قبر سول (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وتوديع أهله وأصحابه، وغادرها إلى العراق. ووصل مسلم الكوفة ونزل في دار الصحابي هانيء بن عروة (3).
قوبل مُسلم بمزيد من التكريم وبدأ الناس بالإلتفاف حوله ومصاحبته، وقرأ عليهم رسالة الإمام الحسين إليهم، وبدأت البيعة لنصرة الحسين. وإختلفت الآراء حول عدد المبايعين وتراوحت الأعداد حسب ما ذكرتها المصادر المختلفة بين إثني عشر ألفا وأربعين ألفاً !!
وكتب مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين يستحثّه بالقدوم، وأن الناس ليسوا مع بني أمية، وأنه لم يَر مقاومة تذكر. ووصلت رسالة مسلم إلى الإمام الحسين بيد (عابس بن شبيب الشاكري) (4)، وقد تهيأ الإمام الحسين للمسير إلى الكوفة ومغادرة مكة حالما وصلته رسالة ابن عمه مسلم بن عقيل.
1) راجع تاريخ الطبري، ج 6 ، ص 198 ، وفيه التفصيل ونص رسالة الإمام لأهل الكوفة.
2) مروج الذهب للمسعودي، ج2، ص86.
3) ذكر العلامة باقر شريف القرشي في كتابه حياة الإمام الحسين مستنداً إلى (الإرشاد) و(الكامل) لابن الأثير بأن مسلم نزل في دار المختار الثقفي، بينما جاء في كتاب (الإصابة) و(تهذيب التهذيب) أنه نزل بدار هانيء، ونعتقده الأصح ، لأن الأحداث التي جرت في الكوفة والتي تواترت عن مسلم بن عقيل كانت ترادفها أنباء هاني معه واستشهاد مسلم وهاني سوية، ولم يتطرق احدا عن المختار وقتئذ.
4) عابس بن شبيب الشاكري كان من خلّص أتباع الإمام الحسين ومن اهل الكوفة وثقة عند مسلم، وقد رافق الإمام في مسيره من مكة إلى الكوفة التي لم يدخلها الأمام حيث جعجعوا به نحو كربلاء، وقد سقط عابس شهيدا في يوم الطف وهو يناصر ويدافع عن حرمة الحسين.
حاول عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر نصح الإمام الحسين بعدم الخروج إلى الكوفة وجرت محاورات بينهما وبينه، فقالا له: «سمعنا من رسول الله ما يجري لك »، وقدّم عبد الله بن عباس موالاته ونصرته للحسين ، أمّا ابن عمر فنصح الحسين على مصالحة القوم والرجوع إلى المدينة، لكنه شكرهما ورفض البقاء وأخبرهما بأنه مأمور بما يقوم به.
كان والي الكوفة عندما نزل بها مسلم بن عقیل رسول الحسين هو (النعمان بن بشير الأنصاري) الذي اتّخذ موقفاً ليّنا ومتسامحاً.
ولّما علم يزيد بن معاوية بأخبار الكوفة وضعف واليه عليها بنظره، وأخبار مكة وتهيأ الحسين للخروج إلى الكوفة قرر أن يرسل عبيد الله بن زياد بن أبيه (واليه على البصرة إلى الكوفة ليضمها إليه ليكون العراق كلّه بإمرته، وشدد عليه بالإسراع إلى الكوفة وطلب مسلم وقتله، والقضاء على الثورة، وكذلك منع الحسين من دخول الكوفة ومحاصرته وإجباره على البيعة وإلّا قتله والتمثيل به ومن معه.
كان ابن زياد هذا مشهوراً بالقسوة والبطش وسفك الدماء، فعندما جاءه أمر يزيد خطب بأهل البصرة وهددهم في حالة خروج أحد منهم على الطاعة... فغادر البصرة على عجل وبصحبته خمسمائة رجل ليصل الكوفة قبل وصول الحسين إليها، وإستخلف على البصرة أخاه ( عثمان بن زياد بن أبيه)...
وصل ابن زياد الكوفة، وعندما شاهده الكوفيون جفلوا وذهبوا مسرعين إلى دورهم وقد أوجسوا منه خيفة لمعرفتهم بشره وقسوته ، فإستولى على المال والسلاح، وجمع عملاء بني أمية ليحدثوه عن الثورة ويخططون معه للقضاء عليها.
وفي اليوم التالي خطب بأهلها وأعلمهم بتوليه أمرها وعزل الوالي النعمان بن بشير، وأعلمهم بأنه سيحسن لمن يتبع السلطة وسيشتد على الخارجين عليها. وإتبع سياسة الرشوة وإستمالة الوجوه والرؤساء والتهديد والبطش، وتمكن من إستمالة الكثير منهم إليه، وتناسوا كتبهم إلى الحسين وإنقلب الوضع على مسلم ولم يبق معه
إلّا القليل من شيعة أهل البيت، وألقى القبض على هانيء بن عروة، مما دعا ذلك مسلما ليبادر بإعلان الثورة وقاد أربعة آلاف من أتباعه ورفع شعار (يامنصور أمت) تجهوا إلى قصر الإمارة.
أما ابن زياد فقد إنتدب محمد بن الأشعث على رأس الجيش الذي يتصدى إلى مسلم وأتباعه، وقام كذلك بتهديد الثائرين بجيش الشام القادم نحو الكوفة، وبحرمانهم من العطاء وسوف يستعمل معهم سياسة البطش والدماء كما فعل أبوه (زياد بن أبيه) معهم في زمن معاوية، وبدأ العملاء بالولوج بين الثوار ونفث هذه السموم بينهم وإشاعة الذعر في نفوسهم.
وهنا خضع الكوفيون إلى الذل والمهانة، ومني جيش مسلم بالهزيمة، وبقي يقاتل وحده إلى أن أثخن بالجراح وخارت قواه وتم القبض عليه وأخذ أسيرًا إلى قصر الإمارة وهو يقول «اللهم أحكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا ». وفي قصر الإمارة تم قتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة وأرسل رأسيهما إلى يزيد في الشام وتم إعتقال رؤساء الشيعة منهم سليمان بن صرد الخزاعي والمختار الثقفي وأربعمائة من الوجوه والأعيان كل ذلك حدث والإمام الحسين في طريقه إلى الكوفة، وعلم بها وهو في أحد منازل الطريق إلى العراق.
ونحن بصدد الحديث عن نزول الإمام الحسين في أرض كربلاء، لابدَّ لنا أن نشير إلى المراحل والمواضع والمنازل التي نزل بها الإمام في مسيره نحو العراق، وهذه المسيرة دامت قرابة الشهر، والتي سجلت حوادث مهمة ودروسًا وعِبَر(1).
1) راجع كتابنا (التضحية والرمز)، ص 497 ، فيه تفصيل وشرح كامل عن مجمل المنازل وما حدث فيها.
غادر الإمام الحسين مكة في اليوم الثامن من ذي الحجة سنة 60 للهجرة، وكان الناس يهمّون بالخروج إلى عرفات في أيام الحج. وفيما يلي المراحل والمواضع التي نزل بها الإمام:
شكل رقم (1)
خارطة توضح مواقع المنازل التي نزل بها الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) من مكة إلى كربلاء
1 - التنعيم
تبعد فرسخين عن مكة، بين جبل نعيم وجبل ناعم، والوادي الذي بينهما وادي نعيمان والتنعيم اليوم ميقات أهل مكة للإحرام. وفيها قابل الحسين عيراً تحمل أموالاً و هدايا من والي اليمن (بحير بن يسار الحميري) إلى يزيد بن معاوية... وتحدث الإمام مع أصحاب الإبل عن نهضته، ففارقه بعضهم ومضى معه من أحبَّ صحبته.
2- الصفاح
وهي مسيرة يوم من مكة، تكون بين حنين وأنصاب الحرم، وفيها لاقى الإمام الحسين الشاعر المعروف (الفرزدق) وهو همام بن غالب بن صعصعة، وسأله عن أخبار الناس حيث كان عائدًا من العراق، فقال له الفرزدق: «قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية )).
3- ذات عرق
تبعد عن مكة مسير ليلتين، وكانت ميقات أهل الشرق للقادمين من العراق وخراسان. وسمّي ذات عرق على اسم جبل صغير بالمنطقة، وفيه إلتقى الإمام (بشر بن غالب الذي أجابه بما قال الفرزدق .
4- الحاجر
ومعناه ما يمسك الماء من شفة الوادي، ويقع في وادي الرّمة وهو وادي معروف في نجد. وفيه كتب الإمام جوابًا لكتاب مسلم وبعثه مع أخيه بالرضاعة (عبد الله بن يقطر )(1)وهو يخاطب أهل الكوفة بأنه قادم إليهم.
1) عبد الله بن يقطر هو أخ الحسين بالرضاعة، وعندما وصل الكوفة كان مسلم قد قتل، وألقي القبض على عبد الله وأمر بن زياد بقتله بعد أن اخذ منه كتاب الإمام الحسين إلى مسلم واهل الكوفة.
5- بعض العيون
عبارة عن ماء من مياه العرب يسكن عندها (عبد الله بن مطيع العدوي) الذي عرف مقصد الحسين وحاول ثنيَه عن الذهاب إلى الكوفة خوفًا عليه ولكن الحسين أبى إلّا أن يمضي.
6- الخزيمية
هي منازل سميت باسم خزيمة بن خازم ، وأقام بها الإمام الحسين يوماً وليلة.
7- ززود
موضع يقع بين الخزيمية والثعلبية في طريق الحج من الكوفة، وفيه بركة ماء وإشتهر بوقعة يوم زرود، وبقي الإمام فيه يوماً وليلة.
وفي زرود لقي الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) (زهير بن القين البجلي وكان أموي الهوى، وكره النزول بقرب الحسين ولكن الماء جمعهما، وعندما علم الحسين به أرسل رسولاً إليه فلم يجب الرسول، فنصحته زوجته بذلك فذهب وعاد فرحا، ونقل فسطاطه بجوار الحسين وأرسل إمرأته إلى أهلها وقال لها: «إلحقي بأهلك فلا أريد أن إلّا الخير» ، وقال الجماعته :«أدعوكم لنصرة الحسين ابن بنت رسول يصيبك بسببي الله وإلّا فهو آخر العهد... »، وكان فيما بعد من الشهداء في معركة الطف.
وفي زرود علم الحسين بمقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، فقال الحسين:
«لا خير في العيش بعد هؤلاء » (1). ثم قال لأصحابه : ( أتانا خبرٌ فظيع... قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحبَّ منكم الإنصراف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام .. فلم ينصرف منهم أحد وآثروا البقاء معه (2).
الثعلبية
سمّي هذا الموضع باسم رجل اسمه ( ثعلبة) وهو من بني أسد نزل به وإستنبط عيناً، وفي الثعلبية أتى الإمام رجل وسأله عن قوله تعالى :« يَوَم نَدْعُوا كُل أَناسِ بإمامِهِمْ »، فقال الحسين :«إمام دعا إلى الهدى فأجابوا إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوا إليها، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار» ، وهو قوله تعالى: (فَريقٌ في الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ).
وبعض المؤرخين والكتّاب ذكروا بأن خبر مقتل مسلم وهاني أتى الحسين وهو في الثعلبية (1).
9 - الشقوق
منزل يسبق زبالة للقادم من مكة إلى الكوفة، وجاء في معجم البلدان أن الشقوق هو موضع لبني أسد وفيه قبر العبادي. وفي الشقوق قابل الإمام الحسين رجلاً قادماً من الكوفة فسأله الإمام عن أهل العراق، فأخبره الرجل بأنهم مجتمعون عليه، فقال الإمام: «إِنَّ الأمر لله يفعل ما يشاء وربنا هو كل يوم في شأن ».
10- زبالة بضم الزاي المعجمة وتلي الشقوق للقادم من مكة إلى الكوفة، وتكون المسافة بينهما تقارب (35) ميلا (2). جاء في كتاب ثورة الحسين: أن الحسين عندما كان في زبالة أتاه خبر مقتل أخيه بالرضاعة عبد الله بن يقطر (3).
11 - بطن العقبة
ومن يقول أنها العقبة، وهي تلي زبالة، وبينهما موضع (القاع). وفيها قال :الحسين «ما أراني إلّا مقتولاً فإني رأيت في المنام الكلاب تنهشني وأشدّها عليّ كلبٌ أبقع ». فإنبرى له عمر بن لوذان العكرمي وأشار عليه بالرجوع إلى المدينة إذا يعلم بالذي عليه أهل الكوفة من الغدر والخيانة فردَّ الإمام: «ليس يخفى، ولكن الله تعالى لا يغلب على أمره (1).
12 - شراف
سمّي هذا الموقع على اسم رجل إستخرج عيناً ثم حدثت آبار كثيرة عذبة المياه. وشراف موضع معروف لدى العرب، وعند فتح العراق نزل به سعد بن أبي وقاص يستكمل تجمّع جيشه وينهض إلى العراق (2). وأمر الحسين أصحابه في شراف أن يستقوا من الماء ويكثروا.
13 - ذو حُسَم
هو موضع جبل كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة يصطاد به وفيه طلع عليهم (الحر بن يزيد الرياحي) (3)مع ألف فارس، بعثه عبيد الله بن زياد ليمنع الحسين من الرجوع إلى المدينة ويقدم به الكوفة، وعندما رأى الحسين ما بالحر وأصحابه من شدة العطش، أمر أصحابه أن يسقوهم ويرشفوا الخيل، فسقوهم وخيولهم عن آخرهم، وكان علي ابن الطعان المحاربي مع الحر، فجاء آخرهم وأخذ منه العطش مأخذا فقام الحسين بنفسه وسقاه بيده حتى إرتوى وسقى فرسه.
هذا الدرس إستنبطه من أبيه الإمام علي في حرب صفين عندما منع معاوية الفرات عن جيش علي وتمكن أصحاب الإمام من دفع جيش معاوية عنه وسيطروا على الماء، وعندها قال الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) (الماء شِركة بين الجيشيين!!) وسمح لهم بالاستسقاء. فهذا الشبل من ذاك الأسد.
عندما حلّت صلاة الظهر قال الحسين للحر : ( أتصلي بأصحابك؟). قال الحر: «لا، بل نصلّي جميعاً بصلاتك ».
فصلّى بهم الحسين وبعد الصلاة خطب بهم وأخبرهم بأنه لم يقدم إلى الكوفة إلّا بعد أن جاءت رسلهم محملة بالكتب التي تدعوه إليها. فقال الحر:
«أنا لست ممن كتب إليك، وأمرت أن لا أفارقك حتى أقدم بك الكوفة وأعرضك علی ابن زياد ».
فقال الإمام الحسين: «الموت أدنى إليك من ذلك ».
فقال الحر : « إذًا خذ طريقًا نصفاً بيننا لا يدخلك الكوفة، ولا يردّك إلى الحجاز،حتی أكتب إلى ابن زياد لعلَّ الله يرزقني العافية ولا يبتليني بشيء من أمرك، وإن قاتلت لتقتلنَّ... ».
فقال الحسين: (أبالموت تخوفني؟) وأنشد:
سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى **إذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما فإن عشت لم أندم وإن متُّ لم آلم كفى بك ذلاً أن تعيش وترغمها
عند ذلك تنحّى الحرّ عنه ، فكان الحسين يسير بأصحابه من ناحية والحر ومن معه في ناحية ثانية.
14 - البيضة
هذا الموقع بين واقصة والعذيب، والبيضة أرض واسعة تعود لبني يربوع بن حنظلة، وفيها يقول الطبري في تاريخه أن الإمام الحسين خطب بأصحاب الحُر،
وذكّرهم بكتب أهل الكوفة إليه إلى أن إنتهى بقوله: «المغرور من إغْتَر بكم، إلى أن قال... وسيغني الله عنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته »(1).
15 - الرهيمة
جاء في معجم البلدان - الرهيمة بالتصغير عين تبعد عن (خفية) ثلاثة أميال وتبعد خفية عن (الرحبة) مغرباً بضعة عشر ميلاً – إذاً هي عين ماء نزل بها الإمام الحسين وهو قادم من البيضة.
ذكر المقرّم في كتابه (مقتل الحسين) الصفحة 218 نقلاً عن أمالي الصدوق الصفحة 93، وعن مقتل الخوارزمي الجزء الأول الصفحة 226 ومثير الأحزان لابن نما، بأن الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) لقي في الرهيمة رجلا من أهل الكوفة يقال له أبو هرم)، وكان بينهما حديث عن سبب خروج الحسين من المدينة إلى مكة ثم إلى العراق. ونص الحديث المنقول عن المصادر أعلاه نقلناه في كتابنا (التضحية والرمز)، وقد ناقشناه بالتفصيل لإعتقادنا بعدم صحته، لأنه غير وارد وغير مستحسن، ويمثل تشويه لنهضة الحسين دون أن يدركه الناقلون، يمكن الرجوع إليه في الصفحات 512 إلى 514 من كتابنا المذكور.
16 - العذيب
العذيب وادٍ لبني تميم وهو حدُّ السواد، وفيه مسلحة للفرس أيام الساسانيين، وبينه وبين القادسية ستة أميال، وكان يقال للموضع ( عذيب الهجانات) لأن خيل النعمان بن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة كانت ترعى فيه. وفي هذا الموضع وافى الحسين أربعة نفر خارجين من الكوفة وهم: عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه، ومجمع بن عبد الله العائذي ونافع بن هلال، ودليلهم الطرماح بن عدي الطائي. وسألهم الحسين عن رأي الناس فأخبروه :«بأن الأشراف عظمت رشوتهم وقلوب
1) تاريخ الطبري، ج 6 ، ص 229 .
الناس معك والسيوف عليك ». وقال له الطرماح : (سر معنا لتنزل جبلنا ) – أي جبل أجا لبني طيء - فلم يوافق الإمام. فإستأذن الطرماح الإمام وحده بأن يوصل الميرة إلى أهله ويعجّل بالمجيء لنصرته، وبقي الثلاثة الآخرون مع الحسين وإستشهدوا فيما بعد معه في كربلاء، أما الطرماح عندما رجع إلى العذيب ليلتحق بالحسين بلغه خبر مقتله.
17 - القادسية
القادسية تبعد عن الكوفة (15) ميلاً وفيها عين ماء، وفيها قبض (الحصين بن نمير التميمي) على (قيس بن مسهر الصيداوي)(1)رسول الحسين إلى مسلم.
بقي الإمام الحسين في القادسية ليلة واحدة وإستسقى فيها الماء وتابع مسيره، والحر بن يزيد الرياحي بجانبه على الطريق ويبعده عن الكوفة.
18 - قصر بنى مقاتل(2)
يقع القصر بين (عين التمر) و (القطقطانة) و(القريات)، وهو ليس قصر الإخيضر الذي يشتبه به البعض. وفيه إلتقى الإمام الحسين ب- (عبيد الله بن الحر
1) بعد أن أرسل الإمام الحسين رسوله الأول أخيه بالرضاعة (عبد الله بن يقطر ) إلى مسلم بن عقيل حاملاً رسالة له ولأهل الكوفه. ثم أرسل رسالة أخرى إلى مسلم وأهل الكوفة بيد قيس بن مسهر الصيداوي) ليتواصل معهم، وكان ابن زياد قد أمر الحصين بن نمير أن ينظم الخيل بين القادسية و(خفّان) ومنها إلى (القطقطانة)، فلقي قيس بن مسهر في القادسية وعرفه أنه من أصحاب الحسين فقبض عليه وسلّمه إلى ابن زياد فأمر ابن زياد قيسا بأن يعطيه كتاب الحسين، فمزقه قيس وأمره ابن زياد ان يصعد المنبر ويسب الحسين وأباه واخاه أو ليقطعنه إربا إربا فصعد قيس المنبر واكثر من الترحم على الامام علي بن أبي طالب والحسن بن علي، وأشاد بالحسين ولعن ابن زياد وبني أمية، فأمر ابن زياد بقتله في الحال.
2) ينسب هذا القصر إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس بن إبراهيم بن أيوب بن مجروف بن غضبة بن أمرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم. ويظن البعض أنه هو قصر الإخيضر وهذا خطأ كبير، وقد تم الحديث عن قصر الإخيضر في بحثنا هذا.
الجعفي) (1)، ودعاه لنصرته ، فلم يرغب عبيد الله فأهدى فرسه (الملحقة) للحسين فلم يقبلها منه.
كما التقى الإمام في قصر بني مقاتل عمرو بن قيس المشرفي) وابن عمّه، وسألهما الإمام عن نصرته ولم يجيباه متعذرين بأن لديهما عيال وفي أيديهما أمانة للناس، وإنصرفا عنه .
19 - كربلاء
رحل الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) من قصر بني مقاتل بعد أن أمر أصحابه بالاستسقاء، وسار ركبه الشريف وهو يتياسر عن الطريق والحر الرياحي ومن معه يسايرونه، ويجعجعون به بعيدا عن الكوفة، ودخل مسيرهم حول (أرض الطف) و تيامن الركب بإتجاه الفرات، وعند قرية (نينوى) وهي إحدى قرى أرض الطف
ومنها نينوى والغاضرية وشفيّة والنواويس والعقر)...
إذا راكب على نجيب وعليه السلاح، فانتظروه وإذا هو رسول عبيد الله بن زياد إلى الحر بن يزيد الرياحي ومعه كتاب يقول للحر فيه: «جعجع بالحسين حين تقرأ كتابي، ولا تنزله إلا بالعراء، على غير ماء وغير حصن ».
فقرأ الحر الكتاب على الحسين فقال له الإمام: «دعنا ننزل نينوى أو الغاضرية أو شفيّة ».
1) عندما نزل الإمام في قصر بني مقاتل وإلتقى بعبيد الله بن الحر الجعفي الذي كان من شيعة الإمام علي والحسن ومن محبيهم، فدعاه الحسين لنصرته فلم يرغب واجاب الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) قائلا : (( وَاللَّهُ إِنِّي لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكن ما عسى أن أغني عنك ولم أخلف لك بالكوفة ناصراً، فإنَّ نفسي لا تسمح بالموت، ولكن هذه فرسي (الملحقة) فخذها فهي لك )) . فقال الإمام الحسين: (( أما إذا رغبت عن في نفسك عنّا، فلا حاجة لنا في فرسك ولا فيك، وما كنت متخذ المضلين عضدا )). وبعد استشهاد الحسين دعاه عبيد الله بن زياد إلى مجلسه ولم يجبه عبيد الله بن الحر وقال هذا آخر العهد معه، وركب فرسه من ساعته وتوجه إلى قبر الحسين في كربلاء نادماً باكيا متأسفًا على عدم نصرته له، وذكر الخوارزمي فى مقتله شعرا بذلك.
قال الحر: «لا أستطيع فإن الرجل عينٌ علينا ».
فقال الإمام: (سر بنا قليلاً).
فساروا جميعاً حتى وصلوا أرض الحائر، ومن ثَمَّ وقف الحر وأصحابه أمام الحسين ومنعوه من المسير وقالوا «هذا مكان قريب من الفرات».
فسأل الحسين عن الأرض، فقال له زهير بن القين:
(هذه الأرض تسمّى الطف). قال الحسين: (فهل لها إسمٌ غَيْره).
قال زهير : (تُعرف بكربلاء).
فقال الحسين: «اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء... ههنا محط ركابنا وسفك دمائنا ومحل قبورنا، بهذا حدثني جدي رسول الله» !!
كانت الأرض التي نزل بها الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ذات تضاريس مختلفة، وأن القوم أرادوا إبعاده عن الماء، فتطلع إلى المكان فإختار موقعاً متميزاً فيه يقع على مسافة أقل من ميل غرب ( نهر ) يتفرّع من الفرات سمّي فيما بعد ب- (العلقمي).
وإختياره لهذا المكان له دلالات ناجمة عن خبرة الإمام الحسين من نواحي عسكرية وغيرها، فإن مع الحسين نساء واطفال، ويحتاج إلى أرض يتمكن منها الدفاع نفسه عن ومن معه، لأنه يعلم بنية القوم، والأهم من ذلك كله وهو من الإلهام، أنه إختار موضع مثواه ومثوى من سيقتل معه، لتكون الأرض شاهدة على جريمة كبرى ستقع، ومن ثُمَّ ستكون الأرض قبلة لطلاب الحرية والإصلاح، وتذكيراً بما قامت به دولة بني أميّة.
فالأرض التي إختارها عبارة عن هضبة ترتفع عن ما جاورها من أراضي وتشرف عليها، وتحيطها تلال ومرتفعات من ثلاثة جوانب، شمال وغرب وجنوب، وتنحدر من الشرق بأرض مستوية تؤدي إلى النهر حيث وقف الحر ومن معه مانعيه من الوصول إلى النهر حتى يأتي أمر ابن زياد.
الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)
إختلف المؤرخون والرواة في اليوم الذي نزل به الحسين أرض كربلاء، فمنهم من ذكر بأنه عليه السلام نزلها في اليوم الثاني من محرم الحرام، ومنهم من ذكر في اليوم السابع منه، وفي مصادر أخرى ذكرت نزول الإمام الحسين كان في اليوم الثامن من محرم، والتأريخ المتداول لدى الأكثرية هو اليوم الثاني من محرم سنة 61ه-.
عندما نزل الإمام الحسين أرض كربلاء ومعه أهل بيته وأصحابه، والحر بن يزيد الرياحي الذي جعجع بركب الحسين ليبعده عن الكوفة ، ثم أنزله في العراء ومنعه من وروده الماء حيث وقف حائلاً بينه وبين النهر لينفّذ أمر بن زياد... لم يدخل في خاطر الحُر بأن ابن زياد يخطط لقتل الحسين، وكان يتوقع أن يكون هناك أمر آخر قد يصل إلى إبعاد الإمام عن العراق في حالة استمرار رفضه البيعة ليزيد.
بينما الواقع كان يختمر في ذهن الإمام على العكس مما يظن به الحُر، فالإمام يعلم بأن الأرض التي وصلها سوف يراق دمه الشريف فيها، وتكون مدفنه ومدافن أهل بيته وأصحابه الخلّص الذين لم يفارقوه... فهو وصل الآن إلى المكان المأمور به أن يقف، وأن يلاقي ربه الكريم شهيدًا على مذبح الحرية والحق.
سرعان ما لاحت بوادر جيش قادم من الكوفة، أكثر ماقيل عن أفراده ثلاثون ألف مقاتل، وأقلّ الروايات تقديراً له هو أربعة آلاف مع القوة التي كانت بإمرة الحر بن يزيد الرياحي. والجيش مرسل من قبل عبيد الله بن زياد بن أبيه والي الكوفة بأمر يزيد بن معاوية، وقائد الجيش هذا هو عمر بن سعد بن أبي وقاص!! ويرافقه العديد من القادة الذين من بينهم من كتب إلى الحسين يطلب منه القدوم والنهوض ضد حكم بني أميّة، ومنهم شبث ابن ربعي وسنان ابن أنس وحجار بن أبجر وغيرهم.
ولا مقارنة بين جيش بن زياد وبين الحسين وأصحابه وأهل بيته، فكل الذين كانوا مع الحسين لا يزيدون عن المائة شخص، بضمنهم الأطفال والنساء، يقابلهم
من
جيش بالآلاف عددًا وعدة، ولكن الحسين كان يحمل سلاح الإيمان القوي بعدالة قضيته، ولو تحمل من العذابات ما لم تقع على أحدٍ من البشر ولكنه مأمور بالنهوض ليصلح أمة جده.
تحت هذا العنوان لا نريد أن نتحدث عن جانب المأساة التي حدثت كصور للقتال وتفاصيل يوم عاشوراء الذي يختص بالقتال غير المتكافئ أبدًا، لأن ذلك من إختصاص كتّاب (المقتل)، على الرغم من أن مشاهد القتال أعطت صوراً فريدة للشجاعة والإقدام والتضحية والبسالة المتناهية للإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه الميامين... والخطب والمواعظ التي ألقاها الإمام في يوم التاسع من محرم وفي صبيحة اليوم العاشر منه، والتي لم تبخل كتب التاريخ عن ذكرها موثوقة ولا لبس فيها وهو يلقي على الذين جاءوا لقتاله الحجج الدامغة والنصيحة ليعذر القوم بها، ولكننا نقصد بما جرى في كربلاء من أحداث وصور قبل لحظة الإشتباك وإثناءها وكما يلي:
1- تكوين جيش بن زياد وعدد أفراده، مقارنة بالإمام الحسين ومن معه.
2- تأكيد حجّة الإمام الحسين بالخروج على الطاغية، وهو خلاصة فكره في نهضته وثورته.
3 - إسلوب الإمام الحسين وإرثه العظيم بإلقاء النصيحة لمن جاء لقتاله كما كان يفعل أبوه وأخوه من قبل، وتأثير ذلك على الجيش المقابل في اللحظات الأخيرة.
4- موقف أصحاب الحسين في اللحظات الحاسمة والصور الفريدة والنادرة التي ظهروا عليها كجانب من جوانب المقارنة بين الطرفين.
5- صلابة موقف الإمام الحسين الذي لم يجد أحد مثيلاً له في التاريخ، وهو يرى صورة المأساة والعذابات لأهل بيته وأصحابه، وهو بقناعة كاملة انه في الجانب الصحيح والمحق في هذا الموقف.
6- صورة جيش ابن زياد وبربرية الأعمال التي قاموا بها، والبعيدة عن الإسلام والعروبة والشرف والأخلاق.
7- صور فريدة للمرأة ومواقفها، وكذلك لموقف الأخ والابن وابن الأخ وابن العم وابن الأخت والأصحاب.
وفي كربلاء وعندما إستبان للحسين كامل الأمر قال لأصحابه الذين بقوا معه: «الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحصوا بالبلاء قلّ الديانون ». ثم قال : «أمّا بعدُ ... فقد نزل بنا من الأمر ما ترون، وأن الدنيا قد تغيّرت وتنكرت وأدبر معروفها، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا بَرَما».
وعندما جنَّ الليل في ليلة العاشر من محرم، خطب بأصحابه حيث قال:
«أمّا بعدُ... فإني لا أعلم أصحابًا أو فى من أصحابي ، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً، ألا وإنّي أظنُّ أن يومنا من هؤلاء الأعداء غدًا، وإنّي قد أذنت لكم، فإنطلقوا جميعاً في حِلّ، ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فإتخذوه جملا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله خيرا، وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم، فإنما القوم يطلبوني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري ».
لكن أصحاب الحسين على الرغم من إعذاره لهم وسماحه لهم بالتفرّق لأن القوم يطلبوه وحده، فقالوا له: «والله لا نفارقك، ولكن انفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، وإذا نحن قُتِلنا، كنا وفينا وقضينا ما علينا »(1). أمّا أهل بيته من
1) تاريخ الطبري، ج 1، ص 317 - 318 .
إخوته وأبناءه وأبناء أخيه وأبناء أخته وأبناء عمومته فقالوا: « وَلم نفعل... لنبقى بعدك... لا أرانا الله ذلك أبدًا» (1).
كان العباس بن علي بن أبي طالب قمر بني هاشم) الساعد الأيمن لأخيه الحسين، فهذا الضرغام الذي أعطى أمثلة وليس مثالاً واحدا عن التضحية والفداء والإيثار ونكران الذات، بل في الشجاعة والبسالة التي ليس لها حدود. وأعطى للإخوة شكلاً لا يمكن أن يحدث أو يتصوره أحد.
بدأ فجر العاشر من محرم سنة 61ه-، وكان هناك جيش بعدّة آلاف من القادة والمقاتلين، إتّخذ النهر خلفه وهو يواجه مخيم ومعسكر الإمام الحسين. وأيقن الإمام أن القوم يريدونه مقتولاً بعد أن عرفوا إنه لا يعطي البيعة ليزيد . . .
وقد تأهّب الإمام وأصحابه والرجال والشباب والفتيان من أهل بيته، ووقفوا ليونا أمام هذا الجيش الجرار، وكان كل واحد منهم لا يقبل بأقل من أن يلقى ربّه شهيدًا يذود عن الحسين وعن مبادئ الإسلام.
وهنا لَم يغب عن بال الحسين بأن يعطى هؤلاء ومن خلالهم درساً بليغاً للإنسانية، وأن يذكّرهم بالحجج التي خرج من أجلها، وأن يبيّن مفاصل وأهداف ثورته التي بدأها سلميُّا لحد هذه اللحظة، حتى يعذر أي شخص بعد ذلك من إتخاذ موقفه... وتقدم إلى القوم وهو على فرسه وأراد منهم الإستماع إليه، ولكنهم لم ينصتوا !! وعندما إستمرّوا بتجاهله، صاح فيهم بأعلى صوته:
« ويلكم، ما عليكم أن تنصتوا لي وتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين ومن عصاني كان من الهالكين، وكلكم عاص لأمري
1) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين، ص189.
غير مستمع لقولي، فقد ملئت قلوبكم من الحرام، وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟.
فصاح الكثير من أفراد جيش عمر بن سعد وتحادثوا بينهم... وقالوا: (أنصتوا له). فقال الإمام الحسين بعد أن حمد الله وذكر نبيه الكريم: « تبَّا لكم أيها الجماعة وترحاً ، أحين إستصرختمونا ،والهين، فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم، وحششتم علينا نارًا أوقدناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم إلباً على أوليائكم، ويدا عليهم لأعدائكم بغير عدلٍ أفشوه فيكم، ولا أملَ لكُم فيهم، إلّا الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه من غير حَدَثٍ كان منا، ولا رأي تقيَّل لنا فهلا - لكم الويلات - إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهمتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش، سحقا لكم يا عبيد الأمة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان وعصبة الآثام، ومحرفي الكتاب، ومطفئي السنن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيدي عترة الأوصياء، وملحقي العمّار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمة المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم وهم في العذاب خالدون.
وأنتم ابن حرب وأشياعه تعضدون وعنا تخاذلون، أجل والله، الخذُل فيكم معروف، وَشُجَتْ عليه اصولكم وتآزرت عليه فروعكم وثبتت عليه قلوبكم، وغشيت صدوركم، فكنتم اخبث ثمرة، شجى للناظر، وأكلة للغاصب، ألاَ لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الإيمان بعد توكيده، (قد جعلتم الله عليكم كفيلا) فأنتم والله هُمْ.
ألا وإن الدعي قد ركز بين إثنتين، بين السلة والذُّلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجُدُودٌ طابت، وحُجُورٌ طُهرت، وأنوف حمية، ونفو
أبية، لا تؤثُر طاعة اللئام على مصارع الكرام... أَلَا وإنّي قد أعذرتُ وأنذرتُ، أَلاَ وإني زاحفٌ بهذه الأُسرة، مع قلّة العَدَد وكثرة العدو، وخذلان الناصر».
كان لهذه الخطبة المدوية تأثير على جيش ابن زياد، فبدأ البعض يهرب من معسكر الظلم ويتجه إلى معسكر الحسين ويقفون معه وعلى رأسهم الحر بن يزيد الرياحي القائد الذي جعجع بالحسين وأوصله إلى كربلاء، فإنه بعد أن سم سمع خطبة الحسينإرتعدت فرائصه ولم يستقر على فرسه فتجرأ أحد أصحابه وقال له: (ما بك؟)...
فأجابه الحر :«والله إنّي لأخيّر نفسي بين الجنة والنار »!!
وماهي إلاّ لحظات حتى ضرب فرسه برجله وإنتقل إلى معسكر الحسين، يعتذر منه ويطلب العفو ويرجو قبوله ناصراً، فقال له الحسين: «أنت حرُّ في الدنيا والآخرة». وعندها إنبرى أحد قادة الجيش الأموي وهو (عمرو بن الحجاج الزبيدي) عندما رأى أفرادا من الجيش ينتقلون إلى الحسين وقد احدثوا تأثيرا على الجيش فصاح بأعلى صوته:«يا أهل الكوفة، إلزموا طاعتكم وجماعتكم ، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام ! »(1).
لم يكن تأثير خطبة الإمام الحسين الأولى على الجيش الأموي فقط، بل زادت من حماسة أصحاب الحسين وأصبح أحدهم شعلة من البطولة.
عندما رأى الإمام ان أهل الكوفة قد أصرّوا على قتاله ولم يردعهم وازعٌ من ضمير، فقال لهم الحسين مخاطباً ومؤكدًا لهم حقيقة الأمر وليلقي آخر الحجج عليهم: «أيها الناس إسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظكم بما يجب لكم عليَّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري، وصدقتم قولي، وأنصفتموني، كنت بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر فإجمعوا أمركم وشركاءكم، ثمَّ لا يكن امركم عليكم غمّة، ثمَّ إقضوا إليَّ ولا تنظرون، إنَّ وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين. أما بعد...
1) تاريخ الطبري، ج 4 ، ص 331 .
فإنسبوني، فانظروا من انا، ثم إرجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها وإنظروا: هل يصلح لكم قتلي وإنتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم؟ وابن عمّه، وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربّه ؟
أوليس حمزةُ سيد الشهداء عمَّ أبي، أوَليس جعفر الشهيد الطيار عمّي؟ أَوَلَم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لي ولأخي: (هذان سيدا شباب أهل الجنة)؟ ، فإن صدقتموني بما أقول - وهو الحق – والله ما تعمدت كذبًا مذ علمت أن الله يمقتُ عليه أهله، ويضُر به من إختلقه، وإن كذبتموني فإنَّ فيكم من أن سألتموه عن ذلك أخبركم... سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك... يخبركم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صَلَّ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) لي ولأخي، أفها في هذا حاجزٌ لكم عن سفك دمي؟... فإن كنتم في شك من هذا القول أفتَشِكّون في أني ابن بنت نبيّكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري منكم ولا من غيركم وانا ابن بنت نبيكم خاصة. أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟ أو مال لكم إستهلكته ؟ أو بقصاصٍ من جراحة؟ ...
يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث ويا يزيد بن الحارث... ألم تكتبوا إلىَّ : أن قد أينعت الثمار وإخضرَّ الجناب، وطمت الجمام، وإنمّا تقدم على جُنْدِ لك مجنّد... فأقبل ».
فردوا على الإمام وقالوا له: (لم نفعل).
فقال الحسين: «سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم ».
فقال له قيس بن الأشعث بن قيس (1): «أولاً تنزل على حكم ابن عمّك، فإنهم لن يَرَوك إلّا ما تُحِبْ ولن يصل إليك منهم مكروه» ... أي بايع يزيد وتلقى السلامة!!
1) قيس بن الأشعث بن قيس كان ممن كتبوا إلى الحسين، وهو ابن الأشعث بن قيس الذي طالما كان من أتباع الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وفي خلاف معاوية مع الإمام علي كان الأشعث مع الإمام وله إتصال خفي بمعاوية !! ، وكان الإمام الحسن ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) متزوجًا من ابنته ( جعدة بنت الأشعث) وهي التي سقته السمّ بالإتفاق مع معاوية وبه أستشهد الإمام الحسن ومحمد بن الأشعث أخو قيس، هو الذي تولّى حرب مسلم بن عقيل في الكوفة، وكان اليد الضاربة للمجرم عبيد الله بن زياد حيث استشهد مسلم، وها هو قيس بن الأشعث بعد ما كتب للحسين جاء فيمن جاء لقتله ! ! فسبحان الله على هذه النماذج الناكثة للعهد والمارقة عن الدين والأخلاق، ولا يعلم المرء كيف كانت هذه الذئاب البشرية تعمل، بل ماذا كانت تريد وتطلب ؟!!
وأخيرًا وعندما رأى الحسين أنه قد أعذر القوم ولا إذان صاغية وهم مصممون على قتله، فقال الإمام مقالته الخيرة معهم بعد أن يئس منهم:
«لا والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقُّرُ إقرار العبيد، عباد الله: إني عُذْتُ بربي وربّكم أن ترجمون. أعوذ بربي وربّكم من كل متكبّرٍ لا يؤمن بيوم الحساب » (1).
كان أمير الجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص (2)
وكان عبيد الله بن زياد قد كتب عهده إلى عمر بن سعد ليتولى (الري) وهي من بلاد فارس، فلمّا كان من أمر الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ما كان دعاه بن زياد ليقود الجيش الذي يذهب لقتال الحسين وقال له: سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك )) ، فاستعفاه فقال: (( نعم على أن ترد عهدنا )) - أي توليته الري - فلما قال له ذلك، قال: (أمهلني اليوم حتى أنظر)، فإستشار عمر بن سعد
– نصحاءه فكلهم نهاه، وقال له ابن أخته حمزة بن المغيرة) : (( أنشدك الله ياخالي أن لا تسير إلى الحسين فتأثم، وتقطع رحمك ، فوالله لأن تخرج من دنياك، ومالك سلطان في الأرض، خير من أن تلقى الله بدم الحسين )) ، فقال عمر : (أفْعَلْ)، وبات ليلته مفكراً في أمره، ولكنه وافق بالمسير لقتال الحسين
قد تلّقى يوم التاسع من محرم كتاباً من عبيد الله بن زياد، أرسله بيد المجرم (شمر بن ذي الجوشن)، ويقول فيه:1) الكامل في التاريخ: لابن الثير، ج3، ص287.
2) عمر بن سعد : هو ابن الصحابي سعد بن أبي وقاص فاتح العراق في معركة القادسية وأحد الستة من اعضاء مجلس الشورى الذي عينه الخليفة عمر بن الخطاب ليكون أحدهم خليفة من بعده، وكان سعد بن أبي وقاص يمُتُّ بقرابة للإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ولكنه لم يبايع الإمام أمير المؤمنين عندما تولّى الخلافة بعد عثمان. وكان عمر بن سعد فيمن حضر قتل مسلم بن عقيل في الكوفة، وعندما اراد مسلم قبل أن تضرب عنقه لم يجد في القوم من هو أقرب رحما من عمر بن سعد، فطلب منه أن يتكفل بوصيته التي منها أن يبيع ما يملكه من مواد له في الكوفة منها سيفه ودرعه لقاء دين عليه، وأن يبعث أحداً إلى الحسين يخبره بنقض أهل الكوفة عهدهم معه وينصحه بالرجوع من حيث أتى، ولم يكتم عمر الوصية فأخبر بها عبيد الله بن زياد وتم قتل مسلم ولم يوفِ عمر بما أوصاه مسلم.
«أمّا بعدُ، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً، أنظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم، وإستسلموا فإبعث بهم سلا، وإن أبوا فإزحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قُتِلَ الحسين فاوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق مشاق، قاطع ظلوم وليس في هذا أن يضر بعد الموت شيئًا، ولكن علي قول، لو قتلته فعلت هذا به » (1).
كما أن ابن زياد أمر بهذا الكتاب بقتل الحسين وأخبره ، إن لم يطع الامر فسيكون شمر بن ذي الجوشن الأمير على الجيش !! فأحسَّ عمر بن سعد أن (شمر) هو عينٌ عليه، فما كان منه إلّا أن يأخُذَ سها يرمي به بإتجاه الحسين وأصحابه وهو يقول: «إشهدوا لي عند الأمير بأنني أول من رمى الحسين »!!...
يعني ذلك بدء القتال، وكان بالفعل حيث بدأت المبارزة كما هو معمول به من قبل البعض، حيث برز أصحاب الحسين واحدًا واحدا يقاتلون إلى أن إلتحم القتال في ظهيرة يوم العاشر من محرم.
هكذا بدأ القتال في تواتر وسرعة لم تتح لكلمات الحسين أن تفعل أثرها. وقاتل الإمام الحسين وصحبه وآل بيته قتالاً مجيداً أوقع بجيش الأمويين الرعب والهلع من البسالة والشجاعة الفائقة التي أظهروها، حيث كثُرَ القتل بجيش الأمويين.
وكانت معركة غير متكافئة بجميع المقاييس، وكان قمر بني هاشم (العباس بن علي بن أبي طالب) (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أسدًا كأبيه، حيث قدّم أروع صور البطولة والشهامة والإقدام، حتى سقطوا جميعاً شهداء، وسقط الحسين على الأرض مثخناً بالجراح،
وتمثلوه قائلًا:
أأترك ملك الري والري منيتي ***أم أرجع مذموماً بقتل حسين وفي قتله النار التي ليس دونها حجاب وملك الري قرة عين
1) الكامل في التاريخ: لابن الأثير ، ج 3، ص 284 . وتاريخ الطبري، ج 4 ، ص314.
مصابًا بأكثر من مئة طعنة بين ضربة رمح أو سهم أو سيف، وقد خارت قواه، وقد تمثله المرحوم الشاعر الشيخ محسن أبو الحب(1)وهو يقول:
أعطيت ربّي موثقاً لا ينتهي*** إلّا بقتلي فاصعدي وذريني*** إن كان دين محمد لم يستقم*** إلا بقتلي يا سيوف خذيني ***هذا دمي فلتر و صادته الظبا ***منه وهذا بالرماح وتيني
ثم تقدم شمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس وشبث بن ربعي إلى الحسين وهو مرميُّ على الأرض، فإحتزَّ اللعين شمر بن ذي الجوشن رأسه الشريف، وساعده اللعينان سنان وشبث... ثم وطأ جسده الشريف بسنابك الخيل حيث جالت عليه، ومثلوا به أبشع تمثيل!!... ومن ثَمَّ حملوا الرؤوس على أسنة الرماح، وأخذوا عیال رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أسارى إلى عبيد الله بن زياد... ثم إلى يزيد بن معاوية في الشام، وإنتهت هذه الجولة بأروع استشهاد وأعظم بطولة، وكانت شهادة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في يوم عاشوراء بكربلاء، أكبر إنتصار للثورة، لأنها تغلغلت في الضمير العربي والإسلامي بل والإنساني، وأحيت الضمائر التي خنقها الإرهاب، بعد ذلك بستين عاماً ... دولة بني أمية. إثنان وسبعون شهيدًا هو مجموع من إستشهدوا في يوم عاشوراء، بينهم أبناء الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ علي الأكبر وعبد الله الرضيع عدا الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الذي كان في شدّة المرض ومنع عن القتال. أراد الأوباش قتله وقد حمته عمته الحوراء زينب بطلة كربلاء الذي كان لها موقف كبير إثناء نهضة الحسين وفي يوم عاشوراء وما بعده. وأبناء أخيه الإمام الحسن (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عدا الحسن (المثنى) الذي كان طفلاً لم يصل السن العاشرة من عمره، وإخوة الإمام الحسين
لتسقط
1) هو المرحوم الشيخ محسن الكبير بن الحاج محمد بن الشيخ حسن أبو الحب المولود في كربلاء سنة 1244ه-: 1828م والمتوفى سنة 1305ه- : 1887م، كان خطيب زمانه في كربلاء وأشهر من إعتلى المنبر الحسيني.
الأربعة أولاد أم البنين الكلابية وعلى رأسهم العباس (قمر بني هاشم) وجعفر وعبد الله وعثمان، ومن أولاد الإمام علي أيضًا محمد الأصغر وأبو بكر، ومن آل جعفر الطيار ابنه عبيد الله وولدا أخيه عبد الله عون و محمد وأمهما الحوراء زينب، وسبعة من رهط آل عقيل بن أبي طالب، وخمسون شهيدا من أصحاب الإمام الحسين بينهم أحد عشر من صحابة رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) بُشِّروا باستشهادهم مع الحسين من النبي الأكرم وسمعوا منه ما يكون على الحسين. ومن بين الشهداء إمرأة واحدة هي أمُّ وهب بن حباب.
كما أن هناك الكثير من إستشهد في غير يوم كربلاء مشاركًا في ثورة الحسين إمّا قبل الواقعة أو بعدها، أمثال مسلم بن عقيل بن أبي طالب، والصحابي الجليل هانئ بن عروة، والصحابي عبد الله بن يقطر، وقيس بن مسهر الصيداوي، وعبد الله بن عفيف الأزدي، وغيرهم ممن أستشهد مع مسلم في الكوفة، ومن بعد يوم كربلاء أستشهد الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي في معركة (عين الوردة)، ومعه المسيب بن نَجَبة الفزاري وآخرين.
والشهداء المدفونون في كربلاء مع الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) هم:
1 - (الصحابي) حبيب بن مظاهر الأسدي.
2 - (الصحابي) يزيد بن مغفل بن عوف المذحجي الجعفي.
3- (الصحابي) جنادة بن الحارث بن عوف المذحجي المرادي السلماني.
4- (الصحابي) جابر بن عروة الغفاري.
5- (الصحابي) كنانة بن عتيق بن معاوية التغلبي.
6- (الصحابي) أنس بن الحارث بن نبيه بن كاهل الأسدي.
7- الصحابي) شوذب بن عبد الله الهمذاني الشاكري.
8 - (الصحابي) سعد بن الحارث بن سارية الخزاعي.
9- (الصحابي) عبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري.
10 - (الصحابي) مسلم بن عوسجة بن سعد الأسدي السعدي.
11- (الصحابي) زاهر بن عمرو بن الأسود الأسلمي.
12 - زهير بن القين البجلي.
13 - نافع بن هلال.
14 - برير بن خضير الهمذاني.
15 - الحر بن يزيد الرياحي. أخذته قبيلة تميم إلى مرابعها ودفنته في مرابعها).
16 - عابس بن شبيب الشاكري.
17 - ربيعة بن حوط بن رئاب ابن عم حبيب بن مظاهر).
18 - نعيم بن عجلان. 18
19 - عمران بن كعب بن حارث الأشجعي.
20 - حنظلة بن عمرو الشيباني.
21 - قاسط بن زهير.
22- ضرغامة بن مالك.
23- عامر بن مسلم.
24 - مجمع بن عبد الله العائذي.
-25- عمرو بن جنادة بن الحارث.
26- الحلاس بن عمرو الراسبي.
27- سوار بن أبي عمير الفهمي.
28 - عمار بن أبي سلامة الدالاني.
29 - جبلة بن علي الشيباني.
30- مسعود بن الحجاج.
31- زهير بن سليم.
32- عبد الله بن زيد البصري.
33- عبيد الله بن زيد البصري.
34- جون مولى أبي ذر الغفاري.
35- عمرو بن قرظة الأنصاري.
36- الحجاج بن مسروق الجعفي.
37- يزيد بن زياد بن المهاجر الكندي (أبو الشعثاء).
38- سيف بن الحارث بن سريع الجابري.
39- مالك بن عبد بن سريع الجابري.
40 - أبو الحتوف بن الحارث .
41- أنيس بن معقل الأصبحي.
42 - قرة بن أبي قرة الغفاري
43 - يحيى بن سليم المازني.
44- سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي.
45 - حنظلة بن أسعد الشبامي.
46- النعمان بن عمرو الراسبي.
47 - عمرو بن شِيعَه.
48 - عبد الله بن عمير الكلبي.
49- وهب بن حباب الكلبي.
50 - أم وهب بن حباب )ابنة عبد الله بن النمر بن قاسط).
51 - جعفر بن عقيل بن أبي طالب.
52 - عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب.
53 - محمد بن عقيل بن أبي طالب.
54 - علي بن عقيل بن أبي طالب.
55 - محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب
112
56 - عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب.
57 - محمد بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب.
58 - عبيد الله بن جعفر بن أبي طالب.
59 - عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (ابن الحوراء زينب).
60 - محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (...).
61 - القاسم بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب.
62 - أبو بكر بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب.
63 - عبد الله بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب.
64 - العباس بن الإمام علي بن أبي طالب (أبو الفضل، قمر بني هاشم).
65- عبد الله بن الإمام علي بن أبي طالب.
66 - جعفر بن الإمام علي بن أبي طالب.
67- عثمان بن الإمام علي بن أبي طالب.
68 - محمد الأصغر بن الإمام علي بن أبي طالب.
69 - أبو بكر بن الإمام علي بن أبي طالب.
70- علي الأكبر بن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب.
71- عبد الله (الرضيع) بن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب.
72- سيد شباب أهل الجنة الإمام التقي النقي الطاهر الزكي أبا عبد الله الحسين. .
عندما إنجلى غبار الجريمة النكراء التي قام بها جيش الأمويين، والتي إنتهت باستشهاد الإمام الحسين وحزّ رأسه الشريف وبعض رؤوس الشهداء العظام، أمر عمر بن سعد قائد الجيش بنهب مخيّم الحسين وأصحابه وحرقه، حيث تعهد بهذا الفعل الشنيع المجرم (حرملة بن كاهل) (1).
1) حرملة بن كاهل : هذا المجرم اليهودي الذي أسلم رياءً، وإرتد بعد وفاة النبي ، وقد حمل راية (سجاح)التي إدّعت النبوة مع مسيلمة الكذّاب، ورجع إلى الإسلام كرها بعد حروب الردة. وكان هو قاتل عبد الله الرضيع بن الإمام الحسين حيث أصابه بسهم في نحره وهو يتلوّى من شدة العطش، ولم يشفي غليله كل ذلك فقام بحرق ونهب مخيم الحسين.
وقيّد الإمام زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بالسلاسل وأخذ الأطفال والصبايا والنساء وحرائر رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ )أسارى مقيدين يحيط بهم أفراد الجيش وقد حملت الرؤوس على أسنّة الرماح متوجهين إلى الكوفة حيث واليها الدعي بن الدعي عبيد الله بن زياد، وقد تركت الأجداث معفّرة على تراب كربلاء من غير أن تدفن، طعما للضواري والعقبان، حقدًا ولؤمًا وتشفيًا من قبل هؤلاء الذئاب البشرية التي لا ترعى ذمّة لآل رسول الله.
المتواتر من الأخبار ومما تناقلته المصادر الكثيرة وما ذكره المؤرخون والذين كتبوا عن أحداث يوم عاشوراء في كربلاء، أن بني أسد هم الذين قاموا بدفن الأجداث المرّملة لشهداء الطف رضوان الله عليهم بعد يومين من الواقعة.
كان بنو أسد يقطنون القرى المحيطة بأرض كربلاء، وكان تجمعّهم الأكبر في قرية (الغاضرية)، وبعد انجلاء الواقعة فقد قامت أفراد كثيرة من قبيلة بني أسد بالنزوح إلى أرض المعركة، وقاموا بتعليم الأجداث ودفنها وذلك يوم الثاني عشر من محرّم، فقد أفردوا للإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حفرة ووضعوا فيها جسده الشريف مقطوع الرأس، ودفنوا عند رجليه ولديه علي الأكبر وعبد الله الرضيع.
تم دفن بقية الشهداء في حفرة واحدة تبعد امتاراً قليلة عن قبر الحسين وولديه، وقد أفردوا قبراً منفردًا إلى الشهيد الصحابي حبيب بن مظاهر الأسدي، في الناحية المقابلة لقبر الحسين وحفرة الشهداء، وذلك لكونه من رؤساء قبيلة بني أسد وله مقام رفيع لديهم على ما هو ظاهر في حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
أمّا عن الحر فإن أفراداً من قبيلة تميم التي كانت تسكن غرب أرض كربلاء فقد ساهموا أيضاً بذات العمل ولكنهم حملوا جثمان الشهيد الحر بن يزيد الرياحي التميمي إلى مقربة من موطن سكناهم حيث دفنوه بالقرب منهم ، وهو موضع قبره الحالي.
أمّا فيما يخص قبر أبي الفضل العباس بن علي (قمر بني هاشم) فالمعروف لدى العامة بأنه دفن في الموقع الذي أستشهد فيه، وهو موقع مرقده الشريف الحالي... الذي يبعد عن قبر الإمام الحسين بما يقارب (300م) شرقًا، وذكر البعض أنه دفن على ضفة نهر العلقمي، ولا نعتقد بصحة هذا القول حيث إن مجرى النهر قديماً كان يبعد عن قبره الحالي بمسافة تقارب كيلومتر واحد، لأن أرض المعركة التي سقط فيها أبي الفضل العباس وبقية الشهداء هي هضبة ترتفع عن ما جاورها محاطة بتلال من جهات ثلاث عدا الشرق الذي تنحدر الأرض فيه إلى مجرى النهر، لأن النهر لا يصعد على الأراضي المرتفعة (راجع جغرافية بقعة كربلاء في هذا الكتاب).
وقد ذكر البعض بأن قبر أبي الفضل العباس من ضمن قبور بقية الشهداء في الحفرة التي تلي موضع الرجل للإمام الحسين، معللين القول بأن مشهد قبر العباس لم يذكر في التواريخ إلّا بعد القرن الثامن الهجري، ونحن نؤكد بأن قمر بني هاشم العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، دُفن في موضعه الحالي منفردًا، ولا دليل لمن يخالف ذلك، ، وهي من مشيئة الباري سبحانه ليخلد هذا البطل العظيم ويكون قبره الشريف ملاذاً للشفاعة.
من المؤكد بأن رأس الحسين وبقية رؤوس بعض أصحابه قد أُعيدت إلى كربلاء بعد أخذها ليزيد بن معاوية، وتؤكد المرويات أنها أعيدت في يوم الأربعين من استشهاده، (ولنا رأي في ذلك سنوضحه لاحقاً). وقام الإمام علي زين العابدين بدفن رأس الإمام مع جسده الطاهر وكذلك البقية، حيث إن عودة الإمام زين العابدين مع حرائر أهل بيت النبوّة الذين أخذوا سبايا من كربلاء إلى الكوفة ثم الشام، وبعدها
أمر يزيد بإعادتهم إلى المدينة، وقد توجه الإمام زين العابدين إلى كربلاء ليدفن الرأس ويزور قبر والده الشهيد و (يعّلمه) بعلامة واضحة، ومن ثَمَّ واصلوا المسير إلى المدينة مبتعدين عن الكوفة.
وسمی ذلك الفعل ب- (مَرَدَّ الراس)، ومنه كانت زيارة (الأربعين) الشهيرة التي يزدحم فيها المؤمنون ومحبي آل البيت بزيارة قبر الحسين منذ ذلك التاريخ لحد الآن وبأعداد كثيرة وصلت إلى عدة ملايين، ويعتبرها الشيعة بمثابة تجديد البيعة على النهج الذي إختطه الإمام الحسين وآل بيته عليهم السلام، وتباركا ومثوبة لا يعدلها شيء (1).
أوّل من زار قبر الحسين بعد استشهاده هو (عبيد الله بن الحر الجعفي)، وقد ذكرنا سابقاً بأن الإمام الحسين قد التقى ابن الحر في قصر بني مقاتل، ورفض ابن الحر ،نصرته، ولكن بعد استشهاد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) كان عبيد الله بن زياد والي الكوفة يتفقد أشراف الكوفة وساداتها، فلم يجد عبيد الله بن الحر الجعفي بينهم فطلبه وجاءه ابن الحر بعد أيام ودخل عليه فقال له ابن زياد :«أين كنت يا ابن الحر؟ » فأجابه (كنت مريضاً)، فرد عليه ابن زياد:« أكنت مريض القلب أو مريض البدن؟ »، فأجابه بن الحر: «أمّا قلبي فلم يمرض ، وأمّا بدني فقد من الله عليه بالعافية» ، فقال له ابن زياد: كذبت، ولكنّك كنّت مع عدوّنا »، فأجابه ابن الحر: (لو كنت مع عدوّك
1) تناقل البعض أن رأس الحسين دفن في مصر في الموقع الحالي المسمّى باسم مقام رأس الحسين في القاهرة، معللين بأن شيعة الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في مصر طلبوا ورود الرأس من الشام للتبرك به ومن ثم دفنه هناك، ولم يأتي بهذه الرواية إلّا ابن نما لاغيره. وهذا غير صحيح البتة وأن هذه الرواية مصطنعة من قبل حكام الدولة الفاطمية الذين أسسوا دولتهم على أساس ولائهم لآل البيت وكانوا يحتاجون إلى رمز يلتفون حوله، فقد إدعوا بأن رأس الحسين ورفات السيدة زينب قد دفنا في مصر وتم تشييد عمارات كبيرة عليهما، ونعتقد بأن ذلك كله يأتي من جوانب سياسية سلطوية لتثبيت أركان حكمهم لا غير ، والحقيقة التي لا غبار عليها هي أن رأس الحسين اعيد إلى كربلاء، وأن قبر السيدة زينب في الشام.
لرؤي مكاني، وما كان مثل مكاني ليخفى »، فغفل عنه ابن زياد غفلة خرج ابن الحر على أثرها مسرعاً ممتطياً جواده، ولمّا سأل عنه ابن زياد وعلم بخروجه، نادی شرطته أن هلمّوا به إليَّ، فجاءته شرطة ابن زياد وقالوا له: (أجب الأمير)، فدفع جواده ثم خاطب القوم :«أبلغوا ابن زياد أني لا آتيه طائعا أبدًا ».
وخرج على إثر ذلك من الكوفة حتى أتى منزل أحمد بن زياد الطائي، فإجتمعإليه أصحابه ثمَّ توجّه قاصدًا كربلاء، فنظر إلى مصارع القوم فرثى الحسين وقال:
يقول أمير غادر وابن غادر*** ألأكنت قاتلت الحسين ابن فاطمه*** ونفسي على خذلانه وإعتزاله*** وبيعة هذا الناكث العهد لائمه فيا ندمي أن لا أکون نصرتهألا كلُّ نفس لا تسدد نادمه ،وإني لإن لم أكُنْ مِنْ حُمَاتِهِ لذو حسرة ما إن تفارق لازمه سقى الله أرواح الذين تبادروا إلى نصره سقيا من الغيث دائمه** وقفت على أجداثهم ومجالهم فكاد الحشا ينقض والعين ساجمه لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى*** سراعًا إلى الهيجا حماة خضارمه*** تأسّوا على نصر ابن بنت نبيّهم بأسيافهم آساد غيل ضراغمه فإن يُقتلوا فكل نفس تقية على الأرض قد أضحت لذلك واجمه وما ان رأى الراؤون أفضل منهم لدى الموت سادات وزهراً قماقمه أتقتلهم ظلما وترجوا ودادنا*** فدع خطة ليست لنا بملائمه لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم فكم ناقم منا عليكم وناقمه*** أهِمُّ مرارا أن أسير بجحفل إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه فكفّوا وإلا ذدتكم في كتائب*** أشدّ عليكم من زحوف الديالمه
وتوجه بعد ذلك إلى المدائن (1). وأقام ابن الحر على شاطئ الفرات إلى أن مات يزيد. وجاء في الأخبار الطوال للدينوري : أنه سار منها (أي المدائن) إلى الجبل مغاضباً لابن زياد، وأتبعه أناس من صعاليك الكوفة وبقي حتى كان أمر المختار بن أبي عبيد الثقفي عند مناداته بثأر الحسين، دعى ابن الحر الجعفي فلم يجبه حتى آل الأمر بالمختار أن هدم داره في الكوفة وأسر عياله، فشدّ عليه عبيد الله بن الحر الجعفي وأتى الكوفة وأخذ أهله وذهب لحال سبيله.
لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)
تؤكد الكثير من الروايات بأن الإمام السجاد علي بن الحسين زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) زار مرقد أبيه الإمام الحسين في كربلاء بصحبة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري (2)، ولكن المختلف فيه هو السنة التي زارا فيها القبر
1) راجع تاريخ الطبري: المجلد 3 ج 6، ص270 . والكامل في التاريخ، ج 4 ، ص 237 - 238 .
2) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصار يالسلمي ويكنّى أبا عبد الرحمن وأبا محمد كما جاء في الإصابة لابن حجر العسقلاني، ج 1، ص 213. روى عنه جماعة من الصحابة وقد شهد العقبة، وكان فقيهاً مشهوراً وهو أحد نقباء المدينة. كان صحابياً ممن سمع الحديث عن النبي (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) ورواه، وشارك في أكثر غزوات الرسول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان مع الإمام علي في حرب (صفين). كان مواليا لأهل البيت عارفًا بقدرهم واخبره النبي ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) : (( إنك ستعيش طويلا حتى تدرك ولد من أولادي اسمه إسمي يبقر العلوم بقرا كما يبقر الثور الأرض فبلغه سلامي ) . وقال العلامة الطوسي رحمه الله: (( عندما كبر جابر ضعف بصره، وزاره الإمام محمد الباقر ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وسأله عن حاله، فتعلق جابر بأذيال الإمام وقال صدق رسول الله فإنه قال ... )) . وفي ثورة الحسين كان جابر بن عبد الله مناصرا له لحبه الشديد إيّاه وما سمعه من النبي ( صَلَّ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) عنه، وهو من الذين نصحوا الحسين بعدم الخروج، وعندما خرج الحسين من مكة ذهب جابر إلى البصرة، وعندما قتل الحسين وكان قد كَفَّ بصره، طلب الرحيل إلى قبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وكان من أوائل من زار القبر الشريف. وعاش جابر طويلا حتى أدرك الإمام الباقر، وتوفي سنة 76 ه- في المدينة المنوّرة. وأغلب الروايات تؤكد أن جابرا زار قبر الحسين مع الإمام زين العابدين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) سنة 62 ه-، ومنهم من قال في نفس السنة - التي قتل فيها الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، حيث ذكر أن الإمام زين العابدين عندما رجع برأس الحسين ليدفنه مع الجسد الطاهر ، وجد عند القبر جابر بن عبد الله وقد كفّ بصره.
الشريف من ناحية، وهل كانا مجتمعين بالزيارة أم لا من ناحية أخرى. وذكر الزيارة السيد ابن طاووس في كتاب اللهوف في قتلى الطفوف إلّا أنه لم يذكر السنة، وكذلك السيد محسن العاملي في كتابه لواعج الأشجان ولم يذكر السنة أيضاً.
وفي رواية وردت في تاريخ قمقام جاء فيها: « وقد قال الصحابي المشهور جابر الضرير الأنصاري لقومه عندما زار قبر الحسين في 20 صفر عام 62ه- مع جماعة من المسلمين من أهل المدينة وإجتمع بنفس السنة مع الإمام السجاد علي بن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) : ألمسوني القبر » (1).
ونحن نبحث عن مرد الرأس وزيارة الصحابي جابر بن عبد الله النصاري، ولقاءه مع الامام السجاد (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وبقية الأسرى في يوم الأربعين... لنا في هذا الموضوع وقفة لابد أن نتمعن بها ونناقشها بشيء من الدقة ونقول:
من المفيد أن نذكر بأنه لا مجال لتصديق عودة الرأس الشريف في يوم (أربعین) 20 صفر سنة 61 ه- . ومجال الشك هنا هو أن الرؤوس والأسارى أُخذوا بعد يوم العاشر من محرم إلى الكوفة، والمسير من كربلاء إلى الكوفة ربما إستغرق على
أقل تقدير يومان، ولا أحد يذكر كم بقوا في الكوفة قبل أن يرحّلوا إلى الشام.
فهناك رواية تقول بأن عبيد الله بن زياد إستأذن يزيد ابن معاوية بتسيير الرؤوس والأسرى إلى الشام، وهذا يتطلب وقتا حتى تَردْ توجيهات يزيد لأن المسافة بين الكوفة ودمشق تقارب إل- (1000 كم) على أقصر الطرق وهو طريق البادية الغربية.
أو أن تكون لدى ابن زياد التوجيهات المسبقة بأن تنقل الرؤوس والأسارى من آل البيت بمجرد قتل الامام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ومن معه، وحتى إذا كان هذا الأمر واردا فإن الذهاب إلى الشام والعودة بالرؤوس والأسرى من النساء والأطفال
1) تاریخ قمقام فرهاد محمد ، ص 495.
وبعض الرجال منهم الامام السجاد الذي كان في شدة المرض، فيتطلب ذلك وقتًا طويلاً، فالأمر ليس مشابها ل- (صاحب البريد) يذهب ويعود مسرعًا أو بوسائط نقل البريد والمعلومات وغيرها في ذلك الزمان.
والأمر الأكثر غرابة هو ما ينقله البعض هو أن الرؤوس والأسرى أخذوا عن طريق طويل جدًا، ومرت قافلة الرؤوس بمدن عديدة، لم يبرر هذا المسير من تطرّق إليه . فمنهم من قال أن الرؤوس والأسرى تم تسييرهم من الكوفة إلى الدجيل وتكريت ثم الموصل وبعدها إلى حلب ومنها إلى حماة ومن ثَمَّ إلى حمص ومنها إلى بعلبك في (لبنان) ومنها إلى دمشق (كم) ذكر ذلك الدكتور لبيب بيضون)(1)عن مصادر متفرقة
أو من قال بأن القافلة سُيّرت عن طريق الفرات صعوداً إلى الشام، أي أن القافلة سارت بإتجاه الأنبار وهيت وعانة حتى دخلوا الشام من (الرقّة) ثم التوجه منها إلى دمشق. وأنه الطريق المعروف من العراق إلى الشام، وهو ذاته الطريق الذي سلكه الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلى صفين بمحاذات نهر الفرات، وإبتعادًا عن الصحراء القاحلة التي يصعب السفر خلالها على الرغم من قصر المسافة نسبياً. إلا أن هذا الطريق يتجاوز إل- 1000 كم أيضاً، فحتى الذي يسلكه دون توقف فيستغرق مشياً على الاقدام أو الركوب على الدواب (جمال، خيول، بغال) قرابة الشهر. يضاف إليه وقت البقاء في دمشق إلى أن وافق يزيد بإعادتهم إلى العراق أو الحجاز... غير متناسين ظروف الأسرى وحالة مصابهم الفظيعة التي لم يشهدها بشر !!... فهذا الأمر برمته عليه أكثر من علامة استفهام لتصديق الترحيل والعودة بأربعين يوماً.
وأن جابر بن عبد الله الانصاري ورواية زيارته لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في يوم الأربعين ولقاءه بالامام السجاد (عَلَيْهِ السَّلَامُ) والثكالى من ثقل آل محمد في نفس السنة أي 20 صفر سنة 61 ه- فهي صعبة التصديق لأن الصحابي جابر كان في المدينة عندما
1) موسوعة كربلاء : د. لبيب بيضون، ج 2، ص 326 - 395.
أستشهد الامام الحسين وهو مكفوف البصر ، وأن خبر مقتل الحسين قد أخذ وقتًا حتى وصل إلى المدينة، وعنده تهيأ جابر للخروج إلى العراق وزيارة القبر الشريف، فلذلك وقت يجب أن يحسب بعناية.
فإمّا أن يكون حينها جابر الانصاري قريباً من كربلاء وليس في المدينة، فيكون هنا قد زار قبر الحسين دون أن يلتقي بالامام السجاد ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). أو أن تكون زيارته ليست في يوم الأربعين أو أن تكون زيارته كانت في 20 صفر من السنة التالية (سنة 62ه-) وإحتمال لقاءه بالامام السجاد عند قبر الحسين بعد سنة من استشهاده عليه السلام. أو أن الرواية المنقولة عن زيارة جابر إلى قبر الحسين لم تكن تحديدا في یوم الأربعين 20 صفر سنة 61 ه-، ولا في 20 صفر سنة 62 ه-، وإنما تزامنت زيارته في الوقت الذي عاد الامام السجاد برأس الحسين من الشام. وقد يكون اليوم هو ليس يوم الأربعين. فالمشهور بأن مردّ الرأس كان يوم الأربعين، وهذا يصعب تصديقه على النحو الذي ذُكِر. ومن قائل يذكر أن زيارة الأربعين الشهيرة والتي يتوافد فيها الناس بأعداد غفيرة سنوياً، تأسست من ذلك الحدث... وعليه يمكن أن نورد رأيا نجده أكثر مقبولية هو أن الامام علي زين العابدين (السجاد) زار قبر والده يوم 20 صفر سنة 62ه-، الذي يوافق الذكرى الأولى لأربعينية الامام الحسين، وفيها توافق زيارة الصحابي جابر بن عبد الله الانصاري ولقائه بالامام السجاد ومن ذلك التاريخ أخذت (زيارة الأربعين) مداها المشهور تيمناً بزيارة الامام زين العابدين علي السجاد (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
ورواية المجلسي في بحار الأنوار (1)عن زيارة جابر هي مشابهة لما نُقل عن أبي حمزة الثمالي بتعليمات الامام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عن كيفية الزيارة، وهي الدخول إلى الغاضرية ومنها الاغتسال في النهر... إلخ.
1) بحار الأنوار المجلسي، ج 21 ، ص203.
أما رواية العلامة ابن طاووس في كتابه اللهوف حيث قال: «ولما رجعت نساء الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا لله ليل مر بنا على طريق كربلاء. فوصلوا إلى موضع المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الانصاري وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله قد وردوا لزيارة قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ). فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد وإجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياماً»(1).
ومن رواية ابن طاووس نجد بأنه ذكر النساء وإجتمع إليهم نساء السواد وأقاموا المآتم ولم يذكر لقاء السجاد بجابر، كما أنه لم يذكر الحادثة هل كانت في يوم الأربعين أم في يوم آخر غيره !!
إذا أردنا أن نتتبع جميع الروايات عن مسير الرؤوس والأسارى نجد أن بعضها يؤكد بأن الرجوع من دمشق كان إلى مصر ومن ثَمَّ العودة إلى كربلاء فالمدينة!!
ولعمري إن صح ذلك فمن المستحيل أن يكون مرد الرأس في يوم الأربعين من نفس سنة استشهاد الامام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
1) اللهوف في قتلى الطفوف العلامة ابن طاووس، ص 176 .
بعد مقتل الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قام بعض كبار أهل الكوفة ممن كتبوا إلى الإمام الحسين ثم تأخروا عن نصرته خوفًا من بطش الأمويين، بالتجمع خفية يتباحثون بالثورة على الأمويين ويرفعون شعار الطلب بالثأر للحسين. وإعتقدوا بأن لاشيء يبعد عنهم الإثم إلّا بالتصدي لقتلة الحسين، ولا يهدأ لهم بال إلّا بقتل من قتله أو يُقتلون دون ذلك. وسمّوا أنفسهم ب- (التوابين).
هذه الحركة منبثقة من الآية الكريمة التالية التي أصبحت شعارهم: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (1).)كان رؤساؤهم خمسة يتقدمهم الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي (2ومعه أربعة من كبار القوم وهم: الصحابي المسيب بن نَجَبة الفزاري (3)، وعبد الله بن وائل التميمي، ورفاعة بن شداد البجلي، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي. وكلّهم من صحابة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كان هؤلاء الخمسة يجتمعون في الخفاء طيلة أربع سنوات، وكتب سليمان ابن صرد إلى (سعد بن حذيفة بن اليمان))
1) الآية 54 من سورة البقرة.
2) هو سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم الخزاعي، كما ورد في الاستيعاب لابن عبد ربه في ج 2، ص 63 . وسليمان بن صرد صحابي معروف، كان خيرا فاضلا محبا لرسول الله (صَلَّ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) ولأهل بيته، وكان من خاصة الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ). كان اسمه (يسارا) فغيّره النبي ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) فسمّاه سليمان، وهو زعيم الموالين من أهل الكوفة ورئيس التوابين. روى عن رسول الله (صَلَّ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وممن كاتب الحسين، وقد حبسه ابن زياد فتخلّف عن الحسين واطلق سراحه بعد مقتل الحسين وقتل في (عين
3) هو الصحابي المسيب بن نجبة بن ربيعة بن رياح بن عوف بن هلال بن سمح بن فزارة الفزاري، كما ورد في الإصابة لابن حجر العسقلاني في ج 3، ص 495... وهو من الذين أدركوا الرسول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد شهد القادسية وفتوح العراق فيما ذكر ابن سعد في طبقاته، وله رواية عن حذيفة وعلي. وقال ابن سعد أنه كان مع علي في مشاهده. وهو ممن كتبوا إلى الحسين وقد منعه ابن زياد وحبسه حتى أطلق سراحه بعد مقتل الحسين.
ومن معه من الموالين لآل البيت (بالمدائن بأمرهم فإستجابوا لدعوته، وكتب أيضاً إلى المثنى بن مخرمة العبيدي في البصرة والموالين لأهل البيت فيها فأجابوه، وبدأوا بحث الناس ودعوتهم للطلب بدم الحسين.)عندما مات يزيد بن معاوية جاهروا بثورتهم وجمعوا أصحابهم في (النخيلة على طريق الكوفة – كربلاء وباتوا ليلتهم في دير الأعور في منتصف الطريق بين الكوفة وكربلاء. وفي ليلة الخامس من شهر ربيع الأول سنة 65 ه- توجهوا إلى قبر الحسين في كربلاء يبكون، وقد تعالت أصواتهم وهم يقولون: «يارب، إنّا خذلنا ابن بنت نبيّك، فأغفر لنا ما مضى، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وإرحم حسينًا وأصحابه الشهداء الصديقين. وإنّا نشهدك يا رب إنا على مثل ما قتلوا عليه. فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ».)وتزاحموا على لثم القبر، وقال سليمان بن صرد «الحمد لله الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين، اللهم إذ حرمتناها معه فلا تحرمناها فيه بعده »، وتكلّم بعده أصحابه فاحسنوا الكلام.وبقي التوابون ليلة واحدة عند قبر الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ، وفي اليوم التالي رحلوا متوجهين إلى الشام ولم يتوجهوا إلى الكوفة لإعتقادهم بأن النظام الأموي هو المسؤول عن قتل الحسين.)وقد إنتدب مروان بن الحكم لقتالهم عبيد الله بن زياد، حيث إلتقاهم في (عين الوردة وكان على رأس جيش كبير فإقتتلوا وأبدى التوابون بسالة وقوة إيمان في القتال حتى قتلوا وتشتت شملهم، وحُمِلَ رأسي سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة إلى الشام.)
### بناء أول عمارة على قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)لنا في موضوع أوّل بناء أقيم على قبر الحسين رأي مطوّل ودراسة مستفيضة سيتم التطرق إليها عندما نبحث فصل ( عمارة الروضة الحسينية في هذا الكتاب.)ولكننا نبحث الآن موضوع (كربلاء في العصر الأموي) وحسب التسلسل الزمني للأحداث، فلا بدَّ من الحديث عن أوّل بناء أقيم على القبر الشريف، وبشكل يتماشى مع نهج البحث.)إختلفت الروايات على التاريخ الذي أقيم فيه أوّل شاهد أو بناء على قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ وعلى من قام به على الرغم من أن القبر الشريف وبقية القبور كانت معلّمة وعليها شواخص للدلالة، قد تكون هذه الشواخص وضعها بنو أسد من سكان القرى المجاورة الذين قاموا بدفن الأجساد الطاهرة، أو مانقل على أن الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عندما عاد بالرؤوس من الشام لدفنها مع الأجداث، قد وضع شاخصاً على القبر وزرع بقربه شجرة سدر (السدرة) ليكون موضع القبر معلوماً وغير مندرس، كما هي بقية قبور الشهداء.)«وزعم البعض بأن بنو أسد الذين دفنوا الإمام الحسين هم الذين بنوا عليه المسجد »(1.)في رواية أخرى تقول بأن الإمام علي زين العابدين وبعد مرور سنة على استشهاد والده الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، زار القبر الشريف مع جابر بن عبد الله النصاري في 20 صفر سنة 62 ه-، وأقام على القبر بناءً بسيطًا ليتم الاستدلال عليه.)جاء في كتاب (كنز المصائب أن المختار بن أبي عبيد الثقفي بنى على القبر الشريف وأقام حوله قرية، والبناء عبارة عن سقيفة لها باب واحد، ويُعتقد بأن ذلك البناء كان في سنة 63ه- (2).)
وعندما أمَّ التوابون كربلاء في شهر ربيع الأول سنة 65ه- لزيارة قبر الحسين، لم يُشر أي مصدر من المصادر بأنهم دخلوا في بناء يضم القبر، وإنّما قيل أنهم تزاحموا على لثم القبر وترحّموا على الإمام الحسين ودعوا لنفسهم بالمغفرة والتوبة لعدم نصرته. وقد يكون حينها من أقام على القبر شاهد من الآجر من قبل سكان القرى المجاورة.وقيل بأن السيدة (سكينة بنت الإمام الحسين أقامت بناءً على قبر أبيها الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ في فترة تواجدها مع زوجها مصعب بن الزبير بن العوام)، عندما كان واليا على الكوفة في زمن ثورة ابن الزبير وإنسلاخ العراق والحجاز عن سلطه عبد الملك بن مروان، فإن صحت هذه الرواية فإن السيدة سكينة هي التي بَنَتْ القبفي نهاية سنة 65ه-.)وعليه فإننا نستبعد أن يكون هناك بناء على القبر قبل عام 65 للهجرة بالرغم من أن قبر الحسين وبقية قبور الشهداء معلّمة في وقتها.فنعتقد بأنَّ العمارة الأولى أقيمت في نهاية سنة 65ه- وبداية سنة 66ه-، وهي عبارة عن سقيفة لها بابان، ويحيط بها سور صغير، وهو البناء الذي أقيم بإشراف السيدة سكينة بنت الحسين عندما كانت في الكوفة مع زوجها مصعب بن الزبير.وهو البناء الذي بقي على القبر لحين سقوط الدولة الأموية سنة 132ه-. وهو ذاته الذي كان يشير إليه الإمام جعفر الصادق عندما يرشد أتباع أهل البيت لزيارة القبر الشريف، والذي كان يزوره هو شخصيًّا.### منع زيارة قبر الإمام الحسينتزاحم الموالون على زيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام بعد استشهاده وخاصة من الذين تباطؤا في نصرته، أو من الذين لم يحصل لهم الشرف بالوقوف معه وقد
سمعوا بمقتله وعظيم تأسيهم على ريحانة رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فقد أحسّ الأمويون بخطورة ذلك فقاموا بمنع زيارة القبر وخاصة في زمن يزيد بن معاوية، إلا أن الكثير من الناس كانوا يتسللون لزيارة القبر والتبارك به والترحم على الحسين وأصحابه، وكان ابن زياد قد وضع عيونا له ليخبروه عن كل صغيرة وكبيرة في تلك الأنحاء.)عندما مات يزيد غير مأسوف عليه، تواترت أعداد الزائرين للقبر وكثرت، وأن سكان القرى المجاورة كانوا يقومون بمساعدة الزائرين وإيواءهم بل وإطعامهم. إزداد الناس حريّة في زيارة قبر الحسين فترة ثورة ابن الزبير وسيطرته على الحجازوالعراق وفصلهما عن الدولة الأموية.لكن الأمر لم يدم على حاله فسرعان ما تم القضاء على عبد الله بن الزبير من قبل جيش عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، وتم إخضاع الحجاز والعراق لسلطة الأمويين، وعاد الأمر بمنع الزيارة مرة أخرى والمحاسبة على من يقوم بها، وإستمر الحال في زمن أولاده بل تم وضع المسالح حوالي القبر لمنع الزيارة، عدا ما كان في زمن الخليفة الأموي (عمر بن عبد العزيز (1).)إختلف عمر بن عبد العزيز عمّن سبقه من الأمويين، فأطلق حرية الزيارة، ولم يتشدد على شيعة الإمام علي وأولاده عليهم السلام.
1) عمر بن عبد العزيز: هو ابن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص ابن أميّة. وأمه ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب وتعرف ب- (راعية (الضأن). كان عمر بن عبد العزيز مشهوراً بعدله وتقواه، وإحترامه لآل البيت لمكانتهم وسابقتهم في الإسلام وقرابتهم من رسول الله ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ). إستخلفه سليمان بن عبد الملك ولم يكن راغبا بالخلافة، وتمت البيعة له على كره من أولاد عمه عبد الملك من الباقين، وقام بإعادة (فدك) إلى العلويين من أبناء فاطمة الزهراء (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ومنع س--ب الإمام علي على المنابر، وأعطى الحرية للناس وساوى في الرعية، فكان عهده زاهراً وآمن الناس في أصقاع الدولة وهدأت الأمور. علماً بأن بعض الفقهاء وبالرغم من أعمال عمر بن عبد العزيز هذه، فيعتبرونه غاصب للخلافة في نظر الشيعة لأن اصل خلافة بني أمية قد بنيت على باطل.
وعاد الأمر كما كان عليه عندما تآمر الأمراء الأمويين عليه وكانت وفاته عاجلة، فعاد أبناء عبد الملك بن مروان إلى سدة الحكم وبدأوا التضييق على مناصري وأتباع أهل البيت، ومن أعمالهم كانت منع زيارة قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ.)### حرب الحجاج وابن الأشعث في ضواحي كربلاء3في سنة 82ه-/ 702م جرت حرب طاحنة بين الجيش الأموي الذي يقوده الحجاج بن يوسف الثقفي، والجيش الذي يقوده عبد الرحمن بن محمد الأشعث بن بن قيس الذي خرج عن طاعة الحجاج والحكم الأموي، وقد إلتف حوله الكثير من أهل البصرة والكوفة وإنتفضوا ضد حكم الحجاج الذي كان واليا على العراق، والذي كثر ظلمه وجوره على الناس.هذه المعركة حدثت في الموضع الممتد بين دير الجماجم ودير قرّة الواقعين في أرض طف كربلاء، وكان عبد الرحمن قد نزل دير الجماجم ويأتيه المدد من کوفة، ونزل الحجاج دير قرة ويأتيه المدد من الشام.)كان الحجاج حينها واليا على العراق من قبل عبد الملك بن مروان، وقد أرسل الحجاج سنة 80 ه- / 700م جيشًا بقيادة عبيد الله بن أبي بَكْره إلى سجستان لمحاربة (رتبيل صاحب الترك. ولقي جيش عبيد الله مصابا أليما في سجستان، فكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره عمّا وقع للجيش وطلب رأيه، فأشار عليه عبد الملك بأن يرسل جيشاً آخر عسى أن يأتي الفتح للمسلمين. حينها وجّه الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى سجستان لقتال رتبيل.)كان الحجاج يكره عبد الرحمن بن محمد بن الإشعث، وكان يقول: ما رأيته قط إلّا أردت قتله، وتكليف الحجاج هذا لعبد الرحمن فيه شدة ذكاء، فإذا إنتصر عبد الرحمن فيُحسب النصر للحجاج وإذا قُتِل تخلص منه. وكان يعتقد إن عبد الرحمن سوف يخلع الطاعة إن آجلاً أم عاجلاً، فيتمكن من القضاء عليه.
وهناك من قال للحجاج بعدم تسيير عبد الرحمن على الجيش ومنهم إسماعيل بن الأشعث عم عبد الرحمن الذي جاء للحجاج وقال له:لا تبعثه فإني أخاف خلافه والله ماجازَ جسر الفرات قط فرأى لوال من الولاة عليه طاعة وسلطانًا. فقال له الحجاج : ليس هناك، هو لي أهيب وفيَّ أرغب من أن يخالف أمري أو يخرج من طاعتي، فأمضاه على ذلك الجيش (1. ..)خرج عبد الرحمن بجيش قوامه 40 ألف مقاتل نصفهم من البصرة والنصف الآخر من الكوفة، وتمكن من إحراز التقدم في أرض رُتبيل، وأخذ يتقدم من بلد إلى آخر، وقرر أن يريح جيشه فإنه متأكد من فتح كامل البلاد، على أن يستمر في التقدم في العام المقبل لوعورة وصعوبة الأرض، وكتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه من بلاد العدو، وبما صنع الله للمسلمين، وبهذا الرأي الذي رآه لهم.لكن الحجاج لم يقبل برأي عبد الرحمن بالتباطئ، وهدده بعزله، ومن هنا فقد خلع عبد الرحمن الطاعة للحجاج «فبايعه الجند وقادتهم على خلع الحجاج عدو الله وعلى النصرة له والجهاد معه حتى ينفيه الله من أرض العراق، ولم يذكر خلع عبد الملك إذ ذاك بشيء (2... وأمر بعض قادته على المناطق التي إستولى عليها.)ثم بعث إلى رتبيل، فصالحه على أن ابن الأشعث إذا ظَهَرَ فلا خراج عليه أبدًا ما بقي، وإن هُزم فأراده ألجأه عنده »(3.)عاد عبد الرحمن إلى العراق، وخلع الناس بيعة عبد الملك إلّا قليلاً منهم، ووثبوا إلى ابن الأشعث فبايعوه. عندها كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بالأمر ويسأله أن يعجل له بالمدد.
نزل الحجاج البصرة ليواجه ابن الأشعث، وإلتحم معه في معركة إنتصر فيها ابن الأشعث في ذي الحجة سنة 81ه- / 701م. وبايع أهل البصرة ابن الأشعث.بعدها تمكن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من دخول الكوفة، وكان الحجاج قد قرر أن يكون قريباً من طريق الشام حتى يأمن وصول المدد أو الفرار إلى الشام.جاء في تاريخ الطبري تأكيد عن وقوع المعركة في أرض طف كربلاء بين دير الجماجم الذي يقع في الجنوب الشرقي من كربلاء الحالية، ودير قرّة الواقع في شمال غرب كربلاء الحاليه وفي ذلك الوقت لم تكن مدينة كربلاء قد مُصّرت عدا وجود عمارة بسيطة على قبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ بنيت عام 65ه- / 685م.)يقول الطبري في تاريخه :«وأقبل الحجاج من البصرة فسار في البرّ حتى مرّ بين القادسية والعذيب، ومنعوه من نزول القادسية، وبعث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل المصرين فمنعوه من نزول القادسية، ثم سايروه حتى إرتفعوا على وادي السباع، ثم تسايروا حتى نزل الحجاج دير قرّة، ونزل عبد الرحمن بن العباس دير الجماجم، ثم جاء ابن الأشعث فنزل بدير الجماجم والحجاج بدير قُرّة، فكان الحجاج بعد ذلك يقول: أما كان عبد الرحمن يزجر الطير حيث رآني نزلتُ دير قُرة، ونزل دير الجماجم. وإجتمع اهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم والقرّاء من أهل المصرين، فإجتمعوا جميعاً على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له، وهم إذ ذاك مئة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم. وجاءت الحجاج أيضا أمداده من قبل عبد الملك من قبل أن ينزل دير قُرّة، وقد كان الحجاج أراد قبل أن ينزل ديرَ قُرّة ان يرتفع إلى هيت وناحية الجزيرة إرادة أن يقترب من الشام والجزيرة فيأتيه المدد من الشام من قريب، ويقترب رفاغة سعر الجزيرة، فلما مر بدير قرة قال: ما بهذا بعدٌ من أمير المؤمنين، وإنّ الفلاليج وعين التمر إلى جنبنا فنزل فكان في عسكره مخندِقاً وابن
محمد في عسكره مخندقاً، والناس يخرجون كل يوم فيقتتلون، فلا يزال أحدهما يُدني خَندقه نحو صاحبه ... »(1.)في شعبان سنة 82ه- / 702م بدأت الوقعة هذه وإستمرت حتى أوائل سنة 83ه-، وفيها دارت الدائرة على عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وإنهزم جيشه فيها ورجع إلى البصرة. فكانت أرض كربلاء مسرحاً لتلك الأحداث الدامية في ذلك الوقت.### واقعة (العقر ومقتل يزيد بن المهلّب قرب كربلاء)واقعة (العقر ومقتل يزيد بن المهلّب (2)قرب كربلاء)العقر ... قرية من قرى الطف وكانت قريبة جدًا من أرض كربلاء التي أستشهد فيها الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، ونزح إليها يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة وكان قد خرج على الأمويين بعد أن كان هو وأبوه قد توليا الحكم لهم في عدة ولايات منها خراسان، فأرسل إليه الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك أخاه (مسلمة بن عبد الملك) على رأس جيش كبير لمحاربة يزيد بن المهلب وتقابلا في معركة كبيرة قرب كربلاء في موقع العقر حيث كان ابن المهلّب في الكوفة وزحف على جيش مسلمة قبل أن يصل الكوفة، وإنتهت المعركة بمقتل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وكان وقتها مريضاً، وحدثت هذه الواقعة سنة 102ه-.)جاء في الكامل في اللغة والأدب: «ضحّى بنو حرب بالدين يوم كربلاء وضحّى بنو مروان بالمروءة يوم العقر فيوم كربلاء يوم الحسين بن علي بن أبي طالب وأصحابه ويوم العقر يوم قُتل يزيد بن المهلب وأصحابه (3.)
1) تاريخ الطبري، ج 4، ص 261 وص 262.
2) هو يزيد بن المهلّب ابن أبي صُفْرَة: كان مشهوراً بالكرم والإعتداد بالنفس، وقد سجنه الحجاج بن يوسف الثقفي وهو زوج أخت يزيد، حيث كان بينه وبين يزيد خصومة ألب الحجاج عليه آل مروان، وعندما أستخلف سليمان بن عبد الملك أخرجه وولاه الكوفة. وفي زمن يزيد بن عبد الملك خرج عن طاعة الأمويين وإستولى على البصرة والأحواز وواسط ووصل الكوفة، وحارب الأمويين في العقر قرب كربلاء وقتل فيها.
3) الكامل فى اللغة والأدب للمبرد، ج 3، ص 248.
وذكر الذهبي في تاريخ الإسلام عن حوادث سنة 102ه- ما يلي: « وفيها كانت وقعة العقر، وهو موضع بقرب كربلاء من العراق بين يزيد بن المهلب وبين مسلمة بن عبد الملك بن مروان، قُتِل فيها يزيد وكُسِر جيشه وإنهزم آل المهلب، ثم ظفر بهم مسلمة فقتل فيهم وبدع، وقل من نجا منهم، وكان يزيد قد خرج على الخلافة لما تُوُفِّي عمر بن عبد العزيز. قال الكلبي: نشأتُ وهم يقولون ضحى بنو أمية يوم كَرْبَلاء بالدين ويوم العقر بالكرم »(1.)كان يزيد بن المهلب قد سُجن في جزيرة (دهلك في زمن عمر بن عبد العزيز لعدم وفائه بخُمس الأموال التي كان قد كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك، وإشترط (عمر) العفو عنه عندما يعطي ما عليه.)تمكن يزيد من الهرب من سجنه وقصد العراق ودخل البصرة في خلافة يزيد بن عبد الملك. وقد أمر يزيد بن عبد الملك عدي بن أرطأة أن يمنعه من ذلك. غير أن أهل البصرة فسحوا له الطريق وأظهروا له التأييد (2.)ولمّا شعر بميل أهل البصرة له قرر إخراج عدي بن أرطاة منها فكان له ما أراد.ثم أعلن خلع الخليفة وأخذ البيعة لنفسه من أهل البصرة.لم تكن البصرة وحدها التي بايعت يزيد بن المهلّب بعد أن غلب عليها وعلى البلاد التابعة لها، فقد كان هناك المتذمرين من أهل العراق الذين يرجون سنوح الفرص للوثوب على الدولة الأموية وبايعه كذلك زعماء الكوفة وإنضووا تحت لوائه حتى شملت حركته عددًا من المدن إضافة إلى البصرة والكوفة.
«أرسل الخليفة يزيد بن عبد الملك جيشاً كبيرًا بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك. فخرج له يزيد بن المهلب بجيشه. وإلتقى الجيشان في (عقر قرب الكوفة. غير أن أهل الكوفة لم يخرجوا لمساعدته كعادتهم.)وفي المعركة التي جرت في 14 / صفر / 102ه-. الموافق (24/ آب/ 720م دارت الدائرة على ابن المهلب وإنتصر جيش الخليفة وسقط ابن المهلب قتيلا في ساحة المعركة بعد أن تخلّى عنه أهل العراق ولم يشأ الهرب من المعركة. وقتل معه إثنان من إخوته وأسر نحو (300) رجل من جيشه بعد إقتحام معسكره» (1).)هشام بن عبد الملك (2)### كان هشام بن عبد الملك ووضعه المسالح بأنحاء كربلاءبن مروان بن الحكم بن العاص بن أميّة من أشدّ الأمويين على العلويين ومناصري أهل البيت وهشام هو الذي لم يتمكن من الوصول إلى مسك الحجر الأسود أيام الحج لإزدحام الناس، وعندما دخل الإمام علي زين
1) موسوعة العراق السياسية: عبد الرزاق محمد أسود، المجلد الأول، ص 292.
2) ولد هشام بن عبد الملك بن مروان في دمشق سنة 71 ه- وتوفى سنة 125ه-: 743م برصافة الشام على نهر الفرات بسوريا، وقد تسلّم الخلافة سنة 105ه- : 724م ، بعد أخاه يزيد بن عبد الملك. وذكر اليعقوبي في تاريخه ،ج 2، ص 258 ما نصّه: « كان هشام من أحزم بني أمية وأرجلهم، وكان بخيلا، حسودا ، فظا غليظا ، ظلومًا، شديد القسوة، بعيد الرحمة طويل اللسان، وفشا الطاعون في أيامه حتى هلك عامة الناس وذهبت الدواب والبقر ...» . وهشام هو الذي وجّه بقتل الشهيد زيد بن علي زين العابدين بن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وتم صلبه بجبانة السبيع وأحرقت جثته، وقد نثر نصف رمادها في الفرات ونصفه الآخر نثر على الزرع حيث قال يوسف بن عمر قائد جيش هشام: « والله، يا أهل الكوفة، لأدعنكم تأكلونه في طعامكم وتشربونه في مائكم » وكان ذلك سنة 122ه- حسب ما ذكر في الكامل في التاريخ، أمّا اليعقوبي في تاريخه فيذكر قتل زيد سنة 121 ه-. وكانت بين هشام بن عبد الملك خصومة مع ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، لأن يزيد أوصى إلى ولده الوليد (الماجن) ولكن هشام بويع من قبل أغلب الأمويين. وقيل بل بويع لهشام ومن بعده للوليد وقد إختلفا بسبب مجون الوليد وأراد هشام أن يبعده من ولاية العهد كما جاء في البداية والنهاية لابن كثير .
العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ إنكشف الناس عن الحجر الأسود ليصله الإمام، ولم يعرفه هشام، فقال: من هذا الذي وسّع له الناس وأهابوه، فأسرع إليه الشاعر الفرزدق وأنشد قصيدته الشهيرة ومنها:)هذا الذي تعرف البطحاء وطأته*** والبيت يعرفه والحِلُّ والحرمُ*** هذا ابن خير عباد الله كَلِهمُ هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا الذي أحمد المختار والده*** وابن الوصي الذي في سيفه النقم*** هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلهُ*** بجدّه أنبياء الله قد خُتِمواوبعد خروج الشهيد زيد بن علي في الكوفة على حكم الأمويين، إزداد حقد هشام بن عبد الملك على العلويين، وتشدد عليهم وعلى أتباعهم، وأمر بمنع زيارة قبر الإمام الحسين، كما قام بتشييد المسالح (جمع مسلحة وهي نقاط رصد ومراقبة ومكان للأسلحة والجنود حول قبر الحسين ونقاط حرس ومراقبة على المرتفعات المحيطة بأرض الحائر التي فيها القبر الشريف، لمنع توافد الزائرين.وقد ذكر الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ تلك المسالح وكيفية تفاديها للراغبين بزيارة القبر من المؤمنين ومنع سكان القرى المجاورة من إتيان موضع القبر، وبالرغم من ذلك كلّه كان العديد من المحبين يفدون إلى القبر متسللين ليلاً.)نزول يحيى ابن زيد (1في نينوى قرب كربلاء)عندما قُتل زيد الشهيد بن الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ تشتت أتباعه وأهله وتناثروا في شتى الأماكن خوفًا من بطش الأمويين ومتابعتهم لهم.)
1) هو يحيى بن زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. وأمُّه ريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية.
«سار ابنه يحيى نحو كربلاء، فنزل بنينوى (1على سابق مولى بشر ابن عبد الملك بن بشر» (2). وكان ذلك سنة 122ه- / 740م، ومنها سار إلى خراسان.)جاء في مقاتل الطالبيين ما نصّه : «قالوا: إن زيد بن علي لمّا قتل، ودفنه يحيى ابنه، رجع وأقام بجبانة السبيع، وتفرّق الناس عنه، فلم يبق معه إلّا عشرة نفر. قال سلمة بن ثابت فقلت له أين تريد؟ قال: أريد النهرين ومعه أبو الصبار العبدي، قال: فقلت له: إن كنت تريد النهرين فقاتل هاهنا حتى نقتل. قال: أريد نهري كربلا. فقلت له: فالنجاء قبل الصبح . قال: فخرجنا معه، فلما جاوزنا الأبيات سمعنا الآذان فخرجنا مسرعين فكلما إستقبلني قوم إستطعمتهم فيطعمونني الأرغفة فأطعمه إيّاها وأصحابي حتى أتينا نِينَوى، فدعوت سابقاً فخرج من منزله ودخله يحيى، ومضى سابق إلى الفيوم فأقام به وخلف يحيى منزله قال سلمة: ومضيت وخلّيته، وكان آخر عهدي به (3.)وجاء في كتاب مدينة الحسين عن كتاب مقاتل الطالبيين ما نصّه: «... فتوجه بعد ذلك قاصدًا (نهرين - كربلاء فوصلها في الضحى ونزل نينوى في دار (سابق) المحبين لأهل البيت. ثم مشى راجلاً حتى أتى قبر الحسين وكان من خاصته، ومن وطاف بالقبر. وبقي عند قبر جده الحسين بعض يوم. ثم سافر إلى المدائن »(4).)
1) نينوى: إحدى قرى الطف، القريبة من كربلاء، وهى من القرى القديمة جداً تعود إلى العصر الآشوري، وقد تواجد بها الساسانيون، وقد تم الحديث عنها في فصل القرى المحيطة بكربلاء) من هذا الكتاب.
2) الكامل في التاريخ: لابن الأثير ، ج 5 ، ص 184 .
3) مقاتل الطالبيين: أبي الفرج الإصفهاني، شرح تحقيق السيد أحمد صقر ، ص 146 صادر عن مؤسسة العطار الثقافية. ومضى سابق إلى الفيوم كما جاءت في النص.
4) مدينة الحسين محمد حسن الكليدار ، السلسلة الثانية، ص79 ، وفي هامش الصحفة ذاتها ذكر مؤلف مدينة الحسين مصدره هو مقاتل الطالبيين دون الإشارة للصفحة، وعند مراجعتنا للمصدر لم نجد فيه ذكر يحيى بأنه سار راجلاً إلى القبر،... إلخ، وإنما ورد النص في مقاتل الطالبيين كما ذكرناه أعلاه، ومصدره الهامش (1).
وذكر اليعقوبي في تاريخه: « لمّا قُتل ،زيد وكان من أمره ما كان، تحركت الشيعة بخراسان، وظهر أمرهم، وكثُر من يأتيهم ويميل معهم، وجعلوا يذكرون للناس أفعال بني أمية، وما نالوا من آل رسول الله، حتى لم يبق بلد إلّا فشا فيه هذا الخبر، وظهرت الدعاة ورئيت المنامات وتدورست كتب الملاحم، وهرب يحيى بن زيد إلى خراسان، فصار إلى بلخ (1. فأقام بها متوارياً، وكتب يوسف(2)إلى هشام بحاله، فكتب إلى نصر بن سيار بسببه، فوجه نصر جيشاً إلى بلخ، عليهم هدبة بن عامر السعدي، فطلبوا يحيى حتى ظفروا به، فأتوا به نصراً، فحبسه في قهندز (3)مرو »(4).)### زيارات أبي حمزة الثمالي لكربلاءهو المحدث والراوية الشهير ثابت بن أبي صفية (دينار مولى المهلب بن أبي صفرة، المعروف ب- (أبي حمزة الثمالي. قال فيه ابن النديم في الفهرست: هو شيخ الكوفة وكان من أصحاب علي بن الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) من النجباء الثقات.)في كتاب الشيعة وفنون الإسلام (5)جاء بأنه شيخ من مشايخ الكوفة في علم القرآن الكريم. له كتاب تفسير القرآن عرف بتفسير أبي حمزة الثمالي. وله كتاب النوادر. وقد عدّه العلماء من أتباع التابعين في التفسير ورواية الحديث.)كان تلميذاً أو صاحبًا للإمام محمد الباقر (عَلَيْهِ السَّلَامُ وللإمام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ). كان ورعًاً تقياً مخلصاً لآل البيت حتى قال بحقه الإمام الصادق: أبو حمزة في زمانه مثل الفارسي (يقصد سلمان المحمدي) في زمانه، وهو من خيار أصحابنا. وكان له ولأولاده موقف مساند لثورة زيد بن علي بن الحسين وإستشهد)
1) بلخ: مدينة مشهورة من أعمال خراسان، وقد ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان.
2) هو يوسف بن عمر، قائد الجيش الذي قضى على زيد الشهيد وثورته .
3) قهندز اسم حصن أو قلعة تقع في وسط مدينة مرو في إيران. وهو تعريب كهندز ومعناه القلعة القديمة.
4) تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 256 - 257 .
5) الشيعة وفنون الإسلام العلامة السيد حسن الصدر تحقيق مرتضى المير سجادي.
أولاده الثلاثة مع الشهيد زيد بن علي. وتوفي الثمالي سنة 128ه- / 746م في الكوفة ودُفن فيها.إشتهر الثمالي بكثرة زياراته لمرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، وقد دوّن عن أئمة أهل البيت كيفية القيام بالزيارة وآدابها. وقد جاء في كتاب كامل الزيارات) لابن قولويه أن أبا حمزة الثمالي قال: خرجت في آخر زمان بني أمية إلى قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مستخفيًا من أهل الشام حتى إنتهيت إلى كربلاء. فإختفيت في ناحية (القرية)(1)حتى إذا ذهب الليل نصفه. أقبلت نحو القبر وكان ذلك في ليلة عرفة (2)وقد شاهدت خلقا كثيرًا. يُصلّون عند القبر. وكنت أريد أن آتي إلى القبر وأقبله وأدعو بدعوات. فما كنت أصل إليه من كثرة الخلق.)وفي حديث للثمالي عن الإمام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ يقول في كيفية زيارة قبر الإمام الحسين: «ثم إمش قليلاً وعليك السكينة والوقار بالتكبير والتهليل والتمجيد والتحميد والتعظيم الله ورسوله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وقصّر خطاك، فإذا أتيت الباب الذي يلي المشرق فقف على الباب وقل ... وإجتهد في الدعاء ما قدرت عليه وأكثر منه ما شاء الله، ثم تخرج من السقيفة (3)وتقف بحذاء قبور الشهداء... »(4).)كما جاء في كتاب كامل الزيارات عن أبي حمزة الثمالي أنه قال عن أبي عبد الله الامام الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ في وداع قبر العباس بن علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ما نصه: إذا ودعت العباس فآته وقل: أستودك الله وأسترعيك وأقرأعليك السلام، آمنا بالله ورسوله وبكتابه وبما جاء به من عند الله، اللهم أكتبنا مع الشاهدين، اللهم لا تجعله آخر العهد)
1) يقصد بالقرية: هي قرية الغاضرية من قرى طف كربلاء.
2) ليلة عرفة: هي ليلة 9 ذي الحجة من كل سنة، حيث يخرج الحجيج إلى صعيد عرفات. وليلة عرفة هي مناسبة سنوية لزيارة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
3) يتضح من الحديث أن في زمان زيارة الثمالي كانت على قبر الحسين عمارة تتكون من سقيفة والسقيفة باب من ناحية الشرق وباب أخرى في بإتجاه القبلة.
4) بحار الأنوار للمجلسي ، ج 98، ص177 - 178.
من زيارة قبر ابن بنت نبيّك، وأرزقني زيارته أبدًا ما أبقيتني، وأُحْشرني معهُ ومع آبائه في الجنان، وعرف بيني وبينه وبين رسولك وأوليائك، اللهم صل على محمد وآل محمد، وتوفني على الإيمان بك والتصديق برسولك (1.)وجاء عنه أيضاً في وداع الشهداء رضوان الله عليهم. ولأبي حمزة الثمالي دعاء مشهور ينقله عن الإمام علي زين العبدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وهذا الدعاء يتلوه المؤمنون دائما لما فيه من التوسل والتعبد للباري عز وجل، وذكره الشيخ عباس القمي في كتاب مفاتيح الجنان.)### نزول حميد بن قحطبة كربلاءعندما بدأت الدعوة العباسية كانت تنادي بإسقاط الحكم الأموي، وكانت دعوتهم باسم العلويين، ويقود الدعوة إبراهيم (الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطّلب، يسانده أبو مسلم الخراساني. وكان من بين قادة جيوش الدعوة العباسية (قحطبة بن شبيب الطائي) (2)الذي حقق إنتصارات كبيرة على الأمويين.)وعندما كان أبو مسلم في نيسابور، قدم عليه قحطبة بن شبيب ومعه عهد إبراهيم بن محمد بن علي، وسيرة يعمل بها، فأمضى أبو مسلم له ذلك ووجهه لقتال جند بني أمية (3. وكان معه ولديه الحسن بن قحطبة وحميد بن قحطبة. فتوالت المعارك)
1) كامل الزيارات ابن قولويه الباب السادس والثمانون، ص271 و ابن قولويه هو أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر القمي، المتوفى سنة 367 ه- والمدفون في الحضرة الكاظمية فقيه محدث وراوي ومن اعلام الإمامية، وقد إشتهر بكتابه كامل الزيارات.
2) قحطبة بن شبيب الطائي، قائد شجاع من ذوي الرأي والشان كان أحد النقباء الإثني عشر الذين إختارهم محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. كان مظفرا في جميع وقائعه. غرق في الفرات على إثر وقعة له مع ابن هبيرة سنة 132ه-.
3) تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص277.
والإنتصارات حتى عمّت مناطق جرجان وقومس والري وهمذان وقم وإصفهان وجلولاء و نهاوند و شهرزور .وكانت فلول الأمويين تهرب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة وكان في واسط. فخرج لقتال قحطبة في محرم سنة 132ه-، فرجع إلى واسط، فقرر قحطبة عبور الفرات لقتال ابن هبيرة، وكانت له رؤيا بأنه إذا عبر النهر سيغرق، فأوصى أن يكون ابنه حميد بن قحطبة مكانه إذا فقدوه، فإن غاب فالحسن ابن قحطبة. فلمّا كان السحر عبروا الفرات وكان في أيام المدّ وكثرة الماء، فلما أصبحوا فقدوا قحطبة فقد غرق.)إنهزم ابن هبيرة، وحينها قال مروان (الحمار آخر خلفاء بني أمية عندما وصله خبر هزيمة بن هبيرة قال: «هذا والله الإدبار، وإلا فمن سمع بميت يهزم حيًّا ».)ودخل حميد بن قحطبة الكوفة بعد فقد أبيه بأربع ليالٍ. ثم «سار حميد بن قحطبة حتى نزل كربلاء »(1.)وأجمع القوّاد على الحسن بن قحطبة فولّوه الأمر وبايعوه، فقام بالأمر وتولاه وأمر بإحصاء ما في معسكر بن هبيرة ووكل بذلك رجلا من أهل خراسان يكنّى أبا نصر في مائتي فارس وأمر بحمل الغنائم في السفن إلى الكوفة، ثم إرتحل الحسن بالجنود حتّى نزل كربلاء.### زيارات الإمام الصادق لقبرجده الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب (عليهم السلام، عاش فترة طويلة من عمره المبارك أيام الدولة الأموية، حيث إنه ولد سنة 80ه- حسب ما أجمع عليه العامة، وقيل أنه ولد سنة 83ه- ، وإنتقل إلى بارئه سنة 148ه-. فإنه عليه السلام)
1) تاريخ الرسل والملوك، ج2، ص 15.
عاش في أيام الدولة الأموية إثنين وخمسين عاماً، وفي أيام الدولة العباسية ستة عشر عام، وكان عمره حين إنتقل إلى الجنان ثماني وستين عام.قال الشيخ المفيد رحمه الله : «كان الصادق جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام – من بين إخوته – خليفة أبيه محمد بن علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ووصيّه القائم بالإمامة من بعده، وبرز على جماعتهم بالفضل ، وكان أنبههم ذكراً، وأعظمهم قدراً، وأجلهم في العامَّة والخاصَّة، وَنَقَل الناس عنه العلوم ما سارت به الرّكبان وإنتشر ذكره في البلدان ولم يُنقل عن أحدٍ من أهل بيته العلماء ما نُقل عنه، ولا لقي أحد منهم من اهل الآثار ونقلة الأخبار ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات – على إختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل، وكان له عَلَيْهِ السَّلَامُ) من الدلائل الواضحة في إمامته ما بهرت القلوب، وأخرست المخالف عن الطعن فيها بالشبهات »(1).)نقل الرواة والمؤرخون بأن الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلام زار قبر جده الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عدة مرّات في عهد بني أميّة على الرغم من وجود المسالح حوله، وكان يأتي كربلاء وينزل في الغاضرية ويقترب من الحائر بمسافة حتّى يجنَّ الليل فيغتسل في النهر ويتجه إلى القبر الشريف من جانب الشرق حتى يصل قبر جدّه الإمام الحسين. وكانت المنطقة التي يقيم فيها بين الغاضرية والحائر قد سميّت فيما بعد ب- (الجعفريات). وفي القرن العاشر الهجري أنشأ في ذات المحل مقام باسمه سمّي ب- (مقام جعفر الصادق) وهو ذاته الموجود حاليّاً في منطقة (الهيّابي).)كثيرًا ما أخبر الإمام الصادق عن فضل زيارة قبر الحسين لأصحابه، وما ورد عن أبي حمزة الثمالي يدل على أن الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ كان يرشدهم على الطريق الذي يسلكونه للقبر والمراسيم التي يقومون بها عند زيارة القبر الشريف.)
1) الإرشاد الشيخ المفيد، ص270.
في زمن بني العباس عندما إستقرّ الإمام الصادق في الحيرة والكوفة ردحاً من الزمن، كان مواضباً على زيارة قبر جدّه الحسين، وقد زالت حينها الصعوبات ورفعت المسالح وتم تشييد بناء على القبر وسكن الناس بقربه من سكان القرى المجاورة.### زيارات الأعلام لقبر الحسين في العهد الأمويقام بعض أعلام الدين والفضل والأدب بزيارة قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ في العهد الأموي بالرغم من منع الأمويين زيارة القبر ووجود المسالح عليه وبقية الصعوبات، فإنهم كانوا يتحدون الصعاب ويغامرون على طغيان الأمويين حتى يصلوا القبر الشريف لمعرفتهم التامة بفضل زيارته. وسنذكر بشيء مختصر عن الذين تم ذكرهم... وهم:)1 - زائدة بن قدامة(1)زار زائدة كربلاء، ووصل إلى قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ قبل نهاية القرن الأول الهجري بقليل، وروى ابنه قدامة بن زائدة بن قدامة بسنده عن أبيه في فضل زيارة قبر الإمام الحسين عن الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)-2- سليمان بن مهران الأعمشي (2)زار سليمان قبر الامام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ في أواخر عهد بني أمية، ومعه جمع من المسلمين. إذ كانوا يجتمعون ليلاً ويقصدون قبر الحسين ليتجنبوا المسالح وعيون الأمويين.)
1) هو زائدة بن قدامة (أبو الصلت الثقفي الكوفي كان أحد أعلام المسلمين الثقات ومن كبار الذين يروون الحديث، وقد حدّثه الإمام زين العابدين عن فضل زيارة قبر الحسين ونقله هو وابنه قدامة للعامّة. وتوفي سنة 161ه-.
2) كان سليمان بن مهران الأعمشي راوية ثقة للحديث ، ومن الموالين لآل البيت، ونُقل عن كتاب مفاتيح البكاء (مخطوط) بأن سليمان كان نازلا الكوفة وكان له جار شيخ يقول بأن زيارة قبر الحسين بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وعندما زار سليمان قبر الحسين وجد جاره هذا عند القبر الشريف يبكي ويسجد لله ويستغفره، فسأله سليمان وذكّره بقوله السابق، فقال الشيخ: لا تلمني فإني لم أثبت لأهل البيت إمامة حتى رأيت رؤيا هالتني وروّعتني، فقمت من وقتها وقصدت قبر الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
3- حسن بن محبوب البجليكان حسن بن محبوب البجلي الكوفي راوية مشهور في زمانه، قصد زيارة قبر الحسين في العقد الأخير من القرن الأول الهجري، وقد ذكر عن خروجه من الكوفة قاصدا زيارة قبر الحسين بأن الأمويين قد أقاموا أناساً على جميع الطرق يقتلون من ظفروا به من الزوّار ، وكان هو من الذين كانوا يتخفون في الليل ويدخلون كربلاء.4- عقبة بن عميقعقبة بن عميق السهمي وهو من بني سهم بن عون بن غالبة، زار قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، وكان شاعرًا معروفًا ومن محبي أهل البيت، ووقف إزاء القبر ورثى الإمام الحسين بقصيدة ذكرها الخوارزمي في الجزء الأول من كتابه مقتل الحسين ومنها:)مررت على قبر الحسين بكربلا*** ففاض عليه من دموعي غزيرها وما زلت أبكيه وأرثي لشجوه ويسعد عيني دمعها وزفيرها*** وبكيت من بعد الحسين عصائباً*** أطافت به من جانبيه قبورها*** إذ العين قرّت في الحياة وأنتمُ*** تخافون في الدنيا فأظلم نورها*** سلام على أهل القبور بكربلا*** وقل لها مني سلام يزورها*** ولا برح الوفاد زوّار قبره*** يفوح عليهم مسكها وعبيرها
5- جابر بن يزيد المذحجيزار جابر بن يزيد الجعفي المذحجي الكوفي قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، حيث قصد كربلاء في أوائل القرن الثاني للهجرة. كان جابر من تلاميذ الإمام محمد الباقر (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وقد تخرج على يديه في المدينة، وأصبح من علماء عصره. وله الرواية في الحديث والتفسير. وتوفي سنة 128ه-.)
## كربلاء في العصر العباسي### اشارةبدأ العصر العباسي بعد أن سقطت الدولة الأموية نتيجة صراع طويل أخذ شكل حق الهاشميين وخاصة أهل البيت في حكم المسلمين، ولكن الدافع الأساسي كان الهدف منه السيطرة والنفوذ والحكم من قبل أحفاد العباس بن عبد المطلب عم الرسول الكريم ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وذلك باسم العلويين الذين يعتبرون هم أحق بخلافة المسلمين. وعندما إنتهت الخلافة الأموية فإن بني العباس كانوا أشدُّ قساوة من الأمويين على العلويين!!بدأ العصر العباسي سنة 132 ه- / 750م ، وكان الخلفاء كلهم من ولد العباس بن عبد المطلب، عم النبي العربي، وقد قام في الدولة الجديدة 37 ملكا أو خليفة – كما إصطلح عليهم التاريخ - أولهم عبد الله السفّاح الذي لاحق الأمويين ملاحقة شديدة، وفتك بهم فتكاً ذريعاً، وآخرهم المستعصم بالله الذي انتهت في أيامه الدولة العباسية سنة 656ه- / 1258م فيكون الملك قد إستقام لبني العباس 524 سنة، يقسّمها المؤرخون إلى خمسة أقسام أو عهود وهي:العهد الأولويبتدئ من عام 132 ه- / 750م وينتهي عام 232ه- / 847م، حيث إستغرق مئة سنة قرن كامل من الزمان تولى الحكم خلاله تسعة خلفاء. كانت الخلافة تتمتع بسيطرة تامة ومقام رفيع، إذ كانت الكلمة العليا والسيادة المطلقة للخليفة، لا ينازعه
فيها منازع، فثبتوا قواعد الدولة وضبطوا شؤون المملكة، وعمّروا المدن والدساكر، ونشروا العلوم والمعارف، وقضوا على كل من ناصبهم العداء في السر أو في العلانية، وإلى هذا العهد يشار بالعهد الذهبي.كان لكربلاء في هذا العهد نصيب كبير من التطور والعمران والتمصير والإهتمام.العهد الثانيوهذا العهد يبتدأ من عام 232ه- / 847ه- وينتهي عام 333ه- / 944م أي أنه إستغرق مئة سنة وسنة تولى الحكم فيه إثنا عشر خليفة، وكانت الدولة فيه تسير القهقرى، فقد إستفحل نفوذ القادة الذين إصطفاهم الخلفاء لدرء الأخطار، وكان هؤلاء القادة من عناصر غير عربية وصاروا يتدخلون في الصغيرة والكبيرة من شؤون الدولة، حتى أنهم جعلوا الإمارات نهباً مقسّما يستولي عليها كل من أرادها منهم، ولم یمت أحد من خلفاء هذا العهد بشكل طبيعي سوى أربعة منهم، أمّا الباقين فإنهم أُخرجوا من الخلافة قتلاً وخلعاً.ومرّت على كربلاء في هذا العهد أحداث جسام سيتم ذكرها في محلهّا، كما شهدت نهوضاً كبيرًا بعد أن واجهت احداثًا مأساوية، وفي هذا العهد بدأت تظهر على كربلاء ملامح المدينة ويمكن أن نعتبر عملية تمصير كربلاء قد بدأت منذ سنة 247ه- في زمن المنتصر بالله بعد أن هدمها وهدم قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ والده المتوكل العباسي.)العهد الثالثيبتدئ هذا العهد من السنة التي إستولى البويهيون على بغداد، وهي سنة 334ه- / 946م وينتهي في العام الذي إنقرضت فيه الدولة البويهية عام 447 ه- / 1055م. أو العام الذي إنتهت فيه خلافة (القائم بأمر الله وهو عام 467 ه- / 1075م وبذلك فإن هذا العهد إستغرق مئة وثلاثا وثلاثين سنة، سقط خلالها الحكم من أيدي الخلفاء العباسيين، ولم يبق لهم فيه غير الاسم المجرّد إذ كانت)
السلطة الفعلية بيد البويهيين يعزلون الخلفاء ويولونهم ويديرون شؤون الدولة حسب أهوائهم. وشهد هذا العهد بعض العمران والإهتمام العلمي والأدبي على الرغم من كثرة النزاعات التي حدثت بين البويهيين أنفسهم من أجل الحكم. وتولى هذا العهد خمسة خلفاء من بني العباس.وفي هذا العهد شهدت كربلاء تطورًا كبيرًا حيث ظهرت في هذا العهد كونها مدينة يدبُّ فيها النشاط عمّرت فيها المراقد المقدسة والأسواق وبعض البنايات وبِنُي حولها ،سور، وتم إيصال المياه إليها من خلال إصلاح القنوات المائية وإزدادت فيها النشاطات الزراعية وإزداد توافد الزائرين إليها .العهد الرابعيبتدئ هذا العهد من عام 467 ه- / 1075م وينتهي عام 575ه-/ 1180م، فإنه إستغرق مئة وثماني سنوات، كان الحكم الفعلي فيه بيد السلاجقة وهم من الأتراك الذين إستنجد بهم الخليفة العباسي القائم بأمر الله سنة 447ه-/ 1055م عندما ضاق ذرعاً بفتنة أبو الحارث أرسلان البساسيري (أحد أمراء الجند البويهيين وهو مملوك من الأتراك والذي أصبح وزير الملك الرحيم بن أبي كاليجار (آخر سلاطين بني بويه) في بغداد، حيث كان الحكم الفعلي بيد البساسيري بوجود السلطان البويهي والخليفة القائم.)فقد إتفق البساسيري مع الأمير نور الدين أبو الحسن دبيس بن مزيد الأسدي أمير الدولة المزيدية في الحلة على قطع خطبة العباسيين في بغداد والخطبة للخليفة الفاطمي بمصر، مما دعا بالخليفة القائم بأمر الله الاستنجاد ب- (طغرل بك زعيم السلاجقة، فأنجده وجاء بجيش إلى بغداد عام 447ه- / 1055م وطرد البساسيري منها، وتوطدت سلطة السلاجقة خصوصاً بعد انتهاء خلافة القائم بأمر الله سنة 467ه- / 1075م وأصبح الحكم بيد السلاجقة حتى صار يخطب لطغرل بك على المنابر. وقام في العهد الرابع سبعة من خلفاء خلفاء بني العباس.)
لم تشهد كربلاء في هذا العهد أي تطور بل حدثت فيها بعض الوقائع التي سيتم التطرق إليها عند الحديث عن كربلاء في عهد السلاجقة.العهد الخامسدام هذا العهد 81 سنة فقد بدأ عام 575ه- / 1180م وإنتهى بإحتلال بغداد على يد هولاكو الذي دخلها في 4 صفر سنة 656ه-/ 1258م وقوّض أركان الخلافة أو الدولة العباسية. وكانت بداية النكسة عندما أراد الخليفة العباسي الناصر لدين الله أن يعزز شؤون الخلافة ويسترجع السلطة من السلاجقة فكتب إلى جنكيز خان أمير المغول يستنجده على السلاجقة ووقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه قبله الخليفة العباسي القائم بأمر الله. فما كان من جنكيز خان إلّا أن إكتسح ما كان في حوزة خوارزم شاه السلجوقي من الأماكن والبقاع، وأخذ يتطلع إلى ما في يد الخليفة العباسي من البلاد، ولم يتمكن من الوصول إلى بغداد فقد وافته المنية ولكن حفيده هولاكوا تمكن من ذلك وإحتل بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس، وتأسست في العراق الدولة الإيلخانية.في العهد العباسي الخامس هذا شهدت كربلاء حوادث كثيرة سيتم التطرق إليها تباعًا عند شرح الفترة الزمنية المعنية. لم تكن كربلاء في نهاية فترة الحكم الأموي مدينة ولا قصبة ولا حتى قرية، وإنتما كانت أرض خالية تحيط بها التلال من ثلاث جهات عدا الجهة الشرقية من أرض الحائر والتي تنساب بالتدريج إلى النهر الذي سمي فيما بعد العلقمي. ولا يوجد في هذه البقعة غير بناء بسيط شيّد على قبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، عبارة عن عمارة على شكل سقيفة لها جدران أربعة وفيها بأبين جنوبي وشرقي فقط. وتحيط بموضع القبر الشريف المسالح على التلال المحيطة بالقبر، شيّدها الأمويون وخاصة في زمن هشام بن عبد الملك لمنع زيارة القبر. فمنذ أول بناء شيّد على قبر الحسين بعد استشهاده أكان)
سنة 63 ه- أو 65ه- حسب إختلاف الروايات على سنة التشييد أو اسم الذي أمر بالتشييد... إلى سقوط الدولة الأموية، كان القبر والقبور الأخرى معلّمة ومعروفة، ولابد أن يعرفها ويشخصها الساكنون في القرى المجاورة وهم الذين دفنوا الحسين وأهل بيته واصحابه وسكان تلك القرى كانوا في غالبيتهم من قبيلة بني أسد.وعندما إستلم بنو العباس الحكم كان من الطبيعي أن تتوجه أنظارهم إلى بقعة كربلاء وإلى قبر الإمام الحسين وأن يهتموا بهذا الأمر على الرغم من إنشغالهم بترصين حكمهم وهو في بدايته، والسبب من ذلك هو أن أساس الدعوة لإسقاط الحكم الأموي كانت باسم العلويين وخاصة الثأر لما حدث لآل البيت عليهم السلام.فأول ما قام : به العباسيون منذ إستلامهم سدة الحكم وخاصة في أيام أبي العباس السفاح هو فسح المجال والسماح بزيارة القبر الشريف، وبدأوا بإقامة بناء جديد على القبر المطهر والإهتمام به ورعايته على أقل تقدير ... وهذا يعني ان شيئًا من الحركة قد بدأت في الحائر فتطلب ذلك إنشاء محلات لإيواء الزائرين وبعض الأسواق البسيطة التي تؤمن المتطلبات للوافدين إلى زيارة الحسين وذلك أدّى إلى ضرورة أن يسكن البعض وخاصة من القرى المجاورة واستقرارهم في البقعة المحيطة بالقبر لخدمة الحرم وتأمين حاجات الوافدين، وبدأ الأمر يتطور بتزايد أعداد الوافدين.ويمكن أن نعلل ما ذهبنا إليه من أن العباسيين وفي زمن أبي العباس السفاح جددوا بناء القبر أو رعوه وإهتموا به، بالإمور التالية:1 - أن الدعوة العباسية لم تتم الّا باسم العلويين وإعادة سلطة الهاشميين وأهل البيت كما هو معروف، وذكرته مصادر عديدة كتبت عن تاريخ تلك الدعوة وإسلوبها.2- بداية تأسيس الدولة العباسية كانت غاية في الصعوبة، فكان خلفاء بني العباس مشغولين بتثبيت دعائم ملكهم، والقضاء على من يحاول الاستئثار بالأمر معهم وخاصة ممن ساندهم في نشر دعوتهم.
3- سماحهم ببناء القبر والمساهمة بتجديده، كان يأخذ الجانب السياسي والإجتماعي، حيث يحاول العباسيون به إستمالة الناس إليهم في وضعهم الجديد، إذا ما علمنا أن رصيد أهل البيت والعلويين كبير جدًا بين الناس، وللأسف نرى بأن بعض فترات حكمهم اللاحقة تتبع بعض خلفاءهم الحسين وهو رميم. وقام بعض خلفاءهم بهدم القبر وما حوله، أو منعوا زيارته، أو على أقل تقدير لم يبدوا أي إهتمام به، بغضاً وحسدًا من آل بيت رسول الله .4- وهناك حقيقة يجب عدم تجاهلها، هي أن بعض خلفاء بني العباس قام بتعمير مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ والإهتمام بكربلاء حبَّا وكرامة وأمانة.)
### كربلاء في العهد العباسي الأولقام العباسيون في بداية حكمهم بالأعمال التالية:1- رفع المسالح المحيطة بقبر الحسين :قام العباسيون برفع المسالح المحيطة بالقبر الشريف التي وضعت من قبل الأمويين وكان الغرض منها منع زيارة قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ.)2- السماح بزيارة القبر الشريف:سمح العباسيون بزيارة القبر، حتى ولو كان ذلك لغرض سياسي لتثبيت حكمهم وإلتفاف الناس حولهم (حسب رأي البعض، وأن الناس في غالبيتهم كانوا على هوى العلويين، وكان الإمام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ) على قيد الحياة وهو فقيه زمانه وان فقهاء المذاهب الإسلامية التي تكونت فيما بعد كانوا من تلاميذه، وكان أبو العباس السفاح وبعده المنصور يكنّان إحتراماً وإهتماماً بالإمام الصادق ويعرفان مكانته ومنزلته العلمية والفقهية وحسبه ونسبه وإلتفاف العلويين بل الهاشميين ومحبي آل بيت النبوة حوله، وكان العباسيون متيقنين جيداً بأن الإمام الصادق غير طامع بسلطة أو حكم أو خلافة (1).)ومن المعروف بأن الإمام جعفر الصادق كان يزور قبر جدّه الإمام الحسين ويحث محبي آل البيت على زيارته والإمام الصادق توفي عام 148ه- وهناك روايات كثيرة عنه تؤكد وجود بناء على القبر وله أبواب، كما ذكر الحسين بن أبي حمزة الثمالي (المتوفي في زمن المنصور عن الإمام الصادق في توجيهاته حول زيارة القبر حيث يقول :«بعد الغسل في ماء الفرات تتوجه إلى القبر حتى تدخل الحير من جانبه الشرقي وتقول ... ثم إذا إستقبلت القبر ... ثم أجلس عند رأسه)
1) راجع جميع البحوث والدراسات وكتب التاريخ التي كتبت عن الدعوة العباسية، أو الكتب التي تحدثت عن سيرة الإمام جعفر الصادق عليه السلام .
الشريف... ثم تحول عند رجليه ... ثم تحول عند رأس علي بن الحسين... ثم تأتي قبور الشهداء... »(1.)3- تجديد بناء قبر الحسين (عليه السلام:)قاموا بتجديد بناء قبر الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ، فكثير من المصادر تذكر بأن القبر في العهد العباسي الأول من خلافة السفاح وحتى خلافة الرشيد، كان مشيّدا وعلى درجة مهمة من العمران بدليل أنه كان عليه سادن وخدم ومشرفون وتأكيدًا في عصر هارون الرشيد حيث كان ذلك قائماً .)هذا يعني أن القبر قد تم عمرانه بعد الأمويين بشكل جيد في زمن أبي العباس السفاح، وجرت عليه التوسعات في زمن المنصور وفي زمن المهدي ابن المنصور. بحيث كانت (أم موسى (2)زوجة المنصور ذات حظوة كبيرة لدى بني العباس، قد إهتمت كثيرًا بقبر الإمام الحسين وأجرت الأموال عليه، وأمرت الحسن بن راشد بأن يصيّر ابن أبي داود سادنًا له ومشرفًا عليه، وأن يُجرى على القبر في كل شهر ثلاثين در هماً (3).)والحسن بن راشد من أتباع أهل البيت ومن الرواة عن الإمام الصادق... وبقيت على هذا الحال من إهتمامها بقبر الحسين لحين وفاتها، علماً بأن المنصور توفي قبلها وكانت على قيد الحياة في خلافة ولدها المهدي.
1) مجلد المزار، ص 145 . وفي المصدر نفسه يذكر خبر عن المفضل بن عمر عن الإمام الصادق ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وآخر عن ابن مروان عن الثمالي، وآخر عن صفوان الجمال عن الصادق.... يؤكدون هذه الأخبار وبروايات مطولة عن طريق الزيارة، ويذكرون أبوابا وسقيفة وقبور للشهداء داخل الحرم غير قبر الإمام الحسين. وذلك يدل على وجود بناء على القبر الشريف فترة حياة الإمام الصادق التى استمرت إلى عام 148ه-.
2) أم موسى هي زوجة الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وهي أم الخليفة المهدي وجدة هارون الرشيد وهي بنت منصور بن عبد الله بن ذي سهم بن يزيد الحميري ووالدها من أحفاد ملوك اليمن.
3) تاريخ الطبري ، ج 5 ، ص 446 ، طبعة دار الأميرة.
لابد لنا هنا من وقفة على ما نقله البعض بأن أبا جعفر المنصور قام بهدم قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، كما أن هارون الرشيد هو الآخر قام بهدم القبر الشريف وكربه وقطع السدرة !! ، ونحن سنفصّل الحديث عن صحة ذلك من عدمه عندما نتحدث عن أدوار عمارة الروضة الحسينية، ونوجز الموضوع هنا بعدم صحة هذه الأخبار التي نقلها البعض وهم تحديدًا ممن نقموا على العباسيين بعد نكبة البرامكة. وموضوع الهدم تداوله من كَتَبَ عن كربلاء فيما بعد دون تمحيص أو دراسة عن صحة ما ذكر من عدمه، بينما لم تذكره كتب التاريخ الموثوقة والمعتمدة كما نقلت عن هدم المتوكل العباسي لقبر الإمام الحسين وتهديم ما حوله من بيوت وأسواق ومنع زيارته)ونقول:أ. كيف يقوم المنصور بهدم قبر الحسين وزوجته أم موسى تجري الأموال عليه وتهتم به، وكيف كانت تنفق عليه لحين وفاتها، والمعلوم أن المنصور توفي في حياتها حيث عاشت في حياة ولدها المهدي.ب. لو صح بأن المنصور هدم القبر لبغضه للعلويين كما يقولون، فمن الذي بنى البناية التي هدمها الرشيد (كما يزعمون عام 193ه- وهي السنة التي توفي بها هارون الرشيد.)ت. قبل أن يتولى هارون الرشيد الخلافة فقد تولاها قبله والده المهدي بن المنصور، وبعد المهدي تولاها موسى الهادي بن المهدي أخو هارون الرشيد. وذكر في كتاب تاريخ كربلاء وحائر الحسين وهو من الكتب التي تؤكد هدم المنصور والرشيد لقبر الحسين ما يلي:«خفّت الوطأة حينًا من الدهر على عهد المهدي والهادي»(1، و «مع أن عهده (أي هارون الرشيد) كان يبشر بالخير الكثير لما)
1) تاريخ كربلاء وحائر الحسين عبد الجواد الكليدار، ص152.
أبداه في أول الأمر سياسة مماثلة لسياسة أبيه المهدي في اللين وحسن المعاملة مع أرحامه ومن العطف على الطالبيين »(1.)ولم يصلنا عن المهدي ابن المنصور وابنه موسى الهادي أخي هارون ما يشير إلى بغضهم للطالبيين، في نفس الوقت لم تذكر كتب السير والتاريخ أنهما أعادا بناء القبر بعد تهديمه من قبل المنصور (إذا ماحدث ذلك فعلاً.)ث. كان الإمام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلام حيًّا إلى عام 148ه-، وكان يزور قبر جده الحسين في كربلاء إلى آخر أيامه، فهل كان هدم المنصور للقبر في حياته أم بعد رحيله ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ؟ فلم يذكر ذلك أحد !!)ج. ما يخص هدم القبر وكربه وقطع السدرة من قبل هارون الرشيد، فهل يعقل أن الرشيد الذي بنى قبر الإمام علي أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلَامُ في النجف، وهو باني أول عمارة عليه حسب ماذكره المؤرخون (2)وكان ذلك سنة 170ه-، أن يقدم على هدم قبر ابنه الشهيد!! ، فلماذا يبقي القبر الذي بناه ويأتي إلى هدم قبر الابن الذي كان قد شُيد منذ ما يزيد عن المئة عام!!)مع العلم بأن الرشيد كان معروفًا بإمكانياته وسياسته وإسلوب إدارته لدولته، وقد وصلت الحضارة الإسلامية في عهده إلى أعظم مراحلها وعهده كان يسمى العصر الذهبي والتاريخ يتحدث عن ذلك بإسهاب.
1) المصدر السابق نفسه.
2) إرشاد القلوب : للديلمي، ص137. وعمدة الطالب، ص 43. ونزهة القلوب: لحمد الله المستوفي، ص93. وفرحة الغري في الصفحات 101 و 102 و 103 . وماضي النجف وحاضرها في الصفحات 32 و 42، وغيرها من المصادر الكثيرة التي تذكر ذلك، الا ان بعضها إختلف في التاريخ فقط، فالأغلب قالوا بأن ذلك كان عام 170 ه- ومنهم من قال كان في عام 155 ه- وهو الشيرواني في رياض السياحة، ص309... والمتتبع لموضوع عمارة مشهد أمير المؤمنين يظهر له جليًّا صدق ما ذكر في تلك المصادر والتي تتحدث أيضا عن الكيفية التي عثر فيها على القبر بعد أن كان الناس يجهلون موضعه الّا الخاصة من آل علي وأصحابهم.
ح. ذكر الطبري في تاريخه ج 5 ص 446 ما يلي: «بعث الرشيد بإحضار ابن أبي داود والذين يخدمون قبر الحسين بن علي في الحير، قال: فأتي بهم، فنظر إليه الحسن بن ،راشد، وقال: مالك؟ قال: بعث إليّ هذا الرجل - يعني الرشيد – فأحضرني، ولست آمنه على نفسي، قال له : فإذا دخلت عليه فسألك فقل له: الحسن بن راشد وضعني في ذلك الموضع. فلمّا دخل عليه قال هذا القول، فقال: ما أخلق أن يكون هذا من تخليط الحسن أحضروه، قال: ما حملك على أن صيّرت هذا الرجل الخير ؟ قال: رحم الله مَنْ صيّره في الحير، أمرتني أم موسى أن أصيره فيه، وأن أجري عليه في كل شهر ثلاثين در هماً ... قال: ردّوه إلى الحير، وأجروا عليه ما أجرَتُه أمّ موسى ... ».خ. الذين ذكروا بأن الرشيد هدم قبر الحسين هم داتهم الذين يروون بأن أمه (الخيزران كانت تجري الأموال على المشهد الشريف والساكنين فيه. كذلك زوجته (زبيدة) التي اقامت الخانات على طريق مرقدي الحسين وأمير المؤمنين وعلى طريق الحج، لتجعلها إستراحة للزائرين والحجاج ... والتاريخ يحدثنا عن مقدار إحترام الرشيد لوالدته وزوجته وتاثيرهما عليه.)وفيما يلي نذكر الحوادث وما جرى في كربلاء فترة العهد العباسي الأول:### وفاة الإمام نوح في كربلاءهو القاضي أبو أيوب نوح بن دراج أبي الصبيح بن أبي علي عبد الله النخعي الكوفي الملقب ب- (أبو أيوب وقد إشتهر بالإمام نوح عند الأعراب النازلة حوالي كربلاء المقدسة ورساتيقها بحيث لا يعرف إلّا به.)كان من وجهاء الشيعة في الكوفة وصار قاضياً فيها من قِبل الخليفة العباسي هارون الرشيد (1فقيهاً وقاضيًا على الكوفة والبصرة أيام الخليفة العباسي هارون الرشيد بن المهدي. ثم قاضي بغداد بالجانب الشرقي، تفقه بأبي حنيفة، وابن شبرمة)
1) في سفينة البحار ج 2، ص 615 ، كان قاضيًا من قبل الرشيد على الكوفة والبصرة ويقضي بقضاء علي.
وابن أبي ليلى، وروى عنهم وعن الأعمش وعن سعيد بن منصور وعلي بن حجر وجماعة، وحكم بين الناس ثلاثة أعوام وهو ضرير.نزل كربلاء في أخريات أيامه عند عجزه وفقدان بصره، وأقام في قرية (نينوى هي من قرى أرض طف كربلاء، وجعلها سكنا له وإستقر بها لحين مماته.)توفي سنة 182ه- / 798م ودفن في المنطقة التي فيها محل قبره الحالي والمسماة حالياً ب- (الأبيتر (1)شمال شرق مدينة كربلاء الحالية.)ومن الغريب أن نقرأ لأحد الذين كتبوا عن كربلاء وهو يذكر بأن قبر نوح هذا يعود للنبي نوح عليه السلام!!، مخالفًا لكل كتب التاريخ عن مكان تواجد النبي نوح في زمانه، والأغرب من ذلك يقول بأن طوفان نوح حدث في أرض كربلاء مستدلاً على القبر المذكور !! ، ولا نعلم من أين جاء بهذه المعلومات وعلى أي مصدر إعتمد!! في ما إدعاه وهو افتراء ومحض تصور خاطئ غير مبني على بّينة.وما ذكره الشيخ محمد حرز الدين في مراقد المعارف عن قبر الإمام نوح هو المعول عليه لاغير (2.)### الشاعر منصور النمري وزيارته لكربلاءمنصور النمري هو أبو القاسم أو أبو الفضل منصور بن الزبرقان بن سلمه، وقيل منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك النمري، من قبيلة النمر بن قاسط). وهو شاعر عباسي ولد في مدينة (العين) في الجزيرة الفراتية في بلاد الشام. ولا يُعرف تاريخ ولادته. وكانت وفاته سنة 190ه-/ 805م. كان تلميذاً لكلثوم بن عمرو العتابي الذي ساعده على الإنتقال من الشام إلى بغداد. وتقرب من البرامكة فكانت)
له عندهم حظوة، فمدحهم في أشعاره ورثاهم. وجاء في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 13 ص 68 عن النمري ما نصه: حدثنا محمد بن أبي الأزهر النحوي حدثنا الزبير بن بكار حدثني محمد البيذق – وكان أحسن الناس إنشادًا وكان إنشاده أحسن من الغناء.زار النمري كربلاء قبل أن يتم تمصيرها، بحيث كانت عبارة عن قصبة صغيرة فيها عدة بيوت تحيط بقبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ. ويُعتقد بأن زيارته لكربلاء كانت في أيام الرشيد، وكان النمري ينحاز إلى آل البيت عليهم السلام عارفًا بقدرهم.)وعندما زار كربلاء وقف على قبر الإمام الحسين وأنشد قصيدته التي يقول في بعض أبياتها :ولا وجدت على الأصلاب منهم ولا الأكتاف آثار النصول ولكن الوجوه بها كلوم وفوق نحورهم مجرى السيول أيخلو قلب ذي ورع ودين من الأحزان والألم الطويل وقد شرقت رماح بني زياد بري من دماء بني الرسول ألم يحزنك سرب من نساء*** لآل محمد خمش الذيول*** يشققن الجيوب على حسين*** أيامى قد خلون من البعول*** فقدن محمداً فلقين ضيما**** وکن به مصونات الحجول*** ألم يبلغك والأنبياء تنمى مصال الدهر في ولد البتول بتربة كربلاء لهم ديار نيام الأهل دارسة الطلول تحيات ومغفرة وروح على تلك المحلة والحلول وما زالت معادن كل غيث*** من الوسمي مرتجز هطول*** برئنا یا رسول الله ممن أصابك بالأذاة وبالذحول ألا يا ليتني وصلت يميني ***هناك بقائم السيف الصقيل
فجدت على السيوف بحرّ وجهي*** ولم أخذل بنيك مع الخذولأريق دم الحسين ولم يراعوا وفي الأحياء أموات العقول*** فدت نفسي جبينك من جبين*** جرى دمه على خد أسيلوروى ابن قتيبة في الشعر والشعراء عن طبقات ابن معتز :آل انبي ومن يُحبهم*** يتطامنون مخافة القتلأمنوا النصارى واليهود وهم من أمة التوحيد في أزلولمّا أنشدت للرشيد بعد موته قال: لقد هممت أن أنبشه ثم أحرقه !!### ابن أبي داود أول سادن لمرقد الحسين (عليه السلام)ابن أبي داود (1أول سادن لمرقد الحسين (عليه السلام))تذكر الروايات عن كبار المؤرخين كما ذكرنا في موضوع هارون الرشيد وقبر الإمام الحسين بأن ابن أبي داود كان سادنًا لمرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، وقد صيّره وزير الرشيد (الحسن بن راشد) بأمر من أم موسى جدّة الرشيد وزوجة المنصور، كما جاء في تاريخ الطبري ج 5 ص 446. وقد نقلنا الحادثة سابقاً، وبعد أن عرف الرشيد بأن جدّته هي التي بعثته ليكون سادنا فقد أقرّه الرشيد وأمر أن تجرى له نفس الأموال التي كانت أم موسى تنفقها على قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)### المأمون يبني العمارة الثالثةعلى قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)كانت كربلاء تعيش حالة استقرار يصاحب ذلك شيئًا من التطور وزيادة الوافدين لزيارة القبر الشريف، وكان إهتمام العباسيين في عهدهم الأول هذا له اسبابه، لأنه من
1) هو القاضي أحمد بن فرج (أبي داود) الإيادي المتوفى سنة 240ه- وكان من العلماء.
غير المعقول أن يبدأ العصر العباسي بأعمال كالتي ذُكرت فهي تؤثر على الوضع العام للدولة التي كانت تسعى لتثبيت دعائمها، ولتُعطي صورة تختلف عن سابقتها الدولة الأموية التي كانت تنصب العداء للعلويين ومشاهدهم المقدسة.عندما توفي هارون الرشيد تولى الحكم ولده محمد الأمين الذي إختلف مع أخيه المأمون وحدث نزاع على الحكم بينهما، إلى أن قُتل الأمين بعد أقل من خمس سنين من توليه الخلافة.وآل الأمر إلى عبد الله المأمون الذي كان يميل إلى العلويين، ويعلن حبه لآل البيت عليهم السلام فقام بتسهيل وتشجيع زيارة قبر الإمام الحسين، وشرع في تعميره وتجديده فبنى عليه قبة شامخة وحرم فخم وبدأ الناس بالتزايد في السكن ومجاورة القبر في كربلاء. وكان إتمام بناء القبر وما حوله عام 199ه- / 815م. وقد قام المأمون بتوسيع الحير (الحائر (1). وبقيت عمارة المأمون هذه قائمة إلى عهد المتوكل العباسي الذي قام بهدم القبر وما حوله.)الخليفة العباسي عبد الله المامون بن هارون الرشيد تولى الحكم من سنة 198ه- إلى سنة 218ه-، وكان يميل إلى العلويين بحيث أعطى ولاية العهد إلى الإمام علي بن موسى الرضا (عَلَيْهِ السَّلَامُ وذلك في السابع من شهر رمضان عام 201ه-.)وفي أيامه كانت كربلاء في طور الإزدهار والإطمئنان ويفدها الكثير من زائري القبر الشريف وأخذت بالتوسع.بعد وفاة المأمون سنة 218ه- إستلم الحكم المعتصم العباسي حتى سنة 227ه-، وجاء من بعده ابنه الواثق الذي استمر حكمه إلى سنة 232ه-. فقد إستمرت كربلاء في عهد المعتصم والواثق على حالة الاستقرار والتوسع . كما لم يتعرض مرقد الحسين ولا الموالون لأهل البيت للإضطهاد بسبب إضطراب الوضع السياسي (2.)
### أبي السرايا يحث الناس عند قبر الحسين بالخروجونصرة محمد بن إبراهيم ابن طباطبا)في سنة 199ه-/ 815م وفي أيام المأمون العباسي، خرج محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ الملقّب ب- (ابن طباطبا).)جاء في تاريخ الطبري أن ابن طباطبا خرج بالكوفة يوم الخميس لعشر خلون من جُمادي الآخرة يدعو إلى الرضا من آل محمد والعمل بالكتاب والسُنَّة، وكان القيم بأمره في الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه (أبو السرايا واسمه (السري بن منصور) (1).)وفي مقاتل الطالبيين ذكر أن خروج ابن طباطبا كان بتحريض من نصر بن شبيب الذي كان متشيّعاً وينزل الجزيرة.قدم نصر حاجاً فلما ورد المدينة سأل عن بقايا أهل البيت ومن له ذكر منهم فذُكِرَ له: علي بن عبيدالله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن، ومحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن.فأمّا علي بن عبيد الله فإنه كان مشغولاً بالعبادة لا يصل إليه أحد ولا يأذن له، وأمّا عبد الله بن موسى فكان مطلوبًا خائفاً لا يلقاه أحد. أمّا محمد بن إبراهيم فإنه كان يقارب الناس ويكلمهم في هذا الشأن فأتاه نصر بن شبيب فدخل إليه وذاكره مقتل أهل بيته وغصب الناس إياهم حقوقهم، وقال: حتى متى توطئون بالخسف وتهتضم شيعتكم وينزى على حقكم؟ وأكثر من القول في هذا المعنى إلى أن أجابه محمد بن إبراهيم، وواعده لقاءه بالجزيرة (2.)
عندما إلتقيا في موعدهم بعد إنصراف الحجيج، فَتَرَ نصر بن شبيب في نيّته مساعدة ابن طباطبا وثنى عن رأيه وتراجع معتذراً إلى ابن طباطبا محتجاً بأن أهله وعشيرته قد إختلفوا عليه ورغبتهم عن أهل البيت وقال له: أقويك بخمسة آلافدينار أحملها إليك وأعتذر عن نصرتك!! فإنصرف محمد بن إبراهيم عنه مغضباً.ومضى راجعاً إلى الحجاز فلقى في طريقه أبا السرايا الشيباني (السري بن منصور بن ذهل بن شيبان(1)، وكان قد خالف العباسيين، وكان علوي الرأي ذا مذهب في التشيع، فدعاه ابن طباطبا إلى نفسه فقبل أبو السرايا وسُرَّ بذلك. ( وقال له: «إنحدر إلى الفرات حتى أوافي على ظهر الكوفة، وموعدك الكوفة »(2).)وصل ابن طباطبا الكوفة يسأل عن اخبار الناس ويتحسسها ويتأهب لأمره ويدعو من يثق به إلى ما يريد، حتى إجتمع له بشر كثير ، وهم ينتظرون أبا السرايا وموافاته. «وأقبل أبو السرايا لموعده على طريق البر حتى ورد عين التمر في فوارس معه، جريدة لا راجل فيهم، وأخذ على النهرين (إحدى تسميات كربلاء قديماً حتى ورد إلى نينوى فجاء إلى قبر الحسين »(3).)وعند قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ بعد أن أتم أبو السرايا مراسم الزيارة جمع الناس عند القبر وألقى عليهم خطبة طويلة ذكر فيها أهل بيت النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) وفضلهم، وما فعلت بهم أمة جدهم، وذكر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ومقتله في هذا المكان، ثم قال للناس إنه خارج إلى الكوفة للدفاع عن الدين ونصرة أهل البيت فدعا لمن يرغب بذلك منهم أن يلتحقوا به، وبعد الخطبة إرتحل إلى الكوفة لموعده مع ابن طباطبا.)
وعلى ما تقدم نذكر ما جاء في المقاتل عن خطبة أبي السرايا في مرقد الحسين:« قال نصر بن مزاحم فحدثني رجل من أهل المدائن، قال: إني لعند قبر الحسين في تلك الليلة، وكانت ليلة ذات ريح ورعد ومطر، إذا بفرسان قد أقبلوا فترجلوا ودخلوا القبر فسلّموا، وأطال رجل منهم الزيارة ثم جعل يتمثّل أبيات منصور بن الزبرقان النمري:عدا نفسي فداء للحسين يوم عدا*** إلى المنايا عدو لا قافل*** ذاك يوم أنحى بشفرته*** على سنام الإسلام والكاهل كأنما أنت تعجبين ألّا ينزل بالقوم نقمة العاجل لا يعجل الله إن عجلت وما ربّك عما ترين بغافل*** مظلومة والنبي والدها*** يدير أرجاء مقلة جافل*** أَلَا مَسَاعير يغضبون لها*** بسلة البيض والقنا الذابلقال: فأقبل عليَّ فقال : ممن الرجل؟ فقلت: رجل من الدهاقين من اهل المدائن. فقال سبحان الله يحن الولي إلى وليّه كما تحن الناقة إلى حوارها، يا شيخ هذا موقف يكثر لك عند الله شكره ويعظم أجره. قال: ثم وثب فقال: من كان هاهنا من الزيدية فليقم إليَّ، فوثب إليه جماعات من الناس، فدنوا منه فخطبهم خطبة طويلة ذكر فيها أهل البيت وفضلهم وما خصّوا به، وذكر فعل الأمة بهم وظلمهم لهم، وذكر الحسين بن علي فقال: أيها الناس، هبكم لم تحضروا الحسين فتنصروه فما يقعدكم عمن أدركتموه ولحقتموه؟ وهو غدًا خارج طالب بثأره وحقّه، وتراث آبائه وإقامة دين الله، وما يمنعكم من نصرته ومؤازرته؟ إنني خارج من وجهي هذا إلى الكوفة للقيام بأمر الله، والذّب عن دينه والنصر لأهل بيته، فمن كان له نيّة في ذلك فليلحق بي. ثم مضى من فوره عائداً إلى الكوفة ومعه أصحابه» (1.)
1) مقاتل الطالبيين، ص 427 .
في خارج الكوفة التقى أبو السرايا وابن طباطبا، ودخلاها ومعهما أتباعهما، وخطب محمد بن إبراهيم ابن طباطبا باهل الكوفة ودعاهم للوقوف معه في ثورته فبايعه الناس حتى تكابسوا وإزدحموا عليه وذلك في موضع بالكوفة يُعرف بقصر الضرّتين (1.### كربلاء في العهد العباسي الثانييبدأ العصر العباسي الثاني سنة 232ه- وهي السنة التي إبتدأ المتوكل (2العباسي الحكم بعد الواثق. وفي بداية هذا العهد شهدت كربلاء وهي في ابتداء نشأتها نكبة عظيمة قام بها المتوكل تمثلت بهدم قبر الإمام الحسين، وعرصة كربلاء بما يحيط القبر الشريف من منشآت أقيمت لخدمة الزائرين من أسواق وخانات ودور لأهل الحائر وسوّي القبر وماحوله بالأرض وكُرب وأجري الماء عليه.)كان المتوكل شديد البغض للإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ. ويروى عن شدة بُغضه للإمام ولأهل بيته ما ذكره أبي الفداء في تاريخه عندما كان المتوكل في إحدى جلساته الماجنة وهو يحتسي الخمر وحوله المغنين والقيان، يقول أبي الفداء:)
1) كان المأمون في خراسان وقد ولّى على العراق الحسن بن سهل أخا الفضل بن سهل وزير المأمون، ولما قام ابن طباطبا ومعه أبي السرايا أرسل إليهم الحسن بن سهل زهير بن المسيب) في عشرة آلاف لمقاتلتهم، وحدثت الوقعة بين الطرفين وإنهزم جيش زهير. ويذكر الطبري في تاريخه عن حوادث سنة 199ه- ما نصّه: « فلما كان من غد اليوم الذي كانت فيه الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيب، وذلك يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة تسع وتسعين ومائة، مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا فجاءةً، فذكر أن أبا السرايا سمّه ».)أما أبا السرايا وبعد عدة وقائع مع العباسيين إنهزم بعد أن أصيب بجراحة شديدة، فهرب وتم القبض عليه في جلولاء مع ثلة من أصحابه، وجيء به إلى الحسن بن الفضل فقدّم وضرب عنقه يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الأول سنة 200ه- ، وبُعث جسده إلى بغداد فصُلب نصفين على الجسر، في كل جانب نصف. وكان بين خروجه بالكوفة وقتله عشرة أشهر.
2) هو جعفر بن محمد المعتصم ولد عام 206 ه- وقتله ابنه المنتصر عام 247ه-، وهو عاشر من حكم من بني العباس. كان ماجنا وإشتهر ببغضه للإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وآل بيته.
كان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة ويكشف عن رأسه وهو أصلع ويرقص ويقول : قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين يعني عليا، والمتوكل يشرب ويضحك وفعل ذلك يوماً بحضرة المنتصر، فقال: يا أمير المؤمنين، أن عليا ابن عمك فكل أنت لحمه إذا شئت ولا تخلي مثل هذا الكلب وأمثاله يطمع فيه. فقال المتوكل للمغنين: غنّوا:غار الفتى لابن عمه ***رأس الفتى حرِّ أمّه (1)ويذكر ابن الأثير في الكامل أن موقف المتوكل هذا كان من الأسباب التي إستحلبها المنتصر قتل المتوكل، ويقول ابن الأثير : قيل إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء. المأمون. والمعتصم . والواثق في محبة علي وأهل بيته. وإنما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد إشتهروا بالنصب والبغض لعلي منهم علي بن الجهم الشاعر الشامي من بني شامة بن لؤي. وعمرو بن فرخ الرخجي. وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني أمية. وعبد الله بن محمد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة، وكانوا يخوفونه من العلويين ويشيرون عليه بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم، ثم حسّنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علو منزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان فغطّت هذه السيئة جمیع حسناته (2...)
1) المختصر في تاريخ البشر (تاريخ أبي الفداء) للملك المؤيد عماد الدين إسماعيل أبي الفدا، ج2، ص38، دار المعرفة، بيروت. وجاء في كتاب العراق قديمًا وحديثًا: ص 129 عن أبي الفداء ولكن نُقل بتصرف من مؤلفه كما ورد في الكامل في التاريخ لابن الأثير في ج 5 ، ص 287 من طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، ط 2 سنة 1387ه- : 1967م.
2) الكامل في التاريخ: لابن الأثير ، ج 5، ص 287 - 288 .
### هدم المتوكل لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)بقيت عمارة المأمون التي شيّدها عام 199 ه- إلى زمن المتوكل العباسي. ومن أبشع أعمال المتوكل العباسي هو أمره بهدم قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ في كربلاء وحرثه، كما أمر بهدم ما حوله من الدور والأسواق، ومنع الناس من زيارة القبر الشريف. فبدت كربلاء في أحلك أيامها بعد أن كان يدبّ النشاط فيها والتوسع.)وقد إختلف المؤرخون في السنة التي هدم فيها القبر الشريف، وكذلك عن عدد مرات الهدم. فمنهم من ذكر أن القبر هدم في زمن المتوكل أربع مرات في السنوات 232 و 236 و 237 و 247 للهجرة.ذكر الطبري في تاريخه أن المتوكل أمر بهدم قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ سنة 236ه-، حيث ذكر ما نصه في أحداث سنة 236ه-:«وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وان يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فذكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق فهرب الناس وإمتنعوا من المصير إليه، وحُرِثَ ذلك الموضع ، وزرع ما حواليه»(1).)كما جاء في البداية والنهاية حول أحداث سنة 236ه- ما نصّه: «فيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب وما حوله من المنازل والدور، ونودي في الناس من وجد هنا بعد ثلاثة أيام ذهبت به إلى المطبق فلم يبق هناك بشر، وإتخذ ذلك الموضع مزرعة تحرث وتستغل »(2.)وجاء في مروج الذهب للمسعودي ما نصّه:«وفي سنة 236ه- أمر المتوكل المعروف بالذيريح (الأصح هو الديزج بالمسير إلى قبر الحسين بن علي رضي تعالى عنهما وهدمه ومحو أرضه، وإزالة أثره ، وأن يعاقب من وجد به. فيذل الرغائب
لمن تقدم على هذا القبر. فكلٌ خشي العقوبة وأحجم، فتناول الذيريح مسحاة وهدم أعالي قبر الحسين، فحينئذٍ أقدم الفعلة فيه»(1.)وجاء أيضاً في مروج الذهب ما نصّه:« كان آل أبي طالب قبل خلافة (المنتصر في محنة عظيمة وخوف على دمائهم، فقد منعوا من زيارة قبر الحسين والغري من أرض الكوفة وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد وكان الأمر بذلك من المتوكل سنة 236ه- »(2).)وذكر ابن الأثير في الكامل وفي حوادث سنة 236ه- ما يلي: « في هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي عليه السلام وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يبذر ويسقى موضع قبره وأن يمتنع الناس من إتيانه، فنادى بالناس في تلك الناحية من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق فهرب الناس وتركوا زيارته وخُرّب وزُرع، وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب عليه السلام ولأهل بيته . . .»(3.)وجاء في مقاتل الطالبيين ما نصّه:«وكان المتوكل شديد الوطاة على آل أبي طالب، غليظاً على جماعتهم مهتماً بأمورهم (مهتم بأمورهم بسوء الرأي) شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم، وإتفق له أن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم، فحسّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله، وكان ذلك أن كرب قبر الحسين وعفّى آثاره، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحدًا زاره إلّا أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبة. فحدثني أحمد بن الجعد بن الوشاء، وقد شاهد ذلك، قال: كان السبب في كرب قبر الحسين أن بعض المغنيات كانت تبعث بجواريها إليه قبل الخلافة يغنين له إذا شرب، فلما وليها)
بعث إلى تلك المغنية فعرف أنها غائبة، وكانت قد زارت قبر الحسين، وبلغها خبره، فأسرعت بالرجوع، وبعثت إليه بجارية من جواريها كان يألفها، فقال لها: أين كنتم؟ قالت: خرجت مولاتي إلى الحج وأخرجتنا معها، وكان ذلك في شعبان.فقال: إلى أين حججتم في شعبان؟ قالت إلى قبر الحسين، فإستطير غضباً، وأمر بمولاتها فحبست، وإستصفى أملاكها. وبعث برجل من أصحابه يقال له: الديزج، وكان يهوديًا فأسلم، إلى قبر الحسين، وأمره بكرب قبره ومحوه وإخراب كل ما حوله، فمضى لذلك وخرب ما حوله، وهدم البناء وكرب ما حوله نحو مائتي جريب، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه، وأجرى الماء حوله، ووکل به مسالح بين كل مسلحتين ميل لا يزوره زائر إلّا أخذوه ووجهوا به إليه »(1.)يذكر فيليب حتي ما نصّه: «وسرعان ما جاء المتوكل وإستأنف سنة 850م عادة إضطهاد الشيعة فقد هدم ضريح علي في النجف والضريح الأكثر قداسة في كربلاء وهو ضريح الحسين، فإكتسب بذلك كراهية الشيعة الأبدية» (2. وسنة 850م تقابل سنة 236ه-.)وجاء في (دائرة المعارف الإسلامية» أن المتوكل العباسي هدم القبر عام 236ه-. بينما يذكر عبد الجواد الكليدار (3بأن (المتوكل) هدم القبر وحرثه أربع مرات متوالية خلال فترة حكمه التي دامت خمس عشرة سنة للفترة من 232ه- إلى 247ه-، كما ويذكر أن أول هدم كان عام 233ه- / 846م ، والثاني عام 236ه- / 850م، والثالث عام 237ه-/ 851م ، والرابع كان عام 247ه-/ 861م.)
فالدكتور الكليدار أسهب في موضوع الهدم زمن المتوكل وناقش بمصادر عديدة عن المرّات الأربع التي ذكر فيها بأن المتوكل هدم القبر خلال 15 سنة. والحقيقة هنا لابد أن نتوقف عندها قليلاً.أ. أغلب كتب التاريخ الموثوقة والمعتمدة مثل تاريخ الطبري، والبداية والنهاية لابن كثير، ومروج الذهب للمسعودي، والكامل في التاريخ لابن الأثير، وتاريخ أبي الفداء، أكّدت أن الهدم حدث سنة 236ه- / 850م. بينما ذكر الهدم في كتاب مقاتل الطالبيين لكن مؤلفه أبي الفرج الإصفهاني لم يذكر سنة الهدم،وحتی عندما ذكر حادثة زيارة محمد بن الحسين الأشناني لم يذكر السنة التي زار فيها كربلاء.والمصدر الوحيد الذي بين أيدينا هو كتاب مدينة الحسين لمؤلفه محمد حسن الكليدار الذي ذكر في السلسلة الثانية زيارة الأشناني سنة 240ه- نقلاً عن مقاتل الطالبيين، وعند مراجعتنا للمصدر لم نجد السنة فيه كما ذكرنا أعلاه.ب. ذكر السيد عبد الجواد الكليدار أن الهدم الأول كان سنة 233ه-، وإعتمد بذلك على حادثة الجارية التي كانت تأتيه قبل خلافته وعندما تولاها في ذي الحجة سنة 232ه-. وقد طلبها في شعبان سنة 233ه- وكانت غائبة، وعلم أنها كانت تزور قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ فأرسل من يأمر بهدم القبر الشريف وحبس الجارية. وقد إعتمد الدكتور الكليدار على كتاب تسلية المجالس) لمحمد بن أبي طالب الحسيني، وهذا ما لم تؤيده كتب التاريخ المعتمدة والتي كان مؤلفوها قريبي العهد تقريبا بحادثة الهدم هذه حيث أجمعوا أنها كانت سنة 236ه-.)ت. وذكر الكليدار أن الهدم الثالث كان سنة 237ه- معتمدًا على كتاب (طبقات الشافعية لتاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي في ج 1 ص 216. وعلى كتاب (أخبار الدول) للقرماني في حوادث سنة 237ه-، حيث قال:«إن المتوكل أمر بهدم قبر الحسين رضي الله عنه، وهدم ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع)
الناس من زيارته وحرث وبقي صحراء. فتألم المسلمون لذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد. وهجاه دعبل وغيره من الشعراء فممّا قيل في ذلك (1:)تالله إن كانت أميّة قد أتت في قتل ابن نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه مثله*** هذالعمرك قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا في قتله فتتبعوه رميما (2)ث. ونقل الدكتور الكليدار عن الشيخ الطوسي رحمه الله في (الأمالي ص209 بسنده عن القاسم بن أحمد بن معمر أحمد بن معمر الأسدي الكوفي الذي هو من علماء السيره، وعن بحار الأنوار للمجلسي ج 10 ص 296 وغيرها من المصادر المطبوعة في إيران ما نصّه:)«بلغ المتوكل جعفر بن المعتصم أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوىلزيارة قبر الحسين عليه السلام، فيصير إلى قبره منهم خلق كثير فأنفذ قائداً من قواده وضم إليه كثفًا (أي جماعة من الجند كثيراً ليشعث قبر الحسين ويمنع الناس من زيارته والإجتماع إلى قبره. فخرج القائد إلى الطف وعمل ما أمر وذلك في سنة 237ه-. فثار اهل السواد به واجتمعوا عليه وقالوا: لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منا عن زيارته ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا. فكتب بالأمر إلى الحضرة، فورد كتاب المتوكل إلى القائد بالكف عنهم والمسير إلى الكوفة مظهراً إن مسيره إليها في مصالح أهلها. والانكفاء إلى المصر فمضى الأمر على ذلك حتى كانت سنة سبع وأربعين ومائتين» (3).)ج. أما الهدم الرابع فقد كان سنة 247ه- ، ويؤكد ذلك الدكتور الكليدار معتمدًا على (بحار الأنوار للمجلسي و تسلية (المجالس) لمحمد بن أبي طالب، و(شرح)
شافية أبي فراس و (ناسخ التواريخ) و (نزهة الحرمين في عمارة المشهدين) و اعيان الشيعة ) و ( تظلم الزهراء). حيث نقل عنهم ما نصّه:)«بلغ المتوكل أيضاً مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين عليه السلام، وإنه قد كثر جمعهم لذلك، وصار لهم سوق كبير. فأنفذ قائدا في جمع كثير من الجند. وأمر مناديًا ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبره. ونبش القبر وحرث أرضه وإنقطع الناس عن الزيارة. وعمد على تتبع آل أبي طالب والشيعة، فقتل ولم يتم له ماقدره»(1. وكانت هذه الحادثة في هذه السنة هي السبب في قتله على يد ابنه المنتصر بمساعدة قادته الأتراك سنة 247ه-.)ونعتقد بأن هذا الأمر مبالغ فيه على أساس تواريخ الهدم وإعادة البناء... فعندما كان يهدم المتوكل القبر فمن الذي كان يعيد بناءه مرّة أخرى؟!!... ويتكرر ذلك لثلاث مرات لتعميره وفي فترة خمس عشرة سنة !! عدا ما ذكره الدكتور الكليدار في ص 195 بأنه قد أعيد بناء القبر المطهر في هذه الفترة بعد الهدم الأول وأعيد كذلك بناء البيوت والمنازل من حوله كسابق عهده دون أن يشير التاريخ إلى من قام بتجديد البناء على القبر المطهر في هذه الفترة القصيرة الأمر الذي يدل على أن الأهلين أنفسهم قاموا بهذا الأمر بإقامة بنيان بسيط عليه.ح. وفي الرواية التي ذكرها الشيخ الطوسي في (الأمالي(2)بسنده عن عبد الله بن رابية الطوري حيث قال: «حججت سنة 247ه- فلما صدرت من الحج صرت على العراق فزرت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على حال خيفة من السلطان. ثم توجهت إلى زيارة قبر الحسين عليه السلام، فإذا هو قد حرث أرضه، ومخر فيها الماء، وأرسلت الثيران العوامل في الأرض. فبعيني وبصري كنت رأيت الثيران تساق في الأرض فتنساق لهم حتى إذا حاذت مكان القبر حادت عنه)
يميناً وشمالاً . فتضرب بالعصا الضرب الشديد فلا ينفع ذلك فيها ولا تطأ القبر بوجهٍ ولا سبب. .. فما أمكنني الزيارة فتوجهت إلى بغداد وأنا أقول:تالله إن كانت امية قد أتت*** قتل ابن بنت نبيه مظلوما*** فلقد أتاك بنو أبيه بمثله*** هذالعمرك قبره مهدوما*** أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا*** في قتله فتتبعوه رمیافلما قدمت بغداد سمعت الهائعة فقلت: ما الخبر؟ قالوا: سقط الطائر بقتل جعفر المتوكل فعجبت لذلك وقلت : إلهي ليلة بليلة » (1.)ولنا وقفة قصيرة عند هذه الرواية حيث فات المرحوم الدكتور الكليدار التنبّه إليها حيث كتبها نصاً مؤكدًا أن الهدم الرابع كان في سنة 247ه-، ونقول:أولاً: إن موسم الحج يكون في شهر ذي الحجة من كل عام هجري، وبالتحديد يوم 9 منه الوقوف على صعيد عرفة والأيام 10، و 11، و 12 في منى. وبعدها الرجوع إلى مكة لإكمال مناسك الحج من طواف وسعي. وعيد الأضحى يبدأ من يوم 10 ذي الحجة ويستمر أربعة أيام. وشهر ذي الحجة هو آخر شهور السنة الهجرية. وأن طريق الحج من مكة إلى النجف وكربلاء يستغرق وقتًا طويلاً على حساب تلك الأيام ونوع وسائط النقل التي كانت إمّا على ظهور الجمال أو الدواب أو المشي. فإن صاحب السند عبد الله بن رابية الطوري الذي حجّ سنة 247ه- يكون قد وصل إلى قبر الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وقبر الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في بداية سنة 248ه- في أقل تقدير.)ثانيا: أغلب التواريخ تؤكد أن المتوكل قُتل في 3 شوال سنة 247ه-، أي قبل أن يصل صاحب الرواية إلى قبر الحسين بثلاثة أشهر. فهل بقي الهدم والتخريب مستمراً والمنتصر قد إستخلف أباه منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر؟!!
1) تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص 202 ، عن الأمالي) و (بحار الأنوار) و (تظلم الزهراء) للقزويني. والأبيات الشعرية ذكرناها سابقا وإضطررنا لذكرها لورودها ضمن النص أعلاه.
ثالثًا: جميع المصادر تؤكد بأن قتل المنتصر لأبيه المتوكل كان بسبب بغضه لآل أبي طالب وهدمه قبر الحسين وما حوله، وأن المنتصر بدأ بتشييد عمارة على قبر الحسين حال إستلامه للخلافة التي لم تدم له سوى ستة أشهر حيث توفي في 25 ربيع الأول سنة 248ه- . وذكر الكليدار في كتابه المنوه عنه في ص 155: والعمارة الثالثة هي التي شُيّدت توا على القبر المطهر باعتلاء المنتصر عرش الخلافة في أواخر عام 247ه- بعد مقتل أبيه ... ولكنه توفي لسوء الطالع بعد حكم لم تطل مدته غير ستة أشهر ».رابعا: المشهور أن المتوكل هدم القبر الشريف آخر مرة في النصف من شعبان سنة 247ه-، فتكون المدة التي كانت بين هدمه القبر ومخره لحين مقتله شهراً وثمانية عشر يوما فقط.وعلى ذلك كلّه فإمّا أن تكون الرواية التي ذكرت في (الأمالي عن صاحب السند المذكور غير صحيحة، أو أن يكون صاحب السند قد حجَّ سنة 246ه- وليس سنة 247ه-، لتكون أكثر مقبولية وقد حدث في النقل أو التدوين شيء من الخطأ والله)أعلم.وعلى أختلاف تاريخ هدم المتوكل لقبر الحسين نرجح بأن الهدم قد تم مرتين، الأولى كانت سنة 236ه-، حيث ذكرتها كتب التاريخ الموثوقة، وأصحابها عاشوا في فترات قريبة من هذا الحدث. ويذكر البعض أن بناءً بسيطًا جرى على القبر بعد تهديمه وبعض الدور حوله، على الرغم من أن الزيارة كانت قد منعت لوجود المسالح حوالي القبر الشريف. ولكن البعض كان يتمكن من التسلل ليلاً إليه كما أوردنا في حادثة زيارة الأشناني للقبر، وإستمر الحال لمدة عشر سنوات.أمّا حادثة الهدم الثانية فكانت في النصف من شعبان عام 247ه-. والسنوات التي قبلها كانت منع للزيارة وتهديم ما حول القبر. ففي هذه السنة سوي القبر بالأرض وهدم كل ما كان حواليه من دور وحوانيت وأسواق، وأصبح الحائر قاعاً صفصفا.
أمّا أسباب الهدم كانت متعددة، فقد ذُكر بأن سبب الهدم هو أن إحدى جواريه زارت قبر الحسين في شعبان، فإستشاط غضباً فسجنها، وبعث برجل اسمه الديزج وكان يهوديًا وأسلم إلى قبر الحسين وأمره بكربه ومخره وتهديم كل ما حوله بمسافة 60×60 ذراعاً، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد فأحضر قوماً من اليهود فكربوه وأجرى الماء حوله ووكل به مسالح على سائر الطرق بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائر إلّا أخذوه ووجه به إليه فقتله أو أنهكه عقوبة.ومن الأسباب الأكثر شيوعاً هي أن المتوكل بإجماع المؤرخين كان يبغض العلويين، وما كانت حادثة الجارية أو غيرها إلّا تأكيدًا لهذا البغض الذي خالف بشكل كبير من سبقوه حتى لو كان قد بدر منهم ما يسيء للعلويين ولكن ليس بالشكل الذي بدا عليه هذا المتوكل الماجن والحاقد.لكن المؤكد والمثير للغرابة أن المتوكل أقدم بهدم القبر الشريف بالكامل وكربه وحرثه وأجرى الماء عليه، كما أمر بتهديم جميع ماحوله من الدور والأسواق ومحلات إيواء الزائرين، ومنع الناس من السكن بجوار القبر ومنع الناس من الزيارة وأوكل المهمة إلى أناس يشاركونه البغض للعلويين، حتى قيل أن الثيران التي جلبت لحرث موضع القبر كانت تنفر وتحير عن موضع القبر إلى أن كلّف بعض اليهود بإتمام المهمة، وكل ذلك تمَّ في سنة 247ه-، وكانت سنة شديدة على محبي آل البيت، وعمله ذلك هو الذي إستدعى ابنه المنتصر لأن يقوم أو يشارك بقتل أبيه، لتنتهي المأساة وتبدأ كربلاء عصرًا جديدًا يتم فيه تعمير القبر وبناء المدينة وتمصيرها وتشجيع الناس بالسكن فيها والوفود إليها لغرض الزيارة والمجاورة.
### زيارة الإشناني لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)قام محمد بن الحسين الأشناني (1وهو من أهل الكوفة ومن الموالين لآل أبي طالب، بزيارة قبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) زمن المتوكل سنة 247ه- / 862م، وكان المتوكل قد منع زيارة القبر الشريف بعد أن هدمه وما حوله في الحائر. ويعتقد أن زيارة الأشناني لقبر الحسين كانت بعد مدة وجيزة من عملية الهدم وقبل مقتل المتوكل. كانت زيارته للقبر الشريف سرًا برفقة أحد العطارين، فلمّا تقرّبا منه جعلا يتحريان جهة القبر حتى عثرا عليه وذلك لكثرة ما كان قد مُحر وحرد حوله، فشاهداه وقد قُلع الصندوق الذي كان حواليه وأحرق، وأجري عليه الماء فإنخسف موضع اللبن وصار كالخندق حول القبر، ولمّا أتمّا مراسيم الزيارة نصبا حول القبر علامات شاخصة في عدة مواضع تدل على موقع القبر الشريف. ويصف الأشناني موضوع أمر المتوكل العباسي بمنع الزيارة، وقد ذُكر وصفه في مقاتل الطالبيين بما نصّه:« فحدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: بَعُدَ عهدي بالزيارة في الأيام خوفًا، ثم عملت على المخاطرة بنفسي فيها وساعدني رجل من العطارين على ذلك، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتى أتينا نواحي الغاضرية، وخرجنا منها منتصف الليل فسرنا بين مسلحتين وقد ناموا حتى أتينا القبر فخفي علينا، فجعلنا نشمه ونتحرى جهته حتى أتيناه، وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه وأحرق، وأجري الماء عليه فإنخسف موضع اللبن وصار كالخندق، فزرناه وأكببنا عليه فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها قط كشيء من الطيب، فقلت للعطار الذي كان معي : أي رائحة هذه؟ فقال: لا والله ما شممت كشيء من العطر، فودعاه وجعلنا حول القبر علامات في عدة مواضع.)
1) هو العالم الفاضل محمد بن الحسين بن علي الشيباني المعروف ب- (الأشناني) المولود سنة 221ه-: 836م والمتوفى سنة 317 ه- ،939م ، كان من أهل الكوفة ، ومن كبار علمائها، ومن الموالين لآل البيت الأطهار، وكان قد سجن فترة من الزمن بأمر من المتوكل العباسي.
فلما قتل المتوكل إجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة حتى صرنا على القبر فأخرجنا تلك العلامات واعدناه إلى ما كان عليه(1.)### بناء المنتصر العباسي لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)بناء المنتصر (2العباسي لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام))بناء المنتصر (3العباسي لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام))قَتَل المنتصر العباسي أباه المتوكل وتولى الخلافة في 4 شوال سنة 247ه-/ 862م، وكان المنتصر على الضد من أبيه في الكثير من الأمور، وخاصة علاقته بالعلويين، حيث كان يكنُّ أحتراماً لآل أبي طالب، وشرع في بداية حكمه الذي لم يَدُم سوى ستة أشهر حيث توفي عام 248ه- بتشييد عمارة جديدة على قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأعاده على ما كان عليه، ونصب ميلاً ليهتدي به الناس إلى موضع القبر، وأبدى عطفا كبيرًا على آل أبي طالب وأحسن إليهم ووزع عليهم الأموال وأرجع إليهم الأوقاف الخاصة بهم ومنها (فدك).)كان محمد المنتصر بن المتوكل وهو ولي عهده، ونتيجة لميله للإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ والطالبيين قامت حاشية المتوكل بالتوسل لإبعاد المنتصر عن ولاية العهد وأيدهم المتوكل الذي سمى ابنه المنتصر ب- (المستعجل) وأخذ يهينه أمام جلّاسه، بل وصل الأمر به إلى رغبته بقتل ابنه المنتصر، وعند ذلك أقدم المنتصر مبتدءا ومتعاونًا مع وزراء أبيه على قتله والتخلص منه، ولم يغب ذلك عن خطط وصيف وبغا وهما من الأتراك الذين يحاولون فرض سيطرتهم على الخلافة... وتم قتل المتوكل وتولى المنتصر الخلافة.)ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 248ه- :« كان المنتصر عظيم الحلم راجح العقل غزير المعروف راغباً في الخير جوادًا كثير الإنصاف حسن العشرة، وأمر الناس بزيارة
1) مقاتل الطالبيين للإصفهاني، تحقيق أحمد صقر، ص 479 .
2) هو المنتصر بالله محمد أبو جعفر وقيل أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، أمه أم ولدرومية اسمها حبشية. ولد سنة 222 ه- ومات سنة 248ه- عن عمر لا يزيد عن ست وعشرين سنة فلم تدم خلافته سوى ستة أشهر .
3) هو المنتصر بالله محمد أبو جعفر وقيل أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، أمه أم ولدرومية اسمها حبشية. ولد سنة 222 ه- ومات سنة 248ه- عن عمر لا يزيد عن ست وعشرين سنة فلم تدم خلافته سوى ستة أشهر .
قبر عليّ والحسين عليهما السلام فأمّن العلويين، وكانوا خائفين أيام أبيه، وأطلق وقوفهم، وأمر برد فدك إلى ولد الحسين والحسن ابني علي بن أبي طالب عليه السلام، وذكر أن المنتصر لما وليّ الخلافة كان أول ما أحدث أن عزل صالح بن علي عن المدينة وإستعمل عليها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد، قال علي: فلما دخلت أودعه قال لي: ياعلي إني أوجهك إلى لحمي ودمي، ومد ساعده وقال: إلى هذا أوجه بك فانظر كيف تكون للقوم وكيف تعاملهم، يعني آل أبي طالب. فقال: أرجو أن أمتثل أمر أمير المؤمنين إن شاء الله تعالى، فقال: إذاً تسعد عندي»(1.)وورد أنه أمر بالبناء على قبر الحسين ويقام على البناء علمًا كالميل عالياً ليستدل به على موضعه لوافديه.كما شجع الناس للسكن بجوار القبر الشريف وببناء القبر وتشجيع المنتصر وسماحه بالزيارة وتعمير القصبة، فقد بدأت كربلاء تتنفس الصعداء وأخذ الناس يتوافدون عليها وإزدهرت الحياة فيها مرة أخرى. وعلى ذلك فقد ورد في إرجوزة الشيخ محمد السماوي قوله في مجالي اللطف بأرض الطف :حتى إذا ما إنتصر المنتصر وآمن الناس أعيد الأثر وعادت السكان والديار*** وشُيّد المقام والمزار### توافد العلويين إلى كربلاء للسكنبعد أن قُتل المتوكل العباسي سنة 247ه- بدأ الناس يعودون إلى كربلاء ويتخذونها سكناً ومستقراً، وفي تلك السنة بدأ العلويون بالتواجد والاستقرار فيها، وأول علوي سكن كربلاء هو السيد إبراهيم المجاب بن السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ. ويكنى ب- (تاج الدين إبراهيم المجاب).)
1) الكامل في التاريخ: ابن الأثير ج 7، ص 116 ، طبعة دار الصادر ودار بيروت سنة 1385ه- / 1965م.
جاء في التذكرة لابن مهنا العبيدلي وهو من أعلام القرن السابع الهجري عندما ذكر تسلسل نسب السيد إبراهيم المجاب فقد دوّن التالي: هو إبراهيم الضرير المجاب والمجاب برد السلام، ويقول الشاعر من ولده:من أين للناس مثل جدي ***موسی أو ابنه المجاب إذ خاطب السبط وهو رمسٌ جاوبه أكم الجواب(1)وذكر النسابة ابن شدقم في تحفة الأزهار وزلال الأنهار:«فأبو إبراهيم محمد (العابد خلف ابنين تاج الدين أبا محمد إبراهيم الضرير يعرف بالمجاب، وأبا جعفر أحمد الزاهد »(2).)قال السيد تاج الدين بن محمد بن حمزة بن زهرة الحسيني نقيب حلب: وبنو المجاب إبراهيم قالوا سمي المجاب برد السلام وذلك انه دخل إلى حضرة أبي عبد الله الحسين بن علي فقال : السلام عليك يا أبي فسمع صوت وعليك السلام (3.)ووالده هو السيد أبي إبراهيم محمد الصالح الشهير بالعابد دفين شيراز بجوار روضة أخيه أحمد الملقب ب- شاه جراغ أي ملك النور أو نور الملك، ويقال بأن نوراً كان يخرج إلى السماء من قبره فسمي بذلك قَدِمَ السيد محمد العابد مع أخيه السيد أحمد إلى شيراز فَتُوفيا بها أيام الخليفة العباسي عبد الله المأمون بعد وفاة أخيهما الإمام علي بن موسى الرضا ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في خراسان.)كان السيد إبراهيم المجاب يسكن الكوفة ممتحناً في نفسه ضريراً مكفوف البصر، أحاطت به الخطوب والأرزاء ، وكان لا يقر له ولا للعلويين قرار من ظلم وبغض المتوكل العباسي.
1) التذكرة فى الأنساب المطهرة: لابن المهنا العبيدلي، ص 147 ، إعداد مهدي الرجائي.
2) تحفة الأزهار وزلال الأنهار ضامن بن شدقم، ج 3، ص 280 ، تحقيق كامل سلمان الجبوري.
3) غاية الإختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار تاج الدين بن محمد بن حمزة بن زهرة الحسيني نقيب حلب، ص 56 ، ط 1 ، بولاق، مصر سنة 1310ه-.
وبعد قتل المتوكل وإلغاء منع التوافد على قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، وعادت الحرية لمن يشاء زيارة القبر الشريف، فكان السيد إبراهيم المجاب من أوائل الذين قصدوا زيارة جده الحسين بل إتخذ مجاورة قبره الشريف سكنا ومستقرا، وإتخذ أعقابه من ولده محمد الذي لقب بالحائري كربلاء موطناً لهم منذ سنة 247ه- وإلى اليوم.)وعندما وافاه الأجل تم دفنه في الزاوية الشمالية الغربية خارج الحرم حينها، وبقي قبره معلوماً ومعروفًا إلى أن تم توسيع الحرم الشريف وبناء الرواق الشمالي فتم إدخال قبره ضمن الحرم، ويقع قبره الآن في الزاوية الشمالية الغربية من الحرم الحسيني وهي الزاوية التي تربط الرواق الشمالي بالرواق الغربي.ومنذ ألف ومائة وخمس وثمانون سنة لا تزال سلالته حائزة لشرف الجوار والسكن والخدمة في العتبات المقدسة في كربلاء على أثر قصد جدهم المجاب تاج الدين إبراهيم.وقد لقّب ابنه الأكبر السيد محمد ب- (الحائري نسبة إلى سكنه بالحائر. وهو الجد الأعلى للسادة آل فائز وهم آل طعمة وآل نصر الله وآل ضياء الدين وآل مساعد (عوج) وآل التاجر وآل سيد أمين وغيرهم من الفائزيين.)ومن ثُمَّ توالى قدوم العلويون من السادة الأشراف من ذرية الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام. متوافقين مع هجرة أقوام عدة من القبائل العربية العريقة إلى كربلاء للسكن والاستقرار فيها.### زعيم الطائفة الزيدية يحيى بن عمر في كربلاءالطائفة الزيدية هم أتباع زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام والزيدية فرقة من فرق الشيعة وهم يقرّون بإمامة زيد الشهيد الذي قتل بأمر من الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان في سنة 121ه- وكان عمره 42 سنة. كان قد خرج على الأمويين بعد أن قابل هشام بن عبد الملك في الشام
وأحس بذل أصابه وإعتبره إهانة، فخرج من عنده وهو يقول «لم يكره قوم قط حد السيوف إلّا ذلّوا ».خذله أتباعه أمام جيش الأمويين وقُتِل وصُلب على جذوع النخل وأحرق في جبانة الكوفة. وكان زيد بن علي عين إخوته بعد أخيه الإمام محمد الباقر (عَلَيْهِ السَّلَامُ وأفضلهم. كان عابدًا ورعاً تقياً فقيهاً شجاعاً، ظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطالب بثارات الحسين.)إعتقد كثير من الشيعة بإمامته، وسبب هذا الإعتقاد هو خروجه بالسيف يدعو إلى الرضا من آل محمد ولم يكن يريد الإمامة لنفسه لمعرفته باستحقاق الإمامة لأخيه الباقر ( عَلَيْهِ السَّلَامُ. وكان الإمام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قد حزن حزناً عميقاً عندما علم بمقتله وقال رحم الله عمّي زيدا، وفرّق من ماله في عيال من أصيب مع زيد.)ومن تلاميذه واصل بن عطاء شيخ المعتزلة، وأخذ عنه الفقه أبو حنيفة النعمان بن ثابت شيخ الحنفية عندما كان في الكوفة وأصبح من خيرة تلاميذه، وعلى ذلك إعتبر بعض المؤرخين أن أبا حنيفة زيدي المذهب.بعد استشهاده تأسست الزيدية كطائفة تقول بخلافة أبي بكر وعمر ولهم قول في عثمان، كما يزعم الزيدية بأن الإمام يجب أن يخرج بالسيف، وكل إمام خرج بالسيف مفترض الطاعة وليس للإمام نصٌ بالإمامة كما يعتقده الإمامية (1.)
1) الزيدية تتكون من عدة فرق هي الجارودية ورئيسها زياد بن منذر أبي جارود، ويزعمون أن النبي ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) نص على إمامة علي بالنص والوصف دون التسمية، فالإمام بعده علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ولكن الناس قصروا حيث لم يعترفوا بالوصف ولم يطلبوا الموصوف. والسليمانية ورئيسها سليمان بن جرير، ويقولون أن الإمامة شورى بين المسلمين ويصح أن تنعقد من رجلين من خيار المسلمين وإنها تصح في المفضول مع وجود الفاضل، وأثبتوا إمامة أبي بكر وعمر حقا بإختيار الأمة حقًا إجتهاديًا. والصالحية ورئيسها صالح بن حي. والبترية ورئيسها كثير النووي، والصالحية والبترية متفقين في المذهب والقول ويتبعون في الإمامة ما ذهبت إليه السليمانية إلّا أنهم توقفوا في أمر عثمان، ويزعمون الإمامة هي خروج الإمام بالسيف، ويقولون عندما صلب زيد قام بالإمامة بعده ابنه يحيى قتيل ،مرو، ووصلت إلى يحيى بن عمر ولمّا قتل إنتقلت الإمامة إلى الحسن بن زيد بن إسماعيل العلوي وبعده إلى أخيه محمد بن زيد وهكذا دواليك إلى أن وصلت الإمامة الزيدية إلى ملوك اليمن المتاخرين الذين عزلوا عند تأسيس الجمهورية في اليمن على يد عبد الله السلال أول رئيس للجمهورية اليمنية بداية ستينيات القرن العشرين الميلادي.
في سنة 250ه- قصد كربلاء زعيم الطائفة الزيدية يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد الشهيد بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأمه فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر الطيّار.)ظهر يحيى بن عمر في الكوفة ودعا إلى الرضا من آل محمد، وكان ظهوره وخروجه على الخلافة العباسية لإهانة أصابته من المتوكل العباسي، وبالرغم من مقتل المتوكل ومجيء ابنه المنتصر فلم يهدأ يحيى بن عمر ، فإلتف حوله وبايعه جماعة من أهل الكوفة، وإجتمعت إليه الزيدية الذين يزعمون بإمامة زيد بن علي بن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، ولمّا بايعه الناس وإستتب له الأمر في الكوفة في زمن الخليفة العباسي (المستعين بالله) توجه بجموعه إلى كربلاء لزيارة قبر الإمام الحسين.)وعندما وصل وأتباعه كربلاء دخل إلى حرم الإمام الحسين وطاف ومن معه بالقبر الشريف وهم يتضرعون بخشوع ويدعون الله أن يَمُنَّ عليهم بالخير وينصرهم على أعداءهم. وبعد أن أنهوا الزيارة توجهوا إلى الكوفة، فأرسل المستعين العباسي جيشاً بقيادة حسين بن إسماعيل فإشتبك جيش الخليفة مع يحيى بن عمر وأتباعه في معركة طاحنة قُتِل خلالها يحيى بن عمر وتم حز رأسه وأرسل إلى بغداد، ولمّا كان يحيى بن عمر ذو مكانة خاصة لدى الناس ومحبة له في نفوسهم، فقد ضج الناس لمقتله ورثاه الكثير من الشعراء.### ظهور العلوي الحسين بن محمد في (نِيْنَوَى)نِينَوى من قرى كربلاء القديمة (وقد تم الحديث عنها، ففي أيام الخليفة المستعين بالله بن المعتصم العباسي (1)وتحديدًا سنة 251ه-/ (865م)، ظهر بنينوى)
1) تولّى الخلافة سنة 248ه- بعد موت المنتصر بالله بن المتوكل حتى سنة 252 ه- حيث تم عزله وسجنه ومن ثَمَّ قتله من قِبل المعتز بالله بن المتوكل.
قرب كربلاء في آخر جمادي الآخرة من هذه السنة رجل علوي من الطالبيين وهو الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن الحسين بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام. وكان يدعو للرضا من آل محمد وينكر خلافة العباسيين وظلمهم لآل البيت.إجتمع إليه جماعة من الأعراب، وفيهم قوم ممن كان خرج مع يحيى بن (1عُمر سنة خمسين ومائتين.)وقد كان قِدم إلى تلك الناحية ( يعني بها نينوى هشام بن أبي دلف(2)، فواقعهم العلويّ في جماعة نحو خمسين رجلاً ، فهزمه وقتل عِدّة من أصحابه، وأسر عشرين رجلاً وغلاماً، وهرب العلوي إلى الكوفة، فإختفى بها، ثم ظهر بعد ذلك، وحمل الأسرى والرؤوس إلى بغداد، فعرف خمسة نفر ممن كان مع أصحاب أبي الحسين يحيى بن عمر، فأطلقوا (3).)كانت هذه الواقعة قرب كربلاء بعد هدم المتوكل لقبر الحسين بأربع سنوات، وقد ساعد بنو أسد الساكنون في النواحي العلوي في القتال، وعندما ظهر في الكوفة مرة أخرى إنضم إليه منهم قرابة ثلثمائة رجل من بني أسد.
1) هو أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد الشهيد بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). ظهر بالكوفة سنة 250ه- ودعا بالرضا لآل محمد وإلتف حوله الناس وتمت مبايعته، وفي معركة ضارية مع العباسيين تم قتله وحزّ رأسه وصلب الرأس في سامراء وبغداد.
2) كان هشام بن أبي دلف يتولى بعض سواد الكوفة من قبل العباسيين.
3) تاريخ الطبري، ج 6، ص 301 ، طبعة دار الأميرة، بيروت.
### الإمام علي الهادي ( عَليْهِ السَّلام وتربة كربلاء)ورد في الأخبار أن الإمام علي الهادي عليه السلام (عاشر أئمة أهل البيت قد)مرض في سنة 260ه- وكان في سُر من رأى (سامراء، وطلب من تلميذه محمد بن حمزة وأوصاه أن يذهب إلى كربلاء لزيارة قبر جده الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وأن يجلب له تراباً من القبر الشريف وأن يدعو له تحت قبة جده الحسين بالشفاء.)فقال له تلميذه: جعلت فداك أنت من يُستشفع بك عند الله من كان مريضاً متبركاً بدعائك له، فما لك وتراب قبر الحسين والدعاء في الحائر الحسيني... فأجابه الإمام الهادي (عَلَيْهِ السَّلَامُ : «أن جدي رسول الله كان يطوف بالبيت ويقبل الحجر الأسود، وحرمة النبي (صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) والمؤمن أعظم من حرمة البيت، وهذه هي مواطن يحب الله أن يقف فيها المرء ويدعوه، إنما الحير هذه مواضع يحب الله أن يُقصد فيها، فأنا أحب أن يدعى لي حيث يُحب الله، فيستجيب الله سبحانه الدعاء تحت قبة الحسين وجعل في تربته الشفاء ».)وعندها قدم محمد بن حمزة إلى كربلاء ودعى للإمام الهادي تحت قبة الحسين بالشفاء له وأخذ إليه من تربته (1.)### سقوط سقيفة وقبة قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)وتجديد البنايةبعد أن بنى المنتصر العباسي العمارة الجديدة لروضة الحسين والتي إبتدأها سنة 247ه- حال توليه الحكم، فهذه البناية لم تدم طويلاً فقد سقطت السقيفة والقبة بعد مرور خمس وعشرين سنة على تشييدهما وباقي الحرم الشريف.
1) راجع كامل الزيارات لابن قولويه.
وقد اختُلف في السنة التي حدث فيها السقوط والهدم. فمن المؤرخين ذكر بأن زمن سقوط السقيفة كان سنة 270ه- أي أنه كان في عهد الموفق بن المتوكل، وفي رواية أخرى تذكر أن الحادث وقع في ذي الحجة سنة 273ه- (1.)وفي بحر الأنساب (2جاء ذكر المعتضد بالله العباسي بأنه أمر بعمارة مشهد الغري بالكوفة ومشهد كربلاء. وذكر بأن الحسن بن زيد العلوي ملك طبرستان هو الذي أعاد البناء بعد سقوطه، وبعد وفاته أكمله أخوه محمد بن زيد العلوي. وعليه فإن هناك رأيان مختلفان في الموضوع الأول سنة سقوط العمارة التي بناها المنتصر هل كان السقوط عام 270ه-، أو عام 273ه- ؟ والثاني من الذي بناه؟... الخليفة العباسي المعتضد، أم حسن ومحمد ولدي زيد العلوي...)أولاً: المصدر الذي ذكر السنة التي قام المعتضد العباسي ببناء قبر الحسين هو ما جاء في بحر الانساب كما ذكر اعلاه والمعروف والمنقول عن المعتضد بأن له مواقف جيدة تجاه آل البيت... وإذا صح ذلك فإن البناء قد تم بعد عام (278ه- لأن المعتضد بالله حكم من سنة 278ه- إلى سنة 299ه-. وذلك يعني أن القبر بقي مهدماً من تاريخ سقوطه أكان في عام 270ه- أو 273ه-، إلى أن بدأ المعتضد بإعادة بناءه وهذا ما نستبعده لأنه من غير المعقول أن يبقى القبر مهدما لسنوات في وقت لم يكن هناك ما يعرقل إعادة البناء في ظل استتباب الأوضاع في زمن كان الموالون لأهل البيت يعيشون في حالة هادئة ومن غير مضايقات من قبل الدولة أو غيرها، وأن الزيارة كانت مستمرة ولم تمر بكربلاء أي حادثة تعكر الجو العام.)
ثانياً: روي أن الحسن بن زيد العلوي هو الذي بدأ بتشييد العمارة الجديدة بعد سقوطها، فإذا كان السقوط سنة 270ه- فيحتمل أن يكون الحسن بن زيد هو الذي إبتدأ بناءها مباشرة بعد السقوط، لأن الحسن توفي عام 271ه- وأكمل البناء أخوه محمد بن زيد العلوي!وإذا ثبت أن السقوط كان في سنة 273ه- فإن الذي بنى المرقد بعد تهديمه هو محمد بن زيد العلوي. حيث جاء في ( أعيان الشيعة ج 3، وفي كراس (نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين ص 20 نقلاً عن كتاب (أمان الأخطار) و (فرحة الغري) لابن طاووس ص 61 ، حيث نقل عنهم مؤلف كتاب تاريخ كربلاء وحائر الحسين) حدیثاً عن تهنئة أحد الناجين من أهل الكوفة وهو أبو عبد الله محمد بن عمران بن الحجاج لأنه حضر وقت سقوط سقيفة أبي عبد الله الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في ذي الحجة سنة 273ه-.)وجاء في كتاب مدينة الحسين :« أن البناء الذي شيده المنتصر سقط عام 270ه- على عهد الخليفة المعتضد. وتولى تشييد بناء حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ كل من الأخوين الملقبين بجالبي الحجارة الداعي الكبير حسن بن زيد العلوي ملك طبرستان وديلم فباشر هذا بتشييد حرم الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وإتخذ حوله مسجدًا ولم يمهله الأجل لإكماله إذ توفي عام 271ه- وتولى الأمر اخوه الملقب بالداعي الصغير محمد بن زيد الذي ملك طبرستان وديلم وخراسان بعد أخيه ست عشرة سنة وسبعة أشهر وارسل المال من إيران وأنجز به تشييد قبة قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وبنى حوله مسجدا وسور الحائر وإستغرق إنجاز هذا البناء عشر سنوات حيث تم في عام 283ه- »(1).)
1) مدينة الحسين: محمد حسن الكليدار، السلسلة الأولى، ص 24 وص 25 ، معتمداً على فرحة الغري، ومروج الذهب للمسعودي، وأعيان الشيعة ج 3 للسيد الأمين العاملي.
وجاء في كتاب تاريخ كربلاء وحائر الحسين:« غير أن بناء المنتصر هذا لم يعش بأكثر من ربع قرن لسقوطه وإنهياره مرّةً واحدة في ذي الحجة سنة 273ه- على عهد الموفق بن المتوكل »(1.)ذكر في دائرة المعارف الحسينية - تاريخ المراقد :«وقبل عام 271ه- زار الحائر الشريف الداعي الكبير الحسن العلوي ملك طبرستان وديلم فباشر بتشييد الحضرة الحسينية، وإتخذ حولها مسجدًا ولم يكن الزمن كفيلا بإنجازه حيث توفي عام 271ه- وتولى بعده أخوه الملقب بالداعي الصغير محمد العلوي الذي ملك طبرستان وديلم وخراسان وفي سنة 273ه- تهدمت بناية المنتصر، ومات جمع كثير من الزائرين لإزدحام الروضة بالزوار لأنه صادف سقوطه في يوم عرفة أو العيد من ذي الحجة وقيل إن الموفق كان وراء ذلك فقام على ذلك الداعي الصغير محمد بن زيد أمير جرجان بزيارة الحائر وأمر بعمارة المرقد الشريف فإنتهى بنائه عام 280ه- فوضع قبة شامخة على المرقد وبابين وبنى للمرقد إيوانين كما بنى سورًا حول الحائر ومنازل للزائرين والمجاورين »(2.)والمؤكد هو أن عمارة المنتصر سقطت بسبب شدة الزحام الحاصل من كثرة توافد الزائرين في زيارة (عرفة وهي من الزيارات الكبيرة والمخصوصة إلى يومنا هذا حيث يتوافد مئات الألوف من الزائرين في يومي التاسع والعاشر من شهر ذي الحجة من كل عام لزيارة قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وهذه الزيارة تستمر عدة أيام حيث يتبعها مباشرة عيد الأضحى المبارك، بعد أن يقف الحجيج في صعيد عرفة إثناء مناسك الحج في كل عام. فإن العمارة سقطت عام 273ه- والذي بناها مجددا هو الداعي الصغير محمد بن زيد العلوي وإستمر البناء عشر سنوات حيث إنتهى في زمن الخليفة المعتضد. وأن الحسن بن زيد العلوي الملقب ب- (الداعية الكبير) وأخا الداعية الصغير)
قد زار كربلاء سنة 270ه- وأمر ببعض أعمال البناء والترميمات في الحرم الحسيني وتوفي سنة 271ه- وخلفه أخوه الداعية الصغير.### فمن هما الحسن ومحمد ولدا زيد العلوي؟...ظهر الحسن بن زید الملقب ب- (الداعي الكبير في عام 250ه- في طبرستان (شمال شرق إيران وإستطاع أن يفصل طبرستان عن جسم الدولة العباسية وينشر الدين الإسلامي بين أهلها وأن ينادي بنفسه حاكماً عليها (1).)وتولى الأمر بعده ختنه على اخته أبو الحسين أحمد بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن الشجري بن القاسم بن زيد بن الحسن. وكان أخو الداعي الحسن وهو محمد بن زيد في جرجان فلما وصل إليه الخبر زحف إلى أبي الحسين من جرجان سنة 271ه- فقتله وملك طبرستان.وبذلك يمكن أن نؤكد الآن بأن بعد سقوط بناء المرقد وإنهدامه فقد قام الداعية الصغير بتشييد الحرم الحسيني وبنى قبة عالية وبنى معها سقيفتين، ثم عمّر السور حول الحائر وبنى المساكن. وأجزل بالعطاء بقدر المستطاع على سكان ومجاوري الروضة المقدسة. وقد بالغ محمد بن زيد في فخامة البناء وحسن الريازة، ودقة الصنعة في عمارة الحائر بما يتناسب ومنزلته الشريفة (2.)
1) تاريخ العرب أمير علي، ص 251 . وهو الحسن بن زيد بن الحسن بن محمد بن إسماعيل جالب الحجارة بن الحسن دفين الحاجز بن زيد الجواد وهو من سلالة الإمام الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وكان له كتاب (الجامع في الفقه )وكتاب (البيان) وكتاب (الحجة في الإمامة) ومات ولم يعقب. وهو مؤسس الدولة العلوية في طبرستان، وكان يسكن الري، بايعه الناس بعد الفتنة بين صاحب خراسان وأهل طبرستان، فجاء إليهم وزحف بهم على ديار بكر فإستولى عليها وزاد جمعه فوجه جيشا إلى الري ،فملكها، وإستمر حكمه عشرين سنة، مات في طبرستان وعرف بحسن التدبير.
2) مجالي اللطف بارض الطف الشيخ محمد السماوي، ص290.
وقد ذكر ابن الأثير والطبري في تاريخهما ما نصّه:«وقد كان محمد بن زيد هذا دائم (التصدق على العلويين في المشاهد، فقد بعث في خلافة (المعتضد بالله) إثنين وثلاثين ألف دينار ل- محمد بن (ورد) ليفرقها على العلويين» (1).)ورب سائل يسأل كيف يقبل الخليفة العباسي بأن يأتي ملك إنفصل بدولته كما قال (أمير علي في تاريخ العرب عن (الإمبراطورية) العباسية، وهو يعني الدولة العباسية والخلافة، والمعروف بأن محمد بن زيد ملك عشرين عاماً وتمكن من تحسين علاقته بالمعتضد وحصل منه على الموافقة بأن يعمر المشهد الشريف...)وإذا صح ذلك فإن البناء قد بدأ بعد عام 278ه- وهو العام الذي إستلم فيه المعتضد الخلافة العباسية، وعلى ذلك يمكننا القول بأن تساهل المعتضد مع شيعة أهل البيت ومواقفه التي تم ذكرها فقد تم البناء بموافقته بل بمساعدته أيضاً.جاء في كتاب تاريخ كربلاء وحائر الحسين ما نصّه:«وبعد سقوط السقيفة عام 273ه- بقي الحائر مكشوفا حسب الظاهر لمدة عشر سنين إلى أن جدد عمارته عام 283ه- محمد بن زيد »(2.)وقد شكك الدكتور الكليدار مؤلف الكتاب المذكور في الصفحتين 205 و 206 بأن هناك أيادي عباسية كان لها ضلعاً في عملية الهدم وخاصة من قبل الخليفة أو ولي عهده في ذلك الوقت وهو الموفق بن المتوكل ... ونقول:إن هذه الحادثة ليست عادية ليغفلها المؤرخون كما نقلوا ما قام به المتوكل من الهدم والتخريب... ولا نعلم دواعي شكوك المرحوم الدكتور الكليدار التي سوف یکررها لاحقاً عما حدث في زمن القادر بالله، فمن خلال إطلاعنا على كتابه (تاريخ كربلاء وحائر الحسين وبقدر ما إحتواه من معلومات قيمة وفذة وبحث جيد، ولكنه)
قد تأثر بمصادر نشك في مصداقيتها بل نشُمُّ منها رائحة الطائفية والشعوبية. ونحن لسنا هنا في حالة الدفاع عن بني العباس ولكن كباحثين ومحللين يفترض أن يكون نهجنا حياديًا لننقل الحقيقة قدر المستطاع ونجعل الغاية من البحث هي الوصول إلى تبيان أمور لها قدر كبير من الأهمية.بعد أن أطلنا مناقشة المصادر والآراء حول سقوط بناية الحرم الحسيني وإعادة بناءها وعلى إختلاف المصادر في سنة السقوط وإعادة البناء، فيمكن لنا ان نتوصل إلى رأي نعتقد بصحته حسب ما جاء بالمصادر التاريخية المختلفة وهو:أ. إن الحسن بن زيد العلوي زار كربلاء سنة 270ه-/ 884م، وقد أمر ببعض التجديد والإعمار في الروضة الحسينية.ب. سقطت البناية سنة 273ه- / 887م في زيارة عرفة لعدم تحمل البناية استيعاب أعداد الزائرين والزحام الشديد، وقد قام الداعي الصغير محمد بن زيد العلوي بإعادة بناء الروضة الحسينية.ت. وعندما إستلم المعتضد بالله العباسي الخلافة سنة 279ه-/ 892م، وهو أحمد بن الموفق السادس عشر ممن حكم من بني العباس من سنة 279ه- إلى سنة 289ه- ولميله إلى أهل البيت وتساهله مع شيعتهم، فقد شرع ببناء عمارة جديدة على قبر الإمام الحسين وتحسين وإضافة منشآت جديدة فيه وعمر سور الحائر وإهتم بتعمير كربلاء والإهتمام بساكنيها والوافدين إليها.فكانت كل تلك السنوات هي سنوات إعمار دائم في مرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ والحائر (قصبة كربلاء)، وهذا الرأي جاء من دراسة مستفيضة لكل الحالات التي وردت في مختلف المصادر على الرغم من إختلافها، لكن الأمر المهم الذي جاء في تلك المصادر هو أن السقوط قد حدث، وأن الإعمار تم على أفضل مما كان عليه.)ويصف السماوي في إرجوزته السقوط والبناء بقوله (1:)
1) مجالي اللطف بأرض الطف الشيخ محمد طاهر السماوي، ص288 - 290 من طبعة العتبة العباسية.
فسقطت سقيفة الأجداث*** في سنة السبعين والثلاث*** من بعد قرنين فما ضرت أحد*** هنئ الزائر بعد ما ورد*** وإنتهز الداعي هناك الفرصة*** وطلب الإذن له والرخصة*** إذ كان لم يدع إلى من قد ولي*** من الملوك بل إلى آل علي*** فزار أولاً لأرض النجف ثم لأرض الطف ذات الشرف وأرسل الكنوز من أرضِ العَجم*** كالسُحْبِ ترفضُ بِغَيْتِ انْسَجَمْ ***وشاد قبة لها بابان ومن حواليها سقیفتان وعمر السور بها والمسكنا ***ونوّل الساكن ما قد أمكنا### تواجد الإسماعيلية في كربلاءالإسماعيلية (1فرقة من غلاة الشيعة، تعتقد بأن الإمامة في نسل إسماعيل الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وقد توفي إسماعيل سنة 143ه- وكان والده)
1) الإسماعيلية يعتقدون بأن إسماعيل هو الإمام المعصوم بعد والده الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وهم قسمان: الباطنية وهم (القرامطة)، والظاهرية. فالطائفة الأولى منهم يتزعمهم الآن (الأغاخانية) نسبة إلى أغا خان بن السلطان محمد شاه بن الشاه خليل الله المعروف بالسيد كهكي، الذي إدعى انه من سلالة الأئمة الأطهار. وكان حاكم كرمان وصهر الشاه فتح على القاجاري شاه إيران. كانت أسرته قد لجأت إلى مدينة بومباي في الهند بعد مقتل عميدهم السيد كهكي، ولهم اتباع كثيرون ينتشرون في الهند وإيران وسوريا ومصر ومناطق متفرقة أخرى والطائفة الثانية منهم هم (البهرة) نسبة إلى مدينة بهرا في الهند ويسمون ب- (الداوودية)، وهم من سلالة الخلفاء الفاطميين في مصر، ويترأسهم اليوم الداعي الفاطمي المفضّل بن السلطان الدكتور محمد برهان الدين بن السلطان سيف الدين بن الشيخ طاهر بن الشيخ نجم الدين محمد الملقب بالداعي إلى الله.)للإسماعيلية عقائد ومفاهيم تختلف عن بقية فرق الشيعة، كما أن هناك إختلاف في نفس عقائد الطائفتين من الإسماعيلية، فالقرامطة غلاة ولهم توجهات فلسفية باطنية يكتنفها الغموض في الفكر والممارسة. أما البهرة (الداوودية فيختلفون عن القرامطة وإلتزامهم الديني والفكري كبير وهم افضل من الطائفة الأولى في تطبيق الشريعة. وما يميّز الإسماعيلية جميعا عن غيرهم هو إتباعهم وتقديسهم الرؤسائهم من الطائفتين بشكل مثير للجدل. والطائفتان لهم إهتمامات كبيرة بمراقد أهل البيت، وكان البهرة هم الأكثر إهتماماً في هذا المجال، فهم يداومون على زيارة المراقد في كربلاء والنجف والكوفة فقط، والإنفاق عليها والمساهمة في تعميرها.
الإمام الصادق على قيد الحياة، فإن وفاته كانت قبل وفاة أبيه بخمسة أعوام حيث توفي الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ سنة 148ه- / 766م.)كان الإسماعيلية (القرامطة (1)ساخطين على الخلفاء العباسيين وخاصة في القرن الثالث الهجري، وبدأوا يجمعون أتباعاً لهم من مختلف المدن والبقاع لتأييد الخلافة الفاطمية التي تأسست في شمال أفريقيا وإستقرت بمصر باسم أهل البيت.)وأخذ دعاتهم يتواجدون في الأماكن المقدسة والعتبات ومنها قبر الإمام الحسين في كربلاء لتجنيد مريدين لهم، واستغلال زيارتهم ومحبتهم لأهل البيت لتوسيع دائرة الدعاية ونشر دعوة الخليفة الفاطمي محمد بن عبيد الله بن أحمد بن الحسين بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ.)ذكر الطبري في تاريخه عن حوادث سنة 278ه- ما يلي: « وفيها: وردت الأخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفة، فكان ابتداء أمرهم قدوم رجل من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة، ومقامه بموضع يقال له: النهرين (من مواضع وقرى كربلاء كما ذكرنا سابقا، يُظهر الزهد والتقشف، ويسف الخوص، ويأكل من کسبه، ويكثر الصلاة ... »(2.)وأصبحت كربلاء مرتعاً يلجأ إليه دعاة الإسماعيلية لنشر دعوتهم والإحتكاك بالموالين لأهل البيت والمغالين بحبهم الذين يقصدون زيارة أوليائهم، وخاصة في أيام الزيارات المخصوصة التي يكثر فيها تواجد الناس عند قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ.)
كان أبو شاكر ميمون بن ديصان صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة ومعه أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، من أوائل الناس الذين شككوا في الأحاديث وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن في الكثير من أحكام الإسلام، وأصبح لهؤلاء أتباع من ضعاف العقول... وكانوا يُظهرون التشيّع لآل النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ليستروا أمرهم ويستميلوا العامة، وتفرّق أصحابهم في البلاد وأظهروا الزهد والعبادة، يغرون الناس بذلك وهم على خلافه.)قُتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه في الكوفة، ونشأ لابن ديصان ابن يقال له عبد الله القداح، ولقّب بالقدّاح لأنه كان يعالج العيون ويقدحها، فأطلعه أبوه على أسرار هذه النحلة أو الجماعة فتقدم بها وأصبح من رؤسائها بعد أبيه. فلما توفّي القدّاح قام بعده ابنه أحمد مقامه، وصحبه إنسان يقال له رستم بن الحسين ابن حوشب بن داذان النجّار، من أهل الكوفة. فكانا يقصدان المشاهد. في سنة 296ه-/ 909م جاء إلى كربلاء لزيارة مشهد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ أحمد بن عبد الله القداح ومعه صاحبه رستم بن الحسين وصادفا في المشهد رجلاً من اليمن وعن هذا اللقاء يقول ابن الأثير في الكامل عند شرحه لحوادث سنة 296ه- ما نصّه :)«كان باليمن رجل اسمه محمد بن الفضل كثير المال والعشيرة من أهل الجَنَد، يتشيّع، فجاء إلى مشهد الحسين بن علي يزوره فرآه أحمد ورستم يبكي كثيرًا، فلمّا خرج إجتمع به أحمد، وطمع فيه لما رأى من بكائه، وألقى إليه مذهبه، فقبله »(1.)في هذا اللقاء أعلن أحمد بن عبد الله القداح إلى محمد بن الفضل اليمني سرّه وهو المطالبة بدم ،الحسين، فأخبره ابن الفضل بأنه سوف يقوم بمساعدة بالمال والرجال، وتعاقدا على الدعوة للخليفة الفاطمي بالقيروان، وأقسما تحت قبة الحسين على ذلك، وعندما تهيأ ابن الفضل للعودة إلى اليمن سيّر معه رستم بن الحسين النجّار ليقوما بالمهمة في اليمن.
1) الكامل في التاريخ ابن الأثير ج 8 ، ص 30. دار صادر، بیروت.
أما هو فقد ترك الحائر (كربلاء قاصدًا الكوفة وتبعه خلق كثير فيها، فلمّا إستكثروا من الخيل والسلاح فقد أخذوا يغيرون على من جاورهم، وراحوا يحبون الأموال ويعيثون في الأرض فسادًا، ولم ينقطع زعمائهم ودعاتهم عن زيارة كربلاء.)بنى القرامطة مدينة لأنفسهم قرب الكوفة سموها (مدينة الدعوة أو (دارة الهجرة) وتجمعوا فيها على مذهبهم سنين عديدة ولكن إنهيار الدعوة القرمطية في العراق بعد مقتل زعيميها ألغيت المدينة قبل أن تستكمل تكوينها حوالي)سنة 280ه- (1.)### جرائم القرامطة وزيارة زعيمهم لكربلاءإستفحل أمر القرامطة (الإسماعيلية في العراق وخاصة في زمن الخليفة العباسي (المقتدر). وكان زعيمهم في ذلك الوقت هو أبو طاهر سلمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي قد تمركز في مدينة ( هجر) قرب القطيف قتل أخاه سعيد ونصب نفسه مكانه عام 310ه- / 923م.)والقرامطة ذاع صيتهم سنة 286ه-/ 899م في القطيف، وإستمر حكمهم قرابة قرنين وقضى عليهم الأمراء العينيون في البحرين سنة 418ه-/ 1028م.طمع أبو طاهر القرمطي بالبصرة والأحواز. فقد طلب من الخليفة العباسي الإمارة عليهما لكن المقتدر العباسي رفض إعطاءه إمارتهما فخرج سنة 313ه- مع ما يقرب من ثلاثة آلاف من أتباعه القرامطة وغزا الكوفة على إثر رفض الخليفة طلبه، وكان أمير الكوفة من قبل العباسيين هو جعفر بن الورقاء الشيباني. وفي معركة طاحنة إنهزم خلالها جيش العباسيين بقيادة أمير الكوفة، ودخل زعيم القرامطة الكوفة فاتحا لها وبقي فيها ستة أيام كان يدعي فيها التدين ويقوم بزيارة مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ في الغري، وقد حمل من الأموال والحاجات التي إستولى عليها وتوجه)
1) المدن في الإسلام شاكر ،مصطفی ، ج 2، ص 210، ط 1 سنة 1988م.
إلى كربلاء. وقد أوجف منه سكان حائر الحسين خيفة، إلّا أنه دخلها وآمن أهلها ولم يمسهم بمكروه، فزار قبر الإمام الحسين وطاف به مع اتباعه.كان زعيم القرامطة أبي طاهر سلمان كثير العبث بالحجيج خاصة ويقطع الطرق عنهم ويسلبهم أموالهم. وتوفي سنة 333ه-/ 945م.ذكر ابن الجوزي في المنتظم:«أن أبا طاهر كان كثير العبث بالحجيج وقد سلبهم عام 317ه- وأخذ منهم كسوة الكعبة وقلع الحجر الأسود وأخذه إلى بلدته (هجر وبقي الحجر الأسود عندهم حتى عام 339ه- إذ أعيد إلى مكانه في الكعبة بتوسط الخليفة الفاطمي، كما وانه أول من إستخوى الحجاج وأظهر هذه البدعة في الإسلام »(1).)### الحنابلة يتشددون مع زائري الحائرفي خلافة الراضي بالله العباسي وتحديدًا سنة 323ه-/ 932م، تفاقم أمر الحنابلة في العراق وخاصة في بغداد.ذكر ابن الأثير في كامله في حوادث سنة 323ه- عن فتنة الحنابلة فقال: « وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون من دور القوّاد والعامّة، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، وإعترضوا في البيع والشراء، ومشي الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه مَن هو، فأخبرهم، وإلّا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا ببغداد »(2.)ومن أعمالهم التي أنكرها الناس والسلطة عليهم هي قتلهم لمن كان شافعي المذهب، والأخطر من ذلك كلّه فقد كانوا يطعنون في خيار الأئمة، وينسبون شيعة آل
محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إلى الكفر والضلال، وإنكارهم زيارة قبور الأئمة والتشنيع على زوّارها بالإبتداع. كان يقود الحنابلة في أعمالهم تلك أبو محمد البربهاري)، في زمن القاهر العباسي ثم هرب إلى البصرة، وعاد في زمن الراضي العباسي. وفي أيام الراضي وتحديداً في العاشر من جمادي الآخرة سنة 323ه- نادى صاحب الشرطة في جانبي بغداد أصحاب أبي محمد البربهاري(1)، ألّا يجتمع منهم إثنان ولا يتناظروا في مذهبهم ولا يصلّي منهم إمام إلّا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشائين، فلم يفد فيهم، وزاد شرّهم.)في أيامهم إشتدت الوطأة على زائري الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ وكان الحنابلة إذا علموا بأن أحدًا ذاهب إلى زيارة الحائر فمصيره الموت. وجاء في الفرج بعد الشدة للتنوخي عن أحدهم قال: خرجت إلى الحائر أيام الحنبلية أنا وجماعة مختفين (2)...)كانت نهاية أعمالهم على يد الراضي العباسي الذي أنكر على الحنابلة هؤلاء فعلهم، وأمر بتتبع أصحاب البربهاري، ونُهبت منازلهم، فهرب البربهاري مرة ثانية وإختفى عن الأنظار، ومات في مخبأه سنة 329ه- ، ودفن في دار أخت (توزون. بذلك أمن الناس وبدأوا يتوجهون إلى زيارة المشاهد ومنها كربلاء بأمان.)
1) هو أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، شيخ الحنابلة في وقته، وهو من أهل بغداد. كان شديد الأفكار بيده ولسانه، وكثر مخالفوه، فأوغروا عليه القاهر العباسي سنة 321ه- فطلبه، ولكنه هرب وإستتر في مكان خفي، وتم القبض على جماعة من كبار أصحابه ونفوا إلى البصرة. وعاد إلى مكانته في عهد الراضي، ولكنه عاد إلى أعماله المتشددة، عندها أمر الراضي بملاحقته وطلبه، وإختفى هارباً ومات في مخبأه سنة .329ه-. والبهاري نسبة إلى البربهار) وهي أدوية كانت تجلب من الهند ويقال لجالبها البربهاري، ويقول البعض أن التسمية جاءت من (البهارات) التي تستعمل اليوم في الطعام. كانت له مصنفات منها شرح كتاب السنّة).
2) الفرج بعد الشدة للتنوخي، ج 1، ص290، منشورات مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط1، سنة 1375ه- / 1955م.
### كربلاء في العهد العباسي الثالثبدأ العهد الثاني للدولة العباسية الذي دام من عام 232ه- / 847م، وإنتهى عام 333ه-/ 924م ، أي أنه استغرق قرابة القرن الواحد من الزمان، وقام فيه اثنا عشر خليفة، كانت الدولة فيه تسير القهقرى.نلاحظ في نهاية هذا العهد قيام بعض الخلفاء الاستعانة ببعض القادة من العناصر غير العربية لدرء بعض الأخطار التي واجهها الخلفاء المتأخرون في هذا العهد وبدأ نفوذ هؤلاء القادة من غير العرب يكبر، ووصل إلى حد تدخلهم في شؤون الدولة بجميع مفاصلها، وأغلب هؤلاء القادة من الأتراك... وسيطروا على الإمارات التابعة للدولة العباسية، وجعلوها نهباً لهم وبدت سيطرتهم على الخلفاء بشكل مثير ... ! فغالبًا ما كان يُعزل الخليفة أو يُقتل ويُنَصّب غيره من قبلهم.وظهر آل بُويَه في إيران فإستنجد بهم آخر الخلفاء العباسيين في هذا العهد للتخلص من سيطرة القادة الأتراك. فاستولى البويهيون على بغداد سنة 334ه- / 946م، وأصبح آل بويه هم الحكام الفعليون للدولة، ووصل الخليفة العباسي حدًا أن يكون ألعوبة بيدهم وليس له إلّا الاسم فقط. إستمرت دولة بني بويه إلى أيام خلافة (القائم بأمر الله العباسي الذي ضاق ذرعاً بفتنة (البساسيري) وهو أحد أمراء الجند البويهيين. مما دعا بالقائم بأمر الله الاستنجاد ب- ( طغرل بك) زعيم السلاجقة، الذي جاء إلى بغداد عام 447ه- / 1055م وبعد دخوله بغداد طرد البساسيري منها. بذلك فقد ضعفت سيطرة البويهيين على العراق. وإنتهت دولتهم فيه كليًا عام 447ه- / 1055م، بعد أن حکمت في العراق 113 سنة.)من المفيد أن نذكر بأن البويهيين كانوا يتظاهرون بالتشيع، وقد وجّهوا أنظارهم إلى مدن العتبات المقدسة في العراق وأبدوا إهتمامهم بالمراقد المقدسة... وخاصة مدينة كربلاء، وأغلب الظن أن اهتمامهم هذا نابع من مصالح سياسية.
ولمعرفة البويهيين فنقول: نشأ البويهيون في بلاد الديلم، وقيل عنهم بأنهم ديالمة عن طريق المجاورة. وكان هناك ثلاثة أخوة هم: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعز الدولة أحمد. وهؤلاء أولاد أبي شجاع بويه بن فنا خسرو بن نما. وبعض المؤرخين يرجعون نسبهم إلى سلالة الملك سابور، ومنهم من قال بأنهم أحفاد يزدجرد بن شهريار، آخر أكاسرة الفرس. وعندما أسسوا دولتهم في إيران انشغلوا بالفتح والاستيلاء حتى جاءتهم الفرصة بعد أن إستنجد بهم آخر خلفاء بني العباس في عهدهم الثاني. وتقدم معز الدولة البويهي أيام (المستكفي بالله، وصار أمر العراق بيده وليس للخليفة غير اسمه.)### كربلاء في زمن البويهيينالبويهيون كانوا موالين لأهل البيت حسب إدعائهم من ناحية، ولغرض دعم مصالحهم في العراق وجهوا عنايتهم إلى مدن العتبات المقدسة ومنها كربلاء. وحاولوا أن يضعوا لمسات عمرانية في مدينة كربلاء منها بناء سور لها وهو أول سور أقيم حول قصبة كربلاء. وتعمير مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ، ولكنهم أسسوا فيها وضعاً باسمهم بنوه ملاصقًا لصحن الإمام الحسين من الناحية الشمالية الشرقية، سمي ب- (الصحن الصغير) وصمموه بشكل خاص يفوق ما كان عليه حرم الحسين، وجعلوه مقابر لهم على شكل حجرات. وكان يحتوي على مدخلين وكل مدخل عليه منارتان، وكان الصحن الصغير من المداخل الرئيسية لصحن الحسين ولزوار المرقد الشريف.)يذكر البعض بأن البويهيين الفرس هم الذين أمروا بإجراء (اللطم وبعض الشعائر الأخرى في أيام محرم، وكان ذلك بأمر من معز الدولة البويهي عام 352ه- / 937م. علما بأننا لانميل إلى هذا الرأي ونعتقد بأن الممارسات والشعائر التي تتعدى المألوف هي من بُناة العهد الصفوي.)
أمّا تعمير مرقد الإمام الحسين كان على عهد عضد الدولة البويهي، والذي إبتدأ بحدود عام 369ه- / 980م، أي بعد إحتلالهم للعراق بما يقرب من 35 عاماً.نجد بأن هذه المدة الطويلة منذ إحتلالهم للعراق إلى أن بدأ اهتمامهم بكربلاء كان له مغزىً سياسي يدعم وجودهم في العراق، بعد أن ظهرت ضدهم حرکات تقاوم وجودهم من قبل سكان العراق العرب.يذكر بعض المؤرخين بأن إمتداد النفوذ الفارسي على العراق ومنه كربلاء، يعود أساسه إلى البويهيين الذين كانوا يعتقدون أنهم أحفاد الأكاسرة ملوك فارس الذين انهارت إمبراطوريتهم على أيدي العرب المسلمين إثناء فتح العراق. لكن بعد إنهيار دولة بني بويه، نجد إنحسارًا كبيرًا للنفوذ الإيراني على العراق إلى أن حكم الصفويون إيران بداية القرن العاشر الهجر. وخلاصة القول فإن العهد البويهي بدأ في العهد العباسي الثالث، أي منذ استيلائهم على بغداد سنة 334ه- / 946م وإستمر قرابة 113 سنة، فقد سقط خلالها الحكم من أيدي الخلفاء العباسيين ولم يبق لهم فيه غير الاسم المجرد إذ كانت السلطة الحقيقية في أيدي البويهيين الفرس، يعزلون من لا يريدونه من الخلفاء ويولون غيرهم، ويديرون الشؤون العامة على هواهم. ويذكر بعض المؤرخين بأن عهدهم كان عهد عمران وإنتاج أدبي !! وحتماً هؤلاء هم من وعّاظ السلاطين! والمتملقين للمحتلين الأجانب.بعض الذين كتبوا عن تأريخ كربلاء ذكروا بأن المدينة كانت في العهد البويهي تعيش حركة عمران وإنتاج أدبي وإهتمام كبير من سلاطين بني بويه بالمدينة وعددوا بعض المنجزات التي قاموا بها، وقد عظموا من شأنهم وبالغوا في ذلك، وكان تأثير تلك الكتابات هو إدعّاء آل بويه بالتشيّع ووجود مراقد مقدسة للشيعة في كربلاء... وتناسى من كتب ذلك أن البويهيين هم محتلون أجانب، وسيطروا على السلطة القائمة في بغداد حيث لم يبق للخليفة العباسي أي دور يقوم به وكان الأمر كلهُ بأيديهم، بل
أريقت دماء العراقيين بسبب الخلافات بينهم، وذلك ما حدث خلال النزاع بين عز الدولة البويهي وابن عمّه عضد الدولة مما دعا الاخير بالهجوم على بغداد والاستيلاء عليها بعد بحر من دماء العراقيين وضمَّ العراق كله إلى حكمه وكان ذلك في زمن الخليفة العباسي الطائع الله الذي إستلم الخلافة من سنة 363ه- إلى سنة 381ه-.ويتبجح هؤلاء الكتّاب الذين أثّرت عليهم المذهبية في الطرح بأن ما قام به البويهيون في كربلاء يستحق التعظيم والتبجيل!!... حيث قاموا بتوزيع الصدقات على الأهالي، وأسسوا مجالس (اللطم وبنوا مقابر لهم في المدينة وكلها أعتبرت منجزات لهم... ولكننا لاننكر العمل الأكثر أهمية هو قيامهم بتعمير مرقد الحسين وبناء سور للمدينة، وحتى هذا جاء الغرض منه تبجحهم بالتشيع... على الرغم من أن ماقاموا به هم ووزرائهم كان من أموال البلد الذي إحتلوه وسيطروا على ثرواته.)والتاريخ يحدثنا بأن ذلك كله يصب في مجال (السياسة وفرض السيطرة والنفوذ على البلد لا حبا بالأهالي ولا بالطائفة... والدليل على ذلك هو أن البويهيين سيطروا على العراق عام 334ه- ولم يزر كربلاء منهم أحد لأكثر من ثلاثين سنة، إلى أن زارها عز الدولة البويهي سنة 366ه- / 977م!!... فأين كانوا خلال هذه الفترة وأين ما قاموا به إن كان التاريخ يسجل كل شيء؟ وللقارئ أن يستنتج ذلك بعد أن نذكر أعمالهم في كربلاء، وإليه يعود التصوّر...)### تمصير كربلاءكانت كربلاء قد شيّدت وتوسعت منذ سنة 247ه- بعد مقتل المتوكل العباسي الذي قام بهدم قبر الامام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ وما حوله ، وأعاد ابنه المنتصر بناء القبر وشيّد الأسواق والخانات ودعا الناس للعودة والسكن والمجاورة وزيارة المشهد الشريف.)
وتوالى عليها الأقوام من القبائل العربية، ومن العلويين بعد أن شهدت العمران والاستقرار وبدأت بالتطور ... وبذلك فإن كربلاء قد تمصرّت قبل البويهيين على خلاف ما يذكره البعض ويؤكدون بأن البويهيين هم الذين مصّروها.بقيت كربلاء تنمو وتتطور حتى بعد أكثر من ثلاثة عقود من حكم البويهيين الذين لم تمتد يدهم إليها عدا ما إختلق معز الدولة (اللطم على الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) سنة 352ه-/ 963م. أمّا زيارة أحد سلاطينهم إلى كربلاء بعد 32 سنة من حكمهم، فلا يعتبر منجز على حد تقديرنا.)### شعائر اللطمعندما تُذكر الشعائر الحسينية في التاريخ يذكر أن البويهيين هم أول من أقام الشعائر الحسينية!!... فما هي الشعائر الحسينية؟...الشعيرة هي الممارسة المعينة التي يؤديها الناس لإحياء ذكرى أو للتذكير بفعل ما، الغاية منها كسب المثوَبة أو التأكيد والالتزام بمفهوم أو أداء عالٍ في نواحي العقائد والتقديس. فممارسات الحج أو العمرة هي شعائر لها مدلولات على وقائع حدثت قديما ونزل بها القرآن يدعو إلى التمسك والعمل بها كالطواف حول الكعبة والصلاة خلف مقام إبراهيم والسعي بين الصفا والمروة والوقوف على صعيد عرفات وذكر الله عند المشعر الحرام (المزدلفة والذهاب إلى منى ورمي الجمرات والهدي والتقصير والتحلل من الإحرام وغيرها (1).)قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهَ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ علِيمٌ (2). ))
وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَن يُعَظَّمْ شَعَائِرَ اللَّهَ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (1).)والشعائر الحسينية كانت ممارسات في غاية الأهمية من خلال التذكير بتضحيات الإمام الحسين وثورته ونهضته وواقعة الطف ويوم استشهاده سلام الله عليه مع أهل بيته وأصحابه البررة.وأن أول من قام بها (التوابون حيث جاءوا إلى القبر الشريف وأخذوا يبكون ويترحمون على الإمام الشهيد وهم يلومون أنفسهم لعدم نصرتهم له وحلفوا عند القبر أن يسيروا على نهج الحسين وأن يأخذوا بثأره ، وبعد ذلك ساروا إلى قتال الأمويين وسمّيت ثورتهم بثورة التوابين.)وبالعودة إلى الشعائر الحسينية فقد كانت لها منذ البداية الصفات العروبية في الأداء، حيث كان العرب عند استذكار وقائعهم يعدّون احتفالات بذكرى المناسبة ويلقون الأشعار ويستذكرون المواقف الفذة في مجالس غاية في التعظيم والتبجيل وذكر المفاخر والتضحيات والترحم لتكون دروساً ومواعظ، ولتبقى الذكرى المعينة مستمرة لا يطويها النسيان لعظمة وجلال الموقف ... وهذا ما كان عليه الناس بعد استشهاد الإمام الحسين ولسنوات طوال، وكانت تقام الإحتفالات التأبينية والمفاخر بوقفة الإمام الشهيد والترحم والصلاة على روحه الطاهرة.وأي من الممارسات كالتي نشاهدها اليوم والتي سميت شعائر والشعائر الحسينية ترفضها ولم تكن موجودةً أصلا، وهي من بناة الأعاجم وقد يخرج الكثير منها عن نطاق الشريعة والقبول... مثل اللطم وضرب الرؤوس بالأدوات الجارحة وضرب الظهور بالسلاسل الزناجيل والسكاكين.)ونحن نعتقد جازمين بأن هذه الممارسات التي تشوّه عظَمَ التضحية التي قدّمها الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ بدأت وأخترعت في القرون الأربعة الأخيرة لا غير، وكانت لها غايات طائفية وسياسية، وتدخلات أجنبية تؤكد في خططها موضوع (مظلومية))
1) الآية 32 من سورة الحج.
آل البيت أو الشيعة بشكل عام. ولم تذكر مصادر التاريخ الموثوقة بأن اللطم بدأ في عهد البويهيين، وحتى إذا بدأ في عهدهم فالممارسات الدخيلة عن الدين والمذهب هي ليست إنجازات بنظرنا، ولنرجع إلى مراجع الدين ولنستعلم منهم رأيهم في ذلك على الرغم من أن الغالبية العظمى منهم ذكر بتحريمها أو تجنبها عدا ما يرفع شأن الذكرى والطائفة بشكل إنساني ومعقول مثل مجالس التعزية والخطابة للشرح والتذكير بثورة الحسين العظيمة.ونورد ما ذكره مؤلف كتاب مدينة الحسين عن البويهيين في السلسلة الثالثة ص 105 وص 106 ما نصه:«وهم أول من بادروا بتخليد ذكرى الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ يوم عاشورا إذ في محرم سنة 352ه- أمر السلطان معز الدولة بتعطيل الأسواق وشل حركة البيع والشراء وأن يسقوا الماء بنصبهم القباب في الأسواق وخرجن النساء يلطمن وجوههن ينحن على الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وبقيت هذه العادة مستمرة في كل عام من يوم عاشورا حتى أواسط القرن السادس الهجري على عهد السلاجقة ».)ولا نعلم مصدر هذا النص الذي جاء به مؤلف كتاب مدينة الحسين الذي لم يذكر مصدر النص الذي أورده !!### رحلة ابن حوقل النصيبيمن أوائل الرّحالة القدماء الذين ذكر وا مدينة كربلاء في رحلاتهم هو الرّحالة أبو القاسم ابن حوقل النصيبي، الذي زار العراق وكتب عنه الكثير وعن أنهاره وكان في وقته من الجغرافيين العرب، وقد أوردنا خارطة الأنهار التي رسمها إثناء رحلته في القرن الرابع الهجري في موضوع أنهار كربلاء في هذا الجزء الأول من الكتاب.
وصف في رحلته مدينة كربلاء، ويتبين من الوصف أنه زارها قبل سنة 367ه- / 978م، لأنه كتب رحلته سنة 367ه- وسمى كتابه (صورة الأرض والمعروف أيضاً بكتاب( المسالك والممالك والمفاوز والمهالك).)وفي كتابه هذا يصف ابن حوقل المناطق التي مرَّ بها دلالة على مشاهدته الشخصية لهذه المناطق، ويتبيّن من الوصف أنه وفي طريقه من بغداد إلى الكوفة ذكر كل ما صادفه من الأنهار والمدن التي زارها فيقول:«وبين بغداذ والكوفة سواد مشتبك غير متميّز تخترق إليه أنهار من الفرات فأولها نهر صرصر عليه مدينة صرصر تجري فيه السفن وعليه جسر من مراكب يعبر عليه، ومدينة صرصر عامرة بالنخيل والزروع وسائر الثمار صغيرة من بغداذ على ثلاثة فراسخ، ثم ينتهي على فرسخين إلى نهر الملك وهو كبير أيضاً أضعاف نهر صرصر في غُزر مائه وعليه جسر سُفن يُعبر عليه ونهر الملك مدينة أكبر من صرصر عامرة بأهلها وهي أكثر نخلًا وزرعاً وثمراً وشجراً منها، ثم ينتهي إلى قصر ابن هبيرة وليس بين بغداذ والكوفة مدينة أكبر منها وهي بقرب الفرات الذي هو العمود ويطلع إليها هناک عن يمين وشمال أنهار متفرقة ليست بكبار إلّا أنها تعمّهم لحاجتهم وتقوّتهم، وهی أعمر نواحي السواد، ثم ينتهي إلى نهر سورا وهي مدينة مقتصدة ونهر كثير الماء وليس للفرات شعبة أكبر منه وينتهي إلى سائر سواد الكوفة ويقع الفاضل منه إلى بطائح الكوفة، وسورا هذه بين تلك النواحي أكثرها كروماً وأشربةً، وكربلا من غربي الفرات فيما يحاذي قصر ابن هبيرة، وبها قبر الحسين بن علي (رَضَ اللَّهُ عَنْهُ وله مشهد عظيم وخطب في أوقات من السنة بزيارته، وقصده جسیم..»(1).)هذا الوصف لابن حوقل يوضّح ما كان عليه الطريق بين بغداد والكوفة، وهو ذاته الطريق الذي يوصل بغداد بكربلاء. وذكره لمدينة كربلاء ووصفها يدل على
1) صورة الأرض: ابن حوقل النصيبي، ص 242 - 243 ، ط 2 (القسم الأول) طبع في مدينة ليدن بألمانيا سنة 1938م.
أنها كانت في منتصف القرن الرابع الهجري مدينة يؤمها الناس لزيارة قبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ، والخطب والقصد الجسيم هو كثرة الزائرين في أوقات الزيارة المخصوصة للمرقد الشريف.)### غارة ضبة الأسديفي زمن ضعفت فيه الدولة العباسية في عهدها الثالث، كان هناك تشتت وضعف وعدم سيطرة على جميع أراضي العراق، فوجدت إمارات عربية متعددة ومتفرقة سيطرت على العديد من الأماكن والمدن قبل سيطرة البويهيين على العراق وحكمهم فيه. ولم يكن للدولة حينها طائل في السيطرة عليها... حتى بوجود سلطة عضد الدولة البويهي الذي كان الحاكم الفعلي للعراق بوجود الخليفة العباسي الطائع الله العباسي، وذلك إثناء فترة سيطرة البويهيين على مقاليد الحكم وليس للخليفة غير الاسم... وكثير ممن أسسوا تلك الإمارات كانوا يهتمون بالغزو والنهب والإغارة وقطع الطرق. ومن هؤلاء ضبة بن محمد الأسدي الذي كان يسكن مع أتباعه في مدينة (عين التمر حيث عرف بشدته وسطوته مما أمكنه الاستيلاء على عين التمر وبقي مسيطرا عليها لأكثر من 30 سنة. والمعروف بأن عين التمر كانت حاضرة موغلة في القدم وسكنتها قبائل عربية متعددة منذ قبل الإسلام. وتعد حلقة الوصل بين العراق والشام عن طريق البادية الغربية.)وكان بين ضبّة الأسدي وبين أبي الطيّب (المتنبي(1)خلاف بعد أن كانت بينهما علاقات وطيدة، وبعد الخلاف هجاه المتنبي بقصيدة مما دعا بضبّة لأن ينتقم منه، ونجح في ذلك عندما أرسل إليه من يقتله وكان له ذلك، حيث تم قتله سنة 354ه-.)
1) هو أبو الطيّب أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي المعروف بالمتنبي، والمشهور أن المتنبي قتل بالقرب من (واسط) حيث قبره هناك. وجاء في المنتظم لابن الجوزي في ج 7، ص 26 (( أنه خرج من بغداد إلى فارس فمدح عضد الدولة وأقام عنده مدة مديدة ثم رجع من شيراز يريد بغداد فقتل بالطريق بالقرب من النعمانية في شهر رمضان وقيل في شعبان سنة أربع وخمسين وثلثمائة وفي سبب قتله ثلاثة اقوال ).
ذكر ابن الجوزي في المنتظم ما نصّه : «أن المتنبي هجم على ضبة الأسدي فقال:ما أنصف القوم ضبّة*** وامّا الطرطبةفبلغته فأقام له في الطريق من قتله وقتل ولده وأخذ ما معه وكان ضبة يقطع الطريق »(1.)وعندما إستفحل أمر ضبّة الأسدي في عين التمر وجّه أنظاره إلى كربلاء نتيجة ضعف الدولة حينها وطمع في الاستيلاء عليها، وجمع جيشاً من أتباعه في منتصف سنة 369ه-/ (980م ومعه بعض العشائر التي تسانده ومنها بني شيبان، وهجم على كربلاء بغارة مفاجئة، وقام أتباعه بأعمال السلب والنهب والقتل فيها.)وتجرأ على خزائن القبر الشريف ونفائسه، وأحدث التخريب في المرقد، وسلب ممتلكات الناس وغادر المدينة إلى عين التمر بعد أن أخذ العديد من أهلها أسارى وسجنهم في قلعة عين التمر. وأصاب الأهالي حالة من الهلع والإرتباك بحيث لم تكن قصبة كربلاء محصنة ولم يكن لها سور يحميها من الغارات، ولا توجد قوة من الدولة ترابط فيها لإنحلال الأمن في أغلب مناطق العراق.عندما علم عضد الدولة البويهي بذلك، قام بتجهيز جيش قوامه 10 آلاف مقاتل وتوجه إلى عين التمر عن طريق كربلاء وهاجم ( عين التمر وحاصر القلعة التي كان يتمركز بها (ضبّة الأسدي) بشكل مفاجئ فلم يشعر ضبّة إلّا والعسكر محاصر القلعة، فلم يقاوم ضبّة وإنّما إستعدّ للفرار والنجاة بنفسه فإمتطى جواده وألقى بنفسه کم أعلی سور القلعة فتحطم جواده ونجا بنفسه وولّى هارباً بإتجاه البادية تاركا أهله وأتباعه وماله.)اوأستولى عضد الدولة على القلعة وعلى كامل عين التمر، وأخذ من كان ساكنًا العقلة من عائلة وأتباع ضبّة أُسارى وتم إرسالهم إلى كربلاء، وأطلق سراح المعتقلين من أهالي كربلاء الذين سجنوا في القلعة، وأعاد إلى كربلاء كل ما سلب ضبة منها.
1) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ابن الجوزي ج 7، ص 28 ط- 1 حيدر آباد سنة 1358ه-.
جاء في الكامل في التاريخ لابن الأثير في حوادث سنة 369ه- ما نصّه:«وفيها أرسل (أي عضد الدولة سرية إلى عين التمر، وبها ضبّة بن محمد الأسديُّ، وكان يسلك سبيل اللصوص وقطاع الطرق، فلم يشعر إلا والعساكر معه، فترك أهله وماله ونجا بنفسه فريدًا، وأخذ ماله وأهله، ومُلكت عين التمر، وكان قبل ذلك قد نهب مشهد الحسين صلوات الله عليه، فعوقب بهذا »(1.)أمّا ابن الجوزي فقد أورد في المنتظم في حوادث سنة 369ه- ما نصّه: «وفي شهر رمضان بعث (يقصد عضد الدولة إلى ضبة بن محمد الأسدي وكان من أكابر الذعار وقد قتل النفوس ونهب الأموال وتحصن بعين التمر نيفا وثلاثين سنة والوصول إليها يصعب، فلما طل عليه العسكر هرب وترك اهله وخاصته فأسر أكثرهم وملك البلد »(2).)وذكر ابن كثير في البداية والنهاية عند ذكره أعمال عضد الدولة البويهي سنة 369ه- ما نصّه:« وارسل في رمضان إلى الأعراب من بني شيبان وغيرهم فعقرهم وكسرهم، وكان أميرهم ضبة بن محمد الأسدي متحصنًا بعين التمر مدة نيف وثلاثين سنة، فأخذ ديارهم وأموالهم »(3.)وذكر الحادثة أبو علي مسكويه في تجارب الأمم، قال: «وفي هذه السنة – يقصد بها 369ه- - نفذ عسكر إلى عين التمر في طلب ضبّة بن محمد الأسدي. وأنه ممن يسلك سبيل الدعار ويسفك الدماء ويخيف السبل وينهب القرى الأموالويبيح والفروج وانتهك حرمة المشهد بالحائر . فلمّا أظل عليه العسكر المجرّد هرب بحشاشته إلى البادية وأسلم أهله وحرمه فحصل أكثرهم في الأسر وملكت عين التمر»(4.)
1) الكامل في التاريخ: لابن الأثير ، ج8، ص710 ، دار صادر. ونعتقد بأن عضد الدولة هو الذي ذهب بنفسه إلى عين التمر، وعند عودته منها ظافراً أمر بتعمير المرقد الشريف سنة 369ه-.
2) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ابن الجوزي ، ج 3، ص 100 وص 101 .
3) البداية والنهاية ابن كثير، ج 11، ص 247 .
4) تجارب الأمم : أبو علي مسكويه الرازي، ج 6 ، ص 464 ، تحقيق: الدكتور أبو القاسم إمامي، ط1، دار سرورش للنشر، طهران سنة 1421ه- / 2001م.
وجاء في موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء، عن دائرة المعارف الإسلامية ما يلي: «... أن حملة تأديبية خاصة سيقت في 369ه- / (979 - 980م إلى عين التمر (شفاثة) للإقتصاص من ضبة بن محمد الأسدي لأنه قد أغار مع بعض العشائر على مشهد الحسين في كربلاء وغيره من الأماكن المقدسة الأخرى فنهبها وهدمها، فولى هاربًا أمامها إلى البادية... »(1).)كما ذكر الحادثة المرحوم الشيخ محمد السماوي في كتاب مجالي اللطف بأرض الطف حيث قال: أن عضد الدولة عندما سبى أهل قلعة عين التمر فقد وهبهم إلى خدمة الروضة المقدسة، وأن عضد الدولة عيّن أحد العلويين رئيساً لعين التمر يرعىشؤونها. ووصف السماوي غزوة ضبّة على كربلاء بإرجوزته المشهورة:والحادث الرابع نهب الأسدي*** ضبة ذو العَيْنِ لأهل البلد*** وسلبُهُ في الدور والأسواق*** وقتلُهُ كلَّ فتىً يلاقيونهبُهُ مِنْ روضة الحسين مَصوْعَةَ النَّظار واللَّجِيْنِ*** وعوده للعين من غير بَصَرْ*** في قَوْمِهِ المُبتهجينَ بالظَّفَرُ ***فانْصَبَّ فنا خسرو مِثلَ الصقْرِ عليه حتى اجْتاحَ عَيْنَ التَّمْرِ وفر ضبةُ الشقى وحده ***وعافَ فيها أهْلَهُ وجُنْدَهُ فاستأصل الأجناد والرجالا وأسر النساء والعيالا ***وباعهم في كربلاءَ جَهْرا ***وَقَسم الأنفال فيهمْ جَبْرا وَرَدَّ ما سَلَبَوْهُ مِنْ حُلي وخوَّلَ العَيْنَ لِأَبْنَاءِ عَلَى(2)
نقول:لم يثبت تأريخيَّا في أي مصدر موثوق ما ذكره المرحوم الشيخ السماوي فيما يخص الأسرى وتسليمهم إلى خدمة الروضة المقدسة. وكذلك عن تعيين عضد الدولة لأحد العلويين رئيساً لعين التمر، وربما إختلط عليه الأمر وربطه بتعيين (تيمور لنك للسيد (ابن أبي الفائز ) أحمد شمس الدين الملقب لدى العامة (أحمد بن هاشم) ناظر رأس العين عندما حارب السلطان أحمد الجلائري وإنتصر عليه، وكان ذلك في نهاية القرن الثامن الهجري، بينما حادثة ضبة وقعت في الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري. ولو كان ما ذكره السماوي صحيحاً لذكره ابن الجوزي في المنتظم، وابن الأثير في الكامل، وابن كثير في البداية والنهاية لأن الثلاثة ذكروا الحادثة في تواريخهم.)### تأسيس نقابة الأشراف في كربلاءتأسست نقابة الأشراف في العراق سنة 251ه- (865م في زمن الخليفة العباسي المستعين بالله وكان مقر النقابة في بغداد والشريف الذي يجب أن يكون حتما من نسل الإمام الحسن أو الإمام الحسين عليهما السلام ويتولى النقابة كان يطلق عليه (نقيب الطالبيين في العراق). وبعد فترة من الزمن ولإنتشار الطالبيين بكثرة في مدن العراق فقد تأسست نقابات الأشراف في تلك المدن تابعة إلى نقابة الطالبيين في العراق ببغداد.)ففي القرن الرابع الهجري وفي أوائل أيام البويهيين تأسست أول نقابة للأشراف في كربلاء، وقد تولى النقابة فيها سيدا من ذرية عبد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين هو السيد أبو جعفر محمد بن الحسن بن إبراهيم بن علي بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الامام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ (1). وهو أول نقباء الحائر.)
1) المجدي في أنساب الطالبيين للعمري، ص 400 ، تحقيق أحمد المهدوي الدامغاني.
### زيارة سلاطين بني بويه ووزراء عهدهم لكربلاءقام سلاطين بني بويه الذين حكموا العراق، وكذلك وزراء عهدهم، بزيارة كربلاء مع العلم بأن أحدًا من البويهيين لم يزُر كربلاء منذ سيطرتهم على الحكم في العراق إلّا بعد أكثر من ثلاثين سنة، وتواريخ هذه الزيارات حسب تسلسلها الزمنيكما يلي:أ.في عام 366ه- / 977م زار بختيار عز الدولة بن معز الدولة البويهي (1مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وهو أول من زار كربلاء من آل بويه بعد مضي 32 سنة من بدأ حكمهم في العراق واستلامهم مقادير الأمور فيه.)ب. في عام 367ه- / 978م زار عضد الدولة البويهي (2كربلاء والمرقد الحسيني بعد أن إستولى على بغداد وقتل ابن عمّه عز الدولة البويهي. كما زارها سنة 369ه- / 980م وأمر بتعمير مرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ويقال أن زياراته لكربلاء كانت سنوية مدة حكمه.)ت. في سنة 431ه-/ 1040م زار كربلاء السلطان أبو طاهر جلال الدولة البويهي (3ورافقته حاشية كبيرة. ويقال أنه لما توجه إلى كربلاء ترجّل عن فرسه بمسافة فرسخ (3 كم) عن كربلاء، وقدم إليها راجلاً حتى مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)،)
1) هو أبو منصور بختيار بن معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي، الذي تولى الحكم بعد أبيه معز الدولة، وكانت بينه وبين ابن عمه عضد الدولة عداوة ومنازعة على الحكم. وقد أسره عضد الدولة في إحدى معاركهم على السلطة وقتله عام 367ه- وإستولى على الحكم. وكان والده معز الدولة هو الذي إستولى على بغداد عام 334ه- في زمن الخليفة العباسي (المستكفي بالله).
2) عضد الدولة هو فناخسرو بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي الذي حكم من عام 367ه- إلى عام 372ه- ودام حكمه خمس سنوات ونصف تقريباً. ولد في إصفهان سنة 324ه- وتوفي ببغداد سنة 372ه- ودفن في النجف، ومقبرته في الروضة الحيدرية.
3) هو أبو طاهر جلال الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي. ولد سنة 383ه- وتوفي سنة 435ه-. حكم بغداد ما يقارب (17) سنة وكان ملازماً للعلماء وله مقولة مشهورة وهي (أستفيد من الأولين علماً أزداد من الآخرين بركة) على ما أورده ابن الجوزي في المنتظم، وابن الأثير في الكامل.
وبقي فيها عدة أيّام وقام بتوزيع الأعطيات والهدايا إلى بعض سكان المدينة، ومن ثَمَّ غادرها إلى النجف الأشرف.ث. في سنة 436ه- / 1045م زار كربلاء السلطان أبي كاليجار مرزبان البويهي (1قاصدا زيارة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حيث كان عائدًا من البصرة متوجها إلى بغداد، ورافقه الأمير دبيس بن علي بن مزيد الأسدي أمير الحلة. وقدّم السلطان العطايا والنعم إلى بعض ساكني المدينة.)ج. في سنة 400 ه- / 1010م وتحديدا في شهر جمادي الأولى زار كربلاء ومرقد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ( الحسن بن الفضل بن سهلان الرامهرمزي)، الذي كان يشغل منصب وزير (سلطان الدولة البويهي. وفي زيارة أخرى له سنة 407ه- وجد بأن كربلاء معرضة للغزو ولعدم تحصينها فشرع بإقامة سور حولها بشكل محكم، ونعتقد بأنه أول سور بني حول قصبة كربلاء، وتم بناءه سنة 412 ه- / 1022م، وفيه أربعة أبواب على جوانبه الأربعة (2).)بذلك فقد تحصنت كربلاء من خطر الغزو وكان لهذا الوزير عمل كبير آخر حيث قام بإعادة بناء مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ كما سيأتي ذكر ذلك في باب التعميرات. وفي سنة 414 ه- / 1023م قتل الوزير الحسن بن الفضل بن سهلان بأمر من سلطان الدولة البويهي.)ح. في سنة 402 ه- / 1012م زار كربلاء ومرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ محمد بن علي بن خلف الملقب ب- (فخر الملك) وزير السلطان بهاء الدولة البويهي، وكان من أهل واسط وعمل في خدمة بهاء الدولة ومن ثُمَّ إستوزره.)
بقي في كربلاء ثلاثة أشهر من رجب إلى نهاية رمضان، وقام بتوزيع الهدايا والصدقات ويقال بأنه أكسى يوم العيد ألف رجل من الساكنين في كربلاء. وكانت له أعمال جليلة منها تعميره سواد الكوفة، وأنشا جسرًا في بغداد وبعض المارستانات (المستشفيات) وقتله سلطان الدولة بن بهاء الدولة البويهي في شیراز سنة 407 ه- / 1017م وكان عمره 52 سنة)خ. في سنة 451ه- / 1059م زار مدينة كربلاء أبو الحارث أرسلان البساسيري(1وزير الملك الرحيم بن أبي كاليجار البويهي، حاملا معه غلالاً كثيرة ليوزعها على العمال الذين كان قد شغلهم في تطهير نهر العلقمي وإيصال الماء إلى الحائر الحسيني وذلك إيفاء بنذر كان قد نذره. إن هذه الزيارة كانت خارج الفترة البويهية وتم ذكرها كونه الوزير وصاحب السلطة في آخر أيامهم.)### السيد شرف الدين أحمد يتولىنقابة الأشراف في الحائربعد وفاة نقيب الأشراف السيد أبي جعفر محمد، والذي كان من سلالة الحسين الأصغر بن الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، تولى نقابة الأشراف في (الحائر) كربلاء سيداً شريفاً من سلالة السيد إبراهيم المجاب وهو السيد شرف الدين أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن محمد بن حمزة بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن حمزة بن أحمد)
1) البساسيري هو مملوك تركي وكان أمير الجند البويهيين ، أصبح وزيراً للملك الرحيم بن أبي كاليجار (آخر سلاطين بني بويه، وكان القائم بأمر الله هو الخليفة العباسي في ذلك الوقت، وذكر ابن الجوزي وابن الأثير ان البساسيري إتفق مع الأمير نور الدولة أبو الحسن دبيس بن مزيد على قطع خطبة العباسيين من بغداد والخطبة للفاطميين خلفاء مصر، وخطب لهم على المنابر . وقد ضاق الخليفة القائم بأمر الله بفتنته فإستنجد بطغرل بك زعيم السلاجقة فأنجده وجاء إلى بغداد سنة 447ه-: 1055م وطرد البساسيري منها، وبذلك فقد إنتهى العهد البويهي وبدا العهد السلجوقي. وهرب البساسيري ويعتقد أنه لجأ إلى الإمارة المزيدية في الحلة التي كان لها تأثير وسيطرة على كربلاء، حيث كانت له علاقة وثيقة معهم، وظلّ الخليفة القائم بأمر الله يتتبع أثره حيث أمر بقتله وظفر به بعد زيارته الأخيرة لكربلاء فقتل عام 451ه-.
بن السيد إبراهيم المجاب بن السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ. وكانت توليته نقابة الأشراف في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري وتحديدا في أيام حكم البويهيين.)كان العلامة (نقيب الأشراف رضي الدين علي بن سعد الدین موسی بن جعفر الملقب ب- (ابن طاووس) المولود في الحلة سنة 589ه- والمتوفى سنة 664 ه- (1)، قد ذكر في كتابه (جمال الاسبوع عن السيد شرف الدين أبي جعفر أحمد حديثًا وقال عنه كان نقيبا في الحائر.)وقد أخطأ المرحوم السيد عبد الرزاق كمونة في موارد الإتحاف عندما قال عن نقيب الحائر الحسيني السيد شرف الدين أبي جعفر أحمد أنه كان معاصراً لابن طاووس المتوفى سنة 664ه-، حيث قال عن رضي الدين ابن طاووس: حدثنا الشريف أبو جعفر أحمد، ... إلخ، وعندما يقول حدثنا يعني أنه كان معاصراً له وهذا غير صحيح (2. بل هي رواية نقلها ابن طاووس بسنده عن أحمد بن إبراهيم عن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). ولأن السيد شرف الدين كان من رجال القرن الرابع الهجري، وابن طاووس كان من رجال القرن السابع الهجري!! كما سيتم تبيانه عند شرحنا لنقباء الحائر لاحقاً.)كما أخطأ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف في كتابه الأسر الحاكمة عندما قال عن السيد شرف الدين أحمد كان معاصرًا لابن طاووس المتوفي سنة 664ه- عن عبد الرزاق كمونة في ج 1 ص 143 »(3. دون أن يتحقق من الموضوع.)
1) تاريخ الحلة الشيخ يوسف بن كركوش، ج 2، ص 25 - 26 ، ويذكر بأن العلامة رضي الدين ابن طاووس تولّى النقابة في عهد الدولة الإيلخانية لمدة ثلاث سنوات وأحد عشر شهراً، وقد عُرضت عليه في زمن المستعصم العباسي فرفضها. وهو غير العلامة مجد الدين ابن طاووس الذي ولاه هولاكو صدارة الأعمال الفراتية ونقابة المشهدين.
2) موارد الإتحاف في نقباء الأشراف السيد عبد الرزاق كمونة الحسيني، ج 1، ص 143.
3) الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق في القرون المتأخرة: د. عماد عبد السلام رؤوف،هامش رقم (1) ، ص 353.
وعندما توفي السيد شرف الدين تولى النقابة في كربلاء ولده شرف الدين إبراهيم الذي عاصر أبا المنيع قرواش صاحب الموصل والذي حكمها من سنة 391ه- إلى سنة 441ه-.### التعميرات في كربلاء أيام البويهييننقلت المصادر التاريخية بأن مدينة كربلاء شهدت وخاصة مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ تعميرات جيدة على حساب ذلك الوقت الذي عاشه العراق تحت ظل سيطرة البويهيين، وأهم ما ذكرته التواريخ هو :)أ. رواق عمران بن شاهين أول التعميرات التي جرت في مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ في العهد البويهي هو ما قام به عمران بن شاهين حيث قام في سنة 368ه- / 979م ببناء المسجد والرواق الذي سمي باسمه في الجانب الغربي من الحرم الحسيني، والذي ذهب منه جزء كبير عند توسيع الصحن الشريف.)جاء في الدليل العراقي الرسمي لسنة 1936م في فصل تاريخ العراق ما نصّه: وفي عهده (أي عهد عضد الدولة البويهي قوى أمر عمران بن شاهين بالبطيحة، وهي أرض واسعة بين واسط والبصرة وأسس بها الدولة الشاهسنية التي دامت من سنة 329 إلى سنة 408 ه-، ثم آل أمرها إلى الأقوياء يتلقاها أحدهم عن الآخر بطريق القوة والتغلب إلى انتهاء الدولة السلجوقية فعادت إلى خلفاء بغداد(1.)في ظل النزاع الذي دار بين عز الدولة البويهي وابن عمّه عضد الدولة البويهي على السلطة، قام عمران بن شاهين باستقطاع البطائح وهي المستنقعات الواقعة بين واسط والكوفة من سلطة البويهيين، وكان على خلاف مع معز الدولة البويهي
1) الدليل العراقي الرسمي لسنة 1936م ، ص 91 .
حيث سبق ان إستولى على البطائح في زمنه وحاربه معز الدولة وأضعف قوّته. ولكنه إستغل الخلاف بين عز الدولة (ابن معز الدولة وابن عمه عضد الدولة، فقام بالاستيلاء عليها مرة ثانية.)وعندما إستقر الحكم لعضد الدولة وسيطرته على العراق، أرسل إلى عمران بن شاهين جيشاً فحاصره وضيّق عليه، فإلتجأ عمران بن شاهين إلى مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ في النجف، ونذر إن لاقى عضد الدولة وعفا عنه أن یبنی مسجداً ورواقًا في حرم أمير المؤمنين الإمام علي ومثلهما في حرم الإمام الحسين.)ويقال بأنه رأى رؤيا في المنام بأن الإمام علي عليه السلام قال له بأن عضد الدولة سوف يزور البقعة فلذ به وسيفرج عنك ... ومهما تكن الروايات فإن عمران شاهين بنى المسجدين والرواقين في الحرمين المقدسين الحيدري والحسيني في عام 368ه-. ويقال بأن عضد الدولة عفى عنه وولاه البطائح.ذكر ابن الأثير في تاريخه الكامل في التاريخ ج 7 ص 98 ما نصّه: «توفي عمران فجأة في المحرم عام 369ه- وكانت ولايته بعد أن طلبه الملوك والخلفاء وبذلوا الجهد في أخذه وأعملوا الحيل أربعين سنة فلم يقدرهم الله عليه ومات حتف أنفه، فلما مات ولي مكانه ابنه الحسن »(1.)ب. تعمیرات عضد الدولة البويهيربما كان عضد الدولة البويهي هو أكثر سلاطين بني بويه إهتماماً بكربلاء وتعمير المراقد فيها، على الرغم من أن فترة حكمه لا تزيد عن خمس سنوات ونصف تقريباً.فقد قام في سنة 369ه-/ 980م بتجديد بناء قبة الروضة الحسينية، وأمر بتجديد بناء الروضة المقدسة ووضع ضريح على القبر الشريف مرصعاً بالعاج وزينه بالحلل والديباج وبنى حول الضريح الأروقة. وإستمرت التعميرات في المرقد الشريف نحو
1) الكامل في التاريخ: ابن الأثير، ج 7، ص98.
ثلاث سنوات وتم الانتهاء منها سنة 371ه-/ 982م.وإهتم عضد الدولة البويهي بإيصال الماء لسكان مدينة كربلاء وإنارة الحائر المقدس. فقد أوصل المدينة بترعة فأحياها وأوقف أراض لاستثمارها لصالح إنارة الحرم الشريف. وشيّد بعض الأبنية والأسواق حول المرقد، وأجزل العطاء لمن جاوره من العلماء والعلويين.كما ذُكر بأنه «تصدّق واعطى الناس على إختلاف طبقاتهم وجعل في الصندوق دراهم ففرقت على العلويين فأصاب كل واحد منهم إثنين وثلاثين درهما، وكان عددهم ألفين ومائتي اسم، ووهب العوام والمجاورين عشرة آلاف درهم، وفرّق على أهل المشهد من الدقيق والتمر مائة ألف رطل، ومن الثياب خمسمائة قطعة، وأعطى الناظر عليهم ألف درهم، وفيه أن ذلك كان عام 371ه- »(1.)وذكر البعض أنه قام ببناء سور للمدينة كما جاء في كتاب تأريخ كربلاء وحائر الحسين ص 171 . والحقيقة أن أول سور بني حول مدينة كربلاء بناه الحسن بن فضل بن سهلان الرامهرمزي.واختلف في زمن بناء السور ، فذكر قسم منهم انه كان في سنة 400 ه- ومنهم من أكّد أن بناء السور كان سنة 407 ه- وتم الانتهاء منه سنة 412ه-، ويمكن أن يكون عضد الدولة قد بنى سوراً للحرم الحسيني عند تعميره المرقد وليس سوراً للمدينة.كما يُذكر أنه بنى المدرسة العضدية الأولى (2، وشيد بجانبها مسجد سمي بمسجد
1) فرحة الغري ابن طاووس، ص113.
2) دائرة المعارف الحسينية، تاريخ المراقد : محمد صادق الكرباسي ج 1، ص298. ويشير الكرباسي إلى أن المدرسة والمسجد موقعهما في أول شارع السدرة من جهة الغرب، ولا يوجد أثر للمدرسة الآن.)نقول بان المسجد الموجود حاليا هو مسجد صغير جدا عبارة عن طارمة مطلة على الشارع فقط ويسمى بمسجد رأس الحسين، لرواية تذكر أن عمر بن سعد وضع الرأس الشريف في هذا المكان قبل حمله للكوفة. ونعتقد بأن المدرسة ذهبت في الشارع عند فتحه إذا كان المكان هو المعني بالمدرسة العضدية والمسجد.
رأس الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ في الجانب الشمالي الغربي خارج الصحن الحسيني الشريف. وينسب إليه بأنه أمر ببناء الصحن الصغير (مقابر آل بويه)، وبناء مدرسة ثانية (1).)ت. بناء سور المدينةقام الوزير أبو محمد الحسن بن الفضل بن سهلان الرامهرمزي ببناء سور يحيط بقصبة كربلاء، وهو أول سور بني حولها، وأختلف على زمن بدأ العمل به، فمن قائل ذكر بأنه بدأ العمل به سنة 400 ه- ومنهم من ذكر سنة 407ه-. ولم يختلف أحد على 4ه- الذي أمر ببناءه.حيث أكّد ابن الجوزي في المنتظم أن ابن سهلان هو الذي بنى السور، عندما ذكر في حوادث سنة 407 ه-: «وفي ربيع الآخر خلع على أبي محمد الحسن بن الفضل الرامهرمزي خلع الوزارة من قبل سلطان الدولة وهو الذي بنى سور الحائر بمشهد الحسين »(2، ولكنه لم يحدد السنة.)ذكر ابن الأثير في كامله بأن الحسن بن الفضل بن سهلان بنى سورا على مشهد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ على نذر نذره إذا شفي من مرضه وتولّى بناءه أبو إسحاق الأرجاني(3). وعلى ذلك فقد أورد عبد الجواد الكليدار في ص173 من كتابه بأن «ابن سهلان هو الذي بنى السور لصحن النجف الأشرف بسبع سنين قبل بنائه سور الحائر - كربلاء - »، معتمدًا على ما جاء في الكامل لابن الأثير.)وعلى ذكر السور فقد بني حول كربلاء بطول 2400 خطوة، وتعادل 2160 مترا، وجعل فيه أربعة أبواب كبيرة على جوانبه الأربع، وحصنه بشكل جيد وأصبحت کربلاء به حصينة وآمنة من الهجمات أو أي اعتداء عليها.
ث. مقابر آل بویه (الصحن الصغير)قام عضد الدولة رغبة منه بإنشاء مقبرة له ولعائلته في كربلاء. وأمر بتشييدها في أواخر أيامه ولكنه عندما توفي دفن في النجف الأشرف، حيث تم إكمال المقبرة بعده بسنوات، والتي سمّيت فيما بعد بالصحن الصغير.وتقع في الجانب الشمالي الشرقي من الصحن الحسيني (خارج سوره، وبقيت هذه المقبرة (الصحن الصغير قائمة إلى عام 1948م، حيث تم تهديمها لفتح شارع يحيط بالروضة الحسينية المقدسة، وإبتدأ الهدم يوم الأربعاء 22 محرم 1368ه- الموافق 1948/11/24م. ووصف السيد عبد الجواد الكليدار في كتابه تاريخ كربلاء وحائر الحسين (الصحن الصغير) بقوله (1):)«وهذا الصحن الصغير هو هذه الساحة المسوّرة الفخمة الأثرية القديمة من العصر العباسي الثاني (2، والتي يزيّن جدرانها العالية الرفيعة الكاشاني الأثري البديع الصنع. وتزين سقوف مداخلها المقرنصات الفنية البديعة المعلقة على طول السقف في شبه إسطوانات هندسية الشكل ذات الضلاع والزوايا المتداخلة والمتنوعة والدقيقة الصنع والتركيب، والمتلبسة كلها بأحسن تلبيس فني وهندسي كامل بالفسيفساء والكاشاني المعرق من النوع القديم الممتاز النادر والثمين لأن البناء كله يرجع إلى ألف سنة بالضبط من عهد البويهيين إلى اليوم. (3))ومقرنصات سقوف مداخل هذا الصحن الصغير هي على شاكلة المقرنصات الموجودة لكن من نوع أوطأ منها في سقوف بعض المداخل الأخرى لصحن
1) تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص 165 وص 166 وص 167.
2) لم يكن المرحوم الكليدار دقيقًا هنا، والصحيح هو في العهد العباسي الثالث لأن العهد العباسي الثاني إنتهى سنة 334ه- وبدأ العصر العباسي الثالث عند دخول البويهيين واستيلائهم على بغداد وإنتهى العصر الثالث سنة 467 ه- بانتهاء حكم القائم بأمر الله العباسي.
3) السنة التي كتب بها هذا الوصف كانت 1368ه- : 1949م.
الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ وتتصل هذه البناية المجللة التاريخية أو الصحن الصغير كما يعبّر اليوم، من جهة الغرب بصحن الحسين عليه السلام وبينهما دهليز واسع كبير مزيّن تقريباً بنفس التزيين الفني ولكن من نوع أوطأ من ذلك بالفسيفساء والكاشاني القديم مما تتنافس متاحف العالم على اقتناء امثالها.)وأمّا من وجهة الشرق فتقع على مفترق طرق البلدة الشمالية والشرقية والجنوبية بجانب السوق الكبير في قلب المدينة ولها مدخلان مدخل شمالي ويدعى اليوم ب- (باب الصحن الصغير ومدخل شرقي يدعى ب- (باب الصافي) نسبة إلى مقبرة تقع على جانب الباب وهي عائدة إلى بيت السيد مهدي الصافي (1)من سادات ووجهاء كربلاء السابقين. ومن هذا المدخل أو الآخر يقصد الزائر عادة حرم العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بعد اداء الزيارة لحرم الحسين عليه السلام.)إتخذ الملوك البويهيون هذا المحل مدافن لهم في الحائر المقدس لتكون قبورهم على طريق الزائرين بين الحرمين الشريفين، فشيدوا هذا البناء الهنسي الجميل الطراز والإسلوب، وهو بمجموعه آية في الفن والصنعة وهو من الابنية التاريخية القديمة يرجع عهده إلى العصر العباسي في القرن الرابع والخامس من الهجرة وجعلوه من ملحقات الحائر وتوابعه.وكانت تقع بعض مقابرهم في وسط الساحة في سرداب منظم تحت الأرض والبعض الآخر على جانبي المدخل الرئيسي الذي هو المدخل الشمالي لها وذلك داخل حجرتين مجللتين مبنيتين بأجمل طراز من طراز المقابر القديمة وجدرانها مزينة من الداخل والخارج بالكاشاني القديم البديع الصنع، وفي صدر كل مقبرة منها حجرة خاصة في وسطها مأذنة أثرية قديمة يرجع عهدها إلى زمن البويهيين.
1) هو السيد مهدي بن جواد بن صافي بن علي العطار، وهو من ذرية العلامة السيد أحمد العطار، وآل الصافي سادة حسنية كانت تواقيعهم في الأوراق قديما (عطاطير زادة)، كان لهم ديوان مشهور للسيد جواد الصافي وسميت باب الصافي لأنها تقابل ديوان ومقبرة آل الصافي الذين كانوا من وجهاء المدينة.
وهكذا تقع على جانبي المدخل الشمالي لهذا البناء تلك المأذنتان البويهية القديمة والمنقوشة عليها الآيات القرآنية بالكتابة الكوفية وقد قطعت رؤوسهما في التعميرات التي جرت خلال العصور المتأخرة حسب الظاهر فأصبحتا محبوئتين في داخل البناء إلى حد السطح وكان لها درج لولبي من داخل المأذنة يصعد إليها، وللمأذنة الغربية منها (دیدبان أي منظاركان يجلس فيه محافظ مقابر الملوك للمراقبة والمحافظة في تلك العصور الخالية وكان ينتهي هذا (الديدبان) من المأذنة المذكورة إلى فوق مقبرة الطباطبائية الحالية من الشباك الذي كان يشرف على باب هذه المقبرة ».)لقد وصف السيد عبد الجواد مقبرة آل بويه المسماة (بالصحن الصغير بشكل دقيق، كما ذكر موضوع هدمها وأصبحت ضمن شارع الحائر، وعندما تطرق إلى الهدم وجدناه ينتقد هدمها بإعتبارها أثرًا مهما يعتبر من توابع الروضة الحسينية المقدسة.)ونحن هنا نؤكد أن عملية الهدم كانت خاطئة وكان يمكن تعديل مسار الشارع المحيط بالروضة إلّا أن البعض (1من المعمرين ذكروا بأن تعديل الشارع كان سيؤدي إلى استملاك العديد من العقارات حول الروضة المقدسة، وهذا يحتاج إلى مبالغ لا طائل لخزينة الدولة تحمّلها للكلف العالية التي تتطلّبها عملية الاستملاك وما ستسببه من أضرار بليغة لسكان المدينة بإزالة عقاراتهم ومحلاتهم التي تحيط بالروضة، وتؤدي إلى قطع أرزاقهم.)لكننا نؤكد وللمرّة الثانية بأن آل بويه إهتموا وبالغوا في عمارتهم لمقابرهم بشكل بديع أجمل وأفخر من إعمارهم للروضة المقدسة ذاتها، كما أنهم خططوا لأن يكون أغلب الداخلين إلى الحرم المقدس يمرون من هذا الصرح.
1) كانت دروب وشوارع كربلاء القديمة تتفرع من أبواب الحرمين الشريفين، وكانت ضيّقة ولا تفي بحاجة المدينة التي بدات بالتوسع وكثرة الوافدين إليها ، وقررت الحكومة أن تنشأ شارعين يحيطان بكل حرم، ومن هذه الشوارع تتفرع شوارع أخرى وتتوسع، وذكر لنا بعض المعمرين من وجهاء البلد والذين كانوا ضمن عضوية لجنة التبرعات للتوسيعات التي حصلت بمشروع حائر صحن الحسين، بانه لا حل لإمكانية تنفيذ المشروع إلا بإزالة الصحن الصغير لدرء الضرر عن الناس وأملاكهم.
كما نجزم على أن الصحن الصغير قد أجريت عليه الترميمات بشكل متواصل خاصة في العهدين الصفوي والقاجاري اللذين حكما إيران ونفوذهما المتواصل في مدن العتبات ومنها كربلاء ، لأن من غير المعقول أن يبقى بناء طال زمنه قرابة الألف عام بالشكل الذي وصفه الكليدار سنة 1368ه- / 49. 194م.### زيارة الشريف الرضي لكربلاءزيارة الشريف الرضي (1لكربلاء)من المشاهير الذين زاروا كربلاء في العهد البويهي هو السيد (الشريف الرضي وذلك في سنة 386ه- / 996م وشاهد قوماً يبكون ويتضرعون عند قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فهرول إليهم وأخذ يرثي الحسين بقصيدته المشهورة:)کربلا ما زلت كرباً وبلا ***مالقى عندك آل المصطفى ***كم على تربك لما صرعوا ***من دم سال ومن دمع جرىوكانت هذه الزيارة هي آخر زيارة له لكربلاء، حيث توفي سنة 406 ه- / 1015م، وأودع جثمانه في مسجد الإنباريين في الكاظمية الموضع الحالي المسمى بقبر الرضي ومنه نقل إلى كربلاء ودفن في الحرم الحسيني.)وجاء في نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين للعلامة المرحوم السيد حسن الصدر الكاظمي: «... إبراهيم الأصغر بن الإمام الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ قبره خلف ظهر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بستة أذرع وهو الملقب بالمرتضى، وهو المعقب المكثر، جد السيد)
1) الشريف الرضي: هو السيد محمد بن أبي أحمد الطاهر الحسين بن موسى الأبرش بن محمد الأعرج بن موسی أبو سبحة بن أمير الحاج السيد إبراهيم المرتضى (الأصغر) بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وهو الملقب بالرضي، كما لقبه بهاء الدولة ب- (ذي الحسبين) سنة 398ه-. كان ورعًا تقيًّا وتولى إمارة الحج وديوان المظالم نيابة عن أبيه. وبعد وفاة أبيه تولاها بنفسه. كان عالما وبرع في الأدب على يد أستاذه الشيخ (المفيد)، ويُعد من أشعر شعراء قريش وسميت داره ب- دار) العلم) وهي مأوى للعلماء والأدباء. ولد سنة 359ه- وتوفي في السادس من محرم سنة 406 ه- ودفن في داره ثم نقل إلى مشهد الحسين ودفن عند قبر أبيه، وقبر هما ظاهر معروف كما ذكر فى عمدة الطالب للسيد الداوودي والقصيدة وردت في الأنوار الحسينية للمرحوم الشيخ محمد رضا كاشف الغطاء.
المرتضى والرضي وجدنا وجد أشراف الموسوية، معه جماعة وجد أشراف الموسوية معه جماعة من أولاده كموسى أبو سبحة، وأولاده، وجدنا الحسين القطعي وجماعة من أولاده في سردابين متصلين خلف الضريح المقدس، كانت قبورهم ظاهرة ولما عمر الحرم العامر الأخير محو آثارهم، ومعهم قبر السيد المرتضى والسيد الرضي وأبوهما وجدهما موسى الأبرش »(1.)عندما توفي المرتضى علم الهدى (2وهو شقيق الشريف الرضي، فقد دفن في داره ثم نقل إلى كربلاء فدفن في حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عند أبيه وأخيه. وكانت قبوره- ظاهرة إلى بدايات القرن العشرين الميلادي.)ويقابل قبورهم من الناحية الأخرى قبر جدهم السيد إبراهيم المرتضى الأصغر (أمير الحاج بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ. وتم إزالة شواهد هذه القبور لأنها تقع في الرواق الفاصل بين الضريح الشريف ومسجد الحرم وتحديدا بين الركيزتين الشماليتين للقبة وكان وجود هذه القبور يسبب إعاقة كبيرة لحركة زائري القبر الشريف.)
1) نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين: السيد حسن الصدر، ص70.
2) المرتضى علم الهدى هو الشريف الطاهر علي بن أبي أحمد الحسين بن موسى الأبرش بن محمد الأعرج بن موسى أبو سبحة بن السيد إبراهيم المرتضى (الأصغر) بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). كان يكنّى بأبي القاسم وبأبي (الثمانين). ولد سنة 353 ه- وهو أكبر من الشريف الرضي بست سنوات. كانت له مكتبة تضم نحو 80 ألف مجلد وله من الضياع (80) ضيعة ولذلك سمي بأبي الثمانين. تولى نقابة نقباء ،العراق، وإمارة الحج وديوان المظالم كأبيه وأخيه. وله مرتبة كبيرة بين العلماء في زمانه، وكان فقيها محدثًا بارعًا في علم الكلام ومتوقد الذكاء.
شکل رقم (2)مكان قبور الشريف الرضي والشريف المرتضى ووالدهما أبي أحمد الطاهر
### السيد إبراهيم بن أبي جعفر أحمديتولى النقابة بعد أبيهتولى السيد إبراهيم بن أبي جعفر أحمد بن إبراهيم الموسوي الحائري نقابة الأشراف بعد أبيه. ذكره ضامن بن شدقم في تحفة الأزهار (1. وكذلك العمري في (المجدي في أنساب الطالبيين) (2).)كان نقيباً في الفترة التي تولى فيها معتمد الدولة قراوش ملكه، وقراوش هذا حكم الموصل من سنة 391ه- إلى سنة 441ه-، وللنقيب السيد إبراهيم حادثة مع (قراوش أيام حكمه تذكرها كتب التاريخ.)وعلى ذكر النقباء قبله والذين تولوا النقابة بعده، فيحتمل أنه كان نقيباً في نهاية القرن الرابع الهجري إلى أوائل القرن الخامس الهجري.### كربلاء تحت حكم الإمارة المزيديةفي أيام سلطان الدولة بن بهاء الدولة تأسست الدولة المزيدية في أرض الحلة سنة 403 ه- . وكان مؤسسها أبا الحسن علي بن مزيد الأسدي وبعد وفاته تولى ابنه دبيس سنة 408 ه- بعهد منه.كان أعظم ملوك هذه الدولة شأنًا صدقة بن منصور القلب ب- (سیف الدولة. وهو الذي إختط مدينة الحلة وبناها وإتخذها عاصمة لدولته. ووسع رقعة ملكه بما إستولى عليه من الأراضي التي تحادد ،ملكه، فإستولى سنة 496ه- على مدينة هيت من يد عاملها شروان بن وهب. وفي سنة 497ه- إجتاح مدينة واسط وأجلى الأتراك عنها المتغلبين عليها. وفي سنة 499ه- إنحدر من الحلة إلى البصرة فَمَلكها وبقيت مدة في حوزته وكان جوادًا حليما صدوقاً عادلاً في رعيّته مهابا بين الملوك)
المجاورين له وإنقرضت هذه الدولة العربية في الفرات الأوسط في عهد السلطان مسعود السلجوقي بعد أن دامت 142 سنة تقريباً أي من سنة 403 ه-/ 1013م إلى سنة 545ه- / 1150م (1.)على الرغم من وجود الحكم البويهي في العراق في العهد العباسي الثالث، ووجود الخليفة العباسي الذي ليس له من الأمر شيء سوى الاسم، فإن مناطق عديدة في العراق وخاصة في الوسط والجنوب كانت خارج سيطرة الدولة ومؤسساتها، فقد تشكلت إمارات عديدة وإستقلت بالحكم في مناطق نفوذها وليس للدولة الحاكمة في العراق سيطرة عليها على الرغم من إشتباكها معها بحروب عديدة. فالسيطرة القبلية كانت سائدة في ظل نظام الفوضى السائد في العراق وإنشغال حكامه بمشاكلهم التي كانت جلّها على السلطة والحكم.وكربلاء قريبة جداً من الحلة فقد بسطت الإمارة المزيدية نفوذها عليها، وخضعت المدينة ولسنوات طوال للمزيديين الذين طالما حموها من الغزوات كما سيمر علينا ذلك.ولأن قبيلة بني أسد كانت منتشرة في ضواحي أرض كربلاء ومتمركزة في قرى الطف التي أشرنا إليها، فكان أغلب سكان المدينة في ذلك التاريخ هم من الأسديين، ولأن الدولة المزيدية هي إمارة أسدية، فمن الطبيعي أن تكون مدينة كربلاء حينها راغبة في حكم المزيديين، وما كان لحكام بني بويه ومن بعدهم السلاجقة أي سيطرة على المدينة عدا ما كان للبويهيين من رغبة في الإهتمام بالعتبات المقدسة لإدعائهم التشيّع.
1) الدليل العراقي الرسمي لسنة 1936، ص 91.
### السيد أبو الحسن محمد بن محمد الأشقرنقيباً للأشراف في الحائرتولى نقابة الأشراف في كربلاء (الحائر السيد أبو الحسن محمد بن محمد الأشقر بن عبد الله بن علي بن جعفر بن الإمام علي الهادي بن الإمام محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم عليهم السلام. وهو النقيب الرابع في تسلسل نقباءالحائر.)ذكره العمري في كتابه المجدي أنه كان نقيباً في الحائر (1. ويمكن أن تكون فترة توليه النقابة في بداية القرن الخامس الهجري.)### حريق حرم الحسينذكرنا بأن عضد الدولة البويهي أعاد بناء حرم الحسين سنة 369ه- وتم إنهاء التعميرات سنة 371ه- ، لكن هذا البناء إنهار نتيجة حريق شب داخل الحرم إثناء الليل وأتى على كل مافيه حيث إلتهمت النيران في إحدى ليالي ربيع الأول من عام 407ه- / 1016م الستائر والمفروشات نتيجة سقوط شمعتين، وأخذت النار تلتهم كل شيء داخل الروضة المطهرة، وتعدّت إلى الأروقة والقبّة ولم يتمكن أحد من السيطرة على الحريق فإنهار البناء بأجمعه.جاء في المنتظم في حوادث سنة 407 ه- ما نصّه:«أنه في شهر ربيع الأول إحترق مشهد الحسين عليه السلام والأروقة وكان السبب أن القوام (2أشعلوا شمعتين)
1) المجدي في أنساب الطالبيين للعمري، ص331. فقد تحدث عن ذرية جعفر بن الإمام علي الهادي وقال:« ... فمن ولده الشريف أبو الحسن محمد نقیب الحائر ابن محمد الأشقر بن عبد الله بن علي بن جعفر الملقب كرّين، يقال لهم : بنو النازوك ، وكان له أخ يقال له: يحيى تغرّب إلى مصر ... ».
2) القوام هم الأفراد العاملين في خدمة المراقد من العلويين وغير العلويين ويطلق عليهم العامة كلمة (الكوّام) أو الكَيّم) أي القائمين بالخدمة (خدم الرياض والمراقد).
كبيرتين فسقطتا في جوف الليل على التأزير (1فأحرقتاه، وتعدّت النار (2).)كما جاء في الكامل في التاريخ عند ذكر حوادث سنة 407 ه- ما نصّه:«وفي هذه السنة في ربيع الأول إحترقت قبّة مشهد الحسين والأروقة وكان سببه أنهم أشعلوا شمعتين كبيرتين فسقطتا في الليل على التأزير فإحترق، وتعدت النار»(3.)كان الحريق في زمن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي الذي حكم من سنة 403 إلى سنة 415 من الهجرة، وكان الخليفة العباسي حينها هو القادر بالله العباسي.هناك من يرى بأن حادث الحريق لم يكن قضاءً وقدر وإنمّا بأمر مدبّر لمواكبة هذا الحدث بأحداث وقعت في مناطق أخرى في الدولة الإسلامية آنذاك، حيث ذكر الدكتور الكليدار :«وهذا الحريق في الحائر كان قد وقع حسب القرائن إما في العشرة الأولى أو أوائل العشرة الثانية من ربيع الأول الأمر الذي ينفي كونه حصل بلا مسبب وما كان القادر بالله العباسي بمعزل عن هذه الحوادث والفتن التي إنتشرت في تلك السنين على عهده طول البلاد الإسلامية وعرضها »(4.)وهذا الرأي ليس له دليل واقعي، وإنما هو استنتاج خاص بالكليدار لم يُبنَ على حقائق ولم يذكره أي مصدر تاريخي، مع العلم بأن بني بويه هم الحكام الفعليون في ذلك الوقت !!
1) التأزير من الأزار يقام على الجدران للتقوية أو التآزير جمع تأزيرة وهو ما يلصق بالحائط للزينة. وغالبا ما كانت التآزير تعمل من الخشب وبنقوش معينة.
2) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ابن الجوزي ج 7، ص 282 .
3) الكامل في التاريخ: ابن الأثير ج9، ص102 .
4) تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص172. علما بأن بني بويه هم الحكّام الفعليون!!
### السيد أبو عبد الله الحسيننقيبا للأشراف في كربلاءهو السيد أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي محمد الحسن بن محمد الأعز بن أبي محمد أحمد الزائر بن أبي أحمد علي بن أبي الحسين يحيى النسّابة بن أبي الحسن جعفر الحجة بن عبيدالله الأعرج (الأول بن الحسين الأصغر بن الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ). كان جدّه الرابع وهو السيد محمد الأعزّ الملقّب ب- (المعمّر) أول من سكن الحائر (كربلاء) من السادة الأعارجة وهم من نسل عبيدالله الأعرج. وذكر ابن شدقم في تحفة الأزهار انه كان نقيباً في الحائر (1). ويُعتقد أنه تولى النقابة في بداية العقد الثاني من القرن الخامس الهجري. وبعد السيد الشريف أبي الحسن محمد بن محمد الأشقر.)### إعادة بناء مرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)قام الحسن بن الفضل بن سهلان الرامهرمزي وزير سلطان الدولة البويهي بإعادة بناء مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ بعد الحريق بشكل أحسن مما كان عليه، وتم الانتهاء منه سنة 412ه- . وكانت هذه العمارة هي العمارة السادسة التي أنشات على المرقد الشريف، أن ابن سهلان هو ذاته الذي بنى السور الأول لمدينة كربلاء.)والبناء الذي أقامه ابن سهلان الرامهرمزي هو الذي وصفه ابن بطوطة في رحلته التي زار بها كربلاء سنة 726ه-/ 1326م.بقي هذا البناء قائما على حاله دون أية تغييرات عدا ما قام به بعد قرنين من الزمان الخليفة العباسي الناصر لدين الله سنة 620ه-/ 1223م بإجراء ترميمات عليه زادته بهاءً وجمالاً، الذي كلّف بالأمر وزيره مؤيد الدين محمد البغدادي(2.)
1) تحفة الأزهار وزلال الأنهار ضامن ابن دقم، ج 2، ص 181 .
2) سيتم الحديث عن هذه الأعمال والترميمات وتجديد بناء الروضة المطهرة حسب التسلسل الزمني لاحقا، مع الإفادة بان مجمل أعمال التجديد والبناء سيتم لها إفراد فصل كامل عند البحث عن مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في الجزء الأخير من هذا الكتاب.
وجاء في أرجوزة المرحوم الشيخ محمد السماوي ذكر مؤرخا الحريق والبناء:وإحترق الساجُ عقيب الرابع*** من القرون عند عام سابع فَشيّدَ البناء سُلطان الدول ابن بويه وتناهى في العمل وجعل البلدة ذات سورِ وزيره القائم بالأمور*** الحسنُ بن الفَضْل من بعد سنة*** فیا لهُ منْ عمل ما أَحْسَنة (1)### السيد أبو منصور الحسن يتولى نقابة الأشرافبعد وفاة أبيه في الحائرتولى نقابة الأشراف السيد أبو منصور الحسن بعد وفاة والده النقيب أبي عبد الله الحسين. ذكره ابن عنبة في عمدة الطالب أنه كان نقيباً في الحائر (2، وكذلك ابن شدقم في تحفة الأزهار (3). وكان أبو منصور نقيباً قبل سنة 433ه- لورود اسمه في مشجر الكشاف للعميدي ولم يذكر أنه كان نقيباً في الحائر، علما أن العميدي توفي سنة 433ه- ، فمن البديهي أنه ذكر اسمه قبل وفاته.)### سقوط البويهيين وزيارة البساسيري لكربلاءكان وزير البويهيين في بغداد هو أبو الحارث أرسلان البساسيري التركي الملقب بالمظفر وزير الملك الرحيم بن أبي كاليجار البويهي، وكان الحكم بيد البساسيري حيث يتواجد الملك الرحيم البويهي في إيران.
أحدث البساسيري فتنة ضاق بها الخليفة العباسي القائم بأمر الله ذرعاً عندما إتفق مع الأمير نور الدولة أبو الحسن دبيس بن مزيد الأسدي أمير الحلة على قطع الخطبة للعباسيين في بغداد والخطبة للفاطميين في مصر (1.)فخطب البساسيري لهم في بغداد على المنابر . عندها أراد القائم بأمر الله أن يسترد السلطة من البويهيين ويتخلص من البساسيري وفتنته، فإستنجد بزعيم السلاجقة طغرل بك فدخل هذا بغداد عام 447ه- / 1055م وطرد البساسيري منها. بذلك إنتهى عهد البويهيين ووزرائهم، وظل القائم بأمر الله يطلب البساسيري الذي إلتحق بعد هروبه إلى الحلة وإلتجأ عند أميرها نور الدولة.وفي سنة 451 ه- / 1059م توجه البساسيري إلى كربلاء لزيارة قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ وكان ذلك في يوم الثلاثاء 3 ربيع الأول، وإصطحب معه غلالاً كثيرة ليوزّعها على العمال الذين كان قد شغلهم في تطهير نهر العلقمي وإيصال مائه إلى الحائر الحسيني إيفاء لنذر كان قد نذره.)وقد ظفر القائم بأمر الله بالبساسيري في نفس هذه السنة (451ه- وقتله وتخلص منه.)### حوادث كربلاء في أيام حكم البويهيين### أ. فتنة المصحففي عام 398ه- / 1008م ظهر في بغداد مصحف قيل أنّه مصحف عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل الذي يخالف جميع المصاحف. فإستفتي أبو حامد الأسفراني فيه، فافتى بحرق المصحف فأُحرق في 29 رجب سنة 398ه-.
1) المنتظم لابن الجوزي ج 8 ، ص 105 . والكامل في التاريخ: لابن الأثير ج8، ص86.
فسبب حرق المصحف إمتعاض الشيعة، وقرّ رأيهم على الإجتماع في ليلة النصف من شعبان (1في الحائر الحسيني للنظر في أمر حرق المصحف.فاجتمعوا في الموعد المقرر في الحائر الحسيني وحضر إجتماعهم أحد فقهاء الشيعة من أهل جسر النهروان وإعتلى المنبر وأخذ يكيل السب والشتم واللعن على مسببي حرق المصحف. فأبلغوا الخليفة العباسي القادر بالله ذلك فأمر بضرب عنقه ونفّذ حكم الإعدام في كربلاء. وعلى أثر تنفيذ الحكم بالفقيه وقعت من جرائه فتنة عظيمة في بغداد (2).)### ب. حادثة أهل باب البصرة و زيارة العتبات)في العهد البويهي نشطت حركة زيارة المراقد والعتبات المقدسة من قبل الزوّار الإيرانيين وبأعداد كبيرة. وكان قدومهم إلى كربلاء عن طريق بغداد.وفي سنة 422ه- / 1031م كان عدد كبير من زائري العتبات المقدسة القادمين من مدينة (قم الإيرانية متوجهين من بغداد لزيارة مرقد الإمام الحسين والإمام علي)
1) ليلة الخامس عشر من شعبان ليلة مقدسة يحييها جميع المسلمين بمختلف مذاهبهم وطوائفهم، وجاء في أهميتها وقدسيتها أحاديث كثيرة وأخبار متناقلة عديدة، ومن المسلمين من يصوم يومها لكسب الثواب. وليلة النصف من شعبان ترافقت في حدثين مهمين، أولهما نزول قرآن على النبي الكريم بتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ) نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها )) وأصبحت مكة وتحديداً الكعبة قبلة للمسلمين. والحدث الثاني وهو الحدث الذي يحتفل به الشيعة وهو ولادة الإمام المهدي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) المنتظر وهو الإمام الثاني عشر من أئمة اهل البيت عليهم السلام. ويتم إحياء هذه الليلة في كربلاء من كل عام وتتوافد جموع المؤمنين لزيارة قبر الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وهي من المناسبات الكبيرة جدا ومن الزيارات المهمة وهي زيارة فرح والبعض يسميها (المحية).)ومن خلال وقائع التاريخ فإن كربلاء شهدت أحداث كبيرة ومهمة كانت تقع في هذه الليلة عبر التاريخ وسيتم التطرق إليها في بحثنا هذا عن كربلاء وذكر الأحداث التي وقعت في هذه الليلة في كربلاء حسب التسلسل الزمني لسرد الوقائع وما أكثرها، وقد يستغرب البعض عن كثرة هذه الأحداث التي إختصت بهذه الليلة دون غيرها وقد يكون السبب كثرة التجمعات التي تتم فيها ليستعلم أكثر المؤمنين مبتغى الحدث واهميته.
2) راجع التفصيل في المنتظم لابن الجوزي ، ج 7، ص 237 وص 238 .
عليهما السلام، فإعترضتهم جماعة من أهل باب البصرة(1في بغداد بغرض منعهم من التوجه لزيارة المشاهد المقدسة، فقتل بعض الزوّار وجُرِحَ آخرون ومع ذلك فقد وصلوا إلى كربلاء وزاروا المرقد الشريف.)ذكر ابن الجوزي في المنتظم عن احداث سنة 422 ه- ما نصّه:«وفي أول ذي الحجة جرت فتنة وقتال شديد على القنطرتين العتيقة والجديدة وإعترض أهل باب البصرة قوماً من القميين لزيارة المشهدين بالكوفة والحائر وقتلوا منهم ثلاثة نفر وجرحوا آخرین وامتنعت زيارة المشهد بمقابر قريش يومئذٍ »(2.)وأن الوفود الإيرانية عادت الكرّة مرة ثانية سنة 442ه- / 1051م وصادفهم هذه المرّة خروج أهل بغداد من كلا الطائفتين السنيّة والشيعية قاصدةً زيارة قبر الحسين في كربلاء. فخرجوا جميعاً قاصدين كربلاء ووزعوا الأموال والدراهم على الفقراءالساكنين بجوار قبر الحسين.كانت في ذلك الوقت فتنة متفاقمة بين السنة والشيعة في بغداد، وجرت حوادث جسام فيما بينهم خاصة في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، وكانوا يصطلحون ويعاودون ،الخلاف، وإستمر الحال لسنوات عديدة.وعلى ذلك ذكر ابن كثير في البداية والنهاية عند سرده حوادث سنة 442ه- ما نصّه:« وفيها إصطلح الروافض (يعني الشيعة والسنة ببغداد، وذهبوا كلّهم لزيارة مشهد علي ومشهد الحسين، وترضّوا في الكرخ على الصحابة، وترحموا عليهم، وهذا جيب جدًا، إلّا أن يكون من باب التقيّة... »(3).)
وذكر ابن الجوزي أيضاً في حوادث سنة 442 ه- ما نصّه: «... فصار أهل الكرخ إلى باب نهر القلائين فصلّوا فيه وأذنوا في المشهد حي على خير العمل وأهل القلائين بالعتيقة والمسجد بالبزازين بالصلاة خير من النوم وإختلطوا وإصطلحوا وخرجوا إلى زيارة المشهدين مشهد علي والحسين وأظهروا بالكرخ الترحم على الصحابة... »(1.)كما جاء في المنتظم في حوادث سنة 442 ه- ما نصّه : «وإستهل ذو الحجة فعمل الناس على الخروج لزيارة المشهدين بالحائر والكوفة فبدأ أهل القلائين بعمل طرد أسود عليه اسم الخليفة ونصبوه على بابهم، وأخرج أهل نهر الدجاج والكرخ مناجيق ملونة مذهبات وإختلط الفريقان من السنة والشيعة وساروا إلى الجامع بالمدينة فلقيهم مناجيق باب الشام وشارع دار الرقيق ثم عادوا والعلامات بين أيديهم تقدمها العلامة السوداء والبوقات تضرب فجازوا بصيفية الكرخ فنثر عليهم أهل الموضعين دراهم، وخرج إلى الزيارة من الأتراك وأهل السنة من لم تجر له عادة بها»(2.)ويحدثنا التاريخ عن موضوع زيارة المراقد المقدسة وخاصة في كربلاء، بأن هناك مشاكل طالما كانت تحدث في طريق الزائرين.ومن هذه المشاكل هي عدم تأمين الطرق السالكة إلى مدن المراقد، فالكثير من الزائرين كانوا يتعرضون إلى مضايقات ومخاطر عديدة كان أغلبها من قطّاع الطرق الذين يبتزّون الزوار وأخذ أتاوات منهم أو سرقة أمتعتهم.وهذه الحوادث ليست لها علاقة بالمذهبية أو الطائفية وإنما ضعف الدولة وعدم سيطرتها على الطرق والمسالك، كما أن تعدد الإمارات التي تأسست وهي تحكم خارج نطاق السلطة وتعطي إلى الدولة مبالغ لتتركها وشأنها بسبب إنشغال الحكام في نزاعاتهم الدائمة على السلطة والحكم في المركز (بغداد. أما موضوع الخلاف المذهبي فإن وُجد في تلك الأزمنة فكان تأثيره يتعلق بالأوضاع السياسية أكثر من إنشداده للخلاف المذهبي.)
### السيد صفي الدين محمد يتولىنقابة الأشراف في الحائربعد السيد أبي منصور الحسن تولى نقابة الأشراف في الحائر الحسيني السيد صفي الدين محمد بن علي بن ترجم بن علي بن المفضل بن أحمد بن أبي عبد الله الحسين النعجة بن أبي جعفر محمد بن عبيد الله (الثالث بن علي (المحدث) بن عبيدالله (الثاني) بن أبي الحسن علي الصالح بن عبيدالله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام علي زين العابدين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). كان نقيباً في الحائر في منتصف القرن الخامس الهجري.)وعندما توفي السيد صفي الدين تولى النقابة بعده ولده السيد جلال الدين أحمد، وقد ذكره السيد جعفر الأعرجي في مناهل الضرب(1.)### كربلاء في العهد العباسي الرابعابتداء العهد العباسي الرابع كان في السنة التي إنتهت فيها خلافة القائم بأمر الله العباسي وهو عام 467 ه- / 1075م. وينتهي في عام 575ه- / 1180م.وفي هذا العهد وقع العراق بأكمله تحت سيطرة السلاجقة الذين إستفحل أمرهم بعد أن إستنجد بهم القائم بأمر الله ليتخلص من سيطرة البويهيين، وبعد عشرين سنة من دخولهم بغداد وبعد وفاة الخليفة القائم بأمر الله فقد توطدت سلطة طغرل بك زعيم السلاجقة حتى صار يُخطب له على المنابر، وأصبح الخليفة العباسي في بغداد لا يملك شيئًا من أمور الحكم غير الاسم وكانت السلطة الفعلية بيد السلاجقة. وقام في هذا العهد سبعة من الخلفاء العباسيين.### كربلاء أيام الحكم السلجوقيبدأ الحكم الفعلي للسلاجقة في عام 467 ه- / 1075م، واستغرق مائة وثماني سنوات.
1) مناهل الضرب في أنساب العرب: السيد جعفر الأعرجي، ص 514.
كان البويهيون من الفرس، بينما السلاجقة فهم من الأمة التركية ... هنا يتضح منذ القدم استمرار الصراع القومي الذي كان بين الفرس والأتراك، وأطماعهما في السيطرة والنفوذ. في حين كانت دولة الخلافة العباسية تسير نحو التدهور. وطالما كان الفرس يشعرون بأنهم كانوا إمبراطورية عظمى في زمن ما، فإن أطماع الفرس كانت مفتوحة نحو ما جاورهم من أراض ، وكان العراق العربي محط الأنظار بالدرجة الأولى. ولضعف الخلافة العباسية، وتدخل الأجانب في شؤونها، كان ذلك سبب للصراعات وعوامل السيطرة على الحكم بشتى الوسائل نتيجة الأطماع.كان الحكم في فترة السلاجقة يمثله (السلطان السلجوقي، الذي إستنجد به الخليفة العباسي على البويهيين... فالسلاجقة قاموا بنفس الدور الذي قام به البويهيون، فتعاقب السلاطين السلاجقة بالسيطرة على العراق، وصار يخطب لهم على المنابر.)إستمر ذلك إلى أن انتهت سيطرة السلاجقة على العراق عام 575ه- / 1180م، عندما أراد الخليفة العباسي (الناصر لدين الله أن يعزز شؤون الخلافة وأن يسترجع السلطة من يد السلاجقة. فقام بخطأ آخر، ولم يَعْتبر من أخطاء الخلفاء الذين سبقوه ... فكتب إلى (جنكيز خان أمير المغول يستنجده على السلاجقة. فما كان من عاهل المغول إلّا أن إكتسح ما كان في حوزة (خوارزم شاه السلجوقي) من الأماكن والبقاع، وأخذ يتطلع إلى ما في يد الخليفة العباسي من البلاد...! ولكن الأقدار لم تحقق في عهده ما أراد، وإنما حققتها لحفيده ( هولاكو خان). ولابد أن يكون لعهد السلاجقة تأثير على كربلاء، باعتبارها جزءاً من العراق. وهنا سنذكر ما كان لكربلاء في عهدهم.)### الحالة العامة في كربلاءإختلف السلاجقة عن البويهيين في الإهتمام بمدن العتبات المقدسة ومنها كربلاء، فلم يُبْدِ السلاجقة أي إهتمام يُذكر بمدينة كربلاء، فكان جُلَّ إهتمامهم هو السيطرة
على مجريات أمور الحكم في بغداد والسيطرة على الخلفاء العباسيين الذين لم يكن لهم غير الاسم، ومن ناحية أخرى فإن العامل المذهبي كان له تأثير واضح في هذا الأمر بالرغم من زيارة بعض سلاطينهم ووزرائهم لكربلاء.ولكن الحالة العامة في كربلاء كانت هادئة وطبيعية عدا ماحصل إثناء غارة خفاجة عليها، وقد دافع عنها المزيديون الأسديون أمراء الحلة وليس السلاجقة أو الحكومة المركزية في بغداد.كانت كربلاء في أيامهم تخضع في أوقات كثيرة إلى الإمارة المزيدية في الحلة والقريبة جدًا منها. كما لم ينقل لنا التاريخ أي عمران أو تطور قد حصل في المدينة من قبل السلاجقة غير ما إعتاد السكان عليه وكانت الزيارة مستمرة للمراقد فيها ولم يحصل أي أمر يعكر على الوافدين أمنهم.### مرقد الحسين أيام السلاجقةكانت آخر عمارة شُيّدت على قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ هي العمارة التي أمر بها سلطان الدولة البويهي، بعد الحريق الذي شبّ في الروضة الحسينية عام 407ه-، حيث أرسل وزيره أبا محمد الحسن بن الفضل بن سهلان الرامهرمزي الذي قام بإعادة بناء القبة والأروقة وبقية مرافق الحرم الشريف بأفضل مما كان عليه، وإنتهى العمل سنة 412ه-.)ففي فترة السلاجقة لم يُشِر أحد إلى أي بناء أو تجديد على المشهد الّا ما أمر به السلطان السلجوقي ملكشاه (ملك شاه بإعمار سور الحائر فقط عندما زار كربلاء عام 479ه- / 1086م.)وبقيت العمارة التي شيدها ابن سهلان الرامهرمزي قائمة في القرن الخامس إلى الربع الأول من القرن السابع الهجري، فقد أجريت عليها بعض التعميرات أيام الخليفة العباسي الناصر لدين الله سنة 620ه- / 1223م.
### زيارة السلطان ملكشاه السلجوقي لكربلاءالسلطان ملكشاه (ملك شاه السلجوقي هو أبو الفتح جلال الدولة بن أبي شجاع محمد ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق. ولد سنة 448ه- / 1056م وتولّى السلطة مابين سنة 464ه- / 1072م إلى سنة 485ه-/ 1092 ام وهو السلطان الثالث للدولة السلجوقية الذين حكموا بغداد.ففي سنة 479 ه- / 1086م وصل السلطان ملکشاه بغداد، وكان ينوب عن السلاجقة فيها الوزير نظام الملك (1. وإستقبله الوزير خارج بغداد بعد أن ضرب له سرادقًا للإستراحة. بعد إستراحة السلطان ملکشاه توجه مباشرة إلى زيارة العتبات المقدسة في بغداد، وتوجه بعدها إلى كربلاء لزيارة قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يرافقه الوزير نظام الملك وحاشية كبيرة.)يقول ابن الجوزي في المنتظم: «وركب السلطان إلى مشهد أبي حنيفة فزاره وعبر إلى قبر معروف وقبر موسى بن جعفر والعوام بين يديه، وإنحدر إلى سلمان فزاره وأبصر إلى إيوان كسرى وزار مشهد الحسين عليه السلام وأمر بعمارة سوره ويمم إلى مشهد علي عليه السلام فأطلق لمن فيه ثلثمائة دينار، وتقدم باستخراج نهر من الفرات يطرح الماء إلى النجف فبدئ فيه وعمل له الطاهر نقيب العلويين المقيم هناك سماطًا كبيرًا » (2.)توفي ملكشاه سنة 485ه- / 1092م، ومَلَك بغداد زهاء 19 سنة ويقال بأنه كان كثير الخير وأسقط رسم المكس وخفّض الضرائب، وخطب له على المنابر.
1) نظام الملك هو الحسن بن علي بن إسحق، وكان يلقب بأبي علي الطوسي ... إستوزره السلطان أبي شجاع محمد ألب أرسلان السلجوقي وبقي في وزارته حيث أثبته عليها ملكشاه بن ألب أرسلان، وكانت مدة وزارته 29 سنة ولد سنة 408 ه- ومات مقتولا سنة 485ه- . إشتغل بالعلم والفقه وسمع وهو الذي بنى المدارس النظامية ببغداد ونيسابور وغيرهما.
2) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ابن الجوزي ج 9، ص 29 وص 30.
### ابن الهبّارية وإجتيازه بكربلاءابن الهبّارية شاعر عربي مشهور من شعراء العصر العباسي في القرن الخامس الهجري، وهو نظام الدين أبو يعلى محمد بن محمد بن حمزة بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن العباس، العباسي الهاشمي، وقيل هو محمد بن محمد بن صالح الهاشمي العباسي البغدادي.وجاء في أعيان الشيعة للسيد الأمين أنه أبو يعلى نظام الدین محمد بن محمد بن صالح بن حمزة بن عيسى الهاشمي. عُرف بابن الهبارية نسبة إلى جده لأمه (هبّار. ولد سنة 414ه-/ 1023م وتوفى سنة 509ه- / 1115م.)كان من شعراء بغداد الفحول لازم خدمة وزير السلاجقة نظام الملك وإتصل بغيره من الرؤساء. يقول عنه المؤرخون بأن شعره كان في غاية الرقة ولكنه يغلب عليه الهزل والهجاء إلّا إذا نظم في الجد والحكمة أتى بالعجب.نظم حكايات (كليلة ودمنة شعراً في كتاب أسماه الفطنة في نظم كليلة ودمنة). وله كتاب (الصادح والباغم) وهو على اسلوب كليلة ودمنة) نظمه للأمير سيف الدولة صدقة بن دبيس صاحب الحلة.)في سَفَر له إجتاز بكربلاء وترجل لزيارة مشهد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، فجلس يبكي على الحسين وأهله وما أصابه في تلك الواقعة الأليمة يوم الطف في العاشر من المحرم فأنشد يقول وهو يجهش بالبكاء:)أحسين والمبعوث جدك بالهدى قسما يكون الحق عنه مسائلي لو كنت شاهد كربلا لبذلت في تنفيس كربك جهد بذل الباذلوسقيت حد السيف من أعدائكمجللاً وحد السمهري الذابل لكنني أخّرت عنك لشقوتي ***فبلابلي بين الغري وبابل هبني حرمت النصر من أعدائكم فأقل من حزن ودمع سائل
جاء في تذكرة خواص الأمة لسبط بن الجوزي ما يلي: وأنشدنا أبو عبد الله محمد ابن البنديجي البغدادي قال: أنشدنا بعض مشايخنا أن ابن الهبارية الشاعر إجتاز بكربلا فجلس يبكي على الحسين وأهله وقال بديها : أحسين والمبعوث جدك بالهدى... الأبيات ثم نام مكانه فرأى النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ في المنام، فقال له: يا فلان جزاك الله عنا خيرًا، أبشر فإن الله قد كتبك ممن جاهد بين يدي الحسين (1).)### غارة خفاجة على كربلاءعلى الرغم من العديد من الحوادث المتنوعة التي شهدتها كربلاء بعد غارة ضبّة الأسدي سنة 369ه- ، ولكن لم تشهد أي غارة إلى أن جاء عام 489ه-، فقد شهدت المدينة إحدى النكبات القاسية عليها عندما أغارت عليها قبيلة خفاجة.ذكرنا سابقا إن خفاجة من القبائل العربية التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية وإستوطنت أراضي العراق قرب أهواره الجنوبية في الفرات الأسفل وإنتشرت كذلك في الفرات الأوسط بادئ أمرها وأسست لها إمارات ودويلات.)ففي سنة 489ه- / 1096م أغارت خفاجة على إمارة الحلة (إمارة المزيديين، وكان أمير الحلة حينها هو سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس (2)، فتهيأ لهم سيف الدولة وأعد جيشًا بقيادة ابن عمه قريش بن بدران قائد جيش المزيدية في الحلة. وبعد قتال مرير في ضواحي الحلة، فقد تمكنت خفاجة من أسر قائد جيش المزيديين قریش بن بدران و هزمت جيشه ولكنها لم تدخل الحلة، وتم أطلق سراحه فيما بعد.)
1) تذكرة خواص الأمة ابن الجوزي، ص 154 .
2) سيف الدولة صدقة : تولى إمارة الحلة في سنة 479 ه-، ودامت إمارته عليها 22 سنة، عمّر خلالها محلة الجامعين في الحلة، وكانت هذه المحلة هي مشروع تمصير الحلة وجعلها مدينة وذلك سنة 495ه-، وخطب له على المنابر في بغداد. قتل سنة 501 ه- ونقل جثمانه إلى كربلاء حيث دفن في حرم الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ).
بعد أن إنتصرت خفاجة في معركتها مع المزيدية طمعت بالإغارة على كربلاء، وكان لها ذلك. فقد أغارت خفاجة بغتة على مدينة كربلاء في ربيع الأول من سنة 489ه- ، ووضعوا السيف على رقاب أهلها وقتلوا الكثير من سكانها الآمنين وسلبوا الناس أموالهم وعاثوا فيها فسادًا، وتمركزوا في حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ. وبقيت المدينة أياماً تعيش حالة من الرعب والخوف الشديد على الأرواح والأموال والممتلكات.)فعلم سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس الأسدي بذلك فغضب غضباًشديدًا (1فجهز جيشا كبيرًا قاده بنفسه وتوجه إلى كربلاء ودخلها.)فتراجعت خفاجة إلى داخل الحرم الحسيني فحاصرهم سيف الدولة فيه وأغلق أبواب الحرم عليهم وقتل منهم خلقا كثيراً، وقاتلهم عند الضريح المقدس أيضاً ولم یسلم منهم أحد.وجاء في الكامل في التاريخ عند ذكر عام 489ه- ما نصّه:«وفيه أن خفاجة قصدوا مشهد الإمام الحسين عليه السلام فتظاهروا فيه بالفساد والمنكر فوجّه إليهم صدقة جيشاً وقتل منهم قتلاً كثيرًا في المشهد حتى عند الضريح وألقى رجلًا منهم نفسه وهو على فرسه من على السور فَسَلمَ هو والفرس »(2.)أمّا ابن الجوزي فذكر في المنتظم عن حوادث سنة 489ه- ما نصّه: «... أنه في ربيع الأول كثر العبث من بني خفاجة وأتوا إلى المسجد بالحائر فتظاهروا فيه بالمنكر، فوجه إليهم سيف الدولة عسكراً فكبسوهم في المشهد وأخذوا عليهم أبوابه وقتل منهم خلق عند الضريح ومن أعجب العجائب أن أحدهم ركب فرسه وصعد إلى سور المشهد وألقى نفسه وفرسه فنجوا جميعاً »(3.)
وبعد القضاء عليهم أعاد سيف الدولة الأمن والطمأنينة إلى كربلاء وأهلها، وكرَّ راجعاً إلى الحلة بعد أن أمر بتعويض خسائر أهل الحائر من خزانته الخاصة.وقد أرّخ المرحوم الشيخ محمد السماوي هذه الحادثة بإرجوزته الشهيرة حيثقال:والحادث الخامس ما أهاجه*** بنهب كربلاء بنو خفاجه وَذاكَ أنهم أتوا من غزوِ وإستطرقوا الطف بفرط زَهْوِ فنهبوا سکانه وفتكوا وأخفروا ذمامه وانتهكوا فكبس الطف عليهم صدقه وكلم السيف بهم وصدقة كما سمعته بمعجزاتِ له فأرخه : أباد عاتي (1)و ( أباد عاتي في قوله يعادل عدد الحروف التي تنتج رقم 489 ، وهو ذاته رقم السنة التي حدثت فيها الغارة.)### وفاة العلامة محمد بن علي بن الحمزة في كربلاءكان العلّامة محمد بن علي بن حمزة الطوسي (2المكنّى بأبي الحمزة من أعلام الإمامية في القرن الخامس الهجري. كان يسكن كربلاء وله مكانة علمية ودينية مرموقة، وله عدة تصانيف منها (الوسيلة) و (المثاقب والمناقب)، توفي في الربع من القرن الخامس الهجري، وبعض من أرباب السير يؤكد أن وفاته كانت)
1) مجالي اللطف بأرض الطف، ص 437 ، من طبعة العتبة العباسية المقدسة.
2) يعتقد البعض ان قبر ابن الحمزة الذي يقع في باب طويريج حالياً ، أو يتبع لمحلة باب الخان هو قبر لابن أبي الفضل العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) أو أحد أحفاده ، وهو ليس بصحيح، وإنما أراد القائمون عليه نشر ذلك للمصلحة المادية والحصول على النذور مدعين أنه ابن العباس قمر بني هاشم أو حفيده. ورفع البعض لوحة على ضريحه ينسبه للعباس كما حدث في موضع قبر عون بن عبد الله الذين بثوا أنه ابن الحوراء زينب، وقد فاتحنا وزارة الأوقاف سنة 1996م بمصادر موثوقة عن المرقدين، وعُدّلت التسميات.
سنة 490ه-/ 1094م، ودفن في وادي أيمن وقبره الآن مزار يعرف ب- (ابن الحمزة في منطقة باب طويريج، وموقع قبره كان في منطقة أو وادي لدفن الموتى خارج أسوار مدينة كربلاء القديمة.)### مقتل صدقة الأسدى ونقل جثمانه إلى كربلاءكانت كربلاء تخضع إلى الإمارة المزيدية الأسدية في زمن سيطرة السلاجقة على العراق في العهد العباسي الرابع. ومنذ أواخر حكم البويهيين عندما كان البساسيري وزيرهم في بغداد والذي كان على علاقة وصلة وثيقة بالإمارة المزيدية، وقد إتفق معهم على الخطبة للخلفاء الفاطميين في مصر، مما أحدث ذلك شرخاً في علاقة المزيديين بالخلافة العباسي.بقيت مناطق الفرات الأوسط عصية على الخلافة العباسية وخاصة في زمن القائم بأمر الله الذي أراد أن يتخلص من البويهيين ومن وزيرهم البساسيري الذي أحدث هذه الفتنة. وحتى عندما إستنجد القائم بأمر الله بالسلاجقة الذين قضوا على حكم البويهيين، وسيطرتهم على الحكم كليًّا بعده وذلك سنة 467ه-/ 1075م، لم يتمكن السلاجقة من القضاء على الإمارة المزيدية في الحلة التي كانت تتعاظم ويقوى نفوذها في المناطق التي تسيطر عليها.وتحسنت علاقة الإمارة المزيدية مع السلاجقة والخليفة العباسي وخاصة في أيام سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس، الذي إتصف بالكرم والعفّة وعدم إتيان الفواحش وكانت داره ببغداد حرم الخائفين.وحدث أن خرج (سرخاب الديلمي الحاجب عن طاعة السلطان السلجوقي أبو شجاع محمد بن ملكشاه، وإلتجأ إلى الأمير سيف الدولة صدقة. وطلبه السلطان منه فلم يسلمه إيّاه، فجهّز جيشاً وتوجه لمحاربة صدقة. وكانت الحرب بينهما في شهر رجب من سنة 501 ه- / 1108م ، وقد إصطفت مع صدقة قبيلتا خفاجة وعبادة،)
وكان الأتراك في جيش السلطان من الكثرة فقد أصيب صدقة بسهم في ظهره وأدركه أحد أتباع الأتراك ويقال أن اسمه (برغش فقتله وحزّ رأسه وإنهزم أصحابه (1). بعد المعركة حُمل جثمان صدقة ونقل إلى كربلاء، ودفن في مشهد الحسين عليه السلام. وقد دامت إمارته إثنتين وعشرين سنة غير أيّام (2). وبعد دفنه في حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) زاد إهتمام المزيديين بالمشهد الحسيني وبمدينة كربلاء ذاتها.)### دبيس بن صدقة وكسره المنبرومنعه صلاة الجمعةسنة 513 ه- / 1110م زار كربلاء الأمير دبيس بن صدقة بن منصور المزيدي الأسدی أمير الحلة الذي ولي الإمارة بعد مقتل والده سنة 501ه-، وحكم الحلة 27 سنة إلى أن قُتِل سنة 529ه- / 1135م.وعن بدايات الإمارة المزيدية إلى أن وصلت إلى الأمير دبيس نبيّن بأن الأمير دبيس هو ابن الأمير صدقة بن منصور بن أبي الأعز دبيس بن أبي الأغر مزيد الأسدي.ذكر ابن الجوزي في المنتظم ج 9 ص 235 :« أن أول من نبغ من بيته (أي بيت دبيس بن صدقة مزيد فجعل إليه أبو محمد المهلبي وزير معز الدولة أبي الحسين بن بويه حماية سورا وسوادها، فوقع الإختلاف بين بني بويه، وكان يحمي تارة ويغير أخرى وبعث به فخر الملك أبو غالب إلى بني خفاجة سنة القرعاء فأخذ الثأر منهم ومات، فقام مقامه ابنه أبو الأعز دبيس وكان عائنًا (أي يصيب بالعين) قلّ أن يعجب بشيء الا هلك حتى إنه نظر إلى ابنه بدران فإستحسنه فمات. وكان يبغض ابن ابنه صدقة وهو أبو دبيس هذا فعوتب في هذا فقال رأيت في المنام كأنه قد بلغ أعنان السماء وفي يده فأس وهو يقلع الكواكب ويرمي بها إلى الأرض ووقع بعدها ولاشك انه يبلغ)
المنزلة الزائدة وينفق في الفتن ويهلك اهل بيته وتوفي أبو الأعز وخلف ثمانين ألف دينار فولى مكانه ابنه منصور ثم مات فولى ابنه صدقة فأقام بخدمة السلطان ملك شاه ويؤدى إليه المال ويقصد بابه كل قليل فلما قتل النظام (نظام الملك وزير السلطان إستفحل أمره وأظهر الخلاف وعلم أن حلته لا تدفع عنه فبنى على تل بالبطيحة وعوّل على قصده أن دهمه عدو أو أمّه وأن يفتح البثوق ويعتصم بالمياه وأخذ على ابن أبي الخير موثقاً على معاضدته ثم إبتاع من عربه مكانًا هو على أيام من الكوفة فانفق عليه أربعين ألف دينار وهو منزل يتعذر السلوك إليه، وعمّر الحلة وجعل عليها سورا وخندقا وأنشأ بساتين وصار الناس يستجيرون به، فأعطاه المستظهر دار عفيف بدرب فيروز فغرم عليها بضعة عشر ألف دينار وتقدم الخليفة بمخاطبته بملك العرب.)وكان قد عصى السلطان بركياروق وخطب لمحمد فلما ولى محمد صار له بذلك جاه عند محمد وقرر مع أخيه بركياروق ان لا يعرض لصدقة وأقطعه الخليفة الأنبار ودمما (قرية على الفرات والفلوجة وخلع عليه خلع لا تخلع على أمير قبله، فأعطاه السلطان واسط وإذن له في أخذ البصرة وصار يدل على السلطان الإدلال الذي لا يحتمله وإذا وقع إليه رد التوقيع أو طال مقام الرسول على مواعيد لا ينجزها وأوحش أصحاب السلطان أيضاً وعادى البرسقي وكان يظهر بالحلة من سب الصحابة...وقصد العميد ثقة الملوك باب السلطان وقال ان حال بن مزيد قد عظمت وقد قلت فكرته في أصحابك وإستبد بالأموال وأهمل الحقوق ولو نفذت بعض أصحابك ملكته ووصلت إلى أموال كثيرة عظيمة وطهرت الأرض من أدناسه فإنه لا يسمع ببلده إذان ولا قرآن وهذه المحاضر بإعتقاده والفتاوى بما يجب عليه وهذا سرخاب قد لجأ إليه وهو على رأيه في بدعته... وان الخليفة بعث إلى صدقة ليصلح مابينه وبين السلطان فأذعن ثم بداله وقد ذكرنا مقتله (مقتل صدقة ثم نشأ له دبیس هذا ففعل القبائح وألقى الناس منه فنون الأذى وبشؤمه بطل الحج في هذه السنة... ونفذ المسترشد إليه يحذره من إراقة الدماء ويأمره بالإقتصار على ماكان لجده من البلاد)
ويشعره بخروجه إليه إن لم يكف فزاد في طغيانه... »(1. وقد قتل دبيس بن صدقة سنة 529ه- .)الأمير دبيس كان وزيراً في بغداد أيضاً. وحدثت بينه وبين الخليفة المسترشد بالله مشاكل وأحداث كان دبيس فيها يناور بين السلطان السلجوقي وبين الخليفة المسترشد كان الأمير العباسي أبو الحسن بن المستظهر في الحلة مقيما في الإمارة المزيدية وهو على خلاف مع أخيه الخليفة المسترشد، فإنفصل عن الحلة ومضى إلى واسط ودعا إلى نفسه وإجتمع معه الرجالة والفرسان بالعدة والسلاح وملك واسط وسوادها.فإنتدب الخليفة الأمير دبيس لملاحقة الأمير أبي الحسن والقبض عليه، فإستجاب دبيس لأمر الخليفة وعندما علم أبو الحسن بالأمر هرب من واسط وتمكن دبيس من القبض عليه في البريه بعد أن تاه فيها وأخذه العطش وبعث به إلى المسترشد بعد أن كاتب الخليفة بعدم إيذائه وأن يراه متى شاء.علم دبيس فيما بعد بأن أبا الحسن في حالة صعبة بسجنه وطلب من الخليفة إخراجه فإمتنع المسترشد فندم دبيس على تسليمه (2. وكانت هذه بداية الجفوة بين دبيس والمسترشد، بالإضافة إلى أن المسترشد أراد تحجيم دبيس لإزدياد نفوذه وتجاوزه وقد يكون لتشيعه وميله للعلويين.)عندما وصل دبيس إلى كربلاء سنة 513ه- / 1110م ذهب إلى زيارة مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، ودخل إلى الحائر باكيًا حافيًا متضرعًا إلى الله أن يَمُنَّ عليه بالتوفيق والنصر على أعدائه. ولما فرغ من مراسيم الزيارة أمر بكسر المنبر في الروضة، وبعد كسره المنبر أمر بعدم إقامة صلاة الجمعة في الحائر الحسيني ولا يخطب في الحائر أحد)
من قبل العباسيين وبعد ما قام به في الحائر توجه إلى النجف وقصد مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ وعمل مثل ماعمل في كربلاء.)وجاء في المنتظم مانصّه :«وورد الخبر بأن دبيس بن مزيد كسر المنبر الذي في مشهد علي عليه السلام والذي في مشهد الحسين وقال لا تقام هاهنا جمعة ولا يخطب لأحد»(1.)### الخليفة المسترشد العباسيوخزانة الحرم الحسينيذكرت بعض المصادر التي كتبت عن كربلاء وعن مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ بأنه في سنة 526ه-/ 1132م، ومنهم ذكر في سنة 528ه-/ 1134م قام الخليفة العباسي المسترشد بالله (2)بنهب خزانة الروضة الحسينية المقدسة.)
1) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ابن الجوزي، ج 9، ص207.
2) المسترشد العباسي هو أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله بن المقتدي بالله، ولد سنة 485 ه- وبويع له بالخلافة عند موت أبيه سنة 512ه-. وذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء، ص 327 : (( وكان ذا همة عالية، وشهامة زائدة، وإقدام ورأي، وهيبة شديدة، ضبط أمور الخلافة ، ورتبها أحسن ترتيب، وأحيا الخلافة ونشر عظامها، وشيد أركان الشريعة وطرز أكمامها، وباشر الحروب بنفسه، وخرج عدة نوب إلى الحلة والموصل وطريق خراسان إلى أن خرج النوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان وأخذ أسيراً إلى أذربيجان... ولم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق وإنكسر وأُخذ ورزق الشهادة ».)وكانت حربه الأخيرة مع مسعود السلجوقي الذي أسره فأرسل سنجر (عم مسعود إلى ابن أخيه بان يعيد الخليفة إلى مقر عزّه ففعل مسعود ما أمره به عمّه وقبل الأرض بين يدي الخليفة ووقف يسأل العفو . ثم ارسل سنجر رسولاً آخر ومعه عسكر يستحث مسعودا على إعادة الخليفة إلى مقر عزّه، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية، فذكر أن مسعود لم يعلم بهم ، وقيل بل علم بهم وقيل بل هو الذي دسهم فهجموا على الخليفة في خيمته، وفتكوا به وقتلوا معه جماعة من أصحابه، فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم، فاخذوا القتلة وقتلوهم. وجلس السلطان مسعود للعزاء وأظهر الحزن. وكان قتل المسترشد ب- (مراغة) وهي بلدة قرب بحيرة أرومية في أذربيجان الإيرانية، في يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة سنة 529ه-.
فقد جاء في كتاب تاريخ كربلاء وحائر الحسين ما نصّه:«إنتهت مدة من الزمن سياسة الهدم والتخريب والمخر والحرق لقبر الحسين عليه السلام بالمعاول والماء والنار بانقضاء العصر العباسي الثالث في أواسط القرن الخامس من الهجرة... وبدأت تطبق بحقه سياسة جديدة أقل وطأة من تلك الأخرى ولكنها رامية في الحقيقة والواقع إلى نفس الغاية للتقليل من شأن هذه العتبة المقدسة عن طريق نهب أموال الحائر، وسلب خزانته و موقوفاته ولتجريده من آثار الجلال والعظمة المتمثلة في مفروشاته وستائره الثمينة، وقناديله وأسرجته الذهبية ،المرصعة وخزانته المملوءة بالآثار والتحف النفيسة القيمة في هذا الوقت.وقد سار المسترشد بالله ابن المستظهر العباسي على هذه السياسة الجديدة تجاه الحائر في الربع الأول من القرن السادس من الهجرة. ومما رواه المجلسي في (البحار بهذا الصدد نقلا عن (المناقب) لابن شهراشوب أنه : (أخذ المسترشد من مال الحائر وكربلاء وقال: أن القبر لا يحتاج إلى خزانة وأنفق على العسكر. فلمّا خرج قُتل هو)وابنه الراشد (1).)وفي خلافة المسترشد ضاقت الأرض على رحبها على الشيعة (2لما أخبر المسترشد بجمع ما إجتمع في خزانة القبر من الأموال والمجوهرات فأنفق على جيوشه قائلاً
1) الحقيقة أن الراشد بن المسترشد لم يُقتل مع أبيه وإنما إستلم الخلافة بعده ، وبعد سنة من توليته إتهمه مسعود السلجوقي بالفسق وشرب الخمر وتم خلعه وهرب بعدها ومرض في إصفهان وتم قتله غدراً.
2) لم يذكر أحد من المؤرخين أن الشيعة في ذلك الوقت كانوا يعيشون محنة شديدة، ولم تمنع زيارة العتبات وكان الهدوء يسود الأجواء خلا ما كان يحصل من نزاع على السلطة والحكم بين الخليفة والسلطان السلجوقي وبعض الأمراء وخاصة المزيديين.)ونعتقد بأن ما نقله الدكتور الكليدار عن المحنة الشديدة للشيعة في زمان المسترشد هو ما يخص الإمارة المزيدية التي كانت تتشيع وتميل للعلويين، فإن من أسباب الصراع بين المزيديين في الحلة من جانب والخليفة المسترشد من جانب آخر هو ما كان يحدث في إمارتهم ومن اتباعهم من سب الصحابة ومنع الخطبة للخليفة وغيرها من الأمور التي كانت من أسباب الخلاف بينهما، والمصادر الوثيقة كانت تؤكد بأن المزيديين هم ليسوا بطلاب شريعة ودين وإنما كانوا طلاب سلطة ونفوذ وسيطرة وإغارة ونهب وسلب أموال واستيلاء على الأراضي، وكانوا دائماً مع الحاكم أي كان بمجرد أن تكون الأمور بيده وهم يحافظون على مزاياهم التي بيدهم من أرض ومال ونفوذ.
إن القبر لا يحتاج إلى خزينة، إلّا إنه لم يتعرض للبناء بسوء ء (1. وقد كان المسترشد في هذا الوقت يستعد بتجهيز الجيوش وجمع العساكر لأنه كان قد إشتبك في أواخر داخلية أثيرت عليه بمدة يسيرة من بعد وفاة السلطان محمود في)عهده بحروب سنة 525ه-(2.)فكان بحاجة شديدة إلى المال، فتطاول على الحائر المقدس وصادر أمواله فإستعملها في سبيل توطيد دعائم ملكه في تلك الحروب التي أثارها عليه مسعود أخو سلجوقشاه في أواخر سنة 526ه- . وقد نشبت معركة حامية بينهما دارت فيها الدائرة على المسترشد نفسه، ووقع أسيرًا في قبضة خصمه. وبينما كان في خيمته إذ هجمت عليه جماعة من الباطنية وفتكوا به فذاق كاس المنون بعد أن صادر أموال الحائر المقدس ونهب خزائنه كما جاء في الرواية المتقدمة »(3.)أمّا مؤلف كتاب مدينة الحسين فذكر ما نصّه :«قال أرباب السير من رجال الإمامية. أن الخليفة المسترشد بالله العباسي أمر بجمع ما إجتمع في خزانة الروضة الحسينية المقدسة من الأموال والمجوهرات الثمينة والطنافس الحريرية وغيرها من النفائس. وتوزع على جيشه الذي كان قد اعده لمحاربة السلطان مسعود السلجوقي
1) إعتمد الدكتور الكليدار على تاريخ كربلاء المعلّى)، ص13. وهو كراس صغير جدا من 30 صفحة طبع سنة 1349ه- من دون اسم مؤلف.
2) ذكر جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء، ص 328 عن الذهبي أنه قال: «مات السلطان محمود بن محمد ملكشاه سنة خمس وعشرين فأقيم ابنه داود مكانه، فخرج عليه عمه مسعود بن محمد، فإقتتلا ثم إصطلحا على الإشتراك بينهما ولكل مملكة ، وخطب لمسعود بالسلطنة ببغداد ومن بعده لداود، وخلع عليهما، ثم وقعت الوحشة بين الخليفة ومسعود، فخرج لقتاله فالتقى الجمعان، وغدر بالخليفة أكثر عساكره فظفر به مسعود وأسر الخليفة وخواصه فحبسهم بقلعة قرب همذان، فبلغ أهل بغداد بذلك، فحثوا في الأسواق التراب على رؤوسهم، وبكوا وضجوا وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة، ومنعوا الصلوات والخطبة ».
3) تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص 215 - 217.
وذلك في سنة 528ه-. محتجّاً ان قبر الحسين لا يحتاج إلى خزن أموال. بل يجب توزيعها على جيشه فبعث اعوانه لنهب الخزانة المقدسة فنهبوها وحملوها إلى الخليفة ولم يمسوا القبر بسوء. سار الخليفة العباسي ومعه الأموال المنهوبة لمقاتلة السلطان مسعود ولما تقابل الجيشان وقع المسترشد أسيرًا بيد السلطان مسعود إذ خانه جيشه ثم امر السلطان مسعود بقتل الخليفة العباسي فقتل شر قتلة ونهب معسكره. وهكذا ختم المسترشد حياته في أسوء حال جزاء فعلته المنكرة وتطاوله على خزانة الروضة الحسينية المقدسة (1أجمع المؤرخون عندما قتل المسترشد العباسي ونهبت خزانته وجد فيها خمسة آلاف جمل وأربعمائة بغلة محملة بالطنافس والمجوهرات والنقود قدرت بعشرة آلاف دينار، مع العلم أن خزانته كانت فارغة عندما تأهب لقتال السلطان مسعود قبل نهبه خزانة الروضة الحسينية. وكان قد حمل تلك المنهوبات معه ليوزعها على مستحقيها فيما لو كان منتصراً. ولكن المقادير شاءت ان ينتقم منه شر إنتقام جزاء عبثه ونهبه خزانة الروضة الحسينية المقدسة فلاقى مصيره المحتوم »(2).)وفي دائرة المعارف الحسينية تاريخ المراقد ذكر ما نصّه:«وفي سنة 526ه- نهب المسترشد العباسي الخزانة الحسينية التي كانت مليئة بالمجوهرات الثمينة والتحف القيّمة مما أهداها الملوك والرؤساء والتي منها القناديل الذهبية والفضية بحجة ان القبر لا يحتاج إلى الخزانة وأنفق قسما منها على عسكره، وإحتفظ بالقسم الآخر لنفسه وضمّه إلى ممتلكاته الشخصية وإستعان بهذه الأموال على قتال السلطان مسعود السلجوقي ولكنه وقع أسيرًا ثم قتل، وذلك عام 529ه-. كما قتل ابنه الراشد وسلبت ممتلكاته فبلغت خمسة آلاف ناقة وأربعمائة بغل وكان أكثرها من ممتلكات الروضة الحسينية والتي منها السجاد الثمين »(3.)
1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي، مجلد 10.
2) مدينة الحسين السلسلة الثانية، ص119.
3) دائرة المعارف الحسينية تاريخ المراقد للكرباسي ج 2، ص 23 وص 24 . وقد إعتمد المؤلف على نفس المصادر التي جاء بها مؤلف تاريخ كربلاء وحائر الحسين، وكذلك مؤلف كتاب مدينة الحسين، وقد أخذ عنهما مادونه اعلاه علما بأن كل المصادر الأصلية التي إعتمدوا عليها هي بنظرنا ليست حيادية وفيها الكثير من الغلو والميل للطائفية والمذهبية.
ذكرنا فيما تقدم الرواية التي ذكرت نهب الخليفة المسترشد العباسي لخزانة الروضة الحسينية، كما ذكرنا من كتبوا عنها والمصادر التي إعتمدوا عليها، بل أضافوا منهم أكثر ما جاء في أصل الخبر الذي ورد في مصادر قد لا يعتمد عليها البعض لعدم حياديتها في رأينا ...ونقول:1 - قد تكون هذه الحادثة قد وقعت والله أعلم ، ولكن نعتقد أن النقل قد شابَهُ بعض المبالغة، وخاصة عندما يذكرون أن المنهوبات قد بلغت (خمسة آلاف ناقة! وحمل (أربعمئة بغل)!!)وإذا إفترضنا أن قدرة البعير أو الناقة كما ذكروا (ولا نعرف لماذا كلها كانت نوق من إناث الجمال وليست من الذكور !! ان تحمل (100) كيلوغرام وهي طاقة قليلة لحمل البعير أو الناقة، وكذلك بالنسبة للبغال، فإن مقدار (حمل خمسة آلاف ناقة) يقارب (500000) كيلوا غرام أي (500) طن، وحمل (400) بغل تقرب (40) طن، والمجموع يكون مقارب ل- (540) طن من أحمال المنهوبات، وهذا رقم مبالغ فيه جدا إذا ما علمنا ومن خلال المعلومات المتوفرة لدينا بالمصادر القديمة عن خزانة الروضة الحسينية، إلى أن تعايشنا معها خلال إستلامنا خزانة الروضة الحسينية لمدة (11) سنة عند تشرفنا بسدانة الروضة الحسينية مع صحة حوادث النهب التي وقعت على مر التاريخ وكان آخرها في واقعة الوهابيين سنة 1216 ه- / 801 .)فلا نعتقد بأن الخزانة في بداية القرن السادس الهجري كانت بهذه الضخامة، وحتى لو جمعنا ما موجود داخل الحرم من مفروشات ومعلقات
و قناديل وشمعدانات وغيرها. فكيف كان شكل الحرم الشريف ومساحته ومخازنه التي تستوعب هذه المقادير من الأحمال؟!!2- أن الذين كتبوا ذلك وذكروه في كتبهم وجدناهم يعتمدون على مصادر نعتبرها غير محايدة ويطغي عليها النفس الطائفي والمذهبي والغلو. كما لم يذكر الموضوع في كتب التاريخ الأخرى التي طالما إعتمد عليها من كتب عن الحادثة والذين لم يبقوا شاردة ولا واردة إلا وذكروها، وإذا كان هؤلاء المؤرخين من كتاب السلاطين فلماذا يعتمدونهم مصادر مهمة في مؤلفاتهم، على الرغم من أن بعض المؤرخين ذكروا أن المسترشد عندما قتل نهبت امواله وكانت كثيرة ولكنهم لم يقولوا أنها من منهوبات خزانة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ بينما الذين يؤكدون الحادثة يذكرون بتحليل منهم أنها من منهوبات الخزينة ولكن دون دليل واضح عدا العاطفة !!)فمن هم الذين ذكروا الحادثة ؟ ... هم العلامة المجلسي في (بحار الأنوار، والمعروف أن المجلسي, رحمه الله من رجال الإمامية ومن كتاب العهد الصفوي. كما وردت الحادثة في المناقب) لابن شهر اشوب في كتابه مناقب آل أبي طالب، ووردت في كتاب تظلم الزهراء، وكتاب تاريخ كربلاء المعلّى (وهو كراس صغير جدا يحتوي على 30 صفحة صغيرة، إذا جمعت تعادل عشر صفحات من أي كتاب عادي على قياس 24 17)!! والذي يسمع به يعتقده كتاباً ضخمًا، وقد طبع سنة 1349ه- على نفقة عباس الصحاف الإصفهاني والسيد عيسى الزروق ونسب فيما بعد إلى السيد عبد الحسين الكليدار!!، وكتاب تاريخجة كربلاء، وجميعها طغت عليها المغالاة في النقل والحديث، وهم يختلفون بآرائهم مع العباسيين عموماً وخاصة بعد حادثة نكبة البرامكة!!)3 - إذا كانت كمية الهدايا والنفائس بهذا الحجم في الخزانة فلماذا لم يتم بناء المرقد الشريف وتجديده بجزء من تلك الأموال، ولكنه بقي على حاله لثلاثة قرون عدا
بعض الترميمات البسيطة التي جرت عليه إلى أن وصل إلى حالة الأيلان للسقوط لقدم العمارة التي عليه.4- نحن لا ننكر حصول الحادثة هذه أو مثيلاتها ، ولسنا في موقع الدفاع عن المسترشد أو العباسيين في هذا الطرح ولو كان المسترشد العباسي طيب الذكر لكان قد توجه بإعمار مراقد اهل البيت والمدن التي تتواجد فيها هذه العتبات، ولكان قد نقل عنه ذلك ولكنه لم يفعل بل لم تكن بيده السلطة اصلاً لأنها بيد السلاجقة، وأن كربلاء بالذات لم تكن تحت سيطرته وإنما كانت تحت سيطرة الإمارة المزيدية الذين يعدون انفسهم موالين لأهل البيت ويميلون للعلويين فكيف يسمحون بذلك؟...ولكن عندما يتم النقل إلى المتلقي فيفترض أن يتم الإبتعاد عن نقل المبالغات والتضخيم لتكون هناك مستويات لمقبولية الاستيعاب والتصديق في نقل الحقائق والحوادث التاريخية خاصة.والغريب في الأمر هو أن المسترشد بالله العباسي هو الأول من بين الخلفاء الذين أرادوا استرداد هيبة الخلافة من الأغراب الذين إستباحوا العراق وحكموه كمحتلين وجعلوه تبعاً لهم، والسلاجقة من أتراك إيران وبالذات من أذربيجان إيران، كما حكمه البويهيون الديالمة الفرس من قبلهم.5- ما نقله البعض كأن مقتل الخليفة جاء على أثر نهبه للخزانة، وإذا كانت الأموال التي وجدوها لدى المسترشد هي من محتويات الخزانة فلماذا لم يتم إعادتها عندما يؤيدون مقتله ويدافعون عن السلطان السلجوقي !! ، والغريب في الأمر يقولون بأن المسترشد قتل وكذلك ولده الراشد ( علماً بأن الراشد لم يقتل نتيجة جرأتهم علی حرم الحسين ولكن في موضع آخر يمدحون الراشد ابنه أن في زمنه زار كربلاء عدد لا يحصى من الزوار وظهر التشيع وذلك في العاشر من ذي الحجة، وتناسوا ان تلك الزيارة هي زيارة (عرفة) التي هي من أكبر الزيارات المخصوصة لقبر الحسين وتستمر خمسة أيام لترافق العيد معها.)
6- وللقارئ الكريم نؤكد بأن كل الهدايا الثمينة جداً من لآلئ وأحجار كريمة وهدايا نفيسة وسيوف ومعلقات مهمة كانت في تلك الأوقات توضع داخل الأضرحة في جميع مراقد أهل البيت وليس في كربلاء حصرا، ويراها الزائرون، وفكرة إعداد غرف على شكل (خزانة تم العمل به بعد أن نهب الوهابيون ما كان موجودًا من النفائس في ضريح الحسين عام 1216ه-. وعلى ذلك فكم كان عدد و حجم الهدايا داخل الضريح في زمان المسترشد حتى يكون حملها بمقدار خمسة آلاف ناقة وأربعمئة بغل ؟!! بل كم هي مساحة صندوق القبر أو الشباك، وحتى في ذلك الوقت لم يتاكد تاريخيًا وجود شباك كبير على القبر ليستوعب تلك الأحجام والأعداد من الهدايا. كربلاء تشهد أعداد كبيرة من الزائرين)ذكر ابن الجوزي في حوادث سنة 529ه- / 1135م وهو يتحدث عن أيام شهر ذي الحجة:«وفي هذه الأيام مضى إلى زيارة علي ومشهد الحسين عليهما السلام خلق لا يحصون وظهر التشيّع »(1.)كان ذلك في زمن خلافة الراشد بالله (2أبي جعفر العباسي بن المسترشد بالله. ومن المعروف أن في شهر ذي الحجة من كل عام وتحديدًا في الأيام 8 و 9 و 10 منه)
1) المنتظم ابن الجوزي ج 10، ص 52.
2) الراشد بالله هو أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله بن المستظهر بالله أبو العباس بن المقتدي بأمر الله أبو القاسم بن محمد بن الخليفة العباسي القائم بأمر الله ... ولد سنة 502ه- ، خطب له أبوه المسترشد بولاية العهد سنة 513ه- ، وبويع له بالخلافة عند مقتل أبيه في ذي القعدة سنة 529ه-. وعندما عاد السلطان مسعود السلجوقي إلى بغداد في سنة 530ه- بعد أن قتل أو ساهم بقتل المسترشد والده، خرج الراشد إلى الموصل فخلعه السلطان مسعود وبايعوا عمه محمد بن المستظهر ولقب المقتفي لأمر الله وذلك في 16 ذي القعدة سنة 530ه-، وقد مرض الراشد مرضاً شديدًا فدخل عليه جماعة من العجم كانوا فراشين معه فقتلوه بالسكاكين ثم قتلوا كلهم وفق ما أورده السيوطي في تاريخ الخلفاء، ص 501 طبعة دار الجيل ببيروت. وفي المصدر نفسه ص 500 ، ذكر أنه كان فصيحاً، أديبا شاعرا شجاعا سمحاً جواداً حسن السيرة يؤثر العدل ويكره الشر.
يتوافد الآلاف من الزائرين إلى كربلاء لزيارة مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ في زيارة مخصوصة ومهمة هي زيارة عرفة)(1)، وهذه الزيارة كانت منذ القدم ولحد الآنتعتبر من الزيارات الكبيرة وتستمر لعدة ايام حيث يتبعها عيد الأضحى المبارك.)لعل في تلك السنة كانت الزيارة من الضخامة بمكان انها ذكرت لدى أرباب السير والتواريخ، وإن زيادة أعداد الزائرين يتبع الوضع العام في البلد وتوفر الأمان والطمأنينة وعدم تدخل السياسة ومشاكل الحكم فيها، ويعتقد ان الأمان كان متوفراً في ذلك العام ولا قيود على حرية الناس لممارسة شعائرهم وخاصة الشيعة.ونعتقد بأن (ظهور التشيع الذي ذكره ابن الجوزي هو يعني به حرية ممارسة الشعائر للموالين لآل البيت وهم الشيعة على وجه الخصوص، لأن التشيع لم يكن خافيًا في العراق منذ ما يقارب الخمسة قرون.)### ستائر من الحرير الثمين تهدىالأبواب حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)أمر الملك الصالح طلائع بن رزيك وزير الفائز والعاضد الفاطميين في مصر بصنع ستائر من الحرير الثمين لأبواب المشهدين الغروي والحسيني. وقد تكلفت أموال طائلة وكانت غاية في الروعة من جودة الحياكة والتطريز حيث طرزت فيها آيات قرآنية، وتم جلبها إلى كربلاء سنة 549ه- وعلقت على أبواب حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ.)
1) زيارة عرفة من الزيارات الكبيرة والمهمة لمرقد الإمام الحسين عليه السلام، وتتميز هذه الزيارة عن غيرها من المناسبات هو أنها زيارة تتزامن مع توجه الحجاج إلى جبل عرفات ويوم الزيارة في مرقد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) هو يوم التاسع من ذي الحجة يوم وقوف الحجاج على صعيد عرفات ويليها عيد الأضحى المبارك، والمعروف ان هذه الزيارة تمتد إلى عدة ايام ويكثر الزائرون العرب فيها من أبناء جنوب العراق ومن كان ياتي للزيارة ويرجع إلى اهله يسمى (زاير) مشابه ل- (حاج) الذي يحج البيت الحرام.
### زيارة الخليفة العباسي المقتفى لأمر الله لكربلاءزار كربلاء المقتفي لأمر الله(1العباسي في ربيع الثاني من سنة 553ه-، وذكر في المنتظم لابن الجوزي ونقله مؤلف مدينة الحسين بأن المقتفي خرج من بغداد يقصد الأنبار وعبر الفرات وزار قبر الحسين عليه السلام ومضى إلى واسط (2).)وزاد مؤلف مدينة الحسين :« وتصدق في كربلاء بمبالغ طائلة للفقراء العلويين الساكنين بجوار قبر أبي عبد الله الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ وذلك إيفاء منه بنذر كان قد نذره في مرضه »(3)، وهذا ما لم يذكره ابن الجوزي الذي نقل عنه مؤلف مدينة الحسين!!)### كربلاء في العهد العباسي الخامسيبدأ العصر العباسي الخامس من تولي الناصر لدين الله (4الخلافة سنة 575 ه- / 1180م وينتهي بإحتلال المغول بغداد سنة 656 ه- / 1258م، وإستغرق)
1) المقتفي لأمر الله: هو أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله بن المقتدي، وهو أخو المسترشد بالله العباسي. ولد سنة 489ه- وبويع له بالخلافة عندما خلع وقتل ابن أخيه الراشد بالله سنة 530ه-. وكان على خلاف مع السلطان مسعود السلجوقي الذي لم يبقَ للخليفة مال وعقار وطالبه بمبالغ لم يتمكن الخليفة إعطاءه لضيق اليد فعفى السلطان عنه، وطالما تطاول أصحاب مسعود عليه، وتنفس الصعداء عندما مات السلطان مسعود 547ه-. ومرض سنة 555 ه- مرضاً شديدًا وتوفي في صفر من نفس السنة وبويع لولده المستنجد بالله.
2) المنتظم ابن الجوزي ج 10، ص 181.
3) مدينة الحسين س2، ص 120 .
4) الناصر لدين الله هو أحمد أبو العباس بن المستضئ بأمر الله بن المستنجد بالله بن المقتفي لأمر الله بن الراشد بالله بن المسترشد بالله ... ولد سنة 553ه- وبويع للخلافة عند موت أبيه سنة 575ه-. وإستمر في الخلافة إلى سنة 622ه- ، فإنه أقام فيها سبع وأربعين سنة، ولم يتولّ الخلافة أحد أطول مدة منه. كان شديد الإهتمام بمصالح الملك، ويقال أنه كان قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، فأحيا هيبة الخلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم ثم ماتت بموته. دانت السلاطين للناصر، ودخل في طاعته من كان من المخالفين وذلت له العتاة والطغاة وخطب له في الأندلس والصين، وكان حسن الخلق فصيح اللسان، شهما شجاعًا. وذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء عن ابن واصل: أنه كان يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه، حتى أن ابن الجوزي سئل بحضرته من أفضل الناس بعد رسول الله ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) ؟ فقال : أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته، ولم يقدر أن يصرح بتفضيل أبي بكر. ويقول السيوطي أنه في سنة ثمانين ( 580ه-) جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم آمنًا لمن لاذ به فالتجأ إليه خلق راجع) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 516 وص (518. وهو الذي بنى سرداب الغيبة في سامراء. كان الناصر من أهل العلم والفضل، قام بأعمال جليلة في كربلاء منها تعمير المرقد.
هذا العهد 81 عاما. أي أن هذا العهد بدأ في بداية الربع الأخير من القرن السادس الهجري إلى منتصف القرن السابع الهجري وخلفاء بني العباس في هذا العهد هم الناصر والظاهر والمستنصر والمستعصم الذي في أيامه إنتهت الدولة العباسية وإحتلّ المغول بغداد على يد هولاكو.فإن الناصر لدين الله أراد ان يعزز شؤون الخلافة، ويسترجع السلطة من السلاجقة فكتب إلى جنكيز خان أمير المغول، يستنجده عليهم كما إستنجد القائم بأمر الله بطغرل بك على البويهيين ، فما كان من عاهل المغول الّا أن إكتسح ماكان في حوزة خوارزم شاه السلجوقي من الأماكن والبقاع، وأخذ يتطلع إلى ما في يد الخليفة العباسي من البلاد، ولكن الأقدار لم تحقق في عهده ما أراد، وإنما حققتها لحفيده هولاكو خان الذي حمل بخيله ورجاله على بغداد فدخلها في 4 صفر سنة 656ه- / (1258م وقوّض أركان الخلافة أو الدولة العباسية.)فإن كربلاء في هذا العهد شهدت تغييرات وأعمال وحوادث مختلفة، ودبّ فيها النشاط والحركة والعمران وتوسعت حولها الرقعة الزراعية، وإزدياد عدد سكانها لتوافد الكثير من أبناء القبائل العربية للسكن فيها وللعمل في الزراعة في ضواحيها.### الحالة العامة في كربلاءذكرنا سابقاً بأن كربلاء منذ أواسط القرن الخامس الهجري وهي الفترة التي كانت المدينة في طور الإزدهار والتوسع أصبحت تدار من قبل أمراء الحلة من آل دبیس المزيديين الأسديين. وكانوا من الإمامية الموالين لأهل البيت. فكانوا يهتمون بشؤونها ودفع غوائل الزمن عليها من غارات واعتداءات، ويعينون المشرفين على شؤون الروضة الحسينية المقدسة ودامت إمارتهم في الحلة قرابة (150 سنة.)
وصادف فترة إنقراض إمارتهم مع إنتقال الخلافة العباسية إلى الناصر لدين الله الذي كان يميل إلى التشيع ومن المحبين للإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ وآل بيته، وينسب إليه قوله:)إليكم بني الزهراء حجي وعمرتي*** وأنتم إذا صليت الله قبلتيوفي هذا العهد إزدهرت المدارس العلمية والفقهية في كربلاء، وذلك لقربها من الحلة التي كانت تعج بعلماء الإمامية وكانت المرجعية العلمية فيها.### سدانة الروضة الحسينية ونقابة الحائرورد في بعض المصادر أنه في عام 577ه-/ 1182م كان منصور الخازن وهو ابن علي بن منصور على سدة السدانة في الحرم الحسيني (1. وكان من رجال العلم في القرن السادس الهجري. وفي عام 599ه- / 1203م كان نصر النحوي الحائري لازال سادنًا للروضة الحسينية (2)وهو ابن علي بن منصور المعروف بالخازن النحوي الحائري الذي كان من مشايخ الشيخ محمد بن إدريس الحلي المتوفي عام 598ه-/ 1202م، ومن تلامذة الشيخ ذاكر بن كامل بن أبي طالب، ويبدو أنه تولى السدانة من أخيه.)### أبو هاشم المختار يتولى النقابة في كربلاءتولى نقابة الأشراف في الحائر الحسيني السيد (أبو هاشم جلال الدین جعفر (الحسيني المختاري) بن عميد الدين أبي جعفر محمد (نقيب الكوفة) بن عز الدين أبي نزار عدنان بن أبي الفضائل عبد الله بن علي عمر المختار، وهو من سلالة عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)
ذكره العميدي في مشجر الكشاف (1بأنه كان نقيباً في الحائر لحين وفاته. كما ذكر ابن الساعي في الجامع المختصر(2)بأن أبا هاشم بن المختار كان نقيب مشهد الحسين، وكان صالحًا دينًا ذا عبادة، توفي سنة 597ه-.)وذلك يعني أنه كان نقيباً في الحائر في الربع الخير من القرن السادس الهجري.### أعمال الناصر لدين الله في كربلاءكما مرّ سابقا بأن الناصر لدين الله الخليفة العباسي الذي تولى الخلافة سنة 575ه-/ 1180م كانت له منجزات في مدينة كربلاء، وذلك لميله للتشيع والموالاة لآل البيت، وكانت مدة خلافته سبع وأربعين سنة إنتهت بوفاته سنة 622ه-/ 1225م. وبالرغم مما قيل عنه، فلم يصلنا عنه ما يفيد كربلاء إلّا في السنوات الأخيرة من مدة حكمه، فبعد إثنتين وأربعين سنة من حكمه وجّه نظره أخيرًا إلى كربلاء بالأعمال التالية:### أ. إصلاح النهر الذي يمد كربلاء بالمياهفي عام 617ه- / 1220م أمر الناصر لدين الله بإصلاح النهر الذي يسقي كربلاء ويمدها بالماء، وتسهيل مجرى المياه فيه لخدمة سكان الحائر وزائريه، ولم تذكر المصادر اسم هذا النهر أو تفرعاته، ونعتقد بأنه المجرى القديم لنهر العلقمي أو أحد فروعه.ذكر الشيخ محمد السماوي إصلاح هذا النهر في إرجوزته (3حيث قال:)وشقَّ نَهرا بعد ذاكَ الناصِرُ ***فإشتبَكَتْ بصَدْرِهِ الأواصر ***ثم أَنْبَنَتْ على رجاء بلدَهُ ***تنمى له في عددٍ وعده ***وكان ذا مبدأ سبع وعشرة ***من بعد ست من مئات الهجرة
### ب. تجديد البناء في مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)لم يُشر أحد لأي بناء أو تجديد على مشهد الحائر في عهد السلاجقة عدا تعمير سور المرقد فقط سنة 479ه- بأمر من السلطان ملكشاه السلجوقي. وبقيت العمارة التي شيّدها أبو محمد الحسن بن الفضل بن سهلان الرامهرمزي الذي أتمتها عام 412 ه- قائمة في القرن الخامس والسادس والسابع الهجري إلى أيام أبي العباس أحمد الناصر لدين الله، حيث أراد إصلاح شؤون الحائر.سنة 620ه- / 1223م أمر الخليفة العباسي الناصر وزيره المؤيد (مؤيد الدين محمدا المقدادي(1)بأعمال التجديد. فقام الوزير بإعادة بناء القبة وإكساء الجدران في الروضة الحسينية بأخشاب الساج وزينه بالحرير الموسى بالديباج. فلم يحدث أي تغيير في العمارة السابقة بشيء، وهذه العمارة هي التي ذكرها الرحالة ابن بطوطة الطنجي عندما زار كربلاء عام 726ه- / 1326م. وبقيت هذه العمارة من عام 412ه- إلى عام 767ه- / 1366م حيث جددت أيام الجلائريين.)جاء في مختصر تاريخ الخلفاء : «في سنة 620 ه- أمر الخليفة العباسي الناصر لدين الله بتجديد بناء مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأوكل المهمة إلى وزيره مؤيد الدين المقدادي (وهو من سلالة المقداد بن الأسود الكندي حيث قام بتشييد القبر وكسا الجدران بأخشاب الساج ووضع صندوقًا على القبر وزيّنه بالديباج والحرير، وأهدى الخليفة العباسي أموالاً وزعت على المجاورين للحائر »(2).)وقال السماوي في مجالي اللطف بإرجوزته:ثم تولى الناصر العباسي ***فتى اللباس وشديد الباس
1) مؤيد الدين المقدادي : هو محمد بن عبد الكريم القمي الذي يعود نسبه إلى المقداد بن الأسود الكندي، كان عالما فاضلاً مشهوراً بخبرته في الحسابات، وكان عارفًا بالفنون والآداب. ولمعرفته بأمور الملك فقد ولاه الخليفة العباسي الناصر لدين الله الوزارة، وبقي فيها مدة طويلة يشغل هذا المنصب حتى بعد وفاة الناصر لدين الله حتى أيام الخليفة العباسي المستنصر بالله وقد توفي سنة 629ه-.
2) مختصر تاريخ الخلفاء، ص111.
فقام في تشييد قبر الحائرِ*** على يدي خير وزير ناصرِ*** مُحمد القمي من خير فئهة*** في سَنَة العشرين والستمئة (1)### المستنصر بالله العباسي وكربلاءفي عام 634ه- / 1237م قام الخليفة العباسي المستنصر بالله (2الذي حكم من عام 623 ه- / 1226م إلى عام 640ه- / 1243م بإرسال مبالغ نقدية توزع على العلويين، وأعطى الأموال بيد نقيب الطالبيين (أبو عبد الله الحسين بن الأقساسي(3)لتفريقها على العلويين في المشهد الحسيني، كما عمل مثل ذلك في مشهد الكاظم ومشهد أمير المؤمنين في النجف (4).)
1) مجالي اللطف بأرض الطف، ص298 - 299.
2) المستنصر بالله هو أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله بن الناصر لدين الله. ولد سنة 588ه- وبويع له بعد موت أبيه في رجب سنة 623ه-. ويذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء عن ابن النجار: أنه نشر العدل في الرعايا، وبذل الإنصاف في القضايا، وقرب أهل العلم والدين، وبنى المساجد والربط والمدارس والمارستانات (المستشفيات)، وأقام منار الدين وقمع المتمردة ونشر السنن وكف الفتن وحمل الناس على أقوم سنن ، وقام بالجهاد أحسن قيام ، وجمع الجيوش لنصرة الإسلام، وحفظ الثغور وإفتتح الحصون ... وكان جده الناصر يقربه ويسميه القاضي لهداه وعقله وإنكار ما يجده من المنكر. وعن ابن واصل قوله: بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة ما بنى على وجه الأرض أحسن منها، ولا أكثر منها وقوفًا، وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة. وهي (المدرسة المستنصرية).)كان المستنصر ذا همة عالية وإقدام عظيم، وقصدت التتار البلد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمة عظيمة، وكان له أخ يقال أنه الخفاجي فيه شهامة زائدة وكان يقول : لئن وليت لأعبرن بالعسكر نهر جيحون وآخذ البلاد من أيدي التتار وأستأصلهم، ولما مات المستنصر كان قد ولى ابنه أبا أحمد وذلك بتأثير من وزراءه الدويدار والشرابي لأنهم كانوا يخافون من أخيه الخفاجي وأرادوا المستعصم للينه وضعف رأيه ليكون تحت سيطرتهم وعلى يديه سقطت بغداد بيد المغول وكان هؤلاء أحد أسباب النكبة.
3) لأقساسي هو النقيب قطب الدين أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن علي المعروف بابن الأقساسي من ذرية زيد الشهيد، ولاه المستنصر بالله نقابة الطالبيين ببغداد وأصبح نقيب النقباء. كان اديباً شاعراً، توفي سنة 645ه-: (1247م).
4) الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة: كمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد بن محمد الصابوني المعروف بابن الفوطي، ص 95 ، ط 1 بغداد سنة 1351ه-: (1932م).
### السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر اللهأبو يعلى محمد الأقساسي نقيباً للحائرهو السيد أبو يعلى محمد بن علي بن أبي الحسين حمزة فخر الدين بن أبي الحسن محمد بن أبي جعفر محمد بن علي الزاهد بن محمد الأصغر بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ. كان نقيبا في الحائر في نهاية القرن السادس الهجري والربع الأول من القرن السابع الهجري، وكان معاصراً للسيد فخار بن معد بن فخار بن معد بن أحمد الموسوي الحائري المتوفى سنة 630 ه-. وللسيد فخار رواية عن السيد أبي يعلى محمد.)ذكره العميدي في مشجر الكشاف بأنه تولى نقابة الحائر (1. كما ذكره ابن مهنا في التذكرة (2)، ولكنه لم يذكر توليه النقابة في الحائر.)### زيارة الملك الناصر الأيوبي لكربلاءفي عام 653ه- / 1255م زار كربلاء ومرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، الملك الناصر داود بن عيسى بن محمد بن أيوب صاحب الكرك (3)، وأقام فترة في الحلة بالعراق، وتوفي في دمشق بالطاعون سنة 656ه-/ 1258م.)
1) التذكرة في الأنساب المطهرة : لابن مهنا الحسيني العبيدلي، ص 240 .
2) التذكرة في الأنساب المطهرة : لابن مهنا الحسيني العبيدلي، ص 240 .
3) الكرك هي الآن إحدى المحافظات في المملكة الأردنية الهاشمية، وهي من المدن التاريخية القديمة وفيها آثار موغلة في القدم، وفيها قلعة الكرك الشهيرة ، وكانت لسنوات طويلة تحت حكم الدولة الأيوبية. والمعروف أن موقع مؤتة يقع في سهل الكرك، وقد حدثت في زمن الرسول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) معركة مؤته بين المسلمين والروم وإستشهد فيها الصحابة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب (الطيار) وعبد الله بن رواحة وما زالت قبورهم شاخصة فيها وتزار.
### أبو علي الحسن الشعار نقيباً للحائرهو السيد تاج الدين أبي الحسن علي الملقب بالشعار من بني المختار بن أبي القاسم شمس الدين علي بن أبي جعفر محمد عميد الدين، وهو ابن أخ النقيب جلال الدين جعفر (نقيب الحائر. تولى نقابة الحائر بعد وفاة أبي يعلى الأقساسي وفي زمن المستنصر العباسي. وكان النقيب تاج الدين يلقب بمعارض جيش المستنصر بالله (1).)
1) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ابن عنبة، ص 330.
## كربلاء في العهد الإيلخاني### اشارةفي 4 صفر من عام 656ه- / 1258م دخل الجيش التتري بغداد... وحوّلها إلى خراب ودمار ونهب وتقتيل !!في يوم الجمعة 9 شوال من نفس العام دخل هولاكو بن تولي خان المعروف ب- (ايلخان أي (نائب الخان الأعظم) ، وسمي الحكم باسمه... والتتر المغول هم من الأمة التركية، مثل ربيعة ومضر من الأمة العربية (1).)خضعت جميع المدن العراقية للفاتح الجديد، ونظّم بعدها الإدارة في العراق. وتوفي هولاكو عام 663ه- / 1265م ، وبويع ولده أباقا خان، ووضع عامله علاء الدين الجويني على بغداد.)قام أباقا خان بزيارة بغداد عدة مرات، وتوفي عام 681ه-/ 1282م، وخلفه أخوه (تكودار خان الذي أسلم وسمّى نفسه (أحمد) وأخبر جميع البلاد منها بغداد، وأقيمت الأفراح... وفي عام 683ه- / 1284م قتله ابن أخيه (آرغون ابن أباقا)، ويعزى سبب قتله إلى دخوله الإسلام «ومحاذرتهم ضياع حكومتهم وديانتهم، فتعصبوا عليه وعلى أمرائه ... »(2).)
مات آرغون عام 690 ه- / 1291م فتولى السلطة من بعده أخوه (كيخاتو خان، وكان سيئًا في خلقه ومسرفًا ويبيع المناصب كلما احتاج للمال، حتى ضجّ به الناس،فثار عليه بايدو (خان) وقتله في ربيع الثاني عام 694ه- / 1295م وتولى السلطة من بعده. كانت أيامه أيام فتن واضطرابات حتى ثار عليه (غازان بن آرغون) الذي كان واليا على خراسان، فانتزع الملك في ذي الحجة عام 694 ه-/ 1295 م بعد قتله لبايدو خان الذي حكم عدة أشهر .)أسلم (غازان وتبعه مئة ألف من جنوده وإنتشر الإسلام في الجيش التتري، ثم جاء إلى بغداد وعطف على الناس.)ومات غازان في ( إلي عام 703ه- / 1303م وأوصى لأخيه (نيقولاوس الجاتو) الذي كان في خراسان، فأسلم أيضًا وسمّى نفسه (محمد خدا بندة)، وتمذهب بالمذهب الجعفري عام 707ه- / 1307م ، وأمر بتخليد الأئمة الاثني عشر على قطع النقود. ولما مات سنة 716ه- / 1316م خلفه ابنه (أبو سعيد بهادر خان) وكان فاضلاً وكريا، ملك وهو صغير السن.)في سنة 719ه- / 1219م إختلف التتر فيما بينهم، وكاد يزول ملكهم، وتوفي أبو سعيد بهادر خان سنة 736ه- / 1335م بلا عقب، فخلفه السلطان (أربا خان، وقتل هذا في شوال 737ه- / 1335م وصار الوزراء والأمراء يتناوبون الحكم حسب أهوائهم ولمدد قصيرة حتى إنتصر عليهم الشيخ (حسن الجلائري)، وانقرضت الدولة الايلخانية التي دام حكمها في العراق (80 عاماً).)الخلاصة أن هولاكو عندما دخل بغداد كان ذلك في زمن (المستعصم آخر الخلفاء العباسيين الذي قتله هو لاكو، بذلك إنطوت وإلى الأبد الخلافة العباسية بأدوارها المختلفة.)عندما تأسست الدولة الايلخانية في العراق كان لكربلاء نصيب كبير من هذا الدور، فمن المعلوم أن مدن العتبات قد سلمت من هجمات التتر، والحقيقة أن مدن
العراق كانت متهيبة ومتخوفة منهم ، لأنهم كانوا يقومون ببث الدعايات المخيفة عنهم قبل فتحهم واستيلائهم على بلد ما فهي من طبيعتهم الحربية. فتكون الدعاية والاشاعة قد أخذت دورها في الإحباط والخوف من قبل أهل البلاد، فتكون لقمة سائغة بيد التتر والمغول، يضاف إلى أنهم كانوا على درجة كبيرة من الوحشية والقسوة وفقدان الرحمة وذوي قلوب غلظة...عندماسرت هذه الشائعات عنهم إجتمع الشيخ سديد الدين الحلي (1بالسيد مجد الدين ابن طاووس (2)، والفقيه شمس الدين محمد بن أبي العزّ في (الحلة). كان هؤلاء من علماء وفقهاء الامامية، وكانت الحوزة الدينية في ذلك الوقت في الحلة مقراً وتجمعاً ومدارسًا فقهية...)فإجتمع هؤلاء الثلاثة وكان المتقدم فيهم هو السيد ابن طاووس، ودعوا إلى إجتماعهم رؤساء وعلماء كربلاء والنجف وقرروا أن يفاتحوا هولاكو وهو في أطراف بغداد قبل أن يدخلها، وأن يطلبوا منه الأمان على مدن العتبات المقدسة وما جاورها. ولكنه كان قد أوطئ الأراضي العراقية...فكتبوا له كتاباً أرسلوه بيد موفد لهم... وعندما وصل الكتاب إلى هولاكو أراد أن يتحقق من أخبار الذين كتبوا إليه. فأرسل مع موفدهم شخصين يمثلانه ويتأكدان من مواقف الذين كتبوا إليه.عندما تحقق من ذلك أرسل لهم فرمانًا بالأمان وطلب أن يأتي إليه الشيخ سديد الدين يوسف بن المطهر الحلي، وعندما قابله سأله هولاكو: «كيف قدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما يؤول إليه أمري وأمر صاحبكم – يقصد الخليفة
1) هو العالم الفقيه سديد الدين يوسف بن الشيخ شرف الدين علي بن المطهر الحلي، والد العلّامة الحلي (أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي المولود سنة 648 ه- والمتوفى سنة 726ه-).
2) هو محمد بن عز الدين الحسن بن جعفر آل طاووس الملقب (مجد الدين)، وهو مؤلف كتاب (البشارة) لهولاكو، وقد إستأمنه على المشهدين (كربلاء والنجف والحلة، وسلمه هولاكو النقابة.
العباسي - ». فأجابه سديد الدين بأن عملهم هذا جاء بمرويات عرفوها بخطبة للإمام علي بن أبي طالب تسمّى بخطبة (الزوراء(1)!!)فقد جاء في كتاب إرشاد الأذهان في ترجمة محقق الكتاب للعلامة الحلّي عن هذه الحادثة ما نصّه:«ويكفيه فخرًا وعزا وشرفاً ما ذكره ولده أبو منصور في إجازته لبني زهرة: أن الشيخ الأعظم خواجة نصير الدين الطوسي لما جاء إلى العراق حضر الحلة،فاجتمع عنده فقهاء الحلة، فأشار إلى الفقيه نجم الدين جعفر بن سعيد وقال: من أعلم هؤلاء الجماعة: فقال له: كلهم فاضلون علماء، إن كان واحد منهم مبرزا في فن كان الآخر مبرزا في فن آخر، فقال: من أعلمهم بالأصولين؟ فأشار إلى والدي سديد الدين يوسف بن المطهر وإلى الفقيه مفيد الدين محمد بن جهيم، فقال: هذان أعلم الجماعة بعلم الكلام وأصول الفقه. وبفضل هذا الشيخ المعظم وتدبيره نجا أهل الكوفة والحلة والمشهدين الشريفين من القتل والنهب والسبي، وذلك حين غزا التتار العراق وعملوا ما عملوا.قال ولده أبو منصور في كشف اليقين :لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد قبل أن يفتحها هرب أكثر أهل الحلة إلى البطائح إلّا القليل، فكان من جملة القليل والدي رحمه الله والسيد مجد الدين بن طاووس والفقيه ابن أبي العز، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنهم مطيعون داخلون تحت إيالته، وأنفذوا به شخصا أعجميا. فأنفذ السلطان إليهم فرمانا مع شخصين أحدهما يقال له فلكة والآخر يقال له علاء
1) جاء في بعض المرويات أن الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) في خطبة له تسمّى (خطبة الزوراء)، بأنه تنبأ بقدوم هولاكو ويقضي على ملك بني العباس الذي يصفهم بالجور والفجور والفسق مع وزرائهم الخونة. ونعتقد بأن كتاب (البشارة) التي صنفه ابن طاووس لهولاكو يعتمد على هذه الخطبة المروية. نجزم بأن هذه الخطبة المزعومة هي من الموضوعات التي لا تبتعد عن أفكار الفرس الذين لم تغب عنهم حادثة القضاء على البرامكة، على الرغم من أن سيرة الكثير من خلفاء بني العباس منذ العهد العباسي الثاني كانت تنحى منحى الجور والفسق، ولكن يصعب تصديق رؤيا للإمام علي تنسب له، ويؤيد قدوم كافر ويحتل بلادا مسلمة، ويحرق فيها كتاب الله !!
الدين وقال لهما قولا لهم إن كانت قلوبكم كما وردت به كتبكم تحضرون إلينا، فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهى إلى الحال، فقال والدي رحمه الله: إن جئت وحدي كفي؟ فقالا : نعم، فاصعد معهما، فلما حضر بين يديه - وكان ذلك قبل فتح بغداد وقبل قتل الخليفة - قال له : كيف قدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا بما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم ؟ وكيف تأمنون أن يصالحني ورحلت عنه؟ فقال والدي رحمه الله : إنما أقدمنا على ذلك لأنا روينا عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام أنه قال في خطبة: «الزوراء وما أدراك ما الزوراء، أرض ذات أثل، يشيد فيها البنيان وتكثر فيها السكان، ويكون فيها محاذم وخزان، يتخذها ولد العباس موطنا، ولزخرفهم مسكنا، تكون لهم دار لهو ولعب، يكون بها الجور الجائز والخوف المخيف، والأئمة الفجرة والأمراء الفسقة والوزراء الخونة، تخدمهم أبناء فارس والروم، لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه ولا يتناهون عن منكر إذا أنكروه يكتفي الرجال منهم بالرجال والنساء منهم بالنساء. فعند ذلك الغم العميم والبكاء الطويل والويل والعويل لأهل الزوراء من سطوات الترك، وهم قوم صغار الحدق، وجوههم كالمجان المطوقة، لباسهم الحديد، جرد مرد، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم، جهوري ،الصوت قوي ،الصولة علي الهمة لا يمر بمدينة إلا فتحها، ولا ترفع عليه راية إلا نكسها الويل الويل لمن ،ناواه فلا يزال كذلك حتى يظفر ».فلما وصف لنا ذلك ووجدنا الصفات فيكم رجوناك فقصدناك، فطيب قلوبهم وكتب لهم فرمانا باسم والدي رحمه الله يطيب قلوب أهل الحلة وأعمالها. ولا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد أن إقدام هذا الشيخ التقي على مثل هذه المحاولة ليس هو مساومة للفاتح الأجنبي ومساعدة على تسليط الكافر على المؤمن، كما اعتقده بعض العامة ممن لا تدبر له في الأمور. فإن هذا العالم الجليل الورع يعرف أن الكافر لا سبيل له على المؤمن، لكن لما شاهد أن الخليفة العباسي آنذاك منهمك في لهوه ولعبه لم يفكر في مصير نفسه فضلا عن غيره، وعدم وجود القدرة الكافية
لمواجهة الغزو المغولي، وكان يعلم أن المغول التتار إذا دخلوا بلدة ماذا يصنعون بها من الدمار والهلاك والسبي والتعدي على الناموس. ولذا صمم هو ومن معه كخطوة أولى الحفاظ على المشهدين الشريفين والحلة وأعمالها، فذهب الشيخ سديد الدين إلى هولاكو ونجح هذا النجاح الباهر في إتمام هذه الخطوة الأولى والحصول على الأمان لأهل هذه المناطق. وكخطوة ثانية ألف السيد مجد الدين محمد بن طاووس كتاب البشارة وأهداه إلى هولاكو، فأنتجت هذه الخطوة أن رد هولاكو شؤون النقابة في البلاد الفراتية إلى السيد ابن طاووس، وأمر هولاكو بسلامة المشهدين والحلة. وكخطوة ثالثة إصلاح هذا المعتدي وردعه عن إرتكاب الجرائم، وهدايته هو ومن معه إلى الصراط المستقيم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... »(1.)ومن سياسة هولاكو بعد إجتياحه لبغداد، وأخذها بالسيف والتقتيل والحرق بما لا يتصوره العقل، أخذ يقرّب إليه العلماء (2!!... بينما المعروف عنه أنه قد قضى على العلماء وأصبح لون نهر دجلة أحمرًا قانيًا بسبب الدماء التي إختلطت بحبر الکتب التي ألقاها في النهر.)وذُكِرَ أن هولاكو يوما عقد مجلساً في المدرسة المستنصرية ببغداد، وضم المجلس العلماء والفضلاء واستفتاهم في من هو الأفضل، السلطان الكافر العادل، أم السلطان المسلم الجائر. وقد أحجم العلماء عن الجواب، فقال حينها ابن طاووس وكان حاضراً المجلس ...«نعم نقول بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر ». فوضع الجالسون ختمهم على فتيا هولاكو وأيدوا ابن طاووس.على هذا الأساس سلّم هولاكو إلى ابن طاووس نقابة النقباء في العراق، وأولاه نقابة أعمال الفرات. وقلّد الوزير شرف الدين أبو القاسم علي بن مؤيد الدين بن
العلقمي (1الوزارة بعد أبيه، وعين نجم الدين صدرًا بالحلة وتوابعها (أي الكوفة والنجف وكربلاء).)فنجد إثناء فترة الحكم الايلخاني أن عددًا من سلاطينهم قد إهتموا بمدينة كربلاء، منهم السلطان (محمود غازان خان بن آرغون بن آباقا بن هولاكو، كذلك السلطان (محمد خدا بندة)، وسنذكر ما قاموا به في كربلاء عند شرح ما تم في كربلاء إثناء الحكم الايلخاني.)لابد من القول بأن الحكّام في أي مرحلة من مراحل حكمهم ولأغراض سياسية وسلطوية، يظهرون التزامهم بالدين وتقريب العلماء والقيام ببعض الأعمال التي يبغون منها تأييدا لحكمهم واستمراريته...وعندما يتوغل المرء في جزئياتهم وأعمالهم الأخرى، يجد منها ما يشيب الرأس من فظاعتها. وللأسف فإن كثيراً من الناس يخدعون بأعمال هنا وهناك، مثل حفر نهر أو بناء سور، وتغيب عنهم الصور والنزاعات الأخرى، والأخطر من ذلك كله نرى سلاطينهم قد إنضموا إلى الإسلام بل مالوا إلى موالاة آل البيت لأنهم يعرفون جيدا تأثير أتباع آل البيت وكثرتهم في العراق.يبقى هؤلاء هم محتلون أجانب ينهبون خيرات البلد وثرواته، ويجنون الضرائب والمكوس، ويبقون هم الأسياد وتطال يدهم كلّ شيء والويل لمن يقف بطريقهم... يأخذون فترتهم ويأتي بعدهم من يقوّض دولتهم ويجلس على كرسيهم وهكذا دواليك... والتاريخ الصادق لم يبخل علينا بكل صغيرة وكبيرة. إستوقفتني بعض الكتابات التي مجدّت بالإيلخانيين المغول، وأظهرت بعض سلاطينهم بأنهم
1) مؤيد الدين بن العلقمي يقال بأنه هو الذي سهل لهولاكو إجتياح بغداد، وظلّ يتحمل لعنة الناس والتاريخ على ما يذكر العامة والله أعلم. بينما جاء في دراسة مطولة عن هذا الموضوع في كتاب (سقوط الدولة العباسية) للدكتور سعد بن محمد حذيفة مسفر الغامدي، وإستنتج المؤلف في الصفحة 342 بأن التهم التي ألصقت بابن العلقمي ليس لها أساس من الصحة بعد أن ذكر جميع ما كتب عن هذا الإتهام وناقشه في الكتاب بشكل مفصل.
أسلموا وتشيّعوا وإهتمّوا بالمراقد المقدسة وخاصة في كربلاء والنجف... فالعجب من هؤلاء الكتاب أنه بمجرد أن يجدوا من يقوم بعمل ما إلى مدن العتبات ويتأكدوا من ميله إلى أهل بيت الرسول (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يكون عندهم عظيمًا وكرياً وشهاً وشجاعاً، والحقيقة هي ان الوزراء من العراقيين هم الذين كانوا يقومون بتلك الأعمال باسم السلاطين الذين كانوا يستقرون في إيران وهم منشغلون بصراعهم على السلطة، فتناسى هؤلاء الكتاب أن بلدهم العراق العظيم وشعبه العريق محتل وكذلك مقدساته من قبل أناس وصفوا أصلاً بالهمجية والدموية وليس لهم شأن إلّا توسیع سلطانهم وسيطرتهم ونهبهم للشعوب التي بقيت ترزح تحت رحمتهم سنين طوال من القهر والعبودية والظلم... حتى في نهاية حكمهم نجدهم قد فسحوا المجال إلى إحتلال أجنبي آخر مثل الجلائريين الذين جاءوا بعدهم.)وعلى ما أوردناه على هؤلاء الكتاب نجد أن المذهبية المقيتة والطائفية الفجة أخذت دورها عليهم وبرزت بشكل كبير للأسف وإبتعدوا عن الوطنية... حتى نجد من يساعدهم ويبرر إحتلالهم، بل ويروي لهم متصنعاً ومختلقا روايات هي بعيدة كل البعد عن أصل الشريعة والسيرة، وينقلونها عن أسد الله الغالب الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ زوراً وبهتاناً بحجة الحفاظ على مدن الشيعة ومقدساتها من المراقد، كما فعل ابن طاووس في تأليفه لكتاب (البشارة) وفتواه لهولاكو بعد مناظرته بأن الحاكم الكافر العادل هو أفضل من الحاكم المسلم الجائر !! وكم ترتّب على ذلك... فهل كان هولاكو عادلاً ؟ وكيف عرفوا عدالته ؟!! ...)عليه وجدنا إتماماً للفائدة أن نستعرض بشكل سريع وبشيء من التفصيل حكم هؤلاء المغول وملوكهم ووزرائهم حتى يجد القارئ ما حصل في ثمانين عاماً من حكمهم للعراق والذي كانت كربلاء جزء مهم منه، لنذكر بعد ذلك أحوال كربلاء في فترة حكمهم البغيض، الذي أسس بعدهم إلى حكم الدويلات الأجنبية التي حكمت العراق، وأنهار الدماء التي أريقت من أبناء هذا البلد نتيجة صراعهم على
السلطة والإحتلال بعد أن إنتهت آخر دولة إسلامية حكمت نصف العالم في بعض أيامها على مدى خمسة قرون وهي الدولة العباسية، ودخل العراق ومدنه بعد ذلك في ظلام دامس وتدهور كبير، وتعوّد شعبه حكم الأجانب والغرباء عليه وإليك الآتي:بعد أن إستقر لهولاكو الأمر، كافأ جميع من سهلوا له إحتلاله البغيض، فقدأبيأبقى حاكم الموصل وأميرها بدرالدين لؤلؤ وأقره على إمارة الموصل جزاء خدماته. وأنعم على (الجاثليق وهو رأس الكنيسة المسيحية الذي كان يقيم في بغداد، وأبقى مؤيد الدين ابن العلقمي الأسدي على الوزارة مكافأة له، وعلى صاحب الديوان فخر الدين بن الدامغاني، ونسب تاج الدين علي بن الدوامي صدرا على مناطق الفرات وكان يشغل في عهد المستعصم منصب صاحب الباب، وعلى عزالدين بن أبی الحديد بمنصب كاتب السلة أي صاحب الديوان (كاتب العراق)، وعيّن عبد المنعم البندنيجي بمنصب قاضي القضاة، وأعطى الإشراف على الأوقاف إلى نصير الدين الطوسي، وأعطى ابن طاووس أعمال الكوفة والحلة وتوابعهما كربلاء والنجف) كما سلّمه النقابة وأصبح نقيب النقباء مكافأة له على مواقفه!! وبعد وفاة ابن العلقمي إستوزر ابنه مكان والده ... وهنا المحتل يكافئ الذين ساعدوه على إحتلال العراق.)بعد أن أقرّ هولاكو أسس الإدارة في العراق عاد إلى إيران وإلى مركز دولته الإيلخانية (خراسان التي كانت قاعدة النفوذ المغولي. وكانت تنتشر في خراسان القبائل (التركو (مغولية وبقربها خاصة في إقليم ،آذربيجان، وهذه القبائل التركية إندمجت مع جيوش جنكيزخان وساهمت في القضاء على دولة خوارزم شاه السلجوقي، وإستقرت في سهوب موغان شمال تبريز وبذلك تحولت مدينتا تبريز ومراغة إلى مركزين رئيسيين للتجارة والأعمال فكان طبيعيا أن يتخذ منهما هولاكو عاصمتي دولته الجديدة.)من هنا نلاحظ أن جميع أنواع الغزو والإحتلال يأتي من إيران، فالبويهيون والسلاجقة والمغول، على التوالي سيطروا على العراق ومن ثُمَّ جاء بعدهم الجلائريون
ودولتي الخروف الأسود والأبيض ومن ثَمَّ الصفويون... ويقومون بحكمه من عواصم دولهم في إيران عن طريق وكلائهم في العراق!!بعد إحتلاله بغداد واجه هولاكو عدة مشاكل داخلية وخارجية، ففي منغوليا توفي الخان الأعظم (منكو وتولى بعده (أريق بوقا)، ولكن أخاه (قوبلاي) الذي كان في شمال الصين سنة 658ه-/ 1260م أعلن خلع أخيه ونصب نفسه إمبراطورًا على الصين وبلاد المغول وإتخذ ( بكين ) عاصمة له. وزحف على منغوليا فثارت حرب أهلية بين المغول إنتصر فيها (قوبلاي)، ووقف هولاكو بجانب أخيه قوبلاي بينما وقف ابن عمهم أمير القبائل الذهبية) ضدهما.)سنة 660 ه- / 1261م تفجرت حرب بين أمير القبائل الذهبية (بركة وبين هولاكو، فقد هجم بركة على قوات هولاكو في القوقاز، ولم ينتصر أحد في هذه الحرب مما دعا بركة إلى تطوير علاقاته مع حكام المماليك في مصر وإنتعشت التجارة بين مصر وموانئ البحر الأسود التي كانت تحت سلطة القبائل الذهبية، وخاصة تجارة الرقيق الأبيض من بلاد القوقاز إلى مصر، وكانت هذه التجارة هي " المصدر الرئيس الذي يزوّد جيوش المماليك في مصر بالرجال.)وبعد معركة ( عين جالوت التي إنتصر فيها مماليك مصر بقيادة (قطز) على جيوش هولاكو المغولية عندما أرادوا الوصول إلى مصر بعد إحتلالهم لبلاد الشام.)وعند رجوع قطز إلى القاهرة منتصرا إغتاله أحد قادة المماليك وهو (بيبرس البندقداري وإعتلى عرش المماليك في مصر سنة 658ه-/ 1260م. وبعد أن تولى بيبرس عرش مصر جاء برجل يقال أنه من بني العباس ونصبه خليفة في القاهرة سنة 659ه-، وكان بيبرس يرمي إلى إحياء الخلافة العباسية في مصر ليمنح سلطته الصفة الشرعية باسم الخلافة الإسلامية.)وهنا فإن أمير القبائل الذهبية (بركة ابن عم هولاكو وعدوه، إعترف بتلكالخلافة وعزز سلطان المماليك (بيبرس) ودعم جهوده للتصدي لجيوش هولاكو.)
وإنتشر الإسلام في أقاليم (بركة وكان هو أول أمير مغولي من سلالة جنكيز خان يعتنق الإسلام، ولم يكن بركة راضياً عن إحتلال هولاكو لبغداد، وأغضبه إسقاط الخلافة العباسية والقضاء على المستعصم.)أمّا هولاكو فقد كان بوذياً، بل وكان يساعد المسيحيين بتأثير من زوجته (دقوز خاتون وكان يفضّلهم على المسلمين.)توفي هولاكو سنة 663ه- / 1265م قرب بحيرة أرومية في شمال غرب إيران، وتولى الحكم ابنه (آباقا الذي كان حاكما على مازندران الإيرانية. وواجه آباقا حرباً مع بركة ومع ملوك ما وراء نهر جيحون من سلالة (جغتاي). وكان (براق بن جغتاي) أول من أسلم من ملوك ماوراء نهر جيحون وتركستان، وسمّى نفسه (السلطان غياث الدين)، وبعده أسلم الكثير من أمراء المغول في تلك الأصقاع (1). وهؤلاء كانوا على الضد من هولاكو وابنه آباقا.)وجه أباقا أنظاره إلى غرب دولته بعد أن إنتصر على جيوش قبائل المغول من أولاد عمه فيما وراء النهر. فقد وجّه إهتمامه نحو المماليك الذين إحتلوا دمشق وحلب، وإستمرت المجابهات العسكرية معهم أكثر من عشر سنوات حتى وفاة ( بيبرس ومن دون نتائج.)ونتيجة لصراعه مع المماليك فقد أقام علاقات وديّة مع الدويلات الصليبية في عكا وطرابلس، وطوّر علاقاته مع بعض الدول الغربية المسيحية التي كانت تساند الدويلات الصليبية في بلاد الشام، مثل دولة البابا وملك فرنسا.وفي سنة 680ه-/ 1282م توفي السلطان آباقا بن هولاكو بعد أن حكم ثمانية عشر سنة، وإثناء حكمه تباعد عن إمبراطورية الخان الأعظم في الشرق (الصين. وأبطل التقليد السابق الذي كان يذكر فيه اسم الخان الأعظم أولاً في عناوين الأحكام فكان اسمه يذكر أصالة.)
1) تاريخ العراق بين إحتلالين : عباس العزاوي، ج 1، ص 263.
بعد وفاة أباقا إجتمع عدد من أمراء المغول مع شمس الدين الجويني صاحبالديوان وقرروا تولية (توكودار الابن السابع لهولاكو.)بعد أن إعتلى العرش أعلن إعتناقه الإسلام وسمّى نفسه (أحمد، فكان أول من أسلم من أولاد هولاكو. ولكن السلطان أحمد هذا واجه في البداية خصا عنيدًا هو (آرغون) ابن آباقا الذي يطالب بالعرش وكان مدعومًا من جماعات عسكرية بوذية. حيث توجه آرغون إلى بغداد وإرتبكت بوجوده الإدارة في العراق. فقد كان همّه جمع الأموال بالتعسف فهرب الكثير من سكان بغداد ونهبت دورهم، وبعد جمعه الأموال عاد إلى خراسان وإتبع هناك نفس السياسة، فجهز له السلطان أحمد (عمّه) جيشاً بقيادة ( علي ناق) وإلتقى الجيشان خارج مدينة قزوين فتراجع جيش السلطان أحمد، وعاد آرغون إلى خراسان.)بعدها حشّد السلطان أحمد جيشاً آخر بقيادته وسار إلى خراسان ولكنه إنهزم في هذه المعركة وتم قتله ومن ثَمَّ تم إعلان (آرغون سلطانا جديدا وكان ذلك سنة 683 ه-. وعندما إعتلى أرغون العرش كان عهده محنة للمسلمين، حيث ذاقوا الظلم والإبتزاز والتعسف مدة حكمه. وولّى آرغون ابنه (غازان) على خراسان.)### من كان يحكم العراق؟كان السلطان المغولي يعيّن منتدبًا عنه لحكم العراق يسمّى (صاحب الديوان، فكان علاء الدين عطا ملك الجويني هو الذي يدير العراق، فقد أقصاه آباقا وسلّم إدارة العراق إلى مجد الملك اليزدي الذي ألقى الجويني في السجن وصادر أمواله، وعندما حكم السلطان أحمد (توكودار) أطلق سراحه وأعاده إلى إدارة العراق. وعندما إعتلى العرش أرغون إختفى علاء الدين وعيّن السلطان الأمير تاج الدين علي جكيبان مشرفًا على العراق.)
لمّا كان آرغون شديد النزعة لجمع الأموال فقد عهد إلى طبيب يهودي مشهور ببراعته في الاستحواذ على أموال الناس بمهمة الجباية والضرائب في العراق، وأنعم عليه بلقب (سعد الدولة، وهذا اليهودي عيّن إخوته ولاة في بغداد والموصل وبذلك أخذ اليهود يتسلّطون على رقاب الناس وسياسة آرغون لجمع الأموال دعت بسعد الدولة اليهودي إلى مطالبة ولاة الأعمال بالأموال وبالقوة، فقد ضُرب ناظر الكوفة حتى الموت وصودرت أملاكه لعدم تمكنه من دفع ما يريده السلطان، وكذلك عميد بغداد الذي ضربوه وباعوا أملاكه وأمتعته لدفع ما تخلّف عليه من ضمان الحلة. وجمعوا الأموال وأرسلوها إلى عاصمتهم عندها رفع السلطان آرغون مقام سعد الدولة اليهودي فوضعه مشرفًا على صاحب الديوان.)ودام حكم آرغون ثماني سنوات وتوفي سنة 690ه-/ 1291م مسموماً، وعندما كان على فراش الموت إنفجر الغضب في شيراز ضد اليهود، فأخذ الناس يقتلونهم وينهبون أموالهم، وإعتقلوا الوزير اليهودي سعد الدولة وتم إعدامه.بعد وفاة آرغون إختار الأمراء أخاه (كيخاتو الذي كان حاكما لآسيا الصغرى. وهذا عيّن جمال الدين الدستجرداني على ولاية ،العراق، وبعد سنتين عيّن مكانه شمس الدين محمد التركستاني المعروف بالسكورجي.)وواجه (كيخاتو مشاكل في وسط العراق من قبل العشائر العراقية، وأرسل جيشًا إليهم ولم يتمكن منهم فقام الجيش بنهب أموال الناس ومزروعاتهم وسبى نساءهم في القرى والبلدات التي مرّ بها الجيش الذي يقوده (بايدو).)وبسبب ضعف كيخاتو والمشاكل التي ورثها من حكم اخيه آرغون التي إستمرت تتفاقم وتزداد، فقرر الأمراء التخلص منه بالإتفاق مع قائده (بايدو الذي تسلم الأمر بعده. ولم يستمر بالحكم سوى بضعة أشهر حيث وقف ضده في خراسان)(غازان بن آرغون الذي قتل بايدو في سنة 694ه- / 1295م وإعتلى العرش.)
بعد أربعة عقود من حكم الدولة التي أسسها هولاكو في إيران والعراق، برزت ظاهرة تحول المغول إلى الدين الإسلامي. فأعلن السلطان غازان إعتناقه الإسلام ودخل تبريز وصلى في جامعها. وبذلك أخذ المغول يدخلون الإسلام أفواجا. ونهم عدد كبير من أمراء المغول وأفراد الأسرة المالكة. وأصبح اسم السلطان (محمودغازان، ودعا المغول بأمر سلطاني (برليغ) إلى قبول الإسلام وأمرهم أن يحكموا بالعدل بين الناس وأمر أن تقوض دور الأصنام والكنائس ومعابد المجوس، وتم تجريد الكهنة البوذيين من إمتيازاتهم. وكانت للسلطان غازان أعمال وإصلاحات في العراق لم نجد غيره من سلاطين المغول قام بمثلها، وخاصة في كربلاء.)توفي السلطان محمود غازان سنة 703ه- / 1304م ودفن في تبريز. وإعتلى العرش بعده أخيه (الجايتو بوصية منه ، وسمّى الجايتو نفسه (محمد خدا بنده) أي (محمد عبد الله) وتلقب ب- (غياث الدين). ولم يكن خدا بنده ميّالاً للإصلاح بقدر إهتمامه في الإنجازات العسكرية في القوقاز وبلاد الشام وتوارث ما وراء النهر .)كان السلطان محمود غازان عندما أسلم إتبع مذهب اهل السنة، أمّا أخوه خدابنده فقد تشیّع بتأثير من العالم الشيعي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي الأسدي المعروف بالعلامة الحلي. بينما جاء في دائرة المعارف الحسينية أنه أسلم على يد الشيخ إبراهيم سعد الله محمد بن حمويه الجويني المتوفى عام 722ه- / 1322م والذي كان من أعلام كربلاء (1.)وفي أيام خدابنده حدثت وقائع بين السنة والشيعة في إيران والعراق، وساعد الشريف حميضة على استرجاعه شرافة مكة. توفي خدابنده سنة 716ه-/6 /1316م وعمره 32 عام وتولى ولده أبو سعيد بهادر السلطنة وكان قاصرًا فتولى السلطة الفعلية الأمير (جوبان الذي كان من أهل السنة وصياً عنه، فعاد نفوذ أهل السنة حتی أن السلطان أبي سعيد بهادر إعتنق ذات المذهب. وعندما تسلط جوبان على)
1) دائرة المعارف الحسينية تاريخ المراقد : للكرباسي ج 2 هامش (5)، ص35.
الحكم حدثت نزاعات وصراعات خاصة في العراق الذي نال قسطا من الاستقرار في عهد غازان و خدا بنده.وإستمر تسلط الأمير جوبان على أبي سعيد بهادر حتى سنة 728ه- فقد إنتفض عليه السلطان وإشتبكا في حرب قرب خراسان قُتل فيها جوبان وأولاده وإنتصر أبو سعيد وإستلم بشكل مباشر مقاليد سلطنته، غير أن وضع الدولة لم يعد كسابق عهده ونشبت الصراعات بين أفراد الطبقة الحاكمة. وتوفي السلطان أبو سعيد بهادر بن خدابنده سنة 737ه-/ 1336 م من دون عقب وكان عمره 30 عام، ويقال أن موته كان مديراً.من ذلك كله نجد أن ثمانين سنة حكم فيها المغول العراق ومدنه، شهد البلد جملة من الإضطرابات والمشاكل ولم يهدأ الا في عهد محمود غازان ومحمد خدابنده...فقد دفع العراقيون دمائهم وأموالهم بسبب تلك الصراعات والإضطرابات، وكان السلاطين في إيران ووكلائهم في العراق ... فكانت فترة حكمهم هي استمرار لفترات التخلّف والظلام التي سادت العراق ومدنه عدا بعض الإصلاحات التي لم تكن إلّا جرعات إصلاحية لم تدم طويلا.قد يكون ما نقلناه أعلاه هو خارج موضوع بحثنا عن كربلاء، ولكن وجدنا أنه من الضروري استعراض ولو بشكل سريع هذا العهد، لما ترتب من بعده وبسببه استمرار سيطرة الدويلات على العراق، كما سنجده في عهد الجلائريين الذين هم نتاج المغول وبعدهم حكم تيمورلنك ودولتي الخروف الأسود والأبيض ومن ثَمَّ الدولة الصفوية فالعثمانية، وكل هذه الأدوار كانت عهود ظلامية تأثر بها العراق وشعبه، وكذلك كربلاء وسكانها الذين هم جزء مهم من العراق، وما سوف نذكره لاحقاً حسب تسلسل البحث سيجد القارئ صحة ما نذهب إليه...
### الحالة العامة في كربلاء أيام المغولبقيت الحالة مستقرة في كربلاء من دون أي تقدم أو عمران داخل المدينة، وبقي مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ على حاله من دون تعمير أو توسيع منذ آخر عمارة شيدّت عليه عدا ما قام به الناصر لدين الله العباسي سنة 620ه-/ 1223م من بعض الإصلاحات فيه لقدم عمارته.لكن في هذه الفترة ازدادت الهجرة إلى كربلاء وخاصة في ضواحيها حيث استقر الكثير من أفراد القبائل العربية وأسسوا لهم مزارع وتجمعات سكنية، كل ذلك كان يتأثر بالمياه التي تصل من نهر الفرات، حيث إن مصادر المياه كانت تقل لعدم صيانة مجرى الأنهار التي كانت تتجه إلى الحائر وما حوله لتروي أراضيه.وبعد انحسار دور السلاجقة الذين لم يكن لهم دورٌ مهم في تطوير المدينة الّا ما ندر، كانت كربلاء تتبع حينها إلى إدارة الإمارة المزيدية الأسدية في الحلة. وعندما إحتل هولاكو بغداد وقضى على الدولة العباسية، فقد قسم الأراضي العراقية إلى مناطق إدارية، كانت كربلاء تتبع المنطقة الإدارية للكوفة والحلة. وقد وضعت كربلاء كما النجف تحت إشراف ابن طاووس الذي ولّاه هولاكو نقابة الطالبيين والإشراف على المشهدين الغروي (مشهد الإمام علي والحائري (مشهد الإمام الحسين)، وذلك لوقوفه مع هولاكو ويقال أن موقفه ذلك جاء لسلامة الحلة والنيل والمشهدين الشريفين من القتل والنهب والدمار (1)!!)و في هذا الوقت وبعد زوال الإمارة المزيدية الأسدية فقد إرتحل الكثير من الأفراد التابعين للإمارة وهم من الأسديين إلى كربلاء وإتخذهوها سكنا ومستقرا وإنتشروا في أرجائها.
1) جاء في عمدة الطالب، ص 190 من طبعة دار الأندلس في النجف عن ابن طاووس ما نصّه: «وأما عز الدين الحسن فأعقب مجد الدين محمداً السيد الجليل. خرج إلى السلطان هولاكو خان وصنّف له كتاب (البشارة) وسلم الحلة والنيل والمشهدين الشريفين من القتل والنهب ورد إليه حكم النقابة بالبلاد الفراتية فحكم في ذلك قليلا ثم مات دارجا ».
إزدادت الحركة العلمية الدينية في كربلاء إثناء هذه الفترة نتيجة إرتحال عدد من العلماء الحليين إليها وتأسيسهم فيها مدارس دينية وفقهية، وذلك لقرب كربلاء من الحلة التي كانت وقتها مقرا للمرجعية الشيعية.### السيد أبي العباس بن أبي طاهر محمد الحسيني نقيب الحائرهو أبي العباس بن أبي طاهر محمد بن شهاب الدين علي بن أبي طاهر محمد بن أبي البركات محمد ( نقيب الموصل بن أبي الحسين زيد بن أبي عبد الله أحمد (أمير الحاج) نقيب الطالبيين في الكوفة بن أبي علي محمد (أمير الحاج) بن أبي الحسين محمد (الأشتر ) بن عبيد الله (الثالث) بن أبي الحسن علي بن عبيدالله (الثاني) بن علي الصالح بن عبيد الله (الأول) الملقب بالأعرج بن الحسين الأصغر بن الامام علي زين العابدين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). ذكر العبيدلي في التذكرة نسبه وإنه كان نقيب المشهدين (أي الغروي والحائري) والكوفة(1).)### زيارة ابن الدويدار إلى كربلازيارة ابن الدويدار (2إلى كربلا)زار كربلاء جلال الدین بن مجاهد الدين أيبك الصغير (المعروف بابن الدويدار، كما زار مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وذلك سنة 662ه- / 1264 .)جاء في الحوادث الجامعة لابن الفوطي ما نصه: «... ثم إن ابن الدويدار شرع في بيع ماله من الغنم والبقر والجواميس وغير ذلك. وإقترض من الأكابر والتجار مالاً كثيرًا، وإستعار خيولاً وآلات ،سفر، وأظهر أنه يريد الخروج إلى الصيد، وزيارة
المشاهد، وأخذ والدته وقصد مشهد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ثم توجّه إلى الشام، فأخّر عنه جماعة ممن صحبه من الجند لعجزهم فلما عادوا أخذهم قرابوغا شحنة بغداد وقتلهم...» (1). ويبدو ابن الدوايدار كان شخصية مهمة ولا نعلم عن سبب توجهه للشام وتظاهره بالخروج للصيد والله أعلم.)### السلطان المغولي (أرغون وكربلاء)ذكر بعض الذين كتبوا عن تاريخ كربلاء أن السلطان المغولي (آرغون بن آباقا بن هولاكو كانت له أعمال محمودة في كربلاء منها حفره نهر يصل إلى المدينة بعد أن كانت تعاني من العطش، وأنه ولحبّه الشديد لأئمة أهل البيت عليهم السلام فقد قام بذلك وأنه زار المشهد الحسيني،... إلخ.وللأسف الشديد نجد أن الباحثين الكربلائيين على وجه الخصوص ممن أكّدوا ذلك كانوا غير موفقين تماماً في نقلهم هذا الموضوع . فقد ذكر مؤلف كتاب مدينة الحسين في السلسلة الثانية من كتابه ص 128 نقلاً عن كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد لمؤلفه الأب أنستانس الكرملي في الصفحة 13 أن السلطان آرغون وبسعي محمود قام بحفر نهر جديد يخرج من الفرات ويدفع ماءه إلى سهل كربلاء!!، وكان هذا النقل من غير دراسة وتمحيص، على الرغم من أنه ذكر عن عباس العزاوي في كتابه تاريخ العراق بين إحتلالين أن النهر المقصود حفره الوزير علاء الدين الجويني، وأورد النص دون تمحيص وتحليل أيضاً !!والأغرب من ذلك نجد ما أورده مؤلف دائرة المعارف الحسينية الشيخ محمد صادق الكرباسي ما نصّه:«وما بين سنة 683ه- - 690 ه- حكم السلطان آرغون المغولي العراق فزار خلالها الحائر الحسيني فشاهد إنقطاع الماء عن مدينة كربلاء عبر نهر العلقمي الذي إنطمر نتيجة عدم العناية بكريه وتنظيفه ولشدة حبّه لأهل
1) الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة ابن الفوطي، ص 252 .
البيت ( عَلَيْهِ السَّلَامُ فإنه سعى لحفر نهر جديد يصل الفرات بالحائر، وهو النهر الذي يعرف اليوم بنهر الحسينية »(1)!!)وجاء في كتاب مدينة الحسين ما نصه : يميل فريق من المؤرخين إلى الإعتقاد بأن هذا النهر هو النهر الذي قام بحفره الصاحب علاء الدين الجويني بتاريخ 11 جمادي الأول سنة 683ه- / 1284م وفي هذا التاريخ يصادف العام الذي جلس السلطان أرغون على سرير الملک وقهر عمه السلطان أحمد (وهو أول ملك من ملوك التتر الذين أسلموا وكان القصد من حفره لهذا النهر إروائه أرض النجف الأشرف. وقد صرف على حفره أموالاً وافرة قدرت بمئة ألف دينار ذهباً. فتأسست عمارات وقرى على جانبيه. فإنقلبت تلك الأراضي القاحلة إلى مزارع متصلة. والظاهر أن النهر المذكور هو المعروف اليوم (كري سعدة)(2).)نقول:1 - السلطان المغولي آرغون بن آباقا بن هولاكو إعتلى عرش السلطنة عام 683 ه- بعد قتله لعمّه السلطان أحمد (توكودار الذي كان أول من أسلم من أولاد هولاكو. وكان آرغون بوذيا ويقاوم إنتشار الإسلام بين المغول، وكان عهده عهد محنة للمسلمين. فقد تعرضوا طيلة سنين حكمه إلى ظلم وإبتزاز وتعسف لم يشهده المسلمون حتى في عهد السلطان آباقا.)2- لم يُذكر أن أرغون قد زار كربلاء في المصادر التي كتبت عن تاريخ المغول في العراق... لأنه لم يُسلم، بل كان بوذيًا متشددًا ، ولا أعلم من أي مصدر إعتمد عليه الكرباسي حينما قال بأن ارغون كان شديد الحب لأهل البيت (عَلَيْهِ السَّلَامُ. وكان في هامشه قد إعتمد على تراث كربلاء والفوز بالمراد للكرملي. فعند مراجعة)
تراث كربلاء ص 42 لم نجد ما يثبت ذلك، وأما الكرملي فقد ذكر ما نقلناه أعلاه فقط في ص 13 من كتابه.أمّا أن يكون النهر المزمع هو نهر الحسينية الحالي كما ذكره الكرباسي، فإن نهر الحسينية الحالي أمر بحفره السلطان العثماني سليمان القانوني في منتصف القرن السادس عشر الميلادي وسمي بنهر السليمانية في حينها.3- ذكر الكرباسي في هامش رقم 6 في الصفحة 34 من كتابه دائرة المعارف الحسينية (تاريخ المراقد الجزء الثاني، أن ارغون المغولي ابن أباقا خان بن هولاكو، كان أول سلطان مغولي يعلن إسلامه. وهذا يدل على أن الشيخ الكرباسي لم يقرأ التأريخ جيدًا، لأن أول من أسلم من سلاطين المغول هو السلطان (توكودار) الابن السابع لهولاكو، الذي إعتلى العرش بعد أخيه (آباقا)، وأعلن إسلامه بعد إعتلائه العرش وسمّى نفسه (أحمد) فهو أول من أسلم وليس (آرغون) الذي كان بوذيا ومات ولم يُسلم. والأكثر غرابة عندما يذكر الكرباسي في نفس الهامش نقلاً عن كتاب رحلة محمد هارون لكربلاء قصة عن أحد الدراويش الذي وحده يسكن كربلاء واسمه دادشاه الذي كان يسرج كل ليلة قبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وجاء سلطان المملكة الرومية وطلبه ولم يذهب إليه فإضطر السلطان للمجيء بنفسه وطلب من هذا الدرويش علاج ابنته فأعطاه من تراب الحسين وشفيت البنت وطلب منه السلطان إن كانت له حاجة فوافقه داد شاه إلى ذلك، أن يحفر نهراً من المسيب إلى أرض الحائر فوعده بذلك وحفر النهر فإزدهر الحائر وسكنوها (الصحيح سكنوه). فإستنتج الكرباسي أن هذا السلطان هو آرغون وهو الذي حفر هذا النهر عندما جاء إلى الديار (1)!!)
1) راجع دائرة المعارف الحسينية تاريخ المراقد الكرباسي، ج 2 هامش 6 ، ص 34 وص 35. علما بأن الدرويش المذكور في رحلة محمد هارون هو كداء (شاه وليس داد) شاه ولم يذكر محمد هارون اسم السلطان في الرواية، فالكرباسي إستنتج أنه أرغون كما أن كربلاء كانت مسكونة أيام الحكم المغولي الإلخاني ولم تكن خالية من السكان، وإذا كان موضوع عطش كربلاء وقلة حصولها على المياه فإن السلطان العثماني سليمان القانوني هو الذي حفر نهر الحسينية، وليس ما يذكره الكرباسي بأن النهر الذي يؤكد أن أرغون قد حفره هو نهر الحسينية وهو خطأ كبير ينم عن عدم متابعة ودراسة من قبل الكرباسي. ونرجو مراجعة كتابنا (كربلاء) في أدب الرحلات، ص292 ، وكتاب الرحلة العراقية لمحمد هارون إعداد الشيخ أحمد الحائري، ص 109 .
4- إذا كان النهر المذكور هو النهر الذي حفره الوزير علاء الدين الجويني في سنة 683 ه- كما ذكر مؤلف مدينة الحسين بقوله ( والظاهر أنه نهر كري سعدة... مع العلم أن نهر كري سعدة تم حفره في العقد الثاني من القرن الأول الهجري، وقد إتخذ من خندق سابور مجراه في بعض ممراته، وقد تم شرح ذلك في موضوع أنهار كربلاء في ج 1 من هذا الكتاب.)وإن علاء الدين الجويني لم يكن وزيراً في العراق أيام السلطان آرغون، حيث كان لعقدين من الزمن منذ 658ه-/ 1260م وزيراً في العراق بعد ابن مؤيد الدين بن العلقمي، وعندما إعتلى العرش أباقا أخرجه من الوزارة. وعندما تولى أحمد توكودار العرش أعاده للوزارة، وعندما جاء أرغون إختفى علاء الدين سنة 683ه- / 1284م ومات بعدها.فإذا كان النهر المقصود هو الذي حفره علاء الدين الجويني فلم يكن ذلك في زمن آرغون. كما أن النهر هو بعيد في مجراه عن قصبة كربلاء لأنه حفر أصلاً لإيصال الماء إلى النجف.5 - ذكر العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين ما يلي: « إن علاء الدين الجويني أجرى نهراً من قصبة الأنبار إلى النجف الأشرف صرف له مبالغ وافرة قدرها بمائة ألف دينار ذهباً فتأسست عمارات وقرى على جانبيه وعددها مائة وخمسون قرية، فإنقلبت تلك الأراضي القاحلة إلى مزارع متصلة، ويذكر بأن الجويني أمر ببناء رباط بمشهد الإمام علي بن أبي طالب في النجف ليسكنها المقيمون المجاورون ووقف عليه وقوفًا كثيرة وأدَرّ لمن يسكنه ما يحتاج إليه »(1.)
1) تاريخ العراق بين إحتلالين : عباس العزاوي، ج 1، ص310.
أمّا هامش مدينة الحسين الذي ذكر فيه عن تاريخ الحلة، فالذي قاله يوسف کرکوش مؤلف تاريخ الحلة في ج 1 ص 83 هو ما يلي : «في سنة 698 جاء السلطان غازان إلى العراق وتوجه إلى الحلة لزيارة المشاهد الشريفة، وأمر للعلويين بها بمال كثير ثم أمر بحفر نهر بأعالي الحلة فحفر وسمّي النهر الغازاني، تولّى ذلك شمس الدين صواب الخادم السكورجي، ثم سار إلى بغداد... »(1.)وقد يكون إلتباس الأمر بين النهر الذي حفره علاء الدين الجويني الذي كان فينفس السنة التي إعتلى أرغون العرش.وفي إحتمال ثاني هو أن غازان بن أرغون كانت له أعمال جليلة في حفر الأنهار لقصبة كربلاء وما جاورها، فحدث الإلتباس بين اسم آرغون وابنه غازان الذي أسلم وزار كربلاء عدة مرات كما سيتم شرحه لاحقا.وعليه فنحن نؤكد بأن أرغون لم يَزُر كربلاء، ولم يفتح بها نهراً، ولم يكن شديد الحب لآل البيت عليهم السلام، ولم يرغب بالصرف على العراق، لأنه كان بوذيّاً وعرف بأنه كان شديد الظلم والتعسف في جمع الأموال بالقسر كما أوضحنا ذلك عند شرحنا للعهد المغولي سابقاً. ومن كتب غير ذلك فهو مخطئ وغير دقيق في بحثه. وقد ناقشنا ذلك لأن الكثيرين ممن كتبوا عن تاريخ المدينة وقعوا بمثل هذه الأخطاء التي نعتبرها كبيرة، وكانت غايتنا التصحيح ليس إلّا...عساكر السلطان كيخاتو بن آباقا (2تمر بكربلاء)عندما توفي السلطان آرغون سنة 690ه- / 1291م إختار الأمراء بعد تردد أخاه (كيخاتو الذي كان حاكما على آسياالصغرى. وكان كيخاتو قد ورث مشاكل وإضطرابات قبلية وأزمات إقتصادية تعاني منها الدولة.)
1) تاريخ الحلة، القسم الأول، في الحياة السياسية : الشيخ يوسف كركوش، ج1، ص83.
2) السلطان كيخاتو بن آباقا بن هولاكو تسلم الحكم سنة 690 ه- بعد وفاة أخيه آرغون، وحاول أن يقوم ببعض الإصلاحات ولكنه فشل وقرر الأمراء المغول التخلص منه، فقتلوه بالإتفاق مع قائده (بايدو)الذي تســلم الأمر بعده والذي لم يدم حكم بايدو ســوى بضعة أشــهر حيث وقف ضده (غازان بنآرغون) وإنحاز العسكر إلى جانب غازان وتم قتل بايدو أواخر سنة ٦٩٤هـ، وإعتلى غازان العرش.
وصلت إليه أخبار تشير بأن رجال العشائر العراقية في واسط قد تمردوا على الحكومة، فأمر كيخاتو القائد (بايد و ابن طرطاي بالمسير إليهم.)دخل بايدو بغداد وإنحدر إلى واسط، لكن جيشه لم يتمكن من رجال العشائر الذين إعتصموا بالأهوار والبطائح، فإضطر بايدو العودة بجيشه.إثناء العودة أخذ يهاجم القرى والبلدات وينهب المزروعات وأموال الناس وما عندهم من غنم وبقر وجواميس وسبى النساء وأخذ الأسرى ونهب سفن كانت قادمة من الجنوب وسلب ما كان لدى التجار (1.)لم يكتف (بايدو بذلك بل أخذ يشن الغارات في غرب الفرات، فتوجه بايدو بعسکره نحو كربلاء ولم يدخلها، بل سار إلى عين التمر ) وأغار عليها ونهبها، ومن ثُمَّ توجه إلى الكبيسات، وعاد بعسكره إلى بغداد ومعهم ما يقارب الثلاثين ألف أسير، وكان ذلك عام 693ه- / 1294م.)وصلت أخبار ما قام به بايدو إلى السلطان كيخاتو عن طريق وزيره ببغداد، فأمر بحبس بايدو وحرر الأسرى، ولم يدم حبس بايدو سوى ثلاثة أيام لأنه كان یتمتع بنفوذ كبير في الأوساط البوذية في السلطنة.### مصحف المستعصمي يُهدى للروضة الحسينيةأهدي مصحف إلى الروضة الحسينية في عام 693ه- / 1294م . و وكان المصحف بخط ياقوت المستعصمي، وهو ياقوت ابن عبد الله المكنى بأبي الدر وأبي المجد والملقب بجمال الدين وأمين الدين، وهو من أشهر خطاطي العرب ببغداد، وكان ياقوت مملوكًا للخليفة المستعصم بالله العباسي الذي لقب به، والمتوفى سنة 698ه-/1299م. وهذا المصحف من أقدم المصاحف التي أهديَتْ لمرقد الحسين ولا زال موجودًا في خزانة
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي ج١ ،ص٣٥٧.
الروضة الحسينية. وهناك مصاحف بديعة ورائعة ونادرة موجودة الآن في الروضة الحسينية أقدمها خُط عام 247ه-، وهذه المصاحف التي أُهديث لمرقد الحسين بعد القرن الحادي عشر الهجري. ويبقى مصحف المستعصمي هو أول مصحف أهدي للروضة المقدسة.### زين الدين أبو طاهر هبة اللهحاكماً ونقيبا للحائرتولّى نقابة الحائر أيام السلطان غازان السيد زين الدين أبو طاهر هبة الله بن فخر الدين يحيى بن أبي طاهر ( هبة الله بن أبي الحسن علي بن أبي عبد الله محمد مجد الشرف، ويرجع نسبه إلى الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن الإمام علي زين العابدين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ). ولّي النقابة الطاهرية وصدارة البلاد الفراتية (1). وقد ذكره ابن زهرة نقيب حلب في غاية الإختصار وقال :«ولّي صدرية البلاد الحلية والكوفة ونقابتها مع المشهدين الغروي والحائري، فإستقر فيها عن سياسة ورياسة وسماحة... وقد فاق أضرابه كرماً ونبلاً ورفعة وصلات وبرا وشرفًا »(2).)زيارات السلطان محمود غازان لكربلاءإعتلى عرش المغول السلطان غازان بن آرغون بن آباقا بن هولاكو سنة 694ه- / 1295م، وكان قبلها واليا على خراسان في عهد أبيه وعمه كيخاتو. وإعتنق غازان الإسلام على يد الشيخ إبراهيم سعد الله محمد بن حمويه الجوي وسمّى نفسه (محمود غازان. ودخلت ظاهرة تحول المغول إلى الإسلام مرحلة حاسمة، بحيث إعتنق الكثير منهم الدين الإسلامي.)
كان السلطان محمود غازان قد إشتهر بإصلاحاته وخاصة في العراق وكل ما قام به في زياراته لكربلاء هو إصلاح النهر الذي كان يرويها، وهدايا للمراقد.في سنة 696ه-/ 1297م توجه بعسكر كثيف نحو العراق، وكان سلوك عساكرهقد أدهش الناس لعدم إعتدائهم على الفلاحين وبقية الناس عندما يمر بهم العسكر كما كان مألوفًا في أيام من سبقوه. وعندما وصل بغداد توجه إلى الحلة ومنها إلى النجف، ثم قصد كربلاء. وتكررت زياراته إلى كربلاء ثلاث مرات.أ. زيارة غازان الأولى كانت سنة 696ه- / 1297م ، حيث زار كربلاء ومرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، وفي زيارته هذه أمر بشيء كثير من الأموال للأشراف العلويين والفقراء. ومن كربلاء عاد إلى الحلة متصيدا ومنها قصد زيارة الصحابي سلمان الفارسي، وعاد بعدها إلى بغداد.)ب. الزيارة الثانية وحفره النهر الغازاني كانت سنة 698ه-/1299م، عندما جاء إلى العراق وزار مشهد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ في النجف، وبعدها توجّه إلى كربلاء حيث زار مشهد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ). جاء في الحوادث الجامعة لابن الفوطي في حوادث سنة 698ه- ما نصّه : «ثم توجه إلى الحلة وقصد زيارة المشاهد الشريفة وأمر للعلويين والمقيمين بها بمال كثير، ثم أمر بحفر نهر بأعلى الحلة فحفر وسمي النهر الغازاني، تولى ذلك شمس الدين صواب الخادم السكورجي وغرس الدولة ...»(1). وأنه أقام في كربلاء ستة أيام.)كان برفقة السلطان محمود غازان الشيخ إبراهيم بن حمويه الجويني المعروف بصدر الدين أبو المجامع ابن سعد الدين الشافعي الصوفي. في هذه الزيارة إلى كربلاء أمر السلطان محمود غازان بشق نهر يخرج من الفرات لتجري مياهه إلى مشهد الإمام الحسين في كربلاء.
1) الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة: لابن الفوطي، ص 335.
عن هذا المشروع ذكر رشيد الدين فضل الله في كتابه (جامع التواريخ بعض التفاصيل عن هذا المشروع الإروائي. وجاء في كتاب العراق في عهد الإيلخانيين ما نصّه:«إن غازان أمر بفتح نهر في منطقة الحلة سمي بالنهر الغازاني أوصله إلى مشهد الحسين حتى أخذ يسقي أراضي كربلاء اليابسة فأصبحت الممتدة على جانبيه مليئة بالحدائق والبساتين وأصبحت السفن القادمة الأراضي من بغداد وغيرها من دجلة والفرات تستطيع الوصول إلى المدينة، وإرتفع إنتاج غلات المنطقة إلى ما يقارب المائة ألف طغار. وأصبحت صادراتها من الحبوب والخضروات الفاخرة تصل إلى بغداد وأعمالها ... وإن غازان أوصل الماء في فرع من النهر المذكور إلى مشهد سيدي (أبو الوفاء) في نهر سمّي بالنهر الغازاني الأسفل وأوقف الكثير من الأراضي الجديدة على خدمة المشهد المذكور» (1).)وفي زيارته هذه أمر بتنظيف مجرى نهر العلقمي وإعادة المياه إليه لراحة المجاور والزائر وكلف بهذا العمل بعض مساعديه وهما غرس الدولة وشمس الدين صواب الخادم السكورجي. وقد أرخ هذا العمل المرحوم الشيخ محمد السماوي في إرجوزته الشهيرة حيث قال:ثمّ التَوَتْ مياهه بالجرفِ ولم يكد ينفع أهل الطف حتى أعاد العلقمي ثانياً*** محمود ثم سُمي الغازانيا*** قام به وزيره الجويني على حين جاء للحسين في سنة التسعين والثماني*** من بعد ستمئة فوانِ (2)إختلط الأمر هنا على المرحوم السماوي، فإن النهر الغازاني يختلف عن نهر العلقمي الذي تم إصلاحه. أما الجويني فهو ليس علاء الدين الجويني الذي شق
نهراً من الفرات ليوصل ماءه إلى النجف، وهو ما دفع الكثير بأن يعتقدوا ذلك وقد أوضحناه سابقا.ت. زيارة غازان الثالثة: كانت هذه الزيارة الأخيرة التي قام بها السلطان محمود غازان إلى كربلاء وذلك في سنة 703ه- / 1303م ، وهي السنة التي توفي فيها. وعندما زار كربلاء ومشهد الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ قدم هدايا كثيرة للروضة المقدسة وزينها بالتحف النفيسة. جاء في موسوعة العتبات المقدسة – قسم كربلاء، عن دائرة المعارف الإسلامية مانصّه : « ... وزيارة الإيلخان غازان للضريح المقدس في كربلاء سنة 703 ه- / (1303م) وتقديمه هدايا كثيرة له... »(1).)### أبو القاسم جلال الدين نقيباً للحائر بعد مقتل أخيهقضى نقیب الحائر زين الدين أبو طاهر هبة الله بن فخر الدين يحيى مقتولاً سنة 701ه-/ (1302م من قبل بني محاسن. وقد توجه أخوه جلال الدين أبو القاسم إلى السلطان غازان فولاه النقابة الطاهرية وهي نقابة المشهدين الغروي والحائري(2).)### (السلطان محمد خدا بندة وكربلاء)(السلطان محمد خدا بندة (3)وكربلاء)أوصى السلطان المغولي محمود غازان قبل وفاته بولاية العهد لأخيه (الجايتو. وفي نهاية سنة 703ه- / 1304م توفي السلطان غازان وإعتلى العرش السلطان الجايتو الذي أسلم مع أخيه السلطان غازان. وعند إعتلائه العرش إتخذ لنفسه إسما إسلامياً فأصبح يدعى (محمد خدا بندة) ويعني (محمد عبد الله) وتلقب بغياث الدين.)
1) موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء ج 1 ، ص 362 .
2) عمدة الطالب، ص282.
3) ولد السلطان خدا بندة سنة 675ه-: 1277م وتوفى سنة 716 ه-: 1316م ، وكانت مدة حكمه 13 سنة، وخلفه ابنه أبو سعيد بهادر الذي كان قاصراً وكان الوصي عليه (جوبان) الذي أراد الإنفراد بالحكم إلّا أن أبا سعيد تمكن من التخلص منه وإستلم مقادير الحكم وهو شاب يافع.
إختلف (خدا بندة) عن أخيه (غازان)، بحيث إبتعد بعض الشيء عن المنهج الإصلاحي الذي سلكه غازان، غير أنه فاق غازان في إنجازاته العسكرية وخاصة في القوقاز وبلاد الشام وثورة هرات التي دعمها حكام ما وراء النهر (1).)في سنة 704ه- / 1304م ولد للسلطان خدا بندة غلام سمّاه علاء الدين أبا سعيد بهادر، فكان هذا الوليد هو أول أمير من ذرية هولاكو حمل إسماً إسلاميًا منذ ولادته. مال السلطان خدا بندة إلى (التشيع عام 707ه-/1308م وذلك على يد أبي منصور الحسن بن الشيخ يوسف بن علي بن المطهر الحلي الأسدي المعروف ب- (العلامة الحلي).)### السيد ناصر الدين مطهر يتولى نقابة الأشرافبعد وفاة النقيب أبو القاسم جلال الدين، تولى السيد ناصر الدين مطهر بن رضي الدين أبو عبد الله محمد وهو من سلالة الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ نقابة الأشراف في المشهدين الغروي والحائري والحلة والكوفة أشهرا (2).)### زيارات السلطان خدابندة لكربلاءقام السلطان محمد خدا بندة بزيارة مدينة كربلاء مرتين، وقد أدّى فيهما مراسيم الزيارة لمرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، وكما يلي:)أ. زيارته الأولى في سنة 707ه- / 1308م قدم السلطان محمد خدا بندة إلى العراق، وبعد وصوله إلى بغداد توجه إلى زيارة المشاهد المقدسة. فقد توجه إلى كربلاء وزار مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ وأمر أن يوزّع من بيت مال المسلمين رواتب شهرية إلى سدنة العتبات المقدسة في كل عام.)
وكذلك عيّن للعلويين المقيمين في كربلاء والنجف رواتب شهرية تدفع لهم من خزانته الخاصة وأوقف لهم أموالاً وفيرة يوزع ريعها عليهم سنوياً (1.ب. زيارته الثانية كان السلطان محمد خدا بندة قد شيّد بناءً فريدا من نوعه في عاصمة ملكه السلطانية سماه (جنة الفردوس بناه من لبن من ذهب وفضة وأنهار أربعة وأشجار مرصعة هي وثمارها من نفيس الجواهر واللؤلؤ. وفي سنة 709ه- قدم إلى العراق مرة ثانية وتوجه إلى النجف ولما وصل إلى النجف أراد نقل رفاة الإمام علي بن أبي طالب ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلى عاصمة ملكه في (السلطانية) في إيران، إذ كان قد شيّد لهذه الغاية فردوساً لطيفاً(2).)ويقال بأن الذي أشار عليه ببناءه هو الشيخ زاهد الكيلاني رئيس الفرقة الصوفية الخاكسارية وأن يجعله مثوى للإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ. ولكنه رأى حلما وهو في النجف بأنه رأى من يقول له لا تنقل رفاة الإمام من النجف، وعلى أثر طيفه هذا غلا غلوا كبيراً في التشيع ولبس خرقة التصوف ومن ثَمَّ جاء إلى كربلاء وزار مرقد الإمام)
1) مدينة الحسين السلسلة الثانية، ص130 و 131، دون أن يذكر المصدر الذي إعتمده!!)
2) جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 1، ص 445 الذي تم فيه وصف شامل لهذا الفردوس حيث قال: «ذكر حسن الأربلي أن خر بندا، يعني به خدا بندة، بنى في دار المملكة بالمدينة السلطانية بيتًا لطيفا وسماه الجنة (الفردوس)، إتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة وطول هذا البيت خمسة أذرع بذراع النجار وعرضه أيضًا كذلك، والإرتفاع عشرة ، وطول اللبنة شبراً ، وعرضها إصبعان، واجرى في وسطه أربعة أنهار ، نهر من لبن ونهر من عسل ، ونهر من خمر، ونهر من ماء، وجعل فيه خمسة أشجار، طول كل شجرة ثلاثة أذرع ، مصنوعة هي وثمارها ، أصلها من ذهب وثمارها من نفيس الجواهر واللؤلؤ الكبار، وجعل في هذا القصر من البنات الحسان المختارات من سائر مملكة المغل إثنتين وأربعين بنا، وأضاف إليهن من الغلمان الفائقين في الجمال إثنين وأربعين غلاما، وكان يُلبسهم القماش الرفيع الخاص ويأمرهم فيلعبون بين يديه بالنرد والشطرنج، وتارة يتصارعون، وتارة يرمون بالنشّاب، وتارة يسبحون، وتارة يتهارشون، ويُقبل بعضهم بعضاً، وتارة يغنون بين يديه بأنواع الملاهي، ويرقصون رقصاً عجيباً ، فمن أعجبه منهم في شيء من هذه الحالات جذبه إليه، وقضى منه وطره ». وفي الهامش من نفس الصفحة يذكر العزاوي أنه جاء في تاريخ وصاف سماه (الفردوس)، وجاء فيه أن السلطان إستدعى من بغداد أربعة آلاف من الصناع أرباب الصنايع البديعة، والأعمال الدقيقة فذهبوا بأهاليهم ليستخدمهم للتعمير
الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ووجّه عنايته الخاصة بكربلاء وأمر ببعض الإصلاحات وتزيين المرقد الشريف كما فعل في النجف وفي مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)### السيد أبو الفائز محمد يتولى رئاسة الحائرأوكل (نجم الدين صدر الحلة والمشهدين كربلاء والنجف عنه أعمال قصبة كربلاء إلى النقيب أبي الفائز محمد قبل سنة 717ه-، فتولى رئاسة الحائر ونقابة الأشراف وهو: السيد أبو الفائز محمد بن أبي الحسن علي بن أحمد جلال الدين بن محمد بن أبي جعفر محمد بن أبي جعفر نجم الدين الأسود بن أبي جعفر محمد بن علي الغريق بن محمد خير العمال بن أبي الحسن علي المجذور بن أبي الطيّب أحمد بن محمد الحائري بن إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام كوسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وهو الجد الأعلى لقبيلة آل فائز الموسوية الحسينية العلوية في كربلاء، التي تشمل السادة آل طعمة وآل نصر الله وآل ضياء الدين وآل مساعد (عوج) وآل السيد أمين (جلوخان الفائزيين) وآل التاجر وآل قفطون، وبعض البيوتات الأخرى. كان سيدًا وجيها جليل القدر شهاً غيوراً عفيفاً، ورعًاً تقياً نقي السريرة، يمتاز على سائر العلويين الساكنين في الحائر (كربلاء)، ويتبعه أكثر من نصف سكانه. وعن آل أبي الفائز يقول ابن زهرة في غاية الإختصار بأنهم قوم من العلويين بمشهد الحسين عليه السلام ذوو نيابة ونخل بشفاثا من أعيان سادات المشهد (1).)وكان ذلك بأمر من ولاة الحلة الذين كانوا يشرفون على كربلاء أيام حكم المغول الإيلخانيين.جاء في استدراكات كتاب مدينة الحسين ج 4 ملحق استدراكات السلسلة الثانية ، ص 30 وص 31 مانصّه: «... وعندما إستولى هولاكو على العراق سنة 656ه- أولى السيد مجد الدين ابن طاووس النقابة وأعمال المشهدين الغروي والحائري ومن بعده
1) غاية الإختصار: ابن زهرة نقيب حلب، ص 55.
عيّن نجم الدين صدراً بالحلة والمشهدين كربلاء والنجف وأوكل الأخير عنه على أعمال قصبة كربلاء النقيب محمد بن أبي الفائز محمد من سلالة إبراهيم المجاب... ».ربما أخطأ مؤلف مدينة الحسين بالاسم ونعتقد بأن الذي تسلم الأمر هو السيد أبو الفائز محمد الموسوي الحسيني. حسب التسلسل التاريخي للأحداث.وللتأكيد على ما ذهبنا إليه هو أن ابن أبي الفائز محمد هو السيد (أحمد ناظر رأس العين الملقب ب- أحمد ابن هاشم، وفي زمن تيمورلنك تولّى السيد محمد بن السيد أحمد بن أبي الفائز محمد سدانة المشهد الحسيني وذلك سنة 795ه- وهو حفيد أبي الفائز محمد، وسيتم ذكر ذلك بالتفصيل لاحقا. على ضوء ماورد وجدنا من الضروري أن نذكر ماورد في كتاب (الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق في القرون المتأخرة) وذلك عن كربلاء بين الإحتلالين المغولي والعثماني ما نصّه :«أدّى استقرار كثير من الأسر المتحدرة من السلالة النبوية في جوار قبر الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلى أن تبرز في البلدة الناشئة، منذ القرن الرابع للهجرة، نقابة أشراف خاصة بها، ترتبط بنقابة العلويين العامة في بغداد، وبالنظر للصلاحيات الممنوحة للنقابة في رعاية شؤون تلك الأسر، فقد شهدت الحقبة التالية تعاظا لدور نقابة الأشراف في إدارة المدينة، بل غدا لهم دور سياسي أيضاً، وحينما إستحدث المغول صدارة الأعمال الفراتية بوصفها الوحدة الإدارية التي تشمل سقي الفرات الأوسط كله ومركزها الحلة أدمجت نقابة كربلاء بنقابة النجف غالباً، في مؤسسة واحدة عرفت بنقابة المشهدين الغروي والحائري. وتولت هذه المؤسسة حكم المدينتين على نحو مطلق، وإن كان لها ثمة إرتباط معنوي بنقابة العراق (وهي النقابة المركزية على مستوى العراق) أو بنقابة الممالك (وهي المركزية على مستوى الدولة المغولية)، ويظهر أنه لم يحدث إبان هذه الحقبة ان إنفصلت نقابة كربلاء عن نقابة النجف الّا في فترات محدودة، ولكن هذه الظاهرة إزدادت منذ أوائل القرن الثامن أي في أواخر حقبة الإحتلال المغولي، ويمكن أن نعد ضعف السلطة)
المركزية وحالة الإرتباك الإداري السائد آنذاك سبباً لها، وإنتقلت مظاهر الفوضى وتجزؤ السلطة إلى داخل المدينة نفسها، إذ تمكنت أسرتان علويتان كبيرتان، عرفتا بأولاد فائز وأولاد زحيك أن تتقاسما الزعامة في المدينة بل تتقاسما المدينة نفسها، وهو ما أشاع حالة الإضطراب الشديد فيها ...»(1.)### كربلاء أيام السلطان أبي سعيد بهادرخانكان أبو سعيد بهادر قاصرًا عندما توفي والده السلطان محمد خدا بندة، وعندما كبر إستعاد الحكم من الوصي عليه (جوبان، وفي سنة 719ه- / 1319م إختلف التتر فيما بينهم وقتل منهم زهاء ثلاثين ألفا حتى كاد يزول ملكهم.)وتوفي أبو سعيد سنة 737ه- / 1336م بلا عقب، فخلفه السلطان (أربا خان، فلم يستقم الملك له أكثر من ستة أشهر، فقد قتل في غرة شوال عام 737ه-/ 1336م وصار الوزراء والأمراء يتناوبون الحكم حسب أهوائهم ولكن لمدد قصيرة، حتى إنتصر الشيخ حسن الجلائري وإستقر له الحكم فإنقرضت الدولة الإيلخانية بعد أن عمرت 80 عاماً.)لم يبادر السلطان أبو سعيد بهادر خان بأي عمل يخص مدينة كربلاء ولا المشاهد فيها، كما لم يصلنا أنه زار المدينة حتى بعكس من سبقوه من السلاطين المغول. إلّا أن كربلاء في أيام حكمه شهدت وقائع وأحداث كثيرة تأثرت بها المدينة بشكل كبير ولا بد لنا ان نذكر ذلك بشيء من التفصيل لأهميتها القصوى على صعيد تأريخها الحافل في ذلك الزمان.
1) الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق في القرون المتأخرة الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، ص 352 .
### الشيخ شمس الدين محمد ناظراً (سادناً)للعتبتين في كربلاءإثناء النزاع الذي نشب بين آل فائز وآل زحيك في كربلاء وسببه السدانة ونقابة الأشراف والذي سيتم الحديث عنه لاحقا، قام صدر الحلة نجم الدين (حاكم البلاد الفراتية حينها بتعيين الشيخ الفقيه شمس الدين محمد بن أبي العز الأسدي ناظرا خازنًا أو (سادنًا للعتبة الحسينية وكان يسمّى بعدها ب- (خازن المشهدين. وكان حينها من يتولى السدانة في الروضة الحسينية فتؤول إليه تولية العتبة العباسية أيضاً، لأن سدانة المشاهد في الحائر كانت موحدة حينها. وبعد وفاته تولاها جماعة من أبنائه، كما سيتم ذكرهم على التوالي لاحقاً»(1).)### ابن بطوطة في كربلاءفي سنة 726ه- / 1325م زار الرحالة المغربي كربلاء في أيام أبي سعيد بهادر، وهو محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن ابراهيم بن يوسف اللوائي الطنجي المولود في طنجة بالمغرب سنة 704ه- / 1305م والمتوفى سنة 779ه- / 1377م والمعروف بأبي عبد الله شرف الدين ابن بطوطة الطنجي القاضي (2. وقد زار قبلها الكوفة وتوجه إلى الحلة ومنها إلى كربلاء. ذكر ابن بطوطة زيارته إلى كربلاء في رحلته المسماة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) بقوله:)
1) جاء في السلسلة 4 من مدينة الحسين وفي مستدركات السلسلة الثانية، ص 31 منه عن مزارات العلويين (مخطوط) للعلامة السيد محمود المرعشي : «وعندما نشب الخلاف بين القبيلتين العلويتين آل فائز وآل زحيك على الرئاسة في حدود سنة 717 ه- بعث صدر الحلة الشيخ الجليل الفقيه محمد ابن أبو العز الحلي الأسدي إلى كربلاء وأطلق عليه اسم ، ناظر ، العتبة الحائرية (أو) خازن المشهدين) ... ».
2) رحالة طاف في عدة بلدان بثلاث رحلات إستغرقت زهاء 29 سنة زار خلالها أفريقيا وبلاد العرب وآسيا والشرق الأقصى، وقد إستقر في فاس. ومن آثاره كتابه عن رحلاته تلك (تحفة النظار ...). إرتحل من طنجة في المغرب إلى الشرق في رجب عام 725ه- : 1324م.
«ثم سافرنا منها (أي الحلة إلى مدينة كربلاء مشهد الحسين بن علي عليهما السلام وهي مدينة صغيرة تحفها حدائق النخيل ويسقيها ماء الفرات والروضة المقدسة (1)داخلها وعليها مدرسة عظيمة وزاوية كريمة ، فيها الطعام للوارد والصادر وعلى أبواب الروضة الحجاب والقومة، لا يدخل أحد إلّا عن إذنهم، فيقبل العتبة الشريفة وهي من الفضة وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الأبواب أستار الحرير وأهل هذه المدينة طائفتان، أولاد زحيك وأولاد فائز وبينهما القتال أبدًا وهم جميعاً إمامية يرجعون إلى أب واحد. ولأجل فتنتهم تخربت هذه المدينة... ».)نجد بأن الرحالة ابن بطوطة قد وصف بشكل مختصر ولكنه في غاية الأهمية عن شكل المدينة في ذلك الوقت ووصف المشهد الحسيني كذلك أبرز ما كان في كربلاء من منشآت، وذكر الوضع الإجتماعي من خلال معرفته إثناء الزيارة بالأحداث الواقعة في كربلاء وأسبابها. وكان ذلك هو أصدق ما وصلنا عن كربلاء في تلك الفترة، لأن ابن بطوطة رحاله ، يدوّن ما يشاهده ويسمعه ويتحرى عنه، وكانت زيارته إلى كربلاء وذكره لها بهذا الوصف يعتبر تثبيتاً لصحة التاريخ وقد سهل على الباحثين الكثير من أجل دراسة تلك الفترة ووضع المدينة وأهلها.
1) ذكر ابن بطوطة الروضة المقدسة (بصيغة المفرد) وهو يقصد بها روضة الحسين عليه السلام، وبالرغم من التفاصيل التي ذكرها فإنه لم يذكر روضة العباس عليه السلام، وكأن في كربلاء في زمن زيارته كانت في كربلاء روضة واحدة، وعندما كان يصف الروضة كان حديثه بالمفرد (داخلها وعليها وفيها)، هذا ما جعل البعض ينكر وجود روضة العباس عليه السلام في ذلك الوقت معتمدا على رحلة ابن بطوطة، ويقولون أن العباس ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) دُفن ما بين قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وأولاده وحفرة الشهداء، وأن الروضة الحالية شيدها الصفويون في الربع الأول من القرن العاشر الهجري. ونحن لا ننكر وجود قبره الشريف في موضعه الحالي (سلام الله على قمر بني هاشم بل نؤكده بقوة وقد يكون ليس بحجم ومساحة قبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وقتئذ. ولدحض هذه الآراء لنا دراسة وبحث سنقوم بإصداره بمشيئة الله نثبت به بالبراهين القاطعة أن العباس عليه السلام دُفن في قبره المعروف والمشهور حالياً.
### خضوع كربلاء لحكومة عرب العراق في الحلّةعندما تسلّم السلطان أبو سعيد بهادر بن محمد خدابندة الحكم بعد أبيه سنة 716ه- / 1316م كان قاصرًا فتولّى الوصاية عنه الأمير (جوبان الذي حاول أن يسيطر على الحكم بشتى الوسائل، إلى أن تمكن أبي سعيد سنة 728ه-/ 1328 م من القضاء على جوبان وتسلّم الحكم بشكل فعلي. وكانت الفوضى حينها تسود الدولة الإيلخانية، والعراق حينها يعيش في حالة الإضطراب أيضاً.)كان السلطان أبو سعيد بهادر يضع السيد الشريف أحمد بن رميثة بن أبي نمى في منزلة سامية عنده ففوّض إليه أمر عرب العراق.والشريف أحمد الملقب (شهاب الدين أبو سليمان (أحمد هو ابن السيد رميثة (واسمه منجد ويكنى بأبي عرادة ويلقب أسد الدين) بن الشريف أبي نمي (مجد الدین محمد المتوفى سنة 701ه-) ملك مكة بن أبي سعد الحسن ملك مكة (المتوفى سنة 651 ه-) بن الأمير علي بن أمير الحجاز قتادة (المتوفى سنة 618 ه-) بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن سليمان بن علي (ابن السلمية). وهو من سلالة الامام الحسن المجتبى بن الامام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)وفي سنة 651ه-/ 1253م تولّى أبو نمى شرافة مكة وطالت مدة شرافته نحو خمسين عاماً. ويقول عنه تقي الدين المقريزي في (السلوك: «كان يقال لولا أنه زيدي تصلح للخلافة الحسن صفاته »(1).)توفي أبو نمى سنة 701ه- / 1302م وقد كان له ثلاثون ولداً ذكراً وإثنتا عشرة بنتا. وتنازع أولاده من بعده على شرافة مكة لسنوات طوال وحدثت نتيجة ذلك الكثير من المعارك والخطوب. وكان التنافس والأهوال التي حدثت بين أربعة من
1) السلوك لمعرفة دول الملوك : تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر العبيدي المقريزي، المتوفى سنة 845ه- ، تحقيق محمد عبد القادر عطا، ج 2، ص 351 ، ط 1 منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية، بيروت 1418ه- : 1997م.
الأخوة من أبناء أبي نمى وهم: حميضة وأبو الغيث ورميثة وعطيفة. أرسل حميضة أحد عبيده إلى أخيه أبي الغيث فذبحه سنة 714ه- ودعا إخوته الآخرين إلى وليمة وقدم لهم رأس أخيهم مطبوخاً في جفنة وهددهم بالقتل فأذعنوا له قهراً. هرب رميثة إلی مصر مستغيئًا بالملك الناصر بن قلاوون فساعده بجيش تمكن من السيطرة على مكة وأسر أخيه حميضة الذي تمكن من الهرب إلى العراق مستنجدا بالسلطان خدابندة الذي إستقبله وأكرمه.وكان خدابندة قد إعتنق مذهب التشيع الاثنى عشري على يد العلامة الحلي، فقد حرّضه حميضة على إحتلال مكة والخطبة له على منابرها، وأن يذهب بالجيش إلى المدينة بعد إحتلال مكة لنبش قبر الشيخين ونقل رفاتها خارج الحرم النبوي (1. فإستجاب له خدابندة وسار حميضة بالجيش إلى الحجاز عن طريق الصحراء، وإنضمت إليه الكثير من القبائل منها قبيلة خفاجة برئاسة محمد بن عيسى بن مهنا. وحينما وصل حميضة بجموعه إلى موضع في الصحراء بين البصرة والقطيف (موقع الكويت الحالية وصلهم نبأ موت خدابندة فتفرق الجيش وإنتهزت القبائل الفرصة وقامت بنهب ما يحمله الجيش من متاع وأموال وأسلحة، وكان في مقدمة هؤلاء رئيس خفاجة الذي إنثال على الجيش بقبيلته نهباً وتقتيلاً وهو يهتف باسم الملك الناصر سلطان مصر الذي سرّه سماع ذلك وإستدعى رئيس خفاجة ومنحه مكافأة عظيمة. وتمكن حميضة من الوصول إلى مكة بمن نجا معه وتمكن أن نجا معه وتمكن أن يستعيد شرافة مكة من رميثة فذهب رميثة إلى مصر وساعده الملك الناصر بجيش فإسترجع مكة وهرب حميضة إلى اليمن وعاد منها بقوة لاسترداد مكة من أخيه إلّا أن أحد غلمانه قتله وهو نائم في سنة 720ه- (2).)
1) تاريخ العراق بين إحتلالين عباس العزاوي، ج 1، ص 441 - 442 .
2) جاء في لمحات إجتماعية للدكتور علي الوردي في ج 6 : 2 ، ص 26 بأنه عندما كان حميضة في العراق تزوج من إمرأة عراقية وأنجبت له ولدا اسمه محمد وبقي هذا الولد عند أخواله وصارت له ذرية كبيرة، وإشتهر من نسله عطيفة) الذي توفي عام 934ه-: 1528م . فقد نال هذا الرجل حضوة كبيرة لدى الشاه إسماعيل الصفوي عند إحتلاله بغداد عام 914ه-، حيث أقطعه الشاه الأراضي المعروفة باسمه (العطيفية) على شاطيء دجلة بين بغداد والكاظمية، كما عيّنه أميراً للحج ونقيبا للروضة الكاظمية وسادنها. وينتمي إلى عطيفة هذا كثير من الأسر المعروفة في العراق الآن، كآل الحبوبي وآل زيني وألبو نيسان في سامراء وآل الحسني وآل حمندي وآل العطار وآل الراضي وآل الهادي في بغداد، وآل عطيفة وآل سركشك وآل الحيدري في الكاظمية.
وعن إمارة عرب العراق فيذكر ابن عنبة في عمدة الطالب بأن الأمير رميثة طالت إمرته على مكة وكان له عدة أولاد منهم الشريف شهاب الدين أبو سليمان أحمد بن رميثة كان قد توجه في زمن أبيه إلى العراق وذهب إلى السلطان أبي سعيد بهادر فأكرمه وأحسن مثواه، فأقام عنده ثم توجه صحبة القافلة وحج في تلك السنة الوزير غياث الدين محمد بن الرشيد وجماعة من وجوه العراق وأركان المملكة، وكان الشريف شهاب الدين أحمد قد أعد رجالاً وسلاحًا ودراهم مسكوكة ياسم السلطان أبي سعيد، فلما بلغوا إلى عرفات وزالت الشمس وتهيأ الناس للوقوف لبس رجاله مع أعلامه السلاح وقدّموا المحمل العراقي - وهو محمل السلطان أبي سعيد على المحمل المصري وأصعدوه جبل عرفات قبله، وأوقفوه أرفع منه ولم تجر بذلك عادة منذ انقضاء الدولة العباسية. ولم يكن للمصريين طاقة على دفعه فإلتجأوا إلى الشريف رميثة أبيه فاستنجد بني حسن والقواد فتخاذلوا عنه لمكان ابنه أحمد ومحبتهم إياه ولإحسانه إليهم قديما وحديثا، وأمر الشريف أحمد أن يتعامل بتلك الدراهم المسكوكة باسم أبي سعيد فتعومل بها في الموسم خوفًا منه، وعاد إلى السلطان مصاحبًا للقافلة العراقية، فأعظمه السلطان أبو سعيد إعظاماً عظيا وأحله مقاماً كريما وفوّض إليه أمر العراق (1.)أقام الشريف أحمد بن رميثة في الحلة وكثر أتباعه وأصبح نافذ الأمر عريض الجاه إلى أن توفي السلطان أبي سعيد بهادر ، فأخرج الشريف أحمد حاكم الحلة المير علي
1) عمدة الطالب، ص 146 ، دار الأندلس النجف .
بن طالب الدلقندي الحسيني الأفطسي وتغلب على البلد وأعماله ونواحيه، وكانت كربلاء من ضمن المدن التي خضعت لحكمه الذي طال قرابة ثماني سنوات وعندما بدأ الحكم الجلائري الذي تسيّد السلطة فيه حسن الجلائري، لم يرق له دوام سيطرة الشريف أحمد رميثة في إمارته فجرت بينهما معارك وحوصرت الحلة وتمكن في النهاية الشيخ حسن الجلائري من القبض عليه بمكيدة فعُذب وقتل بعد أن أعطاه الأمان!! وإنتهت بذلك حكومة عرب العراق، وهي أول حكومة عربية حكمت في ظل الوضع المضطرب في نهايات الحكم الإيلخاني.### النزاع بين آل فائز وآل زحيكذكر المؤرخون بأنه في بداية القرن الثامن الهجري شهدت كربلاء نزاعا حادَّا بين القبيلتين العلويتين الرئيسيتين في المدينة وهما قبيلة آل فائز وقبيلة آل زحيك. وهاتان القبيلتان ترجعان بالنسب إلى الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ. فقبيلة آل فائز هم من أحفاد السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، أما آل زحيك فهم من احفاد أمير الحاج السيد إبراهيم المرتضى (الأصغر).)الذي ذكر هذا النزاع وأك-ده هو الرحالة ابن بطوطة الطنجي في رحلته المسماة (تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار الذي زار كربلاء سنة 726ه-/ 1326م تحدث عنها ووصف معالمها ومما ذكره: «... وأهل هذه المدينة طائفتان، أولاد زحيك وأولاد فائز وبينهما القتال أبدًا وهم جميعا إمامية يرجعون إلى أب واحد. ولأجل فتنتهم تخربت هذه المدينة... ».)كما أن غزوة بني مهنا العلوية التي طالت كربلاء (سنذكرها لاحقاً كانت حجتها أن تتدخل في حل النزاع بين أولاد فائز وأولاد زحيك. وقبل أن نتحدث عن سبب النزاع الخطير هذا لابد لنا أن نتحدث عن طرفي النزاع.)
آل فائز هم الأقدم في كربلاء لأن تواجدهم فيها يرجع إلى نزوح السيد إبراهيم المجاب بن السيد محمد العابد بن الإمام الكاظم ( عَلَيْهِ السَّلَامُ إلى كربلاء وإتخاذها سكناً ومستقراً له ومعه أبناءه وأحفاده، وكان ذلك في سنة 247ه- بعد أن إستلم المنتصر بالله العباسي الخلافة بعد أبيه المتوكل الذي هدم قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وخربه وحرثه و هدم ما حوله ومنع زيارة كربلاء والمرقد الشريف. وكان المنتصر بعكس أبيه فقد أمر ببناء المرقد وسمح بالزيارة والسكن بجوار قبر الحسين، فكان السيد إبراهيم المجاب هو أول علوي سكن مدينة كربلاء.)وتكونت من أبناءه وأحفاده عمارات نسبية كثيرة ، إلى أن وصل الأمر لأن يترأس هذه الأسر والبيوتات السيد أبو الفائز محمد الذي تكونت من نسله فيما بعد سلالات من السادة الأشراف العلويين الحاليين في كربلاء وتشعبوا إلى عدة أسر وبيوتات وهم آل طعمة وآل نصر الله وآل ضياء الدين وآل سيد أمين وآل مساعد (عوج وآل تاجر وبيوتات أخرى. وقد ذكرنا سابقاً تسلسل نسب السيد أبي الفائز محمد.)فالقبيلة العلوية سميت باسمه لتقدمه في وقته وعليه فإن الأسر العلوية التي ذكرناها أعلاه بقيت تلقب بالأسر الفائزية على اسمه أيضا بإعتباره الجد الأعلى لهم. والسيد أبو الفائز كان من رجال القرن السابع الهجري.فكان السيد أبي الفائز محمد هو كبير العلويين من آل المجاب ويلتفون حوله في ذلك الزمان وكان نقيباً للحائر.جاء في كتاب بغية النبلاء ما نصّه:«ومن الغريب أنه لم يتكتل لأبي الفائز من أعقاب كثيرة عندئذ - إذ كان أبو الفائز من رجال القرن السابع وابن بطوطة زار كربلاء في أول القرن الثامن - إلّا أننا نقول لشخصيته البارزة كان ينظم ويلتحق بآله بنو عمومتهم من آل المجاب، وعددهم لا يستهان به على ما أورد أسمائهم ابن شدقم في مبسوطه نقلا عن مشجر بن معيه الحسني النسابة »(1.)
1) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص130.
أمّا آل زحيك فقد جاءت تسميتهم من السيد أبي محمد يحيى زحيك وهو ابن منصور بن محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الله الحائري نقيب الطالبيين المهاجر إلى كربلاء بن محمد بن أبو الحرث بن علي أبي الحسن المعروف ب- (ابن الديلمية) بن أبي الطيب بن الحسين أبو عبد الله القطعي ( نقيب النقباء) بن موسى أبو سبحة بن إبراهيم المرتضى (الأصغر) بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)جاء في كتاب مناهل الضرب للأعرجي قال : «وكان بين آل أبي الفائز وبين المحمديين ذرية محمد بن الحنفية الذين كانوا بالحائر الشريف عداوة ومنافسة، وكانت الحرب بين الحيّين قائمة على ساق، وكان أهل الحائر الشريف العلويّة والعوام فرقتان، فرقة تفزع للمحمديين، وفرقة تفزع لأبي الفائز »(1.)كان كبير السادة من آل المرتضى العلويين إثناء النزاع هو السيد أبو القاسم محمد بن يحيى زحيك، والذي إلتف حوله بنو المرتضى (إبراهيم المرتضى الأصغر.)فالنزاع حصل بين آل المجاب وآل ،المرتضى بجميع فئات كل مجموعة. أمّا سبب النزاع فكان على نقابة الأشراف في كربلاء وسدانة المشهد الحسيني.ولأن النقابة والسدانة هما الواجهتان الشرفيتان في كربلاء، ومن کانت بیده إحداهما أو كلاهما كان متصدرًا للواجهة في مدينة كربلاء لما تحملانه من شرف عظيم وتسيد على كافة الأصعدة، ومن حصل عليهما تكون زعامة البلد بيده وبيد أسرته أو قبيلته.كما أن القبيلتين كانتا تتشرفان بخدمة المشاهد المقدسة ويديرانها بإعتبارهم من أحفاد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ من جهة، فنسبهم العلوي هو الذي يؤهلهم لذلك الموقع وتعايشهم مع الكربلائيين من أبناء القبائل العربية العريقة الذين سبقوا
1) مناهل الضرب في أنساب العرب : السيد جعفر الأعرجي النجفي الحسيني، ص 481 تحقيق السيد مهدي الرجائي. وقد أخطأ السيد الأعرجي عندما ذكر النزاع بين آل أبي الفائز والمحمديين من ذرية محمد ابن الحنفية، والصحيح أن المحمديين هم أتباع السيد محمد أبو القاسم بن يحيى زحيك. وليس لذرية محمد بن الحنفية تواجد في الحائر الشريف في ذلك الوقت.
العلويين بالسكن في كربلاء وأداروا مشاهدها المقدسة وخدموا زائريها، والذين يكنون الإحترام والتقدير للعلويين من ناحية أخرى.كان أولاد فائز من آل المجاب يعتبرون أنهم الأقدم في كربلاء بما يقارب القرنين من الزمان فكانوا يتطلعون إلى التصدي للسدانة والنقابة، بينما يعتقد أولاد زحيك بأن نقابة الطالبيين في العراق كانت بأيديهم وقبل ذلك نقابة النقباء التي كانت بيد جدهم الحسين القطعي بن موسى أبو سبحة... فتطورت الأمور إلى أن وصلت إلى حد النزاع والتقاتل.لابد أن تكون هناك عوامل وأسباب أخرى كانت وراء هذا الخلاف، ولكن المؤسف له هو تنازع أولاد العم فيما بينهم مما جلب الويلات على المدينة وأطمع فيها الأغراب حتى غزوها بحجة فض النزاع، وعلى أثر الغزو فقد ضاع إرثها لمدة من الزمن إلى أن إتحد البيتان وتمكنوا من إستعادة سيادتهم على المدينة وإستمروا متكاتفين جيلا بعد جيل، وتصاهروا فيما بينهم وإستتب الأمر بينهم إلى الآن.على ضوء ما ورد من معلومات تاريخية عن النزاع الذي ذكرناه، فلابد لنا من ذكر حالة أخرى تتناقض مع ما ورد عن سبب النزاع الذي كان بسبب النقابة والسدانة، بحيث إن مصادر عديدة ذكرت معلومات عن سدانة المشهد الحسيني وأسماء متولي السدانة في نفس فترة النزاع، وعلى ذلك يكون من الواضح والجلي أن أصل النزاع قد تكون له أسباب أخرى لا يمكننا التكهن بها لأن السدانة كانت تنتقل حسب تلك المصادر دون أي إشارة إلى النزاع حولها، ولم تكن حينها السدانة في تلك الفترة بيد العلويين، وأن من تولاها كانوا من المشايخ من البيوتات العربية غير العلوية، أو إن من كانت دولته أو إمارته تحكم كربلاء ونتيجة للصراع فإنه تدخل في تعيين السادن من غير أهل المدينة، وهذا الأمر إذا صح فإن الدويلات التي كانت كربلاء تابعة لها حينها كان لها التاثير الكبير في تولي السدانة إلى من سنذكرهم لاحقا، إذا ما عرفنا بأن فترة أبي سعيد بهادر خان كانت مليئة بالصراعات على السلطة، وأنه لم يحكم طويلاً
حتى إنه مات وهو في الثلاثين من عمره وبعده أخذت الدولة الإيلخانية المغولية تعيش أيامها الأخيرة نتيجة الصراعات والحروب على السلطة والحكم.1 - في سنة 717ه- / 1317م عُيّن الشيخ شمس الدين محمد الأسدي ناظراً على الروضة الحسينية ولُقّب بالناظر لأول مرّة. فقد جاء في ملحق مستدركات السلسلة الثانية ص 31 في الجزء الرابع من مدينة الحسين مانصّه:« وعندما نشب الخلاف بين القبيلتين العلويتين - آل فائز وآل زحيك – على الرئاسة في حدود عام 717ه- بعث صدر الحلة الشيخ الجليل محمد ابن أبو العز الحلّي الأسدي إلى كربلاء وأطلق عليه اسم - ناظر - العتبة الحائرية (أو خازن المشهدين ومن بعده توارثها جماعة من أبنائه منهم الشيخ عز الدين بن محمد الأسدي والشيخ زين الدين علي الأسدي المتوفي سنة 795ه- ».)2- في أواسط القرن الثامن الهجري ويحتمل التحديد في سنة 748ه- / 1347م تولى السدانة الشيخ حسن ( عز الدين بن محمد بن أبي العز الحلي الأسدي خلفاً لأبيه. ونعتقد بأنه بقي في السدانة لحين غزوة آل مهنا في سنة 756ه- / 1355م (والتي سنذكرها في أيام الحكم الجلائري). وعندما سيطر شهاب الدين أحمد بن مسهر رئيس قبيلة آل مهنا الذي أعطى السدانة إلى الشيخ شمس الدين محمد الحائري كما يقول البعض، والمعروف بأن الشيخ شمس الدين محمد هو نفسه الذي عُيّن ناظراً لحرم الحسين من قبل صدر الحلة. وعلى ذلك نجد الخلط والإلتباس لدى البعض مما يضطرنا الأمر إلى بحث الموضوع بشكل صحيح ونقول:)أ. منذ سنة 717ه- / 1317م وإثناء النزاع بين القبيلتين تسلم السدانة على التوالي الشيخ محمد الحلي الأسدي الملقب ب- (شمس الدين محمد الحائري وعندما توفي سنة 748ه- / 1347م تسلم السدانة ولده العالم والأديب الشيخ أبو محمد الحسن الملقب ب- ( عز الدين) الذي أشتهر بالصلاح والمروءة والمعرفة والمتوفى بحدود سنة 783ه- / 1381م . وقد تسلم السدانة من بعده)
ولده الشيخ علي الملقب ب- زين الدين بن أبي محمد الحسن (عزالدين بن الشيخ محمد (شمس الدين) ناظر الحرم الحسيني. وكان يعرف الشيخ علي زین الدین ب- (ابن الخازن)، وكان عاما محققا فقيها وأديبا وقد أجازه في العلم العلامة الشهيد الأول. وقد تتلمذ على يديه العلامة الشيخ أحمد بن فهد الحلي، وهو الذي أجاز ابن فهد في الرواية سنة 791ه-/1389م في كربلاء. وتوفي الشيخ علي زين الدين سنة 793ه- / 1391م.)ب. كانت فترة النزاع بين القبيلتين في أيام الدولة الإيلخانية وفي فترة حكم السلطان أبي سعيد بهادر بن محمد خدابندة. وبالرغم من أن السلطان أبي سعيد كان قاصرًا عندما توفي والده سنة 716ه-/1316م، وتولى الوصاية عنه الأمير جوبان الذي حاول ان يسيطر على الحكم بشتى الوسائل إلى أن قضى عليه أبو سعيد سنة 728ه- / 1328م وتسلم الحكم بشكل فعلي، وكانت الدولة الإيلخانية في حالة فوضى وكان العراق يعيش في حالة الإضطراب أيضاً. ففي هذه الفترة كانت كربلاء تخضع إلى حكومة عرب العراق في الحلة التي أنشأها الشريف أحمد بن رميثة ابن أبي نمى في الحلة التي كانت تعد في تلك الأيام قلب الفرات الأوسط وحاضرة مجتمع عرب العراق الزراعي. وقد حظي الشريف أحمد بن رميثة بمنزلة سامية عند السلطان أبي سعيد، الذي فوّض إليه أمر عرب العراق.وبعد وفاة السلطان أبي سعيد بهادر أعلن الشريف أحمد استقلاله بالحلة وطرد منها حاكمها علي بن الأمير طالب الدلقندي. فقامت بذلك حكومة عراقية كانت الأولى من نوعها منذ سقوط الدولة العباسية (1. وقد تمكن الشريف أحمد خلال بضع سنوات من بسط نفوذ حكومته على أهم المناطق الزراعية في العراق العربي ومنها كانت مدينة كربلاء. وعندما)
1) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية، ج1، ص177.
إستولى الشيخ حسن الجلائري على العراق وجه أنظاره للقضاء على حكومة الشريف أحمد وبالرغم من عدة حملات قام بها إلّا أنه لم يتمكن من القضاء عليه لوقوف العشائر العربية مع حكومة الشريف أحمد، إلى أن حسم الأمر سنة 740ه- / 1339م عندما زحف حسن الجلائري عبر الفرات من الأنبار وحاصر الحلة وقاتلت العشائر العربية مع الشريف أحمد حتى الموت، وتمكن حسن الجلائري من الإنتصار في هذه المعركة وتم القضاء على هذه الحكومة العربية التي كانت في طور التكوين (1.)يتضح لنا أن النزاع في كربلاء كان في زمن سيطرة حكومة الشريف أحمد على كربلاء، ومن ذلك فإن هذه الحكومة هي التي عينت الشيخ شمس الدین محمد بمنصب السدانة وتوارثها أعقابه من بعده. وحتى إثناء غزوة آل مهنا التي حدثت سنة 756ه- / 1355 م، فنعتقد بأن شهاب الدين أحمد بن مسهر آل مهنا الذي غزا كربلاء نصب نفسه نقيباً للحائر وأبقى أبا محمد الحسن ( عز الدين بن محمد شمس الدين على سدانة الحرم الحسيني، لأن شمس الدين كان قد توفى قبل غزوة آل مهنا بسنوات.ومن هنا كان الخلط في الأسماء والتواريخ التي خاض بها البعض عن النزاع والسدانة، ويمكن أن تكون عودة السدانة إلى العلويين كانت بعد القضاء على آل مهنا.ت. أن النزاع بين القبيلتين ظلّ قائماً إثناء حكم الدولة الجلائرية التي كانت في بداية تأسيسها مشغولة بتوطيد حكمها وبعيدة عن الإهتمام بكربلاء بدليل ان غزوة آل مهنا كانت قبل وفاة حسن الجلائري بسنة واحدة. وعندما وجدت القبيلتين بأن إرثهما ضاع نتيجة النزاع ولم تعد المدينة بأيديهما، إتفقا على الصلح والتكاتف والإتفاق على عودة زعامة كربلاء بأيدي أهلها
1) راجع تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي في ج 2، ص 36 وص 78 .
وخاصة النقابة ،والسدانة وهذا ما سنجده في الحوادث اللاحقة في بحثنا هذا وخاصة في غزوة آل مهنا وما بعدها.### وفاة العلامة عون بن عبد اللهعلى بعد تسعة كيلومترات شمال شرق كربلاء وعلى طريق كربلاء - بغداد يقع مرقد الامام عون كما يسميّه العامة، وكانوا يعتقدون بأن مرقد عون يعود إلى عون بن عبد الله بن جعفر (الطيار) بن أبي طالب. وأن أُمّه الحوراء زينب بنت الامام علي عليهما السلام، وقد قتل في كربلاء مع خاله الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ودفن في هذا المكان.)والحقيقة هي أن عون بن عبد الله بن جعفر وأخاه محمد قد إستشهدا في واقعة الطف يوم عاشوراء في كربلاء ، وهما ابنا الحوراء زينب. وقد دفنا في حفرة الشهداء في حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ كما تؤكد جميع المصادر.)ولا يوجد هناك مصدر واحد يذكر بأن (عون قتل خارج أرض معركة كربلاء إلا الذي لم يحسن البحث والتمحيص في علم الرجال. لكن تشابه الاسم أدى إلى هذا الإلتباس والذي إستفاد منه البعض لغرض الكسب المادي على أنه ابن الحوراء زينب، ويتوافد عليه الناس للزيارة تيمنا بوالدته بطلة كربلاء.)والمؤكد بأن هذا القبر يعود إلى السيد «عون بن عبد الله بن جعفر بن مرعي بن علي بن الحسن البنفسج بن إدريس بن داود بن أحمد المسود بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن المجتبى بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب».
كان السيد عون عالماً جليلاً وكان من سكنة الحائر المقدس (كربلاء أيام السلطان أبي سعيد بهادر خان، وكانت له ضيعة تبعد عن كربلاء ثلاثة فراسخ، وعندما كان في ضيعته أدركه الموت فدفن فيها ، وكان ذلك سنة 721ه- / 321 .)وتأكيدًا على ذلك ما ذكره المرحوم الشيخ محمد حرز الدين في كتابه المشهور (مراقد المعارف(1)، كما أكّد ما ذهبنا إليه السيد جعفر الأعرجي الكاظمي في كتابه المخطوط مناهل الضرب)، كما توافق ذلك مع ما ذكره السيد عبد الرزاق المقرّم في كتابه (مقتل الحسين) ومصادر أخرى كثيرة.)كما أن الشيخ المفيد رحمه الله قد أفاد في كتابه (الإرشاد في فصل تعداد أسماء من قتل مع الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في طف كربلا، قال: « ... ومحمد وعون ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم كلهم مدفونون مما يلي رجلي الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في مشهده».)ولكن إستمر الناس يعتقدون بأنه ابن الحوراء زينب على ضوء ما مكتوب في زيارته المعلّقة على قبره. كما أنَّ القائمين عليه يؤكدون للناس بأنه ابن الحوراء زينب عليها السلام.في عام 1996 م زارني أحد أبناء مدينة كربلاء وهو الأستاذ علي أبو لحمة في ديوان سدانة الروضة الحسينية، وطرح عليَّ موضوع نسب (صاحب مرقد عون وكذلك مرقد ابن الحمزة الحلي الواقع في منطقة (باب طويريج)، حيث يعتقد العامة بأنه ابن أبي الفضل العباس قمر بني هاشم ابن الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) . . .)فوجدنا بأن من الأمانة بمكان أن يتم تصحيح ذلك... فَحَرَرْتُ كتاباً رسميًّا إلى وزير الأوقاف شخصيًّا شارحًا فيه بشكل مفصل مدعوم بالمصادر العديدة والوثائق الخاصة بالمرقدين (عون وابن الحمزة، وطلبت تصحيح هذا الخطأ والأمر بتغيير)
1) مراقد المعارف: الشيخ محمد حرز الدين، ج 2، ص 141 - 143. وينفي الشيخ حرز الدين تعليقًا على بعض الروايات التي نقلها البعض من أنه ابن الحوراء زينب.
التسمية، فأمر الوزير بتشكيل لجنة للتأكد من المصادر التي ذكرتها، وتوصلت اللجنة بأن ما جاء بإدعائنا كان صحيحاً وأوصت اللجنة بضرورة تغيير التسمية.فصدر أمراً وزارياً تبنته المديرية العامة للمؤسسات الدينية قسم العتبات في وزارة الأوقاف بتغيير التسمية وإعلان النسب الصحيح والأسماء الكاملة على مرقدي عون بن عبد الله وابن الحمزة وذلك إنصافا للحقيقة. وقد إعترض البعض وخاصة من القائمين بخدمة مرقد عون لأن الناس إذا ما عرفوا بأن صاحب المرقد هو ليس (عون بن الحوراء زينب فسوف لن يأتي أحد لزيارته بالكثرة المعهودة، وسيحدث ذلك ضررًا ماديًا لهم ولكن إعتراضهم لم يجد إذنا صاغية حينها.)في عام 1999م كانت قد حدثت تغييرات إدارية في وزارة الأوقاف حينها، وإستلم بعض الأشخاص غير المؤهلين مناصب ليست من إختصاصهم بحيث يمكن التأثير عليهم بوسائل متعددة وأثبتت الوقائع ذلك فيما بعد. فعلمت بأن التسمية عادت كما كانت سابقا، وأن أمرًا صدر من قسم العتبات في وزارة الأوقاف بعد أن وصلتهم مضبطة موقعة من قبل الشيخ (... رئيس لجنة التوعية الدينية في كربلاء وبعض رجال الدين التابعين إلى مديرية أوقاف كربلاء، يذكرون فيها بأن قبر عون هذا يعود إلى عون بن عبد الله بن جعفر الطيار وأمّه الحوراء زينب !!!!)وقد حصلت على نسخة مصورة من المضبطة وعرفت أسماء مَنْ وقّع عليها. بعد فترة قصيرة سألت أحد الموقعين في المضبطة وهو السيد (... حول الموضوع وكيف تم ذلك فأخبرني بأن الشيخ (...)(1)رئيس لجنة التوعية الدينية طلب منه التوقيع في المضبطة وأعطاه مبلغ 50 ألف دينار ومثله إلى بقية الموقعين، وأن رئيس لجنة التوعية الدينية إستلم مبلغ ربع مليون دينار (كان المبلغ حينها ذو قيمة)، وكل هذه المبالغ صرفت من قبل القائمين على المرقدين لغرض كتابة المضبطة، وتم إرسال هدايا إلى)
1) إرتأينا عدم ذكر الأسماء تلافيًا للإحراج الذي قد يصيب البعض، وعندما تدعو الحاجة فسنقوم بنشر المضبطة وفيها جميع أسماء الموقعين فى المضبطة وأسماء من وافق عليها في الوزارة حينها.
بعض الأشخاص في الوزارة وتم لهم ذلك!! وأكّد لي هذا السيد معتذراً بأنه لا يعلم بالأمر وإنما قالوا له وقّع وخذ المبلغ !!....وهنا تذكرت ما جاء بكتاب الدكتور علي الوردي (لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث حول (علماء الحفيز)، ويمكن للمتتبع مراجعة كتاب الوردي هذا ليعرف من هي هذه الشريحة... وتأثير الأموال في النفس البشرية !!)
## كربلاء في العهد الجلائري### اشارةفي سنة 737ه- / 1336م مات السلطان أبو سعيد بهادر خان دون عقب وكان عمره 30 سنة. وبعد وفاته عمت الفوضى والإضطرابات في البلاد وإنقسمت قوى المغول إلى جماعات متحاربة ونتيجة الخطر الداهم من الشمال من جهة القبائل الذهبية إضطرت تلك الجماعات المتخاصمة للتهادن والإتفاق على تولية (أربخان أريق بوقا، ولكن حكمه لم يدم سوى ستة أشهر حيث قتل هو ووزيره غياث الدين محمد بن رشيد الدين وكثرت بعدها الإضطرابات فتسلط (علي باشا) خال أبي سعيد بهادر وأجْلَسَ على العرش أميرًا مغوليا هو (موسى خان). غير أن تسلط علي باشا جوبه بالرفض من قبل عدد من الأمراء، فاتفقوا مع الشيخ حسن الجلائري على الثورة. فحشدوا جيوشهم وهاجموا السلطان الجديد، وبعد معركة عنيفة تم لهم الإنتصار حيث قُتِل على باشا وفرّ السلطان من ساحة المعركة لكنه قُتل فيما بعد(1).)عند ذلك تسلط الشيخ حسن الجلائري على الحكومة ونصّب على العرش أميرًا صغيرًا من سلالة هولاكو اسمه (مظفر الدين محمد. لكنَّ جماعات مغولية لم يرق لها ذلك فقد إلتفت حول حفيد (جوبان) وكان اسمه (حسن)، وللتمييز بينه وبين حسن الجلائري فقد أصبح يعرف ب- (حسن الصغير). فجهز الأخير جيشًا وهاجم حسن الجلائري وإنتصر عليه مما إضطر الجلائري للهرب وكان ذلك سنة 738ه- / 1337م.)
1) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية، ج1، ص171.
وعندها نصّب حسن الصغير أخت السلطان أبي سعيد واسمها (صاتي بك وذلك في سنة 739ه- / 1338 ولم يدم حكمها غير عام واحد وتم عزلها. إنسحب حسن الجلائري من إيران إلى العراق وعندما دخل بغداد أعلن تنصيب أمير مغولي من أحفاد آباقا خان، ثم عزله بعد مدة قصيرة وأعلن نفسه سلطانًا على العراق!!)كان العراق إثناء تلك الأحداث يعيش فراغاً سلطوياً، بحيث كان الشريف أحمد بن رميثة بن أبي نمى قد أعلن حكومة مستقلة باسمه في الحلة (كما ذكر سابقاً تتبع له كربلاء.)حسن الجلائري: هو من المغول أيضاً وهو ابن عمة السلطان أبي سعيد بهادر خان. كان متزوجاً من ابنة (جوبان الذي كان وصيّاً على أبي سعيد وطمع في العرش وتم قتله من قبل السلطان لتستقيم له السلطة.)وقد أمر أبو سعيد ابن عمته حسن الجلائري على طلاق زوجته وكانت فائقة الجمال واسمها بغداد (خاتون وإتخذها زوجة له، وفي سنة 729ه-/ 1329م عيّن السلطان أبو سعيد الشيخ حسن الجلائري نائباً عنه في السلطنة وهو منصب أمير الأمراء الذي كان جوبان يشغله من قبل. وكان حسن الجلائري قبلها واليا على إقليم الأناضول.)ينتمي الشيخ حسن إلى قبيلة جلائر ( جلاير وهي من قبائل المغول الكبرى التي إنضوت تحت لواء (جنكيز خان)، وإشتركت معه في حروبه وغزواته، وساهمت كذلك في حملة ( هولاكو) على إيران والعراق. وكان لهذه القبيلة دور هام ومكانة رفيعة في الدولة الإيلخانية.)مالت العشائر الجلايرية إلى التشيّع عند إختلاطها مع قبائل تركية إستقرت شمال إيران. كما كان تشيعها ضمن فترة التشيّع في عهد السلطان محمود غازان والسلطان محمد خدابندة. كانت تلك الفترة أو المرحلة التي تعزز فيها مركز الجلائريين بالمصاهرة مع السلاطين الإيلخانيين. فالشيخ حسن الجلائري هو ابن عمة السلطان أبي سعيد
بهادر، يعني أن عمة حسن كانت زوجة السلطان محمد خدا بندة. فالشيخ حسن وكما ذكرنا كان له دور بارز في الصراعات التي نشبت بعد وفاة أبي سعيد بهادر.دخل الشيخ حسن الجلائري بغداد سنة 740ه- / 1340م وسيطر عليها وأعلن سيادته على العراق وأسس فيها الدولة الجلائرية. وهي دولة مغولية جديدة غير الدولة الإيلخانية، ولذا عرفت بالدولة الجلائرية ( الجلايرية نسبة إلى قبيلة الشيخ حسن، أو أحيانًا الدولة (الإيلكانية) نسبة إلى جدّه الأعلى (أيلكانويان الجلايري).)وساعد الفراغ السياسي والعسكري الشيخ حسن الجلائري على تثبيت دعائم حكومته في العراق، ليس بسبب ضعف حكومات المغول في إيران فحسب، بل بسبب ضعف وتخلخل حكم المماليك في مصر وبلاد الشام من جهة، وتكوّن إمارات متعددة في العراق شملت أجزاء منه وبقيت مناطق العراق الأخرى في شبه فراغ سلطوي. في وسط ذلك الفراغ الإقليمي وتشتت السلطة في العراق، إستطاع الشيخ حسن الجلائري أن يتفرغ لتدعيم حكمه وبسط نفوذه على العراق. ونتيجة لذلك تمكن من إقامة دولة قوية أصبح لها شأن كبير في المنطقة.وقد شهدت تلك الحقبة التاريخية تحولات مهمة في بلاد الأناضول، حيث دخلت الدولة العثمانية الفتية مرحلة جديدة من تاريخها وذلك في عهد السلطان أورخان (726ه- - 761ه- / (1326 م - 1360م) الذي إعتنق الطريقة الصوفية البكتاشية وأسس حسب تعاليمها الجيش الإنكشاري.)والشيخ حسن الجلائري هو حسن بن حسين بن أقبغا ابن أيلكانويان الجلائري. لما تولى الحكم واستقامت له الأمور في العراق، تفرغ للاصلاح وحمدت سيرته وأصبح محبوباً. وتوفي في شهر رجب من عام 757ه-/1356م، وقد خلّفه ولده (معز الدين أويس (1). الذي كان محمود السيرة وعادلاً وطموحاً... وقاد حملة)
1) السلطان أويس الجلائري هو الذي أمر بعمارة الروضة الحسينية المقدسة على شكلها الحالي. وسيتم الحديث مفصلا عن ذلك.
على أذربايجان بنفسه، وعيّن والي بغداد (الخواجة مرجان (1)نائباً عنه. وطمع مرجان بالحكم فاستقل بأمر بغداد، فرجع السلطان أويس وحاصر بغداد ودخلها، فهرب مرجان إلى كربلاء، وبعدها عفا عنه السلطان.)توفي السلطان أويس عام 776ه- / 1374م، وكان لديه عدة أولاد منهم حسين وحسن وإسماعيل وعلي وأحمد كان أولاده هؤلاء غير متوافقين فيما بينهم، فتولى السلطة ابنه حسين، بينما قام حسن بقتل أخيه إسماعيل، وعندما أراد السلطان حسين أن يوسّع رقعة ملكه، سار إلى (تبريز في إيران، فأعلن أخوه علي استقلاله بالبلاد. فأرسل السلطان حسين أخاه أحمد ليخلّص ملكه من أخيه ... فاسترد بغداد من أخيه علي وقتله. وكافأه السلطان حسين وعينه نائباً عنه، ولكن أحمد استقل بالعراق وسار على رأس جيش إلى تبريز، فحارب أخاه السلطان حسين وقتله سنة 784ه-/ 1382م واستقل بالملك وحده !!)في العهد الجلائري شهدت مدينة كربلاء وضواحيها الكثير من الأحداث والغزوات وبعض الإنجازات المهمة على صعيد الإعمار وخاصة في عتباتها المقدسة. وعلى ضوء ذلك سيتم ذكر ذلك كله ضمن السياق الزمني لتلك الأحداث وكذلك التعميرات وما عايشته المدينة خلال فترة الحكم الجلائري.### كربلاء أيام السلطان حسن الجلايريعندما أسس الشيخ حسن الجلايري دولته في العراق، كانت كربلاء حينها تتبع لحكومة عرب العراق في الحلة التي أقامها الشريف أحمد بن رميثة ابن أبي نمى في الحلة، التي كانت تعد في تلك الأيام قلب الفرات الأوسط وحاضرة مجتمع عرب العراق الزراعي.
1) الخواجة مرجان هو الذي بنى منارة العبد في صحن الحسين. ولديه خان وجامع مشهوران في منطقة الشورجة ببغداد.
كان الشريف أحمد يحظى بمنزلة كبيرة عند السلطان أبي سعيد بهادر الذي فوّض إليه أمر عرب العراق. وعندما توفي السلطان أبو سعيد أعلن الشريف أحمد استقلاله بالحلة بعد أن طرد حاكمها الأمير علي الدلقندي. فقامت بذلك أول حكومة عراقية عربية منذ إنهيار الدولة العباسية. وتمكن الشريف أحمد خلال بضع سنوات من بسط نفوذه على الفرات الأوسط والكثير من مناطق جنوب العراق وخاصة الزراعية منها، وكان يجبي الأموال باسم حكومته، وكانت مدينة كربلاء وضواحيها من ضمن مناطق سيطرة هذه الحكومة.وجد السلطان الشيخ حسن الجلايري بأن حكومة عرب العراق تشكّل خطراً على دولته الجديدة وقرر القضاء عليها . فوجه من بغداد عدّة حملات عسكرية نحو الحلة ولم تفلح في مساعيها للقضاء على حكومة عرب العراق لوقوف العشائر العراقية العربية مع حكومة الشريف أحمد بن رميئة والتصدي لجيوش الجلائريين. في سنة 740ه- / 1339م قرر الشيخ حسن الجلايري حسم الأمر بنفسه، فقاد حملة عسكرية كبيرة وعبر الفرات من الأنبار وزحف نحو الحلة وحاصرها. وحدثت معارك ضارية لم يتمكن رجال العشائر العراقية العربية المساندة للشريف أحمد الصمود أمام هجمات جيوش المغول الجلائريين، فتفرقت جموع المدافعين عن حكومة عرب العراق، وصمد الشريف أحمد والقليل من رجال العشائر ومن بينهم رجلان من عشائر بني حسن اللذين قاتلا مع الشريف أحمد حتى الموت.وذكر المرحوم عباس العزاوي في ذلك ما نصّه: « ... وقتل معه أحمد بن فلیتة الفارس الشجاع وأبوه فليتة ولم يثبت معه من بني حسن غيرهما »(1.)وهكذا قضى الشيخ حسن الجلايري على حكومة عرب العراق وهي في دور التكوين وكأن الأقدار ساقته إلى العراق ليجهض تلك التجربة التاريخية التي أقدم
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج 2، ص36.
عليها عرب العراق في تلك الأيام (1. وذكر ابن بطوطة في رحلته الثانية الذي زار الحلّة في أيام السلطان حسن الجلائري وذكر في رحلته الحلة آنذاك ما نصّه: « وقد كان غلب على مدينة الحلة بعد موت السلطان أبي سعيد الأمير أحمد بن رميثة ابن أبي نمى أمير مكة وحكمها أعوامًا، وكان حسن السيرة يحمده أهل العراق إلى أن غلب عليه السلطان حسن سلطان العراق فعذبه وقتله وأخذ الأموال والذخائر التي كانت عنده »(2).)قال العزاوي في ذلك أيضاً ... «كان الأمل أن يستفيد العرب من هذا الإنحلال ومن تلك المحاولات بسبب تفرّق الكلمة وأن ينالوا المكانة اللائقة في العراق... إلّا أن أمراء المغول كانوا متمرنين في الإدارة والحرب، فلم يستطع العرب أن يتمكنوا منهم، فقضي على إدارتهم في الحلّة بعد أن كانت قد تمكنت مدة. فقويت قدم المغول مرّة ثانية وتكونت منهم حكومة الجلايرية»(3.)أطلنا الحديث عن موضوع حكومة عرب العراق لصلته الوثيقة بما نبحثه عن مدينة كربلاء في تلك الفترة. فإن مدينة كربلاء كانت منذ عام 717ه- / 1318م تعيش تحت تاثير النزاع بين آل فائز وآل ،زحيك، وان السلطة المركزية لحكومة المغول في العراق لم تتمكن من التدخل وتركت المدينة تدير أمورها بنفسها، كما لم يكن للحكومة دور يذكر ... كان الوضع في الفرات الأوسط حينذاك متخلخلاً بسبب سيطرة وتواجد إمارات شبه مستقلّة تقودها بعض القبائل، وكانت كربلاء في ذلك الوقت تتبع إداريا إلى الحلة (مركز الفرات الأوسط. ولكون كربلاء من المدن ذات الطابع الديني فهي متأثرة جدًا بالمرجعية الدينية الشيعية المتمركزة في الحلة في ذلك الوقت.)
عندما خضعت كربلاء لسلطة حكومة عرب العراق في الحلة لبضع سنين، لم تتمكن تلك الحكومة من حل النزاع الدائر بين العلويين في كربلاء لإنشغالها في أمور تثبيت دعائم حكمها ولدرء مخاطر هجمات المغول الجلايريين عليها .عندما إستقر الأمر للشيخ حسن الجلايري، لم نجد ما يذكر عن إهتمام الشيخ حسن وحكومته بمدينة كربلاء، ولم يزرها قط لإنشغاله في إرساء دعائم دولته الجديدة وحروبه في آذربيجان وفي بلاد اللر وغيرها من مناطق الشمال والشرق. على الرغم من أن حسن الجلايري إهتم ببغداد وحسّن أوضاعها وصرف أموالاً كثيرة لإنعاش الحياة الفكرية بالرغم من أن الثقافة الفارسية كانت سائدة في البلاط السلطاني المغولي.حتى عندما غزت قبيلة آل مهنا مدينة كربلاء سنة 756ه- / 1355م وسيطرت عليها، لم نجد للحكومة الجلائرية أي إجراء ضد هذا الغزو من قبيلة عربية بوجود دولة الجلائريين التي كانت قد أسست دولتها في العراق منذ 16 سنة تقريباً قبل هذه الغزوة، وكربلاء هي من مدن العراق الأساسية والمهمة !!في سنة 757ه- / 1356م توفي الشيخ حسن الجلايري بعد أن حكم العراق 17 سنة، لم يذكر لنا التاريخ أي منجز قام به في مدينة كربلاء على الرغم من أنه كان شيعي المذهب. ونقل جثمانه إلى النجف ودفن في الصحن الحيدري الشريف.### وباء الطاعون في كربلاءفي عام 749ه-/ 1348م حلَّ وباء الطاعون في مدينة كربلاء بعد أن عمّ أغلب المدن العراقية. وكان الوباء شديدا وأزهق أرواحاً كثيرة من سكان المدينة وزوّارها لعدم وجود طرق الوقاية منه، بالإضافة إلى عدم توفر العلاج اللازم للشفاء منه ومنع إنتشاره. وقد أربك الوباء الحالة العامة في المدينة وتعطلت بسببه المصالح، وإنخفض عدد الزائرينللعتبات المقدسة فيها. ودام الوباء ما يزيد على السنة وبدأ بالإنحسار تدريجيا.
### تولي الشيخ عز الدين الحسن الأسديسدانة الحائرفي سنة 748ه- / 1347م تولى الشيخ العالم والأديب عز الدين أبو محمد الحسن بن شمس الدين محمد بن أبي العز الحلّي الأسدي سدانة كربلاء بعد وفاة أبيه الذي كان قد بعثه صدر الحلّة إلى كربلاء وولّاه خزانة (سدانة المشهد الحسيني عند ابتداء النزاع بين آل فائز وآل زحيك.)كان الشيخ أبو محمد عز الدين من الذين رغبوا في إنشاء العلوم الشرعية والأدبية في كربلاء. ويقال عنه بأنه «كان ذا مروءة وديانة وصلاح وله اعتناء بالرواية وذو فضيلة ومعرفة ». توفي بكربلاء سنة 783ه- / 1381م ودفن في الحائر الحسيني.وعندما غزا آل مهنا كربلاء سنة 756ه- أقروه في السدانة ولم يقوموا بتغييره (1، وبقي عزالدين الحسن الأسدي في السدانة لحين وفاته سنة 783ه-/ 1381م، وتولاها بعده ولده العالم الشيخ علي الأسدي المشهور ب- (ابن الخازن).)### غزوة آل مهناكان النزاع بين أولاد فائز وأولاد زحيك قد بدأ في أوائل القرن الثامن الهجري، وذكر بعض المؤرخين إنه إبتدأ سنة 717ه-/ 1317م ، وعند ذلك حدثت منازعات أدت إلى فوضى وقتال وأحداث جسام داخل المدينة، ولم يكن للحكومة المركزية أية سيطرة على المدن ومنها كربلاء في ذلك الوقت الذي كان يشهد أفول الدولة المغولية الإيلخانية، ودام ذلك الصراع بما يقارب النصف قرن، ونتيجة لذلك فقد تدخلت قبيلة (آل مهنّا وقامت بغزو مدينة كربلاء بحجة التدخل في حسم النزاع الدائر بين)
1) ذكرت المصادر أن السيد شهاب الدين أحمد بن مسهر آل مهنا عندما قام بغزوته على كربلاء تسلّم نقابة الحائر فيها، وأعطى السدانة إلى الشيخ شمس الدين محمد والصحيح أن الشيخ شمس الدين محمد كان قد توفى سنة 748ه- ، والغزوة كانت سنة 756ه- فإن الذي أبقوه في السدانة هو ولده الحسن بن شمس الدين محمد.
القبيلتين العلويتين وذلك في سنة 756ه- / 1355م . وهنا نورد عدة روايات عن آل مهنا الذين غزوا كربلاء وقضوا على الخلاف لحين...أمّا الرواية الأولى التي يؤكدها مؤلف كتاب مدينة الحسين(1وهي: أن آل مهنا عندما سيطروا على المدينة سنة 756ه- / 1355م فقد سلبوا القبيلتين إرثهما وضياع آمالهما عندما نصب السيد شهاب الدين أحمد بن مسهر (2)رئيس قبيلة آل مهنا نفسه نقيباً للحائر . وأعطى سدانة الروضة الحسينية إلى الشيخ شمس الدين محمد الحائري (وهو غير شمس الدين بن شجاع القاضي الحائري الأسدي الذي تسلم سدانة الروضة الحسينية سنة 963ه- / (1556م.)وبعد أن إستلم شهاب الدين أحمد آل مهنا نقابة الحائر، وتثبيت الشيخ أبي محمد الحسن بن شمس الدین محمد الحائري في السدانة، فقد هدأت الأحوال في المدينة وتبين لآل فائز وآل زحيك ذهاب الأمر من أيديهما، ذهبوا إلى التصالح والتكاتف فيما بينهما وثاروا مجتمعين ضد آل مهنا لاسترجاع حقوقهما، وتمكنوا من ذلك وطردوا النقيب وأسرته من كربلاء، وكذلك السادن، وقد تولّى أبو الفائز محمد نقابة الحائر ثانية، وتولّى أبو القاسم محمد بن يحيى زحيك السدانة، وإنتهت الفوضى وأمنت المدينة.أمّا الرواية الثانية فقد جاءت على ضوء ما دوّنه المرحوم الأستاذ عبد المجيد السالم الكاتب الكربلائي (3، الذي يذكر رحمه الله أن الغزوة التي وقعت على فتنة زحيك
1) مدينة الحسين السلسلة الثانية، ص139.
2) ذكر السيد ابن عنبة في (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب)، ص337 مترجما العقب من الأمير أبي عمارة المهنا بن أبي هاشم بن القاسم من ذرية الإمام علي بن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) و (منهم) الشريف شهاب الدين أحمد بن مسهر بن مسعود بن مالك بن مرشد بن خراسان بن منصور بن محمد بن عبیدالله بن عبد الواحد بن مالك بن الحسين بن المهنا (أمير المدينة المنورة) وآل مهنا هؤلاء هم ليسوا آل مهنا الذين غزوا كربلاء بحدود سنة 1013ه-: 1604م بقيادة (ناصر بن المهنا) وهو من شيوخ عشائر جشعم العربية والذين سيطروا على كربلاء لمدة أربعين عاما.)- المرحوم عبد المجيد السالم أديب وكاتب معروف في الوسط الكربلائي، وقد توفي رحمه الله في أوائل ستينيات القرن العشرين الميلادي ولديه عدة كتب مخطوطة عن كربلاء وكتب مخطوطة في مواضيع -
3) ذكر السيد ابن عنبة في (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب)، ص337 مترجما العقب من الأمير أبي عمارة المهنا بن أبي هاشم بن القاسم من ذرية الإمام علي بن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) و (منهم) الشريف شهاب الدين أحمد بن مسهر بن مسعود بن مالك بن مرشد بن خراسان بن منصور بن محمد بن عبیدالله بن عبد الواحد بن مالك بن الحسين بن المهنا (أمير المدينة المنورة) وآل مهنا هؤلاء هم ليسوا آل مهنا الذين غزوا كربلاء بحدود سنة 1013ه-: 1604م بقيادة (ناصر بن المهنا) وهو من شيوخ عشائر جشعم العربية والذين سيطروا على كربلاء لمدة أربعين عاما.)- المرحوم عبد المجيد السالم أديب وكاتب معروف في الوسط الكربلائي، وقد توفي رحمه الله في أوائل ستينيات القرن العشرين الميلادي ولديه عدة كتب مخطوطة عن كربلاء وكتب مخطوطة في مواضيع - أخرى منها دليل العشائر العربية.
وفائز، كانت من قبل قبائل بني مهنا من مشايخ شمّر طي، وأن هذه القبيلة التي كانت لها الإمارة في الديار السورية والمصرية، نزحت إلى العراق في سنة 721ه- على أثر مشاجرة جرت بين أميرها (المهنا بن عيسى والملك الناصر ملك مصر، مستنجدا بملك العراق السلطان أبي سعيد بهادر خان ولما قدم بعشائره تفرق أولاده في أنحاء العراق، فجاء أحد أنجاله الذي يدعى سليمان المهنا على رأس قبيلته وسكن الحلة والبادية المجاورة لها، وإستغل فتنة زحيك وفائز وشنَّ الغارة على كربلاء في العقد السادس من القرن الثامن الهجري، وبسط إمارته عليها ودامت إمارة هذه القبيلة على كربلاء إلى أواخر القرن الثاني عشر أو أوائل القرن الثالث عشر الهجري.)الرواية الثالثة أوردها المرحوم العلامة محمد علي القصير (1في كتابه المخطوط (لمعة تاريخية في بيوتات كربلاء والغاضرية قال ما نصّه :)«... فالظاهر من قول ابن بطوطة وأصحابه المؤرخين أن هناك زحولاً ووقايع وفترة حدثت بين تينك القبيلتين العلويتين المار ذكرهما . الأمر الذي تدخلت فيه قبائل شمر الساكنة في أطراف شفاثة عين التمر فقضت على الوقايع والفتن الحاصلة من اجل نقابة المشهد وسدانة الحرمين المطهرين فكان نصيب آل فايز سدانة الحرم الحسيني وسدانة الحرم العباسي نصيب آل زحيك ».على كل ما تقدم وذُكر أعلاه يمكننا أن نوضح النزاع وغزوة آل مهنا بما يلي:
1) المرحوم العلامة الشيخ محمد علي القصير والملقب ب- (قصير الأدباء) هو محمد علي القصير (الحائري) المتوفى سنة 1935م في كربلاء بن حسين بن علي بن محمود بن الحاج شكوري بن محمود جلبي بن ناصر جلبي بن محمد جلبي بن كاظم جلبي بن ناصر الدين الملا بن الحاج محمد البغدادي المتولي في المشهدين الشريفين وبايع أراضي الكمالية إلى السيد نعمة الله والسيد كمال الدين أبناء السيد ثابت في جمادي الأول سنة 991ه- ، والشيخ القصير من أسرة (القاضي) وهي من الأسر العربية القديمة في كربلاء ومن قبيلة خفاجة.)وله كتاب مخطوط في غاية الأهمية بعنوان لمعة تاريخية في بيوتات كربلاء والغاضرية إنتهى منه في سنة 1333ه- ، ولأهميته قمنا بشرحه وتحقيقه.
أ. أن النزاع بين آل فائز وآل زحيك كان قائما بالفعل في الثلث الأول من القرن الثامن الهجري، وإستمر لسنوات طوال بسبب نقابة الحائر وسدانة المشهد الحسيني.ب. آل مهنا الذين أغاروا على كربلاء بحجة إنهاء الفتنة فيها هم قبيلة آل مهنا العلوية بقيادة الشريف شهاب الدين أحمد بن مسهر وهو من أحفاد الحسين بن مهنا أمير المدينة المنورة الذي كان مقيما في عين التمر – شفاثة – وكان عظيم الجاه والمال ولديه الكثير من الأملاك .ت. نصّب السيد الشريف شهاب الدين نفسه نقيباً للحائر، وأقرّ سدانة الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ إلى الشيخ أبي محمد عز الدين الحسن بن شمس الدين محمد الحائري الأسدي ولم يغيّره.)ث. كان تاريخ الغزوة وإخماد الفتنة سنة 756ه- / 1355م في أيام الدولة الجلائرية وقبل وفاة الشيخ حسن الجلائري بسنة واحدة.ج. لا نعتقد بأن السيد أبي الفائز محمد هو الذي إستلم نقابة الحائر، لأن الوثائق تؤكد بأنه من رجال القرن السابع الهجري والثلث الأول من القرن الثامن الهجري، ونؤكد إستلام أحد أبنائه أو أحفاده من آل فائز حاكمية كربلاء بعد طرد آل مهنا من كربلاء. ونؤكد إحتمال صحة إستلام السيد أبي القاسم محمد النقابة في المشهد الحسيني لأنه ابن يحيى ،زحيك، ويحيى زحيك كان معاصراً للسيد أبي الفائز محمد.ح. الإلتباس الحاصل في قبيلة (آل مهنا، فهناك ثلاث قبائل بهذا الاسم، الأولى علوية النسب وهي التي غزت كربلاء سنة 756ه-.)أمّا القبيلة الثانية فهي غير علوية وهي من عشائر (جشعم العربية، وهي التي دخلت كربلاء عام 1013ه- / 1604م بزعامة (ناصر بن مهنا) وبسطت نفوذها على كربلاء سنين طوال.)
وقد نزحت هذه القبيلة من (نجد وإستوطنت العراق في أواخر القرن التاسع الهجري وسكنت ضفاف الفرات الغربي على إمتداد الفلوجة إلى المنتفك. وكان قد أطلق على رئيسهم (ناصر المهنا لقب شيخ العراقين، أي شيخ الكوفة والبصرة. وكان مركزه في المقاطعة التي ما زالت تحمل اسمه وهي (المهناوية) التي تقع حاليًا بين سدة الهندية وناحية أبي غرق بإمتداد قضاء الهندية (طويريج). أمّا القبيلة الثالثة فكانت تحمل نفس الاسم وهي من القبائل العربية غير العلوية، والتي لقبت باسم شيخ مشايخ شمر طي (مهنا بن عيسى).)خ. نتيجة هذا الخلط في الأسماء نعتقد بأن مؤلف مخطوط (لمعة تاريخية في بيوتات كربلاء والغاضرية الشيخ محمد علي القصير قد إلتبس عليه الأمر عندما ذكر تدخل قبائل شمر الساكنة في أطراف شفاثة لإنهاء الفتنة.)كما أن الشيخ القصير قد أخطأ في تقسيم السدانة عندما قال (فكان نصيب آل فائز سدانة الحرم الحسيني. وسدانة الحرم العباسي نصيب آل زحيك. وتعليل الخطأ له منحيان:)الأول: إن السدانة في ذلك الوقت كانت واحدة لحرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ ولم تكن هناك سدانة منفصلة لحرم العباس (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، لأن من يتولى سدانة الحسين يكون متولياً على حرم العباس أيضاً، وهو الذي يسمي من قبله من يقوم بشؤون حرم العباس نيابة عنه، وقد إستمر الحال إلى نهاية القرن العاشر الهجري، وجميع الوثائق وكتب التاريخ تؤكد ما ذهبنا إليه لعدم ورود شيء عن سدانة العباس إلا بعد التاريخ الذي ذكرناه.)الثاني: أن أصل النزاع كان على نقابة الحائر من جهة وسدانة المشهد الحسيني من جهة أخرى، فلم يذكر الشيخ القصير عن عائدية أو إستلام النقابة بعد فض النزاع (1.)
1) راجع كتابنا الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء، ص 109 وما بعدها وفيه التفصيل.
### السيد شهاب الدين أحمد يتولى رئاسةالحائر ونقابة الأشراف في كربلاءعندما غزت قبيلة آل مهنا العلوية كربلاء بقيادة شهاب الدين أحمد سنة 756ه- / 1355م ، نصّب شهاب الدين نفسه نقيباً للحائر الحسيني. وهو شهاب الدين أحمد بن مسهر بن أبي مسعود بن مالك بن مرشد بن خراسان بن منصور بن محمد بن عبد الله بن مالك (أمير (المدينة بن شهاب الدين الحسين (أمير المدينة) بن أبي عمارة المهنا، والذي يرجع نسبه إلى عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)وجاء في عمدة الطالب لابن عنبة :« كان جليل القدر عالي الهمة يتولى أوقاف المدينة المشرفة بالعراق ثم تولّى نقابة المشهد الحائري وعُزل عنه (1، ثم شارك في نقابة المشهد الغروي وتسلط ثم عظم جاهه (2).)### حاكمية كربلاء ونقابة الأشرافبعد طرد آل مهنا من كربلاءذكرت بعض المصادر التي كتبت عن كربلاء ومنها كتاب مدينة الحسين أنه بعد طرد آل مهنا من كربلاء ، تولى عميد آل فائز محمد نقابة الحائر ثانية «وتولى عميد آل زحيك السيد أبو القاسم محمد بن يحيى زحيك السدانة... »(3. نقول:)
1) بعد أن قاد غزوة آل مهنا على كربلاء إثناء نزاع آل فائز وآل زحيك، وبعد عدة سنوات وجدت القبيلتان ضياع الأمر من أيديهما فقد ذهبوا إلى الصلح وأتفقوا على التعاون لطرد آل مهنا من المدينة واسترجاع حقوقهما ، فتمكنوا عندئذٍ من طرد النقيب شهاب الدين أحمد الذي كان نقيبا والحاكم الفعلي للمدينة.
2) عمدة الطالب لابن عنبة ، ص 337 ، وكتابنا (الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء)، ص109.
3) مدينة الحسين محمد حسن الكليدار. السلسلة الثانية، ص 140 .
1 - على الرغم من البحث المطوّل لم نجد مصدراً تاريخيا يذكر السنة التي تم فيها طرد آل مهنا والنقيب شهاب الدين أحمد من كربلاء.2 - أخطأ مؤلف كتاب مدينة الحسين عندما قال بأن عميد آل فائز (محمد تولى النقابة ثانية وأبو القاسم محمد زحيك تسلم السدانة. وموضع الخطأ هو أن السيد أبي الفائز محمد كان قد توفي قبل غزوة آل مهنا بسنوات طوال. ومن ناحية أخرى فإن المصادر التاريخية العديدة تذكر بأن السدانة كانت بيد الشيخ أبي محمد عز الدين الحسن بن شمس الدين محمد الأسدي الحائري منذ تسلمها سنة 748ه- لحين وفاته سنة 783ه- حيث تسلمها من بعده ولده العالم الشيخ زين الدين علي (الخازن الأسدي وإستمر بها لحين وفاته سنة 795ه-. ومن ذلك يتضح لنا بأن السدانة لم يستلمها أبو القاسم محمد بن يحيى زحيك. بل إن حاكمية كربلاء ورئاسة المدينة أنيطت إلى السيد أبي جعفر محمد (1)بن أحمد شمس الدين ناظر رأس العين بن أبي الفائز محمد رئيس قبيلة آل فائز.)بينما نقابة الأشراف أنيطت بالسيد أبي القاسم محمد بن يحيى زحيك رئيس قبيلةآل زحيك.### كربلاء في زمن السلطان أُويس الجلائريعندما توفي السلطان الشيخ حسن الجلايري سنة 757ه- / 1356م كانت كربلاء تحت سلطة قبيلة آل مهنا التي غزتها قبل عام من وفاة السلطان حسن، ولم نجد ما يذكر عن إجراءات الدولة الجلايرية إتجاه غزوة آل مهنا لمدينة كربلاء، فقد إستمروا بالسيطرة عليها عدة سنوات دون أن تتدخل الحكومة المركزية في بغداد. وبعد وفاة السلطان حسن تولى السلطنة بعده ابنه ( أوَيْس الملقب ب- (معز الدين).)
1) جاء في مناهل الضرب للسيد جعفر الأعرجي، ص 481) ما يلي:«ومن ذرية أبي الفائز: السيد محمد بن أبي الفائز، وكان سيداً جليلاً معظما، نصف المجاورين للحائر الشريف في طاعته، ويأتمرون بأمره ، وينتهون بزجره ».
حال اعتلاء السلطان أويس الجلايري العرش، وجّه أنظاره إلى توسيع ر رقعة مملكته والقضاء على مناوئيه في آذربيجان. فأذربيجان تحولت إلى إقليم تابع لإمبراطورية القبائل الذهبية بعد أن قتل الشيخ حسن الصغير (حفيد جوبان واستيلائهم على تبريز، وبذلك فقد أزيلت نهائيًا دولة المغول.)عندما ضعفت القبائل الذهبية في تبريز إستغلّ السلطان أويس هذا الضعف، فتمكن من الاستيلاء على تبريز ولكنه عاد إلى بغداد وتمكن بعد عدة حملات من السيطرة على آذربيجان وبسط نفوذه على المناطق المجاورة حتى وصل إلى سواحل بحر قزوين، وتمكن من إقامة إمبراطورية مغولية جلائرية حلت محل الإمبراطورية الإيلخانية.في سنة 766ه-/ 1365م سار السلطان أويس إلى الموصل وإنتزعها من يد (مراد خوجة التركماني.)من ذلك نلاحظ بأن السلطان أويس ولمدة 10 سنوات تقريباً قد إنشغل بحروبه وتوسيع رقعة دولته، وكان يبتعد عن بغداد على الدوام، ولم يَزُر كربلاء مطلقاً خلال هذه الفترة.كان السلطان أويس قد وضع والي بغداد (الخواجة مرجان نائباً عنه في العراق، ولعدم تواجد السلطان في بغداد وإنشغاله في حروبه، طمع مرجان في الحكم. «فإستقل بأمر بغداد وكاتب الأشرف صاحب مصر يخبره بانه خطب له ببغداد والتمس منه التقليد بالنيابة، ثم فتح سدود دجلة حتى أحاط الماء بالمدينة وقطع الطرق المؤدية لها، فرجع السلطان أويس يستشيط غضباً، وحاصر بغداد فدخلها وأراد أن يقتل مرجانًا »(1).)فهرب مرجان من بغداد، ويقال بأنه لاذ بقبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ في كربلاء متشفعاً بصاحب القبر لإنقاذه من السلطان أويس. ومن المؤرخين من ذكر بأن العلماء)
1) تاريخ العراق السياسي الحديث: السيد عبد الرزاق الحسني، ج 1، ص 28 .
والأعيان في بغداد شفعوا فيه لدى السلطان لما قام به من أعمال ومنجزات في بغداد وحسن إدارته للبلد، فعفا عنه السلطان.والخواجة مرجان هو أمين الدين بن عبد الله بن عبد الرحمن أولجياتو. وتعني أولجياتو بالعربية (السعيد. وهو رومي الأصل وكان مولى للسلطان أويس أي عبدًا له. وذكر في كتاب الدكتور عبد الجواد الكليدار بأنه كان یسمی(الأمير جان) على ما ورد ذكره بهذا الاسم في تاريخ حبيب السير) والمعروف مختصراً ب- (مرجان).)تولى ولاية بغداد من قبل سلاطين الدولة الجلايرية، وكان ينوب عنهم في حكم العراق لتواجدهم في إيران على الدوام تقريباً. وللخواجة مرجان أعمالاً ومنجزات ما زالت شاهدة للعيان إلى اليوم. حيث إبتنى المدرسة المرجانية، وجامع مرجان القائمين لحد الان في شارع الرشيد مدخل (الشورجة في بغداد.)كذلك (خان مرجان الشهير في مدخل شارع السموأل في بغداد، ودار الشفاء المطلة على نهر دجلة والمعروفة اليوم ب- ( قهوة الشط) وغيرها. وعندما هرب إلى كربلاء ولاذ بقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حمل معه أموالاً كثيرة، وإشترى العقار والعرصات في كربلاء وعين التمر والرحالية.)وحينما إستجار بالحرم المطهر نذر أن يبني مئذنة خاصة في الصحن الحسيني الشريف إذا خرج ناجياً من الغمة (1.)### أعمال مرجان في كربلاءقام الخواجة مرجان بتشييد مسجد في شرقي صحن الحسين وبنى على جهة المسجد الشمالية الغربية داخل الصحن الشريف مئذنة رائعة سميت ب- (منارة العبد لكونه عبداً للسلطان أويس. وسمي المسجد بمسجد مرجان)
1) موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء، ص 266 عن دائرة المعارف الإسلامية.
### أ. مسجد مرجانيقع المسجد في الجهة الشرقية من الصحن الحسيني بين باب قاضي الحاجات وباب الشهداء. وكان يفصله عن الصحن الصغير (مقابر آل بویه مدخل بابالشهداء.)ومدخل المسجد من داخل الصحن الشريف، وكانت مساحته الإجمالية في ذلك الوقت تقارب 48 مترا مربع على شكل مستقيم، وكانت أرضية المسجد ترتفع عن الصحن بمقدار مترين وقد زيّن من الداخل بالزخارف والمقرنصات، وكان بديع التصميم وبني على الطراز المغولي فكان آية معمارية (1.)
1) عندما بدأ تطوير مشروع مابين الحرمين الأول في عام 1979م ، تم إزالة الحوانيت والمنشآت والدور والفنادق الملاصقة بالعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية من الخارج، وتوسيع الشوارع المحيطة بهما والساحة الواسعة بين الحرمين، فقد تم إضافة مساحات كبيرة من فضلات الأملاك الملاصقة لسور الصحنين بعد تحديد عرض الشوارع المحيطة بالصحنين، وتم بناء سور بإرتفاع (11) متر يحيط بكل عتبة. ونتيجة لذلك فقد ضمت مساحة لا بأس بها إلى (مسجد) مرجان) كما الحال في مقبرة (الشيرازي). وأصبح المسجد على شكل قاعة بأبعاد 15م2 25م وبإرتفاع 6م بعد أن ضمت إليها عدة حجرات مطلة على الصحن، وللقاعة بابان الكبرى مشرفة على الصحن الشريف، والثانية تطل على منتصف مدخل باب الشهداء وأستغلت هذه القاعة لفترة من الزمن الحلقات التدريس وإقامة الصلاة والمجالس الحسينية في فصل الشتاء، ومن ثُمَّ أستغلت لأغراض العتبة المختلفة حيث تم ترميمها وإكساء جدرانها بالرخام الإيطالي، وإعادة تصنيع الشبابيك المطلة على الصحن وعلى مدخل باب الشهداء. وفي فترة شرّفي بسدانة الروضة الحسينية المقدسة قمت بمفاتحة الجهات الرسمية في وزارة الأوقاف والدائرة الهندسية في ديوان رئاسة الجمهورية والمديرية العامة للاثار والتراث وذلك في عام 1999م لغرض إنشاء متحف في الروضة الحسينية يضم المقتنيات الثمينة في خزانة الروضة، وبعض المخطوطات وكل ما يتعلق بمراحل تطوير العتبة ضمن الحقب الزمنية من نماذج الأضرحة والأبواب ووسائل الإنارة والمفروشات والستائر ونماذج للعتبة منذ بداية إنشاءها عبر المراحل التاريخية للمرقد مع الصور واللوحات الفنية التي تخص الروضة ، ومجسدات فنية قديمة تحكي واقعة الطف، وبانوراما عن يوم عاشوراء. وتمت الموافقات الرسمية من الجهات المعنية وكلفت دائرة الآثار والتراث العامة قسم المتاحف بإعداد تصاميم الأمان والتحصين والتهوية لغرض الحفاظ على تلك المقتنيات بشكل علمي وحضاري، وأعدت هذه القاعة التي كان جزءامنها قديما مسجد مرجان. وقامت الدائرة الهندسية في ديوان الرئاسة بالتعاون مع الدائرة الهندسية في وزارة الأوقاف بإعداد التصاميم للمتحف، وإقترحنا أن يكون المتحف على شكل طابقين بإرتفاع (3) متر لكل طابق، تتخلله فتحة هلالية على شكل نصف دائرة بقطر (12) متر أمام المدخل، وسلالم كهربائية متحركة على جانبي القاعة ومخططات لصناديق العرض الزجاجية المضادة للرصاص. ووافقت رئاسة الجمهورية على التصاميم والمخططات، على يتم التنفيذ على نفقة رئاسة الجمهورية إبتداءً من السنة المالية لعام 2003م التي تبدأ في 31: 3 من كل عام، ويكون العمل مصاحباً لمشروع تطوير الروضة الحسينية الذي تمت الموافقة عليه والذي سوف نذكره لاحقًا معززاً بالتصاميم والخرائط والصور وللأسف الشديد فقد حالت عملية غزو العراق من قبل الأمريكان من تنفيذ هذا المشروع الكب
### ب. منارة العبدقام الخواجة مرجان بعد أن نجا من بطش السلطان أويس وهروبه من بغداد إلى كربلاء لائدًا بقبر الحسين وذلك في عام 767ه-/ 1366م بناء مسجده في الجهة الشرقية من صحن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ، وقام بتشييد مئذنة قاعدتها في الصحن الشريف تقع ملاصقة تقريباً بالجدار الداخلي الشرقي للصحن، وبالقرب من مسجده الذي شيده. وتقع المئذنة تحديداً على يسار الخارج من الصحن بإتجاه مرقد العباس من باب الشهداء، ويقول الشاعر السماوي:)بلى تبقّى محكم الأساسِ*** شمالَ من يمضي إلى العباسوكانت مأذنة جبارة أعظم وأفخم من كل المآذن الموجودة في العتبات المقدسة في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء، ومن حيث الفخامة في الأبنية التاريخية کانت هي الثانية في العراق بعد (ملويّة المتوكل وجامعه في سامراء. فكان يبلغ قطر قاعدتها 10 أمتار تقريباً وإرتفاعها أربعين متراً مكسوة بالفسيفساء والكاشاني الآثاري البديع الصنع مما يندر وجودهما جدا في هذا اليوم في بقية الآثار التاريخية القديمة في العراق أو في إيران.)ولابد أن نذكر بأن المراقد المقدسة في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء، لم تشيّد فيها مآذن كما هي اليوم، وإنما كانت تعلو المراقد المقدسة القباب فقط. وعندما بنى الخواجة مرجان منارته الشهيرة كانت هذه المنارة الوحيدة في الروضة الحسينية
المقدسة. والمنارتان المتقدمتان على الإيوان القبلي شيدتا بعد منارة العبد بسنوات عديدة سيتم التطرق لها لاحقاً.وضع الخواجة مرجان إيرادات أملاكه في كربلاء وعين التمر والرحالية وقفًا تُصرف على المسجد والمنارة، ومن ثَمَّ أصبحت أملاكه وقفًا للروضة الحسينية.تم ترميم منارة العبد عدة مرات، وتم تطويرها وإكساءها بالمقرنصات والكاشاني وأول ترميم أجري عليها كان سنة 982 ه- / 1574م من قبل الشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي، حيث شملها بالتصليح والتحسين، ومن قائل يقول بأنه أمر بإعادة تعميرها من ضمن ما قام به في تلك السنة من التعمير والإصلاحات الأساسية للحائر المقدس وتوسيع الصحن من الناحية الشمالية.وعلى ذلك فيمكن أن تكون منارة العبد التي تم هدمها فيما بعد هي التي حملت البصمة الصفوية في شكلها النهائي وقد تكون قد بنيت مجددًا في نفس موقعها وبقيت تحمل اسمها القديم (منارة العبد.)وبوجود هذه المنارة منفردة في صحن الحسين وحتى عندما بنيت المنارتان الأخريتان، كان للروضة الحسينية رونقاً وتميّزاً عن بقية العتبات المقدسة في العراق.في عام 1354ه- / 1935م ظهر عليها ميلاً إلى الغرب، فقررت السلطات هدمها خوفًا من إنهيارها الذي يعرض أرواح الناس للخطر، وكذلك على واقع أبنية الصحن الشريف. وقيل غير ذلك من الأسباب التي سنبحثها ضمن السياق التاريخي للعمارة في الروضة الحسينية.
صورة تمثل الروضة الحسينية المقدسة حيث بنيت منارة العبد، وأصبحت الروضة المقدسة عبارة عن الحرم الذي بناه السلطان أويس وتعلوه القبة فقط والتي غلفت بالكاشي الأصفر وليس بالذهب، وبنى مرجان منارة العبد، فأصبحت الروضة تعلوها القبة على الحرم، وفي الجهة الشرقية من الصحن الشريف بنيت منارة العبد، ولم تكن بعد قد بنيت المنارتان القبليتان ولا الإيوان القبلي الذي أكمل بناؤهما السلطان أحمد الجلائري بعد أخيه السلطان حسين.جاء في أرجوزة المرحوم الشيخ محمد السماوي في(مجالي اللطف بأرض الطف ذكرًا للمسجد والمنارة وموقعها وترميمها وهدمها حيث قال:)ثم بنى المسجد والمنارة فانتسبت للعبد ذي الإمارة وكان ذا في السبع والستينا من بعد سبع ِقد خلت مئينا ثم تداعى ظاهر العمارة للعبد واستدعى له عمارة* فمدّكفه لها طهماسب*** وعُمّرت بما لها يناسبوارخت ما بين عجم وعرب (أنكشت يار تعني (خنصر الأحب) (1))
1) أنكشت يار وخنصر الأحب، تعني بمجاميع الأرقام للشعر التاريخي ب- (982). وهي السنة التي تبرع فيها الشاه طهماسب الصفوي بترميم وصيانة المئذنة.
وهدّمت منارة العبد فلم يبق لها من أثر ولا علم لقولهم بأن عظمها وهن في الأربع والخمسين من هذا الزمن (1)بلى تبقّى محكم الأساس شمال من يمضي إلى العباسمتصلاًمع الجدار الغربي في باب صحن السبط أو في الغرب(2)عندما علم السلطان أويس الجلايري بما قام الخواجة (مرجان في الروضة الحسينية، صفح عنه ثم استدعاه إليه فأكرمه وأعاده إلى وظيفته والياً على العراق من جدید. (3))### زيارة السلطان أوَيْس إلى كربلاءفي سنة 767ه-/ (1366م قام السلطان أويس الجلايري بزيارة كربلاء والمرقد الحسيني، وكانت هذه الزيارة هي الأولى له بعد عشر سنوات من إعتلائه عرش السلطنة. وشاهد ما قام به واليه الخواجه مرجان، عزم على تجديد بناء المرقد الشريف.)### إعمار الروضة الحسينية المقدسةأمر السلطان أويس بإعمار الروضة الحسينية بطراز جديد، وكانت العمارة في ذلك الوقت على قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ هي العمارة التي شيدت في زمن البويهيين والتي نسبت إلى ابن سهلان الرامهرمزي وزير سلطان الدولة الديلمي في)
1) جاء في الأصل (في الست والخمسين) وهو خطأ مطبعي على ما يذكر البعض.
2) مجالي اللطف بأرض الطف: الشيخ محمد السماوي، ص301 وما بعدها.
3) موسوعة العتبات المقدسة (قسم كربلاء)، ص 266 . وعلى ضوء موضوع إعادة الخواجة مرجان إلى موقعه السابق وعفو السلطان عنه، لنا في ذلك رأي آخر. فإن العفو عنه قد يكون من أحد أسبابه هو اللجوء إلى حرم الحسين لائذًا، وليس هو السبب الوحيد، لأن علماء بغداد وأعيانها وأرباب السياسة والأمراء الجلايريين كان لهم تأثير في قبول السلطان للعفو عنه. كما نعتقد بان هروب مرجان من بغداد كان سنة 766ه-، وان الخواجة مرجان نفّذ نذره ببناء المسجد والمنارة بعد العفو عنه ورضي السلطان أويس عليه. وسنبحث مثل هذه المواضيع في محلها بعد أن نبحث أشكال الصراع على الحكم من قبل المحتلين الذين لم تكن تهمهم العتبات المقدسة إلّا بما يخدم مصالحهم فقط.
عام 407 ه- على أثر الحريق الذي نشب في حرم الحسين (كما مرّ ذكره في الحديث عن العهد البويهي، وقد أدخل على عمارة ابن سهلان بعض الإصلاحات والتطوير التي قام بها الوزير مؤيد الدين المقدادي بأمر من الخليفة العباسي (الناصر لدين الله) في سنة 620 ه-. وبقيت هذه العمارة على حالها منذ بداية القرن الخامس الهجري إلى الثلث الأخير من القرن الثامن الهجري، وهي العمارة التي وصفها الرحالة ابن بطوطة عند زيارته لكربلاء سنة 726ه-.)بعد زيارة ابن بطوطة بأربعين سنة وتحديدًا في سنة 767ه- وإثناء زيارته إلى كربلاء أمر السلطان أويس الجلايري بإنشاء عمارة جديدة على مرقد الإمام الحسين، تشمل إعادة بناء الحرم على شكل أواوين مفتوحة على الضريح الشريف، مفتوحة بين أربعة ركائز تقوم عليها القبة التي تعلو المرقد حيث بُنيَتْ مجددا وفق التصميم الجديد، كما تم إنشاء الأواوين التي تحيط بالحرم من الداخل، وتشرف هذه الأواوين على الصحن بعد أن تم بناء سور جديد للحرم تتخلله فتحات للإنارة والتهوية تطل على الصحن.ولأول مرّة في تاريخ عمارة الروضة الحسينية تم تصميم نظام جديد عند بناء السور الذي يحيط بالحرم الحسيني، وقد بني على شكل جدارين بينهما فراغ بعرض 70سم سم تقريباً مرتبطين بالتشابك في بعض أجزائهما، وذلك للسماح بمرور الهواء بين الجدارين الذي يتغير حسب تيار الهواء السالك من وإلى الفتحات الجانبية في أعلى السور.وهذه الطريقة الهندسية هي التي كانت توازن الحرارة والبرودة صيفاً وشتاءً داخل الحرم وأواوينه (1التي تخللت سقوفها فتحات للتهوية والإنارة.)
1) من هذا التصميم إنتشرت في بيوت كربلاء القديمة حالة بناء فتحات التهوية (البادكير) من السطح إلى السرداب لمرور الهواء كإسلوب للتبريد الذاتي أيام الصيف الحارة.
هذه العمارة التي أمر بتشييدها السلطان أويس وأكملها بعده ولديه السلطان حسين والسلطان أحمد هي ذاتها العمارة الحالية بعد أن شهدت منذ ذلك التاريخ ولحد الآن عدة أعمال للتوسيع والتطوير سيتم الحديث عنها لاحقاً ضمن البحث. وفي أرجوزة المرحوم الشيخ محمد السماوي في مجالي اللطف بأرض الطف قال:ثم بنى القبة بعد الحائر*** أويس بن الحسن الجلائري إذ جاء من مقره بجنده يُريد بغداد لقتل عبدهِ أعني به مرجان إذ تمردا حتى إذا جنّد أويس وردا فارقه من منعوه الطاعه فلاذ بالحسين ذي الشفاعة*** ثم بنى المسجد والمنارة*** فانتسبت للعبد ذي الإمارة*** وكان في السبع والستينا*** من بَعدِ سبع قد خلت مئنا*** فأصدر الصفح أويس وعفا ***عن عَبدِهِ إِذْ لاذَ بابن المصطفىتوفي السلطان أويس الجلايري في سنة 776ه- / 1374م في تبريز عاصمة ملكه في شمال إيران، ولم يشهد إكتمال ما أمر به بتشييد العمارة الجديدة على قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، حيث تعاقب ولداه حسين وأحمد على إكماله. وكان أويس قد حقق شيئًا من التقدم في العراق، وذكر الأستاذ العزاوي ما نصه: « في أيامه حدثت عمارات مهمة منها ما يزال باقيا وأصاب الناس رغد في العيش ورفاه وراحة ».)ولنا في موضوع فرار الخواجة مرجان من بغداد بعد محاصرتها من السلطان أويس ولجوئه لائدًا بقبر الحسين وبنائه المسجد والمنارة ثم زيارة أويس إلى كربلاء، ونتيجة ما شاهده من أعمال مرجان ثم العفو عنه وأمر بتشييد عمارة جديدة لحرم الحسين ... لهذا كلّه لنا في تواريخه رأي آخر وهو:مما ذُكر عن حالة طمع مرجان بالاستقلال في العراق، ومحاصرة أويس لبغداد ودخولها وفرار مرجان إلى كربلاء بحسب الروايات التي ذكرناها، نجد بأن هناك
بعض الإلتباس في النقل خاصة في التواريخ التي ذكرها المؤرخون والذين كتبوا عن الحالة قبلنا، ونعتقد الأصح هو ما يلي:إن السلطان كان في تبريز عندما علم بأمر واليه ونائبه على العراق (مرجان فتحرك بسرعة إلى بغداد ودخلها في شهر شعبان من عام 767ه- بعد محاصرتها (1)... وإثناء المحاصرة تفرق أتباع مرجان عنه، مما إضطرّه للهرب إلى كربلاء. يعني ذلك أن مرجان دخل كربلاء في رجب من عام 767ه- حاملاً معه أمواله، وإشترى الأراضي والعقار في كربلاء وعين التمر والرحالية، ونذر إذا أنجاه الله من الغمة التی هو فيها فسوف يبني مسجد ومنارة في الحائر الحسيني. ولنفترض بأن السلطان وبتاثير وتوسط العلماء والأعيان في بغداد (2)، ولجوء واليه إلى كربلاء لائذا بقبر الحسين والتشفع به، كانت من الأسباب التي أدت إلى العفو عنه وإرجاعه إلى عمله في بغداد، فإن مرجان بعد أن تحققت أمنيته صار واجباً عليه الإيفاء بنذره فأقدم على بناء المسجد والمنارة، وأن السلطان أويس عندما زار كربلاء في سنة 767ه- كان المسجد والمنارة في طور البناء، لأن بناء المسجد حسب الوصف المعروف وتلك المنارة العظيمة الطراز والهيكل، من المستحيل إكمالهما في شهر أو شهرين حسب ظروف تلك الفترة الزمنية، ومقدار مدة البناء مثل هذين الصرحين. وقد يكون العمل بهما جاء متوازياً مع ما أمر به السلطان أويس بتشييد عمارة جديدة لحرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)أو أن يكون هناك إحتمال ثان إذا كان أويس قد شاهد ما قام به مرجان في الحائر الحسيني من مسجد ومنارة وقد إكتملا وتم الانتهاء منهما، وهذا يعني أن مرجان قد قام بتشييد المسجد والمنارة إثناء فترة تفرّده بالسلطة في بغداد لإبتعاد السلطان عنها وطمعه ببسط نفوذه على العراق، وفي هذه الحالة فإن بناء مسجد مرجان ومنارة العبد كان قبل سنة 767ه-.
والأهم من ذلک هو أن مرجان قد لا يكون قد طمع بالسلطة في العراق، وإنما كانت هناك فتنة لم يسيطر عليها مرجان والي السلطان أويس ونائبه يقودها الأمير (أحمد مما استدعاه للهرب إلى كربلاء. وهذا ما يؤكده ابن كثير لأنه كان معاصر لتلك الأحداث لأنه توفي بعد تلك الحوادث بسبع سنين أي في سنة 774ه-، حيث قال:« إن بغداد بعد أن إستعادها أويس ملك العراق وخراسان من يد الطواشي مرجان، وإستحضره فأكرمه وأطلق له. فإتفقا ان أصل الفتنة من الأمير أحمد أخي الوزير، فأحضره السلطان إلى بين يديه وضربه بسكين في كرشه فشقه وأمر بعض الأمراء فقتله ».)### وباء الطاعون في كربلاءيذكر المؤرخون أنه في سنة 774ه-/ 1372م إنتشر في مدينة كربلاء والنجف وباء الطاعون بشكل جارف ومنهما إنتقل إلى بغداد وإنتشر فيها أيضاً بشكل مخيف. وفتك هذا الوباء الخطير بأهالي مدينة كربلاء وحصد الكثير من الأرواح، لعدم وجود طرق الوقاية والعلاج له في ذلك الزمان، علما بأن المدينة كانت محاطة سور وفيها زخم من السكان بالإضافة إلى الزائرين الذين يفدون لزيارة مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، ولم تكن فيها شوارع وفُسح وحدائق داخلها، وكانت فيها أزقة)ضيقة وبيوت متلاصقة، ويندر فيها وجود مراكز الصحة أو المستشفيات...فكانت جثث الموتى في الطرقات، والكثير منها دفن داخل المدينة في البيوت أو في العتبات المقدسة... وإستمر الوباء عدة أشهر مما إضطر الكثير من الأهالي إلى مغادرة المدينة متجهين صوب البساتين المحيطة بها، إلى أن إنتهت الكارثة.
### السلطان حسين الجلايري وكربلاءفي سنة 776ه- / 1374م توفي السلطان أويس وكان له من الأولاد خمسة وهم: حسين وحسن وإسماعيل وعلي وأحمد، وكان كل من هؤلاء يطمع في الملك، فإتفقت آراء الأمراء والقادة وأركان الدولة على تولية أكبر أولاده وهو (حسين بالرغم من منافسة إخوته له فبويع له بالسلطنة ولكن جذور المنافسة بقيت كامنة كالنار تحت الرماد. فقام حسن بن أويس بقتل شقيقه إسماعيل إثناء تلك الحركة والغوائل. وكانت البيعة للسلطان حسين في بغداد.)وعندما توفي السلطان أويس كانت أعمال البناء والتشييد في حرم الحسين لم تنتهي، فبدأ ولده السلطان حسين من حيث إنتهى الأب. وينسب إلى السلطان حسين أنه أمر بتشييد البهو الأمامي للحرم وما نطلق عليه اليوم (الطارمة أو إيوان الذهب، على الرغم من أن السلطان حسين لم يزر كربلاء حيث لم تذكر كتب التاريخ أي زيارة له للمدينة والمرقد الشريف.)### تولي الشيخ زين الدين علي (ابن الخازن الأسدي)سدانة الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)عندما توفي الشيخ أبي محمد عز الدين الحسن تولى ولده الشيخ علي الملقب ب- (ابن الخازن سدانة الروضة الحسينية بعد أبيه وذلك في سنة 783ه-/ 1381 م وكنيته زین الدين علي، والذي كان من العلماء الأفاضل.)هو الشيخ العلامة زين الدين علي بن عز الدين أبو محمد الحسن بن شمس الدین محمد الخازن الحائري الأسدي. ويلقّب الشيخ زين الدين علي ب- (الشيخ علي بن الخازن الحائري. كان من المحققين ذا فضل وعلم وفقه وفصاحة، معروفًا لدى العامة والخاصة في زمانه، وقد تتلمذ على الشيخ الشهيد (الأول) محمد بن مكي العاملي الذي أجازه في كل ما يشمل في العلوم والفقه والرواية، وقد أطنب أستاذه في تبيان)
فضائله، وقال في إجازته: «... المولى الشيخ العالم التقي الورع المحصل القائم بأعباء العلوم، الفائق ألي الفضل والفهوم... »... والشيخ زين الدين هو الذي منح الإجازة بالرواية للعلامة الكبير الشيخ أحمد بن فهد الحلي في كربلاء سنة 791ه-/ 1389م. حيث كان الشيخ أحمد بن فهد أحد تلامذته وقد روى عنه.وجاء في طبقات أعلام الشيعة للطهراني عن ابن الخازن ما نصّه: «علي بن الحسن بن محمد الخازن، هو زين الدين أبو الحسن علي بن أبي محمد الحسن بن شمس الدين محمد خازن الحضرة الحائرية المجاز من محمد بن مكي الشهيد سنة 786ه-. ويروي عنه بالإجازة في سنة 791ه- أبو العباس أحمد بن فهد الحلي (ت 841 ويعبّر عنه بالشيخ علي الخازن الحائري كما في إجازة السيد عبد الله الجزائري. ولعلّه متحد مع علي بن الحسن الحائري »(1). وتوفي الشيخ زين الدين علي بن الخازن الحائري في كربلاء سنة 795ه- / 1393م ودفن في الحائر الحسيني.)### السلطان أحمد الجلايري وأعماله في كربلاءسار السلطان حسين على رأس جيش جرّار إلى تبريز لتخليصها ممن سيطر عليها من القبائل التركمانية ومن زحف جيوش شاه شجاع من بلاد فارس إلى آذربيجان، وكان معه أخوه (أحمد)، وأبقى أخيه (علي) في بغداد. فأعلن أخوه (علي) استقلاله بالبلاد، فلم يكن من السلطان حسين إلّا أن أرسل أخاه (أحمد) ليخلّص له ملكه من أخيه.)فإستطاع أحمد بما لديه من جيش كثيف أن يسترد بغداد، فكافأه أخوه على هذا العمل بتعيينه نائباً عنه، ولكن سرعان ما وسوس الشيطان للنائب، فثار على أخيه السلطان حسين وأعلن استقلاله بالعراق، ثم سار على رأس جيش لجب إلى (تبريز)
1) طبقات أعلام الشيعة العلامة آغا بزرك الطهراني، ج 5 ، ص 137 .
فحارب أخاه وقتله سنة 784ه-/ 1382م وإستقل بالملك بعده(1. وعندما قُتل السلطان حسين بن أويس الجلايري سنة 784ه-، كان البناء في حرم الحسين لم يكتمل ،بعد فقام السلطان أحمد بإكمال ما بدأه الأب والأخ وكما يلي:)### أ. إكمال البهو الأماميالبهو الأمامي هو ذاته (الطارمة أو إيوان الذهب مثل ما يسمى الآن، وكان قد أمر به أخوه السلطان حسين. فقد تم الانتهاء منه سنة 786ه-/ 1384م.)### ب. بناء المئذنتينعند الانتهاء من بناء البهو الأمامي أمر السلطان أحمد الجلايري ببناء مئذنتين على جانبي البهو الأمامي، تعلوان عن القبة التي أمر ببناءها والده السلطان أويس، وكساهما بالطابوق والكاشاني الأصفر.ويقول البعض بأن السلطان أحمد أطلى قسما منها بالذهب وهو غير صحيح (2.)وقد تم الانتهاء من بناء المئذنتين سنة 793ه- / 1391م، وكانتا أول مئذنتين (منارتين قد شيدتا في الروضة الحسينية وعلى الإيوان القبلي تحديدا بعد مئذنة الخواجة مرجان منارة العبد). وكان شكل المئذنتين على نحو يبلغ إرتفاع كل منهما 35م من أرض الحرم، والإرتفاع من سطح الروضة يبلغ 25م، منها 20م إلى دائر المنارة (المقصورة) وهي مكشوفة غير مسقفة، ومنها خمسة أمتار إلى قمة المنارة، وفي داخل المنارة سلّم حلزوني يصل إلى المقصورة، وهاتان المئذنتان تختلفان عن منارة العبد في الشكل والأبعاد، ولم تبلغا جماليتها في حينه.)
1) تاريخ العراق السياسي الحديث: عبد الرزاق الحسني، ج 1، ص 28 .
2) ذكر البعض ذلك ونحن لا نعتقد بأن أول منارتين شيدتا قد تم طلاء قسم منها بالذهب كما ذكروه لأن طلاء القسم العلوي من المنارتين بالذهب لأول مرة تم في العهد الصفوي، كما نعتقد بأن ما نقله البعض وما جاء بإرجوزة السماوي يقصد به أن السلطان أحمد أمر بتغليفها بالكاشاني الأصفر الذي يعطي للناظر كأنه ذهب.
منظر الروضة الحسينية المقدسة بعد إكمال بناء البهو الأمامي والمنارتين القبليتين وتظهر في الجهة الشرقية منارة العبد وأصبح للروضة الحسينية قبة وثلاث منائر، والمنارتان القبليتان لم يكن فيها حوض مقرنص كما في منارة العبد.وفي إرجوزة الشيخ محمد السماوي ذكر للمئذنتين وقد أرخهما شعراً حيث قال:ثم بنى نجل أويس أحمد*** منارتين فإستنار المشهد*** حُلّيتا من ذهب بتلوينِ*** فأرخوهُ (دوستون زرین*** يعنون تاريخ (طلاهما ذهب)*** ذلك للعجم وهذا للعربُ*** وشيّد البهو مع المنائرِ*** ووسع الصحن بهدم الدائر (1))وأصبح الحائر الحسيني بعد انتهاء بناء المئذنتين قد إكتملت فيه أعمال البناء والتشييد في العمارة الجديدة للروضة الحسينية التي بدأها السلطان أويس سنة 767ه-، وقد إستغرقت فترة الإعمار 26 سنة. وأصبحت الروضة الحسينية تلبس حلة جديدة وتتميز عن بقية العتبات المقدسة في العراق بمآذنها الثلاث وقبتها الشاهقة والإيوان الجديد والحديث في الطراز المعماري لذلك الزمان.
1) مجالي اللطف بأرض الطف، ص 303 - 304 من طبعة العتبة العباسية المقدسة.
وعمارة أويس الجلائري وولداه حسين وأحمد هي ذاتها العمارة الحسينية القائمة من حيث التصميم، وقد تم توسيعها وتطويرها عدة مرات منذ ذلك التاريخ ولحد الان حتى أخذت شكلها الحالي المتميز عن بقية العتبات المقدسة. بعد إكتمال البناء أصبح شكل الحرم الحسيني وصحنه كما موضح بالشكل التالي:مخطط للروضة الحسينية بعد إكتمال تشييد عمارته سنة 793ه- وموقع مسجد مرجان ومنارة العبد، ولم يشيد بعد الرواق الشمالي ولا الصحن الشمالي، وقبر السيد المجاب خارج الحرم.
### أبرز علماء كربلاء الأعلام في العهد الجلايريشهدت هذه الفترة توسعاً في الحالة العلمية بمدينة كربلاء، وقد ساعد هذا النشاط العلمي والفقهي الطبيعة الدينية للمدينة ووجود المراقد المقدسة فيها، والأهم من ذلك قرب مدينة كربلاء من مدينة الحلة التي كانت حينها تعج بالعلماء الأعلام الذين أسسوا فيها (أي الحلة مركزًا للمرجعية الدينية منذ القرن الخامس الهجري. ومن أشهر أعلام فترة العهد الجلايري في كربلاء هم:)### أ. السيد العميدي وهو العالم الأديب السيد عميد الدين عبد المطلب بن السيد مجد الدين أبي الفوارس محمد بن علي الأعرج من ذرية عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ.)ولد سنة 681ه-/ 1282م في الحلة وتوفي ببغداد سنة 754ه-/ 1353م ودفن في النجف الأشرف . قال فيه المؤرخون كان حلّي المولد وحائري المحتد ».ذكره السيد ابن عنبة في عمدة الطالب عند ذكر أولاد السيد مجد الدين أبي الفوارس محمد من زوجته بنت العلامة الشيخ سديد الدين يوسف بن علي المطهر الحلّي ما نصّه: « ... و(الثاني مولانا السيد العلامة قدوة السادات بالعراق عميد الدين عبد المطلب ... ». كما قال عنه الداوودي... (كان متوجها بالحائر).)إشتهر السيد عميد الدين عندما كان يقوم بالتدريس في الحائر الحسيني وملازمته الروضة الحسينية وإحتكاكه بالوافدين والزائرين الذين يقصدون زيارة قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ ويحضرون مجلسه ويتلقفون منه الدروس في العلوم العقلية والنقلية. وقد تتلمذ عليه العديد من العلماء.)
ذكره السيد الخونساري صاحب كتاب روضات الجنات بما نصّه: «كان السيد عميد الدين عبد المطلب من أجلة العلماء الثقاة ومشايخ الروايات قاصده محققًا أصوليا ماهرًا مجتهدا كابرًا، حسن التصرف والتصنيف ».كما قال عنه (الشهيد الأول الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن الشيخ جمال الملّة مكي الدمشقي العاملي... فقد أثنى عليه وبالغ فيه حيث قال: «كان المرجع والمعول في إجازاته، درة الفخر وفريدة الدهر، مولانا الإمام الرباني عميد الدين عبد المطلب ».)### ب. الشهيد الأولويعرف بالفقيه الشهيد محمد بن مكي الجزيني. أما اسمه الكامل هو : هو الشيخ الفاضل والعالم الكامل الفقيه محمد بن مكي جمال الدين بن محمد (شمس الدین بن حامد بن أحمد المطلبي الحارثي الهمداني أمَّا النباطي (نسبة إلى منطقة النبطية في لبنان) الجزيني (نسبة إلى قرية جزين)، العاملي (نسبة إلى جبل عامل في جنوب لبنان).)ولد بدمشق سنة 734ه- / 1334م. وتلقى علومه على يد والده، وهو في مقتبل العمر هاجر إلى مدينة الحلة التي كانت تعتبر في ذلك الوقت المركز العلمي للشيعة، وهذا المركز يسمى الآن بمقر المرجعية أو الحوزة الدينية، وتلقى علومه الدينية فيها. وقد درس فيها على يد فخر (المحققين ابن العلامة الكبير الحلي، وفخر المحققين هو أبو طالب محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر المشهور بالعلامة الحلي. وقد أجازه أستاذه فخر المحققين في بيته وكان عمره 17 عاما وذلك كان في سنة 751ه- / 1350م. وأجازه مرة ثانية سنة 758ه-/ 1357م، ويروى عن أستاذة أنه قال «لقد إستفدت من تلميذي محمد بن مكي أكثر مما إستفاده مني ». وأصبح الجزيني يُدرّس الفقه والأصول والحديث في الحلة، ومنها إنتقل إلى مدينة كربلاء وإستقر فيها فترة من الزمن وتتلمذ في مدرسة السيد العميدي. وفي نفس الوقت قام بتدريس الفقه والأصول وعلم الحديث لطلبة العلم فيها. وشيّد له في كربلاء)
دارًا ومسجدًا في محلة باب السلالمة الحالية والتي كانت جزءاً من محلة آل فائز في تلك الفترة، وبقيت الدار والمسجد وإلى وقت قريب تعرف باسم (دار ومسجد الشهيد.)أصبح رئيساً لمذهب الإمامية في عصره ولُقّب ب- (شيخ المحققين. ويعتبر أول من هذّب كتاب الفقه عند الإمامية. وكانت له جملة تصانيف في العلوم الشرعية وفي اللغة والشعر. ومن أشهر مؤلفاته (اللمعة الدمشقية).)وتُنسب للجزيني نظرية (ولاية الفقيه. وهذه النظرية ظلت محل جدل كبير بين فقهاء الشيعة بين رافض لها بشدة، أو ممتنع عن الخوض فيها، أو تارك لها غير مشغول بها لأنها لا تعبّر عن رأي السلف من (الأصوليين الشيعة).)وفي سنة 786ه- / 1384م كان الشيخ محمد بن مكي الجزيني في (دمشق، فدبّر له أحد أعدائه بوشاية لدى حكامها من المماليك الأتراك، وبمؤامرة ومحاكمة صورية وبشهادات ،زور إتهموه بإنحلال العقيدة، وإعتقاده بمذهب النصيرية، واستحلال الخمر الصرف، فسجن في قلعة دمشق ونظمت له محاكمة صورية وتم ضرب عنقه وصلب وأمر الناس برجمه بالحجارة وهو مصلوب، ويقال بأنهم أحرقوا جثته فيما بعد.)### معركة سهل كربلاء ودخولجيش تيمور لنك المدينةواجه السلطان أحمد بن أُويس الجلائري مصاعب ونكبات. فقد حمل (تيمور لنك على بغداد سنة 795ه- / 1393م وعمل السيف فيها ودمرها.)هرب السلطان أحمد من بغداد إلى الحلة فتعقبه جيش تيمورلنك للقضاء عليه، مما إضطر السلطان أحمد لمغادرة الحلة هاربًا وإتجه نحو سهل كربلاء وصحرائها، و تتبعه جيش تيمورلنك بقيادة ابنه ميران وهو ( عثمان بهادر ) فإلتقوا بالسلطان أحمد ومن معه من جيشه وأتباعه بالقرب من كربلاء، وفي يوم قائظ شديد الحرارة حدثت معركة ضارية بين الطرفين لم يتمكن السلطان أحمد من الصمود أمام جيش تيمورلنك)
مما دعاه إلى الهروب من أرض المعركة تاركاً أمواله وبعض عياله وإتجه إلى (عين التمر ومنها هرب إلى مصر لاجئاً عند ملكها .( الظاهر). وبعد انتهاء المعركة بإنتصار جيش تيمورلنك، غلب على الجنود العطش فمالوا على أحد فروع نهر الفرات (1)بالقرب من كربلاء ودخلوا المدينة.)وقام أفراد الجيش بزيارة قبر الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ، وقام كل فرد من أفراد الجيش بتقبيل أبواب الحرم الحسيني، وأدوا الزيارة مع الزائرين. ولم يتعرضوا إلى أحد في المدينة على الرغم من كثرتهم، وسط دهشة أهالي المدينة بوجود جيش غاز جديد يحل على أرض العراق.)جاء في كتاب عقيدة الشيعة لدونالدسن ما نصّه: «... ولا يظهر أيضاً أن مشهد النجف قد أصابه ضرر ما إثناء الغارات التيمورية، ففي سنة 1393م صمم تيمور على ضم العراق العربي إلى ملكه ونزل في بعض مراحله عند قبر الولي المدفون في إبراهيم لك، فزاره ووزع الصدقات عنده وبلغ بغداد في الثلاثين من شهر آب ففتح له أهلها أبواب مدينتهم وهرب السلطان أحمد خان الجلائري نحو الحلة، فقامت عساکر تیمور بالتفتيش عن السلطان الهارب في كل مكان حتى إلتقوا به في سهل كربلا. وكان الحر شديدًا والقتال غير حاسم إلا أن السلطان تمكن من الهروب. وخاف رؤساء العساكر التيمورية من الهلاك عطشاً فعادوا أدراجهم حتى بلغوا الفرات في مكان يسمى (مكد ربما كان (مشهد) حيث قتل الحسين بن علي. فقبل كل منهم أبواب المشهد المقدس وزاروا مع الزائرين ما يدل على أن الغزاة التيموريين لم يحملوا عداء معيّنا للشيعة.)
1) هو (نهر العلقمي) الذي كان مجراه شرق مدينة كربلاء.
ولم يفكّروا بالتعرض إلى أماكنهم المقدسة. حتى إنه عندما عاد التيموريون إلى بغداد بعد ثمان سنوات وأخذوها عنوة ووضعوا السيف في أهلها دون رحمة، لا نسمع أنهم تعرضوا بسوء إلى المشاهد في ظاهرها »(1.)وجاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن صاحب كتاب بزم ورزم الذي كان في بغداد أيام الوقعة وفر مع من فر مع السلطان أحمد إلاّ أنه قبض عليه:« أمّا ميران شاه ابن الأمير تيمور فإنه عبر الفرات، وسار يتعقب أثر السلطان أحمد... وهذا مال إلى طريق الشام فسلكه خائفاً وجلا ( كمن دبّ يستخفي وفي الحلق جلجل، وناله من الندم ما ناله وأصابه من الرعب ما أصابه... ولكن لم ينفع الندم (ولات حين مناص).)إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة فلا تستعدن الحسام اليمانيا ولا تستطيلن الرماح لغاية ولا تستجيدن العتاق المذاكياعثر عليهم القوم في صحراء كربلاء، فلم ينج هو وأعوانه إلّا بشق الأنفس...نسوا أحلامهم تحت العوالي ولا أحلام للقوم الغضاب ***إذا كانت دروعهم نحورا ***فما معنى السوابغ في العيابوعلى كلِّ نجا السلطان أحمد من تلك التهلكة، وان أعوانه كل واحد منهم سلک ناحية، فتفرقوا في الصحاري شذر مذر فإختفوا فيها،... إلخ.
1) عقيدة الشيعة دوايت .م. دونلدسون، ص 76) ترجمة ( ع . . م.)، مصر، الناشر مكتبة الخانجي ومطبعتها. والنص الذي أورده دونالدسن منقول عن كتاب تاريخ المغول لمؤلفه ( هوارث) المطبوع في لندن سنة 1927م.
ما جاء هناك مما ذكره المؤلف فكان مع القوم من ضرب إلى جهة النجف ولكنه ألقي القبض عليه وأحضر إلى ميران شاه في الحلة ومن ثُمَّ عفا عنه ميران شاه، وعطف عليه بنظر عنايته، ولحظه بعين رأفته فسلم من الأخطار ...»(1.)السيد محمد الفائزي يستلم (سدانة الحسين)عندما توفي سادن الحسين الشيخ زين الدين علي العلامة علي الخازن الأسدي في سنة 795ه- / 1393م ، إستلم السيد محمد الفائزي الموسوي الحسيني سدانة الروضة الحسينية المقدسة.)وهو السيد محمد شرف الدين بن السيد أحمد شمس الدين (ناظر رأس العين والذي تلقبه العامة (أحمد بن هاشم) بن السيد أبي الفائز محمد الجد الأعلى للسادة آل فائز في كربلاء. وذكر البعض اسمه محمد شمس الدين بن أحمد شرف الدين، والخطأ في الألقاب وليس في الاسم ذاته. ونعتقد ان ما أوردناه سابقا هو الصحيح حسب ما ورد في مشجراتنا الموثوقة والتي يحتفظ بها السادة من أحفاد السيد أحمد في كربلاء.)عينه الأمير عثمان بهادر خان بن تيمورلنك، وذلك عندما دخل الميران عثمان بهادر مع جيشه إلى كربلاء بعد هزيمة السلطان أحمد الجلائري، فقد إستقبله أعيان كربلاء وعلى رأسهم حاكم المدينة ورئيسها السيد محمد الفائزي، وصادف أن كان سادن الحسين الشيخ علي الخازن قد توفي قبل مدة قصيرة من دخول التيموريين إلى كربلاء، فقد عيّن الأمير عثمان بن تيمورلنك السيد محمد سادنًا للحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ لمكانته الكبيرة في المدينة.)نهاية الحكم الجلائريفرّ السلطان أحمد إلى مصر وساعده الملك الظاهر بجيش وإسترد له (ملكه !! سنة 797ه- / 1394م. وكان تيمورلنك قد غادر العراق إلى (آمد). ولمّا سمع بذلك)
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج 2، ص 217 وص 218 .
رجع إلى بغداد واحتلها عام 803ه- / 1400م ، وعمل أفظع مما عمل سابقاً، فهرب السلطان أحمد ثانية إلى الروم مع (قره يوسف التركماني، ولمّا علم (تيمور لنك) الذي كان في تبريز حينها يروم غزو الروم، فعاد (أحمد) إلى (بغداد) مع قره يوسف واستعاد ملكه !!... وبلغ ذلك تيمورلنك، فعاد فوراً إلى بغداد فدخلها في 8 رجب سنة 804ه- / 1401م، فهرب السلطان أحمد إلى حلب فالشام، وأعتقل فيها وهرب من سجنه ورجع إلى بغداد ثانية، فاختلف مع قره يوسف التركماني، وذلك الخلاف دعاه للهروب إلى مصر في محرم سنة 806ه- / 403 .)استقل قره يوسف في بغداد ولكن جيش تيمورلنك لاحقه وقتل أخاه، فهرب قره يوسف إلى مصر. وتفاهم تيمورلنك مع ملك مصر فمسك الهاربان، وخاطب بهما تيمورلنك، وقال تيمورلنك لملك مصر : (أمّا أحمد فيقيّد ويرسل إلينا، وأمّا قره يوسف فيُحزُّ رأسه ويرسل إلينا.)لكن تيمورلنك توفى في 17 شعبان عام 807ه- / 1404م، قبل أن يصل كتابه إلى ملك مصر فأفرج عنهما الملك. وعادا إلى بغداد فرجع السلطان أحمد إلى ملكه في بغداد، وسار إلى تبريز عام 809ه- / 1406م فملكها بإعتبارها عاصمة آبائه. وأما قره يوسف التركماني فإنه ذهب إلى آذربيجان وجمع فلوله من الأشرار وعاث فسادا في تلك المناطق، وأخذ يضايق السلطان أحمد وسار بجيش إلى تبريز سنة 813ه- / 1410م، فقبض على السلطان أحمد وأجبره أن يكتب صكا بأيالة آذربيجان إلى ولده (بیر بوداق، وآخر بأيالة بغداد إلى ولده الثاني (شاه محمد)، فإمتثل السلطان أحمد وما كاد ينتهي من التوقيع حتى قتل في ربيع الثاني من عام 813ه-/ 1410م فإنقرضت الدولة الجلائرية.)
صورة قديمة ملتقطة من سور صحن العباس، وتظهر فيها البيوت في (عكد الأخبارية ومن بعيد يظهر مرقد الامام الحسين (عليه السلام) وتنتصب فيه منارة العبد.)وللجلائريين في كربلاء لمسات في عمارة المدينة وحرم الإمام الحسين عليه السلام. وتعود أصل العمارة الحالية للمرقد الشريف قبل أن تجرى عليها بعض التغييرات والتوسعات، فإن تصميم الحرم وفن بنائه يعود إلى عهد أويس الجلائري... كما أن الجلائريين كانوا يميلون إلى مذهب آل البيت وحتى مؤسس دولتهم الشيخ حسن عندما توفي دفن في الروضة الحيدرية في النجف الأشرف.دامت فترة حكم الجلائريين في إيران والعراق زهاء 80 سنة... وبالرغم ممّا قاموا به من أعمال في مدن العتبات ومنها كربلاء، نرى بأنهم تسببوا في سيل أنهار الدم في بغداد ومدن العراق نتيجة حروبهم مع تيمورلنك وغيره ممن كانوا في صراع معهم على السلطة.
### حكم تيمورلنكتحدثنا في الحكم الجلائري عن إحتلال تيمورلنك لبغداد وهروب السلطان أحمد الجلائري أكثر من مرّة وعودته إلى الملك ومن ثَمَّ نهايته وانتهاء الدولة الجلائرية في العراق.ولابد أن نتحدث عن تيمورلنك وفترة سيطرته على العراق وإيران، ومدى تأثيره وإهتماماته في مدن العتبات المقدسة وسبب ذلك الإهتمام... أنه في تلك الفترة كان لكربلاء نصيب كبير في الأحداث والمعارك التي دارت بين جيش تيمورلنك والجلائريين.تيمورلنك هو : تيمور كوركان بن تاراغاي بن شكر بهادر... من ذرية تومنه خان من ملوك المغول القدماء. وأمه (تكين خاتون من ذرية جنكيز خان... ولد (تیمورلنك) في سنة 728ه- / 1324م، وتوفى في سنة 807ه- / 1404م، أثر مرض ألم به وهو في التاسعة والسبعين من عمره. وكان قد أصيب في شبابه بفخذه الأيمن وكتفه الأيمن، فكان یسمی (أعرج اليمناوين). وقد دفن في (سمرقد) بعد أن نقل جثمانه إليها وله فيها الآن قبر معروف. وقد وصفه المؤرخون بأنه كان طويل القامة أبيض اللون مشرباً بحمرة، عظيم الجسد ذا لحية كثة وذا صوت جهوري وكان فائق الشجاعة.)
قيل أنه أصبح إمامي المذهب وعليه يقول المؤرخون بأنه لم يمس المشاهد المقدسة في العراق بسوء، زار كربلاء والنجف وأغدق عليهما وأمر بتعمير المراقد فيهما.عندما إحتل تيمورلنك بغداد للمرة الأولى سنة 795ه- / 1393م، هرب السلطان أحمد الجلائري مع قسم من جيشه بإتجاه الحلة وكربلاء ، فلحقه جند تيمورلنك وظفروا به في سهل كربلاء وإلتحم القتال بين الجانبين وكانت الغلبة الجيش تيمورلنك. فقد هرب السلطان أحمد نحو الشام ثم إلى مصر. وفي سنة 797ه- / 1395م رجع بجيش ساعده فيه سلطان مصر (برقوق) وجاء إلى العراق وإتخذ طريق كربلاء ثم الحلة، وقاتل التتار على ضفاف نهر (العلقمي) وساعدته القبائل التي كانت تسكن الحلة وحواليها. وسار إلى بغداد وحاصرها ودخلها فاتحاً (1)!)كان تيمورلنك وقتها في (آمد، فرجع وحاصر بغداد وإحتلها عام 803ه- / 1400م ، فهرب السلطان أحمد مرّة ثانية حاملاً كنوزه وخيله وجنده وأهل بيته إلى الروم مع (قره يوسف التركماني).)عندما كان تيمورلنك في تبريز، عاد أحمد الجلائري إلى بغداد وحكمها مرة أخرى، مما دعا بتيمورلنك لأن يزحف على بغداد ويحتلها مرة أخرى عام 804ه-/ 1401م، وهروب أحمد الجلائري كما أسلفنا سابقاً.زار تيمورلنك في شهر ذي الحجة من عام 803ه- مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ في النجف الأشرف، ومنه قصد كربلاء وقد إهتم بالمدينتين وأمر بتعمير المشاهد فيهما.)وذكر المؤرخون بأن تيمورلنك عندما رجع من الشام ليحتل بغداد، قد عبر الفرات قاصدًا عين التمر التي كانت تسمى آنذاك ب- رأس العين أو (شفاثا) فملكها بغير قتال وكان ذلك في شهر صفر من عام 797ه-.)
1) راجع التفصيل في (الفوز بالمراد في تاريخ بغداد) للأب أنستانس الكرملي، ص 40.
### تيمورلنك والمراقد المقدسةذكر بعض المؤرخين بأن التيموريين لم يمنعوا الناس من زيارة مراقد الأئمة القريبة من بغداد وأن أمراء المغول المتأخرين كان بينهم من سُمي باسم حسن وحسين، الأمر الذي كان يدل على تسامحهم تجاه العتبات الشيعية وعطفهم عليها. وبعد معركة سهل كربلاء دخل جيش تيمورلنك بقيادة ابنه إلى مدينة كربلاء، وهنا قبل كل منهم عتبة المكان المقدس، وأدى المراسيم المعتادة التي كان من المألوف أن يؤديها الزوار. وهذا يدل على أن الفاتحين التيموريين لم يكونوا يضمرون أي عداء تجاه الشيعة، وغير ميالين إلى التعرض لأماكنهم المقدسة.وحتى عندما أحتلت بغداد ونهبت للمرة الثانية بعد ثماني سنوات، من قبل التيموريين وجرت مذابح خالية من الرحمة بين سكانها لم يرد أي ذكر لتخريب أو هدم أية عتبة من العتبات البعيدة عنها.وعلى كل حال أكان المؤرخون قد وضعوا تيمورلنك بصف الإمامية وبالغوا في الثناء عليه، كونه إهتم بالعتبات المقدسة، فما هو إلا محتل باغ، وقد أوطئ الأراضي العراقية بإحتلاله لها وسيطرته على مقدرات الأمور في هذا البلد الذي أصبح في تلك الفترات عرضة لأطماع الكثيرين من طلاب الفتوحات والاستيلاء ونهب ثروات البلدان والشعوب. وتقربهم ووصفهم بالتشيع ما هو إلا لأغراض سياسية ومصلحية وسلطوية...فإن نفس المؤرخين الذين أكثروا وبالغوا في تعظيم هذا القائد التتري المغولي المحتل، هم أنفسهم من أكالوا المديح للجلائريين الذين إهتموا بمدن العتبات وعمروا المراقد فيها، وأن أويس الجلائري والد السلطان أحمد هو الذي أنشأ العمارة الأخيرة على مرقد الإمام الحسين واهتمام أولاده بالعتبات كذلك... فما عدا مما بدا !!، فكيف يميل هؤلاء بمدح تيمورلنك بعد أن مدحوا الجلائريين، وهو الذي قضى عليهم وأعتبره البعض شجاعًا وكريماً وحليهاً ومحب للخير !!...
والحقيقة ان كليهما محتل وباغ، وقد إستباح أرض العرب، ودمر، وسفك دماء العراقيين... وإن ما قام به الطرفان من أمور التعمير والتفضيل لمدن العتبات لا يعطيهم المبرر لأن يكونوا أسيادًا لبلد عربي عريق مثل العراق. ولا الأموال التي أنفقوها كانوا قد جلبوها معهم من بلدانهم... وإنما هي أموال العراق المنهوبة من قبلهم!!### أحمد شمس الدين (ناظراً لرأس العين)في شهر صفر من عام 797ه- رجع تيمورلنك من الشام ليحتل بغداد للمرّة الثانية، وعبر الفرات قاصداً (عين التمر التي كانت تسمّى ب- (رأس العين) أو (شفاثا) فملكها بغير قتال.)وقد عيّن السيد أحمد شمس الدين بن أبي الفائز محمد (ناظراً لرأس العين. والسيد أحمد شمس الدين هو جد السادة آل فائز في كربلاء (آل طعمة وآل نصر الله وآل ضياء الدين وآل مساعد - عوج - وآل التاجر - ومنهم آل قفطون – وآل سيد أمين – جلوخان (1)- ).)وفي رواية أخرى أن عثمان بهادر خان ابن تيمورلنك هو الذي هاجم السلطان أحمد الجلائري في سهل كربلاء وتعقّبه إلى عين التمر، وإستقبله السيد أحمد بحفاوة، وهو الذي نصبه ناظرا لرأس العين.وجاء في كتاب بغية النبلاء في تاريخ كربلاء ما يلي:«إقتصر بالتعبير عنه بلفظ السيد مشددًا دون التسمية يعرب عن بعد صيت قيم وشهرة فائقة لابن أبي الفائز »(2.)
1) جلوخان لقب يطلق على أسرتين من أسر السادة في كربلاء، الأولى فائزية وهم آل سيد أمين، والثانية من آل زحيك آل سيد يوسف، ومن أولاد عم السادة آل الوهاب من آل زحيك. ولفظة جلوخان جاءت على الأسرتين لسكنهم متجاورين في محلة باب الطاق في كربلاء وفي منطقة ذات فسحة مفتوحة تسمى جلوخان (وهي لفظة أعجمية) تعني الفضاء المفتوح.
2) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص 131 وص 132 .
وذكره صاحب عمدة الطالب مجردًا من الاسم (السيد ابن أبي الفائز الموسوي الحائري يضاف إلى اسمه من المشجرات والمبسوطات عند آله وسلالته... (ناظر رأس العين)...)جاء في كتاب غاية الإختصار في أخبار البيوتات المحفوظة من الغبار:« بيت أبي الفائز بالحائر قوم من العلويين بمشهد الحسين عليه السلام ذوو نيابة ونخل بشفاثا من أعيان سادات المشهد وكان جدهم شمس الدین محمد ناظر شفاثا كريا موصوفًا بالأفضال والجود وهم كانوا بالمشهد على قاعدة البدو وقد دخلوا في طي الخمول» (1. وأسماه بمحمد والصحيح هو أحمد.)إختلفت الروايات عن تاريخ وجوده حيًّا وكذلك وفاته... فمن ذكر بأنه كان حيَّا في حياة والده سنة 711ه- وتوفي سنة 750ه-، ولكن الأصح هو انه عاصر تيمورلنك الذي عينه ناظراً لرأس العين سنة 797ه- عند قدوم تيمورلنك من الشام لإحتلال بغداد للمرّة الثانية.كما أن تعيينه في هذا المنصب من قبل تيمورلنك قد إختلف الرواة في تاريخه، فمنهم من ذكر في سنة 797ه-، ومنهم من ذكر سنة 826ه- في غزوة تيمورلنك معقباً للسلطان أحمد الجلائري، وقد أخطأوا لأن تيمورلنك توفي سنة 807ه- / 1404 140م.ونعتقد بأن الأصح هو سنة 797ه- عند قدوم تيمورلنك من الشام لإحتلال بغداد للمرة الثانية، كما أن ابنه السيد محمد الموسوي الملقب ب- (شرف الدين) كان قد عيّن سادنًا للروضة الحسينية سنة 796ه-، وكان حينها السيد أحمد شمس الدين كبير السن وذو منزلة عالية ويستقر في أملاكه بعين التمر.)كما انه كان معاصرًا للسلطان المغولي الجياتو خان، وذلك عندما طلبه وزير السلطان فضل الله رشيد الدين الطبيب ليقتل السيد شمس الدين حسين بن تاج)
1) غاية الإختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار: ابن زُهرة، ص55.
الدين متولي نقابة ،العراق، وأطمعه في نقابة العراق على أن يقتل تاج الدين وولديه، فإمتنع السيد أحمد شمس الدين من ذلك وهرب إلى الحائر (كربلاء من ليلته.)للسيد أحمد اليوم مزار مشهور و معروف ويلقب بمرقد (أحمد بن هاشم، وتسميته بابن هاشم عُزْوَة لعمرو العلى هاشم بن عبد مناف جد النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ). والمتداول بين الناس انهم عندما ينادون أحد السادة لا يذكرون اسمه بل يكتفون ب- (أبو هاشم).)ذكر مؤلف مدينة الحسين نقلاً عن الخواجة عبد الحميد البلخي في كتابه (روضة الصفاء ما نصّه:)«أن الأمير تيمور كوركان بعد رجوعه من الشام عبر الفرات قاصدًا عين التمر التي كانت تسمى آنذاك برأس العين أو (شفاثا فملكها بغير قتال وكان ذلك في شهر صفر سنة 797ه- حيث لمّا بلغ خبر قدوم الأمير تيمور إلى أمير الحصن محمد شمس الدين بن أحمد الموسوي. خرج من حصنه حاملاً الهدايا والتحف الثمينة ليقدمها إلى تيمور. فإلتقى به في (الرحا) وقدم هداياه فقبلها تيمور وأكرم وفادته. وبعد أن خلع عليه إذن له بالرجوع إلى أهله ونصب ابنه أحمد شرف الدين نائباً عنه وناظراً على قرى شفاثا. واليوم يوجد فوق شفاثا مزار يعرف بقبر أحمد بن هاشم والظاهر قد حرّف الاسم فالصحيح ( أحمد أبو هاشم) وهذا هو قبر أحمد شرف الدين المذكور »(1).)نقول:إن ما ورد في المصدر أعلاه فيه بعض الأخطاء في النقل والتدوين من قبل البلخي لم ينتبه له المرحوم الكليدار عندما ذكره في كتابه، وعلى ضوء ذلك لابد من تصحيح ذلك الخطأ في التدوين التاريخي للحوادث، وعليه سنعرض الخطأ في التدوين وتصحيحه في نفس الوقت خدمة للحقيقة وكما يلي:
1) مدينة الحسين السلسلة الثانية، ص 146 وص 147 .
أ. محمد شمس الدين بن أحمد الموسوي، يعنى به السيد محمد الموسوي بن السيد أحمد بن السيد أبي الفائز محمد نقیب الحائر والذي سميت قبيلة آل فائز باسمه. وكما ذكرنا سابقاً بأن لقب السيد محمد الموسوي هو (شرف الدین وليس شمس الدين. وان والده السيد أحمد هو الملقب بشمس الدين، وهو ذاته (ناظر رأس العين والملقب لدى العامة السيد أحمد بن هاشم وقبره معروف ويزار بين الرحالية وعين التمر.)ب. المؤكد بأن السيد أحمد (ناظر رأس العين هو ابن السيد أبي الفائز محمد، وأن السيد أبي الفائز محمد لم يكن على قيد الحياة عند دخول تيمورلنك وإحتلاله العراق، حيث كان من رجال القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن وتوفي في منتصف العقد الأول من الثامن الهجري رحمه الله. فإن السيد أبي الفائز محمد ليس هو المذكور فيما نقله البلخي.)ت. الذي كان يسكن عين التمر عند دخول تيمورلنك إليها هو السيد أحمد (شمس الدين) الذي تم تنصيبه من قبل تيمورلنك) ناظراً لرأس العين عام 797ه-. وهو والد السيد محمد شرف الدين الذي تم تنصيبه سادنًا للروضة الحسنية سنة 795ه- .)ث. نعتقد أن الخلط بالأسماء والألقاب هو الذي أوقع هذا الخطأ، وكان يفترض بالمرحوم السيد محمد حسن الكليدار مؤلف كتاب مدينة الحسين الإنتباه له، لأنه قد ذكر في سياق تدوين كتابه المذكور تأكيد لما نذكره الآن، وكان عليه أن ينتبه إلى تصحيح ما نقله عن البلخي، لا أن ينقله نصاً دون التعليق عليه !!وللتصحيح وإثبات الحقيقة أوردنا الملاحظات أعلاه معتمدين على الوثائق والمشجرات النسبية الموجودة لدينا ولدى أسر السادة من آل فائز في كربلاء، وكذلك على المصادر التاريخية التي وثقت الحوادث التي ذكرناها حسب تسلسلها الزمني ضمن سياق بحثنا في هذه الفترة التي نحن بصددها.
### زيارة تيمورلنك لكربلاءعندما دخل تيمور لنك بغداد للمرّة الثانية سنة 803ه-، وإستقر له الأمر ثانية قام بزيارة الإمامين الكاظمين (عَلَيْهِ السَّلَامُ. وفي شهر ذي الحجة من نفس السنة توجه إلى مدينة الحلة، ثم سافر منها إلى النجف الأشرف لزيارة مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ومنها توجه إلى مدينة كربلاء لزيارة قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)وصل تيمورلنك إلى كربلاء يوم 20 ذي الحجة عام 803ه- وغادرها يوم 25 ذي الحجة حيث بقي فيها أربع ليال فقط، وكان يرافقه كل من: الأمير ميران شاه والأمير شاهرخ (1ومحمد آزاد وأحمد علي شاه ومحمد أوميني وأمير زادة رستم والأمير شاه ملك والأمير خليل سلطان والأمير زادة ألغ بيك كوركان وجمع من خواتين حرمه. قصد مباشرة زيارة قبر الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)وبعد تشريفه بتقبيل الأعتاب المقدسة وتقديمه النذور والهدايا على ساكنيها، صرف همه إلى تعمير وتجميل وإصلاح العتبتين كربلاء والنجف وطال مكوثه فيما بين كربلاء والنجف زهاء عشرون يوماً عقد خلالها عدة مجالس ضم إليها نخبة من كبار أعلام العراق وآذربيجان وغيرهم للمناظرة والمحاورة العلمية والأدبية وما ماثل ذلك (2).)
## الصوفية ومشاهير المتصوفة### اشارةفي كربلاءإنتشرت عقائد الصوفية في كربلاء في القرنين الثامن والتاسع للهجرة، ويتواجد المتصوفة في البلاد الإسلامية منذ القرن الثاني الهجري والتصوف هو الميل إلى العبادة والزهد والتقشف، وممارسة الذكر والتسبيح والتحميد بطرق خاصة قد يرافقها الضرب على الدفوف، وقد كانوا يسمون ب- (الدراويش. والأصل من كلمة التصوف يراد بها (الحكمة الإلهية)، والكثير من فرق المتصوفة يعتقدون بأن النفس الإنسانية هي ظل الله الممدود في الأرض إمتزجت بالعالم الهايولي وصارت ملازمة له، فنسيت ما كانت تعلمته حين كانت طليقة سابحة في الفضاء.)العقائد الصوفية هي هي عقائد روحية يستطيع المتصوف أو الدرويش أن ينتقل بأحاسيسه وشعوره إلى ما وراء الحالة العادية التي يعيشها، ويتيه في عالم التوحد للخالق، وهو يوحد ويسبح ويذكر ويتغزل بالمحاسن الإلهية وما كان يطلق على أشعار تقال عندهم ب- (الغزل العرفاني. والتصوف هو تزكية النفس...)يقول الجنيد البغدادي رحمه الله ...«التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دَنِي ».وقال أبو الحسن الشاذلي... «التصوف تدريب النفس على العبودية، وردّهالأحكام الربوبية ».
وجاء في (كشف الظنون ما نصّه عن التصوف ... «هو علم يعرف به كيفية ترقي أهل الكمال من النوع الإنساني في مدارج سعادتهم ».)والتصوف هو تصفية القلب من أوضار المادة وقوامه صلة التصوف... فالصوفي من صفا قلبه الله ، وصفت الله معاملاته، فصفت له نفس الإنسان بالخالق العظيم، ومن الله تعالى كرامته... ومن يقول بأن التصوف بحد ذاته مأخوذ من الصفاء، وبعبارة أدق، هو ملخص كلمتين: التحلية والتخلية.والتحلية معناها أن تتحلى بكل وصف كريم، والتخلية أن تتخلى عن كل وصف ذميم، أي لا يقرّه الله تبارك وتعالى ولا يرضاه، وذلك يعني بعبارة أدق أن يتحلى الإنسان بالأوامر الربانية جملة وتفصيلا.والتصوف إذا كان من الصفاء يعني من تصفية النفوس والقلوب والأرواح، وتكون كلها متوجهة إلى الله تعالى.تنقسم الصوفية إلى عدة طرق، فطريقة منهم على سبيل المثال يتيهون في الملذات (الحسيّة، ومنهم من إجتنبوا ملذات الحياة وألزموا أنفسهم بالزهد والتقشف، وكانوا يميلون إلى الإعتكاف وإلى رياضة النفس والتأمل بفنائها في ذات الله .)جاء في رياض السياحة للشيخ زين العابدين بن إسكندر، وهو أحد مشایخ الصوفية قوله : «أن للصوفية طريقتين، الأولى هي التتلمذ والحصول على الإجازة. والثانية طريقة لبس (الخرقة، والخرقة ثوب الدراويش ».)كما أن المتصوفة يعتقدون بأن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام هو أساس التصوف وأن ذريته الأئمة المعصومين هم هداة المتصوفة، وينادون دائماً ندائهم المشهور (نادى علىٌ مظهر العجائب... والمتصوفة الأوائل كانوا مغالين في حب علي وآله عليهم السلام.)
بل إن جميع الطرق الصوفية تقريباً تؤكد صلتها بأئمة أهل البيت عليهم السلام. ويقول ابن العربي المتوفى سنة 638 ه-: «التشيّع ظاهر التصوف والتصوف باطن التشيّع ».... ويعبر عنها بالزهد الشديد...ويعتقدون بأن المتصوف الأكبر الحسن البصري هو الذي لبس الخرقة (ثوب التصوف من الإمام (قطب الدين والملة) علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)و من أقطاب المتصوفة الشيخ الحسن البصري، والشيخ معروف الكرخي الذي يقال بأنه أخذ الخرقة من الإمام علي بن موسى الرضا (عَلَيْهِ السَّلَامُ. والشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ جنيد البغدادي، وغيرهم الكثير.)والصوفية لها عدة طرائق، الواحدة منها تسمى طريقة وقد تأخذ اسمها من مؤسسها في أغلب الأحيان، وكل طريقة تتصل بمشيخة معينة، تؤسس لها مقرات خاصة وتتوزع على مختلف البلدان تسمى (تكايا ومفردها (تكية)، وفي اللغات غير العربية يسمونها (خانکَاه).)ومن الطرق الصوفية المشهورة هي السهروردية والقادرية والنقشبندية والمولوية والرفاعية والحروفية والبكتاشية والكاكائية وغيرها.المعروف أن الكثير من علماء الدين ومن مختلف المذاهب الإسلامية ومنذ قرون حاربوا تعاليم الصوفية، وخاصة عندما إتهموهم بعدم التزامهم بالعبادات الظاهرية مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج... وعدم التزامهم هذا جاء من الإعتقاد بأن مشايخ الطرق قد وصلوا إلى مرتبة الكمال، فلا حاجة لهم للصلاة مثلاً، ومن الآراء المثبتة على بعضهم هي أن الصلاة حاجب بين العبد والرب.كما أن بعض الطرق الصوفية الشيعية خاصة أخذت بالغلو في الإمام علي ( عَلَيْهِ السَّلَامُ، وقالوا عنه بل وصفوه بأوصاف تتجاوز وصف البشر!... وفي شعر أحد مشايخهم عندما ذكر حادثة صعود الإمام علي بن أبي طالب على كتف النبي ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ) عند جدار الكعبة لتكسير الأصنام يوم فتح مكة... فعنى)
بشعره أن النبي لم يكن قصده تكسير الأصنام في الكعبة إلّا لكي تمس كتفه الشريف أقدام الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ !!...)هذا ما إستدعى بعلماء الشيعة الإصوليين إلى تكفير الصوفية وإنتقدوهم على ما ذهبوا إليه من افتراء باطل على الرسول الأعظم سيد البشر والكائنات عليه الصلاة والسلام ... وكذلك عندما زعموا ان نور الحق ظهر بمظهر الإمام علي ومن بعده حلّ في أولاده من الأئمة المعصومين عليهم السلام...وهذان البيتان لأحد مشايخهم في حق الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ وهما قمة الغلو الذي يصل إلى الكفر في حادثة تكسير الأصنام... حيث قال:)ماذا أقول بمن حطّت له قدمٌ*** في موضع وضع الرحمن يمناه*** لو قلت ذا بشرٌ فالعقل يمنعني*** وأختشي القول من قولي هو اللهوهذا قول أحد مشايخهم أيضاً وهو ينشد:قالوا عليٌّ علا قلت لا*** إن العلا بعلي علاومن هذه الفرق المغالية هي الحلولية والإتحادية والواصلية والعشاقية والتناسخية والواحدية والزراقية.وقد أجمع علماء الإمامية بتكفيرهم ومن أي مذهب كانوا، وممن حكم بتكفيرهم العلامة الحلي (شيخ الطائفة رحمه الله في كتابه (نهج الحق وكشف الصدق). وكذلك العلامة المقدس الأردبيلي في كتابه (حدائق الشيعة) ...)ذلك مختصر شديد عن التصوف والطرق الصوفية، ولكن الذي يتوغل في دراستهم سيجدهم قد مالوا ميلاً عظيما عن الإسلام، بل إبتدعوا البدع ونشروا من أفكارهم امورا تجعلهم خارجين عن الإسلام والملة، حيث إشتهروا بالباطن من الأفكار والعقائد، وقد حصروها بينهم وتناقلوها فيما بعد عن طريق مشايخهم الذين إعتنقوا مذاهب التصوف المتطرفة، وقد إستغل هؤلاء المشايخ تضلعهم بالأدب
والشعر والنثر حتى يكسبوا لهم الأتباع، بل قام أتباعهم من بعدهم بتأليف الكتب عنهم وعن سيرهم ومعتقداتهم، وهذه في نفس الوقت واجهت حملة من التصدي لأفكارهم من مشايخ رأوا في معتقدات الطرق الصوفية المغالية خطراً على الإسلام وعلى المنهج القويم الذي جاءت به الرسالة الإسلامية السمحاء، وكان أخطر ما قامت به الطرق الصوفية المغالية، هي عملية التأويل في الآيات القرآنية، وتوجهها إلى التفسيرات المناقضة للأصول العامة في هذا الإتجاه، فأحدثوا خوروقات خطيرة وتأثيرات غير مستساغة وغير مقبولة في الفقه والأصول. كما أثروا في العبادات والمعاملات بشكل صريح.ونحن نتحدث عن تأريخ كربلاء، وعن حركات التصوف التي نشأت فيها وخاصة في القرن الثامن الهجري، وتأثير هذه الحركات والطرق فيما بعد، فلابد أن نتطرق بشيء من التفصيل عن إحدى الطرق الصوفية التي إشتهرت في ذلك القرن من الزمان وكان لها تأثير واضح على طرق صوفية تأسست بعدها وهذه الطريقة هي (الطريقة الحروفية ومؤسسها فضل الله الحروفي.)### فضل الله الحروفي والطريقة الحروفيةفضل الله الحروفي هو من المتصوفة المشهورين والذي سكن كربلاء في أواخ القرن الثامن الهجري عدة سنين، وكان يقضي معظم أوقاته متنقلاً بين النجف وكربلاء ولمدة عشرين سنة.إختلف الرواة في اسمه، فقد قيل أن اسمه عبد الرحمن بن أبي محمد التبريزي، وقيل بل هو عبد الرحيم أبو الفضل الاستربادي مؤسس طريقة (الحروفية وقيل غير ذلك، ولكن الجميع يلقبه ب- السيد جلال الدين فضل الله الحروفي).)جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين للعزاوي ما يلي: « فضل الله بن أبي محمد التبريزي أحد المتقشفين من المبتدعة. كان من الإتحادية ثم إبتدع النحلة التي عرفت
ب- (الحروفية فزعم أن الحروف هي عين الآدميين إلى خرافات لا أصل لها، ودعا اللنك (يعني به تيمورلنك) إلى بدعته فأراد قتله فبلغ ذلك أمير زاده (ميران شاه)(1)لأنه فرّ مستجيرًا به فضرب عنقه بيده وبلغ اللنك فإستدعى برأسه وجثته فأحرقها في هذه السنة (804ه- ) .)ونشأ من أتباعه واحد يقال له نسيم الدين (نسيمي(2)فقتل بعد ذلك وسلخ جلده في الدولة المؤيدية سنة 821ه- بحلب... قاله في انباء الغمر.)وقال صاحب الضوء وأظنه هو (فضل الله أبو الفضل الاستربادي العجمي واسمه عبد الرحمن ولكنه إنما كان يعرف بالسيد فضل الله حلال خور – أي ياكل الحلال - كان على قدم التجريد والزهد... مع فضيلة تامة ومشاركة جيدة في علوم ونظم ونثر وحفظت عنه كلمات عقد له بسببها مجالس بكيلان وغيرها بحضرة العلماء والفقهاء ثم مجلس بسمر قند حكم فيه بإراقة دمه فقتل بالنجا من عمل تبريز سنة 804ه- وكان له مريدون وأتباع في سائر الأقطار لا يحصون كثرة، متميزون بلبس
1) أمير زادة ميران ،شاه هو میران شاه بن تيمور لنك الذي كان حاكماً على الحلة في زمن والده تيمور لنك، وكانت مدينة كربلاء تتبع لسيطرته آنذاك وهي من أعمال الحلة في الفترة الثانية من إحتلال تيمورلنك ومحاربته السلطان أحمد في معركة سهل كربلاء.
2) نسيمي: ويلقّب بالبغدادي واسمه نسيم الدين التبريزي، وفي مصدر آخر هو نسيمي الشيرازي واسمه السيد عماد الدين ونسيمي على حد قول البعض نسبة إلى قرية نسيم القريبة من بغداد، وهذا ما لم يؤيده الكثير من الباحثين. وهو شاعر و من أقطاب (الحروفية)، وكان من دعاة الباطنية، ويعد من أعظم من خلف فضل الله الحروفي في طريقته لأنه كان من أقرب تلاميذ الحروفي سكن حلب وزاد خطره وكثر دعاته، وصار يُخشى من توسّع اتباعه وطريقته ، فقد دعي للمحاكمة، وتم التحقق من خروجه عن عقائد المسلمين بما بثه من غلو، وتم إعدامه سنة 821 ه- ،بحلب، وقيل قتل في سنة 837 ه- بحلب. كان شاعرا باللغات الثلاث العربية والفارسية والتركية، ولكن شعره بالعربية أضعف بلاغة من شعره بالفارسية والتركية. وكان يحاول صرف معاني القرآن عمّا يفهم لغة ليحول النظم إلى مزايا الحروف، كأنه كتاب جفر، أو طلسمات وألغاز ... مما لا يحتمله منطوق الآيات، ولا يدعمه دليل التأويل... والمتصوفة الغلاة يعدونه من أساطينهم والمسلمون يقولون بغلوه ....
اللباد الأبيض على رأسهم وبدنهم ويصرحون بالتعطيل وإباحة المحرمات وترك المفترضات وأفسدوا بذلك عقائد جماعة من الجغتاي وغيرهم من الأعاجم.ولما كثُر فسادهم بهراة وغيرها امر القاآن معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك بإخراجهم من بلاده وحرض على ذلك فوثب عليه رجلان منهم وقت صلاة الجمعة وهو بالجامع و ضرباه فجرحاه جرحاً بالغاً لزم منه الفراش مدة طويلة إستمر به حتى مات وقتل الرجلان من وقتهما شر قتلة، وهو في عقود المقريزي(1. وهذا (أي الحروفي من أشهر دعاة الباطنية في القرن الثامن الهجري، ظهر بثوب آخر من الإبطان بل وسع ناحية من نواحي معتقد الباطنية وهي (طريقة الحروفية) فقد برع فيها، واطنب في تفسيرها، وجاهر بها بحيث دعا إلى لزوم إغفال الأحكام الشرعية فأول الآيات وصرفها عن معناها بوجه آخر غير ما ركن إليه الغلاة أو بالتعبير الأصح جاهر بما لم يستطيعوا المجاهرة به »(2).)وفي كربلاء شيّد فضل الله الحروفي داخل الروضة الحسينية تكيّةً (خانكاه يتردد عليها ويأوي بها مريديه. ويقال بأنه كان يعد من الفضلاء الزهاد وله أشعار ومقالات نظمها بالعربية والفارسية.)وله مؤلفات ذكر فيها بعض الأسرار الخفية التي تتعلق بطريقته (الحروفية. وكان له أتباع كُثر ومريدون، وكان اتباعه يلقبونه بالسيد جلال الدين فضل الله الحروفي، وكان اللقب الشائع عليه (حلال خُر ) أي الذي يأكل الحلال.)### الحروفيّةهي طريقة من طرق المتصوفة، لا تختلف عن غيرها من الطرق الباطنية في إباحة المحرمات وترك الواجبات ومريديها من أهل الإتحاد والحلول. وفكرة الحروفية
جاءت من تفسيرهم لكلمة التوحيد التي لكلمة التوحيد التي هي (لا إله إلا الله التي تتكون من إثنا عشر حرفًا، والتي قالوا بانها دالة على المنافذ السبعة التي برأس ابن آدم والتي هي دالة على النطقاء السبعة... وأوضحوا وجه الدلالة وإستنتجوا غرائب من شأنها أن تصرف الناس عن مفهوم الكلمة ... ويقول البعض أن الإثنى عشر حرفًا في أربعة كلمات التي تتالف منها كلمة التوحيد هي بعدد الأئمة الإثنا عشر.)وأوّلوا آيات كثيرة مثل (حُرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير... بغير معناها، فكانوا يعتمدون التأويل في تفسير آيات القرآن. ومن تعاليمهم إسقاط الزكاة، وإبطال الصيام، وأوّلوا الغرض من الحج كما أوّلوا البعث، وأمور أخرى كالغسل والوضوء...!! فقد إعتمدوا على الباطنية ليخرجوا بالإسلام عن مزاياه التبليغية، وفككوا ،نظمه، وإعتبروه حروفًا للقضاء على المقصود من معانيه بهذه البدعة. بل صار يخشى من الحروفية أن تحدث إضطراباً وثورة، أو إنقلاباً في العقائد بحيث يصبح الإسلام لا علاقة له بأصله، ولا بتعاليم مشرّعه. امّا ميلهم إلى عبادة الأشخاص فهو ظاهر في معتقدهم، بل الأكثر من ذلك هو إعتقادهم بالمادة بأنها الأول والآخر... وهؤلاء توغلوا، فأذاعوا نحلتهم من طريق التصوف، وتزيوا بأزياء مختلفة للتعمية، وهم من أصحاب (وحدة الوجود)، و(الإتحاد)، و (الحلول)، و التناسخ)، و (عبادة الأشخاص).)يقول عباس العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين: «وأهم خصيصة لهم (فكرة الحروفية وهي قديمة ويرجع عهدها إلى (سفر يصيرا) عند اليهود وهو سفر الخليقة شاعت عند الباطنية هذه الفكرة في مختلف عصورهم»(1).)وربما أخذ الحروفية الشيء الكثير من الإسماعيلية الذين كانوا يترددون إلى النجف لزيارة مشهد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ، وقد يكون فضل الله الحروفي قد أقام علاقات وثيقة بهم فهم من الفرق الباطنية أيضاً.)
1) تاريخ العراق بين إحتلالين : عباس العزاوي، ج2، ص 253.
والبكتاشية من أكبر المعتنقين لمقالة الحروفية، وكانوا أيّام بكتاش ولي لا يعرفون تعاليمها على الرغم من أن بكتاش ولي عندما زار كربلاء في نهاية القرن الثامن الهجري قد إتصل بالحروفيين، ويمكن أن يكون الذي أدخل تعاليم الحروفية إلى البكتاشية هو علي الأعلى الذي كان من تلامذة فضل الله الحروفي.جاء في تاريخ العراق بين إحتلالين خلاصة ذلك كله بهذا النص التالي:«نعت هؤلاء غيرهم بالجهّال، والمقلدة، واهل الرسوم، وظنوا أنهم أدركوا الحقيقة... فلم يتقنوا إلّا سب العلماء ونبزهم والتهويل بما عندهم. فيود السامع ان يعرف ما عندهم، ولكنه لا يلبث أن يرى هذه الأقوال فارغة، يكررها المبتدعة في أكثر الأحيان... يقول هؤلاء بعبادة الأشخاص، وتلخص مطالبهم العملية:1- في العشق، بحيث ينسى المرء نفسه ويرددون ذكر ذلك، ويبدون محاسن المحبوب، ووصف خدّه وقدّه ، وسائر زينته من حاجب وزلف، ومجالس شرب وتردد إلى الحانة ... فيعدون ذلك الموصل إلى الغرض، فيتمرنون على التمتع بالملاذ، فلا شأن لهم غير ذلك، ولا همَّ لهم إلّا أن تجلّي المحبوب صفات الجمال، فيعدونه (مظهر التجلي أو (محل الظهور)... ومن حاز هذه الأوصاف فهو المعبود عندهم... منهمكون بالخمرة، يعتبرونها روح الحياة فهم عبادها أو عشاقها... والخيال يغلب على هؤلاء، وتلعب بلبهم الأهواء، فلا يطربون لغير الملاهي، ولا يرغبون لأمر سوى الأنس والتمتمع بالملاذ...)2- رفع التكاليف: تأمينًا لهذه الرغبة، وتطمينًا للهواء لقنوا فكرة رفع التكاليف، ويقولون نريد صفاء الباطن ويرتكبون الموبقات، أو لا يبالون بها، ويرون التكاليف عدوة للباطن بل يعتبرونها عثرة في سبيل الموبقات... وكأن طهارة الباطن لا يتيسر الجمع بينها وبين الظاهر أو ان الشريعة إذا أمرت بالعمل الصالح تريد الظواهر، ولا يودون أن يلتفتوا إلى آية (ونهى النفس عن الهوى)
يقولون بتطهير القلب ولا يبالون بإنتهاك الحرمات...! فهم الإباحية حقاً، وقدوتهم خيام (يقصد به الشاعر عمر الخيّام وأبو نؤاس(1).)3 - التأويل والتحريف صرف هؤلاء معاني القرآن إلى مزاعم يقصدون بها إبطال أحكامه أو كما يقال رفع التكاليف، فجاءوا برموز حرفية، أو معادلات جبرية ليستغنوا بها عن العلاقة باللغة، وإفتصال بالمعنى، فلم يقولوا بالفروض المشروعة، ذلك ما دعا صاحب الظنون أن يقول عن نسيمي (قتل بسيف الشرع (2. . .)جاء في كتاب مدينة الحسين السلسلة الثانية ص 149 ما نصّه:«يميل فريق من المؤرخين المتتبعين في آثار السلف إلى القول بأن الخانقاه المذكور الذي شيدها السيد فضل الله الحروفي في الزاوية الغربية من صحن الروضة الحسينية كانت تقع بالقرب
1) نعتقد بأن الأستاذ المرحوم عباس العزاوي قصد بالفقرتين الأولى والثانية على ما بدا عليه الحروفيين فيما بعد وقت مؤسس الطريقة، حيث من اخذ يقوم بكل ذلك هم الذين إستحسنوا الفكرة واوصلوها إلى ما نقل العزاوي عنهم. وإلا فإن الطريقة الحروفية تأسست في كربلاء والنجف، وكانت أول تكية لهم في صحن الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ومن الطبيعي أن لا يقوم الحروفيين في صحن الحسين بشرب الخمر وممارسة العشق وما إلى غير ذلك. نعم الصوفية حوربت طرقها من قبل العلماء بل وكفّروها نتيجة معتقداتهم التي لا تواكب أصول العقيدة الإسلامية في الكثير من الأمور ، وما ورد أعلاه نعتقده وارداً بعد تأسيس الطريقة بوقت ليس بقصير. فالعشق عندهم هو التجلي بالمحبوب لمعرفة جمال الخالق، وذلك برياضة النفس والتمثل بحب الأشخاص وعشقهم للوصول إلى كنه معرفة جمال الخالق في كنه المخلوق. وما أشبه اليوم بالبارحة ، عندما نجد البعض في أيامنا هذه يقوم بالأعمال الشائنة والفسق والفجور، ويعلل ذلك كله في تسريع ظهور الإمام المهدي المنتظر ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) الذي عليه أن يظهر ويملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلما وجورا ...!! وما هذه إلا بدع ساهم فيها المتربصون بالإسلام من اليهود وغيرهم حتى يضربوا الإسلام والعقيدة من الداخل.)أما ذكر العزاوي لأبي نؤاس، فهو في غير محله عندنا على الأقل، لأن الشائع عن أبي نؤاس بانه شاعر خليع وقد إشتهر بالخمريات والمجون، وهذا تجنّي عنصري عليه من الأعاجم الذين ساءهم القضاء على البرامكة من قبل هارون الرشيد الذي كان أبو نؤاس مقرَّبا إليه وعلى الضد من البرامكة. فالشاعر أبو نؤاس وهو الحسن بن هانئ كان من العلماء ومن الموالين لآل البيت، وقد ذكره العلامة السيد محسن الأمين العاملي في مجلده الكبير أعيان (الشيعة وأفرد له ثلثي أحد أجزاءه، للحديث عنه وترجمته.
2) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج 3، ص 53 وص 54 .
من مسجد عمران بن شاهين وثم إنتقلت إلى الزاوية الجنوبية الشرقية من الصحن کنا هي اليوم ماثلة للعيان وتعرف باسم تكية البكتاشية. حيث إن العلاقة توثقت بينها وبين البكتاشية فيما بعد وأصبحت الواحدة منها مرادفة للأخرى. واليوم في كربلاء بيد متولين أوقاف البكتاشية صكوك تؤيد ذلك. ويقرأ تاريخ هذه الصكوك سنة 797ه- ومنها يؤخذ ان الحاج بكتاش ولي كان آنذاك في كربلاء معاصراً للسيد فضل الله الحروفي ».إذا صح ما نقله مؤلف مدينة الحسين فإن الطريقة الصوفية الحروفية هي أول طريقة وجدت في كربلاء وأسست لها أول تكية في الروضة الحسينية، ومن بعدها تأسست التكية البكتاشية وأخذت نفس المكان وإشتهرت بتكية الدراويش ومن ثُمَّ إنتقلت إلى الجهة الجنوبية الشرقية من الصحن .ولا نعتقد بصحة ما أورده البعض بأن أحد أقطاب الصوفية كان مع الامام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ في يوم عاشوراء، وأوصاه بلزوم إبعاد خليفته المدعو (جراغ علي شاه) عن ساحة القتال لكي يأتي بعد مقتله إلى موضع القبر ويلازم مجاورته وينير الشموع حول القبر ليرشد الزائرين إلى آخر الرواية التي لم تُبنَ على واقع صحيح وإنما هي مفتعلة من قبل البعض، كما أنه في زمن الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لم تتأسس الصوفية ولم يرد من أي مصدر موثوق بوجود شخص يدعى (جراغ علي شاه). وهذا الاسم فارسي بالكامل حيث إن جراغ تعني ضوء أو نور وشاه تعني ملك !!)### السيد بكتاش ولي الموسويهو السيد محمد خنکَار ولي (بكتاش ولي ابن إبراهيم بن عيسى الموسوي، الطريقة البكتاشية، وكان يعرف بالسيد محمد الموسوي الخراساني. يؤكد بعض المؤرخين بأن نسبه يرجع إلى السيد إبراهيم المجاب بن السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). ومنهم من ينسبه إلى الإمام علي الرضا بن الإمام)
موسى الكاظم عليهما السلام. وعلى النسب الأخير فإن البعض يعتبر الإمام علي بن موسى الرضا هو الأب الروحي للبكتاشية. وأن بكتاش ولي يتصل بمشيخته بالشيخ (معروف الكرخي الذي أخذ طريقته عن الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)ظهر في مدينة (نيسابور وهي من أعمال خراسان، وتنقل كثيرًا في البلدان وحج بيت الله الحرام وتردد على العتبات المقدسة في العراق، وجاور مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) مدة من الزمن، وتؤكد بعض المصادر أنه كان في كربلاء سنة 797ه- ، متصلاً بالسيد جلال الدين فضل الله الحروفي وبقية مشايخ الحروفية، حيث توثقت العلاقة بين الطريقتين الحروفية والبكتاشية، وبعد مقتل الحروفي سنة 804ه- فقد أستولت البكتاشية على تكية (الحروفية) وسميت فيما بعد بالتكية البكتاشية، للتقارب الوثيق بينهما .)سافر السيد محمد الموسوي الخراساني الذي لقّب ب- (الحاج بكتاش ومعناها غلام الأمير علي بن أبي طالب) إلى الأناضول سنة 810ه- / 1407م وإجتمع بالسلطان العثماني مراد خان بن أورخان العثماني، الذي رحّب به ونال عنده منزلة عظيمة. وقد أقنع بكتاش ولي السلطان العثماني أورخان غازي وطلب موافقته بتأسيس طابور عسكري وسمّاه (بنيك جرية) ومعناه الجند الجديد لحماية السلطان العثماني وسمي ب- (الينكجرية) وهم ذاتهم (الانكشارية)، وإنتزع بكتاش ولي كُمْ خرقته ووضعه على رأس الينكجرية فصار معتادًا لهم وضع ما يشبه الكُمْ في رؤوسهم. وكان هذا الطابور هو النواة للجيش الإنكشاري فيما بعد، وأخذ يدعو لطريقته (البكتاشية) وإنتشرت في البلاد التركية والعراقية والسورية.)
### كربلاء في فترة حكم دولةالخروف الأسود (قره قوينلو)ورد في سياق بحثنا عن قره يوسف التركماني وهو الذي أسس فيما بعد دولة الخروف الأسود (قراقوينلو)، فمن هم هؤلاء؟...)تنتسب قبائل التركمان التي أطاحت بالحكومة المغولية في آذربيجان إلى (باران أحد أحفاد ( أوغوز ) الذي تنسب إليه قبائل الترك. وعلى هذا الأساس سمّيت الدولة التي أسسها قره يوسف التركماني في آذربيجان ب- (الدولة البارانية). ولكن غلب على تلك القبائل الرعوية اسم القراقوينلو وتعني باللغة التركية (سود الغنم)، إذ يبدو ان أغنامهم كان يغلب عليها اللون الأسود، ويقال بأنهم كانوا يضعون صورة خروف أسود على راياتهم.)كانت لغة قبائلهم التركمانية هي اللغة التركية الآذرية. وكانت هذه القبائل رعوية تهتم بتربية الماشية. والمجتمع التركماني في آذربيجان في ذلك الوقت أيام الجلائريين وفي أيام المغول التيموريين يتكون من تلك القبائل الرعوية والتي كان قسما منها يميل إلى التشيّع.
يقول برتولد شبولر الكاتب الروسي ما نصه: «وكانوا عبارة عن قبائل إتّبعت المذهب الشيعي وإنتشرت في المناطق المجاورة لأرمينية وآذربيجان. وابتداء من عام 1390م أصبح يقودها زعيم طموح يدعى قرايوسف »(1.)تعاظم دور هذه القبائل التركمانية في زمن السلطان المغولي أويس بن حسن الجلائري وذلك عندما أصبح زعيم قبائل الخروف الأسود آنذاك (بيرام خواجة أحد قادة السلطان أويس. وعندما توفي أويس قام بيرام خواجة بالاستيلاء على الموصل وسنجار ومناطق أخرى سنة 778ه-/1376م.)آلت زعامة تلك القبائل إلى شخص يدعى (قرا محمد الذي وقف مع السلطان أحمد الجلائري ضد أخيه (علي) وقتله والاستيلاء على تبريز وتربع أحمد الجلائري على عرش السلطنة. ومنذ ذلك الحين أصبح للقراقوينلو شأن كبير وأصبحوا قوة عسكرية لا يستهان بها.)في سنة 792ه- / 1390م قتل قرا محمد الذي أعقب ثلاثة أولاد هم: قره يوسف ويار علي وبير علي. فتولّى ابنه الكبير قره يوسف الزعامة... وهو مؤسس الدولة القراقوينلية.كان قره يوسف يدير دولته بعقلية زعيم قبيلة رعوية، محاولاً التوسع والسيطرة عن طريق الحروب، مما دعاه إلى مواجهة بقية القبائل التركمانية وغيرها في حروب طاحنه، ومن أقوى القبائل التركمانية التي وقفت ضد حكم دولة الخروف الأسود هي قبائل الآق قوينلو أو الخروف الأبيض بقيادة (قره عثمان). كذلك خاض حروباً ضد دولة (شاه رخ بن تيمورلنك) التي كان مقرها في خراسان، وتعاون الآق قوينلو مع دولة شاه رخ ضدّ قره يوسف.)وفي بغداد كان الشاه محمد بن قره يوسف الذي لم يتمكن من السيطرة على العراق غير محيط مدينة بغداد وبعض مناطق وسط العراق، وذلك لأن المغول قبلهم عندما
1) العالم الإسلامي في العصر المغولي برتولد شبولر، الطبعة العربية، ص135.
إنسحبوا من بغداد إستولوا على (واسط ومنها أرادوا الاستيلاء على البصرة التي كانت فيها حكومة عربية يرأسها الشيخ (مانع) زعيم قبائل المنتفك الذي كان يسيطر على جنوب العراق. وتحقق للمغول بقيادة الأميرة المغولية (دوندي) سيطرتهم على جنوب العراق وإنتزاع البصرة من الشيخ مانع وتوسعوا حتى وصلوا إلى شوشتر (الشوش). ودامت سيطرتهم قرابة العقد من الزمان لم تتمكن دولة الخروف الأسود الوصول إليهم.)كان العراق في تلك الفترة مقطّع الأوصال بين المغول والتركمان، وساءت أحوال الناس بشكل كبير، كما أن حكومة القره قوينلو في العراق بقيادة (شاه محمد بن قره يوسف لم يكن بمقدورها دفع ما عليها إلى مركز وعاصمة الدولة في (تبريز) لتدهور الوضع الإقتصادي وشحة الموارد التي تعتمد على الضرائب من السکان لسوء أوضاعهم المعاشية، وإعتبر قره يوسف ذلك عصيانًا فسار بنفسه إلى العراق ودخل بغداد سنة 821ه- / 1418م ، وإستخلص أموال وأملاك ولده الشاه محمد (1). في سنة 823ه- / 1420م توفي قره يوسف فجأة وهو يستعد لمحاربة شاه رخ بن تيمورلنك، فحدثت الفوضى وإنتشرت أعمال السلب والنهب لأموال وخزائن قره يوسف من قبل التركمان أتباعه. وقد خلف من الأولاد إسكندر، وميرزا جهان، وشاه محمد، وميرزا أبو سعيد، والأمير أسبان. وكان شاه محمد في بغداد وإسكندر في كركوك وميرزا أبو سعيد في جصان.)وصل (شاه محمد بن قره يوسف التركماني بغداد نائباً عن أبيه سنة 814ه-/ 1411م. وتوفي أبوه سنة 823ه- / 1420م، فضم ماكان تحت يد أبيه من البلاد إلى حكمه وسمّى دولته (قره قوينلو أي الخروف الأسود، لأنه كان ينقش على علمه صورة خروف أسود.)
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي ج3، ص44.
### خضوع كربلاء تحت حكم المغول الجلائريةذكرنا بأن أوضاع العراق في بداية العقد الأول من حكم دولة الخروف الأسود كانت سيئة للغاية وأن حكومة شاه محمد كانت لا تتعدى المناطق المحيطة ببغداد. وبعد وفاة مؤسس دولة الخروف الأسود فقد ثارت الفتن وكثر الشعب على حكومة شاه محمد، ووصل الأمر إلى حد أن أمراء بغداد أخذوا يراسلون السلطان (أويس ابن الأميرة دوندي الذي هو من بقايا الجلائريين الذين إستولوا على البصرة وكامل جنوب العراق ووصلوا إلى شوشتر (الشوش)، واخذ الأمراء يدعونه لتخليصهم من حكومة شاه محمد. فجاء أويس هذا على رأس جيش سنة 824ه-/ 1421م نحو بغداد وحاصرها، ولكنه سمع بإقتراب وصول جيوش الأمير إسكندر شقيق شاه محمد بعد إنسحابه أمام شاه رخ من أذربيجان نحو العراق خاف السلطان أويس وإنسحب جنوباً وعاد إلى شوشتر.)في سنة 825ه- / 1422م توجه حفيد تيمورلنك ميرزا إبراهيم من شيراز نحو شوشتر، فهرب أويس منها وتوجه إلى منطقة أهوار الجزائر في جنوب العراق، ثم إلى واسط . ومنها زحف بجيشه نحو مدينة الحلة وإستولى عليها، وكانت الحلة وقتها مركز الفرات الأوسط فخضعت مدينة كربلاء تحت حكمه وكان ذلك في سنة 826ه- / 1423م.)من الحلة زحف أويس نحو بغداد وحاصر جانبها الغربي، غير أنه لم يتمكن من الاستيلاء عليه وبذلك فشلت حملته على بغداد فقفل راجعاً إلى الحلة وإستمر حكمه فيها حتى وفاته سنة 827ه-، وكان وزيره تاج الدين ابن حديد وهو من اهل الحلة. وبعد وفاته تولى الحكم في الحلة السلطان (حسين بن علاء الدين الجلائري وهو حفيد السلطان أحمد الجلائري بن أويس بن حسن الجلائري (مؤسس الدولة الجلائرية)، وإستمر حكم السلطان حسين حتى سنة 835ه-/ 1431م عندما زحف الأمير أسبان بن قره يوسف نحو الحلة التي كانت بيد المغول الجلائريين وحاصرها)
لمدة سبعة أشهر، وبعد الاستيلاء عليها تم القبض على السلطان حسين الجلائري وقتله. وبذلك إنقرضت دولة المغول الجلائرية، وأسس أسبان حكومة له في الحلة ودخلت كربلاء ضمن حدود حكمه وكان ذلك سنة 835ه- / 1431م.فمدينة كربلاء لم تكن لحد هذا التاريخ تتبع إلى حكومة بغداد (الخروف الأسود وإنما كانت تتبع إلى الإمارات التي كانت تتشكل في الحلة أو في مناطق الفرات الأوسط، وكانت أوضاعها العامة مضطربة نتيجة الوضع المتردي الذي كانت تعيشه معظم مناطق العراق حيث ساد فيها الكساد وإنتشرت فيها الأوبئة التي هاجمتها عدة مرات وحصدت من أرواح أبناءها الكثير، كما أن الإهتمام بها قد ضعف وأن قنوات الري المؤدية إليها كانت بحاجة إلى إصلاح بحيث تأثر الواقع الزراعي لندرة وصول المياه إليها وإلى المناطق الزراعية المحيطة بها، وضعفت حركة العمران فيها، وباتت كربلاء معرضة في أي وقت للهجوم والغزوات بسبب ضعف الإدارة فيها، والمشاكل والنزاعات الداخلية التي كانت سائدة فيها في تلك الحقبة من الزمن، عدا ماكانت عليه الحركة العلمية ووجود العلماء الروحانيين فيها بسبب وجود العتبات المقدسة على ثراها، ولقربها من مركز المرجعية العلمية للشيعة في الحلة حينذاك.)### زيارة قره يوسف وابنه إسكندر للمرقد الحسينيعلى الرغم من أن حاكم دولة الخروف الأسود في العراق هو الشاه محمد بن قره يوسف التركماني الذي كان ينوب عن أبيه في حكم العراق، فقد كانت سلطته لا تتعدى أطراف بغداد، وذلك يعني ان كربلاء كانت بعيدة عن سيطرته إلى أن إستولى أسبان على الحكم سنة 836ه- كما ذكرنا ذلك سابقاً.إلّا ان البعض قد نقل زيارات لملوك دولة الخروف الأسود إلى كربلاء قبل أن يستتب الأمر لهم بشكل نهائي. والمصدر الوحيد الذي نقل تلك الزيارات هو كتاب (شهر حسين أي مدينة الحسين وهو كتاب باللغة الفارسية، ولم تذكر تلك الزيارات)
في كتب التاريخ الأخرى المعتمدة، ولنا في صحة تلك الزيارات رأي آخر بسبب الصراعات والتنازع على السلطة في أوائل أيام دولة الخروف الأسود، وعدم خضوع كربلاء لسلطتهم إلى سنة 836ه- / 1433م ، وقد تكون تلك الزيارات للمدينة كانت في الفترة التي سبقت سيطرة المغول الجلائريين على الحلة وخضوع كربلاء إليهم سنة 826ه- / 1423م. وحتى هذا الرأي له ما ينافيه لأن الشاه محمد بن قره يوسف الذي كان نائب أبيه على العراق لا تتعدى سلطته اطراف بغداد في تلك الفترة.ومع ذلك فإن ما ورد عن الزيارات هذه في كتاب شهر حسين في الصفحة 292 كما يلي: «إنه مابين عامي 815 - 827ه- زار السلطان قره يوسف القره قوينلي المرقد الحسيني وقدم هدايا كثيرة. وفي عام 827ه- تولى السلطان إسكندر القره قوينلي الحكم فقام بعدها بزيارة الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ وأمر بتقديم هدايا نفيسة للروضة الحسينية الطاهرة »(1).)السيد كمال الدين طعمة (الأول(2))### يتولى نقابة الحائرتولّى نقابة الأشراف في كربلاء السيد كمال الدين طعمة (الأول بن أبي جعفر أحمد بن ضياء الدين يحيى بن أبي جعفر محمد سادن الحسين) بن السيد أحمد شمس)
1) دائرة المعارف الحسينية تاريخ المراقد ج 2، ص 50 عن كتاب شهر حسين، ص292. ونحن نؤكد بأن هذه الزيارات لم يؤكدها مصدر تاريخي موثوق آخر على الرغم من أن كتب التاريخ لم تغفل أحداث تلك الفترة.
2) هو جد أسر السادة آل فائز وليس هو من يتلقب به السادة آل طعمة الحاليين كما يحلو للبعض حتى يكون هو الأصل !! ، فلقبهم جاء من السيد طعمة (الثالث) بن علم الدين وهو شقيق كل من السيد جميل بن علم الدين جد السادة آل نصر الله، والسيد حسن بن علم الدين جد السادة آل السيد أمين (آل جلوخان الفائزيين).
الدین ناظر رأس العين بن السيد أبي الفائز محمد (نقیب الحائر ورئيس قبيلة آل فائز.)كان يتمتع بمنزلة كبيرة في أوساط المدينة وخارجها، وهو يومئذ زعيم الفائزيين في الحائر . كانت توليته النقابة في سنة 826ه- / (1423م وبقي في النقابة لحين وفاته سنة 845ه-/ 1441م.)ذكره ضامن بن شدقم في تحفة الأزهار وزلال الأنهار (1. ويقول السيد عبد الرزاق كمونة في موارد الإتحاف : أنه ولّي النقابة في الحائر الحسيني وله جلالة ورياسة وعظمة وقد وليها بعض ولده (2).)### السلطان أسبان وكربلاءالسلطان أسبان (3وكربلاء)عندما إستقر الأمر للأمير (آسبان في الحلة بعد قضاءه على حكم المغول الجلائريين فيها وقتله السلطان حسين علاء الدين الجلائري آخر السلاطين الجلائرية وذلك سنة 835ه- / 1431م ، بسط نفوذه وسلطته على وسط وجنوب العراق، وقد طمع آسبان في الملك.)
1) تحفة الأزهار وزلال الأنهار ضامن بن شدقم ج 3، ص309.
2) موارد الإتحاف في نقباء الأشراف: السيد عبد الرزاق كمونة، ج 1 ، ص 151 .
3) أسبان هو ابن قره يوسف وذكر في بعض المصادر بلفظ (أسبند) أو (أصبهان) أو (أسبهان). وجاء في کتاب تاريخ العراق بين إحتلالين للمحامي عباس العزاوي في ج 3، ص 80 نقلا عن صاحب الأنباء ما نصه:« خرّب إصبهان بن قرا يوسف بغداد وشتت أهلها، وقبل ذلك كان قد خرّب الموصل ». وذكر في كتاب العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية لمؤلفه عبد الأمير الرفيعي في ج 1 ، ص 206 ما نصه: «بعد مقتل شاه محمد سار أسبان إلى أربيل، وبعد وصوله وجد حاكمها ميرزا علي قد خرب المدينة وصعد وتحصن في قلعتها الشهيرة. وبعد حصار دام قرابة ستة أشهر أمر أسبان بإلقاء السم في آبار أربيل مما تسبب في موت أعداد كبيرة من السكان. ويقال بأن الميرزا علي ظن بأن إنتشار الموت كان بسبب طول مدة الحصار ، فطلب الأمان من أسبان وإستسلم له. وبعد اربيل سار أسبان إلى الموصل وإستولى عليها ، ويقال بأنه دس السم لحاكمها ». ولكنه تمكن من تسيير دفة الحكم في العراق بحزم وقوة إلى أن توفي سنة 848ه- : 1444م.
ففي سنة 836ه- / 1432م ثار الأمير (آسبان على أخيه السلطان شاه محمد، فزحف نحو بغداد مما اضطر الشاه محمد للهروب منها إلى الكاظمية ومنها توجه إلى الموصل الذي بسط سلطته عليها وعلى كركوك وأربيل ومناطق أخرى. وقتل غيلة سنة 837ه- / 1433م ، وإنفرد (آسبان) بالحكم في بغداد وأصبحت كربلاء تحت حكمه.)ظهر في زمن السلطان آسبان المدعو محمد بن فلاح الموسوي المشعشعي، الذي إدعى بأنه (المهدي، فعقد آسبان مجلساً يضم نخبة من علماء الحلة وكربلاء وكان من بينهم العلامة ابن فهد الحلي)، مع نخبة ممتازة من علماء السنة، للنظر في دعوى المشعشعي. وكان نتيجة هذا الحوار دحض ما جاء به المشعشعي من دعواه الكاذبة، وما ورد عنه في مسألة الإمامة، فقد تغلّب عليه في الحوار العلامة ابن فهد الحلّي، فكان سببًا في ميل السلطان آسبان إلى التشيع وجعله المذهب الرسمي في مملكته، وأمر بضرب النقود منقوشاً فيها أسماء الأئمة الإثني عشر.)وذكر البعض ما نصه: «وقد وجّه عنايته إلى المشهدين المقدسين في كربلاء والنجف وقام ببعض الأعمال لصالحهما ».ولا نبتعد عن التأكيد بأن ذلك يدخل في نطاق السياسة أكثر منه في المعتقد، وبمجرد أن يقول البعض:«إن آسبان وجّه عنايته الخاصة بالمشهدين المقدسين في كربلاء والنجف وعيّن لهما (قوَمَة تدفع لهم رواتب من خزانته الخاصة، يقوم هؤلاء الخدم بتنوير الروضتين المقدستين ليلاً، وفي النهار يقومون بأمر التنظيف والكنس داخل الروضتين ». يعني ذلك إنه كان حسن السيرة وطيّب السريرة !!... ولكن لماذا ننظر إلى هذا العمل البسيط جدا ونترك ما جلبه هؤلاء الأغراب المحتلون من أقوام وأسكنوهم مدن العراق وخاصة المقدسة منها، وكانوا هم نواة المشاكل فيها ولنهب الثروات من هذا البلد المبتلى بأطماع المحتلين.)
### العلامة ابن فهد الحلّيهو العلامة الكبير والزاهد الكامل جمال الدين أبو العباس أحمد بن شمس الدين محمد بن فهد الحلّي الأسدي (1. يلقب الآن لدى العامة ب- (أبو الفهد) وكان في زمانه يتمتع بشهرة كبيرة ومكانة عالية بين العلماء من الشيعة الإمامية.)قال فيه صاحب لؤلؤة البحرين: فاضل فقيه مجتهد زاهد عابد ورع تقي نقي إلّا أن فيه ميلًا إلى مذهب الصوفية، بل تفوّه به في بعض مصنفاته »(2.)وقال فيه صاحب روضات الجنات:« له من الإشتهار بالفضل والإتقان والذوق والعرفان والزهد والأخلاق والخوف والإشفاق، وقد جمع بين المعقول والمنقول والفروع والأصول والقشر واللب واللفظ والمعنى والظاهر والباطن والعلم والعمل بأحسن ما كان يجمع» ...وقد إختلف في تاريخ ولادته، فالبعض ذكر بان ولادته كانت سنة 757ه- وهذا هو الغالب ونعتقده الأصح، وآخرون ذكروا بأنه ولد سنة 783ه-، ولم يختلفوا في تاريخ وفاته وهو عام 841ه- . وكانت ولادته في مدينة الحلة.هاجر ابن فهد من الحلة لطلب العلم ولقاء المشيخة، فدخل البحرين ولقي فيها رجال الفضل فأفاد وإستفاد، وسكن مدينة كربلاء مدة من الزمان، ثم رجع إلى الحلة مسقط رأسه فإلتف حوله أهل العلم والفضل فأخذ يدرس العلوم الدينية والعقلية في المدرسة (الزعية بالحلة، فتخرج عليه جماعة من العلماء الأفاضل منهم الشيخ عبد السميع بن فياض الأسدي الحلي صاحب كتاب تحفة الطالبين في أصول الدين، وكتاب الفرائد الباهرة.)
ومن تلامذته أيضاً العالم الفقيه عزالدين حسن بن علي الشهير بابن العشرة الكوراني العاملي، وكذلك السيد محمد بن فلاح الموسوي، وعزالدين المهلّبي.له الرواية بالقراءة والإجازة عن جملة من تلامذة الشهيد وفخر المحققين كالشيخ مقداد السيوري الحلي، وعلي بن الخازن الحائري وابن المتوج البحراني والسيد النقيب أبي القاسم علي بن عبد الحميد النيلي النسابة صاحب كتاب الأنوار الإلهية.عاد العلامة ابن فهد من الحلة وسكن مدينة كربلاء وبقي فيها أكثر سنوات عمره حتى وافته المنية ودفن فيها. أمّا مصنفات الشيخ أحمد بن فهد فمنها:1 - المهذب البارع في شرح النافع.2- عدة الداعي ونجاح السا 3 كفاية المحتاج في مسائل الحجاج.4 - التحصين في صفات العارفين.5- شرح الإرشاد.6 - الموجز الحاوي.7- استخراج الحوادث المستقبلة من كلام أمير المؤمنين.8- رسالة في التعقيبات والمسائل الشاميات والبحريات وفي سائر المراتب.9 - كتاب أسرار الصلاة.وله غير هذه المؤلفات مثل كتاب المقتصر وغيره الكثير.لابن فهد الحلي (أبو الفهد مكانة لدى الكربلائيين، وكان قبره يقع في المدرسة المسماة باسمه داخل زقاق يبعد عن مرقد الإمام الحسين بمسافة (250) متر تقريباً، ومدفنه هذا كان خارج سور المدينة القديم. وعندما أنشأ الوالي مدحت باشا المحلة الجديدة في كربلاء (العباسية بحدود سنة 1867م ، أصبح قبره على مقربة من شارع)1- تاريخ الحلة في الحياة الفكرية : الشيخ يوسف كركوش قسم 2 ، ص 95 .
عام عرضه عشرة أمتار وهو إمتداد لباب قبلة الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ، وبقي هذا الشارع ولزمن طويل يسمى ب- (شارع أبو الفهد).)جاء في مراقد المعارف للشيخ محمد حرز الدين ما نصّه:«مرقده في كربلاء المقدسة بداره التي تقع قبلة لمرقد الامام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ قريبة منه، وقبره مشيد عليه قبة قديمة وحول قبره صحن دار تحوطه إصطوانات وغرف كانت مأوى لزائري مرقد أبي الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام.)وفي سنة 1329ه- دخلنا مرقده لقرائة الفاتحة – كما هي عادتنا في كل عام نأتي لزيارة الحسين عليه السلام في النصف من شعبان – فوجدناه على سعة مكتظا بالزائرين حتى في بستانه الوقف الذي كانت الزوار تقيم فيه أيام الصيف، والمشهور أنه رحمه الله تعالى وقف داره التي فيها جدثه على أن يكون قبرًا ومزارًا له، ومأوى للزائرين الضيوف، وكذا البستان المحيطة بداره ،وقبره المعروفة ببستان ابن فهد الحلي وهي وقف عليه »(1.)كان مرقد ابن فهد يقع في النصف الشمالي من صحن الدار المكشوف، وأما النصف الجنوبي منه فقد عنون بالمسجدية، والطابق الأسفل مأوى للزائرين في موسم الزيارات، والطابق الأعلى كان مدرسة لطلاب العلوم الدينية بعنوان (مدرسة الشيخ أحمد بن فهد الحلي. وكان مكتوباً على واجهة باب المرقد والمدرسة من ناحية الشارع وبالكاشاني ما يلي: «لقد تم تجديد كل من بناء هذا المسجد الشريف والمرقد الطاهر، مرقد العالم العابد الزاهد والعارف الكامل، جامع المعقول والمنقول، حاوي الفروع والاصول الحائز بين الظاهر والباطن والعلم والعمل قدوة الفقهاء والمحققين، ونخبة العلماء المولى جمال الدين أبو العباس أحمد بن فهد الحلي الأسدي المتولد سنة 757ه- والمتوفى سنة 841ه- ، وتأسيس مدرسته المباركة على نفقة كل من سماحة المرجع الأعلى للطائفة الإمامية السيد محسن الطباطبائي الحكيم أدام الله ظله الوارف)
1) مراقد المعارف الشيخ محمد حرز الدين، ج 1، ص 76 وص 77 وص 78 .
الباقي، والسيد عبد الحسين البهبهاني والحاج صاحب الهر، والحاج علي الكهربائي في سنة 1384ه- ».صورة لمرقد ابن فهد الحلّي ألتقطت عام 1975م عندما بدأت عملية توسيع شارع قبلة الحسين، وظهر المرقد بعد أن كان داخل المدرسة وأصبح موقعه على رصيف الشارعفي عام 1975م وإثناء توسيع شارع باب قبلة الحسين أصبح قبره ملاصقاً للشارع العام الجديد، حيث إن قبره كان داخل مدرسته التي تدرّس فيها العلوم الدينية، وبعد توسيع الشارع الذي كانت تحتاجه مدينة كربلاء فقد ذهب جزء من المدرسة ضمن الشارع، وقد قامت وزارة الأوقاف ببناء قبر العلامة الحلي في مكانه المعلوم حاليا، وتم تشييد القبر بشكل بديع ويتكون من باحة قطرها ثلاثة أمتار ونصف، يتوسطها ضريحه المشبك من النحاس وبني على القبر قبة تم تغليفها بالكاشاني الكربلائي البديع، وقد بقي موضع القبر يحتل رصيف الشارع وقد فُصل عن المدرسة التي بنيت أيضًا بتصميم جديد وأنشأت فيها مكتبة عامة. وإحتل ضريحه والمدرسة جانبًا مهما من الشارع العام.
وَيُزار قبر العلامة ابن فهد الحلي من قبل الكربلائيين وزوار العتبات الوافدين إلى مدينة كربلاء ويقرأون الفاتحة عليه. وكان يُعدّ رحمه الله من أكابر فقهاء وعلماء عصره أيام كانت (الحلة تحتضن الحوزة العلمية الشيعية.)
ونقل العامة جيلاً عن جيل بأن العلامة ابن فهد كان يجمع مخلفاته الآدمية من (الغائط والبول ويخرج بها كل ثلاثة أيام إلى خارج مدينة كربلاء بما يقارب الفرسخين ويدفنها هناك إعتقادًا منه بأن أرض كربلاء بالغة القدسية ولا يجوز أن)تمسها النجاسة.### السيد شرف الدين الفائزي نقيبا للحائرتولى السيد شرف الدين بن النقيب كمال الدين طعمة (الأول نقابة الحائر الحسيني سنة 845ه- (1)(1441م) بعد وفاة والده أيام دولة الخروف الأسود (قره قوينلو)، وشطرًا كبيرًا من أيام دولة الخروف الأبيض (آق قوينلو).)كان السيد شرف الدين حيًّا سنة 895ه- (2. حيث جاء في مشجرة السادة آل فائز المقدمة إلى إدارة الأوقاف العمومية أنه كان حيا عام 845 ه- - 905ه- .)### جمال الدين الخليعي (قاطع طريق زوّار كربلاءمن الأدباء الذين سكنوا كربلاء أيام دولة الخروف الأسود هو (جمال الدين الخليعي. وهو أبو الحسن الشيخ جمال الدين علي بن عبد العزيز بن أبي محمد الخليعي. موصلّي الأصل وحُلّي المدفن.)جاء في كتاب تاريخ الحلة(3ما نصه : ( شاعر مجيد سامي الخيال، يمتاز بسلاسة الإسلوب ورقة المعاني، وله مشاركة في الآداب والفنون. له ديوان مخطوط كلّه في مدح)
1) موارد الإتحاف في نقباء الأشراف، ج 1، ص 151 .
2) الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق في القرون المتأخرة: د. عماد عبد السلام رؤوف. حيث يذكر المؤلف في، ص 359 هامش (2) انه يمتلك نسخة مصورة بذكر اسم السيد شرف الدين في وثيقة تحمل اسم السلطان يعقوب الآق قوينلي وتاريخها سنة 859ه-.
3) تاريخ الحلة : الشيخ يوسف كركوش الحلي، القسم الثاني، في الحياة الفكرية، ص101 وص 102 عنالبابليات لليعقوبي ج 6 ، ص 113 .
أهل البيت (عَلَيْهِ السَّلَامُ وتأبينهم والتوسل بهم إلى الله تعالى، ولا تكاد تجد فيه هبوطاً أو ضعفًا عن مستوى شعره العالي ».)كان في بداية أمره عيّارًا (قاطع طريق وعلى الأخص طريق زوّار كربلاء، ويقطع طريق زوار الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلام) بترويعهم وسلبهم...)ذكر مترجموه كالقاضي نور الله المرعشي المتوفى سنة 1019ه- / 1610م في مجالسه، والمحدث النوري الطبرسي المتوفى سنة 1320ه- / 1902 م في (دار السلام وقالوا فيه: «كان لا يرى رأي الإمامية، ويقطع طريق زوّار الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وكان ذات يوم على عادته في قطع طريق الزوار، فغلب عليه النوم وفاتت عليه قافلة الزوّار وإنتشر عليه غبار الزوّار ورأى في نومه حلا كأن القيامة قامت وأُمر به إلى النار ولكنها لم تصبه بأذى فإنتبه مذعورًا فعدل عما كان عليه فهبط كربلاء وآمن بولاء أهل البيت » ونظم في هذه الحادثة البيتين الآتيين:)إذا شئت النجاة فزر حسينًا*** لكي تلقى الإه قرير عين*** فإن النار ليس تمس جسماً ***عليه غبار زوّار الحسينوهذان البيتان الشهيران منقوشان بالخشب على باب الكرامة من أبواب الصحن الحسيني الشريف بعد أن تم تشييدها إثر تهديم مقابر البويهيين (الصحن الصغير وهي الباب التي كانت تؤدي إلى سوق القيصريات ومن ثُمَّ إلى سوق التجار الكبير، وموقعها في الزاوية الشمالية الشرقية من الصحن.)يقول المحدث النوري الطبرسي صاحب دار السلام: ان اسمه كان خليلاً ثم بعد أن أقلع عن وصفه السابق دعي عليا ولقب جمال الدين وإستوطن كربلاء برهة من الزمن ثَمَّ إستوطن الحلة إلى أن توفي فيها.وذكره الطريحي في ( منتخبه والعلامة المجلسي في البحار ) ج 10، وابن شدقم في (تحفة الأزهار والشيخ الأميني في ((الغدير) وغيرهم... ومن شعره:)
سل جيرة القاطنين ما فعلوا*** وهل أقاموا بالحي أم رحلوا*** وقف معي وقفة الحزين عسى أنشد ربعاً ضلت به السبل ولا تلمني على البكاء فللد*** موع ريء تطفي به الغلل بانوافلي مقلة مقرحة ومهجة بالزفير تشتعل جسمي لشوك القتاد مفترش وناظري بالسهاد مكتحل قد كان قلبي والدار جامعة والعيش غض والشمل مشتمل مروعاً خائفاً فکیف به عند التنائي والركب مرتحل فوا ضلالي تبكي لوحشتهم عيني وهم في الفؤاد قد نزلوا وأسأل النطق من صدى طلل بال وأنى يجيبني الطلل ***فما لقلبي والنائبات وكم يرمى بسهم النوى وينتبل یانفس صبراً فكل نائبة ***سوى مصاب الحسين تحتملتوفي سنة 850ه- / 1446م وقبره معروف مشهور بالحلة كان بالقرب منه بستان تعرف ب- (الخليعية. وقبره جنوبي الحلة شمالي قبر السيد علي بن طاووس.)### غارة المشعشعينوفيما يخص كربلاء في فترة حكم دولة الخروف الأسود، هو أن السلطان (جهان شاه الذي إستلم الحكم بعد أخيه (أسبان) ، عندما علم بغارة المشعشعين على كربلاء بقيادة (مولى علي المشعشعي) وعبثه في كربلاء والنجف وكان السلطان حينها في (شيراز)، فسيّر (سيدي علي ) مع بعض الأعوان ليضعوا حدا لفتنة المشعشعين، وقد وصلوا إلى كربلاء والنجف عن طريق الحلة بعد أن عبث مولى علي بهما. وقام سيدي علي في شهر جمادي الأول سنة 859ه- / 1455م بإعمار ماخربه مولى علي، ويقال بأنهم عوّضوا خسائر أهل الحائر، وأُعيد الأمن إلى كربلاء.)
سمّيت غارة مولى علي المشعشعي التي حدثت في كربلاء عام 858ه-/ 1454م، وكانت هذه الحادثة من الحوادث المؤلمة التي مرّت على مدينة كربلاء في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، بعد أن عاشت كربلاء والعتبات فيها بهدوء وسكينة لسنوات طوال بعد انتهاء النزاع بين آل فائز وآل زحيك واسترجاعهما إرثهما في نقابة الحائر وسدانة المشهدين.وقاد هذه الغارة الغادرة على كربلاء المدعو ( علي بن محمد بن فلاح بن محمد المعروف بالمشعشعي... وبعد أن قام بالأحداث المنكرة في النجف من قتل ونهب، وأساء إلى مرقد الإمام علي عام 858ه- / 1454م ، توجه بعدها في نفس العام إلى مدينة الحسين (كربلاء)، فهجم عليها بأتباعه وعمل بها السيف وقتل خلقا كثيرًا ونهب الروضة المقدسة وأخذ من أهل المدينة أسارى إلى دار ملكه. وكانت حادثة فظيعة أخذت المدينة فيها على حين غرّة دون أن يشك بهم أهل المدينة، وتجمعوا في طرقاتها سرا، وهجموا على شكل مجموعات كبيرة، وبعد مقاومة بائسة لم يتمكن الكربلائيون من مواجهة جيشه الجرار، فقام بقلع أبواب العتبة المقدسة ودخل وأعوانه داخل الحرم الشريف ونهبوا كل ما بداخله.)ترك المدينة وقد حلّت بها صاعقة مذهلة لما أصابها من الدمار والخراب بعد أن بقى فيها أياماً معدودة وكانت المدينة بعد خروجه تأنَّ من وطئ هذا المصاب الجلل الذي حلَّ بها .روى سماحة المرحوم الشيخ عبد الحسين الأميني في كتابه (شهداء الفضيلة حيث ذكر بأن واقعة المشعشعين هي واقعة القتل الأول، أمّا واقعة القتل الثاني هي واقعة الوهابيين عام 1216ه- / 1801م، وعلى كل حال يقول الأميني رحمه الله :)«والقتل الأول كان بيد علي بن محمد بن فلاح الواسطي المشعشعي، أمّا جد الرجل (فلاح فهو أول من ملك من هذه السلسلة، كان أمره سنة 804ه- وتوفي سنة 854ه- . وأما أبوه محمد كان من تلامذة الشيخ الأجل الأوحد أحمد بن فهد الحلي.)
وكان الرجل أي (محمد جامعاً للمعقول والمنقول صاحب رياضة، ومن رياضاته إعتكافه في جامع الكوفة سنة كاملة، وكثرت منه الدعاوي الباطلة إلى أن أفتى أستاذه الفقيه الحلي (قدس سره) بقتله وكتب في استحلال دمه كتابا إلى الأمير منصور بن قيان بن إدريس العبادي، فلما وصل كتابه إلى الأمير المذكور أخذ الرجل وقيده وأراد قتله، فحلف الرجل بكتاب الله : أني صوفي عامي ويعاندني كل شيعي إمامي فإستخلص نفسه بالعذر والحيلة وساعده الإقبال مدة قليلة حتى إجتمعت حوله من الأعراب طوائف شتى، وأول قوم بايعوه بنو سلامة وتفائل بذلك الخير والسلامة وإستولى على بلاد خوزستان وباشر أمورًا خطيرة وأقام حروبا كثيرة » (1).)جاء في مجالي اللطف للمرحوم الشيخ محمد السماوي وصفاً للحادثة ضمن إرجوزته الشهيرة حيث قال (2:)والحادث الثامن ما قد صنعا*** عليٌّ أعني الفاتك المشعشعا*** ابن فلاح إذ أتى بالمَيْنِ ***لمرقدي حيدر والحسين ***وقال إن القبر للحي جَلل ونهب الأعيان في تلك العلل ولم يبق لا هنا ولا هنا ***عيناً ترى أو جوهرًا أو معدَنا وسار في جمع من الأسارى حتى لأخرى صار في القصارى ***وذاك في الثمان والخمسينا ***من تاسع القرون في السنيناسمع الأمير (بير بوداق (3)أخبار مولى علي المشعشعي ونهبه وعبثه بالمشهدين)
1) شهداء الفضيلة الشيخ عبد الحسين الأميني، ص310 وص 311 ط 2 بيروت 1983م، كما نقل بعض من ذلك المصدر السابق عن مجالس المؤمنين)، ص404.
2) مجالي اللطف بأرض الطف الشيخ محمد السماوي، ص 447 .
3) الأمير بيربوداق هو ابن السلطان جهان شاه بن قره يوسف التركماني. ولد سنة 805ه- عندما كان والده في السجن فتبناه السلطان أحمد الجلائري. كان حاكمًا على شيراز ومن ثُمَّ العراق بعد وفاة عمّه السلطان أسبان. ويقال بأنه كان إمامي المذهب حكم العراق قرابة 18 عاما، وخاض عدة معارك ونزاعات داخل العراق وإيران. وهو الذي فك الحصار على مدينة بهبهان التي حاصرها المولى علي المشعشعي قبل أن يقتل مولى علي بسهم جاء بنهايته. والأمير بيربوداق دخل مع والده بنزاعات حيث تآمر على أبيه عندما اتخذ بغداد قاعدة له وجهز عليه والده جيشا قاده بنفسه ومعه ابنه محمدي میرزا الذي تمكن من قتل أخيه بير بوداق وإحتلال بغداد سنة 870ه-.
المقدسين في كربلاء والنجف، وكان يومها في شيراز فأرسل قائده (سيدي علي إلى بغداد ومعه بعض أعوانه ليضعوا حدًا لفتنة مولى علي.)كما أمره بالتوجه إلى مشهدي الإمام علي والحسين عليهما السلام لتعميرهما مما أصابهما من تخريب على يد المشعشعين(1.)فوصل بغداد في ربيع الأول سنة 858ه- / 1454م ، وكتب إلى بيربوداق عن ما حصل فسيّر له جندًا لإمداده ورافق الجند الشيخ شيء الله ومعه حسين شاهنزار وعمه سودغان والشيخ مكي أوغلي، وأوصاهم أن يتوجهوا مع سيدي علي ويصلحوا ما أفسده المشعشعي. فتوجه سيدي علي من بغداد إلى كربلاء والنجف، ووصل الحلة يوم السبت 18 شعبان سنة 859ه- ومنها توجه إلى كربلاء يرافقه الشيخ (شيء الله وهو أمير من شيراز.)فعمّر المشاهد المقدسة ودفع للمجاورين لمرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ خسائرهم التي نجمت عن غزوة ،المشعشعين واوعز إلى الشيخ شيء الله بملازمة كربلاء لتصريف هذه الأعمال من خزانة الأمير بوداق. وكرّ سيدي علي راجعاً إلى بغداد بعد أن أعاد الأمن والطمأنينة إلى كربلاء.)لابدّ لنا ونحن نتطرق إلى غارة المشعشعين على كربلاء سنة 858ه-، أن نبحث الأسباب والدوافع التي أدّت إلى تعاظم قوة المشعشعين، ومن ثَمَّ قيامهم بحروب ومعارك عديدة للسيطرة على مساحات واسعة من وسط وجنوب العراق، بل إقترابهم من بغداد مركز حكم القراقوينلو في العراق، ومن ثَمَّ تجاوزهم بالإغارة على العتبات المقدسة في النجف وكربلاء وتخريبها وقتل سكانها بلا رحمة... إن الأسباب
1) راجع تاريخ العراق بين إحتلالين ج 3، ص 145 ، وموسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء، ص108.
الرئيسية لكل ذلك هو الوضع المضطرب الذي حصل في العراق نتيجة الصراعات على الحكم من قبل الأغراب الذين طمعوا بالعراق وخيراته... فكانت الكثير من مناطق العراق العربي مسرحاً للحروب والتقاتل بين تلك الدويلات الأجنبية التي إحتلت العراق، فلم ير العراق ولا شعبه الهدوء والاستقرار وخاصة عند إحتلال المغول الجلائريين ومن بعدهم تيمور لنك ومن ثَمَّ دولة الخروف الأسود. وليس ذلک وحده بل إن الصراعات بين أفراد الدولة الواحدة على الحكم والسيطرة على مقاليده من قبل أبناء السلاطين أنفسهم، أوقع العراق وأهله في أتون الحروب والدمار والتدهور والإنحلال. وقد عاش العراق ومدنه زمنًا عصيباً نتيجة تلك الأسباب.ذلك كله وغيره من العوامل الدينية والعقائدية أدى إلى نشوء حالة من العصيان والثورة من قبل عرب ،العراق، أخذت الثورة طابع الشعبية بإطار ديني إمتد لهيبها إلى أهوار الجنوب، وشمل أرياف ومدن العراق الزراعية.)### مَنْ هُم المشعشعيون؟قاد الثورة على الحكم السائد في العراق حينذاك رجل دين في مقتبل العمر يدعى السيد محمد بن فلاح الموسوي، وهو أحد تلامذة العلامة الكبير الشيخ أحمد بن فهد الحلي الأسدي. وينتهي نسب السيد محمد بن فلاح إلى السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ.)زعم البعض إنَّ آل المشعشع هم سادة (أي أنهم من نسل الإمام علي عليه السلام ومن ذرية السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). ولكن الكثير ممن ذكرهم شكك في نسبهم، وهم على قسمين ... غلاة ومتشيعون.)كان مولده في مدينة واسط في بداية القرن التاسع الهجري، وفي صباه ألحقه والده السيد فلاح بمدرسة الشيخ أحمد بن فهد الحلي في مدينة الحلة والتي كانت تسمى بالمدرسة (الشرعية ليتلقى علومه الدينية، وكانت الحلة آنذاك المركز الرئيسي)
لدراسة العلوم الدينية وآداب اللغة العربية في العراق وكان العلامة بن فهد يُعدّ آنذاك كبير علماء الشيعة في العراق، وله شهرة واسعة ومكانة عظيمة بين علماء الدين ويُعد من أكابر العلماء في التصوف الإسلامي (1.)أصبح السيد محمد الموسوي من ألمع تلامذة العلامة ابن فهد وأقربهم إليه، وقد زوّجه ابن فهد إحدى بناته وعندما توفي السيد فلاح والده تزوج ابن فهد أرملته وهي أم السيد محمد ... إثناء دراسته أظهر ميلاً شديداً نحو التصوف الإسلامي، وقد تأثر بشدة بأفكار أستاذه ابن فهد في التصوف. وكان السيد محمد يتخذ من سيرة الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ مثلا أعلى في حياة الزهد والتقشف. ويقال بأنه كان يهتزُّ إنفعالاً ويتشعشع وتنتابه حالات غريبة عندما تسرد أمامه سيرة الإمام علي أو عندما يطالع كتب أستاذه ابن فهد في التصوف والحب الإلهي، ونتيجة تلك الشعشعة التي تلازمه شاع عليه اللقب وسُمي بالسيد محمد المشعشع .)فالسيد محمد المشعشع هو من جيل عرب العراق الذي نشأ في عصر مضطرب كثُرت فيه الحروب والنزاعات الدموية. فمنذ دخول تيمور لنك وإجتياحه للعراق للمرة الثانية سنة 804ه- وقد شهد العراق الدمار والخراب ما فاق الإجتياح الأول لتيمورلنك للبلاد.ولمدة ثلاثة عقود متوالية توالت على حكم العراق حكومات وضعت البلاد في سلسلة من الحروب وإراقة الدماء لم يحصد عرب العراق غير المزيد من النكبات والأزمات والمحن. وكانت مدينتا واسط والحلة في مقدمة حواضر عرب العراق التي عانت من تلك الحقب، حيث كانتا مسرحاً للحروب والنزاعات العسكرية، بين عساكر المغول الجلائرية وعساكر التركمان القراقوينلو من جهة، أو بين عساكر التركمان أنفسهم (2.)
ذكر عباس العزاوي عن معاناة سكان مدن العراق في تلك الحقبة مانصه: «والشعب المتحضر من أهل المدن كان في بلاء عظيم ومصيبة لا توصف »(1.)في فترة حكم السلطان (آسبان على العراق أطلق السيد محمد المشعشع دعوته للثورة على الحكام الظالمين ودعا الناس لتغيير واقعهم المزري والنهوض لإستلام أزّمة الأمور لتحويل واقع عرب العراق إلى الأفضل بعد أن أصبح لا يطاق. كان يقول: « معاشر المؤمنين إن هذا أوان الظهور والقيام للقائم من آل محمد عليهم السلام» ..)وظهور القائم هي عقيدة الشيعة الإمامية بقيام الإمام الثاني عشر وهو المهدي صاحب الزمان بن الإمام الحسن العسكري عليهما السلام الذي سيظهر ويملأ الأرض قسطا وعدلاً، بعد أن ملئت ظلماً وجورا.كان السيد محمد المشعشع يحث الناس على الثورة، ويؤكد بأن الإمام القائم عندما يظهر سيهد عروش الظالمين من الحكام ويقيم حكومة إسلامية تنشر العدل والخير في ربوع المعمورة . ولكن المشعشع تجاوز هذه العقيدة للشيعة الامامية عندما أعلن نفسه بأنه المهدي حيث قال: سأظهر أنا المهدي الموعود، كما شاع عنه لقب (المهدوية) حيث كان يدعى من قبل أعوانه ب- (محمد المهدي).)هذه الأفكار التي وردت من المشعشع جعلت أستاذه العلامة ابن فهد ينكرها عليه، وقام بزجره وأمره بعدم التفوّه بها لأنها مخالفة للشريعة وعقيدة الإثني عشرية. وعندها واجه المشعشع الصعاب وتم الطعن بآرائه وشن البعض عليه حملات ينكرون عليه ما يقوم به وما يتحدث... حتى إستفحل الخلاف بينه وبين أستاذه ابن فهد الذي كتب بدوره إلى الأمير منصور بن قبان رئيس عشائر عبادة يحثّه على قتله باعتباره خارج عن الملة، فقبض عليه وعزم على قتله، ولكنه تمكن من إقناع الأمير بأنه شيعي متصوف ومعتكف في مسجد الكوفة وهناك من يريد به شراً، فأطلق سراحه.)
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 3، ص197.
كان ادعاء محمد صحيحاً عن إعتكافه، فإنه في بداية دعوته إعتكف في مسجد الكوفة مدة سنة كان يعيش إثنائها حالة شديدة من التقشف، بحيث كان يكتفي بقليل من خبز الشعير كطعام يومي له، وذلك ليعود نفسه على الصبر والتحمل للقادم من الأيام الصعاب، كما أخذ يتردد على واسط مسقط رأسه ويتدرب على فنون القتال، وكان يتردد على مناطق جنوب العراق وخاصة الأهوار للتعرف على أحوال سكانها من العشائر العربية، وقد إختار مناطق الأهوار والبطائح لتكون قاعدة لثورته، بعد أن لقي السيد محمد المشعشع تجاوباً من العشائر مع دعوته وذلك مما شجعه على المضي في خططه نحو القيام بالثورة.بدأت حركة المشعشع ضد حكم (آسبان تأخذ أبعادًا ثورية جديدة، وشغل ذلك كله السلطان وأراد بشتى الوسائل القضاء على ثورة المشعشع، وأخذ يخاف من عواقبها بعد أن انضم إليها الكثير وخاصة من العشائر المتنفذة والمعروفة في جنوب ووسط العراق، مثل عشائر المعادي) أو المعدان، والرزان والسودان، وعشائر من طي.)وسار المشعشع نحو الجزائر (1وخاض عدة معارك وأنزل بعساكر القره قوينلو هزيمة منكرة هناك وإحتلها ونصّب أحد أعوانه حاكماً عليها، ونتيجة لذلك فقد تبعتهُ الكثير من العشائر العربية مثل قبيلة عبادة، وبني حطيط وبني سعد وبني أسد.)وإستمرت عمليات المشعشع العسكرية وشملت أغلب مناطق الجنوب ومن ثُمَّ تمكن من الاستيلاء على (الحويزة سنة 845ه- / 1441م ، كما هاجم البصرة، وتوجه نحو الفرات الأوسط وإستولى على (الرماحية) الواقعة حاليا بين مدينتي الديوانية والسماوة، وبنى له قلعة فيها. وتمكن من الوصول إلى أطراف بغداد مركز الحكومة.)
1) الجزائر منطقة متوطنة ومسكونة، تحدها الأهوار والمستنقعات في جنوب العراق، وقد تمدنت المنطقة على شكل حاضرة ، وأصبحت مركزاً مدنياً مهماً في الجنوب في ذلك الوقت. وخرج منها علماء أعلام ورجال دين وفكر وأدب، ولقبوا بها.
ولم يتمكن السلطان آسبان من دحره على الرغم من العديد من الحملات العسكرية التي جهزها للقضاء على ثورة المشعشع وتمكنت حركة المشعشع من تغيير ملامح الخارطة السياسية والعسكرية في الجنوب لصالح عرب ،العراق، الذين تمكنوا بقيادة المشعشع من خلق أوضاع جديدة على الأرض، لم يشهدها العراق منذ سقوط آخر دولة عربية أقيمت في العراق في أواخر العصر العباسي وهي دولة (بني أسد.)وبذلك فقد تمكن السيد محمد المشعشع من تأسيس دولة عربية في جنوب العراق، وتوسعت وبسطت نفوذها حيث ضمت الحويزة والأحواز والجزائر وقسم من بلاد خوزستان الواقعة حاليًا في الجنوب الغربي من إيران.لم يقف (آسبان مكتوف الأيدي بل أقدم على عمل إختلف البعض في تفسيره. فإنه توجه إلى عقد إجتماع موسع لفقهاء من الشيعة والسنة، فتوفق فقهاء الشيعة في المناظرات فقرر آسبان إختيار مذهب الشيعة وضرب النقود باسم الأئمة الإثنى عشر.)ذكر عباس العزاوي في كتابه تاريخ العراق بين إحتلالين عن (الغياثي ما نصّه: «طلب أسبند ميرزا (أسبان) بن قرايوسف التركماني فقهاء الشيعة، وكان آنئذ والي العراق للمناظرة مع فقهاء بغداد والمباحثة معهم.)فتغلب فقهاء الشيعة في هذه المباحثة فاختار الميرزا المذكور مذهب الشيعة وضرب السكة باسم الأئمة الإثنى عشر »(1. والحقيقة بإعتقادنا ان تحرك آسبان هذا هو تحرك سياسي يهدف منه كسب عرب العراق، خاصة العلامة الشيخ ابن فهد الحلي الأسدي كبير علماء الشيعة في زمانه.)جاء في كتاب مؤسس الدولة المشعشعية وأعقابه في عربستان وخارجها ما يلي: «تظاهر أسبان أمام ابن فهد الحلي بأنه يلتمس الحقيقة ودعاه أن يناظر أهل السنّة، وبعد المناظرة وفوز ابن فهد غيّر الميرزا أسبند ( أسبان مذهبه وأصبح إماميا، وخطب باسم أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وأولاده الأئمة . وكان العامل الوحيد في تغيير مذهب)
1) تاريخ العراق بين إحتلالين، ج 3، ص 109 .
أسبند هو ظهور دعوة محمد بن فلاح في سنة 840ه- ، وكسب العلامة بن فهد والشيعة إلى جانبه ... »(1.)في خضم هذه الأحداث فقد أصيب أسبان بمرض أدى إلى وفاته سنة 848ه- / 1444م بعد أن دام حكمه على العراق قرابة إثنتي عشرة سنة، ونصب التركمان ابنه (فولاذ وكان صغير السن حيث أرادوا الحكم باسمه، ولكن الأمير جهان شاه عم فولاذ زحف سنة 849ه- نحو بغداد وحاصرها ستة أشهر وتمكن من الاستيلاء عليها سنة 850ه- / 1446م وقضى على حكم ابن أخيه. وأصبح جهان شاه يحكم الدولة القراقوينلية.)عندما كان الصراع مشتداً بين المشعشع وعساكر التركمان، وفي تعدد ساحات المعارك وسيطرة ثورة المشعشعين على العديد من المناطق ظهر شاب في مقتبل العمر قام بقيادة المعارك وكذلك أمور الثورة، وكان يتمتع بقابليات قيادية هائلة وقوة بدنية وشجاعة مفرطة، مما أكسبه ذلك حب رجاله له وإلتفاف أشد مقاتلى العشائر نحوه، وهذا القائد هو السيد علي بن السيد محمد المشعشع كان رجال المشعشع يدعونه (مولى علي أو مولانا علي. وإلتصق اللقب بآل المشعشع حتى سمّو ب- (الموالي)، وبمرور الأيام فإن المولى علي أخذ تدريجيّاً يسيطر على مقاليد الأمور، ووضع نفسه في محل والده.)ونقل عباس العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين عن كتاب مجالس المؤمنين ما يلي: («إن المولى عليّا في أواخر أيام أبيه إستولى على أموره وأخذ منه السلطة وولى زمام الإدارة وصار هو الرئيس صاحب القول الفصل... ».كانت قوة المولى علي وسيطرته هذه لم تأت من شجاعته وقدرته على الإدارة فقط، بل كانت له أفكار عقائدية متطرفة تغالي في تقديس الامام علي، والذين إلتفوا حوله
1) مؤسس الدولة المشعشعية وأعقابه في عربستان وخارجها السيد جاسم حسن شبر النجف 1972 .
من المقاتلين الشجعان في حركة والده كانوا هم الأساس لحركة الغلو هذه، فكانوا يعتقدون في حلول روح الله (سبحانه وتعالى في الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ).)ذكر العلامة ضامن بن شدقم في كتابه (تحفة الأزهار:« أنه أي علي بن محمد إستولى على جميع الأهواز ومن شاطئ الفرات إلى الحلة، وكانت جنوده خمس مائة لا يعمل فيهم السلاح ولا غيره لاستعمالهم بعض الأسماء... وكان غالياً (مغالي) في المذهب، سافر إلى العراق وأحرق الحَجَر الدائرة على قبة الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وجعل القبة مطبخاً للطعام إلى مضي ستة أهلّة لقوله إنه رب والرب لا يموت وأول قيامه وظهور أمره كان في رجب سنة 844ه- ...» فتيار الغلو هذا حجم دور السيد محمد المشعشع، وسيطر على مسيرة الثورة، وأخذت أخبار وإنتصارات مولى علي تنتشر في مجالس العرب، وأصبحت تنقل عنها حكايات أشبه بالأساطير الشعبية.)على الرغم من استيلاء جهان شاه على مقاليد الحكم وقوته وبأسه وكثرة عساكره، لم يتمكن من إيقاف تدهور سلطة القراقوينلو في العراق.وفي سنة 857ه- / 1454م زحف المولى علي بجيشه نحو مدينة واسط مدينة أهله، فحاصرها وإستولى عليها بعد هروب حاكمها إلى البصرة، وتم طرد عساكر التركمان من وسط العراق. وبعد استيلائه على واسط زحف المولى علي بجيشه نحو الفرات الأوسط وإستولى على الحلة والنجف وكربلاء، ولم تتمكن عساكر وجيوش الدولة التركمانية من صده فقد ألحق بهم هزائم منكرة.وعليٌ هذا الذي عرف ب- (مولى (علي كان يحذو حذو أبيه في الفظائع والطامات وكان من أقسى الناس قلباً وأنه بلغ من عدم الحياء إلى مرتبة أنه ما إجتزأ من آخر أمره بدعاوى أبيه الباطلة وإدعى الإلوهية، وقتل الحجاج في النجف ونهب أموالهم غير متأثم ولا متحرج سنة 858ه- وإستولى على أبيه في آخر عمره وأخذ أزمة الأمور بيده)
وصار بنفسه رئيس الفئة الباغية وهاجم المشاهد المشرفة بالعراق في حياة أبيه وأغار عليها ونهب ما فيها وأبدى قسوة شائنة (1.)في سنة 860ه-/ 1456م هاجم المولى علي الأجزاء الشرقية من بغداد ودخل بعقوبة وسار منها إلى سلمان باك، وقد قتل الكثير من مشايخ مقام الصحابي سلمان الفارسي، وطارد رجاله عساكر التركمان الفارين بإتجاه بغداد.في سنة 861ه- قرر جهان شاه إيقاف خطر المشعشعين فأرسل من إيران مقر حكمه جيشاً إلى بغداد لتعزيز مواقع دفاعاتها ولصد المولى علي، وعند سماع المولى بأخبار الجيش القادم قرر الإنسحاب نحو الجنوب، وعاد إلى الحويزة.عند محاصرة المولى علي إلى مدينة بهبهان تقدم الأمير بيربوداق ابن جهان خان بجيش لفك الحصار عن بهبهان فأصيب المولى علي بسهم أدى إلى مقتله، فتراجع الجيش إلى الحويزة وبمقتل المولى علي فقد تمكن والده السيد محمد المشعشع من إستعادة قيادته.)وفي روضات الجنات للسيد الخونساري ذكر : «إنه كان حاكماً بالجزيرة والبصرة ونهب المشهدين المقدسين - يعني النجف وكربلاء - وقتل أهلها قتلا ذريعا وأسر من بقي منهم إلى داري ملكه البصرة والجزاير ... ».وتوفي علىٌ هذا غير مأسوف عليه مقتولاً سنة 861ه- بسهم أصابه في محاصرة قلعة بهبهان وخلّفه أخوه (محسن الذي إستولى على أكثر نواحي بغداد، وقد مدح (محسن) من علماء عصره لأنه إختلف عن أسلافه.)وبعد محسن خلفّه ولداه على التوالي (علي و (أيوب) وقد عدلوا عن منهج عمهم (مولى علي) وذلك بتأثير من السيد الجليل ضياء الدين نور الله المرعشي حيث روّجوا شريعة المصطفى ورضوا بإتباع نهج المرتضى علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ... وتوفيا تباعًا عام 914ه- ، وإستلم الحكم بعدهما (فلاح) الابن الثالث لمحسن، وبعده ابنه (بدران))
1) شهداء الفضيلة، ص 311.
وبعده إستلم الأمر ولده المولى سجاد الذي إستولى على الجزيرة وسائر بلاد العراق العربية.)ودولة المشعشعين دامت أكثر من قرنين مابين سنة 804ه- إلى سنة 1025ه- ثم ضعف سلطانهم فأصبحوا أمراء منصوبين من قبل الملوك الصفويين.### الشيخ شيء الله يتولى قصبة كربلاءعندما أرسل (بير بوداق الأمير ( سيدي علي ) لصد غارات المشعشعين وتعمير كربلاء سنة 859ه- ، وعندما إستتب الأمن في المدينة رجع سيدي علي إلى إيران، وأوعز بيربوداق إلى (الشيخ شيء الله) ليبقى ملازماً مدينة كربلاء يشرف على شؤونها وتنظيم الأمور فيها.)### هزة أرضية تضرب مدينة كربلاءفي سنة 860ه-/ 1456م حدثت هزة أرضية في العراق، وكانت أشبه بالزلزال العظيم، إهتزّت فيه مدن البصرة وبغداد والكوفة وكربلاء(1. وهو حدث نادر الحدوث في العراق لكونه يقع خارج النشاط الزلزالي في المنطقة. وفي كربلاء حدث الإرتجاج في الأرض ثلاث مرات خلال ساعة واحدة، وكان ذلك أمراً غريبا على أهالي المدينة الذين أصابهم الرعب والهلع وإلتجا الكثير منهم إلى حرم الحسين.)### السلطان جهان شاه وزيارته لكربلاءعندما قضى السلطان جهان شاه على ولده (بير بوداق الذي كان يحكم العراق وكانت بينه وبين أبيه السلطان منازعات على الحكم ، مما إضطر جهان شاه للزحف بجيش جرار نحو بغداد، وحاصرها ومن ثَمَّ تمكن من قتل ولده بيربوداق على يد ابنه الثاني محمدي ميرزا وكان ذلك سنة 870ه- / 1466م.)
1) الفوز بالمراد في تاريخ بغداد، ص 67 .
وبعد أن سيطر جهان شاه على أعمال السلب والنهب والتخريب التي حدثت في بغداد نتيجة دخول جيشه وإحتلالها ... وهدوء الحالة نسبياً، توجه في نفس السنة إلى مدينة كربلاء وزار مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ . «وقدم هدايا تناسب شأنه والمرقد وقد عبّر عنها بهدايا كثيرة كما فعل من قبل أخوه وأبوه »(1).)### نهاية دولة الخروف الأسودتوفي (آسبان سنة 848ه- / 1444م فتولى السلطة أخوه الثاني (جهان شاه). وبالرغم من إتساع رقعة دولة جهان شاه، فإنه إنغمر في صراعات عسكرية مع أولاده من جهة، ومع بعض أمراء التركمان. وكان أشد تلك الصراعات التي حدثت بينه وبين ابنه (بير بوداق) الذي اتخذ من بغداد مركزا للتآمر على والده. مما إضطر جهان شاه للزحف بجيشه على بغداد سنة 868ه- / 1464م. وليبرر ذلك فقد إدعى بأن حملته على بغداد هي من أجل الدين والقضاء على الإلحاد والزندقة التي إتهم ولده بير بوداق بها. وتمكن جيش جهان شاه، وهو من محاصرة بغداد سنة ونصف، وذاق الناس العذاب والفاقة والكثير من الدماء، حتى تمكن محمدي ميرزا ابن جهان شاه شقيق بير بوداق من قتل أخيه فكانت نهاية بير بوداق سنة 870ه-/1466م، وبمقتله إنتشرت أعمال السلب والنهب والقتل والتخريب في بغداد. كان ذلك هو نصيب أهل العراق من الأغراب المحتلين لهذا البلد العربي العريق المحتل دائما من قبل الطامعين به، ونتيجة الصراعات بينهم تذهب دماء أبناء العراق وتسلب ممتلكاتهم وتضطرب أمورهم وأحوالهم وبلا رحمة، وفي نفس الوقت نجد البعض من الكتاب ولنزعات طائفية أو عن قصور إدراك يمجدون ببعض هؤلاء المحتلين الأوغاد!!)واجه جهان شاه بعد قتله لولده بير بوداق مشاكل وفتن إلى أن إنتصر عليه صاحب دیار بکر (حسن الطويل التركماني سنة 872ه- / 1468م ، وقتله غيلة وإستولى على)
1) دائرة المعارف الحسينية تاريخ المراقد ، ج 2، ص 52 ، نقلا عن كتاب (شهر) (حسين)، ص292.
قسم من بلاده أمّا القسم الباقي من ملك (جهان شاه فإنتقل إلى ولده (حسن علي)، إلّا أن حسن الطويل التركماني سار إلى بغداد وحاصرها في شهر رجب من نفس السنة، فهرب (حسن علي) بعد أن خذله قواده إلى جبل الوند) ولحقه خصومه مما دعاه إلى الإنتحار سنة 873ه-/ 1469م.)ودامت حكومة دولة الخروف الأسود زهاء 60 عاماً، وملك منهم ثمانية سلاطين حكموا العراق وإيران وإشتهر منهم (بير بوداق و (آسبان).)
## کربلاء ودولة الخروف الأبيض### اشارةفي 14 جمادي الآخرة سنة 874ه- / 1470م إحتل السلطان حسن الطويل بغداد، وأقام دولة (آق قوينلو أي دولة الخروف الأبيض. وكان ينقش على علمه صورة الخروف الأبيض وسمى دولته بذلك.)توفي حسن الطويل سنة 882 ه- / 1477م وخلفه ابنه (حسين، فتنازع إخوته والأمراء فيما بينهم، وحدثت معارك دامية ذاق العراقيون خلالها مرّ العذاب، وإستقر الأمر لحفيده ( مراد بك ) سنة 905 ه- / 1499م ، إلى أن قام الشاه إسماعيل الصفوي بإنتهاز فرصة الضعف والخلاف فإستولى سنة 907ه-/ 1501م على آذربيجان و همدان وسار إلى كردستان وديار بكر فأخضعها كلها ، وأسس الدولة الصفوية. في حال كان السلطان مراد بك) في بغداد لا يعرف مصيره حتى سار إسماعيل الصفوي نحو بغداد في سنة 914 ه- / 1508م ،وإحتلها عندها هرب مراد بك إلى كرمان وإنقضت دولة الخروف الأبيض بعد أن حكمت 40 عامًا (1).)دولة الخروف الأبيض كانت أيامها أيام حروب وفتن ونزاعات على العرش، وعاش العراق في زمنهم فاقداً الاستقرار ومدنه مثل كربلاء والنجف والحلة وبغداد وغيرها، كانت في إرتباك شديد.
1) راجع تاريخ العراق السياسي الحديث: عبد الرزاق الحسني ج1، ص30 – 31.
وفي أيامهم ظهر الصفويون، فوضعوا العراق وأنفسهم تارة بيد الصفويين، وتارة أخرى بيد العثمانيين، وإشتدت المذهبية في زمنهم وكان العراق يقع تحت تأثير حروب الفرس والترك. وكان الفرس يتبجحون بالتشيع، والعثمانيين بالتسنن، وكل يبكي على ليلاه !! ويستغل ذلك للسيطرة على العراق.ومن سنة 874 - 914ه- / 1470 - 1508م بقيت كربلاء في عهد دولة الخروف الأبيض آق قوينلو) على حالها، فلم نجد لهذه الدولة إثناء حكمها للعراق أي شيء يستحق الذكر يخص الحائر الحسيني ومدينة كربلاء، وذلك لإنشغال سلاطينها بالحروب والسياسة ومحاولة تثبيت حكمها الذي لم يدم طويلا.)### موقوفات الشيخ أمين الدينلمصالح الروضة الحسينيةعندما أجريت ترميمات داخل الحرم الحسيني الشريف سنة 1366ه- / 1947م، والتي شملت إعادة رصف الرخام لأرضية الحضرة الحسينية، وتحت صناديق الأضرحة الشريفة، تم العثور على صخرة مستودعة تحت الأرض داخل شباك ضريح الشهداء، مكتوب ومنقوش عليها بالحفر وبخط الثلث، وقفية مهمة جدا لصالح الروضة الحسينية مؤرخة في شهر جمادي الأول سنة 907 ه- الموافقة لسنة 1501 ميلادية، وكان ذلك في زمن حكم دولة الخروف الأبيض (الآق قوينلو، وتحديدًا أيام حاكم العراق آنذاك الأمير (باريك بك بارناك) (1).)والواقف لذلك كله هو المرحوم الشيخ أمين الدين بن علي جعفر بن ناصر بن موسى، المتوفى في الثلث الأول من القرن العاشر الهجري، وكان من أعيان كربلاء
1) باريك بك بارناك: هو من أمراء دولة الآق قوينلو (الخروف الأبيض)، وكان حاكمًا على العراق من سنة 904ه-: إلى سنة 914ه- عندما دخل الصفويون وإحتلوا بغداد.
ومن ملاّكيها وقتئذ. والموقوفات هي أراضي وبساتين وآلات زراعة وري وعقارات، تصرف منافعها لخدمة الروضة الحسينية حصراً.### نص الوقفية:«بسم الله الرحمن الرحيم... (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير الحمد لله الذي وفّق عباده الصالحين لما يقربهم إليه في الدنيا والدين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعترته الطاهرين وبعد:)فالباعث لتسطير هذه الأسطر أنه لما وفق الله تعالى الشيخ المحترم الشيخ أمين الدين ابن المرحوم علي جعفر لإحياء المعروفة بالقرية الجعفرية (1البائرة العاطلة التي هي ملك جده الحاجي ناصر بن موسى إنتقلت إليه بالإرث الشرعي التي هي من جانب الفرات الغربي من جانب مرقد الإمام ابن الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام بماله ورجاله وذلك في أيام دولة الأمير الأعظم الأسعد الأمجد الأكرم الأعدل الأرشد إفتخار الأمراء والخوانين (2)والأمم جلال الدولة والدنيا والدين (باريك بك بارناك) وبعد إتمامها حضر لدى حضرة الأمير المشار إليه وطلب منه بتصدق مما يكون فيها من المال والديوانية من الأهوار والكرود والشواطي والمسايح والعدد والسفينة والمطري وما يزرع فيها من النخل والأشجار وغيره مع حدودها بموجب ماقرر في النيشان التي في يد الشيخ المذكور على مصالح ومصارف الحضرة الشريفة الحائرية الحسينية على ساكنيها التحية والسلام في شمع للأضواء وشراء البواري والحصر)
1) قرية الجعفرية : هي التي سميت فيما بعد بالجعفريات، وتقع شمال و شمال غرب مدينة كربلاء القديمة ومنها حاليًا منطقة الهيابي، والبساتين التي يقع فيها مقام الإمام جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وهي جزء من قرية (الغاضرية القديمة والتي سبق التحدث عنها.
2) الخوانين، جمع (خان)، والخان لقب يطلق على ملوك المغول وعلى التركمانستانيين وعلى أمراء الهند فيما بعد ... وتلقب به العديد من العرب عندما كانت الدول المغولية والتركمانية تحل اجزاء من بلدانهم. والخان عند المغول ك- ( قيصر) عند الرومان، وكسرى عند الفرس. فيقال القياصرة والأكاسرة والخوانين.
وعمارة ما يكون من مصالح شرعية فأجاب الأمير العادل المشار إليه سُؤله وكتب بذلك نيشان مطاع، فمن غيّره أو سعى إلى إبطاله فالله خصمه وحسيبه وعليه لعنة الله والملائكة أجمعين: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)تحريراً في شهر جمادي الأول سنة سبع وتسعمائة 907ه- (2)وصلى الله على محمد وآله وسلّم ». بمناسبة الحديث عن هذه الوقفية التي وجدنا من الضروري التطرق إليها كحدث مهم في كربلاء في زمانه يخدم مرقد الإمام الحسين والمدينة المقدسة أيضاً. فنود أن نبين للقارئ الكريم بأن هناك مئات بل آلاف الموقوفات لمصالح الروضة الحسينية، أوقفها أصحابها ليس في كربلاء وإنما في العديد من مدن العراق وقصباته، بل وتعدى ذلك إلى العديد من البلدان العربية والأجنبية وخاصة في سوريا ومصر ولبنان والسعودية خاصة في الإحساء والقطيف والكويت والبحرين والهند وباكستان و آذربيجان وإيران وغيرها من الدول... وقد أثبتنا الكثير من هذه الوقفيات عندما تشرفنا بسدانة الروضة الحسينية المطهرة، ولكن لم يكن يصل إلى الروضة المطهرة أي شيء من عائدات الموقوفات منذ عشرات السنين، ولدينا في حينها تصوراً كاملاً عن أسباب ذلك !! ...
عدا ما كان يرد من وقفية بساتين (اليوسفية) وهي المقاطعة الواقعة شمال القنطرة البيضاء على طريق كربلاء الحسينية، وعلى الجانب الأيمن من الطريق وتحدها مقاطعة الحافظ من الجنوب والشرق ومن الغرب نهر الحسينية. وكانت عبارة عن (ثلثي ملاكة البساتين موقوفة السادن (خازن) الروضة الحسينية أو من يتولى السدانة، فتكون تولية الوقف باسمه... على أن تصرف على أربعة أمور هي:
أولاً: إطعام الطعام.
ثانياً : مساعدة الفقراء والمساكين من أهل المدينة، وتزويج الفقراء من السادة.
ثالثًا: مساعدة الزائر المنقطع ليصل إلى أهله.
رابعاً: الصرف على التعميرات لمصلحة الروضة.
وعدد البساتين كان 79 بستان. وعندما إستلمنا توليتها جاء منها إيرادًا مقداره (970) دينارا فقط عام 1992م !! ، فهل يُعقل أن ثلثي ملاكة 79 بستانا فيها جميع أنواع الأشجار المثمرة والنخيل وتقارب إل- (250) دونم، يكون الوارد 970 دينار ؟!!.
فدخلنا مع المزارعين بمفاوضات لم تفلح في شيء سوى الدخول في المحاكم للحفاظ على واردات الوقف، وبالرغم من ذلك كان الفلاحون والغالبية منهم (إلاّ القليل جدا يخافون التجاوز عن مال الوقف) لا يؤدون ما عليهم من الحصة الشرعية والقانونية على الرغم من أن المحاكم حكمت لصالح الوقف ولم يذعن المزارعون على الرغم من ذلك وكانوا يتهربون من الدفع. مع ذلك فإن واردات الوقف لسنة 2002م بلغت كحد أقصى أربعة ملايين ونصف دينار في وقت كان الدينار العراقي شبه ساقط نتيجة الحصار المفروض على العراق وهذا المبلغ ليس بالمعوّل عليه لإتمام شروط الوقفية. كما أن الإيرادات كانت خاضعة للمحاسبة السنوية كوارد و مصروف بمستندات وخاضع لمراقبة هيئة الأموال الموقوفة وديوان الرقابة المالية. كما أننا في حينها وضعنا حصتنا (حصة المتولي %10٪ من الوارد) لصالح الوقف والله يشهد.
وعليه فإن الموقوفات كثيرة جدا ولكن لم يصل منها شيء وكلها في ذمة المتولين عليها وكثيرًا منها تحولت إلى أملاك خاصة لمتولين كانوا عليها ولدينا الكثير من الوثائق التي تؤكد ذلك...
كما أن المرويات أصلاً تؤكد أن أرض مدينة كربلاء وما حولها من الأراضي والبساتين هي موقوفة باسم الامام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) ... ولم نجد إثباتا على ذلك غير الروايات، ولكن نؤكد بأن الموقوفات من البساتين والأراضي والأنهر والأسواق والمحلات والمدارس والخانات والحمامات والبيوت هي من الكثرة في كربلاء وضواحيها ونجد بأن متوليها لم يصدقوا منذ مئات السنين ولحد الآن بما يجب عليهم إتمامه شرعاً وعرفًا إلا النزر اليسير منهم.
صورة الصخرة التي عثر عليها ومكتوب عليها كامل الوصية
ومن الأعلام الذين عاشوا في كربلاء فترة حكم دولة الخروف الأبيض كل من:
من علماء مدينة كربلاء القدماء هو العالم السيد حسين بن مساعد الحائري الطوغاني المقري العيسوي الحسيني(1)، الذي كان حيّا من منتصف القرن التاسع الهجري والمتوفى سنة 917ه-/ 1511م.
وهو السيد كمال الدين (حسين) بن العالم السيد شمس الدين محمد المعروف ب- (مساعد) بن بدر الدین حسن بن مخزوم بن أبي القاسم (طوغان) بن أبي عبد الله الحسين (المقري) من آل عيسى بن طاهر من عقب الحسين (ذي الدمعة) حفيد الشهيد زيد بن الإمام علي زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وهو من آل عيسى ثالث القبائل
العلوية في كربلاء بعد آل فائز وآل زحيك.
ذكره المرحوم السيد محسن الأمين في موسوعته (أعيان الشيعة)(2). كان من العلماء الأجلاء في عصره بمدينة كربلاء، وكان شاعرًا بليغاً، ومن مؤلفاته كتاب (تحفة الأبرار في مناقب أبي الأئمة الأطهار).
والده المرحوم السيد مساعد شمس الدين محمد)، كان عالما فاضلا في كربلاء وله کتاب بيدر الفلاح). ومن تلامذة السيد حسين بن مساعد، الشيخ إبراهيم الكفعمي الذي قال في حق أستاذه: «هو السيد النجيب الحسيب عز الإسلام والمسلمين أبو الفضائل أسد الله ... كان بينا في المراسلات نظما ونثرا... ».
1) الحائري نسبة إلى الحائر (كربلاء)، والطوغاني ... نسبة إلى أبي القاسم طوغان، وبنو طوغان هم العقب من بني (المقري) في الحائر . وطوغان هو ابن الحسين المقري. وكان من بني طوغان السيد بدر الدين حسن بن مخزوم ابن أبي القاسم طوغان بن الحسين المقري الذي كان وجيها في الحائر. وبنو المقري هم العقب من ( عيسى بن طاهر)، وآل عيسى هم السادة الذين كانت باسمهم محلة (آل عيسى) وهي إحدى المحلات الثلاث المعروفة قديماً في كربلاء (محلة آل فائز، محلة آل زحيك، محلة آل عيسى) ومحلة آل عيسى كانت تمثل محلة المخيم وجزء من محلة باب الطاق وجزء من محلة باب النجف حاليا). ولم يبق من آل عيسى اليوم ذرية في كربلاء.
2) أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين، ج 27 ، ص 268 .
أختلف في سنة وفاة السيد حسين بن مساعد، حيث يقول العلامة أغا بزرك الطهراني في كتابه (الذريعة في تصانيف الشيعة) في ج6 ص 150 ما نصه:
«كان حيًّا عام 917ه- وهو من أجلة العلماء وأكابر الفضلاء في عصره في كربلاء، وكان شاعرًا بليغا له عدة تصانيف ... ». بينما يؤرخ وفاته المرحوم الشيخ محمد السماوي في أرجوزته المشهورة في مجالي اللطف بأرض الطف (1)حيث يقول :
ثم الحسين بن مساعد الأبي*** وجامع الأخبار بعد النسب ***الموسوي الحائري قد مضى ***لربه بها فأرخه قضی
***ومن الشطر الأخير من البيت الثاني يفهم بأنه توفى سنة 910ه-/ 1504م. إشتهر العلامة السيد حسين بن مساعد كونه أحد نسّابة عصره، ومن شعره في مديح آل البيت ورثاء الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، إخترنا الأبيات التالية:
ألا أيها الغادون عني وعلمهم*** أحاط بأني ليس عنهم صبر*** وإني لكالخنساء فيكم وقد غدا*** مفارقها محبوب مهجتها صخر*** وقفت على المغني الذي كنتم به*** حلولاً ومغناكم وقد بنتم قفر*** وكادت تروح الروح مني تأسفاً*** بذكر مصاب كلما دونه نزر*** مصاب رسول الله في آله الأولى*** تقاصر زيد عن علاهم كذا عمر و*** أئمة هذا الخلق بعد نبيهم*** بناة العلى قد طاب من ذكر هم ذكر*** هم للتين والزيتون هم شافعوا الورى هم السادة الأطهار والشفع والوتر هم مهبط الوحي الشريف وهم غدا*** سقاة الزلال العذب من ضمه الحشر
1) مجالي اللطف في أرض الطف الشيخ محمد السماوي، ص514.
هو المرحوم الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح بن إسماعيل الحارثي العاملي الكفعمي، المولود في جبل عامل سنة 840ه-/ 1437م.
کان من العلماء والشعراء الذين عاشوا وطراً طويلاً من حياتهم في كربلاء، وأوصى أن يدفن فيها، وتتلمذ على يد أستاذه السيد حسين بن مساعد الحائري الذي أجازه بالرواية.
ذكره العلامة السيد محسن الأمين في موسوعته اعيان الشيعة)(1)ونقل بعضاً من أشعاره. كان عالماً فاضلاً وأديباً وشاعرًا مجيد. له ديوان شعر وعدة تصانيف، والمشهورة منها (جنة الإيمان والمصباح الذي إنتهى من تأليفه سنة 895ه- / 1490م. ومن قصيدة له نظمها في حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) :
أتيت الإمام الحسين الشهيد*** بقلب حزين ودمع غزير*** أتيت ضريحاً شريفا به يعود الضرير كمثل البصير أتيت إمام الهدى سيدي*** بشوق هو الكهف للمستجير
أوصى الشيخ ابراهيم الكفعمي أن يُدفن في كربلاء وتحقق له ذلك ودفن في وادي أيمن بكربلاء. ولكن أختلف في سنة وفاته والمكان الذي توفى فيه. ولكن الشيخ عبد الحسين الأميني في كتاب (الغدير) يؤكد أنه توفي سنة 905 ه- / 1500م في كربلاء (2). ومن قائل يذكر أنه توفي في بلده ونقل رفاته
تولّي الحاج محمد جلبي البغدادي إدارة شؤون كربلاء
إثناء فترة حكم الأمير (باريك بيك بارناك) في بغداد، فقد عيّن الحاج محمد جلبي البغدادي وهو من أقرباء السلطان حسن الطويل (مؤسس دولة الخروف
الأبيض) متولياً على إدارة شؤون كربلاء. والحاج محمد جلبي البغدادي هو والد ناصر الدين الملّة القاضي، والأخير تولى منصب قاضي القضاة في العراق، ومن ناصر الدين تشكلت أسرة آل القاضي في كربلاء، ولديهم موقوفات كثيرة وأملاك ما زالت تطلق على اسمهم تسمّى (مال) القاضي)، منها أراضي وبساتين زراعية تسمّى القاضي (الكاضي) ونهر باسمهم وتجاور أملاكهم منطقة (الؤدَي)، وهناك زقاق في كربلاء باسمهم وغيرها من الأملاك.
دولة الخروف الأبيض من القبائل الرعوية التي تمكنت سنة 874ه- / 1470م من القضاء اء على دولة الخروف الأسود (القره قوينلو)، وقد حكمت دولة الخروف الأبيض العراق وأجزاء كثيرة من إيران وديار بكر وبعض المناطق من الأقاليم الشمالية التركمانية.
وتولى الحكم فيها الشيخ حسن الطويل مؤسسها إلى أن وصلت إلى آخر سلاطينها (مراد بن يعقوب بن حسن الطويل ) الذي إنتهت الدولة وإنقرضت في زمانه.
وكانت أسباب إنهيار هذه الدولة هي الصراعات المستمرة والحروب الطاحنة التي حدثت بين أمراء البيت الحاكم بعد وفاة مؤسسها حسن الطويل سنة 882ه- / 1477م من ناحية، ومن ناحية أخرى استفحال أمر الحركة الصفوية الثورية التي قادها إسماعيل الصفوي حفيد صفي الدين الأردبيلي صاحب الطريقة الصوفية التي أسسها مطلع القرن الثامن الهجري، أيام الحكم الجلائري). وجمع إسماعيل الصفوي حوله أتباع كُثر ، وجيش جرار يسمى بعسكر (القزلباش) وأخذ يستولي على الأقاليم التابعة لدولة الخروف الأبيض، فقد سيطر على (أردبيل) معقل الصفويين الأوائل، ثم (شيروان وبعدها توجه إلى الأقاليم الشمالية لدولة الآق قوينلو الخروف الأبيض، وكانت الواقعة الحاسمة في صحراء (نخجوان)
(وهي أذربيجان الحالية وعاصمتها باكو التي إنتصر فيها جيش (القزلباش) بقيادة إسماعيل الصفوي.
ثم زحف إسماعيل سنة 906 ه- / 1500م نحو العاصمة (تبريز) وإستولى عليها، وفيها نصّب إسماعيل نفسه ملكاً (شاه) وأعلن قيام الدولة الصفوية وإتخذها عاصمة له. فهرب (الوند بك) حاكم الأقاليم الشمالية لدولة الخروف الأبيض إلى بغداد التي كان يحكمها الوالي (باريك بك بارناك) لدولة الخروف الأبيض، ومن بغداد ذهب الوند بك إلى حلب.
في تلك الأحداث كان (مراد بن يعقوب بن حسن الطويل) هو السلطان لدولة الخروف الأبيض، وهو ابن خال الشاه إسماعيل الصفوي) وكان السلطان مراد يتخذ من (همدان) قاعدة له فزحف له الشاه إسماعيل وإستولى على همدان وكاشان وغيرها من المدن الفارسية.
عندها فرّ السلطان مراد إلى ( شيراز ) ومنها إلى (بغداد) حيث إستقر فيها حكمه أكثر من خمس سنوات. وفي هذه الفترة كان ينتابه الخوف من إزدياد قوة الشاه إسماعيل في إيران.
في سنة 914ه- / 1508م غادر السلطان مراد بغداد وأبقى فيها واليهَ (باريك البندري) وإلتجأ إلى (علاء الدولة) وصاهره، وسار علاء الدولة بما تبقى من جيوش دولة الخروف الأبيض نحو ديار بكر وإستولى عليها وعلى ضواحيها، ولكن الشاه إسماعيل توجه إليهم بجيش جرّار وقضى على فلولهم، عندها هرب السلطان (مراد بن يعقوب لاجئًا إلى السلطان العثماني (بايزيد الثاني). وبذلك إنتهت دولة الآق قوينلو (الخروف الإبيض) ولم يبق منها إلاّ ( حكومة بغداد) التي كان يتولاها الوالي باريك بك بارناك البندري الذي بقي حائراً، وأراد استرضاء الشاه إسماعيل الذي لم يقبل بذلك ورفض كل عروضه.
فحاول ( باريك) التشبث بالحكم في بغداد، فقد إتخذ إجراءات صاحبها الكثير من الظلم والتعسف والعدوان على أهالي بغداد، وقام عسكره بسرقة مؤن المواطنين لتموين أتباعه وجيشه، فأساءت كل هذه الإجراءات إلى سكان بغداد، وقد عارضه على إجراءاته هذه أهل المدينة، وقاد المعارضة السيد محمد كمونة) نقيب أشراف بغداد والنجف، مما جعل الوالي (باريك) بأن يأمر بإلقاء القبض على السيد النقيب ومن ثَمَّ حَبسه في قعر بئرٍ مظلم ببغداد.
في هذه الأثناء كان إسماعيل الصفوي قد بدأ بالزحف نحو بغداد (آخر معاقل دولة الخروف الأبيض)، وقام بتسليم قيادة جيشه إلى لاله حسين بك) على أن يتبعه الشاه بجيش آخر مباشرة.
عندما علم (باريك) بالزحف الصفوي نحو بغداد، هرب ليلاً عابراً نهر دجلة وإتجه إلى حلب. وفي الصباح عَلِمَ أهل بغداد بهروب الوالي، فتوجهوا نحو السجن وحرروا نقيب الأشراف السيد محمد كمونة (1)الذي إستلم مقاليد الأمور في بغداد. وبعد أيام ظهرت طلائع الجيش الصفوي، عندها خرج السيد النقيب على رأس أهالي بغداد لملاقاة قائد الجيش (لاله) (حسين الذي إصطحبه لملاقاة الشاه إسماعيل الصفوي الذي كان يتبع الجيش المتوجه إلى بغداد.
1) السيد محمد كمونة كان نقيبا للأشراف، وهو الذي تولى زعامة المعارضة لحكم دولة الخروف الأبيض في سنوات حكمها الأخيرة في العراق. وهو الجد الأعلى للسادة آل كمونة في النجف، وهم من سادات الروضة الحيدرية المقدسة الذين تشرفوا بخدمة مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وتولوا سدانته، وكانت لهم النقابة وإمارة الحاج و (حكومة البلد) في النجف. وتولى السيد محمد كمونة نقابة الأشراف في العراق في أواخر القرن التاسع الهجري إلى نهاية الثلث الأول من القرن العاشر الهجري. ويرجع السيد محمد كمونة بنسبه إلى السيد عبيد الله الأعرج بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وكان يقال لهم قديما (بني كمكمة. أما تسلسل نسب السيد محمد كمونة فهو: محمد بن حسين بن ناصر الدين بن علي بن حسين بن أبي جعفر الحسيني بن منصور بن أبي الفوارس طراد بن شكر الأسود (راجع) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، حيث ذكر اسم شكر الأسود).... إلى أن يصل النسب إلى السيد عبيد الله الأعرج بن الحسين بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين الشهيد بن الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام
إستقبل الشاه إسماعيل السيد النقيب بكل إحترام ، وساروا مجتمعين نحو بغداد. ودخلوها یوم 25 جمادي الثانية سنة 914ه- / 1508م. وعندها زالت دولة الآق قوينلو (الخروف الأبيض) من الوجود، ولكن دخل العراق (خاصة) في محنة جديدة هي (الإحتلال الصفوي الإيراني).
كانت مدينة كربلاء خاصة وبقاع العراق عامة خلال قرون عديدة تعيش في ظل عهود إحتلال الغرباء الأجانب، وقد سالت في تلك العهود أنهارًا من الدماء بسبب معارك وحروب هذه الدول المحتلة نتيجة صراعاتها على الحكم، وسيطرة دولة وزوالها على يد دولة أخرى... وبقي العراق يدفع ثمن هذه الصراعات والإحتلالات، مما إستدعى ببعض العراقيين والقبائل والعشائر العربية إلى تأسيس دويلات عربية عشائرية خاضت هي الأخرى صراعات وحروب فيما بينها من جهة، وبين الحكومات أيضا من جهة أخرى.
كان نصيب مدينة كربلاء من ذلك كله التأثير الكبير والمؤلم جدا في بعض الأحيان، إلى أن تجدد نزيف الدم في العراق إثناء فترات الحكم الصفوي المتقطع للعراق، وكذلك الحكم العثماني الذي إستمر إلى منتصف العقد الثاني تقريباً من القرن العشرين الميلادي، عندما رزح العراق تحت نير الإحتلال البريطاني.
وسوف يتم التفصيل في هذا الجزء من هذا الكتاب عن الحكم الصفوي والحكم العثماني، وبالتحديد عن مدينة كربلاء خلال خمسة قرون من الزمن، وما جرى فيها من أحداث ووقائع، وما شمل جميع نواحي الحياة فيها الفكرية والعلمية والأدبية
والإجتماعية والغزوات والمعارك وكذلك الكوارث التي عانت منها، وكانت أغلب تلك الأزمنة والسنين عجاف ومظلمة في تاريخ المدينة العريقة.
كل ذلك سنذكره بعد أن نتحدث بإيجاز منفصل عن نشوء الدولتين الصفوية والعثمانية لتقريب وتوضيح مجمل الأمور للقارئ الكريم.
هي حركة صوفية تزعمها رجل متصوف ظهر في بلاد الترك الآذريين (مناطق شمال غرب إيران الحالية)، يدعى صفي الدين الأردبيلي) وذلك في مطلع القرن الثامن الهجري ( بداية القرن الرابع عشر الميلادي). ويقال بأنه كان متضلعاً ومشهورًا بعلوم الطب والشريعة والفلسفة والمنطق، وأنه صاحب كرامات، وينسبه البعض بأنه من أحفاد الحمزة بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام).
«حيث إنتشرت التكايا والزوايا الصوفية، التي كان يغلب عليها طابع الفكر الشيعي الصوفي، الذي يدعو المسلمين إلى حياة الزهد والإلتصاق بفقراء الناس ونصرتهم »(1).
يذكر البعض أن صفي الدين يجمع بين التصوف والتشيع(2). وهذا المصطلح وحسب إعتقاد الكثير من الكتاب الذين ذكروا ذلك لإعتقادهم بأن هذا المصطلح الثنائي تغلب عليه روح التقديس لسيرة الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ). فلم
1) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية: عبد الأمير الرفيعي، ج 1 ، ص 235 .
2) الحقيقة هي أن طرق التصوف لا تلتقي في الكثير من مفاهيمها وممارساتها وعقائدها مع أصل الفكر الشيعي العلوي الأصيل والصفويون تبنّوا الفكر والمذهب الشيعي في أيام الشاه إسماعيل الصفوي عندما كان يعمل على تأسيس دولته الجديدة لتكون على النقيض من دولة أقدم منها في المنطقة تعتمد طائفيًا على مذهب أهل السنة، وما كان قبله من التشيّع الذي يذكره البعض إلا مقدمات غرضها سياسي بحت لأصل الحركة الصوفية وخاصة في زمن الشيخ حيدر .
يكن صفي الدين شيعي المذهب أصلاً، بل هو صوفي ويتصل فكره الصوفي بالإمام الغزالي.
وككل الطرق الصوفية التي كانت تعتمد بطرقها على تعاليم المتصوف الأول (الحسن البصري رحمه الله والذي يقال بأنه يعتقد بأن الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلَامُ) هو الأساس في التصوّف.
وعلى كل حال فقد أسس صفي الدين ( تكية للدراويش) الصوفية في (أردبيل) إحدى المدن التركمانية الآذرية التي إتخذها مركزاً لدعوته وطريقته الصوفية التي إنتشرت وآمن بها الكثير جدا من الترك.
يقول عباس العزاوي عن الطريقة الصوفية الصفوية :«... كانت من الطرق المعروفة ولها منزلة مهمة في قلوب أتباعها، وإنتشرت إنتشارًا هائلا بين قبائل التركمان والبلاد التي يقطنونها مثل آذربيجان وبلاد كثيرة... »(1).
نال الشيخ صفي الدين موقعاً لائقاً في قلوب مريديه بإعتباره من أكابر المرشدين والعلماء، وبدأ الناس يعتقدون بأفكاره، حيث كان في زمانه ظلم وفقر وتجاوز حكومي على الناس، علما بأنه عاش في أيام سلطنة دولة (المغول) التي سيطرت على الشرق الإسلامي وكذلك العراق. وقد عايش الشيخ صفي الدين نهاية حكم المغول وخلافاتهم على الحكم، وتوفي سنة 725ه- / 1334م في عهد الشيخ حسن الجلائري. كان للشيخ صفي الدين منزلة محترمة لدى ( تيمورلنك) قبل أن يحتل بغداد، وقد قبل تيمورلنك وساطة الشيخ صفي الدين لتحرير الأسرى العثمانيين الذين وقعوا في الأسر في معركة ( سهل أنقرة) التي هزم بها تيمورلنك الدولة العثمانية.
وبعد وفاة صفي الدين إستلم ولده (جنيد) مشيخة الطريقة، وتطورت وكثر أتباعها ولكنه إنتهج سياسة بث روح التمرد والثورة والتحريض على حكام دولة القره قوينلو (الخروف الأسود)، التي كانت تحكم في ذلك الزمن وتحديداً في زمن
1) تاريخ العراق بين إحتلالين : عباس العزاوي، ج 3، ص332.
السلطان (جهان شاه بن قره یوسف)، فأوجس السلطان خيفة من الشيخ (جنيد) فأمر بطرده من أردبيل... فإرتحل جنيد إلى الشيخ حسن الطويل) زعيم قبائل الآق قوينلو (الخروف (الأبيض) المقيم حينها في ديار بكر والعدو اللدود للسلطان (جهان شاه). فقربه حسن الطويل منه وزوجه أخته، كما زوّج ابنته إلى (حيدر بن الشيخ جنيد).
وعندما توفى الشيخ (جنيد) خلّفه في زعامة الطريقة ولده (الشيخ حيدر) والذي في أيّامه إزدادت الثورة على الحكام، وإنتشرت الإضطرابات وأعمال الظلم والتعسف، عندها كوّن الشيخ حيدر جماعة مقاتلة من خُلّص أتباعه، وميّزهم بلباس خاص وعمائم حمراء على شكل قلنسوة) تحوي على إثني عشر (طيّة) على عدد أئمة أهل البيت، وسُمّوا هؤلاء ب- (القزلباش(1).
ويبدو أن ميل الطريقة الصوفية الصفوية نحو التشيع وربط الطريقة به حدث في زمن مشيخة الشيخ حيدر وأصبح القزلباش رمزًا للمقاتلين التركمان الشيعة من أتباع طريقتهم الصوفية.
إختلف الشيخ حيدر مع الآق قوينلو دولة (الخروف الأبيض) في أيام السلطان (يعقوب بن حسن الطويل)، وأراد الشيخ حيدر الاستيلاء على (شيروان) ومعه جموع القزلباش سنة 894ه- / 1488م ولكنه قتل في المعركة.
بعد ذلك تجمع أتباع الطريقة الصفوية في أردبيل وإختاروا ولده الأكبر (الشيخ علي) ليتزعم الطريقة، فلم يتركهم السلطان ( يعقوب) فقد تمكن من القبض على الشيخ علي وأخويه الصغيرين (إبراهيم) و ( إسماعيل)، وعلى والدتهم (أخت السلطان يعقوب) وتم إبعادهم إلى (شيراز) وسجنهم في (أصطخر) وبقوا في سجنهم عدة سنين.
1) القزلباش كلمة تركية تعني أصحاب الرؤوس الحمراء، أو العمائم الحمراء. وهم أفراد الجيش الذي أسسه الصفويون، وكانوا يلبسون قلنسوات حمراء فيها إثني عشر طيّة على عدد الأئمة الإني عشر.
في خضم النزاعات على الحكم في دولة الخروف الأبيض، وفي أيام سلطنة (رستم بيك) تم إطلاق سراح الشيخ علي وأخويه إبراهيم وإسماعيل.
وبعد أن قضى رستم بيك على الأمير (بايسنقر) في فوضى النزاع على الحكم، إتجهت مخاوفه نحو أولاد الشيخ (حيدر) الذي أطلق هو سراحهم و وذلك وذلك بسبب إجتماع الناس حولهم ، فقرر القضاء عليهم وعلى أتباعهم.
عندما علم (الشيخ علي بذلك سار وإخوته إلى (أردبيل) مركز حركتهم الصفوية وإجتمع حولهم مريديهم. فجهز عليهم السلطان (رستم) جيشًا وأرسله إلى أردبيل للقضاء عليهم وعلى حركتهم الصفوية نهائيًا، وفي معركة كبيرة حدثت في أردبيل قتل فيها (الشيخ علي) بن الشيخ حيدر، ونجا أخوه إبراهيم وأخوه الأصغر (إسماعيل)، وحملوهم أتباعهم إلى (كيلان) حيث تم استقبالهم فيها، فطلبهم (رستم) من حاكمها الذي إمتنع من تسليمهم إليه.
فأما (إبراهيم) فقرر الإبتعاد والعزلة، فتوجه إلى بلاد ما وراء النهر، وإستقر فيها مسالماً ومبتعداً عن حياة التشرد والنزاعات والمعارك.
عندها حدثت تغيّرات كثيرة وأحداث جمّة، فلملم أتباع الطريقة الصفوية فلولهم وقلدوا (إسماعيل) أصغر أولاد الشيخ حيدر زعيمًا على مشيخة الطريقة الصفوية بعد أن عانى من التشرد والسجن وظلم أخواله حكام دولة الخروف الأبيض... فقد تمكن من العودة إلى أردبيل مركز نفوذ الصفويين.
وتقاطرت عليه جموع المريدين من أتباعه من مختلف أقاليم الترك، وتمكن من تكوين جيش قوي من (القزلباش) وسيطر على أردبيل بالكامل. ومن ثُمَّ سار بجيشه سنة 905ه-/1499م نحو (شيروان) وإستولى عليها وقتل حاكمها إنتقاما لأبيه
الشيخ حيدر.
بعدها توجه نحو الأقاليم الشمالية لدولة الخروف الأبيض، وحدثت معركة فاصلة في صحراء (نخجوان) وكانت الغلبة للجيش الصفوي حيث إنتصر إسماعيل الصفوي إنتصارًا كبيرًا، ومن ثَمَّ زحف سنة 906 ه- / 1500 م نحو (تبريز) وإستولى عليها، وفيها نصب نفسه ملكا (شاه) ، وأعلن منها قيام الدولة الصفوية، وإتخذ من تبريز عاصمة له.
ذکر ضامن بن شدقم نسب إسماعيل الصفوي وكالآتي: هو الشاه إسماعيل بن جنيد بن الشيخ صدر الدين إبراهيم بن الشيخ خواجة علي بن الشيخ صدر الدين موسى بن الشيخ الورع صفي الدين أبو إسحاق (مؤسس الطريقة الصفوية والذي سميت الدولة باسمه) بن أمين الدين جبرائيل بن الصالح بن قطب الدين أحمد بن صلاح الدين رشيد بن محمد الحافظ بن عوض بن فيروز شاه بن زرین کلاه بن محمد بن شرف شاه بن محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن أحمد الإعرابي بن أبي محمد القاسم بن الحمزة المدفون في (ري) بن الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ) (1). والمشهور أن إسماعيل هو ابن حيدر بن جنيد بن صفي الدين (مؤسس الطريقة الصفوية الصوفية).
أظهر إسماعيل الصفوي نفسه بأنه يُعلن (التشيع)، وأمر سكان دولته الجديدة التي أسسها أن يعلنوا التشيع وبالقوة لمن يرفض ذلك. وأخذ يأمر بإقامة الشعائر الدينية، وقد إبتدع أموراً كانت سبباً فيما بعد في الخلافات المذهبية التي إستمرت تنخر في عرى الدين والعقيدة السمحاء للإسلام.
عندما قضى الشاه إسماعيل الصفوي على دولة الخروف الأبيض (آق قوينلو) و استيلائه على كافة الأقاليم التي كانت تحت سيطرتها ، عدا بغداد التي بقيت تحت
1) تحفة الأزهار وزلال الأنهار ضامن بن شدقم، ج3، ص327.
حكم والي دولة الخروف الأبيض، والذي لم تغب عن بال إسماعيل الصفوي كما سيتم شرحه لاحقاً، حيث تم له إحتلالها بعد أن إنتهى من تثبيت أمور مملكته الجديدة وتمكنه من السيطرة بشكل كامل على جميع المناطق الإيرانية وبعض الأقاليم غير الإيرانية في شمال دولته.
وأصبحت الدولة الصفوية بمعتقداتها المذهبية حيث التوجه (الشيعي) الذي صاحبه الغلو، ووفق أحاديث الكثير من المؤرخين والكتاب المنصفين ومنهم عدد غير قليل من مفكري وعلماء الشيعة، فإن أصل التشيع العلوي لا يمت بصلة بتعاليم جديدة ألصقت بالمذهب على شكل أفكار وممارسات وشعائر لم يقرها أصلاً الفكر الشيعي، وعند ذلك ظهر للوجود فيما بعد مصطلح (التشيع العلوي والتشيع الصفوي). تجاورها دولة أقدم منها ... قوية وتسيطر على ولايات عديدة منها أقاليم أوربية وبلدان على سواحل البحر المتوسط، وتنتهج بل وتتعصب مذهبيًا إلى أهل السنّة، وتعتبر نفسها راعية لأهل السنة في البلاد الإسلامية. وسبقت الدولة الصفوية بما يقرب من القرنين من الزمان وهي الدولة العثمانية.
ومن ذلك سنجد فيما بعد الصراع الطويل الذي حدث بين الدولتين والذي اتخذ الطابع المذهبي في الكثير من مفاصله (ظاهريًا)، والحقيقة هي سياسة الأطماع وتوسيع النفوذ ونهب الثروات على حساب الشعوب المغلوب على أمرها ومنها العراق !!
فكم سالت أنهار من دماء الأبرياء من الشعوب المحتلة بلدانها بسبب أطماع هاتين الدولتين والذي إستمر الخلاف بينهما عدة قرون.
كما إستمر الخلاف بين الدولتين حتى بعد زوال الدولة الصفوية وما تلاها في إيران من حكومات أخرى سارت على النهج ذاته، وكان آخرها الدولة القاجارية التي إستمرت حتى استيلاء (رضا شاه البهلوي على الحكم في إيران وأسس الدولة الإيرانية الحديثة في الثلث الأول من القرن العشرين.
ولحين انتهاء دولة الخروف الأبيض وحكمها للعراق، لم يكن للدولة العثمانية أي نفوذ في العراق، ولكن أنظارها كانت ترنو إليه. ولأن الدولة الصفوية هي التي قضت على آخر معاقل دولة الخروف الأبيض وهي (بغداد)، فهي التي سبقت الدولة العثمانية في السيطرة على العراق بحجة القضاء على الآق قوينلو من جهة، وإتخذت من وجود العتبات المقدسة لآل البيت الأطهار في ربوع العراق سبباً آخر، وإخضاع الشيعة العرب الذين يقطنون أنحاء واسعة من العراق وخاصة في الوسط والجنوب من جهة أخرى.
يبقى الإحتلال هو سياسة للتوسع وفرض النفوذ والسيطرة على الثروات، وكل بقية الأسباب وخاصة الطائفية منها، ما هي إلا تبريرات واهية لإعطاء الإحتلال شيئًا من المشروعية، وقد أثبت التاريخ من خلال جملة وقائع صحة ما نذهب إليه... والأحداث التي ستتوالى في بحثنا تثبت صحة الرأي المطروح أعلاه.
ما ذهبنا إليه ينطبق على الدولة العثمانية أيضاً، وتشترك الدولتان حتى في مجمل صراعاتها على مفهوم (سياسي) بحت هو التوسع ونهب الثروات واستغلال المصالح على حساب أرواح البشر ودمائهم التي تسيل أنهارا، وخاصة من أبناء العراق الذي أبتلي بهاتين الدولتين وما قبلهما وما بعدهما، حتى إختلط أقوام لا يمتون بصلة مع أبناء وقبائل وعشائر البلد بل وتسيدوا على أبناء البلد وأصبحوا من أعيانه!! على الرغم من كثرة الثورات والنزاعات التي قادها العراقيون من أجل تحرير بلدهم. والأخطر من ذلك كله هو الصراع الطائفي المستديم الذي خلقته تدخلات الدولتين لتأجيج هذا السلاح الخطير والفتاك لتمزيق وحدة البلد.
ذكرنا في موضوع نهاية دولة الخروف الأبيض وبقاء بغداد لاغيرها بيدهم، وكان إسماعيل الصفوي قد قرر الانتهاء من آخر معاقل دولة أخواله الآق قوينلو، ولعدم
تكرار ما ذكرناه سابقاً، فإن أطماع الشاه إسماعيل الصفوي بالعراق شأن غيره ممن سبقوه من حكام الأعاجم.
بعد أن إستقر له الأمر في دولته الجديدة قرر إحتلال بغداد ليضيف العراق ضمن سيطرته وقد ذكرنا حججه على هذا القرار، فأرسل جيشاً بقيادة (لاله حسين بك) نحو بغداد على أن يتبع هذا الجيش بجيش آخر يقوده هو بنفسه، ولما ظهرت طلائع جيشه الأول قريبة من بغداد، هرب واليها باريك بك بارناك البندري وإستلم زمام الأمور في المدينة نقيب أشرافها السيد محمد كمونة الذي خرج مع الأهالي لاستقبال قائد الجيش، ولكي لا يحدث ما يسيء إلى المدينة وأهلها، فرحب به قائد الجيش، وقدّمه بعد ذلك إلى الشاه إسماعيل الذي أبدى تقديره للسيد النقيب، ومن ثَمَّ ساروا مجتمعين بموكب واحد تتقدمهم عساكر الشاه الذي دخل بغداد وإستولى عليها بيسر في 25 جمادي الثانية سنة 914ه- / 1508م.
وبدخوله العراق بدأ عصر التناحر المذهبي المقيت، والذي جرَّ البلاد والعباد إلى ويلات كانت نتائجها واضحة إلى يومنا الحاضر. وقد سفكت دماء وأنتهكت حرمات، وخرّبت مدن، بسبب أطماع الصفويين من جهة، وتناحرهم مع العثمانيين الذين لم يختلفوا عنهم في مراميهم إلا أن التباعد والإختلاف المذهبي وقع بضلاله على البلاد العراقية وتأثرت بشكل كبير بهذا الخلاف مما جعل العراق عديم الاستقرار وفي إضطراب دائم وحروب طاحنة أحرقت الأخضر واليابس، وكلها
بسبب الأطماع السلطوية، وجعلوا العراق ومدنه نهباً لهم وتسخيراً لأطماعهم...
كان لذلك تأثير واضح على المجتمع الذي ظلَّ يئِنُّ من وطئة هذه النزاعات. ودخلت على العراقيين ثقافات دخيلة فرضت عليهم بالقسر والإضطهاد، ودخل أُناس كانت لهم خطط مرسومة ومدروسة مسبقاً، وأصبح الدين والشريعة متأثرة ومنقادة من قبل الإيرانيين، بل وصل الأمر لأن يكونوا أسياد في المدن التي سكنوها،
وخاصة مدن العتبات المقدسة مثل النجف وكربلاء والكاظية وسامراء...
وما يخص مدينة كربلاء فكان التأثير الصفوي عليها واضحاً وجلياً، وسوف نوضّح ذلك التأثير خلال البحث، وسوف نجد العجب مما كان يحدث ولسنوات طوال... وسنذكر مراحل الحكم الصفوي في العراق تفصيلاً ضمن الحديث عن نشأت الدولة العثمانية وسيطرتها على العراق.
على الرغم من ذلك كله فالدولة الصفوية وبوازع ديني و مذهبي من جهة، ورغبة في استقطاب شيعة العراق وتثبيت سلطتهم على العراق عن طريق مدن العتبات المقدسة فيه، فقد أظهروا ميلاً شديدًا بإهتمامهم بالعتبات المقدسة وتعميرها والصرف عليها وفرشها وإنارتها. وكان من نتائج هذا الإهتمام الذي لابد أن يُذكر ويثابون عليه، فقد ظهر جليًا تأثيرهم الواضح على الحياة العامة في مدن العتبات خصوصاً، وتمكنهم من إيجاد تحولات ديموغرافية في البلد من خلال تشجيعهم للكثير من الإيرانيين التوجه إلى العراق والإنتشار في مدن العتبات المقدسة، وأصبح تدخلهم في محاولة تغيير المجتمع العربي في تلك المدن، من خلال تشجيع طلبة العلوم الدينية وعلماء الدين بأن يثبتوا أقدامهم في تلك المدن وأصبح لهم تأثير واضح في النواحي السياسية والإجتماعية والدينية والثقافية والإقتصادية...
وشجعوا على تأسيس الفرق الدينية التي أثرت بشكل كبير على الجوانب العقائدية في علوم الدين والشريعة، بحيث ظهرت عقائد جديدة إختلفت في أفكارها عن النهج الإصولي للفقه والإصول للشيعة الإمامية، مما ظهرت بالتالي خلافات وصراعات وصلت إلى حد إراقة الدماء !!
يضاف إلى ذلك أن الحكم الصفوي كان ينظر إلى العراق ومدنه بأنه يجب أن يبتعد كليَّا عن التأثير العثماني الذي كان له شأن سلطوي كبير في المنطقة على الرغم من أن الدولة العثمانية لم تكن بعد قد دخلت العراق ولكن الحكومات التي سبقت الحكم الصفوي كانت تركمانية الأصل قبل أن يدخل إسماعيل الصفوي بغداد ويقضي على دولة الخروف الأبيض الآق قوينلو).
وسنجد من خلال البحث آثار ذلك كله، والنزاعات والحروب التي حدثت في العراق نتيجة تلك السياسات المعتمدة على العامل المذهبي ظاهراً، بينما الباطن منها كان التسلط والإحتلال والتوسع على حساب أهل البلد المبتلى بالأغراب المحتلين.
كانت فترة إحتلال الدولة الصفوية للعراق وعاصمته بغداد، ومن بعدها الدولة العثمانية غنية بالمصادر والوثائق التي تُمكّن الباحث الغوص في أعماق مجمل الأحداث ومتابعتها تأريخياً وتحليلها بشكل دقيق، على الرغم من إختلاف كتاب هذه المصادر في نيّاتهم التي كان الأغلب منها يتبع نهج كتّاب السلاطين ومؤرخيهم.
914 - 941ه- / 1508 - 1534م
مرّت مدينة كربلاء في العهد الصفوي بمرحلتين:
الأولى : عندما إستولى الشاه إسماعيل الصفوي على بغداد وأصبحت أجزاء كبيرة من العراق خاضعة لحكمه، وإستمرت هذه الفترة قرابة 27 عاما، أي من سنة 914ه- / 1508م لغاية إحتلال بغداد من قبل السلطان العثماني سليمان القانوني سنة 941ه- / 1534م.
الثانية: عندما إستولى الشاه عباس الصفوي على بغداد، وإستمرت هذه الفترة قرابة 15 عام، أي من سنة 1033ه- / 1623م ، إلى أن أعاد السلطان العثماني مراد الرابع إحتلالها سنة 1048ه- / 1638م.
وكان مجموع حكم الدولة الصفوية في العراق بالفترتين المنوه عنهما أعلاه 42 عام. وبعدها ومنذ أن إستولى السلطان العثماني مراد الرابع على بغداد أصبح العراق كله تحت سيطرة الدولة العثمانية، ودام الحكم العثماني الثاني على العراق قرابة (279) عاماً إلى عام 1335 ه- / 1917م عندما أكمل الإنكليز إحتلالهم لبغداد وانتهاء سيطرة الدولة العثمانية على العراق.
أصبحت مدينة كربلاء إثناء الحكم الصفوي ذات شأن كبير، على الرغم من علو شأنها لوجود مرقد الإمام الحسين ومراقد إخوته وأبنائه وأصحابه فيها. فقد إهتم الشاه إسماعيل الصفوي بها منذ أن زارها مباشرة بعد إحتلاله بغداد. وتركز إهتمام الشاه بالمرقد الحسيني الشريف فقط، ولم نجد له ما يذكر عن المدينة نفسها سوى أمره بكري نهر غازان الذي تصل مياهه إلى النجف وسمي بعد ذلك ب- (نهر الشاه)... مع العلم أن هذا النهر أصلاً هو بعيد عن مدينة كربلاء ولا يستفيد ساكنيها منه وإنما فائدته على المناطق الشرقية المحيطة بالمدينة.
بعد أن دخل الشاه إسماعيل الصفوي بغداد محتلاً يوم 25 جمادي الثانية سنة 914 ه- / 1508م ، وكان قد هرب منها بإتجاه حلب الأمير باريك بك بارناك الذي كان يحكم العراق في زمن آخر سلاطين دولة الخروف الأبيض وهو مراد بن يعقوب بن حسن الطويل، وتم استقبال الشاه إسماعيل الصفوي من قبل الناس ويقال (بفرح !!) (1)، فإنه قام باليوم الثاني من دخوله بغداد بالتوجه إلى مدينة كربلاء، حيث زار مرقد الإمام الحسين ( عَلَيْهِ السَّلَامُ) وكان ذلك في 26 جمادي الثانية (2)914ه- / 1508م.
1) من الطبيعي عندما يقدم أي محتل فإن قادته الذين سبقوه في دخول ذلك البلد يقومون بتهيئة الناس للترحيب بالمحتل، والناس مبتلون ومغلوبون على أمرهم كما في العراق، فعندما يسومهم محتل سوء العذاب وهم في ضعف وفاقة، فيتمنون بأن القادم هو أفضل وربما سيكون مخلصا لهم، ويتفاجئون بأن لافرق بينه وبين من سبقه وهكذا عندما ينتاب البلدان الضعف وينعدم التماسك بين الناس ويكونوا عرضة لتسلط الأغراب والطامعين. ويؤسفني أن أقرأ بكتب التاريخ أن فلانًا دخل بغداد فاتحا! فأي فتح أراد به وهو محتل غاز مجرم متسلط ناهب للثروات وللأسف الشديد نجد أن البعض ممن كتب عن كربلاء أخذ يمجد بهؤلاء الغزاة ويعد أعمالهم من المفاخر في تعمير العتبات، وتأخذهم بذلك المذهبية والطائفية من ناحية، والتأثير بما يكتبه المؤرخون الأعاجم دون تمحيص ودراسة، وهؤلاء هم من كتاب ووعاظ السلاطين، وإعتبرت كتاباتهم توثيق مهم لمجريات التاريخ والمتفحص يجد بسهولة الأغراض والنيات.
2) إذا كان دخول الشاه إسماعيل الصفوي محتلا بغداد يوم 25 جمادي الثانية وفي اليوم الثاني توجه إلى كربلاء، ذلك لا يعني أنه وصل إليها في نفس اليوم أي في 26 جمادي الثانية، لأن الطريق والمواصلات في ذلك الزمان هي غير ما في زماننا الحاضر ، علما بأن وصوله إلى كربلاء تم عن طريق الحلة، وقد يكون تاريخ يوم زيارته بعد يوم 27 جمادي الثانية حسب المنطق.
يقول العزاوي في كتابه تاريخ العراق بين إحتلالين ما نصّه:« وبتاريخ 25 جمادي الثانية سنة 914ه- / (1508م) وافى الشاه إسماعيل بغداد وقد فرح به السواد الأعظم وقدموا له الذبائح وإحتفلوا بقدومه نزل بستان بيربوداق فإلتجأ الناس إليه، وزاد الشاه في رتبة السيد محمد كمونة... وفي اليوم التالي ذهب لزيارة كربلاء المشرفة وصنع الصندوق المذهب للحضرة ووقف فيه إثني عشر قنديلا من ذهب وفرش رواق الحضرة بأنواع المفروشات القيمة... وإعتكف هناك (عند ضريح الإمام الحسين) ليلة ثم رجع في اليوم التالي متوجها إلى الحلة، ومنها ذهب إلى النجف الأشرف لزيارة الإمام علي (رَضَ اللَّهُ عَنْهُ) وقدم النوادر الفاخرة والهدايا الجزيلة لسكان المدينة وأنعم بإنعامات وافرة، ثم رجع إلى الحلة »(1).
جاء في كتاب تأريخ كربلاء وحائر الحسين للدكتور عبد الجواد الكليدار معتمدًا على كتاب ( حبييب السير) عن زيارة الشاه إسماعيل الصفوي ما نصّه:
«وقد جاءت نبذة عن زيارته لكربلاء وما قام به من خدمات جليلة للروضة المقدسة والسكان المجاورين في تاريخ ( حبيب السير) بقوله: بعد أن تم فتح بغداد دخلها الشاه إسماعيل منتصراً في 25 ج 2/ 914 بين هتاف الأهلين. فعزم في اليوم الثاني على طواف العتبة المقدسة فتوجه إلى كربلاء وعند الوصول إليها أدى مراسم الزيارة بكل دقة، وراعى شروط التشرف بكل إحترام، فقبّل العتبة المقدسة بخشوع وورع تام، ومرّغ بخديه على تراب تلك العتبة مناجياً روح سيد الشهداء عليه آلاف التحية والثناء، ومستمداً النصر من الله تعالى. فأنعم على مجاوري الروضة المنورة بأنواع الهدايا. وكسا صندوق القبر الشريف بأثواب من انواع الحرير المزركش
1) تاريخ العراق بين إحتلالين: عباس العزاوي، ج3، ص316.
والموشى بالفضة والذهب. ونصب فوق القبر المطهر إثنى عشر قنديلاً من الذهب الخالص تتلألؤ كل واحدة منها كالشمس في رابعة النهار وفرش الروضة الشريفة بانواع البسط الحريرية البديعة والدقيقة الصنع، وأقام الولائم الملوكية الفاخرة لسدنة الحرم المقدس وخدّامه. وقد قضى ذلك الملك العلوي العظيم ليلة كاملة من أولها إلى طلوع الشمس وهو معتكف في الحائر منكب على قبر جده الحسين عليه السلام »(1).
يلاحظ من ذلك الوصف مقدار المبالغة والتعظيم للشاه المحتل لبلد مسلم وليس ذلك إلا لأنه الشاه الصفوي الذي يعتقدون بأنه باني الشريعة والدين بإعتباره:
«مؤسس الإمبراطورية الصفوية التي كانت نتاجاً للبعث الديني، وكان هذا البعث مبنيُّا على الإيمان الشيعي القوي المفعم بالثقافة والمدنية»(2).
هذه العبارة وردت نصّاً من قبل مسؤول الاستخبارات البريطانية في العراق (همسلي لونكريك) في كتابه ( أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) ونقلها حرفياً مؤلف كتاب تاريخ كربلاء وحائر الحسين، دون أن يشرح أبعادها وما آلت إليه الأمور المذهبية منذ تأسيس الدولة الصفوية... ومن المستغرب جدا ما يذكره الكليدار في كتابه وهو يقول: « ... ولذلك يرى البعض في قيام الدولة الصفوية ومحاربتها للأتراك والمغول والتتر والتركمان طورًا جديدًا لبعث الحركة القومية العربية ثانية إلى عالم الوجود بعد أن أكل عليها الدهر وشرب عدة قرون، كانوا من سلالة عربية عريقة في العروبة (3)، وإن ما قاموا به من الخدمات الجليلة تجاه المشاهد المشرفة لأئمة العرب الأطهار أو خلافها في أماكن أخرى كانت منبعثة في نظر البعض إلّا عن عروبة
متطرفة خالصة كانت كامنة في أعماق قلوبهم فكانوا يحاولون صبغ المجتمع الإسلامي بالصبغة العربية الخالصة»(1).
فلينظر القارئ الكريم إلى ما ذكر أعلاه، أليس هو المضحك المبكي؟!!. ولاندري قد يخرج علينا أحدهم في المستقبل ليؤكد لنا بأن إسماعيل الصفوي ومن بعده ملوك الصفويين هم قادة ومؤسسي حركة القومية العربية!!... وإذا كانوا كذلك فدماء مَنْ سُفكت في العراق عند دخول الشاه إسماعيل، ومن بعده طهماسب ابنه، ومن ثَمَّ أنهار الدماء التي أريقت في بغداد عند دخول الشاه عباس الصفوي الكبير (وسيتم ذكر ذلك لاحقّا) ... ألم يكن العراق عربيَّا أصلاً، وغالبية سكانه من العرب؟!!... أو أن مدن العتبات كانت عربية فقط لا غيرها؟
وما ذلك كلّه وما يتبجح به البعض وينقلوه إلّا ليريدوا أن يبعدوا النفس الطائفي والمذهبي عن الصفويين وليبرروا غزوهم وإحتلالهم للعراق البلد العربي المسلم بلد الحضارات والثروات.
أنظر لمؤلف مدينة الحسين ماذا يقول عن إسماعيل الصفوي:
«وعزم على فتح بغداد، فدخلها في جمادي الأول سنة 914ه- وكان حصيلة هذا الفتح، المنطلق الجديد لبعث القومية العربية المشبعة بالروح الإسلامية ثانية إلى عالم الوجود لأنه كان من أبناء الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ولذلك يحاول صبغ المجتمع الإسلامي بالصبغة العربية الخالصة.
وصفوة القول: كان لهذه الدولة ومؤسسها مآثر محمودة في العراق عامة وفي المشاهد المقدسة خاصة. وقد سجل التاريخ تلك المآثر والأعمال النافعة المفيدة بمداد من الفخر والإعجاب. وعجيب كل العجب... أن يحاول البعض من كتّاب القرن العشرين طمسها. ليبثوا بذلك سموم التفرقة في عصر نحن أحوج ما نكون إلى رص الصفوف وتوحيد الكلمة. وأن الحقائق التاريخية لا يمكن طمسها أو نكرانها بأي حال
1) تاريخ كربلاء وحائر الحسين د. جواد الكليدار، ص 245.
من الأحوال. وكل باحث في التاريخ يجب أن يتجرد من نزعة العاطفة وما شاكلها ليقول الحق دائما وأبدا» (1)!! .
لنناقش مقالته هذه ونبدأ من آخرها ... أي حق هذا؟ الذي يطلبه مؤلف مدينة الحسين من كل باحث في التاريخ ليكون مجردا من العاطفة وما شاكلها!! هل يريد التمجيد بالغزاة والمحتلين جميعاً من البويهيين إلى العثمانيين؟ ...
أليس ما يقوله هو إنحياز لمحتل وغاز لبلد عربي عريق مثل العراق هي العاطفة بعينها لكون المحتل أسس دولة شيعية متطرفة في الغلو وتبتعد عن أصل التشيع الخلاّق.
وماهي الحقائق التي لا يمكن طمسها أو نكرانها ؟ ... هل عَمَل صندوق خاتمي وأستار الحرير والهدايا للمراقد وإدامة نهر كان فاشلاً وبعد إصلاحه وكريه إندثر بسرعة مرة أخرى!!، هي التي لا يريد نكرانها وطمسها السيد الكليدار !! علماً بأن الكثير من المحتلين والغزاة لبلدنا قدموا للعتبات أكثر مما قدمه الصفويون فلماذا لم يمجدوا بمستوى التمجيد للصفويين الذين أزهقوا كغيرهم أرواحاً وسالت الدماء أنهارا في (فتحهم) المبين هذا !!... نعم سجل كتّاب السلاطين مآثرهم وأعمالهم البسيطة هذه بمداد الفخر والإعجاب بروح طائفية ومذهبية، فماذا إستفاد منه العراق العربي عامة والمشاهد المقدسة خاصة ؟!! غير تسلط الأعاجم، والنزاعات الطائفية والمذهبية منذ دخولهم العراق ولحد الآن على الرغم من أنهم غادروه مدحورين، وإنتشار الأعاجم في مدن العتبات حتى وصل الأمر وكما يقول المرحوم العلامة السيد محسن الأمين العاملي صاحب اعيان الشيعة في رحلته إلى كربلاء سنة 1934م بأن أهلها جميعاً يتكلمون الفارسية عرباً وعجاً!!... فهل تغيير لغة البلد وثقافته بلغة وثقافة المحتل من المآثر المحمودة؟، وهل هو (بعث للقومية العربية)؟
1) مدينة الحسين السلسلة الثالثة، ص 15.
والأعجب من ذلك قول مؤلف مدينة الحسين بأن (حصيلة الفتح) كان المنطلق الجديد لبعث القومية العربية ...!! فلينظر القارئ الكريم إلى الثقافة الصفوية وعدائها للقومية العربية خاصة... وليستمع إلى الذين يرتقون المنابر الحسينية الآن عن رأيهم بالقومية العربية، بل ليتوجه لكافة الحركات والأحزاب الدينية الحالية ويسألهم رأيهم بالقومية العربية. وإذا كان الصفويون يرجعون بالنسب إلى الإمام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِن صح ذلك، فهذا لا يعطيهم الحق في التحليل الذي أورده محمد حسن الكليدار في مدينة الحسين، لأن أجدادهم ترعرعوا في إيران جميعهم وتأثروا بالقومية الفارسية والقومية التركية (الآذرية) بشكل مطلق.
إن الذي أتى به الصفويون هو صيغة جديدة (للتشيع)، وكان ذلك ردة فعل عمّا كان يقوم به قبلهم حكام إيران. ولو تطلعنا إلى واقع إيران المذهبي قبل تأسيس الدولة الصفوية، لوجدنا ان المذهب الرسمي والمنتشر هناك كان هو المذهب السني، من خلال الحكومات التي تعاقبت على حكم بلاد إيران فكان تأسيس الدولة الصفوية قد جاء كردة فعل على الإضطهاد الذي كان يمارس على أتباع أهل البيت. وعندما نادى الصفويون بحركتهم إلتف حولهم الكثير من المضطهدين، وعندما إستلموا الحكم أوغلوا بالإنتقام.
وتحولت الحركة الصفوية إلى قوة هجومية منظمة ، وكانت كما وصفها المؤرخون الإيرانيون بأنها حصيلة تراكم غضب وسخط وأحقاد ظلّت تغلي في نفوس الناس لعدة قرون حيال جور السلطات وتعسف رجال المذهب السني الحاكم رسميًا (حسب قولهم).
يقول الدكتور علي شريعتي: «لقد تمكن القادة الجدد – بمهارة فائقة... من استرداد الطاقة الكامنة واستخراجها من مكامنها ومن ثُمَّ توظيفها في خدمة الهدف السياسي الذي يصبون إليه »(1).
1) التشيع العلوي والتشيع الصفوي: الدكتور علي شريعتي، ص73.
وعلى أساس الظلم المذهبي الذي كان واقع على شيعة إيران، فقد إستثمر الصفويون هذا الأمر وتمكنوا من خلاله الولوج في وجدان هذه الشريحة التي إستقتلت لمساندتهم، وعلى ذلك فقد إستند الصفويون بأن يشيّدوا نظامهم السياسي مركزين على أساس الوجدان والعقيدة لذلك المجتمع، وقد إعتبروا حركتهم نابعة من وسط المجتمع وأعطوها الصبغة الشعبية.
«وفي تلك الحقبة حصل تنفيس عن عقد كثيرة، وقد جاء في نسخة مخطوطة في مكتبة البرلمان (الإيراني) أنه في مطلع العهد الصفوي كان (القزلباشية) الصفوية يجوبون شوارع وأزقة المدن وهم يصيحون بصوت واحد: اللعنة على أبي بكر، اللعنة على عمر، وكان يتعين على المارة أن يرددوا هذا الشعار معهم، وكل من يتردد في ذلك سيغرز الحرّاس حرابهم في صدره لإخراجه من حالة الشك والتردد» (1).
فالذي جاء به الصفويون هو نوع أو صيغة جديدة من (التشيّع) سمّي ب- (التشيع الصفوي) وهو على النقيض من أصل التشيع الخلاق وهو (التشيع العلوي)... فالحركة الصفوية إستطاعت أن تنتج تشيعاً في كل شيء وليس فيه شيء منه!!!
وقد أوجدوا رجال دين مهمتهم تبرير أعمال جهاز الحكم الصفوي، وذلك من منطلق حرصهم على إضفاء طابع شرعي على الخدمات التي يقدمها المؤمنون المتشرعون لجهاز حكم غير مشروع.
فأين الصفويون من العروبة والقومية العربية التي يصفهم بها البعض زوراً وبهتانا. وليأتينا أحد بمصدر لمؤرخي الصفويين ومن وعاظ سلاطينهم يذكرون التوجه العروبي للصفويين وما قاموا به في ذلك المجال... بينما نجد العكس تماماً كما أثبت التاريخ بأن عداوتهم للعروبة وللقومية العربية كانت بلا حدود.
1) التشيع العلوي والتشيع الصفوي: الدكتور علي شريعتي، ص 75.
عند زيارته للمراقد في كربلاء قام الشاه إسماعيل وحسب ما جاء في كتاب مدينة الحسين بالتبرع والأمر بما يلي:
«أجزل العطايا على سكان كربلاء وخدمة الروضتين المطهرتين من الذهب والفضة. كما أمر بتذهيب حواشي ضريح الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وتزيينه بالزخارف المزركشة. وكذلك أمر بصنع الصندوق الخاتم الخطائي المطعم بالعاج، ثم أوقف 12 قنديلا من الذهب الخالص لإنارة الروضة المطهرة وفرشها بالسجاد النفيس، وعيّن حفاظاً ومؤذنين وخدمًا للإشراف على نظافة الروضتين الحسينية والعباسية وعين لهم رواتب شهرية »(1).
في زمن الدولة المغولية وتحديدًا في أيام سلطنة (غازان بن آرغون) قام وزيره (عطاء الملك الجويني) بحفر نهر يخرج من الفرات ويمر بالقرب من ضواحي كربلاء لإيصال الماء إلى مدينة النجف التي كانت تعاني شحة المياه، وسمي حينها ب- (نهر غازان) وبمرور الزمن فقد إعتلت النهر الرمال والأوحال، مما تسبب في عدم وصول الماء فيه إلى ضواحي كربلاء ولا إلى مدينة النجف. وعندما زار الشاه إسماعيل الصفوي كربلاء والنجف أمر بكري النهر وتعميقه وتنظيفه من الرمال والأوحال، ليستفاد منه سكان المشهدين الشريفين، وبعد أن تم العمل فيه سمي ب- (نهر الشاه). كان النهر الذي حفره عطا ملك الجويني وأجرى ماءه إلى النجف قد إندرس بمرور الأيام وإضمحل. لذا أمر الشاه (إسماعيل بتجديد حفره وإتمامه فإشتهر ب- (نهر الشاه). وأرصد ريعه لخدام المشهدين الشريفين ووقفه عليهم (2).
وتولى الإشراف على العمل (كري النهر ( القاضي - جهان الحسيني – وصرف عليه الشاه ما يقارب ألفي تومان من نقود ذلك العهد وسمي ب- (النهر الشريف) وفوّض تولية العتبة (1)وحكومة الحلة إلى جناب السيد محمد كمونة ثم توجه من النجف قاصداً كربلاء لزيارة سيد الشهداء الإمام الحسين سلام الله عليه... وبعد أن أدى مراسيم الزيارة عاد إلى بغداد (2)...
هناك فيما يتبين إختلاف في توجه الشاه إسماعيل إلى زيارة المشهدين الغروي والحسيني، فمن يقول بأنه زار كربلاء أولاً ومن ثَمَّ توجه إلى النجف ومنها عاد إلى الحلة ثم بغداد. ومنهم من يذكر بأنه زار النجف أولاً من الحلة ثم إتجه إلى كربلاء (وهذا ما نعتقده الصواب).
جاء في كتاب دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد – الجزء الثاني ما نصه: ) «وفيها (أي سنة 914ه-) عيّن السلطان إسماعيل الأول الصفوي السيد محمد كمونة سادنًا للروضة الحسينية بكربلاء »(3). وقد ذكر الشيخ محمد صادق الكرباسي مؤلف الكتاب في هامش الصفحة ذاتها بأن مصدره لهذه المعلومة هو كتاب مدينة الحسين السلسلة الثالثة في الصفحة 18 منه في الهامش.
وهذا ليس صحيحاً، ولم يستلم المرحوم السيد محمد كمونة سدانة الحسين، وإنما إستلم سدانة مرقد الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلام) بأمر من الشاه إسماعيل.
فقد أخطأ الشيخ الكرباسي في النقل، كما أن مؤلف مدينة الحسين لم يذكر ذلك، وإنما جاء في الهامش ما ذكره السيد عبد الحسين الكليدار في مجموعته المخطوطة وهو
يتحدث عن زيارة الشاه إسماعيل إلى النجف قبل زيارته إلى كربلاء حيث ذكر النص التالي الذي نقله مؤلف مدينة الحسين وهو:
«... وفوّض (أي الشاه إسماعيل) تولية العتبة (أي العتبة الحيدرية) وحكومة الحلة إلى جناب السيد محمد كمونة ثم توجه من النجف الأشرف قاصدا كربلاء لزيارة سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه ولسان حاله يترنم بالبيت التالي:
أثر بکربلا گذار است ***بانش دوزخش جه کاراست
وبعد أن أدى مراسيم الزيارة عاد إلى بغداد... »(1).
والمرحوم السيد محمد كمونة نقيب أشراف بغداد والنجف في زمن الأمير باريك بك بارناك حاكم العراق ووالي بغداد في أواخر دولة الخروف الأبيض (آق قوينلو) وينتمي السيد محمد كمونة إلى أسرة علوية عريقة من سلالة الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فهو السيد محمد بن حسين بن ناصر الدين بن علي بن حسين بن أبي جعفر الحسيني بن منصور بن أبي الفوارس طراد بن شكر الأسود (راجع عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب حيث ذكر اسم شكر (الأسود ابن جعفر النفيس بن أبي الفتح محمد نقيب الكوفة. وهم من أحفاد عبيد الله الأعرج بن الحسين بن الإمام زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
وفي زمن نقابة الشريف المرتضى المتوفى سنة 436ه- / (1044م) كانت لهم النيابة في بغداد، وبعد ذلك إنتقلت النقابة لهم. والسيد محمد هو الجد الأعلى للسادة آل كمونة في النجف، الذين لهم تأريخ مجيد متأصلاً بعروبتهم العريقة وإنحصار نقابة الأشراف بأيديهم وحكومة البلد، وكانوا حكام النجف في القرنين العاشر والحادي عشر للهجرة.
عندما سمع الأمير (بارناك) حاكم العراق الآق قوينلي بنية الشاه إسماعيل الصفوي التقدم نحو بغداد، أخذ يكدس المؤن ويصلح أسوار وقلاع بغداد استعدادا
1) مدينة الحسين السلسلة الثالثة هامش 2 ، ص 18 .
للطوارئ، وبعث عساكره ينهبون ما يجدون لدى السكان من حنطة وشعير وحبوب ومؤن لإعاشة جيشه لثلاث سنوات وكانت إجراءاته مجحفة وظالمة، وبسببها تفجرت موجة من المعارضة والإحتجاجات، كان يقودها السيد محمد كمونة نقيب الأشراف. فأمر باريك بارناك بالقبض على نقيب أشراف بغداد والنجف وحمله إلى بغداد وحبسه في قعر بئر مظلم.
وفي صيف 914ه- / 1508م أمر الشاه إسماعيل أحد قادة القزلباش المدعو (لاله حسين بيك) بالزحف على بغداد، وتحرك الشاه بأثره إلى بغداد متأخراً عنه.
وعندما سمع بارناك بتقدم الجيش الصفوي إستولى عليه الرعب والهلع و مع حلول الظلام عبر نهر دجلة وهرب إلى حلب...
و في الصباح عَلم سكان بغداد بهروب الحاكم توجهوا نحو السجن وحرروا منه نقيب الأشراف، وإستلم مقاليد الأمور. وعندما بانت طلائع الجيش الصفوي قرب بغداد كان السيد يؤم المصلين لصلاة الجمعة، فدعا للشاه إسماعيل في الخطبة وخرجوا لملاقاة الجيش، فإستقبله قائد الجيش بحفاوة وتكريم وصاحبه لملاقاة الشاه إسماعيل الذي إستقبله بحفاوة مماثلة وسار الجميع إلى بغداد. وزاد الشاه في رتبة ومكانة السيد محمد كمونة، فقد إصطحبه معه إلى كربلاء والنجف والحلة. وفي النجف ولاه سدانة الحضرة الحيدرية، كما نصبه حاكمًا على كربلاء والنجف والحلة.
بذلك فقد أصبحت مدينة كربلاء تحت سلطة حاكمية السيد محمد كمونة، والمناطق والمدن المجاورة لها، وأصبح زعيم عرب العراق بعد قرابة قرنين ونصف من حكم المغول وحكومات قبائل التركمان الرعوية.
هو السيد إدريس بن جماز بن نعمة الله بن علي القصير بن أبي القاسم محمد بن یحیی (زحيك) بن منصور بن محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الله الحائري (نقيب
الطالبيين في العراق والمهاجر إلى كربلاء) بن محمد بن أبي الحرث بن أبي الحسن علي (المعروف بابن الديلمية) بن أبي الطيب طاهر بن الحسين القطعي (نقيب النقباء) بن موسى أبي سبحة بن إبراهيم المرتضى (الأصغر) بن الامام موسى الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وهو من آل زحيك.
تولّى نقابة الحائر الحسيني سنة 920ه- إلى سنة 948ه- (1)، 1514م إلى سنة 1541م.
في السنين الأولى لإحتلال الصفويين بغداد، قام الرحالة ابن إياس بزيارة كربلاء، وقد وصفها وأهلها بسوء، ولم نتمكن من تحديد السنة التي زار فيها المدينة، فإنها قطعاً قبل سنة 922ه- / 1516م وذلك لأن زيارته هذه جاءت في كتابه الموسوم (نشق الأزهار في عجائب الأمصار الذي إنتهى من تأليفه سنة 922ه-. أما زيارته لكربلاء فكانت مؤكدة لأنها جاءت في كتابه.
وابن إياس هو محمد بن أحمد بن إياس مؤرخ ورحالة مصري، جاب الأمصار وكتب عنها وعن عجائبها . ولد سنة 855ه- / 1451م ، وتوفى سنة 930 ه-/ 1524م. وهو من مخضر مي الدولتين المملوكية والعثمانية، وقد إشتهر بكتابه (تاريخ ابن إياس) أو (بدائع الزهور). وله مؤلفات تاريخية كان ينقل فيها عن السابقين مثل: (مرج الزهور في وقائع الدهور في قصص الأنبياء و نشق الأزهار في عجائب الأمصار). و نزهة الأمم في العجائب والحكم) وغيرها.
يقول عن كربلاء عند زيارته إليها ما يلي: «وهي بليدة صغيرة بأرض العراق وبها قتل الحسين بن الإمام علي رضي الله عنه تعالى وأهلها أهل شر وفتن وبها دفنت جثة الحسين رضي الله تعالى عنه ورحمه »(2).
ولابد من وصفه هذا لكربلاء إنه لاقى بعض المشاكل عند زيارته لكربلاء في وقت كانت فيه المدينة بل والبلد كله في حالة عدم استقرار، وغياب الأمن نتيجة الحروب على السلطة وسيطرة العشائر على المدن وغياب الدور الحكومي.
وقد ذكر الرحالة السيد عباس المكي في رحلته لكربلاء سنة 1131ه- / 1719م ابن إياس هذا عند وصفه كربلاء وأهلها في كتابه (نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس) في ج 1 ص 88 حيث قال :«ولا تلتفت إلى قول ابن إياس في نشق الأزهار، بأنهم من البخلاء الأشرار، فلله خرق ،العادة، فإنهم فوق ما أصف وزيادة... ».
إختلفت المصادر التاريخية على تحديد السنة التي زار الشاه إسماعيل الصفوي کربلاء للمرة الثانية. فمن ذكر بأن الزيارة كانت سنة 920ه-، وقسم آخر ذكر بأن الزيارة كانت سنة 930ه- . بل إن مصادر أخرى تؤكد أن الشاه إسماعيل الصفوي لم يزر العراق سوى مرة واحدة عندما إحتل بغداد عام 914ه-، والتي زار فيها العتبات المقدسة في كربلاء والنجف وبقية مراقد أهل البيت في الكاظمية وسامراء، وأمر ببعض الأعمال التي تخدم تلك المراقد وسكان مدنها.
جاء في كتاب دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد ج 2 ص 59 – ص 60 مانصّه:«وفي سنة 920 ه- زار الملك الصفوي إسماعيل الأول المرقد الحسيني ثانية فكسا صندوق القبر الشريف بأثواب من أفخر أنواع الحرير المزركش والموشى بالفضة والذهب، ثم أمر بجمع نخبة ممتازة من البارعين في صناعة الفسيفساء – الخاتم – بالتنبيت والتطعيم في الخشب من اطراف البلاد وأمرهم بصنع ستة صناديق خاتم من الفسيفساء مزينة بالنقوش الإسليمية والختائية لمراقد الأئمة في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء بدلاً من صناديقها القديمة ».
1- راجع زيارة السيد عباس المكي في كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات)، ص92.
إعتمد مؤلف الكتاب أعلاه على مصادر ذكرها في هامش 6 من ص59، وعند مراجعتنا إلى تلك المصادر لم نجد ما يشير إلى تلك الزيارة فيها، وإنما كان الحديث يتركز على ما أمر به الشاه إسماعيل للعتبات المقدسة، وخاصة الصناديق الخشبية التي توضع على القبور الشريفة للأئمة عليهم السلام، وخاصة الصندوق الخاتمي الذي تم إكمال صنعه سنة 932ه- ، أي بعد وفاة الشاه إسماعيل بسنتين حيث توفي سنة 930ه-، وخلفه ولده (طهماسب) الأول.
ومن ناحية أخرى لم تُشير المصادر التاريخية إلى أي زيارة ثانية قام بها الشاه إسماعيل إلى العراق. ومن المعلوم أن إسماعيل الصفوي بعد أن إحتل بغداد وزار العتبات المقدسة قفل راجعاً إلى إيران بعد أن عيّن أمير الديوان (إبراهيم خان) المعروف ب- (خادم بك) حاكما على العراق، وأوصاه بتسيير الأمور والعناية بمراقد الأئمة والعتبات المقدسة، كما عيّن نقيب الأشراف السيد محمد آل كمونة حاكما على كربلاء والنجف.
ومن بغداد سار الشاه إسماعيل نحو الحويزة لإخضاع حاكمها المولى فياض أو (السلطان فياض) كما تسميه بعض المصادر. وحين إقتربت جيوش الشاه إسماعيل من الحويزة إستعد فياض للمواجهة فوقعت بين الطرفين معركة دامية إنتهت بإندحار جيش المشعشعين واستيلاء الشاه إسماعيل على الحويزة. وفي تلك الأثناء، كان الشاه إسماعيل قد أرسل جيشًا آخر لإخضاع أمير الكرد الفيلية (الملك رستم) وبعد مناوشات ومطاردات في مناطق جبال ،لورستان، إستسلم أمير الفيلية وجاء إلى معسكر الشاه إسماعيل لإعلان خضوعه، فعفا عنه الشاه إسماعيل وأعاده إلى
إمارته (1).
1) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية، ج 1 ، ص 246 .
الشاه طهماسب الأول بن الشاه إسماعيل الصفوي هو ثاني ملوك الدولة الصفوية، ولد سنة 919ه- في قرية شهاب آباد التابعة لإصفهان، وإستلم عرش دولته عام 931ه- وإستمر حكمه قرابة 54 عاماً لحين وفاته سنة 984ه-، وفي زمانه تمكن السلطان العثماني سليمان القانوني من إحتلال بغداد عام 941ه- / 1534م وأنهى بها الفترة الأولى من الإحتلال الصفوي الذي دام 27 عام.
في أيام الحكم الصفوي وبالذات في زمن الشاه طهماسب الأول بن الشاه إسماعيل الصفوي، كان حاكم العراق من قبلهم هو ذو الفقار ) الذي أراد الإنفصال عن الصفويين في العراق، عندها زحف الشاه طهماسب الأول نحو بغداد وحاصرها في رمضان عام 936ه- / 1530م ، وتمكن في شهر شوال من نفس العام من تدمير تحصينات سور بغداد وقتل ذو الفقار، وزار مشهد الكاظمين وبقية العتبات المقدسة في كربلاء والنجف.
وكل ما قام به في زيارته الأولى هذه هو إقدامه لفتح نهر من فرات الحلة لتصل مياهه إلى النجف. وقد فشل هذا المشروع وتم إسكان العمال والفعلة الذين جلبهم لهذا الغرض على ضفاف هذا النهر الفاشل الذي لم تصل مياهه إلى النجف. والذي سمي بنهر (الطهماسية)، ومن ثَمَّ تداول اسمه بالتحريف وأخذ يطلق عليه (الطهمازية)، وأقيمت قرية لهؤلاء العمال عليه سميت بالطهازية وإستقر هؤلاء بها وإختلطوا مع أعراب المنطقة الذين كانوا من قبيلة (خفاجة).
ولم يذكر المؤرخون أي عمل للشاه طهماسب يخص مدينة كربلاء عدا زيارته الأولى للمشهد الحسيني في شوال سنة 936ه-/ 1530م.
1 - تاريخ العراق السياسي الحديث: السيد عبد الرزاق الحسني، ط3، مطبعة دار الكتب، بيروت، 1395ه-، 1975م.
2- موسوعة العتبات المقدسة (قسم كربلاء): جعفر الخليلي، دار التعارف، بغداد، ط 1 سنة 1386ه-، 1966م.
3- معجم البلدان ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت 1397ه-، 1977م. - المشترك وضعاً والمفترق صقعاً: ياقوت الحموي، دار عالم الكتب، ط 2 بيروت 1406ه-، 1986م.
5 - تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن وهب ابن واضح المع-روف باليعقوبي، تحقيق عبد الأمير مهنا مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت سنة 1413ه-، 1993م.
6- مروج الذهب للمسعودي، الفهارس ليوسف أسعد داغر، دار الأندلس، بيروت، ط 1 سنة 1385ه-، 1965م.
7- لسان العرب: أبو الفضل جمال الدین ابن منظور محمد بن مكرم الأنصاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405ه-.
8-معالم المدرستين: السيد مرتضى العسكري منشورات مكتبة مدبولي، القاهرة، طه سنة 1993م.
9- المستدرك على الصحيحين للنيسابوري أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن خمدويه تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت،ط 1 1411ه- 1990م.
10 - المعجم الكبير للطبراني، سليمان بن أحمد، تحقيق حمدي عبد المجيد، القاهرة.
11 - تاريخ دمشق لابن عساكر علي بن الحسن بن هبة الله، دار الفكر، بيروت، 1415ه-، 1995م.
12 - الطبقات الكبرى (طبقات ابن سعد): أبو عبد الله محمد بن سعد البغدادي، تحقیق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت ط 14101ه-، 1990م.
13 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 2 سنة 1409ه-، 1989م.
14 - سير أعلام النبلاء شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 3 سنة 1405ه- ، 1985م بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط.
15- مقتل الخوارزمي: أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي، تحقيق الشيخ محمد السماوي، عن دار أنوار الهدى، قم، إيران، ط 1 سنة 1418ه-.
16 - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: محب الدين الطبري، دار المعرفة بيروت، 1974م.
17 - البداية والنهاية: للإمام أبو الفداء الحافظ ابن كثير، طبعة دار الفكر العربي، ط 1بیروت سنة 1351ه-، 1933م.
18 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال علاء الدين علي المتقي الهندي، تحقيق صفوت السقا وبكري الحياني، عن مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
19 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر سليمان الهيثمي، تحقيق حسام الدين القدسي القاهرة، 1414ه-، 1994م.
20 - الخصائص الكبرى للسيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين، عن دار الكتب العلمية، بيروت.
21 - تذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي تقديم السيد محمد صالح بحر العلوم، منشورات الشريف الرضي، قم، إيران سنة 1418ه-.
22- فضائل الصحابة: أحمد بن حنبل، تحقيق د. وصي الله محمد عباس، عن مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1 سنة 1403ه- 1983م.
23- الصواعق المحرقة لابن حجر، أحمد بن حجر الهيتمي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 3 سنة 2009م.
24 - أعلام النبوة: للماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البغدادي، دار ومكتبة ،الهلال، بيروت، ط 1 سنة 1409ه-.
25 - مسند الإمام أحمد أحمد بن محمد بن حنبل، دار إحياء التراث العربي، - بيروت، 1414ه-، 1993م.
26 - الأخبار الطوال العلامة أبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري، تحقيق د. عصام محمد الحاج علي، دار الكتب العلمية، بيروت ط 1 1421ه-، 2001م.
27 - فتوح البلدان للبلاذري، تحقيق نجيب الماجدي، بيروت، المكتبة العصرية، ط 1 سنة 1428ه-، 2008م.
28 - تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك) للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ط 1 دار الأميرة، بيروت 2010م.
29 - الكامل في التاريخ: ابن الأثير ، دار صادر، بيروت، 1385ه-، 1965م.
30- الروض المعطار في خبر الأقطار للشيخ الفقيه محمد بن عبد المنعم الحميري، تحقيق الدكتور إحسان عباس ط 2 1980م.
31 -کتاب ترجمة ريحانة رسول الله الإمام الحسين في تاريخ دمشق لابن عساكر: للشيخ محمد باقر المحمودي، ط 1 مؤسسة المحمودي للطباعة والنشر، بيروت سنة 1398ه-، 1978م.
32- تاريخ بغداد أو مدينة السلام للخطيب البغدادي، الحافظ أبي بكر أحمد بن علي، دار الكتاب العربي، بيروت.
33 - الدرة البهية والجوهرة المضيّة: السيد حسين البراقي، مخطوط، معتمد من نسخةمكتبة المرحوم العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.
34 - التضحية والرمز (دراسة نقدية بالرواية التاريخية عن ثورة الحسين): عبد الصاحب ناصر آل نصر الله مؤسسة البلاغ، بيروت ط 1 1430ه-، 2009م.
35- بحار الأنوار لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة الوفاء، بيروت سنة 1403ه-، 1983م.
36 - الإمام الصادق من المهد إلى اللحد السيد محمد كاظم القزويني، دار العلوم، 1429ه-، 2008م.
37 - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة أسد حيدر، مطبعة النعمان، النجف سنة 1377ه-، 1958م.
38- العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي، دار مكتبة الهلال، بيروت، ط 1 سنة 1986م.
39 -تاريخ التمدن الإسلامي: جرجي زيدان مطبعة الهلال بالفجالة بمصر، سنة 1903م.
40 - تاريخ الشعر السياسي أحمد الشايب، دار العلم، سنة 1976م.
41 - الفتنة الكبرى د. طه حسين، دار المعارف بمصر.
42 - الإمامة والسياسة ابن قتيبة الدينوري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط 1 بيروت، 1427ه-، 2006م.
43 - أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.
44 - ثورة الحسين : الشيخ محمد مهدي شمس الدين مؤسسة الصديقة الطاهرةللإعلام الإسلامي، براثا.
45 - حياة الإمام الحسين : الشيخ باقر شريف القرشي، مطبعة الآداب، النجف، ط 1 سنة 1394ه-، 1974م.
46 - أنساب الأشراف للبلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود، تحقیق سهیل زكار ورياض الزركلي، دار الفكر ، بيروت ط 1 سنة 1417ه-، 1996م.
47 - مقتل الحسين عليه السلام عبد الرزاق المقرّم، صادر عن مكتبة بصيرتي، قم/ إيران، سنة 1394ه-.
48- الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر الأموي: د. محمد ماهر حمادة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4 سنة 1406ه-، 1985م.
49 - موسوعة العراق السياسية : عبد الرزاق محمد أسود، الدار العربية للموسوعات، بيروت، ط 1 سنة 1986م.
50 - نهضة الحسين السيد هبة الدين الحسيني، دار الكتاب العربي بيروت.
51 - الملهوف على قتلى الطفوف للعلامة ابن طاووس علي بن موسى بن جعفر بن محمد الحلي، تحقبق وتقديم فارس تبريزيان الحسون، دار الاسوة للنشر.
52 - تاريخ قمقام القمقام) الزخار والصمصام البتار فرهاد ميرزا معتمد الدولة القاجاري، تعريب محمد شعاع فاخر، 2002م. 53 - موسوعة كربلاء: د. لبيب بيضون، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات،بیروت، ط 1 سنة 1427ه-، 2006م.
54- نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين : العلامة السيد حسن الصدر، مطبعة أهل البيت، كربلاء، ط 2 سنة 1384ه-، 1965م.
55 - الكامل في اللغة والأدب أبي العباس محمد بن يزيد المبرد، تعليق محمد أبو الفضل إبراهيم المكتبة العصرية، بيروت 1429ه-، 2008م.
56 - العراق في العصر الأموي ( من الناحية السياسية والإدارية والاجتماعية): ثابت إسماعيل الراوي، طبع في بغداد.
57 - مقاتل الطالبيين: أبي الفرج الاصفهاني، تحقيق أحمد صقر، دار الزهراء، قم، إيران سنة 1428ه-.
58 - مدينة الحسين محمد حسن مصطفى الكليدار، مطبعة تموز، كربلاء. 59 - الشيعة وفنون الإسلام العلامة السيد حسن الصدر، مطبوعات النجاح، القاهرة، ط4 سنة 1396ه-، 1976م.
60 - كامل الزيارات: أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه القمي، تحقيق علي أكبر الغفاري، منشورات مكتبة الصدوق، طهران، 1417ه-.
61 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد للشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان البغدادي طبعة سنة 1935م، الهند. 62 - المزار للشهيد الأول أبو عبد الله شمس الدين العاملي النباطي الجزيني، عن مؤسسة المعارف الإسلامية.
63 - تاريخ كربلاء وحائر الحسين د. عبد الجواد الكليدار، مطبعة المعارف، بغداد سنة 1368ه-، 1949م.
64 - إرشاد القلوب المنجي من عمل به من أليم العقاب: للديلمي، الشيخ الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي طبعة بومبي، الهند، سنة 1904م.
65 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: للسيد جمال الدين أحمد بن عنبة، طبعة النجف، دار الأندلس.
66 - نزهة القلوب: حمد الله المستوفي، دار الدعوة للطبع والنشر، سنة 2000م.
67 - فرحة الغري: ابن طاووس، غياث الدين عبد الكريم، تحقيق محمد مهدي نجف.
68 - ماضي النجف وحاضرها الشيخ جعفر باقر محبوبة، دار الأضواء للطباعة والنشر ، ط 2 سنة 1986م.
69 - سفينة البحار: الشيخ عباس القمي، دار الأسوة للطباعة والنشر، ط 2 سنة 1416ه-.
70- مراقد المعارف : الشيخ محمد حرز الدين تحقيق محمد حسين حرز الدين، مطبعة الآداب في النجف الأشرف، 1389ه-، 1969م.
71- دائرة المعارف الحسينية (تاريخ المراقد الكرباسي، الشيخ محمد صادق محمد إصدار المركز الحسيني للدراسات لندن، المملكة المتحدة، ط 1 سنة 1419ه-، 1998م.
72 - المختصر في تاريخ البشر (تاريخ أبي الفداء) للملك المؤيد عماد الدين إسماعيل أبي الفدا، دار المعرفة، بيروت.
73 -رياض السياحة : الشيرواني، زين العابدين بن مستعلي شاه بن إسكندر تمكين، باللغة الفارسية.
74 - العراق قديمًا وحديثًا: عبد الرزاق الحسني، مطبعة العرفان، صيدا، ط 3 سنة 1377ه-، 1958م.
75 - تاريخ العرب : فيليب حتي، ط4 لندن 1949م.
76 - مختصر أخبار الخلفاء ابن الساعي طبعة بولاق، مصر، 1309ه-.
77- الأمالي: للشيخ الطوسي، أبي جعفر محمد بن الحسن شيخ الطائفة، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، عن دار الثقافة للطباعة والنشر، ط1، قم،
إيران، 1414ه-.
78- التذكرة في الأنساب المطهرة لابن مهنا العبيدلي إعداد وتقديم السيد مهدي الرجائي، طبعة ،قم، إيران، سنة 1421ه-، منشورات المرعشي النجفي.
79 - تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمة الأطهار: ضامن بن شدقم تحقیق کامل سلمان الجبوري، ط 1 إيران، 1420ه-، 1999م
80- غاية الإختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار: للسيد تاج الدين بن محمد بن حمزة بن زهرة نقيب حلب ط 1 ،بولاق مصر، سنة 1310ه-.
81- بحر الأنساب المسمى بالمشجر الكشاف لاصول السادة الأشراف: للعميدي، العلامة النسابة السيد محمد بن أحمد بن عميد الدين الحسيني النجفي، تحقيق السيد حسين محمد الرفاعي.
82- مختصر تاريخ العرب سيد أمير علي، دار العلم للملايين، نقله إلى العربية عفيف البعلبكي، بيروت، ط2 سنة 1967م.
83- مجالي اللطف بأرض الطف الشيخ محمد طاهر السماوي، إصدارات العتبة العباسية المقدسة 1432ه-، 2011م.
84 - المدن في الإسلام شاكر مصطفی، ط 1 سنة 1988م.
85- صورة الأرض (المسالك والممالك والمفاوز والمهالك): أبي القاسم ابن حوقل النصيبي، ط 2 سنة 1938 طبع في ليدن بمطبعة بريل، ألمانيا.
86- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، ط 1 حیدر آباد 1357ه-.
87- تجارب الأمم وتعاقب الهمم: أبي علي أحمد بن محمد المعروف بمسكويه، تحقيق الدكتور أبو القاسم إمامي، دار سروش للطباعة والنشر، طهران، سنة 1422ه- / 2001م..
88 - المجدي في أنساب الطالبيين للعمري، نجم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد العلوي العمري النسابة تحقيق د. أحمد المهدوي الدامغاني، منشورات مكتبة العلامة المرعشي النجفي، قم، إيران 1422ه-.
89- تاريخ الحلة : الشيخ يوسف كركوش الحلي، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف، ط 1 سنة 1385 ه- ، 1965م.
90 - موارد الاتحاف في نقباء الاشراف السيد عبد الرزاق كمونة، مطبعة الآداب في النجف، 1388 ه- ، 1968م.
91 - الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق في القرون المتأخرة: د. عماد عبد السلام رؤوف، جامعة بغداد كلية التربية الأولى سنة 1992م.
92 - الدليل العراقي الرسمي لسنة 1936م.
93 - مناهل الضرب في أنساب العرب : السيد جعفر الأعرجي، تحقيق السيد مهدي الرجائي، ط 2 ،قم، إيران 1433ه-، 2012م، منشورات المرعشي النجفي.
94 - تاريخ الخلفاء جلال الدين السيوطي، دار الجيل، بيروت، سنة 1408ه-، 1988م.
95 - الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون البشر: لابن الساعي، طبعة بغداد، 1353ه-، 1934م.
96 - الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة: كمال الدين أبي الفضل عبد الرزاق بن أحمد الشيباني البغدادي المعروف بابن الفوطي، تحقيق مهدي النجم منشورات محمد علي ،بيضون دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 سنة 1424ه-، 2003م.
97 - تاريخ العراق بين إحتلالين عباس العزاوي، طا في مطبعة بغداد سنة 1353ه-، 1935م، والجزء الأخير سنة 1376ه-، 1956م.
98 - إرشاد الأذهان للعلامة الحلي، تحقيق الشيخ فارس الحسون، عن مؤسسة النشر الإسلامي، قم، إيران.
99 - سقوط الدولة العباسية تاريخ المغول والعالم الإسلامي): دراسة وتحليل: د. سعد بن محمد حذيفة مسفر الغامدي، الأستاذ بقسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة الرياض، ط 2 سنة 1403ه-، 1983م.
100 - العراق في عهد المغول الايلخانيين : د. جعفر خصباك، مطبعة العاني، بغداد سنة 1968.
101 - العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية: عبد الأمير الرفيعي، دار الفرات للنشر، بيروت، ط1 نیسان 2002م.
102 - تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (رحلة ابن بطوطة): محمد بن عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي الشهير بابن بطوطة كتاب التحرير، مصر، 1386ه-، 1966م.
103 - السلوك لمعرفة دول الملوك : تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي بن عبد القادر العبيدي المقريزي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت ط 1 سنة 1418ه-، 1997م.
104 - لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث الدكتور علي الوردي، دار الراشد، ط 2 بيروت 1426ه-، 2005م.
105 - بغية النبلاء في تاريخ كربلاء السيد عبد الحسين الكليدار، تحقيق عادل الكليدار، مطبعة ،الإرشاد، بغداد الطبعة الأولى.
106 - الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء: السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر الله، مؤسسة البلاغ، بيروت، ط 1 سنة 2014م.
107 - طبقات أعلام الشيعة (الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة): الشيخ آغا بزرك الطهراني، دار إحياء التراث العربي، ط 1 بيروت 1430ه-، 2009م.
108 - عقيدة الشيعة دوايت م دونلدسون ترجمة () ، م، مكتبة الخانجي، مصر. 109 - الفوز بالمراد في تاريخ بغداد الأب أنستانس الكرملي، ط1، بغداد.
110 - العالم الإسلامي في العصر المغولي برتولد شبولر، الطبعة العربية.
111 - شهداء الفضيلة الشيخ عبد الحسين الأميني، مؤسسة الوفاء، ط 2 بیروت، 1983م.
112 - مؤسس الدولة المشعشعية وأعقابه في عربستان وخارجها: السيد جاسم حسن شُبّر، 1972م، النجف.
113- الغدير في الكتاب والسنة والأدب : الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط4 سنة 1397ه-، 1977م.
114 - أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث : ستيفن همسلي لونكريك، ترجمة جعفر الخياط، ط 4 1388ه-، 1968م.
115 - التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي د. علي شريعتي، ترجمة حيدر مجيد وتقديم الدكتور إبراهيم دسوقي شتا، دار الأمير، بيروت، ط 2 سنة 1428ه-، 007 2000م.
116 - كربلاء في أدب الرحلات عبد الصاحب ناصر آل نصر الله، عن مؤسسة البلاغ، بيروت، ط 1 1434ه-، 2013م.
117 - نشق الأزهار في عجائب الأمصار: محمد بن أحمد بن إياس، مصر.
118 - الدر المنثور في معارف الصدور : للسيد جعفر الأعرجي، مخطوط.
119 - نهج الحق وكشف الصدق: العلامة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهر، منشورات دار الهجرة، قم، إيران تعليق الشيخ عين الله الحسني الأرموي، تقديم السيد رضا الصدر، سنة 1421ه-.
120 - الفرج بعد الشدّة القاضي أبي علي المحسن بن أبي قاسم التنوخي. ج 1 منشورات مكتبة الخانجي بالقاهرة ، ط 1 سنة 1375ه- / 1955م.
121 - روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات العلامة محمد باقر الموسوي الخوانساري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان ، ط 1 سنة 1431ه- / 2010م.
122 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة: العلامة الشيخ محمد حسن الشهير بالشيخ أغا بزرك الطهراني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1 سنة 1430ه- / 2009م.
123 - الفهرست لابن النديم أبو الفرج محمد بن إسحاق بن محمد الوراق البغدادي المعتزلي منشورات المكتبة التجارية الكبرى، مصر، طبع في المطبعة الرحمانية بالقاهرة، بلا سنة.
124 - جامع التواريخ تاريخ خلفاء جنكيز خان من أوكتاي قاآن إلى تيمور قا آن رشید الدین فضل الله الهمذاني. ترجمة د. فؤاد عبد المعطي الصيّاد، وتقديم الدكتور يحيى الخشاب. دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ط 1 سنة 1983م.
انتهى الجزء الثاني
يتبعه الجزء الثالث بعون الله
مقدمة الجزء الثاني...7
كربلاء والدول الحاكمة ...10
أحداث كربلاء في العهد الساساني...27
كربلاء عند ظهور الإسلام وفي حياة الرسول (صلى الله عليه وعلى آله) ...34
كربلاء في أيام خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ...43
كربلاء أيام خلافة أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)...55
كربلاء في العصر الأموي ...60
نزول الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلام) في كربلاء ...72
أ. الإمام الحسين في المدينة . ...72
ب. الإمام الحسين في مكة ...84
ت. الحسين في طريقه إلى العراق والمواضع والمنازل التي نزل بها ...89
(واقعة كربلاء) واستشهاد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلام) ...100
أ. ماذا جرى في كربلاء ...101
ب. يوم العاشر من محرم ...103
ت. حمل الرؤوس والأسرى إلى الكوفة...113
ث دفن الأجداث ...114
ج. إعادة رأس الحسين إلى كربلاء...115
زيارة عبيد الله بن الحر الجعفي لقبر الحسين...116
زيارة الإمام السجاد وجابر لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)...118
التوابون في كربلاء....123
بناء أول عمارة على قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام) ...125
منع زيارة قبر الإمام الحسين ...126
حرب الحجاج وابن الأشعث في ضواحي كربلاء...128
واقعة (العقر) ومقتل يزيد بن المهلب قرب كربلاء ...131
هشام بن عبد الملك ووضعه المسالح بأنحاء كربلاء...133
نزول يحيى ابن زيد في نينوى قرب كربلاء...134
زيارات أبي حمزة الثمالي لكربلاء ...136
نزول حميد بن قحطبة كربلاء...138
زيارات الإمام الصادق لقبر جده الحسين عَلِيْهِ السَّلام)...139
زيارات الأعلام لقبر الحسين في العهد الأموي . ...141
كربلاء في العصر العباسي ...144
كربلاء في العهد العباسي الأول ...150
وفاة الإمام نوح في كربلاء...154
الشاعر منصور النمري وزيارته لكربلاء ...155
ابن أبي داود أول سادن لمرقد الحسين ( عَلِيْهِ السَّلام) ...157
المأمون يبني العمارة الثالثة على قبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام) ...157
أبي السرايا يحث الناس عند قبر الحسين بالخروج ونصرة محمد بن إبراهيم )ابن طباطبا)...159
كربلاء في العهد العباسي الثاني ...162
هدم المتوكل لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)...164
زيارة الإشناني لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام)...173
بناء المنتصر العباسي لقبر الحسين (عَلَيْهِ السَّلام) ...174
توافد العلويين إلى كربلاء للسكن....175
زعيم الطائفة الزيدية يحيى بن عمر في كربلاء ...177
ظهور العلوي الحسين بن محمد في (نِيْنَوَى) ...179
الإمام علي الهادي (عَلَيْهِ السَّلام) وتربة كربلاء ...181
سقوط سقيفة وقبة قبر الحسين ( عَلِيْهِ السَّلام) وتجديد البناية ...181
فمن هما الحسن ومحمد ولدا زيد العلوي؟...185
تواجد الإسماعيلية في كربلاء ...188
جرائم القرامطة وزيارة زعيمهم لكربلاء ...191
الحنابلة يتشددون مع زائري الحائر ...192
كربلاء في العهد العباسي الثالث. ...194
کربلاء في زمن البويهيين ...195
تمصير كربلاء ...197
تاریخ كربلاء - الجزء الثاني
السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر الله
شعائر اللطم ...198
رحلة ابن حوقل النصيبي ..200
غارة ضبة الأسدي ...202
تأسيس نقابة الأشراف في كربلاء...206
زيارة سلاطين بني بويه ووزراء عهدهم لكربلاء...207
السيد شرف الدين أحمد يتولى نقابة الأشراف في الحائر ...209
التعميرات في كربلاء أيام البويهيين ...211
زيارة الشريف الرضي لكربلاء ...218
السيد إبراهيم بن أبي جعفر أحمد يتولى النقابة بعد أبيه ...221
كربلاء تحت حكم الإمارة المزيدية ...221
السيد أبو الحسن محمد بن محمد الأشقر نقيباً للأشراف في الحائر ...223
حريق حرم الحسين ...223
السيد أبو عبد الله الحسين نقيبا للأشراف في كربلاء ...225
إعادة بناء مرقد الحسين (عَلَيْهِ السَّلام) ...225
السيد أبو منصور الحسن يتولى نقابة الأشراف بعد وفاة أبيه في الحائر ... 226
سقوط البويهيين وزيارة البساسيري لكربلاء ...226
حوادث کربلاء في أيام حكم البويهيين ...227
أ. فتنة المصحف ...227
ب. حادثة أهل باب البصرة و (زيارة العتبات)...228
السيد صفي الدين محمد يتولى نقابة الأشراف في الحائر...231
كربلاء في العهد العباسي الرابع ...231
كربلاء أيام الحكم السلجوقي ...231
الحالة العامة في كربلاء ...232
مرقد الحسين أيام السلاجقة ...233
زيارة السلطان ملکشاه السلجوقي لكربلاء ...234
ابن الهبارية وإجتيازه بكربلاء . ...235
غارة خفاجة على كربلاء ...236
وفاة العلامة محمد بن علي بن الحمزة في كربلاء ...238
مقتل صدقة الأسدي ونقل جثمانه إلى كربلاء ...239
دبيس بن صدقة وكسره المنبر ومنعه صلاة الجمعة...240
الخليفة المسترشد العباسي وخزانة الحرم الحسيني...243
كربلاء تشهد أعداد كبيرة من الزائرين ...250
ستائر من الحرير الثمين تهدى لأبواب حرم الحسين (عَلَيْهِ السَّلام) ...251
زيارة الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله لكربلاء ...252
كربلاء في العهد العباسي الخامس ..252
الحالة العامة في كربلاء ...253
سدانة الروضة الحسينية ونقابة الحائر...254
أبو هاشم المختار يتولى النقابة في كربلاء ...254
أعمال الناصر لدين الله في كربلاء...255
أ. إصلاح النهر الذي يمد كربلاء بالمياه ...255
ب. تجديد البناء في مرقد الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلام) ...256
المستنصر بالله العباسي وكربلاء ...257
أبو يعلى محمد الأقساسي نقيباً للحائر...258
زيارة الملك الناصر الأيوبي لكربلاء ...258
أبو علي الحسن الشعار نقيباً للحائر...259
كربلاء في العهد الإيلخاني ...260
من كان يحكم العراق؟ ....271
الحالة العامة في كربلاء أيام المغول ...275
السيد أبي العباس بن أبي طاهر محمد الحسيني نقيب الحائر ...276
زيارة ابن الدويدار إلى كربلاء...276
السلطان المغولي (آرغون) وكربلاء...277
عساكر السلطان كيخاتو بن آباقا تمر بكربلاء ...281
مصحف المستعصمي يُهدى للروضة الحسينية ....282
زين الدين أبو طاهر هبة الله حاكما ونقيبا للحائر ...283
زيارات السلطان محمود غازان لكربلاء ...283
أبو القاسم جلال الدين نقيبا للحائر بعد مقتل أخيه ...286
السلطان محمد خدا بندة وكربلاء. ...286
السيد ناصر الدين مطهر يتولى نقابة الأشراف...287
زيارات السلطان خدابندة لكربلاء ...287
السيد أبو الفائز محمد يتولى رئاسة الحائر,...289
كربلاء أيام السلطان أبي سعيد بهادرخان ...291
الشيخ شمس الدين محمد ناظراً (سادنًا) للعتبتين في كربلاء...292
ابن بطوطة في كربلاء ...292
خضوع كربلاء لحكومة عرب العراق في الحلّة . ..294
النزاع بين آل فائز وآل زحيك ...297
وفاة العلامة عون بن عبد الله ...304
كربلاء في العهد الجلائري ...308
كربلاء أيام السلطان حسن الجلايري ...311
وباء الطاعون في كربلاء ...314
تولي الشيخ عز الدين الحسن الأسدي سدانة الحائر...315
غزوة آل مهنا ...315
السيد شهاب الدين أحمد يتولى رئاسة الحائر ونقابة الأشراف في كربلاء... 320
حاكمية كربلاء ونقابة الأشراف بعد طرد آل مهنا من كربلاء ...320
كربلاء في زمن السلطان أُويس الجلائري ...321
أعمال مرجان في كربلاء ...323
أ.مسجد مرجان ...324
ب. منارة العبد ...325
زيارة السلطان أويس إلى كربلاء ...328
إعمار الروضة الحسينية المقدسة ...328
وباء الطاعون في كربلاء ...332
السلطان حسين الجلايري وكربلاء ...333
تولي الشيخ زين الدين علي ابن الخازن) الأسدي سدانة الحسين ...333
السلطان أحمد الجلايري وأعماله في كربلاء ...334
أ. إكمال البهو الأمامي ...335
ب. بناء المئذنتين ...335
أبرز علماء كربلاء الأعلام في العهد الجلايري ...338
أ. السيد العميدي ...338
ب. الشهيد الأول ...339
معركة سهل كربلاء ودخول جيش تيمور لنك المدينة . ...340
السيد محمد الفائزي يستلم (سدانة الحسين) ..343
نهاية الحكم الجلائري ...343
حكم تيمورلنك ...346
تيمورلنك والمراقد المقدسة ...348
أحمد شمس الدين (ناظرا لرأس العين)...349
زيارة تيمورلنك لكربلاء ...353
الصوفية ومشاهير المتصوفة في كربلاء ..354
فضل الله الحروفي والطريقة الحروفية . ...358
الحروفية ...360
السيد بكتاش ولي الموسوي ...364
كربلاء في فترة حكم دولة الخروف الأسود (قره قوينلو )...366
خضوع كربلاء تحت حكم المغول الجلائرية...369
زيارة قره يوسف وابنه إسكندر للمرقد الحسيني...370
السيد كمال الدين طعمة (الأول) يتولى نقابة الحائر ...371
السلطان آسبان وكربلاء ...372
العلامة ابن فهد الحلّي ...374
السيد شرف الدين الفائزي نقيبا للحائر ...379
جمال الدين الخليعي (قاطع طريق) زوّار كربلاء ...379
غارة المشعشعين ...381
مَنْ هُم المشعشعيون؟...385
الشيخ شيء الله يتولى قصبة كربلاء...393
هزة أرضية تضرب مدينة كربلاء....393
السلطان جهان شاه وزيارته لكربلاء ....393
نهاية دولة الخروف الأسود...394
كربلاء ودولة الخروف الأبيض ...396
موقوفات الشيخ أمين الدين لمصالح الروضة الحسينية ...397
نص الوقفية :...398
العلامة السيد حسين بن مساعد الحائري ...402
العلامة الشيخ إبراهيم الكفعمي....404
تولي الحاج محمد جلبي البغدادي إدارة شؤون كربلاء....404
نهاية دولة الآق قوينلو (الخروف الأبيض) ...405
كربلاء في الحكم الصفوي الأول ...409
ابتداء أمر الصفويين وتأسيس الدولة الصفوية ...409
الطريقة الصفوية ....410
الدولة الصفوية وأطماعها في العراق...414
إحتلال بغداد....416
كربلاء في العهد الصفوي الأول 914 - 941ه- / 1508 – 1534م ... 419
زيارة الشاه إسماعيل الصفوي الأولى لكربلاء ...420
تبرعات الشاه إسماعيل ...427
كري نهر غازان... ...427
السيد محمد كمونة والسدانة وحاكمية كربلاء ...428
السيد إدريس بن جماز يتولى النقابة في كربلاء ...430
ابن إياس وكربلاء . ...431
زيارة الشاه إسماعيل الثانية لكربلاء ...432
الشاه طهماسب الأول وكربلاء ...434
المصادر ...435