ghaemiyeh.com
سرشناسه : عراقی، ضیاءالدین، ۱۲۴۰ - ۱۳۲۱.
عنوان قراردادی : تبصرهالمتعلمینفیاحکامالدین. شرح
عنوان و نام پديدآور : شرح تبصره المتعلمین/ تالیف ضیاءالدین العراقی.؛ تحقیق محمدالحسون.
مشخصات نشر : قم: الجماعه المدرسین فی الحوزه العلمیه بقم، موسسه النشرالاسلامی، ۱۴۱۴ = [-۱۳۷۲]
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسسه النشر الاسلامی التابعه لجماعه المدرسین بقم المشرفه؛ ۵۹۱ ، ۵۹۲، ۵۹۳، ۵۹۴.
شابک : ۲۸۰۰ ریال (ج. ۵)
يادداشت : عربی.
يادداشت : این کتاب شرحی است بر "تبصره المتعلمین فی احکام الدین" علامه حلی.
يادداشت : ج.۲ (چاپ اول: ۱۴۱۴ق.[=۱۳۷۷]).
يادداشت : ج. ۵ (چاپ اول: ۱۴۱۳ ق. = ۱۳۷۱).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : علامهحلی، حسنبنیوسف، ۷۲۶ - ۶۴۸ق. تبصره المتعلمینفی احکامالدین -- نقد و تفسیر.
موضوع : فقه جعفری -- قرن ۷ق.
شناسه افزوده : حسون، محمد، ۱۳۳۸ - ، مصحح
شناسه افزوده : علامه حلی، حسنبن یوسف، ۷۲۶ - ۶۴۸ق. تبصره المتعلمین فی احکام الدین. شرح
شناسه افزوده : جامعه مدرسین حوزه علمیه قم. دفترانتشارات اسلامی
رده بندی کنگره : BP۱۸۲/۳/ع۸ت۲۰۲۱۶۵ ۱۳۷۰ی
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۴۲
شماره کتابشناسی ملی : م۷۳-۱۷۰۲
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
و هم: ثمانية أصناف:
بلا إشكال في أنهما- في المقام- بمعنيين، لكونهما موضوعين، و ذلك يكشف عن مغايرتهما. إنما الكلام في أنهما مختلفان مطلقا أم حين اجتماعهما، و إلّا فإن افترقا اجتمعا. و من البعيد ملاحظة هذه الخصوصية في وضعهما، بل غاية الأمر انّ المناسبات المقامية ربما تقتضي ارادة الجامع عند ذكر كل منهما منفردا، و إلّا فالعرف يساعد على التفرقة مطلقا، و ان المسكين فيه جهة مذلة زائدة عما في الفقير من الاحتياج.
و يشهد له ما في النص بأنّ «المسكين أجهد، و البائس أجهدهم» (1)، و في آخر: تفسير المسكين «بأهل الزمانات» (2)أي المذلات.
و لا ينافيه ما في نص ثالث من الاستعاذة باللّه من الفقر، بضم قوله:
«اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا» (3)، لإمكان إرادة المذلة بين يدي اللّٰه
الجليل، و الاستعاذة به من الفقر بمعنى الحاجة الى الناس، فلا تصلح أمثال هذه التعبيرات لرفع اليد عما يتبادر من مفهومهما عرفا و شرعا، كما لا يخفى.
و المراد من الفقراء و المساكين: هم الذين لا يملكون قوت سنة لهم و لعيالهم، الشامل للخدم الذين يحتاج إليهم في حفظ عزّه و شرفه، كما يستفاد من بعض النصوص الواردة في عدم إلزامه على بيع داره و خادمه و جمله، مقدمة لحفظ عزّه و شرفه (1). و يتعدّى عنه إلى كل ما له دخل في حفظ العز، أو يحتاج إليه في شغله، كالكتب لأرباب التحصيل، و أمثال ذلك. و يكفي دليلا على ذلك نصوص مستفيضة شارحة للفقير بأنه «الذي لا يملك قوت سنة» (2)، و إطلاقها يشمل من ملك مقدار النصاب.
و حينئذ لا مجال لجعل ذلك مدار غناه كما توهم، كما لا مجال لجعل المدار على المالكية طول العمر، بدعوى انّ الغني عرفا منصرف الى ذلك، و الفقير في قباله، إذ- مع إمكان منع الانصراف- هو نحو اجتهاد في مقابلة النص.
و ما في بعض النصوص: «فأعلمهم أنّ اللّٰه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (3)، بتقريب انّ هذا الخطاب عام لكل من ملك النصاب.
و في آخر: «لا تحل الزكاة لمن كان محترفا و عنده ما تجب فيه الزكاة» (4)، بجعله كناية عن مقدار النصاب غير صالح للمعارضة مع ما ذكرنا، و ذلك من جهة اشتمال ذيل الأول على لفظة «الأغنياء»، المشروحة في سائر الروايات:
من ملك قوت سنته، لا مجرد ملك النصاب. و احتمال وفاء حرفته في الثانية
لقوته، كما لا يخفى.
هذا، ثم انّ في عدم كفاية الغلة أو الربح- الحاصل من رأس المال الموضوع للتجارة- لمئونة سنته، لصدق الفقر وجه، و إن كان رأس المال أو الضيعة كافيا على تقدير بيعه. و ذلك لا من جهة النصوص السابقة، كي يدّعي عدم صدق الفقير حتى على مثل هذا المالك لقوت السنة، بل من جهة نص آخر، مثل موثقة سماعة الواردة في عدم وفاء غلّة الضيعة (1)، و خبر هارون المتضمن لعدم ربح تجارته (2)، مع عدم الاستفصال بين وفاء رأس المال لمئونة سنته و عدمه.
نعم ظاهر النصين كون الضيعة و رأس المال، في طريق الاسترباح و الاستفادة، و إلّا فمجرد الاعداد لذلك غير كاف في صدق الفقر و نفي الغنى، بل المطلقات السابقة حينئذ محكمة.
كما انّ المنصرف من الرواية هو صورة قصور المال بماليته، و إلّا فلو لم يكن في ماليته قصور، و إنما كان القصور في ربح شخص العين، فهو مشكوك الاندراج تحت الروايات السابقة.
و أيضا لا إشكال في انّ صاحب الحرفة و الصنعة- اللائقة بحاله، الوافية بمؤنته و مئونة عياله، المتقدم ذكرها- بحكم الغني، و إن لم يكن فعلا مالكا شيئا، إلّا أن الشرع، بل العرف اعتبر مثل هذا الاستعداد بمنزلة الفعلية، فكان بحكم المالك لقوت سنته.
و إلحاق مثل صاحب الحرفة بالغنى ليس من جهة توسعة في مفهوم الغنى، بل إنما هو لمحض عناية في مرحلة التطبيق. و يكفي لإثبات مثل هذه العناية من الشرع ما في النص من تحريم الزكاة على ذي مرة سوي، يقدر على تحصيل مئونته و مئونة عياله، و كذا على المحترف (1).
و الظاهر من قوله: «يقدر» القدرة العرفية الحاصلة للشخص، بلا حرج و لا مشقة ناشئة عن عدم لياقته لكيفية التحصيل، أو عدم تناسبه مع شأنه واقعا. و حينئذ فلا مجال لإلزام الشرفاء- من ذوي الفضل و الاحترام، و كذا أهل العلم من الطلاب المحصلين في طريقة الاجتهاد و الاستنباط- على اختيار الكسب فوق استعداده و لياقته.
نعم قبل التلبس بتحصيل العلم و البلوغ إلى شرافة المنصب الشرعي، لو دار أمره بين الاكتساب و تحصيل العلم، لا يبعد- مع عدم وجوب التحصيل عليه- أن نلتزم بعدم جواز الأكل من الزكاة، و تعيّن الاكتساب عليه حتى يبلغ مرتبة الشرافة المانعة عن الاكتساب، فيجوز له حينذاك الأكل من الزكاة، لو لم يكن ذلك البلوغ بمقدمات محرّمة، و إلّا فهو فاسق لا شرافة له في الشرع، فتدبّر.
و من هنا ظهر انّ مع هذه الحرفة الوافية بمؤنة سنته لا يجدي عدم كفاية غلّة ضيعته في صدق الفقير عليه، و اليه ينظر قول المصنف: و يكون عاجزا عن تحصيل الكفاية بالصنعة، و هو ظاهر مما تلوناه عليك.
و يعطى من الزكاة صاحب دار السكنى، و عبد الخدمة، و فرس الركوب، لما تقدّم من النصوص الدالة على انّ ملك هذه الأشياء لا تمنع
1) وسائل الشيعة 6: 158 باب 8 من أبواب المستحقين حديث 2- 5.
من إعطائه الزكاة إذا لم تزد على حاجته في سنته (1)، كما لا إشكال في جواز تحصيل هذه الأشياء من الزكاة، للفاقد لها مع الحاجة إليها.
نعم في جواز إعطاء الفقير فوق حاجة سنته دفعة واحدة، وجهان، بل قولان منشؤهما: اختلاف النظر في كيفية الجمع بين ما دل على جواز الإعطاء حتى يستغني (2)، حيث انّ إطلاقه يشمل جميع مراتب الغنى، و لا اختصاص له بأول الوجود. و صدق الطبيعة بأول الوجود لا ينافي كون أول وجوده آخر مرتبة الغنى. و بين ما دل على انّ للفقير الذي عنده قوت شهر أن يأخذ قوت سنته، لأنه من سنة الى سنة. و في نص آخر: «يأخذ أهل الحرفة البقية عند عدم وفاء حرفته بقوت سنته» (3).
فالأخذ بإطلاق الأولى و حمل الأخيرة على الاستحباب، أو تقييد الإطلاق بالحمل على أول مرتبة الغنى، الذي شرحه الشارع بملك قوت السنة، وجهان.
و لا يبعد تقديم الأخير، لضعف الإطلاق، لو لا حمل الأخيرين على دفع توهم الاكتفاء فعلا بما عنده من قوت الشهر أو بحرفته، لعدم احتياجه فعلا، بزعم انّ الفقير هو المحتاج الآن فعلا، فأجاب عليه السّلام بأنه يأخذ قوت السنة. فالرواية- بناء على هذا- في مقام دفع توهم الاكتفاء بالأقل، و مراعاة الاحتياج الفعلي، لا في مقام منع الأخذ للأكثر، و حينئذ لا بأس بالإطلاق المذكور.
و إن لم يعرف
فالمشهور على التصديق و القبول مطلقا. و يدل عليه قضية الحسنين عليهما السّلام حيث انهما أعطيا الفقير بعد قوله في جوابهما: نعم (1)، و هي العمدة في هذا الباب، و إلّا فبقية الوجوه التي استدلوا بها ضعيفة جدا.
و لا ضير في الرواية من جهة سؤال الإمامين عليهما السّلام، مع الالتزام بعدم جهلهم عليهم السّلام حتى في الموضوعات، إذ ذاك لا ينافي مع كون سوق العمل لبيان الوظيفة لسائر الناس، كما هو ظاهر غيرها من الروايات الواردة فيها نفس اللسان الموهم لجهلهم عليهم السّلام بالموضوعات، إذ التحقيق انّ جميعها سيقت لبيان الوظيفة لسائر المكلفين عند جهلهم، لا أنّ ذلك يكشف عن جهلهم عليهم السّلام بغير الأحكام الكلية، إما مطلقا، أو عند عدم مشيئتهم أن يعلموا.
و ليس المهم فعلا تنقيح هذه الجهة، إنما الغرض بيان أنه لا مجال لجعل أمثال هذه الجهات من موهنات الرواية.
و عليه فللرواية كمال الظهور في الاكتفاء بدعوى الفقير، مضافا الى كلية سماع الدعوى التي لا معارض لها، و في إطلاق فحوى هذه الرواية لصورة وجود المعارض اشكال، فالقدر المتيقن هو السماع إذا لم يكن معارض، و لا أظن التزامهم بأزيد من ذلك، كما لا يخفى.
بلا احتياج إلى قصد المدفوع إليه ذلك أيضا، بل يكفي أخذه بعنوان التملك بأي وجه كان.
و تشهد له الإطلاقات، و مع التشكيك فيها من تلك الجهة، يكفي ما في
1) وسائل الشيعة 6: 145 باب 1 من أبواب المستحقين حديث 1.
النص الخاص من الاجتزاء بذلك و النهي عن التصريح (1)، نعم في بعض النصوص: «إن لم يعلم انه على أي وجه فلا تعطوه» (2).
و يمكن حمل الأول على صورة احتمال تذليل المؤمن، و حمل الأخير على دفع التهمة عن نفسه في دفع الزكاة. و مع تعارض النصوص و رجوع الأمر إلى الشك أمكن دعوى أصالة عدم الانتقال إلّا بقصد الآخذ للعنوان، لو لا دعوى انّ الوفاء في كلية أمثال المقام غير منوط بقصد الآخذ غير التملك، فأصالة عدم الردع في خصوص المقام محكمة.
و لو نظرا إلى ظاهر حاله- فبان غنيا، فيقع الكلام تارة في جواز تصرف الآخذ و ضمانه، و اخرى في الاجتزاء بذلك و عدمه.
أما الجهة الأولى، فقد تقدّم الكلام فيه.
و أما الجهة الثانية ففيها أقوال، ثالثها التفصيل بين اجتهاده و فحصة عن حال الفقير و عدمه. و عمدة الوجه في ذلك ما ورد في النص من التفصيل المذكور، في فرض إعطاء زكاته الى غير أهلها (3)، بناء على شمول غير الأهل لمثل الغني. و أما ان خصص ذلك بالمخالف في العقيدة، فيتعدّى عنه الى ما نحن فيه بعدم القول بالفصل، و بذلك يخصص إطلاق المرسلة المصرحة بعدم الاجتزاء عند انكشاف يساره (4).
و توهم كون النسبة عموما من وجه، يدفعه إلحاق عدم الفصل بين الأفراد
إياه بالأخص المطلق، فيتعيّن التخصيص محضا.
و بمثل هذه الروايات ترفع اليد عن قاعدة «عدم أجزاء الأمر الظاهري»، فضلا عن عدم تماميتها في نفسها. و كذا قاعدة «عدم ضمان المحسن»، و بذلك كله ظهر وجه بقية الأقوال، و اللّٰه العالم.
و هم السعاة للصدقات في تحصيلها و ضبطها و نحو ذلك، و في تفسير علي بن إبراهيم: «هم السعاة و الجباة» (1).
و لا إشكال في استحقاقهم للزكاة، بقرينة جعلهم في الآية (2)في زمرة المستحقين، و مقتضى إطلاقها عدم لزوم فقرهم.
و حينئذ لا يزاحم ذلك كون تشريع الزكاة لسد خلّة الفقير، مضافا الى عموم «لا تحل الصدقة لغني»، إذ مثل هذه الألسنة ناظرة إلى الجعل بحسب العنوان الأولي، فلا تنافيها مصرفية بعض العناوين الثانوية أيضا، و عليه فما عن بعض العامة من التصرف في ظهور الآية فاسد جدا.
و لم يعيّن النص (3)مقدار ما يعطى لهم، و إنما أناطه بنظر الامام، و عليه الفتوى أيضا. و في تحقق مثل هذا العنوان في زمان الغيبة، فرع صلاحية الفقيه لتصدّي هذا المنصب، و هو فرع تمامية عموم الولاية، و لا أقل من كون ذلك من شئون قضاة الجور، الثابتة في المقبولة لقضاتنا، أو لا أقل من تمامية مقدمات الحسبة، المنوطة باحتياج حق الفقير الى جعل الساعي، و إلّا
فلا يكون مثل هذا الجعل مما لا بد من وجوده كي يحتمل كونه بإذن رئيس، فيصير المعين هو فقيه العصر.
و لا يبعد تمامية الأخير في بعض المقامات، و لو لحرجية الأمر على تكفل الفقيه بنفسه لجمع المال. و أما المراتب السابقة- لا سيما الأول- فهي في حيز المنع، كما لا يخفى.
ثم انّ خطورة هذا المنصب تقتضي اعتبار العدالة فيه، و منع ذلك- تمسكا بإطلاق الآية- منظور فيه، لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، لو لا تمسك الامام عليه السّلام بالرقاب، الكاشف عن إطلاق سائر الفقرات من تلك الجهات. و حينئذ يكفي لإثبات الشرط المذكور، و تقييد الآية به، ما يستفاد من الأمر بتقوى السعاة، و كونهم أمناء و نصحاء و شفقاء، كما في بعض النصوص (1).
و في اعتبار عدم كونهم من بني هاشم أو عبيدا، اشكال آخر: من عدم الإطلاق فالأصل يقتضي اعتباره، و من انّ إطلاق النص المشتمل على توصية النبي صلّى اللّٰه عليه و آله لابن رواحة (2)في جعل الوكيل المشتمل على بعض الخصوصيات، بلا تعرض فيه لمثل هذه الجهات، الكاشف عن قوة إطلاقها لصورة فقدها، و إن لم نقل بإطلاق الآية الشريفة من تلك الجهات.
و هم الذين يستمالون للجهاد، و إن كانوا كفارا، و لعله من جهة الإطلاق في الآية، لو لا منع هذا الإطلاق من هذه
الجهة. نعم لا بأس باستفادة ذلك من مناط الرواية الواردة في شرح المؤلفة بضعاف العقائد، لحفظ عقائدهم، إذ ربما يستفاد مناط المصرفية في كل مورد له دخل في حفظ الإسلام، دفاعا أو جهادا.
و المراد من الجهاد في المتن أيضا معناه الأعم من الدفاع، بل لا اختصاص له به، فيشمل كل من يكون في استمالته دخل في شوكة الإسلام، كافرا كان أم غير كافر و لا اختصاص أيضا لهذا الصنف بالفقراء منهم، و لا زمان الحضور، إلّا بتوهم دخل الجهاد بالمعنى الأخص، و فيه منع ظاهر.
و هم المكاتبون و العبيد الذين في الشدة. و ظاهر إطلاق المصنف عدم اعتبار عجز المكاتب عن أداء مال الكتابة، و لعله من جهة ظهور تمسك الامام عليه السّلام بقوله تعالى «وَ فِي الرِّقٰابِ» (1)في ذيل السؤال عن المكاتب العاجز عن أداء مال الكتابة (2)، و لا يوجب تقييد مورد السؤال و هنا في إطلاق الجواب، إذ ذاك إنما يوجب التقييد لو كان الجواب من الامام، عليه السّلام و أما لو كان من باب التمسك بالآية، فيكشف عن إطلاق هذه الفقرة، فيتعدّى الى غير مورد الاحتياج و العجز، بل ربما يتعدّى من الإطلاق المزبور إلى إطلاق سائر الفقرات في الآية، كما لا يخفى.
و حينئذ لا يكون تقييد مورد السؤال شاهدا على الاختصاص، فما عن التكملة من التقييد المزبور- لو لا قيام الإجماع عليه- منظور فيه.
ثم انّ ظاهر الرواية كفاية أدائه- بعنوان الوفاء لمال الكتابة- في انعتاقه بلا احتياج إلى صيغة جديدة، و ذلك ظاهر لا سترة عليه، كعدم السترة في عدم الفرق بين أداء الساعي عنه أو المالك أو إعطاء المكاتب لأن يؤدي هو بنفسه. و مع عدم أدائه يرتجع منه لو اعطى بهذا العنوان، أما لو اعطى بعنوان مطلق الزكاة فلا يرتجع منه، و لو كان داعيه ذلك، لعدم الضير في تخلّف الداعي.
أما العبيد تحت الشدة، فظاهر المصنف اشتراط هذا القيد، و لعله لما في النص «عبدا مسلما في ضرورة» (1). لكن في قباله المطلقات، فيدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور الظلم- في النص الأول- إلى الظلم الإضافي لا الحقيقي، و بين تقييد المطلقات. لكن الانصاف هو الأخذ بالمطلقات، خصوصا مع إطلاق «وَ فِي الرِّقٰابِ» في الآية. و عليه فلا محيص عن التصرف في الظلم المزبور.
و مقتضى إطلاق النصوص أيضا عدم الفرق بين وجود المستحق في غير الرقاب و عدمه، فما في بعض النصوص من تخصيص مورد السؤال بعدم وجوده لا يقتضي التقييد، لعين ما ذكرنا في الفرع المتقدّم.
ثم انّ الظاهر من مجموع النصوص المتقدمة إجراء صيغة العتق بعد الشراء، و انّه لا ينعتق إلّا بصيغة جديدة، و لعله من جهة انّ طبع المعاوضة يقتضي دخول المبيع في ملك من خرج من ملكه العوض، فإذا فرض انّ الزكاة بحسب جعلها الأولي ملك للفقراء، فشراء العبيد بهذا المال يقتضي دخولهم في ملك الفقراء، فيجب عتقهم على المالك الذي كانت له هذه
1) وسائل الشيعة 6: 203 باب 43 من أبواب المستحقين حديث 1.
الولاية شرعا، و بهذه الجهة ورد النص أيضا حيث قال عليه السّلام: «يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقون الزكاة، لانه اشتري بما لهم» (1)، تنزيلا على صورة عدم وارث مقدم على ولاء العتق.
و هم المديونون في غير معصية اللّٰه تعالى، ففي تفسير علي بن إبراهيم: الغارمون قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّٰه من غير إسراف، فيجب على الامام أن يقتضي عنهم و يفكّهم، من مال الصدقات (2).
و في جملة من النصوص مثل ذلك، بل فيها تصريح بأنه إن كان في معصية اللّٰه فلا شيء على الامام، و فيها أيضا: إن لم يكن في فساد أو إسراف فعلى الامام أن يقضيه (3).
و في كونه مصرفا لها بعد توبته إذا كان فقيرا بهذا العنوان لا بعنوان كونه من الغارمين، وجه. أما لو لم يكن فقيرا، بمعنى انه كان يملك قوت سنته، و لكنه كان عاجزا عن أداء ديونه السابقة التي كان صرفها في معصية اللّٰه، ففي كونه مصرفا مطلقا، أو عدمه، أو التفصيل بين احتياجه إلى الأداء لحفظ شرفه و عزه و لو لمطالبة الديان، و بين ما لو لم يكن كذلك، وجوه. أوفقها للقواعد هو الأخير، بمناط دخل حفظ الشرف في الفقر من أي جهة كانت، كما يستفاد من التعليل السابق بعدم بيع الدار و الخادم، و لذا تعدّينا إلى جواز شرائهما عند دخلهما في عز المؤمن و شرفه بلا خصوصية لعدم البيع فقط.
و حينئذ فمما له دخل في ذلك هو أداء دينه عند مطالبة الديان، و لو لا ذلك
لم يكن وجه لموجبية صرف وجود الدين لصدق عنوان الفقير، مع كونه مالكا لقوت سنته، فما في الجواهر من كونه فقيرا حينئذ مطلقا (1)لا يخلو من نظر.
ثم انّ مقتضى إطلاق «المديون في طاعة اللّٰه» في شرح عنوان «الغارم»:
عدم دخل العجز عن الأداء- و لو من نفقة سنته أو من الخارج- في صدق ذلك. و لكن ادّعي الإجماع على دخله في ذلك، و إلّا ففي صورة التمكن من الأداء من نفقته فالمسألة مورد الخلاف. و إن كانت الإطلاقات محكمة حينئذ، لو لم نقل بانصرافها الى غير هذه الصورة، على اشكال في ذلك إنصافا، فالمرجع حينئذ هي إطلاقات الباب.
و توهم تقييدها- بما في قضية الحسنين عليهما السّلام الآنفة من قولهما: «انّ الصدقة لا تحل إلّا في دين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع» (2)بدعوى انصراف «الدين الموجع» عما لو تمكن من أدائه و لو عن نفقته- منظور فيه.
نعم يكفي ذلك لتقييد الأصحاب بالعجز عن الأداء من الزائد على نفقته، إذ لا يصدق مثل هذا العنوان عليه جزما، فمفهوم الحصر يقتضي عدم كونه مصرفا من سهم الغرماء.
و من هنا نقول: لا قصور في روايات الباب عن الشمول لمن كان عاجزا عن أداء دينه، و إن كان واجب النفقة للغير، بحيث لم يكن له أكل الزكاة من سهم الفقراء، و إجماع الأصحاب أيضا غير ظاهر الشمول لمثله، حتى عند من يقول باعتبار العجز عن الأداء من نفقته، لصدق العجز المزبور في مثل هذا، و اللّٰه العالم.
ثم انّ في ذيل بعض النصوص السابقة: «أن لا يكون عن فساد و لا إسراف»، و الظاهر أن المراد من الإسراف هو صرف المال في غير محله، و قد يرى العرف صرف بعض الأموال كذلك، كما لو أضاف الفقير كل يوم أو كل أسبوع جماعة من الأغنياء بلا غرض عقلائي مترتب على ذلك.
و نظر العرف دخيل في حقيقة عنوان الإسراف، فيكون الأمر تابعا لصدق نظرهم، و إلّا فلو كان نظرهم فيه طريقا إلى كونه صرفا في غير ما ينبغي واقعا، أمكن استكشاف خطئهم بإطلاقات إكرام الضيف، و اضافة المسلمين، الكاشفة عن أنّ مثل هذا البذل ليس سرفا، و إنّ فهم العرف في ذلك خطأ عن الواقعيات.
نعم لو لم يكن في البين طريق لاستكشاف خطئهم، كانت الإطلاقات المقامية وافية لإمضاء نظرهم. و لو لم يكن في البين أيضا إطلاق، كانت مقدمات عدم الردع وافية بالإمضاء المذكور، نظير باب ظواهر الألفاظ.
و عليه فالعمدة إثبات الجهة الاولى، و مع الشك كانت إطلاقات الجواز محكمة، و لا يصلح عنوان «الإسراف» المنهي عنه لتخصيصها، للشك في مخصصها بعد احتمال كون الإطلاق نافيا لموضوعه.
اللهم إلّا أن يقال: انه بعد الشك في شمول الإطلاق لمورد الإسراف العرفي يشك في ردعهم، فأصالة عدم الرادع تثبت الإمضاء، الموجب لتخصيص مثل هذا الإطلاق.
و لكن يمكن دعوى انّ المانع عن أصالة الإطلاق ليس إلّا الخاص التنجيزي في قباله، و أما لو كان في قباله ما يكون مخصصة معلقا، على عدم حجية العام في مورده، فمثل ذلك غير صالح للمخصصية، لأنّ مخصصية مثل هذا الخاص التعليقي دوري، بخلاف حجية العام المستند إلى اقتضاء ظهوره منجزا، فلا يزال عند التزاحم- بين ماله المقتضي التنجيزي و التعليقي- كان
الأمر التنجيزي فرارا عن الدور المزبور، كما لا يخفى على من أمعن النظر بعين الدقة، فتدبّر.
ثم انّ ذلك لو كان في البين إطلاق كاشف عن الموضوع واقعا، و إلّا فالأصول العملية محكومة بمقدمات عدم الردع، المثبتة لحرمة ما هو إسراف عند العرف شرعا، كما لا يخفى.
بحيث لا يتمكن من أداء دينه و لو من نفقته، جاز للمالك احتساب دينه على الفقير أو الغارم زكاة، و جازت له المقاصّة أيضا.
و يكفي دليلا على الأول نص عبد الرحمن (1)و خبر عقبة (2)، و للثاني موثقة سماعة (3)، و قد أشرنا إلى ذلك عند الكلام على ولاية المالك في التبديل.
و لا ضير في ثبوت هذا المقدار من الولاية له، وفقا للنصوص المزبورة، و الاشكال فيه اجتهاد في مقابلة النص.
بل من الممكن جواز ذلك بشأن الميت أيضا، لإمكان إلغاء خصوصية الحياة في مورد الروايات، فضلا عما ورد من النص الخاص بالميت في الاحتساب (4). و الظاهر عدم القول بالفصل- أيضا- بين المقاصة و الاحتساب.
و أما القضاء عن قبل الميت ففي حسنة زرارة التفصيل بين وفاء التركة
و عدمه بالجواز في الأول (1). و يمكن أن يقيّد بها الاحتساب و المقاصّة أيضا، لعدم الفصل، و بعد هذا النص المفصّل لا مجال لبعض الاجتهادات على ما في المطولات.
و إن كان واجب النفقة للغير، و في ذلك أيضا لا فرق بين الحي و الميت، و في النص تصريح بجواز أداء الابن دين أبيه، و فيه: «و من أحق من أبيه؟» (2).
و لكن في نص آخر: «خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الأب، و الأم، و الولد، و المملوك، و المرأة، و ذلك لأنهم عياله لازمون له» (3).
و لا يخفى انّ هذا الخبر لا يصلح للمعارضة مع النص الآنف، لو كان المراد من قوله: «لازمون له» كونهم من اتباعه بحيث يمنع من صدق إعطاء الزكاة للغير، و إلّا فلو كان المراد أنهم بملازمته في النفقة لا يعدّون فقراء، فلا يصلح للمعارضة، إذ لا يمنع ذلك من إعطائهم من سهم الغارمين، و قد تقدّم انّ اعتبار الفقر في الغارم ليس بمثابة يشمل هذا المعنى أيضا، كما لا يخفى.
لنص الحسنين عليهما السّلام السابق، لا لمحض الدعوى بلا معارض، بحجة انه لا يعلم إلّا من قبله، كي يستشكل فيه بما قلناه هناك، كما لا يخفى. و تقدّم أيضا إمكان التعدّي إلى
جميع العناوين الواقعة مصارف للزكاة.
بلا اشكال فيه نصا و فتوى، و هو كل مصلحة أو قربة كالجهاد و الحج و بناء المساجد و القناطر، و نحو ذلك من قبيل اعانة الزوار و أهل العلم، و تزويج العزّاب، و أمثالها. على المشهور بين المتأخرين، خلافا لجمع من القدماء حيث خصّوه بالجهاد. و عمدة نظر هؤلاء تارة إلى ذكر سبيل اللّٰه في آيات الجهاد الموجب لانصرافه الى ذلك هنا أيضا، و اخرى إلى ما في النص من حمل الامام عليه السّلام وصية من كان أوصى بمال في سبيل اللّٰه على الإعطاء في سبيل حفظ ثغور المسلمين (1).
و لكن في قباله ما هو صريح في عدم الاختصاص، حيث تعرّض للحج به، فضلا عما في ذيله من ذكر الصرف في جميع الخيرات، بل و في بعض النصوص تعيين «سبيل اللّٰه» في الحج، و فيه: «لا أعلم شيئا أعظم من الحج» (2).
و عليه فلا محيص عن حمل التعيينات الواردة في بعض الأخبار على بيان الأهم فالأهم بحسب موارد الابتلاء، و ربما كان الجهاد في مورد أهم، و مع عدمه ربما يكون الحج أهم، و ربما يكون- بملاحظة بعض الخصوصيات- الأهم غير ذلك. و مع التساوي يقع التخيير حسب نظر الفقيه أو المالك مع تمييزه أهمية الموارد، و إلّا فيجب عليه إعطاء الفقيه أو السؤال منه عن ذلك، هذا مع علمه إجمالا بوجود الأهم. بل و مع احتماله في معيّن يحتاط في اختياره، و ذلك أيضا في ظرف البلوغ الى حد وجوب المراعاة، و إلّا فلا.
ثم انّ المنساق من النص السابق- المشتمل على مطلق الخيرات- هو صورة الاحتياط الى الصرف في الخيرات، لما فيه من قوله: «ليس لهم ما ينفقونه في الجهاد و الحج» الساري ذلك في سائر الخيرات أيضا. و عليه فلا يجوز صرفها في إطعام الأغنياء و إضافتهم و إن كان ذلك من الخيرات في نظر العرف.
و كذا لا يجوز صرف الزكاة في بناء القناطر مع قيام الغير بذلك من غير مال الزكاة.
نعم في بعض الموارد التي فيها تعظيم شعائر اللّٰه، لا بد من ملاحظة احتياج المقيم بها الى صرف الزكاة لا المصروف إليه، كإقامة المأتم لسيد الشهداء عليه السّلام، أما اعتبار فقر المقيم بها ففيه إشكال، لإطلاق «سبيل اللّٰه» المجوّز لصرف ما جعل للفقير أولا و بالذات في ذلك، فلا ينافيه حينئذ «لا تحل الصدقة لغني»، كما أشرنا إلى نظيره سابقا.
ثم انّ ما يعطى للجهاد أو الحج مثلا تارة يكون بعنوان الاستئجار بوجه صحيح، و حينئذ لا يسترد منه ما فضل منه. و اخرى يكون بعنوان كونه مصرفا، فلا بد حينئذ من استرداد الزائد، لأنه واقع في غير المحل بعد تحقق الغرض من المصرف المذكور. و يضمن الآخذ لو أتلفه، إلّا أن يكون مغرورا من جهة ذلك، فلا ضمان عليه حينئذ، كما لا ضمان على المالك عند عدم تقصيره في الإيصال، حسب ما تقدّم تفصيله.
و هو المنقطع به في الغربة، و إن كان غنيا في بلده. و في تفسير علي بن إبراهيم: «أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّٰه، فيقطع عليهم و يذهب ما لهم، فعلى الإمام أن يردهم إلى أوطانهم
من مال الصدقات» (1).
و الظاهر من الرواية كون موضوع الحكم هو المسافر بنحو يصدق عليه ابن الطريق فعلا، و إن لم يكن سفره موجبا للتقصير، من غير جهة المعصية.
و أن يكون سفره في طاعة اللّٰه، و الظاهر كون الغرض منه عدم حرمته، نظير الدين في الطاعة، لا أنه لا بد أن يكون راجحا. و الأصحاب أيضا فهموا هذا المعنى، إذ في المباحات أيضا نحو طاعة و تسليم لأمر اللّٰه. تجاه مخالفته الحاصلة في المحرمات، فالمراد كون سفره مباحا لا حراما.
و غير متمكن من الرجوع الى بلده، بقرض أو بيع ما عنده من متاع أو أثاث لا يحتاج إليه فعلا، إذ لو تمكن من ذلك يشك في اندراجه تحت الرواية.
ثم الظاهر من الإطلاقات عدم اعتبار الفقر في بلده، بل المنساق من الرواية المزبورة حصر احتياجه في الطريق فقط.
كما انّ ظاهر تعليق العنوان بالطاعة، كون الحكم دائرا مدارها حدوثا و بقاء، كما هو الشأن في تعلّق الأحكام على العناوين القابلة للبقاء، فإنّ الظاهر حينذاك دوران بقاء الحكم مدار بقاء العنوان، كحدوثه بحدوثه.
و حينئذ فلو شرع سفره بالمعصية، ثم تاب في الأثناء عاد الحكم، فيجوز له أخذ الزكاة بعد أن لم يكن جائزا عليه.
ثم لو زادت الزكاة عن حاجته بحيث بلغ وطنه أو أمكنه البلوغ بغيرها، يسترد الزائد منه، لارتفاع الموضوع بارتفاع الحاجة و الانقطاع.
1) تفسير القمي 1: 299.
ثم انّ في عبارة المصنف إلحاق الضيف بابن السبيل، قال: و الضيف إذا كان سفرهما أي ابن السبيل و الضيف الملحق به في هذا الحكم مباحا. و في حاشية سيد الأعاظم على الكتاب: تقييد الضيف بما إذا كان ابن السبيل، و أسقطه أستادنا العلّامة في تكملته. و الظاهر أنه مستغنى عنه، بعد أن لم يكن عليه دليل، لو لا اندراجه في ابن السبيل، فلا يستحق عنوانا برأسه.
للنصوص المستفيضة الناهية تارة عن إعطاء النصّاب و الزيدية (1)، و اخرى عن إعطاء عدوهم، حتى أمر بالإلقاء في البحر إذا لم يجد من أوليائهم أحدا (2). و من المجموع يستفاد عدم جواز الإعطاء إلى الواقفية أيضا، فلا بد أن يكون معترفا بالأئمة الاثني عشر كلهم صلوات اللّٰه عليهم أجمعين، و هو المراد من الايمان بالمعنى الأخص.
و مقتضى اختصاص الزكاة بالشيعة- بقرينة الأمر بإعادة من استبصر- عدم الفرق بين غير الشيعة أن يكون من المستضعفين أو من غيرهم.
و بعض نصوص زكاة الفطرة: «تعطيها المسلمين، فإن لم تجد مسلما فمستضعفا» (3)، و الظاهر من المسلم هنا هو خصوص المؤمن، و عليه فتدل الرواية على جواز إعطاء الفطرة للمستضعفين منهم، عند عدم وجدان المؤمن، و قوّى ذلك في النجاة أيضا وفاقا لبعض الأعاظم.
نعم في المقام بعض النصوص المشتملة على إطلاق الأمر بإعطاء من
لا يعرف الحق و لا ينصب، حتى مع التمكن من المؤمن (1)، و الظاهر أنها غير معمول بها بإطلاقها، نعم يجوز الإعطاء لهم إذا أنيط حفظ دم محترم أو مصلحة نوعية، لكن من سهم سبيل اللّٰه، كما هو الشأن في فرض صدق مثل هذا العنوان لحفظ حيوان محترم، فإنّ مصرفه مطلق الخيرات، لكن إنما يصح ذلك في غير الناصب، لأنه أنجس من الكلب بل تجب إبادته، إذ لا احترام لمثله.
و لعل ما في النص المزبور من إعطاء من لا يعرف الحق، هو من هذا الباب، و بعنوان ثانوي، لا أنه من الفقراء المستحقين للزكاة بهذا العنوان، جمعا بينه و بين ما تقدّم من اختصاص الزكاة بالشيعة.
ثم انّ المراد من أهل المعرفة، الأعم من معرفتهم تفصيلا أو إجمالا، و لعل هذا الأخير هو المراد من المستضعفين من شيعة آل محمد صلّى اللّٰه عليه و آله، فتوهم بعضهم عدم استحقاقهم للزكاة منظور فيه.
و لا إشكال أيضا في أنه يعطى أولاد المؤمنين، للنصوص المستفيضة، و في عناوين الأخبار تارة: عيال المسلمين (2)، و اخرى: ذرية الرجل المسلم (3)، و ثالثة: ولد الحر الصغير (4)، و ظاهر الأولين أعم من الذكر و الأنثى و الخنثى.
و في إطلاق المسلم لغير المؤمن اشكال، لمعهوديته في باب الزكاة، و لو بقرينة الأخبار السابقة أو بقرينة فهم الأصحاب من الصدر الأول.
و الظاهر شمولها لمن كان أبوه مؤمنا، لصدق ذرية المؤمن عليه، بل ربما
يشمل ذلك صورة كونهم عيال جدهم المؤمن، مع فوت أبيهم المخالف، فإنّ ذرية المؤمن غير قاصرة الشمول لمثلهم، لو لا حملها على المتعارف الغالب من حياة أبيهم عند وجود الجد، فلا تصدق عليهم حينئذ ذرية المسلم.
و مع صدق العيلولة على المجنون و كذا الذرية، لا بأس بشمول النصوص له بل ربما تشمل المستضعفين منهم كالنسوان، الغالب فيهن عدم المعرفة بالخصوصيات لو لا غلبة الايمان- و لو بنحو الإجمال- في عيال المؤمنين، فلا تشمل غير الأهل منهم و لو كان مستضعفا.
ثم انّ في كفاية الإعطاء إلى كفيلهم، و إن لم يكن وليا شرعيا لهم، أو إلى أنفسهم إذا كانوا مميزين، وجه، لظهور هذه النصوص في كونها مسوقة وفق المتعارف في عدم البناء- عند إيصال خبر إليهم- على التفتيش عن حال أوليائهم الشرعيين، بحيث ينتهي الأمر إلى عدول المؤمنين، بل البناء على إعطاء من يكفلهم أو الى أنفسهم إذا كانوا مميزين في كيفية صرفها على حوائجهم.
نعم لو لا هذه الجهة لم يكد يصدق «إيتاء الزكاة» إلّا بقبض من يصح قبضه عنهم، كما لا يصدق ذلك جزما باعطائهم مع عدم التميز، فإنه حينئذ بمنزلة البهيمة المعلوم عدم صدق الإعطاء المذكور، كما لا يخفى.
و لو أعطى المخالف مثله أعاد مع الاستبصار بلا اشكال نصا و فتوى، لما في المستفيضة من إعادة زكاته، لأنه وضعها في غير موضعها (1)، و ظاهرها عدم إعادة سائر عباداته و إن كانت فاسدة، و عليه أيضا استقرت
1) وسائل الشيعة 6: 149 باب 3 من أبواب المستحقين.
الفتوى.
بين القدماء و أكثر المتأخرين. و عمدة سند الاعتبار عند القدماء ما ورد من النهي عن إعطاء الزكاة لشارب الخمر (1)، لكن في استفادة شرطية العدالة من مثل ذلك نظر، لا سيّما لو اعتبر خلاف المروة في مفهوم العدالة.
و في التعدّي عن شارب الخمر إلى سائر الكبائر أيضا نظر، لو لا دعوى عدم الفصل، و هو أيضا محل منع، بل في قبالها ما دل على إعطاء النساء من الزكاة (2)، مع انّ الغالب فيهن الفسق، بل و في بعض النصوص مثل خبر بشر «إعطاء الفاجر» (3)، و الظاهر انصرافه الى غير صورة العلم بصرفها في فجوره.
و عليه فيدور الأمر بين الأخذ بإطلاق مثل هذه النصوص، و حمل النهي في شارب الخمر على الكراهة، أو الحمل على صورة العلم بصرفها في شرب الخمر. و بين الأخذ بظاهر النهي المزبور مطلقا، و تخصيص تلك الروايات بغير شارب الخمر، و لا يبعد ترجيح الأخير، لضعف المطلقات- خصوصا الدفع الى النساء- من سائر الجهات.
من الأبوين و إن علوا، و الأولاد و إن نزلوا، و الزوجة و المملوك، بلا إشكال في عدم جواز إعطائهم من سهم الفقراء، للنصوص المستفيضة (4)، خصوصا ما
اشتمل على العلة الجارية في كل واجب النفقة، بل و في نص آخر: التعليل بأنه يجبر على النفقة (1)، و ربما يكون له نحو شرح للعلة من قوله: بأنهم لازمون له، بالحمل على ملازمتهم في الإنفاق عليهم، لا أن المراد أنهم من لوازم وجوده، بحيث لا يصدق أنّ اعطاءهم إعطاء الغير.
بل هو في الحقيقة من قبيل إيصال نفع إلى نفسه، خصوصا في المملوك، لأنه لا يصدق عليه الإخراج من ملكه حقيقة، و لذلك التزم كاشف الغطاء بعدم الجواز في خصوص العبد، مع مصيره الى الجواز في غيره من واجبي النفقة (2)، لنصوص مجوزة (3)مطروحة بإعراض الأصحاب عنها.
و بالجملة نقول: الظاهر من قوله: «يجبر على النفقة» كون العلة هي انّ المالك مجبور على الإنفاق عليهم، و مع هذه المجبورية كانوا كأنهم واجدون لمئونة سنتهم فكانوا بمنزلة الأغنياء.
و لازم ذلك عدم جواز إعطاء غير من تجب نفقتهم عليه أيضا، حتى في الزائد عن مقدار نفقتهم الواجبة توسعة، كما هو الشأن في الغني الحقيقي، حيث لا يجوز إعطاؤه حتى للتوسعة أيضا، كما لا يخفى.
و هذا بخلاف ما لو كان المراد من العلّة المعنى الآخر، إذ لا بأس بأخذهم- بعد كونهم فقراء حقيقة- من غير من يعولهم، بمقدار حاجتهم، حتى و لو بذله المنفق عليهم، إذ بذله لهم لا يجعلهم أغنياء.
و قد ورد النص بجواز أخذهم من الغير للتوسعة، كما في صحيحة ابن
الحجاج (1)، الواردة في الأب و الأخ و العم، المنصرفة إلى أخذهم من غير المنفق عليهم. و مثل هذا النص ربما يشهد لحمل العلّة في قوله: «لأنهم ملازمون له» على المعنى الآخر، فربما يتنافى ذلك مع ظهور التعليل بالإجبار، إذ هو مناسب مع المعنى الأول. و ليس المعنيان يدخلان تحت جامع قريب، كي يصلح إرادتهما بدلين، مع انّ ارادة المعنى الأول ينافي الصحيحة.
اللهم إلّا أن يقال: إن المعنى الأول لا يقتضي إلّا تنزيلهم منزلة الأغنياء، و إطلاقه يقتضي عدم جواز الأخذ، حتى من الغير توسعة ما لم يرد دليل على خلافه. و الصحيحة تصلح للقرينية، و بها يشرح أن نظر التنزيل إنما هو بالنسبة إلى المقدار المنفق عليهم و أما الزيادة- المحتاجون إليها للتوسعة- فلا بأس بها. بل ربما يتعدّى الى إعطاء نفس المالك لهم في ظرف عدم إنفاقه عليهم إلّا بالمقدار الواجب عليه.
و من الممكن الأخذ بإطلاق الصحيحة، و حصر التنزيل بالنسبة إلى المنفق، إما مطلقا أو بالمقدار الواجب عليه، و لو من جهة التشكيك في إطلاق دليل التنزيل بأزيد من مقدار لهم الإجبار.
لكن الانصاف منع الإطلاق في الصحيحة في هذا المقدار، بقرينة اشتمالها على نفي البأس توسعة. و لازمة عدم الأخذ من الغير أيضا في المقدار الواجب على المنفق عليهم، و جواز الأخذ في الزائد توسعة، حتى من المنفق، لعدم إطلاق في العلة أزيد من ذلك، كما لا يخفى.
ثم انّ الظاهر من قوله: «أنّهم عياله لازمون له» قصر عدم الجواز في صورة الإنفاق عليه من حيث العيلولة، فلا يشمل المتمتع بها، و إن وجبت عليه
1) وسائل الشيعة 6: 163 باب 11 من أبواب المستحقين حديث 1.
نفقتها بشرط أو نذر، و كذا الناشزة.
ثم انّ ذلك كله من جهة إعطائهم من سهم الفقراء، أما إعطاؤهم من سائر الوجوه، فلا إشكال في الرقاب تحت الشدة، و المكاتب مع العجز. إنما الكلام في إطلاقهما، بل هذا المعنى خارج عن مصب الأخبار الناهية، إذ الظاهر منها إعطاء عبد الغير بما هو عبده و تحت نفقته، لا إذا كان الغرض فك رقبته و خلاصه من الشدة.
و كذلك لا بأس بشمول إطلاق بقية الأصناف، خصوصا بالنسبة الى غير المنفق، لأنّ التعليل المزبور غاية اقتضائه كونهم بمنزلة الأغنياء في حرمة الصدقة عليهم، بعنوانهم الأولي، لا بمثل هذه العناوين الطارئة، كما أسلفنا سابقا، و في هذه الجهة لا فرق بين المنفق و غيره.
نعم بناء على حمل العلة على المعنى الثاني، يشكل إعطاؤهم من تلك الجهات أيضا. اللهم إلّا أن يقال: انّ اعتبار العرف تبعية وجودهم، إنما هي بالمقدار الواجب من النفقة لا أزيد. و من المعلوم انّ المصارف المزبورة خارجة عن المقدار الواجب في الإنفاق، فلا قصور في صدق «إعطاء الغير» من هذه الجهات.
و على أي حال، يجوز إعطاء الزكاة للأقارب غير من تجب نفقته، للإطلاقات. و في موثقة إسحاق: «هم أفضل من غيرهم» (1)، و المسألة واضحة لا تحتاج الى تطويل.
1) وسائل الشيعة 6: 169 باب 15 من أبواب المستحقين حديث 2.
و تمكنوا من الخمس، أما حرمة الزكاة مع ثبوت القيدين فلا اشكال فيها ظاهرا، للنصوص المستفيضة التي منها: ما فيها شرح الصدقة المحرمة على بني هاشم بالزكاة (1)، و في بعضها: تخصيص الحرمة ببني عبد المطلب (2)، و هم غير بني هاشم، فلا بد أن يطرح أو يؤول إلى الأول، لبناء المشهور على خلافه، بل يمكن دعوى الإجماع عليه أيضا.
ثم انّ المستفاد مما ورد في سهم العاملين (3)من قيد عدم كونهم من بني هاشم، عدم اختصاص ذلك بسهم الفقراء، كما انّ التعليل بأنها «أوساخ الناس» (4)و انها لا تناسب جلالة شأن الهاشميين يوجب عدم اسراء الحكم المذكور الى سهم المؤلفة، إذا كانوا من بني هاشم، لأن كفرهم حينئذ قد سلب عنهم تلك الجلالة.
بل ربما جاز لهم الأخذ من سهم الرقاب، لأنّ اعطاءهم في ذلك هو إجلال شأنهم بفكهم عن الرقية، خصوصا إذا كانوا تحت شدة.
كما أنه عند حفظ أنفسهم بسد خلتها لا بأس بأخذهم من سهم سبيل اللّٰه.
و لو شك في الانتساب يرجع الى أصالة عدمه، كأصالة عدم القرشية، و هي كافية لقلب موضوع الحكم المأخوذ فيه الانتساب المذكور، و لو بنحو
السلب المحصل، الحاصل و لو بعدم الموضوع، و انّ مجرد اختلاف القضية المتيقنة و المشكوكة في كيفية السلب محمولا و موضوعا غير ضائر بسلب النسبة الناشئة من قبل أي واحد كان، نظير بقاء هيئة الخيمة باحتمال قيام عمود آخر مقام الأول.
و عليه فلا تثبت النسبة إلّا بالشياع أو البينة الحاكية عن الشياع، للسيرة على قبول النسب بالشياع و في قبول البينة على غير الشياع، مع كون الغالب في مدركها الحدس الناشئ عن الشياع الظني اشكال، نعم مع احتمال كونها عن حس- باحتمال عقلائي- تسمع، و لكن أنى يمكن ذلك عادة، و هو قريب من المحال، و اللّٰه العالم.
نعم قد يتوهم من قضية الحسنين عليهما السّلام سماع دعوى الاستحقاق من أي عنوان، بناء على التعدّي عن موردها، و هو صحيح لو لا دعوى انصرافها الى العناوين المأخوذة في نفس المصارف، لا في مثل الخصوصيات المأخوذة في قيود المصرف.
ثم انّ ظاهر القيد الأول جواز زكاة الهاشمي لمثله، و به نصوص (1)لا مجال معها للتشكيك في المسألة.
و أما القيد الثاني فهو أيضا مشهور بين الأصحاب، و في موثقة زرارة:
«و الصدقة لا تحل لأحد منهم إلّا أن لا يجد شيئا و يكون ممّن تحل له الميتة» (2).
و في رواية أبي خديجة: «أعطوا الزكاة من أرادها من بني هاشم فإنها تحل
لهم، و إنما تجرم على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و على الامام عليه السّلام الذي من بعده و على الأئمة عليهم السّلام» (1). و ظاهرها جواز الزكاة على بني هاشم مطلقا من غير تقييد بصورة الحاجة و الضرورة، و هي بهذا الإطلاق مطروحة، و لم يعمل بها أحد من الأصحاب.
و ظاهر النص السابق كون موضوع جواز الأخذ هو من لم يتمكن من تحصيل القوت مطلقا، كما انّ المنساق منه جوازه بمقدار رفع ضرورته فقط، و ليس بمنزلة الفقير الذي كان يجوز له الأخذ حتى يستغني.
نعم في اعتبار حاجته بمرتبة يجوز له معها أكل الميتة إشكال، لأنّ المنساق من أمثال هكذا تعبيرات هو إظهار المبالغة في الاقتصار على سد الخلة.
و أيضا قضية الحلية لمثله كالحلية لسائر الأصناف، من جواز تملكه، لا أنّه مجرد إباحة له، كما لا يخفى.
و تحل للهاشميين الصدقة المندوبة حتى الزكاة المستحبة على المشهور، و لكن في بعض النصوص التعليل «بأنها أوساخ» (2)، و هو يشمل المستحبة أيضا. فضلا عن تفسير الصدقة المحرمة بمطلق الزكاة (3). نعم في نص آخر: تفسيرها بالواجبة (4)، و بمفهوم القيد الوارد مورد التحديد أمكن رفع اليد عن الإطلاقات، لا سيما مع ضم قرينة فهم المشهور، و إلّا فلا محيص عن الأخذ بالمطلقات، و الحكم بمنع الزكاة مطلقا، كما حكي ذلك عن بعض
الأعاظم.
و أيضا نقول: انّ ظاهر تفسير الصدقة الواجبة بالزكاة حرمة خصوصها عليهم، و لكن في بعض النصوص مثل خبر عبد الرحمن تعميم الحرمة لمطلق الصدقة الواجبة (1)، فالأمر اذن يدور بين الأخذ بخصوص الزكاة بقرينة وقوعها شرحا للصدقة المحرمة، أو الأخذ بخبر عبد الرحمن، و حمل التخصيص بالزكاة على كونها الغالبة المبتلي بها الناس.
و ربما يؤيد الأخير ما في بعض النصوص من قوله: «و أبناء السبيل من آل محمد صلّى اللّٰه عليه و آله الذين لا تحل لهم الصدقة و لا الزكاة» (2)، إذ ظاهر العطف عدم الاختصاص، غاية الأمر يقيد إطلاق الصدقة بالواجبة، بقرينة النصوص المتقدمة.
و ظاهر إطلاق الرواية حرمة مطلق الصدقة الواجبة، حتى الواجبة بالعرض، لو لا دعوى ظهور القيد- في الرواية السابقة- في الواجبة بالذات.
و فيها منع، و لا أقل من الشك، الموجب للرجوع إلى المطلق في الصدقة المحرمة، فلا ينتهي معه إلى الشك، كي يستصحب جواز الأخذ قبل الوجوب. و حينئذ فما حكي عن شيخنا العلّامة من منع الحرمة فيها- في مجلس درسه- منظور فيه.
ثم انّ في المقام كلاما في شمول المنسوب إلى هاشم من طرف الام، و سيأتي في مبحث الخمس إن شاء اللّٰه.
و يجوز إعطاء مواليهم، و ظاهر إطلاق المصنف- كالشيخ- (3)يوهم
الأعم من المعتق و المملوك، و عن ابن الجنيد التفصيل باختصاص الجواز بالعتاق (1)، و على القول بعدم تملك العبد لا بد من المصير الى هذا التفصيل.
و هكذا لا بد من حمل إطلاق النص (2)على التقييد بصورة العتاق أو الطرح.
أما النص المعارض بعدم الجواز مطلقا (3)، فمحمول على الكراهة، و هو أولى من حمل الأول على العتاق، و الثاني على المماليك، إذ لا شاهد لهذا الحمل.
و يجوز تخصيص واحد منها أي من الزكاة أجمع عند عدم ازدياد الزكاة عن المصرف المقرر له في غير الفقير من سائر العناوين، و إلّا فقد عرفت عدم تملكهم الزائد عن مقدار الاحتياج، بل ربما لا معنى للبسط أحيانا، كما في الرقاب مع عدم الوفاء إلّا لفك واحد.
و كيف كان فنقول: انّ مورد الكلام- في وجوب البسط و عدمه- هو خصوص المصرف في سائر العناوين غير الفقراء، لا في الزائد مع إمكان البسط عليهم.
و حينئذ فقد يتوهم وجوب البسط، لظهور الواو في الآية في الجمع، و لكن في قبال ذلك أخبار مستفيضة بجواز دفع الجميع لمصرف واحد، ففي تفسير العياشي: «ان جعلتها فيهم جميعا، و إن جعلتها لواحد أجزأ عنك» (4)، إذ المستفاد منه- فضلا عن عدم وجوب البسط على الأصناف- عدم وجوب التشريك بين أفراد الفقراء أيضا بتوهم اقتضاء ظهور الجمع ذلك.
و لعل أمثال هذه الشواهد دعتهم الى الالتزام بأنّ عنوان الفقراء- في موضوع الزكاة- أخذ بيانا لجنس المالك، و انّ المالك هو طبيعة الفقير، القابل للصدق على الواحد، غاية الأمر لا يتعيّن فرد خاص إلّا بالقبض. بل ربما تعدوا عن معهودية هذا التعبير عن الجنس بالجمع إلى سائر الموارد، و جعلوا الوقف للفقراء لجنس الفقير، و الوقف على الطلاب كذلك.
و ربما يختلف ذلك بالحصر و عدمه، فإنّ في فرض عدم الحصر ربما يكون ذلك قرينة على ارادة الجنس، لأنّ التشريك بين غير محصورين يوجب عدم الانتفاع بالوقف أحيانا.
هذا، نعم يستفاد من الفقرة الاولى- في رواية العياشي- رجحان البسط، لظهور الجملة الخبرية في الرجحان، و لذلك قال المصنف: و المستحب تقسيطها على الأصناف، و أقل ما يعطى الفقير ما يجب في النصاب الأول، و لا حد للكثرة.
أما الأول فلرواية أبي ولاد من النهي عن إعطاء أقل من خمسة دراهم (1)، لكن في قباله قوله: «ليس عليه في ذلك شيء موقت» (2)، و في ذيل المرسلة:
«إنما يصنع ذلك على قدر ما يرى» (3). و لا يخفى انّ مقتضى الجمع هو الحمل على الاستحباب.
و أما الثاني فللإطلاقات (4)، نعم قد عرفت في غير الفقير من سائر الأصناف انّ حده الوفاء بالمصرف المعهود من دون تملك الزائد، هذا.
و هي واجبة بلا اشكال و لا خلاف إلّا عن بعض العامة، و تكفيه رواية ابن عباس قال: فرض رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو و الرفث و طعمة للمساكين (1)، و النصوص من طرقنا متواترة (2).
و لا شبهة انّ زكاة الفطرة ليست- كزكاة المال- قائمة بالعين، بل متعلقها بدن المكلف، كما يشهد له التعبير بقوله: «عليه الفطرة» و أمثاله. بل لا اشكال عندهم في انّ للفقراء جهة وضع في ذمة الأغنياء، من جهة ظهور اللام في الاختصاص المطلق في قوله: «الفطرة للفقراء». و لو منع الإطلاق من تلك الجهة، و قيل بأنه في مقام بيان مجرد الاختصاص، يكفي دليلا على الوضع المزبور، التعبير بخروج المالك- بعزله- عن ضمان الفطرة، إذ مثل هذا التعبير في غاية المناسبة مع الوضع، علاوة على المتسالم بينهم بعدم سقوطها بالموت، بل و تسالمهم على كونها في عرض سائر الديون في توزيع التركة عليها.
و حينئذ لا مجال لتوهم التكليف محضا في المقام، نظرا إلى ما في النصوص من كون الفطرة من تمام الصوم، المناسب مع التكليف محضا. مضافا الى تسالمهم على مانعية الإغماء، المناسبة مع عدم كونها حق الناس، و لذا لم يلتزم المشهور بمانعيته عن زكاة المال إذا عرض أثناء الحول.
لكن هذه الوجوه لا تقاوم ما تقدّم، لإمكان كون مانعية الإغماء في المقام مستندة الى تعبد خاص غير مرتبط بعموم «ما غلب اللّٰه» المخصوص بغير حقوق الناس. و انّ كونها من تمام الصوم لا ينافي الوضع، خصوصا مع ما في بعض النصوص من انها «تتميم زكاة المال»، و عليه فظهور النص في اعتبار الضمان- و غيره من المسلمات المزبورة- يقتضي اعتبار وضع للفقير، زائدا على التكليف.
لحديث رفع القلم عن غير البالغ، بالتقريب المتقدّم في زكاة المال، فضلا عن النص المشتمل على قوله:
«لا زكاة على اليتيم» (1). و كذا لا تجب على عياله. و إن كانوا أغنياء، لما سيأتي، و ما في ذيل النص من أداء العبد زكاة نفسه من مال اليتيم، غير معمول به.
و هكذا لا تجب على المجنون لرفع القلم عنه، مضافا إلى المرفوعة المشتملة على انّ الفطرة تجب على من تجب عليه الزكاة (2)، بعد جبرها بتسالم مضمونها في الجملة لدى الأصحاب.
و بالتسالم على مانعية الإغماء في المقام، يخصص مقتضى القواعد في حقوق
الناس، و لذا يقتصر على مانعيته هنا، و لا يتعدّى الى سائر الموارد، و لا إلى سائر الأمراض المانعة عن توجه التكليف محضا.
للملازمة المزبورة نفيا و إثباتا. و إلّا فيشكل إثباته من دليل آخر، لأنّ عدم مالكية العبد أو عدم قدرته على التصرف لا يثبت مانعية عنوان «الرقية»، مع انّ عدم المالكية حتى لما ملكه مولاه ممنوع، كما أشرنا سابقا. و عدم قدرته على التصرف، لقصور فيه لا لقصور في المال، و لا لتعلق حق الغير به.
هذا، و قد ورد في النص ثبوت الفطرة على المكاتب في قوله: «الفطرة عليه و لا تجوز شهادته» (1)بالحمل على الاستفهام الإنكاري، استنكارا للتفكيك بينهما، لا إنكارا لأصل الوجوب.
نعم بناء على الملازمة، و تسلمها بين الأصحاب، يتم المدعى، فلا بد من طرح النص المزبور بالاعراض، فالعمدة في المقام هو ثبوت الملازمة المذكورة، كما لا يخفى.
و هو مالك قوت سنته بلا اشكال فيه فتوى و نصا (2)، و ظاهر كفاية ملكية قوت السنة عدم اشتراط ملكية مقدار الزكاة زائدا على القوت. و بعض الأصحاب ذهب إلى كفاية ملكية النصاب في وجوب الفطرة و لو لم تكن بمقدار قوت سنته، و لعله نظر إلى قوله «و من حلّت له لم تحل عليه، و من حلّت عليه لم تحل له» (3)، أي من وجبت عليه زكاة
المال لم تحل له صدقة الفطرة، و من لم تحل عليه صدقة الفطرة فإنه يجب عليه أداؤها، لكن لا مجال لذلك بعد استفاضة النصوص على الأول (1).
لعموم قوله: «من تمام الصوم إعطاء الزكاة- يعني الفطرة- كما انّ الصلاة على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله من تمام الصلاة» (2).
عند هلال شوال، و قيل: عند طلوع الفجر من ليلة العيد، و تتضيّق عند صلاة العيد. و على القول الثاني، فهل يعتبر بقاء الشرائط من الغروب الى الفجر، أم يكفي وجودها حين الطلوع؟ وجوه بل أقوال.
و في بعض النصوص: «ليست الفطرة إلّا على من أدرك الشهر في مولود ولد ليلة الفطر، أو نصراني أسلم تلك الليلة» (3).
و في صحيحة الفضلاء: «هو في سعة أن يعطيها أول يوم من شهر رمضان» (4).
و في صحيح العيص: عن الفطرة متى هي؟ قال: «قبل الصلاة يوم الفطر» (5).
و ظاهر هذه النصوص- بدوا- لا تخلو عن تهافت، و لكن دقيق النظر يقضي بحمل الأول على بيان شرط أصل الوجوب، و هو كونه ممن أدرك الشهر، عيالا كان أم معيلا، من دون تعرّض له لوقت الثبوت.
كما انّ صحيحة الفضلاء أيضا لا تتكفل إلّا وقت الاجتزاء في الإخراج، و هو لا يتنافى مع كونه فعلا مسقطا للواجب، و لو لوجدانه المصلحة الملزمة المقرونة بالمانع عن إلزامه و البعث إليه، و لو للجزم بإطباقهم على عدم الوجوب قبل دخول ليلة العيد.
و حينئذ لا تنافي بين هاتين الروايتين، كما أنهما لا تنافيان صحيحة العيص المتكفلة لوقت إخراجها وجوبا، بحيث ليس له التأخير عنه، و لو بقرينة نص آخر، مشتمل على أنه بعد الصلاة صدقة لا فطرة (1)، و لو بحمله على ما بعد الزوال، بقرينة ما دل على نفي البأس عن إعطاء الفطرة قبل الصلاة أم بعدها (2)، الصادق مع انتهاء الخطبة مع الزوال.
و حينئذ فمثل هذه الروايات لا تتكفل لتعيين وقت الوجوب، فلا محيص- بمقتضى الاستصحاب- عن تعيينه بطلوع فجر العيد، لعدم القول بالتأخير عن ذلك. و بمثل هذا البيان يرتفع التهافت بين الأخبار و الكلمات، حيث انّ بناء المشهور على الاجتزاء بالإخراج في رمضان. و قيام الشهرة على اعتبار اجتماع الشرائط حين إهلال شوال، و إطباقهم أيضا على عدم الوجوب قبل دخول ليلة العيد، و اختلافهم في انّ زمان الوجوب هو حين دخول الليل أو طلوع فجره، كل هذا التهافت يرتفع بما ذكرنا، كما لا يخفى.
كما انّ المستفاد من مجموع أخبار الباب هو تحديد زمان الإخراج- فطرة- بالزوال من يوم العيد، و لا مجال لاحتمال بقاء وقت الوجوب الى آخر يوم
العيد، إلّا بحمل القيد- في قوله: «قبل الصلاة يوم العيد»- على الفضيلة، أو حمل قوله: «بعد الصلاة صدقة لا فطرة» على الكراهة في العبادة، مع إبقاء قيد «يوم العيد» على حاله، كما انه لو الغي مثل هذا القيد عن إطلاقه- و حمل على التوطئة لقبل الصلاة الذي هو محمول على الفضيلة- لا يبقى دليل على تحديد آخر الوقت، فيبقى وقته- بمقتضى الاستصحاب- إلى آخر العمر. و لعله الى مثل هذه التشكيكات أشار أستاذنا العلّامة في تكملته بقوله: و إن كان الأحوط أداؤها، من دون تعرّض لكونها صدقة أو أداء أو قضاء.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه ما أفاده المصنف: و تتضيق ..
إلخ، و قد عرفت انه يبقى الى الزوال- و لو بعد صلاة العيد- أجزاء، و إن كان يتضيق وقت فعله.
كما و يجوز تقديمها في رمضان، لما في صحيحة الفضلاء التي تقدّمت.
و لا تؤخر عن العيد على احتمال إبقاء قيد «يوم العيد» بحاله في الدخل في الوجوب، و إلّا فعلى الاحتمال الآخر يجوز تأخيره و لو عمدا، و إن كان الأحوط كونه لعذر، بل و لو كان لا لعذر أيضا لا يترك- على ما أفاده علّامتنا الأستاذ، على ما حكيناه- هذا الاحتياط، و إلّا فلا وجه للاجتزاء به إلّا بحمل القيود المزبورة على حال الاختيار، فيبقى حال الاضطرار تحت الاستصحاب.
و لو فاتت بانقضاء يوم العيد قضيت على اشكال في القضاء، إذ الأمر في المقام دائر بين السقوط رأسا- بناء على إبقاء ظهور قيد اليوم بحاله- أو الاجتزاء بها أبدا، للاستصحاب و إلى هذا الأخير ذهب أستاذنا العلّامة على ما تقدم، فلا دليل يقتضي القضاء، كما لا يخفى.
و لو عزلها ثم تلفت من غير تفريط فلا ضمان، أما صحة عزلها و خروجه بذلك عن الضمان فلا اشكال فيه ظاهرا، لصحيحة زرارة: عن رجل أخرج فطرته حتى يجد لها أهلا، فقال: «إذا أخرجها من ضمانه بريء، و إلّا فهو ضامن حتى يؤديها» (1).
و صحيحة إسحاق عن الفطرة قال: «إذا عزلتها فلا يضرك متى أعطيتها» (2). و إطلاق الثانية يشمل صورة وجود المستحق و عدمه، كما انّ صريحهما تعيين الذمة بالعين، المستلزم لكونها أمانة بيده، و بذلك لا يضره متى أعطاها ما لم يكن بتفريط منه. و بذلك ظهر وجه عدم ضمانه بتلفه من غير تفريط، و لو بحبسها عن أهلها لغرض غير عقلائي، لا مثل انتظار الأولى فالأولى.
و من مصاديق التفريط نقلها عن البلد مع وجود المستحق فيه، كما ورد به النص في زكاة المال (3)بعد جريان مناطه في المقام، نعم لا بأس به تكليفا، كما هو الشأن في زكاة المال، للنص الجاري هنا بفحواه لو أغمض عن شمول إطلاقه، و لو بتوهم الانصراف إلى زكاة المال. مضافا إلى ما في نص ابن بزيع المشتمل لإخراج الفطرة إلى الرضا عليه السّلام و إمضاؤه فعله و عدم إنكاره عليه، بلا استفصال منه بوجود المستحق في بلده و عدمه (4).
لكن دلالته على جواز النقل فرع عدم الفصل بين النقل إلى الامام و غيره، و عن الأردبيلي مصيره الى هذا التفصيل (5)، و معه لا دلالة له على الجواز
مطلقا، بعد إطلاق النهي في نص آخر من قوله تارة: «لا ينقل من أرض إلى أرض» (1)، و اخرى: «لا توجه الى بلدة أخرى» (2). إذ حينئذ لا بد من تخصيص جواز النقل بما إذا كان إلى الامام، فيبقى غيره تحت إطلاق النهي، المنصرف إلى صورة وجود المستحق جزما، و لو للمناسبة المغروسة.
و لو تم عدم الفصل أمكن الجمع بينهما بحمل الأخيرة على الكراهة، لبعد تنزيل المجوزة على عدم المستحق في البلد، و لكن أنى لنا بذلك مع خلاف الأردبيلي.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ مثل هذه الخصوصيات غير ملتفت إليها عرفا، فلو كان جواز النقل مطلقا مغروسا في ذهن الناقل الى الامام، لكان على الامام ردعه، فسكوته كاشف عن رضاه بما هو مغروس في ذهنه، و من البعيد جدا كون المغروس في ذهن الناقل التفصيل بين الحمل إلى الامام و غيره.
و حينئذ فالرواية لا تقصر دلالتها على الجواز مطلقا، فيكون أقرب الجموع هو حمل الناهية على الكراهة، و اللّٰه العالم.
من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الأرز و الأقط، و من اللبن أربعة أرطال بالمدني.
أما تقدير التسعة في غير اللبن، فللنص من التحديد بالصاع، في مثل التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير (3)، الساري في جميع الحبوب بعدم الفصل، بل في النص انّ التحديد بنصف الصاع من بدع عثمان و معاوية (4)، و هو شاهد على
طرح ما ورد بهذا التحديد (1)و لو كانت صحاحا.
و أما في اللبن فلم يرد نص بالتحديد المزبور في خصوصه (2)، بل النص المحدد به مطلق (3)شامل لغيره أيضا، غاية الأمر انّ سائر الأخبار لما وردت في غير اللبن، خصص هذا النص باللبن.
لكن الإنصاف أنه لو لا قيام الإجماع على خلاف إطلاقه، لكان المتعيّن هو حمل الأكثر على الفضيلة، و يكون الحكم في الجميع هو الأقل، خصوصا مع اشتمال الأخبار السابقة على الأقط، الممكن دعوى شمول فحواه- عرفا- للّبن أيضا. و مع التزام الأصحاب بذلك، فلا محيص عن طرح إطلاق هذه الرواية، للعلم الإجمالي بطرح السند فيه أو الدلالة، خصوصا مع بعد التخصيص المزبور في المقام، لأنه من مصاديق التخصيص الكثير المستهجن، كما لا يخفى.
و حينئذ فالحكم بالتسوية بين اللبن و غيره في تعيين الصاع الذي هو مشهور هو المنصور، لو لا دعوى عدم شمول دليل الصاع لمثل اللبن، إلّا بفحوى الأقط، و هي ممنوعة. و حيث لا يتم عدم الفصل بينهما، فيرجع في الزائد عن المتيقن في اللبن إلى البراءة. و اللّٰه العالم.
و أما تعيين جنس المخرج في زكاة الفطرة، فظاهر المصنف تخصيصه بالأجناس السبعة، و عن الدروس نسبة ذلك إلى الأكثر (4). و حكي عن بعضهم القول باختصاصه بالأربعة الاولى، و عن آخر ضم اللبن إليها.
و نسب الى المشهور جواز إخراج القوت الغالب، و هل المدار حينئذ على ما
عليه بنو نوع الإنسان، أو نوع أهل قطرة، أو بلده، أو شخصه، وجوه بل أقوال.
و منشأ الخلاف اختلاف أخبار الباب، المشتملة بعضا على أجناس مخصوصة (1)، و بعضا على ما يغذون عيالهم (2)، و في ثالث: «قوت أهل بلدك»، ثم فصّل بأنّ أهل مكة و اليمن كذا، و أهل الشام كذا، و أهل طبرستان كذا، و أهل خراسان كذا، و أهل مرو و الري كذا، و أهل مصر كذا (3).
و ظاهر صدرها الاكتفاء بغالب قوت البلد، و ذيلها غالب قوت القطر.
و ظاهر الخبر الأول كون المدار غالب قوت الشخص، كما هو ظاهر قوله: «كل من اقتات قوتا فعليه أن يؤدي من ذلك القوت» (4). كما انّ الظاهر مما اشتمل على الأجناس المعهودة كون المدار عليها، سواء كان قوت الغالب منها أم لا.
و حينئذ لا تخلو النصوص- بدوا- عن نوع تهافت، كما لا يخلو المقام عن دوران الأمر بين حمل المطلقات- في عنوان «غلبة قوت القطر»- على الغالب من ملازمته لقوت البلد، الملازم لقوت الشخص، فيكون تمام المدار على هذا الأخير، كما هو ظاهر الروايتين. و ان اختلاف الأجناس أيضا منزل على اختلاف البلدان أو الأقطار، من غلبة كل قطر أو بلد في جنس من الأجناس المزبورة، بلا أخذ لظهورها في كون العناوين المزبورة بإطلاقها هي المدار.
أو الأخذ بظهور العناوين، و حمل قوت الغالب على الاستحباب و الفضيلة، كما هو الشأن في التمر و الزبيب، للنص الوارد في التمر بأنه أفضل،
معللا بأنه أسرع منفعة (1)، الساري ذلك في العنب أيضا.
أو جعل المدار- بمقتضى ذيل الرواية- على غلبة قوت القطر، و جعل صدرها منزلا على غلبة ملازمة البلد للقطر، كما انّ غلبة قوت الشخص أيضا منزّل على الغالب، من ملازمته لقوت بلده الملازم لقطره.
أو الأخذ بصدرها، و جعل المدار على قوت البلد و أنّ غلبة الأقطار و الشخص منزلان على الغالب، من ملازمتهما لقوت البلد، بضميمة حمل اختلاف الأجناس على اختلاف البلدان في أقواتهم.
و حينئذ يمكن منع الإطلاق في العناوين المخصوصة، فيكون أردأ الجموع الجمع الثاني، فيدور الأمر بين المحتملات الثلاثة من كون المدار على قوت البلد أو القطر أو الشخص. و حيث لا ترجيح لقابلية تنزيل إطلاق كل واحد على الغالب، فلا محيص- في مورد الاختلاف- عن اختيار القيمة.
و مع تباين المبدل و الشك في مسقطية أقل القيم، يجب اختيار الأكثر، تحصيلا للجزم بالفراغ.
نعم لو كانت الذمة من الأول مشغولة بالقيمة، بمعنى تعلّق حق الفقير بمالية الأجناس المزبورة، نظير إرث الزوجة من العقار، كان الاجتزاء بالأقل صحيحا، لأنه المتيقن، و تجري البراءة عن الزائد.
لكن ليس الأمر كذلك جزما، بل القيمة مسقطة لما في الذمة من الأجناس المتباينة، فلا محيص عن تحصيل الجزم بالبراءة، و لا يكون ذلك إلّا بإعطاء قيمة الأكثر.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه مصير المصنف إلى الجمع الثاني الذي
1) وسائل الشيعة 6: 234 باب 6 من أبواب زكاة الفطرة حديث 15.
أشرنا إليه، حيث قال: و أفضلها التمر، ثم الزبيب، ثم ما يغلب على القوت بعد التصريح بالاجتزاء بالأجناس السبعة مطلقا. و قد عرفت انّه مبني على قوة إطلاق أدلة الأجناس المزبورة، على وجه يصلح لحمل القوت الغالب على الفضيلة، غاية الأمر مؤخرا عن التمر و الزبيب، للنص. و قد عرفت أيضا أنه في غاية الإشكال، كالإشكال في تأخر رتبة الزبيب عن التمر، لتساويهما في العلة المنصوصة.
و يجوز إخراج القيمة حتى مع التمكن من العين، كما هو معقد الإجماعات، بل و إطلاق النصوص أيضا (1)، إنما الكلام في أن المعتبر في القيمة هل هو خصوص الدرهم كما في بعض النصوص (2)، أو يتعدّى إلى الدينار أيضا، بمقتضى التعليل الوارد في رواية إسحاق: من أن ذلك أنفع لهم (3)، أو مطلق ما يصلح أن يقع بدلا ماليا، كما هو الظاهر من إطلاق القيمة في بعض النصوص (4)، وجوه.
و المشهور على الأخير أخذا بالإطلاق المزبور، و حمل السابقة على الفضيلة.
و يمكن منع الإطلاق، لمعهودية الأثمان في التقويمات، بحيث يمكن أن تكون هي المتيقنة في مقام التخاطب، نعم لا بأس بمطلق القيم عند تراضيهما، لأنّ الحق لا يعدوهما، كما لا يخفى.
و يجب أن يخرجها عن نفسه و عن من يعوله، من مسلم و كافر،
و حر و عبد، و صغير و كبير، و إن كان متبرعا بالعيلولة كالضيف و نحوه، لما في النص: الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه، فيحضر يوم الفطرة، يؤدي عنه الفطرة؟ فقال: «نعم، الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حر أو مملوك» (1)، و في نص آخر: «و عبده النصراني» (2).
و لا ينافيهما ما ورد من نفي الفطرة عن المتكلف في الإنفاق على غيره (3)، لإمكان تنزيله على صورة عدم صدق العيلولة، إذ الإنفاق أعم من العيلولة.
بل ربما تكون العيلولة أيضا من جهة أعم من الإنفاق الفعلي، و لا أقل من طرح إطلاق هذه الرواية، الموهن لسندها أيضا، بوجه لا تصلح معارضة لما جعل المناط هي العيلولة.
كما انّ تفسير العيلولة في بعض النصوص بمن تجب نفقته (4)لا يقتضي التخصيص، بعد تصريح الرواية السابقة في تطبيق العيال على الضيف.
و أيضا فإنّ تطبيق عنوان «العيال» على واجبي النفقة، يكشف عن أنّ وجوب إخراج فطرتهم على المكلف إنما هو بعنوان العيلولة، لا بعناوين أخر، من الزوجية و البنوّة و نحوهما. و حينئذ فما ورد في بعض النصوص بهذا العنوان، منزّل على الغالب من كونهم عيالا، فلا طريق حينئذ لإثبات الفطرة عن قبل العناوين المخصوصة.
و حينئذ فالمدار التام هو صدق عنوان العيلولة، فما لم يصدق- حتى على الزوجة و الابن و الأب- هذا العنوان، لم يجب إخراج الزكاة عنهم، و مع الصدق
يجب، و إن لم ينفق عليهم فعلا لنشوز و غيره، بناء على إمكان تصور العيلولة مع عدم الإنفاق.
ثم انّ المدار في صدق العيلولة هو العرف، فربما تتحقق في زمان يسير، و لا يلزم امتداد زمان طويل. و قد ورد النص في المولود ليلة العيد: انه «ليست الفطرة إلّا على من أدرك الشهر» (1)، و معهودية وجوبها عن مولود يدرك الشهر، و معلوم انّ الوجوب حينئذ لا يكون إلّا بمناط العيلولة جزما، فيكشف ذلك عن انّ مثل هذا العنوان مما يكفي في صدقه الاتصاف آنا ما.
نعم لو أشكل في إطلاق مفهوم النص المزبور من تلك الجهة، و شك في دخل مضي أمد في صدق عنوان العيلولة، فلا بد من مراعاة مضي زمان، و إلّا فالمرجع هي أصالة البراءة، كما لا يخفى.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر أنه لا يبقى مجال لجريان النزاع في تحديد مفهوم الضيف، بعد ما لم يكن لهذا العنوان بخصوصه مدخلية في الحكم، إلّا أن يكون تحرير محل النزاع ناظرا إلى جهة الملازمة لتشخيص حيثية العيلولة، و ذلك أيضا لو لا الإطلاق في رواية المولود، حسب ما عرفت، و إلّا فلا مجال لأمثال هذه التشكيكات في تحديد مفهومه. و اللّٰه العالم.
فمقتضى ظهور هذا العنوان في الاقتضاء بمقدار ثبوته، هو إخراج فطرته عليهما بنسبة ما يملكانه و ينفقان عليه، لحكم العرف بأنّ الفطرة تماما أو بعضا تابعة لصدق العيلولة كذلك.
و لا ينافيه ما في بعض النصوص: «و إن كان لكل إنسان منهم أقل من
1) وسائل الشيعة 6: 245 باب 11 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.
رأس فلا شيء عليهم» (1)، إذ من الممكن تنزيله على صورة انصراف العيلولة رأسا عن مالك الأقل، و لو من جهة اعتبار العرف نحو خصوصية لمالك الرأس ليست لغيره.
كما أنه لا مجال أيضا للمصير إلى عدم شيء على المعيلين، نظرا الى عدم الانتساب التام إلى واحد، ليكون موضوع الفطرة، إذ فيه: انه مصادرة على المطلوب، فالتحقيق ما ذكرنا من التوزيع، كما مر نظيره في مسألة السيح و الدوالي، فراجع، و اللّٰه العالم.
كل من تجب فطرته على الغير- بعنوان العيلولة- لا تجب على نفسه، لظهور «لا ثنيا» في نفي التعدد عن قبل سبب واحد، سواء على الواحد أم على اثنين.
و في كون الفطرة على المعيل من قبيل التحمل عن الغير، أو كونه تكليفا متوجها إليه بدوا، وجهان. لا يبعد الأول، لظهور قوله: «عن كل شخص صغير أو كبير» في كونه من باب التحمل، مضافا إلى قوله: «ليست الفطرة إلّا على من أدرك»، الظاهر في كونها على نفس المولود بدوا، فيتحملها عنه معيله.
و لا ينافي ذلك كون الصغير غير مكلف رأسا، لأنّ دليل رفع القلم لا ينظر الى مثل هذا الثبوت غير المستقر عليه، إذ ليس في وضع هذا المقدار خلاف امتنان في حق الصغير.
و نظيره ما دل على نفي الفطرة عن اليتيم (2)، إذ هو أيضا منصرف إلى
الفطرة المستقرة، كما هو الشأن في نفيها عن الفقير، بحيث لا ينافيه تحمل من اضافه أو أعاله.
لو كان العيال و المعيل كلاهما فقيرين، لا تجب الفطرة على واحد منهما، لسقوط استقرارها بالفقر في كليهما.
و لو كان المعيل غنيا تحمل عن عياله مطلقا.
و لو كان المعيل فقيرا و كان عياله أغنياء، قيل باستقرار الفطرة عليهم بشروطها من العقل و البلوغ و غيرهما، لأنّ عموم «من أدرك الشهر» يقتضي ثبوتها مطلقا، غاية الأمر انّ دليل تحمل المعيل يرفع استقرارها، و أما مع فرض عدم وجوبها عليه بسبب فقره، فيبقى ظهور «من أدرك» موجبا لها على العيال أنفسهم.
أقول: لا يخفى انّ لازم ذلك: اما وجوب الفطرة على الصغير و الفقير مستقرة، عليهما في فرض إعسار المعيل بالتقريب المتقدم، أو عدم وجوبها على المعيل بنحو الاستقرار أيضا مع غناه، و كلاهما باطل.
تقريب الملازمة: انه لو أغمض عن دليل مانعية الصغر و الفقر، كان مقتضى الجمع بين دليل «التحمل» و عموم «من أدرك» هو استقرار الفطرة عليهما عند عدم التحمل، كما هو الشأن في العيال الغني مع فقر المعيل. و ان لم يغمض عن الدليل المزبور، فلا فطرة مستقرة عليهما، كي يتحمل عنهما معيلهما حتى مع غناه، إذ مرجع تحمله عنهما اشتغال عهدته بما اشتغل عهدتهما به، و المفروض انّ عهدتهما غير مشغولة بالفطرة المستقرة كي ينفى استقرارها بتحمل غني، بل حسب الفرض- مع قطع النظر عن تحمل الغير أيضا- لا استقرار عليهما، فلا يتحمل المعيل الغني إلّا هذه الفطرة غير المستقرة، و لازمة عدم وجوبها المستقر على المعيل الغني، و كلا المحذورين مما لا يلتزم بهما أحد.
و عليه فلا محيص إما من دعوى التحمل مطلقا، غاية الأمر أنه لا يجب على المعيل الفقير دفعها، لا عن نفسه و لا عن غيره، و لازمة كون دليل الصغير و الفقير ناظرا الى نفي وجوب الأداء تكليفا لا وضعا، فيصير بالنسبة إليهما من قبيل الزكاة المستحبة. نعم مع كونهما عيالا على الغير، لا وضع عليهما أيضا، فلا يتحمل غيره و لو كان فقيرا.
أو يلتزم بعدم ثبوت الفطرة على الفقير و الصغير رأسا، و انّ خطاب الفطرة متوجه إلى المعيل بدوا، و أنّ المراد من الفطرة عليهم هو نحو توسعة في مفهوم «على» و لو بجعل مفادها راجعا الى سببيتها للثبوت على المعيل.
و على كلا التقديرين لا وجه لوجوبها على العيال الأغنياء مع فقر المعيل، إذ مرجع الوجهين إلى رفع اليد، إما عن ظهور دليل النفي عن الفقير في نفي الوضع، بصرفه الى التكليف، مع إبقاء ظهور دليل التحمل في الوضع بحاله، حتى في المعيل الفقير بالنسبة إلى عياله مطلقا.
أو الأخذ بظهور دليل النفي في نفي الوضع أيضا، و لازمة الالتزام بتوجه الخطاب بالفطرة إلى المعيل بدوا بلا تحمل. و لازم كل واحد عدم الوجوب على الأغنياء أيضا عند فقر معيلهم، و إلّا فلا محيص عن الوقوع في أحد المحذورين، و هو كما ترى.
إذ بعد كونها من العبادات فمن المحتمل عدم قابليتها للتسبيب، كما هو شأن كلية العبادات.
و مع الشك في هذه القابلية، فأدلة الوكالة قاصرة الشمول لمثلها، إذ هي إنما تجري في المحل القابل لا مطلقا. و لذا قلنا بأنّ الأصل في العبادات عدم مشروعية الوكالة و النيابة، إلّا ما خرج. فلا يقاس المقام بباب الدين القابل لاستنابة الغير عن المديون في وفاء دينه، و لو من مال نفسه، و عليه فلا يجتزأ
بأداء الغير من مال المتبرع عنه، فضلا عن مال نفسه، أو إذا لم يكن باذنه.
هذا هو طبق القواعد الأولية في كلية العبادات.
لكن قد ورد النص على جواز النيابة في المقام، مثل رواية جميل المشتملة على أمر الرجل عياله فيعطون عنه و هو غائب (1)، و هذا النص مختص بصورة الاذن. و في التعدّي عنه الى غير هذه الصورة، أو بالإخراج من مال النائب، اشكال. اللهم إلّا أن يدعى بأنّ الرواية مسوقة لبيان مشروعية النيابة، بلا التفات إلى خصوصية كون المعطي من ماله أو من مال المنوب عنه، نعم في التعدّي إلى غير هذا المورد اشكال، فيقتصر في خلاف الأصل على المتيقن، و اللّٰه العالم.
بلا خلاف، لإرسالهم عباديتها في المسلمات، و معه لا ينظر إلى أصالة التوصلية عند الشك في العبادية- على المختار- فضلا عمن قال بأصالة التعبدية.
و لا إشكال في تكليف الكافر بها و إن لم يصح صدورها منه، لعدم صلاحية عمله للمقربية، كما هو الشأن في الجاهل المقصر في باب الصلاة في الدار المغصوبة. نعم بعد الإسلام يجب عنه ما سلف بالتقريب المتقدم في زكاة المال، مضافا الى ما ورد من سقوطها عن نصراني أسلم ليلة الفطر (2).
من الأصناف الثمانية، و عمدة الوجه إطلاق الآية، و ظهورها لبيان مصرف الزكاة، مطلقا مالية
كانت أم بدنية.
و لا يعارض هذا الإطلاق في الآية الكريمة بما ورد من انّ زكاة الفطرة للفقراء (1)، أو للمسلمين و إن لم تجد مسلما فمستضعفا (2). و قد تقدّم انّ المراد من المسلم هنا هو المؤمن الموالي لأهل البيت عليهم السّلام بقرينة هذه الرواية، إذ هذه النصوص- كنصوص جعل زكاة المال لفقراء الشيعة- ناظرة إلى الجعل لهم أولا و بالذات، فلا تنافي تعيين مصرفها في أمور خاصة، التي منها المؤلفة و العاملون، و لذا قلنا بانّ ولاء المصرف في الرقاب للفقراء.
نعم لو قيل بانصراف الآية إلى زكاة المال، لم يكن وجه لما ذكرنا، غير انّ الانصاف هو عدم الانصراف، و من ثم ذهب المشهور إلى انّ مصرف زكاة الفطرة هو مصرف زكاة المال.
لكن قد يشكل في عصر الغيبة في تحقق مصرف المؤلفة، لسد باب الجهاد، لو لم نقل بشموله للدفاع أيضا.
و على أي حال، كان مقتضى الخطاب بإيتاء الزكاة، هو جواز تصدّي المكلف بنفسه لإيصالها إلى محالها و إن كان الأفضل صرفها إلى الامام، لما في خبر ابن راشد: سألته عن الفطرة لمن هي؟ قال: «للإمام»، و في ذيله: «لا بأس بأن تعطي و تحمل ثمن ذلك ورقا» (3)، بحمل الذيل على التخيير بين إعطاء نفسه أو حمل قيمته الى الامام.
و مع غيبته- عجل اللّٰه تعالى فرجه الشريف- تصرف إلى المأمون من فقهاء الإمامية على اشكال في ثبوت ولايتهم على مثل ذلك في زمان
الغيبة، لعدم وفاء العمومات بها، و لم يثبت أنها من شئون قضاة الجور، و لا كونها- مع تمكن المكلف نفسه من الأداء- من الحسبيات، نعم لو ثبت ذلك أمكن دعوى تحقق مقدمات الحسبة فيها، و لازمة حينئذ مرجعية الفقيه، لكن أنى لنا بإثباته.
و لا يعطى الفقير أقل من صاع على المشهور، للمرسلة المنجبرة (1)، و في قبالها رواية إسحاق، و في ذيلها: الأمر بتفريقها و «أنّه أحبّ الي» (2).
و يمكن الجمع بحمل كل منهما على دفع توهم تعيين مقابله، فيتخير في ذلك لو لا ضعف خبر إسحاق (3)باعراض المشهور عنه.
و في تكملة الأستاذ العلّامة: جعل الصاع أحوط، و جعل جواز التفريق غير بعيد. و عمدة نظره إلى خبر إسحاق، و هو كما ترى.
و قد يحمل خبر إسحاق على صورة اجتماع الفقراء، بحيث لا تفي الزكاة لجميعهم لو وزعت عليهم بمقدار الصاع لكل واحد منهم، فتفرق حينئذ بينهم بما يفي للجميع. لكن ما ذكرناه من الجمع لعله أقرب، فتدبّر.
و لا حد لأكثره، لقوله عليه السّلام: «لا بأس أن تدفع عن نفسك
1) وسائل الشيعة 6: 252 باب 16 من أبواب زكاة الفطرة حديث 2.
2) وسائل الشيعة 6: 252 باب 16 من أبواب زكاة الفطرة حديث 1.
3) هو: إسحاق بن المبارك، و لم يرد ذكره في توثيق الرجال، فكانت الخدشة في سند الرواية من هذه الجهة أولى من جهة الاعراض. فضلا عن عدم منافاتها لما عليه الأصحاب على ما أوضحناه في التعليق المتقدم. قال الشيخ: ليس في الخبر- في قوله: «يفرقها أحب إلي» أن تفرق فطرة رأس واحد. و يحتمل أن يكون أراد: من وجبت عليه فطرة رءوس، فأن يفرق و يعطي كل واحد منهم رأسا، أفضل من إعطائه لرجل واحد. و على هذا التأويل لا تنافي بين هذا الخبر و الخبر الأول.التهذيب ج 4 ص 89- 90.
و عمن تعول الى واحد» (1)، مضافا الى الإطلاقات، لو لا دعوى إهمالها من هذه الجهة. لكن فيها- بعد تكاثرها و تعاضدها- كمال تأمل، و اللّٰه العالم.
لقوله في النص:
«لا صدقة و ذو رحم محتاج» (2).
و في آخر: «الجيران أحق بها» (3).
و في ثالث: «أعطهم على الهجرة في الدين و الفقه و العقل» (4).
و لا يخفى انّ ظاهر هذه الأخبار: استحباب الاختصاص بكل واحد من العناوين المزبورة، و مع اجتماعها في مورد يكون هو الأولى مطلقا، و إلّا فالمجتمع فيه اثنان أو أكثر. و إلّا فيقدم كل واحد من هذه العناوين على غير الواجد لها مطلقا، من دون ترتيب بين نفس العناوين فيما إذا وجد هناك متعددون يتصف كل واحد منهم بعنوان واحد منها. و هذا هو ظاهر إطلاق المصنف، لو لا مراعاة الأهمية عرفا، على اشكال في تقديم ذي القرابة على الفقيه، لأنّ هذا الأخير أهم من الجميع، حسب ما يستفاد من مذاق الشرع المقدّس، ثم القريب ثم الجيران.
و يستحب للفقير إخراجها، للجمع بين النص النافي و النص المثبت، كما في خبر زرارة (5)و خبر القدّاح (6).
1) وسائل الشيعة 6: 252 باب 16 من أبواب زكاة الفطرة حديث 4.
2) وسائل الشيعة 6: 286 باب 20 من أبواب الصدقة.
3) وسائل الشيعة 6: 250 باب 15 من أبواب زكاة الفطرة حديث 2.
4) وسائل الشيعة 6: 181 باب 25 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 2.
5) وسائل الشيعة 6: 255 باب 3 من أبواب زكاة الفطرة حديث 2.
6) وسائل الشيعة 6: 223 باب 2 من أبواب زكاة الفطرة حديث 2.
و يستحب له أيضا ادارة فطرته بين عياله بأن يخرجها عن نفسه بالإعطاء إلى واحد منهم، ثم هو إلى الآخر، و هكذا. و المستند فيه موثقة إسحاق، المشتملة على هذا المضمون (1)، فراجع و الحمد للّٰه أولا و آخرا.
1) وسائل الشيعة 6: 255 باب 3 من أبواب زكاة الفطرة حديث 3.
و هو- وفق مفاد النصوص (1)- عوض عن الزكاة، جعل لآل محمد صلّى اللّٰه عليه و آله، فمن منع شيئا منه فهو ممن ظلمهم و غصب حقهم، بل و انّ منكر الخمس في الإسلام- بلا شبهة- مكذّب للنبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و كان من الكافرين، و مع الشبهة ففي كفره اشكال.
نعم يمكن جعل إنكاره طريقا إلى اعتقاده، فيحكم بكفره من هذه الجهة ظاهرا و عليه يحمل إطلاق كلمات الأصحاب، لا أنّ للإنكار المزبور موضوعية للكفر، حتى مع الجزم بعدم تكذيبه للنبي صلّى اللّٰه عليه و آله في شيء.
ثم انّ ملكية بني هاشم للخمس كملكية الفقراء للزكاة، بالمرتبة الخاصة المعهودة المتعارفة، غير المنافية لكونه أيضا بمرتبة اخرى للّٰه تعالى، كملكية السماوات و الأرض، كما هو مضمون الآية و الرواية. و لا تضاد بين هذه المراتب، كي لا يجتمع مجموعها في شيء واحد، كما نرى بالمشاهدة نظيره في العرف، من ملكية السلطان و الرعية، الموجب كل منهما أثرا خاصا، من كون
1) وسائل الشيعة 6: 255 باب 1 من أبواب قسمة الخمس.
خراج الأرض للسلطان، و أجرتها للرعية.
و بمثل ذلك ربما يجمع بين أخبار إباحة الطسق من الأراضي كلها، حتى في المفتوحة عنوة (1)، و بين ما دل على التحريض على أداء أجرة الأرض المزبورة، كي يعمل بها في مصالح المسلمين (2)، بل من الممكن أيضا الجمع بين كون هذه ملكا للمسلمين مع عموم «من أحيى أرضا» الشامل لها، الموجب لملكيته مثل هذه الأرض أيضا لمحييها، بحمل كل واحد على مرتبة من الاختصاص، غير المنافية للمرتبة الأخرى منها. بلا احتياج إلى رفع اليد عن ظاهر جواز بيعها بالحمل على بيع آثارها.
و عمدة ما أوقعهم في الاشكال من جهة الجمع بين أمثال هذه النصوص، هو تخيلهم وحدة حقيقة الملكية، و تضاد فرديها في محل واحد. و قد عرفت انّ اختلاف المراتب يرفع التضاد، بحيث يمكن الاجتماع في شيء واحد بمراتب متعددة. كما مثّلنا لك في اجتماع ملكية السلطان لرقبة الأرض، المانعة لبيع الرعية إياها لسلطان آخر، و ملكية الرعية لها المانعة لبيع السلطان إياها لغيرهم، كما لا يخفى.
المأخوذة من الحربي بإذن الإمام بالقهر و الغلبة، و يدل على القيد الأول مرسلة الوراق- المنجبرة بعمل المشهور-:
«إذا غزا قوم بغير اذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلها للإمام. و إذا غزا قوم بأمر الامام، كان للإمام الخمس» (3). و على القيد الثاني ما في نص
آخر: «الخمس في خمسة أشياء- الى ان قال- المغنم الذي يقاتل عليه» (1).
و إطلاق الخبرين- مضافا الى قوله في رواية أبي بصير: «كل شيء» (2)- ثبوت الخمس في المنقول و غيره من الأراضي المفتوحة عنوة.
و لا يعارضهما إطلاق ما دل على أنها للمسلمين، إذ نسبة هذا الدليل بالإضافة إلى دليل الخمس، كنسبة ما تكفل لبيان الموضوع و حكمه، و ان مثل هذا الخمس كالزكاة و سائر الأخماس واردة على ملك طائفة خاصة.
و توهم انصراف عنوان «الغنيمة» عن مثل هذه الأراضي، لنقص في ملكيتها لهم. مدفوع جدا، بل و لو لا الإجماعات على عدم تعلّق الخمس بالأنفال، لكنا نقول بتعلقه بها، بلا معارضة كونها للإمام. نعم ظاهر الرواية السابقة من تخصيص خمسها للإمام، قبال تمامها عند عدم الاذن، ربما يشهد أيضا لمدعي المجمعين.
بل من الممكن انصراف موضوع الخمس في الأدلة عن مثل ذلك، لعدم كونها من الغنائم المعهودة، الراجعة إلى المسلمين. و لا فائدة خاصة بالإمام، منصرفة إلى ملكيه الشخص بالملكية المتعارفة، لا بمثل هذه المرتبة من الملكية الثابتة للإمام بما هو إمام، فتأمل.
ثم انّ مقتضى تقييد الغنيمة الخاصة بالواجدة للقيدين، يوجب جعلها في قبال سائر العناوين، و بخروجها عن موضوع مطلق الفائدة و الأرباح، المعتبر فيها إخراج مئونة السنة، كما انّ في صورة فقد قيد «الاذن» مع التمكن من الامام- بمقتضى خبر الوراق- يصير المغنم للإمام. و عرفت ان الظاهر- بقرينة
المقابلة- كون الجميع للإمام، بلا ثبوت خمس فيه. و في شموله لصورة عدم أمره، لعدم التمكن منه، إما لغيبته أو لجهة أخرى، إشكال.
و حينئذ فمقتضى حلية أخذ مال الحربي- و كونه فيئا للمسلمين، الملحق به الناصب و الباغي أيضا- كون المغنم مال آخذه، و لا يدخل في الغنيمة الخاصة بل يشمله عموم مطلق الفائدة، المستثنى منها مئونة السنة.
هذا كله مع فقد الاذن و وقوع المقاتلة، و أما لو كان الأمر بالعكس، بأن صولح مع العسكر المبعوث بأمر الإمام قبل وقوع القتال، فهو أيضا من الأنفال، لصريح رواية معاوية بن وهب (1)، و رواية ابن مسلم (2).
و من هذا القبيل أيضا ما أخذ فداء أو جزية أو غيلة أو سرية، لعموم «كلّ ما غنموا- في هذه الصور- فهو للإمام يجعله حيث أحب».
نعم لو وقع الصلح مع السرية بعد الشروع في القتال و إراقة الدماء، أو غنموا حين المقاتلة غيلة، على وجه يعدّ من لواحق القتال، فهو داخل في الغنيمة بالمعنى الأخص، فلا يلحظ فيها مئونة السنة، لإطلاق الدليل.
و إن لم يكن هناك إرسال عسكر باذنه، فكلّ ما غنموا فهو للآخذين، لما ذكرنا، و فيه الخمس بعنوان الفائدة، المستثنى منها مئونة السنة. و يؤيده قوله:
«خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع إلينا الخمس» (3).
و في نص آخر: رجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة، فقال: «يؤدي خمسنا و يطيب له» (4).
بناء على حملها على ما قبل وقوع القتال، مع كون السرية مبعوثة من
جانب خلفاء الجور بغير اذن الامام عليه السلام، و إلّا فلو كان بعد نشوب القتال، كان لا بد أن يكون تمام الغنيمة للإمام، و انه من باب تحليل ماله- عدا الخمس- للشيعة، فهو غير الخمس المعهود.
و هذا التوجيه أولى من حمل الخمس هنا على الخمس المعهود، و كون السرية بإذنه عليه السلام ليكون المغنم المعهود، إذ حينئذ لا يكون اختصاص للبقية بالآخذ، بل لا بد من تقسيمها بين جميع المجاهدين.
و على أي حال، لو لا التوجيه المزبور، كان لا بد من طرح الرواية، بصريح نص الوراق المتقدّم. اللهم إلّا أن يحمل ذلك على صورة عدم التمكن من اذن الامام، لغلبة سلطنة الجائرين و شدة تقيتهم في عدم إظهار الأمر، إذ حينئذ- كما أشرنا- تكون الغنيمة ملكا، و عليه خمس الفائدة.
ثم انّ مقتضى صحيحة ربعي (1)كون صفو المال من الغنيمة الخاصة للإمام خاصة، و ظاهر إطلاقها: كون ذلك من قبيل الأنفال في عدم تعلق الخمس المعهود بها. و في النص: «الإمام يأخذ الجارية الروقة، و المركب الفاره، و السيف القاطع و الدرع قبل أن تقسم الغنيمة» (2).
و في آخر: إدخال قطائع الملوك، و انها خالصة للإمام و ليس للناس فيها سهم (3).
اللهم إلّا أن يقال: انّ مثل هذا اللسان لا ينافي شمول دليل الخمس، الثابت لمطلق الفائدة، لو لم يشمل دليل الغنيمة الخاصة، بظهور خطابه في اغتنام الناس لهم، لا ما هو خاص بالإمام. فلو لا تنقيح المناط في النص
السابق في رواية الوراق- بقرينة التقابل- الشامل للمقام، و لا الإجماع على نفي الخمس في ماله عليه السلام مطلقا، بإطلاق معاقد الإجماعات، لكنا نقول بخمس الفائدة فيها أيضا.
نعم لو جعل الإمام شيئا من الغنيمة الخاصة في مصلحة من المصالح العامة، كان لازمة سقوط خمس الغنيمة المعهودة فيه. و أما خمس مطلق الفائدة على الآخذ فلا قصور في شمول الدليل له. و هكذا لا يبعد ثبوت الخمس في السلب، و في الرضائخ التي يجعلها الامام للنساء و العبيد، بدعوى دخولها في جعل الغنيمة في مصلحة خاصة، فكان جعله عليه السلام ظاهرا في خروج مثلها عن موضوع الخمس بعنوان الغنيمة المعهودة، و إن كان يشملها عنوان خمس مطلق الفائدة بعد مئونة السنة.
كما انّ في كل مورد يثبت الخمس بعنوان مخصوص- كالغنيمة و المعدن و نحوهما- لا ينافي ثبوته أيضا بعنوان آخر، كعنوان الفائدة و الربح و نحوه.
اللهم إلّا أن يقال: انّ تخصيص الشارع عنوانا بالخمس يقتضي إلغاء جهة أخرى إذا كانت ملازمة للعنوان المزبور. و عليه فلا يشمله دليل مطلق الفائدة.
بلا اشكال فيه فتوى في الجملة، و نصا. ففي الصحيح: المعادن كم فيها؟ قال: «الخمس» (1).
و في آخر: «و من المعادن يؤخذ منها ما يؤخذ من الذهب و الفضة» (2).
و في ثالث: التصريح بأن الملاحة من المعدن (3).
لكن في الفقيه- بعد قوله: «و ما الملاحة»؟ قال: أرض سبخة يجتمع فيها الماء فيصير ملحا. فقال: «هذا مثل المعدن فيه الخمس» (1)، و يمكن حمله على بيان المماثلة لمعدن الذهب و الفضة، فيكون- من حيث المضمون- مثل الخبر السابق، فلا يستفاد منه خروج الملح منه، كي يحتاج الى الالتزام اما بتخطئة العرف في فهم المعدن، أو مغايرة الشرع لهم في المفهوم، و كلاهما بعيد.
و ظاهر النصوص المزبورة كون الخمس ثابتا في هذا العنوان بخصوصه، و إن لم ينطبق عليه عنوان الفائدة، فلا يستثنى منه مئونة السنة، بل غاية ما يستثنى هو مئونة إخراجه، بقرينة «الخمس بعد المئونة» (2)، كما هو الشأن في خمس جميع العناوين الخاصة، بخلاف خمس الأرباح و الفوائد، إذ في نصها «بعد مئونتهم» (3)المنصرف إلى مئونة سنة الشخص الذي كان الغالب بصدد تحصيلها، فالفارق بين المقام و ما يأتي هو خصوصية لسان دليل المئونة كما لا يخفى.
و لو شك في شيء كونه معدنا، فأصالة عدم تعلق الخمس بعنوانه محكمة، لو لا سبق حالة سابقة فيه، مع كون الشبهة موضوعية ثم لا إشكال في اعتبار النصاب في المعدن. كما أنه لا إشكال في كون نصابه مثل نصاب الذهب في الزكاة، و هو ما بلغ عشرين دينارا، على ما سيأتي.
و مقتضى عموم «الخمس بعد المئونة»- بعد إجماله من حيث مئونة السنة أو
مئونة الاستخراج- وجوب الاقتصار على مئونة الاستخراج، في قبال الإطلاقات السابقة. و لا إشكال في هذا المقدار، إنما الكلام في أنّ اعتبار النصاب الآتي هل هو بعد إخراج المئونة- كما يستفاد من صاحب الجواهر (1)- أم لا؟
مقتضى التحقيق: انّ دليل النصاب و المئونة كليهما قيدان وردا على إطلاقات «الخمس في المعدن» في رتبة واحدة، فلا وجه لنظر أحدهما إلى الآخر، كي يكون في طوله و بعد إخراجه أو لا.
و حينئذ لا مقتضى لملاحظة النصاب بعد المئونة، بل المال الموجود البالغ للنصاب، توضع عنه المئونة و يخرج خمسه، فإخراج المئونة إنما يقدّم على إخراج الخمس، لا على اعتبار النصاب.
و أيضا الظاهر من دليل النصاب اعتباره في المخرج بإخراج واحد، و لو تدريجا، فما دام مشغولا بالإخراج يصدق عليه عرفا انه إخراج واحد، لأنه عمل واحد تدريجي.
كما انّ المدار في بلوغ المخرج، ما يكون ملكا للشخص لا بما هو مخرج و لو بالشركة، إذ هو المناسب لتشبيهه بالزكاة، كما سيأتي في لسان دليل نصابه.
و أيضا الظاهر كون ما يعتبر فيه النصاب ما هو موضوع الخمس، و من المعلوم انّ الموضوع هو طبيعة المعدن، السارية في كل فرد من أفراد المعدن.
و لازمة كون النصاب أيضا ساريا في جميع أفراده، فلا يجدي بلوغ المخرج من المعادن المتعددة إلى حد النصاب المزبور.
نعم لو صدق على المخرج منه معدن واحد، يلاحظ فيه نصاب واحد، و إن كان المخرج منه أجناس مختلفة.
1) جواهر الكلام 16: 82.
و لو اخرج من تراب المعدن خمسه لا يجزئ، لاحتمال اختلاف الجوهر فيه، لو لا دعوى رجوع الأمر إلى الأقل و الأكثر، فالأصل براءة التكليف بالأكثر.
هذا أيضا لو لا تسالمهم على إلحاق باب الشبهة الموضوعية في المقام بباب الزكاة الوارد فيها النص بوجوب تسبيك الدرهم المغشوش لإخراج الزكاة، الكاشف عن إيجاب الشارع الاحتياط في أمثال المقام في قبال الأصل المقتضي للبراءة عن الأكثر.
ثم المدار في الخمس، ما يخرج من المعدن من أصل الجواهر، فلو زادت قيمته لصنعة أو جهة خارجة عن الجوهر، فلا يتعلق به الخمس، لعدم مساعدة النص عليه كما هو ظاهر.
و لو أتجر به ناويا إخراج الخمس من غيره، فمع التضمين و ولايته عليه لا يكون عليه إلّا خمس الأصل، و الربح له، فيتعلق به خمس الأرباح. و مع عدم التضمين أو عدم صحته، يتعلّق حق السادة بالربح، بناء على ولايته على التجارة في مالهم، و إلّا فيحتاج أصل المعاملة أيضا إلى إجازتهم كما لا يخفى.
هذا، و هل يعتبر في الخمس مجرد كونه من المعدن، و لو أخرجه غيره من حيوان أو غيره، أو كان لإخراجه و لو بالتسبيب دخل في وجوب الخمس؟
وجهان بل قولان، تابعان لتمامية إطلاقات المعدن، من حيث كيفية الإخراج أيضا، أو إهمالها من تلك الجهة. و لا يبعد الأخير.
نعم لو أخرج الأجنبي عن معدن الغير فأمضاه صاحبه، كان كتسبيبه من الأول.
و يعتبر في تملكه بإخراجه سلطنته على إخراجه لنفسه، فبدونه لا يملك إلّا المتسلط عليه، فعليه الخمس لا على المخرج.
و لو كان المعدن في الأراضي الخراجية، فالظاهر عدم اجراء حكم الأرضية على المخرج منها، بل الظاهر انّ المخرجات عن معادنها بحكم كلائها مباحة لكل من تملّك منها و لو كان كافرا، للسيرة. و إلّا فتختص إباحة تملّكها بالشيعة، و لكنه خلاف السيرة، من اجراء حكم الملك على ما أخرجه الكافر أيضا.
اللهم إلّا أن يدعى بأنه من باب تقرير ملكية ما يرونه ملكا، كالخمر و ثمن الخنزير، لا أنهم مالكين حقيقة، فلا دليل حينئذ لشمول دليل الإباحة واقعا لغير الشيعة.
و على أي حال، لا مجال لإجراء حكم الأراضي على مثلها، بكونها ملكا للمسلمين مصروفا في مصالحهم، لقيام السيرة على خلافها، مضافا إلى انصراف دليل الأراضي عن مثلها. و بذلك يحكم بملك الرقبة في المأخوذة من أرضها للأخذ، مع انّ أراضيها من الخراجية، كما هو ظاهر.
و لا اختصاص في ثبوت الخمس بملك البالغ، للإطلاقات، بل الصبي لو حاز من المعدن شيئا يملك و يتعلق به الخمس، و إن كان إخراجها من وظائف وليه، لكونه تصرفا ماليا.
نعم لو كان المخرج غير مميز، فهو بمنزلة إخراج الحيوان لا يحكم بملكه، لعدم صدق الحيازة على فعله، فيملكه من حازه، و في تعلّق الخمس به مبني على المسألة السابقة، فراجع.
بلا اشكال فيه أيضا في الجملة نصا و فتوى، و في
بعض النصوص: إثبات الخمس في خمسة، و عدّ منها الغوص (1).
و في آخر: «ما يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد، و من معادن الذهب و الفضة، إذا بلغ ثمنه دينارا (2). و ظاهر هذه الرواية كون إطلاق فقرأته في مقام البيان، بقرينة ذيلها. و ظاهر الإطلاقات شمولها للغوص في الأنهار الكبار أيضا. و في شمولها للصغار اشكال، للانصراف، و الظاهر أيضا شمولها لصورة الاحتياج الى الآلات، أما لو اخرج منها بلا غوص فغير مشمول لها.
و مقتضى ذيل النص الثاني: اعتبار النصاب و بلوغ قيمته دينارا، و لا ينافيه كونه في ذيل معدن الذهب و الفضة، إذ الظاهر منه بيان نصابهما من حيث كونه غوصا، فلا ينافي صدق عنوان آخر اعتبر فيه شروط اخرى.
و يؤيده أيضا فهم الأصحاب، حيث اشترطوا فيه نصاب الدينار.
و حكم تعدد الإخراج و المخرج حكم المعدن، و أنّ ميزان وحدة إخراجه و تعدده بنظر العرف، و إذا انطبق على الغوص عنوان آخر من باب الاتفاق، يراعى الخمس في العناوين، كل بلحاظ ما فيه من الشرط من النصاب و المئونة، و ربما تحسب المئونة على مجموع الجهتين، لأنه إخراج واحد، لا على كل واحد كما هو واضح.
ثم انّ الغواص إن كان أصلا فهو المتملك، و إلّا فالمتملك مستأجره. كما هو الشأن في مخرج المعدن.
و المتناول من الغواص لا يتملك إلّا إذا كان ذلك قبل حيازته الكافي فيها مجرد قصدها، بلا احتياج إلى قصد تملك، بل الحيازة سبب للملكية
قهرا. فما هو اختياري نفس حيازته، كما لا يخفى.
و المدار في الغوص على كون المال المأخوذ به متكونا في الماء، لا واقعا فيه من الخارج و إن كان الغائص بحيازته إياه يملكه عند صدق كونه بغرقه بحكم التالف.
نعم لو قذفه البحر و لم يأخذه أحد فهو لمالكه، للنص الوارد بهذا المضمون، الممكن تطبيق النص على القاعدة بكلا شقيه، بدعوى انّ صيرورته عند العرف بحكم التالف صار موجبا لسقوط إضافة الملكية، و لم يبق في البين إلّا علقة ضعيفة بالغة إلى مرتبة ان تملك، و مثل هذه المرتبة مقتضية لعود الملكية حال عوده إلى المالية، بخروجه في ظرف بقائه على حاله، و إلّا فلو تملكه أحد بالغوص قبل عوده إلى الملكية لا يبقى مجال لتأثير العلقة المزبورة لعوده الى صاحب المال، لعدم قابليته حينئذ لعود الملكية السابقة إليه، بملاحظة وجود الحائل المزبور، و حينئذ لا يحتاج في تملك الغائص إلى إعراض مالكه، كما هو مقتضى إطلاق النص أيضا.
ثم انّ إطلاقات الباب- خصوصا بملاحظة اشتمال بعضها على الأمثلة المذكورة فيها- منصرفة إلى كون المخرج من الجوهر، و إلّا فلو كان حيوانا فلا تشمله أدلة خمس الغوص.
نعم لو كان الجوهر في بطن حيوان، فإن كان ذلك من المعتاد فلا يبعد صدق الغوص عليه، مع كون الجوهر أيضا متكونا في بطنه، أو متكونا في الخارج المعتاد بلع الحيوان له. و لو كان معتادة بلع جوهر من الخارج ثم يغط في الماء، ففي صدق الغوص حينئذ إشكال، فضلا عما لا يكون معتادة ذلك، و كان ذلك من باب الاتفاق.
نعم لو كان بلع الحيوان على خلاف المعتاد من المتكون في البحر فالأقوى
صدق الغوص عليه، مع صدق استيلائه عليه، كما لا يخفى.
ثم انّ ما يعتاد خروجه بالغوص من العنبر فهو من الغوص، و ما يؤخذ من وجه الماء فليس منه، و يومئ إليه النص المشتمل على العنبر في قبال الغوص (1)، و على أي حال ففيه الخمس للنص المزبور.
و في ثبوت نصاب الغوص فيما لا يصدق عليه الغوص اشكال، كما لا إشكال في الخمس فيه بعنوانه الخاص غير المحتاج إلى إخراج مئونة السنة، إلّا إذا ادعي الإجماع على اعتباره فيما لا يصدق عليه أحد العناوين المخصوصة الأولية.
و مرجعه إلى عدم كون العنبر في قبال بقية العناوين التي فيها الخمس، بل بمجرد عدم صدق واحد منها لا بد أن يكون بعنوان الفائدة، و مثل هذا المعنى و إن أمكن أن يستفاد من فحاوي كلماتهم، لكن ليس بنحو تطمئن إليه النفس، في قبال ظهور النص السابق في الخصوصية، مع عدم كون المأخوذ من وجه الماء بواحد منها، كما لا يخفى.
و غيرها من أنحاء التكسبات، و لو بحيازة المباحات، بلا اشكال فيه أيضا في الجملة، إلّا من جهة شبهة اقتضاء أدلة إباحة الخمس إباحة هذا القسم في كل زمان.
و لكن لا يخفى ما فيه، من انّ أخبار الإباحة بين ما لا يشمل هذا القسم كسائر الأصناف، و اختصاصها بالأراضي و المناكح و أمثالها الدخيلة في طيب الولادة و بين ما يشمل ذلك بل و غيره، و لكن كان من امام خاص، في زمان
1) وسائل الشيعة 6: 347 باب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث 1.
مخصوص، لمصلحة خاصة شخصية، مع مطالبة الإمام اللاحق له، خصوصا صاحب عصرنا و إمام زماننا عجل اللّٰه فرجه و جعلني اللّٰه فداه، و لو فرض صدور التحليل منه أيضا، كما في بعض النصوص، يكفينا الشك في كون مطالبته، كما في نص آخر بعده أم قبله، لعدم حلّ مال إلّا من حيث ما أحلّه اللّٰه، فيكفينا عدم ثبوت التحليل لها بالنسبة إلى زماننا فتأمل.
و تتمة الكلام في محل آخر سيأتي عن قريب إن شاء اللّٰه، و كيف كان لا مجال لمثل هذه الشبهة في الخمس، كما صدر عن بعض الأعاظم.
و حينئذ يبقى الكلام في أصل ثبوته، و هو مما لا شبهة فيه نصا و فتوى، كما أشرنا إليه، كما انّ الظاهر- من قوله الخمس أعلى ما يستفيد الرجل من قليل و كثير من جميع الضروب و على الصنائع و كيف ذلك؟ فكتب عليه السلام بخطه: «الخمس بعد المئونة» (1)- انّ المراد من «ما يستفيد» كل ما تصدق عليه الفائدة المكتسبة و الأرباح الحاصلة، بالتجارة أو الصناعة أو الزراعة و أمثالها، فلا يشمل منافع المستغلات و نماء الحيوانات غير الموضوعة للتجارة، و لذا لا يشمل العطايا المجانية أو المشتراة بمهاباة، كل ذلك لانصراف عنوان الاستفادة عن مثلها.
و لعل ذلك هو وجه تخصيص المشهور الخمس في هذا القسم بالأرباح المزبورة قبال المنافع المسطورة، و لكن ذلك لو الغي ما ورد بعنوان «مطلق الفائدة» عن إطلاقه، إما بإرجاعه الى ما ذكر، أو بطرحه سندا باعراض المشهور. و إلّا فالمدار في تعارض المثبتين على الأخذ بالعنوان الأعم، مع عدم مفهوم للأخص، و لا ثبوت وحدة المطلوب في البين.
لكن الإنصاف أنه على فرض انتهاء الأمر إلى هذه الدرجة أمكن أن
1) وسائل الشيعة 6: 348 باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث 1.
يقال: المقام من باب وحدة المطلوب جزما، كيف و لو كان من باب تعدده يلزم تعلق خمسين بالأرباح، نظرا إلى انطباق العنوانين عليه، و ليس كذلك جزما، و لازمة قهرا المعارضة بين العنوانين، و مرجعه إلى تقييد الإطلاق جزما، فيصير تمام المدار على الاستفادة المنوطة بكون الإنسان بصدد تحصيلها شيئا فشيئا، بلا صدقها على ما هو حاصل لا بهذه الخصوصية.
نعم في النصوص: إثبات الخمس لإرث لا يحتسب، و ذلك شاهد كون المدار على الأعم، و انّ ذكر الأخص من باب أحد المصاديق، لا لخصوصية فيه. لكن ليس سنده بمثابة لا يوهنه اعراض المشهور، و عليه فلا يقتضي قوة سند الأخبار المطلقة بنحو لا يصلح اعراضهم لوهنها شاهدا للتعدّي، لمكان الجمع بالتقييد بأخبار الاستفادة، كما لا يخفى.
هذا، و حينئذ يشكل التعدّي عن مصب كلمات المشهور في الحكم بإيجاب الخمس كما لا يخفى، و حينئذ فلو اشترى شيئا للتكسب بنمائه فغلت قيمته، لا يكون الخمس في زيادة قيمته، و إن كان في نمائه الخمس، لأنه من مصاديق الاستفادة، وفاقا للنجاة، حيث نفى الخمس عن أصله. و ذلك أيضا من الثمرات بين الوجهين، كما لا يخفى.
ثم اعلم أنه بعد الجزم بتعلق الخمس بالفوائد المكتسبة أو مطلقا على الوجهين، يبقى الكلام في مقامين آخرين:
أحدهما: انه ما المراد من الفائدة؟ بعد اختلافها من حيث الإضافة إلى المعاملة الشخصية، أو الى المال المعد لطروء المعاملات عليها، أو إلى السنة، بالنسبة الى ما كان له في رأس السنة من رأس المال، سواء كان ذلك بحدوثها في آخرها أو ببقائها إلى الآخر، عند الحدوث في أثنائها، من دون ورود نقص عليها بانحطاط سوق، أو الجبر بضرر آخر حاصل من معاملة
أخرى، كيف و لو ورد عليها مثل هذه الطوارئ لما صدق عليه حدوث فائدة سنته، بل يصدق انه في هذه السنة لم يستفد شيئا، و هذا بخلاف عنوان فائدة المعاملة أو غيرها، فإنه لا قصور في صدق حدوثها، غاية الأمر لا يصدق بقاؤها إلى آخر السنة، كما لا يخفى.
و حينئذ فربما تترتب عليها نتيجة أخرى، و هو انه على المعنى الآخر لا يجب الخمس بمجرد ظهور الفائدة في أثناء الحول، مع احتمال الاحتياج إلى الجبر الحاصل في أثنائه، بل البراءة محكمة. و لا يثمر حينئذ استصحاب بقائها، لعدم صلاحيته لإحراز العنوان.
و هذا بخلاف المعنيين الأولين، لأنه بعد الجزم بحدوثه يستصحب بقاؤه إلى آخر السنة، فيجب فيه الخمس فعلا، فله إخراجه حالا ظاهرا إلى أن ينكشف الخلاف.
و حيث كان الأمر كذلك أمكن أن يقال: إنّ عنوان الفائدة بعد اختلاف حقيقتها، باختلاف النظر في إضافتها، على وجه يمكن نفي أصل الوجود بنظر، و إثباتها بنظر آخر، لا يبقى معه حينئذ مجال للأخذ بإطلاق لفظها و يراد منها ما يصدق عليه الفائدة، و لو بنظر من الأنظار، لأنّ ذلك فرع إحراز الإطلاق في كيفية النظر، و إلّا فمع الإهمال من تلك الجهة، و كنا و صدق عنوان الفائدة، فلا بد أن يحمل اللفظ على ما كانت فائدة في جميع الأنظار، و ذلك لا ينفك عن اعتبار السنة فيها أيضا.
و لعله إلى ذلك نظر من التزم بعدم وجوب الخمس بمجرد ظهور الفائدة، لا أنّ جواز التأخير لمحض الإرفاق، إذ مثله يحتاج إلى دليل متقن، و مجرد بنائهم على التأخير، مع احتمال كون نظرهم في وجهه ما ذكرناه، لا يصلح دليلا على الإرفاق المزبور، كما هو ظاهر.
و اما المقام الثاني فنقول: انه لا إشكال في الكسر و الجبر مع الخسارة على المختار في الجملة، لما عرفت من عدم صدق الاستفادة في هذه السنة مع طروء هذه الطوارئ.
كما أنه على الاحتمال الآخر أيضا يمكن الالتزام بالجبر المزبور، و ان لم يكن وجهه بذاك الظهور، لتوهم صدق فائدة المعاملة أو الربح الزائد عن رأس المال بظهورها، بلا إضرار الخسارة به، بأن يقال: إنه لا إشكال في انّ الظاهر من قوله «الخمس بعد المئونة» كون موضوع الخمس ما هو مخرج المئونة، و من المعلوم انّ الغرض من وضع المئونة صرفها في شئونه، و مثل هذا المصرف تدريجي وارد على عنوان الربح، المضاف إلى رأس المال.
و واضح انّ الشيء إذا أخذ ظرفا للأمر التدريجي لا بد أن يكون باقيا على عنوانه إلى آخر السنة، الذي هو أمد المئونة التدريجية. و لازمة كون الفائدة الحاصلة التي هي موضوع للخمس، باقية الى آخر السنة على عنوانها، و لازمة عدم وجود خسارة محتاجة إلى جبرها، و إلّا فلا يصدق بقاء الفائدة المزبورة على عنوانها، خصوصا لو كان ذلك بانحطاط القيمة السوقية و أمثاله.
و بالجملة لا إشكال في الجبر المزبور في الجملة على أي تقدير، و إنما الكلام في تحديد الخسارة المجبورة، من أنه أي مقدار منها يجبر بالفائدة؟
فنقول: لا إشكال في أنّ الفائدة بعد ما كانت عبارة عن الزيادة بالقياس إلى رأس المال، فلا شبهة في أنّ حفظ هذا العنوان فرع حفظ المال المقيس عليه بتمامه، و ملاحظة شيء زائد عنه.
و حينئذ فهذا المال المقيس عليه الزيادة تارة يكون تمام ما يملكه.
و اخرى ما أعده للتكسب: و ذلك تارة يكون المعد له بتمام أنواع تكسبه من تجارة و زراعة و سقاية، و اخرى يكون المعد له بنوع من التكسب كالتجارة بأي صنف منها أو زراعة كذلك مثلا.
و ثالثة يكون المعد لصنف من كل نوع كتجارة الترياق مثلا، أو زراعة الحنطة مثلا.
فعلى الأول فلا بد من جبر كل خسارة واردة عليه في السنة من أي جهة.
و على الثاني لا بد من جبر الخسارة الواردة عليه من أنواع تجاراته.
و على الثالث لا بد من جبر الخسارة الواردة من قبل صنفه فقط دون سائر أنواعه، لكونها أجنبية عن هذا المال الملحوظ فيه زيادة سنته.
و حيث كان الأمر كذلك فنقول: انه بعد ما ورد بأنّ الخمس في كل فائدة، فالمرجع في وحدة سنخ الفائدة و تعددها حكم العرف، و من المعلوم أنه حاكم بتعدد الفوائد عند تعدد أنواع التكسب، من التجارة و الزراعة و غيرهما، و لا يرى تمام ما يملكه شيئا واحدا، و الزيادة بالقياس إليه من أي جهة فائدة واحدة.
نعم يبقى الكلام في أنّ العرف يقتصرون في حكمهم بتعدد الفوائد على صورة تعدد أنواع التكسب، أم يرون تعدد أصناف كل نوع أيضا موجبا لتعدد عنوان الفائدة، الواقعة موضع ثبوت الخمس، بعد الجزم بعدم حكمهم أيضا بتعدد الفائدة المضافة الى رأس المال بلحاظ تكرر استفاداته، من صنف واحد و تعدد وجوداتها في المعاملة الشخصية، الواردة على المال الواحد في صنف من أصناف التجارة مثلا، بل يحكمون بأنه فائدة واحدة حاصلة باستفادات متعددة، لا أنه فوائد متعددة.
ففي الحقيقة التعدد بنظرهم في هذه الصورة ملحوظ في الاستفادة المتعلقة بفائدة واحدة، لا في نفس الفائدة. و هذا بخلاف القسم السابق الراجع الى اختلاف النوع، و إنما الكلام في فرض اختلاف الصنف من أنه من قبيل اختلاف النوع، الموجب لصدق تعدد الفائدة، أو من قبيل اختلاف المعاملات الشخصية في صنف واحد، الموجب لملاحظتهم التعدد في
استفاداته، لا فيما تتعلق به الاستفادات.
و حيث بلغ الأمر هذا المقام أمكن أن يقال: انه مع إمكان دعوى عدم ملاحظة العرف تعدد الأصناف مناطا لتعدد الفائدة، فلا أقل من الشك فيه.
و بعد ذلك يشك في صدق فائدة السنة، مع احتمال الاحتياج الى الجبر المزبور، و عليه- فعلى المختار- كان مجرى البراءة.
نعم على المسلك الآخر قد يتوهم استصحاب بقاء شخص هذه الفائدة الفعلية حتى مع الجزم بورود خسارة في صنف آخر من المعاملات. و لكنه في غير محله، لأنّ منشأ التشكيك المزبور إذا كان من جهة الشك في كيفية اعتبار العرف، فتكون الشبهة فيه من قبيل الشبهات المفهومية، المردد أمرها بين مقطوع البقاء و مقطوع الارتفاع.
و الاستصحاب غير جار في أمثالها، لعدم تعلق الشك بما له الأثر واقعا، من بقاء ما هو فائدة في اعتبارهم واقعا كما لا يخفى. فكأنّ ما نحن فيه نظير استصحاب الفرد المردد بين الزائل و الباقي، فراجع و تأمل فيه بعين الدقة، و إن كانت المسألة حينئذ لا تخلو عن اشكال، و لو من جهة عدم اطمينان النفس بأحد طرفي المسألة، فلا بد أن يحتاط بأداء الخمس و عدم ملاحظة الجبر بالخسارة حينئذ، كصورة اختلاف الأنواع، خصوصا بناء على تمامية الإطلاقات، فإنه لا بد أن تكون مرجعا مع الشك في المخصص المجمل مفهوما، كما لا يخفى.
هذا، نعم قد يتوهم احتساب هذه الخسارات الحاصلة حتى في نوع آخر من التكسب، بل و في الأموال الأخرى أجنبية عن مرحلة تكسبه رأسا، كخراب داره و أمثاله، فضلا عن الخسارة الحاصلة في صنف آخر من المؤن المستثناة.
و لكنه توهم فاسد، إذ المدار في المئونة المزبورة على صرف المال في الجهة
المحتاج إليها في هذه السنة، لا مطلق الخسارة الواردة عليه على وجه يحتاج إلى جبره من أنحاء مئونته، فما لم يصرف مالا في ذلك لا يحسب من مئونة هذه السنة، و إن كان محتاجا إلى صرفه، خلافا للجواهر، حيث جعل المناط فيها الاحتياج الى صرفها، لا صرفها فعلا (1).
بعد الجزم بكون المدار فيها هو تمام الشهر الثاني عشر، لا بدخول الحادي عشر، كما كان الشأن في الزكاة بنص خاص بلا تعد الى غيرها.
ظاهر بعض الأعاظم من المعاصرين الأول، بل هو ظاهرهم جميعا في باب الزكاة، و في كل مورد يكون الحكم مترتبا على عنوان السنة.
لكن في خصوص المقام يمكن تقريب الثاني بأنّ مثل هذه اللفظة لم توجد في المقام موضوعا للحكم كي يحكم- بقرينة سائر الموارد- على القمري منها، بل إنما استفيد ذلك من عنوان «المئونة»، بملاحظة كون السنة غالبا ظرف تهيئتها. و مثل هذه السنة- خصوصا بالنسبة إلى أهل الزراعة- خصوص الشمسي، الموجب لتجدد الزرع في دورتها، و هكذا بالنسبة الى غير أهل الزراعة، المحتاجين لتهيئة مئونتهم من سنة الى سنة.
و لا أقل من الشك، فالاستصحاب يعيّن الثاني، لو لا دعوى مرجعية إطلاقات «الخمس في كل فائدة» عند إجمال المخصص. و ذلك أيضا لو لا دعوى التشكيك في موضوع الفائدة، على فرض الاحتياج إلى الجبر في الخسارة الواردة في المقدار المشكوك من الزمان على المختار.
نعم على غير هذا المبنى لا بأس بالتمسك بالعموم عند إجمال المخصص
1) جواهر الكلام 16: 83.
مفهوما، كما لا تخفى النكتة الفارقة بين المسلكين، من حيث مرجعية العموم حينئذ و عدمها.
من انه من حين البناء على التكسب، أو حين ظهور الربح؟ وجهان.
مقتضى التحقيق أن يقال: انّ المتبادر عرفا سنة التكسب، المحتاج فيها إلى المئونة، القابلة لجبر الخسارات السابقة، بالربح الموجود فيها. و إلّا فلو كان المدار على سنة ظهور الربح لم يكن يتصور فيه جبر الخسارات السابقة، فإطلاق كلماتهم في جبر الخسارة السابقة و اللاحقة أيضا مؤيد لمدّعانا.
و لكن مع ذلك في النفس تشكيك في هذا التعيين، لعدم مساعدة وجه صحيح عليه، خصوصا مع أول الأمر فيه عند الشك إلى البراءة عن وجوب أدائه، بناء على المختار.
نعم على المسلك الآخر كان المرجع- مع إجمال المفهوم في المخصص- إطلاقات الباب، كما لا يخفى.
فالاستطاعة الموجبة لمئونة الحج لو حصلت في السنين المتمادية لا تحسب من مئونة الحج إلّا في السنة الحاصلة فيها تلك الاستطاعة، حتى من حيث خروج الرفقة و تخلية السرب، فلا يجدي حصول المالية المحضة قبلها.
و ذلك كلّه أيضا لو كان المدار في المئونة على مجرد الاحتياج إليها، و إلّا فعلى المختار من اعتبار صرفها فعلا، فلا تحسب مئونة سنته إلّا سنة صرفها لا سنة استطاعته.
و لو ذهب المال في أثناء الحول، ففي النجاة: لم يسقط وجوب الخمس.
و هو مبني على كون موضوع الخمس فائدة المعاملات الشخصية، بلا اعتبار بقائها إلى آخر الحول. و أنّ التأخير فيه لمحض الإرفاق، و إلّا فلا وجه لوجوبه مع عدم بقاء الربح على وصف ربحيته إلى آخر الحول، بل و لازم هذا المسلك عدم جبر الخسارة بربح المعاملات، و قد عرفت ما فيها كما لا يخفى.
هذا، و لو زاد ما أعده مئونة عن حوله وجب الخمس، لكشف الزيادة عن خروجها عن موضوع المئونة و دخولها في موضوع الخمس.
نعم لو كانت العادة على البقاء، كالفرش و الظروف و أمثالهما، فيحسب جميعها من المئونة السابقة، فلا يجب الخمس فيها، بل السيرة أيضا على عدم احتسابها في كل سنة، كما لا يخفى.
ثم انّ الظاهر من قوله: «الخمس بعد المئونة» كون مخرج المئونة هو مخرج الخمس، و لازمة كون مخرجها الفائدة المتعلق بها الخمس المزبور، فلا تكون الأموال الأجنبية عن موضوع الفائدة مخرج المئونة. نعم بالنسبة إلى فوائده المتعددة، و لو بتعدد نوع تكسبه، كان الجميع مخرج المئونة. و حيث انه لا يستثنى من المجموع إلّا مئونة واحدة، فلا محيص إلّا من التوزيع على جميعها، حذرا من الترجيح بلا مرجح، كما هو الشأن في أمثال المقام.
ثم انّ المستثنى مئونته و مئونة عياله لما هو مئونته لا بما هو مئونة عياله، فلو مات في أثناء السنة تسقط المئونة من حين الموت، و لا تحسب حينئذ مئونة عياله مستقلة إلى آخر السنة.
و لو لم يربح المال في تمام السنة لا تحسب المئونة في هذه السنة إلّا من
صلب المال، و لا يحسب من ربح السنة الآتية، بل في الآتية يحسب الربح في الزائد عمّا بقي من صلب ماله بعد خروج المئونة السابقة منه.
ثم انّ الظاهر من قوله: «الخمس في كل ما يستفيد» تعلّق الخمس في هذا الصنف- كسائر الموارد- بالعين، نظير تعلق الزكاة.
و الظاهر كونه أيضا بنحو الشركة لا الكلي في المعيّن، لاقتضاء بدليته للزكاة- بمفاد النص- ذلك. و لازمة- بمقتضى القواعد- عدم نفوذ تصرفاته الناقلة، بل و غيرها في العين المشتركة.
و لكن قد ورد النص: في ثمن البردي و القصب و السمك أبيعه من أجمة هذه القطيعة، فكتب: «يجب عليك فيه الخمس» (1). و هو ظاهر في بيان حكم المسألة، لا إجازة المعاملة ولاية. و لازمة ولاية المالك على مثل هذه المعاملة، الواردة على مالهم من قبلهم، لا من قبل نفسه، بلا اعتناء لوجود حق السادة فيه، حيث لا إشكال في كونه خيانة عليهم، فلا تكون المعاملة حينذاك إلّا فضولية، كما هو الشأن في باب الزكاة فراجع.
و ربما يتعدّى منه إلى ولايته على التضمين أيضا، بلا كونه ممتنعا في أدائه، و إلّا فيشكل ذلك، لأنه أيضا داخل في الخيانة المزبورة، الموجبة لجعل المعاملة فضولية محتاجة إلى إجازة السادة أو اجازة وليهم.
و من هنا ظهر أنه ليس له إتلاف المال قبل أخذه بذمته، و إن اقتضى ذلك ضمانه قهرا، و اللّٰه العالم.
1) الرواية منقولة هنا بالمعنى، انظر وسائل الشيعة 6: 351 باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث 9.
بلا اشكال فيه في الجملة نصا و فتوى، ففي صحيح الحلبي: عن الكنز كم فيه؟ قال: «الخمس» (1).
و يعتبر فيه النصاب و هو بلوغه عشرين دينارا إن كان ذهبا، و مائتي درهم إن كان فضة. و إن كان غيرهما فيرجع إلى أحد التقديرين، و مع الاختلاف بينهما قيمة يؤخذ بالأقل، للإطلاقات، و إلّا فالأكثر للأصل.
و الأصل في ذلك ما في صحيحة البزنطي: عما يجب فيه من الكنز؟ قال:
«ما تجب الزكاة في مثله» (2). بناء على حمل الموصول على المقدار و لو بقرينة ما أرسلته المقنعة (3)، مضافا إلى دعوى الرياض من الإجماع على أنّ المراد منه المقدار (4)، و لا أقل من أن يكون فهمهم قرينة على ذلك.
مع انّ حمله على النوع يقتضي عدم دلالته على النصاب، في حين انهم متشبثين بمثله في إثبات ذلك، حتى من القائلين بتخصيص الكنز- الموضوع للخمس- بخصوص النقدين، بتوهم الانصراف للغلبة، و ذلك شاهد عدم فهمهم منه النوع أيضا، و هذا المقدار من الشواهد يكفي في الفقه إن شاء اللّٰه، لو لا وهنه بأنّ لازمة الالتزام بالنصاب الثاني فيه أيضا، مع انهم غير ملتزمين به غير صاحب المدارك (5)، اللهم إلّا أن يدعى فهمهم أول مرتبة يجب فيها الزكاة لا مطلقا.
و لكن الانصاف منع قناعة النفس في مقام الاستدلال بهذه الوجوه، فالأولى التشبث بالإجماعات على اعتبار النصاب الأول في الكنز، و صرف النظر عن مثل هذه الرواية المجملة المرسلة المحتملة كونها من باب النقل بالمعنى
باعتقاده، كما هو الشأن في غالب المرسلات.
لو لا دعوى انّ نقل الفتوى بصورة الخبر نحو إغراء بالجهل، و هو بمراحل عن شأنهم، فلا محيص عن كونه مضمون نص غير مرتبط بمقام فتواه و اجتهاده، المستلزم للأخذ به عند انجباره بالشهرة، و عليه فربما يجيء فيه احتمال المدارك. و تظهر الثمرة في ما بين النصابين من العفو عند المدارك، و عدمه عند غيره، و حينئذ فالأصل معه لو لا تمامية الإطلاقات، كما لا يخفى، فتدبّر.
ثم المدار في بلوغ النصاب صدق المخرج الواحد عن كنز واحد، و لو باخراجات متدرجة، كما هو الشأن في المعدن و الغوص على ما عرفت.
فلا يضم المخرج من أحد الكنزين الى غيره، و لا المخرج مرة أخرى بمخرج آخر، بعد عدم صدق وحدة الإخراج و لو تدريجا، كما لا يخفى.
كما انه لا يضر بصدق وحدة الكنز، مجرد كونه في أوقات متعددة أو أمكنة مختلفة متقاربة جدا، بنحو يصدق على المجموع عرفا كنز واحد.
و المراد من الكنز أيضا المال المستتر تحت الأرض أو غيرها من بناء أو شجر، سواء كان بقصد الادخار أم لا، كما هو واضح، لصدق الاسم.
ثم انّ الكنز المعلوم- و لو بشاهد الحال- انه من الكنوز القديمة قبل الإسلام، و كان في دار الحرب أو دار الإسلام في أرض موات لا يكون له رب، مع عدم العلم بجريان يد محترمة عليه فهو لواجده، لما في خبر الخصال المشتمل على قصة عبد المطلب و وجدانه كنزا فأخرج منه الخمس، فانزل اللّٰه «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ» الآية (1)، إذ ظاهر الغنيمة كونها لواجدها، مضافا الى تقرير ما فعله
1) وسائل الشيعة 6: 346 باب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث 4.
عبد المطلب من تصدقه عن قبل نفسه، الكاشف عن تملكه إياه. مضافا الى ظهور الخطاب- الى الواجد بإعطاء الخمس- في تملكه للبقية، و هذا المقدار يكفي للحكم المزبور.
بل يمكن أن يدعى في موردنا- بعد اقتضاء ظهور الحال- كونه من الكنوز الجاهلية، فمجرد الشك في ورود يد محترمة عليه، لا يرفع فيئيته للمسلمين، الثابت من الأول، فيستصحب حكمه السابق، كما في مال حربي يشك في استيلاء مسلم عليه، فبالأصل يرفع هذا الشك.
نعم لا يجري هذا الأصل- و تتم قاعدة «حرمة التصرف»- في صورة عدم العلم بكونه من الأول مالا محترما، لأنّ الخارج من تحت «عموم الحرمة» عنوان «مال الحربي»، فكل مال لم يكن مال حربي، لا يحل التصرف فيه إلّا بإذن صاحبه.
و حينئذ فأصالة عدم كونه مال حربي تثبت موضوع الحرمة، و لا يحتاج إلى إثبات جريان يد محترمة، كي تجري أصالة عدمها و تثمر إثبات الحلية كما لا يخفى.
و حينئذ فلا محيص- لجواز تملكه- من التشبث بالإطلاقات المزبورة، بعد تنزيلها على الموارد النادرة، من الحمل على كونها من الأول من الكنوز الجاهلية، خصوصا ما كان في بلاد المسلمين من موات الأرض.
و يؤيده ما ورد في نص وجدان الورق في دار، حيث قال عليه السّلام:
«إن كان في دار معمورة فيها أهلها فهي لأهلها، و إن كانت خربة فأنت أحق بها» (1)، بناء على الحمل على الكنز.
و لكن يوهنه ما في رواية أخرى، من الأمر بالتعريف (2)، فلا محيص عن
تقييد الأولى بالثانية، من انّ تملكه يكون بعنوان الصدقة عن قبل المالك مع فقره، و لو بإذن الإمام عليه السّلام.
و ربما يؤيد حمل هذه الرواية على اللقطة بناء الأصحاب في الكنز- في الأراضي المعلوم صاحبها- على وجوب التعريف لصاحب الأرض أو الدار، بل المبتاع للبائع السابق فالسابق.
و لعل وجه وجوب التعريف أيضا عدم إحراز يده على المال المستور في أرضه، بدون التفاته بوجوده فيه، فأوجب الشارع مثل هذا الاحتياط في الأموال، و إلّا فلو صدق عليه «اليد» لما كان يحتاج الى التعريف، بل يد صاحبه السابق حاكمة بملكيته، بعد الجزم بعدم القصد الى انتقاله إلى المشتري الجديد.
و مدرك الأصحاب في مثل هذا الحكم أيضا فحوى النص الوارد في الدابة المبتاعة التي وجد في جوفها الصرة، حيث أمر فيها بالسؤال عن صاحب الدابة (1)، فإنّ التشكيك في صدق يد صاحب الدابة على ما في بطن الدابة لغفلته، أوجب إيجاب الاحتياط بالسؤال، كي يتنبه لما في يده. فيتعدّى بهذا الحكم الى الكنز الذي وجد في الأرض المبتاعة، بل و يتعدّى الى مطلق المملوك له منفعتها، بل المغصوبة أيضا، أو المحللة عينا، أو منفعة. بل ربما يتعدّى عن البائع الأخير إلى البائع السابق، إلى أن يعلم عدم استقرار يد عليه.
نعم قد يستشكل في جريان مناط النص المزبور إلى الكنوز التي توجد في أرض الغير، مع العلم بكونه سابقا من كنوز الجاهلية، على وجه يشك في جريان يد محترمة عليه، بنحو يكون عدمه تحت الأصل، إذ مورد النص هي
1) وسائل الشيعة 17: 359 باب 9 من أبواب اللقطة حديث 1 و 2.
صورة عدم العلم بكونه مالا محترما أو غيره من الأول، و في مثله يقتضي الأصل وجوب التعريف و عدم التملك قبله، و أين ذلك و مقامنا الذي يقتضي الأصل تملكه.
اللهم إلّا أن يلحق ذلك بالصورة السابقة، في إيجاب الاحتياط بإجماع أو غيره، و إلّا فيشكل أمر وجوب تعريفه.
نعم قد يتوهم تعارض نص من وجد في جوف الدابة (1)- في الحكم بملكيته له بعد تعريفه، بل و الإطلاقات الحاكمة بملكية الواجد للزائد عن الخمس- مع ما في نص آخر وارد فيمن وجد الدراهم المدفونة في بيوت مكة، المحكوم- بعد التعريف- بوجوب تصدقه إياها (2).
و لكن يمكن دفع المعارضة باختصاص ذلك بصورة العلم بوجود مالك مسلم ينتفع بالصدقة عن قبله، و لا يشمل ما يحتمل كونه مال حربي، كما هو الشأن في مورد النصوص السابقة، حتى قضية الصرة في جوف الدابة. نعم في شموله حتى صورة الجزم بعدم وجود وارث لمالكه حيث ينتقل ماله فعلا إلى الامام إشكال، لانصراف الحكم- بالمناسبة المغروسة- إلى غير هذه الصورة، المحكوم بكونها من مجهول المالك.
اللهم إلّا أن يقال بمنع هذا الانصراف بوجه، فالإطلاق- و لو من جهة ترك استفصال الامام بين وجود وارث و عدمه- محكم.
و من ثم ربما يستفاد من النص، انّ مثل الكنوز العباسية و الأموية، المعلوم كونها في بدء الأمر من المسلمين المحترم مالهم، لا يجوز تملكها، بل يجري عليها حكم مجهول المالك.
و لقد أجاد في الجواهر حيث قال في الكنوز العباسية و الأموية بعدم جواز تملكها (1)، بل في النجاة التصريح بإجراء حكم مجهول المالك عليها، مع انّ مثل هذه الكنوز- يقينا مورد الشك في وجود وارث لها، فتجري أصالة عدمه، و تكون حينئذ من الأنفال.
و لعل صاحب الجواهر نظر إلى جهة إطلاق الرواية السابقة، و إلّا فلا محيص عن الحكم بأنها من الأنفال و جواز تملكها للشيعة كسائر مواردها.
فتلخص مما ذكرنا: انّ الكنز إن كان علم أنه من الكنوز القديمة الجاهلية، و علم أيضا عدم جريان يد محترمة عليه، فلا إشكال في انه- بمقتضى القاعدة- مال حربي يدخل في فيء المسلمين. و إن شك انه ملك مسلم أو كافر، فإن كان الشك فيه من جهة الشك في وضع يد مسلم عليه و وجدانه لنفسه، فأصالة عدمها محكمة. فيبقى المال على فيئيته للمسلمين. فالقاعدة تقتضي جواز التملك، علاوة عن النصوص المثبتة فيه الخمس، الشامل لذلك بالمناط القطعي و لو قيل بإهمالها، فضلا عن مطلقاتها، إذ الظاهر منها أنّ البقية لواجدها.
و لو كان الشك من جهة احتمال انتقاله إلى الامام، و لو بأصالة عدم الوارث- كما هو الغالب في الكنوز القديمة- فمقتضى القاعدة كونه من الأنفال.
لكن مطلقات الخمس شاملة لمثله جدا، إذ تنزيلها على غير هذه الصورة تنزيل على المورد النادر، من فرض العلم بوجود الوارث الفعلي، و عدم انتقاله الى الامام عليه السّلام.
و من هنا ظهر حال ما لو لم يعلم انه من الأول مال حربي أو مسلم، لأنه
1) جواهر الكلام 16: 31.
أيضا من الأفراد الغالبة البعيدة تقييد الخطابات- الواردة في خمس الكنوز- بغيرها.
و حينئذ لا يضر باندراجها في الإطلاقات المزبورة توهم الإهمال فيها، و مقتضى الإطلاقات أيضا عدم الاحتياج الى التعريف، حتى لو وجد في ملك الغير، مع الشك في استقرار يده عليه، و لو لعدم التفاته إليه رأسا.
و لكن قضية الصرة في جوف الدابة بمناطه جارية في المقام، كما هو ظاهر الأصحاب أيضا. و منه يستكشف إيجاب الاحتياط من الشارع، بمحض احتمال جريان يد صاحبه عليه، فيجب حينئذ- في فرض وجدانه في أرض الغير، أعم من أن تكون مبتاعة أو مباحة عينا أو منفعة أو مستأجرة، بل و لو كانت غصبا- تعريفه على صاحبه، بل و على البائع السابق، إلى أن يعلم بعدم استقرار يد محترمة عليه، فمع نفي الجميع يملك.
نعم لا يشمل ذلك صورة العلم بوجود صاحب للأرض، مردد بين أشخاص غير محصورين، إذ لا مجال لوجوب تعريفه حينئذ، لانصراف دليل التعريف عن هذه الصورة، فتبقى المطلقات على حالها.
و إن كان علم من الأول أنّ الكنز من الكنوز الإسلامية، فمقتضى إطلاق رواية واجد المدفون في بيوت مكة، لزوم تصدقه عن مالكه بعد تعريفه، حتى مع عدم العلم بوجود وارث له، لشمول الإطلاق لمثله، كما اختاره في النجاة أيضا. نعم لا يشمل ما احتمل كونه لحربي، لانصراف الأمر بالصدقة عن مثله.
نعم مع التشكيك في إطلاقه لصورة الشك في وجود الوارث، بعد موت المالك الأول، فأصالة عدم الوارث تدخله تحت الأنفال المباح تملكها للشيعة، و لكن إثبات ذلك مع إطلاق الرواية السابقة في غاية الإشكال.
ثم انّ اجراء بعض أحكام الصرة في الكنز بتنقيح المناط عرفا كما أشرنا، لا يقتضي إدخال الصرة في الكنز حقيقة. و عليه فثبوت الخمس فيها ليس إلّا بناء على ثبوته في مطلق الفائدة، و إلّا فلا خمس فيها كما هو ظاهر إطلاقه أيضا.
و من هنا ظهر حكم ما في جوف السمكة، للتعدّي إليه جزما. كما أنّ الأمر بتعريفه مختص بصورة احتمال استقرار يد عليه، و إلّا فمع الجزم بعدم استيلاء يد عليه فلا يحتاج إلى التعريف.
نعم لو قيل: انّ مجرد الاستيلاء على الشيء استيلاء على جميع ما له تعلّق به، سواء كان ما في جوفه أو غيره، فلا بد أن يكون الشارع في أمره بالتعريف، ألغى يد السابق عن الاعتبار، فأوجب الاحتياط بالتعريف، حفظا للواقع مهما أمكن.
و يمكن أن يكون الغرض من التعريف حينئذ استعلام نفيه عن نفسه، الذي هو السبب الملغي لليد عن الاعتبار، و لازمة الحكم بملكية الصاحب الأول بمحض سكوته أو إظهار نفي علمه، كما هو الظاهر من الرواية أيضا، و عليه فيتعدّى إلى الكنز في أرض الغير أيضا، و اللّٰه العالم.
بلا اشكال فيه أيضا في الجملة نصا و فتوى. و في رواية أبي عبيدة: «أيّما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإنّ عليه الخمس» (1)، و ظاهر الشراء اختصاص الحكم به، فيكون من قبيل بعض الأحكام الأخر، من خصائص البيع، فلا وجه للتعدّي إلى غيره، إلّا بمناسبة كونه نحو جزية عليه في هذا المقدار من
1) وسائل الشيعة 6: 352 باب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث 1.
تجريه. و في شمول الإطلاق لأرض غير الزراعة كالدار و البستان وجه، بجعل انصرافه إلى غيره بدويا.
ثم في شموله للأراضي المفتوحة عنوة، فرع صدق الشراء عليه، و لو تبعا للآثار، و إلّا فيشكل اندراجها فيه. نعم لو باعها ولي المسلمين لمصلحتهم كان شراء حقيقة، ففيه الخمس.
و في ثبوت هذا الخمس مثل سائر الأخماس في العين كلام آخر، و ظاهر قوله «عليه» كونه بذمته، و لا بعد فيه، لإمكان عدم كون ذلك من سنخ بقية الأخماس، و إن كان مصرفه مصرف البقية، بمقتضى فحوى الإطلاق، و عدم تعرضه في المقام مصرفا مخصوصا.
و حينئذ لا تجري فيه شبهة عدم صحة تصرف الذمي في العين، كي يدّعى له الولاية عليه، كصاحب المال في بقية الأخماس، مع بعد جعله وليا على مثل السادة، في إفراز ماله و نقله و انتقاله، و الالتزام بأنّ فعله الراجع الى العين غير جائز و محرم عليه بل غير نافذ، أبعد. و مثل ذلك أيضا من الشواهد على تعلّق الخمس المزبور بالذمة، علاوة على اختلاف التعبيرين في المقامين، كما لا يخفى.
و لو أقال الذمي، ففي ثبوت الخمس إشكال، لإمكان الانصراف الى الشراء المستقر، و نظيره صورة فسخه بخيار.
و لو أسلم الذمي بعد الانتقال لا يسقط، و لو أسلم قبل تمام العقد يسقط، و لو أسلم بعد تمامه و قبل القبض، ففي السقوط اشكال، من صدق شرائه ذميا، و من أنّ حقيقة الانتقال تحققت بعد الإسلام، و الأصل يقتضي الأخير.
و لو كرر الشراء من المسلم تكرر الخمس، لأصالة عدم التداخل.
و لو شرط نفي وجوب الخمس عليه، يبطل الشرط لكونه غير مشروع.
و لو شرط أداء البائع من كيسه لا بأس به، و «المؤمنون عند شروطهم»، لعدم البأس في أداء الغير ما في ذمة غيره من ماله، فيكون مشروعا.
و لو كانت الأرض مشغولة بزرع أو غرس فلا يستحق أرباب الخمس من الغرس و الزرع شيئا، حتى على فرض التعلق بالعين، فضلا عن المختار من التعلق بالذمة.
و حينئذ لا يستحق قلع الغرس و الزرع في شيء، حتى على التعلق بالعين، لأنّ الأرض انتقلت إليه مشغولة بزرع الغير، فلا يستحق الأجرة أيضا من صاحب الزرع، بل له حق البقاء إلى أمده، كما هو الشأن في كل مورد تنتقل الأرض إلى الغير بوصف كونها مشغولة للغير عن حق.
نعم لو انتقلت إليه فارغة عن زرع، كما في صورة الفسخ بالخيار مع فرض اشتغالها بالزرع في زمان خياره، ففي مثل ذلك يكون مستحقا لقلع الزرع، نظرا إلى سلطنته على تفريغ أرضه.
نعم لو كان زرعه أيضا بحق، لم يكن له إتلاف مال الغير، فيجب عليه جبر ضرره. نعم لو لم يكن الزرع عن حق أيضا فله القلع بلا جبر للضرر أيضا، لعدم سلطنة صاحب الغرس حينئذ على حفظ غرسه، و لو بماليته، لعدم حق لصاحب الزرع على حفظ مالية زرعه، لفرض كونه من الأول بغير حق.
كل ذلك بملاحظة قصور سلطنة غير ذي الحق بالنسبة إلى ذمته، فلا مجال في هذه المقامات للتشبث بعموم «لا ضرر»، لعدم صلاحية حديث نفي الضرر للتحكيم على الأحكام الارفاقية، التي منها سلطنة المالك على حفظ خصوصية ماله. و لو في ضمن بدله، و توضيح هذه المسألة موكول الى محلها المناسب مما يأتي في مقامات عديدة إن شاء اللّٰه تعالى.
و قد أشرنا في طي الكلمات الى أنّ مصرف هذا الخمس كمصرف سائر الأخماس، للإطلاقات المقامية، لو لا شبهة كونه نحو جزية معهودة المصرف، فالأولى بل الأحوط مراعاة الجهتين فيه، و اللّٰه العالم.
بلا اشكال فيه أيضا في الجملة. و الأصل فيه نص الحسن بن زياد: انّ رجلا أتى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال: يا أمير المؤمنين اني أصبت مالا لا أعرف حلاله عن حرامه. فقال له: «اخرج الخمس من ذلك المال، فإن اللّٰه رضي من المال الخمس» (1).
و نظيره رواية النوفلي، المشتملة على عنوان «اختلاط الحلال بالحرام» و فيه: «تصدّق بخمس مالك، فإنّ اللّٰه رضي من الأشياء بالخمس، و سائر المال لك حلال» (2).
و في ثالث زيادة قوله: «إذا لم يعرف صاحبه» (3)، و ظاهره عدم تمييز صاحب المال و لو في عدد محصور، كما انّ الظاهر من الاختلاط عدم تمييز عين مال الغير.
و أما الجهل بقدره مع إشاعة المال، فمحكوم بملكيته لذي اليد على التمام.
و مع عدم الإشاعة ينتهي الأمر إلى شبهة المتبائنين، لا الأقل و الأكثر.
فما في النجاة من فرض الشبهة في المقدار على الإشاعة، منظور فيه، لو لا فرضه في المتجانسين المفروزين أولا، المردد بين كون الزائد ملك للغير أو الناقص، ثم امتزجا فصار مشاعا، فإنه في هذه الصورة أمكن دعوى سقوط يده
عن الاعتبار بالنسبة إلى المقدار الزائد، لأصالة عدم تعلق يد صحيحة على الزائد، الجاري سابقا إلى زماننا، فيصير المقدار الزائد مشكوكا مع الإشاعة.
و بالجملة فمقتضى النصوص المزبورة انه لو جهل العين و لو في مقدارها بالنحو الذي فرضناه، و جهل المالك و لو في عدد محصور، ففي الجهتين كان موضوع الخمس. و مع فقد أحد القيدين لا يكون مندرجا في نصوص الباب، بل عند تمييز المال و عدم العلم بصاحبه، و لو في عدد محصور يجري عليه حكم مجهول المالك، الوارد فيه النصوص المستفيضة، الآمرة بالصدقة عن قبل المالك. و إطلاقها و إن كان يشمل موضوع البحث أيضا، لكن نصوص الباب قابلة لتخصيصها بغيرها، فلا وجه لطرح مثل هذه النصوص، و الأخذ بإطلاق أخبار الصدقة، كما صنعه بعضهم. و توضيح حكم مجهول المالك موكول الى محله، و لتعرضه أيضا مقامات عديدة ستجيء إن شاء اللّٰه، و سنتكلم أيضا عن حكم صورة العلم الإجمالي بالحرام من جهة الربا.
و مع عدم تمييز المال و لو في عدد محصور، و تمييز المالك و لو في محصور فلا يشمله الطائفتان من الخمس و الصدقة، فالمرجع فيه سائر القواعد. و من المعلوم انّ القاعدة تقتضي التخلص عن الحرام المزبور بالإيصال الى صاحبه، و لو بالمصالحة عند تشخيص صاحبه في فرد معلوم، و كذا مع تردد الصاحب بين محصورين.
و يمكن المصير في هذه الصورة إلى القرعة، لأنها لكل أمر مشكل. بل ربما يجرى فيه احتمال المصالحة القهرية الظاهرية بالتنصيف بين محتملي المالكية، كما هو الشأن في جريان هذه الوجوه في صورة تميز المال و المالك في عدد محصور في كليهما أو في أحدهما.
و مع تعيّن المالك في معيّن، و محصورية المال المشتبه، فلا بأس بإعطائه
الجميع بعنوان الوفاء في فرض، و الهبة في آخر، فللمعيّن قبضه و تملكه أيضا بمقتضى الجهتين، و إلّا فلو لم يعط إلّا بعنوان الوفاء لم يكن للمعين التملك بهذا العنوان، لعدم إحراز كونه ماله، بل يقطع بعدم مالكيته لأحد المالين، كما لا يخفى.
ثم انّ مقتضى التعليل الوارد في النصوص، من رضاء اللّٰه من المال بالخمس، هو الاكتفاء بالخمس حتى في صورة الجزم بزيادة المال المحرم عن الخمس، فضلا عن صورة احتماله. و إليه ذهب صاحب المناهل أيضا، و في النجاة احتاط بالصلح مع الحاكم، و قوينا في حاشيته عدمه، لبطلان توهم انصراف الأخبار عنه مع شمول العلة.
نعم لما كان الحكم إرفاقا بالمالك أمكن دعوى اكتفائه في ظرف العلم بالنقص بمقدار احتماله، و لا يجب عليه تمام الخمس، المعلوم زيادته عن مال الغير، و ذلك هو عمدة الجهة الفارقة بين الفرضين كما هو ظاهر.
و لكن يمكن في المقام دعوى خصوصية موجبة للفرق بين المقام و غيره، و هو أنّ ظاهر قوله: «انّ اللّٰه رضي بالخمس» كونه في مقامه تعيين المرضي به من المال بلا نظر منه إلى تعيين مصرفه، و هذا المقدار لا يقتضي إلّا كون مصرف الخمس مصرف تمام المحتمل، لو لم يرض اللّٰه بخمس المال بدله، و من المعلوم انّ مصرف المحتمل- لو لا هذا التحديد- ليس إلّا الصدقة. فقضيته ليست أيضا إلّا كون اللّٰه راضيا من هذه الصدقة بخمس ماله. و ذلك غير مرتبط بالخمس المجعول للسادة، بلا نظر فيه إلى تحديد شيء في شيء، كما لا يخفى.
و لكن الإنصاف أنّ معهودية جعل الخمس للسادة تمنع مثل هذا الاحتمال، و به ترفع اليد عن إهماله من حيث المصرف، مع عدم تنافيه لرضاه تعالى بمثل هذا الخمس المجعول للسادة، عوضا عن المحرم المأمور بتصدقه عن قبل المالك.
و الأولى الجمع بين المصرفين بإعطاء الفقراء من السادات، بناء على كون هذه الصدقة عن قبل صاحبها من قبيل الصدقات المستحبة، و إن كانت واجبة على المعطي. و إلّا فلا طريق للاحتياط إلّا بإعطاء الطائفتين، و لو بالدس في مالهم. و إلّا فعلى كل واحد أيضا يحرم أخذه، و ليس المقام مقام القرعة و التنصيف، لأن الشبهة حسب الفرض حكمية لا مجرى لواحد منها، كما لا يخفى.
ثم انه بناء على كون هذا الخمس من مصاديق الصدقة، فلا شبهة في الحكم بضمانه له، لشمول أخبارها له، و أنّ رضاء اللّٰه بالخمس- على الفرض- محمول على بيان تحديد ما يعطى صدقة. و أما حكمها فهو ما يثبت في مطلق الصدقة، و لازمة قهرا كون المعطي به محسوبا عوض ماله، على فرض كونه غير واقعا، فلا يضمن لما في يده من بقية المال، و إنما هو ضامن لما رضي به اللّٰه عوضه، و لأنه عن قبل المالك، و إلى ذلك يرجع كلامه عليه السّلام من حليّة بقية المال.
نعم لو كانت هذه المعاوضة التقديرية، المستفادة من رضاه تعالى معاوضة ظاهرية، فلا تقتضي إلّا نفي ضمانه عن عين ما بيده من مال الغير، بعد إخراج الخمس ظاهرا، و ما دامت عين المال مشكوكة، و إلّا فلو علم عينه فيبقى المال واقعا على ضمانه، فلو أتلفه كان إتلافا بضمان.
أما لو كان المال من الأول أمانة، أمكن دعوى عدم تفريطه بإتلافه عن
إذن ولي المالك و لو ظاهرا، فضلا عن صورة تلفه بآفة سماوية.
و من هذا البيان ظهر حال ما لو قلنا بأنّه خمس معهود لا صدقة، فإنّ الحكم بعدم ضمان مال الغير بإتلافه أو بتمليكه الغير فرع كون رضاه بالمعاوضة المزبورة صلحا واقعيا، و إلّا فعلى فرض كونه ظاهريا فيجيء فيه التفصيل السابق، بين كونه يد أمانة أو غيرها.
و على أي حال لا يشمل مناط أخبار التضمين في أخبار الصدقة هذا المقام بالنسبة إلى الخمس المعطى به على المعارضة الواقعية، فضلا عن كونها معاوضة ظاهرية صورية، كما لا يخفى.
و كيف كان فإنّ مقتضى الانصاف ظهور الأخبار في المعاوضة الواقعية، فلا تضمين لما بقي بيده بعد الخمس من مال الغير واقعا، لصيرورته مالا له، فلا مجال للتضمين بالنسبة إليه، كما أنه لا تضمين في الخمس المعطى أيضا، لعدم كونه بمناط الصدقة في مجهول المالك، كي يشمله دليل ضمانه فيه، و اللّٰه العالم.
نصابا لهما، على المشهور بين المتأخرين في المعدن. و يدل عليه ما في صحيحة البزنطي المشتملة على ما في المعدن من قليل أو كثير، فأجابه بأنه «ليس فيه شيء حتى يبلغ ما تكون في مثله الزكاة عشرين دينارا» (1). و في كون قوله «عشرين دينارا» من باب المثال فيتعدّى منه الى مائتي درهم أيضا، أو انّ له خصوصية في المقام، فلا يتعدّى الى نصاب الفضة وجهان، لا يبعد الأول.
و قد تقدّم شطر من أحكام النصاب في باب المعدن فتعرضنا لها هناك
1) وسائل الشيعة 6: 344 باب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث 1.
فراجع، و تقدّم الكلام و الاشكال في نصاب الكنز أيضا من جهة الشبهة في مضمون نصه، من كون المراد من الموصول في قوله «ما في مثله الزكاة» هو النوع أو المقدار، و انّ التعبير بنظير هذا البيان في نصاب المعدن، المعلوم كون المراد منه المقدار، بقرينة «يبلغ» ربما يصلح للقرينية لشرح التعبير المزبور في باب الكنز أيضا، بحمله على المقدار كما فهمه المشهور، و لعل ذلك هو منشأ فهم المقدار أيضا من هذه الرواية، المماثلة مع النص في الكنز تعبيرا و بيانا، فراجع.
و أما نصاب الغوص فقد ورد في ذيل صحيحة البزنطي قوله: «إذا بلغ ثمنه دينار» (1).
و قد يشكل في القيد الوارد عقيب الجمل المتعددة، و لا بد أن يرجع الى الأخير، إنما الكلام في رجوعه إلى غيره أيضا، و الأخيرة في الصحيحة هو المعدن، و لم يلتزم به فيه أحد، فلا محيص عن طرحها سندا، أو الأخذ بخلاف الظاهر البعيد جدا، من إرجاعه إلى خصوص غير الأخيرة.
و قد تقدّم شرح الرواية منّا بنحو يرتفع هذا الإشكال بالمرة، بملاحظة ظهور المعدن المذكور فيها من كونه أحد مصاديق الغوص كسائر العناوين الأخر، و حينئذ فكون ذلك نصابا له بعنوان كونه غوصا، لا ينافي نصابه بعنوان كونه معدنا، من كونه عشرين دينارا.
ثم انه قد تقدّم أيضا انّ اعتبار «بعد المئونة» في هذه العناوين موجب لإجمال اللفظ، بخلاف باب الأرباح، حيث انّ المستثنى فيها مئونة السنة، بقرينة قوله «مئونتهم»، و قد شرحنا أيضا عدم وجه لاستثنائها من النصاب في
1) وسائل الشيعة 6: 343 باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث 5.
هذه الأمور، كي يلزم احتساب النصاب فيها بعد المئونة، فراجع.
يعتبر في وجوب الخمس الزيادة عن مئونة السنة له و لعياله بقدر الاقتصاد، لانصراف الإطلاق إليه، و قد تقدّم شرح ذلك في طي بحث الأرباح مفصلا فراجع.
و في بعض النصوص التصريح بمؤنته و مئونة عياله، و بعد إخراج حصة السلطان، الظاهر في كون حصة السلطان أيضا استثناء آخر قبال المئونة، لا أنه أيضا محسوب منها.
و في شمولها لما يأخذها ظلما زائدا عن المعتاد اشكال، فلا يبعد إدخاله في المئونة لو احتيج الزرع إليها، و إلّا فيشكل أمر استثنائه، فلا بد من دعوى انه من الإتلافات الواردة على المال، المشتركة بين المالك و أرباب الخمس، كما هو الشأن في كلية الأموال المشاعة أو الكلي في المعيّن من الطرفين، لئلا يلزم ترجيح بلا مرجح.
غاية الأمر في الأرباح و الفوائد الحاصلة في أثناء السنة، بملاحظة احتمال الاحتياج إلى الجبر بالخسارة، ربما يشك في حدوثها، على المختار في معنى الفائدة، فيستصحب عدم وجوبه إلى أن تمضي السنة مع بقائه بحاله، بلا جبره بخسارة اخرى، و جعلنا ذلك نكتة قيام سيرتهم على جواز تأخير إخراج الخمس الى آخر السنة، لا أنه من جهة ورود نص بجواز التأخير تعبدا لمحض الإرفاق.
نعم ذلك صحيح على مسلك آخر، من جعل الفائدة التي هي موضوع فائدة المعاملات، الواردة على رأس المال، بلا ملاحظة كونها محسوبة من فوائد
سنته، فإنّ الاستصحاب يقتضي نفي الاحتياج الى الجبر، فيجب الخمس فيها فعلا، بمقتضى الظاهر، الى أن ينكشف الحال من حيث الجبر و عدمه، و قد فصّلنا الكلام في هذه الجهة فراجع.
: سهم للّٰه، و سهم لرسوله صلّى اللّٰه عليه و آله، و سهم لذي القربى- فهذه الثلاثة للإمام عليه السّلام- و سهم للفقراء من الهاشميين، و سهم لأيتامهم، و سهم لأبناء سبيلهم.
على المشهور، للأخبار الواردة بهذا المضمون، التي من جملتها المرفوعة المشتملة على قوله: «فأما الخمس فيقسم ستة أسهم ..»، و في ذيلها:
«فالنصف له خاصة، و النصف لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم الذين لا تحل لهم الصدقة و لا الزكاة» (1).
و نظيرها مرسلة حماد (2).
و ضعفهما منجبر بالشهرة، خلافا لما حكي عن قائل غير معروف، احتمله بعضهم أنّه ابن الجنيد، فأسقط سهم رسول اللّٰه، لصحيحة ربعي المشتملة على تقسيم رسول اللّٰه المغنم خمسة أخماس و كان يأخذ واحدا منها، و يقسم البقية بين المقاتلين، ثم يقسم الواحد خمسة أخماس، و يأخذ خمس اللّٰه لنفسه، و يقسم البقية بين ذوي القربى و المساكين و ابن السبيل (3).
و فيه: انّ تقسيم رسول اللّٰه هذا المال بهذا النحو غير شاهد على مدعاه، لاحتمال كونه من باب الولاية، كما يشهد تقسيمه بين المقاتلين الذين ربما
لا يكونون من بني هاشم (1)، فكيف يمكن بمثله رفع اليد عن ظهور الآية و الرواية.
ثم انّ لبعض الأعاظم التشكيك في توزيع خمس الأرباح، لإبهام بعض النصوص بأنه للإمام.
و فيه- مع أنه معارض بما ورد في تفسير الغنيمة، الصريحة في انّ مصرف هذا الخمس أيضا مصرف الغنيمة بالمعنى الأخص- انّ مجرد اضافة الامام الخمس إلى نفسه، و لو من جهة ولايته فيه لا ينافي التسهيم المزبور، مع إمكان حمل إضافته إليه بمرتبة من الملكية غير المنافية للتسهيم بالنسبة، كما يومئ إليه رواية أبي سيار (2). و مع قرب هذه الوجوه في مثل النصوص السابقة المطلقة، الظاهرة في وحدة الأخماس جميعا مصرفا، علاوة عن ما ورد في تفسير آية الغنيمة، كيف تصلح هذه للمعارضة لها؟! بل مثل هذه الروايات من شواهد حمل نصوص الاختصاص بالإمام على أحد الوجهين السابقين. و لذا أفاد شيخنا العلّامة أيضا بعدم مجال لمثل هذه التشكيكات في المقام.
ثم انّ المراد من ذوي القربى الأئمة المعصومون، كما في خبر سليم، المصرح
1) هذا فرط من الشارح، لأنه نقل الرواية خطأ، فصححناها على المصدر. فكان نقله- رحمه اللّٰه- ان النبي- صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم- كان يقسم الخمس خمسة و يأخذ واحدا: و يقسم البقية مائة سهم بين المقاتلين ..غير ان الصحيح هو ما أثبتناه: كان- صلّى اللّٰه عليه و آله- إذا أتاه المغنم أخذ صفوه و كان ذلك له.ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس، و يأخذ خمسه، ثم يقسم الأربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم يقسم الخمس الذي أخذه .. بين ذوي القربى .. إلخ.
2) وسائل الشيعة 6: 382 باب 4 من أبواب الأنفال حديث 12.
به بقوله: «و نحن و اللّٰه الذين عنى اللّٰه بذي القربى» (1)و عليه المشهور.
فلا يصغى حينئذ إلى ما عن ابن الجنيد من الأخذ بعموم اللفظ، الشامل لغيرهم أيضا.
و ظاهر قوله في المرفوعة: «و أما الخمس فيقسم ..»: عدم اختصاص التقسيم المزبور بخمس الغنيمة الخاصة، بل يجري في جميعها. و ربما به تشرح الغنيمة في الآية الشريفة بمطلق الفائدة، الحاصلة في ضمن العناوين المخصوصة، لا الغنيمة بالمعنى الأخص.
و أيضا ظاهر ذيلها: تخصيص الخمس بمن تحرم عليهم الصدقة، و الظاهر من الأخبار المستفيضة إناطة حليّة الصدقة و حرمتها بعنوان بني هاشم تارة، و عنوان الهاشمي و المطلبي أخرى.
و قد اختلفوا في شمولها للمنتسب إلى هاشم بالأم، بل و كثير ممن عمم الولد و الابن لولد البنت في باب الوقف، أنكر الشمول في المقام. و لعل نظرهم إلى أنّ تلك التوسعة في إطلاق الولد و الابن ليس في العناوين المزبورة، الحاكية عن الانتساب إلى القبيلة، و انّ بني هاشم مثل بني تميم و بني أسد من هذا القبيل.
هذا، و لكن على فرض تسليم الفرق، كانت في البين أيضا حرمة الصدقة على ولد علي و ولد العباس، و جعل ذلك أيضا عبارة عن القبيلة مثل بني هاشم، منظور فيه. و عليه فلا شهادة في أمثال هذه البيانات في المدعى.
و الأولى التمسك بمرسلة حماد المنجبرة بالعمل المشتملة على قوله: «و من كانت امه من بني هاشم و أبوه من سائر قريش فإنّ الصدقات تحل له، و ليس
1) وسائل الشيعة 6: 357 باب 1 من أبواب قسمة الخمس حديث 4.
له من الخمس شيء، لأن اللّٰه تعالى يقول ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ» (1)، و لا يضرها الإرسال، خصوصا مع كون المرسل من أصحاب الإجماع، و اللّٰه العالم.
الموجب لصدق القدرة على امتثال الطبيعة. فيجب إيصال مال الغير إليه مهما أمكن، بلا جواز تصرف فيه، و لو بإمساكه بلا اذن من المالك أو وليه، إلّا مع العجز عن إيصاله إليه، فيجوز نقله حينئذ، و لا ضمان لإحسانه حينئذ، كما لا يخفى.
و من هنا نقول: القواعد تقتضي الضمان و الحرمة في نقل الخمس و الزكاة مع وجود المستحق في البلد، مع التمكن من إيصاله إليه، إلّا انّه ورد في الزكاة نص بجواز النقل مع الضمان، فإن تمت وحدة المناط في البابين فيتعدّى منه إلى هنا، و إلّا فيبقى ما نحن فيه تحت القواعد.
ثم لا فرق في ذلك بين الخمس المتعلق بالعين و المتعلق بالذمة على المختار، إذ مقتضى القاعدة في الديون أيضا سلطنة المالك و وليه على المطالبة، و مع هذه السلطنة لا يبقى مجال للمديون في إبقاء مال الغير في ذمته.
و في المقام حيث انّ المالك هو الطبيعة المحضة فليس شأنه المطالبة بل المطالب لا بد أن يكون وليه، و حينئذ ليس له الاذن في تأخيره، لعدم مصلحة لهم فيه، فليس له إلّا المطالبة بحقوقهم، فلو رضي فكان رضاه كعدمه، لو لم نقل بسقوط ولايته حينئذ.
و بهذه الملاحظة كان في البين مطالبة تقديرية من الولي على العناوين المزبورة، و هذا المقدار يكفي في قصر سلطنة المالك و المديون على إيفاء دين الغير
1) وسائل الشيعة 6: 359 باب 1 من أبواب قسمة الخمس حديث 8.
الذي في ذمته، كما لا يخفى.
نعم لا مجال لتوهم نفي الضمان في المقام، بل التالف من كيس المالك من الأول إلى أن يؤدي العين، حتى في مورد الرخصة على النقل، عند عدم المستحق كما لا يخفى.
هذا، ثم انه قد أشرنا سابقا، إلى انّه بناء على التعلق بالعين، يكون للمالك اختيار القيمة، بل له أيضا الولاية على التبديل. و يشهد لما ذكرنا ما ورد من النص في ثمن البردي و القصب (1)، و رواية السرائر فيما يباع من فواكه البستان و الاجتزاء بخمس الثمن (2)، و من رواية أبي سيار حيث جاء بقيمة خمس الغوص من ثمانين ألف درهم (3). و مورد هذه الروايات صورة نقله بالغوص من بيع أو صلح أو غيرهما، لكن من تنقيح المناط في سلطنته على مطلق التبديل و التضمين، يستفاد حكم المسألة أيضا.
نعم لو باع بلا تضمين من قبل نفسه، ربما يعد ذلك خيانة على السادة، فلا يكون مشمول الروايات، فيدخل في الفضولي.
و بمثل ذلك أيضا قلنا في باب الزكاة، و جمعنا بين كلماتهم بأخذ الساعي الخمس من العين المبتاعة، مع ما دل على ولاية المالك على النقل و التبديل و الاحتساب و التضمين و أمثال ذلك، فراجع.
و بمثل ذلك أيضا صححنا صحة توارد المعاملات على الأرباح الحاصلة في أثناء السنة، من دون ورود اشكال على مثل هذه المعاملات، و من دون فرق بين جعل الفوائد الحاصلة في سنة كاملة موضوعات مستقلة للخمس، أو جعل مجموعها موضوعا، إذ مثل هذا الفرق- على فرض الصحة- إنما ينتج في الحكم
الظاهري لا الواقعي، المعلوم في حال انكشاف الواقع، كما هو الظاهر.
بأن يعطي نفس الخمس لواحد منهم، على المشهور، خصوصا المتأخرين منهم، خلافا لأبي الصلاح القائل بوجوب التقسيط (1).
و عمدة نظره إلى ظهور التقسيم في التشريك بين الأصناف، بلا صلاحية صرف المال المشترك بتمامه على أحد الشركاء.
و في قباله ظهور قوله في مرسلة حماد: «و جعل للفقراء قرابة النبي نصف الخمس» (2)، إذ الظاهر منها كون الأصناف الثلاثة صنفا واحدا.
و أولى منه استفادة جعل هذا النصف مثل الزكاة أولا و بالذات للفقراء من القرابة، و انّ البقية كانوا مصرفا من مالهم نظير باب الزكاة، و لازم المصرفية جواز صرف مال الفقير بتمامه فيهم، غاية الأمر بمقدار احتياجهم.
و لذا لا يعطى ابن السبيل أزيد من حاجته، نعم يعطى بمقدارها و إن كان بقدر تمام نصف الخمس، بخلاف الفقراء فإنه يجوز أن يعطوا جميع المال بملاحظة استحقاقهم، بل مقتضى الإطلاق جواز إعطائهم مرة و لو بأزيد من مقدار احتياج سنتهم، كما هو الشأن في باب الزكاة.
و ما في المرسلة الطويلة لحماد من أنّ على الإمام إعطائهم بمقدار كفايتهم (3)، محمول على كونه من وظائفه، المعلوم نسبة شفقته على الفقراء على السوية، فلا يستفاد منه تقييد الإطلاقات في شيء.
هذا، نعم ربما يستفاد من هذه الرواية كون أمر التقسيم إلى الامام قلة
و كثرة (1)، فإنّ الظاهر منها انّ وظيفته أولا و بالذات مرجعية التقسيم، لا أنه من باب الولاية على التصرف في مال الغير، المنقسم بجعل الهي. مضافا الى انّ لازم التقسيط عزل نصيب كل واحد عند عدم وجوده، حتى مع كمال احتياج غيره إليه، و لا أظن التزامهم بذلك خصوصا في سهم ابن السبيل، المعدوم غالبا.
و الحكم بأنّ التقسيط في الآية و الرواية منزّل على فرض وجودهم، و إلّا فمع عدمه فيقسط على الموجودين بالسوية، ليس بأولى من الحمل على بيان المصرف، مع كونه مجعولا أولا و بالذات للفقراء من القرابة، كما ذكرنا، خصوصا مع مناسبة لمبدله، كما أشرنا. و عليه فمذهب المشهور هو المنصور، و به صرّح في النجاة أيضا، و اللّٰه العالم.
على المشهور، لاقتضاء بدليته عن الزكاة، المعتبر فيها ذلك، مضافا الى ما في النص، المصرّح بأنّ اليسير من مال الخمس المقدور منه يدفع الى الضعفاء من أهل بيتي من ولد الأئمة، فمن لم يقدر على ذلك فلشيعتهم من لا يأكل بهم الناس (2).
و اشتماله على الترتيب بين ولد الأئمة و غيرهم من بني هاشم، و هو غير المعمول به، و محمول على الفضيلة، غير مضر بمورد الاستدلال من التخصيص لشيعتهم.
و بمثله تقيّد إطلاقات الباب لو لم نقل بانصرافها إلى المؤمن أيضا، لمناسبته لاكرامهم، المعلوم خروج غير الشيعة- خصوصا الناصب منهم- من مثل هذا الإكرام.
هذا، لو لا دعوى المناسبة مع كونهم كرام القوم بمحض الانتساب المزبور، كما انّ بدليته عن الزكاة لا يقتضي مراعاة هذه الخصوصيات، فلا يكون في البين إلّا النص المذكور، المجبور بالعمل، بعد حمله على تعيينه عليه السّلام الشيعة من باب الولاية، و كونه ممن له الخبرة، لا أنه لبيان موضوع الوظيفة الإلهية.
و لا أقل من حمله على الفضيلة، بقرينة صدره- و لعل مثل هذه التشكيكات منشأ تردد المحقق في نافعة (1). لكن الانصاف تمامية دلالة النص المزبور المنجبر بعمل المشهور، و هو حسبي خصوصا مع إمكان التشكيك في الإطلاقات، من إهمالها من تلك الجهة، المستلزم للأول إلى الشك في صدق الإخراج في المورد المشكوك، فيرجع الى قاعدة الاشتغال، و اللّٰه العالم.
خلافا للشيخ (2)و الحلي (3)، نظرا منهما الى ظهور تقابل اليتيم و ابن السبيل للمساكين، المساوق للفقير في المقام جزما، بعد عدم منافاته مع النص الدال بأنه جعل للفقراء. بملاحظة لا بدية حمله- بقرينة ابن السبيل- على بيان الجعل الأولى، غير المنافي مع كون البقية مصرفا و إن لم يصدق عليهم الفقير، كما هو الشأن في ابن السبيل جزما.
اللهم إلّا أن يقال: انّ ترتب مثل هذا الحكم على اليتيم ظاهر في اقتضاء يتمه ذلك، و الذهن ينصرف منه إلى صورة احتياجه، لعدم من يتكفله، و إلّا فاليتيم الذي ورث أموالا خطيرة من أبيه لا يصلح مصرفا للخمس، فالمناسبة المغروسة الذهنية تقتضي انصرافه إلى اليتيم الفقير لا مطلقا، و انّ ذكره في
قبال الفقير لشدة الاهتمام به بملاحظة أحوجيته إلى الخمس من غيره، و لا أقل من صيرورة مثل هذه المناسبات منشأ للتشكيك في إطلاقه، المستتبع لجريان قاعدة الاشتغال الموجب لتخصيص الفقير به.
نعم لم يقل أحد في ابن السبيل باعتبار فقره بالمعنى المعروف، نعم لا بد من احتياجه فعلا في سفره، كما هو الشأن في باب الزكاة.
إلّا قضية مناسبته مع الزكاة و عدم مناسبة الفاسق للإكرام. و لا يخفى ما في الجميع من المنع الواضح، و لذا ذهب المشهور في المقام إلى عدم اعتبارها، للإطلاقات.
و هو صحيح لو لا التشكيك فيها، الموجب لانتهاء الأمر إلى الاشتغال، خصوصا في شارب الخمر، المنصوص عليه بعدم إعطائه من الزكاة، القابلة للمناسبة المغروسة للتعدّي منها إلى باب الخمس، خصوصا مع العلم بصرفه في جهة المعصية، المعلوم كونه اعانة على الإثم المحرّم جزما، فلا عبادة بناء على جعل الخمس أيضا من العبادات، كما هو المغروس في نوع الأذهان، خصوصا مع ملاحظة بدليته للزكاة، و انّ عدم تعرضهم للنية فيه كان لإيكالهم إلى وضوح اشتراكه من تلك الجهة مع الزكاة، و اللّٰه العالم.
ثم انه مع عدم وجود المستحقين، ففي كفاية العزل في تخليص ماله عن الخمس، بلا قبض من السادة و لا من وليهم نظر، لعدم دليل واف به.
فأصالة عدم الولاية المزبورة على التعيين جارية، لو لا دعوى انّ مقتضى الولاية على التصرف- بالنقل و الانتقال، و على التضمين بنقل حق السادة من العين إلى الذمة- ولايته أيضا على تعيين ماله في المعيّن بالفحوى. و يؤيده قضية البدلية للزكاة، المشروع فيها العزل جزما.
اللهم إلّا أن يقال: انّ في التبديل لا يرد ضرر على الفقير زائدا عما يرد على المالك أيضا، إذ الخمس ثابت إما في ذمة المالك، أو في ضمن الأبدال كوجوده في العين أولا. و هذا بخلاف العزل، فإنّ فيه تعريضا لخسارة زائدة عما كان في عين مال المالك بالإشاعة، لأنه بعد العزل كان بيد المالك أمانة ربما لا يوجب تلفه بيده ضمانا عليه، فترد الخسارة على أهل الخمس، و مع هذه المعرضية لا يبقى مجال لتنقيح المناط في الولاية على التضمين و النقل.
و بعد فأصالة عدم الولاية- بعد عدم تمامية قاعدة البدلية أو غيرها في إثبات الجواز- محكمة، و حينئذ فالحق ما ذهب إليه في النجاة من تقوية عدم جواز عزله، كما لا يخفى.
و هو أنه قد ذكرنا سابقا: انّ مقتضى ما ورد من النص في شرح آية الغنيمة، مضافا إلى إطلاقات أخرى، كون مصرف خمس الأرباح أيضا مصرف سائر الأخماس بحسب الجعل الإلهي، و انّ اضافة الامام إياه أحيانا إلى نفسه محمول على بعض الوجوه المتقدمة سابقا في ذيل مسألة مصرف الأخماس، فلا إشكال في البين من تلك الجهة.
و إنما الكلام في دفع توهم آخر، صادر عن بعض الأعاظم، في تحليل هذا القسم من الخمس على الشيعة، في زمان الغيبة، نظرا إلى جملة من الأخبار الواردة، المشتملة على تحليل خمس التجارة تارة، و مطلق الخمس اخرى، بناء على حمل المطلق أيضا على الغالب المتعارف من ابتلائهم بخمس الأرباح، فلا أقل من صيرورتها منشأ كونه المتيقن من بينها في مقام التخاطب، المانع من الإطلاق على التحقيق المختار.
أقول: فليعلم- أولا- انّ ظاهر أخبار التحليل هو التحليل المالكي نفسا أو ولاية لا الشرعي، كيف و قوله: «ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم» (1)لا يناسب الشرعية، خصوصا مع الجزم بمطالبتهم الخمس كثيرا، و لو من امام سابق، على ما يستفاد من تواتر النصوص في ذلك و لو إجمالا (2).
و توهم انّ تحليل جميع الخمس، حتى الزائد من سهمه عليه السّلام لا يناسب المالكية، فلا بد أن تكون شرعية مدفوع بأنه كذلك لو لا ولايتهم، و كونهم أولى الناس بأنفسهم، فضلا عن أموالهم، و مع ذلك لا يبقى مجال للتوهم المزبور.
و حيث كان الأمر كذلك، فنقول: انّ مجرد تحليل شخص إمام في زمان مخصوص لا يجدي في إثبات التحليل على الإطلاق، فلا محيص عن إثبات إمضائه من امام زماننا عجل اللّٰه فرجه، و لا يكفي استصحاب بقاء تحليله، إذ الأمر إنما يترتب على تحليله عليه السّلام بما هو مضاف إلى الامام اللاحق، و مثل هذا المعنى لا يترتب على هذا الاستصحاب. بل أصالة عدم إمضاء اللاحق حاكم على الأول، كما لا يخفى.
و عليه فلا يثبت التحليل في زمان الغيبة إلّا بأحد وجهين، إما بدلالة رواية على التحليل حتى في زمان الغيبة، كي بها يستكشف- إنا- إمضاء إمام زماننا، فرارا عن لزوم اللغوية. أو بورود تحليل عن خصوص امام الزمان، على وجه يبقى مجال لاستصحاب عدم عدوله، و بقاء تحليله لعنوان الشيعة إلى زمان الغيبة، نظير استصحاب حكم الشرائع السابقة.
فعمدة ما يهمنا من أخبار التحليل، ما كان على أحد الوجهين، من دون نظر إلى غيرهما، و لو كان ألف ألف.
و حينئذ فغاية ما ظفرنا عليه من القسمين المزبورين ما في رواية أبي خديجة: من تحليل الخمس من الإماء و المواريث و التجارات على الشيعة، مصرّحا فيها: «إلى يوم القيامة» (1)، و ما في التوقيع الوارد على إسحاق بن يعقوب بخط صاحب الزمان نفسي فداه: «و أما الخمس فقد أبيح لشيعتنا و جعلوا منه في حل الى أن يظهر أمرنا، لتطيب ولادتهم» (2).
و أما التحليلات الواردة فغالبها من الصادق و الباقر عليهما السّلام، فليس فيها عموم زماني غير ما عرفت، فهي من حيث الزمان غالبا مهملة، لو لا دعوى كفاية إطلاقها من حيث أفراد الشيعة. و لكن يكفي لتقييدها بزمانهم ما ورد من النصوص المستفيضة بمطالبة الخمس، كمطالبة ثامن الأئمة عليه آلاف الصلاة و التحية، و شدة منعه عن حبسهم الخمس (3).
نعم قد يعارض هذه النصوص ما في خبر أبي خديجة (4)، و ذلك بناء على عدم جهلهم بالموضوعات، و إلّا فبناء على ما توهمه بعض الأعاظم، أمكن دعوى كون نظره عليه السّلام التحليل العام زمانا، برجاء إمضاء اللاحق، فربما يرى اللاحق مصلحة شخصية في المطالبة و عدم إمضاء فعل الامام عليه السّلام السابق من التحليل.
و لكن عهدة هذا الكلام على مدعيه، و إلّا فعلى فرض المعارضة قد يدّعي أخصية خبر التحليل عن مورد مطالبة ثامن الأئمة.
و فيه: انّ مورد مطالبته عليه السّلام غالبا من قبيل خمس الأرباح، لأنّ السؤال فيه وقع من تجّار فارس، و قوم من خراسان، المبتلين غالبا بخمس الأرباح لا بغيرها، فهذه كالنص في التجارة، فلا يعامل في مثلهما معاملة العموم و الخصوص المطلق.
فالأولى في وجه الجمع أن يقال: أنّ خبر أبي خديجة من التجارة قابل للحمل على تجارة خاصة، بقرينة صدره من قوله: «حلّل لي الفروج، ففزع أبو عبد اللّٰه، ثم صار الراوي بصدد شرح الفروج التي سأل عنها بقوله: «خادما يشتريها، أو امرأة يتزوجها، أو ميراثا يصيبه أو تجارة» (1). إذ مثل ذلك شاهد على حمل الميراث و التجارة على ميراث الخادم و الخادمة و تجارتهما، الراجعين إلى الفروج، بلا إطلاق فيهما يشمل غيرهما.
بل يؤيد ما ذكرنا ظهور السؤال عن نفس التجارة لا عن خصوص ربحها، و حينئذ لا مجال لمعارضته مع المستفيضة المشتملة على مطالبة الرضا عليه السّلام، المحمولة على غير ما يرجع إلى الفروج مثل المقام، مع أنه على فرض الإطلاق لا محيص عن حمله على ذلك جمعا. و مع الغض عن هذا الجمع أيضا لا محيص عن طرح رواية أبي خديجة سندا، لأقوائية سند المستفيضة.
و مع الإغماض عن جميع هذه المراحل يرجع الأمر إلى التخيير، فلنا اختيار المستفيضة.
و لكن مع ذلك لا تكاد تنتهي النوبة إلى مقام التخيير المزبور بعد الجموع السابقة كما لا يخفى، هذا كله الكلام في هذه الرواية المشتملة على التحليل العام.
1) وسائل الشيعة 6: 379 باب 4 من أبواب الأنفال حديث 4.
و أما التوقيع فهو و إن لم يتعارض مع مطالبة الأئمة السابقة، لتأخير زمانه، لكنه يصلح للمعارضة مع توقيع آخر من العمري و من اللعن على من أكل ما لهم حراما (1).
و توقيع ثالث من أمره العمري على أخذه من الحسين عم ناصر الدولة خمس ما كسب و أخذه منه، بعد اعلامه بما وقع بينه و بين راكب البغلة الشهباء (2). و لا أقل من احتمال تقدّم أحدهما على الآخر، و لازمة حينئذ الرجوع الى عدم جواز تملكه.
نعم لا بأس بجواز التصرفات الاتلافية، لأن عموم «لا تحل» خصص بصورة التحليل، فالمقام من قبيل الشبهة المصداقية غير القابلة لإحراز موضوع التخصيص أو غيره بالأصل، لسقوط الأصول الموضوعية بتوارد الحالتين، فتبقى أصالة البراءة عن حرمة مثل هذا التصرف سليمة.
كما انّ ضمانه- بعد اختصاصه بصورة عدم الهتك بالتحليل- لا مجال لإحراز موضوعه أيضا بالأصل، بعد احتمال التحليل المتأخر، فالمرجع فيه أيضا البراءة عن الضمان.
و لكن هذا المقدار لا يصحح جواز مطلق التصرفات حتى الناقلة، و لو بتملكه لنفسه. هذا مع انّ الخمس الواقع في التوقيع ظاهر في كونه جوابا عمّا وقع في كلام السائل، المحتمل كونه من الأخماس المتعلقة بالفروج أو الأراضي، المفروغ تحليله عليه السّلام فيها لطيب الولادة، فيكون حال هذه العبارة نظير الحوادث الواقعة، المعلوم اقترانها بما يصلح للقرينية. و مع هذا الاحتمال لا يبقى مجال للتمسك بالإطلاق، كما هو ظاهر.
و عليه فيبقى الأصل الموضوعي على الحرمة، أو إطلاق مطالبة الإمام في التوقيع الآخر بالنسبة الى غير الأرباح بحاله. و حينئذ لا يجوز التصرف في مطلق الخمس حتى في سهم الامام بدون إذن أربابه.
و بذلك نقول: إنه لا بد من إيصال الخمس أجمع إلى الامام عند مطالبته و أمره به، لأنه ليس لغيره الخيرة في قبال اختيار الامام.
و في وجوب إيصاله إليه- مع عدم أمره- وجهان: من إطلاقات الباب، المقتضية لجواز اقدامه بنفسه للإيصال إلى المستحقين، و من النصوص الدالة على انّ تقسيم الخمس من شئون الامام، و قد عقد صاحب الوسائل بابا لذلك فراجع (1).
و أما مع عدم التمكن من الوصول الى الامام أو الإيصال إليه، فلا شبهة في انّ مقتضى الإطلاقات جواز اقدامه بنفسه، لو لا ما يستفاد من النصوص السابقة انّ ذلك من شئون الرئيس لا الرعية، و لازمة رجوع الأمر في زمان الغيبة إلى الفقيه، لعدم احتمال رئاسة أحد في زمان الغيبة غيره.
و لكن ذلك أيضا لو لا ظهور النصوص السابقة في دخل خصوصية الإمام فيه، و عليه فلا يكاد ينتهي الدور إلى الفقيه إلّا على النيابة العامة، أو لا أقل في مثل هذه الأمور النوعية، لأنه بناء على هذا يصير الفقيه- بدليل النيابة- بمنزلة الإمام، المستلزم لرفع اليد عن الإطلاقات المقتضية للسلطنة على الأداء بنفسه.
و أما مع عدم ثبوت مثل هذه المرتبة من النيابة، فلا مقتضى حينئذ لرفع اليد عن الإطلاقات في زمان الغيبة، و بعده لا يبقى مجال لاحتمال دخل اذن
1) وسائل الشيعة 6: 375 باب 3 من أبواب الأنفال.
الرئيس في هذا الزمان، كي- بمقدمات الحسبة- ينتهي الأمر إلى الفقيه.
فيجوز حينئذ تصدّيه بنفسه، بل لو اعطى الخمس الى الفقيه كان الفقيه نائبا عنه، فعلى فرض الاحتياج إلى القربة، ربما لا يجدي قصد التقرب حين إعطائه إليه، بعد فرض عدم صحة عزله في المقام.
نعم لو كان تصرّف الفقيه بعنوان الولاية عن الفقير، كان له التقرب حين إعطائه إلى الفقيه.
أما لو لم تكن الإطلاقات المزبورة في مقام البيان من تلك الجهة، كان لا محيص عن إرجاع الأمر إلى الفقيه بمقدمات الحسبة، و حينئذ فعلى الفقيه قصد التقرب حين تقسيمه، لأنه وقت تفريغ المال عن الخمس.
نعم لو كان تصرّف الفقيه فيه بعنوان ولايته عن الفقير، بمناط ولايته على سائر الطبائع الكلية في باب الأوقاف، لأنه- بنحو من العناية- من القصّر، كان وقت التقرب وقت قبض الفقيه، و قاصد القربة أيضا هو المالك، كما لا يخفى.
و من هذه البيانات ظهر ميزان الحكم بخلوص المال عن حق السادة، فإنّ في كل مورد تعيّن التصرّف بالإخراج، فبذلك الإخراج يتخلص المال عن حقهم. و ذلك ظاهر، كما لا يخفى.
هذا كله بالنسبة إلى نصف الخمس الذي هو حق السادات.
، خصوصا الناقلة منها، فلا بد من إحراز الإذن فيه بوجه، بحيث لولاه لا بد من حفظ ماله بدفن أو إيصاء، الى أن يبقى إلى زمان التمكن من التشرف بحضوره.
بل لو احتاج في بقائه إلى التبديل، ففي السلطنة على هذا التبديل نظر،
لو لا الجزم بعدم رضاه بتضييع المال المزبور، فيصير تبديله بما يصلح للبقاء مما تجري فيه مقدمات الحسبة، المنتهي ذلك إلى الفقيه أو العدول، كما لا يخفى.
و قد سمعنا انّ بعض الأعلام- من كان يقرب عصرنا- كان يدفن سهم الامام، و لعله من جهة عدم ظفره على دليل يجوّز تصرفه فيه، فمشى على طبق القواعد الأولية.
و حيث كان الأمر كذلك فنقول: انّ قصارى ما يتخيّل في المقام، هو دعوى اقتضاء تفقده لشيعته- خصوصا لذراريه، مع كمال استغنائه عن مثل هذه الأموال في زمان غيبته، خصوصا مع أداء حفظه الى تلفه غالبا- ظهور حاله في الرضاء بالتملك الذي بمنزلة الإذن الحاصل من الفحوى في أمثال هذه التصرفات. خصوصا مع كون وظيفته تتميم مئونة الفقراء من السادة من ماله، المعلوم كونه من وظيفة رئاسته غير المختصة بحال الحضور، فيقوم الرئيس في زمان الغيبة مقامه.
هذا، مضافا الى إمكان إجراء مناط حكم مجهول المالك، من التصدق عن قبل المالك المجهول في ماله، بملاحظة الجهل بتطبيقه، بنحو لا يمكن إيصال ماله إليه، بجهلنا به لشخصه.
و حينئذ يدفع إلى الفقيه المحتمل دخل إرادته في الصدقة المزبورة عنه عليه السّلام، مع إمكان إجراء حكم ولاية الفقيه، في كلية حكم مال الغيّب على المورد، خصوصا مع اقتضاء سلطنة الشخص على تخليص ماله عن مال الغير، المعلوم في غير المقام من الغيّب و القصّر عدم الانتظار إلى الوصول إليه.
بل الفقيه ولي عنهم في القبض و التعيين، فكذلك المقام مناطا. فليس وظيفة المكلف حينئذ إلّا دفع المال إليه، و الفقيه حينئذ أعرف بتكليفه مع هذا المال.
و على أي حال، لا يثمر في المقام عموم قوله: «ما كان لنا فهو لشيعتنا»،
إذ بعد فرض قيام التوقيع السابق على مطالبته الخمس، المشتمل على سهمه، بضم احتمال كونه واردا بعد التحليل الوارد منه- فداه نفسي- في توقيع آخر على ما عرفت، لا يبقى مجال للتمسك بمثل هذا العام، للجزم بتخصيص العام المزبور بالانفال أو خمس المناكح و الأراضي و غيرهما، مما هو غير مرتبط بخمس الأرباح و غيرها، بالتوقيع المذكور. فلا محيص- في زمان الغيبة قبال أصالة عدم التحليل بالتقريب المتقدّم- عن إحراز رضاه بالتصرف بمثل الوجوه السابقة، و اللّٰه العالم.
، فنقول:
الأنفال جمع النفل بالتحريك: و هو الزيادة، سميّت بذلك بملاحظة استحقاق الإمام إياها زيادة على الخمس، أو زيادة على استحقاق المسلمين من المفتوح عنوة، أو من الغنيمة.
بلا اشكال فيه نصا و فتوى، و يكفي من النص ما في الحسنة: «و كل أرض خربة» (1).
و في حسنة أخرى: «و ما كان من أرض خربة» (2).
و في المرسلة: «كل أرض خربة باد أهلها» (3).
و في آخر: «لا ربّ لها» (4).
و مقتضى هذا القيد، عدم وجوب صاحب لها، و به تقيد المطلقات السابقة، فما كان لها صاحب فهي لصاحبها، إلّا أن يكون تملكهم لها بالاحياء، ففيه الخلاف المعروف في إحياء الموات، و سيأتي شرحه إن شاء اللّٰه
في محله.
و حينئذ فالأراضي الخراجية لو خرجت تبقى على ملك المسلمين بمرتبة خاصة معروفة.
هذا، مع إمكان الجمع بين المطلقات و المقيدات باختلاف مراتب الملكية غير المنافية لاجتماعها لشخصين في زمان واحد، كما أنه لا بد من الالتزام به.
و كذا الجمع بين ما دل على ملكية الأراضي بالإحياء أو بجهة أخرى، مع قوله في رواية أبي سيار: «الأرض كلها لنا» (1)و إليه أشرنا أيضا في أول الكتاب، فراجع.
و على أي حال فالمحياة التي باد أهلها غير داخلة في هذا العنوان، بل هي مشمولة لما لا وارث له أو للمجهول مالكه.
و توهم شمول عموم «كل أرض لا ربّ لها» لمثلها، فرع عدم تمامية المفهوم في قوله: «كل أرض ميتة لا ربّ لها» و إلّا فتخصص هذه بالموات، أو تحمل على مرتبة خاصة غير منافية لبقائها على ملك صاحبها.
و من هنا ظهر حال المحياة بالأصالة، التي لم تجريد أحد عليها، فإنها حينئذ من المباحات الأصلية، التي كان الناس فيها شرع سواء. و يؤيد ما ذكرنا أيضا مصير المشهور إليه، فراجع.
، سواء انجلى عنها أهلها، أو مكّنوا المسلمين منها و هم فيها كالبحرين، على ما قيل، بلا خلاف على المحكي و في حسنة ابن البختري: «الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل و ركاب» (2).
و في نص آخر: «و منها البحرين، لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب» (1).
و في ثالث: «و كل أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و لكن صالحوا صلحا و أعطوا ما بأيديهم على غير قتال، و له رءوس الجبال و بطون الأودية و الآجام، و كل أرض ميتة لا ربّ لها، و له صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأنّ الغصب كله مردود، و هو وارث من لا وارث له، يعول من لا حيلة له» (2).
و مقتضى إطلاق الأخبار عدم اختصاص «ما لم يوجف» بغير المنقول، بل يشمل المنقول أيضا. و تخصيصه بالأرض في بعض النصوص- كما تقدّم- لا يوجب تقييدا للمطلقات، لأنه لا مفهوم للّقب، فضلا عن عدم تعارض بين المثبتين.
و من النصوص المتقدّمة أيضا يستفاد حكم كل أرض أسلمها أهلها من غير قتال، و رءوس الجبال، و بطون الأودية، و الموات التي لا ربّ لها، و الآجام، و صوافي الملوك، و قطائعهم غير المغصوبة، و ميراث من لا وارث له.
و مقتضى إطلاقها عدم اختصاص رءوس الجبال و بطون الأودية و الآجام في ملكيتها للإمام بصورة عدم كونها مفتوحة عنوة، نعم لو عرضت مثل هذه العناوين بعد تملك الغير، عموما أو خصوصا، ففي دخولها في ملك الإمام إشكال، منشؤه التشكيك في الإطلاق، و احتمال انصرافها إلى ما كان كذلك من الأول، و من قوة إطلاقها، و بطلان احتمال الانصراف، فيشمل كل ما كان كذلك وقت جعل الأنفال، و إن لم يكن كذلك من الأول، بل
و إطلاقها أيضا يشمل ما كانت محياة ذاتا، لو لا قوة الانصراف إلى غيرها في المقام للغلبة، و لذا جعلها الأردبيلي من أصناف الموات (1)، و انّ تخصيصها بالذكر لمحض التوضيح.
و لو عرضها الحياة بإحياء كان حكمه حكم سائر الموات التي كانت ملك الامام، من اقتضاء الاحياء تملك المحيي بالملكية، المضادة لملكها للإمام، فتخرج به عن ملكه بإذنه في إحيائه. أو من عدم اقتضائه إلّا مجرد حق الاختصاص تبعا للآثار، و بقاء الرقبة على ملك الامام. و من عدم اقتضاء الاحياء إلّا مرتبة من الملكية غير المضادة لملك الامام، فتبقى على ملكهما بعد الاحياء أيضا. و سيأتي تفصيله في كتاب احياء الموات إن شاء اللّٰه.
فهذه أي ذوات العناوين المذكورة إلى هنا كلها للإمام خصوصا الأخيرة، لمرسلة الوراق المتقدّمة. و قد تعرضنا هناك انّ ظاهر إطلاق جعل هذه الأمور عدم تعلق الخمس بها لو لا دعوى انّ أدلة الخمس في جميع العناوين، بعد ما كانت ناظرة الى ما كانت ملك طائفة خاصة، لو لا دليل الخمس من آية الغنيمة أو غيرها، لا جرم كان نظر دليل الخمس إلى إطلاقات أدلة الملكية في كل باب بنسبة واحدة، فكان لمثل هذا الدليل نحو حكومة على جميع أدلة الأبواب، من دون وجه للفرق من تلك الجهة بين باب دون باب.
و حينئذ فما توهم من عبارة المصنف من قوله «كلها للإمام» حتى مقابل خمس السادة، منظور فيه، لو لا اقتران بعض إطلاقاتها بخصوصية مانعة عن الحكومة السابقة، و قد تعرضنا لها في ذيل بحث الغنيمة، فراجع.
1) مجمع الفائدة و البرهان 4: 341.
و قد أبيح المساكن و المتاجر و المناكح بلا اشكال فيها، و في رواية أبي سيار: تحليل الأراضي إلى قيام القائم (1)و في جملة نصوص اخرى:
التعليلات الواردة تارة لطيب الميلاد، و اخرى بصحة العبادة و طيب الولادة و تزكية الأموال، كما في المرسلة المشتملة على الثلاثة الأخيرة (2).
و الظاهر اختصاص التعليلات بالثلاثة المعروفة، من المناكح و المساكن و المتاجر، فيما يكون مال تجارته مال الامام من الأنفال، فكان تسهيلا على الشيعة بملاحظة كثرة ابتلائهم بها، فلا يتعدّى إلى غيرها.
و يشهد لذلك تعلّق التحليل بنفس التجارة لا بخصوص ربحها، فيكشف عن انّ موضوع التحليل التجارة الواردة من الأول على مال الامام عليه السّلام، و هو ليس إلّا عبارة عن سبي الإماء أو الشراء من السابي، الواقع على مال الإمام، أو غيره من بقية أمواله و بعد ذلك لا مجال للتعدّي من التعليلات إلى غير ذلك.
هذا كله في الأنفال التي لم يعلم بمطالبة الإمام اللاحق، فتستصحب إباحتها، لو لا دعوى عدم إمكان إثبات إضافتها إلى الامام اللاحق إلّا بالأصل المثبت، و هو غير حجة. فلا بد حينئذ من التشبث بإطلاق دليل التحليل، و لو من حيث أفراد الشيعة، إذ به يرفع إهماله من حيث الزمان لو كان.
و أما ما ثبت مطالبة الإمام اللاحق فيه كالخمس، فلا مجال للتشبث بإطلاقها أيضا.
و بذلك يمكن المصير إلى إباحة جميع الأنفال، لعموم «ما كان لنا فهو لشيعتنا»، خرج عنه الخمس، بقرينة مطالبة الإمام اللاحق، و بقي الباقي.
و في النجاة: إباحة خمس ما في يد غير الشيعة. و لكن يمكن دعوى انه من باب تقرير مذهبهم في ما لا يرونه ملكا لغيرهم، بالنسبة إلى ما يؤخذ منهم، نظير ثمن الخمر، و لو للسيرة بل يمكن اجراء ذلك في الأجناس الزكاتية قبل مطالبة الساعي منهم و أخذه، لو اتفق في أيدينا بمعاوضة أو غيرها كما أشرنا إليه في أول كتاب الزكاة.
و لو لا هذه الجهة لأشكل أمر هذه الإباحة، لو لا دعوى شمول أدلة الإباحة لها، و عدم شمول دليل المطالبة اللاحقة لاختصاصه بخمس الشيعة.
و لو استولى سلطان الشيعة في زمان الغيبة فأخذ أرضا أو غيرها من أهل الحرب أو من المخالفين، فالأقوى اندراجها في عموم «كلّ ما قوتل عليه بغير اذن الامام» فيكون مثل هذا المأخوذ من الأنفال.
و في كفاية إذن الفقيه في إجراء حكم المقاتلة باذنه، و ترتيب آثار الجهاد الصحيح عليه مشكل، لعدم وفاء دليل لإثبات مثل هذه الولاية و النيابة له، بل ربما يشكل مشروعية جهادهم. نعم لا إشكال في وجوب الدفاع، و لكن ذلك لا ينافي كون المأخوذ منهم من الأنفال، إذ مجرد المشروعية لا يقتضي كونه قتالا بإذنهم، الموضوع لأحكام خاصة، بل يترتب عليه أثر القتال بغير الاذن، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و الحمد للّٰه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا.
حرره في الرابع و العشرين من شوال، سنة ألف و ثلاثمائة و أربعين من الهجرة النبوية على مهاجرها آلاف السّلام و التحية، الأقل الأحقر ضياء الدين ابن محمد العراقي عفي عنهما.
كتاب الصوم و فيه أبواب:
و هو كالصلاة من العناوين القصدية المنطبقة على الإمساك عن التعمد إلى المفطرات من الأمور الخاصة، في ظرف التفاته إلى صومه، بمعنى جعل متعلّق التعمد الحصة الخاصة من الإمساك، المقارن للالتفات الى صومه، لا أنه شرطه، كي يلزم أخذ الالتفات إلى الشيء في حقيقته. و لا مطلقا، كي يلزم عدم صدق الصوم على من تعمد الأكل في حال غفلته عن صومه.
و حينئذ فلا يرد محذور في شرح الصوم بنحو يكون حاويا لجميع أقسامه حتى نلتجئ الى جعل بعض الفروض خارجا عن حقيقة الصوم، بفرضه بدلا مسقطا لأمره، كما التزموا به في مقام الفرار عن المحذور.
و عمدة ما دعاهم إلى ذلك، تخيّل اقتضاء عدم التقييد بالالتفات المزبور إطلاق حقيقته لصورة فقده، و هو أول الكلام. إذ كثيرا ما لا يكون للشيء بالنسبة إلى جهة خارجية إطلاق، مع عدم تقييده به أيضا.
و بالتزامه تخلصنا عن بعض المحاذير في مقامات عديدة، مثل باب المقدمة الموصلة، و باب قصد القربة في العبادة، و باب الواجب المشروط و المعلّق
و هكذا. بل البرهان في كثير من المقامات يساعد على ما ذكرنا، إذ من البديهي ان ليس للشيء إطلاق يشمل حال فقد علته، و لا مقيدا بوجوده، كما انّ المحمول أيضا كذلك بالإضافة إلى موضوعه، و بمثل هذا البيان أيضا صححنا كيفية أجزاء المركب و ميزها عن شرائطها.
و بالجملة بعد تصوّر مثل هذا المعنى، بل و لا بدية الالتزام به في بعض المقامات، لا بأس بالمصير إليه في المقام أيضا، تصحيحا لحقيقة الصوم، بنحو يشمل جميع مصاديقه، بلا لزوم عدم طرد أو عكس عليه، و لا احتياج أيضا الى الالتزام بجعل المأتي به في بعض المقامات بدلا مسقطا، كيف و لازم البدلية و فاؤه بمصلحته، الكاشف عن وجود جامع بينهما، و بعده لم لا يجعل الصوم عبارة عن هذا الجامع، و يشار إليه بكونه مما هو جنة من النار، كما هو الشأن في الصلاة، على ما هو التحقيق، من الالتزام بكون الصلاة الناقصة المضطر إليها من مصاديق الصلاة حقيقة، و انّ الصلاة عبارة عما هو ناه عن الفحشاء، الحاصل في كل حال بشكل مخصوص، و ليس للقائل بالبدلية إنكار هذا الجامع إلّا بإنكاره وحدة المؤثر، مع الاشتراك في الأثر، و هو كما ترى.
ثم انّ الشاهد على قصدية الصوم التزامهم بحرمة صوم العيدين مع عدم حرمة صرف الإمساك فيهما، بل و حرمته على الحائض ذاتا لا تشريعا، كما عند جمع من الأعاظم، و الحال انه ليس مجرد الإمساك بلا قصد الصومية حراما.
و بذلك يمتاز الصوم و الصلاة عن مثل الوضوء و الأغسال غير المعتبر فيها القصد زيادة على قصد التقرب.
و في قصدية سائر العناوين الطارئة عليه، مثل الكفارة أو الرمضانية أو
القضائية، نظر جدا. و لو للشك في دخل خصوصية قصدية زائدة عن حقيقة الصوم في المأمور به، و الأصل البراءة عنه. و مجرد وقوع الصوم على وجوه متعددة لا يجدي في الكشف عن الاختلاف في حقيقته، لكفاية اختلاف أسباب وجوبه في ذلك. كما انّ عدم صلاحية رمضان لوقوع صوم آخر فيه، لا يكشف عن المغايرة المزبورة. بل يكفي فيه عدم صلاحية غير رمضان من الأسباب لوقوع صومها فيه.
و أوهن منهما في الدلالة ما ورد في قبول ما أتي به بنية شعبان عن رمضان بتفضل من اللّٰه، بتقريب أنه مع وحدة الحقيقة فيهما لا يكون قبوله بتفضل منه، بل هو عين الإتيان بالمأمور به. فهذا التفضل لا مجال له إلّا بقبول حقيقة بدل حقيقة أخرى، و لا نعني من اختلاف حقيقة الصوم إلّا هذا.
توضيح الوهن: انّ ذلك يمكن أن يكون من جهة عدم التقرب بشخص أمره، و معلوم انّ المعتبر في العبادة- على ما سنشير إليه- هو كون الداعي على إتيانه أمره المتعلق به، لا أمر غيره و لو جهلا، و لذا نلتزم في موارد الخطأ في التطبيق أنه لا تصح العبادة إلّا إذا كان قد قصدها بداعوية الأمر بنحو تعدد المطلوب، كي ينتهي الأمر بالآخرة إلى داعوية شخص الآمر المتعلق به.
و حينئذ فالاكتفاء بهذا المقدار في باب صوم يوم الشك، لا بد أن يكون على خلاف قاعدة العبادة، و كان بتفضل من اللّٰه سبحانه.
و حينئذ فليس أنواع الصيام المأمور بها بأي عنوان من العناوين، إلّا وجودات متعددة، متفقة الحقيقة بلا اختلاف في حقيقتها، قصدية أم غير قصدية، فلا يعتبر في مثلها أزيد من قصد القربة بأمرها الخاص.
نعم لو كان في ذمته صوم غيره بإجارة، أو ما هو متعلّق حق الغير بنذر أو غيره، لا بد في وقوعه وفاء لأمر إجارته أو نذره مثلا من قصد الصوم الخاص، زائدا على القربة، كي به يتعيّن الكلي في ذمته، كما هو الشأن في كلية الديون المالية.
و هذا الجهة هي نكتة قصدية الوفاء في أمثال هذه المقامات، لا أنها بنفسها من العناوين القصدية كالظهرية و العصرية.
و حيث اتضح ذلك فنقول: انه لا إشكال في اعتبار كون الإمساك المزبور لا بد أن يكون مع النية المقربة، لإطباقهم على عبادية الصوم كسائر العبادات، و هو الحجة، بلا أصل آخر، أو عموم يقتضي عبادية الشيء عند الشك. بل الأصل بمقتضى المختار هو التوصلية، على ما حقق في محله.
و من هنا نقول بعدم اعتبار ما عدا كون المأمور به مأتيا به بداعي أمره، بلا احتياج إلى قصد الوجه أو التميز على ما تقدّم تفصيله. بل و لا يحتاج أيضا الى قصد التعيين في تشخيص حقيقته، كما عرفت من عدم اختلاف حقيقته، و لازم ذلك كفاية الإتيان به بداعي الأمر المتوجه إليه. و لا يجدي مجرد إتيانه بوجه قربي، و لو بداعي أمر غيره، من باب الشبهة في التطبيق، لإطباق كلمتهم على عدم الكفاية إذا لم يكن بنحو تعدد المطلوب. فلا محيص عن أن يكون بداعي الأمر المتوجه إليه، على وجه يصلح ذلك لإسقاطه.
و أوضح من ذلك عدم صحة جعل طبيعة الأمر الجامع بين أمره و أمر غيره، المباين معه داعيا على إتيان شخصه، مع كون شخصه مباينا مع غيره بحسب الحقيقة، قصدية كانت الخصوصية الممتازة أم غير قصدية، إذ يستحيل دعوى طبيعة الأمر المزبور الى شخص العمل بخصوصه.
نعم لا بأس به مع انحصار مسقطة به، إذ حينئذ يصلح للدعوة إلى العمل.
و حينئذ ففي كفاية هذا المقدار في التقرب المعتبر في العبادة، أو لا بد من الإتيان بداعي شخص أمره، و لو بجعل الطبيعة مشارا بها إليه، أو يحتاج إلى قصد أمره متميزا عن غيره تفصيلا، وجوه، لا مجال للأخير، لإطباقهم على عدم الاحتياج إلى قصد التعيين عند انحصار المأمور به في زمان تشخصه، بل
يكفي الإتيان به بداعي أمره الفعلي و إن لم يلتفت الى خصوصيات أمره تفصيلا.
و حينئذ يبقى الكلام في كفاية مجرد دعوى الطبيعة، بلا نظر إلى الخصوصية الواقعية عند تعلّق الأمر بوجودات متفقة الحقيقة، أو يحتاج إلى النظر إليها و لو بعناوينها الإجمالية الذاتية أو العرضية. إذ حينئذ لا شبهة في انّ كل وجود يصلح لأن يقع امتثالا لأي واحد من هذه الأوامر.
و مع هذه الصلاحية تصلح طبيعة الأمر، أو أحد الأوامر- بنحو الإبهام- للدعوة إلى نحو هذا الوجود، الملازم للاكتفاء به كون إتيانه مسقطا لأحد الأوامر بلا تعيين، إلّا مع فرض تأكد أثره الموجب لصرف الامتثال نحوه، للجزم بعدم بقاء تأكد الاشتياق بعد هذا الوجود بحاله، بخلاف ما لو لم نقل بكفاية ذلك، فيحتاج حينئذ إلى تعيين شخص أمره بمميزاته المخصوصة به، و لا يكفي- للإشارة إلى شخص الأمر المزبور حينئذ- قصد طبيعة الأمر أو أحد الأوامر بنحو الإبهام، لعدم صلاحية ذلك للإشارة إلى الشخص.
و لازمة حينئذ عدم انتهاء النوبة إلى امتثال أحد الأمرين بنحو الإبهام بلا تعيين واقعي، بل لا يسقط حينئذ إلّا ما قصد بخصوصياته الممتازة، الحاكية عن شخصه.
و حيث كان الأمر كذلك فنقول: انّ مقتضى الأصل عند الشك في دخل أنحاء القصد في التقرب، هو الأخذ بأقل مئونة و أوسع دائرة، بعد الجزم بعدم قصوره في حصول أصل التقرب، المتيقن دخله في العبادة.
و حينئذ ربما يكفي في صحة العبادة مجرد إتيانها بداعي طبيعة الأمر المتوجه إليه، أو أحد الأوامر بنحو الإبهام، المستتبع لإسقاط واحد من الأوامر بلا ميز
خارجي، إلّا مع تأكده، فيسقط المتأكد.
و لكن لا يساعد ذلك إطلاق الكلمات الظاهرة في اعتبار قصد التعيين عند عدم انحصار المأمور به المشترك في الزمان في عمل مخصوص.
و إليه أيضا يرجع ما اختاره المصنف في قوله: فإن تعيّن الصوم- كرمضان- كفت فيه نية القربة، و إلّا افتقر إلى التعيين، و انّ الغرض من قصد التعيين هو محض التوصل به إلى دعوة شخص امره، لا من جهة التوصل به الى إيجاد حقيقته. كيف و قد عرفت انّ مقتضى الأصول- لو لا الإطلاقات أيضا- هو عدم احتياج وجود الحقيقة، مع قطع النظر عن قيد القربة، إلى قصد شيء أصلا.
و عليه فإن تمت مثل هذه الاطباقات في كلماتهم على اعتبار قصد التعيين، حتى في متحدات الحقيقة، فهو، و يستكشف حينئذ اعتبار دعوة شخص أمره في صحة العبادة، و لا تنتهي النوبة بعده إلى فرض سقوط أحد الأوامر، و لو من جهة تسلّمهم على عدم لزوم التعيين في سجدات السهو و أمثالها. و إلّا فمقتضى الأصل الاكتفاء بالأعم منه و من دعوة أحد الأوامر بنحو الإبهام أو صرف طبيعة الأمر، بلا نظر إلى خصوصية أصلا. و لازمة في كلية متحدات الحقائق حينئذ وصول النوبة إلى سقوط أحد الأوامر عند قصد امتثال واحد منها بنحو الإبهام.
ثم إنّ المعتبر في كل عبادة مقارنة العمل الصادر منه خارجا مع النية الفعلية، المستلزم ذلك للالتفات إلى صورة العمل و لو بنحو الإجمال، بارتكاز ذهنه. و لازم هذا المعنى في باب الصوم أيضا أن يكون حين طلوع الفجر، الذي هو مبدأ زمان الإمساك، ملتفتا إلى العمل كي يصدر صومه هذا عن إرادته، و يأتي به بداعي أمره، مع البقاء عليها الى آخر العمل، كما هو الشأن
في سائر العبادات.
و لكن من البديهي عدم اعتبار هذا المعنى في باب الصوم، بل يكفي مجرد التبييت ليلا، و إن لم يكن باقيا على التفاته حين طلوع الفجر، كالنائم و الساهي حينه، بعد تبييته قبل ذلك. و هو يكشف عن نحو توسعة في عبادية الصوم، ليس مثلها في غيره. ففي الحقيقة ربما يستفاد من كفاية التبييت اعتبار اختيارية الصوم بنحو الاختيارية في تصحيح العقوبة على ترك الواجبات و فعل المحرمات، و إن لم يكن الفعل حين صدوره إراديا.
و لذلك نقول: إنه يكفي في صحة عقوبته مجرد اختيار ما هو لازم المعصية، و إن لم تتعلّق إرادته بنفسها. و هذا المعنى غير كاف في سائر العبادات، دون المقام من جهة اقتضاء كفاية التبييت ذلك، كما لا يخفى، فتدبّر.
كما انّ الصوم- بملاحظة استيعابه لجميع آنات النهار- لا محيص في كل آن آن عن آن لا يقصد خلافه. إذ بمجرد هذا القصد يقع إمساكه في هذا الآن بلا قصد.
و لا يقاس المقام بباب الصلاة و غيرها، حيث قصد الخلاف في خلال أفعالها غير مضر بقربية العمل بتمامه. و النكتة الفارقة هو: عدم كون الآنات الواقعة في خلال أفعال الصلاة من الصلاة، كي يضر بها خلوها عن النية، بخلاف المقام.
و لازم هذه الجهة مفطرية نية الإفطار، بلا انتهاء النوبة إلى مفطرية الأمور الخاصة، و هو أيضا خلاف ظواهر كلماتهم، من ترتب القضاء على ارتكاب المفطرات لا على مجرد نيتها.
و عليه فلو التزم بمثل هذه الظواهر، كان لازمة جواز خلو الصوم بجزء من أجزائه عن النية رأسا، بل عدم مضرية نية الخلاف فيه، و هو أيضا خلاف قاعدة أخرى في عبادية الصوم بين العبادات.
اللهم إلّا أن يدّعى: انّ غاية ما يستفاد من الكلمات، بل النصوص ترتب القضاء في ظرف وجود المفطرات، و أما إنّ ذلك مستند إلى الوجود المزبور أو إلى ملزومه من نية الخلاف، فلا دلالة في كلماتهم على شيء، خصوصا مع توهم عدم انفكاك صدور الفعل عن النية زمانا، إذ هي بمنزلة العلّة غير المنفكة عن المعلول في الزمان، فلا يبقى مجال سبق زمان كي يكون البطلان مستندا إلى القصد لا المقصود.
و حينئذ فكلمات الأصحاب لا تأبى عن الالتزام ببطلان الصوم، بملاحظة الإخلال بالنية في آن من آناته. بل انّ الإخلال بها كان آن صدور العمل.
فبهذه الملاحظة أضيف البطلان إلى وجوده، لا إلى عدم النية المقارنة له.
و أما ما قد يتفق بناؤه على الإفطار بعد ساعة مثلا، إذا لم يبلغ مرتبة الإرادة، فما لم يشرف على تناول الفطر لا يسمّى ارادة، بل هو مجرد عزم.
و لا دليل على مبطلية مثل هذا العزم للصوم، إذ لا يصدق على ذلك- قبل بلوغه إلى حد الاشراف- عنوان النية التي هي عبارة أخرى عن القصد و الإرادة، غاية الأمر هو مناف لبقاء نيته السابقة في آن عزمه على الخلاف، و استدامة النية فعلا في الصوم غير معتبر جدا، كيف و لا يضره النوم و الغفلة و أمثالهما.
و على هذا المبنى أيضا أنكروا الواجبات التعليقية، و ارجعوها الى المشروطة.
و لكن لا يخفى انّ مثل هذا المبنى في غاية السخافة، إذ يقتضي انتهاء الأمر إلى كون ارادة المقدمات ارادة نفسية لا غيرية، لاستحالة إرادة العمل بنحو الاشراف إليه قبل حصول مقدمته، و هو كما ترى. فالتحقيق أنّ جهة الاشراف منوطة بقابلية المحل للوجود، و هذه القابلية غير مرتبطة بمرحلة حقيقة الإرادة و مؤثريتها، فلا يكون المؤثر في الوجود في ظرف القابلية إلّا ما نسميه
عزما و شوقا مؤكدا، غير المتغير كيفية بحصول القابلية للمحل و عدمه. و إنما الاختلاف في تأثيره في الوجود و عدمه.
و بهذا المعنى تتوجه الإرادة النفسية إلى العمل قبل وجود مقدماته، الموجبة لحصول ارادة اخرى غيرية نحو مقدماته، و لا نعني بالنية إلّا ذلك.
و عليه فكثيرا ما ينفك قصد الخلاف- في بعض الآنات- عن وجود المفطرات، و عليه فلا محيص عن حمل كلماتهم على الغالب من كون القصد المزبور مقارنا للعمل و غير منفك عنه من باب الاتفاق. و إلّا فلو فرض عزمه من أول الشمس على الإفطار قبل الغروب باقيا على بنائه إلى الآن المزبور، فبدا له أن يبقى على إمساكه إلى الغروب، يلزم صحة هذا الصوم، و لا أظن التزامه من أحد. فمثل ذلك دليل قاطع على الالتزام بمبطلية قصد الإفطار و إن لم تصدر منه المفطرات خارجا.
و عليه فلا محيص عن حمل كلماتهم- في مقامات أخر، من ترتب القضاء على المفطرات- على صورة تقارن العمل للنية، كما هو أيضا مما يتفق كثيرا، بل هو الغالب، و لعله لذا ذهب جملة من الأساطين صريحا إلى مفطريّة نفس القصد المزبور، كما هو مقتضى حكم العقل في كلية المقامات، من استناد المعلول إلى أسبق العلتين. فبعد ما كانت الإرادة بحسب الرتبة مقدّمة، لا جرم يصير بطلان الصوم مستندا إليها، لا إلى وجود المفطر المقارن له زمانا و إن صح اسناد المفطرية إليه حينئذ مسامحة، كما وجهنا به كلمات الأصحاب.
و وقتها أي وقت النية بلا شبهة الليل بمعنى عدم كفاية وجودها قبله، مع الذهول عنها و عن صورة العمل في الليل. و إلّا فربما تكفي مقارنتها للعمل زمانا، الملازم لتحققها مقارنا لطلوع الفجر، بلا سبق وجوده في الليل.
غاية الأمر تتقدّم النية على العمل رتبة، مع صدق دخوله في الفجر عن نية،
بلا وجود آن من أول الفجر بلا نية، و لا يعتبر في العبادة أزيد من ذلك، من دون فرق في ذلك أيضا بين كون النية هي الداعي أم الاخطار.
نعم لو بنينا على اعتبار سبق العمل بالإخطار زمانا، فلا محيص عن وجوده في جزء من الليل. و لكن أنّى لنا بإثبات هذه الجهة، بعد ما لا يعتبر في العبادة- عند القائل بالإخطار- إلّا كونها صادرة عن قصد العمل، المقرون بالالتفات إليه تفصيلا. و هذا المعنى لا يحتاج الى سبق النية زمانا، بل يكفي سبقها رتبة و إن تقارنا زمانا، و من ذلك نلتزم بأنه لا يلزم في فرض اختيار إيجاد الصلاة مقارنة لأول الزوال تقدّم نيتها على الزوال.
و كيف كان نقول: إنه لا خصوصية لباب الصوم من هذه الجهات، و إنما خصوصيته من بين العبادات فيما أشرنا إليه من إمكان سبق نيته على العمل رأسا، على وجه لا يستند العمل الى اختياره، كما لو نام بلا اختيار، فإنّ التروك المستندة إلى هذا النوم غير الاختياري لا تكون تروكا اختيارية مستندة الى اختياره. و مثل هذا المعنى خلاف القاعدة في باب العبادات، فيحتاج حينئذ إلى دليل متقن.
و عليه فنقول: إنه يكفي له التسالم على كفايته في الكلمات، بل السيرة العملية عليه، بلا احتياج إلى التمسك بعموم: «لا صيام لمن لم يبيت»، إذ غاية دلالته فساد الصوم بتركه، لا كفايته في صحته، نظير «لا صلاة إلّا بطهور»، فلا محيص عن ضم إجماع إليه، بعدم احتياج الصوم إلى نية أخرى أزيد من تبييته، و هو حينئذ كاف في ذلك.
ثم لا شبهة في اقتضاء ذلك عدم تقديم النية على الليل، بلا اعتبار بقائها فيه. و عليه فلازمه وجوب تجديد النية في كل ليلة من رمضان، بعد كونه صياما و تكاليف متعددة، بلا جهة وحدة فيها، كي يجديه مجرد التبييت به في
ليلة غرته أو قبلها بيوم أو يومين، بلا احتياج إلى التجديد في بقية الليالي، كما قيل به صريحا، كما عن المصنف و بعض الأعاظم أيضا، و تردد فيه بعض آخر، حيث احتاط في تجديد النية في بقية الليالي.
و التحقيق- بمقتضى النص المزبور- احتياج كل صوم إلى نية ليلية، فيجب التبييت في جميع الليالي، و لا فرق في ذلك أيضا بين صوم رمضان و غيره، لعموم النص.
و أيضا ظاهر كون النص في مقام الحصر كونه في مقام نفي تقديمه على الليل، و ليس في مقام تأخيره عنه بنحو يقارن زمانه زمان دخول الفجر، كما وجهنا به كلام المصنف أيضا، و إلّا فلا محيص عن الالتزام بخلاف قاعدة أخرى في باب الصوم من سائر العبادات، و لا أظن الالتزام به من أحد.
و حينئذ فلا دلالة للنص على عدم جواز تأخيرها عن الليل، و حينئذ ليس في البين إلّا حفظ عبادية الصوم بسبق نيته و لو ليلا.
و أما مع عدم سبقه فلا محيص في كل جزء من آنات اليوم عن أن يكون مسبوقا أو مقارنا بالنية زمانا و إن كان مقتضى نشئه عنها تقدّمها عليه رتبة.
و مثل هذه القاعدة المرتكزة في العبادات بمنزلة أصل جار حتى في الصوم، ما لم يثبت خلافه، و لازمة عدم جواز خلو آناته عن النية.
و لو التحق تجديدها قبل الزوال أو قبل الغروب، و حينئذ يحتاج إثبات كفاية التجديد بأحد الوجهين إلى دليل متقن.
و حيث كان الأمر كذلك فنقول: إنه يجوز تجديدها إلى الزوال في رمضان، بلا إشكال، للأمر به بعد ثبوت الهلال، بأن «من لم يأكل فليصم» (1)، و في دلالته على تحديد التجديد بالزوال نظر، نعم ظاهره صورة
1) سنن البيهقي 2: 212.
الجهل بالموضوع. و في التعدّي عنها إلى صورة الجهل بالحكم، أو صورة النسيان، أو مطلق الغفلة، و غيرهما من سائر الأعذار نظر جدا. فالقاعدة الارتكازية تقتضي الاقتصار- في خلاف المرتكزات العبادية- على المتقين.
اللهم إلّا أن يتشبث في النسيان أو الغفلة بتسليم الإلحاق في كلماتهم، فإن تم فهو، و إلّا فللنظر فيه أيضا مجال.
و توهم انّ قاعدة الاضطرار، التي طبّقها الامام على الاجزاء و الشرائط، جارية في الموارد التي تركت النية لعذر يرجع إلى سلب اختيار المكلف عن العمل، و لازمة في المقام نفي شرطية النية إلى أن يعلم خلافه.
مدفوع باختصاص جريان مثل هذه القاعدة بالنسبة إلى الأفعال القابلة لطروء الاضطرار و الاختيار عليها. و لا تشمل نفس الاختيار، إذ ليس هو مما يطرأ عليها الاضطرار، بل عدمه موجب لاضطرارية شيء آخر، فمصب مثل هذه القاعدة غير نفس الاختيار و النية، كما لا يخفى.
هذا، نعم مقتضى الكلمات إلحاق المسافر و المريض بالجهل المزبور، و في المسافر نصوص مشتملة على التخيير في خارج البلد، بأنه «إن شاء صام و إن شاء أفطر» (1)في فرض دخوله على أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار.
و الغرض من التخيير- كما فهمه الأصحاب أيضا- التخيير بين أن يفطر في خارج البلد و يدخل مفطرا، أو لا يفطر فيدخل، واجبا على مثله تجديد النية فيصوم. و كان ذلك شأنه إلى حين ارتفاع النهار، الصادق الى الزوال.
نعم لا نص في المريض، و لكن ألحقوه بالمسافر مناطا، فإن تم مثل هذا المناط فيتعدّى إلى كل عذر، و إلّا فلا بد أن يقتصر على مورده. و لازمة عدم إلحاق المريض به أيضا، لو لا إجماع على خلافه، فضلا عن غيره من سائر
1) وسائل الشيعة 7: 5 باب 2 من أبواب وجوب الصوم حديث 5.
الأعذار.
كما انّ في فرض الجهل بموضوع رمضان أيضا لا يستفاد من نصه التحديد بالزوال، كما أشرنا إليه. فلا محيص عن قيام إجماع على التحديد المزبور، أو كانت قاعدة العبادية- الموجبة للاحتياج إلى النية- مرجعا عند عدم الدليل على الخلاف.
و عمدة مدركها الإطلاقات المقامية في ما ثبتت عباديته في الجملة من الخارج، الثابتة في المرتكزات الذهنية، التي كانت مرجعا إلى أن يقوم الدليل على خلافها. و إلّا فقد عرفت عدم إطلاق لدليل بيتوتة الليل من تلك الجهة.
إذ هو لبيان دفع توهم كفاية السبق بالنية و لو في غير الليل، لا في مقام وجوب إيجادها في الليل، حتى مع فرض كفاية مقارنتها للعمل زمانا في سائر العبادات، المستلزم لعدم الاجتزاء به في المقام، و لو مع صدق وقوع تمام العمل عن نية.
و عليه فالعمدة في البين- عند الشك- هي القاعدة المزبورة، و إلّا فأصالة البراءة عن دخل المشكوك من النية محكمة، بناء على جريان الأصل المزبور، حتى في مثل هذه القيود المتأخرة عن الأمر بالشيء رتبة، كما لا يخفى.
هذا، و لكنّ الإنصاف أنّ كلماتهم لا تساعد على مرجعية مثل هذا الأصل في الباب، بل بناؤهم على اجراء حكم العبادية من الفساد بالإخلال بالنية في المقام، و ذلك يكشف عن تمامية القاعدة الارتكازية عندهم.
ثم انّ الأصحاب ألحقوا الصوم المعين ذاتا برمضان، في جواز التجديد الى الزوال، في مورد يجوز التجديد فيه. و عمدة الدليل الإجماع المتراءى من التسالم في كلماتهم. نعم في المتعين بالعرض أمكن استصحاب بقاء وقتها إلى الزوال، للنص المصرّح بجواز التجديد في الموسعات إلى الزوال.
كما انّ في النوافل أيضا يجوز التجديد إلى الغروب، للنصوص المستفيضة، و وضوح المسألة مغن عن التعرض لها تفصيلا، فاوكلنا مثلها إلى المطولات.
ثم انّ مقتضى القاعدة في موارد الأعذار غير المنصوص عليها، كالمرض و النسيان- بناء على عدم التعدّي في الحكم بالتجديد إليهما- وجوب قضاء الصوم بمجرد عدم التبييت، لشمول إطلاق مادة التكليف لمثلها.
نعم لا يجب التجديد، لعدم صلاحية مثل هذا العمل للصحة، لفقد جزئه الذي هو النية، و لو لم تثبت مانعيتها عن الصحة. و لازمة تسرية الحكم المزبور إلى الإغماء و السكر أيضا. و لكن في الإغماء كان بناؤهم على نفي وجوب القضاء للتعليل الوارد فيه «بما غلب» الجاري في المقام، بعد تطبيق الامام ذلك على الصلاة، علاوة على النصوص المستفيضة الواردة في المغمى عليه يوما، بأنه لا يقضي صومه و لا صلاته (1)، و بالملازمة يستكشف عدم كونها فريضة.
و إطلاق العلّة و الكلمات يشمل صورة التبييت أيضا.
و في إلحاق السكر الخارج عن الأسباب الاختيارية به وجه، لعموم العلة.
بل ربما يصلح للتعدّي إلى النوم و النسيان الخارجين عن العادة، إذا كان بالغا حد المرض الإلهي.
و لكن ظواهر كلماتهم انهم غير ملتزمين به، و لعله من جهة عدم اعتنائهم بالعلة في غير موردها، و بمثل ذلك تصير العلة موهونة، يحتاج العمل بها الى الجبر بعمل الأصحاب، فما لم يحرز عملهم- و لو من جهة عدم تعرضهم للإلحاق، بل و أطلقوا وجوب القضاء على ترك الصوم لعذر- يرجع الى إطلاقات الفريضة،
1) وسائل الشيعة 7: 162 باب 24 من أبواب من يصح منه الصوم حديث 6.
بناء على عدم إهمالها من تلك الجهة. و لا أقل من استصحابها المؤثر في وجوب قضائها، و لازمة عدم إلحاق السكر بالإغماء أيضا، فضلا عن غيره من الأعذار.
كما انّ في إلحاق الإغماء بالاختيار بالإغماء الخارج عن الاختيار نظر، لعدم شمول العلّة له، فالعلّة تخصص دائرة معلوله به. كما تعمم على فرض الجبر بالعمل، فلو لا استفادة الإجماع من إطلاق كلماتهم في الإغماء، علاوة على إطلاق النصوص، كان الإلحاق المزبور مورد نظر.
اللهم إلّا أن يدّعى انصراف الكلمات و النصوص أيضا الى المتعارف منه، الخارج عن الاختيار، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر انه- في فرض جواز التجديد- لا بد أن يقتصر في الفرائض المعينة أو الموسعة على مقدار حصول الزوال، فإذا زالت الشمس فات وقتها و وجب الإمساك في رمضان و المعيّن بلا إشكال في الأول فتوى. و لعله من جهة إطلاق النهي عن الأكل و الشرب و الجماع في نهار رمضان، على وجه يتعدّى الى غيرها من بقية المفطرات أيضا. لو لا دعوى انصرافها إلى إتيانها بعنوان المفطرية على اشكال فيه، خصوصا في الجماع الواقع موضوعا للكفارة، و لذا يلتزمون بتكررها عند تكراره، مع انّ الثاني لا يكون مفطرا.
و بالجملة لا إشكال في المسألة بالنسبة إلى رمضان للإجماع، و قد يتشبث في المقام بقاعدة الميسور. و فيه نظر، لتباين الصوم- بانظارهم- لعنوان الإمساك و إن كان بحسب الصورة شبيها به، و لكن ليس ذلك بارتكاز أذهانهم ميسور الصوم، بل ربما لا تكون بينهما شباهة صورية أيضا، كما لو أكل عمدا، فإنّه يجب عليه الإمساك مهما أمكن عن البقية، فمدرك وجوب
الإمساك في الجميع شيء واحد، و لعله الإطلاقات المشار إليها آنفا.
و من جهة ذلك ربما يشكل التعدّي من صوم رمضان إلى غيره، نعم لو تمت قاعدة الميسور ربما يتعدّى الى مطلق المعيّن، و لعل إليه نظر المصنف في إجراء وجوب الإمساك في مطلق المتعيّن. و لكن النظر في تمامية القاعدة أوجب التشكيك في التعدي، و لذا أفاد بعض الأعاظم من محشّي الكتاب بأنّ وجوب الإمساك في غير رمضان مع البطلان غير ثابت، و في تكملة أستاذنا العلّامة أيضا ألغى هذه العبارة، فراجع.
ثم انه إذا فسد صومه بفوت النية قضى صومه المعيّن، رمضان كان أو غيره، لعموم «من فاتته فريضة فليقضها» المعمول به لدى الأصحاب و ان كان الخبر عاميا. و في ثبوت الكفارة فيه تردد، من تعليق الكفارة على التعمد بالإفطار، المنصرف إلى إحداثه في صومه، فلا يشمل المقام. و من أنّ المناط كونه متعمدا في المفطرية في يومه، و ترك صومه فيه، فيسري إلى المورد أيضا.
و المسألة غير خالية عن الإشكال، فالأحوط ثبوته و إن كان الأصل ينفيه، و اللّٰه العالم.
و يجزئ في رمضان نية عن الشهر في أوله، و يجوز تقديم النية عليه بيوم أو يومين عند المصنف و جماعة بزعم أنّ رمضان بمجموعه عبادة واحدة يجزئ فيه نية واحدة. بل لازم عدم وجوب المقارنة في خصوص الصوم، التعدّي إلى جواز تقديمها بيوم أو يومين، بنحو تحسب النية من مبادئ صومه، فلا يتعدّى الى مقدار تحسب أجنبية عنه.
و لكن قد تقدّم أن ذلك كله على خلاف قاعدة وجوب التبييت ليلا، و خلاف قاعدة استقلال كل يوم بصوم مستقل، و حينئذ فيجب التبييت في
كل ليلة، كما اختاره العلّامة الأستاذ أيضا في تكملته فراجع.
و احتاط بعض الأساطين- أيضا في حاشيته- بتجديدها في جميع الليالي، و الأقوى وجوب التجديد، لعموم النص، و اللّٰه العالم.
و يوم الشك يصام ندبا عن شعبان، فإن اتفق من رمضان أجزأ بلا إشكال في الاجتزاء به فتوى و نصا (1)، بل و قاعدة، في صورة قصد الأمر الفعلي، المعتقد انه من شعبان ظاهرا، مع قصده الإتيان أيضا و لو كان من رمضان. و هذا معنى جعل أمره الفعلي داعيا بنحو تعدد المطلوب، و أما لو جعل أمره المحكوم بكونه من شعبان داعيا بنحو وحدة المطلوب، الراجع إلى قصده الصوم بشرط كونه من شعبان لا من رمضان، ففي الاجتزاء به بحسب القواعد اشكال.
و حينئذ ربما يدّعى انّ محط نظر النصوص الخاصة إلى هذه الصورة، و ذلك لأن ظاهر قوله «إنما يصام يوم الشك من شعبان» (2)كون نظر الحصر الى نفي قصد الصوم من رمضان، و لو بنحو تعدد المطلوب ضمنا. مع انه لو كان القصد بالنحو الأول فقبوله من رمضان يكون وفق القاعدة لا على خلافها، كي يحتاج القبول الى تفضله تعالى.
اللهم إلّا أن يقال: انّ الغرض من الحصر المزبور أنّ القصد الجزمي لا يكاد يتعلّق إلّا بصوم شعبان، و لو من جهة قيام الأمر الظاهري على البناء على كونه من شعبان، فله القصد إليه بنحو الجزم الى هذا العنوان. و هذا بخلاف عنوان رمضان، فإنّه ليس له القصد إليه بنحو الجزم مع فرض الشك
به، و عدم طريق على كونه رمضان ظاهرا، إذ مثل هذا القصد تشريع، و الإتيان بالفعل بهذا الداعي تشريع محض.
و عليه أيضا ينزل النواهي عن قصد كونه من رمضان، لكونه تشريعا محرّما. و هذا المقدار لا ينافي قصده الأمر الفعلي أيما كان، في ضمن القصد الأول المتعلق بخصوص صوم شعبان.
فالحصر في الحقيقة ناظر إلى نفي القصد الجزمي لرمضان، لا نفي قصده لمطلق الأمر و لو كان من رمضان ضمنا.
و من ذلك نقول: انّ النواهي أيضا- بقرينة المقابلة- ناظرة إلى قصد رمضان جزما، لا إلى نفي قصده و لو رجاء. فلا يستفاد من النصوص فساد صوم يوم الشك لو اتى برجاء رمضان بلا قصده لشعبان أصلا.
نعم ظاهر «القبول تفضلا»- كما في الفقرة الأخرى- يقتضي جواز قصد شعبان بنحو وحدة المطلوب أيضا، و لا يقتضي ذلك وجوب مثل هذا القصد، بحيث لو أتى بنحو تعدد المطلوب لما كان صحيحا.
و عليه فالذي يستفاد من الأخبار- على خلاف القاعدة- جواز قصد شعبان بنحو وحدة المطلوب، و الاجتزاء به عن رمضان، لا وجوب كونه كذلك، كي لا يجدي إتيان الصوم برجاء كونه من رمضان، ليكون على خلاف القاعدة من جهة أخرى أيضا.
و لا أظن استفادة هذا المعنى أيضا من الكلمات، إذ هي أيضا منصرفة إلى المتعارف من قصده الأمر الفعلي، مع قصده كونه من شعبان جزما بمقتضى حكمه الظاهري بكونه منه، و انه يجتزئ به مع قصد الشعبانية و لو بنحو وحدة المطلوب، لا انه لا يجتزئ بإتيانه برجاء الرمضانية كما لا يخفى.
و حينئذ فأمكن حمل ما ورد في النص أيضا بعدم البأس بنية صوم رمضان، على هذا النحو من النية، لا النية الجزمية التي هي عند عدم الطريق
إليه تشريع محرّم عقلا، و حينئذ فلا تهافت بين أخبار الباب، كما هو ظاهر.
و على أي حال، ظاهر النصوص المقتضية للاجتزاء بنية شعبان عدم لزوم تجديدها عند انكشاف الواقع، و لو قبل الزوال. بل يكتفي في إتمام صومه بالنية الأولى، بمعنى إبقاء نيته الضمنية بحالها.
و حينئذ فلو فرض قصده شعبان بنحو وحدة المطلوب، لا يعقل إبقاء النية الاولى مع الجزم بالخلاف، إلّا بنحو التشريع. و لا أظن التزامهم به، فالقائل بالاكتفاء بالنية السابقة بلا تجديد، لا بد أن يلتزم بأن نيته من الأول بنحو تعدد المطلوب لا وحدته. فربما يؤيد ذلك ما ذكرنا من أنّ نظر الأخبار الحاصرة إلى مجرد نفي النية الجزمية لرمضان لا نفي أصل النية و لو في ضمن النية الأولى، بنحو تعدد المطلوب. إذ مرجعه الى كون نيته عن شعبان بنحو التقييد، و مع هذا كيف يمكن بقاؤه على هذا القصد، مع فرض الجزم على خلافه، كما لا يخفى.
و لو أصبح بنية الإفطار للجهل بموضوع رمضان و لم يفطر، ثم تبيّن انه من رمضان جدّد النية إلى الزوال على ما تقدّم وجهه، و تقدّم أيضا إلحاق الأصحاب صورة النسيان بالجهل المنصوص عليه، بل و ألحقوا برمضان الصيام المعيّن من حيث الزمان.
و أيضا تقدّم انه لو كان التبين المزبور بعد الزوال أمسك واجبا و قضى، كما هو الشأن في كل مورد علم بفساد صومه لافطار، من جهة الجهل بالحكم أو الموضوع أو لجهة أخرى، غير مانعة عن تكليفه بالصوم واقعا، فإنه يجب الإمساك عن المفطرات بمحض الالتفات المزبور. و قد أشرنا أيضا الى وجهه،- بل ظاهر المصنف تسرية هذا الحكم إلى كل صوم معيّن،
و قد استشكلنا في التعدّي المزبور وفاقا لجمع آخرين، فراجع.
و محل الصوم: النهار من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب بلا اشكال عند الخاصة، كما انّ الغروب عندهم وقت ذهاب الحمرة المشرقية و تجاوزها عن قمة الرأس. و قد شرحنا ذلك في كتاب الصلاة، المعلوم وحدة الموضوع في البابين حتى عند العامة. و يكفي له دليلا في الجهة الأولى قوله تعالى «كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ» (1)و في الجهة الثانية قوله «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ» (2)الحاصل بالغروب المزبور.
و هو ضربان: واجب، و ندب
بلا خلاف في ذلك فتوى و نصا في الجملة، و يكفي من النص- فضلا عما ورد في حد الصوم بقوله: «أولها الاجتناب عن الأكل و الشرب» (1)- عموم قوله: «لا يضر الصائم إذا اجتنب أربع خصال:
الطعام، و الشراب، و النساء، و الارتماس» (2).
و إطلاقه يشمل المعتاد أكله و غيره، و من حيث كيفية الأكل و غيرها.
و لا يشمل غير المعتاد من المأكول، بل الظاهر منه كون المأكول مما يصدق عليه الطعام و الشراب. بل و في نص- عدم مفطرية الذباب الداخل في حلقه-: «انه ليس بطعام» (3).
و لكن مقتضى الإطلاق في النص الأول شموله لصورة كون المأكول غير معتاد، بعد ما كان نحو أكله معتادا، فباطلاق كل نص يرفع الإجمال في النص الآخر. كما انه لا بد من رفع اليد عن ظهور العلّة، بإعراض الأصحاب
عن مثلها، لعدم بنائهم على كون المفطر ما يعتاد أكله فقط، بعد صدق الأكل عليه، كيف و لو بلع الذباب متعمدا استقرت فتواهم على المفطرية.
و يؤيده أيضا ما سيجيء من النص على مفطرية الغبار الغليظ، و عليه الفتوى أيضا. و ليس ذلك مما يؤكل أو يشرب، فيتعدّى منه إلى إيصال كل شيء إلى حلقه، أكلا كان أو بلعا، مما يعتاد أكله أم لا. و في التعدّي عنه الى مطلق إيصاله إلى المعدة وجه، نعم في مطلق الإيصال إلى الجوف بشياف و غيره اشكال، للشك في اندراجه في الإطلاقات، بل لو لا الجزم بالمناط كان للتشكيك في سابقه أيضا مجال لما ذكر.
و مقتضى الرواية المتقدّمة وجوب الاجتناب عن النساء، المنصرف إلى الجهة المعهودة من الجماع في القبل و لو بلا إنزال بلا اشكال.
و في الدبر على اشكال، مع عدم معهودية ذلك بالنسبة إليهن، كعدم شموله لبقية الاستمتاعات منهن، و عليه فلا مجال للتعدّي عن القبل في مثل هذا الدليل.
نعم لا بأس بالتمسك بإطلاق الجماع (1)، لصدقه على الجماع في الدبر أيضا.
و توهم الانصراف ممنوع، بل يمكن التعدّي من دبر المرأة إلى دبر الرجل أيضا، للإطلاق، بل و للجزم بالمناط.
و في التعدّي عنهما الى دبر الحيوان أو فرجه تأمل، و إن كان في شمول إطلاق الجماع لذلك أيضا وجه، لو لا دعوى انصرافه الى غيره على اشكال فيه. خصوصا في بعض الحيوانات القريبة صورة بالإنسان. فإنّ في التشكيك
1) وسائل الشيعة 7: 24 باب 4 من أبواب ما يمسك عنه.
في الإطلاق المزبور بالنسبة إليه نظرا واضحا، فيتعدّى عنه إلى غيره بعدم القول بالفصل.
و حينئذ فما في بعض النصوص: من عدم نقض الصوم بالوطي في دبر المرأة، الساري في غيرها بالفحوى (1)، مطروح باعراض جل الأصحاب، و إن خالفهم جمع آخر، و لكنه لا يجدي في رفع توهينها الحاصل باعراضهم عنه، مع وضوح الجمع بينه و بين البقية- على فرض الإطلاق- بالتقييد، أو مطلق المرجوحية، كما لا يخفى.
ثم إنّ إطلاق مبطلية الجماع يقتضي نقض الصوم من طرف الفاعل و المفعول به، و في الخنثى المشكل- باستعمال أحد فرجيه- أقربه عدم البطلان، ما لم يكن في البين إنزال. و مع استعمالهما يبطل صومهما، إلّا إذا كان المستعمل لكل آلة منهما غير الآخر، فإنه يبطل صوم الخنثى خاصة دونهما، لعدم منجزية العلم الإجمالي بين الشخصين، نعم لو كان المستعمل لهما خنثى آخر لا يبطل صومهما أيضا، لاحتمال المماثلة.
أي إنزال المني باختيار، بلا خلاف فيه أيضا في الجملة. و في النص: الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني، قال:
«عليه الكفارة مثل ما على الذي يجامع» (2).
و في الموثقة: «لزق بأهله فأمنى» (3).
و في ثالث: «وضع يده على جسد أهله فأدفق» (1).
و في رابع: النهي عن تقبيل أهله إلّا أن يثق أنه لا يسبق منه مني (2).
ظاهر الأخير كون المناط بالامناء المفطر عدم الوثوق بالعدم، فلو أمنى من باب الاتفاق ببعض الأمور من تقبيل أو غيره مع الوثوق بالعدم، لا يكون مفطرا، لو لا حمل الوثوق في الرواية على كونه طريقا إلى عدم أمنائه، بلا دخل له في المفطرية.
و يؤيده الحكم بالبطلان في الأمناء بوضع اليد على جسدها، إذ مثل ذلك غالبا من الأسباب غير العادية، الملازمة للوثوق بعدمه، و مع ذلك أمر الإمام ببطلان صومه.
و على ما ذكرنا يحمل أيضا ما ورد من التفصيل في الملاعبة بين الشاب الشبق و غيره، و في بعضها: «ما لم يخف على نفسه فلا بأس» (3).
لكن الانصاف انصراف أخبار الباب طرّا عن صورة الأمناء من باب الاتفاق مع الوثوق بالعدم، إذ مع هذا الوثوق لا يصدق التعمد إليه، فيدخل الأمناء في الأمور غير العمدية، التي سيجيء الكلام في أصالة انحصار مناط المفطرية في التعمد إلّا ما خرج، من دون فرق فيه بين أسبابه، بل في قوله:
«عليه مثل ما علي الذي يجامع» إيهام الى اختياريته.
و نص وضع الجسد أيضا محمول على المواضع المخصوصة، التي ربما لا يثق من نفسه عدم الأمناء، و لا أقل من كون معهودية دخل التعمد في بقية المفطرات في الكفارة منشأ للتشكيك في شمول إطلاقات الباب، بنحو تكون مثل هذه الجهة الارتكازية من قبيل القرائن الحافّة بالمطلقات، الموجبة لإجمالها
من تلك الجهة، و المرجع في مثله هو البراءة، كما لا يخفى.
ثم المراد من الأمناء تحريك المني من محله المخزون فيه و إخراجه من مجراه، و أما مع حركته و بقائه في المجرى، ففي صدقه على مجرد إخراجه عن مجرى البول باستبراء و غيره اشكال. بل يمكن دعوى السيرة من المحتلمين، على البول قبل الاغتسال في نهار رمضان، و ذلك كاشف قطعي على عدم الإضرار.
متعديا من حلقه، على المشهور في الجملة، خلافا للبعض من عدم مفطريته عنده.
ثم انّ القائلين بالمفطرية بين من التزم بالكفارة، و من لم يلتزم بها، كما انّ الملتزمين بالكفارة بين من قيّده بالغليظ و من لم يقيّد.
و مدرك المشهور: خبر المروزي: «إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان، أو استنشق متعمدا، أو شم رائحة غليظة، أو كنس بيتا فدخل في أنفه و حلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإنّ ذلك مفطر مثل الأكل و الشرب و النكاح» (1). و ظاهر إطلاقه الأعم من الغليظ و غيره، لو لا دعوى انصرافه إليه، خصوصا مع إمكان دعوى تعسّر الاجتناب عن مطلق الغبار غالبا بنحو ينافي الشريعة السمحة السهلة. إذ مثل هذه الجهة أيضا من الارتكازيات النوعية، المانعة عن شمول الإطلاقات للأمور العسرة النوعية.
بل في بعض النصوص المنسوبة إلى الرضا عليه السّلام: نفي البأس عن دخول الغبار في حلق الصائم (2)، المنزّل على الغالب من التمكن من حفظه، المانع عن الحمل على الدخول بلا اختيار و عمد. و مناسبة نفي البأس لغير الغليظ كمناسبة مفطرية الغليظ منه، ربما توجب الجمع بينهما بالمفطرية في الغليظ و عدمه في غيره.
لكن الانصاف بعد هذا الجمع، و لو لا اعراض المشهور عن الثانية لكانت القاعدة تقتضي حمل الاولى على الكراهة، خصوصا مع وقوعها في سياق بقية المكروهات، مؤيدة بمخالفتها مع عموم: «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب الأربعة» (1).
إلّا أن يقال- بعد اعراض المشهور عن النص النافي للبأس المزبور-: انّ اشتمال الرواية الأولى على التشبيه بالأكل، و التأكيد بقوله «فإنّ ذلك مفطر» الظاهر رجوعه إلى الأخير، و لا أقل من كونه متيقنا، ربما يكشف عن اختلاف سياقه مع البقية.
بل التأكيدات مومية إلى أنّ دفع توهم عدم مفطريته لعدم كونه من المفطرات المعهودة، و مع هذه التأكيدات كان قابلا للمعارضة مع عموم:
«لا يضر» على وجه يصلح لتخصيصه به، خصوصا لو كان النفي ناظرا إلى طبيعة الضرر، فإنه حينئذ لا بد من تخصيصه، حتى بالمكروهات جزما.
فلا مجال لجعله قرينة على كراهة البقية. و لكن الظاهر منه الإضرار بالطبيعة، و هو لا يكون إلّا بالفساد، و نفيه يمكن أن يكون قرينة على الكراهة، كما لا يخفى.
و كيف كان لا بأس بالمصير الى ما ذهب إليه المشهور من مفسدية الغبار، المنصرف- ببعض الجهات- الى الغليظ منه، و ظاهر النص جعل الكفارة عليه.
و لعل نظر النافي إلى توجيه نفي البأس في النص الى نفي الكفارة، و هو- كما ترى- لا بساعد عليه العرف.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر مدرك جميع الأقوال.
1) وسائل الشيعة 7: 19 باب 1 من أبواب ما يمسك عنه حديث 1.
ثم للتعدّي من الغبار الى الدخان الغليظ، خصوصا دخان الشطب (1)و القليان (2)، وجه. لو لا ورود النص على الخلاف، من قوله عليه السّلام في الموثقة: عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه، قال عليه السّلام: «جائز لا بأس به» (3). و توهم كون ذلك على خلاف السيرة، منظور فيه جدا، فإن تم و هن سند الرواية باعراض أو غيره فهو، و إلّا فمع كونها موثقة يشكل طرحها عملا.
نعم ربما تكون بعض الأمور من شئون المفطرين، و لو كان تداوله في غير زمان المعصومين، فإنه يمكن استفادة المنع عنها عن فحاوي الإطلاقات و إن لم يشملها بنفسها، و لعل التجاهر بشرب القليان و الشطب- في زماننا- من هذا الباب.
و على أي حال فالأحوط تركهما لو لم نقل بأنه الأقوى، إذ من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، بل عن جملة من الأساطين قوة كونهما من المفطرات.
كسائر المفطرات، فيفسد صومه ببقائه كذلك إلى الفجر. و في النص التصريح بمفسديته في رمضان و قضائه (4).
و لكن الأصحاب- وفاقا للمصنف- تعدّوا إلى مطلق الصوم، بل من المحقق الثاني نسبة ذلك إلى الأصحاب (5). و لعل عمدة نظرهم إلى استفادة
الفحوى من مفطرية إحداثها، فتجري في إبقائها أيضا. خصوصا بعد ما ورد في النص من فساد الصوم بتعمد الجنابة في النهار، بل و أجروا الكلام حتى في المندوب، و أعرضوا عما ورد فيه بنفي الإضرار (1)، كاعراضهم عما ورد من النص أيضا بنفي البأس في رمضان (2)، خصوصا ما اشتمل على أنّ ديدن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله كان على ذلك (3)، للجزم بكونه من مفتريات عائشة (4).
بل ربما يدعى انّ هذه الإلحاقات تكشف عن فهمهم مثل هذه الجهات من مناط «النساء» الوارد في النص، كما يومئ إليه تشبيه الامام الاستمناء بالجماع، المنصرف اليه من «النساء» في الرواية على ما عرفت (5).
بلا احتياج الى تخصيص عموم «لا يضر الصائم» بمثل هذه الجهات.
هذا، و إن كان في الاستفادة المزبورة نظر، فالعمدة تسلّم الإلحاق في كلمات الأصحاب، فإن تم ذلك فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال، خصوصا في المندوب، للنصوص الواردة بالصحة (6)، كما اختاره في النجاة، و نحن أيضا استشكلنا في التعدّي الى غير رمضان و قضائه في حاشيته، لعدم تمامية الإجماع بعد مخالفة جمع من الأعاظم في المسألة. خصوصا ما عن المختلف من عدم تعدّيه عن صوم رمضان و إن كان في إطلاقه حتى لقضائه نظر جدا. نعم يتم في
1) وسائل الشيعة 6: 47 باب 20 من أبواب ما يمسك عنه.
2) وسائل الشيعة 6: 19 باب 20 من أبواب ما يمسك عنه حديث 3.
3) وسائل الشيعة 6: 44 باب 16 من أبواب ما يمسك عنه حديث 5.
4) وسائل الشيعة 6: 39 باب 13 من أبواب ما يمسك عنه حديث 6.
5) ما ذكره هنا من قوله: «بل ..» لا يرتبط ظاهرا بموضوع البحث. و انما يرتبط مع ما تقدم في مسألة الوطء مطلقا، و لعله سها فأورده هنا، و على أي حال فالعبارة مشوشة.
6) وسائل الشيعة 7: 47 باب 20 من أبواب ما يمسك عنه.
غيره، لعدم النص، و الأصل البراءة عن مفطريته، و اللّٰه العالم.
ثم إنّ إطلاق صحيحة ابن سنان (1)و غيرها يقتضي عدم اختصاص القضاء بصورة العمد في رمضان، بل في بعض النصوص: انه «من نسي أن يغتسل في شهر رمضان حتى خرج الشهر فعليه أن يقتضي الصلاة و الصيام» (2)، و لازم ذلك إلحاق قضاء رمضان به.
و في الجواهر التعدّي الى كل صوم حتى غير المعيّن (3)، و في النجاة قوّى خلافه. و ظاهره الاقتصار في ذلك على قضاء رمضان، و ظاهره كون البقاء- و لو سهوا- مضرا برمضان أيضا كقضائه.
و لكن كلماتهم لا تساعده، لإطلاق قولهم بأنّ المفطر المتعمد في البقاء، بل في بعض النصوص التقييد بالمتعمد، و إن كان موهونا باشتماله على الكفارة، فلعل القيد له.
و لكن يكفي فيه الأصل، بعد اعراضهم عن الرواية السابقة، بل في العروة: التصريح بعدم البطلان في الصوم المعيّن، رمضان كان أو غيره.
و ليس فيما دل على القضاء بالنومة الاولى في رمضان مع عدم القصد، و لو عن ذهول، شاهد على الإلحاق في فرض النسيان بلا نوم. فلا وجه للتعدّي عن مورده الى المقام، فالأقوى اذن تخصيص الحكم بخصوص قضاء رمضان، بلا تعد منه إلى غيره و لو غير معيّن، كما في النجاة، فضلا عن المعين.
ثم انّ من لواحق تعمد البقاء، صورة إحداث الجنابة في وقت يقطع بأنه
لا يتمكن من الغسل، لأنّ المستفاد من نصوص الباب حرمة الدخول في الفجر جنبا عمدا، الصادق على هذا الفرض أيضا.
بل مقتضى إطلاق وجوب الغسل المستتبع لوجوب حفظ الماء و حرمة تفويته، عدم وفاء التيمم بتمام المصلحة، و لازمة عدم جواز الاقدام على الجنابة مع العلم بعدم سعة الوقت للغسل و إن تمكن من التيمم.
و عليه فلو أقدم، ربما يقال بوجوب التيمم، لاقتضاء التنزيل تحصيل مرتبة من الصوم الواجب تحصيله. و في اقتضائه الاجتزاء اشكال و ان اختاره صاحب الجواهر في نجاته، حيث التزم بصحة الصوم، الظاهر منه سقوط قضائه. و لعله من جهة التسالم الظاهر من فحاوي كلماتهم، بأنه مهما صح الصوم لم يجب قضاؤه، كما هو الشأن في باب الصلاة الاضطرارية كما أشرنا إليه في محله.
نعم لو فرض عدم قدرته على استعمال المائية من غير جهة ضيق الوقت، أمكن دعوى الاجتزاء بالتيمم، بل و جواز الاقدام على الجنابة، للسيرة القطعية على أقدامهم على الجنابة مع علمهم بإضرار الماء خارجا. على أنّ في الجواهر أيضا قد تعرض في بحث التيمم لجملة من النصوص الظاهرة في جواز الإقدام بالجنابة حينئذ اختيارا (1).
و لازمة كشف الترخيص في تفويت المصلحة المائية، و لو لا هذه الجهة لما كان يجدي الترخيص في ظرف الجنابة مع ترك الغسل للضرر، الجاري في المقدّم على موضوع يكون حكمه ضرريا، إذ الترخيص الناشئ عن ضيق الخناق لا يرفع محذور العقوبة على تفويت المصلحة الملزمة، بإقدامه على الجنابة في هذا الحال، كما لا يخفى.
1) جواهر الكلام 16: 240.
ثم انّ ذلك كله مبني على كون البقاء مضرا بالصوم بملاحظة شرطية الطهارة، أو قلنا بكفاية التيمم في تحصيل الطهارة حقيقة، و إلّا فبناء على كون المانع نفس البقاء على الجنابة، و أن التيمم مطهر تنزيلا، ففي قيام التيمم مقام الغسل في المقام نظر، و قد أشرنا إلى هذه الجهة في حاشية النجاة أيضا.
ثم انه يلحق بالبقاء على الجنابة عمدا البقاء على حدث الحيض بل النفاس، و النص ورد في الحيض، و يلحق به النفاس إجماعا. و الظاهر انّ الاشكال في إلحاق مطلق المعين برمضان جار هنا أيضا.
كما انّ الظاهر من «التواني» في النص (1)عدم الشمول لصورة النسيان، حتى في قضاء رمضان فضلا عن غيره، بل في إلحاقهما بالجنابة- حتى في التفصيل الآتي في النومات الثلاثة- نظر، إذ الظاهر من قوله: «توانت أن تغتسل» (2)كون البطلان في حدث الحيض بل النفاس، مستندا إلى التواني في غسلها، أعم من النومة الأولى أو الثالثة. و حينئذ فمع الجزم بانتباهها لا يصدق التواني، حتى في النومة الثالثة، و مع احتمال عدم انتباهها يصدق التواني حتى في النومة الاولى.
و حينئذ فتمام المدار فيهما على صدق التواني، و لا مناط منقح يوجب التعدي عن حكم الجنابة مطلقا إلى غيره، كما لا يخفى.
ثم إنه في كل مورد تجب المبادرة إلى الغسل، لو أقدم على الاغتسال بزعم
سعة الوقت ففاجأه الفجر قبل تمام غسله، فصحة صومه- إلحاقا له بصورة نومه بانيا على الانتباه و تمكنه من الاغتسال- لا تخلو عن وجه. و لا يشمله إطلاق قوله عليه السلام: «و لا يغتسل حتى يصبح، فعليه كذا» (1)، إذ ذلك- بقرينة الكفارة- لا بد من حمله على صورة تقصيره.
و يلحق بالفرض المزبور فرض آخر، و هو ما لو أجنب و أخّر الغسل بزعم قدرته عليه في آخر الوقت، فبان عدمها.
كما انه لو انتهى الأمر في هذه المقامات إلى التيمم، وجب عليه انتظار الفجر متيقظا، بناء على عموم ناقضية كل حدث للتيمم مطلقا. و إلّا فلو قيل بعدم ناقضية النوم لحيث طهارته عن الحدث الأكبر، كما هو الشأن في غسله، فلا بأس بالنوم بعده. لكن ذلك فرع استفادة عموم المنزلة، حتى بالنسبة إلى مثل هذه الجهات، و هو منظور فيه. فتبقى عمومات ناقضية كل حدث له باقية بحالها، و تمام الكلام مرتبط ببحث التيمم.
ثم هل للوظائف المقررة للمستحاضة جميعا- حتى مثل تغيير القطنة و الخرقة فضلا عن وضوئها لكل صلاة- دخل في صحة صومها، أم لا يعتبر إلّا ما يجب عليها من أغسال المتوسطة و الكثيرة، بلا اعتبار وضوئها في القليلة، فضلا عن تغيير الخرقة و القطنة، أم لا يجب إلّا ما يجب على المستحاضة الكبرى دون ما يجب على الوسطى، حتى غسل الغداة، وجوه، نسب الأخير إلى البيان (2)و غيره. و الثاني إلى جماعة أخرى، مثل المحقق في شرائعه (3)و غيره، و الأول إلى
النهاية (1)و غيرها.
ثم انّ في توقف صحة الصوم في الكبرى على خصوص الأغسال النهارية، أو هي بضم غسل الليلة الماضية أو اللاحقة فقط أو الليلتين، أو غسل الفجر خاصة، مع الالتزام بتقديمه على الفجر، أو عدمه، وجوه، بل أقوال.
و الأصل في هذا الباب مكاتبة ابن مهزيار، قال: كتبت إليه: «امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت فصلّت و صامت شهر رمضان كله، من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، فهل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب «تقضي صومها و لا تقضي صلاتها» (2). و اشتمالها على عدم قضاء الصلاة، الذي لا يقول به أحد، غير ضائر بحجية ما في سائر فقرأتها، بعد جبرها بعمل الأصحاب، بعد طرحهم هذه الفقرة منها.
و حينئذ يبقى الكلام في مقدار دلالتها فنقول: انّ الظاهر من قوله: من الغسل لكل صلاتين، في شرح عمل المستحاضة، كون محط السؤال خصوص هذه الوظيفة الثابتة للكبرى، لا مطلق وظائف المستحاضة على وجه يشمل غسل الفجر للوسطى، فضلا عن وضوء الصغرى أو سائر الوظائف.
و توهم انّ النظر إلى الغسل لكل صلاتين، بلحاظ كونه أحد أفراد الغسل، الذي هو وظيفة المستحاضة و لو كانت هي الوسطى، أو بلحاظ كونه أحد وظائف مطلقها، الدخيلة في طهارتها من حيث الحدث و الخبث، كي يشمل محط السؤال مثل تغيير الخرقة و القطنة أيضا، و انّ جواب الإمام أيضا منصرف إلى ما هو محط نظر السائل.
مندفع جدا، بل المقدار المتيقن منه كون محط النظر خصوص مورد سؤاله، من تركها الغسل لكل صلاتين، الذي هو وظيفة المستحاضة الكبرى.
نعم لا بأس بالتعدّي إلى غسل الغداة أيضا، لإمكان تسرية النظر إلى مطلق وظيفتها الغسلية، نعم لا يتعدّى الى غسل الغداة للوسطى.
و توهم أنّ شرطية الطهارة في الصوم تقتضي التعدّي إلى مطلق ما يوجب طهارتها، حتى وظائف الصغرى. فاسد، لأنّ ذلك هو أول الكلام، بل الظاهر في أمثال المقام مانعية الحدث، المختلف مراتبها، المحتمل لخصوص مانعية الكبرى منها، دون الوسطى و الصغرى.
و لو لا رمي هذا الاحتمال- كما في الجواهر (1)- الى الشذوذ، لكان أمتن الاحتمالات و أقوى الأقوال دليلا، للشك في دخل الزائد على المتيقن من الدليل، المرجع فيه البراءة.
و عليه فربما يكون نظرهم قرينة على التعدّي إلى مطلق وظيفتها الغسلية، حتى في الوسطى.
ثم هل المستفاد من الرواية الواردة في الكبرى دخل جميع الأغسال التي عليها نهارا و ليلا في صحة صومها أم خصوص النهارية؟، و أما احتمال دخل خصوص غسل الظهرين فلم يقل به أحد.
الذي يمكن أن يقال: انّ محط نظر السائل، دخل دورة أغسالها- نهارا و ليلا- في صحة صومها. كما انّ لازمة إلحاق الليلة اللاحقة بالسابقة في المدخلية إذا انتهت الدورة إليها، و إلّا فلا. بل و ظاهره كفاية غسل فجرها و لو بعد الفجر.
1) جواهر الكلام 16: 244.
و توهم استحالة تأخير الشرط المتأخر، مدفوع بما أوضحناه في محله.
نعم لو لم نقل بارتكاز ذهن السائل بالاحتياج إلى أغسال الكبرى، بل كان المتيقن في ذهنه دخل هذه الأعمال في الجملة، لم يكن يستفاد من النص حينذاك إلّا بطلان العمل بترك الجميع، أما دخل جميعها فلا.
و حينئذ فالأمر يدور بين خصوص الأغسال النهارية بعد بطلان التفكيك بينها، أو مجموعها بعد احتمال بطلان خصوص الليلة أيضا، فالمتيقن حينئذ هو الأول، للبراءة عن الأكثر، لو لا شبهة دخل الطهارة، فالمرجع حينئذ أصالة الاشتغال، لو لا ظهور الدليل في مانعية الحدث.
و لكن الذي يسهّل الخطب ظهور الرواية- بحسب مرتكز ذهن السائل- في احتمال دخل دورة العمل، و صرف وجه كلام الإمام إليه في دخل تمام الدورة، فالأقوى دخل غسل الليل عند انتهاء الدورة إليه في صحة الصوم السابق، بلا محذور عقلي في البين، و اللّٰه العالم.
و إن كان ناويا للغسل على المشهور في الصوم المعين، لظهور كلماتهم فيه، و إلّا فلا محيص عن المشي على القواعد من التفصيل بين القضاء و الكفارة، بعموم مفطرية التعمد بالأكل و أمثاله، و عموم ما دل على دخل الإثم في الكفارة، كما سيأتي شرح الميزانين و القاعدتين من حيث وجوب القضاء و الكفارة.
و عمدة الوجه فيه خبر ابن عبد الحميد: «فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، و قضاء ذلك اليوم» (1).
مؤيدا بنص آخر: «إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل و لا يغتسل حتى
1) وسائل الشيعة 7: 43 باب 16 من أبواب ما يمسك عنه حديث 4.
يصبح فعليه صوم شهرين.» (1).
و إطلاقهما و إن كان يشمل النائم بالنومة الاولى و الثانية، لكن يمكن إخراجهما عنه بخبر معاوية بن عمار: «الرجل يجنب في أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان، قال: «ليس عليه شيء». قلت: فإنه استيقظ ثم نام حتى أصبح. قال: «فليقض ذلك اليوم عقوبة» (2). إذ لا يخفى انّ ظاهر اقترانه بالفقرة الثانية من قوله «فإن استيقظ» عدم استيقاظه من النومة الأولى، فيكون الصدر مختصا بهذا النوم لا مطلقا، كما ان الظاهر من نفي الشيء فيه- قبال القضاء في الأخيرة- نفي القضاء أيضا. كما انّ الظاهر من جعل قضائه في النومة الأخيرة عقوبة، حصر عقوبته به بلا كفارة.
و عليه فربما يستفاد من مجموع الروايات التفصيل بين النومات الثلاثة، نعم الظاهر من المجموع- بإطلاقها- عدم الفرق بين صورة التعمد و عدمه، و ذلك و إن كان على وفق المشهور في النوم الأخير و الثاني. و أما في النوم الأول فليس بناؤهم على هذا التعميم، بل يخصصون نفي القضاء فيه بصورة عدم تعمده على البقاء.
فإن قيل: إنّ وجه التخصيص به عموم ما دل على ثبوت القضاء على المتعمد، كما في النص المشتمل على التعليل بأنه أكل متعمدا.
قلنا: إنّ لازمة الشمول لسائر النومات أيضا، لأنّ دليل التقييد- كإطلاق البقية- ناظر إلى النومات الثلاثة، فإن تم التقييد فيها فليكن ذلك في جميعها، و إلّا فلا وجه لتقييد بعض دون بعض، لأنّ ذلك كاشف عن عدم النظر إلى إطلاق، فلا محيص عن طرح دلالته على التخصيص، على اشكال، لكون
النسبة حينئذ عموما من وجه، فلا يبقى في البين ما يصلح دليلا على التقييد بعدم التعمد بالنسبة إلى النوم الأول إلّا إجماعاتهم.
فإن تم فهو، و إلّا فمقتضى الإطلاقات نفي القضاء في النوم الأول، و لو كان متعمدا، لو لا دعوى انصرافه عن هذه الصورة بارتكاز الذهن إلى مناسبة التعمد للقضاء، فنفي قضائه في مورد يلازم ارتكازا عدم تعمده.
في فرض التعمد بالإفطار بكل واحد بلا عذر، عدا الأخير على المختار، خلافا لجمع، و لعل قوله «متعمدا» في ذيل البقاء، راجع الى الجميع، و إلّا فلا مجال للإطلاق في البقية.
و لئن شئت توضيح هذه الجهة بأزيد من ذلك فلا بد من بيان ميزان للقضاء و الكفارة، بنحو يكون قاعدة كلية، و تكون مرجعا، إلّا أن يقوم النص على خلافها فنقول و عليه التكلان:
انّ العناوين المترتب عليها بطلان الصوم و وجوب قضائه في النصوص- و إن كان بعضها مثل عنوان الأكل أو الإفطار مجردا عن قيد التعمد، و لكن بملاحظة اشتمال جملة أخرى على قيد التعمد، خصوصا ما ورد فيها بلسان العلة من قوله «أكل متعمدا» أو «أكل مصبحا» فيمن يسحّر بعد الفجر، بعد الجزم بكون مورده صورة التعمد بالأكل، بل و انصراف لفظه أيضا يحكي عن دخل خصوصيته، علاوة على ما ورد بلسان التعمد بالإفطار- لا بد من تقييد مطلقاتها بالمقيدات، لا لمفهوم القيد، بل من جهة وحدة المطلوب، الموجب للتقييد بين المثبتين.
نعم قد يشكل- بعد ذلك- في أنّ تمام المناط حينئذ لوجوب القضاء هل هو التعمد الى عنوان الأكل و غيره من المفطرات، و إن لم يكن ملتفتا إلى جهة
مفطريته، أو المناط التعمد إلى عنوان المفطر المنوط بالالتفات إلى ملازمته لبطلان الصوم، المنتزع عنه المفطرية.
ظاهر أخصية دائرة التعمد بالإفطار، و إن اقتضى تقييد الاولى به لما ذكرنا من وجه التقييد، و لكن ظهور وقوع التعمد بالأكل، الملحق به غيره بلسان العلة، يوجب قوة الإطلاق، فيقدّم على ظهور دخل التعمد بعنوان الإفطار، بحمل الإفطار المأخوذ في موضوع التعمد، مرآة للعناوين الأولية، لا عنوانا. فيصير المستفاد منها أيضا مدارية التعمد بعنوان الأكل و غيره، مما كان مفطرا بالحمل الشائع.
و توهم انّ ذلك ينافي العلة المذكورة في مورد الجهل بوجوب الصوم للسحاب الأسود، الذي فيه نصوص صريحة بالقضاء (1)، فلا بد حينئذ إما من طرح العلة، أو حملها على كونها علة لاستحباب القضاء لا وجوبه.
مدفوع بأنّ العلة ظاهرة في الوجوب، فقيام القرينة المنفصلة على الاستحباب لا يوجب قلب هذا الظهور، فهو على حجيته بالنسبة إلى غير مورد القرينة كما هو ظاهر. فلا وجه حينئذ لطرحها بعد ما كان مضمونها معمولا به لدى الأصحاب، كما هو ظاهر تمسكهم في الإفطار عن جهل لبطلان الصوم بالمطلقات، و نظرهم فيه إلى ما ذكرنا كما لا يخفى.
و حينئذ لازم هذا التأسيس إضرار التعمد بالأكل في كل صوم، معينا أم غير معيّن، واجبا أم غير واجب، ناسيا للصوم أو غافلا عنه، عالما بمفطريته أو جاهلا بها، موضوعا أم حكما، قاصرا فيه أم مقصّرا.
نعم لا اشكال عندهم في خروج صورة الغفلة عن الصوم لنسيان أو غيره عن هذه الكلية، من دون فرق فيه بين أنحاء الصيام واجبا و مندوبا،
1) وسائل الشيعة 7: 87 باب 50 من أبواب ما يمسك عنه.
بالنصوص الخاصة التي عقد في الوسائل بابا لذلك، بل في بعضها «انه رزق رزقه اللّٰه» (1)، الظاهر في جريانه في كل صوم. و يتعدّى منه إلى كل مفطر، عدا البقاء على الجنابة، على ما تقدّم فيه من التفصيل.
و أيضا لا اشكال عندهم في خروج صورة الجهل بالطلوع، بعد الفحص بنفسه على الفجر في الصوم المعيّن، للنص (2)، و كذلك في صورة الاعتقاد بدخول الليل لعلّة سماوية، ظنا كان أو علما، للنصوص المستفيضة (3).
و أما لو كان جازما بعدم المفطرية المعبّر عنه في كلماتهم بالجهل بها، ففيها خلاف بين الأصحاب، و منشأه ورود النص تارة بلسان: الرجل أتى أهله في شهر رمضان .. و هو لا يرى إلّا أنّ ذلك حلال له، قال: «ليس عليه شيء» (4).
و اخرى بلسان: «أيّما امرء ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه» (5).
و ظاهر الأخير و إطلاق كلماتهم عدم الفرق فيه أيضا بين أقسام الصيام، و المشهور على ثبوت البطلان مع الجهل المزبور مطلقا، و عمدة نظرهم إلى منع الإطلاق في نفي الشيء بالنسبة إلى القضاء، بعد ما كان نفي الكفارة و العقوبة- بالمناسبة الارتكازية- قدرا متيقنا منه، فتبقى المطلقات على حالها.
ثم انّ مجرى القاعدة- بعد ما كان هو صورة التعمد بالأكل و غيره- ففي كل مورد لا يصدق ذلك، إما للغفلة عن أكله، أو لصدوره بلا إرادة رأسا،
فلا قضاء، و عليه أيضا فتاوى الأصحاب.
و أما لو كان تعمّده إليه عن جبر و اضطرار، فإن كان إلى عنوان الإفطار كإفطار ما يرونه عيدا، فلا شبهة في فساد صومه، للنصوص المستفيضة المشتملة على قوله: «أفطر يوما أحب إليّ أن تضرب عنقي» (1).
و أما لو كان من غير ذلك، كالاجبار و التقية إلى أكل مفطر لا يرونه مفطرا، فمقتضى عمومات نفي الاضطرار- التي طبّقها الامام على نفي الاجزاء و الشرائط في باب المضطجع، و المستلقي في الصلاة- نفي مفطريتها. و تؤيده صورة وقوع صومه على وفق مذهبهم، فإنّ التقية حينئذ تكون دينا و صحيحا.
و بمثله يرفع اليد عن ظهور قوله: «لئن أفطر يوما أحب اليّ من أن تضرب عنقي» بأنه منطبق على صورة كون إفطاره دينا، كما في فرض الاختلاف في العيد، لا في مفطرية شيء. فلا تشمل الرواية الأخيرة الفرض الثاني، لحكومة الأولى عليه، كما لا يخفى. و قد مال إلى ما ذكرنا من التفصيل أيضا بعض الأعاظم، و اللّٰه العالم.
هذا كله في بيان الميزان لوجوب القضاء في باب الصوم.
و أما بيان ميزان لزوم الكفارة عليه فنقول أيضا: انّ في بعض النصوص أخذ عنوان التعمد بالجماع في موضوعه، و يتعدّى عنه الى غيره بالفحوى.
و يؤيده أيضا ما ورد بلسان: انّ رجلا جامع في شهر رمضان عشر مرات، قال: «عليه عشر كفارات، و إن أكل أو شرب فكفارة يوم واحد» (2).
و إطلاقه- على فرضه من حديث التعمد- مقيد بالأول، لما ذكرنا من ثبوت
وحدة المطلوب فيه، المقتضي للتقييد و لو في المثبتين.
و لكن في قبالها عنوان التعمد بالإفطار، و مقتضى القاعدة أيضا تقييد المطلقات السابقة بعنوان التعمد بالإفطار، الذي هو أخص من الأول موردا.
بل في المقام ليس لسان تعليل في المطلقات، كي يحكم على ظهور المقيدات، إلّا انّ اشتمالها على القضاء غالبا أيضا يوهن ظهور الإفطار في العنوانية، فلا بد أن يجعل مرآة إلى العناوين الأولية، فتبقى المطلقات الأولى باقية بحالها.
و لازمة كون موضوع الكفارة هو موضوع القضاء، و لكن الأصحاب غير ملتزمين به، بل الظاهر- من قوله في من أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر- كون دخل عدم المعذورية في الكفارة مرتكزا و مغروسا في ذهن الراوي، و الإمام أيضا أمضاه.
و لازمة حينئذ تخصيص الكفارة بهذه الصورة، علاوة على المناسبة التامة بين الجريمة و الإثم في الأذهان.
و حينئذ يصير مدار الكفارة على التعمد المزبور بلا عذر شرعي أو عقلي، و ربما تكون دائرة ذلك أضيق من دائرة التعمد بالإفطار، إذ ربما يصدق التعمد المزبور عند التعمد بالأكل، مع احتمال المفطرية بعذر شرعي، من استصحاب أو غيره. و مع ذلك لا يصدق عليه عنوان الإثم، فلا كفارة، و إليه أيضا ذهب الأصحاب حتى استشكلوا في الكفارة في النوم الثالث، مع عدم الإثم، و لو من جهة معارضة إطلاق النص فيه مع مثل هذا العام، بالعموم من وجه، فيتساقطان، فيرجع إلى أصالة عدم جعل الكفارة.
و لكن يمكن دعوى منع شمول عموم «أفطر من غير عذر» لصورة البقاء على الجنابة، لأنه داخل في من أصبح مفطرا، لا من أفطر صباحا، فيبقى إطلاق دليل النوم بحاله، و به يرفع اليد جزما عن القاعدة الارتكازية في ملازمة الإفطار للإثم، كما هو ظاهر.
نعم قد يدّعى خروج التعمد بالقيء عن هذه القاعدة، و لعله من جهة اشتمال نصه على قوله: «إن شاء اللّٰه عذبه و إن شاء غفر له» (1)، فانّ ظاهر هذه الفقرة حصر تبعاته بالعقوبة الأخروية، بلا جعل عقوبة دنيوية عليه.
فذلك شاهد نفي الكفارة عنه، و لو كان متعمدا، و به تخصص عمومات:
«من أفطر متعمدا فعليه الكفارة».
و لكن الإنصاف انّه مجرد إشعار في النص السابق، فلا يصلح لرفع اليد به عن العمومات المزبورة، و لذا استشكلنا في نفي الكفارة في حاشية النجاة فراجع.
مع ظن بقاء الليل فضلا عن الشك فيه و ترك المراعاة مع القدرة عليها، و أما لو لم يقدر على الفحص فلا يجب القضاء، و لو كان شاكّا، كما لا يجب القضاء لو كان الإفطار بعد فحصة، بلا إشكال في الأحكام الثلاثة.
أما الأول، فلعمومات القضاء المترتب على عنوان التعمد بالأكل.
و أما وجه الثاني، فالعمدة فيه الإجماعات، و إلّا فليس في البين نص صالح لرفع اليد به عن القاعدة السابقة، فإن تم في المقام- كما هو الظاهر- فهو، و إلّا فالمرجع فيه القاعدة المزبورة.
أما وجه الثالث، فالظاهر انه لا اشكال فيه أيضا فتوى و نصا، ففي رواية سماعة «ان كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل، ثم عاد فرأى الفجر، فليتم صومه، و لا اعادة عليه. و إن كان قام فأكل و شرب، ثم نظر إلى الفجر فرأى
1) وسائل الشيعة 7: 62 باب 29 من أبواب ما يمسك عنه حديث 6.
انه قد طلع، فليتم صومه و يقضي يوما آخر» (1).
و ظاهر تقابل الفقرة الثانية للأولى، يدفع احتمال كون أكله في النظرة الأولى واقعا في الليل، و انّ الفجر كان قد احتمل طلوعه بعده، فيكون عدم قضائه حينئذ على القاعدة لا خلافها.
كما انّ الظاهر من قوله: «فلم ير» كفاية عدم علمه بالفجر بعد فحصة، في نفي قضائه. لو لا دعوى ملازمة فحصة غالبا للاعتقاد بعد الفجر و لو ظنا قويا، فلا يشمل صورة بقائه على شكه الحاصل قبل فحصة على وجه لا يؤثر فحصة فيه شيئا أصلا، فإنه مشكوك الاندراج في النص، فيدخل تحت قاعدة وجوب القضاء، كما لا يخفى.
هذا، ثم إنّ ظاهر كلماتهم عدم اختصاص الحكمين الأخيرين برمضان، بل عنونوه في الصوم المعيّن. و لازمة عدم التعدّي إلى غيره من المخيرات و المندوبات، فراجع الكلمات و تدبّر فيها، و اللّٰه العالم بأحكامه.
فأكل، مع قدرته على الفحص و لم يفحص، بلا اشكال فيه، لعموم القاعدة السابقة من دون فرق أيضا بين كون خبر الغير واحدا، أو متعددا بحيث تنطبق عليه البينة.
إذ على أي حال كان إفطاره عن حجة شرعية ظاهرية، غير مقتضية في أمثال المقام للإجزاء. و إن قلنا به بالنسبة إلى الشبهات الحكمية، التي هي محل البحث في أجزاء الأوامر الظاهرية. فضلا عما هو التحقيق بعدم الاجزاء مطلقا، إلّا في مورد ورد فيه نص خاص (2).
نعم لو فحص أمكن اجراء المناط السابق في المقام أيضا، علاوة عن النص الوارد من قوله- في ذيل نص معاوية بن عمار، المشتمل على القضاء بإخبار الجارية-: «و أما لو كان هو بنفسه ناظرا فلا قضاء» (1).
و أما صورة عدم قدرته على الفحص، فيشمله أيضا معاقد الإجماعات السابقة.
و من هنا ربما يستشكل في إطلاق المصنف، لو لم يكن غرضه التشبيه بالسابقة من جميع الجهات، حتى من حيث وجدانه القيدين المذكورين في كلامه المتقدّم، فتدبّر.
بلا إشكال، للقاعدة السابقة.
و لو غلب على الظن دخول الليل و لم يدخل فلا قضاء بإفطاره، و مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين كون الظن لعلة سماوية أو غيرها. و يدل عليه ما في نص زرارة: «وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك و قد صليت أعدت الصلاة و مضى صومك» (2)، إذ الظاهر مضي الصوم بمحض الاعتقاد بالمغرب و لو ظنا.
لكن الانصاف منع شمول الرواية لصورة الظن، فالمتيقن منها فرض قطعه بالغروب. و عليه فلا يكون نفي القضاء للظن به إلّا في صورة استناده إلى العلة السماوية، كما في النصوص المستفيضة، المنزّلة غالبا على فرض حصول الظن، فيتعدّى إلى القطع به أيضا، و لو لإطلاق النص السابق الشامل لهذه الصورة أيضا.
و على أي حال لا تعارض بين هذه النصوص و موثقة سماعة المشتملة على القضاء لمن أفطر من علة سماوية، معللا في ذيلها بأنه «أكل متعمدا» (1)، إذ لا محيص من طرحه أو تأويله إلى صورة الشك و عدم الظن، لأنّ مناط التعمد جار فيه، فتصح العلة فيه و إن كان يجب طرحها أيضا في فرض ظنه به، لإعراض الأصحاب عن مثله. و يمكن حمله على الاستحباب أيضا، فتكون العلة حينئذ باقية على عمومها، فتدبّر.
حتى و لو كانت بينة شرعية، فضلا عن غيرها، للقاعدة السابقة، بعد عدم مخرج عنها للمورد من نص أو إجماع.
، و هو النوم الثاني بعد اليقظة الواحدة، و قد فصّلنا الكلام في أقسامها و بيّنا حكم كل واحد، بلا حاجة إلى التكرار.
على المشهور، خلافا لابن إدريس القائل بحرمته لا مبطليته (2). و عمدة سند المشهور الأخبار المستفيضة المشتملة على مفطريته و موجبيته للقضاء، بلا تعرض فيها للكفارة (3)، خصوصا مع تعرض بعضها- فيما تقدّم- لحكم الإثم بقوله: «إن شاء اللّٰه عذبه و إن شاء غفر له» (4)، بلا تعرض لجزاء آخر في الدنيا من
كفارة و غيرها، و قد تقدّم الكلام في هذه الجهة.
و لو ابتلع في الليل ما يجب قيؤه في النهار فسد صومه، لأن الأمر بالقيء عين النهي عن الإمساك عنه، فتفسد العبادة. نعم لو كان طريق آخر لإخراجه لا يفسد الصوم، بل يجب حينئذ اختياره، كما هو ظاهر.
في مقدمات الوضوء، فإنه أيضا مما يوجب القضاء، بلا قصد شربه جزما. و إلّا فيدخل في عموم «من شرب متعمدا».
و عمدة الوجه في وجوب القضاء موثقة سماعة: عن الرجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش، فدخل حلقه، قال: «عليه قضاؤه، و إن كان في وضوء فلا بأس به» (1). و ظاهر ذيله عدم القضاء للمضمضة في مطلق الوضوء، و لكن في نص آخر: تقييد ذلك بوضوء الفريضة خاصة (2).
ثم انّ حكم القضاء في مثل هذه الموارد هل هو على القاعدة، أم القاعدة تقتضي عكسه، و يثمر ذلك في الموارد المشكوك اندراجها تحت النصوص الخاصة؟
الذي يقتضيه التحقيق أن يقال: العمد إلى الشيء حقيقة إنما هو بتوجه القصد إلى الشيء أو بما هو لازمة، مع التفاته إلى الملازمة. و إلّا فمع غفلته عنها، أو جزمه بعدمها، لا يكون القصد متوجها إلى لازم ذلك الشيء بما هو لازمة. و بدونه لا ينتزع العرف من مثله التعمد إلى الشيء، و لذا قلنا بأنه في
فرض الملاعبة مع حليلته، مع كونه بنظره من الأسباب العادية للإمناء، يصدق عليه التعمد به دون غيره.
و عليه فالمدار في صدق التعمد في أمثال المقام، إنما هو بتوجه إرادته و قصده الى ما يراه ملازما لوجوده، فبدون التفاته إلى مثل تلك الجهة، لا يكاد يصدق التعمد فما نحن فيه- عند عدم الالتفات الى انسباق ما في فمه إلى حلقه- لا يكاد يصدق تعمده إلى الشرب، بمجرد القصد إلى وضع الماء في الفم.
نعم لا بأس بصدقه في ظرف احتماله للانسباق و إن كان معذورا، لأصالة عدمه عنده. و عليه فمقتضى القاعدة في جهة القضاء ملاحظة احتماله للانسباق و عدمه، فيصدق التعمد بالأكل على الأول دون الأخير.
و قد عرفت سابقا أيضا انّ العمومات موجبة للقضاء في ظرف صدق التعمد بالأكل، و إن لم يلتفت إلى مفطريته، إلّا في مواضع خاصة.
و عليه فالقاعدة المزبورة تقتضي- في فرض احتمال الانسباق- وجوب القضاء، كان معذورا فيه أم لا.
نعم بالنسبة إلى الكفارة لا بد من ملاحظة تحقق الإثم و عدم عذره فيه، لما عرفت من أنّ المناط في الكفارة على صدق الإثم إلّا ما خرج بالنص، كما انه في صورة عدم الالتفات إلى الانسباق لا يصدق عليه التعمد، فلا يكون فيه مناط القضاء فضلا عن الكفارة.
و حيث اتضح ما ذكرنا فنقول: انّ مقتضى ما في النص من التفصيل بين المضمضة للتبرد و للوضوء- المقيد بكونه للواجب بنص آخر، من القضاء في الأول و عدمه في الثاني، على إطلاقه في الشقين- هو كونه على خلاف القاعدة. فلا محيص عن الاقتصار على مورده من الاقتصار في الشق الأول على صورة التبرد بالماء.
و لا يتعدّى- في فرض عدم احتمال الانسباق، الصادق عليه التعمد إلى
الأكل أو الشرب عرفا- إلى غير الماء، إلّا بدعوى المناط القطعي أو ما هو بحكمه، و إلّا فالقاعدة في مثله تقتضي عدم وجوب القضاء، كما أسلفنا.
بل ربما يشك في شمول الإطلاق لمثل هذه الصورة، و لو للغلبة، أو للمناسبة المغروسة في الأذهان بين القضاء و التعمد. و بذلك أيضا قيّدنا النوم الأول بصورة التعمد، و إلّا فالنص فيه أيضا مطلق، كما لا يخفى.
كما انّ في الشق الثاني أيضا لا بد- في فرض احتماله الانسباق- من الاقتصار على مورد النص من الوضوء للصلاة الواجبة، على ما في النص المقيد بها. و في التعدّي منه الى غسله اشكال، لو لا دعوى إطلاق نص آخر مفصّل بين المضمضة وقت فريضة و غيره، بدعوى شمول إطلاقه للمضمضة و لو للغسل، و فيه تأمل ظاهر. و الأقوى حينئذ الاقتصار على الوضوء و هو الأحوط أيضا، نعم لا بأس بالتعدّي من الفرضين إلى الفروض الموافقة في القضاء و عدمه، و هو ظاهر.
على ما ذهب إليه جمع، خلافا لجماعة أخرى، القائلين بحرمتها لا مفطريتها.
و عمدة وجه الخلاف اختلاف أنظارهم في المراد من النهي في نص البزنطي، في جواب السائل بقوله: عن الرجل يحتقن في شهر رمضان، قال:
«لا يجوز له أن يحتقن» (1)، من انّ النهي المزبور- كسائر النواهي- وارد في مقام شرح ماهية الشيء، في ظهورها ثانويا في الإرشاد إلى المانعية، كالأوامر في الشرطية أو الجزئية، أو انّ لمثل هذا النهي المتوجه الى عنوان الصائم خصوصية، بملاحظة ظهوره في حفظ موضوعه في المرتبة السابقة على النهي، على
1) وسائل الشيعة 7: 27 باب 5 من أبواب ما يمسك عنه حديث 4.
وجه يكون النهي متوجها إلى من هو محفوظ الصائمية، فلا يكون مثله إلّا تحريميا تكليفا؟
لا يبعد الأخير، لو لا ارتكاز المفطرية في ذهن السائل، المقتضي لصرف نفي الجواز إلى مرتكزه، المستفاد منه مفطريته، كما هو المعهود من لسان نفي البأس في كلام الامام، المتوجه الى ما في ذهن السائل، من حيث الوضع و التكليف. و لذا ربما تختلف استفادة الوضع من مثله تارة، و التكليف اخرى، بلا لزوم ارادة المعنيين في المقامين، كما لا يخفى.
و إلى مثل هذه النكتة نظر الجل، لو لا الكل، فحكموا بمفطريته.
ثم انّ إطلاقه- على فرضه- الشامل للجامد، يقيد بما في نص آخر من نفي البأس عن استدخال الجامد (1)، و هو المفتي به أيضا لدى الأصحاب.
، على ما نسب الى المشهور، خلافا لأكثر المتأخرين.
و عمدة سند الأولين: ظهور جملة من النصوص في المفطرية، ففي المروي عن الخصال: جعله في عداد الأكل و الشرب، مقيدا فيه بالكذب على اللّٰه و رسوله (2). و يلحق بهما الأئمة مناطا. و في إلحاق الصديقة عليها السّلام نظر، و إن كان لا يخلو من وجه.
و بمضمون النص المزبور نصوص كثيرة (3)، و بعض نصوصها مشتملة على نقضه للوضوء أيضا (4). و ذلك ربما يوهن دلالتها على المفسدية، كما هو الشأن
في الوضوء. و بمثله ترفع اليد عن ظهور البقية في المفسدية، و إليه أيضا نظر الجماعة الأخرى.
لكن التحقيق أن يقال: إنه بعد استقرار ظهور النص في المفسدية في فقرأت متعددة- فمجرد قيام القرينة المنفصلة على خلاف الظاهر في بعضها، لا يوجب قلب ظهور هذه الفقرة إلى الاستحباب، كي- بمقتضى ظهور السياق- يتعدّى إلى بقية الفقرات، بل الظهور الأولي محكوم بالحجية في الذي لم يقم على خلافه حجة، كما لا يخفى.
و إلى مثل هذه النكتة أشرنا سابقا، و لذا استفاد الأصحاب حرمة استقبال القبلة في موقع التخلّي، مع انه في نصه مقرون باستقبال الشمس، المحمول على الكراهة بقرينة منفصلة. و أمثال ذلك في أبواب الفقه كثيرة جدا، و الصناعة أيضا وافية بمفطريته، كما لا يخفى.
ثم انّ مقتضى الإطلاقات عدم الفرق في الكذب المزبور، بين الكذب في الأحكام الدينية، أو العادية الدنيوية. و في شمول النص لحكايته عن الغير مع علمه بكذبه تأمل، لعدم صدوره منتسبا إليه.
و منه يمكن التخلص عن المحذور المزبور بالنسبة إلى القارئ، للخبر المروي عن الأئمة بلا اخباره عنهم بنفسه، عند عدم وثوقه بسنده، بل و مع الوثوق أيضا يشكل شمول دليل الحجية له، فيما لم يترتب على مضمونه عمل، كالقصص و الحكايات.
و أما مع شمول دليل الحجية فلا يخرجه ذلك عن التعمد الى الكذب مع احتماله وجدانا، كما هو الشأن في كل ما احتمل مفطريته، لصدق التعمد إليه و إن كان معذورا فيه، لكنه لا يجديه في نفي القضاء عنه، بل الكفارة أيضا بملاحظة دخل الإثم فيها.
و لازمة الالتزام بالكفارة في غير فرض حجية الخبر أيضا، لو لا أصالة عدم اتصافه بالكذبية، فيخرج به عن موضوع الإثم الموجب للكفارة، و لا يضره اشتمال كل خبر على نحو تشريع و افتراء محرّم، إذ حرمته ليس بعنوان كونه كذبا، فلا يشمله عنوان عدم المعذورية في الإفطار كما في النص، لأنّ مثل هذا الخبر من حيث كذبيته، الملازمة لبطلان الصوم، من الشبهات الموضوعية للحرمة، و انّ حرمته من سنخ حرمة التشريع، لا من جهة مخالفته للواقع الذي هو المدار في كذبيته. فلا يكون- بما له من عنوان المفطرية- حراما، كي يشمله النص السابق. و لكن هذا المقدار لا ينفي القضاء- على فرض كذبه- كما عرفت، من عدم دخل العذر في نفي وجوب القضاء، كما لا يخفى.
و عليه فربما يشكل أمر الأخبار بالواقع حتى في الأحكام، مع قيام الحجة الشرعية عليه، فضلا عن عدمه. اللهم إلّا أن يدّعى انصراف المفطر في الكذب المزبور إلى الكذب المحرّم، و لو بعنوان كونه افتراء و تشريعا، و لا يشمل المحلّل منه، كما هو مقتضى السيرة على نفي القضاء، حتى مع احتمال الكذب، المستتبع لصدق التعمد به في الأخبار عن الواقع، بمحض قيام حجة شرعية على مضمون اخباره، و الذي يخرجه عن هذه المحاذير هو اسناد خبره إلى كتاب أو مؤلف، بلا اخباره عنهم بدوا كما أشرنا.
نعم قد يشكل- بناء على هذا- أمر الأخبار عن الحكم الواقعي، على من التزم بحجية الأخبار من باب الظن المطلق على الحكومة، و كشف إيجاب الاحتياط في دائرة الظنون، كما هو أحد المسالك في باب الانسداد، بل و على التبعيض في الاحتياط، لأنّ مجرد حكم العقل أو الشرع بمرجعية الظن المزبور حال الانسداد، لا يقتضي جواز الاخبار به عن الواقع، مع فرض عدم إحرازه، لا حقيقة و لا تعبدا. فيدخل من تلك الجهة في الافتراء المحرم، الموجب للقضاء و الكفارة.
نعم لا بأس بالاخبار عن اعتقاده بمضمون الخبر الذي يرجع إليه مآل فتواه، و يكون حجة على مقلديه، مع انّ مجرد حرمته بعنوان الافتراء لا يحرز به مفطريته، للشك في كونه كذبا واقعا، فأصالة عدم اتصافه بالكذبية يخرجه عن عنوان المفطرية ظاهرا إلى أن ينكشف الحال.
و عليه فربما يسهّل الأمر في كفارته، لأنّ الأصل يوجب العذر في جهة مفطريته، و إن لم يكن معذورا من حيث افترائه، و من المعلوم انّ مدار الكفارة على الإثم من جهة المفطرية لا مطلقا، فلا مجال لثبوت الكفارة عليه على هذه المسالك أيضا، كما لا يخفى.
ثم لا فرق في المفطرية بالكذب المزبور بين كونه صريحا أم كناية، تفصيلا أم إجمالا، بمثل قوله: نعم، في مورد لا، و بالعكس. و في شمول الدليل للكتابة اشكال، لو لا دعوى شمول مناطه، من الحكاية عنهم بما هو خلاف الواقع، الصادق ذلك بوجوده الكتبي، إذا صدر عن قصد الحكاية عنهم، لا بقصد اللعب و المشق، كما هو الشأن في القول الصادر عن داع آخر غير الاخبار عنهم، فتدبّر.
بل أقوال، فالمشهور على المفطرية، خلافا للمحقق في شرائعه من مصيره إلى وجوب الإمساك عنه و لا يكون مفطرا (1)، و للسيد من مصيره إلى الكراهة (2).
و مستند المشهور قوله: «لا يضر الصائم إذا اجتنب أربع خصال، منها
الارتماس» (1).
و في قباله: ما دل على نفي القضاء على المرتمس متعمدا، مع نهيه عن العود إليه (2)، و هو مدرك المحقق.
و في قبالهما: ما اشتمل من النص على كراهته (3)، الذي هو مدرك السيد.
و هذا الأخير لو كان له ظهور في الكراهة المصطلحة كان مقدّما على البقية دلالة فيحمل إفساد الارتماس للصوم على مرتبة لا يجب استيفاؤها، و به ترفع اليد عن النهي من العود أيضا بحمله على التنزيه.
و لكن الإشكال في هذا الظهور، فيبقى النهي عن العود بحاله، و بصراحته ترفع اليد عن خبر الإفساد، بالحمل على مرتبة لا يمكن تداركها بالقضاء، فلا يبقى مجال لمعارضته مع النواهي، الظاهرة في المانعية، بحملها أيضا على مرتبة لا يمكن تحصيلها بالقضاء. و لو لا اعراض المشهور عنه كان مختار المحقق أقوى الأقوال دليلا، و لكن اعراضهم يوهنه سندا، فتبقى عمومات المانعية- بضم عموم دليل قضاء ما فات- بحالها، و هو الأحوط أيضا.
ثم انّ المراد من الارتماس رمس رأسه بخصوصه، كما هو مفاد صحيحة ابن مسلم (4)و غيره، كما انّ المراد من ارتماسه رمس تمامه آنا واحدا، لا بنحو التبعيض، أو رمس خصوص المنافذ، كما انّ رمس الرأس يتحقق، و لو كان شعره خارجا.
و مع الشك في حصوله يبنى على العدم، و تتبع البينة عليه، و في حجية خبر الواحد العدل اشكال، فضلا عن غيره من الظنون، و إطلاق دليله و إن اقتضى مفطريته مطلقا، إلّا أنّ دليل تقييد البقية بالتعمد يوجب تقييده به أيضا، خصوصا بعد جريان مناط قوله «رزق رزقه اللّٰه» في أكله و شربه في سائر المفطرات أيضا. عند عدم التعمد بها، بل و مع نسيان صومه فيها، كما لا يخفى.
ثم انّ في بعض النصوص تقييد الارتماس بالماء، قبال مطلقات الارتماس.
و في الجواهر: ألحق بعضهم الرمس في غير الماء بالماء، إلى أن قال: انه- بعد عدم المفهوم للقيد- انّ المدار على الأخذ بالمطلق (1).
و فيه: انّ ذلك مبني على عدم إحراز وحدة المطلوب، و إلّا فلا وجه للأخذ بالمطلقات، مع فرض إطلاق النهي عن خصوص الماء الشامل لصورة سبقه للرمس بمائع آخر و عدمه، إذ حينئذ يقع بينهما التعارض، الموجب للتقييد بالماء، أو تقييد المقيد بفرض سبقه على غيره، أو بحمله على أحد الأفراد.
و الظاهر انّ المتعارف عند العرف التقييد الأول، كما هو الشأن في غير المقام.
و يمكن دعوى انصراف المطلقات أيضا إلى ما هو المتعارف رمسهم فيه.
و في إلحاق الماء المضاف بالمطلق دون غيره من المائعات، كما عن كاشف الغطاء (2)، وجه، لقوة جريان المناط فيه، لو لم نقل بإطلاقه، إما للتقيد أو
للانصراف. و أحوط منه التعدّي إلى المائعات مطلقا، و اللّٰه العالم.
ثم في صورة قصده الغسل برمسه يجيء في البين تفصيل آخر تعرضنا له في بحث الغسل، فراجع.
و كذا يجيء القولان في الإمساك عن كل محرم، سوى ما ذكرناه، و تتأكد المحرمات في الصوم على اشكال فيه، بل في الجواهر:
يمكن دعوى نفي الخلاف في عدم تأكد حرمتها للصوم، فضلا عن مفطريته (1).
نعم عن الرياض- وفاقا للمصنف- دعوى الخلاف في مفطريتها أيضا، علاوة عن تأكد حرمتها (2).
و لكن مقتضى القواعد- مثل عمومات «لا يضر الصائم» و أمثاله، و الأصول- عدم المفطرية، بل عدم تأكد الحرمة أيضا.
و قصارى ما يستدل للقول الآخر، ما ورد بأنّ الكذبة تفطّر الصائم (3)، الظاهرة في الإطلاق. و كذلك الغيبة (4)، و في نص آخر: مفطرية الظلم قليله و كثيره (5)، و كذلك النظرة (6). فيتعدى منها إلى بقية المحرمات، بعدم القول بالفصل.
لكن الإنصاف أنّ مقتضى الجمع بين هذه الأخبار و بين عموم «لا يضر الصائم ما صنع» هو حمل هذه على مرتبة من الإفساد، غير الواصلة إلى حد
إفساد تلك الأربع أو الخمس.
و توهم تقديم تخصيص العموم المزبور بالمحرمات- كتخصيصه ببعض مفطرات اخرى- على التصرف المزبور. مدفوع بانّ التصرف الأول في المقام أقرب، و لا أقل من الشك، فالمرجع الأصول المقتضية للبراءة عن المفطرية، و اللّٰه العالم.
هذا، ثم انّ في مبطلية النخامة، بل و مطلق وصول فضلات الرأس عن مجرى الدماغ الى الحلق اشكال، لعدم صدق عنوان الأكل أو غيره. نعم مع الوصول إلى فضاء الفم لا بأس بدعوى صدق عنوان الأكل، فيفطر. و اشكال شيخنا العلّامة في الصورة الأولى، و قياسه بصورة إدخال الماء من مجرى الدماغ، في غير محله.
و المقايسة باطلة، إذ إدخال الماء من الخارج من مجرى الدماغ، غير مرتبط عرفا بإدخال شيء من باطن إلى باطن، غير واصل إلى فضاء الفم، المحكوم بكونه خارجا عن تلك الجهة، و لا أقل من التشكيك فيه، فالأصل ينفي مفطريته كما لا يخفى.
هذا، و ربما يستثنى بلع ريق الفم، المجتمع فيه، للسيرة، مع إمكان إدخاله في كلية ما يكون في الباطن، و انه إذا انتقل من محله إلى الحلق لا يصدق عليه الأكل. فلا يقاس حينئذ بصورة وصول النخامة إلى فضاء الفم، لأنه يحسب أيضا من وصوله من خارج الفم إليه.
و لكن لازم ذلك عدم مفطرية الدم المتكون في الفم. و فيه منع، فالأولى التشبث في الريق بخصوص السيرة، غير الجارية في الدم المزبور، فتأمل.
ثم من لوازم صدق الأكل، لزوم كفارة الجمع ببلع النخامة أو الدم المتكون في الفم، من جهة صدق «الخبائث» عليهما، لو لا منع الصدق على
مثلهما، ما لم يخرج عن الفم.
و أما النجاسة فلا يحكم بها ما دام في الباطن، فلا وجه لحرمة مثلهما، كي ينتهي إلى كفارة الجمع. و لا يقاس ذلك باجزاء الأغذية الباقية في خلال الأسنان المتعفنة بطول المدة، فإنه يمكن إلحاقها بالخبائث الموجبة للكفارة المزبورة، و اللّٰه العالم.
هذا كله الكلام في واجبات الصوم.
و إطلاقه- وفاقا لجمع- يشمل صورة العلم بوصوله إلى الحلق من طريق الأنف، و لا أقل من احتماله، الصادق معه التعمد بإيصاله إلى الحلق، و إن كان باحتماله معذورا لا كفارة عليه بمقتضى ما عرفت من القاعدة، خلافا للمحقق (1)و جمع آخر، حيث قيدوه بعدم التعدّي إلى الحلق.
و في النص أيضا: «و كره السعوط للصائم» (2)، و إطلاقه يشمل احتمال وصوله، لو لا دعوى منعه، لعدم ملازمته له و لو غالبيا، فلا يكون النظر في كراهته حينئذ إلّا إلى مرجوحية السعوط بما هو، بلا نظر الى جهة مفطريته، فلا يستفاد من مثل هذا الإطلاق نفي مفطريته، على فرض كونه من المفطرات.
و عليه فإثبات مفطريته لا بد أن يكون من الخارج، فإن تم فيتمشى على القواعد.
و قد يتوهم منع صدق المفطرية تارة من جهة عدم كونه من المأكول كالكحل، فيشمله عموم ما ورد في الكحل بأنه «ليس بطعام» (1)، و نظيره وارد في الذباب (2). و لازمة حينئذ نفي المفطرية، و إن وصل إلى الجوف من طريق الفم اختيارا. و لا أظن الالتزام به من أحد، بعد الجزم بعدم اعتبار المعتادية في المأكول، فلا محيص عن طرح ظهور هذه العلل، بحملها على عدم الطعام من المجرى العادي، و انّ نفي مفطريته من جهة عدم وصوله من الطرق العادية، كنفي مفطريته، لو كان ذلك بالتقطير في اذنه.
هذا، و لازمة حينئذ عدم المفطرية بإيصال الماء إلى الحلق من طريق الأنف، و لا أظن التزامه أيضا من أحد، نعم لا بأس بالالتزام في مورد العلّة من الإيصال بطريق العين، أو دخول الذباب بلا اختيار، إذ ذلك إدخال غير عادي، أمكن انصراف أدلة المفطرات عن مثله، نظير الإيصال من اذنه و سرّته.
و أما الإيصال من طريق الأنف فمن العاديات و إن لم تجر الطريقة عليه، فالعادي الدخيل في المفطرية- بانصراف أدلة المفطرات- ليس عبارة عما جرت العادة على كيفية التناول، كي يمنع مثله في الإيصال من الأنف، بل المراد كونه من المجاري العادية بهذه المثابة، فلا يبقى حينئذ قياس المقام بباب التقطير في الاذن في نفي المفطرية، كما لا يخفى.
فالأولى دعوى مفطريته، فلا يبقى مجال للأخذ بإطلاق دليل ترخيصه، حتى مع احتمال التعدّي، فضلا عن العلم به.
اللهم إلّا أن يكون ملازما غالبا للاحتمال المزبور، فحينئذ لا بد من
الأخذ بإطلاقه. و به يخصص مطلقات التعمد بالمفطرات في مورد الاحتمال، و يبقى غيره مع فرض العلم به على حاله، و اللّٰه العالم.
أو غيرهما مما فيه طعم، و ظاهر المصنف تقييد الكراهة بما فيه الأمران. و في النصوص: النهي عن مطلق الاكتحال تارة (1)، و الترخيص اخرى (2)، و التقييد بما ليس فيه مسك و لا له طعم ثالثة (3).
و لعل المصنف جعل الأخير- بمنطوقه و مفهومه- شاهد جمع بين الطائفتين، و لازمة إثبات البأس في الجملة في مفهومه، و المتيقن منه الكراهة، و لكن لا مفهوم للقيد، و لا يكون بناؤهم على وحدة المطلوب في المستحبات و المكروهات أيضا.
و الأولى الجمع بينهما بالحمل على مراتب الكراهة، بحمل نفي البأس أيضا على بعض مراتبها، بقرينة إطلاق النهي عن الاكتحال. و هو أولى من تقييده بغيره- نعم لو لم تثبت قوة أحد الإطلاقين، كان لا محيص عن المصير الى مختار المصنف، من جهة عدم الدليل على الكراهة في فاقد القيد، كما لا يخفى.
، للنص المشتمل على جواز الاحتجام إلّا أن يتخوّف على نفسه الضعف (4).
و في نص آخر: نفي البأس عن الحمام ما لم يخش ضعفا (5).
و في التعدّي إلى مطلق إخراج الدم المضعف، بل إلى إعمال مطلق المضعف، وجه، لأنّ ذيل النصين بمنزلة التعليل في عدم ترخيصهما، بلا خصوصية لهما في ذلك فيتعدّى الى كل مضعف، فضلا عن أن يكون ذلك بإخراج الدم و لو بغير الحجامة.
و مقتضى الذيل فيهما: المفطرية مع خشية الضعف، لو لا دعوى مناسبة المقام للتكليف، فيحرم. خصوصا مع عموم «لا يضر الصائم ما صنع». و لذا لم يلتزم الأصحاب بمبطليتهما إلّا إذا بلغ حد الإغماء، بناء على إرسال مبطلية هذه الصورة إرسال المسلّمات، كما في الجواهر تسالمه في كلماتهم (1)، و إلّا فأقامه الدليل عليه- مع اشتمال دليل المبطلية على عموم «ما غلب» المنصرف عما كان بتوسط اختياره و تسبيب منه- مشكل جدا.
لو لا دعوى أنّ ارتكازية العبادية فيه تقتضي بقاءه على نية صومه، من غير جهة الموانع العادية، من النوم و الغفلة. فمع عدم بقائه على النية المزبورة، باغمائه فيبطل. و إتمام هذه الدعوى في المقام مشكل، و ان كانت لا تخلو عن وجه إنصافا. بل ربما يكون من تسلم بطلانه بمثل هذا الإغماء ناظرا اليه، و لكن لازمة التعدّي إلى غيره مما يمنع بقاء النية في مطلق الأمور غير العادية.
و هو أيضا لا يخلو عن اشكال، فتدبّر في كلماتهم الراجعة إلى أمثال المقام، و اللّٰه العالم.
، للنهي عنه في بعض النصوص، و في بعضها: انه ريحان الأعاجم (2)، و في بعض آخر: مطلق الريحان (3).
و ظاهر التعليل باللذة و كراهة اللذة على الصائم أيضا، يقتضي النهي عن مطلق الريحان، و لازمة التعدّي الى كل طيب. لكن في النص أيضا: «ان الطيب تحفة الصائم» (1). و في آخر: «الطيب سنة، و الريحان بدعة» (2)، فتختص الكراهة بالريحان.
، و قد تقدّم الكلام فيه.
، للنهي عنه في نصوص مستفيضة (3)، محمولة على الكراهة عند الأصحاب، خصوصا مع ما في إطلاق جواز التبريد بالثوب، خصوصا مع كونه بذلك غالبا.
مع الاطمئنان من نفسه، و إلّا فمع خوف تعقب الانزال يمكن إدخاله تحت قاعدة التعمّد إليه، الموجب للقضاء و الكفارة، بناء على استكشاف إيجاب الاحتياط مما دلّ على تخصيص الجواز بعدم الخوف، و إلّا فلو حمل ذلك على شدة الكراهة، فلا موجب للكفارة.
و على أي حال ظاهر كلماتهم عدم وجوب القضاء، مع كونه من الأسباب غير العادية، التي لا وثوق بترتب الأمناء عليها، و ان احتمل ضعيفا، و لعل وثوقه بعدم الترتب مانع عن صدق التعمد بالامناء عرفا.
أقول: غاية ما في البين- مع الوثوق بالعدم- كون المورد من قبيل قيام الامارة العقلائية على عدم الأمناء. و هذا المقدار لا يقتضي نفي التعمد مع احتماله و لو ضعيفا، فيشمله حينئذ ما ذكرنا من قاعدة وجوب القضاء بالتعمد الى المفطر، الصادق مع احتماله وجدانا.
نعم لو فاجأه المني غفلة، فإنها لا تقتضي القضاء، و إلّا ففي غيرها اشكال.
و يمكن تنزيل كلمات الأصحاب أيضا على هذه الصورة، و انّ الأسباب غير العادية غالبا ملازمة مع الغفلة المزبورة.
و كيف كان فعمدة الدليل على الكراهة الجمع بين ما دل على نفي تلذذ الصائم، و بين ما دل على جوازها تارة، و تشبيهها بالريحان المعروف كراهته اخرى.
و في جملة أيضا تخصيص الجواز بعدم الخوف، و يومئ إليه ما ورد من التفصيل بين الشيخ و الشاب، و في بعضها: نفي البأس إلّا أن لا يثق من نفسه، و مقتضى الجمع بين الطائفتين هو تقييد المطلقات، كما أشرنا.
على المشهور، خلافا للحلي القائل بمبطليته و إيجابه للقضاء خاصة (1)، و بعضهم أوجب الكفارة أيضا.
و سند الحلي ما في النص من التعليل بأنه يحمل الماء بقبلها (2)، فيقرب من الاحتقان بالمائع. و في اقتضائه الوصول إلى المعدة إشكال، فلا وجه للمقايسة بالحقنة.
و حينئذ فمثل هذا التعليل يصلح للقرينية على الكراهة، و إلى مثل ذلك أيضا نظر الأصحاب، و يكون فهم مثلهم أيضا صالحا للقرينية، خصوصا مع عموم «لا يضر الصائم».
ثم انه مع تمامية ظهور العلة في المفطرية، لا وجه لنفي الكفارة مع علمها
بترتبه. نعم لا بأس به مع جهلها، للأصل الموجب لعذرها، كما لا يخفى، و حينئذ فأردأ الأقوال قول الحلبي بإطلاقه (1)، فتأمل.
، لعدم الموجب. و في النص أيضا التصريح بنفي البأس عنه (2)، و ظاهره عدم كراهته.
و توهم تأثيره في رفع العطش، أو فيه نحو تلذذ مشمول لما دل على نهي الصائم عن التلذذ (3)فيكره. مدفوع بمنع المقدمات أجمع، خصوصا شمول نواهي التلذذ له، إذ على فرض تأثيره في رفع العطش كان ذلك من باب دفع الألم لا التلذذ.
و لا بمضغ العلك، و ذوق الطعام إذا لفظه، و زق الطائر لورود النص على نفي البأس بذوق الطعام و زق الطائر (4)، و ما في النص من النهي عن ذوق الطعام، محمول على الكراهة، أو على صورة العلم بسبقه الى الحلق.
و أما مضغ العلك ففي النص تارة قوله: «لا» (5)، و اخرى التحذير عنه (6)، و في ثالث التصريح بجوازه (7). و مقتضى الجمع الحمل على الكراهة، لو لا تضعيف الشيخ لخبر الجواز بأنه غير معمول به (8)، و فيه منع.
و أما توهم اقتضائه تغيير الريق بطعمه، فيلزمه دخول أجزائه في الجوف،
1) الكافي في الفقه: 183.
2) وسائل الشيعة 7: 77 باب 40 من أبواب ما يمسك عنه حديث 1.
3) وسائل الشيعة 7: 65 باب 32 من أبواب ما يمسك عنه حديث 6.
4) وسائل الشيعة 7: 75 باب 37 من أبواب ما يمسك عنه حديث 3.
5) وسائل الشيعة 7: 74 باب 36 من أبواب ما يمسك عنه حديث 2.
6) وسائل الشيعة 7: 74 باب 36 من أبواب ما يمسك عنه حديث 1.
7) وسائل الشيعة 7: 74 باب 36 من أبواب ما يمسك عنه حديث 3.
8) المبسوط 1: 273.
فيصدق الأكل ببلع الريق المزبور. فمدفوع بمنع الملازمة المزبورة دقة، لاحتمال الاكتساب بالمجاورة فضلا عن عدم صدق الأكل عرفا، و اللّٰه العالم.
و أيضا لا يفسد الصوم استنقاع الرجل في الماء، و في النص التصريح بجوازه (1)، بل و ظاهره نفي كراهته أيضا، إلّا توهم جريان مناط استنقاع المرأة، و فيه منع واضح، و اللّٰه العالم.
و إن كان في كون الكفارة لصومه اشكال. بل إنما هو للجماع و لو ليلا، بلا اختصاص له باليوم الثالث.
و قول المصنف: «على وجه» أيضا إشارة الى هذه الجهة، و انّ الكفارة للصوم في الاعتكاف في وجه.
و تقييد استاذنا في تكملته باليوم الثالث أيضا ناظر الى هذا الوجه. و إلّا فعلى الوجه الأخير لا اختصاص لها به كما أشرنا فتدبّر، و سيأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء اللّٰه.
و على أي حال لا إشكال في المستثنى منه، للأصل، و كذا في المستثنى.
أما الأول، فلما مر في تضاعيف البحث.
و أما الثاني: فللنصوص المستفيضة: منها: صحيحة ابن مهزيار: «إن
1) وسائل الشيعة 7: 22 باب 3 من أبواب ما يمسك عنه حديث 2.
كنت أفطرت فيه من غير علة، فتصدّق بعدد كل يوم على سبعة مساكين» (1).
و هكذا لا إشكال في قضاء رمضان بعد الزوال، للنصوص المستفيضة (2)، بعد طرح ما يعارضها من نفي الكفارة رأسا، أو تحديد الكفارة بما بعد الزوال، بالحمل على الكراهة أو مراتبها.
و في صوم الاعتكاف أيضا المعتبرة المستفيضة (3)، على ما سيأتي في محله.
و أما ما لا يتعين صومه، كالنذر المطلق، و قضاء رمضان قبل الزوال، و النافلة، فلا يجب بإفساده شيء لا قضاء و لا كفارة.
أما القضاء فواضح في الأولين، و هكذا في الأخير، لعدم معهودية القضاء في نافلة الصيام، بخلافها في الصلاة.
و أما الكفارة، فلعدم الإثم المنوط به الكفارة.
و توهم وجوب إتمام العمل، فحرمة قطعه ربما توجب الكفارة. مدفوع بمنع الحرمة في غير باب الصلاة. و الابطال المحرم في الأعمال لا بد أن يكون بمعنى لا يستلزم تخصيصا مستهجنا، و هو غير حرمة القطع جزما.
نعم لو شملت إطلاقات وجوب الكفارة على من أفطر متعمدا ذلك، أمكن إحراز ترتب الكفارة على هذا الإفطار، بعد الجزم بكونها من تبعات الإفطار المحرّم بنحو إحراز عدم ايمان المشكوك ايمانه من بني أمية، من شمول اللعن لهم بنحو الإطلاق أو العموم. لو لا دعوى انصراف العمومات عن الصوم الذي يجوز تركه رأسا، كما لا يخفى.
ذاتا، كشهر رمضان، هو عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، على المشهور في التخيير، خلافا لابن عقيل القائل بالترتيب من الأمر بالعتق أولا، ثم الصيام، ثم الإطعام، مترتبة كل تالية على العجز عن سابقتها (1).
و يدل على المشهور النصوص المستفيضة (2)المشتملة على كلمة «أو» الظاهرة في التخيير. كما أنّ نظر المخالف إلى رواية عبد المؤمن (3)المشتملة على الترتيب المزبور، و الجمع بينهما- بحمل الثانية على الفضيلة- متعين.
ثم انّ إطلاقات التخيير شاملة للإفطار بالحرام و الحلال، و هو ظاهر المشهور أيضا، خلافا للصدوق، حيث ذهب في الأول إلى الجمع بين الثلاث (4)، لرواية صالح الهروي (5)المشتملة على التفصيل المزبور. بل فيه تصريح بكيفية الجمع بين الروايات المختلفة، الواردة في المقام.
و لكن اعراض المشهور أوجب فيه و هنا مخرجا عن دليل الحجية، لو لا تصحيح مثل العلّامة لسندها، مؤيدة أيضا برواية أبي الحسين الأسدي، فيما ورد عليه من الشيخ العمري (6)، الظاهر اتصاله بإمام زماننا روحي له الفداء، لأنّ المحكي: انّ الأسدي كان من وكلاء العمري، و مثل ذلك ربما يقوّي كون طرح المشهور إياها لم يكن لضعف السند. و حينئذ لا بأس بالأخذ بها، خصوصا مع كون مضمونها على وفق الاحتياط، و اللّٰه العالم.
هذا كله في المتعين ذاتا، و أما المتعيّن عرضا كالنذر المعين، فعلى المشهور أيضا التخيير بين الخصال الثلاث، لخبر عبد الملك، المشتمل على التخيير المزبور في من جعل عليه أن لا يركب محرما فركبه (1)، بناء على التعدّي منه الى مطلق الجعل على النفس، لا أنه من لوازم النذر خاصا.
و حينئذ لا يلتفت إلى خبر القاسم (2)المقتصر فيه على تحرير رقبة، أو صحيح الحلبي (3)، و ابن مهزيار (4)المشتملين على ثبوت كفارة اليمين في النذر، لكونهما مورد اعراض المشهور.
بل و يمكن الجمع بين الأولين بحمل العتق على الفضيلة.
و لكن بين الأخير و الأول مباينة، لأظهرية كلّ في جهة، بعد الجزم بعدم إمكان رفع اليد عن ظهور كل واحد بنص الآخر، لأن نتيجته التخيير بين العتق و صوم شهرين و إطعام سبعة مساكين. و ذلك مما لم يقل به أحد، فلو لا اعراض المشهور عن الأخير لم يكن محيص عن الرجوع الى قاعدة التخيير بين المتعارضين، بعد عدم وجود مرجّح، من موافقة سنة أو كتاب أو مخالفة عامة.
و كفارة قضاء رمضان بعد الزوال إطعام عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام على المشهور، لنص بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السّلام (5)و صحيح هشام (6)، و اختلافهما في جهة أخرى غير مضر
1) وسائل الشيعة 15: 575 باب 23 من أبواب الكفارات حديث 7.
2) وسائل الشيعة 7: 277 باب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث 3.
3) وسائل الشيعة 16: 222 باب 3 من أبواب النذر حديث 5.
4) وسائل الشيعة 7: 277 باب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث 4.
5) وسائل الشيعة 7: 254 باب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث 1.
6) وسائل الشيعة 7: 254 باب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث 2.
باشتراكهما بالجهة المقصودة فراجع.
و في بعض النصوص: «ان كفارته كفارة شهر رمضان» (1).
و إليه ذهب جمع من القدماء- على المحكي- و عن ابن إدريس: انه كفارة يمين (2)، و لم يعرف وجهه، و العمدة القولان الأولان.
و حينئذ فربما يقع التعارض بين مستندهما بنحو التباين، لأظهرية كل واحد من النصين عن الآخر في جهة. مع عدم إمكان رفع اليد عن ظاهر كلّ بنص الآخر، لعدم التزام أحد بنتيجته، فلا بد حينئذ- كما في المسألة السابقة- من اعمال قاعدة التخيير، بعد عدم وجود مرجّح، كما لا يخفى.
و لو تكرر الإفطار في يومين تكررت الكفارة بلا إشكال، لقاعدة «عدم تداخل الأسباب».
و أما إن كان ذلك في يوم واحد، فإن كان الإفطار بالجماع تكررت الكفارة، و إلّا فليس عليه إلّا كفارة واحدة عند جمع من الأعاظم. و لا تكرر عند الشيخ مطلقا (3). و تتكرر مطلقا عند جمع آخر. و عن العلّامة التفصيل بين صورة تخلل التكفير و عدمه (4).
و منشأ الخلاف اختلاف النصوص (5)، مع اختلاف أنظارهم في فهم المراد منها. ففي بعض النصوص: تعليق الكفارة على عنوان التعمد بالإفطار، و في بعضها: تكرر الكفارة بالجماع بلا تعرض لغيره، و في ثالث: التصريح بما
ذكرنا من التفصيل بين الجماع و غيره.
و الأقوى المصير الى هذا التفصيل، لقوة سنده، و ضعف البقية، لعدم مقاومتها للنص المفصّل، مثل رواية العيون و الخصال (1)بعد الوثوق بسندهما، لعمل جمع من الأعاظم.
أما مستند العلّامة فمبني على طرح هذه الرواية، و كون مقتضى القاعدة في القضايا الشرطية، هو تأثير كل شرط في مرتبة من وجود الطبيعة، بلا اقتضائه تكرر وجودها.
و هذا في محله بمعزل عن التحقيق، فلو لا النص الخاص لكان القول بالتكرر مطلقا قويا، لتعليق الكفارة على عنوان «الجماع» و «الأكل» و أمثالهما. و الظاهر من أخذ الإفطار في موضوع الحكم، كونه بنحو الجمع في التعبير و المرآتية، لا بنحو العنوانية، كي يقتضي حمل ما ورد مشتملا على العناوين الأولية، على بيان مصاديق المفطرات.
و من ذلك ظهر وجه القول بالعدم، بطرح الرواية المفصّلة و جعل الإفطار عنوانا جامعا، إذ حينئذ لا معنى لتكرر وجوده، كما لا يخفى.
و يعزر المفطر إذا لم يكن مستحلا، لرواية بريد المشتملة على قوله عليه السّلام: «يسأل: هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال: لا، فإنّ على الامام أن يقتله. و إن قال: نعم، فإنّ عليه أن ينهكه ضربا» (2)، و إطلاقه يقتضي عدم التحديد بشيء.
و لكن في خصوص الجماع ورد النص بخمسة و عشرين سوطا (3)،
و لا يعارضه النص السابق. و عليه فلا بد من التحديد المزبور في الجماع، و في إلحاق غيره به اشكال، فيبقى مقدار تعزيره منوطا بنظر الحاكم.
و لو كان مستحلا، فإن لم يكن لشبهة، فلا شبهة في كفره، و قتل لارتداده. و إلّا ففيه الإشكال الآتي في بحث إنكار الضروري. و قد تقدّمت الإشارة إلى تحقيقه في بعض المقامات السابقة.
و لو عاد مع عدم الإنكار، ففي وجوب القتل في الثالثة أو الرابعة خلاف.
و لو لا ضعف نصوص المرة الثالثة سندا، لكان الأخذ بها متعينا، و إلّا فمقتضى العموم و الأصول الأخذ بالرابعة، المنصوص عليها في مطلق الكبائر، و اللّٰه العالم.
له تكفّر عن نفسها بلا اشكال فيه في الجملة فتوى و نصا. ففي النص: رجل أتى امرأته و هو صائم و هي صائمة، فقال: «إن كان استكرهها فعليه كفارتان، و إن طاوعته فعليه كفارة و عليها كفارة، و إن أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد، و إن كان طاوعته ضرب خمسة و عشرين سوطا و ضربت خمسة و عشرين سوطا» (1).
و ضعف السند منجبر بالعمل، و به ترفع اليد عن أصالة عدم التحمل.
و لا بد في مثله أن يقتصر على المتيقن من فرض صومها، و كون المكره- بالكسر- زوجا. و لا يتعدّى إلى صورة عكسه، و لا إلى الأجنبية، و لا إلى الأمة، و لا إلى غير الصائمين.
و في التعدّي إلى صورة حصول المطاوعة في الأثناء إشكال، و الأقوى فيه
1) وسائل الشيعة 7: 38 باب 12 من أبواب ما يمسك عنه حديث 1.
التحمل عنها بعد صدق إكراهها، و كفارة أخرى على نفسها بعد صدق مطاوعتها نصا، لو لا دعوى الجزم بعد وجوب كفارتين لوطي واحد في حق شخص واحد. و حينئذ ينتهي الأمر إلى تزاحم الجهتين، فيمكن تقديم مقتضى التحمل، لأنه من باب تزاحم الاقتضاء و اللااقتضاء.
و على أي حال لا يتعدّى عن الجماع إلى غيره من المفطرات في التحمل المزبور، من جهة الاقتصار- في خلاف القاعدة- على مورد النص، و اللّٰه العالم.
و هي أربعة: واجب، و مندوب، و مكروه، و محظور:
: صوم شهر رمضان، و الكفارات، و دم المتعة، و النذر و شبهه، و الاعتكاف على وجه. إما يكون تمامه واجبا لنذر، أو يكون إتمامه واجبا كاليوم الثالث. و السادس: قضاء الواجب في الجملة، فغير رمضان يأتي مع وجهه في أماكنه.
و أما شهر رمضان فوجوبه من الضروريات كما تقدّم، و أما طريق إحرازه فعلامته رؤية الهلال أو مضي ثلاثين يوما من شعبان، بلا إشكال في ذلك نصا و فتوى. ففي النصوص المستفيضة: تعليق الصوم و الإفطار على الرؤية، أو مضي ثلاثين (1). و لو لا ذلك لأمكن التشكيك في الأخير، لأنه من صغريات مسألة الأقل و الأكثر، لا استصحاب وجوبه. كما انّ استصحاب موضوع الرمضانية- بنحو مفاد كان الناقصة- غير جار جزما، و بنحو مفاد التامة لا يثبت الرمضانية، و إن كانت الشبهة موضوعية، فضلا عن الشبهات المفهومية، غير الجاري فيها الاستصحاب، و لو بنحو مفاد كان التامة أيضا.
1) وسائل الشيعة 7: 182 باب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان.
و يلحق بالعلامتين كل أمارة قطعية، للجزم بعدم موضوعية لهما في ذلك، أو أمارة ظنية اعتبرت طريقا إلى الواقع، من قيام البينة برؤية الهلال. و في كفاية خبر الواحد، أو سائر القواعد النجومية الظنية مقام العلم أو البينة، تردد، أقربه العدم، لعدم ثبوت حجيتها في الموضوعات.
نعم لا بأس بالبينة، لعموم ذيل رواية مسعدة، و للأخبار المستفيضة في المقام، من قوله عليه السّلام: «لا أجيز في الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (1).
و في آخر: «إلّا أن يشهد لك بينة عدول» (2).
خلافا للمحكي عن جمع من القدماء، حيث ذهبوا إلى عدم سماع دون خمسين رجلا في الهلال، مع عدم وجود علّة في السماء، و إلّا فيجوز العمل بالبينة الشرعية.
و مستندهم بعض النصوص المشتملة على: أنه إذا لم تكن في السماء علّة لا تجوز إلّا شهادة خمسين، و إذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين (3)، و نحوه نص آخر.
لكنّ الناظر في النصين يرى أنّ حكمة ردع الامام شهادة الرجلين مع عدم العلّة، هي احتمال التهمة و عدم الوثوق بظاهر حالهما، الكاشف عن عدم عدالتهما أو كذبهما واقعا، إذ مع عدم العلة المزبورة تكون رؤيته- عادة- ملازمة لرؤية جم غفير، يوجب قولهم اليقين. فمع عدم دعوى الرؤية حينئذ من أحد، ربما يحصل الوثوق بكذبهما، فيخرجان حينئذ عن الطرق العقلائية. و دليل حجية البينة إنما ينظر الى ما كان مورد اعتناء العقلاء، لا ما كان موهونا إلى
حد يخرج عن مورد اعتنائهم بالمرة، كما لا يخفى.
هذا، مع انه على فرض تسليم إطلاق دليل حجية البينة من تلك الجهة، يمكن الالتزام بتخصيص حجيتها بغير مورد التهمة، لمكان هذه النصوص.
ثم إنّ الغرض من الخمسين هي الكناية عن الوصول إلى عدد يوجب قولهم اليقين عادة، لا أنّ لمثل هذا العدد خصوصية، فكان هذا البيان في مساق قوله «يكفيك عشر سنين»، و انّ مثل هذه التحديدات غالبا في مقام بيان أقصى مرتبة يصلح الحكم لبقائه نفيا و إثباتا، كما لا يخفى.
ثم إنه لا عبرة بشهادة النسوان، للنص بعدم سماع شهادتهن في رؤية الهلال (1)، و يؤيده أيضا تخصيص السماع في النصوص السابقة بالرجال.
و إطلاق دليل سماع البينة يقتضي اتباعها و لو لم يكن في البين حكم عن الحاكم بل لا يحتاج إلى قيامها عنده مع العلم باجتماع شرائطها. نعم لو لم تحرز شرائطها لم يجز اتباعها، بل يحتاج حينئذ إلى حكم الحاكم. و يكفي لحجيته كون ذلك من شئون قضاة الجور، الشامل بفحوى المقبولة لقضاتنا، من دون فرق في قبوله حينئذ بين المجتهد و المقلّد، لحرمة الرد على الجميع، و لا بين كون مدرك الحكم جزم الحاكم أو البينة، و من دون فرق بين ما كانت شرائط قبول البينة حاصلة عند المجتهد الآخر أم لا، و عموم «حكم بحكمنا» ناظر إلى كونه منصوبا بحكمهم.
نعم على فرض كون ما حكم به حكمهم و لو ظاهريا، يشكل جواز اتباعه في صورة جزم الحاكم، لا مع اعتقاده بحجية بينة، لا تكون مثل هذه البينة حجة عند غيره، من غير جهة الجزم بالخلاف، كما لا يخفى.
1) وسائل الشيعة 7: 207 باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث 2.
و في تلك الجهة أيضا لا اختصاص بالمجتهد المخالف، بل مقلديه أيضا بحكم هذا المجتهد، لعدم إحراز كون حكم الآخر حكمهم.
و حينئذ لا أرى وجها للتفصيل بين سماع المجتهد دون المقلّد مطلقا في صورة من الصور. و مع الشك في صحة الحكم- بملاحظة الشك في الميزان- فأصالة الصحة محكمة، لو لا موضوعية «حكم بحكمهم» في وجوب القبول، لعدم إحراز عنوانه المانع عن إجراء أصالة الصحة، كما لا يخفى، و تتمة الكلام في كتاب القضاء.
البلوغ، و كمال العقل بلا اشكال فيه، لعموم ما ورد بلسان تحديد التكليف بالاحتلام بقوله: متى يجب، أو متى يجوز أمر الصبي، و أمثاله المنعقد له في الوسائل باب (1). بل في جملة من النصوص تخصيص الأمر و النهي بالعقل، فيظهر منه كونه المناط في توجه الأوامر و النواهي إلى المكلفين. و لازمة- قهرا- استكشاف تضييق دائرة المصالح أيضا بغيرهما، لظهور لسان ما ذكرنا من الأدلة- كباقي أدلة المخصصات بالنسبة إلى العمومات- في الكشف عن التضييق في أصل اقتضائها.
و حينئذ لا ينحصر دليل المخصص بلسان «رفع القلم»، كي يشكل في دلالتها على نفي الاقتضاء، حيث الموهم من عنوان «رفع الشيء» ثبوت مقتضيه، فلا يقتضي حينئذ نفي القضاء، نظرا لفوت المصلحة، كما هو ظاهر «رفع ما اضطروا اليه».
و هذا مضافا إلى إمكان نفي المصلحة في حقهما، من فحوى العلة في «ما
1) وسائل الشيعة 7: 27- 32 باب 3 و 4 من أبواب مقدمة العبادات.
غلب اللّٰه» لنفي قضاء الصلاة، الجاري في الصوم أيضا، المستتبع لنفي المصلحة فيهما، نظرا إلى ملازمة نفي القضاء لنفي فوت المصلحة. بتقريب انّ مثل هذه العلّة جارية في الجنون أيضا، فتنفي فيه المصلحة، فيتعدّى إلى الصغير أيضا بعدم القول بالفصل.
و من هذه البيانات ظهر وجه استفادة نفي المصلحة الملزمة، حتى فيمن بلغ في أثناء اليوم أو أفاق كذلك، إذ المصلحة الملزمة بعد قيامها بمجموع الإمساك النهاري، لم يكن مجال للتبعيض فيها. و قضية نفي الوجوب عن الصبي و المجنون نفي مصلحته في بعض اليوم، فيلحق به الباقي، لعدم التبعيض، و لا أقل من الشك، فيستصحب العدم جزما.
و توهم انّ الظاهر من قوله: «يجب الصوم بالاحتلام» أعم من وجوب تمامه أو إتمامه، و من حيث دلالته على الإتمام يستكشف قيام المصلحة فيه، و هو حاكم على استصحاب عدمه.
مدفوع بأنّ الظاهر من وجوب كل عنوان وجوب تمامه، و لا إطلاق له بالنسبة إلى إتمامه، و بهذه الجهة أيضا نلتزم بأنّ دليل وجوب كل عمل لا يقتضي حرمة قطعه، بل ذلك حكم على خلاف القاعدة، فليقتصر على المورد الذي قام دليل عليه.
و حينئذ لا مجال لاستفادة المصلحة في الإتمام- فضلا عن التمام- عن إطلاق الخطابات، بعد وجود الدليل على نفي المصلحة حال الجنون و الصغر.
نعم لو لا ظهور ما ذكرنا من الأدلة المخصصة بلسان تحديد الوجوب بزمان الاحتلام في نفي أصل الاقتضاء، كسائر ما يرد على التخصيص بلسان التحديد بشيء و أمثاله، و كنا و لسان رفع القلم، كان لاستفادة المصلحة، من إطلاق الخطابات مجال، كما هو الشأن في استفادة وجودها من هذه الإطلاقات، في موارد العجز و صور التزاحم بالأهم.
و توهم نفي الإطلاق، أو انصرافه بالنسبة إلى أمثال تلك الحالات، في غاية الضعف، كيف و لا معنى للفرق بين البالغ و القريب منه بدقيقة في الانصراف المزبور، كما انّ نفي الإطلاق بالنسبة إلى الحالة المزبورة، و إثباته في الدقيقة الأخرى، بالنسبة إلى سائر الحالات أيضا غير وجيه.
و لئن قيل بنفي الإطلاق بالنسبة إلى مطلق هذه الحالات الطارئة على المخاطبين، يلزم عدم إحراز مناط الحكم في موارد العجز و النسيان و التزاحم، و هو خلاف ديدنهم.
و أضعف من ذلك توهم انّ كشف المصلحة إنما هو بتوسط فعلية الخطاب، بعد الجزم بعدم الشمول لصور العجز و الجنون و أمثالهما، عقلا أو شرعا، فمن أين يستكشف المناط و المصلحة؟
و يدفعه انّ لفظ الخطاب ظاهر في ثبوت جميع مراتب التكليف، فقيام القرائن المنفصلة- عقلية أو شرعية- ليس موجبا لقلب هذا الظهور، كي به ينعدم ظهور الخطاب في فعلية المصلحة أيضا، بل شأن القرائن المنفصلة ليس إلّا رفع اليد عن حجية الظهور المستقر ظهوره.
و بعد ذلك لا بأس بالالتزام ببقاء ظهور الخطاب في المصلحة، بتبع ظهوره في التكليف و لو إنشاء أو فعلا، على حاله. و لا يضر بحجيته مجرد قيام الدليل- عقلا أو نقلا- منفصلا على عدم حجية ظهور الخطاب في نفي فعلية التكليف، إذ شأن أصالة الظهور وجوب الأخذ بظهور الكلام في كل جهة لم تقم حجة على خلافها، كما لا يخفى.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر لك مدرك القولين في هذه المسألة، من مصير الأشهر الى عدم وجوب إتمام صومه في من أدرك في أثناء الصوم، و مصير جمع آخر الى وجوبه، و التحقيق أيضا هو الأول.
و بهذا البيان أيضا ظهر وجه عدم إمكان إثبات شرعية عبادة الصبي بهذا
الوجه، المقتضي للوفاء بالمصلحة الملزمة. بل عمدة وجه المشروعية استفادته من الأمر بالأمر غير الملازم لوفائه بالمصلحة الملزمة، كما لا يخفى.
و حينئذ فلا يجب الصوم الوافي بالمصلحة الملزمة في حق الصبي أو المجنون، إلّا إذا بلغ و أفاق قبل الفجر، فإنه يجب حينئذ تمام الصوم. بل و بمقتضى الإطلاقات، يمكن استفادة الوجوب أيضا لمن بلغ مقارنا للفجر، إذ مجرد الشرطية في أمثال المقام، لا يقتضي التقدّم على المشروط زمانا، بل غايته تقدّمه عليه رتبة، بحيث لا ينافي التقارن في الزمان، كما لا يخفى.
هذا، و من شرائط وجوب الصوم أيضا: السلامة من المرض المضر به الصوم، كما هو المنصرف من النص المشتمل على تفويض تشخيص أمر المرض، الموجب للإفطار، إلى نفسه فإن وجد ضعفا فليفطر، و إن وجد قوة فليصم (1).
و ما في نص آخر من الأمر بالصوم و عدم إعادته (2)، محمول على صورة عدم إضرار صومه، فمع استناد الضرر إلى الصوم يجوز الإفطار، بل يجب لعموم «كلّ ما أضر به الصوم فالإفطار له واجب»، علاوة عما دل على حرمة الإضرار على النفس، الشامل للمقام أيضا.
مضافا الى الآية الشريفة «فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر» (3)بل في بعض النصوص تعليق الإفطار على خوف الرمد في عينه (4)، فيتعدّى إلى غيره بعدم الفصل.
و عليه أيضا استقرت الفتوى في تجويزهم الإفطار بل وجوبه بمجرد خوف
الضرر الحاصل بأسباب عقلائية، لا الخيالات السوداوية الخارجة عن العادة، لانصراف دليل الخوف عن مثلها جزما.
هذا، ثم إنّ الظاهر من لسان الدليل المأخوذ فيه الخوف ملاكا لنفي التكليف، كونه من باب الطريقية لا الموضوعية. و حينئذ لا بد من ملاحظة كون المرض كالسفر، من الموانع الواقعية بمناط التخصيص، أو من الموانع العلمية- كحرمة الإضرار- بمناط التزاحم و تظهر الثمرة في فرض الضرر مع عدم الخوف، و كذلك عكسه، إذ على التخصيص و المانعية الواقعية تكون الصحة منوطة بواقعها.
و أما على التزاحم فلا بد أن يلاحظ مورد تنجز نهيه، نعم على حرمة التجري لا بد من المصير إلى البطلان على فرض الخوف، صادف الواقع أم خالف، قلنا بالتخصيص أو لم نقل.
و يمكن المصير إلى الأول، لظهور الآية الشريفة في ذلك، بسبب اقترانه بالسفر، المعلوم كون مانعيته واقعية. و حينئذ لا يصغى إلى مناسبة حرمة الإضرار، و أهميته لنفي فعلية تكليفه، كي تبقى دلالة عمومه في أصل الاقتضاء بلا مزاحم، فيكون المقام من باب التزاحم، كما لا يخفى.
و لو بريء قبل الزوال يجب عليه تجديد النية إلى الزوال، إلحاقا له بالمسافر.
و قد تقدّم الكلام فيه و انه ليس فيه دليل سوى أطباق كلماتهم، فإن تم- كما هو الظاهر- و إلّا فللنظر فيه مجال. و قد حكي استحباب التجديد عن ابن زهرة (1)و ابن حمزة (2)، و قررهما في الجواهر (3)، لو لا قيام الإجماع، كما ذكرنا.
و من شرائط وجوب الصوم أيضا: الإقامة من المسافر، بل و ما في حكمها أي حكم الإقامة من قواطع السفر، مثل بقاء ثلاثين يوما مترددا، بل في مطلق الحضور، بأي سبب من وطن أصلي، أو جعلي عرفي أو شرعي أو معصية.
و حينئذ فلو كان مسافرا وجب عليه التقصير و لا يصح منه الصوم أيضا، مع علمه بقاطعية السفر جزما للآية. و مع الجهل بها إلى ان خرج الوقت، صح صومه، بلا خلاف أيضا، للنص المفصّل بين صورة بلوغه نهي رسول اللّٰه و عدمه، و في آخر «إذا سافر في شهر رمضان أفطر، و إن صامه بجهالة لم يقضه» (1).
و إطلاقه يشمل صورة تقصيره في جهله، و لا بأس بالالتزام به، و باستحقاق العقوبة على مخالفة الواقع تقصيرا، كما عرفت وجهه في الجهر و الإخفات.
و ظاهر قوله «و إن صامه بجهالة» صومه مسافرا، و بعنوان كونه من رمضان، و لازمة تخصيص جهله بالجهل بالحكم، و هو الوجه في تخصيص هذا الجهل بالجهل بحكم المسألة، لا بموضوعه من كونه مسافرا، و كونه شهر رمضان مثلا.
و القادم من السفر إذا لم يفطر يجدد النية إلى الزوال، على ما تقدّم، و سيأتي رجحان إمساكه أيضا لو قدم بعد الزوال.
على ما تقدّم في مسألة البقاء على الحدث و في مسألة الدماء، بلا حاجة الى
1) وسائل الشيعة 7: 127 باب 2 من أبواب من يصح منه الصوم.
التكرار. بل و تقدّم أيضا اعتبار الخلو من الإغماء، بل و لا قضاء عليه، لشمول التعليل في «ما غلب» للمقام، و إن لم يعملوا بهذا العموم في غيره، مثل السكر، و النوم و الغفلة الخارجين عن العادة، البالغين حدا يصدق عليهما بأنهما من الأمراض، التي غلب اللّٰه على العباد.
نعم لا بأس بالالتزام بعدم صحة هذا الصوم، و لو بيّتوا بالنية من الليل، لما عرفت من ارتكاز ملازمة عبادية الشيء للاقتران مع النية، خرج عنه ما خرج، و بقي الباقي تحت القاعدة. و عليه ينزّل معاقد إجماعاتهم على عبادية الصوم، و انه كسائر العبادات، إلّا من بعض الجهات، و اللّٰه العالم.
منها: البلوغ، و كمال العقل حال فوته عنه في الوقت، مع إفاقته خارجه بلا اشكال، على ما عرفت تفصيله في طي مسألة شرطيتهما في أصل وجوب الصوم، بل و قد عرفت أيضا اعتبار الخلو عن الإغماء من سكر أو غيره.
و في شمول الإطلاقات للإغماء المستند إلى تقصيره في إيجاد سببه نظر، لو لا تصريحهم به في مسألة الإدماء الى أن يغمى، فإنّ ظاهرهم بطلان الصوم لاغمائه الحاصل في غيره، لو لا حمله على مجرد نفي الصحة، بمناط فقد شرط العبادة، لا فقد أصل المصلحة، كي يلازم نفي القضاء، كما هو الشأن في السكر أيضا، فتدبّر.
و منها: الإسلام في الكافر الأصلي، لقاعدة «الجب» الجارية في أمثال المقام، بلا اشكال، بضم النص الخاص الوارد في المقام (1)، بعد حمل ما
1) وسائل الشيعة 7: 238 باب 22 من أبواب من يصح منه الصوم.
اشتمل على القضاء، على الفضيلة. و تقدّم شرح القاعدة و رفع الاشكال المشهور عنها، الجاري في قضاء أمثال الصوم من العبادات، فراجع.
و المرتد مطلقا يقضي ما فاته زمان ردته مع تمكنه، و إن لم تسقط عنه العقوبة بتقصيره في مقدماته، مع عدم تمكنه فعلا. و عمدة الوجه فيه تخصيص الأصحاب قاعدة «الجب» بغيره، و تقدّم وجهه في كتاب الطهارة.
و حينئذ فعموم «من فاتته فريضة» يقتضي وجوب قضاء صومه، و هذا المضمون معمول به لدى الأصحاب على وجه يجبر سند الرواية و إن كانت عامية. و معه لا يبقى مجال للتشكيك في وجوب قضاء مطلق ترك الصوم، حتى غير المستند إلى إفطاره، من غير جهة ارتداده، كما لا يخفى.
و يتخيّر قاضي رمضان في إتمامه إلى الزوال، فيتعيّن بعده، على المشهور، لصحيح ابن سنان عن الصادق عليه السّلام: «صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك و بين الليل متى ما شئت، و صوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس» (1). و إطلاقه يشمل قضاء غير رمضان أيضا، لو لا دعوى انصرافه إلى الفريضة الذاتية، كما عليه المشهور، حيث خصّوا الحكم بقضاء رمضان. و في المقام نصوص اخرى (2)مختصة به أيضا.
و ما في صحيح ابن الحجّاج و زرارة من وجوب الإمساك قبل الزوال في قضاء رمضان (3)، محمول على الفضيلة، كما هو الشأن في أمره في الأخيرة (4)
بالكفارة، أو تقييد إطلاقها بما بعد الزوال فما عن بعض القدماء من مصيره إلى مضمونها، منظور فيه.
ثم إنّ مقتضى المفهوم في النصوص المزبورة، وجوب إتمام الصوم تعيينا بعد الزوال، مع قصده الصوم من الأول، كما هو المنساق من النصوص و الكلمات، فلا يشمل غير القاصد إلى ما بعد الزوال و إن لم يفطر. و يومئ إليه أيضا ما في خبر عمار (1).
و لا اشكال ظاهرا لدى المشهور في ثبوت الكفارة بإفطاره بعد الزوال، في فرض وجوبه عليه تعيينا، لرواية بريد العجلي، و رواية هشام (2)المتضمنتين لما ذكرنا، فما في نص عمار من نفي شيء عليه، غير صالح للمقاومة، لإعراض المشهور، و إلّا بحسب الجمع الدلالي هو مقدّم على غيره، كما لا يخفى، و قد تقدّم تفصيل كفارته في الكلام عن الكفارات.
و لا اشكال ظاهرا- بحسب السند- في عدم وجوب الكفارة في قضاء غير رمضان، و إن قلنا بتعيّن صومه بعد الزوال أيضا، لاختصاص دليلها بقضاء رمضان. و مجرد ثبوت الكفارة في أصله، مثل باب النذر، لا يقتضي ثبوتها في بدله، كما هو ظاهر.
و أيضا لا إشكال في عدم جريان حكم التحديد إلى الزوال في غير القضاء من الواجبات غير المعيّنة، لعدم الدليل. فاستصحاب بقائه على التخيير جار في حقه، بلا معارضته لعموم حرمة الإبطال، لعدم تماميته، كما أشرنا إليه كرارا.
هذا كله في الصوم الواجب،
على ما يأتي شرحه، لإطلاق قوله: «الصوم جنة» (1)، الساري في كل فرد متصور في كل يوم.
و المؤكد منه ستة عشر قسما منها: صوم ثلاثة أيام من كل شهر: أول خميس من كل شهر، و أول أربعاء من العشر الثاني، و آخر خميس من الثالث كما هو صريح رواية ابن مروان (2)، و زرارة (3)، و في صحيحة حماد: «أول أربعاء بعد العشر منه» (4).
و دون ذلك صوم مطلق خميسين بينهما أربعاء في العشرات الثلاث، و ذلك في الشهر. و الأربعاء و الخميس و الأربعاء في شهر آخر. أو الأربعاء و الخميس و الجمعة. كل ذلك للنصوص الخاصة (5)، فراجع المطولات، بعد وضوح المسلك في المندوبات بالحمل على التخيير مع التباين أو الفضيلة، بمراتبها في الزائد عند الأقل و الأكثر، بلا أن يكون بناؤهم على طرح السند أو اعمال المرجحات، كما لا يخفى.
هذا، و منها: صوم يوم الغدير، للنص المشتمل على: «أنّ صومه يعدل صوم عمر الدنيا» (6)، و في آخر: «صيام ستين شهرا» (7)، أو «كفارة ستين سنة» (8).
1) وسائل الشيعة 7: 289 باب 1 من أبواب الصوم المندوب حديث 1.
2) وسائل الشيعة 7: 305 باب 7 من أبواب الصوم المندوب حديث 5.
3) وسائل الشيعة 7: 305 باب 7 من أبواب الصوم المندوب حديث 6.
4) وسائل الشيعة 7: 303 باب 7 من أبواب الصوم المندوب حديث 1.
5) وسائل الشيعة 7: 313 باب 8 من أبواب الصوم المندوب.
6) وسائل الشيعة 7: 324 باب 14 من أبواب الصوم المندوب حديث 4.
7) وسائل الشيعة 7: 323 باب 14 من أبواب الصوم المندوب حديث 2.
8) وسائل الشيعة 7: 325 باب 14 من أبواب الصوم المندوب حديث 5.
و منها: صوم يوم المباهلة، قيل لشرافته المناسبة للصيام فيه، مع الاعتراف بعدم نص فيه. و لو لا الإجماع لأشكل حكمه ذلك، حتى على تمامية أخبار «من بلغ» فضلا عن عدمها، نعم لا بأس به رجاء.
و يوم المبعث، كما في خبر ابن راشد (1).
و مولد النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، لمرسلة المفيد (2).
و يوم دحو الأرض، لنص الحسن بن علي الوشاء (3).
و يوم عرفة (4)، لمرسلة الصدوق (5)، بعد حمل ترك الصوم فيه في نص آخر (6)على إيجاب ضعفه، المانع عن الإتيان ببقية الوظائف، بشهادة صحيحة ابن مسلم (7)المشتملة على التفصيل المزبور، و إليه أشار المصنف بقوله: لمن لا يضعفه عن الدعاء.
و أول ذي الحجة، بل كل يوم فيه من العشر الأول ما عدا العيد، لمرسل ابن بابويه (8).
و رجب كله و شعبان كله بلا اشكال فيهما، و في الجواهر: لا يمكن
1) وسائل الشيعة 7: 329 باب 15 من أبواب الصوم المندوب حديث 1.
2) وسائل الشيعة 7: 335 باب 19 من أبواب الصوم المندوب حديث 4، مسار الشيعة: 24.
3) وسائل الشيعة 7: 331 باب 16 من أبواب الصوم المندوب حديث 1.
4) سقط من الشارح هنا من المتن قوله: «و يوم عاشوراء على وجه الحزن»، و قد ورد فيه عدة أحاديث، انظر: وسائل الشيعة 7: 337 باب 20 من أبواب الصوم المندوب.
5) وسائل الشيعة 7: 345 باب 23 من أبواب الصوم المندوب.
6) وسائل الشيعة 7: 343 باب 23 من أبواب الصوم المندوب حديث 7.
7) وسائل الشيعة 7: 343 باب 23 من أبواب الصوم المندوب حديث 4.
8) وسائل الشيعة 7: 334 باب 18 من أبواب الصوم المندوب.
إحصاء ما ورد في فضل صومهما (1)، بل شدة فضل صوم شعبان، و كثرة التحريض به أوهم أبا الخطاب وجوبه، فابتدعوا وجوبه، و صار ذلك داعيا لترك الأئمة عليهم السّلام ذلك، اماتة لبدعتهم (2).
و منها: صوم أيام البيض في كل شهر، و في النص: «من صامها كأنه صام الدهر جميعا» (3)، و حكي: انّ رسول اللّٰه سن مكان أيام البيض خميس أول كل شهر، و أربعاء في وسطه، و خميسا في آخره» (4). و لازمة وفاؤها بأجرها، فيكون طرفا للتخيير، لا أنه ناسخ له، كما توهمه في المدارك (5).
بل يمكن أن يكون ذلك من باب الوفاء بمثل أجرها لا بعينه، فلا ينافي تعيين كل منهما على المكلف، كما لا يخفى. فمرجع التخيير المذكور إلى اختيار المكلّف في تحصيل أيهما، عند إرادته تحصيل سنخ أجرهما لا شخصهما.
و منها: صوم كل خميس و كل جمعة، و في النص: «من صام يوم الجمعة صبرا و احتسابا اعطي ثواب صيام عشرة أيام» (6).
و في آخر: «كان النبي يصوم الاثنين و الخميس»، معللا بأن أعمال الناس تعرض فيهما (7).
و ظاهره كون فضيلة صوم الاثنين مثل يوم الخميس، كما انّ ظاهر الأول جواز الاقتصار بصوم الجمعة بلا صوم قبله أو بعده. فما في النص من النهي عنه
1) جواهر الكلام 16: 183.
2) وسائل الشيعة 7: 348 باب 26 من أبواب الصوم المندوب.
3) وسائل الشيعة 7: 303 باب 7 من أبواب الصوم المندوب.
4) وسائل الشيعة 7: 320 باب 12 من أبواب الصوم المندوب حديث 1.
5) مدارك الأحكام 6: 263.
6) وسائل الشيعة 7: 301 باب 5 من أبواب الصوم المندوب حديث 2.
7) وسائل الشيعة 7: 509 باب 4 من أبواب الصوم المندوب حديث 6.
إلّا بضم يوم قبله أو بعده (1)، مطروح، لعاميته، أو مؤول بكون النهي كان عرضا، للتحريض إلى الأفضل.
و يستحب الإمساك- و إن لم يكن صوما- للمسافر القادم بعد الزوال أو قبله و قد أفطر، لنص الزهري (2).
و المريض إذا بريء كذلك، أي بعد الزوال، أو قبله و بعد الإفطار، كما في ذيل رواية الزهري السابق من قوله: «و كذلك من أفطر لعلّة في أول النهار ثم قوي بعد ذلك» (3)، و ظاهر «قوي» تخصيص العلة بالمرض، فلا يشمل كل علّة من كفر أو حيض و أمثالهما.
و ربما تومئ هذه الفقرة إلى أنّ أول النهار شأن الإفطار دون غيره، فيجب عليه تجديد النية قبل الزوال لو بريء، و بمثله يمكن أن يستند في إلحاق المريض بالمسافر. و لكنه مجرد اشعار، فالعمدة في وجه الإلحاق أطباق كلمتهم، و إلّا فللنظر فيه مجال.
و كذا الحائض و النفساء إذا طهرتا بعد الزوال، أو قبله بعد الإفطار، على القول بالحاقهما بالمسافر و المريض، في لزوم تجديد النية قبل الزوال، و إلّا فليكن استحباب امساكهما مطلقا، و ذلك أيضا لو استفدنا من النصوص السابقة مناط التأدب، الجاري في كل ذي عذر عند ارتفاع عذره.
و إلّا- و لو من جهة عدم التزامهم به في صورة الإفطار قبل الزوال- أشكل إجراء الحكم المزبور، و لو بقاعدة التسامح، لعدم نص مخصوص فيهما،
فلا محيص عن نفي البأس برجاء الواقع، و اللّٰه العالم.
و هكذا الكلام في الكافر إذا أسلم، و أما الصبي إذا بلغ فقد شملته الرواية السابقة عن الزهري. و يلحق به المجنون إذا أفاق مطلقا، على المختار من عدم إلحاقه في وجوب التجديد إلى الزوال بالمسافر، و إلّا فيجري التفصيل السابق في المريض و المسافر.
و ربما يكون الوجه فيه غلبة الظن باشتراكهما في غالب الأحكام على وجه صارت الملازمة بينهما من المرتكزات الشرعية، على وجه يحتاج خلافه إلى ردع جديد، فمع عدمه فيبقى على حجيته.
لكن الانصاف منع تمامية هذه المقدمات لإثبات مثل هذا الحكم الشرعي، نعم لا بأس به رجاء، لو لا قيام إجماع عليه، فتدبّر.
و أشكل منه الحكم في المغمى عليه لو لا شبهة انصراف «أفطر» عن صيرورته مغمى عليه، فلا يشمله، إذ الظاهر منه كون علّته منشأ إفطاره، و هذا المعنى غير متصوّر في المغمى عليه، فإلحاقه أيضا بالسابق مشكل، لكن لا بأس به رجاء.
و لا يصح صوم الضيف تطوعا بدون اذن المضيف خلافا لجماعة صرّحوا بكراهته أو استحباب تركه، على وجه لا يضر بصحة صومه، بجعل المستحب عنوانا ملازما لتركه لا نفسه، و إلّا فيشكل صحته مع فرض مرجوحيته، الملازمة لرجحان نقيضه و لو بعنوان آخر منطبق عليه لا على لازمة.
و في الجواهر: انّ ما في التبصرة خلاف إجماع الغنية (1)، و لذا جعل العلّامة الأستاذ- في تكملته- في عداد المكروهات العبادية.
1) جواهر الكلام 16: 185، الغنية (الجوامع الفقهية): 509.
و عمدة سندهم: التعبير ب «لا ينبغي» في بعض النصوص (1)، مضافا إلى جعله في نص آخر من فقه الضيف (2)، قبال جعل ترك الصوم بلا اذن مولاه من صلاح العبد. مضافا الى التعليل في الرواية السابقة «لئلا يحتشمهم» (3)، إذ مثل هذه بمجموعها تصلح للقرينية على حمل النهي في خبر الزهري (4)على الكراهة.
و كذا لا يصح- عند المصنف- صوم المرأة بدون اذن الزوج، للنهي عنه في رواية الزهري، بل التعبير بعنوان «العاصي» عن المرأة المزبورة.
و في قباله النص على نفي البأس عنه تارة (5)، و التعبير بلا يصلح اخرى (6)، و ذلك باتكال المشهور على مثلهما على وجه يصلح للقرينية لحمل النهي على الكراهة. لكن الاشكال فيه، فمع ضعفهما سندا يشكل رفع اليد بمثلهما عن النهي في الخبر الآخر، و لذا احتاط أستاذنا العلّامة في تكملته.
و كذا لا يصح عند المصنف صوم الولد بدون اذن الوالد، للنهي عنه في بعض النصوص و فيه: «و إلّا كان الولد عاقا» (7)و في الجواهر:
رمي النص بالضعف، على وجه لا يصلح دليلا على بطلان الصوم (8). لكن الانصاف منع أصل الدلالة، إذ في بعض فقرأتها شائبة الكراهة، على وجه
1) وسائل الشيعة 7: 494 باب 9 من أبواب الصوم المكروه.
2) وسائل الشيعة 7: 396 باب 10 من أبواب الصوم المكروه حديث 2.
3) وسائل الشيعة 7: 394 باب 9 من أبواب الصوم المكروه حديث 1.
4) وسائل الشيعة 7: 390 باب 10 من أبواب الصوم المكروه حديث 1.
5) وسائل الشيعة 7: 394 باب 8 من أبواب الصوم المكروه حديث 5.
6) وسائل الشيعة 7: 393 باب 8 من أبواب الصوم المكروه حديث 2.
7) وسائل الشيعة 7: 396 باب 10 من أبواب الصوم المكروه حديث 2.
8) جواهر الكلام 16: 330.
يصلح للقرينية على الباقي بوحدة السياق.
و لا يصح عندنا أيضا صوم المملوك بدون اذن المولى، لعموم «لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» (1)، الذي منه صيامه المندوب. كما لا يصح صوم الولد مع تأذي والديه، لحرمته بالآية الشريفة (2). و لا صوم الزوجة مع منافاته لاستمتاع الزوج، لحرمة تفويت حقه، من دون فرق في ذلك- نفيا و إثباتا- بين صورة نهي المولى و غيره، أو عدم اذنه، فما عن المحقق من مصيره الى التفصيل المزبور نظر، إذ النصوص الصالحة للمدركية مشتملة على النهي بدون الاذن، بلا اختصاص النهي بذلك، كما لا يخفى، و الجواهر أيضا استشكل فيه (3)، فراجع.
منها: صوم النافلة سفرا على ما ذهب إليه جمع، نظرا إلى بعض النصوص المرخصة (4)، في قبال النواهي المطلقة (5)الشاملة للنافلة أيضا.
و يكفي في جبر سندها عملهم بها، خلافا لجمع آخر، حيث طرحوها مع أظهريتها و أخذوا بالمطلقات.
و العمدة فيه صلاحية عمل الجماعة الأولى لجبر سندها، و إلّا فلا بد من المصير إلى القول الآخر.
و على أي حال استثنى من ذلك صوم ثلاثة أيام للحاجة بالمدينة، للنص
الصحيح المشتمل عليه (1)كما في الجواهر (2).
و منها المدعو الى طعام، و في الجواهر: لم أقف على ما يدل عليه من النصوص (3)، و المستفاد منه استحباب قطعه و إفطاره، و في النص أيضا، «أفطر فإنه أفضل» (4)، و في آخر «إفطارك في منزل أخيك أفضل من الصيام» (5)، و ما في بعض النصوص من النهي عن معارضة أخيك المؤمن و ترك إجابته أيضا (6)، لا يقتضي كراهة الصوم، إذ النهي متعلّق بأمر خارج، فلا يصلح سندا للكراهة.
و المستفاد من التعبير بالأخ كون الدعوة من المؤمن، و هو المناسب لإدخال السرور عليه، فلا يشمل المنافق، بل إطلاق بعض النصوص يقتضي استحباب الإفطار حتى في الواجب غير المعيّن، لمعلومية المناط، من عدم مزاحمة الوجوب في المقام و أمثاله، لاستحباب الخصوصية، كما لا يخفى.
و منها: صوم عرفة مع ضعفه عن الدعاء، لما تقدم، أو شك الهلال أي هلال عرفة، للنهي عنه في نص سدير معللا بقوله: «أتخوّف أن يكون يوم عرفة يوم أضحى» (7).
1) وسائل الشيعة 7: 143 باب 12 من أبواب من يصح منه الصوم حديث 1.
2) جواهر الكلام 16: 338.
3) جواهر الكلام 16: 330.
4) وسائل الشيعة 7: 110 باب 8 من أبواب آداب الصائم حديث 7.
5) وسائل الشيعة 7: 109 باب 8 من أبواب آداب الصائم حديث 3.
6) وسائل الشيعة 7: 109 باب 8 من أبواب آداب الصائم حديث 3.
7) وسائل الشيعة 2: 344 باب 23 من أبواب الصوم المندوب حديث 6.
منها: صوم العيدين، و أيام التشريق لمن كان ناسكا بمنى.
و يدل على الحكمين ما في نص الزهري: «و أما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر، و يوم الأضحى، و ثلاثة من أيام التشريق» (1)و ظاهر نسبة الحرمة إلى نفس الصوم، حرمته ذاتا لا تشريعا.
و توهم انصرافه الى نحو ما يؤتى به- بداعي أمره- في سائر المقامات، و لازمة حرمة إتيانه بالقصد المزبور، و هو يناسب التشريع.
مدفوع: أولا بمنع الانصراف المزبور، و على فرضه يمنع كون الحرمة المتعلقة به بهذه الخصوصية حرمة تشريعية، كيف و في التشريع لا يكون الحرام إلّا ما هو من أفعال القلوب، و لا تسري حرمته إلى الفعل الصادر عنه خارجا، فهو في الحقيقة من المحرّمات الجنانية لا الجوارحية. فمهما تعلق النهي بفعل خارجي، مقيدا بأمور قصدية، فإنّ ذلك يكشف عن عدم كونه حراما تشريعا، بل العمل الخارجي الناشئ عن قصد التشريع حرام، و هو غير حرمة نفس التشريع.
و لذا نقول: انّ النواهي المتعلّقة بمثل هذه العناوين، باقية على مولويتها، بخلاف ما لو كانت لبيان حرمة نفس التشريع، فإنه يكون- لا محالة- من الارشادات العقلية.
و بمثل هذا البيان نلتزم بأنّ النواهي المتعلّقة بعناوين العبادات، ما دامت ظاهرة في المولوية، فلا بد من استفادة الحرمة للعمل، زائدا عن حرمة تشريعه، فلا يكاد يستفاد منها انحصار الحرمة بالتشريعية، إلّا بفرض سوقها لمجرد دفع توهم المشروعية، بلا دلالته على المبغوضية.
و حينئذ فإن تمت مثل هذه القرينة العامة في أمثال هذه النواهي،
1) وسائل الشيعة 7: 382 باب 1 من أبواب الصوم المحرم حديث 1.
تنحصر الحرمة في موردها بالتشريع المستفاد من العقل محضا، و انّ النهي حينئذ لا دلالة له إلّا على وجود موضوعه. و إن لم تتم مثل هذه القرينة العامة في أمثاله، فلا محيص من بقائه على ظهوره الأصلي، من مبغوضية العمل، زائدا عن حرمة تشريعه.
و حيث كان الأمر كذلك، أمكن دعوى الفرق بين صورة ورود التحريم بمادته أو بهيئته، و الالتزام بأنّ هذه النواهي مقترنة غالبا بمثل هذا التوهم، فلا يستفاد منها أزيد من عدم المشروعية.
و حينئذ صح أن يقال: إنّ الأصل في أمثال هذه النواهي، هو نفي المشروعية محضا، إلّا إذا ثبت- في خصوص مورد- قرينة على الحرمة. و لكن فيما كانت حرمته بمادة التحريم، كان ظاهرا في المولوية.
و ربما يشهد لهذا المعنى من المولوية في المقام، التعليل في كراهة صوم يوم عرفة عند الشك في هلاله، باحتمال كونه يوم العيد. إذ مثل هذا المعنى يكشف عن مبغوضية العمل، زائدا عن التشريع. كيف و لو كانت الحرمة في المقام تشريعية محضة لما كان في مصادفته للعيد محذور.
و حينئذ يتعدّى في هذه الحرمة إلى سائر أخواته كما لا يخفى.
و مقتضى إطلاق حرمته حرمة مطلق وجوده، و لو بعنوان رجاء الأمر، الذي هو من أنحاء تقربه.
كما انّ مقتضى إطلاق النهي في الحكمين، عدم الفرق بين من قتل خطأ أم لا. و عن جمع تخصيص الحكم بغيره، للنص المشتمل على جواز الصوم و لو صادف مثل هذه الأيام، معللا بأنه «حق لزمه» (1).
و ردّه المحقق في المعتبر بالشذوذ و مخالفته للأخبار (2). و لو لا و هن سنده بما
ذكر لم يكن قصور في أقووية دلالته من بقية الأخبار، فتخصص بمثله.
و أيضا مقتضى الإطلاق- في أيام التشريق- سريان الحرمة إلى غير من كان بمنى أيضا. و لكن في نص آخر- معمول به- تخصيص الحكم بمنى، لقوله:
«و أما بالأمصار فلا بأس» (1). و إطلاقه و إن كان يشمل غير الناسك، و لكن انصراف الذهن من «فمن كان بمنى» الى خصوص الناسك، دعاهم الى تخصيص الحكم به. و يمكن صرف إطلاق المصنف الى الناسك أيضا، كما لا يخفى.
و من المحرمات: صوم يوم الشك على انه من رمضان، و في كون حرمته ذاتيا اشكال، لما عرفت من أنّ الأصل في أمثال هذه النواهي كونها لدفع توهم المشروعية. نعم لما كان هذا النهي متعلقا بالصوم المزبور، في ظرف الشك في وجوبه، لا يعقل أن ينظر الى نفي وجوبه واقعا، فلا يدل إلّا على نفي مشروعيته ظاهرا.
و حينئذ لا يقتضي مثل هذا النهي إلّا حرمة إتيانه بعنوان كونه من رمضان جزما، و أما إتيانه برجاء الواقع فلا تشريع فيه، و لا قصور في إتيانه، و تقدّم تفصيل هذا البحث، فراجع.
و منها: صوم نذر المعصية، و المراد منه: صوم نذره شكرا على صدور المعصية منه، و يدل على حرمته رواية الزهري السابقة.
و منها: صوم نذر المعصية، و المراد منه: صوم نذره شكرا على صدور المعصية منه، و يدل على حرمته رواية الزهري السابقة.
و منها: صوم الصمت بمعنى جعل الصمت مشخصا لعمله في قصده، لأنه الظاهر من الرواية السابقة، لا أنّ المنهي عنه جهة صمته، كي يكون النهي متوجها إلى أمر خارج عن العبادة، غير المقتضي حينئذ لفسادها،
1) وسائل الشيعة 7: 385 باب 2 من أبواب الصوم المحرّم حديث 1.
إذ هو خلاف ظاهر النص.
و حينئذ لو لم تجعل مثل هذه الخصوصية مشخصة لعمله، بل جعلت في قصده وصفا مقارنا له، لم يكن يوجب مثله فساد صومه، لما عرفت من انصراف النهي عنه.
و منها: صوم الوصال و هو عبارة عن ضم شيء من الليل إلى النهار في إمساكه الصومي، و فسّره بعضهم بجعل عشائه سحوره، و عن آخر ان يصوم يومين من غير أن يفطر بينهما. و بكل واحد من المعنيين ورد النص (1)، و يمكن استفادة معنى جامع، فلا معارضة بينهما.
و من الصيام المحرّم عند المصنف الصوم الواجب في السفر، و لكن ظاهر أدلتها نفي مشروعيتها محضا. و عليه أيضا تحمل النواهي الواردة فيها، و إن كان خلاف ظواهرها الأولية. لكن لا بأس بارتكابه بالحمل على نفي توهم المشروعية، لا على المولوية، و لو للأصل السابق، و لما في بعض النصوص، من نفي المزية عنها، الظاهرة في مجرد عدم المشروعية، كما لا يخفى.
نعم في بعض النصوص كونها معصية، و هو ظاهر في حرمة نفس العمل، لو لا حمله على مقارنته للتشريع الذي هو معصية، و ربما يكون فهم الأصحاب أيضا شاهدا لمدعانا.
و على أي حال فإنّ هذه الحرمة ثابتة في كل سفر إلّا في موارد، منها: النذر المقيّد به لا المطلق المصادف له، و يدل على هذا التفصيل ما في مكاتبة ابن مهزيار، المنجبرة بدعوى نفي الخلاف في المسألة، من قوله- بعد
1) وسائل الشيعة 7: 387 باب 4 من أبواب الصوم المحرم.
السؤال عن يوم خاص مصادف فيه-: «ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلّا أن تكون نويت ذلك. و إن كنت أفطرت منه من غير علة فتصدّق» (1)، و هذه الفقرة توجب تخصيص ما تقدم بالسفر. و بمثله ترفع اليد عن المطلقات الناهية.
و من جملة المستثنيات: صوم بدل دم المتعة و بدل البدنة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب، عامدا، أما الأول فلرواية يونس المشتملة على أمره عليه السّلام بصوم ثلاثة أيام قبل التروية بيوم، و يومها، و يوم عرفة. و في ذيلها: فإن أعجله أصحابه و أبوا أن يقيموا بمكة، قال:
«فليصم في الطريق». قال: فقلت: يصوم في السفر؟ قال: «هو ذا، هو يصوم في عرفة و أهل عرفة هم في السفر» (2).
و لا ينافي ذلك ما في نص آخر من قوله: «إن صامها فأخرها يوم عرفة، و إن لم يقدر على ذلك فليؤخرها حتى يصومها في أهله و لا يصومها في السفر» (3)، لإمكان حمله على دفع توهم الحظر الحاصل من الآية الشريفة.
و يؤيده ما في مرسلة المفيد المشتملة على قوله: «أما أني لم آمره بالرجوع إلى مكة، و لا أشق عليه، و لا آمره بالصيام في السفر، و لكن يصوم إذا رجع إلى أهله» (4).
و أما الثاني و هو صوم بدل البدنة، فلصحيح ضريس: عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس، قال: «عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم
يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في أهله» (1).
ثم إنّ السفر الذي لا يشرع الصوم فيه هو السفر الشرعي الموجب لقصر الصلاة، لا ما إذا لم يوجبه، مثل أن يكون سفره معصية، أو يكون سفره أكثر من حضره، أو غير ذلك مما لا يوجب القصر، فلا إفطار فيه، بلا اشكال، لثبوت الملازمة بين القصر و الإفطار إلّا ما خرج، كالخارج بعد الزوال و أمثاله.
و الأصل فيه ما في المستفيضة: «ليس يفترق التقصير و الإفطار، فمن قصّر فليفطر» (2). و إطلاقها يشمل سفر التجارة و غيرها، خلافا لمن التزم بالتفرقة بينهما، على ما حكاه المحقق في شرائعه (3)، لبعض النصوص المفصلة بين الخروج لقوت الأهل، أو لطلب الفضول، بالإفطار في الثاني، الصادق على سفر التجارة (4).
و فيه: انّ صدره ظاهر في التفصيل في القصر أيضا، فلا محيص عن حمله على سفر اللهو لا التجارة، حذرا من طرح الرواية.
و على أي حال لا شهادة فيها على نفي الملازمة بينهما في سفر التجارة، كما لا يخفى.
ثم إنه لا وجه لتخصيص المصنف الحكم بكثير السفر، و هو كل من ليس له في بلده مقام عشرة أيام على ما تقدّم مفصلا، بل جار في كل سفر لا يوجب تقصيرا كما أشرنا، و اللّٰه العالم.
إلى مضيّق و هو: رمضان و قضاؤه في الجملة، و النذر المقيد، و اليوم الثالث من الاعتكاف بلا اشكال فيها. و سيأتي الأخير في الاعتكاف، كما سيأتي حكم قضاء رمضان في مطاوي كلمات المصنف.
و إلى مخيّر و هو: كفارة أذى حلق الرأس في الإحرام، و سيأتي في محله. و كفارة رمضان لدى الأكثر، خلافا للسيد على ما تقدّم و جزاء الصيد على ما يأتي في محله، على اشكال فيه.
و إلى مرتب و هو: صوم كفارة اليمين، لما في صريح الكتاب الكريم (1). و قتل الخطاء، على ما يأتي في محله. و الظهار، لقوله تعالى:
«فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ- إلى قوله- فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ» (2). و دم الهدي، و كفارة قضاء رمضان بعد الزوال، و قد تقدّم الكلام في الأخير، و سيأتي الكلام عن الأول في محله.
و من أقسام الصوم أيضا ما هو واجب مع غيره، كما في قتل العمد و غيره مما يأتي في محله. و الغرض في المقام مجرد الإشارة إلى أقسامه، مع تفصيل البحث في كل واحد في محله، فلا موجب للتكرار.
إلّا في أربعة موارد، على ما يظهر من كلماتهم من تأسيس هذه القاعدة في باب الصوم. و في المدارك أنكرها فيما
لا نص على التتابع فيه بالخصوص (1)، مثل كفارة قضاء رمضان، و حلق الرأس، و صوم ثمانية عشر في بدل البدنة، و بدل الشهرين عند العجز. و عمدة نظره إلى إطلاق الأمر بها، المقتضي للإجزاء.
مضافا إلى عموم قوله: «كل صوم يفرّق إلّا ثلاثة أيام في كفارة اليمين» (2).
و في قبال ذلك مما يصلح أن يكون مدركا للجماعة، عموم العلة في بعض الكفارات، مثل قوله: «لئلا يهون الأداء فيستخف به، لأنه إذا قضاه متفرقا هان عليه القضاء و استخف بالايمان» (3).
و الانصاف انّ العموم الأول أصرح من هذه العلّة، على وجه يصلح أن تحمل على حكمة غير مطردة كما في قوله: «إنما الصيام الذي لا يفرّق: كفارة الظهار، و كفارة الدم، و كفارة اليمين» (4)، إذ الرواية السابقة في عمومها أصرح من ظهور هيئة الثانية في الوجوب، فتحمل الثانية- في غير اليمين المستثناة من العموم السابق- على الاستحباب، و هو أولى من تخصيص العام بمثله، أو حمل الحصر- باليمين في العام الأول- على الإضافة.
و عليه فيبقى الدليل على إطلاقه في غير مورد قيام النص على وجوب التتابع، و ذلك مثل كفارة اليمين، و صوم الشهرين كفارة معينة أو مخيرة، لورود النص فيهما حسب ما تقدّم.
و أما ورود النص على التتابع في صوم السبعة بدل الهدي (5)، فهو معرض عنه في مورده، فلا يعبأ به في غيره.
و عليه فالحق ما ذهب إليه صاحب المدارك من الإشكال في الكلية المزبورة، لو لا شبهة إعراض الأصحاب عن الكلية المستثنى عنها صوم اليمين، و الكلية الأخرى المستثنى عنها صوم الظهار و اليمين و القتل، فيبقى ظهور العلّة بحالها، علاوة على منع الإطلاق في أدلتها من تلك الجهة، فينتهي الأمر إلى دوران الأمر بين التعيين و التخيير، لو لا دعوى أنّ التتابع عرفا جهة زائدة عن أصل الصوم، فالمسألة من صغريات الأقل و الأكثر، و الأصل فيه البراءة.
لكن الانصاف عدم وصول الدور إلى هذه المراحل، مع قوة الرواية السابقة، بضم احتمال كون نظر الأصحاب إلى طرحها، بمناط المعارضة سندا أو دلالة، لا مجرد اعراضهم الموجب لضعفها.
و عليه فالمسألة في غاية الاشكال، و لذا جعل العلّامة الأستاذ في تكملته القول بالتتابع- بنحو الكلية- أحوط، و اللّٰه العالم.
و كيف كان فقد استثنى المصنف من الكلية المزبورة موارد أربعة: النذر المطلق و شبهه، من حلف و يمين كذلك و القضاء، و جزاء الصيد، و السبعة في بدل الهدي.
أما الأول، فهو مقتضى وجوب الوفاء وفق النذر، فإذا كان النذر متعلقا بصرف الطبيعة، القابلة للانطباق على المنفصل، فلا وجه لوجوب التتابع.
و حرمة إبطال العمل أيضا لا تقتضي وجوب التتابع، كيف و لازمة التخصيص المستهجن، كما مر مرارا.
نعم في بعض النصوص: في من نذر صوم شهر، فصام خمسة عشر يوما، ثم عرض له أمر، فقال: «إن كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضي ما بقي، و إن كان أقل من خمسة عشر يوما، لم يجز حتى يصوم شهرا تاما» (1)، و نظيره
1) وسائل الشيعة 7: 276 باب 5 من أبواب الصوم الواجب.
نص الفضيل (1).
و ظاهرهما التفصيل بين صورة الاضطرار بعد النصف، فيجتزئ بالمأتي به من النصف، و يأتي بالباقي. و إن حصل قبله فلا يجتزئ بالمأتي به، بل يجب استئناف تمامه، و بمثل هذا التفصيل لم يلتزم أحد حتى ابن زهرة و أبي الصلاح.
و حينئذ فالرواية من الشواذ غير المعمول بها فلتطرح، أو تؤوّل على وجه لا ينافي القواعد. و من العجب ما في الجواهر حيث تعرّض لهذين الخبرين في ذيل مسألة «وجوب البناء، بعد رفع الاضطرار في المتتابعات» و رماهما بالضعف و عدم الجابر، و مع ذلك تمسك بهما في مسألة «ترك التتابع في الشهر الواجب عليه التتابع لا عن عذر» و قوّاهما سندا بانجبارهما بالشهرة، فراجع في المقامين ترى بينهما كمال التهافت، لو لا ما سيأتي من التوجيه، فتدبّر.
و أما الثاني، فلنصوص صريحة على عدم وجوب التتابع في قضاء رمضان (2)، الملحق به غيره، بعدم القول بالفصل. مضافا إلى أنّ عموم «وجوب القضاء كما فاتت» لا يقتضي إلّا حفظ الخصوصيات المعتبرة شرعا، لا مثل التتابع الواجب عقلا بمناط ضيق وقته، كما لا يخفى.
و أما الثالث، فلم نر نصا فيه بالخصوص، بل عمدة الوجه فيه- كالفرع الأول- إطلاق دليله، بعد نفي توهم انصرافه إلى خصوصية كونه متتابعا.
و لكن لا يخفى انّ إتمام المدعى في الفرعين متوقف على عدم تمامية أصالة التتابع، المستفادة من عموم العلة السابقة، و إلّا فلا مجال لجعل هذين الفرعين
من المستثنيات، لجريان عموم العلة فيهما أيضا.
نعم لو كان مدرك أصالة التتابع انصراف الإطلاقات، لأمكن المصير الى التتابع في الثاني دون الأول، إذ لا معنى لانصراف دليل وجوب الوفاء بالنذر، مع فرض إطلاق نذر الناذر مثلا، كما لا يخفى.
نعم لا بأس- مع فرض تمامية أصالة التتابع- بجعل الفرع الثاني و الرابع من المستثنيات، للنصوص الخاصة المصرحة بعدم التتابع في الثاني كما أشرنا.
و كذلك في الرابع، لنص إسحاق بن عمار (1)المجبور سنده بالشهرة. و بمثله يحمل الصحيح الوارد على إيجاب التتابع فيه على الاستحباب، فما عن ابن عقيل من مصيره الى وجوب التتابع فيه، منظور فيه.
بلا اشكال فيه في الجملة، للنصوص المستفيضة (2)المشتملة على التعليل بعموم «ما غلب اللّٰه على العباد»، الوارد في الشهرين المتتابعين، و في الصوم المنذور أياما، و لعموم العلة تعدّى المشهور الى غيرهما من سائر أصناف الصوم مما يجب فيه التتابع.
و استشكل صاحب المدارك في المقام أيضا في وجوب البناء في غير الشهرين المتتابعين، الذي ورد النص على البناء المزبور فيه في الجملة (3).
و ردّه في الجواهر (4)بعموم العلّة الجارية في غيرهما، و برواية علي بن أحمد الواردة في صوم النذر في أيام معلومة، المشتملة على قوله: «يحتسب بما
مضى» (1)، فيتعدّى إلى غيره بعدم القول بالفصل.
أقول: لا يخفى أنّ ظاهر كلماتهم- في موارد وجوب التتابع- كون التتابع قيدا للواجب، لا واجبا مستقلا في واجب، و إلّا فلا معنى لالتزامهم بوجوب الاستئناف، مع عدم العذر في الإفطار و ترك التتابع. و حينئذ فالواجب المقيد بالتتابع، بعد ما كان بنفسه موسعا، فلازمه- عند انتفاء القيد و لو عن اضطرار- استئنافه رأسا، كما هو الشأن في كل واجب كذلك.
و حينئذ فلو كانت العلّة في مثل المقام بعمومها معمولا بها، كان لازمة التعدّي من المورد إلى كل واجب موسع، اضطر إلى فوت قيده في زمان، بعد الشروع فيه، و ليس كذلك جزما، فيكشف ذلك عن عدم بنائهم على التعدّي من مورد العلة إلى سائر الموارد، بل قد أشرنا في باب نفي قضاء الصلاة بالإغماء، إلى التمسك بهذه العلة، و مع ذلك لم يتعدّوا إلى السكر و سائر الأمور غير العادية، المانعة عن التكليف، على وجه يصدق عليها بأنه مما غلب اللّٰه، و مع هذا الوهن كيف يبقى مجال للتعدّي عن مورد العلة إلى غيره؟! و أما الرواية الأخرى فموردها الصوم في أيام معينة، و ظاهرها الأيام الخاصة المأخوذ فيها التتابع، و مقتضى البناء وجوب إتيانها بعد رفع العذر في غير الأيام المعلومة. و ذلك لا يكون إلّا بعنوان القضاء لا الأداء، فوجوب بنائه فورا فرع وجوب قضائه كذلك، و هم غير ملتزمين به، فالرواية بهذا المعنى غير معمول بها. و لئن حملت على وجوب القضاء قبال الاستئناف، فغير دالة على الفورية رأسا. و ذلك غير مرتبط بالمقصود، من وجوب حفظ التتابع بالبناء مهما أمكن.
و لئن أريد من الأيام المعلومة عددا، مع كون النذر مطلقا، فلا يجب فيه
1) وسائل الشيعة 10: 170 باب 55 من أبواب الذبح حديث 2.
التتابع عند المشهور رأسا، كي يدخل في صغرى قاعدة وجوب البناء في كل صوم اعتبر فيه التتابع، و أفطر عن عذر. و على أي حال لم أر في الرواية وجها للدلالة على المدعى، بنحو يكون خاليا عن المحذور، بل هو بين ما لا دلالة فيه، و بين ما فيه دلالة لكن لم يعمل على وفق مضمونها أحد، و عليه فلا يخلو اشكال صاحب المدارك- في التعدّي الى غير الشهرين اللذين هما مورد النصوص- عن وجه.
اللهم إلّا أن يقال: انّ عموم العلة- بواسطة كثرة التخصيص- موهونة تحتاج إلى عمل الأصحاب، ففي كل مورد كان عملهم على وفقها فلا بأس بالتشبث بها، و في مثله لا يضر بالعموم عدم تعديهم منها الى غير محل البحث.
هذا كله فيما لو أفطر لعذر، و إن أفطر لغيره أي لغير عذر استأنف، إلّا في موارد ثلاثة. أما أصل الاستئناف فكونه بمقتضى القاعدة فرع ثبوت وحدة المطلوب لا تعدده، و ذلك أيضا فرع استفادة شرطية التتابع من عموم العلة، الجاري- على ما قيل- في كل صوم إلّا ما خرج، و استفادة هذا المعنى من العلة المزبورة في غاية الإشكال، فلو لا فهم الأصحاب الشرطية، بشهادة إطباقهم على وجوب الاستئناف، كان للتشكيك في المسألة مجال، لو لا انتهاء الأمر إلى التعيين و التخيير، فتتم فتواهم حينئذ بالنظر الى الأصول العملية.
لكن الانصاف تمامية دعوى الإطباق على الشرطية، فيما كان التتابع واجبا، فلا ينافي ذلك نزاعهم في أصل الوجوب في غير الموارد المنصوص عليها بالخصوص، كما لا يخفى.
و حيث ثبتت هذه الكلية فنقول: إنه قد خرج عن تحت هذه الكلية- كما أشرنا- موارد:
منها: من وجب عليه شهران فصام شهرا و من الثاني و لو يوما فإنه حينئذ لا يجب عليه الاستئناف، بل له ترك التتابع و البناء على المأتي به
متى أراد الإتمام، بلا اشكال، لما في رواية سماعة، المشتملة على قوله: «إذا صام أكثر من شهر فوصله، ثم عرض له أمر فأفطر فلا بأس، فإن كان أقل من شهر أو شهرا، فعليه أن يعيد الصيام» (1). و ظاهر «عرض له أمر» و إن كان يوهم حدوث عذر للإفطار، لكن ظاهر ذيله- من الحكم بالإعادة- كاشف عن عدم كون المراد من الأمر المزبور الأعذار المجوّزة لترك الواجب.
كيف و قد عرفت من النصوص المستفيضة في خصوص الشهرين وجوب البناء مطلقا، للعلة المنصوصة، و لو كان الإفطار قبل مضي شهر. فهذه شواهد على حمل الأمر في المقام على ما لا يكون من الأعذار المسوغة لترك الواجب.
نعم لازم ذلك- كما عليه الفتوى أيضا- عدم وجوب التتابع في تلك الصورة، فلا يكون ذلك من صغريات مسألة الاستئناف، للترك عن لا عذر في مورد يجب فيه التتابع، فجعله حينئذ من المستثنيات عن هذه الكلية منظور فيه، بل الأولى جعله من مستثنيات وجوب التتابع في صوم واجب.
ثم إنّ في صحيحة جميل التفصيل بين كون المسوّغ للإفطار قبل الزيادة على شهر، و عدمه (2)، لكن لا بد أن تقيد بحصوله بعده. كما انّ العذر فيه أيضا لا بد أن يحمل على غير المسوغة لترك الواجب، و إلّا بنى و إن حصل قبل إكمال الشهر كما تقدم.
و منها: من وجب عليه شهر و لو غير معيّن بإطلاق دليله، من غير أن يكون من قبل النذر المطلق، بناء على كلية وجوب التتابع، الخارج عنها النذر المطلق و أمثاله، فصام خمسة عشر يوما، فإنه أيضا يبني بلا استئناف، بل و لا وجوب تتابع بعد المضي المزبور، و هو المشهور بين
الأصحاب أيضا.
و استدل لهذا الحكم بخبر موسى بن بكير و رواية الفضيل المشتملين على:
من جعل على نفسه صيام شهر فصام منه خمسة عشر يوما فعرض له أمر، فقال: «فله أن يقضي ما بقي، و إن كان أقل من ذلك لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما» (1). بناء على حمل الأمر العارض عليه من غير الأعذار المرخصة لترك الواجب، و إلّا فلا يجب الاستئناف و لو كان قبله، كما قلنا بمثله في الرواية السابقة. و إلّا فلا بد من طرحها و لو بالحمل على غير الأعذار المزبورة بقرينة فهم الأصحاب.
لكن الإنصاف انّ في النفس دغدغة من أمثال هذه الأدلة، لأنه على فرض ظهور الأمر المزبور في الأعذار المسوغة لترك الواجب، و كان هذا الظهور مطروحا عندهم، فإن تمت القرينة على طرح هذا الظهور، و لو بمقتضى وجوب التعبد بالسند، بالنسبة إلى مقدار يمكن العمل بمضمونه، فيؤخذ بالسند و يطرح هذا الظهور.
و أما إن احتمل كون عدم عملهم على وفق ظهور الرواية، من جهة خلل في سندها، فربما يصير السند بمثل هذا الاعراض موهونا، غير صالح لشمول دليل التعبد، بالنسبة إلى المقدار الممكن أخذه.
و من هذه الجهة استشكلنا في الرواية المطروحة ظهورا عند الأصحاب، باحتمال كون ذلك لخلل مضر بسندها، و مع هذه الشبهة لا يوثق بها عندنا كي يصير سندها مشمول دليل الحجية.
و عليه فالعمدة في البين ملاحظة فتاوى الأصحاب في أمثال هذه المقامات، فإن بلغت حدا يكشف عن رأي المعصوم يؤخذ بها، و إلّا فلا بد من
1) وسائل الشيعة 7: 276 باب 5 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث 1.
الرجوع الى القواعد. و من المعلوم انه- بناء على كلية شرطية التتابع- يكون مقتضى القاعدة هو الاستئناف مطلقا.
و على أي حال، لا تصلح أمثال هذه الروايات سندا للمدعى، خصوصا مع تصريح الجواهر بضعفها و عدم انجبارها بالعمل، و قد أشرنا إلى تهافت كلامه هذا مع ما أفاد في مقامنا هذا- بعد تمسكه بالنصين- بأنّ ضعفهما منجبر بالشهرة.
اللهم إلّا أن يوجه كلامه بضعف دلالتهما من حيث ظهور الأمر العارض في غير الأعذار المجوّزة، و انّ هذه الدلالة منجبرة بالعمل في المقام، كما أنّ في المقام السابق الذي ضعّفها و رماها بعدم الانجبار، كان نظره إلى جهة الدلالة على التفصيل مع العذر المحرز لترك الواجب، و انّ الغرض عدم انجبار هذا الظهور بالعمل.
و منها: صوم الثلاثة في بدل هدي المتعة إذا صام يومي التروية و عرفة، صام الثالث بعد أيام التشريق، لحكاية الإجماع، و لنصي عبد الرحمن بن الحجاج و يحيى الأزرق (1)، و ضعفهما منجبر بالشهرة.
و في بعض الصحاح عدم اغتفار الفصل بالعيد، بل يجب الاستئناف بعده، للنهي عن صوم اليومين المزبورين (2).
و في آخر تعيين الثلاثة بقبل التروية و التروية و عرفة (3).
و لكن الجمع بينهما ظاهر بالحمل على الأفضلية، أو الكراهة في العبادة.
و في تكملة أستاذنا العلّامة حمل الأخير على العلم بتخلل العيد و جعله أحوط، و لعله لمراعاة الخبرين الأولين، فينبغي الاحتياط حتى مع الجهل أيضا، مع انكشاف الحال بعده، و يمكن حمل كلامه عليه أيضا.
إذا حاضت المرأة أو نفست أي وقت كان من النهار بطل صومها و تقضيه بلا اشكال، و به نصوص مستفيضة، و قد تقدّم الكلام في ذلك مستقصى في باب الحيض.
و لو طهرت بعد الفجر أمسكت استحبابا و قضته على ما يظهر عن بعض الأعلام، و لعله لتنقيح المناط في المسافر و المريض، إذا رفع عذرهما بعد الزوال، أو قبله بعد الإفطار في حال العذر. و إلّا فلو كانا قد أفطرا ثم ارتفع العذر قبل الزوال، فالظاهر عدم إشكال في وجوب امساكهما، للملازمة المشتملة على أنّ كل مورد يحرم فيه الإفطار لو أفطر- و لو بعذر- يجب عليه الإمساك. و ربما تشبث له بقاعدة الميسور و إن كان فيه اشكال.
و الأولى التشبث بفحوى النص بالإمساك في بعض المقامات، بعد عدم الفصل بينها من تلك الجهة.
و إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون قبل الفجر صاما ذلك اليوم واجبا، و إلّا فلا، أما الحكم الأول فواضح، لوجود شرائط التكليف فيشمله الخطاب بالصوم.
و أما الثاني، فلفقد الشرط بعد عدم التعدّي من المسافر و المريض إلى رفع
كل عذر قبل الزوال و قبل الإفطار في وجوب تجديد النية، خلافا لمن التزم بالتعدّي، فإنه حينئذ يوجب عليهما الصوم و التجديد.
و قد تقدم أنّ المريض إذا بريء، أو قدم المسافر قبل الزوال و لم يفطرا حال عذرهما أمسكا واجبا بتجديد النية و أجزأهما، و إلّا أي لم يكن لذلك، بأن كانا قد أفطرا حال عذرهما، أو كان رفعه بعد الزوال، فلا يجب عليهما صوم ذلك اليوم.
و لو استمر المرض إلى رمضان آخر سقط القضاء عن المريض على المشهور، للأخبار المستفيضة، المشتملة بعضها على قوله: «صام الذي أدركه، و تصدّق عن الأول لكل يوم مدا على مسكين، و ليس عليه قضاء» (1). و به تخصص الآية الشريفة، خلافا لمن لم يجوّز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد.
و أيضا به ترفع اليد عن فعله عليه السّلام القضاء لثلاث سنين استمر مرضه، و أمره بالصدقة (2)، بالحمل على فضيلة القضاء، مع ضعف دلالة فعله أيضا على الوجوب، كما لا يخفى.
و من النص المتقدّم ظهر وجه قوله: تصدّق عن الماضي لكل يوم بمد، و لو بريء بينهما و كان عازما على الصوم ففاته إلى رمضان الآتي قضاه بعده و لا كفارة.
و إن تهاون قضى و كفّر عن كل يوم بمد أيضا، خلافا لابن عقيل من مصيره- كالصدوقين- إلى وجوب الكفارة أيضا في الفرض الأول (3)،
و خلافا لابن إدريس الذاهب إلى عدم وجوب الكفارة في الفرض الأخير (1).
و عمدة نظر المشهور- مضافا إلى إطلاق دليل القضاء، و البراءة عن الكفارة في الشطر الأول من المسألة- إلى رواية أبي بصير، المشتملة على التفصيل من قوله: «و إن صح فيما بين الرمضانين، فإنما عليه أن يقضي الصيام، و إن تهاون به و قد صح فعليه الصدقة و الصيام جميعا لكل يوم مدا» (2).
و في آخر: «إن كان بريء ثم توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر» (3)، إذ هو بمفهومه يدل على المدعى من التفصيل، و لا أقل من دلالته على الشطر الأخير من المسألة، فهي- بضم الإطلاقات و الأصول في الشطر الأول- تثبت المطلوب.
و لا يعارضها ما في المرسلة: «أحب له تعجيل الصيام، فإن كان أخّره فليس عليه شيء» (4)، إذ التأخير أعم من تركه إلى الرمضان الآتي. فالرواية السابقة صالحة لتقييد هذه بصورة عدم الوصول إلى الرمضان الثاني. و نفي الشيء قابل للتقييد بنفي العقوبة و الحرمة، مع عدم منافاة وجوب الصدقة أيضا، جبرا لما فاته من خصوصية المصلحة، لا جريمة، كي تتنافى مع نفي الحرمة عرفا، لارتكاز ملازمة الجريمة للإلزام، كما لا يخفى.
و أيضا لا يعارض ما ذكرنا من النص المفصّل ما في نص آخر من قوله:
«فإن كان صحّ فيما بينهما و لم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر، صامهما جميعا و يتصدّق عن الأول» (5)، بحمل إطلاق الخبر على صورة تركه بلا تهاون،
و عزمه على الاقدام. و لكن معلوم انّ الإطلاق المزبور قابل للتقييد بصورة التهاون، خصوصا مع ملازمة الترك- في ظرف بقاء التمكن- مع التهاون غالبا، فيكون الإطلاق المزبور منزّلا على الغالب.
ثم انه هل التصدق المزبور- في ظرف التهاون- جريمة كي تكون ملازمة عرفا مع الإثم. أو جبرانا، كي لا تلازمه؟ أمكن المصير إلى الثاني بقرينة ثبوت التصدّق في صورة بقاء المرض إلى رمضان الآتي، فإنه لا اثم جزما، فيكشف ذلك عن كونها جبرا لما فاته، فكذلك في المقام. و لا أقل من احتماله، فلا يصلح ذلك قرينة على الإثم. و ذلك أيضا بناء على ملازمة الكفارة و الجريمة- و لو في خصوص باب الصوم- مع الإثم، و إن لم يكن كذلك في باب الإحرام، بقرينة ثبوتها أحيانا مع الجهل و النسيان عن قصور أيضا، و إلّا فبناء على نفي الملازمة بين الجريمة و الإثم، فالأمر أظهر، إذ حينئذ- على فرض ثبوت كونه كفارة أيضا- لا ينافي عدم الحرمة، كما هو الشأن في صورة فوت القضاء بينهما عن مرض، فإنّ ثبوت الكفارة فيه يكشف عن نفي الملازمة المزبورة في المقام أيضا، كما لا يخفى.
هذا، ثم انّ مورد النص في سقوط القضاء ببقاء المانع هو خصوص المرض، و الظاهر نفي الاشكال في عدم اعتبار بقاء شخص المرض الأول في المسقطية، بل لو ارتفع ذلك و تبدل الى مرض آخر، و هكذا الى رمضان الآتي متصلا، فلا إشكال في صدق استمرار عذره، و لو لأسباب مختلفة، فيشمله إطلاق الصحيحة، المتضمنة لترك القضاء للعذر، المنزّل على مطلق المرض، بقرينة ذيلها.
نعم لا يبقى مجال للتعدّي إلى بقية الأعذار، مثل التقية المستمرة، و السفر
المستمر، أو النسيان، و غيرها، من الجهل بالحكم أو الموضوع و غيرهما، مما لا يحسب عرفا مرضا أو من سنخه، من ضعف بدن و أمثاله. و لقد أجاد في الجواهر في عدم تعدّيه عن مورد الأخبار من المرض الى غيره (1)، و ان تعدّى في نجاته، و استشكلناه في حاشيته، خلافا لبعض، حيث تعدّوا الى مطلق الأعذار فراجع كلماتهم، مع وضوح المدرك في جميعها، كما لا يخفى.
و في كون حكم ما زاد على رمضانين حكم رمضانين أم لا، وجهان، بل قولان مبنيان على انصراف الإطلاقات إلى رمضان الأول أم لا، و الظاهر عدم قصور في الإطلاقات، خصوصا مع صراحة تفسير العياشي (2)بالنسبة إلى رمضان الثالث أيضا، و مع هذه الصراحة لا يبقى مجال لدعوى انصراف الأخبار. و من هنا يضعّف ما أفاده العلّامة الأستاذ في تكملته من قوله: و ليس حكم ما زاد على رمضانين حكم رمضانين.
ثم في فرض سقوط القضاء- كما في صورة استمرار المرض بين رمضانين- هل ثبوت الكفارة عزيمة، أو رخصة قابل لتداركها بالقضاء؟ وجهان، بل قولان. ظاهر الأمر هو التعيين، لو لا دعوى كونه في مقام نفي توهم تعيين القضاء عليه، فيبقى إطلاق دليل مشروعيته. من قوله تعالى «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ» (3)بحاله. و ان لم يكن واجبا، بصراحة هذه النصوص- المشتملة على الكفارة- في نفي وجوبه.
و يؤيده صومه عليه السّلام لرمضانات ثلاثة، مع أمره بالصدقة، بعد
قابلية حمل أمره على دفع توهم وجوب القضاء تعيينا، كسائر أوامره.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ هذا الأمر غير صالح لذلك، بل أمر به مع ظهوره في الالتزام بالصيام. و مثل ذلك في غاية القوة في وجوبه تعيينا، فلا يكون ثبوت التصدّق إلّا من باب العزيمة، كما في الجواهر صريحا (1)، و اللّٰه العالم.
، و قد تقدّم حكم وجوب الإفطار على المسافر. كما لا إشكال أيضا في وجوب الإفطار على المريض المتضرر بالصوم لا مطلقا، للإطلاقات المنصرفة إلى فرض تضرره به، بل منها يستكشف دخل الصحة في أصل مصلحة الصوم، لا انّ حرمة إضرار النفس مانع عن تنجز التكليف، كي يكون من باب التزاحم.
و ربما تظهر الثمرة في صورة صومه مع قطعه بعدم الضرر ثم ينكشف إضراره، فإنه على التزاحم يكون صومه صحيحا واقعا، بخلافه على التخصيص و التعارض، فإنّ الصحة الواقعية تصير حينئذ من الشرائط الواقعية، و مع عدمها يقع صومه باطلا واقعا كما لا يخفى.
و قد حققنا انّ الأصل في التقييدات الشرعية، و لو بلسان الأمر أو النهي الواردين في مقام بيان حقيقة الشيء و موضوعه، دخلها في أصل المصلحة الواقعية، فيكون تقديمها على المطلقات، على فرضها، بمناط التخصيص و التعارض، لا بملاك الأهمية و التزاحم.
و تقدّم- أيضا- انّ شرائط قصر الصوم هي شرائط قصر الصلاة، بل الظاهر انّ ملازمة الإفطار في السفر للقصر في الصلاة ملازمة كلية، و إن لم يكن كذلك في طرف العكس. نعم مقتضى الأصل
1) جواهر الكلام 16: 345.
و العمومات هي الملازمة من الطرفين، إلّا ما خرج، و شأن هذا الأصل هو المرجعية عند عدم الدليل على المخالفة.
و كذا ذو العطاش، و يقضي مع البرء على المشهور. و الأصل فيه صحيح ابن مسلم: «الشيخ الكبير و الذي به العطاش، لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، و يتصدّق كل واحد منهما في كل يوم بمد من الطعام، و لا قضاء عليهما، و إن لم يقدرا فلا شيء عليهما» (1).
و بالمناط يتعدّى إلى الشيخة أيضا، و ينزّل ما في ذيله أيضا على صورة بقاء مقتضى الإفطار فيهما غالبا، و إلّا فمع البرء عن مثل هذا المرض بين رمضانين لا إشكال في انه يجب قضاؤه، للعمومات.
نعم في نفي وجوب القضاء بالبرء بعد مضي رمضانين كلام، مبني على كونهما من مصاديق المرض، أو التعدي في نفي القضاء إلى كل عذر، و إلّا فيشكل نفيه مع عمومات وجوب القضاء حينئذ، و ظاهر إطلاق المصنف هو الوجوب بالبرء المزبور، و لا يخلو عن وجه، كما أشرنا سابقا، بعد التشكيك في صدق المرض عليهما.
و في ذيل الصحيحة: «ان لم يقدرا حتى عن الفدية فلا شيء عليهما»، و هو كذلك، لإناطة التكليف بالقدرة.
و في الشرائع: ان أطاقاه بمشقة كفّراه (2). و فيه نظر، لعدم قصور في دليل نفي الحرج الزائد عن مقدار مقتضى التكليف، فيلحق صور مشقته بعدم
قدرته. ثم انّ في بعض النصوص: «يصوم عن الشيخ ولده» (1)، و هو محمول على الندب، لعدم عامل بوجوبه كما في الجواهر (2)، فيشكل حينئذ اعتبار سند هذه الفقرة، لشبهة اعراضهم عنها، فتدبّر.
عن كل يوم بمد إذا أضربهما الصوم، أو أضر بالحمل، لعموم نفي الضرر و نفي الحرج. و في الصحيح التصريح بذلك، مع اشتماله على الصدقة بالمد لكل يوم، و القضاء لكل يوم (3)، و إطلاق النص يشمل ما كان لخوف الضرر على الولد أو للخوف على نفسها. و دعوى وجوب الفدية للخوف على الولد فقط، من جهة انصراف النص إليه، منظور فيها.
و لو مات المريض في مرضه استحب لوليه القضاء عنه، و في الجواهر أسنده إلى الأصحاب (4). و لكن لم أر مستندا له، بل في النص: عن امرأة مرضت في شهر رمضان، و ماتت في شوال، فأوصتني أن أقضي عنها، قال: «هل برئت من مرضها؟»، قلت: لا، ماتت فيه. قال: «لا يقضى عنها، فإن اللّٰه لم يجعله عليها»، قلت: فإني اشتهي أن أقضي عنها، و قد أوصتني بذلك، قال: «كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله اللّٰه عليها؟ فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم» (5).
و لا يخفى أنّ ذيل الرواية ظاهر في إهداء الثواب، لا النيابة من قبل نفسه كما في الجواهر (1).
و حينئذ فهذه الرواية صريحة في عدم مشروعية القضاء عنه، الساري مناطها في الولي أيضا. و لعله لذا استشكل فيه سيد الأعلام في حاشيته على الكتاب، و ألغى هذا الفرع أستاذنا العلّامة من تكملته.
و لو مات بعد استقرار الصوم، أو كان الفوات بسفر و غيره، قضى الولي.
و ظاهر العبارة كون الفوت بالسفر- و لو قبل الاستقرار، بل و غير السفر من سائر الأعذار غير المرض، بقرينة تخصيص نفي الوجوب في العبارة بالمرض- موجبا للقضاء. و الظاهر انّ الأخير خلاف النص و الفتوى، لصريح النصوص بعدم القضاء في غير السفر من المرض و الحيض و أمثال ذلك.
و لعله من جهة ذلك ألغى أستاذنا العلّامة أعلى اللّٰه مقامه من تكملته لفظ «غيره»، و اقتصر في العبارة على خصوص السفر، للنصوص المستفيضة بثبوت القضاء فيه دون غيره من سائر الأعذار، فراجع.
و ربما يوهم حمل ما دل على ثبوت القضاء في الموت في السفر على الاستحباب، للتعليل في المرسلة لقضاء الولي بأنه قد صحّ أي المريض، فلم يقض ما وجب، فمفهومه انه لا يجب عليه قضاء ما لم يجب عليه، و في الرواية السابقة: «كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله اللّٰه عليها».
و فيه منع عدم جعل القضاء عليه وضعا، حتى مع عدم قدرته على الإقامة، فلا يشمل المقام إلّا بالمصادرة، و منع مقاومة المفهوم السابق للصحاح السابقة،
1) جواهر الكلام 17: 23.
فلا وجه لرفع اليد عنها، كما لا يخفى.
و هو أي الولي أكبر أولاده الذكور، و يكون ذلك عليه واجبا على المشهور في القيود الثلاثة.
و يدل على الأخير رواية حفص و مرسل حماد من قوله «يقضي أولى الناس بميراثه»، قلت: و إن كان أولى الناس بميراثه امرأة؟ قال: «لا، إلّا الرجال» (1).
و من إطلاق الأولوية ربما يستفاد «من كان مستحقا للحبوة»، و هو منحصر بالولد الأكبر.
بل و يومئ إليه أيضا ما في خبر أبي بصير بعنوان «أفضل أهل بيته» (2)، إذ الأفضل في المقام هو الأفضل من حيث استحقاقه من تركة الميت، و هو الولد الأكبر، لما عرفت.
و في المكاتبة: «أكبر ولديه» على نسخة (3)، و لكن في الجواهر في نسخة اخرى: «أكبر ولييه» (4)، و حينئذ فربما يستفاد منه قيد الأكبرية و إن لم يدل على اعتبار الولدية.
هذا كله مع أنّ ثبوت القضاء على الولد الأكبر إجماعي، و إنما الإشكال في ثبوته على الغير و لو عند عدمه، و الأصل- مع إجمال الأدلة- يقضي بنفيه.
و توهم ان إطلاق الأولى لغير حال وجود الولد، يقتضي وجوبه على الأولى به من سائر المراتب، و لو من النساء، أو لا أقل من الرجال.
مدفوع بانّ ذلك فرع إطلاق الأولى لكل طبقة، و إلّا فمع احتمال اختصاصه بمستحق الحبوة، لا يبقى مجال لإطلاق الخطاب لحال عدم موضوعه، فلا يكاد يمكن حينئذ استفادة الحكم لغير الولد من سائر الطبقات بالإطلاق الحالي، خصوصا مع التخصيص بالولد حال وجوده. فما في بعض الكلمات من التفصيل المزبور، خال عن الشاهد، خصوصا مع الالتزام بانتهاء الأمر إلى النساء، مع عدم الذكور، إذ النصّين السابقين يدفعانه، و شاهدان على خلافه.
ثم إنّ مقتضى اقتضاء إطلاق الأولية تخصيص الأولى بمستحق الحبوة، و هو يوجب عدم وجوب القضاء عن الام، لعدم أولويته منها بالنسبة إلى أولادها الصغار، فينحصر المقضي عنه بالأب. و إلى ذلك يشير ما في كلام بعض الأعاظم، من أنّ القضاء بإزاء الحبوة. و حينئذ لا مجال للتمسك بإطلاق «الميت» في طرف المقضي عنه، على وجه يشمل الام، كيف و لو أغمض عما ذكرنا من اختصاص «الأولى» بمستحق الحبوة، يقتضي شمول إطلاق الميت لغير الام من كل مورث، و هو باطل جزما. بل ربما يكون ذلك موجبا لإجمال الرواية بالإضافة إلى المقضي عنه، فالأصل يقتضي عدم الوجوب إلّا فيما ثبت.
و لكن الانصاف منع الإجمال، و ظهور إطلاق «الأولى» بخصوص مستحق الحبوة عمن يقضى عنه، و هو مختص بالولد الأكبر بالقياس إلى أبيه لا امه.
و أضعف من الوجه المزبور في التعدّي إلى الأم ما في رواية أبي حمزة الواردة في القضاء عنها بقوله: «أما الطمث و المرض فلا، و أما السفر فنعم» (1)إذ
1) وسائل الشيعة 7: 241 باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث 4.
الظاهر منها كونه في مقام بيان مشروعية القضاء لا وجوبه، كي يخصص بالإجماع على ولده الأكبر، مع وجوده.
و أضعف منه ما في رواية أخرى مشتملة على وصيتها (1)، إذ لا دلالة فيها على انّ الموصى إليه كان ولدها الأكبر، فالرواية غير دالة على الوجوب على الولد الأكبر أولا و بالذات.
و عليه فلا وجه لما يستند إلى المعظم من وجوب القضاء عن الام، و لقد أجاد ابن إدريس حيث أنكر ذلك (2)و إن كان في إسناده ذلك إلى مذهبنا اشكال ظاهر، و في المختلف نسب هذه النسبة إلى جهله (3).
و على أي حال لا فرق في وجوب القضاء على الولي المزبور بين ما تجزئ عنه الصدقة و بين ما لا تجزئ، و ما في صحيح ابن بزيع من الاجتزاء بالصدقة بل هي أفضل (4)، غير معمول به، إلّا ما عن المرتضى رحمه اللّٰه على المحكي (5). و في كفاية هذا المقدار لجبرها مع مخالفة المعظم لها بل المشهور، الكاشف عن عدم اعتنائهم بالنص المزبور نظر.
و حينئذ فالأصل البراءة عن الصدقة، و لو في ظرف اختياره ترك الصوم.
و أصالة حرمة التصرف في مال الورثة، خصوصا لو كانوا صغارا.
و ما في رواية ابن مريم من قوله: «إن لم يكن له مال تصدّق عنه وليه» (6)
فمختل المتن، إذ في نسخة اخرى «صام عنه وليه»، فلا دليل على الاجتزاء بالصدقة بدل الصيام، فالأصل يقتضي التعيين و عدم جعل البدل، كما لا يخفى.
و لو كان وليان تحاصا و تقاسما، خلافا لابن إدريس حيث التزم بالسقوط (1)، و لبعض آخر حيث ذهب إلى كونه بينهما بنحو الكفاية، مع احتمال القرعة، و في الشرائع: التردد في التقاسم المزبور (2).
و مبنى المسألة: انّ القضاء الثابت على «الأولى» إن كان المراد الأولى على الإطلاق، فلا يشمل صورة التعدد، فيصح ما عن ابن إدريس. و إن كان المراد منه من لم يكن أولى منه فيشمل فرض تعدده.
و حينئذ، فإن كان ذلك من باب إثبات الحكم على صرف وجود الطبيعة، فلا محيص عن الالتزام بالوجوب الكفائي. و إن كان من باب الطبيعة السارية، فيصير نظير التشريك في الأوقاف، فلا بد من التحاص و التقاسم. كما انه لو كان ذلك من باب إثبات الحكم على الطبيعة المهملة فلا محيص عن القرعة، لأنه لكل أمر مشكل.
و الانصاف منع الإهمال في القضية، فلا إشكال في المسألة من تلك الجهة، كي ينتهي الأمر فيها إلى القرعة. كما انه لا مجال للحصر في الأكبر على الإطلاق، بل مناسبة القضاء للأولوية، حتى من حيث استحقاق الحبوة، ثبوته لمستحقها، و هو من لم يكن أكبر منه، لا الأكبر بقول مطلق، كي لا يشمل المقام. كيف و مثل هذا اللسان أيضا في باب الحبوة، و لم يتوهم أحد
تخصيصها بصورة الوحدة، اذن فالأمر يدور بين فحوى الإطلاق.
فنقول ان طبع الإطلاق أولا و بالذات في كل مقام، و إن كان يقتضي موضوعية صرف وجود الطبيعة، إذ جهة السريان أيضا قيد زائد، إلّا أنّ مناسبة الأولوية باستحقاق الحبوة لتحمل القضاء، يوجب الإطلاق بنحو السراية، و لازمة ليس إلّا التشريك، كما لا يخفى فافهم و تدبّر.
و لكن في صحيح ابن البختري: في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال: «يقضي عنه أولى الناس به» (1). و إطلاقه يشمل مطلق الواجب عليه و لو لم يكن بعنوان القضاء، كالنذر المطلق أو الكفارة.
ثم إنّ إطلاق الدين على ما فات الميت من صلاة و صيام- كما في المرسلة المشتملة على «انّ دين اللّٰه أحق بأن يقضي» (2)- يقتضي جواز التبرع من غير الولي، بلا منافاة مع وجوبه على الولي، غاية الأمر بإسقاط الغير يسقط الوجوب عنه، كسقوط وجوب تطهير الثوب بتطهير الأجنبي إياه، و كسائر الديون المالية من تلك الجهة. و لا ضير في إرسالها بعد جبرها بعمل المشهور، خلافا للمدارك في استشكاله لأمثال ذلك (3).
كما و لازم مشروعية صدوره عن الأجنبي، جواز وقوع الإجارة عليه، فيسقط عن الولي بعد إتيان الأجير، لا بمجرد الإجارة. فلو أقدم هو تبقى الإجارة بلا محل فتبطل. فلو أقدم مع العلم بالبطلان لا يستحق الأجير، لعدم شمول إطلاق العقد لهذه الصورة. فلا يكون المقام حينئذ من صغريات
استحقاق الأجير مع إتيان أجرة المثل في الإجارة الفاسدة، إذ هو إنما يتم في صورة شمول إطلاق العقد للعمل. و إنما قصوره في تأثيره، لعدم الإمضاء من الشرع، لا مثل الذي يكون فساد الإجارة لانتفاء موضوع العقد، من براءة ذمة الميت بالعمل.
و من هنا ظهر وجه عدم استحقاق الأجير لو أتى به مع جهله بإتيان الولي، فإنه أيضا من صغريات ما لو اتى العمل بخيال أمر غيره، أصلا أو إطلاقا، و انكشف خلافه، إذ العمل حينئذ مستند الى اشتباه نفسه، لا إلى تسبيب غيره بعقد أو بأمر، كما هو ظاهر. و تنقيح الكلام في هذه الجهات موكول الى محله، و اللّٰه العالم.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر ما في كلام المصنف: و يقضى عن المرأة و نسب الى المعظم أيضا، خلافا لابن إدريس (1). و قد عرفت عدم وفاء دليل بمقالتهم.
و لو كان الأكبر أنثى فلا قضاء عليها مع وجود الذكر و لو كان أصغر بلا اشكال، و على الخلاف مع عدمه.
و يتصدق من التركة بدل الصيام عن كل يوم بمد، و ظاهر المصنف بل صريحه وجوبه تعيينا، كما هو المشهور. و في النجاة: تقوية التخيير بين القضاء و الصدقة، و لعله لإطلاق التخيير المستفاد من الصحيحة المشتملة على تخيير الولي بين الصيام و الصدقة (2)، بعد إلغاء خصوصية الولي في دخله في الحكم، فيشمل التخيير حال فقده أيضا.
و حينئذ لا إيراد على الرواية إلّا إعراض الأصحاب عنها، إذ لازم الأخذ بالإطلاق كون ثبوت الحكم حال وجود الولي بالأولى، و هو كما ترى معرض عنه لديهم.
و قد يستدل للمشهور باستفادة البدلية من خبر الوشاء الآتي (1)، بل و من الصحيحة التي مرت في تخيير الولي بين الصيام و الصدقة، و في خبر أبي مريم المتقدّم تقديم الصدقة على الصيام مع القدرة، و ما ورد من بدلية الصدقة عن قضاء صيام الثلاثة الأيام، إما مطلقا أو عند المشقة، بضم ما دل على سقوط القضاء مع فقد الولي (2)، فيبقى وجوب بدله بحاله.
و فيه: انّ مثل هذه النصوص، بين ما هو مطروح بإعراض الأصحاب كالصحيحة و خبر أبي مريم، و بين ما لا يدل على التخيير المطلق كخبر الوشاء، إذ غايته بدلية التصدّق عن الشهر الأول لا الشهرين، كي بضم ما دل على سقوط الشهرين مع فقد الولي يتعين الصدقة عنهما، و بين ما لا عموم فيه كي يشمل حال الموت و فقد الولي كأخبار بدلية الصدقة عن صيام الثلاثة.
هذا مضافا إلى انه على فرض دلالتها على البدلية مطلقا، لا دليل لنا يقتضي سقوط القضاء عند فقد الولي عن غير النساء، إذ غايته تخصيص الوجوب بالأولى. و هو لا يقتضي المفهوم، خصوصا بالنسبة إلى حال فقده، فلازمه الأخذ بظهور التخيير في هذه الصورة، كما هو مرام الجواهر (3). فالأولى حينئذ منع تمامية سند روايات التخيير، لبعد حملها على صورة فقد الولي، مع انّ موردها فرض وجوده، بعد الجزم بعدم العمل بإطلاق التخيير، حتى مع وجود الولي، و عليه فالأصل براءة ذمة غير الولي عن مثل هذا التكليف.
ثم على فرض ثبوته، فلا شبهة في توجه التكليف- بمقتضى الإطلاق- إلى من له السلطنة على التصرف في مال الميت، و هم الورثة بلا احتمال دخل نظر الحاكم فيه. كما انّ مقتضى الإطلاقات كون الصدقة من مال الميت، لا في ذمة الوارث من مالهم، و لا دينا على الميت، بل ماله الخارجي مورد هذا التكليف، لعدم مساعدة الدليل بأزيد من ذلك.
و حينئذ يشكل مزاحمته مع سائر الديون، بل و تقديمه على الإرث و الوصية، لو لا دعوى إطلاق ما في كلماتهم من تقديم واجباته المالية على مثل ذلك، و فيه تأمل.
و لو كان عليه شهران قضى الولي شهرا و تصدق من مال الميت عن آخر، و ظاهر إطلاقه عدم الفرق في الإبدال بالصدقة بين الشهر الأول و الثاني. و في خبر الوشاء تخصيص الصدقة بالشهر الأول و الصوم بالثاني (1).
و لكن يمكن حمل أمره بالصدقة على دفع توهم تعيين الصوم، فيتخير بينهما. كما أنه- بقرينة فهم الأصحاب- حملت الرواية على بدلية الصدقة عن أحد الشهرين، و إلغاء خصوصية الشهر الأول.
لكن الإنصاف انّ هذا المقدار من مخالفة الرواية لفتوى الأصحاب يشكل الاتكال على مثلها، في قبال ما دل على وجوب صوم الشهرين على الولي، بمقتضى الإطلاقات. و لعله لذا ذهب أستاذنا العلامة أعلى اللّٰه مقامه في تكملته الى وجوب قضائهما على الولي، خلافا للجواهر من الأخذ بالرواية على ما ذكرنا فيها من التوجيه (2)، فتدبّر.
نعم هنا مطلب آخر، و هو انه لو كان الواجب على الميت صيام شهرين، ففي تكملة الأستاذ: يتخيّر الولي بين الصيام و العتق و الإطعام من مال الميت، لكن على المشهور: له اختيار تبديل شهر من الصيام إلى الصدقة لو اختارها، لأنّ إطلاق دليل البدلية شامل للواجب المعيّن و المخيّر و الموسّع و المضيّق، كما لا يخفى. و لازمة ثبوت العدلين عليه أيضا بنحو التخيير، خصوصا مع كونهما من الواجبات المالية، الثابتة في مال الميت، مقدما على الإرث و الوصية، غاية الأمر بنحو التخيير لا تعيينا.
و الحمد للّٰه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا.
تم في يوم الجمعة، الثاني و العشرين من ذي القعدة الحرام، سنة أربعين بعد الثلاثمائة بعد الألف من الهجرة، على يد الأقل ضياء الدين العراقي.
و هو اللبث للعبادة في أمكنة مخصوصة، بمعنى التعبّد بنفس اللبث، لا مقدمة لعبادة اخرى، حتى الصوم المعتبر فيه بظاهر قوله: «لا اعتكاف إلّا بصوم» (1). و في دلالته على خروج الصوم عن حقيقته نظر، نعم ربما يستفاد ذلك من تعليق الحكم على نفس عنوان الاعتكاف، كما في الآية الشريفة:
«وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ فِي الْمَسٰاجِدِ» (2)، إذ الظاهر منه ارادة معنى نفس العنوان، غاية الأمر زيدت فيه خصوصيات و قيود خارجة عن حقيقته.
و يشترط في صحته ما يشترط في صحة العبادة عموما، من العقل، و البلوغ على وجه، لا على المختار من المشروعية.
و كذلك يعتبر فيه الايمان، و الخلو من الحيض و النفاس، و لو من جهة عدم اجتماعهما مع اللبث في المسجد و صحة الصوم.
و حينئذ ففي اعتبار الطهارة من الأمور المزبورة في أصل هذه العبادة، في عرض اعتبار الصوم نظر و إن لم يكن في البين أيضا أصل ينفيه، للجزم
باعتبارهما. و لو من جهة مانعيتهما عن الصوم، بل و ظاهر الكلمات أيضا لا تدل على أزيد من ذلك.
و يعتبر فيه النية المعروفة في سائر العبادات، من القربة و الخلوص إجماعا.
و في الاجتزاء باتصال النية بالليل، فرع دخول الليلة الأولى فيه. و إلّا فعلى فرض كون الشروع فيه من طلوع الفجر بقرينة كونه ثلاثة أيام فما زاد، المنصرف الى الملحق بها، لا السابقة عليها، يشكل اعتبار النية من الليل.
و لئن أغمض عن ظهور ما ذكرنا في بدوية الفجر، فلا أقل من الشك، فيشكل نية إدخال الليل في الاعتكاف. بل و لا دليل على كفاية التبييت في صحته، بل يحتاج إلى مقارنة النية ببدوه، و لو بإبقاء نيته السابقة، المتعلقة بعمله، بناء على التحقيق من كون النية هي الداعي لا الاخطار حين الشروع.
نعم ربما يظهر من كلماتهم- فيمن نذر اعتكاف شهر- دخول الليلة الأولى من الشهر فيه، فيكشف ذلك عن صلاحية وقوع الليلة السابقة فيه، فله حينئذ إدخال هذه الليلة في اعتكافه. بل بمثل هذا الاتفاق يحمل ما في كلماتهم من الثلاثة بما زاد على الزائد من اليوم و لو بليلة سابقة. بل و بناء على ذلك أمكن قصد الاعتكاف في نصف اليوم الذي صام فيه، مستمرا إلى ثلاثة أيام تامة، إذ لا خصوصية لليلة في ذلك، بل الإطلاقات في كلماتهم شاملة له، بعد الجزم بعدم خصوصية للزيادة اللاحقة في الثلاثة، بقرينة ما عرفت في أول ليلة من الشهر المنذور.
و أيضا يعتبر فيه التعيين، عند تعدد الواجب عليه بنذر و شبهه، و لو لم نقل باختلاف الحقيقة، بل الوفاء بالنذر منوط بقصده، كما تقدّم في أول كتاب الصوم.
و في جواز تفريق النية وجه للبراءة عن الأزيد عن اعتبار قربية العمل بجميع اجزائه، نعم يشكل التفريق بقصد استحباب كل يوم مستقلا، لظهور
كونه عبادة واحدة، محكومة بحكم واحد، غاية الأمر في اليوم الثالث يتأكد طلبه إلى حد الوجوب، و ذلك لا ينافي ارتباطية العبادة في الطلب، كما لا يخفى.
و في مشروعية النيابة فيه عن الأموات- فضلا عن الأحياء- نظر، لعدم إحراز قابلية التسبيب، كي يشمله دليل النيابة. فيلغى به قيد المباشرة، و قد صرّح بالإشكال المزبور بعض من أثق بتتبعه في الكلمات، خلافا للجواهر، الملتزم بمشروعية النيابة فيه عن الحي فضلا عن الميت (1). و عهدة إثباته عليه، بعد عدم صلاحية إطلاق دليل النيابة- على فرضه- لإثبات قابلية المحل له.
و لذا قلنا بأنّ الأصل في العبادات عدم صحة النيابة إلّا ما ثبت بإجماع أو سيرة، و مع اشكال المتتبع المزبور لا يبقى لنا مجال للفتوى بالمشروعية.
اللهم إلّا أن يقال: انه يظهر من جملة من إطلاقاتهم، في وجوب قضاء الولي ما فات الميت من الصوم الواجب، الذي منه ما لو وجب عليه صوم الاعتكاف بعد صوم اليومين الأولين فتركه، فإنه حينئذ يجب عليه قضاؤه، بإيجاد ثلاثة أخرى، مقدمة لما عليه من الصوم الواجب.
و مقتضى الكلية المزبورة وجوب قضاء ما فات الميت، ثم يتعدّى منه إلى النيابة على الحي أيضا، بعدم القول بالفصل، بل و إلى النيابة عن اعتكافه ندبا أيضا، قبل استقرار وجوبه.
و توهم انّ وجوب الصيام غير مرتبط بوجوب الاعتكاف على الولي، منظور فيه، بأنّ الظاهر من تلك الكلية ثبوت وجوب الصوم على الولي بنحو وجوبه على الميت. و حيث كان وجوبه عليه وجوبا مقدميا، فثبوت هذا المعنى على الولي ملازم لثبوت ذيها، فيجب عليه الاعتكاف المزبور بالفحوى، و مع عدم
1) جواهر الكلام 17: 162.
الفصل يتعدّى إلى الاعتكاف الندبي أيضا.
هذا، لكنّ الانصاف منع الإطلاق في الكلية المزبورة بالنسبة الى ما وجب عليه مقدمة لوجوب غيره، و على فرضه يمنع عدم الفصل بين ما فات عنه واجبا أو مندوبا، بل و منع الملازمة بين الحي و الميت، فإثبات الكلية- التي هي مدّعى النجاة و الجواهر (1)- في غاية الاشكال. و قد نسب الجواهر هذا الإشكال إلى حاشية شيخه، فراجع.
و يعتبر في صحة الاعتكاف وقوعه في مسجد مكة، أو مسجد النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، أو جامع الكوفة، أو البصرة خاصة، و ظاهره- بل صريح القيد- عدم الجواز في غيرها، و لعل نظرها إلى جملة من النصوص المقتصر فيها على المساجد الأربعة (2).
و لكن في بعض النصوص الاجتزاء بكل مسجد تنعقد فيه الجماعة، و إن لم يكن من جوامع البلد، فضلا عن المساجد الأربعة. و ذلك مثل ما في صحيحة ابن سنان (3)، و صحيحة الحلبي من قوله:
«أو مسجد من مساجد الجماعة» (4). و بمثل ذلك ترفع اليد عما اقتصر فيه بالجامع أو بالمساجد الأربعة، بالحمل على مراتب الفضيلة.
نعم ظاهر «مسجد الجماعة» فعلية التلبّس فيه، و لا يكفي فيه مجرد انعقاده فيه سابقا، مع عدمه فعلا لمهجوريته أو لجهة أخرى.
و بمثل هذا التعميم أيضا سلكنا في حاشية النجاة، خلافا له حيث اختار مجرد الجامع. و وافقه أستاذنا العلامة في تكملته. و العمدة فيه الوثوق بسند الصحيحين و عدم إحراز إعراض المشهور، لاحتمال اختيارهم في الجمع حمل المطلق على المقيّد، لا حمل المقيّد على الفضيلة، تحكيما للإطلاق.
و حينئذ لا وهن في سندهما، فيؤخذ بهما و يجمع بينهما و غيرهما، و لو على خلاف المشهور، كما لا يخفى.
و حينئذ فمع تعدّده يتخيّر في الاعتكاف في أي واحد، و لا يصح عقد اعتكاف واحد في مسجدين مع الفصل الحائل بينهما، و لا بأس مع اتصالهما عرفا.
و توهم الانصراف إلى مسجد واحد ممنوع، و لو بعذر المكث في محل النية، ففي بطلان الاعتكاف أو البناء في محل آخر، وجهان، من عموم حلية ما اضطروا إليه، و من انّ وجوب الإتمام تضييق، لا تصلح الأدلة المزبورة- الواردة في مورد الامتنان- لرفع مثله، فتأمل.
و يجزئ العكوف فيما يصدق انه مسجد، لا مطلق ما يحسب انه من المسجد. و مع الشك فأصالة عدم المسجدية جارية، إلّا مع قيام الشياع المفيد للاطمئنان. و في كفاية ظنه اشكال، كالاحتياج إلى خصوص العلم، لأنه خلاف السيرة، كما انّ الاكتفاء بالبينة ظاهر، لعموم دليلها في الموضوعات.
و في الاكتفاء بالخبر الواحد تردد، بل الأقوى خلافه، لأنّ الظن لا يغني عن الحق شيئا.
و يلحق بالبينة حكم الحاكم المسبوق بالحكومة، و لو حسبية. و مع عدم سبقه ففيه اشكال، لو لا استفادة سماع الحكم في أمثال هذه الأمور النوعية من دليل سماع الحكم في الهلال. و منه تحريم الحاكم أمورا راجعة إلى حفظ
نظام النوع، غير الراجع الى شخص دون شخص، كتحريم استعمال الدخانيات الصادر من بعض أركان العصر و أعاظمه، و لا تكون مسجدية مكان أيضا إلّا من هذا القبيل فتأمل. فلا يعتكف عند قبر مسلم عليه السّلام و هاني، الخارجين عن المسجد، و لا في الخانات المعمورة في أطراف مسجد الكوفة.
و لو قصد الاعتكاف في محل خاص من المسجد لا يلزمه ذلك المكان إلّا مع وحدة المطلوب، و لو خصصه الولي الشرعي للمسجد لا يتعدّى عن اذنه.
و لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجدية فبان خلافه يبطل عمله، و لو بان عدم اذن الولي لا يبطل، لأنه كإباحة المكان من الشرائط العلمية، عند عدم التقصير في حكمه.
و لا يلحق بالمساجد في هذا الحكم المشاهد المشرفة، و لا ما اتخذته المرأة من بيتها مسجدا لها، و لو مع عقد الجماعة منهن فيها، لعدم وفاء دليل التنزيل لإثبات مثله، مع انه في منزلة مطلق المسجد، و ليس ذلك من آثار مطلقه، كما لا يخفى.
و إذ قد عرفت انّ الاعتكاف بنفسه عبادة، فمن شرطه النية و لازمة اعتبار رجحانه شرعا، فلا ينعقد إذا كان حراما لنهي السيد، لأنه مملوك لا يقدر على شيء، أو لتأذى الوالدين، أو مع نهي الزوج في مورد تفويت حقه.
و أما بدون ذلك فلا دليل على شرطية إذنهما، بخلاف السيد، حيث لا يعذر العبد على عمل إلّا باذنه. و لا يتعدّى عن موارد كراهة الصوم لنهي صاحب الضيف و غيره إلى الاعتكاف، لعدم ثبوت الملازمة بينهما.
و لو اعتكف العبد بإذن مولاه فانعتق كان له إتمام اعتكافه. و في اليوم
الثالث يجب الإتمام. و في وجوب الإتمام عند رجوع المولى عن اذنه نظر، بل منع لحكومة دليل «لٰا يَقْدِرُ» على وجوب الإتمام.
اللهم إلّا أن يدّعى أنّ عدم قدرته إنما هو لسلطنة المولى على فعله، و هو فرع إطلاق دليل السلطنة، و إلّا فلو قيل بأنّ السلطنة إنما تتعلق بفعل قابل، و إذا لم تحرز القابلية من الخارج فلا مجال لإحراز السلطنة. و حينئذ فباطلاق دليل الوجوب، يخرج المورد عن موضوع السلطنة، بمناط التخصيص لا التخصيص، كما هو الشأن في سائر واجباته و محرماته.
هذا، اللهم إلّا أن يقال: إنّ وجوب الإتمام إنما هو في ظرف صلاحية العمل للصحة، و مع النهي المزبور يكون مبطلا، فلا يبقى موضوع لوجوب الإتمام، كما هو الشأن في رجوع مالك الأرض عن اذنه بعد دخول المأذون في صلاته، فإنه بمجرد الرجوع يبطل العمل، فلا يبقى موضوع لحرمة القطع و وجوب الإتمام، و لا يصلح في مثل هذه الموارد دليل وجوب الإتمام، المشروط ببقاء الصلاحية على الصحة، لنفي موضوع السلطنة، إذ موضوعها ليس إلّا التصرفات القابلة، المحرزة في رتبة سابقة على مجيء الوجوب، و لا يعقل أن تبقى هذه القابلية بخطاب وجوب الإتمام المشروط بالقابلية المزبورة، إذ من البديهي أنّ كل خطاب مشروط لا يصلح أن يحفظ شرطه، كما لا يخفى.
و هذه هي النكتة الفارقة بين أمثال المقام، و بين الواجبات المطلقة، و المحرمات كذلك، فإنه بإطلاق خطابها يخرج المحل عن قابلية تعلق السلطنة، كما لا يخفى.
هذا،
بمعنى وقوعه في حال الصوم بلا احتياج إلى قصد كونه للاعتكاف، و لو للأصل. بل و إطلاق «لا اعتكاف إلّا
بصوم»، و لازمة عدم الفرق بين كون صومه لنفسه أو لغيره، لو لا انصراف الإطلاق إلى الأول، كما هو الشأن في عمل أم داود.
و حينئذ فيصح الاعتكاف الواجب في الصوم المندوب، و كذا العكس.
و حينئذ فلا يصح الاعتكاف في زمان لا يشرع فيه الصوم، و لو ندبا.
و لا بأس باعتكاف المسافر، لمشروعية الصوم الندبي في حقه، فلا ينافيه وجوبه في اليوم الثالث، المستتبع لوجوب صومه، مقدمة، لو لا دعوى عدم مشروعية مطلق الصيام الواجب، إلّا ما تعلّق النذر بخصوصية السفر، فيجب حينئذ قصد إقامته، مقدمة لإتمام اعتكافه.
، فلا يكون أقل من ثلاثة أيام، بلا اشكال نصا و فتوى.
و في خبر أبي بصير: «لا يكون الاعتكاف إلّا ثلاثة أيام» (1).
و في آخر: «الاعتكاف ثلاثة أيام» (2).
و في ثالث «من اعتكف ثلاثة فهو يوم الرابع بالخيار، إن شاء زاد ثلاثة أيام أخر، و ان شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام» (3).
و ظاهر ذيله جواز الاقتصار على الرابعة، فصدره الموهم لعدمه محمول على من يريد اعتكافا جديدا، و إلّا فله قصد اعتكاف الأربعة فيقتصر عليها. فإن لم يقتصر عليها و أتى بالخامس فيجب إتمامه بالسادسة، لما يستفاد من الرواية.
و سيأتي أيضا من الكلية، في انه إذا اعتكف يومين وجب الثالث.
و المراد من اليوم- في المقام- ما يقابل الليل، فلا يجزئ التلفيق من ساعاتها بدل النهار.
كما انّ الظاهر: ثلاثة أيام تامات، فلا يجزئ التلفيق من الساعات النهارية. و لا يقاس المقام بإقامة العشرة أو بالثلاثة في أقل الحيض، إذ مناسبة الحكم لمقدار كمية الزمان أوجب التعدّي من اليوم التام إلى تلفيقه، و هذه المناسبة في المقام- خصوصا مع معهودية وقوع اعتكافه في حال الصوم، المناسب لجعل ظرفه أمد اعتكافه- غير موجودة، و لا أقل من الشك في إطلاق دليله، فيقتصر على المتيقن، فما في الجواهر من الاجتزاء بالتلفيق في المقام (1)منظور فيه، فتأمل.
و الظاهر من أمثال هذه التحديدات في الأمور القابلة للاستمرار، دخول الليلتين المتوسطتين. و أما الأخيرة و الاولى فلا شيء يقتضي دخولهما. لكن لا بأس بقصد الاعتكاف من الليل. بل من نصف النهار من اليوم السابق عند كونه صائما. غاية الأمر لا يصح إلّا بإتمامه ثلاثا. كما أشرنا إليه سابقا.
و حينئذ فلو نذر اعتكاف يومين، بأن قصد بشرط لا، فلا ينعقد. و إلّا فلا بأس به، فيجب الثالث، للكلية المشار إليها، كما لا يخفى.
هذا، و لو نذر اعتكاف شهر، فلا بد أن يطبّق عمله على كل ثلاثة ثلاثة فما زاد من الأربعة، و إلّا فعلى الستة أو السبعة، و إلّا فعلى التسعة أو العشرة.
و هكذا كما لا يخفى. و اعتبار التوالي فرع انصراف نظره إليه، و إلّا فلا بد من تتميم الشهر و لو متفرقا.
1) جواهر الكلام 17: 79.
هذا، و هو واجب و ندب، فالواجب منه ما وجب بالنذر و شبهه، و الندب ما تبرع به، فإذا مضى يومان وجب الثالث على المشهور في الجملة، لظهور مصححة أبي عبيدة السابقة، من قوله «فهو في اليوم الرابع بالخيار- إلى قوله عليه السّلام- فإن أقام يومين فلا يخرج إلّا أن يتم الثلاثة» (1).
و في صحيح ابن مسلم: «إذا اعتكف يوما و لم يكن اشترط، فله أن يخرج و يفسخ اعتكافه، فإن أقام يومين، و لم يكن اشترط، فليس له أن يفسخ و يخرج» (2). و ضعف السند- على فرضه- منجبر بالشهرة، فما عن السيد من طرح النصين، و الرجوع الى استصحاب بقاء ندبيته، معتذرا بوجود علي بن حسن بن فضال في السند، و هو فاسد العقل، منظور فيه، خصوصا مع تصحيح بعض الأجلاء سنده بطريق آخر.
و ظاهر الخبرين إفادة الكلية من وجوب الثلاثة بعد الاثنين، أيما كان، و عدم وجوب الإتمام بدخول اليوم، خصوصا مع عدم وفاء دليل على وجوب إتمامه، لأنّ مثل حرمة الإبطال مختص بالصلاة الواجبة، و لا يتعدّى إلى غيرها، لعدم الموجب و ثبوت الكفارة على الجماع، يمكن أن لا يكون لإبطال الاعتكاف، بل الظاهر انه على نفس الجماع المحرّم عليه، و لو من باب التكليف، بل و ظاهر الأخير عدم البأس بالإبطال عند الاشتراط و لو في اليوم الثالث فضلا عن غيره، من دون فرق فيه بين شرطه مطلقا أو مقيدا بعروض عارض، مطلقا أو مقيدا بكونه من ممنوعات الفسخ في نفسه، خلافا لمن التزم
بالتفصيل بين التقييد بعروض العارض و عدمه، بل و عن بعضهم في هذه الصورة أيضا التفصيل بين العارض المسوّغ للإفطار و غيره. فكأنّ الشرط عنده لا يكون إلّا مؤكدا لما هو المستفاد من نفس مجوزية العارض في نفسه.
و لكن الإنصاف انّ المستفاد من أدلة الشرط أزيد من ذلك، إذ ظاهر الخبر السابق كون الشرط مجوزا بنفسه، لا أنه مؤكد لما ثبت جوازه من الخارج، كما لا يخفى.
هذا، و حينئذ يبقى في البين احتمال نفوذ الشرط مطلقا، أو بشرط وجود العارض مطلقا. و حيث إنه لا يكون للخصوصية الثانية جهة معهودية و مناسبة مع هذا الحكم، فدخلها في الحكم في غاية البعد، على وجه يمكن دعوى منع إهمال الخطاب من تلك الجهة، فإطلاقه يقتضي نفوذ الشرط بأي نحو اشترط، مطلقا أم مقيدا بوجود عارض أو غيره. و مع التقييد لا بد أن ينتظر إلى زمان حصول الشرط في فسخه، و إلّا فقبله لا مجوّز للفسخ أيضا، كما لا يخفى.
ثم إنه ليس له شرط إبطاله بما هو حرام في حال الاعتكاف كالجماع مثلا، لأنه في الرتبة السابقة على بطلان الاعتكاف كان إيجاده حراما، فكيف يصير مشروعا كي يقبل لتعلق الشرط به كما هو ظاهر.
ثم إنّ ظاهر الأصحاب جواز هذا الشرط في ضمن نذر الاعتكاف، لكن النصوص غير وافية بذلك، إذ المستفاد منها تصحيح الشرط في ضمن قصد الاعتكاف، لا النذر.
اللهم إلّا أن يكون غرضهم انّ مثل هذا الشرط في ضمن النذر بمنزلة شرط ضمني في عقد الاعتكاف، فيؤثر أثره، لا انّ هذا الشرط يؤثر في حل الاعتكاف، حتى مع إطلاق نية اعتكافه، بل لو فعل ذلك كان الشرط في نذره باطلا، لتعلقه بغير المشروع، و إليه مال في المدارك أيضا (1).
1) مدارك الأحكام 6: 321.
و بطلان نذره رأسا فرع كونه من باب وحدة المطلوب، و إلّا فلا مقتضى لفساده.
ثم إنّ في وجوب اليوم الثالث بدون الشرط، أو حرمة حلّه و فسخه، كلام آخر. فعن العلّامة الأستاذ في حاشية النجاة هو الأخير، لظهور النواهي عن الخروج و الفسخ في النفسية الأصلية لا العرضية لمحض ملازمته لترك الواجب. و لكن الأصحاب فهموا وجوب الإتمام، و لعل نظرهم إلى ظهور قوله في النص السابق «و لا يخرج حتى يتم»، إذ يفهم انّ الغرض من عدم الخروج إتمامه. فهو المقصود بالأصالة، لا أنّ المقصود ترك خروجه و فسخه، المترتب عليه الإتمام قهرا، فتدبّر.
هذا،
بلا إشكال في الحكمين، للنصوص المشتملة على النهي عن الخروج إلّا لحاجة لا بد منها في بعضها (1)، و إلّا لجنازة أو عيادة مريض كما في آخر (2)، و اشتمال بعضها على قوله: «لا ينبغي» لا يصلح قرينة لحمل النواهي في البقية على الكراهة.
ثم إنّ المستفاد من استثناء تشييع الجنازة و عيادة المريض، مطلق الأعذار العقلائية، و انه في ظرف وجودها، لا مصلحة ملزمة للإتمام، لا انّ جواز الابطال كان لأهمية حفظ العذر من مصلحة الإتمام. و لكن في بعض النصوص إلّا لحاجة لا بد منها، و لازمة اعتبار كون حاجته بمثابة يلزم من فوتها ضيق عليه، من لزوم حرج أو ضرر.
و حينئذ فالأمر يدور بين حمل اللابدية على اللابدية العرفية، التي هي أعم موردا من فرض لزوم الحرج و الضرر، أو حمل التشييع و العيادة على صورة
اقتضاء فوتهما حرجا أو ضررا عليه. لا يبعد الحمل الأول، لبعد الحمل الآخر، للزوم تنزيل الإطلاق على الموارد النادرة.
و عليه فالمدار- في المجوّز- على صدق الحاجة، التي لا بد من إنفاذها عرفا و إن لم تبلغ حدا يوجب فوتها الضرر أو الحرج، كما هو الشأن في التشييع و العيادة بالنسبة إلى الموارد التي ينبغي منه ذلك لا مطلقا، فإنّ المتعارف من أمثال هذه التشييعات كونها بمثابة لا بد من صدورها منه، كما لا يخفى.
و حيث كان الأمر كذلك فيتعدّى من الضرورة إلى كل حاجة عرفية، كما أشار إليه المصنف بقوله: أو طاعة كتشييع جنازة أخ، أو عيادة مريض، أو صلاة جنازة، أو إقامة شهادة، أو نحو ذلك.
و مع الخروج لا يمشي تحت الظلال و لا يجلس، و ظاهره حرمة مطلق جلوسه، لو لا دعوى انصرافه إلى الجلوس تحت الظلال، و فيه تأمل. و في تكملة أستاذنا العلّامة أيضا تخصيص الحرمة بالجلوس تحت الظلال.
و عمدة الوجه فيه التقييد به في بعض النصوص، و في قبالها النهي عن مطلق الجلوس (1)، و حيث انه لم يحرز في المقام وحدة المطلوب، فالتقييد فرع مفهوم القيد. و إلّا فالإطلاق محكم، كما هو ظاهر المصنف.
و في إلغاء خصوصية الجلوس- في الخبر السابق- إلى مطلق الكون تحت الظلال، و لو بغير جلوس تأمل. و حينئذ ففي التعدّي إلى المشي تحت الظلال اشكال، فلا يستفاد حكمه من هذه الروايات، و لا مستند له حينئذ عدا ما في الجواهر من حكاية الإجماع (2)، و ما عن الوسائل من قوله: «و تقدّم ما يدل على
عدم جواز الجلوس و المرور تحت الظل للمعتكف» (1)، و قاعدة مساواة المعتكف للمحرم. و في الجميع نظر، و إن كان لا مجال لترك الاحتياط أيضا إنصافا.
و لا يصلّي إلّا بمعتكفه إلّا بمكة فإنه يجوز له أن يصلّي فيها في أي بيوتها، لصحيح منصور: «المعتكف بمكة يصلّي في أي بيوتها شاء، و المعتكف بغيرها لا يصلّي إلّا في المسجد الذي سماه» (2).
و يستحب له الاشتراط لما في نص أبي بصير: «و ينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما اشترط المحرم» (3).
متى وجب الخروج لجنابة أو نحوها، على وجه يحرم لبثه بالمسجد، بطل اعتكافه، إلّا إذا لم يبق من زمان الاعتكاف في آخر اليوم الثالث إلّا بمقدار زمان الخروج، فإنه حينئذ لا شبهة في خروج هذا المقدار من اللبث عن تحت اختياره. و إنما يجب الخروج لمحض الفرار عن ارتكاب زيادة اللبث، كما هو الشأن في التخلص عن الغصب.
و حينئذ فلا يكون هذا المقدار من الكون مبعدا له، فلا بأس بالتعبد به، بناء على عدم اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده، بعد الجزم أيضا بعدم مقدمية ترك هذا الكون لترك الكون الزائد المأمور به فعلا. إذ من المعلوم انّ ترك الزائد نقيض بقائه، الذي هو عين حدوثه وجودا، فكيف يعقل ترتبه على نقيض الحدوث، فليس بينهما إلّا التلازم مع كونهما في رتبة واحدة، و إن اختلفا زمانا، كما لا يخفى.
هذا، و إلى هذه النكتة أيضا أشار علّامة الآفاق سيد الأساطين الميرزا الشيرازي أعلى اللّٰه مقامه الشريف في حاشية النجاة بقوله: إطلاق البطلان محل تأمل.
و من هذا البيان ربما يستنتج صحة الصلاة للمتوسط في المغصوب بغير اختياره، مع كون زمان صلاته بمقدار خروجه، و إن كان يجب عليه الخروج و إيجاد الصلاة خارجها أو في أثنائه. نعم لو كان مقصّرا لا يصلح أمره بالتوبة، مع إصراره على ارتكاب الغصب الزائد، لو لا تصور التبعيض في توبته، فتأمل.
، لإطلاق النهي عن المباشرة في الآية الشريفة (1)، كما هو المشهور أيضا. و في الجواهر: انّ في بعض النصوص: «أما اعتزال النساء فلا» (2)، و لازمة عدم حرمة مطلق الاستمتاع، فتختص الحرمة بما هو المتيقن من بقية النصوص من الجماع، و لو ليلا.
و حينئذ إن تم سند الرواية فهو، و إلّا- و لو من جهة إعراض المشهور- فلا محيص عن الأخذ بالمطلق، لو لا دعوى انصراف المباشرة- كإتيان النساء- إلى المباشرة المعهودة، و عليه فالمسألة غير نقية عن الاشكال، و الاحتياط لا يترك.
، بل مطلق الاكتساب، لما في صحيحة أبي عبيدة من قوله: «لا يشتري و لا يبيع» (3)، بناء على التعدّي منه
إلى مطلق الاكتساب، و ان كان لا يخلو عن اشكال. و أشكل منه التعدّي إلى مطلق الاشتغال بالأمور الدنيوية كما عن بعض الأعاظم.
مطلقا، و الريحان متلذذا به، لما في الصحيح المزبور: «لا يشم الطيب و لا يتلذذ بالريحان» (1).
لغير إظهار الحق، و هو المماراة في رواية أبي عبيدة من قوله: «و لا يماري» (2)، كما فسره في المسالك (3).
ثم انّ ظاهر هذه النواهي المتعلق بعنوان «المعتكف» كونها نفسية، و حملها على الإرشاد- كما هو الشأن في الأوامر و النواهي الواردة في بيان ماهية العبادات- إنما هو في صورة عدم القرينة على حملها على المولوية. كما هو الشأن في الجماع الموجب للكفارة على فعله، لا على إبطال الاعتكاف، كما هو ظاهر نصه. و حينئذ فلا قصور في إبقائها على مولويتها الأولية، بلا استفادة ارشاديتها، كما هو مختار العلّامة في مختلفة (4).
اللهم إلّا أن يقال: إنّ مثل هذه النواهي- نظير كثير من النواهي المتعلّقة بالصائم- يفهم منها الإرشاد، فكذلك في المقام. و لا ينافي ذلك أيضا استفادة المولوية في مثل الجماع، بقرينة الكفارة أيضا، كما لا يخفى.
، لما عرفت من اشتراطه بالصوم.
و لو جامع فيه كفّر مثل كفارة رمضان و إن كان ليلا،
بلا اشكال فيه في الجملة. و يكفي فيه النصوص المستفيضة، التي منها قوله عليه السّلام في معتكف واقع أهله: «هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان» (1).
و في نص آخر ذلك، مع التصريح بالكفّارة المعهودة لصوم رمضان (2).
و في ثالث «إن جامع ليلا فعليه كفارة واحدة، و إن جامع نهارا في شهر رمضان فعليه كفارتان» (3).
و إطلاق النصوص يقتضي عدم الفرق بين اليومين الأولين و الثالث، و لا ينافي ذلك حرمته على المعتكف، الموجب لترتب الكفارة عليه، بل و لو قلنا بمبطلية الجماع أيضا، كانت الكفارة مترتبة على الجماع. و لازمة عدم سقوط الكفارة عند إبطاله بالجماع، حتى مع شرطه الابطال مطلقا أم مقيدا.
نعم لو كانت هذه الكفارة على إبطال اعتكافه، كان للشرط المزبور دخل في سقوطها.
فما في تكملة الأستاذ العلّامة من الاستثناء المزبور، مبني على الوجه الثاني، و لازمة أيضا عدم الكفارة إلّا على الجماع في اليوم الثالث لا مطلقا، و لكنه خلاف إطلاق المستفيضة، بل صريح بعضها ثبوت الكفارة في الليل.
فيكشف ذلك عن عدم كونه للاعتكاف الواجب، إلّا أن يدعي إلحاق الليل باليوم الثالث، كما هو ظاهر ما دل على انه بمضي اليومين يجب الإتمام، و لكن مع ذلك فإطلاق الليل أعم من الليلة الثالثة كسائر الإطلاقات.
نعم في التعدّي عن الجماع إلى سائر المحرمات نظر، لعدم الدليل، سواء قلنا بمبطليتها أو بحرمتها محضا، فما عن البعض من التعدّي الى غير الجماع من
المحرمات نظر. نعم في التعدّي إلى الاستمناء بغير الجماع وجه، لإمكان تنقيح المناط، و إن كان مشكلا أيضا.
و من النصوص المتقدمة يظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: و في نهار رمضان تتضاعف الكفارة، و ظهر أيضا انه لو أفطر بغيره أي بغير الجماع مما يوجب الكفارة من جهة تعمده بالإفطار بلا عذر، فإن كان وجب الاعتكاف بالنذر المعيّن كفّر كفارة حنث النذر.
و كذلك في أخواته من العهد و اليمين، و إلّا أي و إن لم يجب بسبب فلا تجب الكفارة إلّا في الثالث عند المصنف على اشكال فيه. كما تقدّم انّ فيه وجهين آخرين:
أحدهما: عدم الوجوب بإبطال الاعتكاف مطلقا.
و ثانيهما: عدم ثبوت الكفارة بمطلق إبطاله و لو بغير الجماع، لعدم الدليل.
و لقد أجاد في عدم تعدّيه عن الجماع.
و لو حاضت المرأة أو مرض المعتكف خرجا و لو في اليوم الثالث، و قضيا مع وجوبه، لظهور الأمر في قوله: «يقضي» في الوجوب المنزّل عرفا على صورة وجوب اعتكافه تعيينا. علاوة عن عموم «اقض ما فات» الشاملة للمقام. و حيث إنّ الدليل منحصر بما يفيد إيجاب القضاء، فلا يجري في صورة ندبيته. و قد أجاد في الجواهر أيضا حيث منع مشروعية القضاء في الاعتكاف المندوب، فراجع.
فرع: لو أكره الرجل زوجته المعتكفة، فلا إشكال في عدم الحرمة عليها، حتى في اليوم الثالث، مع صدق الجائها. بل يمكن إدخاله في عموم الحاجة الموجبة لإبطال الاعتكاف و لا كفارة عليها أيضا. إنما الكلام في انه هل
يتحمل الكفارة عنها؟ كما هو الشأن في إكراهها على الإفطار في نهار رمضان.
فعن المحقق في شرائعه عدم إثبات التحمل (1)، و في الجواهر الاشكال عليه بشمول دليل التحمل في الصوم بالنسبة إلى المقام، بل قد اختار التفصيل بين الجماع في الليل فلا يتحمل، أو النهار فيتحمل (2).
أقول: مقتضى النصوص السابقة من أنّ المعتكف بمنزلة من أفطر في شهر رمضان، بعموم التنزيل، إثبات أمر التحمل أيضا. و مع الغض عنه لا دليل على وجه يتعدّى إلى غير الصوم في شهر رمضان، المستتبع لثلاث كفارات في صورة الاعتكاف فيه لا أربعة، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
تم و الحمد للّٰه في التاسع و العشرين من ذي القعدة سنة ألف و ثلاثمائة و أربعين هجرية، على يد الأقل ضياء الدين بن محمد العراقي عفي عن ذنوبهما، آمين.
كتاب الحجّ و هو لغة: العزم و القصد.
و شرعا: عبارة عن مناسك مخصوصة، حسب ما يأتي شرح كل واحد في محله.
و هو واجب مع وجود شرائطه، و مندوب عند عدمها، بأصل الشرع.
و يكفي في الدلالة على شرعيتها كذلك من النصوص ما أورده في الوسائل في أبواب مختلفة، تارة بعنوان: استحباب التطوع بالحج و العمرة (1).
و اخرى بعنوان: استحباب اختياره على غيره (2).
و ثالثة بعنوان: استحباب اختيار الحج المندوب على الصدقة (3).
و رابعة بعنوان: استحباب اختياره على العتق (1).
و خامسة بعنوان: استحباب اختياره على الجهاد (2).
و سادسة بعنوان: استحباب تكرار الحج و العمرة (3).
و سابعة بعنوان: استحباب الحج و العمرة عينا (4).
و ثامنة بعنوان: تأكد استحباب عود الموسر في كل خمس سنين بل أربع (5).
و تاسعة بعنوان: استحباب نيّة العود عند خروجه من مكة (6).
هذا كله مضافا إلى ما يستفاد من فحاوي ما دل على جواز إعطاء الزكاة لمن يحج (7)، و اللّٰه العالم.
و هي: حجة الإسلام الواجبة بأصل الشرع، و ما تجب بالنذر و شبهه، و بالاستئجار، و الإفساد بلا إشكال في شيء منها.
و قبل الخوض في شرح الواجب بالأصالة، ينبغي الكلام في جملة من الواجبات العرضية، فنقول:
منها: ما أفاده المصنف من الواجب بالنذر، و شبهه من العهد
1) وسائل الشيعة 8: 84 باب 43 من أبواب وجوب الحج.
2) وسائل الشيعة 8: 86 باب 44 من أبواب وجوب الحج.
3) وسائل الشيعة 8: 87 باب 45 من أبواب وجوب الحج.
4) وسائل الشيعة 8: 94 باب 46 من أبواب وجوب الحج.
5) وسائل الشيعة 8: 98 باب 49 من أبواب وجوب الحج.
6) وسائل الشيعة 8: 107 باب 57 من أبواب وجوب الحج.
7) وسائل الشيعة 6: 201 باب 42 من أبواب المستحقين.
و اليمين، فلا إشكال في وجوبه بذلك، لعموم «وجوب الوفاء بكل واحد منها»، بعد الفراغ عن مشروعية الحج و رجحانه في نفسه، كما قلنا.
كما إنه لا اشكال- بمقتضى قاعدة «عدم قدرة المملوك على شيء»- في عدم صحة نذر المملوك كسائر عقوده و إيقاعاته، إذا لم يراجع مولاه. و في إلحاق الزوجة و الولد بالمملوك في ذلك نظر، من ورود النص على البطلان في الثلاثة في باب اليمين (1)، و الأصحاب ألحقوا النذر باليمين في ذلك، خصوصا بعد إطلاق اليمين كثيرا في سائر المقامات على النذر (2)، فيكشف عن عمومه بالنسبة إليه.
و من أن الإطلاق أعم من الحقيقة.
و المخالف في الإلحاق المزبور موجود ذكره في الجواهر (3)فراجع، فلم يبق في البين إلّا دعوى عدم الفصل بين المملوك و الزوجة و الولد، و عهدتها على مدعيها، إذن فالتعدّي في النذر من المملوك إلى الزوجة و الولد، في غاية الإشكال، كما لا يخفى.
بل في بعض النصوص استثناء الحج من بطلان نذر الزوجة بدون اذن زوجها (4)، و إن أشكل التشبث به بإعراض الأصحاب عن مضمونه، إلحاقا لهم ذلك بنذر المملوك، فالمسألة- بملاحظة عدم مساعدة النصوص للكلمات- في غاية الاشكال، و اللّٰه العالم.
ثم إنه لو تحقق نذر الحج على وجه صحيح من المكلف، فإن كان النذر مطلقا فيجب القيام به متى أراد، و لو فات عنه- و لو من جهة فجأة الاضطرار، بعد استقرار وجوبه- فهل يجب على وليه أن يقضي عنه من أصل ماله أو من ثلثه، أو لا يجب عليه القضاء إلّا في صورة وصيته؟ وجوه بل أقوال.
أقول: الذي يقتضيه التحقيق في المقام، هو أن يقال: إنّ النذر- بمقتضى ظهور اللام في الاختصاص الوضعي- يوجب اختصاصا له تعالى بالمنذور فعلا أم نتيجة، كليا أم جزئيا، و من المعلوم أنّ شأن الاختصاصات الوضعية، عند قيامها بشيء، أن يكون لمعروضها نحو وجود حقيقي أو اعتباري، لأنّ معروضاتها في اعتبار العقلاء هي الأشياء، بوصف الموجودية، و مثل هذه الصفة المأخوذة في متعلّق هذه الأعراض إن لم تكن بنحو الحقيقة فلا محيص عن اعتبارها في الذمة، فالموجودات الذمية حقيقة موجودات خارجية في اعتبار المعتبر في ظرف ذمته، نظير وجودها حقيقة في صندوقه.
و ذلك نحو وجود آخر غير الموجودات الذهنية، التي هي صقع وجود الماهيات الكلية برمتها، و لو لم يكن في العالم ذمة و لا اعتبار شيء آخر. و لذا تتصف الكليات الذمية بوصف ذمتها بالملكية خارجا، و ليس كذلك الكليات الذهنية بوصف ذهنيتها جزما، و ذلك برهان قاطع على المغايرة.
و حيث اتضح ما ذكرنا، ظهر وجه ملازمة طروء هذه الصفات على الكليات المحضة، مع اعتبار كونها ذمية، و لازمة أيضا انتزاع عنوان الدين عنها، إذ لا نعني بالدين إلّا الكليات الذمية، متعلقة لحق الغير.
و بهذه الجهة أيضا تمتاز الوضعيات المزبورة عن التكاليف، إذ في مرحلة تعلّق التكليف بالأشياء، كليا أم جزئيا، لا يلزم اعتبار الموجودية فيها، و لو في الذمة، فضلا عن غيرها.
و عمدة الوجه فيه أيضا أنّ التكاليف متعلّقة بإيجاد الماهية، لا بها بما هي موجودة، بل مثل هذه الصفة ملازمة لسقوط التكاليف، لا ثبوتها، فاعتبار الموجودية للكليات المتعلقة للتكاليف و لو في الذمة، إن لم يكن مضرا في مرحلة تعلق التكاليف، لا يكون مصلحا جزما. فلا مجال- في باب التكاليف- لاعتبار ذمة و اعتبار وجود شيء فيها، بل التكاليف من الأول متعلّقة بالماهيات بما هي موجودة.
و لذا نقول: بأنه لا مجال لاعتبار عنوان الدينية في معروض التكاليف، كلية أم جزئية، فإطلاق الدين عليها، أو اشتغال الذمة بها، حتى في مثل حجة الإسلام إنما هو بنحو العناية، و إلّا فليس معروض التكاليف من سنخ الديون، بخلاف معروض الاختصاصات الوضعية.
نعم لو بنينا على عدم اقتضاء النذر احداث وضع له تعالى، لا يبقى مجال الدينية فيها، و إنما اعتبار كونها من الديون من تبعات الاختصاص المزبور بالتقريب المذكور.
و بعد هذا ظهر أنّ مقتضى القاعدة في كلية النذور المتعلقة بالكليات، سواء الحج و غيره، كونها داخلة في الديون، نظير الأعمال الكلية في الأجير.
و لازمة حينئذ وجوب إخراجه من أصل المال، و لا يبقى بعد ذلك مجال توهم أنّ النذر متعلّق بالحج مباشريا، و بعد فوته لا يبقى مجال لوجوب قضائه، إذ بعد فرض صدق الدين عليه كان من تبعاته وجوب إخراج الأقرب إليه فالأقرب، بمقدار التمكن منه وفاء.
و بعد ذلك كيف يبقى مجال التشكيك في وجوب قضائه، بل و لا التشكيك في كونه من أصل التركة.
نعم ما أفيد إنما يصح لو لم يحدث النذر إلّا تكليفا محضا، إذ لمثل هذه الشبهة حينئذ مجال، بل لو فرض حينئذ كون الواجب عليه مطلق إيجاد العمل، و لو بالتسبيب، لا يبقى أيضا مجال وجوب قضائه على الغير، إذ التسبيب أيضا تكليف الميت الساقط عنه بموته، و لا يقتضي مثله احداث تكليف جديد على الغير، فبناء المسألة على وجوب الحج على الميت مباشرة أو تسبيبا غير وجيه، بل عمدة المبنى في وجوب قضائه و عدمه ما ذكرنا.
و مما ذكرنا لا يبقى مجال كون هذا الدين في ثلث ماله، إلّا بدعوى تخصيص مقتضى القواعد ببعض النصوص الواردة في باب نذر الإحجاج بكونه من ثلث مال الميت (1)، بضم التعدّي عن موضوع نذر الإحجاج إلى نذر الحج، و بعد تخصيص هذه القاعدة أوجب عند بعضهم طرح مثل هذه النصوص أو تأويلها، بالحمل على كونه في زمان مرض موته، بناء منه على كون المنجزات من الثلث.
و لكن لا يخفى ما فيه خصوصا مع كون المنجزات من الأصل، فلا وجه لرفع اليد عن مضمونها إلّا دعوى كونها مما أعرض عنها جم غفير، و لكنه في إيجابه الوهن في سندها، مع عمل جمع آخر بها مجال اشكال، كما أنّ ما في نص آخر من كونه من تركة الميت (2)، قابل للحمل على ثلثه، بقرينة الأخبار الأخر.
و حينئذ فلا وجه لرفع اليد عن مثل هذه النصوص الصحيحة المعمول بها عند جمع، بمحض كونها على خلاف قاعدة الديون، ليحكم بأنّ الديون النذرية طرا من هذا القبيل، أو الأمر كذلك في خصوص نذر الحج، أو خصوص نذر
إحجاج الغير.
لكن الإنصاف قوة إلغاء الخصوصية الأخيرة، و أما تسرية الحكم في غير الحج من سائر النذورات، ففي غاية الإشكال، فيقتصر على المورد المتيقن، و اللّٰه العالم.
ثم إنّ في بعض النصوص السابقة قوله: «يؤدي عنه بعض ولده» (1)، و هو محمول على ما في النص الآخر المشتمل على انه «يؤدي عنه وليه» (2)، الذي كان المعهود منه ولده الأكبر، كما هو الشأن في قضاء سائر العبادات.
و في إلحاق الحج المنذور بحجة الإسلام في وجوب الإتمام و القضاء عند إفساده إشكال، لعدم الدليل على خلاف القواعد، و بطلان القياس كما هو ظاهر.
و حينئذ تنجز نذره و عدمه فرع تنجز التكليف بحجه و عدمه.
و لو نذر حجة غير حجة الإسلام، فإن كان قبل استطاعته، فالظاهر تنجز نذره و منعه عن تحقق الاستطاعة في سنة نذره، لأنّ مانعية وجوب الحج عن قدرته على إيجاد المنذور في سنته تعليقية، فلا تصلح للمانعية إلّا في ظرف عدم تأثير المقتضي التنجيزي أثره، و هو مبني على هذه المانعية، و هو يستلزم الدور.
و بمثل هذا البيان نلتزم بعدم صلاحية المانع التعليقي لرفع اليد عن المقتضي التنجيزي. و بعين هذا البيان يلتزم بمانعية وجوب الحج لو تعلّق النذر
بغير حجة الإسلام في سنته، بعد تحقق الاستطاعة، إذ بعد فرض ثبوت مقتضى وجوب الحج من الاستطاعة فعلا، فبقاؤها من غير ناحية الشخص شرط في الوجوب.
و حينئذ فيحرم عليه تفويت استطاعته، و لو بإيجاد نذره، فذلك يكشف عن أنّ حفظ بقاء القدرة من قبله من الشرائط العقلية، فيكون المقتضي في ظرف بقاء وجوب الحج تنجزيا، و المانع الذي هو النذر تعليقي، نظرا لكونه مشروطا بالقدرة عليه شرعا، لأنها من شئون قابلية المحل للوجود، و أدلة وفاء النذر غير صالحة لإحرازه، علاوة عن ظهور بعض النصوص في أخذ القدرة في موضوعه، الكاشف عن كونه من الشرائط الشرعية، فتصير مانعية النذر عن بقاء الوجوب لحجة إسلامه تعليقية. و قد عرفت انّ المانع التعليقي لا يصلح للمزاحمة مع المقتضي التنجيزي، فقهرا يقدّم وجوب حجه، و يمنع عن انعقاد النذر في سنته، كما لا يخفى.
فعلى فرض فوريته يقدّم حجة إسلامه، و إلّا فيتخيّر في تقديم أيهما شاء.
و لو نذر حجا مطلقا على وجه يصلح للانطباق على حجة إسلامه، فلا شبهة في الانطباق و التداخل، و إن قلنا بأنّ الأصل في غيره عدمه، لأنّ وجوب نذره تابع لمقدار نظره، فمع فرض إطلاقه لا يبقى مجال احتمال وجود آخر، كي يحكم بأنّ دليل كل سبب يقتضي وجودا مستقلا، كما لا يخفى.
و إلى ما ذكرنا أيضا يحمل ما في النص: عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت اللّٰه الحرام، هل يجزئه عن حجة إسلامه؟ فقال «نعم» (1). و حمله على نذر
1) وسائل الشيعة 8: 59 باب 34 من أبواب وجوب الحج حديث 1.
نفس المشي بعيد جدا، بل المنساق من هذه العبارة كونه كناية عن نذر حجه.
و لو نذر الحج ماشيا فلا إشكال في انعقاد نذره لرجحان متعلقه، و لو لكونه أحمز الأعمال، و في النص أيضا التصريح بصحته.
و لا يعارضه ما في نص آخر من أمره بركوب أخت عقبة معللا بأنّ اللّٰه غني عن مشيها (1)، إذ من الممكن علمه بمشقة المشي عليها، أو من باب ولايته على حل نذرها. و لا ظهور فيها على فساد النذر المزبور رأسا، كي يصلح للمعارضة مع النص السابق المعاضد، كما لا يخفى.
ثم إنه لو اضطر إلى الركوب بعضا أو كلا، فإن كان نذره من باب تعدد المطلوب، فلا إشكال في عدم سقوط الحج. و ما في بعض النصوص من نفي شيء عليه، محمول على فرض وحدته، لمناسبة الحكم لموضوعه، نعم ربما يعارضه ظهور بعض آخر من حيث إطلاقه، حتى لهذه الصورة، و لو من جهة ترك الاستفصال في حكمه تارة بوجوب الحج، ساكتا عن سياق البدنة، و اخرى مع أمره بسياق البدنة.
و يمكن الجمع بينهما بالحمل على مراتب الفضيلة في هذا الفرض، مع إبقائهما على ظهورهما في الوجوب في الفرض الأول، بعد شمول إطلاقهما له، لما عرفت. و لا ضير فيه بعد كون المقام من باب رفع اليد عن حجية الظهور بالقرينة المنفصلة، لا من باب انقلاب أصل الظهور، كي يدعى بأنّ للهيئة الواحدة لا يكون إلّا ظهور واحد، كما لا يخفى.
و حينئذ قد تبقى المعارضة بين النصين في وجوب السياق و عدمه، و في مثله أيضا ترفع اليد عن سكوت أحدهما ببيان الآخر، لو لا دعوى استقرار ظهوره
1) وسائل الشيعة 8: 60 باب 34 من أبواب وجوب الحج حديث 4.
لعلك تقول: إنه لو لا النصوص الخاصة في البين كان مقتضى القاعدة أيضا عدم سقوط الحج، حتى في فرض وحدة المطلوب في نذره، بملاحظة جريان قاعدة «الميسور»، أو عموم قاعدة «رفع ما اضطروا إليه» على ما أشرنا إليه كرارا، حسب تطبيق الامام إياها على الأجزاء و الشرائط المضطر إليها.
و يدفع هذا التوهم بأنّ ذلك إنما يتم في المصالح القائمة بالمقيد أو المركب بذاتها، لا بعنوان كونها متعلّق حق الغير بنذر أو إجارة، فإنّ مثل هذه الحقوق- بعد ما كانت تابعة للقصود و غير قابلة للتبعيض- فالحكم بوجوب وفائها غير صالحة للتبعيض، كي يستكشف مثلها من قاعدة الميسور، و رفع الاضطرار، فمجرى أمثال هذه القواعد ليس إلّا الواجبات الأصلية لا العرضية الناشئة عن إيقاع المكلف أو عقده، بملاحظة استتباع تعلّق حق الغير به، بنحو لا يصلح للتبعيض كما لا يخفى.
فنقول:
أولا: إنه لا تصح نيابة الكافر، لا من جهة عدم صلاحية صدور الفعل القربي منه، إذ الذي لا يصلح صدور قربى منه هو نفسه، و أما تقرب غيره كما هو شأن فعل النائب، فلا قصور فيه، بل من جهة عدم وفاء دليل، من إطلاق أو عموم به، فالأصل عدم مشروعيته، علاوة عن قيام الإجماع عليه، حسب تسلّمه في كلماتهم.
و مما ذكرنا ظهر وجه اعتبار الإسلام في المنوب عنه، لعدم صلاحيته
للتقرب بفعل نائبه. و لذا اعتبر الإسلام في كلية العبادات، عدا الزكاة المعلوم كونها من حقوق الناس المأخوذة منهم و لو جبرا، فسقوط عباديتها لا يوجب سقوط حقيتها للناس، و هذا بخلاف سائر العبادات الممحّض فيها كون حقيتها للّٰه، فإنه بعدم صلاحيتهم للتقرب لا تصح منهم العبادة، و إن كانوا مكلفين به.
هذا، و قد يدّعى منع اعتبار المقربية في صحة العبادة، كيف و في بعض النصوص تصريح بجواز النيابة عن الناصب، معللا بأنه موجب لتخفيف عذابه (1)، و مثل هذه العلّة سارية في جميع الكفار، و لا أقل من احتماله، فيرجع الأمر إلى الشك في دخل المقربية، أو كفاية هذا المقدار من تقليل البعد في صحة العبادة، و الأصل ينفي الأول و يكتفى بالثاني.
و لئن قيل: بأنّ ذلك لا يقتضي إثبات صلاحية فعل الكافر لتخفيف العذاب أيضا.
قلت- مضافا إلى إمكان الاستفادة من فحوى النص المزبور-: انّ غاية ما في الباب انّ الشك يرجع إلى مانعية الكفر عن هذا المقدار من الأثر، الموجب للاجتزاء بعمله، و الأصل في مانعيته البراءة من الأول أيضا، فلا موجب لاشتراط الإسلام في صحة العبادة إلّا الإجماعات، و هي على فرض تماميتها في فعل نفسه، لا نسلّم اعتباره في المنوب عنه، بالإضافة إلى فعل نائبه.
هذا، و لكن لا يخفى ما فيه، من أنه مضافا إلى جريان مناط معاقد الإجماعات في المنوب عنه، بجامع اشتراكهما في كونهما مورد تأثير العمل في القرب أو التخفيف، إنّ مرجع الشك في المقام الى الشك في قابلية المحل للتأثير، و لو من جهة احتمال الكفر في ذلك، و من المعلوم أنّ مآل هذا الشك
1) وسائل الشيعة 8: 139 باب 25 من أبواب النيابة حديث 5.
إلى الشك في تحقق الأمر البسيط، المعلوم اعتباره في العبادة، و هو تأثير العبادة، و لو في تخفيف العذاب، و في مثل ذلك يكون المرجع قاعدة الاشتغال.
و إن كانت الشبهة في مانعية الكفر عنه حكمية، فكان المقام من قبيل الشك في دخل شيء عدميا أو وجوديا في محققات المأمور به، بسيطا لا مركبا.
و بعد ذا لا يبقى مجال لجريان البراءة عن مانعية الكفر من تأثير العمل المزبور، في تخفيف البعد.
نعم إنما يصح إجراء البراءة لو احتمل مانعية الكفر من غير هذه الجهة في نفس العبادة، و هذا المقدار غير مثمر في إثبات الجهة المهمة، فلا محيص في أمثال المقام، بمقتضى القواعد الأولية، عن كون المرجع قاعدة الاشتغال لا البراءة.
و أما النص المزبور، فلم يعمل أحد بعموم تعليله، حتى في مورده من مطلق الناصب، فضلا عن غيره من سائر الكفّار، و إنما التزموا بصحة النيابة في خصوص الأب للنص، و لعله أيضا بملاحظة كونه نحو منّة على الولد المسلم، بتخفيف عذاب أبيه بعمله نيابة عنه، و لا يتعدّى منه إلى غيره.
كما انّ بناءهم أيضا على عدم التعدّي إلى غير نيابة الابن المسلم عن أبيه الناصب، بل و في التعدّي في الأب غير الناصب أيضا من سائر فرق الكفار منع، نعم لا بأس بالتعدّي عنه إلى مطلق الأب المخالف بالفحوى لا غيره، كما لا يخفى.
و أيضا لا تصح نيابة الصبي و المجنون، لحديث عدم جواز أمر الصبي، الملحق به المجنون إجماعا، و مجرد مشروعية عملهما بنحو من المشروعية، لا يقتضي وفاء عملهم بالمصلحة الملزمة للمنوب عنه.
نعم لا بأس بالنيابة عنهما في مورد تصح النيابة عن غيرهما، إذ بعد إحراز صلاحية العمل للتسبيب، و يشك في دخل المباشرة فيما شرع له، كانت أدلة النيابة و لو بمثل بناء العقلاء على التسبيب المزبور، محكمة كما لا يخفى.
ثم إنّ ذلك على فرض كونهما مميزين، و إلّا فمع عدم التمييز لا يبقى مجال لتوهم نيابتهما عن الغير أصلا. و أما نيابة الغير عنهما، فهو مبني على اقتضاء دليل مشروعية أعمالهم ثبوت مصلحة في حقهم، غاية الأمر هما- لعدم تمييزهما- غير صالحين للقيام بوظيفتهما، و إلّا فعلى فرض اختصاص أصل المشروعية بصورة التمييز، لا مجال لجريان دليل النيابة أصلا، لعدم كونه مشرعا حينئذ.
بل و لئن دققت النظر ترى الإشكال في صحة نيابتهم، حتى على المشروعية بالمعنى المختار، لعدم وفاء دليل على صلاحيته للتسبيب، فما ذكرنا من ثبوت الصلاحية، فإنما هو في فرض شرعية أعمالهم بنحو الشرعية للبالغين، فإنه حينئذ بعد ثبوت التسبيب في غيرهم يلغى قيد المباشرة المحتملة في خصوصهم.
و لكن أنّى لنا بإثباته، و مجرد اقتضاء النصوص السابقة شرعية احجاجهم لا يقتضي مشروعية النيابة عنهم، إذ لا يرتبط إحجاج الغير عن النيابة عنه، كما انّ إطلاق قوله: «يحج الرجل عن المرأة، و المرأة عن الرجل» (1)لا يشمل إطلاقه للصبي، علاوة عن منع كون إطلاقه بأزيد من بيان عدم اعتبار وحدة الجنس بين النائب و المنوب عنه، لا لبيان صلاحية كل أحد لنيابة غيره، كي يحتاج إلى الإخراج في الموارد الغير قابلة للنيابة، فتأمل.
كما لا يصلح أيضا دفع احتمال دخل عدم الصرورية في النائب و المنوب
1) وسائل الشيعة 8: 124 باب 8 من أبواب النيابة حديث 2.
عنه بمثل هذه الإطلاقات، و حينئذ فمقتضى بعض النصوص من النهي عن نيابة الصرورة (1)، يقتضي عدم صحتها منه، نعم في بعضها التعبير ب «لا ينبغي»، فيمكن رفع اليد به عن ظهور النهي في الجملة بالحمل على الكراهة المصطلحة.
بل و في بعض النصوص قوله: عن الرجل الصرورة يوصي أن تحج عنه امرأته، قال: «لا- إلى قوله- إنما ينبغي أن تحج المرأة عن المرأة، و الرجل عن الرجل، و لا بأس بأن يحج الرجل عن المرأة» (2)إذ مثل هذه الرواية، بملاحظة كون موضوع السؤال في الرجل الصرورة، أمكن دعوى إطلاقها من تلك الجهة، بالنسبة إلى النائب و المنوب عنه.
و من المعلوم انّ قوة إطلاقها من تلك الجهة تصلح قرينة لحمل النهي السابق على الكراهة، كما يومئ إليه ما قلنا أيضا من التعبير ب «لا ينبغي» في غير نيابة المرأة عن الرجل.
نعم ظاهره أيضا عدم جواز نيابة المرأة عن الرجل، و لازمة التفصيل المنسوب الى الاستبصار (3).
و لكن لو لا ظهور قوله «إنما ينبغي» في مقابل النفي عن نيابة المرأة عن الرجل، في حصر ما ينبغي في غيره، الظاهر في كون مفهومه كونه مما لا ينبغي، لا مما يحرم، و لا أقل من كونه مما يصلح للقرينية، فلا يبقى في البين ظهور في الحرمة، لو لا دعوى الإشكال حينئذ في مشروعيته، بعد عدم الإطلاق على المشروعية.
و حينئذ فالعمدة في المقام إثبات ظهور النفي في «لا ينبغي» لا في نفي
الجواز، و هو و إن كان لا يخلو عن اشعار، و أما الدلالة و الظهور فلا، فأصالة عدم المشروعية بعد عدم الإطلاق محكمة، فتدبّر.
هذا، ثم إنه لو مات الأجير في الطريق، بعد الإحرام و دخول الحرم، فقد أجزأ عن المنوب عنه، بلا اشكال ظاهرا، للإجماعات المحكية، و لظهور قوله- في الموثقة في مورد الأجير-: «إن مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزئ عن الأول» (1)، بعد رفع اليد عن إطلاق الطريق، بقرينة الإجماعات المزبورة، ببعد الإحرام و دخول الحرم، مؤيدا ذلك بإطلاق المرسلة من قوله: «من خرج حاجا فمات في الطريق، فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة» (2)، بناء على إطلاقه حتى لصورة كون حجه لغيره، لو لا دعوى انصرافه إلى حج نفسه.
نعم إطلاقه من حيث الإحرام غير مضرّ، لانصرافه في الحاج الداخل في الحرم إلى ما هو الغالب من إحرامه، فالعمدة من الإشكال هي الجهة الأولى، لو لا دعوى استفادة المناط منه، بأنّ شأن الحج سقوطه بهذا المقدار من العمل، أعم من أن يكون صادرا عنه أو عن غيره، و من هو بمنزلته.
و لعل منشأ فهم الأصحاب الاجتزاء بالشرط المزبور أيضا، مما ورد في حج نفسه، و تعدّوا بالمناط إلى حج نائبه، و إلّا فقد عرفت انه بهذه الخصوصية لم يرد نص في حج النائب، بل غاية ما في الباب الموثقة المشتملة على الموت في الطريق ففهم شرطية الدخول في الحرم محرما، ليس إلّا من جهة استفادتهم المناط المزبور من ما ورد في حج نفسه.
ثم إنّ الظاهر من الاجتزاء عن المنوب عنه في الموثقة، كونه محسوبا من امتثال حجه، المبرئ لذمته. و حينئذ ربما يستحق الأجير بهذا المقدار أجرته، نظرا إلى كون محط الإجارة مطلق حجه، المبرئ لذمته، لا الأعمال المخصوصة. للجزم بأنّ غرضه من الحج المورد لإجارته، ما هو مبرئ لذمة الميت أيما كان، لا خصوص المناسك المخصوصة.
اللهم إلّا أن يدّعى انّ جهة إبراء الذمة، من الدواعي على استئجاره للمناسك، فيكون المقام من قبيل رفع الوجع الحاصل بغير قلع الضرس في استئجاره الشخص لقلعه، فإنه حينئذ لا يستحق الأجير للأجرة، لبطلان الإجارة بفوت محل عمله فكذلك في المقام، بل المستأجر يستحق استرداد ما أعطاه بعنوان الأجرة للعمل، و لعله إلى هذه الجهة نظر بعض متأخري المتأخرين في إشكاله، في سقوط حق استرداد المستأجر أجرته في المقام، و الاشكال في محله، إذ لا أقل من الشك في كونه من أي القسمين، فاستصحاب بقاء الأجرة على ملك المستأجر، و عدم استحقاق الأجير بعمله هذا تمام الأجرة محكم.
نعم لا بأس باستحقاقه من الأجرة المسمّاة ما يقع بإزاء عمله الصادر منه بعنوان الوفاء بإجارته و تسبيب منه بعقده، المنحل إلى العقود الواردة على الإحرام و غيره. نعم لو لم يقع من الأجرة المسمّاة شيء في قبال العمل، كما في صورة موته قبل الإحرام و قبل الدخول في الحرم، بحيث لم يصدر منه إلّا المقدمات، بلا صدور شيء من الأعمال الملحوظة في محط إجارته، ففي استحقاقه على المقدمات اجرة مثلها أو عدمه، وجهان، لا يبعد دعوى كون مثل هذا العمل لم يصدر بأمر غيره، و لا بعنوان الوفاء بعقد إجارته، بل إنما أتى بها مقدّمة للوفاء به، لا انه وفاء بالعقد، فلا مجال حينئذ للتضمين، خصوصا فيما لا يعود نفع عمله إلى المستأجر فعلا، كما في المقام.
اللهم إلّا أن يدّعى أنّ العمل و إن لم يكن وفاء للعقد، و لكن نشأ من قبل تسبيب الغير بعقده، إذ لو لا عقده لما أقدم على هذه المقدمات. و ليس هذا المقدار من التسبيب إلّا من قبل الأمر به، فقضية احترام الأعمال موجبة لأخذ عوض مثلها عليها، لو لا دعوى مجانية قصده في مقدمات عمله، و لو لبنائه على أخذ العوض على ذيها، و ذلك ظاهر.
ثم إنّ ما ذكرنا من التقريب في الحكم باستحقاق الأجرة على المقدمات، أولى من دعوى أنّ اختلاف قيمة الحج بقرب الطريق و بعده، يكشف عن أنّ للطريق قسطا من الثمن. إذ من الممكن دعوى انّ القرب و البعد دخيلان في اختلاف مالية نفس الحج، نظير الأوصاف. لا انّ الثمن وقع في المعاملة بإزائها، مع انّ لازمة الاستحقاق من المسمّى بإزاء العمل لا المثل، و لا أظن التزامه من أحد، في فرض انصراف النظر في محط الإجارة إلى نفس ذي المقدّمة لا المقدمات، و للتأمل في المسألة بعد مجال.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر عدم استحقاق الأجير من المسمّى شيئا في موته قبل إحرامه، لعدم صدور شيء من مورد العقد، كي يستحق به من المسمّى ما يقع بإزائه. بل و لا تبرأ ذمة المنوب عنه أيضا، للأصل. و ما في الموثقة من إطلاق الطريق، غير معمول به، بل محمول- بقرينة فهم الأصحاب و لو بالمناط في حج نفسه- على صورة دخوله في الحرم محرما.
و من هنا نقول: إنّ دخوله في الحرم محلا أيضا لا يجدي للمنوب عنه شيئا، فلا يستحق عليه من المسمّى شيئا أيضا. نعم لو أحرم و مات قبل دخول الحرم يستحق من المسمّى ما بإزاء عمله هذا، لأنه مأخوذ في محط عقده، المنحل إلى العقود، الموجبة للمسمّى في قبال ما أتى به من العمل.
و توهم انّ الانحلال إنما يتم في الاستقلاليات، من حيث الغرض، لا الارتباطيات غير الوافية بالغرض أصلا، ففي مثلها لا بدّ أن ينتهي إلى قاعدة
احترام الأعمال.
مدفوع بأنّ المناط في انحلال العقود على الاستقلال كل عمل في الاتصاف بالمالية، لا على استقلاله في الوفاء بغرض المستأجر، و بعد فرض مالية كل عمل في حيال ذاته يقع في قباله قسط من الثمن، فيستحق الأجير هذا القسط بإزاء عمله، و إن فات منه بقية الأعمال كما لا يخفى.
هذا، ثم انه من التأمل فيما ذكرنا ظهر حال ما لو أحصر الأجير أو صدّ في سنة إجارته المعيّنة بعد دخول الحرم محرما، أو قبله كذلك، أو بعده محلا، إذ حكم استحقاق الأجير من المسمّى أو المثل حكم الفروض السابقة، نعم لا مجال للاجتزاء به في تفريغ ذمة الميت، إذ الدليل مختص بالموت، و لا يتعدّى إلى غيره، كما هو الشأن في حج نفسه.
و على أي حال ففي فرض تعيين السنة تنفسخ الإجارة بالنسبة إلى ما بقي من العمل، و ظاهر كلماتهم في المقام، و في كتاب الإجارة استحقاق الأجير مطلقا من المسمّى قبال ما أتى من العمل المستأجر عليه، و لكن القواعد تقتضي إجراء حكم تبعض الصفقة، فعلى فرض الإمضاء، فهو كذلك، و إلّا فلو فسخ فلا يستحق الأجير إلّا المثل، و تمام الكلام في كتاب الإجارة.
و لو لم يتعيّن عليه السنة، فتبقى الإجارة صحيحة، و يجب عليه إتيان العمل من قابل، و لا يستحق في إزاء ما أتى به حينئذ من المقدمة شيئا، و إن قلنا به في يغر المقام، إذ عقد إجارته ما اقتضى تعيين خصوص هذه السنة، فإقدامه على الأعمال المخصوصة في هذه السنة، عند عدم مطالبة المستأجر إتيانه فيها، باختيار نفسه لا بالتزام من الغير بخصوصه، نعم لو انطبق عليه الطبيعة يستحق المسمّى بإتيان معقد الإجارة، و مع عدم الانطباق فلا موجب لاستحقاقه على المستأجر شيئا.
و حينئذ لا مجال لمقايسة المقام من تلك الجهة بصورة تعيين السنة، كما في
الفرض السابق، إلّا في صورة مطالبته، فإنه يكون المأتي به حينئذ بأمره، فيستحق اجرة مثل عمله. و ذلك أيضا على اشكال في استحقاق الأجر، في قبال المقدمات، كما تقدّم.
و لو عيّن في عقد الإجارة طريقا خاصا، فيجب اقدام الأجير به، و إن أقام الحج من غير هذا الطريق، فإن كان ذلك من باب وحدة المطلوب فلا يستحق الأجير بعمله شيئا على المستأجر. و إن كان بنحو تعدده، فإن كان المقام من باب أخذ الطريق جزءا للمستأجر عليه، فيقسط المسمّى بالنسبة الى ما أتى به، على اشكال في إطلاقه، كما أشرنا. و إن كان بنحو الشرط، فللمستأجر خيار تخلّف الشرط، فمع الفسخ لا يستحق إلّا المثل من الأجرة في قبال عمله، و إلّا فيستحق تمام المسمّى.
و على أي حال، لا إشكال في سقوط ذمة المنوب عنه بحجة، لأنه ليس في عهدته إلّا ذلك، و إلّا فالمقدمات خارجة عنها، و ليس في عهدته بعد موته أو عجزه، كما لا يخفى.
و من هنا نقول: إنه لا يجب في تركة الميت إلّا الحج عن الميقات، و لا يجب على الولي مع عدم الوصية إلّا إيجاد ذلك، نعم لو أوصى، و قلنا بانصرافه إلى بلد الميت، يجب الحج البلدي مع احتساب اجرة الطريق من ثلثه، لا الأصل، لعدم وفاء الدليل به، كما لا يخفى.
ثم إنه لو أطلق العقد ففي اقتضاء إطلاقه فورية الحج اشكال، لعدم موجب للانصراف إلّا بقرينة خارجية، فتبقى عهدته حينئذ مشغولة بالطبيعة المطلقة فللمستأجر مطالبة حقه أي وقت شاء، و بعد المطالبة يجب عليه التفريغ فورا، حفظا لسلطنة المالك كما هو الشأن في كلية الديون. و لو مات الأجير بعد التمكن من أدائه، يجب إخراجه من صلب ماله، كسائر ديونه.
و من ثمرات عدم الفورية جواز إجارة الأجير نفسه لسنة معيّنة لغيره، و بعدها لا يبقى مجال لسلطنة المالك على التفريغ في تلك السنة. لعدم قدرته.
لصحة الإجارة الجديدة. نعم مع الفورية ليس له إيجار نفسه في تلك السنة لآخر، لعدم القدرة.
و لو أكرهه شخص آخر في إيجاد الحج لغير المستأجر أولا، ففي ضمانه للمستأجر وجه، كصورة حبسه في تلك السنة، و لا يبعد أيضا ضمانه للأجير، لاحترام عمله، كما لا يبعد اجتزاء المنوب عنه بعمله.
هذا، و توهم كون حجّه في هذه السنة مملوكا للغير، فكيف يفي لفراغ ذمة غيره.
مدفوع بأنّ المستحق عليه الحج عنه، و هو لم يوجد، و إنما وجد ضده و هو خارج عن محط استحقاقه، غاية الأمر ليس له السلطنة عن تخلّفه، و أما عن إكراه غيره فقد وجد منه ما لا قصور في وفائه بغرض المنوب عنه الجديد، لعدم اقتضاء محبوبية الشيء مبغوضية ضده.
و لا يقاس المقام بصورة اقدام الأجير على الحج لغير مستأجره في السنة المعيّنة، فإن ظاهرهم فساد عمله، و عدم وقوعه عن المنوب عنه جديدا، و ذلك لأنّ سلطنة المستأجر على استيفاء حقه موجب لقصور سلطنة الأجير على نقيض ما استؤجر عليه و ضده، و لا جرم لا يكون للأجير سلطان على العمل المزبور.
و من المعلوم انّ نتيجة عدم سلطنة الشخص على الأعمال ليست إلّا حرمته، كيف و يمكن الفرار عنه بانّ مرجع عدم السلطنة على العمل تارة إلى جعل الشارع مثل هذا الحكم في مورد كان قادرا على العمل لولاه، ففي هذه الصورة يرجع سلب الشارع القدرة عنه تشريعا إلى تحريمه، و تارة إلى عدم صلاحية المورد لأصل جعل السلطنة نفيا و إثباتا، من جهة عدم اجتماعه مع
سلطنة الغير على ضده، ففي هذا المقام لا يكون في البين قدرة له على ضد مرام الغير، كي يصلح جعل عدم السلطنة لسلب هذه القدرة، فلا يكون المحل قابلا لجعل هذا الحكم، و في مثله لا مقتضى للحرمة، كما هو الشأن في ضد كل واجب من الأفعال.
و لذا لم يلتزم أحد بحرمة السفر بمحض نذر صوم معين إلّا بمناط اقتضاء الأمر بالشيء، لا من جهة اقتضاء نفي السلطنة، و من هنا ظهر الفرق بين أمثال المقام و بين موارد استفادة حرمة التصرفات الخارجية، في مثل السفيه و المفلّس و أمثالهما، الناشئة من سلب الشارع السلطنة على التصرفات عنهما، كما لا يخفى.
بل عمدة الوجه في عدم الاجزاء هو النص المستفاد منه عدم الاجتزاء بحج الصرورة عن غيره، مع فرض وجوب حجة الإسلام عليه (1)، و الأصحاب أيضا تعدّوا بالمناط إلى كل واجب بنذر أو غيره، و منه ما وجب بإجارة نفسه لغيره.
و حينئذ مثل هذا المناط غير جار في فرض الإكراه، إذ لا يجب شيء عليه كي يشمله مناط وجوب حجة الإسلام، فلا يبقى فيه حينئذ إلّا مسألة اقتضاء محبوبية الشيء مبغوضية ضده، كما لا يخفى.
نعم قد يبقى الإشكال في أصل الكبير السابقة، و وجهه: انّ عمدة مبنى هذه المسألة بعض النصوص الخاصة الواردة في باب الصرورة المشتملة على قوله: عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال: «نعم، إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه، فإن كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزئ عنه حتى يحج من ماله، و هي تجزئ عن الميت إن كان للصرورة مال أو لم يكن له
1) وسائل الشيعة 8: 121 باب 5 من أبواب النيابة حديث 3.
مال» (1).
و في نص آخر: عن الصرورة يحج عن الميت؟ فقال: «نعم، إذا لم يجد الصرورة ما يحج به، و إن كان له مال فليس له ذلك حتى يحج من ماله، و هو يجزئ عن الميت، كان له مال أو لم يكن له مال» (2).
و لا يخفى انّ ظاهر صدر كل واحد صريح في عدم أجزاء عمل الصرورة عن الغير إذا كان له مال يحج به لنفسه، و ذيله يوهم الاجتزاء به، سواء كان له مال أم لا، فالأمر حينئذ يدور بين الأخذ بذيله و حمل صدره على عدم اقدامه به، لابتلائه بالأهم منه، و لكن لو أتى بسوء اختياره كان مجزيا، كما هو مقتضى القواعد الأولية، و إليه أيضا نظر المدارك، حيث أفاد بأنه يظهر عن صحيح سعيد بن أبي خلف خلاف ذلك (3)، أي خلاف ما قطع به الأصحاب من فساد الحج عن الغير.
و عليه فلا بد من حمل قوله في النص الأول: «فليس يجزئ عنه» على عدم اجتزاء الصرورة بعمله حتى يحج من ماله، و انّ الضمير راجع إلى الصرورة لا إلى الميت. أو الأخذ بصدره من عدم الاجتزاء به عن الميت، و حمل الذيل على الاجتزاء به بعد حجه لنفسه، كان له مال أو لم يكن.
و يمكن إرجاع ضمير «له» إلى الميت، و انه كناية عن صحة النيابة عنه في واجبه و ندبه، كما أفاده في الجواهر (4). و يشهد له أيضا قطع الأصحاب باعتراف المدارك على الفساد، بل الأصحاب تعدّوا من مورد السؤال إلى مطلق من كان عليه حج واجب بنذر أو إفساد أو غيرهما، من إجارة أو غيرها
كما أشرنا، و به صرّح المحقق في شرائعه أيضا (1)، بل و تعدّوا إلى عدم صدور المندوب لنفسه مع اشتغال ذمته بالواجب أيضا.
أقول: لو لا قرينة فهم الأصحاب من الرواية ما بنوا عليه، كان لمنع استفادة الحكم المزبور منها مجال، إذ لا أقل- إنصافا- من إجمال الرواية، لو لم نقل بترجيح الجمع الأول، بمساعدة القاعدة.
و حينئذ فالعمدة في المقام إثبات هذه القرينة، و هو مبنى على كون مدرك الأصحاب من الصدر الأول هو هذه النصوص، و إتمام هذه الجهة في نهاية الاشكال، و لا يبقى لنا في البين إلّا دعوى تسلم هذه الكبرى، بضم التعدّي إلى مطلق من عليه حج واجب، على وجه يستفاد الإجماع على هذه الكلية.
فإن تم فهو، و إلّا فالمرجع فيها القواعد، من استصحاب الصحة التعليقية، أو البراءة عن مانعية اشتغال الذمة الواجب عن صحة العمل في حق أولياء الميت، بضميمة عدم اقتضاء الأمر بالشيء أيضا النهي عن ضده، كما لا يخفى.
ثم انه بناء على استفادة المانعية المزبورة، لا فرق- بمقتضى النصوص السابقة- بين كون الحج في حق الصرورة فوريا أم لا، نعم في كلمات الأصحاب انه تعتبر الفورية، كما يشهد به تقييد الجواهر- في غير الواجب بالأصالة- معقد إطباقهم به (2)، و الظاهر انّ إطلاق كلمتهم في الصرورة أيضا مبني منهم على فورية الحج، و انّ تأخيره كبيرة موبقة، و سيجيء الكلام فيه أيضا إن شاء اللّٰه.
و لو نوى النائب الإحرام عن الغير ثم عدل إلى نفسه في بقية أفعاله، ففي بعض النصوص وقوعه عن المستأجر و استحقاقه الأجرة منه (1)، بل في النص انه كذلك لو نوى الإحرام عن نفسه (2)، كما انّ إطلاق النص يشمل غير الأجير الخاص أيضا، و لكثرة مخالفته للقواعد حمله في الجواهر على الأجير الخاص، و التزم بكونه فيه على وفق القواعد، لأنّ عمله هذا للمستأجر، و بطلان نيته لنفسه (3).
أقول: لا يخفى انّ مجرد كون عمله هذا للمستأجر لا يقتضي وقوعه عنه بأي نحو وقع، فغاية الأمر عدم وقوع العمل لنفسه و غير مبرئ لذمته، لا انه يقع عن غيره و لو لم يقصد عنه.
و حينئذ لا محيص عن كون الرواية على خلاف القاعدة، فلا بد حينئذ إما من الأخذ بها و تخصيص القواعد بها، أو الأخذ بالقواعد و طرح الرواية، لطروء الوهن في سندها من تلك الجهة، و الظاهر انّ الرواية بإطلاقها لا جابر لها، فيوهن أمر سندها، و حينئذ فالمسألة في غاية الإشكال.
فنقول: إنه لو أوصى أن يحج عنه، فظاهره الوصية بإيجاد صرف الطبيعة، الكافي فيه وجود واحد، فلا يجب عليهم الزائد، خصوصا لو كان مستلزما للتصرف في مال الصغار.
و لو قال: حجّوا عني، فظاهره- لو لا الشبهة الآتية- التكرار من المخاطب بهذا الخطاب، الذين هم أشخاص متعددون و لو في سنة. و في استفادة التكرار من شخص واحد في سنين متعددة إشكال.
و على أي حال ففي جواز الاقتصار على أقل الجمع، أو لزوم التكرار بمقدار يفي به ثلث الميت، وجهان، من اقتضاء الأصل للأول، و من قيام النص (1)على الثاني.
و يمكن حمل قوله: «حجّوا» في النص على إيجاب حجة على الجماعة كفاية لا عينا، الصادق على حجة واحدة أيضا، حفظا لموافقة النص مع القاعدة، إذ حينئذ يصير مفاد الرواية وجوب الوفاء به ما دام الثلث وافيا به، و هو على القواعد.
و يؤيده قوله في الرواية «يحج عنه ما دام له مال»، إذ الظاهر منه الاكتفاء بحج واحد، سواء قرئ بالمعلوم أو المجهول، و ربما يكون مثل ذلك قرينة عامة في مثل هذا التعبير في مقام الوصية، و لكن فيه نظر.
و لو أوصى بحج في كل سنة بمقدار من غلّة بستان، فإن لم تف الغلة بقيمة الحج المزبور، فقد يجيء الخلاف في جعل غلّة السنتين في حجة واحدة، أو سقوط الحج و صرف الغلّة في وجه آخر، من اقتضاء ظهور الكلام صرف الغلّة في الحج في سنته لا في غير هذه السنة، فمع عدم الوفاء لا بد أن تصرف الى ما هو الأقرب إلى غرض الموصي. و من اقتضاء نص ابن مهزيار و غيره (2)صرف غلّة السنتين في سنة، و لعله من جهة استفادة العرف تعدد المطلوب من كلامه، و إلّا فحمل النص على خلاف غرض الموصي في غاية الإشكال، لو لا دعوى كونه من باب الأقرب فالأقرب بغرضه، فتدبّر.
و لو كان له عند شخص وديعة و يعلم الودعي- بعد موت صاحبه- أنّ عليه حجة الإسلام لا يؤدي عنه ورّاثه، ففي الصحيح جواز أخذ الودعي من
الوديعة بمقدار اجرة الحج بلا مراجعة إلى الحاكم أو الوارث (1)، و إطلاق قوله:
«حج عنه و ما فضل فأعطهم» يوهم الشمول لصورة الشك بأداء الوارث، فضلا عن الظن به.
نعم لا بأس بدعوى الانصراف عن صورة العلم، من جهة ظهوره في حصر تخليص الميت بإعطائه، و مع الشك ربما يحرز هذا الموضوع بالأصل، فلا غرو في دعوى شمول الرواية لمثله، لظهوره في بيان وظيفته الفعلية و لو بلحاظ شكه.
كما انّ الظاهر من النص، كونه من باب ولاية نفسه، لأنه في مقام استعلام حكم المسألة، و جواب الإمام حينئذ منزّل عليه، لا على اذنه بالتصرّف نيابة عن الإمام، الوالي في أمرهم.
و حينئذ ليس ذلك مرتبطا بالولايات الحسبية المؤخرة عن تصرف الحاكم الشرعي، و لا ضير في الالتزام بهذا المقدار، مع وجود النص المعمول به في المقام، كما لا يخفى.
هذا، و لو أوصى بمال معيّن ليصرف في الحج عنه، فإن كان الحج واجبا عليه بأصل الشرع، أو بنذر قد تمكن من الوفاء به فلم يفعل، فإن و في المال به، فيجب صرفه فيه، كان بمقدار الثلث أو أزيد.
و إن لم يف به يتمّه من صلب ماله، على اشكال في نذره.
و إن لم يف به أصلا، و لو لعدم مال آخر يضم إليه، ففي وجوب صرفه بمقدار واف بثلث الميت في سائر وجوه البر مع ملاحظة الأقرب إلى غرض الموصي فالأقرب، أو رجوعه بتمامه إلى ملك الورثة، وجهان، سيجيء تحقيق الكلام في كتاب الوصايا.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر حكم الحج الندبي، فإنه لا بد من ملاحظة
1) وسائل الشيعة 8: 128 باب 13 من أبواب النيابة.
كون المال بقدر الثلث، مع وفاء مجموعه بحجه، و إن لم يف مجموعه بحجه لا يجب إنفاذها على الورثة، فيكون مصرف المال سائر وجوه البر، على الخلاف.
و لو كان المال انقص من الثلث، ففي وجوب الضم إلى مقدار الثلث الوافي بحجه و عدمه، وجهان، مبنيان على أنّ غرضه من الوصية إتيان الحج و تعيين هذا المال بظن وفائه، و إلّا فيوصي بالحج، فيجب الضم، أو إتيانه من قبل هذا المال فقط، فلا يجب الحج، و يبقى المال في حكم المال السابق غير الوافي بحجه، كما لا يخفى.
و لو كان عليه حجة الإسلام و النذر، فلا شبهة في كونهما دينا عليه، مع استقرار وجوبهما عليه في حياته، و حينئذ لو فوت تركته بهما فلا اشكال، و ان لم تف بهما فمقتضى النص (1)تقديم الحج من صلب المال و النذر من ثلثه، و تقدّم شطر من الكلام في الرواية المزبورة، و انه على خلاف القاعدة في النذر، لأنه من الديون التي كان مقتضى القاعدة فيها مزاحمتها مع الحج و سائر ديونه، و انه أيضا من صلب ماله.
و حيث انه كان معمولا به عند جماعة، فلا بأس بالأخذ به على خلاف القاعدة، فلازمه مع التزاحم و عدم وفاء المال بهما تقديم الحج و سقوط النذر، و إن كان ذلك أيضا على خلاف القاعدة، لكنه أولى بالمصير إليه بفحوى النص المزبور، و اللّٰه العالم.
تبعا للمصنف رحمه اللّٰه حيث أفاد فحجة الإسلام واجبة
1) وسائل الشيعة 8: 128 باب 13 من أبواب النيابة.
بأصل الشرع مرة واحدة، بلا إشكال، للإجماعات المحكية، و الأخبار المستفيضة (1)، و في بعضها «و كلفهم حجة واحدة» (2).
و في آخر «مرة واحدة» (3).
و في ثالث «أمرهم بحجة واحدة» (4).
و بمثل هذه ترفع اليد عما دلّ على وجوبها في كل عام لأهل جدة، بحملها على مجرد الثبوت المناسب للاستحباب، كما انه على هذا المعنى تحمل فتاوى كل من عبّر بهذه العبارة.
ثم انّ المشهور انّ وجوبها على الفور، لما في النص بأنّه: «لو استطاع ثم دفع ذلك و ليس له عذر فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام» (5).
و في آخر «من يسوّف في الحج ليس عليه عذر» (6).
و في ثالث: جعل الاستخفاف بالحج من الكبائر (7).
و في استفادة الفورية من أمثال هذه النصوص نظر، بل المستفاد منها حرمة التسويف فيها و المساهلة في أمرها على وجه ينتهي إلى الاستخفاف، و هو غير دال على الفورية.
و ربما يترتب عليه جواز تأخيرها لأعذار عرفية تكشف عن عدم المسامحة معه عرفا، و إن لم يكن شيء منها شرعيا، بخلافه على الفورية، فإنه لا بد أن
1) وسائل الشيعة 8: 12 باب 3 من أبواب وجوب الحج.
2) وسائل الشيعة 8: 12 باب 3 من أبواب وجوب الحج حديث 1.
3) وسائل الشيعة 8: 13 باب 3 من أبواب وجوب الحج حديث 3.
4) وسائل الشيعة 8: 12 باب 3 من أبواب وجوب الحج حديث 2.
5) وسائل الشيعة 8: 17 باب 6 من أبواب وجوب الحج حديث 3.
6) وسائل الشيعة 8: 17 باب 6 من أبواب وجوب الحج حديث 4.
7) وسائل الشيعة 8: 19 باب 6 من أبواب وجوب الحج حديث 11.
يكون العذر شرعيا جزما، فتدبّر.
و يجب الحج المزبور على الذكور و الإناث و الخناثى، لعموم من استطاع إليه سبيلا (1)بشروط ستة:
، للنصوص المشتملة على تقييد وجوبه بالاحتلام (2)، علاوة على حديث «رفع القلم». و لا بأس بشرعية عبادته مع التمييز بعموم الأمر، علاوة على استفادة الحكم من فحوى ما ورد على الحجاج الصبيان.
إجماعا، مضافا إلى عموم «رفع القلم»، و النصوص المستفيضة المشتملة على كون العقل مدار الثواب و العقاب (3).
و لعل إلى ذلك أيضا نظر صاحب الجواهر (4)، و إلّا فلم أظفر على نص مخصوص بالمقام، كما لا يخفى على من تدبّر.
، للنص بأنه «ليس على المملوك حج و لا عمرة حتى يعتق» (5). و إطلاق المتن- كالنص- يقتضي عدم الوجوب و لو أذن له مولاه و بذل له النفقة لفقد شرط الحرية، أو مانعية نفس المملوكية. و حينئذ لا يمكن إرجاعه إلى عدم مالكية الزاد و الراحلة، إذ لازمة وجوبه مع بذل غيره له، بضميمة إذن مالكه. و هو خلاف إطلاق النص و الفتوى كما لا يخفى. ثم انّ في هذه الشرائط فروعا ستأتي عند تعرض المصنف إياها.
على المشهور في الأخير، و فتوى كثير
في الأول، خلافا للمدارك (1)و بعض آخر، من عدم اعتبار أزيد من القدرة العقلية، بلا مشقة لا تتحمّل عادة.
و عمدة نظرهم إلى جملة من النصوص من قوله «حجة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين» (2).
و في آخر «يخرج و يمشي إن لم يكن عنده مال» (3).
و في ثالث: «و لو على حمار أجدع أبتر» (4).
و لا يخفى ما في الأخير، إذ ظاهر صدره وجود المال و انه لبيان أقل ما يجزئ في المئونة و الراحلة الموجبة له، فلا يستفاد منه كفاية مطلق القدرة.
و أما البقية فغاية الأمر دلالتها بالإطلاق، القابلة للتقييد ببعض مراتب القدرة الحاصلة من مالكية الزاد و الراحلة، أو للسلطنة على التصرّف فيه ببذل غيره، و ذلك مثل ما دل على شرطية ملكية الزاد و الراحلة، بل و لو لا أخبار كفاية البذل، لما كان يستفاد منها كفاية مطلق السلطنة على التصرف و لو بالبذل.
و من هنا نقول: إنه ربما لا يكفي في الوجوب مجرد جواز تصرفه في مال غيره و لو مثل أبيه بقطعه برضاه على وجه ينصرف عنه عنوان البذل، و إطلاقها يشمل القريب و البعيد، غاية الأمر يختلف مقدار الاستطاعة المملوكة كما هو ظاهر.
كما انّ الظاهر من قوله «له زاد و راحلة» أعم من عينه و بدله، و في بعض النصوص: «له ما يحج به» الظاهر في السببية بلا واسطة أو بواسطة، خصوصا
مع الجزم بأنّ الخطاب المزبور متوجه إلى من غالبهم غير واجدين العين، فتخصيص مثله بالأخير بعيد جدا.
ثم انّ الظاهر من قوله «زاد و راحلة» وجدان ما يحتاج إليه في سفره إلى أن ينتهي إلى محل توطنه، سواء كان ذلك محل خروجه أو محل آخر يختار التوطن فيه، فلو اختار التوطن في مكة فالزاد الملحوظ هو زاد ذهابه إليه و بعد اكتماله من حجه.
و حينئذ يستفاد من هذا البيان تفصيل أمتن من التفصيل بين مريد الرجوع الى مخرجه و غيره، و لعله أيضا ينظر إلى ما ذكرنا و إن لم يف به إطلاق كلامه، كما لا يخفى.
هذا، ثم انه لا إشكال في وجوب شراء لوازم السفر أينما كان، عند استقرار وجوب الحج للمقدمة، و لا اشكال فيه مع عدم الضرر في الشراء المزبور، و أما مع ضرره به فمع الإجحاف المنتهي إلى الحرج فلا إشكال أيضا في عدم الوجوب فعلا، و إنما الكلام في الضرر غير المجحف، فإنه قد يتوهم مجيء العلة في باب ماء الوضوء في المقام، و من أنه على خلاف قاعدة «نفي الضرر» بعمومه، فلا بد من الاقتصار فيه على مورده.
و لكن الإنصاف انّ مثل هذا العموم غير مجبور في الأحكام الإلزامية، كيف و لازمة جواز شرب الخمر و غيره باستلزام تركه ضررا يسيرا من الماليات، و لا أظن التزامه من أحد، و إلّا فيكفي في تجويز كل محرم مجرد إكراه المكره و توعيده بمثل هذا الضرر اليسير، و هو كما ترى.
و حينئذ لا بد من بلوغ الضرر و المشقة حدا لا يتحمل، و حينئذ فلا يجب الحج لهذه المشقة، و في كونه مورد انصراف عموم «له زاد و راحلة» كي لا يحتاج إلى عموم نفي الحرج، أو عدم الانصراف كي يحتاج إليه، وجهان.
و ربما تثمر هذه الجهة في انه على الأول لا يستقر الحج عليه بمصلحته على
وجه لو مات بعد هذه السنة، قبل خروج المعاملة عن الضررية، لم يستقر في ذمته الحج، فلا يجب الاستنابة و هذا بخلاف الثاني، فإنّ مصلحة الحج بعموم «له زاد» استقر، و إنما نفي وجوبه بعموم نفي الحرج، الذي ليس شأنه إلّا مجرد نفي فعلية التكليف، لا اقتضائه الثابت بإطلاق دليله، فتجب الاستنابة عنه، لعموم «اقض ما فات» من الفريضة الاقتضائية، نظير ما لو فات عن غفلة عن استطاعته.
و حينئذ فالذي يقتضيه النظر، كون المدار في شرط وجوب الحج- بمقتضى الآية الشريفة- الاستطاعة المنصرفة إلى القدرة العرفية، غاية الأمر قيّدت هذه القدرة العرفية بكونها ناشئة عن ملك الزاد و الراحلة بنفسه أو بدله، و من المعلوم انّ هذه القدرة العرفية منصرفة عمن كان تحصيل العين في حقه حرجيا.
و عليه فلو فرض عدم انصراف «له زاد» عن مثل هذا الشخص، لما كنا نقول بوجوب الحج في حقه، من جهة انّ تمام المناط في الوجوب ليس على صدق هذا العنوان، بل على صدق عنوان الاستطاعة، المقيّدة بوجدانه مثل هذا المال، فعنوان الاستطاعة المزبورة لا بد أن يكون محفوظا في شرط الوجوب، و مع حفظه لا يضر به إطلاق «له زاد و راحلة» في حقه.
مضافا إلى إمكان دعوى انصرافه إلى وجدانه بالنحو المتعارف، لا بمثل هذا النحو من حيث لزوم المشقة في تحصيله.
و من هذا البيان ظهر مطلب آخر، و هو أنّ القدرة الخاصة التي هي شرط وجوب الحج، هي القدرة على تمام العمل، و مثل هذا المعنى أمر حدوثي، بحيث لو انكشف طروء عجزه في الأثناء يكشف عن عدم حدوثه من الأول، و من المعلوم انّ القدرة على الأمور التدريجية تلازم مع بقاء مقدمات القدرة إلى آخر العمل، فمرجع شرطية هذا المعنى في وجوب الحج، إلى شرطية القدرة
الخاصة الملازمة مع بقائها إلى كذا.
و لازمة حينئذ تجويز العقل بتفويتها، و لو قلنا بأنّ الوجوب منوط بحدوث المعنى المزبور بلا اناطة وجوبه ببقائه، و ذلك لما عرفت انّ المعنى المزبور من الأول حدوثي لا يتصور فيه بقاء، فمهما فوته المكلّف قبل مضي زمان تمام الأفعال، يصدق عليه بأنه من الأول لم يحدث.
و عليه فنقول: بعد القطع بأنّ خطاب الواجب المشروط في المقام و غيره لا يقتضي- بحكم العقل- حفظ الشرط، من دون فرق بين زمان الخروج مع الرفقة أو قبله أو بعده، فظهور اشتراط وجوب الحج بالاستطاعة المزبورة، موجب لجواز تفويته، مهما يريد إلى أن ينقضي زمان العمل بتمامه، فإنه حينئذ يستقر عليه الوجوب بلا إناطته إلى شيء آخر، لحصول الشرط و هو القدرة على صرف الطبيعة بلا تصوّر بقاء له أيضا، لعدم تصوّر التكثر في صرف الشيء. و بعد ذلك لا يعقل بقاء لهذا المعنى، بل تمامه حصل بالقدرة بأول وجوده.
و لكن الأصحاب في المقام غير ملتزمين بهذا المعنى، بل ظاهرهم حرمة تفويت القدرة المزبورة بعد حصول التمكن من الخروج مع الرفقة، و مرجع كلماتهم إلى شرطية القدرة على تمام العمل من حيث بقائها من سائر الجهات، لا من جانب المكلّف.
و لازمة- مع إحراز البقاء من الخارج- حرمة تفويتها من قبل نفسه، لتنجز الخطاب عليه حينئذ، و من المعلوم انّ مثل هذا المعنى خلاف شرطية الاستطاعة إلى الحج، المنوط بحفظها حتى من قبل نفسه، فلا محيص عن جعل مثل هذا التسلّم قرينة على ارتكاب خلاف ظاهر في شرطية الاستطاعة للوجوب بجعل الشرط حفظ وجودها من الجهات الخارجية لا من جهة نفسه.
و حيث كان كذلك لا بد من الاقتصار على هذا الخلاف للظهور، بمقدار
يقوم على القرينة من إجماعهم، و في الزائد عنه يؤخذ بظهور شرطية وجود الاستطاعة بقول مطلق، الذي لازمة عدم المنع عقلا في تفويته.
و حيث كان الأمر كذلك، فنقول: إنّ القدر المسلّم من الكلمات في حرمة تفويت الاستطاعة، هو حال خروج آخر الوفد من القافلة، و أما غيره فظهور الخطاب في شرطية وجود الاستطاعة بقول مطلق باق بحاله، و لازمة جواز تفويته، كما لا يخفى.
هذا ثم انّ الظاهر من قوله «له زاد و راحلة» في شرح الاستطاعة، اناطة الاستطاعة بملكهما، و لكن قد وردت أخبار مستفيضة بكفاية البذل بلا تمليك، ففي الصحيح: فإن عرض عليه الحج فاستحيى؟ قال: «هو ممن يستطيع الحج، و لم يستحي و لو على حمار أجدع أبتر» (1).
و بمثل هذا المضمون نصوص متعددة، و في ذيل بعضها «فإن كان يستطيع أن يمشي بعضها و يركب بعضها فليفعل» (2). و هذه الفقرة تقتضي عدم لزوم التمكن من الراحلة بتمامها، و لكن الأصحاب غير ملتزمين به، فلا بد من طرحه أو تأويله بالحمل على من استقر عليه الحج.
كما انّ الظاهر من إطلاق قوله: و لو على حمار كذا، عدم ملاحظة الشأن و الشرف بالنسبة إلى الراحلة، و لا أقل من عدمها في خصوص الوجوب بالبذل، و هذا المقدار أيضا ربما ينتهي إلى عدم الاعتناء بقاعدة الحرج، و هو أشكل. و لذا التزم بعض الأعاظم بطرح هذه الفقرة، أو حمله على بيان أدنى مراتب البذل بالنسبة إلى متعارف الناس، غير المبالين بركوبه، عملا
بعمومات الحرج في غيرهم. بل و انصراف الاستطاعة العرفية بالنسبة إلى مثله في هذه الصورة، كما أشرنا إلى نظائره من الحرجيات.
ثم إنّ مقتضى إطلاق الروايات وجوب الحج عند بذل تمام الزاد و الراحلة، إذ هو المنساق من عرض الحج عليه، و حينئذ فإن حصل البذل المزبور و دفعه فهو، و إلّا ففي كفاية احتمال وفائه بوعده، أو الاحتياج الى الوثوق بحصوله و لو تدريجا، أو الاحتياج إلى اليقين، وجوه، أوسطها أحسنها، إذ الإناطة على حصول القطع موجب لتنزيل هذه الخطابات على الموارد النادرة، كما انه مع الشك بالوفاء المزبور يشك في موضوع بذل تمام الزاد، الذي هو شرط، فالأصل ينفي وجوب الحج حينئذ، فيبقى الوسط، فإنّ الغالب حصول الوثوق بقوله، فيجب الإقدام إلى أن ينكشف الخلاف.
و حينئذ ففي كفاية بذله إلى آخر العمل، أو لزوم بذله إلى أن يرجع إلى الوطن، أو إلى أن يتوطن في محل و لو في مكة، وجوه، ربما يترتب عليه مسألة استقرار الحج، بانكشاف عدم البذل بعد إتمام العمل.
و لا يخفى انّ المنصرف من عرض الحج بذل مئونة سفره بتمامه، نظير ملكية الزاد و الراحلة، فالتفصيل المختار هناك جار هنا أيضا، و لازمة اختيار ثالث الاحتمالات.
و على أي حال، لو رجع عن البذل قبل تمام العمل، و لو قبل طواف النساء في الحج، فلا اشكال ظاهرا في عدم استقرار الوجوب عليه، كما هو الشأن في استطاعة الملكية، كما لا يخفى.
هذا، ثم انّ موضوع الحكم في باب البذل دعوته الى الحج، و من المعلوم انّ هذا المقدار لا يقتضي تمليكه، بل غاية الأمر إباحته لصرفه في حجه، و في التعدّي عنه إلى صورة العلم برضاه لهذا المصرف من الخارج، بلا صدق الدعوة المزبورة إشكال- كما أنّ في وجوب القبول في عرض الهبة عليه اشكالا-
لانصراف عرض الحج عن مثله.
و أيضا ظاهر الإطلاقات المزبورة كفاية حجه عن حجة إسلامه، بل و كفايته في استقرار الحج عليه لو لم يقدم و إن كان باستحياء منه، للتصريح في النص بأنه مستطيع بمجرد ذلك.
و أيضا ظاهرها عدم مانعية الدين عن الوجوب بالبذل، و في منعه عن الوجوب بالاستطاعة الملكية حتى مع عدم المطالبة نظر، لصدق «له زاد» لو لا دعوى انصرافه عن مثل هذه الملكية، الذي هو في معرض التلف بمطالبة الدائن. و ربما يساعده العرف أيضا في من أقرض مالا بنحو كان منحصرا به، مع الجزم بمطالبة الدائن بعد خروج الرفقة. و أما مع المطالبة فلا شبهة في وجوب أدائه المانع عن تحقق الاستطاعة، و لو قيل بها مع عدم المطالبة فضلا عما لو لم نقل.
هذا، اللهم إلّا أن يقال: انّ الوجوب مترتّب- في باب الديون- على عنوان الواجد و لو من باب تقييد المطلقات به، لوحدة المطلوب بشهادة وحدة العقوبة في ترك الواجد، فإذا كان الموضوع هو الواجد، ففي صدق الوجدان مع وجوب صرفه في الحج اشكال، فتكون حينئذ مانعية كل طرف تعليقية، فلا وجه لترجيح أحدهما على الآخر.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ الملكية الخارجية التي هي مقتضية لصدق الوجدان حاصلة و منجزة، و إنما الكلام في صلاحية وجوب الحج لرفع فعلية الوجدان، و مرجعه حينئذ إلى مانعية الوجوب عن تأثير المقتضي المزبور بعد وجوده منجزا.
و حينئذ نقول: إنّ هذا المانع لما كان تعليقيا يستحيل أن يؤثر أثره، للدور. و لقد بينا نظير هذا البيان في وجه تقديم النذر قبل الاستطاعة على وجوب الحج. و مرجع مقالتنا هناك أيضا إلى أن النذر مقتض تنجزي
لإحداث المصلحة في وفائه، و إنما العجز مانع ناش عن وجوب الحج تعليقا، كما لا يخفى.
و لازمة تأثير النذر أو غيره أثره، و بعد ذلك يرتفع موضوع الوجوب بمناط دوران الأمر بين التخصيص أو التخصص، فتقدّم الوجوبات المستندة إلى المقتضيات التنجزية على وجوب الحج كما لا يخفى، فافهم و اغتنم.
فيه وجهان، بل قولان.
و مستند الأول رواية الأعمش المشتمل ذيلها على قوله «و أن يكون للإنسان ما يخلّفه على عياله، و ما يرجع إليه بعد حجه» (1).
و عن مجمع البيان ما أرسله في تفسير قوله تعالى لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ (2)«الزاد و الراحلة و ما ينفق به عياله، و الرجوع إلى كفاية» (3).
و في نص آخر: «القوت في المال و اليسار»، قال «فإن كانوا موسرين فهم ممن يستطيع» (4).
و في آخر: «السعة بالمال إذا كان يحج ببعض و يبقى بعضا يقوت به عياله» (5).
و في المقنعة: «زاد يقوت به نفسه و عياله» (6).
و مستند الأخير إطلاقات «له زاد و راحلة»، أو كفاية القدرة و الطاقة في وجوبه مع ضعف الأخبار السابقة بالإرسال و غيره.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ ذهاب جم غفير إلى الشرطية كاف في جبر اسنادها، خصوصا مع استفادتهم نفقة العيال ذهابا و إيابا من مثلها، و إلّا فلا تعرض في الإطلاقات السابقة لها، فعمدة مستندهم هي الروايات المزبورة.
و حينئذ فلا قصور في سندها و لو إجمالا، و إنما الكلام في دلالتها، حيث يتوهم انّ المتيقن منها مجرد قوت عياله ما دام في السفر، فلا يستفاد من الروايات أزيد من قوت العيال.
و زيادة المقنعة من نفسه غير معلوم، كما انّ رواية الأعمش بنفسها غير موثوق بها، و المراد باليسار في النص الأخير أيضا هذا المقدار، و الرجوع بالكفاية في المرسلة أيضا غير مجبور.
أقول: لو أغمض عن عمل جمع من الأعاظم بالأولين، و كنا نحن و خبر اليسار بالمال و قوت العيال، لكان يكفي لنا شاهدا، إذ الظاهر من اليسار العرفي ازدياد ماله عن مقدار مصارف حجه لنفسه و لعياله، على أنّ الظاهر من قوله «يقوت به عياله» بإطلاقه يشمل بعد المراجعة من سفره أيضا، و هذا المقدار يكفينا شاهدا، علاوة عن سماحة الدين على وجه ينافي وجوب صرف جميع ما به عزه و شرفه في حجه، فيقعد ملوما مدحورا.
ثم إنه من فحاوي ما ذكرنا ظهر وجه اعتبار نفقة العيال- في سفره إلى أن يرجع- في الاستطاعة، و حينئذ لا بد من تقييد كلام المصنف به جزما، و إنما الكلام في تقييده بأزيد من ذلك، من الرجوع إلى الكفاية أيضا، و قد تقدّم شرحه.
ثم إنه قد يظهر من المحقق في شرائعه استثناء دار السكنى و الخادم و الثياب
و أدوات المهنة عن الاستطاعة (1)، فلا يباع مقدمة لتحصيل الزاد و الراحلة، و ألحق بها بعضهم فرسه و كتبه العلمية، المحتاج إليها، و ربما يشهد لذلك إطلاق الدين على الحج، الموجب لإجراء المستثنيات من الدين في المقام أيضا، علاوة على المشقة بفقدها، المانع عن صدق القدرة العرفية على حجه، كما أشرنا إليه في نظائره، مضافا إلى ما عن التذكرة من دعوى الإجماع في المسألة (2)، و هذا المقدار لعله كاف في الفقه، في قبال إطلاقات «من له زاد و راحلة» في شرح الاستطاعة.
نعم مع التشكيك في دلالة واحد بعد واحد، لا بد من المصير إلى الإطلاقات و الالتزام بالوجوب و إن بلغ ما بلغ من الحرج العظيم و العسر الجسيم، و مثله خارج عن سهولة الشرع الأنور، و عن ارادة اللّٰه بهم اليسر، علاوة عن عمومات الحرج، بضميمة الالتزام بأنّ كل ما له دخل في الوجوب في باب الحج دخيل في أصل المصلحة، بشهادة إطلاق كلماتهم بعدم وجوب قضائه بموته قبل استقرار وجوب الحج، إذ مثل هذا المعنى بالملازمة المستفادة من التعليل، في قوله في نفي قضاء الصيام على من مات في مرضه: «كيف يقضي ما لم يجعل اللّٰه عليه»، يدل على نفي جعله عليه و لو اقتضاء.
و حينئذ فلا يغرنك إطلاق ما ورد في شرح الاستطاعة بمن له زاد و راحلة، فالفقيه العارف برموز كلمات أهل العصمة، يرى بذوقه السليم استثناء الأمور المزبورة طرا عن الاستطاعة، على وجه يصلح لتقييد الإطلاقات المزبورة بكل ما يكون في فقده للحاج من قبل حجه حرج أو ضرر لا يتحمل عادة، بل قد أشرنا كرارا بأنّ في تعليق الوجوب في الآية الشريفة على الاستطاعة- المنزّلة
على العرفية المنصرفة على من عليه الحرج بفقد أمثال هذه الأمور- إيماء إلى ما ذكرنا، كما لا يخفى.
، إذ هو أيضا من صغريات الكبرى المشار إليها، بل و يومئ إليه أيضا قوله: من استطاع اليه سبيلا (1)بل في النص أيضا التصريح به بقوله «تمنعه حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه» (2).
و في بعض آخر التصريح ب «تخلية السرب» (3)، علاوة عن خوف الضرر و الحرج بدونه على وجه ينافي الاستطاعة العرفية.
و من المجموع يستفاد عدم الفرق بين الإمكان المزبور، لقصور فيه لمرض أو هرم لا يستطيع على السفر، أو لقصور في الطريق لظلم ظالم من سلطان أو غيره.
و حينئذ فلو مات قبل التمكن المزبور لم يستقر عليه الحج، فلا تجب الاستنابة عنه حينئذ، كما لا يخفى.
و لو كان له طريقان أحدهما مخلّى، يجب عليه اختياره و إن كان أبعد.
فإن توقف رفع المانع على دفع المال، فإن بلغ إلى حد يشق تحمله فلا يجب، لما عرفت، و إلّا فالوجوب أقوى، لما عرفت في مسألة شراء الآلات بأزيد من ثمن المثل.
و لو انحصر الطريق في البحر، و ظن بالهلاك، بل و خاف من الضرر فيه
على وجه يكون تحمله حرجيا سقط عنه الفرض أيضا، لعدم الاستطاعة. و لو سلك متحملا للمشقة و صادف السلامة، ففي الاجتزاء بحجه فعلا وجه، و إن نسب الى ظاهر الأصحاب خلافه، و لكن ذهب إليه بعض آخر، و لا يبعد الالتزام به، لتحقق الاستطاعة له من الحين، و هذا بخلاف من تسكّع في حجه مع عدم وجود زاد و راحلة، فإنه لا يجزئ، لفقد الشرط من مالكية الزاد و الراحلة.
و لو تسكّع و استطاع بتملكه للزاد أثناء الطريق الى الحج، ففي شمول الإطلاق، بأنه من هذا الحين كان له الزاد، و عدمه، لانصراف الإطلاق إلى ملكيه الزاد من بلده، وجهان. لا يبعد المصير إلى الأول، خصوصا موافقته للاحتياط و إن كان الأحوط إعادته مع التمكن بعده من بلده، و إن كان الأصل يوافق الثاني، نعم من كان في بلده و لم يملك إلّا الزاد و الراحلة من الميقات، لا يجب عليه الحج إجماعا، بل يحتاج إلى الزاد من بلده، و هذا المعنى غير الفرع الأول، كما لا يخفى، فتدبّر.
، على المشهور بين الأصحاب، إلحاقا للمقام بمن انعتق مدركا لأحد الموقفين، مضافا إلى إطلاقات «من أدرك المشعر فقد أدرك الحج» (1)، علاوة عما دل على أنّ من لم يحرم من مكة أحرم من حيث أمكنه.
و قد يستشكل فيه من جهة منع اقتضاء جواز الإحرام مهما أمكن للاجتزاء بغير ما أحرم له، فصلاحية الوقت لإنشاء الإحرام جديدا، لا يقتضي صلاحيته لقلب الإحرام عما وقع له، كما انّ مطلقات «الإدراك» منصرفة
1) وسائل الشيعة 10: 59 باب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر.
إلى الاجزاء بما أحرم له لا مطلقا.
هذا، و لا يخفى ما فيه، من أنّ ذلك إنما يتم على فرض اختلاف حجة الإسلام مع غيره بحسب الحقيقة، بحيث يكون امتيازها عن غيرها بالخصوصية القصدية، و إلّا فبناء على عدم الاختلاف في حقيقة الحج، و لو بمقتضى الأصل، فلا يحتاج إلى قصد كون إحرامه لحج كذا، كي يحتاج إلى دليل صلاحية الإحرام لحج خاص، للانقلاب إلى الإحرام لغيره.
فالأولى حينئذ الجواب بأنّ الإطلاق غايته كونه في مقام بيان عدم قصور في حجه من قبل فوت الإحرام، أو عدم درك الموقفين جميعا، بلا نظر فيه إلى صورة فقد سائر الشرائط الثابتة من الخارج، فلا يصلح مثل هذه الإطلاقات لنفي شرطية ما ثبت شرطيته بدليله، و إلّا فمقتضى الإطلاق التعدّي إلى من استطاع عند إدراك أحد الموقفين أيضا، و لم يلتزم به أحد.
و حينئذ لم يبق في البين إلّا تنقيح المناط، من أخبار عتق العبد، فإن تم و لو بمعونة فهم المشهور فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال، و لعله لذلك تردد المحقق في شرائعه (1)، و إن قوّى الإلحاق في الجواهر (2).
و لكن الانصاف عدم مساعدة دليل عليه على وجه تطمئن إليه النفس، نعم لو قلنا بأنّ الخطابات شاملة للصبي، الكاشف عن وجود المصلحة الملزمة في حجه، أمكن الالتزام في المقام بالصحة، و أنّ ببلوغه يتوجه الخطاب بوجوب إتمامه، غاية الأمر خرج عنه البلوغ بعد فوت الموقفين، و أما غيره فيبقى تحت الإطلاقات، و لكن لا يخفى أنّ ذلك مبني على تمامية الإطلاقات في حق الصبي و عدم تقييدها بالبلوغ، و إلّا لا يبقى مجال للكلام المزبور كما لا يخفى،
و قد كشفنا الغطاء عن هذه الجهة في طي مسألة شرعية عبادات الصبي فراجع، و تدبّر.
ثم إنه لا فرق في الحكم المزبور بين حج التمتع و الافراد و القران، فلو كان قد اعتمر عمرة التمتع حال صغره، ثم أتى الحج و بلغ في أحد الموقفين، فمقتضى إطلاق النص و الفتوى الاكتفاء بهذا الحج، بلا احتياج إلى إعادته بعمرته، و لا بعمرته فقط في أشهره إن تمكن، و إلّا ففي العام القابل.
و اشكال بعض بعدم جواز الاقتصار على العمرة المزبورة، و انّ النظر في النص و الفتوى إلى مجرد تصحيح حجه، بلا نظر إلى تصحيح العمرة، و لازمة حينئذ سقوط الترتيب بين العمرة و الحج في هذا الفرض. في غير محله، إذ على فرض شمول النص لمثل هذا الحج، كان ظاهره الاجتزاء به بقول مطلق، بلا لزوم شيء من قبل هذا الحج عليه، كما هو الشأن في إدراك العبد و انعتاقه في حجه المتمتع به، بل لازم التعدّي عن العبد الى الصغير جريان حكمه فيه، فالأولى الإشكال في إطلاق الدليل، و كذا في تمامية الفحوى في إثبات أصل المدعى فتوى.
نعم لا بأس بالالتزام بهذا الحكم في العبد بلا اشكال فيه فتوى و نصا، و في الصحيح: مملوك أعتق في يوم عرفة، فقال: «إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج» (1).
و الظاهر- بمقتضى تنزيل الإطلاق على الغالب- الاجتزاء بحجه عن حجة الإسلام، و إن لم يكن مستطيعا بمجرد انعتاقه، و إطلاقه شامل لحج تمتعه أيضا.
1) وسائل الشيعة 8: 35 باب 17 من أبواب وجوب الحج حديث 2.
و الشبهة السابقة أيضا في غير محلها، مع الإطلاق في النص و الفتوى كما لا يخفى. بل ظاهر عدم تعرض النص لتبديل النية يكشف عن عدم اختلاف حجة الإسلام عن غيره بحسب الحقيقة، و إلّا ففي غاية البعد الاكتفاء في مثله بحقيقة بدل آخر، خصوصا مع ما في بعض النصوص: «يجزئ عن العبد حجة الإسلام» (1).
بلا إشكال في الأول فتوى و نصا، و في خبر زرارة: «إذا حج الرجل بابنه و هو صغير فإنه يأمره أن يلبّي و يفرض الحج، فإن لم يحسن لبّى عنه و يطاف به و يصلّى عنه»، قال زرارة: ليس لهم ما يذبحون، قال: «يذبح عن الصغار و يصوم الكبار، و يبقى عليهم ما يبقى على المحرم من الثياب و الطيب، فإن قتل صيدا فعلى أبيه» (2).
و في نص آخر «يصنع بهم ما يصنع بالمحرم» (3).
و لا يخفى انّ ظاهر قوله «فإن قتل صيدا فعلى أبيه» كون الخسارات الواردة على من أحجه و إن كان له مال، بل هو مقتضى القواعد، حيث أوقعه في خطرات الضمان، فيقتضي تحمل ضمانها على من أحجه بلا خصوصية للأب فيه أيضا.
نعم ظاهر كلماتهم في المميز، كون الخسارات عليه، لقوة المباشر في مثله، بحيث لا يبقى مجال اجراء حكم غير المميز فيه، و لذا جعل بعضهم مثل هذا العمل من التصرفات المالية، و جعلوا وجه الاحتياج إلى اذن الولي ذلك، و إن استشكل فيه في الجواهر في اعتبار الاذن، بل احتمل المشروعية بدون
اذنه (1)، لو لا الإجماع على شرطية الاذن.
و بعد مثل هذه التسلمات لا يبقى مجال توهم كون خساراته على غيره، نعم قد يشكل في كفارة ما يوجب عمده لها في البالغين على الصبي، بعموم «عمد الصبي خطأه»، و استشكل في عمومه في غير باب الديات، كيف و يلزم عدم مبطلية ما صدر منه في صلاته و صيامه و ليس كذلك.
و الاولى أن يقال: إنّ دليل تشريع مثل هذه العبادات في حق الصبي ناظر إلى ثبوتها بنحو ثبوته في البالغين، فلمثل هذا الدليل نحو نظر إلى عدم كون عمدة في هذه الأفعال خطأ، و لا أقل من معارضة هذه الأدلة مع نظر دليل التنزيل المزبور لمثل هذه الآثار، و حينئذ يسقط عن الاعتبار في أمثال المقام لهذه الجهة، لا لتخصيص العام بباب الديات، كيف و لا وجه لتخصيصه بها، كما لا يخفى.
ثم إنّ المراد من الولي الأب و الجد و الوصي، و في انتهاء النوبة إلى الحاكم فرع إحراز مطلوبية الإحجاج به في كل حال، غاية الأمر يحتمل كونه بأمر من له الأمر، و في إتمام هذه المقدمات نظر، كيف و لازمة انتهاء الأمر- أحيانا- إلى ولاية العدول، و لا أظن التزامهم به.
نعم يستفاد من بعض النصوص ولاية الأم، و لا ضير به، بعد كون نصه معمولا به عند جم غفير، و إليه ذهب في الجواهر أيضا (2).
و أما المجنون فالمشهور الحاقه بالصبي، كما أنّ بناءهم على إلحاق الصبية به، مع اختصاص النصوص بالصبي.
و في المستند (1)استشكاله في إلحاق المجنون، و هو في محله، لو لا ملاحظة اشتراك غالب أحكامهما بحيث صارت هذه الملازمة في الأحكام من المغروسات في أذهان المتشرعة، بنحو يحتاج نفيها في مورد إلى قيام الدليل على الخلاف، فمع عدمه- بمقتضى الارتكاز المزبور- يحكم بالاشتراك، و يكون ذلك من قبيل الإطلاقات المقامية، المرجع في الأحكام عند عدم النص على الخلاف.
فيوقع الإحرام فيه بنيته، و لازمة إيجاد الوضوء فيه أيضا، و لكن في النص «يصلّى عنه»، فربما يتعدّى منه إلى وضوئه، فيتوضأ الولي عنه، و لكن لا تخلو هذه الجهة من الإشكال، لأنّ الوضوء بعد ما كان مقدمة لطهارة الصبي في طوافه، لا يبقى مجال لوضوء الولي عن قبل الغير، إلّا بإيجاد أغساله في بدن الصبي، غاية الأمر يتولّى النية عنه، و إلّا فوضوؤه لا يوجب طهارة بدن الصبي مقدمة لإطافته، نعم ما اعتبر مقدمة للصلاة، فهو وظيفة من يصلّي، بل لا يجدي حينئذ توضؤه.
و عليه فلا بد من ملاحظة المشروط بالوضوء، فإن كان ذلك من الأفعال الواردة على الصبي، فلا محيص عن تحصيل طهارة الصبي، و لا يكون إلّا بتوضئه، و إلّا فلا محيص عن إتيان الولي عنه مقدمة لصلاته عنه.
، و قد تقدّم شرحه، و انه مملوك لا يقدر على شيء، و مع اذن مولاه يخرج عن القصور، و ان لا يجزئ عن حجة إسلامه، إلّا في صورة خاصة تقدّمت، و في انّ خساراته
1) مستند الشيعة: 2: 155
يمكن أن يقال: انّ القواعد تقتضي أنّ كل ما هو من لوازم حجه عرفا، بحيث لا يرون بينهما انفكاكا مثل ذبيحته و سائر لوازم سفره، فهو على مولاه، لأنّ الاذن في حجه ملازم عرفا مع التزام السيد بلوازمه في مثل المورد، الذي لا يتمكن من إقامتها بهذه المصارف.
و أما ما لا يكون ترتبها من لوازم حجه، و إنما يترتب عليه أحيانا كسائر جناياته، الموجبة للخسارة من الدم، ففي اقتضاء اذن المولى الالتزام بمثل هذه الخسارات اشكال، بل الأقوى عدمه.
نعم فيما كان له بدل صيام، فعدم وجوب الصيام على العبد فعلا، لتعذر مبدله عليه، فرع سلطنة المولى على منعه، و إلّا فلا قصور في العبد من هذه الجهة. و من المعلوم انّ دليل سلطنة المولى قاصر الشمول عن مثله، إذ لا إطلاق فيه يشمل جميع الموارد، على وجه يصلح لرفع الشك في قابلية المحل لتعلق السلطنة به، بل غايته اقتضاؤه في المحل القابل، و لذا لا نلتزم بتخصيص دليل السلطنة بالنسبة إلى واجباته اليومية و محرماته، و ذلك ليس إلّا لقصور دليل السلطنة لإثبات قابلية المحل، فدليل الوجوب و الحرمة يحرزان عدم قابلية المحل لتعلق سلطنة مولاه، فيكون واردا على قاعدة السلطنة، و من هذا الباب دليل وجوب الصوم عند عدم التمكن من الدم في الموارد المخصوصة.
و توهم انّ عموم «لٰا يَقْدِرُ» يصلح لإحراز قابلية المحل للسلطنة، و إن لم يكن لنفس دليله مثل هذا الإطلاق.
مدفوع بأنّ اقترانه بالمملوكية يقتضي كون الشيء في مثله منصرفا إلى ما هو تحت سلطنة المولى لا مطلقا، فإحراز هذه الجهة لا بد أن يكون من الخارج، و لا يصلح هذا الإطلاق المقيّد بانصراف لفظه، لإحرازه، و المفروض انّ عموم سلطنة المالك أيضا قاصر الشمول لصورة الشك في قابليته له، بل دليل
الوجوب و الحرمة يخرجان المورد عن تحت سلطنة المولى.
نعم لو كان للشيء إطلاق و غير منصرف إلى مورد سلطنته، و انّ اختصاصه به كان من القرينة الخارجية اللبية المنفصلة، كان لما أفيد من التقريب وجه، إذ بإطلاقه حينئذ يستكشف قابلية المحل للسلطنة إلّا ما خرج، نظير التمسك بلعن اللّٰه بني أمية لإثبات عدم ايمانهم إلّا ما خرج.
و لكن عمدة الكلام فيه: انّ نفس اقترانه بالمملوكية صالح لقصر ظهوره بمورد سلطنته، و لا أقل من عدم إطلاقه لغير هذه الموارد.
و يؤيده أيضا عدم التزامهم بتخصيص مثل هذا العام بموارد الواجبات اليومية، بل و محرماته أيضا، و عليه فلا يبقى مجال معارضة دليل السلطنة مع أدلة الواجبات و المحرمات، و منها دليل وجوب الصوم.
و حينئذ فما عن الجواهر من أعمال المعارضة لدليل الوجوب بعموم السلطنة (1)، منظور فيه.
و من هنا نقول: إنه لو أفسد حجه ليس للسيد أيضا منعه عن الإتمام و القضاء، لما ذكرنا، لا لأنّ الاذن في الشيء اذن في اللازم، كي يرد عليه انه من العقوبات الناشئة بسوء اختيار العبد، و غير مرتبط بإذن السيد، و حينئذ فما اختاره في الجواهر (2)في المقام أيضا من سلطنة المولى على منعه أيضا، منظور فيه فتدبّر.
نعم لو كان دليل التكليف منوطا بصحة العمل، المنوط بإذن السيد، لم يصلح مثل هذا التكليف لرفع سلطنة المولى عن منعه، لفرض تأخر رتبة التكليف حينئذ من تأثير الاذن، فكيف يرفع تأثيره.
و من هنا نقول: إنه ليس دليل وجوب إتمام الصلاة أو الحج في غير فرض الإفساد صالحا لرفع سلطنة المولى عن منعه، إذ موضوع وجوب الإتمام الصلاة
أو الحج الصحيح، و بالمنع يبطل العمل، فلا يبقى موضوع لوجوب الإتمام، و لقد أشرنا إلى مثل هذا البيان في بعض المقامات السابقة أيضا.
و مما ذكرنا ظهر لك ميزان كلّي في تمييز موارد تقديم أدلة التكاليف على عموم سلطنة المالك و عكسه، فعليك بالمداقة في كل مورد، و ملاحظة انّ دليل التكليف مطلق و منجز فيقدّم، و إلّا بأن كان منوطا بصحة العمل الناشئ من قبل اذن المولى فلا يقدّم، فلا يخلط عليك الأمر حينئذ في المقامات، و اللّٰه العالم.
ثم انّ ذلك كله ما تقتضيه القواعد، و أما بالنظر إلى النصوص الخاصة ففي بعض النصوص «إنّ كلّ ما أصاب العبد و هو محرم في إحرامه فهو على السيد» (1).
و في قباله نص آخر: عن عبد أصاب صيدا و هو محرم، على مولاه شيء من الفداء؟ قال: «لا شيء على مولاه» (2).
و لا يخفى انّ مقتضى الجمع الواضح بينهما حمل الأول على استحباب تحمل أدائه من المولى، و إلّا فالخسارة على رقبة العبد، إذ الأول ظاهر في ثبوت الخسارة عليه لزوما، و الثاني نص في عدمه، و مثل هذا النص قرينة عرفية لحمل الظاهر على الفضيلة و الرجحان في تحمله عنه. و مثل هذا الجمع أولى من بعض الجموع المرتكبة المنتجة للتفصيلات المذكورة في المطولات، و لذا ضعّفها في الجواهر بعدم الشاهد من عرف و غيره (3).
و لكن ظاهر كلامه طرح الرواية الأولى بالإعراض سندا، و يا ليته التزم بما
ذكرنا من الجمع، الذي تطمئن النفس بأن نظر الأصحاب أيضا في عدم أخذهم بمضمونه من جهة الجمع المزبور، لا الطرح المسطور، فتدبّر.
ثم إنّ مورد الرواية هي ما كانت خساراته غير ملازمة، فلا يتعدّى منها الى مثل الذبح و الهدي الملازمين له عرفا، فالقاعدة الأولية بنحو ما ذكرنا من التفصيل يبقى حينئذ بحاله. بلا وجود معارض لها، و هو الظاهر من كلمات الأصحاب أيضا، حيث عنونوا النزاع المزبور في خساراته الناشئة من قبل جناياته دون غيرها، مثل ذبيحته و هديه، فإنّ الظاهر كونها مأخوذة في مصارف حجه، المستلزم اذنه فيه عرفا، لالتزامه بهذه المصارف.
ثم إنّ العبد لو أعتق في أثناء عمله يترتب عليه آثار الأحرار غير صحة حجه إسلامه، لو كان عتقه بعد الموقفين، كما لا يخفى وجهه.
بعد الاستطاعة، لفقد الشرط الموجب لفقدان حجه المصلحة الملزمة الوافية بغرض المولى بعد استطاعته، بل المصلحة المزبورة تحصل جديدا باستطاعته الجديدة، فيجب الاقدام به جديدا.
و لو كان المتمكن من الزاد و الراحلة مريضا على وجه لا تكون له استطاعة بدنية، يسقط عنه الفرض أيضا، لما تقدّم من شرطية التمكن من المسير، بالنص المصرّح بالمرض أيضا، و لم تجب الاستنابة أيضا مطلقا على خلاف المشهور في من لا يرجى زوال المرض عنه مع تفريطه بالحج على وجه استقر عليه. و على خلاف قول بعض في غيره، إذ فيه قولان بخلافه على الأول، فإنّ المحكي عن المسالك انه يجب قولا واحدا.
و يدل على مذهب المصنف ما في النص من قول الأمير- عليه السّلام- للشيخ
الكبير الذي لم يحج قط: «إن شئت فجهز رجلا» (1).
و في آخر أيضا كذلك مع فرض السائل تفريطه (2).
و مثل هذه الرواية نص في عدم الوجوب في مورد عدم رجاء الزوال و تفريطه (3)، و بمثله ترفع اليد عما دل على وجوبه من النصوص الآمرة بالتجهيز، فيحمل على الاستحباب. و بالفحوى يحكم بعدم الوجوب فيما يرجى زواله أيضا، بل لا قائل بالفصل من هذا الطرف كما لا يخفى.
هذا، و لكنّ الذي يوقفنا من هذا الحمل إعراض الأصحاب عن هذه الرواية الصريحة في تفريطه مع كبر سنه، و لا يبقى في البين إلّا إطلاق الرواية الأخرى، المصرّحة بالمشيئة، و هي أيضا بإطلاقه الشامل لصورة استقرار الحج عليه و عدمه غير معمول به. و لكن يمكن أن يكون ذلك لتخصيصهم إياها- و لو بما ظفروا على من القرينة- على من لم يستقر حجه، و يؤيده أصالة حجية السند مهما أمكن، و من المعلوم انّ التعبد بسنده بالنسبة إلى من لم يستقر حجه في غاية الإمكان، خصوصا مع استشهاد جملة من الأعلام بمثل هذا النص على استحباب النيابة لغير من استقر عليه الحج، و لو كان مرضه لا يرجى زواله.
و عليه فلا محيص عن رفع اليد عن الأوامر الظاهرة في وجوب الاستنابة، الواردة في نصوص اخرى، حتى بالنسبة الى من يرجى زواله، للجزم بالملازمة بين الفرضين، لعدم الفصل بينهما، و بعد ذلك لا مجال للتشكيك في قرينية خبر المشيئة، على حمل ما اشتمل على المرض و الحصر على الاستحباب، بانصرافها إلى صورة رجاء الزوال، خصوصا في حصره الذي يكون غالبا من
هذا الباب، و خبر المشيئة مختصة بالكبير الذي لا يرجى زواله، فموردهما مختلفان. فكيف يصير أحدهما قرينة على التصرف في الآخر، و ذلك لأنّ ما أفيد إنما يتم على فرض عدم تمامية الملازمة بين الفرضين، و إلّا فلا محيص عن وقوع التعارض بينهما بالملازمة، و مقتضاه حينئذ الجمع بينهما بالنص و الظهور.
و حينئذ فالعمدة في المقام دعوى قابلية تخصيص إطلاق خبر المشيئة بمن لم يستقر عليه الحج، و إلّا فلا محيص عن طرحها كالنص الأخير، الصريح في من استقر بلا صلاحية بعض التوجيهات المذكورة في المطولات لا صلاحه.
فإن قلت: إنّ الأخبار الآمرة إذا حملت على الاستحباب، فما وجه استفادة الوجوب في من استقر عليه الحج في مرض لا يرجى زواله؟
قلت: يكفي فيه ما ورد من الأمر به في الشيخ الكبير، فإنه بعد قيام القرينة على استحبابه فيما لم يستقر وجوب حجه، يبقى على ظهور وجوبه في غيره، بعد الجزم بعدم حجة على خلافه، لطرح سند الصريح فيه، و طرح دلالة الظاهر بقرينة فهم الأصحاب تخصيصه بمن لم يستقر، و عدم حجية السند فيه بأزيد من ذلك، للجزم بعدم حجية إطلاقه حينئذ، إما لعدم السند، أو لطرح الدلالة.
هذا غاية البيان في مقام الصناعة للجمع بين الأخبار، و لكن في النفس- من حيث صلاحية فهم التقييد من عمل جمع من الأعاظم للمطلقات المعلقة على المشية- دغدغة، و لازمة أول الأمر هو الأخذ بالأخبار الآمرة، من جهة عدم صلاحية أخبار الرخصة سندا للقرينية، فالأحوط حينئذ الاستنابة حتى فيما لا يرجى زواله، أو لم يستقر عليه حجه مع الإعادة بعد البرء.
ثم إنه في مورد تجب الاستنابة فيه، ففي ظهورها في الاجتزاء به على وجه لا تجب إعادته بعد برئه، و لا استنابته بعد موته أو عدمه، وجهان، لا يبعد المصير إلى التفصيل بين الاجتزاء من حيث الاستنابة بعد الموت، فإنه يمكن
استفادة الاجتزاء بهذه الاستنابة عن استنابة اخرى عرفا، بخلافه في فرض برئه، فإنه داخل في الأوامر الاضطرارية غير المقتضية للاجتزاء عندنا، و إلى ذلك أيضا أشار العلّامة الأستاذ في تكملته، بأنّ الاحتياط بالحج بعد برئه لا ينبغي تركه.
ثم إنه في التعدّي إلى الاجتزاء بالتبرع من غيره في مورد الاجتزاء بالنيابة نظر، لاحتمال دخل هذا المقدار من التسبيب في وفائه بمصلحته، كما انّ في التعدّي إلى غير حجة الإسلام في وجوب الاستنابة عن واجباته العرضية أيضا إشكال، لاختصاص الأدلة بالواجب بالأصالة.
ثم في استقرار الحج عليه بمجرد التمكن من الاستنابة أيضا نظر، لإمكان عدم وفائه بتمام المصلحة، و دليل الاستقرار مختص بصورة التمكن من استيفاء تمامها.
اللهم إلّا أن يقال: إنه مع الوفاء بمقدار يجب تحصيله، يستقر عليه فوت هذا المقدار من الحج الواجب، فيشمله دليل كون الحج الواجب بالأصالة، بجميع مراتبه من الديون المالية، تحت إخراجها من صلب المال. و لكن الإنصاف انّ هذا الإطلاق لا يخلو من اشكال، بل المنصرف منه هو الحج المستقر عليه بتمام مراتبه، فتأمل.
، و لكن تقدّم منا الاشكال فيه، و انّ المتيقن من مفاد الأدلة حرمة التهاون فيه و تسويفه، و ذلك أعم من الفورية، فراجع.
و لو أهمل مع الاستقرار حتى مات قضي من صلب ماله من أقرب الأماكن، و لو لم يخلّف غير الأجرة بلا إشكال في وجوب القضاء من
صلب المال مع الاستقرار، للنصوص المستفيضة (1)المصرّح بعضها بأنه يحج عنه من صلب ماله. كما انّ المشهور الاكتفاء به من أقرب الأماكن و لو من الميقات، لعدم اشتغال ذمته إلّا بنفس العمل، و انّ المقدمات خارجة.
و توهم الانصراف من الخطاب الى بلد كل شخص، مدفوع، و يؤيده قوله عليه السّلام في مورد: استأجر للحج من الكوفة، فحجّ الرجل من البصرة:
«لا بأس إذا قضى جميع المناسك» (2)، إذ الظاهر منه كون المناط في فراغ ذمة المنوب عنه قضاء جميع المناسك.
و ما في رواية أخرى من قوله في فرض وصيته «إن وسعه ماله فمن منزله، و إلا فمن الكوفة، و إلّا فمن المدينة» (3)محمول على الوصية بصرف ثلثه في حجه، فجعل الامام ذلك تحديدا لمقدار يفي به الثلث المزبور، و ذلك غير مرتبط بمقامنا من وجوبه شرعا تعبدا، فالتشبث بمثله لإثبات وجوب الأقرب فالأقرب في غير مورد الوصية أيضا منظور فيه، و لقد أشرنا سابقا أيضا إلى مثل هذه الجهات، فراجع.
نعم بقي في المقام كلام في ميزان استقرار وجوب الحج عليه، فالمشهور على مضي زمان يمكن فيه الإتيان بجميع أفعال الحج اختيارا بشرائطه، ركنا كان أو غيره.
و عن العلّامة: مضي زمان بقدر عود الحاج إلى وطنه أيضا واجدا للشرائط (4).
و عن ثالث: الاكتفاء بمضي زمان يمكن الإتيان بالأركان.
و عن رابع: مضي زمان يمكن الإتيان بما يفرغ ذمته عن الحج من زمان دخوله الى الحرم محرما.
و التحقيق أن يقال: إنّ حقيقة استقرار الوجوب في الواجبات المشروطة بتحقق شرائط وجوبه خارجا و لم يفعل، و ربما يختلف ذلك باختلاف الأقوال في الشرائط، من انّ الشرط هو بقاء الأمور المزبورة إلى آخر العمل، أو الى آخر سفره بانتهائه إلى وطنه الأصلي، أو البنائي جديدا، و لو في غير محل خروجه منه.
ثم انّ ظهور الخطابات بالمناسك في المقام، بل في كلية الارتباطيات، دخل جميع الأفعال في وفائها بالمصلحة، بحيث لا يفي بعضها دون بعض بها، لأنه مناف للارتباطية.
نعم قد يصير فقد بعض الشرائط كالقدرة أو الحياة مثلا في ظرف وجود بعضها مسقطا لدخل البقية، فيخرج الجزء المأتي به حينئذ عن الارتباطية بالغير، فيجزأ به، و يجب تحصيله في علم اللّٰه أو في علمه، و لازمة بقاء البقية في دخله في قيام المصلحة بالمجموع بنحو الارتباط في ظرف عدم الإتيان به، و لازمة عدم كفاية بقاء الشرائط إلى زمان وجوده، إذ هذا المقدار في فرض عدم الوجود لا يوجب خروجه عن الارتباط بالغير، فلا يتصور حينئذ فيه المصلحة بدون فرض الغير معه، و لازمة حصر وجدانه المصلحة بفرض ضمه بغيره.
و حيث إنّ مصلحتها أيضا مبنية على بقاء الشرائط في زمانها، فمن الأول يكون فوت مصلحة هذا الجزء في ظرف تركه مشروطا ببقاء الشرائط، إلى زمان بقية الأفعال أيضا، و لا يجدي تحقق الشرائط بمضي زمان هذا الفعل فقط في وجدانه المصلحة، كي يصدق حينئذ ما فات من المصلحة و التكليف و لو اضطراريا.
و هذه الجهة هي النكتة في جعلهم المدار في صدق استقرار الوجوب، المستتبع لاستقرار المصلحة بالعمل، بمضي زمان يفي بجميع الأعمال اختيارا، لا خصوص الأركان، و لا بمضي زمان الاضطراري منه.
و بمثل هذا البيان شرحنا معيار مضي الزمان المختص في الوقت الاختصاصي، و قلنا هناك أيضا انه ليس المدار فيه بمضي زمان الاضطراري بنسيان أو خطأ و أمثالهما، و إلى ما ذكرنا أيضا يرجع ما أفاده في الجواهر (1)، و ان لم يف بيانه بحقيقة المرام و بتمامه، فراجع و تدبّر فيه و تأمل.
و على أي حال يجب قضاء الحج من أصل التركة و إن لم يخلّف أزيد من اجرة الحج، فيصرف حينئذ جميعها فيه، لأنّ دين اللّٰه أحق بأن يقضي، الوارد بمثل هذا اللسان في الحج.
نعم لو زاحم مع دين آخر فلا بد أن تقسّط التركة مع وفائه بالحج في سهمه.
و مع عدمه ففي بعض النصوص: تقديم الحج مع مزاحمته بالزكاة و صرف البقية فيها (2)، و ترك الاستفصال فيها يقتضي التقديم حتى مع عدم وفاء سهم الحج به، و لكن هي بإطلاقها غير معمول بها، فلا بد حينئذ إما من طرحها أو تأويلها بفرض الوفاء، كما لا يخفى.
و حينئذ فمع عدم وفاء سهم الحج به، لا مجال لصرفه في بعض أفعاله، لعدم ثبوت مشروعيتها، فضلا عن وجوبها على الميت منفردا، و قاعدة «الميسور» غير معمول بها في المقام، بل و تمامها في كلية المقامات تابع لجبرها بالعمل و ليس، و حينئذ فإن و في تمام المال في الحج ففي التخيير بينه و بين بقية
الديون وجه، و مع عدم الوفاء به رأسا يصرف في بقية الديون، و ينتقل ما زاد منه إلى الورثة، و لا يجب عليهم أداء الحج أو تتميم سهمه من كيسهم، لعدم الدليل، كما هو ظاهر.
هذا،
على المشهور، و السند فيه ما تقدّم الكلام فيه من النص الوارد عن السعيد و السعد على إجمال فيهما، و تهافت بين صدرهما و ذيلهما. مع ما ذكرنا من التوجيه، و هما أيضا و إن كان موردهما حجة الإسلام، إلّا انّ الأصحاب تعدّوا منها إلى غيرها و إلى المندوب.
نعم في المقام كلام آخر، و هو انّ عدم صحة الحج مع العهدة بالواجب ظاهر في انه لو قصد المندوب و الحال هذه لا يقع عن واحد منهما، و هو إنما يتم بإطلاقه على فرض الالتزام باختلاف حقيقتهما، و إلّا فلا يتم ذلك إلّا إذا كان قصده الندبية في مقام التقرب بنحو وحدة المطلوب، و إلّا فلا مجال لعدم وقوعه واجبا، للجزم بعدم مزاحمة المستحب للواجب في مقام الفراغ و السقوط، كما لا يزاحمه في مرحلة الاشتغال.
و لذا ترى وجدانا انه لو كان للمولى غرضان أحدهما لزومي و الآخر غيره، متعلقان بالفعلين بلا ميز بينهما إلّا بكونهما وجوديين و أتى العبد بأحدهما، لا يبقى بعده الغرض الملزم إلى الإيجاد، بل الباقي هو الغرض الاستحبابي، ففي ما نحن فيه أيضا- بعد فرض صلاحيته العمل للوفاء بكل واحد من غرضي الوجوبي و الاستحبابي- يقع قهرا من الوجوبي، لا انه لا يقع عنهما و يفسد.
و حينئذ فكلمات الأصحاب في الفساد إن كان له إطلاق على وجه يشمل صورة إتيانه و لو بنحو لا يضر بقربية الأمر الوجوبي، فلا محيص عن استكشاف اختلاف الحقيقة، و إلّا فلا محيص عن الالتزام بحمل كلامهم
على صورة وحدة المطلوب في تقربه، و إلّا فمع فرض تعدده فيقع عن الوجوبي قهرا.
و الانصاف أنّ كلماتهم لا تأبى عن الحمل على صورة الإضرار بالقربة، كما حملنا اشتراطهم التعيين في أبواب العبادات أيضا على هذه الجهة، بلا دلالتها على اختلاف الحقيقة في الفرض و الندب، عدا باب الصلاة اليومية، بقرينة أخبار العدول و قوله: «يجعلها ظهرا أم عصرا أو صبحا»، و أمثال ذلك الكاشف عن كونها بحقائقها من الأمور القصدية الاختيارية زائدا عن قربيتها، كما لا يخفى.
هذا،
مع كونها مأمونة على نفسها و بضعها، و لا اذن الزوج أيضا، و في النص: المرأة تريد الحج ليس معها محرم، هل يصلح لها؟ قال: «نعم، إذا كانت مأمونة» (1).
و في نص آخر «إن كان لها زوج أو ابن أخ أو ابن، فأبوا أن يحجوا بها، و ليس لهم سعة، فلا ينبغي لها أن تقعد، و لا ينبغي لهم أن يمنعوها» (2).
و لا يخفى انّ ظاهر قوله: «إذا كانت مأمونة» كون ذلك شرطا في وجوب الحج عليها، و ظاهره كونه على حذو سائر شرائطه، من عدم لزوم تحصيلها، و مع حصول أسبابها من باب الاتفاق لا يجوز تفويتها من حين خروج الرفقة، و إن كان لها ذلك قبله، نظير الزاد و الراحلة.
و حينئذ فلو فرض توقف تحصيل الأمنية بإرضاء زوجها بالأجرة، ففي
وجوبه اشكال. نعم ليس عليها تحريك مقدمات الاغتشاش في الطريق، لأنّ الثاني داخل في تفويت ما هو بمقدماته حاصل، بخلاف الأول.
و ما في الجواهر من التزامه بوجوب الإرضاء و لو بالأجرة، خصوصا مع إشكاله في وجوب التزويج، مقدّمة لتحصيل الأمنية (1)، منظور فيه، لعدم فرق بينهما في الجهة المقصودة فتدبّر. نعم لا بأس بالالتزام بوجوب الإنفاق منها على الزوج، مع عدم امتناعه من الذهاب معها، لحصول مقدمات الأمنية، على وجه يحسب عدم الإنفاق تفويتا من قبلها. نعم لا يجب تحصيل هذا الزاد، فمع عدم حصوله لا يجب الحج كزاد نفسها، و أما مع حصوله من باب الاتفاق فيجب عليها الإنفاق، لوجوبه في كل ما له دخل في حفظ قدرتها، الحاصلة بأسبابها كما هو ظاهر.
و بالجملة الضابط في كلية هذه الأمور، ملاحظة انّ كل شيء كان مقدمة لتحصيل القدرة الخاصة، الحاصلة من وجدان الزاد و الراحلة، و مقتضيات الأمنية، الداخلة بوجه في تخلية السرب، فلا يجب تحصيله. و أما بعد حصوله على وجه يصلح للبقاء إلى آخر العمل، فليس له تفويته، بل يجب عليه الإبقاء من قبله، مقدّمة للواجب. و مع الشك في كون الأمر الفلاني من أي القسمين، يرجع إلى الشك في توجه التكليف بالحج بدونه، فلا يجب تحصيله أيضا، كما لا يخفى.
هذا، و لو ادعى الزوج خوفها و عدم أمنيتها، تقدّم دعواها الاطمئنان، إلّا مع ظهور حالها على الخلاف، كما هو الشأن في كلية دعا و لا تعلم إلّا من قبلها.
و هل المدار في الأمنية على اطمئنان نفسها، و إن كان الواقع على خلافه،
1) جواهر الكلام 17: 331.
كأن تطمئن بسلامة الطريق من اللص، و لم يكن كذلك واقعا، أو المدار على المأمونية واقعا؟
الظاهر هو الثاني، غاية الأمر خوف الضرر و عدمه طريق إليها. و حينئذ فعلى الزوج إقامة البينة على اغتشاش الطريق، و بعده لا يجب عليها الحج ظاهرا، و إن لم تكن خائفة، بملاحظة وثوقها بخطإ الشهود، و لكن لا مناط في هذا الوثوق، مع لزوم التعبد به لبينة، كما لا يخفى.
نعم مع قطع الزوجة بالخطإ، لا تكون حجة عليها، و لا يسقط عنها الحج ظاهرا، إلّا مع حكم الحاكم عليها، فإنه يحرم عليها ردّه و لو جهارا، و لازمة حينئذ سقوط وجوب السفر عنها، لكونه ردا و حراما، كما لا يخفى.
هذا،
من حجها بلا اشكال ظاهرا، لموثقة عمار المشتملة على قوله: سألته عن المرأة الموسرة قد حجت حجة الإسلام، تقول لزوجها: حجني مرة أخرى، أ له أن يمنعها؟ قال:
«نعم، يقول لها: حقّي عليك أعظم من حقك عليّ في هذا» (1).
و من هذا النص يستفاد أهمية مراعاة حقه من مراعاة كل مستحب، لسراية المناط من المورد الى غيره، فلزوجها حينئذ منعها عن الخصوصيات الزائدة عن مقدار وجوبه. و لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة، و الرجعية بحكم الزوجة في ذلك أيضا.
و لا قضاء،
1) وسائل الشيعة 8: 110 باب 59 من أبواب وجوب الحج حديث 2.
سواء كان الحج مستقرا عليه أم لا، و الأصل في ذلك ما في صحيح بريد العجلي: في رجل خرج حاجا- إلى قوله- «إن كان صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام، و من كان مات و هو صرورة قبل أن يحرم جعل حمله و زاده و نفقته في حجة الإسلام» (1).
و في صحيح ضريس: في رجل خرج حاجا حجة الإسلام فمات في الطريق، فقال: «إن مات في الحرم فقد أجزأت عن حجة الإسلام، و إن كان مات دون الحرم فليقض عنه وليه» (2).
و إطلاق صدره من حيث الإحرام منزّل على الغالب من أنّ الداخل في الحرم بعنوان كونه حاجا من الخارج كان محرما، نعم إطلاق ذيله يشمل المحل و المحرم، فيستفاد مثله أيضا عدم كفاية الإحرام قبل دخوله في الحرم، كما هو المشهور. خلافا للشيخ (3)، و ابن إدريس (4)من اجتزائهما بمجرد الإحرام، نظرا الى مفهوم قوله في الصحيح «إن مات قبل أن يحرم». و لا يخفى معارضته مع الإطلاق تعارض العموم من وجه، فيتساقطان، فالمرجع في مثله أصالة الفساد، و لذا أفاد المحقق أيضا في الشرائع بأن الأول في اعتبار الدخول في الحرم أظهر (5).
و إطلاق النص الآخر يشمل الصرورة و غيره، و كلاهما مختصان بحجة الإسلام، و في التعدّي عنها الى غيرها اشكال، لو لا إطلاق الفتاوى، و فيه تأمل.
كما انّ الظاهر منها اعتبار الموت في الحرم، و أما كونه في حال إحرامه، أم يكفي دخوله فيه محرما و إن مات بين الإحرامين، لا يبعد الاكتفاء بالثاني، للإطلاق، و عدم موجب للانصراف إلى حال إحرامه. نعم بالملازمة الغالبية كما قلنا يستفاد اعتبار دخوله محرما، فلا بد أن يكون الموت بعد إحرامه.
و أما في خصوص حاله على وجه لا يجدي الموت في مكة بين الإحرامين محلا فلا يستفاد من الرواية، بل إطلاقها ينفيها، كما لا يخفى.
هذا، ثم انّ إطلاق النصوص يشمل المتمتع بها و غيره، بل لازمة الاجتزاء بموته في إحرام عمرته عن حج تمتعه، و منه يتعدّى إلى الاجتزاء به عن عمرته المفردة أيضا، فضلا عن موته في إحرام حجه، كما لا يخفى.
بل الكفّار- بإطلاق أدلة التكاليف، من حيث افراد المكلفين- مكلفون بالفروع. و إنما لا يصح عنهم العبادة، لقصورهم عن التقرب بها، و لذا يعتبر الإسلام في صحة العبادات طرا، و في المقام لا مجال لقاعدة الجب أيضا، و لوجوب الحج عليه بعد إسلامه ببقاء استطاعته. نعم مع فقد الاستطاعة في زمان كفره، ففي جريان قاعدة الجب وجه، لأنّ شأنه نفي بقاء ما حدث في زمان كفره، خلافا للمدارك (1)، و مختاره ضعيف لا وجه له.
و أما المخالف إذا استبصر، فقد وردت نصوص مستفيضة بأنه أدى فريضته و الحج أحب، و قد عقد في الوسائل بابا لذلك (2). و في شمول إطلاقها لصورة فساد حجه لنظره و لو بفوت ركن باعتقاده نظر، بل المنصرف منها صورة
صحة حجه باعتقاده. و حينئذ ففي كفاية وجدانه الركن عندنا، و لو لم يشتمل على الركن عندهم نظر، و أما عكسه فلا يتصور، لأنّ ما هو ركن عندنا ركن عندهم كما في الجواهر (1).
للأصل، مضافا الى صريح النص «بأنّ من كان مؤمنا فحج ثم أصابته فتنة ثم تاب، يحسب له كل عمل صالح عمله، و لا يبطل منه شيء» (2).
كما انه لو أحرم حال إسلامه، ثم ارتد، ثم تاب لم يبطل إحرامه أيضا، لوقوع إحرامه في زمان يصح منه، بلا دخل زمان فيه كي يضر به كفره فيه كصومه، بل حال الإحرام حال طهاراته الثلاث في عدم إضرار الكفر بعد أفعالها في نقض طهارته، بل الناقض ليس إلّا أمورا خاصة كالمحلل في المقام، فالمحرم أيضا لا يخرج عن إحرامه بعد انعقاده صحيحا إلّا بمحللات مخصوصة سيأتي إن شاء اللّٰه بيانها. فما عن بعض الأعاظم من المصير إلى البطلان منظور فيه، لضعف مبناه على ما حكاه في الجواهر (3)، فراجع.
و أما النائب فقد تقدّم شطر من أحكامه، و منها ما أفاده المصنّف بقوله: فشرطه الإسلام بل الايمان، و العقل، و أن لا يكون عليه حج واجب بأصل الشرع أو بالنذر. و لو لم يكن و لو لعدم تمكنه من أداء الواجب جاز أمر نيابته
و إن كان صرورة أو امرأة. و قد تقدّم شرح جميع ذلك في طي التعرض لبحث الواجب بالاستئجار نيابة، فراجع.
نعم بقي هنا فرع لم نتعرّض له هناك، و هو أنه لو أفسد النائب حجه، فلا إشكال في وجوب إتمامه و إتيانه من قابل، لإطلاق دليله الشامل للنائب أيضا، و إنما الكلام في استعادة المستأجر أجرته، ففي الشرائع جعل المبنى القولين المعروفين في هذه المسألة (1).
و التحقيق أن يقال: إنه بناء على كون الأول فاسدا كان مقتضى القاعدة انفساخ الإجارة مع التعيين، و عدمه مع الإطلاق، و وجه الطرفين ظاهر. و على القول بأنّ الثاني عقوبة و الأول صحيح، فالإجارة صحيحة على التقديرين.
نعم في النص الوارد في المقام، وقوع الأول عن المنوب عنه تاما (2)، و ظاهر صدره وقوع الخلل في الأول، و لازمة كون وقوعه عن المنوب عنه تاما، لتفضل اللّٰه في حقه، و إلّا فلا يناسب تمامية الأول مع اجتراحه في حجه شيئا، كما في أحد النصين، و ضمانه الحج كما في نص آخر، فمثل هذه التعابير يتناسب مع الفساد، و مع ذلك لا معنى لوقوعه عن المنوب عنه تاما، إلّا من باب التفضل.
و يؤيده نسبة التمامية إلى خصوص المنوب عنه، و ذلك يكشف عن أنّ له خصوصية فيه، و هو لا يناسب مع صحة العمل حقيقة، كما لا يخفى فتدبّر.
و عليه فربما يشكل في اقتضاء فساد الإجارة- بالنسبة إلى الأجير- عدم استحقاقه الأجرة بعمله، إذ تمام الغرض كان إتيانه بالعمل المبرأ لذمة الميت
و قد أتى به، فلا وجه لاقتضاء فساد العمل في المقام فساد الإجارة حتى في المعيّن.
اللهم إلّا أن يجعل حيثية الإبراء من الدواعي على العمل المستأجر عليه لا عنوانا، فإنه حينئذ مجرد تخلّف الداعي، و هو لا يوجب قلب مورد الإجارة عما هو عليه من الحج الصحيح بقول مطلق، و لازمة بطلانها ببطلان العمل، فتدبّر.
، لكونه من أحكام دينيته، لإطلاق الدين عليه في النصوص المنصرفة إلى حال موته، بلا شمولها لحال حياته، فيجتزئ بالتبرع فيه، و لو في مورد كان له الاستنابة، لاحتمال دخل هذا المقدار من التسبب في مصلحته، و قد أشرنا إلى ذلك سابقا.
و بالجملة علاوة عما ذكرنا من الوجه قد وردت النصوص المستفيضة على ذلك (1)، كما لا يخفى على من راجع المدارك (2).
ثم انّ الخسارات الواردة على النائب، من الذبح و كفارات تقصيراته ففي مال النائب، لأنه المباشر الأقوى، كما هو الشأن في الصبي المميّز. و ما ورد في إحجاج الصبي غير المميز، من كون هديه و كفارة صيده، التي كانت على الولي، غير جار في المقام، للاقتصار في خلاف القاعدة على مورد الدليل، لأنه لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ، فالأصل يقتضي عدم ضمان المنوب عنه شيئا، كما لا يخفى.
أي أنواع الحج و هي ثلاثة: تمتع، و قران، و افراد. و قد عقد في الوسائل بابا لذلك (1)، و فيه الأخبار القريبة إلى التواتر على مشروعية حج التمتع، و انه باق الى يوم القيامة، كما في النص المشتمل على حجة الوداع، و هو الذي أنكره عمر، و تحريمه متعتين كانتا في زمان رسول اللّٰه، بل و هو الأساس لتغيير جل الأحكام الإلهية و عقابه على اللّٰه جل شأنه.
الإحرام بالعمرة إلى الحج من الميقات على المتمكن، و الطواف بالبيت سبعا، و صلاة ركعتين في مقام إبراهيم بمعنى إيقاعها خلفه كما سيأتي شرحه، و السعي بين الصفا و المروة سبعا، و التقصير الموجب لاحلاله عن عمرته و الإحرام ثانيا من مكة بالحج و لغيره كالناسي، و من تعذر رجوعه من أي محل يتمكن، كما هو الشأن في سائر المواقيت غير المتمكن حتى من أقربها على ما سيجيء شرح جميعها.
و الوقوف بعرفات تاسع ذي الحجة من الزوال الى الغروب، و الإفاضة إلى المشعر، و الوقوف به بعد الفجر، و رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق يوم النحر بمنى و يجب الترتيب بين هذه الثلاثة بظاهر
1) وسائل الشيعة 8: 148 باب 1 من أبواب أقسام الحج.
المصنف، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّٰه.
و طواف الحج و ركعتاه من صلاته و سعيه، و طواف النساء و ركعتاه على كلام فيه سيأتي في محله إن شاء اللّٰه.
و المبيت بمنى ليلة الحادي عشر و الثاني عشر، و رمي الجمار الثلاث في اليومين، ثم إن أقام الثالث عشر رمى فيه أيضا.
و هذا فرض من نأى عن مكة باثني عشر ميلا فما زاد من كل جانب عند المصنف و جماعة، و على المشهور ثمانية و أربعون ميلا.
و عمدة سند المشهور ما في خبر زرارة المشتمل على نفي التمتع على أهل مكة و من كان دون ثمانية و أربعين ميلا (1).
و في نص آخر تحديده بذلك أيضا من كل جانب (2).
و أما الجماعة فقد يستند لهم بما ورد من التحديد بثمانية عشر ميلا (3).
بناء على حمله على التقريب، و هو في غاية البعد، فلا بد من طرحه، لعدم عامل به.
و الأولى التشبث بمضمون الآية، من أنه فرض من لم يكن حاضر المسجد الحرام. و نفي حضوره يكون بحيث يصدق أنّ بينه و بين مكة مسافة السفر، و هو ليس إلّا أربع فراسخ.
و لكن في قبال هذا أيضا ما ورد بلسان «انه ليس لأهل مكة و لا أهل مرو و لا لأهل سرف متعة» (4). و سرف- بكسر الراء- أزيد من اثني عشر ميلا
بحسب المسافة إلى مكة، فهذه الرواية ربما تؤيد الطائفة الأولى، بعد عدم عامل بالثمانية عشر.
و لكن في قبال ذلك كله ما ورد في شرح الحضور بما دون الميقات (1)، فإنه لا يناسب مع الثمانية و الأربعين جزما.
و حينئذ يدور الأمر بين حمل الحضور في الآية على التقريب و الأخذ بنص سرف و دون الميقات، و حمل الثمانية و الأربعين أيضا على مجموع أطراف مكة تقريبا، و إلّا فالمجموع بملاحظة نسبة نص سرف و دون الميقات يصير أزيد، أو طرح هذه الروايات و الأخذ بالحضور حقيقة، و حمل الثمانية و الأربعين أيضا على مجموع الأطراف تحقيقا، أو الأخذ بالثمانية و الأربعين من كل جانب، و حمل الحضور في الآية على الحضور العرفي بالإضافة إلى البعيدين من مكة.
و لا يبعد ترجيح الأخير، إذ الجمع بالوجه السابق في غاية البعد من إطلاق الثمانية و الأربعين، بل و من نص سرف أيضا القابل لموافقته مع هذا التحديد، كما انّ الجمع الأول مستتبع للتصرف في الآية و الرواية الاولى، بل و يمكن نفي القول به أيضا.
نعم على المختار لا بد من طرح رواية دون الميقات و إن كانت قابلة للحمل على الاثني عشر، المناسب لجعل المناط على الحضور في الآية الشريفة، و لا ضير فيه، إذ على فرض الجمع السابق أيضا لا بد من طرح رواية سرف، لعدم مساعدتها مع الحضور و السفر الشرعيين.
و بالجملة نقول: بعد الجزم بعدم تمامية الأخذ بالحضور التقريبي الزائد عن الاثني عشر ميلا، البالغ حد سرف، أو الثمانية عشر المنصوص عليه أيضا، لعدم القائل به، فلا محيص عن اختيار أحد الجمعين الأخيرين.
1) وسائل الشيعة 8: 187 باب 6 من أبواب أقسام الحج حديث 4- 5.
و من المعلوم انّ كل واحد لا بد من طرح نص، إما نص سرف أو نص دون الميقات، و بعد لا بدية هذا المحذور ففي مقام الدوران بين الأخذ بالحضور حقيقة، و حمل ما في النص على مجموع الأطراف، كما هو مذهب ابن إدريس (1)، أو الأخذ بظهور ثمانية و أربعين في كل واحد من الجوانب لا مجموعها، و حمل الحضور في الآية على الحضور العرفي، في قبال البعيدين من مكة، كما هو مذهب الأكثر، بل المشهور، كان الجمع الثاني أولى.
كما انه أيضا أولى من الحمل على التخيير في الزائد عن حد الحضور إلى ثمانية و أربعين، فيتعيّن فيما فوقه التمتع، و فيما دون حد الحضور الشرعي غيره من القران و الافراد، لعدم مساعدة العرف على مثله، كما لا يخفى.
هذا، ثم انّ من كان له وطنان أحدهما في الحد و الآخر في خارجه، كان المدار على غلبة التوطن في أي منهما، فيتعيّن عليه فرضه، و مع التساوي يتخيّر.
و على هذا المضمون ورد النص مشتملا على التفصيل المزبور (2)، و في الجواهر أيضا دعوى نفي الخلاف في الحكمين (3).
و ظاهر تعليق النهي عن التمتع على ما دون الحد- كما في الصحيحة- يقتضي كون رأس الحد فرضه التمتع. كما انّ ظاهره أيضا كونه بنحو التعيين، و ظاهر ما دل على نفي التمتع في غيره أيضا تعيين غيره من القران و الافراد.
نعم قد ورد بعض النصوص في من خرج عن أهل مكة إلى بعض الأمصار، انه في عوده يتمتع (4)، و هو مختص به، و لا يتعدّى إلى غيره، و إن تعدّى بعضهم و ذهب إلى جواز التمتع لأهل مكة مطلقا، و سيأتي الكلام فيه في
بعض الفروع الآتية إن شاء اللّٰه.
و المفرد يقدم الحج ثم يعتمر عمرة مفردة بعد الإحلال من حجه، و القارن كذلك، و لكن يسوق الهدي عند إحرامه على المشهور، خلافا لابن عقيل حيث جعل صورته صورة التمتع، و امتيازهما بسياق الهدي، و انه لا يحل عن عمرته حتى يبلغ الهدي محله.
و منشأ خلافهم اختلاف أخبار الباب، ففي بعض النصوص: «انّ نسك القارن كالمفرد، إلّا أن التمييز بسياق الهدي» (1).
و في بعض آخر «انّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله أمر بحلّهم عن عمرتهم، لأنهم لم يسوقوا الهدي، و لم يحل هو صلّى اللّٰه عليه و آله لسوقه الهدي» (2).
و ظاهره كون عمرته مقدمة على حجه، و أنّه بسياق الهدي لم يحل عن عمرته إلى أن يبلغ الهدي محله، و لازمة كون صورته صورة التمتع، من تقديم عمرته على حجه.
و لا يخفى أنّ اعراض المشهور عن الثانية مانع عن الإيكال بظاهرها،.
فلا بد أن يطرح، أو يؤول بالحمل على جواز العدول عن الحج إلى عمرة التمتع، في مورد يجوز لهم العدول إليه.
و من المحتمل حملها على بيان جواز تقديم العمرة المفردة على حجها، و انّ الرواية في مقام بيان العدول عن الحج إلى العمرة المفردة في حج الافراد، و سيجيء تمام الكلام فيه أيضا إن شاء اللّٰه في محله.
بلا اشكال فيه، لتسلّم عباديته إلى آخره، و انّ حقيقتها الداعي بنحو نية سائر العبادات على ما تقدّم تفصيله في باب الوضوء.
و في اشتراط قصد الوجه نظر، كما انّ قصد التعيين في التقرب بشخص أمره لازم، حتى في الواجب و المستحب، و لذا لو أتى بأحدهما مكان الآخر بنحو وحدة المقصود على وجه لا يقع امتثالا لشخص أمره لم يقع عن واحد منهما فيبطل، نعم لا يعتبر الزيادة على ذلك بين الواجب و المستحب، لعدم ثبوت اختلاف حقيقتهما، كي يحتاج إلى تمييزهما بالقصد إليه، و لو للأصل.
و أما أنحاء الحج من التمتع و القران و الافراد، فعلى القول بلزوم تأخير العمرة حتى في الافراد فلا اشتراك بينها صورة، إذ لكل جهة ممتازة، بحيث هو قابل لأن يحمل أخبار العدول من بعضها إلى غيره على معنى الإتيان بصورة غيره، الممتاز عما اختاره أولا.
و أما لو قلنا بجواز تقديم العمرة و لو في الأفرادي، كما هو المصرّح به في جملة من النصوص، فربما تقع الشركة الصورية بين الافراد و التمتع، و ذلك أيضا لو قلنا بطواف النساء في عمرة المتمتع بها، و إلّا فلا اشتراك بينهما أيضا صورة، للزومه في العمرة المفردة في الحج الأفرادي دون المتمتع بها.
و بالجملة لو انتهى الأمر إلى الشركة الصورية، لا محيص عن استكشاف اختلاف الحقيقة القصدية من أخبار العدول من أحدهما إلى غيره في موارد الرخصة في هذا العدول.
و لكن الذي يسهّل الخطب- على المختار من عدم لزوم طواف النساء في عمرة المتمتع بها و لزومه في العمرة المفردة- انّ اختلاف العمرتين حينئذ صورية، فلا يبقى مجال لاستكشاف اختلاف حقيقتهما قصديا معنويا، بأزيد من اختلاف الصورة الخاصة بينهما.
و حينئذ فمرجع قصد التعيين في كل واحد إلى قصد امتثال الأمر بالعمل المخصوص دون غيره لا من تلك الجهة، نظير الظهرية و العصرية من العناوين القصدية، كما هو ظاهر واضح.
حتى في حج التمتع، و أنّ الغرض من ارتباط أحدهما بالآخر ليس وقوعهما تحت أمر واحد بعبادة واحدة، نظير الأمر بركعات صلاة واحدة، بل المراد عدم انفكاك أحد العملين عن الآخر بحيث لا يصح أحدهما بدونه، مع كونهما مأمورين بأمرين، و كونهما عبادتين كما هو الظاهر من كل أمر تعلّق بعنوان مستقل، فإن ظاهره كونه أمرا مستقلا لا ضمنيا، لا أنه أمر واحد متعلّق بهما.
و بعد ذلك فلا يجدي فيه الجمع بينهما بنية واحدة بمعنى قصد امتثال واحد بهما، لأنه تشريع. نعم لا ضير فيه لو قصد التشريع في مرحلة التطبيق لا الأمر، كما انه لا مجال للجمع بينهما بإحرام واحد بلا إحلال بينهما بلا إشكال، إلّا في القارن على مذهب من جعل صورته صورة المتمتع بها، كما يوهمه بعض النصوص المشار إليه سابقا، بأنّ ظاهره أن يحرم بعمرته و لا يتحلل منه إلّا ببلوغ الهدي محله، و لقد تقدّم انه مورد إعراض الأصحاب، فلا يعبأ به. و حينئذ فظاهر أوامر الإحلال بين العمرتين عدم صحة الجمع بينهما، كما لا يخفى.
و هي: شوال و ذو القعدة و تسع من ذي الحجة نظرا إلى اختياري الوقوف في التاسع، و يحتمل التحديد بطول ذي الحجة، بملاحظة الاجتزاء بالهدي و بدله طول ذي الحجة،
كما في بعض النصوص المنسوبة إلى زرارة (1).
و يحتمل التحديد بعشر ذي الحجة، بملاحظة انتهاء بقية أفعاله فيه بأصل الشرع، و إن رخص في تأخر بعضها طول ذي الحجة، كما يومئ إليه التعبير بالاجزاء في الهدي في النص المزبور آنفا.
و يحتمل التحديد بطلوع فجر يوم النحر لأنه آخر وقت الإحرام الاضطراري.
و الأمر في ذلك كله سهل، بعد وضوح عدم كون هذا الاختلاف ناظرا الى الاختلاف في كبرى شرعيته، و إنما نظر كل طائفة إلى جهة من الجهات المشار إليها غير المنافي لنظر غيرها.
و على أي حال الأصل في الكبرى المزبورة ما في نص عمر بن يزيد:
«ليس متعة إلّا في أشهر الحج» (2). و ظاهره عدم وقوعه في غيرها و لو بعمرته، تماما أم بعضا، فلا يصح التمتع بوقوع بعض عمرته في غيرها، فضلا عن تمامها.
و من لوازمه كون إنشاء حجة عند التمكن في زمان يمكنه درك اختياري الوقوفين، و إلّا فيحرم عليه التفويت، لسبق أمره به، فتنتهي النوبة حينئذ إلى الاجتزاء باضطراري الوقوفين، و سيأتي الكلام فيه في محله ان شاء اللّٰه.
و على أي حال لا إشكال في المراد من أشهر الحج، و هي الثلاثة المذكورة، و في الآية الشريفة إشارة إليها بقرينة تفسير أهل العصمة إياها بها في أخبار مستفيضة، و في الوسائل عقد بابا لذلك، فراجع (3).
على المشهور بين الأصحاب، و عمدة ما استند لهم ما دل على دخول العمرة بالحج و كون المتمتع محتبسا بحجه، و ليس له الخروج من مكة، و انه لو خرج عنها و دخلها في الشهر الآخر معتمرا تكون متعته هي الأخيرة، إذ هي المحتبس بها و وصلت بحجة (1)، إذ من مجموعها استفادوا نحو اتصال بين العمرة و الحج على وجه ينافيه الفصل بسنة فما زاد.
و عن كشف اللثام: التشكيك في دلالة هذه المضامين على المدعى لو لا إجماع التذكرة (2). و الانصاف أنّ الاشكال في محله، إذ مجرد احتباس المتمتع على إتيان الحج لا يقتضي اعتبار وحدة العام، كعدم اقتضاء دخول العمرة في الحج، و عدم الانفصال بينهما نظير تشبيك الأصابع، الذي مثّل به الإمام أزيد من عدم الفصل بعمرة مفردة أجنبية، كما أومأ إليه النص الدال على جعل عمرته الثانية متعة، إذ هي المحتبس بها.
و حينئذ لم يبق في البين إلّا دعوى الإجماع عن التذكرة (3)، و هي أيضا محل منع كما في الجواهر (4).
و حينئذ فالمسألة بمقتضى الأدلة في غاية الإشكال لو لا دعوى انصراف قوله: «و ليس له أن يخرج من مكة حتى يحج» (5)الى الحج في عامه هذا.
و يؤيده ما في الموثقة: «من طاف بالبيت و الصفا و المروة أحل، أحب أو كره، إلّا من اعتمر في عامه ذلك أو ساق الهدي» (6)، إذ الظاهر من قوله:
«إلّا إذا اعتمر في عامه» كونه كناية عن كونه متمتعا لا اعتبار بطوافه في حلّه، و مثل هذا البيان يومئ إلى أنّ شأن التمتع أن تكون عمرته في عامه، كما لا يخفى.
بل بمقتضى الأصول أيضا يمكن إدراجها في مسألة التعيين و التخيير، لو لا دعوى أنّ الاتصال بينهما بعام، جهة زائدة مشكوكة، فالمقام من صغريات الأقل و الأكثر، و الأصل فيه أيضا البراءة عقليها و نقليها، فتدبّر.
ثم انّ المستفاد من مضامين جملة من النصوص عدم جواز الخروج من مكة اختيارا (1)، و يكفي منها ما في قوله عليه السّلام: «المتمتع إذا أراد الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك، لأنه مرتبط بحجه» (2)، و مرجعه إلى لزوم وصل عمرته بحجه و عدم فصله بعمرة أجنبية عنها، و لازمة عدم الضير بالخروج إذا لم يلزم بخروجه تجديد عمرته.
و حينئذ فما في بعض النصوص من ترخيص خروجه مع علمه بعدم فوت حجه، حتى و لو احتاج إلى عمرة جديدة، بإطلاقه منظور فيه، فلا بد أن يطرح، أو يؤول إلى صورة عدم الاحتياج إلى عمرة جديدة، بإطلاقه منظور فيه، فلا بد أن يطرح، أو يؤول إلى صورة عدم الاحتياج إلى عمرة جديدة، بقرينة الاحتباس بتمتعه في الرواية السابقة.
و في بعض النصوص نفي البأس به مع الحاجة (3)، و لذا أفتى بعض بذلك، و يمكن أن تنزّل رواية الترخيص السابقة أيضا على هذه الصورة.
و الظاهر انّ المنصرف من الحاجة أيضا ما كان في فوتها ضرر أو حرج،
و حينئذ يشمل عمومها الحاكمة على التكاليف، و إن كان في تحكيم دليل الضرر مطلقا على التكاليف نظر، مرّ سابقا منا، فلا بد أن يصل إلى حد مجحف مستتبع للحرج في الالتزام به، فيكفيه حينئذ دليل نفي الحرج.
و أيضا الظاهر من صحيحة حماد: انه لو خرج و اعتمر عمرة جديدة تمتع بالثانية، و هو- ظاهرا- معمول به لدى الأصحاب أيضا و اللّٰه العالم.
بلا اشكال، لما في النص من قوله: من أين يهلّون بالحج؟ فقال: «من مكة» (1).
و في نص آخر «إن شئت من رحلك، و إن شئت من الكعبة، و إن شئت من الطريق» (2).
و ما في رواية إسحاق من قوله: «فبلغ ذات عرق بالحج و دخل و هو محرم بالحج» (3)محمول على الإحرام بعمرة التمتع، لأنه محسوب من إحرام حجه، لشدة الارتباط بينهما، و إلّا فيطرح لكونه مورد اعراضهم.
و شرط الباقيين النية بلا اشكال على التفصيل السابق، و وقوعه أي الحج في أشهر الحج من جهة إطلاق الآية الشريفة الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ (4).
و حكي عن العامة جواز الإحرام به قبل الأشهر، و يردهم ظهور الآية في الإطلاق بلا خلاف بيننا، نعم لا يجب وقوع العمرة المفردة الواجبة بأصل الشرع، فضلا عن غيره في أشهر الحج، لإطلاق الأدلة، و لا تنافي صحتها أيضا
ما سيأتي من وجوب فوريتها، لعدم اقتضاء الأمر بشيء النهي عن ضده.
إن كان دون الميقات على ما سيأتي تفصيله في مقام شرح المواقيت إن شاء اللّٰه.
و يجوز لهما أي القارن و المفرد الطواف قبل المضي الى عرفات استحبابا على المشهور، لموثق إسحاق: عن رجل يحرم بالحج من مكة ثم يرى البيت خاليا فيطوف قبل أن يخرج أ عليه شيء؟ قال: «لا» (1)، بناء على ظهوره في إرادة نفي أن يكون عليه شيء، لا النهي عن الطواف إذ مثله ظاهر في مشروعيته، لا انه نهى عنه لبعده بمكان، كبعد حمله على غفلته عن تشريعه، فلا يدل على المشروعية، كيف و لازمة حينئذ تنبيهه على تركه، كي لا يغريه على جهله، فسكوته يكشف عن إمضاء خياله في مشروعية الطواف.
هذا مضافا إلى عموم «الطواف بالبيت صلاة» حتى في كونه خير موضوع، من شاء استقل و من شاء استكثر.
و لا يعارضها ما في بعض النصوص في مقام الجواب عن مشروعية الطواف، بقوله «نعم ما لم يحرم» (2)، إذ هو قابل للحمل على الكراهة في العبادة و أقليته للثواب، بقرينة السابقة.
هذا في الطواف المندوب، و أما الواجب ففيه خلاف معروف بين الأصحاب، و يمكن استفادة الجواز من إطلاق كلام المصنف أيضا، و يمكن أن يستدل للقول بالجواز بما في نص إسحاق بن عمار: عن المفرد للحج يقدّم
طوافه أو يؤخره؟ فقال: «هو و اللّٰه سواء أعجله أم أخره» (1).
و في خبر آخر في ذيله «فاجعلها حجة مفردة، و تطوف بالبيت و تسعى بين الصفا و المروة، ثم تخرج إلى منى و لا هدي عليك» (2).
و في ثالث: إذا طاف- يعني المفرد- بالبيت و بالصفا، أ يعجل طواف النساء؟ قال: «لا، إنما طواف النساء بعد ما يأتي من منى» (3).
و لا يعارضها ما في بعض النصوص، من عدم فعل علي بن الحسين عليهما السلام، على حكاية ابن أخيه، بأن شيخي لم يفعل، إذ مع تصريح أبي جعفر عليه السلام بجواز التقديم (4)، لا يبقى مجال استفادة عدم المشروعية من تركه عليه السلام.
نعم في صحيحة ابن أذينة انه قال في هؤلاء الذين يفردون الحج: «إذا قدموا مكة و طافوا بالبيت أحلّوا، و إذا لبّوا أحرموا، فلا يزال يحل و يعقد حتى يخرج إلى منى بلا حج و لا عمرة» (5)، بجعل ذلك كناية عن بطلان حجهم بتقديم طوافهم.
و لكن يمكن حمل نفي الحج عنهم حقيقة لعماهم في عملهم و عدم ايمانهم، معتذرا في بطلان حجهم بالجهة المذكورة لمحض التقية، و إلّا فجهة عدم كون الحج و العمرة لهم شيء آخر، كيف و الطواف المزبور لو لم يكن مشروعا لما كان موجبا لحلّهم، كي يحتاج إحرامهم الى تلبية جديدة، و مع المشروعية لا يقتضي تلبيتهم إلّا إيفاء مرتبة اخرى من إحرامهم، إلى أن ينتهي إلى محلّلات اخرى، فلا مقتضى في مثل هذه التلبية الجديدة للإحرام من كل
شيء حتى مما أحله الطواف، بل لا يبقى إلّا الإحرام من سائر الجهات، فكيف يقتضي هذا المقدار من الإحلال و الإحرام نفي الحج و العمرة حقيقة، فلا محيص عن حمله على بيان فساد أعمالهم حقيقة، لكن بوجه لا ينكشف الحال عن وجه سوء الأعمال.
ثم إنّ الأخبار المجوّزة إنما وردت في المفرد، و الظاهر انه بقرينة فهم الأصحاب ما يقابل المتمتع فيشمل القارن أيضا لا ما يقابله، و لا أقل من دعوى عدم الفصل بينهما في كلماتهم، بل في حسنة ابن عمار: «انّ القارن بتلك المنزلة يعقدان ما أحلّا من الطواف بالتلبية» (1).
نعم في المتمتع بها الظاهر من بعض النصوص عدم المشروعية بدون العذر، مثل قوله في من أهل بالحج متمتعا: «لا يطوف بالبيت حتى يأتي عرفات، فإن هو طاف قبل أن يأتي منى من غير علّة فلا يعتد بذلك الطواف» (2).
هذا و يؤيده مفهوم جملة من الأخبار المجوزة في مورد العذر من خوف طمث أو غيره، بقوله عليه السلام: «إذا خافت أن تضطر الى ذلك فعلت» (3).
نعم حكي في المقام مطلقات صريحة في الجواز، مثل ما في نص جميل:
عن المتمتع يقدّم طوافه و سعيه في الحج، فقال: «هما سيّان، قدّمت أو أخّرت» (4).
و في آخر: نفي البأس عن طوافه بعد إهلاله بحجه متمتعا (5)، و غير ذلك
من النصوص (1).
و الجواهر حملها على صورة العذر (2)، لكن الانصاف بعد هذا الحمل في النص الأول الحاكم بالتسوية، إذ مع العذر لا تسوية، فلا محيص عن حمله على صورة الاختيار.
و حينئذ يصلح هذا شاهدا لحمل البقية على الكراهة عباديا، فما عن المدارك من تأمله في المسألة (3)في غاية المتانة. و لا ينبغي نسبة الوسوسة إليه في مثل ذلك مع هذه النصوص الصحيحة الصريحة. و لا مجال لتوهين الشهرة على خلافها لسندها أيضا، لاحتمال بنائهم على تقديم الجمع بالتقييد على ما ذكرنا من الجمع، و في مثله لا نبالي بمخالفة المشهور مع مساعدة الدليل و اللّٰه العالم.
ثم إنه بناء على الجواز فالظاهر تخصيص ذلك بطواف الزيارة، لانصراف المطلقات إليها. فيبقى ما دل على لزوم تأخر طواف النساء عن الوقوفين بحاله.
نعم لا بأس بتقديم طواف النساء أيضا على الوقوفين لعذر، كما يومئ إليه صحيح ابن يقطين من قوله: «لا بأس بتعجيل طواف الحج و طواف النساء قبل الحج يوم التروية قبل خروجه إلى منى» (4)، المحمولة على صورة الضرورة بقرينة ذيلها المشتمل على قوله: «و كذلك لا بأس لمن خاف أمرا ..».
نعم في قباله نص آخر مشتمل على التفكيك بين الطوافين، معللا بأنّ بقاء نسك واحد أهون من بقاء جميع المناسك (5)، و لكنه مع شدة ضعفه،
و عدم جبره بالعمل، و وهنه باعراض المشهور، غير صالح للحجية، و اللّٰه العالم.
و كيف كان فمهما جاز تقديم الطواف من القارن و المفرد، بل و المتمتع على المختار، يطوفون بالبيت، و لكنهما أي القارن و المفرد يجددان التلبية عند كل طواف استحبابا. و لعل ذلك من جهة الجمع بين مجموع النصوص الآمرة بعضها بالتلبية عقيب الطواف في المفرد، و في بعضها استثناء السائق للهدي عن ذلك، و في بعض آخر انّ القارن مثل المفرد يعقدان ما أحلّا من الطواف بالتلبية (1).
إذ لا يخفى أنّ الأمر يدور بين إبقاء الأمر في الطائفة الأولى على الوجوب و تقيدها بالقارن، و حمل القارن في النص الآخر على القارن للحج بالعمرة، لا السائق للهدي، أو إبقاء القارن فيه على ظهوره، و استفادة رجحان التلبية في كليهما، و بقرينة التصريح بالترك في السائق للهدي في النص الآخر، بحمله على الاستحباب فيها، و به ترفع اليد عن الأوامر في المفرد، بالحمل على الاستحباب أيضا، و هذا الجمع أقرب من الأول.
هذا و أقول: لا يخفى انّ هذا الوجه إنما يتم لو كانت القرينة المنفصلة موجبة لقلب النص الآخر عن ظهوره، فإنه يصلح أن يجعل دليل المنزلة قرينة على ارادة الاستحباب، من الأوامر الواردة في المفرد أيضا، و لكن التحقيق خلافه.
و حينئذ يبقى ظهور الأوامر و خبر المنزلة على ظهورهما في الوجوب، و إنما القرينة قامت على عدم لزومه في القارن، فيبقى المفرد باقيا بحاله، و إليه ذهب العلّامة الأستاذ في تكملته، و نسب إلى الرياض أيضا (2).
نعم عن المحقق في شرائعه: انه لا يحل إلّا بالنية (1)، و حمله في الجواهر على معنى عدوله من الحج إلى عمرة التمتع بالنية، بجعل إحلاله كناية عن عمرته القابلة للحل بالطواف، بضم التقصير، لا أنّ النية دخيلة في إحلاله بالطواف، إذ هو خلاف إطلاق النصوص (2)و عمدة ما ادعي له استبعاد حصول الإحلال بدون التقصير، فلا بد أن يكون معه، بضم بعد وقوعه عمرة بدون النية، بل و في النص أيضا التصريح بقوله «و له أن يحل و يجعلها متعة» (3).
و لكن الانصاف عدم ظهور الأخبار في الإحلال على الإطلاق، بل غايته دلالتها على الإحلال عما هو مقتضى طبع طواف الحج، بل و لئن دققت النظر فيها ترى أيضا انّ الغرض من هذه المرتبة من الإحلال في المقام أيضا صوري لا حقيقي، كيف و الطواف- كما سيأتي- لا يكون من المحلّلات في حج الافراد و القران، حتى في فرضه، فضلا عن ندبه، فالاحلال في مثل المقام لا بد أن يحمل- بقرينة حصر المحلّل بالحلق و طواف النساء الواجب- على الإحلال صورة.
و لعمري انّ هذا المعنى في مثل هذه النصوص أولى من حملها على الإحلال الحقيقي، بمعنى صيرورته عمرة محتاجة إلى محلّلات اخرى، كي يجيء فيه اشكال الانقلاب من حقيقة إلى حقيقة أخرى بلا نية، فتدبر.
ثم إنه بعد ما عرفت المراد من الإحرام في هذه النصوص، فلا محيص عن أن يكون الغرض من الأمر بالتلبية فيها لحفظ صورة إحرامه بالنسبة إلى بقية
المحرمات، إلى أن يتم حجه و ينتهي إلى بقية المحلّلات.
و حينئذ مثل هذا الأمر المقصود منه حفظ الصورة، مع فرض عدم الاحتياج إليه في إبقاء الإحرام المزبور حقيقة، محمول على الاستحباب جزما، إذ لا يبقى بعد ملاحظة مثل هذه الخصوصيات التي بمنزلة القرائن الحافة بالكلام، ظهور للأمر في الوجوب، و ذلك هو نكتة ذهاب المصنف و بعض الأعاظم إلى استحباب التلبية حتى في القارن، بملاحظة كونه بمنزلة المفرد كما في النص، و ان كان استحبابه فيه أخف مرتبة من جهة نص استثناء السائق للهدي.
و لعله أيضا بملاحظة محفوظية مقدار من صورة إحرامه بسياقه، فيلبي أيضا تحصيلا للمرتبة الكاملة، بل و يمكن التعدّي بالمناط الى حج التمتع عند تقديمه الطواف لعذر أو غيره، مع فرض اختصاص أخبار الباب بغير المتمتع.
و في النفس بعد في هذه المسألة شيء، و للتأمل فيها أيضا مجال، و لا يترك الاحتياط بعقد الإحرام بالتلبية في المفرد، مع قصد العدول إلى العمرة بتقصيره أيضا، و اللّٰه العالم.
لمن دخل مكة يوم التروية قبل زواله جزما، يبقى الكلام في انه هل يجوز للقادم بعد زوال يوم التروية، و إن تمكن من درك اختياري الوقوفين، أو لا يجوز إلّا لمن دخل بعد غروبه، أو لا يجوز إلّا لمن دخل سحر عرفة، أو لا يجوز إلّا لمن تمكن من الالتحاق بالناس بمنى، أو لا يجوز إلّا مع خوف فوت الاضطراري من عرفه؟
وجوه، بل أقوال، منشؤها اختلاف أخبار الباب، فمن جملة النصوص: ما
دل على عدم المتعة لمن دخل يوم التروية بعد غروب الشمس (1).
و من جملتها: ما حدّد المتعة بزوال الشمس من يوم التروية (2).
و منها: ما حدد التمتع إلى السحر من ليلة عرفة (3).
و منها: ما حدّد بزوال يوم عرفة (4).
و منها: ما حدّد بالالتحاق بالناس بمنى (5). هذه مجموع ما ظفرنا عليها من نصوص الباب.
أقول: لا يخفى انّ مقتضى الجمع بين نصوص الباب دلالة، هو الأخذ بالطائفة الأخيرة الدالة على تعيين التمتع للالتحاق بالناس بمنى، المستلزم لفوت اختياري مزدلفة، و حمل نفي التمتع في البقية على نفي الكمال، غير المنافي لتعيينه عليه.
و يؤيده الاستصحاب الجاري في تعيين التمتع عليه، و عدم جواز عدوله إلى غيره، لكن المشهور غير ملتزمين بهذا المقدار، و ذلك أيضا إنما يتم بناء على كون الغرض هو الالتحاق بمنى في عودهم من المشعر، لا في ذهابهم إلى عرفات، و إلّا يرجع إلى إثبات التمتع بتمكنه من اختياري الوقوف بعرفات، فيكون على وفق المشهور لا على خلافهم، حيث إنهم غير ملتزمين بجواز العدول حتى مع التمكن من درك اختياري الوقوفين.
و بهذه الجهة لا بد من رفع اليد عن ظهور ما دل على نفي التمتع بزوال الشمس يوم التروية، بحمله على نفي الكمال لا نفي التعيين. فلا يبقى في البين
إلّا ما دل على نفي التمتع بفوت اختياري أحد الوقوفين، كما في بعض النصوص التصريح بعدم فوات الموقفين، المنصرف إلى اختياري كليهما.
و لازمة بقاء التعيين إلى زمان درك اختياري مجموعهما، فيؤخذ من النصوص بما يناسب ذلك لجبرها بعمل المشهور، و تتمة الكلام في محله.
ثم إنّ في صورة العدول من التمتع الى غيره، فهل يجدّد الإحرام جديدا بتلبية جديدة لحجة، أو يبقى على إحرامه الأول مع جعله الإحرام الموجود أو لا لعمرته؟ ظاهر بعض النصوص تجديد الإحرام بتلبية جديدة، بقوله عليه السلام: «يقطع تلبية المتعة و يهل بالحج بالتلبية» (1).
و في نص آخر في الطامث «بقاؤها على إحرامها» (2).
و مقتضى الجمع بينهما حمل القطع في الأول على قطعه في قصده من التلبية، بقصد إبقاء إحرام عمرته و تجديد قصد إبقائه لحجة، و انّ الغرض من الإهلال: في عالم القصد لا الإهلال في أصل الإحرام، كيف و الإحرام بعد انعقاده لا ينحل، إلّا بالتقصير بعد الطواف و السعي، فالمقصود من الإهلال بالتلبية هو توجه القصد إلى بقائه لحجة، فكأنه بالتلبية الجديدة يصير منعقدا لحجة، لا أنه انعقاد حقيقي بلا تقصير، كما لا يخفى.
ثم إنّ الحائض و النفساء تلحقان ببقية ذوي الأعذار لدى المشهور، في بقائهما على تعيين المتعة إلى خوف فوت اختياري الوقوفين بفعل عمرتها.
و في قباله احتمال بقائها على متعتهما و تأخير أفعال العمرة إلى زوال عذرهما.
و يدل على الأول نص إسحاق: عن المرأة تجيء متمتعة فتطمث قبل أن
تطوف بالبيت حتى تخرج الى عرفات، قال: «تصير حجة مفردة» (1)، و نظيره بعض نصوص اخرى (2).
و في بعض النصوص ما يدل على الثاني مثل قوله عليه السلام في خبر علاء ابن صبيح: «المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها و بين التروية، فإن طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا و المروة، و إن لم تطهر الى يوم التروية اغتسلت و احتشت وسعت بين الصفا و المروة ثم خرجت إلى منى، فإذا قضت المناسك و زارت البيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها، ثم طافت طوافا للحج» (3)، بتقريب دخول ما بعد الغاية في المغيى، بشهادة نص عجلان (4).
و الجمع بينهما بالتخيير ممكن، لو لا و هن سندهما باعراض المشهور، مع إمكان أن يصار إلى ما في الرياض (5)تبعا للشيخ (6)، من حملهما على صورة حدوث الحيض بعد ما طافت أربعة أشواط، و إلّا فهو خلاف المشهور القابل لكون اعراضهم موجبا للوهن في سندهما، فلا يصلحان للمعارضة مع الأخبار السابقة.
فالأولى ما ذهب إليه المشهور من إلحاقهما بمطلق ذوي الأعذار، و سيجيء زيادة توضيح للمسألة في محلها إن شاء اللّٰه.
ثم انّ ذلك لو حدث العذر قبل ما مضى منه أربعة أشواط من طوافها،
و أما لو تجدد بعد ذلك، صحت متعتها و أتت بالسعي و بقية المناسك غير المشروطة بالطهارة، و قضت بعد طهرها ما بقي من طوافها، على المشهور، للمستفيضة المشتملة على قوله عليه السلام: «المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثم رأت الدم فمتعتها تامة» (1). و زاد في التهذيب و الاستبصار «و تقضي ما فاتها من الطواف» (2)، و في بعضها «و إن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج» (3).
نعم في رواية أخرى الاكتفاء بثلاثة أشواط (4)لكنها- مع ضعف سندها- غير معمول بها، و إن أمكن الجمع بينهما بحمل نفي المتعة في الأولى على نفي الكمال. و يمكن حمل هذه الرواية على طواف النافلة، و سيأتي جواز البناء حتى على الثلاثة.
ثم إن الظاهر من قوله «تستأنف بعد الحج» كون استئنافها بعد تمام الحج، و به ترفع اليد عن توهم إطلاق الاستئناف، بل و عن قاعدة تقديم ما هو أقدم سببا، مع إمكان منع تمامية القاعدة المزبورة، لعدم الدليل، بل غاية الأمر- لو لا النص الظاهر في الترجيح- تزاحم إطلاق دليل بقية أفعال الحج مع إطلاق دليل تتميم العمرة، فينتهي الأمر إلى التخيير. و لكن يكفينا دليلا للترجيح المزبور الأمر بالتتميم بعد تمام الحج، كما لا يخفى.
ثم في شمول دليل تقديم الحج على العمرة لصورة سعة الوقت لبقية أفعالهما إشكال، ففي هذه الصورة يبقى دليل تقديم العمرة على الحج بجميع أفعاله، خرج ما خرج و بقي الباقي على حاله.
اللهم إلّا أن يمنع هذا الإطلاق أيضا لدليل العمرة، بل غاية دلالته على تقديمها على مجموعه لا على كل واحد من أجزائه، فمع الاضطرار عن تقديم المجموع على المجموع فلا إطلاق بعد لدليل تقديم العمرة، فيرجع الأمر إلى الإطلاقين في دليل أفعال الحج و تتميم أفعال العمرة، و لازمة التخيير أيضا، كما لا يخفى.
و لا يجوز ذلك للقارن (1). و ظاهره بإطلاقه يشمل الواجب و المندوب و المختار و المضطر، و كذلك قبل الشروع بالحج و بعده.
و في مختصره: و لو عدل هؤلاء- أي المفرد و القارن- إلى التمتع اختيارا، ففي جوازه قولان أشبههما المنع، و مع الاضطرار جائز (2). و ظاهر هذا الكلام في من كان فرضه القران و الافراد، بشهادة سابقه. و أما المندوب فالظاهر نفي الاشكال في جواز العدول قبل الشروع، لأنّه أفضل، و إنما الكلام في جوازه بعد دخوله فيه بقصد امتثال أمر حجه إفرادا لا تمتعا.
أقول: فليعلم أولا انّ الحج و العمرة المتمتع بها، أو مطلقا، بعد ما اختلفا في الحقيقة، على وجه يحتاج في امتثال أمرهما إلى توجه القصد بكل منهما، فلا شبهة في انّ العدول من كل منهما، حتى في مورد جوازهما، بعد الشروع في أحدهما على خلاف القاعدة، فيحتاج إلى دليل مخصوص.
نعم لا بأس حينئذ باختيار كل منهما قبل الشروع في الآخر، لعدم مخالفته للقاعدة، بل استصحاب بقاء اختياره، و لو بعد نية أحدهما المعيّن، باق بحاله،
فالعدول المزبور قبل الشروع في واحد منهما لا اشكال فيه، إنما الإشكال في جوازه بعد الشروع بقصد امتثال أمره بشخصه، فإنّ في الاكتفاء بالامتثال بالبقية لأمر غيره، يحتاج الى الدليل، بعد كونه على خلاف القاعدة الارتكازية في العبادة.
نعم لو قلنا بأنّ المكلف في موارد جوازهما مأمور بالجامع بين الفرضين، مع فرض عدم اختلاف في حقيقتهما من حيث القصد، فلا قصور حينئذ في جواز العدول بمقتضى القاعدة حتى في الأثناء، نظير عدول من له القصر و الإتمام في حائر الحسين عليه السلام و غيره في الأثناء و غيره، بلا خلاف قاعدة فيه، لا في قصدية عمله و لا في قربيته.
و حيث اتضح ذلك فنقول: إنه في مورد جواز صدور الحجين من المكلف فرضا أم ندبا، أمكن دعوى تعلّق الأمر بالجامع بينهما، بلا امتياز كل منهما بخصوصيتهما بأمر خاص و لو تخييرا شرعيا، بل و لو صرّح فيهما بالتخيير الشرعي أمكن إرجاعه- لبا- إلى الأمر بالجامع، بملاحظة كشفه عن وحدة الغرض القائم به، لا من جهة تزاحمهما، إذ الظاهر من التخييرات الشرعية كشفها عن حفظ جهة واحدة و مصلحة فأرده، بحيث يوجب اختيار كل واحد خلو البقية عن المصلحة، لا عن عدم التمكن عن استيفائها بعده.
و بعد ذلك نقول: إنّ مقتضى الأصل أيضا عدم دخل جهة زائدة عن الأفعال الخارجية في كل واحد من الحج و العمرة، أو في أنواع الحج على وجه يحتاج إلى تميز الجهة المخصوصة المحفوظة بالقصد إليه، كما هو الشأن في الحقائق القصدية كالظهرية و العصرية.
و بعد هاتين المقدمتين لا إشكال في أنه لكل منهما العدول الى الآخر، فمن حج إلى حج، و من عمرة الى عمرة، و من كل منهما إلى الحج و بالعكس، إذ لا يلزم حينئذ عند جواز كل واحد عليه و تخييره فيه و عدم قصدية حقيقته
خلاف قاعدة فيه أصلا، نعم لو وجب عليه أحد الأنواع تعيينا، يكشف ذلك عن تعلّق الأمر بالخصوصية، و معه لا يبقى مجال العدول بالشروع، للإخلال بالقربة، كما عرفت.
و عليه فيصح لنا تأسيس قاعدة «عدم جواز العدول في موارد تعيين أحد الصنفين على المكلف، و جوازه في غيره»، و لازم ذلك أن يقال بأنّ في النوافل- لما قام الإجماع على التخيير بينهما، بل أفضلية التمتع- فلا محيص عن كشف الأمر الندبي بالجامع، و بعد ذلك فلا قصور بمقتضى القاعدة الأولية في جواز عدوله الى التمتع، بل أفضليته حتى بعد الشروع في حج الافراد أو القران، كما انه لا قصور أيضا في العدول و لو بعد الشروع، فضلا عن قبله، في مورد التخيير بينهما للمكلف في أداء فرضه، بل مقتضى إطلاق جملة من النصوص (1)أفضلية التمتع في كل مورد يتمكن منهما، بلا اختصاصهما بالنوافل.
و أما في غير هذه الصور، فيحتاج جواز العدول إلى دليل متقن، كما انّ في الفروض السابقة، عدم جواز العدول يحتاج إلى الدليل، و إلّا فطبع القاعدة الأولية جوازه.
و حيث اتضح ما ذكرنا نقول: إنّ عمدة ما في الباب من الأخبار ما في الصحيح: عن رجل لبى بالحج مفردا، فقدم مكة و طاف بالبيت و صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام و سعى بين الصفا و المروة، قال:
«فليحل و ليجعلها متعة إلّا أن يكون ساق الهدي» (2).
و لا يخفى انّ إطلاق الرواية يشمل النوافل و الفرائض، و أنّ الأمر بالإحلال في مقام دفع توهم الحظر، بخيال لزوم إتمام ما شرع فيه على ما
شرع، فلا يكاد يستفاد من مثله الوجوب، خصوصا مع معهودية أفضلية حج التمتع عند الدوران، للنصوص القريبة بالتواتر، كما لا يخفى على من راجع أخبار الباب.
و يؤيده من تلك الجهة ما في نص آخر: عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الأمصار، ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقّت رسول اللّٰه، له أن يتمتع؟ قال: «ما أزعم أنّ ذلك ليس له و الإهلال بالحج أحب إليّ» (1).
قيل: و ذيله ربما يشهد باختصاص المورد بالفريضة، و إلّا ففي النافلة قام الإجماع على أفضلية التمتع.
أقول: الظاهر انّ نظر المجمعين ليس في مصيرهم إلى الأفضلية المزبورة، إلّا إلى النصوص المتواترة المشار إليها في الوسائل، حيث عقد بابا لذلك (2).
و هذه النصوص لا اختصاص لها بالنافلة، بل ظاهرها أفضلية التمتع في كل مورد شرع له الحجان، و لقد فهم صاحب الوسائل منها أيضا ذلك، حيث عنون بما يشمل النافلة و الفريضة، بل و من كلمات الأصحاب في مقام ترجيح التمتع لم يظهر اختصاصه بالنوافل، بل الظاهر تعديهم في أفضلية التمتع في كل مورد شرع فيه الحجان.
و حينئذ لا مجال للأخذ بذيل هذه الرواية الظاهرة في أفضلية الافراد مع فرض مشروعية التمتع في حقه أيضا، فلا محيص حينئذ إما من طرحه أو تأويله بحمل صيغة التفضيل على صرف الوصفية، أو كون وجه الأحبية لجهات عرضية في المقام، و لو بملاحظة مراعاة جهات التقية و خوف ترتب مضارها في خصوص المورد.
و حينئذ فتساوق الرواية مع النص السابق في الشمول للأعم، و حينئذ فربما يتوهم المعارضة بينها و بين ما دل على تعيين الفريضة لأهل مكة بالقران و الافراد، و للنائي بالتمتع. بل ربما تكون النسبة بين الثانية و الاولى عموما من وجه، كما في الرياض (1).
و لكن هذا المقدار إنما يتم بناء على كون سوق الروايات في مقام بيان أصل مشروعية التمتع لمن فريضته الافراد.
و أما لو قلنا- كما هو التحقيق- انّ سوقها لبيان مشروعية العدول و عدم تعيين ما شرع بمحض شروعه في ظرف إحراز مشروعية المعدول إليه في نفسه، فلا دلالة لمثل هذه الروايات على أصل مشروعية التمتع في من فرضه الافراد، فلا محيص عن حمل الروايات المزبورة على صورة إحراز مشروعيتهما في نفسهما للمكلف، كي بالنصوص المزبورة يستفاد مشروعية عدوله إلى التمتع.
بل قد عرفت انّ مشروعية العدول حينئذ على القاعدة، فالنص حينئذ منزّل عليها أيضا، و إن كان على خلافها في استثناء السائق، و يمكن ذلك أيضا على وفق قاعدة «عدم الإحلال للسائق إلى أن يبلغ الهدي محله»، للعمومات، فيكون العدول إلى التمتع فيها على خلاف القاعدة، و عليها فلا يستفاد من نصوص الباب أزيد مما أسسناه من القاعدة.
و حينئذ فالمرجع التام هو القاعدة، من بقاء اختيار العدول حتى بعد الشروع لمن شرع في حقه الحجّان، و عدم جواز العدول- لعدم وفاء النص عليه- في من تعيّن في حقه الافراد و القران، و لم يشرع في حقه من الخارج متعة. بل و عدم مشروعية العدول في السائق مطلقا، لعموم وجوب بلوغ الهدي محله، و اللّٰه العالم.
1) رياض المسائل 1: 356.
هذا كله في المختار، و أما المضطر فقد يتشبث لجواز عدوله- حتى لمن فرضه الافراد- بالإطلاقات السابقة. و قد عرفت انّ سوقها لبيان مشروعية العدول في ظرف مشروعية المتعة في حقه، و انّ شروعه في أحد الفردين لا يوجب تعيينه في حقه، لا أنه لبيان أصل مشروعية المتعة، كي يدّعى بأنه خرج عنه صورة التمكن من أداء فرضه و بقيت صورة الاضطرار تحت هذه الإطلاقات. و عليه لا يبقى مجال التشبث بمثلها لإثبات أصل مشروعية المتعة، حتى لمن اضطر إليه.
و أهون منه إلحاق المقام بعكس المسألة، من عدول المتمتع إلى الافراد عند الاضطرار، للنصوص التي مرّ شرحها في الفرع السابق، لبطلان القياس، كما هو واضح.
و لعله لذلك ذهب جمع من الأعاظم إلى منعه، بل ربما قيل بتقديم العمرة المفردة عند الاضطرار على حجه، لبعض النصوص المشتملة على قوله: «أمرتم بالحج و العمرة فلا تبالوا بأيهما بدأتم» (1).
و في آخر: رجل خرج في أشهر الحج معتمرا ثم خرج إلى بلاده، قال:
«لا بأس، و إن حجّ في عامه ذلك، و أفرد الحج فليس عليه دم» (2)، و كذا غيرهما مما ذكره في الجواهر (3).
و في الرياض: ما يستفاد كونهما غير معمول بهما بإطلاقهما، فلا يوثق بسندهما كي يحمل على صورة الاضطرار (4). و أورد عليه في الجواهر بأن وجه الاستفادة إطلاق كلمات الأصحاب في تأخّر العمرة عن الحج في غير التمتع،
و استشكل بأنها في مقام دفع توهم لزوم التقديم مثل التمتع، لا لزوم التأخير (1)، و في الاستظهار تأمل جدا.
و حينئذ لم يحرز العمل منهم بمثل هذه النصوص بإطلاقها، فلم يوثق بسندها، فلا محيص عن انتهاء الأمر إلى التعيين و التخيير، و الأصل التعيين، كما لا يخفى.
و حينئذ لا بد أن يقال: إنه بعد فرض الاضطرار عن افراد الحج و تأخير العمرة، فالأمر يدور بين ترك الحج الى أن يرفع الاضطرار، أو ترك تأخير العمرة أو تبديله إلى وظيفة أخرى عن التمتع، حفظا لما دلّ على وجوب تأخير العمرة المفردة عن الحج الأفرادي.
و من المعلوم انّ نسبة حكومة دليل الاضطرار بالنسبة إلى كل واحد من أدلة وجوب الحج فورا، و أدلة تأخير العمرة عن الحج الأفرادي، و أدلة تعيين وظيفته بغير المتعة، على السوية. فلا وجه لتعيين النفي بواحد منها، فلا جرم تقع المعارضة لتحصيل الفرض بين بقية الأدلة، للعلم الإجمالي بتخصيص واحد منها، و قضية ذلك تساقط الجميع، فتنتهي النوبة إلى أصالة عدم مشروعية التمتع و تقديم العمرة المفردة، و أصالة البراءة عن فورية الحج. فينظر إلى زمان التمكن، خصوصا على المختار من عدم ثبوت فورية الحج، و إنما الثابت حرمة التسويف، فإنه حينئذ يتعيّن الانتظار إلى زمان التمكن جزما.
من المفرد و القارن، بلا اشكال ظاهرا. و في النص: «إنما الأضحى على أهل الأمصار» (2)، أي الذين يجب عليهم التمتع، و مجرد اشتمال صدره على صحة
حجه مفردا، مع فرض كونه متمتعا في غير أشهر الحج، غير مضر، خصوصا مع إمكان حمله على إيقاع عمرته في غيرها، فلا بأس بأفراد حجه حينئذ، لو لا ظهوره في من يتعين عليه المتعة، مع قدرته على الوقوفين، أو لا أقل من دركه اختياري الوقوف بعرفة، فإنه لا يصح منه الافراد كما عرفت.
و لكن على فرض ذلك، غايته عدم العمل بصدره، و هو غير مضرّ بحجية ذيله، كما لا يخفى، و ستأتي تتمة الكلام في المسألة إن شاء اللّٰه.
فنقول:
لظهور الأوامر الواردة في تعيين موضوع الإحرام في الشرطية، و هي خمسة على وجه، كما في رواية الحلبي (1)، و ستة على وجه آخر، كما في صحيحة معاوية (2)، بلحاظ اشتمالها على ميقات أهل العراق، و لم يكن يومئذ عراق، أو سبعة بزيادة ميقات من يلي مكة، أو عشرة كما في الدروس بزيادة فخ ميقات الصبيان (3)، أو أحد عشر بزيادة مكة للإحرام بالحج، أو اثني عشر بزيادة المحاذاة لأحد المواقيت لمن لم يمر عليها. و الأمر في ذلك سهل بعد وضوح المأخذ و المقصود.
و لأهل العراق العقيق بلا اشكال فتوى و نصا، و يكفي من النص صحيحة معاوية السابقة. و المشهور انّ أفضله المسلخ، لما في النص من قوله: «و أوله أفضل» (4)يعني المسلخ بالتصريح به في صدره، و في آخر
تفسير الأول ببريد البعث (1)، و هو دون المسلخ بستة أميال، و في ثالث تحديد العقيق من المسلخ إلى دون ذات عرق، و هو عقبة غمرة (2). و الجمع بالحمل على مراتب الفضيلة متعيّن.
و لا بد في تعيين المحال من العلم أو البينة العادلة، و في الاكتفاء بخبر الواحد- بمقتضى القواعد- اشكال، فضلا عن مطلق الظن، الذي لا يغني عن الحق شيئا. نعم ربما يستفاد من الأمر بالسؤال من الأعراب كما في النص، الاكتفاء بالشياع الظني.
و فيه نظر، لحصول العلم من الشياع المزبور غالبا. نعم لو لم تتم الغلبة المزبورة فللاستفادة المسطورة وجه.
و في التعدي منه إلى قول العدل الواحد، لأقوائية الظن الحاصل منه حينئذ كلام آخر. نعم لا يتعدّى إلى غيره من سائر الظنون جدا، و المسألة بملاحظة النص المزبور غير خال عن الاشكال.
و المستفاد من نصوص الباب أنّ أوسطه غمرة، و آخره ذات عرق، فلا يجوز لأحد عبورها إلّا محرما عدا أشخاص سنشير إليهم إن شاء اللّٰه.
و الأصل فيما ذكرنا من الكلية ما في جملة من النصوص هل يدخل الرجل الحرم بغير إحرام؟ قال: «لا، إلّا أن يكون مريضا أو من به بطن» (3)، و آخر نظيره مضمونا (4).
و في نص آخر: سئل عن رجل به بطن و وجع شديد، يدخل مكة حلالا؟ قال:
«لا يدخلها إلّا محرما» (1).
و في آخر نظيره في المريض (2).
و لو لا الإجماع على عدم الفرق بين مكة و الحرم لأمكن منع التعارض بين الطائفتين، بملاحظة احتمال أشدية إحرام مكة عن الحرم بمثابة لا يجوز دخولها حتى المريض و المبطون بغير إحرام، بخلاف الحرم فإنه لا إحرام له بهذه المثابة، المانع عن دخول المريض و المبطون أيضا محلّا.
و لكن ظاهر الكلمات عدم الفصل بينهما، بقرينة حملهم الثانية على الاستحباب، و لو من جهة الجزم بعدم وجوب الإحرام، بمثل المجنون غير القابل للنية.
و لكن فيه: انّ ذلك في غاية البعد عن إطلاق المرض، و غير صالح بالنسبة إلى المبطون، فلا يبقى مجال نفي احتمال الوجوب بما ذكر، نعم الأولى الحمل على الاستحباب، بقرينة الخبرين النافيين عنهما.
نعم بناء على عدم دخل اللبس الخاص في الإحرام، بل و عدم دخل التجريد عن مخيطه فيه أيضا، قد يستشكل بأنّ الظاهر من استثناء المريض و المبطون في أمثال هذه التكاليف غالبا إنما هو بمناط الإرفاق في حقهما بدفع المشقة، و هو إنما يتم في التكاليف الشاقة، لا مثل هذا التكليف المتقوّم بصرف التوطين قلبيا، بلا اعتبار طهارة فيه، أو غيرها. و مثل هذا المعنى في منتهى خفة المئونة، القابل للصدور بلا مشقة عن المريض و المبطون.
و حينئذ فيدور أمره أما بحمله على التعبّد المحض بلا جعله في زمرة الغالب من كون النفي في مثلهما ارفاقيا، أو بحمل الإحرام فيه على الإحرام بتبعاته من
التكاليف المحرمة، التي لها دخل في حفظ الصورة و إن لم يكن لها مدخلية في حفظ الحقيقة، و لا تعيين للأول في مثل هذا المعنى المعهود بين عامة الناس، من كون الإحرام هو ما اشتمل على حفظ صورته، من الاجتناب عن سائر محرماته.
و هذه المعهودية ربما تكون بمنزلة القرينة الموجبة لصرف العنوان المزبور الى المعنى المعهود، و عليه فالنفي و الإثبات في النصوص متوجهان إلى المعنى المزبور، لا إلى أصل الإحرام، فالجمع بالاستحباب بينهما أيضا ناظر إلى هذه المرتبة.
فيبقى الإحرام بعموم دليله باقيا تحت وجوبه لكل من دخل، لأنه نحو احترام للحرم، غاية الأمر لا يجب على المريض و المبطون و من يلحق بهما في العلّة، مراعاة لأحكامهما بمقدار المشقة عليهما في ذلك.
فإن قلت: مع فرض اشتمال العمومات لمثل هذا الاستثناء المنزّل على المرتبة المزبورة، لا يبقى لنا بعده عموم دال على وجوب أصل الإحرام.
قلت: يكفي في ذلك المطلقات الواردة بلسان «انّ مكة محرمة لم يحل لأحد كان قبلي، و لم يحل لي إلّا ساعة من النهار» (1).
نعم في ذيل بعضها ما دل على ما اشتمل على محرماته.
و لكن لا ينافي ذلك ثبوت جميع المراتب بإطلاقها، مع الالتزام برفع بعض مراتبه بالدليل المخصص.
و من هذا البيان ظهر أيضا وجه استفادة الحكم مما دل على ثبوت الإحرام للمريض و المبطون، غاية الأمر ترفع اليد عن بعض مراتبه بالنص النافي من تبعاته من حفظ صورته.
ثم انّ المستفاد من الإطلاقات حرمة دخول مكة إلّا محرما، و لو لم يخرج
1) وسائل الشيعة 9: 69 باب 50 من أبواب الإحرام حديث 12.
من الحرم، فليس الحكم المزبور مختصا بخصوص الخارج منه.
كما انّ المستفاد منها وجوب إحرامه مقدمة للدخول، بلا نظر فيه إلى محلله، فتبقى مطلقات انحصار التحليل في غير المحصور و المصدود بلحوق المناسك المخصوصة بحاله، و لازمة وجوب كون الداخلين معتمرين بعمرة مفردة أو متمتع بها.
و توهم انّ إطلاقات الباب في المقام تقتضي عدم لزومه العمرة، فلا يجب إلّا الإحرام، منظور فيه.
ثم إنّ نسبة الإحرام إلى الدخول كنسبة الطهارة لمس كتابة القرآن، في أنه مقدمة لرفع حرمته، فلا يكاد يتصف بالوجوب إلّا مع وجوب الدخول، كما لا يخفى.
و حينئذ فمقتضى الإطلاقات الاكتفاء به في مورد وجوبه لنذر أو بأصل شرع لحجة، تمتعا أم افرادا، بلا اقتضاء قاعدة عدم التداخل شيئا في المقام و أمثاله، بعد عدم لسان دليل السببية المقتضية لتكرر الوجود في البين، كما لا يخفى.
بزعم انّ الإحرام شيء لا يقدر عليه العبد بدون اذن مولاه.
و فيه ما أشرنا سابقا أيضا في بعض المقامات، انّ عدم قدرة العبد لسلطنة مولاه، و هو قاصر الشمول عن مورد خارج عن قابلية الوجود أو العدم.
و إطلاق حرمة الدخول بلا إحرام يخرجه عن هذه القابلية، فلا يجوز عليه الدخول بلا إحرام و إن لم يأذن له السيد.
نعم مع عدم وجوب أصل الدخول عليه يكفي منع السيد عن أصل الدخول، و أما منعه عن الإحرام في ظرف الدخول بلا منعه عن دخوله، بل
و مع اذنه به، فلا يؤثر شيئا بتاتا، كما لا يخفى.
فإنّ الظاهر جواز دخوله بلا إحرام في الجملة، و الأصل في ذلك حسن حماد المشتمل على قوله:
فإن جهل فخرج إلى المدينة أو غيرها بغير إحرام ثم رجع في ابان الحج في أشهر الحج مريدا للحج، أ يدخلها محرما أو بغير إحرام؟ فقال: «إن رجع في شهره دخل بغير إحرام، و إن دخل في غير الشهر دخل محرما» (1).
و لا يخفى انّ الظاهر من الضمير في «شهره» راجع الى خروجه لا حجه أو عمرته، لأنّ شهر الحج مفروض في كلام السائل، و ليس في الكلام أيضا عمرته كي يصلح رجوعه إلى زمان إحلاله أو إهلاله، و إن أمكن استفادته من فحواه، و لكن رجوعه إليه في غاية البعد.
و يؤيده التصريح به في رواية أخرى من قوله «فإن دخل في الشهر الذي خرج فيه» (2).
ثم انّ مورد النصين من دخل مكة من الأول متمتعا، و لازمة اختصاص الحكم المزبور بمن سبق إحرامه.
و لكن في جملة من النصوص إطلاق الحكم من حيث سبق الإحرام مثل قوله: «رجل خرج إلى جدة في الحاجة»، فقال: «يدخل مكة بغير إحرام» (3)بناء على حمله على الدخول قبل الشهر.
و في المرسلة أيضا نظيره (4)، مع التصريح بالدخول قبل الشهر. إلى غير ذلك من المطلقات الظاهرة في عدم اعتبار السبق بالإحرام.
و لقد أجاد في الجواهر حيث أفاد بأنه لو لا الإجماع لكان الحكم بالإطلاق وجيها، ثم أفاد بأنّ عمدة ما يوهن الإطلاقات المزبورة إعراض الأصحاب عنها، خصوصا مع إطلاق غير المرسلة منها، من حيث الرجوع في الشهر و عدمه (1).
و توهم الانصراف إلى الرجوع في الشهر ممنوع، و حينئذ مثل هذه الجهة أيضا من موهنات النصوص المزبورة كما لا يخفى. و حينئذ فالمرجع في غير المسبوق بالإحرام عموم حرمة الدخول بغير إحرام.
و هو المتكرر دخوله لكونه حطّابا أو مجتلبا.
و في النص: أتوا النبي صلّى اللّٰه عليه و آله فسألوه فأذن لهم أن يدخلوا حلالا (2). و تعدوا إلى كل من شأنه التكرر في الخروج و الدخول في ضيعته.
و الظاهر انّ غرض الأصحاب ممن لا يريد النسك أيضا خصوص هؤلاء، لا مطلق من لا يريد النسك و لو باختياره.
و يشهد له عنوان «من يتكرر» في موضوع الحكم في كثير من الكلمات، بل المحقق مع جعله في مورد عنوان الموضوع «من لا يريد النسك»، جعل العنوان في مورد آخر «من يتكرر» (3)، نعم مقتضى إطلاق النص عدم الفرق بين كون تكرر رجوعه و دخوله في شهر واحد كالحطّاب، أو الأزيد كما في المجتلب أحيانا.
فتخصيص ذلك بمن كان كذلك في الشهر الواحد، و اختصاص ترخيصه في ترك الإحرام بالدخول في شهر خروجه، و لو لم يكن مسبوقا بالإحرام، كي
به يمتاز المتكرر عن غيره غير وجيه، لو لا دعوى انصراف النصوص إليه، و هو ممنوع جدا، كما لا يخفى.
فإنه يدخل أيضا بلا إحرام.
و عمدة السند فيه ما في جملة من النصوص السابقة المشتملة على استثنائه صلّى اللّٰه عليه و آله الإحرام لنفسه ساعة من النهار، لكونه مقاتلا فيه (1).
فيتعدّى منه إلى كل مقاتل. و في التعدي نظر. و لذا استشكل فيه جمع من الأعاظم.
و ما اشتمل على دخول المقاتل و عليه المغفر، و كذا أصحابه، فغير دال على الإحلال، بل من الممكن كونه من باب الرخصة في ذلك للمحرم المقاتل، و حينئذ فعموم وجوب الإحرام لكل من دخل باق بحاله و اللّٰه العالم.
ثم إنّ المصنف و إن ذكر مثل هذه الكلية في ذيل ميقات أهل العراق، و لكن لا اختصاص له بذلك، بل هو جار في كل من دخل الحرم من أي جانب، و من أي ميقات، كما لا يخفى وضوحه فتوى و نصا. كما انّ الشأن في مستثنياته أيضا ذلك.
هذا،
بلا اشكال فيه في الجملة، لجملة من النصوص المصرّحة بأن ميقاتهم المسجد (2)، و في بعض النصوص ذو الحليفة (3)، و إطلاقه يشمل غير المسجد. و الأمر يدور بين الأخذ بإطلاقه و حمل المسجد على الفضيلة، أو الأخذ بظهور الأمر بالمسجد، و تقييد غيره به،
لوحدة المطلوب جزما، و لا يبعد ترجيح الثاني، لضعف الإطلاقات. و لا أقل من الشك و عدم الترجيح، فأصالة التعيين تقتضي التعيين بالمسجد، كما لا يخفى. و إلى ذلك أيضا نظر العلّامة الأستاذ في تكملته، من قوله: الأحوط خصوص المسجد.
هذا كله في المختار، و أما عند الضرورة الجحفة، لنص الحضرمي: «قد رخص رسول اللّٰه لمن كان مريضا أو ضعيفا أن يحرم من الجحفة (1).
و في آخر «الجحفة أحد الوقتين و أخذت بأدناهما و كنت عليلا» (2).
و في ثالث: من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال: «من الجحفة» (3).
و ظاهر الأخير يوهم- بإطلاقه- جوازه اختيار الجحفة و لو اختيارا. لكنّ الانصاف منع هذا الإطلاق. لأنّ غايته إفادة صحة إحرامه من الجحفة في ظرف التجاوز عن المسجد.
و أما إنّ تجاوزه جائز أم لا، فليس يستفاد ذلك من النص. فتبقى حرمة تجاوزه عنه بحالها، فيجمع بينهما بأنه مهما تجاوز المسجد و لو بسوء اختياره يصح إحرامه من الجحفة، و يحرم التجاوز عنه أيضا إلّا محرما، بفحوى وجوب الإحرام للدخول في الحرم أو في مكة، كما انّ من إطلاق قوله «الجحفة أحد الوقتين» يستفاد وجوب الإحرام، و صحته لمن لم يمر على المسجد، و لا عن محاذيه عرفا و مرّ بالجحفة، فإنه يجب أن يحرم منها و هو ميقاته، بل و يستفاد
ذلك من فحوى النص الأخير، كما لا يخفى.
، و كذا أهل مصر و غيرهم ممن يمر بذي الحليفة و لو آثما كما عرفت، و في النص «انه ميقات أهل المغرب» (1)الشامل لأهل مصر و غيرهم، و في حسنة الحلبي «أنه ميقات أهل الشام» (2).
، للصحيحة و الحسنة المشتملتين لهما (3).
و المتمتع بحجه يحرم من مكة، لنص زرارة (4).
و من كان منزله أقرب إلى مكة من الميقات فمنزله ميقاته، و في النص: «إذا كان منزله دون الميقات إلى مكة فليحرم من دويرة أهله» (5).
و ظاهر الرواية ملاحظة الأقربية إلى مكة، فلا وجه لاعتبار الأقربية إلى عرفات، إما مطلقا أو مقيّدا بكونه محرما للحج، و إلّا فإلى مكة، لأنّ ذلك اجتهاد في قبال النص.
و مقتضى فحوى النصوص المزبورة شمولها لساكني مكة، فميقاتهم منزلهم، و لكن في الصحيح: إنّ ميقات المجاور بمكة جعرانة (6). و الأمر يدور بين رفع اليد عن فحوى النصوص السابقة، أو حمل الأخيرة على الفضيلة. و لا يبعد
1) وسائل الشيعة 8: 221 باب 1 من أبواب المواقيت حديث 1.
2) وسائل الشيعة 8: 222 باب 1 من أبواب المواقيت حديث 3.
3) وسائل الشيعة 8: 221 و 222 باب 1 من أبواب المواقيت حديث 1 و 3.
4) وسائل الشيعة 8: 246 باب 21 من أبواب المواقيت.
5) وسائل الشيعة 8: 242 باب 17 من أبواب المواقيت حديث 2.
6) وسائل الشيعة 8: 247 باب 22 من أبواب المواقيت.
الأخير لو لا التشكيك في الفحوى السابقة بالنسبة إلى المجاورين بها. و اللّٰه العالم.
عند المصنّف و جماعة، و الأصل فيه ما في الصحيح: عن الصبيان، من أين يجردهم؟ فقال: «كان أبي يجردهم من فخ» (1)، و نحوه صحيح آخر (2)، بناء على كون تجريدهم كافيا عن إحرامهم.
و لكن في الجواهر- وفاقا لجماعة أخرى- جعل ذلك بيانا لترخيصهم لبس المخيط إلى فخ، و انّ إحرامهم من الميقات كالكبار (3)، جمعا بين هذه النصوص و العمومات الدالة على شرطية الميقات في صحة الإحرام، و انّ إحرام الصبيان- حتى على التمرينية- مثل إحرام غيرهم في الشرائط، للانصراف.
أقول: لا يخفى انّ ظاهر السؤال كون التجرد لهم من المكان الخاص معهودا لدى السائل، و إنما كان سؤاله عن تعيين محله، و من المعلوم انه لا وجه لمعهودية مثل هذا المعنى، إلّا بلحاظ كون ذلك إحرامهم، و إلّا فالمرتكز في الأذهان رفع التكليف بمقدار الاضطرار، بلا معهودية مكان خاص فيه، و لازمة ليس إلّا بجعل التجرد في السؤال كناية عن إحرامه.
و بعد ذلك تقرير الإمام إياه كاف في استفادة كونه ميقاتا لهم، و إن لم يدل أمره عليه السّلام بالتجرد- بنفسه- على إحرامه، فلو لا السؤال المزبور لكان ما أفيد- من عدم دلالة الأمر بالتجرد على إحرامه- في غاية المتانة. لكن السؤال- بالتقريب المتقدّم، خصوصا مع ظهور الإطلاق من حيث ثبوت الاضطرار الى فخ أو قبله مثلا، أو عدم الاضطرار رأسا، كما تراه كثيرا- حاك عن صحة إحرامه، كما لا يخفى.
ثم انّ في التعدّي من فخ إلى أدنى الحل من كل طريق، بمناط كونه أدنى الحل المناسب لتخفيف الأمر على الصبيان وجه، و إن كان الاحتياط عدمه.
و انّ في سائر الطرق لا بد من الإحرام من الميقات المعيّن لهم، للعموم، و أن يلحظ مقدار مشقة الطفل في أحكامه، نعم في بعض النصوص: الأمر بإحرام الصبيان لخوف البرد من الجحفة (1).
و في آخر: التخيير بينه و بين بطن مرو (2).
و لا بأس بحملها على الاستحباب، لظهور نص «فخ» في جواز الإحرام منه. نعم ربما يستفاد منها انّ الأمر بتجريدهم من فخ من باب الرخصة، و لبيان دفع توهم المنع عن غير المواقيت لا العزيمة.
و يؤيده دعوى جماعة الإجماع على كفاية إحرامهم من الميقات، و ذلك كله أيضا على المختار، و إلّا فعلى الاحتمال الآخر، فلا إشكال في انّ الاختلاف بين هذه النصوص محمول على ملاحظة اختلاف حال الصبيان، من حيث الاضطرار في تحمل اللوازم.
و يؤيده التعليق على خوف البرد في بعضها، المناسب لما ذكر، و إلّا فأصل الإحرام لا يكون إلّا من المواقيت المعهودة، و انّ الغرض من الإحرام الواقع في هذه النصوص هو الإحرام بلوازمه الصورية، لا أصل التوطين الذي لا يضره شيء، و لا يتصور بواسطة الاضطرار إلى شيء، كما لا يخفى. و حينئذ فلو لا ما ذكرنا في وجه ميقاتية فخ، لكان هذا الاحتمال في غاية القوة.
، بلا اشكال فيه
فتوى و نصا، ففي صحيحة صفوان: «إنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله وقّت المواقيت لأهلها و من أتى عليها من غير أهلها» (1). و فيها رخصة لمن كان به علّة فلا يتجاوز الميقات إلّا عن علّة.
و لو حج على طريق لا يمر بالمواقيت، فعن المدارك الإشكال في الاكتفاء بالمحاذاة و لزوم اختيار طريق يفضي إليه، كي لا يدخل الحرم بلا إحرام (2).
و عن المشهور كفاية المحاذاة في صحة الإحرام، و هم بين من اعتبر محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة، و بين من اعتبر محاذاة أبعدها.
و عن بعض آخر كفاية الإحرام من أدنى الحل، الموضوع لمن لم يتمكن من الوصول إلى الميقات، على ما سيأتي الكلام فيه.
و عمدة سند المشهور- في كفاية المحاذاة في الجملة- صحيحتا ابن سنان، المشتملتان على الإحرام من حذاء الشجرة مسير ستة أميال (3)، و لا يضر اختصاصه بالمسجد بعد تعدّي الأصحاب إلى البقية.
و لا يخفى انّ مقتضاه اعتبار محاذاة أبعد المواقيت أيضا، لأنّ في مثل هذا الطريق جحفة، و هي أقرب من المسجد إلى مكة، و مع أمره بمحاذاة المسجد حينئذ يكشف عن كون المدار أبعدهما.
و مع هذا النص لا مجال للمصير إلى مذهب المدارك، و لا محاذاة الأقرب، و لا اعتبار أدنى الحل.
نعم في المقام شيء، و هو أنّ ظاهر هذه النصوص اعتبار تساوي نسبة موقف الشخص إلى المدينة، الذي هو مخرجه، لا تساوي نسبة الموقف إلى
مكة، و ذلك حيث قال: «ثم بدا له أن يخرج- أي من المدينة- في غير طريق المدينة إلى مكة، فإذا كان حذاء الشجرة مسيرة ستة أميال، فليحرم منها».
إذ الظاهر منه كون المراد من ستة أميال، الستة من المدينة، الذي هو أيضا نسبة الشجرة إلى المدينة، و من المعلوم حينئذ انّ تساوي النسبتين الى المخرج، يقتضي اختلافهما إلى مكة، لأنّ اتجاه طريقين من نقطة إلى نقطة، لا يكون إلّا بانحراف أحدهما، لاستحالة استقامة الطريقين عرفا، و لازمة اختلاف النسبتين حسا.
و حينئذ من تبعاته اقتضاء تساويهما إلى المخرج اختلافهما الى المدخل و بالعكس، كما لا يخفى.
و بالجملة المستفاد من النصوص المزبورة، كون المدار في المحاذاة على تساوي موقف الشخص مع الميقات إلى المدينة لا مكة، و الحال انّ الأصحاب بناؤهم على جعل المدار فيه على تساوي نسبتهما إلى مكة، و بهذه الجهة أمكن دعوى عدم عمل الأصحاب بمثل هذه النصوص، فيشكل التشبث بها حينئذ للاكتفاء بالمحاذاة، و لعله كان نظر المدارك في طرحهما و الرجوع الى القواعد.
هذا و لكن مقتضى الانصاف منع اقتضاء اعراضهم عن هذه الفقرة طرح النص بأجمعه، خصوصا مع الاطمئنان بعدم مدرك للأصحاب في اكتفائهم بالمحاذاة غير هذه النصوص غاية الأمر في جعلهم المدار على المحاذاة على ما ذكر، هو النظر الى العرف الحاكم بأنّ محاذاة الشخص لمكان واقع في طريق مقصد، كونه بالغا الى مكان، يكون نسبتهما الى المقصد بالسوية.
هذا علاوة عن ملاحظة كون الموقف بالنسبة إلى الميقات نحوا من القرب، الصادق عليه المحاذاة عرفا، و إلّا فلو كان بعيدا منه جدا، لا يصدق ذلك حتى مع تساوي النسبتين.
و إلى ذلك أيضا نظر الأصحاب في اختلافهم في حكم طريق لا يصدق
المحاذاة على السالك فيه، فلا يرد عليهم ما في المستند بأنه لا فائدة فيه، لأنّ المواقيت محيطة بالحرم.
ثم انّ مقتضى النصوص الدالة على وجوب الإحرام من أقرب المواقيت لمن يمر منه، بلا اعتبار بمحاذاة الأبعد، كمن يمر من طريق الشام إلى الجحفة، مع ابتلائه بمحاذاة المسجد، لا يقتضي نفي مدارية محاذاة الأبعد مطلقا، كي يقتضي ذلك معارضه مثل هذه النصوص مع الصحيحتين السابقتين، إذ دليل المحاذاة منصرف إلى من لا يمر بالميقات رأسا، و في مثله كانت الصحيحتان نصين في اعتبار الأبعد، و لا ينافي ذلك كون حكم من يمر على الأقرب بنفسه إحرامه منه دون المحاذاة، كما لا يخفى.
ثم انّ الظاهر المنصرف من قوله «إذا كان حذاء الشجرة» كونه بحذاه في طريق يكون فيه متوجها الى مكة، و أما لو كان في طريق متوجها فيه إلى غيره، على وجه لا يكون توجهه إلى مكة إلّا بتمام الانحراف من طريقه الى مكة، فليس مثل هذه المحاذاة بمناط جزما، و إن كان بالغا في هذه الطريق الى موضع تكون نسبته إلى مكة بأقرب الخطوط من غيره.
و حينئذ فالمحاذاة المعمولة في بعض البحار، لا بد أن يلاحظ فيها أيضا ما ذكرنا من الخصوصية، و مع عدم الانطباق يشكل الطريقة المعمولة إلّا بالنذر للإحرام من موضع كذا، على ما سيأتي إن شاء اللّٰه.
ثم إنّ المدار في المحاذاة على تحصيل واقعه، كما هو ظاهر الحكم الثابت لنفس العنوان، و لازمة إحرازه بالعلم أو ما يقوم مقامه بدليله، كالبينة العادلة، لذيل خبر مسعدة.
و أما الاكتفاء بالشياع ظنيا أو الخبر الواحد أو غيره ففيه اشكال، نعم مع تنجز التكليف به و لزوم العسر في تحصيل العلم به، لا بد من الاحتياط في إحرامه، مع فرض عدم التمكن من النذر أيضا، أن يقصده بنحو الإجمال من الأمكنة المحتملة، و مع العسر فيه أيضا كانت المسألة من صغريات الاضطرار الى أحد الأطراف، فمع رجحان بعضها يرجّح عقلا بمناط التبعيض في الاحتياط، و مع التساوي بينها كان مخيرا في اختيار أي واحد شاء.
و حينئذ فمع كشف الخطأ حتى مع الطرق الشرعية، فمقتضى القاعدة عدم الاجزاء، خلافا للجواهر (1)، و في مختاره نظر جدا.
بقي في المقام شيء، و هو انّ الأصحاب ذكروا أنّ ميقات من اعتمر بعمرة مفردة هو أدنى الحل، و عن التذكرة: ينبغي أن يكون من جعرانة، لأنّ رسول اللّٰه أحرم منه، فمن فاتته فمن التنعيم، لأنه أمر عائشة بالإحرام منه، و من فاتته فمن الحديبية (2).
و لا يخفى انّ استفادة هذا الترتيب من النص مشكل، إذ في بعض النصوص «من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة، أو الحديبية، أو ما أشبههما» (3). و ظاهره التعميم لكل ما يشبههما في كونه أدنى الحل، في عرض غيره، بلا اعتبار ترتيب بينها، و في الجواهر أيضا: انه لو لا الإجماع على اختصاص هذه العمرة بذلك، لكنا نقول به في مطلق العمرة، بل و في المستند تقوية الإطلاق لمطلق العمرة (4)، و فيه نظر.
ثم إنه قد تقدّم انّ في وجوب ذلك على المجاورين بمكة، كما هو ظاهر مثل هذا النص إشكال، لإمكان جريان فحوى «دويرة الأهل» لمن كان منزله دون الميقات، فإنه يقتضي عدم لزوم الخروج من مكة. اللهم إلّا أن يمنع شمول فحواه لقاطنيها، فتدبر. و تقدّمت الإشارة إليه سابقا أيضا، فراجع.
و على أي حال، ظاهر النصوص المزبورة أيضا كون الاكتفاء به من باب الرخصة لا العزيمة، فيجوز لجميعهم الرجوع إلى المواقيت، فيحرمون منها، بل في الجواهر: لعله أفضل، لأنه أحمز (1). و ذلك كذلك لو لا التشكيك في إطلاق أدلة المواقيت، على وجه يشمل الجميع.
و لا يجوز الإحرام قبل هذه المواقيت بلا اشكال فيه في الجملة، و في النص تشبيه ذلك بالصلاة أربعا في السفر، نعم لا بأس به مع النذر المتعلّق بخصوصه، لصحيح الحلبي المشتمل على أمره بالإحرام من الكوفة للناذر منها (2)، و نظيره غيره (3)، و بمثل ذلك ترفع اليد عن اعتبار الرجحان في متعلّقه.
و كذا لا بأس لمن أراد عمرة مفردة في رجب مع خوف فوتها، للنص المشتمل على قوله: «يحرم قبل الوقت لرجب» (4)، المختص بصورة خوف فوت الشهر بقرينة صدرها، فراجع.
و لو تجاوزها متعمدا فقد عصى جزما كما عرفت عن الكلية السابقة، عدا ما استثني.
و حينئذ إن تمكن من الرجوع إليه بلا حرج أو ضرر مجحف منته الى الحرج، فيجب العود إليه، لبقاء الخطاب في حقه. و لو عصى عن الرجوع، فإن كان في طريقه ميقات آخر و أحرم منه كفى ذلك في صحة حجه، كما عرفت من الجمع بين الإطلاقات في المسألة السابقة، من بيان ميقات أهل الضرورة.
و لا ينافي ذلك الأمر بالرجوع، و صدق العصيان بعدمه، لإمكان كون ذلك من باب تعدد المراتب المطلوبة، مع كون الحج الناشئ عن الإحرام الأخير مفوّتا لمحل تدارك الأقصى، بمعنى المضادة بينهما، كي لا يقتضي الأمر به النهي عن الضد، لعدم المقدمية، مع انه على فرض المقدمية أمكن تصحيح أمره أيضا بالترتب، على وجه جار في مقدمية الضد كلية، فضلا عن المقام.
و إن لم يكن في طريقه ميقات آخر، فإن لم يتمكن من الرجوع بطل حجه فضلا عمن تمكن و لم يرجع عمدا، لفوت الشرط الثابت شرطيته بإطلاق خطابه- و لو بمادته- لحال العجز أيضا.
و إن كان في تركه الإحرام ناسيا أو جاهلا رجع مع المكنة، فإن تعذّر الرجوع إلى الميقات، فإن تمكن من الخروج إلى خارج الحرم فيحرم منه، و إلّا أحرم من موضعه الذي زال عذره فيه إن لم يتمكن حتى من الخروج إلى أدنى الحل.
و الأصل في هذه الأحكام صحيحة الحلبي: عن رجل نسي أن يحرم حتى دخل الحرم، قال: «قال أبي: يخرج إلى ميقات أهل أرضه، فإن خشي أن يفوته الحج أحرم من مكانه، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم» (1)، أي يخرج إلى أدنى الحل.
1) وسائل الشيعة 8: 238 باب 14 من أبواب المواقيت حديث 1.
و هذا النص و إن كان ساكتا عن الجاهل، لكن يكفي لإثبات إلحاق الجاهل به نص آخر لابن سنان، مشتمل على الناسي و الجاهل (1). و فيه أيضا التصريح بالخروج إلى أدنى الحل عند خوفه من الرجوع الى الميقات.
و هذه الرواية أيضا و إن كانت ساكتة عن حكم غير المتمكن من الخروج المزبور أيضا، إلّا أنه ترفع اليد عن سكوت كل واحد في جهة ينطبق غيره عليها، فيستفاد من مجموع النصين الأحكام المزبورة.
ثم إنّ المراد من الجاهل أعم من الجاهل بالحكم و الموضوع، و اقترانه بالنسيان لا يوجب صرفه إلى الموضوعي، مع إمكان جعل النسيان أيضا أعم، نعم في شموله لصورة تقصيره على وجه لا يصلح للمعذورية اشكال، لانصراف الأول- للغلبة- إلى صورة النسيان العذري، فربما يكون ذلك موجبا للتشكيك في شموله للجاهل المقصّر، و لو من جهة كونه مما يصلح للقرينية، المانعة عن انعقاد الإطلاق و الظهور للكلام، فتأمل.
هذا كله بمقتضى الصناعة، و إلّا فالكلمات من هذه الجهة مطلقة، تشمل مطلق الجاهل، بضميمة عدم التنافي أيضا، بين تمامية الحج حينئذ مع الإحرام من غير ميقاته الأصلي، و بين كونه مقصّرا في جهله و مؤاخذا على تركه الإحرام من ميقاته، و لو بملاحظة وفائه بمرتبة من الغرض، مع عدم إمكان تدارك البقية، كما هو الشأن في الجهر و الإخفات.
و ذلك أيضا لو لا دعوى انصراف كلماتهم إلى الجهل المعذر، كالنسيان المنصرف إليه جزما للغلبة، و لم أر من تعرّض لهذه الجهة في كلماتهم، و ليس
1) وسائل الشيعة 8: 238 باب 14 من أبواب المواقيت حديث 2.
في البين إطلاق. و حينئذ فالمسألة- لشبهة دعوى الانصراف في كلماتهم- لا تخلو عن اشكال، فتدبّر.
ثم إنّ في بعض النصوص إطلاق الإحرام بالحج عن موضعه، و يمكن رفع اليد عنه بالتقييدات السابقة، نعم في بعض النصوص: الأمر بالإحرام- في الجاهل- من مكانه، و انّ ذلك يجزئه، و إن رجع الى الميقات الذي يحرم منه أهل بلده فإنه أفضل. و لا يخفى أنّ ذلك صريح في عدم وجوب الرجوع إلى الميقات مع التمكن منه، بل و عدم الرجوع إلى خارج الحرم مع تمكنه منه، فعلى فرض تمامية سنده يصلح شاهدا لرفع اليد عن الأوامر السابقة، بالرجوع الى الميقات مع تمكنه، أو إلى خارج الحرم مع تمكنه منه فقط، بالحمل على الفضيلة.
و لكن الذي يوهن الرواية المزبورة ضعف سندها باعراضهم عن مضمونها، كما لا يخفى.
هذا كله فيما لو كان عذره الجهل أو النسيان، و إن كان له عذر آخر غيرهما، فإن كان العذر غير مانع من نيته و تلبيته و لو خفيا، فإن قلنا بأنّ الإحرام- حقيقة- هو نفس التوطين، و إنّ لبس الثوب من واجباته، فلا شبهة في وجوب إحرامه من الميقات، ثم بعد رفع عذره يتوجه إليه الخطاب بمحرماته، و تحصيل واجباته من لبس الثوب. من حين رفع العذر، لو لم يكن للميقات خصوصية فيه، و انّ تمام موضوعه إحرامه، فلا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لتجديد شيء، و إن كان متمكنا.
و لعله إلى ذلك نظر ابن إدريس- على أصله- من طرح أخبار الآحاد،
و الأخذ بالقواعد المسلمة عنده (1).
و أما إن كان للميقات دخل في لبس ثوبه الواجب، أو قلنا بدخله في أصل الإحرام، فمقتضى القاعدة وجوب الرجوع إلى الميقات مهما أمكن، و مع عدم التمكن يرجع الى أدنى الحل. و إن لم يتمكن منه أيضا أحرم من مكانه، لفحوى ما عرفت في الناسي. و حكي ارسالهم ذلك الحكم- بمراتبه- في سلك المسلمات.
و ربما يستفاد ذلك في الجملة من النصوص المشتملة على تأخّر الإحرام عن علّة من خوف برد أو مرض، إذ الظاهر منه- بانصرافه إلى صورة عدم التمكن من العود بعد رفع العذر- الاجتزاء بالإحرام من غير الميقات، بل و يظهر منه دخل اللبس في إحرامه، و إلّا فلا يتصور ضرر في مجرد التوطين على ترك المحرمات، و من جهة عدم القول بالفصل نلتزم بالمراتب السابقة.
و لكن في قباله ما ورد في مورد التقية، بإحرامه من الميقات عند نفسه، و يلبي خفيا بعد وصوله إلى الميقات، نظير إحرامه، فإنّ ظاهره عدم جواز تأخر أصل الإحرام، و لازمة أيضا عدم دخل اللبس في الإحرام حقيقة، بل هو من أحكام المحرم، كسائر المحرمات.
بل لو قلنا بدخله في إحرامه حقيقة أمكن أيضا إثبات وجوب النية من الميقات بقاعدة الميسور، و إن لم يفد ذلك في تصحيح حجه مع فرض تمكنه من العود.
و لكن مقتضى الانصاف- لو لا الإجماعات على تأخر أصل الإحرام- إمكان الجمع بين نص تأخر الإحرام و نص التقية، بجعل نص التقية شارحا لكيفية تأخير إحرامه و حمل تأخره على تأخره الصوري لا الحقيقي القصدي
1) السرائر: 126.
المعنوي، و انّ الأمر بالإحرام من محل رفع العذر فيهما أيضا منزّل على عدم تمكنه من العود الى الميقات أو غيره، فلا ينافي ذلك أيضا ما أرسل في المسلمات، من الرجوع الى الميقات مع التمكن لا إلى أدنى الحل.
غاية الأمر من المجموع يستفاد أحد الأمرين: إما دخل اللبس في مرتبة من إحرامه لا مطلقا، أو كان لخصوصية الميقات دخل في هذا الواجب، و على أي تقدير لا يكاد يتم مذهب ابن إدريس بمقتضى النصوص الخاصة، مع الغض عن اقتضاء القاعدة دخل اللبس في الإحرام أيضا، و إلّا فلا يتم مطلقا. و بقية توضيح المطلب عند تعرض اللبس، و انه من أحكامه أو قيوده.
و لو كان العذر مانعا من التوطين على التروك و القصد أيضا كالإغماء و أمثاله، فمقتضى القاعدة أيضا وجوب الرجوع إلى الميقات عند رفع العذر، للإطلاقات، و مع عدم التمكن منه وجب الخروج إلى أدنى الحل، و إلّا فمن محله، لفحوى ما دل عليه في الناسي، و يدل عليه أيضا في الجملة فحوى ما دل على تأخير الإحرام، و لعله المنصرف إلى صورة عدم التمكن من العود أيضا.
و لكن في المرسلة الأمر بنيابة غيره في الإحرام عنه، و عمدة الإشكال في سنده، بعد أصالة عدم وجوب النيابة، و عدم الاجتزاء عن الحي، خصوصا بدون اذنه.
و عن بعض: الإحرام به من الميقات، و لعله لقاعدة الميسور، فإن تم فهو و إلّا و لو من جهة عدم مجرى للقاعدة إلّا في من عجز عن تمام المأمور به، و يتمكن من بعضه، و في المقام المتمكن من البقية لا يكون مأمورا بالتمام، و المأمور بالتمام لا يكون متمكنا من البقية، كما لا يخفى، فلا نجد مدركا لهذا القول.
ثم على فرض تمامية القاعدة المزبورة لا تجدي في الاجتزاء به في سقوط
إحرام حجه مع تمكنه من الرجوع إلى الميقات، بل غاية الأمر أنه يجدي في ترك مخالفة حرمة الدخول محلا، و ذلك غير مرحلة الاكتفاء بهذا الإحرام الناقص، مع التمكن من كاملة في حجه. كما أشرنا إلى هذه في المسألة سابقا فراجع.
و ذلك أيضا شاهد عدم تمامية القاعدة المزبورة مدركا للقول المذكور، إذ ظاهره الاكتفاء بهذا المقدار في امتثال أمره بحجه، و هو كما ترى.
هذا كله لو أفاق في وقت يتمكن من درك الوقوفين، و إلّا فسيأتي حكمه عند التعرض لأمثاله في محله إن شاء اللّٰه.
على المشهور، لمرسل جميل المشتمل على الناسي و الجاهل، و في ذيله التقييد بما إذا كان نوى (1). و في صحيحة علي بن جعفر خصوص الجاهل مع السكوت عن النية (2). و يمكن رفع اليد عن السكوت المذكور من الجهتين بتطبيق غيره، و حينئذ فيلحق بالناسي المزبور الجاهل أيضا، كما هو ظاهر الكلمات أيضا.
ثم انّ الظاهر من النص نسيان الإحرام رأسا مع نيته، و ذلك يكشف عن خروج النية عن إحرامه، و يؤيده أيضا ما في النص: «إذا أراد الإحرام فليقل كذا» (3)، مع أنّ المسلّم بينهم أنّ الإحرام من العبادات المعتبرة فيها كونه إراديا، ناشئا عن قصد امتثال الأمر، خالصا لوجه ربه.
كما انّ الظاهر من جملة النصوص أيضا- مثل قوله: «إذا أحرم بالحج
و خرج بغير تلبية» (1).
و في آخر: إذا عقد الإحرام و مس طيبا، قال: «لا بأس، ما لم يلبّ» (2).
و في ثالث: أحرم و خرج من المسجد و بدا له قبل أن يلبّي أن ينتقض ذلك (3)، كون الإحرام من الأمور القابلة للنقض، لبدائه عن قصده قبل التلبية، بلا دخل التلبية في هذا المعنى، و بهذه الملاحظة لا مجال لإرجاع نسيان الإحرام إلى نسيان التلبية.
نعم في قبالها جملة من النصوص، من جعل الإحرام هو ما يفعل في البداء، و هو التلبية، و انّ ما يفعل في المسجد هو عزم الحج، و يؤيده مناسبة مادة الإحرام مع الحرمان عن المحرمات، غير الحاصلة إلّا بالتلبية.
و لكن يمكن الجمع بين هاتين الطائفتين، إما بجعل الإحرام ذا مرتبتين:
إحداهما ما يحصل بالعقد القابل للنقض، و الأخرى ما يحصل بعده بالتلبية، غير القابل بعده للنقض، أو بجعل الإحرام من العقود المحتاجة إلى إيجاب حاصل بالقصد، و قبول حاصل بالتلبية، و انّ الغرض من قوله: أحرم، في النصوص السابقة أنه شرع في إحرامه، نظير شروعه بالبيع بإيجابه قبل قبوله، و حينئذ يرتفع التهافتان بين أخبار الباب.
و يمكن حمل نسيان الإحرام حينئذ على نسيان أصله، و لو بإيجابه، لانصرافه إليه، و لا مجال أيضا للحمل على نسيان تلبيته محضا.
نعم بقي في المقام شيء آخر، و هو انّ المعنى الحاصل قبل التلبية بعد ما لم يكن في البين إلّا قصده، كيف يكون قصديا إراديا في عرض سائر العبادات، على وجه تكون الإرادة خارجة عنها بالمرة، و موجودة حال إيجاده.
توضيح المقال فيه بأن يقال: انّ ما أفيد إنما يتم لو كان الإحرام الحاصل قبل التلبية مجرد قصد التروك، الذي هو من سنخ ارادتها، إذ لمثل هذه الإرادة لا تتصور ارادة اخرى متعلقة بها، حين وجودها، لأن مبادئ الإرادة من العلم بالمصلحة غير المزاحمة بمفسدة اخرى إن تحققت فتتحقق الإرادة قهرا، و إلّا فيستحيل تمشي الإرادة أيضا كذلك.
و أما لو قلنا بأنّ المعنى المتمشي قبل التلبية هو الالتزام على التروك المعهودة، نظير الالتزام بشيء في مقام النذر الذي هو أمر إيقاعي إنشائي، فلا بأس بتعلّق الإرادة نحوه، إذ مثل هذا الالتزام من سنخ البناء القلبي، القابل لتعلقه بالمحال، كالالتزام بجزئية شيء في صلاته شرعا، المتصور في مرحلة التشريع، و كالنذر المتعلق بغير المقدور، إذ عدم صحته غير مرتبط بنفي حقيقته، فالالتزام المزبور حاصل و إن لم يكن صحيحا، و واجب الوفاء، نظير إنشاء بيع ما لا يتمول عرفا، من حيث عدم القصور في بنائه و التزامه.
و مثل هذه المعاني تكشف قطعيا عن عدم ارتباط الالتزامات المزبورة بالإرادة.
و عليه فلا بأس بدعوى انّ إيجاب الإحرام حقيقة هو التوطين على التروك المعهودة و الالتزام بها، القابل نشوؤه عن الإرادة كنشوء النذر عنه، غاية الأمر بالتلبية يتم قبوله، فيترتب على مثله حرمة المحرمات، و عدم صلاحية إحرامه لنقضه، و مثل هذا المعنى هو الذي يكون قابلا لتعلق النقض به، مع كونه عباديا إراديا.
و لئن شئت قلت أيضا: إنّ لحقيقة الإحرام مرتبتين: إحداهما الإحرام العقدي القابل للنقض، و مقتض لحرمة المحرمات بمجيء التلبية، المتمم لمرتبة اخرى منه.
و بمثل هذه يجمع بين الطوائف الثلاث من النصوص، من كون الإحرام
أمرا إراديا، و خارجا عنها كسائر العبادات، بضم كونه أيضا غير التلبية الحاصلة قبله بعزمه و توطينه على التروك، و انّ التلبية أيضا متممة له، و إحرام بالمرتبة الكاملة غير القابلة للنقض، و محققة لحرمة أمور خاصة، نظير التكبير الموجب لتوجه المحرمات نحوه في باب الصلاة كما لا يخفى.
هذا، و من التأمل فيما ذكرنا ظهر وجه النظر فيما أفاده في المستند، فراجع و تدبّر.
ثم انّ قول المصنف في أصل المسألة على رواية يشعر بتمريض الرواية، و لعله من جهة إرسالها، و لكن بعد جبرها بعمل المشهور لا ضير فيها، خصوصا مع اشتمال الصحيحة على الجاهل الملحق به الناسي بعدم الفصل فتوى.
المعتبرة في سائر العبادات بعد الجزم بالعبادية إجماعا، و حيث انّ النية عندنا هو الداعي، فلا بد أن تكون مقارنة للعمل، و لو ببقائها حقيقة عند حدوثها، قبلا و لا يجدي هنا استدامتها حكما و بعد تحقق العمل الذي هو التوطين تتم مرتبة من الإحرام، بلا ضير قصد الخلاف بقصد حدوثه.
و في اعتبار بقائه على توطينه إلى حين التلبية، و عدم نقض بنائه بالبناء على خلافه، وجه. إذ الظاهر من دليل التلبية كون تلبيته حال بقائه على التزامه على وجه يكون متمم التزامه، و بمنزلة القبول له أو القبض في المعاملة المحتاجة إليه في تمامها، و إطلاق النقض على البناء على خلافه يوجب انعدام التوطين السابق و عدم بقائه بحاله، فلا يصلح حينئذ لإلحاق التلبية به.
و لكن الظاهر من إطلاق قوله في من أحرم و مس طيبا: «لا بأس ما لم يلب» ثبوت البأس بالطيب و لو حدثت التلبية بعد المس السابق، و لازمة
عدم إضرار نقضه في إلحاق التلبية، و انّ المعتبر حدوث توطين ملحوق بالتلبية بأي نحو كان.
و عليه فلا يتصور له استدامة كي ينازع في كونه حقيقيا أو حكميا، و عليه فأمكن أن يدعي تحكيم إطلاق الأخير على ظهور الأول، علاوة عن منع ظهور دليل التلبية فيما ذكرنا. بل كونه من قبيل القبول المشروط ببقاء الإيجاب أو القبض كذلك مصادرة، فيبقى ظهور الآخر باقيا بلا معارض.
و لئن قلت بمنع الإطلاق في الأخير أيضا من تلك الجهة.
نقول: لا أقل من انتهاء الأمر إلى الشك، و الأصل في مثله البراءة عن شرطية الاستدامة المزبورة، أو مانعية النقض المذكور. و حينئذ لا يبقى مجال للتعرض لحكم الاستدامة في المقام من تلك الجهة، كما لا يخفى.
هذا، ثم انّ المعتبر في المقام أيضا- كسائر العبادات- النية بمعنى الداعي.
و ما في بعض النصوص من لا بدية الإخطار، خصوصا مع اشتماله على قول كذا و كذا، محمول على الفضيلة، للجزم بعدم مزية له في العبادية على سائر العبادات.
و الغرض من الداعي هو الداعي القربي، بلا احتياج الى قصد وجه أو غاية من حج أو عمرة، بناء على كونه عبادة مستقلة مستتبعة لمناسك مخصوصة في إحلاله، لا أنه ممحض في جزئية الحج أو العمرة، و إلّا فلا محيص عن قصد أحد الأمرين، من حج أو عمرة، كي به يتم التقرب بجزئيته. و مع الشك في أحد النحوين أيضا لا يكاد يتحقق الجزم بالامتثال إلّا بقصد الغاية من الحج أو العمرة.
و بالجملة انّ مسألتنا هذه مبتنية على أنّ الإحرام عبادة مستقلة، جزء لعمرة واجبة أو حج واجب أو مقدمة لغايات مخصوصة، نظير الطهارات
الحدثية، أم هو ممحض في جزئيته للمأمور به، و ليس له إلّا رجحان ضمني للعمرة أو الحج، و كانت عباديته ضمنية.
فعلى الأخير لا يجدي قصد امتثاله مستقلا، لأنّ مطاوعة أمر الغير أن يكون بنحو أمره، فإذا كان أمره ضمنيا فقصد اطاعته لا بد أن يكون ضمنيا، و إلّا فلا يصدق على قصده مطاوعة أمره. و هذا بخلاف الأولين، فإنه حينئذ مأمور بأمر مستقل، فقصد اطاعته كان مستقلا بلا نظر الى غايته، كما هو الشأن في الوضوء و الغسل، غاية الأمر على هذا الفرض ربما تثمر الجزئية للعمرة أو الحج في كيفية قصد التقرب بأمرهما لا بأمره.
الذي يقتضيه التحقيق، كونه في عرض سائر المناسك عبادة مستقلة، و يترتب على نفسه أمر مخصوص زائدا عن جهة دخله في امتثال أمر الحج أو العمرة، بشهادة حرمة الدخول في الحرم بلا إحرام، فإنّ رافع الحرمة المزبورة هو نفس الإحرام، بلا دخل شيء آخر فيه، و إن كان لبقية المناسك حينئذ دخل في الإحلال منه، و ذلك غير مناف لاستقلاله في الأمر المزبور، بلا دخل شيء آخر فيه.
و لازمة قهرا كونه عبادة مستقلة، لبداهة أنّ الرافع للحرمة المزبورة الإحرام العبادي، بل و لازمة كون بقية النسك المحللة له أيضا عبادات مستقلة، لبداهة عدم دخلها في أصل الإحرام، و انّ محلليتها أيضا فرع وقوعها عبادة قربية.
و حيث انه ليس في البين حينئذ أمر ضمني و لا غيري، فلا محيص عن كون كل واحد عبادة مستقلة.
و لقد أجاد بعض الأعاظم، حيث التزم بأنّ الحج و العمرة ملتئمان من عبادات متعددة في أنفسها، و إن أمكن التشكيك في دخل جهة عباديته في الجزئية للحج، و سيأتي شرحه في الطواف إن شاء اللّٰه.
كما يوهم بعض النصوص الواردة في كيفية نية الإحرام تمحض الإحرام
في الجزئية، مثل ما في قوله عليه السّلام «إذا أردت الإحرام فقل: اللهم اني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج- الى قوله- أحرم لك شعري و بشري» (1).
و في المروي في الخصال المحكي في الوسائل في باب كيفية أنواع الحج، المشتمل ذيله على قوله «و فرائض الحج: الإحرام و التلبيات الأربع- إلى قوله- و الطواف بالعمرة فريضة، و ركعتان عند مقام إبراهيم» (2).
و لكن لا يخفى ما فيها، من انّ غاية دلالة هذه الروايات كون الإحرام جزء للعمرة أو الحج، بقرينة اقتران قصدهما بإحرامه، و إلّا فلا يعتبر في العبادة تحقق قصده حين إيجاد مقدمته، و أما تمحضه في الجزئية بحيث لا يكون عبادة مستقلة، فلا يظهر من النصوص المزبورة، خصوصا مع اقترانه بالطواف و الصلاة، المعلوم عبادية كل منهما مستقلا، و انّ الحج ملتئم من عبادات مستقلة.
و بهذا الاعتبار كان عبادة أخرى مركبة من مجموع العبادات المعهودة، و انّ الغرض من قوله «إذا أردت الإحرام» إرادة الإحرام في مقام الشروع في عمرته و حجه، لا أنّ الإحرام مهما أريد لا بد من قصدهما في عبادته، كي يستلزم تمحضه في الجزئية.
و يؤيد ما ذكرنا تعرض الرواية لنية الإحرام أيضا تفصيلا، و لو كان عباديته ضمنية بتمحضه في الجزئية لم يكن يحتاج إلى نية تفصيلية، بل كان يكفي حينئذ توجه القصد الى الحج، المستلزم لقصد إحرامه بنحو الإجمال، و هذا بخلاف ما لو قلنا بأنه عبادة مستقلة جزء عبادة أخرى، فلا بد حينئذ
من قصد التقرب بأمر نفسه، كي يصلح التقرب بأمر العبادة الأخرى المركبة، و إلّا فالأمر الضمني المتعلق بالعبادة- بما هو عبادة- لا يصلح عباديته، إلّا على فرض صحة قصد التقرب في العبادة بأمر غيره.
لا يقال: إنّ الأمر الضمني الحاصل من الأمر بالحج مثلا، بعد ما تعلّق بتمام أجزاء الحج مثلا، الذي منها نفس ذات الإحرام، فقهرا يتعلق الأمر المزبور بهذا الذات زائدا على الأمر المتعلق به مستقلا، و لازمة صلاحية كل واحد من الأمرين للتقرب بعمله من قبل أمر نفسه. و بهذا البيان أيضا التزمنا في المقدمات العبادية بعدم الاحتياج في عباديتها إلى قصد خصوص الأمر المتعلق بنفسها نفسا، بل يكفي في التقرب بها قصد أمرها الغيري، المتعلّق بذات العمل بمناط المقدمية.
لأنه يقال: انّ ما أفيد صحيح لو كان الأمر بالحج، القائم بجهة عبادية الإحرام غير عبادي، و إلّا فيحتاج إلى قصد تقرب آخر بأمر حجه، زائدا على التقرب بإحرامه، و بذلك يمتاز المقام عن المقدمات العبادية، إذ الأمر الغيري لم يتعلّق بجهة عباديته فلا يكون عباديا. فلا ضير بعبادية البقية، بداعي الأمر الغيري، بلا احتياج إلى أمر آخر بالخلاف، و ستأتي تتمة الكلام من تلك الجهة في الطواف إن شاء اللّٰه.
و عليه فلا شهادة على المختار في التعرض لنيتها- تفصيلا- على شيء من الوجهين كما لا يخفى، و يكفينا لاستقلاليته في العبادية السابقة المشار إليها أولا، بعد عدم منافاة ما في النصوص مع ما ذكرنا، غاية الأمر بنية الحج حين الإحرام ربما يستكشف جزئية العبادة، بملاحظة ارتكاز الذهن في كلية العبادات، بعدم اعتبار سبق النية حين الشروع في المقدمات الخارجية، كما لا يخفى.
ثم انّ من تبعات عبادية الإحرام مستقلا، صحة امتثال إحرامه بأمره
مستقلا، و لو قصد مع ذلك كونه لحجة و عمرته مجموعا، إذ لغوية مثل هذا القصد لا تضر بامتثال أمر إحرامه، و وقوعه صحيحا على وجه لا يتحلل إلّا بضم بقية المناسك، بل و على المقدمية لا يوجب مثل هذا القصد حين إحرامه بطلان حجه، و لو بقصد جديد، بل له قصد أي واحد مخيرا في ضمنه حجه أو عمرته، كما هو مذهب بعض الأعلام.
نعم على الجزئية ليس له الاكتفاء حين الإحرام بمثل هذا القصد، للجزم بعدم وقوعه جزء لهما، فلا محيص عن قصد ما يصلح وقوع إحرامه جزء له من أحدهما المعين، فقصد كليهما ليس إلّا تشريعا محضا، مضرا بقربيته في عالم التقرب بالعبادة المركبة، إلّا إذا فرض تشريعه في تطبيقه لا في أمره، بأن يكون قد قصد أمره المتوجه إليه فعلا، غاية الأمر يشرع في موضوع الأمر بأنّ ما هو المأمور به منه كذلك هو كليهما، فإنّ التحقيق عدم إضرار هذا المقدار من التشريع بقربية عمله.
و من هنا ظهر حال ما لو قيل بتمحض الإحرام في الجزئية، فإنّ القصد المزبور- بنحو يكون مشرعا في أمره- يوجب فساد إحرامه أيضا، كما هو الشأن لو أتى بقصد أمره الضمني، حتى على كونه عبادة مستقلة.
و بمثل هذا البيان ظهر مبنى الأقوال في المسألة.
و في الشرائع جعل تجديد النية أشبه، فإن أريد منه التجديد ليصحح إحرامه- كما هو الظاهر- فلا بد أن يحمل على صورة امتثال إحرامه أيضا بقصد أمره الضمني المتعلق بحجة أو عمرته، و إلّا فلو امتثل إحرامه بأمره مستقلا، فلا محيص عن صرف تجديد النية إلى تجديد نية حجه و عمرته، و انّ البطلان حينئذ طارىء على قصد امتثالهما لا أمثال الإحرام، بل بناء على جزئية الإحرام حينئذ لا يجدي تجديد النية بحجه و عمرته، إلّا بإحرام جديد حاصل بعد الإحلال من هذا الإحرام، بإتيان مناسك أخرى مقدّمة لإحلاله، و إلّا
فالإحرام الصادر لا بقصد الجزئية لأحدهما لا يقع في مرحلة أمثال أمرهما جزء لهما.
اللهم إلّا أن يدعى تركّب الحج من عبادات، بنحو كاف في وقوعه، مجرد إتيان مناسكه بنحو قربي، و لو بأمر كل واحد مستقلا، بلا احتياج إلى التقرب بالأمر القائم بالمجموع.
و لكن بناء على ذلك أيضا لا تنتهي النوبة إلى التجديد، بل يأتي بكل منسك متقربا بأمر نفسه، بلا نظر إلى الأمر بالحج المتعلّق بالمجموع. و مرجع هذا المعنى إلى عدم كون الأمر بالحج من سنخ أوامر سائر العبادات، المحتاج امتثالها الى قصد أمر نفسه، بل يكفي فيه إتيان مناسكه بوجه قربي، و لو من قبل أوامرها المستقلة غير المربوطة بأمر الحج القائم بالمجموع.
و لا أظن التزامهم بهذا المقدار، بل ظاهر كلماتهم- من عبادية الحج كسائر العبادات- اعتبار امتثال شخص أمره في سقوطه، و حينئذ فالتجديد المزبور في الكلمات لا بد أن يكون راجعا الى تجديد إحرامه فعلا و انّ ما نواه كان باطلا. و لقد عرفت انه لا يكون إلّا بفرض امتثال إحرامه أيضا بقصد أمره الضمني المتعلّق به بالتقريب السابق. و إلّا فلا معنى لتجديد النية إلّا بعد إحلاله من هذا الإحرام بإحرام مستقل، كما لا يخفى.
ثم انّ ما ذكرنا كلّه بمقتضى القواعد، لكن في جملة من النصوص ما يتوهم منه جواز نيته للإحرام بالحج و العمرة، مثل ما في نص يعقوب بن شعيب من قوله «أجمعهما و أقول لبيك بحجة و عمرة» (1)، و في نص آخر «لبوا
1) وسائل الشيعة 9: 30 باب 21 من أبواب الإحرام حديث 6.
بالعمرة» (1)، و في آخر «لبوا بالحج» (2).
و يمكن حمل الجميع على حج التمتع الداخل فيه العمرة، كدخول الأصابع بعضها في بعض، و انّ الغرض من إحرامه هذا بحجه كونه داخلا في عمرته، الداخلة في حجه، لا الاكتفاء بهذا الإحرام عن إحرام حجة، كيف و يحتاج حجه أيضا إلى إحرام جديد، و لا يصلح وقوعه جزء لحجة إلّا بالمعنى المشار إليه.
و يؤيد ذلك اختلاف البيان، تارة بالجمع بينهما، و اخرى بتخصيص العمرة به، و ثالثة بتخصيص الحج به، و لكل واحد وجه صحيح غير مرتبط بالمرحلة التي كنا فيها من قصده بإحرامه ترتب حجه عليه بنفسه و عمرته كذلك، إذ هذا هو الذي لا يكون مشروعا، فقصده لا يكون إلّا تشريعا.
و حينئذ فلا يستفاد من النصوص الخاصة شيء على خلاف ما أسسناه بمقتضى القواعد، و اللّٰه العالم.
ثم انّ من لوازم مقدمية الإحرام و كونه عبادة مستقلة، عدم لزوم إشكال في فرض جهله بالإحرام لحجة أو لعمرته، كأن ينوي بأنّ إحرامه كإحرام فلان، و لا يدري انّ إحرامه للحج أو للعمرة أو فرض نسيانه، سواء كان المتعين عليه أحدهما، أو كان من الأول مخيرا في صرفه في أيهما، إذ حال إحرامه حينئذ حال طهارته في وقوعها منه صحيحة و صالحة لضم أي الغايتين إليها.
كما انه لو قلنا بالجزئية و أتى بداعي أمره مستقلا بلا قصد امتثال أمر حجه أو عمرته، فلا شبهة أيضا في عدم صلاحية مثل هذا الإحرام في وقوعه
امتثالا لجزء عمرته أو حجه، بل لا بد من تجديد إحرامه بعد إحلاله من هذا الإحرام، على ما تقدّم وجهه.
و حينئذ لا يقع في شبهة فرض الجهل المزبور أو النسيان أيضا، لأنّ المفروض عدم قصده في امتثاله واحدا منهما، نعم لو علم بأنه دخل بقصد امتثال أمر عمرته أو حجه بنحو يعلم بقصده الأخير، أم بداعي أمره الضمني لأحد الأمرين من الحج أو العمرة، ففي هذه الصورة ربما يجيء الإشكال، بأنه مع إجمال قصده من الأول لم يعلم أي واحد قصد، كي يستتبع تتميمه، بحيث لو تمم غيره لكان فاسدا.
و بذلك وقعوا في حيص بيص، من المصير الى التخيير مع عدم تعيين أحدهما، و إلّا صرف الى المتعين، أو المصير الى البطلان رأسا، أو العدول إلى العمرة، بناء على جواز العدول من الحج إليه، كما هو مذهب الشيخ (1).
أقول: لا اشكال ظاهرا في انّ المحلل من هذا الإحرام لا بد أن تكون المناسك الصالحة للإحلال، بشرط كونها بوجه قربي، و إذا فرضنا أنّ قربى كل عبادة لا بد أن يكون بداعي شخص أمره، بحيث لو أتى بداعي أمر غيره- و لو رجاء، أو خطأ على وجه لا يرجع إلى تعدد المطلوب- لما كان يجدي مثل هذا التقرب في صحة عباديته و إسقاط أمره، فلا تصلح النسك المأتي بها بهذا النحو للإحلال.
و حيث كان الأمر كذلك، فلا بأس بدعوى أنّ مقتضى القاعدة- لو لا مشروعية العدول من الحج إلى العمرة في فرض عدم تعيين أحد الأمرين- الجمع بينهما بهذا النحو من إتيان كل واحد برجاء أمره، الذي قصده من الأول بخصوصه بنحو وحدة المطلوب، فإنّه حينئذ يجزم بوجود ما أحرم له من
1) المبسوط 1: 307.
الحج أو العمرة جزما، بلا حصول إحلال منه بإتيان المحتمل الأخير، فإنه بعد ما لم يكن من الأول مقصودا بقصد إتيانه برجاء المقصودية لا يصححه، فلا يقع- بإتيان نسكه- إحلال من إحرامه هذا، فيبقى صالحا للجزئية بالنسبة إلى المأتي الأخير المقصود امتثاله من الأول.
و لازمة حينئذ الجزم بحصول الامتثال لأحد الأمرين، ثم يأتي بإحرام آخر مع الجمع بين العملين كذلك، فيقطع حينئذ بفراغ الذمة من الأمرين، بلا وجه للحكم ببطلان الإحرام بعد وقوعه صحيحا جزما، و لا الحكم بالتخيير بعد فرض قصده من الأمر التعيين من أحدهما، إذ مثل هذا القصد- في فرض جزئية الإحرام- مانع عن ضم غير ما قصد أولا من العمرة أو الحج بما أتى به.
نعم لو جاء ببقية النسك برجاء ما هو المقصود بالامتثال من الأول، و لكن لا بنحو وحدة المطلوب، بل بنحو تعدده الراجع الى قصد أمر ذوات النسك من الطواف و التقصير في ضمن داعيه لأمرهما ضمنا أيضا، فلا شبهة في وقوع التحليل بأول عمل يأتي به برجاء المقصود، حجا كان أو عمرة.
و ربما يحتمل حينئذ عدم وقوع هذا الإحرام جزءا لواحد منهما، لاحتمال كون المقصود أولا هو الحج، فقصد العمرة ببقية المناسك لغو، لعدم حصول امتثال أمر العمرة، لعدم قصده حين الإحرام ذلك، و لا امتثال الحج به، لعدم قصده بنسكه ذلك، و المفروض إحلاله ببقية النسك، فلا يبقى مجال لصلاحية هذا الإحرام للجزئية لحجة أيضا، بعد فرض إحلاله منه على الفرض، و هكذا في عكسه.
و حينئذ لا تحصل البراءة عن التكليفين بالإتيان بالمحتمل الآخر و لو بإحرام جديد، لاحتمال كون المأتي به ثانيا عين ما قصد بإحرامه الأول، فيبقى الشك في الفراغ عن المأتي به أولا بحالة، فيجب إحرام ثالث لإتيانه
تحصيلا للجزم بالفراغ.
و لعل نظر من التزم ببطلان الإحرام إلى هذا الفرض، و انّ غرضه بطلان إحرامه في عالم الجزئية لأحد واجبيه، لا بطلان أصل إحرامه، بحيث لا يحتاج الى المحلل. و إلّا ففي ما ذكرنا من الفرض لا معنى للحكم ببطلان إحرامه هذا بنحو الجزم، بل الجزم حاصل بوقوعه جزء لأحد المحتملين بنحو الإجمال، فلم يبق في عهدته إلّا المحتمل الآخر، فيأتي به بإحرام جديد، كما تقدم.
ثم انّ ذلك كله مع قطع النظر عن مشروعية العدول، و إلّا ففي المورد الثابت فيه مشروعية العدول من الحج إلى العمرة المفردة أو المتمتع بها، فلا إشكال في عدوله إليه، فيتمه عمرة.
و توهم اختصاصه بصورة العلم، و لا يشمل حال الجهل. مدفوع بأنّ العدول من أحكام واقع الحج، بحيث يكون العلم به طريقا إليه، بلا دخل له في صحة عدوله. و بعد ذلك يكفي هذا المقدار في تحصيل الجزم بالفراغ عن العمرة بقصد العدول إليه، على تقدير دخوله من الأول في حجه.
و توضيح هذه الجهة بأزيد من ذلك منوط بتنقيح موارد جواز العدول من الحج إلى العمرة، أو من العمرة إلى الحج، بعد كون العدول على خلاف القاعدة عند اختلاف حقيقة المأمور به، قصديا أم خارجيا، إذ على الأول يلزم ارتكاب خلاف ما قصد أولا في مقام إيجاد الحقيقة بحسب القصد و القربة.
و على الثاني يلزم عدم قصد تمام العمل بداعي شخص أمره.
و من هذه الجهة لا بد من ثبوت مشروعيته، و مع ثبوتها يحكم بجريانه في المقام، و به يحصل الجزم بالفراغ.
هذا كله فيما لا يتعين عليه أحدهما، و إلّا فالظاهر صرف قصده إليه،
لأصالة الصحة، إذ بها يحرز صحة إحرامه، و كونه قابلا لإلحاق بقية ما يجب عليه إليه.
اللهم إلّا أن يقال: انّ غاية ما يترتب عليه سقوط أمره الضمني الناشئ عن تكليفه المعيّن من حج أو عمرة، و أما كون النسك المأتي بها محلّلة لإحرامه، ففيه إشكال، إذ هو فرع إحراز كونه مأتيا به بقصد امتثال شخص أمره، و بالأصل المزبور لا تحرز هذه الجهة، كما لا يخفى.
للمتمتع و المفرد بالحج أو العمرة، بلا إشكال في أصل وجوبها نصا و فتوى، و يكفي من النص ما في رواية الخصال: من أنّ التلبية من الفرائض قبال عقد الإحرام في نفسه و غيره من سائر النسك (1).
و قد تقدم أيضا جملة من النصوص الدالة على عدم ترتب محرّمات الإحرام إلّا بالتلبية، و انّ الإحرام ما يفعل بالبيداء، بحمله على الإحرام الكامل الموضوع للآثار الخاصة، جمعا بينها و بين ما هو ظاهر في خروج التلبية عن الإحرام بقوله: «أحرم و لم يلب». و يؤيد ما في بعض النصوص من أنّ التلبية تمام الإحرام، بمعنى متممة.
و يؤيده أيضا ظهور ما دلّ على أنّ عقد التلبية من البيداء في عدم لزوم تجديد قصد الإحرام منه، كما انّ ما دل على انّ الإحرام من الميقات، يحمل على عقده في قصده، الذي يعبّر عنه في بعض النصوص أيضا بتهيئة الإحرام، و لازم جميع ذلك هو الذي أشرنا إليه من أنّ للإحرام مرتبتين:
1) الخصال: 412.
إحداهما: ما ينشأ في قصده من التوطين و التزامه في نفسه على التروك المخصوصة.
و ثانيتهما: تتميمه و تكميله بالتلبية، الموجبة لترتيب الآثار عليه فعلا، كما لا يخفى على من لاحظ نصوص الباب.
و المشهور كونها أربع، و في جملة من النصوص التصريح بها (1)، و بها ترفع اليد عما اشتمل على الزيادة بالحمل على الفضيلة.
و مقتضى إطلاقها شمولها لسائق الهدي أيضا، و لكن في قبالها بعض نصوص اخرى مشتملة على أنّ الفرض التلبية و الاشعار و التقليد، فأيّ ذلك فعل فقد فرض الحج (2).
و مقتضى الجمع تخصيص السائق للهدي عن ما دل على تعيين التلبية بإطلاقه، و يلتزم بالتخيير بين الثلاثة للسائق. و عليه يحمل أيضا ما عن المصنف من قوله: و هي و الاشعار و التقليد للقارن السائق للهدي، بحمله على الاجتزاء بأيهما بدل التلبية لا تعيين الأمرين بمجموعهما أو بأحدهما، بل مخيّر بينهما و بين التلبية، فبأي واحد من الثلاثة عقد إحرامه أجزأه، كما في النص المتقدّم، من جعل كل منهما فرضا في قبال التلبية.
نعم عن السيد قدّس سرّه مصيره في السائق أيضا إلى تعيين التلبية، و لعله أخذ بالإطلاقات، بلا اعتنائه بالنص المزبور في السائق، و لو لكونه خبرا واحدا غير محفوف بالقرينة الموجبة للعمل به، كما هو المعروف من مذهبه.
. و في تكملة العلّامة الأستاذ زيادة لبيك قبل لا شريك لك.
و في حاشية المتن من سيد الأساطين: الأحوط أن يضيف إليها بحجة أو عمرة، تمامها عليك لبيك.
و في الشرائع صورتها الاقتصار بلا شريك لك لبيك قبل أنّ الحمد و النعمة و بعد التلبيات الثلاثة السابقة (1). و عليه بعض النصوص المشتمل صدره على ذلك، بضم صريح ذيله بأنّ الواجب التلبيات الأربع الاولى (2).
و ربما احتمل فيها كون المراد بالأربع الاولى في قبال الخامسة، فيجب بعده من قوله انّ الحمد و النعمة و الملك لك.
و على أي حال لا وجه لما اختاره المصنف من الصورة، و لا لما اختار العلّامة من التلبيات الخمسة، بنص الاجتزاء بالأربعة.
و في بعض النصوص صور اخرى لا بأس بالأخذ بكل واحدة، مع الاقتصار على الأربع برفع اليد عن تعيين كل واحدة بظهور نصها.
نعم في الاكتفاء بصورة المتن اشكال، لعدم الظفر على نص بها.
نعم لا بأس بها إذا أتى بقوله: «انّ الحمد و النعمة و الملك لك» برجاء الواقع، و لو أتى بعد لبيك الرابع لكان أحسن، بل الأحوط.
ثم انّ المشهور انّ الأخرس يجتزئ في تلبيته بإشارته، و في النص: «تلبية الأخرس و تشهده و قراءة القرآن في الصلاة تحريك لسانه و إشارته
بإصبعه» (1). و ظاهره ملازمته لعقد قلبه غالبا، لأنه الشأن في تفهيم مقاصده، فإطلاق النص من تلك الجهة منزّل على الغالب.
و بذلك ترفع اليد عما دلّ بالاجتزاء بالنيابة عنه، كما في خبر زرارة (2)، بحمله على صورة لا تمكنه الإشارة المقرونة بعقد القلب كالأصم في أصل خلقته، على وجه لا يفهم شيئا.
و على فرض بعده لا بد أنّ يطرح، لو لا عمل جمع به، الموجب للوثوق بسنده، فلا بد حينئذ من الجمع بينهما أو التخيير، و الأحوط الأول.
و في إلحاق الأعجمي الذي لا يحسن القراءة بالأخرس، في الاكتفاء بالإشارة أو النيابة، أو بالميسور منه للقاعدة، وجوه، أوفقها بالقواعد هو الأخير. و الأحوط الجمع بين جميع المحتملات. لبعد تنقيح المناط على وجه يشمل المتمكن من ميسوره.
نعم لو لم يتمكن لم يبعد شمول مناط الأخرس بتقدّم إشارته على نيابة الغير عنه، و إن كان الأحوط أيضا الجمع بينهما، و اللّٰه العالم.
بلا إشكال في ذلك في الجملة، و النصوص به أيضا مستفيضة: ففي صحيحة هشام «اغسلوا بالمدينة و البسوا ثيابكم» (3).
و في آخر: «تلبس ثوبك» بعد أمره بإفاضة الماء عليه (4).
و في ثالث- بعد الأمر بتقليم الأظفار و أمور اخرى- الأمر بلبس الثوبين (5).
و اشتمالها على سائر المستحبات غير ضائر بالظهور في الوجوب في الثوبين، بعد فرض استفادة الاستحباب في غيرهما بقرينة منفصلة، فإشكال كاشف اللثام في الدلالة على الوجوب من هذه الجهة (1)منظور فيه.
بأي وجه كان. و مقتضى إطلاق بعض النصوص أيضا- مثل قوله في صحيحة ابن سنان «و التجرد في إزار و رداء، أو عمامة بعضها على عاتقه إن لم يكن له رداء» (2)- هو الجواز فيهما بأي وجه يصدق الاتزار و الارتداء.
و لكن في بعض النصوص النهي عن عقد الإزار على عنقه (3).
و في آخر: «لا يصلح» (4).
و في ثالث: «لا بأس في الإزار، و إنما نهي عنه في الرداء» (5).
و مقتضى الجمع- لو لا التشكيك في إطلاق نص ابن سنان من هذه الجهة- هو الحمل على الكراهة. و إلّا فيؤخذ بنهي الرداء، و ترفع اليد- بنص نفي البأس في الإزار- بحمل نهيه على الكراهة.
لصحيح حريز: «كل ثوب يصلّى فيه فلا بأس بالإحرام فيه» (6).
و فيه انه مبني على استفادة المفهوم من الرواية، ثم استفادة اللزوم من البأس الموجود في ناحية المفهوم، و في كلتا الجهتين تأمل.
بوجود النص به بقوله: «لا يلبسه حتى يغسله و إحرامه تام» (1).
و فيه انّ ظاهر الذيل عدم شرطية الطهارة في حدوثه أيضا، و إنما هو من أحكامه، لو لا احتمال حمله على التمامية بعد الغسل، و لكن مع ذلك يمنع الاحتمال الأخير فيه عن انعقاد ظهور النهي في الإرشاد بالشرطية، لأنه من باب اتصال الكلام بما يصلح للقرينية.
بما اشتمل على كراهته في إحرامه، بعد الجزم بأنّ المراد منه الحرمة، لعدم أحقية حال إحرامه عن إحلاله، لو لا دعوى دخل إحرامه في اشتداد نهيه، بمقدار لا يبلغ الحرمة، لا أنه في حال إحرامه مرخّص في فعله، كي يلزم ما ذكر، فتأمل.
و ربما يستفاد أيضا- من حرمة لبس الحرير مطلقا- عدم الجمع مع وجوبه فعلا، و لكن ذلك غير ملازم لتخصيص المصلحة بغيره.
و تظهر الثمرة في حال غفلته عن حرمته، بناء على شرطية اللبس، لا وجوبه تكليفا محضا، فإنه لا يتصور له حينئذ ثمرة من تلك الجهة.
و مما ذكرنا ظهر حال الغصب و الذهب، حيث لا نص بهما في خصوص الإحرام.
1) وسائل الشيعة 9: 117 باب 37 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
كما انه لا نص أيضا في لبس غير المأكول، و لا في جلد الميتة. فلزوم غيرهما مبني على العموم السابق، و إلّا فالبراءة عن القيود المزبورة محكمة، لو لا إرجاع المقام إلى التعيين و التخيير، كي ينتهي الأمر إلى أصالة التعيين، و اللّٰه العالم.
و إطلاق المصنف في طرف المحرم ظاهر في عدم الفرق بين الرجال و النساء، كما هو الظاهر من إطلاق الباقين. و مجرد اختصاص بعض الخطابات بالرجال غير مضر، بعد بنائهم على أصالة الاشتراك و إلغاء الخصوصية في الرجولية، علاوة عما ورد من قوله: «المرأة تلبس القميص تزرّه ..
إلخ» (1).
و مجرد جواز لبس المخيط في النساء غير مضرّ بالكلية السابقة، إذ هي قابلة للتخصيص، فيؤخذ بها بمقدار يساعده الدليل كما لا يخفى.
هذا، و حينئذ فما في تكملة العلّامة الأستاذ من تخصيص الحكم بالرجال منظور فيه.
نعم قد ينازع في جواز لبس الحرير لهن في الإحرام، ففي جملة النواهي النهي عنه في إحرامها (2).
و في بعض آخر: ثبوت اتزارهن و نفي البأس عن الحرير و الديباج (3).
و في آخر: تلبس الثياب كلها إلّا المصبوغ بالزعفران، و ذيله قرينة اختصاصه بحال الإحرام الممنوع من الطيب (4). و الاستثناء المزبور يقوّي
الإطلاق الشامل لما نحن فيه.
كما انّ الاتزار في النص السابق أيضا مناسب للّبس في حال الإحرام أيضا.
و حينئذ لا يبقى مجال منع دلالتهما على الترخيص في حال الإحرام، و عليه يدور الأمر بين الأخذ بالنواهي، و تخصيص الثاني من المجوزين بغير الحرير، و حمل الأول منهما على غير حال الإحرام. أو الأخذ بإطلاق المجوزين، و رفع اليد عن ظهور النواهي، بالحمل على الكراهة.
و لا يبعد قوة الثاني، خصوصا مع اشتمال جملة منها على قوله:
«لا ينبغي»، «و لا يصلح» الصالحين للقرينية بنفسهما أيضا على حمل النواهي الأخرى على الكراهة.
و أيضا الظاهر جواز لبس أزيد من الثوبين، كما في صحيحة الحلبي (1)، بل و جواز تبديله، كما في حسنته الأخرى (2)، بل لو لم يكن معه ثوبا الإحرام جاز له لبس قبائه مقلوبا، بلا اشكال فيه في الجملة نصا و فتوى و في نص الحلبي التصريح به (3).
و في آخر: «إلّا أن ينكسه» (4).
و في ثالث التصريح بجوازه مقلوبا (5).
ثم في بعض النصوص شرح المقلوب بجعل أعلاه أسفله (6).
1) وسائل الشيعة 9: 39 باب 30 من أبواب الإحرام حديث 1.
2) وسائل الشيعة 9: 39 باب 30 من أبواب الإحرام حديث 2.
3) وسائل الشيعة 9: 124 باب 44 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
4) وسائل الشيعة 9: 124 باب 44 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
5) وسائل الشيعة 9: 124 باب 44 من أبواب تروك الإحرام حديث 5.
6) وسائل الشيعة 9: 124 باب 44 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
و في آخر: بجعل ظهره بطنه (1).
و مقتضى الجمع بينهما هل هو الجمع بين الكيفيتين، أو التخيير بينهما؟
وجهان، لا يبعد الأخير. و إن كان الأول أحوط.
ثم انّ في بعض الأخبار تقييد القباء المزبور بعدم الرداء و إن كان له إزار، بل و إن لم يضطر، و حينئذ حمل إطلاقها على صورة الاضطرار لا وجه له، إلّا مراعاة الاحتياط، و اللّٰه العالم.
و هو انّ اللبس هل هو شرط أصل الإحرام كالنية، أو شرط كماله المترتب عليه الحرمان عن الأمور المعهودة كالتلبية، أو لا يكون شرطا أصلا؟
يمكن أن يقال: إنّ مقتضى صحيح معاوية-: في رجل أحرم و عليه قميصه، فقال: «ينزعه و لا يشقه، و إن كان لبسه بعد ما أحرم شقه و أخرجه مما يلي رجليه» (2)- عدم الشرطية، نظرا إلى ظهور الفقرة الاولى في كون إحرامه حال لبسه، و ينزع القميص بلا تجديد النية، مضافا إلى ظهور أخبار التلبية السابقة في انّ الحرمان، و تحريم الأمور على المحرم، منوط بصرف التلبية، بعد عقد الإحرام بالنية و التوطين.
و بمثل ذلك يمكن رفع اليد عن ظهور الأوامر في اللبس حال الإحرام في الإرشادية إلى ظهورها في الشرطية، بحمل مثلها على صرف التكليف.
نعم قد يستشم من خبر عبد الصمد المشتمل على تعليل عدم البأس بإحرامه في قميصه بقوله «أيما امرء ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه» (3)في
مقام الرد على أصحاب أبي حنيفة، القائلين بوجوب البدنة و فساد الحج و إعادته من قابل، انّ نفي هذه الأمور مستند إلى جهله، و لازمة ثبوتها مع العلم.
لكن يمكن أن يقال: إنّ غاية ما يستفاد منه نفي الأمرين بالجهل، و مفهومه لا يقتضي ثبوتهما معا، بل يلائم مع ثبوت أحدهما، بل يمكن أن يكون ناظرا الى نفي تنجز الحرمة أيضا، فمقتضى مفهومه يحتمل أن يكون مجرد العقوبة، فيبقى حينئذ إطلاق الصحيح السابق و أمثاله الظاهرة في عقد الإحرام بدونه، على اقتضائه من عدم شيء من الكفارة أيضا، فلا يصلح مثل هذه الرواية في قبال الإطلاقات السابقة لإثبات الكفارة في صورة العلم، فضلا عن الإعادة.
بل يمكن أن يقال: إنّ تعليل الامام نفي الشيء على فعله قبل التلبية- كما هو مفروض المسألة- بجهله، فيه نوع إشعار بالتقية، كيف و ما لم يلب لم يكن عليه عقوبة أيضا، لعدم كمال إحرامه. و لقد عرفت سابقا انّ مقتضى جملة من النصوص عدم توجه المحرمات عليه قبل التلبية، و لو فعلها عمدا.
فإثبات حرمتها بالعلم ينافي تلك النصوص، فلا محيص عن جعل التعليل المزبور محمولا على التقية، نظير التعليل بالاحتياط في انتظاره الى ذهاب الحمرة المشرقية في باب المغرب.
و حينئذ تسقط الرواية عن الدلالة على الحرمة أيضا، فضلا عن إثبات الكفارة، بل لو نظرت في الرواية بأدنى تأمل، ترى انّ ما عليه أصحاب أبي حنيفة من الجمع بين البدنة و فساد الحج في موضوع البحث، في غاية السخافة، لأنّ اللبس إن كان شرطا بحيث يكون فقده من الأول موجبا لفساد إحرامه، فلا وجه لحرمته حينئذ، كي يترتب عليه الكفارة من البدنة، و إن كان إحرامه منعقدا بدونه، فلا معنى لإعادة حجه.
و بعد مثل هذه المناقضة كيف يعقل أن يكون تعليق الامام عليه السّلام نفي الشيء على الجهل ناظرا الى نفيهما في خصوص حال جهله، كي بمفهومه يثبت الأمر في حال تعمده و علمه، فلا محيص عن حمل مثل هذا التعبير في مثل المقام على التقية محضا، كما لا يخفى.
هذا،
و هو أنه لا يجوز لمن أحرم أن ينشئ إحراما آخر لغير ما أحرم له بلا خلاف ظاهر. و ذلك أيضا لا من جهة عدم قابلية المحل لعقدي الإحرام كي يرد عليه بأنّ الإحرام العقدي ليس إلّا نفس التوطين على التروك، و حصولهما من الشخص قبل التحلل في غاية الظهور، بل من جهة أنّ العقد المترتب عليه حصول الحرمان عن الأمور المعهودة جديدا بالتلبية لا يتصور إلّا بتصور اشتدادها، و هو تحت المنع.
هذا مضافا إلى أنّ أدلة الإحرام في كل مورد من حج أو عمرة، متمتع بها أو مفردة، منصرفة إلى المحل قطعا، و لا أقل من نفي إطلاقها على وجه يشمل حال إحرامه، علاوة على ما دل على حصول الإحرام بالحج المتمتع به بعد إحلاله عن عمرته.
و كذلك ما دل على عمرته المفردة بعد حج افراده، فإنه أيضا صريح في لزوم كونها بعد إحلاله عن حجه، فمن أين يثبت إطلاق في البين ليشمل مثل هذه الجهة، قبال أصالة عدم المشروعية، خصوصا لو كان الغرض منه تحريم المحرمات بسببه، فإنه بلا اشتدادها غير متصور جزما كما عرفت.
و حينئذ فما في بعض النصوص من صحة الإحرام بالحج قبل التقصير من إحرام عمرته (1)، لا بد أن يحمل على تخصيص محللية التقصير في المورد،
1) وسائل الشيعة 9: 72 باب 54 من أبواب الإحرام.
و يلتزم بصيرورته محلا آنا ما قبل عقد الإحرام الجديد.
نعم في النص المزبور «بطلت متعته، هي حجة مبتولة»، و هو ظاهر في التحليل عن إحرامه الأول و بطلان عمرته و صحة الثانية.
و من الممكن دعوى بقائه على إحرامه الأول، و انّ الإحرام الجديد بقصد حجه منشأ لعدوله عن عمرة التمتع إلى الحج مفردا، و انّ صحة حجه لعدوله في أثناء عمرته الى الحج، فالحج حينئذ وقع بالإحرام الأول، و إنّ قصد إحرامه الجديد لغو، و لا ضير فيه في مورد كان في حقه مشروعية الحجين.
و لقد حققنا سابقا بأنّ العدول في مثله على القاعدة، بعد عدم اختلاف في حقيقة الحجين قصديا، و أما في غير هذه الصورة فلا مجال للالتزام بجواز العدول من التمتع إلى الافراد، و لو اضطرارا، و إن قيل به فيه، فضلا عن صورة الاختيار، الذي كان عدم جواز العدول مشهوريا، فإطلاق النص المزبور محمول حينئذ على حصول الإحرام الجديد، المستتبع لتخصيص محللية التقصير.
اللهم إلّا أن يقال: مجرد ذهاب المشهور إلى عدم جواز العدول المزبور في مثل المورد لا يصلح قرينة لحمل النص عليه، و بعد احتمال النص لإحدى الجهتين، لا يصلح حجة لواحدة منهما، خصوصا مع كونه مطروحا عند الأصحاب على الاحتمال الآخر.
و توهم أنّ أصالة التعبّد بالسند مهما أمكن، تقتضي صرفه إلى الجهة المقبولة، لا المطروحة. مدفوع بأنّ مثل هذا الأصل إنما يجري في صرف تمامية الدلالة، و لا يصلح لرفع إجمالها لولاه، و المفروض انّ قيام الشهرة على خلاف أحد المحتملين فيها أيضا لا يوجب ظهورها في الجهة المعمولة، فمن أين يمكن الاتكال بمثل هذه الرواية لإثبات المدعى، من نفي محللية التقصير في خصوص المقام.
فما عن الجواهر من توثيق السند و الأخذ بمضمونه، و حمله على عدم محللية التقصير (1)، منظور فيه.
نعم لا بأس بالالتزام بذلك في صورة تجديد إحرامه قبل التقصير نسيانا، إذ في نصه: رجل أحل بالعمرة و نسي أن يقصّر حتى دخل بالحج، قال:
«يستغفر اللّٰه و لا شيء عليه و تمت عمرته» (2)، و نظيره مضمونا نص آخر.
و ظاهرهما بقاؤه على تمتعه عكس صورة عمده، المشمول لإطلاق النص السابق.
و بهما يقيد الإطلاق المزبور، بل و إطلاقات محللية التقصير. و لا ضير فيه بعد كونه مشهوريا بحسب الفتوى، و منصوصا بنص معمول به عند الأصحاب، كما لا يخفى.
كما في النص، ففي صحيحة البزنطي التعليل بقوله: «أو ما بلغك قول أبي عبد اللّٰه: و حلّلني حيث حبستني» (3).
و في نص آخر: «إنّ اللّٰه تعالى أحق من و في بما اشترط عليه» (4).
و ظاهرهما- بسكوتهما الوارد في مقام البيان- نفي الدم، و سقوطه بتحلله.
و لكن في خبر عامر التصريح بنحر البدنة، و في ذيله أيضا «اعتمر بعد برئه إن لم يشترط في إحرامه» (5)، و لا يبعد حمله على الاستحباب، لو لا قوة بيانه
عن سكوت الأولين، و ذلك أيضا لو لا شبهة اخرى سنشير إليها.
نعم لا اشكال ظاهرا في عدم سقوط الدم لسائق الهدي، و في النص «يبعث بهديه» (1)، و في صحيح رفاعة مع اشتراطه (2)، و تتمة الكلام من تلك الجهات تجيء في محلها إن شاء اللّٰه.
و إنما الكلام في فائدة الشرط، فعن بعضهم عدم فائدة سوى التأسي لفعلهم و ترتب الثواب عليه.
و عن الجواهر (3)وفاقا للمحقق في شرائعه (4): أنّ فائدته تعجيل إحلاله عند حصره و عدم انتظاره لإراقة الدم في غير السائق. و عمدة المدرك تحكيم ظهور السكوت في النصوص السابقة على ما دل على النحر في قضية حصر الحسين عليه السّلام في النص السابق (5).
و لكن ربما يوهن النص السابق ما في ذيل قوله: «و ذلك لمن لم يشترط»، بناء على إرجاعه إلى جميع الفقرات السابقة المشتملة على النحر، أو لا أقل من احتماله، فإنه لا يبقى له ظهور في إطلاق وجوب النحر حتى مع الاشتراط، كي يعارض السكوت في النصوص السابقة.
نعم الذي يصلح للمعارضة قضية الحسين عليه السّلام، بناء على حملها على صورة اشتراطه، و لو لأن الإمام لا يترك الراجح. و فيه منع، لكثرة تركه ذلك من جهة طروء عنوان راجح آخر، و لو مثل كونه بصدد دفع توهم وجوبه، فلا اقتضاء في مثل هذا النص أيضا، للمنافاة مع ما دل على السقوط مع
الاشتراط، بل في صحيح رفاعة كان الحسين سائقا للهدي.
و حينئذ يخرج عن مورد البحث في غير حج القران، و لكن لازمة وجوب إبلاغ الهدي محله لا نحره، فلا بد حينئذ من طرح النص أو تأويله بالسائق، لا بعنوان كونه قارنا.
و لكن ليس ذلك بأولى من حمل النحر فيه على نحره في محله، و حلق رأسه بعده، لا فعلا.
و الانصاف أنّ الاحتمال الأخير بعيد في الغاية، كبعد الاحتمال الأول، فالنص أولى بالطرح من جهة عدم عامل به على ظهوره، و حيث لا تكون قرينة على تعيين المراد كان التعبّد بسنده في غاية الإشكال، كما عرفت وجهه من نظيره سابقا.
و حينئذ فما أفاده الأعلام من الفائدة في غاية المتانة، نظرا الى ما يستفاد من مجموع النصوص.
و قد يستفاد من نص ضريس (1)كون فائدة الاشتراط سقوط حج التمتع لمن دخل مكة يوم النحر، و لكنه بظاهره غير معمول به، للجزم بأنّ الاشتراط لا يسقط الحج عن وجوبه، كما انّ في المندوب يسقط أيضا شرط أو لم يشترط إجماعا، فلا محيص عن حمله على تأكد ندبه، و لا بأس به رجاء، إذ مثل هذه المحامل لا تصحح سند الرواية عند إجماله في نفسه، و لو للجزم بعدم عامل بظهوره كما لا يخفى.
هذا تمام الكلام في واجبات الإحرام.
1) وسائل الشيعة 10: 65 باب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث 2.
على المشهور، لجملة من النصوص الواردة في أول ذي القعدة (1). و في نص آخر الترخيص في حلقه ما لم يحرم (2)، فالجمع بينهما بالحمل على الاستحباب في غاية الظهور، فتدبّر.
من الأوساخ، لما يستفاد من التعليل الوارد في التنوير بأنه طهور (3)، و في اقتضائه خصوصية استحبابه للإحرام نظر، فلا بد من المصير إلى مقتضى قاعدة التسامح فيما بلغ، لو لا الجهة الآتية.
، لما في صحيح معاوية (4)و حريز (5)و غيرهما. و لا يبعد استفادة تنظيف الجسد من أمثاله، لشدة انس الذهن في كون الحكمة في تشريع هذه الأمور و استحبابها في الإحرام جهة نظافة الجسد منها، فيتعدّى إلى نظافته من سائر الجهات.
، للنصوص المستفيضة الآمرة به (6)، و لكنّ الأصحاب- عدا بعضهم- حملوها على الاستحباب و الآداب، بقرينة سائر الأخوات.
لكن مع اقتران هذه الأمور بلبس الثوبين يشكل مثل هذا الحمل،
فالعمدة في البين و هن سند الروايات، أو وهن دلالتها، بمثل هذه الشهرة.
و الأول في غاية الإشكال، خصوصا مع استفاضتها، و الأخير لا يعبأ بمخالفتهم لظهور الحجة عند العقلاء ما لم يقم حجة أقوى على خلافه.
و عليه فما عن بعض من مصيرهم إلى وجوبه لا يخلو عن وجه، لو لا دلالة نص آخر على خلافه من قوله: رجل أحرم بغير صلاة أو غسل جاهلا أو عالما، ما عليه في ذلك، و كيف ينبغي له أن يصنع؟ فكتب عليه السّلام «انه يعيده» (1). فإن الظاهر من قوله: ينبغي له، كون المغروس في ذهن السائل عدم وجوبه، و انّ سؤاله عن آدابه، فجوابه ينصرف إلى ما ارتكز في ذهنه من الاستحباب.
لكن الإنصاف انّ في الدلالة نظرا، خصوصا مع ما في نسخة اخرى:
أحرم بغير صلاة، فلا يرتبط بمقامنا، فالمسألة من جهة مخالفة النصوص مع الكلمات في غاية الاشكال، و في مثله لا مجال لترك الاحتياط.
أو ست ركعات، أو ركعتين، للإحرام أو نافلة أخرى: و في النص: «انه واسع لك أن تحرم دبر فريضة أو نافلة أو ليل أو نهار» (2)، كما انّ في بعض النصوص فريضة الظهر (3)، و في آخر مطلق الفريضة (4)، و الجمع بالتخيير في اختيار كل نحو مما ذكر.
إذا علت راحلته البيداء إن حجّ على طريق المدينة، لصحيح عمر بن يزيد. و يؤيده بعض نصوص
أخر (1)، و تحمل هذه على مراتب الفضيلة بعد فضل مطلقه بإطلاق نصه.
، للنصوص الخاصة (2).
و يستحب الاشتراط، على ما تقدّم تفصيله سابقا.
و تكرار التلبية إلى أن يشاهد بيوت مكة للمتمتع معتمرا، و إلى عند الزوال يوم عرفة للمفرد و القارن، و إذا دخل الحرم للمعتمر مفردا.
و يكفي للأول الأمر بقطعه عند النظر إلى بيوت مكة، كما في النصوص.
و للثاني الأمر بقطعه للحاج عند الزوال، و في بعض النصوص التحديد بدخول الحرم فيحمل على مراتب الفضل.
و للثالث ما في خبر معاوية المشتمل على مراتب الفضيلة، كما لا يخفى.
و على أي حال ظاهر الأمر بالقطع في هذه المقامات كونه في مقام دفع توهم تأكد الفضل، فلا ينافي المشروعية بإطلاقاتها، خصوصا مع كثرة الاختلاف في مراتب التحديد، الذي لا بد من حمل الأمر في بعضها على ما ذكرنا، كما أشرنا في الحمل على مراتب الفضل.
و حينئذ فاستفادة الحرمة من مثلها، و لو في غير مورد المعارضة في غاية الاشكال، و إن كان أحوط استحبابا، لا وجوبا، كما في تكملة أستاذنا العلّامة أعلى اللّٰه مقامه، فتدبر.
و يستحب أيضا الإحرام في قطن محض، لقول أمير المؤمنين عليه السّلام: «البس القطن فإنه لباس رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله».
إلّا في تحريم المخيط، و التظليل، و ستر الرأس، على ما سيأتي إن شاء اللّٰه.
و الأصل فيه أصالة الاشتراك بين الرجل و المرأة إلّا فيما قام الدليل على المخالفة، و منشؤه ظهور إلغاء خصوصية الذكورية في الخطاب غالبا، فصار ذلك بمنزلة ظهور ثانوي في الخطابات بحمل المخاطب على من كان مكلفا ذكرا أم أنثى، و هو أيضا ديدن الأصحاب عند عدم ثبوت المخالفة بينهما بدليل، فتدبّر.
و لا يمنعها الحيض منه كما تقدّم في ذيل مسألة تقديم طوافها لاضطرار من حيضها فراجع، بل يمكن بضميمة أصالة الاشتراك حمل أوامر الغسل في الرجال على الاستحباب و لو بمعونة فهم الأصحاب، فتأمل.
و في الشرائع: عشرون (1)، و في الدروس: ثلاثة و عشرون (2)، و في القواعد: ثمانية عشر (3). و لكل وجه على ما تعرف إن شاء اللّٰه تعالى في طي البحث.
ثم ليعلم انّ مثل هذه التروك من الأحكام التعبدية الثابتة للحرم بلا دخلها في صحة الحج، عدا الجماع في الجملة، و كذا الاستمناء على اشكال فيه سيأتي في محله.
و عمدة الوجه ملاحظة النصوص و الفتاوى في عدم ترتّب فساد الحج و عدم وجوب إعادته ثانيا إلّا في الجماع، و يلحق به الاستمناء على اشكال فيه. و إلّا ففي البقية ليس حتى في مخالفتها عمدا إلّا الكفارة، كما يظهر لك الحال من مضامين النصوص الآتية في أثناء المسائل.
و كيف كان نقول:
بلا اشكال فيه في الجملة فتوى
و نصا. و في الآية حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما (1)، و في النص:
«لا تستحلن شيئا من الصيد و أنت حرام، و لا و أنت حلال في الحرم، و لا تدل عليه محلا و لا محرما، فيصطاده و لا تشر إليه، فيستحل من أجلك، فإن فيه الفداء عن تعمده» (2).
و في نص آخر: «ليس عليك فداء ما آتيته بجهالة إلّا الصيد، فإنّ عليك الفداء بجهل كان أو عمد» (3).
و بهذا النص لا بد أن ترفع اليد عن مفهوم القيد في الأول، و سيأتي تمام الكلام في الكفارات.
و مقتضى إطلاق الصيد- في النص و الفتوى- شموله للمأكول و غيره، السباع و غيره، كونه من صيود الحرم و غيره، اصطيد في الحرم أو من غيره.
نعم ينصرف عنوانه إلى الممتنع بالأصالة، فلا يشمل الأهلي. كما انّ من نهي الإشارة إليه «فيستحل من أجلك» يستفاد حرمة كل ما يصدق عليه الدخل في قتله أو اصطياده، و الأصحاب أيضا تعدّوا الى ما يصدق فيه مثل هذه المدخلية.
نعم فيما لا مدخلية له فيه لا بأس به، من إشارته إليه أو غيره، لانصراف النص.
و من هنا ظهر وجه ما أفاده المصنف من قوله: و إمساكه و أكله المستفاد من حرمة اصطياده أيضا بالفحوى، مضافا إلى التصريح به في نص آخر، بل و في بعض النصوص أنه ميتة لا تأكله.
بل و الإشارة إليه و الاغلاق عليه، بل و ذبحه أيضا بالفحوى.
بل و من بعض النصوص (1)يستفاد حرمته وضعا أيضا، و انّه ميتة مطلقا بالنسبة إلى المحل و المحرم، في الحرم و غيره، و نظيره رواية أخرى.
و لكن في جملة من النصوص: كونه ميتة بالنسبة إلى المحرم لا المحل (2)، و في بعضها «أما أنا كنت فاعلا» (3).
و بهذه الجهة يشكل الجمع بين الطائفتين بالحمل على الكراهة، كما انّ حمل أخبار الحل بالتذكية بالرمي- لإطلاق الإصابة فيها، فلا ينافي حرمة ذبحه التي هي مضمون أخبار الحرمة، كما عن الشيخ (4)و جماعة على المحكي- إنما يتم لو لا منافاته لإطلاق كلمة الأصحاب لمطلق تذكيته.
بل يمكن دعوى قرينية فهمهم لإلغاء الخصوصية من ذبحه، فلا مجال لمثل هذا الجمع أيضا.
كما لا مجال للجمع بينهما بحمل الحرمة على صيد المحرم في الحرم، و الحلية على صيده في الحل و غير الحرم، كما يومئ إليه خبر معاوية، حيث قال: «إذا أصابه في الحل، فانّ الحلال يأكله» (5)، إذ في النص المنسوب إلى إسحاق التصريح بحرمة صيد المحرم و لو في غير المحرم (6). و في هذا الموضوع يقول الإمام:
«أنا فاعله». الظاهر في نفي كراهته أيضا.
و عليه فلا غرو في دعوى المعارضة بين النصين، و ترجيح نصوص التحريم بموافقتها للإطلاق، و لو من جهة الكتاب الدال على حرمة الصيد بمعنى المصيد
1) وسائل الشيعة 9: 78 باب 3 من أبواب تروك الإحرام.
2) وسائل الشيعة 9: 78 باب 3 من أبواب تروك الإحرام حديث 5.
3) وسائل الشيعة 9: 78 باب 3 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
4) المبسوط 1: 339.
5) وسائل الشيعة 9: 86 باب 10 من أبواب تروك الإحرام حديث 4.
6) وسائل الشيعة 9: 86 باب 10 من أبواب تروك الإحرام حديث 5.
بجميع جهاته.
بل لئن أريد منه معناه المصدري- على بعد فيه- فصريح في قبال الذبح.
و يؤيده أخبار دفنه حتى في صورة وجود المحل، بقرينة ذيله من قوله «فإن أصابه في الحل فإنّ الحلال يأكله» (1)، فإنه شاهد على التعميم في كل أحد للحلال أيضا، فلا مجال لحمل أخبار الدفن على صورة عدم وجود الحلال لمحض كتم رائحته عن الناس.
و لعل مثل هذه الجهات منشأ ذهاب المشهور إلى الحرمة مطلقا، و طرحهم المستفيضة الدالة على الحلية على المحل.
ثم إنّ في بعض النصوص جواز قتل العقرب و الأفعى و الكلب العقور و الأسد، مقيدا بقوله «إن أرادتك فاقتلها» (2)، و به يخصص إطلاق الحرمة في النصوص. و في تكملة أستاذنا العلّامة أيضا استثناؤه. بل و عموم نفي الضرر و الحرج ينفيه أيضا، فلا اشكال فيه.
و أيضا من تخصيص الآية بالبري- بضم عدم النظر في إطلاق جملة من الروايات إلى تلك الجهة، بل و في قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ (3)، علاوة عما ورد من نفي البأس في السمك- عدم البأس بصيد البحر، سمكا كان أو غيره، و مع امتيازهما فلا اشكال.
و مع الاشتباه، ففي بعض النصوص الواردة في الطيور: «كل صيد يكون في الآجام يبيض في البر و يفرخ في البر فهو بري، و ما كان من صيد البر
و يكون في البر و يبيض في البحر و يفرخ في البحر فهو من صيد البحر» (1).
و لا يخفى إطلاق الرواية لو لم يدع انصرافها إلى صورة كون تعيّشه بتمامه في البر، فلا محيص عن جعل مثلها في مقام ردع العرف في جعلهم المدار في التمييز على التعيش، بل تمام المدار- بمقتضى النص- محل البيض و الفرخ.
و يساعده الاعتبار أيضا، فلا وجه لصرف النص إلى صورة اختلاف تعيشه، كما في المستند.
نعم قد يظهر من النص الوارد في الجراد، انّ ما كان أصله في البحر و يكون في البر فهو بري، و هكذا العكس، و بذلك البيان أيضا ردع الامام الراوي في خياله انّ الجراد بحري، و لازمة كون المدار على التعيش لا على محل البيض و الفرخ.
و لكن يمكن أن يقال: انّ الغرض من أصله كون سنخه من البحر، كما هو الشأن في صنف منه المسمّى ب «روبيان» فكأنّ المقام من قبيل كون أصل الشعير في باب الربا من الحنطة- لا أنّ محل بيضه و فرخه في البحر، كيف و محل بيض الجراد و فرخه أيضا في البر، فلا بد أن يكون الغرض من «أصله» بمعنى آخر، كما احتملناه.
و حينئذ لا تنافي بين هذه الرواية و بين ما ذكرناه من النص في البيض و الفرخ، فتدبّر.
و لئن شك في ذلك أيضا فظاهر الآية تعليق الحرمة على صيد البر، بضم عدم تمامية المطلقات أيضا من تلك الجهة.
نعم بناء على تمامية المطلقات، كان مقتضى الأصل المزبور الحرمة كما هو ظاهر، فأصالة عدم البرية- كعدم القرشية- تلحقه بالحلال، كما لا يخفى.
1) وسائل الشيعة 9: 82 باب 6 من أبواب تروك الإحرام حديث 1 و 3.
ثم انّ في بعض النصوص تقديم أكل الصيد على الميتة عند الاضطرار، و منه يستفاد حلية أكله حينئذ أو عليه الفداء كما في النص المزبور، بل و منه يستفاد عدم كونه ميتة حقيقة. و ما في بعض النصوص بأنه ميتة حينئذ محمول على الميتة تنزيلا.
و حينئذ ففي إطلاقه لغير الأكل من الآثار اشكال، لو لا استفادة حرمة مطلق الانتفاع من نصوص دفنه، و ذلك أيضا لو لا حملها على صورة عدم الانتفاع به لغير الأكل، فأمر بدفنه لرفع إيذاء الناس، لا لبيان حرمة مطلق الانتفاع، و عليه فتبقى الانتفاعات تحت أصالة الحل، فتدبّر.
ثم انّ ذلك كله صورة ذبح المحرم و لو في الحل.
و أما ذبح المحل في الحرم، فقد يستفاد من صريح رواية وهب (1)حرمته أيضا و انه ميتة، و نظيره نص إسحاق (2).
و في صحيح منصور: «و إذا دخل في الحرم حيا ثم ذبح في الحرم فلا يأكله لأنه ذبح بعد أن دخل مأمنه» (3).
و في نص شهاب أيضا نظيره و فيه: «ما دخلت به الحرم حيا فقد حرم عليك ذبحه و إمساكه» (4).
و منه يظهر عدم اختصاصه بالذبح، بل يترتب عليه جميع ماله دخل في اصطياده و حبسه و غيرهما، خصوصا مع التعليل بأنه دخل مأمنه.
و في نص آخر «لا يمس» (5)، و لازمة حرمة التسبب إلى إتلافه بالنسبة إلى
1) وسائل الشيعة 9: 86 باب 10 من أبواب تروك الإحرام حديث 4 و 5.
2) وسائل الشيعة 9: 86 باب 10 من أبواب تروك الإحرام حديث 4 و 5.
3) وسائل الشيعة 9: 80 باب 5 من أبواب تروك الإحرام حديث 4.
4) وسائل الشيعة 9: 200 باب 12 من أبواب كفارات الصيد حديث 4.
5) وسائل الشيعة 9: 330 باب 36 من أبواب كفارات الصيد حديث 1.
ما كان من صيوده، حتى بالنسبة إلى المحل، مؤيدا بظهور صحيح الحلبي المشتمل على قوله: «لا تستحلن شيئا من الصيد و أنت حرام، و لا و أنت حلال في الحرم، و لا تدل عليه .. إلخ» (1).
نعم لو ذبح المحل في الحل ثم جاء به في الحرم فلا بأس بأكله للمحل، و في صحيح الحلبي «إلّا مذبوحا ذبح في الحل ثم أدخل في الحرم فلا بأس به للحلال» (2)، و إطلاقه يشمل ما لو كان بدلالة المحرم أيضا أو بإعانته من سائر الجهات، ما لم يكن بذبح منه، فإنّه حينئذ ميتة حتى بالنسبة إلى المحل على اشكال تقدّم في المسألة السابقة.
و مفهوم القيد- في تخصيص الجواز حينئذ بالمحل في النص و الفتوى- حرمة أكله للمحرم و لو كان الصائد محلا في الحل، بل و يدل عليه مطلقات حرمة الأكل، بل و في نص عمر بن يزيد «اجتنب في إحرامك صيد البر كله، و لا تأكل ما صاده غيرك» (3)، إذ ظاهره المغايرة من حيث الإحرام، كما هو ظاهر. و عليه إطلاق الفتاوى أيضا، كما لا يخفى.
وطئا و تقبيلا و لمسا و نظرا بشهوة و عقدا له و لغيره، و شهادة عليه.
و الأصل في ذلك في الوطء الآية الشريفة فلا رفث (4)و في غير العقد و الاشهاد من التقبيل و إخوانه نص أبي سيار: «إن حال المحرم ضيقة، ان قبّل امرأته على غير شهوة و هو محرم فعليه دم شاة، و إن قبّل امرأته على شهوة فأمنى
فعليه جزور و يستغفر اللّٰه، و إن مس امرأته و هو محرم على شهوة فعليه دم شاة، و من نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور، و إن مس امرأته و لازمها من غير شهوة فليس عليه شيء» (1).
بناء على ظهور الاستغفار في حرمة العمل، علاوة عن ملازمة الكفارة له، لو لا دعوى انخرام هذه القاعدة في باب الإحرام، لثبوت الكفارة في ظرف الجهل الذي لم يكن بإثم.
و ذلك أيضا لو لا دعوى عدم منافاته مع الملازمة للحرمة الواقعية، كيف و لا يخفى ظهور جعل الكفارة في مورد في كونها لا أقل جابرا لمقدار من المفسدة في المأتي به، فيكون حينئذ امتياز الكفارة في باب الإحرام عن غيره، بكون الكفارة في المقام جابرا، و في غير المقام جريمة ملازمة للإثم.
و على أي حال، ربما يقتضي وجوبها على عمل، كون العمل ذا مفسدة مقتضية لإيجاب جبره، و هذا المقدار كاف في دلالة وجوب الكفارة لإثبات الحرمة الواقعية، لعدم القول بجواز العمل فعلا، مع كونه ذا مفسدة ملزمة و لو باحتمال جبره بمصلحة أخرى، إذ المفسدة المجبورة لا تجبر ثانيا.
مع انّ محتمل المقام بين عدم الحرمة رأسا، لعدم المفسدة في العمل، أو المفسدة الملازمة للحرمة الفعلية، و إن لم تبلغ مرتبة التنجز بأسبابه العقلية.
فلا يبقى مجال توهم عدم اقتضاء جعل الكفارة في باب الإحرام للحرمة رأسا، بشهادة جعله أحيانا للجاهل، كما لا يخفى.
هذا كله مضافا الى التعليل في بعض النصوص لجعل الدم في النظر إلى غير أهله، بكونه نظرا إلى ما لا يحل له، فيتعدّى من مورده إلى غيره في حكمة جعل الكفارة، فيستفاد منه الحرمة في كلّ موارد جعلها، كما لا يخفى.
1) وسائل الشيعة 9: 88 باب 12 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
و بالجملة لا إشكال في دلالة النص المزبور على حرمة الأمور المذكورة، خصوصا بضميمة التعليل المزبور في النص الآخر، كما هو ظاهر.
نعم في المقام شيء آخر، و هو انّ مقتضى النص السابق عدم تقييد حرمة التقبيل بالشهوة، و لكن في نص آخر: نفي البأس في تقبيل امه، معلّلا بأن هذه قبلة رحمة، و إنما تكره قبلة الشهوة (1). و الظاهر من التعليل عدم اقتضاء قبلة الرحمة مطلقا في قبال الشهوة شيئا.
و حينئذ فيدور الأمر بين رفع اليد عن التعليل و تخصيصه بمورد الآية و الأخذ بالنص السابق، من حرمة التقبيل و لو بغير شهوة في غيرها، أو الأخذ بعموم التعليل و رفع اليد عن إطلاق الرواية السابقة، بحملها بقرينة مقابلها على غير الشهوة المترتب عليها الإنزال، أو الحمل على الكراهة المصطلحة، بعد الجزم بأن المراد من الكراهة في مورد التعليل ما يلازم الحرمة.
و لا يبعد أحد الأخيرين، خصوصا مع إمكان دعوى عدم الفصل بين الأمة و غيرها في ذلك، حسب إطلاق الكلمات، من حيث عنوانهم هذه الأمور في طي الاجتناب عن النساء بلا اختصاصها بالزوجة أو الأجنبية.
ثم إنّ الحكم كذلك في طرف المرأة، لخبر علاء بن الفضيل من قوله:
«و إن لم يقصّرا جميعا فعلى كل واحد منهما أن يهريق دما» (2)، و ربما يتعدّى أيضا إلى باقي الاستمتاعات، لدعوى صاحب المستند عدم الفصل بينها.
و في النص السابق أيضا: «إنّ النظر عن شهوة حرام» (3).
و ربما يعارضه ما في الموثقة: في محرم نظر الى امرأته بشهوة فأمنى قال:
«ليس عليه شيء» (1)، و لكنه مطروح بإعراض الأصحاب عنه، بل و مقتضى ذيل الرواية، من تخصيص نفي الشيء بغير شهوة من لمسه و نظره، الملازم له عادة، يكشف عن عدم دخل الأمناء في اقتضاء النظر بالشهوة في وجوب الكفارة، بل الدم المزبور مترتّب على مطلق الشهوة، و إن احتمل دخله في ترتّب خصوص الجزور عليه، كما هو الشأن في تقبيله، و إلّا فعلى مطلق التقبيل بالشهوة دم شاة.
و ربما يؤيد في مثله اختيار الاحتمال الأول من وجهي الجمع بين التعليل المزبور مع النص المذكور، و اللّٰه العالم.
و يدل على حرمة العقد و الإشهاد أيضا ما في المرسلة المجبورة: «المحرم لا ينكح و لا يخطب و لا يشهد النكاح» (2).
و في آخر: المحرم يشهد نكاح المحلين؟ قال: «لا يشهد» (3).
و الظاهر منهما تحملهم الشهادة بالحضور و لو للمحلين، و لا يستفاد منهما حينئذ حرمة إقامتها مع كون تحملها في حال الإحلال، فعموم حرمة الكتمان باق بحاله.
و المراد من النكاح في النص- أيضا بقرينة ذيله- هو التزويج بعقده، و بمضمونه أيضا جملة من النصوص، مثل ما في المستفيضة: «ليس على المحرم أن يتزوج و لا يزوّج، و إن زوّج محلا فتزويجه باطل» (4).
و في آخر: «المحرم يطلّق و لا يزوّج، فإنّ نكاحه باطل» (1).
و في ثالث: «إذا تزوّج و هو يعلم انه حرام لم يحل له أبدا» (2). و به ترفع اليد عن إطلاق نص محمد بن قيس، الظاهر في عدم التأبيد بحمله على صورة جهله بالحرمة.
و ظاهر إطلاق حرمة تزويجه شموله للتزويج بالوكالة، فيقتضي ذلك بطلان توكيله فيه أيضا.
و في اقتضائه الحرمة التكليفية لإيقاع التوكيل اشكال، كالإشكال في استفادة الحرمة من النصوص المزبورة في إيقاعه عقد النكاح، فلا دليل حينئذ على الحرمة التكليفية عدا ظهور المرسلة السابقة بقرينة السياق مع الخطبة و الاشهاد.
و في اقتضاء النصوص المزبورة بطلان التزويج الصادر عن الوكيل حال إحلاله، و إن كان توكيله حين إحرامه، كمال إشكال، لأنّ الحرام على المحرم تزويجه حين إحرامه و لو بالتوكيل، لا مطلق توكيله و لو على التزويج حين إحلاله.
و في الجواهر أيضا نفي الخلاف في جوازه (3)، كما انّ في شمول التزويج الرجوع في العدة إشكال آخر.
و لقد ادعى نفي الخلاف في جوازه أيضا مؤيدا بالأصل المقتضي للصحة.
بلا اشكال نصا و فتوى، و في المستفيضة
تحريمه (1)، و في بعضها: «عليه ما على الذي يجامع كما في الصائم» (2)، و ستأتي تتمة الكلام فيه من حيث مفسديته لحجة كجماعة. و لو سبق منه المني من غير استمناء فلا شيء، للنص (3)، علاوة على عدم اندراجه في عنوان دليل الاستمناء.
فيترتب الأثر عليه في ظاهر الشرع، بمقدار لا يضرّ به إقرار أحدهما، مع وجوب ترتيب الآثار الواقعية لكل منهما على طبق اعتقاده، إلى أن ينتهي إلى حكم الحاكم، فحينئذ ينتقض به رأيه إجماعا، لتقديم دليل حجية الحكم على دليل الفتوى و الرأي.
نعم مع الجزم بالخلاف لا يتبع حكمه، لعدم الطريقية له حينئذ.
و لكن مع ذلك ربما يلتزم بحرمة رد حكمه صورة، لأنه نحو هتك للحاكم، و توضيح المسألة موكول إلى محله.
بلا إشكال أيضا في الجملة، و إنما الكلام في أنّ الواجب الاجتناب عن مطلقة، أو عن خصوص الأربعة، من الزعفران و المسك و العنبر و الورس، أو الخمسة بإسقاط الورس و زيادة العود و الكافور، أو الستة بضم الورس أيضا. فيه خلاف و أقوال، و منشؤه اختلاف أخبار الباب ففي جملة منها: النهي عن مطلق الطيب بقوله: «لا تمس شيئا من
الطيب» (1).
و في بعض آخر: «إنما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء: المسك، و العنبر، و الورس، و الزعفران» (2).
و في آخر: هذه الأربعة بتبديل الورس الى العود (3).
و لا يخفى انّ الأمر يدور بين الأخذ بالمطلقات، و حمل الحصر في هذه النصوص على الإضافي، أو على شدة المبغوضية. و بين الأخذ بمفهوم الحصر، و رفع اليد عن إطلاق الطيب.
لا يبعد الأخير، نعم ربما تقع المعارضة بين أخبار الحصر بالأربعة، من أنّ أحد الأربعة هو الورس أو العود، بعد الجزم بدخل واحد منهما، و لا مجال للجمع بينهما، بحمل سكوت كل على عدم البيان، بقرينة النطق في غيره، لا بيان العدم، إذ ذلك إنما يتم لو لم يكن في البين حصر المنهي عنه في الأربعة.
و إلّا فربما يشكل مثل هذا الجمع لو بنينا على حفظ ظهور الحصر بالأربعة، نعم لا بأس به لو جعل الحصر إضافيا بالنسبة الى ما يتعرضه غيره لا مطلقا. و لا يبعد ذلك، خصوصا مع عدم القول به، بل و مع قوة الفحوى في الكافور المنهي عنه في الميت، على وجه يتعدّى منه إلى الحي أيضا.
فالأولى جعل الحصر إضافيا بالنسبة إلى المقدار الثابت من العناوين المخصوصة و تقييد إطلاق الطيب به، و ذلك أيضا لو لا دعوى تعدد المطلوب في المحرم، فيؤخذ بكلا الإطلاقين، فيحرم الطيب مطلقا، و تشتد الحرمة في
خصوص الخمسة. و لعل مثل هذا الجمع، هو المشهور، فلا يقتضي حينئذ مصيرهم إلى حرمة مطلق الطيب اعراضهم عن هذه النصوص الحاصرة إلّا بعد بنائهم على عدم اشتداد الحرمة فيها أيضا، و استفادة ذلك من كلماتهم مشكل جدا، فتدبّر.
ثم إنّ المنصرف من الطيب ما يكون معظم الغرض منه ذلك، لا كل ما فيه رائحة طيبة، بل و في النص: «لا بأس بشم الإذخر و القيصوم و الخزامي و الشيخ و أشباهه» (1).
و بإطلاق الأشباه يتعدّى إلى مطلق الرياحين، كما انّ الظاهر أيضا انّ الخلوق المنسوب إلى الكعبة خارج عن حكم الطيب، لصحيحة ابن شعيب (2).
و على أي حال يحرم الطيب على المحرم استعمالا في الجهة المقصودة منها، من مثل شم أو طلي أو ادهان.
و في صرف النهي إلى مطلق الاستعمال غير المقصود منها نوعا اشكال، لو لا النص الدال على حرمة الأكل غير المتصور في بعضها نوعا، مثل صحيحة عمار (3). فإنه يقوّي الأخذ بإطلاقها لو لا دعوى انّ القرينة المنفصلة لا توجب قلب الظهور، فيؤخذ بمقدار قام النص على التعدّي من مورد انصرافه، و تبقى أصالة عدم الحرمة في غيره.
ثم إنّ في جملة من النصوص التصريح ببعض مصاديق الإطلاق مثل الشم و الاطلاء و الادهان، كل واحد في نص مخصوص. و أيضا ظاهر حرمة شمه اعماله فيه لا مطلق إيصال رائحته إلى أنفه، و لو بالوقوف في مكان مخصوص.
كيف و في النص نفي البأس عن المشي في سوق العطارين و عدم إمساك أنفه بيده بجعلها عليه (1).
نعم في بعض النصوص وجوب الإمساك عند كشف الطيب بين يديه، و لعله من جهة قرب مقدميته للإيصال إلى الأنف فيستشم منه رائحته، و أين هذا و المشي في سوق العطارين، أو الوقوف في مكان ملازم لوصول العطر إلى أنفه.
و أيضا من جملة استعمال الطيب ربما يحسب لبس ثوب فيه طيب، و لقد ورد النهي عنه أيضا في الأخبار (2).
هذا كله في شم الرائحة الطيبة، و أما الرائحة الكريهة ففي حرمته اشكال من النهي عنه في بعض النصوص، و من إمكان حمل نهيه لبيان توهم وجوب الرياضة بشمه، المناسب للمحرم، كما في النص السابق من قوله «أمر المحرم ضيق» (3)، و الأحوط تركه.
اختيارا بلا إشكال في الجملة ظاهرا بحسب فتاواهم، و لكن في النص: حرمة لبس ثوب تزرّه أو تدرعه
و لبس السراويل و الخفين و القميص و القباء (1).
و في التعدّي عنها الى مطلق المخيط و لو لم يصدق عليه مثل هذه العناوين اشكال، خصوصا مع ما ورد من شق القميص و لبسه، بل و في الطيلسان (2)نفي البأس عنه عند أخذ أزراره (3)، بل و في بعض النصوص: نفي البأس عن مزرورة أيضا (4)، فيحمل الأول على الكراهة مع انه مخيط، بل و في النص أيضا جواز شد الهميان (5)الذي فيه رزقه، و منه أيضا شد الفتق.
بل في جملة من الكلمات: إنّ لبس المخيط منصرف عن هذه الأمور جدا.
و لا يقاس المقام بإضرار نجاستها في الصلاة، لأنّ المناط فيه صدق كلمة «في»، و هو أوسع دائرة من اللبس، المنصرف إلى اللباس، كما لا يخفى.
و على أي حال لا مجال للمصير إلى إطلاق المصنف، لو لا دعوى انصرافه من أمثالها، و ذلك أيضا لو لا دعوى قوة إطلاقه للطيلسان أيضا، كما هو الشأن في كلماتهم.
و حينئذ لا بد من طرح نصه باعراضهم عنه فتوى.
ثم انّ الظاهر تخصيص الحكم بحال الاختيار، فمع الاضطرار لا بأس به،
1) وسائل الشيعة 9: 114 باب 35 من أبواب تروك الإحرام.
2) الطيلسان: تعريب (تالشان)، و هو من لباس العجم مدور أسود، و منه قولهم في الشتم: يا بن الطيلسان، يراد انك أعجمي، و عن أبي يوسف في قلب الرداء في الاستسقاء: أن يجعل أسفله أعلاه، فإن كان طيلسانا لا أسفل له، أو خميصة أي كساء يثقل قلبها، حوّل يمينه على شماله، و في جمع التفاريق الطيالسة لحمتها و سداها صوف، و الطيلس لغة فيه. المغرب 2: 16- 17.
3) وسائل الشيعة 9: 116 باب 36 من أبواب تروك الإحرام حديث 2 و 4.
4) وسائل الشيعة 9: 116 باب 36 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
5) الهميان: كيس يجعل فيه النفقة و يشدّ على الوسط، و جمعه همايين. مجمع البحرين 6: 330 «همن».
بلا لزوم شيء عليه.
و يدل عليه عموم رفع الاضطرار، بل و ما ورد في لبس القباء- عند عدم الثوب المعهود- مقلوبا، و كذلك السراويل مع الضرورة.
إلّا القفازين، و يكفي له عموم قوله عليه السّلام: «المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير و القفازين» (1).
و بمثله ترفع اليد عن قاعدة الاشتراك بين الرجال و النساء.
و ما في بعض النصوص من التعبير بالكراهة في القفازين (2)، لا يصلح قرينة على التصرّف في النواهي، لعدم إحراز أظهريته في الكراهة المصطلحة، كما هو ظاهر.
و كيف كان لا إشكال في جواز لبس الغلالة (3)للنساء، حتى ممن ألحقهن بالرجال في عدم لبس المخيط.
بل و كذلك السراويل أيضا، للنصوص المخصوصة بهما غير المطروحة عند الكل.
و أما الخنثى فلإلحاقها بالنساء وجه، للشك في اندراجهن في الرجال، و لو لم نقل بكون الحكم معنونا بعنوان الرجال، لأنه من باب الشبهة المصداقية بلا أصل يحرزه في أمثال هذه العناوين الذاتية، فالأصل فيه البراءة، و اللّٰه العالم بأحكامه.
ثم انّ من مصاديق لبس المخيط، الخف المنهي عنه بمقتضى المفهوم في النص، النافي للبأس عنه في حال الاضطرار.
و يلحق به الجورب أيضا بعين هذا الوجه، المستفاد من صحيح الحلبي، حيث قيّد جوازه بحال الاضطرار (1).
و في التعدّي عنهما إلى مطلق ما يستر ظهر القدم، و إن لم يصدق عليه اللبس نهاية إشكال، لعدم صدق اللباس الذي هو في معاقد كلماتهم، بل القدر المتيقن منها فتوى و نصا الخفان و الجورب، و في التعدّي عنهما إلى مطلق ساتر ظهر القدم اشكال، و لعله لذا جعله في تكملة استاذنا أحوط.
ثم إنّ الظاهر من النصين جواز لبس الخف و الجورب عند الاضطرار بلا شق، و في بعض النصوص الأمر بشقهما (2)، و في صلاحيته لتقييد المطلقات نظر، فتحمل هذه على الاستحباب.
و في حرمة لبس الجورب و الخف للنساء اشكال، من جهة إطلاق قوله:
«تلبس ما شاءت من الثياب» (3)، و من قاعدة الاشتراك، بعد انصراف الثياب عن الخف. و إن كان من مصاديق اللباس، لأوسعية دائرته منها.
اللهم إلّا أن يدّعى اختصاص القاعدة بمورد تكون النسبة بينهما على السوية، و إلّا فمثل الخف المختص بهم غالبا، لا مجال لجريان القاعدة، لعدم بنائهم على إلغاء الخصوصية، فلا يجيء في ذهنهم إلّا الرجال، بلا التفاتهم فيها إلى النساء أصلا، فلا مانع من جريان الأصول النافية في خفهن، كما لا يخفى.
كما هو المنصوص في تفسير الآية الشريفة: فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج (1).
و منه يظهر حكم الجدال أيضا، و هو قول: «لا و اللّٰه» و «بلى و اللّٰه» كما في صحيح معاوية، و في ذيلها «و اعلم انّ الرجل إذا حلف بثلاثة أيمان ولاء في مقام واحد و هو محرم فقد جادل، فعليه دم يهريقه و يتصدّق به.
و إذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل و عليه دم يهريقه و يتصدّق به» (2).
و في بعض النصوص تخصيص حرمته بما كان فيه معصية (3)، و هو محمول- بقرينة الاولى- على الواحدة.
و حينئذ ففي الحكم بحرمة مطلق اليمين اشكال.
و أشكل منه تعميم الحرمة لمطلق الجدال و الخصومة، و إن لم تكن في البين يمين، لحكومة الأخبار المزبورة المفسّرة للجدال، على إطلاق الجدال في الآية.
بالزئبق و غيره على المشهور، و في النص: «بئس ما صنع» (4)في قتل القملة.
و في آخر «ما لم يتعمد قتل دابة بحك رأسه» (5)، الظاهر في هوام الجسد من قملة و غيرها و كذلك في إلقائها، لما في حسن العلاء من النهي عن نزع القملة (6).
1) البقرة: 197.
2) وسائل الشيعة 9: 281 باب 1 من أبواب بقية كفارات الإحرام حديث 3.
3) وسائل الشيعة 9: 281 باب 1 من أبواب بقية كفارات الإحرام حديث 7.
4) وسائل الشيعة 9: 162 باب 78 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
5) وسائل الشيعة 9: 162 باب 78 من أبواب تروك الإحرام حديث 4.
6) وسائل الشيعة 9: 163 باب 78 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
و المخالف في المسألة الأولى ابن حمزة (1)، للصحيح المشتمل على نفي شيء في قتل القملة، و لا ينبغي أن يتعمد قتلها (2).
و في آخر: «لا بأس بقتل القملة في الحرم و غيره» (3).
و في ثالث: «لا بأس بقتل البرغوث و القملة و البقة في الحرم» (4).
و ربما يستفاد من فحاويها جواز إلقائها أيضا، لارتكاز الذهن في كون إلقائها من جهة كونها في معرض التلف، أو صرف دفع الوسخ من جسده، الموجود في قتلها.
و عليه فيمكن أن يدّعى عدم كونها معمولا بها، مع وضوح وجه الجمع بينها و بين الناهية، كما يحكى أيضا لفظ «لا ينبغي» في الصحيح السابق.
و حينئذ فيوهنها سندا أو جهة إعراض الأصحاب عنها، مع إمكان تخصيص الأخيرين بغير المحرم، و حمل «لا ينبغي» في الأول على الحرمة، و نفي الشيء فيه على نفي الكفارة.
لكنّ الانصاف بعد هذه الوجوه، لو لا الاعراض فتدبّر، و الاحتياط في مثله لا يترك جدا.
و على أي حال لا اشكال ظاهرا في جواز نقلها من محل إلى محل آخر، للصحيح: «و إن أراد أن يحول قملة من مكان إلى مكان فلا يضره» (5).
بل مقتضى إطلاقه عدم لزوم كون المحل الآخر أحرز، نعم يعتبر عدم كونه في معرض الإلقاء.
و أيضا يجوز إلقاء القراد و الحلم عن جسده بلا اشكال، للنص المشتمل على الأمر بطرحهما (1).
و كذا يجوز إلقاء القراد عن بعيره، لما في النص من تجويز إلقاء القراد عن البعير دون الحلمة (2).
و في نص آخر تنزيل الحلمة من البعير بالقملة في جسدك (3).
و إلى التفصيل المزبور ذهب جماعة، و لكن عن بعض آخر بل الأكثر، جواز إلقائهما، لإطلاق النص السابق الآمر بطرحهما.
و لكنّ الانصاف منع مقاومة مثل هذا الإطلاق للمقيدات، فمذهب الشيخ (4)هو الأقوى بل الأحوط أيضا.
قليله و كثيره، بأي سبب، من أي محل، بلا إشكال في الجملة نصا و فتوى.
و في النص: «من نتف إبطه، أو قلم ظفره، أو حلق رأسه ناسيا أو جاهلا فليس عليه شيء، و من فعله متعمدا فعليه دم شاة» (5).
و في آخر: «إطعام ثلاثة مساكين في نتف إبطه» (6).
و في ثالث: تجويز حك الرأس ما لم يدم أو يقطع الشعر (7).
1) وسائل الشيعة 9: 164 باب 79 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
2) وسائل الشيعة 9: 165 باب 80 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
3) وسائل الشيعة 9: 165 باب 80 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
4) المبسوط 1: 354.
5) وسائل الشيعة 9: 292 باب 10 من أبواب بقية كفارات الإحرام حديث 6.
6) وسائل الشيعة 9: 292 باب 11 من أبواب بقية كفارات الإحرام حديث 2.
7) وسائل الشيعة 9: 158 باب 73 من أبواب تروك الإحرام.
و ذلك كله مع غير الضرورة، و إلّا فلا بأس، للصحيح الوارد في قصة كعب (1)، و ظاهر النص جعل البدل من صيام أو صدقة، و في كونه لدفع أذى القمل أو لمحض ازالة شعره اشكال و تردد.
، لما في النص من تحريم الدهن عليه (2)، سواء كان فيه طيب أم لا، كما هو مقتضى إطلاقه، خصوصا مع التعليل في بعض النصوص بأنّ الحاج أشعث أغبر (3).
نعم لا بأس به اضطرارا، لعموم حليّة ما اضطروا إليه، بلا ترتب كفارة عليه، كما هو الشأن في كل مورد لم يجعل الشارع في اضطراره شيئا.
و في التعدّي عن صورة جهله في جعل الكفارة عليه إلى مطلق قصوره من سائر الجهات تأمل، لو لا دعوى إلغاء العرف مثل هذه الخصوصية عنه. و ذلك أيضا لو لا دعوى كون الكفارة في ظرف الجهل لجبر الحرمة، غير المجبورة من الخارج، لا يوجب الكفارة في ظرف الاضطرار، المجبور بمصلحة ترخيص الشارع.
و ذلك أيضا لو لا ظهور مثل هذه الترخيصات في محض التسهيل، غير المعلوم جبر المفسدة بها، فبقي احتمال صلاحية الكفارة للجبر بحالها في غير الجهل.
و حينئذ كان للتعدّي من الجهل إلى سائر الأعذار في ثبوت الكفارة مجال فتأمل.
بلا اشكال فيه أيضا فتوى و نصا (1)، و في النص: «إنّ إحرام المرأة في وجهها، و إحرام الرجل في رأسه» (2).
و في آخر: نفي تغطية أذنيه (3)، المستفاد منه حرمة ستر رأسه الى أذنيه.
و بمضمونهما نصوص اخرى.
و لا إشكال في شمول النواهي للتغطية بالثياب و الخمار و وضع القناع و أمثالها، و في التعدي إلى التغطية بما لا يتعارف التغطية به اشكال، و في النص «فإن كان ملبدا فلا يفيض على رأسه الماء إلّا من الاحتلام» (4)، و منه يظهر جواز الستر باليد و أمثالها أيضا.
و ظاهر تخصيص المصنف ذلك بالرجال جوازه للمرأة، كما هو المستفاد من النص السابق، من جعل إحرامها في وجهها، و به ترفع اليد عن قاعدة الاشتراك مع الرجال.
نعم يجب عليها- بمقتضى النص المزبور- أن تسفر عن وجهها، بقرينة رواية أخرى: «أحرمي و أسفري» (5)، و في آخر: «قد استترت بمروحة فأماط المروحة بنفسه عن وجهها» (6).
و ما في ذيل بعض النصوص من نفي البأس عن تغطية وجهها (7)، محمول
1) وسائل الشيعة 9: 137 باب 55 من أبواب تروك الإحرام.
2) وسائل الشيعة 9: 138 باب 55 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
3) وسائل الشيعة 9: 137 باب 55 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
4) وسائل الشيعة 9: 160 باب 75 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
5) وسائل الشيعة 9: 129 باب 48 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
6) وسائل الشيعة 9: 130 باب 48 من أبواب تروك الإحرام حديث 4.
7) وسائل الشيعة 9: 130 باب 48 من أبواب تروك الإحرام حديث 6.
على الضرورة أو على التغطية بنحو السدل، و يشهد بجوازه أخبار مستفيضة (1).
و إطلاقها يقتضي جواز الإسدال و لو مماسا لوجهها، بل و لو مع عدم حاجة إلى الستر عن الناظر المحترم، كما حكي اختياره عن العلّامة (2)و جمع آخر، و عن بعض آخر عدمه، لصدق بعض مراتب التغطية على مثله.
و لكن الأولى إخراج الإسدال عن مطلقات التغطية و اسفار الوجه، لأنها أعم من الإسدال و غيره، فيخصص بأخباره فيحمل الإسفار على ما يقابل بعض مراتب التغطية، بنحو لا يشمل الإسدال.
، للنصوص المستفيضة، المشتملة على عنوان «التظليل» (3)تارة، و «الركوب في الكنسية» (4)اخرى، و عن «ركوب القبة» (5)ثالثا، و عن «الاستتار عن الشمس» (6)رابعا، و عن «الاستظلال بالمحمل» (7)خامسا، إلى غير ذلك من النصوص، مفهوما و منطوقا.
و لذا ذهب المشهور الى حرمته، خلافا للإسكافي مستندا إلى بعض النصوص المشتملة على قوله: عن المحرم يركب في القبة، قال: «لا يعجبني ذلك، إلّا أن يكون مريضا» (8).
و في آخر: أظلل و أنا محرم؟ قال: «نعم، و عليك الكفارة»، قال: فرأيت
1) وسائل الشيعة 9: 130 باب 48 من أبواب تروك الإحرام حديث 6- 8.
2) المنتهي 2: 791.
3) وسائل الشيعة 9: 146 باب 64 من أبواب تروك الإحرام حديث 7- 8.
4) وسائل الشيعة 9: 146 باب 64 من أبواب تروك الإحرام حديث 4.
5) وسائل الشيعة 9: 146 باب 64 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
6) وسائل الشيعة 9: 147 باب 64 من أبواب تروك الإحرام حديث 6.
7) وسائل الشيعة 9: 149 باب 66 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
8) وسائل الشيعة 9: 146 باب 66 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
عليا إذا قدم مكة ينحر بدنة لكفارة الظل (1).
و في ثالث: «لا بأس بالظلال للنساء، و قد رخص ذلك للرجال» (2).
و لا يخفى انّ حملها على صورة الاضطرار أولى من الحمل على الكراهة، بقرينة ارتكاب علي عليه السّلام، بل و يشعر به وجوب الكفارة المناسبة لجبره لمفسدة التظليل، البالغة حد اللزوم.
و يمكن حمل النواهي على الحرمة الاقتضائية، و الرخصة على صرف الرخصة لمحض مصلحة التسهيل، نظير باب السواك، بل و زيارة الحسين عليه السّلام مع ما فيه من المصلحة العظيمة فوق سائر المصالح الملزمة بشهادة قوله: «رخص في الرجال» قبال نفي البأس في النساء.
و مثل هذا الجمع يلائم مع جعل الكفارة أيضا، لمحض جبر المفسدة الملزمة.
لكن عمدة ما في البين اعراض المشهور عن المرخصة، و إلّا فالجمع الأخير أقرب الجموع في الباب، كما لا يخفى.
هذا، ثم انّ ظاهر التظليل في المطلقات بقرينة ما في النصوص من نفي البأس عن التظليل لمطر أو حر شمس هو تظليل رأسه، لا احداث الظل على بدنه بأي وجه كان، و لو بالمشي في فيء المحامل.
و في النص المحكي في المستند أيضا تجويز هذا المشي (3).
و في وجوب ترك تظليل سائر بدنه زائدا على رأسه إشكال، لما في الصحيح من نفي البأس على الاستتار بطرف ثوبه ما لم يصب رأسه،
فلا محيص حينئذ عن حمل المطلقات على خصوص الرأس، أو على الكراهة بالنسبة إلى سائر بدنه، مع بقائه على الحرمة بالنسبة إلى رأسه، و لا ضير فيه بعد كون القرينة على صرف الظهور منفصلة، كما لا يخفى على العارف بالصناعة.
و إطلاقات تظليل الرأس و إن اقتضت حرمته في أي حال، إلّا أنّ النص المشتمل على محاجة أبي يوسف مع أبي الحسن (1)صريح في الفرق بين الاستظلال بالمحمل و الخباء. و معلوم انّ الأول مختص- بقرينة الغلبة- بحال الركوب، و الثاني بحال عدمه. بل المنصرف منه أيضا كونه في حال السير أيضا، و إليه أشار المصنّف بتقييده بحال السير. و إطلاق جواز المشي تحت الظلال في نص المستند أيضا يشمله، فلا بأس به اختيارا.
كما انّ قضية نفي البأس به للمطر و لحر الشمس جوازه اضطرارا، و مقتضى بعض النصوص السابقة تخصيص الحكم بالرجال، فلا بأس به للنساء و الصبيان، و في نص حريز أيضا التصريح بالجواز فيهما، فراجع.
بلا اشكال فيه في الجملة فتوى و نصا، و في الصحيح: «و من قلّم أظفاره ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليه، و من فعله متعمدا فعليه دم» (2). و إطلاق الجاهل يشمل الجاهل بالموضوع و الحكم، قاصرا أو مقصرا. و في شموله للشاك في الحكم عن تقصير نظر، لصدق التعمد بفعله، مع احتمال تنجز الحكم عليه.
نعم تخرج منه حال الضرورة، لقوله عليه السّلام في نص آخر: «إن كان
يؤذيه فليقطعها و ليطعم مكان كل ظفر قبضة من الطعام» (1).
و عموم نفي الشيء في حال النسيان و غيره يوجب تخصيص هذه الكفارة بحال الاضطرار.
و في النص:
«كل شيء ينبت في الحرم فهو حرام على الناس أجمعين، إلّا ما أنبتّه أنت أو غرسته» (2).
و في نص آخر: حرم فرع الشجر في الحل لحرمة أصله الذي كان في الحرم (3). كما انّ في عكسه يحرم أصله لحرمة فرعه. و كل شيء ينبت في الحرم فلا يجوز قطعه على وجه، و منه يعلم حكم النابت في غير الحرم إن كان فرعه فيه.
و ظاهر الإطلاق عدم الفرق بين اليابس و الرطب، و توهم الانصراف الى الثاني ممنوع.
نعم منصرف الإطلاق عدم الفرق بين اليابس و الرطب، و توهم الانصراف الى الثاني ممنوع.
نعم منصرف الإطلاقات حرمة قطعه، و أما أخذ المنفصل منها و استعماله، فغير مندرج تحت العنوان.
كما انّ الظاهر من النصوص أيضا حرمة قطعه من الأرض، و أما إخراج المتكون فيها مثل الكمأة و أمثالها، ففيه اشكال، للشك في الاندراج تحت الدليل.
و قيّد المصنف الحكم المزبور بقوله: في غير ملكه، و الظاهر انّ المراد
منه النابت في منزله، لا قطع كل ما كان في ملكه.
و في الصحيح «إن بنى المنزل و الشجرة فيه فليس له أن يقلعها، و إن كانت نبتت في منزله و هو له فليقلعها» (1).
و في نص آخر: «يقلع الشجرة من مضربه و منزله» (2).
و في ثالث: «ما كان في ملكه و داخلا عليك» (3).
بل و في النص السابق: نفي البأس عن قلع ما أنبته و غرسته، الشامل لغير ملكه.
و من المجموع يستفاد تخصيص الحرمة بما نبت بغير غرسه و إنباته، و كان حال نبته في غير مضربه أو ملكه، و إلّا فلا بأس به، من دون اختصاص للمنزل في الجهة الأخيرة، فتخصيص بعضهم به منظور فيه.
ثم انّ الحكم المذكور على هذا التفصيل عام لكل شجرة إلّا في شجر الفواكه و الإذخر و النخل، و في الصحيح: استثناء النخل و شجر الفواكه (4).
و في الحسن أيضا جواز قلع الإذخر (5).
و في بعض النصوص: استثناء عود البكرة التي يستقى بها الماء (6).
و الاشكال في الوثوق بسنده، لعدم الفتوى من المتأخرين على طبق مضمونه،
1) وسائل الشيعة 9: 174 باب 87 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
2) وسائل الشيعة 9: 173 باب 87 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
3) وسائل الشيعة 9: 174 باب 87 من أبواب تروك الإحرام حديث 6.
4) وسائل الشيعة 9: 173 باب 87 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
5) وسائل الشيعة 9: 174 باب 87 من أبواب تروك الإحرام حديث 6.
6) وسائل الشيعة 9: 174 باب 87 من أبواب تروك الإحرام حديث 5.
مع عمل القدماء به، فلا يترك الاحتياط في مثله.
و أشكل منه ما ورد في جواز أخذ العصا للراعي، إذ لم يعلم عامل به أصلا (1).
و في شمول النواهي لإرسال البعير في حشيش الحرم اشكال، و في النص أيضا: «يخلّى البعير يأكل في الحرم ما شاء» (2)، بل في بعض النصوص: نفي البأس عن نزع حشيش الحرم ليأكله البعير إذا لم يكن شيء يأكله (3)، و لعله محمول على الضرورة.
، و في تكملة أستاذنا العلامة:
جعله من المحرمات، وفاقا للمشهور في الجملة.
و في النص: النهي عن الكحل الأسود إلّا من علة (4).
و في آخر: «إنّ السواد زينة» (5).
و في ثالث: «أما بالسواد فلا» (6).
و إطلاقها يشمل ما لم يقصد به الزينة بل المنشأ كونه زينة ذاتا.
و في نص آخر: النهي عن كحل فيه زعفران، و ليكتحل بكحل فارسي (7).
1) مستدرك وسائل الشيعة 9: 174 باب 87 من أبواب تروك الإحرام حديث 10.
2) وسائل الشيعة 9: 176 باب 89 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
3) وسائل الشيعة 9: 177 باب 89 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
4) وسائل الشيعة 9: 111 باب 33 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
5) وسائل الشيعة 9: 112 باب 33 من أبواب تروك الإحرام حديث 4.
6) وسائل الشيعة 9: 112 باب 33 من أبواب تروك الإحرام حديث 7.
7) وسائل الشيعة 9: 112 باب 33 من أبواب تروك الإحرام حديث 6.
و في آخر: «لا بأس بكحل ليس فيه طيب، فأما للزينة فلا» (1).
و لا يبعد تقييد الأولى أيضا بصورة قصد الزينة، لأخصيتها من السابقة.
و توهم أعمية هذه من حيث السواد، مدفوع بأنه منزّل على الغالب، من كون الزينة بالسواد.
كما انّ الكحل الفارسي محمول- بقرينة المقابلة- على ما ليس فيه طيب، كما انه يحمل أيضا على عدم كونه أسود المناسب للزينة.
و عليه فلا وجه لرفع اليد عن هذه النواهي، و الحكم بكراهة الاكتحال مطلقا، كما عن المصنف، إلّا بدعوى انصراف كلامه إلى كحل لم يكن فيه طيب، لكون نظره الى الكحل بما هو كحل، بضميمة دعوى استفادة كراهة ما قصد به الزينة كلية، من إطلاق الترخيص الوارد في الخاتم، في قبال نهيه المقيد بالزينة، بالتقريب الآتي، فتدبّر.
و مما ذكرنا ظهر وجه كراهة النظر في المرآة أيضا.
ثم إنّ في بعض نصوصه: «فإن نظر فليلبّ» (2)، و ظاهره وجوب التلبية، و لكنه محمول على الاستحباب إجماعا.
ثم إنّ في التعدّي إلى غير المرآة من سائر الأجسام الصيقلية، و المياه الصافية غير المعدة للزينة، نظر كما لا يخفى.
، و لعله للجمع بين النهي عنه، مقيدا بكونه للزينة (3)، و بين إطلاق قوله: «لا بأس بلبس الخاتم
للمحرم» (1)، و نظيره ما في صحيح ابن بزيع (2).
و لا يخفى انّ ذلك فرع تقديم الإطلاق على التقييد بالزينة، بحمله على المرجوحية، و إلّا فلا محيص عن التقييد، و الالتزام بالحرمة عند قصد الزينة، مؤيدا ذلك بأنّ «الحاج أشعث أغبر».
و الانصاف انّ الجمع الأول لا يخلو عن قوة، خصوصا مع غلبة الزينة في لبسه، مؤيدا ببنائهم على كراهة الحناء للزينة، لمثل هذا الجمع. و ربما كانت فيه شهادة الكراهة، في كل ما علل بالزينة من الكحل بالسواد، أو النظر في المرآة و غيرهما.
و عمدة النكتة فيه، هو انّ النهي في الموارد المتعددة إذا علل بجهة واحدة، يكشف ذلك عن أن تمام المناط للنهي هي هذه الجهة، و انّ اختلاف الموارد إنما هو من قبيل تعدد المصاديق للمنهي عنه.
و حينئذ فلو ورد في مورد منها قرينة على الحمل على الكراهة، تتعدّى الكراهة إلى بقية المصاديق، و لا ينظر حينئذ إلى تعدد المورد و اختلاف الموضوع، كما هو ظاهر.
و بهذه الملاحظة ربما أجاد المصنف في مصيره إلى الكراهة في المقامات المذكورة.
و ما في الجواهر- في النظر في المرآة- من عدم الداعي لحمل نواهيه على الكراهة (3)، منظور فيه. كالنظر في مصيره إلى الحرمة في الكحل الأسود. نعم لا بأس به إذا كان فيه طيب، للنهي عنه، مضافا إلى كونه نحو استعمال
للطيب. و لذا احتملنا انصراف كلام المصنف عما كان فيه طيب كالزعفران و نحوه، لإمكان دخل الطيب في حرمة الاكتحال المزبور، لشدة مناسبته معه.
ثم الكلام في انّ رائحته دخيلة فيه، أو انّ تمام المناط كونه مع زعفران أو غيره، وجهان، لا يبعد المصير إلى الأول، لسوق إطلاق الزعفران مساق الغالب، فلا حجية لإطلاقه، الشامل لصورة سلب الرائحة، على وجه لا يصدق عليه انه طيب، كما لا يخفى، فتدبّر.
، و في الشرائع عبّر بإخراج الدم (1)بحجامة أو بغيرها. و لعله للتعدّي عن نصوص الحجامة، و ليس ببعيد، كما لا يخفى.
و على أي حال في النص: النهي عن الحجامة، إلّا أن يخاف التلف (2).
و في آخر: كذلك، إلّا أن لا يجد بدا في ذلك (3).
و في بعض آخر: نفي البأس عنه (4).
و في آخر: «لا أحبه» (5).
و لا يخفى بعد حمل الأخير على صورة اللابدية، أو خوف التلف، فلا محيص عن التصرّف في النواهي بالحمل على الكراهة، كما لا يخفى.
، و دخول الحمام. أما الأخير فللجمع بين
النص الناهي (1)، و النافي للبأس (2).
و أما الأول فللصحيح: «يفيض الماء على رأسه و لا يدلكه» (3)، بعد الإجماع على جوازه ما لم يدم، و لا يسقط شعرا.
و لعلّه من جهة فحوى الجواز في الحك بشرط القيدين، كما سيأتي.
و لئن تعدينا عن الحجامة إلى مطلق الإدماء، فلازمه حمل قيد الإدماء على الأشدية في الكراهة في إدمائه.
نعم قد يشكل الأمر عند قلع شعرة فيبقى قيده على ظهوره في الحرمة، لو لا دعوى عدم القول بالفصل بينهما، فالمسألة في المقامين لا تخلو عن اشكال.
لمفهوم جوازه عند خوف العدو (4).
و في حسن حريز: التعبير ب «لا ينبغي» (5).
و في آخر: «و لكن إذا دخل مكة لم يظهره» (6).
و بمثلهما ترفع اليد عن مفهوم النص السابق.
نعم في الخصال: «لا تخرجوا بالسيوف إلى الحرم» (7)، و هو غير مرتبط بلبس السلاح، بل غايته كون الحرام الإخراج بالسيوف، و ذلك أيضا لو لا
1) وسائل الشيعة 9: 159 باب 73 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
2) وسائل الشيعة 9: 159 باب 73 من أبواب تروك الإحرام حديث 4.
3) وسائل الشيعة 9: 158 باب 73 من أبواب تروك الإحرام.
4) وسائل الشيعة 9: 137 باب 54 من أبواب تروك الإحرام.
5) وسائل الشيعة 9: 358 باب 25 من أبواب مقدمات الطواف حديث 1.
6) وسائل الشيعة 9: 359 باب 25 من أبواب مقدمات الطواف حديث 2.
7) الخصال 2: 616، وسائل الشيعة 3: 460 باب 30 من أبواب مكان المصلي حديث 6.
كون المراد من الإظهار في النص السابق، هو الإخراج بسيفه مثلا، و إلّا فيحمل حينئذ الإخراج المزبور في الحرم أيضا على الكراهة، اللهم إلّا أن يحمل ذلك على شدة المبغوضية و الحرمة، و فيه تأمل و نظر.
و حينئذ فيكون الحكم فيه هي الكراهة اختيارا مثل سابقيه على أحد القولين في ذلك كله، و المشار إليه في ذلك هي الأمور المتقدّمة، من الاكتحال الى هنا.
و ألحق بها النقاب للمرأة، لذهاب المشهور إلى حرمته أيضا. نعم جعله في الشرائع في عداد المكروهات على تردد (1)، و في تكملة أستاذنا العلّامة جعله من المحرمات.
و عمدة نظر المشهور إلى إطلاق قوله: «إحرام المرأة في وجهها» (2).
و لكن قد عرفت جواز الإسدال عليها و إن مس وجهها، و حينئذ لا يبعد شموله للنقاب، خصوصا مع ما ورد بلفظ الكراهة في النقاب تارة (3)، و في البرقع اخرى (4)، و لذا أمكن تخصيص نواهي التغطية، مع عدم صلاحية لفظ الكراهة في الصدر الأول للقرينية.
لكن الإنصاف أنّ في التشكيك المزبور نظرا جدا، كما لا يخفى.
على ما حكي عن غير واحد، لصحيح ابن مسلم: عن الرجل يحرم في ثوب وسخ؟ قال: «لا، لا أقول انه
حرام، و لكن تطهيره أحب اليّ، و طهوره غسله» (1).
، و في النص: نفي البأس عنه، و تركه أحب اليّ إذا قدر على غيره (2).
و في نص آخر: تخصيص الكراهة بالملحم (3)، و هو أيضا محمول على مرتبة اخرى.
، لإطلاق نفي البأس عنه في بعض النصوص الحاكي عن جوازه مطلقا (4)، قبال ما دل من التعليلات السابقة على النهي عن أمور للزينة، بحمل النواهي على الكراهة، فيستفاد حينئذ من المجموع كراهة الحناء للزينة لا مطلقا. و ذلك أيضا من شواهد حمل النواهي في الموارد السابقة على الكراهة، فلا مجال للتفكيك بين المقامات، بعد استفادة وحدة المناط من التعليلات بالزينة.
و في النص الوارد في خضاب المرأة الخائفة من الشقاق قبل إحرامها:
«لا يعجبني» (5)، و هو ظاهر في كراهته للزينة، المتعدّي عنه إلى الرجل أيضا بقاعدة الملازمة، على فرض التمامية من ذلك الطرف، بضميمة التعدّي عنه إلى ما بعد الإحرام بالفحوى، فتدبّر.
، للجمع بين النصين الناهي و المجوز (6)، كما لا يخفى على من راجع المطولات.
1) وسائل الشيعة 9: 117 باب 38 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
2) وسائل الشيعة 9: 118 باب 39 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
3) وسائل الشيعة 9: 118 باب 39 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
4) وسائل الشيعة 9: 100 باب 23 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
5) وسائل الشيعة 9: 100 باب 23 من أبواب تروك الإحرام حديث 2.
6) وسائل الشيعة 9: 161 باب 76 من أبواب تروك الإحرام.
للجمع المذكور (1).
، لما في الصحيح: «لا تمس ريحانا و أنت محرم» (2)، و يجمع بينه و بين صحيح معاوية: من نفي البأس عن شم الإذخر و القيصوم و الخزامي و الشح، و أشباهه (3)الشاملة للريحان.
و يمكن الجمع بتخصيص الأشباه بالنهي السابق بالنسبة إلى الريحان، لكن الجمع الأول أظهر، لأقوائية هذا الإطلاق، من ظهور النهي في الحرمة، كما لا يخفى.
و يجوز حك الجسد و السواك ما لم يدم، و ذلك لما في النص من قوله: «ويحك الجسد ما لم يدم» (4).
و في آخر «أو يقطع الشعر» (5).
و في نص آخر عن المحرم يستاك؟ قال: «لا بأس و لا يدمي» (6).
و في ثالث: يصلح له أن يستاك؟ قال: «لا بأس، و لا ينبغي أن يدمي» (7).
و ظاهر ذيله عدم حرمة الإدماء، و يؤيده فحوى ما دل على كراهة الحجامة، لما تقدم. و به ترفع اليد عن ظهور النهي السابق في حرمة الإدماء،
1) وسائل الشيعة 9: 160 باب 75 من أبواب تروك الإحرام.
2) وسائل الشيعة 9: 94 باب 18 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
3) وسائل الشيعة 9: 101 باب 25 من أبواب تروك الإحرام.
4) وسائل الشيعة 9: 159 باب 73 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
5) وسائل الشيعة 9: 159 باب 73 من أبواب تروك الإحرام حديث 1.
6) وسائل الشيعة 9: 159 باب 73 من أبواب تروك الإحرام حديث 3.
7) وسائل الشيعة 9: 159 باب 73 من أبواب تروك الإحرام حديث 5.
في أي مورد و بأي سبب، من دلك أو حك أو سواك، بعين ما ذكرنا في باب الزينة.
كما انّ صدره ظاهر في جوازه بلا كراهة.
و من كراهة الدلك بإطلاقه، يتعدّى إلى الحك و السواك أيضا، فيستفاد أنّ في إدمائه شدة الكراهة.
نعم في قطع الشعرة مع الحك- كما في النص- الساري في الدلك بالفحوى اشكال، لعدم قرينة على كراهته، فيؤخذ بظهور قيده في الحرمة، لو لا دعوى عدم الفصل بينه و بين سائر أنواع الإدماء.
ثم إنّ كراهة الإدماء- بمناط الحجامة- إنما هو في مورد كان لغير المحرم جائزا، و إلّا فمع كونه نحو جرح منهي عنه، يحرم على غير المحرم، فضلا عنه، كما هو ظاهر.
أو بما يوجب الشهرة.
و يدل على مرجوحية الأول ما في النص: «لا يحرم في الثوب الأسود» (1).
و على مرجوحية الثاني ما في نص آخر: «و لكن أكره أن تلبس ما يشهرك به الناس» (2).
و في قبالهما عموم جواز الإحرام في كل ثوب يصلّي فيه (3)، و الجمع- خصوصا في الأخير- بالحمل على الكراهة المصطلحة، هو المتجه، كما لا يخفى.