بحوث فی الاصول یحتوی علی جلد 1

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:اصفهاني، محمدحسين، ۱۳۲۰ - ۱۲۵۷

عنوان و نام پديدآور:بحوث في الاصول يحتوي علي: ۱ - الاصول علي النهج الحديث ۲- الطب و الاراده ۳- الاجتهاد و التقليد/ تاليف محمدحسين الاصفهاني

مشخصات نشر:[قم]: جماعه المدرسين بقم، موسسه النشر الاسلامي، ۱۴۰۹ق. = ۱۳۶۸.

مشخصات ظاهري:ص ۲۰۰

فروست:(جامعه مدرسين حوزه علميه قم. دفتر انتشارات اسلامي؛ ۵۲۲- ۴)

شابك:بها:۱۶۵۰ريال

يادداشت:چاپ دوم: ۱۴۱۶ق. = ۱۳۷۴؛ بها: ۶۵۰۰ ريال

يادداشت:كتابنامه به‌صورت زيرنويس

موضوع:اصول فقه شيعه

شناسه افزوده:جامعه مدرسين حوزه علميه قم. دفتر انتشارات اسلامي

رده بندي كنگره:BP۱۵۹/۸/الف‌۶ب‌۳ ۱۳۶۸

رده بندي ديويي:۲۹۷/۳۱۲

شماره كتابشناسي ملي:م‌۶۸-۳۵۹۸

اشارة

[مقدمة]

من حياة المؤلّف

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

نسبه

هو الشيخ (محمَّد حسين) الأصفهاني ابن الحاج محمَّد حسن بن علي أكبر بن آقا بابا بن آقا كوچك ابن الحاج محمَّد إسماعيل (1)بن الحاج محمَّد حاتم النخجواني.

ولادته و نشأته و وفاته

ولد أستاذنا الشيخ قدّس سرّه في ثاني محرم الحرام من سنة 1296 ه بالنجف الأشرف (2)من أبوين كريمين. و كان أبوه الحاج محمَّد حسن من مشاهير تجار الكاظمية الأتقياء الذين كان يشار إليهم بالبنان. و كان من المحبين للعلم و العلماء. فعاش شيخنا المترجم له في كنف أبيه عيشة ترف و نعمة، و خلّف له من التراث الشي‌ء الكثير الّذي أنفقه كله في سبيل طلب العلم. و لذا نشأ نشأة المعتز بنفسه المترفع عما في أيدي الناس. و هذا ما زاده عزاً و إباء.

و كان قد حدب والده على تربيته تربية علمية صالحة، و مهّد له السبيل إلى تحصيل العلم، فظهرت معالم النبوغ الفطري مبكّرة في طلولته الوادعة، حين تعلّم الخطّ فأظهر في جميع أصنافه براعة فائقة، و أصبح من مشاهير ذوي الخطوط الجميلة.


1) و هو الّذي هاجر من« نخجوان» إلى« أصفهان» و سكن فيها.

2) ثم انتقل إلى الكاظمية في أوائل العقد الثاني من عمره و عاش فيها بضع سنين ثم انتقل إلى النجف.

و للخط قيمته الفنية- لا سيما في ذلك العهد- و لكل فنّ و علم موهبة خاصة يودعها اللَّه تعالى من يشاء من عباده.

كما انكب شيخنا على طلب العلم في سنّه المبكّرة، و انتقل إلى النجف الأشرف جامعة العلم و عاصمة الدين في أخريات العقد الثاني من عمره، بعد أن قضى حداثته و شطراً من شبابه في الكاظمية مشتغلا في مقدمات العلوم الدينية. و عند هجرته إلى النجف الأشرف حضر في الأصول و الفقه على مربي العلماء و المدرس الأول و المجاهد الأكبر الشيخ محمَّد كاظم الخراسانيّ المعروف (بالآخوند) قدّس سرّه.

و اختص به إلى أن توفي سنة 1329 ه فكان من مشاهير تلامذته و كانت مدة حضوره عليه 13 عاماً كتب في خلالها جملة من حاشيته (1)على (كفاية الأصول) لأستاذه.

و من غريب ما ينقل عنه انه لم يترك درس أستاذه في هذه المدة إلّا يومين يوم أُصيب فيه رمد شديد عاقه عن الحضور و يوم آخر هطلت فيه الأمطار بغزارة فظن أنّ ذلك سيعوق أستاذه و تلاميذه عن الحضور فظهر بعد ذلك أنّ أستاذه حضر و ألقى درسه على شرذمة قليلة منهم.

قال المرحوم الحجّة الأُردوبادي و هو أحد تلامذة المترجم له: انتماء شيخنا المترجم له إلى أستاذه هذا أكثر و أشهر لأنه طالت مدته فدأب على التلمذة عليه ثلاثة عشر عاماً فقهاً و أُصولًا حتّى قضى نحبه فاستقلّ شيخنا بالتدريس.

و حضر أستاذنا أيضا في الفقه و أُصوله قليلًا على العلّامة المحقق الشهير السيّد محمَّد الأصفهاني المتوفى سنة 1316 ه. و بعد وفاة أستاذه المحقق الآخوند استقل بالبحث و التدريس، و حضر عليه كثير من مشاهير علماء العصر الذين استقلوا بعده بالتدريس.


1) و بهذه المناسبة نسجّل أسفنا على ما فات الطابعين للجزء الأول من هذه الحاشية إذ حذفوا- حباً بالاقتصاد- كل كلمة« مد ظله» و كلمة« قده» في حين انهما يميزان بين ما كتب في عهد أستاذه و بين ما كتب بعده. و النسخة الخطية بقلم المؤلف تحتفظ بهذه المزية، و كذلك نسختي التي كتبتها لنفسي و طبع عليها الجزء الأول.

و أنهى عدة دورات في الأصول و فقه المكاسب، و آخر دورة كاملة له في الأصول شرع بها في شوال سنة 1344 و أنهاها سنة 1359. و هي أطول دورة له حقق فيها كثيراً من المباحث الغامضة، و كتب فيها جملة من التعليقات النافعة على حاشيته لا سيما على الجزء الأول المطبوع. و لا يستغنى بهذا المطبوع عن هذه التعليقات. كما كتب خلالها جملة من الرسائل الصغيرة في عدة مسائل منها (رسالة أخذ الأُجرة على الواجبات) التي لم يكتب مثلها في هذا الموضوع استيفاءً و تحقيقاً.

و قد توقفت بحمد اللَّه تعالى للحضور عليه في هذه الدورة ابتداء من سنة 1345 ه.

و بعد هذه الدورة شرع في دورة جديدة على أسلوب جديد اعتزم فيها تهذيب الأصول و اختصاره و تنظيم أبوابه تنظيماً فنياً لم يسبق إليه، فوضع في المبادئ ما كان يظن أنه من المسائل و وضع في المسائل ما كان يحرر في المبادئ كمسألة المشتق.

و قسّم الأصول إلى أربعة مباحث على غير المألوف فأماط اللثام عما كان يقع من الخلط بين المباحث. و المباحث الأربعة التي وضعها لأبواب الأصول هي: المباحث اللفظية، و مباحث الملازمات العقلية، و مباحث الحجّة، و مباحث الأصول العملية.

و قد شرع رحمه اللَّه في تأليف كتاب مختصر مهذّب على هذا الأسلوب في علم الأصول، فاستبشر أهل العلم بهذا العمل الجليل الّذي كان منتظراً من مثله و كان أمنية الجميع لو لا أن المرض لم يمهله أن يتم تأليفه هذا بعد سنة من شروعه حتى فاجأته المنيّة (فجر الخامس من شهر ذي الحجة عام 1361) مأسوفاً على تلك الشعلة الإلهية الوهّاجة أن تنطفئ في وقت الحاجة إليها، فأحبط ذلك المشروع الخطير الّذي كان ينويه في تأليفه الجديد الّذي لو قُدر له أن يتم لوفر على طلاب العلم كثيراً من وقتهم و لفتح لهم أبواباً ملذّة جديدة من البحث العالي و التفكير المستقيم.

و هذه إحدى أفكاره الإصلاحية التي كانت تجول في خاطره و كان يحرِّق الأُرَّم لأجلها حينما يجد أن الوقت لم يحن لتنفيذها أو لإبرازها على الأقل، و كثيراً ما كان يوحي إلينا في خلواته بخواطره في سبيل إصلاح الحركة العلمية و الوضع الديني

السائد. و لم يكن الزمن يؤاتيه يومئذ أن ينهض بواحدة منها، حتى خسره العلم و الدين عماداً لقبّة الإسلام و عميداً لخزّان الشريعة، و خازناً للفيض القدسي، و ترجماناً للكلام النفسيّ و إماماً للمسلمين، و هادياً للحق، و مصباحاً للمهتدين إلى عين اليقين.

نعم انه قدّس سرّه اتجه في حياته إلى كل مناحي المعارف، و كرّس أيامه لنيل كل مكرمة، فكان في الفلسفة الحكيم العارف، و في الأخلاق خزانة الأسرار الفائز باسمى رتب الشهود، و في الفقه و الأصول الإمام الحجة نسيج وحده و علّامة دهره، و في الأدبين الفارسي و العربي الفنان الماهر.

منزلته العلمية

كان قدّس اللَّه تعالى نفسه الزكية من زمرة النوابغ القائل الذين يضن بهم الزمان إلا في فترات متباعدة و من تلك الشخصيات اللامعة في تاريخ علمي الفقه و الأصول. و إذا صح أن يقال في أحد إنه جاء بما لم يجئ به الأوائل فهو هذا العمود لفجر الإسلام الصادق الّذي انطفأ قبل شروق شمس نهاره لتراه كل عين. ما سلك طريقاً في بحث مسألة إلا و تطاير فضول ما علق بها من الأوهام هباء، و ما حبرت يراعته بحثاً إلا و حيّرت العقول كيف تذهب آراء الباحثين جفاء.

لو قُدر لهذا النابغة- و للَّه في خلقه شئون- أن تثنى له الوسادة ليتربع على كرسي الرئاسة العامة و كانت منه قريبة، لقلب أُسلوب البحث في الفقه و الأصول رأساً على عقب، و لتغير مجرى تاريخها بما يعجز عن تصويره البيان، و لعلم الناس أن في الثريا منالًا تقربه النوابغ إليهم من حيث يحسون و يلمسون. و لذا كانت فاجعة العلم بموته فاجعة قطعت على البحث طريقه اللاحب إلى ساحة الحقائق الواسعة، و أخّرت عليه شوطاً بعيداً من السير كان يقطعه في زمن قريب لو قدر له طول عمره أكثر.

و اني أتفأّل للجيل العلمي الآتي أن يبلغ هذا الشوط حينا يقدّر لكنوز مؤلفات شيخنا المترجم له أن تُدرس و تحقق من جديد، ليعلم الناس أن في هذه الكنوز

الثمينة من الآراء الناضجة ما يعطي للعلم صبغته الجديدة التي يستحقها، و من التحقيقات النفيسة ما يسنخ أكثر ما نسج عليه السابقون.

و عسى أن يخال القارئ أن كلمتي هذه جرت على عادة الكتّاب في مبالغاتهم عمن يترجمون لهم، و لكني أسجّل كلمتي هذه على نفسي للجيل الآتي، ليشهد هو على صدق مقالتي، و هو الّذي سيفهم ما أقوله، و ما يدريني لعل الجيل الآتي سيراني مقصراً في تعريف شخصية هذا العظيم و وصفه بما يستحق. و لكن ليتذكر اني أنا الّذي تفألت له بعرفان هذه الشخصية، و بشّرته بأنه سيبني أبحاثه الآتية في الفقه و الأصول على أساس نظرياته المحكمة و سيتخذ طريقته منهاجاً لبحثه، فسبقت إلى فضيلة هذا التفاؤل العلمي. و ما يضيرني أن يظن البعض بي الظنون، فيرميني بالغلو كما يرمى به كل تلاميذ هذا الأستاذ الذين لهم مثل هذا الاعتقاد، إلا انه ليعلم ان أول فتح لهذا الفأل نشر هذا الكتاب (يعني الكاتب حاشية المكاسب)، إذ يصبح في متناول كل باحث مفكر. و هل يلذّ لمقتطف ثمار هذه الشجرة الطيبة أن يقتطف من غير هذه النبعة؟ و هل يطيب لمن عب من هذا الفرات السائغ أن يحتسي من غير وروده؟ اني أُباهلك- أيها القارئ- ان كنت من ذوي العلم و البصيرة.

قال صاحبه المرحوم الحجّة الشيخ محمَّد حرز الدين حول شخصية المترجم له:

كان عالماً محققاً فيلسوفاً ماهراً في علمي الكلام و الحكمة و له الباع الطويل في الأدب العربي و الفارسي و التاريخ و العرفان و أجاد في شاعريته و نظم عدّة قصائد و أراجيز ملؤها المعاني الجسيمة و الإبداع و الرقة و الانسجام و كان مدرّساً بارعاً في علمي الفقه و الأصول و آخر أيامه صار مرجعاً للتقليد رجع إليه بعض الخواصّ و التجار في بغداد و أفراد من بعض المدن العراقية و سمعت هكذا في طهران، و الشيخ من خلّص أصحابنا في النجف و كان مدرّساً قديراً أجاز كثيراً من أهل الفضل إجازة الاجتهاد(1).


1) معارف الرّجال، ج 2- ص 263.

قال شيخنا البحّاثة آغا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة: و لمّا توفّي شيخنا الخراسانيّ (الآخوند) برز بشكل خاص و حفّ به جمع من الطلاب و استقل بالتدريس في الفقه و الأصول و كان جامعاً متفنّناً شارك بالإضافة إلى ما ذكر في الكلام و التفسير و الحكمة و التاريخ و العرفان و الأدب إلى ما هنالك من العلوم و كان متضلّعاً فيها و له في الأدب العربي أشواطاً بعيدة و كان له القدح المعلّى في النظم و النثر امتاز ببراعة و سلاسة و دقّة و انسجام و أكثر نظمه أراجيز بالجملة فهو من نوابغ الدهر الذين امتازوا بالعبقرية و بالملكات و المؤهّلات و غرقوا في المواهب كان محترم الجانب موقّراً من قبل علماء عصره مرموقاً في الجامعة النجفيّة اشتغل بالتدريس في الفقه و الأصول و العلوم العقلية زمناً طويلًا و كان مدرسه مجمع أهل الفضل و الكمال و قد تخرّج عليه جمع من أفاضل الطلاب كانت له قدم راسخة في الفقه و باع طويل في الأصول و آثاره في ذلك تدل على أنظاره العميقة و آرائه الناضجة لكنّه غلبت عليه الشهرة في تدريس الفلسفة لإتقانه هذا الفن بل و تفوقه فيه على أهله من معاصريه استمرّ على نشر العلم و نهض بالأعباء الثقيلة فكان العلم الماثل و الموئل المقصود الّذي تتهافت عليه الطلاب زرافات و وحداناً، و قديماً قيل (و المنهل العذب كثير الزحام)(1).

فلسفته

تلمّذ شيخنا المترجم له في الفلسفة على الفيلسوف الحكيم العارف المعروف في الأوساط العلمية ميرزا محمَّد باقر الإصطهباناتي، فاستبطن بفضل جده كل دقائقها، و دقيق كل مستبطناتها، له في كل مسألة رأي محكم و في كل بحث تحقيق فائق. و تظهر آراؤه و تحقيقاته الفلسفية على جميع آثاره و دروسه، حتى ليكاد المتلمذ عليه في الأصول خاصة يجد من نفسه انه ألمّ بأكثر الأبحاث الفلسفية من حيث


1) نقباء البشر: ج 1 ص 560- 561.

يدري و لا يدري. و من قرأ حاشيته على الكفاية بالخصوص يجد كيف تطغى المصطلحات الفلسفية على تعبيره حتى ليظن أحياناً انه يقرأ كتاباً في الفلسفة. و هذا ظاهرة عجيبة في مؤلفاته تستوقف النّظر و تدل على شدة تعلقه بهذا الفن و مبالغته في التمسك به.

و قد طغت روحه الفلسفية حتى على أراجيزه في مدح النبي المختار و آله الأطهار عليهم جميعاً الصلاة و السلام، بل أراجيزه هذه قطعة فلسفية رائعة أفرغها في ثوب من الأدب الرفيع. قد أوضحت رأي الفلاسفة المؤمنين في محمد و آل بيته نور الأنوار و علل الكائنات، على ما أشارت إليه الآيات القرآنية و صرحت به الأحاديث الصحيحة، و مما قال في النبي المختار صلى اللَّه عليه و آله و سلم:

لقد تجلّى مبدأ المبادي‌من مصدر الوجود و الإيجاد

من أمره الماضي على الأشياءأو علمه الفعلي و القضائي

رقيقة المشيئة الفعليةأو الحقيقة المحمّدية

أو هو نفس النّفس الرحماني‌بصورة بديعة المعاني

أو فيضه المقدّس الإطلاقي‌فاض على الأنفس و الآفاق

إذ أنّه حقيقة المثاني‌و عند أهل الحقّ حقّ ثان

لا بل هو الحقّ فمن رآه‌فقد رأى الحقّ فما أجلاه

إذ مقتضى الفناء في الشهودعينية الشاهد و المشهود

إلى أن يقول:

أصل الأصول فهو علّة العلل‌عقل العقول فهو أول الأُول

و قال في أمير المؤمنين عليه السَّلام:

و قلبه في قالب الوجودحياة كل ممكن موجود

و نسخة اللّاهوت وجهه الحسن‌لو رام لقياه الكليم قيل: لن

غرّته الغرّاء في الضياءجلّت عن التشبيه بالبيضاء

و كيف و هو فالق الإصباح‌في أُفق الأرواح و الأشباح

و على هذا الأسلوب جرى في جميع أراجيزه البالغة 24 أرجوزة، فجاء أسلوباً فلسفياً علمياً مبتكراً لم يمدح على غرارها النبي و آله عليهم الصلاة و السلام. و ما أبدع ما مدح به إمامنا زين العابدين عليه السَّلام ذاكراً صحيفته السجادية (زبور آل محمَّد) فقال:

و نفسه اللطيفة الزكيةصحيفة المكارم السنية

بل هي أُمّ الصحف المكرمةجوامع الحكمة منها محكمة

بل الحروف العاليات طراًتحكي عن اسمه العلي قدراً

هو الكتاب الناطق الربوبي‌و مخزن الأسرار و الغيوب

يفصح عن مقام سرّ الذات‌يعرب عن حقائق الصفات

إلى أن يقول:

و حاله أبلغ من مقاله‌جلّ عن الوصف لسان حاله

فإنه معلّم الضراعةو الاعتراف منه بالإضاعة

مقامه الكريم في أقصى الفناتراثه من جدّه حين دنا

و أعلى آثاره الفلسفية و أغلاها أرجوزته في الحكمة و المعقول (تحفة الحكيم) التي هي آية من آيات الفن مع أسلوبها العالي السهل الممتنع، جمعت أصول هذا الفن و طرائف هذا العلم بتحقيق كشف النقاب عن أسراره و أزاح الستار عن شبهاته، و ان دلت على شي‌ء فانما تدل على أن ناظمها من أعاظم فلاسفة الإسلام الذين لا يسمح بمثلهم الزمن إلا في فترات متباعدة، لو لا أن شيخنا غلب عليه الفقه و الأصول و انقطع إليهما عن الظهور بالفلسفة.

و إليك بعض أبيات أرجوزته شاهدة على سلامة ذوقه، و قدرته على التصرف بالألفاظ السهلة الواضحة في أدق المعاني العلمية، فقد قال في «أصالة الوجود»:

يختصّ بالوجود طرد العدم‌إذ ما سواه عدم أو عدمي

و ليست العلة للمعلول‌مناط طرد العدم البديل

و هو مدار الوحدة المعتبرةفي الحمل بل كانت به المغايرة

و مركز التوحيد ذاتاً و صفةو فعلًا أيضا عند أهل المعرفة

و قال في مبحث (تعريف الوجود):

الحدّ كالرسم على التحقيق‌يوصف بالاسميّ و الحقيقي

و لا يقال في جواب الشارحةإلّا حدود أو رسوم شارحة

و قد كشف في هذين البيتين عن حقيقة (ما الشارحة)، تنبيهاً على ما علق في أذهان طلاب العلم من مرادفة التعريف اللفظي لشرح الاسم و مطلب (ما الشارحة)، و إن كان قد يراد من شرح الاسم التعريف اللفظي أحياناً. و منشأ هذا الاشتباه ما ذكره الحكيم السبزواري في شرحه لمنظومته من ترادف التعريف اللفظي و مطلب ما الشارحة فأوقع الباحثين في هذا الاشتباه، و أوضحه شيخنا هنا و في شرحه للكفاية في مبحث المطلق و المقيد.

و قال في (الجعل و المجعول بالذات):

الجعل للشي‌ء بسيطاً يعرف‌و جعلُ شي‌ء شيئاً المؤلَّف

و ليس جعل الذات ذاتاً يعقل‌إذ ليست الذات لها التخلّل

كذاك لا يعقل جعل الذاتي‌أو عرضيّ لازم للذات

و لا كذاك العرض المفارق‌فإن إمكان الثبوت فارق

و الحقّ مجعولية الوجودبالذات لا ماهية الموجود

فتأمل في هذا البيان الجزل، و الأسلوب السهل، و التعبير الرصين عن أدق معاني الفلسفة بغير تكلف و بلغة سليمة ناصعة. و من أين متحت دلوك في هذا القليب تغترف الماء الزلال بل الدر الثمين. و ما سقناه فانما هو غيض من فيض ذكرناه شاهداً على ما نقول.

أدبه

نشأ أستاذنا ميّالا لكل علم و فضيلة، و كانت عبقريته تساعده على إتقان ما تصبو إليه نفسه، فلم يفته أن يتجه إلى ناحية الأدب العربي، فيضرب فيه بسهم

وافر، و ساعدته نشأته العربية في محيطي الكاظمية و النجف الأشرف على أن يكون أديباً يقرض الشعر و يجيد النثر، و له في الشعر قصائد تدل على ذوق أدبي مستقيم، و لكنه لم يكن يحتفل بها فلذا لم يطلع عليها إلا القليل من خواصه. و عسى أن تكون أتلفتها يد الإهمال نتيجة عدم عنايته بها.

على أن له اليد الطولي في الأدب الفارسي، فله ديوان منه في مدائح آل البيت و مجموعة في الغزل العرفاني الرمزي أودع فيها من المعاني الفلسفية ما يبهر المتأدبين.

أوصافه

كان- رحمه اللَّه تعالى- مربوعاً يميل إلى القصر، نحيف الجسم متماسكاً، تعلو عليه في أواخر أيامه النحافة و الصفرة، صغير العمة على غير المألوف من عادة أمثاله، كثّ اللحية، ساهم الطرف أكثر نظره إلى الأرض، لا ينظر إلى محدثه إلا ملاحظة، يبدو للناظر مثقلا بالهموم و التفكير المتواصل، على انه حاضر النكتة المرحة حتى في أثناء درسه، أنيس المحضر رقيق الحاشية، يجلب السرور إلى جليسه مع حشمة الناسك و وقار العالم، متواضعاً حتى للصغير، خافض الصوت إلى حدّ الهمس أو أو يكاد، و هذا ما كان من أكبر المشكلات على تلاميذه في درسه، و كم طالبه البعيد على مجلسه أن يرفع من صوته. فإذا استجاب لهم في كلمات عاد إلى سجيته أو عادته فتكثر الشكوى، و لكنه لا يزال هو هو في همسه و هم هم في شكواهم، و يزيد المشكلة تعقيداً بعد أنظاره الشريفة و دقة أبحاثه و نكاته العلمية.

أما ما كان عليه من التهجد و العبادة فهذا ما يكشف عنه أنه كان عارفاً إلهياً متفانياً في مقام الشهود، منقطعاً إلى حظيرة القدس. لا يلتذّ إلا بالمناجاة الروحانية، و لا يأنس إلا بالوحدة و الانقطاع إلى مقام المقرّبين.

مؤلّفاته

كان لشيخنا أعلى اللَّه مقامه قلم سيّال و رغبة في التأليف و الإنتاج منقطعي

النّظر و كان من ميزاته أن يفرغ كل مؤلفاته لأول مرة في المبيضة التي يعدها للتأليف، لا على عادة أكثر المؤلفين في اتخاذ مسودة لها. فلم يكن يحتاج إلى إعادة النّظر فيما يكتب و تعديله و تصحيحه، و هذا دليل القريحة الوقادة التي لا تجاري، و قد أنتج طيلة حياته عدة مؤلفات قيمة هي مفخرة العلم و الأدب و إليك بعضها:

1- تعليقة على كفاية الأُصول، و قد طبع منها الجزء الأول في إيران و أضاف عليها بعد طبعها تعليقات نفيسة لا يستغنى عنها (و طبع الجزء الثاني بعد هذه الكلمة).

2- تعليقة ضافية على المكاسب (طبعت هذه الترجمة في مقدمتها).

3- تعليقة على رسالة القطع للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

4- رسالة في الإجارة مطولة.

5 و 6 و 7- رسالة في الاجتهاد و التقليد و العدالة و رسالة في الأصول على النهج الحديث و رسالة في الطلب و الإرادة(1).

8- رسالة في صلاة المسافر.

9- رسالة في الطهارة.

10- رسالة في صلاة الجمعة.

11- رسالة في تحقيق الحق و الحكم.

12- رسالة في أخذ الأجرة على الواجبات (طبعت في آخر حاشية المكاسب).

13 و 14- رسالتان في المشتق.

15- رسالة في قواعد التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة و اليد.

16- رسالة في الصحيح و الأعم.

17- رسالة في موضوع العلم.

18- رسالة في المعاد.

19- منظومة في الفلسفة العالية (تحفة الحكيم).

20- منظومة في 24 أُرجوزة في مدح النبي و الأئمة عليهم السّلام و مراثيهم


1) و هو هذا المطبوع و قد سمّيناه« بحوث في الأصول».

21- منظومة في الصوم.

22- منظومة في الاعتكاف.

23- ديوان شعره الفارسي في الغزل العرفاني.

24- ديوان شعره الفارسي في مدائح آل البيت و مراثيهم.

25- رسائله العملية في الفقه عربية و فارسية.

26- رسالة في المشترك.

27- رسالة في الحروف.

علاقة تلاميذه به

من الظواهر العجيبة التي تسترعي الأنظار تفاني تلاميذه في حبه و شدة تعلقهم به و إعجابهم بشخصه الكريم إلى حدّ التقديس. و يعزى ذلك إلى أمرين: إلى ما يرونه فيه من المواهب النادرة التي لم يجدوها في غيره ممن رأوا و سمعوا، و إلى ما كانوا يشاهدونه فيه مثالًا للأب الرءوف و الأُستاذ العطوف يحنو على الصغير و الكبير و يحترم الجميع.

و لقد كنت أرجو أن أؤدي بعض ما كان علي من واجب شكر فضله بترجمة ضافية، و لكن الفرصة لم تكن مؤاتية و قد أعجلت على هذه الكلمة العابرة فمعذرة إليك- أيها الأُستاذ العظيم- إذ لم أستطع أن أُوفي بعض ما علي من حقوقك و عهدي بك تغض النّظر عن كل هفواتنا معك، فاجعل هذه من تلك. و أرجو منه تعالى أن يساعدني على استلهام بعض روحانيتك لأتمكن في فرصة أُخرى من التكفير عن هذه الخطيئة(1).


1) هذا ما ذكره المرحوم الشيخ محمَّد رضا المظفر في مقدمته على رسالة الإجارة مع تصرّف و إضافات منا.

[الأصول على النهج الحديث

بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ أمّا بعد حمد اللّه و الصّلاة على نبيّه و آله الطاهرين.

فنقول: لكل علم مسائل و مبادئ و موضوع.

أمّا مسائله فهي قضاياه المتشتتة المشتركة في غرض خاص.

و أمّا مبادئه فهي تصورية و تصديقيّة، فمبادئه التصورية راجعة إلى حدودات تلك القضايا بأطرافها، و مبادئه التصديقيّة هي ما يتوقف عليه التصديق بثبوت محمولات تلك القضايا لموضوعاتها.

و تعارف في علم الأصول تدوين المبادئ اللغوية و المبادئ الأحكامية.

فربما يتخيل انهما قسمان آخران من المبادئ يختص بهما علم الأصول. و ليس كذلك، بل المبادئ التصورية تارة لغوية و أخرى أحكاميّة، و كذا المبادئ التصديقيّة.

فالبحث- عن المعاني الحرفية، و الخبر و الإنشاء، و الحقيقة و المجاز، و أشباهها- من المبادئ التصورية اللغوية، يعرف بها مفاد الهيئات النسبية الإنشائيّة و معنى حقيقيتها و مجازيتها.

و البحث- عن ثبوت الحقيقة الشرعية، و الصحيح و الأعم، و جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى- من المبادئ التصديقية اللغوية، بها يصح حمل الصلاة مثلًا على معناها المتداول شرعاً، و بها يحكم بإجمال اللفظ على الصحيح، فلا موقع للإطلاق أو بالبيان الّذي معه مجال له على الأعم، و بها يحكم على

استعمال اللفظ في الجامع بناء على الامتناع، و في الإيجاب و الاستحباب- مثلًا- بناء على الإمكان.

كما ان البحث- عن حقيقة الحكم بما هو لا بما هو مدلول اللفظ، و البحث عن التكليفي و الوضعي، و المطلق و المشروط، و النفسيّ و الغيري، إلى آخر تقسيمات الحكم- من المبادئ التصورية الأحكامية.

و البحث- عن إمكان اجتماع الحكمين و امتناعه- من المبادئ التصديقيّة الأحكامية، فيحكم بناء على الإمكان بعدم التعارض بين الدليلين المتكفلين للحكمين و على الامتناع بالتعارض.

و مما ذكرنا تعرف انه لا ينبغي التعرض في المبادئ اللغوية إلّا لما يرتبط تصوراً أو تصديقاً بقضايا العلم، فمثل البحث عن كون دلالة اللفظ تصورية أو تصديقية ليس له المبدئية بوجه. إذ الاستعمال متقوّم بالإرادة، و مثله مورد ابتلاء الفقيه، سواء كانت هذه الإرادة مأخوذة في الموضوع له أم لا.

كما ان البحث- عن إمكان إطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه أو فرد مثله أو شخص نفسه- و إن كان بحثاً علمياً لكنه ليس مورداً لابتلاء الفقيه حتى يصح البحث عنه في الأصول، فان مسائل أصول الفقه لا بدّ من أن تكون مبادئ تصديقية لعلم الفقه. و منه تعرف لزوم إلغاء جملة مما تعارف تدوينه في الأصول.

كما ان إخراج بعض المسائل و إدراجه في المبادئ اللغوية بلا وجه، كمسألة المشتق، فانها ليست من المبادئ التصورية و لا التصديقية لمسألة أصولية، بل الوضع للأعم نتيجته بقاء الحكم المترتب على المشتق، و الوضع للمتلبس نتيجته ارتفاع الحكم مع انقضاء المبدأ، و هذا شأن المسألة الأصولية، فهي من المسائل الأصولية اللفظية هذا في المبادئ بأقسامها.

و أمّا موضوع العلم فصريح أعلام الفن لزومه للعلم.

فان كان بملاحظة ان كلّ علم مركب اعتباري من قضايا متشتتة، و لا بدّ في كلّ مركب من جهة وحدة، امّا حقيقية كما في المركب الحقيقي كالمركب من مادة و صورة، و امّا اعتبارية كما نحن فيه، فمن الواضح ان جهة الوحدة كما تنحفظ بالموضوع الجامع، كذلك بالمحمول الجامع و بالغرض الجامع، فلا تعين للموضوع.

و ان كان بملاحظة ان إفراد كلّ مركّب اعتباري عن مركب اعتباري آخر، و تسمية كلّ منهما علماً و فناً متوقف على الموضوع الجامع، و لذا اشتهر ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و لو بالحيثيات، فمن البيّن ان الموضوع الجامع لا يمكن أن يكون ما به امتياز فن عن فن، و إلّا لكان بابان من فن واحد فنين، و كذلك المحمول الجامع، فتنحصر جهة الامتياز من حيث الفنيّة و العلميّة في الغرض الجامع.

و إن كان بملاحظة ان تأثير القضايا المتشتتة في غرض واحد يقتضي وحدة القضايا، و لا تكون واحدة إلّا برجوع موضوعاتها إلى موضوع جامع و محمولاتها إلى محمول جامع، ففيه ان الغرض الجامع واحد بالعنوان لا بالحقيقة ليجري فيه البرهان و هو استحالة تأثير الأمور المتباينة أثراً واحداً.

و من جميع ما ذكرنا تبين عدم لزوم الجامع لموضوعات المسائل فضلًا عن كونه بحيث تكون محمولات المسائل أعراضاً ذاتية له، إذ لا مقتضي له بل له مانع. اما عدم المقتضي، فلأن البحث في العلم ليس عن الموضوع الجامع حتى يلزم كون محموله عرضاً ذاتياً له، و لو فرض البحث عن ثبوت شي‌ء للموضوع الجامع فهو بما هو موضوع المسألة لا بما هو موضوع العلم. و اما وجود المانع، فلأن الموضوع الجامع ما لم يتخصص بخصوصيّة أو خصوصيات لا تعرضه محمولات المسائل، فكيف يعقل أن تكون تلك المحمولات مع دخل تلك الخصوصيات أعراضاً ذاتية لموضوع العلم؟ و بقية الكلام تطلب من النهاية(1)، فانّها في هذا


1) نهاية الدراية: ج 1 ص 4.

الموضوع قد بلغت الغاية.

و أمّا ما تعارف تدوينه في أوائل كلّ علم من تعريفه و بيان موضوعه و الغرض منه و أشباه ذلك، فهي من مقدمات الشروع لمزيد بصيرة الطالب، لا انّها من المبادئ للمقاصد و المطالب، فلا بأس بالإشارة إلى المهم من مقدّمات الشروع.

فمنها تعريف علم الأصول.

و حيث ان مسائله مبادئ تصديقيّة لمسائل الفقه، و ليس الفقه خصوص العلم الوجداني بالأحكام الشرعية، و إلّا لانحصر في الإجماعيات و نصّ الكتاب و نصّ السنّة المتواترة و هكذا، فلا بدَّ من ان يراد الحجة على حكم العمل، و حينئذٍ فعلم أصول الفقه فن يعرف به ما يفيد في إقامة الحجة على حكم العمل.

و الفقيه من له الحجة، و المجتهد هو المستفرغ و سعة في تحصيل الحجة على حكم العمل، من دون اختصاص بذوات الأدلة أو بما هي أدلة حتى يرد عليه بعض الإيرادات.

و ما ذكرناه أولى من تعريفه «بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي»(1)، إذ القضايا العقلية التي يتوصل بها إلى الأحكام الشرعية هي الأدلة عليها لا انها واسطة في استنباطها من أدلّتها.

و امّا بعض الأصول العملية التي مفادها بنفسها حكم شرعي، كحلّية مشكوك الحلّية و الحرمة، أو رفع الحرمة و الوجوب في البراءة الشرعية، فلا بدَّ من جعلها استطراديّة كما لا يخفى.

و منها بيان موضوع هذا العلم.

و من البيّن انه لا جامع لموضوعات مسائله، كيف! و الموضوع في باب


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 9.

الأوامر ذات الصيغة و محموله الظهور في الوجوب أو في الوجوب التعييني، إلى آخر المباحث، و الموضوع في باب حجيّة الظاهر نفس الظهور و في باب الخبر حكاية السنة، و في باب الإجماع نقله، و في باب الاستصحاب كون اليقين السابق و في باب مقدمة الواجب الملازمة بين الوجوبين، و في باب الاجزاء إتيان المأمور به، فكيف يكون لهذه الموضوعات المتشتتة جامع؟.

لكن الّذي يهوّن الخطب ان القائلين بلزوم الموضوع الجامع يكتفون بكل جامع ذاتياً كان أو عرضياً، و لو من ناحية الغرض و الغاية المترتبة على المسائل.

قال المحقق الطوسي (قدّه) في شرح الإشارات: «و الأشياء الكثيرة قد تكون موضوعات لعلم واحد بشرط أن تكون متناسبة، و وجه التناسب أن يتشارك ما هو ذاتي كالخط و السطح و الجسم إذا جعلت موضوعات للهندسة، فانها تتشارك في الجنس أعني الكم المتّصل القارّ الذات، و اما في عرضي كبدن الإنسان و أجزائه و أحواله و الأغذية و الأدوية و ما يشاكلها إذا جعلت جميعاً موضوعات علم الطب، فانها تتشارك في كونها منسوبة إلى الصحة التي هي الغاية في ذلك العلم»(1)انتهى كلامه (رفع مقامه).

و بنظيره يمكن أن يقال: ان جميع موضوعات المسائل مشتركة في انها منسوبة إلى الغاية المطلوبة من تلك المسائل، و هي إقامة الحجة على حكم العمل.

و منها بيان الغرض و الغاية.

و حيث ان مسائل الأصول مبادئ تصديقيّة للمسائل الفقهية، و علم الفقه- بناءً على تعميم العلم و شموله لمطلق الحجة- مقتضاه إقامة الحجة على حكم العمل، فما لا يكون مبدأً تصديقياً للحجة على حكم العمل ليس من الأصول، فليس الغرض من هذه المبادئ التصديقية إلّا التمكن من إقامة الحجة، و حاجة


1) شرح الإشارات و التنبيهات: ج 1، ص 298.

المجتهد- بعد عدم الحجة إلى شي‌ء في مقام العمل- لا تجعله من المسائل الأصوليّة، و لا توجب كون الغاية أعم من الاستنباط و من الانتهاء إليه في مقام العمل.

و منها بيان القسمة. و حيث ان مقاصد الفن تارة من المسائل اللفظيّة، و أخرى من المسائل العقلية، و ثالثة فيما يتعلّق بالحجج الشرعية، و رابعة في تعارضها دلالة و سنداً، فقد جعلنا الكتاب مرتباً على مقدّمة و أبواب أربعة و خاتمة.

فالمقدّمة في المبادئ التصورية و التصديقيّة بقسميها من اللغوية و الأحكامية.

و الأبواب أربعة:

الباب الأوّل في المسائل العقلية النظرية و العملية، و إنّما قدمناها على اللفظية لشرافتها و قلّة مواردها.

الباب الثاني في المسائل اللفظيّة، و فيه مقاصد:

الأوّل في المجعولات التشريعيّة من حيث نفسها من الأوامر و النواهي.

الثاني في المجعولات المزبورة من حيث تعليقها على شرط أو وصف و نحوهما.

الثالث في موضوعات المجعولات التشريعيّة و متعلقاتها من حيث العموم و الخصوص، و الإطلاق و التقييد، و الإجمال و البيان.

الباب الثالث في ما يتعلّق بالحجج الشرعية من حجّية الظاهر مطلقاً و خصوص ظاهر الكتاب، و حجّية حكاية السنة، و حجّية نقل الإجماع، و حجيّة الاستصحاب. يذكر كلّ منها في ضمن مطلب.

الباب الرابع في تعارض الحجتين دلالة أو سنداً.

و الخاتمة في البراءة و الاشتغال، و الاجتهاد و التقليد، فان مسائلها اما بنفسها حكم شرعي مستنبط، أو لا ينتهي إليه أصلًا، فلذا جعلناها خارجة عن مقاصد الفن و مندرجة في خاتمتها، حيث لم يبحث عنها في علم آخر مع حاجة الفقيه إليه.

[الأصول على نهج الحديث

مقدّمة في المبادئ بأقسامها الأربعة

اشارة

فهنا مقامات أربعة:

المقام الأوّل في المبادئ التصوريّة اللغوية

اشارة

و فيها فصول:

الفصل الأوّل في الوضع

و هو- كما ذكرنا في محله- اعتبار وضع اللفظ على المعنى فيختص به، و تتحقق الملازمة بين حضور اللفظ و حضور المعنى عند الملتفت إلى الاعتبار المزبور، و إنّما نقول باعتباريته لأن الموضوع و الموضوع له طبيعي اللفظ و طبيعي المعنى دون الموجود الذهني منهما أو الخارجي منهما، لأن الوضع للانتقال. و هو نحو وجود إدراكي، و المماثل لا يقبل المماثل، و المقابل لا يقبل المقابل، و عليه فلا يعقل أن تكون العلقة الوضعيّة من الأعراض المقولية، لاحتياجها إلى

موضوع محقق في الخارج، و لا من العوارض الذهنيّة، لاحتياجها إلى موضوع ثابت في الذهن، و بقيّة الكلام في المبادئ الأحكامية إن شاء اللّه تعالى.

و لا فرق بين أن يكون الواضع إنسانا أو اللّه تعالى، فانه على الثاني كاعتباره للملكيّة و الزوجيّة. نعم تارة يلهم النبيّ بالاعتبار الوضعي كما هو أحد التفاسير في قوله تعالى: «و علّمَ آدمَ الأسماءَ كُلها ...»(1)، و أخرى يلهمه بأن يعتبر الوضع، فهو اعتبار من النبيّ، و ثالثة يلهم النبيّ أو الناس بالتعبير عن المعنى الخاصّ باللفظ المخصوص بنحو إعطاء القوّة و الاستعداد و إيداعها في نفوسهم، كما في قوله تعالى: «و أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ...»(2)فيوجب استعماله مكرراً ثبوت الملازمة بين اللفظ و المعنى، فهذه الملازمة تارة لمكان الاعتبار، و أخرى لكثرة الاستعمال، و لا منافاة بين كون الملازمة واقعية و الوضع بعين الاعتبار، لواقعيتها بواقعيّة الاعتبار، بخلاف الوضع، فانه لا شي‌ء قبل الاعتبار، و لا يتحقق به إلّا الوضع على المعنى بوجوده الاعتباري، فتدبّر جيّداً.

الفصل الثاني

في تحقيق المعاني الحرفيّة و المفاهيم الأدَوِيَة حتى يعلم بها حال النسب الإنشائيّة التي هي مفاد الهيئات.

فعن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه): ان المعنى الاسمي و الحرفي واحد بالذات و اختلافهما باللحاظ الاستقلالي و الآلي، و لذا جعل الوضع و الموضوع له فيهما عامّاً و ان الفرق بينهما بحسب اللحاظ و الوجود الذهني، كالفرق بين الجوهر و العرض في الوجود العيني، حيث ان الأوّل وجوده خارجاً لنفسه، و الثاني وجوده


1) البقرة: 31.

2) النحل: 68.

في نفسه وجوده لغيره (1).

إلّا ان الحق المصرح به في كلمات أهل التحقيق انهما متفاوتان في ذاتهما، و ان الفرق بينهما كالفرق بين الوجود في نفسه و الوجود لا في نفسه أعني الوجود الرابط في قبال الوجود المحمولي، فكما ان الوجود الرابط ثبوت شي‌ء لشي‌ء، و هو الثبوت المتوسط و ليس ثبوت شي‌ء بحيث يضاف إليه و يحمل عليه، كذلك نسبة الشي‌ء ليست شيئاً من الأشياء و إلّا لم تكن نسبة، فعدم قبولها إلّا اللحاظ الآلي لنقصان ذاتها عن قبول اللحاظ الاستقلالي، و حيث ان حقيقة النسبة في ذاتها متقوّمة بالمنتسبين ذهناً و عيناً، فلا تقرر لها مع قطع النّظر عن الوجودين، بخلاف الماهيات، فانها متقررة في ذواتها، و مفهوم النسبة بالنسبة إلى حقيقة النسبة ليس كالطبيعي بالإضافة إلى فرده بل كالعنوان إلى المعنون نظير مفهوم الوجود و حقيقة الوجود، و حيث ان حقيقة النسبة متقوّمة في ذاتها بالمنتسبين فلا جامع ذاتي بين حقائق النسب، فان إلغاء الطرفين إعدام لذاتها، فهي مع قطع النّظر عنهما لا شي‌ء أصلًا حتى تقرراً، فلا يعقل أن يكون الموضوع له فيها عامّا، بل كلمة (في) مثلًا- بمرآتية عنوان نسبة الظرف إلى المظروف- موضوعة لحقيقة نسبة الظرف إلى المظروف، لا للظرفيّة المضايفة للمظروفية، فانّها من مقولة الإضافة، و لذا قالوا بأن النسبة لا مقولة و لا جنس للمقولات النسبيّة لأنّ المقولة لا بدّ من أن تكون طبيعة محمولة، فليس للنسبة الحقيقية وجود نفسي محمولي لا عيناً و لا ذهناً، بل وجودها بعين وجود طرفيها ذهناً و عيناً، فهي كالموجود بالقوّة بالإضافة إلى الموجود بالفعل، و كالموجود بالعرض بالإضافة إلى الموجود بالذات. و حيث ان فعليتها بالعرض بتبع فعلية الطرفين بالذات، فلذا تكون كالآلة لوقوع طرفيها موقع الظرفية و المظروفية، فإن هذين العنوانين


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 13.

الاسميّين لا ثبوت فعلي لهما إلّا بإضافة أحدهما إلى الآخر، فتلك الإضافة هي آلة وجودهما بالفعل، و بهذا الاعتبار يقال: الحرف ما أوجد معنى في غيره.

فكون معناه في غيره- أي لا نفسية له- شرح حقيقة معناه و كونه موجداً لمعنى في غيره لازم حقيقته كما عرفت، لا أنّه تمام حقيقته إيجاد النسبة الكلاميّة، بل هو مع قطع النّظر عن الكلام له مقام كالاسم، و ليس له مع قطع النّظر عن الطرفين مقام، فهو يشبه العرض من حيث انه في مقام ذاته متقوّم بطرفيه، و العرض في مقام وجوده متقوّم بموضوعه. و بوجه آخر يشبه الموجودات الإمكانية بالإضافة إلى مبدئها، فانها في مقام وجودها و هويّتها عين التعلق و الربط بمبدئها دون ماهياتها، و المعنى الحرفي في مقام ذاته عين الربط و التعلّق بطرفيه. و ما كان كذلك يستحيل ان يكون له وجود مضاف إلى نفسه لا عيناً و لا ذهناً، فتدبّره جيّداً.

و لا يخفى عليك ان ما ذكرنا في حقيقة المعنى الحرفي لا ينافي ما قدّمناه في الوضع من ان طرفي العلقة الوضعيّة طبيعي اللفظ و طبيعي المعني، فان المراد هناك عدم دخل الوجود العيني و الوجود الذهني في الموضوع و الموضوع له، و إن كان الموضوع له ماهية شخصية كما في الاعلام. فالنسبة الحقيقية و إن كانت المتقوّمة بطرفيها الموجودين عيناً أو ذهناً، إلا ان الموضوع له ذات تلك النسبة المتقوّمة بهما من دون دخل لوجود طرفيها في كونها طرف العلقة الوضعيّة، و إن كان لهما دخل في ثبوتها في حدّ ذاتها، فلا ينتقل إليها إلا بالانتقال إلى طرفيها، فتدبّر جيّداً.

الفصل الثالث في تحقيق الإنشاء و الاخبار

و المعروف في تحديدهما ان الإنشاء إثبات المعنى باللفظ في نفس الأمر.

و الاخبار الحكاية عن ثبوت شي‌ء لشي‌ء ذهناً أو عيناً مثلًا. و المراد بنفس الأمر حد ذات الشي‌ء أي في نفسه بجعل الظاهر موضع المضمر، و الكلام الإنشائي حينئذٍ قول قصد به ثبوت المعنى في حد ذاته. و قد صرح شيخنا الأستاذ (قدّه) بأن الصيغ الإنشائيّة موجدة لمعانيها في نفس الأمر و نصّ في فوائده على «انه سنخ من الوجود الاعتباري الّذي يترتب عليه بعض الآثار عرفاً أو شرعاً أحياناً»(1).

و التحقيق ان الوجود الحقيقي اما عيني أو ذهني، و الوجود العرضي اما كتبي أو لفظي. فالمراد بثبوت المعنى باللفظ، اما بثبوت عرضي، حيث ان اللفظ وجوده منسوب إليه بالذات و إلى معناه بالعرض، فوجود اللفظ الإنشائي وجود معناه لا موجد لمعناه، و اما بثبوت تحقيقي عيني أو ذهني، فيكون اللفظ واسطة لإثباته و ثبوته لا واسطة في عروضه، و آلية اللفظ و عليّته لوجود المعنى عيناً أو ذهناً غير معقولة، لأن وجود الشي‌ء عيناً يتبع مبادئ وجوده لا اللفظ، و وجوده ذهناً يتبع وجود مبادئ الانتقال لا اللفظ، و حضور المعنى ذهناً بتبع حضوره ليس من باب عليّة اللفظ بوجوده الخارجي أو بوجوده الذهني لحضور المعنى، بل للتلازم بين الحضورين لمكان التلازم بين الحاضرين جعلًا و بالمواضعة، و لذا ربما ينتقل من تخيّل المعنى إلى وجود اللفظ أو وجوده الكتبي.

فتبين مما ذكرنا ان المعقول من وجود المعنى باللفظ هو وجوده بعين وجوده لا وجوده بنحو وساطته للثبوت له. فمفاد الجملة الخبرية و الإنشائيّة في حيثيّة وجود المعنى بعين وجود اللفظ مشترك، إلا ان الإنشائيّة بتمحّض الكلام الإنشائي في إثبات النسبة التامة بعين ثبوت اللفظ، و الخبرية بزيادة على الجملة بعنوان الحكاية عن النسبة التامة، و تقابلهما تارة بنحو تقابل العدم و الملكة،


1) فوائد الأصول: ص 17.

و أخرى بتقابل السلب و الإيجاب.

بيانه: ان مدلول ذات الجملة- في قولنا: بعت و ملّكت- هي النسبة الإيجادية المتعلّقة بالمتكلم و المادة، فإذا تمحّضت الجملة في إثباتها بثبوت تنزيلي عرضي كانت إنشائيّة و إذا زيد عليها عنوان الحكاية عن تحقق النسبة المزبورة كانت خبرية، فعدم الحكاية فيما يقبل الحكاية عدم ملكة. و مدلول الجملة في قولنا: (اضرب) و في (أبعثك نحو الضرب) اخباراً مختلفان، فان البعث النسبي غير نسبة البعث، فعدم الحكاية في مثل البعث النسبي مع عدم قبوله للحكاية سلب مقابل للإيجاب كما أوضحناه في التعليقة،(1)فتدبّر.

الفصل الرابع في علائم الحقيقة و المجاز، و العمدة منها التبادر و الحمل

امّا التبادر فالوجه في كونه علامة الحقيقة: ان انسباق المعنى من اللفظ عند المخاطب العارف من أهل اللسان، اما مستند إلى اللفظ بواسطة حيثية مكتسبة من القرينة أو بواسطة حيثية مكتسبة من الوضع، و لا ثالث. و حيث ان المفروض تجرد اللفظ من القرينة، فلا بدَّ من كونه من اللفظ بما له من الحيثية المكتسبة من الوضع، فانسباق المعنى إلى ذهن العارف علامة قطعية للجاهل بأن المعنى المنسبق إليه هو الموضوع له.

و امّا الحمل: فهو بما هو لا يقتضي إلا الاتحاد في الذات أو في الوجود، و الاستعمال بما هو أعم من الحقيقة، لكن الحمل باللفظ المجرد عن القرينة هو المفيد للحقيقة أحياناً.

اما إذا كان بنحو الحمل الأوّلي الذاتي فمفاده اتحاد الإنسان بما له من المعنى


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 20.

مع الحيوان الناطق ذاتاً، فيعلم ان معنى لفظ الإنسان المجرد عن القرينة على الفرض هو عين الحيوان الناطق، غاية الأمران هذه الذات الواحدة لوحظت بنحو الجمع و الإجمال في طرف المحدود و هو الإنسان، و لوحظت بنحو الفرق و التفصيل في طرف الحد و هو الحيوان الناطق، فالحد و المحدود متحدان بالذات و مختلفان بالاعتبار، فالاتحاد الذاتي مصحح الحمل، و التغاير الاعتباري مصحح الاثنينية محمولًا و موضوعاً.

و لعله لعدم الالتفات إلى هذا النحو من التغاير أنكر بعض الاعلام (ره)(1)كون الحمل الذاتي علامة للحقيقة، بل لعله أنكر أصل الحمل الذاتي و جعل الحمل في أمثال المقام من حمل العام على الخاصّ، كما فصلنا القول فيه و في دفعه في التعليقة فراجع (2). و مما ذكرنا تعرف ان السلب الذاتي علامة المجازية، فتدبّر.

و امّا إذا كان بنحو الحمل الشائع، فالحمل المفيد هو حمل الكلي على فرده و ما يشبهه دون غيره.

توضيحه: ان مقتضى الحمل الشائع التغاير بين الموضوع و المحمول مفهوماً و اتحادهما وجوداً. و حيث ان المطلوب في باب استعلام الحقيقة هو المفهوم فلا يجدي الاتحاد في الوجود، بل اللازم الاتحاد في المفهوم. و عليه فإذا كان الحمل بين كليين متساويين في الوجود كالمتعجب و الضاحك فلا يثبت به اتحاد مفهومي أصلًا.

و اما إذا كان بنحو حمل الكلي على الفرد، فحيث ان الفرد باعتبار تقرر حصة من الكلي في مرتبة ذاته يصدق عليه الكلي، فإذا علمنا حقيقة زيد و جهلنا معنى الإنسان، فوجدنا حمل الإنسان عليه باعتبار تقرر تلك الحصة في


1) هو المحقق الرشتي في بدائع الأفكار: ص 83.

2) نهاية الدراية: ج 1، ص 28.

مرتبة ذاته في قبال الصدق باعتبار عرض من أعراضه، فلا محالة نحكم بأن معنى الإنسان هو طبيعي الحيوان الخاصّ الّذي زيد فرده باعتبار حصة من حصصه، و إلا فالحصة و الفرد بما هو متباينان مفهوماً مع مفهوم الإنسان.

و بذلك يتضح انه ليس مرجع الحمل- مع قطع النّظر عن الخصوصيّة في مرحلة استعلام الحقيقيّة و المجازية لا مرحلة الحمل بما هو- إلى الحمل الذاتي.

و مما ذكرنا في وجه استعلام الحقيقيّة من حمل الكلي على فرده تعرف ان حمل الجنس على نوعه- باعتبار تقرر حصة من طبيعي الحيوان في مرتبة ذات الإنسان، و كذا حمل الفصل على نوعه باعتبار المعنى المميز له من سائر الأنواع- كحمل الكلي على فرده مرحلة استعلام الحقيقيّة بالتقريب المزبور.

و امّا كون السلب الشائع علامة المجازية ففيه تفصيل، فان كان السلب في قبال الحمل الشائع بمعنى اتحاد الموضوع و المحمول وجوداً، فلا محالة يكون السلب دليلًا، حيث يعلم انه لا عينه و لا حصة متقررة في ذاته، و إلا لزم سلب الشي‌ء عن نفسه و عن فرده، و إن كان السلب في قبال الحمل الشائع بمعنى اندراج الموضوع تحت المحمول، فلا يكون السلب دليلًا على عدم الاتحاد مفهوماً، و بهذا الاعتبار يقال: الجزئيّ ليس بجزئي بل كليّ، مع ان مفهوم المحمول و الموضوع واحد، و بقيّة الكلام في التعليقة(1).


1) نهاية الدراية: ج 1 ص 28.

المقام الثاني في المبادئ التصديقيّة اللغوية

اشارة

و فيه فصول:

الفصل الأوّل في الحقيقة الشرعيّة

و ثمرة إثباتها التمكن من الحمل على معانيها المتداولة، و إلا لزم حملها على معانيها اللغوية. و بهذا الاعتبار يكون البحث مبدأً تصديقياً للمسألة الأصولية، فان الحمل على المعنى المعهود شرعاً ليس من النتائج الفقهيّة. نعم الظاهر ان البحث قليل الجدوى.

و حيث ان دعوى الوضع التعييني بإنشاء الشارع بعيدة جدّاً، فلذا أفاد شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) «بأن دعواه- بنحو إنشاء حصوله بنفس استعماله في معناه قاصداً به اختصاصه به- قريبة جدّاً»(1)، فلا حاجة إلى إنشاء الوضع ابتداءً حتى يستبعد بل بقوله صلى اللَّه عليه و آله: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»(2)


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 32.

2) عوالي اللئالي: ج 1، ص 198، ح 9. و سنن البيهقي: ج 2، ص 124.

قصد اختصاص لفظ الصلاة بمعناها.

و قد أشكلنا عليه في التعليقة(1)بالجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي، حيث ان اللفظ في مرحلة الاستعمال ملحوظ آلي، و في مرحلة الوضع- حيث انه أحد طرفي العلقة الوضعيّة- ملحوظ استقلالي، و المفروض حصول الوضع بنفس الاستعمال.

و دفعناه هناك بأنه من قبيل جعل الملزوم بجعل لازمه، فهناك جعلان كلّ منهما ملحوظ بما يناسبه من اللحاظ، نظير جعل الملكية بجعل لازمها بقوله:

سلّطتك عليه- مثلًا- قاصداً به استقلالًا حصول الملك له.

و امّا على مسلكنا من كون الوضع من الاعتبارات فسبق الاستعمال بالاعتبار لا محذور فيه، و قرينة المقام- في مثل قوله صلى اللَّه عليه و آله: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»(2)على اعتبار اختصاصه به- كافية في الدلالة على سبقه.

و عليه فالاستعمال حقيقي لسبقه عندنا بالوضع، و كذا عنده (قدّه) لعينية الوضع و الاستعمال. و لا موجب لسبق الوضع زماناً، و كذلك بناءً على جعل الملزوم بجعل لازمه، فان المقارنة الزمانية لا تنافي التقدّم الذاتي.

ثمَّ ان الوضع التعييني و إن كان بعيداً، إلا أن الوضع التعيّني- في الصدر الأوّل بكثرة استعمال الشارع للصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و أشباهها من الألفاظ المتداولة في لسان الشارع و ألسنة تابعيه- لا بعد فيه، بل حصول الوضع به في أيام قلائل قريب جدّاً، و إنكاره مكابرة، و لذا قلنا بأن البحث قليل الجدوى.


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 44.

2) عوالي اللئالي: ج 1، ص 198، ح 9، و سنن البيهقي: ج 2، ص 124.

الفصل الثاني في الصحيح و الأعم

و المراد من الصحيح هو الجامع لجميع الاجزاء و الشرائط و لا حاجة إلى بيان مفهوم الصحة لغة، و لا إلى تعداد مصاديق الصحيح بسائر مصطلحاته فانه غير محتاج إليه هنا بعد معلومية المراد من العنوان هنا.

و عمدة البحث هنا في تصور الجامع بين مراتب الصحيح على القول بالصحيح، و الجامع بين مراتب الصحيح و الفاسد على الأعم، حتى يمكن تصديق مقام إثبات أحد الأمرين.

و ما ذكر جامعاً للصحيحي اما جامع ذاتي أو عنواني أو اعتباري أو تركيبي.

اما الجامع الذاتي فهو مقتضى كلام شيخنا الأستاذ (قده)(1)حيث صار بصدد استكشاف الجامع من طريق وحدة الأثر، نظراً إلى ان الأشياء المتباينة بما هي متباينة لا تؤثّر أثراً واحداً، فلا بدّ من جهة وحدة ذاتية بين مراتب الصحيحة المؤثرة في الانتهاء عن الفحشاء.

و أنت خبير بأن الصلاة- و لو كانت مرتبة واحدة- مؤلّفة من مقولات متباينة، و لا تندرج تحت مقولة واحدة، فلا جامع مقولي لمرتبة منها فضلًا عن مراتبها، و لو فرض دليل على وحدة الأثر و بساطته لزم صرفه عن ظاهره. مع ان بساطة الأثر تكشف عن بساطة المؤثر، و اتحاد البسيط مع المركب محذور آخر و إن كانت الصلاة من أفراد مقولة واحدة. مع أنه إذا فرض جامع ذاتي بين مراتب الصحيحة فلا محالة تجدي الأعمّي أيضا، لأن مراتب الصحيحة


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 36.

و الفاسدة متداخلة، و إنّما تختلف بالصحّة باعتبار صدورها من صنف، و بالفساد من صنف آخر، و حيثيات الصدور ليست من الأجزاء، و المقولة لا تختلف بالاعتبار كما لا يخفى.

و أمّا الجامع العنواني- كعنوان الناهي عن الفحشاء و ما يشبهه مما لا يتوقف على الأمر بالصلاة- فلازمه مرادفة لفظ الصلاة مع مفهوم الناهي عن الفحشاء، كما ان لازمه عدم جريان البراءة إذا تعلّق الأمر بالمسمّى و لو بنحو فناء العنوان في المعنون، فان المعنون ذو عنوان مبين، فلا انحلال إلى معلوم و مشكوك حتى تجري البراءة، مع ان الصحيحي يقول بالبراءة كالأعمّي.

و أمّا الوضع بمرآتية العنوان للمعنون فهو خلفٌ، لأن الكلام في الوضع للجامع لا للمعنونات المتفاوتة كمّاً و كيفاً.

كما ان الوضع لعنوان المطلوب و نحوه يرد عليه المحذور المتقدم. مضافاً إلى ان الأمر بالمطلوب بالحمل الأوّلي لا معنى له، و بالمطلوب بالحمل الشائع يستلزم الدور أو الخلف أو تحصيل الحاصل، فلا معنى للوضع لما يلزمه عدم إمكان الأمر به اما بنفسه أو بفنائه في معنونه.

و أمّا الجامع الاعتباري- و هو ملاحظة المراتب واحدة باعتبار تعلّق غرض واحد بها، و جهة الوحدة الاعتبارية كافية في مثل الصلاة التي هي من المركبات الاعتبارية- ففيه ان كلّ مرتبة من مراتب الصلاة لها جهة الوحدة الاعتبارية، و لمجموعها من حيث انتزاع الجامع عن جهة الوحدة أيضاً جهة وحدة اعتبارية، فكما ان اجزاء مرتبة واحدة لها جهة وحدة الغرض، كذلك كلّها واحدة باعتبار الجامع الغرضي الموحد لها، فان وضع اللفظ للآحاد بالاعتبار، فهو كالوضع لذوات المراتب فيكون لفظ الصلاة مشتركاً لفظياً لا معنوياً، و هو ينافي غرض الصحيحي كما ينافي غرض الأعمّي، و ان وضع اللفظ لمجموع الآحاد بالاعتبار لكون المجموع أيضاً واحداً بالاعتبار، فالمراتب

مقوّمة للمسمّى لا انها مصاديق المسمّى. و اما الوضع لنفس الجهة الموحدة الاعتبارية فهو خلفٌ، لأن الفرض وضع الصلاة لما يترتب عليه الغرض الموحد لها لا للغرض الواحد، فانه يرجع إلى الوضع المبدإ العنوان المنطبق على المراتب أو لنفس العنوان، و فيه المحاذير المتقدّمة. هذا:

و أمّا الوضع للجامع التركيبي فانما يعقل إذا لم يكن للصلاة مراتب مختلفة كمّاً أو كيفاً، و إلا لكان الوضع لنفس تلك المراتب. و لا يمكن إصلاحه بجعل الجامع التركيبي جامعاً تشكيكياً يصدق على الزائد و الناقص، لأن التشكيك صدق الطبيعة على أفرادها بالشدة و الضعف، أو الزيادة و النقص، أو غيرهما من أنحاء التفاوت. و كلّ مرتبة من مراتب الصلاة مشتملة على أفراد من مقولات، لا أفراد من مقولة واحدة، فضلًا عن كون كلّ مرتبة فرداً من مقولة واحدة، و مورد التشكيك هو الأخير دون الأولين. و لا يمكن أن يجعل الجامع كالكم المنفصل المتقوم بالآحاد، سواء كانت من مقولة واحدة أم مقولات، فان هذا شأن الكم المنفصل دون غيره من الطبائع، و لا معنى لأن يكون لفظ الصلاة موضوعاً لنفس الكم المنفصل، فان الصلاة متكمّمة بكم منفصل لا عينه، فتدبّره جيّداً.

إذا عرفت ما ذكرناه من أقسام الجامع، فاعلم ان الأوجه منها هو الجامع التركيبي مع القصر على مراتب صلاة المختار بملاحظة طبائع الأجزاء، و إن كان المأمور به في كلّ مرتبة ثلاثة ركوعات أو أقل أو أكثر، أو كان المأمور به أربع سجدات أو أكثر فاختلاف المراتب بالزيادة و النقيصة من حيث أفراد الأجزاء لا ينافي اتحادها من حيث طبائع الاجزاء. و حيث ان المجموع من أوّل الأمر ركعتان من الصلاة كما هو مضمون الأخبار(1)، فلا ينافي خروج طبيعة


1) وسائل الشيعة: ج 30، ص 38، ح 22 علل الشرائع: ص 261. عيون أخبار الرضا: ص 107.

التسبيحة من الصلاة أو جعلها بدلًا عن القراءة، كما ان لازمه كون ما عدا هذه المرتبة المختصة بالمختار أبدالًا للصلاة، اما لتنزيل الفاقد منزلة الواجد، أو تنزيل ما لا يشاكله في الصورة منزلته من حيث الاشتراك في الأثر.

نعم من يتصدى للوضع للمراتب جميعاً لا بدّ له- في ملاحظة هذه الطبيعة المركبة من مقولات متباينة، و من مراتب مختلفة كمّاً و كيفاً- أن يلاحظها مبهمة في غاية الإبهام حتى من حيث ذاتيات الطبيعة.

و نظيره ما عن بعض الأكابر(1)في تصور الجامع التشكيكي بين مراتب نوع واحد مع بنائه على ان المراتب مراتب نوع واحد، و ان ذاتي نوع واحد تارة شديد و أخرى ضعيف، لا ان النوع الواحد و هو البياض بالنسبة إلى مراتبه كالجنس بالإضافة إلى أنواعه، و لا ان التشكيك بالشدة و الضعف في وجود البياض، مثلًا، بل حقيقة البياض- بما هي متقومة بذاتيين و هما جنسها و فصلها- شديدة تارة و ضعيفة أخرى، فذكر- في مقام تصور الجامع بين المراتب و هو ذلك النوع الواحد الّذي هو بذاته شديد تارة و ضعيف أخرى- ان ذلك النوع لوحظ بنحو الإبهام من حيث تمام الحقيقة و نقصها، فليس هذا الإبهام كإبهام الجنس بالنسبة إلى أنواعه، و لا كإبهام النوع بالنسبة إلى الخصوصيات المفردة الخارجة عن الحقيقة، فهذا قسم آخر من الإبهام في قبال سائر الأقسام. و هنا أيضا يمكن للواضع ان يلاحظ هذا المركب الاعتباري من مقولات متباينة مبهماً من حيث ذاتيات تلك المقولات مع حفظ المقولة بالحمل الشائع كحفظ النوع في مراتب التشكيك، فينظر إلى مصداق عمل هو عين المركب من المقولات خارجاً مع عدم النّظر إلى ذاتيات تلك المقولات، لا لمفهوم العمل حتى يكون الوضع لجامع عنواني. و كما يلاحظ مهملًا من حيث ذاتيات تلك المقولات، كذلك يلاحظ


1) صدر المتألّهين في الأسفار: ج 1، ص 431.

مبهماً من حيث الوحدة و التعدد و الزيادة و النقص، و كلما زاد إبهام الملحوظ اتسعت دائرته فافهم أو ذره لأهله.

ثمَّ انك بالتأمل في جميع ما ذكرنا تعرف ان جملة من هذه الجوامع تنفع الأعمّي أيضا، و استدلالات الطرفين بعد تصور الجامع مخدوشة، كما فصلنا القول فيها في النهاية(1)فراجعها. و اخبار الخواصّ و الآثار غير مختصة بالصحيحي، لظهورها في الاقتضاء و حيث ان مراتب الصحيحة و الفاسدة متداخلة فكلها ذوات اقتضاء لها.

و امّا ثمرة البحث فالمهم منها أمران:

أحدهما: الاشتغال على القول بالصحيح، و البراءة على القول بالأعم.

إلا أنه ليس على إطلاقه، بل الظاهر انه كذلك إذا قلنا بأن الجامع عنوان بسيط ينطبق على مراتب الصحيح، فان المأمور به بالحمل الشائع معلوم و الشكّ في محصله. و امّا إذا قلنا بالجامع الذاتي المتحد مع الزائد و الناقص أو الجامع التركيبي التشكيكي أو الجامع التركيبي في خصوص مرتبة المختار، فالمأمور به بالحمل الشائع مردد بين الأقل و الأكثر.

و توهم- ان الجامع الذاتي المستكشف من طريق الأثر مقيد به، فلا بدّ من الاشتغال- غير صحيح، لأن مدعيه لا يرى للأثر شأناً إلا الكاشفيّة عن مؤثر واحد، و المفروض عنده اتحاد الجامع المؤثر الوحدانيّ مع الزائد و الناقص، فالجامع بمرتبة منه معلوم الحال و بمرتبة منه مشكوك. و أوضح من ذلك الجامع التركيبي سواء كان تشكيكياً أم لا. و بقية الكلام في التعليقة(2).

ثانيهما: إجمال المسمى من حيث الصدق على الصحيح و عدمه على الأعم،


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 40.

2) نهاية الدراية: ج 1، ص 49.

فيمكن التمسك بالإطلاق على الثاني دون الأوّل، و لا يضر عدم ورود المطلقات في مقام البيان، أو ورود الأخبار البيانية في الصلاة فلا حاجة إلى الإطلاق.

و ذلك لأن إمكان التمسك الّذي هو ثمرة البحث محفوظ مع الامتناع بالغير و مع الوجوب بالغير، فلا يسقط عن كونه ثمرة. نعم إن كانت جميع المطلقات عند الجمع واردة في غير مقام البيان، أو كان لجميع العبادات اخبار بيانية، كان النزاع في الإمكان و الامتناع لغواً لكنه ليس كذلك جزماً. هذا كلّه في العبادات.

و أمّا المعاملات فحيث انها أمور متداولة عند العرف و لا تصرف للشارع فيها إلا من حيث الإمضاء، فلا إجمال لها من حيث الصدق، فيبقى مجال للتمسّك بالإطلاق.

و تفصيل القول في ذلك: ان ألفاظ المعاملات كالبيع إما تكون موضوعة للأسباب أو للمسببات. و المراد بالأُولى ما هو تمليك إنشائي قولي أو فعلي، و المراد بالثانية ما هو تمليك بالحمل الشائع. و حيث ان التمليك و الملكية من الإيجاد و الوجود و هما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فلذا صحّ ان يعبر عنه بالمسبب، و إلا فالمسبب الحاصل بالتمليك الإنشائي القولي- مثلًا- هي الملكية، و لا شبهة في ان البيع لم يوضع للملكية بل للتمليك.

فان كانت ألفاظ المعاملات موضوعة للمسببات، فهي لا توصف بالصحّة و الفساد، لأنّهما متقابلان بتقابل العدم و الملكة، و التمليك بالحمل الشائع متحد مع الملكية، لا أن الثاني أثر الأوّل حتى يتوهّم اتصافه بالصحّة، و الشي‌ء لا يكون أثراً لنفسه، و ترتب الآثار الشرعية على التمليك و الملكية من باب ترتب الحكم على موضوعه، لا من ترتب المسبب على سببه. و عليه فعدم اتصافه بالفساد لكونه عدم ترتب الأثر على ما من شأنه ترتب الأثر عليه، لا لأن الصحة و الفساد متضايفان، و لا بدّ من قبول المحل لتواردهما عليه، إذ ليس ذلك

شأن المتضايفين، لأن العلّية و المعلولية من أوضح مصاديق المتضايفين، و ليس كلّ ما صح أن يكون علّة صح أن يكون معلولًا كالمبدإ (تعالى) بالإضافة إلى معاليله، مع ان المتضايفين متكافئان في القوة و الفعلية، و ليس كلّما وقع عقد صحيح يقع عقد فاسد مضايف له.

و بالجملة التمليك و الملكية لا يوصفان بالصحّة و الفساد بل بالوجود و العدم، و حينئذٍ فمعنى إمضاء المسببات تقريرها و عدم إلغائها لا إنفاذها، فالبيع الربوي بحكم العدم عند الشارع دون غيره، و حيث لا يوصف بالصحّة و الفساد، فلا معنى للنزاع في الوضع للصحيح أو للأعم. و أمّا التمسك بالإطلاق حتى على هذا الوجه فسيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا إن كانت الألفاظ موضوعة للأسباب، فحيث انها قابلة للاتصاف بالصحّة و الفساد، فهي قابلة للنزاع، و حينئذ فان قلنا بأنها موضوعة للسبب المستجمع للشرائط العرفية الملزومة للتأثير في الملكية عرفاً، فلا محالة لا يمكن التمسك بإطلاقها مع الشكّ في ما هو شرط لتأثيره عرفاً، و إن قلنا بأنها موضوعة لذوات الأسباب، فيمكن التمسك بإطلاقها حتى مع الشك فيما هو شرط له عرفاً، كما يتمكن من كان من أهل العرف في مقام ترتيب الملكية عرفاً. و هذا هو الّذي ينبغي أن يكون ثمرة للبحث في المعاملات، و إلا فبالنظر إلى ما يشكّ في اعتباره في السبب العرفي شرعاً فالتمسك بالإطلاق صحيح، سواء قلنا بالوضع للصحيح أم للأعمّ.

و المراد من الإطلاق في مقام إمضاء السبب العرفي انه كما أنه مؤثر في اعتبار الملكية عرفاً، كذلك مؤثر في اعتبارها شرعاً. و حيث لا واقع للملكية المعاملية إلا الاعتبارية المنحصرة في العرفية و الشرعية، فلا وجه لتقريب الإطلاق بإرجاعه إلى تعيين المحقق و المصداق و جعل النهي عن بعض الأسباب

تخطئة في نظر العرف، كما فصلنا القول فيه في التعليقة(1).

نعم ربما يناقش في أدلّة إمضاء المعاملات بأنّها في مقام تقرير المسببات دون إمضاء الأسباب، نظراً إلى ان لفظ البيع ظاهر فيما هو تمليك بالحمل الشائع لا التمليك الإنشائي، و تقرير المسببات لا يرفع الشكّ عن اعتبار شي‌ء شرعاً في الأسباب. و إصلاحه بأن المسمّى بالسبب ليس سبباً حقيقة لأمر مباين له وجوداً، بل نسبة السبب إلى المسبب نسبة الآلة إلى ذي الآلة، و ذو الآلة يتنوع بأنواع آلته، فالبيع المنشأ باللفظ العربي قسم، و المنشأ باللفظ غير العربي قسم آخر، فإمضاء كلّ منهما إمضاء الآخر، فهو عند التأمّل يرجع إلى اتحاد الوجود الحقيقي و الوجود الإنشائي، مع ان الملكية الإنشائية متحققة بالتمليك الإنشائي، سواء ترتبت عليها ملكية اعتبارية شرعاً أو عرفاً أم لا، و سنوضّحه إن شاء اللّه تعالى.

و يمكن استفادة إمضاء الأسباب من تقرير المسببات بتقريب ان التمليك الّذي يتسبب إليه باللفظ العربي حصة من طبيعي التمليك بالحمل الشائع، و ما يتسبب إليه باللفظ غير العربي أو بالفعل حصة أخرى، فتقرير- طبيعي التمليك بجميع حصصه بالإطلاق و عدم تقييده بحصة خاصة- ملازم لنفوذ السبب، إذ ليس مرجع تقرير المسبب إلى إبقائه على ما عليه عرفاً، و اعتباره شرعاً على طبق اعتباره عرفاً، و لا يلزم منه اندراج المسبب تحت السبب اندراج النوع تحت الجنس أو اندراج الصنف تحت النوع، حتى يقال باستحالته، بل الأسباب مع مباينتها للمسببات ماهية و وجوداً محصّصة لها و موجبة لصيرورتها حصصاً.

و بقية الكلام في محلّه.


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 58.

الفصل الثالث

لا ريب في إمكان الاشتراك، لعدم موجب لامتناعه ذاتاً أو وقوعياً، إلا ما ربما يتخيل من أن- جعل ما يستلزم ملازمتين ذهنيّتين استقلاليتين- يقتضي حصول انتقالين دفعة واحدة في آن واحد، إذ المفروض استقلال كلّ منهما بالجعل و عدم ترتب بين المجعولين. و يندفع بأن الوضع ليس علّة تامة للانتقال بل مقتض له و حيث ان فرض الاشتراك فرض اقتضاءات متساوية الأقدام، فلا يكون المقتضي فعلياً إلا بالقرينة المعينة. و اما مع تعدد القرينة أو ملاحظة الانتقال التصوري، فنمنع استحالة انتقالين دفعة في آن واحد، لبساطة النّفس و تجردها كما يشهد له حضور الموضوع و المحمول معاً عند الحكم بثبوته له.

و بالجملة فالنقل المتواتر دالّ على وقوعه في الجملة، و هو أخصّ من الإمكان و المعروف ان القرء للحيض و الطهر، و الجون للبياض و السواد.

و قد التزم بعض (1)من أنكر وقوعه في اللغة بإرجاع المشتركات إلى الجامع، حتى في المثالين، نظراً إلى استحالة التقابل بين معنيين لا جامع بينهما، مستشهداً بعدم التقابل بين الظلمة و الحمار، و لا بين العلم و الحجر. و قد بيّنا ما فيه في التعليقة(2)، و ان من أنحاء التقابل السلب و الإيجاب، و عدم الجامع بينهما بديهي. و لا جامع بين السواد و البياض إلا اللون، و لازمه إطلاق الجون على كلّ لون، فان الفصول بما هي لا جامع لها، و إلا لزم الخُلف.

الفصل الرابع

في إمكان استعمال اللفظ في أكثر من معنى و امتناعه حتى يتمكّن من


1) هو صاحب المحجّة كما يبدو من النهاية و حاشيته.

2) نهاية الدراية: ج 1، ص 61.

تصديقه على الإمكان و إرجاعه إلى الجامع مع الامتناع.

و مجمل القول فيه ان الاستعمال إن كان جعل اللفظ علامة على المعنى فلا مانع من كون شي‌ء علامة بالمواضعة على عدة أمور وجداناً. و دعوى- ان ذكر اللفظ لتفهيم المعنى و العلم به إعلام و تفهيم تحصّلًا و تحقّقاً، كما في سائر الأمور التوليدية و التسبيبيّة و الوجود الواحد يمتنع أن يكون إيجادين، لاتحاد الوجود و الإيجاد ذاتاً و اختلافهما اعتباراً- مدفوعة كليّة بأن الأفعال التوليدية مباينة ماهية و وجوداً مع المتولد منها بالبرهان، فان الملاقاة غير الحرقة وجوداً و ماهية، فيستحيل أن يكون الإلقاء عين الإحراق، لاتحاد الإيجاد و الوجود ذاتاً و اختلافهما اعتباراً. و عليه فوجود اللفظ ليس عين التفهيم و الاعلام وجوداً، و بقية الكلام في التعليقة(1). و إن كان الاستعمال إيجاد المعنى باللفظ و إفناء اللفظ فيه، ففرض- وحدة اللفظ و تعدد الاستعمال المتقوّم باللحاظ- فرض اجتماع اللحاظين على لفظ واحد في إيجاد واحد، فهو من قبيل اجتماع المثلين في واحد، لا انه حقيقة كذلك، إذ اللحاظ هو الوجود الذهني، و عدم قبول- ماهية واحدة شخصية لوجودين كعدم قبول وجود واحد لماهيتين- أجنبي عن اجتماع المثلين، كما هو غير خفي على الخبير. بل كما ذكرنا في التعليقة(2)الأمر في الاستحالة لا يدور مدار تقوم الواحد بلحاظين. و ذلك، لأن اللفظ بسبب العلقة الوضعيّة يكون وجوده خارجاً بالذات وجوداً لمعناه بالعرض، و هو معنى كونه وجوداً تنزيلياً للمعنى، لا ان التنزيلية جاءت من قبل اللحاظ، و حيث ان الاستعمال إيجاد المعنى بالعرض، و المفروض تعدد الإيجادين بالعرض، فلازمه تعدد الإيجادين بالذات، و فرض تعدد الإيجادين بالذات فرض تعدد


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 63.

2) نهاية الدراية: ج 1، ص 64.

وجودين بالذات، مع ان المفروض وجود واحد بالذات، فتدبّر و لا تشتبه.

و أمّا عن بعض أجلّة العصر(1)(ره) من النقض بالعامّ الاستغراقي الملحوظ بنحو الكل الأفرادي، فان أريد النقض بلحاظ تعلق حكم واحد بالمتعدد بما هو متعدد ففيه ان الحكم لا يكون فانياً في موضوعه كي يلزم محذور اثنينية الواحد أو وحدة الاثنين، و ان أريد النقض بلحاظ فناء مفهوم واحد في مطابقات متعددة، فمدفوع بأن العالم (2)لوحظ فانياً في مطابقه و هو العالم (3)بالحمل الشائع، و التوسعة في ذات المطابق تستفاد من أداة العموم، فلم يلزم فناء الواحد في المتعدد.

ثم انه لا فرق في الإمكان و الامتناع بين استعمال اللفظ في معنيين حقيقيين، أو معنى حقيقي و مجازي، نظراً إلى ان لازم الثاني اجتماع النقيضين في الواحد. و يندفع بأن اجتماع المثلين كاجتماع الضدّين و النقيضين، مع ان الحقيقيّة و المجازية ليست من الأعراض المتأصلة التي لا يسوغ اجتماعها في الواحد تعدد الجهات، بل من الأوصاف الاعتبارية، و اللفظ بما هو موضوع للمعنى المستعمل فيه غيره بما هو غير موضوع له و غيرية المعنى المجازي للمعنى الحقيقي بملاحظة البناء على تعدد الاستعمالين محفوظة، فلم يلزم كونه مستعملًا في معناه و غير مستعمل في معناه، بل مستعمل في معناه و مستعمل في غير معناه. فافهم و تدبّر.


1) في درر الفوائد: ج 1، ص 27.

2) الظاهر أن لفظ« عام» صحيح لا« عالم».

3) الظاهر أن لفظ« عام» صحيح لا« عالم».

المقام الثالث في المبادئ التصورية الأحكامية

اشارة

و هو متكفل لمعرفة المجعولات الشرعية بما لها من التقسيمات، و فيه فصول:

الفصل الأوّل

ان المجعول التشريعي المعبر عنه بالحكم ينقسم إلى تكليفي و وضعي، ففيه أمران:

(أحدهما)- أن المعبّر عنه بالحكم التكليفي ينقسم إلى الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة.

و الجامع بين الإيجاب و الاستحباب هو الإنشاء بداعي جعل الداعي.

و ذلك، لأن الشخص إذا تصور الفعل و صدق بما فيه من الفائدة يشتاقه قهراً، فإذا كان المشتاق إليه من أفعال نفسه و بلغ شوقه إليه حدّ النصاب، حدث هيجان في الطبيعة فيحرك عضلاته نحوه فيوجده، و إذا كان من أفعال الغير، فحيث ان فعل الغير تحت اختياره و إرادته و تنبعث إرادته عن الداعي، فلا محالة يتسبب إلى جعل الداعي له ليريد و يفعل، فإذا كانت إرادته لفعل الغير منبعثة عن مصلحة لزوميّة، كان البعث المنبعث منها إيجاباً، و إلا كان استحباباً، كما يمكن ان يفرق بينهما باعتبار البعث الأكيد و غيره لمن لا يعتقد انبعاث الحكم

عن مصلحة، أو لا إرادة تشريعية في المبدأ تعالى، أو لا شدة و لا ضعف في الإرادة في مقام استيفاء الغرض الّذي لا بدّ له منه و غير ما لا بدّ له منه، فانه في جميع هذه الصور يكفى- اعتبار البعث الأكيد و غيره على طبق التحريك الخارجي- فارقاً بين الإيجاب و الاستحباب.

و أمّا التحريم و الكراهة، فالإنسان إذا توجه إلى ما فيه مفسدة و ما لا يلائمه، فلا محالة تحدث في نفسه كراهة موجبة لانقباضه عنه فلا يفعله، و إذا كان ما يكرهه نفساً فعل الغير، فلا محالة يزجره عنه لتحدث في نفسه كراهة موجبة لانقباضه عنه و بقائه على عدمه. و كما ان جعل الداعي جعل ما يمكن أن يكون داعياً، بحيث لو لم يكن له داع من قبل نفسه أو كان له داع إلى خلافه يصح حدوث الداعي بسببه و زوال الداعي إلى خلافه، كذلك جعل الزاجر جعل ما يمكن أن يكون زاجراً، بحيث لا يحدث بسببه داع إلى الفعل أو يزول الداعي الموجود، فلا يلزم مساوقته لطلب الكف و عليه فطلب الترك لازم الزجر عن الفعل المقابل للبعث بنحو الفعل. و كما ان الثاني يتضمّن الإيجاد التسبيبي بالبعث، كذلك الأوّل إعدام تسبيبي بالزجر، و مع عدم البعث و الزجر لا معنى للإيجاد و الاعدام تسبيباً، حيث لا سبب يتسبب به إلى أحدهما. و مما ذكرنا في الوجوب و الاستحباب يعلم الفرق بين التحريم و الكراهة.

و أمّا الإباحة و الترخيص، فمجمل القول فيها: ان المباح و إن كان لا اقتضاء، لعدم المصلحة و المفسدة فيه مطلقاً، إلا ان عدم المقتضي لازمه عدم الأحكام الأربعة لا ثبوت حكم خامس، فالإباحة عن مصلحة في نفسها، إذ كما ان الحكمة الإلهية تقتضي إيصال المصلحة بالبعث و الصدّ عن الوقوع في المفسدة بالزجر، كذلك تقتضي إرخاء العنان و الترخيص لئلا يكون العبد في الضيق صدوراً و وروداً، حيث ان رسم العبودية و زي الرقّية يقتضي صدور العبد و وروده عن رأي مولاه.

(ثانيهما)- في ما يعبّر عنه بالحكم الوضعي. و قبل الخوض في مجعوليّته ينبغي تقديم مقدمة هي ان الموجودات الخارجية على قسمين: موجود بوجود ما بحذائه، و موجود بوجود منشأ انتزاعه، أي الموجود تارة له صورة و مطابق في الأعيان كالبياض و ما يشبهه من الاعراض، و أخرى لا صورة له بل لمنشئه و انما هو من حيثيّات ما له صورة في الأعيان، كمقولة الإضافة، فان الفوقية- مثلًا- لا صورة لها بل للسقف الّذي هو منشأ انتزاعها، و حيث ان الوجود الواحد لا يعقل ان يكون وجوداً بالذات لمقولتين، فلا محالة يكون وجوداً بالذات لمقولة و وجوداً بالعرض لمقولة أخرى، و مقولة الإضافة دائماً من هذا القبيل، فهي مقولة من حيث وجودها بوجود منشأ انتزاعها خارجاً مع قطع النّظر عن اعتبار أي معتبر، و اعتبارية من حيث تقوّم فعليتها بالقياس إلى مضايفها، لا انّها من الاعتبارات الذهنيّة كالجنسية و النوعيّة فانها من عوارض الأمور الذهنية بنحو القضية الحينيّة.

إذا عرفت ذلك تعرف ان مجعوليّة الأمور الانتزاعيّة بالعرض لا بالتبع، و الموجود بالعرض لا جعل له غير جعل الموجود بالذات، لأن الإيجاد و الوجود متحدان بالذات، و الموجود بالعرض غير الموجود بالتبع، فان الموجود بالتبع في التكوينيات كالأعراض المتأصّلة التابعة لموضوعاتها جعلًا، فهناك جعلان و مجعولان، و في التشريعيّات كوجوب المقدّمة التابع لوجوب ذيها، فانّهما وجوبان مستقلّان إلا أن أحدهما من لوازم وجود الآخر. و منه تبيّن أن جعل الانتزاعيّة- في قبال المجعوليّة في كلمات الباحثين في هذه المسألة- وجيه، و ان جعل الانتزاعيّة- من أنحاء الجعل بالتبع و القول به قولًا بالمجعوليّة كما عن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه)(1)- مسامحة كما لا يخفى على الخبير النبيه.


1) كفاية الأصول: ج 2، ص 302.

و بعد التمهيد المزبور نقول: الوضع، كما أفاد شيخنا الأستاذ (قده)(1)- على أقسام ثلاثة: (الأوّل)- السببيّة أو الشرطيّة للتكليف. و (الثاني)- الجزئيّة و الشرطيّة للمكلّف به. و (الثالث)- الوضعيات العرفيّة و الشرعيّة من الملكية و الحجيّة و أشباههما. فالأوّل مما لا يقبل الجعل استقلالًا و لا تبعاً، و الثاني مما يقبل الجعل تبعاً فقط، و الثالث مما يقبل الجعل استقلالًا و تبعاً. و نحن نقفو اثره (قدّس اللَّه سره) في التقسيم.

فنقول: أمّا القسم الأوّل فقد برهن- على عدم قبوله للجعل التبعي الانتزاعي- بأنه لا يعقل انتزاع هذه المعاني من التكليف المتأخّر عنها ذاتاً.

و تقريبه أن فرض- مسبّبية التكليف أو مشروطيته عن الدلوك- فرض تأخّره عنه بالذات، و فرض- منشئية التكليف لانتزاع السببيّة للدلوك- فرض تقدمه بالذات، لتبعية الأمر الانتزاعي لمنشئه، فيلزم تقدم المتأخّر بالذات و تأخّر المتقدم بالذات.

و قد برهن (قده)- على عدم قبول الجعل الاستقلالي- بأن الشي‌ء إذا كان ذا ربط به يؤثر في شي‌ء، فهو علّة قبل جعله علة، و إن لم يكن فيه ذاك الربط فلا يصلح للعليّة، فلا معنى لجعل ما ليس بعلة علّة(2).

قلت: أمّا البرهان الأوّل فلا يصلح للمنع، لأن التقدم و التأخّر يلاحظان بالإضافة إلى ذات العلة و المعلول، فلا منافاة بين تأخّر التكليف بذاته عن ذات الدلوك، و تقدمه بذاته على وصف يعرض الدلوك، و هو عنوان السببيّة المتأخّر عن الدلوك تأخّر كل وصف عن موصوفه و عارض عن معروضه. و سيجي‌ء ان شاء اللَّه تعالى قريباً أن التأخّر في أية مرحلة و التقدم في أية مرحلة.

و أمّا البرهان الثاني فتوضيح الجواب عنه يتوقف على مقدّمة، و هي ان


1) كفاية الأصول: ج 2، ص 302.

2) كفاية الأصول: ج 2، ص 303.

السبب الفاعلي لكل حكم أو اعتبار هو الحاكم و المعتبر، فلا شأن للدلوك و شبهه إلا الشرطيّة، و الشرطيّة تارة ماهويّة واقعية، و هي دون الجعل تكويناً و تشريعاً، و أخرى مجعولة تكويناً أو تشريعاً.

(فالأولى) كشرطيّة الوضع و المحاذاة لتأثير النار في الإحراق، و لو لم يكن في العالم نار و لا إحراق و لا ذوات شرائط التأثير و التأثر، بل ذات النار مستعدة باستعداد ماهوي للتأثير في الإحراق إذا كانت مقرونة بكذا و كذا، و نظيرها الصلاة، فانها في حدّ ذاتها بحيث تؤثر الانتهاء عن الفحشاء إذا كانت مقرونة بالطهارة، و إن لم تكن في الخارج صلاة و لا طهارة، و كذلك وجوب الصلاة عند الدلوك ذو مصلحة في ذاته و إن لم يكن إيجاب و لا دلوك. و هذه الشرائط كلّها شرائط واقعيّة ما هويّة و هي دون الجعل.

و (الثانية) كما إذا وجدت النار و صادفت محلًا قابلًا باليبوسة و الوضع و المحاذاة فقد وجدت خارجاً مجعولات تكوينيّة موصوفة بالمؤثرية و المتمّمية للقابليّة أو المصحّحيّة للفاعليّة. و في التشريعيّات كما إذا علّق المولى إيجاب الصلاة على الدلوك، فان هذه الإناطة الإنشائيّة جعليّة لا موقع لها إلا موقع التكليف، و هذا التعليق و الإناطة الإنشائيّة عنوان لتعليق حقيقة الحكم الفعلي على وجود الدلوك خارجاً. و منه تعرف ان ما هو واقعي غير مجعول هي الشرطيّة الواقعيّة و الدخالة في المصلحة و الأثر، و ما هو جعلي هي الشرطيّة و الإناطة في مرحلة الإنشاء و الجعل، لا بلحاظ نفس الإنشاء، فانه محقّق، بل بلحاظ فعليّة مضمونه و هو الحكم بفعليّة ما علق عليه، فالتكليف بوجوده الإنشائي المحقق مصحح انتزاع الشرطيّة من الدلوك و متقدّم عليها ذاتاً، و الدلوك بوجوده الفعلي شرط لفعليّة الحكم و صيرورته بالحمل الشائع بعثاً، فلا يلزم تأخّر المتقدّم بالذات و لا جعل ما ليس بعلّة علّة.

و أمّا القسم الثاني و هي الجزئيّة و الشرطيّة للمأمور به، فنقول: الجزئيّة

و الشرطيّة لهما مراتب:

(إحداها)- مرتبة الوفاء بالغرض، فالجزء بعض ما يفي بالغرض، و الشرط مصحح لفاعلية ما يفي بالغرض أو متمم لقابلية ما يحل فيه الغرض، و هذا الوفاء و هذه الدخالة واقعي ماهوي لا جعلي مطلقاً.

(ثانيتها)- مرتبة لحاظ المولى لمجموع أمور بلحاظ واحد، فكل واحد من تلك الأمور بعض الملحوظ، و قيدها المتقيدة به خصوصية في الملحوظ، و هذا جعلها التكويني الذهني.

(ثالثتها)- مرتبة تعلق البعث الواحد بمجموع أمور مقترنة بشي‌ء، فكلّ واحد من تلك الأمور بعض المطلوب، و قيدها شرط المطلوب أي ما لم تلحظ تلك الأمور مقترنة به لا ينتزع منها المطلوبية.

و الجزئيّة و الشرطيّة بهذه المرتبة لا واقعية لهما إلا في مرحلة الطلب و البعث، فالبعث مصحح لانتزاع البعضيّة من كلّ واحد من تلك الأمور، و يصحح انتزاع الشرطيّة من قيدها المنوطة به في مرحلة البعث، فلا محالة تكون مجعولة بجعل الطلب، و لا يعقل جعل الجزئيّة و الشرطيّة بهذا المعنى استقلالًا، فان معنى تعلّق الجعل الاستقلالي بشي‌ء كونه بنفسه متعلّق الجعل، و هو مناف لكونه بعضاً أو قيداً.

و ما ذكره (قده) في هذا القسم من الجعل الانتزاعي و ان كان صحيحاً، لكن قد عرفت أن الأمر الانتزاعي مجعول بالعرض لا بالتبع، مع ان هذه الجزئيّة و الشرطيّة كالكليّة و المشروطيّة، و الطالبيّة و المطلوبيّة، و المحموليّة و الموضوعيّة، كلّها من اللوازم التكوينيّة للمجعول التشريعي، فان المجعول التشريعي له حيثيتان: حيثية التكوينية، و حيثيّة التشريعية، و كل تلك العناوين الانتزاعية من لوازمه التكوينية، لوضوح ان هذه الأمور الانتزاعية لم تنبعث عن غرض تشريعي حتى تكون الأمور مجعولات تشريعيّة مع أنه بعد

الإغماض عنه ليس بين المجعول بالذات و المجعول بالعرض تخلل و اثنينية، حتى إذا لم يمكن رفع المجعول بالذات لابتلائه بالمعارض يمكن رفع المجعول بالعرض، بل كما ان جعله و وضعه بعين وضع ما بالذات و جعله، كذلك رفعه بعين رفعه، فلا يجدي الالتزام بجعله للرفع في باب البراءة.

و أمّا القسم الثالث، و هي الوضعيات العرفية و الشرعية كالملكية و الزوجية و الحجيّة و أشباهها، فهي ليست من المقولات الحقيقية حتى الانتزاعيّة، و لا من الاعتبارات الذهنية الموسومة في علم الميزان بالمعقولات الثانوية كالكليّة و الجزئيّة و الجنسية و النوعيّة.

أما عدم كون الملكية الشرعية و العرفية من العوارض الذهنية فواضح، لأن معروضاتها أمور ذهنية و الموصوف بالمالكيّة و المملوكيّة هو زيد الخارجي و الدار الخارجية.

و أمّا عدم كونها من المقولات الحقيقيّة مطلقاً فله وجوه:

(منها)- ان المقولات لا تختلف باختلاف الأنظار و لا تتفاوت بالاعتبار، مع ان الملكية الشرعيّة و العرفيّة ليست كذلك، و لذا ترى ان المعاطاة تفيد الملك عرفاً لا شرعاً مثلًا. و لو كانت مقولة لكانت إما موجودة مطلقاً أو معدومة كذلك، و ليست المقولة إلا ما يقال و يصدق على شي‌ء في الخارج مع قطع النّظر عن اعتبار أي معتبر.

و (منها)- ان المقولات التسع العرضية تحتاج إلى موضوع محقق في الخارج و الملكية الشرعية و العرفية تتعلق بالكلي مالكاً و مملوكاً، كمملوكية الكلي في الذمّة و مالكية طبيعي الفقير و السيد في الزكاة و الخمس، و لا يعقل أن تكون الملكية بأحد المعنيين بالقوّة و تكون فعليّة بالتطبيق، لأن المالكية و المملوكيّة متضايفان، و المتضايفان متكافئان في القوّة و الفعليّة، فلا يعقل فعلية أحدهما و كون الآخر بالقوّة.

و (منها)- ان المعنى المقولي لا بدّ من أن يكون له اما مطابق في الأعيان و امّا منشأ الانتزاع فيها، و عدم المطابق في العين لمعنى الملكية واضح، إذ ليس حال ذات المالك و ذات المملوك قبل الملكية و بعدها مختلفاً، بل هما على ما هما عليه من الجواهر و الاعراض، فلا يحتمل إلا كونها مقولة ذات منشأ الانتزاع، و ما يحتمل كونه منشأ لانتزاعها أمور: كالحكم التكليفي على ما ادعاه غير واحد، أو العقد كما في بعض كلمات شيخنا الأستاذ (قده)(1)، أو موت المورث في باب الإرث، أو الحيازة في باب التملك بها. و الكل غير صحيح، لما مرّ في مقدّمة البحث (2)من أن وجود الأمر الانتزاعي بعين وجود منشأ انتزاعه، فالوجود الواحد ينسب إلى المنشأ بالذات و إلى الأمر الانتزاعي بالعرض، و قيام الأمر الانتزاعي بشي‌ء يوجب صدق المشتق منه على منشئه، كما ان السقف بملاحظة قيام الأمر الانتزاعي به و هي حيثيّة الفوقيّة يصح صدق عنوان الفوق عليه.

و من الواضح ان عنوان المالك و المملوك لا يصدق على الحكم التكليفي، فيعلم منه انه ليس منشأ لانتزاع مبدئهما عنه، مع أنه لا شبهة في تحقق الأمر الوضعي أحياناً من دون تكليف، كما في ملكية الصبي و ضمانه، فانه المالك و الضامن، و التكليف على الولي و للولي، و لا يعقل قيام الأمر الانتزاعي بشي‌ء و كون منشئه شيئاً آخر. و منه تعرف أن العقد ليس منشأ لانتزاع الملكيّة، لعدم صدق العنوان عليه، و كذا غيره من الموت و الحيازة، بل مقتضى سببيّة هذه الأمور مغايرتها لمسبباتها وجوداً، فكيف تكون منشأ لانتزاعها المبني على اتحادهما في الوجود؟

و التحقيق ان الملكيّة الشرعيّة و العرفية ليست موجودة بوجودها الحقيقي المقولي الّذي هو عبارة عن مقولة الإضافة لتضايف المالكيّة و المملوكيّة، بل هذا المعنى المقولي موجود بوجوده الاعتباري، بمعنى ان الشارع أو العرف يعتبرون هذا


1) كفاية الأصول: ج 2، ص 306.

2) راجع ص 46.

المعنى لزيد بالنسبة إلى الدار تحقيقاً للآثار، لمصالح دعتهم إلى هذا الاعتبار، فكما ان الأسد- مثلًا- له وجود تحقيقي و هو الحيوان المفترس، و وجود اعتباري و هو الشجاع، و البياض له وجود تحقيقي يوصف به الجسم و وجود اعتباري يوصف به القلب، كذلك الملك، له وجود تحقيقي، كما في إحاطة جسم بجسم الموجبة لانتزاع المحيطيّة و المحاطيّة تحقيقياً كذلك له وجود اعتباري عند تحقق العقد أو الموت أو الحيازة. و لا عجب في كون معنى واحد له أنحاء من الوجود تحقيقاً و اعتباراً، إذ ربما يكون لمعنى واحد مطابقات متفاوتة بحسب النشئات كما في العلم، فانه بمعنى الحضور، و مطابقة تارة وجود واجبي كعلمه بذاته، و أخرى وجود عقلائي كعلم العقل بذاته، و ثالثة وجود نفسي كعلم النّفس بذاته، و رابعة وجود مقولي كعلم الشخص بغيره بناء على انه من مقولة الكيف.

و مما ذكرنا تعرف ان صدق- حد الإضافة على الملكية لمكان تكرر النسبة- لا يدرجها تحت المقولة، بل المعنى معنى إضافي، فتارة يكون مطابقه إضافة إشراقيّة و إحاطة وجودية، كمالكيته التي هي إحاطته الوجودية في مقام الفعل، و فعله الإطلاقي عين الوجود الانبساطي على هياكل الممكنات، و الوجود ليس بجوهر و لا عرض، و أخرى يكون إضافة مقولية، كالإضافة الحاصلة عند تحقق مقولة الجدة خارجاً، و ثالثة إضافة عنوانية اعتبارية، كما في الملكية الشرعية و العرفية، فتدبّر جيّداً. هذا كلّه حال الملكية و ما أشبهها من مضامين العقود.

و أمّا الحجيّة و هي الوساطة في إثبات شي‌ء، سواء كانت بعنوان الوساطة في إثبات الواقع عنواناً أم في إثباته تنجزاً فهي مجعولة، اما الوساطة على الوجه الأوّل فهي مجعولة بجعل الحكم المماثل على طبق مؤدّى الخبر بعنوان انه الواقع، فالخبر واسطة في إثبات الواقع عنواناً لا حقيقة، و إنّما المجعول حقيقة نفس الحكم المماثل، فثبوته بالذات ثبوت الواقع بالعرض، و فعليته حقيقة فعلية الواقع عنواناً و عرضاً. و منه تعرف أن جعل الحجيّة بهذا المعنى استقلالًا غير

معقول، إذ نفس جعل الحكم المماثل و ان كان بالاستقلال إلا أنه ليس معنى الحجيّة و الوساطة. و الحكم الواقعي لا جعل له إلا الجعل الواقعي، و الخبر ليس من مبادئ ثبوته و لا إثباته حقيقة، فلا وساطة للخبر إلا لا ثبات الواقع عنواناً و عرضاً. و أمّا الوساطة على الوجه الثاني فهي باعتبار الخبر وصولًا و باعتبار الظّن علماً، فان هذا الاعتبار لتحقيق الموضوع المرتب عليه تنجز الواقع جعلًا، و استحقاق العقوبة على مخالفته أمر معقول. و مثل هذا المعنى قابل للجعل بالاستقلال بلسان: انه حجة، «و انه لا عذر لأحد في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا»(1)، و أشباه ذلك، كما يمكن جعله بالعرض و التبع بقوله: «اسمع له و أطعه و صدقه» (2)فتدبّر.

و أمّا الولاية و الحكومة و القضاوة، فالمراد هي الكليّة من تلك الأوصاف لكلّي خاص، كما في قوله عليه السلام: «و من روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فقد جعلته حاكماً ... الخبر» (3)فهذه حكومة مجعولة من قبله تعالى على لسان الصادق عليه السلام بما هو مبلّغ لأحكامه تعالى أو بما هو مفوّض إليه أمر التشريع فجعله عليه السلام جعله تعالى، فحاله عليه السلام في مرحلة التشريع كحاله عليه السلام في مرحلة التكوين، فهو من مجاري فيضه تعالى تكويناً و تشريعاً، و لعله إليه يشير قوله عليه السلام: «مجاري الأمور بيد العلماء باللَّه» (4)بل قد ذكرنا في محلّه (5)ان الولاية العامة للإمام عليه السلام على


1) وسائل الشيعة: ج 18، ص 108، ح 40.

2) وسائل الشيعة: ج 18، ص 100، ح 4 إلا أنّ الحديث هكذا: «فاسمع له و أطع فإنه الثقة».

3) وسائل الشيعة: ج 18، ص 98، ح 1 و الحديث هكذا: «... ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً».

4) تحف العقول: ص 238 و فيه: مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء.

5) تعليقة المؤلّف على المكاسب: ج 1، ص 212.

وجهين، فتارة ولاية باطنيّة معنوية لازمة لذاته القدسية، و بها له السلطان على التصرّف في العالم. و هذه غير مجعولة تشريعاً، بل مجعولة تكويناً بجعل وجوده عليه السلام، و أخرى ولاية عامّة مجعولة تشريعاً و هو منصب إلهي قائم به ما دام حيّاً و له مبدأ و منتهى. و أمّا الولاية و القضاوة الجزئيّة الصادرة من الإمام عليه السلام لشخص خاص في مورد مخصوص، فهي خارجة عن محل البحث، و هو الحكم الوضعي الكلي الإلهي و ان كان مجعولًا منه عليه السلام، لكن هذا الجعل منه كاتخاذه وكيلًا لنفسه.

و أمّا الصحّة و الفساد المعدودان من الوضعيات في بعض الكلمات، ففي العبادات بلا وجه، لأنّ الصحّة سواء كانت بمعنى موافقة المأتي به للمأمور به أم كونه موجباً لاستحقاق الثواب أم موجباً لسقوط الإعادة و القضاء، فهي من شئون المأتي به لا من شئون المأمور به حتى تكون مجعولة بجعله. و منه تعرف ان الصحة الموصوف بها المأتي به خارجاً دائماً مجعولة بجعل الفعل تكويناً، و يستحيل أن تكون هذه الصفة مجعولة تشريعاً من دون فرق بين الأوامر الواقعيّة و الظاهرية، فان كون المأتي به خارجاً المأمور به ظاهراً مسقطاً للإعادة و القضاء واقعاً على حد كونه مسقطاً للإعادة و القضاء بالنسبة إلى المأمور به الظاهري.

نعم فرق بين الظاهري و الواقعي في ان الحكم بصحة المأتي به الظاهري تارة بلسان عدم إيجاب الإعادة و القضاء، فهو من باب جعل الحكم التكليفي نفياً أو إثباتاً، و أخرى بلسان البناء على موافقة المأتي به للمأمور به الواقعي، فالمحكوم بالموافقة جعلًا و تشريعاً هو المأتي به الكليّ الواقع في حيز هذا الجعل لا المأتي به الخارجي المطابق له، فتدبّر جيّداً.

و أمّا المعاملات، فلا ريب في ان العقد الواجد للشرائط يوصف بالصحّة و إن لم يوجد في الخارج، فاعتبار الملك عقيبه و صلوحه لذلك هو كونه ممضى شرعاً. و اما العقد الخارجي المطابق لذلك الكلي الممضى فصحته مجعولة بتبع

جعله التكويني خارجاً فقصر الصحة و الفساد- على الموجود خارجاً مع تداول إطلاق الصحيح و الفاسد على الممضى و غيره قبل وجوده- بلا وجه.

الفصل الثاني في أن الواجب ينقسم إلى مطلق و مشروط

و ليعلم ان الحكم التكليفي- كما مرّ سابقاً(1)- هو الإنشاء بداعي جعل الداعي و هذا هو الفعلي من قبل المولى. و اما فعليته المطلقة و صيرورته باعثاً و داعياً بالحمل الشائع، أي ما يمكن أن يكون داعياً بحيث لو انقاد العبد له لخرج من حد القوّة إلى الفعل و من الإمكان إلى الضرورة، فهي تابعة لوصوله بنحو من أنحاء الوصول و لوجود ما علّق عليه شرعاً.

و عليه فنقول: أدوات الشرط أدوات الفرض و التقدير، فتجعل مدخولها واقعاً موقع الفرض و التقدير، و مقتضى تعليق الحكم على أمر مفروض الوجود كونه مفروضاً بفرض وجوده و محققاً بتحقق وجوده، فالحكم الإنشائي معلق عنواناً و الحكم الحقيقي معلق حقيقة، لا ان الإنشاء حيث انه متعلّق بالحكم على تقدير، فلا بدَّ من تحققه عند تحقق المفروض وجوده، بحيث يكون المنشأ أمراً خاصاً، فان استحالة تخلف المنشأ عن الإنشاء الراجع إلى انفكاك الوجود عن الإيجاد لا يتغيّر بجعل الحكم متقيّداً بشي‌ء، فانه نظير ما يقال في الشرط المتأخّر من ان المتأخر شرط لا الشرط متأخّر، و هو فاسد، فانه من قبيل اعتبار وجه الاستحالة في مرتبة ذات الشي‌ء، بل الصحيح ما ذكرنا من ان المجعول إنشاء محقق بنفس الجعل إنشاء و لكنّه معلق عنواناً، و الحكم الحقيقي كما هو غير مجعول كذلك لا جعل حقيقي، و كذا الأمر في باب الوصية التمليكيّة، فان الملك


1) تقدّم في ص 44.

الإنشائي لم يتخلّف عن إنشاء الملكية، و إنّما المعلق حقيقة على الموت هي الملكية الحقيقيّة التي سنخ وجودها اعتباري لا إنشائي.

ثم ان مقتضى تعليق التالي على المقدم ربط جملة بجملة دون مفرد بمفرد، و مفاد الجملة المرتبة على جملة أخرى ليس إلا مفاد هيئة أكرم مثلًا، و هو البعث النسبي دون المادة المنتسبة، أو اتصافها بالوجوب، بدعوى أن المعنى الآلي غير قابل للإطلاق و التقييد، فانّهما متقومان باللحاظ الاستقلالي، فيوجب انقلاب المعنى الحرفي اسمياً. (و يندفع) بأن المعنى الآلي بذاته آلي بجميع وجوداته و اعتباراته، و ليس الإطلاق و التقييد إلا لحاظ المعنى بوجه خاص، لا أنّهما متقومان بلحاظ آخر غير لحاظ المعنى. و عليه فكما ان لحاظ البعث النسبي بعين لحاظ أطرافه، كذلك سعته و ضيقه بعين سعة الأطراف و ضيقها، و امّا لحاظ المادة المنتسبة أو اتصاف المادة بالوجوب فلا يجدي، فانّهما بهذا العنوان الاسمي غير مدلول عليه بالجملة، و بالمعنى الحرفي يوجب عود المحذور، بل ليس الاتصاف و الانتساب إلا الإضافة الذاتيّة للبعث النسبي إلى المادة، فحالهما حال البعث النسبي بل أشكل. هذا كلّه في الحكم المجعول.

و أمّا الإرادة النفسانيّة فهي ليست من الأفعال ذوات المصالح حتى يعقل إناطتها بشي‌ء، فلا يعقل فيها تعليق عنواني في قبال التعليق الحقيقي، و إنّما هي صفة تحدث في النّفس عقيب الداعي، و لا تكون كذلك إلا بعد تمامية المصلحة في المراد. و تخيل إرادة أمر على تقدير- تكويناً و تشريعاً و ان إنكارها مصادمة للوجدان- لعله غفلة عن حقيقة الإرادة، فانها الجزء الأخير من العلة لحركات العضلات نحو المراد في التكوينيّة و الجزء الأخير من العلة التامة للبعث الحقيقي في التشريعية، فكيف يعقل تعلقها بأمر على تقدير قبل خروجه من حد الفرض و التقدير إلى حد الفعليّة و التحقيق؟.

نعم مطلق الشوق تكويناً و تشريعاً يتعلّق بأمر على تقدير بل بالمحال أيضا،

إلا انه ليس من الإرادة التكوينيّة و التشريعيّة.

تنبيه: القيد الّذي يكون في الكلام على أنحاء:

(منها)- أن يكون مقوّماً للمقتضي، فهو جزء المقتضي الّذي يقوم به الأثر.

و (منها)- أن يكون دخيلًا في فعليّة الأثر عن مؤثره و المقتضي عن مقتضية اما لدخله في حيثيّة الصدور، و إمّا لدخله في حيثيّة الحلول إذا كان حلولياً. و ما يستحق إطلاق الشرط عليه ما له دخل في فعليّة الأثر، لا كلّ خصوصيّة و إن كانت مقوّمة للمقتضي.

و (منها)- أن يكون له دخل في تعنون ذات المقتضي بعنوان له الاقتضاء، أو تعنون مقتضاه بعنوان يكون مرغوباً و مراداً. فالأوّل كعنوان الوفاء بالعقد فان كلّ ترتيب أثر الملك- مثلًا- ليس وفاءً، بل يكون وفاء إذا كان هناك عقد.

و الثاني كعنوان دفع الأخلاط و دفع قبوضة المزاج، فان أثر السنا- مثلًا- هو الإسهال لكنّه بما هو غير مرغوب فيه، بل إذا كان معنوناً بالعنوان المزبور حتى يكون مصلحة و لا يكون إلا إذا كان هناك مرض.

إذا عرفت ذلك فاعلم: اما ما كان مقوماً للمقتضي- و هو الفعل الّذي له أثر محبوب- فهو مطلوب تحصيله، فلا يعقل أن يكون الطلب معلقاً على فرض حصوله، و امّا ما كان دخيلًا في فعلية الأثر عن مؤثره، فان كان فعلًا اختيارياً كالطهارة المائيّة و الترابيّة، فهو مطلوب تحصيله بطبعه، و إن كان غير اختياري كالوقت بالنسبة إلى الصلاة و الصيام، فهو و إن كان دخيلًا في فعليّة الأثر، لكنّه حيث كان خارجاً عن الاختيار، فلا يعقل طلب تحصيله، بل لا بدّ أن يكون الطلب في فرض حصوله. و اما ما كان في مرتبة سابقة فلا بدّ أيضا من فرض حصوله، إذ المطلوب هو الوفاء لا جعل العمل وفاء بإيجاد العقد حتى يكون إيجاده مطلوباً، كما ان المطلوب ما فيه المصلحة لا جعل الأثر مصلحة بتمريض نفسه، فلا محالة يكون القيد مفروض الحصول.

نعم يشكل الأمر في بدو النّظر في الاستطاعة الشرعيّة بالنسبة إلى الحج، فانه لا شبهة في كونها شرطاً لوجوبه، مع انها إن كانت دخيلة في المقتضي أو في فعليّة مقتضاه وجب تحصيلها، لكونها قابلة للتحصيل. و ليس آثار الأفعال المقوّمة للحج منوطة بها، لأنّه لا فرق بين الواجب و المندوب منه في ترتب تلك الآثار. و لا يمكن دعوى أن تلك الآثار تارة مما لا بدّ منها و أخرى ليست كذلك، لوضوح ان غير المستطيع إذا تكلف الحج تحصل بعمله تلك الآثار من دون إلزام من الشارع، مع انه لا يجزي عن حجة الإسلام.

و يمكن دفع الإشكال بالالتزام بأن تلك الآثار المترتبة على مناسك الحج، و إن لم تتفاوت بالإضافة إلى الواجب و المندوب الّذي لا يتوقف على الاستطاعة، إلا ان العنوان الّذي لا بدّ منه لا ينطبق على تلك الآثار أو على تلك المناسك، إلا إذا كان مستطيعاً و إن كان الظاهر من اخبار الرجوع بالكفاية ان الإلزام بالحج- مع عدم الاستطاعة حتى من حيث الرجوع بالكفاية- فيه مفسدة.

و من جميع ما ذكرنا تبيّن أن كون القيد مفروضاً لأحد وجوه: فتارة لكونه غير اختياري. و أخرى لكونه دخيلًا في مرتبة سابقة على الاقتضاء، و ثالثة لمزاحمة الإلزام بما فيه المصلحة بمفسدة أقوى.

الفصل الثالث

في انقسام الواجب إلى المنجّز و المعلق باصطلاح صاحب الفصول (قده)(1)و تبعه عليه شيخنا الأستاذ (قده)(2)، و أنكره جماعة آخرون. فالمنجز عنده ما إذا اتحد زمان الإيجاب و الواجب، و المعلّق ما إذا انفك زمان الإيجاب


1) الفصول الغروية: ص 179.

2) كفاية الأصول: ج 1، ص 160.

عن زمان الواجب.

و الكلام تارة في تعقل المعلّق في قبال المشروط، و أخرى في تعقل حالية الإيجاب و استقباليّة الواجب.

(أمّا الأوّل)- فحيث إن زمان الواجب غير داخل تحت الاختيار فلا بدَّ من أن يفرض وجوده، فيكون الإيجاب مرتباً على أمر مفروض الوجود، و هو مناط الوجوب المشروط في قبال المطلق، فلا يتعقل قسم آخر يسمى بالمعلّق. و اما إخراج القيد و هو زمان الواجب عن القيديّة رأساً و توجيه البعث نحو ذات الحصة الملازمة للوقت الخاصّ، فلا يجدي إلا في عدم لزوم فرض وجود الوقت بعنوانه و عدم ترتب البعث على الوقت المفروض وجوده، لا في تعقل المعلق في قبال المشروط، لأن الحصة الملازمة لأمر غير اختياري أيضاً غير مقدور إلا في فرض وجود الوقت الخاصّ، فالإيجاب مشروط لبّا بالقدرة على متعلّقه زيادة على القدرة على ذات الفعل التي هي من الشرائط العامة.

(و امّا الثاني)- فالكلام تارة في تعقل تعلق الإرادة الفعلية بأمر استقبالي، و أخرى في تعلق البعث الحالي الفعلي بأمر استقبالي. اما الإرادة فربما يقال بإمكان تعلّقها بأمر على تقدير تكويناً و تشريعاً، و قد عرفت انها الجزء الأخير من العلّة التامة لحركة العضلات في التكوينية، و الجزء الأخير من العلّة لجعل الداعي حقيقة في التشريعيّة. و اما البعث فقد عرفت سابقاً أن حقيقته جعل ما يمكن أن يكون باعثاً و داعياً. و إمكان الباعثيّة يلازم إمكان الانبعاث، و إذا لم يعقل إمكان الانبعاث فعلًا فلا يعقل إمكان البعث فعلًا، فلا مجال لجواز تأخر الانبعاث عن البعث ضرورة و إمكاناً، فضلًا عن لزوم تأخّره و لو بآن كما عن شيخنا الأستاذ (قده)(1). و حيث إن حقيقة البعث تشريعاً متقومة بإمكان


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 163.

كونه داعياً ذاتاً و وقوعياً، فيجامع الامتناع بالغير بسبب عدم انقياد العبد لمولاه، أو بسبب عدم حصول مقدمات الفعل، فان عدم المعلول بعدم علته أمر و عدمه باستحالة علته أمر آخر. و الأوّل ملاك الامتناع بالغير، و الثاني مناط الامتناع الوقوعي. و عليه فالفعل ممكن بإمكان مقدمته ذاتاً و وقوعياً، فالبعث نحوه قبل حصول مقدماته الوجودية ممكن و إن كان مع عدمها فعلًا ممتنعاً بالغير.

فتدبره فانه حقيق به.

و لا يخفى عليك أن التعلّق بالواجب المعلّق في قبال الواجب المشروط، لتصحيح بعض المقدّمات الواجبة قبل وجوب ذيها. و سيجي‌ء إن شاء اللَّه تعالى في مبحث مقدمة الواجب ان طريق دفع الإشكال غير منحصر في ذلك بل له طرق أخرى من دون محذور.

الفصل الرابع في قسمة الواجب إلى النفسيّ و الغيري

و عرّف النفسيّ بما وجب لنفسه، و الغيري بما وجب لغيره. و يرد على ظاهره ان الواجب النفسيّ بهذا المعنى منحصر في التشريعيات في معرفة اللَّه تعالى، فانها المطلوبة لذاتها لا لغرض غير ذاتها. و اما سائر الواجبات النفسيّة فهي واجبات لأغراض هي مغايرة لذاتها. و لا يتوقف الاعتراض على هذا التعريف على وجوب تحصيل الغرض، حتى يدفع بأنه لا ملزم به و ان الأفعال بالنسبة إلى الأغراض كالمعدات لا الأسباب، فان ما ذكرناه من الإشكال غير مبني على ذلك، بل على مجرد مغايرة الغرض مع الواجب فلا يجب لذاته، و لذا أصلحه شيخنا الأستاذ (قده)(1)بأن المراد مما وجب لنفسه أي لحسن نفسه. و لا


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 171.

منافاة بين كونه حسناً بنفسه و كونه ذا غرض مغاير للواجب بحيث يكون الواجب مقدمة لحصوله. نعم ما أفاده (قده) مورد الإشكال من وجه آخر، و هو أن حسنه العقلائي- بملاك التحسين و التقبيح العقليين- أجنبي عما هو ملاك وجوبه شرعاً، و حسنه شرعاً و محبوبيّته المولوية بنفس الغرض المغاير فهو حسن لغيره لا لنفسه. مضافاً إلى أنّه لا يتمحّض الوجوب في النفسيّ، لوجود ملاك الوجوب النفسيّ و ملاك الوجوب الغيري مع استحالة اجتماع المتماثلين، فلا محالة يؤثران في وجوب واحد لا نفسي محض و لا غيري محض. و لا فرق فيه بين ما إذا كان الملاكان في عرض واحد، بأن كان الواجب بذاته مقدمة للغرض منه، أو كان ملاك الغيرية في طول ملاك النفسيّة، بأن كان الواجب بما هو معنون بعنوان حسن مقدمة للغرض. (أمّا الأوّل) فواضح. و (أمّا الثاني) فلأن ملاك التماثل و التضاد هو الاجتماع في نحو وجود الضدين أو المثلين في نظام الوجود لا في المرتبة، فالتقدّم و التأخّر في الرتبة لا ينافي المعيّة في موقع التضاد و التماثل. مع أن التقدّم و التأخر في الملاكين لا يستدعي التقدّم و التأخّر في الأثرين أعني الوجوبين، فالوجوب النفسيّ و إن كان في عرض ملاك الوجوب الغيري، لكنّه لا تقدّم له على الوجوب الغيري، لأن ما مع العلّة لا تقدّم له على معلولها، لأنّ ملاك التقدّم في العلّة لا في ما معها. فتدبّره فانه حقيق به.

و بالجملة فأحسن تعاريف الباب ما قيل: الواجب النفسيّ ما وجب لا لأجل واجب آخر، و الواجب الغيري ما وجب لأجل واجب آخر. فقولهم:

ما وجب لنفسه أي لا لغيره نظير قولهم: واجب الوجود لذاته أي لا لغيره. لا انه واجب لعلّة ذاته فالصلاة مرادة ذاتها بالذات لتعلّق الإرادة التشريعية بها لباً، و واجبة كذلك لتعلّق الإيجاب بها بنفسها، بخلاف مقدماتها، فانها مرادة بإرادة منبعثة عن إرادة الصلاة، و واجبة بوجوب مترشح من وجوبها، و لا موقع للإرادة التشريعيّة إلا الإرادة المنبعث عنها البعث لا مطلق الحب و الشوق، كما لا

موقع للبعث إلا مرحلة الإنشاء بداعي جعل الداعي، فالغرض من الصلاة لا واجب بالذات و لا بالعرض، كما أنّه غير مراد بهذه المرتبة لا بالذات و لا بالعرض.

الفصل الخامس في تقسيم الواجب إلى التعييني و التخييري

و المراد بالأوّل ما لا بدل له، و بالثاني ما له بدل. و لا إشكال في وقوعهما في الشرع، و إنّما الإشكال في كيفيّة تعلّق الوجوب التخييري. و المهم مما قيل فيه وجهان.

(أحدهما)- ما عن شيخنا الأستاذ (قده) من «تعلقه بالجامع بين الفعلين فيما إذا كان الغرض منهما واحداً، نظراً إلى استحالة صدور الواحد إلا عن الواحد، كاستحالة صدور غير الواحد عن الواحد»(1). و قد بيّنا في النهاية اختصاص القاعدة في الطرفين بالواحد الشخصي، فصدور الواحد النوعيّ عن الكثير بالشخص أجنبيّ عن القاعدة، و استناد الحرارة الواحدة نوعاً إلى الكثير التي لا تندرج تحت جامع نوعي ماهوي أمر مسلّم فراجع (2). و اما مع تسليم اقتضاء وحدة الملاك للجامع فلا مجال لإنكار تعلق التكليف بالجامع، نظراً إلى أنّه لا بدّ من أن يكون جامع خطابي عرفي واقع في حيز التكليف حتى يخير العقل بين أفراده. و ذلك، لأنّ البرهان دليل على أن الجامع هو متعلّق التكليف، و ان الشارع بما هو عاقل أمر بفرديه على نحو التخيير، فلا حاجة إلى توجيه التكليف إلى جامع عرفي.


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 225.

2) نهاية الدراية: ج 1، ص 253.

(ثانيهما)- تعلّق الإرادة و الإيجاب الحقيقي بأحدهما المردد مصداقاً، نظراً إلى ان الإرادة التكوينية إنّما لا تتعلق بالمردد، لأنّ الموجود بالإرادة واحد معين، إذ المبهم لا يوجد في الخارج، بخلاف الإرادة التشريعية، فانها غير موجدة للفعل و انما الموجد له هي إرادة المكلف، بل الإرادة التشريعية تابعة لكيفية الغرض، فإذا فرض أن غرضاً واحداً يقوم بواحد من الفعلين على البدل، فلا بدَّ من تعلّق الإرادة بالواحد منهما على البدل لانبعاثها منه.

(و التحقيق) ان كلّ صفة تعليقية سواء كانت حقيقية أو اعتبارية، فهي متقومة و متشخصة بمتعلقها، فان الشوق المطلق- مثلًا- و البعث المطلق لا يوجد، و المردد بالحمل الشائع لا ثبوت له لا ماهية و لا وجوداً، لا ذاتاً و لا هوية، فيستحيل أن يكون مقوماً و مشخصاً لصفة جزئيّة، فهذا هو المانع عن تعلّق البعث و الإرادة و الملكية و أشباهها بالمردد مصداقاً، لا ما ذكر حتى يختص بالإرادة التكوينيّة، و لا ما عن شيخنا العلّامة الأنصاري (قده) من «أن العرض يحتاج إلى موضوع محقق في الخارج حتى يصح تعلّق الملك الاعتباري بالمردد»(1)، و لا ما عن شيخنا الأستاذ (قده) من «أن البعث حيث انه لجعل الداعي، و لا ينقدح الداعي إلى المردد حتى يكون الامتناع مقصوراً على مثله»(2).

و اما ما يقال من أن سنخ الوجوب التخييري بنحو الوجوب المشروط بترك الآخر، فلازمه عدم الامتثال رأساً مع إتيانهما معاً دفعة، كما إذا أعتق و أعطى ستين مسكيناً من الطعام دفعة، مع أنه أولى بالامتثال من الاقتصار على الواحد.

و منه تعرف انه لا يجدي الالتزام بوجوب الحصة الملازمة لترك الآخر، فانه مع


1) المكاسب للشيخ الأنصاري: ص 195.

2) كفاية الأصول: ج 1، ص 226 في تعليق المؤلّف على قوله: للقول بكون الواجب.

إتيانهما معاً لم يتحقق شي‌ء من الحصتين.

و يمكن أن يقال: ان الإيجاب التخييري إيجاب مشوب بجواز الترك إلى بدل، فالفرق بينه و بين الإيجاب التعييني ان الإيجاب التعييني لا يجامع جواز الترك حتى مع البدل، بخلاف التخييري. و لا يرد عليه المحذور المتقدم، لأنّه مع الإتيان بهما معاً يكون آتياً بواجبين يجوز ترك كلّ منهما إلى البدل، لا انه لم يمتثل أصلًا كالمقيد بنفس الترك.

و لا يخفى عليك أن مقتضى جواز ترك كلّ منهما مقروناً بفعل الآخر ليس إلا المنع عن مجموع التركين، إذ ترك كلّ منهما مقروناً بترك الآخر لا تعدد له إلا بالاعتبار، كما ان ما يقع في الخارج من الترك الجائز ليس إلا واحداً، لاستحالة تحقق تركين كلّ منهما مقرون بفعل الآخر.

و لا يخفى أن ما سلكناه من الإيجاب المشوب بجواز الترك إلى بدل يوافق مقام الثبوت، بتقريب ان كل واحد من الفعلين يقوم به غرض واحد سنخاً، فكل منهما مقتض للإيجاب، و مصلحة الإرفاق اقتضت الاكتفاء بواحد من فردي الغرض، فهو مقتض للترخيص في ترك كلّ منهما إلى البدل، و لذا ربما لا يستحق الإرفاق فيكلف بالجمع كما في الإفطار بالحرام. و منه يتضح حال ما إذا قام بكل منهما غرض مغاير لما في الآخر، ففيه أيضا مقتضي الإيجاب و مقتضي الترخيص إلى بدل. و التكليف بالجمع أحياناً دليل على مباينة الغرضين لا التقابل بينهما.

الفصل السادس في أن الواجب تارة عيني و أخرى كفائي

و الأوّل واضح: إنّما الكلام في الثاني، في كيفيّة تعلّق التكليف بالمكلفين.

و ما قيل فيه وجوه:

(أحدها)- تعلّق التكليف بكلي المكلّف بما هو، نظير تعلّق ملك الخمس و الزكاة بطبيعي السيد و الفقير، فكما أن الملكية من الاعتبارات و يصح تعلقها بالكليّ بما هو، كذلك التكليف من الاعتبارات و يصح تعلقه به، و كما ان إقباض السيد و الفقير يوجب تعين الكلي فيهما، كذلك من قام بالفعل يتعين فيه الكلي الّذي وجب عليه الفعل. و هذا مختار بعض أجلة السادة (قده) في بلغته (1)تصحيحاً لأخذ الأجرة على الواجب الكفائي.

(و فيه) ان البعث و ان كان من الاعتبارات إلا أنّه لا يتعلّق إلا بالمكلف بالحمل الشائع، فانه لجعل الداعي حتى تنقدح في نفسه الإرادة المحركة للعضلات نحو العمل.

(ثانيها)- ما عن بعض أعلام العصر (قده)(2)من «تعلّق التكليف بصرف وجود المكلف في قبال مطلق وجوده»، تنظيراً للموضوع بمتعلّق التكليف، من أنه تارة يكون المطلوب صرف وجوده، و أخرى مطلق وجوده.

و كما أن صرف وجود الفعل قابل للصدق على كلّ فرد من طبيعته و يسقط بأول وجود منه، كذلك صرف وجود المكلف قابل للصدق على كلّ مكلّف و يسقط بقيام بعض المكلفين به.

(و الجواب عنه)- بعد وضوح عدم إرادة صرف الوجود المصطلح عليه في فن المعقول- ان المراد بصرف الوجود، اما ما عن بعض أجلة العصر من «أنّه ناقض العدم المطلق و ناقض العدم الكلي و ناقض العدم الأزلي»(3)، فهو قهراً ينطبق على أوّل الوجود، و اما الوجود المهمل عن خصوصياته، أو الوجود الملحوظ على وجه اللابشرط القسمي (امّا الأوّل)- فهو مع بطلانه في نفسه، حيث ان


1) بلغة الفقيه: ج 2، ص 19.

2) هو الميرزا النائيني في أجود التقريرات: ج 1، ص 187.

3) درر الفوائد: ج 1، ص 45.

كلّ وجود طارد لعدمه البديل له. و لا معنى لناقض العدم المطلق. و ملازمة عدم الأوّل لسائر الاعدام أوجب هذا التوهم. ان إصلاحه بإرادة أول وجود من الفعل معقول، فيكون المطلوب أوّل وجود من طبيعة الفعل، و لكن أوّل وجود من طبيعي المكلّف لا معنى له. و توجيهه بأوّل من قام بالفعل غير معقول، فان الموضوع لا بدَّ من ان يكون مفروض الحصول، و مقتضى فرض حصول الفعل تحقيقاً لعنوان الموضوع استحالة طلب تحصيله، كما ان مقتضى طلب تحصيله استحالة فرض حصوله. (و امّا الثاني) فلا إهمال في الواقع و هو واضح. (و أمّا الثالث) و هو ملاحظة طبيعي المكلّف بالحمل الشائع لا مقترناً بخصوصية و لا بعدمها فهو امر معقول، إلا ان مقتضاه تعلّق التكليف بالمطلق فيساوق التكليف بالجميع، إذ يستحيل شخصية البعث و نوعية المبعوث إليه، فلا محالة ينحلّ التكليف إلى تكاليف متعددة بعدد مطابقات المطلق، و حينئذٍ يرد السؤال عن وجه سقوطه بفعل البعض مع كونه واجباً على الكلّ.

(ثالثها)- أحد أفراد المكلّفين بنحو الترديد، فان من يقول بإمكان تعلق الإرادة بالمردد لا وجه لتفريقه بين متعلقها و موضوعها أي بين المراد و المراد منه، كما ان وجه الامتناع الّذي بيّناه أيضا كذلك.

(رابعها)- إيجاب الفعل على كلّ واحد مشروطاً بترك الآخر. و قد عرفت سابقاً ان لازمه عدم حصول الامتثال إذا قام جماعة به دفعة، كما إذا صلّوا على الميت دفعة، فان شرط الوجوب و هو ترك الآخر غير متحقق، مع انه لا إشكال في الامتثال.

(خامسها)- احتمال تعلّق التكليف بمجموع المكلّفين لا بالجميع، و مقتضاه حصول الامتثال بفعل البعض، كما ان مقتضاه عقاب الكلّ حيث لم يتحقق الفعل من المجموع.

(و يندفع) بان تعلّق التكليف بمجموع أمور امر معقول. و اما تعلّق البعث الشخصي بمجموع اشخاص فهو غير معقول، لأن البعث لجعل الداعي، و ليس

مجموع الأشخاص شخصاً ينقدح في نفسه الداعي. و مع تعدد البعث يؤول الأمر إلى تعلّق التكليف بالجميع لا بالمجموع. و اما امر المجموع برفع الحجر الواحد الّذي لا يقوم برفعه واحد. فمرجعه إلى الأمر باعمال كلّ واحد قدرته فيما له المدخليّة في رفع الحجر بشرط الانضمام، حيث ان أثر كلّ واحد لا يتبيّن إلا عند الانضمام. و الواجب الكفائي ليس كذلك.

فالصحيح ما ذكرنا في نظير المقام في طرف المتعلّق، فان كلّ واحد من المكلّفين يجب عليه الفعل مع جواز الترك عند فعل الآخر، و مقتضاه حصول الامتثال من الجميع إذا أتوا به دفعة، و استحقاق العقاب إذا ترك الكلّ، لوجوبه عليهم و عدم تحقق الفعل من أحدهم. و هو موافق لمقام الثبوت، لأنه مع عدم إمكان تعدد الفعل كالغسل و الدفن ليس هناك إلا غرض واحد، و تخصيص أحدهم بتحصيله بلا مخصص، و معاقبة التارك- مع فعل البعض و حصول الغرض المستلزم لعدم بقاء التكليف- بلا موجب، فلا محالة له مقتضى الوجوب و مقتضى الترخيص في الترك مع حصول الغرض. و اما مع إمكان تعدد الفعل دفعة و تدريجاً فالغرض اللزومي وجود واحد منه، و هو متساوي النسبة إلى الجميع، فيقتضي الإيجاب و الترخيص كما ذكر، كما ان لازم حصول الامتثال- باشتراك الكلّ في الغسل أو الدفن- الالتزام بان الواجب أعمّ من الاستقلال في الدفن و الاشتراك فيه، و إلا فمع اختصاصه بصورة الاستقلال لا دفن من أحد منهم، فلا امتثال للواجب، مع انه خلاف الواقع.

و اما ما عن شيخنا الأستاذ (قده) في الكفاية من تعليل امتثال الجميع- إذا أتوا بالواجب دفعة و استحقاقهم جميعاً للمثوبة- «بأنه قضية توارد العلل المتعددة على معلول واحد»(1)، فمحل النّظر، لأن الصلوات المتعددة الدفعيّة الوجود


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 229.

كلّها ذات مصلحة، لا ان مصلحة واحدة شخصية تقوم بمجموعها بحيث تكون كل صلاة جزء العلة لتلك المصلحة، و لزوميّة وجود واحد من تلك المصالح لا تعين لها حتى تكون إحدى تلك الصلوات المعينة واقعاً قائمة بتلك المصلحة، بل تلك المصلحة اللزوميّة اللّامتعينة متساوية النسبة إلى جميع تلك الأفعال، و لتساوي النسبة برهاناً تتساوى نسبة الامتثال إلى كلّ واحد، لا لتوارد العلل على معلول واحد. و اما في مثل الغسل و الكفن و الدفن فلا تعدد في وجود تلك العناوين ليندرج تحت توارد العلل، بل هناك على الفرض فعل واحد و غرض واحد، و بقيّة الكلام في التعليقة(1).

الفصل السابع في الواجب الموسّع و المضيّق

و الأول ما يكون الوقت المقدّر له شرعاً أوسع و أزيد مما لا بدَّ منه في الواجب، و المضيّق ما كان المقدّر له مساوياً لما يقتضيه طبع الواجب الزماني.

و منه تعرف ان أوسعيّة زمان الوجوب عن زمان الواجب و مساواته له أجنبيّة عما هو الملاك في الموسع و المضيق.

و ملخص الإشكال في الواجب الموسع ان اجزاء الوقت، ان كانت قيودا للواجب و كان التخيير شرعيا فهناك واجبات مضيقة على نحو الواجب المخيّر شرعا، و كون المضيّق تعيينيا و تخييريا أخرى امر، و كون الواجب شرعا موسعا تارة و مضيّقا أخرى امر آخر، و ان لم تكن اجزاء الوقت قيوداً فالواجب لا بدل له، مع انه يجوز ترك الصلاة في أوّل الوقت مثلا، و الصلاة في وقت آخر فرد آخر من الواجب لا انه بدل عن الواجب.


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 257.

و يندفع الإشكال بان مبناه على قصر النّظر على الحركة القطعية و حصر الواجب في التخيير الشرعي، و اما إذا لوحظ طبيعي الصلاة مثلًا بين المبدأ و المنتهى بنحو الكون المتوسط و الحركة التوسطيّة، فكل ما يفرض من وجودات الطبيعي الموافي لحد من حدود الزمان المحدود فهو من افراد ذلك الكون المتوسط، فالأكوان الموافية لحدود المسافة اجزاء بالنسبة إلى الحركة القطعية و جزئيّات بالنسبة إلى الحركة التوسطية. و عليه فالصلاة بين الحدين واجبة شرعا و لا بدل لها فلا يجوز تركها، و الصلاة في أوّل الوقت بهذه الخصوصية غير واجبة فلا مانع من جواز تركها.

و مما ذكرنا يتبيّن ان ما أجيب به- من انه لا فرق بين الافراد المتماثلة و المختلفة في الحقيقة في كونها بنحو التخيير- يناسب التخيير الشرعي، فيكون إنكارا للموسع كما عرفت. كما ان الجواب- بأنه لا فرق بين الافراد الدفعيّة و التدريجيّة أو العرضيّة و الطوليّة في كون الكلي مأمورا به و التخيير بين افراده عقلي- مبني على الكون المتوسط، و هو بان يلاحظ الطبيعي بين الحدين فقط.

و اعلم انه لم يذكر في كتب الأصول إشكال في المضيّق، و إنّما أشكله بعض الاعلام (ره) بناء على مبناه في الموسع و المضيّق من أوسعية زمان الوجوب عن زمان الواجب و مساواته له، بان التساوي غير معقول، لتقدّم البعث على الانبعاث. ثم دفعه بان التقدّم رتبي لا زماني. إلا ان المبنى- كما مرَّ- غير صحيح، كيف؟ و القائل بالمعلّق يتصور الموسع و المضيّق، مع تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب عنده، فيكون زمان الوجوب دائماً أوسع من زمان الواجب.

نعم في أصل تعقل المضيّق بالذات إشكال، إذ لا بدَّ من كون الواجب ذا حدّ زماني في نفسه حتى يكون الوقت المجعول له أوسع منه تارة و مساويا له أخرى كالصلاة، فانّها بما هي حركات خاصة متقدرة بخمس دقائق مثلًا،

و الوقت المجعول لها شرعاً أزيد مما يقتضيه طبع هذا المتقدّر بما لا بدّ منه من الزمان. و اما الإمساك فلا حدّ مخصوص له من الزمان بل يتبع تحديد الأمر به طولا و قصرا، لا ان هناك إمساكا متقدرا بقدر مخصوص من الزمان، و كان تحديد الشارع له من الفجر إلى الغروب مساوياً لما يقتضيه طبع الإمساك المتقدّر. و هذا الإشكال جار على غير ما بنينا عليه أيضا، فانه لا تقدير للإمساك حتى يقال: ان زمان وجوبه أوسع منه أو يساويه. فالصحيح في مقام التقسيم ان يقال: ان الواجب تارة يلاحظ بنحو الحركة التوسطيّة و الكون المتوسط كالصلاة بين الزوال و الغروب، و أخرى يلاحظ بنحو الحركة القطعية كالإمساك من الفجر إلى الغروب.

الفصل الثامن في التعبّدي و التوصّلي

و حيث ان الحكم الحقيقي- كما مرَّ سابقا(1)- هو الإنشاء بداعي جعل الداعي، و ان الإنشاء بسائر الدواعي ليس من الحكم الحقيقي في شي‌ء، فالغرض من الأمر الحقيقي دائما هو جعل الداعي من دون فرق بين التعبّدي و التوصّلي. و إنّما التفاوت بينهما من ناحية الغرض من الواجب، و هو ان الغرض المترتب على الفعل، تارة يكون مساوقا للقرب، فلا محالة لا يحصل إلّا إذا أتى به بأحد الدواعي الموجبة للقرب، و أخرى لا يلازم القرب، فلا يتوقّف حصول الغرض على الفعل بأحد الوجوه المقرّبة. و الأوّل هو التعبّدي و الثاني هو التوصّلي.

و عليه فلا بدّ من بيان امرين: (أحدهما)- ما يوجب استحقاق المدح


1) في ص 40.

و الثواب. (ثانيهما)- ملازمة المصلحة لما يوجب المدح و الثواب حتى يمتاز باجتماعهما التعبّدي عن التوصّلي واقعا.

(اما الأمر الأوّل) فنقول: استحقاق المدح بحكم العقل العملي من باب التحسين و التقبيح العقلائيين، حيث لا شأن للقوّة العاقلة إلا التعقل، فما يتعقّله لا بدَّ من ان يكون ثبوته إما بحكم الشارع و اما بحكم العقلاء. و المفروض في كلمات القوم- من الحكماء و المتكلّمين و الأصوليين- ان استحقاق المدح و الذمّ بحكم العقل العملي. و المراد بحكم العقلاء بناؤهم العملي على مدح فاعل بعض الأفعال و ذم فاعل بعضها الآخر، كما ذكروه في باب الصناعات الخمس من علم الميزان، و هو داخل في القضايا المشهورة التي تطابقت عليها آراء العقلاء حفظا للنظام و إبقاء للنوع، فان أول موجبات انحفاظ النظام و المنع عن اختلاله و فساد النوع هو البناء العملي على المدح و الذمّ.

و العناوين التي يمدح فاعل بعضها و يذم فاعل بعضها الآخر على قسمين:

(أحدهما)- العناوين الذاتيّة التي لا يتخلّف عنها المدح و الذمّ، كعنوان العدل و الإحسان، فانه يستحيل مع انحفاظ عنوان العدل عروض عنوان يذمّ عليه، و كعنوان الظلم و العدوان، فانه يستحيل مع انحفاظ عنوان الظلم عروض عنوان يمدح عليه.

(ثانيهما)- العناوين التي لو خلّيت و نفسها لكانت ممدوحا أو مذموما عليها، كالصدق و الكذب، فان الأوّل حسن في حدّ ذاته و الثاني قبيح في حدّ ذاته، و لكن إذا عرض الصدق عنوان إهلاك المؤمن و عرض الكذب عنوان إنجاء المؤمن، اندرج الأوّل تحت عنوان الظلم و الثاني تحت عنوان الإحسان مع انحفاظ عنوان الصدق و الكذب.

و امّا غير هذين القسمين من عناوين الأشياء فهي لا موصوفة بالحسن و لا بالقبح، لا بالذات و لا لو خلّيت و ذاتها، بل دائما توصف بأحدهما بالعرض

بقول مطلق.

و عليه فما يوجب المدح و القرب لا بدَّ من اندراجه بالذات أو بالعرض تحت عنوان محكوم بالحسن بالمعنى المزبور، فما كان حسنا بذاته بأحد المعنيين لا يتوقّف إيجابه للقرب على الأمر به و لا على إتيانه بداعي امره، كالتخضع للمولى و التخشّع له و شكر نعمته و تعظيمه بما يكون في المتعارف إعظاما له، فان هذه العناوين الحسنة قابلة للإضافة بذاتها إلى المولى من غير طريق دعوة الأمر.

نعم ما لا يكون بذاته معنونا بعنوان حسن يمكن اندراجه تحت عنوان حسن من طريق دعوة الأمر، فانه يندرج تحت عنوان الانقياد للمولى، و هو عدل في العبوديّة و جري على ما يقتضيه زيّ الرقيّة. و اما سائر الدواعي المذكورة في باب التقرّب. فاما موردها العبادات الذاتيّة بأحد المعنيين أو لا يمكن ان يكون إلا داعياً للداعي، مثلا- إتيان العمل بداعي كونه تعالى شأنه أهلًا له لا يعقل إلا إذا كان مع قطع النّظر عن هذا الداعي عبادة حتى يكون تعالى أهلا لها، فتستحيل العباديّة من طريق هذا الداعي. نعم لا يختص هذا الداعي بالعبادات الذاتيّة، بل إذا أتى بعمل بداعي الأمر و كان الداعي إلى الانقياد لمولاه كونه أهلا له- لا خوفا من عقاب مخالفة امره و لا طمعاً في ثواب موافقة أمره- وقع العمل عبادة. و اما الإتيان بعمل يتخضّع به لمولاه فلا بدَّ من ان يكون قابلا للتخضّع و هو بنفسه حسن يتقرب به، و كذلك العمل بداعي التعظيم، فلا معنى لإتيانه بداعي التعظيم و التخضّع إلا قصد هذه العناوين الحسنة، و المفروض قابليّة المحل للتعظيم و التخضّع. و امّا إتيان العمل بداعي حصول الثواب أو دفع العقاب فلا يعقل ان يكون بنفسه داعيا ما لم يكن مع قطع النّظر عن هذا الداعي موجبا للثواب أو دافعا للعقاب، فالمورد مع قطع النّظر عن هذا الداعي يكون موجبا للقرب و دافعا للتعبّد. و امّا الإتيان بداعي المصلحة القائمة بالفعل، فان كان بعنوان انّها غرض للمولى فحاله حال إتيان

الفعل بداعي الأمر و الإرادة و المحبوبيّة، فالإتيان بداعي موافقته لغرض المولى كغيره من مبادئ الأمر يوجب القرب، و ان كان لا بذاك العنوان بل لمجرد كونه ذا فائدة من دون إضافتها إلى المولى فلا ينطبق عليه عنوان حسن لو لم تكن تلك الفائدة من المبادئ للعناوين الحسنة، فتدبّر جيّدا.

(و أمّا الأمر الثاني) و هو مساوقة المصلحة للقرب فلا طريق للعقل إليه، إذ ليس كلّ ما يوجب المدح عقلا ذا غرض مولوي ينبعث منه الأمر، و الملاكات المولوية الداعية إلى الأوامر المولوية لا دخل لها بالملاكات العقلائيّة المربوطة بانحفاظ النظام و بقاء النوع، و إنّما يعلم ذلك من ناحية الشارع، فالعبادية بالمعنى الّذي هو عقلي هي العبادية بالمعنى الأعم أي ما يوجب المدح و الثواب، و العبادية بالمعنى الّذي هو شرعي- و بها يمتاز التعبّدي عن التوصّلي و هي العباديّة بالمعنى الأخص- ما يتوقف حصول الغرض منه على إتيانه بأحد وجوه المقربية.

و منه تعرف ما في كفاية شيخنا الأستاذ (قده)(1)في المقام.


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 170 تحت عنوان تقسيم الواجب إلى النفسيّ و الغيري.

المقام الرابع في المبادئ التصديقيّة الأحكاميّة

اشارة

و فيها فصول:

الفصل الأوّل
اشارة

في إمكان أخذ قصد القربة بأحد الوجوه في متعلّق الأمر و امتناعه ليكون مبدأ تصديقيّا للتمسك بالإطلاق و عدمه. و المحذور الموجب للامتناع امّا هو الدور أو ملاكه أو الخلف. و هذه المحاذير كلّا أو بعضا، اما في مرحلة جعل الحكم، أو في مرحلة فعليته بفعلية موضوعه، أو في مرحلة الامتثال.

و حيث ان المعروف في باب قصد القربة هو إتيان الفعل بداعي امره بل قيل بتعينه، فنحن نتكلم فيه إمكانا و امتناعا ثم نعقبه بسائر الدواعي.

اما في مرحلة الجعل فموجب توهم الدور كون الحكم لا بدَّ له من الموضوع و حيث انه امر تعلقي فهو عارض لموضوعه و يتوقّف وجوده على وجوده، فإذا كان المأخوذ في الموضوع نفس الحكم المزبور فلا محالة يلزم الدور.

و يندفع بان نسبة الحكم- إلى متعلّقه و موضوعه في أفق الحكم- نسبة عارض الماهية إلى معروضه، لا نسبة عارض الوجود إلى معروضه، و عارض

الماهية ثبوت معروضه بثبوته، لا أن ثبوته موقوف على ثبوته، كنفس الوجود بالإضافة إلى الماهيّة، مع ان الوجود تحليلا من عوارض الماهيّة، و لذا كان مثله خارجا عن تحت قاعدة الفرعية الحاكمة بان ثبوت شي‌ء لشي‌ء فرع ثبوت المثبت له.

و السرّ في ان الحكم بالإضافة إلى متعلّقه و موضوعه كذلك هو ان الحكم امر تعلقي في ذاته، و البعث المطلق و الشوق المطلق لا يوجد بل يتقوّم بمتعلّقه و موضوعه، و اتحاد الفعليين محال، فيستحيل ان يكون للمشتاق إليه ثبوت في مرحلة الشوق مغاير لثبوت الشوق و مع ذلك يقومه و يشخصه. و منه تعرف حال العلم و متعلّقه أي المعلوم بالذات، فان العلم المطلق أيضاً لا يوجد بل متقوّما بمتعلّقه. و إذا فرض ان ثبوت الموضوع بعين ثبوت الحكم، فلا تعدد في الوجود حتى يلزم محذور الدور. مضافا إلى ان الموضوع إذا لم يكن له ثبوت ما وراء ثبوت الحكم، فهو بعنوانه مأخوذ في متعلّق الحكم، فالحكم بوجوده موقوف و بعنوانه موقوف عليه.

و منه تعرف دفع الدور المشهور في أخذ العلم بشخص الحكم في موضوع نفسه، فان الحكم لا وجود له مغاير لثبوت موضوعه، و المأخوذ هو عنوان العلم بالحكم، و المتوقف عليه وجود الحكم، فلا دور في مقام الجعل من وجهين، فتدبّر.

و مما ذكرنا يعلم انه كما لا دور لا خلف و لا اجتماع المتقابلين، لتغاير المتقدّم و المتأخّر بالوجود و الماهيّة أو بالوجود الحقيقي و الوجود العنواني.

و ربما يقال بلزوم ملاك الدور و هو تقدم الشي‌ء على نفسه، بتقريب ان الأمر في الإتيان بداعي الأمر موضوع لا بدَّ من فرض وجوده لا متعلّق يطلب وجوده، و كذلك العلم بالحكم لا بدَّ من فرض وجوده، و حيث ان المراد من الفرض هو الفرض المطابق للخارج لا كأنياب الأغوال، فلازم فرض وجود

الحكم خارجا قبل وجوده خارجا هو وجوده قبل وجوده، و هو ملاك استحالة الدور و ان لم يكن عينه.

و يندفع بما مرَّ من ان الموضوع بوجوده الخارجي يستحيل ان يكون مقوّما للحكم، فالعلم القائم بالعالم يستحيل ان يكون مقوّما للحكم القائم بالحاكم، و كذلك في قصد الامتثال، و لا اختصاص لذلك بالمقام، بل العقد القائم بالعاقد يستحيل ان يكون مقوما للأمر بالوفاء القائم بالآمر. و ملاحظة العنوان فانيا في معنونه لا توجب إمكان المحال حتى يمكن بواسطة الفناء مقومية الخارجي للصفة النفسانيّة أو للأمر الاعتباري. مع ان فرض وجود الشي‌ء فرضا مطابقا للواقع لا يقتضي حالية الوجود التحقيقي بل يجامع استقبالية المفروض، كما في جميع الموضوعات بالإضافة إلى مقام جعل الأحكام في مرحلة التشريع، فلا يلزم إلا تقدم ثبوته الفرضي على ثبوته التحقيقي لا ان ثبوته التحقيقي قبل ثبوته التحقيقي. هذا كلّه في لزوم المحذور في مرحلة الجعل.

و امّا في مرحلة فعلية الحكم فتقريب الدوران العلم بالحكم- مثلا- حيث انه أخذ في موضوع شخص نفسه، ففعلية الحكم بفعلية موضوعه، فتتوقف فعلية الحكم على فعليّة العلم توقف المشروط على شرطه. و حيث ان الشرط هو العلم بالحكم بحيث يكون صورة شخصه لا صورة مثله، فلا محالة يتوقف على شخصه حتى يكون صورة شخصه، فيتوقف شخص الحكم في مرحلة فعليته على شخص نفسه. و منه تعرف تقريبه في المقام، فان شخص الأمر موضوع في الإتيان بداعي الأمر، فلا بدَّ من فعليته حتى تطلب منه الصلاة بهذا الداعي فعلا، فتتوقف فعلية شخص الحكم بما هو حكم على فعلية نفسه بما هو موضوع و يندفع بان التوقف من طرف فعليّة الحكم على فعليّة موضوعه- من باب توقف المشروط على شرطه- صحيح. و اما من طرف فعلية الموضوع على فعليّة الحكم فغير صحيح، لأن العلم بالحمل الشائع يستحيل تعلّقه بالحكم بالحمل

الشائع، لما مرّ من ان المعلوم بالذات مقوم صفة العلم، فلا يكون المقوم إلا ماهية شخص الحكم دون وجوده. و لزوم كون الصورة صورة شخصه لا صورة مثله لا يقتضي إلا مطابقة المعلوم بالذات مع المعلوم بالعرض، لا توقّف وجود المعلوم بالذات على وجود المعلوم بالعرض حتى يلزم الدور بالواسطة. و المطابقة لا تقتضي المقارنة الزمانية، بل المعلوم بالعرض ربما يقارن المعلوم بالذات زمانا و ربما يكون سابقاً عليه أو لا حقا له. و المفروض المقارنة الزمانيّة أيضاً بين الفعليين هنا. و منه تعرف الجواب عن الدور فيما نحن فيه أيضاً، فان الإتيان بداعي الأمر لا يقتضي إلا وجود الأمر في أفق الدعوة و هي النّفس. و كونه بحيث يطابق الواقع لا يستدعي تقوم الداعي بالخارج عن أفق النّفس، ففعلية الحكم هنا منوطة بفعليّة حضوره عند المكلّف حتى يتمكن من جعله داعياً، و حضوره المطابق للواقع لا يتوقف على الواقع، كما عرفت من ان المعلوم بالذات لا توقّف له على المعلوم بالعرض، و لا تقدم للمعلوم بالعرض على المعلوم بالذات لا طبعاً و لا زماناً. هذا حال الدور في مرحلة فعلية الحكم.

و اما في مرحلة الامتثال فتقريب ورود الدور بوجهين:

(أحدهما)- ما عن شيخنا الأستاذ (قده) في تعليقته على الرسائل (1)و هو ان الصلاة- مثلًا- إذا أخذ فيها قصد امتثال امرها، فلا تكون موصوفة بكونها واجبة مثلًا إلا إذا أتي بجميع اجزائها و قيودها، بداهة توقف الوصف على الموصوف. و المفروض توقف قصد امتثال امرها على تعلّق الأمر بها و كونها موصوفة بأنها واجبة، مع انه لا امر بخصوص ما عدا قصد الامتثال، فيتوقف الاتصاف بكونها واجبة على ما يتوقف على الاتصاف بكونها واجبة.

و يندفع بان الخارج ليس مرحلة الاتصاف، بل اتصاف الصلاة بالوجوب


1) حاشية فرائد الأصول: ص 21.

في مرحلة تعلّق الوجوب بها، و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى استحالة اتصاف الصلاة المأتي بها خارجاً بكونها واجبة، فلا بدَّ حينئذ من تقرير الدور في مرحلة التعلّق أو الفعليّة. و قد عرفت عدمه، بل مقتضى كون الداعي سابقاً على العمل اتصاف العمل بالوجوب قبل إتيانه لا بعده.

(ثانيهما)- ما حكي عن بعض أعلام العصر(1)من ان قصد الامتثال متأخّر عن إتيان تمام اجزائه و قيوده طبعاً، فان قصد الامتثال انما يكون بها.

و حيث انا فرضنا ان قصد الامتثال من جملة الاجزاء و القيود و هو عبارة عن داعي شخص الأمر، فلا بدَّ من ان يكون المكلّف في مقام امتثاله قاصداً للامتثال قبل قصد امتثاله، فيلزم تقدم الشي‌ء على نفسه.

و يندفع بأنه يرد على من يدعي لزوم قصد الامتثال بقصد الامتثال على حد غيره مما أخذ في الصلاة. و لا يدعيه أحد، انما المدعى أخذ قصد امتثال الأمر بذات الصلاة في متعلّق الأمر، و الأخذ في المتعلّق امر و كونه كغيره لا بدَّ من إتيانه بداعي الأمر امر آخر. نعم عدم الأمر بالخصوص بما عداه امر سنتكلم فيه إن شاء اللّه تعالى.

و من جميع ما ذكرنا تبيّن عدم ورود الدور بنفسه و بملاكه في شي‌ء من المراحل الثلاث.

و عن شيخنا الأستاذ (قده)(2)العدول عن إشكال الدور إلى محذور آخر على تقديري الشرطيّة و الشطرية، اما على تقدير الشرطية فمحذوره التكليف بغير المقدور، فان ذات المقيد بقصد الامتثال لا امر بها و لو ضمناً، فلا يعقل التكليف بإتيانها بداعي امرها مع انه لا امر بها أصلًا حتى في ظرف الامتثال، فلا قدرة على إتيانها بداعي الأمر.


1) و هو الميرزا النائيني في فوائد الأصول: ج 1 و 2 و ص 149.

2) حاشية فوائد الأصول: ص 21.

و الجواب عنه ما مرَّ منّا سابقاً من ان كلّ خصوصيّة ليست شرطاً، فالمقيد تارة بما هو خاص مأمور به فلا شرط و لا مشروط، و أخرى ذات المقيد مأمور بها و الخصوصيّة دخيلة في فعليّة الغرض و الأثر المترقب من ذات المقيد و المشروط، و في مثله يستحيل ان يكون المقيد بما هو مقيد مأموراً به، لأن المفروض قيام الأثر بذات المقيد قيام المقتضى بمقتضيه، فلا محالة ينبعث الشوق منه إليه لقيام الغرض الملائم به. و حيث ان فعليّة الغرض المحبوب متوقفة على المسمى بالشرط، فلا محالة ينبعث الشوق التبعي إليه، و كما ان هناك شوقين كذلك هناك بعثان: أحدهما بذات المشروط و الآخر بشرطه، فالتقييد وارد على الواجب النفسيّ لا ان المقيد واجب نفسي. و منه تعرف ان ذات الصلاة مأمور بها و القدرة في ظرف العمل محفوظة.

و اما على تقدير الشطرية و الجزئيّة فهو أيضاً تكليف بغير المقدور بالواسطة، و ذلك لأن الأمر بالأجزاء بالأسر واحد، و له دعوة واحدة، و دعوته إلى كلّ جزء بعين دعوته إلى الكل، مع انه من الكل إتيان المأمور به بداعي امره، و إتيان ذات الصلاة بالدعوة الضمنية بعين الدعوة إليها و إلى جعله داعياً. و جعل الأمر داعياً إلى دعوة نفسه و محركاً لمحركيّة نفسه- فيكون علّة لعلية نفسه- محال. و عليه فالدعوة الضمنية إلى ذات الصلاة غير مقدورة لاستلزام المحال.

و يمكن ان يقال: ان للأمر المنبسط على الاجزاء بالأسر اقتضاءات متعددة، و لا مانع من إتيان ذات كلّ جزء بداعي اقتضاء الأمر، و إنّما يرد المحذور لو كان نفس الإتيان بداعي اقتضاء الأمر أيضا مما لا بدَّ من ان يقع بداعي الأمر، فانه الموجب لمحذور دعوة الأمر إلى دعوة نفسه. نعم هذا الجواب يفيد في دفع محذور عدم القدرة، و انه لا يؤول الأمر إلى الدعوة الفعلية إلى الدعوة الفعليّة في مقام الامتثال. و اما في الدعوة الاقتضائيّة التشريعيّة المقومة لحقيقة البعث و جعل الداعي فلا يجدي، لأن الأمر المتعلّق بالاجزاء بالأسر لجعل الداعي و ان

لم يجب انبعاث أحد اجزائه عن هذا البعث، مع ان نفس جعل الداعي إلى جعل نفسه داعياً مرجعه إلى كون الشي‌ء علّة لعليّة نفسه، و هو ككون الشي‌ء علّة لنفسه. و يندفع هذا المحذور بان المحال اقتضاء الشي‌ء لاقتضائه أو عليته الفعلية لعليته الفعلية. و اما اقتضاؤه لعليته الفعليّة فلا يؤول امره إلى عليّة الشي‌ء لعليّة نفسه، فالبعث بالإضافة إلى الإتيان بداعي الأمر مقتض لإخراج اقتضائه بالإضافة إلى ما عداه من حدّ الاقتضاء إلى حد الفعليّة، لا انه مقتض لجعله مقتضياً تشريعاً.

و مما ذكرنا يتضح حال لزوم الخلف بوجه آخر، و هو ان مقتضى أخذ قصد امتثال الأمر في المتعلّق كون المجموع مأموراً به، و مقتضى نفس المأخوذ اختصاص الأمر بما عداه، و إليه يرجع ما عن شيخنا الأستاذ (قده) من «ان أخذ قصد الامتثال في الأمر يلزم من وجوده عدمه»(1). و يندفع- على الشرطيّة- بما مرَّ من ان الأمر بقصد الامتثال امر تبعي لا امر نفسي، فلا ينافي تقييد الواجب النفسيّ اختصاص الأمر بذات الصلاة، و لا موجب لجعل الأمر بالصلاة بقصد الامتثال من باب إيجاب المقيد بما هو مقيد حتى يلزم منه محذور الخلف. كما انه يندفع- على الجزئيّة- بما عرفت من ان الأمر و ان تعلّق بمجموع الاجزاء بالأسر إلا ان المأخوذ فيه مقتضاه إتيان سائر الاجزاء باقتضاءات ذلك الأمر الواحد، فلم يلزم من وجوده عدمه. و لا ملزم بإتيان ما عدا القصد بأمر مستقل بل حال الصلاة حينئذ حال اجزائها.

ثم اعلم انا ذكرنا- في الجزء الثاني من النهاية(2)في دفع إشكال الدور المتوهم في الاخبار بالواسطة- ان هناك بعدد الاخبار إيجابات للتصديق واقعاً، و هي إيجابات طولية يحقق كلّ سابق أثراً مصححاً لإيجاب التصديق في


1) حاشية فرائد الأصول: ص 21.

2) نهاية الدراية: ج 2، ص 81.

لا حقه، و المجعول بدليل إيجاب التصديق إيجاب جامع لإيجابات عرضيّة و إيجابات طولية، و دفعنا كلّ ما يتوهم وروده على هذا التقريب. إلا انه لا يجدي هنا بناءً على الامتناع، لأنه بناءً على تعلّق الأمر بالمقيد بما هو مقيد ليس في مقام الثبوت إلا امر واحد، فلا معنى لإنشاء الجامع و لا لشموله لافراده الطولية. و بناء على تعلّق الأمر بذات المقيد و تعلق امر مقدمي بقيده، فلا محذور حتى يحتاج إلى إعمال الجواب المذكور هناك، بل حاله حال سائر الواجبات و مقدماتها. و اما بناءً على الجزئيّة، فان اكتفينا بدعوة اقتضاءات الأمر فلا محذور حتى يحتاج إلى الدفع، و امّا ان قلنا بلزوم دعوة الأمر المستقل فلا امر واقعاً إلا ذلك الواحد الشخصي المتعلّق بالمجموع، فلا معنى لإنشاء الجامع للافراد الطولية. مضافاً إلى وفاء مقام الإثبات هناك و قصوره هنا، إذ الافراد الطوليّة هناك كلّها وجوب تصديق الخبر فيجمعها طبيعي وجوب التصديق، بخلاف ما نحن فيه، إذ أحد الفردين وجوب ذات الصلاة و الفرد الآخر وجوب جعل الوجوب المتعلّق بالصلاة داعياً إليها، و لا جامع بينهما. فتدبّر في أطراف كلّ ما ذكرناه في المقام فانه من مزالّ اقدام الاعلام.

و أمّا سائر الدواعي كالإتيان بداعي حسنه و بداعي التخضع و بداعي كونه تعالى شأنه أهلًا له و بداعي المصلحة، فمورد ما عدا الأخير مفروض فيه القربية و العبادية لا انّها من ناحية هذا الداعي كما مرّ.

نعم ربما يقال بان الإتيان بداعي المصلحة أيضا يوجب محذور الدور، لأن كون العمل ذا مصلحة إذا توقف على قصدها مع ان قصدها يتوقف على ثبوتها حتى يقصد للزم الدور. و يندفع بان قصد المصلحة إذا كان جزء يقوم به و بما عداه المصلحة لزم المحذور المزبور. و اما إذا كان شرطاً فلا، لأن ذات المشروط هو الّذي يقوم به الأثر، و قصده موجب لفعلية الأثر عن مؤثره، فلا دور.

نعم في هذا الداعي ما قدمناه من المحذور، حيث ان الإتيان بداعي

المصلحة و الفائدة بما هي لا يوجب قرباً، و بما هي داعية للمولى إلى إرادة ما فيه و البعث نحوه يستلزم محذور الدور.

تفريع

بناء على إمكان أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر يمكن التمسك بإطلاق المتعلّق و تجرده عن قيد القصد المزبور، بعد عدم إمكان اتّكال المولى على حكم العقل، إذ لا يحكم العقل بدخله بعنوانه في الغرض. و اما بناء على الامتناع فلا يجدي الإطلاق لا انه يمتنع الإطلاق.

بيانه: ان التقييد إذا كان ممكناً فعدمه عدم ملكة، و إذا لم يكن ممكناً فعدمه سلب في قبال الإيجاب، لعدم ارتفاع النقيضين. فما يقال- من انه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق- ليس على إطلاقه، فانه يستحيل الإطلاق بمعنى عدم التقييد فيما يقبل التقييد، أي يستحيل ان يكون عدمه عدم ملكة.

و اما السلب المقابل للإيجاب فضروري، فإذا امتنع وجود شي‌ء وجب عدمه لا انه امتنع عدمه، فالإطلاق فيما نحن فيه واجب ضروري إلا انّه لا يكشف عن عدم دخله في الغرض، لفرض استحالة التقييد به.

و امّا ما عن بعض أعلام العصر(1)من «ان الصلاة إذا لم تكن قابلة للتقييد بقصد الامتثال وجوداً و عدماً فلا تكون مقسماً لهما، فلا يعقل الإطلاق بالنسبة إليهما»، فمندفع بان اعتبار اللابشرط القسمي المساوق للإطلاق في قبال اعتبار بشرط شي‌ء و اعتبار بشرط لا، لا انه مقسم لهما حتى إذا لم يعقل الأقسام لم يعقل المقسم. نعم الإطلاق إذا كان مقتضاه الجمع بين القيود صح ما ذكر، إلا انّه بمعنى رفض القيود، فتدبره فانه حقيق به.


1) راجع فوائد الأصول: ج( 1 و 2) ص 146.

و اما دعوى كفاية نفس كون الإنشاء بداعي جعل الداعي- في لزوم الجري على وفقه و لزوم تحصيل الغرض من دون حاجة إلى إطلاق المتعلّق- فمندفعة بان الغرض من الأمر غير لازم التحصيل شرعاً و لا عقلًا، بل اللازم تحصيله هو الغرض من المأمور به المترتب عليه. و كون الغرض من الأمر جعل الداعي غير كونه مما لا بدّ منه في المأمور به و في الغرض منه، بل هو غرض باعث للمولى إلى تحصيل ما يشتاقه من عبده بالتسبيب إلى إيجاده منه، فهو بمنزلة الآلة لإيجاد المولى من دون ارتباط بإيجاد العبد.

و في قبال هذا الوجه دعوى ظهور الأمر في التوصلية، بتقريب ان المتعلّق ان كان توصلياً فهو متعلّق الغرض بنفسه، و الغرض مساو للمأمور به، و الإنشاء بداعي جعل الداعي، و ان كان تعبدياً فلا يترتب على متعلقه الغرض، فانه أخص من المأمور به، فلا محالة يكون الأمر بداعي التمهيد و التوطئة لتحقيق موضوع الغرض المساوي ليؤمر بتحصيله بداعي الأمر المحقق، و ظهور الإنشاء بداعي جعل الداعي لا بسائر الدواعي يعين الشق الأوّل.

و يندفع (أوّلًا)- بان الغرض على أي تقدير غرض مساو لذات المأمور به، لأن قصد القربة- على فرض اعتباره- من الشرائط الدخيلة في فعلية التأثير.

(و ثانياً)- بأنه يستحيل وصول المولى إلى غرضه بالإنشاء بداعي التمهيد، فان قصد القربة لا يكون إلا بالانبعاث من الإنشاء بداعي البعث و جعل الداعي لا من الإنشاء بسائر الدواعي فتدبره جيّداً.

تتميم

إذا لم يمكن أو لم يكن إطلاق كلامي أو مقامي فمرجع الأمر إلى الأصول العقلية أو النقليّة.

فربما يقال: ان العقل يحكم- بعد قيام الحجة على أصل الغرض و هو الأمر-

بلزوم تحصيله، و لا يقين بحصوله إلا بإتيان كلّ ما يحتمل دخله فيه، و منه قصد الامتثال. أو انه و ان لم يجب تحصيل الغرض عقلًا إلا ان إسقاط الأمر المعلوم لازم، و لا يسقط إلا بسقوط الغرض، فان المعلول يدور مدار علته ثبوتاً و سقوطاً.

و يندفع كلا التقريبين بان انبعاث الأمر عن غرض أخص من متعلّقه غير معقول كما هو مقتضى العلية، فليس هناك إلا احتمال غرض أخص لا احتمال انبعاث الأمر عن غرض خاص، فلا حجة على الغرض الأخص، و لا الأمر المعلوم منبعث عنه حتى تقتضي العلّية دوران المعلول مدار علّته ثبوتاً و سقوطاً.

(لا يقال): الغرض القائم بذات المأمور به و ان كان غرضاً مساوياً و كان قصد الامتثال دخيلًا في فعليته، إلا انّه مع احتمال دخل القربة في فعليته يشك في حصول الغرض المساوي المعلوم، و يشكّ في سقوط الأمر المعلوم للشكّ في سقوط علّته مع تماميّة الحجة على هذا الغرض المساوي و تماميّة الحجة على الأمر المنبعث عنه.

(لأنا نقول): حيث انه بناءً على هذا المبنى يكون قصد الامتثال واجباً بوجوب تبعي مقدمي، فمع إمكان إيجابه مقدمياً إذا لم يكن دليل عليه، كان العقاب عليه بلا بيان، فيكون مؤمنا من ناحية احتمال عدم فعلية الغرض بعدم قصد الامتثال.

و اما بحسب الأصل النقلي فعلى مسلك شيخنا من عدم الأمر بقصد الامتثال لا في ضمن الأمر الأوّل و لا بأمر آخر، فلا مجعول شرعي لا أصالة و لا تبعاً، فلا وضع فلا رفع، و شرطية قصد الامتثال لفعليّة الغرض واقعيّة لا جعليّة. و اما بناءً على إمكان تعلّق الأمر به أو كونه واجباً بوجوب تبعي مقدمي أو بإيجاب مستقل بعنوان تتميم الأمر الأوّل، فهناك مجعول مجهول، فيرفع بحديث الرفع.

الفصل الثاني
اشارة

في مقدّميّة ترك الضد لفعل الضد و بالعكس و عدمها، و حيث ان المبنى الصحيح لمسألة اقتضاء الأمر بالشي‌ء للنهي عن ضده و عدمه هي المقدميّة و عدمها كانت المقدمية مبدأ تصديقيّاً للحكم بالاقتضاء، و حيث كان المهم هي المقدميّة رأينا ان إدراجها في المبادئ التصديقيّة الأحكاميّة أولى من تحرير النزاع في الاقتضاء الّذي لا كلام فيه إلا من حيث المقدميّة. و المقدميّة لمّا كانت من حيث كون التمانع بين الضدين وجدانياً و عدم المانع من المقدّمات من المسلمات، فلذا كثر فيها القيل و القال و تشتت فيها الأقوال.

و عن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) برهان خاص ينبغي بيانه بألفاظه، قال (قده): «لأن المعاندة و المنافرة بين الشيئين لا تقتضي إلا عدم اجتماعهما في التحقق. و حيث لا منافاة أصلًا بين أحد العينين و ما هو نقيض الآخر و بديله بل بينهما كمال الملاءمة، كان أحد العينين مع نقيض الآخر و ما هو بديله في مرتبة واحدة من دون ان يكون في البين ما يقتضي تقدم أحدهما على الآخر ... إلخ»(1).

و هذه العبارة متضمنة لأمور ثلاثة: (أحدها)- كمال الملاءمة بين وجود ضد و عدم ضده (ثانيها)- كون وجود أحدهما مع عدم الآخر في مرتبة واحدة.

(ثالثها)- انه لا تقدّم لوجود أحدهما على عدم الآخر و لا العكس.

امّا الملاءمة فهي مستدركة، لأن كلّ معلول ملائم مع علته، فالملاءمة غير منافية للعليّة و المقدميّة. و اما كونهما في مرتبة واحدة بمعنى المعية في المرتبة فغير محتاج إليها، بل تمام المقصود نفي التقدّم لا إثبات الاتحاد في المرتبة. و مع ذلك فظاهر العبارة لا يخلو من المصادرة، إذ ما جعله مقدماً- بقوله (ره): حيث


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 206.

لا منافاة إلى الآخر- متساوي النسبة مع ما جعله تالياً بقوله (ره): كان أحد العينين ... إلخ، فلا يكون الأول برهاناً على الاتحاد في المرتبة للثاني.

و الصحيح في تقريب ما رامه (قده) ان يقال: لا شبهة في عدم تقدم أحد الضدين على الآخر، و عدم كلّ منهما بديل وجوده، و بديل ما لا تقدم له على الآخر لا تقدّم له على الآخر، لفرض كونه بديلًا.

و الجواب عنه ما فصلناه في النهاية(1)من ان التقدم و التأخّر لا يكون إلّا بملاك، فإذا كان وجود الشي‌ء شرطاً ففيه ملاك التقدم، و عدمه مع كونه بديلًا له لا تقدم له على وجود المشروط حيث لا شرطيّة له، و ليس الاتحاد في المرتبة من الوحدات الثمانية المعتبرة في باب التناقض، و منه تعرف ما في دعوى ان النقيضين في مرتبة واحدة فكذا الضدّان. مع ان المعيّة أيضا لا بدَّ من ان تكون بملاك يقتضيها، و ليس كلّ ما لا تقدم له على شي‌ء له المعيّة معه في المرتبة، فان المعلولين الصادرين عن علّة واحدة لوجود كلّ منهما المعيّة في المرتبة، و ليس لوجود كلّ منهما مع عدم الآخر تلك المعيّة، لعدم المعلولية إلا للوجودين، فتدبره فانه حقيق به.

و يمكن ان يقال بعدم مقدمية فعل الضد لترك ضده، لأن المقدمة امّا سبب أو شرط، و لا يعقل سببيّة الوجود للعدم، و العدم لا شي‌ء فلا يحتاج إلى فاعل و قابل حتى يتوقّف على الشرط الّذي هو اما مصحح فاعليّة الفاعل أو متمم قابليّة القابل، بخلاف مقدميّة الترك لفعل ضده، فان السببيّة و ان لم تكن معقولة، إذ لا يترشح الوجود من العدم، إلا انّه يمكن شرطيته، فيكون خلو المحل من الضد متمماً لقابليّة المحل لورود الضد. و منه تعرف اندفاع الدور، كما تعرف عدم توقف المقدميّة على كون عدم المانع من المقدّمات ليورد عليه بان


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 219- 220.

مورده سبب الضد لا نفسه كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى، و توهم- ان الشرطيّة وصف ثبوتي و ثبوت شي‌ء لشي‌ء فرع ثبوت المثبت له، فلا يعقل ان يكون عدم الضد موصوفاً بالشرطيّة- مدفوع بما ذكرنا في النهاية(1)من ان متمم القابليّة كنفس القابليّة لا مطابق لهما في الخارج، و مع ذلك لعدم الملكة كنفس الملكة نحو من الثبوت على نحو القوّة، كالأمر الانتزاعي الموجود بوجود منشأ انتزاعه.

التحقيق ان تمانع الضدين مقتضاه استحالة وجود كلّ منهما مع الآخر لا وجود كلّ منهما في نفسه و بدلًا عن الآخر، فالمحل قابل لكل منهما بدلًا عن الآخر من دون حاجة إلى متمم قابليته، و غير قابل لوجود كلّ منهما مع الآخر بالذات و لا تتم قابليته بشي‌ء، و مع تحقق أحد الضدين يمتنع تحقق الآخر معه و بدلًا عنه، اما وجوده معه فلاستحالة اجتماع الضدين، و امّا بدلًا عنه فلان فرض العدم البديل للضد المحقق محال، فهو مع استحالته في نفسه كيف تعقل شرطيته لوجود الضد الآخر؟ لابتناء شرطيته على امر محال، و هو تحقق النقيض في فرض تحقق النقيض، فمانعية الضد المحقق عن وجود الضد معه مسلمة إلا انه خارج عن محل البحث، و مانعيته عن وجود الضد بدلًا عنه حتى يكون عدمه شرطاً مستحيلة، إذ يستحيل وجود الضد بدلًا عنه لتحقق الضد و يستحيل عدمه المقارن، فلا تعقل المانعيّة و لا الشرطيّة. و منه يعلم ان التفصيل بين الرفع و الدفع غير وجيه، لأن نتيجة الرفع ليس وجود الضد بدلًا عنه، و العدم اللاحق لا يكون شرطاً إلا إذا كان وجوده البديل مانعاً، فان كان وجوده المفروض مانعاً كان دفعاً لا رفعاً، و إلا فلا دفع و لا رفع. و بالجملة فمورد البحث هو مانعيّة الوجود المفروض لا مانعيّة الوجود المحقق، و إذا لم تكن مانعيّة للوجود المفروض عن وجود ضده بدلًا عنه، فلا موجب لشرطية عدمه البديل المقارن


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 219، 220.

للضد الآخر.

و أمّا ما اشتهر من ان عدم المانع من المقدّمات فمورده سبب الضد، فانه إذا كان لكل من الضدين مقتض فمع تساوي المقتضيين يمتنع تأثيرهما، لأن عدم المزاحم في التأثير شرط، و كلّ منهما قابل للمزاحمة، و ان كان أحدهما أقوى كان التأثير لا قوى المقتضيين لاستحالة مزاحمة الضعيف للقوي دون العكس، فالقوي واجد لشرطه و هو عدم المزاحم دون الضعيف. فانه فاقد للشرط، لا ان عدم تأثيره مستند إلى ضعفه، لأنه لو كان وحده لكان تام الاقتضاء. و بقية الكلام في النهاية(1).

و امّا توهّم ان استناد عدم التأثير إلى وجود المانع المزاحم فرع وجود المقتضي بشرائطه- و هذا الفرض محال، لأن فرض وجود المقتضي للضدّين مرجعه إلى اقتضاء المحال و هو محال- فمدفوع بان التضادّ انّما هو بين الشيئين بوجودهما الخاصّ بهما في نظام الوجود، لا بين ثبوتهما العرضي بثبوت المقتضي، و مورد استحالة اقتضاء المحال هو ان يكون شي‌ء واحد مقتضياً لأمرين متنافيين، لا شيئان كلّ منهما يقتضي ما ينافي ما يقتضيه الآخر، فان سبب البياض- مثلًا- لا يقتضي إلا البياض، و سبب السواد لا يقتضي إلا السواد، و لا سبب يقتضي البياض و السواد حتى يكون من اقتضاء المحال. و اما عدم اجتماع الإرادتين لضدين فليس من باب اقتضاء المحال، لأن الإرادة هي الجزء الأخير من العلّة التامة، ففرض الإرادتين فرض المرادين بحسب وجودهما المختص بهما في نظام الوجود. و امّا تحقق إحدى الإرادتين دون الأخرى فلا محالة لأقوائيّة الغرض الباعث في إحداهما من الغرض في الأخرى، فقد انتهى الأمر إلى مانعيّة القوي عن تأثير الضعيف. فتدبّر جيّداً.


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 221.

تتميم

ثمرة البحث- على ما أفيد- فساد العبادة التي تركها مقدمة لضدها لفرض حرمتها و مطلوبيّة تركها، و النهي الغيري و ان لم يوجب بعداً كما ان الأمر الغيري لا يوجب قرباً، إلا انه يمكن ان يقال: ان المنهي عنه غيرياً مقدمة للمبعد و هو المنهي عنه نفساً، و كما لا يمكن التقرب بالمبعد كذلك بما هو مقدمة للمبعد.

و يندفع بعدم إمكان انطباق هذه الكليّة على هذا المورد، لأن المنهي عنه نفساً الموصوف بالمبعدية حقيقة ترك الإزالة، و لا يمكن ان يكون فعل الصلاة المنهي عنه غيرياً مقدمة له حتى يكون مقدمة للمبعد، للزوم الدور المعروف في باب الضد، لفرض مقدميّة ترك الضد لفعل الضد، و مقدميّة فعل الضد لترك الضد، لا ان الفرض توقف حرمة فعل الصلاة على حرمة ترك الإزالة و توقف حرمة ترك الإزالة على حرمة فعل الصلاة، ليقال بأنه لا توقف في الشق الثاني. و عليه نقول بان فعل الإزالة واجب و ترك الصلاة مقدمة فيجب، و فعلها لكونه نقيضاً للواجب حرام بالعرض، إلا ان هذا الحرام بالعرض ليس مقدمة للمبعد و لا هو بنفسه مبعد، فان الأوّل مستلزم للدور و الثاني للخلف، و حينئذ فان اقتصرنا في العبادية على امتثال الأمر فلا يعقل وقوع الضد عبادة، لعدم الأمر، لاستحالة الأمر بالضدين، و لاستحالة اجتماع الأمر مع النهي و ان كان غيريّاً، و ان قلنا بإمكان التقرب بملاكه فهو لا يزول بعدم الأمر، لاستناد عدمه إلى استحالة الأمر بالضدين، و لا بالنهي الغيري، لعدم انكشاف عدمه إلا بالكشف عن مفسدة مضادة للمصلحة وجوداً، و ليس هذا شأن النهي النفسيّ فضلًا عن النهي الغيري، إذ غاية ما يقتضيه النهي النفسيّ انبعاثه عن مفسدة غالبة، و الغلبة لا تقتضي إلا تأثيرها و عدم تأثير المصلحة لا عدمها رأساً، فتدبّر.

تذييل و تكميل

بناء على الحاجة إلى الأمر في وقوع الفعل عبادة هل يعقل توجه الأمر بالمهم في ظرف عصيان الأمر بالأهم، بحيث يجتمع الأمران في آن العصيان أم لا؟

و هي المسألة المعروفة بالترتب. و قد اختلفت فيها آراء الاعلام إمكاناً و امتناعا، و المعروف بين المحققين من المتأخرين إمكانه.

و مختصر القول في ذلك ان محذور الأمر بالضدين امران: (أحدهما)- طلب المحال، لعدم القدرة على فعل الضدين (ثانيهما)- الطلب المحال، لأن الأمرين متضادان بالعرض، لانتهائهما بلحاظ فعلية تأثيرهما إلى المتضادين بالذات.

و كلاهما مندفع بسبب ترتب أحدهما على عصيان الآخر، للبرهان على ان كلّ مقتضيين كان اقتضاء أحدهما منوطاً بعدم فعليّة مقتضي الآخر و عدم تأثيره، فلا محالة يستحيل مزاحمة المترتب للمرتب عليه و بالعكس.

توضيحه ان الأمر- كما ذكرنا سابقاً(1)- هو الإنشاء بداعي جعل الداعي بحيث لو انقاد المأمور لدعوته أثر في فعليّة مقتضاه، و هو انقداح الداعي و حصول الإرادة و ترتب المراد عليها خارجاً، و إذا فرض عدم فعلية مقتضى الأمر بالأهم بعدم إعمال قدرته فيه فلا مانع من إعمال قدرته في امتثال الأمر بالمهم، فلا ينتهي الأمر إلى طلب غير المقدور، و لا إلى اجتماع المتضادين بالذات، حتى يلزم اجتماع المتضادين بالعرض، مع انحفاظ الأمر بالأهم في ظرف عدم إعمال القدرة في امتثاله المنوط به أصل اقتضاء الأمر بالمهم، و السر فيه ان جعل الداعي ليس إلا جعل ما يمكن ان يكون داعياً ذاتاً و وقوعياً، و الإمكان الذاتي و الوقوعي محفوظ مع الامتناع بالغير. كما هو محفوظ مع الإيجاب بالغير،


1) في ص 44 و 55.

و إلا لم يكن ممكن أبداً فانه مع وجود العلّة واجب و مع عدمها ممتنع، فمتى يكون ممكناً؟ و ليس الأمر بالأهم في ظرف عدم امتثاله امراً بقلب العدم المحقق حتى يكون محالًا ذاتاً أو وقوعياً، بل الأمر بالإيجاد امر بطرد العدم البديل لا قلب العدم البديل، و العدم البديل الّذي هو مأمور بطرده هو عين امتناعه بالغير الّذي يجامع إمكانه ذاتاً و وقوعياً و استعدادياً، لوجود القدرة على طرد العدم البديل الّذي قد اختار نفس العدم البديل له و هو الامتناع بالغير.

و بالجملة فمبنى هذا البرهان على عدم المنافاة بالذات بين المقتضيات، بل بين فعليّة مقتضاها من حيث الانتهاء إلى اجتماع الضدين أو إعمال القدرة في الإتيان بالمتضادين، و مع الترتب يستحيل انتهاء الأمرين الفعليين إلى اجتماع الضدين أو إعمال القدرة فيهما لتضاد الامتثالين، فتدبّر جيّداً.

و في المسألة برهان آخر أسس بنيانه السيد العلامة الشيرازي (1)(قدّس سرّه) و شيّد أركانه بعض أعلام العصر(2)(طاب ثراه) و هو ان الأمر بالضدين إنّما يستحيل إذا آل إلى طلب الجمع بينهما، و هو لازم إطلاقهما لا لازم فعليتهما و لو بنحو ترتب الأمر بالمهم على عصيان الأمر بالأهم، لاستحالة أوله إلى طلب الجمع، و هذه النتيجة متوقفة عندهم على مقدّمات:

(منها)- ان الواجب المشروط لا يخرج بحصول شرطه عن الاشتراط إلى الإطلاق، لرجوع الشرط إلى الموضوع، و الموضوع لا يخرج عن الموضوعيّة بفعليته المستتبعة لفعلية حكمه، و إلا لزم الخلف من كونه حكماً لذلك الموضوع. و فائدة هذه المقدمة انه مع الخروج عن الاشتراط إلى الإطلاق يكون الأمران مطلقين، فيكون حاله كما إذا لم يكن بينهما ترتب.

(و منها)- ان عصيان الأمر بالأهم شرط مقارن للأمر بالمهم، و لا موجب


1) راجع تقريرات درسه المخطوطة.

2) فوائد الأصول: ج 1 و 2، ص 336.

لكونه شرطاً متقدّماً عليه بالزمان لئلا يجتمع الأمران في زمان واحد، و لا شرطاً متأخّراً ليلزم المحال من شرطيته.

(و منها)- ان الأمر بالأهم ليس له إطلاق يعمّ حال عصيانه حتى يرد الأمران على تقدير واحد و لو بالإطلاق، فيكون الأمران كالمطلقين اللازم منهما طلب الجمع. و إنّما لا يعقل إطلاقه لحال عصيانه لعدم تعقل تقييده، و ما يستحيل التقييد به يستحيل الإطلاق من جهته، و التقييد بالعصيان لازمه طلب الجمع بين النقيضين، كما ان لازم التقييد بالإطاعة طلب الحاصل، و لازم إطلاقه للحالتين هو الجمع بين المحذورين.

(و منها)- انه مع ترتب الأمر بالمهم على ترك الأهم يكون فعل الأهم رافعاً لموضوع الأمر بالمهم، و مطلوبيّة المهم مع فعل الأهم- ليكون لازمه طلب الجمع- في قوّة اجتماع الشي‌ء مع ما هو كالعلة لعدمه، و لذا لو كان المهم و الأهم ممكني الاجتماع لم يقعا على صفة المطلوبيّة، فيكشف عن عدم مطلوبيّة الجمع.

هذا ملخص ما أفيد في وجه عدم استلزام اجتماع الطلبين في زمان واحد لطلب الجمع بين الضدين.

(امّا المقدّمة الأولى) و هي عدم خروج الواجب المشروط عن كونه مشروطاً بحصول شرطه، فهي و ان كانت كذلك إلّا انّها لا تتوقف على إرجاع الشرط إلى الموضوع، لما مرَّ في البحث عن المطلق و المشروط من معقوليّة إناطة الوجوب بشي‌ء حقيقة ثبوتاً و إثباتاً، مع ان النتيجة المترقبة من هذه المقدّمة تترتب على الشرط بحقيقة الشرطيّة، فان الإنشاء ما لم يلاحظ مقترناً بشرطه لا يكون مصداقاً لجعل الداعي، كما ان الصلاة ما لم تلاحظ مقترنة بالطهارة لا توصف بالمطلوبيّة، بل الأمر في التكوينيات أيضا كذلك، فان النار ما لم تكن مقترنة بالوضع و المحاذاة لا تؤثر في الإحراق، فما دام يترقب منها الأثر لا بدَّ من اقترانها بهما، فحقيقة الشرطيّة محفوظة عند التأثير المتحد مع الأثر ذاتاً تكويناً و تشريعاً.

(و أمّا المقدّمة الثانية) فتوضيح الحال فيها ان مقارنة الشرط لمشروطه لا نزاع فيها، و لم ينسب إلى أحد من أهل العلم لزوم تقدم العلة على معلولها بالزمان.

و إنّما الإشكال في أصل معقولية نفس مقارنة العصيان للأمر و ان كان العصيان المتأخّر عن امره شرطاً مقارناً لأمر آخر، لكنّه لا يجدي. و وجه الإشكال في تعقل مقارنة العصيان لأمره امران: (أحدهما)- ان العصيان بديل الإطاعة، و لا بدَّ من تأخّر الانبعاث عن البعث زماناً فكذلك بديله، فان بديل المتأخّر بالرتبة و ان لم يجب تأخّره بالرتبة، إلا ان بديل المتأخّر بالزمان متأخّر بالزمان، لوحدة الملاك فيه دون الأوّل. إلا انّا بيّنا في الواجب المعلّق انه لا برهان على لزوم التأخّر، بل البرهان على ان زمان إمكان الباعثيّة لا ينفك عن زمان إمكان الانبعاث، فراجع (1)(ثانيهما)- ان العصيان علّة لسقوط الأمر فلا يعقل ثبوته مقارناً له. و لا يندفع بمجرد ان إطاعة الأمر و عصيانه امر تعلقي، و لا معنى لا طاعة المعدوم و لا لعصيانه، و إلّا لسقط الأمر بغير إطاعته و عصيانه، و ذلك لإمكان كفاية اتصال وجود الأمر زماناً بإطاعته و عصيانه المسقطين له، نظير فكّ الملك بالوقف و العتق، و نظير نقل الملك بالبيع و نحوه، لاستحالة اجتماع الملك و عدمه في زمان واحد، و اجتماع الملكيّتين لشخصين في زمان واحد، فلا بدَّ من شرطيّة الملكيّة المتصلة بالفكّ و النقل، فلا مانع من شرطيّة وجود الأمر في زمان متصل بزمان الإطاعة و المعصية في تحققهما بعنوانهما، و هما مسقطان للأمر المحقق كالفك و النقل، فلا يلزم سقوط الأمر بغير الإطاعة و العصيان، بل لا بدَّ من إقامة البرهان على استحالة كون العصيان مسقطاً لأمره حتى تجب مقارنته له.

و التحقيق ان عليّة الإطاعة و العصيان لسقوط الأمر اما بنحو السببيّة


1) في ص 46.

و الاقتضاء و اما بنحو الشرطيّة. و كلاهما غير معقول، لأن سقوط الأمر ليس إلا انعدامه بعد ثبوته، و العدم لا يترشح من مقام ذات امر ثبوتي، فلا يعقل السببيّة و الاقتضاء، و العدم لا يحتاج إلى فاعل و قابل فلا معنى للشرطيّة، فان الشرط إمّا مصحح فاعليّة الفاعل و اما متمم قابليّة القابل. و لا يتوهّم إمكان استناد العدم إلى العدم في عدم المسبب بعدم سببه و عدم المشروط بعدم شرطه، و العصيان ليس إلا ترك الفعل المأمور به، و ذلك لأن الفعل ليس سبباً و لا شرطاً للأمر حتى يكون عدمه من باب عدم السبب أو عدم الشرط فتدبّر جيّداً، بل سقوط الأمر اما بانتهاء اقتضائه أو بعدم إمكان حصول مقتضاه، و بقاء المعلول ببقاء علته، لأن الملاك الممكن تحصيله هو المقتضي للأمر، فمع حصوله بالإطاعة لا ملاك للأمر فلا أمر، و مع امتناع حصوله بمضي زمان يمكن فيه تحصيله أيضا لا ملاك ممكن حتى يبقى الأمر.

(لا يقال): غاية ما ذكر ان الإطاعة و العصيان غير مسقطين للأمر، و ان السقوط مستند إلى شي‌ء آخر، و اما انهما مقارنان له حتى تكون شرطيّة العصيان بنحو الشرط المقارن، فيجتمع في زمان واحد كلا الأمرين من الأمر بالأهم و الأمر بالمهم فلا دليل عليه.

(لأنّا نقول): اما مقارنة العصيان فقد ثبت بما مرّ من ان السقوط مستند إلى امتناع حصول الملاك بمضي الزمان الممكن فيه تحصيله، فالأمر في زمان إمكان تحصيله باق و ان امتنع بمضيه. و اما بقاء الأمر حال الإطاعة و العصيان كليّة فقد مرّ ان الإمكان الذاتي و الوقوعي محفوظ مع الوجوب بالغير و مع الامتناع بالغير فراجع.

(و أمّا المقدّمة الثالثة) فمختصر الكلام فيها ان فرض الإطاعة أو العصيان شرطاً للطلب لا للمطلوب فرض خلو متعلّق الطلب من قيد الوجود و العدم، فلا يلزم طلب الحاصل و لا طلب الجمع بين النقيضين، بل المحال اللازم هنا كون

المعلول بلا علّة، لأن فرض الإطاعة فرض تحقق ملاك الأمر، فالأمر حينئذ بلا ملاك، و هو معلول بلا علّة، و فرض العصيان فرض امتناع تحصيل الملاك، و مع امتناعه لا يعقل الأمر، ففرض الأمر حينئذ فرض المعلول بلا علّة. هذا حال تقييد الطلب بالإطاعة و العصيان. و امّا إطلاقه فانّهما يؤول إلى طلب الجمع بين المحالين إذا كان مرجع الإطلاق- الّذي لا معنى له إلا اللابشرط القسمي- إلى الجمع بين القيود، مع انه لا ينبغي الشكّ في ان مرجعه إلى رفض القيود و عدم دخل الإطاعة و المعصية في المطلوبيّة. و امّا استحالة الإطلاق من ناحية استحالة التقييد، نظراً إلى انّه عدم التقييد فيما من شأنه التقييد، فقد أجبنا عنها في البحث عن التعبّدي و التوصلي، من ان الإطلاق تارة محال و أخرى واجب، و لا منافاة بين ان يكون عدم التقييد من باب العدم المقابل للملكة محالًا، و من باب السلب المقابل للإيجاب واجباً، و حينئذ فما امتنع وجوده يجب عدمه لا انه يستحيل عدمه.

و امّا ما يقال من ان موضوع الحكم بالوجود و العدم هي الماهيّة المعراة عن الوجود و العدم، فتحقيق دفعه ان الماهيّة تارة تلاحظ بما هي أي بحيث يكون النّظر مقصوراً على ذاتها و ذاتياتها، ففي هذه النظرة ليست الماهيّة إلا هي، و هي الماهية المهملة، و لا تستحق إلا حمل ذاتها و ذاتياتها عليها بنوع من المغايرة الاعتبارية، كاعتبار الإجمال و التفصيل أي الجمع و الفرق، و لا موقع لها إلا في باب الحدود. و أخرى تلاحظ بالقياس إلى الخارج عن مقام ذاتها و لو كان من لوازم ذاتها كإمكانها و امتناعها، و حيث لا تعين لهذه الماهيّة بالقياس إلى ذلك الخارج إلا أحد التعينات الثلاثة من البشرطشيئيّة و البشرطلائيّة و اللابشرطيّة، فلا محالة تكون الماهيّة اللامتعيّنة في ذاتها مقسماً لتلك التعيّنات، و هذه الماهية اللامتعيّنة هي اللابشرط المقسمي، و لا موقع لها في مرحلة الحمل إلا حمل الاعتبارات الثلاثة عليها، لأنها لا بشرط بالإضافة إلى

هذه الاعتبارات الثلاثة فقط، و اما بالإضافة إلى ذات المعتبر كالإمكان و الامتناع و الوجود و العدم و الكتابة و عدمها و هكذا، فهي اللابشرط القسمي.

إذا عرفت ذلك تعرف ان الموضوع لمحمول الوجود و العدم ليست الماهية المهملة و لا اللابشرط المقسمي، بل اللابشرط القسمي، فالمراد من الماهية المعراة، ان كان المعنى الملحوظ بشرط لا فيستحيل ان يكون معروضاً للوجود و العدم، و ان كان المعنى الملحوظ لا مقترناً بالوجود و لا مقترناً بالعدم فهو اللابشرط القسمي، غاية الأمر ان لحاظ اللابشرطية في مثله ضروري. و منه تعرف ان إطلاق طلب الإيجاد ضروري، فالإطلاق اللحاظي فضلًا عن الذاتي لازم لا انه مستحيل، و ما يضر بالترتب ورود الأمرين على تقدير واحد بنحو التقييد، فتدبّر فيما أسمعناك فانه من مزالّ الإقدام. كما انه تبيّن مما ذكرنا بالتأمّل ان مجرد كون الخطاب بالأهم وضعاً لتقدير الفعل و رفعاً لتقدير الترك- فيكون الخطاب محفوظاً على أي تقدير- لا يجدي في المقام بعد ما عرفت من عدم معنى للإهمال هنا، و عدم ارتباط اللابشرط المقسمي بما نحن فيه، و عدم خروج الموضوع عن أحد الاعتبارات و التعيّنات الثلاثة، فلا محيص من اللابشرط القسمي، و هو عين الإطلاق اللحاظي. و اللازم في باب الترتب ملاحظة الأمر بالأهم لا على تقدير و ملاحظة الأمر بالمهم على تقدير، فتدبّر جيّداً.

(و أمّا المقدّمة الرابعة) المبنية على ان مقتضى الأمرين المطلقين طلب الجمع بين الضدين دون ما إذا كان أحدهما على تقدير ترك الآخر بل مقتضاه ضد الجمع، فهي أيضا موقوفة على ان مرجع الإطلاق إلى الجمع بين القيود لا إلى رفض القيود و عدم دخل فعل كلّ منهما و تركه في مطلوبيّة الآخر، و مقتضى كون الأمرين لا على تقدير معيّة الطلبين لا طلب معيّة الفعلين، و من البيّن ان معيّة الطلبين في زمان واحد مفروض في الترتّب، و طلب المعيّة غير لازم في امرين لا

على تقدير، بل المحذور ما مرّ مراراً من ان القدرة الواحدة لا تفي بامتثال امرين لا على تقدير و تفي بامتثال امرين مترتبين، إذ مع ترك الأهم لا مانع من إعمال القدرة في فعل المهم، و مع إعمال القدرة في فعل الأهم لا امر أصلًا بالمهم، و حيث لا يزول الأمر بالأهم مع عدم إعمال القدرة في امتثاله بل بمضي زمانه، فقد اجتمع الأمران في زمان واحد من دون لزوم محذور من ناحية عدم القدرة على امتثال الأمرين.

و اما حديث المطاردة بين الأمرين في مرتبة الأمر بالمهم لاجتماعهما في هذه المرتبة، أو كفاية طرد الأمر بالأهم للأمر بالمهم، لإطلاق الأمر بالأهم دون الأمر بالمهم، كما عن شيخنا الأستاذ، فلا يضرّ بالترتب، إذ قد عرفت سابقا انه لا تنافي بين الأمرين بما هما مقتضيان ليكون بينهما تطارد، نظير اجتماع الحكمين المتضادين في موضوع واحد، بل المفروض في المقام حكمان و موضوعان، فلا محذور من ناحية اجتماع الحكمين إلا بلحاظ انتهائهما إلى اجتماع الضدين، أو لزوم إعمال القدرة في امتثال كلّ منهما، و هذان المحذوران مترتبان على تحقق امرين لا على تقدير، لا ما إذا كان أحدهما لا على تقدير و الآخر على تقدير ترك امتثال الآخر. هذا مضافاً إلى استحالة معيّة الأمر بالأهم للأمر بالمهم في المرتبة بل لهما المعيّة في الزمان فقط، كما فصّلنا القول فيه في النهاية فراجع.

و ينبغي التنبيه على أمور: (أحدها)- حكي عن بعض أعاظم العصر(1)(قده) برهان خاص على بطلان الترتب، و محصله ان الترك المحرم من المهم اما تركه المطلق و لو إلى فعل الأهم، أو هو الترك المقارن لترك الأهم و هو الترك الغير الموصل. لا سبيل إلى الأوّل، لمنافاته لفرض الأهميّة و لفرض طلب المهم على تقدير ترك الأهم، فكيف يعقل حرمة تركه الموصل؟ و لا سبيل إلى الثاني


1) هو المحقق الشيرازي.

لأن نقيض الترك الغير الموصل ترك الترك الغير الموصل، و له لا زمان أو مصداقان، و هما الترك الموصل و فعل المهم، فيكون فعل المهم واجباً تخييرياً، لأنه له عدل و بدل و هو الترك الموصل، مع ان وجوب فعل المهم على الترتب تعييني لا تخييري.

و يندفع باختيار الشق الأوّل، فان ترك المهم إلى فعل الأهم ليس من جملة تروك المهم الواجب على تقدير ترك الأهم، بل المهم على تقدير ترك الأهم واجب بقول مطلق، و حرمة تركه عرضا تقتضي حرمة كلّ ترك له على هذا التقدير، و لا ينافي فرض الأهمية، لأن مقتضى الأهميّة هدم هذا التقدير لا حرمة تركه إلى فعل الأهم. و لنا اختيار الشق الثاني بتقريب ان وجوب فعل المهم على تقدير ترك الأهم بدليله، لا من ناحية حرمة تركه كي يستند وجوب فعله إلى وجوب نقيض الترك المحرم ليقال بأنه له لا زمان أو مصداقان. مضافا إلى ان حرمة تركه على تقدير ترك الأهم و ان كان نقيضه ترك الترك، إلا ان ترك الترك على تقدير ترك الأهم ليس له لازم واحد و هو الفعل، فلا عدل له إلا بالخلف، فلا يلزم خروج المهم عن كونه واجبا تعيينيا.

(ثانيها)- لا يخفى عليك ان الترتب على الوجه المزبور يجدي في دفع محذور التكليف بغير المقدور. و امّا محذور اجتماع الحكمين المتضادين بناء على مقدميّة ترك الضد لفعل الآخر فلا، توضيحه ان ترك الصلاة على الفرض مقدمة لفعل الإزالة فيجب، و نقيضه و هو فعل الصلاة يحرم عرضا، مع ان فعل الصلاة على تقدير ترك الإزالة واجب فتجتمع الحرمة و الوجوب في موضوع واحد و هو فعل الصلاة، و لا يجدي في دفع محذور اجتماع الحكمين كون الحرمة مطلقة، لكون الوجوب المقدمي تابعا لوجوب ذيها، و المفروض ان وجوب ذيها لا على تقدير، فتكون الحرمة العرضية لا على تقدير، و وجوب الصلاة على تقدير، لأن اختلاف الحكمين بالإطلاق و الاشتراط و النفسيّة و الغيريّة و أشباه ذلك لا

يخرجهما عن التضاد، فلا يجدي في دفع محذور التضاد إلا تعدد الموضوع، و المفروض وحدته. كما لا يجدي في دفع هذا المحذور التقدم و التأخّر الطبعي بين الحكمين مع المعيّة الوجودية الزمانية، فتأخّر وجوب فعل الصلاة عن وجوب الإزالة بالطبع- فيتأخّر عن الحرمة العرضية الناشئة عن وجوب الترك التابع لوجوب الإزالة أيضا- غير نافع في دفع محذور تضاد الحكمين. بل التحقيق لزوم محذور التكليف بما لا يطاق بالنظر الدّقيق، بيانه ان المحذور المزبور قد يلاحظ بالإضافة إلى امتثال الأمر بالأهم و الأمر بالمهم، و ترتب الأمر بالمهم على عصيان الأمر بالأهم يرفع هذا المحذور، و قد يلاحظ بالإضافة إلى امتثال طلب فعل المهم و طلب ترك المهم، فلو أمكن ترتب طلب فعل المهم على عصيان طلب تركه لاندفع محذور التكليف بما لا يطاق، إلّا ان هذا الترتب محال، لأن عصيان طلب ترك المهم بترك تركه، و هو مساوق لفعل المهم، و يستحيل ترتب طلب فعل المهمّ على فعله أو ما يساوق فعله. و توهم- انه لا يؤول امر الطلبين فعلًا و تركاً إلى الجمع- مدفوع بأنه في فرض ترك الأهم إذا فرض وقوع المهم فعلًا و تركاً اتصفا بالمطلوبيّة، اما فعل المهم لحصول شرط طلبه، و اما تركه لكون مطلوبيّته غير منوطة بشي‌ء، فلما ذا لا يقع على صفة المطلوبية؟ فلا يقاس طلب فعل المهم و تركه بطلب فعل الأهم و فعل المهم، فتدبره فانه حقيق به.

(ثالثها)- قد عرفت في الأمرين المضيّقين بالأهم و المهم انه لا يعقل اجتماعهما إلا على الترتب، كما انه لا إشكال في الأمرين الموسّعين، حيث لا تزاحم بينهما حتى يحتاج إلى الترتب. و اما إذا كان المهم موسّعا و الأهم مضيّقا، فهل امتثال الأمر بالمهم في الفرد المزاحم للأهم يتوقف على الترتب أيضا، أو لا يتوقف الامتثال بمعنى إتيان الفرد المزاحم بداعي الأمر على الترتب؟.

و مختصر القول ان الأمر بالموسّع ان كان امرا بالافراد بنحو التخيير الشرعي

أو امرا بالطبيعة الملحوظة فانية في افرادها أو امرا بالطبيعة بحيث تسع هذا الفرد المزاحم، فحيث ان الافراد ملحوظة في مقام الأمر اما بالأصالة أو بالتبع، فلا محالة لا يمكن تعلّق الأمر بالفرد المزاحم إلا على نحو الترتب. و اما ان كان الأمر بالموسع امرا بصرف وجود الطبيعة من دون نظر إلى الافراد أصلا لا بلا واسطة و لا معها، فلا حاجة إلى الترتب، لأن صرف وجود الطبيعة مقدور، للقدرة على بعض افرادها، فتطبيقه في الخارج مقدور، فلا مانع من الأمر به، و تطبيقه- على فردها المزاحم بسوء اختياره- أجنبيّ عن مرحلة تعلّق التكليف بالمقدور. و قد مرَّ في الواجب الموسّع ان الواجب فيه ملحوظ بنحو الحركة التوسطية لا بنحو الحركة القطعية، فالكون المتوسط بين المبدأ و المنتهى هو المأمور به، لا الأكوان الموافية لحدود الأوقات التي هي بين المبدأ و المنتهى. و المراد بصرف الوجود- كما مرَّ(1)- وجود الطبيعة لا بشرط من حيث خصوصيات الزمان المتوسط. كما مرَّ ان اللابشرطيّة مرجعها إلى رفض القيود لا إلى الجمع بين القيود ليعود المحذور.

و ممّا ذكرنا تبين انه لا فرق بين ان يكون وجه اعتبار القدرة قبح تكليف العاجز أو اقتضاء التكليف الّذي هو جعل الداعي الموجب لانقداح الإرادة المحركة للعضلات، مع ما حقق في محلّه من ان نسبة الإرادة إلى القدرة نسبة الوجوب إلى الإمكان و نسبة الفعليّة إلى القوّة، فما لم يكن ما بالقوة لا يعقل ان تتعلق الإرادة بفعليّة ما بالقوة. و وجه عدم الفرق ان التكليف ان كان بأحد الوجوه الثلاثة المتقدّمة كان متعلّقا بغير المقدور، فيكون على خلاف حكم العقل العملي و حكم العقل النظريّ معا، و ان كان بالوجه الأخير، فالتكليف متعلّق بالمقدور و التطبيق على غيره، و إذا كان الأمر لجعل الداعي نحو صرف الوجود و هو مقدور، فالتكليف لم يتخلّف مقتضاه و لا يوجب عدم فردية الفرد


1) في صفحة 65.

المزاحم لما تعلّق به التكليف، بتخيل ان متعلّقه الطبيعة المقدورة، و الفرد المزاحم فرد الطبيعة لا فرد الطبيعة المقدورة، فان مقدوريّة صرف الوجود حيثيّة تعليلية لتعلق التكليف به، لا حيثية تقييدية مأخوذة في المتعلّق، لعدم دخله في الملاك على الفرض. نعم ما تصورناه في الواجب الموسّع يجدي في مثل مسألة اجتماع الأمر و النهي، نظراً إلى ان الأمر بالصلاة متعلّق بصرف وجودها بلا نظر إلى الافراد حتى يلزم منه تعلّق الأمر بما يتحد مع الغصب، و هو تكليف بالمحال. و امّا فيما نحن فيه فلا يجدي، إذ في زمان الابتلاء بالأهم لا تكليف بصرف وجود الطبيعة، لانحصار فردها في المزاحم، فلا يمكن تصحيح الأمر إلا بالترتب فتدبّر جيّدا.

الفصل الثالث

في انه يمكن تعلق الأمر بالطبيعة أو لا يمكن إلا بالفرد. و هو من المبادئ التصديقية لجواز اجتماع الأمر و النهي و عدمه، و لكفاية القدرة على صرف وجود الطبيعة إذا أمكن مثل هذا الوجود.

و حيث ان مبنى هذا النزاع على إمكان وجود الطبيعة و عدمه كما هو الظاهر بل نصّ به شيخنا البهائي (ره) في الزبدة(1)، فلا بدَّ من رسم أمور يتضح به الحال.

(منها)- ان الماهية غير الملحوظ معها غير ذاتها و ذاتياتها هي الموصوفة بالكليّة، فلا تأبى عن الصدق على الكثير. و إذا لوحظت مقترنة بخصوصيّة زائدة على ذاتها و ذاتياتها، فان كانت تلك الخصوصيّة كليّة في نفسها كانت حصة، و إذا لوحظت مقترنة بالوجود الخارجي الّذي تتشخص به الماهيّة و لو بنحو


1) زبدة الأصول تحت عنوان« فصل: قيل المطلوب بالأمر ...» و صفحات الكتاب غير مرقمة.

الإشارة إلى المتحد مع الوجود من باب اتحاد اللامتحصل مع المتحصل كانت ماهيّة جزئيّة غير قابلة للصدق على الكثير، و لو لم يلحظ مضافا إلى الوجود الخارجي و لو فرضا لم يكن الملحوظ إلا نفس الماهيّة الكليّة، فمناط الجزئيّة ما ذكرنا لا احتفافها بأمور خارجة عن مقام ذاتها المعبّر عنها بالمشخصات عند الجمهور، و هي لوازم التشخيص عند التحقيق، فان كل واحد من تلك اللوازم فرد لطبيعة، و ليس فرد طبيعة مفردا لطبيعة أخرى، فزيد مثلا فرد للإنسان بنفسه و بدنه لا بكمّه و كيفه و متاه و أينه.

(و منها)- ان الماهية الشخصية المتحدة مع الوجود موجودة بنفس ذلك الوجود، و حيث انّها فرد للطبيعة الكلية و كلّ طبيعة صادقة على فردها و ليس الصدق إلا بلحاظ الوجود لسلب الكلي عن الجزئيّ بالسلب الذاتي، فمناط الصدق اتحادهما في الوجود، و ليس الاتحاد في الوجود إلا ان الوجود المنسوب إلى أحدهما منسوب إلى الآخر. و حيث ان الماهية الجزئيّة متحدة مع الوجود بالذات فطبيعيّها متحد مع الوجود بالعرض. فالحق في المبنى ان الطبيعي موجود في الخارج بالعرض و فرده واسطة في العروض، فلعل المنكر ينكر وجوده بالذات لابتناء وجوده بالذات على أصالة الماهية، فالنزاع لفظي. و لا معنى لإرجاع النزاع في وجود الطبيعي إلى ان التشخصات هل هي في عرض الوجود واردة على الطبيعة، أو انها في مرتبة سابقة على وجود الطبيعة؟ و هو- مع بعده عن كلمات الباحثين عن تلك المسألة- غير صحيح، لأن تلك الأمور المعبر عنها بالتشخصات- كما عرفت- افراد لطبائعها لا مناط فردية فرد للطبيعي، فلا يكون هذا قولا بوجود الفرد فقط دون الكلي، و تلك اللوازم لوازم الوجود فلا يعقل ان تكون واردة على نفس الطبيعي، فلا يكون هذا قولا بوجود الطبيعي في الخارج فالصحيح ما مرَّ.

(و منها)- انه بعد إمكان وجود الطبيعي لا بدَّ من ان يتعلّق الأمر بنفس

وجود الطبيعي لا بنفس الطبيعي، لا لما أفاد شيخنا الأستاذ (قده) «من ان الماهيّة من حيث هي ليست إلا هي لا هي مطلوبة و لا غير مطلوبة»(1)، لأن هذه العبارة تقال في مقام ان الماهية بحسب وجدانها الماهوي غير واجدة إلا لذاتها و ذاتياتها، فما عداها ليس عين الماهية و لا جزءها حتى لوازم الماهية، فالماهية بحسب ذاتها لا كليّة و لا جزئيّة، مع انها بالحمل الشائع اما كليّة أو جزئيّة، فالصلاة- مثلًا- و ان لم يكن الطلب عينها و لا جزءها لا وجوداً و لا عدماً لكنها بسبب تعلق الطلب بها مطلوبة و مع عدمه غير مطلوبة. و إنّما لا يتعلّق الطلب بالماهية لأن الجعل التشريعي لا يتعلق إلا بما هو قابل للجعل التكويني. و قد حقق في محله ان الجعل البسيط متعلّق بالوجود لا الماهية للبراهين المذكورة في محلّه، و يكفيك برهاناً عليه ان الماهية غير واجدة بوجدان ماهوي إلا لذاتها و ذاتياتها، و ليست جزئيّة الماهية إلا بلحاظ فيضانها من جاعلها، و ليس بين الجاعل و ذات المجعول امر آخر يكون مصداقا للفيض إلا الوجود، فانه بلحاظ قيامه بجاعله إفاضة و بلحاظ قيامه بالماهية مجعول مفاض، و لا يعقل جعل الماهية المتحصّلة، و إلا لكان التحصّل في مرتبة ذاتها، و كلّ شي‌ء كان التحصّل في مرتبة ذاته كان واجب الوجود.

(و منها)- ان الوجود المضاف إلى الطبيعي أو إلى الفرد ليس نفس الوجود الخارجي التحقيقي، فانّه يستحيل ان يكون مثله متعلّقاً للشوق النفسانيّ و لا متعلّقاً للبعث الاعتباري، و إلا لزم تقوّم الصفة النفسانيّة بالخارج عن أفق النّفس و تقوّم البعث الاعتباري، بالأمر المتأصّل، فيلزم خارجية النفسانيّ و تأصّل الاعتباري و بالعكس، و كما لا يعقل تعلّقهما بالموجود المحقق كذلك لا يعقل تعلقهما بالوجود العنواني الفاني في الموجود المحقق، فان محذورهما طلب


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 223.

الحاصل، بل المراد بالوجود المضاف إلى الطبيعي أو الفرد هو الوجود الخارجي الفرضي التقديري في قبال الوجود الخارجي التحقيقي، و الشوق و البعث يتعلقان به لإخراجه من حد الفرض و التقدير إلى حد الفعليّة و التحقيق. و مما ذكرنا تبين ان المحذور و دفعه غير مختصين بوجود الفرد بل جار في وجود الطبيعي أيضا.

إذا عرفت ما رسمناه تعرف ان تعلّق الأمر بوجود الطبيعي على حدّ تعلّقه بوجود الفرد امر معقول، و حيث ان لوازم وجود الفرد أجنبيّة عن الفرد بما هو فرد فلا يراد من تعلّق الأمر به إلا تعلقه به بما هو فرد لا بلوازمه، غاية الأمر ان تعلّق الأمر بوجود الطبيعي كان إيجاده بإيجاد فرد من افراده بنحو التخيير العقلي، و ان تعلّق الأمر بوجود الفرد لا خصوص فرد كان لا محالة بنحو التخيير الشرعي.

(لا يقال): كما ان الافراد موجودة بوجودات متعددة كذلك الطبيعي موجود بوجودات متعددة، لأنه على الفرض موجود بالعرض، و إذا تعدد ما بالذات تعدد ما بالعرض أيضا، و لا يعقل وجود الواحد النوعيّ بوجود واحد عددي، كما حكاه الشيخ الرئيس عن الرّجل الهمداني، فلا بدَّ من ان يراد وجودات الطبيعي معيناً أو مخيراً، فحال تعلّق الأمر بوجود الطبيعي حال تعلقه بوجود الفرد من كون التخيير فيهما شرعياً.

(لأنا نقول): هذا المحذور لازم تعلّق الأمر بالوجود التحقيقي أو تعلّقه بالفاني فيه، و امّا إذا تعلّق بالوجود الفرضي فلا يرد محذور، فانه للمولى فرض الوجود المضاف إلى الطبيعي لا بشرط من حيث مطابقاته التي تخرج من حد الفرض و التقدير إلى حدّ الفعلية و التحقيق، و هو المراد بصرف الوجود كلّما أطلق في فن الأصول، و إلا فصرف الوجود الّذي لا يشذ عنه وجود، و هو المراد في فن الحكمة، فلا يعقل في الماهيات المحدودة، و فرضه فرض امر محال، و ليست

نتيجته الامتثال بكل فرد منه في الخارج، بل هي نتيجة تعلّق الأمر بالوجود اللابشرط.

و مما ذكرنا تعرف انه مع عدم تقييد الوجود المضاف إلى الطبيعي لا بدَّ من حمله على اللابشرط، لاستحالة تعلّق الأمر بالمهمل، و عدم خروج التعينات عن اللابشرطيّة و البشرطشيئيّة و البشرطلائيّة. فتدبّر جيّداً فانه حقيق به.

الفصل الرابع

في ان حقيقة الإيجاب مركبة أو بسيطة، حتى إذا نسخ الوجوب يمكن ان يبقى منه شي‌ء ليمكن تصديق دلالة الناسخ على بقائه أو يمكن التعبّد ببقائه بالاستصحاب، أو لا.

و مجمل القول فيه ان التركيب تارة حقيقي و أخرى اعتباري، كما ان البسيط حقيقي تارة و اعتباري أخرى. و المركب الحقيقي كالأنواع الجوهرية الجسمانية المركبة من مبدأ الجنس الطبيعي و مبدأ الفصل الطبيعي، و البسيط الحقيقي كالأعراض المقولية التي لا تركب لها في الخارج بحيث تقبل موادها توارد الصور عليها و ان كان لها باعتبار العقل جنس و فصل عقلي، و في الأنواع الجوهرية يتعقل زوال الفصل و بقاء ذات الجنس لا بما هو جنس، لتفصله بعدم الفصل لنوع جوهري آخر، كالشجر، فانه بقطعه يزول فصله و هي قوّة النموّ و يبقى بذاته بما هو جسم فيندرج تحت نوع الجماد، فلذا ربما أمكن توهم بقاء الاذن في الفعل بعد زوال المنع من الترك، لتفصل الإباحة الخاصة بعدم المنع من الترك، فبقاء ذات الجنس و هو الاذن معقول لاندراجه تحت نوع آخر و هي الإباحة الخاصة. إلا ان ذلك مخصوص ببعض الأنواع الجوهرية دون كلّها و دون المقولات العرضية. و من الواضح ان حقيقة الإيجاب المجعول تشريعاً ليست من المقولات بل من الاعتبارات، و مصحح اعتبارها الإنشاءات الخاصة

المنبعثة عن دواع مخصوصة، فحديث بقاء الجنس بعد زوال فصله أجنبيّ عما نحن فيه، و ينحصر الأمر في كون حقيقة الإيجاب مركبة من أمرين اعتباريين أو اعتباري وحداني بسيط، فعلى الأوّل يمكن زوال أحد جزئيه و بقاء الآخر، و على الثاني لا جزء له حتى يتصور زوال جزء و بقاء جزء، فانه خلف.

و عليه نقول: دعوى التركيب في حقيقة الإيجاب المجعول غير صحيحة إثباتا و ثبوتا، و ذلك لأنّها اما مركبة من البعث نحو الفعل و الزجر عن الترك و اما مركبة من الاذن في الفعل و المنع من الترك. و عدم مساعدة مقام الإثبات واضح، لأن قوله: «صل» اما إنشاء البعث نحو الصلاة أو الاذن فيه، و لا تكفل لهذه الهيئة بوجه للمنع من الترك، فانه ينشأ بقوله: «لا تترك».

و اما عدم صحته ثبوتا فلان إنشاء البعث الّذي هو جزء هذا المركب لا يعقل ان يكون بغير داع أو بداع آخر غير جعل الداعي، فانه أجنبيّ عن الحكم الحقيقي، و الإنشاء بداعي البعث المطلق غير معقول، بل لا بدّ اما من انبعاثه عن إرادة شديدة أو ضعيفة و اما من انبعاثه عن مصلحة لزومية أو غير لزوميّة، فان كان منبعثا عن إرادة شديدة أو مصلحة لزوميّة كان هو حقيقة الإيجاب الاعتباري، و هو مستغن عن اعتبار المنع من الترك حتّى تتركب منهما حقيقة الإيجاب الاعتباري، و ان كان منبعثا عن إرادة غير شديدة و عن مصلحة غير لزوميّة فهو عين جعل الاستحباب الاعتباري و يستحيل اعتبار المنع من الترك معه. و منه تعرف ما في الاذن في الفعل و المنع من الترك، فان إنشاء الترخيص بداعي الترخيص غير المتعين بأحد التعينات غير معقول، و إنشاؤه بداعي الترخيص فعلا و تركا هي الإباحة الخاصة فلا يجامع المنع من الترك، و الاذن الاعتباري المحض ليس إلا الإباحة الخاصة، و الاقتضاء الطلبي ليس فيه إنشاء الترخيص بل ابتداءً إنشاء بعث مصحح لاعتبار أحد الوجهين من البعث الحقيقي الحتمي أو الندبي. و اما تسليم بساطة حقيقة الوجوب و جعل الاذن في الفعل لازماً له

• فزوال المدلول المطابقي لا يستلزم زوال مدلوله الالتزامي، أو مع احتمال بقائه يتعبّد ببقائه استصحاباً- فمندفع بان الاذن إنشائي لا قهري، و لا إنشاء للإذن، و الاذن المطلق لا يعقل، و الاذن المتعين بتعين الإباحة الخاصة يوجب اتصاف الفعل بحكمين متضادين من الوجوب و الإباحة، مع ان الوجوب منبعث عن مصلحة لزومية مقتضية للإيجاب و متعلّق الإباحة الخاصة لا اقتضاء. نعم الوجوب يلازم عدم الأحكام الأخر من باب ملازمة أحد الضدين لعدم الآخر، و هو غير مبني على تركب حقيقة الوجوب و بساطتها، و إنّما البحث في استحباب الفعل أو إباحته مع ارتفاع الوجوب.

ثم إنّه على تقدير البساطة و عدم ملازمة ذلك المعنى البسيط للإذن في الفعل، فهل مبدأ هذا المعنى البسيط بسيط أو مركب؟ ربما يتخيّل ان الوجوب منبعث عن إرادة الفعل و كراهة الترك، فزوال كراهة الترك التي يتقوم بها مبدأ الإيجاب لا يستلزم زوال إرادة الفعل، فيحكم برجحان الفعل اما للدلالة الالتزامية أو للتعبّد الاستصحابي. و يندفع بان الإرادة المطلقة غير المتعيّنة بالشدة و الضعف أو غير المتعيّنة بالانبعاث عن مصلحة لزوميّة أو غير لزوميّة غير معقول، و المنبعثة عن أحد الأمرين تتعين للمبدئيّة امّا للإيجاب أو للاستحباب، فعلى الأوّل تكفي الإرادة المتعيّنة للمبدئيّة للإيجاب، و بقاؤها بعد ارتفاع الإيجاب غير معقول، و على الثاني لا تكفي للمبدئيّة للإيجاب سواء كان هناك كراهة الترك أم لا، بل مع حفظ مرتبة الإرادة يستحيل ان يكون لازمها كراهة الترك المختصة بالإيجاب. مضافاً إلى ان ملازمة كراهة الترك لإرادة الفعل ممنوعة كلية و ان كانت الملازمة على فرضها قهرية لا جعلية، لأن الإرادة التي هي حقيقة الشوق تنبعث عن المصلحة، و الكراهة تنبعث عن المفسدة، و ليس ترك الواجب أو المستحب إلا ترك ما فيه المصلحة لا انه مشتمل على المفسدة. نعم بناء على تفاوت مرتبتي الإيجاب و الاستحباب

بالشدة و الضعف في الإرادة المنبعث عنها الإيجاب و الاستحباب، ربما يتخيّل ان نسخ الوجوب لا يستدعي إلا خروج الإرادة عن حد الشدة فيمكن بقاؤها ببقاء حد الضعف فيستصحب شخص تلك الإرادة. و لا يخفى ان التفاوت بين الحكمين بالشدة و الضعف في الإرادة و ان كان محل الكلام كما ذكرنا الإشكال و دفعه في النهاية(1)فراجع، إلا انه لا يجدي في الحكم بالاستحباب، لأن نفس الإرادة التي هي كيفية نفسانية ليست من الأحكام المجعولة، و لم يترتب عليها حكم مجعول ليكون التعبّد بها بلحاظ حكمها، و ترتب الحكم على الإرادة من باب ترتب المعلول على العلة لا من باب ترتب الحكم على موضوعه، فالمترتب على الإرادة و ان كان شرعياً إلا ان الترتب غير شرعي.

و بقيّة الكلام في النهاية(2).

و حيث فرغنا عن المهم من المبادئ بأقسامها الأربعة فلنشرع في المسائل، و فيها أبواب:


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 228.

2) نهاية الدراية: ج 1، ص 228.

الباب الأوّل في المسائل الأصولية العقلية

اشارة

و إنّما قدّمناها على الأصولية اللفظية لشرافتها و أهميتها و قلّة مواردها، و فيها فصول:

الفصل الأوّل في الاجزاء

اشارة

و عقليّة هذه المسألة في اجزاء المأتي به عن أمره للبرهان الآتي، و بالإضافة إلى أمر آخر لكون المصلحة القائمة بالمأتي به على نحو يستلزم عقلًا سقوط الأمر بالإعادة و القضاء أو على نحو لا يستلزمه.

و يقع البحث هنا في موارد:

(الأوّل)- في اجزاء كلّ مأتي به عن أمره سواء كان أمراً واقعياً أو ظاهرياً أو اضطرارياً، و الكلام فيه أيضاً في مقامين: (أحدهما)- في الاجزاء بمعنى عدم الملزم بإتيانه ثانيا. و (ثانيهما)- في إمكان تبديل الامتثال بالامتثال.

(امّا الأوّل) فالاجزاء فيه يكاد يلحق بالبديهيات، لأن عدم سقوط الأمر

امّا لخلل في المأتي به، و المفروض إتيانه بحدوده و قيوده، و إلا لزم الخلف، و امّا لأن مقتضاه تعدد المطلوب، و هو أيضاً خلف، لأن المفروض وحدة المطلوب، و امّا لا لشي‌ء من ذلك و مع ذلك بقي الأمر فلأنه بقاء المعلول بلا علّة، لأن فرض الإتيان من دون خلل فرض وفائه بالمصلحة الداعية إلى الأمر، و الأمر معلول للغرض الباعث حدوثا و بقاءً. و يستحيل بقاء المعلول بلا علّة. و امّا شبهة لزوم طلب الحاصل من بقاء الأمر فمندفعة بان الطلب ان تعلّق بإيجاد الموجود أوّلًا كان بابه باب طلب إيجاد الموجود، و ان تعلّق بإيجاد الفعل كما كان كذلك حدوثاً فليس بابه باب طلب الحاصل بل محذوره ما ذكر. و لا فرق في عدم ورود الشبهة بين لحاظ الفعل و لحاظ المصلحة بتوهم ورودها على الثاني، فان طبيعي المصلحة ان كان قابلًا للتعدد كان حال المصلحة حال الفعل، و ان لم يكن قابلًا للتعدد كان طلبه طلب الممتنع لا طلب الواجب، أي طلب ضروري العدم لا طلب ضروري الوجود. فتدبّر.

و (امّا الثاني) فمرجع تبديل الامتثال بالامتثال امّا إلى سقوط ما أتى به أوّلًا عن كونه امتثالا لعود الأمر، و امّا إلى كون سقوط الأمر مراعى بعدم تعقيب الفرد الأوّل بفرد أكمل، فمعنى تبديل الامتثال حينئذ تبديل ما يمكن ان يستقر عليه الامتثال بما استقرّ عليه فعلًا بحيث لو لم يأت بالأكمل استقر الامتثال على الأوّل.

فنقول: اما سقوط المأتي به أوّلًا فتارة حقيقي و أخرى بنائي. فالأوّل كإراقة الماء المأتي به للشرب، فيتوهّم انه بإعدام الموضوع يعود الأمر لعود الغرض. و هو باطل، لأن المأمور به هو إحضار الماء و قد حصل، و لا ينقلب عما هو عليه، و إعدام الموضوع غير قلب المأمور به. نعم فقد التمكن من شربه يوجب أمراً آخر بإحضاره ثانياً، و لكل أمر امتثال لا انه من باب التبديل. و على أي حال فمثل الإتيان بالصلاة ثانياً- بعد إتيانها أوّلًا و سقوط أمرها- ليس إعداماً للموضوع،

حيث لا موضوع، و لا إعداماً للمأتي به، إذ هو غير قابل للأعدام لعدم البقاء له، و لا للقلب لاستحالة الانقلاب. و الثاني و هو السقوط البنائي كما عبّر عنه في كلام غير واحد برفع اليد عمّا أتى به، فمرجعه إلى الانقلاب المحال أو إلى الخلف بكون عدم البناء على عدمه شرطاً للمأمور به، فعدم البناء متمّم الامتثال لا ان وجوده يسقط الامتثال، و لا مجال لقياس المورد بموارد العدول، و ذلك لأن العدول من العصرية إلى الظهرية مرجعه امّا إلى كفاية قصد عنوان الظهرية في جزء من الصلاة في حالة مخصوصة، لا انقلاب عنوان إلى عنوان، فانه محال كانقلاب حقيقة إلى حقيقة، و امّا إلى شرطية البناء على الظهرية و هو يتعلّق بالمحال، فان مقوّم البناء بوجوده في أفقه مقوّم له لا في الخارج. و كلاهما خلف في مورد البحث، لأن الصلاة ليست عنوانية و لا بنائية و لا هي مشروطة بالبناء و عدمه. و امّا العدول من الفريضة إلى النافلة فمرجعه إلى الرخصة في عدم امتثال الأمر الوجوبيّ و تتميم العمل ندباً و كلاهما معقول، و أين هو من تبديل الامتثال بالامتثال؟.

و امّا كون الأمر مراعى فتوضيح الكلام فيه ان كون الأمر مراعى مبني على كون الغرض استيفائيّاً للمولى، فلا محالة يكون استيفاؤه مراعى بعدم تعقبه بما هو أوفى به، فإذا عقّبه بفرد أكمل استوفى غرضه منه فيسقط الأمر بسقوط علّته، و ان لم يعقبه بالأكمل استوفى المولى غرضه من الأوّل لكونه لزومياً و إلا لكان ناقضاً لغرضه.

و يندفع (أوّلًا)- بان الأغراض الشرعيّة هي المصالح القائمة بالواجبات العائدة إلى فاعليها لا إلى الآمر بها، فهي استيفائيّة للمكلفين لا للشارع، فلا معنى لدوران سقوطها مدار استيفاء الشارع.

(و ثانياً)- بان الغرض الباعث على الأمر بشي‌ء لا بدّ من قيامه به حتى ينبعث منه الأمر، فليس الغرض من الأمر بإحضار الماء إلا تمكن المولى من

شربه و رفع عطشه به، و اما نفس شربه فهو فعل المولى و لا قيام له بإحضار الماء بوجه أصلًا، فكيف يعقل ان يكون حيثيّة تعليليّة للأمر؟ فضلًا عن ان يكون حيثيّة تقييدية للمأمور به، فانه تحت اختيار المولى لا تحت اختيار العبد، حتى يعقل الأمر بإحضار الماء الّذي يشربه المولى بهذا العنوان. و منه تعرف ان إحضار الماء و إن كان مقدمة للشرب إلا انّه مقدّمة لغير ما يجب عليه، بل يستحيل ان يجب عليه، فلا يمكن تصحيح المقام بالمقدّمة الموصلة، نعم إذا أخذت هذه الحيثيّة بنحو المعرّفية لا بنحو العنوانية أمكن دعوى ان المأمور به ذات الحصة من الإحضار الّذي يتعقّبه الشرب، فإذا اقتصر على الأوّل صار مصداقاً لتلك الحصة فيحصل به الامتثال، و ان عقبه بالأكمل صار الأكمل مصداقاً لتلك الحصة قهراً، إذ لا يرجح العاقل الشاعر المرجوح على الراجح. إلا ان هذه الدعوى تجدي في عدم كون الحيثيّة مطلوبة مع قصر الطلب على ذات المتحيّث، و لا تصلح الغرض، فانّه على الفرض قائم بطبيعي الإحضار للماء لا بحصة خاصة منه، فكيف يعقل قصر الطلب المنبعث عنه على حصة خاصة منه؟

فتدبره جيّداً. هذا هو الكلام في مقام الثبوت، و قد عرفت عدم إمكان التبديل.

و أمّا الكلام في مقام الإثبات- على فرض معقولية مقام الثبوت و لو بفرض قيام غرض مخصوص بذات الحصة الملازمة لفعل المولى- فمختصر القول فيه أنّ ما يدعى دلالته على ذلك فقرات من روايات باب إعادة الصلاة جماعة: (منها)- انه «يحسب له أفضلهما»(1)و (منها)- انه «يختار اللّه أحبهما إليه»(2)و (منها)- انه «يجعلها الفريضة»(3)فان الفقرتين الأوليين تدلان على استقرار الامتثال على الأفضل و الأحب، و الفقرة الأخيرة تدل على ان استقرار الامتثال أمره بيده، فله الاقتصار على ما صلّاه فرادى و له الصلاة جماعة و جعلها


1) وسائل الشيعة: ج 5، ص 455، ح 4 و 10 و 11.

2) وسائل الشيعة: ج 5، ص 455، ح 4 و 10 و 11.

3) وسائل الشيعة: ج 5، ص 455، ح 4 و 10 و 11.

الفريضة.

و الجواب ان اخبار باب المعادة على قسمين:

(أحدهما)- ما ورد في الصلاة مع المخالفين تقية، و الظاهر من مجموعها انها لا تحسب صلاة و لو نافلة، قائلًا بأنها «لو قبلت النافلة لقبلت الفريضة، بل يجعلها تسبيحاً و ذكراً»(1)، و حينئذٍ فيخرج عن مورد البحث، بل هذه الطائفة وحدها لا تجدي لمشروعيّة المعادة فضلًا عن استقرار الامتثال عليها. و الظاهر ان ما أرسله في الفقيه (2)بقوله: «و روي انّه يحسب له أفضلهما و أتمهما»(3)تتمة رواية رواها عن الصادق عليه السلام «قال رجل للصادق: اني أصلي في أهلي ثم أخرج إلى المسجد فيقدموني؟ فقال عليه السلام: تقدّم لا عليك و صلّ بهم»(4)و في رواية أخرى «و صلّ بهم لا صلى اللّه عليهم»(5)و حينئذٍ فالمراد ان الصلاة معهم تقيّة لما فيها من المصالح أفضل العملين له، فالأفضل بالنصب لا بالرفع، فالأولى هي الصلاة الحقيقية التي يستقر عليها الامتثال، و الثانية صلاة صورية، و هي أفضل من الأولى لما فيها من المصالح العظيمة، و منه يعلم حال قوله عليه السلام: «يختار اللّه أحبهما إليه» فانه في ذيل رواية أبي بصير، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: أصلي ثم أدخل المسجد فتقام الصلاة و قد صلّيت؟ فقال: صلّ معهم يختار اللّه أحبهما إليه»(6)فان الظاهر هي الصلاة تقية، فان إقامة الصلاة جماعة في المسجد في ذلك الزمان كانت مخصوصة بالعامة، و قد عرفت انها صلاة صورية لا حقيقية، فلا أحب منهما واقعاً إلا الصلاة الأولى و ان كانت الثانية من جهة أخرى أيضاً محبوبة كما عرفت.

(ثانيهما)- ما ورد في باب إعادة الصلاة جماعة حقيقة من دون تقية (منها)-


1) وسائل الشيعة: ج 5، ص 384، ح 5.

2) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 251، ح 43.

3) وسائل الشيعة: ج 5، ص 455، ح 3، 4، 6، 10.

4) وسائل الشيعة: ج 5، ص 455، ح 3، 4، 6، 10.

5) وسائل الشيعة: ج 5، ص 455، ح 3، 4، 6، 10.

6) وسائل الشيعة: ج 5، ص 455، ح 3، 4، 6، 10.

ما عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السلام «في الرّجل يصلي الصلاة وحده يجد جماعة. قال: يصلي معهم و يجعلها الفريضة ان شاء»(1)و في رواية حفص بن البختري (2)هذا المضمون بإسقاط كلمة «ان شاء». و لا يخفى ان مجرد استحباب الإعادة لا يقتضي وقوع المعادة امتثالا للأمر الوجوبيّ، لاحتمال استحباب المعادة، إلا ان قوله عليه السلام: «يجعلها الفريضة» يعين الأوّل. و حيث ان سقوط الأمر بإتيان المأمور به مما تقضي به الفطرة السليمة فلذا حمله الشيخ (قده) في التهذيب (3)على معنى آخر قال (قده): «و المعنى في هذا الحديث ان من صلى و لم يفرغ بعد من صلاته و وجد جماعة فليجعلها نافلة ثم يصلي في جماعة. و ليس ذلك لمن فرغ من صلاته بنية الفرض، لأن من صلّى الفرض بنية الفرض فلا يمكن أن يجعلها غير فرض» انتهى. و عليه فقوله عليه السلام: «ان شاء» راجع إلى المجموع، يعني: إن شاء أتمّها نافلة ثم يصلّي الفرض جماعة، و إن شاء أتمّها فرضاً و لا يصلي جماعة. لكن الأولى أن يقال: ان الصلاة الثانية جماعة، حيث انّها لإدراك فضيلة الجماعة الفائتة في الأولى، فعلية ان يقصد بها عنوان الفريضة الذاتيّة التي أتى بها أي الظهرية و العصرية و نحوهما حتى يكون مدركاً لفضيلة الجماعة بعد إتيان أصل الصلاة. و مع هذا الاحتمال الموافق للاعتبار لم يبق مجال للاستدلال به على تبديل الامتثال بالامتثال. و بقية الكلام في الفقه.

(المورد الثاني)- في اجزاء إتيان المأمور به الاضطراري عن المأمور به الاختياري إعادة و قضاء.

و ينبغي التكلم في مقامي الثبوت و الإثبات.


1) وسائل الشيعة: ج 5، ص 455 ح 1، 11.

2) وسائل الشيعة: ج 5، ص 455 ح 1، 11.

3) التهذيب: ج 3، ص 50.

(امّا الأوّل) فنقول: حيث ان الكلام في اجزاء المأمور به الاضطراري فلا بدّ من فرض الأمر الاضطراري. و لا يعقل وجوده إلا مع انبعاثه عن تمام مصلحة الاختياري، و هو مقتضى الاجزاء، أو عن مقدار من المصلحة و إمكان استيفاء الباقي بالإعادة و القضاء، و هو ملاك عدم الاجزاء. و امّا الاجزاء من حيث عدم إمكان استيفاء بقيّة المصلحة فهو أجنبيّ عن مورد البحث، فانه لا يعقل الأمر بما لا يبقى معه مجال لاستيفاء الباقي، لأنه نقض للغرض من المولى الآمر، فلا امر حتى يتكلم في اجزائه. و منه تعرف ان وجود الأمر الاضطراري في الوقت لا يجامع عدم جواز البدار بتاتاً، بل يلازم جوازه، و عليه نقول: عدم الاجزاء مع وجود الأمر لأحد امرين ثبوتاً: اما تفاوت الاختياري و الاضطراري مع وحدة المصلحة سنخاً بالشدة و الضعف مع لزوميّة أصلها، و اما تفاوت مصلحتهما بالزيادة و النقص بقيام مصلحتين لزوميتين بالاختياري و قيام مصلحة واحدة بالاضطراري، فتجب الإعادة تحصيلًا لتلك المرتبة من المصلحة اللزوميّة أو تحصيلًا لتلك الزيادة اللزومية. و منه تعرف ان دعوى مساوقة وجود الأمر الاضطراري للاجزاء عقلًا- نظراً إلى ان البدل ان كان مشتملًا على مصلحة المبدل فلا مجال للتدارك، و ان لم يكن كذلك فلا مجال للأمر، و بتقريب آخر ان كان القيد المتعذر قيداً بقول مطلق فلا امر بالبدل، و ان كان قيداً في حال الاختيار فلا فوت كي يجب القضاء، و بضميمة جواز البدار لا مجال للأمر بالإعادة- مدفوعة بتعدد المرتبة أو تعدد المصلحة، و بقيديّة القيد لمرتبة دون مرتبة و لمصلحة دون مصلحة. نعم ما ذكرناه من الطريقين لمقام ثبوت عدم الاجزاء لا يصح الأوّل منهما، لأن المفروض عدم لزوم الاستيفاء إلا للمصلحة القوية الشديدة، و عليه فاما لا اقتضاء للجامع الّذي يتحدد تارة بالقوة و أخرى بالضعف، و اما لا اقتضاء للشدة إلا بنحو المقدّمية، بيانه إذا فرض طبيعي المصلحة لزومياً- و لذا امر بالبدل- فالجامع بعد وجوده سقط عن الاقتضاء، فلم

يبق إلا اقتضاء الشدة لإيجاد المبدل، و هو خلف، لأن المفروض ان المصلحة الشديدة بما هي مرتبة واحدة أكيدة هي المقتضية للأمر بالمبدل، فلم يبق إلا اقتضاء الشدة لتحصيل الخصوصية القائمة بالمبدل، و هي تقيدها بكونها عن طهارة مائيّة، فالامر بالصلاة عن طهارة مائيّة مقدمة لتحصيل تقيدها امر مقدمي بالمبدل، و هو أيضا خلف، و عليه فامّا لا امر بالبدل و اما لا امر بالمبدل، فتدبّره فانه حقيق به. فالصحيح من الطريقين هو الثاني بشرط الالتزام بقيام إحدى المصلحتين بالجامع بين البدل و المبدل و قيام الأخرى بالجامع المتخصص لا بالخصوصية، و إلا لزم المحذور المذكور، فتدبّر جيّداً.

(و امّا الثاني) فنقول: حيث ان الكلام في اجزاء المأمور به الاضطراري فالامر مفروغ عنه و الكلام في اجزائه، فالبحث عن معارضة أدلّة الاضطراري و الاختياري و تقديم إحدى الطائفتين على الأخرى بحث فقهي لا أصولي، كما ان البحث عن جواز البدار و عدمه كذلك، لما مرَّ من ان الفراغ عن الأمر الاضطراري في الوقت مع ارتفاع العذر في جزء منه مساوق لجواز البدار و لا يجامع عدمه. و منه تعرف ان الإطلاق من حيث ارتفاع العذر في الوقت مفروغ عنه لا انه من مقدمات القول بالاجزاء، كما ان الإطلاق من حيث التعيين و التخيير- و ظهور الأمر بالبدل في التعيين ليكون كاشفا عن وفائه بتمام مصلحة المبدل- أيضا مفروغ عن عدمه، إذ لا ريب عند القائل بالاجزاء في التخيير بين إتيان البدل في حال الاضطرار و إتيان المبدل في حال الاختيار، فليس التخيير من لوازم عدم الاجزاء حتى يستكشف الاجزاء من ظهور الأمر بالبدل في التعيين. و منه تعرف ان التحفظ على الظهور في التعيين- بجعل الأمر متعلقاً بالجامع بين الصلاة عن طهارة مائيّة و ترابية، غاية الأمر له فردان طوليان- لا يجدي بعد التخيير عقلًا بين افراد هذا الجامع على القول بالاجزاء، بل اللازم في مقام استكشاف وفاء البدل بتمام المصلحة هو الإطلاق من حيث الضميمة في

قبال العطف بالواو لا الإطلاق من حيث العدل في قبال العطف بأو، فانه لو صحّ هذا الإطلاق كان كاشفاً عن وفاء البدل بمصلحة المبدل من دون ضم المبدل إليه في آخر الوقت مثلًا.

(لا يقال): ليس إتيان المأمور به الاختياري بعد ارتفاع العذر قيداً لوجوب البدل و لا لنفسه، لاستحالة الأوّل، لرجوعه إلى تحصيل مصلحة البدل بعد تحصيل مصلحة المبدل، و لعدم صحة الثاني، فان لازمه عدم امتثال الأمر بالبدل مع عدم إتيان المبدل، مع انه واجب على أي حال و يكون إتيانه امتثالا لأمره على أي تقدير، و إذا لم يكن إتيان المبدل قيداً فما معنى الإطلاق بالنسبة إليه مع عدم تكفل الأمر بالبدل إلا لمفاد الهيئة و لمفاد المادة؟ فلا بدّ من إمكان لا بشرطيّة مفاد أحد الأمرين بنحو اللابشرط القسمي.

(لأنّا نقول): هذا إذا أريد الإطلاق الكلامي، فانه مبني على إمكان تقيد مفاد الهيئة أو مفاد المادة المتقوّم بهما الكلام. و امّا إذا أريد الإطلاق المقامي فهو أجنبيّ عن مفاد الأمرين، بل معناه ان المولى إذا كان في مقام بيان وظيفة الوقت و مع ذلك اقتصر على إيجاب البدل و لم يضف إليه إيجاب المبدل بعد ارتفاع العذر، كان كاشفا عن عدم الضميمة لوظيفة الوقت، فمدار الاجزاء و عدمه في مقام الإثبات على هذا الإطلاق و عدمه، و إذا انتفى وجوب الإعادة بالإطلاق انتفى وجوب القضاء، إذ المفروض عدم فوات المصلحة و إلا لوجبت الإعادة. و فرض عدم إمكان استيفاء بقية المصلحة في الوقت و إمكان استيفائها في خارج الوقت و ان كان معقولًا إلا انّه خلف في المقام، لأن المبحوث عنه هو الاجزاء بعد الفراغ عن الأمر، و قد مر ان فرض عدم إمكان استيفاء بقية المصلحة في الوقت فرض عدم الأمر، و إلا لكان نقضاً للغرض من المولى الآمر.

نعم مع استيعاب العذر في الوقت و عدم المجال للإعادة لا دافع لوجوب القضاء إلا الإطلاق المقامي، بان يكون المولى في مقام بيان تمام ما هي وظيفة المكلف

لا في مقام بيان وظيفة الوقت بمجردها، فتدبّر جيّداً.

تتميم

في ما هو مقتضى الأصل مع عدم الإطلاق، و حيث ان الأمر الاضطراري مفروغ عنه فالشكّ إنّما هو في نحوي التخيير، هل هو التخيير بين الاضطراري في حال الاضطرار و الاختياري في حال الاختيار كما هو مقتضى الاجزاء، أو هو التخيير بين العملين: الاضطراري و الاختياري بعده و العمل الاختياري مع عدم سبق الاضطراري كما هو مبنى عدم الاجزاء؟ و امّا رجوع الأمر إلى التعيين و التخيير و الحكم بالاشتغال فهو مقتضى الأصل في المسألة الفقهية عند الشكّ في أصل الأمر الاضطراري، لا في المسألة الأصولية التي قد مرّ مراراً ان وجود الأمر الاضطراري مفروغ عنه و إنّما البحث في اجزائه، و حيث ان مرجع الشكّ في نحوي التخيير إلى احتمال وجوب الضميمة مع الفراغ عن وجوب الاضطراري فمقتضى الأصل البراءة عن وجوبها.

(فان قلت): إذا رجع التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي فالمطلوب هو الجامع، و بناء على احتمال الضميمة يشكّ في انطباق الجامع المطلوب على مجرد العمل الاضطراري، و بتقريب آخر إذا دار الأمر بين كون الجامع المطلوب منطبقاً على البدل و المبدل أو منطبقاً على البدل المنضم إلى المبدل و على المبدل بشرط لا، فلا معلوم بالتفصيل حتى يؤخذ به و يقال بالبراءة في المشكوك.

(قلت): مورد البرهان المقتضي لرجوع التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي ما إذا كانت هناك مصلحة واحدة قائمة بأمرين متباينين، و حيث ان المتباينين بما هما متباينان لا يؤثران أثرا واحداً فلا محالة لهما جامع و هو المؤثر. و قد عرفت سابقاً ان مقام ثبوت الأمر الاضطراري و عدم اجزائه لا يستقيم إلا بفرض مصلحتين: إحداهما تقوم بالجامع بين البدل و المبدل و الأخرى تقوم بالجامع

المتخصص، فليس البدل المنضم إلى المبدل فرداً واحداً للجامع، بل البدل فرد لجامع كالمبدل و المبدل فرد للجامع المتخصص، و منه تعرف الجواب عن التقريب الآخر، فان فردية البدل للجامع معلومة و مطلوبية الجامع المتخصص أصلا غير معلومة، فتدبّر جيّداً. هذا كلّه في الشكّ في وجوب الإعادة. و امّا القضاء فيزيد عليه بعدم إحراز موضوعه و هو فوت الفريضة بملاكها، و قد بيّن في محلّه انه عنوان ثبوتي يستحيل ان ينتزع من عدم الفعل في الوقت بل يلازمه، فلا يثبت بأصالة عدم إتيانه في الوقت. و لعل هذه الزيادة وجه أولوية وجوب القضاء بالبراءة عنه من البراءة عن وجوب الإعادة مع ان كليهما من الشكّ في التكليف كما في كفاية شيخنا الأستاذ(1)(قده). نعم بناء على ان القضاء بالأمر الأوّل لا بأمر جديد و انّه من باب تعدد المطلوب ربما يتوجه القول بوجوب القضاء، نظراً إلى ان القضاء إذا كان بقوله عليه السلام: «من فاتته فريضة فليقضها»(2)فحيث ان موضوعها فوت الفريضة يأتي عليه محذور عدم إحرازه بالأصل. و امّا إذا كان بنفس الأمر المتعلّق بالفعل الاختياري فعدم إتيانه بالأصل كاف في إحراز موضوعه، حيث انه غير معنون بعنوان ثبوتي و هو الفوت. إلا ان المبنى غير صحيح، لأن الفرض ان كان تعلّق شخص الحكم بالموقت و بذات الفعل فتقوّم الواحد باثنين محال، لرجوعه إلى وحدة الكثير أو كثرة الواحد، و ان كان تعلق طلبين بالموقت و بذات الفعل، فمقام الإثبات قاصر، لأن مقتضاه إنشاء طلب واحد بالنسبة إلى الفعل المقيد بالوقت. و تمام الكلام في محلّه.

(المورد الثالث)- في اجزاء المأتي به بالأمر الظاهري عن المأمور به الواقعي


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 130.

2) عوالي اللئالي: ج 3، ص 107، ح 150 و رواه أحمد بن فهد الحلّي في المهذّب في بحث قضاء الصلاة: ج 1، ص 460.

و الحكم الظاهري تارة يستفاد من أدلّة الطرق و الأمارات، و أخرى من أدلّة الأصول الشرعية، فيقع الكلام في مقامين:

(المقام الأوّل)- في اجزاء الأوامر الطرقية(1)و الأمارية. و مختصر القول فيه انه بناء على كون تلك الأوامر من باب الطريقية- بكون الإنشاء بداعي تنجيز الواقع أو بداعي إيصال الواقع عنواناً أو اعتباراً- لا ينبغي الريب في عدم الاجزاء، حيث ان الأمر الطريقي لم ينبعث إلا عن مصلحة الواقع، و المفروض انه قد انكشف خلافه. و اما بناء على الموضوعية و السببية و انبعاث الأمر عن مصلحة غير مصلحة الواقع، فالمعروف هو الاجزاء. و الكلام حينئذٍ انه هل يعقل المصير إلى الموضوعية و السببية، أو كما هو المعروف يستلزم التصويب المجمع على بطلانه؟ و على فرض عدم لزوم التصويب هل يلزم القول ببدليّة المصلحة حتى يترتب عليه الاجزاء، أو لا طريق إلا إلى أصل المصلحة دون البدلية؟ فالكلام في امرين:

(أحدهما)- ان القول بالموضوعية هل يستلزم التصويب أم لا؟ فنقول: فعل الواجب الواقعي تارة تكون مصلحته متقيّدة بعدم قيام الأمارة على خلافه، و حيث لا مصلحة مع قيام الأمارة المخالفة فلا وجوب واقعاً، و أخرى تكون مصلحته مزاحمة في التأثير بمصلحة المأمور به الظاهري، فلا وجوب واقعاً، لفرض عدم تأثير مصلحة الواقع، و الوجوب الواقعي و ان كان له نحو من الثبوت من باب ثبوت المقتضى بثبوت مقتضية إلا ان هذا النحو من الثبوت غير مجد، بل اللازم الحكم المشترك بثبوته الخاصّ به في نظام التشريع. و كلا الوجهين من التصويب المجمع على بطلانه. إلا ان الموضوعية لا تنحصر في هذين القسمين، بل لنا ان نتصور مصلحة في الفعل واقعاً من دون تقيد في أصلها و لا مزاحمة في


1) الظاهر أنّ الصحيح« الطريقيّة».

تأثيرها، بل في المأمور به مصلحة مغايرة لمصلحة الواقع لا مضادة له حتى تكون مزاحمة لمصلحة المأمور به الواقعي. نعم هذا القسم ربما يتوجه عليه شبهة التصويب بالعرض، نظراً إلى ان مقتضاه وجوب صلاتين- مثلًا- على المكلّف في وقت واحد، فيجب الالتزام بوحدة الواجب، فان كان هو المأمور به الظاهري لزم التصويب، و ان كان هو الواجب الواقعي فلا امر ظاهري حتى يتصور فيه الموضوعية أو يترتب عليه الاجزاء. و يندفع هذا المحذور بالالتزام بكون المصلحة بدلية مسانخة لمصلحة الواقع، و مقتضاه سقوط الحكم الواقعي باستيفاء مصلحته بموافقة الأمر الظاهري، و هو مؤكد لثبوته، فانه كسقوطه بالإطاعة، فلا يلزم منه وجوب الفعل فعلًا بعد انكشاف الخلاف حتى يلزم منه وجوب صلاتين في وقت واحد (لا يقال): لازمه التخيير بين الواجب الواقعي و الواجب الظاهري، مع ان الأمر الواقعي تعيني و الأمر الظاهري كذلك (لأنا نقول): لا يعقل انتهاء امر هذين الأمرين إلى التخيير حتى ينافي الظهور في التعيينية، لأنه ما لم يصل الحكم الواقعي لا حكم فعلي إلا الحكم الظاهري، و مع وصوله لا فعلي إلا الحكم الواقعي، فلا يجتمعان في الفعلية حتى يتخيّر بين فعلين فعلًا، و حيث ان الحكم الحقيقي ليس إلا الإنشاء بداعي جعل الداعي، فإذا لم تعقل الفعلية التخييرية لا يعقل الإنشاء التخييري. و امّا مجرد طولية الأمرين لكون موضوع الأمر الظاهري هو الجهل بالحكم الواقعي فلا يمنع عن التخيير، لما مرَّ- و قد حقق في محلّه- من ان التقدّم و التأخّر بين الحكم الواقعي و الظاهري طبعيّان فلا ينافي المعيّة في الوجود، و الحكم الواقعي بعنوانه مقوم للجهل به و هو موضوع الظاهري لا بوجوده، كما تقدّم كلّ ذلك في مبحث التعبّدي و التوصّلي (1)فراجع.


1) في ص 70.

(ثانيهما)- في استكشاف المصلحة البدلية المساوقة للاجزاء، فنقول: طريق استكشافها امران:

(الأوّل)- ظهور الأمر في كونه بعنوان جعل الداعي، و ظهور العنوان المأخوذ فيه في العنوانية لا في المعرفية، فالأمر بتصديق العادل المخبر عن وجوب صلاة الجمعة. مثلًا إذا كان بداعي جعل الداعي لا بداعي تنجيز الواقع و لا بداعي إيصال الواقع عنواناً أو اعتباراً، فلا محالة ينبعث عن مصلحة في متعلّقه، و حيث ان الظاهر من عنوان تصديق العادل المنطبق على فعل صلاة الجمعة- مثلًا- انه بما هو متعلّق الحكم لا انه معرف له فلا محالة تكون المصلحة قائمة به، و هذا بمجرده بعد تسليمه لا يكشف إلا عن مصلحة وراء مصلحة الواقع القائمة بالظهر مثلًا، اما انّها مسانخة للمصلحة الواقعية أو مغايرة له فلا كاشفية له. نعم بضميمة ما قدمناه آنفاً- من لزوم كون المصلحة على فرض ثبوتها بدلية لئلا يلزم إيجاب صلاتين على المكلّف في وقت واحد- يمكن دعوى كون المصلحة الثابتة من طريق الأمر بدلية و مسانخة لمصلحة الواقع.

(الثاني)- قبح تفويت المصلحة من التعبّد بالأمارة مطلقاً فيجب بحكم العقل العملي الالتزام باشتمال موافقة الأمارة المخالفة للواقع لمصلحة مسانخة لمصلحة الواقع. و يندفع هذا الوجه بان إيكال المكلف إلى تحصيل الواقعيات بطرقه العلمية ربما يوجب تفويت الواقعيات أكثر مما يوجبه موافقة الأمارة، فالزائد فائت لا مفوّت حتى يقبح الأمر بموافقة الأمارة.

و قد التزم شيخنا العلّامة الأنصاري (1)(قده) بتدارك الفائت مع عدم الاجزاء عند انكشاف الخلاف، فإذا فرض موافقة الأمارة في أوّل الوقت فالفائت فضيلة أوّل الوقت دون مصلحة الوقت إذا انكشف خلافه في الوقت،


1) فرائد الأصول: ص 28.

و موافقتها في الوقت توجب تدارك مصلحة الوقت دون مصلحة أصل الصلاة إذا انكشف خلافه في خارج الوقت، و موافقتها مع عدم انكشاف الخلاف أصلًا تقتضي تدارك مصلحة الصلاة، و مع ذلك تصحّ هذه الكليّة و هي عدم الاجزاء مع انكشاف الخلاف، و مرجعه إلى القول بالموضوعيّة في الجملة بحيث لا تستلزم التصويب و لا تقتضي الاجزاء مع عدم التفويت القبيح عقلًا.

و يمكن تقريبه بوجهين: (الأوّل)- الالتزام بكون الأمر بموافقة الأمارة و تطبيق العمل عليها أمراً طريقياً محضاً لكن في موافقة الأمارة المخالفة للواقع بقدر التفويت المترتب عليها مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع، و لازمه عدم المصلحة فيما لا يلزم من موافقة الأمارة فوت مصلحة الواقع، كما إذا وافقها في وقت الاجزاء دون الفضيلة و انكشف خلافها في الوقت، فان فوات فضيلة الوقت مستند إليه فقط، و مصلحة الوقت كمصلحة أصل الصلاة قابلة للاستيفاء، فلا فوت كي يلتزم بمصلحة بدلية في موافقة الأمارة، و هذا لا يستلزم التصويب، لعدم الالتزام بمصلحة في الفعل ليقع التزاحم بينها و بين مصلحة الواقع.

و يندفع (أوّلًا)- بان التزاحم لا ينحصر فيما إذا كان هناك مصلحة في ذات الفعل، بل يعم ما إذا كان فيه بعنوان ينطبق عليه مصلحة غالبة على مصلحة الواقع كما مرَّ و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

و (ثانياً)- بان مقتضى كون الموافقة مشتملة تارة على مصلحة لزومية و أخرى على مصلحة غير لزومية انبعاث امرين: لزومي و ندبي بالنسبة إلى موافقة الأمارة المفوتة لمصلحة الواقع، كما هو الشأن في جميع الموارد التي تنبعث الأوامر من مصالحها القائمة بها. و الالتزام بأوامر حقيقية حتمية و ندبية- زيادة على الأمر بتصديق العادل المفروض كونه طريقياً محضاً لا ينبعث إلا عن مصلحة الواقع- خلاف الواقع و لا دليل يفي به.

و (الثاني)- ما أفاده بعض أعلام العصر (طاب ثراه) فيما حكي عنه و هو ان المصلحة السلوكية ليست في الفعل بوجه بل في الاستناد إلى الحجة، و هو متأخّر بالمرتبة عن الحجة، فلا يعقل أن تكون مصلحته مزاحمة لمصلحة الواقع، فلا تصويب و مصلحة الاستناد تختلف باختلاف مراتب الاستناد. و لا مانع من كون الأمر متعلقاً بالفعل استناداً إلى الحجة مع تحقق الحجيّة بنفس هذا الأمر، كالأوامر التعبدية المتعلقة بما يتوقف مصلحته على ما يتوقف على الأمر.

و مقتضى هذا التقريب وحدة الأمر بخلاف التقريب الأوّل.

و يندفع بان مقتضاه اختلاف الأمر بتصديق العادل بالحتمية و الندبية حسب اختلاف المصلحة باللزومية و غير اللزومية، و اختلافه بالطريقيّة المحضة و الحقيقية حسب اختلاف فوات المصلحة الواقعية و عدم فواتها، و أين للإنشاء الواحد هذا العرض العريض من دون جهة جامعة بين الطريقية و الحقيقية و الحتمية و الندبية؟ مضافا إلى ان الاستناد لا تقوم به المصلحة، بل المصلحة في الفعل الواقع على جهة الاستناد إلى الحجة، و الحجة حيثية تعليلية للفعل، و مع قيام المصلحة بالفعل المستند إلى الحجة فلا محالة يقع التزاحم بينها و بين مصلحة الواقع، فان المناط في التزاحم بين المقتضيات معيّتها في الوجود المناسب لتأثيرها في مقتضاها لا المعيّة الطبعيّة حتى ينافيه تقدمها و تأخّرها طبعا.

ثم انه تبين مما ذكرنا إمكان القول بالموضوعية و السببية في الأمارات ثبوتاً و إثباتاً، و القول بالاجزاء من دون تصويب، إلا ان العمدة من الأمارات خبر الثقة و هو الّذي يمكن فيه القول بالموضوعية، مع ان عمدة الدليل على حجية خبر الثقة سيرة العقلاء، و من المعلوم ان بناءهم العملي على اتباعه لطريقيته إلى الواقع لغلبة اصابته، و الاخبار الواردة في هذا المضمار إمضاء للطريقة العقلائيّة، و لذا ترى ان الغالب فيها السؤال عن الموضوع، كقولهم:

«أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني»(1)فاتباع خبر الثقة مفروغ عنه عندهم. نعم سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى في البحث عن تبدل الرّأي دعوى الإجماع عن غير واحد على الاجزاء في العبادات، فيعلم منه الموضوعية و المصلحة البدلية فيها، و إلا لم يعقل رفع اليد عن الواقع مع عدم تداركه. و اما حكم الشكّ في الطريقيّة و الموضوعيّة فسيأتي إن شاء اللّه تعالى.

(المقام الثاني)- في اجزاء الأصول العملية و عدمه، و الكلام تارة في مثل قاعدة الطهارة و أخرى في مثل الاستصحاب.

اما الكلام في قاعدة الطهارة فظاهر شيخنا الأستاذ (قده) في الكفاية(2)حكومتها على الدليل المتكفل لشرطية الطهارة الواقعية و انها معممة لدائرة الشرط.

و مراده (قدّه سرّه) من الحكومة إثبات الموضوع تنزيلًا، حيث ان لسان دليل القاعدة جعل الطهارة لا الحكومة بمعنى الشرح و التفسير كما في (أعني) و أشباهه حتى يورد عليه بان الدليل لا حكومة له بهذا المعنى، و الحكومة التي نسبها إلى الشيخ الأعظم (قده) في رسائله و أنكرها عليه هي الحكومة بمعنى الشرح و التفسير، لا ان الحكومة عنده (قده) منحصرة فيما أنكره على الشيخ الأجل (قده).

كما ان غرضه (قده) ليس مجرد اقتضاء الطهارة الظاهرية للاجزاء، حتى يورد عليه بأنه أيّ فرق بين حكم ظاهري هو مدلول دليل القاعدة و حكم ظاهري هو مدلول دليل الأمارة، بل غرضه الفرق بينهما بلحاظ لسان الدليل، فان الأمارة حيث انها تحكي عن وجود الطاهر فالتعبّد على طبق الحكاية و هو


1) وسائل الشيعة: ج 18، ص 107، ح 33.

2) كفاية الأصول: ج 1، ص 133.

البناء على الوجود فانكشف انه غير موجود، بخلاف قوله عليه السلام: «كلّ شي‌ء طاهر»(1)فانه جعل الطهارة ابتداءً، و جعلها جعل أحكامها التكليفية و الوضعيّة، و منها: الشرطية و مثله ليس له كشف الخلاف، فان العمل و ان لم يكن واجداً للطهارة الواقعية لكنه واجد لما هو شرط شرعاً. و الفرق- بين التعبد بوجود الشرط الّذي اثره جواز الدخول في العمل معه، و التعبد بشرطية الموجود الّذي اثره صحة العمل لوجدان شرطه- في غاية الوضوح.

كما انه ليس غرضه من جعل الشرطية للطهارة الظاهرية جعلها للطهارة التعبدية حتى يورد عليه بان تعبدية الطهارة بلحاظ جعل حكمها، فكيف يعقل ان يكون موضوعاً لحكمها؟ و إلا لكان من قبيل عروض الشي‌ء لنفسه و أخذه في موضوع نفسه بل موضوع الشرطية المجعولة هي الطهارة العنوانية، فالقاعدة متكفّلة لجعل الشرطية بعنوان جعل الطهارة من باب جعل اللازم حقيقة بجعل ملزومه عنواناً.

و منه تعرف دفع اعتراض آخر، ملخّصه ان التعميم و التخصيص من شئون الحكومة الواقعية مثل قوله عليه السلام: «لا شكّ لكثير الشكّ»(2)حيث ان الموضوع الّذي أخرجه من تحت أدلة الشكوك من افرادها حقيقة، بخلاف الحكومة الظاهرية كما فيما نحن فيه، فان رتبة الحاكم متأخّرة عن رتبة المحكوم، لأخذ الشكّ فيه في موضوع الحاكم، فلا يعقل ان يكون من أفراده ليتصور التعميم هنا.

و يندفع بأنه ليس الغرض التعميم حقيقة بل التعميم عنواناً، فهو بعنوان انه طاهر يعطيه حكم الطاهر الواقعي، فلا حاجة إلى التعميم و التخصيص


1) وسائل الشيعة: ج 2 كتاب الطهارة، ص 1054، الحديث 4.

2) راجع الوسائل: ج 5 الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

الحقيقيّين حتى يكون مقصوراً على الحكومة الواقعية. و العمل و ان كان فاقداً للطهارة الواقعية التي هي شرط واقعاً و هي على شرطيتها حتى في حال الشك لئلا يلزم التصويب، إلا ان الشرط الفعلي لما كان دخيلًا في المصلحة البدلية لم يلزم من سقوطه بتداركه ببدله تصويب.

و أقوى إشكال يورد في المقام- كما عن غير واحد من الاعلام- هو لزوم الالتزام بترتيب جميع الآثار، و منها- طهارة المغسول به مع انه نجس واقعاً، و عدم تنجّس ملاقيه واقعاً مع ان النجس ينجس، و لا يمكن الالتزام به. و دعوى تقييده بالإجماع و نحوه من ضيق الخناق.

و يندفع بان الطهارة و النجاسة من الموضوعات الواقعية التي كشف عنها الشارع كما هو المشهور، و مثلهما ليس من الأحكام المجعولة تكليفاً أو وضعاً.

فطهارة المغسول و نجاسة الملاقي و عدمهما ليسا من الآثار المجعولة حتى يلزم تخصيص و تقييد في مفاد القاعدة المتكفلة لجميع أحكام الطهارة. نعم يترتب على المغسول به الطاهر عنواناً كنفس الماء جواز الدخول في العمل معه و كونه شرطاً فيما تشترط فيه الطهارة و أشباه ذلك من الآثار الجعلية من التكليفية و الوضعيّة، فتدبّر.

و اما بناءً على ان الطهارة و النجاسة من الاعتبارات الشرعية كالملكية و الزوجية- على ما قواه شيخنا الأستاذ (قده) في هامش البراءة من الكفاية(1)و ارتضاه غيره من الاعلام و هو الصحيح- فربما يتخيل ورود النقض المتقدم، لأن طهارة المغسول كطهارة الماء قابلة للجعل، فيندرج تحت الآثار الوضعيّة المترتبة على الطهارة، و كذلك نجاسة الملاقي لما لاقاه من النجس.

و دفعه يتوقف على مقدمة هي ان بعض الاعتبارات تتوقف فعليته على


1) كفاية الأصول المحشّى بحواشي القوچاني: ج 2، ص 51.

الوصول كالبعث المنتزع من الإنشاء بداعي جعل الداعي، فانه يستحيل فعلية الباعثية مع عدم الوصول مع انحفاظ الإنشاء المزبور الّذي هو تمام ما بيد المولى، و مثله لا ينافي البعث الفعلي على خلافه في صورة الجهل بالإنشاء المزبور.

و بعض الاعتبارات فعليته بعين وجوده الواقعي من دون خصوصية موجبة لترتب فعليته على وصوله، كاعتبار الملكية مثلًا، فانه ليس فيه مثل خصوصية الدعوة المتقومة بالوصول، فيستحيل اعتبار ملكية عين لزيد و اعتبار ملكيتها لعمرو في ظرف الجهل بملكيتها الواقعية. و مثله اعتبار الطهارة و النجاسة، فانه يستحيل اعتبار نجاسة شي‌ء واقعاً و اعتبار طهارته في ظرف الجهل بنجاسته الواقعية.

إذا عرفت ذلك تعرف ان التعبّد بالطهارة مطلقاً تعبّد بأحكامها غير المنافية لاعتبار نجاسة ذلك الشي‌ء واقعاً، و حينئذٍ فالفرق بين الأمارة و قاعدة الطهارة- مع عدم جعل الاعتبار حقيقة- أن الأمارة تحكي عن الاعتبار الواقعي و التعبد بها يقتضي جعل آثار الاعتبار المفروض وجوده، فله كشف الخلاف بعدم وجوده، بخلاف مفاد القاعدة، فان جعل أحكام الاعتبار بجعله عنواناً لا بجعله حقيقة من دون نظر إلى طريقية شي‌ء إلى وجوده واقعاً. و منه تعرف الحال بناءً على موضوعية الأمارة، فان المجعول حينئذٍ هو الأثر المترتب على المحكي عنه مطلقاً وافقت الواقع أو خالفته، لا جعل الاعتبار حقيقة و لو على خلاف الاعتبار الفعلي الواقعي الحقيقي، فتدبّر جيّداً.

و أمّا الكلام في الاستصحاب فملخّصه ان التعبّد فيه ليس كالتعبّد في قاعدة الطهارة تعبّداً ابتدائيّاً، بل التعبّد فيه بحسب لسانه اما تعبّد ببقاء اليقين أو ببقاء المتيقّن. و الأول مرجعه إلى جعل اليقين منجزاً و معذراً بقاءً شرعاً كما كان كذلك حدوثاً عقلًا، و هذا عين الطريقيّة المحضة، إذ لا تنجيز و لا أعذار إلا بلحاظ المصادفة للواقع و عدمها. و الثاني مرجعه إلى ترتيب آثار المتيقن المفروض

وجوده بقاء شرعاً، لا الحكم بوجوده حتى يقتضي جعل الشرطية. نعم من صحيحة زرارة(1)- المذكورة في باب الاستصحاب المتضمنة لعدم وجوب الإعادة بعد انكشاف الخلاف معللا بأنه نقض لليقين بالشك- يستفاد الاجزاء، مع ان لسان الاستصحاب لا يختلف باختلاف موارده، فان كان اللسان وافيا كان كذلك في جميع الموارد، و إلا فلا كذلك. و تفصيل القول في الصحيحة موكول إلى محله. إلا ان الّذي يمكن ان يقال: هو ان اللسان لا يقتضي الاجزاء لكنّه بلحاظ حكم الإمام عليه السلام بعدم الإعادة- معللًا بأنها نقض لليقين بالشكّ- يستفاد شرطية الطهارة المتيقنة سابقاً المشكوكة لاحقا، لا بمعنى جعل الشرطية بجعل لازمها ليقال بأنه مناف للسان دليله، بل باستكشاف جعل الشرطية من الحكم بعدم الإعادة، و الاستكشاف بلحاظ التعليل لا مانع منه. و عليه ففي غير هذا المورد يتبع لسان دليله، و مقتضاه الطريقية على أي تقدير.

و ينبغي التنبيه على امرين: (الأول)- فيما يقتضيه الأصل عند الشكّ في الطريقيّة و الموضوعية. و لا أصل في أصل المسألة الأصولية. نعم لنا التمسك بالأصل العملي في المسألة الفرعية من وجوب الإعادة أو القضاء و عدمه، و حيث علم عدم موافقة المأتي به للمأمور به واقعاً و يشكّ في كونه محصلًا لغرضه من حيث كونه ذا مصلحة بدلية، فلا محالة يشكّ في سقوط التكليف الواقعي بعد اليقين بثبوته، فمقتضى القاعدة و الاستصحاب بقاء اشتغال ذمته. و اما أصالة عدم الإتيان بما يحصل الغرض و يسقط معه التكليف فلا موقع لها، لعدم ترتب أثر شرعي على الإتيان و عدمه. و اما أصالة عدم فعلية التكليف الواقعي أو عدم التكليف الفعلي فلا تجدي، فان عدم فعليته الذاتيّة المنوطة بفعلية


1) وسائل الشيعة: ج 1، ص 174 الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1.

موضوعه قد انكشف خلافه على الفرض، و عدم فعليته بعدم وصوله فقد انقلب إلى نقيضه، فلا شكّ إلا في بقاء التكليف الواقعي حتى يكون فعلياً بوصوله الأعمّ من العلم و العلمي، و المفروض وصوله العلمي بالأصل. و امّا ما أفيد في ردّه بأنه مثبت فلا حاجة إليه، إذ مجرد عدم التكليف الفعلي بالإعادة كافٍ في المقام و ان لم يحرز انه غير محصل و لا مسقط. و الفرق بين المقام و المأمور به الاضطراري ان الشكّ هناك كان في وجوب الضميمة و أصالة البراءة تنفيه، و هنا في سقوط التكليف. نعم لا فرق بينهما في عدم القضاء، حيث انه بأمر جديد و هو مشكوك الحدوث.

(الثاني)- ما أسلفناه من الاجزاء و عدمه بحسب عنوانه مختص بباب الأوامر. و مسألة تبدل الرّأي يعمّ التكليفيات و الوضعيات من العقود و الإيقاعات و الأسباب، و المدرك واحد، فعلى الطريقية لا اجزاء و ينتقض الأعمال السابقة كاللاحقة، و على الموضوعية لا انتقاض. نعم ربما يدّعى الإجماع على عدم الانتقاض في العبادات بالإعادة و القضاء. و منه يعلم عدم استحالة الموضوعية كما مرّ وجهه. كما لا يبعد دعوى الإجماع على عدم الانتقاض في غير باب العبادات مع عدم بقاء موضوعه بعد تبدل الرّأي.

و امّا دعوى عدم الانتقاض كلية فيما إذا انكشف الخلاف بالحجة الشرعية لا بالقطع- تارة بان الحجة اللاحقة كالحجة السابقة، و أخرى بأنه لا انكشاف للخلاف حقيقة حتى ينتقض، و ثالثة بان الحجة اللاحقة حجة من حين قيامها، فلا تأثير لها في الأعمال السابقة- فمندفعة.

(امّا الأولى) فبان مماثلة الحجة اللاحقة للسابقة لا تنافي أقوائيتها منها و اضمحلال الأولى، و إلا لم يكن لها تأثير في الأعمال اللاحقة. و (امّا الثانية) فبأن مقتضى حجيتها فعلًا ترتيب الأثر عليها و ان لم ينكشف الخلاف حقيقة و إلا لم يكن معنى لحجيتها و (اما الثالثة) فبان عدم إطلاقها للوقائع المتقدّمة اما لقصور

في مضمونها و اما لقصور في حجيتها. و الأوّل خلف، إذ المفروض ان مدلولها جزئيّة السورة مثلًا من دون اختصاصها بزمان دون زمان. و الثاني لا موجب له إلا توهّم استحالة منجزية امر متأخّر لحكم متقدّم، و هو غير لازم هاهنا، إذ لا نقول بان جزئيّة السورة منجزة قبل قيام الحجة المنجزة لها، بل أثر تنجز السورة فعلًا تدارك ما وقع قبلًا، فان كلفة جزئية السورة مطلقاً إتيانها حالا و تدارك الخالي منها قبلًا، و كلاهما أثر فعلي فلم يتقدّم التنجز على المنجز. و عن صاحب الفصول (1)(قدّس سرّه) التفصيل بين ما يتعيّن في وقوعه شرعاً أخذه بمقتضى الفتوى، و ما لا يتعيّن في وقوعه شرعاً أخذه بمقتضى الفتوى و ذكر في القسم الأول ان الواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين و لو في زمانين، و في القسم الثاني انه رجوع عن حكم الموضوع. و مثّل للأول بما إذا بنى على عدم جزئيّة السورة أو عدم شرطية شي‌ء للصلاة ثم رجع، أو إذا بنى على صحة الصلاة في شعر الأرانب و الثعالب ثم رجع، أو إذا بنى على طهارة شي‌ء ثم صلّى في ملاقيه ثم رجع، أو إذا تطهّر بما يراه طاهراً أو طهوراً ثم رجع، أو إذا عقد أو أوقع بصيغة يرى صحتها ثم رجع. و مثّل (قده) للثاني بما إذا بنى على حلّية حيوان فذكّاه ثم رجع و بنى على تحريم المذكى منه و غيره. أو بنى على طهارة عرق الجنب من الحرام فلاقاه ثم رجع و بنى على نجاسته و نجاسة ملاقيه قبل الرجوع و بعده، أو بنى على عدم تحريم الرضعات العشر فتزوج من أرضعته ذلك ثم رجع و بنى على تحريمها. و من الأمثلة يتضح ان ما ذكره (قده) في العنوان ليس تفصيلًا بين الأحكام و متعلقاتها كما يوهمه العنوان، و ليس أيضا تفصيلًا بين العبادات و المعاملات و بين الأحكام التي هي القسم الرابع من أبواب الفقه الأربعة و الظاهر انه مبني على القول بالموضوعيّة.


1) الفصول الغروية: ص 409« الطبعة الحجرية».

و المراد من العنوان ان الوقائع التي هي مصبّ الفتوى و محطّ الرّأي على قسمين:

(الأوّل)- ما ينقضي بانقضاء الزمان و لا يمر عليه الزمان مرتين كالصلاة بلا سورة، أو الواقعة في شعر الأرانب، أو الواقعة فيما بنى على طهارته، و كذا العقد بالفارسية، فحيث لا بقاء لها بل لها ثبوت واحد- و هي على الفرض وقعت صحيحة- فلا تنقلب فاسدة بتجدد الرّأي، و هذا معنى ان الواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين.

(الثاني)- ما لا ينقضي بانقضاء الزمان و للزمان عليه مروران، كالحيوان الّذي بنى على حلّيته فذكّاه، و المفروض انه باق و حكمه فعلًا الحرمة. و اما التذكية فهي مبنية على حلّيته و ليست هي مصب الفتوى. و كعرق المجنب من الحرام و ملاقيه، فانّهما موضوعان باقيان، و المفروض ان حكمهما فعلًا النجاسة.

نعم إذا صلى فيهما قبلًا وقعت صلاته صحيحة و لا تنقلب فاسدة، و كالمرأة المرتضعة بعشر رضعات، فانّها باقية، و المفروض انها محرمة فعلًا. و الفرق بين العقد الفارسي و العقد على المرتضعة ان مصبّ الرّأي هو نفس العقد في الأوّل و قد وقع صحيحاً فلا ينقلب فاسداً، و مصبّ الرّأي في الثاني هي المرأة المرتضعة و هي باقية، و امر العقد يدور مدارها، فلا انقلاب بل انتهاء أمد الحكم، فكأنه بالإضافة إلى الرّأي الثاني موضوع آخر تطبيقاً.

و المراد مما وقع في العنوان- من تعين الوقوع شرعاً بأخذه بمقتضى الفتوى و عدم تعينه بالاخذ بها- ان الواقعة التي لا بقاء لها لا تقع صحيحة إلا بمقتضى الفتوى، فهذا الوجود الوحدانيّ لا يقع شرعاً إلا صحيحاً فلا ينقلب فاسداً بخلاف ما له بقاء، فانه لا يتعيّن لإمكان تغير حكمه بتجدّد الرّأي، و ليس مراده ان وقوعه شرعا لا يكون منوطا بالفتوى حتى يحمل على إرادة الموضوعات هذا غاية ما يمكن ان يوجه به كلامه رفع مقامه. و يوافقه ما ادعى من الإجماع على

عدم الانتقاض في العبادات أو ما يعمّ الوضعيات التي لم يبق لها موضوع.

و بالجملة فليس هذه الدعوى غريبة منه (قدّس سرّه)، و لا عنوانه غير مفهوم المراد كما رموه به بقوس واحد و اللّه أعلم.

تتميم

لا ملازمة بين تبدل الرّأي و العدول من مجتهد إلى آخر في الانتقاض و عدمه، كما في بعض كلمات شيخنا العلّامة الأنصاري (1)(قدّس سرّه) و الفرق بين المسألتين من وجهين:

(أحدهما)- ان الخبر حجة على المجتهد من الأوّل و ان ظفر به فيما بعد، فيظهر أثر تنجّزه فيما قبل من حيث التدارك، بخلاف الفتوى، فانه و ان علم بها المكلّف لا يكون حجة عليه، بل لعل الحجة غيرها و هي فتوى الأعلم.

و (ثانيهما)- ان الخبر الثاني انما يوجب نقض الآثار السابقة من حيث إطلاق مضمونه و اضمحلال الحجة السابقة بقيام الحجة الأقوى على خلافها، بخلاف الفتوى الثانية، فانها و ان شاركت الخبر في إطلاق المضمون لكن لا توجب اضمحلال الحجة الأولى، بل ينتهي أمد حجيتها، و إلا ربما كانت الأولى أقوى من الثانية كفتوى الأعلم من فتوى غير الأعلم. و بقيّة الكلام في محلّه.

الفصل الثاني في الملازمة بين وجوب شي‌ء و وجوب مقدمته

و إنّما أدرجناها في المسائل لأن نتيجتها مبدأ تصديقي لحكم فقهي و هو وجوب المقدمة، و إنّما جعلناها عقلية لأن الحاكم بهذه الملازمة هو العقل وجدانا


1) راجع تحريراته في الاجتهاد و التقليد.

أو برهانا. و لا وجه لإدراجها في المبادئ الأحكامية، إذ ليس البحث عن ثبوت شي‌ء لحكم من الأحكام ملاك المبادئ الأحكامية، بل كما أشرنا إليه في أوّل الفنّ أن المبادئ سواء كانت لغوية أو أحكامية لا تخلو عن كونها مبدأ تصوريا أو تصديقيا. و من الواضح ان مسألة الملازمة ليست مبدأ تصديقيا لثبوت شي‌ء للمحمولات الأصولية، كما انه بهذا العنوان لا تكون مسألة فقهية، حيث لا تتكفل ثبوت تكليف أو وضع لفعل المكلّف. و لا وجه لعقدها فقهية و البحث عن وجوب المقدّمة مع توقفه على الملازمة التي لم يبحث عنها في العلم المتكفّل لمبادئه التصديقيّة فتدبّر جيّدا.

و تنقيح الكلام في هذه المسألة بالبحث في ضمن مطالب:

(الأوّل)- في تقسيمات المقدّمة.

(منها)- انها تنقسم إلى داخلية و خارجية، و الداخلية هي الاجزاء التي هي بمنزلة علل القوام، و الخارجية ما هو بمنزلة علل الصدور، و هي اما المقتضى أو الشرط أو المعدّ كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيانه.

اما الداخلية فالكلام تارة في أصل مقدميتها و أخرى في دخولها في محل النزاع.

اما البحث في مقدميتها فقد أشكل عليها بان الاجزاء إذا لوحظت مجتمعة فهي عين الكل، و إذا لم تلاحظ مجتمعة فلا جزء و لا كلّ.

و يندفع باختيار الشق الأوّل، و يجاب بان لحاظ المجتمع مع غيره غير لحاظ كونه مجتمعاً مع غيره، فان الأول لحاظه لا بشرط، بمعنى عدم اعتبار الانضمام لا بمعنى اعتبار عدمه و لا بمعنى اعتبار وجوده، فان المنضم بما هو منضم لا ينضم، كما ان المنفرد بما هو منفرد لا يجتمع مع غيره، فلحاظ ذات الجزء لحاظه بنحو اللابشرطيّة و لحاظه بنحو البشرطشيئيّة من حيث الانضمام لحاظ الكل. و كلّ اعتبار شي‌ء بشرط الشيئيّة متأخّر عن لحاظه لا بشرط،

بداهة تقدّم كلّ معروض على عارضه و تأخّر عارضه عنه من دون فرق بين المركبات الحقيقية و المركبات الاعتبارية. و لا منافاة بين هذا التقدّم و التأخّر بالتجوهر في مقام التقرر و التقدّم و التأخّر بالطبع في مرحلة الوجود و بين تكافؤ الجزئيّة و الكلية، نظراً إلى انّهما متضايفان و المتضايفان متكافئان في القوّة و الفعلية، فان التكافؤ لا يزيد على التلازم في الوجود بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر، كما في العلة و المعلول، فان ذات العلة متقدّمة على ذات المعلول، مع ان العلّية و المعلولية معنيان متضايفان، فالتقدّم بالتجوهر أو بحسب الوجوب أو بحسب إمكان الوجود لا ينافي المعيّة المعتبرة في المتلازمين تقرراً و وجوباً و وجوداً و لا يخفى عليك ان الجزئيّة و الكلية بحسب مقام التقرر الماهوي و بحسب مرحلة الوجود لا دخل لهما بالجزئيّة و الكليّة بحسب مقام الطلب، كما مرَّ بيانه سابقا عند التكلّم في الأحكام الوضعيّة(1). و ملاحظة المتكثرات كأجزاء الصلاة بنحو الوحدة مصححة لتعلّق طلب واحد بها، لا أنّها مأخوذة في المتعلّق حتى يستكشف من عدم دخلها في المطلوب انحصار جهة الوحدة في تعلّق طلب واحد بها، فيقال ان الجزئيّة و الكلية بلحاظ مقام المطلوبيّة متأخّرتان عن الطلب، فكيف يعقل ان تكون مناط الجزئيّة و الكليّة في متعلّق الطلب؟.

ثمَّ انّ الجزء له اعتباران آخران، و هما اعتبار اللابشرطيّة و البشرطلائيّة من حيث الاتحاد، ذكرهما أهل فنّ المعقول في المركبات الحقيقيّة تصحيحا لحمل أحد الجزءين على الآخر و كلّ منهما على الكل، فأخذه بعض أجلّاء تلامذة شيخنا العلّامة الأنصاري (2)(قدهما) و استعمله في غير موضعه، حيث أجراه في المركبات الاعتبارية تصحيحاً لتعلّق الوجوب المقدّمي بالجزء، بيانه


1) في ص 46.

2) في مطارح الأنظار: ص 82.

ان المركب الحقيقي كالإنسان له جهة وحدة حقيقية، لأن مبدأ الجنس الطبيعي بالإضافة إلى مبدأ الفصل الطبيعي كالقوّة بالنسبة إلى الفعليّة، و إذا كان أحد الجزءين ما بالقوة و الآخر ما بالفعل فلا محالة يكونان مجعولين بجعل واحد و موجودين بوجود واحد سار مما بالفعل إلى ما بالقوة، و عليه فإذا لوحظ كلّ من الجزءين بما له من الدرجة الخاصة له في الوجود لتمييز المادية من الصورية، كان كلّ منهما مغايراً للآخر، فلا يحمل أحدهما على الآخر، و إذا ألغيت خصوصية الدرجة و لوحظ أحد الجزءين مع الآخر في الوجود الساري مما بالفعل إلى ما بالقوة صح حمل أحدهما على الآخر. و مما بيّنا تعرف اختصاص اللابشرطية المصححة للحمل بالمركبات الحقيقية التي لها وحدة حقيقية، و ليس في المركبات الاعتبارية قوّة و فعل حتى يجري فيها هذان الاعتباران، و مجرد اعتبار اللابشرطية لا يجعل المتغايرين في الوجود واحدا في الوجود، و الحمل هو الاتحاد في الوجود.

و اما انه لا يجدي اعتبار البشرطلائيّة من حيث الاتحاد لتعلّق الوجوب المقدّمي بالجزء، لأن الاعتبار اللابشرطي من حيث الانضمام هو ملاك الجزئيّة، و بها تكون مقدمة مقتضية للوجوب المقدّمي، و اعتبار البشرطلائيّة من حيث الاتحاد و ان كان من اعتبارات الجزء لكنّه ليس الجزء به جزء و مقدّمة، و مجرد اعتبار المغايرة في الوجود مع الجزء الآخر لا يكون من قبيل رفع المانع عن تأثير المقتضي حتى يصح اعتبارها تصحيحا للوجوب الزائد على الوجوب المتعلّق بالكل، إذ مع انحفاظ اللابشرطيّة من حيث الانضمام يكون الجزء مما تعلّق به و بغيره وجوب نفسي واحد منبسط على الكل، فلا أثر لاعتبار البشرطلائيّة من حيث الاتحاد لا في وجود المقتضي للوجوب المقدّمي و لا في رفع المانع عنه، فتدبّره فانّه حقيق به.

و امّا الكلام في دخول الاجزاء في محل البحث و عروض الوجوب الغيري لكل جزء مع تعلّق الوجوب النفسيّ بالاجزاء بالأسر، فالمانع نظير اجتماع

المثلين في الجزء، لأن المفروض تعلّق الوجوب النفسيّ به بعين عروضه على الكل المتقدّم به و بغيره، فكيف يمكن ان يتعلّق به وجوب آخر استقلالًا؟ و لا مجال للتأكد، إذ مورده ما إذا كان في الشي‌ء ملاكان للوجوب فينبعث منهما وجوب أكيد. و هنا ليس كذلك، لقيام الملاك النفسيّ بالمجموع و قيام الملاك الغيري بكل واحد من الاجزاء. و الطلب الواحد بسيط لا يعقل تعلّق الأكيد منه بالمجموع، إذ ليس فيه ملاكان. و لا بالجزء لعدم قيام ملاكين به، و لا يعقل تأكد البسيط في الجزء دون الكل. مضافاً إلى ان القابل للتأكد هي الإرادة دون البعث الاعتباري، إذ لا اشتداد إلا في بعض المقولات دون كلها. و اما مجرد التقدّم و التأخّر بين الوجوبين بالعليّة و المعلولية فلا يمنع عن التأكد في الوجود، لأن المتقدّم و المتأخّر بالطبع لا مانع من اتحادهما في الوجود، فلا مانع عن التأكّد في الوجود المنسوب إليهما. و امّا اختصاص أحد المتماثلين بالوجود دون الآخر بعد فرض امتناع اجتماعهما، فلأن تأثير الملاك الغيري فرع تأثير الملاك النفسيّ، فلا يعقل ان يكون مانعاً عن تأثيره.

و من جميع ما ذكرنا تبين ان مطلق المقدمية ليس علة تامة للوجوب المقدّمي، بل المقدّمية الخاصة فيما إذا كان بين المقدمة و ذيها تغاير في الوجود حتى يعقل تعدد البعث، و بقية الكلام في النهاية(1).

و امّا المقدمات الخارجية فهي منحصرة في المقتضي و الشرط و المعدّ، فان المقدّمة اما ان يترشح من مقام ذاتها فهو المقتضي، و اما لا يكون كذلك بل يكون متمماً لفاعلية الفاعل أو لقابلية القابل فهو الشرط، و اما لا يكون كذلك بل شأنه تقريب المؤثر إلى اثره كالحركات الأينية إلى مقصد خاص فهو المعدّ.

إلا انّه ليس في الأفعال الاختيارية التي يعرضها التكليف ما يترشح من مقام


1) نهاية الدراية: ج 1، ص 161.

ذاته فعل آخر، و ما يسمى بالافعال التوليدية فليس ما يتولد منه مقتضياً و مفيضاً لوجوده، كالإلقاء في النار بالنسبة إلى الإحراق، بل الإلقاء إيجاد شرط الإحراق، حيث انه لا تأثير و لا تأثر بين النار و الجسم المحترق إلا بالمماسة و الوضع و المحاذاة، فليكن المراد من المقتضي و السبب في هذا الباب هذا المعنى، و هو كلّ فعل يتولد منه فعل آخر.

و عليه فهل المقدّمات الخارجية كلّها محل النزاع أم يختص النزاع ببعضها؟

فقيل باختصاص النزاع بغير المقدّمة السببيّة، كما انه حكي اختصاص النزاع في باب الشرائط بغير الشرائط الشرعية، فهنا موردان للكلام:

(المورد الأول)- في اختصاص النزاع بغير المقدمة السببية، نظراً إلى انّه في مورد المقدمة السببيّة لا بدّ من صرف الوجوب المتعلّق بالمسبب إلى سببه، فالسبب واجب بوجوب نفسي، حيث لا وجوب حقيقة لمسببه حتى تكون مقدمته واجبة بوجوب مقدّمي، فيختص محل النزاع بما ليس فيه موجب الصرف.

و مما ذكرنا تبين ان حق التحرير ما ذكرنا لا اختصاص الوجوب المقدّمي بالمقدّمة السببيّة دون غيرها.

و اما موجب صرف التكليف من المسبب إلى سببه فأمور:

منها- انه لا يعد من افعال المكلف كما في رمي السهم، فانه ربّما يموت الرامي قبل وصول السهم و تأثيره في المرمي، فلو كان تأثير السهم من افعال الرامي لزم انفكاك المعلول عن علته. و هذا خلط بين العلة الفاعلية و العلة المعدّة، و الإنسان ربما يكون بالإضافة إلى بعض أفعاله شأنه الاعداد، و لا يشترط في العلة الإعدادية بقاؤها عند وجود المعلول.

و منها- ان الفعل التوليدي لا يكون مقدوراً بل المقدور هو السبب. و أجيب بان المقدور بالواسطة مقدور. و يمكن الخدشة فيه بان القدرة على السبب ان كانت

من قبيل الواسطة في العروض فهذا اعتراف بأنه لا قدرة حقيقة على المسبب و إنّما تنسب القدرة إليه عرضاً و مجازاً، و اللازم في باب التكليف بشي‌ء هي القدرة عليه حقيقة. و ان كانت من قبيل الواسطة في الثبوت فهو خلاف الواقع، إذ الحركات العضلانية هي المنبعثة عن قوّة جسمانية منبثة في العضلات، و هي ليست إلا السبب فقط. و تندفع باختيار الشق الثاني، و منع قصر القدرة على القوّة الجسدانية المخصوصة بالحركات العضلانية، بل هي بعض مراتب القدرة، و انّما القدرة بمعناها العام- الّذي يعمّ قدرة الواجب و الممكن و الأفعال النفسانيّة و الجسمانية و الأفعال المباشرية و التوليديّة- هي كون الشخص بحيث إن شاء فعل و ان لم يشأ لم يفعل، و هذه الحيثية تارة ذاتية لذات القادر كقدرة الواجب، و أخرى زائدة على ذاته. و مصححها اما قوّة النّفس كما في الأفعال النفسانيّة و اما قوّة في البدن كالأفعال الجسمانية، فكما انه بلحاظ هذه القوّة له ان يلقي و أن لا يلقي كذلك بهذه الملاحظة له أن يحرق و ان لا يحرق بسببه. و الحاجة إلى السبب لا تخرج الفعل عن كونه متحيثاً بهذه الحيثية بسببه.

و منها- ان المسبب حيث ان ترتبه على سببه قهري فهو اما واجب الصدور أو ممتنع الصدور، فليس هنا ممكن الصدور حتى يتعلّق به التكليف، فالإشكال من ناحية عدم الإمكان، و هو غير الإشكال من ناحية عدم القدرة. و يندفع بأنه خلط بين الإيجاب و الامتناع ذاتياً أو وقوعياً و بين الأمرين بالغير، و الوجود مع العلة و العدم مع عدمها من الثاني، و المانع عن تعلّق التكليف هو الأوّل. و من البيّن ان التكليف متعلّق بالمسبب لا به مقيّداً بسببه و لا مقيّداً بعدمه فتدبّر جيّداً.

و عن غير واحد من أعلام العصر (قدس سرهم) التفصيل في الأفعال التوليدية بين مثل شرب الماء و رفع العطش به و بين مثل الإلقاء في النار و الإحراق،

بدعوى ان شرب الماء و رفع العطش فعلان متغايران متغايران في الوجود، فيمكن تعلّق التكليف بكل منهما، فلا مانع من اتصاف السبب بالوجوب المقدّمي، بخلاف الإلقاء و الإحراق، فانّهما عنوانان لفعل واحد، فالتكليف النفسيّ بأحدهما تكليف بالآخر، فلا تعدد في الوجوب حتى يكون أحدهما نفسياً و الآخر مقدمياً.

و قد بيّنا في محلّه ان مقتضى اتحاد الوجود و الإيجاد بالذات و اختلافهما بالاعتبار خلاف ذلك، بداهة ان وجود الملاقاة غير وجود الحرقة، فإيجاد أحدهما غير إيجاد الآخر. و منه تبيّن حال الغسل و التطهير، فان الطهارة ان كانت أثراً للغسل فلا محالة وجودها غير وجوده فإيجادها غير وجوده. نعم من لا يرى الطهارة إلا نفس الغسل و لو بشرائط خاصة كان له ان يقول بذلك، لكنّه يخرج عن عنوان السبب و المسبب و عنوان الفعل التوليدي و الفعل المتولد منه.

(المورد الثاني)- في اختصاص النزاع بغير الشرائط الشرعية، بتقريب ان الاتفاق على شرطيته شرعاً اتفاق على وجوبه شرعاً، إذ لا طريق إلى شرطيته إلا من قبل التكليف به شرعاً، و حيث لا وجوب نفسي للشرط فالوجوب المتفق عليه وجوب غيري، فلا معنى للنزاع في وجوبه المقدّمي، فالنزاع في غيره مما ليس فيه هذه الخصوصية. و يندفع بان الاتفاق على الشرطية الشرعية الجعلية اتفاق على مصحح انتزاع الشرطيّة. و قد عرفت في البحث عن الأحكام الوضعيّة انه يستحيل ان يكون إيجاب الطهارة مصححاً لانتزاع الشرطيّة، كما يستحيل ان يكون إيجاب التكبيرة- مثلًا- مصححاً لانتزاع الجزئيّة، بل لا بدّ من ان يتعلّق التكليف بمركب أو مقيّد حتى يصح انتزاع الجزئيّة في الأوّل و انتزاع الشرطيّة في الثاني، فالإيجاب المقدّمي المختص بذات الطهارة ليس مصححاً لانتزاع الشرطيّة الجعلية حتى يكون الاتفاق على الشرطيّة اتفاقاً على الوجوب المقدّمي. و بقيّة الكلام في النهاية.

و منها- ان المقدمة تنقسم إلى العقلية و الشرعية و العادية. و لا يخفى ان

المقسم مقدمة وجود الواجب لا الأعم منه و من وجود المصلحة، و حينئذٍ فالتقسيم بملاحظة ان التوقف تارة واقعي و أخرى جعلي، و الثاني هي المقدّمة الشرعية كالطهارة للصلاة. و الأول اما يمتنع وجود شي‌ء بدونه امتناعا عقلياً، كالصعود على السطح بلا طيّ المسافة لاستحالة الطفرة، و اما يمتنع وجوده بدونه امتناعا عادياً بحيث يمكن خرق العادة كالصعود بلا نصب السلّم و نحوه مع إمكان الطيران بقوة إلهية لمن لا جناح له. و الكل محل النزاع. و إرجاع الكل إلى العقليّة كما عن كفاية الأستاذ(1)(قده) من باب الضرورة اللاحقة مع ان القسمة بلحاظ الضرورة السابقة فتدبّر.

و منها- انها تنقسم إلى مقدّمة الوجود و الصحة و الوجوب و العلم بالامتثال.

اما مقدمة الوجود فهي منحصرة في المقدّمة العقلية و العادية، حيث ان ذات ذي المقدمة مع قطع النّظر عن جعل أي جاعل لا توجد بدونها.

و امّا مقدمة الصحة فذوات اجزاء الصلاة بما هي حركات خاصة لا توقف لوجودها على وجود الطهارة مثلًا، بل اما هي مقدّمة لوجود الصلاة بما هي واجبة إذا كانت الصلاة الخاصة واجبة بحيث تكون الصلاة المتقيّدة بالطهارة واجبة بوجوب نفسي، فما لم تقع الصلاة مقرونة بها لم يوجد مطابق الواجب بما هو، و اما هي مقدمة لوقوع الصلاة امتثالا لأمرها إذا كان الواجب ذات الصلاة، لكنّه حيث لا يترتب عليها الغرض فعلًا إلا عند وجود المسمى بالشرائط فهي بهذا الاعتبار شرط الصحة، و إلا فما تعلّق به الأمر ذات الصلاة، فالتقييد وارد على الواجب لا خصوصية في الواجب، و هذا هو الصحيح الموافق للبرهان كما نبهنا عليه سابقاً. و منه تعرف ان رجوع مقدمة


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 143.

الصحة إلى مقدمة الوجود على أي وجه لا لأجل انها مقدّمة لوجود الصحيح، فانّه أيضا من الضرورة اللاحقة لا السابقة فتدبّر.

و امّا مقدمة الوجوب فهي بحسب العنوان خارجة عن محل النزاع، بل يستحيل دخولها في محل النزاع بحيث يسري الوجوب إلى شرط نفس الوجوب، إذ مع ثبوته لا مجال للبعث نحو تحصيله، لأنه من المعلول بلا علّة، و مع عدمه لا وجوب نفسي حتى يترشح منه وجوب مقدّمي.

و منه يعلم حال المقدّمة العلمية، فانّها خارجة عن عنوان المسألة، فانه يستحيل ان تكون المقدّمة العلمية مما يتوقف عليها وجود الواجب، و اما سريان الوجوب إلى تحصيل العلم بوجود الواجب فانّما يستحيل إذا كان باقتضاء نفس وجوب الواجب لا بوجوب آخر منبعث من إيجاب ذات الواجب، فان إيجاب التحصيل يستحيل ان يكون إيجاباً لشي‌ء متعلّق بحصوله، و اما إيجاب آخر لشي‌ء متعلّق بحصوله بعد إيجاب تحصيله و في مرتبة متأخّرة عنه فلا مانع منه.

نعم لا مقتضي له. فتدبّر جيّداً.

و منها- انها تنقسم إلى متقدّمة و مقارنة و متأخّرة. و عمدة الإشكال في المقدّمة المتأخّرة، لأن المتقدّمة قابلة لإرجاع ما ورد في الشريعة منها إلى المقدّمة الإعدادية، و لا يجب مقارنة المعدّ للمعدّ له، بخلاف المتأخّرة، لأنه كما يستحيل المقتضي و الشرط المتأخّر كذلك المعدّ المتأخّر. فنقول: كما ان عدم مقارنة المقتضي للمقتضى محال، لاستحالة ترشح الموجود من المعدوم كذلك تأخّر ما هو شرط بحقيقة الشرطيّة، لأن الشرط اما مصحح فاعلية الفاعل أو متمم قابليّة القابل، فلا بدّ من مقارنته للفاعل أو القابل، إذ المعدوم ليس له هذا الشأن، و هو صيرورة الفاعل بالذات فاعلًا به بالفعل أو القابل بالذات قابلًا به بالفعل، و لا اقتران بين الموجود و المعدوم. نعم ربما يفصل بين شرط المأمور به و شرائط التكليف و الوضع، نظراً إلى ان الشرطيّة للمأمور به مرجعها إلى تقييد

المأمور به بالمسمى بالشرط، فيكون الامتثال مراعى بإتيانه، نظير المركب من الاجزاء المتدرجة في الوجود، فان الأثر يحصل عند تحقيق الجزء الأخير منها.

و يندفع بأنه يمكن ان يقال: ان المركب من الاجزاء مؤلّف من مقدّمات إعدادية لا بدّ منها على الترتيب المحصل تدريجا لقابليّة المحل لإفاضة صورة على المادة التامّة القابليّة من دون اعتبار سبب هو من أفعال المكلّف، بحيث يكون هو المقتضي و المترشح منه الأثر، بخلاف الشرط، فانه ان آل الأمر فيه إلى انه الجزء الأخير من المقدّمات الإعدادية، فهو خلف، لفرض شرطيته لشي‌ء هو الفاعل أو القابل، و ان بقي على حاله من لزوم اقتران المأمور به بالمسمى بالشرط كالغسل في الليلة المستقبلة لصوم النهار الماضي بلحاظ دخله في رفع الحدث الّذي لا أثر للصوم معه، فلا معنى لحصول أثر الصوم عند تحقق الغسل في الليلة المستقبلة مع عدم رفع الحدث مقارناً للإمساك النهاري.

هذا آخر ما صدر من قلمه الشريف في هذه المسألة. و الحمد للّه أوّلًا و آخراً.

في إمكان اجتماع الأمر و النهي و امتناعه

و تحقيق القول فيه برسم أمور:

(الأوّل)- اجتماع الحكمين- بناءً على تضاد الأحكام الخمسة كما هو المعروف- في واحد حقيقي حيث انه من الاجتماع المحال، فلا بدَّ من الالتزام بتعدد الوجود بالدقة لتعدد المقولة لمن يقول بالإمكان، فالعمدة تحقيق تعدد المقولة و تعدد الوجود و عدمه.

فنقول: ربما يقال بان الصلاة من مقولة الوضع حتى على القول بدخول الهوي إلى الركوع و السجود في حقيقتهما المطلوبة شرعاً، و ان الغصب من مقولة الأين، و المقولات متباينات ماهية و وجوداً، و لا يمكن جعل الحركة، جامعاً لهما، فان قيام الصلاتية و الغصبيّة بحركة واحدة ان كان بنحو قيام الفصل بالجنس لزم ان يكون لجنس واحد فصلان في عرض واحد، و هو غير معقول، و ان كان بنحو قيام العرض بموضوعه لزم قيام العرض بالعرض، و هو محال. و التحقيق ان مقولة الأين و ان كانت مباينة لمقولة الوضع و ليست مقولة مقومة لمقولة أخرى و لا المركب من مقولتين مقولة برأسها. إلا انه ربما تكون مقولة مقومة للجزء شرعاً، كمقولة الأين للسجود، فان المماسة للأرض بوضع الجبهة عليها و ان كانت غير هيئة السجود إلا انّها معتبرة في الجزء شرعاً، فما هو عين التصرف في

الأرض مقومة للجزء لا للمقولة، و كذا الاستقرار على الأرض في القيام و الجلوس عليها في التشهد و نحوه، فانها غير مقولة الوضع لكنّها من واجبات الصلاة. و منه تبيّن انه لو اعتبر الهوي في الركوع و السجود كان عين مقولة الحركة في الأين مقومة للجزء شرعاً، و ان كان ذات الجزء من مقولة الوضع. فتوهّم ان الركوع و السجود من مقولة الوضع حتى على هذا القول غفلة، بل الجزء مركب من مقولتين.

(لا يقال): ليس مجرد مقولة الأين غصباً بل باعتبار كراهة المالك، فالكون الأيني باعتبار هذه الإضافة غصب، فالغصب في الحقيقة من مقولة الإضافة، و المقولات متباينات ماهية و وجوداً، فما هو مقوم الجزء مقولة غير ما هو غصب، فانه من مقولة الإضافة.

(لأنا نقول): مقولة الإضافة- كما بيّن في محله- لا تستقل بالتحصّل، بل دائماً تعرض سائر المقولات و تحصلها بتحصّل مقولة أخرى، و ان وجودها المقولي وجود بالقوّة و فعليته بالاعتبار، و لذا مع عدها في المقولات قالوا بأنها اعتبارية. و منه تعرف ان الكون الأيني النسبي وجوده وجود ما هو متعلّق إضافة كراهة المالك و ان كان فعلية الانتزاع متقومة بالاعتبار و القياس إلى الغير.

و حديث امتناع قيام العرض بالعرض ان كان صحيحا فهو في الاعراض المستقلّة بالتحصّل، لا كمقولة الإضافة التي مقوليتها دائما بوجودها بالقوة.

فتدبّر.

بل التحقيق انه لو لا ما ذكرنا من تقوّم بعض الاجزاء بما هو مصداق لمقولة الغصب لم يكن تركيب بين الصلاة و الغصب لا اتحادياً و لا انضماميا، بيانه ان اجزاء الصلاة بعضها من مقولة الكيف المسموع كالقراءة و الأذكار، و هي لا مساس لها بالمكان ليكون لها كون أيني نسبي، و باعتبار حركة الشفتين و ان كان لها مساس بالقضاء إلا انّها لا تعد تصرفاً عرفاً. و الأمر أوضح في سائر

الاجزاء التي هي من مقولة الوضع، فان هيئة القيام و القعود و الركوع و السجود بما هي هيئات ليس لها كون أيني، فانه من لوازم الجسم، و الجسم هو الشاغل للمكان، و هذا الكون هو مصداق الغصب، و هو قائم بالجسم لا بالهيئات حتى يتوهم تركّب الصلاة و الغصب اتحادياً أو انضمامياً. و منه يتضح انه لا موقع لجعل الصلاة من مشخّصات الغصب و جعل الغصب من مشخّصات الصلاة، كما يتضح ان من يدعي امتناع قيام العرض بالعرض كيف يسلم مشخّصية إحدى المقولتين للأخرى مع عدم قيام إحداهما بالأخرى؟ و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى بقيّة الكلام عند التعرض لدليل القائل بالامتناع.

(الثاني)- ان هذه المسألة لها جهتان من البحث (إحداهما)- ما عرفت من حيثية اجتماع الضدين، و قد عرفت ابتناءها عندهم على تعدد المقولة و وحدتها (ثانيتهما)- حيثيّة لزوم التكليف بما لا يطاق فيما إذا اجتمع الحكمان في المتلازمين، فان هذا المحذور وارد و ان كانت الصلاة و الغصب متعددتين مقولة و وجوداً، و قد مرَّ في أواخر الترتب ان المحذور المزبور انما يرد إذا تعلّق التكليف بالافراد بنحو التخيير الشرعي أو بالطبيعة الملحوظة فانية في افرادها، و اما إذا تعلّق بصرف وجود الطبيعة من دون نظر إلى الافراد بلا واسطة و لا معها فلم يلزم من قبل المولى تعلّق التكليف بغير المقدور، بل ما هو متعلّقه مقدور بالقدرة على بعض افراده و انطباقه على فرده قهري، و تطبيقه على ما يلازم الحرام بسوء الاختيار- إذا لم يلزم منه محذور في مرحلة التقرب و الامتثال- لا مانع منه.

و قد مرَّ سابقاً انه لا فرق بين ان يكون اعتبار القدرة بحكم العقل العملي أو بحكم العقل النظريّ. و ليس الامتثال اللازم عقلًا في العبادة إلا إتيان المأمور به بداعي امره، فيدعوه الأمر المتعلّق بصرف وجود الصلاة- مثلًا- إلى إتيانها بتطبيقها على فردها و ان كان لهذا الفرد ملازم حرام، إذ وجود الملازم لا يوجب نقصاً في فرديته لطبيعته، و لا في دعوة الأمر بها. و توهم ان امتزاج أحد الفردين

بالآخر خارجاً يمنع عن التقرب عقلًا كلام شعري بعد الاعتراف بتعدد المقولة و تعدد الوجود. و قد عرفت انه لا موقع لمشخصية وجود مقولة لوجود مقولة أخرى مع عدم قيام إحداهما بالأخرى. و قد مرَّ مراراً ان مقتضى صرافة وجود الطبيعة و ملاحظتها بنحو اللابشرط القسمي هو رفض القيود لا الجمع بين القيود حتى يلزم توجه الأمر من المولى إلى الطبيعة الملازمة للحرام. فتدبّر جيّداً.

(الثالث)- انه ربما يتخيّل ان الجواز و الامتناع يبتني على بعض المباني كتعلّق الأمر بالطبيعة أو الافراد، أو كون الوجود أصيلًا أو الماهيّة، أو كون الجنس و الفصل أو لواحقهما العرضيّة متمايزة في الوجود أو لا، فهنا مقامات:

(أحدها)- في الابتناء على تعلّق الأمر بالطبيعة أو الفرد. و قد عرفت المراد منه في المبحث المعدّ له (1)، و عليه إذا كانت هناك مقولتان فهناك طبيعتان و فردان، و إذا كانت مقولة واحدة فهناك طبيعة واحدة و فرد واحد، و ان كان لهما عنوانان. و امّا إذا كان المراد من البحث السابق دخول المشخصات في المطلوب و عدمه فربما يتخيّل الفرق، لما ثبت عنده من كون إحدى المقولتين مشخصة للأخرى. و قد عرفت فساده، بل الأمر كذلك على ما يراه شيخنا الأستاذ(2)(قده) من كون المشخصات الحقيقية مقوّمة للمطلوب بناءً على تعلّق الأمر بالفرد، فان المكان بما هو مشخص مشهوري لا بما هو معنون بعنوان قبيح، فلا فرق بين تعلّق الحكم بالطبيعي أو بالفرد على هذا المبني أيضا.

(ثانيها)- في الابتناء على أصالة الوجود أو الماهية. و ما يظهر من الفصول (3)في وجه الابتناء ان الوجود إذا كان امراً اعتبارياً فهو يتعدد بتعدد ما أضيف إليه، و المضاف إلى ماهية الصلاة مغاير للمضاف إلى ماهية


1) في ص 101 تحت عنوان« الفصل الثالث».

2) كفاية الأصول: ج 1، ص 240.

3) الفصول الغروية: ص 125.

الغصب، بخلاف ما إذا كان الوجود أصيلًا، فان المفروض وحدة الهوية العينية في عنوان هذا البحث، فما يرد عليه الأمر عين ما يرد عليه النهي. و ما ذكره (قدّس سرّه)- بناءً على ما هو المعروف في عنوان النزاع من اجتماع الأمر و النهي في واحد شخصي- صحيح لا محذور فيه. نعم بناء على ما هو التحقيق- من رجوع القول بالجواز إلى تعدد المقولة و تعدد الوجود، و رجوع القول بالامتناع إلى وحدة المقولة و وحدة الوجود و ان تعدد العنوان- لا مجال للابتناء المزبور.

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام.

(ثالثها)- في الابتناء على التمايز المذكور كما في الفصول، و وجه ذلك ان نسبة المنهي عنه إلى المأمور به تارة نسبة الفصل إلى الجنس و بالعكس، أو نسبة المحمولات العرضية إلى هوية واحدة، فان كانت من قبيل الأولى فالتركيب بين الجنس و الفصل، ان كان انضمامياً كان متعلّق الأمر و النهي متعدداً في الوجود، و ان كان اتحادياً فالوجود واحد، فلا مجال للجواز، و ان كانت من قبيل الثانية فالامر- من حيث التمايز الموجب لتعدد الوجود و عدمه الموجب لوحدته- كما مرَّ. و ان كان الصحيح عدم التمايز لأن المحمولات الاشتقاقية هي القابلة للحمل على الهوية العينية، و المشتقات غير موجودة بالذات، و لذا لا تدخل تحت المقولات، فالوجود الواحد ينسب إلى الموضوع بالذات و إلى محموله الاشتقاقي بالعرض.

نعم من يقول بان اعتبار اللابشرطية في المبادئ يصحح حملها له ان يقول بتمايز مورد الأمر و النهي من حيث تعدد الوجود في المبادئ حقيقة و ان اتحد ما تقوم المبادئ به. لكنّه غير صحيح كما أوضحناه في محله.

و هذا الابتناء أيضا مبني على ملاحظة عنوان البحث و التسليم هوية واحدة هي مجمع الماهيتين أو العنوانين.

و بعد تمهيد هذه الأمور نقول: ان أقوى ما يستدل به لامتناع الاجتماع ما

أفاده شيخنا الأستاذ(1)(قده) و هو مبني على مقدمات أربعة:

(إحداها)- تضادّ الأحكام الخمسة و عدم إمكان اجتماع المتضادين في واحد شخصي من حيث الوجود.

(ثانيتها)- تعلّق الأحكام بالطبائع من حيث فنائها في الهويات الخارجية، و المفروض وحدة الهوية في عنوان المسألة.

(ثالثتها)- عدم تعدد المعنون بتعدد العنوان كما في الصفات الذاتيّة الصادقة عليه تعالى من دون اعتبار حيثية.

(رابعتها)- ان الهوية الواحدة كما انها وجود واحد كذلك لها ماهية واحدة، لاستحالة تعدد الماهية و وحدة الوجود.

و هذه المقدمات كلّها في فرض عنوان المسألة، و هو وحدة الهوية. و تعددها بالدقة لا يكون إلا بتعدد المقولة، فيلزم وجود مقولتين بوجود واحد شخصي، و هو محال، لأن المقولات متباينة ذاتاً و وجوداً، و اما بتعدد العنوان، و تعدده لا يقتضي تعدد المعنون. و مع انحفاظ الوحدة ذاتاً و وجوداً لا يعقل اجتماع المتضادين في ذلك الواحد. و اما دعوى إمكان وحدة الوجود مع تعدد المقولة أو وحدة الإيجاد مع تعدد الوجود فغير موافقة للقواعد العقلية، فان كون مقولة يستحيل ان يكون كون مقولة أخرى، و كلّ فعلية تأبى عن فعلية أخرى، و اتحاد الموجودين في الوجود لا يعقل إلا فيما إذا كان أحدهما بالقوة و الآخر بالفعل كالمادة و الصورة، لا فيما إذا كان كلّ منهما مقولة برأسها، كما ان الإيجاد و الوجود متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فمن حيث قيام الطارد للعدم بفاعله قياماً صدورياً إيجاد، و من حيث قيامه بالماهية قيام حلول وجود، فلا يعقل تعدد الوجود و وحدة الإيجاد. و قد مرَّ مراراً ان الفعل التوليدي غير متحد الوجود


1) كفاية الأصول: ج 1، ص 249.

و الإيجاد بالمتولد منه، فالإلقاء إيجاد الملاقاة و الإحراق إيجاد الحرقة، و كما ان وجود الملاقاة مغاير لوجود الحرقة كذلك إيجاد الملاقاة مغاير لإيجاد الحرقة. و منه تعرف ان الإحراق و التدخين عين الحرقة و الدخان ذاتا، و الكل غير الإلقاء إيجادا و وجودا. كما يتضح بذلك ان أحد الفعلين التوليديين إذا كان مورداً للأمر و الآخر مورداً للنهي فجمع المكلف بينهما بسبب واحد يتولدان منه كان خارجاً عن مورد النزاع، لا لأن السبب هو المأمور به و له عنوانان، بتخيل عنوانية الفعل التوليدي للمتولد منه، فليس هناك مقولتان انضمّت إحداهما إلى الأخرى، بل لأن مورد الأمر غير مورد النهي حقيقة من دون توهم تركيب انضمامي أو اتحادي، كما إذا امر بإكرام زيد و نهي عن إكرام عمرو فقام لهما إكراماً، فان موضوع الأمر و النهي متعدد بلا توهم تركيب أصلًا. و عليه فملاك إمكان الاجتماع تعدد المقولة المستلزم لتعدد الوجود، و ملاك الامتناع وحدة الوجود و ان تعددت جهاته و عناوينه.

إذا عرفت ما ذكرنا فنقول: في مقدمات البرهان المذكور بعض ما يمنعني حفظ الأدب مع شيخنا الأستاذ (قده) عن التعرض له، إلا ان الحق أحق ان يتبع.

(اما المقدمة الأولى) فهي في الاشتهار كالشمس في ضحى النهار إلا انّه لا أصل لها، و ينبغي تنزيه الفكر عمّا لا برهان عليه بل البرهان على خلافه، و ذلك لأن التضادّ من أحوال الصفات الخارجية للموجودات العينية و ان كانت انتزاعية، و الحكم اما يراد منه البعث و الزجر الانتزاعيان من الإنشاء بداعي جعل الداعي أو مبدؤهما من الإرادة و الكراهة النفسانيّة، و لكل منهما موضوع يقومان به و متعلّق يتعلّقان به. اما الحكم بمعنى البعث و الزجر فهو بحسب التحليل ينحل إلى لفظ يقصد به البعث النسبي، و هو منشأ لانتزاع البعث الاعتباري إذا كان بداعي جعل الداعي و الباعث. و فردان من طبيعي

اللفظ و ان لم يمكن اجتماعهما في موضوعهما و هو شخص المتكلم في زمان واحد، إلا ان اجتماع الأمر و النهي المبحوث عنه لا يتوقف على اجتماعهما لفظاً و إنشاءً في زمان واحد، و الكلام الإنشائي الواحد و ان لم يمكن منشئيته لانتزاع البعثين أو البعث و الزجر، إلا ان المفروض في اجتماع الأمر و النهي إنشاءان، أحدهما منشأ لانتزاع البعث، و الآخر لانتزاع الزجر، فمن حيث الموضوع و المنشأ لا اجتماع في واحد بحيث يرتبط بالمبحوث عنه هنا. و اما من حيث المتعلّق فتارة يلاحظ شخص الفعل بما هو مقوم للبعث الاعتباري، فهو و ان لم يعقل كونه مقوماً لبعث آخر أو زجر، إلا ان الاجتماع المبحوث عنه لا يتوقف عليه.

و أخرى يلاحظ شخص الهوية العينية التي هي مجمع العنوانين، فهي لا يعقل ان تكون مقومة للبعث الاعتباري أو الزجر الاعتباري، و إلا لزم تأصل الأمر الاعتباري أو اعتبارية المتأصل، و كلاهما محال. و ثالثة يلاحظ، طبيعي الصلاة و طبيعي الغصب، فكل من الطبيعيين مقوم لأمر اعتباري غير ما هو مقوم لأمر اعتباري آخر، فلا اجتماع لاعتبارين في واحد. و ملاحظة الطبيعيين فانيين في واحد شخصي لا توجب سراية الأمرين الاعتباريين إلى ذلك الواحد، لأن الفناء لا يوجب إمكان المحال، و المفروض استحالة قيام الأمر الاعتباري بالخارج عن أفق الاعتبار. و اما اجتماع البعثين أو البعث و الزجر في واحد طبيعي- و هو طبيعي الحركة الكلية الجامعة للصلاتية و الغصبية- فلا محذور فيه من حيث اجتماع الضدين في واحد، لأن اجتماعهما في الواحد الشخصي محال لا في الواحد النوعيّ، لأن طبيعي الفعل دائماً مورد للأمر و النهي و لو بالنسبة إلى مكلّفين متعددين أو من الموالي المتعددين. و تعدد المكلّف و تعدد الآمر أجنبي عن اجتماع الضدين في واحد. فاتضح مما ذكرنا ان البعث و الزجر ليسا من العوارض العينية بل الاعتبارية، و ان المتعلّق ليس من الموجودات الخارجية بل العنوانية، و ان الوحدة ليست شخصية بل طبيعية، فلم يلزم اجتماع المتضادين

في واحد شخصي. و اما الحكم بمعنى الإرادة التشريعية النفسانيّة أو الكراهة كذلك- و هما مبدأ البعث و الزجر- فالامر فيه موضوعاً و متعلقاً أوضح، لإمكان اجتماع إرادات و كراهات في موضوعها و هي النّفس في زمان واحد، لتجردها و بساطتها، فمن حيث الموضوع الّذي به العبرة في اجتماع المتضادين لا مانع من اجتماع الإرادتين أو الإرادة و الكراهة، و من حيث المتعلّق فحالهما حال البعث و الزجر الاعتباريين، فانهما يتشخصان بمتعلقهما في أفق النّفس، و يستحيل ان تكون الحركات الأينية و الهيئات الوضعيّة قائمة بموضوع النّفس و مقومة لصفتي الإرادة و الكراهة، مع انه من البديهي ان الإرادة و الكراهة كالبعث و الزجر موجودة و لا وجود للهوية العينية، فالمراد بالذات هو الوجود العنواني و مطابقة المراد بالعرض، فالفناء بمنزلة الواسطة في العروض لا في الثبوت، فلم يلزم قيام صفتين متضادتين بفعل واحد شخصي عيني، و لا تقاس الإرادة التشريعية و الكراهة التشريعية بالتكوينية منهما، فانّهما في الثانية الجزء الأخير من العلة التامة للفعل و الترك. و لازمه الفعل و الترك في زمان واحد، و التشريعية منهما هي الجزء الأخير من العلة التامة للبعث و الزجر، و قد عرفت حالهما. و الغرض عدم لزوم محذور اجتماع الضدين لا عدم لزوم محذور آخر أحياناً- مثلًا- محذور تعدد البعث نحو وجود واحد من الطبيعي ليس اجتماع المثلين كما هو المعروف بل شي‌ء آخر، فان البعثين ان كانا عن مصلحة واحدة و إرادة واحدة لزم صدور الكثير من الواحد، و ان كانا عن مصلحتين في واحد لزم صدور الواحد من الكثير في فرض انقياد العبد لمولاه. و اما تعلّق الإرادة و الكراهة و البعث و الزجر بالفعل، فان كان المجمع مقولة واحدة ذات عنوانين فلازم تعلّق البعث و الزجر بما لهما من المبادئ بالمجمع- و هو الوجود العنواني و العدم العنواني عند انقياد العبد لمولاه- اجتماع النقيضين، و هما فعل المقولة باعتبار عنوان الصلاة و تركها باعتبار عنوان الغصب، لما مرَّ مراراً من ان البعث و الزجر الاعتباريين

منزلتهما من الدعوة نحو الفعل و الترك منزلة القوّة من الفعل و الإمكان من الضرورة، فإذا انقاد العبد لمولاه كان الداعي بالاقتضاء داعياً بالفعل و الداعي بالإمكان داعياً بالإيجاب، و إذا لم يعقل انبعاث العبد نحو فعل واحد و انزجاره عنه في زمان واحد لم يعقل البعث و الزجر اللذين لا يترقب منهما الانبعاث و الانزجار. و ان كان المجمع مقولتين فلازم توجه البعث نحو وجود إحدى المقولتين و الزجر نحو المقولة الأخرى، هو التكليف بالمتنافيين، لعدم إمكان وجود الصلاة في المكان المغصوب مع عدم الغصب، فلازم تأثير البعث و الزجر في الفرض اجتماع المتنافيين في الخارج. و هذا المحذور كما بيّناه سابقاً إنّما يلزم إذا تعلّق الأمر بطبيعي الصلاة الملحوظة فانية في افرادها، و اما إذا تعلق بصرف الوجود- و كان مقتضى الصرافة و اللابشرطية رفض القيود لا الجمع بين القيود- لم يلزم تعلّق التكليف، بالمتنافيين فراجع ما قدّمنا.

و مما ذكرنا تبين عدم محذور في اجتماع الأمر و النهي، لا من حيث التضاد و لا من حيث التكليف بغير المقدور، لا مع وحدة المقولة و لا مع تعددها.

و (اما المقدّمة الثانية) فقد علم حالها مما مرَّ من ان الهوية العينية يستحيل ان تكون مقومة للأمر الاعتباري أو للصفة النفسانيّة، و الإيجاد عين الوجود بالذات، فتوهم إمكان تعلّق البعث بالإيجاد و ان لم يمكن تعلّقه بالوجود باطل، كما ان توهم اتحاد الوجود العنواني و الوجود العيني- كاتحاد الماهية في مرحلة الذهن معها في الخارج- أيضا فاسد، فان نسبة الوجود العنواني إلى الوجود العيني ليست كنسبة الطبيعي إلى فرده، بل كنسبة مفهوم الوجود إلى مطابقه.

و قد مرّ مراراً ان فناء العنوان في معنونه واسطة في العروض لا في الثبوت، فالفناء لا يوجب إمكان المحال، و هو سراية ما في أفق الاعتبار إلى أفق التأصل أو ما في أفق النّفس إلى أفق الخارج بعد وضوح ان البعث المطلق و الشوق المطلق لا يوجد، فتدبّر جيّداً.

و (اما المقدمة الثالثة) ففيها تفصيل مجمله ان العناوين الاشتقاقية حيث ان معروضها الذات المتحيثة بحيثيات المبادئ المختلفة فحملها لا يستدعي تعدد الذات بل تعدد الحيثيات، و اما ما يحمل على شي‌ء بحمل هو هو لا بحمل ذي هو فالبرهان قائم على ان المفهوم الواحد لا ينتزع عن المطابقات المختلفة بجهات تخالفها، للزوم وحدة الكثير، و هو خلف، كذلك لا تنتزع المفاهيم المتعددة عن الواحد بجهة وحدة لا بجهات مختلفة، للزوم كثرة الواحد، و هو خلف، فإذا صحّ انتزاع الصلاتية و الغصبية عن حركة واحدة فلا محالة يكون مطابق كل عنوان تلك الحيثية القائمة بالحركة. إلا انّك قد عرفت سابقاً ان هناك مقولتين لا مقولة واحدة ذات حيثيتين. و اما صدق مفاهيم الصفات الكمالية على المبدأ الأعلى فليس من باب انتزاع الكثير عن الواحد، لأن تلك المفاهيم- كما حقق في محله- مطابقها حقيقة الوجود، فلذا تكون عين ذات الواجب، فالعلم هو الحضور ذاته لديه بعين ثبوت ذاته، فالحضور هو الوجود بل الأمر في العلم كذلك في علم النّفس بذاته أيضا، فانه بعين حضورها لذاتها، و ثبوت الشي‌ء لنفسه ضروري. و بقية الكلام في محلّه.

و (اما المقدمة الرابعة) فما أفاده (قده) من ان الهوية الواحدة لها ماهية واحدة فهي و ان كانت كذلك، لكنّا بيّنا سابقا ان هناك هويتين و مقولتين.

نعم حيث ان الغصب عندنا ليس مجرد الكون الأيني بل بما هو متعلّق إضافة كراهة المالك، و بيّنا ان مقولة الإضافة لا تستقل بالتحصّل بل دائما وجودها المقولي بوجود مقولة أخرى، فلا مانع من ان تكون هوية واحدة هوية مقولتين، غاية الأمر انها هوية مقولة الأين بالذات و وجود مقولة الإضافة بالعرض.

فالبحث معه (قده) تارة كبروي و أخرى صغروي.

و ينبغي التنبيه على أمور:

(الأوّل)- في العبادات المكروهة، فانه يستدل بوقوعها في الشرع على جواز

اجتماع الأمر و النهي. و لا يخفى عليك ان الإشكال ليس في معقولية النهي عن العبادة حتى يقال بان العبادة لا تتقوّم بقصد الأمر بل عباديتها ذاتية، كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى تحقيقه في مبحث النهي عن العبادة، بل الإشكال في ان الصلاة الواجبة بالفعل كيف تكون مكروهة كالصلاة في الحمّام؟ و ان الصوم المستحب كيف يكون مكروها في يوم عاشوراء؟ سواء قلنا بان الصلاة و الصوم عبادة ذاتية أم لا. و الإشكال و ان كان في الصلاة الواجبة إذا وقعت في المسجد من حيث اجتماع الوجوب و الاستحباب جارياً، إلا ان توهم تأكد الطلب في مثله هو الموجب للاقتصار على العبادة المكروهة.

إلى هنا بلغ شيخنا العلم الأوحد آية اللّه المحقق الفذّ بعد سنة من شروعه، فلم يمهله أجله المحتوم ان يبلغ ما رام و يتم مشروعه المقدس، فجاء كتابه الناجع مبتوراً و صحيفته الكريمة هذه مخدجة غير مختومة، ففاجأته المنيّة فجر اليوم الخامس من شهر ذي الحجة عام 1361، ذلك تقدير العزيز العليم، و اللّه يفعل ما يشاء و لا يسأل عن فعله.