بحوث فی الاصول یحتوی علی جلد 2

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:اصفهاني، محمدحسين، ۱۳۲۰ - ۱۲۵۷

عنوان و نام پديدآور:بحوث في الاصول يحتوي علي: ۱ - الاصول علي النهج الحديث ۲- الطب و الاراده ۳- الاجتهاد و التقليد/ تاليف محمدحسين الاصفهاني

مشخصات نشر:[قم]: جماعه المدرسين بقم، موسسه النشر الاسلامي، ۱۴۰۹ق. = ۱۳۶۸.

مشخصات ظاهري:ص ۲۰۰

فروست:(جامعه مدرسين حوزه علميه قم. دفتر انتشارات اسلامي؛ ۵۲۲- ۴)

شابك:بها:۱۶۵۰ريال

يادداشت:چاپ دوم: ۱۴۱۶ق. = ۱۳۷۴؛ بها: ۶۵۰۰ ريال

يادداشت:كتابنامه به‌صورت زيرنويس

موضوع:اصول فقه شيعه

شناسه افزوده:جامعه مدرسين حوزه علميه قم. دفتر انتشارات اسلامي

رده بندي كنگره:BP۱۵۹/۸/الف‌۶ب‌۳ ۱۳۶۸

رده بندي ديويي:۲۹۷/۳۱۲

شماره كتابشناسي ملي:م‌۶۸-۳۵۹۸

اشارة

[الطلب و الإرادة]

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و به ثقتي

فائدة الطلب و الإرادة عند الإماميّة و المعتزلة و الأشاعرة

اشارة

المشهور بين الإماميّة و المعتزلة، أنّ الطلب عين الإرادة، و المعروف من الأشاعرة، هي المغايرة، و وافقهم عليها بعض أصحابنا،

و ينبغي قبل الخوض في المطلوب رسم أمور:

أحدها في تحقيق حقيقة ما يعبر عنه بالإرادة
اشارة

فانّه قد اختلف القول فيها غاية الاختلاف، مع الاتفاق على أنّها فيه تعالى، هو العلم بالأصلح، و الّذي ينساق إليه النّظر الدّقيق، موافقاً لما ذهب إليه أهل التحقيق، أنّ للإرادة معنى عاماً، و إن كان يعبّر عنها بالابتهاج و الرضا، و المحبة فيه تعالى، و بها و بالشوق في غيره تعالى.

و الغرض هنا بيان السر في الحاجة إلى الشوق المغاير للعلم في أفعالنا، دون أفعاله تعالى، و هو أنّه لا ريب في أنّ مبدأ الحركات و الانتقالات هي الطبيعة، و هي قوّة جوهريّة قائمة بالجسم و لا يستند الحركات إلى النّفس

بذاتها العقليّة الثابتة، إذ المتغير بما هو كذلك لا يستند إلى الثابت بما هو كذلك و إلا لزم إمّا تغيّر الثابت، أو ثبوت المتغيّر و كلاهما خلف محال، نعم انّما يستند إلى النّفس بواسطة المرتبة النازلة منها المتحدة مع الطبيعة، أو استخدامها للطّبيعة.

و بالجملة بعد ما كان مميل الجسم هي الطبيعة، فما لم يحصل لها ميل إلى الفعل، لم تكن مميلة للجسم و لا يحصل ميل لها إلا بعد الشوق الأكيد إلى الفعل في النّفس، إذ لو لا الشوق النفسانيّ الّذي حاقّ حقيقته طلب الموجود من وجه المفقود من آخر، لم يحصل ميل في الطبيعة، بداهة انّا كثيراً ما نعتقد نفع الفعل و لا نفعله، فليس الميل مستنداً إلى نفس الاعتقاد بلا سبق الشوق، و لذا اتّفقوا على أنّ السقوط المترتّب على تصوّره في من كان على حائط دقيق العرض فعل غير اختياري.

و مما ذكرنا ظهر أنّ الفعل فيه تعالى لا يحتاج إلى الشوق، و لا يعقل فيه الشوق، فانّه تامّ فوق التمام و ليس فاقد الوجود، أو كمال وجود، كيف و هو منتهى سلسلة الحاجات و التعلقات!.

و بالجملة فالفعل الاختياري فينا مسبوق بتصوّره و التصديق بفائدته، و الشوق المتأكّد النفسانيّ المحرك للقوّة الفاعلة المحركة للعضلات، فهذه الجملة متمّمة لفاعليّة الفاعل، و بها يصير الشخص فاعلا بالفعل و يخرج عن القوّة إلى الفعل.

و أمّا الواجب تعالى فلتماميته و براءته عن جهات القوّة و الإمكان، فاعل بنفس ذاته المقدّسة، فهو الغاية و العلم و الإرادة.

بيانه

أمّا كونه نفس الغاية؛ فلأنّ الفاعل لغرض زائد على ذاته مستكمل به قطعاً.

لا يقال: الغرض إيصال النّفع إلى العباد فلا استكمال.

لأنّا نقول: مع أنّ لازم زيادة الغرض على ذات الفاعل أنّه لولاه لما كان تام الفاعلية، فيحتاج في فيّاضيته المطلقة إلى أمر زائد على ذاته، و هو ملازم للقوة الملازمة للتركيب تعالى شأنه أنّ إيصال النّفع إلى العباد بالنسبة إلى الواجب إمّا أن يكون مكملًا لذاته تعالى، أو منقصاً، أو يكون وجوده و عدمه على حد سواء بالنسبة إليه تعالى، و الأوّلان مستلزمان للنقص فيه تعالى، و الأخير مستلزم للترجيح بلا مرجّح، و هو راجع إلى الترجّح بلا مرجح، فالغاية الحقيقية الذاتيّة في فعله المطلوب نفس ذاته المقدسة، فهو تعالى غاية الغايات و سائر الغايات المترتبة على الأشياء غايات عرضيّة و أغراض تبعية، فلم يلزم من كون الغاية ذاته المقدسة خلوّ ما في العالم من الفائدة و الخاصيّة ليكون مصادماً للبديهة، بل غاية جميع هذه الغايات نفس ذاته كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى.

بل مقتضى النّظر الدّقيق كما عن بعض أهل التحقيق اتحاد العلّة الغائيّة و الفاعليّة ذاتاً و اختلافهما اعتباراً في غيره تعالى، فانّ الجائع مثلًا إذا أكل ليشبع فهو من حيث أنّه شبعان تخيّلًا يأكل ليصير شبعان وجوداً و عيناً، فهو بصدد استكمال الشبع التخيّلي ليخرجه من حدّ الذهن إلى العين، و للكلام محلّ آخر.

و أمّا كونه تعالى نفس العلم و الإرادة:

فالكلام تارةً في البرهان على العينية، و أُخرى في كيفية العينية و رجوع حقائق الصفات إلى ذاته المقدّسة تعالى.

أمّا الأوّل: فالبراهين المتكثرة قائمة عليه، و يكفيك دليلًا و برهاناً على ذلك أنّ واجب الوجود جلّت ذاته و علت صفاته لو كان في مرتبة ذاته عاريا عن هذه النعوت الكمالية و الصفات الجلالية و الجمالية، و كانت النعوت الكمالية زائدة على ذاته، لم يكن في حد ذاته عالماً و لا قادراً مع أنّه بنفس ذاته مبدأ كل

وجود، و كل كمال وجود.

و توهّم أنّ خلوّه عن مبادئ الصفات غير ضائر مع ترتب آثارها من الإتقان و جودة النظام على ذاته كما زعمته طائفة من الجهلة و تبعهم بعض الأجلّة من المعاصرين في هذه المقالة المضلّة.

مدفوع بما أشرنا إليه في مبحث المشتق، أنّ العلم مثلًا بنفسه كمال، و إن كان أثره كمالًا أيضا، فدعوى خلوّه عن هذا الكمال مع أنّه منتهى سلسلة الكمالات، أو دعوى عدم كمالية العلم و القدرة ناشئة عن غاية العجز و القصور، عن إدراك كمالية العلم و القدرة مثلًا، و عن مبدئية الواجب لكل وجود و لكل كمال وجود، و العمدة في الالتزام بإنكار ذلك عدم تصوّر كيفيّة رجوع حقائق الصفات إلى ذاته المقدّسة فانتظر لبيانه.

و أمّا الثاني: فقد أشرنا إليه في مبحث المشتق، و هو أنّ العلم مثلًا حضور شي‌ء لشي‌ء و نفس ذاته المقدّسة حاضرة لذاته غير غائبة، و بتبع حضور ذاته لذاته يعلم كل مصنوعاته، و لذا قال أساطين الحكمة: إنّ مبدأ الكل ينال الكل من ذاته لا بصور زائدة على ذاته، تعالى عمّا يقولون.

و بالجملة العلم نفس الحضور غاية الأمر أنّ الحاضر لشي‌ء قد يكون صورةً مجردةً كما في العلم الحصولي الارتسامي، و هو كيف عند الجمهور، و قد يكون نفس ذات الشي‌ء كما في علم الشخص بذاته، من غير فرق في هذه الجهة بين الواجب و الممكن، و إن كان بينهما فرق من جهة أنّ حضور ذواتنا لذواتنا لا يتبعه حضور شي‌ء آخر لنا بخلاف مبدأ الكل الّذي وجوده صرف الوجود و منبع كل فيض وجود، فانّ حضور ما سواه له بحضور ذاته له.

و قد يكون حضور شي‌ء آخر له بنفسه لا بصورته المجردة كما في العلّة بالنسبة إلى معلولها فانّ علمها به بنفس ارتباط المعلول الّذي هو نحو حضوره عندها، فالعلم الحضوري منحصر في علم العالم بذاته و في علم العلّة بالمعلول.

و ممّا ذكرنا ظهر حال العلم الّذي هو من الصفات الذاتيّة، و هو عبارة عن حضور الذات للذات، و هذا معنى قولهم عليهم السلام: عالم إذ لا معلوم (1)، إذ ليس المعلوم بالذات، إلا نفس الذات، و كذا تبيّن حال العلم بعد الإيجاد فانّه عبارة عن نفس ارتباط المجعول بالذات الّذي هو أتمّ أنحاء حضور شي‌ء لشي‌ء، و إلا فلا تغيّر و لا انتقال و لا سنوح حالة في ذاته الأقدس تعالى و تقدّس.

و أمّا الإرادة:

فمعناها العام هي المحبة و الرضا و الابتهاج، و حيث إنّ الواجب تعالى صرف الوجود فهو صرف الخير، إذ الوجود كله خير بالذات، و إلا لزم صحة ما ذهبت إليه الثنوية من لزوم مبدءين: فاعل الخيرات و فاعل الشرور، بملاحظة أنّ الخير المحض لا يصدر منه الشر، فإذا كان الواجب صرف الخير، و الخير هو الملائم و الموجب للابتهاج و يكون لذيذاً و محبوباً، فهو تعالى مبتهج بذاته أتمّ ابتهاج، و حيث إنّ كل ما كان مبدأ لانتزاع وصف اشتقاقي بذاته، فهو منشأ لانتزاع مبدأ الوصف، فهو مبتهج و مبتهج و ابتهاج، و راض و مرضي به و رضا، كما أنّه عالم و معلوم و علم، و هكذا، و في هذه المرتبة لا مراد إلا ذاته، و حيث إنّ ذاته تعالى صرف الوجود، فهو كل الوجود، فكل وجود مراد في مرتبة ذاته بمرادية ذاته لا بمرادية أخرى.

نعم ينبعث من هذه الإرادة الذاتيّة إرادة في مرتبة الفعل الإطلاقي بواسطة أنّ من أحبّ شيئا أحبّ آثاره، و ليس لفعله الإطلاقي على ما قرر في محلّه إلا حيثية الفقر و الارتباط و الظلّيّة و الحكاية، فليس بما هو هو شيئا بالاستقلال، فكما أنّه


1) التوحيد: ب 2، ح 14، ص 57، الطبع الحديث.

ليس إلا عين الربط، فليس هو إلا عين الحضور، و لذا كان هذا علمه تعالى في مقام الفعل، فكذلك ليس مرضيّا به بما هو، بل بما هو حاك و ظلّ، فيكون راضياً و رضاً أيضا.

و هذه إرادة في مقام الفعل، و هذه هي التي من صفات الفعل، لا مطلق إرادته، و هي المعني بها في قوله عليه السلام: خلق اللَّه الأشياء بالمشيّة و المشيّة بنفسها(1)، فانّ هذه المشية الفعلية المنبعثة عن المشية الذاتيّة، و لذا نسب إليها الخلق، و حيث إن موجودية الأشياء باتحاد الفعل الإطلاقي الّذي هو المجعول بالذات، و هو الأمر الواحد معها، فلذا قال عليه السلام: إن الأشياء موجودة بها(2).

و أمّا ما ورد(3)من حدوث المشيّة، فالمراد هي المشية الفعلية، و بعبارة أخرى هي المشيّة التي يكون المراد فيها غيره تعالى.

و أمّا الإرادة التي ليس المراد بالحقيقة هناك إلا نفس ذاته جلّت ذاته، فلا دخل لها بمورد الأخبار.

فإذا عرفت كيفية اتحاد الغاية الداعية و العلم و الإرادة فيه تعالى، فاعلم انّا لمكان نقصاننا ناقصين (4)غير تامّين في الفاعليّة، و فاعليتنا لكل شي‌ء بالقوّة، و لذا نحتاج في الخروج من القوّة إلى الفعل إلى أُمور زائدة على ذواتنا من تصور الفعل و التصديق بفائدته و الشوق الأكيد المميلة للقوّة الفاعلة المحرّكة للعضلات، بخلاف الواجب تعالى، فانّه لتقدّسه عن شوائب الإمكان و جهات


1) التوحيد: ب 11، ح 19، ص 148، لكن في المصدر: خلق اللّه المشية بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشية.

2) يعني في قوله عليه السلام: خلق الأشياء بالمشية.

3) التوحيد: ب 11، ح 18، ص 147، و في ب 55، ح 1، ص 336.

4) هكذا في الأصل، و الظاهر« ناقصون».

القوّة و النقصان، فهو فاعل و جاعل بنفس ذاته العليمة المريدة القادرة، ففاعليته أتمّ أنحاء الفاعليّة، فالنظام التام الإمكاني صادر عن نظامه المرضي به المعقول الربّاني، و هو أحد الأسرار في عدم إمكان نظام أشرف من النظام الموجود.

فالعلم بمعناه العام موجود في الواجب و الممكن، غاية الأمر أنّه تارة وجود واجبي، و أُخرى جوهر عقلاني، و ثالثة جوهر نفساني، و رابعة كيف نفساني، و هكذا الإرادة معناها العام أمر واحد في الواجب و الممكن يعبّر عنها بالابتهاج و الرضا فيه تعالى و بالشوق فينا.

و لا نعني بالفعل الاختياري إلا الفعل الصادر عن شعور و رضا من الفاعل، لا عن العلم بلا رضا، و إلا لكان الرطوبة الحاصلة بمجرد تصوّر الحموضة، و السقوط الحاصل بمجرد تصوّره على حائط دقيق العرض اختيارياً، و لا عن موافقة الفاعل بلا شعور، و إلا لكان جميع الآثار و المعاليل الموافقة لطبيعة مؤثراتها و عللها اختياريّةً.

فهذا هو السبب في تعبير الحكماء عن إرادته بالعلم بنظام الخير، فانّهم بصدد ما به يكون الفعل اختياريا، و هو ليس مجرد الملاءمة و الرضا المستفادين من نظام الخير، بل بإضافة العلم و إلا فمفهوم الإرادة غير مفهوم العلم، كما يظهر لمن تصفح كتبهم.

و بعد هذا فلا يعقل رجوع مفهوم إلى مفهوم، لأنّ الماهيات مثار المغايرة، و لا ترتّب حقيقة إحداها على الأُخرى، إذ الحقيقة واحدة هناك، فلا يعقل ترتّب حقيقة صفة على حقيقة صفة أُخرى.

و الغرض من هذا الإطناب بيان أنّ مفهوم الإرادة غير مفهوم العلم، و أنّ كليهما ينتزع عن نفس ذاته المقدّسة على حدّ سواء، من غير ترتّب، فما به الرضا و هو العلم متّحد فيه تعالى مع الرضا، و لذا قال السيد العلّامة الداماد ما لفظه:

«مجعولاته مرادة له، و نظامها الصادر عنه مرضي لذاته لا على سبيل أن يعلمها

ثم يرضى بها، بل على سبيل أنّ نفس علمه بنظامها الجملي الفاضل رضاه بها و اختياره إياها(1)» إلى غير ذلك مما في كلمات أساطين الحكمة و المعرفة ممّا يدلّ على تغاير المفهومين و اتحادهما مع الذات.

و أمّا رجوع حقائق الصفات بعضها إلى بعض في ذاته تعالى، ففي العلم و الإرادة على نهج واحد، فكما أنّ حقيقة علمه بذاته راجعة إلى وجوده و موجوديته لنفسه، كذلك حقيقة إرادته الذاتيّة عبارة عن خيريّته لنفسه، و صرف الخير ليس إلا صرف الوجود، فحيثية الموجوديّة لنفسه راجعة إلى حيثيّة الخيريّة لنفسه، و حيثية الخيريّة لنفسه عين حيثية الموجودية لنفسه، فكما أنّ إرادته راجعة إلى علمه، كذلك علمه راجع إلى إرادته و رضاه، و كل عين ذاته، و مع ذلك فالمفاهيم مثار المغايرة و الكثرة و لا تصح أن يقال: ليست إرادته إلا مرتبة من علمه، و هو العلم بالأصلح، فافهم و استقم.

[الردّ على من قال بأن الإرادة في المخلوق اعتقاد النّفع لا صفة نفسانية]

و العجب من بعض أعاظم العصر حيث ذهب إلى أنّ الإرادة في المخلوق اعتقاد النّفع لا صفة نفسانية أخرى غير العلم، لوجوه سخيفة زعم نهوضها لإثبات ذلك، و هي و إن كانت بديهية البطلان عند أهل النّظر، لكن لا بأس بالإشارة إليها و إلى دفعها.

منها: انّ الإرادة لو كانت صفة نفسانية غير العلم لكان ترتّب فعل عليها دون فعل آخر ترجيحاً بلا مرجّح، حيث إنّ الإرادات جميعها متحدة بالسنخ و لا اختلاف بينها إلا بالمشخصات الوجودية بخلاف العلم، فانّ تغاير أفرادها بتغاير متعلقاتها فلو ترتب متعلّقه عليه دون ما لم يتعلّق به لم يكن ترجيحاً بلا


1) القبسات، القبس الثامن ص 214.

مرجّح، و لا مجال لقياس الصفة النفسانيّة بالعلم، من حيث تمايزها بتغاير متعلقاتها، لأنّ معنى تعلّقها بفعل تأثير الصفة النفسانيّة فيه، فلو توقّف تأثيرها على تمايزها، لزم الدور، هذا.

و أنت خبير بأنّه ناش عن عدم تصوّر حقيقة الإرادة، إذ من الواضح أنّ الإرادة كالعلم تشخصها بتشخّص ما تعلّقت به في مرتبة وجودها النفسانيّ و ترتب الفعل الخارجي من آثار تشخّص الإرادة بتعلّقها بما يترتّب عليها في مرتبة وجودها، لا أنّ الترتب المزبور عين تعلّق الإرادة بالفعل، و بالجملة الشوق كالعلم لا يتحقّق في النّفس إلا إذا تعلّق في هذه المرحلة بما يشتاقه الإنسان، و هذا بمكان من الوضوح، إذ الشوق المطلق كالعلم المطلق لا وجود له حتى يلزم من ترتب فعل خاص عليه الترجيح بلا مرجّح.

و منها: أنّ الإرادة مشروطة بالقدرة، فإن كانت عين العلم بالصلاح عند الإشراف على الفعل بإعمال مقدماته صح هذا الاشتراط، لأنّ الفعل حيث إنّه محال، فلا إشراف على الفعل، فلا ينتزع من الاعتقاد الخالي عن الإشراف على الفعل عنوان الإرادة، إذ لا يعقل الانتزاع مع عدم منشأ الانتزاع، و أمّا لو كانت صفة نفسانية فلا وجه للاشتراط إلا توهم لغوية الإرادة، و لغويتها و عدمها غير ملحوظة فيها، و إلا لزم سبق إرادة أُخرى للحاظ حال الإرادة فتسلسل، لأنّ المفروض أنّ الإرادة تابعة في التحقق لعدم لغوية نفسها.

و فيه: أنّ الإرادة و هو الشوق الأكيد المحرك للقوّة الفاعلة لا تنقدح في نفس العاقل الملتفت إلى استحالة الفعل، إذ الشوق المزبور لا يكاد يحصل إلا بعد مباديه، و منها التصديق بفائدة عائدة إلى جوهر ذات الفاعل أو قوّة من قواه، و مع الالتفات إلى الاستحالة لا تصديق و لو احتمالًا بفائدة عائدة، فهذا هو السرّ في اشتراط الإرادة بقدرة المراد لا ما أفاده المورد فلا تغفل.

و منها: أنّ مناط اختيارية الفعل صدور الفعل لأجل خيريّته، و الاضطراري

بخلافه، فإن كانت الإرادة هو الاعتقاد بالنفع و الخيريّة، فلا إشكال لصدور المراد بتبع خيريّته التي علم بها، و أمّا لو كانت صفة نفسانية فصدور الفعل بواسطة تلك الصفة، و إن انقلب العلم بالصلاح إلى العلم بالفساد فلا يكون الفعل الاختياري دائماً صادراً بتبع خيرية الفعل.

و فيه: ما عرفت أن بقاء الشوق المتأكد النفسانيّ تابع لبقاء التصديق بالفائدة العائدة، كما أنّ حدوثه تابع لحدوثه، فلا يعقل بقاء الإرادة المحصّلة للفعل مع انقلاب العلم بالصلاح إلى العلم بالفساد مضافاً إلى ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في بيان ملاك اختيارية الفعل فانتظر.

تتمة

الإرادة تنقسم إلى تكوينية و إلى تشريعية. و المقابلة باعتبار تعلّق الأولى بفعل المريد بنفسه، و تعلّق الثانية بفعل الغير، أعني المراد منه.

و توضيح المقام: أنّ فعل الغير إذا كان له فائدة عائدة إلى الشخص فينبعث من الشوق إلى تلك الفائدة شوق إلى فعل الغير بملاحظة ترتّب تلك الفائدة العائدة إليه، و حيث إنّ فعل الغير بما هو فعل اختياري له ليس بلا واسطة مقدوراً للشخص، بل بتبع البعث و التحريك إليه لحصول الداعي للغير حينئذٍ، فلا محالة ينبعث للشخص شوق إلى ما يوجب حصول فعل الغير اختياراً و هو تحريكه إلى الفعل، فالإرادة التشريعية ليست ما تعلّق بالبعث و التحريك فانّهما من أفعاله، بل الشوق المتعلّق بفعل الغير اختياراً، و أمّا إذا لم يكن الفعل الغير فائدة عائدة إلى الشخص، فلا يعقل انبعاث الشوق النفسانيّ إلى فعل الغير حينئذٍ، بداهة أنّ الشوق لا يكون بلا داع.

نعم ربما يكون إيصال النّفع إلى الغير بتحريكه أمراً أو التماساً أو دعاءً ذا فائدة راجعة إلى الشخص، فحينئذٍ ينبعث الشوق إلى إيصال النّفع بالبعث

و التحريك، و لا وجه لعدّ مثل هذه الإرادة تشريعية، فانّ متعلّقها إيصال النّفع إلى الغير بتحريكه، و هو فعل نفسه لا فعل غيره، هذا كلّه فينا.

و أمّا في الواجب تعالى، فسيأتي تحقيق الأمر في طيّ الجواب عن استدلال الأشاعرة القائلة بالمغايرة بين الطلب و الإرادة.

ثانيها في حقيقة الإنشاء و الوجود الإنشائي
اشارة

و قد اختلفوا في حقيقتهما غاية الخلاف، فعن جماعة أنّ الكلام الإنشائيّ قول قصد به ثبوت المعنى في نفس الأمر و ارتضاه شيخنا الأستاذ دام ظله (1).

و تقريبه: أنّ المراد بنفس الأمر ليس هو الخارج، إذ ربما لا يكون سنخ المعنى سنخ الأمور الخارجية، مضافاً إلى عدم معقولية علّية اللفظ لوجود أمر في الخارج، و منه علم أنّه لا يراد منه الذهن أيضا، حيث إنّ اللفظ ليس يعقل أن يكون بنفسه علّة لوجود معنى ذهني، و الانتقال من سماع الألفاظ إلى المعاني لا ربط له بعلّية اللفظ لوجود المعنى في الذهن، بل من جهة الملازمة الوضعيّة بين اللفظ و المعنى، فتصوّر اللفظ من جهة سماعه مستلزم لتصوّر المعنى، لا أنّ اللفظ علّة له، مضافاً إلى عدم اختصاص هذا المعنى بالألفاظ الإنشائيّة، بل جار في جميع الألفاظ الموضوعة، و حينئذٍ فالمراد بنفس الأمر حدّ ذات الشي‌ء من باب


1) و هو المحقّق الخراسانيّ( قدّس سرّه) في كفاية الأصول ج 1، في بحث اتحاد الطلب و الإرادة، و في الفائدة الأولى من فوائده صلى اللَّه عليه و آله 275.

وضع الظاهر موضع المضمر.

و حاصله أنّ الكلام الإنشائيّ قول قصد به ثبوت المعنى في حدّ ذاته على حدّ ثبوت الزوجية للأربعة في ذاتها في قبال ثبوتها للخمسة، فانّه لا يكون إلا بمجرد الفرض، فاللفظ منشأ لانتزاعه و مورد لاختراعه بواسطة الوضع، فإذا أراد المستعمل أن يستعمل اللفظ على طبق ما وضع له، فلا بدّ له من ذكر اللفظ، قاصداً به ثبوت المعنى في حدّ ذاته، فبهذا اللفظ المقصود به المعنى كذلك يحصل المعنى على حدّ تحقق سائر الأمور الانتزاعية بوجود مناشئ انتزاعها، غاية الأمر أنّ منشئية شي‌ء للانتزاع تارة حقيقية و أخرى جعلية، كما فيما نحن فيه.

و منه يتضح أنّ لازم ما ذكر ليس قصر الإنشاء على الأمور النّفس الأمرية دون ما يكون من الأمور العينية.

وجه الاتضاح أنّ المفهوم و إن كان مطابقه من الأمور الخارجية التي حيثية ذاتها حيثيّة طاردية العدم، لكن هذا المفهوم إذا قصد ثبوته باللفظ في ذاته كان بواسطة العلقة الوضعيّة عند العرف و العقلاء أمرا ثابتا بثبوت اللفظ بمعنى أنّه كلّما ينظر إلى اللفظ المقصود به ذلك انتزع منه المعنى، إذ كما أنّ المعنى المتأصل و الاعتباري قد يوجدان بوجودهما الحقيقي، فيترتب عليهما الأثر المرغوب منهما، و قد يوجدان بوجود فرضي لا يترتب عليهما شي‌ء، كذلك ربما يوجدان بوجود إنشائي، و حاقّ حقيقة الوجود الإنشائي ثبوت المعنى بتبع قصد ثبوته باللفظ، فكما أنّ الوجود الفرضي نحو وجود في المتأصل و الاعتباري معاً، فكذلك الوجود الإنشائي نحو وجود فيهما معاً، و لا يذهب عليك أنّه لا دور بناءً عليه، بتوهم أنّ رمي المعنى و تفهيمه يتوقف على سبق المعنى، و وجوده باللفظ دليل على تأخّره عن المستعمل و الاستعمال، و هو توهم سخيف، إذ المعاني في حدود ذواتها، لا تتوقف على شي‌ء، نعم ثبوتها الإنشائيّ المتحقق بالإنشاء موقوف على الإنشاء، و المعنى الموضوع له هو نفسه، و الإنشائيّة من خصوصيات هذا الاستعمال، كما

سننبّه عليه إن شاء اللّه تعالى. هذه غاية ما يمكن أن يقال في تقريب هذا الوجه.

قلت: جميع الماهيات متأصّلة كانت أو اعتبارية، بعد مرتبة تقرر ذواتها التي ليست هي في تلك المرتبة من حيث هي إلا هي، لا موجودة و لا معدومة، لها نحوان من الوجود، أحدهما: الوجود النوري الإدراكي، ثانيهما: الوجود العيني الخارجي، غاية الأمر أنّ الموجود العيني ربما يكون له مطابق في الأعيان، و ربما يكون من حيثيات ما له مطابق في الأعيان، و يعبّر عن الأخير تارة بالوجود النّفس الأمري، و أخرى بوجود الشي‌ء بتبع وجود منشأ انتزاعه، و ليس للماهيات مطلقاً غير هذين النحوين من الوجود.

نعم ربما يقال للشي‌ء، وجود في اللفظ، و وجود في الكتابة، لكن هذين النحوين من الوجود غير ذينك النحوين، حيث إنّ الوجود الإدراكي النوري و الوجود العيني حقيقةً وجود لنفس الماهية، و عين كونها في الذهن و الخارج، بخلاف هذين النحوين، فإنّهما أوّلًا و بالذات وجود خارجي للّفظ و الكتابة، لكن بواسطة الجعل و المواضعة و التنزيل ينسبان إلى الماهية بالعرض، لا أنّ الماهية موجودة حقيقةً باللفظ، إذ لو أريد العينية، لزم كون شي‌ء واحد جوهراً و عرضاً، إذا حكى عن معنى جوهري.

و لا يندفع بما ذكر في التفصّي عن هذا الإشكال في الوجود الذهني، من كونه عرضا بالحمل الشائع، و جوهراً بالحمل الأوّلي، و ذلك لأنّ مفهوم الماء مسلوب عن لفظ الماء بالحمل الأوّلي، و لو أريد الآلية و سببية وجود اللفظ لوجود المعنى منفصلًا في الخارج أو الذهن، لزمت المحاذير المتقدمة، مضافاً إلى أنّ هذا المعنى من الوجود، سواء أريد منه العينية أو الآلية، لا اختصاص له بالمعاني الإنشائية.

فاتضح ممّا ذكرنا أنّ وجود المعنى بنحو من أنحاء الوجود، بحيث يكون

وجوداً له لا للفظه المنزّل منزلته، لا معنى له إلا الوجود الإدراكي و الوجود الخارجي بقسميه، فالمراد من قصد ثبوت المعنى باللفظ، إن كان قصد ثبوته حقيقة، بتبعية ثبوت اللفظ، كما توجد الفوقية بتبع وجود الشي‌ء في الحيّز العالي، فهو غير معقول، لأنّ المعنى المزبور إمّا يكون من الأمور التي لها مطابق في الخارج، أو ممّا يصح انتزاعه ممّا له مطابق في الخارج، و المراد بقصد ثبوته، إمّا ثبوته في الخارج بأحد القسمين، أو ثبوته في الذهن، و على أي تقدير يتوقف وجوده العيني على حصول مطابقه، أو مطابق ما ينتزع عنه في الخارج، و وجوده الذهني على تصوّره لا على وجود اللفظ، و القصد إلى ما لا يعقل غير معقول، و إن كان قصد ثبوته بثبوت اللفظ، و مرجعه إلى قصد وجوده اللفظي، فهو جار في جميع المعاني الخبرية، و الإنشائية و المفردة و المركبة، من غير اختصاص بالمعاني الإنشائيّة، اللّهم إلا على وجه وجيه سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيانه.

و من هنا ظهر أنّ منشئيّة اللفظ المقصود به ثبوت المعنى، لنفس المعنى، أو منشئية اللفظ لنفس المعنى، و إن كانت ممكنة بالجعل، لكن الأوّل غير معقول، لأنّ المنشأ أمر غير معقول، حيث لا يعقل قصد ثبوت المعنى كما ذكرنا، و الثاني معقول، لكن لا دخل له بالمعاني الإنشائيّة كما عرفت.

فان قلت: ما ذكرت من استحالة القصد إلى ثبوت المعنى في الخارج، إنّما يكون إذا أريد منه الإرادة التي لا تتعلّق بالمحال، و أمّا إذا أريد منه البناء على ثبوته باللفظ، فلا استحالة كما يظهر بالتأمّل في موارد التشريعات، و التنزيلات، فإن تعلّق الإرادة الجدية بها- مع القطع بالخلاف- غير معقول، فليس هناك إلا البناء، فكذا هنا، فالكلام الإنشائي قول بني على ثبوت المعنى به في الخارج، و إن لم يتحقق في الخارج، بل و إن لم يعقل تحققه في الخارج، أو يقال إنّ مدلول الكلام الإنشائي، إيقاع النسبة في النّفس، و هو من الأفعال

القلبية، و لا دخل له بالإرادة و غيرها، و الكلام الإنشائي حاك عن ذاك الفعل القلبي، كالبناء حيث إنّه أيضا فعل قلبي.

قلت: قد ذكرنا في مبحث المشتق، شطراً وافيا بالمرام ممّا له نفع تام في المقام، و هو أنّ إيقاع النسبة و البناء و غيرهما، ممّا يعد من أفعال القلوب، غير داخلة في الجواهر و الأعراض، إذ المتوهّم كونه من مقولة الكيف النفسانيّ، أو الفعل المعدود من الأعراض، و ليس من الأول في شي‌ء، إذ المفروض أنّ نسبة النّفس إليه بالتأثير و الإيجاد، لا بالقبول و الانفعال، مضافاً إلى أنّ الكيفيات النفسانيّة معدودة، و ليس ما ذكر منها، و كذا ليس من الثاني في شي‌ء، إذ مقولة الفعل المعبّر عنها بمقولة أن يفعل، في قبال مقولة الانفعال، المعبر عنها بمقولة أن ينفعل، عبارة عن حالة التأثير التجددي للمؤثر ما دام يؤثر كالتسخين في المسخّن ما دام يسخن، كما أنّ مقولة أن ينفعل عبارة عن حالة التأثر التجدّدي للمتأثر ما دام يتأثر، كالتسخّن للمتسخّن ما دام يتسخّن.

و من المعلوم أنّ المقام ليس كذلك، إذ ليس هنا أمران لهما حالتان كذلك، و أمّا ما يعدّ عرفا من الأفعال، كالضرب و الأكل و الشرب، فمركب من مقولات حقيقية يسمّى عرفا بالفعل، كما لا يخفى، فليس الإيقاع المزبور- كسائر ما يعدّ من أفعال القلوب- من جنس المقولات، بل يكون ضرباً من الوجود الإدراكي، الّذي نسبة النّفس إليه بالتأثير و الإيجاد لا بالقبول و الانفعال، و حينئذٍ فلا يضرّ عدم اندراجه تحت مقولة من المقولات، إذ المقولات أجناس عالية للماهيات، و الوجود ليس بجوهر و لا عرض.

و قد ذكرنا في مبحث المشتق، أنّ هذا النحو من الوجود الإدراكي داخل في العلوم الفعلية، دون الانفعالية المعدودة من الكيف المنقسمة إلى التصوّر و التصديق، و ذكرنا هناك أنّ هذا المعنى ممّا نصّ عليه المحققون، خصوصاً صدر المحققين، و لا سيما في رسالة التصوّر و التصديق.

فإذا حققت ذلك و علمت أنّ الإيقاع و البناء، ضرب من الوجود الإدراكي، فاعلم أنّه لا يعقل مساس لهذا الوجود النوري الإدراكي باللفظ، إذ معنى قصد ثبوت المعنى باللفظ، أو الإيقاع به، إن كانت آلته اللفظ للبناء و الإيقاع، فهو غير متصوّر، إذ ليس اللفظ من مبادئ تحقق ذاك الوجود الإدراكي، و لا يحتاج النّفس في الإيجاد و التأثير و الخلّاقيّة إلى ذكر اللفظ، و إن كانت حكاية اللفظ عنهما، بكون اللفظ الإنشائيّ، وجوداً لفظياً لهما، فهو أيضا محال، لما أشرنا إليه في مبحث المشتق، من أنّ الوضع للانتقال من سماع اللفظ إلى الموضوع له، و هو انّما يعقل إذا كان الموضوع له قابلًا للحصول في المدارك الإدراكية و الوجود مطلقاً لا يقبل ذلك، سواء كان المعروض من سنخ العارض كما فيما نحن فيه أولا، فافهم و اغتنم.

[في بيان فروق أخر بين الإخبار و الإنشاء]

و عن بعض الأعلام ممن قارب عصرنا «قدّس سرّه»(1)وجوه أخر في بيان الفرق بين الإخبار و الإنشاء.

منها: أنّ صيغة افعل مثلا لإظهار الإرادة النفسانيّة، و أريد الفعل للإخبار عنها، و الفرق بين الإظهار و الإخبار، كالفرق بين مداليل الكلام، و مداليل النصب و الاعلام، فالأوّل كقولك: دخل الوقت، و الثاني كقول المؤذن في مقام الإعلام بدخوله: اللّه أكبر، فالأوّل إخبار يقبل الصدق و الكذب، بخلاف الثاني، و إن كانا متحدين في جهة الكشف، و هكذا الأمر في سائر الإنشاءات، فانّ جميعها موضوعة لإظهار التمنّي، و الترجّي، و طلب الفهم، و نحوها.


1) هو المحقق الرشتي في بدائع الأفكار، في بحث الطلب و الإرادة، ص 260.

و فيه: انّ الإخبار و الحكاية، و الإرادة و الإظهار، و الإعلام، كلّها إنشاءات عرفاً، أي لا واقع لها وراء نفسها، و ليس قبول الإخبار للصدق و الكذب، باعتبار نفسها، بل بلحاظ المخبر به، إذ الجملة الخبرية لم يستعمل في الإخبار بل في معاني مفرداتها، و الإخبار انّما هو فعل المتكلّم بتلفظه بالجملة الخبرية بعنوان الحكاية، فالإنشائيّة بهذا المعنى غير مختص بعنوان الإظهار، مضافا إلى ما عرفت من ان الإظهار كالاخبار ليس بمستعمل فيه، حتى يكون مفهوم الصيغة إظهار الإرادة، بل الإظهار انما هو بالصيغة كسائر الألفاظ، حيث انها مما يظهر بها معانيها، و يكشف بها عنها، فلا محالة يحتاج اللفظ إلى معنى و هو على هذا البيان ليس إلا الإرادة، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ما فيه.

و أمّا الفرق بين مداليل الكلام، و مداليل النصب و الاعلام فواضح جداً، لكن الفارق ليس هو الإظهار و الاخبار، بل بالكشف عن دخول الوقت مثلًا في الأول، باستعمال اللفظ في معناه الّذي هو عبارة عن تحقق دخول الوقت، و في الثاني باستعمال اللفظ في معناه الحقيقي، أو مجرد القراءة، لكن داعي المستعمل أو القاري إعلام الناس بدخول الوقت، فهو باستعمال اللفظ في معناه أو بقراءته، يخبر عن دخول الوقت، فهو من باب ترتّب العنوان الثانوي على اللفظ المستعمل في معناه، لا من باب استعمال اللفظ في هذا المعنى، و الكلام في معنى الصيغة المستعملة فيه.

و منها: ما هو أضعف من الأول، و هو استعمال الصيغة كقوله: أريد منك الضرب، اخبار في تحقق الإرادة في النّفس، لكن قد اعتبر في الأول وضعا ترتّب البعث على الكاشف عن ثبوت الإرادة، بخلاف الثاني، فانّ ترتّبه عليه غير ملحوظ في الوضع و إن كان مترتباً قهراً.

و فيه: ان عدم الفرق بين الإنشاءات، و غيرها، لا في المعنى المستعمل فيه، و لا في ناحية الاستعمال، بل بمجرد الداعي بعيد في الغاية، على ما لا يخفى

على أولي الدراية.

و منها: أنّ الصيغة موضوعة لنفس إرادة المادة، من غير دلالة على ثبوتها، و وجودها في نفس المتكلّم، بخلاف: أريد منك الضرب، فانّه دال على وجودها، فالفرق بين الإخبار و الإنشاء، دلالة الأول على الثبوت و اللاثبوت، بخلاف الثاني، فانّه دال على مجرد الإرادة المضافة إلى الضرب، فيكون حاله حال الألفاظ المفردة، نعم ثبوت الإرادة عند التلفظ بالصيغة بملاحظة ظهور حال المتكلّم.

و فيه: أنّه مخالف للوجدان، فانّ لازمه مرادفة اضرب لقولنا: إرادتي منك الضرب، و هو مما لا يصح السكوت عليه بنفسه.

و عن بعض نحارير الوقت (1)وجه آخر في الفرق بين الاخبار و الإنشاء، و هو ان صيغة افعل بعد ما اعتبرت إيجاداً و إصداراً للمادة، من قبل المتكلّم، في مقام الوضع، يضعها الواضع للإصدار الاعتباري الّذي ليس إلا نفس اللفظ المزبور، فاللفظ في مقام الاستعمال مستعمل في نفسه، و حاك عن نفسه بلا واسطة، و التغاير بين الدالّ و المدلول اعتباري، فاللفظ باعتبار كونه من مقولة اللفظ دال، و باعتبار كونه منزلا منزلة الإصدار الحقيقي مدلول، و حيث إن الإصدار الحقيقي و الإيجاد الواقعي المتعلق بفعل الغير يدل على علّته، و هي الإرادة الفعلية على حد دلالة المعلول على علّته، فكذا ما نزّل منزلته يدل دلالة عقليّة على تعلّق الإرادة بفعل الغير، بخلاف مثل أريد و أقصد، فانهما يدلان على ثبوت الإرادة بلا واسطة و بالدلالة الوضعيّة، و انما سمي الأول إنشاءً، لكونه إيجاداً و إصداراً تنزيلياً، لا باعتبار جهة كشفه عن إرادة فعل


1) هو المحقق الملا علي النجفي النهاوندي، في تشريح الأصول، عند البحث عن كيفية وضع الاخبار و الإنشاء( ص 42- 47) و عند البحث عن مادة الأمر( ص 96- 98 من طبعة طهران بسنة 1320).

الغير الموجودة في أريد و أقصد، و أما سرّ وضع الصيغة الدالة بالواسطة على الإرادة، مع وجود ما يدل عليها بلا واسطة كأريد و أقصد، فلان الإرادة المكشوف عنها بمثل أريد و أقصد، يحتمل كونها إرادة ناقصة شأنية غير مؤثرة، بخلاف المكشوف عنها بأفعل، فانّ الإصدار و الإيجاد لا يتحققان إلا بعد تنجّز الإرادة و عدم المزاحم، و هكذا في سائر الإنشاءات، فان حرف الاستفهام أيضا نزّل منزلة إصدار تفهيم الغير، وضع لنفسه على ما ذكر، و صيغ العقود بعد ما نزّلت منزلة إيقاع مضامينها، وضعت لنفسها للدلالة على التراضي بمفادها.

قلت: إن كان الموضوع له و المستعمل فيه نفس اللفظ الّذي هو إصدار تنزيلي فلا معنى للاستعمال و الوضع، إذ فائدة الوضع و الاستعمال تفهيم المعاني بواسطة الألفاظ، فرمي اللفظ في مقام الاستعمال، بملاحظة الانتقال إلى المعنى، بواسطة الانتقال إلى اللفظ بسماعه، فلو لم يكن هناك وراء اللفظ المنتقل إليه شي‌ء، لا معنى للوضع و الاستعمال، إذ الانتقال إلى اللفظ متفرع على سماعه، سواء كان هناك وضع، أولا؟ و المفروض على ما هو صريح كلامه زيد في إكرامه، ان المدلول نفس اللفظ و هذا هو السر في عدم إمكان اتحاد الدال و المدلول ذاتاً في مورد فرض الدلالة و الحكاية، و أمّا التغاير الاعتباري لو لم يوجب تعدد الانتقال، فهو أيضا غير نافع، و المفروض هنا عدمه، إذ ما هو إصدار و تحريك بالحمل الشائع، هو نفس اللفظ لا انّ عنوان الإصدار و نحوه مدلول كما لا يخفى.

و بالجملة: بعد اعتبار اللفظ إصدارا، لا حاجة إلى وضع اللفظ بإزاء نفسه، إذ لا معنى لتنزيل اللفظ منزلة الإيجاد عنده، إلا البناء على ذكر اللفظ عند إرادة إيجاد المادة تسبيبا، فلا يبقى مجال للوضع، مع أنّه بلحاظ الفائدة المترتبة على الوضع غير معقول.

نعم وضع اللفظ بإزاء حقيقة البعث و التحريك، ليكون اللفظ تحريكاً تنزيلياً بالوضع أمر معقول، سيأتي الكلام في تقريبه إن شاء اللّه تعالى.

و إن كان الموضوع له و المستعمل فيه نفس الإرادة، غاية الأمر أنّ الدال عليها في الصيغ الإنشائيّة، دالّ مخصوص من حيث كونه منزّلًا منزلة التحريك الحقيقي، فالإيراد السابق مدفوع عنه، إلا انه مع منافاته لظاهر كلماته في غير مورد، مدفوع بان دلالة المنزّل منزلة الإيجاد على الإرادة الإيجادية عقلية فلا مجال للوضع، مع ان اللازم عدم الفرق بين الإنشاءات و الإخبارات لا في ناحية المستعمل فيه، و لا في ناحية الاستعمال، إلا في الدوال عليها، و هو مع كونه خلاف الوجدان، مخالف لكلمات الكلّ، أو الجل من الأعيان.

و التحقيق: أنّ المعنى بما هو هو، ليس إلا هو لا خبر و لا غير خبر، و اما النسب بما هي نسب، فربما تتفاوت سنخاً بحيث يقبل بعضها لحاظ مطابقتها و عدمها مع الخارج، و أخرى لا تقبل ذلك، فمن الثانية النسبة الإنشائيّة التي هي مفاد هيئة افعل، و من الأولى مفاد بعت و ملكت و نحوها القابلة للخبريّة و الإنشائيّة.

فنقول موضحاً لكلتا الطائفتين: اما مفاد هيئة افعل، فهو البعث و التحريك المأخوذ على وجه المعنى الحرفي، بيانه: ان البعث و التحريك و نحوهما مفاهيم معروفة، فقد يريد المتكلّم الحكاية عن نسبتها إلى نفسها أو غيره فيقول:

أبعثك، و أحرّكك، أو بعثك و حركك، و قد يلاحظ نفس البعث و التحريك، من حيث انهما أمران بين الفاعل و المادة و المأمور، فيجعل اللفظ بإزائه، فما وضع له اللفظ، و المستعمل فيه سنخ نسبة، لا يعقل قبولها للحاظ المطابقة، إذ البعث و التحريك بما هما بعث و تحريك، لا واقع لهما وراء نفسهما، فإذا جعل مثلهما نسبة متعلّقة بالمادة بملاحظة ما ذكرنا، من أنها أمر بين الآمر و المأمور و المادة،

فلا يقبل لحاظ المطابقة و عدمها، إذ المعنى النسبي البعثي سنخ نسبة واقعها نفسها، كسائر الأفعال الخارجية، بخلاف نسبة قيام البعث بشخص، فانّ نسبة القيام سنخ نسبة يقبل لحاظ مطابقتها للواقع و عدمها.

و بالجملة فالمستعمل بقوله: اضرب، يرمي البعث إلى الضرب، فيكون اللفظ بعثاً تنزيلياً، لكونه وجوداً تنزيلياً بالوضع للبعث و التحريك، الذين يحكي عنهما لفظ البعث و التحريك، غاية الأمر، أنّ المحكي عنه بهما نفس المعنى بلا ملاحظة كونه نسبة بين شيئين، بخلاف المحكي عنه بلفظة أَضرِبُ، فانه ملحوظ بما هو أمر بين المتكلم، و المادة و المخاطب، هذا كلّه بناء على ما هو التحقيق، من ان مفاد هيئة افعل، البعث و التحريك، و ما يساوقهما من المعاني.

و أمّا بناء على ما هو مختار شيخنا العلّامة(1)أدام اللّه أيامه، من ان مفهوم الصيغة، هو الطلب الإنشائيّ المتعلق بالمادة، فالأمر كذلك بمعنى أنّ المستعمل، يوجد مطلوبية المادة من المخاطب باللفظ لا بتوسط اللفظ، بل بمعنى ان اللفظ حيث نزّل منزلة الطلب المأخوذ على وجه المعنى الحرفي، نسبة بين الآمر و المادة و المأمور، فإذا قصد اللافظ تفهيم المنزّل عليه و رميه، فيرميه برمي وجوده اللفظي، و صحة السكوت في الإنشاءات مترتبة على ما يترتّب عليه الأثر، بحيث لا تبقى حالة منتظرة للسامع في ترتيب الأثر عليه، و الإنشاءات المأخوذة فيها النسب الإنشائيّة كذلك، حيث انها وضعت ليكون باعثا للمخاطب هذا لكن سيأتي إن شاء اللّه تعالى انّ التحقيق كون مفاد افعل، البعث و نحوه، لا الطلب الإنشائيّ، هذا كلّه في مفاد هيئة افعل.


1) هو المحقق الخراسانيّ في كفاية الأصول ج 1، في الفصل الثاني فيما يتعلّق بصيغة الأمر، و في الفائدة الأولى من فوائده.

و أمّا مفاد بعت و ملكت و نحوهما، فهي موضوعة لنسبة العلقة البدلية، و نسبة الملكية إلى المتكلّم نسبة إيجادية، و هذه النسبة قابلة للحاظ المطابقة و عدمها، بمعنى ان المتكلّم قد يتعلّق غرضه بالحكاية عن النسبة المزبورة باستعمال اللفظ الّذي معناه رمي المعنى و إيجاده بوجود لفظي، و قد يتعلّق غرضه بإيجاد مضمون الجملة فقط، من دون لحاظ الحكاية، و على كلّ تقدير فالمعنى نسبة البيع و الملكية نسبة إيجادية، غاية الأمر أنّ إيجادها بوجودها اللفظي تارة بعنوان الحكاية، و أخرى بلحاظ نفس وجودها وجودا تنزيليّاً، يترتّب عليه الآثار عرفاً و شرعاً، و على الأولى تتصف بالصدق و الكذب دون الثاني، و إلى هذا يرجع قول من قال: ان الكلام الإنشائيّ قول قصد به ثبوت المعنى في نفس الأمر، فان المراد ثبوت المعنى ثبوتاً لفظياً، و هو ثبوته التنزيلي، لا ثبوته منفصلًا بآليّة اللفظ، و انما قيّدوه بنفس الأمر، مع ان وجوده اللفظي خارجي، بملاحظة ان اللفظ في جميع نشئات وجوده، وجود تنزيلي للمعنى، فكما انه بوجوده الخارجي من أنحاء وجود المعنى بالتنزيل و الاعتبار، فكذلك بوجوده الظلّي الذهني، فكأنّ المعنى بواسطة العلقة الوضعيّة ثابت في مرتبة ذات اللفظ، بحيث لا ينفك في مرحلة من مراحل الوجود عنه، فافهم و استقم.

ثم انه اتضح مما ذكرنا للمتأمل، ان تكرار الإنشاء ليس لفظاً بلا معنى، و لغوا محضا بملاحظة ان البعث تحقق بالأول، فلا مجال له بعد حصوله، و كذلك العلقة البيعيّة بعد حصولها بالإنشاء الأوّل لا مجال لحصولها ثانياً، لكن بعد ما عرفت ان وجود المعنى بالإنشاء عبارة عن وجوده اللفظي المستعمل في معناه، تعرف ان هذا الوجود قابل للتكرار حقيقة إذ تقوّمه برمي المعنى باللفظ المنزّل منزلته، كما في الجمل الاخبارية.

و من هنا تبيّن سرّ إمكان تعلّقه بالمحال، كمطر إلى السماء، و ملّكت السماء، فانّ المحال التسبب الجدّي إلى حركة المأمور على طبق التحريك الإنشائيّ،

و إلى حصول ملكية السماء حقيقة للمخاطب، و أمّا رمي المعنى باللفظ، و إيجاده بوجوده التنزيلي فلا استحالة فيه، و الوجدان أصدق شاهد على أنّ طرو إلى السماء، ليس لفظا غير مستعمل في المعنى، و نحوه ملّكت السماء، كما أنّه ظهر صحة ما احتمله أستاذنا الأعظم و عمادنا الأفخم (1)دام ظله، من اتحاد المعنى في الإنشاء و الإخبار.

و أمّا في مثل صيغ العقود، و نحوها فقد عرفت حالها، من أنّ المعنى نسبة إيجاد المضمون إلى المتكلّم، غاية الأمر أنّ المتكلّم قد يقصد نفسها، و قد يقصد حكايتها، و أمّا في مثل هيئة افعل، فلما ذكرنا أيضا أنّ البعث مفهوم واحد، غاية الأمر أنّه قد يحكي عن نسبة البعث إلى نفسه، أو إلى غيره، و قد يقصد نفس البعث المأخوذ نسبة، لا الحكاية عن نسبته إلى أحد، فافهم و اغتنم.


1) و هو المحقق الخراسانيّ في كفاية الأصول، في بحث الطلب و الإرادة، و في الفائدة الثانية من فوائده.

ثالثها [منشأ النزاع في مسألة اتحاد الطلب و الإرادة]
اشارة

هذا النزاع، أعني مسألة اتحاد الطلب و الإرادة، و مغايرتهما، نشأ من النزاع في الكلام النفسيّ، حيث استدل الأشاعرة بأنّ الأمر الامتحاني و نظائره، مدلولها الطلب، دون الإرادة، فيعلم ان ما عدا الإرادة و الكراهة في الأمر و النهي معقول، و السرّ في دعواهم ذلك، و الالتزام بالكلام النفسيّ، تصحيح متكلميّته تعالى، في قبال سائر الصفات، مع التحفظ على قدم الكلام، إذ الالتزام بقدم الكلام اللفظي، لا يعقل، مع كونه مركّبا من أجزاء متدرّجة، متقضّية، متصرّمة في الوجود.

ثمّ إنّه بعد ما عرفت انّ النزاع في مسألة الطلب و الإرادة، من تبعات النزاع المعروف بين الإمامية و الأشاعرة في الكلام النفسيّ، تعرف أنّ الالتزام بمغايرة الطلب و الإرادة، أو الالتزام بأنّ مدلول الصيغة، غير الإرادة، غير ضائر، إذا لم يلزم منه ثبوت صفة أخرى في النّفس.

و الكلام في هذا الأمر في مقامين: أحدهما في بطلان الكلام النفسيّ، و ثانيهما في انّ الالتزام بأمر آخر في مدلول صيغة الأمر لا يلزم منه الكلام

النفسيّ، فنقول و من اللّه التوفيق.

أمّا المقام الأوّل: فمختصر القول فيه، انّ أجناس الماهيات، كما برهن عليه في محله، منحصرة في المقولات العشر، أعني مقولة الجوهر، و المقولات العرضية التسع، و ان الوجود الحقيقي الّذي حيثية ذاته، حيثية طارديّة العدم، منحصر في العيني و الذهني، غاية الأمر انّ طاردية العدم، في كل منهما بحسب حاله، و من الواضح ان ما يقبل كلا الوجودين، هي الماهيات، و المعاني التي هي في حدود ذواتها، ليست إلا هي، لا موجودة، و لا معدومة، و أمّا الوجود الحقيقي، فلا يقبل وجوداً آخر، لا من سنخه، و لا من غير سنخه، و الوجه واضح.

فالقائل بالكلام النفسيّ، ان كان يدعي ان سنخه، سنخ الماهية، فالبرهان قائم على انحصار الأجناس العالية في المقولات العشر، فلا بدّ من ان لا يكون خارجاً منها، و حينئذٍ حاله أيضا حال الماهيات، من حيث قبول الوجود العيني و الذهني، فمعنى قيامه بالنفس، امّا قيامه بنفسه، فلا بدّ من ان يكون من الكيفيات النفسانيّة، كالعلم و الإرادة، و نظائرهما، المعدودة في فنّ المعقول من الكيفيات. و إمّا قيامه بواسطة الصورة العلمية، كسائر الماهيات التي نحو حضورها للنفس، بحصول الصورة، لا بأن يكون نفس وجودها العيني، وجودها العلمي، و موجوديتها في الخارج، عين حضورها للنفس، كنفس الكيفيّات النفسانيّة، و ما يشابههما مما سيأتي، فقيامه عين حضور صورته للنفس، فعلى الأوّل، لا مجال لدعوى الكلام النفسيّ، لأن الكيفيات النفسانيّة مضبوطة محصورة، بحسب الدليل، و مدلولية أحدها للكلام اللفظي، بان يدل الكلام اللفظي على علم المتكلّم، بقوله اعلم، و على إرادته و قدرته و شهوته و نفرته و غضبه و فرحه و غيرها، لا ربط لها بالكلام النفسانيّ، كما هو غير خفي، و على الثاني، فالأمر أوضح، لأنّ قيام الماهيات، و المعاني بالنفس، قياماً علمياً، داخل في مقولة العلم، و هو أمر مسلّم بين الطرفين، و الأشعري ربما لا ينكره

أيضا، بل يدّعي انه غير العلم، و انه قائم بالنفس بنفسه، على حدّ قيام الصورة العلمية بالنفس، و من هنا ظهر ان قيام الكلام اللفظي بالنفس بتصوّره، لا دخل له بالكلام النفسيّ، لأن ماهية الكيف المسموع، كماهية الكيف المبصر، مثل البياض و السواد، لها نحوان من الوجود العيني و الإدراكي، فلا ينبغي لعاقل من العقلاء، أن يجعله من الكلام النفسيّ، في قبال الكلام اللفظي، و مدلولًا له.

و إن كان يدّعي ان سنخه سنخ الوجود، فهو كما مرّ منّا مراراً، هنا و في مبحث المشتق، أمر معقول لكن لا يعقل مدلولية مثله للكلام اللفظي، لما عرفت مراراً، ان الوضع، للانتقال من سماع اللفظ، إلى المعنى، و الوجود الحقيقي، لا يقبل الوجود، عينياً كان، أو نورياً و إدراكياً، فلا يعقل الوضع له.

و أمّا أصل معقولية الوجودات النورية الإدراكية التي نسبة النّفس إليها بالتأثير و الوجود، و هو معدود من العلوم الفعلية، في قبال العلوم الانفعالية، المنقسمة إلى التصوّر و التصديق، فالوجدان شاهد على ذلك، فان منه إيقاع النسبة الملازم للتصديق، المقابل للتصور، إذ صورة ان هذا ذاك، مطابقاً لما في الخارج، طابق واقعاً أم لم يطابق، تصديق داخل في الكيف النفسانيّ، لانفعال النّفس، و تكيّفها بالصورة المنتزعة من الخارج و أمّا نفس هذا ذاك، من دون نظر إلى صورة مطابقة للخارج، فهو من منشئات النّفس التي نسبة النّفس إليها، نسبة الخلق و الإيجاد، فهو من موجودات عالم النّفس، و منه الأحاديث النفسانيّة الوجدانية، فان نسبة النّفس إليها بالإنشاء و الإيجاد و نفس وجودها الحقيقي، عين حضورها للنفس، بل هذا حال كلّ معلول، بالنسبة إلى علّته، حيث انّ وجوده، عين ارتباطه بها، و هو أفضل ضروب العلم، إذ ليس العلم إلا نفس حضور الشي‌ء، و هذا أتمّ أنحاء الحضور، و منه سائر الصفات و الكيفيات النفسيّة، فانّ

نحو وجودها في النّفس، نحو معلوميّتها لها، و حضورها عندها، لا بصورة حاصلة، كما لا يخفى على من تفكّر و تدبّر، و إلى ما ذكرنا أشار صدر أعاظم المحقّقين (1)، في غالب كتبه، و خصوصاً رسالته المعمولة في التصور و التصديق.

و مما ذكرنا تعرف، أنّ تخيّل جماعة من الأعلام، انحصار الموجودات النفسيّة، في الكيفيات النفسانيّة كالعلم و الإرادة و نحوها لا وجه له، بل التحقيق، أنّ نسبة النّفس إلى علومه مطلقاً، نسبة الخلق و الإيجاد، كما برهن عليه في محله، و إليه أشار سيد الموحدين عليه السلام، بقوله عليه السلام: كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه، فهو مخلوق لكم، مردود إليكم (2).

ثمّ إنّي لشديد العجب، من بعض الأعلام (3)، ممّن قارب عصرنا، حيث التزم بعدم اشتمال الكلام، على النسبة الحكمية، من الخبرية و الإنشائيّة، نظراً إلى لزوم الكلام النفسيّ، المتّفق على عدم معقوليته، و لعل وجه النّظر، انّ النسبة الإنشائيّة، عبارة عن إنشاء المعنى في النّفس، و الحال اتفاق الإمامية، على انّه لا شي‌ء وراء الإرادة في الإنشاءات، و انّ النسبة الخبرية الحكمية، هي النسبة المرادة في الضمير، القائمة بالنفس، دون النسبة المقصود تفهيمها بالكلام، فانّ الالتزام بعدم دلالة الجمل الخبرية على ثبوت المحمول للموضوع، مما لا ينبغي إسناده إلى أهل العلم، و هذا هو الّذي أخذه من كلام بعض الأشاعرة حيث ذكروا انّ الكلام النفسيّ، هي النسبة بين مفردين القائمة بالنفس، و أنت خبير بما في الجميع.

أما النسبة الإنشائيّة، فقد أوضحنا الحال فيها، في سالف الكلام، و بيّنا


1) و هو صدر المتألهين« قدّس سرّه».

2) كلمات مكنونة للفيض قدّس سرّه، ص 19.

3) المحقق الرشتي قدّس سرّه في بدائع الأفكار، في بحث الطلب و الإرادة، ص 253.

ان الإنشاء، ليس إنشاء معنى في نفس المتكلّم، بل اللفظ حيث وضع بإزاء مبعوثية المادة، فهو وجود تنزيلي للبعث المزبور، فللمتكلّم ان يوجد البعث المزبور في الخارج، بوجوده التنزيلي الجعلي، المترتّب عليه الآثار عرفا، أو شرعاً، و هذا معنى استعماله فيه، فلا ربط أصلًا للنسبة الإنشائيّة، بإنشاء معنى في النّفس.

و أما النسبة الخبرية، فلا يعقل غير النسبة الواقعية، القائمة بالنفس، قياماً علمياً، إلا ما أشرنا إليه، من الوجود النوري الإدراكي، و هو كما عرفت في غاية المعقولية، نعم مدلوليته للكلام اللفظي غير معقول، و لعل مراد البعض، من الأشاعرة، من أنّ الكلام النفسيّ، هي النسبة القائمة بنفس المتكلم، هو هذا الوجود الإدراكي، غفلة عن انه لا يعقل مدلوليته للكلام اللفظي.

و من هنا ظهر ما في كلام الإمامية، و المعتزلة، و الأشاعرة جميعا، حيث نفى الإمامية، و المعتزلة، امرا آخر وراء الإرادة، و معاني الألفاظ في النّفس، و أنّه لا يعقل فعل للنفس، و الحال انّك قد عرفت معقوليته، و أثبت الأشاعرة مدلوليّة ما حصّلوه بوجدانهم من الحديث النفسيّ، و النسبة النفسيّة، للكلام اللفظي، مع انك قد عرفت عدم معقولية مدلولية الوجود الإدراكي، للكلام اللفظي، نعم يمكن إرجاع كلام الإمامية، إلى عدم معقولية أمر في النّفس، وراء ما ذكروه، لكن بحيث يكون مدلولًا للفظ لا بما هو هو.

ثمّ إنّ الاستعمال، و إن كان رمي المعنى برمي اللفظ، و هذا المعنى، معنى قصدي، إلا انّ اتصاف الكلام بالصدق، ليس دائرا مدار القصد الاستعمالي، كيف و هو موجود في مثل زيد كثير الرماد، مع انه لا شبهة في عدم اتصافه بهما، مع تعلّق القصد بالحكاية عن لازمه، و هو الجود، بل يدور الصدق و الكذب مدار القصد الجدّي، المتعلّق بالحكاية عن الواقع، فالكلام الوارد مورد التورية لا يتصف بالكذب، لعدم تعلّق القصد الجدّي بإراءة مضمونه، و إن تعلّق

القصد الاستعمالي، برمي المعنى.

فما عن بعض الأعلام (1)، «من انّ التورية، كذب، و إلا لزم الكلام النفسيّ، نظراً إلى انّ مدلول الكلام، مخالف للواقع، و النسبة الموافقة للواقع، القائمة بنفس المتكلّم، غير معقولة؛ لأنّه عين الالتزام بالكلام النفسيّ عجيب، إذ مدلول الكلام، بما هو هو، مع قطع النّظر عن تعلّق القصد الجدي بالحكاية عن النسبة المدلول عليها بالجملة، ليس مورداً للصدق و الكذب، مضافاً إلى ان التورية كلام تعلّق القصد بخلاف ظاهره، بلا نصب قرينة، فالمستعمل فيه، خلاف ظاهره فالقصد الاستعمالي أيضا ربما يتعلّق بما يوافق الواقع، و انما فهم المخاطب خلاف الواقع، لعدم القرينة، مضافاً إلى ان قيام المعاني بالنفس، قياماً علمياً، لا ربط له بالكلام النفسيّ، و أعجب منه، دعواه ان الصدق و الكذب، من صفات الألفاظ، كالإعراب و البناء، من دون دخل أصلًا للمعنى.

و أنت خبير، بان اللفظ بما هو لا ارتباط له بالواقع، ليقال انه مطابق، أو غير مطابق له، فافهم و استقم.

و أمّا المقام الثاني: فقد عرفت بعض الكلام فيه، مما تقدم، و هو ان الالتزام بالكلام النفسانيّ، انما يكون باطلًا، إذا لزم منه ثبوت صفة نفسية في النّفس، و امّا إذا لم يلزم منه ذلك، فلا إشكال.

و تفصيل هذا الإجمال، انّ صيغة افعل، كما يساعد الوجدان، موضوعة للبعث إلى المادة و البعث معنى من المعاني، مطابقه التحريك الخارجي، فإذا نزّل لفظ منزلة هذا المعنى، بداعي تحريك الغير، من دون تحريك خارجي، فلا محالة يوجد البعث، بوجوده التنزيلي، من دون لزوم انقداح إرادة في النّفس، متعلقة بالفعل، فهل ترى ان دلالة اللفظ على البعث، و إنشاء البعث


1) هذا المحقق الرشتي« قدّس سرّه» في بدائع الأفكار في ثمرات مسألة الطلب و الإرادة.

بالصيغة، يلزم منه ثبوت صفة نفسانية، أو فعل نفساني؟ و لزوم ذلك، مبنيّ على توهّم أن الإنشاء، إيجاد أمر في النّفس، و قد عرفت بطلانه.

تكملة

المعروف انّ معنى متكلّميته تعالى، إيجاده الكلام في موضع، و المعروف من الأشاعرة: الالتزام بقيام المعاني، بذاته المقدسة، و سمّوها بالكلام النفسيّ، و جعلوا الكلام اللفظي، دالّا عليه.

مع انّ تلك المعاني القائمة بذاته، إن كان قيامها على حدّ قيام العلم، بحيث يكون عين ذاته، كانت علماً، لا كلاماً، و إن كانت زائدة على ذاته، و حالّة فيه، لزم ان يكون الواجب محلًا لغيره، و خلو مرتبة ذاته عن الكمال، فيكون ناقصا في مرتبة ذاته، مستكملا بغير ذاته.

و كذا ما يقال: من ان معنى متكلّميته تعالى، إيجاد الكلام القائم بغيره تعالى، فانّه يستدعي ان يكون كل كلام كلامه تعالى، لانتهاء سلسلة الإيجاد، كالوجود إليه تعالى، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، و لا ينفع تقييده بقصد إعلام الغير من قبل اللّه، إذ لو تكلّم أحد، بقصد انه كسائر أفعاله، من قبل اللّه، كان ذلك كلام اللّه، بل و لو قصد الاعلام من قبل نفسه، كان بالبرهان كلاماً، بقصد الاعلام من اللّه، و كذلك لا ينفع التقييد بكونه بلا واسطة، إذ الأصوات و الحروف أعراض، لا توجده بلا واسطة الموضوع.

بل التحقيق في كلامه تعالى ما بيّنه سيد الموحدين، و أمير المؤمنين عليه السلام، في خطبته المباركة: إنما يقول لما أراد كونه «كن فيكون» لا بصوت يقرع، و لا بنداء يسمع، و انما كلامه فعله (1).


1) نهج البلاغة: خطبة 186- ط- بيروت، فيه: و انما كلامه سبحانه فعل منه.

و أمّا السرّ في تسمية الإيجاد كلاماً، فهو ان الكلام ما يعرب عمّا في الضمير، و الوجود معرب عمّا في الغيب المكنون، و تمام الكلام يطلب من غير المقام، و في المثل: الكلام يجرّ الكلام، هذا تمام الكلام، فيما أردنا تقديمه من الأمور المتعلّقة بالمقام.

فإذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ النزاع، في مسألة الطلب و الإرادة، إن كان في مدلول الصيغة، بتقريب أنّ القائل بالاتحاد، يقول بأنّ مدلول الأمر ليس إلا الإرادة، و انّ الطلب، ليس إلا ذلك، أو عنوان ثانوي، منتزع عن الصيغة المظهرة للإرادة، و القائل بالمغايرة يدّعي أنّ مدلول الأمر، هو الطلب، و هو غير الإرادة، لوجوده في موارد، لا توجد الإرادة، فمرجع النزاع إلى بيان مدلول الصيغة، فحينئذٍ يمكن القول، بأنّ مدلول الأمر، غير الإرادة، و غير الطلب، لما عرفت، من أنّ مدلول الصيغة، هو البعث المأخوذ على وجه المعنى الحرفي.

و المفهوم الأدوي و إن كان في وجود صفة نفسانية أو فعل نفساني في مورد الأمر بحيث يكون له تعلّق بالكلام، فالحق فيه إمكان فعل نفساني، لكن لا يعقل كونه مدلولا للكلام كما قدّمنا حق الكلام فيه.

و إن كان في مجرد اتحاد الطلب و الإرادة، مفهوما، و مصداقا، مع قطع النّظر عن كونهما مدلول الصيغة، فلنا أيضا اختيار الاتحاد، و المغايرة، من دون لزوم الكلام النفسيّ.

و ذلك: إذا اخترنا كون الطلب، من العناوين المنتزعة من الصيغة، في مقام البعث مثلا، فانّ الصيغة الكذائيّة، منشأ انتزاع عنوان الطلب، فلا ربط له، مفهوما و لا مصداقا، بالإرادة، و لم يلزم منه ثبوت صفة نفسانية، أو فعل قلبي، ليقال انّه التزام بالكلام النفسيّ.

بل التحقيق على فرض قطع النّظر عن المدلولية للكلام، لا بأس بالالتزام، بكون الطلب، مثلا فعلا قلبيا، يوجد في حال البعث، و التحريك الإنشائيّ، لما

مرّ منّا مرارا أنّ المحال مدلوليته للكلام، لكون حاقّ حقيقته، وجودا نوريا، إدراكيا، و أمّا معقولية نفسه، فلا ينبغي الإشكال فيه، لدخوله في العلوم الفعلية، دون الانفعالية.

و أمّا تحقيق حقيقة الحال، في اتحاد مفهوم الطلب و الإرادة، بعد ما عرفت من عدم الضير في المصير إلى الاتحاد، و المغايرة، فلا يترتب عليه أثر، و إن كان الظاهر من أهل اللغة، تقاربهما معنى، و لا يختص الطلب كما يظهر من بعض أعاظم العصر في تشريحه، بالإرادة من الغير، كما يشهد بذلك قولهم: طالب الدنيا، و طالب المال و العلم.

نعم المظنون قويا ان الطلب عنوان لمظهر الإرادة قولا كان أو فعلا فلا يقال لمن أراد شيئا قلبا، من دون مظهر طلبه.

و بالجملة المظنون قويا من قولهم: اطلب لي من فلان شيئا، أو طلبته فما وجدته، أو طالبته، أنّ الطلب عنوان انطباقي على القول، أو الفعل، بل التحقيق ذلك، و إن لم يكن إرادة نفسانية في البين، كما يظهر من قولهم:

اطلب لي من فلان شيئا، فانّه ليس أمرا بالإرادة منه، بل أمرا بما يعنون بعنوان الطلب، من قول، أو فعل، و كذلك طالبته، فانّ المادة في المثالين، نفس حقيقة الطلب، لا الطلب الإنشائيّ، كما هو ظاهر.

و ممّا ذكرنا يتضح للمتأمّل، أنّ المسألة على أيّ وجه عقلية، و على أيّ وجه أصولية، و على أيّ وجه لغوية محضة، إذ لو كان النزاع في ثبوت صفة نفسانية، أو فعل نفساني، في قبال الإرادة، عند الأمر بشي‌ء، كانت المسألة عقلية، و قد بيّنا لك إمكانه في نفسه، و امتناع مدلوليته للكلام مطلقا، و لو كان النزاع في أنّ مدلول الأمر، هل هو الإرادة، و الطلب متحد معها؟ أو منطبق على الكاشف عنها، أو لا؟ كانت المسألة أصولية، فيكون الصيغة مطلقا، كاشفة عن الإرادة عند الإماميّة و المعتزلة، و كاشفة عن الطلب المغاير مع الإرادة عند

الأشاعرة، فلا يترتب على الصيغة حينئذ ما يترتب على إحراز إرادة المولى، و قد أوضحنا لك سابقا أنّ الأمر على خلاف القولين، و أنّ مدلول الصيغة هو البعث و التحريك، كما يساعده الوجدان، و قد عرفت أنّه لا دخل له بإنشاء أمر في القلب، ليدخل في الكلام النفسيّ، مضافا إلى ما عرفت أنّ المحال مدلولية الفعل القلبي للكلام، لا نفسه، و ظنّي أنّ الإماميّة، و المعتزلة، و الأشاعرة، جميعا ليسوا بصدد بيان مفهوم الصيغة، بل الأمر كما حرّرناه أوّلا في عقلية المسألة هذا، و لو كان النزاع في مجرد مرادفة لفظ الإرادة و الطلب، من دون نظر إلى الصيغة أو إلى لزوم ثبوت صفة نفسانية في النّفس، على المغايرة، كانت المسألة لغوية، لا ربط لها بالكلام، و لا بالأصول، و التكلّم فيها في هذين العلمين فضول، و قد عرفت حالهما من هذه الجهة أيضا في الجملة.

لا يقال: التكلّم في مرادفتهما، ليس من جهة تشخيص المفهوم، بما هو هو، بل من جهة أنّه لو ثبت وحدة المفهوم، كشف قطعا عن أنّ المصداق واحد، لاستحالة انتزاع الواحد عن المتعدد، فيبطل الكلام النفسيّ، و لو ثبت تعدّد المفهوم، كشف عن تعدد المصداق، لاستحالة انتزاع المتعدد عن الواحد بما هو واحد، فيصح دعوى مدّعي الكلام النفسيّ.

لأنّا نقول: ليس لازم الالتزام بعدم المرادفة، تعدد المصداق، لاحتمال أن يكون معنى الطلب، كما احتملناه، بل قوّيناه، أمرا منتزعا من قول، أو فعل، مظهر للإرادة، فلا يستدعي تعدد المفهوم أن يكون لكلّ منهما بنفسه، مطابقا في الأعيان، ليلزم منه صحّة الكلام النفسيّ، فافهم و استقم في المقام، فانّه من مزالّ أقدام الأعلام.

ثمّ إنّه اتضح لك ممّا حررناه أنّ هذا النزاع، لا يكاد يرجع لفظيا، إمّا بتقريب أنّ الطلب و الإرادة متحدان مفهوما، و مصداقا، و إنشاء، لكن المنصرف من الإرادة، هو الحقيقي منها، و من الطلب هو الإنشائيّ منه، فلذا

ذهبت الأشاعرة إلى المغايرة، فمن يدّعي المغايرة، فانّما يدّعي مغايرة الإنشائيّ من الطلب، و الحقيقي من الإرادة، و هو بمكان من الصحة، و من يدّعي العينية، فانّما يدّعي عينية الحقيقي منهما، كالإنشائي منهما، فلا نزاع إلا لفظا. أو بتقريب أنّ الأشاعرة يدّعون، انّا نجد في أنفسنا حال الأمر شيئاً هو الطلب، و هو غير الإرادة، و غيرهم يسلّمون ذلك، لكنّهم يقولون: انّه عين الإرادة، فلا نزاع عندهم في وجود الطلب، إلا في اللفظ، حيث إنّ الأشاعرة يدّعون أنه مسمّى بالطلب، دون الإرادة، و غيرهم يدّعون أنّه مسمّى بهما.

و في الأوّل منهما، و إن احتمله شيخنا(1)أطال اللّه بقاءه، أنّ هذا النزاع على ما عرفت، نشأ من النزاع في الكلام النفسيّ، فمدّعي المغايرة، يدّعي ثبوت صفة نفسانية قائمة بالنفس، غير الإرادة، فكيف يقبل الحمل على المغايرة بين الإنشائيّ و الحقيقي! إلا أن يتكلّف متكلّف، و يقول: إنّ الأشاعرة يزعمون أنّ الإنشاء إيجاد أمر في النّفس، فالمغايرة المدّعاة، بين الإنشائيّ و الحقيقي، غاية الأمر أنّهم أخطئوا في معنى الإنشاء، فلا نزاع واقعاً.

و في الثاني منهما و إن كان محتمل كلام العلّامة في شرحه على التجريد(2)، أنّ النزاع ليس في أنّ هذا الشي‌ء مسمّى بالطلب فقط، أو مسمّى به و بالإرادة، بل في أنّ هنا شيئاً واحداً، أو شيئين، و أيّ نزاع حقيقي، أعظم منه، إلا أن يريد من لفظية النزاع، أمراً آخراً كما لا يبعد.

ثم اعلم إنّه استدل الأشاعرة على المغايرة بوجوه، أوجهها وجهان:

الأوّل: أنّ المولى، قد يطلب من العبد ما لا يريده واقعاً، للامتحان و الاختبار، بل ربما يطلب مبغوضه اختباراً، فالطلب هنا متحقق، دون الإرادة.

و جوابه: انّ الأمر إن كان بصيغة اطلب الإنشائيّ، فالثابت هنا هو الطلب


1) المحقق الخراسانيّ قدّس سرّه في كفاية الأصول، ج 1، في بحث اتحاد الطلب و الإرادة.

2) المسألة السادسة من شرح التجريد في أنه تعالى متكلّم.

بوجوده الجعلي، التنزيلي، المعبّر عنه بالإنشائي، و الطلب الجعلي الإنشائيّ، كالإرادة الإنشائيّة المنشأة بصيغة أريد، مغاير عند الكل، مع الإرادة الحقيقية، و هذا الدليل، ليس بكافل لمغايرة الحقيقي منهما، و إن كان بصيغة افعل، فلا طلب أيضا لا إنشاءً، و لا حقيقة، على ما هو التحقيق، من أنّ مفادها، البعث و التحريك، و مغايرتهما للإرادة، مما لا ريب فيها، نعم بناء على كون أصل حقيقة الطلب، عنواناً انتزاعيا من البعث، كانت المغايرة ثابتة، و حقيقة الطلب موجودة، إلا أنّه لا ينفع الأشعري، فانّه بصدد إثبات صفة نفسانية، أو فعل نفساني، في قبال الإرادة، و لو ادّعى مع ذلك، وجود فعل نفساني مسمّى بالطلب، عند الأمر مطلقاً، و لو لم يكن إرادة، فلا مانع عندي من تصديقه، و لا يترتّب عليه مفسدة أصلًا، إلا أنّ الأشعري لا يكتفي بمجرد ذلك، بل يدّعي مدلوليته للكلام اللفظي، و قد عرفت استحالة المدلولية للكلام في غير مورد و مقام، فراجع.

و قد أجاب المشهور عن هذا الوجه، بأنّ الأمر هناك صوري، بناء منهم، انّ الأمر وضعاً، أو إطلاقاً، ظاهر في البعث الناشئ عن إرادة حصول متعلّقه، فكما لا إرادة حقيقيّة، كذلك لا طلب حقيقي، و الصورية بهذا المعنى، لا يستدعي أن تكون الصيغة لفظاً بلا معنى، كما لا يخفى.

و أمّا ما في الفصول: «من أنّ الأمر حقيقي، فانّ مدلول الصيغة، إرادة إيقاعيّة، و مرجعها إلى إرادة ينشئها الأمر، و يحدثها»(1)و المحصّل حينئذٍ إرادة وقوع الفعل من المكلّف، بجعل الظرف متعلّقا بالإرادة، و هو لا يستلزم إرادته منه، بجعله متعلّقاً بالوقوع، و الأمر الامتحاني، من قبيل الأوّل.

ففيه: إن أريد من هذا البيان، شرح حقيقة الوجود الإنشائيّ، و إبداء الفرق


1) إلى هنا عبارة الفصول« في تحقيق معنى الطلب» باختلاف يسير: و ما بعده محصّل كلامه.

بين الإرادة الإنشائيّة و الحقيقية، فالفرق بينهما أوضح من ما جعله فارقاً، فانّ الوجود الحقيقي للشي‌ء المعدود من الكيفيات النفسانيّة، و الوجود الجعلي التنزيلي الّذي حاقّ حقيقته وجود المعنى بوجوده التنزيلي، و هو اللفظ، بمكان من المباينة، و لا حاجة إلى هذا التدقيق.

و إن أُريد منه أنّ حقيقة الإرادة النفسيّة، يمكن أن توجد على وجهين، ففيه أنّ الإرادة التشريعية دائماً، تحتاج إلى ثلاثة أطراف: المريد، و المراد، و المراد منه، و مرادية الفعل و المرادية من المكلّف حقيقة، لا يتفارقان أصلًا، إذ لا يعقل تعلّق الإرادة المحضة بالمكلّف، من دون مرادية وقوع الفعل، لتقوّمها في الوجود بهما معاً، فلا تغفل.

فان قلت: لِمَ تلتزم في جواب الأشاعرة، بعدم الإرادة في مورد الامتحان، و لا تلتزم بوجودها، نظراً إلى أنّ الفعل و إن لم يكن مراداً بالذات، لكن حيث دعا الآمر اختبار العبد بهذا الفعل، يصير مراداً بالعرض، فلا طريق للأشاعرة إلى المغايرة.

قلت: الفعل ما لم يطرأ عليه عنوان محسّن، لا ينقلب عمّا هو عليه، و بمجرد وجود الداعي للمولى إلى الامتحان و الاختبار، لا ينقلب عمّا هو عليه، إذ ما يتوهّم من العنوان الطارئ، هو كون الفعل ممّا يختبر به، و يمتحن به، مع أنك خبير بأنّ الامتحان و الاختبار، كالتعجيز و التسخير، من أفعال الآمر، فالمولى بأمره يمتحن العبد، و يختبره، أو يعجزه، و يسخّره، فالأمر هو ما يمتحن به، أو يختبر به، لا المأمور به، و لذا يصل المولى إلى غرضه، و إن لم يأت العبد بالمأمور به، كما لا يخفى.

و لا يذهب عليك أنّ حقيقة الإرادة، لو لا الدّاعي، و هي الغاية المترتبة على المراد، لا يكاد يتحقق، فليس حالها، حال الأمر و البعث، حتى يتحقق بالمصلحة في نفسه، فلا تغفل.

و أمّا دعوى استحالة الأمر الامتحاني، في البارئ تعالى، و إن أمكن في المخلوق، كما عن بعض نحارير العصر(1)سلّمه اللّه تعالى، فمدفوعة، بأنّ الغرض من الأمر الامتحاني، لو كان منحصراً في طلب العلم بحال العبد، لكان محالًا في حقّه تعالى، إلا أنّ الأمر ليس كذلك، بل ربما يكون الغرض تصفية العبد، و إخلاصه، بانقياده للمشقة، و إشرافه على الفعل، بأعمال بعض مقدّماته، حتى يبلغ إلى المصالح العظيمة المترتبة على الانقياد، لمثل ذلك الأمر العظيم، كما في الخليل عليه السلام، بالإضافة إلى ذبح الولد الّذي هو أعزّ الأشياء عليه، فانّه تكميل عظيم، و المصالح المترتبة على الانقياد، لمثل ذلك الأمر العظيم، و الفوز بثوابه، لا يكاد يحصل، إلا بواسطة الأمر الموجب، لفعلية ما في النفوس الكاملة، من القوّة و الاستعداد للفوز بالمراتب الكمالية، فليس غرض المولى في الأمر الامتحاني مجرد الاختبار و طلب ظهور الحال بل ربما يكون الغرض هو الامتحان الّذي معناه، إخلاص الشي‌ء، و تصفيته، كما في امتحان الذهب، و إن كان يلازمه الاختبار الّذي معناه مطاوعة الخبرة و الاطلاع، فافهم و اغتنم.

و نسبة الامتحان إليه تعالى، في الآيات و الروايات، شائعة، فمنه قوله تعالى:

«امتحن اللّه قلوبهم للتقوى»(2)و قوله عليه السلام: أو مؤمن امتحن اللّه قلبه (3)و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، مزيد بيان لذلك في أواخر المسألة.

الثاني: لو كان الطلب عين الإرادة، لزم في تكليف الكافر بالإيمان، بل مطلق العاصي بالأركان، إمّا أن لا يكون التكليف حقيقيّاً، و هو خلاف


1) هو المحقّق الملا علي النهاوندي النجفي في تشريح الأُصول في مقام الجواب عن الوجه الثاني من الدليل الأول للأشاعرة ص 77.

2) سورة الحجرات: الآية 3.

3) الأُصول من الكافي: ج 1، باب فيما جاء أنّ حديثهم صعب مستصعب، الحديث 2، فيه: عبد مؤمن.

الضرورة أو تعلّق الإرادة بالمحال، و انفكاك إرادته تعالى عن مراده، و كلاهما محال.

بيان الملازمة: أن حقيقة التكليف، لو كانت عبارة عن الطلب المغاير للإرادة، لم يلزم محذور، و لو كانت عبارة عن إرادة الفعل، فإن لم يلتزم بالإرادة في الفرض، فلا تكليف حقيقي، و إن التزمنا بالإرادة، لزم محذوران:

أحدهما: تعلّق الإرادة بالمحال، لأنّه تعالى علم الكفر من الكافر، و المعصية من العاصي، فالطاعة و الإيمان محالان، و إلا لزم انقلاب علمه تعالى جهلًا، و هو محال، فالإيمان و الطاعة، كلاهما محال، و إرادة المحال محال.

ثانيهما: لو أراد تعالى الإيمان من الكافر، و الطاعة من العاصي، لزم وقوعهما، و إلا لزم تخلّف الإرادة عن المراد فيه تعالى، مع أنّه تعالى لو أراد شيئاً، قال له كن فيكون، و الحال أنّه لم يقعا منهما.

و الجواب بالالتزام بوجود الإرادة، و دفع المحذور الأول بما عن المحقق الطوسي، قدّس سرّه القدّوسي، من أنّ العلم تابع، لا مؤثر في المعلوم، حتى يمتنع المعلوم، أو يجب به (1)، و بيانه أنّ الشي‌ء إذا كان ممكناً بالإمكان الذاتي و الوقوعي، صحّ تعلّق الإرادة به، بخلاف ما إذا امتنع بالذّات، أو وقوعاً بحيث يستلزم فرض وقوعه المحال، فانّه لا يصحّ، و العلم هو إدراك الشي‌ء على ما هو عليه من الإمكان و الوجوب و الامتناع، و حكايته، فهو فرع الشي‌ء على ما هو عليه، و السرّ في عدم وقوع غير المعلوم، تحقق سببه، فامتناع عدمه أو وجوده، امتناع بالغير، حيث أخذ بوصف عدم علّة الوجود، أو وجودها، و الامتناع الغيري، لا ينافي الإمكان الذاتي و الوقوعي، كما إنّ الوجوب الغيري، لا ينافى


1) كشف المراد في شرح التجريد المسألة الخامسة، في أنه تعالى يريد الطاعات. و الظاهر انّ ما في المتن محصّل كلام المحقق الطوسي «قدّس سرّه» لا نفس عبارته.

الإمكان بالمعنيين.

فاتّضح ممّا ذكرنا أنّ العلم لا مدخل له أصلًا في وجوب المعلوم و امتناعه، لا ذاتاً و لا وقوعاً، و لا بالغير، لأنّ الوجوب و الامتناع الغيريين المتصورين هنا، نشئا من قبل تحقق علّة الوجود و العدم، و لو لم يكن علم بهما في العالم.

فما عن العلّامة رحمه اللّه، بعد ما نقلناه عن الحكيم الطوسي قدّس سرّه، من أنّ الاستحالة نشأت من فرض العلم، كما ينشأ من فرض النقيض (1)، غير وجيه، لما عرفت أنّ وجود العلم و عدمه في الامتناع الغيري، المتصوّر في المقام، على حدّ واحد، و إلا فيرد عليه، ما أورده شيخ المحققين، في هداية المسترشدين (2)، من وقوع الفرض المعلّق عليه، فيستحيل الأمر و الإرادة بعده، كما يستحيل وجود النقيض بعد ثبوت نقيضه.

نعم يمكن تطبيقه على ما ذكرنا، من أنّ الامتناع غيري، لا وقوعي، كما يشهد له عبارته قدّس سرّه في تهذيبه، حيث قال: إنّ فرض العلم، فرض المعلوم، لأنّ شرطه المطابقة و الامتناع لا حق، و هو لا يؤثّر في الإمكان الذاتي الّذي هو شرط التكليف، انتهى (3).

و هو عين ما ذكرناه، من أنّ الامتناع نشأ من قبل فرض وجود الكفر بعلّته، و عدم الإيمان بعدم علّته، و الوجوب و الامتناع غيريّان، و هما على حالهما، و لو لم يتعلّق بهما علم أصلًا.


1) هذا محصّل كلام العلّامة في النهاية و عبارتها على ما نقله في هداية المسترشدين هكذا ... انّ العلم تابع للمعلوم فلا يؤثّر في وجوده و لا عدمه فهو على إمكانه، و ما يتراءى من تفريع المحال عليه نظراً إلى لزوم انقلاب علمه تعالى جهلًا انّما نشأ من فرض تعلّق العلم به، كما أنّه يستحيل وقوع أحد النقيضين أو الضدين على فرض وقوع نقيضه أو ضده الآخر و ذلك لا يقضي باستحالة ذلك الشي‌ء ضرورة أنّ استحالة وقوع الشي‌ء على فرض لا يقضي باستحالته مطلقاً.

2) هداية المسترشدين في معاني الأمر، و المحكي مضمون كلامه.

3) الفصل الرابع، في المأمور به، من تهذيب الوصول للعلّامة.

و بالجملة الصحيح أنّ الاستحالة لم تنشأ من فرض تعلّق علم البارئ أصلًا، بل نشأت من فرض وجود الكفر بعلته، فالإيمان ممتنع بالغير، لثبوت سبب عدمه، و هو لا ينافي الإمكان الذاتي و الوقوعي، و لو فرض عدم تعلّق علمه تعالى بالكفر محالًا، لكان الأمر على حاله، و هذا بخلاف ما لو كان العلم سبباً و مؤثراً في المعلوم، لأنّ مثل علمه تعالى من الأسباب، يمتنع عدمه امتناعا ذاتياً، فوقوع خلاف ما تعلّق به، ممتنع بالامتناع الوقوعي، لأنّ فرض وقوعه مستلزم للمحال، و هذا هو الفرق بين سببيّة علمه، و مؤثريته، و سببيّة سائر الأسباب، فإنّ عدم سائر الأسباب، ليس بمحال ذاتي، و لا وقوعي، غايته الامتناع الغيري، المجامع مع الإمكان الذاتي و الوقوعي، المصحح لتعلّق الإرادة به.

ثم إنّ بعض أجلّة العصر، بيّن الجواب المزبور، بوجه آخر، هو أنّ علمه تعالى بخصوص أحد طرفي الوجود و العدم، تابع للواقع، فإن كان الوجود الواقعي ممتنعاً، فعلمه تعالى بالوجود ممتنع، و إن كان واجباً، فعلمه تعالى واجب، و إن كان ممكناً، فعلمه تعالى بخصوص وجوده الواقعي، و عدمه الواقعي، ليس بواجب، لا بمعنى أنّ أصل علمه تعالى بالواقع، ممكن، حادث، بل بمعنى أنّ علمه الخاصّ، باعتبار خصوصية، و هي كونه متعلّقاً بخصوص الوجود الواقعي، أو العدم الواقعي، غير واجب (1).

و ذكر في وجهه، أنّ العلم أمر، قوامه بالمحيط، و المحاط عليه، فيكون علمه الخاصّ، من صفاته الفعلية تعالى، و على ذلك فعلمه الخاصّ، متفرع في التقوّم، و التقرّر، و التحصّل، على الوجود الواقعي، أو العدم الواقعي، و حينئذٍ فكيف يعقل أن يؤثّر ما هو تابع في تحصّله على شي‌ء، في ذلك الشي‌ء، و يترتّب


1) المحقق الآخوند الملّا علي النجفي النهاوندي« قدّس سرّه» في تشريح الأُصول في مبحث الأمر ص 72- 73.

على هذا، أنّ نفس وجود الكفر مع عدمه، متناقضان، و لا يجتمعان، فكذلك علمه بالكفر بخصوصه، مع عدم الكفر، مما لا يجتمعان ذاتاً، و هذا لا يمنع من تعلّق الإرادة بالإيمان من الكافر، إذ لا أثر للعلم بما هو، في امتناع المعلوم، و إمكانه، هذا محصّل كلامه، زيد في إكرامه (1).

و لعمري إنّه توجيه عجيب، و تدقيق غريب، نشأ من عدم الخبرة بقواعد العلم الإلهي، و عدم العلم بكيفيّة العلم الرباني، بل بكيفيّة العلم مطلقاً.

أمّا سرّ عدم الخبرة بكيفيّة العلم مطلقاً، فلأنّ المعلوم بالذات الّتي يتقوّم به العلم، نفس الصورة الحاصلة الحاضرة عند النّفس، و أمّا مطابقها، أعني ذا الصورة، فهو معلوم بالعرض، و لا يعقل كونه معلوماً بالذات، إذ لا يعقل حصول أمر مادي، في النّفس المجردة، للمحاذير المسطورة في محلّها، و حضور الصور المجردة، لا يتوقف على وجود ذي الصورة، حال العلم في الخارج، كيف و من المشاهد لكل عاقل، تعقّله لما سيوجد، بخصوص وجوده الواقعي.

و أمّا سرّ عدم الخبرة بكيفيّة علمه تعالى، فهو أنّ التبعية في التقرّر، و التحصّل، يلازم نفي العلم عنه في الأزل، بخصوص الموجودات الممكنة فيما لا يزال، مع قيام البراهين القويمة الأركان، على ثبوت هذه الصفة الكمالية التي هي أشرف الكمالات، في مرتبة ذاته.

و ما زعمه هذا الجليل سلّمه اللّه، من أنّ عدم علمه بخصوص الوجود الواقعي في الممكن، لا ينافي أصل علمه تعالى بالواقع، مع قطع النّظر عن خصوص الوجود الواقعي لا محصّل له عند المحصّلين، إذ العلم لا يتشخّص إلا بمتعلّقه، فمع قطع النّظر عن خصوص الوجود الواقعي، و العدم الواقعي، لا شي‌ء حتى يقال إنّه علم تعالى به، و الماهيات معلومة بالعرض، بتبع العلم


1) و هذا المحكي مضمون كلامه في تشريح الأصول.

بالموجودات، و لا يعقل معلوميّتها بالذات في مرتبة ذاته تعالى، و إلا لزم انقلاب ما سنخه سنخ حقيقة الوجود الطارد للعدم، إلى ما سنخه سنخ الماهية التي ليست هي من حيث هي إلا هي، لا موجودة، و لا معدومة.

و توهّم أنّ العالميّة كالمبصرية، لا يسلب عن الشخص بمجرّد عدم الطرف فعلًا، و لذا لا يقال لمن لا يبصر فعلًا، لعدم الطرف، أنّه أعمى، فكذا الباري، عالم و لو لم يكن معلوم.

سخيف جدّاً، للزوم كون علمه بالموجودات فيما لا يزال، بالقوّة، و الخروج من القوّة إلى الفعل، على التدريج، تعالى شأنه عن جهات القوّة و الإمكان.

نعم ما ذكره يجري في أخيرة مراتب علمه تعالى بالعرض، و هي نفس وجودات الحوادث، فانّ معلوميتها له تعالى، بنفس وجودها العيني، الّذي هو عين ارتباطه به تعالى، بتبعيّة ارتباط فعله الإطلاقي، المعلوم له بنفس ذاته، و هذا كله غير العلم الذاتي الإلهي، الّذي به يعلم جميع ما في دار الوجود، على ما قدّمنا فيه الكلام في أوائل المسألة.

ثمَّ إنّ التحقيق: انّ ما أجاب به العلّامة الطوسي قدّس سرّه (1)من تابعية العلم بهذا المعنى من التابعية، مختص بالعلوم الانفعالية، حيث لا سببية لها للمعلوم، و أمّا العلم الفعلي، كعلم الواجب تعالى، الّذي هو عين ذاته المقدّسة الفيّاضة المستندة إليه موجودات عالم الإمكان، فلا معنى للتابعيّة، بل المعلوم تابع للعلم من هذا الوجه، تبعية المعلول للعلّة، و إن كان العلم تابعاً للمعلوم بوجه آخر، لهجت به ألسنة العرفاء، و سيجي‌ء الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى.

فالحقّ في مقام الجواب، ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في الجواب عن الجبر، من أنّ العلم كما تعلّق بالكفر، كذلك تعلّق بسببه، فكما أنّ سلسلة المسبّبات


1) شرح التجريد: في المسألة الخامسة.

مستندة إليه تعالى، فكذلك سلسلة الأسباب، و الإيجاب بالاختيار، كالامتناع بالاختيار، لا ينافي الاختيار، فلا يستحيل تعلّق التكليف بالممتنع بالاختيار، كما لا يستحيل تعلّقه بالواجب بالاختيار، فالإشكال غير منحصر في تكليف الكافر بالإيمان، بل يجري في تكليف المؤمن بالإيمان أيضا.

نعم، يبقى الكلام في أنّ إرادة ما يقطع بعدم وجوده كيف يتمشّى من الملتفت إلى أنّه لا يوجد بسببه، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى الجواب عنه، هذا كلّه في دفع المحذور الأوّل.

و أمّا المحذور الثاني، فيندفع بما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة(1)أدام اللّه أيّامه، من الفرق بين الإرادتين، بحيث لا تضادّ بينهما، إذ الإرادة المتعلّقة بالكفر من الكافر، إرادة تكوينية، و حقيقتها العلم بما هو صلاح، بحسب النظام الكلّي، و هذا هو الّذي لا يكاد يتخلف عن المراد، حيث إنّ المحل قابل، يسأل بلسان استعداده الدخول في دار الوجود، و المبدأ تام الإفاضة، لا بخل في ساحته المقدّسة، و الوجود بما هو، خير محض، و محض الخير، فلذا لا يعقل التخلّف. و أمّا إرادة الإيمان من الكافر، فهي إرادة تشريعية، و حقيقتها العلم بالصلاح في فعل المكلّف، و حيث يقتضي العناية الربانية سوق الأشياء إلى كمالاتها، و إعلام المكلّفين بصلاحهم و فسادهم، فلذا يجب عليه تعالى تحريكهم إلى ما فيه الصلاح، و زجرهم عمّا فيه الفساد، فهذه الإرادة، علّة البعث، دون التكوين، ليلزم استحالة التخلّف، أو اجتماع الضدين، أو المتناقضين (2).

قلت: قد أسفلنا لك في أول المسألة، أنّ حقيقة إرادته تعالى في مرتبة ذاته


1) المحقق الخراسانيّ قدّس سرّه في فوائده.

2) المحكي مضمون كلامه قدّس سرّه في الفائدة الثانية، من فوائده.

المقدّسة، ابتهاج ذاته بذاته، و محبة ذاته لذاته، و حيث إنّ وجوده صرف الوجود، و صرف الوجود كلّه الوجود، و كلّ الوجود، فكل وجود و موجود و كمال وجود، محبوب و مراد في مرتبة ذاته، بنفس محبة ذاته، و ابتهاجه بذاته المقدّسة، و ذاته تعالى جاعل بالذات، و فيّاض بذاته العليمة، القادرة المريدة، و النظام التام الإمكاني على طبق النظام الشريف الربّاني، فالإيمان من الكافر لو كان مراداً بإرادته الذاتيّة التي هي عين ذاته لكان من جملة النظام التامّ إذ النظام التام الإمكاني، كما عرفت صادر على طبق النظام الرباني، و حيث لم يقع الكفر من المؤمن، و الإيمان من الكافر، كشف عن عدم تعلّق الإرادة الذاتيّة بهما، و عدم دخولهما في النظام الرباني، و إلا لكان في النظام الإمكاني.

نعم، من جملة النظام التام الّذي لا أتمّ منه، نظام إنزال الكتب، و إرسال الرسل، و التحريك إلى ما فيه صلاح العباد، و الزجر عمّا فيه الفساد، فالمراد بالإرادة الذاتيّة، هذه الأُمور، دون متعلّقاتها، و إلا لوقعت، فلا أثر من الإرادة التشريعيّة، في صفاته الذاتيّة.

نعم، لا بأس بإطلاقها على البعث و التحريك، كما في الخبر الشريف المروي في توحيد الصدوق، بسنده عن أبي الحسن عليه السلام، قال: إنّ للّه إرادتين، و مشيّتين، إرادة حتم، و إرادة عزم، ينهى و هو يشاء، و يأمر و هو لا يشاء، الخبر(1). و هو ظاهر في أنّ الإرادة التشريعيّة، حقيقتها الأمر و النهي، و أن حقيقة الإرادة و المشية، هي التكوينية، فافهم، فانّ نيل هذا المرام، بعيد عن غالب الأفهام.

فإن قلت: سلّمنا أنّه ليس هناك، إلا إرادة تكوينية. لكن البعث إلى


1) توحيد الصدوق رحمه اللّه: الباب الثاني، الحديث 18، و في الأصول من الكافي: ج 1، باب المشية و الإرادة، الحديث 4.

شي‌ء، مع القطع بعدم وقوعه من المبعوث إليه، غير معقول، إذ البعث بداعي صيرورته داعياً للغير إلى المبعوث به، و لا يكاد ينقدح هذا الداعي بعد الالتفات إلى عدم دعوته في المبعوث إليه.

قلت: البعث ليس علّة تامة لحركة العبد، و انقداح الداعي في نفسه، بل من المقدّمات، و شأن المقدّمة كما حرّر في محله، أن يكون ممّا يمكن أن يتوصّل به إلى ذيها لا ان توصّل فعلًا، و من الواضح أنّ القطع بعدم انبعاث العبد، لا يسقط البعث عن هذا الشأن، و هو إمكان صيرورته داعياً إمكاناً ذاتياً و وقوعياً، كما لا يخفى على الخبير، و بقية الكلام تطلب ممّا سيأتي إن شاء اللّه تعالى في مستقبل الكلام.

تنبيه فيه تنزيه

حيث عرفت أنّ الإطاعة و الإيمان، و الكفر و العصيان، بمقتضى إرادته التكوينية تعالى شأنه، واجبة الصدور عن العبد، فيشكل، بأنّه لا معنى للتكليف حينئذٍ، إذ المفروض وجوب الصدور، فهو غير مقدور.

و الجواب انّ إرادته تعالى لو كانت متعلّقة بفعل العبد مطلقاً، أراده، أم لا، كان للجبري أن يستكشف عدم تأثير قدرة العبد، و إرادته في فعله، إذ المفروض أنّه واجب الصدور، أراده العبد، أم لا، ففيما أراده العبد من باب الاتفاق، يكون الفعل و الإرادة، معلولي علّة واحدة، و هي الإرادة الأزلية، و المشية الإلهية، و أمّا لو كانت متعلّقة بفعله، باختياره و قدرته، و بالجملة بالأسباب على حدّ تعلّقها بالمسببات، فلا طريق للجبري إلى عدم تأثير قدرة العبد، و إرادته، إذ المفروض أنّ نفي الاختيار بمجرد وجوب الصدور، لمكان تعلّق الإرادة الأزلية به، و بعد ما علم أنّ الإرادة لم يتعلّق بالفعل بما هو، بل بمبادئه الاختيارية، أيضا فلا مجال لأن يقال بعدم اختياريته، لمكان الوجوب، إذ الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار، كيف و الشي‌ء ما لم يجب، لم يوجد، فالوجوب بالاختيار مؤكّد لاختياريته،.

و ممّا ذكرنا اتّضح فساد ما ربما يتوهمه الجاهل، من أنّ مسبوقية الفعل

بالإرادة وجدانية، فالنزاع ليس إلا في التسمية، و هو أنّ العدلي، يسمّي هذا الفعل اختيارياً، دون الجبري.

وجه الفساد: انّ كل سابق لا يجب أن يكون مؤثّراً في اللاحق، فمجرد تسليم الطرفين لسبق الإرادة، لا يرفع النزاع من البين، بل الجبري يدّعي عدم تأثير السابق، لمكان وجوب الصدور، و العدلي يدّعي التأثير لما ذكره، من عدم المنافاة، فلا تغفل.

ثمَّ إنّ الجبري و إن زعم أنّ نفي الاختيار عن العباد، و استناد جميع الأفعال إليه تعالى، نوع تعظيم، و تمجيد له تعالى، حيث لا مؤثّر في الوجود إلا اللّه، إلا أنّ عادة اللّه جرت على إيجاد ما يسمّى بالمسببات، بعد إيجاد ما يسمّى بالأسباب، لكنّه غفل عن أنّه ظلم عظيم، في حقّ عادل حكيم، لأنّ هذه الأفعال لا يعقل استنادها بلا واسطة، إلا إلى القوى الجسمانية المتجددة الذوات، و الطبائع المتصرّمة الآنيات، لا إلى الأرواح القدسية، و الشامخات العقلية، فضلًا عن واجب الوجود بالذات، و للذات.

و بالجملة دعوى مباشرته تعالى لإيجاد الأفعال القبيحة، و الأعمال الرذيلة السيئة، زندقة بيّنة، كما لا يخفى، كما أنّ المفوّضة زعموا أنّ استناد الأفعال إلى العباد، على وجه الاستقلال، نوع تنزيه له تعالى عن استناد القبائح إليه تعالى، و لم يعلموا أنّه شرك محض، بل هؤلاء أعظم شركاً من الثنوية، لأنّ الثنوية قالوا بشريك واحد له تعالى، و أسندوا الشرور إليه، و هؤلاء قالوا بتعدد الشركاء، بعدد الفاعلين.

و بالجملة الاستقلال في الإيجاد، فرع الاستقلال في الوجود، كما حقّق في محله، و الحال أنّ الاستقلال في الوجود، مختص بواجب الوجود الّذي هو منبع كل فيض وجود، فتدبّر.

فان قلت: الإرادة من الممكنات، فلا بدّ من أن تستند إلى الإرادة الواجبة

بالذات، فليس فعل العبد بإرادته، حيث لا تكون إرادته بإرادته، و إلا لتسلسلت الإرادات.

قلت: الفعل الاختياري، ما كان نفس الفعل بالإرادة، لا ما إذا كان إرادته بالإرادة، و إلا لم يكن فعل اختياري في العالم، حتى فعل اللّه، تعالى عمّا يقول الظالمون، إذ المفروض أنّ اختيارية فعله، لصدوره عن العلم و الإرادة، و لو كانت إرادته تعالى بإرادته، لزم أن لا تكون الإرادة عين ذاته تعالى، إذ لو كانت إرادته تعالى بإرادة أُخرى، لكانت تلك الإرادة زائدة على ذاته، مضافاً إلى أنّ الحاجة إلى مرادية الإرادة، من جهة أنّ الإرادة من مقدّمات الفعل، فلو لم تكن بإرادته، لم يكن الفعل بإرادته، و حينئذٍ فيشكل، بأنّ هذا الإشكال لا اختصاص له بالإرادة، بل يجري في علمه، و قدرته، و وجوده، حيث إنّها ممّا يتوقف عليها الفعل، و ليست تحت قدرته، و اختياره.

فتصحيح مراديّة الإرادة، كما عن السيد العلّامة الداماد(1)قدّس سرّه أو إدخال الإرادة تحت الأفعال الاختيارية، كما عن صاحب الفصول (2)، ممّا لا يجدي شيئاً، إذ من أوضح ما له دخل في الفعل، وجود الفاعل، و هو غير مستند إلى نفسه، و غير داخل تحت قدرته بديهة، و عليه فالفعل غير اختياري، و إن كانت الإرادة بالإرادة.

و حينئذ فيجاب عنه بالنقض بفعله تعالى، فإنّ ذاته و صفاته، و إن كانت مرادة له تعالى، لما عرفت أنّه مبتهج أتمّ ابتهاج بذاته، و صفاته، و أنّه لا مراد في مرتبة الذات، إلا ذاته، المقدّسة، لكن ذاته و صفاته، ممّا يتوقّف عليه فعله، و مع ذلك ليس ذاته و لا صفاته، من أفعاله الاختيارية، حيث إنّه موجود بلا علّة،


1) القبسات: القبس الثامن، ص 217، ط سنة 1315.

2) في الحسن و القبح العقليين، و العبارة هكذا: «فاتّضح انّ الإرادة من الأفعال الاختيارية».

لا أنّه موجد لنفسه، و بالجملة كون الفعل بجميع مقدّماته، من موجدات الفاعل، غير معقول، حتى فيه تعالى.

لا يقال: الغرض، ان لا ينتهي الفعل بمقدّماته إلى غير فاعله، بأن لا يكون هناك جهة إمكانية، و هذا المعنى مفقود في الواجب، لأنّ واجب الوجود بالذات، واجب الوجود من جميع الجهات، فليس هناك جهة إمكانية، فلا نقض حينئذٍ.

لأنّا نقول: ملاك المجبورية و مناط المقهورية، هو عدم اختيارية الفعل بتمام مقدّماته، لا الإمكان، إذ المجبورية تجتمع مع الوجوب، كما في إحراق النار، فانّ النار مقهورة في الإحراق، مع أنّ الإحراق لازم لذاتها، فليس ملاك الإشكال هو الإمكان، حتّى لا يرد النقض بفعل الواجب، بل ملاكه عدم اختيارية الفعل بتمام مقدّماته، و هو في الواجب و غيره على حدّ واحد.

فائدة [لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين

اشارة

قد شاع عن سادتنا المعصومين، سلام اللّه عليهم أجمعين، في الردّ على الجبرية و المفوضة، أنّه لا جبر و لا تفويض، بل أمر بين أمرين (1)، و في هذا المعنى أخبار متكاثرة عن العترة الطاهرة(2)، و يمكن تقريب هذه الكلمة الإلهية بوجهين.

أحدهما: أنّ العلّة الفاعلية، ذات المباشر للفعل بإرادته، و هي العلّة القريبة، و وجوده، و قدرته، و علمه، و إرادته، لها دخل في فاعلية الفاعل، و معطي هذه الأمور هو الواجب، فهو الفاعل البعيد، فمن قصر النّظر على الأول، حكم بالتفويض، و من قصر النّظر على الثاني، حكم بالجبر، و العاقل المتفطّن، ينبغي أن يكون ذا عينين، فيرى مباشرة الفاعل للفعل، فلا يحكم بالجبر، و يرى أنّ وجوده و قدرته و علمه و إرادته من قبل اللّه، فلا يحكم بالتفويض، و هذا هو الظاهر من المحقق الطوسي رحمه اللّه، و غيره، في بيان هذا المعنى (3).


1) توحيد الصدوق: الباب 59، الحديث 8، و بمضمونها في ذاك الباب روايات عديدة.

2) توحيد الصدوق: الباب 59، الحديث 8، و بمضمونها في ذاك الباب روايات عديدة.

3) شرح التجريد: المسألة السادسة، في انّا فاعلون.

و ثانيهما: ما هو أدقّ و أقرب إلى توحيد أفعاله تعالى، فانّ الموحّد كما يجب أن يكون موحّداً في الذات و الصفات، كذلك يجب أن يكون موحّداً في الأفعال، فكما لا شريك له تعالى في الوجود، فكذلك لا شريك له في الإيجاد.

و ملخّص هذا الوجه، أنّ الإيجاد يدور مدار الوجود، في وحدة الانتساب و تعدده، و الاستقلال و عدمه، فلا بدّ من بيان أمرين:

أحدهما: كيفية الوجود، و استقلاله، و عدمه، و تعدد انتسابه و عدمه.

ثانيهما: تبعية الإيجاد للوجود فيما ذكر، فنقول:

أمّا الأوّل: فمجمل القول فيه أنّه قد تقرّر في محله، أنّ المجعول بالذات، هو الوجود المنبسط الّذي به موجودية الموجودات المحدودة، و الماهيات، و من الواضح أنّ المجعول و المعلول بالذات، حيثية ذاته حيثية المجعولية و المعلولية و الارتباط، لا أنّ هناك شيئاً له الربط.

و البرهان عليه انّ كلّ ما كان بذاته مصداقاً و مطابقاً لمحمول اشتقاقي، فهو مصداق و مطابق لمبدئه، أيضا، و إلا لزم مصداقيته للمحمول الاشتقاقي، في المرتبة المتأخّرة عن ذاته، و هو خلف، و هذا معنى عدم استقلاله في الوجود، حيث إنّ وجوده محض الربط، و عين الفقر، و إذا عرفت أنّ الوجود المنبسط الّذي به موجودية الموجودات المقيّدة المحدودة، و الماهيّات، حيثية ذاته حيثية المعلولية، و المقتضائيّة، و الارتباط، و الانتساب، تعرف أنّ له بما هو عين كلّ مرتبة بلحاظ إطلاقه، و لا بشرطيته انتسابان، انتساب إلى الفاعل بالوجوب، و هو بهذا الاعتبار فعله تعالى، و صنعه، و مشيته الفعلية، و انتساب إلى القابل بالإمكان، و هو بهذا الاعتبار وجود زيد، و عمرو و غيرهما، من الموجودات المحدودة و الماهيات.

و أمّا الأمر الثاني: فمختصر الكلام فيه أنّ المجعول بالذات بعد ما كان حيثية ذاته حيثية الربط، و الفقر، فلا بدّ من أن يكون أثره كذلك، و إلا لانقلب

الربط المحض، إلى محض الاستقلال، إذ الجاعل بالذات، حيثيّة ذاته، حيثيّة الجاعلية، فإن كانت ذاته مستقلة، كانت حيثية الجاعلية مستقلة، و إن كانت عين الربط، و محض الفقر، كانت حيثيّة الاقتضاء، و الجاعلية عين الربط و الفقر، إذ لا تغاير بين الحيثيّتين حقيقة، و من هنا قلنا سابقاً، انّ التفويض شرك بيّن.

و إذا عرفت دوران الإيجاد في الاستقلال و عدمه، مدار الوجود، تعرف وحدة الانتساب و تعدده أيضا، لما عرفت من أنّ الوجود الإطلاقي، عين كل مرتبة، فأثر كلّ مرتبة له جهتان من الانتساب، كنفس، المؤثّر، جهة انتساب إليه تعالى، حيث إنّه أثر فعله الحقيقي الإطلاقي، و هي جهة تلي الربّ، و جهة انتساب إلى العبد حيث إنّه أثر وجوده الحقيقي، و هي جهة تلي الماهية، فكما أنّ وجوده وجوده حقيقة، بلا عناية، و مع ذلك فهو فعل اللّه و صنعه، كذلك إيجاده إيجاده حقيقة، بلا عناية، و مع ذلك فهو أثر فعله تعالى بلا مجاز، فإذا تمكّن العبد من نفي وجوده عن نفسه، تمكّن من نفي إيجاده عن نفسه، و لهذا صحّ إسناد الفعل إليه تعالى، كما ينسب إلى العبد، كما ورد في الآيات (1)و الروايات (2)كثيراً كما لا يخفى.


1) أمّا الآيات فهي على قسمين، الأوّل: ما يدل على اسناد الفعل إليه تعالى كقوله تعالى «اللّه خالق كل شي‌ء» الآية 62 من الزمر، و الآية 62 من سورة غافر، و الآية 102 من سورة الأنعام، و الآية 96 من سورة الصافات، و غيرها مما يوجد في مظانّها، الثاني: ما يدل على اسناد الفعل إلى العبد كقوله تعالى «فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم» الآية 79 من سورة البقرة «و كلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه» الآية 13 من سورة الإسراء «و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم» الآية 30 من سورة الشورى و غيرها التي ذكر قسما منها كشف المراد في شرح التجريد في المسألة السادسة، و المتتبع يجد أكثر مما ذكر.

2) و هي الروايات التي رواها الصدوق في كتاب التوحيد: باب الاستطاعة 56- و باب الجبر و التفويض 59 و غيرها ممّا يوجد في غيرهما.

و لا يخفى أنّ الأثر انّما ينسب إليه تعالى بما هو مطلق، و إلى العبد بما هو محدود و مقيّد، و إلا فجلّ جنابه تعالى من أن يستند إليه الأفعال التي لا تقوم إلا بالجسم و الجسماني، و لو كان من الأعمال الحسنة، فضلًا عن السيئة.

و بالجملة الوجود بما هو، لا بما هو محدود بالحدود الوجودية و الماهوية و العدمية خير محض، فينسب إليه تعالى، فالكمال راجع إلى الكمال، و النقص إلى النقص، فاتضح أنّ فعل العبد، مع أنّه فعله، فهو أحد أفاعيل الحق تعالى، كما أنّ الإبصار فعل الباصرة، مع أنّه من أفعال النّفس، فانها المبصرة السمعية، لما تقرّر في مقرّه، أنّ النّفس في وحدتها كل القوى، و خلقها اللّه تعالى مثالًا له، ذاتاً و صفةً و فعلًا، تعالى عن المثل، دون المثال، و من عرف نفسه فقد عرف ربه، و حينئذٍ فالمراد من هذه الكلمة الإلهية أعني قولهم عليهم السلام: «لا جبر و لا تفويض بل أمر بين أمرين»(1)أنّه ليس الفعل مستند إليه تعالى فقط، من دون استناد إلى العبد، و لا إلى العبد من دون استناد إليه تعالى، بل هو في عين استناده إلى العبد، مستند إليه تعالى، فهو مجبور، من حيث إنّه مختار، و مختار من حيث إنّه مجبور، فليتدبر في المقام، الّذي هو من مزال الأقدام، و في المراجعة إلى الآيات و الروايات كفاية لأولي الدراية.

تذييل و تكميل

ربما يقال بعد ما رجع الأمر بالاخرة إلى ما لا بالاختيار، فكيف يصحّ العقوبة على الكفر و العصيان، بل الأمر كذلك في استحقاق المثوبة لأهل الطاعة و الإيمان.


1) و هي الروايات التي رواها الصدوق في كتاب التوحيد: باب الاستطاعة 56- و باب الجبر و التفويض 59 و غيرها ممّا يوجد في غيرهما.

و الجواب: انّ المثوبة و العقوبة على نحوين:

أحدهما: المثوبة و العقوبة اللتين هما من لوازم الأعمال، و تبعات الأفعال، و نتائج الملكات الفاضلة و الرذيلة، و إليه أُشير في قوله تعالى: «اليوم تجزون ما كنتم تعملون»(1)و قوله «و ان جهنّم لمحيطة بالكافرين»(2)فانّ المحيط الفعلي للكافرين، هي نار اللّه الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، و قوله عليه السلام: إنّما هي أعمالكم تردّ إليكم.

و بالجملة ففي الآيات و الروايات، تصريحات و تلويحات إلى ذلك، و مثل هذه العقوبة على النّفس، لخطيئتها. كالمرض للبدن على نهمه، فالمرض الروحاني كالمرض الجسماني، و الأدوية العقلانية كالأدوية الجسمانية، و حينئذٍ فليس عقاب من معاقب خارجي، حتى يقال: كيف العقاب من العادل الحكيم، على ما لا بالاختيار؟.

و أمّا شبهة استلزام الملكات النفسانيّة، للآلام الروحانية، أو الجسمانية، فمدفوعة، بوجود مثله في هذه النشأة الدنيوية، فانّ النّفس يؤلمه تصوّر المنافرات، و يحدث فيه الآلام الجسمانية، من غلبة الدم و نحوه، من الغضب و نحوه، فلا مانع من حدوث منافرات روحانية أو جسمانية، بواسطة الملكات الرديّة النفسانيّة، المضادة لجوهر النّفس، و تمام الكلام يطلب في غير المقام.

و ثانيهما: المثوبة و العقوبة من مثيب و معاقب خارجي، و هذا النحو من المثوبة و العقوبة، هو الّذي ورد به التنزيل (3)

«فانتقمنا من الذين أجرموا» الآية 47 من سورة الروم و قوله تعالى: «انا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا» الآية 102 من سورة الكهف و قوله تعالى: «و غضب اللّه عليهم و لعنهم و أعدّ لهم جهنم و ساءت مصيراً» الآية 6 من سورة الفتح، و غيرها مما توجد كثيراً في القرآن المجيد.

، و نطق به ما ورد عن آل الرسول

1) سورة الجاثية: الآية: 28.

2) سورة التوبة: الآية 49.

3) الآيات الشريفة الدالة عليهما كثيرة جدّاً فمنها قوله تعالى: «و من يرد ثواب الآخرة نؤته منها» الآية 145، من سورة آل عمران، و قوله تعالى: «فأثابهم اللّه بما قالوا» الآية 85 من سورة المائدة و قوله تعالى «ان اللّه يدخل الذين آمنوا و عملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار» الآية 12 من سورة محمد و قوله تعالى «و من يطع اللّه و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار» الآية 17 من سورة الفتح و قوله تعالى:

صلوات اللّه عليهم (1)، و قصر المثوبة و العقوبة على الأول، مخالف لظواهر الكتاب و السنّة.

و قد عرفت في ما تقدّم أنّ هذا المقدار من الاختيارية، و هو سبق الفعل بمبادئه الاختيارية، مصحّح للتكليف، فكذا للمؤاخذة عند العقلاء، فيما أمر مولى عرفي، عبده بشي‌ء، و خالفه إذ لو كان الفعل بمجرد استناده إلى الواجب تعالى غير اختياري، لما صحّت المؤاخذة عليه، و لو من غيره تعالى، فإذا كان الفعل في حدّ ذاته قابلًا للمؤاخذة عليه، فكون المؤاخِذ و المعاقِب، ممّن انتهت إليه سلسلة الإرادة و الاختيار، لا يوجب انقلاب الفعل عمّا هو عليه، من القابلية للمؤاخذة و العقوبة عليه، ممّن خولف أمره و نهيه.

نعم، يبقى الإشكال فيه من جهات:

منها: انّه ما الموجب لاختيار التعذيب و المعاقبة، من المختار الرحيم، بعد استحالة طروّ الغضب و نحوه عليه، و استحالة التشفّي في حقّه تعالى.

و يجاب عنه بأحد وجهين:

الأوّل: انّ التعذيب، من باب تصديق التخويف، و الإيفاء به، الواجبين في الحكمة الإلهية، بعد وقوع التخويف و التوعيد، فانّ إخلاف الميعاد، مناف للحكمة، و موجب لعدم ارتداع النفوس من التوعيد و التخويف، و هذا الوجه


1) و ما ورد عنهم عليهم السلام فيهما كثير أيضا، و يكفي شاهداً كتاب ثواب الأعمال و عقاب الأعمال للصدوق قدّس سرّه.

ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات (1)، و غيره في غيرها.

انّما الكلام حينئذٍ، في أصل التخويف و التوعيد، إذ أيّ موجب لهما حتى يجب الإيفاء بهما، و إحقاقهما.

و صحّحه بعض أجلّة العصر (2)، بأنّ أصل التخويف و التوعيد، و إن كان في نفسه تعهّد إيذاء الغير، إلا أنّ ذلك من باب دفع الأفسد بالفاسد، و هو دفع وقوع العبد في المفسدة، أو فوت المصلحة عنه، بالتخويف و التوعيد، المقتضيين لترتّب العقاب على ما اختاره العبد بإرادته من المعاصي و المآثم.

و أنت خبير بأنّ مفسدة نفس التوعيد، و هي تخويف الغير و إرعابه، و إن كانت جزئيّة لا تقاوم مفسدة الزنا مثلًا، لكن لازم هذا الجعل و التوعيد، و هو وقوع العبد في العذاب الأُخروي، أعظم بمراتب من وقوعه في المفسدة الدنيوية، و من فوت المصلحة الدنيوية عنه، فكيف يكون من باب دفع الأفسد بالفاسد، بل الأمر بلحاظ لازمه بالعكس، و كون الإثم و العصيان باختيار المكلّف، لا دخل له في هذه المرحلة.

و بالجملة فجعل العقاب مقدّمة، لحفظ العبد عن وقوعه في المفسدة مثلًا، إنّما يكون لطفاً و إحساناً للعبد، إذا لم يستلزم ما هو أعظم، من وقوعه في المفسدة، و أمّا إقدام العبد على الضرر باختياره، فانّما يصحّح الملازمة على العبد و ذمّه بإقدامه، لا أنّه يصحّح جعل الضرر من الغير، و إلا فلكلّ أحد جعل الضرر على عباد اللّه، بل جعل الضرر انّما يصحّ إذا كان بعد الكسر و الانكسار،


1) الإشارات: المجلد الثالث، ص 329، طبعة الآخوندي.

2) المحقّق الملّا علي النجفي النهاوندي في تشريح الأُصول، في أنّ الأحكام الشرعية كلها ناشئة عن صلاح المكلفين، و المحكي مضمون كلامه قدّس سرّه و بعض كلامه هكذا «و اختياره لهذا الفعل مع كراهته على تركه من قبيل اختيار أقل المحذورين و دفع الأفسد بالفاسد من باب أنّ الضرورة تبيح المحذور».

حسناً و واجباً في الحكمة، و قد عرفت أنّ مفسدة جعله، أعظم بمراتب من مفسدة تركه، بمعنى أنّه لو لم يكن تخويف بالنسبة إلى هذا العاصي، لم يكن في الخارج، إلا وقوعه في مفسدة دنيوية، و إيكاله إلى نفسه و مشتهاه، الموجب لوقوعه فيها، أولى من جعل يوجب وقوعه في العقاب الأخروي أيضا.

فالتحقيق أنّ مصلحة التخويف العام، حفظ النظام، و الحكيم يراعي المصلحة العامة الكلية، فكما لو لا تخويف من يرتدع حقيقة بالردع، لما ارتدع، فلم يبق نظام الكلّ محفوظاً، كذلك لو احتمل أنّ المجرم بما هو مجرم لا يعذّب، فعموم التخويف و التوعيد و الترهيب، ممّا له دخل في حفظ النظام التامّ الّذي لا أتمّ منه نظام.

و منه ظهر أنّ المصلحة الداعية إلى التخويف، ليست مجرد حفظ العبد عن الوقوع في المفسدة، و إن كانت من الفوائد أحياناً، حتى يقال بعدم مقابلته لمفسدة الوقوع في العذاب الدائم، بل حفظ النظام الّذي لا يعقل مزاحمته بشي‌ء، فليس للمجرم حجّة عليه تعالى، لإقدامه بإرادته على الضرر، و لا لأحد حجّة عليه تعالى، من جهة جعله العقاب، لاقتضاء المصلحة الغير المزاحمة بشي‌ء.

و من هنا أيضا اتّضح سرّ الإلزام و التخويف، مع القطع بعدم التأثير، كما في الكافر و العاصي، فانّه لو كان بداعي انقداح الداعي في نفس العبد فيكون لغواً، مع القطع بعدم الانقداح، و بعبارة أُخرى سلّمنا أنّ المقدّمة شأنها إمكان التوصل بها، لكن إيجادها مع القطع بعدم الموصلية لغو، لا أنّه يسقطه عن المقدّمية، لكن بعد ما عرفت أنّ الداعي الحقيقي حفظ النظام، و هو مترتّب على عموم التخويف و الإلزام، فلا مجال للإشكال، غاية الأمر أنّ ارتداع النفوس الطاهرة المؤمنة، من الفوائد، كما أنّ كونه حجّة للّه على المجرم و الكافر أيضا، من الفوائد، و هذا معنى تسجيليّة أوامر العصاة و الكفّار، فافهم و استقم.

الثاني: انّ المخالفة و العصيان تقتضي استحقاق العقاب عقلًا، فالعقل هو

المخوّف على مخالفة المولى، و اختيار العقاب في ما لا مانع فيه، من توبة أو شفاعة مثلًا، ممّا تقتضيه الحكمة الإلهية، و السنّة الربانيّة، لعين ما ذكرناه في أصل التخويف، غاية الأمر أنّ الشارع له الاكتفاء بالتخويف العقلي، من دون حاجة إلى جعل العقاب.

و هذا الوجه ظاهر المشهور من الأُصوليين، و تقريبه: انّ هتك المولى، و الخروج عمّا تقتضيه رسوم العبودية و الرقيّة، مصحّح عقلًا لمؤاخذة العبد و عقوبته، غاية الأمر أنّ داعي المولى إلى الجزاء، قد يكون التشفّي ممّن ظلمه، كما في موارد جزاء غير العبد أيضا، و قد يكون مقدّمة لأن لا يهتكه في ما بعد، و أُخرى مصلحة أُخرى، كما في البارئ تعالى، فخروج العبد عن زيّ العبوديّة، مصحّح عقلًا، لأن يختار المولى معاقبته بداع من الدواعي العقلائيّة، فنحن انّما نحتاج إلى الداعي الصحيح، في مقام إجراء العقاب، و إلا فأصل الاستحقاق ثابت بحكم العقل، لمكان الهتك و الخروج عن زيّ العبودية و رسوم الرقيّة، و هو ظلم عظيم على المولى، و إن كان الأمر فائدته راجعة إلى العبد، إذ العقوبة ليس على تفويت غرض المولى، حتى يقال بأنّ الأوامر الشرعية ليست كذلك، كما أنّه ليس على مخالفة أمر المولى و نهيه، و ارتكاب مبغوض المولى، لوجود الكلّ في صورة الجهل، و إذا لم يكن هذه العناوين في حدود أنفسها موجبة للعقاب، فضمّ العلم إليها بما هو علم بها، لا يعقل أن يوجب استحقاق العقاب، إذ لا يعقل ترتّب العقاب على ما ليس بعنوانه قبيحاً، عند العقل و العقلاء، ما لم يوجب انطباق عنوان قبيح ذاتي عليه، بل العقوبة على هتك المولى، و الخروج عن رسوم العبودية، و هو ظلم على المولى، خصوصاً مولى الموالي.

و من يتوهّم أنّ الظلم على المولى لا يسوّغ عقاب الظالم و مؤاخذته، فقد كابر مقتضى عقله و وجدانه، و هذا هو العنوان القبيح الصادق على الفعل، بملاحظة تعلّق العلم، و لذا نقول بعدم الفرق بين المعاصي الواقعيّة، و التجرّي، لوجود ما

هو ملاك الاستحقاق فيهما على حدّ واحد.

و معنى استحقاق العقاب على الظلم على المولى، لهتك حرمته، و الخروج معه عن طريقة العبودية، و زيّ الرقيّة، أنّ هذه القضية، كقضية حسن العدل، و قبح الجور مثلًا، من القضايا المشهورة التي تطابقت عليها آراء العقلاء، حفظاً للنظام، و إبقاءً للنوع، لعموم مصالحها، فلا يجب انتهاء مثل هذا الحكم العقلي، إلى اجتماع النقيضين و الضدين.

لا يقال: وجدان صحّة المؤاخذة على مخالفة الأوامر المولوية صحيح، إلا أنّه من جهة تضمّن الأوامر و النواهي للوعيد على الترك، أو الفعل، بحيث لو سئل الآمر عن العقوبة على المخالفة، لأجاب بأنّه بان على العقوبة على المخالفة.

لأنّا نقول: لا دلالة للأمر بمجرده على ذلك، و أمّا ما تعارف من التصريح بالعقوبة على المخالفة، فليس من باب التعهّد للعقاب، بل من جهة ان المخالفة بما هي مخالفة، تصحّح العقاب، فهو تصريح بمقتضى الأمر عند المخالفة عقلًا، فحينئذٍ إذا أقدم المكلّف على المخالفة، مع حكم عقله بما ذكرنا، فقد أقدم بإرادته على الضرر، فلا يلومنّ إلا نفسه.

و منها: أنّ المبدأ الخيّر، لا يصدر منه إلا الخير، و لا يصدر منه الشر، لمكان السنخية المقتضية لصدور الأوّل، و عدم صدور الثاني، و من الواضح أنّ عقاب المجرم شرّ، فكيف يصدر منه، و هذا الإشكال، لا اختصاص له بالعقاب على الوجه الثاني، بل يجري و لو كان من لوازم الأفعال، إذ لا بدّ من خلوّ النظام عن الشرور، فلا يعقل.

و الجواب: انّ اللازم خلوّ النظام عن الشرّ بالذات، و أمّا الشرّ بالعرض الّذي كان في حدّ ذاته خيراً، فلا ينافي صدوره عن الخير المحض، إذ هو على الفرض خير بالذات، و انّما هو شرّ بالعرض، و إفاضة الثواب الدائم على أهل الجنّة، كإفاضة العقاب الدائم على أهل النار، عين العدل و الصواب، لأنّها

إفاضة محضة، من حيث اقتضاء المورد القابل، و إن كان العذاب الجسماني، من حيث تفرّق الاتصال المنافر للبدن، شراً بالإضافة إلى البدن، و سيأتي توضيحه بعيد هذا إن شاء اللّه تعالى.

و منها: أنّ إيجاد من سيوجد منه الموبقات و المهلكات، أو إيجاد نفس الموجبات للعقوبات، على أيدي العباد، مناف لرحمة ربّ الأرباب.

و تحقيق الجواب: انّ لكلّ ماهية من الماهيات، في حدّ ذاتها حدّاً ماهوياً، بحيث لو زيد عليه أو نقص عنه، لخرجت تلك الماهية عن كونها هي، و كانت ماهية أُخرى، مثلًا ماهية الشجر جوهر ممتد نام، فلو زيد على هذا الحدّ الماهوي، الحساسيّة، خرجت عن كونها ماهية الشجر و كانت ماهيّة الحيوان، كما أنّه لو نقص عن الحدّ المذكور النامي، خرجت عن الشجرية، و دخلت في الجماد، و هكذا الأمر في الماهيات الأُخر، فعلى ذلك لكلّ ماهية وجدان و فقدان.

و قد تقرّر في مقرّه، أنّ لماهيات الأشياء كائنة ما كانت، نحو وجود في العلم الأزلي الرّباني، بتبع العلم بالوجودات، أو بتبع الأسماء و الصفات، كما لهجت به ألسنة العرفاء، غاية الأمر انّ العلم في مرتبة الذات، و المعلوم في المرتبة المتأخّرة، إذ لا يعقل أن يكون لنفس الماهية، طريق في مرتبة وجود العالم، و إلا لانقلب ما هو حيثية ذاته حيثية طاردية العدم، إلى ما ليس كذلك.

و قد تقرّر في محله أيضا، أنّ سنخ الوجود، هو المجعول بالذات و الأصالة، و الماهية مجعولة بالعرض و التبع، و إلا فوجدانها لذاتها، و ذاتياتها، و لوازمها، غير محتاج إلى جعل و تأثير، و لا يعقل الجعل بين الشي‌ء و نفسه، و لا بينه و لوازمه، و أيضا كل ماهية ممكنة موجودة، في العلم الأزلي، بلسان القابليّة و الاستعداد، يسأل الدخول في دار الوجود، و حيث إنّ الوجود إفاضة محضة، و الإفاضة بمقدار قبول القوابل، لطف و إحسان محض، و على وفق العدل و الصواب، فلذا يجب

على الفيّاض المطلق، و الجواد بالحقّ، الّذي لا بخل في ساحته، إفاضة الوجود.

و بعبارة أُخرى: كلّ ما أمكن وجوده بالذات، وجب وجوده، إلا إذا توقّف على ممتنع بالذات، إذ لا نقص في طرف علّة العلل، فلا بدّ من أن يكون النقص في الوسائط، من الأسباب و الشرائط، و النقص المانع عن وجوده، ليس إلا الامتناع الذاتي، و إلا فيجري في تلك الواسطة هذا البيان، فافهم و استقم.

إذا عرفت ذلك نقول: انّ تفاوت الماهيات الجنسية، و النوعيّة، و الشخصية، في أنفسها، و لوازمها، بنفس ذواتها، لا بجعل جاعل، و تأثير مؤثّر، فمنهم شقي، و منهم سعيد، بنفس ذاته و ما هويته، و حيث كانت الماهيات موجودة في العلم الأزلي، و طلبت الدخول في دار الوجود، و كان الواهب الجواد فيّاضاً بذاته، غنياً بنفسه، فيجب عليه إفاضة الوجود، و يمتنع عليه الإمساك عن الإفاضة و الجود، فلو أوجدها اللّه تعالى، كان محض الجود و الإفاضة، لا أنّه جعل السعيد سعيداً، و الشقي شقياً، حتى يقال: لِمَ جعلهما كذلك، بل أوجدهما اللّه تعالى، و قد عرفت أنّ الإيجاد محض الجود، و حيث إنّه بمقدار القابليّة، كان عدلًا و صواباً، لأنّه إفاضة بمقدار القابلية، و على وفق حال الطالب السائل.

و قياسه بإجابة السفيه، مع الفارق، فانّ السفيه ربما يطلب ما ينافي ذاته، فأجابته خلاف الحكمة، بخلاف إجابة الماهيات، فانّه لا اقتضاء وراء الذات و الذاتيات، و إليه أُشير في قوله عليه السلام: الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة(1)كما أنّه أُشير إليه بقوله عليه السلام: السعيد سعيد في بطن أمه، و الشقي شقي في بطن أمه (2)فانّ المراد ببطن الأمّ، امّا ما هو ظاهره،


1) سفينة البحار: ج 2- باب عدن، و في الفقيه: ج 4، في ألفاظ موجزة للنبي صلى اللَّه عليه و آله، المضبوط بالرقم 5821.

2) توحيد الصدوق: الباب 58، و لفظ الحديث هكذا: «الشقي من شقي في بطن أُمّه، و السعيد من سعد في بطن أُمّه».

و الاختصاص به، لكونه أوّل النشئات الوجوديّة، عند الجمهور، أو ما هو باطنه، و هو الشي‌ء في كمون ذاته، و مكنون ماهيّته، و إطلاق الأمّ على الماهيّة، بلحاظ جهة قبولها، كما أطلق الأب على الباري تعالى، في بعض الكتب السماوية، بلحاظ جهة فاعليته.

ثمَّ إنّه ظهر ممّا ذكرنا معنى ما لهجت به ألسنة العرفاء، من أنّ العلم تابع للمعلوم، فإن المراد ما عرفت، من ثبوت الماهيات، على ما هي عليه في العلم الأزلي، من دون تأثير مؤثّر في ما هي عليه، و هو تعالى لم يولّ أحداً، إلا ما تولّى، و لم يعطه إلا ما أعطاه من نفسه، و ما ظلمهم اللّه، و لكن كانوا أنفسهم يظلمون.

فاتضح من جميع ما ذكرنا أنّ إيجاد من سيوجد منه موجبات العقاب، أو إيجاد هذه الموجبات، عين العدل و الصواب، كما أنّ منه اتّضح، كون ما في دار الوجود خيرات محضة، و الشرور مرجعها العدم، إذ الإفاضة على ما عرفت، على وفق قبول القوابل، و الشي‌ء لا ينافي مقتضاه، فإفاضة الوجود على الماهيات، كائنة ما كانت، إفاضة على ما يلائم الشي‌ء. إذ الشي‌ء يلائم ذاته و ذاتياته، و لوازمه.

و هذه نبذة مما يتعلّق بالمقام، و بسط المقال في هذا المجال، لا يسعه الحال، فليرجع إلى الكتب المفصلة المبسوطة، من فنّ الحكمة، و اللّه وليّ الرشد و العصمة، و هذا آخر ما أردنا إيراده في هذه المسألة الشريفة، بمقدّماتها، و لوازمها، و توابعها، و الحمد للّه على ذلك.

كتبها بيده الفانية الجانية، محمد حسين بن محمد حسن الأصفهانيّ النجفي، عاملهما اللّه بلطفه الجلي و الخفي.

فهرس الطلب و الإرادة

في تحقيق ما يعبر عنه بالإرادة 3 في كونه تعالى نفس الغاية 4 البرهان على عينيته تعالى مع العلم و الإرادة 5 البحث حول كيفية العينية 6 البحث في الإرادة و معناها 7 الرد على من قال بأن الإرادة في المخلوق اعتقاد النّفع لا صفة نفسانية 10 انقسام الإرادة إلى تكوينية و تشريعية 12 في حقيقة الإنشاء و الوجود الإنشائيّ 14 بيان فروق أخر بين الإخبار و الإنشاء 19 منشأ النزاع في مسألة اتحاد الطلب و الإرادة 27 حول بطلان الكلام النفسيّ 27 الالتزام بأمر آخر في مدلول صيغة الأمر لا يلزم منه الكلام النفسيّ 32 في معنى متكلميته تعالى 33 حول محل النزاع في مسألة الطلب و الإرادة 34 في كون المسألة على وجه عقلية و على وجه أصولية و على وجه لغوية 35

استدلال الأشاعرة على المغايرة و الجواب عنه 37 الوجه الثاني للأشاعرة على المغايرة و الجواب عنه 40 لا منافاة بين إرادته تعالى و اختيار العبد بالنسبة إلى الإطاعة و الإيمان و الكفر و العصيان 49 لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين 53 في تصحيح العقوبة على الكفر و العصيان و المثوبة لأهل الطاعة و الإيمان 56 الإشكال في العذاب من جهات و الجواب عنه 58