ghaemiyeh.com
سرشناسه : عراقی، ضیاءالدین، ۱۲۴۰ - ۱۳۲۱.
عنوان قراردادی : تبصرهالمتعلمینفیاحکامالدین. شرح
عنوان و نام پديدآور : شرح تبصره المتعلمین/ تالیف ضیاءالدین العراقی.؛ تحقیق محمدالحسون.
مشخصات نشر : قم: الجماعه المدرسین فی الحوزه العلمیه بقم، موسسه النشرالاسلامی، ۱۴۱۴ = [-۱۳۷۲]
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسسه النشر الاسلامی التابعه لجماعه المدرسین بقم المشرفه؛ ۵۹۱ ، ۵۹۲، ۵۹۳، ۵۹۴.
شابک : ۲۸۰۰ ریال (ج. ۵)
يادداشت : عربی.
يادداشت : این کتاب شرحی است بر "تبصره المتعلمین فی احکام الدین" علامه حلی.
يادداشت : ج.۲ (چاپ اول: ۱۴۱۴ق.[=۱۳۷۷]).
يادداشت : ج. ۵ (چاپ اول: ۱۴۱۳ ق. = ۱۳۷۱).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : علامهحلی، حسنبنیوسف، ۷۲۶ - ۶۴۸ق. تبصره المتعلمینفی احکامالدین -- نقد و تفسیر.
موضوع : فقه جعفری -- قرن ۷ق.
شناسه افزوده : حسون، محمد، ۱۳۳۸ - ، مصحح
شناسه افزوده : علامه حلی، حسنبن یوسف، ۷۲۶ - ۶۴۸ق. تبصره المتعلمین فی احکام الدین. شرح
شناسه افزوده : جامعه مدرسین حوزه علمیه قم. دفترانتشارات اسلامی
رده بندی کنگره : BP۱۸۲/۳/ع۸ت۲۰۲۱۶۵ ۱۳۷۰ی
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۴۲
شماره کتابشناسی ملی : م۷۳-۱۷۰۲
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السّلام على خير خلق اللّٰه أجمعين أبي القاسم محمّد، و على آله الطيبين الطاهرين، و اللعن الدائم المؤبّد على أعدائهم أعداء اللّٰه من الآن إلى قيام يوم الدين.
و بعد، تشهد الجمهورية الإسلامية في إيران- و منذ نجاح الثورة الإسلامية فيها بقيادة زعيمها الديني و السياسي الإمام الخميني رضوان اللّٰه تعالى عليه- تطورا ملحوظا في مجال تحقيق تراث أهل البيت عليهم السّلام و طبعه و نشره بالشكل اللائق و المناسب به. و قد تأسست عدّة مؤسسات علمية تحقيقية من أجل القيام بهذا العبء الثقيل، و في مقدمتها مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في مدينة قم المقدسة، حيث قامت هذه المؤسسة الفتية بطبع المئات من الكتب التراثية التي تعد من المصادر الرئيسية عندنا.
و لم تكتف بذلك القدر فقط، بل تجاوزته إلى إنشاء مركز علمي لتحقيق التراث، حيث يضم هذا المركز نخبة من العاملين في مجال التحقيق، و هم بحمد اللّٰه تعالى و توفيقه يقومون بتحقيق العشرات من أمهات الكتب، فبعضها قد طبع، و البعض الآخر تحت الطبع، و الآخر قيد التحقيق.
و في إحدى زياراتي المتكررة لهذه المؤسسة التحقيقية اقترح عليّ الاخوة المسئولون فيها المساهمة في إحياء كتاب من الكتب التي قررت هذه المؤسسة
تحقيقها، فأجبت الطلب، و اخترت هذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ، و هو شرح تبصرة المتعلمين للعالم الجليل آية اللّٰه العظمى الشيخ ضياء الدين العراقي تغمّده اللّٰه برحمته الواسعة.
و قد قدّمت للكتاب مقدّمة بسيطة تبحث عن التبصرة و مؤلّفها و الشرح و مؤلّفه.
يعتبر هذا الكتاب من المتون الفقهية المختصرة و على طريق الفتوى، و يحتوي على دورة فقهية تامة من الطهارة إلى الديات، و قد أحصى بعض الفضلاء مسائله في أربعة آلاف مسألة.
و بالنظر لو جازته و سلاسة عبارته كثر اهتمام الفقهاء به منذ عصر مؤلّفه حتى هذه الأيام، و تولّوه بالشروح و التعليق و الدرس و البحث، و هو الآن من الكتب الدراسية في مبادئ الفقه (1).
ذكره مصنّفه العلّامة الحلي رحمه اللّٰه في الإجازة، و قال: إنّه مجلد (2)، و ذكره أيضا في الخلاصة ضمن مؤلفاته (3).
و قد طبع هذا الكتاب عدّة مرات و بطبعات مختلفة:
منها: طبعة حجرية صغيرة الحجم، صحّحها الآقا ميرزا عبد الحسين الحائري سبط آية اللّٰه الحائري اليزدي، طبعته المكتبة العلمية الإسلامية في طهران في رجب سنة 1372 ه، و تقع هذه الطبعة في 125 صفحة، و طبع معها رسالة واجب الاعتقاد للعلّامة المجلسي.
و منها: طبعة حروفية بتحقيق السيد أحمد الحسيني و الشيخ هادي اليوسفي، طبعت في مجمع الذخائر الإسلامية ضمن سلسلة المختار من التراث رقم 4. و قد اعتمدا في تحقيقه على نسخة قديمة ضمن مجموعة في مكتبة المجلس في طهران برقم 4953، تأريخها 25 ربيع الثاني سنة 759 ه، و على الورقة الأولى منها اجازة فخر الدين للكاتب.
و نتيجة لأهمية هذا الكتاب و بالرغم من صغر حجمه فقد تناوله العلماء بالتعليق و الشرح، حتى ذكر بعض المحققين أنّ له 35 شرحا، ذكر جلّها الشيخ الطهراني في الذريعة، و هي:
(1) بصائر السالكين في شرح تبصرة المتعلمين: للسيّد معز الدين محمد المهدي ابن الحسن الحسيني القزويني الحلّي المتوفّى في الثاني عشر من ربيع الأوّل سنة 1300 ه، و هو شرح مبسوط فيه تمام كتب الفقه إلّا الحج، في ثمانية عشر مجلدا كتابيا توجد في مكتبته بالحلّة (1).
(2) التذكرة في شرح التبصرة: للسيد أبي القاسم بن الحسين ابن لنقي الرضوي القمي الكشميري المولد، المتوفّى بلاهور سنة 1324 ه (2).
(3) حلية المجتهدين في شرح تبصرة المتعلمين: للسيد مهدي بن الحسن القزويني الحلّي النجفي المتوفّى سنة 1300 ه، و هو في أربع مجلدات مستخرجة من شرحه الكبير الموسوم (بصائر السالكين)، و حكى بعض أحفاده أنّ الأصل و المختصر كلاهما موجودان بمكتبته بالحلّة، لكن ذكر أبو المجد المدعو بآقا رضا الأصفهاني أنّ الشرح المختصر في مجلدين و اسمه (نور البصائر) (3).
(4) شرح التبصرة: للشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، نسبه إليه تلميذه
السيد كاظم الرشتي في بعض تصانيفه (1).
(5) شرح التبصرة: كان عند العلّامة النوري، و لم يعرف مؤلّفه (2).
(6) شرح التبصرة: للسيد حسن بن إسماعيل الحسيني القمي الحائري (3).
(7) شرح التبصرة: للحجة المرحوم السيد عبد الحسين بن السيد يوسف شرف الدين العاملي، المتوفّى سنة 1378 ه، خرج منه كتاب الطهارة، و هو من كتبه التي نهبت سنة 1329 ه (4).
(8) شرح التبصرة: للشيخ محمد حسين بن الشيخ حسين آل أبي خمسين الأحسائي، المتوفّى سنة 1310 ه (5).
(9) شرح التبصرة: فارسي، للفاضل زين العابدين ذي المجدين، الأستاذ في جامعة طهران، طبع في مجلدين، و هو من منشورات الجامعة (6).
(10) شرح التبصرة: للمولى محمد شريف ابن المولى محمد حسين ابن المولى محمد محسن ابن المولى حسين بن علم الهدى ابن الفيض الكاشاني، لم يتمه، توجد نسخة منه بخطه في كرمانشاه عند أحد أحفاده و هو المولى آقا مهدي الذي توفي سنة 1346 ه (7).
(11) شرح التبصرة: للعلّامة الميرزا صادق التبريزي، المتوفّى سنة 1351 ه، انتهى فيه إلى أحكام السلس، كما ذكره ولده (8).
(12) شرح التبصرة للحجة الشيخ ضياء الدين العراقي، و هو هذا الكتاب الذي بين يديك (1).
(13) شرح التبصرة: للشيخ عبد الصاحب ابن الشيخ محمد حسن الصغير ابن العلّامة الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، النجفي (2).
(14) شرح التبصرة: للعلّامة السيد محمد علي ابن الأمير السيد محمد حسين ابن الأمير محمد علي الكبير ابن الأمير محمد إسماعيل الحسيني المرعشي الشهير بالشهرستاني، المتوفّى سنة 1287 ه. و هو شرح مزجي مبسوط خرج منه مجلدان في الطهارة و الدماء و الصوم (3).
(15) شرح التبصرة: للعلّامة الشيخ علي ابن المولى إبراهيم القمي النجفي، المتوفّى سنة 1371 ه، و هو شرح مبسوط في أربعة أربعة مجلدات (4).
(16) شرح التبصرة: للمولى محمد علي الموصوف بالمجتهد القرداغي جد العلّامة الميرزا صادق التبريزي (5).
(17) شرح التبصرة: للسيد محسن الأعرجي، ينقل عنه السيّد محمد تقي اللكنهوي في شرحه الموسوم (هداية المسترشدين) (6).
(18) شرح التبصرة: للعلّامة السيد محسن الأمين، المتوفّى سنة 1371 ه، طبع مع المتن في سنة 1342 ه (7).
(19) شرح التبصرة: للسيد محسن ابن السيد مهدي الطباطبائي الحكيم
النجفي، يقع في خمس مجلدات (1).
(20) شرح التبصرة: للمولى محمد محسن ابن المولى محمد سميع (2).
(21) شرح التبصرة: للمولى محمد بن عاشور الكرمانشاهي، خرج منه الطهارة إلى آخر الدماء، ثم الصوم و الزكاة و الخمس (3).
(22) شرح التبصرة: للشيخ مرتضى بن محمد حسن المظاهري الأصفهاني (4).
(23) شرح التبصرة: للسيد مهدي القزويني، و الذي له شرحان آخران أيضا:
أحدهما (بصائر الدرجات) و الآخر (حلية المجتهدين) (5).
(24) شرح التبصرة: للشيخ موسى بن جعفر بن باقر الكرمانشاهي الحائري المتوفّى حدود سنة 1340 ه (6).
(25) شرح التبصرة: للمولى محمد مهدي ابن المولى محمد محسن ابن المولى محمد سميع الكرمانشاهي، و هو ناقص و صل فيه الى آخر كتاب الطهارة (7).
(26) شرح التبصرة: للسيد هاشم بن أحمد بن الحسين الموسوي الأحسائي، المتوفّى سنة 1309 ه (8).
(27) فقه الصادق: للسيد صادق ابن الميرزا محمود بن صادق الروحاني القمي، طبع منه ثلاثة أجزاء (9).
(28) نصرة المستبصرين في شرح تبصرة المتعلمين: لمحمد حسن ابن ملا محمد جعفر الأسترآبادي، المتوفّى سنة 1318 ه، خرج منه إلى أواخر المياه (1).
(29) نفائس التذكرة في شرح التبصرة: لمحمد رضا بن قاسم الغراوي النجفي، خرج منه 125 كرأسه (2).
(30) نهاية التذكرة لمدارك التبصرة: لعلي بن الجواد بن علي المرندي، يقع في أحد عشر مجلدا ضخما، انتهى منه في العاشر من رجب سنة 1357 ه (3).
(31) هداية المسترشدين في شرح تبصرة المتعلمين: لمحمد تقي بن حسين بن دلدار علي النقوي النصيرآبادي (4).
و بالإضافة لما مرّ من الشروح، عليه حواش و تعليقات كثيرة، حيث قال الطهراني في الذريعة: عليه حواش فتوائية كثيرة لكنها مختصرة غير قابلة للذكر (5).
و له تكملة أيضا لآية اللّٰه الشيخ محمد كاظم الخراساني المتوفّى 1329 ه، حيث عمد إلى التبصرة و غيّر بعض مواضيعها على طبق فتوى نفسه. ثم شرح هذه التكملة تلميذه السيد حسن بن الحاج آقا مير القزويني الحائري (6).
و لهذا الكتاب- تبصرة المتعلمين- نسخ خطية كثيرة:
منها: نسخة العلّامة النوري و التي بخط ابن عم الآبي، قرأها على المؤلّف العلّامة فكتب له العلّامة بخطه اجازة على ظهرها، و لا يعلم إلى من انتقلت بعده، و لعلها اليوم في طهران عند سبطه النوري. هذا ما قاله الطهراني في
الذريعة (1).
و منها: نسخة عتيقة تاريخها سنة 749 ه، و كانت سابقا من موقوفات مدرسة فاضل خان، ثم نقلت إلى مكتبة الآستانة الرضوية في مشهد المقدسة و أعطيت رقم 13854.
و منها: نسخة عتيقة أيضا تاريخها سنة 753 ه، محفوظة في مكتبة الآستانة الرضوية في مشهد المقدسة تحت رقم 2281.
و منها: نسخة عتيقة أيضا تاريخها سنة 759 ه، محفوظة في مكتبة مجلس الشورى في طهران ضمن المجموعة المرقمة 4953.
1) الذريعة 3: 321 رقم 1180.
(1) اسمه و نسبه (2) موطنه (3) مولده (4) أسرته (5) نشأته (6) عصره و معاصروه (7) مشايخه في القراءة و الرواية (8) تلامذته و الراوون عنه (9) إطراء العلماء له (10) مؤلّفاته (11) العلّامة و السلطان اولجايتو (12) العلّامة و الشعر (13) وفاته و مدفنه.
قال المترجم في ذكر اسمه و نسبه: الحسن بن يوسف بن علي بن مطهّر- بالميم المضمومة، و الطاء غير المعجمة، و الهاء المشددة، و الراء- أبو منصور الحلّي مولدا
و مسكنا (1).
فاسمه: الحسن، كما ذكره هو بنفسه و اتفق عليه أكثر المؤرخين، لكن بعض مؤرخي العامة ذكر أنّ اسمه الحسين، كالصفدي (2)و ابن حجر (3)و غيرهما (4)
و ذكره خير الدين الزركلي في الإعلام 2: 227 باسم الحسن، قال: و يقال الحسين، و أورد في ص 228 صورة صفحة من كتاب نهج المسترشدين للعلامة فيها أن اسمه الحسن، و قال: و يخطئ من يسمّيه الحسين.
و هو خطأ واضح، لمخالفته لما ذكره هو بنفسه في الخلاصة، و جميع كتبه الموجودة الآن بخطه أو خط تلاميذه، و لمخالفته لأكثر المؤرخين و من ذكر اسمه، سواء في الإجازات أم غيرها.
و منه يظهر فساد ما ذكره الشيخ علي بن هلال الجزائري في إجازته للمحقّق الكركي (5)، و ابن حجر (6)، و الشيخ شمس الدين كما نقله عنه الصفدي (7)من أن اسمه يوسف، و كذا ما ذكره الشيخ إبراهيم القطيفي من أن اسمه محمد كما نقله عنه المولى الأفندي (8)، و كذا ما ذكره الحاج خليفة حيث قال: .. جمال الدين ابن
1) الخلاصة: 45.
2) الوافي بالوفيّات 13: 85.
3) ذكره في الدرر الكامنة 2: 49 باسم الحسن، و في 2: 71 باسم الحسين، و قال في ص 72: و قيل اسمه الحسن. و ذكره في لسان الميزان 2: 317 باسم الحسن، و في 6: 319 باسم يوسف.
4) كصاحب كتاب السلوك و صاحب كتاب المنهل كما عنهما في حاشية النجوم الزاهرة 9: 267، و في الأصلين اللذين اعتمد عليهما محقق النجوم الزاهرة: الحسن، فاشتبه على المحقق الأمر و أثبته في الأصل باسم الحسين و قال في الهامش: في الأصلين حسن بن يوسف، و ما أثبتناه عن السلوك و الدرر الكامنة و المنهل الصافي .. و في المنهل الصافي: و قيل اسمه الحسين.
5) بحار الأنوار 108: 32.
6) لسان الميزان 6: 319 و قد أخطأ مصحح هذه الطبعة حيث شطب على لفظ (بن) و كتب فوقه (والد)، و كتب فوق لفظ (الحسن) (بن يوسف بن علي)، لأن الترجمة للعلّامة كما هو ظاهر من سياق الشرح لا لوالده. فتبيّن أن ابن حجر ذكر العلّامة في موضعين.
7) الوافي بالوفيّات 13: 85.
8) رياض العلماء 1: 359.
و المطهّر بن حسن بن يوسف الحلّي (1).
و كنيته: أبو منصور، كما كنّاه بها والده (2)، ذكرها هو في الخلاصة (3)، و هي الكنية التي اختصت بذكرها المصادر الشيعية.
و كنّاه بعض العامة: ابن المطهّر، نسبة إلى جده الأعلى.
و لقبه: آية اللّٰه- على الإطلاق- و هو اللقب المذكور في المصادر الشيعية.
و جمال الدين، و هو اللقب المذكور في مصادر الفريقين.
و العلّامة- على الإطلاق- أو علّامة الدهر، و الإمام، و الفاضل.
و وصفه الصفدي و ابن حجر و غيرهما بالمعتزلي (4)، و قال السيد الأمين: و هذا مبني على موافقة المعتزلة الشيعة في بعض الأصول المعروفة كما وقع لكثيرين في كثيرين، و إلّا فأين الشيعي من المعتزلي (5).
ينتمي العلّامة الحلّي «رضوان اللّٰه تعالى عليه» إلى مدينة الحلّة السيفيّة، و التي فيها مولده و مسكنه، و هي حلّة بني مزيد.
قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: مدينة كبيرة بين الكوفة و بغداد كانت تسمّى الجامعين، طولها سبع و ستّون درجة و سدس، و عرضها اثنان و ثلاثون درجة، تعديل نهارها خمس عشرة درجة، و أطول نهارها أربع عشرة ساعة و ربع. و كان أول من عمّرها و نزلها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد
الأسدي (1)، و كانت منازل آبائه الدور من النيل، فلما قوي أمره و اشتدّ أزره و كثرت أمواله .. انتقل إلى الجامعين موضع في غربي الفرات ليبعد عن الطالب، و ذلك في محرم سنة 395، و كانت أجمة تأوي إليها السباع، فنزل بها بأهله و عساكره، و بنى بها المساكن الجليلة و الدور الفاخرة، و تأنّق أصحابه في مثل ذلك، فصارت ملجأ، و قد قصدها التجار فصارت أفخر بلاد العراق و أحسنها مدة حياة سيف الدولة، فلما قتل بقيت على عمارتها، فهي اليوم قصبة تلك الكورة، و للشعراء فيها إشعار كثيرة .. (2).
و قال العلّامة المجلسي رضوان اللّٰه تعالى عليه، عن هذه المدينة: وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجباعي رحمه اللّٰه: قال الشيخ محمد بن مكي قدّس اللّٰه روحه: وجدت بخط جمال الدين بن المطهّر: وجدت بخط والدي رحمه اللّٰه قال:
وجدت رقعة عليها مكتوب بخط عتيق ما صورته: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم هذا ما أخبرنا به الشيخ الأجل العالم عزّ الدين أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي إملاء من لفظه عند نزوله بالحلّة السيفية- و قد وردها حاجا سنة 574 ه- و رأيته يلتفت يمنة و يسرة فسألته عن سبب ذلك، قال: إنني لأعلم أن لمدينتكم هذه فضلا جزيلا، قلت: و ما هو؟.
قال: أخبرني أبي، عن أبيه، عن جعفر بن محمد بن قولويه، عن الكليني قال:
حدثني علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي حمزة الثمالي عن الأصبغ بن نباتة قال: صحبت مولاي أمير المؤمنين عليه السّلام عند وروده إلى صفين و قد وقف على تلّ عرير، ثم أومأ إلى أجمة ما بين بابل و التل و قال «مدينة و أي مدينة»! قلت له: يا مولاي أراك تذكر مدينة، أ كان هاهنا مدينة و انمحت
آثارها؟ فقال: «لا، و لكن ستكون مدينة يقال لها: الحلة السيفية يمدنها رجل من بني أسد، يظهر بها أخيار لو أقسم أحدهم على اللّٰه لأبرّ قسمه» (1).
و في موضع آخر من البحار قال: فقال: وجدت بخط الحاج زين الدين ابن الشيخ عزّ الدين حسن بن مظاهر- الذي قد أجاز الشيخ فخر الدين ولد العلّامة له رحمهم اللّٰه تعالى- ما هذه صورته: روى الشيخ محمد بن جعفر بن المشهدي، قال:
حدثني الشريف عزّ الدين أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة العلوي الحسيني الحلبي إملاء من لفظه عند نزوله بالحلّة السيفية- و قد وردها حاجا سنة 574 ه و رأيته يلتفت يمنة و يسرة فسألته .. (2).
ولد العلّامة الحلّي رضوان اللّٰه تعالى عليه في شهر رمضان سنة 648، و هذا ما اتفقت عليه كل المصادر المتوفرة لدينا و التي أرّخت مولده المبارك. إلّا أنّ السيد محسن الأمين رحمه اللّٰه ذكر في الأعيان نقلا عن الخلاصة أن مولده سنة 647 ه (3). و هو خطأ واضح، لمخالفته كافة المصادر و لجميع نسخ الخلاصة التي نقل عنها الأصحاب، فما ذكره إما سهو من قلمه الشريف، أو خطأ مطبعي، أو تصحيف في نسخة الخلاصة التي نقل عنها.
أما يوم مولده المبارك فقد اختلفت المصادر فيه اختلافا كبيرا، و ذلك ناشئ عن اختلاف نسخ الخلاصة التي اعتمد عليها مؤرخو مولده.
ففي نسخة الخلاصة المطبوعة قال العلّامة: و المولد تاسع عشر شهر رمضان سنة ثمان و أربعين و ستمائة، و نسأل اللّٰه تعالى خاتمة الخير بمنّه و كرمه (4).
و كذا في نسخة الخلاصة المكتوبة سنة 705 ه المقروءة على العلّامة الموجودة في مكتبة السيد حسن الصدر رحمه اللّٰه كما نقل عنها في تأسيس الشيعة (1).
و كذا في نسخة الخلاصة التي اعتمد عليها البحراني في لؤلؤة البحرين (2)و اختار هذا القول الطريحي في مجمع البحرين (3)، و الميرزا محمد في منهج المقال (4).
و في نسخة الخلاصة التي اعتمد عليها الحرّ العاملي (5)، و المولى الأفندي (6)و الخوانساري (7)، و المامقاني (8)، و السيد الأمين (9): أنّ مولده في اليوم التاسع و العشرين من شهر رمضان. و اختاره القرشي في نظام الأقوال (10)، و الشيخ البهائي في توضيح المقاصد (11)، و صاحب كتاب محبوب القلوب (12)، و المحدّث النوري في خاتمة المستدرك (13)، و الشيخ عباس القمي في الكنى و الألقاب (14)، و هدية الأحباب (15).
و تردد الخوانساري في يوم ولادته بين احدى عشر ليلة خلون من شهر رمضان، أو إحدى عشر ليلة بقين منه (16).
1) تأسيس الشيعة: 399.
2) لؤلؤة البحرين: 218.
3) مجمع البحرين 6: 124.
4) منهج المقال: 109.
5) أمل الآمل 2: 84.
6) رياض العلماء 1: 366 و 375.
7) روضات الجنات 2: 273.
8) تنقيح المقال 1: 315.
9) أعيان الشيعة 5: 396.
10) نقله عنه المولى الأفندي في الرياض 1: 366.
11) نقله عند السيد الأمين في الأعيان 5: 396.
12) نقله عنه البحراني في اللؤلؤة: 218.
13) خاتمة المستدرك: 460.
14) الكنى و الألقاب: 20: 437.
15) هدية الأحباب: 202.
16) روضات الجنات 2: 282.
و في نسخة أجوبة المسائل المطبوعة بعد ما سأله السيد مهنّا بن سنان عن تأريخ مولده، قال العلّامة: و أمّا مولد العبد الفقير فالذي وجدته بخط والدي قدّس اللّٰه روحه ما صورته: ولد الولد المبارك أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر ليلة الجمعة في الثلث الأخير من الليل سابع و عشرين رمضان سنة ثمان و أربعين و ستمائة (1).
و كذا في نسخة أجوبة المسائل المسائل المهنّائية التي اعتمد عليه المولى الأفندي في الرياض (2)، و السيد الأمين في الأعيان (3)، و الشيخ الطهراني في الذريعة (4)و اختاره ابن كثير في البداية (5).
و نقل المولى الأفندي عن الشهيد الثاني في بعض تعليقاته أنه وجد بخط الشهيد أنه نقل من خط العلّامة هذه العبارة: وجدت بخط والدي رحمه اللّٰه ما صورته: ولد الولد البار أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر ليلة الجمعة في الثلث الأخير من الليل رابع عشري (6)رمضان من سنة ثمان و أربعين و ستمائة (7).
و قد أرخ ولادته في نخبة المقال:
و آية اللّٰه بن يوسف الحسن سبط مطهّر فريدة الزمن
1) أجوبة المسائل المهنائية: 138.
2) رياض العلماء 1: 366.
3) أعيان الشيعة 5: 396.
4) الذريعة 5: 238.
5) البداية و النهاية 14: 125.
6) أي: الرابع و العشرين.
7) رياض العلماء 1: 381.
8) عدد حروف لفظ (رحمة) 648، و هو مولد العلّامة.
9) عدد حروف لفظ (عز) 76، و هو إشارة إلى سنه، و الظاهر أنه اشتباه، لأنّه توفّي سنة 726 ه، فسنة 78 سنة.
10) نقله عنه الشيخ عباس القمي في الكنى و الألقاب 2: 439.
ينتمي العلّامة الحلّي رضوان اللّٰه تعالى عليه إلى اسرتين عريقتين عربيتين مشهورتين بالفضل و الكمال:
فمن قبل أبيه ينتمي إلى آل المطهّر، و هي أسره عربية من بني أسد، أكثر القبائل العربية في الحلّة عدّة و عددا، و فيهم الامارة و لهم السيادة. و قد نبغ من هذه القبيلة رجال لهم شأن في مجالات الحياة العلمية و العملية، و حسبك أنّ منهم الأمراء المزيديين و هم مؤسّسو الحلّة الفيحاء على انقاض بابل مهد الحضارات ذات الشأن في تأريخ الإنسان. كما أنّ منهم الوزير مؤيد الدين محمد ابن العلقمي، الذي لمع نجمة في أوائل القرن السابع فتولّى عدة مناصب آخرها استاديّة الدار، و بعدها تولّى الوزارة في سنة 643 ه.
و من قبل أمّه ينتمي إلى بني سعيد، و هي أسره عربية أيضا ترجع إلى هذيل في انتسابها، حازت من المفاخر أكثر مما حازته أسر اخرى علمية، لقوة نفوذها الروحي و مكانتها في عالم التأليف و التدريس (1).
فأبوه: سديد الدين يوسف بن علي بن المطهّر الحلّي، وصفه ابن داود: بأنه كان فقيها محقّقا مدرّسا عظيم الشأن (2).
و وصفه الشهيد في إجازته لابن الخازن: بالإمام السيد الحجّة (3).
و في تحفة العالم أن الشهيد وصفه أيضا في إجازته لابن الخازن: بالإمام الأعظم الحجة أفضل المجتهدين السعيد الفقيه (4).
و وصفه المحقّق الكركي في إجازته للشيخ علي الميسي: بالشيخ الأجل الفقيه
السعيد شيخ الإسلام (1).
و ذكر المترجم في إجازته لبني زهرة: أن الشيخ الأعظم خواجه نصير الدين الطوسي لما جاء إلى العراق حضر الحلّة، فاجتمع عنده فقهاء الحلّة، فأشار الفقيه نجم الدين جعفر بن سعيد، و قال: من أعلم هؤلاء الجماعة؟ فقال له: كلهم فاضلون علماء، إن كان واحد منهم مبرزا في فنّ كان الآخر مبرزا في فن آخر.
فقال: من أعلمهم بالأصولين؟ فأشار إلى والدي سديد الدين يوسف بن المطهّر و إلى الفقيه مفيد الدين محمد بن جهيم، فقال: هذان أعلم الجماعة بعلم الكلام و أصول الفقه (2).
و إلى هذا الرجل العالم يرجع الفضل في المحافظة على مدينة الحلّة و المشهدين الشريفين من غزو التتر في قصة ظريفة مذكورة في كتب التاريخ و السير.
و امّه: بنت العالم الفقيه الشيخ أبي يحيى الحسن ابن الشيخ أبي زكريا يحيى ابن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي، و هي أخت الشيخ أبي القاسم جعفر المحقق الحلّي. فمن المعلوم أنّ امرأة كهذه- تربّت و نشأت في وسط جوّ مملوء بالتقوى و بين علماء أفذاذ- لا تكون إلّا امرأة صالحة عالمة، حقيق لها أن تنجب العلّامة الحلّي.
و جدّه لأبيه: زين الدين علي بن المطهّر الحلّي، وصفه الشهيد في إجازته لابن الخازن: بالإمام (3). و منه يظهر أنه كان من العلماء البارزين في عصره.
و جدّه لأمّه: الحسن بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي، وصفه المحدّث البحراني بأنه من الفضلاء (4).
و قال الحرّ العاملي في وصفه: عالم فقيه فاضل يروي عنه ولده (5)، و في موضع
آخر قال: كان فاضلا عظيم الشأن (1).
و خاله: نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي المحقّق الحلّي.
قال العلّامة في إجازته لبني زهرة: و هذا الشيخ كان أفضل أهل عصره في الفقه (2).
و أطراه ابن داود في رجاله (3)، و المحدّث البحراني في اللؤلؤة (4)، و غيرهما.
و قال الخوانساري في الروضات: فقد كان المحقق رحمه اللّٰه له- أي للعلّامة- بمنزلة والد رحيم و مشفق كريم، و طال اختلافه إليه في تحصيل المعارف و المعالي و تردّده لديه في تعلّم أفانين الشرع و الأدب و العوالي، و كان تتلمذه عليه في الظاهر أكثر منه على غيره من الأساتيذ الكبار (5).
و أخوه: رضي الدين علي بن يوسف بن المطّهر.
قال الحرّ العاملي عند ذكره: عالم فاضل، أخو العلّامة، يروي عنه ابن أخيه فخر الدين محمد بن الحسن بن يوسف و ابن أخته السيد عميد الدين عبد المطلب، و يروي عن أبيه و عن المحقّق نجم الدين الحلّي (6).
و وصفه المحدّث البحراني بأنه فاضل جليل (7).
و وصفه المولى الأفندي بالفاضل، و قال: و هو الشيخ الفقيه .. (8).
و له ولد فاضل هو قوام الدين محمد بن علي، عدّه الطهراني من مشايخ ابن معيّة (9)، و قال الحرّ العاملي عند ذكره له: كان من فضلاء عصره يروي عنه ابن معيّة محمد بن القاسم و يروي هذا أيضا عنه (10)لكن المولى الأفندي بعد أن وصفه
بالفاضل عدّه ابن عم العلّامة الحلّي (1)، لا ابن أخيه، و الظاهر أنه سهو، و اللّٰه العالم.
و ابنه: فخر الدين محمد بن الحسن بن يوسف بن المطّهر الحلّي.
قال الحافظ الأبرو الشافعي المعاصر له: إن العلّامة لما حضر عند السلطان كان معه ولده فخر الدين، فكان شابا عالما كبيرا ذا استعداد قوي و أخلاق طيبة و خصال محمودة (2).
و وصفه الحرّ بأنه كان فاضلا محققا فقيها ثقة جليلا، يروي عن أبيه العلّامة و غيره (3).
و ذكره الطهراني بأنه من أجلّ تلاميذ والده المنتهية إليه سلسلة الإجازات (4).
و يدل على شرفه و عظمته أنّ جلّ مؤلفات والده كتبت بالتماسه، و أنّ والده طلب منه إكمال ما وجده ناقصا، و إصلاح ما وجده خطأ.
نشأ العلّامة رضوان اللّٰه تعالى عليه بين أبوين صالحين رءوفين، فتربّى في حضن والدته بنت الحسن بن أبي زكريا يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي، و تحت رعاية والده الفقيه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهّر، و شارك في تربيته و توجيهه و تعليمه مشاركة فعالة خاله المعظّم المحقّق الحلّي، فكان له بمنزلة الأب الشفيق من كثرة رعايته له و الاهتمام به.
فولد المولود المبارك في محيط علمي مملوء بالتقوى و صفاء القلب، و بين اسرتين علميتين من أبرز أسر الحلّة علما و تقوى و إيمانا، و هما أسره بني المطهّر و أسره بني سعيد.
فحظي المولود الميمون برعاية خاصة من قبل الاسرتين، و قد شاهدوا استعداده الكبير لتحصيل العلم و التقى، و ذهنيته الوقّادة، لذلك احضروا له معلّما خاصا ليعلّمه القراءة و الكتابة.
و ما أن تعلّم القراءة و الكتابة حتى شرع بدراسة العربية و الأدب و ما يحتاجه الطالب المبتدئ، ثم بدأ بدراسة الفقه و الأصول و الكلام و التفسير و العلوم العقلية و الرياضية. و مرت عليه سنون قليلة حتى أصبح من التلاميذ المتفوّقين في الدرس، الذين يشار لهم بالبنان. ثم شرع بالدرس حيث تخرج على يده عدد غفير من العلماء نذكر بعضهم قريبا.
و في عام 702 ه هاجر العلّامة إلى بغداد بطلب من السلطان غازان خان- محمود- حيث ناظر علماء العامة بحضور السلطان و غلب عليهم، و أدى ذلك الى تشيع السلطان و عدد كبير من الأمراء و الوزراء و قادة الجيش.
و أمر السلطان في تمام ممالكه بتغيير الخطبة و إسقاط أسامي الثلاثة عنها و بذكر أسامي أمير المؤمنين و سائر الأئمّة عليهم السّلام على المنابر، و بذكر حيّ على خير العمل في الأذان، و بتغيير السكة و حذف أسماء الثلاثة منها و نقش الأسامي المباركة فيها.
و بقي العلّامة ملازما لهذا السلطان المستبصر، و شرع بتشييد أساس الحق و ترويج المذهب، و كتب عدة كتب و رسائل باسم السلطان بعضها كانت بطلب من السلطان، فألّف باسمه كتاب منهاج الكرامة، و نهج الحق، و الرسالة السعدية، و رسالة في نفي الجبر، و غيرها.
و كان العلّامة رحمه اللّٰه في القرب و المنزلة عند السلطان بحيث لم يرض بعد استبصاره بمفارقة العلّامة في حضر و سفر. لذا أمر بترتيب المدرسة السيارة له و لتلاميذه، و هذه المدرسة السيارة ذات حجرات و مدارس من الخيام الكرباسية، فكانت تحمل مع الموكب السلطاني.
و في عام 716 ه توفي السلطان محمد خدابنده فرجع العلّامة الحلّي إلى مدينة
الحلّة، و اشتغل فيها بالتدريس و التأليف و تربية العلماء و تقوية المذهب و إرشاد الناس، حتى شدّت إليه الرحال من كل جانب، و لم يخرج العلّامة من الحلّة منذ رجوعه إليها حتى وفاته إلّا إلى الحج الذي كان في أواخر عمره الشريف، و بقي على هذه الوتيرة إلى أن وافاه الأجل في المحرم الحرام سنة 726 ه.
عاصر العلّامة الحلّي رضوان اللّٰه تعالى عليه منذ نشأته و حتى وفاته عام 726 ه إحداثا مرّة مرت بها الأمّة الإسلامية عموما و الطائفة الحقّة خصوصا، كان أولها غزو التتر العراق و احتلال بغداد و تدميرها و حرق مكتباتها، و القضاء على الحضارة الإسلامية التي كانت فيها. و أراد التتر احتلال الحلّة و الكوفة و المشهدين الشريفين، إلّا أن تدبير والده- والد العلّامة- أدى الى المحافظة على هذه المدن و ما فيها، و بالتالي أدى إلى إسلام سلاطين التتر و من ثمّ تشيعهم، و يحكي لنا العلّامة معاملة والده مع التتر حيث يقول:
لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد قبل أن يفتحها هرب أكثر أهل الحلة إلى البطائح إلّا القليل، فكان من جملة القليل والدي رحمه اللّٰه و السيد مجد الدين ابن طاوس و الفقيه ابن أبي العزّ، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنهم مطيعون داخلون تحت إيالته، و أنفذوا به شخصا أعجميا، فأنفذ السلطان إليهم فرمانا مع شخصين أحدهما يقال له فلكة و الآخر يقال له علاء الدين و قال لهما: قولا لهم:
إن كانت قلوبكم كما وردت به كتبكم تحضرون إلينا. فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي إليه الحال، فقال والدي رحمه اللّٰه: إن جئت وحدي كفى؟ فقالا: نعم، فصعد معهما.
فلما حضر بين يديه- و كان ذلك قبل فتح بغداد و قبل قتل الخليفة- قال له:
كيف أقدمتم على مكاتبتي و الحضور عندي قبل أن تعلموا بما ينتهي إليه أمري و أمر صاحبكم؟ و كيف تأمنون إن صالحني و رحلت عنه؟.
فقال والدي رحمه اللّٰه: إنما أقدمنا على ذلك لأنّا روينا عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السّلام أنه قال في خطبة: «الزوراء و ما أدراك ما الزوراء، أرض ذات أتل، يشيّد فيها البنيان، و تكثر فيها السكّان، و يكون فيها محاذم و خزان، يتخذها ولد العباس موطنا، و لزخرفهم مسكنا، تكون لهم دار لهو و لعب، يكون بها الجور الجائر و الخوف المخيف، و الأئمة الفجرة و الأمراء الفسقة و الوزراء الخونة، تخدمهم أبناء فارس و الروم، لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه، و لا يتناهون عن منكر إذا أنكروه. [يكتفي] الرجال منهم بالرجال، و النساء منهم بالنساء، فعند ذلك الغم العميم، و البكاء الطويل، و الويل و العويل لأهل الزوراء من سطوات الترك، و هم قوم صغار الحدق، وجوههم كالمجانّ المطوقة، لباسهم الحديد، هرد مرد، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدأ ملكهم، جهوري الصوت، قوي الصولة، عليّ الهمة، لا يمر بمدينة إلّا فتحها، و لا ترفع عليه رأيه إلّا نكسها، الويل الويل لمن ناواه، فلا يزال كذلك حتى يظفر».
فلما وصف لنا ذلك و وجدنا الصفات فيكم رجوناك فقصدناك. فطيّب قلوبهم، و كتب لهم فرمانا باسم والدي رحمه اللّٰه يطيّب قلوب أهل الحلّة و أعمالها (1).
و لم يكن عمل هذا الشيخ الجليل مساومة للفاتح المعتدي، و لا مساعدة على تسليط الكافر على المؤمن، بل لما شاهده من الخليفة العباسي آن ذاك من انهماكه في لهوه و لعبه، و عدم تفكيره في مصير الأمة الإسلامية. و من عدم وجود القدرة الكافية لمواجهة الغزو المغولي، و كان يعلم أن المغول التتار إذا دخلوا بلدة ما ذا يصنعون بها من الدمار و الهلاك و السبي و التعدي على الناموس.
لذلك صمّم هذا الشيخ و من معه من علماء الطائفة على مواجهة الكارثة بأسلوب عقلائي و تدبير محكم، فراسلوا هولاكو أولا، و حافظوا بذلك على مدنهم
1) تحفة العالم 1: 183 نقلا عن كشف اليقين.
و ما فيها من العلماء و المكتبات. ثم ألّف السيد مجد الدين محمد بن طاوس كتاب البشارة و أهداه إلى هولاكو، فأنتجت هذه الخطوة أن ردّ هولاكو شئون النقابة في البلاد الفراتية إلى السيّد ابن طاوس و أمر بسلامة المشهدين الشريفين و الحلّة.
و بعدها- و في مرحلة إصلاح المعتدي و ردعه عن ارتكاب الجرائم و هدايته هو و من معه الى الصراط المستقيم، من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر- قام النصير الطوسي باقناع هولاكو باعتناق الدين الإسلامي، و فعلا قد نجح في ذلك و أسلم هولاكو و من معه من المغول، و استطاع النصير الطوسي رحمه اللّٰه من المحافظة على ما تبقّى من التراث بعد هلاك جلّه، و صار الطوسي وزيرا لهذا السلطان، و قام بمهام كبيرة في خدمة العلم و العلماء و الحفاظ على النفوس و الدماء.
و بعد ذلك كله جاء دور علّامتنا الحلّي رضوان اللّٰه تعالى عليه ليؤدّي واجبه المقدّس، حيث يحدّثنا التاريخ عن كيفية استبصار السلطان محمد خدابنده و أكثر قادته و أمرائه، و ذلك عند ما طلّق السلطان زوجته ثلاثا، و أجمع علماء المذاهب على وجوب المحلل، ثم مجيء العلّامة الحلّي رضوان اللّٰه تعالى عليه و مباحثته مع علماء العامة و إقامة الأدلة الدامغة عليهم، حيث أسفرت تلك المباحثة عن تشيع السلطان و أكثر من معه.
و قد ذكر هذه الحادثة مفصّلة العلّامة المجلسي في روضة المتقين (1)، و ذكرها الحافظ الأبرو الشافعي بوجه آخر (2).
و بقي العلّامة ملازما للسلطان محمد خدابنده في حلّه وتر حاله، يعمل على نشر المذهب الحق و تركيز دعائمه، إلى أن توفي السلطان في سنة 716 ه فرجع العلّامة إلى الحلّة و اشتغل بالدرس و التأليف و تربية العلماء و تقوية المذهب.
(1) والده الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهّر الحلّي، أول من قرأ عليه، فأخذ منه الفقه و الأصول و العربية و سائر العلوم، و روى عنه الحديث.
(2) خاله الشيخ نجم الدين جعفر بن الحسن بن سعيد المحقّق الحلّي، أخذ منه الكلام و الفقه و الأصول و سائر العلوم، و روى عنه.
(3) الخواجة نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي، أخذ منه التعليقات و الرياضيات.
(4) ابن عم والدته الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلّي، صاحب الجامع للشرائع.
(5) الشيخ كما الدين ميثم بن علي البحراني، صاحب الشروح الثلاثة على نهج البلاغة، قرأ عليه التعليقات، و روى عنه الحديث.
(6) السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس الحسيني، صاحب كتاب البشرى، أخذ عنه الفقه.
(7) السيد رضي الدين علي بن موسى بن طاوس الحسيني، صاحب كتاب الإقبال و غيره.
(8) السيد غياث الدين عبد الكريم بن طاوس، صاحب فرحة الغري، أخذ و روى عنه.
(9) الحسين بن علي بن سليمان البحراني.
(10) الشيخ مفيد الدين محمد بن جهيم.
(11) الشيخ بهاء الدين علي بن عيسى الإربلي، صاحب كتاب كشف الغمة.
(12) الشيخ نجيب الدين محمد بن نما الحلّي.
(13) السيد أحمد بن يوسف العريضي.
(14) الشيخ نجم الدين علي بن عمر الكاتب القزويني الشافعي، و يعرف بدبيران، صاحب كتاب الشمسية في المنطق.
(15) الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد الكيشي، ابن أخت قطب الدين العلّامة الشيرازي.
(16) الشيخ جمال الدين حسين بن أياز النحوي.
(17) الشيخ فخر الدين محمد بن الخطيب الرازي (18) الشيخ أفضل الدين الخولخي (19) الشيخ عزّ الدين الفاروقي الواسطي.
(20) الشيخ برهان الدين النسفي الحنفي.
(21) الشيخ أثير الدين الفضل بن عمر الأبهري.
(22) الشيخ سديد الدين سالم بن محفوظ السوداوي.
(23) الشيخ حسن بن محمد الصنعاني.
(24) الشيخ جمال الدين محمد البلخي.
(25) السيد شمس الدين عبد اللّٰه البخاري.
(26) الشيخ تقي الدين عبد اللّٰه بن جعفر بن علي الصباغ الحنفي.
قرأ عليه و روى عنه جمع كثير من العلماء، حتى أن السيد الصدر قال: إنه خرج من عالي مجلس درسه 500 مجتهدا (1)و قال الطهراني في طبقات أعلام الشيعة- الحقائق الراهنة في المائة الثامنة-:
و أما تلاميذه فكثير ممن ترجمته في هذه المائة كان من تلاميذه و المجازين منه أو المعاصرين المستفدين من علومه، فليرجع الى تلك التراجم حتى يحصل الجزم
1) تأسيس الشيعة: 270.
بصدق ما قيل من انه كان في عصره في الحلّة 400 مجتهدا (1).
و نحن هنا نذكر ما تيسّر معرفته:
(1) ولده فخر الدين محمد، قرأ على والده في جلّ العلوم، و روى عنه الحديث.
(2) ابن أخته السيد عميد الدين عبد المطلب الحسيني الأعرجي الحلّي.
(3) ابن أخته السيد ضياء الدين عبد اللّٰه الحسيني الأعرجي الحلّي.
(4) السيد النسّابة تاج الدين محمد بن القاسم بن معية الحلّي.
(5) الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن أحمد المرندي.
(6) محمد بن علي الجرجاني.
(7) الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن طراد المطارآبادي.
(8) الشيخ سراج الدين حسن بن محمد بن أبي المجد السرابشنوي.
(9) الشيخ تاج الدين حسن بن الحسين بن الحسن السرابشنوي.
(10) علاء الدين أبو الحسن علي بن زهرة.
(11) ابن علاء الدين شرف الدين أبو عبد اللّٰه الحسين.
(12) ابن علاء الدين بدر الدين أبو عبد اللّٰه محمّد.
(13) ابن بدر الدين أمين الدين أبو طالب أحمد.
(14) ابن بدر الدين عز الدين أبو محمد الحسن.
و لهؤلاء الخمسة إجازة مبسوطة من العلّامة، ذكر فيها جلّ طرقه و الذين يروي عنهم سنة و شيعة، و هي المعروفة بإجازة العلّامة لبني زهرة تاريخها سنة 723 ه.
(15) السيد نجم الدين النسابة مهنّا بن سنان المدني الحسيني.
(16) الشيخ قطب الدين محمد بن محمد الرازي البويهي.
(17) المولى تاج الدين محمود بن المولى زين الدين محمد بن القاضي
1) الطبقات: 52.
عبد الواحد الرازي.
(18) الشيخ تقي الدين إبراهيم بن الحسين بن علي الآملي.
(19) المولى زين الدين علي السروري الطبرسي.
(20) السيد جمال الدين الحسيني المرعشي الطبرسي الآملي.
(21) الشيخ عز الدين الحسين بن إبراهيم بن يحيى الأسترآبادي.
(22) الشيخ أبو الحسن محمد الأسترآبادي.
(23) المولى زين الدين النيسابوري.
(24) السيد شمس الدين محمد الحلّي.
(25) الشيخ جمال الدين أبو الفتوح أحمد ابن الشيخ أبي عبد اللّٰه بن أبي طالب ابن علي الآودي.
(26) الخواجة رشيد الدين علي بن محمد الرشيد الآوي.
(27) الشيخ محمد بن إسماعيل بن الحسين بن الحسن بن علي الهرقلي.
(28) الشيخ محمود بن محمد بن يار.
(29) المولى ضياء الدين أبو محمد هارون بن نجم الدين الحسن ابن الأمير شمس الدين علي بن الحسن الطبري.
(30) الشيخ علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن فتوح الغروي.
(31) السيد شرف الدين حسين بن محمد بن علي العلوي الحسيني الطوسي.
(32) الشيخ الحسن الشيعي السبزواري.
أطراه و مدحه و اثنى عليه كل من عاصره من أساتذته و تلامذته، و ذكره بالإجلال و التبجيل كل من تأخر عنه إلى يومنا هذا، و نحن نذكر بعضهم.
(1) أستاذه نصير الدين الطوسي قال: عالم إذا جاهد فاق (1).
1) أعيان الشيعة 5: 396.
(2) معاصره ابن داود، قال: شيخ الطائفة و علّامة وقته و صاحب التحقيق و التدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول و المنقول (1).
(3) معاصره الصفدي، قال: الإمام العلّامة ذو الفنون .. عالم الشيعة و فقيههم، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته .. و كان يصنّف و هو راكب .. و كان ابن المطهّر ريّض الأخلاق، مشتهر الذكر، تخرّج به أقوام كثيرة .. و كان إماما في الكلام و المعقولات (2).
(4) معاصره الحافظ الأبرو الشافعي، قال: و كان عالما متبحرا. و كان مشهورا في العلوم النقلية و العقلية، و كان الأوحد في العالم، و له تصانيف كثيرة (3).
(5) تلميذه محمد بن علي الجرجاني، قال: شيخنا المعظم و إمامنا الأعظم سيّد فضلاء العصر و رئيس علماء الدهر، المبرز في فني المعقول و المنقول، المطرّز للواء علمي الفروع و الأصول، جمال الملّة و الدين سديد الإسلام و المسلمين (4).
(6) الشهيد الأول، قال: شيخنا الأعلم حجة اللّٰه على الخلق جمال الدين (5)، و قال في إجازته لابن الخازن: الإمام الأعظم الحجة أفضل المجتهدين جمال الدين (6).
(7) التغري بردي، قال: كان عالما بالمعقولات، و كان رضي الخلق حليما (7).
(8) ابن حجر العسقلاني، قال: عالم الشيعة و امامهم و مصنفهم، و كان آية في الذكاء (8).
(9) الشهيد الثاني، حيث قال في إجازته للسيد علي الصائغ: شيخ الإسلام
و مفتي فرق الأنام، الفارق بالحق للحق، جمال الإسلام و المسلمين، و لسان الحكماء و الفقهاء و المتكلمين جمال الدين (1).
(10) المحقق الكركي، حيث قال في إجازته لعلي بن عبد العالي الميسي:
شيخنا الشيخ الإمام شيخ الإسلام مفتي الفرق، بحر العلوم، أوحد الدهر شيخ الشيعة بلا مدافع جمال الملّة و الحقّ و الدين (2).
و قال في إجازته للمولى حسين الأسترآبادي: الإمام السعيد، أستاذ الكل في الكل، شيخ العلماء الراسخين، سلطان الفضلاء المحققين جمال الملّة و الحق و الدين (3).
و في إجازته للشيخ حسين بن شمس الدين العاملي: الشيخ الإمام، و البحر القمقام، أستاذ الخلائق، و مستخرج الدقائق جمال الملّة و الحقّ و الدين (4).
(11) الشيخ عبد اللطيف العاملي قال: أبو منصور الفاضل العلّامة الحلّي مولدا و مسكنا، محامده أكثر من أن تحصى، و مناقبه أشهر من أن تخفى، عاش حميدا و مات سعيدا، و كتبه اشتهرت في الآفاق (5).
(12) قطب الدين محمد الاشكوري، قال: الشيخ العلّامة آية اللّٰه في العالمين، ناشر ناموس الهداية، و كاسر ناقوس الغواية، و متمّم القوانين العقلية، و حاوي الفنون النقلية، مجدد مآثر الشريعة المصطفوية، محدد جهات الطريقة المرتضوية (6).
1) بحار الأنوار 108: 141.
2) بحار الأنوار 108: 43.
3) بحار الأنوار 108: 50.
4) بحار الأنوار 108: 55.
5) اللئالي المنتظمة: 43، نقلا عن رجال العلّامة عبد اللطيف العاملي.
6) نقله المحدّث البحراني في اللؤلؤة: 223، و أبو علي في رجاله: 107 عن كتاب حياة القلوب. و استظهر البعض أنّ اسم الكتاب محبوب القلوب، كما في الأعيان 5: 397، و الذريعة 7: 122.
(13) السماهيجي في إجازته قال: إنّ هذا الشيخ رحمه اللّٰه بلغ في الاشتهار بين الطائفة بل العامة شهرة الشمس في رابعة النهار. و كان فقيها متكلما حكيما منطقيا هندسيا رياضيا، جامعا لجميع الفنون، متبحرا في كلّ العلوم من المعقول و المنقول، ثقة إماما في الفقه و الأصول، و قد ملأ الآفاق بتصنيفه، و عطر الأكوان بتأليفه و مصنفاته، و كان أصوليا بحتا مجتهدا صرفا حتى قال الأسترآبادي: إنه أول من سلك طريقة الاجتهاد من أصحابنا (1).
(14) الشيخ محمد بن أبي جمهور الأحسائي، قال في إجازته للشيخ محمد صالح الغروي: شيخنا و إمامنا رئيس جميع علمائنا، العلّامة الفهّامة، شيخ مشايخ الإسلام، و الفارق بفتاويه الحلال و الحرام، المسلّم له الرئاسة من جميع فرق الإسلام، جمال المحققين (2).
(15) الشيخ علي بن هلال الجزائري، قال في إجازته لعلي بن عبد العالي الكركي: الشيخ المولى الإمام الأعظم الأفضل الأكمل الأعلم، الشيخ جمال الملّة و الحق و الدنيا و الدين، الشيخ الإمام (3).
(16) الأمير شرف الدين الشولستاني، قال في إجازته للمولى محمّد تقي المجلسي: الشيخ الأكمل العلّامة، آية اللّٰه في العالمين، جمال الملّة و الحقّ و الدين (4).
(17) الميرزا محمد الأسترآبادي، قال: محامده أكثر من أن تحصى، و أشهر من أن تخفى (5).
(18) أبو علي في رجاله قال- بعد نقل كلام الميرزا في منهج المقال-: كان
اللائق بالميرزا رحمه اللّٰه أن يذكر في مثل هذا الكتاب البسيط و الجامع المحيط أكثر من هذا المدح و الوصف لهذا البحر القمقام و الحبر العلّام، بل الأسد الضرغام، إلّا أنّ اللسان في تعداد مدائحه كالّ، و كل اطناب في ذكر فضائله حقير (1).
(19) الفاضل الشهيد التستري، قال ما ترجمته: مظهر فيض ذي الجلال، مظهر فضل «إنّ اللّٰه جميل يحبّ الجمال»، موضع انعكاس صور الجمال، محلّ آمال و أماني انظار العالم، مصوّر الحقائق الربانية، حامي بيضة الدين، ما حي آثار المفسدين، ناشر ناموس الهداية، كاسر ناقوس الغواية، متمّم القوانين العقلية، حاوي الأساليب و الفنون النقلية، محيط دائرة الدرس و الفتوى، مركز دائرة الشرع و التقوى، مجدّد مآثر الشريعة المصطفوية، محدّد جهات الطريقة المرتضوية.
و ما ذكرنا قطرة من بحار فضله، و ذرّة من أضواء شمسه، و الذي قلناه لا يساوي أقل القليل من حقيقته، و لم يستطع البنان رفع النقاب و كشف الخفاء عن صفاته الجميلة و سماته الجليلة، و إذا أرادت القوة الخيالية أن تذكر شيئا من محامده، و البنان أن يدبّج سطرا من مدائحه، فذلك لكي لا يخلو كتابنا من ذكر أصحاب الكمال و أرباب الفضل من أهل الحلّة، و إلّا فهو في غنى عن التعريف- كالشمس البازغة في رابعة النهار- لا تستطيع الأقلام أن تسطّر منزلته العالية السامية، لأنّ الضياء الساطع لا يحتاج إلى نور القمر (2).
و ذكره في إحقاق الحق أيضا بكلام يقرب مما في المجالس (3).
(20) السيد مصطفى التفريشي، قال: و يخطر ببالي أن لا أصفه، إذ لا يسع كتابي هذا ذكر علومه و تصانيفه و فضائله و محامده، و أنّ كلّ ما يوصف به الناس من جميل و فضل فهو فوقه (4).
(21) المولى نظام الدين القرشي، قال: شيخ الطائفة و علّامة وقته، صاحب
التحقيق و التدقيق، و كلّ من تأخّر عنه استفاد منه، و فضله أشهر من أن يوصف (1).
و ذكره و أطراه الميرزا عبد اللّٰه الأفندي الأصفهاني في الرياض (2)، و المحدّث البحراني في اللؤلؤة (3)، و الميرزا محمد باقر الخوانساري في الروضات (4)، و الحرّ العاملي في أمل الآمل (5)، و السيد بحر العلوم في فوائده الرجالية (6)، و الشيخ أسد اللّٰه الدزفولي في المقابس (7)، و الشيخ المامقاني في التنقيح (8)، و السيد الأمين في الأعيان (9)، و المحدّث النوري في خاتمة المستدرك (10)، و الشيخ عباس القمي في الفوائد الرضوية (11)، و الكنى و الألقاب (12)، و هدية الأحباب (13)، و الحاج المولى علي التبريزي في بهجة الآمال (14)، و الميرزا محمد علي المدرس في ريحانة الأدب (15)، و السيد الصدر في تأسيس الشيعة (16)، و عمر رضا كحاله في معجم المؤلفين (17)، و الزركلي في الأعلام (18)، و غيرهم من أصحاب كتب السير و التراجم.
للعلّامة الحلّي رضوان اللّٰه تعالى عليه مؤلّفات كثيرة في شتى صنوف العلوم،
1) رياض العلماء 1: 366، نقلا عن نظام الأقوال للقرشي.
2) رياض العلماء 1: 358.
3) لؤلؤة البحرين: 210، 211، 226.
4) روضات الجنات 2: 270.
5) أمل الآمل 2: 81.
6) الفوائد الرجالية 2: 257، 286.
7) مقابس الأنوار: 13.
8) تنقيح المقال 1: 314
9) أعيان الشيعة 5: 396.
10) خاتمة المستدرك: 459.
11) الفوائد الرضوية: 126.
12) الكنى و الألقاب 2: 437.
13) هدية الأحباب: 202.
14) بهجة الآمال: 3: 223.
15) ريحانة الأدب 2: 168.
16) تأسيس الشيعة: 270، 313.
17) معجم المؤلفين 3: 303.
18) الأعلام 2: 227.
حتى نستطيع أن نقول بأنه لم يدع علما إلّا و ألّف فيه، و لا تكاد تخلو مكتبة من كتبه القيمة. فالذي تعرّفنا عليه هو واحد و مائة كتاب له بلا شك، و هناك ثلاثة و عشرون كتابا يشك في نسبتها إليه، و عشرة كتب ليست له و إنما نسبت إليه خطأ:
(1) آداب البحث (1).
(2) الأبحاث المفيدة في تحصيل العقيدة (2).
(3) إجازة بني زهرة (3).
(4) أجوبة المسائل المهنائية (4).
(5) الأدعية الفاخرة المنقولة عن الأئمّة الطاهرة (5).
(6) الأربعين في أصول الدين (6).
(7) إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان (7).
(8) استقصاء الاعتبار في تحرير معاني الأخبار (8).
1) أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 1: 13، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
2) الخلاصة: 46، اجازة العلامة للسيد مهنا بن سنان التي ذكر فيها كتبه المذكورة ضمن أجوبة المسائل المهنائية: 156، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 1: 63 و 13: 57، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
3) بحار الأنوار 107: 60 و 137، الذريعة 1: 176، مكتبة العلامة الحلي (مخطوط).
4) أجوبة المسائل المهنائية: 115، 155، أمل الآمل 2: 85، بحار الأنوار 107: 143، الذريعة 1: 178، 5: 237 و 238، 6: 57، أعيان الشيعة 5: 406، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
5) الخلاصة: 46، روضات الجنات 2: 272، بحار الأنوار 107: 53، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 1: 398.
6) أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 1: 435 و 436.
7) أعيان الشيعة 5: 405، أمل الآمل 2: 84، بحار الأنوار 107: 52، تأسيس الشيعة: 399، الخلاصة: 46، الذريعة 1: 510 و 13: 73، رياض العلماء 1: 374.
8) الخلاصة: 46، الإجازة: 156، رياض العلماء 1: 368، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 2: 30.
(9) استقصاء النظر في القضاء و القدر (1).
(10) الأسرار الخفيّة في العلوم العقلية (2).
(11) الإشارات إلى معاني الإشارات (3).
(12) الألفين الفارق بين الصدق و المين (4).
(13) أنوار الملكوت في شرح الياقوت (5).
(14) إيضاح الاشتباه في أسماء الرجال.
(15) إيضاح التلبيس في كلام الرئيس (6).
(16) إيضاح مخالفة السنّة لنص الكتاب و السنّة (7).
(17) إيضاح المعضلات في شرح الإشارات (8).
(18) إيضاح المقاصد من حكمة عين القواعد (9).
1) الخلاصة: 48، رياض العلماء 1: 375، أمل الآمل 2: 85، بحار الأنوار 107: 56، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 2: 31- 32 و 13: 289، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
2) الخلاصة: 47، الإجازة: 157، روضات الجنات 2: 272، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 2: 45 أعلام الزركلي 2: 228، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
3) الخلاصة: 47، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
4) الخلاصة: 48، رياض العلماء 2: 376، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 2: 298، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
5) الخلاصة: 46، رياض العلماء 2: 373، مجالس المؤمنين 1: 575، روضات الجنات 2: 272، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 2: 444 و 25: 271، مكتبة العلامة الحلّي (مخطوط).
6) الخلاصة: 47، الإجارة: 57، بحار الأنوار 107: 57 و 149، رياض العلماء 1: 369، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 2: 493 و 18: 24.
7) أمل الآمل 2: 85، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 2: 490، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
8) الإجازة: 157، بحار الأنوار 107: 57 و 149، رياض العلماء 1: 369، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 2: 500.
9) الخلاصة: 47، أعيان الشيعة 5: 405، كشف الظنون 1: 685 و 2: 1182، الذريعة 2: 51 و 13: 212، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
(19) الباب الحادي عشر (1).
(20) بسط الإشارات إلى معاني الإشارات (2).
(21) بسط الكافية (3).
(22) تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين (4).
(23) تحرى الأبحاث في معرفة العلوم الثلاثة (5).
(24) تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية (6).
(25) تحصيل الملخّص (7).
(26) تذكرة الفقهاء (8).
(27) تسبيل الأذهان إلى أحكام الإيمان (9).
(28) تسليك الأفهام في معرفة الأحكام (10).
1) أمل الآمل 2: 85، روضات الجنات 2: 274، الذريعة 3: 5 و 6: 27 و 13: 117 و 23: 164، أعيان الشيعة 5: 405، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
2) الإجازة: 157، بحار الأنوار 107: 57، رياض العلماء 2: 376، مجمع البحرين 6: 123، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 3: 108.
3) الخلاصة: 47: الإجازة: 156، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 3: 109.
4) الخلاصة: 45، الإجازة: 155، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 3: 321 و 6: 31 و 13: 133، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
5) رياض العلماء 1: 369، بحار الأنوار 107: 56 و 149، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 3: 351.
6) الخلاصة: 45، الإجازة: 156، بحار الأنوار: 107: 52، رياض العلماء 1: 372، أعيان الشيعة 5: 403، الذريعة 3: 378 و 6: 32 و 13: 141، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
7) بحار الأنوار 107: 55، رياض العلماء 1: 369، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 3: 397.
8) الخلاصة: 47، الإجازة: 156، بحار الأنوار 107: 52، رياض العلماء 1: 374، نقد الرجال: 100، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 4: 43، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
9) أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 4: 174.
10) الخلاصة: 48، الإجازة: 155، رياض العلماء 1: 368، بحار الأنوار 107: 52، أمل الآمل 2: 84، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 4: 179.
(29) تسليك النفس إلى حظيرة القدس (1).
(30) التعليم التام في الحكمة و الكلام (2).
(31) تلخيص المرام في معرفة الأحكام (3).
(32) التناسب بين الأشعرية و فرق السوفسطائية (4).
(33) تنقيح الأبحاث في العوم الثلاث (5).
(34) تنقيح قواعد الدين المأخوذ في آل يس (6).
(35) تهذيب النفس في معرفة المذاهب الخمس (7).
(36) تهذيب الوصول إلى علم الأصول (8).
(37) جامع الأخبار (9).
(38) جواب السؤال عن حكمة النسخ (10).
1) الخلاصة: 48، الإجازة: 156، رياض العلماء 1: 368، بحار الأنوار 107: 148، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 2: 498، و 4: 180، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
2) الإجازة: 157، روضات الجنات 2: 275، بحار الأنوار 107: 57، رياض العلماء 1: 369، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 4: 226.
3) الخلاصة: 45، رياض العلماء 1: 367، بحار الأنوار 107: 147، أعيان الشيعة 5: 403، الذريعة 4: 427، 13: 152 و 16: 6، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
4) الخلاصة: 46، بحار الأنوار 107: 53، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 5: 405.
5) بحار الأنوار 107: 56، الذريعة 4: 460.
6) الإجازة: 156، بحار الأنوار 107: 53، رياض العلماء 1: 368، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 4: 464.
7) الإجازة: 156، بحار الأنوار 107: 53، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 4: 515.
8) الإجازة: 156، الخلاصة: 47، أمل الآمل 2: 83، أعيان الشيعة 5: 404، تأسيس الشيعة: 313، الذريعة 4: 512 و 6: 54 و 13: 165 و 24: 408، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
9) رياض العلماء 1: 379، روضات الجنات 2: 275، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 5: 37.
10) رياض العلماء 1: 378، روضات الجنات 2: 275، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 5: 183.
(39) الجوهر النضيد في شرح كتاب التجريد (1).
(40) حلّ المشكلات من كتاب التلويحات (2).
(41) الخلاصة في أصول الدين (3).
(42) خلاصة الأقوال في معرفة أحوال الرجال (4).
(43) خلف الأعمال (5).
(44) الدرّ المكنون في شرح علم القانون (6).
(45) الدرّ و المرجان في الأحاديث الصحاح و الحسان (7).
(46) الدلائل البرهانية في تصحيح الحضرة الغروية (8).
(47) السرّ الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (9).
(48) السعدية (10).
(49) شرح غاية الوصول إلى علم الأصول (11).
1) الخلاصة: 47، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 5: 290.
2) الخلاصة: 47، الإجازة: 157، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 18، 62.
3) الذريعة 7: 208، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
4) الإجازة: 156، أمل الآمل 2: 85، بحار الأنوار 107: 148، روضات الجنات 2: 274، أعيان الشيعة 5: 406، تأسيس الشيعة: 397، الذريعة 6: 82، و 7: 214 و 24: 392.
5) أمل الآمل 2: 85، روضات الجنات 2: 274، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 7: 243.
6) الخلاصة: 47، الإجازة: 157، بحار الأنوار 107: 57، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 8: 87.
7) الخلاصة: 46، الإجازة: 156، البحار 107: 53، الرياض 1: 373، الأعيان 5: 406، الذريعة 8: 87، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
8) رياض العلماء 1: 379، روضات الجنات 2: 275، الذريعة 8: 248.
9) الخلاصة: 46، رياض العلماء 1: 373، روضات الجنات 2: 272، أمل الآمل 2: 83، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 12: 70 و 17: 216.
10) الخلاصة: 48 أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 11: 198 و 12: 183، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
11) الذريعة: 13: 375، كشف الظنون 2: 1194.
(50) شرح الكلمات الخمس (1).
(51) العزية (2).
(52) غاية الأحكام في تصحيح تلخيص المرام (3).
(53) غاية الوصول و إيضاح السبل في شرح مختصر منتهى السؤول و الأمل في علمي الأصول و الجدل (4).
(54) قواعد الأحكام في مسائل الحلال و الحرام (5).
(55) القواعد الجلية في شرح الشمسية (6).
(56) القواعد و المقاصد (7).
(57) كاشف الأستار في شرح كشف الأسرار (8).
(58) كشف الخفاء من كتاب الشفاء (9).
(59) كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد (10).
1) أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 8: 118.
2) بحار الأنوار 107: 53، الذريعة 15: 262.
3) الخلاصة: 45، الرياض 1: 372، أمل الآمل 2: 82، مجالس المؤمنين 1: 574، أعيان الشيعة 5: 403، الذريعة 16: 6.
4) الخلاصة: 46، الإجازة 156، بحار الأنوار 107: 148، الرياض 1: 368، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 16: 13، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط)، الوافي بالوفيات 13: 1385: 85، الدرر الكامنة 2: 71، كشف الظنون 2: 1853.
5) الخلاصة: 48، الإجازة: 55، الرياض 1: 367، بحار الأنوار 107: 52، أعيان الشيعة 5: 404، الروضات 2: 273، قصص العلماء: 363، الذريعة 6: 169، و 13: 224، و 14: 17 و 17: 177، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
6) الخلاصة: 47، الإجازة: 157، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 17: 182.
7) الخلاصة: 47، الإجازة: 157، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 17: 195.
8) الخلاصة: 47، الإجازة: 156، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 17: 233.
9) الخلاصة: 48، الإجازة: 157، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 18: 34.
10) الخلاصة: 47، الإجازة: 156، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 6: 186 و 17: 186 و 18: 51، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
(60) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (1).
(61) كشف المقال في معرفة الرجال (2).
(62) كشف المكنون من كتاب القانون (3).
(63) كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين (4).
(64) لبّ الحكمة (5).
(65) المباحثات السنيّة و المعاوضات النصيريّة (6).
(66) مبادئ الوصول إلى علم الأصول (7).
(67) المحاكمات بين شرّاح الإشارات (8).
(68) مختصر شرح نهج البلاغة (9).
(69) مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (10).
1) الخلاصة: 36، الإجازة: 156، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 3: 352 و 6: 118 و 18: 60، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط)، كشف الظنون 1: 336.
2) الخلاصة: 2، المختلف: 6، أمل الآمل 2: 85، الرياض 1: 362، البحار 107: 53، الروضات 2: 274، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 18: 63.
3) الخلاصة: 47، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 18: 64.
4) نهج الحق: 232، أمل الآمل 2: 85، الروضات 2: 274، أعيان الشيعة 5: 406، تأسيس الشيعة: 299، الذريعة 18: 69، مكتبة العلّامة الحلّي (مخطوط).
5) الإجازة: 157، بحار الأنوار 107: 57، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 18: 286.
6) الخلاصة: 47، أمل الآمل 2: 83، الرياض 1: 374، الروضات 2: 272، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 19: 40، مكتبة العلّامة الحلي (مخطوط).
7) الخلاصة: 46، الإجازة: 156، أمل الآمل 2: 83، بحار الأنوار 107: 54، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 6: 190 و 14: 2، و 19: 42، مكتبة العلّامة الحلي (مخطوط).
8) الخلاصة: 48، بحار الأنوار 107: 149، الرياض 1: 369، الذريعة 20: 132.
9) الخلاصة: 47، أمل الآمل 2: 84، الرياض 1: 374، بحار الأنوار 107: 54، الذريعة 14: 124 و 20: 198.
10) الخلاصة: 45، الإجازة: 155، الذريعة 6: 194 و 20: 218.
(70) مدارك الأحكام (1).
(71) مراصد التدقيق و مقاصد التحقيق (2).
(72) مسائل السيد ابن زهرة (3).
(73) مصابيح الأنوار (4).
(74) المطالب العلية في علم العربية (5).
(75) معارج الفهم في شرح النظم (6).
(76) المعتمد في الفقه (7).
(77) المقاصد الوافية بفوائد القانون و الكافية (8).
(78) المقاومات (9).
(79) مقصد الواصلين في أصول الدين (10).
(80) منتهى المطلب في تحقيق المذهب (11).
(81) منتهى الوصول إلى علمي الكلام و الأصول (12).
(82) المنهاج في مناسك الحاج (13).
1) الخلاصة: 48، الإجازة: 156، الذريعة 20: 239.
2) الخلاصة: 48، أمل الآمل 2: 84، الذريعة 20: 300.
3) الذريعة 20: 360، مكتبة العلّامة الحلي (مخطوط).
4) الخلاصة: 46، الذريعة 21: 85.
5) الخلاصة: 47، الإجازة: 156، الذريعة 21: 140.
6) الخلاصة: 46، الإجازة: 156، الذريعة 21: 183 و 24: 200.
7) الرياض 1: 380، الروضات 2: 275، الذريعة 21: 214.
8) الخلاصة: 47، الإجازة: 157، الذريعة 21: 386.
9) الخلاصة: 47، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 22: 9.
10) الخلاصة: 48، الإجازة: 156، الذريعة 22: 110.
11) الخلاصة: 45، الإجازة: 155، الذريعة 6: 222 و 23: 11.
12) الخلاصة: 26، الإجازة: 156، الذريعة 23: 15.
13) الخلاصة: 47، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 23: 171.
(83) منهاج الصلاح في اختصار المصباح (1).
(84) منهاج الكرامة في الإمامة (2).
(85) منهاج الهداية و معراج الدراية (3).
(86) منهاج اليقين في أصول الدين (4).
(87) نظم البراهين في أصول الدين (5).
(88) النكت البديعة في تحرير الذريعة (6).
(89) نور المشرق في علم المنطق (7).
(90) نهاية الإحكام في معرفة الأحكام (8).
(91) نهاية المرام في علم الكلام (9).
(92) نهاية الوصول إلى علم الأصول (10).
(93) نهج الإيمان في تفسير القرآن (11).
(94) نهج الحق و كشف الصدق (12).
(95) نهج العرفان في علم الميزان (13).
1) أمل الآمل 2: 85، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 23: 164.
2) الخلاصة: 48، الرياض 1: 375، الذريعة 2: 283 و 3: 79 و 23: 162.
3) الخلاصة: 48، الإجازة: 156، الذريعة 22: 351.
4) الخلاصة: 46، الإجازة: 156، الذريعة 22: 352.
5) الخلاصة: 46، الإجازة: 156، الذريعة 22: 352 و 24: 200.
6) الخلاصة: 46، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 10: 26 و 24: 303.
7) الإجازة: 157، الرياض 1: 369، الذريعة 24: 376.
8) الخلاصة: 48، الإجازة: 155، الذريعة 24: 394.
9) الخلاصة: 47، الإجازة: 156، الذريعة 24: 407.
10) الخلاصة: 48، الإجازة: 156، الذريعة 24: 408.
11) الخلاصة: 46، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 12: 171 و 24: 412.
12) الخلاصة: 48، أعيان الشيعة 5: 405، الذريعة 14: 161 و 18: 23 و 24: 416.
13) الخلاصة: 48، الإجازة: 157، الذريعة 24: 424.
(96) نهج المسترشدين في أصول الدين (1).
(97) نهج الوصول إلى علم الأصول (2).
(98) النهج الوضّاح في الأحاديث الصحاح (3).
(99) واجبات الحج و أركانه (4).
(100) واجبات الوضوء و الصلاة (5).
(101) واجب الاعتقاد على جميع العباد (6).
و هناك عدد من المؤلفات المشكوكة نسبتها إلى العلّامة رحمه اللّٰه و هي:
(1) إثبات الرجعة:
ذكره في الذريعة، و قال: يوجد في خزانة كتب مدرسة فاضل خان بالمشهد الرضوي كما ذكر في فهرسها (7).
(2) الايمان:
قال في الرياض: قد ينسب إلى العلّامة أيضا رسالة مختصرة في تحقيق معنى الايمان و نقل الأقوال فيه.
و ذكر في الروضات أنّ من مؤلّفات العلّامة التي لم يذكرها في الخلاصة مختصرة في تحقيق معنى الايمان، ثم ذكر أن فيه نظرا واضحا كنسبة كتاب
1) الخلاصة: 48، الإجازة: 156، الرياض 1: 374، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 1: 515 و 3: 318 و 14: 161 و 24: 424.
2) الخلاصة: 48، الإجازة: 156، لؤلؤة البحرين: 218، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 24: 426.
3) الخلاصة: 48، أعيان الشيعة 5: 406، الذريعة 24: 427.
4) الرياض 1: 378، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 22: 260.
5) الرياض 1: 378، الروضات 2: 275، أعيان الشيعة 5: 404، الذريعة 25: 3.
6) الخلاصة: 48، أجوبة المسائل المهنائية: 23، الرياض 1: 380، الروضات 2: 275، الذريعة 3: 397 و 14: 163 و 24: 4.
7) الذريعة 1: 92.
الكشكول إلى العلّامة (1).
(3) تلخيص الكشّاف:
في الذريعة: إن بعض المطلعين رآه عند بعض علماء العامّة ببغداد، ثم استظهر أنه غير ما مرّ من أسماء تفاسير العلّامة كالسر الوجيز و نهج الايمان، ثم احتمل كونه أحدهما، و استظهر في الأعيان أنه السّر الوجير (2).
(4) الجمع بين كلام النبي و الوصي و الجمع بين آيتين من الكتاب العزيز:
ذكره السيّد الطباطبائي في مكتبة العلّامة الحلّي، و ذكر أن له نسخة في المكتبة الناصرية في لكهنو، و عنها مصورة في جامعة طهران ذكرت في فهرس مصوراتها، و نسخة في مكتبة الإلهيات في مشهد، و نسخة في جامعة طهران (3).
(5) جوابات ابن حمزة:
ذكرها في الذريعة و قال: و كان ابن حمزة- السائل منه- إما معاصره أو تلميذه، و ليس هو ابن حمزة المشهور المتقدم على العلّامة بكثير. ثم نقل عن الرياض بأنه قد استكثر من النقل عن هذه الجوابات في هامش رسالة الطهارة التي عندنا منها نسخ. و ذكرها لسيد الطباطبائي في مكتبة العلّامة الحلّي (4).
(6) جواب سؤالين:
ذكره في الأعيان، و ذكر أن السائل عنهما الخواجة رشيد الدين فضل اللّٰه الطبيب الهمداني وزير غازان خان، ثم ذكر أنه رأى هذه الرسالة في طهران في مكتبة الشيخ علي المدرس (5).
(7) جواهر المطالب:
ذكره في الأعيان و الذريعة، و قال في الذريعة: نسبه إلى الشيخ إبراهيم ابن أبي جمهور في كتابه عوالي اللئالي الذي ألّفه في 899 ه (1).
(8) حاشية التلخيص:
في الرياض: ان الشيخ حسن قد ذكر- في مسألة جواز الطهارة بالماء المضاف و عدمه من فروع كتاب المعالم- أن العلّامة نقل في بعض كتبه موافقة المفيد للسيد المرتضى في القول بالجواز ثم كتب في الهامش أنه ذكره في حاشيته على التلخيص، ثم ذكر في الرياض أن مراده بحاشية التلخيص ما قيّده به العلّامة نفسه في هوامش كتاب تلخيصه المذكور، و احتمل في الأعيان كون حاشية التلخيص هي نفسها غاية الأحكام في تصحيح تلخيص المرام (2).
(9) حاشية القواعد:
ذكرها في الذريعة و قال: رأيت نسخة القواعد المكتوبة في 1090 في كتب الشيخ مشكور في النجف و عليها بعض الحواشي بعنوان منه و بعضها من المصنف (3).
(10) السلطان: في معتقدات الأشاعرة و بعض قبائحها، ذكره في الذريعة و قال: ذكره الشيخ عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلّي في بعض تصانيفه كما رأيته بخطه في الخزانة الغروية (4).
(11) شرح الإرشاد:
ذكره في تأسيس الشيعة نقلا عن الشهيد في حاشيته على الخلاصة (5).
(12) شرح حديث الحقيقة: ذكره السيد الطباطبائي في مكتبة العلّامة
الحلّي و قال: طبع منسوبا إلى العلّامة في مجموعة كلمات المحققين (1)(13) شرح الحديث القدسي:
ذكره في الذريعة و قال: مطبوع مع مسار الشيعة (2).
(14) شرح حكمة الإشراق:
ذكره في الأعيان (3).
(15) شرح القانون:
ذكره في الذريعة (4).
(16) شرح الهداية:
ذكره في الذريعة و قال: كما نسب إليه- أي: إلى العلّامة- في بعض الفهارس المخطوطة و لم يذكر مآخذه (5).
(17) عقيدة العلّامة الحلّي:
ذكرها السيد الطباطبائي في مكتبة العلّامة الحلّي و قال: توجد نسخة منه في مكتبة الإمام الرضا عليه السلام ضمن المجموعة رقم 2510 (6).
(18) المباحث:
ذكره في الذريعة و قال: رأيته في مكتبة السماوي، و احتمل في موضع آخر من الذريعة أن يكون المباحث هذا هو نفسه المباحثات السنية (7).
(19) المستجاد من الإرشاد:
و هو مختصر إرشاد المفيد، ذكره في الذريعة و قال: رأيته في النجف عند السيد محمد سبط أخي الحاج سيد حسين الكوهكمري، ثم ذكر أن اسم الكاتب غير موجود في الكتاب، لكن كتب على ظهر النسخة أنه تصنيف آية اللّٰه العلّامة الحلّي (1).
(20) معارج الدين و مناهج اليقين:
ذكره في الذريعة: و ذكر أنه توجد منه نسخة في المكتبة الرضوية كتبت سنة 1082، و ذكر أن هذا الكتاب عدّ في فهرسها من كتب أصول الفقه، و أنه للعلّامة، و أنه المعروف بمنهاج اليقين في أصول الدين، ثم ذكر أن المنهاج في أصول الدين غير هذا، و كتاب المعارج لم يذكر في تصانيف العلّامة مع أن الظاهر أنه في الفقه لا أصول الفقه (2).
(21) الميراث:
ذكره السيد الطباطبائي في مكتبة العلّامة الحلّي، و ذكر أن له نسخة في مكتبة المسجد الأعظم (3).
(22) النحو:
و هو كتاب ذكر في الإجازة المطبوعة و ذكر أنه مجلّد. و الظاهر أنه ليس كتابا إذ لم يذكر في نسخة الإجازة التي اعتمد عليها في البحار و الرياض، و لم يذكر في الذريعة و لا في الأعيان و لا في غيرهما. و لعل الاشتباه نشأ من الناسخ إذ العلّامة ذكر في الإجازة كتبه موزعة على العلوم، فيكتب كتب أصول الفقه، و يذكر بعده الكتب المرتبطة به. و كذا كتب: كتب النحو، و ذكر بعده الكتب المرتبطة به كما في نسخة الإجازة التي اعتمد عليها في البحار و الرياض، فاشتبه الناسخ و جعله
كتاب النحو، و ذكر أنه مجلّد، إذ لم يرد في نسخة الإجازة المطبوعة لفظ «كتب النحو» و جاء بدله كتاب النحو (1).
(23) الهادي:
ذكر في الرياض أن بعض تلاميذ المحقق الكركي نسب كتاب الهادي إلى العلّامة، ثم قال: لم أجده من جملة مؤلّفاته (2).
و هناك مجموعة من الكتب نسبت إلى العلّامة الحلّي و هي ليست له قطعا، و هي:
(1) الابتهاج:
نسب كتاب الابتهاج للعلّامة، و هو ليس له قطعا، بل هو للشيخ المتكلّم أبي إسحاق إبراهيم النوبختي. و منشأ الاشتباه في هذه النسبة هو أن العلّامة في كتابه أنوار الملكوت في شرح الياقوت يذكر أولا نصّ كلام الياقوت للنوبختي ثم يشرع في الشرح، فذكر في مسألة أنه تعالى مبتهج بذاته نصّ كلام الياقوت، و في آخر كلام الياقوت قال النوبختي: و هذه المسألة سطّرنا فيها كتابا مفردا سمّيناه بكتاب الابتهاج، فاشتبه الأمر و ظن أن هذا الكلام للعلّامة، فنسب كتاب الابتهاج إليه، و يدل على أن كتاب الابتهاج ليس للعلّامة، ما ذكره العلّامة في آخر شرح عبارة الياقوت بقوله: و قد ذكر المصنف- أي: النوبختي- أنه صنف كتابا في هذه المسألة لم يصل إلينا (3).
(2) الإسرار في إمامة الأئمّة الأطهار:
في الرياض: و قد ينسب إلى العلّامة كتاب الإسرار في إمامة الأئمّة الأطهار كما رأيته بخط بعض الأفاضل، و هو سهو واضح، بل هو من مؤلّفات الحسن الطبرسي أو غيره من العلماء الطبرسيين. و في الروضات: إن في نسبة كتاب
الإسرار في الإمامة إلى العلّامة نظرا واضحا كنسبة كتاب الكشكول إليه (1).
(3) أصول الدين:
نسب هذا الكتاب إلى العلّامة، و ذلك لما ذكره العلّامة في الإجازة، و هو ليس كتابا قطعا، بل هو عنوان لكتب أصول الدين، كما مرّ في كتاب النحو.
(4) تحصيل السداد في شرح واجب الاعتقاد:
نسبه إلى العلّامة في الأعيان، و هو ليس للعلّامة، لتفرد السيد الأمين في نسبته له. و يتضح اشتباه نسبة هذا الكتاب إلى العلّامة عند ملاحظة مقدمته التي نقلها في الذريعة، حيث قال فيها: و له- أي: واجب الاعتقاد- من الخاصية أن جميع ما فيه عدا التسليم من المسائل الفقهية مجمع عليه بين فقهاء الإمامية و لم يتعدّ فيه من الواجبات إلى ذكر شيء من المندوبات.
و في الذريعة أن هذا- أي: تحصيل السداد- و إن لم يذكر فيه اسم الشارح لكن يظهر من بعض القرائن أنه تأليف الشيخ ظهير الدين أبي إسحاق إبراهيم ابن الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي الميسي، ألّفه لولده الشيخ عبد الكريم (2).
(5) تلخيص الفهرست:
نسبه إلى العلّامة السيد الأمين في الأعيان و قال: بحذف الكتب و الأسانيد.
و هو ليس له قطعا لتفرد السيد الأمين بهذه النسبة و لأن تلخيص الفهرست للمحقق الحلّي لا للعلّامة، فإن المحقق لخّص الفهرست للشيخ بتجريده عن ذكر الكتب و الأسانيد و الاقتصار على ذكر نفس المصنفين و سائر خصوصياتهم (3).
(6) الكشكول فيما جرى على آل الرسول:
نسبه إلى العلّامة السيد هاشم البحراني في تفسير البرهان حيث أورد رواية عن الكشكول و قال: إنه للعلّامة الحلّي.
و في الأمل: و كتاب الكشكول فيما جرى على آل الرسول ينسب إليه.
و هو ليس للعلّامة قطعا- لأن مؤلفه قال في مقدمته و وسطه: أنه ألّف الكتاب في سنة 735 و العلّامة توفي في سنة 726. و لأن التأمل في سياق عبارات الكتاب و أسلوب كلامه ظاهر في أنه ليس على طريق مشرب العلّامة و نظم كلامه- بل هو تأليف السيد حيدر بن علي الآملي الحسيني، أو معاصره و سميّه السيد حيدر بن علي العبيدي أو العبدلي الحسيني الآملي المعروف بالصوفي (1).
(7) كنز العرفان في فقه القرآن:
نسبه للعلّامة الزركلي في الأعلام، و هو ليس له قطعا، بل لأبي عبد اللّٰه مقداد بن عبد اللّٰه السيوري الحلّي تلميذ الشهيد الأول و شارح الباب الحادي عشر المتوفّى سنة 826 (2).
(8) مصباح المتهجد:
نسبه للعلّامة في كشف الظنون و قال: مجلد في الأدعية و الأوراد و عمل اليوم و الليلة و المواسم و الأعياد .. ثم اختصره مؤلّفه. و هو ليس للعلّامة قطعا بل الشيخ الطوسي اختصره العلّامة بكتاب سمّاه منهج الصلاح (3).
(9) منهاج السلامة إلى معراج الكرامة:
نسبه للعلّامة السيد الأمين في الأعيان و قال: مذكور في كشف الظنون. و هو نفسه منهاج الكرامة الذي مرّ سابقا و إنما الاختلاف في الاسم، فاشتبه الأمر على صاحب الأعيان حيث عدّه كتابين (4).
(10) النهج الحق:
نسبه للعلّامة في الأعيان و قال: ذكره بعض تلاميذ الشيخ علي الكركي، و يمكن أن يكون هو الذي قبله- أي نهج الحق و كشف الصدق- فإن صاحب البحار في مقدماته سمّاه نهج الحق و كشف الصدق (1).
أسلم السلطان غازان خان بن أرغون خان بن اباقا خان بن هولاكو خان بن تولى خان بن جنكيز خان في سنة 694 و سمّي بمحمود، و استبصر في عام 702.
فلمّا توفّي في الحادي عشر من شوال عام 703 جاء أخوه محمّد أولجايتو خان من خراسان في الثاني من ذي الحجة، و في اليوم السادس عشر منه جلس على كرسيّ السلطنة، و كان أكثر تأييده لمذهب الحنفية و لعلمائه، لأنّه كان قاطنا في خراسان في زمن أخيه محمود، و كان تواجد علماء الحنفية فيها، ثم انتقل إلى مذهب الشافعية- الذي هو أقلّ شناعة من الحنفية- بعد مناظرات جرت بين المذهبين يأتي تفصيلها.
و إنّما لقّب هذا السلطان باولجايتو لأنه في أوّل سلطنته صالح طوائف أروق جنكيز خان بعد ما استحكمت المنازعة بينهم خمسين سنة، فأطاعوا السلطان محمّد و أرسلوا إليه الرسل و ارتفع النزاع عن العالم، و لذلك اعتقد الناس أنّ سلطنته مباركة ميمونة، فعرضوا عليه أن يلقب باولجايتو، لأنه في لغة الأتراك بمعنى السلطان الكبير المبارك، فاستقرّ لقبه على هذا.
و بعد ما اختار هذا السلطان مذهب الإمامية- و ذلك بعد مناظرات عديدة جرت بين العلّامة و سائر علماء المذاهب- لقب نفسه بخدابنده، بمعنى عبد اللّٰه، لكن المتعصبين من العامّة غيّروا هذا اللقب الشريف إلى خربنده بمعنى غلام الحمار، حتى اشتهر هذا اللقب عليه كما اعترف به ابن بطوطة (2)، و لم يكتفوا بهذا، بل
ذكروا لسبب هذه التسمية قصة ابتدعوها، و هي: أنّ التتر يسمّون المولود باسم أول داخل على البيت عند ولادته، فلمّا ولد هذا السلطان كان أوّل داخل الزمال! و يكفي في بطلان هذه القصة انّ لغة التتر هي التركية، و لفظ خربنده فارسي ..
قال السيد المرعشي: و بعض المتعصبين من العامة كابن حجر العسقلاني و غيره غيّروا ذاك اللقب الشريف إلى خربنده، و ذلك لحميّتهم الجاهلية الباردة، و من الواضح لدى العقلاء إنّ صيانة قلم المؤرخ و طهارة لسانه و عفّة بيانه من البذاءة و الفحش من الشرائط المهمّة في قبول نقله و الاعتماد عليه و الركون إليه- و من العجب أنّ بعض المتأخرين من الخاصة تبع تعبير القوم عن هذا الملك الجليل و لم يتأمّل أنّه لقب تنابزوا به- و ما ذلك إلّا لبغض آل الرسول الداء الدفين في قلوبهم و تلك الأحقاد البدرية و الحنينية، و إلّا فما ذنب هذا الملك بعد اعترافهم بجلالته و عدالته و شهامته و رقّة قلبه و حسن سياسته و تدبيره (1).
و اختيار هذا الملك مذهب التشيّع لم يكن عن ميل النفس و الهوى، أو احتياج لبقاء سلطنته، و إنّما كان بعد مناظرات علّامتنا أبي منصور مع علماء الفرق كافّة فأوقعهم في مضيق الإلزام و الافحام، و أثبت عليهم حقّية مذهب أهل البيت الكرام.
قال الخواجة نظام الدين عبد الملك المراغي- الذي هو أفضل علماء الشافعية، بل أفضل و أكمل علماء أهل السنة- بعد ما سمع أدلة العلّامة على حقيّة مذهب أهل البيت، قال: أدلّة حضرة هذا الشيخ في غاية الظهور، إلّا أنّ السلف منّا سلكوا طريقا، و الخلف لإلجام العوام و دفع شقّ عصا أهل الإسلام سكتوا عن زلل أقدامهم، فبالحريّ أن لا تهتك أسرارهم و لا يتظاهر في اللعن عليهم (2).
و كان هذا السلطان كما قال الحافظ الأبرو الشافعي المعاصر له: صاحب ذوق
سليم يحبّ العلم و العلماء بالأخص السادات، و ذكر بعد هذا أنّ ممالك إيران عمرت في زمانه، و اتفقت القبائل فيما بينها و أطاعت له الأمراء، حتى أجمعت العرب و العجم على إطاعته، و أسّس هذا السلطان في جميع البلاد المدارس و المساجد (1).
و قال العلّامة المترجم في حقّه في ديباجة كتابه استقصاء النظر: و قد منحه اللّٰه بالقوة القدسية، و خصّه بالكمالات النفسية و القريحة الوقّادة، و الفكرة الصحيحة النقّادة، وفاق في ذلك على جميع الأمم، و زاد علما و فضلا على فضلا من تأخّر و تقدّم، و ألهمه اللّٰه العدل في رعيته و الإحسان إلى العلماء من أهل مملكته، و إفاضة الخير و الانعام على جميع الأنام (2).
و قال النطنزي في منتخب التواريخ: إنّ السلطان محمّد خدابنده اولجايتو كان ذا صفات جليلة و خصال حميدة، لم يقترف طيلة عمره فجورا و فسقا، و كانت أكثر معاشرته و مؤانسته مع الفقهاء و الزهّاد و السادة و الأشراف .. وفّقه اللّٰه لتأسيس صدقات جارية، منها أنّه بنى ألف دار من بقاع الخير و المستشفيات و دور الحديث و دور الضيافة و دور السيادة و المدارس و المساجد و الخانقاهات، بحيث أراح الحاضر و المسافر، و كان زمانه من خير الأزمنة لأهل الفضل و التقى، ملك الممالك و حكم عليها ستة عشر سنة، و كان من بلاد العجم إلى إسكندرية مصر و إلى ما وراء النهر تحت سلطته، توفّي سنة 717 أو 719، و دفن بمقبرته التي أعدّها قبل موته في بلدة سلطانية (3).
و قال الخوانساري في حقّه: كان يعتني بالعلماء و الصلحاء كثيرا و يحبّهم حبّا شديدا، و أنّه قد حصل للعلم و الفضل في زمن دولته العالية رونق تامّ و رواج كثير (4).
و من حبّه الشديد للعلم و العلماء لم يرض بمفارقة العلّامة و بقيّة العلماء عنه، لذا أسّس المدرسة السيارة في معسكره لتجوب البلاد الإسلامية لنشر العلم، و كانت تستقي هذه المدرسة من الحلّة التي أرجعت مكانتها العلمية القديمة، و تخرّج من هذه المدرسة رجال أفذاذ.
و أمّا سبب تشيّع هذا السلطان و كيفيته، فالتاريخ ينقل لنا روايتين:
الاولى: ما ذكره المولى محمّد تقي المجلسي في روضته، و هو: أنه- أي: السلطان- غضب على امرأته و قال لها: أنت طالق ثلاثا، ثم ندم و جمع العلماء، فقالوا: لا بدّ من المحلّل، فقال: عندكم في كلّ مسألة أقاويل مختلفة، أ فليس لكم هنا اختلاف؟
فقالوا: لا و قال أحد وزرائه: إنّ عالما بالحلّة و هو يقول ببطلان هذا الطلاق، فبعث كتابه إلى العلّامة و أحضره.
و لمّا بعث إليه قال علماء العامة: إنّ له مذهبا باطلا و لا عقل للروافض، و لا يليق بالملك أن يبعث إلى طلب رجل خفيف العقل، قال الملك: حتى يحضر.
فلمّا حضر العلّامة بعث الملك إلى جميع علماء المذاهب الأربعة و جمعهم.
فلمّا دخل العلّامة أخذ نعليه بيده و دخل المجلس و قال: السّلام عليكم، و جلس عند الملك.
فقالوا للملك: ألم نقل لك إنّهم ضعفاء العقول.
قال الملك: اسألوا منه في كل ما فعل.
فقالوا له: لم ما سجدت للملك و تركت الآداب؟
فقال: إنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله كان ملكا و كان يسلّم عليه، و قال اللّٰه تعالى «فَإِذٰا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ مُبٰارَكَةً» (1)و لا خلاف بيننا و بينكم أنه لا يجوز السجود لغير اللّٰه.
1) النور: 61.
قالوا له: لم جلست عند الملك؟
قال: لم يكن مكان غيره.
و كلّ ما يقوله العلّامة بالعربي كان يترجم المترجم للملك.
قالوا له: لأيّ شيء أخذت نعلك معك، و هذا ممّا لا يليق بعاقل بل إنسان؟
قال: خفت أن يسرقه الحنفية كما سرق أبو حنيفة نعل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، فصاحت الحنفية: حاشا و كلّا، متى كان أبو حنيفة في زمن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله؟! بل كان تولّده بعد المائة من وفاة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله.
فقال: فنسيت لعله كان السارق الشافعي.
فصاحت الشافعية و قالوا: كان تولّد الشافعي في يوم وفاة أبي حنيفة، و كان أربع سنين في بطن امّه و لا يخرج رعاية لحرمة أبي حنيفة، فلمّا مات خرج و كان نشوؤه في المائتين من وفاة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله.
فقال: لعلّه كان مالك.
فقالت المالكية بمثل ما قالته الحنفية.
فقال: لعلّه كان أحمد بن حنبل.
فقالوا بمثل ما قالته الشافعية.
فتوجّه العلّامة إلى الملك، فقال: أيّها الملك علمت أنّ رؤساء المذاهب الأربعة لم يكن أحدهم في زمن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم، و لا في زمن الصحابة، فهذه أحد بدعهم أنّهم اختار و أمن مجتهديهم هذه الأربعة، و لو كان منهم من كان أفضل منهم بمراتب لا يجوّزون أن يجتهد بخلاف ما أفتاه واحد منهم.
فقال الملك: ما كان واحد منهم في زمن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و الصحابة؟.
فقال الجميع: لا.
فقال العلّامة: و نحن الشيعة تابعون لأمير المؤمنين عليه السّلام نفس رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و أخيه و ابن عمّه و وصيّه.
و على أيّ حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل، لأنه لم تتحقق شروطه، و منها العدلان، فهل قال الملك بمحضرهما؟ قال: لا.
و شرع في البحث مع علماء العامة حتى ألزمهم جميعا.
فتشيّع الملك و بعث إلى البلاد و الأقاليم حتّى يخطبوا للأئمة الاثني عشر في الخطبة، و يكتبوا أساميهم عليهم السّلام في المساجد و المعابد.
و الذي في أصبهان موجود الآن في الجامع القديم الذي كتب في زمانه في ثلاث مواضع، و على منارة دار السيادة التي تمّمها سلطان محمّد بعد ما أحدثها أخوه غازان أيضا موجود، و في محاسن أصفهان موجود أنّ ابتداء الخطبة كان بسعي بعض السادات اسمه ميرزا قلندر، و من المعابد التي رأيت معبد بيربركان الذي في لنجان و بني في زمانه الأسامي الموجودة الآن، و كذا في معبد قطب العارفين نور الدين عبد الصمد النطنزي الذي له نسبة إليه من جانب الام موجود الآن (1).
الثانية: ما ذكره الحافظ الأبرو الشافعي المعاصر للعلّامة و جمع من المؤرخين، و هو: انّ السلطان غازان خان- محمود- كان في عام 702 في بغداد، فاتفق أن سيدا علويا صلّى الجمعة في يوم الجمعة في الجامع ببغداد مع أهل السنّة، ثم قام و صلّ الظهر منفردا، فتفطّنوا منه ذلك فقتلوه، فشكا ذووه إلى السلطان، فتكدّر خاطره و مسّت عواطفه و أظهر الملالة من أنه لمجرد إعادة الصلاة يقتل رجل من أولاد الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و لم يكن له علم بالمذاهب الإسلامية، فقام يتفحّص عنها، و كان في أمرائه جماعة متشيّعون، منهم الأمير طرمطار بن مانجو بخشي، و كان في خدمة السلطان من صغره و له وجه عنده، و كانت نشأته في الري بلدة الشيعة، و كان يستنصر مذهب التشيّع، لمّا رآه مغضبا على أهل السّنة انتهز الفرصة و رغّبه إلى مذهب التشيّع فمال إليه، و لمّا سيطر الأمير غازان على الوضع و هدأت الضوضاء التي كانت في زمانه كان تأثير كلام الأمير طرمطار أكثر عند السلطان غازان، فقام في
1) روضة المتقين 9- 30.
تربية السادة و عمارة مشاهد الأئمة عليهم السّلام، فأسّس دار السيادة في أصفهان و كاشان و سيواس روم و أوقف عليها أملاكا كثيرة، و كذا في مشهد أمير المؤمنين عليه السّلام كما بقيت بعض الآثار لحدّ الآن، و كان ميله إلى مذهب الإمامية يزداد يوما فيوما.
إلى أن توفي السلطان غازان و قام بالسلطنة من بعده وليّ عهده أخوه محمّد، و صار يميل إلى الحنفية بترغيب جمع من علمائهم- لأنّ مسكنه في زمن أخيه غازان كان في خراسان، و تواجد علماء الحنفية آن ذاك كان فيها- فكان يكرمهم و يوقّرهم، كما أنهم انتهزوا الفرصة في التعصّب لمذهبهم.
و كان وزير السلطان محمد خواجه رشيد الدين الشافعي ملولا من ذلك، و لكن لم يكن قادرا على التكلّم بشيء إلى أن جاء قاضي القضاة نظام الدين عبد الملك من مراغة إلى خدمة السلطان، و كان الأوحد في علوم المعقول و المنقول، و صاحب المباحثات و المناظرات المتينة، و كان شافعيّ المذهب، فقدّمه الوزير خواجه رشيد الدين إلى السلطان، فصار ملازما له و فوّض إليه قضاء ممالك إيران.
و انتهز مولانا نظام الدين الفرصة و شرع في المباحثات مع علماء الحنفية في حضور السلطان في مجالس عديدة، حتى زيّف جميع أدلتهم، فمال السلطان إلى مذهب الشافعيّة، حتى سأل العلّامة قطب الدين الشيرازي: إن أراد الحنفي أن يصير شافعيا فما له أن يفعل؟ فقال: هذا سهل، يقول: لا إله إلّا اللّٰه محمّد رسول اللّٰه.
و جاء ابن صدر جهان الحنفي من بخارا إلى خدمة السلطان، فشكا إليه الحنفية من القاضي نظام الدين، و أن أذلّنا عند السلطان و أمرائه، فألطف بهم و وعدهم.
إلى أن جاء اليوم المشهود يوم الجمعة، حيث كان علماء الحنفية و الشافعية عند السلطان محمد، فسئل القاضي عن جواز نكاح البنت المخلوقة من ماء الزنا على مذهب الشافعي، فقرّره القاضي و قال: هو معارض بمسألة نكاح الأخت و الام في مذهب الحنفية، فطال بحثهما و آل إلى الافتضاح، و أنكر ابن صدر الحنفي ذلك، فقرأ القاضي من منظومة أبي حنيفة
و ليس في لواطة من حدّ و لا بوطء الأخت بعد عقد
فملّ السلطان و امراؤه حتى قام السلطان من مجلسه مغضبا، و ندم الأمراء على أخذهم مذهب الإسلام، و كان بعضهم يقول لبعض: ما فعلنا بأنفسنا تركنا مذهب آبائنا و أخذنا دين العرب المنشعب إلى مذاهب عديدة، و فيها نكاح الامّ و الأخت و البنت، فكان لنا أن نرجع إلى دين أسلافنا، و انتشر الخبر في ممالك السلطان، و كانوا إذا رأوا عالما أو مشتغلا يسخرون منه و يستهزءون به و يسألونه عن هذه المسائل.
و في هذه الأيام وصل السلطان- في مراجعته- إلى كلستان، و كان فيها قصر بناه أخوه السلطان غازان خان، فنزل السلطان مع خاصّته فيه، فلمّا كان الليل أخذهم رعد و برق و مطر عظيم في غير وقته بغتة، و هلك جماعة من مقرّبي السلطان بالصاعقة، ففزع السلطان و امراؤه و خافوا فرحلوا منه على سرعة، فقال له بعض أمرائه: إنّ على قاعدة المغول لا بدّ أن يمرّ السلطان على النار، فأمر بإحضار أسانيد هذا الفن فقالوا:
إنّ هذه الواقعة من شؤم الإسلام، فلو تركه السلطان تصلح الأمور.
فبقي السلطان و امراؤه متذبذبين في مدة ثلاثة أشهر في تركهم دين الإسلام، و كان السلطان متحيّرا متفكّرا، و يقول: أنا نشأت مدة في دين الإسلام و تكلّفت في الطاعات و العبادات، فكيف أترك دين الإسلام؟! فلمّا رأى الأمير طرمطار تحيّره في أمره قال له: إنّ السلطان غازان خان كان أعقل الناس و أكملهم، و لمّا وقف على قبائح أهل السنّة مال إلى مذهب التشيّع و لا بدّ أن يختاره السلطان، فقال: ما مذهب الشيعة؟ قال الأمير طرمطار: المذهب المشهور بالرفض، فصاح عليه السلطان: يا شقي تريد أن تجعلني رافضيا! فأقبل الأمير يزيّن مذهب الشيعة و يذكر محاسنه له، فمال السلطان الى التشيّع.
و في هذه الأيام ورد على السلطان السيد تاج الدين الآوي الإمامي مع جماعة من الشيعة، فشرعوا في المناظرات مع القاضي نظام الدين في محضر السلطان في مجالس كثيرة، و كانت مناظرتهم بمثابة المقدمة للمناظرة الكبيرة التي وقعت بعد هذا
بين علماء السنّة و العلّامة الحلّي بمحضر السلطان.
و بعد مناظرة السيد الآوي عز السلطان السفر إلى بغداد ثم الذهاب إلى زيارة قبر أمير المؤمنين عليه السّلام، و عند القبر رأس مناما يدلّ على حقيّة مذهب الإمامية، فعرض السلطان ما رآه في المنام على الأمراء، فحرّضه من كان منهم في مذهب الشيعة على اعتناق هذا المذهب الحق، فصدر الأمر بإحضار أئمّة الشيعة فطلبوا جمال الدين العلّامة و ولده فخر المحققين.
فأمر السلطان قاضي القضاة نظام الدين عبد الملك- و هو أفضل علماء العامة- أن يناظر آية اللّٰه العلّامة، و هيّأ مجلسا عظيما مشحونا بالعلماء و الفضلاء من العامة، منهم المولى قطب الدين الشيرازي و عمر الكاتبي القزويني و أحمد بن محمّد الكيشي و المتسيد ركن الدين الموصلي.
فناظرهم العلّامة و أثبت عليهم بالبراهين العقلية و الحجج النقلية بطلان مذاهبهم العامية و حقيقة مذهب الإمامية، على وجه تمنّوا أن يكونوا جمادا أو شجرا و بهتوا كأنهم التقموا حجرا.
و عند ذلك قال المولى نظام الدين: قوّة أدلّة حضرة هذا الشيخ في غاية الظهور، إلّا أن السلف منّا سلكوا طريقا، و الخلف- لا لجام العوام و دفع شقّ عصا أهل الإسلام- سكتوا عن زلل أقدامهم، فبالحري أن لا تهتك أسرارهم و لا يتظاهر باللعن عليهم.
فعدل السلطان و الأمراء و العساكر و جمّ غفير من العلماء و الأكابر عن مذهب بقية الطوائف و اعتنقوا مذهب الحق- الشيعة- الذي يأخذ أحكامه عن الأئمة عليهم السّلام عن عليّ عليه السّلام عن رسول اللّٰه صلّى الهّٰ عليه و آله عن جبرئيل عن اللّٰه عزّ و جل.
و أمر السلطان في تمام ممالكه بتغيير الخطبة و إسقاط أسامي الثلاثة عنها و بذكر أسامي أمير المؤمنين و سائر الأئمّة عليهم السّلام على المنابر، و بذكر حيّ على خير العمل في الأذان، و بتغيير السكّة و حذف أسماء الثلاثة منها و نقش الأسامي
المباركة عليها (1).
و كيف ما كان فتشيّع هذا السلطان و من معه على يد العلّامة أمر مقطوع به مهما كان سببه.
و كان تغيير السكّة عام 707 أو 708، فحذف أسماء الثلاثة منها، فكانت السكّة- الدينار- مدورة مخمّسة الأضلاع، في وسطها ثلاثة سطور متوازية الأبعاض متكافئة الأجزاء:
لا إله إلّا اللّٰه.
محمّد رسول اللّٰه.
عليّ وليّ اللّٰه.
و ذكرت الأسامي المباركة للأئمة عليهم السّلام على الترتيب على حاشيتها.
و لمّا انقضت المناظرة جعل السلطان السيد تاج الدين محمّد الآوي- المتقدّم ذكره- نقيب الممالك، و شرع العلّامة بعد ذلك بمعونة هذا السلطان المستبصر في تشييد أساس الحق و ترويج المذهب، و كتب باسم السلطان عدّة كتب و رسائل بعضها كانت بطلب من السلطان.
و كان العلامة رحمه اللّٰه في القرب و المنزلة عند السلطان بحيث لم يرض بعد استبصاره بمفارقة العلّامة في حضر أو سفر، لذا أمر بترتيب المدرسة السيارة له و لتلاميذه، و هذه المدرسة السيارة ذات حجرات و مدارس من الخيام الكرباسية، فكانت تحمل مع الموكب السلطاني، و كانت هذه المدرسة المباركة تستقي من الحلّة، و تخرّج من هذه المدرسة كثير من العلماء الصلحاء، و نقل أنّه وجد في أواخر مؤلّفات العلّامة وقوع الفراغ منه في المدرسة السيارة السلطانية في كرمانشاه، و في جملة من أواخر أجزاء التذكرة أنه وقع الفراغ منه في السلطانية، و يؤيده ما ذكره الصفدي من أنّ
1) مجالس المؤمنين 2- 356- 361 نقلا عن تاريخ الحافظ الأبرو، تحفة العالم 1- 176، خاتمة المستدرك: 460 و 461، إحقاق الحق 1- 11- 16، أعيان الشيعة 5- 396- 400، و غيرها كثير.
العلّامة كان يصنّف و هو راكب (1).
و أمر السلطان أيضا كبار علماء العامة بالحضور في هذه المدرسة، تنمية للحركة العلمية و استمرارا للمباحثات الحرة السليمة بين المذاهب، و ممّن كان في هذه المدرسة المولى بدر الدين التستري و المولى نظام الدين عبد الملك المراغي و المولى برهان الدين و الخواجة رشيد الدين و السيد ركن الدين الموصلي و الكاتبي القزويني و الكيشي و قطب الدين الفارسي و غيرهم.
و ختاما لهذا الفصل نذكر ظريفتين جميلتين حدثتا بعد انتهاء المناظرة و استبصار السلطان.
الاولى: أنّ العلّامة بعد ما فرغ من هذه المناظرة في مجلس السلطان محمّد خدابنده خطب خطبة بليغة بمثابة الشكر، فحمد اللّٰه و أثنى عليه و صلّى على النبي و الأئمة من بعده عليهم السّلام، و كان في المجلس رجل من أهل الموصل يدّعي أنه سيد اسمه ركن الدين الموصلي- كان قد أسكته العلّامة في المناظرة- اعترض على العلّامة في هذه الخطبة، فقال: ما الدليل على جواز الصلاة على غير الأنبياء؟ فقرأ العلّامة في جوابه بلا انقطاع قوله تعالى «الَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قٰالُوا إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» (2).
فقال هذا اللاسيد من باب العناد و عقوق الآباء و الأجداد: أيّ مصيبة أصابت عليا و أولاده ليستوجبوا بها الصلاة؟
فذكر له العلّامة مصائبهم المشهورة، ثم قال: و أيّ مصيبة أعظم عليهم و أشنع أن حصل من ذراريهم مثلك الذي يرجّح المنافقين الجهال المستوجبين اللعنة و النكال عليهم.
فتعجّب الحاضرون من قوّة جواب العلّامة، و ضحكوا على هذا الموصلي.
و نظم بعض الحضّار الشعراء في ذلك المجلس هذين البيتين في شأن هذا السيد:
إذا العلويّ تابع ناصبيا لمذهبه فما هو من أبيه
و كان الكلب خيرا منه حقا لأنّ الكلب طبع أبيه فيه (1)
الثانية: أنّ الملّا حسن الكاشاني- الذي هو رجل ظريف- كان مصاحبا للعلّامة حين حضوره عند السلطان و جريان المباحثة عنده، فلمّا تشيّع السلطان و تمّ الأمر توجّه الملّا حسن إلى السلطان و قال: أريد أن أصلّي ركعتين على مذهب الفقهاء الأربعة و ركعتين على المذهب الجعفري، و أجعل السلطان حاكما بصحّة أيّ الصلاتين.
فقال الملّا حسن: أبو حنيفة مع أحد الفقهاء الأربعة يجوّز الوضوء بالنبيذ، و كذا يذهب إلى أنّ الجلد بالدباغة يطهر، و كذا يجوّز بدل قراءة الحمد و سورة قراءة آية واحدة حتى إذا كانت بالترجمة، و يجوّز السجود على نجاسة الكلب، و يجوّز بدل السلام بعد التشهد إخراج ضرطة.
فتوضّأ الملّا حسن بالنبيذ، و لبس جلد الكلب، و وضع خرء الكلب موضع سجوده و كبّر، و بدل قراءة الحمد و سورة قال: دو برگ سبز، بمعنى: مدهامتان، ثم ركع، ثم سجد على خرء الكلب، و أدّى الركعة الثانية مثل الاولى، ثم تشهد، و بدل السلام أخرج من دبره ضرطة، و قال: هذه صلاة أهل السنّة.
ثم مع كمال الخضوع و الخشوع صلّى تمام الركعتين على مذهب الشيعة.
فقال السلطان: معلوم أنّ الاولى ليست صلاة، بل الصلاة الموافقة للعقل هي الثانية (2)
و حدثت مثل هذه الواقعة قبلها أمام السلطان محمود بن سبكتكين، نقل القاضي ابن خلكان عن عبد الملك الجويني إمام الشافعية المتوفّى 478 في كتابه الذي سماه مغيث الحق في اختيار الأحق:
أنّ السلطان محمود كان على مذهب أبي حنيفة، و كان مولعا بعلم الحديث، و كانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه و هو يسمع، و كان يستفسر الأحاديث، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي،فوقع في جلده حكة، فجمع الفقهاء من الفريقين من مرو، و التمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر، فوقع الاتفاق على أن يصلّوا بين يديه ركعتين على مذهب الامام الشافعي و على مذهب أبي حنيفة، لينظر السلطان و يتفكّر و يختار ما هو أحسنهما، فصلّى القفال المروزي- أحد علماء الشافعية- بطهارة مسبغة و شرائط معتبرة من الطهارة و الستر و استقبال القبلة، و أتى بالأركان و الهيئات و السنن و الآداب و الفرائض على وجه الكمال و التمام، و قال: هذه صلاة لا يجوّز الإمام الشافعي دونها، ثم صلّى ركعتين على ما يجوّز أبو حنيفة، فلبس جلد الكلب مدبوغا، و لطخ ربعه بالنجاسة و توضأ بنبيذ التمر، و كان في صميم الصيف في المفازة، فاجتمع عليه الذباب و البعوض، و كان وضوؤه منكسا منعكسا، ثم استقبل القبلة و أحرم بالصلاة من غير نية في الوضوء، و كبر بالفارسية [ثم قرأ آية بالفارسية]: دو برك سبز- أي: ورقتان خضراوتان، و هو معنى قوله تعالى في سورة الرحمن «مُدْهٰامَّتٰانِ»- ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل و من غير ركوع، و تشهد، و ضرط في آخره من غير السلام، و قال: أيّها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة، فقال السلطان: لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوّزها ذو دين، و أنكر الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة، و أمر السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ المذهبين جميعا، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة و تمسّك بمذهب الشافعي. وفيات الأعيان 5- 180 و 181.
أقول: الخرافات القبيحة الموجودة في مذهب الشافعي و مذهب أخويه لا تقلّ عن مذهب أبي حنيفة، و لو أردنا ذكر بعضها لخرجنا عن صلب البحث، فنرجئها إلى موضع آخر.
.نعم و بعد هذه المناظرة العظيمة و ببركة هذا العلّامة استبصر السلطان و عدد كبير من الأمراء و علماء العامة، فعمّت البركة في جميع الممالك و هدأت الأوضاع.
فلا بدّ أن لا ننسى فضل هذا العلّامة، فله حقّ كبير علينا لا نستطيع أن نؤدي قسما يسيرا منه.
و نعم ما قاله المحدّث البحراني بعد ذكر المناظرة: لو لم تكن له قدّس سرّه إلّا هذه المنقبة لفاق بها على جميع العلماء فخرا و علا بها ذكرا، فكيف و مناقبه لا تعدّ و لا تحصى، و مآثره لا يدخلها الحصر و الاستقصاء (1).
و قال الخوانساري معقبا لكلام المحدّث البحراني: و هذه اليد العظمى و المنّة
1) لؤلؤة البحرين: 226.
الكبرى التي له على أهل الحق ممّا لم ينكره أحد من المخالفين و الموافقين، حتى أنّ في بعض تواريخ العامّة رأيت التعبير عن هذه الحكاية بمثل هذه الصورة: و من سوانح سنة 707 إظهار خدابنده شعار التشيّع بإضلال ابن المطهّر، و أنت خبير بأنّ مثل هذا الكلام المنطوق صدر من أيّ قلب محروق، و الحمد للّٰه (1).
نسأل اللّٰه سبحانه أن يعجّل في ظهور إمامنا و ملاذنا لنكحل أعيننا برؤيته و رؤية الحق منتشرا في المعمورة.
وصف المولى الأفندي علّامتنا الحلّي بأنه كان أديبا شاعرا ماهرا (2).
و الظاهر أنه لم يكن مكثارا من الشعر، شأنه شأن الشعراء الماهرين المقلّين من الشعر، فالموجود من شعره بين أيدينا هو:
قال العلّامة مخاطبا ابن تيمية، و ذلك لما وصل بيده كتاب منهاج السنّة الذي هو ردّ على كتاب منهاج الكرامة:
لو كنت تعلم كلّ ما علم الورى طرا لصرت صديق كل العالم
لكن جهلت فقلت: إنّ جميع من يهوى خلاف هواك ليس بعالم (3)
و في الروضات: اتفق لي العثور في هذه الأواخر على مجموعة من ذخائر أهل الاعتبار و لطائف آثار فضلاء الأدوار فيها نسبة هذه الأشعار إليه- أي: إلى العلّامة-:
ليس في كلّ ساعة أنا محتاج و لا أنت قادر أن تنيلا
فاغتنم حاجتي و يسرك فأحرز فرصة تسترق فيها الخليلا
و في الروضات أيضا: و له رحمه اللّٰه أيضا كتبه إلى العلّامة الطوسي رحمه اللّٰه في صدر كتابته و أرسله إلى عسكر السلطان خدابنده مسترخصا للسفر إلى العراق من السلطانية:
محبتي تقتضي مقامي و حالتي تقتضي الرحيلا
هذان خصمان لست أقضي بينهما خوف أن أميلا
و لا يزالون في اختصام حتى نرى رأيك الجميلا (1)
و قال التنكابني: و نقل السيد نعمة اللّٰه الجزائري هذه الرباعية عن العلّامة:
لي في محبته شهود أربعة و شهود كلّ قضية اثنان
خفقان قلبي و اضطراب مفاصلي و شحوب لوني و اعتقال لساني (2)
و في مجموعة مخطوطة في المكتبة الرضوية تحت رقم 6196: أن العلّامة نظم قصيدة يؤكد فيها على العلم و أثره النافع في الدنيا و الآخرة، و يحث ولده على بذل الوسع في طلبه و تعليمه لمستحقّيه، و هي:
أيا ولدي دعوتك لو أجبتا إلى ما فيه نفعك لو عقلتا
إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت و إن أمرتا
و يجلو ماء عينك من غشاها و يهديك السبيل إذا ضللتا
و تحمل منه في ناديك تاجا و يكسوك الجمال إذا اغتربتا
ينالك نفعه ما دمت حيّا و يبقى نفعه لك إن ذهبتا
هو العضب المهنّد ليس يهفو تصيب به مقاتل من ضربتا
و كنزا لا تخاف عليه لصا خفيف الحمل يوجد حيث كنتا
يزيد بكثرة الإنفاق منه و ينقص إن به كفّا شددتا
فلو أن ذقت من حلواه طعما لآثرت التعلم و اجتهدتا
و لم يشغلك عن هذا متاع و لا دنيا بزخرفها فتنتا
و لا أنهاك عنه أنيق روض و لا عدر حرسه كلصتا (3)
جعلت المال فوق العلم جهلا لعمرك في القضية ما عدلتا
و بينهما بنصّ الوحي بين ستعلمه إذا طه قرأتا
فإن رفع الغنيّ لواء مال فأنت لواء علمك قد رفعتا
و مهما افتض أبكار الغواني فكم بكر من الحكم افتضضتا
و إن جلس الغني على الحشايا فأنت على الكواكب قد جلستا
و لو ركب الجياد مسوّمات فأنت مناهج التقوى ركبتا
و ليس يضرك الإقتار شيئا إذا ما كنت ربّك قد عرفتا
فيا (1)من عنده لك من جميل إذا بفناء ساحته أنختا
فقابل بالصحيح قبول قولي و إن أعرضت عنه فقد خسرتا
و إن رابحته قولا و فعلا و تاجرت الإله فقد ربحتا (2)
اتفقت المصادر على أن وفاة العلّامة الحلّي رضوان اللّٰه تعالى عليه كانت في ليلة السبت أو يومه من شهر محرم الحرام سنة 726 ه.
و قال الصفدي: أنه توفي سنة خمس و عشرين و قيل سنة ست و عشرين و سبعمائة (3).
و قال اليافعي: أنه توفي سنة 720 ه (4).
و ذكر العسقلاني وفاته في شهر محرم سنة 726 ه أو في أواخر سنة 725 ه (5).
و هذه الأقوال غير معتدّ بها، لشذوذها و مخالفتها للمؤرخين كافة، مع أن
الصفدي و العسقلاني لم يجزما بأن وفاته عام 725 ه، بل ترددا بينه و بين المتفق عليه عند الكل.
هذا ما يتعلق بسنة و شهر وفاته، أما اليوم الذي توفي فيه ففيه عدّة أقوال:
إنه في الحادي عشر من المحرم، ذهب إليه التفرشي في نقده (1)، و القرشي في نظامه (2)، و المامقاني في تنقيحه (3)، و الميرزا في منهجه (4)، و السيد الصدر في تأسيس الشيعة (5)، و فخر المحققين كما نقل عنه (6)، و غيرهم.
و انه في الحادي و العشرين من المحرم، ذهب إليه الشهيد كما نقل عنه (7)، و الشيخ البهائي في توضيحه (8)، و الاشكوري في محبوبه (9)، و الخوانساري في روضاته (10)، و المحدّث النوري في خاتمته (11)، و غيرهم.
و انه في العشرين من محرم، ذهب إليه الشهيد الثاني كما نقل عنه (12)، و ابن كثير في بدايته (13).
1) نقد الرجال: 100.
2) رياض العلماء 1: 366، نقلا عن نظام الأقوال للقرشي.
3) تنقيح المقال 1: 315.
4) منهج المقال: 109.
5) تأسيس الشيعة: 399.
6) ذكر في حاشية الخلاصة: 148: إن فخر الدين قال: توفي قدس اللّٰه روحه ليلة السبت 11 محرم سنة 726 ه.
7) نقله عنه في الرياض 1: 366، و أعيان الشيعة 5: 396.
8) أعيان الشيعة 5: 396، نقلا عن توضيح المقاصد.
9) لؤلؤة البحرين: 223، نقلا عن محبوب القلوب.
10) روضات الجنات 2: 282.
11) خاتمة المستدرك: 460.
12) رياض العلماء: 1: 381، نقلا عن الشهيد الثاني.
13) البداية و النهاية 14: 125.
و لما توفي العلّامة الحلّي رضوان اللّٰه تعالى عليه في مدينة الحلّة السيفية حمل نعشه الشريف إلى مدينة النجف النجف الأشرف و دفن في جوار أمير المؤمنين عليه السلام في حجرة إيوان الذهب الواقعة على يمين الداخل إلى الحضرة الشريفة العلوية من جهة الشمال بجنب المنارة الشمالية.
و عند تعمير الروضة العلوية فتح باب ثان من الايوان الذهبي يفضي الباب إلى الرواق العلوي، فصار قبر العلّامة في حجرة صغيرة مختصة به على يمين الداخل ممرا للزائرين يقصدونها حتى اليوم، و لها شباك فولاذي. و يقابلها حجرة صغيرة أخرى هي قبر المحقق الأردبيلي مختصة به.
قال السيد المرعشي حفظه اللّٰه: فأكرم بهما من بوّابين لتلك القبة السامية، و جدير أن يقال: أسد اللّٰه علي المرتضى، اجتبى حبرين من نوابه، ليكونا بعد من بوابه (1).
1) اللئالي المنتظمة: 135.
يعتبر شرح تبصرة المتعلمين للشيخ ضياء الدين العراقي من الموسوعات الفقهية الضخمة، بل هو ثالث الموسوعات المتأخرة بعد الرياض و الجواهر، و ذلك لما امتاز به هذا الكتاب من الشمولية في موضوعاته، و الوضوح و السلاسة في عباراته، مع الاحتفاظ بالعمق العلمي فيه.
و ممّا أعطى أهميّة أكبر للكتاب هو الأسلوب الرقيق لمؤلّفه، الذي يعد بحق أستاذ الفقهاء المتأخرين، حيث تخرّج من عالي درسه المبارك عدد كبير من فقهاء العصر و مراجع التقليد، و مراجعة سريعة لأسماء تلامذته يتضح لنا ذلك جليّا.
و بقي هذا الكتاب- مع ماله من أهمية كبرى، و شأنه شأن الكثير من تراثنا الإسلامي- مطمورا في زوايا إحدى المكتبات لسنوات عديدة، إلى أن عثر على نسخته الخطية- و التي هي بخط المؤلّف- سماحة حجة الإسلام و المسلمين المجاهد الشيخ محمّد مهدي الآصفي حفظه اللّٰه و رعاه، و حينها عرضه على بعض الفضلاء لتحقيقه و إخراجه إلى النور، فقام بهذا العبء الكبير سماحة حجة الإسلام الشيخ محمّد هادي معرفة، حيث حقّق سبعة أجزاء منها، طبعت في أربع مجلّدات و في أوقات مختلفة.
و قد تحمّل سماحة آية اللّٰه العظمى زعيم الطائفة السيّد أبو القاسم
الخوئي تغمّده اللّٰه برحمته الواسعة الجزء الأكبر من نفقة الطبع.
و قد توقف سماحة الشيخ محمد هادي معرفة عن تحقيق هذا الكتاب، مكتفيا بالأجزاء الأربع التي تمثّل كتاب الطهارة إلى آخر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و ارتأت مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين في قم المقدسة تتميم تحقيق هذا الكتاب، و قد عهدت إلينا بهذا العمل، فقمنا بحمد اللّٰه و توفيقه بتحقيق ما لم يحقق، و هو ابتداء من كتاب المتاجر إلى آخر كتاب الإجارة، و الذي يمثّل الجزء الخامس من الطبعة الجديدة.
ثمّ رأت مؤسسة النشر أن تقوم بتحقيق الأجزاء الأولى التي عمل بها سماحة الشيخ محمد هادي معرفة، لكي تخرج دورة فقهية كاملة و على نسق واحد، فاستجبنا لطلبهم متوكلين على اللّٰه العلي القدير، و سائلين منه العون في إتمامه.
فحيّا اللّٰه سماحة الشيخ الآصفي على هذه الروح العلمية، التي إن دلّت على شيء إنما تدل على الغيرة العالية على تراثنا الإسلامي.
و حيّا اللّٰه سماحة الشيخ محمّد هادي معرفة، الذي بذل جهودا مشكورة في إحياء الكتاب بطبعته السابقة.
و رحم اللّٰه المرجع الكبير زعيم الطائفة آية اللّٰه العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي، على ما بذله من أجل الطبعة السابقة.
و جزى اللّٰه الاخوة المشرفين على مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم، أحسن الجزاء، حيث قاموا بطباعة هذه الموسوعة طباعة أنيقة لائقة بمؤلّفها أستاذ الفقهاء المتأخرين الشيخ ضياء الدين العراقي.
لست بصدد ترجمة حياة هذا العالم الجليل، فإنّ هذه الوريقات القليلة لا يمكنها أن تستوعب كل جوانب حياة شخصية فذة، ذاع صيتها في الآفاق، و اعترف بفصلها كل العلماء الأفذاذ، حتى أصبح استاذا لعدد كبير من الفقهاء العظام، بل انّ ما نذكره هنا لا يتعدّى عن كونه قبسات من حياته المباركة، استطعت الوقوف عليها أثناء مطالعاتي القاصرة.
هو الشيخ ضياء الدين ابن المولى محمد العراقي النجفي.
كان والده من الفقهاء الأجلاء المجازين من السيد شفيع الجابلاقي، كما في (الروضة البهية في الإجازة الشفيعية)، و توفي بعد سنة 1300 ه، و قد اقتدى به ولده و نسج على منواله، و شاء اللّٰه أن يتفوّق على والده في الشهرة و الفضل، و أن يكون أحد رجال الرأي المعدودين الذي يرجع إليهم و يستشهد بآرائهم و أقوالهم.
ولد المترجم له في سلطانآباد العراق في سنة 1278 ه، و نشأ في ظل أبيه محاطا برعايته، فتعلّم الأوليات، و قرأ مقدمات العلوم على لفيف من فضلاء وقته هناك و في بعض مدن إيران العلمية، و استفاد من والده كثيرا و أخذ عنه.
ثم هاجر إلى النجف الأشرف فأدرك بحث السيد محمد الفشاركي و غيره، فاستفاد من أبحاثهم، ثم حضر درس الميرزا شيخ الشريعة الأصفهاني في الفقه و الأصول و الحديث و الرجال و الحكمة و الكلام و غيرها من العلوم الإسلامية.
و قد عرف منذ أوائل أمره بالذكاء المفرط و النبوغ المبكر و العبقرية العلمية و سعة المعرفة و الاطلاع، فقد حظي باحترام أساتذته و تقديرهم، و نظر إليه النابغون من أهل العلم بعين الإكبار و هو بعد في دور التلمذ حيث كان من أجلّاء تلامذة الآخوند الخراساني و كبارهم، و من مدرّسي السطوح المعروفين يوم ذاك.
اشتغل بالتدريس فالتف حوله كثير من طلاب العلم، ينهلون من معينه العذب، و قد أقبل عليه الطلاب إقبالا واضحا لما امتاز به من حسن الإلقاء و عذوبة المنطق، فقد كان موهوبا في ذلك، و ممتازا بين كثير من المدرسين، هذا بالإضافة إلى سعة الاطلاع و خصوبة ذهنه و براعته في التحقيق.
و استقل بالتدريس بعد وفاة الآخوند الخراساني في سنة 1329 ه، و ذاع اسمه في الأوساط العلمية العالية، و قرن بكبار المدرسين و أجلاء العلماء، و عرف بالتحقيق و التدقيق و أصالة الرأي و كبر العقلية و غزارة المادة و الإحاطة بآراء السلف، و كان مجلس درسه مفضّلا على غيره من نواحي عديدة و لا سيما في علم الأصول الذي اشتهر و تفوّق به، و قد اعترف له بالعظمة العلمية و الموهبة العقلية و الملكة النادرة فحول العلماء من معاصريه و المتأخرين عنه.
رقى منبر الدرس في النجف الأشرف أكثر من ثلاثين سنة، و قيل: خمسين سنة (1)، و لم ينقطع عن التدريس إلى أواخر أيامه، فكان يركب للوصول إلى مدرسة في مسجد الطوسي، لضعف مزاجه.
و تخرج عليه عدد كبير يعد بالمئات من المجتهدين الأفاضل و العلماء الأكابر و أصحاب الرأي و الفتوى، كل ذلك بفضل عبقريته و نبوغه و نظرياته العلمية
1) أعيان الشيعة 7: 392.
و آرائه السديدة التي أخذت محلها اللائق و انطبعت أفكاره عند أكثر المعاصرين بطابعها، فقد كان رأيه عند تلامذته و المتأثرين به حجة في المشاكل العلمية، و قوله الفصل عند أهل العقد و الحل.
و قد رجع إليه الناس في التقليد لا سيما في العراق و بلاد إيران، و علّق على رسالة الشيخ عبد اللّٰه المازندراني العملية لعمل مقلديه (1).
و ممّا تقدّم يتضح أنّ المترجم له رحمه اللّٰه اتصف بصفتين ميّزته عن غيره، هما:
أولا: مجلس درسه: حيث كان بحق المعلّم الأوّل للعلوم الدينية لا سيما الأصول منها، و يعتبره البعض من المجددين في علم الأصول، بل انّ بعض معاصريه يذهب إلى تفضيل درسه الأصولي على الفقهي (2).
و حين نطالع أسماء تلامذته نلاحظ أنّ الكثير من مراجع التقليد في هذا العصر هم من تلامذته، كالسيد عبد الهادي الشيرازي، و السيد محسن الحكيم، و السيد أبو القاسم الخوئي، و السيد محمد هادي الميلاني، و السيد شهاب الدين المرعشي النجفي رحمهم اللّٰه تعالى برحمته الواسعة.
ثانيا: الحرية الفكرية التي كان يتصف بها درسه، و قد أطبق العلماء كافة و كل من ترجم له على ذكر هذه الميزة في درسه، بل لا يكاد يذكره أحد من المعاصرين إلّا و قد ذكر هذه الصفة فيه حتى أصبحت ملازمة له.
قال معاصره الشيخ آقا بزرگ الطهراني: و قد كان في مجلس درسه ميزة خاصة بين معاصريه، فقد كان يمثّل الحرية الفكرية بأجلى مظاهرها، فقد كان الوحيد الذي يقبل كل مناقشة من تلامذته مهما كانت بسيطة أو متطرفة حتى ضرب به
المثل في سعة الصدر و كان بذلك مثالا لأساطين العلم من السلف و هو في الحقيقة بقية السلف في مواهبه العظيمة و مكنته النادرة (1).
و قال معاصره الآخر السيد محسن الأمين: و مجلس بحثه يعد بحق صورة صادقة للحرية الفكرية، فهو مجلس الدرس الذي يقبل كل مناقشة و إن تكن غاية في التطرّف (2).
قال عنه البحاثة الكبير الشيخ آقا بزرگ الطهراني: مجتهد محقق، من أكابر علماء عصره، ذاع اسمه في الأوساط العلمية العالية، و قرن بكبار المدرسين و أجلاء العلماء، و عرف بالتحقيق و التدقيق و أصالة الرأي و كبر العقلية، و غزارة المادة و الإحاطة بآراء السلف، و قد اعترف له بالعظمة العلمية و الموهبة العقلية و الملكة النادرة فحول العلماء من معاصريه و المتأخرين عنه (3).
و قال عنه الرجالي الكبير الشيخ محمد حرز الدين في معارف الرجال: كان عالما متكلما أصوليا، و قد برع في علم الأصول حتى تخصّص به و أبدع، و أصبح المدرس الوحيد بالنجف في علم الأصول فحسب، تحضر بحثه الأفاضل و الطلبة المحصلون، و كان حرا بطبعه و آرائه و مجالسه (4).
و قال عنه سيد الأعيان السيد محسن الأمين: يعتبر من بقية علماء السلف المعروفين بغزارة العلم و سعة العقلية، كما يعتبر المعلّم الأوّل بحق للعلوم الدينية و لا سيما الأصول (5).
تخرّج من عالي درسه عدد كبير يعد بالمئات من العلماء و الفضلاء و المجتهدين و أصحاب الرأي و الفتوى، و الذي تعرّفنا عليه منهم:
(1) السيد أبو القاسم الخوئي (4).
(2) السيد حسن البجنوردي (5).
(3) الميرزا حسن اليزدي (6).
(4) الشيخ حسين مشكور الحولاوي النجفي (7).
(5) السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (8).
(6) السيد صدر الدين ابن السيد إسماعيل الصدر (9).
(7) الشيخ عبد الصاحب آل الجواهر (10).
(8) الشيخ عبد اللّٰه ابن الشيخ راضي النجفي (11).
1) معارف الرجال 1: 286، معجم رجال الحديث 22: 18.
2) معارف الرجال 1: 386، طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
3) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
4) معارف الرجال 1: 286، معجم رجال الحديث 22: 18.
5) معارف الرجال 1: 386، طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
6) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
7) معارف الرجال 3: 10.
8) معارف الرجال 2: 269.
9) معارف الرجال 1: 118.
10) معارف الرجال 2: 60.
11) معارف الرجال 1: 312.
(9) الشيخ عبد النبي العراقي (1).
(10) السيد عبد الهادي الشيرازي (2).
(11) السيد علي الكاشاني اليثربي (3).
(12) الشيخ علي محمد البروجردي (4).
(13) الشيخ علي الكاشاني (5).
(14) السيد علي مدد الموسوي (6).
(15) الشيخ علي ابن الشيخ محمود سماكة الحلّي (7).
(16) السيد محسن الحكيم (8).
(17) السيد محمد باقر الأحسائي (9).
(18) السيد محمد تقي الخوانساري (10).
(19) الشيخ محمد تقي الآملي (11).
(20) الشيخ محمد تقي البروجردي (12).
(21) السيد محمد حسين الدزفولي (13).
1) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
2) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
3) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
4) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
5) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
6) معارف الرجال 2: 146.
7) معارف الرجال 2: 295.
8) معارف الرجال 3: 123، طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
9) معارف الرجال 2: 201.
10) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
11) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
12) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
13) معارف الرجال 2: 267.
(22) الشيخ محمد رضا المظفر (1).
(23) السيد محمد هادي الميلاني (2).
(24) الميرزا هاشم الآملي (3).
(25) السيد يحيى اليزدي (4).
(1) الحاشية على المكاسب، و هي على كتاب البيع فقط (5).
(2) حاشية العروة الوثقى، طبع في النجف الأشرف، ثم في إيران مع العروة الوثقى المطبوعة مع تعليقات السيد أبو الحسن الأصفهاني و السيد حسين القمي و السيد حسين البروجردي (6).
(3) رسالة في تعاقب الأيدي (7).
(4) شرح تبصرة المتعلمين، و هو هذا الكتاب الذي بين يديك (8).
(5) فروع العلم الإجمالي، طبع في مدينة النجف الأشرف (9).
(6) القضاء، وصل فيه إلى بحث تعاقب الأيدي، و كتب في آخره انه فرغ من تأليفه سنة 1357 ه، طبع في النجف الأشرف (10).
1) معارف الرجال 2: 247.
2) معارف الرجال 2: 265.
3) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
4) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
5) الذريعة 6: 219 رقم 1226.
6) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
7) معارف الرجال 1: 386.
8) الذريعة 13: 135 رقم 448، معارف الرجال 1: 386.
9) طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
10) معارف الرجال 1: 386، طبقات أعلام الشيعة (النقباء) 3: 956.
قال الشيخ الطهراني في الطبقات: توفي في الساعة الاولى من ليلة الاثنين 28 ذي القعدة سنة 1361 ه، و دفن في الحجرة الثانية على يسار الداخل الى الصحن الشريف من باب المغرب المعروف بالباب السلطاني، و هي الحجرة المجاورة للساباط.
و قد فجع الإسلام، و خسر به العلماء و الطلاب أحد الأساطين و الدعائم، و أقيمت له الفواتح في مختلف البلدان الإسلامية، و دام عزاؤه في النجف أياما.
و رثاه الشعراء و أبّنه الكتّاب، و أرّخ وفاته الخطيب الشيخ جواد قسّام النجفي بقوله:
ما مات من آثاره بعده بين الورى باقية الاسم
لما سروا بنعشه و الهدى ظلت أسى عيونه تدمى
بلوعة أرّخته قد دجا بعد ضياء أفق العلم
و هو ينقص تسعة، و الظاهر أنّ الناظم كتب دجا بالألف المقصورة و اعتبرها ياء، فعدّها عشرة (1).
و قال الشيخ محمد حرز الدين: انه توفي في يوم الاثنين (2).
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسختين خطيتين فريدتين:
الاولى: نسخة الأصل، و التي هي بخط المصنّف رحمه اللّٰه، و تتّصف برداءة الخط، حتى انّ بعض الكلمات كتبت بدون تنقيط، بل و دمجت فيها عدة كلمات و أصبحت كلمة واحدة. و تقع هذه النسخة في عدة مجلدات حيث تحتوي
كل ما كتبه المصنّف رحمه اللّٰه من شرح التبصرة.
الثانية: نسخة ذات خط جيد كتبها أحد تلامذة المصنّف، و عليها تصحيحات من المصنّف بخطه، و قد استفدنا كثيرا من هذه النسخة في قراءة الكلمات غير المقروءة من نسخة الأصل.
و قد تفضّل علينا مشكورا سماحة حجة الإسلام المحقق الشيخ محمّد هادي معرفة بهاتين النسختين، حيث وضعهما تحت تصرفنا طيلة مدة تحقيق الكتاب.
اعتمدت في تحقيقي لهذا الكتاب على نسخة الأصل التي هي بخط المصنّف، و استعنت بالنسخة الثانية في قراءة بعض العبارات غير المقروءة في الأصل.
و خرّجت ما احتاج إلى تخريج من آيات قرآنية كريمة، و أحاديث شريفة، و أقوال العلماء التي ذكرها المصنف في أثناء أبحاثه، إلّا تلك التي لم تتوفر مصادرها لدينا كنجاة العباد لصاحب الجواهر، و حاشيتها للشيخ الأنصاري، و تكملة التبصرة للآخوند الخراساني، و شرحها لأحد تلامذته.
ثم أوضحت معاني الكلمات اللغوية التي تحتاج إلى توضيح، و عملت فهرسا للموضوعات في نهاية كل مجلّد، و إن شاء اللّٰه أوفق لعمل فهارس فنية كاملة عند انتهاء الكتاب.
و في الختام فإني أحمد اللّٰه تعالى على توفيقه إياي لتحقيق هذا الكتاب الجليل و إخراجه بهذه الحلّة الأنيقة، و أسأله سبحانه و تعالى الصحة و العافية و العون من أجل إحياء المزيد من التراث الإسلامي، و آخر دعائي أن الحمد للّٰه ربّ العالمين و صلّى اللّٰه على رسوله، و آله الطيبين الطاهرين الذين أذهب اللّٰه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.
محمّد الحسّون 7 جمادى الاولى 1413 ه
بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم
و هي من الطهر بمعنى النظافة الحاصلة من الأمور المخصوصة، و إطلاقها على أسبابها بنحو من العناية و المجاز.
و قيل: إنها في الحدثية وصلت إلى حد الحقيقة، و فيه منع.
و أصالة عدم النقل تقتضي البقاء على حقيقتها العرفية، كما هو الشأن في الخبثية.
و إطلاق الطهور على الوضوء و أخويه كإطلاقه على الماء إطلاق على ما يحصل به، و إطلاق اسم المبدأ على ما ثبت له المبدأ.
فلا يكون الوضوء طهارة بل هو سبب لها، و أن طهوريته من هذه الجهة، كما هو الشأن في طهورية الماء أيضا.
نعم ربما يظهر من هذا الإطلاق انّ ما هو شرط في الصلاة و أمثالها هي الذات المتلبسة بالطهورية، لا نفس الطهارة التي هي مبدأ الاشتقاق، خلافا لشيخنا العلّامة (1)حيث جعل الشرط في الأمور المخصوصة نفس الطهارة (2).
و قد يترتّب على هذه الجهة الثمرة المعروفة من البراءة و الاشتغال في صورة الشك في شرطية شيء أو جزئيته في الفعل الموجب لها.
لكن مثل هذه الثمرة إنما تتم لو كان «الطهور» المأخوذ شرطا في العمل مرآة إلى الأفعال المخصوصة، كي يكون الشرط هي الأفعال الموجبة للطهارة بما لها من العناوين الأولية، و إلّا فلو جعلناه عنوان للشرط، و جعلنا الشرط هي الأفعال المخصوصة بما هي طهور، فلا جرم يصير لتأثيرها في الطهارة دخل في الشرطية، و بعد ذلك لا مجال لجريان البراءة عند الشك في حصول الشرط بهذا العنوان.
و عليه فلا يصلح ما ذكروه أن تكون ثمرة عملية في المقام، فالأولى جعل الثمرة في إجراء قاعدة التجاوز عند الشك في الوضوء- مثلا- في أثناء الصلاة، فإنه على شرطية نفس الطهارة لم يتجاوز المحل، فلا تجري القاعدة، و أما على شرطية السبب- و هو الوضوء مثلا- فقد تجاوز عن محله فتجري القاعدة.
نعم لا يكون أثر عملي في جعل الطهارة عبارة عن السبب بنحو الحقيقة المتشرعية أو المجاز، بعد الجزم بعدم وضع شرعي له، و عدم أخذ مثل هذا العنوان موضوعا في القضية الشرطية في الطهارة الحدثية، و إنما غايته كون الشرط هو الطهور، و هو غير الطهارة جزما، و اللّٰه العالم.
و فيه أي في كتاب الطهارة أبواب
الماء على ضربين: مطلق و مضاف.
فالمطلق: ما يستحق إطلاق اسم الماء عليه بلا إضافته إلى شيء، و لا يمكن سلبه عنه بإطلاقه، و لا تضر إضافته إلى شيء أحيانا، كماء البئر و الحوض و النهر.
و المضاف بخلافه كماء الورد و البطيخ، و نحوهما.
و حينئذ لا مجال لتوهم وحدة المعنى في لفظ الماء في المقامين، إذ معناه في أحد المقامين يغاير معناه في المقام الآخر، و ليس أحدهما من سنخ الآخر، بل هما مختلفان حقيقة، فلا محيص عن وضعه مضافا لمعنى، و مطلقا لمعنى آخر، و لا مجال لتوهم عموم الاشتراك، و لا ضير فيه بعد اختلاف اللفظ بحسب الخصوصية الطارية عليه من الإطلاق و الإضافة.
فتوهم: انّ الماء إنّما وضع لحقيقة واحدة، و انّ الإطلاق و الإضافة حاكيان عن خصوصية خلوصه في المائية و شوبه بغيره، إنما يتم في بعض الصور، كماء اللبن و أمثاله. و أما في ماء الرمان و البطيخ فلا يكون عند الدقة و العرف من سنخ الماء المطلق، بل هما حقيقتان مختلفتان على وجه لا يرى من الماء المطلق شيء في المضاف المزبور جزما.
فلا محيص عن جعله من متكثر المعنى، حسب اختلاف الخصوصية
الطارئة على لفظه، كما هو واضح.
فالمطلق طاهر و مطهّر، و باعتبار وقوع النجاسة أو المتنجس فيه ينقسم أقساما):
و هو السائل عن مادة أرضية كمياه الأنهار، و لا ينجس بما يقع فيه من النجاسة بلا اشكال مع كريته، و بدونها ففيه الخلاف المعروف بين المشهور و العلّامة، حيث ذهب إلى انفعال قليله (1)، تحكيما لعموم «انفعال القليل» على مطلقات الجاري، بل و على أصل عموم العلّة في خبر «ابن بزيع» (2)الجاري في المقام.
و مقتضى الانصاف عكسه، خصوصا لو اقتضى عموم الانفعال إلغاء عنوان «الجاري» عن الدخل في الحكم، للجزم بأنّ تمام المناط حينئذ هو الكرية في أي مورد كان.
و حينئذ ليس المقام من موارد الإطلاق و التقييد، كي يقيّد المطلق بالمقيّد، بل من قبيل دوران الأمر في ظهور العنوان المأخوذ في موضوع الحكم في الدخل في موضوعه، أو عدمه بأن يكون الدخيل فيه عنوانا آخر، و أنّ هذا العنوان مأخوذ من باب الكناية، باعتبار أنه ملزومه الغالبي لموضوعه، و من المعلوم أنّ مثل هذه الجهة خصوصية زائدة عن حيثية الإطلاق و التقييد.
و مرجع الأمر حينئذ في مثل المقام إلى الدوران بين رفع اليد عن إطلاق أحد الطرفين في دخل عنوانه، أو رفع اليد عن ظهور العنوان في أصل الدخل، و لو في الجملة، و في مثله ربما يكون ظهور العنوان في أصل الدخل أقوى من إطلاق الآخر.
و بهذا الوجه أيضا يقدّم إطلاق عاصمية المطر على عمومات الانفعال أيضا.
هذا مضافا إلى ما في المقام من قوة ظهور العلّة على ظهور الإطلاق في ناحية المفهوم.
و بهذه الملاحظة نلتزم بخروج مطلق المياه التي لها مادة عن عموم انفعال الماء القليل، جاريا كان أو عينا أو بئرا.
نعم قد يشك في تحقق المادة الأرضية، أو اعتبار قيد الأرضية، من باب الشبهة الحكمية في الثاني، و الموضوعية في الأول.
ففي الأول أصالة عدم الاتصاف بالمادة الأرضية محكّمة، فيجري حكم انفعال قليله.
كما أنّ في الثاني يرجع إلى الشبهة المفهومية المخصصة لعموم الانفعال، لو كان الشك ناشئا من توهّم انصراف اللفظ إليها، أو توهّم دخل جهة «الأرضية» في مفهوم المادة، أو توهّم ورود كثرة التخصيص على مثل هذا التعليل على وجه صار بحكم المجمل من هذه الجهات.
و أما لو كان لفظ المادة معنى عاما، يشك في تقييده عرفا بأمر زائد عن معناه، من كونه تحت أرض، أو دوام جريان و لو من قبل ذو بان الثلج مثلا، أو غيرهما، فالمرجع عند الشك في القيد: عموم دليل المادة.
و لكن تحقيق المقام خلافه، بل الشك ناشئ عن احتمال قيد «الأرضية» في حقيقة المادة و إن لم يكن فيه دوام التبع. و حينئذ فالمرجع
في الشبهة المفهومية للمادة: عموم الانفعال، كما هو ظاهر.
ثم انّ العصمة ثابتة للجاري ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو رائحته للنبوي المعروف من قوله: «خلق اللّٰه الماء طهورا لا ينجّسه شيء، إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (1).
و بمثل هذا المضمون ورد في ماء البئر (2)، و خلوّه عن اللون غير ضائر بعد تقييده بالأخرى (3)المشتملة عليه كما لا يخفى.
و نظيره أيضا ثبت في باب الكر بنحو الإجمال (4)، و عليه أيضا يحمل التعليل بأكثرية ماء الاستنجاء عن القذر (5).
و حينئذ فالتغيير موجب للانفعال حتى في الكثير، جاريا كان أو غيره.
و توهم تحكيم إطلاق الجاري على مثل هذا الاستثناء واضح الفساد، إذ مثل هذا القيد بعد كونه مخصصا للمادة المعلّل بها عصمة ماء البئر، فتخصيصه لبقية المطلقات بالفحوى، خصوصا مع كون العمدة في وجه عدم انفعال الجاري مثل هذا التعليل.
و يتعدّى من الجاري- في الحكم المزبور- إلى المطر، فيحكم بأنّ التغيّر المزبور موجب للانفعال في جميع الموارد.
نعم يعتبر فيه حصوله بها أي بملاقاة عين النجاسة، لظهور «الشيء» في النجاسات الذاتية.
و في اعتبار التغيّر بأوصاف النجس وجه، من ظهور قوله «و يطيب طعمه» (1).
اللهم إلّا أن يقال: إنّ الطعم الحاصل من ملاقاة عين النجاسة مستقذر و لو كان طعم غيرها، فلا ينافيه قوله «يطيب طعمه»، مع أنّ تحديد النص التغيير بالصفرة الناشئة من الجيفة (2)شاهد مدعانا، فالإطلاق حينئذ محكم في منجسية التغيير المزبور.
نعم لا اعتبار بحصول التغيير بالمجاورة أو بملاقاة المتنجس و إن كان بصفة النجاسة، للشك في اندراجه تحت الدليل، فعموم الطهارة محكم، كما أنه في الشبهة الموضعية يكون مرجعنا هي أصالة الطهارة.
ثم انّ المدار في التغيّر المزبور على الحسي منه دون التقديري، و لا الحقيقي المستور عن الحس، كما هو متصوّر في فرض الاكتساب بالمجاورة (3)بمقدار لا يدركه حس البصر.
و ما استشكله شيخنا العلّامة في طهارته (4)إنما يتم في فرض التغيّر بانتشار الأجزاء، و إلّا ففي فرض الاكتساب فلا مجال لإشكاله، فراجع و تأمل.
و عمدة الوجه في ذلك: تنزيل الإطلاقات على ما يرونه تغيّرا.
1) وسائل الشيعة 1: 105 باب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 12. و الظاهر انه- رحمه اللّٰه- أرجع الضمير في «و يطيب طعمه» إلى النجس، أي طعم النجس الحاصل في الماء. لكنه خلاف ظاهر اللفظ، حيث إنه ظاهر في عوده إلى الماء.
2) وسائل الشيعة 1: 119 باب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 11.
3) مراده من المجاورة هنا هي المجاورة بالمباشرة، لا المجاورة بالقرب، و لكن من غير أن تنتشر أجزاء النجس في الماء، كما تنبّه على ذلك عبارته التالية.
4) كتاب الطهارة: 6.
نعم يبقى في المقام مجال إشكال، بأنّ بناء الأصحاب في المقام على التغير الحسي لا الدقي الواقعي، بخلافهم في باب الكر، حيث إنّ بناءهم على حفظ الكم المزبور دقة. و لسؤال الفرق بين الكم و الكيف من تلك الجهة مجال.
و عليه فلا يخلو الأمر، في فرض التغيّر الحقيقي المستور عن الحس عن الاشكال، جريا في مرحلة التطبيق على الدقة العقلية، بلا اعتناء إلى خطئهم في التطبيق، كما هو الشأن في باب الكر، فتدبّر.
و كيف كان فإن تغيّر الماء و لو كان ذا مادة فضلا عن غيره نجس المتغيّر خاصة إن لم يقطع التغيير اتصال الباقي عن المادة، و إلّا نجس ما بعده المنقطع إذا كان قليلا أيضا، دون ما قبله المتصل بالمادة، و إطلاق الماتن في نفي تنجس ما بعده منظور فيه، للشك في شمول الإطلاق لمثله. و إلى ذلك أشرنا في حاشيتنا أيضا. كما انّ في الكر لا بدّ أن يكون غير المتغيّر بنفسه عاصما أيضا، و إلّا فينجس جميعه، لعمومات انفعال القليل كما سيأتي.
و حكم ماء الغيث حال نزوله حكم الجاري في عصمته مطلقا، قليلا كان أم كثيرا، بلا اشكال فتوى و نصا، ما عدا ما عن العلّامة من مصيره إلى انفعال قليله (1)، و تقدّم وجه الاشكال فيه.
و في اعتبار بلوغ المطر حدا يكون فيه مقتضى الجريان، وجه، تحكيما لما اشتمل على القيد المزبور (2)على مطلقاته (3)، و تنزيل التقييد مورد
الغالب منظور فيه، مع أنه يوجب تنزيل الإطلاق عليه أيضا، فالمرجع حينئذ عموم انفعال المياه القليلة، و قد أشرنا في الحاشية إلى القيد المزبور.
و حكم ماء الحمام أيضا إذا كانت له مادة حكمه، أي حكم الجاري من غير أن ينفعل قليله أيضا، لعموم المنزلة المنصوص عليها (1). و ربما يشعر بعدم اعتبار بلوغ مجموع ما في الحياض الصغار و ما في المنبع كرا، و لكن يشكل بأنّ طرف التنزيل هو خصوص ما في الحوض الصغير، إذا هو المصطلح في ماء الحمام، و لا يقتضي التنزيل المزبور إلّا اتصاله بالمادة العاصمة، و إحراز عصمتها لا بدّ أن يكون من الخارج، من دون نظر في هذا الإطلاق إلى إثبات عصمة المادة.
و عليه فإن قلنا بتقوّي العالي بالسافل، فيكفي في عصمته بلوغ مجموعهما كرا، و إلّا فلا بدّ من اعتبار العصمة ببلوغ الكر في خصوص المادة.
و من هذا البيان أيضا ظهر منشأ اختلاف كلماتهم في المقام، و إلى المختار أشرنا في الحاشية أيضا.
القسم الثاني من المياه: الماء الواقف غير المتصل بمادة أرضية كمياه الحياض و الأواني، و هذا القسم أيضا عاصم إن كان مقداره كرا، بلا اشكال فيه نصا (2)و فتوى.
و إنما الكلام في حدّ الكر مساحة، و أما وزنا فالظاهر كما هو المشهور: الف و مائتا رطل بالعراقي، جمعا بين النصوص المختلفة المشتملة بعضها على ألف و مائتي رطل (1)، و بعضها على ستمائة (2).
و المشهور حملوا الأول على العراقي، و الأخير على المكّي، و ربما استشهد بكون الراوي في الأول هو ابن أبي عمير و هو عراقي.
و فيه: انه روي عن بعض أصحابه، و هو غير معلوم كونه عراقيا، و كون ابن أبي عمير عراقيا لا يصلح قرينة لحمل الرطل في كلام الامام- عليه السلام- على العراقي.
و أضعف منه الاستشهاد بكون العراقي نصف المكي، و به يخرج الكلام عن المعارضة.
و فيه: انّ ذلك إنما يصلح للجمع بين كلامين متعارضين، إذا كانا في خطاب واحد مع راو واحد، لا في كلامين و خطابين، فإنه حينئذ يكون من الجمع التبرعي، لا العرفي الذي يكون مبتنيا على الظهور اللفظي.
نعم يمكن أن يقال: لما كان الإمام- عليه السلام- في مقام بيان الحكم الواقعي، معلقا على موضوع خارجي محدود بحد معيّن واقعا، يجب أن يحمل كلامه- عليه السلام- في المقامات المختلفة و الخطابات المتعددة على معنى لا يقع التعارض و التنافي بينها.
إذا فبعد التوجه إلى هذه النكتة يصير الكلام بنفسه ظاهرا في هذا المعنى، من غير أن يكون تحميل من خارج، و هذا معنى ما يقال من الأخذ بنص كل و طرح ظهوره بنص الآخر.
هذا من حيث الوزن، أما المساحة ففيها أقوال متشتتة، و المشهور منها:
ما في المتن من قوله: أو كان كل واحد من طوله و عرضه و عمقه ثلاثة أشبار و نصفا، لرواية الإستبصار في نسخة (1)، و لكن في الكافي بدون ذكر الطول (2). و حينئذ فيحتمل حمل العرض على مطلق السعة كعرض السماء، و ربما ينطبق على شكل الدائرة. و يؤيده السؤال في الخبر عن الركي، و بعد ابتلائهم بهذا الشكل المربع (3)، فيصير التحديد أقل من المذكور.
و يؤيده أيضا ما في رواية أخرى: «ثلاثة أشبار و نصف في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه» (4)، إذ بعد ظهور ذيله في كونه شرحا لمثله، لا يكون مشتملا لبعده الطولي، فيحمل ذلك أيضا على تحديد سعته.
بل في رواية أخرى: «ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» (5)، حيث عبّر بالسعة بدل العرض.
نعم يزيد عمقه عن الثلاثة و نصف بشيء، كما أنه ينقص سعته عن هذا المقدار أيضا، و بعد الكسر يزيد عن المضمون السابق بيسير، كما أنّ مضامين هذه الروايات يزيد بيسير عما أفاده القميّون من التحديد بالثلاثة في الأبعاد الثلاثة، كبعض النصوص (6)على احتمال الدائرة في السابقة، بخلاف المربع فإنّ الاختلاف كثير جدا، بل و لا يلائم التحديد الوزني
غالبا فالأنسب له رواية الذراعين.
و لعل نظر المشهور مبني على أنّ النصف قد سقط من هذه الرواية، مؤيدا برواية الإستبصار (1)أو تقييدهم إطلاق كل طائفة بالتقييد في الأخرى، فإطلاق الثلاثة في هذه قيّدت بالنصف في رواية الكافي (2)، و إطلاقها من جهة الطول قيد بهذه، أو طرحهم رواية القميين (3)، لعدم مناسبتها مع الوزن.
و لكن لا يخفى ما في الأولين من التعبّد و عدم شاهد من العرف، و لو لا ملاحظة المناسبة مع الوزن كان الأولى الجمع بينها بالحمل على مراتب العصمة من مراتب القذارة، و لكن ملاحظة الوزن ربّما توهن مذهب القميين فيطرح نصّهم به، مضافا إلى إعراض المشهور عنه.
فالمتعيّن هو الأخذ برواية الكافي أو الذراعين، فلا يبعد الجمع بينهما بالحمل على مراتب العصمة، أو الحمل على كون ذلك بملاحظة وزن المياه خفة و ثقلا، أو الحمل على أمارية المساحة على الوزن، و أنّ الاختلاف اليسير بينهما غير مضرّ بالامارية، خصوصا مع اختلاف المياه في الثقل و الخفة، على وجه يناسب مع أحدهما تارة، و مع الآخر اخرى.
و عليه فمع احتمال انطباقهما على شكل الدائرة، لا ينتهي الأمر في مكسره إلى ما أفاده المصنف رحمه اللّٰه، و إلى ذلك أشرنا من الإشكال في حاشية الكتاب.
ثم إنّ عصمة الكر بصدق الوحدة عليه، من دون فرق بين اختلاف سطوحه و تساويها، فالعالي منه يتقوّى بالسافل، و كذا العكس. و يؤيده إطلاقات مياه الحمام، و حكم العرف بالوحدة، خصوصا لو فرض إناء بهذا الشكل، كما هو ظاهر، و مع الشك في صدق الوحدة أو مصداقها، فالمرجع في الأول عموم عاصمية الماء، من قوله: «خلق اللّٰه الماء طهورا» (1).
و توهم أنّ ظاهره الحكم بطهوريته حين خلقته، و هو منزّل غالبا على المياه التي لها مادة، أو ما بحكمها من المطر، و لا يشمل الكر المنفصل عن المادة. مدفوع بأنّ ما أفيد إنما يتم بالنسبة إلى حيثية الطهورية، و أما بالنسبة إلى الفقرة الأخرى فظهور استقباليته بلحاظ زمان خلقته موجب لدعوى دلالة إطلاقه على المدّعى.
نعم في الثاني لا يكون العموم المزبور مرجعا، بل المرجع أصالة عدم اتصافه بالكرية، فيشمله عموم المفهوم بأنّ ما لا يكون كرا ينفعل بالملاقاة.
و قد يتوهم في أمثال المقام بأنّ المسألة من صغريات قاعدة «المقتضي و المانع»، و أنّ الملاقاة مقتضية للانفعال، و الكرية مانعة، و مع الشك فيه يحكم على وفق المقتضي في كل شبهة، صدقيا (2)كان أم مصداقيا.
و فيه: منع ظهور عمومات الكر في مانعية الكرية، بل من الممكن كون الكرية من شرائط بقاء العصمة و الطهارة، و على فرضه فنمنع تمامية القاعدة المزبورة، فليس المرجع عند الشك إلّا ما عرفت.
ثم انّ التحديد بالأشبار لا بدّ أن يكون بشبر مستوي الخلقة بالإضافة إلى نوع أفراد الإنسان، لا بالإضافة إلى أجزاء نفسه، كما هو الشأن في الإصبعين في باب الوضوء، المعلوم كون استواء خلقته بالقياس إلى وجهه، لا بالقياس إلى أفراد الإنسان، و لو من جهة اختلاف انصراف الإطلاق بحسب المناسبات الارتكازية في كل باب ما يخصه.
ثم انّ مقتضى عصمة الكر أنه لا ينجس بوقوع النجاسة فيه و لا بملاقاته لها ما لم يتغيّر أحد أوصافه الثلاثة المتقدّمة على تفصيل سبق.
فإن تغيّر بملاقاته عين النجاسة نجس المتغير خاصة إن كان الباقي كرا، و إلّا فينجس الجميع.
و يطهر بإلقاء كر دفعة عليه على وجه لا يتغير جزء منه بملاقاته و حتى يزول التغير و إلّا فيحتاج إلى تطهيره بعاصم جديد.
و بالجملة فالمدار على امتزاجه مع العاصم الباقي عصمته إلى حين الامتزاج، و كان بنحو يزول به تغيّر الماء، من دون خصوصية للإلقاء و لا الدفعة، إلّا بملاحظة ملازمتهما لبقاء العصمة حين الامتزاج غالبا، إذ لو لاقاه و امتزج به تدريجا ربما يتغيّر جزء منه قبل الامتزاج، فلا يبقى الماء على عصمته إلى حين امتزاجه، نعم لا يكفي مجرد اتصاله بالعاصم، لعدم الدليل.
ثم انّ وجه التطهير قيام الإجماع على عدم تبعض ماء واحد في الطهارة و النجاسة، بضميمة إطلاق دليل العاصم، لبقاء عصمته حتى في حال امتزاجه بغيره. فبمدلوله الالتزامي يدل على رفع خبثه.
و على فرض منع هذا الإطلاق في دليل العصمة يكفي أصالة الطهارة
بعد تعارض الاستصحاب في الطرفين، و ذلك أيضا بعد قيام الإجماع المزبور على عدم التبعيض، و إلّا فلا مانع من جريان الأصلين، لعدم مخالفة عملية في البين، كما لا يخفى.
و إن كان الماء أقل من كر، تنجّس بوقوع النجاسة فيه و إن لم يتغيّر أحد أوصافه على المشهور بين الأصحاب، خلافا للعماني (1)و جمع من المتأخرين، من عدم انفعاله مطلقا، و خلافا للسيد المفصّل بين الورودين (2).
و سند المشهور: عموم المفهوم في «إذا بلغ» (3)، و في رواية السؤال عن الماء الذي لا ينجسه شيء (4)، و ظاهره أنه في مقام تحديد العاصم، و مثله كالصريح في المفهوم، و كون المفهوم إيجابا جزئيا غير ضائر، بعد عدم الفصل بين أفراد النجاسة.
على أنّ الأخبار الخاصة الواردة في نجاسة الماء القليل بالملاقاة (5)في الموارد المتعددة بالغة حد التواتر، و كانت على وجه قابل لإلقاء الخصوصيات من نوع الجنس و كيفية الملاقاة، فيستفاد منها التعميم بالنسبة إلى أنحائها.
و أما بالنسبة إلى حالتي الورود و عدمه، و عدمه، فالروايات غير متكفّلة لحيث الملاقاة بل هو موكول إلى نظر العرف بكون التنجّس بتوسط الملاقاة، من
غير فرق بين نحوي الملاقاة، بارتكاز أذهانهم، فلا يبقى مجال تشكيك في الفرق بين الورودين، و بهذا البيان ظهر وجه التفصيل و بطلانه.
بقي الكلام في ترجيح أحد القولين الأولين، إذ في قبال العمومات المزبورة أخبار ظاهرة في عدم انفعال القليل، و لكن الناظر فيها يرى قابلية غالبيتها للتخصيص بأخبار الكر، كماء الغدران (1)، و الحياض (2)، و القليل في الطريق (3)، و بعض منها قابلة للحمل على وجه آخر لا ينافي نجاسة الماء القليل المصطلح.
و في الحقيقة كانت الرواية الصريحة في عدم تنجّس القليل بالملاقاة، منحصرة في رواية واحدة (4)، لكنها مطعونة بذهاب المشهور إلى خلافها.
و على فرض الإغماض عما ذكرنا في وجه الجمع، كان مقتضى الجمع بين هذه الأخبار و بين ما دل على النجاسة، هو حمل أخبار النجاسة على مراتب التنزّه و العاصمية، لاختلاف مراتب القذارة، كما عرفت نظيره في الكر.
و لكن الذي يسهّل الأمر، هو إمكان دعوى و هن هذه الأخبار (5)من جهة الصدور لو لا عدم قابلية طرح السند فيها، و لو من جهة توهّم كونها متواترة معنى أو إجمالا.
و لعل ذلك هو السر في حمل المشهور لها على التقية، من دون مخالفة
1) وسائل الشيعة 1: 120 باب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 14.
2) وسائل الشيعة 1: 119 باب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 12.
3) وسائل الشيعة 1: 113 باب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 5.
4) و هي رواية أبي مريم الأنصاري، انظر وسائل الشيعة 1: 115 باب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 12.
5) أي: أخبار عدم انفعال القليل.
في ذلك لما هو ديدنهم من تقديم الجمع الدلالي على التصرّف في الجهة، و لو لاستلزام العمل على وفق سندهما في الجملة، بخلاف الآخر، لأنّه مستتبع لطرح السند و الجهة بالمرة، فأصالة السند مهما أمكن يقتضي ترجيح الجمع على الحمل على التقية، إذ ذاك إنما يتم في فرض مزاحمة الجهة مع الدلالة، بحيث لا يكون أصلها موهونا من غير جهة المعارضة.
و أما في مثل ما نحن فيه، القاصر فيه جريان الأصل المزبور ذاتا، بملاحظة إعراض المشهور و مصيرهم إلى خلافه، فلا مجرى لمثل هذا الأصل، كي يزاحم الدلالة أو السند.
و بهذه النكتة أيضا يحمل أخبار طهارة الذمي و حل ذبائحهم على التقية، لا من جهة عدم الجمع دلالة، كيف و أخبار الطهارة و الحليّة نص بالإضافة إلى ما دل على النجاسة و الحرمة، كما لا يخفى.
و حينئذ فما عن شيخنا العلّامة من إتعاب نفسه في ترجيح أخبار النجاسة دلالة، أو للالتزام بمعارضتها بأخبار الطهارة و ترجيح روايات النجاسة، بعموم السنة الحاكمة بانفعال القليل (1)، منظور فيه.
و يطهر القليل المتنجّس بإلقاء كر دفعة عليه لدى المصنف، و إلّا فلا يحتاج في المقام- مع فرض عدم التغير- إلى القيدين، بل يكفي مجرّد الامتزاج بالمياه العاصمة بنحو يصدق عليه الماء الواحد، على نحو لا يبقى مجال ميز بينهما بالإشارة.
و من هنا نقول بعدم كفاية مجرد الاتصال بالعاصم، للشك في اندراج هذا النحو من الوحدة في معقد الإجماع أو المرتكزات العرفية، فالاستصحاب حينئذ محكم.
1) كتاب الطهارة: القسم الثامن من النجاسات: الكافر.
و هو النابع المخصوص المعيّن مفهومه عرفا، و إن انتهى أمر صدقه إلى الشك أحيانا.
و هو إن تغيّر أحد أوصافه الثلاثة بوقوع النجاسة فيه، نجس المتغير بلا إشكال، لرواية ابن بزيع (1)المشتملة على استثناء هذه الصورة.
و قد أشرنا سابقا بأنّ عدم اشتمالها على التغيّر اللوني غير ضائر، بعد ورود مثله في جملة أخرى، خصوصا في الرواية المشتملة على تحديد التغيّر بالصفرة الناشئة عن الجيفة (2).
و يطهر بزوال التغيّر بالنزح الموجب عادة لخروج المياه العاصمة عن مادته شيئا فشيئا حتى يزول التغيّر، كما يدل عليه رواية ابن بزيع (3)من قوله «فينزح حتى ..».
و توهّم أنّ للنزح موضوعية في التطهّر المزبور على وجه لا يكفي فيه الامتزاج بالعاصم بلا نزح، لا أظن التزامه من أحد (4)
و قال العلّامة في القواعد: 6: و ماء البئر يطهر بالنزح حتى يزول التغيير.و قال في مفتاح الكرامة 1: 102: في المسألة ثمانية أقوال، ثم ذكر عن صاحب المدارك انّ الأقوى تفريعا على القول بعدم الانفعال الاكتفاء بزوال التغيير، و على القول بالنجاسة يحتمل ذلك قويا. فذكر عن شيخه تعليقا على هذا التفريع: أكثر القائلين بالتنجيس يتحاشون عن هذا القول، فراجع: كتاب الطهارة.
.1) وسائل الشيعة 1: 105 باب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 12.
2) وسائل الشيعة 1: 119 باب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 11.
3) وسائل الشيعة 1: 105 باب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 12.
4) بل الظاهر من كلمات الأصحاب هو الالتزام بذلك، فيرون للنزح المزبور موضوعية بحيث لا تطهر البئر بسواه. قال في الجواهر 1: 206: و طريق تطهيره، أي لا طريق غيره كما عن المعتبر، لاستصحاب النجاسة، و المعلوم من الأدلة النزح. و لما يظهر من بعض الأخبار من الحصر كقوله: ما الذي يطهرها حتى يحل ..، لأنه في قوة قوله: «الذي يطهرها نزح دلاء»، و لأنه لا عموم في المطهرات الأخر بحيث يشمل المقام، و لظواهر الأوامر بالنزح، و حملها على التخيير مجاز.
نعم أمكن دعوى لزوم النزح حتى في غير صورة خروج الماء من المادة بنزحه، و الاكتفاء بنزح المقدار المتغيّر عند من التزم بأنّ الاتصال بالمادة كما يكفي في دفع النجاسة، يكفي في دفعها، إذ حينئذ كان للنزح نحو من الموضوعية في تطهير بقية المياه غير المتغيّرة.
و أما لو قلنا بالفرق بين الدفع و الرفع، و أنّ الأول أهون، و لو للأصل، لا يبقى مجال لمطهريّة النزح أصلا، بل النزح حينئذ مقدمة لخروج المياه العاصمة من المادة، بحيث لو لا خروجها بالنزح لما كان جدوى في النزح أصلا، بل يحتاج إلى إلقاء عاصم خارجي عليه، بمقدار يزول تغيّره بامتزاجه معه، و إلّا فيبقى الباقي على نجاسته إن لم يكن بمقدار الكر.
و كيف كان فلو لم يتغيّر ماؤه بملاقاة النجاسة فهو باق على أصل الطهارة، كما هو المشهور لدى المتأخرين، و في المتن نسبة النجاسة إلى جماعة من أصحابنا و أنهم حكموا بنجاستها بوقوع النجاسة فيها و إن لم يتغيّر ماؤها، و عن جماعة التفصيل بين أن تكون كرا و عدمه.
و التحقيق: طهارتها مطلقا، لرواية ابن بزيع (1)المشتملة على التعليل بأنّ له مادة، مضافا إلى جملة من الصحاح المشتملة على نفي البأس عن
1) وسائل الشيعة 1: 105 باب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 12.
الوضوء بماء بئر وقع فيه فأرة (1)، و أمثالها، مثل صحيحة ابن مسلم (2)، و موثقة أبي بصير (3)، إذ مقتضى إطلاقها- و لو بترك الاستفصال بين موت الفأرة و حياتها، أو ترك الاستفصال بين علمه بالنجاسة السابقة على الوضوء أو اللاحقة- هو العصمة، من دون فرق بين الكر منه و عدمه.
و توهم تنزيل الإطلاقات على الغالب من الكرية، منظور فيه، كتوهم تقديم مفهوم «إذا بلغ» على هذه الإطلاقات، إذ قد عرفت فساد التوهم المزبور في الجاري أيضا.
و أما ما تمسك به للنجاسة مطلقا، من أخبار النزح، خصوصا المشتملة على قول السائل «ما الذي يطهّرها» (4)تارة، و على قوله عليه السّلام «ان تنزح منها دلاء فإن ذلك يطهرها» (5)اخرى، و ثالثة مثل قوله «ينزف يوما إلى الليل فقد طهرت» (6).
و كذا المشتملة على أمر الجنب بالتيمم، مع عدم وجدان دلو أو غيره، و نهيه عن الوقوع في البئر و إفساد ماء القوم (7)، مضافا إلى ما دلّ على نجاسة البئر لمحض المجاورة (8).
1) وسائل الشيعة 1: 125 باب 14 من أبواب الماء المطلق.
2) وسائل الشيعة 1: 142 باب 22 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
3) وسائل الشيعة 1: 126 باب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 5.
4) وسائل الشيعة 1: 130 باب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 21.
5) وسائل الشيعة 1: 134 باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
6) وسائل الشيعة 1: 143 باب 23 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
7) وسائل الشيعة 2: 965 باب 3 من أبواب التيمم حديث 2.
8) وسائل الشيعة 1: 144 باب 24 من أبواب الماء المطلق.
فيمكن منع دلالتها على المدّعى، إذ في جملة أخبار النزح النزح للعقرب (1)، مضافا إلى اشتمالها على التخيير بين الأقل و الأكثر (2)، الذي لا يناسب باب النجاسة و التطهير ارتكازا.
و كذلك التعبير بنزح دلاء (3)، المشعر بالاستحباب المبتني على المسامحة، بل و اشتمال بعضها على البعرة (4)، و بعضها على الهرة و الفأرة (5)الشاملين لحال حياتهما.
خصوصا مع ما في صحيحة علي بن جعفر (6)من التصريح بنفي البأس، مضافا الى كثرة اختلاف المقدرات بنحو يناسب الاستحباب و مراتب الفضيلة لا الوجوب، مؤيدا بالتعليل في رواية ابن بزيع (7)و المطلقات السابقة (8)، مما لا يكاد يشك معها في حمل التطهير في الروايات المزبورة على نفي الاستقذار الطبيعي الحاصل من وقوع الأمور المزبورة فيها.
و أما رواية التيمم (9)، فيمكن أن يكون النهي من الوقوع في البئر، من جهة إضرار القوم بجعل الماء مورد استقذارهم، و هو المراد من إفساد مائهم، خصوصا مع إمكان طهارة بدنه، و عدم ملازمة جنابته لنجاسة بدنه. فإطلاقه
1) وسائل الشيعة 1: 138 باب 19 من أبواب الماء المطلق حديث 5.
2) وسائل الشيعة 1: 140 باب 20 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
3) وسائل الشيعة 1: 142 باب 22 من أبواب الماء المطلق حديث 3.
4) وسائل الشيعة 1: 130 باب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 21.
5) وسائل الشيعة 1: 134 باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 3.
6) وسائل الشيعة 1: 140 باب 20 من أبواب الماء المطلق حديث 6.
7) وسائل الشيعة 1: 105 باب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 12.
8) وسائل الشيعة 1: 125 باب 14 من أبواب الماء المطلق.
9) وسائل الشيعة 2: 965 باب 3 من أبواب التيمم حديث 2.
من هذه الجهة يوهن أمره. مع أنّ مثل هذه الرواية- بعد ظهورها في كثرة ماء البئر- تنافي رواية علي بن جعفر (1)الصريحة في نفي البأس، فمع التنافي يرجع إلى عموم السنة الناطقة بطهارة الماء و عصمته (2).
و عليه فلا محيص عن حمل المقدّرات الواردة في الموارد الخاصة على الاستحباب، مقدمة لرفع القذارة التي لا تبلغ مرتبة النجاسة، لا على محض التعبد، لبعده جدا أيضا.
و لذلك نقول: إنه يستحب عندنا، خلافا للقدماء حيث أوجبوا نزح الجميع بوقوع المسكر، و الفقاع، و المني، و دم الحيض أو الاستحاضة أو النفاس فيها، أو موت بعير فيها.
و عمدة الوجه في الأولين و الأخير ما ورد في رواية الحلبي المشتملة على نزح الجميع في الخمر و موت البعير (3)، بانضمام ما دل على أنّ ما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر (4).
و في المقام تحديدات اخرى (5)تحمل- على المختار- على مراتب الفضيلة، و لكن على القول الآخر تطرح أو يحكم بالإجمال و قاعدة الاشتغال (6).
أما بقية المذكورات في المتن: فبين ما ادعي فيه الإجماع، و بين كونه مما لا نص فيه، المقتضي للأخذ بالمحتمل الأكثر في باب التطهيرات
1) وسائل الشيعة 1: 140 باب 20 من أبواب الماء المطلق حديث 6.
2) وسائل الشيعة 1: 101 باب 1 من أبواب الماء المطلق حديث 9.
3) وسائل الشيعة 1: 132 باب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 6.
4) وسائل الشيعة 17: 273 باب 19 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 1.
5) وسائل الشيعة 1: 132 باب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 3 و 5.
6) نظرا لاستصحاب بقاء النجاسة بعد نزح ذلك المقدّر، كما ينبه عليه هو رحمه اللّٰه فيما يأتي.
و رفع القذارات. و بذلك يفترق عن الحمل على التعبّد المقتضي للأخذ بالأقل، بعد كونه شكا في التكليف الزائد.
و كان ينبغي للمصنف رحمه اللّٰه إلحاق الثور بالمذكورات، للنص المشتمل على نزح الجميع له أيضا (1)، و في اللمعة التصريح بذلك (2).
و إن تعذّر عرفا نزح الجميع، يتراوح أربعة رجال عليها مثنى يوما.
و الأصل في ذلك ما ورد في المرسل المنجبر ضعفه بالعمل، المشتمل على انه «إن كان كثيرا أو صعب نزحه، فالواجب عليه أن يكري أربعة رجال يستقون منها على التراوح من الغدوة إلى الليل» (3).
و في خبر عمار: «فإن غلب الماء ينزف يوما إلى الليل» (4).
و لا إشكال في بدلية التراوح المزبور عن كل ما قدر فيه بنزح الجميع بخصوصه، و لكن في شموله موارد عدم النص إشكال، إلّا على نفي احتمال الأقل من التراوح المزبور في فرض التعبد به، و إلّا فيقتصر حينئذ على الأقل، كما لا يكتفي به، بناء على وجوب التطهير به، فلا بدّ حينئذ من نزح ما احتمل زيادته.
اللهم إلّا أن يقال بعدم مقدر أزيد من التراوح، من نزح الجميع، فلازمه جواز الاقتصار على التراوح و عدم جواز الاقتصار بأقل منه، بناء على التطهير، كما لا يخفى.
ثم انّ مدار الانتقال إليه صدق الصعوبة عرفا، و لو من جهة اقتضائه طول المدة، للتصريح به في النص (1).
و لا فرق في كيفيته بين اشتغال اثنين إلى نصف اليوم، و اشتغال اثنين آخرين إلى تمامه، أو التراوح بينهم في كل ساعة و ساعة، إلّا مع فرض اختلاف إحدى الطريقتين في الاستقاء، فيحتمل اختيار الأكثر استقاء، و يحتمل اختيار الأقل حتى على القول بالتطهير، نظرا إلى إطلاق النص (2).
نعم ظاهر النص لزوم صدق بقاء الاشتغال في تمام اليوم، و لا يجدي اشتغال الأربعة جميعا بالاستقاء ساعة، ثم تركهم الاشتغال ساعة للاستراحة. كما أنّ ظاهره كونهم أربعة رجال (3)، بل و في الآخر «ينزف يوما إلى الليل ثم يقام قوم يتراوحون» (4)، و ظاهره أيضا الاختصاص بالرجال، و لا يبعد انصرافه عن الصبيان أو المرضى، الموجب لقلّة الاستقاء جدا.
و أما النساء و الصبيان الوافون بمقدار الرجال، فلا قصور في شمول مناطه كما عن المحقق أيضا (5)، خصوصا بناء على المقدمية لرفع القذارة بأنّ المرتكز في الذهن كونه مقدمة لنزح مقدار من الماء، المنطبق على التراوح المزبور، بلا خصوصية للرجولية في ذلك.
ثم الظاهر من قوله «يوما إلى الليل» (6)استيعاب تمام اليوم، و في
1) وسائل الشيعة 1: 143 باب 23 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
2) مستدرك الوسائل 1: 207 باب 22 من أبواب الماء المطلق حديث 4.
3) مستدرك الوسائل 1: 207 باب 22 من أبواب الماء المطلق حديث 4.
4) وسائل الشيعة 1: 143 باب 23 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
5) المعتبر 1: 63.
6) وسائل الشيعة 1: 143 باب 23 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
الروضة: لا بأس بالصلاة جماعة لا جميعا بدونها (1)، و ظاهر لزوم الاستيعاب يمنعه أيضا، إذ لا مجال لإطلاق فضيلة الجماعة لمثل هذه الصورة، على وجه يرفع شرطية الاستيعاب في التطهير.
و الظاهر كون بدء شروعه أول الفجر لا طلوع الشمس، كما هو الشأن في يوم الصوم، و مناسبته ليوم الاستئجار المنصرف إلى الابتداء من طلوع الشمس تقتضي التحديد من طلوعها. و لكنه- كما ترى- خارج عن عنوان اليوم، الظاهر بدؤه من طلوع الفجر، فيحتاج إلى قرينة معدومة في المقام، و لا أقل من الشك، و الأصل- بناء على القول بالتطهير- يقتضي الاشتغال.
بل و ظاهر الروضة تسليم كون بدية الفجر، حيث قال: و يجب إدخال جزء من الليل مقدّمة (2)، و في كفاية التلفيق مع التساوي وجه.
و على التعبّد لا يبقى مجال التعدّي عن القيود المنصوص عليها، نعم مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين اليوم الطويل و القصير.
ثم انّ الاكتفاء بالتراوح إنما هو في صورة كون نزح الجميع مقدّرا لها، لا أنه مقدّمة لفرع تغيّر الماء، و إلّا فلا بدّ من النزح حتى يزول التغيّر، كما هو واضح.
و يستحب أيضا نزح كر لموت الحمار و البغال على ما رواه في التهذيب (3)، و في الروضة: انه منجبر بالعمل (4)، و في الوسائل: عطف الجمل على الحمير (5). و في الجواهر: عطف الخيل عليه (6)، و في طهارة
شيخنا العلّامة: الاقتصار على الحمار فيما ذكر من النص، و قال: انّ في المعتبر زيادة البغل (1).
و أظن انّ ذلك كلّه من الاختلال في المتن، و القدر المتيقن وجود الحمار في النص (2).
نعم سوق العبارة يقتضي إلحاق ما يشبهه في الجثة به، و هو أيضا مدرك الأصحاب في إلحاق مطلق الدابة و البقرة به.
و لكن يعارضه نص الثور و مثله الشامل للبقر و الفرس و البغال أيضا (3).
فعلى المختار، و بناء على التسامح في أدلة السنن، لا بأس بالإلحاق، و إلّا فغير الحمار يلحق بما لا نص فيه، وفاقا للروضة في الفرس و البقر (4)، فليته ألحق البغال بهما أيضا، لعدم ثبوت رواية التهذيب، مع خلو غيره عنه، بعد كون المقام من باب الاختلال في المتن، كما لا يخفى.
و حينئذ فما في المتن من إلحاق البقرة و شبههما به محل إشكال، و قد أشرنا الى ذلك في حاشية الكتاب.
و نزح سبعين لموت الإنسان مطلقا على المشهور.
و الأصل فيه رواية عمّار عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر، قال:
«ينزح منها دلاء» (5)، هذا إذا كان ذكيا فهو هكذا، و ما سوى ذلك مما يقع في البئر فيموت فأكبره الإنسان، ينزح منها سبعون دلوا.
و ظاهر مقابلة الموت بالذكي كون الحكم دائرا مدار وقوع الميت فيها، بلا خصوصية لحصول الموت فيها، و هو ظاهر المصنف أيضا.
و قيل بنزح خمسين للعذرة الذائبة رطبة كانت أو يابسة، و في النص «أربعون أو خمسون» (1)، و ظاهره التخيير لا الترديد، كي يؤخذ بالاستصحاب ليتعين الخمسون، و لقد أشرنا في حاشية الكتاب إلى الإشكال فيه.
و في الدم الكثير غير الدماء الثلاثة أيضا بمثلها على المشهور، و إجماع الغنية (2)، و في الجواهر نسب ذلك إلى روايات أصحابنا (3)، و لم نظفر بها، بل في رواية علي بن جعفر: ما بين ثلاثين إلى أربعين في دم شاة (4)، و لا يتم ما أفيد، إلّا على التسامح في أدلة السنن، و إلّا ففيه اشكال.
و نزح أربعين لموت الكلب للإجماع المحكي عن ابن زهرة (5)، و الأصل فيه ما عن المعتبر، رواه عن كتاب الحسن بن سعيد:
سألته عن السنور؟ فقال: «أربعون دلوا و للكلب و شبهه» (6).
و في رواية أخرى «ينزح ثلاثون أو أربعون» (7).
و في ثالثة «نزح خمسة» (8).
1) وسائل الشيعة 1: 140 باب 20 من أبواب الماء المطلق حديث 1- 2.
2) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 490.
3) جواهر الكلام 1: 231.
4) وسائل الشيعة 1: 141 باب 21 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
5) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 490.
6) وسائل الشيعة 1: 134 باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 3.
7) وسائل الشيعة 1: 135 باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 4.
8) وسائل الشيعة 1: 135 باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 7.
و في رابعة «نزح البئر» (1)، الظاهر في الجميع، لو لا دعوى كونه من جهة التحديد مهملا.
و من المعلوم أنّ مقتضى الجمع هو الحمل على مراتب الفضيلة، و هو المناسب لمختارنا.
نعم بناء على النجاسة يجب طرح البقية، لإعراض المشهور عنها، أو إلقاء المعارضة بينها فيؤخذ بالأكثر، لو لا حمل «أو» في الرواية الثانية على التخيير، فإنه يحمل الأربعون على الفضيلة و الثلاثون على الإجزاء، و مع طرحها يتعيّن الأخذ بالأربعين، و لو من جهة الإجمال و قاعدة الاشتغال على وجه.
ثم انّ في رواية الأربعين قوله: «للكلب و شبهه»، فيحتمل المشابهة في النجاسة فيختص بالخنزير، و يحتمل المشابهة في الجثة فيشمل غيره أيضا.
(و) على أي حال لا إشكال في إلحاق السنور به، للنص السابق و كذلك الخنزير، لدخوله في «شبهه» على أي تقدير.
و أما الثعلب و الأرنب ففيه اشكال، و إلى ذلك أشرنا أيضا في حاشية الكتاب.
و في بول الرجل أيضا رواية مشتملة على أربعين، و هي رواية أبي حمزة (2).
و في رواية أخرى «نزح ثلاثين» (3).
و في ثالثة «نزح دلاء» (1).
و الجمع بينها على المختار واضح، و هو الحمل على مراتب الفضيلة.
و أما على القول بالنجاسة فلا بدّ من الطرح، لإعراض المشهور عن غير أربعين، أو التعارض و الحكم بالإجمال و الاشتغال.
و نزح عشرة للعذرة اليابسة على المشهور، للرواية السابقة الواردة في الذائبة، إذ في صدرها: «العشرة للعذرة» (2)، و ظاهره عدم الفرق بين الرطبة و اليابسة، بل الفارق الذوبان و غيره، فلا وجه للتخصيص باليابسة، و إلى ذلك أشرنا في حاشية الكتاب بقولنا: بل غير الذائبة.
و يلحق به الدم القليل أيضا، لما في النص من نزح دلاء (3)، المحمول على العشرة، بملاحظة كونه أكثر جموع القلة، أو أقل جموع الكثرة، و من المحتمل أقل جمع القلّة و هي الثلاثة. و حينئذ فعلى القول بلزوم التطهير يؤخذ بالأكثر، لقاعدة الاشتغال، و على التعبّد يؤخذ بالأقل للبراءة، كما هو ظاهر.
ثم المراد من الدم القليل: ما يشبه دم الدجاجة و أمثالها، في مقابل الكثير المشابه لدم الشاة و أمثالها.
و في إلحاق الوسط بأي من الطرفين اشكال، و مع الجزم بعدم خروج حكمه عنهما لا بد أن يلحق بالأكثر على الاشتغال و بالأقل على البراءة.
ثم لو حصل من ورد الدماء القليلة تدريجا عنوان الدم الكثير، ففي
اقتضائه مقدّر الكثير أيضا، أو خصوصه بلا ترتب مقدّر القليل، أو أزيد المقدّرين، وجوه، يوهم مقتضى التعبّد اجراء أثر العنوانين، لقاعدة عدم التداخل في المسبب.
و يمكن دعوى كون المقام من صغريات تداخل المسببات، فيترتب أكثر المقدّرين، كما أنه بناء على المطهّرية لا بدّ من المصير إلى اقتضاء ورود النجاسة على المتنجّس الاشتداد بمقدار اقتضاء النجس في التأثير، إذ لو قلنا بعدم التأثير و لو من جهة احتمال عدم قابلية المحل له، فلا تجدي النجاسة الثانية- بأي عنوان- شيئا، و لازمة عدم ترتّب نزح على النجاسة المتأخرة، و لو كان أكثر مقدرا، كوقوع كلب بعد وقوع الدم، و لا أظن التزامه من أحد.
بل ظاهر إطلاقات كلماتهم في مثله عدم التداخل، و ليس ذلك إلّا ملازما لقابلية المحل للاشتداد في النجاسة، و لازمة حينئذ في المقام ترتب كل واحد من المقدرين، لو لا دعوى أنّ عنوان الكثرة و القلة في الدم ليس من العناوين المتباينة بتمام الذات، كي يؤثّر كل ذات مرتبة من النجاسة غير التي اقتضتها الأخرى، بل هما متباينتان حدا، و أنّ القليل من كمه محفوظ في ضمن الكثير، فلا يجدي مثل هذين العنوانين إلّا اشتداد النجاسة بمقدار يقتضيه الأكثر، كما و لازمة الالتزام بأكثر المقدّرين، لا بالجمع بينهما، كما لا يخفى.
و سبع لموت الطير، لرواية يعقوب بن عثمان المشتملة على سبع دلاء (1)، و إطلاقها يشمل صورتي تفسّخه و عدمه، أو تغيير طعم الماء و عدمه.
1) وسائل الشيعة 1: 128 باب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 12.
و في رواية أخرى: «دلوين أو ثلاثة» (1).
و في الفقه الرضوي: «السبعة مع عدم التفسّخ، و العشرين معه» (2).
و على المختار يحمل على مراتب الفضيلة، و على المطهّرية تقع المعارضة، فلا بدّ إما من طرح البقية، أو الأخذ بالأكثر و هو السبعة، بناء على عدم حجية الرضوي، و إلّا ففي صورة التفسخ يؤخذ بالعشرين، إما لتقييد المطلقات به، أو من جهة الإجمال و قاعدة الاشتغال.
نعم على التعبّد يؤخذ بالأقل، بناء على عدم التقييد، و إلّا فيؤخذ بالعشرين في فرض التفسخ، كما هو ظاهر.
و أيضا سبع في الفأرة إذا تفسّخت عند جماعة، لرواية أبي سعيد المكاري (3)، و رواية أبي عيينة (4)، و في الأولى «إذا تسلّخت»، و في الأخرى «إذا تفسّخت».
و في بعض الأخبار، «سبع دلاء» (5)مطلقا، و في بعض «دلاء» (6)، و يجيء الكلام على المختار و غيره في المقام، لو لا قوة التقييد على المطلقات، و لكن هي على كثرتها قابلة للمقاومة في قبال المقيّد بالحمل على مراتب الفضيلة، كما لا يخفى.
و كذا في بول الصبي أيضا سبع دلاء، لرواية منصور بن حازم (7).
1) وسائل الشيعة 1: 137 باب 18 من أبواب الماء المطلق حديث 3.
2) وسائل الشيعة 1: 204 باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
3) وسائل الشيعة 1: 137 باب 19 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
4) وسائل الشيعة 1: 128 باب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 13.
5) وسائل الشيعة 1: 136 باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 11.
6) وسائل الشيعة 1: 135 باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 5 و 6.
7) وسائل الشيعة 1: 133 باب 16 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
و بعض الأخبار مشتمل على «دلو واحد في الفطيم» (1)، و في ثالث «نزح الجميع» (2). و الأخير غير معمول به، و الثاني محمول على الرضيع، و يؤخذ بإطلاق الأول، لمطلق غير البالغ، تغذى أم لم يتغذّ. و مع التسامح في السنن فالمختار فيه انه لا بأس بأخذ الجميع أيضا، حملا على مراتب الفضيلة.
و هكذا في اغتسال الجنب، لرواية أبي بصير المشتملة على قوله: «فيدخل الجنب فيغتسل فسبع» (3)، و في جملة أخرى عنوان «دخول الجنب» (4)، أو «وقوعه» (5)أو «نزوله» (6)، و كلها متطابقة على السبع.
و في دخل الاغتسال، خصوصا الصحيح منه، بناء على المطهّرية، نوع غموض، بل تمام المدار على الدخول. نعم لا بأس بدخله في الاستقذار الطبعي، إذ في الاغتسال نحو تحريك في الماء المقتضي للاستقذار ليس في غيره، كما أنه بناء على التعبّد أيضا كذلك. و حينئذ تنزّل إطلاقات البقية على كونها واردة مورد الغالب، بلا احتياج إلى التصرّف فيها بتقييدها.
نعم في دخل صحة الاغتسال- على المختار- على وجه لا يشمل الكافر مثلا فيما ذكر أيضا إشكال، لكنه على التعبّد لا بأس به، كما لا يخفى.
و في خروج الكلب منه حيا أيضا سبع دلاء لدى الأكثر،
1) وسائل الشيعة 1: 133 باب 16 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
2) وسائل الشيعة 1: 134 باب 16 من أبواب الماء المطلق حديث 7.
3) وسائل الشيعة 1: 142 باب 22 من أبواب الماء المطلق حديث 4.
4) وسائل الشيعة 1: 142 باب 22 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
5) وسائل الشيعة 1: 132 باب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 6.
6) وسائل الشيعة 1: 131 باب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
لرواية أبي مريم (1).
و في رواية أخرى «خمس للسنور و الكلب» (2)، الشامل لحال حياته جزما.
و حينئذ فالحمل على مراتب الفضيلة هو المختار، و الطرح أو الحكم بالإجمال و قاعدة الاشتغال على المطهّرية.
و خمس دلاء لذرق الدجاج، كما عن الشيخ (3)، و لم أر مستندا له عدا حكاية شيخنا العلّامة الإجماع على عدم وجوب الأزيد من الخمسة.
و حيث إنه بإطلاقه لا يناسب القول بالنجاسة، حمله بعضهم على كونه جلالا، و فيه نظر، بل الأولى حمل ما ورد فيه بنزح دلاء مطلقا على ما اخترناه، أو على محض التعبد، و إلّا فالتقييد المزبور متعيّن، كما لا يخفى.
و ثلاث للفأرة قبل تفسخه، جمعا بين المطلقات الدالة على الثلاث (4)، و المقيّد بالتفسخ الدال على السبع (5)، بحمل الاولى على عدمه.
و قيل: دلو، لمشابهته العصفور جثة، فيشمله «شبهه» المستفاد من فحاوي النصوص (6)، على اشكال فيه. و لا يبعد الجمع على المختار
1) وسائل الشيعة 1: 134 باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
2) وسائل الشيعة 1: 135 باب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 7.
3) المبسوط 1: 12.
4) وسائل الشيعة 1: 136 باب 18 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
5) وسائل الشيعة 1: 136 باب 18 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
6) وسائل الشيعة 1: 141 باب 21 من أبواب الماء المطلق.
بالمراتب، و على المطهّرية بالتقييد، كما لا يخفى.
و كذلك الثلاث في الحية، و لم أر مستندا له عدا ما روي بأنّ في الدابة الصغيرة «دلاء» (1)، و في آخر «سبع» (2).
و على أي حال يحمل الأمر فيه على مراتب الفضيلة، بل لا يناسب القول بالنجاسة على فرض شمولها لما نحن فيه، إذ يجب تخصيص الروايتين بما كانت ميتته نجسة، فلا يكون في مثله مقدّر أصلا.
بل لا يجري في مثله حكم ما لا نص فيه من نزح الجميع، إذ ذاك إنّما يتم فيما شرع فيه أصل النزح و كان الشك في مقداره، لا فيما شك في أصل ثبوت النزح فيه كسائر الأشياء.
و ينزح دلو للعصفور على المشهور، كما في رواية عمار (3)، و النص غير مشتمل على شبهه، و إنما استفيد من فحاوي مجموع أخبار الباب، و قد أشرنا إلى التأمل فيه، خصوصا مع ما عرفت في الفأرة خلافه.
و بول الرضيع أيضا مثله، لما روي من الدلو الواحد للصبي الفطيم (4)، بعد جمعه مع المشتمل على السبع (5)بغيره.
ثم انّ في رواية كردويه: ماء المطر فيه البول و العذرة و أبوال الدواب و أوراثها و خرء الكلاب؟ قال: «ينزح ثلاثون دلوا» (6)، و به يرفع اليد عن
1) وسائل الشيعة 1: 132 باب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 6.
2) وسائل الشيعة 1: 131 باب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
3) وسائل الشيعة 1: 141 باب 21 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
4) وسائل الشيعة 1: 133 باب 16 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
5) وسائل الشيعة 1: 133 باب 16 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
6) وسائل الشيعة 1: 140 باب 20 من أبواب الماء المطلق حديث 3.
مقتضى القاعدة من اقتضاء كل عنوان مقدّرا مستقلا، و هو المعبّر عنه بقاعدة «عدم تداخل الأسباب».
و أيضا لو وقع في البئر جزء حيوان، فمع صدق نفس عنوانه فلا إشكال في تكرر حكمه لقاعدة «عدم تداخل الأسباب» كما أشرنا إليها، و إن لم يصدق عليه اسمه فالظاهر اقتضاء فحوى النص عدم ازدياد حكمه عن حكم كله، نعم يحتمل نقص حكمه عنه.
و حينئذ فمع الجزم بكونه مما له مقدّر- و لو من جهة كونه من جملة النجاسات المعلومة بالفحوى من مجموع النصوص- انه أيضا مما يقتضي النزح، غاية الأمر لم يعلم مقدّرة، ففي وجوب الأخذ بأكثر المحتملات أو أقلها وجهان مبنيان على المطهّرية و غيرها.
و مع الجزم بذلك- و لو من جهة عدم إحراز كونه من جملة أجزائه النجسة- فاستصحاب عدم تشريع وجوب النزح محكم.
ثم لو تكرر مثل هذا الجزء المقتضي لمقدّر عنوانه، ففي اقتضائه تكرر حكمه إشكال، لإمكان دعوى عدم اقتضائه أزيد من حكم مجموعه الواقع فيه دفعة، بل و بناء على المطهّرية فالأمر فيه أظهر، لأن أجزاء حيوان واحد لا تقتضي اشتدادا في النجاسة الحاصلة من مجموع العنوان، فلا موجب للازدياد في مقدّرة.
لكن في فرض اقتضاء كل جزء نجاسة أضعف من نجاسة المجموع، ففي كل جزء قابلية الاشتداد إلى أن يبلغ حد الجميع، و بعد بلوغه لا يتجاوز عنه.
نعم لو كان الجزءان من حيوانين لا بأس بازدياد مقدّرهما عن مقدّر كل واحد من العنوانين إلى أن يبلغ مقدّر مجموعهما، فلا يزيد عنهما.
و لو شك في كونهما من أجزاء حيوان واحد أو حيوانين، فبالنسبة إلى
المقدار الزائد عن مقدر واحد منهما، إلى أن يبلغ مقدّر مجموعهما، فربما يتوهم أنه تبتنى المسألة على مرحلة البراءة و الاشتغال، و هو مبني على التعبّدية، و رافعيّة القذارة المعبّر عنها بالمطهّرية.
و يمكن أن يقال: إنّ الشك في المقام مسبب عن حدوث سبب آخر فالأصل عدمه، فكان الشك فيما نحن فيه من قبيل الشك في أن الصادر من المحدث بالأصغر بول أم مني، و بناء الأصحاب فيه على استصحاب عدم سبب جديد، و هو حاكم على استصحاب الكلي، و ما نحن فيه من هذا القبيل.
ثم انّ الظاهر أنّ الدلاء المذكورة في المقام ما هو المتعارف في الاستقاء باليد، لا بالحيوان، كما يومئ إليه أخبار التراوح، و التوصيف باليسيرة في الأخبار، إذ هي بالنسبة إلى ما يستقى بها بالحيوان يسيرة جدا.
و أيضا لا إشكال في عدم ازدياد حكم المتنجس بنجس عن حكم نفس النجس، و في احتمال أقليته وجه، بناء على المشهور من عدم الفرق في المتنجس بين ملاقاة النجس و المتنجس، و حينئذ ففي مراعاة احتمال الأقل و الأكثر، يراعى قاعدة الاشتغال و البراءة، كل على مذهبه، كما لا يخفى.
نعم و الذي يسهّل الخطب في أمثال المقام عندي أنّ ذلك كلّه مستحب، بملاحظة رافعية النزح المزبور للاستقذار الطبعي الراجح لحاظها.
الرابع من أقسام المياه أسآر الحيوان.
و هي كلّها طاهرة إلّا سؤر الكلب و الخنزير و الكافر على المشهور.
و الأصل في ذلك رواية أبي العباس عن فضل الهرة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع، فلم أترك شيئا إلّا سألته عنه، فقال: «لا بأس به»، حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: «رجس نجس فلا تتوضأ بفضله» (1).
و هذه الرواية بصدرها بضميمة قوله: «كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلّا أن ترى في منقاره دما» (2)تدل على الكلية الاولى.
و بالتعليل بأنّ الكلب «رجس نجس»، للنهي عن التوضي بفضله، تستفاد الكلية الثانية.
بل ربما لا يختص ذلك بفضلها، فكل ملاق لأي جزء منها متنجّس، نظرا إلى القاعدة الكلية الارتكازية بأنّ ملاقي النجس متنجّس.
و ربما يستفاد ذلك أيضا من بعض أخبار ماء البئر، فيما دل على التنزّه عما يلاقي بمائه المنفصل و لو لتغيّره، و ذلك مثل ما في موثّقة عمار حيث قال: سمعته يقول: «لا يغسل الثوب و لا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلّا أن ينتن، فإن أنتن غسل الثوب و أعاد الصلاة و نزحت البئر» (3).
و من المراجعة في أسئلة الرواة في باب البئر أيضا يستفاد ارتكازية مثل هذا المعنى في أذهانهم، حيث سألوا عن نجاسة و طهارة ماء البئر بلوازمهما من غسل الثياب و عدمه، و بعد الجزم بإلقاء العرف الخصوصية في الأجسام
و المتنجسات، ربما يستفاد الكلية المعروفة و هي: كل جسم لاقى نجسا فهو نجس.
و توهم الفرق بين الماء و غيره في ذلك في غاية الضعف، إذ المعنى إذا صار ارتكازيا في الأجسام القابلة للانفعال لا ينظر إلى خصوص جسم دون جسم.
و ربما يومئ إلى ما ذكرنا بناؤهم على نجاسة المتمم كرا، لو لا عموم:
«لم يحمل خبثا» (1)، و كنا و عموم: «لم ينجّسه شيء» (2)بالتقريب المتقدّم، إذ تسلّمهم على ذلك شاهد على عدم الفرق في قابلية الانفعال بين الماء و غيره من الأجسام، كما هو ظاهر، فتدبّر.
و حينئذ لا اختصاص في الأقسام الأخيرة الثلاثة بين سؤرها و سائر ملاقياتها، و هو ظاهر.
نعم يستفاد من رواية الطير (3)اعتبار عدم وجود عين النجاسة في موضع الملاقاة.
و ربما يستفاد منها أيضا كفاية زواله في التطهير بالنسبة إلى الحيوانات، كما عليه السيرة أيضا.
و حينئذ فلو شك في زوال الدم إلى حين الملاقاة كان لاستصحابه مجال، لو لا احتمال عدم تنجس بدن الحيوان من الأول، لا مطهريّة زواله عنه، إذ حينئذ لا يثمر الاستصحاب المزبور في تنجس ملاقيه.
1) لم نجده في جوامع الحديث، و إنما جاء في كلام الشيخ قدس سره في المبسوط 1: 3. نعم جاء في روايات العامة «إذا كان الماء قدر القلتين لم يحمل الخبث» راجع: مسند أحمد بن حنبل 2: 12 و غيره من مجاميع العامة المعروفة.
2) وسائل الشيعة 1: 117 باب 9 من أبواب الماء المطلق.
3) وسائل الشيعة 1: 166 باب 4 من أبواب الأسئار حديث 2.
و توهم منافاة هذا الاحتمال مع القاعدة الارتكازية السابقة من تنجس الملاقي، مدفوع بأنّ الحكم بالتطهير بالزوال أيضا مناف لارتكاز الذهن بأن منشأ التنجس نفس حدوث الملاقاة، لا بقاؤها، فلا جرم كانت السيرة المزبورة موجبة لرفع اليد عن أحد الارتكازين، و مع الدوران يشك في نجاسة البدن من الأول، و هو كاف في نفي الاستصحاب المزبور.
و حينئذ فلو لا الإجماع على تنجّس بدن الحيوانات، خصوصا بعد ملاحظة الكلية المعروفة، كان للتشكيك في الاستصحاب المزبور مجال.
ثم انّ من فروع القاعدة الكلية السابقة، تنجّس الماء القليل بملاقاته لماء آخر منفعل بالملاقاة، و إن بلغ الماء ان كرا بعد تلاقيهما، لظهور النصوص في كون القلّة إذا كانت في رتبة سابقة على الملاقاة فهي تنفعل بها.
بل شرطية الكرية للعصمة تقتضي تقدّم الكرية عليها رتبة، و لازمة حفظ الكرية سابقا على الملاقاة، و مقتضاه الانفعال، و لو بالملاقاة الحاصلة في رتبة الكرية، فضلا عن أن تكون مقدمة عليها.
و حينئذ فلا أظن استفادة أحد لكفاية التتميم من هذه العمومات، بل عمدة نظرهم إلى عموم: «لم يحمل خبثا» بتقريب أن عدم الحمل المترتب على الكرية غير ملازم لترتب الملاقاة عليها، بل إطلاقه يشمل حتى صورة حصول الملاقاة سابقة على الكرية.
و حينئذ يستفاد منه صحّة التتميم و لو كان المراد من الحمل تجدده، نظرا إلى أنّ الغرض من التجدد المستفاد من هيئة المضارع معنى يجامع مع تدريجية وجوده، بخلع حد و لبس آخر، على وجه لا ينافي بقاءه و استمراره،
و لا يكون التجدّد المزبور مستلزما لحدوثه، و عليه فلا قصور في شمول الخبر المزبور لمورد التتميم.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ ذلك إنما يتم لو طبق: «الماء البالغ كرا» على الماء النجس، فنفي حمله يناسب نفي بقائه على النجاسة.
و أما لو طبّق على الماء الطاهر الملاقي، فلا شبهة انه بمقتضى مفهوم الخبر المزبور انه يحمل بملاقاته للنجس خبثا، لعدم سبق كرية، ثم بمقتضى المنطوق عند بلوغ الكرية لا ترتفع هذه النجاسة، إذ النجاسة المزبورة حاصلة في رتبة الكرية، و ما هو منفي هو عدم حمل النجاسة في رتبة لا حقة عن الكرية، و من البديهي انها نجاسة أخرى لاختلاف رتبتهما، و مع هذا الاختلاف يستحيل أن تكون إحداهما برتبة بقاء الأخرى السابقة عليها كي ترتفع بالكرية، كيف و بقاء الشيء عين حدوثه وجودا، فكيف يتأخر عنها رتبة، فمهما اختلفت الرتبتان فلا محيص عن الالتزام بوجودين، و حينئذ فنفي الوجود اللاحق الثاني لا يقتضي نفي الوجود السابق المتقدّم رتبة، و عليه فربما لا يزاحم المنطوق بقاء النجاسة الثابتة بالمفهوم في الرتبة السابقة، و ذلك المقدار يكفي لبطلان التتميم.
فعمدة المغالطة في المقام حينئذ تخيّل إمكان شمول إطلاق نفي الحمل للنجاسة الحاصلة في رتبة الكرية، و أما لو قلنا باستحالة شموله لها، لأن عدم الحمل المتأخر عن الكرية عبارة عن عدم حصول نجاسة متأخرة عنها رتبة، و لا يشمل النجاسة الحاصلة في رتبة سابقة على الكرية أو مقارنة لها.
و لا شبهة في أنّ بقاء الشيء بعد ما كان موجودا هو عين حدوثه، فلا محيص عن أن يكونا في رتبة بلا تخلل بقاء بينهما. و بعد ذلك يستحيل أن تكون الكرية المقارنة لوجود النجاسة مانعة عنها حدوثا و بقاء، بل إنما
يصلح للمانعية بالنسبة إلى نجاسة اعتبر وجودها في رتبة متأخرة عنها، كي يترتب عليها نقيضها المحفوظ في رتبته، فهذه الكرية حينئذ لا تكون رافعة لمثل هذه النجاسة الحاصلة من قبل الملاقاة التي هي علّة هذه الكرية، فالرافع لها لا بدّ أن يكون شيء آخر في رتبة سابقة عليها.
نعم في المقام توهم آخر، و هو انّ العموم المزبور من حيث انطباقه على الماء الطاهر الملاقي للنجس و إن لم يثبت الطهارة لما ذكر من المحذور، إلّا أنه لا قصور في إثباته لها من حيث انطباقه على الماء النجس الملاقي للطاهر، لأن مثل هذا المحذور غير جار في هذا الطرف كما ذكرنا سابقا، فلا قصور في الرواية في إثبات المدّعى بهذا التقريب.
غاية الأمر حينئذ ينتهي إلى معارضة مفهوم الرواية مع المنطوق بعد عدم تبعّض ماء واحد في الحكم، و لازمة الرجوع إلى معارضة الاستصحابين و مرجعية قاعدة الطهارة.
و يدفعه أنّ المرجع حينئذ عمومات الانفعال المفهوم في سائر الأخبار (1)، الظاهرة في اعتبار تأخّر الملاقاة عن الكرية.
لو لا دعوى صلاحية معارضة المنطوق في هذه الرواية من الجهة المزبورة مع البقية أيضا فيتساقط الجميع، و يرجع إلى الأصل.
لكن الإنصاف أنّ المعارضة بين منطوق الرواية مع مفهوم نفسها إنما كانت بملاحظة كونهما في كلام واحد، و من ثم جعلتها مجملا، فيبقى سائر المفاهيم في غيرها من الروايات باقية بحالها، و اللّٰه العالم.
هذا كله في الماء المطلق بأقسامه،
1) وسائل الشيعة 1: 117 باب 9 من أبواب الماء المطلق.
كالعنب و أمثاله، لا اللوز و أشباهه، أو الممتزج بها مزجا يسلبه الإطلاق كماء الورد و المرق و أمثاله.
و هو ينجس بكل ما يقع فيه، لعموم القاعدة السابقة، بعد اختصاص العصمة- بمقتضى أدلتها- بالماء المطلق، سواء كان الماء المزبور قليلا بلا اشكال، لنص المرق (1)، أو كثيرا، لعدم القول بالفصل.
و لا يجوز رفع الحدث به و لا الخبث و إن كان طاهرا، للإجماعات و الأصول بعد منع سند ما دلّ على التطهير بالبصاق (2)، و بماء الورد (3)، و لو لإعراض الأصحاب عنها، من دون احتياج إلى التوجيهات البعيدة كما في المطوّلات.
المستعمل في رفع الحدث الأصغر طاهر و مطهّر عن الحدث، لرواية ابن سنان (4)المشتمل ذيلها على نفي البأس عن التوضي بماء وضوء غيره.
و هكذا مطهّر للخبث، للإطلاقات، مضافا إلى دعاوي الإجماعات المكررة في كلماتهم، خصوصا ممّن شأنه نقل الخلافات النادرة.
و هكذا المستعمل في رفع الحدث الأكبر، فإنه أيضا لا إشكال في
طهارته نصا و فتوى. و أما مطهّريته عن الخبث أيضا فللإطلاقات، علاوة على تسلّمهم إياها.
و أما مطهّريته عن الحدث مطلقا، فعن جمع نفيها، لرواية ابن سنان (1)المشتملة على نفي التوضي عما يغتسل به من الجنابة، و في قباله صحيحة علي بن جعفر من قوله: «فإن كان في مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه أن يغتسل و يرجع الماء فيه فإن ذلك يجزيه» (2).
و توهم حمله على مورد الاضطرار، مدفوع بأنّ هذا المقدار من الماء مما يكفي لتمام بدنه و لو بمثل الدهن بلا إرجاع.
المستعمل في إزالة النجاسة، سواء في الغسلة المزيلة أو المطهّرة نجس، سواء تغيّر بالنجاسة بلا إشكال أو لم يتغيّر على خلاف فيه و أقوال، ثالثها: التفصيل بين الغسلة المطهّرة فطاهر، و غيرها فنجس.
و الأصل فيه: عموم انفعال الماء القليل، بضميمة الارتكاز في القذارات العرفية، من كون شأن الماء بوصوله إلى محل القذر جذب النجاسة و القذارة من المحل إلى نفسه على وجه تزول النجاسة بزواله.
و بمثل هذا البيان يرتفع توهم التهافت بين نجاسة الماء و طهارة المحل الملاقي له، إذ ذلك إنما يتم لو فرض مطهّرية الماء له بمجرد الوصول إليه و حين تلاقيه إياه قبل زواله، و أما لو كان الأمر بمثابة يحصل التطهير بزوال الماء المزبور عن المحل فلا موجب للارتكاز بخلافه، كما هو الشأن في ما قيل من مطهّرية زوال العين في الحيوانات.
غاية الأمر في غيرها نلتزم بمطهّرية زوال العين أو الأثر بتوسط الماء و زواله، و لا بأس ببقاء مقدار من الأجزاء الصغار، المسمّى بالرطوبة بعد ذهاب معظم أجزائه، و لو بالدلك و العصر في الأجسام المخصوصة، إذ الرطوبة بانظار العرف بمنزلة العرض، بلا اعتبارهم وجود عين من المياه القذرة فيه.
و من هذا البيان نقول بالفرق بين التطهير بالمياه القليلة أو الكثيرة العاصمة، فإنّ عصمة الماء مانعة من اكتساب النجاسة عن المحل، بل شأنها ليس إلّا جذب الوسخ عن المحل و إعدامه بلا نقله إلى نفسه، كي يحتاج في زواله عن المحل بزواله.
و لذا نلتزم بأنّ مجرد ملاقاة المياه العاصمة كافية في التطهير، بلا احتياج فيها إلى الإفراغ، إلّا مع فرض اعتبار تعدد الغسل، فإنه يحتاج إلى الإخراج عن الماء، مقدّمة لتعدد الغسل.
نعم مع الاحتياج إلى العصر كانت المياه الخارجة عن المحل بتوسطه نجسة، و كذلك كل ما ينفصل عن المحل في الغسلة الأولى بعد انفصاله من العاصم.
و هذا بخلاف الغسلة المطهّرة، فإنّ المياه الباقية في المحل طاهرة حتى بعد الخروج عن المحل، و لذا لا يحتاج فيها إلى العصر أو غيره أصلا، لعدم مساعدة دليل تعبدي على دخله في حقيقة الغسل، كما أن الإفراغ، بل و الجريان على المحل أيضا غير معتبر في ماهية الغسل، و لذا قلنا بأنّ في الغسل بالمياه العاصمة لا يحتاج إلى الإفراغ، بل و في مطلق الغسل في الأحداث أيضا لا يعتبر ذلك، كيف و قوله: «بلّوا الشعر و أنقوا البشرة» (1)
1) انظر: سنن أبي داود 1: 65 حديث 248، و سنن الترمذي 1: 178 حديث 106. و فيهما:فاغسلوا الشعر و انقوا البشرة.
شاهد مدّعانا.
و عليه فقد يشكل تفسير الغسل بمعنى يجمع هذه المصاديق المختلفة، بعد الجزم بعدم كونه من المشتركات اللفظية.
و ليس بأوضح من أن يدّعى بأن الغسل هو: استيلاء الماء على المحل على وجه كان جاذبا للنجاسة أو الحدث عن المحل، غاية الأمر في الحدث المزبور ربما يكون لشيء مدخلية فيه ليس له مثل هذا الداخل في غيره، و ذلك ظاهر.
و كيف كان فما ذكرناه هو الوجه في إثبات المدّعى، من دون احتياج إلى التمسك برواية العيص (1)الظاهرة في الاستنجاء، إذ حمله على الغسالة ليس بأولى من الحمل على الكراهة أو الطرح، للاعراض عنها بظاهرها بلا قرينة على بنائهم على طرح دلالتها محضا، كما أنه لا مجال للتشبث برواية «المركن» (2)في إثبات طهارة الغسالة، لإمكان حمله على تطهير الثوب بإفراغ مائه.
نعم لا ظهور فيه في إيراد الماء على المحل النجس، بل المتعارف إيراد الثوب على مائه، و ذلك المقدار على فرض ثبوته ربما يؤيّد العرف في تطهيراتهم الأشياء عن القذارات، فإنّ في جاذبية الماء للقذارة عن المحل إلى نفسه لا فرق بين الورودين وجدانا.
و حينئذ فإن تمّت سيرة شرعية في المياه القليلة على اعتبار ورود الماء على المحل، فلا بدّ من رفع اليد عن ظهور «المركن»، بل و ردع العرف في كيفية تطهيراتهم و إزالتهم الأوساخ العرفية، و إلّا فتبقى الطريقة الارتكازية
العرفية بحالها.
و لكن الإنصاف قرب احتمال دخل ورود الماء، بل و عدم طول مكثه في المحل، على وجه لا يعد إفراغ مياهه من تبعات الغسل المزبور عرفا، و عليه فربما يكون الغسل في المركن موهونا من جهة أخرى أيضا، و لا أقل من الاحتياط في مراعاة مثل هذه الجهات.
ثم انّ ما ذكرنا من القاعدة الارتكازية في تطهير الأخباث جارية في كل مقام عدا ماء الاستنجاء، بلا إشكال في طهارته نصا (1)، و عليه المشهور، خلافا لمن التزم بنجاسته و العفو عن مثله بلحاظ آثاره.
و عمدة منشأ الخلاف بينهم: اختلافهم في فهم المراد من نفي البأس (2)الوارد فيه، من أنه ناظر إلى آثاره و لو بضميمة عمومات الانفعال، أو ناظر إلى ما ارتكز في ذهن السائل من نجاسته، و الظاهر هو الثاني، مؤيدا ذلك باستفادة جل الأساطين طهارته من مثله، و عليه فيترتب جميع آثار الطهارة، لإطلاق الأدلة.
و أما على العفو و النجاسة فترتب أزيد من نجاسة ملاقية مشكل، و إن كان مقتضى إطلاق نفي البأس شموله للآثار الشائعة من شربه و بيعه أيضا، كما لا يخفى.
ثم انّ الظاهر انّ النظر في نفي البأس إلى نجاسته من جهة ملاقاته للنجاسة، فلا إطلاق فيه يشمل حال تغيّره بها، فعمومات التنجس بالتغيّر جارية في المقام أيضا.
و أيضا الظاهر اختصاص الحكم بالمستعمل في محل النجو بحسب
المتعارف، فلو خرج عنه فمشكوك الاندراج تحت الإطلاق، فيرجع إلى قاعدة عموم الانفعال.
كما أنّ في شمول الإطلاق للنجاسة الخارجة عن المعتاد اشكال آخر.
و مع الشك حكما أو صدقا مفهوميا يرجع إلى عموم الانفعال.
و مع الشبهة الموضوعية يرجع إلى أصالة عدم اتصافه بماء الاستنجاء، فيترتب عليه حكم المياه التي لم يكن بماء استنجاء، التي تنفعل بالملاقاة، و ذلك ظاهر.
و أيضا الظاهر من نفي البأس في الرواية: انّ عدم تنجسه كان من قبل استيلاء الماء على المحل النجس، و أما جهة ملاقاته للنجاسة بعد الانفصال عن المحل، و لو باستصحاب الماء أجزاء القذر بعد زواله فغير ناظر إليه، إلّا بدعوى شموله مقدارا كان من اللوازم العادية، فإنّ فحوى نفي البأس يقتضي العفو عن تنجّس الماء به أيضا، كما لا يخفى.
غسالة الحمّام قد يتوهم كونها نجسة ما لم يعلم خلوها من النجاسة من جهة الأخبار (1)الناهية عن الاغتسال بها.
و لكن في التعليل بأن فيه غسالة ولد الزنا (2)إيهاما بالكراهة لما فيه نحو استقذار موجب لتنفر الطبع عن الاغتسال فيه، بل في رواية أخرى «لو أصابه جذام فلا يلومنّ إلّا نفسه» (3)، إذ مثل هذا شاهد على أنّ النهي عن الاغتسال فيه لحكمة خارجة عن نجاسته، مضافا إلى مرسلة الواسطي المشتملة على نفي البأس عن مجمع الماء في الحمام من غسالة
الناس (1)، حكاها العلّامة الأستاذ (2)في شرح تكملته، و مجرد العلم باغتسال اليهود و النصارى فيه- بعد احتمال كون ملاقاتهما له حال الاتصال بالمادة- لا يجدي شيئا.
و حينئذ فالأصل يقتضي- بعد تسليم المرسلة المزبورة- الحكم بطهارتها ما لم يعلم بملاقاة نجس إياها حال انقطاعه عن المادة، بلا كفاية مطلق الظن بها أيضا، لعدم الحجية.
ثم انّ ظاهر إطلاق المصنف نجاستها حتى حال اتصاله بالمادة، بل و في مفتاح الكرامة ما يظهر منه كون مورد البحث أعم من حال الاتصال بالمادة (3)، و به صرّح الأردبيلي في شرح الإرشاد (4)، بل هو ظاهر إطلاق النواهي أيضا، بل التعليل باغتسال ولد الزنا و غيره شاهد على حال الاتصال أيضا، لاغتسالهم به وقت استمداد ما في الحوض الصغير بالمادة.
و عليه فربما ينافي توهم النجاسة المزبورة عموم (5)المنزلة تعليلا بالإتصال بالمادة، خصوصا على المختار، من بلوغ المجموع كرا، بضميمة تقوّي السافل بالعالي، إذ أدلة الكر شاملة له أيضا.
و توهم عدم اقتضاء مثل هذه الأدلة طهارة ما في الحياض الصغار، حتى بلحاظ طروء عنوان الغسالة على مائه، فلا تنافي بين مثل ذلك و بين النواهي عن الاغتسال في مجمع المياه المزبورة. مدفوع بأنه مضافا إلى
عموم المنزلة لهذه الصورة غير المنفكة عنه غالبا، أن ما أفيد أيضا إنما يتم على فرض عدم اشتراط الكرية في مجموعهما، و إلّا فلا قصور في شمول دليل الكرية لكل حال، كما لا يخفى هذا.
الماء النجس لا يجوز استعماله في الطهارة و لا في إزالة النجاسة، بلا إشكال في كل واحد من الحكمين فتوى، بل في الأخير يكفي مجرد عدم إحراز أنّ مثل هذا الماء جاذبا للنجاسة عن المحل، نظير الماء المضاف، الذي هو المناط التام في صدق الغسل كما عرفت، فأصالة بقاء النجاسة حينئذ محكمة، و كذلك الأول.
خصوصا لو لوحظ ما ورد في أخبار البئر (1)الدالة على أنّ عدم التوضي بالماء النجس من مرتكزات السائلين، حيث جعلوا محط سؤالهم جواز التوضي منه و عدمه. و الحال انّ مقصودهم فهم طهارة مائه و عدمها، فضلا عن التصريح بعدم التوضي بماء وقع فيه أوقية من الدم، كما في رواية الأعرج (2)، و خبر علي بن جعفر (3)، بل نصل إهراقهما و التيمم في فرض اشتباه الطاهر بالنجس (4)شاهد على النجاسة.
و توهم كونه على خلاف القاعدة، من جهة إمكان تحصيل الطهارة بكلا قسميها، بالوضوء بأحدهما و غسل المحل بالآخر و الوضوء به، لأنه حينئذ يحصل الجزم برفع الحدث، و يحكم بطهارة المحل أيضا لقاعدة الطهارة، بعد فرض سقوط الاستصحاب في مثل المقام، من توارد الحالتين، إما لعدم المقتضي، أو لوجود المعارضة.
مدفوع بأنّ ذلك إنما يتم على فرض عدم الاحتياج إلى الإفراغ في الغسل بالمياه القليلة، و إلّا فحين ملاقاة الماء الثاني يعلم تفصيلا بنجاسة المحل، مع العلم بتأريخه فيستصحب.
بل و لو فرض عدم اعتبار الإفراغ أيضا، فلا محيص حين ملاقاة الثاني من الابتلاء بالعلم الإجمالي بنجاسته أو نجاسة موضع آخر قبل ملاقاته للثاني، و مثل هذا العلم الإجمالي منجز للتكليف بالاجتناب عن النجس، من دون صلاحية زوال هذا العلم بعد المنجزية بغسل الجميع، إذ هو من قبل ذهاب العلم بالتلف بعده، كما لا يخفى.
و من هذه الجهة قلنا بأنّ الحكم بالاجتناب غير مختص بصورة قلة الماءين المشتبهين، بل يشمل صور كريتهما أو كونهما مختلفين.
و لا يجوز استعماله أيضا في الشرب إجماعا، بل و ربما يستفاد من فحوى ما دل على إراقة المرق الواقع فيه الفأرة (1)، لأنه بمناط نجاسته فيتعدّى منه إلى المقام، بل في الأمر بإهراقهما في المشتبهين إيماء إلى ذلك، و لئن صدق عليه الخبث فيكفي لتحريمه نواهي الخبائث.
و هذه الحرمة ثابتة إلّا مع الضرورة المبيحة للمحظور اتفاقا، خصوصا مع قوله: «و كل شيء اضطر إليه ابن آدم فقد أحله اللّٰه» (2)، مضافا إلى عموم نفي الضرر و الحرج.
1) وسائل الشيعة 1: 150 باب 5 من أبواب الماء المضاف حديث 3.
2) انظر وسائل الشيعة 11: 468 باب 25 من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حديث 2 و فيه: «التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله اللّٰه له»، و مستدرك الوسائل 16: 166 باب 1 من أبواب الأطعمة المحرّمة حديث 8 و فيه: «كلما اضطر إليه العبد فقد أباحه اللّٰه له و أحله».
و فيه فصول:
و ربما يوهم مثل هذا الإطلاق انّ الطهارة غير واجبة التحصيل لو لا واحد منها، كما لو خلق إنسان قبل صدور هذه الأمور منه.
و فيه نظر، لإمكان كون الموجبية، بلحاظ العادة المقتضية لصدورها منه بعد تطهره و لو قبل بلوغه، كما انّ قوله: «الوضوء نور» (1)كاشف عن وجودية الطهارة، المحتاج تحصيلها إلى سبب خاص، و انّ الأمور المزبورة رافعة لها، فيناسب كون الحدث عبارة عن ظلمة ترتفع بهذا النور، و الحدث بحسب الدقة عدمي لا عكسه.
و توهم كونهما وجوديين أيضا ممنوعة جدا، فتدبر.
و إنما يجب الوضوء و يثبت بخروج البول و الغائط و الريح من المخرج المعتاد بلا إشكال فتوى و نصا، من عموم ما دل على عدم نقض الوضوء إلّا بما خرج عن طرفيك (2)، أو طرفيك الأسفلين (3)، أو
طرفيك الذين أنعم اللّٰه عليك (1)، بل و في بعض النصوص التصريح بالبول و الغائط و الريح (2).
و عدم اشتمال بعض الأخبار على بعضها غير ضائر، بعد كونه من قبيل الناطق و الساكت.
و في اعتبار الاعتياد في المخرج- و لو عارضا- وجه، ربما يشمله إطلاق المصنف أيضا.
و في شمول الإطلاقات للخارج من غير المعتاد كلام، خصوصا في الريح الذي لا يعلم بخصوصه إلّا بخروجه عن محله المعتاد، و لذا لا يعتنى بالريح الخارج من الذكر أو السرة مثلا.
نعم يمكن في الأولين دعوى كون المناط صدق كون الخارج بولا و غائطا و لو للمناسبة، كما هو ظاهر.
و أيضا يجب الوضوء من جهة النوم الغالب على السمع و البصر بلا إشكال في الجملة، و في بعض النصوص: «من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا وجب عليه الوضوء» (3)، و في رواية زرارة تفسير النوم الناقض بنوم القلب (4)، فالتعبير عنه في بعض الروايات بالذاهب بالعقل (5)، أو بالاسترخاء (6)، أو بالغالب على السمع و البصر (7)، ليس من
1) وسائل الشيعة 1: 177 باب 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث 4 و 5.
2) وسائل الشيعة 1: 178 باب 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث 6.
3) وسائل الشيعة 1: 181 باب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 9.
4) وسائل الشيعة 1: 174 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1.
5) وسائل الشيعة 1: 177 باب 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2.
6) وسائل الشيعة 1: 181 باب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 13.
7) وسائل الشيعة 1: 180 باب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 7.
جهة اختلاف في حقيقة النوم، بل هذه طرق لإحراز نوم القلب، لأنها من لوازم المرتبة الخاصة الناقضة، أو بيان لمناط نقضه.
فما في النصوص من نفي الوضوء في النوم قائما (1)، قبال كونه مضطجعا، محمول على الغالب من عدم وصول نوم القائم إلى حد نوم القلب، بل هو من الخفقة المصرّح بعدم اضرارها حتى مع الشك في وصوله إلى حد نوم القلب (2)، لعموم «عدم نقض اليقين بالشك».
و يلحق بالنوم في الناقضية ما في معناه من ذهاب العقل بجنون أو إغماء، أو سكر.
و عمدة المستند: استفادتهم من توصيف النوم بالذاهب بالعقل (3)، فإنّ ذلك هو المناط، فيتعدّى إلى غيره. و لقد أرسلوا مثل هذا الحكم إرسال المسلّمات، و اشكال صاحب الحدائق (4)في غير محله، خصوصا مع التصريح بناقضية الإغماء في النص (5)بضميمة عدم القول بالفصل، و اللّٰه العالم.
و من النواقض أيضا الاستحاضة القليلة الدم، و سيأتي تفصيلها إن شاء اللّٰه.
و لا يجب الوضوء بغير ذلك، للأصل، و أطباق الكلمات.
و يجب ستر العورة عن الناظر المحترم، عدا الزوج و الزوجة و من
بحكمهما من ملك اليمين أو مورد التحليل، على المتخلي و طالب الحدث بلا اشكال نصا (1)و فتوى.
و يكفي له عموم الكتاب (2)، و الأخبار الدالة على النهي عن دخول الحمام بلا مئزر (3)، أو الأمر بالمحاذرة على عورته (4).
و لا يعارضها ما اشتمل على لفظ الكراهة (5)، لمنع ظهوره في الكراهة المصطلحة حين استعماله، بل و لا يصلح للمعارضة مع ما ورد في تفسير الأمر بحفظ الفرج بأنّ المراد منه الزنا إلّا في المقام المراد منه النظر إليه (6)، إذ هذا التفسير كالصريح في الحرمة على وجه يصلح لرفع اليد عن ظهور الكراهة في المصطلحة.
ثم انّ مثل هذه العمومات مخصصة بما ورد من جواز نظر الزوجين و من بحكمهما إلى فرج غيره (7)، بل فحوى أدلة الاستمتاع (8)في هذه المقامات وافية لإثبات التخصيص، بل من الممكن دعوى انصراف مثل هذه الخطابات إلى غير الطوائف المزبورة، لبعد التفات الذهن من هذه الخطابات إلى من ذكر.
و أيضا بملاحظة ابتنائها على الاستقباحات العرفية، لا يتبادر منها عموم
1) وسائل الشيعة 1: 211 باب 1 من أبواب أحكام الخلوة.
2) النور: 30.
3) وسائل الشيعة 1: 211 باب 1 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
4) وسائل الشيعة 1: 211 باب 1 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
5) وسائل الشيعة 1: 364 باب 3 من أبواب آداب الحمام حديث 5.
6) وسائل الشيعة 1: 211 باب 1 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
7) وسائل الشيعة 1: 366 باب 7 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
8) وسائل الشيعة 14: 84 باب 59 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه.
المعنى بنحو يشمل الناظر غير المميز، نعم لا بأس بشمولها لهم مع تمييزهم.
و لا فرق أيضا بين المسلم و الكافر في كونهم ناظرين أو منظورا إليهم.
و كما يجب على المكلف غير من ذكر حفظ فرجه، كذلك يحرم عليه النظر إلى فرج غيره، لآية غض البصر (1)، و الرواية المشتملة على اللعن على الناظر و المنظور إليه (2)، المحمولة على صورة اعانة المنظور إليه للناظر في نظره، بعدم حفظ فرجه عنه، مؤيدا ذلك بالنهي عن النظر إلى عورة المؤمن (3).
و لا يضر بذلك تفسيرها بإذاعة سرّهم (4)، إذ الظاهر انّ إطلاق العورة على سره إنما هو بنحو من العناية و الادعاء في حتمية الستر، و نفس هذه كاشفة عن ثبوت الحكم في العورة الحقيقية بالفحوى.
و مقتضى الإطلاقات هنا أيضا عدم الفرق بين كون المنظور إليه مؤمنا أم كافرا.
و ما ورد من أنّ الكافر ممن يجوز النظر إلى فرجه، لأنه كالبهائم (5)، منظور فيه، لإعراض المشهور عنها، فلا يوثق بسندها و إن ذهب إلى مضمونها الصدوق (6)و المحدّث العاملي (7).
1) النور: 30.
2) وسائل الشيعة 1: 364 باب 3 من أبواب آداب الحمام حديث 5.
3) وسائل الشيعة 1: 363 باب 3 من أبواب آداب الحمام.
4) وسائل الشيعة 1: 367 باب 8 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
5) وسائل الشيعة 1: 365 باب 6 من أبواب آداب الحمام حديث 1 و 2.
6) الفقيه 1: 63.
7) وسائل الشيعة 2: 365 باب 6 من أبواب آداب الحمام.
و المراد من العورة في المقام ما هو الواجب ستره في الصلاة، كما سيجيء شرحه.
كما انّ المراد من سترها ستر بشرتها لا حجمها.
نعم يستحب للمتخلّي ستر جميع البدن، لما ورد من مدح لقمان في ذلك (1)، بضميمة استصحاب أحكام الشرائع السابقة.
و يحرم عليه أي على المتخلّي أيضا استقبال القبلة على المشهور.
و الأصل فيه ما ورد من الأمر بالتجنب عن القبلة (2)، أو النهي عن استقبالها ببول و غائط (3).
و في ثالث عن استقبال القبلة و استدبارها (4).
و لا يضر بالدلالة اشتمال بعضها على استقبال الريح (5)، المحمول على الكراهة، لأنه بدليل منفصل، و هو لا يوجب ظهورا سياقيا.
و التعبير بالاستقبال بالبول و الغائط (6)لا يقتضي تخصيص النهي باستقبال بوله لا بدنه حال البول، إذ لا يتصور ذلك في الغائط، فلا بدّ أن يحمل على استقبال بدنه حاله، و لو انحرف عنه ببوله.
و مقتضى الإطلاق عدم الفرق في الحرمة بين حالات التخلّي، من
1) وسائل الشيعة 1: 215 باب 4 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
2) وسائل الشيعة 1: 213 باب 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3.
3) وسائل الشيعة 1: 212 باب 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1 و 4.
4) وسائل الشيعة 1: 212 باب 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2 و 5 و 6.
5) وسائل الشيعة 1: 213 باب 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث 6.
6) وسائل الشيعة 1: 212 باب 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1 و 4.
القيام أو القعود. و لو اشتبهت القبلة وجب الصبر إلى وقت الاضطرار، و بعده يأخذ بالراجح، و مع عدمه فيتخيّر، بمناط حكم العقل في تبعيض الاحتياط.
و أيضا يحرم استدبارها أي القبلة، للنص السابق (1)، و الجهات السابقة جارية في المقام، و مع الدوران بينه و بين الاستقبال يقدّم ترك الأخير، لأنه أقل هتكا، كما يومئ إليه صحيحة مشتملة على جعل الحكمة تعظيم القبلة (2).
و في شمول الحكم لحال الاستنجاء اشكال، و لا بأس بجريان الاستصحاب في بعض صوره.
و لا فرق في الحكمين بين الصحاري و البنيان، للإطلاق.
و ما في الرواية من وضع الكنيف إلى القبلة (3)غير معمول به، و لو لعدم إحراز إمضاء الإمام.
و يستحب له تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء، و اليمين عند الخروج عكس المسجد، و لعله من جهة إجماع الغنية (4)، مع إمكان استفادة ذلك من فحوى النص الوارد بعكسه في المسجد (5)، لمناسبة الحكم لموضوعه بنحو التقابل.
و لكن في جعل أمثال ذلك مدرك الحكم الشرعي اشكال، نعم
لا بأس بفعله رجاء.
و يستحب أيضا تغطية الرأس كما حكي عن المفيد (1)، و التسمية كما في المرسلة السابقة (2)، و الاستبراء كما قيل. و إن كان استفادة استحبابه من أخبارها (3)مشكلة، لظهورها في الإرشاد إلى التخلص عن تبعات البلل المشتبه.
و عمدة الكلام في كيفيته، من جهة اختلاف الأخبار المشتمل بعضها على: العصرات الثلاث من أصل المقعد إلى أصل القضيب (4).
و في آخر: وجوب العصر من أصل المقعد إلى طرفه ثلاثا ثم نتره (5).
و في ثالث: اشتماله على تحديد النتر بالثلاثة (6).
و حينئذ فالأمر يدور بين تقييد كل مطلق من جهة بالمقيد من تلك الجهة، أو الأخذ بالإطلاق، و حمل القيد على أعلى مراتب الاستظهار أو أفضليته.
و نظر من التزم بالمسحات التسع إلى الجمع الأول.
و يمكن دعوى مناطية تحصيل الاطمئنان بخلو المجرى بأي نحو اتفق، و مقتضى الأصل هو الأقل مئونة، و إن كان الاحتياط موجبا لعكسه.
و في جريان الاستبراء في النساء وجه، و لكن التحقيق خلافه، اقتصارا
1) المقنعة: 4.
2) وسائل الشيعة 1: 214 باب 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
3) وسائل الشيعة 1: 225 باب 11 من أبواب أحكام الخلوة.
4) وسائل الشيعة 1: 200 باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2.
5) وسائل الشيعة 1: 225 باب 11 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
6) وسائل الشيعة 1: 200 باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.
في خلاف القاعدة على مورد النص.
ثم من أحكامه: عدم الاعتناء بالبلل المشتبه بعده. للنص (1)، و ما يدل على خلافه (2)مطروح للاعراض.
و ظاهر مفهوم بعض النصوص إثبات البولية للخارج قبله تعبّدا (3)، و لا يخفى صحة ترتيب مطلق آثاره الشائعة، و أما ترتيب مطلق الآثار فلا يخلو من إشكال، للشك في الإطلاق (4)المشتمل على التنزيل مطلقا.
و يستحب الدعاء عند الدخول و الخروج، لرواية معاوية بن عمار (5)، و كذا في حال الاستنجاء، لرواية عبد الرحمن (6)، و الفراغ بالمأثور (7).
و الجمع بين الأحجار و الماء، للمرفوعة (8).
و يكره الجلوس في الشوارع و المشارع (9)، و مواضع اللعن، و تحت الأشجار المثمرة.
كل ذلك لصحيح عبد الحميد (10).
1) وسائل الشيعة 1: 200 باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2 و 3.
2) وسائل الشيعة 1: 202 باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 9.
3) وسائل الشيعة 1: 200 باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1 و 5 و 6.
4) وسائل الشيعة 1: 200 باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1 و 5 و 6.
5) وسائل الشيعة 1: 216 باب 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
6) الفقيه 1: 26 حديث 1.
7) وسائل الشيعة 1: 218 باب 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث 10.
8) وسائل الشيعة 1: 246 باب 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث 4.
9) الشارع: الطريق الأعظم، و المشارع، جمع مشرعة: و هي طريق الماء للواردة.انظر: الصحاح 3: 1236، مجمع البحرين 4: 352 «شرع».
10) وسائل الشيعة 1: 228 باب 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
و فيء النزّال (1)، لرواية عمار (2).
و استقبال الشمس و القمر بمقاديم البدن، كما هو المنساق من نص الفقيه (3)و الكافي (4).
و أخبار الباب (5)مختصة بالرجال، و في التسرية إلى النساء بقاعدة الاشتراك وجه.
و يكره البول في الأرض الصلبة، و يلحق به ما يوجب الانتضاح (6)إلى بدنه و لباسه، للتعليل في النص (7).
و في مواطن الهوام. للمرسلة المجبورة (8)، و إن كان أمر الجبر العملي في المستحبات و المكروهات- بعد احتمال التسامح في حقهم- مشكلا جدا، بخلافه في الواجبات و المحرّمات كما لا يخفى.
و في الماء جاريا أم راكدا، لورود النهي في الجاري أيضا (9)، غاية الأمر في الراكد أشد، بقرينة نفي البأس عن البول في الجاري (10)، لو لا احتمال آخر.
1) فيء النزّال: موضع الظّل المعد لنزلهم، أو ما هو أعم كالمحل الذي يرجعون إليه و ينزلون به. مجمع البحرين 1: 234 «فيا».
2) وسائل الشيعة 1: 228 باب 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
3) الفقيه 1: 18 حديث 47.
4) الكافي 3: 15 باب الموضع الذي يكره ان يتغوط فيه أو يبال حديث 3.
5) وسائل الشيعة 1: 241 باب 25 من أبواب أحكام الخلوة.
6) النضح: الرش، و نضح بالبول على فخذيه: أصابهما به. الصحاح 1: 411، القاموس المحيط 1: 253 «نضح».
7) وسائل الشيعة 1: 238 باب 22 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
8) كنز العمال 9: 365.
9) وسائل الشيعة 1: 240 باب 24 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3.
10) وسائل الشيعة 1: 107 باب 5 من أبواب الماء المطلق حديث 1 و 2 و 3 و 4.
و كذا في استقبال الريح به بمقاديم البدن، كما تقدّم، للنصوص السابقة (1). و هكذا في استدباره، لاشتمالها عليه أيضا، فلا وجه لتخصيص المصنّف بالاستقبال.
و الأكل و الشرب، و الذي في النص: قضية اللقمة المنقولة عن الباقر و الحسين عليهما السلام (2)و منه يستفاد حكم الأكل، و في استفادة حكم الشرب منه اشكال، و إن اشتهر بين الأصحاب.
و السواك، لرواية ابن بابويه المختصة بحال التخلّي (3)للانصراف.
و الكلام، لرواية الشيخ قدّس سرّه (4)الشاملة لكل كلام إلّا بذكر اللّٰه تعالى، لعموم حسنه في كل حال (5)، و للضرورة، لقاعدة الاضطرار المشار إليها سابقا.
و الاستنجاء باليمين، لرواية ابن بابويه (6)، و كذلك الاستنجاء باليسار و فيها خاتم فيه اسم اللّٰه تعالى و أنبيائه عليهم السلام، و الأئمة عليهم السلام، لرواية عمار الساباطي «و لا يستنجي و عليه خاتم فيه اسم اللّٰه» (7)، و ظهوره في الهتك اقتضى التعدّي إلى بقية المعصومين، و به اشتهرت الفتوى أيضا.
1) وسائل الشيعة 1: 213 باب 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2 و 6.
2) وسائل الشيعة 1: 254 باب 39 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1 و 2.
3) وسائل الشيعة 1: 237 باب 21 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
4) وسائل الشيعة 1: 218 باب 6 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1 و 2.
5) وسائل الشيعة 1: 219 باب 7 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1 و 2.
6) وسائل الشيعة 1: 226 باب 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1 و 4 و 6.
7) وسائل الشيعة 1: 233 باب 17 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.
و يجب عليه الاستنجاء مقدّمة و هو لغة: عبارة عن أخذ النجو أو أثره عن المحل بآلة. و شرعا: عبارة عن غسل مخرج البول بالماء خاصة، و لا يجزئ فيه غيره فتوى و نصا، لرواية الحصر لاستنجائه بالماء قبال الاستنجاء بالأحجار في غيره (1).
و ما في بعض الروايات من كفاية مسحه بالجدار، معلّلا بأنّ كل يابس ذكي (2)، مطروح أو محمول على العلاج، لمحض عدم التعدّي إلى محل آخر إلى أن يغسله.
و هكذا ما دل على نفي البأس عن الخارج بعد مسح الأحجار (3)، أو مسح الذكر بالريق (4)، لإمكان حمل الأول على نفي البأس عن الخارج بعد الاستبراء، و الثاني على تحصيل منشأ الاشتباه.
و أقل ما يجزئ بمقتضى رواية ابن صالح «مثلا ما على الحشفة من البلل» (5)، و الظاهر من البلل هي مرتبة خاصة فوق الرطوبة التي بمنزلة العرض، غير الواصل إلى حد القطرة، و مثلاه مساوق لحد القطرة الحادثة على المحل، الموجب لصدق أول مرتبة الغسل، ففي هذا البيان مبالغة لبيان الإجزاء بأقل مسمّى الغسل.
و ما في رواية أخرى من الإجزاء بالمثل (6)حينئذ مطروح أو مؤول، و بهذه الرواية أيضا يخصص ما دل على اعتبار التعدد في البول بغير
1) وسائل الشيعة 1: 246 باب 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
2) وسائل الشيعة 1: 248 باب 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.
3) وسائل الشيعة 1: 200 باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 4.
4) وسائل الشيعة 1: 201 باب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 7.
5) وسائل الشيعة 1: 242 باب 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.
6) وسائل الشيعة 1: 243 باب 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث 7.
الجاري (1)، و هو المناسب للتسهيل في الاستنجاء من الجهات ليست في غيره.
و توهم قصر النظر في الرواية إلى تحديد ما يتحقق به مسمّى الغسل من دون نظر إلى المرة أو المرتين، فيبقى مطلقات المرتين شاملة للمقام.
مدفوع بأنه ليس في صدق الغسل بالمثلين- و لو بأول مرتبة- جهة خفاء كي يكون الحكم بالإجزاء ناظرا إليه، فلا محيص من الحمل على الإجزاء بمسمّى الغسل في التطهير، كما هو المناسب مع التسهيل في الباب.
ثم انه مع عدم التمكن من الاستنجاء، ففي وجوب إزالة عين النجاسة عن المحل كلام، قد يدّعى جريان قاعدة الميسور، و النهي عن الصلاة في سيف فيه الدم (2)، و في الحديد (3)معللا بأنه نجس، مضافا إلى النهي عن الصلاة في بول ما لا يؤكل (4)الشامل للمقام أيضا.
غاية الأمر خرج مثل شعر الإنسان بالسيرة و بقي الباقي، و لا بأس به مع صدق الصلاة فيه، لو لا دعوى انصراف ما لا يؤكل لحمه في الخبر (5)عن الإنسان، و منع جريان قاعدة الميسور بعد كون الغرض هو التطهير، و احتمال خصوصية في الدم لا من جهة نجاسته، و عدم تمامية العلّة في الحديد، و الاحتياط في مثله لا يترك، لقوة الدم من حيث النجاسة، و ضعف الانصراف المزبور عن الإنسان.
و يجب أيضا غسل مخرج الغائط مع التعدّي الخارج عن
1) وسائل الشيعة 1: 242 باب 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1 و 4 و 9.
2) وسائل الشيعة 1: 334 باب 57 من أبواب لباس المصلي حديث 2.
3) وسائل الشيعة 1: 304 باب 32 من أبواب لباس المصلي حديث 6.
4) وسائل الشيعة 2: 1008 باب 8 من أبواب النجاسات حديث 1 و 2.
5) وسائل الشيعة 1: 1008 باب 8 من أبواب النجاسات حديث 3.
العادة عند المصنف، و فيه إشكال، لإطلاق دليل الأحجار (1)لنفس المخرج حتى مع التعدي، نعم ينصرف عن مورد التعدي. لكن في رواية عامية قيّد الإجزاء بغير صورة التعدّي (2). و هو قابل للحمل على نفي الاجتزاء عن مورد التعدي، علاوة على ضعف سندها نعم لا بأس في الإجزاء بها فيما يتعارف التعدّي إليه عادة، و إلى ذلك أشرنا بالإشكال في حاشية الكتاب.
و بدونه أي التعدّي يجزي ثلاثة أحجار طاهرة في موضع مسحها، لأنه المتيقّن من معاقد الإجماعات، و في اعتبار كونها أبكارا و لو كانت طاهرة كما في بعض النصوص (3)إشكال، لإمكان تنزيل القيد على الغالب من ملازمة بكارته لطهارته.
نعم في اعتبار التعدد و كون أقلّه ثلاثة وجه، كما هو ظاهر الفتاوى و النصوص (4)، لو لا حملها على الغالب من تحصيل النقاء بها، و إلّا فحدّه النقاء كما في النص (5)، و مع إجمال التحديد في مرتبة النقاء بما يحصل من ثلاثة يرجع الأمر إلى قاعدة البراءة. نعم مع عدم الشك في حدّه مع احتمال دخل الثلاثة في وجوده، بنى جمع على الاشتغال.
بقي في المقام اشكال، و هو أنّ في النص حدّد الاستنجاء بالنقاء (6)، و مع ذلك التزموا في المائية بإزالة العين و الأثر، و في الأحجار بكفاية إزالة
1) وسائل الشيعة 1: 246 باب 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1 و 2.
2) مستدرك الوسائل 1: 279 باب 25 من أبواب أحكام الخلوة حديث 7.
3) وسائل الشيعة 1: 246 باب 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث 4.
4) وسائل الشيعة 1: 246 باب 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1 و 3.
5) وسائل الشيعة 1: 227 باب 13 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
6) وسائل الشيعة 1: 227 باب 213 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
العين محضا.
و وجه الاشكال: انّ المراد من النقاء إن كان عبارة عن الإزالة للعين و الأثر، و انّ إطلاقه على مجرد نقاء العين مسامحي، فكيف يجتزأ به في الأحجار. و إن كان صادقا على مجرد إزالة العين، فلم لا يكتفي به في الماء. و توهم لزوم الأزيد من النقاء في المائية ينافي التحديد.
و حل الاشكال بالالتزام بمراتب النقاء القابل ترتبها على آلاتها بمرتبة منه مترتبة على الأحجار، و بمرتبة أخرى على المياه، و يكفي قرينة للالتزام بهذه المراتب انصراف إطلاق كل سبب إلى مرتبة تصلح ترتبها عليه كما هو ظاهر.
و على أي حال لا اختصاص في ما به الاستنجاء بالأحجار، بل يجتزأ بكل جسم قالع من ثلاثة أخشاب أو ثلاث خرق.
و يشهد له شمول أخباره للخرقة (1)، و المدر و الخزف و الكرسف (2)، بعد ظهورها في المثالية لكل جسم كذلك، نعم لا يتعدّى إلى ما ليس بقالع.
و في التعدّي إلى يد الإنسان نفسه أو أحد محارمه إشكال، لبعد انصراف الذهن من هذه الأمور إلى ذلك، خصوصا مع التمكن منه غالبا بنحو السهولة على وجه لا يحتاج إلى مئونة تحصيل البقية، فما عن بعض الأعاظم من الاجتزاء به فيه تأمل.
و في الاجتزاء بالعظم و الروث و الطعام إشكال، من عدم قصور في قالعيتها و مناسبة نواهيها (3)للتكليف محضا، و من أنّ النهي عن الاستنجاء بها كالنهي عن شرط الشيء أو جزئه ظاهر في الإرشاد إلى عدم ترتب
الأثر من النقاء بالمرتبة المخصوصة تعبّدا.
لكن الإنصاف بعد هذا الحمل في النقاء، فأخبار التحديد (1)به غير قاصر الشمول للمورد، خصوصا مع مناسبة التعليل في أخبارها (2)مع الحرمة، لكونها خلاف نحو احترام فيها، و مع ذلك لا تخلو المسألة عن الإشكال، و اللّٰه العالم.
التي هي عبارة عن الإرادة الناشئة من داعي الأمر أو غيره بوجه قربى للعمل باقية أو حادثة، على وجه تكون: مقارنة لغسل الوجه، للإجماعات القائمة على عبادية الوضوء الكافي في حصول التقرّب به مجرد الداعي المزبور بلا احتياج إلى الاخطار، و لا قصد الوجه و التميز، و لا قصد التعيين من جهة وحدة الحقيقة، و لو مع تعدد الأمر به، كما هو الشأن في غيره، بإيجاده بداعي أمر و لو إجمالا يسقط أحد الأمرين بلا عنوان لو لم يكن أحدهما آكد أو ذا أثر مثل الكفارة مثلا، كما هو الشأن في الأمر بسجدات السهو الناشئ عن السببين، و إلّا فيسقط خصوصه وجدانا و برهانا لو لا عدم ملازمة الأثر للأهمية، و إلّا ففي سقوطه حينئذ إشكال.
و كيف كان يكفي في نفي الأمور المزبورة أصالة البراءة، أو الإطلاقات المقامية، بل اللفظية على وجه اخترناه في مقالتنا فراجع.
ثم في اعتبار قصد الغاية وجه مبني على أنّ امتثال الأوامر الغيرية إنما هو بقصد ذيها، كي به يتحقق مطاوعة إرادة الأمر.
و فيه إشكال، لكفاية قصد مجرد محبوبيته لدى المولى، بشهادة امتثال الأوامر العرفية، مع أنّ لها غيرية راجعة في نهاية الأمر إلى استراحة النفس.
و كون العبادة مقدمة فيدخل قربيتها في المقدمية، غير مضرّ بمطلوبية ذات العمل أيضا غيريا، لدخل الذوات أيضا في ذيها، غاية الأمر لا بنحو الإطلاق، و حينئذ فلا طريق من هذه الجهة إلى مطلوبية الأعمال المزبورة نفسيا.
ثم يعتبر علاوة على القربة كون العمل خالصا لوجه ربه لقوله: فاعبدوا اللّٰه مخلصين (1)، فيضرّ به تشريك الداعي و لو بالتبريد. و في الإضرار به حتى في فرض تمامية كل داع في اقتضائه تردد، أقربه عدم الجواز لإضراره بالخلوص الفعلي، و يضرّ به داعي الرياء أيضا، و في أخبار «أنا خير شريك ..» إلخ (2).
و لو كان الرياء في جزئه يبطل الجزء، فيعيده مترتبا ما لم يخل بالموالاة العرفية.
و في إبطال العجب بعد العمل للعمل السابق. للنصوص (3)الكثيرة، إشكال، لا لعدم تصور المانعية المتأخرة كشرطه لإمكانهما تحقيقا، بل من جهة إعراض الأصحاب عنها، و عدم فهمهم المانعية لصحة العمل فقهيا، بل موجب لفساده أخلاقيا، الكاشفة عن دنو مرتبة فاعلها، وجه لا يبقى على استحقاقه الثواب، كما هو ظاهر نصوصها (4).
و هذا المقدار لا ينافي وفاء العمل بالمصلحة الملزمة، و كأن العجب في العبادات يؤثر في رفع أثرها الأخروي، لا منعها عن الوفاء بالمصالح الدنيوية بالنسبة إلى المعاصي، و حينئذ فما عن بعض الأساطين في مفاتيحه من الميل إلى المبطلية (1)، منظور فيه جدا.
و في اعتبار استدامتها أي النية (حقيقة أو حكما) اشكال آخر، إذ غاية ما يجب هو إيجاد أفعاله عن وجه قربى، و لو بأن ينصرف عن العمل في خلال أفعال، و يبدو له ثانيا إتيانه، و هكذا إلى آخر العمل. و إلى ذلك أشرنا في حاشية الكتاب بالإشكال فيه.
الذي هو عضو معروف محدّد شرعا، من قصاص شعر الرأس إلى محاذي شعر الذقن طولا، و ما اشتملت عليه الإبهام و الوسطى عرضا، من مناسب الأعضاء على المشهور، للرواية المشتملة على قوله: «ما دارت عليه الإبهام و الوسطى من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، و ما جرت عليه الإصبعان مستديرا، فهو من الوجه».
فقال: الصدغ من الوجه؟ قال: «لا» (2).
و في رواية الكليني زيادة لفظ: «السبابة» (3).
و في مكاتبة ابن مهران تحديده «من أول الشعر إلى آخر الوجه، و كذلك الجبينين» (4).
و هذه الرواية تضعّف احتمال البهائي، إذ لازمة خروج مقدار من
الجبينين، فلا محيص من حمل الاستدارة في الرواية على ما هو شبه الدائرة التي عليه نوع الوجوه كحمل قوله: «ما دارت» في الرواية على ما حوت به الإصبعان في تحديده عرضا و في الطول أيضا من الشعر إلى آخر الذقن، الذي هو آخر الوجه بقرينة المكاتبة، و هو مذهب المشهور، و أنّ الفقرة الثانية لمحض التنبيه على استدارة الوجه من طرف الذقن الذي لا يستفاد هذه الجهة من الفقرة الاولى.
بل ربما يوهم إطلاقه إدخال الزائد فيه، فليس مثل هذه الفقرة تأكيدا محضا كما توهم، كما لا يخفى. نعم يجب إدخال مقدار زائد مقدمة عليه.
و ظاهر رواية قرب الاسناد المشتملة على قوله: «اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا» (1)وجوب البدأة بالأعلى، كما هو المشهور، و مثل فهمهم في المقام شاهد كون من و إلى قيدا للغسل لا المغسول، فلو لا نص (2)مخصوص على تنزيل آية المرافق (3)من بدوه من المرافق، لما كان وجه للتشكيك في دلالة الآية بجعل من المرافق بيانا لمحل الغسل بلا نظر إلى كيفية الغسل، كما عن بعض الأعاظم.
و الظاهر كفاية الترتيب المزبور عرفا بلا اعتباره دقة، نعم في اشتماله على قوله: «مسحا» المحمول على الاستحباب، ربما يوهن حمل الأمر به على الإيجاب. و ذلك لو لا جعله كناية لبيان أول مرتبة الغسل بكونه كالدهن، أو دعوى انّ استفادة استحباب القيد بقرينة منفصلة لا يضر بظهور أمره في الوجوب، و حجيته في مقدار لم يقم حجة على خلافه.
ثم لا اشكال فتوى و نصا في عدم وجوب غسل ما أحاط به الشعر من الوجه، بل يكفي غسل الشعر المحيط بدلا عن المحل، كل ذلك لما عن أبي جعفر عليه السلام قال: أ رأيت ما كان تحت الشعر؟ قال: «كلما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء» (1).
و ظاهر الرواية كون المدار في البدلية على صدق الإحاطة، لو لا دعوى أوسعية نص ابطان اللحية (2)لظهوره في عدم وجوب الإبطان المنصرف إلى صورة احتياج اجراء الماء على البشرة إلى ابطان و علاج، إذ مثله ربما يشمل بعض مراتب الخفيف أيضا، و مع الشك فيه يرجع إلى أصالة عدم البدلية، و لا أقل من قاعدة الاشتغال في باب المطهّرات، كما أشرنا إليه في أول الكتاب.
و أيضا المدار على إحاطة شعر المحل، أو ما يقرب منه جدا، و إلّا فمجرد تدلّي الشعر من محل آخر لا يجدي في صدق الإحاطة به، كما لا يخفى.
من المرفقين إلى أطراف الأصابع، بلا اشكال نصا (3)و فتوى.
و في رواية الهيثم في شرح الآية الشريفة: ليس هكذا تنزيلها، إنما هي فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ من الْمَرٰافِقِ (4).
و هذه الرواية أيضا شاهدة ما استظهرنا، و انه تأويل لها أو تنزيل. و ظاهر
قوله: من المرافق كون المرفق مبدأ غسله، و لازمة دخوله في المحل.
و يؤيده النص من وضع رسول اللّٰه الماء على المرفق (1)، و هو نفس المفصل باعتبار، و الموصل باعتبار آخر، و هو غير العظمين. نعم لما كان للمفصل في ظاهر البشرة نحو فرجة صار قابلا للإشارة الحسية و لوضع الماء عليه، فلا مجال لجعل ذلك قرينة على دخول رأس العظمين، بزعم أنّ المفصل و الموصل ينتهيان إلى خط موهومي غير قابل للإشارة إليه.
و يظهر الثمرة في عدم وجوب غسل عظم العضد في الأقطع، و ما في بعض الروايات من غسل عضده (2)، محمول على الاستحباب.
و لو قطع ممن دونه يجب غسله بلا اشكال، للنصوص الواردة في الأقطع (3)، مؤيدا بقاعدة الميسور و الاضطرار.
و لو عكس في غسله لم يجز، كما عرفت وجهه.
و لو كان له ذراعان دون المرفق، أو إصبع زائدة، أو لحم زائد، بل و شعر كذلك، فلا إشكال في وجوب غسلها تبعا لاستفادته من فحوى غسل اليد، بل و في النص: «و ليس له أن يدع شيئا إلّا و غسله» (4). و عموم بدلية الشعر غير ثابت هنا، لاحتمال كونه عين رواية الفقيه المصدّر بالوجه (5)، فالنص مختل المتن حينئذ فلا يعبأ به في غير الوجه.
و لو كان اليدان فوق المرفق، فمع العلم بالأصلية فلا اشكال، و مع عدم التميز و احتمال الأصلية يغسلهما بقاعدة الشبهة المحصورة، و مع احتمال
كونهما أصليين، ففي الأخذ بالإطلاق في طرف اليد بجعل العموم من باب تلاقي الجمع بالجمع، أو الأخذ بظاهر الجمع وجهان، و مع الاحتمال يرجع إلى قاعدتي البراءة أو الاشتغال في المقام.
لو لم يكن له شعر، بلا اشكال نصا (1)و فتوى، للمستفيضة المشتملة على مسح المقدّم منها (2)، و قضية وحدة المطلوب تقييد المطلقات بها، لو لا احتمال جمع آخر بحمل الأمر بالمقيّد على أفضل الفردين مع وحدة الإيجاب.
و في رواية التصريح بجواز مسح المؤخّر (3)، و لكن يوهنه إعراض الأصحاب عنه، و قوة تقييد المطلقات في المقام بقرينة رواية ابن يقطين (4)، و في جملة من الروايات تعيين الناصية (5)، و لكن في رواية ابن يقطين- الظاهر كونها في مقام البيان- عدم التعرض لها، فيحمل تلك على الفضيلة، و عليه فيجزئ مسح ما يصدق عليه بشرة المقدّم.
أو شعره بالإجماعات المتكررة في الكلمات، علاوة على السيرة، خصوصا لو قيل بصدق الناصية عليه فيدل عليه الأمر بمسح الناصية (6).
و لا بدّ أن يكون بالبلل من غير استئناف ماء جديد خارج عن بلل الوضوء، و ما في الأخبار من الاكتفاء بماء خارج (7)، مطروح أو
1) وسائل الشيعة 1: 289 باب 22 من أبواب الوضوء.
2) وسائل الشيعة 1: 289 باب 22 من أبواب الوضوء حديث 1 و 2 و 3.
3) وسائل الشيعة 1: 290 باب 22 من أبواب الوضوء حديث 7.
4) وسائل الشيعة 1: 312 باب 32 من أبواب الوضوء حديث 3.
5) وسائل الشيعة 1: 306 باب 31 من أبواب الوضوء حديث 2.
6) وسائل الشيعة 1: 306 باب 31 من أبواب الوضوء حديث 2.
7) وسائل الشيعة 1: 307 باب 31 من أبواب الوضوء حديث 4 و 6.
محمول على التقية. كما انّ في كفاية مطلق بلّة الوضوء- كما في رواية ابن يقطين (1)، أو بله اليد (2)، أو بله خصوص اليمنى (3)- وجوه، و قوة إطلاق نص ابن يقطين المعلوم كونه في مقام البيان مقدّم على المقيّدات، فتحمل على فضيلة الخصوصية على اختلاف مراتبها.
و بذلك ربّما يرتفع شبهة الوسواسين في اتصال مسح رأسهم بماء وجههم، فإنه على الاحتمالين الأخيرين يشكل مسح الرجل بهذه اليد، لعدم تمحض بلّتها في بلّة اليد أو اليمنى بخلافه على المختار.
ثم انه يجتزي في امتثال الواجب بأقل ما يقع عليه اسم المسح، للإطلاقات (4)القابلة للقرينية على جعل التحديدات الواردة للفضيلة، و في جواز النكس بالمسح وجه، للنص بنفي البأس بالمسح مقبلا و مدبرا (5)، كما عليه الأصحاب، و من المحتمل كون الرواية المزبورة عين ما ورد في مسح الرجل، فلا يشمل المقام، فيبقى في البين الإطلاقات المنصرفة إلى المتعارف من الأعلى إلى الأدنى، كما هو مقتضى صرافة الطبع، و لا أقل من الإجمال و أصالة الاشتغال، خصوصا مع كون المقام من صغريات التعيين و التخيير لا الأقل و الأكثر.
و الظاهر أيضا انصراف الإطلاقات إلى المسح بباطن الكف، و مع التعذر ينتقل إلى الظاهر، لقاعدة الميسور. و يمكن المصير أيضا إلى المطلقات المنصرفة في هذا الحال إلى المسح بالظاهر لا بسائر الأطراف.
و لا يقاس مقامنا بباب الغسل، لأن اليد لا يكون من مقومات وجوده هناك كي يتبع خصوصياتها المنصرف إليها الإطلاق.
و أيضا لا بدّ في الماسح من بلّة مؤثرة في المحل بنفسه، بلا ممازجته بالبلّة الخارجة عن الوضوء. لظهور الإطلاق فيه. كما انه لا بأس بكثرة البلّة على وجه يصدق عليه الغسل أيضا، إذ مع عدم قصد الغسل و قصده المسح الذي هو جزء لوضوئه لا بأس باقترانه بما ذكر.
ثم انه لو لم يتمكن من مسح الرأس، فإن كان لتأخيره عمدا أو نسيانا إلى أن لم يتمكن من المسح ببلّته، فيعيد الوضوء، لرواية مالك (1)، مضافا إلى بقاء الأمر بتحصيل الوضوء التام، و عدم دليل على بدلية الناقص مقامه.
و إن كان ذلك لحرارة الهواء، ففي لزوم تحصيل المسح بماء جديد، أو المسح بلا بلّة، أو الانتقال إلى التيمم، وجوه أوفقها بقاعدة الاضطرار- التي طبّقها الإمام على الأجزاء المضطرة و الشرائط كذلك، خصوصا مثل قوله: «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّٰه» (2)- هو سقوط شرطية بلّة الوضوء، و عدم انتقال الأمر إلى التيمم، لحكومتها على دليله.
و حينئذ ففي اقتضاء القاعدة المزبورة سقوط قيد الوضوئية فيجب تحصيل ماء جديد، أو أصل البلّة فيمسح بلا بلّة، وجهان، لا يبعد استفادة الالتزام بالأول أيضا من الأمر بالمسح على الجبيرة بمحض عدم التمكن من المسح على البشرة (3)، و ليس تباين الجبيرة عن البشرة أقل من بينونة رطوبة ماء جديد عن رطوبة الوضوء كما لا يخفى.
و الخامس من واجبات الوضوء كتابا (1)و سنة (2)مسح بشرة الرجلين
لا شعرهما، لعدم تمامية البدلية في البين. لعدم عموم فيما أحاط في مورد المسح (3)، و لا إجماع في المقام كما في الرأس.
و في وجوب تقديم الأيمن على الأيسر، أو عدم تقديم الأيسر، أو التخيير بينهما، وجوه: من الإطلاقات الكثيرة الواردة في مقام البيان (4)، و من الأخبار الآمرة بالبدأة بالأيمن (5)، و انّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله بدأ بميامنه (6)، و من التوقيع «يمسح عليهما و إن بدأ بأحدهما فلا يبدأ إلّا باليمين» (7).
و مقتضى الجمع الحمل على مراتب الفضيلة، كما هو ظاهر المتن و إن كان الأحوط مضمون التوقيع، و مقتضى قوله: «إذا مسحت بشيء من رأسك و قدميك» (8)، عدم تحديد المسح عرضا، مؤيدا بما دل على إدخال اليد في الخف المخرق المعلوم عدم التمكن غالبا من إدخال تمام اليد (9).
و بمثل ذلك يرفع اليد عن قوله في صحيحة البزنطي من وجوب المسح بتمام الكف (10)، و كذا عن رواية معمر بن خلاد، الآمرة بثلاث أصابع (11)،
1) المائدة: 9.
2) وسائل الشيعة 1: 294 باب 25 من أبواب الوضوء.
3) وسائل الشيعة 1: 298 باب 46 من أبواب الوضوء حديث 2 و 3.
4) وسائل الشيعة 1: 271 باب 15 من أبواب الوضوء.
5) وسائل الشيعة 1: 316 باب 34 من أبواب الوضوء حديث 2 و 4.
6) وسائل الشيعة 1: 316 باب 34 من أبواب الوضوء حديث 3.
7) وسائل الشيعة 1: 316 باب 34 من أبواب الوضوء حديث 5.
8) وسائل الشيعة 1: 291 باب 23 من أبواب الوضوء حديث 4.
9) وسائل الشيعة 1: 291 باب 23 من أبواب الوضوء حديث 2.
10) وسائل الشيعة 1: 293 باب 24 من أبواب الوضوء حديث 4.
11) وسائل الشيعة 1: 294 باب 24 من أبواب الوضوء حديث 5.
فيحمل على مراتب الفضيلة.
و أما حدّه طولا، فيجب المسح من رءوس الأصابع إلى الكعبين بلا اشكال فيه في الجملة نصا، لظهور الآية الشريفة (1)، و النصوص المشتملة على تحديده بالكعبين في الاستيعاب (2).
و لكن ظاهر جمع عدم وجوب استيعابه للإطلاقات السابقة (3)على شيء من رجليك، بعد حمل البقية من النصوص بسببها على بيان مورد المسح و محلّه.
و لكن الإنصاف قوة حمل الإطلاقات على حدّه العرضي، أو على تحديد الشيء طولا بما ذكر، كما انّ ظاهر الأمر بوجوب المسح إلى الكعبين (4)كون مورد المسح ما هو مورد الكعب الذي هو ظاهر القدم، بقرينة وضع يده على ظاهر القدم و قال: «هذا هو الكعب» (5).
و لا يخفى انّ هذه الرواية أيضا ينفي مذهب العامة من حملهم الكعبين على النابتين في طرفي القدم، فيبقى الكلام في أنّ الكعب هو العظم النابت في وسط القدم، أو العظم المستدير بين المفصل و الساق. ظاهر المشهور هو الأول، و مذهب البهائي هو الثاني، و نسب إلى العلّامة نفس المفصل (6)، و أظن رجوعه إلى مذهب البهائي، و إلّا ففي غاية البعد كون المفصل هو الكعب.
نعم في صحيحة زرارة تفسير الكعب بالمفصل (1)، و الظاهر منه أيضا بيان محلّه لا نفسه.
نعم هما متفقان في عدم كون الكعب ما هو المشهور، و لكن يؤيدهم ما في صحيحة البزنطي فمسحه إلى الكعبين إلى ظهر القدم (2)، لظهور ظهره الواقع غاية للمسح الموضع المرتفع منه، لا الظهر المقابل للبطن.
و هذا المعنى لا يناسب العظم المستدير في المفصل، لأنه لا يكون له ارتفاع محسوس، و حينئذ فمع الدوران يؤخذ بالرواية المشهورة (3)و إن كان الاحتياط يقتضي مذهب العلّامة و البهائي.
و توهم لزوم طرح الرواية المزبورة (4)، لظهور كون مسحه الشخصي إلى الكعبين، و هو مناسب لمذهب العامة.
مدفوع بأنّ ظاهر قوله: «إلى ظهر القدم» (5)كونه أيضا غاية للمسح و شرحا له، و هذا المعنى لا يناسب مع كون الكعبين بما فسّروه، و رفع اليد عن ظهور الأول بجعله داخلا في المسح خلاف الظاهر، فالأمر حينئذ يدور بين رفع اليد عن الظهور المزبور في خروج الغاية، أو حمل الكعبين بيانا لما صدر منه من طبيعة المسح لا شخصه. و الثاني أولى، لكون الرواية من الخاصة، و يبعد تعبير الشيعة عن الكعب بما هو معروف لدى مخالفيهم.
و لكن مع ذلك لا يخلو مثل هذه الرواية من الإجمال، فقاعدة الاشتغال تقتضي المصير إلى مذهب البهائي، بلا احتياج حينئذ إلى دفع توهم حمل
الرواية الأولى على باب قطع السارق، إذ الشبهة غير مرتفعة بذلك، مع بعد التفكيك بين المقامين، كما لا يخفى.
و أيضا لا ينافي مذهب البهائي أخبار استبطان الشراك (1)، إذ غايته كون محل معقده خارجا عن حد المسح، و ذلك إنما يقتضي خروج الغاية عن حد المسح، و لا ضير فيه، فلا وجه حينئذ لجعل ذلك مؤيدا لمذهب المشهور إلّا بجعل معقد الشراك موضعا أسفل من المفصل لا نفسه، أو فوقه و هو أول الدعوى، كما لا يخفى.
و يجوز المسح منكوسا بلا اشكال، لصريح الرواية: «لا بأس بمسح الرجل مقبلا و مدبرا» (2).
ثم إنّ المسح المزبور لا بدّ أن يكون على الخصوصيات المحفوظة في باب مسح الرأس، لظهور أدلتها في كونها أحكاما للمسح، بلا خصوصية لمسح الرأس فيها، و لقد عرفت بأنه مع عدم القدرة على المسح بالبلّة لحرارة الهواء يجب المسح بماء جديد، و مع التقية في المقام أيضا يقتضي عمومات الاضطرار المزبورة المسح بصورة الغسل بماء جديد، و مع العجز من المسح أيضا يجتزأ بصرف الغسل بماء جديد.
نعم في الخفين ورد النص بالمسح على الخفين (3)، و لا يبعد ترجيحه على ما دلّ على الغسل (4)باشتهار الفتوى بالمسح على الخف، و ربّما يوهن ذلك سند رواية الغسل و لو كانت مستفيضة.
نعم مع بقائها على وثوقها سندا أمكن الجمع بين الطائفتين بالحمل
على التخيير، و لو برفع اليد عن ظهور كل منهما في التعينية.
نعم في بعض الأخبار نفي التقية في المسح على الخف (1)، خصوصا ما كان بلسان النهي غير الجاري فيه توجيه زرارة من نفي صدوره عنهم لا نهي الناس عنه (2).
و يمكن حمل النهي على توهم إيجابه تعيينا، فيؤيد حينئذ التخيير بينه و بين الغسل بماء جديد، و يمكن الحمل على الكراهة كي يناسب توجيه زرارة أيضا، و لو بنص رواية أبي الورد (3).
ثم انّ مقتضى إطلاق الرواية المزبورة- نظير بقية المنصوصات بالخصوص من مثل رد الشعر (4)و غيره بقرينة بعد تنزيلها على الموارد النادرة- عدم لزوم تغيير موضوع الابتلاء مع تمكنه منه، و بهذا المقدار يرفع اليد عن إطلاق دليل الجزئية أو الشرطية الأولية، و أما في غير هذه الصورة فينحصر أمر مشروعيته بصدق الاضطرار، غير الصادق مع وجود المندوحة حتى يغيّر موضوع ابتلائه، فضلا عن جعل نفسه في مورد الابتلاء.
و يؤيده ما ورد من لزوم الصلاة في بيوتهم ثم الصلاة معهم (5)، بل و من مثل هذه الرواية يستفاد كيفية المعاشرة معهم التي هي مورد التحريض و الترغيب في جملة من الروايات (6)كما هو ظاهر.
1) وسائل الشيعة 1: 321 باب 38 من أبواب الوضوء حديث 1.
2) وسائل الشيعة 1: 325 باب 38 من أبواب الوضوء حديث 18.
3) وسائل الشيعة 1: 322 باب 38 من أبواب الوضوء حديث 5.
4) مستدرك الوسائل 1: 311 باب 18 من أبواب الوضوء حديث 2.
5) وسائل الشيعة 5: 384 باب 6 من أبواب الجماعة حديث 6 و 7 و 8 و 9.
6) وسائل الشيعة 5: 415- 49 باب 26 و 27 و 28.
و
على ما قلنا واحدا بعد واحد، لما دلّ من النص على الأمر بمجرد غسل يساره الذي أوقعه قبل يمينه (1)، بعد منع منافاته لخبر اللمعة (2)، لإمكان حمله على صورة عدم فوت الترتيب، و لو بتقييد عمومه الناشئ عن ترك استفصاله عليه السلام، بل منه يستفاد عدم وجوب إعادة ما هو حقه التأخير.
خلافا للصدوق الموجب لإعادة الفعلين، لرواية أبي بصير (3)، و رواية أخرى مشتملة على غسل اليدين في محل الفرض (4)، إذ على فرض تمامية دلالتها قابلة للتصرف بالرواية السابقة (5)، المؤيدة بخبر علي بن جعفر المشتملة على إعادة اليسار محضا (6)، بحملهما على الاستحباب.
: و هي متابعة أفعاله بعضها ببعض، بلا اشكال فيه في الجملة نصا (7)و فتوى، و إنما الكلام في المراد من المتابعة من أنها خصوص التواصل أثرا، أو خصوص تواصل الأفعال خارجا اختيارا، أو تواصل الأثر اضطرارا، أو خصوص التواصل أثرا مع وجوب التواصل بين الأفعال تعبدا، وجوه.
و التحقيق في المقام أن يقال: إنّ ما ورد في المقام هي النصوص
1) وسائل الشيعة 1: 319 باب 35 من أبواب الوضوء حديث 14.
2) وسائل الشيعة 1: 524 باب 41 من أبواب الوضوء حديث 1 و 2.
3) وسائل الشيعة 1: 318 باب 35 من أبواب الوضوء حديث 8.
4) وسائل الشيعة 1: 319 باب 35 من أبواب الوضوء حديث 10.
5) وسائل الشيعة 1: 319 باب 35 من أبواب الوضوء حديث 14.
6) وسائل الشيعة 1: 319 باب 35 من أبواب الوضوء حديث 15.
7) وسائل الشيعة 1: 314 باب 33 من أبواب الوضوء.
المشتملة على الأمر بالإعادة بالجفاف لإبطاء الجارية (1)، أو باليبوسة لعروض الحاجة (2)، أو نسيان الرأس (3)، أو الذارع (4)معللا في الثانية بأن الوضوء لا يتبعض، و في الثالثة بأنه يتبع بعضه بعضا، و ظاهر ترتب الإعادة في الثانية على اليبوسة كفاية التواصل أثرا، و كونه تمام المناط، بحيث لا يجب التتابع الفعلي و تواصله.
كما انّ الظاهر من قوله: «يتبع بعضه بعضا» هو التتابع الفعلي، و ظاهره أيضا: كونه تمام مناط الصحة، فالأمر حينئذ يدور بين رفع اليد عن مفهوم كل واحد بمنطوق الآخر، و بين تقييد المنطوقين. و لازم الأوّل: التخيير بينهما، كما أنّ لازم الثاني: إناطة الصحة بمجموعهما، كما لا يخفى. هذا و التصرف بالنحو الأول أولى منه بالنحو الثاني.
نعم لا إطلاق للرواية الأولى (5)لصورة خروج بقاء الأثر عن المقدار المتعارف، لطول المدة و رطوبة الهواء كما لا يخفى.
و من البيان المزبور ظهر حال بقية الأقوال، إذ كل قول ناظر إلى نحو جمع بين الروايات. و ظهر أيضا انّ ما أفاده المصنف من شرح المتابعة بقوله: و هي متابعة الأفعال بعضها لبعض من غير تأخير الظاهر في عدم كفاية المتابعة الأثرية، منظور فيه.
لإطلاقات الأدلة، مضافا إلى الموثقة الآمرة بوضعه في الماء من غير أن يحله (1).
و إن لم يتمكن من ذلك، فمع فرض ستر موضع الجبيرة، فلا إشكال أيضا في كفاية مسح الجبيرة بالماء بدل غسل المحل، للأخبار (2)المستفيضة المشتملة بعضها على المسح (3)، و بعضها على المسح بالماء (4)، و مورد الأخير و إن كان في الجنابة إلّا أنه يجري في المقام بعدم الفصل.
و يؤيده أيضا رواية عبد الأعلى (5)، و بمثلها يرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على كفاية غسل ما حوله (6)، بحملها على أنه يدع ما سوى الحول في غسله المعتبر في الوضوء.
و لا ينافي ذلك وجوب مسح الجبيرة بالماء، على وجه لا يقتضي وجود الغسل المعهود في بقية الأعضاء، بل بمقدار يقتضيه المسح المزبور، من دون احتياج إلى حملها على الجرح المكشوف، كي ينافيه رواية ابن الحجاج الواردة في فرض وجود الجبيرة (7).
نعم في باب الغسل جملة أخبار دالة على الانتقال إلى التيمم (8)،
1) وسائل الشيعة 1: 327 باب 39 من أبواب الوضوء حديث 7.
2) وسائل الشيعة 1: 325 باب 39 من أبواب الوضوء.
3) وسائل الشيعة 1: 327 باب 39 من أبواب الوضوء حديث 8 و 9 و 10.
4) وسائل الشيعة 1: 328 باب 39 من أبواب الوضوء حديث 11.
5) وسائل الشيعة 1: 327 باب 39 من أبواب الوضوء حديث 5.
6) وسائل الشيعة 1: 326 باب 39 من أبواب الوضوء حديث 2 و 3.
7) وسائل الشيعة 1: 326 باب 39 من أبواب الوضوء حديث 1.
8) وسائل الشيعة 2: 966 باب 5 من أبواب التيمم.
و حيث إنّ في أخبار الباب ما اشتملت على حكم الوضوء و الغسل (1)، لا يبقى مجال الجمع بحمل أخبار التيمم على الغسل و غيره على غيره.
كما أنّ حمل أخبار التيمم على الجرح المكشوف و غيره على غيره جمع بلا شاهد، كالجمع بينهما بحمل أخبار التيمم على المستوعب و غيره على غيره، كما أنّ الجمع بالتخيير ينافي قوله: «قتلوه قتلهم اللّٰه» (2).
و حينئذ فأولى الجموع حمل أخبار التيمم على صورة عدم التمكن من وضع الجبيرة، و عدم إمكان غسل ما حوله أيضا، فيبقى أخبار غسل ما حوله مع التمكن بحالها.
و حينئذ ففي الجرح المكشوف الذي لا يمكن وضع جبيرة عليه، يكتفي بغسل ما حوله مطلقا غسلا أو وضوء، أما مع التمكن من وضع الجبيرة، ففي وجوب وضع الجبيرة و المسح عليها أيضا، أو الاقتصار على غسل ما حوله، وجهان مبنيان على إطلاق وجوب المسح على الجبيرة بالنسبة إلى تحصيل الجبيرة، أم هو مثل سائر الخطابات المتعلقة بالموضوعات الخارجية، منوط بوجود موضوعها من باب الاتفاق، بلا اقتضاء الحكم تحصيل موضوعه.
و يظهر من الجواهر إطلاق وجوبه (3)، و هو منظور فيه، و قياس المقام بالجبيرة النجسة- حيث حكي دعوى إطباقهم على وجوب وضع شيء طاهر عليها و مسحه، على فرض تسليم الاتفاق- مع الفارق، إذ الموضوع هناك محقق الوقوع، و إنما النجاسة مانعة عن القدرة على مسحها، فيجب تحصيل
القدرة عقلا بوضع شيء طاهر، و ذلك أيضا لو لم نقل باقتضاء الخطاب وجوب المسح على الجبيرة بنفسها لا بشيء آخر مفروش عليها، فتحصيل طاهر مفروش عليه لا وجه له، فيسقط المسح عليه حينئذ شرعا.
لكن يمكن دعوى انّ وضع شيء خفيف عليه لا يوجب عرفا تغيير موضوع الجبيرة، و مع عدم تغييره يصدق التمكن من مسحه، فيجب تحصيل مقدمته، و أين ذلك من تحصيل أصل الجبيرة، كما لا يخفى.
للقدرة على تحصيل ما كلّف به، و قصور دليل البدلية لمثل المقام.
و إن لم يكن كذلك، فلا شبهة في انّ الصلاة لا تترك بحال، و حينئذ فإن أمكن تحصيل الطهارة في أثناء الصلاة بنحو لا يستلزم فعلا كثيرا زائدا عن تحصيل الغسلات، فالظاهر وجوبه أيضا، تنظيرا للمقام بباب المبطون، علاوة على اقتضاء القاعدة عدم رفع اليد عن ناقضية البول، أو مانعية هذا الحدث في الصلاة بمقدار يتمكن معه من فعل الوضوء في صلاته.
و إن لم يتمكن من ذلك أيضا، فالظاهر الاكتفاء بوضوئه إلى آخر الصلاة، و تجديده لكل صلاة.
نعم ربما يفرّق بين رفع الناقضية و رفع المانعية، بأنّ الوضوء مطهّر على الأول و مبيح على الثاني، و مع الشك في ترجيح أحد الجهتين ربما يفرّق بين صورة طروء القطرات في أثناء الوضوء أو بعده، فعلى الأول يستصحب الحدث فيصير الوضوء مبيحا، و على الثاني يستصحب الطهارة فيكون مطهّرا.
لكن في الرواية «فليصلّ قائما، ذلك بلاء ابتلاه اللّٰه به فلا يعيدن إلّا
من الحدث الذي يتوضأ منه» (1)، و ظاهره كون ذلك حدثا، غاية الأمر لا يتوضأ منه لعدم مانعيته، و لازمة المبيحية و وجوب الوضوء لكل صلاة، لأنه المتيقن، لو لا ظهور «ما غلب اللّٰه» في عدم لزومه، و انه معذور في تركه ما دام غلب اللّٰه عليه، كما ورد في المقام (2).
هذا، و مقتضى صحيحة أخرى جواز الجمع بين صلاتين بوضوء واحد (3)، و بذلك يرفع اليد عن مقتضى القواعد من لزوم تجديد الوضوء في أثناء الصلاة بمقدار لا يلزم منه فعل كثير.
و بذلك أيضا يمتاز حكم المقام عن المبطون، لاختصاص نصه الوارد على طبق القاعدة بمورده (4)، دون المقام الذي فيه نص آخر في تخصيصها (5)، كما لا يخفى.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر مدرك المشهور، و مذهب العلّامة. و مبنى القولين طرح الصحيحة (6)، لأعراضهم، و الأخذ بمقتضى القواعد كما هو المشهور، أو العكس كما هو مذهب العلّامة. و اللّٰه العالم.
و يستحب فيه أي في الوضوء غسل اليدين من الزندين قبل إدخالهما الإناء مرة من حدث النوم و البول، و مرتين من الغائط، و ثلاثا من الجنابة، كل ذلك لصحيح الحلبي (7)، و المرسلة (8)، و في
1) وسائل الشيعة 1: 189 باب 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث 9.
2) الفقيه 1: 237 حديث 10 و 12.
3) وسائل الشيعة 1: 210 باب 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1.
4) وسائل الشيعة 1: 210 باب 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث 4.
5) وسائل الشيعة 1: 210 باب 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1.
6) وسائل الشيعة 1: 210 باب 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1.
7) وسائل الشيعة 1: 301 باب 27 من أبواب الوضوء حديث 1.
8) وسائل الشيعة 1: 301 باب 27 من أبواب الوضوء حديث 3.
رواية حريز: «للغائط و البول مرتين» (1)، و هو محمول على مراتب الفضيلة.
و يستحب أيضا وضع الإناء على اليمين، لما روي: انّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم كان يعجبه التيمّن (2)، و لا بأس به رجاء.
و الاغتراف بها، للأخبار (3)، و هي بالنسبة إلى غسل غير اليمنى متفقة، أما فيها فمختلفة، فمدلول بعضها: اغتراف الماء باليمنى ثم إدارته في اليسرى و الغسل بها، و بعضها: الاغتراف بنفس اليسرى (4)، و حملهما صاحب الحدائق على التخيير (5).
و التسمية عند غسل الوجه، أو عند وضع اليد في الإناء، أو قبل الوضع، كل ذلك للأخبار المختلفة المحمولة على فضيلة جميعها (6)، و لو لاحتمال تعدد المطلوب، و في المرسلة الأمر بإعادة الوضوء لترك التسمية (7)، و هو أيضا لا ينافي الحمل على الاستحباب لتحصيل الفضيلة الفائتة.
و يستحب أيضا المضمضة و الاستنشاق ثلاثا ثلاثا، للجمع بين المطلقات (8)و المقيدات (9)بالحمل على مراتب الفضيلة (10).
1) وسائل الشيعة 1: 301 باب 27 من أبواب الوضوء حديث 2.
2) صحيح البخاري 1: 53 باب التيمن في الوضوء.
3) وسائل الشيعة 1: 271 باب 15 من أبواب الوضوء.
4) وسائل الشيعة 1: 271 باب 15 من أبواب الوضوء.
5) الحدائق الناضرة 2: 154.
6) وسائل الشيعة 1: 298 باب 26 من أبواب الوضوء.
7) وسائل الشيعة 1: 298 باب 26 من أبواب الوضوء حديث 6.
8) وسائل الشيعة 1: 303 باب 29 من أبواب الوضوء.
9) وسائل الشيعة 1: 279 باب 15 من أبواب الوضوء حديث 19.
10) سقط هنا قول الماتن: «و تثنية الغسلات، و وضع الماء في غسل اليدين في الرجل على ظهر الذراعين، و في المرأة على باطنهما، و بالعكس في الثانية».
و الدعاء عند كل فعل بالمأثور (1).
و يكره التمندل، و في استفادة الكراهة من نصه (2)مشكل، غاية الأمر انّ في ترك التمندل الملازم لبقاء رطوبة الوضوء فضيلة أزيد من فضيلة فعله، فتأمل.
و يكره الاستعانة بالغير في مقدماته، لقوله عليه السّلام:
«لا أحب» (3)، و في خبر الوشاء اسناد الوزر إليه (4)، و يمكن أن يكون من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين».
و في جملة من النصوص استشهاده بأنه لا يشرك بعبادة ربه أحدا (5)، فهي- بضميمة تطبيق الإمام في بعض المقامات (6)على جعل الشريك له- صريحة في الحرمة.
و توهم عدم إمكان الجمع بين معنى «جعل عبادته له و لغيره» و «جعل فعله و فعل غيره لتحصيل عبادته» إذ هما مفهومان غير مجتمعين تحت معنى واحد.
مدفوع، لإمكان كون الشركة في العبادة بلحاظ الإضافتين معنى يجمعها.
اللهم [إلّا] أن يقال: انه بعد تصور هذا الجامع أيضا لا بأس برفع اليد
1) وسائل الشيعة 1: 298 باب 26 من أبواب الوضوء.
2) وسائل الشيعة 1: 333 باب 45 من أبواب الوضوء.
3) وسائل الشيعة 1: 335 باب 47 من أبواب الوضوء حديث 2.
4) وسائل الشيعة 1: 335 باب 47 من أبواب الوضوء حديث 1.
5) وسائل الشيعة 1: 335 باب 47 من أبواب الوضوء.
6) وسائل الشيعة 1: 335 باب 47 من أبواب الوضوء حديث 1 و 2.
عن ظهور النهي في أحدهما بالأخبار السابقة، المشتملة على التعبيرات الوافية في الرخصة في فعلها. كما لا يخفى.
و يحرم التولية تشريعا لا ذاتا، لأن عمدة مدركه انصراف الإطلاقات إلى المباشرة، الموجب لعدم الاجتزاء بالغير.
و مع عدم التمكن ربما يقتضي قاعدة «الميسور»، بل و قاعدة «الاضطرار» السابقة: سقوط قيد المباشرة، و لازمه الاجتزاء بتولية الغير بلا احتياج إلى قصده النيابة، بل يجزئ بقصد المتوضئ القربة لا المتولي للعمل، كما رتبوا عليه ثمرة التولية و النيابة.
و لازم مثل هذه النتيجة: تسلّم احتياج النائب إلى قصد التقرب أيضا، غاية الأمر أنه يقصد تقرّب الغير بعمله لا تقرب نفسه، و هذا المقدار يتمشى من النائب.
و أما الذي لا يتمشى منه فهو قصد التقرب بداعي الأمر، لأن أمر الغير لم يتوجه إليه، و ما توجه إليه لا يوجب داعيا إلى تقرّب غيره، كما لا يخفى.
و بهذا البيان تمّمنا الكلام في باب العبادة النيابية، من دون الالتزام بكون النائب نائبا في ذات العمل، و أنّ تقرب المنوب عنه إنما يحصل برضاه، و لو في الآخرة. كيف و لازمة الاكتفاء بعمله و لو اتى رياء أو بتشهي نفسه، و لا أظن التزامهم به.
بنقوشه الحاكية عنه مادة و هيئة، حتى المد، بنفسه أو المكتوب بقصده، كما في المشتركات، بلا اشكال فيه نصا و فتوى، و يكفي من النص ما اشتمل على النهي عن
مس الكتاب (1)، و اشتمال بعضها على بعض المكروهات، مثل تعليقه (2)، غير ضائر بعد فرض كشف الترخيص بقرينة منفصلة.
و ظاهر أمثال هذه الخطابات حرمة العمل مباشرة، و أما حرمته تسبيبا في مثل مسّ الصبيان ففيه إشكال، إذ هو فرع حرمته على أمثالهم و لو بتسبيب الغير، و هو أول الكلام، نعم لو كان مورد التسبيب مكلفا آخر فيحرم من حيث عنوان الإعانة، و هو ظاهر.
ثم انّ الأصحاب ألحقوا مس اسم اللّٰه و الرسول و الأئمة و غيرهم من المعصومين عليهم السّلام، لتنقيحهم مناط الحكم من الاحترام الجاري في الموارد المذكورة، و لا بأس به.
جزما، لحرمة نقض اليقين بالشك. لمضمرة زرارة (3)، و بالعكس لا يجب الطهارة، لما ذكر.
و لو علم بطروء احدى الحالتين، فمع الجهل بتأريخ إحداهما فيؤخذ بمعلومه، و بتأريخهما لا يؤخذ بهما، لقصور الأخبار عن الشمول للمورد، حيث انّ اتصال زمان الشك بزمان اليقين تفصيلا غير محرز، و إجمالا لا يكاد يصلح لأن يقع موردا للحكم بعدم النقض، لأن آن بعد اليقين المتصل به بنحو الإجمال محتمل لأن ينطبق عليه الشك في الحدوث.
و معلوم أن هذا الزمان مردد أمره بين آن الانتقاض و آن الحدوث، فيعلم على أي حال أنه ليس آن بقاء ما سبق و حينئذ فالآن الإجمالي- مع احتمال انطباقه عليه- يخرج عن موضوع الشك الذي يجب فيه البناء على السابق،
فلا يشمله عموم «لا تنقض».
و حينئذ فلا يشمل العموم إلّا آنا آخر منفصلا عن زمان اليقين بنحو الإجمال، و هو خارج عن منصرف أخبار حرمة النقض، كما لا يخفى.
و المفروض انّ الأمر العملي مترتب في باب الطهارة على صورة إحراز التطبيق في زمان عمله.
نعم لو كان الأمر مرتبا على صرف بقاء المتيقن بنحو مفاد كان التامة، بلا احتياج إلى التطبيق الصحيح، على نحو مفاد كان الناقصة، لأمكن القول بجريان كل واحد، فيتعارضان، فينتج حينئذ جريان أحدهما بلا معارض عند ترتّب الأثر عليه وحده، كما لا يخفى.
بلا اشكال نصا و فتوى، لمفهوم قوله: «إنما الشك في شيء لم تجزه» (1)، الوارد في مورد الوضوء، مؤيدا بنصوص اخرى (2)أصرح في المدّعى.
و قد يعارض المنطوق المزبور بمفهومه، من أنه إذا جزته فشكك ليس بشيء، إذ يصدق ذلك على صورة التجاوز عن الجزء المشكوك فيه حال التشاغل بالوضوء، من دون صلاحية تخصيص المورد و إخراجه عنه.
و الجواب- بكون الوضوء بسيطا اعتبارا بلحاظ بساطة أثره- منظور فيه.
و الأولى تقييد التجاوز فيه- في خصوص الوضوء- بصورة الخروج تمام العمل، و لا ضير فيه و لا استهجان، كتقييد مورد آية النبإ (3)بصورة ضم عادل آخر.
و عليه فلا ينبغي لأجل الفرار عن الشبهة المزبورة، صرف مفاد هذه القاعدة المضروبة للشك في الموجود- الذي هو مفاد كان التامة- إلى قاعدة أخرى مضروبة للشك في صحة الموجود، و لو من جهة الشك في الترتيب و الموالاة اللذين لا يكونان ينظر العرف شيئا شك فيه.
فإن ظاهر قوله: «كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فامضه كما هو» (1)و قوله: «إذا شككت فيما مضى فامضه كما هو» (2)، أي كما ينبغي من كيفية وقوعه، هي القاعدة المضروبة بنحو مفاد كان الناقصة، و عليه فلا محيص عن كونهما قاعدتين لا قاعدة واحدة (3).
غاية الأمر انه يعتبر في الطهارات الثلاث- لإجزاء قاعدة التجاوز- أن يتجاوز عن أصل العمل، و هذا الحكم و إن استظهرناه في الوضوء لكنه يعم الغسل و التيمم، للإجماع على عدم الفصل بينها من هذه الجهة، و اللّٰه العالم.
و على أية حال فقد ظهر أنه لو انصرف عن العمل لم يلتفت.
و لو قصد التجديد و كان محدثا واقعا فإنه يكفيه ذلك، و لا يضره قصد امتثال شخص أمره أيّا ما كان، غاية الأمر تخيّل أنه استحبابي نظير من توضأ بظن دخول الوقت فبان عدم دخوله.
و لو علم فساد أحد الوضوئين من غير الحدث، فلا شبهة في كونه متوضئا، أما إن كان من جهة صدور حدث، فإن كان علم بصدور الحدث بعد العمل، فاستصحاب صحة الثاني محكم، و إن كان في أثنائه فيدخل في مسألة توارد الحالتين بلا علم بسبق معيّن فيتوضأ جديدا.
و يجب بالجنابة، و الحيض، و الاستحاضة، و النفاس، و مس الأموات بعد بردهم بالموت و قبل تطهيرهم بالغسل، كما يأتي كل ذلك في محالها.
و يستحب الغسل أيضا لما يأتي، فهاهنا فصول:
أسباب الغسل، و هي أمور:
أحدها: الجنابة،
، أو الجامع لوصفين من الدفق و الشهوة، أو الفتور و الشهوة، أو الصفات الثلاثة من الدفق و الفتور و الشهوة، لاختلاف الأخبار الواردة في الباب (1)، القابلة لتقييد إطلاق بعضها بالتصريح في بعض آخر.
و من الممكن حمل الإطلاق على الغالب من ملازمة المنصوص عليه لوجود غيره، و مع الإجمال فالأصل أيضا يقتضي وجود مجمعية الثلاثة، و من الممكن أيضا حمل إطلاق المصنف على الغالب، و أظهر منه حمل الاختلاف على بيان عدم التعبد ببعض دون بعض، بل تمام المدار على إفادتها الاطمئنان الذي عليه مدار العقلاء، و سيأتي إن شاء اللّٰه تنزيل
1) وسائل الشيعة 1: 477 باب 8 من أبواب الجنابة.
اختلاف صفات الحيض و الاستحاضة على ذلك.
ثم انّ مثل هذا السبب ثابت مطلقا، ذكرا كان أم أنثى أو خنثى، و ما في جملة من الأخبار من نفي وجوب الغسل على النسوان بالإنزال (1)، محمولة على الغالب من عدم خروج المني من الفرج، لاستقراره في أرحامهن، و ظاهر بعض الأخبار عدم اعلامهن بذلك، لاتخاذهن إيّاه علّة (2). و ظاهره كون عدم الوجوب للمانع لا لعدم المقتضي، و لا ضير فيه لو فرض عدم بلوغ الغرض بمثابة يجب حفظه حتى من قبيل الغير.
و مع التفاتهن إليه يجب، لإطلاق دليل الوجوب لهن أيضا.
ثم مع العلم بخروج مني فيجب الغسل، و مع الشك في الغسل يجب الاحتياط، تحصيلا للفراغ، و مع الشك في أصل الجنابة و لو لاشتراك الثوب، يستصحبان الطهارة. و فرض توارد الحالتين تقدّم تفصيله.
و مع تردد الخارج بين كونه منيّا أو بولا، فمع الجهل بالحالة السابقة أو طهارته يستصحب الحدث المردد.
و مع العلم بكونه محدثا بالأصغر ففيه اشكال، من عدم بناء الأصحاب إلّا على وجوب الإتيان بوظيفة الأصغر، و من أنّ استصحاب الجامع بلحاظ مانعيته للصلاة يقتضي الجمع بين الوظيفتين، بلا حكومة استصحاب عدم حدوث سبب الجنابة، لأنه لا ينفي الجامع.
اللهم [إلّا] أن يقال: إنّ هذه الشبهة فرع المضادة بين الحدثين و إلّا- و لو مع احتمال عدمها- لا يبقى مجال للاستصحاب. لعدم اليقين بوجوده المردد.
ثم لو فرض التضاد المزبور ربما يجري استصحاب بقاء الحدث الأصغر، الموجوب لوجوب الوضوء المصحح للصلاة، و مثل ذلك يعارض استصحاب الجامع المانع عن صحة صلاته، فيتضادان عملا فيتساقطان، فيرجع إلى الاستصحاب المحكوم من استصحاب الطهارة التعليقية على محض الوضوء، كما لا يخفى فتدبر جيدا.
و إن لم ينزل، حتى تغيب الحشفة، سواء كان في القبل للآدمي بلا اشكال فيه، لقوله: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (1)أو الدبر على المشهور، للمرسلة المنجبرة بالعمل: «هو أحد المأتيين فيه الغسل» (2).
و باعراضهم- برفع اليد+ عن مرفوعة البرقي (3)، و إطلاقهما (4)يشمل الصغير و الكبير، و الحي و الميت، فاعلا أم مفعولا. التعبير بالوجوب لا ينافي الإطلاق المزبور، لأن الظاهر من هذا لتعبير بيان الاقتضاء، و هذه الجهة من الأحكام الوضعية ثابتة و شائعة في جميع المقامات، كما لا يخفى.
و أما دبر الذكور، فلما يستفاد من كلماتهم من الملازمة بين وجوب الحدّ و الجنابة، و لعله لما في بعض الروايات أيضا من «انه يحدّ في دبر المرأة و لا يغسل؟!» (5)بنحو الاستفهام الإنكاري، مؤيدا بما ورد بقوله:
1) وسائل الشيعة 1: 469 باب 6 من أبواب الجنابة حديث 2.
2) وسائل الشيعة 1: 481 باب 12 من أبواب الجنابة حديث 1 و 2.
3) وسائل الشيعة 1: 481 باب 12 من أبواب الجنابة حديث 1 و 2.
4) أي طلاق الرواية الأولى بالنسبة إلى القبل و الرواية الثانية بالنسبة إلى الدبر.
5) وسائل الشيعة 1: 470 باب 6 من أبواب الجنابة حديث 5.
«من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا» (1)، و في دلالته على المدّعي نظر واضح، كالدلالة في الوجوه السابقة، فالأحوط الجمع بين الغسل و الوضوء.
وجوبا غيريا لا نفسيا، لعدم إطلاق في هذه التعبيرات على وجه تثبت به النفسية، نعم في حكمة وجوب غسل الميت بخروج النطفة (2)ما يقتضي النفسية. و يمكن حمله أيضا على المقدمية، ليكون طاهرا في حال حضور الملائكة و عند ربه الكريم، مع أنه حكمة لا يعبأ بها.
و مقتضى إطلاق دليل السببية أيضا عدم الفرق بين المسلم و الكافر، و بمثل هذه الإطلاقات يستفاد تكليفهم بالفروع أيضا، فلو أسلم الكافر لا يسقط عنه الغسل، لاستناده إلى الجنابة الباقية إلى حين الإسلام، و دليل الجب غير ظاهر الشمول لمثله، بل هو منصرف إلى نفي شيء مستند إلى وجود سببيته حال الكفر.
و توهم نفي الجنابة به مدفوع، بظهوره في نفي ما فيه المنة من استحقاق عقوبة دنيوية أو أخروية، و مثل هذه الأحكام الوضعية غير داخلة في العقوبات، و لا مستتبعة لها بلا واسطة.
و بذلك نقول بعدم شمول القاعدة لباب الضمانات و الديون، فينحصر موردها بمثل قضاء الصلاة و الكفارة و الحدود.
و توهم أنّ تكليفهم بالقضاء حينئذ من صغريات أمر الآمر مع العلم
بانتفاء شرطه، مدفوع بأنه كذلك لو كان الشرط خصوص الإسلام بعد الوقت، و إلّا فلا محذور فيه، غاية الأمر ينتهي الأمر فيه إلى مسألة الترتب، و هو أيضا لا بأس به.
و أيضا ظاهر الأصحاب تخصيص القاعدة بالكافر الأصلي، و لعلّه لانصراف «ما قيل إسلامه» إلى من كان كفره ممتدا من زمان بلوغه إلى حال قبوله الإسلام، و ما كان شأنه ذلك هو الكافر الأصلي، فتدبّر.
ثم في شمول القاعدة للزكاة كلام مبني على أن وضعها تبع للتكليف بشهادة الزكاة المستحبة، أو العكس بظهور أدلة ثبوتها في الأشياء، غاية الأمر يتصوّر مراتب من الوضع، الموجبة لاختلاف التكليف وجوبا و استحبابا، و أما الخمس فظاهرهم كونه وضعا جزما، فكان من قبيل الديون غير الساقطة بالإسلام، كما لا يخفى على من راجع المطولات.
، و هي عبارة عن الداعي على إتيانه للّٰه تعالى، أو بداعي أمره طمعا في ثوابه، أو خوفا من عقابه.
نعم الغسل بملاحظة اختلاف حقيقته- بشهادة إطلاق الحقوق عليه- يحتاج إلى قصد التعيين علاوة على القربة، و سيأتي تفصيله في مسألة تداخل الأغسال.
و محلها: عند غسل اليدين أو الرأس،
، و قد تقدم الكلام في ذلك كله في الوضوء فراجع.
من القرن إلى القدم، كما في النص (1)، فلا بدلية للشعر في المقام، لاختصاص دليلها (2)بالوضوء،
و يكفي فيه مجرد إيصال الماء إليه بلا جريان، لقوله: «بلّوا الشعر و أنقوا البشرة» (1)، و قوله «كلّما أمسسته الماء فقد أنقيته» (2)، و مقتضى فحاوي ما دلّ على وجوب غسل البدن وجوب غسل ما فيه من شعر أو لحم أو غيره (3)، كما أشرنا إليه في الوضوء.
و هذا الوجوب تبعي محض لا نفسي و لا غيري، و لذا يسقط وجوبه بسقوط وجوب غسل البدن، نظير سقوط ضيافة غلام زيد بسقوط ضيافته، فيشبه الوجوبات الغيرية من تلك الجهة، و يفارقها من حيث عدم مقدمية غسلها لغسل البدن جزما.
و سنخ هذا الوجوب سنخ آخر لا نفسي و لا غيري، و مرجعه إلى صيرورة الشيء بملاحظة كونه من شئون غيره و من مراتب وجوده، على وجه يجب حفظ جميعها في ظرف التمكن من نفسه، و إلّا فيسقط الوجوب حتى من شئونه.
بلا اشكال لقوله عليه السّلام «ابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك» (4)، و ظاهرهم إلحاق الرقبة بالرأس، لتوهم انصراف الجسد عنها، و فيه نظر، و الاحتياط لا يترك.
نعم في غسل الميت المتحد مع المقام بقوله: «إنّ غسل الميت مثل غسل الجنابة ثم على منكبه الأيمن ..» إلى آخره (5)، فإنه ظاهر في
المشهور من إلحاقها بالرأس، بل بمثلها يستفاد الغسلات الثلاث، و إلّا ففي أخبار الباب لا مقتضى لترتيب الجانبين، عدا ما اشتمل على تثليث الغسلات على تثليث الغسلات (1)، بضميمة أنه ملازم شرعا الوجوب الترتيب، و به صرح المصنف أيضا بقوله: ثم بالجانب الأيمن، ثم بالجانب الأيسر، و يسقط الترتيب مع الارتماس بلا اشكال، و في النص: «لو أنّ رجلا ارتمس ارتماسة واحدة أجزأه» (2)، و يكفي صدق الارتماس الواحد لوحدة عرفية حاصلة و لو تدريجا بلا تخلل عدم فيه، كما هو مذهب الصدوق- على ما حكي- (3)و في كون الارتماس مقدمة للانغسال دفعة كذلك، أوله دخل، فيه وجهان، ظاهر قوله «اغتسل اغتسالا» (4)كون المدار على الاغتسال، و مناسبة المقدمية للارتماس المزبور مانعة أيضا عن ظهور دخله مستقلا.
و عليه فلا يحتاج إلى إخراج تمام البدن من الماء في إيجاده، بخلافه بناء على دخل الارتماس مستقلا، فإنه ظاهر في ارتماس تمام البدن غير الحاصل إلّا بخروجه عن الماء، كما لا يخفى.
ثم لا إشكال في سقوط الترتيب مع الارتماس في المقام، و في اقتضائه ذلك في كل مورد شرع فيه الترتيب، له وجه، لظهور الاجتزاء بالارتماس في النظر إلى سقوط الترتيب، و بدليته عن الترتيبي في كل مورد شرع فيه، فيقوى حينئذ أجزاؤه في غسل الميت أيضا، لو لا دعوى انصرافه إلى غسل الأحياء، كما لا يخفى.
ثم إنّ المستفاد من أوامر تطهير الفرج و اليدين قبل الغسل (1)اشتراط الغسل بطهارة المحل، و الظاهر- بمناسبة الحكم لموضوعه- كفاية طهارة كل عضو في غسله، و لا يحتاج إلى طهارة جميع البدن، كما أنه لا إشكال في عدم اشتراط الموالاة للنصوص المستفيضة المسلّمة لدى الأصحاب (2).
إذا كانت الجنابة بالإنزال، بلا إشكال في الأول، لصحيح البزنطي (3).
و مناسبته للمقدمية- للفراغ عن تبعات البلل المشتبه- توهن أمر استحبابه شرعا، و في كونه تعبّديا في تلك المقدمة، أو بملاحظة ملازمته للقطع بخلو المجرى، وجهان، لا يخلو ثانيهما عن قوة، و عليه فيتعدّى إلى مطلق الاجتهاد الموجب للقطع بخلو المجرى أيضا، بخلافه بناء على التعبّدية.
، للنص (4).
و الغسل بصاع، لما في النص من أنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله كان يغتسل بصاع (5). و يجزئ الصاع فيما زاد، لظهور النص في القدر الأقل (6).
و تخليل ما يصل إليه الماء زائدا على المقدار اللازم، و عليه بعض الروايات الدالة على إمرار يده على ما ناله من جسده (7).
1) وسائل الشيعة 1: 503 باب 26 من أبواب الجنابة حديث 7.
2) وسائل الشيعة 1: 508 باب 29 من أبواب الجنابة.
3) وسائل الشيعة 1: 515 باب 34 من أبواب الجنابة حديث 3.
4) وسائل الشيعة 1: 499 باب 24 من أبواب الجنابة.
5) وسائل الشيعة 1: 512 باب 32 من أبواب الجنابة حديث 3.
6) وسائل الشيعة 1: 512 باب 32 من أبواب الجنابة حديث 3.
7) وسائل الشيعة 1: 504 باب 26 من أبواب الجنابة حديث 11.
الأربع، لرواية البزنطي المشتملة على النهي عن كل واحدة بعنوانها المخصوص (1). و ظاهر النهي عن السورة حرمة مجموعها لا جميعها (2)، نعم يمكن استفادة حرمة خصوص آية السجدة من النواهي المتعلقة بالسجدة (3)، إذ الظاهرة منها آية السجدة لا سورتها.
على التفصيل المتقدّم، مع ما ألحقناه بها، بل و حرمة مسّ شيء عليه اسم اللّٰه تعالى، للنص (4)، و يلحق به أيضا بمناط التعظيم أسماء الأنبياء أو أحد الأئمة عليهم السّلام.
، لصحيح زرارة (5)، و محمد بن مسلم (6)المشتملتين على قوله: «لا يدخلان المسجد إلّا مجتازين».
و في جملة من الأخبار تجويز المشي قبال القعود (7)، بل في بعضها التصريح بجواز المرور، الأعم من الاجتياز، كما في رواية أبي حمزة (8)، و لا يبعد المصير إلى تقييد مطلق المشي بالاجتياز، أو الخروج و لو من بابه
1) وسائل الشيعة 1: 494 باب 19 من أبواب الجنابة حديث 11.
2) أي حرمة مجموع آياتها مجتمعة، لا حرمة كل آية آية، فلا تحرم قراءة بعض آيات السورة، بل تحرم قراءة كامل السورة.
3) وسائل الشيعة 1: 493 باب 19 من أبواب الجنابة.
4) وسائل الشيعة 1: 491 باب 18 من أبواب الجنابة حديث 1.
5) وسائل الشيعة 1: 486 باب 15 من أبواب الجنابة حديث 10.
6) وسائل الشيعة 1: 488 باب 15 من أبواب الجنابة حديث 17.
7) وسائل الشيعة 1: 484 باب 15 من أبواب الجنابة.
8) وسائل الشيعة 1: 485 باب 15 من أبواب الجنابة حديث 6.
الداخل فيه عند ابتلائه بالجنابة فيه لا مطلقا، نعم في رواية تجويز النوم فيه (1)، و هي مطروحة، لإعراضهم عنها.
و ما ذكرناه جار في ما عدا مسجد الحرام و مسجد الرسول، لما في جملة من النصوص استثناؤهما من حكم الاجتياز و غيره (2).
دون أخذه، لما في خبر زرارة من قوله: فما بالهما يأخذان و لا يضعان فيه شيئا؟ قال: «لأنهما لا يقدران على أخذ ما فيه إلّا منه، و يقدران على وضع ما في يدهما من غيره» (3)لأن ظاهر الرواية عدم دخل الوضع في الحرمة، بل تمام المناط جهة الدخول. و يمكن جعل هذه الجهة حكمه، فلا تنافي ظهور الصحيحة الأخرى (4)في دخل الوضع في الموضوع، كما لا يخفى.
ثم انّ الحكم بجواز الأخذ بإطلاقه يشمل المسجدين، و قد يعارضه إطلاق قول الباقر عليه السّلام «و لا فيه جنب» (5)الوارد في مسجد النبي الملحق به بيت اللّٰه، بعدم الفصل.
و قول الصادق عليه السّلام «للجنب أن يمشي في المساجد كلها، و لا يجلس فيها إلّا المسجد الحرام و مسجد الرسول» (6)، و النسبة بينهما عموم من وجه، و مقتضاه التساقط في المجمع، و الرجوع إلى عموم حرمة الدخول إلّا مجتازا، بناء على عدم صدق الاجتياز على الدخول من باب
1) وسائل الشيعة 1: 488 باب 15 من أبواب الجنابة حديث 18.
2) وسائل الشيعة 1: 484 باب 15 من أبواب الجنابة.
3) وسائل الشيعة 1: 491 باب 17 من أبواب الجنابة حديث 2.
4) وسائل الشيعة 1: 490 باب 17 من أبواب الجنابة حديث 1.
5) وسائل الشيعة 1: 484 باب 15 من أبواب الجنابة حديث 1.
6) وسائل الشيعة 1: 485 باب 15 من أبواب الجنابة حديث 4.
و الخروج من ذلك الباب.
و لكن ذلك لو لا دعوى كون النسبة بينها و بين رواية الأخذ (1)أيضا عموما من وجه، فتكون هذه الرواية كرواية المسجدين (2)طرفا للمعارضة، و لازمها التساقط في المجمع أيضا و الرجوع إلى الأصل، و لا مجال لإعمال المرجّحات السندية في كلية العمومات من وجه، لعدم ما عده العرف على طرح الرواية رأسا، و لا على طرحها في خصوص مورد التعارض، كما لا يخفى.
هذا و دعوى أنّ روايات الأخذ إنما هي ناظرة إلى المساجد المفروغ جواز الاجتياز فيها، مدفوعة، بل ظاهر التعليل في رواية زرارة (3)يتناسب مع التعميم، و حينئذ فلا وجه لاستثناء المسجدين من هذا الحكم فتدبر.
بوجوب التيمم، كما في رواية أبي حمزة (4)، المصرّحة باختصاص التيمم بالمرور في المسجدين دون غيرهما، و إلى ذلك أيضا نظر المحقق في الشرائع، حيث خص الحكم- بوجوب التيمم- بالمسجدين (5).
و عن الشهيد التصريح باستحبابه في غيرهما (6)، و عن آخر الإشكال في أصل مشروعيته حينئذ و إن كان فيه إشكال، و لو لأجل أنّ التراب أحد
الطهورين.
و لا يرد أن لازمة صحة التيمم في كل مورد يسقط فيه الغسل، و ليس كذلك، لأنه يقال: إنّ عموم البدلية ناظرة إلى صورة عدم القدرة على المائية، مع فرض مشروعيتها عليه، و لا يشمل موارد يشك في أصل مشروعية الطهارة المائية فيها، كما لا يخفى.
ثم إنّ وجوب التيمم في مورده إنما هو في صورة اقتضائه زمانا أقل من زمن الخروج، أو زمن الغسل على فرض وجود الماء فيه، و إلّا فلا شبهة في أن الخروج أو الغسل واجب، و يحرم التيمم حينئذ. و إطلاق خبر التيمم (1)أيضا منزل على الغالب، و لا أقل من جهة انّ المناسبة بين الحكم و موضوعه كون ما ذكرنا مشكوك الاندراج في إطلاقه، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
، للجمع بين المطلقات المجوزة (2)، و الناهية عما زاد على السبع (3)، بالحمل على الكراهة. نعم في بعضها النهي عن القراءة مطلقا (4)، و الحمل على مراتب الكراهة أولى من التقييد، كما هو ظاهر المصنف.
على المشهور، للنهي عن مس خطه (5)، و تعليقه (6)المحمولين على الكراهة. لقوله: «لا تمس
1) وسائل الشيعة 1: 485 باب 15 من أبواب الجنابة حديث 3.
2) وسائل الشيعة 1: 493 باب 19 من أبواب الجنابة.
3) وسائل الشيعة 1: 493 باب 19 من أبواب الجنابة.
4) وسائل الشيعة 1: 493 باب 19 من أبواب الجنابة حديث 3.
5) وسائل الشيعة 1: 269 باب 12 من أبواب الوضوء حديث 2.
6) وسائل الشيعة 1: 269 باب 12 من أبواب الوضوء حديث 3.
الكتاب و مس الورق» (1).
، للجمع بين ما ورد من النهي (2)، و ما ورد من الترخيص بعد المضمضة (3)، و في المقام جمع آخر بالحمل على مراتب الكراهة، بالأخذ بمطلقات النواهي و عدم تقييدها بخبر المضمضة، لأنه أولى، خلافا للمصنف قدّس سرّه.
، لصحيح الحلبي المصرّح بالاستثناء أيضا (4)، و كذا يكره الخضاب، لجملة من الروايات (5).
و لو أحدث في أثناء الغسل أعاد، للمرسلة المصرحة بها (6)، بعد منع إطلاقات ما ورد في بيان حقيقة الغسل من هذه الجهة (7)، بل و إطلاق ما دل على عدم لزوم التوالي (8)لا ينظر إلى نفي مانع آخر، فكان من قبيل قوله «يكفيك عشر سنين» (9)في مقام عدم الانتقاض بنفسه لا في مقام عدم ناقضية شيء آخر، و حينئذ يكفينا في الحكم بالبطلان قاعدة الاشتغال، فضلا عن وجود المرسلة، فتدبر.
، لما
1) وسائل الشيعة 1: 269 باب 12 من أبواب الوضوء حديث 2.
2) وسائل الشيعة 1: 495 باب 20 من أبواب الجنابة.
3) وسائل الشيعة 1: 495 باب 20 من أبواب الجنابة.
4) وسائل الشيعة 1: 501 باب 25 من أبواب الجنابة حديث 1.
5) وسائل الشيعة 1: 496 باب 22 من أبواب الجنابة.
6) وسائل الشيعة 1: 509 باب 29 من أبواب الجنابة حديث 4.
7) وسائل الشيعة 1: 502 باب 26 من أبواب الجنابة.
8) وسائل الشيعة 1: 508 باب 29 من أبواب الجنابة.
9) وسائل الشيعة 2: 983 باب 14 من أبواب التيمم حديث 12.
ورد من انه «إذا اجتمعت الحقوق أجزأ غسل واحد» (1)، و في بعضها «يجعلها غسلا واحدا» (2)، و ظاهره أنه في مقام دفع توهم وجوب التعدد، و حينئذ فله أن يقصد بكل غسل ما شرع له، فيأتي بكل واحد متعددا. و له أيضا قصد جميعها بغسل واحد، بل قوله يجعل يومئ إلى كونه تحت اختياره، و لا يكون ذلك إلّا بكونها أمورا قصدية.
نعم في المرسلة: الاجتزاء بغسل الجنابة عن غيره (3)، و ظاهره كفاية قصدها عن قصد غيرها، و لو من جهة احداثه أعلى مرتبة الطهارة، على وجه لا يبقى مجال للبقية، لا أنّ غيرها ليست بقصدية، إذ لا أقل من عباديتها المنوطة بامتثال شخص أمرها، فإن تم ذلك فهو، و إلّا فمقتضى قاعدة «عدم تداخل الأسباب» إيجاب كل سبب غسلا متقربا به مستقلا، غاية الأمر قصة النصوص السابقة اقتضت اجتماعها في فعل واحد، و لازمة قصد تحقق جميعها بهذا العمل فإن تمت المرسلة المزبورة يرفع اليد بها عن القاعدة المذكورة في هذه الصورة، و إلّا فلا بدّ أن يكون المأتي بقصد الجميع كما هو ظاهر، و لا يبعد الأخذ بالمرسلة لكفاية جبرها بعمل جل الأعاظم، و اللّٰه العالم.
و هو دم مخصوص متكوّن في الرحم، و له حدود و أمارات، و إرجاع الاولى إلى الثانية أو إلى تحديد حكمها بعيد جدا من سياق أدلتها الصادرة من العالم بما في الأرحام.
و هو في الأغلب دم أسود غليظ يخرج بحرقة و حرارة، و به مضامين أخبار مستفيضة (1)، و إنما الكلام في كونها أمارات تعبّدية بقيد الاجتماع، أو كل واحد منها، أو أنها أمارات عقلائية بملاك حصول الاطمئنان بها، أو أنها في مقام الإرشاد إلى عدم بقاء الجهل به مع وجودها، كما يومئ إليه قوله «دم يعرف» (2)أو «ليس به خفاء»، ببركة هذه الأوصاف.
و ظاهر تقديم العادة على الصفات في المرسلة الطويلة (3)، مع فرض اشتمالها لأمثال هذه التعبيرات، يؤيد الوسط.
و حينئذ فالمدار على حصول الاطمئنان منها مجتمعة أم متفرقة، فلا ينتهي الأمر بعد ذلك إلى معارضة الصفات حينئذ، كما أنّ ظاهر مثل هذا البيان عدم اختصاص أماريتها بحال استمرار الدم و إن كان أخبار الصفات واردة في المستمرة، كما أنّ المراد من إقبال الدم- في هذه المرسلة أيضا بقرينة قوله «اسود يعرف»- هو نفس الصفات لا تغييرها من لون إلى لون آخر.
و في النص أيضا جعل التطوّق امارة للعذرة (4)، و في كون الاستنقاع امارة الحيضية إشكال، لأن الظاهر انّ وجه الحكم بالحيضية به إنما هو من جهة حصر الاحتمال فيهما، نظير الحكم بكون الصفرة استحاضة في قبال صفات الحيض، إذ من الممكن حملها على حصر الاحتمال فيه أيضا.
اللهم [إلّا] أن يقال: إنه لو لا الأمارية لما كان وجه للحكم بالحيضية
في مورد الاستنقاع و الاستحاضة في مورد الصفرة، لأن نفي الامارة لا يوجب نفي ذيها، فلا يثبت ضده إلّا بأمارة مخصوصة. نعم يشكل إطلاق أماريتها لغير صورة الانحصار، لو لا دعوى كون أمثال صفات الاستحاضة أيضا من الأمارات العقلائية كصفات الحيض، فيدور مدار الاطمئنان بها في أي مورد حصلت.
نعم لا بأس بما أفيد في الاستنقاع، فيقتصر على مورد الحصر، كما لا يخفى.
و أما أمارية الجانب ففيها رواية (1)مختلفة المتن، مع عدم قيام حجة على الترجيح، فلا يعبأ بها، فالمرجع هو الأخذ بالحالة السابقة لو كان حيضا أو طهارة، و مع عدم العلم بها يجمع بين أفعال الطاهر و تروك الحائض للعلم الإجمالي.
و هذا الأصل هو المرجع في جميع المقامات المرددة بين الحيض و غيره، نعم لو دار الأمر مع الاستحاضة فقط فيجب الجمع بين أفعالها أيضا.
لكن قد يدّعى ورود قاعدة الإمكان على مثل هذه الأصول في موارد جريانها، و لا اشكال فيه، لأنها مضروبة في مواردها.
نعم قد يبقى الكلام في شرح الإمكان الذي هو موضوع القاعدة، و اخرى في بيان مدركها.
أما المقام الأول، فلا شبهة في أنه ليس المراد الإمكان الذاتي، و لا الوقوعي، و لا القياسي بالإضافة إلى القواعد الواقعية، لعدم إحراز الصغرى في شخص الدم المردد، فلا محيص من أن يكون بمعنى الاحتمال، أو
1) وسائل الشيعة 2: 561 باب 16 من أبواب الحيض حديث 2.
بمعنى القياسي بالإضافة إلى القواعد الواصلة إلينا. و الأول أوسع دائرة من الثاني، لصدقه على الدم المرئي من المبتدئة قبل مضي الثلاثة أيضا بخلافه على الثاني.
و حيث اتضح شرح المراد من الإمكان فنقول: قد يتشبّث لإثبات المعنى الأول بأصالة السلامة تارة، و بأخبار دالة على حيضية دم الحامل معللا بأنه يقذفه الرحم (1)، الظاهر في إبداء احتماله، نظير التعليل بتعجيل الدم أحيانا في المرئي قبل العادة (2).
و لا يخفى ما في هذه الوجوه من منع كون الأصل المزبور مثبتا للحيضية، و على فرضه فيمنع كون دم الاستحاضة معدودا من المرض، لغلبته في النسوان بحيث صار كالطبيعة الثانوية.
و أما التعليلان فالظاهر كونهما في مقام تقريب الحيضية قبال امتناعه، لا الحيضية بمحض الاحتمال، و من هذه الجهة صار بناء المشهور على عدم الحكم بحيضية دم المبتدئة بمحض الرؤية.
نعم قد يستظهر من جملة من كلماتهم انّ كل دم تراه المرأة البالغة غير اليائسة بعد الثلاثة و انقطع على العشرة، أنه محكوم بالحيضية، و ادعى عليه الإجماع في بعض كلماتهم، و لازم ذلك تمامية القاعدة بالنسبة إلى المعنى الثاني.
و لكن في هداية الأنام للشيخ الكاظمي قدّس سرّه إنكار هذا الإجماع، و تخصيص مورده بدم مرئي في ضمن العشرة، بعد الفراغ عن كونه في الثلاثة محكوما بالحيضية، لا مطلقا (3).
و ربما يدل بعض النصوص «على انّ ما تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى، و ما تراه بعدها فهو من الحيضة المستقبلة» (1)، إذ الظاهر من الفقرة السابقة إلحاق الدم المرئي قبل العشرة بالدم المفروغ كونه حيضا، و عليه فيختص مورد القاعدة الثانية بخصوص هذه الصورة لا مطلقا.
و عليه فلا بدّ في غيرها من الرجوع إلى سائر الأصول، و إن كان الأحوط في مطلق الدم المرئي في الثلاثة، المنقطع على العشرة، بين الجمع بين الوظائف، لقوة اشتهار الفتوى به، كما لا يخفى على من راجع الكلمات.
و أما ما تراه المرأة بعد خمسين سنة إن لم تكن قرشية و لا نبطية، أو بعد ستين سنة إن كانت إحداهما، أو قبل تسع سنين مطلقا فليس بحيض! على المشهور في الأول، جمعا بين مطلقات الخمسين و الستين (2)، و المرسلة المفصّلة بينهما، بقوله- بعد التحديد بالخمسين-: «إلّا أن تكون امرأة من قريش» (3)، و عن المقنع: انه روي الستين في القرشية و النبطية (4).
و سند المرسلة الاولى قابلة للانجبار بالشهرة بخلاف الثانية، فلذلك استشكل فيه جمع من الأساطين، و مع الشك في كونها قرشية فيستصحب عدم اتصافها لو لم يحتمل كونها من الحدود الواقعية، لأن الأصل المزبور لا يثبت مثله، كما لا يخفى.
و أما الثاني فلا اشكال فيه نصا و فتوى، و في النص: «إذا كمل لها تسع سنين أمكن حيضها» (1)، نعم قد تعلم الحيضية ببعض العلائم و الأمارات، فيصير امارة على البلوغ، فلا دور في ذلك حينئذ كما توهّم.
و أقله ثلاثة أيام متواليات على المشهور في قيد التوالي، مع نفي الاشكال في أصل اعتبار الثلاثة فتوى و نصا مستفيضا (2)، بعد طرح مضمرة سماعة بحيضية الأقل من الثلاثة (3)باعراضهم.
و ظاهر أمثال هذه التحديدات- في الأمور التدريجية القابلة للاتصال- كونها بيانا لمقدار استمرارها، و لازمة دخول الليلتين المتوسطتين دون الاولى و الأخيرة.
و في كفاية التلفيق بهذا المقدار- و لو في يومين و ثلاث ليال، أو مع حفظ الثلاثة من النهارية- وجه، لا يبعد الأخير من قوة. كما أنّ لازمة استيعاب الزمان برؤية الدم، و لا تكفي الرؤية في كل يوم بمقدار متعارف معتد به، و إن كان يؤيد الاحتمال الأخير استبعاد استمرار الرؤية عادة في غالب النسوان.
و حينئذ فلا يبقى وجه لاستفادة التوالي من التقريب السابق، بل لا بدّ إما من دعوى الانصراف، أو التشبث بالفقه الرضوي (4)و الأخير موهون، و الأول أشكل، و عليه فلا دليل على التوالي إلّا الشهرة.
هذا، و لكن يمكن دعوى انّ ما أفيد إنما يتم لو كان المستفاد من أدلة التحديد تحديد خروج الدم من الفرج، و إلّا فلو كان تحديدا لبقاء الدم في
الرحم، على وجه فيه اقتضاء الخروج، و لو في كل يوم مقدارا معتدا به، كما هو الشأن في استمراره إلى العشرة، بشهادة أخبار الاستبراء بوضع القطنة (1)، فلا بعد في استمراره حقيقة، كما لا يخفى.
و حينئذ فلا قصور في الاستظهار السابق من روايات الباب، كما لا يخفى.
ثم انّ المخالف في هذه المسألة صاحب الحدائق (2)، مستندا إلى بعض الأخبار الظاهرة في الاكتفاء بالثلاثة في ضمن العشرة (3).
و لكنّ المشهور- حسب اعراضهم عنها- يظهر منهم عدم الاعتناء بها، و هو يكفي في وهنها، خصوصا في دلالتها أيضا على وقوع الطهر أقل من عشرة أيام أثناء حيضة واحدة، إذ ذاك أيضا موهون عندهم كما لا يخفى، و إن كان الاحتياط في مثله الجمع بين الوظائف.
و من حدود الحيض أيضا أن لا يكون أكثره أزيد من عشرة أيام، بلا إشكال أيضا نصا و فتوى، للأخبار المستفيضة (4)، بعد طرح ما دل على كون أكثره ثمانية (5)، أو تأويله بأنه ناظر إلى عادة غالبية النسوان.
نعم في اعتبار عدم الأقلية من العشرة في الطهر بعد تمام عشرة الحيض خلاف معروف بين المشهور و صاحب الحدائق (6)أيضا، تمسكا بالمرسلة السابقة (7)قبال المطلقات المحددة بالعشرة (8).
1) وسائل الشيعة 2: 562 باب 17 من أبواب الحيض.
2) الحدائق الناضرة 3: 168.
3) وسائل الشيعة 2: 551 باب 10 من أبواب الحيض حديث 4.
4) وسائل الشيعة 2: 551 باب 10 من أبواب الحيض.
5) وسائل الشيعة 2: 553 باب 10 من أبواب الحيض حديث 14.
6) الحدائق الناضرة 3: 160.
7) وسائل الشيعة 2: 555 باب 12 من أبواب الحيض حديث 2.
8) وسائل الشيعة 2: 551 باب 10 من أبواب الحيض.
و في المقام أخبار دالة على ترك الصلاة برؤية الدم، و وجوب الاغتسال و الصلاة بقطعه (1)، و هكذا. و ظاهرها لا يساعد مذهب صاحب الحدائق أيضا، فلا بد من طرحها أو تأويلها، فلا رجحان للأخير بعد العلم الإجمالي بطرح أحد الأصلين، من أصالة السند أو الظهور، كما لا يخفى.
و بعد معلومية الحدين يحكم بأنّ ما بينهما بحسب العادة أو غيرها، من سائر القواعد و الأمارات، بالحيضية أيضا.
بقي في المقام مطلب آخر، و هو أنه قد يدّعى انّ من حدود الحيض أن لا يكون في زمان الحمل، أو بعد استبانته، أو بعد مضي عشرين يوما من عادتها، خلافا للمشهور القائلين بالاجتماع و عدم كونه من حدوده، و مدرك الخلاف اختلاف أخبار الباب (2)، و المشهور عملوا بالمستفيضة الدالة على الاجتماع (3)، و طرحوا غيرها، فلا وثوق لنا في طريقها، فالأقوى ما هو المشهور، لقوة مدركهم.
و لو تجاوز الدم العشرة، فإن كانت المرأة ذات عادة مستقرة رجعت إليها، و تتحيّض بمقدار اقتضاء العادة، بلا خلاف نصا و فتوى.
و يكفي له المرسلة الطويلة بأنها «لو كانت ذات عادة فمرجعها عادتها» (4)، بل هي صريحة في تقديم العادة على الصفات، و إن كانت حاصلة منها، لإطلاق الدليل.
و لا اختصاص في مرجعية العادة بالمستمرة الدم، بل مهما تحقق عنوان العادة لها كان ذلك طريقا إلى حيضها، كما يومئ إليه تعليل الرجوع إلى
الصفات بعدم معرفة أيام الدم الجاري في غير المستمرة، من دون فرق بين أقسامها من العددية و الوقتية، أو العددية فقط أو الوقتية كذلك، لظهور قوله:
«عدة أيام سواء» (1)في الأعم، سواء الوقتية أو العددية أو كلتيهما.
و لئن أبيت إلّا عن حمل التسوية المزبورة على العدد، فيكفي في الوقتية المحضة قوله: «فإذا انقطع الدم لوقته في الشهر الأول سواء» (2)، إذ إطلاقه يشمل التسوية في وقت الانقطاع، فيتعدّى إلى التساوي في وقت الشروع أيضا و إن اختلفا في وقت الانقطاع، و ذلك لعدم القول بالفصل بينهما.
و ظاهر الشهر: الشهر الهلالي، فلا يشمل الحيضتين المفصول بينهما أقل الطهر.
نعم لو تكرر الدم بنسق واحد على مقدار يصدق عرفا أنه أيامها و خلقها، فلا بأس بأخذه، و في مثله لا يعتبر اتصال الشهرين، و لا وقوع كل حيضة في شهر هلالي، للإطلاقات الدالة على أنّ ذات العادة مطلقا تأخذ بعادتها.
و هذا بخلاف العادة الشرعية الحاصلة بالمرتين، فإنها ليست بتلك السعة، بل لا بد من حفظ الخصوصيات المستفادة من النص، من اتصال الشهرين الهلاليين، و عدم كون المرتين في شهر واحد، و هكذا.
و في شمول الإطلاق (3)ذات العادة المركبة بالنسبة إلى الشهرين بعد انحصار الدم المرئي في الشهر الثاني، بما كان على نسق المرئي في الأول وقتا و عددا، أو أحدهما، وجه وجيه، كما لا يخفى.
ثم انه بعد استقرار العادة العرفية لا تكاد تزول بمجرد الرؤية في شهر من الشهور على خلافها، نعم لو تكررت المخالفة بمقدار يوجب سلب العادة
عند العرف فعند ذلك يحكم بزوال عادتها.
نعم في صورة الشك في الزوال حكميا يحكم ببقاء حكمها لا نفسها، و موضوعيا يحكم ببقاء نفسها إلى أن يحصل الجزم بزوالها، أو بحصول عادة جديدة، فالمتبع حينئذ العادة الثانية لا الاولى.
و أما في العادة الشرعية، ففي إضرار مخالفة المرة بالعادة وجه، لعدم مساعدة الإطلاقات لمثله لو لا استصحاب بقائها حكما أو موضوعا إلى أن تحصل عادة جديدة، أو كان بحد لا يساعد العرف على كونها ذات خلق معروف.
و كيف كان فمهما تحقّقت العادة الوقتية و العددية، بل في الوقتية من حيث بدو الدم، فلا إشكال في التحيّض بمجرد الرؤية، و الصفرة في أيامها حيض أيضا، و أما في الوقتية من حيث الانقطاع، ففي التحيّض بمجرد الرؤية إشكال، لو لا دعوى شمول ما دل على تعجيل الدم يوما أو يومين أو ثلاثا (1)لما نحن فيه، و عدم انصرافه إلى التعجيل عن وقته المستقر بدوا و ختما، أو بدوا فقط، و في المقام لم يستقر بدوه في وقت معلوم، و لا يخلو الانصراف المزبور عن اشكال.
نعم لو كان سبق الدم بمقدار لا يصدق عليه التعجيل، فلا تشمله الأخبار المزبورة، و في شمولها لمقدار يحتمل كونه تعجيلا لدم العادة- و لو كان مسبوقا بغيره- وجه، و توهّم الانصراف عنه ممنوع.
و أما العددية المحضة ففي الحكم بالحيضية بمجرد رؤية الدم اشكال، لعدم إحراز كون ذلك من الدم المزبور، فما في بعض الكلمات من الحكم بالتحيّض فيه أيضا بمحض رؤية الدم لا وجه له، نعم كانت العددية مرجعا للمستمرة.
1) وسائل الشيعة 2: 560 باب 15 من أبواب الحيض حديث 2.
و أما الوقتية المحضة فلا يبعد فيها ذلك أيضا بالنسبة إلى المقدار المستقر لها.
و توهم انصراف دليل المرجعية (1)إلى العادة المنطبقة بحديها دون المقام، مدفوع، كما أنّ الصفرة في هذا المقدار أيضا محكومة بالحيضية بلا توهم انصراف في دليله كما هو ظاهر.
ثم بعد انقضاء زمان العادة، فإن استمر الدم إلى العشرة و انقطع عليها كان الكل حيضا و إن لم يكن بصفاته، لكونه من صغريات معقد الإجماع السابق.
نعم ربما يظهر من صاحب الحدائق (2)و غيره الإشكال في إلحاق الصفرة التي تراه المرأة بعد ثلاثة أيام الاستظهار بالحيض، و الظاهر انه خلاف ظواهر معاقد إجماعاتهم، و لا أقل من معارضته مع ما دل على أنّ ما رأته قبل العشرة فهو من الحيضة الأولى (3)، الظاهرة في الحكم بالإلحاق من حيث الحيضة.
و المرجع بعد التعارض استصحاب أحكام الحيض، بل ربما يؤيده أخبار الاستظهار (4)الظاهرة في طلب ظهور الحال في الانقطاع قبل العشرة و عدمه، و لو بصفرة.
و إن انقطع عنها الدم بانتهاء عادتها، فلا إشكال في وجوب الاغتسال و الصلاة بمجرد نقائها عنه.
و إن شكت في الانقطاع المزبور فتستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة، بل إلى العشرة على اختلاف أخباره المنزّلة على اختلاف عادة النسوان
و اختلاف مزاجهن، من حيث قلّة الدم و كثرته.
و حيث إنّ ظاهر هذه الأخبار كون وجوب هذا الاختبار حكما طريقيا، بملاحظة مراعاة الواقع، و أن الأمر بترك العبادة من جهة تغليب احتمال الحرمة، بل و تنجّزها الموجب لفساد العبادة، و لو بمناط التجري، المخرج للفاعل عن صلاحية المقربية، لا يبقى مجال لتوهّم معارضتها مع ما دل من أنّ المستحاضة تأخذ بأيام العادة (1)، إذ مثل هذا الحكم يكون من الأحكام الواقعية الثابتة المستمرة، و أنّ المراد من المستحاضة في لسان الأخبار- كما اعترف به شيخنا العلّامة (2)- هي المستمرة، إذ من المعلوم انه لا يبقى مجال لمعارضة الأحكام الظاهرية و الواقعية، لاختلافهما رتبة، فما عن المدارك من إلقاء المعارضة بينهما و أخذه بأخبار العادة ترجيحا (3)، منظور فيه جدا.
هذا كله في ذات العادة و إن كانت مبتدئة أو مضطربة بالمعنى الأعم الشامل للناسية و لها تميّز عملت عليه، لما في المرسلة من «أنّ التميز وظيفة كل من لم تكن لها عادة» (4)، بشهادة اقتضاء التعليل بأنها «لو كانت تعرف أيامها ما احتاجت ..» إلى آخره، كون التميّز وظيفة كل من لم تعرف أيامها.
و ظاهرها و إن كانت مختصة بالناسية، لكن التأمل في سائر فقرأته، بل و ملاحظة المضمرة المشتملة على مثل هذا العنوان، الظاهرة في
المبتدئة (1)، يشهد بأنّ المراد هي التي لا تعرف الأيام، و لو لعدم استقرار العادة لها، فتشمل المبتدئة و المضطربة بالمعنى الأخص.
هذا مضافا إلى ظهور أخبار الصفات في كونها امارة عقلائية (2)، بحيث لا يبقى معها خفاء في الدم. و هذه الجهة بنفسها تقتضي عدم اختصاصها بفرد دون فرد، فكانت الصفات مرجعا من حين صدور الدم إلى أن ينقطع على العشرة أو لم ينقطع، بل لو انقطع الدم الموصوف قبل العشرة اغتسلت، و مع الشك صبرت المبتدئة إلى العشرة، فتتحيّض للاستصحاب، علاوة على جملة من النصوص الدالة على تحيّض المبتدئة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة (3)، و إن كان في تنزيلها على مورد الشك بوجود الدم اشكال.
و على أي حال فأدلة استظهار ذات العادة لا تشمل المقام، و لذا يعبّرون في مثلها بصبرها، و لو للاستصحاب من جهة احتمال بقاء الدم إلى العشرة و انقطاعه عليها، إذ مثل هذا الدم واقعا حيض بحكم الأخبار السابقة، فاحتماله يوجب الصبر إليها للاستصحاب.
نعم قد يتوهم انّ مقتضى إطلاق هذه الروايات هو حيضية مثل هذا الدم المنقطع و لو لم يكن بصفات الحيض، و جعلوها مدرك قاعدة الإمكان، بالقياس إلى القواعد الشرعية، وفاقا لإطلاق جملة من الكلمات، و لكنه توهم فاسد، لأن إطلاقها مسوق لبيان استمرار حيضية الدم إلى العشرة المنقطع عليها، و ذلك غير إثبات حيضيته بأي وجه اتفق، كما لا يخفى.
و عليه فيشكل الحكم بالكلية المزبورة، بل لا بد من ملاحظة كونها ذات تميّز، و مع عدمه فتحتاط بالجمع بين الوظائف، لما ذكرنا من اشتهار
الفتوى بذلك.
و لو تجاوز الدم عن الشعرة و فقدته أي التميز رجعت المبتدئة إلى عادة أهلها، للمضمرة (1)المقيّد إطلاقها بوجود التميز أيضا، لما يستفاد من المرسلة من «أنّ العلّة للانتقال إلى التميّز عدم معرفة الأيام» (2)، فإنها ظاهرة في أن فقد العادة موجب للمصير إلى التميّز و الاحتياج إليه، لأن ظهور العلّة أقوى من إطلاق المضمرة.
و حيث إنّ ظاهر العنوان المأخوذ في الحكم بعادة الأهل عنوان «من لم تعرف أيامها» يستكشف عدم اختصاص الحكم المزبور بالمبتدئة، بل يجري في المضطربة بالمعنى الأخص أيضا، خلافا للمصنف، حيث خص الحكم بالمبتدئة بمحض كونها مورد السؤال، فيقتصر في خلاف القاعدة على مورده.
و لكن فيه: إنّ مدار الحكم هو ما أخذ له من العنوان، و هو أعم منها، و ذلك ظاهر.
ثم إنّ الظاهر من المضمرة صورة اتفاق عادة الأهل، و لكن في الموثقتين الاكتفاء بعادة البعض (3)، و يمكن حملهما على صورة إمكان جعلها أمارة كاشفة عن عادة الباقيات، كما لا يخفى.
و حينئذ فإن فقدن أو كنّ مختلفات العادة فمرجعها العدد، و عمدة الوجه ما في المرسلة الطويلة (4)، من جعل سنة المبتدئة العدد، و لا يتوهم
شمول إطلاقها لصورة التميز و عادة الأهل، إذ مقتضى ظهور استظهار الإمام من قول النبي صلّى اللّٰه عليه و آله: «تحيّضي» (1)- المفسر بكونها عاملة عمل الحائض، لا أنها حائض في قبال ما لو كانت لها أيام معلومة- هو أنّ مرجع الأمر بالتحيّض إلى التعبّد بالحيضية في أيام معدودة في علم اللّٰه لا في علمها، بلا كشف شيء عن حيضها واقعا، بحيث لو كانت في البين عادة كاشفة عن الواقع، لما كان لمثل هذا التعبّد المحض مجال.
فكان وزان هذا اللسان بالنسبة إلى من لها عادة وزان من له الأصل بالنسبة إلى من له الامارة، و لازمة حينئذ تقديم الصفات أو العادة للأهل على العدد أيضا، بعين مناط تقديم عادة نفسها، لأنهما أيضا من الأمارة المقدّمة على الأصل التعبّدي، كما هو ظاهر.
و حينئذ ففي تعيين العدد في المبتدئة نحو إشكال، إذ في المرسلة (2)تارة «ست» أو «سبع» و اخرى أقل من ذلك، و هو الست الذي أشار إليه في الفقرة السابقة.
و حينئذ فيمكن حمل اختلاف ألسنتها على اختلاف الشهور، كي يناسب مع ثلاثة عشر في الشهرين بالثلاثة في شهر و العشرة في شهر آخر، كما يومئ إليه المرسلة: «أكثر جلوسها عشرة و أقلها ثلاثة»، و في الموثقتين تعيين الثلاثة (3).
و يمكن الجمع بينهما بحمل الثلاثة في الموثقتين على ما يتعيّن عليه في أحد الشهرين، بعد أخذها العشرة في الآخر، كما أنّ ما في
المضمرة (1)أيضا محمول على تمام ما عليها من حدي الأقل و الأكثر من الوظيفة، و لو في الشهرين، بقرينة التعيين بالثلاثة في الشهر الواحد في الموثقة، فيرفع بظهور الموثقة في تعيين الثلاثة إجمال المضمرة في التحديد، من حيث احتمال كونه تحديدا لطرفيه و لو في شهر واحد.
كما أنّ من ظهور المضمرة في عدم انحصار التحديد بالثلاثة يرفع اليد عن إطلاق التعيين بالثلاثة في جميع الشهور في الموثقة، فبنص كل واحد في جهة يرفع اليد عن ظهور الآخر.
ثم بملاحظة المناسبة مع هذا العدد يحمل اختلاف الألسنة بين السبع و الست في المرسلة على اختلاف الشهرين.
نعم كان بينهما اختلاف آخر في اختيار العدد بين السبع و الست، أو الثلاث و العشرة، فيجمع بين الطائفتين من تلك الجهة أيضا برفع اليد عن تعيين كل واحد من الطريقتين، فتتخيّر المبتدئة بين الست و السبع، أو الثلاث و العشر.
هذا و من الممكن الجمع بين الروايات بحمل الاختلاف في هذه الروايات على بيان المراتب التي كانت المرأة مخيّرة في الأخذ بكل واحد في الشهر الواحد، نظرا إلى رفع اليد عن ظهور التعيين في الثلاثة بالنسبة إلى باقي مراتب العدد، و حمل «أو» في «الست أو السبع» أيضا على التخيير في شهر واحد، و حمل أكثرية العشرة على أقصى مراتبه في هذا الشهر، و هو مذهب علم الهدى قدّس سرّه.
و من المحتمل حمل الترديد في الست أو السبع من الراوي، فيتعيّن السبع للاستصحاب، فيحكم بعده بالتخيير بين الأخذ به أو الأخذ بالثلاثة
1) وسائل الشيعة 2: 547 باب 8 من أبواب الحيض حديث 5 و 6 و 2.
في شهر و العشرة في آخر، بملاحظة ما ذكرنا من كيفية الجمع بين المضمرة و الموثقة بالطريقة الاولى. و إليه نظر المصنف قدّس سرّه بقوله: تحيّضت المبتدئة في كل شهر سبعة أيام أو ثلاثة أيام من الشهر الأول و عشرة من الثاني.
و لكن مقتضى الإنصاف بعد احتمال حمل الترديد- خصوصا بقرينة الذيل- على ترديد الراوي، بل لا وجه لتعيين وضع الثلاثة في الشهر الأول إلّا الترتيب الذكري في المضمرة، و إلّا فتتخيّر في وضعها، اللهم إلّا أن يدّعى انه يكفي لاحتماله الأول دوران الأمر بين التعيين و التخيير، و الأصل في مثله التعيين، كما لا يخفى.
و الأولى في المقام المصير إلى الجمع الأول، و إلّا فإلى الثاني، و الأولى من الجميع الأخذ بالثلاثة في كل شهر، و تجمع بين التروك و أفعال الطاهر فوق الثلاثة إلى العشرة، و إلى ذلك أشرنا أيضا في حاشية الكتاب، فراجع و تدبّر.
ثم الأضعف مما أفاده المصنّف بشأن المبتدئة ما أفاده بشأن المضطربة بقوله: و المضطربة تتحيّض بالسبعة، أو الثلاثة و العشرة في الشهرين بمعنى أنها مخيّرة أيضا بأن تأخذ بالسبعة في كل شهر، أو الثلاثة في أحدهما و العشرة في الثاني نظير المبتدئة من تلك الجهة، لاشتراكهما في شمول دليل العدد، و إنما تفارق المضطربة مع المبتدئة في الرجوع إلى عادة الأهل، بظن اختصاص دليلها بالمبتدئة و لا يشمل المضطربة، و قد عرفت ما فيه، كما لا يخفى.
، و هو: انّ الحيض بعد ما كان له حدود و أمارات، فلا شبهة في أنّ مفاد أماراتها يكون من سنخ الأحكام الظاهرية
بالنسبة إلى حدودها، و لذا لو فرض مخالفتها أحيانا مع الواقع، كأن يكون زمان الامارة أكثر من زمان الحد الواقعي، لا يبقى مجال لإعمال قواعد المعارضة بينهما، لعدم صلاحية الأحكام الظاهرية لمعارضة الأحكام الواقعية، بل هما مجتمعان أحدهما في طول الآخر، فكيف يطرح الواقع بمثلها، بل حفظ الواقعيات ربما يوجب العلم الإجمالي بمخالفة إحدى الأمارات للواقع.
و عليه فإن كان في البين مورد لا تكون للأمارة في دلالتها على الحيضية معارض فيؤخذ بها، و أما لو كان لها معارض كلا أو بعضا فلا جرم يطرح الجميع بعد عدم دليل لترجيح الأسبق زمانا، و المرجع حينئذ في الأول هو العلم الإجمالي التدريجي بين التكليف بتروك الحائض و أفعال الطاهر، و في الثاني استصحاب الطهر في المحتمل الأول، و استصحاب الحيض في المحتمل الأخير، و ذلك أيضا في غير المستمرة.
و أما في المستمرة، ففي الرجوع إلى العدد بعد فقد الامارة و لو بالتعارض كلام آخر، مبني على انصراف دليل العدد عن مثله و عدمه، و مع عدم الانصراف- كما هو الأقوى- يؤخذ به، و لا مجال لمرجّحيته لأحدها، لأنّ العدد كما عرفت مرجع لا مرجّح، نظير الأصل بالنسبة إلى الدليل، كما لا مجال لتعيين وضعها في زمن معيّن، لإطلاق دليله المقتضي للتخيير في وضعها أي وقت شاءت.
ثم انّ ذلك أيضا في صورة كون زمان الامارة أزيد من زمان الحد الواقعي، و أما لو كان زمان الامارة أقل من الحد المعلوم حيضيته، فلا شبهة في وجوب الأخذ بمقدار الامارة، و تستصحب الحيضية إلى زمان يعلم بارتفاعها، لو لم يعلم بحيضية الطرفين تفصيلا.
و في مرجعية مثل هذه الأمارة أيضا لمستمرة الدم، بضميمة
الاستصحاب المسطور كلام آخر، مبني أيضا على انصراف دليل مرجعية الصفات عن مثله، و مع الشك فيه كان العدد هو المرجع، بناء على عدم انصراف دليل العدد عن مثل هذا الفقدان الكامل، و إلّا فيرجع إلى الأصل السابق من الاستصحاب مع العلم بالحالة السابقة، أو قواعد الشبهة المحصورة بالجمع بين الوظيفتين مع عدمه، و اللّٰه العالم.
إلّا اجتيازا، عدا المسجدين، للنصوص (1)المشتركة بين الحائض و الجنب، لاشتمالها لهما، و تقدّم الكلام في مفادها سابقا، و يأتي هنا ما ذكرناه هناك.
و هكذا يحرم عليها قراءة العزائم، و مس كتابة القرآن على ما مرّ تفصيله في بحث الوضوء، بملاحظة ترتب الحكم على المحدث، الصادق في المقام أيضا.
و يحرم على زوجها وطؤها بلا اشكال فيه في الجملة نصا (2)و فتوى، و في اختصاص الحرمة بحال الدم أو يبقى إلى أن تتطهر و تغتسل وجهان، قيل بابتنائه على قراءة آية «يَطْهُرْنَ» (3)بالتخفيف أو بالتشديد، و مع الإجمال تستصحب الحرمة.
و التحقيق: الاختصاص بزمان الدم، جمعا بين موثقة ابن يقطين (4)
و كذلك المرسلة (1)، و بين مرسلة أبي بصير (2)الناهية عنه، بالحمل على الكراهة.
ثم انّ ظاهر قوله في رواية عبد الملك: «كل شيء ما عدا القبل» (3)بقاء وطء دبرها على حاله قبل الحيض بلا تأثير للحيض فيه.
و لو وطأ عمدا عزّر وجوبا بربع حد الزاني مطلقا، لبعض النصوص المطلقة (4)، أو بالتفصيل بين آخره و غيره بالثمن في آخره و الربع في أوله كما في نص آخر (5)، و يحمل الأول على الترخيص في ترك الزائد مع رجحانه، و كفّر مستحبا خلافا للمشهور القائلين بالوجوب.
و الأخبار بذلك مختلفة، ففي بعضها: «لا شيء عليه» (6)، و في آخر:
«عليه دينار» (7)، و في ثالث: «نصف دينار» (8)، و في رابع: التفصيل بدينار في أوله، و نصف في وسطه، و ربع في آخره (9).
و لو لا شبهة اعراض المشهور عما يدل على نفي وجوب الجمع بين الجميع، لاقتضت القاعدة الحمل على مراتب الرجحان بلا لزوم أحدها، و إليه أيضا نظر المصنّف قدّس سرّه.
و مقتضى قاعدة «عدم تداخل الأسباب» أيضا تكرر الكفارة بتكرر
1) وسائل الشيعة 2: 573 باب 27 من أبواب الحيض حديث 5.
2) وسائل الشيعة 2: 573 باب 27 من أبواب الحيض حديث 6.
3) وسائل الشيعة 2: 570 باب 25 من أبواب الحيض حديث 1.
4) وسائل الشيعة 18: 586 باب 13 من أبواب بقية الحدود و التعزيرات حديث 2.
5) وسائل الشيعة 2: 575 باب 28 من أبواب الحيض حديث 6.
6) وسائل الشيعة 2: 576 باب 29 من أبواب الحيض.
7) وسائل الشيعة 2: 575 باب 28 من أبواب الحيض حديث 3.
8) وسائل الشيعة 2: 575 باب 28 من أبواب الحيض حديث 4 و 5.
9) مستدرك الوسائل 2: 21 باب 23 من أبواب الحيض حديث 1.
الوطء الحاصل بتكرار الإدخال، من دون فرق بين حصول الوطء الثاني قبل التكفير أم بعده، نعم لو قيل في أصل المسألة بأنّ قضية تعدد السبب تأكد الطلب في المسبب، فلا بد أن يفصّل في المسألة بين حصول الوطء بعد التكفير أو قبله، كما لا يخفى.
و لا ينعقد لها صلاة و لا صوم بلا اشكال فيه فتوى و نصا، للأخبار المستفيضة الناهية عنهما بالخصوص (1).
و يلحق بها الطواف، لعموم التنزيل (2).
و أما غير المنصوص عليه بالخصوص من الأمور المشروطة بالطهارة، ففي كونها منهيّا عنها اشكال.
و ربما تظهر الثمرة في اقتضاء القاعدة عدم سقوط القضاء، بخلاف المنهيات بالخصوص.
و في اقتضاء النهي المزبور حرمة ذاتية مطلقا، أو بقصد مشروعيته، أو صرف تشريعية كاشفة عن عدم وفائه بالمصلحة محضا، وجوه، أضعفها أخيرها، لظهور تعلّق النهي بذات العمل جزما، فيتردد الأمر بين الأولين، من جهة انصراف نواهيها إلى النحو المعهود من إيجادها قربيا، و من اقتضاء تغليب جانب الحرمة في أيام الاستظهار أن تكون عبادتها محرّمة ذاتا.
و يتأيد ذلك بما ورد في رواية خلف بن حماد من قوله عليه السّلام:
«سر اللّٰه فلا تذيعوه» (3)، بعد أمر الجارية بترك الصلاة إن كانت حائضا.
و يؤيده أيضا بناؤهم- غالبا- على بطلان العبادة بترك الاختبار في موارده، حتى و لو صادف عدم الحيض، بمناط مبعدية التجري، لا موضوعيته و شرطيته كما توهم.
و لا ينافيه أمرهم بالجمع بين الوظائف في موارد الاحتياط، لأن احتمال الحرمة بسبب مزاحمته لاحتمال الوجوب غير منجّز، فيبقى في البين احتمال الوجوب طرفا للعلم الإجمالي، و الطرف الآخر تروك الحائض في غير المحتمل وجوبها، فيجب الإتيان حينئذ من تلك الجهة، كما لا يخفى.
و لا إشكال أيضا في عدم تمكنها من طهارة رافعة للحدث، و لا طواف، و لا اعتكاف، لاحتياج الأول إلى الدخول في المسجد الحرام، و الثاني إلى الصوم و المكث في المسجد.
و لا يصح أيضا طلاقها مع الدخول حائلا، و إلّا فهي ممن يطلّقن على كل حال، و بشرط حضور زوجها على التفصيل الآتي في كتاب الطلاق إن شاء اللّٰه.
و يجب عليها قضاء الصوم على خلاف القاعدة، لأن المفروض عدم فوت مصلحة التكليف عنها، بعد أن لم تكن واجدة للشرط الذي له مدخل في ملاك مصلحة الواقع.
و لكن في النص (1)الفارق بين قضاء الصلاة و الصوم ما يوهم كون ثبوت القضاء في الصوم على القاعدة، دون سقوط غيره، و أنه (2)من جهة ملاحظة التوسعة في الدين دون قضاء الصوم الواجب في السنة مرة (3).
و لكن أمكن حمله على بيان الحكمة في أصل تشريعه على خلاف القاعدة، و من هنا نقول: إنّ المتيقن الثابت قضاء رمضان، و إلّا فغيره باق تحت أصالة عدم المشروعية، كما لا يخفى.
ثم انّ ذلك في صورة استيعاب الحيض تمام وقت الصلاة أو غيرها من العبادات، و أما إذا لم يستوعب، فإن وسع الوقت لإتيان الصلاة تامة الأجزاء و الشرائط فلا إشكال في وجوب قضائها، لأنّ فوت صلاتها لم يكن مستندا إلى حيضها، و في النص (1)أيضا تعليق وجوب قضاء الصلاة على تفريطها، و لو لتقصير في تحصيل مقدماتها.
و إن لم يسع الوقت لتمام صلاتها واجدة للشرائط، فإن اتسع الوقت لتمام الصلاة فاقدة للشرائط، فمقتضى عموم عدم سقوط الصلاة بحال (2)هو الإتيان بها ثم قضاؤها. و لكن ظاهر ما دل على تعليق القضاء بالتفريط (3)، الدال بمفهومه على عدم القضاء المزبور بلا تفريط منها، سقوط القضاء عنها أيضا.
نعم في رواية أخرى تعليق سقوط القضاء على عدم التمكن من الطهارة المائية (4)، و لا يبعد شرح التقصير و التفريط في الروايات الأخرى بذلك.
و عليه فالمدار على تمكنها من تحصيل الطهارة فيجب القضاء، و إلّا فلا يجب، بلا دخل في التمكن من سائر الشرائط في ذلك و عدمه.
و في قيام الطهارة الترابية مقام المائية في إثبات مشروعية الصلاة، كي
يترتّب عليها قضاؤها إشكال، إذ دليل البدلية (1)ناظر إلى صورة عدم التمكن من إيجاد المشروط في ظرف الفراغ عن مشروعيتها، و ليس ناظرا إلى إثبات أصل المشروعية.
نعم مع فرض عدم تمكنها من الطهارة المائية من جهة أخرى غير ضيق وقتها، لا بأس بقيام التيمم مقامها، إذ ما دل على دخل التمكن من الطهارة المائية في مشروعية صلاتها إنما هو ناظر إلى تمكنها من الطهارة في وقتها، فعدم تمكنها المسقط للمشروعية منحصر بما كان من قبيل ضيق وقتها، و حينئذ فعموم: «و لا تدع الصلاة بحال» (2)كاف في إثبات المشروعية، الموجب للانتقال إلى التيمم مع فقد المائية.
و إن لم تتمكن في ظرف تحصيل الطهارة المائية إلّا من إدراك ركعة، فلا شبهة في انه لو كان ذلك في أول الوقت، فلا دليل على مشروعية الصلاة أيضا، إذ عموم: «من أدرك» (3)ناظر إلى القصور من جهة فوت الوقت لا من جهة مانع آخر، و حينئذ فلا يجب عليها القضاء.
و أما إن كان في آخره فلا قصور في شمول «من أدرك» ذلك، إذ مثله ناظر إلى توسعة الوقت لمن كانت وظيفته وجوب تمامها على فرض سعته، فتدبّر.
، لخبر الخصال (4)، جمعا بينه
و بين ما دل على قراءتها ما شاءت (1)، و مس المصحف، للنهي عنه (2)المحمول على الكراهة، و كذا يكره لها حمله، لاشتراكها مع الجنب بظهور جملة من أخبارهما (3)فيه- و قد تقدّم كراهته على الجنب- و الخضاب، للنهي عنه في غير واحد من النصوص (4)، و الوطء قبل الغسل، لما تقدّم، و الاستمتاع منها بما بين السرة و الركبة، للجمع بين النصين المجوز و الناهي (5).
في وقتها، و الجلوس في مصلّاها ذاكرة بقدر صلاتها، لنصوص مستفيضة، مشتملة بعضها على قوله: «تتوضأ وضوء الصلاة في وقت كل صلاة» (6).
و الظاهر انّ الغرض منه: الأوقات المعهودة الثلاثة، لا الأوقات المشروعة لكل صلاة كي تصير خمسة و إن كان ظاهر العموم ذلك.
و أما الأغسال المسنونة، فلا إشكال في مشروعية غسل الإحرام، لكونه منصوصا عليه (7).
و أما غيره فلا يبعد دعوى اقتضاء إطلاق دليلها مشروعيتها، و لا ضير في
1) وسائل الشيعة 1: 493 باب 19 من أبواب الجنابة حديث 4 و 6.
2) وسائل الشيعة 1: 196 باب 12 من أبواب الوضوء حديث 3.
3) وسائل الشيعة 1: 491 باب 18 من أبواب الجنابة.
4) وسائل الشيعة 2: 593 باب 42 من أبواب الحيض حديث 7.
5) وسائل الشيعة 2: 571 باب 26 من أبواب الحيض.
6) وسائل الشيعة 2: 587 باب 40 من أبواب الحيض حديث 2.
7) وسائل الشيعة 9: 65 باب 48 من أبواب الإحرام حديث 5.
الالتزام بتأثيرها و لو بتخفيف الحدث.
و أما الواجب فما كان مقدّمة لما اشترط فيه الطهارة، فلا إشكال في عدم وجوبه، و أما لو كان واجبا نفسيا فليلحظ إطلاق دليله، و الذي يسهّل الخطب عدم وجوب غسل نفسيا، كما لا يخفى.
و هي في الأغلب دم أصفر بارد رقيق يخرج بفتور قبال الحيض، على ما نطقت به الأخبار المشار إليها في أول الحيض (1)، و شرحنا أيضا أنّ أمثال هذه الصفات من الطرق العقلائية، بمناط افادتها للاطمئنان أنّ أمثال هذا الصفات من الطرق العقلائية، بمناط إفادتها للاطمئنان بموصوفها، بلا اعمال تعبّد في طريقيتها.
نعم قد يتوهم انّ في المقام أيضا كلية اخرى، نظير الكلية في باب الحيض من «أنّ كل دم امتنع أن يكون حيضا أو نفاسا، و أمكن أن يكون استحاضة فهو استحاضة»، نظرا إلى جملة من النصوص (2)المثبتة لأحكامها بمحض امتناع الحيضية و النفاسية، علاوة على المرسلة القصيرة الآمرة بالغسل و الصلاة، مع إبداء الإمام احتمال كون الدم من قرحة (3)، فإنها ظاهرة في إثبات الكلية المزبورة.
مضافا إلى كون مثلها من العوارض العادية التي هي بمنزلة الطبيعة الثانوية، فيصح جريان نظير أصالة الصحة في باب الحيض في المقام، غاية الأمر لا مطلقا بل في ظرف العلم بعدم الحيضية و النفاسية.
و لا يخفى ما في هذه الوجوه من عدم تمامية الأصل لإثبات الدم المزبور، و عدم تمامية المرسلة باحتمال حملها على مذهب صاحب الحدائق، و أنّ المراد من الغسل للحيض، من جهة كون النقاء المتخلل طهرا و إن لم يبلغ عشرة أيام، و حينئذ فلا بدّ من طرحها أو الالتزام بمذهب صاحب الحدائق.
و أما الحكم في الأخبار بأحكام الاستحاضة، فهو محمول على الغالب من كون الدم منحصرا بينهما، فمع عدم الحيضية ينحصر أمره في الاستحاضة، كما لا يخفى.
و عليه فلا مدرك لهذه الكلية، كما بيّنا عدم المدرك للكلية السابقة.
و حينئذ فالمدار التام لذلك إنما هو حصول الاطمئنان من قبل الصفات، و إلّا فالمرجع الأصل (1)مع إحراز الحالة السابقة، و إلّا فإلى قواعد الشبهة المحصورة مع الدوران بينه و بين الحيض، و إلّا فالأصل البراءة عن تحصيل لوازم الاستحاضة، بناء على شرطية نفسها، و إلّا فبناء على كونها من محققات الطهارة، فالأصل في مثله الاشتغال، كما أشرنا إليه في باب الوضوء.
ثم انّ في زمان بروزه هو بعد أيام الحيض أو أيام النفاس أو بعد اليأس.
و ربما يختلف الدم المزبور قلّة و كثرة حسب اختلاف مزاجهن، بل صار ذلك منشأ لاختلاف الأخبار (2)المثبتة لوظيفتها، و الأصحاب أيضا قسّموها إلى أقسام ثلاثة، من القليلة و المتوسطة و الكثيرة، و جعلوا المدار في الأول
عدم النفوذ في القطنة، و في الثاني نفوذه و عدم سيلانه من خلفها، و في الثالث سيلانه من الخلف.
و حيث إنّ منشأ استفادتهم لهذه الأقسام، و تخصيص القليلة بالوضوء لكل صلاة، و المتوسطة بازدياد غسل للفجر، و ازدياد الثالثة بالغسل لكل صلاة (1)إنما هو من مضامين نصوص الأئمة الأطهار، فينبغي التعرض لمضامينها، كي يتضح في المقام حقيقة المرام فنقول:
إنّ ما يستفاد منه التفصيل المزبور، و هي العمدة في أخبار الباب:
موثقة الصحّاف المفصلة بين أنحاء الدم بقوله: «فإن كان لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ و لتصلّ ما لم تطرح الكرسف، و إن طرحت الكرسف و سال الدم وجب عليها الغسل، و إن طرحت الكرسف و لم يسل الدم فلتتوضأ- إلى أن قال-: و إن كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلفه صبيبا لا يرقأ، فإن عليها أن تغتسل في كل يوم و ليلة ثلاث مرات» (2).
إذ لا يخفى انّ ظاهر قوله: «و لا يسيل» المحكوم فيه بالوضوء هو الدم البالغ إلى القطنة، و عدم سيله كناية عن عدم نفوذه.
و في قباله قوله: «و سال الدم وجب الغسل»، إذ سيلانه كناية عن نفوذه فيها، و إطلاقه يتقيد بالحكم الأخير من قوله: «إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلفه صبيبا لا يرقأ» بصورة عدم سيلانه من الخلف، و إلّا فتغتسل لكل يوم و ليلة ثلاث مرات.
و في موثقة سماعة (3)أيضا إثبات الأغسال الثلاث للثاقب، و لغير الثاقب
الغسل في كل يوم مرة، و في ذيلها: «هذا إذا كان دمها عبيطا، و إن كان صفرة فعليها الوضوء» (1)بناء على حمل الصفرة في قبال العبيط على غير النافذ، و لو بقرينة الرواية السابقة. كما انّ بذلك يشرح غير الثاقب، و يقيّد بصورة سيلانه الملازم لنفوذه، قبال سيلانه من خلفه لثقبه.
و بمثل ذلك أيضا تشرح الرواية السابقة من فرضي السيلان المطلق الثابت فيه الغسل، و السيلان من خلفه الثابت فيه الغسل في اليوم و الليلة ثلاثا، بحمل الأول على غير الثاقب، و حمل الأخير على الثاقب، كما يشرح كون الوضوء لكل صلاة بأخبار مطلقة مصرّحة بذلك.
فبنص كل خبر يرفع الإجمال عن غيره، فيستفاد حينئذ مذهب المشهور.
و هو أيضا مذهب المصنف حيث أفاد بقوله: فإن كان الدم قليلا و هو أن يظهر على القطنة و لا يغمسها وجب عليها تغيير القطنة على اشكال فيه، لكونه في الباطن، خصوصا مع فرض عدم بروز الدم إلى الخارج.
نعم في النص اعادة الكرسف (2)، و في بعض الأخبار: «فلتضع كرسفا (3)أو قطنة على الكرسف (4)أو على القطنة»، و يحمل الأول على الاستحباب.
نعم في فرض البروز إلى الخارج يجب إزالته تقليلا للنجاسة، كي لا يصدق عليه الصلاة فيها، كما يستفاد من جملة من النصوص النهي عن
الصلاة في النجاسة (1).
و يجب تجديد الوضوء لكل صلاة.
و إن كان كثيرا و هو أن تغمس القطنة و لا يسيل وجب عليها مع ذلك الذي أشرنا إليه من تجديد الوضوء لكل صلاة، و تغيير القطنة على اشكال فيه أيضا مع فرض كون القطنة داخل الرحم و عدم بروز الدم منه إلى الخارج، و منه ظهر حكم تغيير الخرقة أيضا بإطلاقه و لو مع عدم وصول الدم إليه.
و الغسل لصلاة الغداة على اشكال في إطلاقه، إذ الظاهر من موثقة سماعة (2)الغسل في كل يوم مرة، و الظاهر منها اليوم بليلته قبال الثلاثة الأغسال للكثيرة في اليوم و الليلة، و مقتضاه أن مثل هذا الدم مهما صدر يقتضي- لدورة يومه و ليلته- غسلا. و لازمة وجوب إتيانه للصلاة بعده من زمان بروزه، و أن يكتفي به- لو كان بعد الغداة- لصلاة غداته الآتية، بلا تخصيص ذلك الغسل بأن يكون لصلاة الغداة، بحيث لو حدث الدم بعده لا يكون الغسل واجبا إلّا للغداة الآتية حسب ما يقوله المشهور، إذ مثل هذه الجهات لا تكاد تستفاد من النص المزبور، بعد إطلاقه مرة في كل يوم.
و قد احتمل ما استفدناه من رواية المحقق الكاظمي في هدايته (3)، إلّا أنه ضعّفه بمخالفة المشهور، فإن كان حينئذ إجماع على خلاف مضمون
الموثقة فيؤخذ به، و إلّا فإطلاق مضمونها محكم، و لازمة ليس إلّا ما ذكرنا.
و إن كان الدم أكثر منه و هو أن يسيل من خلفه و يثقبه، وجب عليها مع ذلك الذي أشرنا إليه من تغيير القطنة مع اشكال فيه، و الخرقة على تقدير وصول الدم إليها كما أشرنا إلى وجهه، غسلان: غسل للظهر و العصر تجمع بينهما، و غسل للمغرب و العشاء الآخرة تجمع بينهما.
و عمدة الوجه في وجوب الجمع: انه مقتضى قاعدة الجمع بينه و بين حدثية الاستحاضة و مانعيتها عن الصلاة، بشهادة التزامهم بغسل آخر لبرئها و لو لصلاة أخرى، فإنّ المقدار المتيقّن لرفع اليد عن حدثية الدم أو مانعية حدثه عن الصلاة حينئذ هو هذا المقدار، فيبقى الباقي تحت أصالة المانعية و الحدثية فأفهم.
هذا، مضافا إلى ما ورد من النص من قوله: «إذا كان دما سائلا فلتؤخر الصلاة إلى الصلاة ثم تصلّي الصلاتين بغسل» (1)، إذ الظاهر منه انّ سيلان الدم موجب للغسل للعمل المشروط به و كفايته فيه.
و من المعلوم أنّ هذا العمل- لو لا خروج دم في خلاله- يصلح لرافعية الحدث السابق، و لا يبقى بعده مجال لغسل آخر، فالأمر بغسل آخر إنما هو لصدور الدم في خلاله، و هكذا الأمر في الغسل الثاني إلى أن ينتهي إلى الثالث، و لازمة العفو عن الصادر في خلال الغسل بمقدار يساعده الدليل، و في غيره يجب بمقتضى الإطلاق تحصيل موجبة- بالفتح- كما لا يخفى.
و أيضا ظاهر الأمر بالتأخير إلى الصلاة (2)، الجمع بينهما بحسب
الزمان، لا مجرد الجمع بينهما بغسل واحد و لو متفرقا، و ربما يساعد ذلك أيضا ما ذكرنا من أنّ الفرار عن مانعية حدثه بمقدار الميسور، بل ربما يستفاد حينئذ من فحوى التأخير- للحكمة المزبورة- لزوم تعقب الغسل بالصلاة، لأنه المقدار الذي قامت الضرورة على رفع اليد عن مانعية حدثه، فيبقى أصالة المانعية بحالها بالنسبة إلى غير مورد الضرورة، في أزيد من مقدار الزمان الموجب لإتيان صلاتين بغسل واحد.
نعم في بعض الأخبار جواز التراخي في صلاتها (1)، و لازمة استفادة العفو عنه أيضا، المستلزم لعدم لزوم التعقب، و في التعدّي عن تراخي الصلاة عن غسلها إلى تراخي صلاتها الثانية عن الأولى أيضا احتمال، و لازمة حمل الأمر بتأخير الصلاة إلى الصلاة أيضا على الاستحباب.
و لكن الانصاف منع استفادة جواز هذا التراخي عن التراخي السابق، فيبقى الأمر بالتأخير المزبور على الوجوب، و مقتضى ذلك كون الجمع الزماني بغسل واحد بنحو العزيمة، و أما جمعهما في أصل الغسل و الاكتفاء به محضا بلا غسل آخر، ففي استفادة وجوبه اشكال، بل ظاهره كون أمر المقام من باب دفع توهم الحظر.
و توهم منع دليل على اقتضاء كل دم غسلا، فكيف يشرع الغسل بدونه، مدفوع بأنه يكفي لهذا الإطلاق قوله: «إذا كان سائلا تؤخر الصلاة و تغتسل» (2)، لأن ظاهره كون السيلان موجبا للغسل. و ظاهر إيجابه له عرفا- بقياس سائر موجباته- كون الدم المزبور أيضا من الأحداث، غاية الأمر عفي عنه في صورة تأخيره و بقي الباقي تحته.
و حيث حملنا وجوب الجمع على دفع الحظر، يبقى إطلاق اقتضاء السيلان للغسل بحاله، بل و لازمة احتياج البرء بعد هذا الغسل إلى غسل آخر.
و يؤيده أيضا ظاهر الأمر بالتأخير (1)، لحكمة حفظ الضرورة في رفع اليد عن مانعية حدثه في الصلاة، و لازمة حفظ الحدثية باقتضاء الدم فيه، و مقتضاه عدم قصور لمشروعية غسله لاقتضائه الحدثية، كما لا يخفى.
نعم لا يلزم ذلك ملاحظة زمان فترة تتسع للغسل و الصلاة، لإمكان استفادة التوسعة في أمرها على وجه يقتضي الاجزاء، حتى مع حصول البرء بعده في الوقت، فضلا عن حصول الفترة المتسعة، و إن كان الأحوط مراعاة زمان الفترة و البرء في وقته بتا.
ثم انّ ظاهر الإطلاقات المثبتة للغسل عقيب السيلان (2)، كفاية الغسل لكل غاية مشروطة بالطهارة، و لازمة: عدم منع الدماء السائلة في أثناء غسلها، أو عملها في جواز ترتبها على الغسل المزبور، بلا اختصاص للصلاة من الغايات في الترتب على هذا الغسل.
نعم لما كان جواز التراخي بين الغسل و الغاية على خلاف القاعدة، أمكن دعوى اختصاصه بالصلاة، و في غيرها يرجع إلى عموم اقتضاء كل سيلان غسلا رافعا لما صدر، و لازم ذلك الالتزام بفورية التعقب بالنسبة إلى سائر الغايات دون الصلاة، فتكون حينئذ بحكم الطاهرة في حال التعقب في غير الصلاة، و في الصلاة كانت بحكم الطاهرة إلى أن تصلّي و لو متراخية، و لا ضير في هذا التفكيك في المبيحية و إن لم يساعده العرف في الرافعية، فتدبّر.
و إلى مثل هذا البيان نظر الفقهاء في حكمهم بأنّ المستحاضة إذا قامت بوظيفتها، كانت بحكم الطاهرة بالنسبة إلى جميع الغايات المشروطة بها.
و ظاهره و إن كان يوهم دخل الأغسال الآتية أيضا في الأعمال السابقة، لكن الانصاف منع استفادة ذلك من الدليل، إذ الظاهر منه كون الغسل الحاصل بعده كافيا في الأعمال المترتبة المنعقبة عليه في غير الصلاة، و فيها إلى أن تصلّي، و بعد ذلك تحتاج في إعمالها الآخر بعدهما إلى غسل آخر، و هكذا.
بل و ظاهر الاقتصار بالغسل للغداة و الظهرين في حق الصائمة أيضا، عدم الاحتياج إلى غسل آخر في بقاء صومها بعد صلاتها، لا أنّ غسل الليل دخيل في صحة صومها، و لا يبعد حمل كلماتهم أيضا على ما ذكرنا، فتدبّر.
و أما غسلها فهو كغسل الحائض، لظهور الخطاب في ما هو المعهود منه في سائر المقامات، من الحيض و النفاس و الجنابة و غيرها، كما أنه مما أشرنا إليه آنفا ظهر وجه ما هو المشهور، من أنها إذا فعلت ما قلناه صارت بحكم الطاهرة، و اللّٰه العالم.
و هو الدم الذي تراه المرأة عقيب الولادة أو معها، بشرط عدم تأخيره عنها بمقدار لا يراه العرف منها، لانصراف أدلتها عن مثله. و حينئذ فربما يشكل الأمر في إلحاق ما رأته في اليوم العاشر من ولادتها أو التاسع بنفاسها، و إن كان في أيام عادتها أو كانت عادتها عشرة، فإن ما دل على النفاسية في العشر أو في أيام العادة (1)كان في مقام بيان بقاء ما هو
1) وسائل الشيعة 2: 611 باب 3 من أبواب النفاس.
مفروغ النفاسية، لا في مقام إثبات أصلها، كما لا يخفى.
و يكفي لما ذكرنا ما في رواية زريق: «تصلّي حتى يخرج رأس الولد، و إذا خرج رأسه لم تجب» (1)و لو بملاحظة ملازمة خروجه لخروج الدم غالبا، بل في ذيلها: «و عند ذلك» أي عند خروج الرأس «يصير دم مخاض»، و هو يشمل المقارنة و ما يتعقبه بمقدار يلحق بهذه الولادة عرفا.
و في إلحاق العلقة أو المضغة بالولد اشكال و خلاف بين الأردبيلي (2)و المشهور، و الأصل مع الأردبيلي.
و لا حد لأقله بلا اشكال و لا خلاف، و يشعر به رواية زريق السابقة، و في الدلالة نظر، كالنظر في إطلاقات الباب.
و نفي الحد في رواية الليث (3)منصرفة عن ظاهرها، فلا بد أن تطرح أو يتصرّف فيها أو تؤوّل.
و أكثره عشرة أيام من حين الولادة، للإطلاق (4)المنصرف إلى ذلك، و يومئ إليه أيضا رواية يونس (5).
و استشكله في الجواهر بحمل الإطلاقات على الغالب من رؤية الدم حين الولادة (6)، و منع الإطلاق في رواية يونس أيضا، فلو لا الإجماع كان مقتضى الأصل خلافه.
و على أي حال فالأصل في التحديد المزبور أخبار مستفيضة (7)،
1) وسائل الشيعة 2: 176 باب 30 من أبواب الحيض حديث 17.
2) مجمع الفائدة و البرهان 1: 169.
3) وسائل الشيعة 2: 611 باب 2 من أبواب النفاس حديث 1.
4) وسائل الشيعة 2: 611 باب 3 من أبواب النفاس.
5) وسائل الشيعة 2: 612 باب 3 من أبواب النفاس حديث 3.
6) جواهر الكلام 3: 374.
7) وسائل الشيعة 2: 611 باب 3 من أبواب النفاس.
بضميمة خبر يونس المشتمل على الاستظهار بعشرة (1)، نظير ما ورد في باب الحيض، المشتمل على الحكم الظاهري (2)، بمراعاة احتمال الانقطاع على العشرة و عدمه.
و بذلك يجمع بينها و بين ما دل على مرجعية العادة (3)، بحمل الأخيرة على المتجاوز عن العشرة، خلافا لجمع، حيث حكموا على المتجاوز أيضا بنفاسية تمام العشرة، ترجيحا للإطلاقات على أخبار العادة.
و فيه نظر، لصلاحية جعل خبر الاستظهار (4)شاهد جمع بينهما، كما أنه أيضا شاهد جمع بين ما دل على التحديد بثمانية عشر مع الأخبار السابقة، بحمل السابقة على ذات العادة، و غيرها على غيرها، كما هو المحكي عن العلّامة في المختلف (5)، و المقداد في التنقيح (6)، و حينئذ فيشترك النفاس مع الحيض في خصوص ذات العادة، مستمرة كانت أم لا.
و أما جريان باقي أحكام الحيض فيه، من عدم أقلية الطهر بين النفاس الواحد، و لا بين النفاسين، و لا النفاس و الحيض السابق، و مرجعية عادة الأهل، ففيه اشكال، لعدم دليل واف بالاشتراك في جميع الحدود و الأحكام.
نعم عدا ما توهم من «انّ النفاس حيض محتبس»، و لا يخفى ما فيه،
من إمكان بيان كونه في الحقيقة الأولية ذلك، نظير ما ورد من كون الشعير و الحنطة من جنس واحد (1)، و ذلك لا يقتضي اشتراكهما فعلا في جميع الأحكام، و حينئذ فالمرجع في المقامات المزبورة هو الأصل الجاري فيها، مثبتا أم نافيا.
نعم لا شبهة في اعتبار فصل أقل الطهر بين النفاس و الحيض اللاحق، كما في خبر المغيرة (2)المعمول به لديهم.
ثم انّ ذلك حكم نفاس ولد واحد، و أما نفاس التوأمين فربما يصير النفاس حتى من ذات العادة أزيد من العشرة، إذ مقتضى عدم تداخل الأسباب اقتضاء كل سبب نفاسا مستقلا ينتهي إلى العشرة أو ثمانية عشر، على الاختلاف في ذات العادة و غيرها، و حينئذ فمع اتصال دميها فلا اشكال.
و توهم شمول إطلاقات التحديد في المقام أيضا منظور فيه، إذ هي ناظرة إلى تحديد دم ولد واحد، لا مجموع دميها.
و مع انفصالهما فإن كان بمقدار أقل الطهر فلا إشكال أيضا ما لم يتجاوزا عن حديهما، و إن كان أقل: فإن أمكن إلحاق مقدار من الثاني بالأول على وجه يتداخلان فيه، فلا شبهة أيضا في الإلحاق، و الحكم في زمان النقاء بالحدثية، للاستصحاب، بناء على اشتراط أقل الطهر، و إلّا فيؤخذ به و يستصحب حدثية بعده لا قبله، كما لا يخفى.
و إن لم يمكن ذلك مع تخلل نقاء أقل من عشرة، فالأمر يدور مدار اجراء حكم الحيض من حيث فصل أقل الطهر بينهما في المقام و عدمه،
فعلى الأخير فلا إشكال في الأخذ بقاعدة عدم تداخل الأسباب أيضا، و إلّا فيقع المعارضة بين الدمين بلا وجود مرجّح في البين حتى في الأسبقية، فلا محيص إلّا من الرجوع إلى قواعد العلم الإجمالي، بالجمع بين الوظائف من أول الدمين إلى آخرهما.
و من هنا أيضا ظهر الحال بين صورة تعارض الحيض و النفاس السابق بفرض النقاء أقل من عشرة، فإنه مع فرض وجود مقدار قابل للإلحاق بأيهما، بمعنى اقتضاء الأخذ بكل منهما إلحاقه به، فيؤخذ و يجري عليه الأحكام المشتركة، للعلم به تفصيلا.
و أما في غيره فينتهي الأمر فيه إلى التعارض و التساقط، فلا وجه لترجيح النفاس على ما دل على حيضية الثاني، من العادة أو الصفات أو غيرهما، فلا جرم ينتهي الأمر فيه إلى قواعد الشبهة المحصورة في الأطراف المشتبهة من الجمع بين الوظائف، لو لا دعوى استصحاب الحدثية بعد الدم المتيقن، و استصحاب الطهر قبله، فتدبّر.
و على أي حال فالمشهور أنّ حكمها حكم الحائض في جميع الأحكام، بل ادعي عليه الإجماع، فإن تم فهو، و إلّا فلا دليل عليه عدا ما عرفت من «انه حيض محتبس»، و قد تقدّم ما فيه.
و أضعف من ذلك استفادة الاشتراك من اقتران الحائض بالنفساء في النص الوارد في كثير من المقامات (1)، إذ دلالته على الكلية المزبورة منظور فيها جدا.
و عليه ففي إجراء جميع الأحكام الثابتة للحائض في المقام، حتى
1) وسائل الشيعة 2: 576 باب 30 من أبواب الحيض حديث 13 و 605 باب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 5.
مسألة جواز وطئها قبل الاغتسال، أيضا في غاية الإشكال، فالاستصحاب في المقام يلحقه بحال الدم، بعد عدم عموم زماني في «أَنّٰى شِئْتُمْ» (1)، كما لا يخفى.
ثم انّ الغسل فيه كغسل الحيض و الاستحاضة، لظهور الأوامر في ذلك، و في اقتضاء غسلها أيضا الوضوء كلام، ظاهر جملة من نصوص الاستحاضة الكثيرة الاقتصار على الغسل (2)، و في جملة من الأخبار: «أي وضوء أنقى من الغسل» (3)المستلزم لكفايته عن الوضوء، و مدار العمل عليها دون ما تقدّم.
و فيه بقية أحكام الميت، و مباحثه خمسة:
المأخوذ من حضور الموت، أو الملائكة، أو الأئمة عليهم السّلام، و يجب فيه استقبال الميت إلى القبلة، بأن يلقى على ظهره، و يجعل وجهه و باطن رجليه إليها بلا إشكال، للسيرة المرتكزة في أذهان عامة المسلمين، و إلّا ففيما تشبّثوا له من بعض النصوص (4)المشتملة على إثبات الحكم على عنوان الميت نظر، إلّا بدعوى مجاز المشارفة.
نعم في قضية ولد عبد المطلب (5)ظهور في الشمول لحال الاحتضار،
و لكن اقترانه ببعض التعليلات يوهن ظهوره في الوجوب فتوى.
و على أي حال فإن أمكن التشبّث بفهم الأصحاب من أمثال هذه النصوص، فإطلاقها شاملة للصغير و الكبير، و الحر و العبد، و الرجل و المرأة.
و في شمول مثل هذه الإطلاقات- و لو بقرينة التعليل في بعضها (1)- للكافر و للمخالف أيضا نظر، اللهم إلّا أن يثبت إجراء أحكام المسلمين عليهم حتى في مثل هذا الحكم، خصوصا مع كون التعليل بالنسبة إلى بقية المطلقات من قبيل القرائن المنفصلة.
و في اختصاص مثل هذا الحكم أيضا بصورة اذن الولي مثل سائر أحكام الميت نظر، لاختصاص دليل اعتبار اذن الولي بالأحكام الثابتة بعد موته، المنصرفة عن مثل هذا الحكم، فلا أقل من الشك، فتبقى المطلقات باقية بحالها.
و مع الجهل بالقبلة يجب التبعيض في الاحتياط المنتهي إلى لزوم تحصيل الظن بها مهما أمكن، و إلّا فيتخيّر الولي، جريا على قواعد العلم الإجمالي، فتدبّر.
و يستحب تلقينه الشهادتين، و الإقرار بالنبي و الأئمة عليهم السّلام، و كلمات الفرج، و قراءة القرآن، للنصوص المشتملة على ذلك كله (2).
و قوله: و الإقرار بالنبي مستدرك بعد الشهادتين، إذ لا معنى لإقراره إلّا الشهادة بنبوته و رسالته، كما أنّ المنصوص من القرآن يس و الصافات (3)، و ليس نص به على الإطلاق في خصوص المقام و إن أفتى
به جمع، نعم حكي عن الفقه الرضوي (1).
و في إثبات الاستحباب الشرعي بمثل ذلك نظر، بل و بكثير من النصوص أيضا يشكل أمر ثبوت الاستحباب بمحض معموليتها لدى الأصحاب، لاحتمال كون مدرك عملهم قاعدة التسامح، و هي لا تفي عندنا لإثبات الاستحباب الشرعي، خصوصا بعد عدم شمول القاعدة للفتوى رأسا.
و حينئذ فلا يكون الأمر في هذه المقامات إلّا من باب الانقياد، و تحصيل الثواب برجاء الواقع كما لا يخفى، و من هنا ظهر لك الحال في باقي المستحبات الواردة في المقام و غيره.
و مما ثبت نصا: تغميض عينيه، و أطباق فمه، و مدّ يديه، و إعلام المؤمنين بتشييع جنازته، للنصوص الواردة في كل واحد (2)، عدا إعلام المؤمنين، حيث انه مستفاد من استحباب إسراعهم إذا دعوا (3)، و في الاستفادة نظر.
ثم انّ هذه الأحكام ثابتة بعد موته، و ليست من أحكام احتضاره و إن اقترنت به، و من ثم جعلت من تبعات أحكامه.
و يستحب أيضا تعجيل أمره إلّا مع الاشتباه، للنصوص الآمرة بالتعجيل (4)، المحمولة لدى الأصحاب على الاستحباب عند القطع بالموت، و أما مع الاشتباه فتستصحب الحياة، فيرجع في رفع اليد عنها إلى الأمارات، على ما في بعض النسخ، و نسختنا خالية عن هذه
العبارة (1)، و على فرضه فلا بد أن يراد منها الأمارات المفيدة لليقين، أو شهادة أهل الخبرة بموته، مستندا إلى حدسياتهم القريبة إلى الحس، و إلّا ففيه أيضا إشكال.
و يكره أن يحضره أي الميت جنب أو حائض، بل و نفساء على المشهور من اشتراكها معهما في الأحكام، و يدل على الأول رواية يونس (2).
و في قيام تيممهم مقام الغسل في مثل المقام، مبني على كون الحكم من تبعات كونهم محدثين، أو من لوازم واقع الجنابة و الحيض، فإنّ في بدلية التيمم مقام الماء، على الثاني في مثل هذه الآثار نظر، و مع الشك يقتضي الأصل بقاء الكراهة.
و قيل أيضا: يكره أن يجعل على بطنه حديد، و ليس له مستند عدا الشهرة، و لا بأس به رجاء.
يجب تغسيله بلا اشكال نصا (3)و فتوى، كما أنّ ظاهر الخطاب في غير واحد من الأخبار بقوله: «اغسله كذا» (4)بلا استفصال عن كونه وليا أو وارثا، عدم خصوصية لوجوبه على أحد بعينه، بل يكون كفائيا على عامة الناس.
1) في نسخة التبصرة التي اعتمدنا عليها في ضبط المتن لم ترد عبارة (فيرجع الى الأمارات).و كتب محقق التبصرة في الهامش عبارة: في سائر النسخ هنا اضافة: فيرجع فيها إلى الأمارات.
2) وسائل الشيعة 2: 671 باب 43 من أبواب الاحتضار حديث 2.
3) وسائل الشيعة 2: 678 و 680 باب 1 و 2 من أبواب غسل الميت.
4) وسائل الشيعة 2: 678 و 680 باب 1 و 2 من أبواب غسل الميت.
غاية الأمر دليل الأولوية في «الأولى بالميراث» (1)يوجب تقييد مثل هذه الإطلاقات بنحو الإجمال المردد بين تقييد الهيئة أو المادة، و مع الدوران المزبور كانت أصالة الإطلاق في الهيئة محكمة، و لازمة عدم قدرة الناس على العمل بلا اذن من الولي، بل يجب عليه الاقدام أو الاذن الموجب لإقدام الغير، الرافع لوجوبه عليه تعيينا، لا أن الاذن أحد طرفي التخيير في الواجب، فليس لأحد إلزامه بأحد الأمرين، بل غاية الأمر يلزموه بالتغسيل في ظرف عدم الإذن، إلّا أن يأذن، فيسقط عنه الوجوب عينا.
و مع عدم اقدامه على العمل أو الاذن، ففي سقوط الاذن عن الشرطية لقاعدة الميسور و الاضطرار، على ما أشرنا إليها سابقا وجه، كما لا يخفى.
و أما شرح أولياء الميت فسيأتي في ذيل كلام المصنف في الصلاة إن شاء اللّٰه.
و يجب تغسيله ثلاث مرات: الاولى بماء السدر، و الثانية بماء الكافور إذا لم يكن محرما، و إلّا فلا يقرب منه طيب بلا اشكال نصا (2)و فتوى، كما يظهر من مراجعة كلماتهم في المقام و في باب الإحرام، و الثالثة بماء القراح بلا إشكال في هذه الجهة أيضا نصا (3)و فتوى.
و ظاهر جملة من النصوص- وفاقا للكلمات-: لزوم الترتيب بالنحو المذكور بين الأغسال (4).
و ما في رواية معاوية من تقديم الغسل بالقراح على الغسل بالسدر
و الكافور (1)، و في آخر إطلاق الأمر بثلاث أغسال ثم بجعل شيء من السدر و شيء من الكافور (2)، مطروح، أو مؤوّل بالتغسيل لرفع رغوة السدر مقدمة لغسله في الأول (3)، و منع الإطلاق من تلك الجهة في الثاني (4).
و ظاهر صحيحة ابن مسكان من قوله: «اغسله بماء و سدر» (5)لزوم حفظ الجهتين (6)فيه، و يؤيده رواية: «جعل سبع ورقات من السدر» (7)ظاهر في كونه أول مرتبة من صدق مسمّاه، كما أنّ إضافة الماء إلى السدر أيضا لا بد أن تكون ببعض مراتبها غير المنافية للإطلاق المستفاد من الصحيحة المزبورة.
و حينئذ فتوهم بعضهم كفاية التغسيل بالماء الخليط بالسدر و لو كان بمقدار يسلبه الإطلاق، ضعيف جدا.
كما أنّ السدر يجب أن يكون بمقدار يصح اضافة الماء إليه عرفا ليقال: ماء السدر، فلو كان قليلا جدا لا يبلغ هذا الحد فلا يكفي.
بل ربما يعتبر في الإضافة المزبورة كونه بنحو يمتزج بالماء بنحو لا يرى أجنبيا عنه، و ما في الخبر المشتمل على سبع ورقات (8)، ربما يوهم كفاية وقوعه فيه، و لو بنحو غير المزج، بل كان ممتازا عن الماء و أجنبيا
1) وسائل الشيعة 2: 683 باب 2 من أبواب غسل الميت حديث 8.
2) وسائل الشيعة 2: 683 باب 2 من أبواب غسل الميت حديث 7.
3) أي في الحديث الأول، و هي رواية معاوية.
4) أي الحديث الثاني، و هي رواية ابن يقطين، فإنه ناظر إلى عدم وجوب الوضوء و أنّ الواجب هي الأغسال الثلاثة، أما كيفية الترتيب فغير ناظر إليها.
5) وسائل الشيعة 2: 680 باب 2 من أبواب غسل الميت حديث 1.
6) أي حفظ المائية بعدم خروج الماء عن الإطلاق، و حفظ وجود السدر فيه أيضا بجعله فيه مقدارا لا يخرجه عن الإطلاق.
7) وسائل الشيعة 2: 683 و 689 باب 2 و 6 من أبواب غسل الميت، حديث 2.
8) وسائل الشيعة 2: 683 و 689 باب 2 و 6 من أبواب غسل الميت، حديث 8.
عنه، و لكن يمكن حمله على بيان التحديد و الكم، لا لبيان كيفية وقوعه في الماء، و لا أقل من الشك، فيجب تحصيل ما هو المتيقن، بناء على الطهورية، كما لا يخفى.
و كيفية غسل الميت في أغساله الثلاثة كغسل الجنابة على ما في النص من التعبير بأنه مثله (1).
كما أنّ ظاهر المماثلة المزبورة تقتضي أن يكون غسل الميت كغسل الجنابة عباديا، يعتبر فيه ما اعتبر فيه.
و في اعتبار كون الثلاثة صادرة من شخص واحد تردد، إذ المماثلة المزبورة منصرفة عن هذه الجهة، بل الإطلاقات تقتضي خلافها، لو لا دعوى إهمالها من تلك الجهة، فينتهي الأمر إلى أصالة الاشتغال، بناء على الرافعية، لو لا دعوى السيرة على خلافه، فتدبّر.
و أيضا مقتضى مماثلة غسل الميت لغسل الجنابة وحدة كيفيتهما، و لازمة عدم تعيّن الترتيبي بخصوصه، بل لما كان غسل الجنابة ذا نوعين، فطبع المماثلة في المقام يقتضي أن يصح في غسل الميت أيضا نوعان.
اللهم إلّا أن يدّعى أن المجعول في حق الجنب أيضا- أولا- و بالذات- هو الترتيبي، و أنّ الارتماس بدل عن الترتيب و مسقطا له، فإذا لم يكن لدليل البدلية إطلاق يشمل الأموات، فطبع المماثلة في المقام أيضا لا يقتضي أزيد من المماثلة بحسب الجعل الأولي.
ثم انّ مقتضى عموم «إنّ مع كل غسل وضوء إلّا غسل الجنابة» (2)
ثبوت الوضوء في المقام، و يؤيده أيضا بعض النصوص المشتملة على الوضوء أمام الغسل (1).
و لكن ظاهر خلو جملة من الأخبار عن ذلك، مع كونها في مقام بيان الوظيفة الفعلية، خصوصا مثل خبر ابن يقطين المشتمل على تعرض السائل للوضوء (2)، يكشف عن عدم وجوبه، فيخصص العموم السابق.
هذا فضلا عن احتمال كون هذا الغسل أيضا غسل الجنابة، كما يستفاد من مضامين بعض الروايات (3)، و من ثم حملت النصوص الخاصة (4)على الاستحباب.
و إلّا ففي سقوطه إشكال، لأنّ القراحية و الخليطية- على هذا التقدير- جهتان متباينتان عرفا، فإذا لم يتمكن المكلف من إحداهما لا بعينها سقطت كذلك، فلا وجه لتعيين جهة القراحية للسقوط.
هذا، و يمكن أن يقال: إنّ الجهتين المذكورتين- في متفاهم العرف- من قبيل الوجدان و الفقدان، و الواجد للخصوصية ميسور عرفا، فلا وجه لسقوطه، و للتأمل فيه مجال.
لم يكن مجرد أسبقية
أحدهما مرجحا، فلذلك يكون مخيّرا بينهما، و إن كان الأحوط- فيما لو احتمل تعين اللاحق للسقوط فقط- هو سقوط اللاحق، كما لا يخفى.
و إن لم نقل به في غير المقام، مما كانت قاعدة الميسورة فيه حاكمة على عدم وجدان الماء، إذ من الممكن هنا دعوى أنّ الغسل الفائت طهور مستقل يجب تحصيل بدله، بخلاف فوت بعض الأجزاء أو الشرائط في غير المقام- كما إذا تعذّر غسل جميع الذراع في الوضوء لقطع أو لمانع آخر- فإن هذا الفائت لا يكون طهورا بنفسه ليصدق في حقه عدم وجدان الماء، بل الطهور في حقه هو الوضوء أو الغسل الفاقد للجزء أو الشرط، فهو واجد للطهور المائي.
و هذا على خلاف ما نحن فيه، الذي يكون الفائت طهورا بنفسه، فيصدق بحقه عدم وجدان الطهورية المائية، و عليه فيتعيّن حينئذ بدل كل غسل تيمم مستقل.
أما احتمال السقوط، أو قيام تيمم واحد مقام جميع ما تعذر من الأغسال، فضعيف جدا.
بل على طهورية التيمم أيضا ينتهي الأمر- في فرض الشك- إلى قاعدة الاشتغال، نعم على المبيحية يرجع إلى البراءة، لكون المقام من الأقل و الأكثر، فتدبّر.
لقاعدة الميسور و الاضطرار.
هذا، و لا مجال حينئذ لتوهم قيام التيمم و كفايته عن الأغسال، لأنه بدل الماء لا بدل الخليط.
ثم تمكنت الاختيارية
قبل الدفن، فالظاهر عدم الاجزاء، بل إطلاق الدليل يقتضي وجوب التدارك.
و لو تمكنت بعد الدفن لا يجدي شيئا، على تقدير حرمة النبش، على ما سيأتي. نعم لو خرج من القبر ففي عود الوجوب بعود التمكن وجه، سيأتي. نعم لو خرج من القبر ففي عود الوجوب بعود التمكن وجه، للإطلاقات، بل للاستصحاب التعليقي أو التنجيزي الثابت لعنوان «الميت الذي لم يدفن»، لو لا معارضة الثاني (1)باستصحاب سقوطه (2)إلّا بدعوى محكومية الثاني (3)بالأول، فتأمل.
و لو خيف تناثر لحمه أو جلده تيمّم ثلاث مرات، حسب ما قلنا من اقتضاء كل طهور و غسل تيمما مستقلا.
و ما في خبر زيد المشتمل على الأمر بتيمم المجدور (4)، لا إطلاق فيه من تلك الجهة كي يتمسك بإطلاقه، لكفاية تيمم واحد بدل الأغسال.
كما انّ ما في بعض الأخبار من الحكم بسقوط التيمم عن الميت بسبب فقد الماء (5)و لو لاحتياج غيره إلى غسل الجنابة، مطروح و لو لاختلال متنه، إذ في نسخة اخرى الأمر بتيمم الميت (6)، كما لا يخفى.
ثم انّ المعروف ضرب يدي المباشر في تيمم الميت، و قيل: في بعض
1) أي الاستصحاب المذكور.
2) أي الاستصحاب حالة الدفن التي كان قد سقط الغسل فيها.
3) أي الاستصحاب الثاني محكوم بالاستصحاب الأول، لأنه بعد فرض ثبوت موضوع الوجوب يرتفع الشك في بقاء السقوط.و هذا في معنى الحكومة و نتيجتها و ليست نفسها، لأن أحد الشكين ليس مسببا عن الآخر، بل مجرد ارتفاع أحد الشكين بإثبات موضوع الآخر.
4) وسائل الشيعة 2: 702 باب 16 من أبواب غسل الميت حديث 3.
5) التهذيب 1: 109 حديث 285، الاستبصار 1: 101 حديث 329.
6) الفقيه 1: 59 حديث 222، وسائل الشيعة 2: 987 باب 18 من أبواب التيمم حديث 1.
النصوص «ضرب يدي الميت» فإن كان ما هو المشهور إجماعا فهو، و إلّا فالاحتياط يقضي بالجمع بينهما، لعدم الاعتماد على مثل هذه الرواية.
ثم انه لو خرجت منه نجاسة وجب إزالتها، سواء خرجت بعد الغسل أم قبله، و هو الظاهر من الأمر في خبر روح بن عبد الرحيم (1)و غيره، و اختصاص مورد السؤال بخروجها بعد الغسل لا يوجب تخصيص ظاهر سوقه في وجوب إزالة النجاسة، نعم صريح النص عدم مانعية النجاسة اللاحقة للغسل حيث أفاد «و لا يعاد الغسل» (2).
و في التعدي إلى النجاسة السابقة و عدم مانعيتها، و لو في فرض عدم تنجس ماء الغسل نظر، إذ الظاهر من الأمر بالغسل في المقام، مثل الأمر به في سائر المقامات، كون الغسل واردا على محل خال عن النجاسة العرضية، و ربما يوهمه أيضا قضية مماثلته مع غسل الجنابة، و إن كان في دلالة أمثال هذه الوجوه، خصوصا مع كون غسله واردا على النجاسة لا محالة، نظر و تأمل.
ثم انّ مقتضى الخبر السابق- بإطلاقه الشامل للخروج بعد الكفن المستلزم لتلوث الكفن- أيضا جواز الاكتفاء بإزالة النجاسة عن كفنه، بلا احتياج إلى تغيير كفنه.
و يؤيده رواية الكاهلي (3)و غيرها المشتملة على الأمر بقرض الكفن، و ظاهره و إن كان يوهم تعيين كيفية الإزالة به و لكن يمكن حمله على
الغالب، من عدم إمكان غسله بلا تلويث بدنه و لو بماء الغسالة النجسة، كما أنه لا بد أن يحمل على صورة عدم اقتضاء قرضه كشف مقدار معتد به من بدنه، خصوصا إذا كان ذلك أحد عورتيه، فإنه حينئذ يمكن دعوى تقديم الغسل و تعيينه، بضميمة غسل بدنه الملوث بغسالته.
و بالجملة مع عدم اقتضاء غسل الكفن تلويث البدن أمكن دعوى التخيير بين الغسل المستفاد من فحوى الإطلاق الآمر بإزالة النجاسة عن البدن و الكفن عرفا (1)، و القرض المستفاد من رواية الكاهلي المتقدمة (2)، كما لا يخفى.
و أيضا مقتضى إطلاق الخبر الشامل لخروج كل نجاسة، شمول الحكم لكل نجاسة، سواء كانت حدثا أم غيره، أكبر أم غيره، و لازم الاكتفاء بغسله حينئذ الاجتزاء بهذا الغسل عن موجبات سائر الأحداث، و في شمول الروايات لصورة عروضها حال الغسل نظر، لإمكان كونها كالحدث الأصغر غير رافع لأثر الغسل، و لكن كان دافعا له.
اللهم إلّا أن يفرّق بينهما بأن الوضوء رافع لمرتبة منه، فرفع مثله لجميع المراتب محتمل بخلاف سائر الأحداث، إذ قضية اقتضاء إطلاق كل حدث غسلا و اختلاف حقيقة الأحداث، عدم ارتباط بعضها ببعض، فلا يصلح شيء منها لرافعية غيرها، غاية الأمر بحدوث كل سبب يجب غسله، لا أنه يفسد غسل غيره من الأسباب. و هكذا الأمر في صورة حدوثها في أثناء غسل آخر، فإنه لا يفسد هذا الغسل أيضا بالفحوى، فإذا فرض حينئذ ورود الأمر بالاكتفاء بهذا الغسل في الحدث المتجدد بعده، فيمكن
التعدي منه إلى الطارئ حينه.
هذا، و لكنّ الإنصاف يقتضي المصير إلى عدم التعدّي، لأن الاكتفاء المزبور بلا قصد حصوله به خلاف القاعدة، فيقتصر حينئذ على مورد النص من صدور الحدث بعده لا حين الغسل، و حينئذ ففي التعدّي المزبور كمال اشكال.
و أشكل منه التعدّي عن غسل الميت في هذا الحكم إلى غسل المرجوم المنزّل منزلة غسل الميت (1)، و كونه مسقطا عنه بعد قتله، نظرا إلى عموم المنزلة حتى من تلك الجهة.
عدا موارد مستثنيات نشير إليها إن شاء اللّٰه.
و الأصل في ذلك الأخبار المستفيضة الحاكمة بالدفن بلا غسل مع فقد المماثل (2). و حيث إنّ غالب مواردها مما يتمكن من الغسل من وراء الثياب، فيستفاد منها عدم وجوب ذلك و سقوطه حينئذ رأسا. فما يظهر من بعض النصوص من وجوب الغسل من وراء الثياب (3)، مطروح أو محمول على الاستحباب، لو لا دعوى عدم الفصل بين السقوط و الوجوب، و لا بأس به رجاء.
و كيف كان فقد استثنى الأصحاب من هذه الكلية موارد:
منها: في الصبي و الصبية إلى أن يبلغوا ثلاث سنين، و نص الحارث وارد في الصبي (1)، أما في الصبية فمرسلة مشتملة على الجواز في الأقل من خمسة (2)، فإن قام إجماع على المسألة فيكشف عن تقييد المرسلة بالثلاثة، و إلّا فللنظر في إلحاق الصبية بالصبي- لو لا دعوى السيرة الجزمية- مجال.
و لا مجال لدعوى انصراف إطلاقات اعتبار المماثلة عن مثل هذا المورد، و ذلك لأنّ الحكم فيما نحن فيه غير مبتن على ملاحظة الاستقباحات العرفية، كي تنتفي بشأن الأطفال الصغار.
و من ثم لا يقاس المقام بباب حرمة النظر إلى العورة، المبتنية على الاستقباح العرفي، و لذلك كانت منصرفة عن مثل عورة الصغار جزما، كما لا يخفى.
و منها: المحارم بلا اشكال نصا (3)و فتوى.
نعم قد يقع الإشكال في شمول نصوص الجواز لصورة وجود المماثل (4)، فتبقى صورة وجود المماثل تحت الكلية المزبورة (5).
و في قيام الرضاع مقام النسب في هذا الحكم- بعد تعدّي الأصحاب إلى غير باب التزويج أيضا- وجه.
و مقتضى الإطلاق جواز الغسل بأي وجه كان، بلا لزوم كونه من وراء ثياب، غاية الأمر يجب ستر عورته، لاستصحاب حرمة النظر في حال
الحياة، بل و في صحيحة حماد التصريح بالغسل مع ستر خصوص عورته (1)، فما في بعض النصوص من غسله من وراء الثياب (2)محمول على الاستحباب.
و منها: الزوجان، للنصوص المستفيضة المشتملة بعضها على نفي البأس، «و إنما يفعل ذلك أهل المرأة كراهة أن ينظر زوجها إلى شيء يكرهونه» (3)، و ظاهر هذا التعليل جواز غسله مكشوفا حتى بعورته، غاية الأمر استقباح أهله و عصبيتهم باعث منعه، لا أنه ممنوع شرعا.
و بمثله يرفع اليد عن عموم ما دل على «وضع شيء على العورة» (4).
و في بعض الأخبار (5)التفصيل (6)بين تغسيل الزوج فيجوز، و الزوجة فلا يجوز، معللا بانّ «موت الزوجة أخرجها عن عدتها»، فلا بد من حمل النصوص المجوزة السابقة على مراتب الكراهة.
و لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة، و الحرة و الأمة، و المطلقة رجعية في عدتها أيضا بحكمها، بلا إشكال، للإطلاقات.
ثم انّ ظاهر قوله «المرأة تموت في السفر في أرض ليس فيها إلّا الرجال تدفن بلا غسل، إلّا أن يكون زوجها معها» (7)تخصيص خصوص الزوج، فيبقى المولى تحت كلية اشتراط المماثلة.
1) وسائل الشيعة 2: 714 باب 24 من أبواب غسل الميت حديث 3.
2) وسائل الشيعة 2: 705 باب 20 من أبواب غسل الميت.
3) وسائل الشيعة 2: 713 باب 24 من أبواب غسل الميت حديث 1.
4) وسائل الشيعة 2: 705 باب 20 من أبواب غسل الميت.
5) وسائل الشيعة 2: 713 و 716 باب 24 من أبواب غسل الميت حديث 11 و 13.
6) التفصيل بين جواز النظر من الزوجة إلى زوجها، و عدم جواز النظر من الزوج الى زوجته، أو التفصيل بين جواز التغسيل و عدمه.
7) وسائل الشيعة 2: 709 باب 21 من أبواب غسل الميت حديث 4.
اللهم إلّا أن يتشبث بوصية علي بن الحسين عليه السّلام في تغسيل أم ولده إياه (1)، و لو بحمله على بيان وظيفتها كلية، لا في خصوصه، كي ينافي عدم تغسيل غير المعصوم للمعصوم، و نلتزم بجوازه في عكسه، كما نسب إلى الحدائق (2). و لكن إعراض الأصحاب- مع بعد الحمل المزبور- يوهنه، فالقاعدة السابقة محكمة في الطرفين.
ثم انّ مقتضى صحيحة الحلبي- عن المرأة تموت في السفر و ليس معها ذو محرم و لا نساء، قال: «تدفن كما هي في ثيابها»، و عن الرجل يموت في السفر و ليس معه ذو محرم و لا رجال، قال: «يدفن كما هو في ثيابه» (3)الخبر،- سقوط الغسل عن رجل ليس معه رجل و لا محرم، و كذلك المرأة.
و لازمة استفادة كبرى كلية: من انّ كل رجل لم يكن له مماثل، و كذلك المرأة- عدا المستثنيات- فإنه لا يجب تغسيله. و مقتضى ذلك أن يحكم باشتراط المماثلة في الوجوب في الجملة، لا مانعية المخالفة، كي يكون مفاد القاعدة «ترتب الوجوب على ما لا يكون مخالفة بينهما»، كي يكون مفاد القاعدة «ترتب الوجوب على ما لا يكون مخالفة بينهما»، كي تقتضي ترتب السقوط على عنوان «المخالفة الوجودية»، إذ ذلك خلاف ظاهر النص المزبور.
و تظهر الثمرة في الخنثى المشكل إذا كان غاسلا، فإنّ أصالة عدم الرجل أو عدم المرأة في صورة موت الرجل فقط أو موت المرأة كذلك، تقتضي سقوط غسلهما.
و أما في صورة ابتلائه بهما، فالأصلان- بناء على نفي الطبيعة الثلاثة
في الخنثى المشكل- متعارضان، فيقتضي حينئذ وجوب غسل أحدهما عليه، و مقتضى المقدمة العلمية غسلهما، غاية الأمر وراء الثياب، لأصالة حرمة النظر بعموم الغض الباقية بالاستصحاب حتى بعد الموت.
ثم انّ ذلك لو كان الخنثى غاسلا، أما لو كان مغسولا، فإن قلنا بأنّ مقتضى العموم السابق- و لو بالفحوى- شرطية كون الميت رجلا في غسل الرجل، بضميمة كونه شرط الوجوب لا الواجب، فلا شبهة في أنّ أصالة عدم الرجولية بالنسبة إلى الرجل الحي، و عدم الأنوثية بالنسبة إلى المرأة الحية، سقوط الغسل عنهما، فيدفن بلا غسل.
و أما إن قلنا بأنّ المقدار الثابت من الدليل المزبور، هو أنه إذا كان الميت رجلا فلا يغسله إلّا الرجل، و كذلك المرأة، فأصالة عدم كونه رجلا تقتضي وجوب غسله، بعموم وجوب الغسل في كل ميت (1).
و هكذا الأمر في طرف المرأة، على اشكال في مثل هذا الأصل، فيجب على كل منهما (2)الاقدام بلا اكتفاء بغسل الآخر.
كما انه لو قلنا بأنّ المماثلة من الطرفين شرط الواجب، فيجب الاقدام أيضا من كل منهما، لأنّ المورد من صغريات الشك في القدرة، الواجب تحصيلها مهما أمكن، فلا مجال لإجراء البراءة في مثل المقام، كما هو ظاهر.
و الانصاف انه على فرض اشتراط المماثلة من الطرفين كان مقتضى القاعدة أيضا- كما أشرنا- هو شرطيتها للواجب لا الوجوب، فضلا عن دعوى منع استفادة اشتراط مثل هذا العنوان من الأدلة، بل غاية الأمر وجوب إحراز الرجولية للغاسل عند موت الرجل، و هكذا في المرأة.
و نتيجته في المقام وجوب اقدام كل منهما على الغسل بمقتضى ما ذكرنا من الإطلاقات في وجوب غسل الموتى، إلّا ما خرج.
اللهم إلّا أن يدّعى منع نظر الإطلاقات إلى مثل هذه الجهات، و حينئذ فمن المحتمل اشتراط المماثلة في الوجوب من الطرفين، و لازمة في المقام أيضا سقوط الغسل من كليهما.
و لعله إلى ذلك نظر الأصحاب في اشتراطهم المماثلة من الطرفين، و إلّا ففي استفادة ذلك المقدار من الأخبار الخاصة، خصوصا استفادة كون ذلك من شرائط الوجوب لا الواجب كمال تأمل و إشكال، فتأمل غايته.
و شرعية عبادة الصبي- على المختار من استفادته من الأمر بالأمر على فرض شموله لمثل المقام، و عدم اختصاصه بعبادات نفسه، الراجع أثرها إليه- لا تجدي في المسقطية عن الغير، كما هو الشأن في جميع الواجبات الكفائية المنوطة مسقطية عمل الصبيان فيها عن الغير بوفاء عملهم بالمصلحة الملزمة، و إلّا فأصالة عدم المسقطية و الإطلاقات المتوجهة إلى المكلفين محكمة.
و هكذا لازم اعتبار المقربية عدم جواز مثل هذا الغسل من الكفار، لعدم صلاحية مثل هذا العمل لمقربيتهم، لا لقصورهم عن قصد القربة، كي يشكل الأمر في بعض القاصدين لها باعتقادهم.
لكن هذا يقتضي أن لا يصح تغسيل الكتابي للميت المسلم، مع انهم يلتزمون به و لو في صورة عدم وجود مسلم غاسل مماثل، للنص الدال على جواز تغسيل الكتابي المماثل مع وجود المخالف من المسلم (1)، بلا تعرّض
1) وسائل الشيعة 2: 704 باب 19 من أبواب غسل الميت حديث 1 و 2.
في النص لكونه بأمره.
و لعله لذلك (1)التزم بعضهم أن يكون غسله بأمر المسلم، كي يصح عبادة له و لو تسبيبا، بملاحظة قصد المسلم للتقرب و لو بفعل الكتابي، و لكن عدم تعرض النص لهذا الاعتبار يخرجه عن الاعتبار، فلا محيص عن الالتزام بكفاية صورة العبادة في هذه الصورة.
و في التعدّي عن مورد النص إلى صورة فقد المسلم رأسا حتى المخالف اشكال، لوجوب الاقتصار عند خلاف القاعدة على مورد النص، لو لا دعوى عدم التفات العرف في أمثال هذه الأحكام إلى مثل تلك القيود، بل يفهمون مناط الجواز مجرد عدم وجود المماثل المسلم، كما لا يخفى.
و في التعدّي من الكتابي إلى المخالف بالفحوى وجه، بخلاف غيره، لعدم الفحوى.
ثم انّ في كل مورد انتهى الأمر إلى الغسل الاضطراري لفقد شرط من شروطه الاختيارية، ففي اقتضائه الاجزاء و لو مع التمكن من الغسل التام قبل دفنه اشكال، تقدّم الكلام فيه.
كما انّ في اقتضائه سقوط الغسل بمسّه بعده أيضا إشكال آخر، لانصراف الدليل إلى الغسل التام، فالاستصحاب يقتضي عدمه.
خلافا لمن قيّده بالمؤمن، حيث لم يجوّز تغسيل المؤمن للمخالف. و مدرك الأخير اختصاص النص بالمؤمن، حيث قال عليه السلام: «أيما مؤمن غسّل مؤمنا ..» (2)إلخ، بضميمة عدم عموم يقتضي تغسيل المؤمن لغيره، عدا
إطلاقات غير وافية للشمول من هذه الجهة، نظرا إلى عدم كونها في مقام البيان مطلقا.
لكن الانصاف ظهور قوله في باب الصلاة: «صلّ على من مات من أهل القبلة» (1)، بضميمة أن تعميم الصلاة يستتبع تعميم الغسل، الذي هو نحو مقدمة للصلاة عليه و من لوازمها. و معلوم انّ مثل هذا العموم هو المحكم في قبال المقيّد السابق، نظرا لعدم مفهوم لقيده، و لم تثبت وحدة المطلوب الموجبة للتقييد، فيكون المدار على العنوان العام لا الخاص، كما هو الشأن في كل ما كان من هذا القبيل.
نعم بناء على ذلك فالحكم يشمل الناصب و الغلاة و غيرهم من المنتحلين للإسلام مع ثبوت كفرهم و لو حكما، و الحال انّ ظاهرهم عدم الالتزام بذلك، فإن تم إجماع- كما لا يبعد- فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال.
ثم انّ أولاد المسلمين ملحقون بهم في هذا الحكم، كما يومئ إليه نص سقوط تغسيل من كان على أقل من ثلاث سنين (2).
و أولاد الكفار أيضا ملحقون بهم للسيرة.
و مجانين الطائفتين أيضا مثل صبيانهم و لو للاستصحاب (3)، حتى في
1) وسائل الشيعة 2: 814 باب 37 من أبواب صلاة الجنازة حديث 2.
2) لعل ذلك سهو من قلمه الشريف، إذ يجب تغسيل كل مسلم حتى السقط إذا كملت له أربعة أشهر، و سيجيء التصريح منه قدّس سرّه بذلك في المسألة السادسة الآتية.و الظاهر أنه قدّس سرّه أراد الاستشهاد بالسقط دون أربعة أشهر، فسبقته هذه العبارة سهوا.فصحيح العبارة هكذا: سقوط تغسيل السقط الذي لم يكمل له أربعة أشهر.فمن هذا السقوط يستفاد الثبوت لمن كان أزيد.
3) لكنه استصحاب تعليقي، بمعنى أنه لو كان مات قبل بلوغه لكان يجب تغسيله في المسلم، أو يحرم تغسيله في الكافر، فكذا الآن.
المنفصل عن البلوغ (1)، بتقريب استصحاب أحكام الشرائع السابقة (2).
و في إلحاق ولد الزنا بالمسلمين اشكال، لو لا دعوى حكم العرف بالإلحاق. و يرفع اليد عن حكمهم، بالمقدار الذي ثبت الردع عنه شرعا، و هو مخصوص بباب التوارث، و يبقى غيره من الطهارة و تغسيله و أمثالهما بحاله.
نعم في إلحاق المسبي بالسابي في المقام إشكال، فالبراءة تقتضي عدمه، لو لا الإلحاق من جهة أخرى، لكونه في دار الإسلام، أو كونه ولد المسلم، و هكذا.
و فسّر بمن قتل في سبيل المحاماة عن الدين، و عليه النصوص المعتبرة بمن قتل في سبيل اللّٰه تارة (3)، و قتل بين الصفين اخرى (4)، و بالشهيد ثالثة (5). و بقيد الأول يرفع اليد عن إطلاق الأخيرين.
1) الاستصحاب في المنفصل جنونه عن البلوغ أوضح، لأنه إن بلغ مسلما ثم جن، أو بلغ كافرا ثم جن، كان استصحاب حكمه قبل جنونه أوضح من استصحاب حكمه حال صغره، لأنّ في هذا الأخير شبهة اختلاف الموضوع، بخلاف الأول فإنه استصحاب حكمي مستقيم لا شبهة فيه، فلا موقع لاستعمال لفظة (حتى) في المقام كما لا يخفى.
2) أي تقريب الاستصحاب في المقام نظير تقريب استصحاب أحكام الشرائع السابقة، و ذلك لأنّ وجوب التغسيل بالنسبة إلى ميت هو في الآن لا يمكن إثباته باستصحاب وجوب سابق متيقن، إذ لم يثبت انّ المكلفين في هذا الآن كانوا موجودين في الآن السابق، فكان يجب عليهم تغسيل هذا الميت يقينا، كي يستصحب ذلك الآن اللاحق، فلا بدّ لتوجيه الاستصحاب المذكور من التوجيهات التي ذكروها لتقريب استصحاب الشرائع السابقة، و قد ذكرها الشيخ في الأمر الخامس من تنبيهات الاستصحاب فراجع.
3) وسائل الشيعة 2: 700 باب 14 من أبواب غسل الميت حديث 7 و 9.
4) وسائل الشيعة 2: 698 باب 14 من أبواب غسل الميت حديث 3.
5) وسائل الشيعة 2: 699 و 700 باب 14 من أبواب غسل الميت حديث 5 و 8 و 10.
و المراد من سبيل اللّٰه في المقام: خصوص حماية الدين، لمناسبة المورد، لا ما يراد به في باب الزكاة.
و في جملة من النصوص تخصيص السقوط بصورة عدم إدراكهم و فيهم رمق (1)، و لكن قضية سعد بن ربيع (2)تدفعه، فلا بد من حمل القيد على صورة انتهاء القتال، أو خروجه عن المعركة، بضميمة حملها على كون الرمق قرينة عدم الموت في المعركة أو حين القتال، لا أن له مفهوما كي يقتضي عدم وجوب الغسل مع عدم رمقهم، حتى مع العلم بموتهم في غير حال القتال، فيختص سقوط الغسل بمن كان في حال القتال و في المعركة، و هو المنصرف إليه من الأخبار (3)، و في غيره يجب التفصيل، للنصوص (4).
فلو شك حينئذ في انه مات في المعركة، أو في غيرها، أو حال القتال أم بعده، فاستصحاب عدم اتصافه بما استثني من مطلقات وجوب الغسل وجه، نعم لو لا انصراف أخبار السقوط عما ذكر كان المرجع هو الإطلاق، كما لا يخفى.
و يختص سقوط الكفن بحال وجود الثياب، لانصراف أخباره إلى ذلك، و إلّا فمع عدمها يجب التكفين، كما صنع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بحمزة، و في النص تعليله بأنه جرّد من ثيابه (5).
و ممن يسقط عنه الغسل أيضا المرجوم أو المحدود قصاصا، كما في
النص المختص بهما (1)، و بعض الأعاظم ألحق مطلق المحدود بهما، و فيه نظر.
و يشترط فيه غسله قبل الحد و الرجم، و موته بهما، و إلّا فيغسّل بعد موته، للعمومات، بعد اختصاص النص بمن ذكر، و أيضا فالظاهر من النصوص كون غسله كغسل غيره، فلا بد أن يكون مثله كما و كيفا حتى في مسقطية غسله عن غسل سائر أحداثه الطارئة بعد غسله، بلا احتياج إلى غسل آخر، إلّا بلحاظ غاية أخرى غير تطهير بدنه، لعدم اقتضاء دليل الاجزاء أزيد مما ذكر، كما لا يخفى.
لخبر طلحة الوارد في الصلاة، الملحق بها الغسل بعد عدم القول بالفصل (2)، مضافا إلى كونه من لوازمها، المستفاد حكمه ثبوتا و سقوطا من فحوى ما ورد في صلاته، و في النص المزبور التصريح بعدم الغسل في غير ما يصدق عليه البدن من يد أو رجل أو رأس.
و يجب أيضا غسل مجموع عظامه الخالية عن اللحم، للنص الوارد في أكيل السبع (3). و يلحق به في الوجوب ما اشتمل على القلب، لخبر البزنطي (4)، و كذلك المشتمل على الصدر و اليدين، للنص الوارد في صلاة الميت (5)، الملحق بها الغسل أيضا تبعا كما ذكرنا.
و أما غير هذه الصور ففي وجوب الغسل نظر، إذ غاية ما يدل عليه ما
ورد من غسل المس للعظم المشتمل على اللحم (1)، بضميمة عدم الفصل بين غسل المس و غيره، و في الملازمة نظر، كدعوى صدق الميسور على بعض الصور، الملحق غيره أيضا به بعدم القول بالفصل، و في كلتا المقدمتين أيضا تأمل.
ثم في صورة الوجوب لا إشكال في سقوط الترتيب في أجزاء الغسل لو كان عضوا واحدا. و إن كان الموجود عضوين فلا بأس بالالتزام بالترتيب مع العلم باليمين و اليسار، للاستصحاب، و مع الجهل يكرر حتى يحصل العلم بالترتيب، و مع العلم بكونهما من طرف واحد يسقط، و مع احتماله يحتاط بالتكرر، بناء على الرافعية لقاعدة الاشتغال.
و لا يصلّى عليه إجماعا. و يدل على الحكم المزبور ما في النص بأنه إذا تم له أربعة أشهر غسّل (2)، و مفهومه عدم وجوب غسله و لا كفنه في القطع إذا كان أقل من الأربعة، نعم لا بأس بوجوب ستره، لما في النص من جعله في كفن امه، الملحق به أيضا من لم يكن له كفن الام، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و يستحب وقوف الغاسل على جنبه، للنص (3)، و أن يكون على يمينه على المشهور، و غمز بطنه، لنص الكاهلي المختص بالغسلة الاولى (4)، و المرسل (5)بالثانية أيضا، بلا نص في الثالثة، و لذا خصه
المصنف في الغسلتين الأولتين، إلّا أن تكون حاملا مع موت ولدها في بطنها، للنوى المشتمل على التفصيل بين الحبلى و غيرها (1).
و الذكر و الاستغفار حال الغسل على المشهور، و إلّا فالعمومات غير وافية بالخصوصية.
و إرسال الماء إلى حفيرة، للنص (2).
و كون تغسيله تحت سقف، للصحيحة (3).
و استقبال القبلة به، لرواية سليمان (4)السابقة، المثبتة للحكم المذكور الثابت بإطلاقه، أو استصحابه إلى حين غسله.
و يستحب أيضا غسل رأسه و جسده برغوة السدر، بناء على توجيه رواية معاوية السابقة في كيفية غسله (5)، بحمل الغسل الأول فيه على ذلك، و في النص (6)أيضا غسل فرجه بالأشنان، و أن يوضأ، و هنا أيضا سنن كثيرة لا بأس بالعمل بها رجاء (7).
و يكره إقعاده، للنص (8)المحمول على الكراهة، و قص أظفاره، و ترجيل شعره، للنهي عنه في عدة أخبار (9)محمولة على الكراهة أيضا.
1) وسائل الشيعة 2: 689 باب 6 من أبواب غسل الميت حديث 3.
2) وسائل الشيعة 2: 661 باب 35 من أبواب الاحتضار حديث 2.
3) وسائل الشيعة 2: 720 باب 30 من أبواب غسل الميت حديث 1.
4) وسائل الشيعة 2: 661 باب 35 من أبواب الاحتضار حديث 1.
5) وسائل الشيعة 2: 683 باب 2 من أبواب غسل الميت حديث 8.
6) وسائل الشيعة 2: 683 باب 2 من أبواب غسل الميت حديث 8.
7) وسائل الشيعة 2: 680 باب 2 من أبواب غسل الميت.
8) وسائل الشيعة 2: 681 باب 2 من أبواب غسل الميت حديث 5.
9) وسائل الشيعة 2: 694 باب 11 من أبواب غسل الميت حديث 1 و 2 و 3.
بلا اشكال فيه، و في عدم وجوبه عينا على أحد إلّا عرضا، و لا في مال الشخص المكفّن، بل يجب بذله و لو عن بدل و عوض، لأصالة حرمة ماله.
و في عباديته قولان، و المشهور توصليته، للأصل على المختار، بل للإطلاقات أيضا.
و يجب تكفينه في ثلاثة أثواب على المشهور، خلافا لسلّار المكتفي بالواحد (1)، للصحيحة المشتملة على «ثلاثة أثواب، أو ثوب تام يواري جسده كله فما زاد فهو سنة» (2). و في الكافي بالواو بدل «أو» (3)، و مع هذا الاختلال لا حجية فيها قبال النصوص المستفيضة المشتملة على الثلاثة سوى العمامة (4).
و المشهور انّ الثلاثة المزبورة هي: مئزر و قميص و إزار، و المراد من المئزر: هو الإزار، لما في رواية عمار من تحديد الإزار بما يغطّي الصدر و الرجلين (5)، و هو غير القميص و غير اللفافة، فلا بد أن يكون شيئا في قبالهما المعبّر عنه بالإزار تارة (6)، و بالمئزر (7)أخرى.
و في خبر آخر «قميص و إزار و برد يلف فيه» (8)، الظاهر في كون الإزار
1) المراسم: 47.
2) وسائل الشيعة 2: 726 باب 2 من أبواب التكفين حديث 1.
3) الكافي 3: 144 باب تحنيط الميت و تكفينه حديث 5.
4) وسائل الشيعة 2: 726 باب 2 من أبواب التكفين.
5) وسائل الشيعة 2: 745 باب 14 من أبواب التكفين حديث 4.
6) وسائل الشيعة 2: 745 باب 14 من أبواب التكفين حديث 4.
7) في عبارة الفقهاء طبعا.
8) وسائل الشيعة 2: 728 باب 2 من أبواب التكفين حديث 13.
لا يلف فيه فيكون هو المئزر.
و حينئذ لا يبقى مجال لاحتمال صاحب المدارك من القميص و اللفافتين (1)، إذ هو مبني على حمل الإزار أيضا على اللفافة الساترة لجميع البدن، كما يومئ إليه خبر آخر من قوله «قميص و لفافة و برد» (2)، إذ رفع اليد عن اللفافة في هذه الرواية و حمله على الإزار أولى من العكس، و عدم وجوب هذا التحديد في الإزار أيضا غير ضائر بأصل وجوبه، فلا وجه لحمل الإزار بالمعنى الأول على الاستحباب، و إبقاء اللفافة على ظاهرها من الستر لجميع البدن، لإمكان دعوى الجزم بعدم استحباب أصل الإزار بالمعنى السابق، بل المستحب تحديده بما ذكر كما لا يخفى.
و المراد من القميص ما كان بهيئة الثوب المتعارف سابقا، الواصل من الطرفين إلى نصف الساق أو أقصر، و يكفي لوجوبه النصوص السابقة، نعم في بعض الأخبار «في ثلاثة أثواب بلا قميص» إلى قوله «و القميص أحب» (3)، و لكنه بإعراض الأصحاب عنه مطروح أو محمول على ثوب صلاته، بشهادة رواية ابن سهيل (4).
و أما الإزار: و هو الثوب الشامل لجميع البدن، و هو المعبّر عنه في بعض النصوص بالبرد (5)، و لا بد أن يكون أزيد من قامة الميت عرضا و طولا بمقدار قابل لشد طرفيه الموجب لستر بدن الميت.
ثم انّ المنساق من الإطلاقات كون الإزار ساترا، و أما اعتبار ساترية
البقية ففيه إشكال، فالأصل البراءة فإنها جهة زائدة.
و في رواية ابن راشد (1)ما يستفاد منه عدم جواز كفن الميت بالحرير، و يمكن استفادة جوازه للنساء مما دل على تنزيل الميت بالمحرم (2)، بضميمة ما دل على أنّ كل ثوب يصلّى فيه فلا بأس بأن يحرم به (3).
و في مثل هذه الاستفادة نظر، إذ التنزيل المزبور غير ناظر إلى أزيد من منع الطيب منه غير الكافور، كما صرح به في النص (4)أيضا، و في المرسلة «نهى رسول اللّٰه عن تكفين الرجال في الحرير» (5)، و في مفهومه أيضا نظر، فلا وجه لرفع اليد عن الإطلاق السابق. و لذا حكي عن بعض الإجماع على عدم جواز التكفين في الحرير حتى في النساء، جريا على الإطلاق السابق.
و ظاهر جملة من الأخبار كونه من جنس الثياب (6)، فلا يصح فيما يكون من الجلود أو غيره، و لا أقل من نفي الإطلاق، لكون مطلقات الكفن في بيان أصل تشريعه، فترجع المسألة إلى التعيين و التخيير، و الأصل التعيين لقاعدة الشغل.
و أما اشتراط كونه من جنس ما يصلّى فيه بخصوصياته، ففيه اشكال، لعدم استفادته من أخبار الباب.
نعم لو تمّ التنزيل السابق بالتقريب المتقدم أمكن إثباته، و إلّا فالمسألة
1) وسائل الشيعة 2: 752 باب 23 من أبواب التكفين حديث 1.
2) وسائل الشيعة 2: 734 باب 6 من أبواب التكفين حديث 5.
3) وسائل الشيعة باب 27 من أبواب الإحرام و باب 37 و 38 من أبواب تروك الإحرام.
4) وسائل الشيعة 2: 734 باب 6 من أبواب التكفين حديث 5.
5) مستدرك الوسائل 2: 225 باب 18 من أبواب التكفين حديث 2.
6) وسائل الشيعة 2: 726 باب 2 من أبواب التكفين.
تابعة لتمامية الإجماعات التي ادعيت في المقام، و قد تعرّض في الجواهر لشطر منها (1)، فراجع و لا حظ. فان تم إجماع فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال، لو لا رجوع كثير من الخصوصيات المشكوكة إلى التعيين و التخيير، فالمرجع فيها قاعدة الاشتغال، و اللّٰه العالم.
ثم لو تعذرت القطع الثلاث فيكتفي بما هو أشمل سترا، و مع الدوران بين القميص و الإزار، ففي تقديم أي واحد إشكال، فينتهي الأمر إلى التخيير.
و المشهور أيضا كون القميص فوق الإزار و تحت اللفافة، و في بعض النصوص التصريح بعكس ذلك (2)، و يمكن حمله على دفع توهم إيجاب عكسه، كما هو المتعارف في الأحياء. فعليه إن تم سند هذا فترتفع شبهة تعيين المشهور، و إلّا فلا يبعد التعيين المذكور، حملا للإطلاقات على ما هو المتعارف في الأحياء، فتدبّر.
و يدل عليه قول علي عليه السّلام: «على الزوج كفن المرأة» (3)و ظاهره- نظير «على اليد» (4)-: خطاب وضع، و إطلاقه يشمل حال إعساره، فلا يثبت في تركة الميت حينئذ. فلو لا الإجماع على ذلك لأمكن منع وجوبه، أو كونه من بيت المال المعد لمصالح المسلمين.
و أيضا ظاهر هذا البيان، كون الكفن من الديون المقدّم عليها كفن
المديون، بشهادة قوله: «أول شيء يبدأ من المال الكفن» (1).
و حينئذ فلو تركت المرأة مقدار كفنها، و لم يترك الرجل شيئا، فلازمه تكفين الرجل به دون المرأة، لأنّ الكفن ينتقل إلى الرجل بالإرث، لعدم كون كفنها في تركتها كما أشرنا، غاية الأمر يصير ذلك دينا على الرجل المقدّم عليه كفنه.
ثم في إلحاق باقي مؤن التجهيز بالكفن في كونها على الزوج إشكال، فإن تمّ إجماع على ذلك فهو، و إلّا فللنظر فيه مجال.
ثم في حكم الزوج المولى إجماعا، من دون فرق بين أنحاء العبودية، كما لا إشكال في عدم إلحاق باقي الأقارب بالزوجة، لعدم الدليل، حتى الأب. و «كونه و ماله لأبيه» (2)مسوق لبيان سلطنة الأب على التصرف في مال الولد زمان حياته، و لا يشمل مثل هذه الجهة.
و يجب أيضا الحنوط، و هو إمساس مساجده بالكافور على المشهور، خلافا للمحكي عن الإسكافي، و الأصل فيه ما في صحيح زرارة للأمر فيه بمسح آثار السجود بالكافور (3).
و الظاهر كفاية مسمّاه، و الاكتفاء بمسح آثار السجود فقط. فما في جملة من النصوص من التحديد بأزيد من المسمّى أو أزيد من المساجد (4)، محمول على الاستحباب.
و يستحب في الكفن أمور:
منها: أن يزاد للرجل حبرة غير مطرّزة.
أما الحبرة: فهي برد يماني معروف، و في النص «برد» (1)زائدا على الثلاثة الأثواب، و في بعض النصوص «الزائد عن الخمس بدعة» (2)، فلا ينافي مشروعيته، فما عن المدارك من عدم الاستحباب (3)ممنوع.
و أما كونها غير مطرّزة بالذهب و الفضة فهو المفتي به من الأصحاب، و لم أر نصا فيه، و لا بأس به رجاء.
و منها: الخرقة لفخذيه يلفهما بها، للأخبار المستفيضة (4)، و جعلها من الخمسة (5).
و منها عمامة يعمم بها محنكا، للنصوص المستفيضة (6)، و يزاد للمرأة لفافة أخرى لثدييها، لمرسلة سهل (7)، و نمطا و هو ثوب خاص له خيوط، و في سند الاستحباب نظر، لعدم استفادة الخصوصية من أخبار الباب، كما لا يخفى، و تعوّض المرأة عن العمامة بقناع، لنص ابن مسلم (8)و غيره.
و منها: التكفين بالقطن، لنص أبي خديجة (9).
1) وسائل الشيعة 2: 728 باب 2 من أبواب التكفين حديث 13 و 15.
2) وسائل الشيعة 2: 726 باب 2 من أبواب التكفين حديث 1.
3) مدارك الأحكام 2: 100.
4) وسائل الشيعة 2: 726 باب 2 من أبواب التكفين.
5) وسائل الشيعة 2: 728 باب 2 من أبواب التكفين حديث 13.
6) وسائل الشيعة 2: 726 باب 2 من أبواب التكفين.
7) وسائل الشيعة 2: 729 باب 2 من أبواب التكفين حديث 16.
8) وسائل الشيعة 2: 727 باب 2 من أبواب التكفين حديث 9.
9) وسائل الشيعة 2: 751 باب 20 من أبواب التكفين حديث 1.
و منها: تطييبه بالذريرة، لنص سماعة (1).
و منها: جريدتان من النخل، للنصوص المتواترة (2).
و في النصوص الترتيب بين النخل و السدر و الخلاف و مطلق الشجر الرطب (3)، و يمكن الحمل على الأهم فالأهم في مراتب الفضيلة، لا التعبّد في الاجتزاء اختيارا و اضطرارا.
و منها: أن يكتب على اللفافة و القميص و الإزار و الجريدتين اسمه، أي اسم الميت، و انه يشهد الشهادتين، لرواية أبي كهمس (4)، و هي غير وافية بتمام الخصوصيات المذكورة، بل و ليس فيها الشهادة بالرسالة، نعم لا بأس بما ذكروه رجاء، لاشتهاره بين الأصحاب، و من ذلك يظهر ضعف إضافة أسماء الأئمة عليهم السّلام إليهما و إن اشتهر الفتوى بذلك.
و منها: أن يكون الكافور ثلاثة عشر درهما و ثلثا، لبعض النصوص المستفاد منها ذلك (5).
و يكره التكفين في السواد، للنهي عنه (6)، المحمول على الكراهة قبال المطلقات، و جعل الكافور في سمعه و بصره، لما في خبر يونس (7)المشتمل على النهي عنه، و تجمير الأكفان، للنص
1) وسائل الشيعة 2: 746 باب 15 من أبواب التكفين حديث 1 و 2.
2) وسائل الشيعة 2: 736 باب 7 من أبواب التكفين.
3) وسائل الشيعة 2: 738 باب 8 من أبواب التكفين.
4) وسائل الشيعة 2: 757 باب 29 من أبواب التكفين حديث 1.
5) وسائل الشيعة 2: 730 باب 3 من أبواب التكفين.
6) وسائل الشيعة 2: 751 باب 21 من أبواب التكفين حديث 1 و 2.
7) وسائل الشيعة 2: 744 باب 14 من أبواب التكفين حديث 3.
الناهي عنه (1)، المحمول عندهم على الكراهة إجماعا.
بلا اشكال فيه في الجملة، و النصوص به وافية (2)، و فيها: «صلّوا على من قال لا إله إلّا اللّٰه» (3)، و ظاهر الخطاب وجوبه على جميع المسلمين، غاية الأمر كفائيا إجماعا و سيرة.
و يشرط إذن الاولى بالميت بالتقريب السابق في الغسل.
و ظاهر العموم في المصلّى عليه شمول الحكم لكل موحّد، و الظاهر اختصاصه بالمسلم، بقرينة عنوان «أهل القبلة» (4)في نص آخر، بل الظاهر وجوب الصلاة على ميت الأطفال إذا بلغ الست، لنص ابن مسلم (5)، المقيّد لإطلاق الخبر النافي عمن لم يبلغ مطلقا (6)، لو لا احتمال حمل المقيّد على الفضيلة، و المشهور اختاروا الجمع الأول، فتدبّر.
و ظاهره تحديد سن من تجب عليه الصلاة، بعد الفراغ عن أصل وجوبها، فلا إطلاق له كي يشمل ولد الكافر، و لا المشكوك كونه من المسلم، فأصالة عدم الوجوب هو المرجع.
نعم يتوجه على مسلك صاحب الجواهر، من قوله بإطلاق النص، و خروج ولد الكافر بالإجماع (7)، أن يكون المرجع- في مثل هذه الشبهة (8)
1) وسائل الشيعة 2: 723 باب 6 من أبواب التكفين حديث 1 و 2 و 3.
2) وسائل الشيعة 2: 814 باب 37 من أبواب صلاة الجنازة.
3) المستدرك 2: 285 باب 29 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.
4) وسائل الشيعة 2: 814 باب 37 من أبواب صلاة الجنازة حديث 2.
5) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها حديث 2.
6) وسائل الشيعة 2: 788 و 790 باب 14 و 15 من أبواب صلاة الجنازة حديث 5 و 4.
7) جواهر الكلام 12: 5.
8) و هي ما إذا شك في كونه ولد مسلم أو كافر.
التي هي مصداقية للمخصص اللبي- هو عموم العام.
و هي تجب على كل ميت مسلم، أو بحكمه، ممن بلغ ست سنين من أولادهم، ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، و تستحب على من نقص سنة عن ذلك، لنص ابن يقطين المشتمل على استثناء السقط غير التام (1)، بضميمة الجمع بينه و بين الرواية السابقة (2)بالاستحباب.
و ظاهره شموله للتام المتولد و لو ميتا، و عن بعض المحشين تقييده بالمتولد حيا، و لا وجه له مع إطلاق النص، فتدبر.
و لا ينافي ذلك ترك النبي صلّى الهّٰت عليه و آله و سلم الصلاة على ولده إبراهيم، لإمكان انطباق عنوان على الترك جعله أرجح من الفعل.
نعم ربما يستشعر من اعتذار الإمام لصلاته على ابن ثلاث سنين- «بأن الناس صنعوا ذلك»- (3)انّ الأمر بالصلاة كان تقية، فلو لا التسامح في أدلة السنن لأشكل الفتوى بالاستحباب، و لكن الذي يسهّل الخطب أنه لا بأس بإتيانها رجاء.
و أولاهم بالصلاة عليه أولاهم بالميراث بلا اشكال فيه في الجملة فتوى و نصا (4)، بعد حمل «الأولى بالميت» (5)على «الأولى بالميراث» و لو بقرينة آية «أولو الأرحام» (6)، و ما ورد في باب القضاء عن
1) وسائل الشيعة 2: 789 باب 14 من أبواب صلاة الجنازة حديث 2.
2) وسائل الشيعة 2: 788 و 790 باب 14 و 15 من أبواب صلاة الجنازة حديث 4 و 5.
3) وسائل الشيعة 2: 788 باب 13 من أبواب صلاة الجنازة حديث 3.
4) وسائل الشيعة 2: 801 باب 23 من أبواب صلاة الجنازة.
5) وسائل الشيعة 2: 801 باب 23 من أبواب صلاة الجنازة.
6) الأنفال: 75.
الميت (1). فلا يبقى حينئذ مجال لاحتمال صاحب المدارك (2)من إمكان حمله على الأولوية إرفاقا، لأنه خلاف المعهود من مثل هذا اللفظ المستعمل في الموارد المختلفة بمعنى الأولوية إرثا.
و أضعف منه تقريب حمله على الأولوية إرثا بإطلاق الأولوية، إذ لو حمل على الإطلاق لوجب الأخذ بالأولوية من جميع الجهات، و إلّا فالأشفق غير الوارث أو العكس لا يكون له مثل هذه الأولوية المطلقة، فلو أريد منه مطلقها يلزم الأخذ بالأولوية شفقة أيضا فقط، و ليس كذلك.
ثم انّ مقتضى الأولوية ميراثا تساوي أهل طبقة واحدة، لكن الأصحاب قدّموا الأب على الولد، و هكذا كل متقرّب بالأب على المتقرّب بالأم، بل في نجاة العباد: انّ الجد للأب أولى من الأخ للأبوين (3).
و وجه الأول ليس إلّا التسالم في كلمات الأصحاب.
كما انّ الثاني ربما يستفاد من رواية الكناسي الطويلة (4).
و أما الثالث فوجهه غير معلوم عدا توهم أشفقيته على الميت من غيره، بضميمة انّ المراد من الأولى: الأولوية المطلقة حتى الأشفقية، بل ربما يكون ذلك أيضا وجه الأول على اشكال فيه، للزوم المحذور في مورد التفكيك.
و لو كان الولي صغيرا، ففي قيام الولي مقامه وجه مبتن على شمول دليل الولاية للأحكام مضافة إلى الحقوق، و هو لا يخلو عن اشكال، و عليه
ففي سقوط ولاية الصلاة أو ثبوتها في الطبقة الثانية المحجوبة اشكال آخر، مبني على فرض قيام الدليل على عدم سقوطها، كي يلاحظ سائر الطبقات على ما عرفت.
و يحتمل قريبا حينئذ إجراء حكم من لا ولي له عليه، لأن المدار في الأولية ميراثا على الميراث فعلا لا اقتضاء، و المفروض أنه غير صالح للإذن و لا للعمل، كما أنّ الطبقة المحجوبة لا ترث فعلا بل اقتضاء، فينتهي الأمر إلى الحكام، و الأحوط الجمع بين اذن الولي و الطبقة المحجوبة التالية و الحكام في الصلاة عليه، كما لا يخفى.
و من الاستظهار في الإرث الفعلي أيضا ظهر عدم انتهاء الأمر إلى من فيه أحد موانع الإرث، بل المرجع من هو وارث فعلا.
و الزوج أولى من غيره حتى من أقربائه الوارثين، بلا إشكال أيضا نصا (1)و فتوى، و في بعض النصوص التصريح بتقدّم الزوج على الأب و الولد و الأخ (2)، و ما في بعض الأخبار من تقديم الأخ على الزوج (3)مطروح أو مؤوّل.
و لا فرق في الحكم المزبور بين الدائمة و المنقطعة، و لا بين الحرة و الأمة، بل المطلقة رجعيا ما دامت العدة باقية تكون بحكم الزوجة أيضا، و أما المملوكة غير المزوجة فالأولى بها مولاها كالمملوك، لظهور تسالمهم على قيام الإجماع على ذلك، بل لأنه هو الأولى بها إرثا، بناء على ملكيتها، للنص (4)، و الإجماع على انتقال ما بيدها إلى مولاها، مضافا إلى
استصحاب ولايته في جميع أمور مملوكه حال الحياة، الشامل عموم هذا الحكم بقاء لما بعد الموت في مثل هذه الأمور، نظير شمول الحكم الثابت للعناوين الكلية للفرد الحادث حين الشك، كما لا يخفى.
و في المتن انّ الهاشمي أحق إذا قدّمه الولي و ذلك ظاهر و لا تخصيص لهذه الجهة بالهاشمي، إذ بعد شرطية اذن الولي في صحة عمل الغير، فكل من اختاره الولي كان أحق بالعمل من غيره هاشميا أو غيره.
نعم و يستحب له أي للولي تقديمه مع الشرائط تجليلا لشأنهم، و لأولويته في باب صلاة الجماعة الجاري مناطه في المقام (1).
نعم في تعين من عيّنه الميت بوصيته اشكال، لقصور شمول دليل الوصية لمثل هذه الأمور غير الثابتة له حال حياته.
و الإمام مع عدم من ذكر، بل مع وجودهم أيضا أولى من غيره، لأنه أولى بالمؤمن من نفسه، و به نصوص أيضا (2)، و لا اشكال فيه نصا و فتوى، و إنما الإشكال في قيام الحاكم مقامه، و لا دليل عليه بهذا الإطلاق بعد عدم ثبوت الولاية العامة، نعم مع فقد الأولياء بطبقاتهم ينتهي الأمر إلى الحكام، بمناط الحسبية، أو بملاحظة كونه حينئذ من وظائف قضاة الجور، الثابت لقضاتنا بفحوى المقبولة (3).
و هذه الصلاة ثبت وجوبها على الكفاية إجماعا، فهي فرض على كل أحد كفاية، و لا تختص بصنف دون صنف، نظرا إلى إطلاق
أوامرها (1)، نعم اشترطت صحتها من غير الولي بإذنه كما تقدّم.
بضميمة اعتبار ما يعتبر في نية غيرها من سائر العبادات جزما، خمسا بينها أربعة أدعية، أفضلها: أن يكبر، و يتشهد الشهادتين، ثم يصلّي على النبي و آله عليهم السّلام بعد الثانية، ثم يدعو للمؤمنين بعد الثالثة، ثم يدعو للميت إن كان مؤمنا، و عليه إن كان منافقا، و بدعاء المستضعفين إن كان منهم في الرابعة، ثم يكبّر إن كان مؤمنا أو مستضعفا، و إلّا فينصرف.
و الأصل في هذا التفصيل- من أنّ للمنافق أربعا و لغيره خمسا- الجمع بين مطلقات الخمس (2)، و بين صحيح ابن مهاجر المصرّح بالأربع في المنافق (3)، و لازمة دخول المستضعفين في مطلقات الخمس، كما أن في صورة الشك في كونه منافقا يلحق المشكوك بغيره بأصالة عدم الاتصاف بالنفاق.
و ما في بعض النصوص: «أن ليس في التكبيرات شيء موقت، كبّر رسول اللّٰه أحد عشر ..» (4)إلخ، و في آخر «لو كبّرت سبعين تكبيرة لكان أهلا» (5)، فضعيف مطروح أو مؤوّل.
و في النصوص: «انه يكبّر و ينصرف» (6)، و ظاهره عدم احتياج
1) وسائل الشيعة 2: 814 باب 37 من أبواب صلاة الجنازة.
2) وسائل الشيعة 2: 772 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة.
3) وسائل الشيعة 2: 763 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.
4) وسائل الشيعة 2: 781 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة حديث 17.
5) وسائل الشيعة 2: 781 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة حديث 12 و 17.
6) وسائل الشيعة 2: 763 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة.
الانصراف إلى القصد. و حينئذ فلو قصد زيادة تكبيرة جزء ففيها اشكال، نظير ما ذكرناه في باب الطواف من كتاب الحج الآتي إن شاء اللّٰه تعالى.
و ظاهر المصنّف انّ الواجب في الصلاة المزبورة أربعة أدعية، و أن الترتيب المزبور من باب الفضيلة.
و في الجواهر نسبة هذا الترتيب و الخصوصية إلى المشهور (1)، و الأخبار بهذا المضمون مستفيضة (2).
و لكن في قبالها أخبار أخر كثيرة على خلافها (3)، إذ في بعضها:
«بينهن أربع صلوات» (4).
و في آخر: «يقرأ في الأول فاتحة، و في الثاني الصلاة على النبي» (5).
و في ثالث: «يكبّر ثم يصلّي على النبي ..» (6)إلخ.
و في رابع: اشتماله على الشهادة و الصلاة في الاولى ثم يقول: «اللهم إن هذا المسجّى .. إلخ، اللهم إنّا لا نعلم .. إلخ، اللهم إن كان محسنا .. إلخ، ثم يكبّر الثانية و يفعل ذلك في كل تكبيرة» (7).
و في رواية عمار بعد الأول: «إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ ..» (8)إلخ.
و لا يخفى انّ مقتضى الجمع بين هذه الأخبار هو الحمل على وجوب
1) جواهر الكلام 12: 31.
2) وسائل الشيعة 2: 763 و 766 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1 و 9 و في الباب روايات اخرى قريبة من هذا المضمون.
3) وسائل الشيعة 2: 763 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة.
4) وسائل الشيعة 2: 774 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة حديث 12.
5) وسائل الشيعة 2: 766 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة حديث 8.
6) وسائل الشيعة 2: 764 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة حديث 2.
7) وسائل الشيعة 2: 765 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة حديث 5.
8) وسائل الشيعة 2: 767 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة حديث 11.
جامع بين هذه الأدعية، و حمل خصوصياتها على الفضيلة، كما هو ظاهر المصنف، أو الأخذ بما اشتملت على المذكورات بالترتيب المزبور، و طرح البقية الخالية عنها، أو حملها على بيان زيادة الفضيلة.
و الانصاف أن العرف- بعد حمل الخصوصيات طرا على الفضيلة- لا يفهم وجوب الجامع بينها، إذ لا ظهور في واحد منها في طلب الجامع كي يؤخذ به و يطرح ظاهر البواقي، بل الطلب في كل واحد متعلّق بحصة مخصوصة موجودة في ضمن فرد خاص معلوم استحبابه، فلا يبقى في البين جهة ظهور طلب في الجامع، كي يؤخذ بوجوبه، لعدم القرينة، و الحكم بانتزاع العقل من المجموع طلبا للجامع، و هو صالح البقاء على ظهوره في الجامع، كلام ظاهري لا يساعده العرف.
و عليه فالأمر يدور بين حمل أصل الدعاء بين التكبيرات على الفضيلة، و أن الواجب هو نفسها، أو الأخذ بمذهب المشهور من طرح الفاقد، أو تأويله بالتقييد بوجود الذكر الخاص. أو حمله على بيان الفضيلة محضا، و إيكال بيان الواجب إلى خطاب آخر.
و لا بعد في مثل هذه التأويلات، لو لا دعوى عدم صلاحية إعراض المشهور في مثل المقام لوهن السند، و عدم الاعتبار في إعراضهم عن الكيفية التي يساعد العرف عليها في الجمع الدلالي، خصوصا مع عدم اقتضاء القرائن المنفصلة لكسر صولة الظهور، و إنما يرفع بها اليد عن حجيتها. و في مثله لا بأس بأخذ ظهور الجمع، و رفع اليد عن حجيتها في الخصوصيات.
نعم لو لا بلوغ الشهرة المزبورة حد الإجماع، لم يكن بأس بحمل كثرة الاختلاف على مراتب الفضيلة، نظير كثرة الاختلاف في منزوحات البئر المحمولة على مراتب الفضيلة، فيكون القدر الواجب هي التكبيرات
محضا، كما عن المحقق في شرائعه (1)، و اللّٰه العالم.
ثم انّ الدعاء على المنافق أيضا منصوص عليه، و كذلك الدعاء للمستضعف، كما في رواية زرارة و ابن مسلم (2).
و لو كان الميت طفلا سأل اللّٰه تعالى أن يجعله لأبويه فرطا، كما في بعض النصوص (3)المحمول على الاستحباب.
و إن كان لم يعرفه سأل اللّٰه تعالى أن يحشره مع من كان يتولاه، كما في بعض النصوص (4)أيضا.
ثم يكبّر الخامسة و ينصرف بعد رفع الجنازة، لما في النص:
«لم يبرح عن مصلاه حتى يراها على أيدي الرجال» (5)، و ظاهره كراهة الانصراف قبله، لا بقاؤه في مكانه إلى أن ترفع الجنازة.
و لا قراءة فيها و لا تسليم و في النص: «ليس فيها قراءة و لا دعاء موقت» (6)، و يجمع بينه و بين ما دل على القراءة في بعض التكبيرات (7)، بحمل النفي على نفي الوجوب أو نفي الاستحباب الأكيد، لا نفي أصل المشروعية.
و في خبر الحلبي أيضا نفي التسليم (8)، و لا يبعد حمله على نفي المشروعية، لو لا دعوى وقوعه أيضا في مقام نفي توهم الوجوب، كما ربما
1) شرائع الإسلام 1: 106.
2) وسائل الشيعة 2: 768 باب 3 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1 و 2.
3) وسائل الشيعة 2: 787 باب 12 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.
4) وسائل الشيعة 2: 768 باب 3 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1 و 7.
5) وسائل الشيعة 2: 786 باب 11 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.
6) وسائل الشيعة 2: 783 باب 7 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.
7) وسائل الشيعة 2: 766 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة حديث 8.
8) وسائل الشيعة 2: 784 باب 9 من أبواب صلاة الجنازة حديث 2 و 3.
يتوهم ذلك قياسا على سائر الصلوات، و مؤيدة تلك الدعوى برواية سماعة المشتملة على قوله: «و إذا فرغت سلّمت عن يمينك» (1).
و ظاهر الأصحاب عدم مشروعيته، حيث لم يتعرّضوا له في كلماتهم أصلا، بل حكموا بالانصراف بالخامسة، فإن تم الإجماع فالرواية تطرح، و إلّا فللنظر فيه مجال، فضلا عن احتمال تسامحهم في ذلك، فتأمل.
و يستحب فيها الطهارة و ليست شرطا، للأصل، مضافا إلى تعبير النص بأنها «أحب» (2). هذا في الحدثية، و أما الخبثية فلم أر بها نصا سوى عمومات استحباب النظافة، و أنها من الإيمان (3)، و اللّٰه العالم.
و هو: انّ مقتضى بعض النصوص من «أنّ المصلّي يقوم وسط الموتى» (4)اعتبار القيام فيها، كما أن ظاهر قوله- عند الصلاة خلف الجنازة-: أستقبل القبلة؟ قال: «بلى» (5)أيضا شرطية الاستقبال.
و أما الأحكام الأخر المختصة بعنوان الصلاة مثل: «لا تعاد» (6)و غير ذلك، مما لم يرد نص على إثباته و نفيه في المقام، ففي جريانها في المقام اشكال: من جهة انصراف عنوان الصلاة إلى ما هو المعهود، الذي «ثلثه طهور، و ثلثه سجود، و ثلثه ركوع»، فلا يشمل مثل هذه الصلاة و إن
1) وسائل الشيعة 2: 765 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة حديث 6.
2) وسائل الشيعة 2: 798 باب 21 من أبواب صلاة الجنازة حديث 2.
3) وسائل الشيعة 3: 340 باب 1 من أبواب أحكام الملابس.
4) وسائل الشيعة 2: 804 باب 27 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.
5) وسائل الشيعة 2: 793 باب 17 من أبواب صلاة الجنازة حديث 4.
6) وسائل الشيعة 2: 934 باب 10 من أبواب الركوع حديث 5.
قلنا بفرديته لها، فضلا عن القول بخروجها عنها حقيقة.
نعم لا بأس بجريان الأحكام الثابتة لعنوان «الائتمام» من عدالة الامام و عدم تقدم المأموم في الأفعال، بل و التكبيرة التي في المقام بمنزلة الأفعال و الركعات، للسيرة، و رواية قرب الاسناد (1)، الشاملة لمطلق تكبيراتها لا لخصوص الأولى منها، التي هي بمنزلة تكبيرة الإحرام، و إن لم يبعد احتماله إنصافا.
و هكذا عدم الحائل، و عدم علو الإمام، و عدم إمامة المقيّد للمطلق، المفسر بالناقص، الموجب لنقص في صلاته بالنسبة إلى التام الكامل، بل و عدم امامة النساء للرجال.
كل ذلك من جهة إطلاقات أدلة أحكام الائتمام للمقام بعد تشريع الائتمام في المقام جزما. فلا بأس حينئذ بامامتها لهن في المقام، للنص (2)المشتمل على استثناء الصلاة على الميت من نفي الجواز، و صدره و إن لم يكن معمولا به، لكن لا يضر بذيله.
كما انّ ظاهر قوله عليه السّلام «يقمن جميعا في صف واحد» (3)سقوط شرطية التقدّم في إمامة المرأة.
كما يسقط ذلك في جماعة العراة.
و في وجوب الجلوس عليهم أو عدمه وجهان، من جريان مناط الصلاتية في المقام، و من انصراف أدلة أحكام الصلاة عن مثل صلاة الميت.
بل و لو لا دعوى الإجماع على شرطية الستر فيها، لأمكن التشكيك فيها أيضا، فاللازم حينئذ وجوب ستر العورة عن الناظر المحترم.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ المستفاد من عدم خلافهم في عدم بروز الإمام العاري، استفادة شرطية الستر، و إلّا فلا بد من حمل الأمر على النفسية، أو لمحض التعبد، و كلاهما بعيد عن مصب كلمات الأصحاب فتأمل، و اللّٰه العالم.
نعم لا بأس في المقام أيضا بدعوى كون الصلاة على الميت مشتملة على هيئة ارتكازية عند المتشرعة، على وجه يضادها بعض الأفعال الماحية لصورتها، بل و يعتبر فيها أشرافها على الميت، و أن لا يكون بينهما حائل من جدار أو غيره، نعم لا بأس بما يغطي الميت.
كل ذلك للسيرة، و انصراف الإطلاقات إلى مثلها.
و منه يظهر اعتبار عدم التباعد عن الميت، المانع لصدق اشراف المصلّي عليه، و لا بأس بحيلولة الصفوف، و لا بعد المأمومين في مورد الائتمام، لأنّ هيئة الجماعة بمنزلة صلاة واحدة، يكفي في أشرافها عليه اشراف امامهم.
، للسيرة، مضافا إلى ظهور قوله صلّى اللّٰه عليه و آله «ثم يصلّى عليه ثم يدفن» (1)في كون الصلاة ملحوقة بالدفن، المستلزم ذلك لسبق غسله و كفنه، بل و في بعض النصوص «و لا على العريان» (2)المعلوم كون الغرض منه بيان لزوم ستره بما هو المعهود من كفنه، لا مطلق ستره كما توهم.
و ما في الموثق: «و لا يصلّى عليه و هو عريان حتى توارى عورته» (1)محمول على صورة العجز عن الستر رأسا، و إنما اهتم بستر عورته، و عليه فأمكن أن يدّعى أنه مع التمكن من الستر بدون الكفن يجب الستر بما يصدق عليه الثوب، و في وجوب الستر بغير ما يسمّى ثوبا اشكال، و إن كانت القاعدة مقتضية للجواز.
و منشأ الاشكال ظهور النص من قوله عليه السّلام: و ليس معهم فضل ثوب يكفونه، قال: «يحفر له و يوضع في لحده و يوضع اللبن على عورته ثم يصلّى عليه ثم يدفن» (2)في أنّ الستر بغير الثوب مشروط بعدم التمكن منه.
و الظاهر اعتبار كون وضعه في القبر مستلقيا حين الصلاة، و مع عدم التمكن من القبر لا يبعد وجوب الستر بغير الثوب إلى أن ينتهي إلى الحشيش، لو لا دعوى استفادة سقوطه من نص الوضع في القبر (3)، الشامل إطلاقه حال التمكن من الستر المزبور رأسا، فتأمل.
و على أي حال فلا يجوز وضع التراب عليه لحرمة هتكه، و بذلك يخصص قاعدة الميسور.
، جمعا بين النص الناهي عنه (4)، و النص الآمر به (5)، و تحمل الكراهية على معنى أقلية الثواب في أمثال المقام، الذي لا يكون للمنهي عنه بدل (6)، و مرجع أقلية ثوابها إنما
1) وسائل الشيعة 2: 813 باب 36 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.
2) وسائل الشيعة 2: 813 باب 36 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.
3) وسائل الشيعة 2: 713 باب 36 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.
4) وسائل الشيعة 2: 782 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة حديث 23 و 24.
5) وسائل الشيعة 2: 781 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة حديث 19 و 20.
6) أي في هذه الصورة ينحصر معنى كراهة العبادة في أقليّة الثواب، أما فيما له بدل فيمكن أن تكون الكراهة بمعناها المصطلح و إرجاع الكراهة إلى الخصوصية لا إلى أصل الطبيعة المأمور بها، لكن على نحو الترتب الذي يشير إليه.
هو بالإضافة إلى سائر أفرادها (1)، كما هو ظاهر.
و يمكن في المقام (2)أيضا صرف النهي إلى الخصوصية (3)، كي لا ينافي الكراهة المصطلحة، إذ لا مجال للنهي بالنسبة إلى مثل هذه الحصة الصلاتية (4)، لمنافاته مع الأمر بها بنحو الطبيعة السارية (5)، و بذلك يمتاز المقام عن موارد الأمر بصرف الوجود (6)، إذ لا بأس بالالتزام بالكراهة المصطلحة، حتى بالإضافة إلى الحصة الصلاتية، فضلا عن الخصوصيات الخارجة عنها، غاية الأمر ينتهي الأمر فيها إلى نحو ترتب، كما لا يخفى على من راجع مسلكنا في اجتماع الأمر و النهي و تأمل فيه (7).
1) أي سائر الأفراد من جنسها لا من نوعها، لفرض عدم بدل له، و البدل هو الفرد الآخر من نفس الطبيعة، و هذا مفروض العدم فيما نحن فيه.
2) أي في مسألة الصلاة الثانية على الجنائز، أو في كبرى مسألة توجيه الكراهة في العبادات التي لا بدل لها، و يبدو أنّ مراده رحمه اللّٰه هو الثاني.
3) بمعنى كراهة إيقاع الصلاة في الحمام مثلا، لا كراهة الصلاة الواقعة في الحمام، فطبيعة الصلاة لا كراهية فيها.
4) أي طبيعة الصلاة المتحققة في ضمن هذا الفرد.
5) أي الطبيعة المتحققة في ضمن كل فرد فرد.
6) من غير أن تكون الحصص المتحققة في ضمن الأفراد متعلقات الأوامر و النواهي.
7) خلاصة مسلكه قدّس سرّه في اجتماع الأمر و النهي هو التفصيل بين ما إذا كانت الجهتان مشتركتين في جزء متعلقهما كما في الصلاة و الغصب، فالحق هو الامتناع، إذ حينئذ يسري كل من الأمر و النهي إلى ما به الاشتراك، و هو مستلزم للمحال، لامتناع تعلّق الحب و الكراهة بشيء واحد. و بين ما يكون المجمع- و إن كان وجودا واحدا- ذا جهتين لا تشتركان في جزء واحد منه، بل تكشف كل جهة عن حد من حدود ذلك الوجود، فحينئذ لا مانع من جواز الاجتماع. إذ من الممكن صلاحية الوجود الواحد للانقسام إلى جهتين منعزلتين إحداهما عن الأخرى، و يصح أن تقع كل جهة منشأ لترتب أثر خاص.فيصح أن يقال: انّ الفرد الشخصي يمكن أن ينحل إلى طبيعة و خصوصية، فربما كانت الطبيعة مشتملة على مصلحة فتكون محبوبة و الخصوصية تكون مشتملة على مفسدة فتكون مبغوضة. و لا مانع من اجتماع المحبوبية و المبغوضية في شيء واحد بهذا اللحاظ.هذا إذا لم يصل الحكم إلى مرتبة الفعلية، أما إذا بلغها فتحصل المضادة و يكون التأثير لما هو الأقوى. فلو كانت مفسدة الخصوصية أهم لم يصح ذات العمل إلّا بنحو الترتب. و ذلك لأنّ الأمر مصروف إلى غير المجمع، فلو عصى المكلف و ترك بقية الأفراد، فيمكن تعلق الأمر به على نحو الأمر الترتبي.
على المشهور، و يدل عليه جملة من النصوص الدالة على نفي البأس عن الصلاة بعد دفنه (1)، و في بعضها التصريح بصورة فوت الصلاة من مريد الصلاة عليه (2)، الظاهر بل الصريح في إطلاق الحكم للحالين (3)، و على فيمكن استفادة وجوبها على من لم يصلّ عليه، بدعوى عدم القول بالفصل بين مشروعيتها و وجوبها حينئذ، مضافا إلى استصحاب وجوبها.
نعم في بعض الأخبار النهي عنه (4)الشامل بإطلاقه صورة ما إذا لم يكن صلى عليه أيضا، و مقتضى الجمع بين الطائفتين هو الحمل على أقلية الثواب، الملازم لعدم الوجوب أيضا.
و لكن المشهور غير ملتزمين به، و حيث إنّ النصوص الناهية مستفيضة فلا يكشف اعراضهم عن وهنها سندا، بل لا بد أن يكون ذلك من جهة الدلالة، و عليه فلا غرو في اتباع دلالتها بالمقدار الخارج عن دائرة الوهن،
و هو صورة بقائها إلى يوم و ليلة، فيؤخذ بظاهر النواهي في الزائد، و يؤخذ بأدلة المشروعية في ذلك المقدار.
لكن الإنصاف انّ ذلك نحو جمع تبرعي، من غير أن تصلح فتوى المشهور للكشف عن قرينة شاهدة له. نعم في بعض الأخبار استثناء ثلاثة أيام (1)، و لكنه غير معمول به أيضا. و الأحوط حينئذ الاقتصار في من صلي عليه- بناء على جواز التكرار- يوما و ليلة، و في من لم يصل عليه إلى أن يخرج عن صدق الجنازة عليه، خصوصا مع مساعدة الاستصحاب له بعد تساقط الطائفتين، كما لا يخفى.
و الأصل في ذلك المرسلة المنجبرة (2)، لو لا دعوى بنائهم على التسامح في أدلة السنن، و في بعض الأخبار «القيام عند رأس المرأة و صدر الرجل» (3)، و ذلك شاهد على عدم تعيينه لزوما، و إن كان في استحبابه شرعا أيضا إشكال.
و لو اتفقا جعل الرجل مما يليه و المرأة مما يلي القبلة، لدلالة بعض النصوص على «جعل الرجل وراء المرأة، و يكون الرجل مما يلي الإمام» (4)، و لازمة وقوعها مما يلي القبلة، و في بعض آخر نفي البأس عن عكس ذلك (5)، و هو شاهد الاستحباب.
بلا
1) وسائل الشيعة 2: 795 باب 18 من أبواب صلاة الجنازة حديث 6 و 7 و 8 و 9.
2) وسائل الشيعة 2: 804 باب 27 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.
3) وسائل الشيعة 2: 805 باب 27 من أبواب صلاة الجنازة حديث 2.
4) وسائل الشيعة 2: 810 باب 32 من أبواب صلاة الجنازة حديث 10 و 11 و 6.
5) وسائل الشيعة 2: 810 باب 32 من أبواب صلاة الجنازة حديث 10 و 11 و 6.
خلاف، بل الإجماع قائم بقسميه، مضافا إلى استشعار موثق عمار (1).
لقوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «يصلّى على الجنازة في كل ساعة» (2)، و في بعض النصوص:
«يكره حين تصفر الشمس و حين تطلع» (3)، و لا بأس بالجمع بين ذيل الرواية السابقة و هذه بالحمل على الكراهة الضعيفة، غير البالغة حد كراهة المكتوبة.
و مع التزاحم بينها و بين الفريضة تقدّم الأضيق وقتا، و مع ضيقهما لا يبعد تقديم المكتوبة، لأنها لا تترك بحال، لو لا دعوى عدم اقتضائها حفظ بقية أجزائها، إذ ربما ينتهي إلى الاكتفاء بالإشارة غير المنافية مع غيرها كصلاة الغرقى. اللهم إلّا أن يدعى عدم مشروعية مثل هذه الصلاة إلّا لأمثال الغرقى، أما بالنسبة إلى غيرهم فلا محيص من تقديم المكتوبة باجزائها، نعم لو أغمض النظر عن العموم المزبور كان مقتضى القاعدة التخيير، لاحتمال الأهمية في كلتيهما، و اللّٰه العالم.
حتى في الأوامر الاضطرارية، لعدم إطلاق في أدلتها على وجه يستكشف البدلية التامة، أو الناقصة المفوتة على وجه لا يبقى مجال للتدارك، كما عرفت نظيره في الغسل أيضا.
1) وسائل الشيعة 2: 796 باب 19 من أبواب صلاة الجنازة حديث 1.و كان قد سقطت من الشارح خامسة المسائل التي ذكرها العلّامة المصنف، فأدرجناها مع الإشارة الإجمالية إلى مستندها، استيفاء لفروع موضوع البحث.
2) وسائل الشيعة 2: 797 باب 20 من أبواب صلاة الجنازة حديث 2.
3) وسائل الشيعة 2: 798 باب 20 من أبواب صلاة الجنازة حديث 5.
بين إتمام الاولى و استئناف صلاة ثانية للثانية، و بين قطعها و الشروع لهما، أو التشريك بينهما فيما بقي من التكبيرات و تتميم الثانية بما بقي لها، للإطلاقات، خصوصا مع كون المقام- بالنسبة إلى التكبيرات لكل صلاة- من صغريات تداخل المسبب لا السبب، و في النص «إن شاءوا تركوا الاولى حتى يفرغوا من التكبيرات على الأخيرة، و ان شاءوا رفعوا الاولى و أتموا ما بقي» (1)، و لا دلالة فيه على خلاف ما احتملناه أيضا، كما هو ظاهر.
بلا اشكال فيه في الجملة فتوى و نصا (2)، و لا إشكال أيضا بأن حاله حال سائر التجهيزات الواجبة على الناس كفاية مشروطة بإذن وليه.
و إنما الكلام في المقدار الواجب منه، من ستره في الأرض عن الهوام و السباع، و كتم رائحته عن الناس مطلقا، أو مطلق ما يسمّى دفنا، أو الواجب الستر الواجد للقيدين مع عدم الأمن عنهما، و إلّا فمطلق الستر، وجوه.
و المستفاد من ظهور العلة في رواية العلل (3)هو الأخير، كما انّ الاحتياط- بتوهم التعيين أو التخيير- هو الأول، و البراءة و الإطلاقات تقتضي الوسط.
و التحقيق هو الأخير، لإمكان كون ما في رواية العلل- كنظائره- حكمة، و المسألة أيضا من صغريات الأقل و الأكثر، لا التعيين و التخيير،
لأنه من باب دوران الأمر بين وجوب شيء و وجوب ما زاد عنه، من باب الدوران بين وجوب فرد و وجوب الجامع بينه و بين ما يباينه.
و يوضع الميت في قبره على جانبه الأيمن موجها إلى القبلة، و يدل عليه خبر الدعائم (1)المنجبر بالشهرة، بعد حمل قوله: «جرت به السنة» في الصحيحة (2)على معنى الطريقة الثابتة، لا الاستحباب.
و في إلحاق بقية الأجزاء المبانة بالبدن في وجوب استقبالها على فرض وجود يمين لها اشكال، نعم لا بأس بإلحاق الرأس، لخبر ابن سيابة (3)، بل و يستفاد منه وجوب الاستقبال في البدن المبان رأسه، و في إلحاق ما اشتمل على الصدر بالبدن اشكال، و إن كانت قاعدة الميسور تساعده، لو لا دعوى دخل التمامية في وجوبه شرعا، فلا مجال حينئذ لقاعدة الميسور، إذ هي إنما تشمل موردا يستند السقوط إلى تعذره و عسره، لا فقد شرط وجوبه، و إن لم يكن عسرا، كما لا يخفى.
ثم انّ ظاهر الفتاوى اختصاص الدفن المزبور بأهل القبلة، و يوهمه ما في خبر يونس (4)، المستفاد منه مغايرة كيفية دفن المسلم عن النصارى، بعد عدم الفرق بين أنحاء الكفر، لأنّ الكفر ملة واحدة، و بمثله يرفع اليد أيضا عن إطلاق المرسلة (5)، على فرض تسليم إطلاقها، كما لا يخفى.
و يستحب اتباع الجنازة، و تشييعها بالمشي خلفها أو مع أحد جانبيها، للموثقة (6)بل فيها «إن الأول أفضل»، و هو يكفي في رجحان
1) المستدرك 2: 375 باب 51 من أبواب الدفن حديث 1.
2) وسائل الشيعة 2: 884 باب 61 من أبواب الدفن حديث 2 و 3.
3) وسائل الشيعة 2: 885 باب 61 من أبواب الدفن حديث 3.
4) وسائل الشيعة 2: 866 باب 39 من أبواب الدفن حديث 2.
5) مستدرك الوسائل 2: 375 باب 51 من أبواب الدفن حديث 1.
6) وسائل الشيعة 2: 824 باب 4 من أبواب الدفن حديث 1.
الثاني أيضا، علاوة على نص آخر (1)مصرّح به، و ظاهر الموثقة تخصيص الحكم بالمشي، بل و في بعض النصوص كراهة الركوب (2)، و في الرواية.
استثناء العذر، بل و في ذيلها: عدم كراهة الركوب إذا رجع (3).
و إطلاق المصنف يأبى هذا التفصيل، لدعوى الإهمال من هذه الجهات، كما هو الشأن في مطلقات نصوص الباب أيضا.
و أما التقدّم عليها ففي بعض النصوص النهي عنه (4)، و في آخر الأمر به (5). و حينئذ فقد تقع المعارضة بينهما، لو لا احتمال حمل أحد الحكمين على ثبوته للمورد عرضا، و إلّا فيستحيل وجه الجمع بالاستحباب المعروف في المقام.
و يستحب أيضا تربيعها، أي حمل الجنازة من الجوانب الأربع، و في النص «محيت عنه أربعون كبيرة» (6).
و وضعها عند رجل القبر إن كان رجلا، لرواية الساباطي (7)، و هي مطلقة تشتمل الذكر و الأنثى، و لكن الأصحاب- تبعا لإجماع الغنية (8)- خصّوه بالرجل، و التزموا أيضا باستحباب وضع الجنازة قدامه مما يلي القبلة إن كانت امرأة.
1) وسائل الشيعة 2: 825 باب 4 من أبواب الدفن حديث 3.
2) وسائل الشيعة 2: 827 باب 6 من أبواب الدفن حديث 1.
3) وسائل الشيعة 2: 827 باب 6 من أبواب الدفن حديث 2.
4) وسائل الشيعة 2: 825 باب 4 من أبواب الدفن حديث 4.
5) وسائل الشيعة 2: 726 باب 5 من أبواب الدفن حديث 4 و 7.
6) وسائل الشيعة 2: 828 باب 7 من أبواب الدفن حديث 6.
7) وسائل الشيعة 2: 849 باب 22 من أبواب الدفن حديث 6.
8) الغنية (الجوامع الفقهية): 501.
و يستحب في كيفية الدفن أمور:
منها: أخذ الرجل من قبل رأسه، و المرأة عرضا، و في النص «إن كان رجلا يسل سلا، و المرأة تؤخذ عرضا» (1)، و استفادة الحكم الأول من النص مشكل، فعمدة المدرك إجماع الغنية، و فيه نظر.
و منها: حفر القبر بقدر قامة أو إلى الترقوة، للجمع بين رواية القامة (2)، و نص الترقوة (3)بالحمل على مراتب الفضيلة، و أقل من الترقوة أيضا الثدي، كما في نص آخر (4)، و لا بأس به.
و منها: اللحد و هو أفضل من الشق، للجمع بين نص اللحد و الشق تارة بأنّه لغيرنا (5)، و اخرى بأمر الرضا عليه السّلام به (6)، و يشرحهما خبر الحلبي (7)المشتمل لوجه أمر الرضا به، و أن يكون اللحد بقدر ما يجلس فيه الجالس، لمرسل ابن أبي عمير (8).
و منها: الذكر عند تناوله و عند وضعه في اللحد بالمأثور المنصوص (9).
و منها: التحفّي لمن أدخل الميت في القبر، و حل الأزرار،
1) وسائل الشيعة 2: 865 باب 38 من أبواب الدفن حديث 1.
2) وسائل الشيعة 2: 836 باب 14 من أبواب الدفن حديث 2.
3) وسائل الشيعة 2: 836 باب 14 من أبواب الدفن حديث 2.
4) وسائل الشيعة 2: 836 باب 14 من أبواب الدفن حديث 2.
5) كنز العمال 8: 88 الرقم 1681.
6) وسائل الشيعة 2: 837 باب 15 من أبواب الدفن حديث 4.
7) وسائل الشيعة 2: 837 باب 15 من أبواب الدفن حديث 3.
8) وسائل الشيعة 2: 836 باب 14 من أبواب الدفن حديث 2.
9) وسائل الشيعة 2: 845 باب 21 من أبواب الدفن.
و كشف الرأس، و خلع الرداء و الطيلسان (1)، لنص ابن يقطين (2)المشتمل على النهي عن النزول في القبر و عليه العمامة و الطيلسان و القلنسوة .. إلخ. و الظاهر انّ الغرض من النهي المزبور محبوبية الخشوع، فيكون عرضيا، و إلّا فالرواية صريحة في كراهة ضدها، نعم في بعض النصوص الأمر بحل الأزرار (3)، المحمول لدى الأصحاب على الاستحباب.
و منها: حل عقد الأكفان، للنص (4)، و في بعض النصوص الأمر بشق الكفن .. إلخ (5)، و هو غير معمول به، و وضع خده على التراب، للأمر به في النص (6).
و منها: وضع شيء من التربة الحسينية عليه السّلام معه، لمكاتبة الحميري إلى الفقيه (7).
و منها: تلقينه الشهادتين، و الإقرار بالأئمة عليهم السّلام، للسيرة، و نصوص كثيرة (8)، و شرج اللّبن (9)، للصحيح (10).
1) الطيلسان: ثوب يحيط بالبدن، ينسج للّبس، خال عن التفصيل و الخياطة، و هو من لباس العجم.مجمع البحرين 4: 82 «طيلس».
2) وسائل الشيعة 2: 840 باب 18 من أبواب الدفن حديث 1.
3) وسائل الشيعة 2: 840 باب 18 من أبواب الدفن حديث 4.
4) وسائل الشيعة 2: 841 باب 19 من أبواب الدفن حديث 1 و 3 و 4.
5) وسائل الشيعة 2: 841 باب 19 من أبواب الدفن حديث 2 و 6.
6) وسائل الشيعة 2: 844 باب 20 من أبواب الدفن حديث 7 و 8.
7) وسائل الشيعة 2: 833 باب 12 من أبواب التكفين حديث 1.
8) وسائل الشيعة 2: 842 باب 20 من أبواب الدفن.
9) أي نضدها، و هو ضم بعضها إلى بعض. مجمع البحرين 2: 312 «شرج».
10) وسائل الشيعة 2: 854 باب 28 من أبواب الدفن حديث 1.
و منها: الخروج من قبل رجليه، لخبر السكوني (1)المناسب لكونه باب القبر.
و منها: إهالة الحاضرين التراب بظهور الأكف، للمرسل (2)المنجبر بالفتوى.
و منها: طم القبر و تربيعه، للسيرة، و بعض النصوص في التربيع (3)، وصب الماء عليه دورا، للنص (4)المعاضد بالسيرة، و وضع اليد عليه بعد رشه، لصحيح زرارة (5)، و الترحم عليه (6).
و منها: تلقين الولي أو من يأمره بعد انصراف الناس، لخبر جابر (7)، و لا اختصاص في النص بولي الميت (8)، كما لا يستفاد من مثله التسبيب، اللهم إلّا أن يكون الغرض منه التسلية الحاصلة بذلك أيضا.
و يكره نزول ذوي الرحم إلّا في المرأة و إهالة التراب من ذي الرحم، و النص وارد في خصوص الأخير (9)، لكن التعليل بأنها تورث قسوة القلب يشمل الحكم الأول أيضا، فيصلح مدركا له. و قد ورد النص في خصوص الوالد أيضا (10).
1) وسائل الشيعة 2: 850 باب 23 من أبواب الدفن حديث 1.
2) وسائل الشيعة 2: 855 باب 29 من أبواب الدفن حديث 5.
3) وسائل الشيعة 2: 848 باب 22 من أبواب الدفن حديث 2 و 5.
4) وسائل الشيعة 2: 859 باب 32 من أبواب الدفن.
5) وسائل الشيعة 2: 861 باب 33 من أبواب الدفن حديث 4.
6) وسائل الشيعة 2: 845 و 854 باب 21 و 29 من أبواب الدفن.
7) وسائل الشيعة 2: 863 باب 35 من أبواب الدفن حديث 2.
8) نعم ربما يستفاد ذلك من قوله عليه السّلام: «إذا دفن ميته و سوى عليه ..».
9) وسائل الشيعة 2: 855 باب 30 من أبواب الدفن حديث 1.
10) وسائل الشيعة 2: 851 باب 25 من أبواب الدفن.
و يكره أيضا فرش القبر بالساج من غير حاجة، و كذا بغيره كذلك، و في مستنده تأمل، لعدم استفادته من المكاتبة (1)و إن كانت مشعرة به.
و يكره أيضا تجصيصه، للنهي في بعض النصوص (2)، و في بعضها الأمر به (3). و يحمل على مورد الحاجة جمعا، و قيل: يستثنى من ذلك قبور الأئمة، لرواية أبي عامر الآمرة بتعمير تربة علي عليه السّلام (4).
و يمكن الحمل على بناء القبة و أمثالها تعظيما لشعائر اللّٰه، لا تجصيص نفس القبر، جمعا بينه و بين إطلاق النهي عن التجصيص.
و يكره أيضا تجديده بعد اندراسه، و مستنده الخبر المعروف «من جدد قبرا» (5)، و هو بسبب اختلاف القراءة- معجمة و مهملة (6)- مجمل.
و يكره أيضا دفن ميتين في قبر واحد معا أو متعاقبين، للمرسلة الشاملة للصورتين (7). و توهم حرمة التعاقب لمزاحمة الثاني لحق الأول، مدفوع لمنع كونه ذا حق مانع عن دفن غيره فيه، غاية الأمر يحرم نبشه و حركته من مكانه، و هما غير ما نحن فيه.
و يكره أيضا نقله إلى غير المشاهد، للنهي عنه، و فيه
1) وسائل الشيعة 2: 853 باب 27 من أبواب الدفن حديث 1.
2) وسائل الشيعة 2: 869 باب 44 من أبواب الدفن حديث 1 و 4 و 5.
3) وسائل الشيعة 2: 864 باب 37 من أبواب الدفن حديث 2.
4) وسائل الشيعة 2: 853 باب 26 من كتاب المزار حديث 1.
5) وسائل الشيعة 2: 868 باب 43 من أبواب الدفن حديث 1.
6) أي: «حدّد قبرا»، و هو تسنيم القبر.
7) بناء على قراءة «من جدّث»، انظر وسائل الشيعة 2: 868 باب 43 من أبواب الدفن ذيل حديث 1.
«لا تفعلوا فعل اليهود بنقل موتاهم إلى بيت المقدس» (1)، و ذيله يؤيد إطلاق الكراهة حتى إلى المشاهد.
و لكن في جملة من النصوص «نقل يوسف جنازة يعقوب» (2)، و «نقل موسى عظام يوسف إلى بيت المقدس» (3)، و «نقل عظام آدم» (4).
و لا شهادة في الأخيرين في نقل الجنازة، و في الأول كفاية، لو لا دعوى اختصاص ذلك بالأنبياء، فلا مجال لاستصحاب أحكام الشرائع السابقة بالنسبة إلى غيرهم. و حينئذ فلا يبقى في البين إلّا سيرة الصالحين سلفا و خلفا، و هي كافية في الحجة. و اللّٰه العالم.
نعم لا بدّ من مراعاة عدم استلزامه هتكا أزيد مما هو من لوازم السفر عادة، كما لا يخفى.
و الميت في البحر يثقّل و يرمى فيه مع عدم التمكن من الشاطئ، كما في رواية مرفوعة عن سهل، المشتملة على قوله: «و لم تقدروا على الشط» (5)، بل الإطلاقات المجوزة للبحر منصرفة عن فرض التمكن (6)، و في بعض النصوص الأمر بالتثقيل المزبور (7)، و في آخر «الأمر بوضعها في خابية و يرسب في الماء» (8). و الجمع بينهما برفع اليد عن ظهور كل منهما
1) المستدرك 2: 313 باب 13 من أبواب الدفن حديث 15.
2) وسائل الشيعة 2: 835 باب 13 من أبواب الدفن حديث 9.
3) وسائل الشيعة 2: 834 باب 13 من أبواب الدفن حديث 2.
4) مستدرك الوسائل 2: 309 باب 13 من أبواب الدفن حديث 5.
5) وسائل الشيعة 2: 867 باب 40 من أبواب الدفن حديث 4.
6) وسائل الشيعة 2: 866 باب 40 من أبواب الدفن.
7) وسائل الشيعة 2: 867 باب 40 من أبواب الدفن حديث 3.
8) وسائل الشيعة 2: 866 باب 40 من أبواب الدفن حديث 1.
في التعيين، فيتخيّر بين الأمرين.
و في وجوب كونه أول مواراته مستقبل القبلة وجه يساعده الاعتبار على خلاف إطلاق النصين، و إن كان في صلاحيته لرفع اليد عن الإطلاق المزبور نظر جدا.
و لا يدفن في مقبرة المسلمين غيرهم، إلّا الذمية الحاملة من المسلم فيستدبر بها القبلة، ليقع وجه الطفل إلى القبلة، و لم أر نصا في الأول، إلّا ما في كلماتهم من عدم تأذي غيره بعذابه. و يوهم ذلك كونه مضمون نص واصل إليهم، كما أنّ في الاستثناء المزبور أيضا لم أر إلّا التسالم في الكلمات، و مناسبة الاهتمام بحق الطفل الملحق بالمسلمين.
و أما الكيفية المخصوصة من استدبار امّه، فلما قيل بأن بطن امه بمنزلة التابوت، فيوجه فيه إلى القبلة، و في التعليل المزبور نظر، لإمكان منعه، فتدبّر.
، و قد تقدّم مستند المسألة مفصلا.
إذا كان مع البدن كما هو الغالب، و إلّا فيجري حكم غيره من أنه إن كان فيه عظم غسّل و كفّن و دفن بلا صلاة و كذا السقط لأربعة أشهر، و إلّا دفن بعد لفّه في خرقة، للنص في الأول، و فحوى لزوم المستورية من النص الدال على جعل العضو في كفنه الجاري في المقام أيضا، و كذلك السقط لدون أربعة أشهر، لما تقدّم.
، و في النص «أول شيء يبدأ
من المال الكفن» (1)، و قد أشرنا إليه سابقا، و لازمة كون الكفن قبل الديون و الوصايا). و قد تقدّم أيضا أنّ كفن المرأة على زوجها بنحو الوضع لا التكليف المحض و إن كانت موسرة، بل و إن كان معسرا فلا يكون حينئذ في تركة الميت، على ما فصّل سابقا.
الرابعة: الحرام كالحلال (2)إلّا في الكافور فلا يقربه
، و قد تقدّم ذلك أيضا في مبحث الغسل.
وجب عليه الغسل بلا اشكال، للنصوص المفصلة لما ذكر (3).
و ما اشتمل على انه سنة (4)محمولة على معنى «المستفاد من السنة»، فلا يعارض الأوامر الظاهرة في الوجوب (5).
و لا إشكال في سقوط غسل المس بعد الغسل التام للميت، و في سقوطه بالأغسال الناقصة، بل بالتيمم اشكال: من ظهور قوله: «قبل أن يغسّل» (6)بضميمة «أن التراب بدل الماء» في السقوط.
و من ظهور انصراف إطلاق الغاية إلى الغسل التام، بضم عدم وفاء التيمم بتمام غرض المائية، و إلّا يستلزم عدم حرمة تفويت الماء اختيارا، فلا يقوم مقام الغاية التي هي الغسل التام في الثبوت، و يؤيده الاستصحاب أيضا.
1) وسائل الشيعة 13: 406 باب 28 من كتاب الوصايا حديث 1.
2) أي الميت المحرم كالميت المحل في جميع الأحكام ما عدا التحنيط.
3) وسائل الشيعة 2: 927 باب 1 من أبواب غسل المس.
4) وسائل الشيعة 1: 464 باب 1 من أبواب الجنابة حديث 11.
5) وسائل الشيعة 2: 927 باب 1 من أبواب غسل المس.
6) وسائل الشيعة 2: 928 باب 1 من أبواب غسل المس حديث 5.
ثم انّ ظاهر قوله «هذا كله ذكيّ لا يموت» (1)- إشارة إلى الشعر و أمثاله- انّ مس أمثالها خارجة عن موضوع الحكم، لأنه ليس بميت.
نعم في طرف الماسح لا دليل على إخراجه بعد شمول الإطلاقات، إلّا مع بلوغها حدا موجبا لانصراف الإطلاق عنه، كما في صورة مسّه بأطراف شعره الطويل المحسوب أجنبيا عنه.
أو مس قطعة فيها عظم قطعت من حي أو ميت، وجب عليه الغسل على المشهور، للمرسلة (2)المنجبرة بالعمل، و فيها التفصيل بين ما كان فيه عظم و ما لم يكن فيه عظم، بالوجوب في الأول، و نفيه في الثاني.
و في كون العظم تمام المناط كي يجب الغسل بمس العظم المجرد اشكال، و رواية «أكيل السبع» (3)محمولة على المتعارف من بقاء مقدار من اللحم معه، فالأصل في مورد الشك البراءة.
و مقتضى المرسلة- كمفهوم المتن- عدم وجوب الغسل فيما لا عظم فيه، بل يغسل يده الملاقية لموضع النجاسة.
و في شموله للضرس المبانة من الحي اشكال، لبنائهم على اجراء حكم الشعر عليه، و يفصح عن ذلك كلام شيخنا العلّامة قدّس سرّه (4)فراجع.
و في اعتبار الرطوبة في وجوب الغسل، وجه ستجيء الإشارة إليه في بحث النجاسات.
و من هنا ظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: و لو خلت القطعة من
عظم، أو كان الميت من غير الناس ممن له نفس سائلة غسل يده خاصة، و اللّٰه العالم.
و هو أنه لا خلاف بينهم في حرمة نبش قبر المسلم، و يدل عليه قوله: «إنّ حرمة الميت كحرمة الحي، تقطع يده- أي يد النباش- لنبشه و سلبه الثياب» (1).
و ظاهره اختصاص الحرمة بمن يحرم هتكه حيا، فلا يشمل الكافر، بل و لا الذمي. و مجرد حرمة دمه و ماله لا توجب حرمة هتكه من سائر الجهات، نعم لا بأس بشموله للمنافق، لحرمة هتكه بشرافة الإسلام، عدا الناصبي منهم، فإنهم محكومين بحكم الكفار عندنا.
و الحكم مختص بعنوان الميت، فلو صار رميما خرج عن هذا العنوان.
و في العظام البالية تردد، للشك في جريان الاستصحاب مع هذا المقدار من التغيّر، لو لا لزوم الاحترام من جهة أخرى، مثل قبور العلماء و من كان تعظيم قبره من شعائر اللّٰه، فإنه يحرم نبشه و إن بلغ في القدم ما بلغ.
و مع الشك في كونه مسلما أو كافرا، فأصالة عدم كونه محترما تجوّز النبش، فيلحق بالكافر.
و الظاهر عدم إطلاق لحرمة النبش على وجه يقتضي تفويت حق الغير، أو كان في النبش امتنان في حق نفس الميت، كغسله أو كفنه أو وضع شيء من أجزائه المتخلفة في قبره.
و النكتة فيه: انّ مثل هذا الحكم معدود من الأحكام الامتنانية في حق الميت، و من المعلوم انّ مثل هذه الأحكام لا إطلاق لأدلتها كي تشمل
1) وسائل الشيعة 18: 510 باب 19 من أبواب حد السرقة حديث 2.
صورة مزاحمة حق الغير، أو نفس الميت من جهة أخرى لا امتنان فيها. فما في التذكرة من الفرق بين حقوق الغير و حقوق نفسه من جهة غسله أو كفنه (1)ضعيف، لو لا توهم إجماع في البين، نعم لا بأس بالصلاة عليه بعد دفنه فلا ينبش.
و كون الميمّم كغير المغسّل في جواز نبشه تأمل.
، و به ورد النص (2)أيضا، المشتمل على خياطته بعد الشق.
و هكذا الأمر لو كان الأمر بالعكس، فإنه يجب حفظ الام و لو بإخراج الطفل مقطّعا، و هو أيضا منصوص عليه (3).
و لا بد من تكفّل النساء للإخراج مهما أمكن، لما في النص من قوله:
«إذا لم ترفق به النساء» (4)، و به يقيّد إطلاق باقي النصوص (5)إن كان لها إطلاق.
و لو بلع الحي جوهرة لغيره، فلو أمكن إخراجها بشرب مسهل وجب مع المطالبة، و إلّا فلو احتاج إلى شق البطن مع بقاء حياته، ففيه إشكال، إذ احترام النفس و الدم مقدّم على المال، فيضمن- لو كان بيده أو مع صدق إتلافه- بدل الحيلولة، و من هنا ظهر الحال في الضمان في فرض أداء الشق
إلى الهلاك بالأولى.
و أما الشق بعد موته فيمكن منع احترامه المزاحم لسلطنة الناس على أموالهم، إذ قضية حرمة الهتك لا تزاحم حرمة مال الغير، لأنه خلاف المنة في حق غيره، و لا يقاس موته بحياته، إذ في حياته- مضافا إلى هتكه- كان فيه حرمة الدم التي لا يزاحمها شيء من التكاليف، بخلاف حرمة الميت فإنها ليست سوى مجرد حرمة هتكه، و وجوب احترام جسده، و هذا المقدار لا يزاحم حرمة مال الغير، نظير حرمة نبش قبره، لأنه أيضا نحو هتك عن الميت غير المزاحم لما ذكر، كما مر.
و هي في موارد:
منها: غسل الجمعة بلا اشكال عندنا نصا (1)و فتوى، و في النص:
«انه سنة»، في جواب السؤال عن وجوبه (2)، و هو كالصريح في الاستحباب، فلا يتوهم كونه بمعنى المأخوذ من السنة.
و وقته من طلوع الفجر إلى الزوال، للنص المخصوص (3)، نعم يجوز إتيانه يوم الخميس لعذر بدلا، للمصححة (4)، و في النصوص أيضا قضاؤه بعد الزوال (5). و دلالته على فوت الوقت في الجملة ظاهرة، لكن
1) وسائل الشيعة 2: 943 باب 6 من أبواب الأغسال المسنونة.
2) وسائل الشيعة 2: 945 باب 6 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 12.
3) وسائل الشيعة 2: 950 باب 11 من أبواب الأغسال المسنونة، و فيها انّ الغسل إذا وقع بعد الفجر كان مجزيا، و ليست فيها دلالة على امتداد وقته إلى الزوال، نعم قد ذكر في رواية زرارة «و ليكن فراغك قبل الزوال» أوردها في الوسائل في باب 47 من أبواب صلاة الجمعة حديث 3.
4) وسائل الشيعة 2: 949 باب 9 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 2.
5) وسائل الشيعة 2: 949 باب 10 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 1 و 2 و 3 و 4.
تحمل في المستحبات على مراتب الفضيلة في المطلوبية.
و منها غسل أول ليلة من رمضان، للأخبار المستفيضة (1).
و ليلة النصف منه، لمرسلة المقنعة (2). و سبع عشرة، و تسع عشرة، و احدى و عشرين، و ليلة الفطر، لصحيحة ابن مسلم (3)المشتملة على جميعها عدا ليلة الفطر، فبضميمة خبر ابن راشد (4)يتم مدرك الجميع.
و منها: غسل يومي العيدين، لموثقة سماعة (5)، و مقتضى إطلاق بعض نصوصه (6)بقاء وقته إلى الغروب. و غسل ليلة نصف رجب، و استند في ذلك إلى الروايات، و لم يرد فيه نص بالخصوص.
و ليلة نصف شعبان، لرواية (7)أبي بصير، مضافا إلى إجماع الوسيلة (8). و يوم المبعث، لمرسلة المنتهى (9). و يوم الغدير، لرواية العبدي (10)، و إجماع الغنية (11). و في بعض النصوص: تحديد وقته إلى نصف ساعة بعد الزوال (12).
1) وسائل الشيعة 2: 952 باب 14 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 1 و 4 و 5.
2) وسائل الشيعة 2: 953 باب 14 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 9.
3) وسائل الشيعة 2: 939 باب 1 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 11.
4) وسائل الشيعة 2: 954 باب 15 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 1.
5) وسائل الشيعة 2: 937 باب 1 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 3.
6) وسائل الشيعة 2: 954 باب 15 من أبواب الأغسال المسنونة.
7) وسائل الشيعة 2: 959 باب 23 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 1.
8) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 54.
9) كنز العمال 4: 152 الرقم 3367.
10) وسائل الشيعة 5: 224 باب 3 من أبواب بقية الصلوات المندوبة حديث 1.
11) الغنية (المطبوعة ضمن الجوامع الفقهية): 488.
12) وسائل الشيعة 5: 224 باب 3 من أبواب بقية الصلوات المندوبة حديث 1. و لم أجد رواية في التحديد غير الرواية المتقدمة عن العبدي.
و منها: المباهلة، لنص ابن صدقة (1). و غسل الإحرام لحج أو غيره، لأخبار مستفيضة (2). و غسل زيارة النبي و الأئمة صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم، و في النص: غسل زيارة النبي و الأمير و أبي عبد اللّٰه و أبي الحسن الرضا (3)، و الأصحاب ألحقوا البقية خصوصا لقوله:
«الغسل عند لقاء كل امام» (4)، بعد عدم الفرق بين حياتهم و موتهم احتراما.
و منها: قضاء الكسوف مع الترك عمدا و احتراق القرص كله، و في النص: «إذا احترق كله فاستعقب و لم يصل» (5). و غسل التوبة، لمرسلة الصدوق (6). و صلاة الحاجة و الاستخارة، للنص (7)فيهما. و غسل دخول الحرم، و المسجد الحرام، و الكعبة، و المدينة، و مسجد النبي، لصحيحة ابن مسلم المشتملة على دخول الحرمين، و يوم دخول البيت (8)، و في نص آخر «الغسل لمسجد الرسول» (9)، و في استفادة الجميع من المذكورات نظر.
و منها: الغسل للمولود، لنص سماعة (10)، و أبي بصير (11).
و هنا أغسال أخر لم يتعرّض لها المصنف، و في ثبوت الاستحباب الشرعي في كثير منها اشكال، و قد أشرنا سابقا أنه لا بأس بإتيانها رجاء.
1) وسائل الشيعة 5: 287 باب 47 من أبواب بقية الصلوات المندوبة حديث 2.
2) وسائل الشيعة 2: 936 باب 1 من أبواب الأغسال المسنونة.
3) وسائل الشيعة 10: 266 و 305 و 377 و 446 باب 6 و 29 و 59 و 88 من كتاب المزار.
4) وسائل الشيعة باب 29 من أبواب المزار حديث 2.
5) وسائل الشيعة 2: 937 باب 1 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 4.
6) وسائل الشيعة 2: 957 باب 18 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 1.
7) وسائل الشيعة 2: 958 باب 21 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 1.
8) وسائل الشيعة 2: 939- 940 باب 1 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 11 و 12.
9) وسائل الشيعة 2: 939- 940 باب 1 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 11 و 12.
10) وسائل الشيعة 2: 961 باب 27 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 1 و 2.
11) وسائل الشيعة 2: 961 باب 27 من أبواب الأغسال المسنونة حديث 1 و 2.
رأسا، بلا اشكال نصا كتابا (1)، و سنة (2)، و فتوى.
و في النص: «التيمم بالصعيد لمن لم يجد الماء» (3)، و ظاهره عدم الوجدان لتمام الوضوء أو الغسل و إن وجد لبعضه، و في جملة من النصوص:
الأمر به للمجنب و إن وجد الماء بمقدار الوضوء (4).
و في شمول الإطلاق لمن يعلم بالوجدان آخر الوقت اشكال، للشك في اندراجه تحت الإطلاق، فلا يجوز له البدار في مثله، كما هو الشأن في كل مورد ثبت الحكم لمن اضطر عن التكليف بقول مطلق، إذ هو منصرف إلى الاضطرار في تمام الوقت، نعم مع العلم ببقاء الاضطرار إلى آخر الوقت فلا قصور لشمول الإطلاقات المزبورة لمثله، و بهذا المعنى يجوز البدار لاولي الأعذار لا مطلقا، و في المقام تتمة كلام سيأتي في محله إن شاء اللّٰه.
و يجب التيمم أيضا عند تعذّر استعماله لمرض يحدث بسبب
استعمال الماء، أو يطول برؤه، أو يصعب علاجه. بلا إشكال في ذلك، نظرا لحرمة الإضرار بالنفس، كما تشير إليها آية التهلكة (1)، و رواية الدعائم (2)، و خبر تحف العقول (3)، و غير ذلك، مضافا إلى تحقق الإجماع في المسألة.
و عليه فالوضوء يقع باطلا، كما هو الشأن في كل عبادة وقعت منهيا عنها.
و حيث إنّ باب الإضرار في مورد التكاليف من باب التزاحم، الموجب لسلب القدرة شرعا بسبب تنجيز النهي، فيقتصر في بطلان الوضوء على صورة قيام الطريق إليه، فإنه حينئذ يبطل الوضوء و إن تخلّف الطريق عن الواقع، لقبح التجري المانع عن مقربية العمل، و مع عدم الطريق فلا بأس بصحة العبادة و إن كانت في الواقع ضررية، و بذلك يمتاز باب التزاحم عن التخصيص، كما لا يخفى.
و يجب أيضا لخوف الضرر المزبور، للمستفيضة الواردة في الجريح و الكسير و المجدور و المبطون و الخائف على نفسه من البرد (4)، الجاري في غيره بالفحوى.
و ظاهر قوله: «قتلوه قتلهم اللّٰه» (5): انّ النهي عن الاقدام في ظرف احتمال الضرر طريقي، لا نفسي و لا غيري، و لازمة كونه منجزا للواقع، المستتبع لفساد العبادة، حتى مع عدم المصادفة كما عرفت.
و يجب التيمم أيضا عند وجوب إتلاف الماء و لو لحفظ نفس محترمة و غير ذلك، من جهة اقتضاء الوجوب المزبور عجز المكلّف شرعا عن استعماله، و لازم ذلك فقد الوضوء في ظرف العجز المزبور، للمصلحة، و لو من جهة ظهور قوله: «و كان يقدر عليه (1)»، في دخل القدرة المطلقة في المصلحة. و كونه شرطا لوجوب الوضوء.
و بهذه الجهة لا يصلح جريان قاعدة الترتب في المقام أيضا، و من هنا نقول ببطلان الوضوء عند ابتلاء أمره بكل تكليف أهم منه، و لو لم نقل باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده الخاص.
ثم انه يكفي لاستكشاف أهمية الغير مجرد إطلاق أمره، لأن قضية اشتراط الوضوء بالقدرة توجب تأخر دليله رتبه في مقام التطبيق، لأن المقام من باب دوران الأمر بين التخصيص و التخصص، و الثاني أولى.
و بهذه النكتة يشرع التيمم في ضيق الوقت، و يحرز بإطلاق دليل الوقت أهميته عن الطهارة المائية، لا من جهة مجرد دوران الأمر بين ماله بدل و ما لا بدل له، لعدم مدرك صحيح له في فرض عدم قيام البدل في الوفاء بتمام المصلحة، كما هو الشأن في التكاليف الاضطرارية.
و بهذا الوجه أيضا تقدّم الطهارة الخبثية على الحدثية عند الدوران بينهما، كما لا يخفى.
و من صغريات المسألة أيضا: الوضوء المنوط بالاغتراف من الآنية المغصوبة.
و توهّم صاحب الفصول من إمكان إعمال قاعدة الترتب في هذه المسألة، منظور فيه.
1) وسائل الشيعة 2: 990 باب 19 من أبواب التيمم حديث 6.
نعم لو اغترف الماء مرة لتمام الوضوء لا بأس به حينئذ، كما لا يخفى.
أو للتأذي من برد أو خوف عطش، لعموم الحرج، و لما ورد في روايات عدم القدرة عليه، الشامل للحرجيات عرفا، كما هو الغالب في مواردها من الزحام في يوم الجمعة. و لازم الدليل الثاني إدخال المورد فيما لا يقدر، الموجب لفقدان الوضوء، للمصلحة الملزمة، بخلاف الأول فإنه لا يقتضي إلّا الترخيص، و لو للتسهيل غير المنافي لوفاء الوضوء بالمصلحة الملزمة.
و ربما تظهر الثمرة بين التقريبين في وجوب التيمم و عدمه، غاية الأمر يكون مشروعا لا واجبا، لإمكانه الإقدام على وضوء حرجي فيسقط التيمم.
و عن بعض الأساطين- و كذا ظاهر الأصحاب- ملازمة مشروعية التيمم لوجوبه، و مقتضاه عدم صحة الوضوء الحرجي و فقده للمصلحة، المستتبع لكون القدرة المأخوذة في موضوعه ما يشمل عدم الحرج أيضا، و يومئ إليه ما في الجواهر من إرجاع جميع الفروع المتشتتة إلى موضوع واحد، من عدم القدرة العرفية على تحصيل المائية (1).
و يؤيده ظهور «فَلَمْ تَجِدُوا» في الآية الشريفة (2)في عدم الوجدان بالنحو المتعارف، الخارج عنه وجدانه بمشقة عظيمة، فيتعدّى عنه إلى المشقة في استعماله، و هكذا.
و من البديهي حينئذ أن ظهور الأمر التعييني بالتيمم كاشف عن
انحصار الطهور- في حقه- به، و هو ملازم لعدم وفاء الوضوء حينئذ بالمصلحة، كما لا يخفى.
هذا و لكن للنفس في مثل هذه الاستظهارات شيء، و العمدة في البين إثبات الملازمة بين مشروعية التيمم و بين وجوبه عندهم، فإن تم فهو، و إلّا فللنظر في استفادته من الأدلة نظر جدا، فتأمل.
لكونه مال الغير، مع عدم اقدامه على بيعه بوجه، أو عدم آلة يتوصل بها إليه، أو كان و لكن بثمن يضره في الحال.
و لا إشكال في الصورة الأولى، لحرمة استعمال مال الغير بدون رضاه، و عدم قدرته حينئذ على استعماله أيضا، كما لا شبهة في نفي الوجوب في صورة كون الشراء ضرريا مجحفا بحاله، المستتبع تحمله للحرج المنافي لوجوب الوضوء عليه.
نعم مع عدم اجحافه يجب الشراء مقدّمة للواجب، من جهة النص المخصوص بالباب (1)، الحاكم بوجوب الشراء و لو بأضعاف قيمته، و مقتضى التعليل جبر ضرره بخير كثير، المستلزم للتعدي إلى عدم الاعتناء بمطلق الضرر المالي في باب الوضوء، الملحق به باب الغسل أيضا، لعدم الفصل.
بل ربما يشهد له عدم الظن ببنائهم على مجوّزية مطلق الضرر المالي للمحرمات أو ترك الواجبات، كما لو أكرهه على شرب الخمر أو الزنا بمحض التوعيد بضرر مالي غير موجب لإلجائه. و هكذا في غير ذلك،
1) وسائل الشيعة 2: 997 باب 26 من أبواب التيمم حديث 1.
و جعلوا المدار فيها على صدق الإلجاء الحاصل باجحاف الضرر.
و لكن مع ذلك فإنّ كلماتهم في المقام ظاهرة- ما عدا جهة الشراء- في مطلق الضرر المالي، كما يشهد له إطلاق عدم وجوب الوضوء من جهة لص أو فرار دابة أو غير ذلك (1). بل إطلاقهم أيضا في جواز الرجوع إلى حكام الجور لاستيفاء الحق، و عدم وجوب الأمر بالمعروف لمطلق الضرر.
و حمل ذلك كله على الضرر المجحف بعيد جدا، و رفع اليد عن فحوى تعليل النص، و الالتزام بنفي مطلق الضرر في باب التكاليف أبعد.
فلئن قيل بأنّ عموم نفي الضرر (2)هو المرجع إلّا ما خرج، فليس بأولى من القول بعموم مرجعية التعليل في باب الوضوء، الحاكم على العموم المزبور و لو بوجه سوى ما خرج، و على أي حال فلا يمكن جمع مثل هذه الشتات تحت قاعدة سيالة في الجميع، كما لا يخفى.
و لو لم يضره الشراء على وجه يوجب الإجحاف بحسب حاله وجب الشراء و إن كثر و كان بأضعاف قيمته كما أشرنا إليه، و يجب الطلب و الفحص عند فقد الماء فعلا بلا اشكال، بمقدار غلوة سهم في الحزنة، و غلوة سهمين في السهلة من جوانبه الأربعة، و الأصل في ذلك رواية السكوني (3)المشتملة على التفصيل المزبور، المصرّحة أيضا بعدم الطلب بأزيد من ذلك، بعد طرح ما في رواية أخرى نافية لوجوب الطلب مطلقا (4)، أو تأويله و حمله على صورة خوف
الضرر، كما في نص آخر (1).
و ظاهر الأمر بالفحص كونه كسائر الموارد طريقيا لا نفسيا و لا مقدميا، فلا يشمل صورة القطع بعدم الماء في هذا الحد، كما لا يشمل صورة الجزم بوجوده في الزائد، و لازم ذلك جعل حكم ظاهري، إيجابا في المقدار المحدود، و نفيا في الزائد.
و مقتضى الأول نفي صحة التيمم ظاهرا، لعدم إحراز موضوعه بمثل هذا الإيجاب الوارد على الاستصحاب، و مقتضى الثاني صحته كذلك ما دام الشك في وجود الزائد، و لو لم يكن في البين أصل موضوعي أصلا.
و على أي حال فليس مثل هذا الحكم في طرفي إثباته و نفيه، إلّا من الأحكام الظاهرية التي هي في طول الواقعيات، و ليس شأنها تغييرها عما هي عليها، و لازمة انتهاء الأمر في صورة كشف الخلاف من الطرفين إلى مسألة اقتضاء الأوامر الظاهرية للاجزاء و عدمه.
و مقتضى عدمه وجوب الإعادة على من صلّى بالتيمم مع الفحص، في صورة كشف وجوده و لو في خارج الحد، فضلا عما لو وجد في داخله، و ذلك من جهة إطلاق أدلة الوجدان واقعا، بشهادة أنه مع العلم به لا يكتفي بهذا المقدار من الطلب في عدم وجدانه كذلك جزما، و لا أظن التزامهم بالاكتفاء بالتيمم المزبور مع كشف الخلاف قبل الصلاة.
نعم لا بأس بالاجتزاء به بعد الصلاة بفحوى ما دل على «نفي الإعادة لمن صلّى بتيمم و وجد الماء بعد الصلاة» (2)، المحمولة على صورة الدخول في الصلاة مع الغفلة عن انه يجده أو علمه بعدمه، بناء على جريانه
في المقام أيضا، و إلّا- كما هو الظاهر- فمقتضى عدم اقتضاء الأمر الظاهري للاجزاء: عدم الاجتزاء به، فتدبّر.
و من التأمل في ما ذكرنا يظهر لك النظر في جملة من كلمات الجواهر، بتقييد المطلقات الواقعية بهذا التحديد الوارد في المرسلة، ثم التزم بخروج صورة العلم بوجود الماء في خارج الحد بالإجماع (1). و لعمري انّ ذلك كله بمعزل عن التحقيق، و اللّٰه العالم.
ثم انّ المرسلة غير متعرضة للجوانب، و إطلاقه يقتضي وجوب الفحص في كل نقطة يحتمل وجود الماء فيه، غاية الأمر حدّه كذا.
و عليه فلا وجه للاكتفاء بجانب دون جانب، بل المدار على تحصيل الاطمئنان بعدم الماء في المحوطة المزبورة، لا أنّ الاطمئنان بجهات مخصوصة كافية، كما هو ظاهر.
و إلى ما ذكرنا أشار المصنف بقوله: من جوانبه الأربعة.
و لو كان عليه نجاسة و لا يفضل الماء عن إزالتها تيمم و أزالها به بلا اشكال، لما عرفت وجهه في طي الكلمات المتقدمة.
قبال المخلوط بشيء آخر من غير سنخ الأرض، لا في قبال غير التراب من سائر وجه الأرض، بقرينة قوله بعده: و يجوز بأرض النورة و الحجر و الجص.
و عليه فمذهب المصنف هو الجواز لمطلق وجه الأرض، لا خصوص التراب، كما توهمه بعض المحشين، نعم في قباله من لا يرى إلّا بالتراب.
و منشأ الاختلاف: اختلاف أخبار الباب، من اشتمال بعضها على
1) جواهر الكلام 5: 78.
مطلق الأرض (1)، و بعضها على التراب (2)، بل في صحيحة رفاعة «تعليق التيمم بالأرض على فقد التراب» (3)، مضافا إلى تفسير الصعيد بالتراب.
و لا يخفى أنّ الأمر يدور بين تقييد مطلقات الأرض- لوحدة المطلوب- بالتراب، أو رفع اليد عن ظهور الأمر بالتراب بالحمل على الفضيلة، و لا يبعد قوة المطلقات، لو لا دعوى أقووية قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا» (4)في اختصاص الطهور به، و مع الشك فمرجع المسألة إلى التعيين و التخيير، فيحتاط حتى على المبيحية، فضلا عن الطهورية، كما لا يخفى.
و عليه فالأحوط عدم التيمم بغير التراب مع التمكن منه، نعم مع عدم التمكن منه فمقتضى الصحيحة (5)انتقال الأمر إلى مطلق المسمّى بالأرض.
و عن المصنف أنه يكره بالسبخة و الرمل، الظاهر في جوازه بها أيضا على مختاره، بل و على المختار عند انتقال الأمر إلى مطلق وجه الأرض، لصدقه عليهما.
ثم انه لو لم يتمكن من وجه الأرض أيضا، فإن كان له غبار تيمّم به مقدما على الوحل، و لم يجد إلّا الوحل تيمم به، و الأصل في هذا الترتيب صحيح زرارة «إن أصابه الثلج فلينظر في لبده فيتيمم من غباره- الى قوله- و إن كان في حال لا يجد الطين فلا بأس» (6)، و في أخرى
1) وسائل الشيعة 2: 969 باب 7 من أبواب التيمم حديث 1 و 2 و 4.
2) وسائل الشيعة 2: 994 باب 23 من أبواب التيمم حديث 1.
3) وسائل الشيعة 2: 972 باب 9 من أبواب التيمم حديث 4.
4) المستدرك 2: 530 باب 5 من أبواب التيمم حديث 8.
5) وسائل الشيعة 2: 972 باب 9 من أبواب التيمم حديث 4.
6) وسائل الشيعة 2: 972 باب 9 من أبواب التيمم حديث 2.
«يتيمم به» (1).
و ظاهر الخبر الأول بل الآخر: تقديم الغبار على الوحل، لأن ظاهر تعليقه على عدم وجدان شيء: تأخره عن جميع ما يصلح للتيمم، و لازم صلاحية الغبار له تقديمه عليه، بل و في نص أبي بصير (2)التصريح بالترتيب المزبور. كما انّ ظاهر كون الغبار في ظرف وجود الثلج: عدم إطلاق يشمل حال التمكن من وجه الأرض، كما لا يخفى.
و توهم أنّ الغبار القائم على الجسم من سنخ التراب فيجوز التيمم به في عرض التيمم بالتراب، منظور فيه، إذ الغبار- بملاحظة ضعف الأجزاء الترابية فيه- يكون في حكم الرطوبة القائمة على المحل محسوبا من الأعراض كالألوان، و ليس شيئا موجودا بنظرهم، و لذلك يؤخّر التيمم به عن التراب.
و ظاهر خبر أبي بصير (3)وجوب الضرب للنفض مقدمة للتيمم على الغبار الثابت على وجه اللبد، و في نص آخر إطلاق الضرب على اللبد (4).
و يمكن رفع اليد عن الأول، و لو بحمله على كون الضرب التيممي كاف لحصول النفض، فلا يجب مقدمة، كما لا يخفى.
ثم انه قد يتوهم وجود مرتبة اخرى بعد الوحل و هو التيمم بالثلج، و ربما يتمسك بحسنة ابن مسلم (5)، و في دلالته على المطلوب نظر، لاحتمال كون الفرض عدم تمكنه من الماء، فينتقل إلى التيمم لا التيمم بالثلج بعد
فقد المراتب السابقة، فتدبّر.
أن يضرب بيديه على الأرض، للنص (1)، و في آخر الاكتفاء بالوضع (2). و يحمل على غالب أفراده الملازم للضرب، و في الحمل نظر. و لو لا اعراض المشهور عنه لأمكن المصير إلى التخيير بينهما، و ليس العنوان من قبيل الإطلاق و التقيد، بل هما متباينان مجتمعان موردا.
و ظاهر المصنف دخول الضرب أيضا في التيمم، و لكن في بعض النصوص: «يضرب و يتيمم» (3)، و ظاهره خروجه، لو لا ظهور بقية الأوامر في كون الضرب في سياق المسح، بضميمة حمل الخبر السابق أيضا على تتميم التيمم بعد الضرب، لا شروعه فيه. و الأصحاب أيضا أجروا على تتميم التيمم بعد الضرب، لا شروعه فيه. و الأصحاب أيضا أجروا عليه حكم الجزئية من جهة اشتراطهم الضرب و عدم كفاية الوضع.
و يشترط أن يكون- عند الشروع في التيمم المتحقق بأول جزء من الضرب- ناويا بنحو ما تقدّم في الوضوء و الغسل، بعد كونه حقيقة واحدة حتى في البدل عن الغسل، لإطلاق ما ورد في شرح حقيقته (4).
و ينفضهما استحبابا، للنص (5)، و مقدمة لإزالة ما على يديه من أجزاء ترابية عند الضرب (6).
1) وسائل الشيعة 2: 976 باب 11 من أبواب التيمم حديث 1 و 3 و 6 و 7 و 9.
2) وسائل الشيعة 2: 976 باب 11 من أبواب التيمم حديث 2 و 4 و 5 و 8.
3) وسائل الشيعة 2: 973 باب 9 من أبواب التيمم حديث 5.
4) وسائل الشيعة 2: 976 باب 11 من أبواب التيمم.
5) وسائل الشيعة 2: 976 باب 11 من أبواب التيمم حديث 3 و 6 و 7.
6) هذا يستدعي وجوب النفض لا استحبابه، مضافا إلى مخالفته لما يظهر من بعضهم من لزوم بقاء أثر التراب على اليد، و هو المعبّر عندهم باشتراط العلوق، هذا، و لو كان نظره إلى إزالة محتمل المانعية ففيه انّ مثل هذا المقدار من التراب ليس من الحاجب.
و يمسح بهما وجهه من قصاص الشعر إلى طرف الأنف، ثم يمسح ظهر كفه الأيمن ببطن كفه الأيسر، ثم ظهر كفه الأيسر ببطن كفه الأيمن)، بلا إشكال في هذا المقدار في الجملة نصا و فتوى، و يكفي من النص قوله: «ثم مسح وجهه و كفيه و لم يمسح الذراعين بشيء» (1)، و به ترفع اليد عما ورد من مسحهما (2)، و يحمل على الفضيلة كما هو ظاهر.
و الظاهر من المسح على الكف مسح تمامه (3)، و في نص آخر: «من حيث موضع القطع» (4)، و هو خلاف المشهور، و لولاه لأمكن الحمل على مراتب الفضيلة.
و أما مسح ظهر الأيمن بالأيسر و بالعكس، فلما في الصحيح «مسح كفيه كل واحد على ظهر الآخر» (5)، بانضمام نص آخر مشتمل على الترتيب المزبور، بقوله: «ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه» (6).
و أما وجه كون المسح بالباطن فلانصراف الإطلاقات، و مع عدم التمكن فينتقل إلى الظاهر، لعين ما قلنا به في مسح الوضوء.
و أيضا ظاهر النص السابق مسح تمام الوجه، و لكن يحدد بخصوص
1) وسائل الشيعة 2: 977 باب 11 من أبواب التيمم حديث 5.
2) وسائل الشيعة 2: 978 باب 12 من أبواب التيمم حديث 2 و 5.
3) جاء في النسخة المطبوعة من التبصرة (من الزند إلى أطراف الأصابع)، لكنه ساقط في النسخة المخطوطة المقروءة على المصنف.
4) وسائل الشيعة 2: 980 باب 13 من أبواب التيمم حديث 2.
5) وسائل الشيعة 2: 977 باب 11 من أبواب التيمم حديث 9.
6) وسائل الشيعة 2: 979 باب 12 من أبواب التيمم حديث 5.
الجبهة المحدودة من قصاص الشعر إلى طرف الأنف، بانضمام الجبينين بنص آخر مقتصر عليهما (1).
و في انصراف الإطلاقات إلى المسح من الأعلى وجه، بعين ما ذكرناه في الوضوء، و يؤيده ما في الفقه الرضوي (2)، و ظاهر المصنف كفاية مطلقه، و فيه تأمل.
ثم انّ في كيفية التيمم اختلافا كثيرا، و ظاهر المصنف انّ الواجب في بدل الوضوء هي ضربة واحدة للوجه و اليدين، كما أفاد: و لو كان بدلا من الغسل ضرب ضربتين، ضربة للوجه و اخرى لليدين.
و نظره إلى ما في النص المفصّل بين «بدل الغسل فضربتين: ضربة للوجه، و ضربة لليدين، و في الوضوء الوجه و اليدين إلى المرفقين» (3)، و في قباله مطلقات مشتملة على «ضربة واحدة للوجه و اليدين» (4)مطلقا، و مطلقات اخرى مشتملة على «الضربتين، مرّة للوجه و مرّة لليدين» (5)، و في جملة أخرى «مرتين للوجه و مرّة لليدين» (6)، و في نص آخر «مرتين مرتين للوجه و اليدين» (7).
و لا يخفى انّ الجمع بين الروايات إما بالأخذ بمطلقات المرة، و حمل البقية على مراتب الفضيلة، كما هو الشأن في كل مورد كثر الاختلاف في
1) وسائل الشيعة 2: 977 باب 11 من أبواب التيمم حديث 6 و 8.
2) المستدرك 2: 535 باب 9 من أبواب التيمم حديث 1.
3) وسائل الشيعة 2: 979 باب 12 من أبواب التيمم حديث 5.
4) وسائل الشيعة 2: 976 باب 11 من أبواب التيمم.
5) وسائل الشيعة 2: 978 باب 12 من أبواب التيمم حديث 1 و 3.
6) وسائل الشيعة 2: 978 باب 12 من أبواب التيمم حديث 4.
7) وسائل الشيعة 2: 978 باب 12 من أبواب التيمم حديث 1.
التحديد، نظير منزوحات البئر، و أدعية صلاة الميت، أو برفع اليد عن الإطلاق من الجانبين، و تقييده بالخبر المفصّل، كما صنعه جماعة مثل المصنّف، و لا يبعد قوة المطلقات المرجّحة للجمع الأول على الثاني، و إن كان الأحوط الأخذ بمضمون الجميع، بضربتين مقدّما على مسح الوجه، و ضربتين لليدين، برجاء الواقع، بقصد ما في الذمة، و اللّٰه العالم.
و يجب الترتيب بين مسح الوجه و اليدين، لظهور النصوص (1)في ذلك، و قد أشرنا أيضا إلى وجوب الترتيب بين اليدين أيضا، بعد ضعف المطلقات من تلك الجهة، لسوقها لبيان جهة أخرى.
و ينقضه أي التيمم كل نواقض الطهارة، و يزيد عليه (2)وجود الماء بلا اشكال فيه في الجملة، للنص المشتمل على قوله: «نعم ما لم يحدث أو يصيب الماء» (3)، و في خبر آخر «إذا رأى الماء و كان يقدر عليه انتقض التيمم» (4)، و إليه أشار المصنف بقوله: مع التمكن من استعماله، و قد أشرنا أيضا إلى ما يتفرع على أخذ مثل هذا القيد في موضوع الوضوء فراجع.
و على أي حال فإن ظاهر الحدث الناقض- بإطلاق النص- يشمل الأكبر و الأصغر، حتى في بدل الغسل.
كما انّ وجدان الماء بمقدار الوضوء في بدل الغسل لا يجدي شيئا،
للنص (1)، و لأن الظاهر انّ الماء الناقض هو الماء الوافي بالمبدل الذي هو وظيفته لا مطلقا.
و لو وجده أي الماء قبل الشروع في الصلاة تطهّر (2)بلا اشكال.
و لو لم يتمكن من الماء إلّا لركعة واحدة، فقضية أهمية الوقت هو وجوب التيمم، و لا يبقى معه مجال لعموم: «من أدرك» (3)، إذ هو في ظرف الاضطرار بفوت البقية (4)، و الكلام بعد فيه، كما لا يخفى.
و لو وجده في أثناء الصلاة بأن كان قبل الوصول إلى الركوع فينتقض التيمم و يستأنف الصلاة بوضوء، لنص زرارة (5)، و ابن عاصم (6).
و بهما ترفع اليد عن إطلاق قوله في خبر حمران: ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة قال: «يمضي في صلاته» (7)، و نظيره خبر آخر (8)، و يقيّدان بصورة الدخول في ركوعه.
و ظاهر الأمر في المقام الاجتزاء بمثل هذه الصلاة، و يتعدّى منه إلى صورة الوجدان بعدها أيضا، لكن مع الغفلة عنه قبل دخولها أو العلم بالعدم.
و عليه أيضا يحمل ما ورد من نصوص عدم إعادة الصلاة بوجدان الماء
1) وسائل الشيعة 2: 995 باب 24 من أبواب التيمم.
2) هذا الفرع ساقط عن النسخة المخطوطة المقروءة على المصنف.
3) وسائل الشيعة 3: 157 باب 30 من أبواب المواقيت.
4) أي قاعدة (من أدرك) مختصة بمن فاتته الركعات فعلا سوى ركعة واحدة، أما هنا فالأمر دائر بين فوت الوقت بالنسبة إلى تلك الركعات أو التيمم، فما دام لم يفت الوقت لا يجوز تفويته.
5) وسائل الشيعة 2: 990 باب 20 من أبواب التيمم حديث 1.
6) وسائل الشيعة 2: 990 باب 20 من أبواب التيمم حديث 2.
7) وسائل الشيعة 2: 990 باب 20 من أبواب التيمم حديث 3.
8) وسائل الشيعة 2: 991 باب 20 من أبواب التيمم حديث 4.
بعدها (1)، و إلّا فمع احتمال وجود الماء في الوقت يجب التأخير إلى آخر الوقت، للنصوص المحمولة- بمناسبة الحكم و الموضوع- على صورة الاحتمال (2)، و كونه حكما طريقيا لمراعاة الواقع، فلا يجري على فرض كشف الماء كما أنه لا بأس بالاجتزاء على فرض عدم الماء في الوقت، إذ هو فائدة طريقية الأمر، نعم على الشرطية تبطل الصلاة حينئذ، و هو بمعزل عن التحقيق.
ثم من مثل هذه الأوامر الواردة في صورة الاحتمال، يتعدّى إلى صورة العلم بوجوده قبل الصلاة، و يدل عليه أيضا فحوى إطلاق «لم يجد» على ما استظهرناه في أول المسألة، و قلنا هناك أيضا بجواز البدار لمن علم ببقاء عذره إلى آخر الوقت، بل و لازمة في ظرف الشك استصحاب بقاء الاضطرار إلى آخر الوقت، الملحق حال الشك بحال العلم بالعدم.
و لو لا أخبار التأخير في المقام لم يجب بمقتضى القواعد، بل يمكن حمل الأخبار المزبورة على الإرشاد إلى عدم الثمرة على فرض الوجود لا الطريقية، إذ لا ثمرة لها بعد الجزم بصحة الصلاة على فرض العدم إلى آخر الوقت، لو لا دعوى افادة الطريقية في الحكم، لعدم الصحة فعلا ظاهرا، بخلافه على جريان الاستصحاب المزبور، و الأمر سهل بعد لابدّية كشف الواقع على أي حال، كما لا يخفى.
و بالجملة نتيجة الجمع بين الأدلة و القواعد في المقام هو جواز البدار مع العلم بعدم الوجدان إلى آخر الوقت، و كذلك مع الغفلة. و في الصورتين يحكم بالاجزاء، و لو انكشف وجوده قبل خروج الوقت.
و أما مع الاحتمال أو العلم قبل الصلاة بأنه يوجد و لو في آخر الوقت، فيجب التأخير المستلزم للحكم بفساد الصلاة في صورة البدار، إلّا مع فرض كشف عدمه إلى آخر الوقت، فإنه حينئذ يحكم بكون المأتي به مجزيا لو أتى به بوجه قربى، كما لا يخفى.
و مثل هذا التفصيل غير جار في سائر الأوامر الاضطرارية، إذ الاجزاء فيها يدور مدار الوجدان و عدمه في الوقت، فلا يجزي في الأول و يجزي في الثاني. كما انّ مقتضى الاستصحاب إلحاق صورة الشك ببقاء الاضطرار إلى آخر الوقت بصورة العلم بذلك، فيجوز البدار ظاهرا، مع كون الحكم الواقعي في الصحة و عدمها يدور مدار بقاء الاضطرار واقعا إلى آخر الوقت.
هذا حال العمل بالنسبة إلى انكشاف عدم الاضطرار في الوقت.
و أما بالنسبة إلى قضائه فلا شبهة في أن مقتضى حرمة تفويت مصلحة المختار في الوقت هو الاجزاء بالنسبة إلى الشرائط المأخوذة في المأمور به في عرض الوقت، و أما في غيرها فإطلاق دليل اعتبار الجزء أو الشرط يوجب الإعادة، و لو لتحصيل مقدار ما فات من المزية، كما هو الشأن في صورة عدم دليل على حرمة تفويت مصلحة المختار، كما هو ظاهر.
هذا كله مقتضى القواعد، و لكن ظاهر الأصحاب في باب الصلاة الاجزاء في الاضطرارية منها طرا، و ستأتي الإشارة إليه هناك.
و من التأمل في ما ذكرنا ظهر عدم تمامية إطلاق المصنف بقوله: و لو وجده أي الماء في الأثناء أتم صلاته و لا يعيد ما صلّى بتيممه، بل لا بد أن يقيّد بما بعد الدخول في الركن.
و لا يجوز التيمم قبل دخول الوقت بلا اشكال فتوى، لو أتى بداعي الغاية الموقتة، بل يمكن أن يقال على المشهور: إنّ ذلك أيضا
مقتضى القواعد، لأنّ الواجب المشروط لا يدعو إلى مقدماته قبل الشرط، نعم على المختار في الواجب المشروط من فعليّة وجوبه، و محرّكيته نحو سائر المقدمات غير جهة شرط وجوبه، فلا يكون ذلك وفق القاعدة.
و لكن ذلك أيضا لو لا اناطة وجوب هذه المقدمة أيضا بالوقت بمقتضى قوله «إذا دخل الوقت وجب الطهور» (1)، فلازمه حينئذ عدم مشروعية الطهور الذي هو مقدمة للصلاة قبل الوقت، لأنّ وجوبه في المقام مساوق لمشروعيته جزما، فالمأتي به قبله أما لا يكون طهورا بالنسبة إلى هذا الأثر، أو لا يكون مقدمة لهذه الغاية المؤقتة.
و على أي حال فمنصرف الإطلاق المزبور هو صورة إتيان الطهارة بداعي الامتثال للغاية الموقتة، و أما لو أتى بها بداعي غاية أخرى فالإطلاق المزبور غير شامل له، بشهادة جواز التوضي بداعي الكون على الطهارة قبل الوقت جزما، كما أنه يمكن دعوى انصراف الكلمات عنه أيضا.
و حينئذ فمقتضى إطلاق طهورية التراب بانضمام إطلاق «لا صلاة إلّا بطهور» (2)، صحة التيمم المزبور لو أتى به قبل الوقت، لكن بداعي غاية أخرى، و يصلّى به بعد دخول الوقت أيضا. و قد أجاد السيد الأستاذ في عروته في مصيره إلى الجواز لو أتى به بداع آخر، و جواز إتيان الغاية المؤقتة به أيضا (3)، خلافا لمن يشعر إطلاق كلامه بعدم الجواز.
و على أي حال فلا اشكال ظاهرا عندهم في جواز التيمم قبل الوقت لغير الغايات المؤقتة بالنسبة إليها، نظير التيمم في المؤقتات. و اللّٰه العالم.
و يجوز التيمم مع الضيق إجماعا، و أما في حال السعة ففيه قولان على التفصيل المتقدّم.
بقي في المقام شيء، و هو أنه لا اشكال عندهم في اعتبار إباحة الأرض في المقدار الذي هو مورد الضرب في التيمم، و أما اعتبار غير هذا المقدار ففيه اشكال.
و أيضا يشترط طهارة التراب، و محل المسح، و الماسح إجماعا.
و عند اشتباه الطاهر من التراب بغيره يتيمم بهما، مع فرض جفاف محل المسح و التراب.
و أيضا ظاهر طهورية التراب قيامه مقام الماء في جميع الغايات ما دام يصدق عدم الوجدان، و إلّا فمع فرض صدق الوجدان بالإضافة إلى أمر فلا يكون التيمم بالنسبة إليه مؤثرا.
و ربما يؤيد مثل ذلك كونه بمنزلة الطهور، لا كونه طهورا حقيقة، إذ تفكيك أمر الطهورية لغاية دون أخرى شيء غير معهود في مرتكزات المتشرعة، و لا بأس بالتفكيك في المستحبات كما هو ظاهر.
و هي عشرة:
مما لا يؤكل لحمه من ذي النفس السائلة، بلا اشكال نصا و فتوى، و يكفي من النص في البول عموم:
«اغسل ثيابك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1)، و في الغائط ما اشتمل على غسل ثوبه من العذرة (2)، و بمفهوم: «كل ما أكل لحمه فلا بأس بما خرج منه» (3)، بناء على كونه كناية عن بوله و غائطه.
و لازمة عدم الاختصاص بما له نفس، إلّا أن يشكك في هذا المفهوم، مضافا إلى الإشكال في صدق العذرة على فضلة ما لا يكون له نفس سائلة، و ذلك أيضا لو لا عدم القول بالفصل بين البول و الغائط، و حينئذ فيكفي في تسرية الحكم إلى ما لا نفس له العموم الوارد في البول (4).
فلا وجه حينئذ لتخصيص المصنّف بما له نفس، إلّا أن يدّعى عدم البول له، فلا بدّ أن يستكشف منه هذه الجهة، و حينئذ فيكفي في طهارة
سائر فضلاته مجرد التشكيك في ذلك، فتدبّر.
نعم ما لا لحم له لا يدخل في العموم المزبور، و تكفيه السيرة على عدم الاجتناب عن فضلاته.
و إطلاق الرواية يشمل بول الغلام قبل أن يطعم، و كذلك الجارية، فيجب تطهير الثوب منهما، و ما في خبر السكوني من نفي الغسل في الغلام دون الجارية (1)، محمول- بقرينة الرواية الأخرى (2)- على كفاية صب الماء عليه على وجه لا يحتاج إلى إفراغه و لو بعصره، كما هو المشهور أيضا.
ثم إنّ مقتضى العموم السابق عدم الفرق في ما لا يؤكل بين الطير و غيره، و لكن في قباله: «كل شيء يطير فلا بأس بخرئه» (3)، و النسبة عموم من وجه، و في مورد المعارضة يتساقطان فيرجع إلى أصالة الطهارة، لو لا ترجيح الأول بما ورد من تعليل طهارة خرء الخطّاف بأنه مما يؤكل (4)، إذ مفهومه نجاسة خرء غير المأكول من الطير، فيخصص به الإطلاقات السابقة، أو تحمل على ما هو الغالب ابتلاء من مأكولات اللحم، و لازمة نجاسة خرء الخشّاف، لو لا معارضته بما دل على نفي البأس عنه (5)، الموجب لحمل الأول على رجحان الاجتناب، كما لا يخفى.
ثم انّ من مفهوم التعليل في خبر الخطّاف، و نفي البأس عما خرج مما يؤكل لحمه، يستفاد قاعدة أخرى في طرف ما يؤكل، و أنه لا بأس بخرئه و بوله، من دون فرق بين أنحائها، حتى البغال و الحمير، بل ورد النص على
نفي البأس عن أرواثها (1)، فيتعدّى- بعدم القول بالفصل- إلى أبوالها، بل و في الحمير ورد التصريح بنفي البأس عن بوله (2)، الملحق به غيره بعدم الفصل أيضا.
و بمثل هذه ترفع اليد عما ورد بالاجتناب عن أبوالها (3)، بل فيها ما له جهة حكومة على أخبار ما يؤكل، بحملها على ما كانت معدّة للأكل، كما أن النهي الوارد في ذرق الدجاج (4)أيضا محمول على الكراهة، لما تقدّم، خصوصا مع قيام السيرة على عدم الاجتناب عنه، كما لا يخفى.
ثم في شمول «ما لا يؤكل» ما هو كذلك عرضا لجلل اشكال، و الأصل ينفيه، لو لا شمول العنوان لمثلها، كما لا يخفى، فتأمل.
مطلقا بلا اشكال فيه مع كونه مما لا يؤكل، لعموم قوله: «انّ المني أشد من البول» (5)و لازمة عدم الاختصاص بما له نفس، إلّا بدعوى عدم البول لما لا نفس له، إذ حينئذ لا يشمل مثل هذا الإطلاق له، بل يختص بما له بول، كما أنه لا مجال للتعدّي منه إلى مني ما يؤكل لحمه، لانصراف إطلاق مثل هذا التعبير عنه، خصوصا مع كون مورد الابتلاء غالبا مني الإنسان، فتدبّر.
سواء من إنسان أو غيره، و في الأول سواء حال
1) وسائل الشيعة 2: 1009- 1013 باب 9 و 10 من أبواب النجاسات.
2) وسائل الشيعة 2: 1009- 1013 باب 9 و 10 من أبواب النجاسات.
3) وسائل الشيعة 2: 1009- 1011 باب 9 من أبواب النجاسات حديث 1 و 6 و 8 و 9 و 11 و 13.
4) وسائل الشيعة 2: 1013 باب 10 من أبواب النجاسات حديث 3.
5) وسائل الشيعة 2: 1022 باب 16 من أبواب النجاسات حديث 2.
حرارته أو بعد برده قبل أن يغسّل، و يكفي في ميت الإنسان مطلقا ما في النص «من مسّه بحرارة غسل يده، و بعد برده فعليه الغسل» (1).
و إطلاق الرواية شامل للمس بلا رطوبة، لعدم ارتكاز الذهن بدخلها في الغسل، و بقرينة المقابلة يجري الإطلاق في الغسل أيضا، فلا يرد عليه بأن ذلك خلاف المرتكز في سائر المقامات.
و أما في ميت غير الإنسان فيكفي فيه النصوص الواردة في نجاسة الميتة (2)، و الجيفة (3)، و القطعة المبانة (4)، و مطلقاتها (5)و إن اقتضت نجاستها و لو من غير ذي النفس، و لكن في المقام نصوص وافية باختصاص الحكم بما له نفس (6)، و يكفي منها قوله: «لا يفسد الماء إلّا ما كان له نفس» (7).
و لا شبهة في انصراف مثل هذه العناوين- بل و القطعة المبانة- عن القشور غير المعدودة من أجزاء البدن عرفا، بل كانت معدودة من الفضلات.
و من التعليل في نفي البأس عن الصوف بأنه ليس له روح (8)، يستفاد
1) وسائل الشيعة 2: 932 باب 3 من أبواب غسل المس حديث 5.
2) وسائل الشيعة 1: 142 باب 22 من أبواب الماء المطلق و في باب 14 و 15 و 17 و 18 و 19 و 21 أيضا روايات تدل على ذلك.
3) وسائل الشيعة 1: 119 باب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 11 و 13.
4) وسائل الشيعة 16: 236 و 295 باب 24 من أبواب الصيد و باب 30 من أبواب الذبائح.
5) وسائل الشيعة 1: 142 باب 22 من أبواب الماء المطلق و في باب 14، و 15، و 17، و 18، و 19، و 21، أيضا روايات تدل على ذلك.
6) وسائل الشيعة 2: 1051 باب 35 من أبواب النجاسات حديث 2.
7) وسائل الشيعة 2: 1051 باب 35 من أبواب النجاسات حديث 2.
8) وسائل الشيعة 2: 1088 باب 68 من أبواب النجاسات حديث 1.
عدم نجاسة ما لا روح له من أجزائه، نعم يغسل مورد اتصاله الملاقي معه برطوبة، كما أن ما يخرج منه من رطوبات محكومة بالنجاسة، بقاعدة كلما لاقى .. إلخ.
نعم لا اشكال عندهم في طهارة الإنفحة، و هو نفس المائع الموجود داخل الجلدة، و في النص تنظيره بالبيض الخارج من الميتة (1)، و لازمة طهارة الجلدة أيضا، لأنها ملاقية لما فيها من المائع، و إن كانت ميتة، و حينئذ لا يبقى مجال للنزاع المعروف، من أن الإنفحة هو نفس المائع أو هو مع جلدته، خصوصا مع عدم مساعدة دليل على أحد الوجهين.
نعم لا بأس بالالتزام بنجاسة ظاهر الجلدة من جهة ملاقاتها مع الرطوبة لسائر أجزاء الميتة، إذ الممتنع نجاستها إنما هو من حيث كونها ميتة، لا من حيث ملاقاتها مع الميتة، و اللّٰه العالم.
ثم في تعليل طهارة الإنفحة بأنه يخرج من بين فرث و دم (2)التعدّي إلى مطلق الإنفحة حتى من غير المأكول، اللهم إلّا أن يتشبث لنجاسته بعموم المفهوم في «ما خرج من المأكول»، و فيه أيضا تأمل واضح.
كما انّ ظاهر ذيل الرواية (3)أيضا طهارة البيض الخارج من الميتة حال اكتسابه القشر الأعلى، و في التعدّي إلى بيض ما لا يؤكل لحمه وجه، تبعا للتعدي إلى أنفحته.
و في اللبن الخارج من ميتة مأكول اللحم اختلاف، قولا و رواية، و مقتضى الجمع بين النصوص (4)هو الحمل على الكراهة الشديدة. نعم على فرض المعارضة- و لو بتوهم صراحة نواهيه بقوله: «إنه الحرام
محضا» (1)- لا بدّ من ترجيح الأخبار الناهية، بمقتضى الموافقة للقاعدة، و لكن الانصاف عدم بلوغ الأمر إلى المعارضة لأظهرية دليل الرخصة (2)، و اللّٰه العالم.
و في التعدي إلى لبن غير المأكول إشكال، إذ الظاهر من أخبار نفي البأس (3)نفيه من جهة عدم المنع عن شربه، لا بنفسه، لأنه الذي ينصرف الذهن إليه من السؤال عن الألبان، و فيه تأمل.
و فأرة المسك أيضا طاهرة ببعض أقسامها بلا إشكال أيضا نصا (4)و فتوى، و يكفي في تمييز هذا البعض ما قامت السيرة على بيعه في سوق المسلمين، بل و لازم طهارة المسك المزبور طهارة فأرته، للملازمة الارتكازية، كطهارة إناء الخمر بعد انقلابها خلّا.
ثم إنّ ذلك يتم في الفأرة المنفصلة من الحي، و أما المنفصلة من الميتة ففي قيام السيرة إشكال، و يؤيده تقيد جواز أخذ الفأرة في الصلاة بكونه من المذكى (5).
أي ذي النفس، و يكفي في نجاسته في الجملة ما ورد في النصوص (6)بالسنة مختلفة في موارد متفرقة، و يكفي من
1) وسائل الشيعة 16: 367 باب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث 11.
2) وسائل الشيعة 16: 364 باب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة.
3) وسائل الشيعة 16: 364 باب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة.
4) وسائل الشيعة 1: 445 و 447 باب 95 و 97 من أبواب آداب الحمام.
5) وسائل الشيعة 1: 315 باب 41 من أبواب لباس المصلي حديث 2.
6) و قد ذكر بعضها في باب 41 و 42 و 82 من أبواب النجاسات، و بعضها في باب 27 من أبواب قواطع الصلاة، و يوجد أيضا في كثير من أبواب النجاسات و الماء المطلق.
الإطلاقات: «إلّا أن ترى في منقاره دما» (1)، و قوله: «يغسل الثوب من المني و الدم» (2). و مقتضاه نجاسة ما يصدق عليه هذه الطبيعة، لا ما تشتبه كالمتكون من غير الحيوان- مثلا-، إذ في عدها من هذه الطبيعة إشكال، و إن كان شدة شباهته به موجبة لإطلاق اسمه عليه أحيانا.
و لئن سلمنا دخوله في الحقيقة، فلا أقل من انصرافه إلى المتكون من الحيوان، أو ما يلحق به من المتكون في بيضه، و لا تشمل الدماء المتكونة من غيرها، بل في الحيوانات أيضا يمكن دعوى خروج دم ما لا لحم له، كالبرغوث و القمل بالسيرة، و عليه فالأصل في دم ما فيه لحم و ما يلحق به هو النجاسة إلّا ما خرج.
نعم يخرج من تحت هذه الكلية الدم المتخلّف في الذبيحة بالإجماع و السيرة، بل إطلاق معاقدهم يشمل المتخلّف في الأجزاء المحرمة، و المأكول لحمه و غيره بعد ما ذكّي، و لكن ظاهر جماعة التشكيك في مثل هذا الإطلاق في معاقد الإجماعات، فلا يتعدّى عن المتخلّف في الأجزاء المحللة من المأكول، و عليه فيشكل قيام الإجماع على غيره، كما لا يخفى.
ثم انّ ظاهرهم تخصيص النجس بدم ذي النفس، و في الرواية أيضا:
«لا بأس بدم ما لم يذكّ» (3)بعد شرحه بالسمك، فإنه كناية عما لا نفس له، فيتعدّى منه إلى الحيّة و غيرها، و لازم ذلك تمامية دلالته على كون المخصص فيما لا نفس له لفظيا، و لازمة عدم جواز التمسك بالعام بالنسبة إليه، بل لا بد من إجراء أصالة عدم الاتصاف بكونه دم غير ذي النفس.
نعم في المتخلف في الذبيحة كان المخصص لبيّا، فيتمسك بالعموم في الشبهة المصداقية، كما لا يخفى.
بلا اشكال فيهما نصا (1)و فتوى، بل من «غسل اليد من شعرهما» (2)يستفاد نجاسة جميع أجزائهما حتى ما لا تحله الحياة، كما أن في الصحيحة (3)نفي البأس عن الكلاب البحرية الملحق بها خنازيرها، بعدم القول بالفصل، و حينئذ يختص حكم النجاسة بالبريّين منهما.
و إطلاقه يشمل المعلّم و غيره، بل في النص التصريح بنجاسة السلوقي (4).
و المتولد منهما تابع لصدق اسم أحدهما، و مع عدم صدق واحد منهما ففيه إشكال، إلّا أن يستفاد المناط من النص المشتمل على «نجاسة الجدي المرتضع بلبن الخنزير، حتى يشتد عظمه» (5)، فيحكم بجريانه في المقام.
بلا إشكال في الأصلي منه فتوى و نصا (6)، خصوصا الآية الشريفة (7)، الملحق فيها غير المشرك من فرق الكفار
1) وسائل الشيعة 2: 1015 و 1017 باب 12 و 13 من أبواب النجاسات.
2) وسائل الشيعة 2: 1016 باب 12 من أبواب النجاسات حديث 9.
3) وسائل الشيعة 2: 1013 باب 10 من أبواب لباس المصلي حديث 1.
4) وسائل الشيعة 2: 1016 باب 12 من أبواب النجاسات حديث 9.
5) وسائل الشيعة 16: 352 باب 25 من أبواب الأطعمة المحرمة.
6) وسائل الشيعة 2: 1018 باب 14 من أبواب النجاسات.
7) التوبة: 28.
بالمشركين، و على المشهور فالذمي ملحق بهم، خصوصا مع كونهم مشركين، بسبب اعتقادهم في عزير أو المسيح انه ابن اللّٰه.
و عليه أيضا نصوص آمرة بالاجتناب عنهم (1)، و في قبالها نصوص صريحة في عدم نجاستهم الذاتية (2)، و أن حكمة التحرّز عنهم عدم توقيهم عن النجاسات العرضية، و مقتضى الجمع بينها في غاية الوضوح، بحمل الآمرة بالاجتناب على مجرد الرجحان، أو يجعل وجه الاجتناب نجاستهم العرضية، أو التفصيل بين الاختيار و الاضطرار بشهادة رواية علي بن جعفر من قوله «إلّا أن يضطر إليه» (3).
و لكن مع ذلك كله فإنّ بناء المشهور على حمل أخبار الطهارة على التقية، مع ما فيه من الإشكال، لأن مثل هذا الحمل خلاف ديدنهم من تقديم الجمع الدلالي على التصرف في الجهة، و نظير هذا البناء و الاشكال جار في أخبار الماء القليل و أخبار حل ذبيحتهم.
و حل الاشكال- عن الأصحاب في جميع هذه المقامات- هو أن يقال:
بأن بناءهم على طرح هذه الروايات في أمثال هذه الأبواب، و ذلك يكشف عن أنهم وجدوا منذ الصدر الأول خللا في جهتها، بنحو صار أصل الجهة مع قطع النظر عن شيء آخر موهونا جدا، و مثل هذه الجهة غير مرتبطة بمقام تقديم التصرف الجهتي على الدلالي، كما لا يخفى.
1) وسائل الشيعة 2: 1018 باب 14 من أبواب النجاسات.
2) وسائل الشيعة 2: 1020 باب 14 من أبواب النجاسات حديث 11، و قد ذكر في الوسائل أخبارا كثيرة في أبواب متفرقة تدل على طهارتهم فراجع باب 73 و 74 و 54 من أبواب النجاسات، و باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة.
3) وسائل الشيعة 2: 1020 باب 14 من أبواب النجاسات حديث 9.
ثم انّ المشهور إلحاق الولد الصغير بأشرف الأبوين في الإسلام، و يكفي له نصا ما ورد من طرف الأب، من قوله «إسلامه إسلام ولده الصغار» (1)، و تلحق به الام بعدم القول بالفصل، و بذلك يقيّد ما في النص في أولاد المشركين بأنهم كفار (2)، فيحمل على صورة كفر الوالدين.
و ظاهر إطلاق الكفر و الإسلام ترتب جميع لوازمهما، حتى في مثل إعطاء الزكاة لهم كما في النص (3).
و أما المجنون فمع اتصال جنونه بصغره فواضح، من إجراء أحكام الصغر عليه للاستصحاب، و إنما الكلام في المنفصل عنه، و يمكن إجراء حكمه السابق للأصل، لو لا دعوى عدم الفصل بين المجنون و الصغير في الأحكام، حتى في مثل هذا الحكم.
و أما اللقيط، فان احتمل إسلام أحد أبويه، فيحكم بطهارته، و إلّا ففيه التفصيل الآتي.
و أما المسبي فمع وجود أحد الأبوين معه يلحق به مع إسلامه، و مع كفرهما ملحق بهما، و مع عدمهما يلحق بالسابي للسيرة في خصوص الطهارة كاللقيط.
و في إجراء سائر أحكام الإسلام عليهما نظر، بل لا بد أن يلحظ و يفصّل بين ما كان شرطه الإسلام فلا يترتب، أو كان الكفر مانعا فيترتب،
لأصالة عدم اتصافه بهما كما هو ظاهر.
ثم المراد بالمسلم: هو المظهر للشهادتين، بنحو يصلح للطريقية إلى اعتقاده، للأخبار المستفيضة الواردة في شرحه، و قد عقد في أصول الكافي بابا لذلك (1)، فلا يكفي الاعتقاد بلا إقرار و لا العكس.
و اجراء حكم الإسلام على المنافقين في الصدر الأول كان لمحض المصلحة، حفظا لحوزة المسلمين و تكثيرا لعددهم، لا أنهم حقيقة كانوا مسلمين.
و على ما ذكرنا فالمخالفون مسلمون حقيقة، و ما ورد من النصوص في كفرهم (2)، محمولة على كفرهم باطنا، بمعنى استحقاقهم دركات الكفار.
كما انّ غير الجاحد أيضا غير كافر بهذا المعنى، و عليه يحمل قوله:
«لم يجحدوا لم يكفروا» (3)، و إلّا فلا يترتب عليهم أحكام الإسلام ما لم يقرّوا.
نعم لا إشكال في كفر الناصب، كما ورد أنهم أنجس من الكلب (4)، و يلحق بالنجاسة سائر أحكام الكفر بعدم القول بالفصل، كما لا يخفى.
و كذلك الغلاة، للنص من قوله «توقوا مساورته» (5)، و كذلك الخوارج، للإجماع، و بقية الفرق يحكم بإسلامهم ما لم ينكروا ضروريا، مع التفاتهم بضروريته، و مع غفلتهم عنها اشكال، لعدم دليل على كفرهم عدا دعاوي
الإجماعات على موضوعيته.
و فيه نظر، لإمكان حمل الإطباق على جعل ظاهر حاله طريقا إلى كون إنكاره راجعا إلى تكذيب النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و لا يسمع منه دعوى الاشتباه، لا أنه موجب لكفره حتى مع الجزم باشتباهه، و المسألة لا تخلو عن اشكال جدا.
على المشهور، و النصوص فيه مختلفة، فجملة منها دالة على النجاسة (1)، و أن ما يبل الميل من النبيذ ينجس حبا من الماء (2)، و جملة أخرى صريحة في الطهارة حيث نفى فيه البأس عن المسكر أيضا (3).
و في المقام أيضا قد يوهم الجمع بالحمل على الكراهة، و لكن قوة الدلالة على النجاسة في بعض النصوص المشتملة على الحلف باللّه (4)، يمنع الجمع المزبور، بل و يؤيده تحيّر السائل في الجمع حتى احتاج إلى السؤال، و الإمام أيضا قرره على تحيّره، و رجّح له أخبار النجاسة (5)، و بذلك يخرج المورد عن قاعدة الجمع، و يدخل في طي قواعد التعارض، و الترجيح مع ترجيح الإمام عليه السّلام لأخبار النجاسة، فلا يبقى مجال لترجيح غيرها، كما لا يخفى.
ثم انّ منصرف الأخبار، بل صريح بعضها تخصيص النجاسة بالمائع
1) وسائل الشيعة 2: 1054 باب 38 من أبواب النجاسات.
2) وسائل الشيعة 17: 275 باب 20 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 2.
3) وسائل الشيعة 2: 1054 و 1058 باب 38 و 39 من أبواب النجاسات.
4) وسائل الشيعة 17: 272 و 274 باب 18 و 20 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 10 و 4.
5) وسائل الشيعة 2: 1055 باب 38 من أبواب النجاسات حديث 4.
منه (1)، و ما في بعض الروايات من إلحاق الجامد به (2)ضعيف دلالة و سندا، فلا يصلح حجة، و في شمول الإطلاقات للمائع بالعرض أيضا إشكال و إن كان الأحوط فيها الاجتناب.
ثم انّه قد يلحق بالمسكر العصير العنبي، و هو المشهور بين الأصحاب حرمة و نجاسة، أما الحرمة فواضحة، للنصوص المستفيضة (3)، و أما النجاسة ففيها اشكال، من جهة أن غاية ما ورد «أنه خمر» (4)، أو «لا خير فيه» (5)، أو «ليس بطيّب» (6). و اقتضاؤها النجاسة بعد كون المتيقن من التنزيل المذكور هي الحرمة، في غاية الاشكال.
و ظاهر تخصيصهم العصير بالعنب، عدم مصيرهم إلى الحرمة و النجاسة في غيره، حتى الثلاثة المعروفة من عصير الحصرم و الزبيب و التمر، فضلا عن غيرها، و عمدة الوجه: عدم مساعدة دليل على الحكمين في غير العنبي، فأصالة الحليّة و الطهارة محكمة.
و توهم اقتضاء العصير حرمته مطلقا، الملازمة لنجاسته، مدفوع بمنع الإطلاق، خصوصا مع مغروسية العنبية في الأذهان.
و في النص أيضا: أن «العصير من الكرم» (7)، و شموله لعصير الحصرم
1) و ليس في الروايات تقييد بالمائع بلفظه، و لعل مقصوده رحمه اللّٰه دلالتها عليه من حيث اشتمال أكثرها على لفظ الشرب المختص بالمائع.
2) و كذلك ليس في روايات الباب إلحاق الجامد بالمائع صريحا، نعم بعض تلك الأدلة شامل للجامد أيضا، راجع الوسائل باب 1 و 19 من أبواب الأشربة المحرمة و فيها «ان الخمر كل مسكر من الشراب و ان كل مسكر خمر».
3) وسائل الشيعة 17: 223 باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة.
4) وسائل الشيعة 17: 234 باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 4.
5) وسائل الشيعة 17: 226 باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 7.
6) وسائل الشيعة 17: 226 باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 6.
7) وسائل الشيعة 17: 221 باب 1 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 1.
و الزبيب و إن كان يوهم إلحاق خصوصهما، إلّا أن مثله منصرف إلى ماء نفسه لا المياه الخارجية الممزوجة مع أجزاء الزبيب. و عليه فالاطلاقات منصرفة عن الزبيبي أيضا، و بذلك لا يجري الاستصحاب التعليقي المعروف أيضا، لاختلاف الماءين بنحو لا يساعد العرف على وحدتهما.
نعم لا بأس بشمول الإطلاقات للحصرمي، لو لا دعوى أن فهم العنبي منها قرينة عدم الإطلاق. مضافا إلى ما ورد في الحصرم من نفي البأس بجعله في الطعام و في ذيله «أنّ الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة» (1)، بناء على حمله على العصير الحصرمي و إلّا فلا بدّ من طرحه.
و لكن الانصاف عدم تمامية مثل هذه الوجوه لرفع اليد عن الإطلاقات، خصوصا الأخير، لدوران الأمر بين طرح سنده أو إطلاقه، لو لا دعوى كون الحصرم قدرا متيقنا، بملاحظة صدره المخصوص بالحصرم، فيكفي نصا في الجواز في الحصرم، بلا إطلاق فيه موجب لطرحه.
و أضعف من هذا الوجه ما ورد في كيفية طبخ الزبيبي حتى يشرب حلالا (2)، و في كيفية طبخ العصير التمري (3)كذلك إذ الأول ضعيف سندا، مضافا إلى إعراض المشهور عنه، و هكذا الأخير، مضافا إلى ما ورد في التمري بتقييد الحرمة بالاسكار (4)، و مع الغض عن جميع ذلك فغاية ما يثبت في الثلاثة المعروفة أيضا الحرمة، و أما النجاسة فلا تكاد تتم، حتى في العنبي كما عرفت، فضلا عن غيره، و اللّٰه العالم.
ثم انّ ظاهر جعل العصير في الرواية قبال الحصرم الواقع في الطعام (1)، يوهم مغايرة العصير مع ما في الحصرم من المياه، غاية الأمر جعله بمنزلته في الحليّة و ذلك لا يقتضي التنزيل حتى في مورد الحرمة بالغليان كالعنبي.
و حينئذ فلا وجه للتعدّي عن حكم العصير إلى ما في حبّ العنب من المياه بعد الغليان، لو لا دعوى العرف إلغاء خصوصية العصيرية فيتعدّى إلى مطلق الخارج من الحب، أو نفس ما فيه و إن لم يخرج في فرض صدق الماء على المجتمع فيه و لو بالغليان.
اللهم إلّا أن يمنع صيرورة الغليان موجبا لصدق ماء العنب عليه، بل الأجزاء المائية بعد باقية على انتشارها في الأجزاء العنبية، على وجه تخرج عن صدق كونها ماء، فلا يكاد ذلك إلّا بعصره أو بخروجه من جهة أخرى. و لئن سلّم ذلك في العنب فلا نسلّم مثله في الزبيب، إذ الغالي فيه هي المياه المجذوبة من الخارج لا ماء نفسه، و لو كان لكان مضمحلا مع المياه المجذوبة الخارجية، نعم لو بنى على حرمة عصيرة الناشئ عن الخلط بالمياه الخارجة، لأمكن التعدّي منه إلى ما في الحبّ أيضا، و لكن الإشكال في حرمة عصيرة أيضا، و اللّٰه العالم.
المعروف، و على حرمته و نجاسته رواية أبي جميلة: «أنّه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله» (2)، و ضعف سندها منجبر بالعمل، كما لا يخفى.
ثم انّ في بعض النصوص الأمر بغسل الثوب عن عرق الجلّال (1)، و الأصحاب ملتزمون بمضمونها في الإبل و لم يتعدّوا إلى غيره، مع كون الرواية مطلقة، و ذلك ربّما يوهن أمر الرواية سندا أيضا، لو لا دعوى كون فهمهم الإبل قرينة التخصيص و طرح الدلالة، فتأمل.
و أيضا ورد في الحديد نص بالنجاسة (2)، و لكنه مطروح إجماعا و سيرة، كما أن ما ورد في ولد الزنا من كونه شرا و لا يطهر إلى سبعة آباء، و جعله في عداد اليهود و النصارى في كراهة سؤرهم أيضا (3)لا يصلح حجة في قبال ما ورد في إسلام المقر بالشهادتين (4). نعم لو كان صغيرا ففي إلحاقه بأشرف الأبوين في المقام وجه، لشمول الإطلاق له، و اختصاص نفي الإلحاق بباب الإرث، و لذا لا يتعدّى إلى باب المناكحة جزما، و اللّٰه العالم.
و يجب إزالتها عن الثوب و البدن، و كذا ازالة ملاقيها المتنجس، مقدمة للصلاة مطلقا، بلا اشكال نصا و فتوى. و يكفي من النص «النهي عن الصلاة في الرجس» (5)، بضميمة ما دل على غسل الثوب مما
1) وسائل الشيعة 2: 1021 باب 15 من أبواب النجاسات حديث 1.
2) وسائل الشيعة 2: 1102 باب 38 من أبواب النجاسات حديث 6.
3) وسائل الشيعة 1: 158 باب 11 من أبواب الماء المضاف و 165 باب 3 من أبواب الأسئار.
4) راجع الوافي باب 1 من أبواب تفسير الايمان و الكفر من الفصل الثاني من كتاب الايمان و الكفر.
5) وسائل الشيعة 2: 1017 باب 13 من أبواب النجاسات حديث 1.
أصابه من المتنجسات، كما تقدّم في بعض نصوص ماء البئر (1).
نعم يعتبر صدق «الصلاة فيه» الذي وقع مورد النهي في لسان الأخبار (2)، و الظاهر اعتبار نحو تلبس به و لو بوضعه في المحل المعد له، كتقليد السيف و لبس الخاتم، أما شموله لمطلق المحمول ففيه اشكال، و الأصل هي البراءة.
و توهم شمول «الصلاة في عذرة ما لا يؤكل»، أو قوله في نص آخر:
«كلما كان على الإنسان أو معه فلا بأس أن يصلّى فيه» (3)لمثل المحمول، منظور فيه، إذ ظهور «الصلاة فيه» المنصرف عن المحمول، حاكم على كفاية مجرد المعيّة، كما هو ظاهر.
و يلحق بالصلاة الطواف ندبا أو فريضة، لعموم «الطواف بالبيت صلاة» (4).
و ظاهر النواهي كون الطهارة شرطا، أو النجاسة مانعا واقعيا، من دون شمول «لا تعاد» (5)لصورة نسيانها، فضلا عن صورة الجهل بها، لاحتمال «الطهور» في ذيله عمومه للطهارة الخبثية، فيصير مجملا باتصاله بالكلام، لو لا دعوى أن الطهارة غير الطهور، و هو منصرف عن المطهرات الخبثية، كما أن «لا صلاة إلّا بطهور» (6)أيضا منصرف عن مثلها.
1) وسائل الشيعة 2: 125 باب 14 من أبواب الماء المطلق.
2) وسائل الشيعة 2: 1028- 1069 باب 22 و 30 و من 40 إلى 47 من أبواب النجاسات.
3) وسائل الشيعة 2: 1046 باب 31 من أبواب النجاسات حديث 5.
4) سنن البيهقي 5: 87.
5) وسائل الشيعة 1: 260 باب 3 من أبواب الوضوء حديث 8.
6) وسائل الشيعة 1: 256 باب 1 من أبواب الوضوء حديث 1 و 6.
و عليه فيكفي في تخصيصه ما ورد من النصوص الخاصة على بطلان الصلاة بنسيان التطهير (1)، و في قبالها أيضا أخبار أخر مصرّحة بنفي الإعادة مطلقا (2)، أو مفصلة بين الوقت و خارجه، كما في المكاتبة (3).
و لا يخفى وجه الجمع بالحمل على مراتب استحباب الإعادة تحصيلا للمزية الفائتة، و اليه أيضا ذهب الشيخ في بعض تصنيفاته (4)، و سيجيء من المصنف التفصيل بين الوقت و خارجه، لكن الأصحاب أعرضوا عن هذه الأخبار و أخذوا بنصوص البطلان مطلقا، و مثله موجب للوهن في سند الأخبار المعارضة أو في جهتها.
نعم قد وردت جملة من النصوص المعمول بها على معذورية الجهل بالنجاسة (5)على وجه لم يعلم به إلّا بعد العمل، و يكفيك مضمرة زرارة المعروفة في باب الاستصحاب (6)، مضافا إلى صحاح أخر، و في جملة منها: التفصيل بين قبل النظر و الفحص، و بعده (7).
و ظاهر المشهور: مصيرهم إلى إطلاق المعذورية، خلافا لصاحب الجواهر العامل بالتفصيل المزبور (8)، و هو صحيح لو لا وهنه بإعراض الأصحاب عنه.
كما أن ظهور «نفي البأس» حتى في فضلات غير المأكول- كما هو
1) وسائل الشيعة 2: 1059 باب 40 من أبواب النجاسات حديث 3 و 7.
2) وسائل الشيعة 2: 1063 باب 42 من أبواب النجاسات حديث 3.
3) وسائل الشيعة 2: 1063 باب 42 من أبواب النجاسات حديث 1.
4) المبسوط 1: 90.
5) وسائل الشيعة 2: 1059 باب 40 من أبواب النجاسات.
6) وسائل الشيعة 2: 1053 باب 37 من أبواب النجاسات حديث 2.
7) وسائل الشيعة 2: 1061 باب 41 من أبواب النجاسات.
8) جواهر الكلام 6: 182.
مورده- شمول العذر لجهة «غير مأكوليته» أيضا، فيكون غير المأكولية مثل النجاسة في هذا الحكم، لبعد التفكيك بين الجهتين في مثله، كما لا يخفى.
ثم انّ في المقام بعض أحكام تتعلق بصور كشف الخلاف، و سيجيء الكلام فيها في طي كلمات المصنف إن شاء اللّٰه تعالى.
و على أي حال فالحكم بمانعية النجاسة، أو شرطية الطهارة في بدن المصلّي و ثيابه ثابت في جميع الموارد، عدا مقامات:
منها: ما نقص عن سعة الدرهم البغلي من الدم بلا اشكال، لما في النص من قوله: «إلّا أن يكون بمقدار الدرهم فتغسله» (1)، و في حسنة ابن مسلم: «ما لم يزد عن الدرهم» (2)، و يمكن حمله على الدرهم فما زاد، و إلّا فيحمل مقدار الدرهم على الكراهة.
و هل المدار على اجتماعه فعلا، أو يكفي الاجتماع التقديري؟ وجهان مبنيان على أن «مجتمعا» في قوله «ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم» (3)خبر لكان أو حال لاسمه، فعلى الأول يصير المعنى ما لم يكن الدم مجتمعا فعلا قدر الدرهم فلا يجدي المتفرق، و على الثاني يكون المعنى ما لم يكن الدم حال اجتماعه قدره و إن كان متفرقا فعلا.
و عليه فقد يرجح الأول لمرجوحية الفصل بين الاسم و الخبر بالحال، و لئن أغمض عن ذلك فالكلام يصير مجملا، و المرجع عمومات «مانعية الدم» المرجّح للثاني، لأقلية تخصيصه، كما هو ظاهر.
و ظاهر دليل العفو، هو العفو من حيث نجاسة الدم ذاتا، فلو كانت فيه جهة أخرى، مثل كونه من أجزاء الميتة، فلا يشمله دليل العفو.
ثم لو تعدّى الدم في المقدار المذكور إلى وراء الثوب، فإن صدق عليها انهما دم واحد- كما في الثياب الرقاق- فمعفو أيضا، و أما إن عدّا دمين- كما في الثياب الغلاظ- فيعتبر بلوغ مجموعهما قدر الدرهم، و إلّا فليس بمعفو.
و لو شك في بلوغ الدم المقدار المذكور فالأصل عدم بلوغه.
ثم انّ هذا الحكم جار في غير الدماء الثلاثة عند المصنف و عدة من الأعاظم، خلافا لصاحب الحدائق حيث استشكل في دم الاستحاضة (1)، لأن نص الاستثناء وارد في الحيض (2). و يا ليته استشكل في النفاس أيضا، بعد عدم تمامية قوله «حيض محتبس» (3)و أمثاله في ثبوت الاشتراك حكما.
و عمدة الوجه في التشكيك المزبور: اختصاص نص الاستثناء بالحيض، و التعدّي إلى غيره يحتاج إلى دليل متقن، و مجرد غلظتهما (4)في النجاسة على فرض التسليم لا يقتضي انصراف دليل العفو عنهما.
و من هنا يستشكل أيضا في استثناء دم نجس العين لو لا انطباق عنوان «تنجسه بالملاقاة»، بناء على قابلية النجاسة للاشتداد. و أما انطباق عنوان «كونه مما لا يؤكل» فهو غير مجد، بعد كون دم الإنسان
المبتلى به أيضا منه. نعم لا يبعد مانعية كونه من أجزاء نجس العين زائدا عن كونه دما، فلا يعفى عنه من تلك الجهة.
و من المقامات التي عفي عنه ما أفاده المصنف بقوله: من دم القروح و الجروح مع السيلان و مشقة الإزالة، و وجهه اشتمال بعض النصوص على قيد «السيلان» (1)، و في آخر: «لا يزال يدمى» (2)، و في بعض آخر قيد: «عدم استطاعة ربطها و لا حبس دمها» (3)، بعد تقييد إطلاق كل واحد من جهة بالمقيد من تلك الجهة.
و بهما أيضا ترفع اليد عن إطلاق خبر ليث من قوله: الرجل يكون به الدماميل و القروح، فجلده و بنانه مملوءة دما و قيحا، و ثيابه بمنزلة جلده، فقال: «يصلّي في ثيابه، و لا شيء عليه» (4)إذ ظاهره كفاية وجود القرح في نفي البأس عنه مطلقا.
و يمكن في المقام جمع آخر، بالأخذ بإطلاق هذه الرواية، و رفع اليد عن القيدين بالحمل على رجحان الاجتناب، خصوصا مع ما في ذيل نص «الاستطاعة» بالغسل في كل يوم مرة، إذ لم يلتزم به المشهور، فحمله على الرجحان مؤيد الجمع الأخير، كما لا يخفى.
و يؤيده أيضا استبعاد تنزيل الإطلاق على تعسّر تبديل الثياب، لكونه نادرا، نعم يشكل ذلك حيث قال: «و لست أغسل ثوبي» (5)فلا محيص
عن أن يكون ترك الغسل لجهة راجحة مزاحمة، كما لا يخفى.
و عليك بالتأمل في ترجيح أحد الجمعين على الآخر، و اللّٰه العالم.
ثم انّ في بعض النصوص: سألته عن الدمّل يكون بالرجل فينفجر و هو في الصلاة؟ قال: «يمسحه و يمسح يده بالحائط أو بالأرض» (1). و ظاهره العفو عن الدم مطلقا و لو لم يكن المحل الواصل إليه متعديا، بل و لازمة العفو عن تنجس المحل و لو بعد زوال العين، و أما الأمر بإزالته فلعله لمحض رجحان تنظيف يده، لا لدخله في صلاته.
و في شمول النصوص للقروح الباطنية الخارج دمها من الباطن كالبواسير اشكال، لانصراف الأدلة إلى المتعارف من الظاهرية.
و في احتساب دم العذرة من الظاهر أشكل، و الاحتياط لا يترك.
و أيضا عفي عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه منفردا، كالتكة و الجورب و القلنسوة و أمثالها، من جهة صغرها، لا من جهة أخرى، لانصراف الدليل إلى الجهة المزبورة.
و الأصل في ذلك ما في النص المشتمل على الثلاثة المذكورة (2)، و على غيرها في غيره (3)، و عنوان «ما لا تتم فيه الصلاة» في ثالث (4)، و «ما لا تجوز» في رابع (5)، و هذه الروايات بأجمعها منصرفة إلى عدم التمامية من جهة الصغر كما فهمه الأصحاب أيضا.
و أيضا ظاهر «ما لا تتم» انصرافه إلى ما كان من شأنه أن تتم، فلا يشمل مثل السيف و الخاتم، كما أنّ المنصرف من نفي البأس من حيث نجاسته، لأنه منصرف الى ما ارتكز في ذهن السائل، فلا يشمل جهة أخرى، من كونه مما لا يؤكل أو من الميتة. كما أن الظاهر عدم تمامية الصلاة فيه لذاته، لا من جهة عارضة مثل اللف و نحوه كما في العمامة على وجه لا يتم فيها فعلا، كما لا يخفى.
و يكفي للمرأة المربية للصبي- إذا لم يكن لها إلّا ثوب واحد- غسل ثوبها في اليوم و الليل مرة واحدة، و الأصل في ذلك ما في رواية أبي حفص: عن امرأة ليس لها إلّا قميص واحد، و لها مولود، فيبول عليها كيف تصنع؟ قال: «تغسل القميص في كل يوم مرة» (1)، و ظاهر اللام كفاية مطلق اختصاص القميص بها و لو لمناسبة الحكم مع موضوعه في المقام، كما أنّ الولد لا يلزم أن يكون مولودها، بل يكفي كونه تحت تربيتها.
و الظاهر انحصار ثوبها فعلا، و إن كانت تتمكن من عارية ثوب آخر بلا مشقة، كما أنّ الظاهر صورة عدم احتياجها إلى أزيد من ثوب واحد، و إلّا فيتعدى الحكم إلى الأزيد بمقدار حاجتها.
و في شمول الرواية للصبيّة إشكال، كما أن شموله للمتعدد أشكل، و ظاهره اختصاص الحكم بالبول و بالثوب، و في إلحاق غيرهما اشكال.
و أيضا إطلاقها يقتضي الاكتفاء بالغسل في اليوم و الليل مرة قبل عبادتها أي وقت كان، و ظاهره شمول الحكم لغير الصلاة اليومية أيضا، إذ
1) وسائل الشيعة 2: 1004 باب 4 من أبواب النجاسات حديث 1.
ظاهرها بيان وظيفتها في تحصيل طهارتها بالنسبة إلى أعمالها المنوطة بالطهارة، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و تجب إزالة النجاسة مع علم موضعها، كما عرفت وجهه بلا اشكال فيه. و لو جهل مع العلم به إجمالا غسل جميع الثوب، إذا كان كل نقطة منه طرفا للشبهة. و لو اشتبه الثوب النجس بغيره مع الانحصار فيهما صلّى في كل واحد منهما مرة مقدمة لتحصيل الفراغ، و لو لم يتمكن من غسل الثوب صلّى عريانا إذا لم يجد غيره على الأشهر، بل المشهور، لموثقة سماعة المشتملة على قوله:
«يتيمم و يصلّي عريانا» (1)في فرض عدم تمكنه من ثوب آخر، لظاهر صدره.
و في قبالها خبر علي بن جعفر من قوله: «و إن لم يجد ماء صلّى فيه و لم يصل عريانا» (2)، و ظاهر ذيله تمكنه من الصلاة عريانا، فتأبى مثل هذه الرواية عن الحمل على صورة الاضطرار إلى الثوب لبرد أو غيره.
و عليه فلا يجمع بين الروايتين بحمل الاولى على صورة الاختيار دون الثانية، بشهادة رواية الحلبي المشتملة على قوله: «يصلّي فيه إذا اضطر إليه» (3).
كما أنه لا مجال للجمع بينهما برفع اليد عن ظهور الأمر في كلتيهما في التعيين، إذ لا يتناسب مع النهي عن الصلاة عاريا، اللهم إلّا أن يحمل النهي على دفع توهم الإيجاب، حفظا للصلاة عن وقوعها في النجس،
و حينئذ فلا يستفاد من الرواية إلّا مجرد الأمر التعييني بالصلاة فيه، فيجمع بينهما برفع اليد عن تعيين كل واحد منهما.
و مع الغض عما ذكرنا فلا محيص عن انتهاء الأمر إلى أخبار العلاج، و مقتضاه في مثل المقام التخيير في الأخذ بأي واحد منهما، لا الترجيح.
و ذلك أيضا لو لا دعوى و هن الأخيرة بمصير الشهرة إلى الخلاف، فيتعين المصير إلى مذهب المصنف وفاقا للمشهور.
ثم ظاهر الرواية الأولى وجوب كون الصلاة جالسا و موميا، و هو خلاف ظاهر إطلاق المصنف، و لعله من جهة التشبث بمطلقات الإيماء (1)الواردة في من لم يتمكن من الثوب أصلا، بناء على إجرائها في المقام، في ظرف ثبوت أهمية مانعية النجاسة عن الستر.
و لكن لا يخفى أنّ في قبالها- في تلك المسألة مضافا إلى ما ورد في المقام- مطلقات القعود إيماء (2)، أو التفصيل بين وجود الناظر فيومئ جالسا، و عدمه فيومئ قائما (3).
و في قبال الجميع ما تجوز الصلاة عاريا مختارا في الحفيرة (4)، و به أفتى جماعة، و هي كافية لتوثيق سنده. و حينئذ تخصص مطلقات الإيماء من الطرفين، و مطلقات القعود باختصاصها بغير صورة الحفيرة، كما لا يخفى.
و ربما تجيء الإشارة إلى هذه المسألة أيضا في كتاب الصلاة، و يمكن حمل عبارة المصنف في المقام على مقام الإهمال من تلك
الجهة، و اللّٰه العالم.
و لو خاف البرد إلى آخر الوقت مع عدم تمكنه من مكان آخر صلّى فيه و لا إعادة، أما الصلاة في النجس مع خوف البرد فلقاعدة الاضطرار، الصالحة لرفع مانعية النجاسة، بقرينة تطبيق الامام إياه على الأجزاء و الشرائط المضطر إليها (1)، و عموم ما علمت، بضميمة تطبيق الامام إياه على المسلوس (2)، مضافا الى استفادة القاعدة الكلية من سقوط ما اضطر إلى تركه، من قوله: «تعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّٰه امسح على المرارة» (3)، و «قاعدة الميسور» الجارية في الشرائط أيضا.
هذا مضافا إلى صحيحة الحلبي المقيّد فيها الصلاة عاريا بعدم الاضطرار (4)، ثم في اقتضائه الأجزاء عن القضاء كلام سيأتي في بحث الصلاة في الحرير إن شاء اللّٰه.
و لو صلّى في النجس مع العلم أعاد في الوقت و خارجه، بلا اشكال نصا (5)و فتوى.
و لو نسي حالة الصلاة من حين شروعه إلى ختمها أعاد لو التفت في الوقت لا خارجه. لمكاتبة ابن مهزيار المشتملة على «اعادة ما صلّى مع نجاسة كفه نسيانا، تلك الصلوات التي بقي وقتهن، و أما ما فات وقتها فلا اعادة» (6)، و لو لا اعراض المشهور عنها لكانت شاهدة جمع
1) وسائل الشيعة 2: 1067 باب 45 من أبواب النجاسات حديث 7.
2) وسائل الشيعة 1: 210 باب 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2.
3) وسائل الشيعة 1: 327 باب 39 من أبواب الوضوء حديث 5.
4) وسائل الشيعة 2: 1067 باب 45 من أبواب النجاسات حديث 7.
5) وسائل الشيعة 2: 1065 باب 43 من أبواب النجاسات.
6) وسائل الشيعة 2: 1063 باب 42 من أبواب النجاسات حديث 1.
بين المطلقات، الآمرة بالإعادة (1)، و الآمرة بعدمها (2).
و لكن تقدّم منا جمع آخر، من الحمل على مراتب الاستحباب، لتحصيل المزية الفائتة، و يؤيده عدم قابلية تقييد رواية علي بن جعفر، المصرّحة بالقضاء عند تذكرة في الغد (3).
و لكن اعراض المشهور عن الأخيرين موهن لسندهما، فيتعين المصير إلى ما عليه المشهور، من القضاء في الوقت و خارجه، و إليه ذهب أستاذنا العلّامة أيضا في تكملته، فراجع.
و لو لم يتقدّم العلم حتى فرغ فلا اعادة مطلقا، كما هو ظاهر المصنف، و قد أشرنا إلى وجهه في طي مسألة وجوب إزالة النجاسة، فراجع.
نعم بقي الكلام في صورة انكشاف النجاسة في أثناء الصلاة، فإن كان دخوله عن نسيان، فمقتضى إطلاق مانعية النجاسة واقعا- لو لا عموم «لا تعاد» لمثل الطهارة الخبثية، كما هو المتراءى من ظاهر الأصحاب، إذ لم يكن لتطبيقه على المقام في كلماتهم أثر أصلا- هو البطلان، الموجب للزوم الاستئناف، بل في بعض الأخبار التصريح بالإعادة في خصوص المورد (4).
نعم ربما توهم صحيحة علي بن جعفر (5)جواز المضي مع الدخول نسيانا، و لكنه موهون بمصير المشهور إلى خلافها، مضافا إلى أصرحية تلك
الأخبار من هذه الصحيحة. و ليس المقام أيضا مقام الحمل على استحباب الإعادة كالمسألة السابقة، لما سيأتي وجهه في المسألة الآتية.
و إن كان دخوله عن جهل بالموضوع، ففيه طوائف من الأخبار، فبين ما دل على لزوم الاستئناف مطلقا (1)، و ما دل على المضي و الإتمام مطلقا (2)، و في بعض النصوص: طرح الثوب النجس إن كان معه ثوب آخر و إتمام الصلاة، و إن لم يكن غيره فليمض في صلاته و لا اعادة عليه، ما لم يزد على مقدار الدرهم (3).
و في نسخة اخرى عن الشيخ: «و ما لم يزد» (4)بزيادة كلمة واو، و عليه فالرواية دالة على عدم الإعادة في صورة عدم إمكان طرح الثوب، بل و ظاهره تقديم الستر على مانعية النجاسة في المقام، على خلاف ما دل على الصلاة عاريا (5).
و حينئذ فربما يوهن ما في النسخة الثانية بالأخبار السابقة الجارية في المقام بفحواها، و لا أقل من اختلال المتن، فلا يستفاد من الرواية إلّا وجوب طرح الثوب و الإتمام مع التمكن منه، و في غير صورة التمكن فالرواية ساقطة عن الحجية، و تكون بحكم المجمل.
و عليه فربما يتوافق صدر الرواية مع أخبار المضي، غاية الأمر بزيادة طرح الثوب مع التمكن الملحق به غسله بلا فعل كثير جزما. و بمثل ذلك
1) وسائل الشيعة 2: 1059 و 1062 و 1065 باب 40 و 41 من أبواب النجاسات حديث 2 و أيضا باب 44 حديث 1.
2) وسائل الشيعة 2: 1065 باب 44 من أبواب النجاسات حديث 2 و 3.
3) وسائل الشيعة 2: 1027 باب 20 من أبواب النجاسات حديث 6.
4) التهذيب 1: 254 حديث 736.
5) وسائل الشيعة 2: 1068 باب 46 من أبواب النجاسات حديث 1 و 3.
تقيّد مطلقات الاستئناف، كما أنه تقيّد أيضا مطلقات المضي بوجوب طرح الثوب مع تمكنه من غيره، بل هو مقتضى مانعية النجاسة مهما أمكن.
و مثل هذه تصلح شاهدة جمع بين طائفتي المضي و الاستئناف، بحمل ما دل على المضي على مضيه بشرط طرح الثوب مع التمكن، و ما دل على الاستئناف على استئنافها مع عدم طرح الثوب حتى و لو لم يتمكن من ذلك، على إجمال ذيل الرواية من تلك الجهة.
و لئن أغمض عن مثل هذا الجمع المستند إلى هذه الرواية، فلا شبهة في أن بين مطلقات المضي و الاستئناف تباينا، لصراحة كل طائفة بالنسبة إلى الأخرى من جهة، لأنّ الأمر بالمضي يقتضي حرمة القطع، و دليل الاستئناف أصرح منها من تلك الجهة، كما أنها من جهة دلالتها على عدم وجوب الإعادة أصرح من الآخر.
و بهذه النكتة قلنا بأنه لا يكون المقام مقام الجمع بين الطائفتين، بحمل الأمر في أحدهما على الاستحباب، كما صنعناه في غير المورد، فلا جرم ينتهي الأمر إلى الترجيح، و هو مع أخبار الاستئناف، لمعاضدتها لعمومات مانعية النجاسة في الصلاة واقعا، و بعد ذلك تخصص أيضا أخبار الاستئناف برواية طرح الثوب مع التمكن من التبديل أو الغسل بلا محذور، فتكون النتيجة على وفق ما ذكرناه آنفا بالتقريب السابق، و هذا أيضا مذهب المشهور المنصور، و اللّٰه العالم.
و تطهّر الشمس ما تجفّفه من البول و غيره على الأرض و الأبنية على المشهور، خلافا للمحكي عن البهائي. و لكن في الجامع العباسي التصريح بالمطهرية (1).
1) الجامع العباسي: 26.
و الأصل في ذلك ما في الصحيح عن البول يكون على السطح أو في مكان يصلّى فيه، فقال: «إذا جففته الشمس فصلّ عليه فهو طاهر» (1)، و على وفق مضمونه أخبار أخر (2).
و في قبالها نص آخر مشتمل ذيله أيضا على قوله: «كيف تطهّر من غير ماء» (3)؟ و هو مستند النافين، و حمله على بيان أعلى مراتب التطهير وجيه.
و في بعض النصوص الدالة على مطهرية الشمس: لفظ «القذر» (4)، و حينئذ فلا وجه لتخصيص الحكم المذكور بالبول.
نعم في تخصيصه بالأبنية و الأرض وجه، و ربما يتعدّى إلى كل ما هو محسوب من توابعها من الأخشاب و الأبوال و أمثالها، بل و يمكن التعدّي إلى كل موضع يصلح للصلاة فيه و لو كان خشبا من سرير و أمثاله، لعموم قوله: في مكان يصلّى فيه في الصحيحة (5).
و حينئذ فلا قصور في شمول الرواية لمثل المراكب و الفلك و السفن، لصدق المكان المزبور عليها، بل و لا قصور في شمول «السطح» في الخبر- كالأبنية في كلماتهم- لمثل الأكواخ العربية على اشكال، و محل المساجد المنصوبة في الأعتاب المقدّسة المعمولة من الخشب.
و في التعدّي عنها إلى غيرها حتى في الحصر و البواري نظر، من عدم شمول الأخبار السابقة، فالمرجع أصالة عدم التطهير، و من النص الموهم دلالته على التطهير، حيث اشتمل على جواز الصلاة على البواري
إذا جففت من البول بلا غسل (1). و إطلاقه يقتضي مطهّرية التجفيف بلا شمس أيضا، و لم يلتزموا به.
و تقييد إطلاقه بصورة تجفيف الشمس ليس بأولى من تقييد الصلاة عليها بغير السجدة، و بعد ذلك يسقط الخبر عن الدلالة على المدّعى، كما لا يخفى.
ثم انّ الظاهر كون التجفيف باشراقها بلا دخل شيء آخر فيه، و في كفاية الإشراق بتوسيط الأجسام الصقيلة نظر، كما انّ تطهير الباطن بالإشراق على الظاهر نظر، إلّا مع صدق تجفيف الباطن أيضا بالإشراق المزبور، نعم لو تجفف طرف الجدار بمجاورته للطرف الآخر المشرقة عليها الشمس، ففي تطهيره بذلك اشكال، من جهة انصراف التجفيف بالشمس عن مثل ذلك، و لا يقاس ذلك بالباطن، فإنه محسوب من توابع الظاهر، لا كونه أجنبيا عنه، بخلاف المقام.
و تطهّر الأرض باطن الخف بلا اشكال نصا (2)و فتوى في الجملة، و الأصل في ذلك ما في الأخبار المستفيضة، المشتملة بعضها على: أن رجلا وطأ عذرة فساخت رجله فيها، أ ينقض ذلك وضوءه؟ و هل عليه غسلها؟ فقال: «لا يغسلها إلّا أن يقذرها، و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلّي» (3).
و في آخر التعبير بالوطء، بدل المسح (4).
و في ثالث: تطهير الخف بها (1).
و المدار على صدق الأرض، فالمنقولات الخارجة عن صدق عنوان الأرض عليها- و لو مع اتصالها بها- غير مجزية.
و لا يختص الحكم المذكور بالنعل، للإطلاق، و لاشتمال بعض الروايات على «أمر عليه حافيا» (2).
كما أن المستفاد- من ملازمة وقوع الرجل في العذرة لتلوث بعض أطرافها أيضا- عدم تخصيص الحكم بالباطن محضا، بل يشمل أطرافها القريبة منه أيضا.
و في التعدّي إلى كعب الرمح أو خشبة الأقطع، بل إلى اليد إذا كان يمشي عليها، اشكال، نظير الإشكال في كعب القبقاب المصنوع من الخشب.
و ظاهر الوطء: كفاية مسمّى الوضع، بلا احتياج إلى المسح، و أن التعبير به في الروايات كان لأجل إذهاب العين و الأثر به بالمقدار المتعارف ذهابه، لا مثل ذهابه بالماء جزما.
و تقييد المكان بالنظيف يقتضي اعتبار طهارة الأرض في التطهير بها، بل هو المغروس في الأذهان، فلا مجال للتمسك بإطلاق سائر الروايات، حتى و لو فرضنا عدم فهم وحدة المطلوب، و لم نقل بمفهوم الوصف، و إلّا فعلى فرض إحراز وحدة المطلوب، أو استفادة المفهوم من القيد، فالأمر أوضح.
ثم انّ ظاهر اقتصار الأصحاب على عنوان الأرض هنا: عدم تعديهم
إلى ما لا يسمّى أرضا، و إن كان يعد من توابعها، مثل الأشجار و النباتات المتصلة بها لا المنفصلة المنقولة الخارجة عن التبعية.
هذا و لكن يظهر منهم في باب التطهير بالشمس، التعدّي إلى كل ما يعد من توابع الأرض من الأشجار المتصلة بها و غيرها، مع أنّ لسان الدليل في البابين واحد، و هو عنوان «الأرض» أو «المكان»، فما وجه التفرقة في المقامين؟
قلت: يمكن دعوى انّ المستفاد من السطح أو المكان الذي يصلّى فيه هناك، معنى أعم من عنوان الأرضية أو المكان المطلق، مضافا إلى قيام السيرة على التعدّي هناك دون المقام، فالأرض فيما نحن فيه ما يجوز التيمم به، نظرا لمناسبة هذا المعنى مع المطهرية أيضا.
و لو نجس الإناء وجب غسله، فيغسل من ولوغ الكلب ثلاثا أولاهنّ بالتراب على المشهور، خلافا لصاحب المدارك، المكتفي بغسلة واحدة (1)، و للإسكافي القائل بالسبع (2).
و مستند المشهور النص المشتمل على قوله: «اغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء مرتين» على المحكي عن المعتبر (3)و المنتهى (4).
و في المدارك: نقل الخبر بلا ذكر «مرتين»، و لذا ذهب إلى كفاية المرة، كما أن نظر الإسكافي إلى إهمال الدليل، و احتمال اشتراك الكلب
مع الخنزير فذهب إلى السبع، و نظر المشهور إلى تقوية نقل المعتبر، مؤيدا برواية عامية (1)و بالرضوي (2).
و في الجميع- لو لا جبر العامي بالشهرة- نظر، و هو أيضا محل اشكال، لعدم معلومية استنادهم إليها. و الإطلاقات- خصوصا في المياه العاصمة- تقتضي المصير إلى مذهب صاحب المدارك و إن كان الأصل مع الإسكافي.
و ظاهر الغسل بالتراب هو دلكه به، لا كغسل الميت بماء السدر، لمناسبة دخله في إزالة عين النجاسة الآتية من قبل لعاب فمه.
ثم أنّ مورد الرواية فضل الكلب و لو لم يكن ولوغا، و في التعدّي إلى مطلق ما يصل إليه لعاب فمه اشكال، كالإشكال في مطلق ملاقاة أعضائه للإناء و إن لم يكن لعاب، لعدم الجزم بالمناط، فيقتصر في غير مورد النص على مقتضى القواعد، كما لا يخفى.
و مع تعدد الولوغ هل يتعدد التعفير؟ وجهان مبنيان على اقتضاء النجاسة على النجاسة، اشتدادا أم لا، فمع عدم قابلية النجاسة المتحدة سنخا بحسب الارتكاز للاشتداد ربما يكتفي بالمرة، و ترفع اليد في مثله عن قاعدة عدم تداخل الأسباب، كما هو الشأن في الأحداث.
بل في مورد الاشتداد أيضا لا يقتضي إلّا ما هو من لوازم اشتداده بلا اقتضائه تكرار ما تقتضيه طبيعة النجاسة، فالمتنجس بالدم إذا أصابه بول فلا يقتضي إلّا الغسل مرتين، و هذا المتنجس إذا صار ولوغا للكلب فلا يقتضي إلّا زيادة التعفير، و إذا صار ولوغا للخنزير فلا يقتضي إلّا
السبع: فكل ضعيف- في باب النجاسات- إنما يقتضي بحده حكما خاصا، فإذا ترقى من حدها إلى مرتبة اخرى فلا يقتضي إلّا ما هو من لوازم تلك المرتبة.
كل ذلك من جهة الانغراس في الأذهان، بأنّ كل نجاسة تقتضي نحوا من التطهير الذي هو من لوازم حدها، فمع الانتقال إلى حد آخر ينتقل تطهيرها إلى نحو آخر، و هكذا.
و يغسل من الخنزير سبعا على المشهور بلا تعفير، و يدل عليه النص الصحيح (1)، و به تقيّد المطلقات، حتى في الغسل بالمياه العاصمة، فضلا عن غيرها، و إطلاقه ينفي التعفير أيضا فيقتصر على سبع غسلات.
و من الخمر و الفأرة ثلاثا و السبع أفضل، بلا تعفير أيضا.
و الحكم في الخمر واضح، للنص (2)المصرّح بالثلاثة، الصالح لرفع اليد به عن نص السبع (3)بالحمل على الفضيلة.
و في الفأرة لا يخلو إطلاق الثلاث عن اشكال، بل غاية ما في الباب الخبر الوارد في الإناء يغسل ثلاثا عن مطلق النجاسات (4)، مضافا إلى اختصاصه بالمياه القليلة، فتبقى المياه العاصمة على إطلاقاتها.
نعم في خصوص الجرذ ورد النص بالسبع (5)، فيؤخذ به فيها حتى في العاصمة، و لا يتعدّى إلى مطلق الفأرة، كما لا يخفى.
و من هنا أيضا ظهر ما في كلام المصنف من قوله: و من غير ذلك مرة و الثلاث أفضل، إذ قد عرفت أن رواية الثلاث في الآنية واردة في مطلق النجاسة، و لا قصور فيها. غاية الأمر اختصاص ذلك بالمياه القليلة، أما العاصمة فمقتضى الإطلاقات الاكتفاء بالمرة، من غير فرق بين الفأرة و غيرها، عدا ما استثني.
ثم لو تنجس الإناء بالبول، فمقتضى إطلاق خبر الثلاث الاكتفاء به، لعدم احتمال الأزيد منه حينئذ و لو للإطلاق المزبور.
و أما بالنسبة إلى الماء الجاري فإطلاق قوله: «فإن كان جاريا فمرة» (1)، الاجتزاء بالمرة.
و أما في غير الجاري، فبعد الجزم بأنّ الإناء ليس أضعف من غيره، فلا يبقى مجال للأخذ بمطلقات التطهير فيها و الاكتفاء بالمرة، بل لا بد من الأخذ بفحوى المرتين في الإناء أيضا و إن كان مورده غير الإناء.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ مقتضى الفحوى المذكورة هو عدم أضعفية الإناء من غيره، و أما كونه مساويا له فلا، فمن المحتمل اجراء حكم القليل عليه، فتستصحب النجاسة حتى تكتمل ثلاث غسلات.
و حينئذ فيشكل الاكتفاء بالمرة في الجاري أيضا، بل الاستصحاب يقتضي اعتبار الثلاث في الإناء من البول حتى في الجاري، فضلا عن غيره، و اللّٰه العالم.
هذا كله حكم الإناء، و أما غيره، فإن كان من بول، فبعد الجزم بإلغاء الخصوصية عن الثياب التي هي مورد النص (2)، فإن كان في الجاري
فمرة، و إلّا فإن كان في القليل فمرتين، لرواية المركن (1).
و أما في غيرهما فمقتضى الإطلاقات الاكتفاء بالمرة الواحدة حتى في الكر، فضلا عن المطر أو غيره من المياه ذوات المادة، لو لا دعوى المفهوم في قوله: «و إن كان في الجاري فمرة» (2)، و لو من جهة احتمال كون الحصر المستفاد من التعليق إضافيا، بالقياس إلى ما في المركن من الماء القليل، و لا أقل من كونه من موارد اتصال الكلام بما يصلح للقرينية، فتبقى المطلقات في البقية على حالها، و إلّا فالمفهوم موجب لتخصيص المطلقات لأظهريته، أو لا أقل من التعارض بالعموم من وجه، و يتساقطان فيرجع إلى استصحاب بقاء النجاسة، المستلزم للزوم المرتين في غير الجاري.
و لا مجال هنا للتمسك بحديث الرفع، لأنه من الشك في المحقق على المختار، لعدم صلاحية الشك في الفراغ للترخيص إلّا بلسان إثبات الفراغ، و لو جعلا ظاهريا، كما لا يخفى.
نعم لا بأس بجريانه على مشرب العلّامة الأستاذ، من كون شأن الحديث تعيين الواجب في الأقل (3)، و لنا في مختاره كلام ليس هنا محل ذكره.
و إن كان المتنجّس من غير البول، فمقتضى الإطلاقات- في المياه العاصمة، و هكذا في المياه القليلة، الوارد فيها إطلاق الأمر بالغسل في الموارد المختلفة، على وجه يساعد العرف على إلغاء الخصوصية- الاكتفاء
بالمرة، و بهذا اللسان نلتزم في جميع المتنجسات، حتى من الولوغ، الملاقية لأجسام أخر.
نعم على فرض عدم تمامية الكلية المزبورة في المياه القليلة، فلا محيص عن المصير إلى مقتضى الأصل، فمع احتمال اقتضاء كل متنجس حكم نجسة فلا بدّ أن يجري عدده فيه، ما لم يقطع بعدم جريان حكمه، كما في التعفير، و لكن الانصاف تمامية الإطلاقات و قوة المسلك، و اللّٰه العالم.
ثم في اعتبار العصر و الإفراغ في الغسل بالمياه القليلة كلام آخر، و قد تقدّم شطر منه في بحث الغسالة فراجع.
و يحرم استعمال أواني الذهب و الفضة في الأكل و غيره على المشهور، و الأصل فيه ما روي عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله «انه نهى عن استعمال أواني الذهب و الفضة» (1)مؤيدا بما اشتمل على النهي عن الآنية المصنوعة منهما (2)، و ظاهر الأخير و إطلاق الأول حرمة مطلق استعماله.
و توهم انصراف الاستعمال في كل آنية إلى ما أعدت له، غير معهود في كلماتهم، بل غاية ما قيل- في قبال المشهور- هو حمرة خصوص الأكل و الشرب في كل آنية، و لا وجه له بعد الإطلاقات المزبورة.
و في شمول المطلقات لاتخاذها زينة أو ذخيرة إشكال، لعدم انتقال الذهن من استعمال الآنية إلى مثلهما، نعم في بعض النصوص ما يومئ بكراهته، لمناسبة التعبير فيه بقوله: «أنهما متاع الذين لا يوقنون» (3)،
و لا بأس به. و عليه أيضا يحمل النهي عن ركوب سرج فيه الفضة، و عن المرآة المتلبسة بالفضة (1)، كما هو ظاهر، لعدم قائل بحرمتهما.
ثم انّ المراد من الاستعمال في المقام معنى أوسع من التصرف في باب الغصب، و مرجعه إلى حرمة العناوين المترتبة على تصرفه و لو لم تكن متحدة مع عنوان التصرف.
و الشاهد عليه النهي عن الأكل منه و الشرب منه (2)، و معلوم انّ ذلك- خصوصا الأكل- لا يعد تصرفا في الإناء، فبهذا المقياس ربما يحرم الوضوء منه و لو بإهراق مائه و لو دفعة، و هذا بخلاف باب الغصب، حيث لا يحرم فيه إلّا نفس التصرف، لا العناوين المترتبة على التصرف.
و أيضا فمقتضى مرآتية الاستعمال للعناوين المخصوصة من الأكل و الشرب و أمثالهما: حرمة العناوين المزبورة بذاتها، و لازمة كون النهي المتعلّق بالوضوء من باب النهي في العبادة.
و أيضا فإن الظاهر من حرمة الأكل منه: قيام مفسدة بنفس الأكل، بلا سرايتها إلى المأكول، فيبقى المأكول على اقتضاء الحلية الأصلية.
و حينئذ فلا يقتضي مثل هذا الأكل كفّارة الجمع في نهار شهر رمضان، إذ دليله منصرف إلى فرض حرمة المأكول، لا حرمة نفس الأكل.
ثم المراد من الآنية: ما هو المعهود عرفا، و له مصاديق معلومة. و مع الشبهة- و لو من جهة الشك في صدق المفهوم لا في مصداقه- لا بدّ من الرجوع إلى البراءة، و لا طريق لنا إلى رفع الشك بعد تشتت كلماتهم، خصوصا أهل اللغة المعلوم من شأنهم أنهم في أمثال ذلك يشيرون إلى
مجرد سنخ المعنى، كسعدانة نبت. كما أنّ كلمات العلماء أيضا لمحض استنباطهم شيئا فيشير كل واحد إلى ما استنبطه، المعلوم عدم حجية فهمه لمجتهد آخر، و إن كان حجة لمقلده.
و عليه فيمكن التشكيك في كثير مما جعله في نجاة العباد من الآنية، خصوصا مثل رأس القرشة، و الشطب و قاب الساعة، و أمثالها، و اللّٰه العالم.
و يكره المفضض، للجمع بين النهي عنه في نص (1)، و الترخيص في نص آخر (2)، و إطلاق النهي يشمل جميع أنواع المفضض مما أشار إليها في النجاة.
و في بعض النصوص الأمر بعزل الفم عن موضع الذهب و الفضة في الآنية (3).
و ذهب المشهور إلى الحرمة.
و في التعدّي إلى مشرب الشطب و القرشة كلام و اشكال، نعم لا إشكال في عدم حرمة وضع الفم على مطلق الذهب و الفضة بلا شبهة، و اللّٰه العالم.
و أواني المشركين طاهرة ما لم يعلم مباشرتهم لها برطوبة بلا إشكال، لأصالة الطهارة، و في جريان مناط كراهة سؤر المتهمة وجه، و إن كان لا يخلو عن شبهة و اشكال. و الذي يسهّل الخطب كفاية مجرد احتمال ذلك في رجحانه عقلا.
و هو حسبي و نعم الوكيل، و هو المعين في إتمامه و عليه التكلان.
هذا آخر كتاب الطهارة من شرح نابغة المحققين الأذكياء، و علّامة العلماء الأتقياء، الشيخ ضياء الدين العراقي طاب رمسه الشريف، على تبصرة المتعلمين لعلّامة الدهور، و نابغة العصور جمال الملّة و الدين أبي منصور الحسن بن سديد الدين يوسف بن علي بن مطهّر الحلي قدس سرّه الشريف.
كتاب الصلاة هي ميزان قبول الاعمال، و أهمّ الفرائض بعد الولاية، على ما نطقت به النصوص (1).
و هي من العناوين القصدية المنطبقة على نفس الأفعال على اختلافها، قلة و كثرة، حسب اختلاف حالات المكلفين فتكون بجامعها من التشكيكيات الصادقة على القليل و الكثير، بلا اعتبار حد مخصوص من أجزائها في ماهيتها، كي يلزم في المشتمل على الزائد أن يكون صلاة و غير صلاة.
نعم هي من جهة نيتها- حسب ارتكاز أذهان المتشرعة- تحتاج في وقوع كل فعل منها على صفة الجزئية إلى قصد جزئيتها، كما أنّ وقوع شيء فيها على صفة الزيادة يحتاج الى قصد الزيادة أيضا.
و بهذه الملاحظة لا بأس بحرمتها ذاتا أحيانا عند تعلّق النهي بها، لو لا دعوى انصرافه إلى العمل بنحو صادر عن غيره، فإنه يناسب حرمة الذات المأتي بها بقصد التشريع، لا حرمة تشريعها محضا.
و فيه أي في كتاب الصلاة أبواب:
1) انظر وسائل الشيعة 1: 7 باب 1 من أبواب مقدمة العبادات.
و فيه فصول:
فنقول: وجوب الصلاة إما ذاتي كاليومية، و يدخل فيها صلاة الجمعة و العيدين في زمان الحضور، و صلاة الآيات، و صلاة الطواف، و صلاة الميت في وجه قوي، و إن كان غالب أحكام الصلاة- بسبب انصراف أدلتها عنها، كما أشرنا- غير جار فيها.
أو عرضي، مثل ما تعلّق به النذر، و الاستئجار، و نحوهما.
و أعداد الفرائض في كل يوم و ليلة خمس:
للظهر: أربع ركعات في الحضر، و في السفر ركعتان، و العصر كذلك، و المغرب ثلاث فيهما أي في الحضر و السفر، و العشاء كالظهر، و الصبح ركعتان فيهما.
كل ذلك منصوص عليه في رواية فضيل بن يسار و غيرها (1).
و أهم الفرائض- بمقتضى الكتاب العزيز- الصلاة الوسطى، و اختلف في
1) وسائل الشيعة 3: 31 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض حديث 2.
تعيينها، ففي جملة من النصوص: الظهر (1). و هو المشهور، خلافا للمرتضى، ففسرها بالعصر (2)، لمرسلتين (3)، و في بعض أخبار عامية (4). و ضعف اسنادها، مع اعراض المشهور عنها، مانعة عن حجيتها.
و أما النوافل فلا حصر لها، بل و في النص: «الصلاة خير موضوع، فمن شاء استقل و من شاء استكثر» (5).
و أهم النوافل: اليومية، و هي في غير الجمعة: أربع و ثلاثون، في الحضر ثمان ركعات قبل الظهر، و ثمان بعدها للعصر، و أربع بعد المغرب، و ركعتان من جلوس، بعد العشاء الآخرة، تعدّان ركعة، و ثمان ركعات: صلاة الليل، و ركعتا الشفع، و ركعة الوتر، و ركعتا الفجر قبل صلاة الفجر.
و يشهد لهذا العدد: ما ورد في تحديد اليومية بإحدى و خمسين (6)، و في النص: «جعلت السنة مثلي الفريضة» (7).
و ما ورد بأقل منها- خصوصا في نافلة الظهرين (8)- فمحمول على مراتب الفضيلة.
نعم في بعض النصوص: «انّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله كان لا يصلي بعد
1) وسائل الشيعة 3: 14 باب 5 من أبواب أعداد الفرائض حديث 1- 6.
2) الناصريات: 229.
3) وسائل الشيعة 3: 8 باب 2 من أبواب أعداد الفرائض حديث 7.
4) المجموع 3: 25.
5) وسائل الشيعة 3: 518 باب 42 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.
6) وسائل الشيعة 3: 31 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض حديث 2.
7) وسائل الشيعة 3: 38 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض حديث 22.
8) وسائل الشيعة 3: 42 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض.
العتمة شيئا» (1).
و في النص: «انها بدل الوتر» (2)، و عليه يحمل ترك النبي صلّى اللّٰه عليه و آله لها و إن كان يأمر غيره بها، لجهلهم بفوت الوتر، و لو لجهلهم بالموت. كما يومئ إليه بعض النصوص (3). و لازمة كون المشروع ذاتا: ثلاثا و ثلاثين، فتحمل الأخبار السابقة على ما هو مشروع فعلا، و بذلك يجمع بينها و بين ما دل على تعيين العدد بالخمسين (4)، بإسقاط الوتيرة.
و أما في الجمعة، فقد اختلفوا في زيادة نافلتها على اليومية بأربع ركعات أو بستة، أو عدم زيادتها، و المشهور الأول، للمستفيضة (5).
و مستند الفقيه نصوص ضعيفة (6)، و لو بذهاب المشهور على خلافها، الموجب شدة الوهن فيها.
ثم انّ هنا اشكالا ظاهرا في كون النوافل- غير الوتر، و صلاة الأعرابي- ركعتين بتشهد و تسليم، لما في قرب الاسناد (7)مشتملا على التسليم، و ألحق به التشهد، بحكم الانغراس في أذهان المتشرعة بأنه بعده.
و أما الوتر فمصرّح بكونها ركعة (8).
و أما صلاة الأعرابي ففي المرسلة: ركعتان بتسليمة، و ثمانية أخرى
1) وسائل الشيعة 3: 518 باب 42 من أبواب المواقيت.
2) وسائل الشيعة 3: 31 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض حديث 2.
3) وسائل الشيعة 3: 69 باب 29 من أبواب أعداد الفرائض.
4) وسائل الشيعة 3: 31 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض.
5) وسائل الشيعة 5: 22 باب 11 من أبواب صلاة الجمعة.
6) وسائل الشيعة 5: 22 باب 11 من أبواب صلاة الجمعة.
7) قرب الاسناد: 90.
8) وسائل الشيعة 3: 45 باب 15 من أبواب أعداد الفرائض.
بتسليمتين (1). و في مشروعيتها- لو لا التسامح- نظر، و مجرد الشهرة في النافلة غير صالحة للجبر، لاحتمال جريهم على التسامح.
و ظاهر الأمر في كل نافلة كونها استقلاليا، و لولاه لأشكل إثبات ذلك بالبراءة، للجزم بعدم ترتب العقاب على تركها.
نعم على بعض المشارب (2)في حديث «الرفع»- بأن يكون شأنه رفع الجزئية و تعيين دائرة المأمور به- لا بأس بجريانها في المقام أيضا، و لنا في مثل هذا المعنى نظر.
و الأولى البراءة على تركه من قبل ترك البقية.
ثم في غير الوتيرة لا يعتبر القيام أو الجلوس، نصا و فتوى، و في رواية الصيقل: «إذا صلّى الرجل جالسا و يستطيع القيام فليضعف» (3).
و أما في الوتيرة ففيه خلاف، من تعيين الجلوس، أو أفضليته، أو أفضلية القيام. ففي موثقة سليمان أفضلية القيام (4)، و يؤيده مداومة الصادق عليه السّلام عليه. و لا ينافيه عدم مداومة الكاظم عليه السّلام، لسمنه و بلوغ سنه (5).
و التحديد بالواحدة و الخمسين لا يوجب تعيين الجلوس، كي يعادل بركعة لإمكان كون ركعة منها فقط متمما للنوافل دون الأخرى، و يمكن حملها على أقل عدد تنطبق النوافل عليه.
و أما شرطية القبلة فسيأتي الكلام فيها.
و يجري في النافلة كل حكم ثابت لطبيعة الصلاة، لا مطلقا، كما لا يخفى.
ثم إنّ المشهور مشروعية صلاة الغفيلة، و صلاة الوصية بالكيفية المخصوصة الواردة في المستفيضة (1)، و محلها بين العشاءين.
و في كونهما عين نافلة المغرب أو غيرها وجهان: من اقتضاء تكرر الأمر بالطبيعة انطباق كل واحد منهما على وجود واحد غير منطبق الآخر، و من اشتمال كل منهما على حكمة غير حكمة الآخر، حيث اقتضاء كل حكمة أمرا مستقلا و وجودا مستقلا، كما هو الشأن في وجه قاعدة عدم التداخل في الأسباب.
مع أنّ في النصوص مشروعية عشر ركعات بعد المغرب و نوافله (2)، فمن المحتمل أن تكون هذه منها.
نعم في سندها- بأجمعها- ضعف، و حينئذ يشكل مشروعية أزيد من النوافل المعهودة.
و قد يستند لعدم مشروعية الزائد، بعموم النهي عن النافلة وقت الفريضة (3)، و فيه: ما سيأتي من عدم تماميته.
و يسقط في السفر نوافل النهار بلا اشكال، و في مشروعية قضائها ليلا وجه، دل عليه بعض النصوص (4).
و في بعض الأخبار سقوط النافلة من كل ذات ركعتين (1)، لكن المقيّدة بالنهارية (2)شارحة لها، مضافا إلى التصريح في بعضها بعدم سقوط نافلة الفجر (3).
و أما سقوط الوتيرة خاصة زيادة على النوافل النهارية، ففيه خلاف بينهم، لاختلاف النصوص، ففي بعضها: «ليس قبلهما و لا بعدهما شيء» (4). و يوهنه نفي النافلة قبلهما أيضا، إذ ليس كذلك.
و في قبال ذلك ما ورد: أنها «ليست تترك» (5)، لكنه ضعيف السند، و موهون بذهاب المشهور على خلافه، فليس ما يصلح للتمسك به في المقام إلّا استصحاب عدم السقوط في بعض الصور، و إلّا فأصالة عدم المشروعية جارية.
اللهم إلّا أن يدّعى كفاية الشهرة لجبر سند الخبر السابق، بعد عدم اضطرار طرح الفقرة غير معمول بها فيها، و اللّٰه العالم.
و من الصلوات الواجبة ذاتا الجمعة، و العيدان، و الكسوف، و الزلزلة، و الآيات، و الطواف، و الجنائز، و عرضا المنذور و شبهه، و ما عدا ذلك مسنون.
المضروبة لها شرعا، بنحو لا يجوز تقديمها عليها، و لا تأخيرها عنها إلّا لعذر.
1) وسائل الشيعة 3: 60 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض حديث 1 و 3 و 4 و 5.
2) وسائل الشيعة 3: 60 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض حديث 1 و 3 و 4 و 5.
3) وسائل الشيعة 3: 60 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض حديث 8.
4) وسائل الشيعة 3: 60 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض حديث 2 و 7.
5) وسائل الشيعة 3: 70 باب 29 من أبواب أعداد الفرائض حديث 3.
فنقول: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار أربع ركعات للحاضر، و ركعتين للمسافر.
ثم يشترك الوقت بينها و بين العصر إلى أن يبقى لغروب الشمس مقدار أربع ركعات فيختص بالعصر على المشهور، لرواية داود الفرقد (1)، المشتملة على هذا المضمون.
و في قبالها طائفة أخرى ظاهرة في اشتراكهما في تمام الوقت (2)، غاية الأمر يجب الترتيب بين الظهرين، و ذلك تارة بلسان: انه بالزوال دخل الوقتان (3)، و اخرى: «وقت الصلاتين إلّا أن هذه قبل هذه» (4).
و وجه الجمع بحمل الثانية على الدخول بنحو التعاقب أولى من حمل الاختصاص في السابقة على الفعلية بلحاظ الأهمية، لأنّ هذه الجهة مشتركة في تمام الوقت، و صريح رواية داود خلافه.
و يمكن أيضا حمل الأخيرة على الاشتراك بينهما، بحسب اقتضاء الشرطية، كما ورد نظيره في وقت الفضيلة بقوله: «أخّر ذلك لمكان النافلة»، و حينئذ فلا تنافي رواية داود في الاختصاص في فعلية الشرطية، كما هو المختار من الاختصاص.
و قد يشكل على المختار بأنّ مدار الاختصاص إن كان على معنى مقدار الصلاة الكاملة للمختار، فيجب الانتظار على من صلّى ناسيا في أقل من ذلك بكثير، و إن كان على مقدار وجود أول مصداق من الطبيعة، فيلزم صحة الدخول بمجرد مضي آن تسليمة الاولى و لو نسيانا، لأنّ من المصداق ما إذا
صلّى قبل الوقت، بنحو وقع سلامها فيه، و لا مجال للالتزام بواحد منهما.
و لعل مثل هذا المحذور دعا بعض الأعاظم إلى الالتزام بأنّ الاختصاص ثابت لم يأت بالفريضة، دون غيره.
و فيه: انه خلاف إطلاق رواية داود، إذ سوقها في مقام تحديد أصل الوقت بقول مطلق، بلا نظر منه إلى مقام الامتثال و عدمه.
و الأولى أن يجاب بأنّ المدار على مضي مقدار ما هو وظيفته الفعلية، غاية الأمر إطلاق أدلة الاجزاء و الشرائط يقتضي إثبات كون وظيفته الفعلية الصلاة التامة، فإن كان في البين اضطرار من غير جهة النسيان مثلا، فتتعين وظيفته الفعلية بأقل منه، فيدور أمر الاختصاص أيضا مداره.
و أما إن كان من جهة النسيان، فلا يقتضي دليل النسيان سقوط الجزء أو الشرط عن الاعتبار، إلّا في فرض وجودهما حال العمل، فمهما لم يعمل لم تسقط الأمور المعتبرة عن اعتبارها. و بهذه الجهة تختلف الوظيفة في حق الفاعل و التارك، فيرتفع الإشكال رأسا.
ثم انّ الظاهر كون المراد من الاختصاص الاختصاص بالنسبة إلى شريكتها الأدائية، لا مطلقا، إذ لا نظر لها إلى أزيد من ذلك، فلا أقل من الشك، فإطلاق أدلتها أو الأصل محكم في غير الشريكة.
و إذا غربت الشمس خرج وقت الظهرين، لما عرفت من نص داود.
و حدّه غيبوبة الحمرة المشرقية كما هو المشهور، خلافا للعامة (1)و شرذمة من الخاصة (2)، حيث ذهبوا إلى انّ المراد منه: غياب القرص عن الأفق.
و منشأ الخلاف، اختلاف أخبار الباب، ففي جملة من النصوص تحديده
«بغياب القرص» (1)، أو «غياب كرسيها» (2)، أو «انك إذا نظرت لم تره» (3)، أو «استتاره عن رءوس الجبال» (4)و إن كان موجودا وراء الجبل، بناء على حمله على تغاير الأفقين، و إلّا فلا قائل بمضمونها حتى من العامة.
و في قبال الجميع ما ورد في شرح الغياب (5)بمرتبة تلازم ذهاب الحمرة المشرقية، إذ هو الذي يوجب الغيبوبة من شرق الأرض و غربها، إذ المراد من شرق الأرض و غربها ما هو بالإضافة إلى أفقه.
فالمراد حصول الغياب لصاحب هذا الأفق، حتى بالإضافة إلى من كان في غربة، لأنّ مقتضى كروية الأرض قهرا كون غياب القرص عن مثله موجبا لازدياد الغياب بالنسبة إلى من كان في وسط أفقه، و يلازم بالإضافة إليه ذهاب الحمرة المزبورة، فجعل ذهاب الحمرة من شرقها و غربها معيارا لحصول هذه المرتبة من الغيبوبة، و ذلك هو المدار لكل أحد يفرض في وسط أفقه، و يلاحظ بالنسبة إليه حصول الغياب لمن في غربة، لا أنّ الغروب تختلف درجته بالنسبة إلى من كان في وسط الأفق أو طرف غربة، كما هو واضح.
و عليه كان لمثل هذه الرواية الشريفة نحو شرح و حكومة على روايات غياب القرص، كما هو ظاهر.
و حينئذ فالحق ما ذهب إليه المشهور، مؤيدا أيضا بما في بعض النصوص من قوله: «أرى لك أن تنتظر و تأخذ الحائطة لدينك» (6)، إذ مثل هذا التعبير
1) وسائل الشيعة 3: 130 باب 16 من أبواب المواقيت حديث 16- 18.
2) وسائل الشيعة 3: 132 باب 16 من أبواب المواقيت حديث 25.
3) وسائل الشيعة 3: 132 باب 16 من أبواب المواقيت حديث 25.
4) وسائل الشيعة 3: 145 باب 20 من أبواب المواقيت.
5) وسائل الشيعة 3: 126 باب 16 من أبواب المواقيت حديث 1.
6) وسائل الشيعة 3: 129 باب 16 من أبواب المواقيت حديث 14.
و حينئذ فبوصول غياب الشمس الى هذه الدرجة يخرج وقت الظهرين، وفق النص السابق.
و لكن في قباله- من تلك الجهة- أخبار تحدّد ذلك بغير الغروب، فتارة تحدد خروج وقت الظهر بالقدمين (1)، و اخرى بالذراع (2)، و ثالثة بالقامة (3)، و وقت العصر بصيرورة ظل كل شيء مثله (4).
و وجه الجمع تارة بالحمل على بيان وقت الفضيلة و الاجزاء، أو التفصيل بين المختار و المضطر. و الأول هو المشهور المنصور، لقوة جمعه على تقييد إطلاق الطرفين.
و بتحقق الغروب المزبور دخل وقت المغرب مختصا بها بنحو اختصاص الظهرين بوقتهما، لنص داود (5).
و يبقى وقتها إلى أن يمضي مقدار أدائها بنحو عرفت شرحه سابقا، ثم يشترك الوقت بالنص المزبور بينها و بين العشاء إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار أربع ركعات للحاضر، و ركعتين للمسافر، فيختص بالعشاء على المشهور، للنص المزبور أيضا.
و في قباله أخبار أخر في تحديد آخر المغرب بغيبوبة الشفق (1)، و وقت العشاء بالفجر (2)تارة، و بثلث الليل اخرى (3)، و لا يخفى أيضا وجه الجمع من الحمل على الاجزاء و الفضيلة.
نعم في رواية بقاء الوقت الى الفجر ضعف، فيشكل كشف وقت الاجزاء منها، فلا محيص عن تخصيص وقت الاجزاء في العشاء إلى نصف الليل. و هذا الجمع أولى من الحمل على وقت الاختيار و الاضطرار، لاقتضاء ذلك تصرفا في الطائفتين بلا شاهد.
نعم في خصوص المضطر لنوم أو نسيان أو حيض، ورد النص ببقاء وقت العشاء (4)، و في نجاة العباد تعدّى الى مطلق الاضطرار، لكن في التعدّي إشكال. كما انّ كشف الاجزاء المطلق من النص، و حمل النصف على الفضيلة مطلقا أشكل.
و الأولى تخصيص دليل النصف بما دل على البقاء في خصوص الأعذار الثلاثة.
لو أتي بها في وقت الظهر سهوا، بخلافه على الاشتراك، لأنّ عموم «لا تعاد» قاصر الشمول من جهة الوقت، بخلافه بالنسبة إلى الترتيب.
و من ثمرات الاختصاص المطلق أيضا عدم صحة الظهر أداء في وقت
عصرها، حتى لمن أدى فريضة العصر سهوا في الوقت المشترك، نعم لو قيل باختصاص ذلك لمن لم يأت بالفريضة، كان لإتيان الظهر حينئذ وجه.
و أيضا من ثمراته: الحكم بالإتيان عند الشك في إتيان الظهر بعد الدخول في وقت العصر، و أما بناء على الاشتراك فلا مجال للحكم به إلّا بمقدار الحكم بصحة عصرها، فيجب الإتيان بها بعدها، كما هو الشأن عند الشك فيها في صلاة العصر في الوقت المشترك.
و قد يتوهم أنّ من ثمراته أيضا وجوب الإتيان بالمغرب لمن لم يبق له من الوقت للحاضر إلّا أربع ركعات، إذ حينئذ مقتضى عموم «من أدرك» توسعة دائرة الوقت، فيجب الإتيان بهما، كما هو الشأن لو بقي خمس ركعات في الظهرين حتى على الاختصاص.
فكما أنّ عموم «لا تترك الصلاة بحال» (1)يعم «من أدرك»، فوجب الإتيان بالصلاتين، بلا اعتناء لمزاحمة الاولى مقدارا من الوقت المختص بالمناسبة كذلك في المقام.
و هذا بخلاف ما لو قيل بالاختصاص، فإنه حينئذ لا يبقى مجال لتطبيق الوقت على المغرب أصلا، كي يقتضي عموم «لا تترك» حفظ وجوده.
أقول: ما أفيد إنما يتم في فرض عدم اقتضاء دليل الاشتراك أهمية هذا المقدار لحفظ العصر، و إلّا فنفس هذه الأهمية تمنع عن الإتيان بالمغرب، بنص رواية داود (2)، بعد فرض الجمع المزبور، بل لازم إطلاقه: تخصيص عموم «لا تترك» بمثله.
و بعد ذلك لا يبقى مجال لجريان عموم «من أدرك»، لأنه لا يصلح
للتوسعة اختيارا، خصوصا بعد فرض ثبوت أهمية الفريضة بالنسبة إلى وقتها المضروب لها فعلا، مع اشتراكه بينهما اقتضاء.
و لعله من جهة ذلك أمكن نسبة عدم الالتزام بوجوب الصلاتين في الفرض المزبور إلى الطرفين، بل لا أظن التزام أحد به، كما أنه لا يبقى مجال لجعل مثل هذا التالي من براهين القول بالاشتراك، كما هو ظاهر.
بل يعرف بمقايسته إلى طرفيه، المختلف حسب اختلاف الفصول.
و إنما الإشكال في حد الليل، كي يجعل مقياسا لنصفه، و ذلك لأن ما دل على سقوط النوافل النهارية (1)مع الجزم بعدم سقوط نافلة الفجر كاشف عن كونه ليلا، و انّ حده ينتهي إلى طلوع الشمس.
و يؤيده: التزامهم بوجوب اشتغال الأجير في النهار من طلوع الشمس.
و لكن فيه:
أولا: إنّ غاية الوجهين عدم دخول الفجر في النهار، لا دخوله في الليل، كيف و احتمال كونه زمانا ثالثا موجود في الأذهان، بل به نطق أيضا بعض النصوص (2).
و ثانيا: على فرض تسليم عدم الفصل بين الليل و النهار، فالوجهان المذكوران لا يدلان على المدّعى، أما الأول، فلأن أصالة الظهور لا يقتضي إخراج مشكوك الفردية، و أما الثاني، فلانصراف النهار في الأجير إلى المتعارف منه، و هو أول الشمس.
و عليه فلا يعارض مثل ذلك ما ورد بأنّ الصبح الفجر قبال الليل و خارج عنه، فالأوفق حينئذ ما هو المشهور، من جعل النصف وسطا بين المغرب و الفجر.
و إذا طلع الفجر الثاني الذي هو عبارة عن البياض المنبسط على مطلع الشمس، كما يستفاد ذلك من النصوص بعبارات مختلفة (1)، دخل وقت الصبح، و يبقى إلى أن تطلع الشمس بنحو محسوس.
و يدل عليه أيضا جملة من النصوص السابقة، و في قبالها ما دل على انه الى أن يتجلّل السماء (2)، و الحمل على مرتبتي الفضيلة و الاجزاء- كما سبق- هو المتعيّن.
بقي في المقام مطلب آخر، و هو انّ من لم يتمكن من الوقت بما له حالة خاصة من الاختيارية أو الاضطرارية، الحاصلة من سائر الجهات غير ضيق الوقت، إلّا بمقدار ركعة، بحسب حاله من الوظيفة الفعلية، يجب عليه إتيان الصلاة، فكان كمن أدرك الوقت كله، و قد نطق بمضمونه بعض النصوص في بعض المقامات الخاصة (3).
و الأصحاب تلقّوه بالقبول بنحو الكلية، و مقتضى مفهومه: انّ من لم يدرك- بحسب وظيفته الفعلية- هذا المقدار، لا تجب عليه الصلاة، و بمثل ذلك ترفع اليد عن عموم «الصلاة لا تترك بحال».
فلا يتوهم انّ عموم «لا تترك» يقتضي حينئذ سقوط اعتبار الأجزاء،
و الاجتزاء بمثل صلاة الغرقى، و هي التكبيرات الأربع أو أزيد.
بل من الممكن أن يدّعى أن نظر مثل هذا العموم الى عدم ترك ما هو محرز صلاتيته من الخارج، لا من قبل هذا الحكم.
و عليه فلا يقتضي مثل هذا العموم- لو لا حديث «من أدرك»- وجوب الإتيان بالصلاة، إذا لم يتمكن من الصلاة الكاملة، بل ليس شأنه إثبات صلاتية شيء أصلا، و إنما هو متكفل لحرمة ترك ما هو مفروغ صلاتيته، فالمتكفل لإثباتها حينئذ مثل قاعدة الميسور أو غيرها.
نعم قد ورد في باب الحيض نفي القضاء على من لم تفرط في تحصيل الطهارة (1)و إن كانت متمكنة من تحصيل غيرها، و لازمة وجوب القضاء بل الأداء أيضا على من تمكن من تحصيل الطهارة و إن لم يتمكن من تحصيل بقية الشرائط.
و مثل ذلك أيضا يشرح ما في نص آخر من قوله: «إن كانت بصدد التهيئة للصلاة» (2)، بحمله على التهيئة من حيث الطهارة فقط دون غيرها.
و من المعلوم أنّ سياقها يأبى عن تخصيص مثل هذه الجهة بباب الحيض، بل ربما يكون ذلك ميزانا كليا لوجوب الأداء، أو القضاء من حيث التمكن من الشرائط و عدمه، من دون فرق بين أن يكون لعدم التمكن بسبب خارجي، أو بسبب ضيق الوقت، لطروء الحيض أو جهة أخرى.
و حينئذ فما دل على أنّ غير المتمكن من شرط يجب عليه الإتيان بالبقية، يجب تخصيصه بغير العاجز عن الطهارة، و أما بالنسبة إليها فلا تكون الصلاة واجبة الإتيان في وقتها.
و إلى ذلك أيضا نظر المشهور في حكمهم بسقوط الصلاة أداء و قضاء عن فاقد الطهورين، و لازم ذلك وجوب الإتيان لمن تمكّن لدرك ركعة مع الطهارة، لأنه وظيفة كل من يجب عليه تمامها مع درك تمامها كما هو ظاهر، و اللّٰه العالم.
و أما النوافل فالمشهور أنها مؤقتات، بشهادة ما في النصوص من تحديد أوقاتها تارة (1)، و الأمر بقضائها أخرى (2)، و التصريح بأفضلية إتيانها في أوقاتها ثالثة (3).
و لكن في قبالها ما دل على «أنها هدية متى أتي بها قبلت» (4). و في بعضها التصريح بأنه «إن شئت قدّمت أو أخّرت» (5).
و مقتضى الجمع بينها و بين ما سبق: حمل السابقة على الأفضلية. و لكن المشهور غير ملتزمين بمشروعية النوافل قبل وقتها، فلا بد من حمل الأخيرة على غير اليومية، و أما طرحها سندا فغير وجيه بعد استفاضة اسنادها. نعم لا بأس بتأخيرها عن وقتها، و كونها في أوقاتها أفضل، كما نطق به النص.
و كيف كان فوقت نافلة الظهر إذا زالت الشمس في غير الجمعة، و ستجيء الإشارة إلى وقتها.
و يمتد وقت نافلة الظهر عند المصنف إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، و نظره إلى ما في النص من انه «إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر،
و إذا كان ظلك مثليك فصل العصر» (1).
و لكن لا يخفى عدم مقاومتها لما دل على التحديد بالذراع أو القدمين (2)، بضميمة ما دل على قوله: «لئلا يؤخذ من وقت هذه فيدخل في وقت هذه» (3)، لإمكان حملها على دخول وقت فضيلة الفريضة، و هو لا يلزم بقاء وقت النافلة، و لعله إلى ذلك نظر المشهور في ذهابهم الى ما ذكرنا من التحديد.
نعم في بعض النصوص: «إن شئت طوّلت و إن شئت قصّرت» (4)، و في إطلاقها- على وجه يقتضي إثباتها في الزائد عن الذراع- نظر، بل ربما يستفاد من أخبار الذراع: انّ وقت فضيلة الفريضة في الزائد عنه، و عليه فيحمل أخبار المثل على الأفضلية كما هو الشأن في المستحبات.
و بالجملة فإذا صار كذلك يعني بمقدار المثل عند المصنف، و الذراع عندنا و لم يصلّ شيئا من النافلة اشتغل بالفريضة، للنصوص السابقة على اختلاف المسلكين.
و لو تلبّس بركعة من النافلة زاحم بها الفريضة بلا اشكال فيه، للموثقة المشتملة على إتمام بقية النوافل بمحض دركه ركعة منها (5)، و لولاها لم يكن يقتضي عموم «من أدرك» (6)إلّا إتمام ما بيده فقط.
1) وسائل الشيعة 3: 103 باب 8 من أبواب المواقيت حديث 13.
2) وسائل الشيعة 3: 103 باب 8 من أبواب المواقيت حديث 1- 4.
3) وسائل الشيعة 3: 107 باب 8 من أبواب المواقيت حديث 21.
4) وسائل الشيعة 3: 108 باب 8 من أبواب المواقيت حديث 30.
5) وسائل الشيعة 3: 178 باب 40 من أبواب المواقيت.
6) وسائل الشيعة 3: 157 باب 30 من أبواب المواقيت.
و وقت نافلة العصر بعد الظهر، لما في جملة من النصوص: «انها ثمان إذا زالت الشمس، و ثمان بعد الظهر» (1)و الأمر من تلك الجهة ظاهر، كظهور وجه ما أفاد من امتداده الى أن يصير ظل كل شيء مثليه على مختاره، أو الذراعين على المختار، لما عرفت من وجههما.
و تقدّم أيضا وجه انه لو خرج و قد تلبّس بركعة زاحم بها أي بالفريضة وقت فضلها، لإطلاق الموثقة للمقام أيضا، لظهور سوقها في إعطاء الكلية، و إن كان موردها مختصا بنافلة الظهر، و إلّا أي و إن لم يتلبّس بشيء منها فلا يزاحم بها، لما عرفت من نفي التطوّع بعد الذراعين في النص السابق، أو الأمر بالعصر بعد المثلين كما في الأخير.
و وقت نافلة المغرب بعدها أي بعد الفريضة، لما في النص: «و أربعا بعدها» (2)، و يمتد إلى أن تذهب الحمرة المغربية و هو الشفق، و في النص «إنّ غياب الشفق وقت العشاء» (3)، بضميمة كبرى «لا تطوع في وقت فريضة».
و في استفادة التحديد من أمثال ذلك نظر، لمناسبتها للأهمية أيضا، كما أشرنا.
و لو لا شمول فحوى قوله: «لئلا يؤخذ وقت هذه» (4)، لما كان وجه للتحديد بذلك، و غاية الأمر انه لو ذهبت و لم يكملها اشتغل بالعشاء.
و أما جواز مزاحمتها للعشاء مع التلبس بركعة فلا مجال له، لاختصاصه بالمؤقتات، و لازم المشهور إجراؤها في المقام أيضا، كما صنعه في النجاة. و ظاهر المصنف عدم الجريان، و لا وجه له بعد جعلها مؤقتة، لو لا إيكاله على ما أفاده سابقا.
و وقت نافلة الوتيرة بعد العشاء، لتحديدها في النص بما بعدها (1)، و يمتد بامتداد وقتها أي العشاء. و في التحديد المزبور نظر، لأنّ بعد العشاء يشمل ما لو أتي بها آخر وقتها، فتقع النافلة بعد النصف من الليل قهرا، لو لا انصرافه إلى وقتها المعهود، نعم ظاهر البعدية كونها بنحو يعد من التوابع، فتأمل.
و وقت نافلة الليل بعد انتصافه كما في بعض النصوص (2)، و في آخر: «من أول الليل الى آخره» (3)، و في ثالث: «الأمر بإتيانها في السحر» (4)، بل و في بعضها: كلما قرب من الفجر كان أفضل (5).
و ربما يكون في مثله أيضا شهادة الجمع بين مثل هذه النصوص، بالحمل على مراتب الفضيلة، باختلاف مراتب القرب إلى الفجر، و هذا الجمع أولى من حمل «ما قبل النصف من الليل» على ذوي الأعذار و إن كان يوهم بذلك ما ورد من قوله: «و إن خشيت- إلى قوله- فصل و أوتر في أول الليل» (6)، و لكنه لا ينافي ما ذكرنا من الجمع، بلا احتياج إلى تقييد
1) وسائل الشيعة 3: 153 باب 27 من أبواب المواقيت.
2) وسائل الشيعة 3: 180 باب 43 من أبواب المواقيت.
3) وسائل الشيعة 3: 181 باب 44 من أبواب المواقيت حديث 1.
4) وسائل الشيعة 3: 39 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض حديث 23.
5) وسائل الشيعة 3: 197 باب 54 من أبواب المواقيت.
6) وسائل الشيعة 3: 181 باب 44 من أبواب المواقيت حديث 2.
المطلقات، كما لا يخفى.
و لو طلع الفجر و قد تلبّس بأربع ركعات زاحم بها الصبح، للنص من قوله عليه السّلام: «اقرأ الحمد و اعجل اعجل» (1)، و في آخر: عند خوف طلوع الفجر الأول «أوتر و أخر الركعات» (2)و في ثالث «الاقتصار بالوتر» (3).
و الجمع هاهنا هو بالحمل على مراتب الفضيلة، و أن التأخير أفضل.
و لو لم يتسع الوقت لأربع ركعات، فلا بأس، لإجراء عموم «من أدرك» في المقام، المقتضي لإتمام ما بيده لا غيره، لو لم نقل بمعارضته مع المفهوم في نص التلبس بأربع ركعات السابق.
و لو أغمض عن المفهوم أمكن إجراء حكم المزاحمة للبقية بما يدرك الركعة، بمقتضى سوق الرواية السابقة، الواردة في نوافل الظهر، الذي أجروها في غيرها أيضا من المؤقتات، مع ما أشرنا من اختصاص موردها بنافلة الزوال، كما لا يخفى.
بل و في بعض النصوص جواز إتيانها بعد الفجر، و النهي من جعل ذلك عادة (4)، و الالتزام بتقييدها ببعد صلاة الصبح، بقرينة الأمر بتأخير غير الوتر الى بعد الصلاة، و ان الأمر بالوتر لإمكان إتيانها قبل الفجر، فيكون ذلك- بقرينة أخبار التحديد بالفجر- (5)من باب قضائها، ليس بأولى من الالتزام بمراتب الفضيلة، مرتبة بعد مرتبة، مؤيدة بأن النافلة هدية، النافلة هدية، إن شاء أخّر و إن
شاء قدّم، و اللّٰه العالم.
و إلى بعض الوجوه المشار إليها أفاد المصنف أيضا بقوله: و إلّا قضاها.
و وقت ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الليل، و في مثل هذا التحديد نظر، إذ غاية ما في الباب «انّ ركعتي الفجر من الليل» (1)، أو «احشوا بهما صلاة الليل» (2)، و في آخر بقبل الفجر (3)، و في ثالث ببعد الفجر (4)، و في رابع «صلّهما قبل الفجر و حينه و بعده» (5)، و لا يستفاد من شيء من ذلك تحديد الوقت المزبور، بل المستفاد من المجموع اختيار إتيانها قبل الفجر أو بعدها أو حينها، غاية الأمر بعد الفجر أفضل، بقرينة أخبار التحديد به، و إليه أشار المصنف أيضا بقوله: و تأخيرها إلى طلوعه أي الفجر أفضل.
ثم آخر وقته، ربما يظهر من بعض النصوص: «الى أن تتنور الغداة» (6)، و من آخر: «الى أن تظهر الحمرة» (7)، و من ثالث: «حين تنزل الغداة، أو تترك» (8)، على اختلاف النسخ، و لازم الأخير: امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة، و في صلاحيته حجة قبال السابقة نظر.
1) وسائل الشيعة 3: 191 باب 50 من أبواب المواقيت.
2) وسائل الشيعة 3: 191 باب 50 من أبواب المواقيت حديث 1.
3) وسائل الشيعة 3: 192 باب 50 من أبواب المواقيت حديث 3.
4) وسائل الشيعة 3: 191 باب 50 من أبواب المواقيت حديث 2.
5) وسائل الشيعة 3: 194 باب 52 من أبواب المواقيت.
6) وسائل الشيعة 3: 193 باب 51 من أبواب المواقيت حديث 3.
7) وسائل الشيعة 3: 193 باب 51 من أبواب المواقيت حديث 1.
8) وسائل الشيعة 3: 193 باب 51 من أبواب المواقيت حديث 2.
و عليه إذا طلع الفجر زاحم بها أي الفريضة و لوالي طلوع الحمرة المشرقية الملازمة لتنور الغداة، جمعا بينه و بين نص «ظهور الحمرة» بالحمل على مراتب الفضيلة.
ثم في جريان عموم «من أدرك»، بل و سوق الموثقة السابقة في المقام، للمتمكن من الركعة، وجه.
نعم من امتداد وقته إلى طلوع الشمس لا يتصور لها هذه المزاحمة، لأهمية الفريضة في وقتها المضيّق جزما. نعم لا بأس حينئذ بصحتها، لعدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي ضده. و اللّٰه العالم بأحكامه.
و كذلك قضاء، ما لم يتضيّق وقت الحاضرة بلا اشكال فتوى و نصا، و يكفي من النص قوله: «خمس صلوات لا تترك على حال: إذا طفت بالبيت، و إذا أردت أن تحرم، و صلاة الكسوف، و إذا نسيت فصلّ إذا ذكرت» (1)، و في آخر كذلك: «فليقضها إذا ذكرها ما لم يتضيّق وقت الحاضرة» (2)، و في ثالث: «إنّ صاحب الوقت أحق بوقته» (3).
و ظاهره: مجرد كشف الأهمية، لا تحديد المصلحة.
و عليه فلا مانع من صحتها لو أتى بها في ضيق وقت فريضة أخرى، إلّا في المشتركتين من الظهرين و العشاءين، فإنه لا يصح مزاحمة كل منهما للآخر،
لوجوب مراعاة الترتيب، فضلا عن المختار من اختصاص آخر الوقت بخصوص الثاني، بناء على شمول الاختصاص بالإضافة إلى شريكتها، و لو قضاء، و إلّا فلا بأس بمزاحمتها لها قضاء، لعدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده، و اللّٰه العالم.
و أما النوافل فلا بأس بإتيانها أي وقت شاء، لأنها من الهدايا، كما يستفاد من النصوص (1)، ما لم يدخل وقت الفريضة في غير النوافل المرتبة اليومية أداء.
و لكن في جملة من النصوص: تشريع نوافل عديدة بين العشاءين (2)، بل في النصوص: جواز قضاء نافلة الليل بين الظهر و العصر (3)، مضافا إلى ما في كتب الأدعية من النوافل المخصوصة وقت الفريضة، بل قد عرفت مغايرة الغفيلة و صلاة الوصية لنافلة المغرب، فضلا عن تشريع ست ركعات اخرى بين الفريضتين، مضافا إلى إطلاق أدلة كثير من نوافل رمضان، و ليالي الجمع.
و من المعلوم أنه يدور الأمر بين تخصيص قوله: «و لا تصلّ بركعة وقت الفريضة» (4)، و أمثاله من النواهي بالنوافل الخاصة الواردة وقت الفريضة، و تخصيص مطلقات النوافل الأخرى بصورة عدم كونها وقت الفريضة، و لو قضاء، كما هو صريح بعض النصوص (5)، أو حمل النهي المزبور على دفع توهم تأكد الرجحان أو المرجوحية العبادية، و الالتزام ببقاء مشروعيتها على حالها.
و لا يبعد المصير إلى الجمع الأخير، بعد تخصيص النوافل اليومية منها جزما. و ربما يشهد له قوله في بعض النصوص من أنّ الفضل أن تبدأ بالفريضة (1)، بل و في نص آخر: تحديد عدم التطوع وقت الفريضة، بأخذ المقيم في الإقامة، الذي تصلح معه الدلالة على عدم المنع عنها قبل الإقامة (2).
و معلوم انّ مثل هذا المنع لمحض درك الفضيلة، المناسب لكون النهي تنزيهيا كما لا يخفى.
هذا، و لا أقل من قرب احتماله، و لو لبعد اختصاص النهي بخصوص النوافل من الصلوات، مع جواز غيرهن في الوقت المذكور.
و قد حكي عن كاشف اللثام دعوى القطع بأولوية الجواز في نوافل الصلاة عن غيرها (3)، و اللّٰه العالم.
إذن فلا قصور حينئذ في جواز الإتيان بها رجاء و لو لم نقل بشمول عمومات من بلغ (4)بالنسبة إلى الدلالة، إذ يكفي حكم العقل بالرجحان، بعد الجزم بعدم استفادة الحرمة الذاتية من نواهيها، بل غاية الأمر كونها في مقام دفع توهم المشروعية، و اللّٰه العالم.
ثم على القول بالحرمة فلا يصلح تعلّق النذر بها لتصحيحها، إذ يشترط الرجحان في متعلق النذر مع قطع النظر عنه، و لا يوجب النذر انقلاب الموضوع، و لو بحمل التطوع فيها على الفعلي، فضلا عن عدمه، كما لا يخفى.
و عند قيامها على المشهور، و قيل بتحريمها، للنهي عنها في رواية (1).
و نظر المشهور إلى الجمع بينه و بين ما اشتمل على لفظ الكراهة، معللا بأنّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان (2)، و ما اشتمل على التعبير ب «لا ينبغي» (3)، و لا يبعد أظهرية الأخير في الكراهة المصطلحة، و لو لاحتمال منع حمل النهي على دفع توهم تأكد الفضيلة.
و في الرواية الأولى اضافة قيامها أي الشمس نصف النهار إلى أن تزول، إلّا في يوم الجمعة لما في بعض النصوص: «لا صلاة نصف النهار إلّا يوم الجمعة» (4)بل ورد في نوافل صلاتها الأمر بازدياد نوافلها عن سائر الأيام، و توسعة وقتها، بجعلها ستا عند انبساط الشمس، و ستا عند ارتفاعها، و ستا قبل الزوال، و ركعتين عنده (5).
و أيضا تكره النافلة بعد الصبح و العصر، لصحيحة الحلبي (6)المعللة فيها بما يناسب الكراهة، فيكون الظهور في الحرمة مقرونا بما يصلح للقرينية، فلا تكون دليلا على الحرمة.
عدا ذي السبب على المشهور، و عليه إجماع الناصريات (7). و لعله من جهة التعدّي عن الفرائض إلى النوافل، بعموم التعليل فيها، المحكية في رواية الفضل عن الرضا عليه السّلام (8)، مضافا إلى التعدّي عن الموارد المنصوصة
1) وسائل الشيعة 3: 170 باب 38 من أبواب المواقيت.
2) وسائل الشيعة 3: 171 باب 38 من أبواب المواقيت حديث 1.
3) وسائل الشيعة 3: 172 باب 38 من أبواب المواقيت حديث 9.
4) وسائل الشيعة 5: 18 باب 8 من أبواب صلاة الجمعة حديث 6.
5) وسائل الشيعة 5: 22 باب 11 من أبواب صلاة الجمعة.
6) وسائل الشيعة 3: 170 باب 38 من أبواب المواقيت حديث 1.
7) الناصريات (الجوامع الفقهية): 230.
8) وسائل الشيعة 3: 174 باب 38 من أبواب المواقيت حديث 14.
بالخصوص، بإلغاء الخصوصية، كما في الجواهر (1)، و لعل هذا المقدار كاف في مثل المقام، الكافي فيه تركها رجاء، و إن كان لا يصلح ذلك لإثبات حكم شرعي وفاقا لكشف اللثام حيث استحسن الاقتصار على الموارد المنصوصة (2)، فتدبر.
، لحسن المسارعة، و في النص: «أول الوقت رضوان اللّٰه، و آخره غفران اللّٰه» (3).
و هذا الحكم ثابت إلّا في مواضع: منها: المتنفل، لما عرفت من الأمر بها و إن تأخر وقتها لمكان النافلة، على ما هو مضمون بعض النصوص (4).
و منها: لمن أفاض من عرفات بالنسبة إلى صلاة مغربه، للنصوص الواردة فيه (5).
و منها: الظهر لمن يصلّي جماعة في الحر الشديد، و في النص: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (6)، و غير ذلك مما تعرضوا لها في المطولات، فراجع.
و لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها و لا تقديمها عليه أي على الأوقات الاجزائية، لأن ذلك هو مقتضى دليل شرطيتها، المقتضي لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، بل و في النص: «من صلّى بغير وقت فلا صلاة له» (7).
1) جواهر الكلام 7: 241.
2) كشف اللثام 1: 166.
3) وسائل الشيعة 3: 90 باب 3 من أبواب المواقيت حديث 16.
4) وسائل الشيعة 3: 103 باب 8 من أبواب المواقيت حديث 3 و 4.
5) وسائل الشيعة 10: 39- 40 باب 5 و 6 من أبواب الوقوف بالمشعر.
6) وسائل الشيعة 3: 104 باب 8 من أبواب المواقيت حديث 6.
7) وسائل الشيعة 3: 123 باب 13 من أبواب المواقيت حديث 7 و 10.
نعم استثنى منه جملة من الأساطين فرض صلاته باعتقاد الدخول فدخل عليه الوقت و هو في الصلاة و لو في تسليمها، و استدل بخبر إسماعيل المشتمل على قوله: «يرى دخول الوقت» (1)، الظاهر في علمه به، نعم تقوم الامارة المعتبرة مقامه.
و في التعدّي من الفريضة إلى النافلة إشكال، كالتعدّي من العلم الى مطلق الظن، بل و إلى العلم بدخول الوقت من حيث الشبهة الحكمية، لأنّ هذه الموارد مشكوكة الاندراج في النص، فيقتصر في خلاف القاعدة على مورد اليقين.
واجب عقلا، فإن تمكن منه، أو قامت بينة شرعية عليه فهو، لعموم دليل رواية مسعدة «حتى يستبين أو تقوم به البينة» (2).
و في كفاية مطلق الظن اشكال، بل في النص- في مقام نفي الاكتفاء عن الظن الناشئ عن أذان المؤذن- قال عليه السّلام: «لا، حتى يعلم انه طلع» (3).
و في قبالها نصوص مشتملة على: «أنّ المؤذن مؤتمن» (4)، أو «أمناء» (5)، أو: «ما نصلّي حتى يؤذن مؤذن مكة» (6)، أو: «إذا أذن فقد زالت
1) وسائل الشيعة 3: 150 باب 25 من أبواب المواقيت حديث 1.
2) وسائل الشيعة 12: 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به حديث 4.
3) وسائل الشيعة 3: 203 باب 58 من أبواب المواقيت حديث 4.
4) وسائل الشيعة 4: 618 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 2.
5) وسائل الشيعة 4: 619 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 6 و 7.
6) وسائل الشيعة 4: 619 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 9.
الشمس» (1)، أو: «صلّ الجمعة بأذان هؤلاء» (2)، أو: «كلوا و اشربوا حتى تسمعوا أذان بلال» (3).
و هذه النصوص- على كثرتها- غير قابلة للطرح سندا أو دلالة، بحملها على صورة حصول اليقين، فلا قصور في حجيتها فيما يحصل الوثوق بأذان المؤذن، فتكون حاكمة على الرواية السابقة.
و يمكن التعدّي منه إلى الوثوق الناشئ عن خبر العادل الواحد، و في التعدّي إلى مطلق الظن، بل مطلق الوثوق اشكال، فأصالة عدم الحجية محكمة، و اللّٰه العالم.
و لكن عموم «لا تعاد» (4)يخرج اعتبار الترتيب في الوقت المشترك عن الركنية، فلو صلّى العصر نسيانا فانكشف عدم الظهر بعد فراغه من العصر يجزئ، فيصلي ظهرا.
و لو انكشف في أثنائها فلا تجزئ، لعدم اندراجه في عموم «لا تعاد»، و له العدول إلى السابقة، للنصوص المستفيضة (5)، بل في بعضها جواز العدول حتى بعد الفراغ (6)، و هو غير معمول به.
و بمثل هذه الأخبار يخصص قاعدة «كون الصلاة من العناوين
1) وسائل الشيعة 4: 619 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 9.
2) وسائل الشيعة 4: 619 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 1.
3) وسائل الشيعة 4: 625 باب 8 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 2 و فيه: حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم.
4) وسائل الشيعة 1: 260 باب 3 من أبواب الوضوء حديث 8.
5) وسائل الشيعة 3: 211 باب 63 من أبواب المواقيت.
6) وسائل الشيعة 3: 211 باب 63 من أبواب المواقيت حديث 1 و 4.
القصدية»، بل و عموم «الصلاة على ما افتتحت به» على وجه، فيقتصر حينئذ على مورد النص، من العدول من اللاحقة إلى السابقة في المشتركتين أداء أم قضاء، لإطلاق الدليل، و من الفريضة إلى النافلة لمنتظر الجماعة و غير ذلك، كل ذلك من جهة النصوص الخاصة، كما لا يخفى على من راجع المطولات.
ثم انّ العدول- الذي هو خلاف القاعدة- إنما هو في مختلفات الحقيقة من ذوات العناوين القصدية، و إلّا فمع اتحاد الحقيقة و اختلاف الأمر ندبيا و وجوبيا فالعدول منها ليس من باب العدول من حقيقة إلى حقيقة أخرى، بل من باب العدول من التقرب بشخص أمره الى التقرب بشخص أمر آخر، و في إضرار ذلك لقربية العمل المعتبرة في العبادة نظر.
و لو لا استفادة الإجماع من اعتبارهم قصد التعيين، حتى في متفقات الحقيقة على اعتبار التقرب بشخص الأمر، لكنا نقول بجواز العدول في جميع المقامات المزبورة.
بل من الممكن دعوى عدم منافاة اعتبار قصد التعيين في مقام الامتثال، لما ذكرنا من العدول، إذ فيه نحو من التعيين، و لا يقتضي اعتبار التعيين- المزبور في كلماتهم- عدم جواز الانتقال من شخص أمر إلى آخر، مع فرض القصد الى تعيين شخصه في كل حال، فتدبّر.
و حينئذ فلا قصور في دليل العدول لشموله العدول من الأداء إلى القضاء إذا كان من سنخه، أو من النفل إلى الفرض فيمن بلغ في أثناء العمل، بناء على شرعية عمله على وجه.
و أما العدول من فرد إلى فرد، مع فرض أمره بالجامع، فلا اشكال فيه، إذ لا تبديل لشخص أمره، للتقرب به أيضا، فلا بأس بالعدول من القصر إلى
الإتمام في مواضع التخيير بلا اشكال، و اللّٰه العالم.
و لا إشكال في شرطيتها للصلاة في الجملة، لعموم: «لا صلاة إلّا إلى القبلة» (1)، الشاملة للفريضة و النافلة، و إنما الكلام في حقيقتها.
و المشهور انها هي الكعبة مع القدرة، و جهتها مع البعد، و ربما يومئ إليه ما في خبر الاحتجاج: «فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعنا، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان ..» (2).
و يؤيد الأخير أيضا قوله تعالى «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» (3)، و يؤيده شبهة الصف الطويل، الزائد عن حدود البيت بأضعاف منه، فلو لم تكن القبلة هي الجهة للبعيد، للزم بطلان صلاتهم، كما هو الشأن في القريب إلى الكعبة، إذ لا يصح من الصف إلّا ما كان محاذيا للبيت دون الزائد منه.
بل قد يتوهم تأييد اختلاف القبلة للقريب و البعيد، بما يستفاد من بعض النصوص من أنّ «الكعبة قبلة أهل المسجد، و المسجد لأهل الحرم، و الحرم قبلة لسائر البلدان» (4).
هذا، و لكن الإنصاف ان شيئا من هذه الوجوه لا يزاحم إطلاق قوله عليه السّلام: «و جعل بيته قياما للناس، و لا يقبل من أحد توجها إلى غيره» (5)، إذ الظاهر من الشطر- بمعنى الجانب-: انه مأخوذ في الموضوع بنحو
الطريقية، بالنسبة إلى نفس المسجد الحرام، الملازم لنفس الكعبة، فإن المقصود بالأصالة- في أمثال هذه التعبيرات- هو التوجه إلى نفس الشيء، لا إلى جانبه بنحو الموضوعية.
و أما شبهة الصف الطويل، فلأن المدار في استقبال الشيء وقوعه في الدائرة المحيطة به، و من المعلوم انّ شأن هذه الدائرة أنّ تتوسع بازدياد البعد عن المركز، و ربما لا يحس بتقوس مقدار طويل منها، يكون زائدا عن أضعاف الصفوف الطويلة المتعارفة، بحيث يصدق على جميع أهل هذا الصف عدم تجاوزهم عن الدائرة المزبورة. و هذا المقدار يكفي لصدق استقبال عين الكعبة، بلغ الصف ما بلغ.
و أما التفصيل بين أهل المسجد و غيرهم، فلم يلتزم أحد من العاملين بالجهة بذلك تعبدا، فلا بدّ لهم من طرحه أو تأويله.
و عليه فالتحقيق: انّ القبلة هي الكعبة لجميع الناس، للقريب و البعيد، للنص السابق.
نعم قد يتوهم أن استقبال الشيء ربما يختلف عرفا بالقرب و البعد، فربما يكون في الدائرة البعيدة نحو توسعة ليس له هذه التوسعة للدائرة القريبة.
و فيه: انه على فرض تسليم ذلك، فإنه يتنافى مع ملاحظة الأصحاب الخصوصيات في أمارية الجدي، بجعله خلف المنكب الأيمن لأوساط العراق، و بين الكتفين لمن كان في طريق الحج، و خلف الاذن اليمنى لأهل البصرة.
بل احتاط في النجاة، باشتراط كون الجدي في غاية ارتفاعه أو انخفاضه.
إذ اعتبار مثل هذه الخصوصيات، في التوسعة المزبورة للبعيد كيف تجتمع مع ما يرى بالوجدان عدم الفرق في الاستقبال العرفي في أنحاء وضع الجدي.
فاعتبار مثل هذه الخصوصيات، بل التصريح في النص بجعله خلف
المنكب الأيمن لأهل العراق، و بين الكتفين لمن كان في طريق الحج (1)، يكشف كشفا جزميا عن عدم توسعة في الاستقبال للبعيد، بل المدار في الجميع على معنى واحد من كونهم في دائرة، يخرج منها خط مستقيم، و أصل إلى البيت الذي هو مركز هذه الدائرة، و أنّ بانحرافه عنها بقليل ربما ينحرف عن المركز بكثير.
و عليه فقد لوحظ في الجدي خصوصيات ملازمة لوقوعها في الدائرة المزبورة، كما لا يخفى.
و المصلّي في الكعبة يستقبل أي جدرانها شاء، لصدق الاستقبال لأي طرف بلا اشكال، كما أنّ المدار على استقبال تمام بدنه لها دقة، لما في النص من قوله «و لا قلامة ظفر» (2)، فلا يكفي الاستقبال بجزء البدن.
و لا بدّ لمن كان على سطحها أن يبرز بين يديه بعضها حتى في حال السجدة، كي يصدق عليه استقبال البيت، الذي هو قبلة من تخوم الأرض إلى عنان السماء في جميع الحالات.
و كل قوم يتوجهون إلى ركنهم، فالعراقي لأهل العراق، و الركن اليماني لأهل اليمن، و المغربي لأهل المغرب، و الركن الشامي لأهل الشام.
بل عن كشف اللثام، عن بعض معاصريه: انه وضع آلة ليستعلم منها نسبة البلاد إلى جهة الكعبة، فاستعلم منها محاذاة كثير من البلدان مع جهات مختلفة من الكعبة (3). و نقلها في الجواهر بطولها و تفصيلها (4)فراجع.
ثم انه بعد تعيين ماهية الكعبة و كيفية استقبالها، فلا شبهة في لزوم إحرازها مقدمة للفراغ.
فمع التمكن من العلم به و لو للعلم بمحراب صلّى فيه معصوم، أو بسائر القواعد الرصدية، فلا اشكال.
و مع عدمه، فإن كان في البين بينة يحتمل استنادها الى حس أو قريب منه، فتتبع و تقوم مقامه. و أما إن كان مستندها هي القواعد الحدسية غير القريبة إلى الحس، أو الى حس كان خطأ بنظرنا، فلا مجال لاتباعها، لعدم وفاء دليل البينة لمثلها.
و مع عدم التمكن من البينة المزبورة، فالمرجع هي الأمارات المستنبطة من قياسها على أمارية الجدي و نحوها.
و حينئذ فتكون علامة أهل العراق جعل الفجر في زمان اعتدال الشمس محاذيا لمنكبه الأيسر، و الشفق لمنكبه الأيمن، و عين الشمس عند الزوال على طرف الحاجب الأيمن مما يلي الأنف، و الجدي خلف المنكب الأيمن، لما في النص تارة بوضعه على قفاك (1)، و اخرى بجعله على يمينك، و إن كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك (2)، بحمل الفقرة الأولى- بقرينة كون السائل من أهل العراق- لبيان علامة قاطنيه، قبال من كان في طريق مكة خارجا عن العراق.
و بالجملة فيستفاد من مجموع الخبرين ما ذكر، بملاحظة رفع اليد عن ظاهر البعض بنص الآخر، فيؤخذ الخلف من الاولى، و المنكب الأيمن من
الثانية، فيستفاد منهما المرام.
و مقتضى الإطلاق عدم اختصاص هذه العلامة بأوساط العراق لو لا قرينية الراوي عليه، و لعله من هذه الجهة بضميمة القواعد الرصدية، استفادوا اختلافات في وضع الجدي بين وسط العراق أو طرفيه من الموصل و البصرة، بملاحظة ملازمة وضع الجدي للأوساط بالنحو المزبور، مع وضع أهل البصرة قبال الاذن اليمنى، و أهل الموصل بين الكتفين، بل ربما لاحظوا بتلك القواعد لزوم وضع الجدي حال غاية ارتفاعه و انخفاضه.
و لئن لوحظ إطلاق الرواية فلا بد أن يكون في الملحوظ نحو توسعة لا تختلف الحال باختلاف أمكنة العراق، من تخوم الموصل إلى البصرة، و لا ضير في ذلك في مقام الأمارية، لو لا دعوى الجزم بفساده، بمقتضى القواعد المزبورة المقطوع بها عند أهلها.
فلا جرم لا بدّ من التوسعة في القبلة، و ربما يساعد عليها العرف، و إن لم تكن بتلك السعة بحيث تشمل من كان في طريق الشام أيضا.
و لكن عمدة الكلام في الإطلاق المزبور، إذ بعين الوجه الذي يستفاد منه كونها علامة أهل العراق، يستفاد كونها علامة أوساطها، و لا أقل من احتماله، فلا مجال لأصالة الإطلاق، فيبقى «ظهور لزوم التوجه الى عين الكعبة» محكما، و لازمة- بحكم القواعد الرصدية- اختلاف أهل العراق في وضع الجدي.
اللهم إلّا أن يقال: المعتبر من الاستقبال ما هو المتفاهم عرفا و المرتكز عندهم، فإذا دل دليل على خلاف مرتكزهم، فالمعتبر حينئذ هو مقدار شمول الدليل الرادع، و يبقى الباقي تحت متفاهمهم.
و عليه فاحتمال الإطلاق في وضع الجدي لجميع أهل العراق يكفي في التوسعة، فالتضييق حينئذ يحتاج الى الدليل، كما لا يخفى.
اللهم إلّا أن تساعد القواعد الرصدية، مع تساوي أهل الموصل لمن كان في طريق الشام، أو مناسبته لاختلاف أهل البصرة مع أوساط العراق، فإنه حينئذ لا محيص أيضا من استفادة التضييق المزبور، من جهة اختلاف أهل العراق مع من كان في طريق الحج، و عليه فلا تخلو المسألة عن اشكال و حاجة الى تأمل.
ثم ان كون الجدي من الطرق التعبدية، أو كون الأمر به لمحض الإرشاد إلى رفع الجهل، كلام آخر.
و ربما يؤيد الاحتمال الثاني الجزم بعدم مغايرته في الصدر الأول مع المحراب المعلوم صلاة المعصوم فيه، كيف و مع علمهم بالمغايرة لم يحتمل اكتفاؤهم به، و توهم التفاتهم إلى المغايرة في غاية البعد.
و عليه فلا مجال لجعله من الأمارات الظنية التعبدية المجعولة في ظرف الجهل، بل هو من الأمور الرافعة للجهل بالقبلة إرشادا.
فإن قلت: إنّ رافعيته للجهل ربما توجب تعيين نقطة خاصة أيضا من الخلف، القابلة للمحاذاة معها، إذ باختلاف نقطة من ذاك الطرف يوجب الانحراف عن الكعبة بكثير، فيستحيل حينئذ قابلية جميع نقاطها للمحاذاة.
و حينئذ فعدم ملاحظة الشارع ذلك ليس إلّا بملاحظة جعل الحكم الظاهري بالنسبة إلى الأفراد المعلومة اختلاف بعضها للواقع، بلا اقتضاء مثل ذلك تصرفا في موضوع الحكم الواقعي أصلا.
قلت: ما أفيد إنما يصح، لو لا حجية هذا الإطلاق حتى بالنسبة إلى من يعلم بمخالفة بعضها للواقع دقة- و لو بتوسيط الرصد مثلا-، و إلّا فلا محيص عن كشف التوسعة بحسب الواقع، فمع أنه لو لا الإطلاق من تلك الجهة فلنا أن ندّعي: أنّ عدم ملاحظة النقطة الخاصة، كما يناسب الوظيفة الظاهرية، كذلك يناسب التوسعة في الاستقبال الواقعي.
و بعد احتمال هذا المعنى، كان المرجع فهم العرف بعين ما ذكرنا سابقا.
و عليه فلا يبقى لنا طريق لجعل هذه التوسعة من الوظائف الظاهرية، الملازمة لجعل الجدي من الأمارات التعبدية الظنية، و حينئذ صح لنا دعوى:
عدم تقديم الأمارات العلمية على الجدي، و لو بناء على التشكيك في شمول دليله لحال التمكن من العلم، فضلا عما لو قيل بالإطلاق، و أنّ ذلك أيضا من باب التوسعة في أمر القبلة ظاهرا، كما لا يخفى.
و مع فقد الأمارات العلمية، حتى مثل الجدي، أو ما هو معلوم الأمارية بالمقايسة إليه، بل و البينة الشرعية- على التفصيل المشار إليه سابقا- يجزئ الظن الاجتهادي، لما في النص من قوله: «يجزئ التحرّي أبدا إذا لم يدر أين وجه القبلة» (1).
و مع عدم التمكن من الظن المزبور، قد يتوهم الاكتفاء بما بين المشرق و المغرب، لإطلاق قوله: أين حد القبلة؟ قال: «ما بين المشرق و المغرب قبلة كله» (2).
و فيه: انّ غاية ما يستفاد انه ينتهي إليه حد القبلة، و أما أنّ هذا وظيفة من يكون؟ فلم يكن بصدد بيانه. فالقدر المتيقن هو الذي صلّى إليه جهلا أو غفلة، ثم انكشف وقوعها بينهما، و لذا لم يتوهم شمول إطلاقه للمتمكن من تحصيل القبلة بالعلم، بل و بالظن أيضا.
و حينئذ فلا يشمل إطلاقه مقامنا، فلا محيص إلّا أن يصلّي إلى أربع جهات مع الاختيار كما هو المشهور.
و تدل عليه عدة مرسلات (1)، و ربما يستفاد منها عدم جواز الاكتفاء بما بين المشرق و المغرب المذكور، كيف و لو كان كافيا لاكتفي هنا بثلاث صلوات، و ذلك أيضا من شواهد عدم حجية إطلاق الرواية السابقة لحال الالتفات عقلا و نقلا، بعد حمل إطلاق قوله في المتحير: «يصلّي حيث يشاء» (2)على غير المتمكن و لو بقرينة النصوص السابقة.
و لو ترك الاستقبال عمدا أعاد في الوقت و خارجه، لفوت الشرط، و عدم شمول «لا تعاد» للقبلة، فتجب الإعادة حفظا لقضية الشرطية المستفاد من قوله «لا صلاة إلّا إلى القبلة» (3).
و لو كان ظانا أو معتقدا أو ناسيا و كان عمله واقعا بين المشرق و المغرب فلا اعادة مطلقا، للنص السابق، الظاهر في توسعة أمر القبلة في هذه الصورة.
و لو كان إليهما فضلا عن فرض انحرافه عنهما أعاد في الوقت لا خارجه، للنصوص المستفيضة (4)المعمول بها، المشتملة على التفصيل المزبور بعد طرح رواية معمر (5)الواردة في وجوب القضاء أيضا في الفرض المزبور، لضعف السند، و اعراض المشهور عنها.
و إطلاق النصوص يشمل كشف الاستدبار و عدمه، و كون الاشتباه من جهة الشبهة الحكمية أو الموضوعية.
و لو التفت في أثناء الصلاة ففي اندراجه في النصوص المزبورة نظر، كالنظر فيما أفاده المصنف، من قوله: و لو كان مستدبرا القبلة أعاد مطلقا في الوقت و خارجه، و لعلّه من جهة شمول فحوى أخبار الالتفات إلى الخلف في المقام، و فيه: ما لا يخفى، من منع الشمول أولا، و تقييدها بأخبار المقام ثانيا.
و لا يصلّى على الراحلة اختيارا إلّا نافلة.
أما القضية الأولى، فللأمر بحفظ الاستقرار في الفريضة مهما أمكن (1).
و أما مع الاضطرار الى آخر الوقت، فقضية «رفع الاضطرار للشرطية»، و عموم «عدم ترك الصلاة بحال» تقتضي الجواز، بل و الاجتزاء بها، لحرمة تفويت مثل هذه القدرة على الشرائط، الكاشفة عن عدم التمكن من استيفاء المزية الفائتة بإتيانها في خارج الوقت، بعد فرض كون اعتبار مثل هذه الشرائط في الصلاة في عرض اعتبار الوقت فيها، كما أشرنا إليه سابقا، و لازم ذلك جواز مثلها و إن فاتت القبلة أيضا.
و أما الصلاة في السفينة، فمع فوت واحد من الأجزاء و الشرائط، فلا يجوز اختيارا، حفظا للشرائط و الأجزاء مع الاختيار، و مع عدم فوت واحد منها، ففي وجوب الخروج عنها تعبدا نظر، خصوصا مع قوله: «صل فيها، أما ترضى بصلاة نوح (2)»، و إن كان مثل هذه الفقرة توهن إطلاقه لحال الاختيار، و لكن يكفينا الأصل و بقية الإطلاقات.
نعم قد يستشهد- لوجوب الصلاة خارج السفينة مع الإمكان- بالصحيحة المشتملة على قوله: «إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، و إن لم تقدروا
فصلوا قياما، و إلّا فصلوا قعودا» (1)، و إطلاقها من حيث التمكن من حفظ الاستقرار أيضا ممنوع، لملازمته غالبا لفوته، و حينئذ يبقى الأصل و بقية الإطلاقات بحالها.
نعم مع الاضطرار الى آخر الوقت، فلا إشكال في الجواز و صحة الصلاة، بدلالة الرواية السابقة من قوله: «أما ترضى بصلاة نوح».
بل و من إطلاق مثله يستكشف الاجزاء به حتى خارج الوقت، و إلّا فلا بدّ- بمقتضى القاعدة- من التفصيل بين اقتضائه فوت الشرائط فيجزئ، بقرينة حرمة التفويت اختيارا، و بين اقتضائه الاجزاء فلا يجزئ، لعدم اقتضاء تفويتها حينئذ شيئا.
بل الإطلاقات تقتضي وجوب تدارك ما فات من المصلحة الملزمة، فإن كان حينئذ إجماع على عدم الإعادة حتى في صورة فوت الاجزاء فهو، و إلّا فالقاعدة تقتضي التفصيل بين الاجزاء و الشرائط في ظرف قيام الإجماع أيضا على حرمة تفويت الاختيار، و إلّا فالأصل عدم الاجزاء مطلقا حتى في الشرائط.
نعم الذي يسهّل الخطب أن ظاهر كلماتهم في فرض الاضطرار في خصوص باب الصلاة هو الاجزاء مطلقا، فتدبّر.
و أما القضية الثانية، من جواز النافلة على الراحلة اختيارا، فلجملة من النصوص المستفيضة، الشاملة حتى لصورة استلزام الانحراف عن القبلة اختيارا (2).
بل من بعض نصوصها المشتمل على كونه على دابته في الأمصار (1)، يظهر عدم اختصاص الحكم بالمسافر.
و هكذا تجوز النافلة في السفينة، و في النص تنظيره بالمحمل، بل و في ذيله:
«أن النافلة كلها سواء تومئ إيماء» (2).
و في شمول الرواية لحال سكون المحمل أو السفينة، بنحو يتمكن من الركوع و السجود، نظر.
كما انّ في التعدّي إلى حال المشي اختيارا نظر جدا، إذ غاية الأمر ورود النص في النافلة ماشيا في السفر، و هو إنما يقتضي سقوط الاستقرار و الطمأنينة، و أما سقوط القبلة فلا موجب لرفع اليد عنها، لعموم دليلها، و في غير مورد التصريح بالعموم، و لو لا التصريح بنفي القبلة في نصوص المحمل، لما كنا نرفع اليد عنها فيه أيضا، و هكذا في السفينة المنزلة منزلة المحمل، و في غيرهما يبقى دليل القبلة بحالها، كما لا يخفى.
ثم إنّ في جواز النافلة ماشيا و لو إلى القبلة في غير السفر اشكال آخر، لاختصاص نصّه بالسفر، ففي غيره يبقى دليل الاستقرار، الثابت لطبيعة الصلاة بحاله، و اللّٰه العالم.
لا إشكال في شرطيته في الصلاة في الجملة فتوى و نصا (3)، و يكفي من النصوص قوله: الرجل يصلّي في قميص واحد؟ فقال: «إن كان كثيفا
فلا بأس» (1)، بل المنساق من السؤال أن لزوم الستر مرتكز في ذهن السائل، و إنما سأل عما يستر به من الاكتفاء بالقميص الواحد، و نظيره السؤال عن صلاة المرأة في الدرع و الخمار، فأجاب أيضا بأنه «إذا كان كثيفا فلا بأس» (2).
فربما يستفاد من أمثال هذه الفقرات شرطية الستر حال الصلاة، و في شمولها مثل صلاة الميت اشكال، كالإشكال في شمولها للحالات المتخللة أثناء الأفعال، لو لا عموم: «تحريمها التكبير و تحليلها التسليم» (3)، المستفاد منه كون المحرمات الصلاتية، غيرية كانت أم نفسية، باقية من حين الشروع الى حين الفراغ. و لذا نقول: إنّ الأصل في الشرائط شرطيتها حتى في خلال الأفعال.
نعم لا يكاد يشمل ذلك مثل النية، التي هي مقوّم للصلاة القربية، و لعله- من جهة ذلك- فرّق في الجواهر بين النية و غيرها من سائر الشرائط، فلم يعتبر في النية إلّا كونها بنحو يصدر الأفعال بأجمعها عنها، و إن بدا له في الأثناء (4).
ثم إنّ من بعض النصوص (5)- المعمول بها لدى الأصحاب- أيضا يظهر عدم البأس بكشف عورته في صلاته مع جهله به، و إطلاقه ربما يشمل حال التفاته إلى الكشف أثناء الصلاة، و لازمة وجوب المبادرة إلى الستر، فيقع في البين آنا ما غير قادر على الستر، و ذلك يكشف عن عدم الإضرار بهذا المقدار
من الاضطرار، و في التعدّي عنه الى مطلق الاضطرار كاطارة الريح، وجه، و لازمة عدم الإضرار بالاضطرار إلى الترك في شخص الفرد.
هذا كله مضافا إلى ما سيأتي، من بيان تطبيق قاعدة «الميسور» في شخص الفرد، المستتبع لاجزائه أداء و قضاء أيضا. كما هو الشأن في باب الصلاة كلية، مضافا إلى اقتضاء النص المزبور- في خصوص المقام- كون المأتي به تمام مصداق الطبيعة المأمور بها، حيث صرّح بتمامية الصلاة، و عدم الإعادة.
و في فرض النسيان أيضا لا قصور في الاجزاء، لعموم «لا تعاد» لمثله، كما هو الشأن في فرض الجهل بالستر، فظهور «لا يعلم» في الجهل بالموضوع، فلا يشمل الجهل بالحكم، فيكون الجاهل به كالعامد، بعد انصراف عموم «لا تعاد» عن مثله، و ذلك ظاهر.
و يجب ستر العورة، إما بالقطن أو الكتان، أو ما تنبت الأرض من أنواع الحشيش، لعموم رواية تحف العقول: «و كل ما أنبتته الأرض فلا بأس بالصلاة فيه» (1)، مضافا إلى إطلاق «الثوب» الظاهر في المنسوج من جميع الأمور المزبورة، فيشمله ما دل على الصلاة في الثوب الواحد أو ثوب كذا (2)، كما لا يخفى.
و كذا عموم «شيئا يستره» في قوله: «و إن لم يصب شيئا يستره أومأ» (3)، و لازمة عدم لزوم كون الساتر منسوجا قطنا أو حشيشا، بل الأصل يقتضي الاكتفاء بأي نحو من الستر.
ثم إنّ ظاهر الرواية المزبورة- الواردة في الغريق الملقى على الساحل و استبعاد عدم وجدانه الطين أيضا- (1): عدم الاكتفاء بالطين اختيارا، لانصراف «لم يصب شيئا» عن مثله.
كما أنّ إطلاق أمره بالصلاة عاريا مومئا، يقتضي عدم التنزل إلى الطين عند الاضطرار أيضا، و بعين هذا الوجه نقول بعدم التنزل إلى الستر باليد كذلك، و حينئذ فليس للستر مراتب مختلفة، كما لا يخفى.
و أيضا لا فرق بعد صدق الستر و الثوب بين كونه بالمذكورات أو بالخز الخالص بلا إشكال فيه في الجملة فتوى و نصا مستفيضا (2)، و في بعضها:
«لا بأس بطيلسان الخز» (3)و بها ترفع اليد عن عموم النهي عما لا يؤكل على فرض كونه ميتة (4).
نعم قد يستشكل في موضوعه، ففي بعض النصوص: «أنه بحري لا يعيش في البر» (5)، و في آخر: «انه يأوي في الماء، و يرعى في البر» (6)و يجمع بينهما بحمل التعيش على المقيد به. و في بعض النصوص- بعد السؤال من أكل لحم الخز-: «إن كان له ناب فلا تقربه» (7)و ذلك لا يقتضي انحصار الخز بالمأكول، و لا على ملازمة عدم أكله، لعدم صحة الصلاة فيه.
1) وسائل الشيعة 3: 326 باب 50 من أبواب لباس المصلي حديث 1.
2) وسائل الشيعة 3: 260 باب 8 من أبواب لباس المصلي.
3) وسائل الشيعة 3: 263 باب 10 من أبواب لباس المصلي حديث 2.
4) وسائل الشيعة 3: 250 باب 2 من أبواب لباس المصلي.
5) وسائل الشيعة 3: 261 باب 8 من أبواب لباس المصلي حديث 4.
6) وسائل الشيعة 16: 372 باب 39 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث 2.
7) وسائل الشيعة 16: 459 باب 39 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث 3.
و الذي يسهّل الخطب: انه لا يبعد جواز الصلاة فيما هو المتعارف بأيدي الناس و مورد معاملاتهم، من المسمّى بالخز، بضميمة أصالة اتصال هذا المتعارف إلى زمان المعصوم، كسائر سيراتهم الجارية في أمورهم، من دون احتياج إلى إحراز كونه مأكولا أو غير مأكول، يعيش في البر أو لا يعيش، و اللّٰه العالم.
و يلحق بالخز السنجاب، و في النص بعد السؤال عن السنور و السنجاب و الثعلب قال: «لا خير في ذلك إلّا السنجاب (1)»، و في بعض آخر بعد نفي البأس عنه: «و ليس ذلك مما نهى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و إنما نهى عن كل ذي مخلب و ناب (2)»، و هذا النص شارح لإملاء رسول اللّٰه في موثقة ابن بكير (3)، و يكشف عن عدم شمول نهي رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله لمثله، مع كونه مذكورا في طي سؤاله.
و أما غير السنجاب مما لا يؤكل، كالأرنب و غيره، فالنصوص فيها مختلفة ترخيصا و منعا (4)، و مقتضى الجمع: حمل الناهية على الكراهة، إلّا أنه في أخبار «الوبر المغشوش بما لا يؤكل» روايتان (5)، و الإمام رجّح الأخبار الناهية، و ذلك يكشف عن خلل في جهتها، و إلّا فلا وجه لتقديم الترجيح على الجمع، و ذلك أيضا عمدة وجه عدم اعتناء الأصحاب بالمجوزة، مع وضوح الجمع بينهما.
و من البيان المزبور ظهر وجه تقييد المصنف الخز بكونه خالصا.
أو بالصوف و الشعر و الوبر مما يؤكل لحمه إجماعا، و لما في موثقة ابن بكير: «لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّي في غيره مما أحل اللّٰه أكله» (1)، و الصلاة في هذه الأشياء جائزة مطلقا، سواء ذكّي الحيوان أم لا.
و أما الصلاة في جلده فلا بدّ أن يكون مع التذكية، لما في الموثقة المزبورة: «إذا علمت أنّه ذكّي»، و في بعض النصوص تعليق الحرمة بالميتة (2)، و لا منافاة بين كون التذكية شرطا و كون الميتة مانعا، فلا تنافي بين هاتين الروايتين، نعم ربما ينافي شرطية التذكية تعليق عدم الجواز بالعلم بكونه ميتة، و هو خلاف ذيل الموثقة.
و يمكن الجمع بينهما بحمل الأخيرة على ما هو الغالب، من موارد الأسئلة من وجود امارة على الحلّيّة و التذكية، بحيث تحتاج الحرمة إلى العلم الوجداني أو امارة أخرى حاكمة على أمارات الحلّيّة.
و قد وردت نصوص مستفيضة بنفي البأس عما في سوق المسلمين أو اشترى من رجل مسلم (3)، و في آخر: «إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه» (4)، الكاشف بعد ضم معاملة ذي اليد معه عمل المذكّى عن أماريته، فيشكل حينئذ أمارية اليد محضا. و في آخر: «نفي البأس عما صنع في أرض الإسلام» (5).
و بمثل ما ذكرنا من البيان يرتفع التهافت بين الأخبار، و إطلاق «ما صنع» يرفع احتمال دخل وجود أثر الإسلام في اماريته، اللهم إلّا أن يحمل على الغالب من وجود أثره، فتدبّر.
و من التأمل فيما ذكرنا ظهر أنه لا تجوز الصلاة في جلد الميتة و إن دبغ، للإطلاقات السابقة، و لا جلد ما لا يؤكل لحمه و إن ذكّي و دبغ، و لا في صوفه، و شعره و وبره و كل شيء منه كما في موثقة ابن بكير (1)، مضافا إلى النواهي الأخر.
و مع الشك في تذكية المأكول موضوعا فالأصل عدمها، و حكما لا مجال لأصالة عدم التذكية، لعدم تعلّق الشك- في موارد الشبهات الحكمية، بل المفهومية- بعنوان ذي أثر، فالمسألة حينئذ من صغريات الشك في مفهوم الشرط المردد بين الأقل و الأكثر.
و مقتضى البراءة جواز الصلاة فيه، حتى على شرطية التذكية، فضلا عن مانعية الميتة، و لو شك في أنه من المأكول أو غيره، مع الجزم بالتذكية، فمع كون الشبهة حكمية فلا قصور في البراءة أيضا، حتى على شرطية المأكول، لعين ما ذكرنا آنفا.
و مع كون الشبهة موضوعية، فقيل: إنّ المسألة مبتنية على الشرطية و المانعية، فعلى الأولى ينتهي الأمر إلى قاعدة الاشتغال دون الأخرى.
أقول: هذا مسلّم لو كانت المانعية مطلقة، كما هو ظاهر سائر النواهي، و إلّا فبناء على تقييد مانعيته بكونه ملبوسا- كما هو المستفاد من الموثقة، بقرينة ذيلها من قوله: «لا تقبل تلك الصلاة» المشار بها إلى الصلاة الواقعة في
1) وسائل الشيعة 3: 250 باب 2 من أبواب لباس المصلي حديث 1.
اللباس- فلا تجري البراءة حتى على المانعية، لعدم تصور أفراد في خصوص هذا الملبوس، كي ينحل النهي إلى الفرد المعلوم مانعيته و الفرد المشكوك مانعيته، ليصح وقوعه مجرى للبراءة العقلية و النقلية، بل التقييد بعدم كونه من غير المأكول معلوم، و إنما الشك في تحقق القيد محضا، و في مثله لا تجري البراءة، بل الاشتغال محكمة، لو لا أصل موضوعي يحرز عدم اتصافه بالمأكولية، أو عدم كون صلاته هذه واقعة في غير المأكول، نظير أصالة عدم القرشية.
و أما عموم «كل شيء لك حلال»- فعلى فرض كفاية الابتلاء بالوبر في حلّيّة اللحم الخارج عن محل الابتلاء- إنما يثمر في صورة العلم بكون الوبر مضافا إلى خصوص ما شك في كونه مأكولا أو غير مأكول.
و أما لو علم بمأكولية شيء معيّن، و غير مأكولية غيره، و شك في أخذ الوبر عن أيهما، فأصالة الحل حينئذ ساقطة، لعدم تعلّق الشك بشخص معين شك في حلية لحمه، و إنما الشك تعلّق بعنوان «المأخوذ منه الوبر»، و هو ليس من العناوين المحرّمة أو المحللة. و هذا المعنى ميزان كلّي لجريان أدلة الأصول في الشبهات الموضوعية أو الحكمية، من دون فرق بين قاعدة الحلّيّة أو الاستصحاب أو غيرهما، كما لا يخفى.
ثم لو انكشف الخلاف، فإن كان عن نسيان، فلا قصور في شمول عموم «لا تعاد» لجهتي «الميتة» و «غير المأكولية» لو لا جهة نجاستها، و إلّا فقد تقدّم حكم نسيان النجاسة في كتاب الطهارة.
نعم قد ورد النص بعدم الإعادة في عذرة الكلب (1)، و هو في مورد الجهل به من الأول، فلا يشمل فرض النسيان. نعم ربما يستفاد منه الاجزاء من حيث عدم المأكولية، للجزم بعدم التفكيك بين الجهتين في النص المزبور،
1) وسائل الشيعة 2: 1060 باب 40 من أبواب النجاسات حديث 5.
كما لا يخفى. و اللّٰه العالم.
و لا تجوز الصلاة في الحرير المحض للرجال مع الاختيار بلا اشكال فتوى، لقوله عليه السّلام «و لا تحل الصلاة في حرير محض» (1).
و ما في بعض النصوص من نفي البأس في الديباج ما لم يكن فيه التماثيل (2)، معرض عنه لدى الأصحاب، فلا بدّ من تأويله بالمغشوش أو المكفوف.
و يجوز مع الاضطرار المستمر الى آخر الوقت، إذ حينئذ يسقط مانعيته، لعموم قوله: «و ليس شيء مما حرّم اللّٰه إلّا و قد أحله لمن اضطر إليه» (3)، حيث طبّق الإمام مثل هذا العموم في مقام رفع شرطية القيام في المستلقي، و رفع جزئية ركوعه، فيتعدّى حينئذ منهما إلى سائر الواجبات الغيرية.
و هل ظاهر الحلّيّة رفع مانعيته في ظرف الاضطرار، عن جميع مراتب الصلاة، لا عن خصوص مرتبة منها كي به يخصص أصل دليل الشرطية أو المانعية، في ظرف الاضطرار، عن مرتبة منها محفوظة في هذه الحالة، المستتبع لتقييد دليل الشرطية ببعض مراتبه، كي لا يقتضي مثله الاجزاء عن القضاء، إلّا في فرض إحراز حرمة التفويت بالنسبة إلى الشرائط المعتبرة في عرض الوقت؟
ظاهر إطلاق كلماتهم في باب الصلاة الاضطرارية هو الاجزاء، كما هو الشأن في المضطجع و المستلقي المستمر اضطرارهما إلى آخر الوقت.
و لكن ظاهر جملة كلماتهم في باب غسل الميت الاضطراري و أمثاله: عدم
الاجزاء، حيث التزموا بوجوب إتيان الاضطراري منه حتى مع العلم بخروجه من القبر بعد مدة، و وجوب إعادته بعد خروجه، و الحال انّ لسان دليل الاضطرار، و كيفية تطبيقه في جميع المقامات، بنسق واحد.
و حينئذ فلا أوثق في البين من دعوى عدم إطلاق في مثل دليل الاضطرار لرفع الشرطية عن جميع المراتب، بل غاية الأمر في ظرف الاضطرار ثبوت مرتبة اخرى من الصلاة.
و يشهد لذلك أيضا إطباقهم على وجوب تحصيل التعلّم للقراءة، فيتعدّى إلى وجوب حفظ سائر المقدمات في وقتها أيضا، لإمكان دعوى الجزم بعدم خصوصية للتعلم في ذلك.
و حينئذ فوجوب حفظ المقدمات، و حرمة تفويت الاختيار في وقته، مع عدم سقوط الصلاة بحال، و لو بعد التفويت، قرينة قطعية على عدم وفاء المضطر إليه بتمام الغرض.
و بعد ذلك نقول: انه يبقى دليل الشرطية على حاله بالنسبة إلى تحصيل المزية الفائتة، فلازمه- لو لا قيام الإجماع على حرمة تفويت الشرائط مع الاختيار- عدم الاجتزاء به بعد مضي الوقت و طروء الاختيار، و عليه فلا بدّ في خصوص باب الصلاة من قيام أحد الإجماعين، اما على حرمة التفويت، أو الوفاء بتمام المصلحة، كما أنه في غير الشرائط لا بدّ من الإجماع الثاني، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
لعموم قوله: «كل ما لا يجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه، مثل التكة من الإبريسم، و القلنسوة،
و الخف، و الزنار» (1).
و ظهور الخف في الجلد غالبا يمنع عن تخصيص العام المزبور بالحرير، اللهم إلّا أن يحمل على ما هو المتعارف في زماننا، المسمّى ب (گيوه) إذ يمكن كونها من الحرير، فلا وجه للتعدي-- بقرينة الأمثلة المزبورة- الى غير الحرير، كما انّ الأصحاب أيضا لم يتعدّوا إلى غير الحرير من سائر الموانع السابقة، و على فرض العموم لا بدّ من جعل فهمهم خصوص الحرمة، قرينة على التخصيص، كما يشهد به إطلاق كلماتهم في مانعية سائر الموانع، كما لا يخفى.
و بالجملة نقول: انّ النص المزبور في خصوص باب الحرير كاف في الجواز، و ما ورد من النهي عن الصلاة في القلنسوة (2)أيضا، محمول على الكراهة، كما هو ظاهر.
للتصريح به في رواية عمر (3)، و تحديده إلى أربع أصابع. و في نص آخر: «لا بأس عن سداه و زرّه و علمه» (4)، و لا بأس بالأخذ بمضمونها، بعد معموليتها لدى الأصحاب.
بلا إشكال في غير حال الصلاة، لمضمون قوله: «أما في الحرب فلا بأس به» (5).
أما حال الصلاة فلا نص بخصوصه، غير إطلاق الرواية السابقة فيعارض
مع إطلاق النهي عن الصلاة فيه، فيتساقطان، فيرجع في مانعيته إلى البراءة.
و قد توهم بعد شمول الإطلاق السابق لحال الصلاة اختيارا، لغلبة الاضطرارية و هو صحيح، لو لم يشمل حال الحرب حال مقدماتها المشرفة بها، أو التخللات الواقعة في خلالها، و إلّا فشموله لحال الصلاة اختيارا ظاهر، كما لا يخفى.
و يجوز لبسه للنساء في الصلاة و غيرها، و في النص: «النساء يلبسن الحرير و الديباج إلّا في الإحرام» (1)و الاستثناء يؤكد عمومه لحال الصلاة. و في خبر آخر: استثناء الصلاة أيضا (2)، و هو مطروح أو مؤوّل بالكراهة.
و بالمرسلة السابقة المعمول بها يخصص عموم «لا تحل الصلاة» (3)، الشامل للنساء أيضا، لأظهريتها، و لا أقل من التعارض فيتساقطان، فالمرجع البراءة عن المانعية، كما هو الشأن في الخنثى المشكل، بناء على نفي الطبيعة الثالثة، للشك في توجه النهي إليه، فيرجع إلى البراءة بعد ما لم يكن في البين أصل موضوعي.
و لكن ذلك لو لا كونه طرف العلم الإجمالي لبعض المحرمات على النساء محضا، و إلّا فأمره مشكل، خصوصا مع إطلاق دليل المانعية، كما لا يخفى.
و لا بأس أيضا للركوب عليه، و الافتراش، و الالتصاق بالثوب و أمثاله، الخارجة عن صدق الصلاة فيه، أو اللبس عليه، لعدم مقتض لحرمتها.
و ما في النص: «و هذا الحرير حرام على ذكور أمتي» (1)، منصرف إلى لبسه، و لو بقرينة فهم الأصحاب، و إلّا فيطرح، للعلم الإجمالي بطرح سنده أو دلالته.
بلا اشكال، و لو من جهة كون الصلاة فيه نحو تصرّف للغصب، و إلّا فملازمته للأفعال الصلاتية ممنوعة، غاية الأمر ملازمة الهوي و الصعود لتحريكه، و حرمتها غير مضرّة بالعبادة، كما أنّ قوله: «ان تنظر فيم تصلّي و علام تصلّي» (2)أيضا لا يقتضي إلّا نفي القبول، و هو أعم من نفي الصحة.
و العمدة في المسألة: الإجماعات الكاشفة عما ذكرنا، كما لا يخفى.
و لا تجوز الصلاة أيضا في الحلي للرجال، بل مطلق لباسه بلا اشكال، لخبر عمار: «لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلّي فيه» (3)، و في نص آخر: «جواز التختم للنساء بالذهب في صلواتها و عدمه للرجال» (4)، و ظاهر النهي هو:
المانعية الواقعية، فيضر بها جهلا بالحكم أو الموضوع أيضا، بعد عدم شمول «لا تعاد» بقرينة ذيله لغير مورد النسيان.
نعم لا مانع من شموله لحال النسيان، كما لا يخفى.
و في شمول النهي في الصلاة لما هو جائز في غيره اشكال، لعدم إطلاق في النواهي يشمل ذلك، فيبقى ذلك تحت أصالة البراءة عن المانعية، و اللّٰه العالم.
و لا تجوز الصلاة فيما يستر ظهر القدم إذا لم يكن له ساق عند المصنف و جماعة من القدماء، لما في مرسلة الوسيلة: «إنّ الصلاة محظورة في النعل السندي و الشمشك» (1)، مؤيدا بإجماع التذكرة.
و لا يخفى ما في الوجهين، لعدم الوثوق بسند الرواية بعد اعراض المشهور، و عدم حجية نقل الإجماع.
و لا يوجب بناؤهم على الكراهة توثيق الرواية بعد اعراض المشهور، و عدم حجية نقل الإجماع.
و لا يوجب بناؤهم على الكراهة توثيق الرواية بعد احتمال كونه بمناط التسامح في مثلها، فالأصل حينئذ البراءة عن المانعية، بل و في الكراهة الشرعية- لعدم تمامية قاعدة التسامح عندنا- إشكال، و لا بأس بتركه رجاء.
و على أي حال لا يتعدّى من مورد النص إلّا إلى ما كان مثل المنصوص، مما يستر ظهر القدم و لم يكن له ساق، كما لا يخفى.
و تكره الصلاة في الثياب السود إلّا العمامة، بل يكره مطلق لبسها للنهي عنه، «و أنه من لباس فرعون» (2).
و في النص أيضا: «لا تصلّ في ثوب أسود» (3)، و نص آخر مشتمل على القلنسوة السوداء و الصلاة فيها، معلّلا بأنها لباس أهل النار (4).
و مثل هذه التعليلات مانعة عن انعقاد ظهورها في الحرمة، لأنها من قبيل اتصال الكلام بما يصلح للقرينية، فالأصل البراءة عن المانعية، خصوصا مع ضعف اسنادها و عدم جابر لها.
و أما العمامة فقد ورد النص (5)على استثنائه مع الكساء، و الخف
1) وسائل الشيعة 3: 311 باب 38 من أبواب لباس المصلي حديث 7، الوسيلة: 88.
2) وسائل الشيعة 3: 278 باب 19 من أبواب لباس المصلي حديث 5.
3) وسائل الشيعة 3: 281 باب 20 من أبواب لباس المصلي حديث 2.
4) وسائل الشيعة 3: 280 باب 20 من أبواب لباس المصلي حديث 1.
5) وسائل الشيعة 3: 281 باب 20 من أبواب لباس المصلي حديث 2.
و لا ضير بأخذه، إذ حكمهم بنفي الكراهة شاهد عملهم بالرواية، فينجبر سندها بذلك، كما لا يخفى، و من هنا ظهر حال الخف بل الكساء أيضا.
و يكره أيضا أن يأتزر فوق القميص في صلاته، لنص أبي بصير و فيه «انه من زي الجاهلية» (1).
و أن يستصحب الحديد ظاهرا في صلاته، و في النص النهي عن التختم به، و انه من زينة الجن و الشياطين (2)، و في قباله ما في التوقيع من التصريح بالجواز (3).
و يكره أيضا اللثام للرجال حالة الصلاة على الأرض، و كذا النقاب للمرأة، للنص في الرجل المختص بالأرض (4)، و أما على الدابة، فلا بأس. و في المرأة إن أسفرت فهو أفضل، و في استفادة الكراهة منه نظر.
و يكره أيضا القباء المشدود في غير الحرب على المعروف عند الأصحاب، و لم أر له مستندا، و لا بأس بتركه رجاء.
و اشتمال الصماء، للنهي عنه في النص (5).
و يشترط في الثوب الطهارة في حال الصلاة، على ما تقدّم في كتاب الطهارة، و ذكرنا شرح ما أفاده المصنف من قوله: إلّا ما عفي عنه مما تقدّم.
و يشترط الملك أو حكمه من الاذن من قبل من له سلطنة عليه، لما عرفت من حرمة التصرّف في مال الغير، و مثل هذه الحرمة لما كان بمناط المزاحمة لا يكون مانعا واقعيا، إلّا مع الجهل بحكمه تقصيرا، و إلّا فمع المعذورية لا بأس بالصلاة فيه واقعا، كما لا يخفى.
و عورة الرجل التي هي موضوع وجوب الستر إجماعا قبله و دبره، و في وجوب ستر الحجم إشكال، و لا يعتبر في وجوب الستر وجود ناظر محترم، و يجب سترهما في الصلاة مطلقا إجماعا، مضافا إلى ما يستفاد من فحاوي نصوص الباب (1).
و جسد المرأة كلها عورة في باب الصلاة، كما يستفاد من قوله:
«أدنى ما تصلّي فيه المرأة درع و ملحفة تنشرها على رأسها و تجلّل بها» (2)، و في آخر: «المرأة تصلّي في درع و مقنعة» (3)، و في ثالث: «تصلّي المرأة في ثلاثة أثواب: إزار، و درع، و خمار»، و في ذيله: «إن لم تجد فثوبين تستر بأحدهما و تقنع بالآخر» (4).
و ظاهر الأخير: لزوم ستر بدنها و رأسها و عنقها، الملازم لستر مقدار من شعرها، إذ ذلك هو المقدار الذي يقتضيه ستر المقنعة، و ثوب البدن.
و لا يستفاد منهما ستر كفيها و لا قدميها و لا وجهها، كما هو الظاهر من اقتضاء الستر بالثوب و المقنعة، و في اقتضائها أيضا ستر جميع شعرها أيضا نظر.
و إلى ما ذكرنا أشار المصنف بقوله: و يسوغ لها كشف الوجه
و اليدين بمقدار كفيها و القدمين.
و يجوز للأمة و الصبية كشف الرأس، لما في النص في الأمة (1)، و في الصبية مفهوم قوله: «إذا حاضت فلا تصلّي إلّا بخمار» (2).
و في شمول النص الأول للمعتقة إشكال.
و لو اعتقت في أثناء الصلاة، فمع عدم التراخي في تحصيل الساتر، يمكن القول بالصحة، لعموم الاضطرار، على اشكال فيه، و معه فالأقوى بطلان صلاتها، للنواهي، بعد انصراف نص الأمة عن حال انعتاقها، و اللّٰه العالم.
و يستحب للرجل ستر جميع بدنه و رداؤه أفضل، للنص الوارد في حق إمام الجماعة بفضيلة الرداء (3)، و في التعدّي إلى غيره- لو لا فهم الأصحاب- نظر، و لا بأس به رجاء.
و للمرأة ثلاثة أثواب: قميص، و درع، و خمار، لبعض النصوص الشاملة لذلك (4).
و لو لم يجد ساترا صلّى قائما بالإيماء إن أمن من اطلاع غيره، و إلّا قاعدا مومئا على ما تقدم شرح ذلك في كتاب الطهارة، و أشرنا هناك أيضا إلى وجود النص بالحفيرة (5)، فيصلّي صلاة المختار، فراجع هناك و لا حظ، و اللّٰه العالم.
و هو كل فراغ تشغله الصلاة، فضاء كان أم غيره، سطحا أم غيره.
و لا إشكال في صحة الصلاة في كل مكان، مع طهارة موضع السجدة، كما سيجيء وجه ذلك، إلّا في الغصب مع عدم رضاء صاحبه، و إلّا فيخرج عن الغصبية بالنسبة إلى المصلّي، و إن كان غصبا بالنسبة إلى غيره، أو غير صلاته من سائر تصرفاته.
و حيث انّ النهي المزبور مضرّ بقربيتها، لا انه مانع شرعي مضر بمقام مصلحتها الداعية على الأمر بها، فلا يكون مانعيته إلّا في ظرف تنجز نهيه، كما هو الشأن في كلية باب المزاحمات، و به يمتاز عن باب التعارض و التخصيص، المانع عن إطلاق المصلحة، كما هو ظاهر.
و حينئذ فلا تبطل الصلاة إلّا مع العلم بالغصبية أو ما بحكمه، مع العمد إليها، و أما مع الجهل بها حكما قصورا، أو موضوعا قصورا أو تقصيرا فلا بطلان، بل العمل المزبور لا قصور في مقربيته بعد سقوط النهي عن المبعدية.
نعم مع الجهل بالفساد، و لو عن قصور لا يأبى النهي عن مبعديته، فلا يصلح العمل حينئذ للمقربية.
كما أنه مع الاضطرار عن قصوره، الباقي الى آخر الوقت، أيضا لا بأس بمقربية إتيان العمل بداعي التوصل به الى المصلحة و الغرض، بلا احتياج الى التقرب بالأمر أو مجرد رجحانه، كي يرد عليه بأنه مع فرض عدم الجواز كان العمل مرجوحا، فلا رجحان فيه فكيف يتقرب به؟
و كذلك لو لم يبق إلى آخره، مع علمه أيضا فضلا عن جهله، لأنّ الاضطرار سبب لعدم مبعدية النهي فلا يزاحم جهة مقربيتها، و لو بالنحو الذي تصوّرناه.
نعم لو كان الاضطرار عن تقصير فيجب عليه مع العلم بالمندوحة انتظار اختيارها، و مع عدمه و استصحابه الاضطرار الى آخر الوقت، يمكن أن يكون
بحكم العلم بالعدم.
فمع التوبة عن المعصية السابقة لا بأس بصلاته صلاة المختار، بعد الجزم بعدم اقتضاء الصلاة بأي كيفية عصيانا زائدا، لأن الجسم يحتاج الى مقدار من الحيز مجتمعا أو منبسطا بلا ازدياد غصب في أي حال.
نعم لو كان السطح غصبيا بلا غصبية الفضاء، فلا محيص من استلزام السجود عصيانا زائدا، فلا يبعد اقتضاء تقديم حق الناس على حق اللّٰه الحكم بسقوطه، و الاكتفاء بانحنائه بمقدار لا يستلزم التصرف بمناط حكم من لم يتمكن من وضع جبهته، و إلّا فيومئ، كما هو الظاهر.
و لو كان متمكنا من الخروج في فرض قصوره، و كان الوقت مضيقا، فلا محيص من وجوب الخروج و الصلاة حال خروجه، مراعيا فيه ما يتمكن من الأفعال من قيام و ركوع.
و أما سجوده حيث انه يستلزم غصبا زائدا، فيجب مع التمكن من الخروج بالنحو المتعارف، غير المستلزم للمشقة، فينحني بمقدار السجود بلا وضع، بل و مع إمكان الوضع و جرّه يجب، حفظا للميسور مهما أمكن.
و مع عدم التمكن من جميع هذه المراتب، أو كونه حرجيا فتسقط السجدة، فينقل إلى الإيماء، لثبوت بدليته لها في نظائر المقام.
ثم انّ حفظ بقية الأفعال مع تقصيره، إنما يجب و يصح منه لو كان مسبوقا للتوبة الرافعة لأثر العصيان السابق، و إلّا فمجرد الأمر بالخروج بمناط اختيار أقل القبيحين لا يخرج العمل عن المبعدية بالتقصير السابق، فكيف يصح منه الأفعال الصلاتية، بل لا محيص إلّا من الالتزام بخروج الأكوان عن جزئية الصلاة، و انحصر أمرها بالاشارات القلبية، تقديما للغصب الذي هو حق آدمي على جزئية الأكوان التي هي من حقوق اللّٰه تعالى.
و عليه فمع التمكن من إتيان بقية الأفعال مع التوبة يجب تحصيلها، و لو
بتحصيل التوبة، و حينئذ فيجب التوبة بمناط المقدمية أيضا، كما لا يخفى هذا.
ثم أنّ في جميع صور الاضطرار لا بدّ أن يراعى أقل زمان يحتاج إلى غصبية المكان، و لو بملاحظة زمان رفع اضطراره، بجعل نفسه في مكان لا يبتلي عند خروجه عنه، بعد رفع الاضطرار إلى التصرف في الغصب.
ثم انه يكفي في مناط الغصبية مجرد كون المحل متعلقا لحق غيره، و لا يشترط كونه ملكه. و في كفاية حق السبق في الأمكنة المباحة للعامة، كالرباطات و أمثالها من الأوقاف العامة إشكال، و ذلك لأنّ دليل أحقية السابق لا يقتضي إلّا ترجيح السابق على غيره، و من المعلوم أنّ نسبة كل أحد في المشتركات واحدة، و لم تكن سلطنته أزيد من حق الانتفاع بلا حق له متعلّق بالرقبة أو المنفعة، فالأحقية في هذا المقام عبارة عن عدم مزاحمة الغير له على الانتفاع من المحل، ما دام السابق بصدد الانتفاع.
و مثل هذا المعنى لا يقتضي إلّا عدم مزاحمة السابق بمنعه عن تصرفه، و ذلك يقتضي حرمة تصرّف الغير في ظرف المنع.
و من البيانات المزبورة ظهر وجه ما أفاده المصنف بقوله: كل مكان مملوك أو مأذون فيه تجوز فيه الصلاة، و تبطل في المغصوب مع العلم بالغصب، أو ما بحكم العلم، من أمارة متبعة، أو الجهل بالحكم تقصيرا، و نسيانه كذلك حكما و موضوعا.
نعم قد يدّعى قيام السيرة على عدم اجراء حكم الغصب على بعض الموارد، حتى مع كونه مال صغير و مع غفلة وليه، كالصلاة في الأراضي المتسعة و الجلوس فيها، بل و الوضوء من القنوات الجارية المملوكة، بل و الشرب منها.
و في شمول معقد السيرة صورة نهي الولي أو المالك، بل و العلم بعدم رضاهما اشكال.
و لو تلبّس بالصلاة على وجه صحيح، فالتفت الى نهي المالك من الأول، فتبطل صلاته من الحين.
و في سلطنة المالك على نهيه بعد دخوله في الصلاة باذنه، وجه وجيه.
و توهم بعضهم انّ أدلة سلطنة المالك إنما تشتمل المورد القابل، و قابلية المحل للنهي، من جهة شبهة وجوب إتمام ما بيده و حرمة قطعه، أول الكلام، فغاية الأمر أن ينتهي إلى الشك فيرجع إلى استصحاب حرمة الابطال.
و لعله إلى مثل هذا التقريب نظر بعض الأعاظم في نجاته، حيث أفتى بإتمام صلاته مستقرا.
لكن فيه: انّ دليل السلطنة يرفع موضوع حرمة القطع، فيجعله مصداق الانبطال لا الابطال، مع أنه على فرض تسليم صلاحية كل واحد لرفع المحل عن قابلية غيره، فالمرجع استصحاب سلطنة المالك لا حرمة القطع، لأنّ الشك في الثاني سبب عن الأول.
و لئن أغمض عن الحكومة أيضا فيتعارض الاستصحابان، فيرجع إلى البراءة عن حرمة قطعه.
و يشترط طهارة موضع الجبهة إجماعا، للرواية المعروفة في الجص المصرحة ب «انّ النار و الماء قد طهراه» (1)، إذ مثل هذه العلّة- و إن كانت
1) وسائل الشيعة 3: 602 باب 10 من أبواب ما يسجد عليه حديث 1.
مجملة- إلّا أنه لا يضر بدلالته على اعتبار الطهارة في موضع السجدة من الجبهة.
هل تجوز صلاة الرجل بمحاذاة المرأة مطلقا، أو لا يجوز كذلك، أو لا يجوز إلّا مع ساتر بينهما، أو فصل عشرة أذرع، أو أقل؟ فيه خلاف منشؤه:
اختلاف أخبار الباب.
ففي طائفة النهي عنها مطلقا (1)، و في أخرى: «إذا كان بينهما حاجز فلا بأس» (2)، و في ثالث: «إذا كان بينهما عشرة أذرع» (3)، و في رابع أكثر منه (4)، و في خامس: «قدر شبر أو ذراع» (5)، و في سادس: «قدر ما لا يتخطى» (6)، و في سابع «إطلاق نفي البأس بحذاها» (7).
و لا يخفى أنه لو لا اعراض الجل عن النافية المطلقة، كان مقتضى الجمع الحمل على مراتب الكراهة، كما في النجاة، و لعل اشكال شيخنا العلّامة في حاشيته (8)ناظر الى ما أشرنا إليه، فتدبّر.
1) وسائل الشيعة 3: 425 باب 5 من أبواب مكان المصلي.
2) وسائل الشيعة 3: 431 باب 8 من أبواب مكان المصلي.
3) وسائل الشيعة 3: 431 باب 7 من أبواب مكان المصلي حديث 2.
4) وسائل الشيعة 3: 431 باب 7 من أبواب مكان المصلي حديث 1.
5) وسائل الشيعة 3: 427 باب 5 من أبواب مكان المصلي حديث 3.
6) وسائل الشيعة 3: 428 باب 5 من أبواب مكان المصلي حديث 8.
7) وسائل الشيعة 3: 429 باب 5 من أبواب مكان المصلي حديث 10.
8) و هي حاشية الشيخ الأعظم الأنصاري على نجاة العباد.
أما الأول فلنصوص مستفيضة (1)بل متواترة، مشتملة بعضها على اختلاف مراتب فضل الصلاة، باختلاف فضل المساجد، من مسجد الحرام، و مسجد النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، و مسجد القبيلة، و مسجد السوق (2).
و إطلاق المصنف يشمل الذكر و الأنثى، لكن ورد في الأنثى بأنّ الأفضل في حقها الصلاة في البيوت (3)، و في النص: «انها خير مساجد نسائكم» (4).
و أما الثاني فلما في النص: «أفضل صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة» (5)، و في آخر: «أمرهم أن يصلّوا النوافل في بيوتهم» (6)، حكاهما في التذكرة (7)فراجع.
نعم في النص استحباب النافلة عند قبر الحسين عليه السّلام، و أنها تعدل بعمرة و الفريضة تعدل بحجة (8)، و كذا وردت المطلقات على استحباب الصلاة عند علي عليه السّلام (9).
بل و يتعدّى في فضل الصلاة المكتوبة إلى كل مشهد، لما ورد في سر فضل الصلاة في المسجد، بأن المساجد بنيت في كل بقعة وقعت رشة من نبي أو وصي نبي (10).
1) وسائل الشيعة 3: 477 باب 1 من أبواب أحكام المساجد.
2) وسائل الشيعة 3: 551 باب 64 من أبواب أحكام المساجد حديث 2.
3) وسائل الشيعة 3: 509 باب 30 من أبواب أحكام المساجد.
4) وسائل الشيعة 3: 510 باب 30 من أبواب أحكام المساجد حديث 2.
5) كنز العمال 7: 772.
6) سنن البيهقي 2: 193.
7) تذكرة الفقهاء 1: 91.
8) وسائل الشيعة 10: 406 باب 69 من أبواب المزار حديث 3.
9) وسائل الشيعة 10: 406 باب 69 من أبواب المزار حديث 3.
10) وسائل الشيعة 3: 501 باب 21 من أبواب أحكام المساجد حديث 1.
و تكره الصلاة في الحمّام، و في النص: «الأرض كلها مسجد إلّا الحمّام» (1)، و في آخر: تفسير ما لا بأس بالصلاة فيه بالمسلخ (2)، و ذلك شاهد خروجه عنه.
و وادي ضجنان، و الشقرة، و البيداء، و ذات الصلاصل، لصحيحة معاوية (3)، بضميمة رواية أحمد (4).
و بين المقابر و إليها و عليها، كما هو المشهور، للنهي عن كل واحد في نص مخصوص (5).
و في بعض النصوص الترخيص فيها بين القبور (6)، الشامل للصلاة إليها أيضا، و لعل في شموله اشكالا، و لكن يكفي له عدم الفصل، بل و ضعف مستنده.
نعم في بعض النصوص ملاحظة بعد عشرة أذرع من الجوانب الأربع (7)، فالأمر يدور بين تقييد تلك الروايات، و حمل النهي على الحرمة، أو الالتزام بمراتب الكراهة، و لا أقل من تصادم الاحتمالين، فلا يبقى حجة على الحرمة، كما لا يخفى.
و أرض الرمل و السبخة، للنهي عنه في الثانية (8)، و تعليله جار في الأول أيضا.
1) وسائل الشيعة 3: 466 باب 34 من أبواب مكان المصلي حديث 4.
2) وسائل الشيعة 3: 466 باب 34 من أبواب مكان المصلي حديث 1.
3) وسائل الشيعة 3: 450 باب 23 من أبواب مكان المصلي حديث 1.
4) وسائل الشيعة 3: 451 باب 23 من أبواب مكان المصلي حديث 2.
5) وسائل الشيعة 3: 453 باب 25 من أبواب مكان المصلي.
6) وسائل الشيعة 3: 453 باب 25 من أبواب مكان المصلي حديث 4.
7) وسائل الشيعة 3: 453 باب 25 من أبواب مكان المصلي حديث 5.
8) وسائل الشيعة 3: 447 باب 20 من أبواب مكان المصلي حديث 2 و 3.
و معاطن الإبل، للنهي عنه في بعض النصوص (1)، المحمول- بقرينة نفي البأس عنه مع يبسه في الآخر (2)- على الكراهة.
و يلحق به مرابض الخيل و البغال، للنهي عنه أيضا في بعض النصوص (3)، و كذلك مرابض الغنم في بعض آخر (4).
و لا يبعد رفع الكراهة في الإبل و الغنم برش الماء على محالها، جمعا بين النصوص.
و قرى النمل، كما في رواية العلل (5)، و تفسير العياشي (6)، و من التعليل فيها يتعدّى الى كل محل يوجب تأذيها.
و جوف الوادي، و هو بطن الوادي، و هو من العشرة المنهي عنها في خبر ابن فضيل على ما رواه في المعتبر (7).
و في جواد الطرق غير الموقوفة للاستطراق محضا، و إلّا فلا تصح الصلاة فيها، كما لا يصح مع مزاحمة المارين في غيرها، على اشكال فيها، مع كونه أسبق لكونه أحق بمكانه، و ما في الروضة من إطلاق بطلانه حينئذ (8)نظر.
و أما الكراهة في الجواد، فلما في النص من «انه يكره أن يصلّي في الجواد» (9).
1) مستدرك الوسائل 3: 338 باب 12 من أبواب مكان المصلي.
2) وسائل الشيعة 3: 443 باب 17 من أبواب مكان المصلي حديث 4.
3) وسائل الشيعة 3: 443 باب 17 من أبواب مكان المصلي حديث 3.
4) وسائل الشيعة 3: 443 باب 17 من أبواب مكان المصلي.
5) علل الشرائع: 358.
6) تفسير العياشي 2: 286.
7) المعتبر 2: 113.
8) الروضة 1: 223.
9) وسائل الشيعة 3: 444 باب 19 من أبواب مكان المصلي حديث 1.
و إتيان الفريضة في جوف الكعبة، للنهي عنه في النص (1)، و في آخر: «لا ينبغي» (2).
و بيت المجوس، لما يستفاد من قوله: «رش و صلّ» (3)، و لازمة رفع كراهته بالرش.
و بيت النيران، للشهرة، و شمول بعض التعليلات الواردة في الصلاة في بيت فيه الصلبان.
أو يكون بين يديه، أو إلى أحد جانبيه امرأة تصلّي، أما أحد الجانبين فقد مرّ الكلام فيه، و في النص: النهي عن أن يصلّي و بين يديه امرأة تصلّي (4).
و الظاهر عدم الفصل بين الطرفين في الفرضين.
و الظاهر كون الشرط في حرمة الصلاة أو كراهته صحة صلاتها من غير جهة المحاذاة، كما أنه لا فرق بين ابتدائهما في الصلاة متحاذيين، أو حدوث المحاذاة في الأثناء، من دون فرق أيضا بين كون صلاة الرجل مقدما أو صلاة المرأة.
و توهم أنّ صلاة المقدّم صحيحة من جهة انعقاد الثانية باطلة فلا يضر، مدفوع بأنّ البطلان من غير جهة المحاذاة مفروض العدم، و من جهتها كان نسبة البطلان الى حدوث الثانية أو بقاء الاولى على السوية، فنسبة البطلان حينئذ إلى أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، كما لا يخفى.
أو إلى باب مفتوح، أو إنسان مواجه، أو نار مضرمة، أو حائط ينزّ
من بالوعة على المشهور في الجميع، و لمرسل البزنطي (1)في الأخير، و للنص المشتمل على النهي عن الصلاة و بين يديه مجمرة أو السراج (2)في سابقة، و لأخبار السترة (3)المحمولة على حكمة رفع الكراهة من المواجهة إلى الإنسان أو الباب، و إلّا فلم أر نصا فيهما بالخصوص.
بلا اشكال نصا و فتوى.
و يدل عليه النصوص (4)المستفيضة، و في بعضها: «لا يجوز السجود إلّا على الأرض، أو ما أنبتته إلّا ما أكل أو لبس» (5)، و في آخر: مثله باستثناء القطن و الكتان (6)، إلى غير ذلك.
و لا شبهة في كفاية مسمّى الأرض في المقام، و مع الشك في انقلابه عن الأرضية يستصحب سابقها ما دام العرف مساعدا.
و لا شبهة في خروج المعادن عن عنوان الأرضية، كما لا شبهة فيما أنبتت الأرض، و أما ما نبت على وجه الماء فغير داخل فيما ذكر، فلا يجوز السجود عليه، مثل ما ينمو من الحيوان.
كما أن المراد مما أكل أو لبس ما له شأنية ذلك عادة، لا خصوص الفعلي منهما.
1) وسائل الشيعة 3: 444 باب 18 من أبواب مكان المصلي حديث 2.
2) وسائل الشيعة 3: 459 باب 30 من أبواب مكان المصلي حديث 1 و 2.
3) وسائل الشيعة 3: 436 باب 12 من أبواب مكان المصلي.
4) وسائل الشيعة 3: 591 باب 1 من أبواب ما يسجد عليه.
5) وسائل الشيعة 3: 591 باب 1 من أبواب ما يسجد عليه حديث 1.
6) وسائل الشيعة 3: 592 باب 1 من أبواب ما يسجد عليه حديث 3.
و في النص: «النهي عن السجود على الحنطة و أمثالها» (1)، و في النص السابق: «استثناء القطن و الكتان» (2).
و في جواز الصلاة على قشورها بعد انفصالها اشكال، فيستصحب عدم الجواز الذي كان حين اتصاله، فتأمل.
و يجوز السجود على على القرطاس، للنصوص المستفيضة المجوزة له (3)، و إن كان متخذا من المأكول و الملبوس كما هو الغالب، و يعتبر وقوع الجبهة على الكاغذ كغيره بلا حائل من كتابة أو غيرها.
و ما في النص من نفي البأس عن السجود على المكتوب (4)، منزّل على المتعارف من وقوع مقدار من الجبهة على الكاغذ في خلال الكتابة.
و جواز السجود على ما ذكر إنما هو فيما إذا كان مملوكا أو في حكمه، خاليا عن النجاسة و لا يجوز على المغصوب مع العلم دون الجهل المعذر بلا اشكال، لما عرفت من اتحاد الكونين، الموجب لتغليب حرمته على وجوبه.
و أن لا يكون على النجاسة، لما عرفت من شرطية طهارة محل الجبهة، أما غير الجبهة من سائر المواضع السبعة فلا يعتبر فيها الطهارة، بل يلزم أن لا يكون فيه نجاسة متعدّية إلى يديه و لباسه.
و إلى ذلك أشار المصنف بقوله: و لا يشترط طهارة مساقط بقية أعضاء السجود، للأصل، بعد فقد الدليل، بل عليه تسالم الفتاوى.
و لا يجوز السجود على ما ليس بأرض كالجلود و نحوها، أو ما خرج عنها بالاستحالة كالمعادن، لظهور الأمر نصا بالعناوين المزبورة، و الحصر فيها بما ذكر، فلا يجزئ على غيرها، لفقد شرط السجود، الموجب لفقد صحته.
و يجوز مع عدم الأرض و ما يلحق بها مما أنبتت، و القرطاس، السجود على الثلج و القير و غيرهما من سائر المعادن.
و مع الحر على الثوب، فإن فقد فعلى اليد.
و لم أر هذا الترتيب في كلماتهم، بل هم بين من ينتقل بعد فقد الأرض و ما يلحق بها الى الثوب أو اليد على الترتيب بينهما، و بين من لم ير ترتيبا بين الأمور المزبورة أصلا، بل مع فقد الثلاثة يلتزم بسقوط الخصوصية فيما يسجد عليه، فيصح السجود على أي شيء، كما هو ظاهر الجواهر (1).
و لعل نظر المصنف إلى أن الترخيص في السجدة على الثوب و اليد إنما ورد في خصوص صورة عدم التمكن من السجدة على شيء للحرارة، و في بعضها:
خائف الرمضاء يسجد على ثوبه، و مع عدم الثوب فعلى ظهر كفه (2)، بناء على استفادة المناط منه، من أنّ التنزل إليها في ظرف مانعية الحرارة أو البرودة أو غيرهما عن السجدة على غيرهما، و لازمة انتهاء النوبة قبله إلى بقية ما يمكن تمكين الجبهة منه، ثلجا كان أو قيرا أو غيرهما، و اللّٰه العالم.
ثم انه مع عدم وجود ما يستقر عليه كالوحل، فالظاهر- بمقتضى قاعدة
الميسور- حفظ السجود بوضع جبهته على الوحل.
و لو استلزم ذلك ضررا عليه أو حرجا، ففي وجوب احداث هيئة السجدة بلا وضع جبهته على شيء، بالقاعدة المزبورة وجه، و لئن شك في شمولها لذلك أو لأقل منه فينتقل إلى الإيماء، للجزم ببدليته عن السجود في ظرف عدم بدل آخر عنه، فأصالة عدم جعل بدل آخر يدخله في موضوع الإيماء، كما لا يخفى.
و يعتبر في مكان المصلّي: أن يكون قارا إلّا في النافلة في المحمل، و السفينة على ما تقدّم، كل ذلك لانصراف الإطلاقات إليه، كما لا يخفى، و اللّٰه العالم.
و هما مستحبان في جميع الصلوات الخمس، أداء و قضاء، و للمنفرد و الجامع على المشهور، و يكفي قوله: «الأذان و الإقامة في جميع الصلوات أفضل» (1)، و في بعض النصوص أيضا: انّ في الصلاة مع الإقامة قيام صف من الملائكة، و معهما قيام صفين (2)، الظاهر أنّ كليهما موجب لمزية زائدة على الحقيقة الصلاتية نظير الجماعة، و مثله آب عن دخل شيء بينهما في أصل الحقيقة.
و في وصية النبي لأبي ذر: «انّ ربك ليباهي ملائكته برجل يؤذن ثم يقيم ثم يصلّي» (3).
و مثل هذه الألسنة كافية في ظهور الاستحباب، حتى في الإقامة على وجه
يصير قرينة على رفع اليد عن ظهور أوامرهما في الوجوب، بلا احتياج الى التشبث بظهور السياق بين الأذان و الإقامة، كي يقال انّ القرائن المنفصلة لا توجب ظهور الدليل في خصوص الأذان، كي بسياقه ينعقد ظهور في الإقامة أيضا.
و ظاهر الحكمة في تشريعهما من صف الملائكة يقتضي اختصاصهما بما يشرع فيه الجماعة، و ذلك هو نكتة صرف الأصحاب مثل هذه الإطلاقات عن النافلة.
نعم لا بأس بعمومها للفريضة اليومية، لانصرافها إليها، مضافا إلى قيام الإجماع على السقوط في غيرها.
و هذا الحكم في اليومية ثابت إلّا في أذان عصر يوم عرفة عند الجمع، للنص الصريح (1)، و في النجاة: تخصيصه بعرفات أيضا، و فيه تأمل، لإطلاق النص.
و كذا يسقط في العشاء ليلة المزدلفة عند الجمع، للنص المصرح بقوله:
«صلّ بإقامة واحدة» (2).
و كذا للعصر و العشاء للمستحاضة، لمكان الجمع.
و ربما يستفاد من هذه الموارد ملازمة الجمع بين الصلاتين مع سقوط الأذان، فتعدّوا منها إلى المسلوس و المبطون عند وجوب الجمع عليهما بين الصلاتين، و إلى العصر من يوم الجمعة عند الجمع بينهما و بين صلاة الجمعة، و ربما يؤيد ذلك قوله: «الأذان الثالث في يوم الجمعة بدعة» (3).
و لكن لا يخفى ما فيه من احتمال كونه إشارة إلى الأذان المجعول من
عثمان في يوم الجمعة، كما أنّ في استفادة الملازمة المزبورة مما ذكر نظر ظاهر، كما لا يخفى.
و قيل بسقوط الأذان و الإقامة لمن ورد على الجماعة مطلقا و لو في غير المسجد، و لكن في قباله رواية أخرى دالة على مشروعيتهما (1)، و يجمع بينهما بالحمل على رفع تأكد الاستحباب.
نعم في المسجد ورد التأكد بالسقوط (2)، بل قيل: امنعه أشد المنع، و لا بأس بأخذه و استفادة عدم المشروعية، لا الحرمة الذاتية، كما هو الشأن في سائر موارد السقوط، لو لا القرينة على الخلاف. و إطلاقها شامل لناوي الجماعة و غيره.
و في بعضها: تحديد السقوط بزمان التفرق (3)، المنصرف الى التفرق عن مكان الصلاة.
و في بعض النصوص كون مدار السقوط على تفرق الجماعة أجمع، حيث قال: «إن وجدهم تفرقوا أعاد» (4)، و في آخر تعليق السقوط على «عدم تفرق الصف» (5)الظاهر في بقائهم جميعا.
و المدار على الأخير، لأنه أخص، و مع الإجمال فالمرجع عموم مشروعية الأذان، و على فرض التشكيك في إطلاقها حالا فالمتبع استصحاب السقوط.
و الذي يسهّل الخطب عدم صلاحية مثل هذه الروايات لإثبات السقوط في حال التفرق، قبال ما دل على ثبوته حتى مع بقاء جميعهم (6)، فلا محيص
1) وسائل الشيعة 3: 654 باب 25 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 5.
2) وسائل الشيعة 3: 620 باب 65 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2.
3) وسائل الشيعة 4: 654 باب 25 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 3.
4) وسائل الشيعة 4: 653 باب 25 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 1.
5) وسائل الشيعة 4: 654 باب 25 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 2. 5.
6) وسائل الشيعة 4: 654 باب 25 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 2. 5.
من حمل البقية على سقوط تأكد الرجحان لا أصله.
و عليه فمع عدم الفصل بين حال الصلاة و هذا الحال، يشكل أمر السقوط في باب الورود على الجماعة كلية، كما لا يخفى.
ثم انّ ظاهر الإطلاقات ثبوت الأذان و الإقامة على جميع المكلفين رجلا كان أو امرأة، لقاعدة الاشتراك، لو لم يكن للنصوص من تلك الجهة إطلاق، مضافا إلى التصريح في النص بثبوت الأذان للمرأة (1)، و تثبت اقامتهن بعدم الفصل.
و في المتن قوله: بشرط أن تستر المرأة، و لعله من جهة كون صوتهن عورة، و إلّا فالنصوص خالية عن هذا القيد، و حينئذ ففي أصل الحكم المزبور اشكال، و لو لدعوى الجواهر قيام السيرة على جواز سماع أصواتهن (2)، كما لا يخفى.
و يتأكدان في الجهرية على المشهور، خصوصا الغداة و المغرب، لأنّ النص ورد فيهما بالخصوص (3).
و صورة الأذان: اللّٰه أكبر، اللّٰه أكبر، اللّٰه أكبر، اللّٰه أكبر، أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه، أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه، أشهد أنّ محمدا رسول اللّٰه، أشهد أن محمدا رسول اللّٰه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، حي على خير العمل، حي على خير العمل، اللّٰه أكبر، اللّٰه أكبر، لا إله إلّا اللّٰه، لا إله إلّا اللّٰه.
و الإقامة مثله إلّا في التكبير، فإنه يسقط منه مرتان في أوله، و التهليل يسقط منه مرة واحدة في آخره، و يزيد «قد قامت الصلاة» مرتين بعد «حي على خير العمل»، فجميع فصولها خمسة و ثلاثون فصلا على المشهور.
و عليه استقر عمل الشيعة في الأعصار و الأمصار، و وردت على طبق هذه الصورة روايات مستفيضة (1)، و في قبالها أخبار تختلف مع المستفيضة في الصورة (2)، و ذلك أيضا على اختلاف بينها أيضا في تحديد الصورة، و كلها معرض عنها لدى الخاصة، و لولاه لكان الجمع بين الجميع بالحمل على مراتب الفضيلة في غاية الوضوح، و اللّٰه العالم.
و لا يؤذن قبل دخول الوقت إلّا في الصبح، بلا إشكال في القضية الأولى، فتوى و نصا. و يكفيك قوله: «لا تنتظر بأذانك و إقامتك إلّا دخول وقت الصلاة» (3).
و لا ينبغي أن يتوهم من موارد الجمع، من الاكتفاء بأذان واحد، حتى في فرض اختصاص الوقت بالظهر، بأنه من الأذان قبل وقت العصر، إذ هو كذلك لو كان الأذان لهما، لا لخصوص الأول، كما لا يخفى.
و أما الاستثناء المزبور فلمعروفية قصة أم مكتوم (4)، مع عدم ردع النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم عنه.
و في بعض النصوص أيضا نفي البأس عن الأذان بالليل، و انه ينفع الجيران (5)، و السنة تتأدى مع طلوع الفجر، بمعنى تأكد رجحانه، كي لا يلزم تقريرهم على التشريع، للجزم بقصدهم في الأذان التعبدية.
1) وسائل الشيعة 4: 642 باب 19 من أبواب الأذان و الإقامة.
2) وسائل الشيعة 4: 642 باب 19 من أبواب الأذان و الإقامة.
3) وسائل الشيعة 4: 625 باب 8 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 1.
4) وسائل الشيعة 4: 625 باب 8 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 1.
5) وسائل الشيعة 4: 625 باب 8 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 1.
و عليه فيستفاد من مجموع النصوص: أنّ للأذان مراتب من المشروعية:
فأول مرتبتها: الأذان لإيقاظ الجيران من النوم.
و ثانيها: الأذان لإعلام الوقت، و هو السنة المؤكدة.
و ثالثها: الأذان للصلاة، الموجب لازدياد فضيلة الصلاة، بنحو فضيلة الجماعة.
و الأخيران لا يشرعان إلّا بعد دخول الوقت، و هو المراد من السنة المشار إليها في النص السابق.
و إلى ما ذكرنا أشار المصنف أيضا بأنه يستحب إعادته بعد دخوله، أي الصبح.
حتى في الأذان بجميع أقسامه، لارتكاز عباديته في أذهان عامة الناس، و لولاه لكانت الإطلاقات و الأصول على التحقيق تقتضي التوصلية.
و مجرد كون الغرض إعلام الناس في الإعلامي منه أو إفشاء الحق، لا يقتضي التوصلية، فالعمدة في إثبات توصليته هو نفي ارتكاز عباديته في أذهان المسلمين، لو أمكن.
على المشهور، لظهور الأخبار (1)في ذلك، إذ على فرض عدم اقتضاء الترتيب الذكري لما ذكر، فلا شبهة أنّ تكاثر مثل هذا البيان في موارد مختلفة، يكشف عن نحو معهودية في ذلك، علاوة على إمكان دعوى السيرة عليه.
1) وسائل الشيعة 4: 642 باب 19 من أبواب الأذان و الإقامة.
و أما الترتيب بين الفصول، فمضافا إلى ما ذكرنا، فقد ورد في النصوص المستفيضة بأنه يجب البدأة بالأول فالأول (1)، فراجع.
و لازم اعتبار الترتيب بين الفصول و كذا بين نفسهما كون المورد مع الشك في الوجود مجرى قاعدة التجاوز، كما أنه بعد الفراغ عن كل عمل لا بأس بجريان قاعدة الفراغ، بناء على التحقيق من كونهما قاعدتين، و تعميم مجرى كل منهما، بلا اختصاص واحد منهما بباب دون باب، و اللّٰه العالم.
لأنها المعهود في مثل هذه الأعمال، الملحوظ فيها هيئة مخصوصة بحسب ارتكاز أذهان المتشرعة من الصدور الأول.
ثم انّ مشروطية الإقامة بالبلوغ، إنما هي لعدم إطلاق في أوامرها، لو لا شمول الأمر بأمرهم لمثلها، و لو بالفحوى، لأنها من تبعات الصلاة و داخلة في أمر الصبيان بها، فهكذا الأمر في أذانه، بناء على المختار من استفادة المشروعية من الأمر بالأمر، على أنّ فيه نصا مخصوصا بنفي البأس عن أذان غلام لم يحتلم (2).
و في شمول المسقطية- لو لا عموم «جيرانكم» في قوله: «يجزيكم أذان جيرانكم» (3)- نظر، للأصل.
نعم بناء على التمرينية لا مجال له، لانصراف دليل المسقطية إلى الأذان المشروع.
و في شمول العموم المزبور لأذان المرأة لإثبات مسقطيته اشكال آخر، من جهة انصراف العام إلى أذان من يتعارف منه رفع صوته، و هو مخصوص
بالرجال، و لا يشمل النساء، كما لا يخفى.
، لقوله: «يؤذن لكم خياركم» (1).
صيّتا، لما في النص (2)، المستفاد منه بأنه باشتداد صوته، كلما يسمع أكثر كان أجره فيه أعظم.
بصيرا بالأوقات، لتكون مشمول «المؤتمن» و «أمناء اللّٰه» (3).
متطهّرا، لقوله: «لا يؤذن أحد إلّا و هو متطهّر» (4)، بضم ما دل من المستفيضة على عدم اعتباره فيه.
نعم في الإقامة نص في الأمر بها (5)، بلا دليل على الترخيص هنا، فلو لا دعوى الملازمة بينهما لأشكل أمر استحبابها فيها.
قائما على مرتفع، لأمره صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم بلالا أن يعلو فوق الجدار (6).
مستقبلا للقبلة، لخبر الدعائم الوارد في الأذان و الإقامة (7).
رافعا صوته، لذيل النص السابق (8).
1) وسائل الشيعة 4: 640 باب 16 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 3.
2) سنن أبي داود 1: 135.
3) وسائل الشيعة 4: 618 باب 3 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 2 و 6.
4) كنز العمال 7: 694.
5) وسائل الشيعة 4: 627 باب 9 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 2.
6) وسائل الشيعة 4: 640 باب 16 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 7.
7) دعائم الإسلام 1: 175.
8) وسائل الشيعة 4: 640 باب 16 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 7.
مرتلا للأذان محدرا للإقامة، لما في النبوي: «إذا أذنت فرتل، و إذا أقمت فأحدر» (1).
فاصلا بينهما بجلسة، أو سجدة، أو خطوة، و النص وارد في الأولين (2)، و أما الأخير فقد ورد في الفقه الرضوي في المنفرد (3)، و لا بأس به رجاء.
، و لم أر نصا عليه في الأذان.
نعم في الإقامة ورد النص بعدم مشيه و عدم ركوبه (4)، بضم الترخيص في المشي فيها (5)، بلا شموله لركوبه.
و لو لا عدم الفصل بينهما لأشكل أمر استحبابه، لو لا دعوى ضعف سند الأمر، بضم التسامح في دليل السنن.
و على أي حال يشترط في الكراهة المزبورة كونه مع القدرة، و إلّا فالضرورات رافعة للمحاذير.
و يكره أيضا إعراب أواخر الفصول، لما في النص من أنهما مجزومان (6)، و ظاهره استحباب الوقف، لا كراهة الحركة، لو لا فهمهم منها ذلك.
و يكره أيضا الكلام في خلالهما، لما في النصوص (7)المختلفة منعا
1) وسائل الشيعة 4: 640 باب 16 من أبواب الأذان و الإقامة.
2) وسائل الشيعة 4: 631 باب 11 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 2 و 14.
3) الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع): 98.
4) وسائل الشيعة 4: 634 باب 13 من أبواب الأذان و الإقامة.
5) وسائل الشيعة 4: 635 باب 13 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 9.
6) وسائل الشيعة 4: 639 باب 15 من أبواب الأذان و الإقامة حديث 4.
7) وسائل الشيعة 4: 628 باب 10 من أبواب الأذان و الإقامة.
و ترخيصا، المحمول منعها بقرينة ترخيصها على الكراهة، كما هو الشأن في غير هذا المقام.
و الترجيع لغير الإشعار، كما هو المستفاد من النص المروي عن أبي بصير منطوقا و مفهوما (1).
، لما في النص: «انه من بدعة بني أميّة» (2)، بل يكفي في الحرمة المزبورة عدم الدليل على مشروعيته، كما لا يخفى.
بقي في المقام شيء، و هو انّ مقتضى النصوص المستفيضة حرمة أخذ الأجرة على الأذان (3).
و في بعض النصوص: «انّ أجره سحت» (4)، و لازمة إلغاء جهة ماليته الموجبة لاحترامه، و لكونه مورد أغراض العقلاء في استئجاره و إجارته. و لو قيل بعبادته، بناء على عدم إضرار الداعي على الداعي بقربيته، و بذلك يصح وقوع مورد الأمر بالوفاء بعقد إجارته، و لذا نقول بأنّ الأصل في أمثال هذه الأعمال هو المالية و صحة الإجارة عليها إلّا ما خرج، كما في المقام و غيره مما ألغى الشارع فيه جهة المالية.
نعم لا بأس بارتزاقه من بيت المال، و لو كان ذلك هو داعيه على اختيار هذه العبادة، لما عرفت من عدم إضرار الداعي لغير اللّٰه إذا كان في طول
داعية لا في عرضه، بل ربما لا ينفك عبادة عن ذلك، لانتهاء دواعي غالبية الناس بالآخرة إلى استراحة أنفسهم. و لو اعتبر في الخلوص عدم ذلك لم تصح إلّا عبادة الأئمة، أو من هو دونهم من أولياء اللّٰه، و هو كما ترى خلاف سماحة الشريعة و سهولة الملة، اللهم وفقنا للتمحض في العبادة لك.