کتاب الزکاة

ghaemiyeh.com

اشارة

‌سرشناسه : انصاري، مرتضي‌بن‌محمدامين، ۱۲۱۴ - ۱۲۸۱ق.

عنوان و نام پديدآور : كتاب‌الزكاه/مرتضي الانصاري ؛ اعداد لجنه تحقيق تراث الشيخ‌الاعظم ؛ الموتمر‌العالمي بمناسبه‌الذكري‌المئويه‌الثافيه لميلاد الشيخ‌الانصاري.

مشخصات نشر : قم: مجمع‌الفكر‌الاسلامي، ۱۴۲۷ق.، = ۱۳۸۵.

مشخصات ظاهري : ۵۸۶ ص.:نمونه.

فروست : تراث‌الشيخ‌الاعظم؛ ۱۰.

شابك : 9645662648

يادداشت : عنوان لاتيني شده: Kitab al - zakat

يادداشت : چاپ دوم.

يادداشت : چاپ قبلي: الموتمر‌العالمي بمناسبه‌الذكري‌المئويه‌الثافيه لميلاد‌الشيخ الانصاري: موسسه ام‌القري للتحقيق للنشر، مكتبه‌الفقيه، ۱۳۷۲.

يادداشت : كتابنامه: ص. ۵۵۲ - ۵۳۵؛ همچنين به صورت زيرنويس.

موضوع : زكات.

موضوع : فقه جعفري -- قرن ۱۳ق.

شناسه افزوده : كنگره جهاني بزرگداشت دويستمين سالگرد تولد شيخ انصاري. گروه پژوهش آثار شيخ اعظم.

شناسه افزوده : كنگره جهاني بزرگداشت دويستمين سالگرد تولد شيخ انصاري.

رده بندي كنگره : BP۱۸۸/۴/الف۸ز۸ ۱۳۸۵

رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۵۶

شماره كتابشناسي ملي : ۱۰۲۹۳۲۳

شرح [كتاب الزكاة من] إرشاد الأذهان

اشارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

و هي في اللّغة بمعنى النموّ، و الطهارة، و الصلاح (1)، قيل: و من الأوّل قوله تعالى ذٰلِكُمْ أَزْكىٰ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ (2)و قوله تعالى تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا (3)بناء على ترجيح التأسيس على التأكيد (4). و أمّا الثاني فكثير (5). و امّا (6)الثالث قوله تعالى خَيْراً مِنْهُ زَكٰاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً (7).

و في الشرع، أو عند اهله- علىٰ ما عرّفه الأكثر-: قدر مخصوص يطلب إخراجه من المال بشروط مخصوصة (8).

و عن المبسوط: أنّه إخراج ذلك القدر (9)، و عن الفائق: أنها من


1) لسان العرب 6: 65- 64 مادة «زكا»، النهاية لابن الأثير 2: 307، و ذكر من معانيه: البركة و المدح.

2) البقرة: 2- 232.

3) التوبة: 9- 103.

4) و الا كان بمعنى التطهير أيضا.

5) منه قوله تعالىٰ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ آل عمران: 3- 164 الجمعة: 62- 2.

6) في «ج» و «ع»: من الثالث.

7) الكهف: 18- 81.

8) كأنه قدس سره لخص تعاريف الأكثر بهذا التعريف.

9) المبسوط 1: 190.

الألفاظ المشتركة بين العين و المعنى، كلفظ الذكاة في قوله عليه السلام: «ذكاة الجنين ذكاة امه» (1)و استشهد له بقوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكٰاةِ فٰاعِلُونَ (2)(3)و في التنظير بلفظ ذكاة نظر، فإنّ الظاهر انّ لفظ الذكاة لم يستعمل في العين أصلا، و في الاستشهاد منع (4)كون الزكاة ها بمعنى التزكية. و الأولى التنظير بلفظ الصدقة و الاستشهاد بقوله تعالى وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ (5)إن لم يحمل على العمل الصالح.

ثمّ المعنى الشرعي مناسب للمعاني اللغويّة الثلاثة، لأنّ الزكاة ينمي المال و ينمو ثوابه، و يطهّره عن الخبث الحاصل من وجود الشبهة فيه، و من الرذالة الحاصلة فيه عند المنع، و صاحبه عن إثم المنع و رذيلة الشحّ، و يصلح المال و العمل و النفس، كلّ ذلك مستفاد من الأخبار (6).

ثمّ إنّ المذهب قد استقر على عدم وجوب حقّ في المال سوى الزكاة الماليّة و الفطرة، و ربما يحكى عن ظاهر كلام الصدوق رحمه اللّٰه ما يستفاد من كثير من الأخبار: من وجوب حقّ يفرضه الرجل على نفسه في كلّ يوم أو أسبوع أو شهر على قدر وسعه (7). و لكن من نظر في تلك الأخبار بعين الاعتبار


1) الوسائل 16: 271 الباب 18 من أبواب الذبائح، الحديث 12.

2) المؤمنون: 23- 4.

3) في «الفائق في غريب الحديث» 1: 536: و هي من الأسماء المشتركة تطلق على عين- و هي الطائفة من المال المزكى بها- و على معنى- و هو الفعل الذي هو التزكية- كما أن الذكاة هي التذكية في قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم: «ذكاة الجنين ذكاة امه».

4) في بعض النسخ: مع.

5) مريم: 19- 31.

6) راجع الوسائل 6: الباب 1 و 2 و 3 و 4 و 5 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

7) الفقيه 2: 48 باب الحق المعلوم الحديث 1666، و الحاكي هو المحقق السبزواري قدس سره في الذخيرة: 420، و انظر الجواهر 15: 10.

يقطع (1)بسياقها مساق الاستحباب، بل لا يبعد ذلك أيضا في كلام الصدوق.

نعم حكي عن الشيخ في الخلاف (2): وجوب حقّ الحصاد مدّعيا عليه الإجماع و الأخبار، و نفى عنه البعد المرتضى رحمه اللّٰه (3)للآية (4)و الأخبار الكثيرة (5).

و الأقوى استحباب ذلك أيضا كما سيجي‌ء في زكاة الغلّات ان شاء اللّٰه تعالى (6).

و تحقيق مطالب هذا الباب يتوقّف على النظر في أمور ثلاثة (7)


1) في «ف» و «ج» و «ع»: يعطى.

2) الخلاف 2: 5.

3) الانتصار: 76.

4) و هي قوله تعالى وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ الأنعام: 6- 141.

5) الوسائل 6: 134 الباب 13 من أبواب زكاة الغلات.

6) في «ف» و «ج» و «ع» زيادة: من الاخبار.

7) من هنا يبدأ شرح «إرشاد الأذهان».

[الأوّل: في زكاة المال]

اشارة

الأوّل: في زكاة المال

و فيه مقاصد:

[المقصد الأوّل: في شرائط الوجوب و وقته]

المقصد الأوّل: في شرائط الوجوب و وقته و إنّما تجب على العاقل البالغ الحر المالك للنصاب المتمكّن من التصرف، فلا زكاة على الطفل في نقديه إجماعا إلّا ما يظهر من ظاهر إطلاق ابن حمزة (1)، و هو محمول أو شاذّ، لاستفاضة حكاية الإجماع، و رواية الأخبار على خلافه (2)، مع كفاية الأصل في المقام.

و قد يستدلّ: بأنّها تكليف منفيّ عن الصبي، و فيه: أنّ الخطاب حينئذ (3)للولي كالاستحباب إذا اتجر بماله.

ثم إنّ ظاهر أخبار المسألة مثل قوله عليه السلام: «ليس على مال اليتيم»


1) الوسيلة: 121.

2) في «ف»: كفاية.

3) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: حينئذ.

زكاة» (1)هو عدم تعلق الزكاة بهذا العنوان، فلا يجري في الحول ما دام كونه مال اليتيم نظير قوله عليه السلام: «ليس على مال الغائب صدقة، و لا على الدين صدقة حتى يقع في يديك» (2)، و غير ذلك من العنوانات التي نفى الشارع الزكاة عنها، فلا يكفي بلوغه في آخر حول التملّك بلا خلاف ظاهر.

و ما في الكفاية: من الإشكال في حكم المتأخرين باستئناف الحول عند البلوغ (3)، في غير محلّه.

نعم قد يستدلّ للمشهور بما دلّ على اعتبار حول الحول على المال في يد المالك (4)، و الصغير ليس له يد. و فيه ما لا يخفى، فإنّ تلك الأدلّة تدلّ على اعتبار التمكن من التصرف في مقابل الغائب و المفقود و المغصوب، و لا ريب أنّ تمكن الولي كتمكن الوكيل، و لذا تجب الزكاة على السفيه إجماعا، و تستحب الزكاة في غلات الطفل و مال تجارته بل و مواشيه- مع اعتبار الشروط كلا في الزكاة المستحبة كالواجبة- فكلّ (5)من الصغر و الجنون مانع مستقل غير العجز عن التصرف كما لا يخفى.

و قريب منه في الضعف، التمسك برواية أبي بصير: «ليس في مال اليتيم زكاة، و لا عليه صلاة، و ليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة، و إن بلغ (6)فليس عليه لما مضى زكاة، و لا عليه لما يستقبل زكاة حتى يدرك، فإذا أدرك


1) الوسائل 6: 55 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

2) الوسائل 6: 62 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6. و في بعض النسخ: يدك.

3) كفاية الأحكام: 34.

4) الوسائل 6: 63 الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 و 3، و الصفحة 82 الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 و 2 و 3، و الصفحة 115 الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 3.

5) في «ف» و «ج» و «ع»: و كل.

6) في «ع»: بلغ اليتيم.

كان عليه زكاة (1)، ثمّ كان عليه مثل ما على غيره من الناس .. الحديث» (2)بناء على أنّ الموصول في قوله: «لما مضى» يشمل الأحوال المتعددة، و الحول الواحد إلّا أياما (3)، إذ الظاهر أنّ المراد بالموصول: الزمان المستقبل في استحباب الزكاة لو لا الصغر، لا مطلق الزمان الماضي، و لذا يقبح أن يقال: ليس عليه- لليوم الماضي، أو للشهر الماضي- زكاة، فالمراد: الحول الذي هو السبب في إيجاب الزكاة لو لا المانع.

و لا تجب أيضا على المجنون مطلقا لا في نقديه، و لا في غيرهما على رأي سيجي‌ء تقويته.

و إطلاق العبارة كغيرها، بل المحكي عن جميع الأصحاب من المفيد إلى زمان المصنف قدّس سرّه: عدم التعرض للمطبق و ذي الأدوار منه، و صرّح المصنف في التذكرة و غيرها على ما حكي: بأنّه يستأنف الحول (4)حين الإفاقة (5)، و لعلّه لما ذكرنا: من أنّ المستفاد من النصوص الآتية و الفتاوى النافية للزكاة في مال المجنون أنّ هذا العنوان لا تتعلق به الزكاة، كمال الغائب، و الدين، و المفقود، و غيرها ممّا لا تتعلق به الزكاة بمعنى عدم ملاحظة شروط الزكاة فيه، فلا يجري في الحول ما دام كذلك، مع أنّ ظاهر كلام الأصحاب من اشتراط وجود الشرائط طول (6)الحول كالصريح في ذلك، و بذلك يندفع نظير ما يقال في الطفل: من أنّه لا مانع من توجّه الخطاب إليه بعد الإفاقة و البلوغ، نعم يتوجه هذا في المغمى عليه، حيث انّه لم يرد دليل على عدم تعلّق الزكاة بمال المغمى عليه حتّى يلحق


1) في «ع» و المصدر زيادة: واحدة.

2) الوسائل 6: 56 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11 مع اختلاف يسير، و التهذيب 4: 29 الباب 8. من أبواب زكاة الأطفال، الحديث 73.

3) في النسخ زيادة: الحديث، و الظاهر انها سهو، راجع المستمسك 9: 6.

4) في «م»: من حين الإفاقة.

5) تذكرة الفقهاء 1: 201 و حكاه عنه في الذخيرة: 421.

6) في «ف» و «ج» و «ع»: بحول.

بالمجنون كما عن المصنف قدس سره في التذكرة و غيرها (1).

و ربّما يستدلّ بأنّه غير متمكن من التّصرف، و فيه نظر، فالحكم بالسقوط فيه مشكل، و لذا اختار عدمه في المدارك (2)و الكفاية (3).

و أمّا النائم و الساهي و شبههما فالظاهر: عدم منعهما ابتداء و استدامة و إن خرجا عن المعتاد.

و يستحب لمن اتجر بمالهما أي الصبيّ و المجنون بولاية لهما إخراجها عند اجتماع شروط زكاة (4)التجارة، بلا خلاف أجده في الطفل. و عن المعتبر و غيره: الإجماع عليه (5)، لأخبار كثيرة ظاهرها كعبارة المقنعة (6): الوجوب، إلّا أنّ الكلّ محمول على الاستحباب، بقرينة الأخبار الصريحة في نفي الوجوب، مضافا إلى ما سيجي‌ء من استحباب زكاة التجارة على البالغين، وفاقا لما صرّح به المفيد رحمه اللّٰه (7)و هو دليل على إرادته هنا: الاستحباب المؤكد، كما حمله عليه الشيخ في التهذيب (8).

و حمل تلك الأخبار على التقيّة لا ينافي إرادة الاستحباب، لأنّ التقيّة تتأدّى بظهور الكلام في الوجوب الذي هو مذهب المخالفين [في مال التجارة] (9)،


1) تذكرة الفقهاء 1: 201، نهاية الإحكام 2: 300.

2) مدارك الأحكام 5: 16.

3) كفاية الاحكام: 34، و في «ع» و «م»: و استجوده في المناهل.

4) كذا في «ع» و «م»، و لكنها غير موجودة في «ف» و «ج».

5) المعتبر 2: 487، نهاية الإحكام 1: 299 و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 6 (كتاب الزكاة) و المستند 2: 6.

6) المقنعة: 236.

7) راجع المقنعة: 247.

8) تهذيب الأحكام 4: 27.

9) الزيادة من «ع» و «م».

و إرادة الاستحباب بقرينة خارجية.

و بما ذكرنا يظهر ضعف ما حكي عن الحلّي (1)، و المدارك (2)من عدم الاستحباب.

و المراد بالطفل هو المولود إلى أن يبلغ، فلا يصدق على الجنين، مضافا إلى دعوى الإجماع في الإيضاح (3)على عدم ثبوت الحكم- هنا- للحمل قبل الانفصال.

ثمّ إنّ الخسارة الحاصلة من التجارة على اليتيم، للأصل و قاعدة عدم ضمان المأذون و المحسن، و رواية الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع- و هو غير موثّق، لكن له كتاب يرويه (4)ابن مسكان- قال: «سئل أبو عبد اللّٰه عليه السلام عن رجل في يده مال لأخ له يتيم، و هو وصيّه، أ يصلح له أن يعمل به؟ قال: نعم يعمل به كما يعمل بمال غيره و الربح بينهما، قال: قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: لا إذا كان ناظرا له» (5)، خلافا للمحكي عن جماعة (6)من تضمين الولي؛ لإطلاق بعض الأخبار (7)المقيّد بصورة عدم الولاية، أو تقصير الولي.

و يستفاد من الرواية و غيرها، جواز أخذ الولي الأجرة [خلافا للمحكي عن الحلّي (8)] (9).


1) السرائر 1: 441، و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 6 (كتاب الزكاة).

2) مدارك الأحكام 5: 18.

3) إيضاح الفوائد 1: 167.

4) في النسخ: مروية، و الظاهر انها تصحيف.

5) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

6) راجع الفقيه 2: 9، و المقنعة: 238، و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 6 و 7 (كتاب الزكاة) عنهما و عن غيرهما.

7) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

8) راجع السرائر 2: 211.

9) ما بين المعقوفتين من «م».

و أمّا المجنون فالمشهور أيضا الاستحباب في مال تجارته، بل عن المعتبر (1)، و المنتهى (2): أنّ عليه علماءنا أجمع.

و يدلّ عليه صحيحة ابن الحجّاج: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام:

امرأة من أهلنا مختلطة، لها مال، عليها زكاة؟ قال: إن كان عمل به (3)فعليها زكاة، و إن لم يعمل به فلا» (4).

و مثلها خبر موسى بن بكر: «قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة مصابة، و لها في يد أخيها مال؟ فقال عليه السلام: إن كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة (5)» (6).

و الكلام في كون الربح للمجنون و الخسران عليه، كما تقدم في الصبي.

و إن اتّجر بمال الطفل أو المجنون متّجر لنفسه بأن نقل المال إلى نفسه بناقل كالقرض و نحوه فإن كان وليّا مليّا، فالربح له (7)لأنّه نماء ملكه، كما أنّ الخسران و الزكاة المستحبة عليه بلا خلاف في ذلك كما ذكره غير واحد، و لا إشكال بعد فرض جواز نقل مال الطفل إلى الوليّ المليّ بالاقتراض و نحوه، و المعروف جوازه و إن لم يكن فيه مصلحة لليتيم؛ للأخبار الكثيرة:


1) المعتبر 2: 487.

2) منتهى المطلب 1: 471.

3) العبارات مختلفة في النسخ.

4) الوسائل 6: 59 الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول.

5) في بعض النسخ: تزكيته.

6) الوسائل 6: 59 الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

7) في الإرشاد 1: 278: «و لو اتجر لنفسه و كان وليا مليا كان الربح له».

منها صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «في رجل ولّى مال يتيم، أ يستقرض منه؟ قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره» (1).

و نحوها رواية أخرى حاكية لاستقراضه عليه السلام (2)ظاهرة في إرادة بيان الجواز الذي هو محل حاجة السائل دون مجرد الحكاية.

و رواية منصور الصيقل: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن مال اليتيم يعمل به؟ قال: إذا كان عندك مال و ضمنته فلك الربح و أنت ضامن للمال، و ان كان لا مال لك و عملت به فالربح للغلام و أنت ضامن [للمال]» (3).

و ما عن الكافي، عن البزنطي، عن أبي الحسن عليه السلام: «قال: سألته عن الرجل يكون في يده مال لأيتام فيحتاج إليه فيمدّ يده فيأخذه و ينوي أن يردّه؟

فقال: لا ينبغي له أن يأكل إلا القصد، و لا يسرف، فان كان من نيته أن لا يردّه [عليهم] فهو بالمنزل الذي قال اللّٰه عزّ و جل إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً .. الآية (4).

و خالف في ذلك الحلّي، فقال- فيما حكي عنه-: «إنّه لا يجوز للوليّ التصرّف في مال الطفل إلّا بما يكون فيه صلاح المال، و يعود نفعه إلى الطفل دون المتصرف فيه، و هذا الذي تقتضيه أصول المذهب» (5)و يظهر ذلك من المحكيّ عن المبسوط أيضا، قال: و من يلي أمر الصغير و المجنون خمسة: الأب


1) الكافي 5: 131، الحديث 6.

2) الكافي 5: 131، الحديث 5، و عنه: الوسائل 12: 192 الباب 76 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

3) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7، و الزيادة من المصدر.

4) الكافي 5: 128 الحديث 3، و عنه: الوسائل 12: 192 الباب 76 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2 و الآية من سورة النساء: 4- 10.

5) السرائر 1: 441 و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 6 (كتاب الزكاة).

و الجد و وصيّ الأب و الجد و الامام عليه السلام (1)و من يأمره الإمام- ثمّ قال:- فكل هؤلاء الخمسة لا يصحّ تصرّفهم إلّا على وجه الاحتياط و الحظّ (2)للصغير؛ لأنّهم إنّما نصبوا لذلك، فإذا تصرّف فيه على وجه لا حظّ فيه كان باطلا، لأنّه خلاف ما نصب له (3)(انتهى).

و يؤيّد ذلك: أن نقل المال إلى الذمم معرض للتلف بالإعسار أو الإنكار أو الموت أو غير ذلك مما يغلب على الاحتمالات القائمة في صورة بقاء العين، و لذا يظهر من المسالك (4)في باب الرهن: التردّد في جواز اقتراض الولي مال الطفل، ثم حكى عن التذكرة (5): اشتراط جواز الاقتراض بالمصلحة مضافا إلى الولاية و الملاءة.

و كيف كان فالقول بالمنع، و إلحاق اقتراض الولي لنفسه بإقراضه لغيره- الذي اتفقوا ظاهرا على أنه لا يجوز إلّا مع المصلحة- قوي، إلّا أنّ العمل بتلك الأخبار المجوّزة المنجبرة بما حكي لعلّه أقوى.

و ربما يدّعى الجواز، بناء على أنّ أصل جعل المال في ذمّة الوليّ المليّ مصلحة، فيجوز.

و فيه نظر ظاهر؛ و لذا منعوا من جواز إقراض الولي إيّاه لغيره و إن كان غنيا (6)إلّا مع خوف التلف و نحوه (7).


1) في «ع»: و الحاكم و من يأمره.

2) في «م»: أو الخط.

3) المبسوط 2: 200 (كتاب الرهن).

4) المسالك 1: 182: (كتاب الرهن).

5) تذكرة الفقهاء 2: 80 مسألة الضابط في تصرف المتولي و 81 مسألة قرض مال الطفل و المجنون.

6) في «م»: مليا.

7) في هامش «م» ما يلي: هنا بياض بقدر أسطر.

ثم المراد بالملاءة ما تضمّنته رواية أسباط بن سالم- المروية في الكافي-:

«قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: كان لي أخ هلك فوصّى إلى أخ أكبر منّي، و أدخلني معه في الوصية، و ترك ابنا له صغيرا و كان له مال، أ فيضرب به أخي فما كان له من فضل سلّمه لليتيم و ضمن له ماله؟ فقال: إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف فلا بأس به، و إن لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم» (1).

و في رواية أخرى لأسباط: «إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شي‌ء غرمه له، و إلّا فلا يتعرّض لمال اليتيم» (2).

و فيها دلالة على أنّ الغرض من اعتبار المال المحيط هو تعجيل الغرامة له عند التلف، و إلّا فأصل الغرامة تجب على المتصرّف المعسر أيضا عند الإيسار، و حينئذ فيمكن القول بالاكتفاء في الملاءة بمجرد الاطمئنان بتحقّق الغرامة عند التلف و لو بسبب كونه وجيها يقرضه الناس، أو يرهنون له عند من يقرضه، أو يطمئن بحصول الهدايا أو الزكوات أو الأخماس له و نحو ذلك، و لعلّ إليه يرجع ما عن المبسوط (3)و النهاية (4)من أنّ المراد بالملاءة: أن يكون متمكنا في الحال من ضمانه، و لكن عن جماعة: اعتبار أن يكون له مال بقدر مال الطفل، (5)و زاد في المسالك (6): كونه فاضلا عن المستثنيات في الدين.

و الأولى: التقييد بقابلية المال لوجوب الغرامة منه، ليخرج مع المستثنيات الممنوع من التصرّف منه شرعا أو عقلا أيضا.

و لو فقد المتّجر من شرطي الولاية و الملاءة أحدهما فإن كان الأوّل كان ضامنا، لحرمة التصرف في مال الغير بغير الولاية الشرعية المفروض


1) الوسائل 12: 190 الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

2) الوسائل 12: 190 الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

3) المبسوط 1: 234.

4) النهاية: 361.

5) مفتاح الكرامة 3: 7 (كتاب الزكاة).

6) المسالك 1: 39.

فقدها في المقام، فيلزمه الضمان؛ لأدلّة ضمان اليد العادية.

و لو كان في التصرف مصلحة و تعذّر استئذان الولي، ففي الكفاية (1): لا يبعد الجواز.

قلت: أمّا الجواز مع الاضطرار إلى التصرف المذكور فمما لا ريب فيه؛ لأنّه وليّ حينئذ؛ لعموم ما دلّ على جواز التصرف مع المصلحة من الكتاب و السنة، خرج صورة التمكّن من الرجوع إلى الولي لأدلّة ولايته، بل الظاهر أنّ هذا ممّا لا خلاف فيه.

و امّا الجواز مع عدم الاضطرار- الذي هو مراد الكفاية ظاهرا، و وافقه في المناهل (2)حاكيا له عن جدّه رحمه اللّٰه في شرح المفاتيح (3)- ففيه إشكال:

من عموم الكتاب و السنة المستفيضة في عموم جواز التصرف مع المصلحة، و من أنّ ظاهر الأصحاب انحصار التصرف في الولي كما اعترف به في شرح المفاتيح، على ما حكي.

و يؤيّده ما تقدّم من رواية أبي الربيع (4)المتقدمة الدالّة بمفهومها على الضمان إذا لم يكن المتّجر ناظرا لليتيم، إلّا أن يحمل النظارة فيها على النظر في المصلحة و المداقّة فيها، في مقابل المسامحة و التّقصير.

و يؤيّده أنّ مورد الرواية كون العامل وصيّا فلا معنى للتفصيل بين الوصيّ و غيره، اللّٰهم إلّا أن يرجع إلى التفصيل بين كونه وصيّا على الطفل و غيره، أو يكون الشرط مسوقا لبيان علّة الحكم، يعني: أنّه حيث فرض كون العامل ناظرا لليتيم فلا ضمان عليه.

و أمّا حكم الربح و زكاة التجارة فتوضيحه: أنّ العامل إمّا أن يكون قد


1) كفاية الأحكام: 34.

2) لم نقف عليه في المناهل

3) و هو مصابيح الظلام للوحيد البهبهاني (مخطوط).

4) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

اشترى بعين مال الطفل، أو بالذمة (1)و دفع مال الطفل عوضا عمّا في ذمته، فإن اشترى بالعين و أجاز وليّ الطفل فالربح له، و يخرج العامل عن الضمان سواء كان الشراء لنفسه أو للطفل، إذ لا فرق في قابليّة صرف العقد إلى المالك بين قصد العاقد نفسه أو المالك، كما صرّح به جماعة في عقد الفضولي.

و إن لم يجز الولي فمقتضى قاعدة الفضولي: بطلان المعاملة إلّا إذا فرض المصلحة في البيع و جوّزنا التصرّف مع المصلحة، و تعذّر استئذان الولي، فإنّ العقد حينئذ يقع لازما لا يقدح فيه ردّ الولي بعد الاطّلاع، إلّا أن يكون تيسّر استيجاز الولي كتيسّر استئذانه، فيقع العقد معه موقوفا.

و كيف كان فإجراء أحكام الفضولي متّجه، إلّا أنّ ظاهر كثير من الروايات إطلاق الحكم بكون الربح لليتيم و الخسران على العامل كما هو ظاهر المصنّف و غيره، ففي صحيحة زرارة- المروية عن الفقيه عن أبي جعفر عليه السلام-: «قال ليس على مال اليتيم زكاة إلّا أن يتّجر به، فإن اتّجر به ففيه الزكاة و الربح لليتيم و على المتاجر ضمان المال» (2).

و رواية سعد السمان: «ليس في مال اليتيم زكاة إلّا أن يتجر به فإن اتّجر به فالربح لليتيم، و إن وضع فعلى الذي يتّجر به» (3).

فإنّ الحكم فيها بثبوت الزكاة في مال اليتيم مع التجارة قرينة على وقوع الشراء له، و الحكم بالضمان قرينة على عدم ولاية التاجر، فدلّ بإطلاقه على ثبوت الربح لليتيم بمجرّد تجارة غير الولي، و تقييدهما (4)بما إذا أجاز (5)الولي


1) ليس في بعض النسخ: أو بالذمة.

2) الفقيه 2: 16، الحديث 1599 و الوسائل 6: 85، الحديث 8.

3) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

4) في بعض النسخ: تقييدها.

5) في النسخ: جاز.

بعيد، و تطبيق مسألتي الربح و الخسران على قاعدة الفضولي دونه خرط القتاد.

و اختصاص الروايتين بصورة وقوع الشراء للطفل لا يقدح، مع عدم القول بالفصل و اتّحاد طريق المسألتين بعد فرض صحّة العقد في نفسه، سواء قصد المالك أو قصد نفسه.

و ممّا يؤيّد عدم ابتنائه على مسألة الفضولي حكم الحلّي في محكي السرائر (1)و فخر الإسلام في حاشية الإرشاد (2): بكون (3)الربح هنا لليتيم مع حكمهما ببطلان معاملة الفضولي (4)تبعا للشيخ في المبسوط (5)، و ابن زهرة (6)، و ظاهر الحلبي (7)، بل و القول الآخر للشيخ في الخلاف في كتاب النكاح (8)حيث إنّ ظاهره هناك بطلان الشراء الفضولي، و إن صحّح البيع الفضولي.

و على القول بالتوقّف على الإجازة، فهل يجب على الولي الإجازة مع ظهور الربح؟ وجهان: من أنه عرفا تفويت للمنفعة فهو في قوّة فسخ العقد الخياريّ الذي فيه المصلحة، بل هذا أولى مما حكي عن المصنّف قدّس سره في نكاح التذكرة (9)من وجوب بيع متاع الطفل إذا طلب بزيادة و شراء الرخيص له، و هو الموافق لبعض نسخ القواعد على ما عن جامع المقاصد في باب الحجر (10).


1) السرائر 1: 441، و حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 7- 6: (كتاب الزكاة).

2) مخطوط.

3) في النسخ: كون.

4) راجع السرائر 2: 275 و إيضاح الفوائد 1: 417.

5) المبسوط 2: 158 في بيع الغرر.

6) الغنية (الجوامع الفقهية): 523.

7) الكافي في الفقه: 352.

8) الخلاف: كتاب النكاح: المسألة 11.

9) التذكرة 609: القسم الثاني مما يجب على الولي.

10) جامع المقاصد 5: 189 (كتاب الحجر).

و من عدم الدليل على وجوب فعل الأصلح للطفل، و تمام الكلام في محلّه.

و لو اشترى في الذمّة و دفع مال اليتيم عمّا في الذمّة، فمقتضى القاعدة:

صحّة المعاملة لنفسه (1)سواء قصد عند المعاملة دفع مال اليتيم عمّا في الذمة، أو اتّفق ذلك بعد المعاملة، و حينئذ فالربح له و الزكاة المستحبة عليه، و عليه ضمان مال اليتيم.

لكن قد يقال: إنّ ظاهر الأخبار (2)الحاكمة بثبوت الربح لليتيم، و الخسارة على العامل، يشمل هذه الصورة، فإن الاتّجار بمال اليتيم و إن كان حقيقة في الاتّجار بالعين إلّا أنّه عرفا يصدق على الاتّجار بما في الذمّة مع قصد دفع مال اليتيم عوضا، فترى العرف يطلقون: إنّ فلانا يتّجر بما في يده أو بمال فلان، مع أنّه لا يقع منه إلّا الاتّجار بما في الذمّة إذا عزم على دفع المال عنه، بل قلّما يتّفق معاملة بالعين، بل لو وقعت في السلعتين يخصّونها باسم المعاوضة دون البيع، و من هنا استجود سيد مشايخنا (3)إلحاق هذه الصورة الشراء بالعين بعد ما حكى عن جدّه قدس سره في شرح المفاتيح (4): أنّه الأظهر.

و قد يقال: إنّ هذه الأخبار- على فرض شمولها- ليس الخروج عن القاعدة بها أولى من العكس، بل العكس أولى.

و فيه: إنّه إن أراد التكافؤ بين الأخبار و القاعدة من جهة النسبة، فلا يخفى أنّ النسبة و إن كانت بالعموم من وجه إلّا أنّ تقييد هذه الأخبار بالشراء بالعين


1) في نسخة «ف»: نفسه، و في «ع» و «ج»: معاملة نفسه.

2) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2 و 8.

3) لم نقف عليه في المناهل

4) شرح المفاتيح (مخطوط) و فيه: مع أن المعصوم ترك الاستفصال في كل واحد من هذه الاخبار و هو مفيد للعموم، سيما و البيع و الشراء بالذمة هو الأغلب تحقيقا، بل بنفس العين في غاية الندرة، سيّما إذا نوى كونه لصاحب العين أو عوض هنا بعين من غير إرادة شخص، بل الأظهر أن يقال بالعموم.

تقييد بالفرد النادر.

و دعوى: عدم نهوض هذه الأخبار لتخصيص مثل هذه القاعدة الثابتة بالأدلّة القطعية، ممنوعة بإمكان رفع اليد عنها بالأخبار الكثيرة المعتضدة بإطلاق فتاوى جماعة كالمصنّف و المحقّق (1)و نحوهما، كما خرجنا بها عن قاعدة الفضولي في الصورتين السابقتين، مع إمكان أن يقال: إنّ العامل إذا قصد ابتداء دفع مال الغير فكأنه أوقع العقد عليه ابتداء، فعدم قصد دفع الكلّي (2)إلّا في ضمن هذا الفرد بمنزلة المعاوضة على هذا الفرد، و من هنا قد يستقرب اطّراد هذا الحكم في غير مال الصغير و تعديته إلى كلّ مال قصد عند العقد دفعه عمّا في الذمة بدون رضى مالكه، و يدلّ عليه مضافا إلى أخبار مال اليتيم روايات:

منها: ما عن الكليني بسند فيه إرسال، عن أبي حمزة الثمالي: «قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الزكاة تجب عليّ في موضع لا يمكنني أن أؤدّيها؟ قال:

اعزلها، فإن اتّجرت بها فأنت لها ضامن، و لها الربح، و إن نويت في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها (3)في تجارة فليس عليك، فإن لم تعزلها فاتّجرت بها في جملة مالك فلها تقسيطها من الربح و لا وضيعة عليها» (4).

و منها: رواية مسمع بن يسار «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: إنّي كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه، و حلف لي عليه، ثم إنّه جاءني بعده بسنين بالمال الذي كنت استودعته إيّاه، فقال: هذا مالك فخذه، و هذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك، فهي لك مع مالك، اجعلني في حلّ، فأخذت المال منه و أبيت أن آخذ الربح منه، و أوقفت المال الذي كنت استودعته و أتيت حتى أستطلع رأيك،


1) المعتبر 2: 487.

2) في «ع» و «ج»: الكل.

3) في النسخ: تشتغلها.

4) الوسائل 6: 214 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3، و وردت الكلمة في النسخ: بقسطها.

فما ترى؟ قال: فخذ نصف الربح، و أعطه النصف [و أحلّه]، إنّ هذا رجل تائب و اللّٰه يحب التّوابين» (1).

و عن المختلف: «إنّ الودعي إذا اتّجر بالوديعة من دون إذن المالك كان ضامنا، و الرّبح للمالك» (2)، و حكاه عن الشيخين و سلّار و القاضي و أبي الصلاح و غيرهم، هذا و مع ذلك كلّه فلا مناص عن حمل كلامهم كالرّوايات على صورة الشّراء بالعين، كما صرّح به في المختلف، قال في مسألة تجارة الغاصب في الاستدلال لمن قال بكون الرّبح للغاصب: إنه إن اشترى في الذمّة ملك المشتري المبيع، و كان الثمن في ذمّته بلا خلاف (3)انتهى، و لكن محلّ كلماتهم ما إذا اتّفق دفع مال الغير عوضا- لا على ما إذا قصد دفع مال الغير عوضا لا غير- و تحمل الروايات على صورة قصد دفع مال الغير عوضا، و المسألة في غاية الإشكال، إلّا أنّ ثبوت الرّبح للعامل لا يخلو عن قوّة.

و إن كان التاجر وليا غير مليّ فلا خلاف و لا إشكال في جواز شرائه للطفل مطلقا، و قد تقدّم ذلك في كلام المصنّف قدّس سره.

و إن كان الشراء لنفسه فإن كان بعين مال الطفل فالظاهر وقوع الشراء للطفل، فالربح له و الخسارة على العامل، لفحوى ما تقدّم من أنّ تجارة غير الولي كذلك، من غير احتياج إلى إجازة، و إنّ مسألة التجارة بمال الطفل خارجة عن مسألة الفضولي.

و أمّا بناء على عدم إخراجها عن قاعدة الفضولي فالظاهر- أيضا- وقوع الشراء للطفل مع تحقّق المصلحة، و لا يقدح في ذلك نيّة الشراء لنفسه، لأنّ الشراء وقع بعين مال الطفل، و لو أثّر ذلك لأثّر في مطلق عقد الفضولي إذا قصد العقد لنفسه و لم تنفع الإجازة.


1) الوسائل 13: 235 الباب 10 من أبواب الوديعة، مع اختلاف يسير، و الزيادة من المصدر.

2) المختلف: 445.

3) المختلف: 482.

و الظاهر عدم احتياجه إلى إجازة مستأنفة من الولي العامل، و لا من الولي الذي هو بعده في المرتبة، فهو نظير الوكيل إذا أوقع العقد على مال الموكّل لنفسه، فإنّ وقوع العقد ممّن له الإجازة كاف عنها.

نعم قد يشكل فيما إذا تعلّق غرض آخر لنقل المال إلى العامل بالخصوص، فإنّ خصوصية المالك و إن لم تكن ركنا في العقد- و بهذا يفترق البيع عن النكاح- إلّا أنّه لا يبعد مدخليتها إذا لاحظها المتبائعان أو أحدهما، إلّا أنّ الذي يسهّل الأمر ما عرفت من خروج هذه المعاملة عن مسألة الفضولي، و أنّ مجرد وقوع العقد بمال اليتيم مع عدم الإذن شرعا يوجب كون الربح لليتيم.

مضافا- في مسألتنا هذه- إلى الأخبار المتقدّمة (1)، منها: خبر الصيقل (2)الدالّ على كون الربح لليتيم إذا لم يكن للعامل مال، فإنّ المراد منها بقرينة نفي الضمان عن العامل مع إطلاقه الملاءة (3)منطوقا في خبر الصيقل، و مفهوما في غيره، هو: كون العامل وليا.

نعم الحكم بعدم التوقّف على الإجازة مطلقا في عقد الوليّ و الوكيل إذا أوقعاه لأنفسهما، مع ملاحظة المتعاقدين بخصوصيتهما لا يخلو من إشكال؛ لأنّ العقد الواقع الخاص- أعني: إنشاء نقل المال إلى نفس العاقد- لا يؤثّر بنفسه في إفادة نقل الملك إلى المالك، لأنّه غير مدلوله، غاية الأمر أنّه قابل لأن يسلب عنه الخصوصية الملحوظة فيه، من كون المنتقل اليه هو العاقد، لكن السلب لا يتحقّق فعلا إلّا بما يصرفه إلى المالك، و لو كان مجرد كون العين ملكا له كافيا في صرف البيع (4)إليه لم يحتج إلى الإجازة، فلما علمنا أنّ المال لا ينتقل إلى الغير


1) في بعض النسخ: المتقدم.

2) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

3) الملاءة: ليس في «ع» و «ج» و «ف».

4) في «ع» و «ج» و ظاهر «م»: صرف المبيع اليه.

الّا برضاه أو برضى وليّه بالانتقال إليه، لعدم كون العقد مملّكا قهريا، و المفروض إن الولي لم يرض بالانتقال إليه و إنّما رضي بالانتقال إلى نفسه، و يمتنع اجتماع الرضاءين، فلم يتحقّق في هذه المعاملة رضى بالانتقال إلى الطفل من أحد، فلا يلزم العقد إلّا بعد رضي الولي، و هذا العقد أحوج إلى الإجازة ممّا لو باع ملك غيره ثمّ ملكه، و ممّا لو باع ملك غيره ثمّ تبيّن أنّه ملكه، و قد صرح المحقّق في المعتبر باحتياج الأوّل إلى إجازة مستأنفة في فروع مسألة تعلّق الزكاة بالعين (1).

و تمام الكلام في محلّه.

و بما ذكرنا ظهر اندفاع ما ربما يتوهّم من أنّ إجازة الولي إذا أثّرت في إلغاء قصد العاقد العقد لنفسه- مع أنّه رفع- فوقوع العقد من الولي أولى بإلغاء قصد الولي العقد لنفسه، لأنّه دفع.

وجه الاندفاع: انّ الإجازة إنّما ترفع قصد الخصوصية من حيث كونه رضى بمضمون العقد المعرّى من ملاحظة خصوصية المنتقل إليه، فما لم يحصل هذا الرضى لا يحصل إلى المتّجر أو من هو في حكمه.

و إن كان الشراء لنفسه بالعين مع ضمانه بأحد الوجوه الناقلة فلا إشكال في تملّك الربح، حيث يجوز له الضمان، و حيث لم نجوزه فحكمه كالصورة السابقة، كما أنه لو اشترى حينئذ بما في الذمّة و دفعه عوضا فحكمه كما تقدّم في غير الولي.

فالشأن في جواز الضمان للولي الغير المليّ، و قد عرفت كلام الحلّي (2)و الشيخ (3)في المنع عن التصرّف إلّا بما فيه غبطة و مصلحة و أنّ غير ذلك باطل، بل في شرح الروضة: إنّ المتقدّمين عمّموا الحكم باعتبار المصلحة من غير


1) المعتبر 2: 563.

2) السرائر 1: 441.

3) المبسوط 2: 200 (كتاب الرهن).

استثناء (1)، و لا ريب أنّ نقل الولي المعسر مال الطفل إلى ذمّته خلاف المصلحة، بل هو قريب من إتلافه، بل قد يكون إتلافا عرفا و بمنزلة الأخذ مجّانا، و قد دلّت الأخبار المستفيضة التي تقدّم بعضها على اعتبار الملاءة فيمن يقترض مال اليتيم، لكن موردها مختصّ بغير الأب و الجدّ، و لذا حكي عن المتأخّرين كافّة، بل عن الأصحاب كافّة- كما في الحدائق (2)، و عن مجمع الفائدة (3)- استثناء الأب و الجد من ذلك، فجوّزوا لهما الاقتراض مع الإعسار، و لعلّه لما ورد في حق الوالد بالنسبة إلى ولده ما ورد حتى قال صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم لرجل: «أنت و مالك لأبيك» (4)و قال الصادق عليه السلام- في رواية محمد بن مسلم-: «إنّ الوالد يأخذ من مال ولده ما شاء» (5)، و في رواية سعيد بن يسار: «إنّ مال الولد للوالد» (6)و خصوص ما ورد من أخبار تقويم جارية الولد على نفسه (7)، و غير ذلك.

و يشكل: انّ ظاهر هذه الأخبار غير مراد إجماعا، فيحمل على جواز أخذ مقدار النفقة من مال ولده، صغيرا كان أو كبيرا، إذا لم ينفق الكبير عليه.

و أمّا النبوي، فيوهن التمسك به ما رواه الشيخ عن الحسين بن أبي العلاء: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: ما يحلّ للرّجل من مال ولده؟ قال:

قوته بغير سرف إذا اضطر إليه. قال: فقلت له: فقول رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم للرّجل الذي أتاه فقدّم أباه، فقال له: أنت و مالك لأبيك، فقال: إنّما جاء بأبيه إلى النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم فقال: يا رسول اللّٰه هذا أبي قد ظلمني ميراثي من أمّي،


1) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط). 4 ذيل قول المصنّف: «و لو اتجر الولي، أو المأذون للطفل».

2) الحدائق 12: 25.

3) مجمع الفائدة و البرهان 4: 14.

4) الوسائل 12: 194 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

5) الوسائل 12: 194 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

6) الوسائل 12: 195 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

7) الوسائل 12: 198 الباب 79، الحديث 1 و 2.

فأخبره الأب أنّه قد أنفقه عليه و على نفسه، فقال له: أنت و مالك لأبيك، و لم يكن عند الرجل شي‌ء أو كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم يحبس الأب للابن؟» (1).

و يشهد أيضا لما ذكرنا من الجمع، و من الإشكال في اطراحه (2)مال الولد (3)مع الإعسار الذي هو بمنزلة الإتلاف و الأخذ مجّانا، مصحّحة أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام: «قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم لرجل: أنت و مالك لأبيك، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: لا نحبّ (4)أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه ممّا لا بد منه، إنّ اللّٰه لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ» (5).

فإنّ التعليل بالآية (6)يدلّ على عدم جواز الإفساد في ماله، و أيّ فساد أشدّ من أخذه قرضا مع الإعسار سيّما إذا لم يرّج اليسار؟

و أمّا أخبار تقويم الجارية، فنقول بمقتضاها و لا نتعدّى عنه، كما اعترف به الحلّي (7)- أيضا- فيما حكي عنه، مع إمكان أن يقال: إنّ إطلاقها وارد في مقام بيان حكم أصل جواز التقويم، إمّا لدفع توهّم المنع، أو لدفع توهّم جواز التصرّف في الجارية بغير تقويم، على حدّ غيرها من الأموال.

ثمّ لو سلم ما ذكروه في الأب فلا يخفى عدم الدليل على الحكم في الجدّ، بل مقتضى عموم الآية (8): التحريم، و دعوى: أنّه أب حقيقة كما ترى، و مثله


1) الوسائل 12: 196 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8، و في «م» للدين بدل للابن.

2) كذا في «ف» و «ج» و لعل أصلها: اقتراضه.

3) في بعض النسخ: الوالد.

4) في الوسائل: ما أحب.

5) الوسائل 12: 195 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

6) كذا في «م»، و في سائر النسخ: في الآية.

7) السرائر 2: 208- 209.

8) أي قوله تعالى وَ إِذٰا تَوَلّٰى سَعىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهٰا وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ البقرة: 2- 205.

دعوى الإجماع المركّب.

و اعلم انّ المشهور- كما قيل (1)-: إنّ حكم التجارة في مال المجنون حكم الصبيّ في جميع ما تقدّم و كذا اختار المصنف قدّس سره في صورة فساد (2)ضمان الولي لهما: أنّ الربح لهما و استظهر سيد مشايخنا (3)الاتفاق على ذلك، لكن في جريان ما خالف الأصول من الأحكام المتقدّمة بالنسبة إليه إشكال.

و أمّا حكم الزّكاة إذا اتّجر لنفسه بمال الطفل و المجنون فتوضيحه: إنّ مقتضى عمومات زكاة التجارة (4)ثبوتها على الولي حيث اتّجر لنفسه، و وقعت التجارة له، بأن كان في الذمة، أو كان بالعين و قلنا بجواز ضمان الأب و الجد له من غير ملاءة، و كذا ثبوت زكاة التجارة في مال الطفل إذا اتّجر له غير الولي، كما دلّ عليه صحيحة بكير و زرارة المتقدّمة (5).

و أمّا إذا اتّجر التّاجر لنفسه، و حكم بوقوعها عن الطفل إمّا تعبّدا كما ذكرنا، أو مع كون العامل وليّا، أو مع إجازة الولي، فالأقوى أنّه لا زكاة، أمّا على الطفل فلأنّ ظاهر أخبار استحباب الزكاة في مال التجارة للطفل، ما إذا اتّجر له، لا ما إذا وقعت التجارة له بالإجازة، أو بحكم الشرع، و أمّا على التاجر، فلعدم سلامة الربح له، لرواية سماعة: «عن الرجل يكون عنده مال اليتيم فيتّجر به أ يضمنه؟ قال: نعم، قلت: فعليه زكاة؟ قال: لا، لعمري لا أجمع عليه خصلتين: الضمان و الزكاة» (6).


1) راجع الجواهر 15: 28 و مفتاح الكرامة 3: 9 (كتاب الزكاة).

2) ليس في بعض النسخ: فساد.

3) لم نقف عليه في المناهل.

4) الوسائل 6: 45 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه.

5) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 8.

6) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.

قيل (1)و عن الشهيدين، و المحقّق الثاني في كلّ موضع يقع الشراء للطفل (2)، و هو مشكل، لظهور الأخبار في غير ذلك، و لا فرق في الإشكال بين جعل الإجازة كاشفة أو ناقلة.

و تستحبّ الزكاة في غلّات الطفل، و لا تجب، وفاقا للمصنف (3)قدس سره، و المحقّق (4)، و الشهيدين (5)، و المحقق الثاني (6)، و حكي عن القديمين (7)، و السيد (8)، و سلّار (9)، و عن التحرير: حكايته عن أكثر الأصحاب (10)، و عن غيره:

حكايته عن المتأخّرين كافّة (11)، قيل: و عن تلخيص الخلاف: نسبته إلى أصحابنا (12).

و عن كشف الحق (13): انّ الإمامية ذهبت إلى أنّ الزكاة لا يجب على الطفل و المجنون، للأصل و عموم ما تقدّم من الأخبار النافية للزكاة في مال اليتيم، و قوله عليه السلام: «لا زكاة على يتيم» (14)و خصوص قوله عليه السلام: في رواية


1) قاله في الجواهر 15: 24.

2) المسالك 1: 39 ذيل قول المصنف رحمه اللّٰه: «اما لو لم يكن مليا»، و البيان: 165، و الدروس: 57، و جامع المقاصد 3: 5.

3) التذكرة 1: 201.

4) الشرائع 1: 140.

5) الدروس 1: 229، البيان 165، الروضة البهية 2: 12.

6) جامع المقاصد 3: 5.

7) حكي عنهما في السرائر 1: 429- 430.

8) الناصريات (الجوامع الفقهية: 241.

9) المراسم (الجوامع الفقهية): 580.

10) تحرير الأحكام 1: 57.

11) مفتاح الكرامة 3: 4 (كتاب الزكاة).

12) تلخيص الخلاف 1: 276، المسألة 36.

13) نهج الحق و كشف الصدق: 456، المسألة 7.

14) الوسائل 6: 55 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4.

أبي بصير المتقدّمة: «و ليس على جميع غلاته من نخيل أو زرع أو غلة، زكاة» (1).

خلافا للمحكي عن الشيخين (2)، و أتباعهما. و عن الناصرية أنّه ذهب أكثر أصحابنا إلى أنّ الإمام يأخذ الصدقة من زرع الطفل و ضرعه (3)(انتهى).

لعموم أدلّة الزكاة في الغلات، و خصوص صحيحة ابن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه عليهما السلام أنّهما قالا: «ليس على مال اليتيم في الدين (4)و المال الصامت شي‌ء، فأمّا الغلّات فعليها الصدقة واجبة» (5)فإنّ الوجوب إمّا بمعناه المصطلح عندنا، و إمّا بمعنى الثبوت و الاستقرار، فيثبت اللّزوم على التقديرين، سيّما بمعونة لفظة «على».

و يضعّف بوجوب تخصيص العمومات بما دلّ على نفي الزكاة عن اليتيم، و بحمل الصحيحة على الاستحباب المؤكّد، جمعا بينها و بين رواية أبي بصير (6)المعتضدة، أو (7)المنجبرة بالشهرة العظيمة.

و أمّا ما حكاه في الناصريات عن أكثر أصحابنا، فهو لا يدلّ على الوجوب كما لا يخفى؛ لأنّ أخذ الزكاة المستحبّة من مال الطفل فيه مصلحة له و للفقراء، هذا مضافا إلى موافقة مضمون الصحيحة لمذهب فقهاء الجمهور كافّة كما عن المنتهى (8)و إن حكي عن التذكرة (9)حكاية القول بعدم الوجوب عن


1) الوسائل 6: 56 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11.

2) المقنعة: 238 و الخلاف 2: 40.

3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

4) في «ج» و «ع» و «م» العين.

5) الوسائل 6: 54 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

6) الوسائل 6: 56 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11.

7) كذا في «ج» و «م»، و اما في «ف» فلا توجد كلمة «أو».

8) منتهى المطلب 1: 472.

9) لكن الموجود في التذكرة (1: 201) هو نقل قول أبي حنيفة بوجوب الزكاة في غلات الطفل، نعم في الخلاف 2: 40 نقل قوله بعدم وجوبها بلا تفصيل.

أبي حنيفة و جماعة، إلّا أنّ الظاهر أنّ المشهور بينهم، و ما إليه ميل سلاطينهم هو الوجوب.

ثمّ إنّ المعروف بين الأصحاب هو ثبوت الرجحان كما عرفت من عبارة الناصريات (1)، و استظهر سيّد مشايخنا (2): الاتّفاق عليه بعد أن حكى عن الأردبيلي (3): التصريح بالإتّفاق على الاستحباب، و صرّح بعدم الخلاف في الرياض (4)- أيضا- و يظهر ذلك- أيضا- من النافع (5)حيث جعل الوجوب أحوط، و عن المدارك (6)، و الكفاية (7): أنّه مذهب عامّة المتأخرين و جمهورهم.

و يدلّ عليه الصحيحة السابقة بالحمل السّابق (8)، و لا ينافيه الحمل على التقية لما عرفت غير مرّة من أنّ التقية تتأدّى بما ظاهره موافق للعامّة، و إن أريد خلافه بقرينة منفصلة.

و بعد ذلك فمن الغريب ما عن العلّامة الطباطبائي (9): من إنكار الاستحباب مدّعيا بأنّه لم يصرّح أحد بالندب قبل الفاضلين (10).

و هل يلحق بغلّات اليتيم مواشيه؟ ظاهر المحكي عن الوسيلة،


1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

2) لم نقف عليه في المناهل

3) مجمع الفائدة 4: 11.

4) الرياض 1: 262 ذيل عبارة الماتن: في وجوب الزكاة في غلات الطفل.

5) المختصر النافع: 53.

6) مدارك الأحكام 5: 22.

7) كفاية الأحكام: 34.

8) أي حمل صحيحة ابن مسلم المتقدّمة آنفا على الاستحباب.

9) راجع الجواهر 15: 26.

10) راجع الشرائع 1: 140 و التذكرة 1: 201.

نعم، حيث ادّعى الإجماع المركّب (1)، إلّا أنّ الحكم بالاستحباب بمجرّد هذا مشكل و إن كان إجماعا منقولا معتضدا بما تقدّم عن الناصريات (2)، و في الرياض: أنّ ظاهر جماعة من الموجبين و المستحبين عدم الفرق بين الغلّات و المواشي (3)، إلّا أنّ في الاكتفاء بمثل ذلك في التهجّم على مال اليتيم إشكالا، و لذا مال جماعة من المتأخّرين إلى العدم و هو الأحوط، و أشكل من ذلك الحكم باستحباب الزكاة في غلّات المجنون فضلا عن مواشيه، و إن ادعى في الرياض (4)أنّ ظاهر من عدا المحقّق، و بعض من تأخّر عنه (5)عدم الفرق بين الطفل و المجنون.

و لا زكاة على المملوك و إن قلنا بكونه مالكا مطلقا، أو في الجملة على الخلاف المذكور في محلّه، أمّا على القول بعدم الملك كما هو المشهور- ظاهرا- بل ظاهر بعض العبائر المحكية الإجماع عليه (6)، فعدم الزكاة عليه واضح، بل يخرج عن قيد اعتبار ملكية النصاب كما فعله في الغنية (7).

و أمّا على القول بالملك، فلحسنة ابن سنان- بابن هاشم-: «قال: ليس على مال المملوك شي‌ء و لو كان له ألف ألف، و لو احتاج (8)لم يعط من الزكاة


1) لم نجده في الوسيلة و لكن حكي عنه في إيضاح الفوائد 1: 167 و في مفتاح الكرامة 3: 4 ما يلي: «و نقل عن ابن حمزة، و لعله في الواسطة، انه قال: فتجب في الأنعام بالإجماع المركب».

2) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

3) رياض المسائل 1: 262، ذيل قول الماتن: قيل تجب في مواشيهم.

4) نفس المصدر، ذيل قول الماتن: و لا تجب في مال المجنون.

5) كصاحب المدارك في ذيل قول المحقق: و قيل حكم المجنون حكم الطفل، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 298.

6) الخلاف 2: 43 المسألة 45، و حكاه عنه مفتاح الكرامة 3: 11 (كتاب الزكاة).

7) الغنية (الجوامع الفقهية): 505.

8) في «ج»: و لو احتاج له.

شيئا» (1)و نحوها رواية أخرى لابن سنان (2).

و من العجيب ما حكي عن المنتهى (3)كإيضاح النافع، (4)تبعا للمعتبر (5)، و المبسوط (6): من وجوب الزكاة عليه على القول بالملك، مع أنّ ظاهر المحكي عنه في المنتهى (7)و التذكرة (8): اتّفاق أصحابنا، بل غير شاذ من العامة على عدم الزكاة عليه، لكن الظاهر أنّه قدّس سره فهم من الأصحاب استنادهم في ذلك إلى عدم الملك، و حينئذ فيمكن أن يوجّه الحكم- في الروايتين بنفي الزكاة- بعدم الملكية، للأدلّة الدالّة على عدم مالكية العبد، فيكون إضافة المال إليه في الروايتين (9)بمجرد الملابسة لا التمليك، كما يفصح عنه رواية ثالثة لابن سنان، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: قلت له: مملوك في يده مال، أ عليه زكاة؟ قال:

لا، قلت: فعلى سيده؟ قال: لا، لانّه لم يصل إلى سيده، و ليس هو للملوك» (10).

و قد يستدلّ على فرض الملكية بعدم (11)تمكنه من التصرف للحجر عليه، و بنقص (12)ملكه؛ لأنّ للمولى انتزاعه منه متى شاء إجماعا كما في المختلف (13)


1) الوسائل 6: 59: الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول.

2) الوسائل 6: 60: الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3.

3) منتهى المطلب 1: 472- 473، و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 11 (كتاب الزكاة).

4) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 11 (كتاب الزكاة).

5) المعتبر 1: 489.

6) المبسوط 1: 206.

7) منتهى المطلب 1: 473 و حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 10.

8) التذكرة 1: 201 و حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 10.

9) الروايتان المتقدمتان آنفا.

10) الوسائل 6: 60 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4، و فيه: «لا، لانه لم يصل».

11) في بعض النسخ بعد.

12) في النسخ: نقض.

13) المختلف 2: 624.

و عن غيره (1).

و يرد على الأوّل: منع عدم التمكّن من التصرّف؛ إذ له التصرّف كيف شاء على تقدير الملكية، كما نصّ عليه في المعتبر (2)على ما حكي عنه، لكن هذا إنّما يستقيم لو وجد القول بالملكيّة على هذا الوجه، للإجماع على الحجر عليه و لو ملك.

فالأولى الجواب بمنع الحجر إذا صرفه مولاه فيه، و فوّض أمر المال إليه، كما يشعر به رواية علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: «ليس على المملوك زكاة إلا بإذن مواليه» (3)، و منع كون الحجر مانعا على الإطلاق كما في السفيه، فتأمل.

و يرد على الثاني: منع كون هذا التزلزل مانعا من وجوب الزكاة كالبيع (4)في زمن خيار البائع، بل المنتقل بالعقود الجائزة.

فالأقوى: الاعتماد على ما تقدم من النص الظاهر في كون المملوكية (5)بنفسها مانعة عن وجوب الزكاة، كما أنّها مانعة عن أخذها، فمرجع الروايات إلى أنّه لا عبرة بغنى المملوك و لا بفقره، و هذا هو الظاهر من كلام أكثر الأصحاب حيث لم يقنعوا عن اعتبار الحرّية باعتبار الملكية (6)، أو اعتبار التمكّن من التصرّف.

و أمّا رواية علي بن جعفر، فهي مطروحة أو مؤوّلة.

و هل تجب زكاة ما في يده على المولى مطلقا، أو ليس عليه كذلك، أو تبنى


1) راجع الجواهر 24: 172.

2) المعتبر 2: 489.

3) الوسائل 6: 60 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

4) في بعض النسخ: كالمبيع.

5) في بعض النسخ: الملكية.

6) في «م»: المالكية.

على القول بالملكية (1)؟ ظاهر المحكيّ عن القواعد (2)و التحرير (3): الأوّل، قيل:

لأنّه مال مملوك لأحدهما فلا يسقط زكاته عنهما معا، و لأنّه مال مستجمع لشرائط الزكاة، فإذا لم تجب على العبد (4)وجبت على السيّد، و لأنّ المولى لما كان له انتزاعه من يده متى شاء كان ك «مال» في يد الوكيل (5).

و في الجميع ما لا يخفى.

و ظاهر الرواية الثالثة (6): الثاني، و فيه: اشتمالها على التعليل لعدم وصول المال إليه، فإن كان في مورد يثبت عدم الوصول حقيقة كما إذا كان غائبا أو مثل ذلك من مسقطات الزكاة، [كان أخص من المدّعى] (7).

و إن أريد أنه بمجرد كونه في يد العبد غير واصل إلى سيّده، ففيه: أنّ يد العبد أضعف من يد الوكيل الذي بمنزلة يد الموكل، و حمل ذلك على إعراض المولى- حيث دفعها الى العبد ليخصّ به و ينتفع به أو ينفقه (8)على نفسه، فهو (9)ك «مال النفقة» إذا غاب الشخص، و سيجي‌ء عدم وجوب الزكاة عليه- تكلّف لا يصار إليه في مقام تخصيص الأدلّة القطعيّة الموجبة للزكاة على المال المستجمع للشرائط، و لذا نسب في المنتهى (10)وجوب الزكاة على المولى إلى أصحابنا مشعرا


1) و لعل المراد: على القول بملكية العبد و عدمها، كما في الجواهر 15: 33.

2) قواعد الاحكام 1: 51.

3) تحرير الاحكام 1: 57.

4) في «ج» و «ع»: المملوك.

5) في «ف»: الموكل.

6) و هي الرواية الثالثة لابن سنان المتقدّمة في الصفحة 33 و انظر الهامش 10 هناك.

7) ما بين المعقوفتين زيادة اقتضتها العبارة، و أخذناها ممّا نقله العلّامة المامقاني قدس سره في كتابه منتهى مقاصد الأنام، 26 (كتاب الزكاة).

8) كذا في «م»، و في سائر النسخ: ببعضه.

9) في «ع»: فهي.

10) منتهى المطلب 1: 473.

بدعوى الإجماع، فالأقوى هو الوجه الثالث.

و لا فرق فيما ذكر بين القنّ، و المدبّر، و أمّ الولد، و المكاتب المشروط عوده رقّا إن لم يؤدّ مال الكتابة و المطلق الذي لم يؤدّ شيئا بلا خلاف ظاهر في الجميع، حتّى المكاتب بقسميه، و عن التذكرة (1): نسبته إلى علمائنا، بل عن المنتهى (2): نسبته إلى العلماء كافّة عدا أبي حنيفة، و أبي ثور، مضافا إلى ما ورد في المكاتب: من الحجر عن التصرف فيما بيده بالاكتساب (3)حتّى ورد: «أنّه لا يصلح له أن يحدث في ماله إلّا الأكلة من الطعام» (4)، و يرتفع الإشكال رأسا لو قلنا بعدم ملكيته كغيره من الأقسام كما عن المصنّف في النهاية (5)، و المحقّق في المعتبر (6).

و ممّا ذكرنا كلّه ينجبر ضعف رواية البختري (7)عن الصادق عليه السلام:

«ليس في مال المكاتب زكاة» (8)، و نحوه النبويّ (9).

و أمّا الاستدلال بروايتي عبد اللّٰه بن سنان المتقدّمتين (10)، فغير صحيح- ظاهرا- لاشتمالهما على منع المملوك من الزكاة، مع أنّ المكاتب يعطى من


1) التذكرة 1: 201.

2) المنتهى 1: 473، و لكن ليست في النسخة التي بأيدينا من المنتهى النسبة إلى العلماء كافّة.

3) في «م»: الا بالاكتساب.

4) الوسائل 16: 90 الباب 6 من أبواب المكاتبة، الحديث الأول.

5) نهاية الإحكام 2: 301.

6) المعتبر 2: 489.

7) كذا في النسخ، و لكن في الوسائل: «أبي البختري» و هو الصحيح.

8) الوسائل 6: 60 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.

9) راجع الخلاف 2: 42، المسألة 43 و رواه الدارقطني في سننه 2: 108 و البيهقي في سننه 4: 109.

10) في الصفحة 32.

الزكاة، فموردهما لا يشمله.

و كما لا يجب على المكاتب كذلك لا يجب على مولاه و إن قلنا بملكيته؛ لأنّ المولى ممنوع من أخذه منه إلّا على وجه استيفاء مال الكتابة ما لم يعجز، سواء جعلنا العجز كاشفا أو ناقلا.

و عن المبسوط: «إنّ المكاتب المشروط لا زكاة على ماله و لا على سيّده، لأنّه ليس ملكا لأحدهما ملكا صحيحا، لأنّ العبد لا يملكه عندنا و المولى لا يملكه إلّا بعد عجزه» (1)(انتهى). و ظاهره نفي ملك المولى (2)، و نفي استقلال العبد بقرينة ما عنه في باب الكتابة: من أنّ كسبه ماله (3)و ظاهر ما تقدّم عن المصنف، و المحقّق قدّس سرهما عكس ذلك (4).

و على كلّ تقدير فالحكم واضح، و الرجوع إلى العمومات لمالكية المكاتب و ضعف رواية البختري ضعيف.

نعم لو تحرّر من المكاتب المطلق شي‌ء و لو جزء يسير وجبت الزكاة في نصيبه إن بلغ نصابا بلا خلاف ظاهر، و عن الحدائق: انّه محلّ اتّفاق (5)و في شرح الروضة: قطع به الأصحاب و إنّ وجهه واضح (6)و هو كذلك، لأنّ نصيبه مال جامع لشرائط الزكاة، و أدلّة نفي الزكاة عن مال المملوك لا تشمله، و لذا لا يجري على هذا النصيب شي‌ء من أحكام مال المملوك.

ثمّ إنّ ظاهر روايتي ابن سنان المتقدّمتين (7)عدم جواز إعطاء المملوك من


1) المبسوط 1: 205 مع اختلاف يسير.

2) في «م» زيادة: رأسا.

3) المبسوط 6: 82.

4) تقدّم قولهما عن النهاية و المعتبر في الصفحة السابقة.

5) الحدائق 12: 29.

6) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 6.

7) في الصفحة 32.

الزكاة، و ظاهرهما عدم قابليته.

و ربما يحمل على صورة عدم الإذن، و يحكم بجوازه مع إذن المولى في الأخذ فيصير ملكا للمولى، فيعتبر فيه الاستحقاق.

و لو كان في سبيل اللّٰه لا بقصد الملك لم يملكه المولى.

و لو كان العبد مشتركا بين مستحقّين فإن أذنا له ملكا (1)القرض (2)بنسبة الملك، و إن كان وكيلا عنهما ملكاه بالسوية، و لو كان أحدهما مستحقّا ملك مقدار حصته. و جميع ذلك مبني على ما عرفت.

و لا بد في مال الزكاة من تمامية الملك في جميع الحول فيما يعتبر فيه الحول، و قبل تعلّق الوجوب فيما لا يعتبر فيه، و يتحقّق عدمهما بأمور:

الأوّل (3)عدم قرار الملك بمعنى تزلزله من حيث الحدوث، لتوقّفه على شرط لم يقع، أو لم يعلم وقوعه، و أمّا المتزلزل من حيث البقاء فلا يقدح كما سيجي‌ء، فلا يجري (4)الموهوب في الحول إلّا بعد القبض سواء قلنا بكون القبض ناقلا أو كاشفا، كما صرّح به في المسالك (5)، و إن أورد عليه في المدارك (6): بأنّ القول بكشف القبض غير مذكور في باب الهبة، و إنّ هذا الخلاف غير واقع، إلّا أنّ الذي يحكى عن بعض هو أنّ مراد القائلين باعتبار القبض في اللّزوم هو الكشف لا اللّزوم المصطلح، ضرورة أنّ الهبة لا تصير بالقبض من العقود اللّازمة، إذ بعد القبض يجوز الرجوع في الهبة اتّفاقا إلّا في المواضع المخصوصة، و انّه (7)لم يجعل


1) كذا في «ف» و «ج» و «ع»، و في «م»: ملك.

2) كذا في «ف» و «ج» و «ع»، و في «م»: المقرض، و الظاهر: القرض.

3) لم يصرّح بالثاني و .. فيما يلي من الأمور.

4) كذا في النسخ، و لكن في المطبوعة من الإرشاد و مجمع الفائدة: فلا يجزي.

5) المسالك 1: 40، ذيل قول الماتن: لم يجر في الحول الا بعد القبض.

6) مدارك الاحكام 5: 27.

7) في «ف» و «ج»: «إذ».

أحد القبض من الملزمات، و أنّه قد صرح المحقّقون: بأنّ مرادهم من كون القبض شرطا في اللزوم ليس المعنى المعروف، بل قالوا: إنّ العقد يوجب ملكية (1)مراعاة بتحقّق القبض، فإنّ تحقّق أتمّ من حين العقد. (2)(انتهى المحكي) و هذا نصّ فيما ذكره في المسالك.

و كيف كان فلا إشكال في أصل المسألة، كما لا إشكال في جريانه في الحول بعد القبض و إن كان متزلزلا من حيث البقاء لاحتمال الرّجوع.

نعم لو رجع الواهب قبل الحول (3)سقطت الزكاة بلا إشكال، و لو رجع بعد الحول، فإن كان بعد إمكان الأداء- و إن لم يؤدّه- قدّم حقّ الفقراء، و إن كان قبله ففي التذكرة (4)و كشف الالتباس (5): سقوط الزكاة.

و قد يستشكل (6): بأنّ التمكن من الأداء معتبر في الضمان دون الوجوب، فالزكاة تتعلّق بمجرّد اجتماع الشرائط، و إن لم يكلف المالك منجزا بالإخراج للعجز، فيكون رجوع الواهب على مال تعلّق به حقّ الفقراء، فيقدّم، سيّما على القول بتعلّق الشركة.

و كذا لا يجري النصاب الموصى به في الحول إذا كان حوليّا إلّا بعد القبول و بعد الوفاة لأنه قبل ذلك إمّا غير مملوك للموصى له، أو غير متمكّن من التصرّف فيه، و لو لعدم العلم بملكيته بناء على أحد وجهي الكشف في القبول.


1) في «ف»: ملكيته.

2) راجع الجواهر 15: 37 و مفتاح الكرامة 3: 15.

3) في «م»: الحلول.

4) التذكرة 1: 203.

5) نقله في مفتاح الكرامة 3: 26 (كتاب الزكاة).

6) راجع الجواهر 15: 38.

و لا الغنيمة إلا بعد القسمة، أمّا على القول بتوقّف الملك عليها كما عن المشهور فواضح، و أمّا على القول بحصول التملّك بالحيازة، فلعدم التمكّن من التصرّف قبل قسمة الإمام، و لعدم استقرار الملك، لأنّ للإمام أن يقسّم بينهم بتحكّم، فيعطي كلّ واحد من أيّ الأصناف (1)شاء، فلم يتمّ ملكه عليه- كذا عن المنتهى- (2)لكن المحكيّ عن ظاهر كلام الشيخ في الخلاف (3):

منع ذلك، و إنّ لكلّ غانم نصيبا من كلّ صنف من الغنيمة، فليس للإمام منعها، مع أنّ منع الإمام لعلّة (4)بمنزلة المزيل للملك الحاصل بمجرد الحيازة، فهو غير مانع كالخيار، مع أنّه مختص بصورة تعدّد أصناف الغنيمة، و أمّا مع اتحاد جنسها فالغانمون كالورثة يملك كلّ منهم نصيبا معيّنا منها، و اعتبار التمكّن من التصرّف لا يوجب إلّا اعتبار التمكّن من القسمة قسطا لبعض الغانمين، فإن قبضه فلا إشكال، و إلّا فإن كان غائبا فلا يجري إلّا بعد وصوله إليه، أو إلى وكيله إلّا إذا قبض عنه الإمام بالولاية.

و إن كان حاضرا، فالظاهر أنّه موقوف على قبض الغانم أيضا إلّا إذا قلنا بالتملّك بالحيازة، و كفاية عزل الإمام في تعيين الملك (5)، و رفع الحجر عن التصرف، لكنّه مشكل لعموم ما دلّ على عدم جريان الحول إلّا على ما وقع في يده. و تمام الكلام في محلّه من كتاب الجهاد.

و لا يجري القرض أيضا إلّا بعد القبض (6)بناء على ما عن الأكثر


1) كذا صححناه على ما في المنتهى 1: 477 ففيه: من أيّ أصناف المال شاء، و لكن في النسخ: الأوصاف.

2) المنتهى 1: 477.

3) الخلاف 2: 114.

4) في «ف» و «ج»: لعلّه.

5) في «م»: التملّك.

6) في الإرشاد 1: 278 و القرض حين القبض.

من أنّه وقت حصول الملك (1)، و على قول الشيخ (2)فيجري من حين التصرف و هو ضعيف يردّه- مضافا إلى ما سيجي‌ء في باب القرض- ما في حسنة زرارة:

«انّ زكاة القرض على المقترض إن كان موضوعا عنده حولا» (3)و ظاهرها وجوب الزكاة مع عدم التصرف أيضا.

و أمّا المبيع ذو الخيار فإنّما يجري في الحول من حين البيع و لا يتوقّف على انقضاء زمان الخيار بناء على القول المشهور: من عدم توقف الملك على انقضاء زمان الخيار، و يشكل ذلك في خيار البائع لو قلنا بمنعه للمشتري من التصرّفات المنافية للخيار.

و ربما يحمل كلامهم- هنا- على إرادة مجرّد بيان عدم توقّف جريان المبيع (4)في الحول من حيث الملكية حين العقد، و إن كان له مانع آخر في مدّة الخيار من حيث عدم تمامية الملك، و هو محمل بعيد في نفسه، مضافا إلى ما قيل:

إنّه حكي عن غير واحد: وجوب الزكاة بعد الحول، و إن كان الخيار باقيا، فيسقط البائع من الثمن بنسبة ما أخرجه المشتري من الزكاة (5).

و مثله في البعد حمل هذا الكلام على تجويز (6)تصرّف المشتري في زمان خيار البائع، فيرجع البائع بعد الفسخ إلى قيمة المبيع، أو يبطل ما وقع من التصرف كالشفيع.


1) راجع الجواهر 25: 23 و مفتاح الكرامة 5: 48.

2) راجع الصفحة السابقة.

3) الوسائل 6: 67 الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب، الحديث الأول، و الرواية منقولة بالمعنى.

4) في «ف»: البيع.

5) راجع الجواهر 15: 39.

6) في «ف»: تجوز.

و قد أطلق المصنّف قدّس سره- هنا- الجريان في الحول من حين العقد مع حكمه بعدم جواز التصرف (1)المنافي لخيار البائع. و الشهيد قدّس سره في البيان عدّ خيار البائع من الأمور الّتي ظنّ أنّها مانعة عن الزكاة، و ليست مانعة (2)مع تردّده في الدروس في جواز تصرف المشتري بما ينافي خيار البائع (3)، فيحتمل أنّ المنع من التصرف المنافي (4)أعني:- النّقل أو الإتلاف- لا ينافي وجوب الزكاة عندهم، لأنّه يصدق على المبيع أنّه مال حال عليه الحول في يد مالكه، بخلاف مال الرهن، فإنّ الراهن لا يستقلّ في التصرّف فيه و ان لم يكن ناقلا فتأمّل، فانّ في الفرق بين منذور الصدقة (5)بعينه نذرا مشروطا بما يحتمل الحصول فضلا عمّا يقطع بحصوله، و بين المبيع في أيام الخيار و الحكم بمانعية النذر دون الخيار إشكالا، بل تحكّما.

و لا زكاة في المغصوب بلا خلاف في الجملة، لعموم ما دلّ على اعتبار حولان الحول على المال مع وقوعه في يد المالك، و كونه عند ربّه، و فحوى سقوطها عن مال الغائب.

و مقتضى (6)إطلاق النص و الفتوى: عدم الفرق بين ما لو تمكّن من إخراج مقدار الزكاة من المغصوب باستئذان الغاصب أو مع عدم اطّلاعه و بين غيره، بل يعمّ الحكم لما إذا أذن الغاصب المالك في التصرف في المغصوب مع بقاء يد العدوان عليه، و هو قويّ.


1) في «ج» و «ع»: بعدم جواز المنافي لخيار البائع.

2) البيان: 169.

3) الدروس: 361 كتاب الخيار (الطبعة القديمة).

4) في «م» زيادة للخيار.

5) في «م»: «التصرف التصدق» بدل: «الصدقة».

6) في «م»: بمقتضى.

نعم ربما يوهم الاختصاص: الاستدلال بأنّه لو كلّف بالزكاة مع عدم التمكّن من التصرف لكان مكلّفا بإخراجها من غير ذلك المال، و هو معلوم البطلان.

لكن التحقيق: انّ هذا الاستدلال لا يفي بأصل المطلب فضلا عن عمومه، ضرورة أنّه يقتضي اعتبار التمكن وقت الإخراج لا في تمام الحول، مع إمكان المناقشة في الملازمة (1)بمنع التنافي بين ثبوت الزكاة في العين، و عدم وجوب الإخراج منها و لا من غيرها لما (2)سيجي‌ء من أنّ التمكّن من الأداء شرط الضمان لا الوجوب، بل المناقشة في بطلان التكليف بالإخراج من غير النصاب، كيف و قد حكي عن الشيخ في أحد أقواله (3): وجوب الزكاة في المال المرهون، و تكلّف (4)المالك بالإخراج من غيره لو كان له مال غيره، و حكي ذلك عن الجامع (5)أيضا و إن ضعّفه في المعتبر (6).

و كيف كان، فالعمدة هو إطلاق النص و معاقد الإجماعات. نعم قيّده بما إذا لم يتمكّن تخليصه و لو ببعضه، و لو بالاستعانة بظالم، و إلّا وجبت فيما زاد على الفداء، و لعلّه لتحقّق الشرط الذي هو التمكّن من التصرّف، و لموثّقة زرارة: «في رجل ماله عنه غائب، لا يقدر على أخذه؟ قال: فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، و إن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ من السنين» (7).


1) في «ف» بالملازمة.

2) في بعض النسخ: كما.

3) المبسوط 1: 208، و حكاه عنه في الجواهر 15: 54.

4) كذا في النسخ، و الظاهر: تكليف.

5) الجامع للشرائع 1: 131.

6) المعتبر 2: 563.

7) الوسائل 6: 63 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

دلّت الرواية بصدرها على تفريع نفي الزكاة على عدم القدرة على أخذ المال الغائب، و بذيلها على ثبوت الزكاة مع ثبوت القدرة، و حينئذ فتحمل الروايات الظاهرة في اعتبار الحضور الفعلي و اليد الحالية على مجرد القدرة على الأخذ و التصرف، و لو بواسطة أمر مقدور، في مقابل ما لم يقع تحت القدرة.

و يؤيّده ورود بعض تلك الأخبار (1)في مقام نفي الزكاة عن المال الذي لم يملك في تمام الحول. و قد قوّى الشيخ في الخلاف وجوب الزكاة في المال المرهون مستدلا بأنّ الراهن قادر على التصرف فيها بأن يفكّ رهنها، و المال الغائب إذا كان متمكّنا منه، يلزمه زكاته بلا خلاف (2)(انتهى).

و كلامه صريح، إلّا أنّ هذا ليس بأولى من إبقاء تلك على ظاهرها من اعتبار الوقوع في اليد بالفعل سيّما مثل قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان:

«ليس على الدين صدقة، و لا على المال الغائب حتى يقع في يدك» (3)الظاهر بل الصريح في اليد الفعلية فيحمل الموثّقة (4)المشتملة على القدرة على الأخذ، على القدرة الحاصلة على الوجه المتعارف، مثل الوكيل في القبض و نحوه، لا إيجاد أسباب التّمكّن كتخليص المغصوب ببعضه و نحو ذلك.

نعم التمكّن من أخذه خفية لا يبعد عدّه من التّمكن، فيكون العبرة بالتمكّن و التسلّط [فعلا لا القدرة على ذلك، و يؤيّد هذا الحمل انّ تقييد المال الغائب- في أدلّة نفي الزكاة- بما لا يقدر على التسلّط] (5)عليه و التمكّن- و لو ببذل بعضه- لرفع المانع تقييد بالفرد النادر.


1) راجع الوسائل 6: 61 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

2) الخلاف 2: 111.

3) الوسائل 6: 62 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

4) المتقدمة في الصفحة السابقة.

5) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

و لو قيل: إنّ المال الغائب عنوان مستقلّ في نفسه لا يلحق به المغصوب، لعدم تنقيح المناط، سقط التمسّك بالأخبار من الطرفين، لأنّ مورد الكلّ (1)في المال الغائب. لكن الظاهر: أنّ المعيار في الكلّ واحد و هو: العجز عن الأخذ، و لذا استدلّ بتلك الأخبار لاشتراط التمكّن بلا فرط في شرح الروضة (2)، فاستدلّ له بما ورد من وجوب الزكاة في الدّين إذا قدر صاحبه عليه، و تركه متعمّدا (3)مع عدم عمله قدّس سره بمضمونها، من (4)ثبوت الزكاة في الدين المقدور على أخذه.

هذا؛ و لكن التحقيق: الرجوع في معنى القدرة على الأخذ- الواردة في النص-، و التمكّن من التصرف- الوارد في معقد الإجماع- إلى العرف، لأنّه المحكّم في مثله، و الظاهر صدق القدرة على الأخذ بمجرّد القدرة على الأسباب و لو كانت بعيدة. و أمّا التمكّن فهو و إن كان في صدقه على التمكّن من أسباب التمكّن خفاء، بل منع (5)إلّا أنّ الذي يظهر من ملاحظة فتاواهم، بل معاقد (6)إجماعاتهم هو ما يعمّ هذا المعنى، و لا أقلّ من أن يحصل الشك في مراد الكلّ أو البعض، فيجب الرجوع حينئذ إلى القدر المتيقّن من تخصيص العمومات الموجبة للزكاة، و خصوص ما أوجبها بمجرد القدرة على الأخذ.

و المتيقّن هو: اعتبار التمكّن بالمعنى الأعم المساوي للقدرة التي نيط بها (7)الحكم فيما عرفت من الموثّقة و غيرها.


1) ليس في «ف»: الكل.

2) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 6 ذيل القول الماتن: كالراهن غير المتمكن من فكّه.

3) الوسائل 6: 64 الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5 و 7.

4) في «م»: في.

5) في «ف» و «ج»: منعا، و الصحيح ما أثبتناه.

6) في «ج» و «ع»: و معاقد.

7) في «ف»: به.

كيف و سيجي‌ء في المرهون ما يدلّ على أنّ مراد أكثرهم من التمكّن هو المعنى الأعم، مضافا إلى أنّ أدلّتهم على اعتبار التمكّن من الروايات و غيرها لا يدلّ على اعتبار أزيد منه.

و يلحق بالمغصوب: المجحود إذا لم يتمكّن من استنقاذه، قال في البيان:

و لو أمكن الاستنقاذ وجبت، و لو صانعه ببعضه وجب في المقبوض و في إجراء إمكان المصانعة مجرى التمكّن نظر، و كذا الاستعانة (1)بظالم، أمّا الاستعانة بالعادل فتمكّن (2)(انتهى). و في شرح الروضة: وجه النظر هو أن تخليص المغصوب بالمال بمنزلة ابتياع ما يجب فيه الزكاة، و كما أنّ تحصيل الملكية لا يجب كذلك تحصيل التمكّن الذي هو شرط وجوب الزكاة (3).

و يعلم ما في هذا، و في استشكال المحقّق الثاني في كفاية التمكّن من استنقاذ المجحود بالبيّنة (4)مما ذكرنا: من أنّه لا دليل على اعتبار أزيد من القدرة على الأخذ و التمكّن من التصرف و لو بواسطة الأسباب، إلّا أنّ في انصراف إطلاقها إلى ما احتاج إلى صرف بعضه أو صرف مال غيره تأمّلا.

و لو كان الفداء كثيرا مساويا للمفدّى أو أزيد فالإشكال أوضح، بل منع الزكاة أقوى.

و كيف كان ففيما ذكره الشهيد من الفرق بين الظالم و العادل (5)نظر، و إن أمكن توجيهه بأنّ العادل حيث أنّه من الأسباب التي شرعها اللّٰه لردّ المظالم، و أوجب عليه ذلك، فهو بمنزلة الوكيل الأمين من طرف المالك بل الوليّ من طرف


1) في «ج» و «ع»: في الاستنقاذ، و ما أثبتناه مطابق للمصدر.

2) البيان: 167.

3) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 8- 9.

4) في «ف»: بالمال و في «ج» و «ع»: بالنية، و الصحيح ما أثبتناه كما في جامع المقاصد 3: 6.

5) ذكره الشهيد في البيان آنفا.

الغاصب و المالك، فقدرته بمنزلة قدرة المالك. [بخلاف الظالم الذي ليس التوسل به إلّا من حيث الاضطرار فهو من قبيل التسبيب إلى التمكّن بخلاف الأوّل] (1).

و ممّا ذكرنا يظهر الكلام في المال الغائب عن المالك و أنّه لا زكاة فيه إجماعا نصّا و فتوى، إلّا أن يقدر على أخذه فيجب، و إن لم يكن بالفعل في يده أو يد وكيله.

نعم ظاهر إطلاق المتن و غيره: اعتبار فعليّة اليد، لكن لا يبعد إرادة ما ذكرنا من التقييد. ففي المدارك: انّ عبارات الأصحاب ناطقة بوجوب الزكاة في المال الغائب إذا كان صاحبه متمكّنا (2)و هو المعتمد، لما تقدّم من الموثّقة (3)المخصصة لعموم أدلّة النفي عن مال الغائب حتّى يقع في يده، بحمل الوقوع في اليد على كونه تحت القدرة، و إن كان هذا الحمل بعيدا في صحيحة ابن سنان المتقدّمة (4).

نعم قيل: باشتراط مضيّ زمان يمكن فيه قبضه أو قبض وكيله و لا بأس به.

و اعلم أنّه ألحق جماعة من المتأخّرين منهم المصنّف قدّس سره بالمالك وكيله فأوجبوا الزكاة (5): عن المالك إذا كان في يد وكيله، و ظاهرهم ذلك و إن لم يقدر المالك على التصرف فيه و أخذه، و المحكي عن جماعة: الاقتصار على المالك فقط (6)، و لعلّه الأوفق بإطلاق الأخبار، و أدلّة اشتراط التمكّن من


1) ما بين المعقوفتين من «ج» و «م».

2) المدارك 5: 35.

3) تقدّم ذكرها في الصفحة 43.

4) في الصفحة 44.

5) في «ع» و «م»: في المال الغائب.

6) السرائر 1: 443 و مفتاح الكرامة 3: 20 (كتاب الزكاة).

التصرّف، إلّا أن يدّعى صدق المتمكّن (1)على المالك عرفا بتمكّن وكيله، و في اطّراد هذه الدعوى إشكال.

نعم لو أريد عدم الفرق في التمكّن بين أن يتمكّن بنفسه أو بوكيله فلا إشكال في التعميم.

و لو غاب الرجل عن ماله فإن كان في يد وكيله فكما سبق، و إن كان موضوعا في بيته فالظاهر أيضا وجوب الزكاة لصدق كونه متمكنا منه عرفا، بل كونه عند ربّه و في يده و إن كان عاجزا عن بعض التصرّفات فيه أو كلّها لبعض العوارض.

نعم لو انقطع عن ماله بالكلية بحيث لا يصدق عليه ما ذكر اتّجه سقوط الزكاة؛ قال في المنتهى (2): إنّه لو أسر في بلاد الشرك و له مال في بلاد الإسلام لم يجب عليه زكاة، محتجّا بأنّه غائب عن ماله، و الغيبة تتحقّق من الطرفين (3).

و نحوه عن القاضي في جواهر الفقه (4).

و في البيان: لو حبس عن ماله من غير إثبات اليد عليه وجبت زكاته لنفوذ تصرّفه فيه. نعم لو كان سائمة لا راعي لها و لا حافظ احتمل السقوط؛ لاشتراطهم في الغائب كونه في يد الوكيل (5)(انتهى).

و لا يبعد أن يقال: إنّ الظاهر من الأدلّة هو اعتبار عدم قصور في المال- إمّا لعدم حدوث تمام التمكّن فيه كالإرث الذي لم يصل إلى الوارث، و إمّا لحدوث مانع فيه، إمّا لتعلّق حقّ شرعي به، أو يد عرفي، أو غيبة منقطعة- لا عدم


1) في بعض النسخ: التمكن.

2) في «ف»: محكيّ المنتهى.

3) منتهى المطلب 1: 475.

4) جواهر الفقه (الجوامع الفقهية): 415.

5) البيان: 167.

قصور المالك عن التصرف فيه لمرض، أو حبس، أو غيرهما. قال في كشف الغطاء: و لا يخرج عن التمكن لعروض شي‌ء من قبله كإغماء أو جنون أو نذر أو عهد أو نحوها من الموانع الشرعية الاختيارية المانعة عن التصرّف في وجه قويّ، أمّا ما تعلّق بالمخلوق كأن يشترط عليه في عقد لازم أن لا يتصرّف فيه حيث يصحّ، فالظاهر الحكم بانقطاع الحول و استئنافه بعد ارتفاع الموانع (1)(انتهى).

و نظر فيما ذكروه بعض المعاصرين (2)، و الإنصاف أنّ المسألة لا تخلو من إشكال.

فالتحقيق: أن يحكم بنفي الزكاة في جميع ما ورد النصّ بنفي الزكاة عنه، كالإرث الغير الواصل إلى صاحبه و المال المفقود و نحوهما، و يرجع في غير الموارد (3)إلى صدق التمكّن من التصرف المصرح باعتباره في الفتاوى، فإن صدق فلا إشكال في وجوب الزكاة؛ للإجماع على عدم اشتراط أزيد منه في تمامية الملك.

و إن لم يتحقّق صدق التمكّن من التصرف- لاشتباه مراد المجمعين كلّا أو بعضا- فإن تحقّقت القدرة على الأخذ، المصرح باعتبارها في الموثّقة المتقدّمة (4)فيحكم بوجوب الزكاة أيضا، كما يحكم بنفيه لو علم تحقّق عدمها، و إن اشتبه التحقّق فالواجب الرجوع إلى عمومات الوجوب، لعدم العلم بتخصيصها بأزيد من القدر المتيقن.

و يحتمل ضعيفا: الرجوع إلى الأصل، لسراية إجمال عنوان المخصّص إلى


1) كشف الغطاء: 346 المبحث التاسع من مباحث كتاب الزكاة.

2) راجع الجواهر 15: 53.

3) في «ج» و «ع»: موارده.

4) تقدّم ذكرها في الصفحة 43.

العمومات. و على أيّ تقدير فلا إشكال.

و اعلم أنّ التمكّن من التصرّف معتبر في جميع الحول- فيما يعتبر فيه الحول من الأجناس الزكوية- و أمّا في الغلّات فظاهر اتّحاد سياقه مع سائر الشروط: اعتباره في زمان تعلّق الوجوب (1)، و ربما مال جماعة من المتأخرين إلى كفاية تحقّقه بعد ذلك (2)لإطلاق الأدلّة، و اختصاص أدلّة اعتبار التمكّن بما يعتبر فيه الحول.

و فيه نظر، إلّا أنّ المسألة لا تخلو عن اشكال.

و لا زكاة في عين الوقف بلا خلاف ظاهرا- كما عن الكفاية (3)- لعدم جواز التصرّف فيه إلّا بالاستنماء، بل لعدم الملكيّة في الوقف العام، و تعلّق حقّ البطون اللاحقة في الخاص، لكن المحكيّ عن وقف التذكرة بعد نقل الخلاف في انتقال ملكيّة الوقف إلى الموقوف عليه: انّه يظهر فائدة الملك في وجوب الزكاة في الغنم الموقوفة (4).

و كيف كان فلو نتجت الأنعام الموقوفة و ملك الموقوف عليه منه نصابا، و حال عليه الحول وجبت الزكاة بلا إشكال ظاهرا.

و كذا لا إشكال في نفي الزكاة عن الحيوان الضالّ و المال المفقود بالنص و الإجماع.

نعم حكي عن غير واحد: انّه يعتبر في مدّة الضلال: إطلاق الاسم، فلو حصل لحظة أو يوما لم ينقطع (5)، و في اليوم، بل اللحظة إذا حصل اليأس.


1) راجع المسالك 1: 40 ذيل قول الماتن: و لا تجب الزكاة في المغصوب.

2) راجع: المدارك 5: 34، الذخيرة: 425.

3) الكفاية: 35.

4) التذكرة 2: 440.

5) المسالك 1: 40، مفتاح الكرامة 3: 20 (كتاب الزكاة)، الجواهر 15: 56.

و الفرق بين الضلال و الخروج عن الملك إشكال.

و أشكل منه إطلاق ما في الوسيلة: من أنّه لو ضلّت واحدة من النصاب قبل الحول و عادت، لم تسقط الزكاة، و إن لم تعد سقطت (1).

و على الإشكال (2)في تخلّل مدّة الفقد و الضلال بين أيام الحول، فلو تقدّمت عليها لم يحسب من الحول بلا إشكال.

و كيف كان فإن عاد بعد سنين استحب زكاة سنة بلا خلاف كما عن جماعة (3)للنّصوص (4)، بل ربما حكي (5)عن ظاهر جماعة الاستحباب مع خلال (6)سنة واحدة، و عن المنتهى: أنّه إذا عاد المغصوب و الضال إلى ربّه استحب أن يزكّيه لسنة واحدة، ذهب إليه علماؤنا (7)و عن ظاهر النهاية (8): إطلاق الأمر بالإخراج الظاهر في الوجوب، و عن الرياض: حكايته عن نادر من المتأخّرين (9).

و لا تجب الزكاة في الدين حتى يقبضه و يصير عينا و إن كان تأخّره (10)من جهة مالكه على المشهور بين المتأخّرين، بل قيل (11): إنّه إجماعهم لعموم


1) الوسيلة: 126.

2) في «م»: و محل الاشكال.

3) مفتاح الكرامة 3: 20 (كتاب الزكاة)، و الجواهر 15: 57.

4) الوسائل 6: 61: الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 و 7.

5) راجع الجواهر 15: 57.

6) كذا في النسخ، و الظاهر: ضلال.

7) منتهى المطلب 1: 475.

8) النهاية: 176.

9) رياض المسائل 1: 263: ذيل قول الماتن: و لو مضت عليه أحوال، زكّاه لسنة استحبابا.

10) في المطبوع من الإرشاد و مجمع الفائدة: تأخيره.

11) الجواهر 15: 59.

نافياتها عن الدّين، و اختصاص موجباتها بالعين، و خصوص رواية الحميري، عن علي بن جعفر عليه السلام: أنّه سأل أخاه عليه السلام عن الدين يكون على القوم المياسير إذا شاء قبضه صاحبه هل عليه زكاة؟ قال: لا، حتّى يقبضه صاحبه و يحول عليه الحول» (1).

خلافا للمحكيّ عن جماعة من القدماء (2)، فأوجبوها في الدين مع كون التأخير من جهة المدين، لظواهر أخبار كثيرة (3)محمولة على الاستحباب.

و مال القرض إن تركه المقترض (4)بحاله حولا فالزكاة عليه بلا خلاف ظاهر؛ كما عن محكيّ الخلاف و السرائر (5)، و عن التنقيح: أنّه مذهب الأصحاب (6)و وجهه واضح بناء على عدم توقّف تملّك القرض على التصرف، كما هو المشهور.

و الّا يتركه بحاله سقطت عنه، لعدم حلول الحول عليه، و عن المقرض.

و لو اشترط المقترض الزكاة على المقرض فالظاهر صحّة الشرط وفاقا للمصنف قدّس سره في باب القرض من المختلف (7)، بعد أن حكاه عن الشيخ و القاضي و معه (8)جماعة من المتأخّرين منهم الشهيد في المسالك (9)لأنّ التبرع بأداء الزكاة عن الغير سائغ فاشتراطه صحيح.


1) الوسائل 6: 66 الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 15.

2) المقنعة: 239 و الخلاف 2: 80 و الجمل و العقود (الرسائل العشر): 205، رسائل الشريف المرتضى: (المجموعة الثالثة): 74، حكاه عنهم الجواهر 15: 59.

3) الوسائل 6: 64 الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5 و 7.

4) في النسخ: المقرض، و الصحيح ما أثبتناه، و هو مطابق للإرشاد و لمتن مجمع الفائدة.

5) الخلاف 2: 111، السرائر 1: 445،

6) التنقيح الرائع 1: 299.

7) المختلف: 415 كتاب الديون.

8) في «ع» و «ج»: معهم، و في هامشهما: تبعهم.

9) المسالك 1: 43، ذيل قول الماتن: و قيل لا يلزم و هو الأشبه.

أما الصغرى، فالظاهر عدم الخلاف فيها (1)، كما استظهره سيد مشايخنا في المناهل (2)حاكيا له عن الرياض (3)، و لأنّ المانع إن كان هو كون تكليف الزكاة مما يجب فيه المباشرة فبطلانه واضح، لجواز التوكيل في الإخراج اتّفاقا، و إن كان المانع كونه مالا متعلّقا بذمّة المالك أو بعين ماله، فيدفعه: جواز تبرّع الإنسان بأداء ما في ذمّة غيره و ضمانه، لا يجوز له ضمانه بالبدل من الأعيان (4).

هذا مضافا إلى عموم المنزلة فيما ورد من «أنّ الزكاة دين» (5)و خصوص صحيحة ابن حازم: «عن رجل استقرض مالا و حال عليه الحول و هو عنده؟

فقال: إن كان الّذي أقرضه يؤدّي فلا زكاة عليه، و إن كان لا يؤدّي أدّى المستقرض» (6).

و أمّا الكبرى فلعموم أدلّة الشروط، و ليس هذا مخالفا للكتاب و السنّة من وجه، عدا ما عن جماعة من أنّه اشتراط للعبادة على غير من وجبت عليه (7)و ما عن بعضهم: من أنّ إطلاق النص و الفتوى أنّ زكاة القرض على المقترض، يدلّ على اختصاص وجوبها عليه و عدم وجوبها على أحد (8).

و يرد على الأوّل: أنّ اشتراط أداء العبادة عمّن وجبت عليه لا بأس به، و ليس هو إلّا كالاستئجار على فعلها عنه، أو كاشتراط الوليّ (9)في ضمن عقد لازم قضاء عبادة فائتة.


1) في النسخ: فيه.

2) راجع مصابيح الفقه (المناهل) المخطوط، الصفحة 4.

3) رياض المسائل 1: 264، ذيل قول الماتن: و زكاة القرض على المقترض.

4) في «ع»: و ضمانه ما يجوز له ضمانه بالبذل من الأعيان.

5) الوسائل 6: 175 الباب 21 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

6) الوسائل 6: 67: الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

7) راجع الحدائق 12: 40، و الجواهر 15: 58.

8) راجع الحدائق 12: 40، و الجواهر 15: 58.

9) في «م» زيادة: على غيره.

و على الثاني: أنّ إطلاق النصوص و الفتاوى في مقام بيان الوجوب الأصليّ الذاتي كما في قولهم: يجب على الوليّ قضاء ما فات عن (1)الميت. و هو لا ينافي وجوبها على الغير تحمّلا بإجارة أو شرط.

على أنّا لا نقول ببراءة ذمّة المالك بمجرد الاشتراط، بل ذمّة المقترض مشغولة ما دام لم يؤدّ المقرض، و لا منافاة بين وجوبها على المقرض بمقتضى الشرط، و عدم سقوطها عن المقترض، كما لو نذر أن يؤدّي دين غيره.

و على هذا فالزكاة على المقترض ثابت مطلقا حتى (2)بعد الاشتراط، و لا يسقط إلّا بفعل الغير كما هو ظاهر صحيحة ابن حازم المتقدّمة.

و الحاصل: أنّه (3)لا وجه لمخالفة اشتراط أداء الشخص لزكاة غيره.

للكتاب، بعد تسليم كون الأداء عن الغير غير مخالف للكتاب.

و وجوب الأداء بعد الاشتراط- مضافا إلى عدم منافاته للوجوب على المالك (4)- لا يوجب المخالفة، إمّا لأنّ مقتضى الكتاب و السنّة تعلّق الوجوب الأصلي الابتدائي بالمالك، و المفروض أنّه لم ينقل منه (5)إلى غيره، و إمّا لأنّ العبرة في المخالفة و الموافقة للكتاب و السنّة بما قبل الاشتراط، فتأمّل.

نعم لو اشترط عدم تعلّق الزكاة ابتداء بالمديون، و ثبوتها ابتداء على المقرض اتّجه فساد الشرط، بل القرض- بناء على إفساد الشرط الفاسد- إذ الظاهر مخالفة هذا الشرط للكتاب و السنّة كما لا يخفى.

و لا يبعد حمل كلام من أطلق صحّة الاشتراط على هذا التفصيل و إن


1) ليس في أكثر النسخ: عن.

2) ليس في أكثر النسخ: حتى.

3) في «ف» و «ج»: ان.

4) في «م» زيادة: أيضا.

5) في «ع» و «ج» و «م»: «عنه».

جعل بعضهم التفصيل ثالث الأقوال (1).

و اعلم انّ المصنّف قدّس سره لم يذكر عدم وجوب الزكاة في المرهون، و لا منذور الصدقة، و لعلّه اكتفى بذكر قاعدة اعتبار تمامية الملك، المفقودة فيهما في الجملة.

أمّا المرهون فعند عدم التمكن من فكّه مطلق (2)، بل مطلقا، كما حكي عن صريح جامع المقاصد (3)، و ظاهر إطلاق آخرين (4)، لأنّ المالك غير متمكّن من التصرّف فيه، و التمكّن من الفك تمكّن من التمكن، كما سبق نظيره في التمكّن من استنقاذ المغصوب (5)، و هو ضعيف بما تقدّم هناك: من أنّ الشرط إمّا القدرة على الأخذ الواردة في النص (6)، و إمّا صدق التمكّن من التصرف الوارد في الفتاوى و معاقد الإجماعات (7). و لا ريب في عموم الأوّل لما هو بواسطة الأسباب، و كذا الثاني، سيّما بملاحظة ذهاب جماعة- من أهل الفتاوى و نقلة الإجماع على اعتبار ذلك العنوان- إلى وجوب الزكاة مع التمكّن من الفك، فإنّ الشيخ و المحقّق في المعتبر (8)و المصنّف قدّس اللّٰه أسرارهم مع دعواهم الاتفاق على اعتبار التمكّن، قد اختاروا- في الخلاف (9)و المعتبر و التلخيص (10)و النهاية (11)على ما


1) راجع مفتاح الكرامة 3: 25 (كتاب الزكاة) و الجواهر 15: 58 و 201.

2) كذا في «ج» و «ع»، و هو جواب اما، أي مطلق عن الزكاة، بمعنى عدم الزكاة فيه.

3) جامع المقاصد 3: 7.

4) راجع مفتاح الكرامة 3: 20 (كتاب الزكاة)، و الجواهر 15: 55.

5) راجع الصفحة 44- 45.

6) الوسائل 6: 63 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

7) راجع الجواهر 15: 48.

8) المعتبر 2: 543، الفرع الرابع.

9) الخلاف 2: 111، المسألة 129.

10) تلخيص الخلاف 1: 306، المسألة 118.

11) نهاية الإحكام 2: 304.

حكي عنهم-: الوجوب مع التمكّن من الفك، و ليس مستندهم إلّا تحقّق التمكّن من التصرّف. و ما أبعد ما بين ما ذكر من القول بإطلاق نفي الزكاة، و بين القول بإطلاق ثبوتها.

و الأقوال الثلاثة محكيّة (1)عن الشيخ، و لكن تفرد قدّس سرّه بالأخير (2).

و مما ذكرنا يظهر عدم وجوب الزكاة في مال المفلّس بعد الحجر، دون السفيه لقدرته على إزالته- كما أشار إليه (3)الشهيد في محكي حواشي القواعد (4)- مع أنّ الحجر له لا عليه.

و قد استظهر بعض مشايخنا (5): الاتّفاق على الوجوب عليه، و نحوه الحجر بالارتداد عن ملّة.

ثمّ لا فرق في التمكّن من فك الرهن بين أن يكون ببيعه، أو بفكه من غيره- كما صرّح به في البيان (6)، و الروضة (7)، و شرحها (8)- و يشكل بأنّ التمكّن من البيع ليس تمكّنا من التصرّف في المرهون، فهو نظير التمكّن من بيع المغصوب، و لا مورثا له حتى يكون كاستنقاذ المغصوب، فلا يبعد عدم الوجوب معه.

و حيث تعلّق الزكاة بالمرهون فمقتضى القاعدة تقديم حقّ الفقراء، لتعلّقه بالعين و خروجه (9)عن ملك المالك، و تعلّق حقّ المرتهن بالذّمة.


1) راجع الجواهر 15: 54 و 55.

2) راجع مفتاح الكرامة 3: 21 (كتاب الزكاة)، و الجواهر 15: 54.

3) في «ج» و «ع» و «م»: إليهما.

4) حكاه في مفتاح الكرامة 3: 21 (كتاب الزكاة).

5) هو الفاضل النراقي رحمه اللّٰه، راجع مستند الشيعة 2: 12.

6) البيان 166- 167.

7) الروضة البهية: 2: 13.

8) شرح الروضة للفاضل الهندي، (مخطوط): 7.

9) في «ج» و «ع» و «م»: بل خروجه.

فما عن المبسوط (1)، و الجامع (2)من أنّه يكلّف بإخراجها من غيره، لا يظهر له وجه إلّا الجمع بين الحقّين، و هو حسن على (3)عدم القول بتعلّق الشركة، و حينئذ فيشكل اعترافهما بتقديم حقّ الفقراء مع الإعسار إلّا أن يكون كتعلّق أرش الجناية.

و أمّا النصاب المنذور التصدّق به فهو على أقسام:

لأن النّذر إمّا أن يتعلّق بجميعه، و إمّا أن يتعلّق ببعضه.

و على التقديرين فإمّا أن يتعلّق النذر بتصدّقه، أو بكونه صدقة.

و على التقادير، فإمّا أن يكون النذر منجّزا أو معلّقا على شرط.

و على التقادير إمّا أن يكون المنذور موقّتا بما قبل الحول، أو بما بعده، و إمّا أن يكون مطلقا.

و الشرط المعلّق عليه إمّا أن يعلم بحصوله قبل الحول، أو بعده، أو يعلم عدمه، أو يشك في ذلك.

و هذه الأقسام كلّها فيما إذا كان النذر قبل تمام الحول، فإن كان بعده فلا شبهة في تقديم تعلّق (4)الزكاة على تعلّق النذر.

و حينئذ فإن تعلّق النذر بالقدر الخارج عن المقدار الواجب في الزكاة لزمه الأمران، و إن تعلق النذر بالجميع وجب إخراج الزكاة أوّلا ثم التصدّق بالباقي بناء على أنّ ما لا يدرك كلّه- في نحو المقام- لا يترك كلّه (5).

و يحتمل وجوب ضمان الزكاة من غير النصاب، و التصدّق بالجميع لإمكان


1) المبسوط 1: 208.

2) الجامع للشرائع: 131.

3) في «م»: مع.

4) في «م» زيادة: حق.

5) اقتباس من الحديث: «ما لا يدرك كله لا يترك كله». انظر عوالي اللئالي 4: 58.

الإيفاء بالنذر، و يحتمل في الصورتين كفاية التصدّق المنذور عن الزكاة لو لم ينصرف إطلاقه إلى غيرها.

و أمّا حكم الأقسام المتقدّمة فهو: إنّ النذر إن كان منجزا مطلقا سقطت الزكاة، أمّا في صورة تعلّق النذر بكونه- كلا أو بعضا- صدقة، فلخروج المنذور عن الملكية فيما قطع به الأصحاب على ما في المدارك (1)، و هو مبنيّ إمّا على صحّة نذر الغايات مطلقا، و الحكم بحصولها بمجرّد النذر كما صرّح به بعضهم فيما لو نذر كون المال ملكا لزيد.

و إمّا على صحّة خصوص (2)الصدقة كنذر كون الحيوان هديا أو أضحية ممّا يمكن أن يلتزم بعدم احتياجها إلى الصيغة، و قد حكي عن بعضهم الإجماع على خروج الحيوان عن الملكية إذا نذر كونه هديا، و عن بعضهم (3): أنّه إذا نذر كونه أضحية، بل حكي عن المنتهى (4)و التذكرة (5)الاتّفاق على الخروج عن الملك إذا قال: للّٰه عليّ أن أهدى كذا؛ مع أنّه نذر للفعل لا الغاية و إن كان الكل محلّ تأمّل.

بل التحقيق أنّ الغايات التي تثبت بالقواعد توقّفها على أسبابها إذا وقعت في حيّز النذر أفاد النذر وجوب إيجاد تلك الأسباب، لأنّ الوفاء بالنذر موقوف على ذلك، و لا يفيد تحقّق الغاية من دون السبب.

بل ربما يقال هنا ببطلان النذر من حيث أنّ ظاهر النذر تحقّق الغاية بنفسها من غير توسّط سبب، و هو غير مقدور شرعا، لأنّ ظاهر أدلّة الوفاء


1) مدارك الاحكام 5: 31، الجواهر 15: 43.

2) في «م» زيادة: أمثال.

3) راجع الجواهر 36: 153.

4) منتهى المطلب 2: 749.

5) تذكرة الفقهاء 1: 384.

بالنذر الاختصاص بما إذا كان متعلّقه فعلا اختياريا ليتصوّر فيه البرّ و الحنث، فلا بد من الحكم ببطلان نذر الغاية لو أريد نفسها من دون تأويل بإرادة السبب من الغاية.

و لكنه ضعيف لما عرفت من إمكان الوفاء بإيجاد أسبابها، لا لأنّ الأمر بالوفاء راجع إلى إيجاد السبب، بل لتوقّفه عليه، و بالجملة فالمسألة من المشكلات.

و ربما يمكن أن يستدلّ لصحّة هذا النذر- المستلزمة لوقوع مضمونه من غير حاجة إلى توسّط سبب- ببعض عمومات وجوب الوفاء بالنذر من غير تخصيص بكون متعلقه فعلا اختياريا مثل قوله عليه السلام: «ما جعلته للّٰه فف به» (1)و نحوه.

و فيه تأمل بل نظر.

و يمكن أن يستدلّ له أيضا بعموم أدلّة الشروط حيث أنّ النذر شرط لغة، و ليس هنا محلّها.

و أمّا لو نذر التصدق بالنّصاب كلا أو بعضا فلصيرورته ممنوعا من التصرّف فيه بغير النذر (2)، و إن لم يخرج عن ملكه.

بل ربما قيل بالخروج في هذه الصورة أيضا إذا قصد بالتصدّق (3)معناه العرفي، و هو الإعطاء و الصرف (4)بقصد القربة، لا جعلها صدقة المتوقف على إيجاد ما به يجعل صدقة من الأسباب المعهودة في الشرع، مستدلا بأنّه يصير


1) الوسائل 16: 192: الباب 8 من أبواب النذر و العهد، الحديث 4.

2) كذا في «ج» و «ع»، و لعلّه تصحيف، فإن الكلمة في «ف» و «م» غير واضحة، و يحتمل ان تكون: بقيد النذر أو بعين النذر.

3) في «ف» و «ج» و «ع»: بالتصرف، و الظاهر أنه تصحيف.

4) كذا في «م»، و في سائر النسخ: التصرّف.

• حينئذ- كالزكاة يجب صرفها إلى مستحقّها.

و لعلّ منشأ هذا التفصيل أنّ النذر إن تعلّق بالتّصدّق بمعنى التمليك على قصد القربة، فلا بد من عدم حصوله بالنذر، ليتحقّق طلبه بعد النذر، و إن تعلّق بالتّصدّق بمعنى الدّفع إلى المستحق فيكون مأمورا بالدّفع، و إطلاق الأمر بالدفع من المالك الحقيقي يدلّ على خروج ما أمر بدفعه عن ملكية النّاذر، و عدم تقرير الشّارع له على الملكية، و استحقاق المدفوع إليه له، و لذا استفيد خروج الزكاة و الخمس عن ملك المالك إلى ملك الفقراء من الأمر بدفع بعض النصاب إليهم، و إلّا فلم يرد في أدلّة تشريع الزكاة حكم وضعي في تملّك الفقراء لحصّتهم من النصاب، و ما ورد من: «أنّ اللّٰه تعالى شرّك بين الأغنياء و الفقراء في أموالهم» (1)أو: «جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم» (2)فليس إلّا مأخوذا عن الحكم التكليفي الصادر في أوّل التشريع، لا أنه ملّك الفقراء أوّلا، ثم أمر الأغنياء بدفع ملكهم إليهم على حدّ التكليف بأداء الأمانة، بل الظاهر العكس و استفادة التملّك (3)من الأمر بالدفع.

و قد استدلّ المفصّل على ما ذكر زيادة على جعله كالزكاة بما رواه الكليني في آخر الكافي، في باب النذور، عن الخثعمي: فيمن نذر أن يتصدّق بجميع ما يملك إن عافاه اللّٰه تعالى، فلما عوفي خرج عن داره و ما يملكه ليبيعها و يتصدّق بثمنها، فلما سأل الإمام عليه السلام، أمره بأن يقوّم جميع ذلك على نفسه (4)و يتصدّق بقيمتها تدريجيا حتّى يؤدي ما عليه (5).


1) الوسائل 6: 148: الباب 2 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4، مع اختلاف يسير.

2) الوسائل 6: 5: الباب الأول من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9.

3) كذا في النسخ، و الأنسب: التمليك.

4) في «م» زيادة: و يتصرف فيها.

5) الحديث منقول بالمعنى، انظر الكافي 7: 458، باب النذور، الحديث 23، الوسائل 16: 197 الباب 14 من أبواب النذر و العهد، الحديث الأول.

و بما رواه عليّ بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: «قال: و سألته عن الصدقة تجعل للّٰه مثوبة، هل له أن يرجع فيها؟ قال: إذا جعلتها للّٰه فهي للمساكين و ابن السبيل فليس له أن يرجع فيها» (1).

و لا دلالة للروايتين على مدّعاه بوجه.

أما رواية الخثعمي فلأنّ الخروج عمّا ملكه و إرادة بيعها إنما هو لأجل إرادة الوفاء بالنذر بالدفع إلى الفقراء على وجه القربة الذي هو المراد من التصدّق، و هو المملك للفقير، لا لخروجها عن ملكه بمجرّد النذر، و أمره (2)بتقويمها على نفسه لا يدلّ على الخروج أيضا، لكونه من جانب الإمام عليه السلام الذي هو وليّ الفقراء، و إلّا فهو مخالف للقاعدة المقتضية لوجوب التصدّق بالعين (3)و عدم جواز التقويم و التصدق بالقيمة تدريجا المنافي لمصلحة الفقراء.

و كيف كان فالرواية ليس لها دلالة على الخروج عن الملك.

و أمّا رواية علي بن جعفر فلأنّ الظاهر من الصدقة: المثوبة- و لو بقرينة السؤال عن الرّجوع فيها- ما أخرجه عن ملكه بالوقف أو بغيره، و لا ينافيه قوله عليه السلام: «هي للمساكين» بناء على أنّ الوقف (4)لا ينتقل عنه إلى الموقوف، لأنّ المراد بيان الاختصاص في مقابلة عدم دخل المالك فيها.

و أمّا ما ذكرنا من قضية الأمر بالدفع فهو مسلّم إذا أمر بالدفع ابتداء كما في الزكاة و الخمس، فإنّ الإنصاف ظهور ذلك في استحقاق المدفوع إليه، بل مالكيته (5)له، و أمّا إذا أمر بالدفع من جهة التزام المأمور بدفعه و إلزامه على


1) الوسائل 13: 338: الباب 5 من أحكام الهبات، الحديث 5، و فيه: مبتوتة.

2) في «ع»: و الأمر.

3) في «م» زيادة: فورا.

4) في «م» زيادة: العام.

5) في «م»: بالملكية له.

نفسه، و المفروض أنّه لم يلتزم إلّا بالتصدّق بمعنى إحداث ملكيّة الفقير له و نقله إليه بقصد القربة، حيث إنّها في ملك الناذر قبل النذر فيجب عليه بمقتضى لزوم الوفاء بما التزم على نفسه أن يدفعه إلى الفقير على وجه التمليك، و لازم وجوب الدفع على هذا الوجه هو بقاؤه في ملكه بعد النذر ليتحقّق طلب الدفع على الوجه المذكور، إذا الحاصل لا يطلب.

فالتحقيق: انّ نذر الصدقة (1)إنّما يفيد وجوب التمليك لا حصول التملّك. نعم الظاهر منع الناذر من التصرف فيه بما ينافي النذر، و وقوع تصرّف المنافي باطلا، لا لاقتضاء النهي للفساد، و لذا لا نقول به لو نذر ترك البيع، بل لعموم الأمر بالوفاء بالنذر الشامل لما بعد التصرف المنافي فيلزم بطلانه، مثلا إذا باع المال المنذور فمقتضى عموم الأمر بالوفاء بالنذر وجوب التصدّق بما باعه النّاذر، و لا يتحقّق ذلك إلّا ببطلان البيع.

و دعوى أنّ وجوب الوفاء مشروط ببقاء محلّه؛ و هو بقاء العين في ملك الناذر، فإذا باع- و المفروض صحّة البيع لأجل العمومات- لم يبق محلّ للوفاء.

مدفوع، بأنّ إطلاق وجوب الوفاء بالنذر المتقدّم على البيع، أو عمومه الشامل لما بعد البيع كاشف عن عدم فوات محلّه بمجرّد البيع، فتأمّل.

و إن شئت توضيح ذلك فقس حال إثبات بطلان العقود الناقلة بأدلّة الوفاء بالنذر على إثبات لزوم العقود، و بطلان العقود الناقلة الحاصلة من البائع مثلا، بأدلّة الوفاء بالعقود، و كما أنّ وجوب الوفاء بما أنشأه البائع و حرمة نقيضه على الإطلاق يدلّ على بطلان النقض و ما يوقعه من النواقل بعد القبض (2)، و الّا فمجرد الأمر التكليفي بالوفاء و حرمة النقض (3)غايته ترتّب (4)الإثم على إيقاع


1) في «م»: التصدّق.

2) في «ج» و «ع»: النقض.

3) في «ف» و «ج»: النقيض.

4) كذا في «م»، و في سائر النسخ: ثبوت.

المنافي لا بطلانه، فكذلك فيما نحن فيه، فتأمّل.

و يؤيّد ما ذكرنا اتفاقهم ظاهرا على أنّ هذا المال المنذور لا يورث بموت الناذر، فعدم قابليته للتمليكات الاختيارية أولى.

و أيضا فالنذر- سواء كان منجزا أو معلّقا- شرط، لأنّه إلزام فيشمله أدلّة لزوم الشرط، و قد ثبت في محلّه بطلان ما ينافي الشروط من التصرفات، فتأمّل.

و على أي تقدير فالمنع عن التصرف متّفق عليه في المال المنذور و ان اختلف في صحّة التصرف المذكور و عدمها، و لا فرق في ذلك بين تعلّق النذر بكلّ النصاب أو ببعضه بلا خلاف نظفر به، و لا تردّد من أحد- كما في شرح الروضة- (1)مع أنّ في صورة تعلّقه بالكل يستحيل التكليف بالزكاة إذ لا يجتمع في مال واحد حقّان يحطّ (2)أحدهما بالآخر.

و إن كان النّذر منجزا موقتا، كأن ينذر التصدّق به في وقت معيّن، فإن كان الوقت قبل تمام الحول فلا إشكال في سقوط الزكاة سواء و في بالنذر في وقته أو لم يف، و سواء قلنا بوجوب القضاء مع فوات الوقت أم لا؛ لرجوع المؤقّت بعد حضور وقته إلى المطلق، و قد عرفت الحال.

و في شرح الروضة (3): أنّه لا شبهة في وجوب الزكاة هنا لو لم يف بالنذر في وقته و لم يوجب القضاء.

و فيه: أنّ مجرد التكليف بالتصدّق يوجب انقطاع الحول من غير توقّف على الوفاء، إلّا أنّ الظاهر ابتناء ما ذكره على أنّ عدم التمكن من التصرف، إنما


1) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 7- 8.

2) «م»: يحيط.

3) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 7 و إليك نصه: و أما ان كان موقتا فان كان بما قبل تمام الحول و وفى بالنذر فلا إشكال: و اما إن لم يف به فان وجب القضاء فكذلك و إلا وجبت الزكاة بلا شبهة.

يقدح لو منع من التكليف بإخراج الزكاة، لا مطلقا.

و إن كان الوقت بعد الحول أو نفس الحول بنى على أنّ الوجوب في النذر الموقّت يتنجّز عند الصيغة أو عند حضور الوقت؟ و الظاهر الأوّل، فينقطع الحول بتنجّز التكليف و إن لم يحضر وقته.

و دعوى: أن حولان الحول سبب لوجوب الزكاة، فيرجع النذر إلى إيجاب التصرّف في مال الفقراء، و هو غير مشروع.

مدفوعة: بمنع كون الحولان سببا مع تحقّق التكليف قبله بالتصدّق الذي هو راجح قابل للنذر.

و على القول بتنجّز التكليف بحضور وقت المنذور، فإن كان بعد الحول وجب التصدّق بما بقي بعد الزكاة، و إن كان نفس الحول اجتمع في المال الزكاة و التصدّق، فإن وسعهما وجب الجميع، و الّا فيمكن القول بوجوب إخراج الزكاة بالقيمة، و صرف المال في النذر، و يحتمل بطلان النذر في قدر الزكاة، و يحتمل صحّته فيه أيضا (1)و صرفه إلى الذمّة، و يحتمل القرعة أو التخيير. و الأول لا يخلو عن قوّة إلّا أن يعلم من النذر جواز العدول إلى القيمة، فلا يبعد التخيير.

و ان كان النذر معلقا على شرط مع كونه مطلقا غير موقّت، فإن كان زمان الشرط مقدّما على الحول و علم بحصوله، فيمنع من التصرف من حين الصيغة، بناء على أنّه زمان الوجوب و إن لم يكن زمان الواجب، و حينئذ فينقطع الحول و إن تبيّن بعد ذلك خطؤه، لعدم حصول الشرط.

و إن قلنا بالوجوب من حين تحقّق الشرط انتظر زمانه.

نعم لو كان النذر المشروط (2)متعلّقا بالغايات، كنذر كونه صدقة إن وجد كذا- بناء على صحّة نذر الغايات، و كفاية النذر في وقوعها- فالمنع عن التصرف


1) ليس في بعض النسخ: أيضا.

2) في «ف»: النذر و الشرط.

ثابت من حين النذر، لأنّ كونه صدقة عند وقوع ذلك الأمر المعلوم وقوعه، ينافي صحّة التصرّفات المنافية كالبيع و نحوه كما لا يخفى.

نعم يظهر من الشهيد الثاني في الروضة (1): جواز التصرف في النذر المعلّق على الوفاة كبيع المنذور حريته بعد الوفاة مع الحنث إذا لم يكن نسيانا. لكن حكى عدم الصحة في المسألة المذكورة (2)، بل عن السيد (3): الإجماع على عدم صحّة البيع.

و إن علم عدمه فكالعدم.

و ان احتملهما بني المنع عن التصرف من حين الصيغة و عدمه على ما سيجي‌ء من مسألة النذر المشروط.

و إن كان زمان الشرط بعد الحول و علم بتحقّقه بني على ما تقدّم من تحقّق الوجوب بالصيغة.

و إن علم عدمه فكالعدم.

و ان احتملهما بني عليه و على جواز فعل منافي النذر إذا كان مشروطا بشرط مترقّب، فإن قلنا بالجواز (4)لم يمنع النذر من وجوب الزكاة و إلّا منع، و الأقوى المنع.

أمّا في نذر الغايات- بناء على صحّته- كأن ينذر كونه صدقة، فلما تقدّم من أنّ مقتضى صحّة النذر كونها صدقة عند الشرط، و هو ينافي إخراجها في الزكاة، و دعوى أصالة عدم تحقّق الشرط و المشروط لا تنفع (5)، لأنّ المنافي هو


1) الروضة البهية 6: 296.

2) في «م»: لكن حكي عن المعظم.

3) الانتصار: 172، و فيه: لم يجز له بيعه.

4) كذا في «م»، و في سائر النسخ زيادة: ان، و الظاهر انها سهو.

5) في النسخ: لا ينفع.

كونه صدقة عند الشرط، و هذا أمر منجّز مقطوع به، لا مطلق كونه صدقة حتّى يقال: إنّه تعلّق على شرط محتمل مخالف للأصل، و هذا نظير ما يقال من أنّه لا يجوز لمن باع ماله من الفضولي أن يتصرف فيه، بناء على أصالة عدم الإجازة.

نعم لو فهم من النذر كونه مشروطا بتحقّق الشرط في حال كون المنذور باقيا على ملكه، فلا إشكال في جواز التصرفات المخرجة عن الملك، لأنه إنّما نذر الفعل إذا تحقّق الشرط و اتّفق بقاؤه في ملكه، فبقاؤه شرط اختياري لحصول الغاية المنذورة، و لا يجب تحصيل الشرط الاختياري.

و مثله ما لو كان نفس الشرط من الأمور الاختياريّة، كأن ينذر كون النصاب صدقة إذا فعل كذا، فإنّ الظاهر: أنّه لا إشكال في جواز التصرّف فيه، و إن لم يبعد أنّ يحرم عليه بعد ذلك فعل ذلك الشرط الموجب للحنث، فضابط جواز التصرّف في نذر الغاية المشروط ما ثبت توقّفه على ما يرجع إلى اختيار الناذر.

و أمّا في نذر الأفعال- كأن ينذر التصدّق عند تحقّق شرط محتمل الوقوع- فإن كان الشرط راجعا إلى اختيار المكلّف لدخول الدار، و وطء الجارية، أو فهم من النذر وجوب التصدّق عند الشرط لو اتّفق كونه مالكا له، فقد عرفت جوازه في الصورة الأولى المستلزم لجوازه هنا بطريق أولى.

و إن لم يكن كذلك، فإن قلنا بأنّ الوجوب في النذر المشروط كالوجوب الأصلي المشروط لا يحصل إلّا بعد حصول الشرط، فلا يبعد الجواز أيضا لأنّ المانع هو الوجوب، و لم يتحقّق قبل شرطه.

و إن قلنا بتنجز الوجوب بالصيغة، فإن كان زمان الواجب بعد الشرط فلا يجوز التصرّف، و إن فصّلنا في الشروط بين ما خالف الأصل و بين ما وافقه كان حكم الأوّل الجواز و حكم الثاني المنع.

ثم إنّ ما ذكرنا من الشروط إنّما هي شروط الوجوب، بمعنى أنّ بانتفائها

ينتفي الوجوب رأسا.

و أمّا شرط الضمان الحاصل بعد الوجوب بمعنى وجوب البدل لو تلف فهو أمران: الإسلام و إمكان الأداء، فلو تلفت بعد الوجوب و إمكان الأداء و إن لم يفرط في التلف على ما يقتضيه إطلاق النصّ و الفتوى و الاتفاق المحكي عن التذكرة- ضمن المسلم، لا الكافر.

أمّا ضمان المسلم فعن التذكرة: أنّ عليه علماءنا أجمع (1)، لأنّ الإهمال مع التمكّن تفريط يوجب الضمان عند التلف مطلقا، و حسنة ابن مسلم بابن هاشم:

«قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: رجل بعث زكاة ماله لتقسّم، فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ قال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها، و إن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها، فليس عليه ضمان، لأنّها قد خرجت عن يده، و كذا الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه إليه، و إن لم يجد فليس عليه ضمان (2)».

و حسنة زرارة بابن هاشم: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن رجل بعث إليه أخ له زكاة ليقسّمها فضاعت؟ فقال: ليس على الرسول و لا على المؤدّي ضمان، قلت: فإنّه لم يجد لها أهلا ففسدت و تغيّرت أ يضمنها؟ قال: لا و لكن إن عرف لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتّى يخرجها» (3).

و أمّا عدم ضمان الكافر- و إن فرط في الإتلاف- فلاشتراط الإسلام في الضمان على ما ذكره المصنّف، و الشهيدان قدّس سرهم (4)و الوجه فيه غير واضح، و ربما يتخيّل أن وجهه: عدم تمكّن الكافر من الأداء لعدم صحّته منه حال الكفر،


1) تذكرة الفقهاء 1: 225.

2) الوسائل 6: 198 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

3) الوسائل 6: 198 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

4) الدروس 1: 231، مسالك الافهام 1: 40 ذيل قول الماتن: و الكافر يجب عليه.

و سقوطه عنه حال الإسلام (1).

و فيه:- مع أنّ ظاهر الجماعة، بل صريح المصنّف (2)و الشهيد في البيان (3):

كون الإسلام شرطا مستقلا، بل صرّح المحقّق الأردبيلي (4)بأنّهم اشترطوا في الضمان شرطين- منع عدم تمكّن الكافر من الأداء، و إلّا لم يكن (5)مكلّفا به، و لم يعاقب عليه.

و دعوى: أنّ صحّة التكليف لا يستلزم التمكّن في الحال، بل يكفي فيه تمكّنه من عدم الكفر سابقا حتّى لا يتعذر عليه الفعل في الحال.

فاسدة، لأنّ التكليف لا بد فيه من التمكّن الحالي كما لا يخفى، و الامتناع- و لو كان بالاختيار- كاف في قبح التكليف حال الامتناع، مع أنّه لو كان الامتناع الاختياري كافيا في صحّة التكليف المشروط بالتمكّن؛ كفى في الضمان المشروط به بطريق أولى.

فالتحقيق في تصحيح تكليف الكافر بالزكاة: ما حقّق في تصحيح تكليفه بقضاء العبادات.

و ربما يوجّه ذلك- في الغنائم- الفاضل القمي قدّس سره: بأنّ التلف يوجب الانتقال إلى الذّمة، و لا مؤاخذة على أهل الذمة بمعاملاتهم و مدايناتهم (6).

و فيه نظر، لأنّه لا ينبغي الإشكال في أنّهم لو أتلفوا عينا لمسلم يجب مؤاخذتهم بمثله أو قيمته، فالإشكال في الفرق بين العين الزكوي التالف و بين مال آخر لمسلم.


1) راجع الجواهر 15: 63.

2) في صدر هذا البحث.

3) البيان: 168 و أصرح منه الدروس 1: 231.

4) مجمع الفائدة 4: 26.

5) في «ف» و «ج» و «ع»: و ان لم يكن.

6) غنائم الأيام: 317.

نعم يمكن أن يفرّق: بأنّ الكافر ما دام كافرا لا يجبر على أداء العبادات، لكن مع بقاء العين يكون مالا للمسلمين بيد الذمي يؤخذ منه و إن لم يمتثل بالدفع، و أما القيمة فلا تصير مالا للمسلمين إلّا إذا نوى أداء الزكاة به، و المفروض أنّه لا ينوي و لا يجبر على أمثال هذا التكليف، كما يجبر (1)الممتنع من المسلمين حتّى لا يحتاج هذا الفعل إلى النية كسائر الواجبات التي يجبر بها المسلم الممتنع.

و أمّا إجبار الكافر على أداء ما في ذمّته للمسلمين- و إن لم يقصد- فلعدم اعتبار النيّة في الممتنع فيما يمتنع منه.

و الحاصل: أنّ الممتنع إذا أجبر على ما امتنع عنه يسقط النية فيه، فإن أجبر على عبادة كالمسلم المجبور على الصلاة و الزكاة سقطت النية المعتبرة فيهما المتوقّف عليها آثارهما.

و إن أجبر على ما هو من قبيل المعاملات كأداء الدين سقط النية فيه أيضا كالكافر و المسلم المجبورين على أداء الدين.

فإن قلت: الزكاة بعد تلفها بتفريط المكلّف تصير دينا.

قلت: في وجوب الوفاء ما دام حيّا، و من ماله بعد الموت، لا في سقوط النية فيها، بل تصير كالكفارة التي لا يؤاخذ بها الكافر حال الكفر.

و يبقى الكلام في دليل ما ذكروه من اشتراط الإسلام في الضمان، و ليس بواضح كما اعترف به غير واحد (2).

و ثمرة عدم الضمان- كما في المسالك (3)- تظهر في عدم جواز أخذ الساعي لبدل التالف، و إلّا فبالإسلام تسقط مع بقاء العين و تلفها، لحديث


1) في «م»: كما لا يجبر.

2) راجع الجواهر 15: 64، مدارك الاحكام 5: 42.

3) مسالك الافهام 1: 40.

«الجبّ» (1)المنجبر بعدم ظهور الخلاف، و لولاه لأشكل الحكم بالسقوط مطلقا، و لذا مال إلى عدم السقوط جماعة من متأخري المتأخّرين (2).

و لو تلفت من المسلم قبل الإمكان فلا ضمان؛ (3)للأصل و الإجماع نصا و فتوى.

و معنى الوجوب قبل إمكان الأداء هو الاستقرار في المال و التعلّق به، لا وجوب التسليم كما صرّح به في المعتبر (4)أو وجوب التسليم بمعنى تحقّق التكليف المنجّز بالتسليم المقيّد بحال الإمكان، لا التكليف المشروط بالتمكّن حتّى يكون منفيّا قبله.

و لا يجمع بين ملكي شخصين و إن امتزجا إجماعا (5)لأنّ خطابات الزكاة مختصّة بكلّ واحدة (6)، و كذا (7)لا يفرّق بين ملكي شخص واحد و إن تباعدا فإنّ العبرة بوحدة المكلّف لا المال.

و الدين لا يمنع الزكاة بلا خلاف، لإطلاق الأدلة، و خصوص ما رواه الكليني في الحسن بإبراهيم بن هاشم، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، و ضريس، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «انّهما قالا: أيّما رجل كان له مال موضوع


1) عوالي اللئالي 2: 54 الحديث رقم 145، و 224 الحديث رقم 38، و فيه: «الإسلام يجبّ ما قبله» و انظر تفسير القمي 2: 27 و مسند احمد بن حنبل 4: 199 و 204 و 205.

2) راجع الجواهر 15: 64، مدارك الاحكام 5: 42- 43.

3) في الإرشاد 1: 279 بعد قوله: «فلا ضمان» ما يلي: «و لو تلف البعض سقط من الواجب بالنسبة».

4) المعتبر 2: 505.

5) راجع مدارك الاحكام 5: 66، مفتاح الكرامة 3: 71 (كتاب الزكاة)، الجواهر 15: 91.

6) كذا في النسخ، و الأنسب: واحد.

7) كذا في «م»، و في سائر النسخ: لذا.

حتّى يحول عليه الحول، فإنّه يزكّيه، و إن كان عليه من الدين مثله و أكثر منه (1)، فليزكّ ممّا في يده» (2).

و وقت وجوبها في الغلات الأربع بدوّ الصلاح (3)باشتداد الحبّ في الحنطة و الشعير، و احمرار التمر أو اصفراره، و انعقاد الحصرم في الزبيب- على المشهور- كما صرّح به جماعة (4)لإطلاق الحنطة و الشعير على الحبين بعد الاشتداد، فيثبت في البسر و الحصرم بما ادعي من عدم القائل بالفرق، بل قيل في البسر بإطلاق التمر عليه حقيقة (5)مستشهدا بكلام بعض أهل اللغة. و فيه نظر، بل الظاهر من العرف و اللغة خلافه، و أنّ التمر لا يسمّى تمرا إلّا بعد الجفاف، بمعنى الخروج عن الرطبية، بل عن المصباح (6): أنّ عليه إجماع اللغات، و به يوهن ما عن المصنّف قدّس سره في المنتهى: من إجماع أهل اللّغة على أنّ البسر نوع من التمر (7).

و في ثبوت الإجماع المركّب- أيضا- تأمّل، لأنّ المحكي عن بعض:

الفرق (8).

فالأولى: التمسّك- في ذلك- بصحيحة سليمان بن خالد: «ليس في النخل صدقة حتّى تبلغ خمسة أوساق، و العنب مثل ذلك حتّى يبلغ خمسة أوساق زبيبا» (9).


1) في «ج»: أو أكثر منه، و ما أثبتناه موافق للوسائل.

2) الوسائل 6: 70 الباب 10 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

3) الموجود في الإرشاد و مجمع الفائدة: «و وقت الوجوب في الغلات بدوّ صلاحها ..».

4) راجع مفتاح الكرامة 3: 44 (كتاب الزكاة)، و الجواهر 15: 215.

5) راجع المختلف 1: 178، إيضاح الفوائد 1: 175، مفتاح الكرامة 3: 43، الجواهر 15: 214.

6) المصباح المنير 1: 76.

7) منتهى المطلب 1: 499.

8) لم نجد قائله و أورده في مفتاح الكرامة 3: 44 (كتاب الزكاة) بعنوان الاشكال على ابن الجنيد.

9) الوسائل 6: 120 الباب 1 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 7.

فانّ الظاهر أنّ الزبيب حال مقدّرة و إن كان تقدير الحال خلاف الظاهر.

و نحوها صحيحة سعد بن سعد، عن مولانا الرضا عليه السلام: «هل على العنب زكاة؛ أو إنّما تجب عليه إذا صيّره زبيبا؟ قال: نعم إذا خرصه أخرج زكاته» (1).

فانّ زمان الخرص- على ما صرّح به في المعتبر (2)و غيره- مقدم على بلوغ التمر و الزبيب بمدّة.

و احتمال كون «حرصه» بالحاء المهملة- من حرص المرعى (3): إذا لم يترك منه شي‌ء- فيكون كناية عن صيرورة العنب زبيبا بالكلية- مع أنّه خلاف المضبوط في كتب الرواية و الفتوى على ما يظهر- انّ هذه الكناية في غاية البشاعة عند الطبع السليم.

و أمّا الصحيحة الأخرى لسعد، عن مولانا الرضا عليه السلام: «عن الزكاة في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب متى تجب على صاحبها الزكاة؟ قال: إذا صرم و إذا خرص» (4). فعلى تقدير إجمالها- لظهورها في اتحاد زمان الصرام و الخرص، مع ظهور اختلاف زمانهما، فلا بدّ من التصرّف في الصرام أو في الخرص لفظا أو معنى- لا يوجب إجمالا في الصحيحة الاولى.

مع أنّ أظهر الاحتمالات في الصحيحة: حمل قوله عليه السلام: «صرم» على قابلية الصرام للأكل، لا لجعلها زبيبا، فيتحد مع زمان الخرص، و يكون من أدلّة المشهور، و هذا أولى من قراءة: «حرص» بالحاء المهملة بالمعنى المتقدّم، فيكون كناية عن الصرام بالكليّة، و إن كان هذا المعنى هنا أقرب منه في الصحيحة


1) الوسائل 6: 119 الباب الأول من أبواب زكاة الغلّات، الحديث الأول.

2) المعتبر 2: 535.

3) في النسخ: الرعي، و ما أثبتناه موافق لبعض كتب اللغة مثل أقرب الموارد.

4) الوسائل 6: 133 الباب 12 من أبواب زكاة الغلّات، الحديث 1.

السابقة.

و ممّا ذكر ظهر وجه التمسّك في المقام بأدلّة الخرص، فانّ ما ذكروا في فائدته و صفته صريح في القول المشهور، قال في المعتبر- بعد ذكر جواز الخرص في الكرم و النخل على وجه يستفاد منه عدم المخالف في المسألة إلّا من أبي حنيفة-: انّ زمان الخرص حين يبدو صلاح الثّمرة، لأنّه وقت الأمن على الثمرة من الجائحة (1)ثم ذكر: انّ صفة الخرص أنّ يقدّر الثمرة لو صارت تمرا، و العنب لو صار زبيبا، فإن بلغ الأوساق وجب الزكاة ثم خيّرهم بين تركه أمانة في يدهم و بين تضمينهم حقّ الفقراء أو يضمن لهم حقّهم، فإن اختاروا كان لهم التصرّف كيف شاءوا، و إن أبوا جعله أمانة و لم يجز لهم التصرّف بالأكل و البيع و الهبة (2)(انتهى).

و هذا الكلام من المحقّق (3)- لو لم يكن على سبيل التفريع على فتوى المشهور- ينافي قوله بعدم وجوب الزكاة في الغلّات الأربع إلّا بعد صدق التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير، (4)وفاقا للمحكي عن الإسكافي (5)، و الشيخ في النهاية (6)، و سلّار (7)، و والد المصنّف قدّس سرهم (8)و مال إليه بعض من تأخّر، (9)بل ربما نسب (10)إلى ظاهر كثير ممّن (11)تقدّم، حيث أطلقوا القول بوجوب الزكاة في الغلّات الأربع:


1) المعتبر 2: 535. في بعض النسخ: الجانحة. و الجائحة: الآفة، يقال: جاحت الآفة المال تجوحه جوحا- من باب قال-: إذا أهلكته (المصباح المنير- جوح-).

2) المعتبر 2: 536.

3) في النسخ زيادة ما يلي: «في النخل و الكرم الا عند صيرورتهما تمرا و زبيبا» و هذه العبارة مشطوب عليها في «م».

4) المعتبر 2: 534.

5) راجع المختلف 1: 178 و الجواهر 15: 214.

6) النهاية: 182، المراسم (الجوامع الفقهية): 580، و حكاه عنهما الجواهر 15: 213.

7) النهاية: 182، المراسم (الجوامع الفقهية): 580، و حكاه عنهما الجواهر 15: 213.

8) راجع المنتهى 1: 499.

9) الروضة البهية 2: 33.

10) مفتاح الكرامة 3: 44 (كتاب الزكاة).

11) في بعض النسخ: مما.

الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و عدم وجوبها فيما عداها (1).

و في النسبة بمجرّد هذا الإطلاق نظر، لاشتراك الكل في هذا التعبير المراد به جنس هذه الأربعة في مقابل غيرها من الأجناس.

و منه يظهر ضعف التمسّك بما دلّ على وجوب الزكاة في مسمّيات الأسماء الأربعة و نفيها عن غيرها، الشامل لما قبل بدوّ الصلاح في هذه الأربعة، فلم يبق لهذا القول ما يركن إليه عدا الأصل المندفع بما تقدّم للمشهور.

هذا في الغلّات و أمّا في غيرها فوقت الوجوب إذا أهلّ أي دخل الشهر الثاني عشر عند علمائنا (2)إذ به يتمّ الحول الذي سيجي‌ء أنّه أحد عشر شهرا، لحسنة زرارة، عن الباقر عليه السلام: «إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال الحول، و وجبت الزكاة» (3)و ظاهر النص و الفتوى استقرار الوجوب- كما في الغلّات- عند بدوّ صلاحها، خلافا للمحكي (4)عن جماعة منهم الشهيد الثاني في الروضة (5)، فلا يستقرّ إلّا بإكمال الثاني عشر، جمعا بين إطلاق النص و الفتوى بالوجوب بدخول الثاني عشر، و ما ثبت من الإجماع نصا و فتوى على وجوب مضيّ الحول و السنة و العام التي هي موضوعة لغة و عرفا لاثني عشر شهرا كاملا، فيتحقّق الوجوب بدخول الأخير، و يبقى متزلزلا فإن كمل مع بقاء شرائط المال و المكلّف، و إلّا كشف عن عدمه أوّلا، فيستردّ ما دفعه مع بقاء العين، أو علم القابض بالحال، كما في كلّ دفع متزلزل.


1) راجع مفتاح الكرامة 3: 44 (كتاب الزكاة).

2) راجع الجواهر 15: 97.

3) التهذيب 4: 35- 36 الحديث: 92، و فيه: فقد حال عليه الحول و وجبت عليه فيها الزكاة، و انظر الوسائل 6: 111 الباب 12 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 2.

4) راجع الجواهر 15: 98.

5) الروضة البهية 2: 23.

و فيه: أنّه طرح لظاهر الأدلّة من الطرفين، فإنّ ظاهر الحسنة المتقدّمة بل صريحها- بملاحظة صدرها المانع من نقل النصاب بعد هلال الثاني عشر، لاشتمالها على مال الفقراء-: استقرار الزكاة و تعلّق حقّ الفقراء بل شركتهم بمجرّد دخول الثاني عشر، و كذا ظاهر أدلّة اشتراط الحول (1)بل صريح بعضها- المانع عن الدفع قبله إلّا قرضا (2)- هو توقّف أصل الوجوب على ذلك، لا استقراره.

مع أنّ الوجوب المتزلزل ليس معنى مجازيا للفظ الوجوب، بل هو وجوب مقيّد بصورة تحقّق ما به يستقرّ، فاستعماله فيه على وجه التقييد دون المجاز، و ظاهر أنّه لا يمكن ارتكاب التقييد في الحسنة المتقدّمة، بأن يقال: إنّ قوله عليه السلام «فوجبت الزكاة» مقيّدة بما إذا كمل الشهر الأخير، لأجل صراحة الكلام في كفاية دخوله.

فالتحقيق: إنّ هذه الحسنة- من حيث تضمّنها لكون الدخول في الثاني عشر موجبا لحولان الحول الذي جعل مناطا لوجوب الزكاة في أدلّة اعتبار الحول- حاكمة على تلك الأدلّة، فلا معنى للجمع [بحمل الحكم في أحدهما مغايرا للحكم في الآخر] (3). نعم يشهد لهذا القول رواية إسحاق بن عمّار:

«عن السخلة متى تجب فيها الصدقة؟ قال: إذا أجذع» (4)و الجذع: المعز ما دخل في السنة الثانية، و أمّا في الضأن فقد اختلف فيه، إلّا أنّ المحكيّ عن حياة الحيوان: أنّ أصحابنا و أكثر أهل اللغة إنّه ما مضى عليه سنة (5)، مع أنّه


1) الوسائل 6: 212 الباب 51 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1 و 2، و الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضة.

2) الوسائل 6: 208 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة.

3) ما بين المعقوفتين من «م».

4) الوسائل 6: 83 الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3.

5) حياة الحيوان 1: 232 باب الجيم، و فيه: الجذع- بفتح الجيم و الذال المعجمة-: و هو من الضأن ما له سنة تامّة، هذا هو الأصح عند أصحابنا و هو الأشهر عند أهل اللغة و غيرهم.

لا يناسب هنا إرادة غيره، لعدم الوجوب فيما دون الأحد عشر إجماعا، فيصير الرواية دالّة على توقف الوجوب على مضيّ اثنا عشر، فتحمل (1)على استقراره بذلك بدليل الإجماعات المستفيضة على تحقّق أصل الوجوب بمضي أحد عشر شهرا.

لكن حيث عرفت ظهور الحسنة بل صراحتها في الوجوب المستقر، سيّما بعد الاعتضاد بظاهر الفتاوى و معاقد الإجماعات، بل صريحها حيث أنّهم يستدلّون على كفاية الاستهلال الثاني عشر بأدلّة اعتبار الحول، فيكشف ذلك عن إرادتهم الوجوب المستقرّ، و لذا اعترف في المسالك، بأنّ مقتضى الإجماع و الرواية هو استقرار الوجوب بدخول الشهر (2)، و ظاهره إرادة الإجماعات المحكية، و إلّا فكيف يعدل عن مقتضى الإجماع المحصّل؟ و يمكن أن يريد به متن الإجماع المحقّق.

و كيف كان فيتعيّن حمل رواية إسحاق على السؤال عن زمان قابلية السخلة لإخراجها في الصدقة، فيصير مفادها اعتبار الجذع في الفريضة، و سيجي‌ء تحقيق معناه إن شاء اللّٰه تعالى.

و أمّا الكلام في سند الحسنة، فإن كان من جهة ابن هاشم فقد عدّ في المسالك روايته صحيحة، في مسألة مبدأ حول السخال (3)، و إن كان من جهة حريز فلا يخفى أنّه ليس محلّا للكلام و إن ورد فيه بعض الكلام، مع أنّها لا تقصر عن الضعف المنجبر بالشهرة و الإجماعات المنقولة، فلا محيص من التصرّف في


1) في بعض النسخ: يحمل.

2) المسالك 1: 41 ذيل قول الماتن «و حدّه أن يمضي أحد عشر شهرا .. إلخ».

3) المسالك 1: 41: ذيل قول الماتن «و لا في السخال .. إلخ»، و الرواية في الوسائل 6: 83 الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

أدلّة اعتبار الحول و إن كثرت و وردت في مقام البيان، إمّا بحمل الحول فيها على الأحد عشر شهرا بإثبات الحقيقة الشرعية كما يظهر من بعضهم (1)أو المجاز اللّغوي، و إمّا بالتصرّف في حولان الحول بإرادة الدخول في الشهر الأخير منه.

و دعوى الحقيقة الشرعية في غاية البعد، مع أنّ الوارد في الأدلّة ليس منحصرا في لفظ «الحول» بل في بعضها «العام» (2)و في بعضها «السنة» (3)و ادّعاء الحقيقة في الكلّ كما ترى، مع أنّه مخالف للأصل و لم يثبت.

و دونه في الضعف: التجوّز في الألفاظ المذكورة.

فالأحسن التصرّف في حولان الحول و مضيّه، فإنّه كثيرا ما يستعمل مضي الحول إذا دخل الجزء الأوّل من الشهر الأخير، كما يستعمل مضي الأسبوع و الشهر بدخول اليوم الأخير، و نحوه: مضيّ عشرة أيّام أو خمسة أيّام، أو غير ذلك بدخول اليوم الأخير. و هذا و إن كان مبنيّا على المسامحة إلّا أنّه لا بأس به بعد قيام الدليل.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّا و إن قلنا بتنجّز الوجوب بدخول الشهر الأخير إلّا أنّ الظاهر أنّه بمجموعه محسوب من الحول الأوّل، و لا يستأنف الحول إلّا بعد انقضائه. و لم يثبت التلازم بين القول باستقرار الوجوب بما ذكر و القول بعدّ الأخير من الحول الثاني، كما يظهر من غير واحد، (4)و لذا فكّك (5)بينهما جماعة من متأخّري المتأخّرين (6).

نعم لو جعلنا المراد بالحول في الأخبار الحول الشرعيّ حقيقة أو مجازا


1) راجع الجواهر 15: 98.

2) الوسائل 6: 133 الباب 11 من أبواب زكاة الغلات، الحديث الأول.

3) الوسائل 6: 111 الباب 12 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث الأول.

4) كفخر الدين في الإيضاح 1: 173 و صاحب المدارك 5: 72. و صاحب مفتاح الكرامة (كتاب الزكاة 3: 32).

5) في النسخ: فك.

6) انظر المسالك 1: 41 و جامع المقاصد 3: 10 و مجمع الفائدة 4: 31.

فلا مناص عما اختاره جماعة (1)كالمصنف (2)و ولده في الإيضاح (3)و شارح الروضة (4)من (5)عدّ الشهر الأخير من الحول [الثاني] (6).


1) راجع الجواهر 15: 98، مفتاح الكرامة 3: 32 (كتاب الزكاة).

2) راجع إرشاد الأذهان 1: 280.

3) إيضاح الفوائد 1: 172.

4) شرح الروضة للفاضل الهندي (مخطوط): 24 ذيل قول الماتن: «هل يستقر الوجوب بذلك أم يتوقف الاستقرار على تمامه، قولان».

5) كذا في «م»، و في سائر النسخ: ممن، و الأنسب ما أثبتناه.

6) الزيادة اقتضاها السياق. و هنا ينتهي ما بأيدينا من النسخ في شرح زكاة كتاب الإرشاد و جاء في هامش «م»: سقط هنا أوراق، و في هامش «ف»: الى هنا وجد من خطه الشريف من الزكاة شرحا على الإرشاد و لم يتم المقصد الأول من كتاب الإرشاد.

مسائل مستقلة

اشارة

المقصد الأول في زكاة المال

اشارة

بسم الهّٰا الرحمن الرحيم الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

المقصد الأول: في زكاة المال (1)

مسألة [1]

لا خلاف و لا إشكال في اعتبار البلوغ في زكاة النقدين، و الفتوى به- كدعوى الإجماع- مستفيضة. نعم في المختلف عن ابن حمزة إطلاق ثبوت الزكاة في مال اليتيم (2)، فإن أراد به ما يعمّ النقدين كان شاذا.

و قد يستدلّ على ذلك- أيضا- بأدلّة رفع التكليف عن الصبي، و فيه نظر، لأنّ عدم تكليف الصبي بأدائها لا يستلزم عدم ثبوتها في ماله بحكم أمثال قوله عليه السلام: «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم» (3)مما يدلّ


1) أضفناه ليطابق قوله: «المقصد الثاني في زكاة الفطرة» في الصفحة 397.

2) المختلف: 172، الوسيلة: 121. و لكن كلمة (اليتيم) لم ترد في الكتابين، و وردت بدلها كلمة:(الصبي)، ففي المختلف: «و أوجب ابن حمزة الزكاة في مال الصبي» و عدّ- في الوسيلة- الصبي ممن لا تجب عليه الزكاة، و لكن تلزم في ماله.

3) الوسائل 6: 5 الباب الأول من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9.

على ثبوت الزكاة في عين مال الأغنياء المستلزم لوجوب إخراجها على من له ولاية المال.

و الظاهر اعتبار البلوغ من ابتداء الحول، فلا يكفي تجدّده في الجزء الأخير. و استدلّ له بقوله عليه السلام- في رواية أبي بصير الموثقة-: «ليس في مال اليتيم زكاة، و لا عليه صلاة، و ليس على جميع غلّاته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة، و إن بلغ فليس عليه لما مضى زكاة، و لا عليه لما يستقبل زكاة حتّى يدرك، فإذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة، ثمّ كان عليه مثل ما على غيره من الناس» (1)، بناء على أنّ الموصول في قوله: «لما مضى» يشمل الأحوال المتعدّدة و الحول الواحد إلّا أيّاما قليلة.

و بما دلّ على اعتبار حول الحول بشرط كون المال في يده طول الحول و عنده، بناء على ظهورها في اعتبار تمكّنه من التصرف طول (2)الحول، و الصغير و المجنون في بعض الحول ليسا متمكّنين من التصرف في المال طول الحول.

و فيه نظر؛ لأنّ الظاهر من هذه الأخبار اعتبار التمكّن من التصرف في مقابل الدين و المغصوب و الغائب، لا في مقابل قصور المالك عن التصرّف لصغر أو جنون، و لهذا لا يسقط عن السفيه.

و الحاصل: أنّ الصغر مانع آخر لا دخل له بعدم (3)تمكّنه من التصرّف، و عدم التمكن (4)من التصرّف مانع آخر، و ليس منع الأول من جهته، و لذا عدّ عدم كلّ منهما شرطا مستقلّا.

نعم يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من قوله عليه السلام: «ليس في مال اليتيم


1) الوسائل 6: 56 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11، مع اختلاف يسير.

2) في «ف» و «ع» و «ج»: حول الحول.

3) في «م»: لعدم.

4) في «ف» و «ع» و «ج»: عدم تمكنه.

[زكاة]» (1)أن مال اليتيم ما دام كذلك ليس محلا للزكاة، و لا تكون الزكاة متعلّقة به حتّى يجري في الحول و يلاحظ فيه الشرائط (2)نظير قوله عليه السلام: «لا زكاة على [ال] مال الغائب حتّى يقع في يدك» (3)إذ ليس معناه إلّا أنّه إذا وقع في اليد يتعلّق به الزكاة، بمعنى أنّه يجري في الحول و يلاحظ فيه الشروط، لا أنّه بمجرّد الوقوع في اليد يجب فيه الزكاة.

و الحاصل: أنّ المراد من هذه الأخبار نفي كونه متعلّقا للزكاة، لا نفي تنجّز الزكاة فيه، فتدبّر.


1) الوسائل 6: 56 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11، و الزيادة من المصدر.

2) في «ف» و «ع» و «ج»: فيه الحول.

3) انظر الوسائل 6: 62 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6، و فيه: و لا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك.

مسألة [2]

إذا اتّجر بمال الطفل، فإمّا أن يتّجر له الولي نظرا له، فالمشهور- حينئذ- استحباب إخراج زكاة مال التجارة (1)عن الطفل، و عن المفيد وجوبه (2)، كما هو صريح رواية محمّد بن الفضيل (3)، و ظاهر غيرها من المستفيضة، إلّا أنّه لا قائل ظاهرا به من الأصحاب، فإنّ الشيخ- الذي هو كالمترجم لكلام شيخه المفيد- أوّل كلامه بإرادة الاستحباب (4)، و يحتمل أيضا حمل تلك الأخبار على التقيّة، حيث أنّ المحكي (5)عن أبي حنيفة و الشافعي و أحمد: وجوب زكاة التجارة إلّا أنّ الظاهر أنّ حمل تلك الأخبار على الاستحباب أولى من حملها على التقيّة؛ لأنّه طرح في الحقيقة، مضافا إلى ما عن المعتبر (6)و المنتهى (7)و الغنية (8)و النهاية (9)من


1) في «ف» و «ع» و «ج»: زكاة التجارة.

2) المقنعة: 238.

3) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4.

4) التهذيب 4: 27 ذيل الحديث 64.

5) حكاه في المنتهى 1: 478 و التذكرة 1: 227.

6) المعتبر 2: 487.

7) المنتهى 1: 472.

8) الغنية (الجوامع الفقهية): 507.

9) نهاية الإحكام: 299.

الإجماع على الاستحباب.

ثمّ إنّ الظاهر عدم الضمان على الولي، خلافا للمحكي عن ظاهر جماعة؛ لإطلاق غير واحد من الأخبار (1)في ضمان العامل مال اليتيم. و يحمل على صورة التقصير (2)، أو على غير الولي، لعموم قوله: تعالى مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (3)و لرواية أبي الربيع المصرّحة بعدم الضمان إذا كان العامل ناظرا للصغير، و جواز جعل الربح بينهما (4). و منها (5)يظهر أيضا جواز أخذ الأجرة؛ لصريح الرواية بجواز المضاربة.

و إذا اتّجر غير الولي للطفل (6)فلا إشكال في تحقّق المعصية، فإن أجاز الوليّ كان الربح لليتيم، و عليه ضمان المال، كما في الأخبار المستفيضة.

و لو لم يجز الوليّ فمقتضى القاعدة: البطلان، كما هو المحكي عن الشهيدين (7)و المحقّق الثاني (8).

و مقتضى إطلاقات نصوص الباب (9): الصحة، و كون الربح لليتيم إلّا أن تحمل على صورة الإجازة، أو على وجوب الإجازة مع ظهور الربح.

فإن لم يجز الولي الخاصّ وجب على الولي المتأخّر عنه رتبة (10)حتّى ينتهي إلى الإمام عليه السلام أو الشارع المجيز له، كما يكشف عنه هذه الإخبار.


1) في «م»: الأصحاب.

2) في «م»: المقترض.

3) التوبة: 9- 91.

4) الوسائل 6: 58 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

5) في غير «م»: و من هنا.

6) في «م»: في مال الطفل.

7) الدروس 1: 229، المسالك 1: 39.

8) جامع المقاصد 3: 5.

9) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

10) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: رتبة.

و لا بعد (1)في كون إجازة الشارع- بمقتضى هذه الأخبار- بمنزلة إجازة الولي الثابت ولايته بإذن الشارع أيضا.

و إذا اتّجر الولي به لنفسه فإن اتّجر بما في الذمة ثمّ دفع مال الصغير عوضا عمّا في ذمته، فالظاهر أنّ الربح للولي و عليه زكاة التجارة، سواء ضمن مال الصغير باقتراضه (2)[حيث يجوز له الاقتراض] (3)فدفعه، أو دفعه عصيانا، و يدلّ على الصورة الأولى ما سيجي‌ء من الأخبار.

و إن اتجر بالعين، فربما يقال: بأنّ العقد يقع للطفل؛ لوروده على عين ماله، و قصد الولي نفسه لغو، و لم يقع القصد من الغير حتى يحتاج إلى إجازة الولي، كما لو اشترى بعين مال زيد شيئا لنفسه و كان وكيلا له، أو أجازه زيد، فالوليّ هنا كالوكيل القاصد نفسه في الشراء بالعين، حيث انّ صحة البيع لا يحتاج إلى إجازة الموكّل في وجه قويّ.


1) في «ج»: و لا يعمل.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: باقتراحه.

3) لم يرد ما بين المعقوفتين في «ف» و «ج» و «ع» هنا و إنما ورد بعد قوله: و إن اتجر بالعين.

مسألة [3]

لا إشكال في جواز اقتراض الوليّ و إقراضه مال الطفل مع المصلحة بلا خلاف فيه (1)، و لا إشكال أيضا في عدم جواز ذلك مع المفسدة له، إلّا أنّ في خصوص الأب و الجدّ كلاما سيجي‌ء.

و هل يجوز الاقتراض مع عدم المصلحة و مفسدة زائدة على ما يحتمل ترتّبه على نفس الاقتراض أم لا؟ المعروف: الجواز بشرط ملاءة المقترض، و هو أن يكون (2)عنده ما يمكن أن يوفي به مال الصغير.

أمّا أصل الجواز فلصحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام:

«في رجل ولي مال يتيم أ يستقرض منه؟ قال: كان علي بن الحسين صلوات اللّٰه عليهما يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره فلا بأس بذلك» (3).

و نحوها رواية أخرى (4)حاكية لاستقراضه عليه السلام، ظاهرة في إرادة بيان


1) في «م»: و الظاهر أنه ما لا خلاف فيه.

2) ليس في «ف»: ان يكون.

3) الوسائل 12: 192 الباب 76 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

4) الكافي 5: 131 الحديث 6، و أشار إليه في الوسائل ذيل الرواية السابقة بلفظ «و نحوه».

الجواز، لا مجرد (1)الحكاية، خلافا للحلّي فمنع من ذلك (2)، و لعلّه إمّا لاعتبار المصلحة في التصرف في مال الصغير، و إمّا لترتّب المفسدة على نقل مال الصغير إلى الذمم؛ لكونه معرضا للتلف بالإعسار أو الإنكار أو الموت و غير ذلك مما يغلب على الاحتمالات القائمة مع بقاء العين، و هو حسن لو لا النص المعتضد بالشهرة.

و أمّا اعتبار الملاءة، فالظاهر أنّه مما لا خلاف فيه في غير الأب و الجدّ، و يدلّ عليه الأخبار المستفيضة.

و أمّا استثناء الأب و الجدّ من اعتبار هذا الشرط، فنسبه غير واحد (3)إلى المتأخّرين، و في الحدائق إلى الأصحاب من غير خلاف يعرف فيه (4)، و عن مجمع الفائدة كأنّه مما لا خلاف فيه (5)، نعم في كلام بعض أنّه حكى عن المبسوط أنّه قال: من يلي أمر الصغير و المجنون خمسة: الأب، و الجدّ، و وصي الأب أو الجدّ، و الإمام، و من يأمره. فكلّ هؤلاء الخمسة لا يصحّ تصرّفهم إلّا على وجه الاحتياط و الحظّ للصغير المولّى عليه، لأنّهم نصبوا لذلك، فإذا تصرّف على وجه لا حظّ فيه كان باطلا (6).

و حكي عنه- أيضا- أنّه نصّ على المنع من اقتراض الأب للحجّ المندوب و إن أجازه للحجّ الواجب في مقام آخر (7)، و لعلّه لرواية سعيد بن يسار الآتية.


1) في «ف» و «ع» و «ج»: إرادة.

2) السرائر 1: 441.

3) انظر: مدارك الاحكام 5: 19 و الكفاية: 34 و مفتاح الكرامة 3: 7.

4) الحدائق 12: 25.

5) مجمع الفائدة 4: 14.

6) المبسوط 2: 200. مع اختلاف يسير.

7) لم نقف على نص الشيخ قدّس سرّه في المندوب، و لكن جاء في النهاية: 204: و من لم يملك.الاستطاعة، و كان له ولد له مال، وجب عليه ان يأخذ من مال ابنه قدر ما يحج به على الاقتصار.

و الظاهر أنّ مستند المتأخرين ما دلّ على أنّ الولد و ماله لوالده، مثل ما روي أنّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم قال لرجل: «أنت و مالك لأبيك» (1).

و قوله عليه السلام- في رواية سعيد بن يسار-: «إنّ الوالد يحجّ من مال ولده حجّة الإسلام و ينفق منه، إنّ مال الولد لوالده» (2).

و في اخرى: «إنّ الوالد يأخذ من مال ولده ما شاء» (3)، إلى غير ذلك.

و الإنصاف: أنّ استفادة المطلب منها مشكل، سيّما مع ما ورد في المعتبرة من أنّه: «لا يأخذ إلّا ما اضطر إليه مما لا بد منه، إنّ اللّٰه لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ» (4)و أيّ فساد أشدّ من أن يستقرض ماله مع الإعسار، فإنّه عرفا إتلاف له.

و كيف كان، فالمسألة محلّ اشكال، سيّما في الجدّ المندرج في عموم قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (5)، و دعوى صدق الأب عليه فيشمله الأخبار ممنوعة بكلتا مقدّمتيه.


1) الوسائل 12: 194 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

2) الوسائل 12: 195: الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4. و 8: 63 الباب 36 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث الأول.

3) الوسائل 12: 194 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

4) الوسائل 12: 195 الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

5) الانعام: 6- 152 و الاسراء: 17- 34.

مسألة [4]

الأقوى عدم وجوب الزكاة في غلّات الطفل، وفاقا لأكثر أصحابنا كما عن التحرير (1)و لعامّة المتأخرين كما في المدارك (2)و في كلام بعض مشايخنا: أنّه حكي عن تلخيص الخلاف نسبته إلى أصحابنا (3)، و عن كشف الحق: أنّ الزكاة لا تجب على الطفل و المجنون (4)للأصل و إطلاق قوله: «لا زكاة على يتيم» (5)بل جميع ما دلّ على أنّه: «ليس في مال اليتيم [زكاة] (6)- بناء على منع دعوى انصراف المال إلى النقدين- و خصوص موثّقة أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «ليس على مال اليتيم زكاة، و ليس عليه صلاة، و ليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة» (7).


1) التحرير 1: 57.

2) المدارك 5: 22.

3) تلخيص الخلاف 1: 276 المسألة 36 و قد تأمل فيه، و حكاه عنه صاحب الجواهر 15: 25.

4) نهج الحق: 456.

5) الوسائل 6: 55 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4.

6) الوسائل 6: 55 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 8، و الزيادة من المصدر.و بمعناه، الأحاديث 9- 12.

7) الوسائل 6: 56 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11، مع اختلاف يسير.

خلافا للمحكي عن الشيخين (1)و أتباعهما (2)، فاوجبوه فيها، و عن الناصريات نسبته إلى أكثر أصحابنا (3).

لكنّ الإنصاف أنّ عبارته ليست صريحة؛ لأنّه قال: ذهب أكثر أصحابنا إلى أنّ الإمام عليه السلام يأخذ الصدقة من الزرع و الضرع لليتيم (4). و هو غير صريح، بل و لا ظاهر في الوجوب؛ لاحتمال كونه مستحبّا، فأخذ الإمام إحسان بالنسبة إلى الطفل و الفقير كليهما.

و لو كان، فالمستند صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم حيث قال- بعد نفي الزكاة عن مال اليتيم-: و أمّا الغلات فعليها الصدقة واجبة (5)، و حملت على الاستحباب إن لم تحمل على التقية، حيث أنّ القول بالوجوب محكي عن فقهاء الجمهور (6)، لرواية أبي بصير- الموثقة-: «الطفل ليس على جميع غلّاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة» (7).

و حمل النفي على سلب العموم كما فعله الشيخ (8)بعيد جدا.

و أمّا في المواشي، فلا دليل عليه إلّا الإجماع المركّب المحكي عن ابن حمزة (9)عن الموجبين.


1) المقنعة: 238، المبسوط 1: 234.

2) منهم المحقق الحلّي في المعتبر 2: 488.

3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

4) انظر المصدر المتقدم، و العبارة منقولة بالمعنى.

5) الوسائل 6: 54 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

6) حكاه في المنتهى 1: 472، راجع المغني لابن قدامة 2: 622.

7) الوسائل 6: 56 الباب الأول من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11 و الرواية منقولة بالمعنى.

8) التهذيب 2: 30 ذيل الحديث 73.

9) حكاه في الإيضاح 1: 167 و عبارته فيه هكذا: «و قال ابن حمزة: تجب في مال الطفل- و لم يذكر المجنون .. الى ان قال:- فيجب في الأنعام بالإجماع المركب» و لم نستظهر ذلك من الوسيلة و لعله ذكره في غيرها.

و أولى بعدم الوجوب غلّات المجنون، و هو أشبه، فإنّ الحكم بالاستحباب فيها مشكل، فضلا عن الوجوب.

مسألة [5]

لا زكاة في مال العبد إن قلنا بتملّكه؛ لانصراف الأخبار- الدالّة على وضع الزكاة على الأغنياء- إلى غير العبد المحجور في تصرّفاته إجماعا، فإنّ المستفاد من الأخبار، مثل قوله عليه السلام: «ليس على المملوك زكاة و لو كان له ألف ألف درهم، و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا» (1)أنّه لا عبرة بغناه و فقره، إذ لا يعدّ غناه غنى لأجل الحجر، و لا فقره فقرا؛ لأن مئونته على غيره وَ هُوَ كَلٌّ عَلىٰ مَوْلٰاهُ (2).

فمن تأمّل فيما (3)ورد من وجوب الزكاة على الأغنياء للفقراء (4)يجد أنّ العبد لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء، مع أنّ ظاهر ما دلّ على اعتبار كون المال في يد المالك هو كون المالك مسلّطا عليه، لأنّ المراد من اليد ليس الجارحة المخصوصة، بل هي كناية عن التصرّف و التسلّط، و العبد غير مستقلّ في شي‌ء من التصرّف كتابا و سنّة و إجماعا، بل و عقلا، مع أنّ وجوب الزكاة على المملوك


1) الوسائل 6: 59 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول مع اختلاف يسير.

2) سورة النحل: 16- 76.

3) في «ف» و «ع» و «ج»: تأمله و ما ..

4) الوسائل 6: 3 الباب الأول من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

تعلّقه بعين ماله، كما هو مقتضى أدلّة الزكاة من ثبوت التشريك (1)بين الفقراء و الأغنياء، و مقتضى ذلك أنّه ليس لإذن المولى مدخل في ذلك، و هذا موجب لجواز استقلال العبد في الإخراج و إن لم يرض المولى، و هو منفيّ بالأدلة الدالّة على أنّ العبد و ما في يده لمولاه.

و ما ادّعي في المختلف (2)و كشف الغطاء (3)من أنّ للمولى انتزاع ما في يده إجماعا، و ما ورد في الكتاب من أنّ العبد لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ (4)، [و] أنّه ليس له من الأمر شي‌ء، و قد ورد في المكاتب مع تشبثه بالحرية: «أنّه لا يصلح له أن يحدث في ماله إلّا الأكلة من طعام» (5)، و «أنّ المكاتب المشروط لا يجوز له عتق و لا هبة و لا نكاح و لا شهادة- يعني إقرار- و لا حجّ حتى يؤدّي ما عليه» (6).

و الظاهر إرادة التمثيل، إلّا أن يقال: إنه لا منافاة بين تعلّق الزكاة في العين و الشركة، إلّا أنّ العبد محجور عن تعيين الزكاة و تمييزه (7)، فيكون (8)ذلك إلى المولى إلّا أن يأذن (9)للعبد في ذلك، و إليه يرجع قوله عليه السلام في رواية قرب الإسناد: «ليس على العبد زكاة إلّا بإذن مواليه» (10).


1) في «ف» و «ع» و «ج»: الشراكة.

2) المختلف: 624.

3) لم نعثر عليه في مظانه من كشف الغطاء، و لكن نقله في الجواهر (24: 172) عن شرحه للقواعد.

4) و هو قوله تعالى في سورة النحل: 16- 75 عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ.

5) الوسائل 16: 90 الباب 6 من أبواب المكاتبة، الحديث الأول.

6) الوسائل 16: 90 الباب 6 من أبواب المكاتبة، الحديث 2.

7) في النسخ: تميّزه.

8) في «م»: لكون.

9) في «ف» و «ع» و «ج»: أذن.

10) قرب الاسناد: 228 الحديث 893، و فيه: ليس على المملوك. و قد تقدمت في الصفحة 34.

فالعمدة في الاستدلال: التمسّك بصحيحتي ابن سنان: «ليس في مال المملوك زكاة و لو كان له ألف ألف درهم، و لو احتاج، لم يعط من الزكاة شيئا» (1)و تخصيصهما برواية قرب الاسناد غير صحيح، مع ضعف السند، بل و الدلالة، و عدم ظهور قائل به إلّا ما حكاه في الحدائق بلفظ: قيل (2).


1) الوسائل 6: 59 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 و 3.

2) الحدائق 12: 28.

مسألة [6]

الأشهر أنّ العبد لا يملك شيئا، و عن التذكرة نسبته إلى أكثر علمائنا (1)و عن نهج الحقّ (2)و زكاة الخلاف: الإجماع عليه (3)، و عن السرائر بلفظ عندنا (4)و عن شرح القواعد لبعض مشايخنا المعاصرين: أنّه المشهور غاية الاشتهار بين المتقدّمين و المتأخّرين المدّعى عليه الإجماع، معبّرا عنه بلفظه الصريح عن جماعة، و بما يفيده بظاهره بعبارات مختلفة عن نقلة متعددين- كمذهب الإمامية، و مذهب أصحابنا، و عندنا- (5)و عن الرياض أنّه الأشهر بين أصحابنا، و أنّه الظاهر من تتبّع كلماتهم حيث لم أجد لهم مخالفا إلّا نادرا (6).

و يمكن أن يستدلّ لهم بوجوه:

الأوّل: الأصل، فإنّ الملكية أمر (7)شرعي موقوف على حكم الشرع


1) التذكرة 1: 498.

2) نهج الحق: 484.

3) الخلاف 2: 43 المسألة 45.

4) السرائر 3: 6.

5) الجواهر 24: 171- 172.

6) الرياض 1: 560.

7) في «م»: مع أنه.

بثبوته.

و فيه: أنّ الخروج عنه لازم بمقتضى عمومات أسباب الملك (1)الاختيارية و الاضطرارية، إلّا ما خرج كالإرث.

الثاني: الكتاب، و هو قوله تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ (2)، فإنّ التمسّك بعمومه لا إشكال فيه سيّما بعد تمسّك الإمام عليه السلام به في غير واحد من الروايات الواردة في طلاق المملوك (3)، فيدلّ على نفي القدرة على الملك الناشئ عن الأسباب الاختيارية، فيكون كذلك في الملك الاضطراري، لعدم القول بالفصل بالإجماع، كما عن المصابيح للعلّامة الطباطبائي (4).

و فيه: انّ المراد بالقدرة: الاستقلال، أو معنى القدرة على الشي‌ء: أنّه له أن يفعله و له أن يتركه (5)، و هذا المعنى مفقود في العبد؛ لأنّه محجور عليه إجماعا في أفعاله من التصرّفات.

و ممّا يؤيّد أنّ المراد: الاستقلال، أنّ في مصححة زرارة- المتقدّمة- أنّ:

«المملوك لا يجوز طلاقه و لا نكاحه إلّا بإذن سيّده؛ قلت: فإن السيّد كان زوجه، بيد من الطلاق؟ قال: بيد السيّد، قال اللّٰه تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ (6)أ فشي‌ء الطلاق؟!» (7).


1) في «م»: أسباب التملك.

2) النحل: 16- 75.

3) الوسائل: 15: 340- 343، الباب 43 و 45 من أبواب مقدمات الطلاق.

4) نقله في الجواهر 24: 173.

5) في «ف» و «ج» و «ع»: أنه له أن يتركه.

6) النحل: 16- 75.

7) الوسائل 15: 343 الباب 45 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث الأول.

و قوله تعالى هَلْ لَكُمْ مِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ شُرَكٰاءَ فِي مٰا رَزَقْنٰاكُمْ (1)(2).

فإنّ الاستفهام إنكاريّ دلّ على نفي الشركة بين الأحرار و مماليكهم في جنس الأموال الّتي رزقهم اللّٰه، لا خصوص الأعيان المختصة بالأحرار، لأنّ هذا ليس رفعة لشأن الأحرار و ضعة لشأن المماليك، و في الاستدلال به أيضا نظر لا يخفى.

الثالث: السنة، و هي كثيرة:

منها: صحيحة (3)محمّد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام: « [انه قال] (4)في المملوك ما دام عبدا، فإنه و ماله لأهله، لا يجوز له تحرير و لا كثير عطاء و لا وصيّة إلّا أن يشاء سيّده» (5).

و فيه: أنّ دلالتها على الملك له، لكن مع الحجر عليه، و استقلال أهله على ماله أظهر كما يدلّ عليه إضافة المال إليه، و ثبوت جواز التحرير و الوصية له، فإنّ الظاهر أنّ مع مشيئة السيّد يقع التحرير (6)له، لا أنّه يكون كالوكيل في التحرير (7)عن مولاه، و في الوصية للغير، فما عن المفاتيح (8)من أنّها (9)صريحة


1) الروم: 30- 28.

2) في «م» هنا زيادة ما يلي: «حكي عن التذكرة و المنتهى و التنقيح» هذا و أورد ناسخ «ف» هذه الزيادة في الهامش و كتب بعدها ما يلي: كان هذا مكتوبا ما بين السطور تحت قوله: «محجورا عليه» فوق قوله: «فان الاستفهام انكاري» في النسخة التي كانت بخطه الشريف (لمحرّرة).

3) في «م»: مصححة.

4) الزيادة من المصدر.

5) الوسائل 13: 466 الباب 78 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث الأول.

6) في «ف» و «ع» و «ج»: التحرّر.

7) في «ف» و «ع» و «ج»: التحرّر.

8) لم نجده في مظانه من المفاتيح، و الظاهر انه تصحيف، و الصحيح: المصابيح، و في الجواهر 24: 174، بل عن المصابيح انه صريح في المطلوب.

9) في «م»: انه.

في المطلوب، كما ترى.

و منها: قوله في صحيحة (1)ابن مسلم: «ليس للعبد شي‌ء من الأمر» (2).

و الكلام فيه نظير الكلام في الآية الأولى (3)، حيث انّ ظاهرها نفي اختصاص أمره به (4)، و استقلاله فيه.

و منها: الروايات الدالّة على أنّ العبد إذا بيع فماله للبائع، إلّا أن يشترط عليه المشتري، أو إلّا أن يعلم البائع حين البيع أنّ له مالا فهو حينئذ للمشتري (5). فلو كان العبد مالكا لاستمر عليه ملكه بعد البيع (6)و لم يبق للبائع، بل و لا دخل في ملك المشتري.

و فيه: أنّ القائل بالملك قد لا ينكر سلطنة المولى عليه و أنّ له أن يتملكه (7)، و حينئذ فله بيع ماله كما أنّ له بيع نفسه، و له إبقاء المال و بيع نفسه.

و بالجملة: فإنّ سلطنة الموالي على تملّك ماله أو نقله إلى الغير مما لا ينكر، بل عن المختلف: الإجماع على جواز انتزاع ماله قهرا (8)، و عن شرح القواعد لبعض المشايخ المعاصرين ذلك أيضا (9).

و منها: ما دلّ على أنّ العبد إذا أعتق، فإن علم المولى أنّ له مالا تبعه ماله، و إلّا فللمولى أو ورثته إن مات (10).


1) في «م»: مصححة.

2) الوسائل 14: 575 الباب 64 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 8.

3) كذا في «م» و في سائر النسخ: في الأوّل.

4) في «م»: أمر به.

5) راجع الوسائل 13: 32 الباب 7 من أبواب بيع الحيوان.

6) في «ف» و «ع» و «ج»: بعد بيع المبيع.

7) في «م»: يملكه.

8) المختلف 2: 624.

9) راجع الجواهر 24: 172.

10) الوسائل 16: 28 الباب 24 من أبواب العتق، الحديث 2.

و فيه نظير ما في سابقه، مع أنّ (1)في تبعيّة المال له مع علم المولى دليلا على تملّكه، و إلّا لاحتيج إلى نقله إليه بأحد النواقل.

و منها: أنّ العبد لو كان مالكا لكان استحقاق السيّد له بعد موت العبد إرثا، و الحرّ لا يرث العبد بالإجماع و النصوص (2).

و فيه: أنّ تملّكه له لا يستلزم أن يكون على وجه الإرث لا عقلا و لا نقلا.

و منها: مصحّحة ابن مسلم: «عن رجل يأخذ من أمّ ولده شيئا وهبه لها بغير طيب نفسها، من خدم أو متاع، أ يجوز ذلك؟ قال: نعم إذا كانت أم ولده» (3).

و فيه: أنّ جواز الاسترداد لعلّه (4)من جهة عدم لزوم الهبة، مع أنّ في تقريره على الهبة دليلا على جواز تملّكه ما ملّكه مولاه، و غير (5)ذلك من الأخبار.

و منها: ما حكي عن بعض من (6)أنّ تتبّع المقامات المتفرّقة في الفقه المسلّمة بين الجميع (7)كعدم وجوب الزكاة، بل استحبابها مع استحبابها أو وجوبها في مال الطفل و المجنون في الجملة (8)، و الخمس، و الحجّ، و الكفّارات، و نفقة القريب، و من في يده من العبيد، و منعه من التصرّفات و إن لم يكن هؤلاء قابلا


1) في «ف» و «ع» و «ج»: من أن.

2) في «ف» و «ع» و «ج»: و الفرض بدل: و النصوص.

3) الوسائل 16: 103 الباب الأول من أبواب الاستيلاد، الحديث 2 و فيه: عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، كما نقلها صاحب الجواهر في 24: 172 في نفس هذا المورد عن محمد بن إسماعيل أيضا.

4) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: لعلّه.

5) في «م»: الى غير ..

6) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: من.

7) في «م»: هي الجمع لعدم.

8) اي كعدم وجوب الزكاة في مال المملوك، بل عدم استحباب الزكاة مع استحبابها أو وجوبها- على الخلاف- في مال الطفل و المجنون في الجملة.

للولاية، و عدم بقاء ما في يده له مع بيعه و إعتاقه، و عدم ضمانه لسلفاته إلّا بعد العتق، و عدم استحقاقه للإرث إلّا بعد عتقه، و انتقال ماله بموته إلى المولى (1)، و عدم جواز الوصيّة له و الوقف عليه، و عدم حرمة التصرف في ماله لضرورة (2)حتّى التملّك مع تسلّط الناس على أموالهم، و عدم حلّ مال مسلم إلّا عن طيب نفسه، و صرف الوصيّة له من المالك إلى عتقه كصرف الوصيّة لأمّ الولد إلى إعتاقها من الثلث ثمّ إعطاء الوصية، إلى غير ذلك مما يورث للفقيه القطع بعدم قابليته للملك (3).

و فيه: أنّ جميع ذلك إمّا من جهة التعبّد الشرعي، أو من جهة الحجر على العبد في تصرفاته.

[الرابع] (4)من الأدلّة: العقل، و هو أنّ المملوك و المتسلّط عليه من جميع الجهات لا يعقل أن يملك شيئا، كما أنّ له بيع نفسه، و له إبقاء المال و بيع نفسه.

و بالجملة: فإنّ سلطنة الموالي لأنّ مالكيته لغيره فرع مالكيته لنفسه، و لأنّه لو ملك لزم جواز تملّك كلّ من العبدين صاحبه في بعض الصور.

و أجيب عن الأوّل: بمنع الملازمة؛ لجواز كون المالكية و المملوكية متضايفين (5).

و عن الثاني- بعد تسليم عدم الجواز- بأنّ المنع لمانع لا يوجب المنع مع عدمه، و في يد العبد سلطنة مطلقة.

و الحاصل: أنّ المستفاد من الكتاب و السنّة ليس إلّا حجر العبد و استقلال


1) في «ف» و «م»: الولي.

2) في «م»: الضرورية، و في الجواهر: بضروبه.

3) حكاه في الجواهر 24: 175 و نقله هنا مع اختلاف يسير.

4) في «ج» و «ف»: الثالث، و ما أثبتناه هو الصحيح.

5) في «م»: متخالفين.

المولى، و أمّا انتفاء (1)الملكية فلا، بل ظاهر كثير من الأخبار مما ذكر و لم يذكر ثبوت الملك للمملوك كصحيحتي ابن سنان: «ليس في مال المملوك زكاة (2)و لو كان له ألف ألف درهم، و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا» (3).

فإنّها ظاهرة سيّما بقرينة المقابلة بالاحتياج في كون المال لنفس المملوك، مع أنّ المال لو كان لمولاه كان في ذلك المال زكاة- على المشهور، بل المنسوب إلى الأصحاب- كما تقدّم في مسألة زكاة مال المملوك.

و منها: ما دلّ على جواز مكاتبة العبد على نفسه و ماله و ولده (4).

و منها (5): أنّه لا يصحّ للمكاتب [أن يحدث في ماله] (6)إلّا الأكلة من الطعام (7)و هو ظاهر في الملكية مع الحجر.

و منها: صحيحة عمر بن يزيد- في فاضل الضريبة-: «أنّ له أن يعتق و يتصدّق منه (8)و له أجر ذلك (9)و حمله على العتق و التصدّق من مال المولى باذنه، يدفعه- مضافا إلى منافاته لاختصاصه- بالأجر- أنّ ذيل الرواية يدلّ على أنّ المعتق ليس له ولاء المعتق، معلّلا بأنّ العبد لا يرث الحرّ، فلو كان من مال المولى لم يحتج إلى هذا التعليل، بل بقي الولاء للمعتق حينئذ من جهة عدم كونه مولى.


1) في «م»: انتفاؤه.

2) في الوسائل: شي‌ء.

3) الوسائل 6: 60 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 و 3.

4) فمن الكتاب قوله تعالى فَكٰاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً و من السنة ما ورد في الوسائل 16: 83، الباب 1 و 2 من أبواب المكاتبة.

5) في «م»: فيها، و في غيرها فيهما، و ما أثبتناه هو الصحيح.

6) الزيادة من «م».

7) الوسائل 16: 89 الباب 6 من أبواب المكاتبة، الحديث الأول.

8) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: منه.

9) الوسائل 13: 34 الباب 9 من أبواب بيع الحيوان، الحديث الأول، و الحديث منقول بالمعنى.

و منها: ما دلّ على جواز هبة العبد لمولاه كما في صحيحة ابن مسلم المتقدّمة، و رواية إسحاق بن عمار: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: ما تقول في رجل وهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر، يقول له: حلّلني من ضربي إياك، و من كل ما كان مني إليك، و مما أخفتك و أرهبتك، فيحلّله و يجعله في حلّ رغبة فيما أعطاه، ثمّ إنّ المولى بعد أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد، فأخذها المولى، إحلال هي له؟ قال: لا تحلّ له؛ لأنّه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة و القصاص يوم القيامة. فقلت له: فعلى العبد أن يزكّيها إذا حال عليها الحول؟ قال: لا إلّا أن يعمل له بها، و لا يعطى العبد من الزكاة شيئا ..

الخبر» (1).

و لا ينافيه ما تضمّنه الخبر من حرمة الاسترداد؛ لما سبق من جواز الانتزاع إجماعا؛ لأنّ ما أعطاه هنا إنّما كان لأجل استرضائه و تحليله ممّا له عليه من الحقوق الأخروية، فاستردادها موجب لرجوع الحقوق إلى العبد، فالنهي عن أخذ الشي‌ء ليس (2)من جهة عدم تملّك المولى لها (3)، بل من جهة أنّ مقتضى الافتداء: رجوع المبذول إلى ما كان له إذا رجع الباذل في البذل، نظير رجوع المختلعة في البذل.

و منها: ما دلّ على أنّه لا ربا بين السيّد و عبده (4)، فإنّ معناه تجويز المعاملة الربويّة بينهما، و لا يتحقق إلّا على تقدير مالكية العبد.


1) التهذيب 8: 225 الحديث 808، و روى قسما منه في الوسائل 6: 61 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

2) لم ترد في «ف» و «م»: ليس.

3) في مصححة «ع»: له.

4) الوسائل 12: 436 الباب 7 من أبواب الربا، الحديث الأول.

و كيف كان فالأخبار الدالّة بظاهرها على ثبوت المال للعبد أكثر من أن تحصى.

فالتحقيق: أنّ الثابت من الأدلّة- من غير معارض- هو تسلّط المولى على جميع ما في يد العبد في أنواع التصرّفات، و ليس هذا منافيا للملكيّة العبد بأن يترتب على ما في يده أحكام الملك، من جواز العتق عن نفسه، و جواز الصدقة (1)لنفسه، و نحو ذلك بعد الإذن من المولى، فيجمع بين الأخبار، و يحكم بأنّ ما في يد العبد ملك حقيقي لنفسه، و في حكم الملك في السلطنة عليه لمولاه. و يمكن العكس بأن يحكم بالملك الحقيقي للمولى، و أنّ ما في يده بعد الإذن عموما في التصرّف في حكم الملك للعبد.

و يمكن ترجيح الثاني من وجهين:

أحدهما: إنّا لا نعقل من الملك عرفا و شرعا إلّا كون الشي‌ء بحيث يكون للشخص التسلّط على الانتفاع به و ببدله، و هذا المعنى موجود في المولى، و بعد الإذن منه للعبد، و إن كان موجودا في العبد أيضا إلّا أنّ ملاحظة تسبّب (2)ذلك عن رخصة الغير و دورانه مداره يوجب صحة (3)سلب الملك حقيقة عنه.

الثاني: عموم ما دلّ على تسلّط الناس على أموالهم (4)، و أنّه: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه» (5)و الحجر على الصغير و المجنون و السفيه لمصلحة (6)لا لتسلّط الغير عليه، فحجرهم تقوية لتملّكهم (7)بحفظ أموالهم عن


1) في «م»: و التصدق.

2) في «ف» و «ع» و «ج»: نسبة.

3) في «م»: مداره في صحة.

4) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 99، و 1: 457، الحديث 198.

5) عوالي اللئالي 2: 113، الحديث 309.

6) في «ج»: لمصلحته.

7) في «م»: ملكهم.

معارض التلف و موارد الخسارة، فالولي نائب عن هؤلاء في السلطنة، لا أنّه قاهر لهم و رافع لسلطنتهم، و لا (1)تضعيف و رفع لسلطنتهم.

فالعمومات المذكورات تدل (2)على أنّ ما في يد العبد ليس ملكا له؛ لانتفاء لازمة- الذي هو التسلّط و حرمته للغير (3)بغير طيب النفس- و أدلّة استقلال الولي لا تخصّص هذه العمومات إلّا بعد ثبوت الملكية للعبد من الخارج، و أدلّة ثبوت الملكية له إن كانت ما أطلق فيه المال على ما في يد العبد، فهي معارضة (4)بالأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ ما في يده لمولاه (5). و يمكن حمل الإضافة على ملك التصرف بعد الإذن، و حمل الاختصاص على الاستقلال في إقرار يد العبد، و بنفيه (6).

لكنّ الإنصاف: أنّ الترجيح لأدلّة الملكية من جهة عمومات اقتضاء أسباب الملك كالبيع و الصلح (7)و الحيازة للحرّ و العبد، غاية الأمر عدم سببيتها في حقّه إلّا بعد إذن المولى، فيكون أدلّة تسلّط الناس على أموالهم مخصّصة بأدلّة حجر العبد بواسطة العمومات المقتضية للملك عند حصول أسبابها، إلّا أن يقال: إنّ ظاهرها الاستقلال المنفيّ (8)في حق العبد إجماعا، مثل قوله عليه السلام:

«من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد من المسلمين فهو أولى به» (9)، فإنّ ظاهره


1) في «م»: لا.

2) في «م» و «ف»: و العمومان المذكوران يدل، و في «ج»: فالعمومات المذكوران يدل ..

3) ليس في «م»: للغير.

4) في النسخ: فهو معارض.

5) راجع الوسائل 16: 28 الباب 24 من أبواب العتق و 13: 32 الباب 7 من أبواب بيع الحيوان.

6) في «م»: و بنفسه.

7) في «ف» و «ع» و «ج»: الفسخ.

8) في «م»: المنتفي.

9) قريب منه ما في الوسائل 3: 542 الباب 56 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 1 و 2، و 10: 463 الباب 102 من أبواب المزار، الحديث 2، 12: 300 الباب 17 من أبواب آداب التجارة، الحديث الأول.

التسلّط المنفي في حقّ العبد.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يحكم أنّ المملوك لا يملك، إلّا أنّه يجوز له جميع التصرّفات الّتي يملكها الملّاك في أملاكهم، فتحمل أدلّة إضافة الملك الى العبد على المجاز من جهة وجود عمدة خواص المال فيه.

و دعوى: أنّ مجرّد الإذن و الإباحة من المولى لا يوجب جواز جميع التصرفات، حتّى المتوقّفة على الملك كالعتق، و الوطء بعد الشراء، و التصدّق و نحو ذلك.

فيه: أوّلا، أنّ ذلك معلوم من متفرّقات الفتاوى و النصوص مطلقا، و لو في غير العبد، و من هنا قيل: إنّ المعاطاة تفيد الإباحة دون الملك، مع عدم استثنائهم التصرّفات المحتاجة إلى الملك، و يمكن أن يستفاد ذلك من قوله: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه» (1)، و «لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال غيره إلّا بإذنه» كما في التوقيع (2)، بل و عموم قوله: «الناس مسلّطون على أموالهم» (3)، بناء على أنّ إباحة جميع التصرّفات معاملة يجوز للمالك إيقاعها على ماله.

و ثانيا: أنّ ذلك ثابت في خصوص العبد المأذون بحكم ما يظهر من الأخبار من جواز تحريره و تصدّقه، بل الفتاوى.

و ثالثا: إنّ هذا و إن كان مخالفا للقاعدة إلّا أنّ القول بتملّك العبد مع تسلّط (4)المولى على ملكه، و جواز أخذه منه قهرا أيضا، و جواز إيقاع تصرّفات


1) عوالي اللئالي 2: 113، الحديث 309.

2) الاحتجاج 2: 299 مع اختلاف في التعبير.

3) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 99.

4) في «م»: سلطنة.

الملّاك عليه من البيع و العتق، و نحو ذلك أيضا مخالف لقاعدة توقّف هذه التصرفات على الملك.

فالحاصل: أنّ لكلّ من المولى و العبد تصرّفات الملّاك، أمّا المولى فبالإستقلال، و أمّا العبد فبإذن السيد، فعلى أيّ حال يلزم مخالفة القاعدة في أحد الطرفين إذا قلنا بالملك في الطرف الآخر. و الأخبار من الطرفين قابلة للحمل على الملك المجازي، لعلاقة وجود عمدة خواصّ الملك في المولى مستقلا، و في العبد بعد الإذن.

نعم، أدلّة نفي الربا بينهما، و أدلّة نفي الزكاة على مال المملوك مع ما اشتهر بينهم: أنّ الملك لو كان للمولى يتعلق به الزكاة، تأبى عن ذلك، لكن يمكن حمل إطلاق الأوّل على صورة المعاملة كما بين الحربي و المسلم، أو (1)على خصوص المكاتب الذي يجوز له المعاملة مع السيّد، و حمل الثاني على نفي (2)ثبوت الزكاة في مال المملوك كثبوته في غيره (3)، بأن تعلّق بالعين، و يتخيّر صاحب المال في أدائها من مال آخر، فإن الوجوب بهذا المعنى منفي (4)عن المملوك، بل المولى يتخيّر بين الإخراج من العين، و بين أن يؤدّي من نفسه، و لا يتعلّق على العبد شي‌ء.

و أما القواعد الخارجية فبعض منها ينافي الملكية مثل قاعدة: تسلّط الناس على أموالهم (5)، و حرمة التصرّف فيها بغير طيب النفس (6)، و مثل قاعدة: أنّ الملك


1) في «ف» و «ع» و «ج»: و على ..

2) ليس في «ج» و «ع»: نفي، و العبارة في «م» هكذا: «و حمل الثاني على عدم وجوب الزكاة نفي ثبوت الزكاة».

3) في «م»: في مال غيره.

4) في «ف» و «ع» و «ج»: ينفى.

5) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 99 و 1: 457، الحديث 198.

6) عوالي اللئالي 2: 113، الحديث 309.

لا يخرج عن ملك مالكه إلّا بأحد النواقل الاختيارية أو القهرية مع أنّ مال العبد ملك المولى بعد موته أو بيعه أو إعتاقه.

اللّٰهم إلّا أن يدّعى انصراف الاختصاص المستفاد من الإضافة في مثل:

«أموالهم»، و قوله عليه السلام: «مال امرئ مسلم» على الاختصاص الذاتي الابتدائي دون الاختصاص المستعار (1)المتوقّف على مشيئة الغير.

و المراد من إثبات التسلّط ليس إثبات هذا المعنى حتّى يلزم اللّغوية، بل المراد: أنّ المال المختصّ ذاتا بالمالك من غير مراعاته وجودا و عدما برضى أحد، لمالكه أن يفعل به ما شاء من التصرّفات، فإنّها ممضاة لهم و عليهم في حكم الشارع. فالرواية في مقام إمضاء التصرّفات التي يفعلها فيما اختصّ ملكيته بهم اختصاصا تامّا، بمعنى عدم تبعيته لرضى غيرهم، و عدم دورانه معه وجودا و عدما.

و كذا الكلام في قوله: «لا يحل مال [امرئ] مسلم إلّا عن طيب نفسه» (2)فهذه القاعدة لا تنافي الملكية الناقصة للعبد الثابتة بتوسط رضى المولى الدائرة معه وجودا و عدما.

و أمّا القاعدة الثانية فهي غير نافية و لا مثبتة؛ لأنّ الملكية قد ترتفع من غير ناقل كرجوع ملك الواقف إليه بعد انقضاء الموقوف عليهم في منقطع الآخر- على بعض الأقوال-، و انتقال الملك من البطن الأوّل بعد انقضائهم إلى البطن الثاني، فإذا قلنا: إنّ ملكية العبد دائرة مدار رضى مولاه بالتملّك، فلا يقبل البقاء بعد موته أو بيعه أو انعتاقه مع عدم شهادة الحال أو المقال بإبقائه على مالكية ذلك المال، و ملكية المولى له من باب رجوع ملكه إليه، لا من باب الانتقال إليه بناقل، حتى يقال: بأنّ الجميع (3)مفروض الانتفاء فيكون ميراثا،


1) في «ف»: المستفاد.

2) عوالي اللئالي 2: 113، الحديث 309.

3) في «م»: الجمع.

مع أنّ التوارث منفي بين الحرّ و العبد.

و هذا المعنى فيما ملّكه مولاه واضح، بأن يقال: إنّه (1)كان المولى مالكا له و نقل الملك على هذا الوجه، و أنّه ملكه ما دام كونه عبدا له (2)، و ما دام المولى راضيا، فبعد موت العبد أو عتقه أو بيعه (3)أو رجوع المولى يرتفع سبب الملكية كما ذكرنا في الوقف.

و حاصله: أنّ الملكية مستمرّة باستمرار موضوعها، أعني: الملك و المالك، و مع ارتفاع أحدهما ترتفع الملكية باستعدادها لا للناقل (4)و أما فيما لم يملكه المولى بل أذن له في أسباب التملك فيشكل الأمر من حيث انّ الحاصل من تلك الأسباب هي الملكية المطلقة التي لا تنتقل إلى الغير إلّا بالناقل، بل الملك مطلقا و لو كان مثل الوقف المذكور في المال السابق لا ينتقل إلى غير المالك الأوّل إلّا بناقل، فإنّ انتقال المال إلى البطن الثاني بجعل الواقف، و عوده إلى الواقف في المثال الآخر إنّما هو باقتضاء السبب القديم، حيث لم يخرج الملك عن نفسه إلّا على وجه خاصّ يرتفع بارتفاعه، مع أنّه محلّ الخلاف، و قابل للمنع لمخالفته للأصل.

و من هنا يمكن التفصيل بين ما ملّكه مولاه فيملكه، و بين غيره فلا يملكه، إلّا أنّ ملكية ما يملكه إن كان (5)بعقد من العقود كالهبة مثلا فهي لا تقتضي إلّا الملكية المطلقة، و ليس كالوقف على حسب ما يوقفها أهلها، و المفروض أنّ الملكية المطلقة غير مقصودة و غير واقعة شرعا؛ لأن المفروض عدم


1) ليس في «ج» و «م»: انه.

2) في «ع» و «ج»: كونه ملكه عبدا له.

3) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: أو بيعه.

4) في غير «م»: الى الناقل.

5) ليس في «ف»: ان كان.

القول بها حتى لا تنافي انتقال المال إلى المولى بعد الرجوع أو الموت أو العتق أو البيع، و منع اقتضاء الهبة الملكية المطلقة يكذّبه ما يستفاد منه: أنّ من خواصّ الهبة عدم جواز الرجوع بعد التصرّف، أو مع قصد القربة، و نحو ذلك.

و الحاصل: أنّ تطبيق القول بملكيّة العبد على القواعد الكليّة أصعب من تطبيق القول بعدم الملكية على بعض القواعد المنافية له لو سلّم ثبوت ذلك، كما أنّ أمر التصرف في أخبار الطرفين على العكس، فإنّ التصرفات في أدلّة ملكية المولى أسهل من التصرّف في أدلّة ملكيته.

ثمّ إنّ الثمرة بين القولين تظهر في مواضع:

منها: إنفاق قريب المولى إذا اشتراه العبد، أو قريب العبد.

و منها: إذا زوّجه المولى مملوكة (1)فاشتراها، فهل يبطل النكاح أو لا يبطل؟

و منها: إذا وطأ ما اشتراه فحملت منه، فهل تكون أم ولد أم لا؟

و منها: جواز معاملته (2)مع السيد.

هذا إذا قلنا باتفاق الأقوال على جواز جميع التصرّفات للعبد بعد إذن المولى، حتّى التصرّفات المتوقّفة على الملكية، نحو العتق و التصدّق، و أمّا إذا قلنا بعدم كون ذلك اتفاقيا- كما يظهر من المحكي عن المهذّب البارع (3)- فالثمرة أظهر من أن تخفى في التصرفات المالكية.

قال في المهذب: الأقوال في ملكية العبد ثلاثة: الأول: ملك الرقبة- و نسبه إلى الصدوق (4)و الإسكافي-، و ملك التصرف- نسبه إلى الشيخ في النهاية (5)-


1) في «م»: مملوكه.

2) في «ف»: المعاملة.

3) المهذب البارع 2: 450.

4) المقنع (الجوامع الفقهية): 39.

5) النهاية 543، كتاب العتق.

و إباحة التصرّف، قال: و لم نمنع من الثالث، بل هو إجماع، و الفرق بينه و بين الثاني من وجهين:

الأوّل: إنّ ملك التصرّف أقوى من إباحته، فإنّ في الإباحة لو ظهر شاهد حال بالكراهة لم يجز التصرف.

الثاني: انّ في ملك التصرّف، له أن يتصدّق منه و يطعم غيره، و ليس له ذلك في الإباحة (1).


1) المهذب البارع 2: 451 مع اختلاف يسير.

مسألة [7]

الملك شرط في وجوب الزكاة إجماعا، و للأخبار المستفيضة، و في غير واحد منها: «إن الزكاة على صاحب المال» (1)و يشترط في الملك: التّمام (2)، فلا يكون في الملك المتزلزل، فلا يكون في المبيع (3)فضولا قبل الإجازة، بل يجري البيع و الحول من حين الإجازة لا العقد و إن قلنا بالكشف، و لا في الموصى به قبل القبول و إن قلنا أيضا بالكشف، و لا في الموهوب قبل القبض و إن قلنا بأنه شرط اللزوم بمعنى تمامية الملك و استقراره، و الحكم بالملكية من حين العقد لا اللزوم بمعنى عدم جواز الرجوع للواهب.

نعم لو جعلنا اللزوم بهذا المعنى لم يحتج إليه، بل حكم (4)بجريان المال في الحول من حين العقد، لكن إرادة اللزوم بهذا المعنى بعيد، بل (5)حكي عن شرح شيخ الفقهاء في عصره (6): أنّه قد صرّح المحقّقون بأنّ مرادهم من كون القبض


1) الوسائل 6: 69 الباب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 و 3.

2) في «ف» و «ع» و «ج»: التملك التام.

3) في «ف» و «ع» و «ج»: البيع.

4) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: بل حكم.

5) ليس في «ج» و «ع»: بل.

6) اي كاشف الغطاء قدّس سرّه في شرح القواعد (مخطوط).

شرطا في اللزوم في الهبة ليس المعنى المعروف، بل قالوا: إنّ العقد يوجب ملكية مراعاة بتحقّق القبض (1)فإن تحقّق تمّ من حين العقد.

و صرّحوا أيضا بأنّ الإجماع واقع (2)على أنّه ما لم يتحقّق القبض لا تتحقّق الثمرة، فجعلوا لمحلّ النزاع ثمرات خاصّة، و لم يجعل أحد الثمرة أنه (3)بمجرّد العقد تتحقّق الملكية التامّة، غاية الأمر أنّه يجوز أن يفسخ و أنّه إلى حين الفسخ كان ملكا تامّا، و أنّ القبض يرفع جواز الفسخ، و أنّ الهبة بعد القبض من العقود اللازمة (4)(انتهى).

و من هنا يظهر صحّة ما في المسالك في هذا المقام من أنّه لا فرق في عدم جريان الموهوب في الحول قبل القبض بين أن نقول إنّ القبض ناقل أو كاشف عن سبقه بالعقد، لمنع المتّهب عن التصرّف على التقديرين (5)، و لا وجه لاعتراض صاحب المدارك بأنّ القول بالكشف غير محكيّ في الهبة (6).

و مما ذكرنا أيضا يظهر أنّ معنى تمامية الملك التي أخذها المحقّق (7)و غيره شرطا غير اشتراط أصل الملك هو إخراج الملك المتزلزل في مقابل المستقرّ، لا ما يقابل اللازم بمعنى عدم جواز الرجوع للناقل، حتّى يعترض عليه بأنّ لازمة خروج المبيع في أيّام الخيار، بل الموهوب بعد القبض لتزلزل الملك، بمعنى جواز رجوع الناقل، و ليس بمعنى التمكّن من التصرّف حتّى يقال بأنّه لا يصحّ ممن


1) في «ف» و «م»: العقد.

2) ليس في «ف»: واقع.

3) في «ف»: له.

4) راجع الجواهر 15: 37.

5) المسالك 1: 40 مع اختلاف يسير.

6) انظر المدارك 5: 27.

7) الشرائع 1: 141.

جعل التمكن شرطا آخر كالمحقّق في الشرائع (1)، و ليس بمعنى تمام أسباب الملك حتّى يغني عنه بقيد «الملك».

و دعوى أنّ التزلزل بالمعنى الذي ذكر يغني عن (2)قيد التمكّن من التصرّف، مسلّمة، لكن ذكر الخاصّ بعد العام إذا كان القيدان متغايرين من حيث المفهوم غير عزيز في مقام بيان الشرائط، بل في الحدود أيضا، فتدبّر.


1) الشرائع 1: 140- 141.

2) في «م»: بمعنى الذي يغني عنه.

مسألة [8]

التمكّن من التصرّف شرط في وجوب الزكاة إجماعا محقّقا في الجملة، و مستفيضا، و يظهر من الأخبار، مثل ما دلّ على اعتبار أن يحول الحول على المال و هو في يده أو عنده أو عند ربّه (1)، و ما دلّ على أنّه إذا لم يقدر على أخذ الغائب فليس عليه زكاة (2)، و نحو ذلك.

و قد يستشكل اعتبار هذا الشرط في غير الأفراد الشائعة (3)، ك (مال (4)الغائب) و نحوه، بأنّه إن أريد التمكّن من جميع (5)التصرفات، فلا ريب بالانتقاض (6)بما إذا لم يقدر على تصرف خاص لأجل التزام شرعيّ كنذر عدم البيع، أو قهر قاهر كإكراهه على عدم البيع بالخصوص، بل و مثل التصرّف في زمان خيار البائع على القول بأنّه لا يمنع من الزكاة.


1) الوسائل 6: 61 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة الحديث 2 و 3، و الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأوّل.

2) الوسائل 6: 61 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة الحديث 7.

3) في «م»: الثابتة لمال.

4) في «م»: لمال.

5) ليس في «ف»: جميع.

6) في «ف» و «م»: بانتقاض ذلك.

و إن أريد التمكن من التصرّف في الجملة فأكثر ما مثّلوا به لغير التمكن منه يدخل، فانّ المغصوب يمكن نقله إلى الغاصب، بل إلى غيره في الجملة، و كذا الغائب المرهون، بل الموقوف.

و التحقيق أن يقال: إنّ المراد بالتمكّن من التصرّف في معاقد الإجماعات الذي يظهر اعتباره من النصوص هو: كون المال بحيث يتمكّن صاحبه عقلا و شرعا من التصرّف فيه على وجه الإقباض و التسليم، و الدفع إلى الغير، بحيث يكون من شأنه بعد حلول الحول أن يكلّف بدفع حصة منه إلى المستحقين، فإنّ قوله عليه السلام في الصحيح إلى إسحاق بن عمّار- في المال (1)الموروث الغائب-:

«أنّه لا يجب عليه الزكاة حتّى يحول عليه في يده، أو و هو عنده» (2)، و قوله عليه السلام: «أيّما رجل كان له مال (3)موضوع و حال عليه الحول فإنّه يزكيه (4)»، و قوله في حسنة زرارة- في مال القرض-: «إنّ زكاته- إذا كانت موضوعة عنده حولا- على المقترض» (5)و نحو ذلك يدلّ على تعلّق الوجوب إذا حال الحول على المال في يده و عنده، من غير مدخلية شي‌ء آخر (6)في الوجوب، و لا يكون ذلك إلّا إذا كان المال في تمام الحول بحيث يتمكّن من الإخراج؛ لأنّ هذا التمكّن شرط في آخر الحول- الذي هو أوّل وقت الوجوب قطعا-، فلو لم يكن معتبرا في تمامه لزم توقّف الوجوب، مضافا إلى كونه في يده تمام الحول على شي‌ء آخر.


1) ليس في «ف»: المال.

2) الوسائل 6: 62 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3.

3) ليس في «ج»: مال.

4) الوسائل 6: 70 الباب 10 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول.

5) الوسائل 6: 67 الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول، و فيه: بل زكاتها ان كانت موضوعة.

6) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: آخر.

و الحاصل: أنّ الشارع (1)جعل مجرّد حلول الحول على المال في يد المالك- بمعنى أن يكون في يده تمام الحول- علّة مستقلّة لوجوب الزكاة؛ فإن كان المراد من كونه في يده هو ما ذكرنا من تسلّطه على التصرف في العين بالدفع و الإقباض، ثبت المطلوب، و هو اعتبار كونه كذلك تمام الحول، و إن كان المراد منه ما دون ذلك، أعني: التسلّط في الجملة و لو لم يكن مسلّطا على الدفع و الإقباض، لزم توقف الوجوب بعد حلول الحول على المال في يده على شي‌ء آخر، و هو كون المال بحيث يتمكّن من دفع بعضه إلى المستحق، و يلزم منه عدم استقلال ما فرضناه مستقلّا في العلّية.

و لعلّه إلى هذا ينظر ما استدلّ به في المعتبر (2)و المنتهى (3)لاعتبار هذا الشرط، من أنّ المال الغير المتمكّن من التصرّف فيه، مال تعذر التصرّف فيه، فلا تجب الزكاة فيه ك (مال المكاتب) و ما استدلّ به في المنتهى- على ما حكي (4)- من أنّه لو وجبت الزكاة في هذا المال (5)لوجبت في غيره (6)، و هو باطل؛ لأنّ الزكاة تتعلّق بالعين.

و لا يرد عليها (7)ما قيل: من أنّه يقتضي اعتبار التمكّن وقت الوجوب فقط، لا وجوب كونه كذلك تمام الحول.

وجه اندفاع هذا الإيراد: أنّ المستفاد من الأخبار و من استقراء حكم


1) في «ف»: المشهور.

2) المعتبر 2: 490.

3) المنتهى 1: 475.

4) حكاه في المستند 2: 8 و لم نقف على الاستدلال بعينه في المنتهى، نعم هو موجود في المدارك 5: 33.

5) في «ج» و «ع»: ذلك المال.

6) في «ف» و «ع» و «ج»: يوجب من غيره و في «م» لوجب في غيره.

7) كذا في النسخ، و الظاهر: عليه.

شروط النصاب، بل شروط المزكّى: استمرار هذا الشرط طول الحول، و وجه هذه الاستفادة من الأخبار ما عرفت أنّ المستفاد منها وجوب الزكاة فيما كان في اليد طول الحول، فلو كان المراد من كونها في اليد أمر آخر غير التمكن من التصرف فيها بالدفع، لزم عدم الزكاة فيها بمجرّد كونها في اليد طول الحول، بل لا بد من أمر آخر، و هو التمكن من التصرّف وقت الوجوب أيضا، فلا يكون حلول الحول على ما في اليد علّة مستقلّة في وجوب الزكاة، إلّا أن يقال: إنّ المستفاد من الأخبار سببية حلول الحول على ما في اليد لوجوب الزكاة، و لا ينافيه توقّف الوجوب على استجماع (1)شرائط التكليف التي منها التمكّن من دفع العين.

و يدفعه: أنّ المستفاد من إطلاق وجوب الزكاة إذا حال الحول على النصاب الموضوع عنده أو على ما في يده، هي العلّة التامّة كما صرّحوا به في الجمل الشرطية، نعم لو ثبت توقّف الوجوب على شرط آخر من قدرة (2)المالك (3)على الدفع بحيث لا يمنعه مانع عن إعطاء الزكاة مثل قهر قاهر أو خوف مخوف، و هذا لا ينافي تمامية علية (4)الوجوب من جهة نفس الملك، فهنا أمران:

أحدهما: النقص من جهة الملك، بأن يكون بحيث لا يتمكّن المكلّف من التصرّف فيه كالمغصوب و المحجور و المفقود و المرهون و نحو ذلك.

و الثاني: العجز من طرف المالك عن مباشرة الدفع أو عن مطلق الدفع، و لو بالتوكيل، فبمجرّد (5)كون المال في يد المالك طول الحول بحيث لا قصور (6)في


1) في «ف» و «ع» و «ج»: اجتماع.

2) في «م»: من جهة قدرة.

3) في «ف»: المكلف.

4) في «م»: علة.

5) في «ف» و «ج» و «ع»: فمجرد.

6) في «م»: لا يتصور.

طرف المالك من التصرف فيه بالدفع، يتعلّق الزكاة، فهو سبب مستقل و علّة تامّة لتعلّق الزكاة بالمال، فإن اجتمع شرائط المكلّف وجب الأوّل، و إلّا فلا.

هذا كلّه مع [أنّ] (1)الأخبار المتقدّمة (2)الدالّة على اعتبار كونه في يد المالك طول الحول، بنفسها ظاهر [ة] (3)في كون المراد من اليد: التسلّط على التصرّف بالدفع.

و يتحقّق التسلّط الفعلي (4)بأن يكون المال حاضرا، و لم يرد عليه ما يمنع المالك عن التصرّف فيه منعا. حقا أو عدوانا. فالمخرجات عن اليد بالمعنى المذكور ثلاثة: الغيبة- و في معناها الفقد-، و المنع الشرعي، و المنع العدواني. و لا بد أن يعلم أنّ الخروج عن اليد بأحد الثلاثة فعلا مع التمكّن من إزالة المخرج و إثبات اليد بمنزلة اليد الفعلية و إن كان ظاهر الأخبار: اعتبار (5)فعلية اليد- كما تقدّم.

منها (6): صحيحة ابن سنان: «لا صدقة على الدين، و لا على المال الغائب عنك حتّى يقع في يدك» (7)، إلّا أنّه لا بد من الخروج عن ظاهرها إمّا بإرادة قوّة التسلّط من إطلاق اليد، و إمّا من جعل التمكّن من إثبات مكان اليد الفعلي للدليل الخارجي، و هو قوله عليه السلام- في موثّقة زرارة، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام، في رجل ماله عنه غائب و هو لا يقدر على أخذه، قال-: «فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، فإن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين» (8). و نحوها مرسلة أخرى لزرارة (9).


1) الزيادة منّا.

2) في الصفحة 116.

3) الزيادة منّا.

4) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: الفعلي.

5) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: اعتبار.

6) في «م»: سيما.

7) الوسائل 6: 62 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6 مع اختلاف يسير.

8) الوسائل 6: 63 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

9) لعل المراد بها المرسلة الآتية في الصفحة التالية.

و في رواية دعائم الإسلام- في الدين يكون للرجل على الرجل-: «إن كان غير ممنوع يأخذه متى شاء بلا خصومة و لا مدافعة، فهو كسائر ما في يده من ماله، يزكّيه، و إن كان الذي هو عليه (1)يدافعه، و لا يصل إليه إلّا بخصومة فزكاته على من هو في يده، و كذلك مال الغائب (2)، و كذلك مهر المرأة على زوجها» (3).

إلّا أنّ المسألة لا تخلو من إشكال من جهة كثرة ما يدلّ على اعتبار اليد الفعلية، مثل صحيحة ابن سنان المتقدمة (4)، و قوله عليه السلام- في صحيحة الفضلاء-: «كلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شي‌ء عليه فيه» (5).

و في مرسلة زرارة: «ليس في صغار الإبل و البقر و الغنم شي‌ء إلّا ما حال عليه الحول عند الرجل» (6).

و نحوها صحيحة- أو حسنة- ابن يقطين ب (ابن هاشم) (7): «كلّ ما لم يحل عندك عليه الحول فليس عليك فيه زكاة» (8).

إلى غير ذلك مما يدلّ (9)على اشتراط ثبوت اليد الفعلية.

و أمّا الموثّقة فلا يبعد حملها على الدين و ستعرف (10)عدم وجوب الزكاة فيه


1) ليس في «ج» و «م» و «ع»: عليه.

2) هكذا في «ف» و «ج»، و الصحيح: المال الغائب- كما في المصدر.

3) دعائم الإسلام 1: 251.

4) في الصفحة السابقة.

5) الوسائل 6: 82 الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

6) الوسائل 6: 83 الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام الحديث 5.

7) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: ب «ابن هاشم».

8) الوسائل 6: 115 الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 3.

9) في «م»: دلّ.

10) في الصفحة 125.

إلّا استحبابا.

و أمّا رواية الدعائم فضعيفة الدلالة جدّا.

و أما المرسلة فالظاهر أنها عين الموثّقة.

هذا كلّه مضافا إلى عمومات نفي الزكاة في المال الغائب بقول مطلق، سيما ما ورد فيمن خلّف لأهله نفقة: «إن كان شاهدا فعليه الزكاة، و إن كان غائبا فليس عليه» (1).

و قد يتوهّم (2)أنّ العمومات الموجبة لثبوت الزكاة في مطلق المال الذي حال عليه الحول بعد تخصيصها بغير التمكّن من التصرّف، تصير أعمّ من وجه من عمومات نفي الزكاة في مال الغائب، و هو توهّم محض؛ لأنّ العام إذا ورد عليه خاصّان فلا بد أن يخصّص بكليهما، لا أن يخصّص بأحدهما ثمّ تؤخذ النسبة بينه بعد التخصيص و بين الخاص الآخر (3).

و كيف كان فالأخبار النافية عن (4)الزكاة في مال الغائب سليمة عمّا يرد عليها مما عدا الموثّقة المتقدّمة (5)، و قد عرفت ضعفها عن تخصيص العمومات الكثيرة، مع احتمال إرادة الدين منها (6)سيّما بقرينة قوله: «حتّى يخرج»، مع أنّه لا يبعد أن يقال- على تقدير اختصاصه بالعين-: إنّ المراد من القدرة على الأخذ: كونه تحت اليد بالفعل عرفا، و إن كان غائبا، كما إذا كان في منزل


1) الوسائل 6: 117 الباب 17 من أبواب زكاة الذهب و الفضة.

2) في «م»: و قد توهم.

3) ليس في «ج» و «ع» و «م»: الآخر.

4) كذا في النسخ.

5) تقدمت في الصفحة 119.

6) في «ف» و «ج» و «ع»: هنا.

محفوظ (1)، أو في يد وكيله، أو نحو ذلك، فلا يشمل ما لو لم يتمكّن فعلا، و كان قادرا على تحصيل التمكّن.

نعم يمكن أن يقال: إنّ أقصى ما ثبت (2)من الأدلّة اعتبار التمكّن من التصرّف في العين، و ما دلّ (3)على اعتبار الحول في اليد يدلّ على اعتبار الحضور عند المالك في مقابلة قصور يده عنها، و بعضها ظاهر- بقرينة السياق- في أنّ المراد من اليد (4): ما يقابل يد المالك السابق.

و الحاصل: أنّ في إثبات دلالتها على اعتبار أزيد من يد التصرّف في العين إشكالا، و المرجع- حينئذ- إلى عموم ما دلّ على وجوب الزكاة فيما حال عليه الحول، قال الشيخ في الخلاف- على ما حكي عنه- في مسألة ما لو استقرض ألفا، فرهن عليه ألفا: أنّه لو قيل بوجوب زكاة الألفين عليه كان قويّا؛ لأنّ الألف القرض لا خلاف بين الطائفة في أنه يلزمه زكاتها، و الألف المرهونة هو قادر على التصرف فيها، بأن يفك رهنها، و المال الغائب إذا كان متمكّنا منه يلزمه زكاته بلا خلاف (5)(انتهى).

و ظاهر هذا الكلام كفاية التمكّن من تحصيل التسلّط الفعلي، و عدم اعتبار حصول التسلّط بالفعل، و إلّا فالرهن ما دام رهنا غير متسلّط عليه، فهو كالمغصوب القادر على استنقاذه بمال. نعم التمكّن من فكّه ببيعه ليس تمكّنا ظاهرا، خلافا للروضة (6).


1) في «ف» و «ع» و «ج»: منزله محفوظا.

2) في «ف»: ما يمكن.

3) في «ج» و «ع»: ما يدل.

4) في «ج»: باليد.

5) الخلاف 2: 111 المسألة 129 مع اختلاف يسير.

6) الروضة البهية 2: 13.

و أمّا المحجور، فإن كان لسفه فالظاهر عدم السقوط، و استظهر في المناهل: الاتّفاق عليه (1). و إن كان لردّة عن ملّة (2)فكذلك، كما صرّح به في البيان (3)و الدروس (4)، و علله- في الأول- بقدرته على إزالته يعني الإسلام.

و إن كان لتفليس، فصرّح في البيان بمنعه، و حكاه في الدروس عن المبسوط (5).


1) المناهل: 108.

2) في «ف» و «م»: عن ملته.

3) البيان: 168.

4) الدروس 1: 230.

5) المبسوط 1: 224.

مسألة [9]

المشهور- سيما (1)بين المتأخّرين-: أنّه لا زكاة على الدين حتّى يقبضه، وفاقا للمحكي عن القديمين (2)و ابن زهرة (3)، و ابن إدريس (4)، و المحقّق (5)، و الفاضل (6)و والده (7)، و ولده (8)، و غير [هم] (9)لعموم: «لا صدقة على الدين، و لا على المال الغائب عنك حتى يقع في يدك» (10)و نحوه من العمومات الدالّة على عدم الزكاة في الدين حتّى يقبضه، و للعمومات المتقدّمة: «كلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شي‌ء عليه فيه» (11).


1) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: سيما.

2) حكاه ابن إدريس في السرائر 1: 444 و 445.

3) الغنية (الجوامع الفقهية): 505.

4) السرائر 1: 444.

5) الشرائع 1: 142.

6) انظر إيضاح الفوائد 1: 168.

7) انظر إيضاح الفوائد 1: 168.

8) انظر إيضاح الفوائد 1: 168.

9) في «ف»: و غيرهما، و في «ع» و «ج»: و غيرها، و في «م»: و غيره، و راجع مفتاح الكرامة 3: 16 (كتاب الزكاة).

10) الوسائل 6: 62 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6، و فيه: يديك.

11) الوسائل 6: 82 الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

و عن الشيخين (1)، و المرتضى (2): وجوبها في الدين إذا تمكّن صاحبه من أخذه متى شاء؛ لعموم الموثّقة- المتقدّمة (3)- في [ال] مال الغائب إذا قدر صاحبه على أخذه، و خصوص ما ورد في الدين من الأخبار: منها: «إنّ كلّ دين يدعه هو إذا أراد أخذه، فعليه زكاته، و ما لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة» (4).

و هذه و إن كانت أخص من الأوّل إلّا أنّ كثرة تلك الأخبار، و موافقتها للأخبار الكثيرة الظاهرة في أنّ الزكاة إنّما وضعت على الأعيان الخارجية من الأموال، و اعتضادها بالشهرة المطلقة، و بمخالفة الجمهور كما يظهر من المعتبر (5)، يوجب حمل الأخبار الخاصّة على الاستحباب، سيّما مع شهادة رواية علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: «قال: سألته عن الدين يكون على القوم المياسير إذا شاء قبضه صاحبه، هل عليه زكاة؟ قال: لا، حتّى يقبضه و يحول عليه الحول» (6).

و اعلم أنّ اعتبار التمكّن من التصرف فيما يعتبر فيه الحول لا إشكال فيه، و أمّا ما لا يعتبر الحول فيه كالغلّات فهل يعتبر التمكّن حال تعلّق الوجوب، أو لا، بل يكفي التمكّن من الإخراج و لو كان بعد (7)زمان تعلّق الوجوب؟ ظاهر كلامهم، و المصرّح به في المسالك (8)هو الأوّل؛ لأنّ ظاهر هذا الشرط كونه شرطا كسائر الشروط، فكما أنّ الملك و تماميته و البلوغ و العقل و الحرّية، كلّها تعتبر في الغلّات في ذلك الوقت، فكذلك التمكّن من التصرف.


1) المقنعة: 239، المبسوط 1: 211 و الخلاف 3: 80 المسألة 96.

2) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 74.

3) في الصفحة 119.

4) الوسائل 6: 64 الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5. و فيه: و ما كان لا يقدر.

5) المعتبر 2: 491. و فيه روى أصحابنا.

6) الوسائل 6: 66 الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 15.

7) في «ف»: بقدر.

8) المسالك 1: 40.

اللّٰهم إلّا أن يدّعى عدم كونه شرطا في غير الغلّات (1)، لاختصاص أدلّته بما يعتبر فيه الحول من الأجناس، لكنّه خلاف فتاوى الأصحاب، بل ظاهر ما يستفاد من الأخبار بعد التأمّل فيها، فإنّ قوله عليه السلام- في رواية سدير المسئول فيها عن المال الذي فقد بعد حلول الحول، و وجده صاحبه بعد سنين-:

«أنّه يزكيه سنة واحدة،- يعني السنة الأولى قبل الفقدان-، لأنّه كان غائبا عنه» (2)يدلّ بمقتضى التعليل على أنّ كلّ مال غائب لا تجب عليه الزكاة.

و المراد من الغائب ما (3)يعمّ المفقود، فيدلّ على أنّ الزكاة لا تتعلّق بعين مال (4)المفقود، و لا شكّ في عدم القول بالفصل بينه و بين مطلق غير المتمكّن منه، كالمغصوب و المحجور و نحوهما، فدلّ الخبر على أنّ الزكاة لا تتعلّق بالعين (5)التي لا يتمكّن مالكها من التصرّف فيها، كما إذا فرضنا الزرع حال انعقاد حبّه (6)، أو حال (7)تسميته حنطة أو شعيرا، مغصوبا فالزكاة لا تتعلّق بعينها بمقتضى الرواية المنضمّة إلى عدم القول بالفصل، فإذا لم تتعلّق به حينئذ زكاة فلا تتعلّق به بعد ذلك، لأنّ الزكاة إنما تتعلّق بالغلّات بمجرّد صدق الاسم، أو بمجرّد انعقاد الحبّ في ملك المكلّف، كما يدلّ عليه جميع ما دلّ على بيان وقت الوجوب.

و دعوى دلالة العمومات على وجوب الزكاة في الغلّات، خرج صورة عدم التمكن من الإخراج، فاسدة جدّا، إذ تلك العمومات ليست إلّا ما دلّ على تعلّق


1) في «ج» و «ع»: في غير العلاجية.

2) الوسائل 6: 61 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول، و الحديث منقول بالمعنى.

3) في «م»: هو ما.

4) كذا في النسخ و الظاهر: بعين المال المفقود.

5) في «ف»: بالدين.

6) في «ج» و «ع»: حبته.

7) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: حال.

الزكاة في الأجناس الأربعة، فإذا فرض عدم تعلّقها بها حتّى يتحقّق (1)عنوان هذه الأجناس في الخارج، فلا مقتضى لثبوتها فيها بعد ذلك، ألا ترى أنّه لو دخلت في ملك المكلّف بعد ذلك، أو حدث شرط لم يكن قبل ذلك، انتفى الزكاة إجماعا، و لا يجوز التمسّك في وجوبها بعموم ما دلّ على وجوبها في هذه الأجناس؟! فعلم من ذلك أنّ لتعلّق (2)الزكاة بعين الغلّات وقتا مخصوصا لو لم يتعلّق فيه بها لم يتعلّق بعد ذلك.


1) في «م»: تحقّق.

2) في «ف» و «ع»: تعلّق.

مسألة [10]

المعروف بين الأصحاب عدم وجوب الزكاة فيما سوى التسعة الأصناف، و عن الشيخين في الفقيه (1)و الخلاف (2)، و السيدين في الناصرية (3)و الغنية (4)عليه الإجماع، و عن المنتهى أنّ عليه علماءنا أجمع (5)، و مثله عن المعتبر (6)باستثناء الإسكافي، و الروايات بالعفو عمّا سوى ذلك لا يبعد لحوقها بالتواتر (7)، فقد عثرت (8)منها على اثنتي عشر رواية، فيها: «أن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم عفى عما سوى ذلك» (9).


1) كذا في النسخ عدا «ع» و يظهر منها أنه المقنعة و ليس في الفقيه و لا المقنعة ما يدل على الإجماع المذكور، راجع الفقيه 2: 13، و المقنعة: 234.

2) الخلاف 2: 54 و 61 المسألة 63 و 74.

3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 240.

4) الغنية (الجوامع الفقهية): 504.

5) المنتهى 1: 473.

6) المعتبر 2: 493.

7) في «م»: المتواتر.

8) في «م»: عثرنا.

9) راجع الوسائل 6: 32 الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

نعم في كثير من الأخبار وجوبها في الحبوب كلّها مثل مصححة (1)زرارة:

«ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة» (2)، و قال: «جعل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم الزكاة في كلّ شي‌ء أنبتت الأرض الّا ما كان من الخضر و البقول، و كل شي‌ء يفسد من يومه» (3).

و قريب منها: رواية محمّد بن إسماعيل (4).

و في رواية أبي بصير- بعد التصريح بوجوبها في الأرز-: «قال: و كيف لا يكون كذلك و عامة خراج العراق منه؟» (5).

و يحمل على مطلق الرجحان لتصريح (6)الأخبار- الكثيرة بنفيه عما (7)عدا الأربعة. و يمكن أيضا حملها على التقيّة لموافقة كثير من العامّة على ما قيل (8)، و عن الذخيرة نسبته إلى جمهور العامة (9)، و في بعض الأخبار دلالة على ذلك، و عليه فلا وجه للاستحباب إلا فتوى الجماعة، و ظاهر لفظ العفو في الأخبار.

و كيف كان فظهر ضعف ما عن الإسكافي من وجوب الزكاة في كلّ ما يدخل في القفيز (10)و حكي أيضا عن يونس بن عبد الرحمن (11)و عن الانتصار (12)التصريح بشذوذهما و تقدّمهما إجماع الإمامية و تأخّر عنهما.


1) في «م»: صحيحة.

2) الوسائل 6: 40 الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 5.

3) نفس المصدر الحديث 6، و فيها: الصدقة بدل الزكاة.

4) الوسائل 6: 39 الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2.

5) الوسائل 6: 41 الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 11.

6) في «ف» و «ع» و «ج»: لترجيح.

7) في «ع» و «ج» و «م»: فيما.

8) انظر مفتاح الكرامة 3 (كتاب الزكاة): 55 و الحدائق 12: 108.

9) الذخيرة: 430.

10) الانتصار: 77- 78.

11) الانتصار: 77- 78.

12) الانتصار: 77- 78.

و في وجوب الزكاة في العلس (1)- بفتحتين- و السلت (2)- بضم السين و سكون اللام-، قولان: من أنّ الأول نوع من الحنطة، و الثاني نوع من الشعير، و من منع ذلك لغة، أو عرفا، أو انصراف إطلاق الأخبار. و يؤيّد ذلك مقابلة السلت للحنطة و الشعير في الروايات، كحسنتي (3)زرارة و محمّد بن مسلم بابن هاشم، و رواية أبي مريم (4).


1) العلس: ضرب من الحنطة تكون حبّتان في قشر واحد، و هو طعام أهل صنعاء، الصحاح 3: 952 «علس».

2) السلت: ضرب من الشعير ليس له قشر كأنّه الحنطة، الصحاح 1: 253 «سلت».

3) في «ف»: حسنة.

4) الوسائل 6: 39 الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 10 و 4 و 3.

مسألة [11]

إذا زاد الإبل على مائة و عشرين فهل يتخيّر بين عدّه بالخمسين و الأربعين مطلقا، فله أن يعدّ المائة و الواحدة و العشرين بخمسين، فيكون فيه حقتان، و أن يعد المائة و الخمسين بأربعين فيكون فيه ثلاث بنات لبون، أم لا يتخير إلّا إذا أمكن العدّ بكلّ من العددين كالمائتين مثلا. و إلّا ففي المثال الأول يتعيّن العدّ بالأربعين، و في الثاني بالخمسين، و في المائة و الثلاثين بكليهما، فيعطي حقة و ابنتي لبون؟

ظاهر الفاضلين (1)و الشهيدين (2)و المحقق الثاني (3)، بل المشهور- كما في الحدائق (4)-: الثاني، بل عن المنتهى: أن في المائة و واحدة و العشرين ثلاث بنات لبون، عند علمائنا (5)و كذا ظاهر المحكيّ عن الناصريّات (6)سيّما بملاحظة ما ذكر في الانتصار (7)بل هو ظاهر عبارة المعتبر (8)أيضا كما سيظهر، و عن شرح


1) الشرائع 1: 146، و المعتبر 2: 500 و 501، و التذكرة 1: 207.

2) الدروس 1: 234، الروضة البهية 2: 18، و المسالك 1: 40.

3) جامع المقاصد 3: 15.

4) الحدائق 12: 49- 50.

5) المنتهى 1: 480.

6) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

7) الانتصار: 82.

8) المعتبر 2: 500.

الروضة أنّه صريح الأصحاب (1)و عن الشهيد في فوائد القواعد (2): الأوّل، و حكي عنه نسبته إلى ظاهر الأصحاب و الأخبار (3)، و اختاره سبطه في المدارك (4)، و تبعه جملة ممن تأخّر عنه، منهم: صاحب الحدائق (5)، و الرياض (6).

و المعتمد ما عليه المشهور، و نسبة هذا القول الى ظاهر الأصحاب غير مقرون بالصواب، و كذا نسبته إلى ظاهر الأخبار. أمّا الأول فلانّ ظاهر الوسيلة (7)، و الشرائع (8)و القواعد (9)و البيان (10)، و صريح الشهيد (11)و المحقق (12)الثانيين، بل حكي عن المبسوط (13)، و السرائر (14)أيضا مدعيا ثانيهما عليه الاتفاق، و ستسمع عن الناصريات (15)، و المنتهى (16)و التذكرة (17)دعوى


1) المناهج السوية (مخطوط): 18 و فيه: و قد صرح بهذا الحكم الأصحاب من غير نقل خلاف.

2) و هو شرحه على القواعد (مخطوط) نقل عنه في المدارك 5: 58 و الجواهر 15: 81، و المستند 2: 20.

3) مفتاح الكرامة 3: 60 (كتاب الزكاة).

4) مدارك الأحكام 5: 58.

5) الحدائق 12: 50.

6) الرياض 1: 265.

7) الوسيلة: 124.

8) الشرائع 1: 146.

9) القواعد 1: 53.

10) البيان: 173.

11) الروضة البهية 2: 18، و المسالك 1: 40.

12) جامع المقاصد 3: 15.

13) المبسوط 1: 192.

14) السرائر 1: 449.

15) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

16) المنتهى 1: 480.

17) التذكرة 1: 207.

الإجماع أيضا.

و الظاهر أن منشأ النسبة اشتهار التعبير في كلام الأصحاب عن النصاب الأخير للإبل بأنّ في كلّ خمسين حقة، و في كل أربعين بنت لبون، تبعا للأخبار المعبّرة بهذا التعبير- نسبه في المختلف إلى المشهور (1)، و في محكي المعتبر إلى علمائنا (2)، و في محكي الناصريات إلى الإجماع (3).

و أنت خبير بأنّ هذه العبارة لا يريدون منها التخيير المطلق، و لا دلالة فيها على ذلك.

أمّا انّهم لا يريدون به ذلك؛ فلأن جماعة ممن عبّر بهذا التعبير، بل نسبه إلى المشهور- كالعلّامة في المختلف (4)-، أو إلى علمائنا- كالمحقّق في المعتبر (5)-، أو إلى الإجماع- كالسيّد في الناصريات (6)-، كلامهم كالصريح في تعيين (7)ثلاث بنات لبون في المائة و واحدة و العشرين، بل أكثر هؤلاء القائلين عبّروا بالعبارة المذكورة، فلاحظ كلماتهم في هذا المقام:

ففي الناصريات، ادّعى الإجماع على العبارة المذكورة و ذكر موافقة الشافعي له من العامّة و قد حكي عن الشافعي في الانتصار (8)تعيين ثلاث بنات لبون في المائة و الواحد و العشرين. و العلّامة في التذكرة (9)نسب وجوب ثلاث


1) المختلف 1: 175.

2) المعتبر 2: 500.

3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

4) المختلف 1: 175.

5) المعتبر 2: 500.

6) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

7) في «م»: بتعين.

8) الانتصار: 81.

9) لم نقف على ما أفاده في التذكرة، نعم هو موجود في المنتهى 1: 480.

بنات لبون إلى علمائنا إلّا السيد في الانتصار (1)، و حكي عن الناصريات (2)موافقته، و ذكر موافقة الشافعي أيضا.

و كيف كان فلا يرتاب أحد في كون هذا القول هو المشهور، و أنّه لم يعرف (3)القول الأوّل ممن تقدّم على الشهيد الثاني في فوائد القواعد (4)، و قد ذكره في الروضة احتمالا غير منسوب إلى محتمل غيره (5).

و الواجب صرف الكلام إلى بيان دلالة الفقرة المشهورة في الفتوى و النص، أعني قوله: «في كلّ خمسين حقة، و في كلّ أربعين بنت لبون» (6).

فنقول: مقتضى (7)ظاهر اللفظ أنّ المراد من الخمسين و الأربعين في هذا الكلام هو نظير الواحد في قولنا: كلّ واحد من هذا العدد أريد به العدد الخاصّ المنتشر، فكلّ فرد حصل في الخارج من الخمسين بإفراز مفرز من هذه الإبل المجتمعة ففيها حقة، و كذا كلّ أربعين أفرز منه ففيه بنت لبون، و لا يتوهّم من ذلك لزوم وجوب حقق كثيرة في المائتين مثلا، باعتبار كثرة أفراد الخمسين المتصوّرة فيه، بسبب ضمّ بعضها إلى بعض كما لا يخفى، ضرورة أنّ المراد بالعام هنا ليس إلا (8)القطعات المفرزة، من عدد الإبل، و كثرة الأفراد تحصل من تداخل الأفراد من حيث ضمّ الأجزاء بعضها في بعض، فالمائتان ليس فيها إلّا


1) الانتصار: 84.

2) الناصريات (الجوامع الفقهية): 241.

3) في «ف»: لا يعرف.

4) تقدم في الصفحة 131 و 132، و انظر الهامش 2 هناك.

5) الروضة البهية 2: 17.

6) الوسائل 6: 73 و 74 الباب 5 من أبواب الزكاة، الحديث 1 و 3 و 6.

7) ليس في «م»: مقتضى و في «ع»: مقتضى هذا اللفظ.

8) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: إلّا.

أربعة أفراد من الخمسين، فيها أربع حقق و إن كان الأفراد المتداخلة أكثر بمراتب.

و حينئذ فنقول: إذا فرضنا مائة و أربعين، و عملنا بقوله عليه السلام: «في كلّ خمسين حقة» (1)فيبقى بعد المائة: أربعون، و هي قطعة مفرزة من العدد، داخلة في النصاب الآخر، و هو قوله عليه السلام: «في كل أربعين بنت لبون» (2). و هذا لا إشكال فيه، و لا أظنّ القائلين بالتخيير المطلق ينكرون هنا (3)وجوب حقتين و بنت لبون، و لذلك فصلّ بعض مشايخنا المعاصرين بين ما لو بقي بعد العدّ بأحدهما مصداق تامّ للآخر (4)، و بعبارة أخرى: يكون (5)بحيث يمكن (6)تطبيق مجموع العدد على أحد النصابين كالمائة و الأربعين أو الثلاثة (7)، فيجب في مثلهما (8)رعاية ما هو المنطبق على الكل، و بين ما لا ينطبق تمام العدد على أحدهما (9)كالمائة و الواحد و العشرين، فلا يجب العدّ بالأكثر.

و لو كانت مائة و ثلاثين فنقول: مقتضى الفقرة المذكورة وجوب بنتي لبون في ثمانين منها، و يبقى خمسون و فيها حقّة بمقتضى قوله عليه السلام: «في كلّ خمسين حقّة». و لو عزل مائة منها فجعل فيها حقّتان، و أسقط الثلاثين عفوا لزم طرح قوله عليه السلام: «في كلّ أربعين بنت لبون» من غير تخصيص (10)، إذ لو عمل به


1) الوسائل 6: 73 و 74 الباب 2 من أبواب الزكاة، الحديث 1 و 3 و 6.

2) نفس المصدر.

3) ليس في «ج» و «ع»: هنا.

4) لم نقف عليه بالذات، و لعله يلوح من كلام صاحب الجواهر، انظر الجواهر 15: 81.

5) ليس في «ف» و «ع»: يكون.

6) في «ف» و «ج» و «ع»: يتمكن.

7) كذا في النسخ، و الظاهر: أو الثلاثين.

8) في «ج» و «ع» مثلها.

9) في «ج»: أحدها.

10) في «م»: تخصص.

لم يكن الثلاثون عفوا، بل كان جزء (1)من النصاب، و هو الأربعون.

و يظهر من كلام السيّد في الانتصار (2)أنّ ثبوت الحقة و بنتي لبون هنا (3)مما لا خلاف فيه، و كذا الكلام لو كانت مائة و إحدى و عشرين، فإنّ مقتضى الفقرة المذكورة: وجوب ثلاث بنات لبون فيها، و لا يلزم من ذلك طرح قوله عليه السلام: «في كلّ خمسين حقة» (4)و إنّما انتفى مورده إذ مع ملاحظة العدد ثلاث مصاديق للأربعين لا يبقى محلّ للإفراز (5)، بخلاف العكس.

و الحاصل: أنّ الخمسين و الأربعين نصابان متبادلان لما عرفت من أنّ المراد أنّ كلّ قطعة افرزت من الإبل إذا كانت خمسين فيها حقّة، و إذا كانت أربعين فيها بنت لبون، و بعد إفراز القطعات الثلاث- التي هي مصاديق للأربعين- لا يبقى ما يفرز منه جملة يصدق عليها «الخمسين»، حتّى يكون فيها حقّة.

و المعارضة بأنّ العدد المذكور إذا قطع منها قطعتان «خمسين، خمسين»، فلا يبقى جملة يصدق عليها «الأربعين» ليكون فيها شي‌ء، مدفوعة بأنّا لا نريد إثبات بنت لبون مضافا إلى الحقتين حتّى يحتاج إلى قطعة اخرى تبلغ بنفسها أربعين، و يكون انضمام بعض المائة إلى الجملة الباقية موجبا للتدارك (6)في الأفراد المفروزة، بل نقول: إنّ الجملة الباقية بعد انضمام غيرها إليها تصدق عليها أربعون، ففيها بنت لبون، و الباقي أيضا مصداقان للأربعين، ففيهما (7)بنتا لبون،


1) في «م»: ضربا.

2) الانتصار: 81.

3) لم ترد في «م».

4) الوسائل 6: 73 و 74 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 و 3 و 6.

5) في «ج» و «ع»: محل الإفراز.

6) في «ج» و «ع»: للتداخل.

7) في «ف» و «م»: ففيها.

فمقتضى نصابيّة الأربعين: عدم وجود العفو عنها، فبقاء العفو لا يكون إلّا مع إهمال نصابيّة الأربعين، و سببيّته الثابتة بمقتضى العموم.

و كذا لو كانت مائة و خمسين، فإذا أفرزنا منه قطعات ثلاث، كلّ منها أربعين، يبقى ثلاثون يمكن أن تضمّ إلى عشرين، فتصير خمسين، فيها حقّة، و الباقي من القطعات بعد الضمّ قطعتان كلّ منهما خمسون فيه (1)حقّتان. فالعمل هنا بقوله: «في كل خمسين حقة» لا يلزم منه طرح الفقرة الأخرى، بل لا مورد لها، (2)بخلاف ما لو عمل بقوله: «في كلّ أربعين بنت لبون»، فإنّه يلزم طرح الفقرة الأخرى بالنسبة إلى الثلاثين الباقي (3)و جعله عفوا.

فحصل من جميع ذلك: أنّه لا محيص هنا عن العمل بخمسين كما لا محيص في سابقه عن العمل بأربعين. (4)نعم لو كان العدد قابلا لكليهما فلا ريب في التخيير، كما لو كانت مائتين فإنّه قابل لخمس مصاديق للأربعين، و أربع مصاديق للخمسين ففيها أربع حقق، أو خمس بنات لبون، فالتخيير هنا عقلي نظرا إلى أنّه إذا استقرّ في كلّ خمسين حقّة، و في كلّ أربعين بنت لبون، و هذا يقال له: أربع خمسينيات و خمس أربعينيات، فهو مصداق لكلّ منهما، ففيها أحد الأمرين: من أربع حقق، و خمس بنات لبون.

و لا يتوهّم أنّ اللّازم من كونه مصداقا لكلّ منهما أن تكون فيه أربع حقق و خمس بنات لبون معا، لما عرفت من أنّ المراد من الفقرتين: ثبوت الفريضة في القطعات المفرزة، و لا ريب أنّه لا يمكن هنا إلّا إفراز قطعات أحد النصابين فليس فيها إلّا إحدى الفريضتين.


1) في «ج» و في «م»: ففيها.

2) في «ج» و «ع» و «م»: له.

3) كذا في النسخ، و الظاهر: الباقية.

4) في «ج» و «ع» و «م»: بالأربعين.

و الحاصل: أنّ ثبوت الفريضة و العدد على نحو ثبوت مصاديق النصاب، فإن تعدّدت بحسب الإفراز تعدّدت الفريضة، و إن تعدّدت باعتبار القابلية و اتّحدت بحسب الوجود الفعلي (1)، فالفريضة كذلك واحدة قابل (2)للأمرين، واحد فعلا. فعلم من ذلك أنّ الفقرتين ليستا محمولتين على التخيير الشرعي حتّى يقال: انّ التخيير فيها مطلق غير مقيّد بصورة دون اخرى، و انّما التخيير في مقام التخيير سيجي‌ء (3)من حكم العقل، و إلّا فمعنى (4)كلّ فقرة: أن في هذا النصاب استقرّت هذه الفريضة.

و من هنا تبيّن أنّه لا وجه للاستدلال على التخيير المطلق بقوله عليه السلام- في صحيحتي عبد الرحمن و أبي بصير-: «فإذا كثرت الإبل ففي كلّ خمسين حقّة» (5)لأنّ هذه الرواية غير باقية على ظاهرها قطعا، لأنّ ظاهرها تدلّ على انحصار النصاب الأخير في الخمسين، و الفريضة الأخيرة في الحقّة، و هو خلاف الإجماع، فهو محمول على بيان أحد النصابين، و هو (6)و إن استلزم تأخير (7)البيان


1) في «م»: العقلي.

2) كذا في النسخ.

3) كذا في النسخ، و الظاهر: يجي‌ء.

4) في «ف» و «ج» و «ع»: ففي.

5) الوسائل 6: 72 و 73 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 2 و 4.

6) لم ترد في «ف».

7) من هنا الى آخر المسألة غير موجود في «ف» و انما ورد ذلك في ذيل المسألة 16 الآتية بعد قوله:و من صدق حلوله على الأربعين، و كتب الناسخ في الهامش: «هذا آخر الصفحة اليمنى من المنتسخ الأصلي الذي كان بخطه الشريف»، و كتب في هامش الصفحة اليسرى ما يلي: «تتمه صفحة سابقه در ورق سوم بعد از صفحة يسري، و تصفّحت فما وجدت» و اما في نسخة «م» فقد انقطع الكلام عند قوله «أحد النصابين» ثم ذكر المسألة [14] و كتب في هامش النسخة ما يلي:«و هو و ان استلزم .. تتمه اين مطلب در چهار ورق بعد در صفحه يسرى بايد ملاحظه شود».ثم ذكر التتمة في ذيل المسألة [16].

في موارد عدم إمكان العدّ بخمسين إلّا أنّه عن وقت الخطاب لا الحاجة.

و دعوى أنّه يحمل على إرادة الوجوب التخييري حيث تعذّر العيني؛ للإجماع على عدمه، و حينئذ فيكون حاصله: أنه يكفي في كلّ خمسين حقّة.

فيستدل بإطلاقه على إطلاق التخيير، غلط؛ إذ ليس هنا ما يكون ظاهرا في الوجوب حتى يقبل الكلام صرفه إلى التخيير؛ لأنّ ظاهر الكلام أنّه يستقر في كلّ خمسين حقّة، و هذا الوجوب المستفاد من الاستقرار لا يمكن إرادة التخيير منه حتى يصير معناه: أنّه يكفي في كلّ خمسين حقّة؛ لأنّ الثابت في الخمسين ليس أمرا تخييريا بين الحقة و غيرها، بل الحقّة بنفسها في كلّ خمسين- إجماعا- طريقة.

مع أنّه لا داعي إلى صرف الكلام عن ظاهره، بل يبقى على ظاهره، و هو:

أنّ كلّ خمسين تفرز من الإبل ففيه الحقّة، و كلّ أربعين تفرز منه ففيه بنت لبون.

غاية الأمر أنّ في بعض المقامات لا يجتمع إفراز أحدهما مع إفراز الآخر، و في بعض المقامات يجتمع. فعند الاجتماع يحكم بالتخيير عقلا؛ لتحقّق النصابين على البدل من حيث السببية لتحقّق الفريضة (1)، فيتحقّق الفريضتان أيضا على البدل. و عند عدم الاجتماع يطرح ما يجتمع مع الآخر لعدم تحقّق موضوعه، لا لطرح حكمه.

و ممّا ذكرنا ظهر فساد ما ربّما يتوهّم: من أنّ المشهور حملوا الفقرتين على التخيير، ثم خصّصوه بموضع إمكان (2)أخذ النصابين فأورد عليهم: أنّ هذه الأدلّة واردة في مقام زيادة الواحدة على المائة و العشرين، فكيف يمكن عدم الحكم بالتخيير (3)هنا، بل الحكم هنا بتعيّن الأربعين.

و فيه:- مع ما مرّ- أنّ قوله: «فإذا زادت واحدة ففي كلّ خمسين حقّة ..


1) في «م»: لتعلق الفريضة.

2) في «ف» و «ع» و «ج»: بإمكان.

3) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: بالتخيير.

إلى آخره» (1)عدول إلى بيان نصاب آخر كلّي، و ليس في مقام بيان حكم خصوص قوله: «فإذا زادت واحدة»، و المراد أنّه إذا زادت واحدة فلا يتعلّق النصاب بخصوص عدد المجموع، بل لا بدّ من ملاحظة العدد، خمسين خمسين، أو أربعين أربعين؛ فافهم و تدبّر.

و ممّا ذكرنا تبيّن أنّ وجوب ثلاث بنات لبون في المائة و الواحد و العشرين ليس لأجل مراعاة مصلحة الفقراء؛ لأنّه أغبط لهم- كما (2)ذكره بعض (3)-؛ إذ لا وجه لوجوب هذه المراعاة، بل من جهة اقتضاء سببيّة الأربعين لعدم العفو عن أفراده و اجزائها، و أن العفو عن فرد منه كما في المائة و الأربعين، أو عن جزء فرد منه كما في المثالين (4)مناف لسببيّة كلّ فرد منه.

و ممّا يؤيّد ما ذكرنا: ما اتّفق عليه في نصاب البقر من وجوب العدّ بأقلّ النصابين عفوا- كمذهب المشهور- مع أنّ الرواية الواردة فيه أيضا: «في كلّ ثلاثين (5)تبيع حولي، و في كل أربعين مسنة» (6).

و مما يلزم أيضا على التخيير المطلق: أن يكون في المائتين و الخمسين خمس حقاق معيّنا، و في المائتين و ستين يجوز أربع [حقاق و بنت لبون] (7)، فيكون زيادة العشرة موجبة لنقص الفريضة.

ثم التخيير في مقامه هل هو إلى المالك، أو إلى الساعي؟ الأقوى الأول،


1) الوسائل 6: 75 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 6.

2) في «م»: مما.

3) مسالك الأفهام 1: 40.

4) في «م»: الثلاثين.

5) في «ف» و «ع» و «ج»: خمسين، و الظاهر أنه سهو.

6) الوسائل 6: 77 الباب 4، من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

7) محل ما بين المعقوفتين في «ف» بياض و كتب الناسخ تحته: قد قرض الدود الورقة في هذا المكان، و الظاهر أنّ العبارة هكذا: أربع حقاق و بنت لبون، و جاءت العبارة في باقي النسخ كما في المتن.

بل عن العلّامة في التذكرة (1)و المنتهى (2)نسبته إلى العلماء؛ لأنّ الساعي إنّما يستحقّ بعد تكليف المالك بالإعطاء، فإذا كان تكليفه تخييريا فله أن يدفع إلى الساعي ما شاء؛ إذ ليس للساعي إلّا أن يقول له: ادفع إليّ ما أمرك اللّٰه به، و هو أحدهما (3)على سبيل التخيير، فالساعي إنّما يطالب (4)ما طلب اللّٰه.

هذا مضافا إلى ما يظهر من آداب المصدّق (5)المرويّة عن سيّد الأوصياء عليه السلام من تخيير المالك في غير ما ألزمه اللّٰه تعالى و الرفق معه (6)، فالقول بتخيير الساعي- نظرا إلى ما عن الشافعي (7)من تحقّق سبب الفريضتين (8)فليس للمالك الامتناع عنه، كما عن الخلاف (9)- ضعيف.

ثمّ الواحد الزائد على المائة و العشرين، لا ريب في اعتباره؛ إذ لولاه لم يجب إلّا حقتان بمقتضى النصاب الحادي عشر، فوجوده مؤثر لأمرين:

أحدهما: جواز (10)إعطاء ثلاث بنات لبون، و لم يجز قبله.

الثاني: جعل الزائد على الواحد و التسعين داخلا في النصاب و موردا للفريضة، و قد كان قبل (11)ذلك عفوا.

و هل هو بنفسه جزء من مورد الفريضة كالآحاد المتقدمة عليه، أو خارج


1) التذكرة 1: 207.

2) المنتهى 1: 481.

3) في «ف» و «م» و «ج»: أحدها.

4) في «ف»: يطلب.

5) في «ع»: التصدق.

6) الوسائل 6: 88 الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأوّل.

7) المغني لابن قدامة 2: 585.

8) في هامش: «ج»: ما يطلبه بدل الفريضتين، و في «م»: من تحقق سبب الفرضين ما يطلبه.

9) الخلاف 2: 14- 15.

10) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: جواز.

11) في «ف»: مثل.

شرط في تعلق الفريضة بما قبله؟ وجهان، بل قولان:

من جعله عليه السلام النصاب و مورد الفريضة في هذا العدد و ما بعده الأربعين و الخمسين، فقال: «في كلّ أربعين كذا»، و لا ريب أن هذا الواحد خارج عن أفراد الأربعين، و إلّا لكان بنت لبون في كل أربعين و ثلاث.

و من أنّ الزكاة في مجموع المال، و (1)الواحد الزائد ليس عفوا إجماعا، فهو مورد للفريضة. و أمّا قوله: «في كلّ أربعين كذا» فهو حيث كان مسوقا لبيان ضابطة كلية في جميع ما فوق المائة و العشرين، فالمقصود بيان ما لا بدّ أن يخرج من غير تعلّق غرض ببيان ما هو تمام المورد لهذا المخرج، مع أنّ الأربعين ليس تمام المورد في هذه الصورة، و إلّا فهي تمامه في غيرها.

و الحاصل: أنّه في مقام وجوب إخراج بنت لبون بحسب أفراد الأربعين لا في مقام بيان المورد الحقيقي لبنت اللبون، نظير ما اتّفق للشهيد في اللمعة حيث قال- بعد النصاب الحادي عشر، و هو الواحد و التسعون (2).: ثمّ في كلّ خمسين حقّة، و في كلّ أربعين بنت لبون (3). فإنّ ظاهر هذا الكلام أنّ الحقتين ثابتتان في المائة، فأجزاؤهما موزّعة على آحاد المائة و هي موردهما حقيقة، مع أنّ موردهما الواحد و التسعون من المائة، و التسعة الأخرى عفو.

و كذا الكلام في المائة و العشرين، فهذا الكلام لا يتمّ إلّا بما ذكرنا من أنّ المراد بيان ضابطة الإخراج و تعيين المخرج. فلا يقدح ترك التعرّض للمورد الحقيقي للمخرج، و كأنه قال: عدّ الأربعينات و أخرج بعددها بنات اللبون.

هذا، و لكنّ الإنصاف أنّه إذا كان ظاهر اللفظ المورد الحقيقي، فورود الكلام في مقام بيان حكم آخر لا يمنع من الاستدلال بظاهره، مضافا إلى ما في


1) في «م»: إذ.

2) في «ف» و «ع» و «ج»: و الستون و هو سهو و كذا ما سيجي‌ء.

3) اللمعة الدمشقية: 49.

رواية: «و ليس على النيف شي‌ء، و لا على الكسور شي‌ء» (1)فإنّ الحكم بجزئية الواحد الزائد مستلزم لثبوت الزكاة في النيّف- و هو ما بين العقدين- بل في الكسور؛ حيث انّ بنت لبون تكون حينئذ على الأربعين و ثلاث.

و المراد من النيّف- هنا- هو: ما بين الأربعين و الخمسين، كما يشهد به ذكره بعد النصاب، و ليس المراد مطلق ما بين العقدين حتّى ينتقض بثبوت الفريضة في ستّ و عشرين و أمثاله، مع أنّ التخصيص ليس عزيزا في العمومات.


1) الوسائل 6: 74 باب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 6.

مسألة [12]

مسألة (1)[12]

اعلم أنّ للبقر نصابا كلّيا و هو أحد الأمرين من الثلاثين و الأربعين، إجماعا نصا و فتوى.

و الجاموس من جنس البقر في الزكاة، للاتفاق- كما في المعتبر (2)و عن المنتهى (3)، و لصحيحة زرارة: «عليه مثل ما على البقر» (4).

و في كل ثلاثين تبيع، و تجزي التبيعة أيضا للإجماع المحكي (5)، بل للأولوية حيث انّ التبيعة أنفع- كما قيل- (6).

و في كلّ أربعين مسنّة، و لا يجزي المسنّ لظاهر النصّ (7).


1) جاءت هذه المسألة في «ج» و «ع» بعد المسألة [16] و قبل المسألة [17] و أثبتناها هنا كما وردت في نسختي «م» و «ف».

2) المعتبر 2: 502.

3) المنتهى 1: 488.

4) الوسائل 6: 77 الباب 5 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

5) المنتهى 1: 488.

6) مفتاح الكرامة 3: 63 (كتاب الزكاة).

7) الوسائل 6: 77 الباب 4 من أبواب زكاة الأنعام.

مسألة [13]

النصب الثلاثة الأولى للغنم و هي: الأربعون، و المائة و العشرون، و المائتان و واحدة، مما لا خلاف فيها نصّا و فتوى.

و الخلاف في أنّ الثلاثمائة و واحدة نصاب خاصّ فيها أربع شياه، ثم بعدها نصاب عام و هو المائة، و الواحد حينئذ جزء بلا إشكال، أو أنّ الثلاثمائة داخل في النصاب العام (1)، و هو أنّ في كلّ مائة شاة، ففيها ثلاث بمقتضى النصاب العام لا بالخصوص، و حينئذ ففي دخول الواحدة في النصاب أو كونها شرطا، الخلاف المتقدّم في الإبل؟ قولان مشهوران مرويّان بالسند المعتبر، إلّا أنّ الأوّل أشهر، و روايته أوثق- و إن كان ابن هاشم (2)-، و أصرح- لإمكان التوجيه في الآخر-، و مخالف للعامة، فقد حكي (3)اتّفاق الجمهور على الثاني، و مع ذلك فهو أحوط.

و عليه فلا فرق بين الثلاثمائة و واحدة و بين الأربعمائة في وجوب الأربع في كلّ منهما، و محلّ الأربع هو: مجموع الأربعمائة، فلو تلف منها شي‌ء بعد الحول


1) في «ج»: الواحد.

2) أي: و إن كان في السند إبراهيم بن هاشم.

3) لم نقف على الحاكي.

سقط من الأربع شياه ما (1)يقابله، أمّا لو نقص العدد عن الأربعمائة بواحد أو اثنين فتلف منه شي‌ء بعد الحول لم يسقط ما يقابله؛ لأنّ محلّ الفريضة و هو ثلاثمائة و واحدة موجود.

أمّا الحكم المترتب على كون المحلّ هو الأربعمائة فيتوقّف على مقدّمتين:

إحداهما: كون الفريضة شائعة في النصاب شياع الكسر في العدد التام، لا شياع الفرد المنتشر في أفراد الكلّي، و إلّا (2)فلا وجه لسقوط شي‌ء من (3)الفريضة بتلف شي‌ء من النصاب، و السرّ واضح، و سيأتي (4)الكلام فيه (5)في تعلّق (6)الزكاة بالعين.

و الثانية: كون النصاب المتقدّم بعد الوصول إلى المتأخّر ساقطا عن الاعتبار، و إلّا فبعد تلف شي‌ء من الأربعمائة بحيث يبقى الثلاثمائة و واحدة- الذي هو سبب مستقلّ لوجوب الأربعة- لا وجه لسقوط شي‌ء من الأربعة، ففي الحقيقة الثلاثمائة و واحدة، مورد للأربعة إلى خمسمائة فإذا (7)حال الحول فإن أمكنه الإخراج وجب؛ لصحيحة سعد بن سعد- في الكافي، بعد السؤال عن جواز تأخيرها عن زمان الحلول-: «قال: متى حلّت أخرجها» (8).


1) في «ج» و «ع»: مما.

2) ليس في «ف»: و إلا.

3) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: شي‌ء من.

4) انظر المسألة: [22]

5) ليس في «ف»: فيه في الصفحة 210.

6) في «م»: نفي.

7) من هنا إلى آخر المسألة لم يرد في «ف».

8) الكافي 3: 523 الحديث 4، الوسائل 6: 213 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

و في موثّق يونس بن يعقوب- في الكافي، بعد السؤال عن حبسها عن وقت حلولها-: «قال: إذا حال الحول فأخرجها من مالك لا تخلطها بشي‌ء، ثم أعطها كيف شئت» (1).

و رواية أبي حمزة الثمالي- في الكافي- عن أبي جعفر عليه السلام: «عن الزكاة يجب عليّ في موضع لا يمكنني أن أؤديها؟ قال: اعزلها، فإن اتّجرت بها فأنت لها ضامن و لها الربح، و إن تويت (2)في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة فليس عليك، فإن لم تعزلها فاتّجرت بها في جملة مالك، فلها بقسطها من الربح، و لا وضيعة عليها» (3).

و في رواية أبي بصير- المحكيّة عن السرائر-: «و ليس لك أن تؤخرها بعد حلّها» (4).

و لكن في صحيحة معاوية بن عمّار- المحكيّة عن التهذيب- أنّه: «لا بأس بتأخيرها من رمضان إلى المحرّم» (5)و في رواية حمّاد بن عثمان: «تأخيرها إلى شهرين» (6).

و يمكن حملها على صورة العذر، أو على تأخير دفع المعزول.

و لو لم يخرجه اختيارا ضمن؛ فعن التذكرة: أنّه لو تلف المال بعد الحول و إمكان الأداء، وجبت الزكاة عند علمائنا أجمع (7).


1) الكافي 3: 522 الحديث 3، الوسائل 6: 213 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 2.

2) في «ج» و «ع» و «ف»: نويت، و الصحيح ما أثبتناه و هو المطابق للمصدر. و تويت: أي هلكت.مجمع البحرين 1: 71 «توا».

3) الكافي 4: 60 الحديث 2، الوسائل 6: 214 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 3.

4) السرائر 3: 606، و عنه: الوسائل 6: 214 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

5) التهذيب 4: 44، الحديث 112 و 114، الوسائل 6: 210 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 9 و 11.

6) التهذيب 4: 44، الحديث 112 و 114، الوسائل 6: 210 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 9 و 11.

7) التذكرة 1: 225.

مسألة [14]

لا خلاف بين الخاصة في اعتبار السوم في وجوب الزكاة في الأنعام- و عليه جمهور العامة إلّا مالكا (1)- للأخبار المستفيضة (2)، مثل قوله عليه السلام- في صحيحة زرارة-: «ليس على ما يعلف شي‌ء، إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه» (3)، و صحيحة الفضلاء: «ليس على العوامل من الإبل و البقر شي‌ء، إنّما الصدقة على السائمة الراعية» (4).

و هل يعتبر حول السخال من (5)حين النتاج كما عن الشيخ (6)، و الإسكافي (7)، و جماعة، منهم: المحقّق- في ظاهر عبارته في المعتبر- في فروع


1) المدونة الكبرى 1: 313، بداية المجتهد 1: 244، المحلّي 6: 45.

2) في «م»: و للأخبار مستفيصة.

3) الوسائل 6: 51 الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3، و 80 الباب 7 من أبواب الأنعام، الحديث 3.

4) الوسائل 6: 81 الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 5. و فيه: إنما الصدقات.

5) ليس في «ف»: من.

6) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3: 36 (كتاب الزكاة)، و راجع المبسوط 1: 203 و الخلاف 2: 23.

7) نقله عنه العلّامة في المختلف: 175.

مسألة تعلّق الزكاة بالعين (1)، بل في المختلف (2)و المسالك: أنه المشهور (3)؟، أم من حين الاستغناء بالرعي عن اللبن، كما في المعتبر (4)، و المختلف (5)، و اللمعة (6)، و بعض آخر (7)؟ أم يفرّق بين المرتضع من لبن السائمة، و المرتضع من المعلوفة فيلحق كلّا حكمه باللبن كما عليه في البيان (8)؟ أقوال.

الأقوى: الأوّل؛ للعمومات مثل قوله: «في كلّ أربعين شاة شاة» (9)، و قوله عليه السلام: «يعدّ صغيرها و كبيرها» (10)و قوله: «لا يؤخذ من صغار الإبل شيئا حتّى يحول عليه الحول» (11).

و دعوى تخصيص هذه الأخبار بما ورد من اختصاص الزكاة بالسائمة، مع تسليم كون النسبة بين أدلّة خصوص الصغار عموما مطلقا، مدفوعة بأنّ الظاهر من أدلّة اعتبار السوم هو اختصاصه بما شأنه أن يعلف و يسوم، فقوله:

«إنّما الصدقة على السائمة الراعية» (12)حصر إضافي بالنسبة إلى المعلوفة التي من شأنها أن تسوم، أو في مقابلة ما أخذ للعمل كالفرس للركوب و الإبل للحمل،


1) المعتبر 2: 522.

2) المختلف: 175.

3) المسالك 1: 41.

4) المعتبر 2: 510.

5) المختلف 1: 175.

6) اللمعة الدمشقية: 50.

7) حاشية الشرائع (مخطوط): 45 و راجع مفتاح الكرامة 3: 36 (كتاب الزكاة).

8) البيان: 172.

9) الوسائل: 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

10) الوسائل 6: 85 الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3.

11) الوسائل 6: 83 الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 2، و فيه: لا يأخذ.

12) الوسائل 6: 80 الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 2.

و الصغار في أوّل النتاج ليس من شأنها السوم و لا الأعلاف و لا العمل، كما يفهم ذلك من أخبار اعتبار السوم بعد التأمّل، و قد يعطي لما ذكرنا المحقق القمي في الغنائم، إلّا أنه جعل التبادر موجبا لإجمال (1)المطلق بالنسبة إلى غير المتبادر، قال قدّس سره: فلا يمكن التمسك فيه بالعمومات، فيرجع إلى أصالة البراءة (2)و فيه نظر من وجوه كما لا يخفى.

هذا كلّه مضافا إلى حسنة زرارة بابن هاشم، بل في المسالك (3)صحيحة:

«ليس في صغار الإبل شي‌ء حتّى يحول عليها الحول من يوم تنتج» (4)، و نحوها رواية معتبرة أخرى لزرارة (5).

و ممّا ذكرنا في معنى أدلّة اعتبار السوم يظهر أنّ السوم معتبر (6)في السخال عند الاستغناء عن اللبن؛ لأنها حينئذ من شأنها السوم و العلف، و ليس عموم أدلّة السوم مخصّصة بما ورد في السخال من اعتبار حولها من يوم تنتج حتّى لا يعتبر في السخال هذا الشرط، بل السوم معتبر في كلّ ما من شأنه الاتّصاف به و بمقابله.

ثمّ إنّهم اختلفوا فيما يتحقّق به السوم و ما ينقطع به، فعن الشيخ: إنّه يتحقّق بمجرّد كون السّوم أغلب عليه من العلف (7)، و ظاهر المحقّق اعتبار استمراره طول الحول (8)، نعم لا يقدح مثل اللحظة، و عن العلّامة في التّذكرة (9)


1) في «ج»: للإجمال.

2) راجع غنائم الأيام: 319.

3) المسالك 1: 41.

4) الوسائل 6: 83 الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

5) الوسائل 6: 83 الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 4.

6) في «ج» و «م»: يعتبر.

7) المبسوط 1: 198، الخلاف 2: 53، كتاب الزكاة، المسألة 62.

8) الشرائع 1: 144.

9) التذكرة 1: 205، و فيه: و الأقرب عندي اعتبار الاسم، فإن بقي عليها اسم السوم وجبت و الا سقطت.

و الشهيد و المحقّق الثانيين: إحالة ذلك إلى العرف (1)، و في الحدائق: أنّ الظاهر كونه المشهور بين المتأخرين (2)و هو الأقوى.

و تحقيقه: إنّ الحكم مرتّب (3)على السائمة لا السوم، و بعد ملاحظة اعتبار حلول الحول على الملك (4)الخاصّ الواجد للشروط المقررة للمال الزكوي، يعتبر أن يكون في تمام الحول سائمة، لا بمعنى أن يتلبّس بالسّوم في طول الحول كما يعتبر تلبّسه بالمملوكيّة طول الحول، كيف و هو ينام و يشرب و يسكن و غير ذلك، بل يعتبر أن يكون من المصاديق الحقيقية للسائمة التي هي (5)من المشتقّات التي لا يشترط في صدقها قيام المبدإ بها بالفعل، فإنّ الغنم إذا سامت إلى حدّ يصدق عليها عرفا انّها سائمة فكما يصدق عليها في حال السّوم (6)انّها سائمة، فكذلك حال (7)اشتغالها بالاعتلاف يصدق عليها أنّها سائمة إلّا (8)أن يبلغ الاعتلاف حدّا يصدق أنّها غير سائمة، و الحدّ الموجب لصدق السائمة و المعلوفة موكول إلى العرف.

و الظاهر تحقّق الأوّل بمجرد بناء المالك على أن لا (9)يعلفها ما تحتاج إليه، و يكتفى عن ذلك برعيها في المرعى، و يمضي على ذلك مدّة، فإذا (10)اتّفق بعد ذلك يوم لا يرعاها لمانع من الرعي فاعلفها، فيقال: إنّها سائمة اعلفت في


1) الروضة البهية 2: 22 و المسالك 1: 41 و جامع المقاصد 3: 11.

2) الحدائق 12: 79.

3) في «م»: انما يترتب.

4) في «م»: التملك.

5) ليس في «ج» و «ع»: هي.

6) في «م»: النوم.

7) ليس في «ف»: حال.

8) ليس في «ف»: الا.

9) ليس في «ج» و «ع»: لا، و العبارة في «م» غير واضحة.

10) في «ج» و «ع»: إذا.

هذا اليوم، و لا يسلب [عنها] (1)صدق هذا (2)المشتقّ بمجرّد يوم أو يومين بل أكثر.

و مما يؤيّد ذلك إطلاق الروايات مثل قوله عليه السلام: «أمّا الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه» (3)فإنّ إرسالها في مرجها- أي مرعاها- عام اقتنائها لا ينفكّ غالبا عن (4)أن يتفق مانع في بعض الأيّام عن إرسالها إلى المرعى. فحاصل ما ذكرنا هو اعتبار استمرار (5)صدق السائمة طول الحول، لا استمرار السّوم، و أمّا الملك فحيث انّ عنوانه لا يتحقّق إلّا بالتلبس فلهذا يقدح انقطاعه لحظة.

و قد يتوهم أنّ المعتبر هو أن يصدق عليها أنّها سائمة في الحول، بأن يكون الشرط هو تحقّق السّوم المضاف إلى الحول لا أن يتحقق السوم المطلق، بأن يصدق السائمة في كلّ جزء جزء من الحول.

و فيه: أنّ الحول ليس من قيود السّوم بأن يقيّد السّوم مقيدا بالحول ثمّ يعتبر في المال، و ليس كذلك، بل صدق السائمة عرفا- أو تحقّق السّوم على القول الآخر- معتبر في المال، ثمّ يعتبر حلول الحول على المال المقيّد بهذا القيد. نعم (6)يحتمل لذلك- أي لكون الحول قيدا للسّوم- ما في خبر زرارة: «أمّا الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه» (7).

و حيث عرفت أنّ المعيار أن يصدق عليه تمام الحول أنّها سائمة، يظهر أنّه


1) في النسخ: عنه.

2) في «ف»: في هذا.

3) الوسائل 6: 51 الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3، و فيه: «إنّما الصدقة» كما تقدم في الصفحة 148.

4) في «ج» و «ع»: من.

5) ليس في «ج» و «ع»: استمرار.

6) في «م»: نعم ربما.

7) الوسائل 6: 51 الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3، و فيه: إنّما الصدقة.

لا يقدح في ذلك اعتلافها بنفسها من مال المالك أو غيره مدّة لو أعلفها المالك سلب عنها عنوان السائمة. نعم لو اشترى لها المالك مرعى أو كان له قصيل (1)، أو ما يبقى من أصول السنابل بعد الحصاد فأعلفها إيّاها مدّة يسلب الاسم، و كذلك لو قصل (2)الحشيش المباح فاعلفها إيّاه.

و حكى بعض المعاصرين عن بعض مشايخه: انّه لو اشترى مرعى فأرسلها فيه فهي سائمة، لصدق الرعي لغة و عرفا، بل لا فرق بينه و بين الاستيجار (3)، مع أنّ بعض أخبار اعتبار الحول نصّ في عدم جواز التقديم عليه و عدم تعلّق الوجوب أصلا قبل الحول، مثل قوله عليه السلام- في حسنة عمر بن يزيد بابن هاشم-: «الرجل يكون عنده المال أ يزكّيه إذا مضى نصف السنة؟

قال: لا حتّى يحول عليه الحول و يحلّ عليه، إنّه ليس لأحد أن يصلّي صلاة إلّا لوقتها، و كذلك الزكاة، و لا يصوم أحد شهر رمضان إلّا في شهره إلّا قضاء، و كذلك كلّ فريضة إنّما تؤدّى إذا حلّت» (4).

فإنّها صريحة في نفي الوجوب (5)قبل حولان الحول، فلا يجمع بينه و بين الحسنة المتقدمة (6)بما ذكر، بل يتعيّن بما سيأتي من التصرّف في حولان الحول.


1) القصيل: هو ما اقتطع من الزرع أخضر. القاموس المحيط 4: 37 «قصل».

2) في «ج» و «ع» و «م»: قصل له.

3) انظر الجواهر 15: 96.

4) الوسائل 6: 212 الباب 51 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2. مع بعض الاختلافات.

5) في «م»: الوجوب رأسا.

6) تقدمت في الصفحة 150.

مسألة [15]

لا إشكال في اعتبار الحول في وجوب زكاة النقدين و الأنعام و مال التجارة، و لا خلاف (1)في تحقّق الوجوب بمضيّ أحد عشر شهرا و استهلال الثاني عشر، بل في المعتبر (2)و عن المنتهى (3): نسبته إلى علمائنا، و في المسالك (4)و عن التذكرة (5)و الإيضاح (6): الإجماع عليه. و يدلّ عليه حسنة زرارة بابن هاشم- بعد المنع عن هبة المال-: «إذا دخل (7)الشهر الثاني عشر فقد حال (8)الحول و وجبت الزكاة» (9).


1) في «م»: و لا خلاف أيضا.

2) المعتبر 2: 507.

3) المنتهى 1: 487.

4) المسالك 1: 41.

5) التذكرة 1: 205.

6) إيضاح الفوائد 1: 172.

7) في «ف»: حلّ.

8) في «ف»: حل الحول.

9) الوسائل 6: 111 الباب 12 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 2. و فيه: «فقد حال عليه الحول و وجبت عليه فيها الزكاة».

إنّما الاشكال و الخلاف في أنّه هل يستقر الوجوب بدخول الثاني عشر، أو يبقى متزلزلا إلى أن يكمل الثاني عشر؟ فإن بقي المال على الشرائط كشف عن استقرار الوجوب بالأوّل، و إن اختلّت (1)كلّها أو بعضها كشف عن عدم الوجوب أوّلا؟

ظاهر الحسنة (2)و الفتاوى: الأوّل، و مال الشهيدان (3)و الكركي (4)و الميسي و غيرهم- على ما حكي عن بعضهم (5)- إلى (6)الثاني، و لعلّه للجمع بين ما ظاهره اعتبار كمال الحول و تمام السنة و العام في المال مستجمعا لجميع الشرائط، و الحسنة المعتضدة بالفتاوي، بحمل الأول على اعتبار ذلك في الاستقرار و حمل الثانية على مجرّد تعلّق الوجوب و لو متزلزلا.

و يمكن أن يستشهد لهذا الجمع بموثّقة إسحاق بن عمّار: «عن السخلة متى تجب فيها الصدقة؟ قال إذا جذع» (7)، و الجذع و إن اختلف في معناه بالنسبة إلى الضأن، فقيل: إنّه ما مضى [عليه] (8)ستّة أشهر (9)، و قيل: سبعة (10)، و قيل: ثمانية (11)، و قيل: عشرة (12)، إلّا أنّ المحكي عن حياة الحيوان: انّ الصحيح عند أصحابنا و أكثر أهل اللغة: انّه ما مضى عليه سنة (13)فيكون الجذع في الضأن مثله في المعز،


1) في «ف» و «ع» و «ج»: أخلت.

2) المتقدمة آنفا.

3) البيان: 171، و الروضة البهية 2: 23.

4) جامع المقاصد 3: 10.

5) نقله عن الميسي و غيره، السيد العاملي في مفتاح الكرامة 3: 32.

6) ليس في «ف» و «م»: الى.

7) الوسائل 6: 83 باب 9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3 و فيه: إذا أجذع.

8) الزيادة اقتضاها السياق.

9) مفاتيح الشرائع 1: 353.

10) الجواهر 15: 131.

11) مفتاح الكرامة 3: 73 (كتاب الزكاة) نقله عن المغرب.

12) النهاية 1: 250، و مجمع البحرين 4: 310 «جذع».

13) حياة الحيوان 1: 232 ذيل مادة «جذع».

و حينئذ فيدلّ الخبر على أنّه لا يتعلّق الزكاة بالسخال منجزا إلّا بكمال السنة الاولى.

أمّا كلمات الأصحاب فظهورها في الوجوب المستقرّ ممّا لا ينكر، و لذا استدلّ في المعتبر بعد دعوى الاتفاق، على أخبار (1)اعتبار الحول (2)و من المسلّم عند الخصم اعتبار ذلك في الاستقرار، و لذا اعترف في المسالك بأنّ مقتضى الإجماع و الرواية هو الأوّل (3)، و الظاهر أنّه أراد الإجماع المنقول، و إلّا فكيف يعدل عن المحصّل، و أمّا الرواية فقد ذكر أنّ في سندها كلاما، و ليس الكلام إلّا في ابن هاشم و هو مشهور بالاعتماد على روايته، بل عدّه هو رحمه اللّٰه في مسألة مبدأ نصاب السخال من الصحيح، كما هو مذهب جماعة من متأخّري (4)المتأخّرين (5)، و على الضعف، فلا يقصر عن الضعف المنجبر بالإجماع المنقول، إلّا أن يتأمّل في دلالة الإجماع المنقول من جهة احتمال إرادتهم مطلق الوجوب، الأعمّ من المتزلزل، و هو بعيد.

بل الإنصاف أنّ التصرّف فيما دلّ على اعتبار حولان الحول أقرب من التصرّف في الحسنة المتقدّمة (6)و في الفتاوى، و هل يتصرّف في ذلك (7)بإثبات الحقيقة الشرعية للفظ الحول كما يظهر من بعضهم (8)، أو بإرادة الأحد عشر منه


1) كذا في النسخ، و الصحيح ظاهرا: بأخبار.

2) المعتبر 2: 507.

3) المسالك 1: 41.

4) ليس في «م»: متأخري.

5) منهم صاحب الحدائق (12: 73) و صاحب الرياض (1: 266) و صاحب الجواهر 15: 186 و 187).

6) في الصفحة 154.

7) في «م»: التملك.

8) المسالك 1: 41، و مفتاح الكرامة 3: 32.

مجازا بقرينة الرواية المعتضدة، أو يتصرّف في الحولان بأن يراد منه الدخول في الشهر الأخير منه؟ الأقرب الثالث.

و على الأوّلين فلا بد من عدّ الثاني عشر من الحول الثاني، كما عن فخر الدين في الإيضاح (1)، إمّا بحمل (2)الحول على أحد عشر شهرا، للحقيقة (3)الشرعية، أو المجاز كما ذكر، (4)أو للتصرف في الحولان نظرا إلى أنّ ظاهر قوله- في الحسنة السابقة- (5): [ «فقد حال الحول»] (6)انقضاء الحولان، لأنّ كلمة «حال» فعل ماض ظاهر في الانقضاء، و «الفاء» ظاهرة في التعقيب، فبمجرّد دخول الثاني عشر يحصل انقضاء حولان الحول.

لكنّ الإنصاف أنّ الحسنة غير ظاهرة في انقضاء الحول، و إن سلّم ظهورها في انقضاء الحولان؛ لأنّ الحولان يصدق (7)بمجرّد دخول جزء الشهر الأخير، و لا تنافي بين تحقّق الحولان شرعا، و عدم انقضاء الحول.

و يضعّف دعوى الحقيقة الشرعيّة في الحول أنّ مورد الأخبار ليس مختصّا بلفظ الحول حتّى يرتكب فيه دعوى الحقيقة، بل فيها لفظ السنة و العام (8)، و ارتكاب الحقيقة فيهما أو التجوّز للمسامحة فيهما بعيد جدّا. مع أنّ دعوى الحقيقة أو المسامحة (9)فيهما في جميع أبواب الفقه ممّا لا يرضاه أحد، و إن كان في خصوص


1) إيضاح الفوائد 1: 172.

2) في «ع» و «ج»: بحول الحول، و في «م»: لحمل الحول.

3) في «م»: بالحقيقة.

4) في «م»: كما ذكروا.

5) المتقدمة في الصفحة 154.

6) ما بين المعقوفتين ليس في «م».

7) في «م»: يحصل.

8) محل الكلمة بياض في «ف» و «م»، و في هامش «ف»: الحول- ظاهرا.

9) ليس في «م»: أو المسامحة.

الزكاة فكما ترى.

و أمّا إرادة الأحد عشر مجازا من لفظ الحول و السنة، فأمّا المجاز المرسل فغير ثابت، و أمّا المجاز لعلاقة المشابهة أو المجاز في ادّعاء تنزيل المعدوم منزلة الموجود، فهو و إن كان أحسن من دعوى الحقيقة إلّا أنّ إرادة خصوص الأحد عشر من لفظ الحول أو السنة (1)أو العام مجاز مهجور، إلّا أن الانصاف أنّ التصرّف في الحولان أيضا بعيد في الغاية؛ لأنّ حولان الحول كالنصّ في مضيّه و انقضائه؛ لأنّ الظاهر أنّ معنى «حولان الحول»: دورانه (2)باعتبار المشهور.

نعم لو أمكن أن يراد منها مجرّد إهلال الأهلّة الاثني عشر- و لو كان كتاسع و عشرين من ذي القعدة إلى اليوم الأوّل من شوّال- كان ذلك قريبا من الإطلاقات العرفيّة، لكنّه خلاف الإجماع ظاهرا (3).

هذا مع أنّ في بعض الأخبار اعتبار بقاء المال سنة عند المالك (4)، و لا يمكن التصرّف هنا في غير لفظ السنة.

و كذا في بعض: إذا كان المال (5)موضوعا عنده حولا (6).

و في بعضها: «إنّ في الخيل في كلّ سنة دينارا، أو دينارين» (7)و قوله:- في


1) في «ف»: و السنة.

2) في «م»: و دورانه.

3) ليس في «ف»: ظاهرا.

4) الوسائل 6: 61 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، و 6: 82 الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام.

5) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: المال.

6) الوسائل 6: 67 الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول.

7) الوسائل 6: 51 الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث الأول، و الحديث منقول بالمعنى، و عبارة «دينار أو دينارين» غير واضحة في النسخ.

زكاة النقدين-: «يلزم زكاة المال في كلّ سنة» (1)، و في بعض الأخبار اعتبار مضيّ الحول (2)، و في آخر مرور (3)السنة (4)، إلى غير ذلك ممّا يأبى هذا التصرّف.

نعم يمكن أن يقال: إنّ المراد من مضيّ الحول عرفا ما يعمّ الدخول في الشهر الثاني عشر، فيطلقون بمجرّد ذلك أنّه مضى سنة و حال الحول، كما يقال:

«مضى أسبوع» بمجرّد دخول اليوم السابع، و «مضى شهر» بمجرّد دخول اليوم الأخير (5).

و الحاصل: أنّ العرف كثيرا ما يطلقون (6)مثل هذا الإطلاق، فيحكمون بتحقق الأسبوع بمجرّد الدخول في السابع، و الشهر (7)بمجرّد الدخول في اليوم الآخر و إن لم يمض، و بتحقّق السنة و الحول و العام بمجرّد الدخول في الشهر الأخير، و يحكمون بمضيّ عشرة أيّام في اليوم العاشر .. و هكذا.

و ممّا يدلّ على صدق إتيان السنة و مرور السنة و حلول الحول بمجرّد دخول (8)الشهر الثاني عشر، مصحّحة (9)أبي بصير، عن الصادق عليه السلام: «عن رجل يكون نصف ماله عينا و نصفه دينا، فتحلّ عليه الزكاة؟ قال: يزكّي العين و يدع الدين. قلت: فإنّه اقتضاه بعد ستّة أشهر؟ قال: يزكّيه حين اقتضاه. قلت:


1) الوسائل 6: 113 الباب 13 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث الأول.

2) الوسائل 6: 67 الباب 5 و 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

3) في «ف»: مورد.

4) الوسائل 6: 63 الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7، و 209 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

5) في «ف» و «ع» و «ج»: يوم الآخر.

6) في «م»: يطلقون أسماء.

7) في «م»: و يتحقق الشهر.

8) في «ف» و «ج» و «ع»: حلول.

9) في «م»: صحيحة.

«فإن حال عليه الحول و حلّ الشهر الذي كان يزكّي فيه، و قد أتى لنصف ماله سنة و لنصفه الآخر (1)ستّة أشهر؟ قال: يزكّي الذي مرّت عليه السنة و يدع الآخر حتّى يمرّ عليه سنة .. الحديث» (2).

فإنّ السائل أطلق إتيان السنة بمجرّد حلول الشهر الذي كان يزكّي فيه، مع أنّه يمكن أن يكون قد يزكّى المال في آخر ذي القعدة، فبمجرّد هلال ذي القعدة أطلق إتيان السنة، و حكم الإمام عليه السلام بوجوب تزكيته؛ لأنّه مرّ عليه سنة، و لم يمرّ عليه إلّا أحد عشر شهرا و يوم أو أقلّ أو أكثر.

و ليس المراد تعليق وجوب الزكاة بحلول الشهر الذي كان يزكّي فيه، حتّى يقال: إنّه ليس الوجوب في الجملة موقوفا عليه إجماعا، و الاستقرار لا يتحقّق بمجرّده- أيضا- إجماعا، بل المراد: أنّ المكلّف إذا أدّى زكاته في أول حلول الشهر الذي كان يزكّي في السنة السابقة في آخره أو وسطه فلم يقدّم الزكاة على السنة، و إنما زكّى بعد مرورها كما يفهم من الرواية.

نعم لا يطلقون ذلك قبل الدخول في الجزء الآخر لا في الأسبوع و لا في اخوته، و هذه الإطلاقات و إن كانت مبنية على المسامحة في الحكم بالتحقيق و المضي و الحولان و المرور (3)، و المسامحة غير معهودة في المقادير المتعلّقة للأحكام الشرعيّة، إلّا أنّ الدليل هنا لمّا قام (4)على كون مجرّد الدخول في الثاني عشر موجبا لتعلّق الزكاة كشف ذلك عن كون الإطلاقات الكثيرة في الأخبار أريد بها ذلك، فهي مسامحة في التعبير، و ليست المسامحة في الاعتبار، بأن يعلّق الشارع


1) ليس في «ف» و «م» و «ع»: الأخر.

2) الكافي 3: 523 باب أوقات الزكاة، الحديث 6، و الوسائل 6: 65 الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 9، و 6: 209 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

3) ليس في «ف»: و المرور.

4) ليس في «ف»: هنا لما قام.

حكما على موضوع قابل عرفا للمسامحة فيه بالزيادة و النقصان، كالشهر في المسافر المتردّد [و] عشرة أيّام في المقيم، و ثمانية فراسخ للمقصّر، و ثلاثة أيّام و عشرة للحائض، إلى غير ذلك.

إلّا أنّ الإنصاف أنّه يلزم على ذلك تأخير البيان في جميع الأخبار سيّما في بعضها، مثل ما روي فيمن كان عنده مال إلى نحو سنة، أو قريبا من رأس الحول: «فأنفقه هل عليه صدقة؟ قال: لا» (1)، و نحو ذلك إلّا أنّه لا محيص عن ارتكاب ذلك؛ لتحقّق الإجماع (2)على ثبوت الوجوب في الجملة بدخول الثاني عشر إلّا ما يحكى عن الكاشاني في الوافي (3)من احتمال كون الحسنة المتقدّمة مختصّة بحكم موردها، و هو عدم جواز إتلاف المال بعد الوقت لا تعلّق الزكاة، و هو خلاف ظاهر الرواية و جميع الفتاوى ظاهر كما نبّه عليه في الحدائق (4).

ثمّ إنّك تعرف مما ذكرنا أنّ القول بالوجوب المستقرّ بمجرّد الدخول في الثاني عشر لا ينافي عدّ الثاني عشر من الحول، بل هو اللازم على طريقة التجوّز التي ذكرناها من التصرّف في الكلام بالحمل على المسامحة العرفية في مضي الحول و حولانه و مرور السنة و نحوها، إذ الظاهر بل المقطوع أنّ الشهر الأخير من الحول الأوّل، و إنّما يصدق مضيّ الحول بالدخول فيه مسامحة، لا أنّه ينقطع الحول الأوّل بالدخول في الشهر الأخير، فكما أنّه يصدق في اليوم الأوّل من الشهر الأخير أنّه قد مضى الحول أو مرّت السنة، فكذلك يصدق في اليوم الثاني و الثالث و الرابع و الخامس (5)، و هكذا إلى آخر الشهر، و لا يقال في اليوم الثاني:


1) الوسائل 6: 115 الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 2 و 3. نقلا بالمعنى.

2) في «م»: الإجماع القطعي.

3) الوافي 10: 135، و حكاه في الحدائق 12: 75.

4) الحدائق 12: 75.

5) ليس في «ف» و «ع»: الخامس.

[أنّه قد زاد على الحول يوم، و لا في آخر الشهر] (1)أنّه قد زاد على الحول شهر، كما أنه لا يلزم من صدق مضي عشرة أيّام مسامحة بمجرّد دخول العاشر أن يصدق في آخر ذلك اليوم أنّه عشرة أيّام و نصف مثلا، فما دلّ على وجوب زكاة المال في سنة، مثل قوله عليه السلام- في صحيحة ابن يقطين، بعد السؤال عن المال إذا لم يعمل به، و لم يقلب-: «قال: نلزمه زكاته في كل سنة» (2)و غير ذلك باق (3)على معناه الحقيقي، و أنّ بالدخول في الثاني عشر تجب زكاة السنة التي هي عبارة عن الكاملة، فقد أعطى زكاة اثني عشر شهرا في أوّل الثاني عشر.

نعم لو بنينا (4)على التصرّف في لفظ الحول بالحقيقة الشرعيّة أو المجاز، فالظاهر أنّه لا بد من جعل الثاني عشر من الحول الثاني إمّا مطلقا أو باستثناء جزء منه بناء على أنّ الجزء الأوّل شطر للحول الأول لا شرط.

و ممّا يدلّ على ما ذكرنا من أنّ الشهر الثاني عشر معدود من الحول الأوّل، ما تقدّم في مصحّحة أبي بصير (5)من أمر الإمام عليه السلام بزكاة السنة اللاحقة في الشهر الذي كان يزكّي فيه في السابقة (6)، و قوله في صحيحة ابن يقطين: «عن المال الذي لا يعمل به (7)و لا يقلب؟ قال: يلزمه الزكاة في كلّ سنة» (8)و قوله عليه السلام- في الصحيحة المرويّة في (9)العلل-: «أنّه يأخذ الفقير- و عنده قوت


1) ما بين المعقوفتين لم ترد في «ع».

2) الوسائل 6: 113 الباب 13 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث الأوّل، و فيه: تلزمه الزكاة في كل سنة.

3) ليس في «ج» و «ع»: باق.

4) في «ف» و «ج» و «ع»: بني.

5) تقدمت الإشارة إليه في الصفحة 159.

6) الوسائل 6: 209 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

7) في «ف»: أنه يعمل به. و ما أثبتناه من «ج» و المصدر.

8) الوسائل 6: 113 الباب 13 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث الأول.

9) في «م»: عن.

شهر- ما يكفيه لسنة؛ لأنها إنما هي من سنة إلى سنة» (1).

اعلم أنّ معنى اعتبار الحول في الأنعام و النقدين هو اعتبار بقائها (2)إلى حولان الحول مستجمعة للشرائط، فمقتضاه سقوطه بتلف بعض النصاب في أثناء الحول أو إتلافه أو معاوضته بغيره مجانسا أو مغايرا، سواء كان الإتلاف و المعاوضة بقصد الفرار من الزكاة أم لغرض آخر. كلّ ذلك لعموم الأخبار، مثل قوله عليه السلام: «لا زكاة على مال حتّى يحول عليه» (3).

و عموم ما دلّ على جواز إنفاقه إذا مرّ عليه نحو من سنة أو قريب من حول (4).

و جواز هبة المال قبل حلول (5)الحول لشهر أو يوم.

و أنّه ليس عليه شي‌ء- كما في الحسنة المتقدّمة (6)في حولان الحول.

و في آخر (7)- أيضا-: التصريح بجواز أن يحدث في المال شيئا فرارا من الزكاة (8)(9).

و مثله في التصريح بعدم الزكاة- و لو أحدث فيها (10)فرارا- أخبار


1) علل الشرائع 2: 371 الباب 97، الحديث الأول. و الوسائل 6: 160 الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7. و فيه: لسنته من الزكاة.

2) في «م»: بقائهما.

3) الوسائل 6: 116 الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 6، و فيه: لا تجب الزكاة على المال حتى يحول عليه الحول.

4) الوسائل 6: 115 الباب 15 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 2.

5) في «ج» و «ع»: حول.

6) تقدمت في الصفحة 154.

7) في «م»: آخرها.

8) الوسائل 6: 108 الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة.

9) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: من الزكاة.

10) في «م»: فيهما.

مستفيضة (1)في خصوص النقدين، و يتمّ بعدم القول بالفصل، مع أنّ الحسنة مطلقة، و عموم قوله عليه السلام: «في التسعة الأصناف إذا حولتها في السنة فليس عليك فيها شي‌ء» (2).

و صحيحة عليّ بن يقطين: انّه يجتمع عندي الشي‌ء فيبقى نحوا من سنة أ نزكّيه؟ قال: لا، كل ما لم يحل عندك عليه الحول فليس عليك فيه زكاة، و كلّ ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه زكاة. قلت: و ما الركاز؟ قال: الصامت المنقوش.

ثم قال: إذا أردت ذلك فاسبكه فإنّه ليس في سبائك الذهب و الفضة شي‌ء من الزكاة» (3).

فقد علّمه الإمام عليه السلام طريق الفرار من الزكاة.

نعم في غير واحد من الأخبار: ثبوت الزكاة إذا جعل بعض الدراهم دنانير فرارا (4)كموثّقة إسحاق بن عمّار (5)، أو جعل المال حليّا كصحيحة معاوية بن عمّار المحكية عن مستطرفات السرائر، عن كتاب معاوية بن عمّار (6)و نحوها حسنة ابن مسلم بابن هاشم (7)، و تحمل على من فرّ بها بعد حلول الحول، كما فسّر به الصادق عليه السلام كلام الباقر عليه السلام في الحسنة المتقدّمة و في حسنة حريز ففيها: «قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: إنّ أباك عليه السلام قال: من فرّ بها من الزكاة فعليه أن يؤدّيها، فقال: صدق أبي إنّ عليه أن يؤدّي ما وجب عليه، و ما لم


1) الوسائل 6: 108 الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة.

2) الوسائل 6: 103 الباب 6 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 2.

3) الوسائل 6: 105 الباب 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضة الحديث 2، مع اختلاف يسير.

4) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: فرارا.

5) الوسائل 6: 102 الباب 5 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 3.

6) السرائر 3: 551، و الوسائل 6: 110 الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 6.

7) الوسائل 6: 111 الباب 12 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 2.

يجب عليه فلا شي‌ء عليه» .. إلى أن قال- بعد تنظير ما نحن فيه بمن أغمي عليه ثمّ مات حيث إنّه لا قضاء عليه، و بمن مرض في رمضان ثمّ مات فيه- قال:

«و كذلك الرجل لا يؤدّي عن ماله إلّا ما حلّ عليه الحول» (1).

و هذا الحمل في تلك الأخبار و إن كان بعيدا في نفسه إلّا أنّه يصير قريبا بملاحظة هاتين الحسنتين بابن هاشم، لكن هذا الحمل ينافي (2)رواية ابن عمّار حيث انّ فيها: «إن كان فر به من الزكاة فعليه الزكاة (3)، و إن كان إنما فعله ليتجمّل به فليس عليه زكاة» (4)فإنّ مورد التقسيم لا بد أن يكون قبل الحول، و إلّا لم يسقط (5)عنه في القسم الثاني و يمكن حمل تلك الأخبار على التقيّة من مالك و أحمد كما عن المنتهى (6)، و إن كان القول بعدم الوجوب محكيّا عن جميع المخالفين كما عن الانتصار (7)، أو عن الشافعي و أبي حنيفة (8)- المشهور (9)الاتقاء عنه في ذلك الزمان- و يمكن أيضا الحمل على الاستحباب، و هو الأوفق بقاعدة الجمع و الاحتياط.

و لا ينافي ذلك إرادة المكلّف الفرار من الزكاة؛ لأنّ المعنى: أنّه يستحب له- بعد الفرار- الندم على ذلك و إخراج الزكاة لكنّه كما ترى مخالف لسياق تلك


1) الوسائل 6: 109 الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 5.

2) في «ف» و «م»: لا ينافي.

3) ليس في «ج»: فعليه الزكاة.

4) الوسائل 6: 110 الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 6. مع اختلاف يسير.

5) في «ف»: لمّا يسقط، و في «م»: لا تسقط.

6) المنتهى 1: 495 و فيه: قال الشيخ في الجمل و السيد المرتضى في جمل العلم و العمل: تجب فيه الزكاة، و به قال مالك و احمد.

7) الانتصار: 83.

8) حكاه عنهما في المنتهى 1: 495.

9) أي كان المشهور الاتقاء عنه.

الروايات، فإنّ (1)سياقها في أنّه هل ينفع الفرار في إسقاط الوجوب أم لا، مع أنّ قوله عليه السلام- في غير واحد من أدلّة السقوط-: «إنّ ما منع نفسه من فضله أكثر ممّا منع من حقّ اللّٰه الذي يكون فيه» (2)مشير إلى صيرورته بالفرار محروما عن فضيلة الزكاة، إلّا أنّ باب الاستحباب أوسع من أن يسدّ بهذه الوجوه.

ثمّ الظاهر- كما في الرياض (3)- أنّ الخلاف إنّما هو في تبديل النصاب بقصد الفرار، و أمّا إتلافه كلّا أو بعضا فالظاهر عدم الخلاف في السقوط به، بل لو اقتصر المخالف على مورد الأخبار الدالّة على أنّه لا يجدي الفرار، لزمه القول باختصاص ذلك بالنقدين إذا تبدّل أحدهما بالآخر كما في رواية إسحاق بن عمّار (4)أو صيغا حليّا كما في غيرها (5).


1) في «ج» و «ع»: فإن كان.

2) انظر الوسائل 6: 108 الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة الحديث الأول.

3) الرياض 1: 267 و 271.

4) الوسائل 6: 102 الباب 5 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 3.

5) راجع الوسائل 6: 108 الباب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة.

مسألة [16]

لا خلاف ظاهرا- كما عن صريح جماعة- في أنّ للسخال حولا بانفرادها (1)بمعنى أنّه لا يكفي في تعلّق الزكاة حولان الحول على أمّهاتها، خلافا للمحكي عن أكثر الجمهور (2)بشرط تولّدها منها و بلوغ الأمّهات نصابا و الاشتراك مع الأمّهات في جزء من الحول بأن لا يتولّد بعد حولان الحول على الأمّهات، و إجماع الإمامية و أخبارهم- المتقدّم بعضها- على خلاف ذلك كلّه.

ثمّ إن كانت السخال نصابا مستقلّا بعد نصاب الأمّهات، كما لو ولدت خمس من الإبل خمسا، فلا إشكال في ابتداء حولها، و أنّه من حين النتاج أو السوم- على الخلاف المتقدّم- (3)، فيتغاير حولاهما دائما.

و إن كانت ناقصة عن نصاب فمقتضى القاعدة أنّه مال متجدّد ضمّ إلى الأمّهات، فلو ضمّ إلى الأربعين- في أثناء حولها- أربعون، فبعد (4)الحول الأوّل


1) الخلاف 2: 22- 23 كتاب الزكاة، المسألة 18، و الشرائع 1: 145 و مفتاح الكرامة 3: 37 (كتاب الزكاة).

2) حكاه العلّامة في المنتهى 1: 491.

3) راجع الصفحة 148.

4) في «ف»: فقبل.

للأمّهات لا يجب إلّا واحد لها، و لا يجب بعد حلول الحول على السخال شي‌ء فيها؛ إذ لا يفرّق بين مجتمع، و عموم قوله: «في أربعين شاة شاة» (1)إنّما هو في النصاب الابتدائي، لأنّ الأربعين ليس نصابا كليّا في الغنم، و إنّما هو نصاب شخصي.

نعم قال المحقّق في المعتبر: لو ملك أربعين شاة ثمّ ملك أخرى في أثناء الحول، فعند تمام حول الاولى يجب شاة، فإذا تمّ حول الثانية ففي وجوب (2)الزكاة فيها وجهان:

أحدهما: الوجوب لقوله عليه السلام: «في أربعين شاة شاة» (3).

و الثاني لا يجب؛ لأنّ الثمانين ملك لواحد، فلا يجب فيها أكثر من واحد (4)(انتهى).

و عن المنتهى (5)أنّه حكى الوجوب قولا.

و لو كان عدد السخال متمّما لنصاب آخر للأمّهات، كما لو ولدت إحدى و ثلاثون من البقر عشرا (6)فصارت بعد إخراج الفريضة أربعين، وجب عند كمال حول الثلاثين واحد، و لا يهدم حولها ضمّ الزيادة؛ لعدم الدليل على تخصيص ما دلّ على وجوب الزكاة في الثلاثين بحلول الحول عليه، فحينئذ يصير الكلّ (7)أربعين؛ فيبتدأ لها حول من هذا الزمان، و يحتمل (8)من زمان وجود الزيادة فإذا


1) الوسائل 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام الحديث الأول.

2) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: وجوب.

3) الوسائل 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

4) المعتبر 2: 509- 510، مع اختلاف يسير.

5) المنتهى 1: 490.

6) في «ف» و «ع» و «ج»: لو ولدت أحد و ثلاثون عشرا.

7) في «ج»: الحول.

8) في «ف» و «ع» و «ج»: و يحمل.

مضى حول من زمان الزيادة، وجبت فريضة الأربعين.

و الأقوى: الأوّل؛ لأنّ الثلاثين لا يزكّى مرّتين في سنة واحدة.

نعم ربما يوهمه ظاهر قوله عليه السلام: «و كلّ شي‌ء ورثته أو وهب لك فاستقبل به» (1)إذ الظاهر أنّ المراد استئناف الحول له من زمانه.

ثمّ جملة الكلام في هذا المقام أنّه: إمّا أن يكون الضميمة الحاصلة في أثناء حول الأمّهات نصابا مستقلّا منفردا، أو في ضمن الغير، كأن ولدت خمس من الإبل خمسا، فإنّ الخمسة الثانية أيضا نصاب بعد النصاب الأوّل، و لا إشكال في حكمه.

و إمّا أن لا يكون كذلك، و حينئذ: فإمّا أن لا يكون نصابا و لا مكمّلا لنصاب، كأن ولدت خمس من الإبل أربعا، و حكمه واضح.

و إمّا أن يكون يبلغ النصاب إذا كان منفردا لا في ضمن غيره، و لا يبلغ المجموع نصابا ثانيا، كأن ولدت الزائد على أربعين شاة زائدا على أربعين بعد ستّة أشهر، فالظاهر أنّه لا يستقلّ نصاب للفرع، فيجب حينئذ عند مرور السنة على الأصل شاة واحدة، و لا يجب بعد ستّة أشهر من السنة (2)واحدة للفرع، فيكون الواجب عليه شاة في كلّ ستّة أشهر التي هي رأس السنة لأحدهما (3).

و أمّا قوله عليه السلام: «في كلّ أربعين شاة [شاة]» فعمومه بالنسبة إلى الأفراد المتعدّدة باعتبار تعدّد الملّاك لا تعدّد الأملاك لمالك حتّى يكون ظاهره وجوب شاتين في ثمانين، و ثلاثة في مائة و عشرين، و خمسة في مائتين، و هكذا ..

و دعوى ذلك مع التزام خروج ما خرج بالإجماع كما ترى، مع أنّ قوله


1) الوسائل 6: 116 الباب 16 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث الأول.

2) ليس في «ج» و «ع»: من السنة.

3) في «ج»: لأحدها.

• بعد ذلك-: «ثمّ ليس فيها شي‌ء حتى يبلغ مائة و عشرين، فإذا بلغت ذلك ففيه أيضا واحدة، فإذا زادت واحدة ففيه شاتان .. إلى آخر الرواية» (1)كالصّريح في أنّ الأربعين نصاب شخصي لا يجتمع اثنان منها في مال واحد، كما يجتمع في النصب الكليّة كنصاب البقر و بعض نصاب الغنم و الإبل.

و إن بلغ المجموع نصابا ثانيا، كما لو ولدت الزائد على الأربعين ما ألحقها بالنصاب الثاني، كما لو ولدت مائة مائة، فالظاهر أنّه ينتظر حول الأصل، فإذا حصل ينضمّ إليه الباقي و يستقلّ (2)لهما حول.

و الفرق بين هذا و سابقه: أن الفرع- في السابق- لا يتعلّق به زكاة إلّا إذا صار جزء من النصاب الأوّل، بأن ينقص عدد الأصل فيجب بالفرع، بخلاف هذه الصورة، فإنّ الفرع يضمّ إلى (3)الأصل بعد إكمال سنة الأصل، و يتعلّق بالمجموع الزكاة.

و إن كان الزائد نصابا في ضمن غيره لا منفردا، كما إذا ولدت من مائة و خمسين خمسون، فإنّ الخمسين نصاب في ضمن ما زاد على الثلاثمائة و واحدة لا مستقلا، و الظاهر أنّه لا إشكال في أنّه لا يستقلّ حول لها، بل إذا حال حول الأصل يخرج زكاته (4)ثمّ يضمّ إليه الفرع، و يستقلّ بمجموعها الحول، و لا يزكّى الفرع و هو الخمسون بعد حلول الحول المختصّ بها، و هو ما إذا مضى ستّة أشهر من الحول الثاني للأصل؛ لأنّ الظاهر من قوله: «في كلّ خمسين حقة، و في كل أربعين بنت لبون» (5)هو الخمسون أو الأربعون إذا حال عليه الحول في ضمن


1) الوسائل 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام الحديث الأول مع اختلاف يسير.

2) في «م»: و يستقبل.

3) في «ج» و «ع»: مع.

4) في «م» زكاتها.

5) الوسائل 6: 72 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

ما زاد على (1)النصاب الحادي عشر، لا مستقلّا كما يظهر من قوله: «إذا كثرت الإبل ففي كلّ خمسين حقّة» (2).

ثمّ انّه لو زاد على الستّ و العشرين من الإبل خمس، فهو من هذا القسم، لا القسم السابق (3)لأنّ الخمس نصاب، إمّا منفردا و إمّا في ضمن ما دون الخمسة و العشرين، و ليس نصابا مستقلّا في هذا الفرض، بل هو عفو هنا (4).

هذا كلّه إذا كان الزائد نصابا، إمّا مطلقا كخمس من الإبل، أو بشرط الانفراد كأربعين شاة، أو بشرط الانضمام كخمسين من الإبل.

و أمّا إذا لم يكن نصابا (5)و لكن كان مكمّلا لنصاب، بحيث يخرج الأصل بانضمامها إلى نصاب آخر- كما لو ولدت ثلاثون من البقر أحد عشر بعد ستّة أشهر من حولها- و حينئذ فلا إشكال في وجوب تبيع إذا حال حول الثلاثين.

و إنّما الإشكال في مبدأ حول الأربعين هل هو من حين الزيادة، فيجب المسنّة في المثال (6)المفروض بعد مضي ستّة أشهر من حول الثلاثين لحلول حول الأربعين، أو يصدق عليها أنّها أربعون حال عليها الحول؟ أو هو من حين كمال حول الثلاثين؛ لأنّ الثلاثين في حولها متعلّقة لزكاة ذلك الحول، فالتبيع المخرج منها متعلّق بها و مشاع فيها، فلا يتعلّق بها الزكاة إلّا بعد حلول حول عليها، فلو تعلّق بها شي‌ء بعد ستّة أشهر لزم تعلّق الزكاة بها في سنة مرّتين، يردّه قوله عليه السلام- في رواية زكاة القرض على المقترض- أنّه: «لا يزكّى المال من وجهين في عام


1) في «ج» و «ع»: إلى.

2) الوسائل 6: 72 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 2.

3) في «م»: الأول.

4) في «ف»: عنها.

5) في «م»: نصابا أصلا.

6) في «م»: المال.

واحد» (1).

و صدق أنّه حال الحول على الأربعين مسلّم، لكن حلول الحول ليس سببا لوجوب الزكاة إلّا في ذلك الحول، و المفروض أنّ في ذلك الحول تعلّق الزكاة بالثلاثين و لو في النصف الأوّل من ذلك الحول، فيلزم أن يكون نصف أوّل هذا الحول مؤثّرا في تعلّق زكاتين بالثلاثين: زكاة في نفس الثلاثين، و زكاة في ضمن الأربعين.

و من الغريب ذهاب بعض مشايخنا المعاصرين إلى هذا الاحتمال، قال:

و لا أدري (2)له مبطلا، و لا إجماع على خلافه و إن لم يصرّح أحد باختياره (3).

و أبطل ما اخترناه بعموم ما دلّ على وجوب الزكاة بحلول الحول على النصاب، و بما تقدّم من مصحّحة أبي بصير المتقدّمة في مسألة الحول الواردة في السؤال عمّن حال عليه الحول و قد أتى لنصف ماله سنة و لنصفه الآخر ستّة أشهر، قال: «يزكّي الذي مرّت عليه سنة و يدع الآخر حتّى تمرّ عليه سنة» (4).

أقول: أمّا العمومات فقد عرفت أنّها إنّما (5)تدلّ على وجوب الزكاة بحلول الحول على المال الذي لم يجر في حول آخر، و المفروض أنّ النصاب الأوّل قد جرى في النصف الأوّل من حول الضميمة، فلا يجري في حول الضميمة مرّة أخرى، فيكون ستّة أشهر له محسوبا من حولين.

و أمّا رواية أبي بصير، فإن أبقيت على ظاهرها من إرادة النصف، فخارج


1) الوسائل 6: 67 الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول.

2) في «ف» و «ع» و «ج»: لا أرى.

3) مستند الشيعة 2: 17.

4) الوسائل 6: 209 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4. و تقدمت بتمامها في الصفحة 159.

5) ليس في «ج» و «ع»: انما.

عمّا نحن فيه؛ لأنّ موردها في النقدين، و المفروض أنّ (1)الذي مرّت عليه السنة لا يزكّى حتّى يكون بقدر النصاب الأوّل لأحد النقدين، فيكون نصفه الآخر الذي مضى عليه ستّة أشهر كذلك أيضا فتكون المسألة مما إذا انضمّ إلى النصاب نصاب مستقلّ آخر كضمّ خمس من الإبل إلى خمس، و لا إشكال في حكمه.

و إن حمل النصف فيها على مطلق البعض فلا يمكن (2)في النقدين، إذ لو فرضنا النصف الآخر أقلّ من النصاب الثاني للنقدين لم يجب فيه شي‌ء قطعا و إن كان بقدره أو أكثر أو أقلّ من النصاب الأول فهو خارج عن هذه المسألة، و هو ما إذا كان الزائد مكمّلا للأصل و ملحقا له بالنصاب الثاني، بل داخل في المسألة السابقة عليه، و هو ما إذا كان الزائد نصابا في ضمن الغير لا منفردا.

و كيف كان فلا ريب في ضعف هذا الاحتمال، و ضعف ما ذكره العلّامة (3)من أنّه يعطى عند تمام حول الأصول فريضتها، و عند تمام حول الفروع من زمن الزيادة ما يخصّ الفروع من فريضة النصاب الحاصل بعد ضمّها فيعطي من ولدت له ثلاثون (4)بقرة- بعد نصف حولها- اثنا عشرة بقرة في رأس حول الأمّهات تبيعا، و في رأس حول الفروع ربع مسنّة؛ لأنّه يخصّ العشر لو وزّعت المسنة على الأربعين.

و لا يخفى أنّ هذا مجرّد اعتبار؛ لأنّ أدلّة حولان الحول على الأربعين لو شمل هذا فلا محيص عن وجوب المسنّة، و إلّا فلا دليل على وجوب الربع.

و الجمع بهذا الوجه بين ما دلّ على وجوب التبيع في رأس حول الثلاثين، و وجوب المسنّة في رأس حول الأربعين، بعد تعارضهما بضميمة ما ثبت من عدم


1) ليس في «ف»: ان.

2) في «ف» و «ع» و «ج»: فلا يكون.

3) القواعد 1: 52.

4) في «ف» و «ع» و «ج»: ثمانون، و الظاهر أنه سهو، و يؤيده ما في المصدر.

تعدّد الزكاة في عام واحد لمال واحد، حسن لو استفيد من أدلّة الفريضة في النصاب كون حولان الحول على كلّ جزء من النصاب سببا لوجوب حقّة من النصاب، و لو لم يكن مثلها في مثله، و هو بعيد عن مدلول اللفظ و إن كان قريبا إلى الاعتبار، بل الظاهر توقّف الوجوب في كلّ جزء على مصاحبة الوجوب في غيره توقّف معيّة، لا توقّف دور- كما في الإيضاح- (1).

ثمّ لو قلنا بربع المسنّة عند كمال حول الفروع، فهل يجب بعد ستّة أشهر حيث يتمّ حول الأمّهات ثلاث أرباع مسنّة، أو يجب تبيع ثمّ ربع مسنّة عند كمال الحول الثاني للفروع، فيكون دائما عند إكمال حول الأصول تبيع، و عند إكمال حول الفروع ربع مسنّة، وجهان: من صدق حلول الحول على الثلاثين، و من صدق حلوله على الأربعين. و الأوّل أقوى.


1) إيضاح الفوائد 1: 174.

مسألة [17]

يشترط في الأنعام أن لا تكون عوامل؛ للإجماع الظاهر، بل (1)المصرّح به في محكيّ التذكرة (2)و الرياض (3)و المدارك (4). و عن الذخيرة و غيرها نفي الخلاف (5)لصحيحة الفضلاء- في التهذيب-: «ليس على العوامل من الإبل و البقر شي‌ء إنّما الصدقات على السائمة الراعية» (6).

و نحوها الحسنة بابن هاشم (7).

و في مرسلة ابن أبي عمير: «كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يأخذ من جمال العمل شي‌ء، و كأنّه لم يجب أن يؤخذ من الذكور شي‌ء؛ لأنّه ظهر يحمل عليها» (8).


1) ليس في «ج» و «ع» و «م»: بل.

2) التذكرة 1: 205.

3) الرياض 1: 267.

4) المدارك 5: 79.

5) الذخيرة: 433. و الجواهر 15: 110.

6) التهذيب 4: 41، الحديث 103 و الوسائل 6: 81 الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 5.

7) الكافي 3: 534، الحديث الأول، و الوسائل 6: 82 الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، ذيل الحديث الأول.

8) الوسائل 6: 80 الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 4، مع اختلاف يسير.

و روايات إسحاق بن عمّار (1)بالوجوب محمولة أو مطروحة.

و المرجع في صدق العوامل: العرف، فكلّما صدق على حيوان أنّها عاملة خرج عن (2)الحول.

و الفرق بين العمل و السوم في كفاية مسمّى الأوّل في المنع و وجوب استغراق الثاني للحول: أنّ الثاني شرط فيجب استمراره طول الحول، و الأوّل مانع فيكفي وجوده في بعضه، مع أنّ العمل مقابل للسوم (3)كما في الصحيحة، فمقتضى اعتبار السوم طول الحول كفاية العمل في بعضه في رفع المشروط (4).

ثمّ الظاهر أنّ الحيوان لا يصدق عليه العامل بمجرّد اتّفاق العمل له في اليوم أو اليومين من السنة بل من الشهر، فإنّ الظاهر من العوامل ما صار شغلها الدائمي أو الغالبي العمل. ثمّ إنّ المحكيّ عن سلّار اعتبار الأنوثة في الأنعام (5)، لظاهر قوله: «في كلّ خمس من الإبل شاة» (6).


1) الوسائل 6: 81 الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 7 و 8، و انظر أيضا ذيل الحديث 8.

2) في «ج» و «ع»: من.

3) في «ف» و «م»: السوم.

4) في «ع» و «ج»: الشروط.

5) المراسم (الجوامع الفقهية): 580، و حكاه عنه العلامة في المختلف: 175.

6) الوسائل 6: 73- 74 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3 و 6.

مسألة [18]

يجوز إخراج القيمة عن العين في زكاة الغلّات و النقدين، اتّفاقا ظاهرا- كما في المعتبر- (1)و عن التذكرة (2)و المفاتيح: التصريح بالإجماع (3)، كما عن (4)ظاهر المبسوط (5)و إيضاح النافع (6)و الرياض (7). نعم في كلام بعض (8)أنّه حكي عن الإسكافي: المنع، مع أنّه حكى عن شرح الروضة (9)التصريح بموافقة الإسكافي للمشهور لمصححة (10)البرقي: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام:


1) المعتبر 2: 516.

2) التذكرة 1: 225.

3) المفاتيح 1: 202.

4) ليس في «ج»: عن.

5) المبسوط 1: 211 و حكاه عنه في الجواهر 15: 126 و مفتاح الكرامة 3: 82 (كتاب الزكاة).

6) حكاه عنه، في الجواهر 15: 126 و مفتاح الكرامة 3: 82 (كتاب الزكاة).

7) الرياض 1: 268- 269.

8) انظر الجواهر 15: 126 و مفتاح الكرامة 3: 82 (كتاب الزكاة).

9) المناهج السوية (مخطوط): 34.

10) في «م»: لصحيحة.

هل يجوز أن اخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة و الشعير و ما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوى، أم لا يجوز إلّا أن يخرج من كلّ شي‌ء ما فيه؟ فكتب عليه السلام: أيّما تيسّر يخرج» (1).

و نحوها صحيحة علي بن جعفر عليه السلام في إخراج أحد النقدين في زكاة الآخر (2).

و عن قرب الإسناد، عن محمّد بن وليد، عن يونس بن يعقوب: «قال:

قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها- شيئا- ثيابا و طعاما، و أرى أنّ ذلك خير لهم؟ قال: فقال: لا بأس» (3).

و مقتضى إطلاق الأخيرة، بل الاولى- حيث أطلق جواز إخراج كلّ ما تيسر في مقام دفع توهّم السائل وجوب أن يخرج عن كلّ شي‌ء ما فيه- هو جواز إخراج القيمة في الأنعام أيضا، كما هو المشهور- ظاهرا- كما في الحدائق (4)، المحكي عن المرتضى (5)و الشيخ (6)و ابن زهرة (7)و الحلّي (8)و القاضي (9)


1) الوسائل 6: 114 الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث الأول، مع اختلاف يسير.

2) الوسائل 6: 114 الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 2.

3) قرب الاسناد: 49 الحديث 159 و الوسائل 6: 114 الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 4، و أورده أيضا في الباب 6 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

4) الحدائق 12: 136.

5) الانتصار: 81.

6) الخلاف 2: 50 كتاب الزكاة، المسألة 59.

7) الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

8) السرائر 1: 446.

9) لم نعثر على ذلك في كتابيه و لا على من نقله عنه، و الظاهر أنّ كلمة «القاضي» تصحيف ل «الفاضلين» كما في المستند ففيه: «و الحق الاجتزاء بها في الأنعام أيضا وفاقا للشيخ و ابن زهرة و السيد و الحلي و الفاضلين و الشهيدين» راجع المستند» 2: 37.

و الشهيدين (1)بل عن صريح الشيخ (2)و ابن زهرة (3)- كظاهر السيّد (4)و الحلّي (5)-: دعوى الإجماع عليه، و بذلك ينجبر ضعف سند رواية قرب الإسناد، بل و دلالته أيضا، كدلالة الصحيحة.

و يؤيّدها ما دلّ (6)على جواز احتساب الدين من الزكاة الشاملة بإطلاقها لزكاة الأنعام.

و يؤيّدها ما يستفاد من الأدلّة من تسهيل الأمر على المالك مثل تجويز إخراج الزكاة من غير العين؛ فإنّ قيمة العين أولى بالجواز من إخراج مثل العين، إذ الأنعام ليست من المثليات، فالقيمة أقرب إليها من المماثل.

و أيضا إذا جاز إخراج القيمة في المثليات ففي القيميات أولى.

و مثل (7)قول الصادق عليه السلام في صحيحة محمّد بن خالد- إنّما (8)يعني (9)السهم المأخوذ من الأنعام في الزكاة- «فإذا قامت على ثمن فإن أرادها صاحبها فهو أحقّ بها» (10)فإنّ هذا الكلام يفهم عرفا أنّه إذا أراد المالك أوّلا إخراج القيمة التي تقوم الفريضة عليه فله ذلك.

و مثل ما تقدّم (11)في جواز إعطاء الأعلى من أسنان الإبل و أخذ التفاوت


1) البيان: 186 و الروضة البهية 2: 28.

2) الخلاف 2: 50 كتاب الزكاة، المسألة 59.

3) الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

4) الانتصار: 81.

5) السرائر 1: 446 و في «ف» و «ج» و «ع» الحلبي بدل: الحلي.

6) الوسائل 6: 206، الباب 46 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

7) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: مثل.

8) في جميع النسخ: إنها، و الصحيح- ظاهرا- ما أثبتناه.

9) في «ف» و «م»: يعين.

10) الوسائل 6: 89 الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3.

11) في هامش «ف» و «ج» ما يلي: لم يتقدم ذلك في تلك الأوراق و لعله قدّس سرّه كتبه في غيرها، أو كتبه فيها و تلفت، فإنها وجدت بعد وفاته متفرقة فجمعت و رتبت بهذا الترتيب.

أو إعطاء الأدنى عن (1)الأعلى مع دفع التفاوت؛ (2)فإنّه و إن كان مختصّا بمورد معيّن إلّا أنّه لا يخلو عن التأييد، حيث انّه من المساهلات مع المالك في عدم التزامه (3)بشراء الفريضة.

و ربما أيّد ذلك (4)خلاف المختار، بتقريب أنّه لو جاز القيمة لم يحتج إلى تكلّف الإخراج من الإبل و الجبر بالشاة أو الدراهم (5)، بل مقتضى التسهيل هو الترخيص في المحاسبة بالقيمة.

و فيه: انّ عدم أمر الساعي بأخذ القيمة لعلّه لكونه معرضا لوقوع التشاحّ بينه و بين المالك في قيمة ما دفعه.

و كيف كان فلا حاجة إلى التأييد بهذه الرواية لما تقدّم من المؤيّدات المجبرة (6)لضعف ما تقدّم سندا، مع أنّ الشيخ نسب الحكم- في الخلاف- إلى إجماع الفرقة و أخبارهم (7). فالأقوى ما عليه المشهور، دون ما عن المفيد (8)و الإسكافي (9): من عدم جواز إخراج القيمة مع التمكّن، و مال إليه في الحدائق (10)، و توقّف فيه في المعتبر (11)لأصالة عدم براءة الذمّة، و عموم مثل قوله: «في كلّ


1) في «ج»: من.

2) الوسائل 6: 86، الباب 13 من أبواب زكاة الأرحام.

3) في «ج» و «ع»: إلزامه.

4) في «ج» و «ع» و «م»: بذلك.

5) في «ج» و «ع»: و الدراهم.

6) في النسخ: المنجبرة و لعله من سهو القلم، و مقصوده: الجابرة.

7) الخلاف 2: 50 كتاب الزكاة، المسألة (59).

8) المقنعة: 253.

9) نقله عنه العلامة في المختلف: 186 و راجع المستند 2: 37.

10) الحدائق 12: 72 و 136.

11) المعتبر 2: 517.

أربعين شاة شاة» (1)و خصوص رواية سعيد بن عمر: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: يشتري الرجل من الزكاة الثياب و السويق و الدقيق و البطيخ و العنب فيقسّمه؟ قال: لا يعطيهم إلّا الدراهم كما أمر اللّٰه» (2).

و لكن الرواية- بعد تسليم سندها- متروكة الظاهر؛ لأنّ الحصر في الدراهم خلاف الإجماع حتّى في زكاة الدراهم، فلا بد إمّا من حمل النهي على المنع عن إعطاء القيمة من غير الدراهم، و إمّا من حمله على الكراهة، بمعنى:

أفضلية إخراج العين، و يحمل الزكاة على زكاة الدراهم أو على أفضلية إخراج القيمة من الدراهم، لا من مثل البطيخ و العنب و نحوهما.

و الأوّل ضعيف؛ لما سنبيّن من جواز إخراج القيمة من كلّ شي‌ء.

و أمّا العمومات: فهي أيضا متروكة الظاهر؛ لجواز إخراج الزكاة من غير العين إجماعا إلّا أن يقال: إنّ ظاهرها استقرار التعلّق بالعين و تعلّق الوجوب بالإخراج من العين، و إنّما أجمع على سقوط الزكاة عن العين إذا ضمن الزكاة بمماثل الفريضة فلا دليل على سقوطها عن العين إذا ضمنها بالقيمة.

و كيف كان فالأصل و العمومات لا تقاوم ما تقدّم.

ثمّ إنّه لا فرق في التجويز و المنع بين دفع القيمة إلى نفس الفقير، أو إلى الوليّ (3)العام للفقراء كالإمام أو وكيله العام، أو الخاص.

و ما يقال من أنّ منع دفع القيمة إلى الوليّ العام، في غاية الضعف؛ لثبوت و لا يتهم على الفقير، فلهم المعاوضة بماله، فإذا أراد قبض القيمة من أيّ جنس لم يكن إشكال في الجواز؛ و دعوى أنّه (4)لا يجوز لهم ذلك واضحة الفساد.


1) الوسائل 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

2) الوسائل 6: 114 الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 3. و فيه: أ يشتري.

3) في «ف» و «ع»: أو وليّ العام.

4) في «م»: انهم.

ففيه: أنّ الكلام في دفع المالك القيمة بأن يقوّم عند نفسه و يدفع القيمة، لا في جواز معاوضته مع الوليّ العام المتوقّفة على رضى الطرفين بعد معرفة قيمة ما في الذمة، و قيمة المدفوع، و الذي يجوز للوليّ العام هو الثاني، و الذي هو محلّ الكلام الأوّل، و لا فرق فيه (1)بين نفس الفقير و وليّه، فلا تفاوت في ضعف هذا القول و قوّته بين الصورتين.

ثمّ إنّ الظاهر المشهور جواز إخراج القيمة من أيّ جنس كان، كما هو صريح معقد إجماع الخلاف (2)بل صريح الغنية (3)أيضا بعد الملاحظة.

و يمكن أن يستدلّ له (4)بعموم قوله في الصحيحة: «أيما تيسر يخرج» (5)بناء على حمل «أي» على العموم المطلق لا العموم بالنسبة إلى الجنس الزكوي و الدراهم. و يؤيّدها رواية قرب الأسناد المتقدّمة (6)المنجبرة بكثير مما مرّ.

فالقول بالاقتصار على الدرهم (7)أو على مطلق النقدين: اقتصارا في مخالفة الأصل على مورد اليقين، و التفاتا إلى رواية سعيد بن عمر المتقدّمة (8)المحتملة لمحامل أخر، لا يخلو عن نظر سيّما بعد إمكان دعوى عدم القول بالفصل؛ فإنّ ظاهر الأصحاب المجوّزين لإخراج القيمة عدم الفرق بين النقدين و غيرهما، كما يظهر من الحدائق (9)الاعتراف و كذا عن الذخيرة (10).


1) في «ج» و «ع»: في ذلك.

2) الخلاف 2: 50 كتاب الزكاة، المسألة 59.

3) الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

4) ليس في «ف»: له.

5) الوسائل 6: 114 الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث الأول.

6) في الصفحة 178.

7) في «ف»: الدرهم.

8) تقدمت في الصفحة السابقة.

9) الحدائق 12: 138.

10) الذخيرة: 447.

و المسألة لا تخلو عن إشكال، فلا ينبغي ترك الاحتياط في أصلها و فرعها.

ثمّ إنّ المراد بالقيمة هي (1)قيمة وقت الإخراج؛ لأنّه وقت الانتقال إليها.

و لو ضمن القيمة قبل الإخراج فتغيّرت القيمة وقت الإخراج، فالظاهر أنّ العبرة بوقت الضمان، وفاقا للمحكيّ عن التذكرة (2)إذ بالضمان تستقرّ القيمة في الذمّة، و لذا يجوز للمالك التصرّف حينئذ في مجموع النصاب، نعم لو لم يف بالضمان و لم يؤدّ ما ضمن رجع الساعي، فسقوطها متزلزل لا يستقرّ إلّا بالأداء (3).

و الحاصل: أنّ التقويم إذا كان جائزا و الضمان صحيحا، فمقتضاه اشتغال الذمّة بالقيمة في وقت التقويم و هو (4)وقت الانتقال.

و يمكن المناقشة في تعيين القيمة بمجرّد التقويم بناء على أنّ الثابت من النصوص جواز إخراج القيمة لا أزيد، مع أنّ القيمة بدل لا أصل، فالتكليف دائما ثابت بالمبدل إلى أن يتحقّق البدل (5)و هو إخراج القيمة، و ليس مجرّد الضمان و التقويم بدلا، و مقتضى الاستصحاب عدم الخروج عن العهدة إلّا بإخراج القيمة وقت الإخراج.

نعم لو ثبت التقويم (6)بالأخبار و كان على وجه لا يعلم منه سياقه في مقام بيان مجرّد (7)جواز إخراج القيمة لا أصل (8)ترتّب الأثر على التقويم، أمكن ما


1) في «ج» و «ع»: «هو».

2) التذكرة 1: 225. و حكاه عنه في الحدائق 12: 139.

3) في «ج»: الإبراء و في «ع»: الإبراء أيضا.

4) في «م»: فهو.

5) في «ف» و «ج»: ثابت بالبدل إلى أن يتحقق المبدل.

6) في «ج»: و «ع»: التقييم.

7) ليس في «م»: مجرّد.

8) في «ج»: لا على أصل.

ذكره العلّامة (1)، و لم يثبت.

و كيف كان، فالقول باعتبار وقت الإخراج مطلقا- كما هو ظاهر البيان (2)- لا يخلو عن قوّة.


1) التذكرة 1: 225.

2) البيان: 186.

مسألة [19]

المشهور أنّ الواجب في الشاة التي تؤخذ في الزكاة في فريضة الإبل و الغنم، و في الشاة التي يجبر بها الناقص من أسنان الإبل المأخوذة في الزكاة، لا بد أن يكون جذعا من الضأن، أو ثنيا من المعز، بل في الغنية (1)- كما عن الخلاف (2)- الإجماع عليه.

و استدلّ عليه في المعتبر (3)- كما عن المنتهى (4)- برواية سويد بن غفلة:

«قال: أتانا مصدّق رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم و قال: «نهينا أن نأخذ الراضع و أمرنا أن نأخذ الجذعة و الثنيّة» (5).

و طعن في الرواية بعض المتأخّرين (6)بكونها غير مرويّة في كتب الأخبار للإماميّة، فلا ينجبر ضعفها بالشهرة.


1) الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

2) الخلاف 2: 24 كتاب الزكاة، المسألة 20.

3) المعتبر 2: 512.

4) المنتهى 1: 482.

5) رواه النووي في المجموع 5: 399، و انظر سنن النسائي 5: 30 و السنن الكبرى للبيهقي 4: 101 و الرواية منقولة بالمعنى.

6) الحدائق 12: 66.

و فيه: أنّ تدوينها في كتب أصحابنا على وجه الاستناد إليه- كما في ما نحن فيه- بمنزلة تدوينها في كتب أخبارهم، غاية الأمر انّهم لم يجدوها في الأصول الضابطة لما انتهى إلى الأئمة من الأخبار، و إن كان مسندا- بالأخرة- إلى النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم بل وجدوها في كتب العامة مرويّة بطرقهم (1)، لكن قد وثّقوا الطريق على وجه يعتمد عليه.

هذا كلّه بعد تسليم العلم بخلوّ كتب الأصول عنه، و إلّا فعدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود.

و بالجملة؛ فالرواية التي يستدلّ بها مثل المحقّق (2)و العلامة (3)و إن كان سندها عاميا أو غير معلوم، أقوى من الرواية التي يذكرها الراوي في أصله المعروف مع عدم العلم بسنده و بعمل الراوي أو غيره عليه، فانجبار الثاني بالشهرة موجب لانجبار الأوّل بطريق أولى.

و قد يستشكل في الدلالة بعدم العلم بنسبة الأمر و النهي إلى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم.

و فيه: أنّ الظاهر أنّ مصدّق رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم لا يقول مثل ذلك إلّا عنه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم؛ و يؤيّده ما عن العوالي: أنّه عليه السلام أمر عامله بأن يأخذ من الضأن الجذع، و من المعز الثني. قال: و وجد ذلك في كتاب علي عليه السلام (4).

ثمّ إنّه يمكن الاستدلال على القول المشهور: بأنّ ظاهر مثل قوله عليه السلام: «في كلّ أربعين شاة شاة» (5)مساواة شاة الفريضة لشياه (6)النصاب،


1) انظر الهامش 5 في الصفحة السابقة.

2) المعتبر 2: 512.

3) المنتهى 1: 482.

4) عوالي اللئالي 2: 230، الحديث 10 و 11.

5) الوسائل 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

6) في «ج» و «ع»: لشاة.

بمعنى أنّه يجب من كلّ أربعين واحد.

لا أقول: إنّه يجب أن تكون الشاة الواجبة في كلّ أربعين مساوية لأقلّ أفراد تلك الأربعين؛ إذ معلوم أنّه قد يدفع شاة من غيرها، و لو كان أدون من الكلّ من حيث السنّ.

بل أقول: إنّ المفهوم من الروايات هو أنّ الزكاة المجعولة في الأربعين لا بدّ أن يكون واحدا منها، و جواز دفع البدل إنّما ثبت من الخارج تسهيلا، و لا بدّ أن لا يكون البدل دونه، و إلّا لكان للمالك حين جاءه مصدّق أمير المؤمنين عليه السلام (1)و قاسمه الأنعام أن يقول له: إنّي أدفع إليك سخالا من غيرها، و معلوم أنّ شياه النصاب لا يكون فيها ما يكون له أقلّ من سنة، بناء على مقالة جماعة من المتأخّرين (2): من أنّ النصاب لا يستقرّ فيه الفريضة إلّا بإكمال الثاني عشر فما له أقلّ من سنة لا يدخل في النصاب، بل و لا في العفو (3)الذي من حكمه أن ينجبر به النصاب، فإنّ العفو ما كان من النصاب في الحول.

و حينئذ فنقول: إنّ مقتضى ما ذكر وجوب أن لا يكون للشاة المأخوذة في الفريضة أقلّ من سنة، لأنّه إن كان من بينها (4)فله السنة و إلا فلا بدّ أن يكون له سنة مراعاة لحقّ البدليّة.

و ما ذكرنا- و إن كان الظاهر منه وجوب ما له سنة في الضأن و المعز- إلّا أنّه قد استفيد من الخارج، بل من بعض الأخبار الواردة في الهدي: أنّ الجذع من الضأن بمنزلة الثني في المعز، أعني ماله سنة كاملة، ففي صحيحة ابن سنان:


1) الوسائل 6: 88 الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

2) كما في الروضة البهية 2: 23 و جامع المقاصد 3: 10 و الدروس 1: 232 و راجع الجواهر 15: 98 و مفتاح الكرامة 3: 32 (كتاب الزكاة).

3) في «ف» و «ع» و «ج»: بل في العفو.

4) في «م»: من غنمها.

«يجزئ من الضأن الجذع، و لا يجزئ من المعز إلّا الثني» (1)و في صحيحة حمّاد بن عثمان: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن أدنى ما يجزئ من الهدي؟ قال:

الجذع من الضأن قلت: فالمعز؟ قال: لا يجوز الجذع من المعز. قلت: و لم؟ قال:

لأنّ الجذع من الضأن يلقح، و الجذع من المعز لا يلقح» (2).

و فيها إشارة إلى ما عن ابن الأعرابي من أنّ الضأن ينزو و يضرب في سبعة أشهر، و المعز لا يفعل ذلك إلّا إذا دخل في السنة الثانية (3)، فالضأن يبلغ مبلغ المعز في الفحولة إذا كان له سبعة أشهر.

و الحاصل: أنّ وجوب ما دخل في الثانية في المعز قد ثبت بما تقدّم من وجوب كون الفريضة واحدة من النصاب أو بدلا (4)منها من حيث المالية.

و أمّا كفاية الجذع من الضأن فلما استفيد من الخارج، و من أخبار الهدي من (5)بدليّته للمعز الداخل في الثانية.

و حينئذ فمخالفة أهل اللغة في معنى الثني، و أنّه مما دخل في الثانية أو الثالثة لا يقدح في المقام؛ لأنّ المستفاد من الأدلة وجوب واحدة من الأربعين المطلق التي قد يكون بعضها أو كلّها مما ليس له (6)أزيد من سنة، و الواحدة الثابتة في الكلّ الصادقة على كلّ واحدة ليس لها أزيد من سنة كما لا يخفى.

و أمّا خلافهم في معنى الجذع، و أنّه ما دخل في الثانية- كما عن المشهور-


1) الوسائل 10: 103 الباب 11 من أبواب الذبح، الحديث 2.

2) الوسائل 10: 103 الباب 11 من أبواب الذبح، الحديث 4، و فيه: أدنى ما يجزي من أسنان الغنم في الهدي ..

3) نقله عنه الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 199 و التذكرة 1: 213 و غيرهما.

4) في «ج» و «ع»: لا بدّ منها.

5) ليس في «ف»: من.

6) ليس في «ج» و «ع»: له.

أو كمل له ستّة أشهر، أو سبعة، أو ثمانية، أو تسعة، أو عشرة، فهو أيضا لا يقدح بعد ما ثبت من الخارج (1)كون الضأن إذا بلغ سبعة أشهر أو ثمانية، بمنزلة المعز البالغ سنة في اللقاح و الضراب.

مع أنّه يمكن أن يستدلّ على عدم كفاية ما دون سبعة أشهر أو ثمانية بوجوب الاقتصار- في كفاية الأقل من سنة- على المتيقن. هذا في زكاة الغنم.

و أمّا في زكاة الإبل؛ فالشاة و إن كانت (2)إلّا أنّ قرينة تقويمها في شاة الجبران بعشرة دراهم يدلّ على إرادة المتعارفة [منها] (3)لا إرادة (4)المسمّى و لو كانت سخلة، بل العدول عن خمس شياه إلى (5)بنت مخاض يؤيّد ذلك، فإنّ خمسة سخال لا يبلغ قيمة شاة، فضلا عن أن يكون قريبا من بنت مخاض.

و بعد القطع (6)بواسطة القرائن على عدم كفاية المسمّى، فإن حصل الظنّ بأنّه الفرد المتعارف الذي وجب في نصاب الغنم و في فريضته فهو، و إلّا (7)فعند الإجمال لا بد من الرجوع الى ما يحصل فيه (8)اليقين بالبراءة، و هو ما اشتهر (9)بين الأصحاب و ادعي عليه الإجماع كما عرفت (10).

و اعلم: أنّ تفسير الجذع من الضأن بما له تسعة أشهر منسوب إلى


1) في «م»: من حكمها الخارج.

2) كذا في النسخ.

3) في جميع النسخ: منه.

4) في «ف»: لإرادة.

5) في «ج» و «ع»: إلّا.

6) في «م»: و قد انقطع.

7) في «م»: و الا فقضية الأصل لا بد ..

8) في «م»: معه.

9) في «م»: و هو الأشهر.

10) ليس في «م» و «ج» و «ع»: كما عرفت و راجع صدر المسألة في الصفحة 185.

المشهور (1)، بل عن بعض أنّه لا يعرف قول غيره (2)، يعني (3)بين الفقهاء، و إلّا فقد مرّ أنّ المحكي في المجمع عن حياة الحيوان: انّ الصحيح عند أصحابنا و المشهور بين أهل اللغة: أنّ الجذع ما كان له سنة تامّة (4). و لذا ذهب بعض متأخّري المتأخّرين (5)إلى وجوب ماله سنة في المعز و الضأن كليهما.

و الحاصل: أنّه بعد ما ثبت بالنبوي المرويّ في المعتبر (6)و المنتهى (7)، و العلويّ المحكي عن عوالي اللئالي (8): وجوب الجذع و الثني (9)فنقول: و إن اختلف أهل اللغة في تفسيرهما إلّا أنّه لا يضرّنا الاختلاف؛ أمّا في الثني فلتردّده في كلام أهل اللغة بين ما دخل في الثالثة و ما دخل في الثانية (10)، و الأشهر- ظاهرا- هو الأوّل. إلّا أنّه لا محيص عن حمل ما يجب في الزكاة على الثاني؛ لاتّفاق العلماء ظاهرا على ذلك، و إطلاق قوله عليه السلام: «في كلّ أربعين شاة شاة» (11)خرج ما دون السنة بالإتّفاق و بقي الباقي.


1) بل المشهور ان الجذع من الضأن هو ما كمل له سبعة أشهر، كما في مفتاح الكرامة 3: 72 (كتاب الزكاة)، و الجواهر 15: 131، و لعل التسعة تصحيف للسبعة، فإنه سيأتي من المصنف قدّس سرّه التصريح بذلك في الصفحة التالية.

2) في الجواهر 15: 131 عن بعض محشي الروضة انه لا يعرف قولا غيره.

3) في «ف»: يعين.

4) مجمع البحرين 4: 310 و انظر حياة الحيوان 1: 232- مادة (جذع).

5) لم نقف عليه.

6) المعتبر 2: 512.

7) المنتهى 1: 482.

8) في «م» زيادة: المنجبر بما عرفت.

9) عوالي اللئالي 2: 230 باب الزكاة، الحديث 10 و 11.

10) راجع النهاية 1: 226، و مجمع البحرين 1: 77- مادة (ثنا).

11) الوسائل 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

و توهّم أنّ الشاة الواجبة قد قيّد بكونها ثنيا، و الفرض إجماله، فيجب الرجوع إلى قاعدة الاشتغال. مدفوع (1)بأنّ الروايتين في أنفسهما لم تكونا حجّة. و الثابت من مجموع (2)الروايتين و عمل الأصحاب هو عدم جواز ما دون السنة، فيقيّد به المطلق، و يعمل بإطلاقه في غيره. و الوارد في كلام الأصحاب و إن كان لفظ الثني- كما في الروايتين- إلّا أنّ مرادهم منه المعنى الثاني؛ فإنّ السيّد ابن زهرة قد ادّعى الإجماع على عدم كفاية ما دون الثني (3)، ثمّ فسّره في الحج بالمعنى الثاني. فظاهره كونه إجماعيا (4). و هكذا المتأخّرون لم يريدوا منه إلّا المعنى الثاني، هذا كلّه مضافا إلى ما سيجي‌ء (5)في صحيحة حمّاد.

و أمّا في الجذع فنقول: إنّ المشهور بين اللغويين و إن كان تفسيره (6)بما دخل في الثانية كما قيل (7)، إلّا (8)أن المشهور بين المتأخّرين- على ما حكي عن (9)غير واحد (10)- هو: ما كمل له سبعة أشهر، بل عن بعض محشّي الروضة:

إنّه لا (11)يعلم قول غيره بين الأصحاب (12). فيكون الكلام فيه كما في الثني من


1) في «ف» و «ج»: مدفوعة.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: عموم.

3) الغنية (الجوامع الفقهية): 506، و فيه: «و المأخوذ من الضأن الجذع و من المعز الثني، و لا يلزم فوق الثني بدليل الإجماع المشار إليه».

4) الغنية (الجوامع الفقهية): 520، و فيه: و المعز الذي قد تمت له سنة و دخل في الثانية.

5) ستجي‌ء في الصفحة التالية.

6) في «ف»: يفسره.

7) حكاه في الجواهر 15: 132 عن أكثر أهل اللغة.

8) ليس في «ج» و «ع»: الا.

9) ليس في «ج» و «ع»: عن.

10) الدروس 1: 235 و التنقيح الرائع 1: 305 و حاشية الشرائع (مخطوط): 45 و الجواهر 15: 131.

11) في «ج»: لم.

12) راجع مفتاح الكرامة 3: 72 (كتاب الزكاة) و الجواهر 15: 131.

وجوب الرجوع إلى المطلقات؛ لأنّ عمل الأصحاب لم يجبر الروايتين إلّا في عدم إجزاء ما دون سبعة أشهر فيعمل بالإطلاق في غيره.

و في الغنية فسّر الجذع بما دون السنة في باب الحجّ، بعد أن ادّعى الإجماع على وجوب الجذع في الزكاة (1).

هذا كلّه مضافا- في الحكمين- إلى الصحيحة المتقدّمة لحمّاد بن عثمان- المرويّة في باب الهدي من التهذيب، في تعليل إجزاء الجذع من الضأن و عدم إجزاء الجذع من المعز- «بأنّ الجذع من الضأن يلقح و من المعز لا يلقح» (2)، و من المعلوم أنّ الضأن يلقح لدون السنة، فعلم من ذلك أنّ الجذع من الضأن ما له (3)دون السنة، بل له سبعة أشهر- كما عن ابن الأعرابي التصريح به (4)- و ظاهر التعليل أنّ علّة إجزاء الجذع من الضأن قابلية اللقاح و علّة عدم إجزاء الجذع من المعز عدم قابليته لذلك، فيدلّ على أنّ المعز القابل للّقاح يجوز في الهدي، فإذا انضمّ إلى ذلك ما في صحيحة ابن سنان- المرويّة في باب الهدي من التهذيب- من أنّه: «يجزئ من الضأن الجذع، و لا يجزئ من المعز إلّا الثني» (5)علم من ذلك أنّ الثني ما دخل في الثانية. فقد ثبت تفسير الجذع و الثني من هاتين الصحيحتين.

ثمّ إنّه يمكن الجمع بينهما و بين ما عن أكثر أهل اللغة- بناء على ثبوته عنهم- من أنّ الجذع ما دخل في السنة الثانية، بأنّ الجذع في هذه الأخبار ما


1) الغنية (الجوامع الفقهية): 506 و 520.

2) التهذيب 5: 206، الحديث 29. و الوسائل 10: 103 الباب 11 من أبواب الذبح، الحديث 4.

3) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: ماله.

4) نقله عنه الشيخ قدّس سرّه في المبسوط 1: 199، و العلامة قدّس سرّه في التذكرة 1: 213 و غيرهما.

5) تهذيب الأحكام 5: 206، الحديث 28، و الوسائل 10: 103 الباب 10 من أبواب الذبح، الحديث 2.

كان في أول زمان (1)الجذوعة، فيكون المراد هو المعنى الوصفيّ الذي يكفي فيه التلبّس بالمبدإ في الجملة- كما قال ابن الأعرابي: إنّ الضأن يجذع لسبعة أشهر أو ثمانية (2)-، و مراد اللغويين هو المعنى الاسمي، و هو ما صار كاملا في ذلك، و يتحقّق في السنة الثانية. و يكون قول الراوي في الحديث النبوي: «نهينا عن أخذ الراضع و أمرنا بأخذ الجذعة» (3)قرينة على إرادة اولى مراتب الجذوعة.


1) في «ف»: زمانه.

2) المبسوط 1: 199، (كتاب الزكاة،) لكن المحكي عن ابن الأعرابي- في لسان العرب 2: 219 مادّة (جذع)- هكذا: «و قال ابن الأعرابي في الجذع من الضأن: ان كان بين الشابّين أجذع لستة أشهر إلى سبعة أشهر، و ان كان بين هرمين أجذع لثمانية أشهر إلى عشرة أشهر ..»، و قريب منه ما في المصباح المنير 1: 94 مادّة (جذع).

3) حكاه النووي في المجموع 5: 399 و رواه النسائي في سننه 5: 30 مختصرا و البيهقي في سننه 4: 101 مثله.

مسألة [20]

اعلم أنّه لا خلاف ظاهرا في أنّه لا يجوز أخذ المريضة في الفريضة مطلقا، و لا الهرمة- و هي البالغة أقصى [الكبر] (1)- و لا ذات العوار. و يدلّ على الأخرى- مضافا إلى ما دلّ على الاولى: من أنّه مقتضى إشاعة الفريضة في النصاب- صحيحة (2)أبي بصير في حديث الإبل: «و لا تؤخذ هرمة و لا ذات عوار إلّا أن يشاء المصدّق، و يعد صغيرها و كبيرها» (3).

و الظاهر أنّ المراد بالاستثناء ما إذا رأى الساعي المصلحة في أخذها. أو ما إذا أراد المصدّق- بالكسر. أخذها. أو المصدّق- بالفتح- دفعها من باب القيمة، لا أنّ جواز أخذها مفوّض إلى مشيئة المصدّق، إذ ليس له أن يأخذ إلّا ما شاء اللّٰه.

ثمّ إنّه لو كان جميع النصاب موصوفا بأحد الثلاثة لم يلزم المالك بشراء السليم، و لو كان ملفّقا من الاثنين أو الثلاثة لا يؤخذ الأخس (4)، و الظاهر أنّه


1) مقدار ما بين المعقوفتين بياض في النسخ، و ما أثبتناه من المدارك 5: 94.

2) في «ج»: لصحيحة.

3) الوسائل 6: 85 الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3.

4) في «ج» و «ع»: الآخر.

لا خلاف في عدّها من النصاب، كما لا خلاف في عدم عدّ الربّى بضم الراء و تشديد الباء، على وزن فعلى- إذا فسّرناه بما يربّى في البيت لأجل لبنه .. (1)لأنّه حينئذ من الدواجن، و ليس فيها شي‌ء لكونها معلوفة. و في رواية زرارة المحكيّة عن التهذيب: نفي ثبوت الزكاة في الدواجن (2). كما لا خلاف في عدها (3)إذا فسّرناها بما هو المشهور في تفسيرها: من أنّها الوالدة مطلقا، أو القريبة العهد من الولادة.

و لا في أنه لا تؤخذ في الفريضة؛ إمّا لكونها نفساء فهي مريضة و لذا لا يقام الحدّ على النفساء، و إما للزوم الإضرار بولدها، و إما للإضرار بالمالك، و إما للتعبّد بقوله عليه السلام- في موثّقة سماعة-: «لا تؤخذ الأكولة- و الأكولة: هي الكبيرة من الشّاة تكون في الغنم- و لا والدة، و لا كبش الفحل» (4).

و الظاهر من الوالدة: القريبة العهد بالولادة، نعم في رواية ابن الحجّاج- المرويّة في الفقيه-: «ليس في الأكيلة و لا في الربّى- التي تربّي اثنين- و لا شاة لبن و لا فحل الغنم صدقة» (5)، إلّا أنّ المقيّد- هنا- لا يعارض المطلق.

ثمّ ظاهر الروايتين إطلاق المنع حتّى لو رضي المالك، فلو دفعها لم تجز، إلّا أنّ ظاهر الرواية الثانية- كما سيجي‌ء (6)- ورودها في مقام الترخيص و التسهيل.

و أمّا الأكولة، و فحل الضراب المحتاج إليه، فظاهر المحكيّ عن الفاضلين


1) محل النقط بياض بمقدار كلمة.

2) تهذيب الأحكام 4: 21 الحديث 3، و 4: 41 الحديث 16، و الوسائل 6: 73 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، ذيل الحديث 3.

3) في «ج» و «ع»: كالأخذ في عدها.

4) الوسائل 6: 84 الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 2.

5) الفقيه 2: 28، باب الأصناف التي تجب عليها الزكاة، الحديث 1608، و الوسائل 6: 84 الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام الحديث الأول.

6) يجي‌ء في الصفحة التالية.

في النافع (1)و الإرشاد (2)و الشهيدين في اللمعتين (3): أنّهما لا يعدّان في النصاب، خلافا للحلبي في الأخير (4). و لعلّه لرواية ابن الحجّاج المتقدّمة (5)الدالّة على نفي الصدقة فيهما.

و فيه إشكال؛ لأنّ الظاهر من الرواية- و لو بقرينة ذكر الربّى- عدم جواز الأخذ تشبيها له بعدم تعلّق الزكاة بها. و هذا أولى من حمل الرواية على ظاهرها، و طرح الرواية بالنسبة إلى حكم الربّى و شاة اللبن. إلّا أن يراد من الربّى: المعلوفة لأجل كونها مربّية للاثنين (6)و يراد من شاة اللبن التفسير الأوّل المتقدّم للربّى.

و كيف كان فرفع اليد عن العمومات مثل قوله: «يعدّ صغيرها و كبيرها» (7)و قوله: «في كلّ خمسين حقّة» (8)و نحوهما، بهذه الرواية- و إن ضعف سندها- (9)مشكل.

ثمّ (10)لو دفع المالك الأكولة و فحل الضراب فظاهر الرواية الاولى و إن كان عدم الجواز، إلّا أنّ ظاهر الثانية بيان العفو كما عن المنتهى: عدم الخلاف


1) المختصر النافع 1: 56.

2) إرشاد الأذهان 1: 281.

3) اللمعة و شرحها (الروضة البهية) 2: 27.

4) الكافي في الفقه: 167.

5) المتقدمة في الصفحة السابقة.

6) في «ف»: لاثنين.

7) الوسائل 6: 85 الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3.

8) الوسائل 6: 72 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام الحديث الأول، و فيه: ففي كلّ خمسين حقة.

9) كذا في «ف» و «ج» و «ع»، و شطب عليه في «م» و كتب عليه: «صحت» و لعل الصحيح: و إن صح سندها.

10) في «ج» و «ع»: نعم.

في جواز إعطائها و إعطاء الربّى لو تطوّع المالك (1). و هو كذلك لأنّ الظاهر من الرواية إرادة التسهيل على المالك، و أنّ هذه الأربعة كأن لم يتعلّق بها الفريضة، فتخرج أوّلا من الأنعام، ثمّ يقسّم الباقي و يؤخذ منه الحق. و لا ينافي ذلك ثبوت هذا التسلّط للمالك بالنسبة إلى أيّ شاة أراد إفرازها قبل القسمة، بل له أن لا يدفع شيئا و يدفع الفريضة من الخارج؛ لأنّ بيان الخاص لا ينافيه بيان العام مع عدم العلم بسبق علم المصدّق بهذه الكلّية، فلعلّه بيّن له أولا عدم التسلّط على هذه بالخصوص للاهتمام بشأنه، ثمّ بيّن عموم نفي التسلّط، أو لم يبيّنه لهذا الشخص أصلا لعلمه بعدم احتياجه.


1) المنتهى 1: 485.

مسألة [21]

الظاهر أنّه لا خلاف بين الإمامية في تعلّق الزكاة بالعين، و صرّح في الإيضاح بإجماع الإمامية على ذلك (1)، و حكي دعوى الوفاق عن غير واحد (2).

نعم حكى في البيان عن ابن حمزة أنّه حكى عن بعض الأصحاب تعلّقها بالذمّة (3)، لكن المستفاد من الشهيد قدّس سره في البيان- في ذكر تفريعات المسألة- أنّ هذا القائل لا ينكر أنّ لها تعلّقا بالعين في الذمة، حيث قال- فيما لو باع المالك النصاب-: إنّ (4)على القول بالذمّة يصحّ البيع قطعا. فإن أدّى المالك لزم، و إلّا فللساعي تتبع العين فيتجدد (5)البطلان و يتخيّر المشتري (6). و لعلّه لهذا لم ينقل هذا الخلاف غير الشهيد- ممن عادته نقل الخلاف.


1) إيضاح الفوائد 1: 207.

2) المنتهى 1: 505، و مجمع الفائدة 4: 124، و راجع الجواهر 15: 138.

3) البيان: 186 هذا و لم نعثر عليه في الوسيلة، و في مفتاح الكرامة بعد نقل المحكي عن البيان هكذا: «و لعلّه في الواسطة إذ ليس لذلك في الوسيلة أثر». انظر مفتاح الكرامة 3: 109 (كتاب الزكاة).

4) في «ج» و «ع»: بأنّ.

5) في «م»: فيتجه.

6) البيان: 187.

و يدلّ على المطلب أيضا: موثّقة (1)أبي المعزى، عن الصادق عليه السلام: «إنّ اللّٰه شرّك بين الفقراء و الأغنياء في أموالهم، فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم» (2)دلّ على الشركة و لازمها هو (3)عدم جواز التصرّف فيها على غير وجه الدفع إلى المستحقّين.

و في حسنة بريد العجلي بابن هاشم- في آداب المتصدق (4)-: «إنّه لا تدخل المال إلّا بإذن صاحبه فإنّ أكثره له» (5)، و نحوها ما عن نهج البلاغة فيما كتب عليه السلام لمصدّقه (6).

و يدلّ عليه أيضا الأمر فيها بتقسم المال مرّات متعدّدة حتّى (7)يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللّٰه تعالى (8).

و يدلّ عليه أيضا (9)رواية ابن أبي حمزة، عن أبيه، عن الباقر عليه السلام:

«عن الزكاة يجب عليّ في موضع لا يمكنني أن أؤدّيها. قال: اعزلها، فإن اتّجرت بها فأنت لها ضامن و لها الربح، فإن تويت في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة فليس عليك، فإن لم تعزلها و اتّجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من


1) في «ف» و «م»: رواية موثقة.

2) الوسائل 6: 150 الباب 4 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4. و فيه: «انّ اللّٰه تبارك و تعالى أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال ..الحديث».

3) في «ف» و «ج» و «ع»: و هو.

4) في «ج» و «ع»: باب التصدق.

5) الوسائل 6: 88 الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول. و عبارته هكذا: «فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلّا بإذنه فإنّ أكثره له».

6) نهج البلاغة: الخطبة (381)، و انظر الوسائل 6: 91 الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام الحديث 7.

7) في «ج» و «ع»: ثمّ.

8) الوسائل 6: 88 الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأوّل.

9) ليس في «ف» و «م»: أيضا.

الربح، و لا وضيعة عليها» (1). بل يدلّ عليه جميع أخبار الإخراج و العزل، فتأمّل.

و يدلّ عليه في الغلّات و النقدين مثل قوله عليه السلام: «فيما سقت السماء العشر» (2)و قوله: «في كلّ مائتين خمسة دراهم، و في كلّ أربعين درهم» (3)، فإنّ المتبادر من ذلك أنّ فيها ربع العشر.

و أمّا قوله عليه السلام- في زكاة الأنعام-: «في كلّ خمس من الإبل شاة» (4)، و قوله: «في كلّ خمسين حقّة» (5)، و «في كلّ ثلاثين تبيع» (6)، و نحوها مما ليس المخرج من النصاب (7)، فإنّه لا بد من صرفها عن ظاهرها- بناء على القول بالذمّة- و حملها على إرادة أنّ فيها جزء مشاعا، نسبته إلى الكلّ كنسبة قيمة الفريضة إلى قيمة المجموع، و لا ريب أنّ هذا معنى لا يفهم بدون القرينة الجليّة بل المتبادر من ذلك وجوب شاة كلّي في ذمّة المكلّف، نعم يحمل على المعنى الذي ذكر بقرينة ما ذكرنا، بل قوله- في زكاة الغنم-: «في كلّ أربعين شاة شاة» (8)أيضا لا يدلّ على ذلك و إن كان في بادئ النظر نظير قوله: «في كلّ أربعين درهما درهم» (9)إلّا أنّ استعمال الفرد من الأفراد المماثلة في الكسر المنسوب إلى المجموع شائع كما يقال: رطل من العشرة أرطال (10)، و يراد العشر، و لا يقال ذلك في غير المثليات.


1) الوسائل 6: 214 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3 و راجع الصفحة 147 و الهامش 3 هناك.

2) راجع الوسائل 6: 124 الباب 4 من أبواب زكاة الغلات.

3) الوسائل 6: 97 الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 7.

4) الوسائل 6: 72 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام.

5) نفس المصدر.

6) الوسائل 6: 77 الباب 4 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

7) في «م»: واحدا من النصاب.

8) الوسائل 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول و غيره.

9) الوسائل 6: 97 الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 8.

10) في «ف» و «م»: الأرطال.

و كيف كان فظاهر قوله: «في كلّ أربعين شاة شاة» (1)ثبوت واحد غير معيّن في المجموع، فيكون الواجب كليّا صادقا على كلّ واحدة لا جزء مشاعا، مع أنّ هذا أيضا غير مراد؛ لجواز دفع شاة أخرى من غير النصاب على وجه الأصالة دون القيمة اتّفاقا على الظاهر، فليست الظرفية باقية على معناها الحقيقي.

اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّ هذا حكم وضعيّ بثبوت واحد في الأربعين على سبيل الظرفية الحقيقية، و لا ينافي ذلك تجويز الشارع ضمان ذلك الواحد بمثله من غير النصاب من باب البدل لا القيمة.

ثمّ إنّ القول بتعلّق الزكاة بالعين تعلّق الشركة و إن كان ظاهر ما تقدّم من الأخبار، بل ظاهر معاقد الإجماعات، بل صرّح في موضع من الإيضاح: بأن اختيار الأصحاب تعلّق الزكاة بالعين تعلّق الشركة (2)، إلّا أنّ الذي يقتضيه ملاحظة أحكام كثيرة للزكاة: ما ينافي الشركة، و هي كثيرة:

منها: ظهور النصّ و الفتوى في جواز إخراج الزكاة من غير العين (3)و دعوى كون ذلك (4)من باب ضمان العين ببدله- مع أنه خلاف المعهود من ضمان القيمي بقيمته دون مثله- تكلّف خارج عن مدلول النصوص و الفتاوى، إلّا أنّ مراده تعهّد إخراج الزكاة من مال آخر، كما هو ظاهر ثبوت الضمان، لا نقله إلى نفسه ببدله بأن يحصل شبه معاوضة، فإنّ ذلك (5)كلّه تكلّف واضح، ففي حسنة


1) الوسائل 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول و غيره.

2) إيضاح الفوائد 1: 177.

3) الوسائل 6: 114 الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، و راجع الجواهر 15: 125 و مفتاح الكرامة 3: 82 (كتاب الزكاة).

4) في «ج» و «ع»: كون المال.

5) في «م»: فان هذا.

عبد الرحمن البصري بابن هاشم: «في رجل لم يزكّ إبله أو شاته عامين فباعها، على من اشتراها أن يزكّيها؟ قال: نعم تؤخذ منه زكاتها، و يتبع بها البائع أو يؤدّي زكاتها البائع» (1).

فإنّ ظاهرها أنّ ما يؤدّيه البائع من غير المبيع هي الزكاة لا بدلها، و هذه و إن استدل بها على الشركة من جهة تتبع الساعي العين [الا أنّ تتبع الساعي] (2)لا يستلزم الشركة كما سيجي‌ء، بل هي دالّة- لما ذكرنا و لما سيجي‌ء- على عدم الشركة.

و يدلّ على كون المخرج من غير العين نفس الزكاة لا بدلها بعد ضمان قيمتها (3): ما دلّ على جواز أداء المقرض زكاة القرض (4). و ما دلّ على تعجيل الزكاة (5)، و ما دلّ على احتساب الدين من الزكاة (6)، و ما دلّ على اشتراط إخراج الزكاة على المشتري و على متقبّل الأرض (7)و غير ذلك (8).

و منها: أنّه لو كانت الشركة حقيقة لم يفد أداء البائع زكاة المبيع في صحة بيع النصاب، مع أنّه ثابت بالصحيحة المتقدمة (9)ضرورة أنّ الفريضة في النصاب


1) الوسائل 6: 86 الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

2) ما بين المعقوفتين ليس في «ف» و «ج» و «ع».

3) في «م»: عينها.

4) الوسائل 6: 67 الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه.

5) الوسائل 6: 208 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة.

6) الوسائل 6: 205 الباب 46 من أبواب المستحقين للزكاة.

7) الوسائل 6: 70 الباب 10 من أبواب من تجب عليه الزكاة و 6: 118 الباب 18 من أبواب زكاة الذهب و الفضة و 129 الباب 7 من أبواب زكاة الغلات.

8) في «ف» و «م»: و ما دل على تعجيل الزكاة و غير ذلك.

9) الظاهر المراد منها الحسنة المتقدمة في هامش 1 أعلاه، و يؤيد ذلك تعبير المؤلف عنها بالصحيحة في الصفحة 204.

إذا كان مال الغير فإن صحّ للمالك بيعها لم يؤخذ من المشتري، و إلّا لم ينفع أداء الزكاة بعد البيع، بل يكون نظير بيع مال الغير ثمّ اشتراؤه منه.

و دعوى أنّ تأدية الزكاة يقوم مقام إجازة المالك، مع أنّه لا يتم إلّا إذا كانت التأدية إلى الإمام أو نائبه- الوليين- لا إلى الفقير الذي ليس له ولاية على المال إلا بعد قبضها. مدفوعة بأنّ مقتضى مفهوم الإجازة رجوع حصته من الثمن إلى المجيز، و المفروض عدمه.

و دعوى أنّ المدفوع (1)من المالك عوض الثمن، كما ترى.

و كيف كان، فلا محيص- على القول بالشركة- عن القول ببطلان البيع في الفريضة، و عدم نفع تأدية الزكاة إلّا أن يجيز الإمام أو وكيله فيأخذ (2)حصّته من الثمن، كما هو مقتضى بيع الفضولي- كما التزم به بعض المعاصرين القائلين بالشركة- (3)و قد عرفت ظهور النص في خلافه (4)من جهة حصر الأمر فيه بين أخذ الزكاة من المشتري، و بين تأدية البائع الزكاة، و ظاهره أيضا تخيير البائع (5).

و منها: أنّ الشركة لو كانت حقيقة (6)لم يتصوّر ذلك في الزكوات المستحبّة- كزكاة ما عدا الغلّات الأربع من المكيلات، و زكاة غلّات اليتيم، و زكاة الدين- و لا ريب في اتّحاد سياق تعلّقها بالعين مع سياق تعلّق الزكاة الواجبة، بل قد (7)اشتمل بعض الروايات على بيان ثبوت الزكاة في الواجب و المستحبّ معا، و لذا تقدّم حمل مثل ذلك على مطلق الرجحان، لا خصوص الوجوب أو الاستحباب.


1) في «ف» و «ج» و «ع»: الوقوع.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: فيؤخذ.

3) الجواهر 15: 142.

4) تقدم في الصفحة 202.

5) في «م»: البائع أيضا.

6) كذا في النسخ، و الظاهر: حقيقية انظر الصفحة 205.

7) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: قد.

و منها: أنه لو كان الشركة حقيقة (1)لكان نماء الفريضة تابعة لها، و كان المالك ضامنا لمنفعتها، استوفاها أو لا، مع أنّ الظاهر من النص و الفتوى عدمه.

أمّا النصّ فلصحيحة عبد الرحمن المتقدّمة- الواردة فيمن لم يزكّ إبله أو غنمه عامين ثمّ باعها (2)- فإنّ اقتصار الإمام عليه السلام، بل السائل على وجوب الزكاة ظاهر في عدم استحقاق الفقراء للنماء- كالولد و الصوف و اجرة الإبل- و إن لم يستوف منافعها، إذ لا يتوقّف الضمان على الاستيفاء، مع أنّ الإبل و الغنم في عامين (3)لا يخلوان عن نتاج كثير.

و دعوى أنّ المقام مقام بيان ضمان الزكاة لا ضمان توابعها، بل هي مستفادة من قاعدة ضمان المال، مدفوعة بأنّ قاعدة ضمان توابع المال ليس مدركها إلّا مجموع الأخبار الواردة في الجزئيات الخاصّة مثل هذا المورد و نحوه، و ليس لها في النصوص باب مستقلّ يعرفه السائل من ذلك الباب.

و من هنا يمكن دعوى ظهور كلام جماعة في عدم ضمان النماء، حيث صرّحوا بأنّه لو مضى على النصاب أحوال لم يلزمه إلّا زكاة حول واحد، فإنّ (4)الاقتصار على أصل الزكاة، و عدم التعرّض لحكم الفرع ظاهر في أنّه ليس عليه إلّا الأصل؛ لأنّ بناءهم على ذكر ضمان توابع المال عند ذكر ضمانه. خصوصا مثل هذا المال المشتبه المالية.

و من هنا قال في الإيضاح- و أورد على الشركة عدم ملك الفقير-: لو نتجت أربعون (5)قبل أداء الزكاة و بعد الحول (6)، و ظاهر كلام المورد انّه (7)


1) راجع الهامش رقم 6 من الصفحة السابقة.

2) الوسائل 6: 86 الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول. و قد تقدم في الصفحة 202 بوصف «الحسنة».

3) في «ج»: العامين.

4) في «ج» و «ع»: فإنّ ظاهرهم، و في «م»: فانّ ظاهر.

5) في «ج» و «م»: الأربعون.

6) إيضاح الفوائد 1: 208.

7) في «ف»: أنها.

اتّفاقي، و الحكم و إن لم يثبت بهذا المقدار إلا أنّه يصحّ مؤيّدا للنصّ، بعد تأييده بخلوّ كلمات الأصحاب عن التعرض لضمان النماء و المنافع عند حلول الأحوال على النصاب مع مساعدة السيرة عليه.

و أمّا ما سبق في رواية [ابن] أبي حمزة من أنّه: «إذا اتّجر بها في جملة المال فلها الربح و ليس عليها الوضيعة» (1)فهو- مع أنّها (2)خلاف القاعدة من جهة لزوم المعاملة بمال الغير من دون الإجازة، و من جهة وقوعها للغير حتّى إذا كانت بما في الذمّة ثمّ دفع مال الغير- معارضة بصحيحة عبد الرحمن المتقدّمة (3)الدالّة على عدم لزوم الثمن و تتبع الساعي المال. إلّا أنّ يقال باختصاص كلّ في مورده، و انّ من عامل بمال الغير فإن اطلع على عينه فله أخذها، و إلّا فله الربح و على العامل الوضيعة كما تقدّم في مال اليتيم، و كما ورد في المال المغصوب من رواية مسمع المذكورة في محلّها (4).

و كيف كان فالظاهر أنّ القول بالشركة الحقيقية مشكل.

و يمكن أن يقال: إنّ معنى تعلّق (5)الزكاة بالعين هو أنّ اللّٰه تعالى أوجب على المكلّف إخراج الجزء المعيّن من المال، فيكون شي‌ء من العين حقّا للفقراء، بمعنى استحقاقهم لأن يدفع إليهم، و عدم جواز التصرّف فيه بوجه آخر، لا بمعنى ملكهم (6)له بمجرّد حلول الحول إلّا أنّ الشارع قد أذن للمالك في إخراج


1) الوسائل 6: 214 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3 و تقدم تمام الرواية في الصفحة 199.

2) في «ف»: أنه.

3) الوسائل 6: 86 الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول. و تقدم تمامه في الصفحة 202.

4) لم نعثر عليها في هذا الكتاب، نعم ذكرها في شرح الإرشاد، ذيل مبحث الاتجار بمال الطفل، و الرواية مذكورة في الوسائل 13: 235 الباب 10 من أبواب أحكام الوديعة الحديث الأول.

5) في «ج»: متعلق.

6) في «م»: تملّكهم.

هذا الحق من غير العين، فحينئذ فإن أخرجه من غيره فله ذلك، و إن لم يخرجه من العين و لا من غيرها فللساعي تتبع (1)العين؛ لأنّ الحق قد ثبت، فالثابت في العين حقّ للفقراء لا ملك لهم، فلو لم يخرجه المالك من المال (2)و لا من غيره أخرجه الساعي من المال لا من غيره، إذ لا تسلّط له على غيره فإنّ حق الفقراء في النصاب.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ هذا الحق على سبيل الإشاعة في مجموع النصاب، بمعنى إشاعة الجزء الكسري في التام، أمّا في الغلات؛ فللتصريح (3)بثبوت العشر و نصف العشر فيها. و أمّا النقدين فكذلك. و أمّا الإبل و البقر؛ فلأنّه لا يجزئ فيهما- بعد القول بالتعلّق بالعين- غير الإشاعة المذكورة. و أما الغنم؛ فلأنّه و إن أمكن فيها كون الحق فردا بدليا من النصاب، بل ربّما يدّعى أنه ظاهر قوله: «في كلّ أربعين شاة شاة» (4)إلّا أنّ الظاهر بعد التأمّل خلافه.

أمّا أوّلا (5)فلأنّ المستفاد من أدلة وجوب الزكاة و مدح المال المزكّى (6)و لعن غيره على وجه الظهور بل القطع، جواز تعلّق الزكاة بالمال تعلّق الجزء بالكلّ، بمعنى أنّ كلّ جزء من المال يتعلّق به الزكاة، فيقال: لكلّ جزء منه بعد إخراج الفريضة أنّه مزكّى لا أنّ (7)الزكاة تتعلّق بالنصاب بمعنى حلوله فيه و كونه بعضا من مجموعه، و يشهد لما ذكرنا ورود كثير من الأخبار بدخول حرف الاستعلاء على المال الظاهر في كونه على وجه البسط و التوزيع و اشتغال المجموع بالحقّ


1) في «ف» و «ج» و «ع»: بيع.

2) ليس في «ف»: من المال.

3) في «ج» و «ع»: فلا تصريح.

4) الوسائل 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

5) في «ج» و «ع»: امّا الأوّل.

6) في «ف» و «ج»: مال المزكّي.

7) في «ف»: لأن.

على سبيل الاستيعاب.

و أمّا ثانيا؛ فلأن المراد بالشاة الموجودة في الأربعين لو كان هو (1)الفرد المنتشر، فإن أريد المنتشر في شياه العالم فهو لا يصحّ إلّا على تقدير الإرجاع إلى الإشاعة التي ذكرنا كما سيجي‌ء، و إن أريد به الفرد المنتشر في النصاب، وجب فيه التقييد، أو يجوز الإخراج عن غير النصاب (2)مع أنّ ظاهرهم جواز إخراج الجذع من الضأن لا على وجه البدل، مع أنّ النصاب لا يؤخذ فيها من (3)ماله (4)دون أحد عشر شهرا. و كذا ظاهرهم عدم جواز إخراج أقلّ من الثني من المعز، مع أنّ النصاب قد لا يبلغ الثنيّ، إلّا أن نلتزم بكون الجذع على وجه البدل، و بعدم وجوب إخراج غير النصاب، بل يجوز الإخراج منه و إن لم يبلغ حدّ الثنيّ.

فالتحقيق أنّ حاصل معنى قوله (5): «في كلّ أربعين شاة شاة» (6)هو: أنّ في كلّ أربعين شاة جزء يعادل شاة من شياه العالم متّصفة بكونها جذعا من الضأن أو ثنيّا من المعز غير مريضة، و لا كذا. إلى آخر ما يعتبر في الفريضة.

و الظاهر أنّ (7)من يقول بالفرد المنتشر لا ينكر ما ذكرناه أوّلا، إلّا أنّه يقول: بأنّ الشارع ضبط ذلك الجزء المشاع بواحد من المجموع، فأوجب إخراج الواحد، فالواحد من الأربعين نفس الفريضة لا أنّه معادل الفريضة.

و يردّه صريحا: ما في الروايات المعتبرة- المتقدّم بعضها- من أمر المصدّق


1) في «م»: هي.

2) في «ج» و «ع»: نصاب.

3) ليس في «ف»: من.

4) في «م»: لا يوجد فيما له.

5) في «م»: قولهم عليهم السلام.

6) الوسائل 6: 78 الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث الأول.

7) ليس في «ج»: أنّ.

بتقسيم (1)المال مرّات (2)متعدّدة حتّى يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللّٰه تعالى (3)، إذ لو كان الفريضة الفرد المنتشر كان مقتضى القاعدة عدم تسلّط الساعي على دعوى القسمة، فكيف أمره الأمير عليه السلام بالتقسيم مع كون معظم كلامه عليه السلام في بيان رعاية جانب المالك و التسهيل عليه و الإرفاق به، كما يظهر لمن لاحظ ذلك.

و إذا عرفت أنّ القائل بالواحد الكلّي أيضا (4)لا ينكر ثبوت الحق في كلّ جزء، إلّا أنّ الشارع أوجب ما هو ضابط لذلك الجزء، ظهر أنّه لو تلف بعض النصاب بغير تفريط قبل التمكّن من الأداء سقط من الفريضة بحسابه- عند هذا القائل- أيضا؛ لأنّه إنّما يقول بوجوب دفع تمام الفريضة لحقّ المجموع، فلا بدّ من تقسيطها على المجموع.

و لو تلف البعض بالتفريط لم يسقط من الفريضة شي‌ء بل يكون الفريضة في الباقي؛ لبقاء القدرة على أداء الواجب ما بقي مصداق واحد (5)للفرد المنتشر، و لا ينتقل إلى قيمة التالف، و لا إلى البدل (6)الخارجي، نعم للمالك إعطاء القيمة أو البدل من البعض التالف (7)، بل من البعض الباقي أيضا، لكن ثمرة كون الفريضة في الباقي تظهر فيما لو باع الباقي، فإنّ للساعي (8)تتبع العين.

و الظاهر ثبوت تلك (9)على المختار من الإشاعة؛ لأنّ تفريطه لا يوجب


1) في «ج»: و بتقسيم.

2) في «م»: مراتب.

3) الوسائل 6: 88 الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام الحديث الأول، و قد تقدمت الإشارة إليها الصفحة 199.

4) ليس في «ف»: أيضا.

5) في «م»: «مضافا» بدل «مصداق واحد».

6) في «ف»: بدل.

7) في «م»: من البعض و أخذ التالف.

8) في «ج»: الساعي.

9) في «م»: ذلك.

الرجوع إلى البدل ما دام يمكنه إخراج الحصة الواجبة مما في يده، و توزيع الحصة على التالف و الباقي إنّما يختصّ في (1)غير الكسر المخيّر فيه، أمّا إذا وجب إخراج مقدار كسر خاصّ مخيّرا في جعله (2)في ضمن أيّ جزء من الأجزاء الخارجيّة للعين، فلا يرتفع التكليف بإخراج ذلك المقدار إلّا إذا تلفت العين كلّا، نعم في صورة الاشتراك بين شريكين بحيث لا يمتاز حصّة أحدهما إلّا بالتراضي يلزم الحكم بسقوط جزء من نصيب كلّ منهما بنسبة التالف، فتدبّر.


1) في «م»: يخصّ من.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: جملة.

مسألة [22]

لو أمهرت امرأة نصابا فحال عليه الحول من حين تملّكه مستجمعا للشروط وجب عليها الزكاة، فإن أخرجت الزكاة و طلّقها الزوج قبل الدخول فللزوج نصف الكل من الباقي، لوجود المقتضي لتملك نصف الصداق، و انتفاء المانع. و ليس لها إعطاء نصف الباقي و قيمة نصف المخرج؛ لعدم المقتضي للعدول إلى القيمة.

و فيه: إنّ حقه نصف المجموع على (1)الكسر المشاع فيه، فبانتفاء بعض المجموع ينتفي (2)ذلك الكسر، و مقدار نصف الكل من الباقي هو ثلثا الباقي و معادل للنصف، لا أنه نصف حقيقة.

فالتحقيق أنّ له نصف الباقي و نصف قيمة المخرج، وفاقا للشهيد (3)و خلافا للمحكي عن المبسوط (4)، و هو الظاهر من المحقق في المعتبر (5).


1) في «م»: أعني.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: يبقى.

3) الدروس 1: 231 و البيان: 170.

4) المبسوط 1: 208، و حكاه عنه في الدروس: 58.

5) المعتبر 2: 562.

و لو طلّقها قبل الإخراج فمقتضى القاعدة: اشتراك المال بين الفقراء و المرأة و الزوج، فللزوج نصف الكامل، و ليس لها أن تنقص من نصيبه، نعم للمرأة أن تقسّم المال بينها و بين الزوج و تضمن للفقراء، و ليس للزوج إجبارها على الضمان بناء على قدرتها على الجمع بين أداء الزكاة من غير المال و إعطاء الزوج النصف الكامل؛ لأنّ الزكاة متعلقة أولا و بالذّات بالعين، فهذا المال يجب أن يخرج منه سهمان: نصف للزوج، و عشر- مثلا- للفقراء، فيخرجان كما في الإرث.

و لو هلك النصف بتفريط منها [كان للساعي تتبع العين من النصف الموجود، و للزوج الباقي بعد إخراج الزكاة و تغرم له قيمة المخرج] (1).


1) ما بين المعقوفتين ليس في «ف» و «م».

مسألة [23]

الأقوى تعلّق الزكاة بالحنطة و الشعير بعد انعقاد الحب، و بالتمر بعد احمراره و اصفراره، و بالزبيب بعد انعقاد الحصرم، على المشهور- كما صرّح به جماعة (1)-؛ لصدق الحنطة و الشعير بمجرد اشتداد الحبّ فيتعلق بهما الزكاة، للعمومات (2)، فيثبت في البسر و الحصرم بالإجماع المركّب.

مضافا إلى أنّ مقتضى العمومات وجوب الزكاة فيما سقت السماء (3)، و أدلة تعلّق الزكاة بالحنطة و التمر (4)مثلا لا تنهض لتقييدها؛ لأنّ المتبادر منها إرادة الأجناس الأربعة في مقابل الأجناس الأخر.

مضافا إلى صحيحة سليمان بن خالد: «ليس في النخل صدقة حتى تبلغ خمسة أوساق، و العنب مثل ذلك حتى تبلغ خمسة أوساق زبيبا» (5).

فإنّ الظاهر منه ثبوت الزكاة في ثمرة النخل و في العنب بمجرد بلوغها


1) انظر مختلف الشيعة 1: 178، و إيضاح الفوائد 1: 175.

2) الوسائل 6: 32 الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

3) الوسائل 6: 124 الباب 4 من أبواب زكاة الغلّات.

4) الوسائل 6: 32 الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

5) الوسائل 6: 120 الباب الأول من أبواب زكاة الغلّات، الحديث 7.

خمسة أوساق إذا قدرت تمرا و زبيبا، فقوله: «زبيبا» حال مقدّرة، و جعل الحال مقدّرة و إن كان خلاف الظاهر إلّا أنّه لا مجال لإنكاره عند المنصف.

و تقدير التمرية في ثمر النخل إنما يستفاد من بلوغ خمسة أوساق؛ لأنّ ما يجعل في الوسق- و هو حمل الإبل- هو التمر غالبا لا الرطب، فهو كقولك: إنّ هذا الزرع الأخضر فيه كذا و كذا حملا أو وسقا (1).

و يدلّ عليه أيضا صحيحة سعد بن سعد (2)، عن مولانا الرضا عليه السلام:

«و هل على العنب زكاة، أو إنّما تجب عليه إذا صيّره زبيبا؟ قال: نعم إذا خرصه أخرج زكاته» (3).

فإنّ الظاهر أنّ زمان خرص العنب قبل زمان صيرورته زبيبا بمدّة.

و أما قوله عليه السلام- في صحيحة أخرى، بالسند المتقدّم لسعد بن سعد (4)، عن الرضا عليه السلام-: «عن الزكاة في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب متى يجب على صاحبها الزكاة؟ قال: إذا صرم و إذا اخرص» (5).

فيحتمل الحمل على التخيير بمعنى أنه مخيّر في ذلك، و يحتمل أن يراد من زمان الصرام: زمان قابلية النخلة (6)للصرم و الأكل، لا وقت تعارف الصرام.

و كيف كان فدلالة الصحيحتين على تعلّق الوجوب في زمان الخرص مما لا ينكر، [و زمان الخرص] (7)- على ما هو المصرّح به في المعتبر (8)، بل الظاهر أنه المتعارف- هو ما قبل يبس الثمرة.


1) في «ج»: و وسقا.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: سعيد.

3) الوسائل 6: 119 الباب الأول من أبواب زكاة الغلّات، الحديث الأول.

4) في «ف» و «ج» و «ع»: سعيد.

5) الوسائل 6: 133 الباب 12 من أبواب زكاة الغلات، الحديث الأول، و فيه: خرص.

6) في هامش «م» كذا: في نسخة: الغلة.

7) ما بين المعقوفتين من «م».

8) المعتبر 2: 535.

و منه يظهر جواز التمسك للمطلب بالأخبار الدالّة على الخرص (1)، و تعيين النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم (2)عبد اللّٰه بن رواحة خارصا (3).

و مما ذكرنا يظهر (4)جواز التمسّك للمشهور (5)بأخبار الخرص، كما نبّه عليه في المسالك (6)إذ زمان الخرص- كما صرّح به في المعتبر (7)- هو قبل يبس الثمرة.

و من هنا يشكل الجمع بين ما اختاره المحقق في المعتبر (8)و ما في الشرائع (9)و النافع (10): من أنّ وقت التعلّق هو عند التسمية تمرا و زبيبا، و نسب الخلاف إلى الشيخ (11)و الجمهور (12)، ثم ذكر جواز الخرص على المالك، و لم يسند الخلاف في الجواز إلّا إلى بعض الروايات عن أبي حنيفة (13). ثمّ ذكر في الفروع أنّ الخرص حين يبدو صلاح الثمرة، قال: لأنّه وقت الأمن على الثمرة من الجائحة (14).

ثمّ ذكر أنّ صفة الخرص أن تقدّر الثمرة لو صارت تمرا و العنب لو صار زبيبا، فإن بلغت الأوساق وجبت الزكاة، ثم خيّرهم بين تركه أمانة في يدهم و بين


1) الوسائل 6: 133 الباب 12 من أبواب زكاة الغلات.

2) سنن ابن ماجة 1: 582، الحديث 1820.

3) في هامش «م»- هنا- ما يلي:- هنا محل بياض كثير.

4) في «م»: ظهر.

5) ليس في «ج» و «ع»: للمشهور.

6) المسالك 1: 44.

7) المعتبر 2: 535، و فيه: وقت الخرص حين يبدو صلاح الثمرة.

8) المعتبر 2: 534.

9) الشرائع 1: 153.

10) المختصر النافع: 57.

11) المبسوط 1: 214.

12) انظر: المدونة الكبرى 1: 339، و المغني لابن قدامة 2: 702.

13) انظر: عمدة القارئ 9: 68 و نيل الأوطار 2: 206 و سبل السلام 2: 613.

14) المعتبر 2: 534- 535، و الجائحة هي الآفة.

تضمينهم حق الفقراء، أو يضمن لهم حقهم. فإن اختاروا الضمان كان لهم التصرّف (1)كيف شاءوا، و إن أبوا جعله أمانة و لم يجز لهم التصرف بالأكل و البيع و الهبة (2)(انتهى).

و ذكر في بيان الفرق بين الزرع و النخل و الكرم في جواز الخرص في الأخرى و عدم جوازه في الأوّل: إنّ أرباب النخل و الكرم قد يحتاجون إلى تناوله رطبا قبل جذاذه و اقطافه، و ليس كذلك إلّا فيما يقل (3).


1) في «م»: الصرف.

2) المعتبر 2: 536.

3) المعتبر 2: 537. و في هامش «م»- هنا- ما يلي: هنا محل بياض كثير.

مسألة [24]

لا خلاف ظاهرا- كما عن الرياض (1)و المنتهى (2)و المعتبر (3)و الخلاف (4)- في أنّ الزكاة إنما تجب بعد إخراج حصة السلطان في الجملة.

و يدلّ عليه الأخبار، كصحيحة ابن مسلم و أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام: «قالا له: هذه الأرض التي يزارع أهلها ما ترى فيها؟ قال: «كلّ أرض دفعها إليك السلطان، فما حرثته (5)فيها فعليك فيما أخرج اللّٰه منها الذي قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرج اللّٰه منها العشر، إنّما عليك فيما حصل في يدك بعد مقاسمته لك» (6).

و نحوها غيرها (7).


1) الرياض 1: 274.

2) المنتهى 1: 500، و فيه: و هو مذهب علمائنا.

3) المعتبر 2: 540، و فيه: و عليه فقهاؤنا.

4) الخلاف 2: 67- 70، كتاب الزكاة، المسألة 80.

5) في «ف» و «م»: فتاجرته.

6) الوسائل 6: 129 الباب 7 من أبواب زكاة الغلات، الحديث الأول.

7) الوسائل 6: 124 الباب 4 من أبواب زكاة الغلات، الحديث الأول.

مع أنّ المزارعة إذا وقعت على حصّة من الزرع فلا يجب على الزارع إلّا (1)زكاة حصّته، لا (2)حصّة صاحب الأرض أعني: السلطان.

نعم لو أخذ خراج الأرض من غير الزرع احتاج الحكم بوضعه إلى دليل خاص، أو إدخاله في المئونة التي سيجي‌ء الكلام فيها و الأخبار المتقدّم بعضها مختصّة بحصّته و كذا معاقد الإجماعات، إلّا أن تفسّر حصّة السلطان في عباراتهم بمطلق الخراج، سواء كان نقدا أو حصّة من الزرع، كما حكي تفسير ذلك (3)عن المحقق (4)و الشهيد (5)الثانيين و الصيمري (6)، لكن ظاهر معقد إجماع المعتبر و التذكرة خصوص الحصّة. قال في المعتبر: خراج الأرض يخرج وسطا و يؤدّى زكاة ما بقي- إذا كان نصابا- لمسلم، و عليه فقهاؤنا و أكثر (7)فقهاء الإسلام. (8)

(انتهى).

و نحوه عن التذكرة (9)، بل هذا ظاهر كلّ من عبّر بالحصّة.

و على هذا فالخراج إذا أخذ من النقدين، فإن كان بدلا عن الحصّة فلا بد من وضعها على تلك الحصّة، بناء على أنّ ثمن الزرع من المئونة، فإن نقص قيمة الحصّة عن الثمن فلا زكاة فيها، لكن لا يوجب وضع الباقي من الثمن


1) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: إلّا.

2) في «ف»: و لا.

3) في «ع»: تفسيره بذلك.

4) جامع المقاصد 3: 22.

5) مسالك الافهام 1: 44.

6) نقله عنه في الجواهر 15: 225 و مفتاح الكرامة 3: 104 (كتاب الزكاة).

7) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: أكثر.

8) المعتبر 2: 540.

9) التذكرة 1: 220.

على باقي الزرع؛ لأنه ليس مئونة له بل لحصّته منه، نعم لو أخذ الخراج من باب أجرة الأرض وضع على الجميع.

و الحاصل: إنّ ما يأخذه السلطان إمّا أن يكون حصّة من الزرع يملكها حين تعلّق الزكاة كسائر الشركاء في أصل الزرع، أو يستولي عليها بمجرّد ذلك بحيث لا يتمكّن المالك من منعه عنها.

و إمّا أن يكون حصّة من الحاصل، يستحقّها أو بعضها من الغلّة بعد تعلّق الوجوب.

و إمّا أن يكون نقدا يستحقّه أو يأخذه قبل تعلّق الوجوب أو بعده.

فإن كان المأخوذ الحصّة؛ فإن استحقّه في الزرع قبل تعلّق الزكاة استحقاق الشركاء أو استولى عليها استيلاء الغاصبين، فلا إشكال في أنّ النصاب معتبر بعده؛ لكون الحصّة على التقدير الأوّل غير مملوكة له، و على الثاني غير متمكّن من التصرّف فيه لأجل الغصب، فإن الغصب يتحقق في المشاع أيضا.

و إن استحقّه أو أخذه (1)بعد تعلّق الوجوب، فعلى الأوّل يعدّ من المئونة، و على الثاني يعدّ من غصب بعض النصاب الزكوي.

و على أي تقدير فلا إشكال في استثناء الحصة إلّا في الصورة الثالثة، بناء على عدم استثناء المئونة، فإنّه و إن كان مقتضى هذا القول عدم استثنائها إلّا أن الأخبار و الإجماعات المتقدّمة كاف في ذلك.

و إنّما الإشكال فيما إذا أخذ النقد، فقد عرفت أنّ الأخبار و الإجماعات مختصّة بالحصّة، فالخراج بالمعنى الأخصّ لا دليل على إخراجه على القول بعدم إخراج المئونة، و على القول بإخراجها فلا يتمّ على تقدير بسطه على جميع الحاصل أن يكون معاوضة على الحصّة المستحقّة قبل تعلّق الوجوب، بل لا بد من وضعه


1) في «م»: غصبه.

على الحصّة، فإن نقصت عنه فلا يوضع باقية على ما في الزرع؛ لأنه كاشتراء الحصّة من الشريك، فإنّ الثمن معدود من مئونة المبيع دون غيره.

و من هنا ظهر ما في تصريح بعض المعاصرين بأنّ ظاهر النصّ و الفتوى إخراج القسمين (1)، يعني الحصّة و الخراج المأخوذ بدل الحصّة.

و لعلّ إلى ما ذكرنا ينظر كلام العلّامة- فيما حكي عنه في التذكرة- قال:

لو ضرب الإمام الخراج من غير حصّة فالأقرب وجوب الزكاة في الجميع؛ لأنه كالدين (2)، و قال بعض مشايخنا: إنّه محجوج بظاهر النصوص و الفتاوى (3).

أقول: فقد عرفت ظهور الجميع في الحصّة.

ثمّ إنّ ظاهر الأخبار (4)- بل الفتاوى-: اختصاص استثناء الحصّة أو مطلق الخراج و لو كان نقدا بكون الأرض خراجية، أي يأخذ السلطان العادل منه الخراج عند بسط يده، و عند قصور يده يأخذه الجائر، سواء كانت الأرض للمسلمين كالمفتوحة عنوة أو أرض صالح عليها أهلها، أو من الأنفال المختصة بالإمام؛ لعموم الأخبار كما تقدّم بعضها.

و أمّا المأخوذ من غيرها و لو كان باسم الخراج و المقاسمة، فلا دليل على إخراجه إلّا على القول باستثناء المؤن.

و كذا الظاهر اختصاصها بالسلطان المخالف، فما يأخذه سلاطين الشيعة ملحقة بالمؤن أيضا.

نعم لو قلنا بجواز أداء الخراج و المقاسمة إليه، بل وجوبه في الجملة كالسلطان المخالف، فالظاهر الحاقه به في استثناء حصّته؛ لأنّ ظاهر الأخبار (5)


1) الجواهر 15: 225.

2) التذكرة 1: 220.

3) الجواهر 15: 226.

4) الوسائل 6: 129 الباب 7 من أبواب زكاة الغلّات.

5) الوسائل 6: 129 الباب 7 من أبواب زكاة الغلّات.

استثناء هذه الحصة من المال لا من حيث أنّ أخذه مخالف- كما لا يخفى.

ثم إنّ ما يأخذه المخالف (1)باسم الخراج و المقاسمة فالظاهر (2)انه لا إشكال في عدم اجزائه عن (3)الزكاة، و في الغنية (4)، و عن التذكرة دعوى اتفاق الإمامية (5)، و يدل عليه الأخبار المستفيضة في أنّ على المتقبلين سوى قبالة الأرض، العشر و نصف العشر (6)، و يدل عليه فحوى عدم احتساب ما يأخذه


1) وردت العبارة في «م» هكذا: ثم ان ما يأخذه المخالف هل يحسب من الزكاة أم لا؟ قولان، ظاهر الاخبار الكثيرة بل صريح بعضها الاحتساب، [و إن أوجب في بعضها الإخفاء عنه مهما أمكن، و يؤيدها ما دل على جواز الشراء من العامل و المتصدق إبل الصدقة و غيرها، و المقاسمة باسم الخراج، الظاهر انه لا إشكال في عدم اجزائه عن الزكاة و في المعتبر و عن التذكرة، و دعوى اتفاق الإمامية، و يدل عليه الاخبار المستفيضة في انّ على المتقبلين سوى قبالة الأرض العشر و نصف، و يدل عليه فحوى عدم احتساب ما يأخذه باسم الزكاة عنها- كما لا يخفى-، و اما ما أخذه باسم، و لم ينسب الخلاف في المعتبر الا الى أبي حنيفة، و لعل الأخبار الكثيرة الواردة بالإجزاء، واردة تقية عنه] و ظاهر بعض الاخبار العدم .. إلى أخر ما ورد في المتن. ثم إنه شطب على ما جعلناه بين المعقوفتين و كتب في الهامش عبارتان هما: من قوله: «و ان أوجب في بعضها» .. الى قوله: «و غيرها»، و الثانية من قوله: «باسم الخراج و المقاسمة» .. إلى قوله: «تقية عنه». و فيهما بعض الاختلافات مثل: «دعوى» بدل «و دعوى» و «كما سيجي‌ء» بدل «كما لا يخفى»، و «و أما ما يأخذه» بدل «و اما ما أخذه». ثم كتب بعد إيراده العبارتين في الهامش ما يلي: «و لعدم ارتباط الحاشية بالمتن ارتباطا تاما كتبنا المتن و الحاشية على نحو ما كتبه الشيخ المرحوم بخطه الشريف و محونا ما كتب الكاتب من الحاشية في المتن، و الناظر يرى التهافت فيهما فله التأمل و التطبيق بمقتضى فهمه (و السلام)».

2) في «م»: الظاهر.

3) في «ف»: من.

4) في «م»: المعتبر، راجع الغنية (الجوامع الفقهية): 522، و المعتبر 2: 540 و ليس فيهما عنوان «المخالف».

5) التذكرة 1: 220.

6) الوسائل 6: 129 الباب 7 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 1 و 2.

باسم الزكاة عنها (1)- كما سيجي‌ء- فلم ينسب الخلاف في المعتبر (2)إلّا الى أبي حنيفة (3)، و لعل الأخبار الكثيرة- الواردة بالاجزاء- واردة تقية عنه.

و أما ما يأخذه باسمه [ا] (4)هل يحسب من الزكاة أم لا؟ قولان: ظاهر الأخبار الكثيرة بل صريحها (5)الاحتساب و إن أوجب في بعضها الإخفاء عنه مهما أمكن، و يؤيدها ما دل على جواز الشراء من العامل و المصدّق إبل الصدقة و غيرها (6).

و ظاهر بعض الأخبار العدم؛ معلّلا بأن هؤلاء قوم ظلموكم أموالكم و إنّما الصدقة لأهلها (7).

و يعضدها عموم ما دلّ على وجوب إعادة الزكاة على المخالف؛ معلّلا بأنّه وضعها في غير موضعها و إنّما موضعها أهل الولاية (8).

و إجبار الشخص على إعطاء (9)الزكاة لا يوجب احتساب المدفوع عن حق الفقراء؛ لأنّ المشاع لا يتميّز بغير رضى الشركاء، غاية الأمر أنّه يجب على المكره أن يدفع إلى المكره ما يكفيه شره، و أمّا احتسابه من حق الفقراء فلا و من هنا يعلم أنّ الإكراه على تعيين قسمة أحد الشريكين لا ينفع في التعيين.


1) الوسائل 6: 174 الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6.

2) المعتبر 2: 540.

3) المدونة الكبرى 1: 328.

4) ورد قوله: «و اما ما يأخذه باسمه» في «ف» و «م» و «ع» قبل قوله: «فلم ينسب .. إلخ» في الصفحة السابقة.

5) في «م»: بل صريح بعضها.

6) الوسائل 12: 161 الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.

7) الوسائل 6: 174 الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6.

8) الوسائل 1: 97 الباب 31 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث الأول.

9) في «م»: دفع.

مسألة [25]

المعروف بين الشيخ و أكثر من تأخّر عنه أنّه يجوز شراء ما يأخذه السلطان الجائر باسم الخراج و المقاسمة و الزكاة، ذكره الشيخ في النهاية (1)، و الحلّي في السرائر (2)، و المحقّق (3)و من تأخر عنه، و أوّل من ادعى الإجماع على ذلك:

الفاضل المقداد في التنقيح (4)ثم المحقق الثاني في جامع المقاصد (5)و حاشية الإرشاد (6)و رسالته المعمولة في حل الخراج، المسمّاة بقاطعة اللّجاج (7)ثم الشهيد الثاني، حيث ادعى إطباق علمائنا (8)ثم جماعة ممن تأخر عنهم، و في الرياض: إن


1) النهاية: 358.

2) السرائر 2: 204.

3) الشرائع 2: 13.

4) التنقيح الرائع 2: 19.

5) جامع المقاصد 4: 45 و فيه: إلّا أن الإجماع من فقهاء الإمامية و الأخبار المتواترة عن أئمة الهدى دلت على جواز أخذ أهل الحق لها.

6) نقله في مفتاح الكرامة 4: 246 و الجواهر 22: 180.

7) رسائل المحقق الكركي (المجموعة الاولى): 269 و في الجواهر 22: 180 هكذا: و في قاطعة اللجاج الإجماع مكررا على ذلك.

8) المسالك 1: 132.

حكاية الإجماع عليه مستفيضة (1).

و يدل عليه قبل ذلك الأخبار المستفيضة الدالّة على صحة التصرفات المترتبة على تصرّف السلطان.

منها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام في حديث: «انه سئل عن مزارعة أهل الخراج بالربع و النصف و الثلث؟ قال: لا بأس، قد قبّل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم خيبر، أعطا [ها] اليهود حين فتحت عليه بالخبر، و الخبر:

هو النصف» (2).

و منها: صحيحة أخرى، عن الحلبي: «لا بأس بأن يتقبّل الأرض و أهلها من السلطان» (3).

و منها: رواية الفيض بن المختار: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: ما تقول في أرض أتقبّلها من السلطان ثم أؤاجرها أكرتي على أن ما أخرجه اللّٰه منها من شي‌ء كان لي من ذلك النصف أو الثلث بعد حق السلطان؟ قال: لا بأس كذلك أعامل أكرتي» (4).

و منها: صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام:

«قال: سألته عن الرجل يتقبّل بخراج الرجال و جزية رءوسهم، و خراج النخل و الشجر و الآجام و المصائد و السمك و الطير، و هو لا يدري لعلّه لا يكون من هذا شي‌ء أبدا، أو يكون، أ يشتريه، و في أيّ زمان يشتريه و يتقبل منه قال: «إذا علم أنّ شيئا من ذلك قد أدرك فاشتره و تقبّل به» (5).


1) الرياض 1: 508.

2) الوسائل 13: 200 الباب 8 من أبواب أحكام المزارعة، الحديث 8.

3) الوسائل 13: 213 الباب 18 من أبواب أحكام المزارعة، الحديث 3.

4) الوسائل 13: 208 الباب 15 من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة، الحديث 3.

5) الوسائل 12: 264 الباب 12 من أبواب عقد البيع، الحديث 4 بطريق الصدوق، و راجع الفقيه 3: 224 الحديث 3832.

و روى الشيخ و الكليني نحو ذلك عن إسماعيل بن الفضل. (1).

و في رواية أخرى لإسماعيل بن الفضل: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن رجل استأجر من السلطان من أرض الخراج بدراهم مسمّاة أو بطعام مسمّى، ثمّ آجرها و اشترط لمن يزرعها أن يقاسمه بالنصف من ذلك أو أقلّ أو أكثر و له بعد ذلك فضل، أ يصلح ذلك؟ قال: نعم إذا حفر لهم نهرا، أو عمل لهم عملا يعينهم بذلك فله ذلك.

قال: و سألته عن رجل استأجر أرضا من أرض الخراج بدراهم مسمّاة أو بطعام معلوم فيؤاجرها قطعة قطعة أو جريبا جريبا بشي‌ء معلوم فيكون له فضل ما استؤجر من السلطان و لا ينفق شيئا، أو يؤاجر تلك الأرض قطعا على أن يعطيهم البذر و النفقة فيكون له في ذلك فضل على إجارته؟

فقال: إذا استأجرت أرضا فأنفقت فيها شيئا أو رمّمت فلا بأس بما ذكرت» (2).

و في موثقة أخرى لإسماعيل بن الفضل: «عن رجل اكترى أرضا من أرض أهل الذمة، و إنما أهلها كارهون، و إنما تقبلها السلطان لعجز أهلها أو غير عجز؟

فقال: إن عجز أربابها عنها فلك أن تأخذها إلّا أن يضارّوا» (3).

و منها: صحيحة أبي عبيدة (4)عن أبي جعفر عليه السلام: «ما تقول في الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة و غنمها، و هو يعلم أنهم يأخذون منهم


1) التهذيب 7: 124، الحديث 544، الكافي 5: 195، الحديث 12.

2) الوسائل 13: 261 الباب 21 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 4. مع اختلاف في بعض الألفاظ.

3) الوسائل 11: 121 الباب 72 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث 4، و 12: 275 الباب 21 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث 10.

4) في «ج»: عن أبي عبيدة.

أكثر من الحق الذي يجب عليهم؟ قال عليه السلام: ما الإبل و الغنم إلا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك، لا بأس حتى تعرف الحرام منه بعينه.

قيل له: فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا، فنقول: بعناها فيبيعناها، فما ترى في شرائها منه؟ قال: إن كان قد أخذها و عزلها فلا بأس.

قيل له: فما ترى في الحنطة و الشعير، يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا و يأخذ حظّه فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قبضه بكيل و أنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه بغير كيل» (1).

و في معتبرة أبي بكر الحضرمي: «قال: دخلت على أبي عبد اللّٰه عليه السلام- و عنده إسماعيل ابنه- فقال: ما يمنع ابن أبي سماك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفي الناس و يعطيهم ما يعطي الناس؟ ثم قال لي: لم تركت عطائك؟ قال (2): مخافة على ديني. قال: ما منع ابن أبي سماك أن يبعث إليك بعطائك، أما علم أنّ لك في بيت المال نصيبا؟» (3).

و في الصحيح: «عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبيه، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: إنّ لي أرض خراج و قد ضقت بها أ فأدعها؟ فسكت عنّي هنيئة ثم قال:

إنّ قائمنا لو قام كان نصيبك من الأرض أكثر من ذلك، و قال: لو قام قائمنا كان للإنسان أفضل من قطائعهم» (4).

و قوله: «لي أرض خراج» يحتمل أن يراد به أرض اعطي ليأكل خراجها، أو أرض اعطي [ت] (5)له يأخذ خراجها.


1) الوسائل 12: 161 الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5. مع اختلاف في بعض الألفاظ.

2) في «م» و «ع»: قلت، و في التهذيب 6: 337، الحديث 933: «قال: قلت».

3) الوسائل 12: 157 الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6.

4) الوسائل 11: 121 الباب 72 من أبواب جهاد العدو، الحديث 3.

5) الزيادة اقتضاها السياق.

و منها: ما دل على جواز النزول على أهل الخراج ثلاثة أيام مثل صحيحة ابن سنان (1)و غيرها (2).

و الظاهر أنّ المراد بالنازل من تقبّل أرض الخراج من السلطان.

و منها: ما دل على جواز الشراء من العامل، مثل رواية إسحاق: «سأله عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم؟ قال: يشتري ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحدا» (3).

و موثقة سماعة: «عن شراء السرقة و الخيانة؟ فقال: «إذا عرفت أنه كذلك فلا، إلّا أن يكون شيئا تشتريه من العامل» (4).

و يؤيد المطلب ما تقدّم في جواز (5)قبول جوائز السلطان (6)، فإنّ جوائزهم لا تكون غالبا إلا من الخراج. و في بعضها: ان الرشيد- عليه اللعنة و العذاب الشديد- بعث إلى أبي الحسن عليه السلام بخلع و حملان و مال، فقال عليه السلام: «لا حاجة لي بالخلع و الحملان و المال إذا كان فيه حقوق الأمّة .. الخبر» (7)فإن حقوق الأمّة لا يكون إلّا في بيت المال، فعلم أنّ ما يقع في يد السلطان يصير من بيت المال و لا يبقى على ملك مالكه، فيجب ردّه إليه و يتصدق به مع جهله فافهم.


1) الوسائل 13: 217 الباب 21 من أبواب أحكام المزارعة، الحديث الأول و غيره.

2) الوسائل 13: 217 الباب 21 من أبواب أحكام المزارعة، الحديث الأول و غيره.

3) الوسائل 12: 163 الباب 53 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

4) الوسائل 12: 250 الباب 1 من أبواب عقد البيع، الحديث 6.

5) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: جواز.

6) الوسائل 12: 156 الباب 51 من أبواب ما يكتسب به.

7) الوسائل 12: 158 الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 10.

مسألة [26]

اختلفوا في استثناء المؤن ما عدا حق السلطان، فالمشهور- بل عن فوائد القواعد: انه كاد أن يكون إجماعا- استثناؤها (1). و عن الشيخ في الخلاف (2)و المبسوط (3)و ابن سعيد في الجامع: عدم استثنائها (4). و حكي عنهما دعوى الإجماع على ذلك (5)و وافقهما من المتأخرين: الشهيد الثاني في فوائد القواعد (6)و سبطه في المدارك (7)و نجله في شرح الاستبصار (8)و صاحب الذخيرة (9)و جماعة من متأخري المتأخرين (10).


1) راجع المدارك 5: 142، و فيه: فإنه اعترف بأنه لا دليل على استثناء المؤن سوى الشهرة.

2) الخلاف 2: 67 كتاب الزكاة، المسألة 78.

3) المبسوط 1: 217، و يظهر منه في الصفحة 214 خلافه هذا و قد جمع بين الكلامين السيد العاملي قدّس سرّه في مفتاح الكرامة 3: 99 (كتاب الزكاة).

4) الجامع للشرائع: 134.

5) حكاه صاحب المدارك في المدارك 5: 142.

6) المدارك 5: 142، و انظر الجواهر 15: 231.

7) المدارك 5: 142.

8) لا يوجد لدينا.

9) الذخيرة: 442- 443.

10) المفاتيح 1: 190 و المستند 2: 330، و الحدائق 12: 125 و كفاية الاحكام: 37.

و هذا القول لا يخلو عن قوة للعمومات (1)و في بعضها: «يزكي ما خرج منه قليلا أو كثيرا» (2)و في بعضها: «انه ليس في النخل زكاة حتى يبلغ خمسة أوساق، و العنب مثل ذلك حتى يبلغ خمسة أوساق زبيبا» (3)، فإن بيان النصاب في حاصل النخل و محصول العنب مع عدم استثناء المؤن، سكوت في مقام البيان، فإن زكاة الغلّات على ذلك (4)القول في ربح المال الذي يغرمه على الزراعة، لا فيما أخرجه اللّٰه كما هو مفاد الأخبار الكثيرة (5).

و منه يظهر أنّ الجواب من الإطلاقات بورودها في مقام حكم آخر إنما يحسن في إطلاقات العشر و نصف العشر (6)، لا في إطلاقات بيان النصاب (7)كما لا يخفى.

و لصحيحة ابن مسلم المتقدّمة في قوله: «إنما العشر فيما حصل في يدك بعد مقاسمته لك» (8).

و دعوى ظهوره في خلاف هذا القول نظرا إلى أنّ المقاسمة بعد إخراج المؤن، كما ترى، ضرورة عدم العلم بذلك، بل نقطع بأنّ بعض المؤن في حصة الزارع (9)فقط أو في ذمته. مع أن المراد من قوله: «بعد المقاسمة» ليس الزمان


1) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: للعمومات، و في هامش «ع»: «لإطلاقات النصوص- ظ»

2) انظر الوسائل 6: 123 الباب 3 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 2.

3) انظر الوسائل 6: 121 الباب الأول من أبواب زكاة الغلات الحديث 7.

4) في «ف» و «ج» و «ع»: هذا.

5) راجع الوسائل 6: 119 الباب الأول من أبواب زكاة الغلات. و 6: 124 الباب 4 منها و غيرهما.

6) الوسائل 6: 124 الباب 4 من أبواب زكاة الغلات.

7) الوسائل 6: 119 الباب الأول من أبواب زكاة الغلات.

8) الوسائل 6: 129 الباب 7 من أبواب زكاة الغلات، الحديث الأول.

9) في «م»: الزراع.

المتأخر عن المقاسمة الفعلية، إذ الوجوب ثابت قبلها إجماعا، و إنما المراد: ان العشر و نصف العشر يلاحظان في نصيب الزراع، لا في المجموع المشتمل على حصة السلطان، فالمراد بما حصل في اليد ما يبقى بعد ملاحظة خروج حصّة السلطان، و هذا لا ينافي وجوب كثير من المؤن على الحصتين، و يوضحه التعبير في غير واحد من الأخبار بأنّ على المتقبّلين في حصصهم العشر و نصف العشر (1).

و يؤيد ما ذكرنا رواية علي بن شجاع النيشابوري: «عن رجل أصاب من ضيعته مائة كرّ فآخذ منه العشر عشرة أكرار، و ذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّا، و بقي في يده ستّون كرّا، ما الذي يجب لك من ذلك؟ فوقّع عليه السلام:

لي منه الخمس مما يفضل من مئونته» (2).

حيث إنّ الظاهر منه اعتقاد الراوي وجوب خروج العشر أو نصفه من جميع ما أصاب من ضيعته من دون احتساب مثل البذر و اجرة العوامل و نحوها، فإنه (3)المتبادر من قولك: أصبت من هذا الزرع كذا (4)، مع أنّه صرّح بالإخراج قبل إخراج مئونة عمارة (5)الضيعة.

و دعوى أنّ عمارة الضيعة ليست من المئونة إذ المراد منها ما يتكرّر كل سنة، ممنوعة، بل التحقيق كما سيجي‌ء بسط مثل ذلك من المؤن التي لا يحتاج الزرع إليها إلّا بعد سنين على جميع السنين المحتاجة.

و دعوى: أنّ تقرير الإمام عليه السلام إنما يدلّ على الرجحان، و لا كلام فيه، لا على الوجوب المتنازع فيه، ممنوعة بأن الظاهر اعتقاد الراوي للوجوب. مع


1) الوسائل 6: 129 الباب 7 من أبواب زكاة الغلات.

2) الوسائل 6: 127 الباب 5 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 2 مع اختلاف يسير.

3) في «ف»: فإنّ.

4) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: كذا.

5) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: عمارة.

أنه لا قائل بالاستحباب بالخصوص إلّا (1)من باب الاحتياط بعد وقوع الاشتباه في المسألة و الاختلاف بين العلماء في فهم الأخبار، و إلّا فيمكن دعوى القطع بعدم استحباب العشر بالخصوص على إخراج المؤن (2)، نعم لا بأس بالصدقة المطلقة عقلا و نقلا.

لكن هذا كله مبني على قراءة قول الراوي: «فآخذ منه العشر»، على طريق المعلوم بأن يكون الآخذ المخبر نفسه، لكنه خلاف الظاهر، بل الظاهر- أو المساوي- قراءته على المجهول بأن يراد: أنه أخذه منه المصدّق من قبل السلطان. و حينئذ فلا دلالة فيه على المطلب (3)لأن مذهب العامة هو أخذ الزكاة من صلب المال، كما حكي عن الفقهاء الأربعة (4).

نعم فيه دلالة على احتساب ما يأخذه الظالم باسم الزكاة عن الزكاة، و عدم وجوب الإعادة، كما هو مدلول أخبار كثيرة (5).

و أوضح من ذلك في التأييد ما ثبت من الشارع من جعل العشر فيما سقيت سيحا، و نصفه فيما سقيت بالدوالي، فإنّ من المقطوع أنّ التفاوت بينهما من جهة كثرة المئونة في الثاني دون الأوّل، حتى أنه طرّد في الوسيلة (6)و الدروس (7)كما عن الفقيه (8)[و جمل العلم] (9)و المنتهى (10)نصف العشر فيما سقي بالدوالي إلى


1) ليس في «ف»: إلّا.

2) في «ج» و «ع»: المئونة.

3) في «م» المطلوب.

4) المعتبر 2: 541.

5) الوسائل 6: 173 الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة.

6) الوسيلة: 127.

7) الدروس 1: 237.

8) كذا في النسخ، و في «م»: الفقه [الفقه الرضوي ظ] و لم نقف فيهما على ما يدل على ذلك، و الظاهر ان الصحيح: المقنعة: 236 كما سيجي‌ء الصفحة 236 حيث نقل عنه في عداد المنقول عنهم هنا.

9) الزيادة من «م»، و لعل الصحيح: الجمل و العقود انظر الرسائل العشر: 203. إذ ليس في «جمل العلم» ما يدلّ على المطلوب (رسائل الشريف المرتضى 3: 78).

10) المنتهى 1: 498.

كل ما فيه مئونة، فلو بنى على احتساب المئونة لم يكن في ذلك فرق بين الأمرين، و كيف يحتسب مئونة السقي الموجبة لإسقاط نصف العشر من جملة المؤن (1)و يخرج نصف العشر بعد إخراجها؟ و لذا احتمل في البيان- كما حكي عنه- إسقاط مئونة السقي فيما فيه نصف العشر و احتساب المؤن (2).

ثم الجواب عن هذا الإشكال: بأن أحكام الشارع تعبّدية كما عن المحقق الجواب بذلك في المسائل الطبرية (3)إنما يحسن إذا دل دليل على وجوب احتساب المئونة، و إلّا- كما هو المفروض- فلا ريب في أنه من أعظم الشواهد على عدم احتساب المؤن.

و أظهر من ذلك- في التأييد- ما تقدّم من أدلة الخرص و فائدته و صفته، (4)سيّما إذا قلنا بجوازه في الزرع، سيّما ما اشتمل من تلك الأدلة على استثناء عذق أو عذقين للناطور، و ترك التعرض للمعافارة و أم جعرور (5)، إذ لو كان الواجب إخراج المئونة من البدو إلى الختم لم يكن لاستثناء العذق للناطور بالخصوص وجه، بل كان ينبغي اما أن يحتسب جميع المؤن، و إما أن يؤخر ذلك كله إلى ما بعد الجذاذ.

فيعلم من ذلك كلّه انّ الأمر بترك العذق و العذقين للتخفيف المستحب للخارص.


1) في «ج»: المئونة.

2) البيان: 180 و حكاه عنه في الجواهر 15: 237.

3) نقله عنه في المدارك 5: 147.

4) الوسائل 6: 133 الباب 12 من أبواب زكاة الغلّات. تقدمت الإشارة إليها في الصفحة 214.

5) انظر الوسائل 6: 119 الباب الأول من أبواب زكاة الغلات، الحديث 3، و المعافارة، و أم جعرور: ضربان رديئان من التمر (مجمع البحرين 3: 409 «عفر») و المراد: ترك تعرض عامل الصدقة لهما.

و حاصل الكلام: انّ حمل أخبار بلوغ خمسة أوسق (1)على بلوغ فائدة الزرع و ربحه الحاصل للزارع بعد إخراج جميع المؤن دونه خرط القتاد، إلّا أن يستأنس له بما (2)ثبت من حال الشارع من التخفيف على مالك النصاب، و هو مناف لاحتساب المئونة على المالك، فربما تستغرق المئونة قيمة حاصل الزرع، فإنّ إيجاب الزكاة على المالك حينئذ- لو لم يكن إضرارا و حرجا مضيّقا (3)فلا أقلّ من كونه تشديدا على المالك- يخالف ما علم من بناء الشارع على التخفيف عنه كما يرشد إليه تتبع أحكام الزكاة، و يشهد له قول أمير المؤمنين عليه السلام لعامله:

«إياك أن تضرب مسلما أو يهوديا أو نصرانيا في درهم، أو تبيع دابة عمل فإنّا أمرنا أن نأخذ منهم العفو» (4).

و المراد به عدم الاستقصاء عليهم كما فسر به قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ (5)، و قيل: ما فضل عن قوت السنة (6).

و يؤيّد ما ذكرنا، بل يدلّ عليه: انّ مقتضى الشركة احتساب المؤن المتأخّرة عن زمان تعلّق الزكاة من المالك و الفقير كليهما، فاختصاصها بالمالك يحتاج إلى دليل و يثبت الحكم في المؤن المتقدّمة بعدم القول بالفصل كما ادّعي.

هذا مضافا إلى ظاهر حسنة ابن مسلم بابن هاشم المتقدّمة لترك المعافارة و أمّ جعرور، و أجر الناطور (7).


1) الوسائل 6: 119 الباب الأول من أبواب زكاة الغلات.

2) في «ع»: مما.

3) في «م»: منفيا.

4) الوسائل 6: 90 الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 6. مع اختلاف يسير.

5) الأعراف: 7- 199.

6) الصحاح 6: 2432.

7) الوسائل 6: 119 الباب الأول من أبواب زكاة الغلات، الحديث 3، و تقدمت الإشارة إليها في الصفحة السابقة.

و ما أوردنا عليه سابقا (1)من عدم الوجه في تخصيصها (2)بالذكر إلّا التخفيف، مدفوع بأنّ الوجه في التخصيص هو أنّه ليس لثمرة النخل غالبا مئونة إلّا هذا، و أمّا العامل في البستان بالسقي و نحوه فالغالب أنّه شريك مع المالك بحصّة من الثمر، كما هو مقتضى المساقاة.

و في حسنة أخرى لمحمّد بن مسلم بابن هاشم- في تفسير قوله تعالى:

وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ (3)-: «إنّ هذا من الصدقة يعطى المسكين القبضة بعد القبضة، و من الجذاذ: الحفنة بعد الحفنة حتّى يفرغ، و يعطى الجارس أجرا معلوما و يترك من النخل معافارة و أم جعرور، و يترك للحارس يكون في النخل- العذق و العذقان و الثلاثة لحفظه إياه»- (4)، فإنّ جعل ثلاثة أعذاق للحارس مضافا إلى أجرة المعلوم و ترك المعافارة و أم جعرور مناف لعدم إندار المئونة و تخيير المالك إيّاه.

و كيف كان فمثل هذا إذا انضمّ إلى الشهرة العظيمة، و الإجماع الظاهر من الغنية (5)، و الرضوي (6)المحكي دلالته (7)على المطلب، يكفي ظاهرا لتخصيص ما تقدّم.

و قد يذكر بعض الأمور من باب التأييد، و في تأيّد المطلب بها نظر.

ثمّ على القول باستثناء المؤن فهل يعتبر استثناؤها من ملاحظة النصاب، بمعنى أنّه لا يعتبر النصاب إلّا بعد إخراجها، أم يستثنى عند الإخراج، بمعنى


1) في الصفحة 231.

2) في «م»: تخصيصهما.

3) الانعام: 6- 141.

4) الكافي 3: 565 الحديث 2، و الوسائل 6: 134 الباب 13 من أبواب زكاة الغلات، الحديث الأول. و 6: 131 الباب 8 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 4 و فيه: يكون في الحائط.

5) الغنية (الجوامع الفقهية): 505.

6) الفقه المنسوب الى الامام الرضا عليه السلام: 197.

7) في «ف» و «ع» و «ج»: دلالة.

اعتبار النصاب قبل إخراج المؤن، لكن لا يخرج العشر إلّا مما بقي بعد إخراج المؤن و إن كان ناقصا عن النصاب؟ أقوال ثلاثة (1)، أجودها: الأوّل؛ لأنّ ظاهر أدلة اعتبار النصاب ثبوت العشر في مجموع النصاب، فيكون الواجب عشر النصاب (2)، فما دلّ على استثناء المؤن لا بد أن يجعل مقيّدا لأدلّة اعتبار النصاب بما بعد وضع المؤن، لا لإطلاق (3)وجوب العشر في النصاب، بمعنى أنّ ثبوت العشر في هذا النصاب فما فوقه بعد إخراج المؤن.

و الحاصل أنّ قوله عليه السلام- في صحيحة زرارة-: «ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغ خمسة أوساق، و الوسق ستّون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع، ففيه العشر». (4)يحتمل أن يراد به ما بلغ هذا المقدار بعد وضع المؤن كلّها ففيه العشر، و يحتمل أن يراد أنّ كلّ (5)ما بلغ هذا المقدار ففيه العشر بعد وضع المؤن كلّها.

لكنّ الاحتمال الأوّل أظهر؛ لظهور قوله: «ففيه العشر» في كون العشر في مجموعه، بأن يكون الواجب عشر المجموع أعني ثلاثون صاعا، لا أنّ الثابت فيه عشر ما بقي بعد المئونة، مع أنّه مستلزم للتقييد، إذ قد لا يبقى من النصاب شي‌ء بعد وضع المئونة، فهو مناف لإطلاق الحكم بأن ما بلغ النصاب ففيه الزكاة.

[ثمّ إنه إذا صدق على الجنس في أوّل زمان التعلّق أنّه بلغ النصاب] (6)فيحكم عليه بأن فيه العشر، فعشر المجموع ثابت عند تعلّق الوجوب، إلّا (7)أنّ


1) كذا في النسخ و لم يظهر من كلامه أقوال ثلاثة، نعم ذكرها صاحبي المدارك و الجواهر راجع المدارك 5: 144 و الجواهر 15: 233.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: عن النصاب.

3) في «ع» لا: «لإطلاق» بدل «لا لإطلاق» و كتب في «ف» على «لا»: ظ ز.

4) الوسائل 6: 120 الباب الأول من أبواب زكاة الغلات، الحديث 5.

5) ليس في «ع» و «م»: كل.

6) ما بين المعقوفتين من «م».

7) في «ع»: لا.

ما أنفق على المجموع مقسّط على حصتي المالك و الفقراء بقاعدة الشركة، فإخراج المئونة قبل العشر ليس تقييدا للإطلاقات، بل التقييد (1)كما عرفت مختصّ بإطلاق بلوغ النصاب لا بإخراج العشر. إلّا أن يقال: إن أدلّة وجوب العشر و نصفه إنّما يقتضي وجوب العشر و نصفه، فلا بد من تقييد ما بلغ النصاب بما بلغه بعد جميع المؤن؛ لأنّه الذي يجب إخراج عشرة دون ما بلغه قبل المؤن المتأخّرة، إذ لا يجب إلّا إخراج عشر ما بقي منه بعد المئونة، فتأمّل.

ثمّ إنّ المراد بالمئونة هو معناها العرفي، و هو ما يغرمه المالك و ينفقه لأجل هذا المال، و منه البذر.

و قيّدها بعضهم بما يتكرّر في كلّ سنة. و فيه نظر، بل لا يبعد التعميم فيسقط ما يغرم في كلّ سنتين أو ثلاث أو أربع عليها بالنسبة.

و لا يحتسب من المئونة ما يتبرّعه متبرّع- من العمل أو بذل عين-؛ لعدم احتساب المنّة مئونة عرفا، و في البيان: لو أصدقها زرعا أخرجت منه ما قابل البضع [و هو مهر المثل] (2)و كذا لو خالعها على زرع أو ثمر (3).


1) في «ف» و «ج» و «ع»: القيد.

2) ما بين المعقوفتين من «م».

3) البيان: 179 و هذا المنقول عن البيان لا يرتبط بالمقام كما ترى، و هو انسب بما تقدم في المسألة 22.

مسألة [27]

لا خلاف بين العلماء، بل بين المسلمين- كما عن غير واحد- أنّ فيما سقي بالمطر أو النهر و نحوهما فيه العشر، و ما سقي بالنواضح و الدوالي ففيه نصف العشر، و الأخبار فيه أكثر من أن تحصى.

و الظاهر أنّ الضابط في ذلك- كما عن (1)الوسيلة (2)و الدروس (3)و عن المقنعة (4)و الجمل (5)و المنتهى (6)و مجمع الفائدة (7)-: [ما احتاج سقيه إلى مئونة، و ما لم يحتج أصل السقي إلى مئونة و إن توقّف السقي على حفر النهر و تنقيته (8)و غيرهما، لكن المعيار في ذلك احتياج أصل إيصال الماء إلى الزرع إلى العلاج


1) في «م»: في.

2) الوسيلة: 127.

3) الدروس 1: 237.

4) المقنعة: 236.

5) الجمل و العقود (الرسائل العشر): 203.

6) المنتهى 1: 498.

7) مجمع الفائدة 4: 107.

8) المراد: كري النهر.

و استغنائه عنه] (1)بل في المناهل: انّ ظاهرهم الاتفاق على هذا الضابط و إن اختلفت عباراتهم (2)بل عن المنتهى- بعد جعل المعيار افتقار السقي إلى المئونة و عدمه-: انّ عليه فقهاء الإسلام (3)ففي صحيحة زرارة و بكير، عن أبي جعفر عليه السلام: «قال- في الزكاة-: ما كان يعالج بالرشاء و الدوالي و النضح ففيه نصف العشر، و إن كان يسقى من غير علاج بنهر أو عين أو بعل أو سماء ففيه العشر» (4).

فإن الظاهر أنّ ذكر الخصوصيات من باب المثال- كما لا يخفى- و لو سقي بهما، فمع التساوي فنصف عشر و ربعه، و مع غلبة أحدهما فالعبرة بالأغلب اتّفاقا كما استظهر (5)و عن الرياض (6)تصريح جماعة بدعوى الإجماع، و عن المدارك (7)أنّ عليه علماءنا، و عن مجمع الفائدة (8)أنّ به عمل الأصحاب من غير ظهور المخالف. و عن الخلاف: دعوى الإجماع (9)عليه.

و يدلّ عليه- مضافا إلى ذلك-: حسنة معاوية بن شريح: «قلت:

فالأرض تكون عندنا تسقى بالدوالي، ثم يزيد الماء فتسقى سيحا؟ فقال: إنّ ذا ليكون عندكم كذلك؟ قلت: نعم، قال: النصف، و النصف؛ نصف بنصف العشر و نصف بالعشر. فقلت: الأرض تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء فتسقى السقية


1) جاء ما بين المعقوفتين في «م» بعد قوله: «عليه فقهاء الإسلام».

2) مصابيح الفقه (مخطوط).

3) المنتهى 1: 498.

4) الوسائل 6: 125 الباب 4 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 5.

5) في «ف» و «ج» و «م»: استظهره.

6) الرياض 1: 274.

7) المدارك 5: 148.

8) مجمع الفائدة 4: 118، و وردت العبارة في «ف» و «ج» و «ع» هكذا: من غير المخالفة.

9) الخلاف 2: 67 كتاب الزكاة، المسألة: 79.

و السقيتين سيحا؟ قال: كم تسقى السقية و السقيتين سيحا؟ قلت: في ثلاثين ليلة أو أربعين و قد مكثت في الأرض قبل ذلك ستة أشهر أو سبعة أشهر. قال: نصف العشر» (1).

و هل الاعتبار في الأغلبية بالأكثر عددا أو زمانا أو نفعا (2)أو نموّا؟ فيه أوجه و أقوال، أجودها: الأول؛ لأنّ ظاهر النص و الفتوى إناطة الفرق بالكلفة و عدمها، و هما يدوران مع العدد. و لا ينافيه ظاهر رواية معاوية المتقدّمة، حيث انه استفصل عن زمان تحقّق السقية و السقيتين لا عن عدد السقيات بالدوالي؛ إذ لا يخفى أنّ هذا (3)محمول على ما هو الغالب من أنّ أكثرية الزمان علامة أكثرية العدد، فاستفصاله في الحقيقة عن عدد سقيات الدوالي، مضافا إلى أنّ ظاهر كلام الراوي أنه مكثت الزرع ستة أشهر تسقى (4)بالدوالي و سقيت سيحا ثلاثين ليلة- كما لا يخفى.

و من هنا يظهر ضعف التمسك بالرواية لاعتبار الزمان- كما حكي استظهاره عنها عن جماعة (5)-، و أما استفادة الأكثر نموّا من الرواية كما استظهره الفخر في الإيضاح (6)نظرا إلى ظهور الرواية في ملاحظة زمان عيش الزرع و نموّه، فهو بعيد.

ثمّ إنه هل يكفي مجرّد الأكثرية الحقيقية الحاصلة بزيادة واحدة، أو


1) الوسائل 6: 128 الباب 6 من أبواب زكاة الغلات، الحديث الأول.

2) في «ف»: أو نفقة، و لم ترد الكلمة في «ع» و «ج».

3) في «م»: ذلك.

4) في «ف» و «ج» و «ع»: و تسقى.

5) منهم الشهيد في المسالك 1: 44 و البحراني في الحدائق 12: 123 و صاحب الرياض في الرياض 1: 274 و صاحب المدارك 5: 149 و النراقي في المستند 2: 31.

6) إيضاح الفوائد 1: 183.

العرفية التابعة للمقامات؟ فإنّ الأكثر من الثلاثة و الخمسة و الستّة- مثلا-، بل العشرة، تحصل عرفا بزيادة الواحدة، و أما الأكثر من الثلاثين و الأربعين فصدقه بمجرد زيادة الواحد لو سلّم، لكن انصراف إطلاق الأكثر إليه محلّ تأمّل (1)، بل منع. أم العبرة بالكثرة الملحقة للنادر بالمعدوم؟ وجوه: من صدق الأكثر حقيقة بزيادة الواحدة، و من انصراف الفتاوى و معاقد الإجماعات إلى الكثرة العرفية، و من أن عمدة الدليل هو النصّ، و المتيقّن منه: الأكثرية بالمعنى الأخير.

و يشهد له حكم الإمام عليه السلام بالتنصيف في الصورة السابقة مع المساواة الحقيقية من عدم تصريح السائل، و استفادة عدم الأكثرية المذكورة من ترك تعرّضه لها، كما تعرّض لها في السؤال الثاني.

حكي الأول عن ظاهر إطلاق المعظم، و فيه: انصراف الإطلاق الى غير ذلك، و لذا اختار المقدّس الأردبيلي (2)- في ظاهر كلامه المحكي-: الثاني، [حيث منع] (3)من تحقّق الكثرة بزيادة الواحد، و ظاهر بعض مشايخنا المعاصرين (4):

الثالث. و خير الأمور أوسطها؛ للإجماعات المستفيضة التي قد عرفت.

نعم لو كان الدليل منحصرا في الرواية، أمكن حمله على المتيقن من موردها، مع أنّ الاستشهاد الذي ذكرنا لهذا الاحتمال ممنوع؛ لاحتمال كون قوله:

«النصف و النصف» يحتمل (5)أن يكون مبتدأ، و قوله: «نصف بنصف العشر .. إلى آخره» خبر له، فيكون معناه: إنّ النصف المسقي بالدوالي و النصف المسقي سيحا، أولهما بنصف العشر و الثاني بالعشر (6)، و لأجل تخصيص الإمام الحكم بالتساوي تعرّض للسؤال ثانيا، فتأمل.


1) وردت العبارة في «م» هكذا: لكن لو سلم انصراف الإطلاق إليه محل تأمل.

2) مجمع الفائدة 4: 118.

3) ما بين المعقوفتين من «م».

4) الجواهر 15: 241.

5) كذا وردت العبارة.

6) في «ف»: بياض، و في «ع» و «ج»: العشر.

مسألة [28]

يستحب الزكاة في مال التجارة على المشهور سيّما بين المتأخرين (1)لأخبار كثيرة منها: قضية تخاصم أبي ذر و عثمان (2)و المراد بمال التجارة- على ما ذكره جماعة- (3): ما ملك بعقد معاوضة بقصد الاكتساب به عند التملك.

قيل: إنّ هذا اصطلاح فقهي، و فيه نظر، فإنّ الظاهر أنه معنى عرفي مستفاد من الأخبار الدالة على رجحان الزكاة في المال إذا اتّجر به (4)، فإنّ الظاهر من التجارة في العرف هو ما ذكر؛ فإنّ الظاهر من التجارة بالمال: المعاوضة عليه بقصد الاسترباح، فيخرج عن الحدّ المملوك بغير عقد المعاوضة، كالحيازة و الوراثة؛ فإنّ قصد بيع مثل ذلك و لو بأعلى القيم ليس استرباحا بما في يده، بل هو طلب لزيادة القيمة السوقية، و لذا (5)لا يسمّى تجارة عرفا.


1) انظر: الشرائع 1: 142 و نهاية الإحكام 2: 361 و الروضة البهية 2: 37 و غيرها.

2) الوسائل 6: 48 الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة الحديث الأول

3) منهم المحقق في الشرائع 1: 156 و العلّامة في نهاية الإحكام 2: 362 و الشهيد في الدروس: 1: 238 و راجع الجواهر 15: 259.

4) الوسائل 6: 45 و 48 الباب 13 و 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

5) في «ج»: و لهذا.

نعم لو نقله بعوض، و قصد نقل ذلك العوض بعوض أزيد قيمة من المنقول عنه كان تجارة، فصدق التجارة فعلا بعد النقل الأول عازما على الثاني.

و ربما يقال لما في يده قبل النقل: إنه مال التجارة إذا عزم على أن يتّجر به لكفاية أدنى ملابسة في الإضافة، لكن لا يقال: إنّه اتّجر به.

و مما ذكر يظهر الوجه فيما ذكروه من أنّ المراد بالمعاوضة ما يقوّم طرفاه بالمال، فما انتقل إليه بسبب خلع أو بضع أو حقّ غير مالي صالحه على المال، لا يسمّى «مال التجارة» إلّا على الوجه الذي ذكرنا من مناسبة العزم على الاتّجار به، لكن الظاهر أنه يشترط الماليّة في المكتسب به فقط دون ما ينتقل إليه في عوضه عازما على نقله إلى الغير بمال أزيد مما كان في يده، كما إذا صالح على ما في يده من المال بحقّ تحجير بقصد نقله إلى غيره بمال أزيد، فلا يبعد عدّها تجارة عرفا، إلّا أنّ شمول الإطلاقات لمثله مشكل جدا.

و مما ذكر يعلم اعتبار مقارنة قصد الملك للمعاوضة ليصدق (1)الاسترباح بما في يده، و إلّا فلو اشترى للقنية بمائة درهم ثمّ نوى بعد مدّة أن يبيع ما اشتراه بأزيد من المائة فلا يصدق على المائة أنه اتّجر بها، و لذا لا يجب زكاتها بعد انقضاء حول من زمن المعاوضة إجماعا، و لا يصدق مال التجارة على المتاع المشتري أيضا إلّا إذا عاوض (2)عليه بقصد أن يعاوض على عوضه بأزيد قيمة منه، و لو بنى على ذلك يصدق عليه أنه مال التجارة بما ذكرنا من أدنى (3)الملابسة، لكونها مشرفا (4)لورود التجارة عليه.

و أما معاوضته بأزيد من ثمنه الأول فليس يصدق عليه التجارة، فضلا عن


1) في «ج» و «ع»: ليقصد.

2) في «ف»: عارض.

3) في «ج» و «ع»: بأدنى.

4) كذا في النسخ.

مجرد قصد معاوضته بذلك.

و من هنا تبيّن أنه لو اشترى للقنية ثم نوى بيعه بأزيد من ثمنه، فلا يصدق عليه بمجرد ذلك أنه اتّجر به، و لا أنه مال التجارة- لا (1)حقيقة و لا مجازا- فدعوى وجوب الزكاة في هذا الفرض و عدم اعتبار نية الاكتساب مقارنة للتملك تمسكا بصدق مال التجارة عليه- كما ذهب إليه جماعة منهم المحقق (2)و الشهيدان (3)في غير البيان- ضعيف جدا، مع أنّ صدق «مال التجارة» لو سلّم لا يجدي؛ لأن الأخبار دلّت على اعتبار الاتّجار فعلا، كما يظهر من أخبار (4)مال اليتيم، حيث نفى الزكاة فيه إلّا أن يتّجر به، و قوله: «إذا عملت فعليه الزكاة» (5)و نحو ذلك.

و الحاصل: انّ النصوص و الفتاوى بين ما دل على ثبوت الزكاة في مال التجارة الذي قد عرفت أنه حقيقة في المال الذي ينتقل إليه بالتجارة، و بين ما دل على ثبوت الزكاة في المال الذي اتجر به، فمن الأول قوله عليه السلام- في رواية خالد بن الحجاج-: «ما كان من تجارة في يدك فيها فضل ليس يمنعك من بيعها إلّا لتزداد فضلا على فضلك فزكّه، و ما كان من تجارة في يدك فيها نقصان فذلك شي‌ء آخر» (6).

و في معناها أخبار كثيرة معلّقة لوجوب الزكاة فيما اشترى من المتاع بما


1) ليس في «ف»: لا.

2) المعتبر 2: 549.

3) الدروس 1: 238 و الروضة البهية 2: 37.

4) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

5) الوسائل 6: 47 الباب 13 من أبواب من تجب فيه الزكاة الحديث 8 و فيه: كل مال عملت به فعليك فيه الزكاة.

6) الوسائل 6: 47 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 5.

إذا وجد رأس ماله و طلب الزيادة، و لا ريب في ظهور ذلك فيما إذا كان الاشتراء للتجارة- كما لا يخفى.

و ظاهر أن مجرد نيّة بيعه بأزيد من ثمنه الذي اشتراه به للقنية لا يوجب صدق رأس المال على ذلك الثمن؛ لأنّ العبرة بصدق عنوان رأس المال عليه حال الاشتراء.

ثم لو سلمنا (1)إطلاق تلك الأخبار، لكن انصرافها إلى صورة قصد الاكتساب عند الاشتراء مما لا يخفى.

و من الثاني ما دلّ من الأخبار المستفيضة على نفي الزكاة رأسا في مال الصبي و المجنون إلّا إذا اتّجر به (2)، و المراد بالمال المتّجر به هو نوع ذلك المال الأعمّ من شخصه و بدله، و إلّا فشخص المال الذي يتّجر به يدفعه التاجر إلى بائع السلعة، فمرجع ما يتّجر به و مال التجارة إلى واحد.

و كيف كان، فلا يقال «مال اتجر به»، إلّا بعد تحقّق التجارة فعلا التي هي المعاوضة، فلا يصدق على المال الذي قصد بيعه بأزيد من ثمنه أنّه «مال التجارة» أو «مال اتّجر به» إذ لم تسبقه تجارة و لم تلحقه.

نعم قد يتخيّل (3)أنّ هنا عمومات تشمل مثل ذلك و إن كانت الأخبار المتقدّمة مختصّة (4)بما إذا انتقل إليه بالتجارة، و هو و إن أصاب في تسليم اختصاص تلك الأخبار بذلك- خلافا لصاحب المدارك (5)حيث تبع المحقق (6)و غيره في دعوى عموم بعض ما اشتمل على لفظ «رأس المال» أو ما في معناه


1) في «ف» و «ج» و «ع»: نعم لو تبين.

2) الوسائل 6: 57 الباب 2 و 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

3) الجواهر 15: 261.

4) في «ف» و «م»: مختصة الموارد.

5) المدارك 5: 166.

6) المعتبر 2: 548.

لمحل البحث- إلّا أنه لم يصب في دعوى عموم ما زعمه عاما، فمن ذلك قوله عليه السلام: «كلّ شي‌ء جرّ عليك المال فزكّه، و كلّ شي‌ء ورثته أو وهب لك فاستقبل به» (1).

و قوله عليه السلام- في رواية ابن مسلم (2)-: «كلّ مال عملت به فعليك فيه الزكاة»، قال يونس: تفسيره أنه كلما عمل للتجارة من حيوان فعليه فيه زكاته (3).

و لا يخفى أنّ الرواية الأولى إنما تدل على وجوب الزكاة في المال الذي يتّجر به؛ لأنّ المراد بالشي‌ء: النقد، بقرينة قوله: «و كل شي‌ء ورثته أو وهب لك (4)فاستقبل به» يعني: استقبل به الحول، و لا ريب أنّ الحول لا يستقبل إلّا في النقدين، فالمراد أنّ النقد الذي جرّ عليك المال- أي: صار سببا لجرّ المال عليك، بأن أعطيته ثمنا لشي‌ء يقوّم بأزيد منه- تجب فيه الزكاة و إن لم يحل الحول على عينه.

و لا ريب أنّه إذا نوى بيع ما اشتراه للقنية، فالقائل بوجوب الزكاة بعد حول الحول على ذلك المشتري من زمن نيّة بيعه بأزيد من ثمنه لا يقول بأنّها زكاة الثمن الذي اعطي ثمنا لذلك المشتري و صار سببا لجرّ المال، و هو المقدار الزائد من قيمة المشتري على ثمنه، فكون الزكاة زكاة لذلك الثمن الجارّ للمال لا يتحقّق إلّا إذا اعطي ثمنا لأجل الاكتساب بثمنه (5)، و هذا واضح بأدنى التفات.

و أما الرواية الثانية فهي بنفسها ظاهرة في معنى الرواية الاولى، و هو


1) الوسائل 6: 116 الباب 16 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث الأول.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: مسلم بن مسلم.

3) الوسائل 6: 47 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 8 و في النسخ: كلما عملت.

4) في «ف» و «م»: وهبته، و في «ج»: وهبت، و في «ع»: وهب.

5) في «ف»: لمثمنه.

ثبوت الزكاة في المال المعمول به، كما دلّ عليه الأخبار المستفيضة في مال اليتيم و غيره (1).

و أما تفسير يونس، فهو أيضا كذلك و إن كان يتوهم منه أنّ المراد به: ما عمل للتجارة و إن لم يتّجر به بعد، لكنه توهم ليس في محله، إذ ليس معنى «عمل للتجارة»: أعدّ لها، مع أنّ مجرد بيع شي‌ء بأزيد من ثمنه ليست تجارة- على ما عرفت- حتى يكون قصده نيّة التجارة و إعداد المال للتجارة.

فتحقّق ممّا ذكر أنّ القول بوجوب الزكاة- في محل البحث- ضعيف منفي بالأصل- بعد ما عرفت من اختصاص أدلّة زكاة مال التجارة بما إذا اشترى للتجارة- و لظاهر أخبار زكاة مال اليتيم الحاصرة لثبوت الزكاة فيه، فيما إذا اتّجر به و عمل به، و بإطلاق نفي الزكاة فيه إذا كان موضوعا؛ الشامل لما إذا طلب شي‌ء مما أخذه لغير الاكتساب بأزيد من ثمنه، فإنه يصدق عليه أنه مال موضوع.

نعم يمكن أن يستدل لكفاية مجرد قصد التجارة بموثقة سماعة، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: ليس على الرقيق زكاة إلّا رقيق يبتغي به التجارة، فإنه من المال الذي يزكّى» (2).

دلّت على كفاية ابتغاء التجارة بالمال، اللهم إلّا أن يدّعى انصرافه إلى ما يبتغي (3)- عند تملكه- التجارة به.

و كيف كان فالمسألة مشكلة، و الأصل دليل قويّ.

و أضعف من هذا القول ما مال إليه المحقق الأردبيلي (4)- بعد أن تردّد.


1) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

2) الوسائل 6: 52 الباب 17 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2.

3) في «ف»: ينبغي.

4) مجمع الفائدة 4: 132 و 134.

فيه المحقق في المعتبر (1)و إن جعل الأشبه خلافه، و جزم به بعض مشايخنا المعاصرين (2)إن لم ينعقد الإجماع على خلافه- من عدم اعتبار تملك المال بعقد (3)معاوضة، بل يكفي مطلق تملّكه، نعم قيّده شيخنا المعاصر (4)بما إذا كان المنتقل منه أخذه للتجارة.

و وجه ضعف هذا القول يظهر من ملاحظة الأخبار الدالّة على اعتبار رأس المال، كما اعترف به في المعتبر (5)، مضافا إلى أنّهم أجمعوا على اعتبار أن يطلب مال التجارة برأس المال و أزيد (6)، و لا يتحقّق هذا الشرط إلّا مع وجود رأس مال، إلّا أن يقال باختصاص هذا الشرط بصورة وجود رأس المال، و دعوى المعاصر (7)شمول رأس المال لما هو رأس المال عند المنتقل منه كما ترى.

و أما وجوب الزكاة في النماء و النتاج و الثمرة لمال التجارة فهو أيضا من حيث كونها أموالا حصل تملّكها بسبب عقد المعاوضة و إن لم ترد المعاوضة على نفسها، فالاستشهاد من شيخنا المعاصر (8)بذلك على عدم اعتبار انتقال المال بالمعاوضة أضعف من دعواه.

و أما ما ذكره من اشتراط طلب مال التجارة برأس المال، فالمراد به مجموع المال، لا خصوص كلّ جزء حتّى يقال (9)إن النماء ليس له رأس مال.


1) المعتبر 2: 548.

2) الجواهر 15: 260.

3) في «ف» و «ج» و «ع»: بقصد.

4) الجواهر 15: 261.

5) المعتبر 2: 548.

6) في «م» و «ع»: أو أزيد.

7) الجواهر 15: 264.

8) في «م» زيادة: أدام اللّٰه بقاءه.

9) في «ف» و «م»: لا يقال.

نعم لو حصل النقص في قيمة العين انجبر بالنماء كما يظهر من البيان (1).

ثم إنّ اعتبار قصد الاكتساب عند التملك وارد مورد الغالب من كون التملك مقارنا للقصد (2)، و إلّا فلو اشتري له فضولا فأجاز بعد سنة بقصد الاكتساب كفى و إن قلنا بكون الإجازة كاشفة؛ لأنّ الإجازة هي الأمر الاختياري الموجب لحصول التملّك من حينها أو من حين العقد- على القولين في الإجازة.

و لو اشترى معاطاة، فإن قلنا بكونها مملّكة، فلا إشكال في اعتبار مقارنة قصد الاكتساب لها، و إن قلنا بكونها مبيحة، فمقتضى القاعدة عدم وجوب الزكاة في هذا المال كالحج، و هذا من جملة ما يلزم القائلين بالإباحة دون الملك.

نعم لو التزم بترتب أحكام الملك عليه اعتبر القصد من حين أخذ المتاع، و إن قلنا بحصول الملك من حين تلف أحد العوضين، ففي تعيين (3)زمان القصد صعوبة.

و كيف كان، فالمعاوضة- في كلامهم، حيث أضافوا إليها العقد (4)- لا يشمل الفسخ و لو كان بقصد الاكتساب، نعم لو كان العقد بقصد الاكتساب بأن وقع على مالي تجارة ثم تفاسخا أو ترادّا لعيب، لم ينقطع حول التجارة.

ثم الشروط المذكورة للزكاة في مال التجارة ثلاثة:

الأول: النصاب، و قد ادعي (5)عليه اتفاق المسلمين، و يدلّ عليه: انّ المستفاد من أخبار هذه الزكاة (6)اتحادها مع زكاة النقدين من حيث النصاب


1) البيان: 188.

2) في «ف»: للعقد.

3) في «م»: تعين.

4) في «ف»: القصد.

5) انظر المعتبر 2: 546. و الحدائق 12: 146 و الجواهر 15: 265.

6) الوسائل 6: 45 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

و القدر المخرج، و حول (1)الحول، و لا شك في إفادتها لذلك، فمن نظر (2)فيها بتأمل يسير فلا يصغى إلى استشكال صاحب الحدائق (3)في استفادة ذلك من الروايات و دعواه أنها مطلقة، و منه يعلم انّ لمال التجارة نصاب ثان، أعني:

الأربعين درهما أو خمسة دنانير.

الثاني: اعتبار الحول من حين التجارة أو قصدها- على الخلاف- و هو أيضا مما لا خلاف فيه ظاهرا، و يدل عليه صحيحة محمد بن مسلم: «عن الرجل توضع عنده الأموال يعمل بها؟ قال: إذا حال عليه الحول فليزكها» (4).

و صحيحته الأخرى: «كلّما عملت به فعليك فيه الزكاة إذا حال عليه الحول» (5).

و لو ظهر في مال التجارة ربح أو نماء- كالنتاج و الثمرة-، فحكمه حكم السخال في اعتبار حول مستقل لها إذا بلغت النصاب الثاني، و إلّا ضم إلى الأصل عند انقضاء حوله، و لا يستأنف الحول من حين الضم؛ لما تقدّم في حول السخال (6).

قال في البيان: و نتاج مال التجارة منها على الأقرب؛ لأنه جزء منها (7)و وجه العدم أنه ليس باسترباح، فلو نقصت الأمّ ففي جبرانه نظر؛ من أنه كمال آخر، و من تولده منها. و يمكن القول بأنّ الجبر يتفرّع (8)على احتسابه من مال


1) في «ج» و «ع»: و حلول.

2) في «م»: لمن تنظّر.

3) الحدائق 12: 146.

4) الوسائل 6: 46 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3.

5) الوسائل 6: 47 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 8 مع اختلاف يسير.

6) راجع المسألة 16 في الصفحة 167.

7) البيان: 188.

8) في «م»: متفرع.

التجارة، فإن قلنا به جبر و إلّا فلا.

و ربما يقال: إنّ وجوب الزكاة في مثل النتاج و النماء- مع أنه ليس مالا ملك (1)بعقد معاوضة- يدل على عدم اعتبار انتقال المال بعقد المعاوضة، و فيه ما تقدّم.

نعم قد يستشكل في اشتراط حول مستقل للنماء باعتبار عدم عموم (2)فيما يدل (3)على اعتبار الحول بحيث يشمل النماء التابع للأصل سيّما مع عموم قوله عليه السلام: «كل شي‌ء جرّ عليك المال فزكّه» (4)، و ما ورد من أنّه: إذا ملك (5)مالا في أثناء الحول فعند تمامه يزكيهما جميعا (6)، و استشهد بهما (7)في الدروس (8)على استتباع حول الزرع للأصل.

و فيه: إنّ ما دلّ على اعتبار الحول إنما دلّ على اعتباره فيما يجب فيه الزكاة، كما يظهر من روايتي ابن مسلم (9)فإن قلنا بوجوب الزكاة في، النماء فلا محيص عن اعتبار الحول، و إلّا فلا بدّ من القول بعدم وجوب الزكاة فيه، و قوله عليه السلام: «كل شي‌ء جرّ عليك المال» و ما بعده لا يدل على وجه الاشكال، سيّما بعد تفسيرهما بأدلّة الحول- كما لا يخفى.

الثالث: وجود رأس المال طول الحول، فلو نقص منها في أثنائه- و لو


1) في «م»: يملك.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: عمومه.

3) في «م»: دل.

4) الوسائل 6: 116 الباب 16 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث الأول.

5) في النسخ: ملكت.

6) الوسائل 6: 116 الباب 16 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 2 نقلا بالمعنى.

7) في «ف» و «ج» و «ع»: لهما، و في «م»: بها، و ما أثبتناه هو الصحيح.

8) الدروس 1: 240.

9) الوسائل 6: 46 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3 و 8.

يوما- شيئا- و لو يسيرا- من جهة انخفاض السعر لم تجب الزكاة إجماعا، كما في المعتبر (1)و عن المنتهى (2)، و يدلّ عليه الأخبار (3). نعم روي أنه إذا مضى عليه أحوال على النقيصة زكّاه لسنة واحدة استحبابا (4).

و هل يشترط في زكاة مال التجارة بقاء عين السلعة لحول- كما في المالية- أم لا يشترط، فتثبت الزكاة و إن تبدلت أعيان مال التجارة؟

ظاهر المحقق في الشرائع (5)و صريحه في المعتبر (6)ذلك، و هو المحكي (7)عن ظاهر المفيد (8)و الصدوق (9).

و الأقوى عدمه؛ لأن الأخبار دلّت على ثبوت الزكاة فيما يتّجر به و يعمل به و فيما يضطرب به من الأموال، و لا ريب أنّ ما يعمل به ليس المراد شخصه؛ لأنه يدفعه التاجر إلى صاحبه الذي يعامل معه، فالمراد الأعم منه و من بدله، فالزكاة في الحقيقة بالمال المتقلّب به في التجارة لا بشخص ما اشتراه للتجارة، نعم مورد بعض الروايات: إنّ المتاع الذي يبقى حولا إن طلب برأس ماله أو أزيد ففيه الزكاة (10)، و ظاهر اختصاص (11)المورد- سيّما لأجل اختصاص مورد السؤال- لا يوجب تخصيص العمومات.


1) المعتبر 2: 550.

2) المنتهى 1: 508.

3) الوسائل 6: 46 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

4) الوسائل 6: 47 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة الحديث 6 و 9.

5) الشرائع 1: 157.

6) المعتبر 2: 550.

7) حكى عن ظاهرهما في الحدائق 12: 147.

8) المقنعة: 247. و في «ف»: الشهيد.

9) الفقيه 2: 20 ذيل الحديث 1602.

10) الوسائل 6: 45، الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

11) في «ع»: ان اختصاص.

مسألة [29]

اختلف في تعلّق الزكاة في مال التجارة (1)بالعين أو القيمة، فالمشهور- كما قيل (2)- على الثاني، و الفاضلان قدّس سرّهما في المعتبر (3)و محكي التذكرة (4)على الأول، و تبعهم جمع من متأخري المتأخرين (5)، و الحق أنّ المراد بتعلّقها بالعين: تعلّقها على نحو تعلّق (6)الزكاة الواجبة بحيث يحدث عند حلول (7)الحول مشاركة للفقراء في العين، فهذا المعنى لا يتصور على القول باستحباب زكاة مال التجارة.

و إن أريد به ما قدّمنا تقويته، من أنّ معنى تعلّقها بالعين استحقاق الفقير لأن يدفع إليه من المال قدر خاص، فهذا المعنى يتصور (8)على القول بالاستحباب كما في الزكاة المستحبة فيما عدا الغلّات من الحبوب مع الاتفاق على تعلّقها بالعين، و حينئذ فإمّا أن يراد بهذا الاستحقاق: استحقاق دفع جزء من عين


1) في «ف» و «ج» و «ع»: زكاة مال التجارة.

2) الحدائق 12: 150.

3) المعتبر 2: 550.

4) التذكرة 1: 228.

5) منهم صاحب المدارك في المدارك 5: 174 و الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1: 203 و النراقي في المستند 2: 43.

6) ليس في «ف» و «ع» و «ج»: تعلق.

7) في «م»: حول.

8) في «م»: متصور.

مال التجارة- أعني ربع العشر- و إما أن يراد: استحقاق دفع ربع عشر من قيمة العين، شبيه استحقاق المجنيّ عليه الدية من قيمة العبد، و الديان حقوقهم من تركة الميت، فهذه وجوه ثلاثة في كيفية التعلّق بالعين.

و أما تعلّقها بالذمة، فهو بمعنى استحقاق الفقراء ما يوازي ربع عشر من مال (1)التجارة في ذمة المكلّف، و هذا الوجه بعيد عن ظاهر الأدلة- مثل قوله عليه السلام: «في كلّ ألف درهم خمسة و عشرين» (2)- من عمومات زكاة الأموال.

و ما ورد في خصوص مال التجارة من قوله عليه السلام- في الأموال المعمول بها-: «إذا حال عليها الحول فليزكها» (3).

فإنّ تزكية المال التي تعلّق بها الوجوب- في الأموال- التسعة، و الاستحباب في غيرها هو إخراج الزكاة منه أو ضمانه بإخراج بدله.

و كذا ظواهر ما دلّ على ثبوت الزكاة في مال التجارة؛ فإنّ قوله عليه السلام:

«ليس في مال اليتيم زكاة حتى يعمل به، أو يتّجر» (4)يدلّ على أنّ الثابت مع التجارة (5)الظرفية المنفية بدونها.

و أما الوجوه الثلاثة في التعلّق بالعين: فالأول منها قد عرفت (6)ما يخدشه في الزكاة الواجبة، و أنّه لا يتعقّل في المندوبة (7).

بقي الأخيران، و الأظهر أخيرهما، لأن تعلّق الزكاة بمال التجارة باعتبار كونه مالا، لا باعتبار عنواناته (8)الشخصية- ككونه ثيابا أو سمنا أو زيتا-،


1) في «م»: عشر قيمة مال.

2) الوسائل 6: 99 الباب 3 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 4 و ليس فيه: درهم.

3) الوسائل 6: 46 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3.

4) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول.

5) ليس في «ف»: مع التجارة.

6) راجع الصفحة 203.

7) في «ف» و «ج» و «ع»: لا يتعلق بالمندوبة.

8) في «ف»: عنوانه.

فالمأمور بالإخراج منها هو حصة من المال المقابل لهما، المعبّر عنه بالقيمة التي لا بد أن تكون من النقدين، اللّذين هما المعيار شرعا و عرفا في معرفة مقدار مالية الأشياء.

و ينبّه (1)على ما ذكرنا: ما ذكر من قوله- في عدّة روايات-: «في كل ألف خمسة و عشرين» (2)فإنه كما يدلّ على أنّ في الألف من عين المال خمسة و عشرين كما في النقدين، فكذا يدل على أنّ في الألف الموجود في الأمتعة باعتبار تقوّمها به خمسة و عشرين من ذلك الألف الموجود فيها الملحوظ باعتبار التقويم، و لا يمكن الجمع بين زكاة التجارة و زكاة النقدين في مدلول هذه الروايات إلّا بما ذكرنا.

و دعوى اختصاصها بمال النقدين خلاف الظاهر، فإنّ وجوب إخراج ربع العشر في زكاة التجارة و إن كان مجمعا عليه (3)إلّا أنّ الظاهر استناده إلى مثل هذه الروايات.

و يؤيد ما ذكرنا: اعتبار النصاب بالنقدين.

و يؤيّد ما ذكرنا- أيضا-: أنّ الزكاة إنّما تتعلّق بما حال عليه الحول، و قد عرفت أنّ الأقوى عدم اشتراط بقاء شخص المتاع طول الحول، فالزكاة تتعلّق بالقدر المشترك بين أشخاص الأمتعة الموجودة في الحول، و ليست مشتركة إلّا من حيث القيمة البالغة نصابا الموجودة في الجميع، فالزكاة تتعلّق بذلك المشترك الذي اشترط بقاؤه طول الحول و بلوغه نصابا.

و اعلم انّ ظاهر ما دلّ على اعتبار بقاء رأس المال طول الحول- كما عن المحقق (4)و العلامة (5)و من تأخّر عنهما-: هو كون الاعتبار في تقويم المتاع


1) في «ف» و «ع» و «ج»: و فيه.

2) انظر الوسائل 6: 99 الباب 3 من أبواب زكاة الذهب و الفضة.

3) كذا في «م»، و في غيره زيادة: المسلمون.

4) المعتبر 2: 550.

5) المنتهى 1: 508.

بملاحظة (1)بقاء رأس المال و عدمه، و هو (2)تقويمه برأس المال الذي وقع الاتجار به في أول الحول، فإن كان مالا حقيقيا محضا كأحد النقدين، فلا حاجة إلى تقويمه (3).

[و إن كان عرضا قوّم بالغالب من النقدين- كما في البيان (4)و المدارك (5)- لأنّه المناط في معرفة مقدار ماليّة الأجناس] (6).

فلو باع المتاع في الحول بدنانير و كان رأس المال الذي اشترى به دراهم، قوّم الدنانير دراهم أوّل حول (7)رأس المال- الدراهم (8)-، صرّح به (9)في الدروس (10).

و التحقيق: انّ رأس المال إنما يلاحظ من حيث البقاء في الحول و عدمه بالشي‌ء الذي اشترى به مال التجارة إن لم يكن من النقدين و إلّا فبنفسه، و تقويم مال (11)التجارة بنقد آخر غير ما اشترى به لا يعرف منه بقاء رأس المال و عدمه، كما لو كان الثمن مائتي درهم و قوّم مال التجارة- الباقي في الحول-


1) في «م»: لملاحظة.

2) في النسخ: هو، و في «م» و هو، لكن الظاهر انه مشطوب على الواو.

3) في «م»: التقويم.

4) البيان: 189.

5) المدارك 5: 176.

6) ما بين المعقوفتين جاء في «ف» و «ج» و «ع» بعد قوله: صرّح به في الدروس.

7) في «ج»: أول الحول، و هذه العبارة غير موجودة في «ع» و محلها بياض في «ف» و «م» و كتب الناسخ في هامش «م»: سقط من نسخة الأصل بمقدار البياض.

8) في «ع» كتب الناسخ على كلمة «الدراهم»: زائد.

9) في «م»: بذلك.

10) الدروس 1: 239 و فيه: فلو اشترى بدراهم و باعها بعد الحول بدنانير قوّمت السلعة بدراهم، و لو باعها قبل الحول قوّمت الدنانير دراهم عند الحول.

11) في «ف»: و يقوم بمال. و في «ج» و «ع»: يقوم مال.

بثلاثين دينارا، فإنه لا يعلم بقاء مائتي الدرهم (1)الذي هو رأس المال إلّا بعد تقويم المتاع بالدرهم، و تقويمه بالدينار لا يفيد إلّا إذا رجعنا و قايسنا الدينار بالدرهم (2)أيضا.

و أما معرفة النصاب فالظاهر أنّه يكفي فيه بلوغ مال التجارة نصابا باعتبار قيمته التي هي أعم من الدرهم و الدينار، فيجب الزكاة إذا بلغه بأحدهما، و لا دخل في ذلك للثمن (3)الذي اشترى به المتاع.

نعم لو قلنا بأنّ هذه الزكاة هي زكاة رأس المال، كما يستفاد من ظاهر بعض الأخبار مثل قوله عليه السلام: «كلّ مال عملت به ففيه الزكاة» (4)، و ما ورد في أنه: «ليس في مال اليتيم زكاة إلّا أن يتّجر به» (5)و نحو ذلك، فالمعتبر حينئذ بلوغ رأس المال نصابا، اتّجه التفصيل بين كون رأس المال من أحد النقدين فيعتبر هو بنفسه، حتى أنّه لو كان رأس المال مائتي درهم و تسعة عشر دينارا لم يجب في المال إلّا زكاة الدراهم دون الدنانير و إن كان قيمة المتاع المشتري تبلغ أربعمائة درهم، لكن الظاهر انّ متعلّق الزكاة هو مال التجارة، كما يظهر من كلمات الأصحاب دون رأس المال.

و المراد بقوله عليه السلام: «كل مال عملت به» هو المال بعد تحقق وصف العمل به، و هو الكلي الباقي إلى آخر الحول، دون شخص رأس المال، و حينئذ فإذا اشترى بمائة و ثمانين درهم متاعا يسوى عشرين دينارا (6)لكون كلّ دينار


1) في «م»: درهم.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: بالدراهم.

3) في «ف»: الثمن.

4) الوسائل 6: 47 الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 8.

5) الوسائل 6: 57 الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

6) في «ف» و «ج» و «ع»: درهما، و الظاهر انه سهو.

تسعة دراهم، جرى في الحول من حين التملك للاكتساب.

هذا ما خطر في الذهن في أول النظر و المسألة بعد تحتاج (1)إلى تأمّل.


1) في «ف» و «ج» و «ع»: تحتاج بعد.

مسألة [30]

إذا قارض ألفا فربح ألفا، فلا إشكال في وجوب زكاة أصل مال التجارة على المالك عند اجتماع الشرائط، و لا في وجوبها في حصته من الربح إذا (1)بلغ النصاب الثاني و حلّ عليه حول (2)من حين ظهوره و إن كان في صدق مال التجارة على النماء تأمّل، إلّا أنّ الظاهر أنّه يصدق عليه أنّه مال ملك بعقد (3)معاوضة لأجل الاكتساب به و لو في ضمن الأصل، و قصد الاكتساب به و لو لم يقصد الاكتساب بالربح عند المعاوضة على الأصل فالظاهر أنّه لا يقدح، بناء على أنّ زمان تملّك النماء زمان ظهوره، و هو لا يحتاج (4)إلى معرفة زمان الظهور لتحقق النية عنده، بل قصد الاكتساب بالعين في زمان حدث فيه الربح في نفس الأمر كاف.

نعم لو قلنا: إنّ زمان تملك الربح زمان تملك العين فيملكه حينئذ، بمعنى أنّه يظهر في ملكه لا أنّه يملكه إذا ظهر؛ و لذا يجوز مصالحة الثمرة المعدومة- بل


1) في «ف» و «ع» و «ج»: في حقه إذا.

2) في «م»: و حال عليه الحول.

3) في «ف» و «ج» و «ع»: بقصد، و في «م»: ملكه بعقد.

4) كذا في «ع»، و في سائر النسخ: و لا يحتاج.

بيعها- بضميمة الموجود (1)، بل قيل بجوازها منفردة أزيد من عام، (2)فيعتبر- حينئذ- القصد عند المعاوضة على الأصل بأن يقصد التجارة به و بنمائه، و هذا القصد في المتّصل يتحقّق تبعا، و أما في المنفصل كالثمرة و النتاج، [فالاكتفاء بحصول نية الاكتساب عليه بالاكتساب] (3)بالأصل غير واضح، نعم لو قلنا بعدم اعتبار مقارنة نية الاكتساب بالتملك كما نبّه (4)عليه جماعة (5)فلا إشكال.

و أما حصة العامل من الربح، فإن قلنا: إنّ العامل لا يملك الحصّة بل يستحق الأجرة، فلا إشكال في عدم وجوب الزكاة على العامل و وجوبها على المالك؛ لأن اجرة العامل- حينئذ- كالدين عليه لا يمنع (6)الزكاة.

و إن قلنا بتملكه بمعنى ترتّب بعض أحكام الملك عليه كإنفاق مقدار حصته بمن (7)ينفق عليه إذا اشتراه من مال القراض، لا الملك الحقيقي، و لهذا لا يملك ربح الربح، و لا يستحق من ربح ثلاثين في (8)عشرة، ثم ربح عشرين في مجموع الأربعين إلّا ثلث مجموع الربح، و هو الخمسون لا عشرين منه، فلا زكاة أيضا؛ إذ لا زكاة إلّا على مالك.

و هل يكون على المالك؟

فيه إشكال، ينشأ: من أن الجميع ملكه، و من أنه ممنوع من التصرف فيه؛ لتأكد حق العامل فيها.

و إن قلنا بتملكه للحصّة حقيقة، و انّ عدم تملك ربح الربح لموانع؛ منها: انّه يلزم على


1) في «م»: الموجودة.

2) المقنع (الجوامع الفقهية): 31، و راجع مجمع الفائدة 8: 200.

3) في «م»: بدل ما بين المعقوفتين ما يلي: فالاكتفاء به بحصوله في نيّة الاكتساب به بنية الاكتساب.

4) ليس في «م»: نبّه.

5) الحدائق 12: 146، و الجواهر 15: 260.

6) في «ف» و «ج» و «ع»: لا ينفي.

7) في «م»: ممن.

8) ليس في «ج» و «ع»: في.

المالك أن يستحقّ بالشرط الذي وقع منهما من استحقاقه حصّة خاصة خلاف مقتضى ذلك، و هو استحقاق الأزيد، فإن قلنا بأنّ الملك موقوف على .. (1)أو القسمة (2)أو الفسخ، فلا زكاة أيضا؛ و إن قلنا بكون هذه الأمور كاشفة عن تملكه عند الظهور.

و الظاهر أنّ زكاتها لا يجب على المالك أيضا؛ لأنه غير مالك، لأنه مع البقاء للعامل و مع التلف فيقدّم (3).

و إن قلنا بملكه حقيقة بالظهور ففي الزكاة (4)فيه أيضا إشكال، من حيث عدم تمامية الملك لتزلزله باحتمال طروّ الخسران الموجب لمقابلته به، لكون الربح وقاية لرأس المال.

و الظاهر (5)أنّ أصالة عدم طروّ (6)الخسران لا يرفع التزلزل؛ لأن معنى التزلزل هو كونه في مقابل الناقص على تقدير تحقق الخسران، و هو المعبّر عنه بالوقاية، فهي وقاية بالفعل (7)قطعا، و إن لم يكن تداركا فعليا قبل الخسران، فهو أدون من مال الرهن، إلّا أن يحكم بالوجوب من حيث تسلّطه على رفع هذا التزلزل بالفسخ و نحوه، مع أنّ المانع من وجوب الزكاة هو التزلزل من حيث الحدوث لا من حيث البقاء، و لهذا لا يمنعها جواز العقود المملكة للنصاب و أشرافها على رجوع المالك، و ما نحن فيه من هذا القبيل بعد حكم الشارع بأنّ الخسارة ترد على الربح و التزامهما بذلك، كما لا اشكال من جهة كونه مالا


1) في «ف» و «ع» و «ج» بياض بمقدار كلمة، و لعلها: «الإنضاض».

2) في «م»: أو القيمة.

3) في «م»: فينعدم أيضا.

4) في «م»: وجوب الزكاة.

5) في «ج» و «ع»: بدل «و الظاهر»: «و أيضا».

6) في «ف»: ظهور.

7) في «ع»: فهي في وقاية بالفعل، و في و «م»: فهي وقاية الفعل.

مشتركا، إذ الشركة لا تمنع الزكاة.

إنّما الكلام في تحقّق الأمر بالإخراج من نفس المال، أو بالأداء من الخارج، الظاهر هو الأول؛ لإطلاق الأمر بالإخراج.

ثمّ الظاهر أنّ زكاة حصة العامل يحسب من نصيبه، لا أنه من قبيل المؤن اللاحقة للمال الموضوعة من أصل الربح، كما أنّ زكاة حصّة المالك إذا أخرجها من المال تجب عليه من الأصل و الربح بالنسبة. و استقرب المصنّف (1)في محكي النهاية أنّها إذا أخرجت من العين فهي كالمؤن لا تحتسب على العامل (2).


1) في هامش «ف» و مصححة «ع»: العلامة ظ.

2) نهاية الإحكام 2: 374.

مسألة [31]

الأقوى كون المسكين أسوأ حالا من الفقير و ان كان مشاركا للفقير في عدم تملّك ما يكفيه [فهو من لا يملك شيئا كما في البيان (1)و غيره (2)أو مالا] (3)وفاقا للمحكي عن جماعة من القدماء و جمهور المتأخرين (4)، و عن الغنية (5):

الإجماع عليه، و هو المحكي عن جماعة من أهل اللغة، بل عن بعض العبائر (6):

انه المشهور (7)بينهم، لمساعدة العرف، و لصحيحة ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: «إنّ الفقير الذي لا يسأل الناس، و المسكين أجهد منه الذي يسأل» (8).


1) البيان: 193 و فيه من لا يملك شيئا يعتدّ به.

2) النهاية: 184 و الغنية (الجوامع الفقهية): 506، و اشارة السبق (الجوامع الفقهية): 125.

3) ما بين المعقوفتين ليس في «م».

4) لم نقف فيما بأيدينا من الكتب على عين التعبير، نعم في بعضها: «ان المسكين من لا شي‌ء له» أو «المسكين أسوأ حالا» انظر الرياض 1: 278 و المدارك 5: 191 و الروضة البهية 2: 42 و الحدائق 12: 155 و غنائم الأيام: 329.

5) الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

6) حكاه في الغنية (الجوامع الفقهية): 506، و انظر المدارك 5: 190 و الجواهر 15: 300. و راجع النهاية لابن الأثير 2: 385، و لسان العرب 6: 1314 مادة (سكن).

7) لم نقف عليه، نعم في الجواهر 15: 300 ما يلي: فلا ريب في كونه المعروف بين أهل اللغة.

8) الوسائل 6: 144 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

و حسنة أبي بصير بالكاهلي (1).

و يؤيّد ما ذكر: انّ المسكين من المسكنة و هي الذلّة، فقد أخذ فيه- مضافا إلى الحاجة المأخوذة فيه و في الفقر- تحقق الذلّة الزائدة على أصل الفقر، و ليس المراد مطلق الذلّة، بل الذلّة من حيث الفقر، فحاصله يرجع إلى فقير يذلّ (2)، فهو أخصّ من مطلق الفقر، خلافا للمحكي عن جماعة (3)فقالوا بالعكس، و كون الفقير أسوأ حالا مستدلّين على ذلك بما لا ينهض حجّة.

ثم إنّ المحكي عن جماعة و المصرّح (4)به في الروضة: الإجماع على دخول أحدهما في الآخر إذا انفرد (5)، و في البيان- بعد ما حكى عن الشيخ (6)و الراوندي (7)و الفاضل (8)دخول أحدهما في إطلاق لفظ الأخر- قال: فإن أرادوا به حقيقة ففيه منع، و يوافقون على أنّهما إذا اجتمعا- كما في الآية- يحتاج إلى فصل مميّز بينهما. انتهى (9).

و حاصل ذيل كلامه: انّه (10)إذا وافقوا في ثبوت المميّز مع اجتماعهما في الذكر، فليس في صورة الانفراد ما يوجب إرادة القدر المشترك منهما (11)إذا أطلق،


1) الوسائل 6: 144 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

2) في «م»: فقر مذل.

3) منهم الشيخ في المبسوط 1: 246، و ابن إدريس في السرائر 1: 456 و ابن حمزة في الوسيلة: 128.

4) في «م»: كما صرح به، و في «ف»: المصرح به.

5) الروضة البهية 2: 42 و وردت الكلمة في «م» هكذا: انفردا.

6) المبسوط 1: 246.

7) لم نقف عليه.

8) نهاية الإحكام 2: 379.

9) البيان: 193.

10) في «م»: انهم.

11) في «م» و «ع»: من كل منهما.

و قد استشكل في كفّارات القواعد في إجزاء إطعام الفقراء عن المساكين إذا لم نقل بأن الفقير أسوأ حالا (1)، و كذا في الوصية (2)، و اختار في الإيضاح (3)و محكي جامع المقاصد (4)- في الوصية-: عدم الدخول، و لم يرجّح في وصية الدروس (5)شيئا، إلّا أن الظاهر (6)المستفاد من الأخبار هو ما ادّعي عليه الإجماع؛ إذ لا ريب في شمول لفظ الفقير للمسكين حيثما (7)أطلق، و كذا الظاهر أنّ المسكين إذا أطلق فيراد به الذليل بذلّ الفقر (8). نعم إذا اجتمع مع الفقير فيراد به الذليل بذلّ زائد على أصل الفقر، و به يصير أسوأ حالا (9).


1) قواعد الاحكام 2: 148.

2) قواعد الأحكام 1: 294 و فيه: و لو أوصى للفقراء دخل فيهم المساكين و بالعكس على اشكال.

3) إيضاح الفوائد 2: 497.

4) جامع المقاصد 10: 78.

5) الدروس: 244 (الطبعة القديمة).

6) ليس في «ف»: الظاهر.

7) في «ف» و «ج» و «ع»: فيما.

8) في «ف» و «ج»: الفقير.

9) ليس في «ج» و «ع» و «م»: حالا.

مسألة [32]

المشهور بل المحكي عن عامة أصحابنا (1)عدا نادر: انّ الفقير من لا يقدر على مئونة سنة له و لعياله الواجبي النفقة، فهنا مسائل ثلاث:

الاولى (2): أن لا يكون له قوت السنة، و يدلّ على جواز أخذه الزكاة [مضافا إلى صدق الفقير عليه عرفا] (3)مفهوم الرواية المحكية عن المقنعة من رواية يونس بن عمار: «قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: يحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، و يجب الفطرة على من عنده قوت السنة» (4)، و ليس من مجرّد (5)مفهوم الوصف؛ لورود الوصف في مقام التحديد المناسب لأن يكون جامعا مانعا.

و يدلّ عليه فحوى ما سيجي‌ء من الأخبار الدالّة على جواز الأخذ لمن له رأس مال لا يحصل كفاية سنته، و قد خالف هنا من قال بحرمة الزكاة على من ملك أحد النصب في النقدين أو قيمته، و مستنده ضعيف و هو نادر.


1) في «ف»: جماعة من أصحابنا.

2) ليس في «ف» و «ج» الاولى.

3) ما بين المعقوفتين من «م».

4) الوسائل 6: 160 الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 10. و راجع المقنعة: 248.

5) في «ف» و «ج» و «ع»: بمجرد.

الثانية: أن يكون عنده قوت سنة واحدة و إن لم يملك أزيد من ذلك و لا يقدر على تحصيله، كأن وهب لفقير أو اعطي من الزكاة ما يكفيه لسنة لا غير، و يدل على تحريم أخذه للزكاة- [مضافا إلى] (1)منطوق الرواية المتقدّمة-: التعليل في المحكي عن العلل بطريق حسن بابن هاشم، صحيح (2)إلى صفوان بن يحيى، عن علي بن إسماعيل: «قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن السائل و عنده قوت يوم أ يحل له أن يسأل؟ و لو اعطي شيئا من قبل أن يسأل يحل له أن يقبله؟ قال:

يأخذ و عنده قوت شهر ما يكفيه لسنته؛ لأنها إنما هي من سنة إلى سنة» (3).

فإنّ ظاهرها انّ العلة في جواز أخذ كفاية السنة انّه لو منع من ذلك يبقى محتاجا في بعض السنة، فدلّ بمفهومه (4)على أنّ من عنده كفاية السنة لا يجوز له أن يأخذ.

و نحوها حسنة أخرى بابن هاشم محكية عن معاني الأخبار، عن أبي جعفر عليه السلام: «قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم: لا تحل الصدقة لغني، و لا لذي مرّة سوي، و لا لمحترف، و لا لقوي، قلنا: ما معنى هذا؟ قال: لا يحل له أن يأخذها و هو يقدر على ما يكف به نفسه عنها» (5).

فإنّ واجد مئونة السنة قادر على ذلك، إذ ليس المراد القدرة على التكفف (6)عن زكاة السنين المستقبلة.


1) ما بين المعقوفتين من «م».

2) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: صحيح.

3) علل الشرائع 2: 371 الباب 97، الحديث الأول و فيه: و ما يكفيه، و الوسائل 6: 160 الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7.

4) بمفهومه: من «م».

5) الموجود في المعاني: 262، روايتان بهذا المضمون عن أبي جعفر و عن الصادق عليهما السلام و ليس في إسنادهما إبراهيم بن هاشم، و راجع الوسائل 6: 160، الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة.

6) في «ج» و «ع»: المتكفف.

و المحكية عن السرائر، عن شيخه ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن سماعة: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الرجل يكون عنده العدّة للحرب و هو محتاج أ يبيعها و ينفقها على عياله، أو يأخذ الصدقة؟ قال: يبيعها و ينفقها على عياله» (1).

ثم إنّ المخالف في هذه المسألة غير معثور عليه، عدا ما ربما نسبه في المفاتيح (2)إلى ظاهر عبارة المبسوط (3)من أن الفقير من لم يكن قادرا على كفاية مئونته و مئونته من يلزم كفايته على الدوام، حيث انّ ظاهر العبارة عدم ارتفاع الفقر بأن يملك مئونة سنة واحدة، لكن الظاهر رجوع هذا القول إلى قول المشهور، و لذا جعل في المختلف (4)المراد بالدوام السنة و احتمل غير واحد (5)رجوع القيد إلى قوله: من يلزم كفايته، و على تقدير الظهور فالقول ضعيف.

الثالثة: أن يكون له ما يكفيه لسنة إلّا انّ شغله الاكتساب بها، فيكون ما في يده نقدا أو غيره الوافي مئونة سنة بمنزلة الآلة لصنعته و حرفته، و الظاهر أيضا جواز أخذه للزكاة أيضا على المشهور، بل في الرياض: انه لم يجد فيه خلافا (6)، و عن الأردبيلي نسبته إلى صريح الأصحاب؛ للأخبار المستفيضة (7)(8):

منها: المحكية عن الفقيه بإسناده عن أبي بصير: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن رجل له ثمانمائة درهم و هو رجل خفّاف و له عيال كثير، أ له أن يأخذ


1) السرائر 3: 590، الوسائل 6: 163 الباب 10 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

2) المفاتيح 1: 204.

3) المبسوط 1: 256.

4) المختلف: 183.

5) انظر مفتاح الكرامة 3: 133 (كتاب الزكاة) و الجواهر 15: 308.

6) الرياض 1: 279.

7) مجمع الفائدة 4: 153.

8) في «م»: للمستفيضة بدل للأخبار ..

من الزكاة؟ قال: يا أبا محمد أ يربح في دراهمه ما يقوّت به عياله و يفضل؟ قلت:

نعم. قال: كم يفضل؟ قال: لا أدري. قال: إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة، و إن كان أقل من نصف القوت فعليه الزكاة، قال:

قلت: فعليه في ماله زكاة تلزمه؟ قال: بلى. قال: قلت: كيف يصنع؟ قال: يوسّع بها على عياله في طعامهم و شرابهم و كسوتهم، و يبقي منها شيئا يناوله غيرهم، و ما أخذ من الزكاة فضّه على عياله حتى يلحقهم بالناس» (1).

و موثقة سماعة: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الزكاة هل تصلح (2)لصاحب الدار و الخادم؟ فقال: نعم إلّا أن يكون داره دار غلّة فيخرج له من غلتها دراهم يكفيه له و لعياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه و عياله في طعامهم و كسوتهم و حاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، و إن كان غلتها تكفيهم فلا» (3).

و ما عن الكافي، عن القمي، عن أبيه، عن إسماعيل بن عبد العزيز، عن أبيه: «قال: دخلت أنا و أبو بصير على أبي عبد اللّٰه عليه السلام فقال له أبو بصير: إنّ لنا صديقا .. إلى أن قال: إنّ العباس بن الوليد بن صبيح له دار تسوى أربعة آلاف، و له جارية، و له غلام يستقي على الجمل كل يوم ما بين الدرهمين إلى أربعة سوى علف الجمل، و له عيال، أ له أن يأخذ من الزكاة؟ قال: نعم، قلت: و له هذه العروض؟ قال: يا أبا محمد فتأمرني أن آمره ببيع داره و هي عزّه و مسقط رأسه؟

أو ببيع خادمه التي تقيه الحر و البرد، و تصون وجهه و وجه عياله، أو آمره أن يبيع غلامه و جمله و هو معيشته و قوته!؟ بل يأخذ الزكاة و هي له حلال و لا يبيع داره


1) الفقيه 2: 34 الحديث 1630، و الوسائل 6: 159 الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

2) في النسخ: تصح، و ما أثبتناه من المصدر.

3) الوسائل 6: 161 الباب 9 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

و لا غلامه، و لا جمله» (1).

و صحيحة معاوية بن وهب: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام: عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم و له عيال، و هو يحترف بها فلا يصيب نفقته فيها، أ يكبّ فيأكلها و لا يأخذ الزكاة؟ أو يأخذ الزكاة؟ قال: لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوّت بها نفسه، و من وسعه ذلك من عياله و يأخذ البقية من الزكاة، و يتصرّف بهذه لا ينفقها» (2).

و لا يبعد أن يكون متن الرواية: «و يأخذ للبقية من الزكاة» أي لبقية عياله الذين لا يسعهم فضل ماله، كما في رواية هارون بن حمزة حيث قال: «فلينظر ما يستفضل منها فليأكل هو و من يسعه ذلك، و ليأخذ لمن لم يسعه من عياله» (3)و في دلالتها حينئذ على المطلب نظر، و فيما تقدّم من الأخبار المعتضدة بالشهرة غنى عنها.

ثم إنّ ظاهر الأخبار المتقدّمة- على ما صرّح به بعض و حكاه عن غيره (4)- هو اعتبار الاستنماء الفعلي في المال المستثنى من الكفاية، لا مجرد قابلية الاستنماء، فمن كان له مال يشتغل بها و يكفيه لسنته فلا يحل له الزكاة، كما هو ظاهر الأخبار المتقدّمة في المسألة الثانية و من كان يشتغل بها و يستربحها حل له الأخذ إذا لم يكفه الربح، و كذا الآلات الصنائع مستثناة لمن يصنع بها دون من لا يصنع، بل و كذلك دار الغلّة إذا بنى على سكناها، أو إسكانها من غير أجرة


1) الكافي 3: 562 الحديث 10 باب من يحل له أن يأخذ الزكاة، و الوسائل 6: 162 الباب 9 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3. مع اختلاف يسير.

2) الكافي 3: 561، الحديث 6، و الوسائل 6: 164 الباب 12 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

3) الوسائل 6: 164 الباب 12 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4 مع اختلاف يسير.

4) مستند الشيعة 2: 45.

بحيث لا يكون بانيا على استنمائها.

ثم المراد عدم كفاية الربح لأجل قلة رأس المال، و عدم ترتب أزيد من ذلك الربح عليه بحسب العادة، و إلّا فلو فرضنا انه يملك لكوكا (1)و اتفق في بعض السنين عدم كفاية ربحها بمئونته اللائقة بحاله، فالظاهر عدّ مثل هذا غنى. و كذا الضيعة التي قد يتفق قصور ربحها عن المئونة اللائقة، لكن لو باع منها شيئا و أنفقه كان الباقي يحصل منها عادة- لو لا العارض (2)- ما يكفيه، و لو جعل المدار على صدق الغنى عرفا كان أوجه.

ثم إنّ المستفاد من الأخبار المتقدّمة (3)و غيرها و كذا الفتاوى المعروفة: أنّ القدرة على التكسب الكافي له و لعياله مخرج عن الفقر، خلافا للمحكي عن الخلاف من أنه نسب إلى بعض أصحابنا القول بجواز أخذ الزكاة له (4)و يردّه الأخبار المستفيضة (5)المعتضدة بالشهرة، و حكاية الإجماع عن الناصريات (6)و الخلاف (7)و غيرهما، و ربما يقال باعتبار التكسب فعلا بتلك الحرفة و الصنعة، و الظاهر أنّ المعتبر: القدرة على التكسب اللائق بحاله قوّة و ضعفا، فلا عبرة بما فيه مشقة شديدة لا يتحمله عادة؛ لأدلة نفي العسر و الحرج.

و منها يعلم اعتبار كونه لائقا بحاله؛ لأنّ ارتكاب غيره حرج جدا، فهو كما في المهذّب البارع: أصعب من تكليفه ببيع خادمه و خدمة نفسه، و بيع فرس


1) اللكوك، جمع لك و هي كلمة هندية، و تطلق على مرتبة من مراتب الأعداد، تساوي مائة ألف، استعملت قديما في العراق. انظر المعجم الاقتصادي الإسلامي: 80 و 396.

2) في «ف» و «ج» و «ع»: المعارض.

3) المتقدمة في الصفحة 266 ذيل المسألة الثالثة.

4) الخلاف: كتاب قسمة الصدقات المسألة 11 و حكاه في مفتاح الكرامة 3: 135. (كتاب الزكاة).

5) المتقدمة في الصفحة 266 المسألة الثالثة.

6) الناصريات (الجوامع الفقهية): 242.

7) الخلاف: كتاب قسمة الصدقات، المسألة 11.

الركوب و المشي (1).

و دلّ على ذلك ما تقدّم في رواية أبي بصير من تعليل عدم بيع الدار: بأنه عزّه، و بيع الخادم بأنّه تقيه الحر و البرد، و تصون وجهه و وجه عياله (2)إلى غير ذلك، مثل ما دلّ على كراهة إعلام المؤمن المترفّع بكون المدفوع زكاة؛ معللا بقوله: «لا تذلّ المؤمن» (3)فإنّ منع المؤمن عن الزكاة و إلجائه إلى ما لا يليق به من المكاسب أشد إذلالا.

و المعتبر من الصنعة و الاحتراف ما يوثق عادة بحصول المئونة منه، فمثل إجازة النفس للعبادات لا يعدّ حرفة إلّا إذا اطمأنّ عادة بحصولها له عند الاحتياج. و لو ترك المحترف الحرفة فاحتاج في زمان لا يقدر عليها، كما لو ترك العمل نهارا فاحتاج ليلا، و كما لو ترك البنّاء عمل البناء في الصيف فاحتاج في الشتاء مع عدم حصول ذلك العمل له في الشتاء (4)فيه إشكال.

من صدق الفقير عليه، و انّه لا يقدر في الحال على ما يكفّ به نفسه عن الزكاة، فيعمّه أدلة جواز الأخذ.

و من صدق المحترف، و ذي المرّة السويّ عليه فيشمله أدلة المنع، و هو الأقوى؛ لعدم معلومية صدق الفقير عليه، و إلّا لصدق على المحبوس الغني، و لم يجعل ابن السبيل قسيما للفقير في الكتاب (5)و السنّة (6)، نعم لا بأس بالصرف


1) المهذب البارع 1: 530.

2) الوسائل 6: 162 الباب 9 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

3) الوسائل 6: 219 الباب 58 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

4) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: في الشتاء.

5) التوبة: 9- 60.

6) الوسائل 6: 143 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

اليه من سهم سبيل اللّٰه.

لكنّ الإنصاف، انّه لو لم ينعقد الإجماع على الخلاف قوي القول بجواز الدفع إلى كل محتاج في آن حاجته، و إن كان عرض له ذلك في زمان يسير و لو بسوء اختياره كما هو مقتضى العمومات. بل ربما اختار بعض مشايخنا المعاصرين (1): اعتبار التكسب الفعلي في تحقق الغنى، فيعطى القادر على الحرفة و الصنعة إذا لم يشتغل بهما فعلا باختياره و إن كان حين الإعطاء قادرا، لكنه خلاف ظاهر النصوص و الفتاوى و إن كان ظاهر بعض العبارات ربما يوهم اعتبار الفعلية، و قد استفاضت النصوص: بأنه «لا تحل الصدقة لغني و لا لذي مرّة سوي» (2)، و إن كان في بعض الأخبار انّ ذيله ليس قول رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم (3)لكن الظاهر كما فهمه غير واحد (4): أنّ المراد عدم الحاجة له (5)لدخوله في الغني، مع انّه لا دلالة في ذلك على شي‌ء.

و على أيّ تقدير، فلا إشكال في حرمة الأخذ حال القدرة على التكسب، إلّا إذا ترك التكسب للاشتغال بأمر واجب و لو كفاية كتحصيل علم، و يحتمل تعيّن الواجب الكفائي على من لا يحتاج إلى الكسب؛ لأنّ المحتاج إليه مشغول الذمّة بواجب عيني، و لو كان طلب العلم مما يستحب في حق الطالب فالظاهر أنّه لا يسوغ ترك التكسب كما في سائر المستحبات لصدق الغنى و المحترف و القادر على ما يكف به نفسه عن الزكاة، و الإذن في طلب العلم بل الأمر الاستحبابي به لا يوجب الإذن في ترك التكسب، بل طلب تركه المستلزم لجواز


1) الجواهر 15: 314- 315.

2) الوسائل 6: 159 الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة.

3) نفس المصدر الحديث 5 و 9.

4) منهم الكاشاني قدّس سرّه في الوافي (الجزء السادس): 25 و المحقق القمي قدّس سرّه في الغنائم: 330.

5) في «م»: إليه.

أخذ الزكاة كما زعمه (1)بعض مشايخنا المعاصرين (2)لا وجه له؛ إذ بعد عمومات تحريم الزكاة على القادر على التكسّب يصير الكسب (3)واجبا لأجل حفظ نفسه و عياله فلا يزاحمه استحباب ذلك؛ لأنّ المستحب لا يزاحم الواجب إجماعا.

و دعوى أنّ تسليم حرمة الأخذ المستلزمة لوجوب التكسب مبنيّ على تقدّم (4)أدلتها على أدلة استحباب ذلك المستحب فلم (5)لا يجوز العكس؟ مدفوعة- إجمالا-: بأنّ من المقرر في محله أنّ استحباب المستحب لعموم دليله لا يزاحم عموم وجوب (6)الواجبات؛ لأن وجوب الشي‌ء يدل على وجوب مقدمته، و لو كانت المقدّمة في نفسها متصفة بالإذن في الترك، فوجوب الشي‌ء مقدمة لا يرتفع بسبب إباحته الذاتية أو استحبابه الذاتي، و إلّا لم يجب شي‌ء من باب المقدمة أصلا؛ لأنّه في ذاته إن اتّصف بحرمة (7)لم يتّصف بالوجوب بناء على تقدّم (8)الحرمة على الوجوب، و لو لم تقدّمها فهي كالأحكام الثلاثة الباقية يعارض بدليلها (9)دليل وجوب ذي المقدمة، فلا يبقى مورد لوجوب المقدّمة إلّا المقدّمة الواجبة في ذاتها، و لا يخفى ما فيه، و تمام الكلام في محلّه.

و لو لم يعلم صنعة فالظاهر عدم وجوب التعلم (10)و يصدق عليه أنّه لا يقدر


1) في «ف» و «ج» و «ع»: عن.

2) مستند الشيعة 2: 45.

3) ليس في «ج» و «ع» و «ف»: الكسب.

4) في «م»: تقديم.

5) في «م»: لم.

6) في «م»: أدلة وجوب.

7) في «م»: بالحرمة.

8) في «م»: تقديم.

9) في «م»: دليلها.

10) في «ف» و «ج» و «ع»: الحكم.

على ما يكف به نفسه؛ لأن المتبادر القدرة القريبة مع أنه قلّما يخلو فقير من القوة البعيدة للتكسب.

و لو قصر الكسب عن مئونة السنة فلا شبهة في جواز أخذ التتمة دفعة و دفعات، و لا في عدم جواز أخذ الزائد بعد أخذ التتمة. و إنما الكلام في جواز أخذ (1)الزائد عن التتمة ابتداء [ففيه] (2)قولان: من عمومات جواز أخذ الزكاة سيما المغيى منها بقوله: «حتى تغنيه» (3)، بناء على حمله على الغنى العرفي و هو تملك ما فوق مئونة السنة، إذ لا يصدق الغنى في العرف على من ملك مئونة السنة و لا يقدر على أزيد منها.

و من أنّ الزكاة إنما وضعت قوتا للفقراء، و ظاهرها أنّ لهم منها قوت سنة حيث انها من سنة إلى سنة.

و يدل عليه قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة: «و يأخذ البقية من الزكاة» (4)و قوله في رواية العلل المتقدّمة: إنه «يأخذ و عنده قوت شهر ما يكفيه لسنته» (5).

و ما ورد من الأمر بالإعطاء حتى الغنى لا يدل على المطلوب؛ إذ لا يبعد أن يراد إغنائه بالدفع الواحد حتى لا يقع المؤمن في ذلّ طلب الزكاة ثانيا، أو قبولها في هذه السنة، و إلّا لجاز إعطاء جميع الزكوات لفقير واحد، و فساده ظاهر.

لكنّ الإنصاف انّه لو قلنا في المسألة بجواز إعطاء غير المكتسب زائدا على مئونة سنته (6)كما هو المشهور، بل حكي عليه الإجماع من (7)غير واحد (8)


1) ليس في «ج» و «ع»: أخذ.

2) اقتضاها السياق.

3) الوسائل 6: 178 الباب 24 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

4) المتقدمة في الصفحة 268.

5) المتقدمة في الصفحة 265.

6) في «ج» و «ع»: سنة.

7) ليس في «م»: من.

8) المنتهى 1: 528.

• مستدلين بأخبار الإغناء- لم يكن فرق بينه و بين المكتسب القاصر (1)كسبه، إلّا أن يفرّق بينهما بأنّ إغناء غير المكتسب بإعطائه مئونة سنتين أو ثلاث سنين لا ينافي كون الزكاة موضوعة لقوت الفقراء، إذ لا فرق (2)في نظر الشارع بين إعطائه مئونة السنة الثانية في السنة الأولى أو في نفس السنة الثانية، بل مقتضى كونها موضوعة قوتا و معونة لهم، عدم الفرق. فإذا دخل الشخص في موضوع الفقير لا فرق بين إعطائه في كلّ سنة مئونة تلك السنة، و بين إعطائه في سنة مئونتها و مئونة ما بعدها من السنين، بخلاف المكتسب فإنّ فتح باب إعطائه الزائد يوجب جواز أن يأخذ ما يغنيه عن كسبه.

و دعوى كون ما يدفع إليه في مقابلة تتمة سنوات متعددة له، يدفعها أنّها مجرد اعتبار لا يوجب تأثيرا في امتناع الشخص عن مال الفقراء بمقدار ما فيه من الغنى؛ فإنّ مقتضى وضع الزكاة قوتا للفقراء، عدم جواز تصرّف الغني فيه بمقدار ما فيه من الغنى، و لازم ذلك عدم جواز أخذ من فيه مقدار من الغنى إلّا مقدار الحاجة، و لا يكون إلّا بأن لا (3)يأخذ أكثر من تتمة سنته (4)، إذ لو (5)أخذ تتمّة سنتين فلا يجبر على التكسّب في بقية السنة الثانية لئلّا يرجع إلى أخذ الزكاة لها.

لكن الظاهر أنّ المجوّزين لا يلتزمون بهذا، فانحصر منعه عن التصرف في قوت الفقراء بأزيد من مقدار فقره في منعه عن أزيد من تتمّة سنة واحدة حتّى يشتغل في كل سنة لبعضها و يأخذ الزكاة للباقي. و يمكن أن يكون نظر الشهيد


1) في «م»: العاجز القاصر.

2) في «ف»: فلا فرق.

3) ليس في «ج» و «ع»: لا.

4) في «ج» و «ع» و «م»: سنة.

5) في «م»: و لو.

في البيان (1)إلى هذا؛ حيث حمل أخبار الإغناء على غير المكتسب. و اعترضه في المدارك و غيره (2): بأن الحمل فرع الشاهد، و قد عرفت أنّ الشاهد ما دل على وضع الزكاة لقوت المحتاجين.

ثم مقتضى ما ذكرنا [من الفرق بين التكسب و غيره] (3)اختصاص الحكم بوجوب الاقتصار على التتمة لذي (4)الكسب القاصر، و الضيعة و الصناعة (5)القاصرتين، و أما من كان عنده فعلا ما يكفيه لبعض سنته فالظاهر جواز أخذه الزائد عن التتمة، و قد صرّح في المدارك (6)و الكفاية (7)بأنّ ظاهر جماعة اختصاص النزاع في جواز الزيادة على التتمة بذي الكسب القاصر، ثم حكيا عن المنتهى (8)كلاما يشعر بعموم الخلاف.


1) البيان: 193.

2) المدارك 5: 198 و الحدائق 12: 161.

3) ما بين المعقوفتين من «م».

4) في «م»: بذي.

5) في «ف» و «ج» و «ع»: و الصنعة و البضاعة.

6) المدارك 5: 198.

7) الكفاية: 40.

8) المنتهى 1: 518.

مسألة [33]

لو ادعى الفقر، فالمعروف قبول قوله؛ لأصالة عدم المال في بعض الفروض.

و لأصالة الصحّة في دعوى المسلم، بل أصالة العدالة فيه.

و لأنّ مطالبته بالبينة أو اليمين إذلال للمؤمن منهيّ عنه.

و لأنه ادّعى استحقاق شي‌ء لا ينكره عليه غيره، فيشبه مسألة الكيس المحكوم بأنّه لمن ادّعاه (1).

و لعموم ما دل على وجوب تصديق المؤمن، مثل الخبرين (2)الواردين في قوله تعالى يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ (3)و ما ورد أنّ: «المؤمن وحده حجة» (4).

و لتعذّر إقامة البينة عليه، فيشمله ما يستفاد منه سماع دعوى يتعذر إقامة البينة عليها، كما يرشد إليه قوله عليه السلام- في المرأة المدعية لكونها بلا زوج-:

«أ رأيت لو كلفتها البينة، تجد بين لابتيها من يشهد أن ليس لها زوج؟» (5).


1) الوسائل 18: 200 الباب 17 من أبواب كيفية الحكم، الحديث الأول.

2) البرهان 2: 138، و تفسير العياشي 2: 95.

3) التوبة: 9- 61.

4) الوسائل 5: 380 الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5.

5) لم نعثر عليه بعينه، نعم في الوسائل 14: 457 الباب 10 من أبواب نكاح المتعة، الحديث 5 ما يقرب منه.

و للزوم الحرج لو كلّف الفقير الإثبات.

و لاستمرار السيرة على ذلك.

و لما يستفاد مما ورد فيمن أهدى جارية للبيت حيث ورد: «انه تباع و يؤخذ ثمنها، و ينادى على الحجر: ألا هل من منقطع و من نفدت (1)نفقته أو قطع عليه فليأت فلان بن فلان، و أمره أن يعطي أولا فأولا حتى ينفد ثمن الجارية» (2)فإن الظاهر منها من حيث ورودها مقام الحاجة هو الاكتفاء بدعوى الاحتياج.

و لرواية العرزمي: «فيمن أتى الحسنين عليهما السلام فسألهما، فقالا له: لا تحل الصدقة إلّا في دين موجع أو غرم مفظع (3)أو فقر مدقع، فهل فيك أحدها؟ قال:

نعم، فأعطياه» (4).

و نحوها المروي في الصحيح، عن عامر بن جذاعة: «قال: جاء رجل الى أبي عبد اللّٰه عليه السلام فقال له: يا أبا عبد اللّٰه قرض إلى ميسرة؟ فقال أبو عبد اللّٰه عليه السلام: إلى غلة تدرك؟ قال: لا و اللّٰه. قال: إلى تجارة تئوب؟ قال: لا و اللّٰه. قال:

عقدة تباع؟ قال لا و اللّٰه. فقال أبو عبد اللّٰه عليه السلام: فأنت ممن جعل اللّٰه له في أموالنا حقا، فدعا بكيس فيه دراهم ..» (5).

و في أكثر هذه الوجوه نظر؛ لمنع كون أصالة الصحة موجبة لإثبات الموضوع الذي تعلّق (6)به تكليف الغير، أعني المخاطب الغني المنهي عن صرف


1) في «ف»: فقدت.

2) الوسائل 9: 354 الباب 22 من أبواب مقدمات الطواف و ما يتبعها، الحديث 7 نقلا بالمعنى.

3) في بعض النسخ: مقطع.

4) الوسائل 6: 145 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6.

5) الوسائل 6: 27 الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، الحديث الأول و له تتمة فراجع.

6) في «م»: يتعلق.

حصة الفقراء المشاركين له في المال إلى غيرهم، و أصالة العدالة ممنوعة، و مغايرة المسألة مع مسألة الكيس واضحة، و تعذر إقامة البينة بل تعسرها ممنوعة، و لهذا يكلّف مدّعي الإعسار بالإثبات إذا علم له أصل مال، و أدلة الهدي واردة في بيان المصرف [مع أن في بعضها: «فإذا أتوك- يعني الزوار المنقطعين- فاسأل عنهم و أعطهم» (1)و هو صريح في عدم جواز الإعطاء بدون الفحص] (2).

و أما الروايتان فهما قضيتان لا عموم لهما؛ لاحتمال حصول العلم أو الظن للمعصوم من قول الشخص.

فالعمدة هو لزوم الحرج، و ما ورد في تصديق المؤمن حيث أمر الإمام عليه السلام بتصديق المؤمن مستشهدا لذلك بقوله تعالى يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ (3).

و ربما ينفى وجوب البينة و اليمين بوجه جعله في الحدائق (4)أمتن الوجوه و أنظرها و أوجهها و أحسنها، و هو: إنّ مورد أدلتها هي الدعاوي؛ لأنه المنساق من قوله: «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر» (5).

و فيه، أولا: إنّ الاستدلال ليس بتلك الأدلة الواردة في بيان ما يطالب به كل من المتخاصمين، و فيما يتسلّط به المدّعي على المنكر، و ما به (6)يرفع المنكر تسلّط المدّعى عليه، و المقصود فيما نحن فيه إنّ ثبوت فقر الشخص على وجه يجوز للمكلف دفع الزكاة إليه موقوف على قيام البينة و إن لم يقع منه (7)دعوى؛


1) الوسائل 9: 355 الباب 22 من أبواب مقدمات الطواف، الحديث 9.

2) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

3) البرهان 2: 138، و تفسير العياشي 2: 95. و الآية في التوبة: 9- 61.

4) الحدائق 12: 165.

5) عوالي اللئالي 1: 453، الحديث 188.

6) في «ف»: و بأنه.

7) في «ف»: معه.

لأن (1)دعواه بنفسه لا تجدي في إثبات الموضوع كما تجدي البينة، فالكلام في طريق إثبات هذا الموضوع، و انّه هل يثبت بقول الفقير كما يثبت بالبينة [أم لا؟

فاختصاص أدلة البينة بمورد الخصومة لا يضرّ بما نحن فيه، و لذا لو كان الشخص صغيرا أو غير مدّع للفقر لم يدفع إليه إلّا بالبينة] (2).

إلّا أن نقول بمجرد كفاية المظنة- كما هو الأقوى-، لتعذّر قيام البينة غالبا، فيؤدّي اعتباره إلى حرمان كثير من الفقراء، و إلّا فمقتضى القاعدة:

وجوب الاقتصار على البينة.

و أما تصديقه باليمين كما حكي (3)عن الشيخ فيمن عرف له أصل مال (4)فلم يظهر وجهه؛ لأنّ المعروف من موارد اليمين هو ما يتوقف قطع الخصومة عليه؛ و لذا لا يمين في حدّ، مع انك قد عرفت انّ الكلام في المقام هو في حجية قول الفقير، و انّه بنفسه من الطرق الظاهرية للموضوع أم لا؟ لا في سماع دعواه؛ لأنّ هذه الدعوى ليست مما يلزم (5)بها المنكر على فرض إقراره بها حتى تسمع، و يطالب المدعي بما يثبت به دعواه من البينة أو اليمين، بل تسميته دعوى ليست في مقابل المكلّف بالزكاة الشاك في فقره، بل هو أشبه شي‌ء بدعوى الإمام العدالة، أو الفقيه الاجتهاد، أو الشاهد على شي‌ء غير متنازع فيه كالنجاسة و القبلة و الوقت، و نحوها: العدالة، فإنّه لا معنى لليمين في جميع ذلك.

نعم يمكن أن يقال: إنّ المراد من اعتبار اليمين هو أنّه و إن لم يكن لنا دليل على وجوب تصديق المخبر مطلقا إلّا انّه يصدّق الحالف مطلقا؛ لعموم ما


1) في «ع» و «م»: و إن.

2) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

3) حكاه عنه في الجواهر 15: 324.

4) في «ف» و «ج» و «ع»: ممن له أصل.

5) في «ف» و «ج» و «ع»: يلتزم.

دل على أنّه: «من حلف لكم باللّه فصدّقوه و: من حلف له بالله فلم يرض به فليس من اللّٰه في شي‌ء» (1)إلى غير ذلك من الأدلة على وجوب تصديق الحالف، حتى انّه لا يعتبر البينة بعده، فحينئذ يكون الحلف طريقا إلى ثبوت الموضوع، و إن لم يكن إخبار المخبر بنفسه دليلا، لا (2)انّ اليمين يتوجه (3)لإثبات الدعوى.

لكن هذا لا يتم، و إلّا لثبت كثير مما يتأمل في ثبوته بقول مخبر مدّع، أو غير مدّع بمجرد حلفه، فيكون قد ثبت حجية قول الحالف و إن لم يثبت حجية قول المخبر، و هي تفتح بابا عظيما كأنّه معروف الانسداد عند الفقهاء.

فالظاهر انّ المراد بالحلف في هذه الروايات- و لو بملاحظة ظاهر الاستحقاق في قوله: «لكم»- هو الحلف الذي تستحقّونه عليه، فيختص بمقام المخاصمة.

ثم انّه لو كان مدّعي الفقر عادلا فالظاهر قبول قوله عند إفادة الظن؛ لأنّ حجيته في مثل المقام ممّا لا ريب فيه، و إن لم يفد الظن ففيه إشكال، و لا يبعد أن يكون الاحتياط حينئذ في توكيل العادل في صرف الزكاة إلى مستحقّها و إن كان هو بنفسه مستحقا في علمه.

ثم الظاهر انّه لا يجب [أن يكون] (4)دفع المال الى الفقير مقرونا بما يوجب إخباره بأنه زكاة، بل يكفي قصد ذلك عند الدفع إجماعا على الظاهر كما يظهر من محكي التذكرة (5)و الحدائق (6)، و لرواية أبي بصير الحسنة قيل: أو


1) الفقيه 3: 362، الحديث 4282. الوسائل 16: 124 الباب 6 من أبواب الايمان، الحديث 1 و 3 نقلا بالمعنى.

2) في «م»: إلّا.

3) في «ف»: متوجه.

4) الزيادة من «م».

5) التذكرة 1: 237.

6) الحدائق 12: 171.

كالصحيحة: الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ من الزكاة فأعطيه من الزكاة، و لا اسميّ له أنها من الزكاة؟ قال: «أعطه و لا تسمّ له، و لا تذلّ المؤمن» (1)و يستفاد منها- حيث انّ موردها من يستحيي من أخذ الزكاة، و انه لا يأخذ إذا علم انّه (2)زكاة- جواز الدفع و إن كان مقرونا بما يتخيل (3)الفقير أنها ليست زكاة.

و لو نصب الدافع قرائن على أنها ليست زكاة، بحيث يكون اعتقاد المستحيي من أخذ الزكاة مستندا إلى ما نصبه الدافع من القول و الفعل، فالمعروف إلحاقه بالصورة الاولى، بل عن التذكرة: الإجماع عليه (4).

و الانصاف انّ الرواية لا تدل على الجواز؛ لأنها إنما دلت على الرخصة في عدم الإعلام لا في الإعلام بكونها من غير الزكاة، لكنّ العمومات التي يستفاد منها حصول الامتثال بصرف الزكاة إلى الفقراء كافية في المقام، مضافا إلى إطلاق قوله عليه السلام في موثقة سماعة: «فإذا هي وصلت إلى الفقير فهي بمنزلة ماله يصنع بها ما شاء» (5)و يؤيد ذلك الإذن في إعطاء الأيتام، و الشراء لهم بقيمتها ما يحتاجون من غير توقف على قبض أوليائهم بعنوان أنها زكاة.

و دعوى جعل الشارع للمكلف المزكّي ولاية في ذلك تكلّف واضح، و يؤيده أيضا ما ورد من المقاصّة (6)بها من دين الحي و الميت و قضاء دين الميت من الزكاة (7).


1) الوسائل 6: 219 الباب 58 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

2) في «م»: أنّها.

3) في «ف» و «ع»: يخيّل.

4) التذكرة 1: 237.

5) الوسائل 6: 200 الباب 41 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

6) في «ف» و «ج» و «ع»: إقباضه.

7) الوسائل 6: 205 الباب 46 من أبواب المستحقين للزكاة.

هذا مضافا إلى ما ورد من أنّ الزكاة بمنزلة الدين (1)و إنما فرّق بينهما بوجوب نية التعيين و التقرب من طرف الدافع، و أما من طرف القابض فلا.

نعم في حسنة ابن مسلم بابن هاشم: «قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام:

الرجل يكون محتاجا فيبعث إليه بالصدقة، فلا يقبلها على وجه الصدقة، يأخذه من ذلك ذمام و استحياء و انقباض، أ فيعطيها إيّاه على غير ذلك الوجه و هي منا صدقة؟ قال: لا، إذا كانت زكاة فله أن يقبلها، فإن لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تعطها إيّاه، و لا ينبغي له أن يستحيي مما فرض اللّٰه عز و جل، إنما هي فريضة اللّٰه فلا يستحيي منها» (2).

لكن الإنصاف: أنّ قوله: «لا تعطها إياه» ليس صريحا في عدم احتسابه من الزكاة لو أعطاها، و إنما يدل على عدم جواز الإعطاء أو كراهته ليتنزّل عن استحياء أخذ الزكاة، و الترفع عنها (3)الراجع إلى الاستنكاف عما رضي اللّٰه له، و عدم الرضى بما قسّم اللّٰه له، فلا ينافي مورد الرواية السابقة، و هو الاستحياء عن الأخذ مع تصريح الدافع قولا بأنها زكاة، و إن لم يترفّع عن أخذ الزكاة الواقعية إذا علم بها.

و بالجملة، فمورد الرواية الثانية من يردّ الزكاة إذا علم انّها زكاة، و مورد الاولى- و لو بقرينة السؤال عن جواز ترك التصريح له بأنّها زكاة- هو الاستحياء عن أخذها عند تصريح الدافع، فيمكن حمل الثانية على الكراهة، و رجحان العدول إلى غيره، فحينئذ لا تعارض العمومات، و لا ينافي ما صرح به


1) الوسائل 6: 176 الباب 21 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

2) الكافي 3: 564، الحديث 4 و الوسائل 6: 219 الباب 58 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2، و تتمة الحديث في الباب 57، الحديث الأول مع اختلاف يسير.

3) في «ف» و «ع»: المترفع.

غير واحد (1)و ادعى عليه في محكي التذكرة (2): انّه لا يعرف فيه خلافا من استحباب إيصالها بصورة الصلة إلى المستحيي من طلبها، بل من أخذها بصورة الزكاة لكون ذلك مذلّة عند الناس، و إن لم يترفع نفسه عنها و لم يمتنع منها بمجرد الاطلاع عليها.

و يؤيده ما ورد من دفع صدقات الأنعام إلى المتجملين من الفقراء؛ معللا بأنهم يستحيون من أخذ صدقات الأموال (3)، و لقد أحسن المحقق رحمه اللّٰه في المعتبر التعبير عن مورد هذه المسألة، فقال: و من يستحيي من طلبها يتوصل إلى مواصلته،- روى ذلك أبو بصير (4)- (انتهى).

ثم إنّ حاصل صور المسألة خمس:

أحدها: أن يدفع الدافع على وجه الزكاة- على وجه التصريح و الإعلام- و يأخذه القابض كذلك، و لا اشكال فيه.

الثانية: أن يدفعها الدافع على قصد الزكاة من غير إعلام له بأنها زكاة، و يأخذه القابض عالما بأنها زكاة، و لا إشكال فيها أيضا.

الثالثة: أن يدفعها على قصد الزكاة بعنوان الصلة و الهدية، و يأخذها (5)القابض على وجه الزكاة، و لا إشكال فيها، و لا في استحبابها، من جهة استحياء الفقير المتجمل من أن يطلع عليه أحد لكونه ممن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.

الرابعة: الصورة بحالها، و لكن يأخذه القابض بالعنوان الذي دفع إليه،


1) منهم صاحب الشرائع (1: 160) و صاحب الحدائق (12: 171) و قد ادعى فيه عدم الخلاف.

2) التذكرة 1: 237.

3) الوسائل 6: 182 الباب 26 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1، 2.

4) المعتبر 2: 592، و الوسائل 6: 219 الباب 58 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

5) في النسخ: و يأخذه.

فإن كان ممن لا يمتنع عنها إذا اطّلع على كونها زكاة، فمقتضى العمومات الجواز، بناء على أنّ قبض الزكاة ليس كالقبول الفعلي للعقود يعتبر فيها المطابقة للإيجاب الحاصل بالدفع، بل المقصود قبول تملكه على أيّ نحو كان؛ ليتحقق للمعطي امتثال أوامر الإيصال و الدفع و الصرف، و إن امتنع (1)إذا اطلع على كونها زكاة.

فهذا هو الذي دلّت الحسنة على النهي عن إعطائها.

فإن حملنا النهي على كراهية الدفع إليه، أو على خروجه عن الاستحقاق لأجل الاستنكاف عما رضى اللّٰه له كما ورد (2): «إنّ تارك الزكاة و قد وجبت له كمانعها و قد وجبت عليه» (3)فيخرج عن العدالة، أو على كون النهي تعبّدا لحكمة حرمان ذلك الشخص لعلّه يتنزّل عن الاستنكاف، و يرضى بما قسم اللّٰه له، أو للعقوبة على الصفة المذكورة.

فوجه الجمع بين الحسنة و بين العمومات على هذه الوجوه.

و لو خليناها على ما يظهر منها سيما قوله عليه السلام: «فإن لم يقبلها على وجه الزكاة» (4)من (5)أنه يعتبر في قبض الزكاة قبولها على انّه زكاة، أشكل الأمر في هذا القسم من الصورة الرابعة، بل القسم الأوّل منها؛ لأن المفروض اشتراك القسمين في وقوع القبول على غير وجه الصدقة، و إن أمكن الفرق بينهما بأن القابض في القسم الأوّل حيث انه لا يأبى عن أخذ الصدقة إنما يقصد قبض المدفوع إليه على وجه مطلق التملّك (6)و إن صرّح الدافع بكونها هدية، لكن


1) في «م»: يمتنع.

2) في «ف»: روي.

3) الوسائل 6: 218 الباب 57 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

4) الوسائل 6: 219 الباب 58 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

5) ليس في «ف» و «ع»: من.

6) في «ف» و «ج» و «ع»: التمليك.

الغالب وجود احتمال الصدقة بل أماراتها أيضا، فهو يقصد التملك المطلق، و هذا لا يقدح في اعتبار مطابقة القبول- لو فرض القول به في الزكاة- بخلاف القابض في القسم الثاني، فإنه يقصد التملك الخاص المقابل للتملك على وجه الزكاة.

الخامسة: أن يدسّها في مال الفقير من غير اطلاع الفقير، و مقتضى بعض ما يستفاد منه: أنّ المقصود: الوصول إلى المستحق، و ما دل على أنها بمنزلة الدين (1)هو الجواز، إلّا أنّه يشكل من جهة عدم تملّك الفقير له من غير اختيار، فما لم يتلف (2)فهو مال المالك و إن أتلفه أجنبي فعليه له الضمان، و يبقى في عهدته الزكاة (3)، و إن أتلفه الفقير فيشترط مقارنة النية له لتملك الفقير أو وكيله، فان تحقق فهو، و إلّا كان كمسلّط الغير على إتلاف ماله بالغرور، لا يستحق عليه عوضا. (4).


1) الوسائل 6: 176 الباب 21 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

2) كذا في «م»، و في «ف»: فما لم يلتفت و في «ج» و «ع»: فلم يلتفت.

3) في «ف» و «م»: في عهدة الزكاة.

4) في هامش «م» هنا: محل بياض بقدر سطر.

مسألة [34]

مسألة (1)[34]

لو دفع زكاته الى شخص فبان أنه غني، فالكلام تارة يقع في حكم الآخذ، و تارة في حكم الدافع:

أما الآخذ فإن كان عالما بكونها زكاة فهو محرّم عليه، ضامن له، يردّه مع بقائه و قيمته مع تلفه؛ لأن التملك إنما وقع على المال بعنوان أنه فقير (2)، و المفروض ظهور فساد هذا التمليك المقيّد، فيشبه العقد الفاسد الذي لا يبقى الإذن المتحقق في ضمنه، و كذا الكلام في كل (3)إباحة أو تمليك تعلّق بمال أو شخص مقيّد (4)صريحا أو بالحيثية التقييدية، بقيد (5)انتفى عن موضوعه و لو بحكم الشرع.

و كيف كان فلا إشكال في أصل المسألة حتى فيما إذا كان جاهلا بالحكم و كان الدافع عالما؛ لأن الغرور لا يتحقق بالجهل الحكمي؛ لأنه تقصير من


1) في هامش «ف»: هنا: حكم ظهور غنى الفقير الذي أخذ الزكاة.

2) العبارة في «ف» و «ج» و «م» هكذا: بعنوان كونه زكاة و على الآخذ بعنوان انه فقير.

3) ليس في «ف»: كل.

4) في «ج» و «ع»: مقيدا.

5) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: بقيد.

الجاهل، و مورده في الجهل الموضوعي لتلبيس الغارّ عليه.

و إن كان جاهلا بكونها زكاة، فإن كانت العين باقية وجب ردّها و ردّ ما يتبعها، و لا فرق بين كون الدافع ممن يجوز (1)له الرجوع في هبته و عدمه؛ لأن الهبة عنوان آخر، و الكلام هنا في أنّ الآخذ لا يملك المدفوع و لو مع الجهل، لا أنه هل يجوز الرجوع بعد تملكه أم لا، كيف و لو سلّم التملك فلا ريب في عدم جواز الرجوع لتحقق قصد القربة و الثواب في الهبة، فلا يجوز الرجوع فيها (2)مطلقا من غير تفصيل فيه بين أفراد الواهب.

نعم صرح في المعتبر (3)كما عن المنتهى (4)بعدم الارتجاع، مستدلا في الأوّل: بأنّ الظاهر أنه صدقة، و في محكي الثاني: بأن الدفع محتمل للوجوب و التطوع، و فيهما نظر؛ لأن الكلام في حكم المال المدفوع بعد فرض تحقق كون دفعه على وجه الصدقة الواجبة التي لا يستحقها القابض، و لا ريب ان دفع المالك الى الشخص على وجه واحد في صورتي علم القابض و جهله، فإذا حكم بالارتجاع مع العلم فلا وجه لنفيه مع الجهل، نعم لو ادعى القابض الجاهل أنها كانت صدقة أو هبة لازمة، و ادعى الدافع كونها زكاة، و انّ دفعها فاسد، فهي مسألة أخرى غير مسألة المال المدفوع الى غير المستحق المجامعة لعلم القابض و اعترافه بما يدعيه الدافع.

نعم ربما يقال في تلك المسألة بتقديم قول القابض؛ لأنه يدعي الصحة، و الدافع يدعي الفساد، مع إمكان أن يقال بتقديم قول الدافع، لأنه أبصر بنيّته، بل هو المتعيّن (5)إذا لم يكن القابض منكرا لما يدعيه الدافع، بل كان شاكا يتبع


1) ليس في «ف»: يجوز.

2) في «ف» و «ع»: فيه.

3) المعتبر 2: 569.

4) المنتهى 1: 527.

5) في «م»: المتيقن.

تكليفه في وجوب تصديق الدافع و عدمه؛ فإنّ الظاهر أنه مكلف بتصديق الدافع.

المقام الثاني: حكم الدافع من حيث الضمان و العدم إذا تعذّر ارتجاع المدفوع.

فنقول: إن كان الدافع هو الامام عليه السلام أو نائبه الخاص أو العام أو وكيلهم، فالظاهر عدم الضمان؛ لأصالة البراءة، و كونهم مأذونين من المالك الحقيقي، و من طرف الفقراء في هذا الدفع الخاص، فلا يترتب على التلف الحاصل من دون تفريط منهم ضمان، مع أنّ الضمان لو كان ففي بيت مال المسلمين، فيكون الغرامة أيضا في (1)مال الفقراء فتأمل. و حكم الغرم كالمغروم مأذون في دفعه الى من يحتمل أن يظهر عدم استحقاقه.

و الأجود الاعتماد على الإجماع كما يظهر من العلّامة (2).

هذا كله بالنسبة إلى الدافع، أما المالك فلا إشكال في براءة ذمته من الزكاة لإيصالها الى يد (3)وكيلهم فبرئت ذمته.

و لو كان الدافع هو المالك ففي إجزائه أقوال: ثالثها: التفصيل بين ما إذا اجتهد فأعطى، و بين ما إذا أعطى اعتمادا على مجرد دعوى الفقر و أصالة عدم المال.

و الأقوى هو عدم الاجزاء، وفاقا للمحكي عن المفيد (4)و الحلبي (5)لأصالة اشتغال الذمة، و عموم ما دل على أنها كالدين (6)مضافا إلى مقتضى قاعدة


1) في «م»: من.

2) المنتهى 1: 527.

3) ليس في «ف»: يد.

4) المقنعة: 43، و حكاه عنه في المختلف: 190.

5) الكافي في الفقه: 173.

6) الوسائل 6: 176 الباب 21 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث الأول.

الشركة في العين، و على (1)أنّ الموضوع من الزكاة في غير موضعه بمنزلة العدم، و ما دل على وجوب اعادة المخالف زكاته معللا بأنه لم يضعها في موضعها (2)، مضافا الى خصوص مرسلة الحسين بن عثمان، عمن ذكره، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «في الرجل يعطي زكاة ماله رجلا يرى انه معسر فوجده موسرا، قال:

لا تجزي عنه» (3).

لكن في حسنة حريز بابن هاشم- المحكية عن الكافي- عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «في حديث قال: قلت له: رجل أدّى زكاته الى غير أهلها زمانا، هل عليه أن يؤديها ثانيا إلى أهلها إذا علمهم؟ قال: نعم. قال: قلت: فإن لم يعرف لها أهلا فلم يؤدها، أو لم يعلم أنها عليه، فعلم بعد ذلك؟ قال: يؤديها إلى أهلها لما مضى. قال: قلت له: فإنه لم يعلم أهلها فدفعها الى من ليس هو لها بأهل، و قد كان طلب و اجتهد ثم علم بعد ذلك سوء ما صنع؟ قال: ان اجتهد فقد بري‌ء، و إن قصّر في الاجتهاد في الطلب فلا» (4).

لكن يمكن أن يقال: إنّ الرواية كما فهمها في المدارك (5)إنما تدلّ على حكم من دفع الى غير الأهل لعدم التمكن من الأهل بعد الطلب و الاجتهاد، فلا تدل على المطلوب في شي‌ء.

و على تقدير دلالتها على الدفع الى غير الأهل جاهلا فنقول: النسبة بينها و بين المرسلة المتقدمة عموم من وجه، بناء على كون السؤال عن صورة اشتباه


1) في «ع»: على.

2) راجع الوسائل 6: 148 الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة.

3) الوسائل 6: 148 الباب 2 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 5. و فيه: لا يجزي.

4) الكافي 3: 546 باب: الزكاة لا تعطى غير أهل الولاية، الحديث 2، و الوسائل 6: 147 الباب 2 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1 و 2.

5) المدارك 5: 206.

مصاديق أهل الزكاة، ففي مادة اجتماعهما- و هي (1)الاشتباه في الأهلية من حيث الفقر مع الاجتهاد- يرجع الى الأصل و العمومات المتقدمة، مضافا إلى أنّ ظاهر الرواية الاشتباه فيما عدا الفقر.

و يحتمل أن يكون مورد السؤال الجهل بالحكم، و هو أنّ أهل الزكاة لا بد من كونه مؤمنا (2)فقيرا، بل عادلا، لا (3)أنه اشتبه عليه المصداق الخارجي لمستحق الزكاة (4)المعلوم عنده من حيث المفهوم- كما هو محل كلام الأصحاب-، و حينئذ فلا يبعد القول بالصحة في مورد الرواية مع الاجتهاد و القصور؛ لعدم المرشد إلى الحق، فهو نظير ما إذا أدّى اجتهاد المجتهد الى عدم اعتبار العدالة فأدّى الزكاة لغير العدول، ثمّ علم بعد ذلك خطأ اجتهاده، فإنه يمكن الحكم بالاجزاء هنا دون ما إذا اجتهد في الموضوع ثم ظهر خطاؤه فيه.

لكنّ الحق عدم التفرقة بين انكشاف الخطأ في الشبهتين، لكن ظاهر الرواية- على تقدير حملها على الشبهة الحكمية- جهل السائل بالأهل من حيث اعتبار الايمان و عدمه؛ لأنه هو الذي كان خافيا في ذلك الزمان على كثير حتى سألوا عنه و أكثروا من السؤال، لا الفقر؛ فإنّ اعتباره في مستحق الزكاة كالضروري بين الخاصة و العامة، فحكم الامام عليه السلام بعدم وجوب الإعادة في غير الفقر لا يدل على عدمه فيه، فالمرسلة المتقدّمة (5)الواردة في خصوص الفقير سليمة عن المعارض فلا مناص عن العمل بها، و لا من (6)العمل بالحسنة الظاهرة في غير الفقر، و ظهورها في الشبهة الحكمية غير مضرّ بعد الحكم باتّحاد مناط


1) في «ف» و «ع»: و هو.

2) ليس في «ج» و «ع»: مؤمنا.

3) في «ع»: الا.

4) ليس في «ف»: لمستحق الزكاة.

5) المتقدمة في الصفحة السابقة.

6) في «م»: عن.

الإعادة في الشبهتين، و هي مخالفة الواقع المعبّر عنها في المستفيضة بوضعها في غير موضعها، مضافا الى كون الشبهة الموضوعية أولى بالمعذورية، إذ الجهل بالحكم المذكور- أعني اعتبار الايمان في مستحق الزكاة مع التمكن من الرجوع الى الامام عليه السلام أو الى من سمع و أخذ منه- لا يخلو عن تقصير و إن اجتهد في الطلب.

و بهذه الحسنة (1)يخصّص عموم ما دل من التعليل السابق (2)- في الأخبار الواردة في إعادة المخالف زكاته- بصورة عدم اجتهاد المعطي في إزالة الشبهة، كما هو صريح مورد رواياتهم (3)فإنّ المخالفين إنما يعطون الزكاة فقراءهم، و معلوم أنّ ذلك عن تقصير منهم.

و أما بناء على ظهورها في الشبهة الموضوعية فقد عرفت أنّ الظاهر من الرواية اشتباه الموضوع من غير جهة الفقر، بل من جهة الايمان؛ لأنه المناسب للطلب و الاجتهاد، و لا يبعد أن يكون جواز الدفع مشروطا بالاجتهاد، و تحصيل المظنة في كون الشخص إماميا سيّما في أزمنة صدور هذه الأخبار نظرا الى غلبة المخالفين. فالرواية لا تدلّ على وجوب الإعادة مع الدفع بمقتضى الأصول السابقة إذا لم يكن العمل بها مسبوقا بالاجتهاد.

و الحاصل: أنّه لا مناص من حمل الرواية على صورة يتوقف (4)جواز الدفع فيها على الاجتهاد، سواء حملتها على الشبهة الموضوعية أو على الشبهة الحكمية.

فمحصّل الكلام: أنّ انكشاف الغنى يوجب الإعادة للأصل، و المرسلة


1) اي حسنة حريز المتقدمة في الصفحة 289.

2) السابق في الصفحة 289.

3) كذا في النسخ، و في «م» الروايات.

4) في «م» توقف.

المتقدّمة (1)، و أمّا انكشاف غيره من الموانع كعدم الإيمان، و غيره مما يلحق به بالإجماع المركّب كالهاشمية و كونه واجب النفقة أو عبدا؛ للحسنة المتقدمة المتممة في غير موردها بالإجماع أو الأولوية، فهو لا يوجب الإعادة، وفاقا للمحكي عن الشيخ (2)و الأكثر (3)بل ظاهر المختلف (4): الإجماع عليه و إن احتمل قويا ارادة اتفاق خصوص الخصم منه للحسنة المتقدمة (5)المتممة في غير موردها بالإجماع المركب و الأولوية، و دلالتها على التفصيل بين صورتي الاجتهاد و عدمه لا يقدح، بناء على اختصاصها بالشبهة الحكمية التي (6)يعتبر في جواز الإقدام معها (7)الاجتهاد و الفحص عن الحكم، فالاجتهاد فيها بمنزلة الرجوع الى الأصول في نفي الهاشمية و الرقيّة و نحوهما من الموضوعات المشتبهة (8).

ثم إنّ المحكي عن جماعة: أنّه يستثنى من صورة انكشاف كون الفقير عبدا: ما لو انكشف كونه عبدا للمعطي، قال في البيان: و لو ظهر أنّ المدفوع اليه عبد فكظهور الغني إلّا أن يكون عبده فإنه لا يجزي؛ لعدم الخروج عن ملكه (9)(انتهى).

و تنظّر (10)في هذا الاستثناء المحقق و الشهيد الثانيان (11)و صاحب المدارك (12)


1) المتقدمة في الصفحة 289.

2) المبسوط 1: 261.

3) حكاه في المدارك 5: 207.

4) المختلف: 191.

5) في الصفحة 289.

6) في «ف» و «ع»: الذي.

7) كذا في «م»، و في «ج»: بها، و الكلمة غير موجودة في «ع».

8) في «م»: من موضوعات الشبهة.

9) البيان: 198.

10) في «م»: و نظر.

11) المحقق الثاني في حاشية الشرائع (مخطوط) 49 و الشهيد الثاني في المسالك 1: 46.

12) المدارك 5: 208.

نظرا الى اشتراك وجه الإجزاء (1)في الجميع، و توضيحه: أنّ الأمر إنّما يدل على الاجزاء فيما استفيد (2)من الأدلة ابتناء التكليف به على الظاهر كالصفات المعتبرة في المستحق.

و أما أصل التكليف بعناوين الإخراج و الصرف الظاهرة بل الصريحة بملاحظة الاشتراك في العين في الإخراج إلى الغير و التمليك، فالمراعى فيه هو الواقع لا غير؛ إذ لم يرد له طريق ظاهري، بل طريقة الاعتقاد الذي لا يغني بنفسه عن الحق شيئا، و لذا لو قال المولى: أضف عادلا، فأضاف مظنون العدالة أو مقطوعها ثم تبيّن الخلاف أمكن القول بالاجزاء، بخلاف ما لو ضربه أو خلعه أو فعل به غير ذلك باعتقاد أنه المأمور به، فإن الحكم بالاجزاء هنا لا يخلو عن بشاعة جدا.

و الحاصل: أنّ الشارع جعل المدار على الظاهر في أوصاف المستحق لا في أصل تمليكه.

هذا و لكنّ الإنصاف انّ ما ذكر لو تمّ لم يجز الاعتماد في صورة الشك في كونه حرا أو عبدا له على أصالة الحرية؛ لأن الشك يرجع الى أن دفع الزكاة إليه (3)إخراج لها عن ملكه الى ملك الغير أم لا؟ فحينئذ لا يجوز الدفع؛ لأن الواجب هو التمليك المشكوك في تحققه فيما نحن فيه، فكما أنّ وصف حريّته له طريق شرعي ظاهري و هو الأصل، فكذا تحقق التمليك المترتب على الحرية، بل الثابت في الحقيقة- بأصالة الحرية [التي هي الطريق الشرعي- هو آثار الحرية التي منها جواز الدفع اليه على وجه التمليك، فلا مناص عن القول


1) في «ف»: الاشتراك و في «ع»: الإخراج.

2) في «ف»: استدل.

3) كتب في «ع» فوق كلمة: «اليه» ما يلي: «فهل هو» صح.

بالإجزاء إذا انكشف خلاف ذلك الطريق] (1)الظاهري المقدّر للموضوع و الحكم.

فالتحقيق أن يقال: أما إذا بنينا الحكم بالاجزاء على قاعدة اقتضاء امتثال التكليف الظاهري الاجزاء، لم يفرّق الحال بين انكشاف الخطأ في الصفة (2)فقط أو فيها و في التمليك الواقعي، لكنّ الظاهر أن مبنى حكم الجماعة بالاجزاء هو أنّ الظاهر من تعلق التكليف بتمليك من اتصف بهذه الصفات هو تمليك من هو على ظاهر هذه الصفات- و لو بالطرق الشرعية و الإخراج إليه-، فالمراعى في التمليك و الإخراج: الواقع، و في الصفات: الظاهر المستند الى طريق شرعي، فمن أعطى من هو على ظاهر الصفة (3)فقد امتثل التكليف الواقعي الأولي.

و أما دفع شي‌ء إلى الشخص باعتقاد أنه إخراج، فظهر عدم كونه إخراجا، فليس من هذا الباب؛ إذ لم يقل الشارع افعل ما هو إخراج في ظاهر الشريعة. نعم (4)لو ثبت قاعدة أجزاء التكليف الإجمالي مطلقا- أو بشرط الاستناد الى طريق شرعي- عن الواقع عند انكشاف الخطأ ثبت الاجزاء هنا أيضا.

و يدل على ما ذكرنا من بنائهم استدلال العلّامة في المختلف على الاجزاء بأنه كان مأمورا بالدفع الى من يظن فيه الوصف (5)و استدلال المحقق في المعتبر عليه بأن الدفع واجب فيكفي في شرطه بالظاهر تعليقا للوجوب على اشتراط


1) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

2) في غير «م»: الصحة.

3) كذا في «م» و في سائر النسخ: فمن اعطى على من هو ظاهره العدالة.

4) في «ع»: «فلو» بدل «نعم لو».

5) المختلف: 191.

الممكن (1)، فإنّ هذا الباب مخالف لباب إجزاء المكلف به الظاهري عن الواقعي؛ لأن بناءه على تعلّق (2)الطلب الواقعي بمظنون الصفة.

و التحقيق: أنّ الأدلة لا تدل إلّا على وجوب الدفع إلى المستحق الواقعي، و إنما اكتفي بالظن في مرحلة الظاهر، فوجوب الدفع إلى مظنون الصفة حكم ظاهري كالصلاة بالطهارة المظنونة، لا أنّ وجوب الدفع في الواقع معلّق (3)على مظنون الصفة.

و قد تبيّن في محله أنّ الحكم الظاهري بعد انكشاف خطئه لا يجدي عن امتثال التكليف الواقعي المتوجّه الى المخاطب بعد انكشاف الخطأ، مع أنّ المقام مقام براءة الذمة عن مال الغير لا عن مجرد التكليف، و الإجزاء لا يوجب فراغ الذمة عن مال الغير، اللّٰهم إلّا ان يقال- كما أشرنا سابقا- إنّ الحكم الوضعي هنا تابع للحكم التكليفي، فإذا سقط الوجوب (4)بري‌ء الذمة من حق الفقراء.

فالعمدة: أصالة عدم سقوط التكليف؛ للاستصحاب و عمومات أصل ذلك التكليف (5).


1) المعتبر 2: 570 مع اختلاف يسير في الألفاظ.

2) في «م»: تعليق.

3) في «ف» و «ج» و «ع»: تعلّق.

4) في «م»: التكليف.

5) في هامش «م» هنا ما يلي: الساقط هنا أوراق.

مسألة (1)[35] الخامس من مصارف الزكاة: التسبب إلى فكّ الرقاب: إمّا مطلقا كما عن المفيد (2)و الحلي (3)و العلّامة (4)و ولده (5)و غير واحد من متأخري المتأخرين (6)لأخبار مطلقة مثل موثقة أيوب بن [الحر، أخي] (7)أديم [بن] (8)الحر، المحكية عن العلل: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه أشتريه من الزكاة و أعتقه؟ قال: اشتره و أعتقه. قلت:

فإن هو مات و ترك مالا؟ فقال: ميراثه لأهل الزكاة لأنه اشتري بسهمهم»، و في رواية أخرى: «اشتري بمالهم» (9).


1) ليس في «ج»: مسألة.

2) المقنعة: 241.

3) السرائر 1: 457.

4) قواعد الأحكام 1: 57.

5) إيضاح الفوائد 1: 196.

6) منهم صاحب المدارك 5: 217 و صاحب الكفاية: 39 و القمي في الغنائم: 333.

7) الزيادة من المصدر.

8) الزيادة من المصدر.

9) علل الشرائع: 372 الباب 99 الحديث الأول، و الوسائل 6: 203 الباب 43 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

و نحوها ما دلّ على جواز اشتراء الأب من الزكاة و إعتاقه (1).

و يمكن حملها (2)على ما سيجي‌ء من اعتبار كونها (3)في شدة، و لو باعتبار كون العبد مؤمنا في معرض البيع على المخالفين.

و إمّا رقاب خاصة، و المتفق عليه منها على الظاهر (4)ثلاثة:

أحدها: المكاتب العاجز عن أداء مال الكتابة؛ لمرسلة أبي إسحاق- المعتضدة أو المنجبرة باستفاضة نقل الإجماع عن السرائر (5)و المبسوط (6)و الغنية (7)و غيرها-: «عن مكاتب عجز عن مكاتبته و قد أدى بعضها؟ قال:

«يؤدى عنه من مال الصدقة، إنّ اللّٰه عز و جل يقول في كتابه وَ فِي الرِّقٰابِ» (8).

و مقتضى الرواية أنّ الزكاة تصرف في أداء مال الكتابة من غير تفرقة بين إعطائها بيد العبد ليؤديها إلى سيده أو إعطائها إلى سيّده.

و كيف كان فالظاهر من الرواية، بل الآية: انّ المكاتب لا يملكه بعد القبض ملكا مطلقا، فلو لم يؤدّها في مال كتابته- لتحقق البراءة بوجه من الوجوه- فالظاهر أنها ترتجع منه كما اختاره في المعتبر (9).

و في معنى أدائها في مال الكتابة: صرفها فيما يستعان به على الأداء؛ لأنه صرف في فك رقبة كما يرشد إليه الاستشهاد بالآية.


1) الوسائل 6: 173 الباب 19 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

2) في «ف» و «ع»: حملهما.

3) في «م»: كونهما.

4) العبارة في «م» هكذا: و المتفق عليها على الظاهر.

5) السرائر 1: 457.

6) المبسوط 1: 250.

7) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 506.

8) الوسائل 6: 204 الباب 44 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث الأول، و الآية من سورة التوبة: 9- 60.

9) المعتبر 2: 575.

و لو أدّاها في مصرف فلا يبعد ارتجاعه ممن وصل إليه؛ لأنه نقل إليه بغير حق، و المحكي عن الشيخ: التملك بمجرد القبض فلا يرتجع (1)، و لعلّه لما يستفاد من بعض الأخبار من استحقاق المستحقين لها على وجه الاختصاص المطلق، و التملك.

و الظاهر اعتبار عجز المكاتب عن تحصيل مال الكتابة، فلا يكفي مجرد عدم وجوده عنده فعلا، خلافا لصريح العلّامة في محكي النهاية (2)، و ظاهر مثل الشرائع (3)و لعله للعموم (4)، و فيه نظر.

الثاني: العبيد تحت الشدة، فيشترون من الزكاة و يعتقون بالإجماع المحكي حدّ الاستفاضة، و رواية أبي بصير: «عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة و الستمائة يشتري منها نسمة و يعتقها؟ قال: إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم، ثم مكث مليا ثم قال: إلّا أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه و يعتقه» (5)و الظاهر مرادفة الضرورة للشدة، و مصداقها موكول إلى العرف.

و حكي عن بعض: ان أقلها أن يمنع من الصلاة أول وقتها. و لا يخفى ما في إطلاق هذا الكلام، و لعلّه أريد به الدوام على ذلك.

و نية الزكاة مقارنة لدفع الثمن أو للعتق كما في الروضة (6)، و في المسالك (7)و حواشي النافع: عند العتق (8).


1) المبسوط 1: 250 و فيه: و يقوى عندي أنّه لا يسترجع لأنه لا دليل عليه.

2) النهاية 2: 389.

3) الشرائع 1: 161.

4) راجع الوسائل 6: 143 الباب 1 من أبواب المستحقين للزكاة و 202 الباب 43 من الأبواب.

5) الوسائل 6: 202 الباب 43 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث الأول باختلاف يسير.

6) الروضة البهية 2: 47.

7) المسالك 1: 47.

8) نقله في الجواهر 51: 345.

و لا يبعد أن يتعيّن عند الشراء؛ لأنه وقت صرف الزكاة، و لظاهر قوله في التعليل الآتي (1): «انه اشتري بمالهم».

و لو مات قبل العتق فلا ضمان للزكاة، و لو مات بعد العتق فميراثه عند عدم ما عدا الامام عليه السلام له؛ للعمومات (2)و يحتمل للفقراء؛ لعموم التعليل الآتي (3)في رواية عبيد بن زرارة و لموثقة أيوب المتقدّمة (4)بعد تقييدها برواية أبي بصير المذكورة، قال في المعتبر: لو مات العبد المبتاع من الزكاة كان ميراثه لأرباب الزكاة و عليه علماؤنا، ثم احتج برواية عبيد بن زرارة (5)، و الظاهر استناده الى التعليل المذكور فيها، كما صرّح به في نكت الإرشاد (6).

قال في المسالك: و أما التفصيل بأنه إن اشتري من سهم الرقاب فميراثه للإمام عليه السلام و إن اشتري من سهم (7)الفقراء فلأرباب (8)الزكاة، فلا أصل له في المذهب (9).

الثالث: شراء العبيد و إن لم يكن في شدة- بشرط عدم المستحق-، نسبه في المعتبر (10)إلى فقهاء أصحابنا، و عن المنتهى (11)نسبته إلى أصحابنا.

و يدل عليه مضافا الى عموم الآية (12)موثقة عبيد بن زرارة: «قال: سألت


1) في الصفحة الآتية.

2) راجع الوسائل 17: 547 الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة.

3) انظر الصفحة الآتية.

4) المتقدمة في الصفحة 296.

5) المعتبر 2: 589.

6) انظر غاية المراد: 45.

7) في «م»: من مال.

8) في «م»: فميراثه لأرباب.

9) المسالك 2: 48 و العبارة منقولة بالمعنى.

10) المعتبر 2: 575.

11) المنتهى 1: 520.

12) التوبة: 9- 59.

أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد موضعا يدفع ذلك إليه فنظر الى مملوك يباع بثمن فيمن يريده (1)فاشتراه بتلك الألف الدراهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه هل يجوز ذلك؟ قال: نعم لا بأس بذلك، قلت:

فإنّه لمّا أعتق و صار حرّا اتّجر و احترف فأصاب مالا ثم مات و ليس له وارث فمن يرثه؟ قال: يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقون الزكاة؛ لأنه إنما اشتري بمالهم» (2).

و ما تضمنّه ذيل الرواية من إرث الفقراء له لا يتقيد بما إذا نوى اشتراءه عن الفقراء أو نوى إعتاقه عنهم، حتى و انّه لو اشترى من سهم سبيل اللّٰه مثلا ينتفي ذلك، إذ الظاهر أنّ التعليل المذكور حكمة للحكم مبنيّة على ما هو المستفاد من الروايات الكثيرة، من أنّ أصل الزكاة موضوعة لقوت الفقراء، و أنّها نصيبهم الذي جعله اللّٰه في أموال الأغنياء، و أنّ الزكاة مال الفقراء كما عرفت من رواية أبي بصير (3).

ثم ان المحكي (4)عن الأكثر كون الميراث لأهل الزكاة لا لخصوص الفقراء، نعم صرّح المفيد فيما حكي (5)عنه بكونه للفقراء، كما هو ظاهر الرواية، و يمكن (6)حملها بقرينة التعليل بالاشتراء بمالهم على كون الميراث زكاة موضوعة لقوت الفقراء كأصل ثمن العبد، و الشاهد الصريح على الحمل موثقة أديم المتقدمة (7).


1) في «م»: يزيد.

2) الوسائل 6: 203 الباب 43 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2 باختلاف يسير.

3) راجع الصفحة 298.

4) حكاه في المدارك 5: 276.

5) حكاه في المختلف: 191.

6) في «م»: و لكن.

7) في الصفحة 296، و هي موثقة أيوب بن الحر- أخي أديم بن الحر.

و اعلم انه لا إشكال في كون العتق في القسمين (1)الأولين من سهم الرقاب، و أما الثالث فالظاهر أنه كذلك كما يستفاد من جماعة (2)، و حكي (3)عن بعض الاقتصار على الأولين (4)و الظاهر انه لكونهم في مقام بيان المصرف الخاص الجامع (5)لسائر المصارف لتحصيل البسط (6)الراجح أو الواجب، و المفروض تقييد العتق في الصورة بصورة عدم المستحق.

الرابع: ما اختلف فيه: و هو صرفها في العتق الواجب من باب الكفارة على من يعجز عنه (7)، و قد أرسله علي بن إبراهيم في تفسيره عن العالم عليه السلام (8)، و تردد فيه بعض (9)من حيث انه ان العاجز عن العتق يرجع إلى بدله، سواء كان في الكفارة المخيّرة أو المرتبة.


1) في «م»: السهمين.

2) انظر نهاية الإحكام 2: 388، و الروضة البهية 2: 47، و لتفصيل الأقوال انظر الجواهر 15:

3) في «م»: المحكي.

4) حكاه في الجواهر 15: 347.

5) في «م»: المجامع.

6) في «ف» و «ج»: القسط، و في «ع»: المقسط.

7) في «م»: من يعجز عن تحصيله عنه.

8) تفسير القمي 1: 299 و الوسائل 6: 145 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7.

9) الشرائع 1: 161 و الجواهر 15: 351.

مسألة [36]

لا خلاف و لا إشكال في جواز صرف الزكاة إلى الغارم في الجملة؛ و إنما الكلام في مواضع:

الأوّل: انّه لا إشكال في اشتراط عجز الغارم عن أداء دينه، فلو كان متمكّنا منه حيّا أو ميّتا لم يقض عنه، و الدليل على اشتراط ذلك- مضافا إلى الإجماع المحكي عن جماعة (1)-: الأخبار الآتية بعضها في مسألة اشتراط الفقر فيمن يعطى في سبيل اللّٰه.

ثم المصرّح به في كلام جماعة (2)، اعتبار العجز عن أداء الدين، و في المحكي (3)عن آخرين اعتبار الفقر فيحتمل أن يراد بالفقر مجرد الحاجة إلى الأداء و إن لم يكن فقيرا من حيث المئونة، فالنسبة بين الغارمين و الفقراء عموم من وجه.

نعم ينافيه ظاهر المحكي عن الشيخ: من أنّ من وجب عليه العتق في كفارة يعطى لفقره فيعتق (4)، فإن ظاهره أنّ مجرد اشتغال الذمة بما لا يقدر عليه،


1) لم نقف عليه بعينه، نعم المحكي في المدارك 5: 222 التصريح عن جماعة باعتبار عدم التمكن من القضاء، و نقل في الجواهر 15: 356 الإجماع على اعتبار الفقر فيه.

2) منهم الشهيد في الدروس 1: 241 و الشهيد الثاني في الروضة البهية 2: 47 و انظر المدارك 5: 222.

3) حكاه في الجواهر 15: 356.

4) المبسوط 1: 250، و حكاه عنه صاحب الجواهر قدّس سرّه في الجواهر 15: 348.

فقر موجب للدخول تحت اولى الأصناف الثمانية، إلّا أن يحمل كلامه على إرادة الحاجة الى العتق- كما احتمله في شرح الروضة (1).

[ف] المراد بالفقر ما يشمل الحاجة لقضاء الدين حتّى يكون كل غارم غير متمكن من الأداء فقيرا أو مسكينا، و لذا يعطى من الخمس لو كان هاشميا، و يكون مقابلة الغارمين للفقراء باعتبار خصوصية جهة الصرف (2)و انّه قد يكون الغارم ميّتا و قد يقضى عنه بغير اذنه، فلا اشكال هنا إلّا أنّ ظاهرهم من الفقر هو العجز عن مئونة السنة، و أنّ القادر على ما يكفيه غير فقير، و لذا ذكر بعضهم كالشهيد الثاني (3)و الميسي في تعليقه على الإرشاد (4)و المحقق في المعتبر (5)و صاحب المدارك (6)انّ الغارم في المعصية يعطى من سهم الفقراء إذا كان بصفة الفقر، إذ على تقدير كون الغارم أخصّ مطلقا لا معنى لاشتراط كونه فقيرا، و نحوهم المحقق الثاني (7)في مسألة إعطاء العاجز عن الكفارة الواجبة عليه حيث قيّده بما إذا كان فقيرا مع أنّ الغارم إذا كان فقيرا- لا بمعنى اجتماعهما مصداقا، بل بمعنى أن الغرم سبب للفقر (8)الحقيقي الذي هو أحد مصارف الزكاة نظير عدم قوت السنة- فلا معنى لمنع الغارم في المعصية في الروايات مع كونه مستحقّا لأجل فقره.

و دعوى أنّ المراد من الروايات منعه من حيث الغرم لا من حيث الفقر،


1) المناهج السوية (مخطوط): 54.

2) في «ج» و «ع»: المصرف.

3) الروضة البهية 2: 47.

4) لم نقف عليه.

5) المعتبر 2: 575.

6) المدارك 5: 224.

7) جامع المقاصد 3: 32.

8) في «ج» و «ع»: للعزم.

مع فرض عدم انفكاك الحيثية الثانية عن الأولى، فاسدة.

و يؤيد ذلك أنهم صرّحوا في تعريف الفقير (1)بأنه من لا يملك مئونة السنة له و لعياله، و لا يخفى عدم دخول الدين في مئونة السنة كما يشعر به عطف مئونة العيال على مئونة نفسه كما صرح به في رواية أبي بصير المتقدمة (2)في من يربح من دراهمه قوت عياله و نصف القوت، و أصرح منها مرسلة المقنعة المتقدّمة (3).

و من تتبع كلمات الأصحاب في تعريف الفقير و الغني- في زكاتي (4)المال و الفطرة- يظهر له أنّ واجد قوت السنة ليس فقيرا و إن كان غارما و تجب عليه الفطرة أيضا [و قد ذكروا جواز] (5)إغناء الفقير دفعة من سهم الفقراء، و أن الغارم لا يعطى أزيد من الحاجة، فلو كان فقيرا حقيقيا بمجرد الغرم لزم جواز إعطائه زائدا عن الحاجة من سهم الفقراء.

و أيضا فقد ذكروا انه لا يجوز إعطاء واجب النفقة من سهم الفقراء معللين له بعدم الفقر بعد وجوب نفقته على الرجل، و انه يجوز الدفع اليه من سهم الغارم. إذا [كان غارما] (6)، و لا ريب أنّ هذا التعليل يقتضي اختصاص الفقر (7)لأجل عدم قوت السنة؛ لأنه الذي يزول بإنفاق الغير عليه.

و كيف كان فإجراء أحكام الفقير (8)- الذي هو أول أصناف الثمانية- على الغارم بمجرد الغرم و إن كان مالكا لقوت السنة، مشكل جدا.


1) في النسخ: الفقر.

2) راجع الصفحة 266.

3) راجع الصفحة 264.

4) في «ف» و «ع»: زكاة.

5) الزيادة من «ع».

6) ما بين المعقوفتين من «م».

7) في «م»: الفقير.

8) في «م»: الفقر.

و يؤيد ما ذكر (1)ان العلّامة قدّس سرّه مع انه صرّح في المنتهى و التذكرة باعتبار الفقر (2)استقرب في النهاية (3)جواز الدفع الى المديون إذا كان عنده ما يفي بدينه إذا كان بحيث ما لو دفعه صار فقيرا، و أوضح منه في التأييد ما عن الحلّي (4)من منع جواز ذلك معللا بأنه غني لا تحلّ له الصدقة. و يمكن الاستشهاد له بما عن مستطرفاته في السرائر نقلا عن كتاب المشيخة لابن محبوب عن أبي أيّوب، عن سماعة: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الرجل منّا يكون عنده الشي‌ء يتبلّغ به و عليه دين، أ يطعم عياله حتى يأتيه اللّٰه بميسرة (5)فيقضي دينه؟ أو يستقرض على ظهره في جدب الزمان (6)و شدة المكاسب، أو يقضي بما عنده دينه و يقبل الصدقة؟ قال: يقضي بما عنده و يقبل الصدقة» (7)فالظاهر ان المراد بالفقر المأخوذ شرطا في الغارم هي الحاجة الى الأداء.

ثم المراد من عدم التمكّن هو عدم القدرة عرفا بحيث لا يعد عاجزا، لا التمكن الشرعي؛ فإن من له مشتغل لا يزيد عن مئونة سنة يجب عليه شرعا أداء دينه مع ذلك المشتغل مع انه عاجز عرفا عن أداء الدين؛ لأنه يصير فقيرا بعد الأداء، و قد عرفت عن النهاية ان الأقرب جواز الدفع إلى من كان عنده ما لو دفعه صار فقيرا.


1) في «م»: ما ذكرنا أيضا.

2) المنتهى 1: 528 و التذكرة 1: 233.

3) نهاية الإحكام 2: 391.

4) لم نقف عليه في السرائر، و في غنائم الأيام: 335: و يظهر من ابن إدريس وجوب الأداء من ماله ثم أخذ الزكاة، لأنّه غنيّ، و الزكاة لا يجوز للغني.

5) كذا في المصدر و هامش «ع» في نسخة، و في «م»: بالميسرة، و في «ج» و «ع»: الميسرة.

6) في «م»: من الزمان.

7) السرائر 3: 590، الوسائل 6: 207 باب 47 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

ثم الظاهر ان الغارم يشمل من استقر في ذمته المال لا بعوض صار اليه كمن صار عليه دية أو كفارة أو ضمان متلف، و لذا قال في المعتبر: انّ من وجبت عليه كفارة و لم يجد ما يعتق جاز أن يعطى من الزكاة ما يشتري به رقبة و يعتقها، روى ذلك علي بن إبراهيم في تفسيره عن العالم عليه السلام (1)، ثم قال: و عندي إنّ ذلك أشبه بالغارم؛ لأن القصد إبراء ما في ذمة المكفر (2)(انتهى).

و غرضه من كونه أشبه بالغارم ليس انه ليس بغارم حقيقة، بل مقصوده ان ما يدفع إليه أشبه بسهم الغارمين؛ لأن المقصود ليس مطلق سدّ خلّته بل خصوص اخلاء ذمته، ثم على القول بعموم الغارم لما ذكرنا من الضمانات.

و يؤيد ما ذكرنا رواية العرزمي: «لا تحل الصدقة إلا في دين موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع» (3)، فالظاهر انه لا يعتبر وقوع أسبابها في غير المعصية، بل لو كان سبب الكفارة الظهار المحرم أو حنث اليمين، أو قتل الصيد و لو عمدا، أو إتلاف مال عمدا، فالظاهر جواز الإعطاء و لو بعد التوبة؛ بناء على اشتراط العدالة لإطلاق الغارم و اختصاص المقيد بما إذا استدان في المعصية و أنفق فيها، و لا يشمل ما إذا كان سبب الضمان معصية، إلّا أن يفهم العموم بتنقيح المناط، أو اعتمدنا في الحكم بالتقييد على وجوه اعتبارية ذكروها، من كونه إغراء بالقبيح، و أن الزكاة إرفاق فلا يناسب كون المعصية سببا لها.

و يظهر مما ذكرنا من عبارة المعتبر عدم الاشتراط في هذا القسم من


1) تفسير القمي 1: 299 و الوسائل 6: 145 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7.

2) المعتبر 2: 574.

3) الوسائل 6: 145 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6. و قد تقدم تمامه في الصفحة 277.

الغارم، حيث [ذكر ما ذكرنا عنه (من الإعطاء من سهم الغارمين) (1)في مضمون رواية القمي في تفسير الرقاب (2)، بأنهم قوم لزمتهم كفارات في الظهار و قتل الخطأ و الصيد و الأيمان] (3).


1) ما بين القوسين ليس في «ف».

2) المتقدمة في الصفحة السابقة.

3) ما بين المعقوفتين ليس في «م» و كتب في هامشه: محل سقوط أوراق.

مسألة [37]

المشهور كما قيل: إنّ سبيل اللّٰه يشمل جميع سبل الخير، و قد حكي ذلك صريحا عن الإسكافي (1)و الشيخ في الخلاف (2)و المبسوط (3)و ابن زهرة (4)و الحلّي (5)و ابن حمزة (6)و الفاضلين (7)و الشهيدين (8)و العليّين (9)و جمهور متأخري المتأخرين (10)بل كافتهم كما قيل (11)، و عن الغنية (12)و الخلاف (13)و ظاهر


1) لم نقف على من حكى ذلك عنه، و ظاهر المنقول عنه في المختلف خلافه، راجع المختلف: 181.

2) الخلاف 1: 192 كتاب قسمة الصدقات، المسألة: 21 (الطبعة القديمة).

3) المبسوط 1: 252.

4) الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

5) السرائر 1: 457.

6) الوسيلة: 128.

7) المعتبر 2: 577 و الشرائع 1: 162 و الإرشاد 1: 287 و القواعد 1: 58.

8) اللمعة و شرحها (الروضة البهية) 2: 49.

9) في «م»: العلمين، و لم نعلم المراد بهما، و اما العليين فهما- على الظاهر-: الشيخ علي بن الحسين الكركي و الشيخ علي بن عبد العالي الفاضل الميسي، اما الأول فقد صرح بذلك في حاشية الشرائع (مخطوط): 49، و اما الثاني فلم نقف على من نقل عنه ذلك.

10) ذخيرة المعاد: 456 و فيه: و جمهور المتأخرين.

11) انظر المستند 2: 48 و فيه: و سائر المتأخرين.

12) الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

13) الخلاف 1: 192 كتاب قسمة الصدقات، المسألة 21 (الطبعة القديمة).

المجمع (1)الإجماع عليه؛ لعموم معناه اللغوي و العرفي، و خصوص المستفيضة الواردة في المقام مثل مرسلة القمي في تفسيره عن العالم عليه السلام: «قال: و في سبيل اللّٰه: قوم يخرجون في الجهاد و ليس عندهم ما ينفقون (2)، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجّون به، أو في جميع سبل الخير، فعلى الامام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقوون على الحج و الجهاد» (3).

و مثل المروي عن الفقيه، عن ابن يقطين، عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام:

«يكون عندي المال من الزكاة فأحج به مواليّ و أقاربي؟ قال: نعم لا بأس» (4).

[و عن مستطرفات السرائر، عن كتاب البزنطي، عن جميل عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: سألته عن الصرورة أ يحجه الرجل من الزكاة؟ قال:

نعم» (5)] (6).

و نحوها المروي عن الفقيه، عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام (7)، و مثل ما ورد في من أوصى في سبيل اللّٰه من، أنه يصرف في الحج، معلّلا بأني لا أجد أفضل من الحج (8)، خلافا للمحكي عن المفيد (9)و سلار (10)و صاحب الإشارة (11)و الشيخ في النهاية (12)فخصّوه بالجهاد؛ لتبادره من اللفظ، و لبعض ما ورد


1) مجمع الفائدة 4: 164 و راجع مجمع البيان 3: 42.

2) في هامش «ع»: في نسخة: يتقوون، و في الوسائل: يتقوون به.

3) تفسير القمي 1: 299، الوسائل 6: 146، الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7.

4) الفقيه 2: 35، الحديث 1633 الوسائل 6: 201، الباب 42، من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

5) السرائر 3: 560، الوسائل 6: 202، الباب 42 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

6) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

7) الفقيه 2: 35 الحديث 1632.

8) الوسائل 13: 412 الباب 33 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2.

9) المقنعة: 241.

10) المراسم (الجوامع الفقهية): 581.

11) إشارة السبق (الجوامع الفقهية): 125.

12) النهاية: 184.

فيمن أوصى في سبيل اللّٰه (1).

ثمّ انه قد استثنى جماعة منهم: الشهيد و المحقّق الثانيان (2)من الموضوع المذكور ما يكون معونة لغني، قال في المسالك: و يجب تقييده بما لا يكون معونة لغني مطلق بحيث لا يدخل في شي‌ء من الأصناف (3)الباقية فيشترط في الحاج و الزائر الفقر، أو كونه ابن السبيل أو ضيفا، و الفرق حينئذ بينهما و بين الفقير: انّ الفقير لا يعطى الزكاة ليحج بها من حيث كونه فقيرا، و يعطى لكونه في سبيل اللّٰه (4)(انتهى).

و لعلّه لما ورد من «أنّ الصدقة لا تحل لغني» (5)حيث (6)أنها تعارض مع إطلاق في سبيل اللّٰه (7)بالعموم من وجه، فيرجع إلى عموم ما دلّ على اختصاص الزكاة بمصارف الفقير مثل قوله: «إنما جعل الزكاة قوتا للفقراء» (8)و ما دل (9)على شركة الفقراء المقتضية لعدم جواز صرفها في غيرهم [و من وضع الزكاة للفقراء و سدّ الخلّة] (10)خرج منه (11)ما خرج مثل الغازي و ابن السبيل و المؤلّفة و العاملين، و بقي الباقي.

و فيه: ان ظاهر عدم حلّية الصدقة للغني عدم استحقاقه للزكاة استحقاقا


1) مثل ما ورد في الوسائل 13: 414 الباب 33 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4.

2) حاشية الشرائع (مخطوط): 49 و فيه: و ينبغي ان يراد بالقربة ما لا يكون مئونة لغني.

3) في «ع» و «م»: الأوصاف.

4) المسالك 1: 47.

5) الوسائل 6: 159 الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3 و 5 و 9.

6) في «م» و «ع» و حيث.

7) في «م» مع إطلاقات سبيل اللّٰه، و في «ع»: مع إطلاقات في سبيل اللّٰه.

8) الوسائل 6: 4 الباب الأول من أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب، الحديث 4.

9) الوسائل 6: 148 الباب 2 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

10) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

11) ورد في «م» و «ع»: منها.

مطلقا [على نحو استحقاق الفقير] (1)، بل الاستحقاق المطلق بحسب أصل وضع الزكاة مختص بالفقراء إذ العاملون إنما يعطون من مال الفقراء على وجه الاستحقاق المطلق، و التملّك (2)بإزاء جمعهم لذلك المال، فليس استحقاقهم المطلق لحصة من الزكاة إلّا متفرعا على استحقاق الفقراء لجميعها (3).

و أمّا المؤلّفة فاستحقاقهم المطلق أيضا لمصلحة ترجع إلى الفقراء، و إن عمّ غيرهم، فبقي ممن عدا الفقراء: الغارم و سبيل اللّٰه و ابن السبيل. و لا ريب انهم ما يستحقون الزكاة استحقاقا مطلقا. على حدّ استحقاق الأربعة السابقة، بل إنما تدفع إليهم ليصرفوها في مصرف خاص، ترتجع منهم لو فات ذلك المصرف أو صرفوها في غيره- على ما تقدّم في الغارم و العامل، و سيجي‌ء في ابن السبيل- [فإعطاء الغني ليصرفه في سبيل اللّٰه من هذا القبيل] (4)[هذا مع إمكان أن يقال: مقتضى التأمّل فيما يدلّ عليه أخبار حرمة الصدقة على الغني (5)انّ المراد منها حرمتها (6)على من هو غني عنها في المصرف الذي يعطى لأجله، فلا يجوز (7)دفع الزكاة للمعاش (8)إلى من هو غني عنه في جهة المعاش، و لا للدين إلى من هو قادر على أداء الدين، و لا للصرف في سبيل اللّٰه إلى من يقدر عليه بدون الزكاة، و سيجي‌ء إنّ هذا عين المختار من اعتبار الحاجة] (9).


1) ما بين المعقوفتين ورد في «م» بعد قوله: «مختص بالفقراء».

2) كتب ناسخ «ع» فوق كلمة «و التملك»: ليس.

3) العبارات التي تلي هذه الكلمة إلى قوله: «لكن الانصاف» وردت مضطربة في النسخ، و ما أثبتناه هنا من «ف».

4) ورد ما بين المعقوفتين في «م» و «ع» بعد قوله «بعموم أدلة سبيل اللّٰه».

5) الوسائل 6: 159 الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة.

6) ليس في «ع»: حرمتها.

7) في «ع»: لا يجوز.

8) في «ف»: للمباشر.

9) ورد ما بين المعقوفتين في «م» بعد قوله: «لجميعها» و قبل قوله «و أما المؤلفة». و ورد في «ع» بعد قوله: «أدلّة سبيل اللّٰه» ما يلي: «فإعطاء الغني ليصرفه في سبيل اللّٰه من هذا القبيل، هذا مع إمكان .. إلى آخر العبارة».

[و أما الأخبار المخصصة للزكاة بالفقراء و أنّ اللّٰه شرّك بين الفقراء و الأغنياء في أموالهم فليس لهم أن يصرفوها الى غير شركائهم، و غير ذلك مما ظاهرها، بل صريحها: عدم جواز الدفع الى غير الفقير- لا مجرد عدم تملك غير الفقير لها- فهي مخصصة بعموم أدلّة سبيل اللّٰه] (1).

نعم يستفاد من مرسلة القمي- المتقدّمة (2)- اعتبار حاجة المدفوع إليه في تحصيل ما يفعله إن كان مالكا لمئونة سنته (3).

لكن الإنصاف ان الاستدلال بها مشكل؛ لتضمنها اعتبار العجز في المجاهد مع عدم اعتباره فيه اتفاقا، و جعل هذا من قبيل العمل بجزء الرواية و طرح جزئها الآخر بعيد جدا، بل يمكن حملها على بيان التمثيل و ذكر المصرف الأهم من باب المثال.

فالأولى الاستدلال بوجوه أخر مثل قوله عليه السلام: «لا تحل الصدقة لغني» بالتقريب الذي ذكرناه أخيرا من أن المراد حرمة أخذها و إعطائها للمصرف الذي لا يحتاج فيه إليها، فإعطاء الغارم و المكاتب و الحاج القادرين على المعيشة- العاجزين عن أداء الدين و مال الكتابة و نفقة الحج- لا يحل لهم أخذ الزكاة و لا إعطائهم لأجل المعيشة، و يحل لأجل ما هم يفتقرون فيه إليها.

و يدل عليه- أيضا- ما ورد في أحكام الأرضين من أن الامام عليه السلام


1) ما بين المعقوفتين ورد في «ج» و «ع» بعد قوله: «في ابن السبيل» و ما بين الشارحتين ليس في «ع» و «م» و فيهما بدله ما يلي: «فإعطاء الغني ليصرفه في سبيل اللّٰه من هذا القبيل» هذا و قد وردت هذه العبارة في «ع» بعد قوله «أدلّة سبيل اللّٰه».

2) في الصفحة 309.

3) في «ج» و «ع» و «م»: سنة.

يقسّم الزكاة على الأصناف بقدر ما يستغنون به (1). فإن ظاهر هذا الكلام عدم حصول الغنى قبل دفع الزكاة، و إلّا لم يكن الاستغناء بها، فتأمّل.

و ما ورد في اعتبار العجز عن أداء الدين في إعطاء المديون الحيّ و الميت و المنع عن إعطاء القادر عليه.

ففي حسنة زرارة بابن هاشم: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: رجل حلّت عليه الزكاة و مات أبوه و عليه دين أ يؤدّي زكاته في دين أبيه و للابن مال كثير؟ فقال: إن كان أبوه أورثه مالا ثم ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث و لم يقضه من الزكاة، و إن لم يكن أورثه مالا لم يكن أحد أحق بزكاته من دين أبيه، فإذا أدّاها في دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه» (2). (3)فإن المنع المطلق ظاهر في عدم جواز الدفع إليه و لو من سهم في سبيل اللّٰه، و إلا فلا وجه للمنع مع وجود سبب الجواز.

و دعوى اعتبار حيثية [الغارم في المنع فاسدة: أوّلا: بخلوّ الكلام عن الإشارة إليها و ثانيا: بعدم الفائدة في المقام للحكم بالمنع مقيدا بحيثيته مع وجود حيثية] (4)أخرى مستقلّة في سببيّة الجواز، فهو بمنزلة أن يمنع من إكرام زيد من حيث فسقه مع وجود صفة العلم فيه- المفروض كونها علّة مستقلّة في جواز الإكرام حتى مع الفسق. هذا مضافا إلى استمرار السيرة على النكير على من صرف الزكاة في معونة (5)الأغنياء كإطعامهم، و الإهداء إليهم بقصد القربة و نحو ذلك.


1) الوسائل 6: 184 الباب 28 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

2) الوسائل 6: 172 الباب 18 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

3) في هامش «ف» قوله عليه السلام: «من جميع الميراث» أي لا من خصوص الثلث «منه».

4) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

5) في «ج» و «ع»: مئونة.

ثم ان ما ذكرنا من اعتبار الاحتياج في ذلك السبيل إنما هو إذا قصد بالدفع مجرّد إعانة الفاعل كالحاج و الزائر. من حيث انّ نفس الإعانة من السبيل، و أما إذا قصد حصول ذلك الفعل في الخارج من حيث انه سبيل من السبل ليصير أن يشترك بماله مع الفاعل ببدنه، فالظاهر عدم اعتبار الاحتياج هنا؛ لأن الإنفاق على ذلك الفعل بمنزلة الإنفاق على بناء المساجد و الربط، فصرف المال في مئونة الزائر لتحصل الزيارة التي هي من سبل الخير كصرف المال في آلات البناء [و نفقة العملة] (1)للبنّاء الذي يبنى المسجد تبرعا بقصد القربة، فهو مأجور بعمله و هذا بماله، و لا يخفى على أدنى متأمّل أنّ هذا لا ينافي ما دلّ على حرمة الصدقة على الأغنياء؛ لأن المزكي لم يصرف الصدقة إلّا في تحصيل جهة خاصة كان لفعل الغني مدخل فيها و ليس تصدقا على الغني، و لذا لو فضل عن مئونة العمل شي‌ء يجب ردّه الى المزكي أو صرفه (2)الى مصارف أخر للزكاة.

و الحاصل: ان السبيل المصروف فيه (3)الزكاة قد يجعل نفس إعانة الغني؛ لأنه من الأمور الراجحة، و قد يجعل نفس الفعل، و الذي اعتبرنا فيه الحاجة هو الأول لا الثاني.

و من هنا يعلم أنّ حكمهم بأنه يعطى الغازي من الزكاة و إن كان غنيا إنما ينافي ما دلّ على عدم حلّية الصدقة للغني إذا كان الدفع من باب معونة الغازي، و أما إذا كان من باب حصول دفع العدوّ الحاصل من مال المزكّي و بدن الغازي، فليس فيه منافاة للأدلّة.

فإن قلت: فعلى هذا يجوز دفع الزكاة إلى الهاشمي على الوجه الثاني الذي جوّز في الغني؛ لأنه ليس تصدقا عليه بل هو اشتراك معه في إيجاد سبب الفعل الذي هو من السبل.


1) ما بين المعقوفتين ليس في «ف» و «ع» و «ج».

2) في «م»: و صرفه.

3) في «ف»: اليه.

قلنا: لو لا أنّ أدلة تحريم الصدقة على بني هاشم دلّت على حرمة تقلّبهم و تصرّفهم فيها؛ لأنّها أوساخ الناس، لقلنا بكونهم كالأغنياء و واجبي النفقة في أن الحرام هو سدّ خلّتهم من الزكاة (1)[لا] (2)صرف الزكاة بتوسطهم الى سبيل باشروه بأبدانهم، فالمانع هو ما ذكرنا، و لذا لا يعطون من نصيب العاملين و لا الغارمين مع أن مالكي قوت السنة و واجبي النفقة يعطون من هذين النصيبين.


1) ليس في «ف»: من الزكاة.

2) في جميع النسخ: هو، و ما أثبتناه من مصححة «ع».

مسألة [38]

لا إشكال في عدم أجزاء (1)دفع الزكاة إلى مخالفي الإمامية في الاعتقاد، و دعوى الإجماع به كالنصوص مستفيضة (2)، و علل في بعض الأخبار المنع عن إعطاء الواقفة بأنهم كفار مشركون زنادقة (3)، و عن إعطاء الزيدية بأنهم النصّاب (4).

ثم إنه لا إشكال في استثناء المؤلّفة من مستحقّي الزكاة و إن كان المحكيّ عن جماعة إطلاق المنع (5)، و في المسالك (6)و المدارك (7)إلحاق بعض أفراد سبيل اللّٰه، و لعلهما أرادا مثل الغازي- كما صرح به في الوسيلة (8)و ليس مرادهما ما لو كان المصرف غير متعلق بشخص كبناء المساجد و القناطر و غيرهما، مما لا يتصور


1) في «ف»: جواز.

2) انظر الحدائق 12: 203 و المستند 2: 49 و الجواهر 15: 378 و 379.

3) الوسائل 6: 157 الباب 7 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

4) الوسائل 6: 153 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 5.

5) منهم السيد المرتضى في الانتصار: 82 و الصدوق في المقنع (الجوامع الفقهية): 14.

6) المسالك 1: 47.

7) المدارك 5: 238.

8) الوسيلة: 129.

فيه اشتراط الايمان، كما صرح به الشهيد في نكت الإرشاد (1)لأن هذا ليس قابلا للاستثناء من عبارة الشرائع (2)و في كلام بعض مشايخنا المعاصرين (3)استثناء مطلق سبيل اللّٰه، و عن الغنية (4): إلحاق العاملين بالمؤلفة، و ينسب إلى ظاهر الشرائع (5)و النافع (6)و التبصرة (7)و الرسالة الغرية (8): اختصاص هذا الشرط بالفقراء و المساكين.

و التحقيق أن يقال: إن ظاهر أخبار المنع هو النهي عن سد خلّة المخالفين بالزكاة، فلا فرق بين الفقراء و المساكين و الغارمين وَ فِي الرِّقٰابِ و ابن السبيل و فِي سَبِيلِ اللّٰهِ، إذا جعل السبيل نفس إعانة المخالف التي هي في نفسه من الراجحات من باب أن «على كل كبد حرى أجرا» (9).

و اما المؤلفة فلا ريب في عدم اعتبار الإسلام فيه فضلا عن الإيمان؛ لأن اعطاءهم ليس من باب الإعانة و سد الخلّة. و أما من سهم العاملين فلا يجوز أيضا؛ بناء على اشتراط العدالة كما ادعي (10)الإجماع عليه، و لو فرض القول بعدمه فالظاهر انّه لا بأس بإعطائه؛ لأنّه في معنى الأجرة و ليس لمجرّد الإعانة و سدّ الخلّة، و لذا يعطى مع الغنى.


1) غاية المراد: 41.

2) شرائع الإسلام 1: 163.

3) الجواهر 15: 377.

4) الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

5) شرائع الإسلام 1: 163.

6) المختصر النافع 1: 59.

7) تبصرة المتعلمين: 48.

8) الرسالة الغرية (مخطوط).

9) معناه في الكافي 4: 57 باب سقي الماء.

10) راجع الجواهر 15: 334.

و أمّا في سبيل اللّٰه فقد عرفت المنع من إعانتهم و سدّ خلّتهم من الزكاة، و أما إذا أريد به مجرّد وجود الفعل الذي هو السبيل، فإن كان ذلك الفعل (1)مع مباشرة المخالف له سبيلا و قربة بأن لم يكن من العبادات، بل كان من الأمور المحصّلة للغرض من أي فاعل صدرت (2)، كالغزو و دفع الخوف من طرق المسلمين و نحو ذلك، فالظاهر أنّه يجوز الدفع؛ لأنّ الفعل المذكور هو الذي صرف فيه الزكاة نظير بناء القناطر و المساجد، و الفاعل له بمنزلة الآلة، و الأخبار المانعة إنّما تمنع من صرف الزكاة إلى المخالف و وضعها فيه، و فيما نحن فيه لم توضع إلّا في تحصيل الفعل المذكور في الخارج (3)، و هذا ظاهر لمن تدبّر الأخبار و تأمّلها تأمّلا قليلا، و قد مر هذا أيضا في اعتبار الفقر في سهم سبيل اللّٰه.

و مما ذكرنا يعلم أنّ ما ذكرنا لا ينافي الحصر في قوله عليه السلام: «إنّما موضعها أهل الولاية» (4)، كما لم يناف قوله عليه السلام: «لا تحل الصدقة لغني» (5)ما تقدم (6)منا من جواز دفع حصة سبيل اللّٰه إلى الغني إذا قصد الدافع صرفها في الفعل الذي يوجد منه، و لوحظ الفاعل فيه بمنزلة الآلة. قال الشهيد في نكت الإرشاد عند قول المصنف قدّس سرّه: «و يشترط في المستحقين الايمان و العدالة»: إن في جمع (7)«المستحقين» بصيغة من يعقل فائدة، و هي: أن سبيل اللّٰه عند جاعله للعموم لا يتصور في بعض موارده اشتراط الايمان (8).

ثم إنّ ظاهر إطلاق معظم الأخبار، و كثير من الفتاوى- كصريح البعض


1) ليس في «ج» و «ع»: الفعل.

2) ليس في «ف»: صدرت.

3) في «م» و «ع»: من الخارج.

4) الوسائل 6: 154 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 12- نقلا بالمعنى.

5) الوسائل 6: 160 الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة.

6) راجع الصفحة 314.

7) في «م» و المصدر: جميع.

8) غاية المراد: 41.

من كلّ منهما (1)- عدم الفرق بين زكاة الفطرة و المال، ففي مصححة إسماعيل بن سعد، عن الرضا عليه السلام: «قال: سألته عن الزكاة هل توضع في من لا يعرف؟

قال: لا و لا زكاة الفطرة» (2)، خلافا للمحكي (3)عن الشيخ (4)و اتباعه (5)من جواز دفع الفطرة إلى المستضعف إذا لم يجد المؤمن المستحق لها؛ لأنّ إطلاقات المنع- حتى مصححة ابن سعد الشاملة لصورتي وجدان المؤمن و عدمه- [مقيّدة] (6)بما دلّ على جواز دفع الفطرة، كرواية يعقوب بن شعيب: «قال: قلت:

فإن لم يجد من يحملها إليهم- يعني إخوانه و أهل ولايته-؟ قال: يدفعها إلى من لا ينصب له» (7).

و موثقة الفضيل، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: كان جدي صلوات اللّٰه عليه (8)يعطي فطرته الضعفة و من لا يتولّى، و قال أبي: هي لأهلها إلّا أن لا تجدهم [فان لم تجدهم] (9)فلمن لا ينصب، و لا تنقل من أرض إلى أرض» (10).

و موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم عليه السلام: «قال: سألته عن صدقة الفطرة أعطيها غير أهل ولايتي من فقراء جيراني؟ قال: نعم الجيران أحقّ


1) المدارك 5: 239، و فيه: فذهب الأكثر .. الى عدم جواز دفعها الى غير المؤمن مطلقا.

2) الوسائل 6: 152 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

3) حكاه في المدارك 5: 239.

4) النهاية: 192.

5) راجع الشرائع 1: 163.

6) ما بين المعقوفتين من هامش «ف».

7) الوسائل 6: 153 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7.

8) في «م» و الاستبصار: كان جدي رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم. و في الوسائل: جدي عليه السلام.

9) ما بين المعقوفتين من مصححة «ع» و المصدر.

10) الوسائل 6: 250 الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

بها لمكان الشهرة» (1).

و رواية مالك الجهني، عن أبي جعفر عليه السلام: «قال: سألته عن زكاة الفطرة قال: تعطيها المسلمين فإن لم تجد مسلما فمستضعفا» (2).

و مصححة ابن يقطين- المروية عن الفقيه-: «قال: سألت أبا الحسن الأول عليه السلام عن زكاة الفطرة أ يصلح أن تعطى الجيران و الظؤرة، ممّن لا يعرف، و لا ينصب؟ قال: لا بأس بذلك» (3).

و في الاعتماد على الروايات المذكورة في تقييد الأخبار و معاقد الإجماعات المتقدمة إشكال. و يمكن حمل روايتي ابن عمار و ابن يقطين على الجواز من باب التقيّة، و مورد رواية أبي شعيب مختص بزكاة المال، و القائل بجواز دفعها الى غير المؤمن عند تعذر الدفع اليه غير معروف و إن نسب الخلاف فيه الى بعض (4)، و رواية الفضيل تدل على الجواز بمجرد تعذّر الدفع في تلك الأرض (5).

ثم الظاهر إنّ المراد بالمستضعف غير المعاند للحق من المخالفين.

و لو دفع الزكاة إلى المخالف تقيّة إذا لم يكن مندوحة فهل يحتسب زكاة أم يجب الإعادة؟ وجهان: من إجزاء أداء المأمور به على وجه التقيّة عن الواقع- كما في سائر العبادات- و ورود النصوص باحتساب ما أخذه بنو أمية على وجه الزكاة (6)، و لما تقدّم من روايتي ابن عمار و ابن يقطين.


1) الوسائل 6: 250 الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

2) الوسائل 6: 250 الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة الحديث الأول.

3) الفقيه 2: 180 الحديث 2077 و الوسائل 6: 251 الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 6.

4) أشار إليه في الجواهر 15: 381 و الحدائق 12: 205.

5) الوسائل 6: 250 الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

6) انظر الوسائل 6: 173 الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة.

و من منع الإذن في أداء المأمور به على هذا الوجه كما ورد في الصلاة و الطهارة (1)، و ما ورد في عدم احتساب ما أخذه بنو أمية من الزكاة معلّلا بقوله عليه السلام: «إنما هؤلاء قوم غصبوكم أموالكم، و إنما الصدقة لأهلها» (2).

و يمكن أن يقال: إنّه إن لم يجد مندوحة عن أصل الدفع فهو داخل في مسألة ما يأخذه المخالف بعنوان الزكاة قهرا، و قد تقدّم الروايات باحتسابه، و إن وجد المندوحة عن أصل الدفع إلّا أنه على فرض ارادة الدفع لا مندوحة له عن دفعه إلى المخالف، فالأقوى عدم الاحتساب؛ للأصل و قوله: «إنما هؤلاء قوم ظلموكم أموالكم و إنما الصدقة لأهلها»، و للتصريح في أخبار الاحتساب بوجوب الإخفاء عنهم ما استطاع، ففي صحيحة العيص بن القاسم: «ما أخذ منكم بنو أمية فاحتسبوا به و لا تعطوهم شيئا ما استطعتم، فإنّ المال لا يبقى على هذا أن تزكيه مرتين» (3)و حينئذ فيجب الصبر الى أن يتمكن من الأداء و لو بعزله و الوصية به.

ثم إن الطفل المتولّد بين المسلم و الكافر الظاهر أنه في حكم المسلم، و كذا المتولّد بين المؤمن و المخالف إذا كان أبوه مؤمنا؛ للنصوص الواردة في إعطاء أطفال المؤمنين (4)مع شيوع أخذ الزوجة المخالفة في ذلك الزمان، و أما إذا كان أبوه مخالفا فيمكن الإعطاء بناء على أن المخالفة مانعة، و أن العداوة و المعاندة الحاصلة فيهم للحق و عدم المعرفة لمن تجب معرفته صارت سببا لمنعهم، و إلّا فارزاقهم موضوعة في أموال الأغنياء، لا أن الإيمان شرط يحتاج فيما نحن فيه


1) انظر الوسائل 1: 311 الباب 32 من أبواب الوضوء و 321 الباب 38 من أبواب الوضوء و 5: 381 الباب 5 من أبواب الجماعة و 427 الباب 33 و غيرها من الأبواب.

2) الوسائل 6: 175 الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6.

3) الوسائل 6: 174 الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

4) انظر الوسائل 6: 155 الباب 6 من أبواب المستحقين للزكاة.

إلى إثبات إلحاق الولد بأمه (1)في أحكام الإيمان، مع أنّ مقتضى العمومات جواز إعطاء مطلق الفقير خرج منها المخالف و هو لا يصدق على الطفل، و ما دل على اختصاص الزكاة بأهل الولاية حصر إضافي بالنسبة إلى المخالف. و هذا الوجه و إن اقتضى جواز الدفع إلى أولاد المخالفين إلّا أن الإجماع قام على كونهم في حكم إبائهم، و هو مفقود فيما نحن فيه.

لكن الإنصاف انه لم يظهر من الأخبار مانعيّة المخالفة، بل لا يبعد دعوى ظهورها في شرطية الإيمان، كما هو ظاهر قوله عليه السلام: «إنما موضعها أهل الولاية» (2)و قوله عليه السلام: «إنما الصدقة لأهلها» (3)، مضافا إلى خصوص حسنة حريز- بابن هاشم- عن أبي بصير [ «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: الرجل يموت و يترك العيال أ يعطون من الزكاة؟ قال: نعم حتى ينشئوا و يبلغوا، و يسألوا من أين كانوا يعيشون إذا قطع ذلك عنهم، قلت: فإنهم لا يعرفون؟ قال: يحفظ فيهم ميتهم و يحبب إليهم دين أبيهم، فلا يلبثون أن يهتموا بدين أبيهم، فإذا بلغوا و عدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم» (4).

فإن الظاهر من قول السائل: «إنهم لا يعرفون» السؤال عن وجه الجواز مع عدم المعرفة، فكان اشتراط المعرفة مركوزا في ذهنه، و لم يجبه الامام عليه السلام بما يدل على اختصاص اشتراط المعرفة بالمكلفين، بل أجاب: بأن الوجه في إعطائهم مع عدم المعرفة هو رجاء تبعيّتهم لآبائهم في المعرفة، و المسألة مشكلة، و الاحتياط غير خفي.

ثم إنه هل يجوز للمالك صرف الزكاة للطفل و لو مع وجود الوليّ، كأن


1) في «ع»: بأبه [بأبيه ظ].

2) الوسائل 6: 154 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 12.

3) الوسائل 6: 175 الباب 20 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6.

4) الوسائل 6: 155 الباب 6 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول مع اختلاف.

يطعمه في حال جوعه و إن لم يعلم بذلك (1)أبوه؟ الظاهر عدم الجواز من سهم الفقراء؛ لأن الظاهر من أدلة الصرف في هذا الصنف هو تمليكهم إياه، نعم يجوز في سبيل اللّٰه، و يحتمل الجواز من سهم الفقراء، بدعوى أنّ الظاهر من تلك الأدلّة: استحقاقهم للزكاة، لا تملكهم لها، فالمقصود هو الإيصال.


1) في «م»: ذلك.

مسألة [39]

المحكي عن المشايخ الثلاثة و اتباعهم: اعتبار العدالة في مستحق الزكاة (1)، و عن السيدين: دعوى الإجماع عليه (2)، و عن الخلاف: انه ظاهر أصحابنا (3)، و عن جماعة- منهم الإسكافي (4)-: اعتبار مجانبة الكبائر و عن جمهور المتأخرين (5)أو عامتهم (6)عدم اعتبار شي‌ء، و هو المحكي (7)عن ابن بابويه (8)


1) الشيخ الطوسي في الجمل و العقود (الرسائل العشر): 206 و المبسوط 1: 247، و الشيخ المفيد في المقنعة: 242، و اما السيد المرتضى فقد اشترط في الانتصار: 82 عدم الفسق كما سيجي‌ء النقل عنه.

2) السيد ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 506، و السيد المرتضى في الانتصار: 82 و فيه: و مما انفردت به الإمامية القول بأن الزكاة لا تخرج الى الفساق.

3) الخلاف 1: 203 كتاب قسمة الصدقات، المسألة 63 (الطبعة القديمة).

4) نقل عنه العلامة في المختلف: 182.

5) راجع المدارك 5: 244 و المستند 2: 51.

6) راجع المصدر المتقدم.

7) حكاه في المدارك 5: 243 و المستند 2: 51 و الجواهر 15: 389 عن الصدوقين و سلار، و في الحدائق 12: 209 عن ابن بابويه و سلار- كما في المتن.

8) المقنع (الجوامع الفقهية): 14.

و سلار (1)حيث لم يتعرضوا- في مقام البيان- لاشتراط أزيد من الايمان، و عن الخلاف: انه مذهب قوم من أصحابنا (2)، و هو الأقوى؛ للإطلاقات بل (3)العمومات الكثيرة الواردة في مقام البيان و الحاجة، مثل قوله عليه السلام: «فمن وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا فأعطه دون الناس» (4).

و قوله عليه السلام- بعد سؤال السائل بقوله: إلى من أدفع الزكاة؟-: «قال:

إلينا، فقال: أ ليس الصدقة محرمة عليكم؟ قال: بلى إذا دفعتها إلى شيعتنا فقد دفعتها إلينا» (5).

و قوله عليه السلام- بعد سؤال السائل بقوله: كيف يصنع بزكاة ماله؟-: «قال:

يضعها في إخوانه و أهل ولايته» (6).

و قوله عليه السلام- بعد سؤال ابن أبي يعفور بقوله: ما تقول في الزكاة لمن هي؟-: «لأصحابك» (7).

و قوله عليه السلام- بعد سؤال ضريس بقوله: إنّ لنا زكاة (نخرجها) من أموالنا ففي من نضعها؟-: «في أهل ولايتك» (8).

و في مصححة أحمد بن حمزة: «قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: رجل من مواليك له قرابة كلهم يقول بك، و له زكاة أ يجوز أن يعطيهم جميع زكاته؟ قال:


1) المراسم (الجوامع الفقهية): 581.

2) الخلاف 1: 203 كتاب قسمة الصدقات، المسألة 63 (الطبعة القديمة).

3) في «ف»: أو الأول.

4) الوسائل 6: 143 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

5) الوسائل 6: 153 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 8.

6) الوسائل 6: 153 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7.

7) الوسائل 6: 153 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6.

8) الوسائل 6: 152 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

نعم» (1).

و رواية علي بن مهزيار: «عن الرجل يضع زكاته كلها في أهل بيته و هم يقولون بك؟ قال: نعم» (2).

و لا يخفى انّ الغالب في القرابة و أهل البيت الشامل للنساء عدم العدالة الى غير ذلك من الروايات.

و لا يقدح- في ورودها في مقام الحاجة- عدم اشتمالها على اشتراط الفقر، لأن المتأمّل في سياق الأسئلة المذكورة يعلم قطعا أنّ المراد: السؤال عن صفة المستحق بعد صفة الفقر- المعلومة لكل أحد، من الكتاب و السنة بالضرورة (3)- و يؤيد ما ذكرنا عموم ما دلّ على أنّ اللّٰه عوّض للسادة الخمس عن الزكاة (4)، مع أنّ المعروف عدم اعتبار العدالة في مستحق الخمس، فيلزم حينئذ أن لا يكون ما يعطى الفاسق الهاشمي من الخمس عوضا عن الزكاة المحرمة عليه.

و خصوص المرسلة المحكية عن العلل: «قلت للرجل- يعني أبا الحسن عليه السلام-: ما حدّ المؤمن الذي يعطى الزكاة؟ قال: يعطى المؤمن ثلاثة آلاف»، ثم قال: أو عشرة آلاف، و يعطى الفاجر بقدر؛ لأن المؤمن ينفقها في طاعة اللّٰه، و الفاجر ينفقها في معصية اللّٰه» (5).

و المروي في تفسير العسكري عليه السلام عن آبائه عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم في حديث: «قيل له: من يستحق الزكاة؟ فقال: المستضعفون من شيعة محمد و آله الذين لم تقو بصائرهم، فأما من قويت بصيرته، و حسنت


1) الوسائل 6: 169 الباب 15 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

2) الوسائل 6: 169 الباب 15 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3. و فيه: و هم يتولونك.

3) في «ع» و «م»: بل الضرورة.

4) الوسائل 6: 358 الباب الأول من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8، 9.

5) علل الشرائع: 130 و الوسائل 6: 171 الباب 17 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

• بالولاية لأوليائه و البراءة من أعدائه- معرفته، فذلك أخوكم في الدين أمسّ بكم رحما من الآباء و الأمهات .. إلى أن قال: و ارفعوهم عن الزكاة و نزّهوهم عن أن تصبّوا عليهم أوساخكم .. الحديث» (1)، و كان في النسخة غلط كثير و لذا اقتصرنا على موضع الدلالة.

و المقصود ان الزكاة ينبغي أن يقسم في مستضعفي الشيعة الذين لم يقو بصائرهم، و أمّا العارفون الأتقياء الصلحاء فينبغي أن يواسي معهم في المال بالصّلة و الهدية، لا من الزكاة، و لا شكّ أنّ أرباب البصائر الضعيفة غالبا لا يخلون عن الكبائر كما هو واضح جدا.

و يؤيّده أيضا ما ورد من أنّه: «لو أدّى الناس زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيرا محتاجا» (2)، فإنّ تخصيصه بالعدول في غاية البعد من السياق، و ما ورد من أن: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» (3)، و ما ورد في تفسير القمي: من تفسير المساكين بأنّهم أهل الزمانات (4)يدخل فيهم الرجال و النساء و الصبيان.

ثم إنك إذا تتبعت الأخبار التي بأيدينا لا تكاد تجد رواية تدل على تقييد جميع العمومات المتقدمة و غيرها الواردة في مقام البيان بصورة عدالة المستحق، نعم ربما يدّعى دلالة مضمرة داود الصيرفي على ذلك: قال: «سألته عن شارب الخمر هل يعطى الزكاة؟ قال: لا» (5)بناء على عدم القول بالفصل بين شرب الخمر و غيره، و فيها بعد الغض عن السند و عدم مقاومتها- لوحدتها- للعمومات


1) التفسير المنسوب الى الامام العسكري عليه السلام: 79، الحديث 40، و الوسائل 6: 157 الباب 7 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6، و في النسخ: «تصلوا إليهم أوساخكم».

2) الوسائل 6: 4 الباب الأول من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 6.

3) الوسائل 6: 286 الباب 20 من أبواب الصدقة، الحديث الأول.

4) تفسير القمي 1: 298 و الوسائل 6: 145 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7.

5) الوسائل 6: 171 الباب 17 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول. و فيه: داود الصرمي.

الكثيرة الواردة مورد الحاجة من الكتاب و السنة، و من هنا يقال: «ربّ عامّ يقدّم على الخاصّ»، انّ دلالتها على اعتبار العدالة غير ظاهرة؛ لأنّ الظاهر من شارب الخمر هو المقيم عليه، و لعلّ النهي عن إعطائه انّ حصول الفقر في مثل هذا الفقير غالبا لاحتياجه إلى ثمن الخمر، و ما هو من لوازم شربه و المداومة عليه، فإن له مؤنا كثيرة لا تخفى، و ليس فقره باعتبار عجزه عن قوت السنة له و لعياله، و يحتمل أن يكون النهي لأجل رجاء كون منعه عن الزكاة، و التضييق عليه في المعاش أو إذلاله بحرمانه عمّا يوصل إلى أمثاله سببا لارتداعه عن فعله القبيح، و يحتمل أن يكون المنع لغير ما ذكرنا من الحكم و المصالح.

و كيف كان فليس القول بالفصل بين المقيم على شرب الخمر و غيره من الكبائر التي لا دخل لها في تضييع المال كالغيبة مثلا خرقا للإجماع، و على تقدير كونه خرقا فالفصل بين المقيم على الكبيرة و بين مرتكبها (1)و لو مرّة، ليس خرقا، كيف و هو المحكي عن الإسكافي حيث قال: لا يعطى شارب الخمر و لا المقيم على كبيرة (2)، و على تقدير عدم قدح الإسكافي و كون ذلك أيضا خرقا، فليس مجرّد ترك الكبيرة بمجرّد الاتّفاق- بل لعدم التمكّن مع وجود ملكة المعصية- عدالة، غاية الأمر أنّ ارتكاب الكبيرة رافع للاستحقاق الثابت قبله، و أين ذلك من العدالة التي هي إما الملكة، و إما حسن الظاهر.

و على تقدير ثبوت الإجماع المركّب و عدم جواز الفصل بين المنع من إعطاء شارب الخمر و اعتبار العدالة، فنقول: غاية الأمر كون هذه الرواية بضميمة الإجماع المركب معارضة لما تقدّم من العمومات بالخصوص، فكما يمكن التخصيص يمكن حمل النهي على الكراهة لرجاء ارتداعه، و لا نسلّم أولويّة مثل هذا التخصيص على مثل هذا المجاز في هذا المقام. و بالجملة، فالخروج عن تلك


1) في «ف»: و من يرتكبها.

2) المختلف: 182.

العمومات بتلك الرواية الواحدة المخدوشة سندا و دلالة و إن انجبرت بالشهرة القديمة، و الإجماع المحكي عن السيدين (1)الموهنين بمخالفة الشهرة المتأخّرة، و قوم من القدماء (2)، و بالاطّلاع على فساد مستندهم في اعتبار هذا الشرط، خروج عن الانصاف.

نعم ربما استدلوا لاعتبار العدالة بوجوه أخر مثل: أنّ الفاسق غير مؤمن لمقابلتهما في قوله تعالى أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لٰا يَسْتَوُونَ (3)، و لتعذيبه بالنار (4)مع ما ورد في الكتاب العزيز من أنّه لٰا يُخْزِي اللّٰهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ (5).

و فيه: منع المقدّمتين؛ لاحتمال التكفير في الدنيا، و العفو في الآخرة و لو لأجل الشفاعة، و احتمال اختصاص الآية بالمؤمنين مع النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم لا مطلق المؤمنين به.

و أما الفاسق- المقابل للمؤمن في الآية- فالمراد به الكافر بقرينة الحكم بخلوده في النار في الآية التي بعدها.

و مثل انّ إعطاء الزكاة للفاسق إعانة له، و قد منع عنه جميع ما منع عن إعانة الفاسقين.

و فيه: إنّا لم نجد ما يدلّ على حرمة إعانة الفاسقين في غير فسقهم، نعم قد يقال ذلك في إعانة الظلمة بالخصوص، كيف و المشهور نصّا و فتوى جواز الصدقة المندوبة على المخالفين الذين هم أفسق الفسّاق.


1) السيد المرتضى في الانتصار: 82، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

2) منهم الصدوقان و سلار، راجع الصفحة 324 و 325.

3) السجدة: 32- 18.

4) في «ع» و «م»: في النار.

5) التحريم: 66- 8.

و بنظير ذلك يجاب عما لو قيل: إنّ إعطاء الزكاة للفاسق ركون إلى الظالم منهي عنه كتابا (1)و سنة (2). أو يقال: إنّ الفاسق محادد للّٰه و رسوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم، و إعطائه موادّة منهيّ عنها في الكتاب العزيز (3).

و فيه منع محادّته، و منع كون إعطائه موادّة.

و هنا وجوه أخر أضعف من المذكورات.

و ربما يؤيد هذا بمنع الغارم في المعصية (4)و ابن السبيل العاصي بسفر.

و فيه: إنّ المنع في ابن السبيل إنما هو لكونه من الجهات لا من المستحقين، و لا يرتاب أحد في عدم جواز صرف الزكاة في جهات المعاصي، مع أنّ المعصية المذكورة ربما لا تكون كبيرة و أما منع الغارم فهو أيضا من باب اشتراط كون المدفوع اليه غير عاص؛ لأنه ربما يكون قد تاب و ندم و صار من أجلّ الزهاد، بل لأنّ صرف الدين إنما وقع في جهة المعصية، و هذا في الفقراء غير مضرّ قطعا، و لذا يعطى هذا العاصي بعد التوبة، بل كل من أتلف ماله في جهات المعاصي من سهم الفقراء إجماعا.

و الحاصل: انّ الكلام في اعتبار عدم العصيان و لو بالتوبة في المستحق حين الدفع، و من هنا يعلم انّ إخراج العامل عن محل هذا (5)الخلاف غير جيد؛ لأن ما اجمع عليه هو اعتبار عدالته عند العمل (6)لا عند دفع الزكاة، بل هو حينئذ كغيره.


1) هود: 11- 113.

2) انظر الوسائل 11: 262 الباب 46 من أبواب جهاد النفس الحديث 36 و 12: 133 الباب 44 من أبواب ما يكتسب به.

3) المجادلة: 58- 22.

4) ليس في «ف»: في المعصية.

5) ليس في «ف»: هذا.

6) في «ع»: السبيل.

و كيف كان، فالأقوى ما عليه المتأخرون، و الأحوط ما عليه القدماء.

ثم إنّ الفرق بين اعتبار العدالة، سواء جعلناها الملكة أو حسن الظاهر و اعتبار مجانبة الكبائر، غير خفي كما نبّهنا عليه سابقا (1)و إن قلنا بعدم أخذ ترك منافيات المروّة في تعريف العدالة. نعم لو أريد ملكة مجانبة الكبائر- كما هو ظاهر لفظ المجانبة و التجنب- توجه ما ذكره الشهيد الثاني (2): من أنّ اعتبار ذلك يرجع إلى اعتبار العدالة؛ بناء على عدم أخذ المروّة فيها هنا. إلّا أن إهمال المروّة في العدالة مختص بالشهيد في النكت (3)، و هو مخالف لإطلاق المعظم: القول باشتراط العدالة بناء على دخول المروة في مفهومها كما يظهر منهم في باب الجماعة.

ثم إنّ أكثر أدلّة القدماء إنما تدل (4)على مانعية الفسق لا اشتراط العدالة، و هو أيضا معقد الإجماع المحكي عن السيّد حيث قال: و مما انفردت به الإمامية القول بأن الزكاة لا تخرج الى الفساق (5)إلا أنّ المشهور عنه دعوى الإجماع على اشتراط العدالة، و لو بنينا على جواز التعبير عن غير الفاسق بالعادل، و عن العادل بغير الفاسق؛ نظرا إلى ندرة وجود الواسطة، أمكن التصرّف في كلام السيّد و في كلام الحاكين عنه، و حيث كانت الأدلة خالية بالمرّة عن اشتراط ملكة العدالة، فغاية الأمر في مراعاة مذهب القدماء هو القول باعتبار عدم الفسق و إن لم تحصل ملكة العدالة، و حينئذ فيجوز إعطاء مجهول الحال نظرا إلى أصالة عدم تحقق الفسق.


1) في الصفحة 328.

2) الروضة البهية 2: 51.

3) غاية المراد: 42.

4) في «ف» و «ع»: دل.

5) الانتصار: 82.

و دعوى أنّ الفسق قد يحصل بما يوافق الأصل كترك الفرائض، مدفوعة بأنّ الترك من حيث هو لا يوجب الفسق، بل الموجب له هي المعصية التي قد تتحقق في ضمن الترك، فالأصل عدم تحقق المعصية و لو علمنا بالترك، كيف و إذا شككنا فيه.

ثمّ لو فرض العلم بحصول فسق منه كما هو الثابت في أغلب الناس، فهل يتمسّك بأصالة عدم التوبة و بقاء الفسق؟ أو بظهور عدم إخلال المسلم بما هو الواجب عليه من التوبة؟ الظاهر هو الثاني.

ثم الظاهر ان الفاسق كما لا يجوز أن يعطى، كذا لا يجوز له الأخذ إذا أعطاه الجاهل بحاله؛ [لأن عدم] (1)الفسق شرط للاستحقاق كسائر الأوصاف، مثل الفقر و الايمان، و يحتمل عدم حرمة الأخذ إذا اعطي؛ لأنّ الأدلة دلّت على حرمة معونته و على حرمة إعطائه، لا على عدم حلّ الزكاة له، كما لا تحلّ للغني و الهاشمي، فيرجع فيه إلى عموم ما دل على جعل الزكاة قوتا للفقراء (2)، و ان الفقراء شركاء الأغنياء (3).

ثم إنّ اعتبار العدالة على القول به في الفقراء و المساكين و الغارمين و العاملين و ابن السبيل، و في بعض أفراد الرقاب كالمكاتب و من عجز عن الرقبة في الكفارة، و أما العبيد تحت الشدة، أو مطلقا مع عدم المستحق، أو مطلقا، فالظاهر عدم اعتبار العدالة فيها (4)لأنهما ليسا ممّن يعطى من الزكاة، و إنما يعتقان من الزكاة بعد اشترائهما، و أما في سبيل اللّٰه ففيه التفصيل المتقدّم في اعتبار الايمان.


1) في «ف» و «م»: «فعدم» بدل «لان عدم».

2) الوسائل 6: 4 الباب الأول من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 4.

3) الوسائل 6: 147 الباب 2 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

4) في «ع»: فيهم، و كذا فيما يأتي بعده من ضمائر التثنية.

مسألة [40]

لا يجوز أن يدفع الزكاة (1)إلى من تجب نفقته عليه مع يساره و بذله؛ للإجماع المستفيض نقله، كالأخبار المعلّلة بأنهم عيال لازمون له (2)، أو «لأنه يجبر على نفقتهم» (3)، و بإزائها ما هو قابل للتأويل.

و المحكي عن المنتهى (4)كما في المعتبر (5)و المسالك (6)الاستدلال له بحصول الغنى لهم بالإنفاق، و هو ظاهر البيان، قال: و من تجب نفقته غنيّ مع بذل المنفق (7)، و هو الظاهر أيضا من جماعة من متأخري المتأخرين كصاحب المدارك (8)و شارحي الروضة (9)و المفاتيح (10)، و بأن دفع الزكاة المسقطة لوجوب


1) في «ج» و «م» و «ع»: زكاته.

2) الوسائل 6: 165 الباب 13 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

3) الوسائل 6: 165 الباب 13 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

4) راجع المنتهى 1: 523.

5) المعتبر 2: 581.

6) المسالك 1: 48.

7) البيان: 193.

8) راجع المدارك: 5: 245- 246.

9) المناهج السوية (مخطوط).

10) حكاه عنه في الجواهر 15: 398.

الإنفاق عنه صرف للزكاة في مئونته، فهو مخالف لأدلة الزكاة المشتملة على عنوان الإيتاء و الدفع و الإخراج.

و يرد على الاستدلال الأول: منع حصول الغنى؛ فإنّ الغني من عنده مئونة السنة له و لعياله الواجبي النفقة، فلو فرضنا لهذا القريب- الذي يجب الإنفاق عليه- عيالا تجب نفقتهم عليه، و المفروض عدم وجوب نفقتهم على منفقة، فلا ريب في «صدق الفقير» عليه المستلزم لجواز أخذه من المنفق و من غيره.

مع أن تخصيص المنع بمن يجب نفقته على المزكّي أعظم شاهد على أنّ المنع ليس لأجل الغنى، و إلّا لم يفرّق بين المزكّي و غيره.

و أوضح منه ذكرهم عدم وجوب الإنفاق شرطا لإعطاء الفقير، إذ على تقدير كونه راجعا إلى الغني فهو كاشتراط أن لا يكون للفقير ضيعة يكتفي بها.

و يرد على الثاني: منع أنّ دفع الزكاة إليهم لا يصدق معه الإيتاء، كيف و صدق الإيتاء في الصدقة الواجبة و المندوبة على نهج واحد، و لا شكّ في صدق (1)الإيتاء بالنسبة إلى المندوبة.

نعم قد يسلّم ما ذكر في العبد، حيث انّه لا يملك، و لذا استثنى جماعة (2)خصوص العبد ممن دفع إليه الزكاة و تبيّن أنّه واجب النفقة.

ثم إنّ ما يلزم من الإيتاء من سقوط النفقة عنه (3)لا يمنع من صحة الإيتاء؛ لأن إسقاط وجوب النفقة بإعطاء الزكاة الموجب لإزالة الفقر ممّا لا مانع منه، كيف و إسقاط بعض ما يلزمه من المئونة بالزكاة (4)ممّا لا إشكال فيه في كثير من


1) في «ف»: وجدان.

2) منهم المحقق في المعتبر 2: 570 و العلامة في التذكرة 1: 245 و المنتهى 1: 527 و قال في الجواهر 15: 332: فقد استثنى غير واحد.

3) في «ف»: فيه.

4) ليس في «ف» و «ج»: بالزكاة.

المقامات، كمن كان له أب و أخ فدفع إلى أخيه من الزكاة ما صار به غنيا بحيث اشترك مع أخيه الدافع في نفقة أبيهما (1)، فإن المالك قد أسقط بالزكاة نصف مئونة أبيه (2)عن نفسه، إلى غير ذلك من الأمثلة.

فالتحقيق أن يقال: إن كان يعد غنيا في صورة بذل النفقة له، و الوثوق بالبذل، و لا يكون في عياله من تجب عليه نفقته لو تمكن، فلا يجوز له أخذ الزكاة من المنفق اتّفاقا، بل و لا من غيره؛ وفاقا لما عن التذكرة (3)و شرح الإرشاد للمحقق الأردبيلي (4)، و اختاره في شرح المفاتيح (5)و الغنائم (6)لصدق الغنى عليه بعد اجتماع وصفي وجوب الإنفاق عليه و بذل المنفق، و إن كان كل واحد منهما لا يكفي في نفي الفقر عنه إلّا إذا امتنع المنفق، و قدر المنفق عليه على الاستيفاء و لو بمعونة الحاكم، لكنه محلّ تأمّل.

و كيف كان، فالمحكي (7)عن المنتهى (8)و الدروس (9)و في حاشية الإرشاد:

جواز الأخذ (10)لعدم خروجه عن الفقر بالإنفاق، فكما يجب إنفاق القريب عليه لكونه فقيرا كذا يجوز لغيره دفع الزكاة إليه لذلك، و كما أنه لو تكفّل القريب أجنبي من باب الزكاة بحيث يوثق ببذله له، ثم صار قريبه غنيا، فلا يسقط بذلك وجوب إنفاقه عنه، كذلك وجوب الإنفاق لا يسقطه (11)جواز دفع الزكاة إليه.


1) في «ف»: أمهما.

2) في «ف»: امه.

3) التذكرة 1: 231.

4) مجمع الفائدة 4: 178.

5) حكاه عنه في الجواهر 15: 398.

6) غنائم الأيام: 339.

7) حكاهما في الغنائم: 339.

8) المنتهى 1: 519.

9) الدروس 1: 242.

10) لم نقف عليه.

11) في «ع» و «م»: لا يسقط.

و فيه نظر؛ لأنّه يكفي في الخروج أن يستحقّ الشخص عليه قريبه الإنفاق عليه و قيام القريب ببذل ما يستحقّه.

و الفرق بين وجوب الإنفاق و جواز دفع الزكاة: أنّ موضوع وجوب الإنفاق هو عدم القدرة على مئونة نفسه (1)، و هذا حاصل و إن تكفّله رجل من باب الزكاة. و أما جواز دفع الزكاة فموضوعه الحاجة و الفقر، و يرتفع بتملكه على غيره و لو من باب التكليف بمئونته (2)، فموضوع الزكاة يرتفع بالإنفاق الواجب، و موضوع الإنفاق لا يرتفع بدفع الزكاة.

و لأجل ما ذكرنا لو دفع أحد زكاة ماله إلى أولاد الأغنياء من ذوي الثروة عدّ دافعا إلى غير الفقراء، و إن لم يكن كذلك بأن لم يبذل له ما يليق بحاله كما و كيفا لإعساره (3)، أو امتناعه و عدم التمكّن من إجباره، أو كان له عيال يتكفّلهم، فالظاهر جواز أخذ الزكاة من غير المنفق وفاقا للمحكيّ عن المنتهى (4)و النهاية (5)و الجامع (6)و الدروس (7)و حاشية الشرائع (8)و المسالك (9)لأنّه غير واجد لمئونة عياله التي هي بمنزلة مئونة نفسه، فهو فقير؛ و لفحوى ما سيأتي من جواز الأخذ من غير المنفق للتوسعة على نفسه، فإنّ الجواز لسدّ رمق عياله أولى، بل الظاهر جواز أخذ


1) في «ع»: نفقته.

2) في «ع»: مئونته.

3) في «ف» و «ج» و «ع»: لاعتباره.

4) المنتهى 1: 519.

5) نهاية الإحكام 2: 383.

6) الجامع للشرائع: 146.

7) الدروس 1: 242.

8) حاشية الشرائع (مخطوط): 49.

9) المسالك 1: 48.

الزكاة من المنفق لو لا إطلاق الأخبار و معاقد الإجماعات المانعة عن دفع الزكاة إلى واجب النفقة، اللهم إلّا أن يحمل جميع ذلك- بحكم الغلبة- إلى غير تلك الصورة، بل على أخذ الزكاة لسدّ خلة نفسه.

فحاصل الروايات: أنّ الزكاة لا تصرف في سد خلّة واجب النفقة، بل يجب سدّ خلتهم مع قطع النظر عن وجوب الزكاة؛ لأنهم عياله لازمون له- كما في بعض الأخبار (1)- و لأنه يجبر على نفقتهم- كما في آخر (2)- فلا تجعل زكاته وقاية لماله، على ما في بعض الروايات (3).

و يؤيده فحوى ما سيجي‌ء من جواز صرف المالك الزكاة في التوسعة على عياله؛ فإنّ جواز التوسعة عليهم من الزكاة يستلزم جواز سدّ خلتهم الشاملة لجملة عيالهم منها.

و يلوح إلى ما ذكرنا في معنى الرواية قول شيخنا في المسالك- في بيان ضابط الجواز و المنع-: إنّ القريب إنما يمنع دفعه لقريبه من سهم الفقراء لقوت نفسه مستقرا في وطنه، فلو كان من باقي الأصناف جاز الدفع إليه، و لذا لو أراد السفر اعطي ما زاد على نفقة الحضر، و كذا يعطى لنفقة زوجته و خادمه (4)(انتهى).

بقي الكلام في أن الواجب هو الاقتصار على ما يحتاج إليه لنفقة عياله؟

أو يجوز الإغناء حتى به يستغني عن الإنفاق عليه؟ ظاهر صدق الفقير هو الثاني، لكن ظاهر كلام بعض هو الأوّل.

ثم إنّ الظاهر جواز أخذ الزكاة للتوسعة من المنفق، فضلا عن غيره إذا


1) الوسائل 6: 165 الباب 13 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

2) الوسائل 6: 166 الباب 13 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

3) الوسائل 6: 170 الباب 16 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

4) المسالك 1: 48.

كان في معيشته فتور بدون الأخذ لدخوله في سد الخلّة، و صدق الفقير على واجب النفقة، و انصراف ما دلّ على المنع بصورة قيام المنفق بالإنفاق اللائق.

و يؤيّده- بل يدل عليه- موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال:

سألته عن الرجل يكون له ألف درهم يعمل بها، و قد وجبت عليه فيها الزكاة، و يكون فضله الذي يكتسب بماله كفاف عياله لطعامهم و كسوتهم و لا يسعه لأدمهم (1)و إنما يقوتهم في الطعام و الكسوة، قال: فلينظر إلى زكاة ماله ذلك فليخرج منها شيئا قلّ أو كثر، فيعطيه بعض من تحلّ له الزكاة، و ليعد بما بقي من الزكاة على عياله فليشتر بذلك إدامهم، و ما يصلحهم في طعامهم في غير إسراف، و لا يأكل هو منه» (2). و نحوها صحيحة صفوان، عن إسحاق بن عمار (3).

و دعوى انّهما في مقام زكاة التجارة المندوبة، فيجوز التسامح فيها بإعطاء من لا يجوز إعطاؤه الواجبة، فاسدة جدّا، إذ بعد تسليم ظهور زكاة التجارة منه و منع احتمال بقاء مقدار النصاب من الألف درهم إلى تمام الحول فوجبت فيه الزكاة، لا ريب في أنّ المقام مقام بيان مصرف الزكاة المندوبة المتّحد مع مصرف الواجبة إجماعا، و أما التوسعة الزائدة على النفقة اللائقة التي لو فرض تملّكه لها أو لثمنها كان الزكاة عليه محرّمة، فالظاهر عدم جواز الأخذ من سهم الفقراء، بل مطلقا؛ لحصول الغنى على ما عرفت، خلافا لظاهر جماعة (4)لظاهر صحيحة ابن الحجاج عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام: «قال: سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمّه أو أخوه يكفيه مئونته، أ يأخذ من الزكاة فيوسّع به إن كان لا يوسّعون عليه


1) في «ف»: لأدائهم.

2) الوسائل 6: 167 الباب 14 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

3) الوسائل 6: 166 الباب 14 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

4) المنتهى 1: 519، و البيان: 316، و الحدائق 12: 211.

في كل ما يحتاج اليه؟ قال: لا بأس» (1)، لكن الظاهر منها إرادة التوسعة في مقابلة التضيّق، و لو سلّم ظهورها في إرادة الفضل عن النفقة اللائقة فلا بد أن تحمل على ما ذكرنا؛ لأنها لا تقاوم العمومات الكثيرة المانعة من إعطاء الغني.

ثم (2)لو بني على أن وجوب الإنفاق لا يرفع الفقر كما سبق عن جماعة (3)جاز له الأخذ مطلقا من غير فرق بين أن يكون لأجل الإنفاق أو للتوسعة، فافهم (4).

ثمّ لو قلنا بجواز الأخذ للتوسعة فيبقى استثناء الزوجة من جواز الأخذ للتوسعة من المنفق و غيره؛ لأنها تطلب النفقة بعوض بضعها.

ثم لو كانت الزوجة ناشزة فالظاهر أنها كالمطيعة، و ظاهر المحقق في المعتبر (5)الإجماع على عدم الفرق بينهما (6)، و وجهه واضح؛ لتمكّنها من النفقة بالرجوع إلى الطاعة.

و المنقطعة المشروطة لها النفقة بحكم الدائمة، كما أن الدائمة المسقطة لوجوب النفقة- بناء على جوازه- كالمنقطعة.

و أما المملوك فصرح جماعة (7)بعدم جواز إعطائه، و علّله في المعتبر (8)بعدم التملك و بأنه غني بمولاة، و اقتصر في البيان على عدم الملك، قال: و لو قلنا بملكه فهو في حكم ملك السيد (9)، و ظاهر من ذكره هنا في واجبي النفقة إنّ المانع


1) الوسائل 6: 163 الباب 11 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

2) في «م» و «ع»: نعم.

3) راجع الصفحة 335.

4) ليس في «ف»: فافهم.

5) ليس في «ف»: في المعتبر.

6) المعتبر 2: 582.

7) انظر الجواهر 15: 404، و فيه: و لذا صرح غير واحد باعتبار الحرية في المستحق.

8) المعتبر 2: 568.

9) البيان: 198.

وجوب الإنفاق، و هو الظاهر من ذكره في أخبار المنع عن إعطاء واجبي النفقة؛ معللة بأنه يجبر على نفقتهم (1).

و التحقيق: إنّه إن أنفق المولى على عبده النفقة اللائقة، فلا يجوز له أخذ الزكاة من مولاه و لا من غيره، و إن عجز المولى عنها جاز له الأخذ مطلقا. اما الأول فلصدق «الغني» عليه عرفا، على ما عرفت في غيره كما اعترف به الشهيدان (2)و الفاضلان (3)فيما تقدم في أول المسألة.

و اما الثاني فلصدق «الفقير» عليه، و لا مانع منه إلّا كونه غير مالك، أو في حكم غير المالك، أو انّ دفع المولى زكاته إليه لا يسمّى إيتاء؛- و لذا لو تبيّن كون المدفوع اليه عبدا للدافع لم يجز كما صرّح به غير واحد (4)مع اعترافهم بالإجزاء لو تبيّن اختلال الشروط الأخر- أو ورود الأخبار بأنّ العبد لا يعطي الزكاة، و لو كان له ألف ألف، و لا يعطى منها لو احتاج (5)، كما تقدّم في اشتراط الحرية في المزكي، و شي‌ء من ذلك لا يصلح للمنع.

أما الأوّل فلأنه إنما يمنع إذا ثبت أنّ حكم حصة الفقراء [تمليكهم إياها] (6)كما قد يتراءى من ظاهر «اللّام» في الآية (7)، و من أمثال قوله عليه السلام:

«فإذا وصلت الى الفقير فهي بمنزلة مال (8)الفقير يصنع بها ما شاء» (9)، و هو


1) انظر الوسائل 6: 166 الباب 13 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

2) انظر البيان: 193 و المسالك 1: 48.

3) انظر المعتبر 2: 581 و المنتهى 1: 523.

4) انظر: المدارك 5: 208، و الجواهر 15: 332.

5) الوسائل 6: 59 باب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث الأول.

6) ما بين المعقوفتين ليس في «م».

7) التوبة: 9- 60.

8) في المصدر: ماله.

9) الوسائل 6: 200 الباب 41 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

ممنوع، فإنّ «اللام» للاستحقاق، و مثل الرواية وارد مورد الغالب من كون الدفع على وجه التمليك كما لا يخفى.

و حينئذ فيجوز صرف الزكاة إلى العبد بأن يقدّم إليه طعام يأكله كما ذكرنا في إعطاء الطفل، نعم لو أريد تسليمه بحيث يخرج عن ملك المزكّي قبل إتلاف العبد له اعتبر إذن السيّد، فيملكه هو أو العبد على الخلاف في مالكيته، فإن كان السيّد فقيرا جاز له الأخذ من العبد، و ان كان غنيا ممتنعا عن الإنفاق حرم عليه الأخذ [إلّا مع الا بدال، و لو عصى فأخذه فهو يملكه] (1).

و هل يعتبر حينئذ إذنه للأخذ حتى يقع التسليم بدونه غير مخرج للمدفوع عن ملك الدافع؟ وجهان: أقواهما ذلك، و حينئذ فيصرف في العبد و إن لم يكن عبرة بتسليمه، كالطفل المصروف فيه الزكاة.

و أما الثاني، فلمنع عدم صدق الإيتاء و الإعطاء و الصرف بعد عدم اعتبار التمليك (2)في حصّة الفقراء، و أما ما ذكروه من أنه لو تبيّن المدفوع اليه عبدا للدافع لم يجز، فالظاهر اختصاصه بغير صورة صرف الزكاة إليه بإطعامه الطعام من باب الزكاة، فإنه يصدق على ذلك صرف الزكاة، و لا نسلّم اعتبار الخروج عن الملك بالتسليم في الزكاة، مع أنّ هذا الوجه لو تمّ كان مانعا عن أخذ زكاة المولى لا غير، و به يندفع التمسّك في المنع عن أخذ زكاة المولى بالأخبار الواردة في حرمان واجبي النفقة (3)لو سلم كون المنع فيها تعبدا لا من جهة حصول الغنى، كما يشعر به التعليل بأنه يجبر على نفقتهم.

و أما الأخبار المتقدمة في اشتراط الحرية في المزكي من أن العبد لا يزكي


1) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

2) في «ف» و «ج» و «ع»: التملك.

3) الوسائل 6: 165 الباب 13 من أبواب المستحقين للزكاة.

مع الغنى و لا يعطى الزكاة مع الاحتياج (1)، فالظاهر أنّ المراد احتياج العبد في مقابل غناه المسبب عن كون طائفة من المال في يده مع إذن المولى له في التصرف فيها كيف شاء، و من المعلوم إن هذا (2)الاحتياج لا يحلّ أخذ الزكاة كما أن ذلك الغنى لا يوجب دفعها، بل العبرة في استحقاق الزكاة احتياج مولاه أو امتناع (3)مولاه الموجبين لاتّصافه بالفقر الحقيقي الموجب لاستحقاق الزكاة.

و كيف كان فجواز إعطاء العبد الفقير من سهم الفقراء لا يخلو عن قوة كما صرّح به في حاشيتي الإرشاد (4)و الشرائع (5)، و اختاره في المناهل (6)، و الأحوط أن يعطى (7)من سهم سبيل اللّٰه، و أحوط منه عدم إعطائه مطلقا.

ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا بين وجوب الإنفاق بالأصالة، و بين الوجوب بنذر و شبهه؛ لعموم التعليل المتقدّم، و صدق الغنى معه، سيما إذا قلنا بأنّ المنذور له يملك على الناذر ذلك، و يستقرّ ذلك في ذمّته بمجرّد النذر. و منه يعلم وضوح جهة المنع فيما إذا وجب بشرط في ضمن عقد لازم.


1) الوسائل 6: 59 الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

2) ليس في «ف»: هذا.

3) في «ف» و «ج» و «ع»: و امتناع.

4) لم نقف عليه.

5) حاشية الشرائع (مخطوط): 49.

6) لم نعثر عليه.

7) في «ع»: لا يعطى.

مسألة [41]

لا إشكال في تحريم زكاة غير الهاشمي على الهاشمي، و عن جماعة (1): دعوى إجماع المسلمين عليه، و عن المنتهى (2)و شرح المفاتيح (3)دعوى تواتر الأخبار به، و هل تحرم على بني المطلب- أخي هاشم-؟ المشهور: لا- بل عن الخلاف دعوى الإجماع عليه- (4)[للأصل و العمومات] (5)و ظاهر تخصيص بني هاشم في مورد الحكم بالتحريم، خلافا للمحكي عن الإسكافي (6)و المفيد (7)، لرواية زرارة- الموثقة- عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: لو كان عدل (8)ما احتاج هاشمي و لا مطّلبي إلى صدقة، ان اللّٰه جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم. ثم قال: ان الرجل إذا لم يجد شيئا حلّت له الميتة، و الصدقة لا تحل لأحد منهم إلّا أن لا يجد


1) انظر الجواهر 15: 406، و المدارك 5: 250، و الحدائق 12: 215.

2) المنتهى 1: 524.

3) شرح المفاتيح (مخطوط).

4) الخلاف، كتاب قسمة الصدقات، المسألة: 26 (الطبعة القديمة).

5) ورد ما بين المعقوفتين في «ع» بعد قوله: المشهور: لا.

6) حكي في المختلف: 183 و المدارك 5: 256 و غيرهما.

7) المقنعة: 248.

8) في المصدر: العدل.

شيئا و يكون ممن تحل له الميتة» (1).

و للنبوي: «إنّا و بني المطّلب لم نفترق في جاهلية و لا إسلام، و نحن و هم شي‌ء واحد» (2).

و لأنهم قرابة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم فيدخلون في ذوي القربى- المستحقين للخمس- فيحرم عليهم الزكاة.

[و يمكن حمل المطّلبي على كون نسبته الى عبد المطلب، كما يقال: «منافي» في عبد مناف، و يكون عطفه على الهاشمي تفسيريا، مثل قوله تعالى لٰا تَرىٰ فِيهٰا عِوَجاً وَ لٰا أَمْتاً (3)و فائدته: التصريح] (4).

و يمكن أن يكون الوجه في الملازمة بين دفع الناس الخمس، و بين حصول التوسعة للمطّلبيين: إن توسعة الهاشميين مستلزم لتوسعتهم لكمال اختلاطهم بهم لا لأجل استحقاقهم بأنفسهم للخمس.

و الأنسب في الجواب: منع (5)مقاومته للعمومات الكثيرة، و ما يستفاد من تخصيص بني هاشم بالذكر في الأخبار المعتضدة بالشهرة، و حكاية الإجماع.

و يؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه قول الكاظم عليه السلام- في المرسلة الطويلة لحماد بن عيسى-: «و هؤلاء الذين جعل اللّٰه لهم الخمس هم قرابة النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم الذين ذكرهم اللّٰه تعالى فقال وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (6)و هم بنو عبد المطلب أنفسهم، الذكر منهم و الأنثى، ليس فيهم من بيوتات قريش و لا


1) الوسائل 6: 191 الباب 33 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

2) الخلاف 2: 196 كتاب الفي‌ء و قسمة الغنائم، المسألة 38 (الطبعة القديمة).

3) طه: 20- 107.

4) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

5) في «م»: مع.

6) الشعراء: 26- 214.

من العرب أحد»، و فيها أيضا: إنّ «من كانت امه من بني هاشم و أبوه من سائر قريش فإن الصدقات تحلّ له» (1)، و أما النبوي فضعيف بلا جابر.

و أما «ذوي القربى» فهو الامام عليه السلام كما سيجي‌ء في الخمس، و إلّا فمطلق القرابة لا يوجب استحقاق الخمس.

و كيف كان فلا محيص عما عليه المشهور.

ثم الظاهر من الأخبار- سيما المعلّلة (2)للحكم بالتحريم: ب «انّ الصدقة أوساخ الناس» (3)و الواردة في تحريم سهم العاملين (4)- الذي هو أشبه شي‌ء بأجرة العمل، حتى زعم بعض العامة انها هي- هو عدم الفرق في الحكم بين السهام حتى «سبيل اللّٰه» الذي حكمنا بجواز صرفه في الغني و الكافر، و ان تأمّل في التعميم كاشف الغطاء قدّس سرّه (5).

ثم إن الظاهر عدم الخلاف في استثناء صورة الاضطرار مما ذكر من التحريم، و حكاية الإجماع عليه مستفيضة (6)، و يدل عليه الموثقة المتقدمة (7)، و لكن ظاهر المحكي عن جماعة كالسيدين في الانتصار (8)و الغنية (9)و الفاضلين في المعتبر (10)و الشرائع (11)و المختلف (12)و المنتهى (13)الاكتفاء في الجواز بعدم تمكنهم من


1) الوسائل 6: 358 الباب الأول من أبواب قسمة الخمس الحديث 8.

2) في «ع»: المطلقة.

3) الوسائل 6: 186 الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

4) الوسائل 6: 185 الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

5) كشف الغطاء: 356.

6) انظر المدارك 5: 254 و الحدائق 12: 219 و الجواهر 15: 409 و غيرها.

7) المتقدمة في الصفحة 343.

8) الانتصار: 85.

9) الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

10) المعتبر 2: 586.

11) الشرائع 1: 163.

12) المختلف 1: 184.

13) المنتهى 1: 526.

أخذ الأخماس، و هو بظاهره يدل على الجواز حتى مع التمكّن ممّا يجوز له أخذه، كزكاة مثله أو الصدقات المندوبة (1)، و هو في غاية الإشكال، بل ظاهر الموثّقة المعتضدة بعمومات التحريم المقتصر في تخصيصها على المتيقّن هو اعتبار الاضطرار في جواز الأخذ، إلّا أن يقال: إنّ المراد بالشي‌ء في قوله: «لا يجد شيئا» يعني نوعا آخر من الأخماس و الصدقات الجائزة له، لا مسمّى الشي‌ء، حتى يعتبر عدم تملكه لشي‌ء أصلا، و قوله: «و يكون ممن يحلّ له الميتة» التنظير بمن لا يجد النوع المحلّل من القوت، لا خصوص اعتبار كون اضطرار الهاشمي إلى حدّ يباح معه أكل الميتة لو لا الزكاة، لأنّ هذا المقدار غير معتبر إجماعا على الظاهر (2).

فحاصل الرواية- حينئذ-: جواز التناول لمن لا يجد ما يجوز أن يتناوله، و يكون التشبيه بين التعيّش من الزكاة و أكل الميتة في الجواز عند عدم وجدان ما يجوز أخذه، لا بين نفس الزكاة و نفس الميتة، فتكون الرواية حينئذ ساكتة عن مقدار المأخوذ، و عن وجوب الاقتصار على مقدار الضرورة، كما ذهب إليه جماعة من المتأخرين (3)متمسّكين بالموثّقة المنضمّة إلى عمومات الحرمة، خرج منها المتيقّن، خلافا للمحكي (4)عن الأكثر فلم يقدّروا المأخوذ بقدر؛ لأنّه إذا أبيح له الزكاة فلا تتقدّر بقدر؛ لما دلّ على جواز إغناء الفقير المستحقّ للزكاة، و هذا مستحقّ.

و لعلّ مرجع هذا الاستدلال إلى ما ذكرنا من دلالة الرواية على جواز أخذ


1) في «ف»: المنذورة.

2) في «ف»: على الظاهر إجماعا.

3) منهم العلامة في المنتهى 1: 526 و التحرير 1: 69 و الشهيد في الدروس 1: 243 و غيرهما، و انظر الحدائق 12: 219 و المستند 2: 53.

4) حكي في المختلف: 185 و المستند 2: 53.

الزكاة للهاشمي إذا لم يجد الخمس من غير تعرّض لمقدار المأخوذ، فيرجع فيه إلى عموم ما دلّ على جواز إغناء من يستحقّ الزكاة و إن كان استحقاقا عرضيا.

ثم المراد بقدر الحاجة هل هو سد الرمق؟ كما عن كشف الرموز (1)، أو كفاية السنة؟ و هو المحكي عن الدروس حيث قال: إنه يعطى التكملة (2)لا غير (3)و نحوه عن جامع المقاصد (4)، أو قوت يوم و ليلة؟ كما هو مختار الشهيد (5)و المحقق (6)الثانيين و المحكي عن ابن فهد (7)أقوال، أنسبها بالموثقة المتقدّمة (8):

الأوّل، و يكون ما يأخذه اضطرارا من الزكاة بدلا عن الخمس الذي لا يأخذ منه زيادة على كفايته، فيساوي مبدله (9)هو الثاني و الأوسط هو الثالث؛ لأن حمل الموثقة على تنظير نفس الزكاة بمنزلة الميتة بعيد عن السياق؛ لأنّ قوله عليه السلام:

«لو كان عدل ما احتاج هاشمي» دلّ على ثبوت الحاجة لهم فعلا بسبب عدم قوّة العدل الذي هو بمنزلة عدم وجوده، و قوله: «إنّ الرجل إذا لم يجد شيئا حلّت له الميتة» (10)تمهيد لبيان حلّ الزكاة للهاشمي من جهة حاجتهم المفروضة في الفقرة السابقة، و لا ريب في أنّ حاجتهم لم تبلغ غالبا إلى حدّ إباحة الميتة، بل لا تبلغه حاجة أحد غالبا و لو كان من فقراء الكفّار، فإذا فرض أنّه لا يعتبر في


1) كشف الرموز 1: 257.

2) في «ف» و «ع»: المكملة.

3) الدروس 1: 243 و فيه: و يعطى التتمة لا غير.

4) جامع المقاصد 3: 33.

5) المسالك 1: 48.

6) جامع المقاصد 3: 34. و حاشيته على الشرائع (مخطوط): 49.

7) المهذب البارع 1: 536. و حكاه في المستند 2: 53.

8) في الصفحة 343.

9) كذا في النسخ، و العبارة لا تخلو عن اضطراب، و احتمال السقط فيها غير بعيد.

10) الوسائل 6: 191 باب 33 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث الأول.

اضطرارهم بلوغه إلى ذلك، الحدّ فلا معنى لتحديد المأخوذ بما يسدّ الرمق؛ لأنّه شي‌ء يجده المحتاج المذكور قبل الأخذ، مع أنّه حرج شديد منفيّ، و مع أنّه لا يلائم حكمة التحريم التي هي ترفّعهم عن أوساخ الناس؛ فإنّها لا تقتضي هذا المقدار من التضييق، بل تقتضي ارتفاعها بمجرد الحاجة.

ثمّ لو أريد بأخذ ما يسدّ الرمق أخذ ما يكفي (1)لسدّ رمقه في السنة فيكون (2)الفرق بينه و بين القول الثاني: جواز أخذ المئونة المتعارفة للسنة على القول الثاني دون هذا القول، لم يخرج عن الحرج و إن لم يكن بتلك المبالغة (3)لظاهر الرواية؛ فالأولى في معنى الرواية تنظير التعيّش من الزكاة حيث لا معيشة له من غيرها (4)بمنزلة أكل الميتة في الجواز مع الحاجة، [أو تشبيه ما يسدّ الخلّة من الزكاة بالميتة] (5)لا تشبيه الزكاة بالميتة في وجوب الاقتصار على ما يسدّ الرمق في الحال (6)، و لا ريب أنّ ضابط التعيّش في العرف و الشرع من حيث الأكل على ما يستفاد من باب النفقات هو التقوّت يوما فيوما، و من حيث الكسوة عند الحاجة إليها، و أما الحكم بجواز التكملة (7)للسنة لمن عنده قوت بعضها أو أكثرها فهو بعيد عن سياق الرواية، سيّما إذا رجا تمكّنه من الخمس في بقيّة السنة.

و أمّا كون المأخوذ بدلا عن الخمس بحيث يترتّب عليه ما يترتّب على الخمس فهو ممنوع جدّا، إذ المسلّم أنّه شي‌ء أباحة الشارع لسدّ الخلة حيث


1) في «م»: ما يكتفي به.

2) في «ع»: ليكون.

3) في «ع»: المخالفة.

4) ليس في «ف»: من غيرها.

5) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

6) ليس في «م»: في الحال.

7) في «ف»: الأخذ المكملة، و في «م»: أخذ التكملة.

انه (1)لم يقو الهاشمي على غيره، و حينئذ فيجوز التعيّش به عند الحاجة المضبوطة عرفا باليوم (2)و ليلته، اقتصارا في مخالفة أصالة الحرمة على القدر المتيقّن بعد إثبات جواز التعدّي عما يسدّ الرمق [منها بكونها من سنة إلى سنة] (3).

نعم لو توقّع ضرر الحاجة إن لم يدفع إليه ما يكمل مئونة السنة عادة دفع إليه ذلك، كما أشار إليه الشهيد و المحقق الثانيان في حاشية الشرائع (4)و المسالك (5). قال أيضا: و لو وجد الخمس في أثناء السنة لم يبعد وجوب استعادة ما بقي من الزكاة (6)(انتهى).

و فيه عدم الدليل على ذلك بعد التملك، فهو كما لو صار الفقير الآخذ للزكاة أو الخمس غنيا بغيرهما.

نعم لو حملنا الموثّقة المتقدّمة على تنظير أصل الزكاة أو ما يسدّ به الخلّة منها بالميتة، كانت ظاهرة فيما ذكره من وجوب الاستعادة، أمّا لو حملناها على تشبيه أخذ الزكاة بأكل الميتة في الجواز عند الاضطرار فلا؛ لأنّ المفروض جواز الأخذ و التملّك له حين الأخذ لاضطراره، و لا دليل على زوال ملكيته عن المأخوذ بعروض الغني أو بوجدان الخمس، إلّا أن يقال: إنّ الاستحقاق إنّما يحدث يوما فيوما لحدوث سببه، و هو الاضطرار، و جواز الأخذ دفعة إنّما هو لدفع ضرر الحاجة في زمان عدم الوجدان، لا لاستحقاق مجموع المأخوذ حين الأخذ حتّى يحتاج إلى المزيل، فهو إنما يملكه متزلزلا، يكشف حاله بالغنى عنه [و عدمه] (7).


1) ليس في «م»: انه.

2) في «م»: بليلته.

3) ما بين المعقوفتين ليس في «ف» و «م».

4) حاشية الشرائع (مخطوط): 49.

5) المسالك 1: 48.

6) حاشية الشرائع (مخطوط): 49.

7) ما بين المعقوفتين ليس في «م» و «ع».

هذا كلّه من حيث القوت، و أمّا من حيث الكسوة و سائر المؤن، فيجوز أن يأخذ منها عند الحاجة ما يليق به و إن كان يكفيه لمدة.

ثمّ إنّ المتيقّن من الصدقات المحرمة هي الزكاة المفروضة، و هل يلحق بها مطلق الواجبة من الصدقات كالكفّارات و الهدي؟ أو بالعرض كالصدقة المنذورة و الموصى بها؟ قولان:

من عموم كثير من الأخبار تحريم (1)أصالة (2)الصدقة أو خصوص المفروضة و الواجبة، و خصوص مرفوعة أحمد بن محمّد الواردة في تقسيم الخمس، العاطفة فيه الصدقة على الزكاة في التحريم (3)مضافا إلى إطلاقات معاقد الإجماعات.

و من انصراف الصدقة المفروضة- سيما المقيّدة بكونها مطهّرة للمال، أو المعللة بأنها أوساخ الناس- بما فرضها اللّٰه للتطهير في قوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا (4)، ففي رواية زيد الشحام عن الصادق عليه السلام: «قال: سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم؟ قال: هي الصدقة المفروضة المطهرة للمال» (5)و في رواية أخرى لزيد- بعد السؤال المذكور- قال عليه السلام: «هي الزكاة المفروضة» (6)و نحوها رواية إسماعيل بن فضل الهاشمي (7)، و في الصحيح عن جعفر الهاشمي: «إنما الصدقة الواجبة على الناس، و أما غيرها


1) في «م»: في تحريم.

2) كذا في النسخ، و لعلّها مصحّفة من «مطلق».

3) الوسائل 6: 359 الباب الأول من أبواب قسمة الخمس، الحديث 9.

4) التوبة: 9- 103.

5) لم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتب الأخبار، نعم نقله في الجواهر 15: 412 و علق عليه المحقق بعدم العثور عليه في كتب الأخبار.

6) الوسائل 6: 190 الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

7) الوسائل 6: 190 الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 5.

فلا» (1).

ثم لو قلنا بحرمة الواجبة و لو بالعرض فالظاهر انّ الموصى بها غير داخل؛ لأنه إنما وجب التصدق (2)على الوصي (3)من حيث وجوب الوفاء بما أوصى به الغير، فيجب عليه إيجاد التصدّق الذي أوصى به الميت، و لا ريب أنه في نفسه لم يكن واجبا، و الفرق بينه و بين الصدقة المنذورة: إن في المنذورة تعرض الوجوب لأصل الصدقة، و أما في الموصى بها فالوجوب إنما يتعلّق بقيام الوصي (4)بالأمر المندوب الذي اوصي به، فهو كالتصدّق الذي أمر به (5)المولى أو غيره ممن (6)يطاع.

نعم لو أوصى الميت بالتصدّق لا من ماله، بل من مال الوصي (7)، و قبل الوصي (8)و قلنا بوجوبه بالقبول، كانت بحكم المنذورة [و أما مجهول المالك فالظاهر انه كالموصى به] (9)[وفاقا للمحكي عن المحقق (10)و الشهيد (11)الثانيين، لأن الواجب دفع المال صدقة عن صاحبه] (12).


1) الوسائل 6: 189 الباب 31 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3. و فيه: إنما الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا، فأما غير ذلك فليس به بأس.

2) في «ف»: وجبت الصدقة.

3) في «ف» و «م»: الموصى.

4) في «ف» و «م»: الموصى.

5) في «ف» و «م»: أقربه.

6) في «ف» و «م»: مما.

7) في «ف» و «م»: الموصى.

8) في «ف» و «م»: الموصى.

9) ما بين المعقوفتين ليس في «ج» و «ع».

10) لم نجده صريحا، نعم يستفاد من عموم كلامه في جامع المقاصد 9: 131، و انظر الجواهر 15: 412.

11) المسالك 1: 47 و الروضة 2: 52 و ذلك يستفاد من عموم كلامه رحمه اللّٰه فيهما أيضا.

12) ما بين المعقوفتين ليس في «ع».

ثم إن المتبادر من الصدقة [سيما في أدلّة التحريم] (1)سيما المعلّلة منها بكون (2)قبولها سببا للمهانة و الذلة، هو (3)ما عن المنتهى في مقام الجواب عن احتجاج المحقق على جواز الصدقة المندوبة للنبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم؛ بأنه كان يقترض و يقبل الهدية، و كلّ ذلك صدقة، لقوله عليه السلام: «كل معروف صدقة» (4).

قال في المنتهى: و فيه نظر؛ لأن المراد بالصدقة المحرّمة ما يدفع من المال إلى المحاويج على سبيل سدّ الخلة، و مساعدة الضعيف طلبا للأجر، لا ما جرت العادة بفعله على سبيل التودّد كالهدية و القرض، و لذا لا يقال للسلطان إذا قبل هديّة بعض رعيّته: إنه تصدق عنه (5)(انتهى). و حكي نحوه عنه في النهاية (6)، و هو حسن (7)على وجه المعونة و سدّ الخلة و الترحّم، لا مطلق ما يملك مجانا قربة إلى اللّٰه كإهداء الهدية و الإضافة بنية القربة؛ فإن الظاهر إنها لا تدخل في أدلّة حرمة التصدق، و إلّا فقد ورد: «إنّ كل معروف صدقة» (8).

ثم إنه لا خلاف في عدم تحريم الصدقة المندوبة، و به وردت أخبار كثيرة (9)، إلّا أنّ في بعض الأخبار ما يدل على نهي الإمام عن ماء المسجد معللا بأنها صدقة (10)، و قد اشتهر حكاية منع سيّدتنا زينب أو أمّ كلثوم عليهما السلام


1) ما بين المعقوفتين ليس في «ع» و «ج».

2) في «ع»: هو ما يكون.

3) في «ج» و «ع»: و هو.

4) الوسائل 6: 323 الباب 42 من أبواب الصدقة الحديث 5، و انظر المعتبر 2: 585.

5) المنتهى 1: 525.

6) نهاية الإحكام 2: 399.

7) في هامش «ف» هنا ما يلي: لا يخفى ما في هذه العبارة من الاغتشاش و تكرر المطلب، و الظاهر ان من قوله: «على وجه المعونة و سدّ الخلّة» إلى قوله: «كل معروف صدقة» بدل عن قوله «على سبيل سدّ الخلّة و مساعدة الضعيف عليها للأجر لا ما جرت الى قوله: «انتهى» لمحرره علي.

8) الوسائل 6: 323 الباب 42 من أبواب الصدقة الحديث 5، و انظر المعتبر 2: 585.

9) الوسائل 6: 188 الباب 31 من أبواب المستحقين للزكاة.

10) الوسائل 6: 188 الباب 31 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 2.

للسبايا (1)عن أخذ صدقات أهل الكوفة معللتين بكونها صدقة (2)، و يمكن حملها على الكراهة، أو الحرمة إذا كان الدفع على وجه المهانة، كما احتمله في شرح المفاتيح (3).

و هل تحرم الصدقة المندوبة على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم و الامام عليه السلام؟

فيه قولان، و عن المعتبر نسبة العدم إلى علمائنا (4).


1) في «ع»: السبايا.

2) انظر البحار 45: 114.

3) شرح المفاتيح (مخطوط).

4) المعتبر 2: 584.

مسألة [42]

المتولّي لإخراج الزكاة إلى مصارفها اثنان: المالك، و في حكمه نائبه وكيلا أو وليّا أو وصيّا، و الإمام، و ينوب عنه الساعي.

أما المالك و نوّابه، فلا خلاف في جواز تولّيهم في الجملة، خلافا للمفيد (1)و الحلبي (2)فأوجبا الدفع إلى الامام مع الحضور، و إلى الفقيه مع الغيبة، و عن ابن زهرة (3)و القاضي (4): الاقتصار على وجوب الدفع مع الحضور، و إطلاق الأخبار الكثيرة (5)يدفعها، بل في بعض الأخبار: ردّ (6)الزكاة، و أمر المالك بإخراجها، و قال: «ان هذا إذا قام قائمنا صلوات اللّٰه عليه يعدل في خلق الرحمن بالسوية؛ البر منهم و الفاجر» (7).

نعم لا ريب في استحباب دفعها إلى الإمام عليه السلام، و إلى الفقيه مع الغيبة؛


1) المقنعة: 252.

2) الكافي في الفقه: 172.

3) الغنية (الجوامع الفقهية): 506.

4) المهذب البارع 1: 171.

5) انظر الوسائل 6 الباب 4 و 28 و 35 و 36 و 37 و غيرها من أبواب المستحقين للزكاة.

6) في «م»: ترد.

7) الوسائل 6: 195 الباب 36 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

لفتوى جماعة (1)و لأنّه أبصر بمواقعها.

و استدل للمفيد بقوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ (2)فإن وجوب الأخذ يستلزم وجوب الدفع، و أجيب عنه (3)بوجوه:

منها: عدم دلالته على كون الصدقة من الزكاة؛ لجواز إرجاعه إلى المال الذي أخرجوه من أموالهم كفارة لتخلّفهم عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم، و هم الآخرون المرجون لأمر اللّٰه- كما في سابق الآية.

و فيه: إنّ التخصيص لا وجه له [مع عدم المخصّص] (4)، فلعلّ الآية عامة لكلّ صدقة تطهّرهم، و يشهد لعمومها للزكاة أو اختصاصها بها: استدلال العلماء على رجحان الدعاء للمزكّي بقوله تعالى وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ، و يؤيده ما ورد عنه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم و أدفع إلى فقرائكم» (5).

و بما ذكرنا يندفع أيضا احتمال عود الضمير إلى خصوص الممتنعين.

و منها: إنّ وجوب الأخذ لا يستلزم وجوب الدفع ابتداء، و إن فهم من الخارج وجوب الدفع بعد المطالبة كما يفهم من الأمر بالأمر بإيجاد فعل، مع أنّ الأخبار في جواز تولّي المالك للإخراج فوق حد الإحصاء، و تخصيصها بزمان قصور أيدي الأئمة عليهم السلام كما هو مورد تلك الأخبار و إن أمكن، سيما بقرينة المرسل: «قال: أربعة إلى الولاة .. و عد منها: الصدقات» (6)إلّا أنه يحتاج إلى


1) انظر الحدائق 12: 224 و مجمع الفائدة 4: 205 و الجواهر 15: 425.

2) التوبة: 9- 103.

3) انظر المختلف: 187 و الجواهر 15: 418 و غيرهما.

4) ما بين المعقوفتين ليس في «ع» و «م».

5) انظر سنن البيهقي 7: 8 كتاب الصدقات.

6) لم نعثر عليه من طرق الخاصة، نعم في دعائم الإسلام 1: 263 هكذا: و عن ابن عمر انه قال: أربعة إلى السلطان الزكاة و الجمعة و الفي‌ء و الحدود.

دليل، و إلا فمجرد ذلك لا يوجب التخصيص، مع أن أكثرها يأبى عن هذا التخصيص.

و كيف كان فلو طلبها النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم أو الإمام عليه السلام وجب الدفع إليه؛ لحرمة عصيانهما حتّى فيما لا يتعلّق بالواجبات الإلهية؛ لعموم أدلّة إطاعة الرسول و اولي الأمر (1)، و قوله تعالى فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (2)، و ما دلّ على حرمة إيذائه (3).

و لو طلبها الفقيه فمقتضى أدلّة النيابة العامة وجوب الدفع؛ لأنّ منعه ردّ عليه، و الرادّ عليه رادّ على اللّٰه تعالى- كما في مقبولة عمر بن حنظلة (4)-، و لقوله عليه السلام- في التوقيع الشريف الوارد في وجوب الرجوع في الوقائع الحادثة إلى رواة الأحاديث- قال: «فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّٰه» (5).

فرع (6)لو طلب الإمام أو نائبه الخاصّ أو العام الزكاة فلم يجبه و دفعها هو بنفسه فهل يجزئ أم لا؟ قولان: أصحهما أنه لا يجزي وفاقا للمحكي عن الشيخ (7)و ابن حمزة (8)و الفاضلين في الشرائع (9)و المختلف (10)و الشهيدين في الدروس (11)


1) النساء 4- 59 و انظر الكافي 1: 185 باب فرض طاعة الأئمة.

2) النور: 24- 63.

3) التوبة: 9- 61.

4) الوسائل 18: 99 الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأول.

5) الوسائل 18: 101 الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.

6) في «ف»: مسألة.

7) المبسوط 1: 244.

8) الوسيلة: 130.

9) الشرائع 1: 164.

10) المختلف 1: 187.

11) الدروس 1: 246.

و الروضة (1)لأنّ وجوب الدفع إلى الإمام عليه السلام بالفرض يدلّ على حرمة الدفع إلى غيره، فلا يجوز (2)أن ينوي به التقرّب.

و ليس ما ذكرنا مبنيّا على اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه الخاصّ كما قيل (3)حتّى يمنع المبنى، أو من جهة أنّ الظاهر من حال الآمر عدم رضاه بإعطاء الغير، حتّى يقال: إنّ عدم الرضى به إن كان لأجل الأمر فيرجع إلى مسألة الضدّ، و إن كان من الخارج فهو مجرّد الدعوى، بل من جهة اقتضائه النهي عن هذا الضدّ.

بيان ذلك: إنّ مطلق الدفع أو الدفع إلى شخص خاصّ قد يلاحظ من حيث هو، و ضدّه العام- حينئذ- ترك الدفع (4)[سواء أبقاه على ماله أو دفعه إلى غير من أمر بالدفع إليه] (5). و قد يلاحظ مقيّدا بكونه إلى شخص خاصّ بعد الفراغ عن أصل الدفع، و فرض وقوعه من المكلّف لا محالة، فيتوجّه الإيجاب حينئذ إلى مجرّد القيد، فيرجع قوله: «ادفع إلى الإمام» إلى قوله: «ليكن الدفع إلى الإمام» أو «ليكن المدفوع إليه الإمام عليه السلام»، فضدّه العام هو ترك إيقاع الدفع المفروغ عن وقوعه إلى الإمام عليه السلام. و هي عبارة أخرى عرفا عن دفعه إلى غير الإمام عليه السلام و إن كان هو عدميا و هذا وجوديّا. و لا ريب أن الغرض من أمر الإمام (6)عليه السلام بالدفع إليه ليس إلّا مجرّد إيجاد القيد بعد الفراغ عن أصل وجوب الإخراج الذي هو بأمر اللّٰه سبحانه، فإلزامه الدفع إلى نفسه في مقابلة المنع عن الدفع إلى غيره، و المفروض أنّ أمر اللّٰه سبحانه بإطاعته يرجع إلى طبق


1) الروضة البهية 2: 53.

2) في «ع»: و ذلك لا يجوز.

3) قاله في المدارك 5: 260.

4) في «ف»: ذلك الدفع.

5) ما بين المعقوفتين ليس في «ع».

6) في «ع»: الآمر.

أمره عليه السلام.

ثم لو سلّم أنّ الأمر بالدفع لا يرجع إلى مجرّد القيد، بل إلى الدفع المقيّد، لكن نقول: إنّ هذا الأمر مقيّد للأوامر العامة؛ بوجوب إخراج الزكاة إلى الفقراء بما إذا لم يطلبه الإمام عليه السلام الذي هو الوليّ للفقراء، ضرورة التعارض بين جواز دفع المال إلى الفقراء، و بين وجوب دفع ذلك المال بعينه إلى وليّهم، نظير التعارض الواقع بين تعيين عتق الرقبة المؤمنة المستفاد من قوله: أعتق رقبة مؤمنة، و جواز عتق الكافرة المستفاد من قوله: أعتق رقبة، فليس هذا من مسألة الضدّ، بل من المطلق و المقيّد المثبتين.

اللّهم إلّا أن يقال: إنّ التكليف بالمقيّد هنا تكليف آخر مغاير للتكليف بالمطلق؛ لأنّ التكليف بالمطلق إنّما هو بإيتاء الزكاة، و التكليف بالمقيّد إنّما هو بإجابة الإمام عليه السلام.

نعم لو دلّ دليل على أن إيتاء الزكاة يجب أن يكون بالدفع إلى الإمام عليه السلام كان التقييد متوجّها (1)كما في المثال المذكور، و لذا يستحق الدافع إلى الإمام عليه السلام ثوابا على الزكاة، و ثوابا على إجابة الإمام عليه السلام و كذا يستحق عقابين لو ترك أصل الزكاة، أحدهما: على ترك الزكاة، و الآخر: على معصية الإمام عليه السلام، بخلاف مثل المطلق و المقيّد.

فالتحقيق إرجاع المسألة إلى مسألة الضدّ، مع إمكان أن يقال: إنّ مقتضى عموم وجوب الدفع إلى الإمام عليه السلام من باب الإطاعة هو عدم ترتّب الأثر على دفعه إلى الفقير، بل المزكي بعد دفع المال إلى الفقير مكلّف بدفعه إلى الإمام عليه السلام، فيجب عليه استرجاعه من الفقير، و دفعه إلى الإمام عليه السلام أو دفع الزكاة من ماله اليه، و هذا معنى عدم الإجزاء، كما ذكرنا نظيره في مسألة من نذر


1) في «ف»: موجها.

التصدق بمال معيّن، و إنّ عموم وجوب (1)الوفاء مانع عن ترتّب الأثر على التصرّفات الواقعة على ذلك المال، الثابت (2)جوازها بعموم أدلّتها.

لكن يدفعه: إنّ وجوب الدفع إلى الإمام مختص بصورة وجوب الزكاة، و بعد سقوط الزكاة عنه بمقتضى العمل بعمومات جواز الدفع إلى الفقراء المستلزم لسقوط التكليف لا يبقى موضوع لوجوب الدفع إلى الإمام عليه السلام فالعمل بالعمومات مخرج للمسألة عن موضوع وجوب الدفع إلى الإمام، فالحكم بالإجزاء من جهة العمل بظاهر العمومات (3)لا يلزم منه خلاف ظاهر في دليل وجوب الدفع إلى الإمام عليه السلام، بل يلزم منه خروج الواقعة عن موضوع ذلك الدليل بخلاف الحكم بعدم الإجزاء (4)، فإنّه موجب لتخصيص العمومات.


1) تقدم ذلك في شرح الإرشاد، راجع الصفحة 57.

2) في «ف»: و إن ثبت و في: «م»: و الثابت.

3) في «ف»: الروايات.

4) في «ف»: الإجزاء السليم.

مسألة [43]

المحكي عن جماعة (1)تحريم نقل الزكاة من بلد إلى آخر مع التمكن من صرفها في المنقول عنه، بل قيل: انه المشهور (2)، بل عن التذكرة: نسبته إلى علمائنا أجمع (3)، و عن الخلاف الإجماع عليه (4)قيل: لمنافاته للفورية الثابتة كما سيجي‌ء، و لأنه تغرير للمال، و تعريض له للتلف، و لما دل على مداومة النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم على تقسيم صدقة أهل البوادي عليهم، و صدقة أهل الحضر عليهم (5)، بل عن صحيحة الحلبي: «انه لا تحلّ صدقة المهاجرين للأعراب، و لا صدقة الأعراب للمهاجرين» (6).

و في الأدلة نظر؛ لمنع منافاة النقل للفورية؛ لأن السفر بها شروع في الإخراج، و لا تجب المسارعة في أسرع وقت، و إلّا لم يجز القسمة بين المستحقين (7)


1) حكاه في المستند 2: 58 عن الخلاف و الشرائع و الإرشاد و التذكرة و البيان.

2) الحدائق 12: 239.

3) التذكرة 1: 244.

4) الخلاف 2: 28 كتاب الزكاة، المسألة 26.

5) الوسائل 6: 184 الباب 28 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

6) الوسائل 6: 197 الباب 38 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

7) في «ف» و «م»: الشخصين.

لإمكان دفعها الى مستحقّ واحد، مع أنّ الكلام في نفس النقل- سواء نافى الفوريّة أم لا، و هذا غير مسألة الفوريّة- و جواز التأخير سواء نشأ من النقل أم لا. و أما التغرير بالزكاة مع الحكم بالضمان و وجوب الإعادة لو تلف ممنوع، بل لا تغرير مع أمن الطرق عادة، مع أنّ الكلام في النقل من حيث هو، لا التغرير الذي بينه و بين النقل تباين جزئي.

و أما مداومة النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم [فلو سلّم دلالتها على الوجوب] (1)فلا دخل لها في مسألة النقل، بل من حيث القسمة، و أحدهما لا يستلزم الآخر، فقد يمكن تقسيم صدقة إحدى الطائفتين على الأخرى من غير نقل، كما يمكن النقل مع تقسيم صدقة كلّ طائفة إلى أهلها، كيف و قد ثبت ضرورة إرسال النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم العمّال و الجباة لنقل الصدقات إلى البلد، كما نصّ عليه الإمام عليه السلام في الكلام الذي حكيناه عن نهج البلاغة في آداب العامل (2)، و منه يظهر الجواب عن رواية الحلبي.

و أما الشهرة و حكاية الإجماع فموهونتان بذهاب كثير إلى الجواز: إما بشرط الضمان كما عن المبسوط (3)و الاقتصاد (4)و الفاضل في بعض كتبه (5)و الشهيدين في الدروس (6)و المسالك (7)، أو من غير ذكر شرطه كما عن المفيد (8)و ابن حمزة (9)و الحلي (10)و الفاضل في بعض كتبه (11)، و هو الأقوى؛ لأصالة الجواز


1) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

2) تقدم في الصفحة 199.

3) المبسوط 1: 246.

4) الاقتصاد: 422.

5) لم نعثر عليه و لا على من نقله.

6) الدروس 1: 246.

7) المسالك 1: 48.

8) المقنعة: 240.

9) الوسيلة: 130.

10) السرائر 1: 460 و قد وردت الكلمة في «ع» و «م»: الحلبي.

11) المختلف: 190 و المنتهى 1: 529.

الثابتة بإطلاقات دفع الزكاة، و خصوص المعتبرة مثل ما عن الفقيه بسنده إلى هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «في الرجل يعطي الزكاة فيقسمها، أ له أن يخرج الشي‌ء منها من البلدة التي هو بها إلى غيرها؟ قال: لا بأس» (1).

و بإسناده عن درست بن أبي منصور: «قال: قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام في زكاة يبعث بها الرجل الى بلد غير بلده؟ قال: لا بأس أن يبعث بالثلث أو الربع» (2).

و ما في المصحح عن أحمد بن حمزة: «قال: سألت أبا الحسن الثالث عليه السلام عن الرجل يخرج زكاته من بلد إلى بلد أخر و يصرفها في إخوانه فهل يجوز ذلك؟ قال: نعم» (3).

و ظاهر هذه الأخبار- كما ترى- يدل على الجواز بمعنى ثبوت هذا التخيير للمالك بأصل الشرع في دفع الزكاة الذي لازمها (4)عدم الضمان، إلّا أنّ الظاهر ثبوت الضمان لو تلفت إذا تمكن من دفعها في بلده (5)إلى المستحق، و عن المنتهى الإجماع عليه (6)، و قد تقدّم تحقق الضمان بالتمكّن (7)من التسليم، و لعل مراد من نسب إليه المنع من النقل هو سلب الجواز لا من حيث الفورية بالمعنى المذكور الذي لازمة عدم الضمان، كما في سائر التصرفات [فيما ترى (8)حيث إنها


1) الفقيه 2: 31، الحديث 1621 و الوسائل 6: 195 الباب 37 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث الأول.

2) الفقيه 2: 31، الحديث 1620 و الوسائل 6: 196 الباب 37 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

3) الوسائل 6: 196 الباب 37 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

4) كذا في النسخ.

5) في «ع»: بلدها.

6) المنتهى 1: 529.

7) في «ف»: في التمكن.

8) ليس في «ع»: ترى.

لا تستعقب] (1)ضمانا، و لذا ترى جملة من المانعين لا يفرّعون (2)على المنع إلّا الحكم بالضمان.

و مما يؤيّد ذلك ما عن الخلاف (3)و التذكرة (4)من اتفاق العلماء على [عدم] (5)المنع، مع أنّ المتتبع لا يجد القائلين بالمنع أكثر من المجوّزين، مضافا إلى ذهاب الشيخ (6)و الفاضل (7)إلى الجواز في أكثر كتبهما، و أوضح من جميع ذلك:

أنّ الشهيد في اللمعة (8)و الدروس (9)- بعد الجزم بعدم الجواز (10)و تفريع الضمان- تردّد في الإثم. و اعترضه السلطان- غفلة عمّا ذكرنا-: بأنّه لا معنى لإظهار التردّد بعد الجزم (11)، و وجّهه شارح الروضة: بأن المراد عدم الجواز عقلا؛ لإفضائه إلى الضمان (12).

و لا يخفى أنّ ما ذكرناه أرجح- و أضعف مما ذكره [ما] (13)في بعض القيود (14)


1) ما بين المعقوفتين ليس في «م».

2) في النسخ: لا يتفرعون.

3) الخلاف 2: 28 كتاب الزكاة، المسألة 26.

4) التذكرة 1: 244.

5) الظاهر زيادة «عدم»، لأن ما في التذكرة و الخلاف صريح في الاتّفاق على المنع، فيكون المعنى:

6) المبسوط 1: 234.

7) المختلف: 190 و المنتهى 1: 529.

8) اللمعة الدمشقية: 51.

9) الدروس 1: 246.

10) كذا في مصححة «ع»؛ و في النسخ: بعدم الوجوب.

11) تعليقة سلطان العلماء على الروضة: 37.

12) المناهج السوية (مخطوط) و فيه: و امّا عدم الجواز عقلا لإفضائه إلى الضمان.

13) ما بين المعقوفتين من «م».

14) في هامش «ع» ما يلي: ما ذكره بعض الفحول ظاهرا.

من عدم المنافاة بين المنع و عدم الإثم؛ لجواز ارتفاع الإثم بأداء العوض كما في الكفّارة- لحسنة محمّد بن مسلم بابن هاشم: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسم؟

فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتّى يدفعها، و إن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان، لأنّها قد خرجت عن يده، و كذا الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربّه الذي يدفعه إليه (1)فإن لم يجد فليس عليه ضمان» (2).

و كذلك من وجّه إليه زكاة مال ليفرقها (3)و وجد لها موضعا فلم يفعل و هلكت، كان ضامنا (4).

و صحيحة زرارة: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الرجل بعث إليه أخ له بزكاة ليقسّمها فضاعت؟ فقال: ليس على الرسول و لا على المؤدّي ضمان.

قلت: فإنه لم يجد لها أهلا ففسدت و تغيّرت أ يضمنها؟ فقال: لا و لكن إن عرف لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها» (5)و بإزاء هذه الأخبار أخبار دالّة على عدم الضمان مثل: رواية أبي بصير:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك الرجل يبعث بزكاة ماله من أرض إلى أرض فيقطع عليه الطريق؟ قال: قد أجزأته، و لو كنت أنا لأعدتها» (6).

و عن بكير بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام: «قال: سألته عن الرجل


1) في المصدر: الذي أمر بدفعه إليه.

2) الوسائل 6: 198 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

3) في «ج» و «م» و «ع»: ليصرفها.

4) راجع الوسائل 6: 198 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة.

5) الوسائل 6: 198 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

6) الوسائل 6: 199 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 6.

يبعث بزكاته فتسرق أو تضيع؟ قال: ليس عليه شي‌ء» (1).

و عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «إذا أخرجها من ماله فذهبت و لم يسمّها لأحد فقد بري‌ء منها» (2).

و عن حريز، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام: «إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقوم فضاعت، أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شي‌ء عليه» (3)، و مقتضى الجمع بين الأخبار: حمل أدلة عدم (4)الضمان على عدم التمكن من الدفع.

ثم إنّ النقل إنما يتحقق مع تعيّن الزكاة بالعزل، أو مع نقل جميع النصاب، و مع نقل بعضه من غير عزل، فمقتضى القاعدة- أيضا- ضمان مقدار ما يخصّه من مجموع الزكاة، لأن مقتضى الشركة تحقّق نقل جزء من الزكاة في ضمن البعض (5)المنقول، و ظاهر كلام الروضة (6)و المسالك (7): إن الذاهب من ماله. و قد تقدّم الكلام في ذلك (8).

ثمّ إنّ الظاهر عدم الخلاف- كما عن التذكرة (9)- في الإجزاء لو قسّمها (10)بعد النقل.


1) الوسائل 6: 199 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 5.

2) الوسائل 6: 199 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

3) الوسائل 6: 198 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

4) ليس في «ف»: عدم.

5) كذا في «م»، و في سائر النسخ: بعض.

6) الروضة البهية 2: 40.

7) المسالك 1: 48.

8) راجع الصفحة 363.

9) التذكرة 1: 244.

10) ليس في «ف»: لو قسمها.

هذا كله مع وجود المستحق في البلد، و أما مع عدمه فلا إشكال و لا خلاف في جواز النقل مع ظنّ السلامة، و عدم الضمان لو تلفت، و يدلّ عليه حسنة ابن مسلم المتقدّمة (1).

و هل يكفي في الجواز عدم وجود الفقراء في البلد، أو عدم التمكّن من الصرف (2)مطلقا حتّى في سبيل اللّٰه؟ مقتضى استدلالهم بمثل الفورية و التغرير بالزكاة هو الثاني، و لكن ظاهر كلمات المانعين هو الأوّل، بل ظاهر معقد إجماعهم على الجواز مع عدم المستحقّ، و ظاهر روايتي ابن مسلم و زرارة المتقدمتين (3)في عدم الضمان بالنقل مع عدم وجود الأهل في البلد هو الأوّل، و هذا هو الأقوى إذا فرضنا القول بالمنع؛ للروايتين المتقدمتين، و ما سيجي‌ء من الأخبار في جواز البعث مع عدم وجود أهل الولاية في بلد الزكاة، مضافا إلى عموم رواية ابن أبي حمزة المتقدمة (4)في جواز النقل، خرج منها على القول بالمنع القدر المتيقن (5)من كلمات الأصحاب و معقد إجماعهم.

و هل يجب النقل حينئذ؟ وجهان: من كونه من مقدّمات الدفع الواجب، و من منع وجوب الدفع فورا مطلقا؛ إنما الواجب الدفع إلى المستحقّ على النحو المتعارف، و هو مشروط بوجود المستحقّ في البلد، فله حينئذ أن يحفظه و ينتظر به.

و يضعف هذا بمنع تقييد أدلّة الدفع بصورة وجود المستحق في البلد، نعم في بعض الروايات: «انّه إذا لم يصب لها أحدا ينتظر بها سنة إلى سنتين إلى أربع سنين، فإن وجد و إلّا فليجعلها في حرز و يطرحها في البحر، قال: فإن اللّٰه حرّم


1) في الصفحة 362.

2) في «ف» و «م»: المصرف.

3) في الصفحة 364.

4) في الصفحة 362.

5) في «ف»: المنفي.

أموالنا و أموال شيعتنا على عدوّنا» (1).

و في الرواية ضعف سندا و دلالة، و يمكن حملها على صورة تعذّر الإيصال و لو بالنقل، إذ لا يرتاب أحد في تقديم النقل على الطرح في البحر، إلّا أن يقال:

ليس المراد حقيقة (2)، بل هو من باب الإحالة على المحال؛ فإنّ عدم وجدان المصرف في أربع سنين نادر جدا.

و كيف كان فالتمسّك بهذه الرواية على عدم وجوب النقل ضعيف جدّا، كالتمسّك على وجوبه بما ظاهره وجوب البعث إلى الشيعة، في مقابلة حرمة الدفع إلى المخالفين، نحو رواية ضريس: «قال: سأل المدائني أبا جعفر عليه السلام قال: إنّ لنا زكاة نخرجها من أموالنا ففيمن نضعها؟ قال: في أهل ولايتك، فقال: إني في بلد و ليس فيها أحد من أوليائك؟ فقال: ابعث بها إلى بلدهم فتدفع إليهم، و لا تدفعها إلى قوم إن دعوتهم إلى أمرك لم يجيبوك و كان- و اللّٰه- الذبح» (3).

و نحوها رواية شعيب (4)، إذ الظاهر أن المراد هنا بيان المصرف و أنه مختص بأهل الولاية و إن لم يكونوا في بلد الزكاة و وجد غيرهم، فإن وجود غيرهم كعدمه لا يسوغ الدفع إليه بمجرّد عدم حضور أهل الولاية؛ فإنّ ذلك لا يصير عذرا في الدفع إلى غيرهم (5).

ثم الظاهر اختصاص الخلاف بجواز النقل، فلا إشكال في أداء المثل أو القيمة في بلد آخر، و إن كان الأفضل الصرف في بلد الزكاة، و ما ذكره في الروضة من احتمال عدم الإجزاء لو نقل جملة من ماله الزكوي من غير عزل فصرفها


1) الوسائل 6: 153 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 8.

2) في «م» حقيقته.

3) الوسائل 6: 152 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

4) الوسائل 6: 153 الباب 5 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 7.

5) في «ف»: الدفع إليهم.

في بلد آخر (1)، ضعيف جدّا.

ثمّ المراد بالضمان هنا بقاء التكليف بالزكاة، فلا يتعيّن دفع القيمة إذا تلف الغنم المنقول، بل له دفع المثل من باقي المال الزكوي و من غيره، و دفع القيمة، و لو تلف من يد غير المالك، فالظاهر ضمان القيمي بالقيمة؛ لأنّه الأصل في ذوات القيم، و دفع المثل من المالك ليس للضمان بل لأنّه أحد أفراد الواجب عليه سابقا قبل التلف أيضا.


1) الروضة البهية 2: 40.

مسألة [44]

لا إشكال في جواز عزل الزكاة في الجملة، و إنما الخلاف في صحته مع وجود المستحق، و ظاهر إطلاق الأخبار (1)الصحة، و لو ادعى انصرافها إلى صورة العدم لزم الاقتصار في العزل المخالف للأصل على المتيقّن و لا بعد أن يكون ولي الفقراء بمنزلتهم في اعتبار عدم التمكن منه [أيضا (2)في صحة العزل على القول الآخر.

و معنى العزل على ما ذكروا (3)تعيين الزكاة في مال خاص. قالوا (4)فليس له الإبدال و لا يضمنه إلا] (5)بالتفريط أو تأخير الإخراج مع التمكن.

و ذكر جماعة (6): أن نماء المعزول تابع له و لو كان منفصلا، و قال في الدروس بعد الحكم بعدم الإبدال: إنّه لو نما كان له (7)، يعني للمالك.


1) الوسائل 6: 213 الأبواب 39 و 52 و 53 من أبواب المستحقين للزكاة.

2) لم يرد «في اعتبار» إلى «أيضا» في «م».

3) انظر المستند 2: 70.

4) راجع المدارك 5: 275 و الجواهر 15: 440.

5) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

6) انظر المدارك 5: 275 و الحدائق 12: 242 و الغنائم 344 و الرياض 1: 287.

7) الدروس 1: 247.

أقول: أما جواز إفراز الزكاة في الجملة فيدلّ عليه أخبار الإخراج و العزل، و كذا عدم ضمانه لو تلف بغير تفريط و لا تأخير (1)مع التمكن، كما يدلّ عليه المستفيضة (2)، فإنه لو لا التعيّن بالتعيين كان كحالة عدم التعيين في أنه لا يحتسب من الزكاة إلّا ما يخصّ التالف بنسبته إلى الكلّ.

و أمّا عدم جواز الإبدال؛ فلأنّه لو جاز له الإبدال كان الواجب الكلّي المردّد بين المفروز (3)و غيره، فلا يسقط بتلف خصوص المفروز (4).

هذا لو فرضنا منع خروجه عن الملك بالإفراز، و إلّا فلا إشكال في عدم الجواز؛ لاحتياج الجواز إلى ثبوت ولاية منتفية (5)عن المالك بعد العزل، و إن كان مخيرا في صرفه في أيّ المصارف، و لا يوجب هذا ولاية.

و أما ملكه للنماء المتصل؛ فلأنه يتبع العين في وجوب الدفع لأنّه جزء منه.

و أمّا المنفصل فهو مبني على خروجه عن ملك المالك، و الإنصاف انّه لم يظهر ذلك من أدلّة العزل على وجه تطمئنّ به النفس. غاية ما يمكن أن يقال باستفادة ذلك مما ورد في النصوص و الفتاوى من عنواني الإخراج و العزل، حيث انّهما يدلّان على أنّ (6)المخرج و المعزول زكاة، و من حكم الزكاة خروجها عن ملك المالك، و كذلك الحكم بالضمان في الأخبار عند التلف بعد التمكن من الدفع، فإنّ الضمان ظاهر في كونه خارجا عن ملكه.

و بعبارة أخرى: ظاهر أخبار العزل و الإخراج و الضمان: تحقّق القسمة بين


1) في «ع»: و لا تأخيره.

2) الوسائل 6: 198 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3.

3) في «ف»: الفرد منه.

4) في «ف»: الفرد.

5) في «ف»: تبعية.

6) في «ف»: كون.

المالك و الفقراء بولاية من المالك، و يؤيّده قاعدة تلازم كون تلف شي‌ء من شخص و كون نمائه له المستفادة من الأخبار، مثل ما ورد في بيع الخيار من حكم الإمام عليه السلام بكون غلّة المبيعة للمشتري. ثمّ قال: «ألا ترى أنّها لو احترقت كان من ماله» (1)، فاستشهد على ملكية النماء بكون التلف منه.

و يؤيّد ذلك أيضا، بل يدلّ عليه رواية الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام:

«قال: سألته عن الزكاة يجب عليّ في موضع لا يمكنني أن أؤدّيها؟ قال: اعزلها فإن اتجرت بها فأنت لها ضامن و لها الربح، فإن تويت (2)في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة، فليس عليك، و إن لم تعزلها و اتجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح و لا وضيعة عليها» (3).

و لكن الرواية ضعيفة (4)سندا، بل و دلالة من حيث دلالتها على استحقاق الربح عند الاتجار بها الظاهر- بقرينة ندرة التجارة بالعين- التجارة بالذمّة و دفع العين عوضا، أو في الأعمّ منها و من التجارة بالعين، و إن كان ظاهر اللفظ من حيث الوضع الاتّجار بالعين، إلّا أنّه قد بلغ استعماله في الأعمّ إلى حيث يكون هو المتبادر كما لا يخفى، و هذا خلاف المعروف، إلّا أن يخصّ ذلك بالتجارات العدوانية كالمغصوب و مال الطفل بالنسبة إلى غير من يجوز له التصرّف.

و قد ورد في الكلّ روايات، لكنّ المشهور لم يعملوا بإطلاقها، مع انّه بعد تسليم ظهور الرواية في الاتّجار بالعين لا بدّ إمّا من إدراج ذلك في التجارة المغصوبة (5)، و يقيّد (6)تبعية الربح بصورة إجازة وليّ الزكوات، أعني الإمام عليه السلام


1) انظر الوسائل 12: 355 الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث الأول.

2) تويت: أي هلكت. مجمع البحرين 1: 71 «توا».

3) الوسائل 6: 214 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 3.

4) في «ع»: ضعيفة عندنا.

5) في «م» و «ع»: الفضولية.

6) في «ع»: و تقييد.

أو نائبه، و إمّا من إخراجه (1)منها بجعل المعاملات العدوانية محكومة بحكم على حدة و هو ثبوت الربح لربّ المال و الوضيعة على العامل. و الأوّل مع أنّه مستلزم لتقييد استحقاق الربح بصورة الإجازة. مع كمال بعده عن سياق الرواية و أمثالها الواردة في التجارة بالمغصوب و مال الطفل، لا يلائم كون الوضيعة على العامل، لأنّ الولي إن أجاز المعاملة المشتملة على الوضيعة فالوضيعة على المال، و إلّا فليس له أخذ ما انتقل بالمعاملة؛ لفساد البيع و رجوع المبيع إلى ملك مالكه، و حينئذ فإن تمكّن الوليّ من الرجوع إلى البائع بالثمن فيستردّه منه و لا وضيعة (2)على العامل، و إن لم يتمكّن منه فالظاهر الرجوع إلى العامل بمجموع الثمن؛ لأنّه حائل بينه و بين أربابه، و لا معنى لكون الوضيعة عليه، إذ الظاهر من كون الوضيعة على العامل الرجوع عليه بالتفاوت بين الثمن و بين قيمة المتاع المنتقل اليه.

و كيف كان فالتمسّك بالرواية في غاية الإشكال.

و أمّا الوجه السابق عليها من أنّ كون التلف من شخص مستلزم لكون الربح له فهو مسلّم إذا ثبت أنّ تلف المعزول في المقام من مال الفقير، لم لا يجوز أن يكون التالف مملوكا لربّ المال، و إنّما سقط وجوب الزكاة عنه؛ لأنّ التكليف الذي صار متعينا عليه في ضمن العين الخاصّ قد انتفى بانتفاء موضوعه، نظير تلف المال المعين الذي نذر أن يتصدّق به، فإنه مع كونه من مال الناذر يسقط التكليف، فالعمدة في إثبات خروج المعزول عن الملكية هي أخبار المسألة المشتملة على عنواني الإخراج و العزل؛ فإنّ الظاهر منها (3)هو الخروج عن الملك


1) في «ع»: من إخراجها.

2) في «ف»: و الوضيعة.

3) في «ع»: منهما.

و صيرورة المخرج و المعزول زكاة حقيقة، و يؤيدها (1)الحكم بالضمان الظاهر في خروج المضمون عن مال الضامن. و ممن منع الملكية: شارح الروضة (2)، بل منع عدم جواز الإبدال أيضا.

ثمّ إنّه لا فرق بين أن يكون العزل من عين النصاب أو من مال خارجي، كما يستفاد من الشهيدين (3)و جماعة (4)و إن كان ربما يوهم ظاهر الأخبار الاختصاص بالأوّل.

و يعتبر في العزل النية كما لا يخفى.


1) في «ع»: و يؤيدهما.

2) المناهج السوية (مخطوط).

3) اللمعة و شرحها (الروضة البهية) 2: 28 و 32.

4) راجع الجواهر 15: 126.

مسألة [45]

المحكي (1)عن الأكثر المنع من تأخير دفع الزكاة عن وقت إخراجها المتقدم بيانه في بيان وقت تعلّق الوجوب (2)مع الإمكان و عدم العذر، لأن المستحق مطالب بشاهد الحال- كما في المعتبر (3)- أو لأنّ وليه و هو الشارع طالب بالمقال- كما عن الإيضاح (4)- و لصحيحة سعد بن سعد الأشعري: «قال:

سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل تحل عليه الزكاة في السنة في ثلاث أوقات، أ يؤخّرها حتّى يدفعها في وقت واحد؟ قال: متى حلّت أخرجها» (5).

و في رواية أبي بصير- المحكية عن السرائر-: «إذا أردت أن تعطي زكاتك قبل حلّها بشهر أو شهرين فلا بأس، و ليس لك أن تؤخّرها بعد حلّها» (6).

و يؤيّدهما ما تقدّم في مسألة النقل من أخبار الضمان إذا وجد المستحقّ


1) حكاه في المدارك 5: 289 و الذخيرة 428.

2) راجع المسألة 13 في الصفحة 145.

3) المعتبر 2: 553 و 589.

4) إيضاح الفوائد 1: 199.

5) الوسائل 6: 213 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

6) الوسائل 6: 214 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4، و السرائر 3: 606.

فلم يدفعها إليه (1)، فيكشف عن عدم الإذن في التأخير؛ لأنّ الغالب في الأمانات- بل القاعدة فيها- عدم الضمان مع الإذن الشرعي سيّما فيما نحن فيه؛ حيث انّ تسلّط المالك- أعني الفقير- تابع لكيفية تكليف الشارع في التوسعة و التضييق، لا العكس كما في مثل الوديعة، و الدين.

فلا يقال: إنّ المنافي للضمان هو الإذن المالكية لا الشرعية، و لذا يحكم بالضمان مع الإذن الشرعي في موارد كثيرة، و حينئذ فالحكم بالضمان كاشف عن ثبوت الفورية.

و الكلّ لا يخلو عن نظر، أما ما في المعتبر ففيه- بعد تسليم مطالبة جميع الفقراء أو كفاية (2)مطالبة بعضهم-: إنّ مطالبتهم إنما توجب فورية الدفع إذا تعيّن صرف الزكاة فيهم، و هو غير لازم قطعا، إلّا أن يقال: إنّ مقتضى الأخبار الكثيرة (3)كون الزكاة موضوعة لقوت الفقراء، بل ملكا لهم، و الآية (4)لا تدلّ إلّا على حصر مصارف الزكاة في مقابل من لا يستحقّها ممن كان يلمز النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم في الصدقات و لا يستحقّها، فهي في مقام بيان الاشتراك في المصرف لا المشاركة في الملك، فهي و ما يشبهها من الروايات لا ينافي اختصاص ملكية الفقراء بالفقراء.

[و ما دلّ على استحقاق رجحان صرفها في الأصناف الثمانية من الآية و الرواية لا ينافي ذلك] (5)لجواز دفع مال الفقراء إلى مصالح خصوص الفقراء، أو عامّة المسلمين بإذن الشارع، و حينئذ فمع فرض مطالبة الفقراء لو لم يصرفها


1) الوسائل 6: 198 الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

2) ليس في «ف»: كفاية.

3) راجع الوسائل 6: 145 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 5 و غيره.

4) و هي قوله تعالى «إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ .. الآية» التوبة: 9- 60.

5) ما بين المعقوفتين ليس في «ع».

في المصارف المسقطة للدفع إليهم كان إمساكه ظلما، لكن هذا إنّما يتمّ إذا كان التكليف بدفع الزكاة تابعا لمطالبة أربابها نظير الوديعة و الدين، و أمّا إذا لم يكن كذلك بل كان الأمر بالعكس كما هو الظاهر في المقام كان حقّ المطالبة للفقراء تابعا في التوسعة و التضييق لكيفية التكليف، ألا ترى أنّه لو قلنا بالتوسعة لم يكن للفقراء و لا لوليّهم المطالبة.

و مما ذكرنا من تفريع (1)ثبوت حقّ المطالبة لهم على تكليف الشارع لا العكس كما في الوديعة و الدين، يظهر الجواب عمّا تقدّم من الإيضاح.

ثمّ نقول بعد تسليم العكس: إنّ الشارع- الذي هو وليّ الفقراء- إذا رخّصنا بمقتضى إطلاق أمره في تأخير الزكاة، لم يكن التأخير عدوانا و ظلما.

و أمّا الروايتان فهما- مع ضعف الثانية بالجوهري و البطائني، و عدم (2)دلالة الأولى إلّا على فورية العزل لا الدفع- معارضتان بروايات، منها رواية يونس بن يعقوب: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: زكاتي تحلّ عليّ في شهر رمضان أ يصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة أن يجيئني من يسألني؟ قال: إذا حال الحول فأخرجها من مالك و لا تخلطها بشي‌ء، ثمّ أعطها كيف شئت، قال: قلت:

فإن أنا كتبتها و أثبتّها يستقيم لي؟ قال: لا يضرّك» (3).

و رواية حمّاد بن عثمان: «قال: لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين، و تأخيرها شهرين» (4).

و صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: قلت له:

الرجل تحلّ عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخّرها إلى المحرّم؟ قال: لا بأس. قال:


1) في «ع»: تفرع.

2) في «م»: مع عدم.

3) الوسائل 6: 213 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

4) الوسائل 6: 210 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 11.

قلت: فإنّها لا تحلّ عليه إلّا في المحرم، فيعجّلها في شهر رمضان؟ قال: لا بأس» (1).

فالتحقيق في المقام- بعد القطع بعدم كون التكليف بالزكاة من الواجبات التي وقتها العمر، و بعد ما يظهر من السيرة و الأخبار من عدم (2)الفورية بحيث لا يباح تأخيرها إلّا للضرورات المبيحة للمحظورات-: أنّ الواجب هو الفورية، بمعنى عدم المسامحة و الإهمال في تركها بحيث يعدّ الرجل حابسا لها، يدلّ على ذلك- مضافا إلى ثبوت مطالبة المستحقّين بشاهد الحال على هذا الوجه فيجب الأداء حينئذ (3)- ما ورد من جعل الزكاة قوتا للفقراء و معونة لهم (4)، منضمّا إلى ما يستفاد من السيرة، و كثير من الروايات من تشريع التأخير (5)للأعذار العرفيّة، مثل خوف مجي‌ء السائل مطلقا، أو من اعتبار الأخذ مطلقا (6)كما في رواية يونس المتقدّمة، فقوله عليه السلام فيها: «أعطها كيف شئت» (7)أي على ما تريد بحسب مصالح نفسك من الدفعة و التدريج، و ليس المراد الرخصة في التأخير المطلق، و لهذا لم يقل: أعطها متى شئت.

و نحوها صحيحة ابن سنان، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «انّه قال: في الرجل يخرج زكاته فيقسم بعضها و يبقي بعض يلتمس لها الموضع، فيكون بين أوّله و آخره ثلاثة أشهر؟ قال: لا بأس» (8). فإنّ الظاهر من التماس الموضع هو التماس موضع خاصّ يطلبه المالك لمصلحة دينية أو دنيوية، لا التماس مطلق


1) الوسائل 6: 210 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 9.

2) كذا في النسخ و ليس في «ف» و «م»: من.

3) في «م» و «ف» زيادة: كذلك.

4) الوسائل 6: 3 الباب الأول من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3 و 4 و غيرهما.

5) في «ع»: من تسويغ ان التأخير.

6) ليس في «ع» «م»: مطلقا.

7) الوسائل 6: 213 الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

8) الوسائل 6: 214 الباب 53 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

الموضع، فإنّه ليس بعزيز حتّى يكون محلّلا (1)للالتماس و الطلب، سيّما على القول المشهور من تعميم سبيل اللّٰه، سيّما مع عدم التحديد في طرف الكثرة، فيجوز دفعها إلى فقير واحد، مع أنّ السائل قد قسّم البعض و بنى على قسمة الباقي.

ثمّ إنّ العذر الغير البالغ حدّ إباحة المحظور كعدم المستحقّ، أو الخوف من الدفع إليه ليس مسوّغا للتأخير المطلق، فلا يجوز تأخير الزكاة سنتين أو أربع سنين لانتظار الأفضل، أو (2)للتعميم، أو نحو ذلك من الأمور الراجحة شرعا أو عرفا، بل غاية ما يمكن أن يجوز (3)بإطلاق الأدلة: التأخير إلى قريب السنة الآتية، و إلّا فظاهر روايات وضع الزكاة، و أنّه جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم (4)، و أنه لو أدّى الناس الزكاة ما بقي محتاج (5)، هو عدم جواز التأخير من سنة الوجوب قطعا.

ثمّ إنه حيث جاز التأخير فإن كان لضرورة كعدم المستحق أو عدم التمكّن من الدفع، فلا إشكال في عدم الضمان و لا خلاف فيه نصّا و فتوى. و إن كان غير ذلك من الأعذار المسوّغة للتأخير كالتعميم أو انتظار المستحقّ، فالظاهر ثبوت الضمان، و إن كان القاعدة تقتضي عدم الضمان مع أمر الشارع و لو استحبابا، لكشفه عن إلغاء جانب المالك فهو أولى بالمالك و ملكه من نفسه، فيكون بمنزلة إذن نفس المالك، فيدل عليه ما دلّ على نفي الضمان عن الأمين، إلّا أنّ ما تقدّم من حسنة ابن مسلم و صحيحة زرارة يكفي للضمان، مضافا إلى ما عن المنتهى (6)و التذكرة (7)من إطلاق دعوى الإجماع على الضمان بمجرّد


1) في «ع» و «م»: محلا.

2) ليس في «ع»: أو.

3) في «م»: يتجوز.

4) الوسائل 6: 5 الباب الأول من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9.

5) الوسائل 6: 4 الباب الأول من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 6.

6) المنتهى 1: 529.

7) التذكرة 1: 237 و 244 و ليس فيه ادّعاء الإجماع.

التمكّن من الأداء، و ظاهرهما نفي الضمان مع عدم وجدان المستحقّ، و إن تمكّن من الصرف في سبيل اللّٰه؛ لأنّ حملهما (1)على صورة عدم التمكّن من مطلق الصرف و لو في سبيل اللّٰه يوجب ندرة مورد إطلاق نفي الضمان، بل عدم المورد.

و من ذلك يظهر وجه (2)التمسّك بما تقدّم (3)من الأخبار النافية للضمان عنه إذا بعثها إلى بلد آخر فقطع عليه الطريق أو سرق، المحمولة على صورة عدم التمكّن من الدفع إلى المستحق.

نعم ظاهر الإجماع المتقدّم المحكي عن المنتهى و التذكرة، من أنّ التمكّن من الأداء معتبر في الضمان، و انه لو تمكّن فلم يفعل ضمن، هو شموله لصورة التمكّن من الصرف في سبيل اللّٰه، إلّا أنّ الظاهر أنّ مراده: التمكن من الأداء إلى المستحقّ، لا مجرّد الصرف- كما يشهد بذلك لفظ الأداء.

ثمّ (4)الظاهر أنّه لا فرق بين الفقراء و غيرهم، فالتمكّن من الأداء إلى أيّ صنف كان يكفي في الضمان، فلو أراد البسط و أعطى نصيب الموجودين و لم يتمكّن من دفع الباقي إلى الأصناف الباقية فلا يبعد الضمان وفاقا للمحكي عن ابن فهد (5)لإطلاق أدلّة الضمان المتقدّمة، و عن المنتهى: أنه لو كثر المستحقّون و تمكّن من الدفع إليهم جاز له التأخير في الإعطاء لكلّ واحد بمقدار ما يعطى غيره، و في الضمان حينئذ تردّد (6)(انتهى).

و الأقوى عدم الضمان هنا، وفاقا للمدارك (7)لأنّه لم يؤخّر في أصل الدفع، و إنّما اقتضى هذا النحو من الدفع طول الزمان، و ظاهر ما دلّ على الضمان المخالف للأصل مع الإذن: اختصاصه بصورة التأخير في أصل الدفع.


1) في «ع»: حملها.

2) في «ف»: فساد وجه.

3) راجع الصفحة 364.

4) في «ع»: نعم.

5) المهذب البارع 1: 521.

6) المنتهى 1: 511.

7) المدارك 5: 291.

مسألة [46]

المشهور عدم جواز تعجيل الزكاة قبل وقت الوجوب؛ لأنّ المدفوع إن كان متّصفا بصفة الوجوب لم يكن الحول شرطا، و المفروض خلافه، و إن كان متّصفا بصفة الاستحباب لم يكن امتثالا لأدلّة الزكاة إلّا أن يقال: بعد قيام الدليل على جواز التعجيل يكون ما يعجّله زكاة، لكن لا يجب دفعها الآن، و لا يكون امتثالا لأوامر الزكاة إلّا أنّها مسقطة عن الواجب في علم اللّٰه، نظير الدفع عند إهلال الثاني عشر كما تقدّم بيانه.

و كيف كان فالعمدة في المنع: الأصل و الأخبار المانعة عنه، ففي حسنة عمر بن يزيد: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: الرجل يكون عنده المال، أ يزكّيه إذا مضى نصف السنة؟ قال: لا، و لكن حتّى يحول عليه الحول و يحلّ عليه، انه ليس لأحد أن يصلّي صلاة إلّا لوقتها، و كذلك الزكاة، و لا يصوم أحد شهر رمضان إلّا في شهره إلّا قضاء، و كلّ فريضة إنّما تؤدّى إذا حلّت» (1).

و في حسنة زرارة: «قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام أ يزكّي الرجل ماله إذا


1) الوسائل 6: 212 الباب 51 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

مضى ثلث السنة؟ قال: لا، أ يصلي (1)الاولى قبل الزوال؟» (2).

و قد يستدلّ أيضا بما دلّ على اعتبار حلول الحول.

و فيه: إنّ اعتباره إنّما هو في الوجوب، و الكلام في جواز التعجيل الذي هو بمعنى فعل الشي‌ء قبل وقته، نظير تعجيل الفطرة الذي قال به جماعة كثيرة، فتسميته تعجيلا لمراعاة أدلّة اشتراط الحول، فكيف ينافيها؟ نعم مقتضى تلك الأدلّة عدم الأمر قبله فتحتاج العبادة (3)إلى دليل، و هو راجع إلى ما ذكرنا من الأصل.

و كيف كان فهنا أخبار مستفيضة (4)، بل عن العماني (5)دعوى تواترها في جواز التعجيل:

منها: صحيحة ابن عمار (6)و رواية حماد بن عثمان (7)- المتقدمتين في مسألة الفورية (8)-، و صحيحة الأحول، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «في رجل عجّل زكاة ماله ثم أيسر المعطى قبل رأس السنة، قال: يعيد المعطي زكاته» (9).

و في رواية أبي بصير المرسلة، عن أبي سعيد المكاري: «عن الرجل يعجّل زكاته قبل المحلّ (10)؟ قال: إذا مضت خمسة أشهر فلا بأس» (11).


1) كذا في «ع»: و الكافي 3: 524 الحديث 9، و لكن في سائر النسخ و الوسائل: «لا تصلي ..».

2) الوسائل 6: 212 الباب 51 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3، و فيه: لا تصلي.

3) في «م»: مشطوب على كلمة: العبادة.

4) الوسائل 6: 208 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة.

5) نقله عنه العلّامة في المختلف: 188.

6) الوسائل 6: 210 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 9.

7) الوسائل 6: 210 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 11.

8) في الصفحة 376.

9) الوسائل 6: 211 الباب 50 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

10) كذا في «ع» و المصدر و في سائر النسخ: الحل.

11) الوسائل 6: 210 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 12.

و في مرسلة الحسين بن عثمان عن رجل يأتيه المحتاج فيعطيه من زكاته في أوّل السنة، فقال: «إن كان محتاجا فلا بأس» (1).

إلى غير ذلك من الأخبار التي يظهر من بعضها: استحباب التعجيل حيث قال الإمام عليه السلام: «ما أحسن ذلك» (2)، مشيرا إلى تعجيل الزكاة عند مضيّ نصف السنة، و حملها على القرض ثم الاحتساب- مع مخالفته لظاهر الجميع- يأباه التقييد في أكثرها بمدّة معينة، فإنّ التعجيل على وجه القرض يجوز قبل سنين، فالأولى حملها على التقيّة؛ لأنّه (3)المحكي عن جماعة كثيرة (4)، لكنّ المحكيّ عنهم إطلاق التقديم، فلا يلائمه الأخبار المقيّدة بالشهر و الشهرين و الأربعة و الخمسة، إلّا على مذهب صاحب الحدائق (5)من عدم اعتبار مطابقة (6)مذهب العامّة في الحمل على التقيّة.

و كيف كان فالأقوى ما عليه المشهور.

ثمّ على تقدير التعجيل فلا إشكال في أنّه مراعى ببقاء الدافع و المال على الشروط إلى تمام الحول، و في المدارك دعوى الاتّفاق عليه (7)لأنّ تخلّف بعضها يكشف عن عدم كون المدفوع زكاة، لأن المفروض كونها مشروطا (8)، و هل يراعى ببقاء القابض على الوصف؟ حكي عن المنتهى القطع به (9)، و استدلّ عليه


1) الوسائل 6: 210 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 10.

2) الوسائل 6: 209 الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

3) في «ف»: لأنّها.

4) انظر التذكرة 238 و المنتهى 1: 511.

5) انظر الحدائق 1: 4، المقدمة الاولى.

6) في «ع»: مطابقته.

7) المدارك 5: 295.

8) في «ف»: شرطا، و في سائر النسخ: شروطا، و الصحيح ما أثبتناه.

9) المنتهى 1: 512، حكاه عنه في الجواهر 15: 464.

بصحيحة الأحوال المتقدمة (1)، و بثبوت المراعاة في جانب الدافع اتفاقا، فكذا القابض (2).

و يرد على هذا الوجه:

إنّ المراعاة في جانب الدافع لأجل اعتبار استجماع الشروط (3)في تمام (4)الحول اتّفاقا، فعدمه كاشف عن عدم كون المدفوع زكاة.

و أمّا القابض، فلمّا لم يشترط فيه صفة (5)الاستحقاق إلّا عند قبض الزكاة الواقعي، و المفروض أنّ بقاء الدافع و المال على الشروط يكشف عن كون المدفوع زكاة، و المفروض استحقاق القابض إيّاه حال القبض، فلا يقدح ارتفاعه بعده.

فظهر من ذلك أنّ عدم جواز الرجوع إلى القابض و الاجتزاء بما دفع إليه لو ارتفع استحقاقه من لوازم ماهية الزكاة المعجّلة؛ لأنّها زكاة حقيقة لا يغاير الفرد الآخر إلّا في الزمان، شبيه (6)العبادة المقضية التي لا تغاير الفائتة إلّا في الوقت.

و منه يظهر عدم جواز التمسّك بصحيحة الأحول؛ لأنّ وجوب الإعادة فيها يكشف عن عدم كون المدفوع زكاة حقيقة، فيحمل تعجيل الزكاة في تلك الصحيحة على القرض، كما فعله الشيخ جامعا بها بين روايات المنع و الجواز، حيث قال في وجه الاستشهاد بالصحيحة على أنّ المراد بالتعجيل القرض: إنه


1) في الصفحة 381.

2) انظر المدارك 5: 295.

3) في «ف»: الشرائط.

4) في «ف»: جميع.

5) في «م»: بدل «فيه صفة»: «في حقه».

6) في «م» و «ع»: شبه.

لو جاز التقديم على كلّ حال لما وجب عليه الإعادة إذا أيسر المعطى عند حلول الوقت (1).

نعم اعترضه في المعتبر بجواز التزام المجوّز للتعجيل بذلك (2)بالشروط المعهودة؛ فإنّ تعجيل زكاة الحول باجتماع شروطه (3).

لكنّ الأقوى مع ذلك صحة ما اعترضه المحقّق، و يمكن توجيه الاعتراض بأنّا نمنع أنّ لازم ماهية تعجيل الزكاة عدم لزوم الإعادة إذا زال القابض عن الاستحقاق؛ لأنّ المدفوع حينئذ ليس زكاة حقيقة، بل يمنع (4)الرجوع بها على الفقير بعد زوال صفة الوجه؛ لجواز الدفع، كيف و الزكاة الحقيقية لا تتحقّق و لا تحدث في العين و لا في الذمّة إلّا بعد تحقّق الشرائط، و المشروط لا يتقدّم على الشرط، بل هي في الحقيقة صدقة مستقلّة أسقط الشارع بها الزكاة عند حلول الحول، و ليس الإسقاط بحكم كونه زكاة، بل هو تعبّد شرعيّ، فيمكن أن يشترط فيه بقاء القابض على الوصف المعتبر في جواز قبضه، كما يعتبر بقاء الدافع على الوصف المعتبر في وجوب دفعه.

اللّهم إلّا أن يندفع بأن ظاهر النصّ و الفتوى من المانعين و المجوّزين هو كون المعجّلة زكاة، و لذا اتّفقوا ظاهرا على استرداد العين أو بدلها لو لم يبق الدافع على الشرائط؛ لكشف ذلك عن عدم كون المدفوع زكاة.

و دعوى اشتراط حدوث تعلّق الزكاة في الذمة أو العين بشروط غير


1) الإستبصار 2: 33.

2) المعتبر 2: 556.

3) ورد في هامش «م» ما يلي: بعض هذه العبائر كان مخطوطا [مشطوبا عليها] كتبناها لعدم الارتباط لولاها [فتكون العبارة هكذا]: «فان تعجيل الزكاة انّما يتحقق إذا ثبت في علم اللّٰه زكاة على المكلف في ذلك الحول باستجماع شروطه» و ورد مثل ذلك في «ف» إلّا أنّ فيه باجتماع شروطه.

4) في «م»: يمتنع.

حاصلة- و لا يجوز تقدّم المشروط على الشرط (1)- مسلّمة، إلّا أنّه قد ورد نظير ذلك في الشرعيات، كما في تقديم غسل الجمعة عليها، و تقديم صلاة الليل على الانتصاف، و مرجع الجميع إلى الرخصة في إتيان الموقّت قبل وقته المضروب له بالجعل الأوّلي.

لكنّ الإنصاف انّه لا يمتنع أن يخصّ الشارع هذه الرخصة بما إذا وقع الدفع إلى من بقي على الاستحقاق إلى تمام الحول [و تكون صحيحة الأحول] (2)دليلا على هذا التخصيص، فكلام المحقّق لا يخلو عن وجه.


1) في «م»: الشروط.

2) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

مسألة [47]

مسألة (1)[47]

لو نذر أن يتصدّق بعين النصاب في وقت معيّن قبل الحول، فإن وفى بالنذر فلا اشكال، و إن عصى فإن قلنا بوجوب القضاء كان كذلك و ليس له إخراج الزكاة؛ لأنّه مأمور بالوفاء بالنذر، و إن قلنا بعدم القضاء و حال الحول فهل يجب الزكاة من أجل حلول الحول على ملكه، أو لا يجب من جهة انقطاع الحول بمجرّد تكليفه بالتصدّق، فإنّه غير متمكن شرعا من التصرّف؟

و لو نذر التصدّق بها بعد الحول، فإن منعنا في النذر الموقّت عن إتلاف المنذور قبل وقته، فلا يتعلّق به الزكاة للمنع عن التصرّف منه، إلّا أن يقال: إن النذر إذا تعلّق بالتصدّق بعد الحول فإنّما وجب عليه التصدّق بما يبقى بعد إخراج الزكاة لأنّ من حكم حلول الحول وجوب الإخراج، فالنذر إنما ورد على التصدّق بما عدا ما يقتضيه حلول الحول، و هو ضعيف؛ لتعلّق الوجوب بهذا الفعل الموقّت بمجرد صيغة النذر لا بعد دخول (2)الوقت حتّى يقال: إنّ وجوب الوفاء مؤخر


1) أثبتنا هذا المسألة و ما بعدها الى بحث زكاة الفطرة من «ف» و كتب كاتب نسخة «ف» قبل إيراد المسألتين ما يلي: هذا آخر ما كتب في زكاة الأنعام و الغلات و النقدين و قد وجدت تلك المسائل مكتوبة في كتاب الصوم و أفرزتها منها و ألحقتها بالزكاة هي ..و ذكرتا في «م» بعد زكاة الفطرة، و لم يتعرض لهما في «ع» و «ج».

2) في «ف»: زوال.

عن وجوب الزكاة، فإذا كان وجوب الوفاء بالنذر منجّزا بمجرّد النذر، و المفروض أنّ النذر إنّما تعلّق بالتصدّق بالمجموع، فمقتضاه وجوب الوفاء (1)، فوجوب الوفاء إنّما تعلّق في حال سليم عن المزاحم، فلا يتعلّق به وجوب الزكاة الذي لا يحدث إلّا بعد حلول الحول.

إلّا أن يقال: إنّ نفس التصدّق بجميع النصاب بعد الحول مع قطع النظر عن النذر غير مشروع؛ لأنّه تصرّف في حقّ الفقراء، فلا يتعلّق به النذر، و مشروعيته بواسطة منع النذر عن الزكاة إنما هو بعد إحراز صحّة النذر (2)، و المفروض أن إحراز صحّة النذر موقوف على مشروعية أصل الفعل، و هو التصرّف في مجموع (3)النصاب بعد الحول، فلا يمكن إثبات مشروعيته بالنذر.

لكنه مردود: بأنّ نفس التصدّق بجميع النصاب بعد الحول الغير المشروع التصدّق بمجموع النصاب الزكوي، أي ما يجب فيه الزكاة فعلا، و ثبوت هذه الصفة للنصاب بعد إثبات وجوب الزكاة فيه، و هو موقوف على عدم صحّة النذر، و قد أثبتنا صحّة النذر قبل ملاحظة وجوب الزكاة، فلا يجب الزكاة بعد صحّة النذر على الفرض السابق من تحقق الوجوب بمجرد الصيغة.

و الحاصل ان ذات التصدّق بالمال (4)المعيّن بعد الحول من حيث هو مشروع إلّا إذا تعلّق به الزكاة فيجوز نذره فلا يجب فيه الزكاة، نعم لو كان وجوب الزكاة فيه لازما لذاته لم يتعلّق به النذر.


1) ليس في «ف»: الوفاء، و استظهر الناسخ كون الساقط: «تصدّق المجموع» فكتبه في الهامش.مع علامة «ظ».

2) في «ف»: المنذور.

3) في «م»: بمجموع.

4) في «م»: بهذا المال.

مسألة [48]

لو نذر الصدقة بعين، فإمّا أن يقول: «للّٰه عليّ أن أتصدّق به»، و إمّا أن يقول:

«للّٰه عليّ أن تكون هذه صدقة». فعلى الأول فالظاهر حينئذ عدم خروج العين بذلك عن ملك الناذر؛ لعدم دلالة الكلام لغة و عرفا إلّا على إيجاب التصدّق على نفسه، فما لم يوجده فهو باق في عهدة الوفاء، و لازمة عدم حصول ماهية التصدّق بمجرّد الصيغة، فيسقط دعوى كون هذا الكلام في معنى إنشاء التصدّق للمستحقين (1).

و قد يفصّل (2)بأنّه إن قصد من قوله: «أن أتصدّق» معنى: أن أجعله صدقة، فلا يخرج عن ملكه إلّا بأن يجعله بعد النذر صدقة على الوجه المعهود في الشرع، و إن قصد نذر فعل التصدّق بأن يعطيه للمستحقين بهذه النيّة خرج عن ملكه بذلك، و وجب إيصاله إلى أربابه ك «مال الزكاة» (3)و غيرها.


1) ليس في «م»: للمستحقين.

2) لم نعثر عليه.

3) في «م»: كالزكاة.

ثم استدل (1)بما رواه الكليني في آخر الكافي- في كتاب النذور- عن الخثعمي: في من نذر أن يتصدّق بجميع ماله (2)، و بما رواه علي بن جعفر، عن أخيه عليهما السلام: «قال: و سألته عن الصدقة تجعل للّٰه مبتوتة (3)هل له أن يرجع فيها؟ قال: إذا جعلها للّٰه فهي للمساكين و ابن السبيل، فليس له أن يرجع فيها» (4).

و أنت خبير بما في هذا التفصيل و أدلّته (5)لأنّ التصدّق إمّا أن يراد به العقدي بأن يقول: وهبت لك كذا قربة إلى اللّٰه، فيقول: قبلت، و إمّا أن يراد به الفعلي، المتعارف إطلاق التصدّق عليه عند أهل العرف، و هو: إقباض المال للتصدّق عليه بقصد القربة.

و على كلّ تقدير؛ فقبل وقوع العقد أو الفعل لا يخرج عن ملك المالك بدونه، نعم هنا إعطاء آخر و هو: ما يجب على الناذر بعد خروج المنذور عن ملكه بسبب سابق، و لا ريب أنّ هذا المعنى لا يصدق عليه التصدّق، بل و لا يعتبر فيه قصد القربة؛ لأنّ القربة إنما تعتبر في تمليك الصدقة لا في إخراجها إلى مستحقّها بعد استحقاقه لها و تملكه إياها؛ لأنه حينئذ كأداء الأمانة و ردّ الوديعة، و أمّا وجوب القربة في إقباض الزكاة، فلتحصيل التصدّق المأمور بها على وجه التعبّد دون التوصّل كأداء الدين، فالزكاة حينئذ يتعلق في العين (6)بجعل لا يبرأ ذمة المكلّف إلّا بأدائها من العين، أو من غيرها على وجه القربة.

اللّهم إلّا أن يقال: إن أمر المالك الحقيقي بدفع العين إلى الغير يدلّ على


1) لم نعثر عليه.

2) الكافي 7: 458، الحديث 23.

3) الصدقة المبتوتة: المقطوعة عن مال صاحبها لا رجعة له فيها. انظر لسان العرب 2: 6 «بتت».

4) الوسائل 13: 338 الباب 5 من أبواب أحكام الهبات، الحديث 5.

5) في «ف»: بأدلته.

6) مكان العبارة في «ف» هكذا: و الزكاة حتى يتعلق في المعيّن.

خروجه عن ملكية المأمور، و إنّ الشارع لم يقرّره على تملّك هذا المال، و لهذا وجب الزكاة في العين بعد أمر الشارع بدفع حصة منها إلى الفقراء، و إلّا فلم يرد حكم وضعي في تملّك الفقراء لحصة من العين، و ما ورد من «أنّ اللّٰه سبحانه شرّك بين الأغنياء و الفقراء» (1)و «أن اللّٰه جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يسعهم» (2)و نحو ذلك.

فهو ناظر الى تكليفه تعالى الأغنياء بدفع شي‌ء من أموالهم، لا أنّه تعالى ملّك الفقراء حصّة الزكاة بحكم وضعي، ثمّ كلّف الأغنياء بدفع حصّتهم إليهم، فالحكم بالتشريك و الجعل إنما أخذه الإمام عليه السلام من الحكم التكليفي بالدفع.

و الحاصل: أنّه قد يتحقّق التملّك سابقا ثمّ يتفرّع عليه وجوب الأداء، كما في التكليف بأداء الدين و ردّ الوديعة، و قد يثبت أوّلا التكليف بالدفع و يتفرّع عليه استحقاق المدفوع إليه و ثبوت حقّه في العين كلّا أو بعضا، و الظاهر أنّ الزكاة من هذا القبيل، و أمّا الكفّارات فهي غير متعلّقة بالعين إلّا بعد موت المكلّف.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا أراد الناذر بالتصدّق (3)المنذور، نقل المال عن ملكه إلى ملك المستحقّ، فالواجب عليه بعد النذر هو النقل، و لازم ذلك عدم خروج العين عن ملكه بمجرّد النذر، و إلّا لم يعقل وجوب النقل بعد النذر، و إن أراد بالتصدّق دفع المال إلى المستحقّ فهو مأمور بالدفع، فيجب عليه دفعه إلى المستحقّ، فيكون كالزكاة الواجب دفعها إلى المستحقين.

إلّا أن يقال: بأنّ الدفع إذا أمر به ابتداء من قبل الشارع، فهو ظاهر في كون الحكمة فيه استحقاق المدفوع إليه له. و أمّا إذا أمر به من جهة التزام


1) الوسائل 6: 150 الباب 4 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

2) الوسائل 6: 143 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث الأول.

3) في «م»: المتصدّق.

المكلّف- و المفروض أنّ الناذر التزم بدفعه على (1)وجه إحداث الملكية له لفرض كونه في ملكه قبل النذر- فيجب عليه الدفع على هذا الوجه، و لازم وجوب الدفع على وجه التمليك كونه باقيا في ملكه بعد النذر حتّى يعقل وجوبه عليه، إذ لو خرج عن ملكه بالنذر لم يعقل وجوب الدفع على وجه (2)التمليك.

و أمّا الرواية الاولى (3)من الروايتين فلا تدلّ إلّا على وجوب التصدّق، و لذا خرج الرجل عن داره و ما فيها ليبيعها و يتصدّق بثمنها، لا لخروجها عن ملكه.

و أمّا الثانية (4)ففي شمولها (5)لما نحن فيه إشكال؛ لعدم تحقّق صدقة حتى يحكم بكونها للمساكين، بل هي ظاهرة في الصدقة بالمعنى الأعمّ الشامل للوقف؛ لأنّ مفهوم الرجوع إنّما يتحقّق بعد التمليك، و لا ينافيه قوله: «هي للمساكين» مع أنّ العين لا ينتقل في الوقف؛ لأنّ المراد اختصاصهم بها.

هذا كله في نذر التصدّق، و في معناه نذر الإهداء إلى بيت اللّٰه، و أمّا نذر التمليك و الوقف و الهبة و الإبراء و نحوها، فلا ريب في عدم كونها مخرجا للملك بمجرّده، بل لا بد من وقوع هذه الأسباب؛ لأنّ هذه المسببات الواجبة يتوقف شرعا على إيجاد أسبابها، و تظهر الثمرة في النماء، و في ضمانه لو تلف بتفريط، فإنّه يجب الكفارة لترك الدفع و الضمان لمال الغير، و لو قلنا بعدم الخروج فلا ضمان، بل الكفّارة خاصّة.

و على تقدير عدم الخروج؛ فالظاهر أنّه لا يجوز للناذر التصرفات المنافية لصرفه إلى المستحقّ، كنقله إلى غيره، بل الظاهر بطلان تلك التصرّفات؛ فلو


1) في «ف»: عن.

2) في «م»: جهة.

3) المتقدمة في الصفحة 389.

4) أي الرواية الثانية المتقدمة في الصفحة 389.

5) في النسختين «ف» و «م»: شموله.

باعه (1)بطل (2)البيع، لا لأنّ النهي يدلّ على فساد المعاملة؛ و لذا لو حلف على ترك البيع فباع، يحكم بالصحة و الحنث كما صرّح به الشهيد الثاني في الروضة (3)فيما نحن فيه، بل لأنّ وجوب الوفاء بالنذر على الإطلاق ينافي صحّة البيع، بل لا بد إمّا من فساد البيع، أو تقييد إطلاق الأمر بالوفاء، و المفروض عدم ثبوت التقييد فيه.

و توضيحه: إنّه إذا باع الناذر، فنقول: إنّ مقتضى وجوب الوفاء عليه انّه يجب عليه بعد البيع أيضا صرف المال إلى النذر، و لازم بقاء الوجوب عليه حينئذ فساد البيع، إذ لو صحّ لم يجب الوفاء حينئذ، و هذا خلاف الإطلاق المفروض.

فإن قلت: الوفاء واجب ما دام الملك باقيا، فإذا فرض نقله- و المفروض عدم ثبوت حظر و منع في ذلك- انتفى موضوع النذر، فيتحقق الحنث و يتعلّق الكفّارة، و لو كان نسيانا صحّ و لا كفّارة.

قلت: الوفاء واجب ما دام ممكنا عقلا و شرعا، و المفروض أن الوفاء بعد البيع ممكن عقلا و كذا شرعا إذ لا مانع منه شرعا إلّا انتقال (4)المال إلى الغير، و هو فرع صحّة البيع، و هي أوّل الدعوى، فإنّ صحّة بلوغه (5)حيث ينافي إطلاق وجوب الوفاء، بل مقتضى هذا الإطلاق فساده، و أدلة صحّة بيع المالك، و انّ «الناس مسلّطون على أموالهم» (6)لا تجري بعد النذر، لورود أدلّة الوفاء بالنذر على الأحكام الأوّلية الثابتة للموضوعات قبل النذر، و لذا حرم التصرف المذكور


1) في «ف» مكان «فلو باعه»: «عموما». و لعله كان في الأصل: عموما فلو باعه.

2) في «ف»: فيبطل.

3) الروضة البهية 3: 227.

4) في «م»: إيصال.

5) كذا في النسختين «ف» و «م»، و الظاهر أن الصحيح: بيعه.

6) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 99.

اتفاقا مع وجود أدلّة حلّ البيع، و تسلّط الناس على أموالهم.

و الحاصل: انّ أدلّة وجوب الوفاء تدلّ على وجوب الوفاء ما لم يتلف العين المنذورة، و إن شئت أوضح من ذلك، فقس حال إثبات بقاء الملك و عدم تأثير العقود الناقلة فيما نحن فيه بأدلة الوفاء بالنذر على إثبات لزوم العقود و بقاء ملك المشتري و عدم تأثير العقود الناقلة بأدلّة الوفاء بالعقود، فكما أنّ وجوب الوفاء بما أنشأه البائع و حرمة نقضه على الإطلاق يدلّ على بطلان ما يوقعه من النواقل بعد نقضه للبيع الأول، من جهة شمول الإطلاق لما بعد إيقاع النواقل، و إلّا فحرمة النقض و وجوب الوفاء غاية (1)ثبوت الإثم، و استحقاق العقاب، فكذلك فيما نحن فيه.

و ممّا ذكر ظهر الفرق بين نذر التصدّق الذي ينافيه البيع، و بين نذر ترك البيع، فإنّ الثاني لا يوجب بطلان البيع قطعا، لتعلق النهي بأمر خارج كما في البيع وقت النداء، و أما الفساد فليس للنهي، بل لما ذكرنا. و يمكن أن يؤيّد ذلك بما اتّفق عليه ظاهرا من عدم ورود الملك القهري عليه، أعني الإرث بعد موت المالك مع كون الوارث غير مكلّف بالوفاء بالنذر، فعدم طرو الملك الاختياريّ- بأن يشتريه أحد- أولى بعدم الجواز، فتأمّل.

و يمكن أن يستأنس له بما دلّ على أنّ المسلمين عند شروطهم (2)، بناء على أنّ النذر أيضا- سيّما المشروط منه- شرط عرفا؛ لأنّه إمّا مطلق الالتزام، أو الالتزام المعلّق، و قد تحقّق في محلّه أنّ شرط ما ينافيه النقل مبطل للنقل، فتأمّل.

هذا كلّه إذا قال: «للّٰه عليّ أن أتصدّق»، و لو قال: «للّٰه عليّ أن يكون هذا المال صدقة»، ففي هذا النذر إشكال من حيث إنّ نذر الغايات بنفسها لا يحسن


1) كذا في النسختين «ف» و «م»: و الظاهر أن الصحيح: غايته.

2) الوسائل: 12: 353 الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 2 و عوالي اللئالي 2: 258، الحديث 8.

إلّا إذا أرجعت (1)إلى إيجاد أسبابها، فالحكم بالخروج عن الملك بمجرّد النذر كما صرّحوا به (2)في نذر الصدقة و الأضحية و الهدي، و ادّعى بعضهم الاتّفاق في الأخيرين، و نسبه صاحب المدارك (3)الى قطع الأصحاب في الأوّلين مشكل- و أشكل منه ما صرّح به ثاني الشهيدين (4): من دخوله في ملك زيد قهرا لو قال:

للّٰه عليّ أن يكون هذا لزيد.

اللّهم إلّا أن يقال في توجيه ذلك: إنّ معنى الوفاء بالنذر في ذلك ترتيب آثار ما نذره، فإذا وجب عليه ذلك لزمه الخروج عن ملكه.

و دعوى أنّ النذر لا يتعلّق إلّا بفعل مقدور، فلا بد أن يراد من الغاية سببها، فلا يخرج عن الملك قبل إيجاد السبب، أو يبطل النذر لو أراد حصول نفس الغاية بنفسها من دون السبب. مدفوعة بمنع انحصار تعلّق (5)النذر بالأفعال (6)الاختيارية، نعم الحنث لا يكون إلّا في الاختياريّات المنذورة. و يمنع أنّ كلّ نذر قابل للحنث، فإذا تعلّق النذر بالملكية فوجوب الوفاء به يرجع إلى وجوب ترتيب آثار الملكيّة، نعم فيما يعتبر فيه قبول خاصّ كزيد و عمرو فالظاهر احتياج التملّك إلى قبوله كما ذكره في القواعد (7)و حكي عن ولده (8)(9).


1) في «م»: رجعت.

2) راجع الجواهر 36: 153.

3) لم نقف عليه في مظانه.

4) لم نقف عليه في مظانه.

5) في «م»: متعلق.

6) في «م»: في الأفعال.

7) القواعد 3: 142.

8) إيضاح الفوائد 4: 76.

9) في «ف» ما يلي: هذا آخر هذه المسائل.

المقصد الثّاني في زكاة الفطرة

اشارة

المقصد الثاني: في زكاة الفطرة و يطلق عليها الفطرة، و الإضافة للملابسة، و يحتمل البيانية.

و الفطرة هنا: إمّا بمعنى الخلقة، و هي الهيئة الحاصلة للمخلوق من خلقه كالجلسة و الخمرة و القبلة (1)، و بهذا الاعتبار يقال لها زكاة الأبدان، و انّ بتركها (2)يخاف الموت- كما في غير واحد من الأخبار (3).

و إمّا الإسلام؛ و استعمال الفطرة في الإسلام لكونه الحال التي عليها المخلوق، و المناسبة حينئذ كونها من أركانه و من شعائره، لا اختصاصه بالمسلم عند الهلال كما يستفاد من ظاهر الروضة (4)للإجماع على اشتراك الكفّارة في التكاليف. نعم لو أسلم بعد الهلال يسقط عنه، كغيرها.

و إمّا من الفطر- مقابل الصوم- و المناسبة ما ورد في غير واحد من الأخبار: من أنّ بها يقبل الصوم، كما أنّ بالصلاة على النبي و آله صلوات اللّٰه عليهم تقبل


1) في «ف»: القمصة.

2) في «م» و «ف»: تركها.

3) الوسائل 6: 228 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5 و 230 نفس الباب، الحديث 16.

4) الروضة البهية 2: 59.

الصلاة (1).

و كيف كان فوجوبها كاد يعدّ من الضروريات، بل هو منها، و قد دلّ عليه الثلاثة (2).

و يشترط في وجوب أدائها شروط:

الأوّل: البلوغ، فلا تجب على الصغير لأجل (3)نفسه فضلا عن (4)عياله، بلا خلاف، و عن غير واحد الإجماع عليه (5)، و بذلك ينجبر المرفوع المحكي عن المقنعة: «تجب الفطرة على كل من تجب عليه الزكاة» (6)، و قد بينا سابقا عدم وجوب زكاة المال عليه (7).

و كون التمسك هنا بمفهوم الوصف، لا يقدح؛ لأنّ المقام مقام بيان الضابط فلا بد من الاطّراد و الانعكاس.

و خصوص رواية محمد بن القاسم بن الفضيل البصري- المصحّحة إليه-:

«قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الوصي يزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال؟ فكتب عليه السلام: لا زكاة على يتيم.

و عن المملوك يموت مولاه و هو عنه غائب في بلد آخر و في يده مال لمولاه و يحضر الفطرة أ يزكّي عن نفسه من مال مولاه و قد صار لليتامى؟ قال: نعم» (8)


1) الوسائل 6: 221 الباب الأول من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5 و 7.

2) أما الكتاب فقوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى الأعلى: 87- 14، و أما السنة فما في الوسائل 6: 220 الباب الأول من أبواب زكاة الفطرة، و اما الإجماع فما ورد في الغنية (الجوامع الفقهية): 506 و المنتهى 1: 531.

3) في «ف» و «ع»: لا لأجل.

4) في «ف»: عمّن في.

5) راجع المدارك 5: 307 و الجواهر 15: 484.

6) المقنعة 248، و انظر الوسائل 6: 226 الباب 4 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث الأول.

7) بيّنه في صدر الرسالة في المقصد الأول في شرائط الوجوب.

8) الوسائل 6: 226 الباب 4 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 و 3.

و ظاهر ذيلها عدم سقوط الفطرة عن مملوك الصغير، و حمله في الوسائل على ما إذا مات المولى بعد الهلال (1)، و هو مع بعده لا بأس به بالنسبة إلى طرحه.

الثاني: العقل، فلا تجب على المجنون بلا خلاف ظاهر، بل بالإجماع كما عن غير واحد (2)، و للمرفوعة المتقدمة (3)بالتقريب المتقدم.

و قد صرّح المعظم (4)بأنّ في حكمه: المغمى عليه، و استشكله في المدارك بعدم الدليل و عدم الفرق بينه و بين النوم إلا إذا استوعب وقت الوجوب (5).

أقول: المستفاد من المشهور في مواضع كقضاء الصلاة و الصوم و زكاة المال، و غير ذلك: أنّ المغمى عليه ليس أهلا للتكليف، بمعنى عدم تعلّق الحكم التكليفي به (6)و لو بالقوّة كما يتعلّق بالنائم و الناسي، فالمغمى عليه مقطوع النظر في نظر الشارع في مقام الأحكام التكليفية بخلاف أخويه. و يكتفون بذكر قيد العقل أو التكليف في الاحتراز عنه.

و يؤيّده عدم ظهور الخلاف بينهم في بطلان الوكالة إذا عرض الإغماء للموكّل أو الوكيل، و ربما يومئ إلى ذلك قوله عليه السلام- في أخبار كثيرة، في مقام تعليل نفي القضاء على المغمى عليه في الصوم و الصلاة-: «ما غلب اللّٰه عليه فاللّه أولى بالعذر» (7). فإنّ الإغماء ليس في وقت القضاء حتّى يكون عذرا فيه، فالمراد العذر في الأداء، و من البيّن أنّ المعذورية في الأداء لا يوجب نفي القضاء كما في


1) الوسائل 6: 226 الباب 4 من أبواب زكاة الفطرة، ذيل الحديث 3 مع اختلاف يسير.

2) انظر المدارك 5: 307 و الحدائق 12: 258.

3) في الصفحة السابقة.

4) منهم المحقق في الشرائع 1: 198 و العلّامة في النهاية 2: 434، و نسبه في الحدائق 12: 259 إلى جملة من المتأخرين.

5) مدارك الاحكام: 5: 308.

6) في «ف» و «م»: عليه.

7) الوسائل 5: 353 الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 13، و فيه «كل ما غلب اللّٰه عليه ..».

النائم و الناسي، فالمراد من المعذورية هو عدم تعلّق الحكم الواقعي الشأني،- أعني المطلوبية- بالمغمى عليه، فيلزمه عدم القضاء؛ لأنه حقيقة تدارك ما فات، و لا فوت مع عدم المطلوبية الواقعية.

و بالجملة: فما ذكره المشهور من كون المغمى عليه بمنزلة الصبيّ و المجنون، قد قطع الشارع النظر عنه في مقام إنشاء التكاليف (1)، قوي جدّا.

و حاصل الفرق أنّ عدم التكليف في المغمى عليه كالصبي و المجنون لعدم المقتضي، و في النائم و الناسي (2)للمانع، فتأمّل فإنّ إتمام ما ذكر لا يخلو عن إشكال، و لذا استوجه في المدارك عدم مانعية الإغماء إلّا إذا استوعب وقت الوجوب (3)نظرا الى عدم الدليل على أزيد من ذلك.

و ردّه بعض المعاصرين بأن الدليل هو الأصل بعد ظهور الأدلة في اعتبار اجتماع الشرائط عند الهلال (4)، إذ فيه انّه إن أريد بالشرائط شرائط تنجز التكليف فهو مما لم يقل به أحد، و إلّا لمنع النوم و النسيان و الغفلة و نحوهما. و إن أريد شرائط [سببية] (5)دخول [هلال] (6)شوال للوجوب، ففيه: إنّ كون عدم الإغماء منها عين محلّ الكلام.

و استثناء صاحب المدارك (7)لصورة الاستيعاب ليس لتسليم ما أنكره (8)في غيرها من كون عدم الإغماء شرطا لسببية السبب حتّى يرد بما دلّ على اعتبار الشرائط عند الهلال، بل لأنّ اجتماع جميع شروط تنجّز التكليف- من القدرة


1) في «ف»: التكليف.

2) في «ع»: الساهي.

3) المدارك 5: 308.

4) انظر الجواهر 15: 485.

5) الزيادة من «م».

6) الزيادة من «م».

7) المدارك 5: 308.

8) في «ع»: ما ذكره.

و الالتفات و غيرهما- ضروري الاعتبار في جزء من وقت الوجوب، فالإغماء المستوعب كالنوم المستوعب (1)مانع عن توجّه الخطاب لا محالة.

الثالث: الحرّيّة، فلا تجب على المملوك بلا خلاف، و نسبه في المعتبر (2)إلى علمائنا، و عن غير واحد الإجماع عليه. (3)و يدلّ عليه المرفوعة المتقدّمة (4)بالتقريب المتقدّم، مضافا إلى انه إن قلنا بعدم ملكه فلا إشكال في الحكم و في (5)كونه فقيرا لا يقدر على شي‌ء، بل زكاته على مولاه إذا لم يعله غيره؛ لأن مئونته عليه و إن كان من كسبه؛ فإن قلنا بملكه فهو محجور حتى المكاتب، حيث ورد أنّه لا يصلح أن يحدث في ماله إلّا الأكلة من الطعام (6)مضافا إلى (7)غيره، إلّا (8)أنّ إذن المولى له في الإنفاق على نفسه من ماله على القول بملكه إنفاق له في الحقيقة، فيدخل في من ينفق عليه و من يمان، بل و في العيال، فتجب نفقته على المولى، فيسقط عنه.

و لا فرق في جميع ما ذكرنا من الأدلّة- عدا الأخير- بين المكاتب و غيره، خلافا في المكاتب للمحكي عن الصدوق فأوجبها عليه (9)لأنّه مالك، و لا دليل على الحجر عليه في الواجبات القهرية؛ لأنّ أدلّة حجره معارضة بأدلّة وجوب الفطرة، و لخصوص صحيحة عليّ بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: «عن المكاتب هل


1) ليس في «ج» و «ع»: كالنوم المستوعب.

2) المعتبر 2: 593.

3) انظر المدارك 5: 308 و الجواهر 15: 485 و المستند 2: 64.

4) في الصفحة 398.

5) كذا في «م»، و في غيره: في.

6) الوسائل 16: 90 الباب 6 من أبواب المكاتبة، الحديث الأول.

7) في «م» و «ع»: في.

8) في «م»: الى.

9) الفقيه 2: 179، الحديث 2072.

عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه، و هل تجوز شهادته؟ قال: الفطرة عليه و لا تجوز شهادته» (1)، و ذكر الصدوق (2)أنّ الرواية محمولة على الإنكار ردّا على العامّة، يريد بذلك: كيف تجب عليه الفطرة و لا تجوز شهادته؟! يعني انّ شهادته جائزة و الفطرة عليه واجبة، و استجوده في المدارك (3).

و ربما يستدلّ للمشهور بما دلّ على وجوب زكاة المملوك على المولى (4)، و بخصوص رواية حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه و رقيق امرأته و عبده النصراني و المجوسي و ما أغلق عليه بابه» (5)و نحوها مرفوعة محمّد بن أحمد (6).

و فيه: انّ الكلّ ظاهر في المملوك الذي يعوله المولى، فإن ثبت أنّ المكاتب من عياله من جهة أنّ (7)ما في يده ملك للمولى، فلا كلام في وجوب فطرته عليه، و إلّا فهذه الأخبار لا تنفع في المطلوب (8)بمقتضى الإنصاف.

هذا كلّه في المكاتب المشروط أو المطلق الذي لم يتحرّر منه شي‌ء، و أمّا المبعّض، فالمحكيّ عن الأكثر (9)وجوب فطرته على نفسه و على المولى بنسبة الحصة إن لم يعله المولى أو غيره، و إلّا فعلى المعيل، و لعلّه لأنّ الاشتراك في العيلة


1) الوسائل 6: 253 الباب 17 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

2) الفقيه 2: 179، ذيل الحديث 2072.

3) المدارك 5: 309.

4) الوسائل 6: 227 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة.

5) الوسائل 6: 229 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 13.

6) الوسائل 6: 229 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 9.

7) في «ع»: كون.

8) في «ع» و «م»: للمطلوب.

9) انظر الشرائع 1: 171، و المعتبر 2: 600، و الروضة البهيّة 2: 58 و نسبه في الرياض 1: 289 الى المشهور.

أو الاشتراك في الملك يقتضي ذلك.

و فيه نظر؛ لأنّ الاشتراك في العيلة لو سلّم اقتضاؤه التشريك فإنما يقتضيه إذا كان ذلك من الأجنبيين (1)و أما إذا اشترك أجنبي (2)مع نفسه فلا نسلم الاشتراك، بل مقتضى العمومات السليمة عن معارضة أدلّة العيلة- المختصة (3)بصورة استقلال المعيل الأجنبي بالإنفاق- هو الوجوب على نفسه، و كذا الكلام في الاشتراك في الملكية فإنّ المسلم منه ما لو تعدّد المالك لا ما لو تبعّض في الرقيّة، فالأقوى- بحسب القاعدة- هو الوجوب على نفسه لو استجمع سائر الشرائط، و إلّا فالسقوط عنه و عن المولى.

أمّا الأوّل؛ فللعمومات السليمة عن المخصّص، و للمرفوعة المتقدّمة بالتقريب المتقدّم، حيث انّ المبعّض لو ملك النصاب بجزئه الحر وجب عليه الزكاة، فيجب عليه الفطرة.

و قد يستدلّ بما سيجي‌ء من رواية الصدوق في الفقيه، عن العيّاشي النافية للزكاة في العبد المشترك بين شريكين حيث قال فيها: «و إن كان لكلّ إنسان منهم أقل من رأس فلا شي‌ء عليهم» (4).

الرابع: الغنى و هو أن يملك قوت السنة لنفسه و عياله الواجبي النفقة؛ لأنّ غير المالك لذلك تحلّ له الزكاة كما تقدّم، و قد دلّت الأخبار المستفيضة على نفي الفطرة عمن يأخذ الصدقة (5)، و أن «من حلّت له لم تحلّ عليه و من حلّت عليه لم تحلّ له» (6)، و اقتصر الإسكافي (7)على ملك قوت يوم و ليلة و زيادة الفطرة


1) في «ع» و «م»: أجنبيين.

2) ليس في «ف»: أجنبي.

3) في «م» و «ف»: الشخصية.

4) الفقيه 2: 182، الحديث 2082.

5) الوسائل 6: 223 الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة، الأحاديث 1 و 5 و 7 و 8.

6) الوسائل 6: 224 الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 9.

7) نقله عنه العلّامة في المختلف: 193.

لأخبار كثيرة (1)ظاهرة في وجوبها على مطلق الفقير، و أنّه يتصدّق ممّا (2)يتصدّق به عليه، و يتعيّن حملها على الاستحباب مع أنه ليس فيها اعتبار ملك قوت اليوم و الليلة.

و عن جماعة منهم الشيخ (3)و الحلي (4)ان الغنى يتحقق بتملك (5)نصاب من النصب الزكويّة، و عن الشيخ (6): إلحاق قيمتها، و ظاهر الحلّي (7): الإجماع على ما ادّعاه، قال في المعتبر: و لم نقف له- يعني للشيخ- على حجّة و لا قائل من قدمائنا (8)، و لعله للمرفوعة المتقدمة: «تجب الفطرة على من تجب عليه الزكاة»، و مثل قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم و أدفع إلى فقرائكم» (9)حيث إنّها تدلّ على مقابلة الغني للفقير في الزكاتين، و الغني في زكاة المال يملك أحد النصب فليكن في الفطرة كذلك.

و ضعف الوجهين ظاهر لما تقدّم من أنّ المرفوعة في مقام بيان اعتبار شروط وجوب زكاة المال من الحرّيّة و البلوغ و العقل، و النبوي محمول على الغالب.

و كيف كان فلا ريب في قوّة ما اخترناه، و عليه فهل يعتبر أن يملك فعلا أو قوّة مع قوت السنة مقدار الفطرة أم لا؟ قولان، أظهرهما: الأوّل؛ لأنّ المستفاد من الأدلّة أنّ الفقر مانع مطلق عن وجوب الفطرة، فكما أنّ وجوده يمنعه كذلك


1) الوسائل 6: 225 الباب 3 من أبواب زكاة الفطرة.

2) في «ف»: بما.

3) المبسوط 1: 240.

4) السرائر 1: 465.

5) في «م»: بملك.

6) الخلاف 2: 146 كتاب زكاة الفطرة، المسألة 183.

7) السرائر 1: 465.

8) المعتبر 2: 594.

9) مستدرك الوسائل 7: 105 الباب الأول من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 14.

حدوثه بعده، فإنّ الدفع من قوت السنة يوجب حدوث الفقر وفاقا للفاضلين (1)و الشهيد الأول (2)و المحقّق الثاني في حاشية الشرائع (3)و غيرهم، خلافا للمحكي عن الشيخ (4)و الشهيد الثاني (5)و غيرهما؛ للعمومات، خرج منها من لم يقدر على قوت السنة.

و يمكن الاستدلال للمطلوب فيما إذا تعيّن الدفع من القوت بأنّ وجوب الدفع موجب لعدم تمام ملكه لمقدار الفطرة، فلا يبقى ملكه مستقرّا على قوت السنة، فيجوز له أخذ الزكاة، فيجتمع وجوب الدفع مع جواز الأخذ، و قد دلّت الأخبار المتقدمة مثل: «من حلّت له ..» الى آخره (6)على التنافي بين وجوب الدفع و جواز الأخذ.


1) المعتبر 2: 594 و المنتهى 1: 532.

2) البيان: 204 و الدروس 1: 248.

3) حاشية الشرائع، (مخطوط): 51.

4) الاقتصاد: 429 و النهاية: 189.

5) المسالك 1: 50.

6) الوسائل 6: 224 الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 9.

مسألة [1]

يجب مع اجتماع الشروط (1)إخراج الفطرة عن نفسه و عن كلّ من يعوله وجوبا أو استحبابا أو كراهة بل و لو تحريما؛ للإجماع و الأخبار المستفيضة، بل المتواترة (2).

و المراد بالعيال: من تحمّل معاشه، ففي الصحاح: علته شهرا إذا تحملت معاشه (3).

و في الخبر: «صدقة الفطرة على كلّ صغير و كبير، حرّ أو عبد، عن كلّ من تعول- يعني من تنفق عليه- صاع من تمر .. الرواية» (4).

و في أخرى عن المعتبر: «انّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم فرض صدقة الفطرة على الصغير و الكبير و الحرّ و العبد و الذكر و الأنثى ممن تمونون» (5).

و في الصحيح، عن عمر بن يزيد: «قال: سألت أبا عبد الهّٰ عليه السلام عن


1) في «ف»: استجماع الشرائط.

2) الوسائل 6: 227 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة.

3) الصحاح 5: 1777 و فيه: إذا كفيته معاشه.

4) الوسائل 6: 232 الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 9.

5) المعتبر 2: 601 و الوسائل 6: 230 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 15.

الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطرة فيؤدّي عنه الفطرة؟

قال: نعم، الفطرة واجبة على كلّ من يعول من ذكر أو أنثى صغير أو كبير حرّ أو مملوك» (1).

دلّت على وجوب فطرة الضيف من حيث كونه ممن يعال.

و احتمال كون الجملة بعد «نعم» مستأنفة- مع انّها خلاف الظاهر؛ لظهور كونها هي الجواب- لا يقدح؛ لأنها لو لم يكن نفس الجواب فلا محالة تكون جملة مستأنفة مسوقة لبيان ضابط من تجب عنه الفطرة مطرد و منعكس، بحيث يدخل فيها (2)الضيف، إذ كونها قاعدة أجنبية خرج عنها الضيف حيث إنّ زكاتها؟ (3)تجب لا من حيث العيلولة- لا يخفى بشاعته. مع أنّ الأخبار المستفيضة (4)الظاهرة في إناطة الوجوب طردا و عكسا مع العيلولة كافية في نفي كون فطرة الضيف أو غيره- ممن سيجي‌ء الخلاف فيه كالزوجة و المملوك- واجبة من حيث هي.

ثم لمّا كان الظاهر من عنوان من تجب [عنه الفطرة تلبسه بذلك] (5)العنوان في زمان تعلّق الوجوب، اعتبر تحقّق العيلولة في ذلك الزمان، سواء بقي بعد ذلك أو ارتفع، و سواء وجد قبل ذلك أم لا، و حينئذ فالمعيار كونه عيالا حين هلال شوال. و من هنا اختار من تأخّر (6): كفاية صدق الضيف في أوّل الهلال المستلزم لصدق أنّه يعال و إن لم يصدق عليه العيال الظاهر فيما إذا كان لعيلولته استمرار، بل الظاهر كفاية صدق أنّه ضمّه إلى عياله كما دلّت عليه رواية عبد


1) الوسائل 6: 227 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

2) في «ع» و «م»: فيه.

3) كذا في النسخ، و الظاهر: زكاته.

4) الوسائل 6: 227 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة.

5) بدل ما بين المعقوفتين في «ف»: ما يلي: عليه الفطرة، فعليه ذلك.

6) المعتبر 2: 604 و المنتهى 1: 536 و الدروس 1: 250.

اللّٰه بن سنان- المتقدّمة-: «كلّ من ضممت الى عيالك .. إلخ» (1)فالمدار على صدق الانضمام إلى العيال لا على صدق العيال.

و من هنا يظهر أنّ الأجير المشترط نفقته على المستأجر منضم إلى العيال، وفاقا لغير واحد من المعاصرين (2)خلافا للفاضلين (3)و شيخنا في المسالك (4)فجعلوه من قبيل الأجرة، و فيه: انّه لا يلزم من ذلك عدم الوجوب بعد صدق الانضمام إلى العيال.

ثمّ إنّ المدعوّ إلى مكان الداعي ليأكل عنده- الذي يطلق عليه الضيف في عرف العوام- قد يشكل فيه الحكم؛ من جهة صدق كونه ضيفا، و من عدم اندراجه في من انضمّ إلى العيال، إذ المراد الانضمام في العول و هو الإنفاق، و صدقه مشكل.


1) الوسائل 6: 229 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 8.

2) انظر المستند 2: 65 و كشف الغطاء: 357.

3) المعتبر 2: 601 و المختلف: 195.

4) المسالك 1: 50.

مسألة [2]

المشهور كما قيل (1)وجوب فطرة المملوك و الزوجة الواجب النفقة على المولى و الزوج إذا لم يعلهما غيرهما، من غير اعتبار فعلية العيلولة، بل أفرط الحلي (2)فأوجبها على الزوج لزوجته الناشزة و الصغيرة و غير المدخول بها، لعدم تمكينها، مدّعيا في ذلك الإجماع و العمومات و إن طعن عليه في المعتبر (3)بأن ذلك لا يعرف له قائل (4)من فقهاء الإسلام، و قريب منه ما في المنتهى (5).

و كيف كان فالظاهر أنّ مستند المشهور إطلاقات وجوب الفطرة عنهما من غير اعتبار لفعلية العيلولة، [و طعن عليهم جماعة من المتأخرين (6)بإنكار ذلك، و ان الاخبار- حتى المشتمل منها على ذكر الزوجة و المملوك- ظاهرة في اعتبار فعليه العيلولة] (7).


1) الجواهر 15: 503 و فيه: بل ربما نسب الى المشهور.

2) السرائر 1: 466 و لم يذكر فيه الصغيرة.

3) المعتبر 2: 601.

4) في «م» و «ع»: موافق.

5) المنتهى 1: 533.

6) انظر مجمع الفائدة 4: 142 و الحدائق 12: 269 و المستند 2: 66.

7) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

و الخالي منها عن هذا القيد محمول على الغالب.

أقول: القائل بوجوب نفقة المملوك و الزوجة من حيث هما إن خص الحكم بهما من بين واجبي النفقة، فالظاهر أنّه لا وجه لذلك؛ لأنّهما لم يذكرا بأنفسهما في خبر حتّى يمكن التمسّك بإطلاقه على ذلك، و إنّما ذكرا إمّا في عنوان «من يعول»، و إمّا بأنفسهما منضمّين إلى سائر واجبي النفقة، فلا وجه للاختصاص و إن طرّد الحكم في مطلق واجبي النفقة كالأبوين و الأولاد على ما يظهر من الشيخ في المبسوط (1)و المحقق في المعتبر (2)، فيمكن الاستشهاد له بمثل رواية صفوان، عن إسحاق بن عمّار، و فيها: «الواجب أن تعطي عن نفسك و أبيك و أمك و امرأتك و خادمك» (3).

و قريب منها رواية أخرى لصفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، و فيها:

«انّ العيال الولد و المملوك و الزوجة و أم الولد» (4)، و ترك الأبوين للاقتصار على ذكر الغالب.

و لا ينافي ذلك ما دلّ (5)على إناطة الوجوب بالعول و الإنفاق الظاهر في الفعلية.

أمّا أوّلا، فلأنّ ذكر هذا الضابط مسوق لبيان عدم الاختصاص بمن يجب نفقته ممن ينفق عليه فعلا، فهذه ضابطة في مقام العكس لا الطرد، و لذا أكّده الإمام عليه السلام في مقام (6)الإجمال بعد التفصيل في بعض الروايات: «و ما


1) المبسوط 1: 239.

2) المعتبر 2: 596.

3) الوسائل 6: 228 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4.

4) الوسائل 6: 227 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

5) الوسائل 6: 227 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الأحاديث 2 و 6 و 14 و غيرها.

6) العبارة في «ف» و «م» هكذا: في بعض الاخبار بقوله في مقام.

أغلق عليه بابه» (1)، و في أخرى: «كلّ من ضممت إليك» (2).

و ما ذكرناه واضح على المنصف المتأمّل فيكون العيلولة سببا، و وجوب الإنفاق سببا آخر، مع أنّ من (3)المحتمل أن يقال: إنّ الفطرة مئونة من المئونات التي يجب على المنفق تحمّلها عن واجبي النفقة، حيث انها زكاة البدن و يخاف بتركها الموت، فتجب كما تجب النفقة، فتشبه بذل المال لثمن ماء الطهارة أو الساتر في عدها عرفا من المؤن. و دعوى أنّ كونها من المؤن فرع وجوبها، و الكلام فيه مدفوع بالأدلّة الدالّة على استقرار الفطرة على كلّ أحد و عدم سقوطها إلّا لمانع، لا لعدم المقتضي.


1) الوسائل 6: 229 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 9.

2) الوسائل 6: 229 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 12.

3) ليس في «ف» و «ج» و «ع»: من.

مسألة [3]

من وجبت فطرته على غيره بالعيلولة (1)أو وجوب النفقة، سقط عنه بلا خلاف ظاهرا إلّا عن الحلّي (2)من وجوب الفطرة على الضيف و المضيف، و ردّ بعموم قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم: «لا يثنّى في صدقة» (3)، و الأولى دفعه بنفس ما دلّ على وجوب أداء الفطرة عنه، فإنّ قوله عليه السلام في رواية الضيف: «يؤدي عنه» (4)ظاهر في وحدة الفطرة، و كون المضيف كالمتحمّل لها عن الضيف و إن لم يكن تحمّلا حقيقيا كما ستعرف.

و لو لم تجب فطرته على الغير لإعساره مثلا، فإن كان ممن لا يجب على نفسه الفطرة لو انفرد لكونه صغيرا أو مملوكا أو فقيرا، فلا إشكال في سقوط فطرته عن نفسه.

و إن كان ممن تجب على نفسه لو انفرد كالضيف الموسر و الزوجة الموسرة،


1) في «م»: لعيلولة.

2) السرائر 1: 468.

3) كذا في النسخ، و الذي وقفنا عليه في كنز العمّال 6: 332 الحديث 15902: «لا ثني في الصدقة»، و رواه أيضا في الصفحة 466، الحديث 16575 عن علي عليه السلام.

4) الوسائل 6: 227 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

فهل تجب عليه (1)أم لا؟ الأقوى: نعم؛ لعموم ما دلّ على وجوب الفطرة على كلّ أحد جامع للشروط، خرج منها من يخرج عنه الغير، و بقي الباقي خلافا للشيخ (2)رحمه اللّٰه فأسقطها عن الزوجة الموسرة، و قوّاه الفخر في الإيضاح (3)، لسقوطها عن الزوج بالإعسار و عدم الدليل على تعلّقها بالزوجة.

و فيه: إنّ العمومات السليمة عن المخصّص هي الدليل على الوجوب عليها، اللّهم إلّا أن يقال: إنّ أدلّة الوجوب على الزوج ليس المراد منها خصوص الوجوب الفعلي حتّى ينتفي التخصيص مع انتفائه بإعسار الزوج، بل المراد منها أنّ زكاة الزوجة جعلت بحسب أصل الحكم (4)الشرعي على الزوج، فالزوجة خارجة عن عمومات وجوب الفطرة بأصل الشرع، أدّى الزوج عنها أم لم يؤدّ، عذرا أو عمدا، و هو لا يخلو عن اشكال.

نعم يمكن القول بالسقوط مع ترك الزوج عصيانا من جهة دخول المورد حينئذ تحت عموم المخصّص، أعني ما دلّ على وجوب فطرة الزوجة على الزوج الموسر، اللّهم إلّا أن يقال: إنّ مجرّد وجوبها عليه لا يوجب السقوط عنها، و لا نسلّم تخصيص عموم ما دلّ على ثبوت الفطرة على كلّ أحد بما دلّ على ثبوت فطرة الزوجة على الزوج الموسر، لإمكان ثبوته على العيال إلّا (5)أن يسقطها عنه المعيل، كما إذا وجب على شخص أداء دين غيره.


1) كذا في «م»، و في باقي النسخ: عليها.

2) المبسوط 1: 241.

3) إيضاح الفوائد 1: 211.

4) في «م»: حكمها.

5) في «ف»: إلى.

مسألة [4]

العبرة في وجوب أداء الفطرة على الشخص عن نفسه أو عن غيره باستجماعه الشرائط عند هلال شوّال، فلا عبرة بحدوثها بعده كما لا عبرة باختلالها، فلو كان عند الهلال عبدا أو فقيرا أو ناقصا، أو غير معيل لشخص لم يجب عليه و إن حدث الشروط بعده (1).

و يدلّ على ذلك مضافا إلى الإجماع المدّعى: صحيحة معاوية بن عمّار:

«قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر، أ عليه فطرة؟ قال:

لا، قد خرج الشهر، و سألته عن يهوديّ أسلم ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال:

لا» (2). دلّت على أنّ العلّة في عدم حدوث وجوب الفطرة للمولود هي خروج شهر رمضان.

و لا يخفى على المتأمّل أنّ المراد من قول السائل: «عليه فطرة؟» في سؤال «المولود» و سؤال: «المسلم ..» معنى واحد كما في الرواية الآتية، و هو مجرد تعلّق الفطرة به (3)أعمّ من كونه مخرجا أو مخرجا عنه، و استعمال لفظة «على» في أخبار


1) في «ع»: لغده.

2) الوسائل 6: 245 الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

3) في «ف»: عليه.

الفطرة باستعمال واحد بالنسبة إلى المخرج و المخرج عنه في غاية الكثرة، و المراد به ما ذكرنا من المعنى الأعمّ، فالمنفي هو هذا المعنى المشترك، و التعليل راجع إلى نفيه (1)فمفاد التعليل: انّه كلّما خرج الشهر فلا يحدث تعلّق الفطرة بالشخص، لا وجوب الإخراج و لا وجوب الإخراج عنه، فلا يتوهّم أنّ العلّة راجعة إلى نفي وجوب الفطرة عن شخص، فلا يدلّ على حكم حدوث شروط وجوب الأداء بعد الهلال، مع أنّ ظاهر ذيل الرواية بمقتضى الذوق السليم هو كون حكمه عليه السلام بعدم الوجوب على المسلم أيضا متفرّعا على خروج الشهر.

و نحوها رواية الفقيه، عن علي بن أبي حمزة، عن معاوية بن عمّار: في المولود يولد ليلة الفطر، و اليهودي و النصراني يسلمان ليلة الفطر؟ قال: «ليس عليهم فطرة، ليس الفطرة إلّا على من أدرك الشهر» (2)دلت على انحصار تعلق الفطرة بالإنسان من حيث الإخراج أو الإخراج عنه فيمن أدرك الشهر، و الكافر و إن كان قد أدرك الشهر جامعا لشرائط الوجوب إلّا أنّه لما جبّ بالإسلام (3)لم يحدث تكليف آخر عليه؛ لكونه معلّقا على إدراك شهر رمضان الممتنع في حقه، و هو غير متحقّق في هذا الوجوب الحادث.

فدلت الرواية على أنّ الوجوب معلّق على إدراك الشهر و لا ينفكّ عنه، فمن لم يجب الفطر عليه أو عنه إدراك الشهر، أو وجب ثمّ سقط بالإسلام فلا يحدث عليه الوجوب بعد ذلك، و إلّا لم يكن الوجوب معلّقا على إدراك (4)الشهر، فمرجع (5)الرواية إلى مفاد الصحيحة السابقة الدالّة على أنّ خروج


1) في «ع»: نفسه.

2) الفقيه 2: 179، الحديث 2070 و الوسائل 6: 245 الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث الأول.

3) انظر عوالي اللئالي 2: 224، الحديث 38.

4) في «م» و «ع»: بإدراك.

5) في «م»: فرجع.

الشهر علّة لعدم حدوث تعلّق الفطرة بمن لم يتعلّق عليه في آخر الشهر.

و منها (1)يعلم أنّ وقت أداء الفطر ليس نظير وقت أداء الظهرين مثلا، فإنّ كلّ جزء من الوقت يسع الصلاتين سبب لوجوبهما يكفي في تعلّق التكليف بالشخص استجماعه للشرائط في ذلك الجزء، بخلاف الوقت هنا، فإنّ السبب إما خارج عنه بالمرّة، و إمّا أوّل جزء من أجزائه- على الخلاف الآتي في مبدأ وقت الإخراج.

ثمّ إنّ الوجوب المعلّق على إدراك الشهر كما يظهر من الروايتين هو الوجوب الواقعي، بل مطلق تعلّق الفطرة أعمّ من الإخراج و الإخراج عنه، لا تنجّز التكليف و فعليته، فلو كان عند الهلال نائما، أو غير ملتفت إلى وجوب الفطرة، أو معتقدا لعدمه في بعض موارد الخلاف اجتهادا أو تقليدا أو لشبهة في الموضوع كعدم التولّد، أو عدم كونه ولدا أو مملوكا أو زوجة له، لم يقدح ذلك كلّه في حدوث التنجز عليه عند التنبّه ما بين الهلال و الزوال.

و من هنا يعلم أنّ التمسّك في نفي الوجوب عن المغمى عليه عند الهلال بكونه غير قابل للتكليف حينئذ فلا يحدث بعد خروج الشهر، إن أريد به عدم قابليته لتنجّز التكليف عليه عقلا؛ لعدم شعوره، فقد عرفت أنّه غير معتبر كما في النائم (2).

و إن أريد به عدم قابليته لتعلّق الوجوب الواقعي كما في الصبي و المجنون، فهو حسن، إلّا أنّه يحتاج إلى إثبات كونه كذلك.

و أمّا دعوى: انّ المنفي في الروايتين (3)هو تنجّز التكليف، فتدلّان على أنّ كلّ من لم يكلّف و لم يخاطب فعلا عقلا أو شرعا بوجوب الفطرة عند الهلال فلا


1) في «م» و «ع»: منهما.

2) في «ع»: في النائم و الساهي.

3) الوسائل 6: 245 الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 و 2. و تقدمتا في ص 414 و 415.

يحدث الوجوب عليه بعد ذلك، خرج منه النائم و أشباهه و بقي المغمى عليه، ففاسدة (1).

أمّا أوّلا: فلما عرفت (2)من أنّ المنفي هو تعلّق المشترك بين الوجوب عنه، و عليه، و هذا المقدار من التعلّق ليس منفيا عن النائم و المغمى عليه عقلا (3).

و أما ثانيا: فلأن اللازم على هذا [وجوب التماس دليل خارجي على تكليف النائم و أشباهه بالفطرة؛ لأنّ مقتضى الروايتين هو عدم] (4)حدوث التكليف على من لم يكلّف (5)عند الهلال على وجه يكون المعيار و المدار في التكليف هو إدراك الهلال، و هذا المعنى غير قابل للتخصيص عرفا.

ثمّ اعلم أنّ ما دلّت عليه الروايتان من إناطة وجوب الفطرة بإدراك الشهر جامعا للشرائط، الظاهر أنّه غير مبنيّ على توقيت الفطر بهلال شوال، كما هو أحد القولين في مسألة وقت الفطر، فليس من يقول بأنّ وقتها طلوع الفجر قائلا باعتبار اجتماع هذه الشرائط في آخر الليل بحيث يدرك جزء من يوم العيد على الشرائط و إن فقدها عند هلال شوّال، بل هؤلاء أيضا قائلون باعتبار اجتماع الشرائط عند الهلال أيضا و إن فقدها بعد ذلك؛ و لهذا ادّعى في المدارك (6)الإجماع على مسألة اعتبار الاجتماع عند الهلال مع وقوع الخلاف العظيم في المسألة كما يأتي.

و يحتمل أيضا ابتناء هذه المسألة- يعني اعتبار الاجتماع عند الهلال- على القول بتوقيت الفطرة بدخول الهلال، فكلّ من يقول بأن وقتها طلوع الفجر


1) في «م» و «ع»: فاسدة.

2) في الصفحة 415.

3) في «ع»: فعلا.

4) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

5) في «ع»: بدل «لم يكلف»: «لم يتنبّه».

6) المدارك 5: 320.

يعتبر الشرائط عند الطلوع، و لذا قال في المختلف (1)- بعد ما حكى عن الشيخ في النهاية (2)و المبسوط (3)و الخلاف (4)القول [بأنّ وقتها طلوع الفجر، و عنه في الجمل (5)و الاقتصاد (6)انّ وقتها هلال شوال-: إنّ ما ذكره في النهاية (7)و المبسوط (8)و الخلاف (9)] (10)من انه إذا وهب له عبد أو ولد له أو أسلم أو ملك مالا قبل الهلال وجب الزكاة، و ان كان بعده استحبّ إلى الزوال، مشعر بما اختاره في الجمل و الاقتصاد.

لكنّ الانصاف عدم الابتناء، و لذلك لم يحكم في المختلف بصراحة الفروع المذكورة في كتب الشيخ بما اختاره في الجمل و الاقتصاد، بل استشعر منها (11)ذلك، فالظاهر عدم الابتناء كما يشهد به ذكر الشيخ للفروع المذكورة في كتبه التي اختار فيها التوقيت بطلوع الفجر.

و يؤيّده أيضا بل يشهد له أنّ أحدا من الفقهاء لم يعتبر في الضيف بقاء عنوان الضيافة فيه إلى طلوع الفجر من يوم العيد، مع استنادهم في وجوب الفطرة عن الضيف بما ورد من وجوب الفطرة عن الضيف و عن العيال و من ضمّ


1) المختلف: 199.

2) النهاية: 191.

3) المبسوط 1: 242.

4) الخلاف 2: 155 كتاب زكاة الفطرة، المسألة: 198.

5) الجمل و العقود: 209.

6) الاقتصاد: 429.

7) النهاية: 189.

8) المبسوط 1: 240.

9) الخلاف 2: 139 كتاب زكاة الفطرة، المسائل 146 و 173 و 182 و غيرها.

10) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

11) في «ف»: فيها.

إليهم فلو كان العبرة باجتماع الشرائط عند الطلوع لم يكن بدّ من اعتبار الضيافة عند الطلوع؛ ليتحقّق صدق عنوان الضيف و العيال في وقت الوجوب.

فتحصّل ممّا ذكرنا عدم المنافاة بين الاتّفاق على اعتبار الشروط عند الهلال، و الخلاف في وقت الفطرة، فالكلام هنا في وقت الوجوب، و الخلاف فيما سيأتي في وقت الواجب و هو الإخراج، و حينئذ فيكون استدلال بعض القائلين في المسألة الآتية: بأنّ الوقت هلال شوّال بما تقدّم من روايتي معاوية بن عمّار (1)بناء على أنّ الأصل و الظاهر فيما ثبت وجوب شي‌ء في زمان كون الزمان لنفس الواجب أيضا كما لا يخفى، فتخطئة شارح الروضة (2)لمثل الفاضلين (3)في تمسّكهما بالروايتين في تلك المسألة بأنّهما تدلّان على وقت الوجوب لا الواجب في محلّه؛ لأنّ الأصل و الظاهر اتّحاد زمان الواجب و الوجوب، لكن يبعد ما ذكرنا تصريح القائلين بكون وقت الفطرة طلوع الفجر، انّه وقت وجوبها فيحتمل لأجل ذلك أن يكون اجتماع الشرائط عند الهلال سببا لثبوت الوجوب عند الطلوع و إن لم يكن وقتا له.

لكن يبعّده استدلالهم بأدلّة وجوب الإخراج عن الضيف، و العيال باعتبار الضيافة طول الشهر، أو في النصف الأخير (4)أو غير ذلك؛ فإنّ مقتضى الوجوب عن العيال و الضيف تحقّق العنوان في وقت الوجوب، و كذا حكمهم بوجوب الفطرة على من مات عند الطلوع أو افتقر، اللّهم إلّا أن يقال بكفاية السبب قبل وقت الوجوب في اشتغال الذمّة، نظير أسباب الضمان للطفل و المجنون، فتأمّل جدّا.


1) الوسائل 6: 245 الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 1 و 2 و تقدمتا في ص 414 و 415.

2) المناهج السوية (مخطوط).

3) المعتبر 2: 611، و المنتهى 1: 539.

4) في «ع» و «م»: الآخر.

مسألة [5]

إذا كان العبد بين شريكين، فالمحكيّ عن الأكثر وجوب فطرته عليهما بالاشتراك (1)، و يدلّ عليه: عموم ما دلّ على ثبوت الفطرة على كلّ إنسان، إما على نفسه أو على غيره (2)، خرج منه فاقد الشروط الذي لا يعوله واجدها، و بقي الباقي، و يؤيّد ذلك: إنّ المستفاد من الأدلّة كون المالكية سببا لوجوب الفطرة إمّا بنفسها؛ بناء على كون فطرة المملوك من حيث هو، و امّا عنوان العيلولة، بناء على القول الآخر.

و على التقديرين فلا فرق في نظر الشارع ظاهرا بين قيام السبب أعني الملكية؛ أو العيلولة بواحد أو بأكثر. و يؤيّده ما مرّ من مكاتبة ابن الفضيل، عن الرضا عليه السلام في ثبوت الفطرة على مملوك مات مولاه و صار لليتامى (3)، سواء حمل الحديث على ظاهره، أو أوّل بما لا ينافي مذهب المشهور بأن يراد ما ذكره في الوسائل من كون موت المولى بعد الهلال (4).


1) انظر: المدارك 5: 329.

2) الوسائل 6: 227 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة.

3) الفقيه 2: 180، الحديث 2073.

4) الوسائل 6: 226 ذيل الحديث 3.

و عن الصدوق: عدم وجوب الفطرة لمثل هذا العبد المشترك، لما رواه في الفقيه، عن تفسير العيّاشي (1)، و فيه ضعف سندا بل و دلالة، حيث إنّ الظاهر منها عدم وجوب الفطرة على من ملك أقلّ من رأس، فلا ينافي وجوب الفطرة للبعض إذا ملك مع عبد تام كثلاثة عبيد بين رجلين، فلا يدلّ على نفي الفطرة للكسر، بل على نفيها عمن ملك دون الواحد، و كيف كان فلا يعارض ما تقدّم.


1) الفقيه 2: 182، الحديث 2082.

مسألة [6]

إذا أوصي له بعبد فقبل بعد موت الموصي و قبل الهلال، فلا إشكال في وجوب فطرته عليه، و لو قبل بعد الهلال: فامّا أن يجعل القبول كاشفا، أو ناقلا.

فعلى الأوّل يحتمل على الموصى له لكشفه عن كونه مالكا عند الهلال، و يحتمل عدمه؛ لأنّه لم يكن عالما، و يندفع بما تقدّم من أنّ تعلّق الوجوب الواقعي الشأني كاف، و لا يشترط التنجّز عند الهلال كما لو ولد له ولد و لم يعلم به، و يحتمل الفرق بين وقوع القبول في الوقت فيجب، و بين وقوعه في خارجه فلا يجب القضاء.

و على الثاني فيحتمل الوجوب على الوارث، لأنّه ملكه قبل قبول الموصى له، و يحتمل عدمه: إما لأنّ ملكه متزلزل في معرض الزوال كما ذكره المحقّق الثاني في حاشية الشرائع (1)، و فيه نظر ظاهر، و إمّا لأنّ الوصية لا تدخل في ملك الوارث، بل على حكم مال الميّت حتّى يقبل الموصى له.


1) حاشية الشرائع (مخطوط): 51.

مسألة [7]

ظاهر المحكي عن الصدوقين (1)و العماني (2): الاقتصار في جنس الفطرة على الغلّات الأربع، و زاد في المدارك (3)عليها الأقط، و زاد الشيخ (4)عليها الأرز و الأقط و اللبن، مدّعيا ثبوت الإجماع على إجزاء السبعة، و عدم الدليل على إجزاء غيرها.

و في الدروس: إنّ ظاهر الأكثر الاقتصار على هذه السبع (5).

و في المعتبر: إنّ الضابط ما كان قوتا غالبا كالحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الأرز و الأقط و اللبن، و هو مذهب علمائنا (6)، و نحوه في دعوى الاتّفاق ما عن المنتهى (7)، و نسب هذا إلى المشهور بين المتأخرين (8).


1) المقنع (الجوامع الفقهية) 18.

2) انظر المختلف: 197.

3) المدارك 5: 333.

4) الخلاف 2: 150 كتاب الزكاة، المسألة 188.

5) الدروس: 1: 251، و فيه: و أكثر الأصحاب حصروه في السبعة.

6) المعتبر 2: 605.

7) المنتهى 1: 536.

8) الحدائق 12: 279.

و عن المفيد: انّها فضلة أقوات أهل الأمصار على اختلاف أقواتها في النوع (1)و حكي مثل ذلك عن السيّد (2)، و عن الإسكافي (3): يخرجها من وجبت عليه من أغلب الأشياء على قوته، و حكي عن الحلي (4)و الحلبي (5)و قد نسب في المدارك (6)الى المحقق و المتأخرين، و فيه نظر، فإنهم إنما عبّروا بما هو قوت غالبا و جعلوا ما يغلب قوت الإنسان أو بلده مستحبا اللهم إلا أن يكون مراد الإسكافي من قوله: «يخرجها»، نفي وجوب الإخراج عن غيره في مقابل غيره من الأقوال المعيّنة لبعض الأقوات، و لذا استدل عليه في المختلف (7)بعد ما استقر به بأدلّة، منها: انّ تكليفه بغير قوته حرج منفيّ و ضرر منفيّ.

و للصدوقين صحيحة الحلبي (8)، و لصاحب المدارك مصحّحة عبد اللّٰه بن ميمون (9)، و للشيخ ذكر الأرز و اللبن في بعض الأخبار (10)، و للمفيد و السيّد قول أبي عبد اللّٰه عليه السلام في مرسلة يونس المصحّحة إليه: «الفطرة على كل من اقتات قوتا فعليه أن يؤدّي من ذلك القوت» (11)، و قوله عليه السلام في مصحّحة زرارة و ابن مسكان: «الفطرة على كلّ قوم ممّا يغذون عيالاتهم» (12)، و للإسكافي و من تبعه مكاتبة


1) المقنعة: 249.

2) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 80.

3) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 197.

4) السرائر 1: 468.

5) الكافي في الفقه: 169.

6) المدارك 5: 333، و فيه: و المصنف و جماعة.

7) المختلف: 197.

8) الوسائل 6: 233 الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 11.

9) الوسائل 6: 229 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 11.

10) الوسائل 6: 238 الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

11) الوسائل 6: 239 الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4.

12) الوسائل 6: 238 الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث الأول.

الهمداني المرويّة في التهذيب (1)، و مستند ما في المعتبر و المنتهى هو الجمع بين الأخبار.

و يظهر من المسالك (2)و الروضة (3)و الحدائق (4): اعتبار أحد الأجناس السبعة المذكورة و ان لم يقتت به المخرج، أو ما اقتات به المخرج و إن لم يكن منها كالدخن، و الذرة، فالعبرة بأحد الأمرين، و لعلّه للجمع بين الأخبار المطلقة في إجزاء السبعة، و مصححتي يونس و ابن مسكان المتقدّمتين، و لا يبعد (5)جواز إخراج ما كان قوتا غالبا، بمعنى انّه يقتات به في غير النادر و لو عند بعض الناس، فلا عبرة بالنادر ككثير مما يقتات به في أيّام الغلاء، و لا يعتبر الأقوات عند عامّة الناس، و لا غالبهم فيكون الدخن و الذرة حينئذ أصلا عند كلّ أحد و إن لم يقتت به كما هو ظاهر الإجماع المتقدّم عن المعتبر (6)و المنتهى (7)الظاهر فيما ذكرنا، إذ لا معنى لعدّ الأقط بل ما عدا الحنطة و الشعير قوتا غالبا إلّا بالمعنى الذي ذكرنا، مضافا إلى ذكر الذرة في بعض الروايات المعتبرة كرواية الحذّاء المرويّة في التهذيب (8)، و إلى المرويّ مرسلا في المعتبر، عن أمير المؤمنين عليه السلام:

«إنّ الفطرة على كل رأس صاع من طعام» (9).


1) التهذيب 4: 79، الحديث 226، و الوسائل 6: 238 الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

2) المسالك 1: 51.

3) الروضة البهية 2: 59.

4) الحدائق 12: 282 و 285.

5) في «م»: لكن لا يبعد.

6) المعتبر 2: 605.

7) المنتهى 1: 536.

8) التهذيب 4: 82، الحديث 238، و الوسائل 6: 233 الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 10.

9) المعتبر 2: 607، و الوسائل 6: 235 الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 21 نقلا بالمعنى.

ثمّ اعلم: انّ في مرسلة يونس و رواية ابن مسكان المتقدمتين (1)احتمالات ثلاثة:

أحدها: تعيّن إخراج ما يغلب على قوته كما هو ظاهر الإسكافي.

الثاني: حمل ذلك على عدم تعيّن ما سواه، فيكون الأمر في مقام رفع توهّم الحظر و تعيّن (2)الغلّات الأربع.

الثالث: حملهما على الاستحباب، و الظاهر هو الاحتمال الأوسط، و حينئذ فيدلّ على جواز كلّ ما اقتات به الشخص، لكن لا تدلان على جواز إخراج قوم آخر له، نعم أدلّة جواز الغلّات الأربع مطلق بالنسبة إلى كلّ أحد.

و أما الأقط فيظهر من بعض الأخبار اختصاصها بأهل الغنم (3)، و كذا ما دلّ على الأرز، و هي مكاتبة الهمداني (4)، و هذا محتمل في رواية الذرة (5)، فالقدر المتيقّن هو إخراج إحدى الغلّات الأربع مطلقا، أو ما كان قوتا غالبا للشخص كما هو مختار كاشف الغطاء على ما حكي عنه (6)، لكن تعميم القوت الغالب للشخص أيضا مشكل، إذ لا يبعد دعوى انصراف القوت في المرسلة، و الموصول في قوله عليه السلام في رواية ابن مسكان: «مما يغذون» إلى المتعارف من الأقوات التي يقتات بها بعض طوائف الناس و لو كالأقط و اللبن، فلو فرضنا أنّ قوما اقتاتوا باللحم أو بشي‌ء آخر من الأمور النادرة، فيشكل الحكم بجواز الفطرة منه تمسّكا (7)بهاتين، لقوّة ورودهما في مقام رفع توهّم تعيّن (8)الأجناس المتعارفة


1) في الصفحة 424.

2) في «م» و «ع»: تعيين.

3) الوسائل 6: 231 الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

4) الوسائل 6: 238 الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

5) انظر الوسائل 6: 234 الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 17.

6) لم نعثر على الحاكي عنه، و الموجود في كشف الغطاء هو جعل المدار القوت المتعارف. (راجع كشف الغطاء: 358).

7) في «م»: متمسكا.

8) في «ع»: تعيين.

من الغلّات الأربع.

ثمّ إنّ ظاهر مرسلة يونس و مصححة ابن مسكان إجزاء ما صدق عليه القوت على أنّه أصل، و على هذا فالدقيق بل الخبز أصلان، لكن في أصالة الخبز تأمّل؛ لأنّ الظاهر من القوت هو أصل الجنس، بل قد يعلّل ذلك باشتماله على الأجزاء المائية، و فيه نظر، نعم يدلّ على كون الدقيق من باب القيمة مصححة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: سألته نعطي الفطرة دقيقا مكان الحنطة؟ قال: لا بأس يكون أجر طحنه بقدر ما بين الحنطة و الدقيق» (1)، بناء على أنّه عليه السلام جعل اجرة الطحن في مقابل ما تنقص الحنطة من الصاع بعد الطحن، إذ لو كان أصلا لم يجز منه النقص من صاع.

ثمّ إنّ المشهور، بل المعروف من غير خلاف جواز إخراج القيمة، و ظاهر كلامهم بل صريح بعضهم (2): عدم الفرق في القيمة بين النقدين و غيرهما، و الأخبار مختصة بالدرهم إلّا موثقة إسحاق بن عمّار: «لا بأس بالقيمة في الفطرة» (3)، و الظاهر انّه كاف لمذهب المشهور نظرا إلى أنّ الظاهر منه إخراج الشي‌ء بقيمة الأصول لا إخراج نفس القيمة، هذا إن سلّم تبادر النقدين من لفظ القيمة وضعا أو انصرافا، و إلّا فلا إشكال في الاستدلال.

و أمّا حمل الرواية على الأخبار المقيّدة بالدرهم فلا وجه له لعدم التنافي، و يؤيد ما ذكرنا مصححة عمر بن يزيد المتقدمة.


1) الوسائل 6: 241 الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.

2) و هو الشيخ في المبسوط 1: 242، و في المستند 2: 68 نسبته إلى الأكثر.

3) الوسائل 6: 241 الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 9.

مسألة [8]

المحكي (1)عن الإسكافي و المفيد (2)، و السيّد (3)، و الشيخ في المبسوط (4)و الخلاف (5)و النهاية (6)، و القاضي (7)، و الحلبي (8)و سلّار (9): إنّ وقت زكاة الفطرة طلوع الفجر يوم العيد، و ظاهر ابن زهرة الإجماع عليه (10)و هو الأقوى؛ للأصل و صحيحة العيص بن القاسم: «قال: سألت الصادق عليه السلام عن الفطرة متى هي؟ قال: قبل الصلاة يوم الفطر، قلت فإن بقي منه شي‌ء بعد الصلاة؟ قال:

لا بأس، نحن نعطي عيالنا منه ثم يبقى فنقسمه» (11)دلّت على أنّ ظرفها يوم الفطر، فلا يشرع قبله.


1) حكاه في المختلف: 199، و الجواهر 15: 527.

2) المقنعة: 249.

3) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 80.

4) المبسوط 1: 242.

5) الخلاف 2: 155 كتاب زكاة الفطر، المسألة 198.

6) النهاية: 191.

7) المهذب 1: 176.

8) الكافي في الفقه: 169.

9) المراسم (الجوامع الفقهية): 581.

10) الغنية (الجوامع الفقهية): 507.

11) الوسائل 6: 246 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.

لكن الاستدلال مبني على وجوب تقديمها على الصلاة، إذ لو استحبّت تعيّن حمل التوظيف المستفاد من الصحيحة على الاستحباب بالنسبة إلى يوم الفطر أيضا كما لا يخفى، فيسقط الاستدلال كسقوط (1)الاستدلال برواية إبراهيم بن ميمون، قال: قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام: «الفطرة إن أعطيت قبل أن تخرج إلى العيد فهي فطرة، و إن كان بعد ما يخرج إلى العيد فهي صدقة» (2)، إذ غاية ما يستظهر منها وجوب كون الفطرة قبل الخروج، فإذا حمل على الاستحباب لما سيأتي من انتهاء وقت الفطرة بالزوال سقط الاستدلال به، مع أنّ مجرّد وجوب كونها قبل الخروج لا يدلّ على توقيتها بطلوع الفجر، نعم دلّت على ذلك الصحيحة الاولى من حيث التصريح بوجوب كونها يوم الفطر الذي مبدأه طلوع الفجر، فلا يجزي قبله.

و منه يظهر ضعف تضعيف الصحيحة: بأنّ قبل الصلاة كما يعمّ عند طلوع الفجر بلا فصل، كذا يعمّ قبله القريب منه، و لا قائل بالفرق، مع انّ المتبادر من السياق أن المراد بالقبليّة إنّما هو المقابل لما بعد الصلاة، لا المتبادر منها إلى الذهن حقيقة، و هو قريب من الصلاة، مع أنّه لا قائل به منّا؛ للاتفاق على كون ما بعد الفجر بلا فصل وقتا، مع أنّه غير متبادر منه جدّا.

هذا، و أنت خبير بأنّ هذين التضعيفين (3)ناظران إلى الاستدلال على التوقيت بقوله «قبل الصلاة»، و ليس كذلك بل بقوله: «يوم الفطر» (4)حيث إنّها تدلّ على أنّ وقت الفطرة يوم الفطر قبل الصلاة فقبل اليوم لا وقت كما بعد الصلاة.

و أضعف من ذلك حملها على الأفضلية بقرينة قوله عليه السلام في رواية


1) في النسخ: لسقوط.

2) الوسائل 6: 246 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

3) في «ع»: الضعيفين.

4) في «م» و «ف»: لعدم الفطر.

الفضلاء: «يعطي يوم الفطر أفضل، و هو في سعة أن يخرجها في أوّل يوم من شهر رمضان» (1)، إذ لا يخفى أنّ سياق الرواية يدلّ على أفضلية الإعطاء يوم الفطرة من التقديم عليه على وجه التعجيل و هو خارج عن المطلوب؛ إذ لا نزاع على القول بجواز التعجيل في جواز إخراجها ليلة الفطر، بل قبلها على وجه التعجيل، بل النزاع في الوقت المضروب بأصل الشرع الذي انحصر القول فيه في قولين.

فتحصّل من ذلك: انّه لا مناص عن العمل بالصحيحة إلّا إذا دلّ الدليل على عدم خروج وقت الفطرة بالصلاة، فالعجب ممن قال هنا بهذا القول متمسّكا بظاهر الصحيحة، مع تقويته في مسألة آخر وقت الفطرة انتهاءه إلى الزوال بل آخر النهار كما اتّفق لصاحب المدارك (2)، فإنّ ظاهر الصحيحة إن دلّت على وجوب كون الفطرة قبل الصلاة يوم العيد فلا مناص عن القول بانتهائه بالصلاة، و إن دلّت على مطلق الرجحان فلا يكون دليلا على ابتداء الوقت بطلوع الفجر.

و الحاصل انّ الرواية تدلّ على أوّل الوقت و آخره بدلالة واحدة.

و كيف كان، فالمخالف فيما ذكرنا أكثر المتأخّرين و جماعة من القدماء كالشيخ في الجمل (3)و الاقتصاد (4)و ابن حمزة (5)و الحلّي (6)فأوجبوها بهلال شوّال، لما تقدّم من روايتي معاوية بن عمّار: «في المولود يولد ليلة الفطر أ عليه فطرة؟ قال:

لا قد خرج الشهر» (7)و الأخرى: «فيمن أسلم بعد الهلال، و المولود يولد كذلك؟


1) الوسائل 6: 246 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4.

2) المدارك 5: 349.

3) الجمل و العقود (الرسائل العشر): 209.

4) الاقتصاد: 429.

5) الوسيلة: 131.

6) السرائر 1: 469.

7) تقدمت في الصفحة 414.

فقال: ليس عليهم فطرة، ليس الفطرة إلّا على من أدرك الشهر» (1)، بناء على ما عرفت من أنّ مدلولهما عدم حدوث وجوب بعد الهلال (2)، فلو لم يجب إلّا بطلوع الفجر لم يكن لإدراك شهر رمضان مدخل في الوجوب، و لا لخروجه مدخل في عدم الوجوب.

و لكن التمسّك بهما مشكل؛ لأنّهما مسوقتان لمجرد بيان مدخلية إدراك الشهر في الوجوب في مقام جواب السائل، حيث سأل عن أنّ المولود بعد الهلال، أو المسلم بعده هل يتعلّق بهما الفطرة؟ يعني و لو في الوقت المضروب لها أم لا؟

و ليس السؤال عن فعلية التعلّق بهما ليلا، فكان مبدأ التعلّق في السؤال و الجواب مفروغا عنه. و حينئذ فلا يبعد أن يكون إدراك الشهر سببا لحدوث الوجوب بطلوع الفجر بحيث لا يتوجّه الخطاب بهذا الواجب الموقت إلّا على من أدرك الشهر.

ثمّ لو سلّمنا دلالتهما على حدوث الوجوب بمجرّد الهلال، فلا تنافي توقيت الإخراج بطلوع الفجر، فيتعدد ظرف الوجوب و ظرف الإخراج، و حينئذ فيستقيم ما ذكروه في مقام التفريع على سببيّة إدراك الشهر، بأنّه لو مات المكلّف بعد الهلال وجب الفطرة في ماله، إذ لو لا كونه واجبا لم يخرج من التركة فضلا عن جعلها (3)بحيث يتحاص مع الديان، لكن ظاهر أصحاب القول الأوّل حدوث الوجوب بطلوع الفجر فتعيّن الاحتمال الأوّل، و هو مراد صاحب المدارك و مثله، حيث أجاب عن الرواية بأنّها تدلّ على وجوب الإخراج عمّن أدرك الشهر، لا على أنّ أوّل وجوب الإخراج الغروب. و أحدهما غير الآخر (4)و قد


1) تقدمت في الصفحة 415.

2) انظر المسألة [4] المتقدمة في الصفحة 414.

3) في «ع» و «م»: صلبها.

4) المدارك 5: 345.

يظنّ به إرادة تغاير وقتي الوجوب و الإخراج، فيورد عليه بأنّه خلاف ظاهر كلماتهم، بل خلاف الأصل؛ حيث إنّ أصالة إطلاق وجوب شي‌ء في (1)وقت جواز أدائه بعد تحقّق الوجوب.

و فيه: مع أنّه موقوف على إبطال دليل القول الأوّل الذي كفى به مقيّدا للإطلاق، انّه موقوف على عدم سوق الإطلاق في مقام بيان أصل الوجوب.

نعم يشكل حينئذ ما ذكر من مسألة موت المكلّف قبل طلوع الفجر، مع وجوب (2)الفطرة في ماله.

و يمكن دفعه بأنّ إدراك الشهر سبب للوجوب- بمعنى الاستقرار في الذمّة- نظير معنى وجوب الزكاة بعد الحول و قبل التمكّن من الأداء، كما فسّره بذلك في المعتبر (3)، فلا منافاة بين استقرارها في الذمّة بمجرّد الهلال، و عدم وجوب الأداء إلّا بعد طلوع الفجر، شبيه (4)الدين المؤجّل.

و كيف كان فدلالة الروايتين على جواز الأداء ليلا في غاية الإشكال، و أصالة التأخّر مع عدم إمكان قصد التقرّب بالفطرة عند الشك، مضافا إلى الاحتياط اللازم مع قطع النظر عن اعتبار القربة من حيث الاشتغال اليقيني يقتضي وجوب الإتيان بعد طلوع الفجر، و لا يتوهّم عدم ثبوت تيقّن الاشتغال بعد الإتيان به ليلا، إذ بعد طلوع الفجر يشكّ في تعلّق التكليف؛ لأنّا نعلم بعد طلوع الفجر أنّه تعلّق به تكليف بالإخراج في زمان فيشكّ في البراءة عن ذلك التكليف المتيقّن، و بعبارة أخرى التكليف متحقّق في زمان يقينا و الشك في الرافع فيستصحب، و لا يعتبر في الاستحصاب معرفة الزمان السابق بالخصوص.


1) في «ف»: فرع.

2) في «ف»: و وجوب.

3) المعتبر 2: 611.

4) في «م» و «ع»: شبه.

مسألة [9]

حكى في الدروس (1)و المسالك (2)عن المشهور جواز تعجيل الفطرة من أوّل شهر رمضان، معتمدين في ذلك على صحيحة الفضلاء المتقدّمة، حيث قال فيها: «و هو في سعة أن يعطيها من أوّل يوم من شهر رمضان» (3)، و حملها على القرض مع تخصيص ذلك برمضان بعيد جدا، سيّما مع أنّ ظاهر الضمير في قوله:

«يعطيها» هو الرجوع الى نفس الفطرة، و سيما مع جعل الحكم من باب السعة و الرخصة في مقابل الفضيلة، إذ لا ريب في أنّ إقراض الفقير [ثمّ الاحتساب عليه في يوم الفطر قبل الصلاة جامع لفضيلة الإقراض] (4)و أداء الفطرة في وقت الفضيلة، فلا معنى لجعله من باب الرخصة الفاقدة للفضيلة، و كيف كان فحملها على القرض في غاية البعد.

و أمّا اشتمال ذيلها على كفاية نصف صاع المجمع على خلافها فهو غير ضائر، و يدلّ عليها رواية إسحاق بن عمّار: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن


1) الدروس 1: 250.

2) المسالك 1: 51.

3) الوسائل 6: 246 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4.

4) ما بين المعقوفتين ليس في «ع».

تعجيل الفطرة [بيوم؟ قال: لا بأس» (1)، بناء على عدم القول بالفصل بين اليوم و أزيد منه، و بهما يخصص عموم ما دلّ على توقيت الفطر] (2)بيوم العيد، أو بهلال شوّال (3)، مع أنّ ذلك العموم في مقام بيان الوقت الأصلي فلا ينافي الرخصة في التقديم، للدليل، نعم يخصّص بهما ما ورد في تعليل المنع عن تعجيل زكاة المال بقوله عليه السلام: «لا تصلى الاولى قبل الزوال و إن كان فريضة، إنما تؤدى إذا حلت» (4).

و أما مرفوعة أحمد بن محمد، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام:

«قال: قلت له: هل للزكاة وقت معلوم تعطى فيه؟ قال: «إنّ ذلك ليختلف في إصابة الرجل المال، و أمّا الفطرة فإنّها معلومة. الحديث» (5)فهي أيضا لا تنافي الروايتين؛ لأنّ السؤال فيها عن الوقت الأصلي المضروب.

و ربما يؤيّد هذا القول بما تقدّم (6)من روايتي معاوية بن عمار الظاهرتين في إناطة الوجوب بإدراك شهر رمضان؛ فإنّ ذلك ظاهر في سببيّة شهر رمضان لوجوب الفطرة، نظير قوله عليه السلام: «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت (7)، «و من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» (8)، و قال: إنّ في لفظ الإدراك رمزا إلى كونه هي الغاية التي لا بد لها من بداية، و ليست هنا إجماعا إلّا أوّل الشهر (9).


1) الوسائل 6: 246 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

2) ما بين المعقوفتين ليس في «ع».

3) الوسائل 6: 246 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة.

4) الوسائل 6: 212 الباب 51 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3 نقلا بالمعنى.

5) الوسائل 6: 213 الباب 51 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

6) في الصفحة: 414 و 415.

7) الوسائل 3: 157 الباب 30 من أبواب المواقيت

8) الوسائل 5: 441 الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة.

9) الجواهر 15: 530.

و فيه: أوّلا: إنّ إدراك الشهر إنّما جعل في الروايتين سببا للوجوب مع اجتماع الشرائط فيه من الكمال و الحرية و الغنى، فمفهوم قوله عليه السلام: «ليس الفطرة الّا على من أدرك الشهر» وجوب الفطرة على من أدرك الشهر متّصفا بالشروط المعتبرة.

و ظاهرهم (1)أنّ إدراك ما قبل الآخر من أجزاء الشهر متّصفا بتلك الشروط ليس سببا، و إلّا لوجب على من أدرك بعض الأجزاء بالصفات ثمّ فقدها في الجزء الآخر، و الظاهر عدم الخلاف في عدم الوجوب حينئذ.

و دعوى: أنّ إدراك كلّ جزء سبب إلّا أنّه انعقد الإجماع على كونه مشروطا باستجماع (2)الشروط في الجزء الآخر فيكون وجوبها عند دخول رمضان متزلزلا غير مستقر إلّا بإدراك الجزء الآخر مستجمعا للشرائط، مدفوعة: أوّلا (3)بأنّ أدلّة اعتبار الشروط في المخرج و المخرج عنه ليس فيها تقييد بوجودها (4)في الجزء الآخر، بل مفادها نفي الوجوب عن الفاقد كما هو مدلول قوله عليه السلام:

«لا زكاة على يتيم» (5)، أو «على من قبل الزكاة» (6)و قوله: «يجب التصدّق على كل من يعول» (7). و إنّما اعتبروا وجودها في آخر الشهر من جهة هاتين الروايتين الدالّتين بالتقريب المتقدّم في محلّه على عدم تأخّر حدوث تعلّق الفطر عن الهلال، فإذا كان المراد بالإدراك نظير إدراك ركعة من الوقت، و إدراك الركوع، فإدراك


1) في «ف»: و ظاهر.

2) في «ف»: باجتماع.

3) ليس في «ع» و «م»: أولا، و أوردها ناسخ «ف» في الهامش.

4) في «ف»: بوجوبها.

5) الوسائل 6: 226 الباب 4 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

6) الوسائل 6: 223 الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5 و غيره.

7) الوسائل 6: 220 الباب الأول من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2. و لفظه: الفطرة واجبة على كل من يعول.

أي جزء من الشهر مع الشرائط لا بد أن يكون سببا و إن فقدت الشرائط بعده.

و الحاصل: إنّ استدلال العلماء على اعتبار اجتماع الشرائط [عند هلال شوال إنّما هو بالروايتين؛ لأنّ (1)الروايتين تدلّان على سببية إدراك الشهر، و دلّ دليل آخر على اعتبار اجتماع الشرائط] (2)في آخره هذا، نعم لو ثبت كفاية اجتماع الشروط في جزء من الشهر كما يستفاد من كلام الفاضل في المختلف، حيث استدلّ على جواز التقديم بأنه أنفع للفقير لأنّه ربما افتقر الدافع، أو مات قبل الوقت فيحرم الفقير (3)، أمكن ما ذكر (4).

و ثانيا: إنّ الروايتين لو تمّت دلالتهما على الوجه المذكور دلّتا على أنّ وقت الفطرة المضروب لها بأصل الشرع هو هلال رمضان فلا يكون تعجيلا، نظير زكاة المالية المعجّلة، و تقديم غسل الجمعة يوم الخميس، و صلاة الليل على الانتصاف، و الظاهر عدم الخلاف بين مجوّزي التعجيل في ذلك.

نعم ربّما يوهم عبارة المختلف أنّ أوّل الشهر وقته الأصلي، حيث قال في ردّ استدلال المانعين- انها عبادة موقتة فلا يجوز قبل وقتها إلّا قرضا-: إنّا نقول بموجبه، و نقول: إنّ وقتها شهر رمضان؛ لما تلوناه من رواية الفضلاء (5). (انتهى).

لكن مراده من الوقت هنا، مطلق الزمان المضروب لمشروعية الفعل، و لو من باب الرخصة في التعجيل، و يشهد له أن الوقت في كلام المانع هو ما يعمّ هذا؛ و لذا ادّعى أنّ التقديم منحصر في القرض (6)، و يشهد له أيضا ردّ دليلهم الآخر- و هو:

انّه لو جاز في شهر رمضان لجاز التقديم-: بأنّ السبب فيه الصوم و الفطر، فيجوز


1) في «م»: لا ان.

2) ما بين المعقوفتين ليس في «ف».

3) المختلف: 200.

4) في «ف»: ما ذكرنا.

5) المختلف: 200.

6) كالمحقق قدّس سرّه في الشرائع 1: 175، و انظر المدارك 5: 345.

فعلها عند أحد السببين كما جاز فعل الزكاة عند حصول النصاب و إن لم يحصل الحول.

و الحاصل: انّه لا إشكال في أنّ مرادهم من التقديم هو التعجيل لا التوقيت، كما ينادي بذلك عنوان المسألة بعبارة التقديم، و ذكرهم ايّاها بعد ذكر الخلاف في وقت الوجوب، و حصرهم الخلاف بين القول بوجوبه بدخول شوال، و بين القول بوجوبها بطلوع الفجر، فظهر ممّا ذكرنا عدم قابليّة دلالة الروايتين على سببية مطلق الإدراك.

ثمّ إنّ وقوع التعجيل فطرة مشروط ببقاء الدافع على صفة وجوب الفطرة عليه خلافا لظاهر عبارة المختلف المتقدّمة (1)، و وجهه: انّ فقد بعض الشرائط يكشف عن عدم وجوب الفطرة، فلا يكون المأتي به (2)فطرة معجّلة، نعم لا يشترط بقاء الآخذ على صفة الاستحقاق؛ لأنّها كانت فطرة حين الإعطاء و المفروض استحقاق الآخذ لها، و إنّما قلنا باعتبار بقاء الآخذ على صفة الاستحقاق في زكاة الماليّة المعجّلة للنصّ المتقدّم في تلك المسألة فيقتصر على مورده.


1) في الصفحة السابقة.

2) في «ف» بدل «المأتي به»: «المال».

مسألة (1)[10] و أما آخر وقت الإخراج فنسب إلى الأكثر (2)انّه يحرم تأخيرها عن صلاة العيد، بل عن المنتهى (3)و التذكرة (4)نسبته إلى علمائنا؛ و قيل: يمتدّ إلى الزوال؛ و هو محكيّ عن الإسكافي (5)، و قوّاه الفاضل في المختلف (6)و الشهيد في البيان (7)و الدروس (8)، و هو ظاهر المحقّق في الشرائع (9)، و المحقّق الثاني في حاشيته (10)و في حاشية الإرشاد (11)، و عن المنتهى: امتداده إلى آخر النهار، مع أنّه في المنتهى نسب


1) ليس في «ف»: مسألة.

2) انظر المدارك 5: 347 و الحدائق 12: 301.

3) المنتهى 1: 541.

4) التذكرة 1: 250.

5) نقله عنه العلّامة في المختلف: 200.

6) المختلف: 200.

7) البيان: 210.

8) الدروس 1: 250.

9) الشرائع 1: 175.

10) حاشية الشرائع، (مخطوط): 51.

11) لم نقف عليه.

تحريم التأخير عن الصلاة إلى علمائنا أجمع (1). و قال في المختلف: لو أخّرها عن الزوال لغير عذر أثم بالإجماع (2)، و مال إليه في المدارك (3).

دليل الأولين: أخبار كثيرة ظاهرها ذلك، منها: ما تقدم من صحيحة العيص (4)، و رواية إبراهيم بن ميمون (5)، و ذيل رواية العيص إنما تدل على جواز التأخير مع العزل.

و منها: الصحيح المروي في الفقيه عن إسحاق بن عمار: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الفطرة؟ فقال: إذا عزلتها فلا يضرك متى أعطيتها قبل الصلاة أو بعدها» (6).

و رواية العياشي، عن سالم بن مكرم، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال:

أعط، الفطرة قبل الصلاة، و إن لم يعطها حتى ينصرف من صلاته فلا تعدّ له فطرة» (7). و نحوها المرويّ في الإقبال (8)و رواية المروزي: «إن لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة» (9).

و لا يعارضها مثل رواية عبد اللّٰه بن سنان: «إعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل و بعدها صدقة» (10)، لاحتمال رجوع الأفضلية إلى تقديمها على ما قبل الصلاة، إذ المتبادر من القبل: الزمان القريب، سيّما بقرينة حكمه عليه السلام بخروجها عن الفطرة بعد الصلاة.


1) المنتهى 1: 541.

2) المختلف: 200.

3) المدارك 5: 349.

4) الوسائل 6: 246 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5 و تقدمت في الصفحة 426.

5) الوسائل 6: 246 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 و تقدمت في الصفحة 427.

6) الفقيه 2: 181، الحديث 2080، الوسائل 6: 248، باب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4.

7) الوسائل 6: 247 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 8.

8) الإقبال: 283، و الوسائل 6: 247 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 7.

9) الوسائل 6: 247 الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث الأول.

10) الوسائل 6: 245 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث الأول.

و أمّا صحيحة الفضلاء السابقة (1)الحاكمة بأفضلية إعطائها قبل الصلاة يوم الفطر، فهي أيضا في مقابل التقديم على يوم الفطر بقرينة قوله عليه السلام: «و هو في سعة .. إلخ».

و أما ذيل رواية العيص فقد تقدم (2)انّها ظاهرة مع العزل. نعم روي عن كتاب الإقبال أنّه «إن أخرجها قبل الظهر فهي فطرة، و إن أخرجها بعد الظهر فهي صدقة لا تجزيك. قلت: فأصلي الفجر فاعزلها فأمكث يوما أو بعض يوم ثم أتصدّق بها؟ قال: لا بأس هي فطرة إذا أخرجتها قبل الصلاة» (3)، و لا يبعد كون لفظ «الظهر» سهوا من الراوي وفاقا للحدائق (4)كما يفصح استفاضة الروايات حتّى نفس هذه بتحديد الفطرة و الصدقة بالصلاة. و لا يمكن حملها على الظهر إلّا إذا أريد وقتها، و هو غير صحيح في كثير منها بعد صحّته في نفسه.

و أمّا استضعاف هذا القول بأنّه قد لا يصلّي العيد فيجب إمّا سقوط الفطرة أو تحديدها في هذا الفرض بغيره فيثبت ذلك التحديد في غيره؛ لعدم القول بالفرق، فهو حسن لو سلم عدم القول بالفصل، و هو ممنوع، إذ لا يعقل تعميم هذا التحديد لصورة ترك الصلاة. فالظاهر انّهم يقولون في صورة الترك بكون التحديد بالزمان القابل (5)لفعل (6)المكلّف إيّاه، فإن تركها المكلّف لعذر أولا له، مع صلاة جامعا للشرائط بحيث فاته الصلاة بعد فعل الإمام كما في الإمام عليه السلام أو نائبه الخاصّ أو العامّ أو مطلق الإمام لو قلنا بوجوبه (7)معهم عينا


1) المتقدمة في الصفحة 430.

2) في الصفحة السابقة.

3) الإقبال: 274، و الوسائل 6: 230 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 16 مع اختلاف في الألفاظ.

4) الحدائق 12: 304.

5) في «ع»: المقابل.

6) في «ف»: لفقد.

7) في «ع»: به لوجوبه.

فيقضي عند فوت الصلاة، و إن ترك بالمرّة فالعبرة بالزوال أو بما قبله بمقدار الصلاة؛ لأنّ كلّ جزء قابل لأن تقع فيه الصلاة.

نعم قد يشكل فيما لو قلنا باستحباب الصلاة أو بوجوبها، فترك الفطرة و اشتغل بالصلاة، فإنّه يجب حينئذ تقديم الفطرة و تأخير الصلاة فيفسد صلاته، و لا يتوهّم انّ فساد صلاته مستلزم لعدم فوت وقت الفطر فلا يحرم، فلا يفسد، نظير ما ذكروه في السفر الموجب لفوت الجمعة إذ عدم الفوت الناشئ من فساد الصلاة الحاصل من التحريم لا يوجب عدم التحريم، كما أنّ عدم تفويت السفر للجمعة من حيث كونه معصية لا يوجب رفع التحريم و المعصية.

و ربما يؤيّد القول الثاني بما رواه الشيخ في التهذيب (1)مرسلا من انه إن ولد قبل الزوال يخرج عنه الفطرة، و كذلك من أسلم قبل الزوال فإنه لو خرج وقت الفطرة بالصلاة و لو كان قبل الزوال لم يكن وجه لاستحباب الفطرة؛ لأنّ المفروض- على ما دلّ عليه الأخبار المتقدّمة و كلام الأكثر- كون ما يعطى بعد الصلاة صدقة لا فطرة، فاستحباب الفطرة قبل الزوال و لو بعد الصلاة كاشف عن بقاء عنوان الفطرة بعد الصلاة، بل عن عدم خروج وقتها، إذ لا معنى لاستحباب القضاء عمّن لم يولد حين الأداء، بل لا معنى له في من أسلم بعد الصلاة مع جبّ الإسلام لما كان عليه حال الكفر.

لكنّ الإنصاف أن التأييد بهذا الحكم لا يخلو عن اشكال بل نظر، لاحتمال كونه تعبّدا صرفا، و لذا حكم به جماعة ممن نسب إليهم القول الأوّل كالصدوقين في الرسالة (2)و المقنع (3)و الهداية (4)، و الشيخ في المبسوط (5)و الخلاف (6)


1) التهذيب 4: 72، الحديث 198 و الوسائل 6: 245 الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

2) حكاه عنها العلامة في المختلف: 199.

3) المقنع (الجوامع الفقهية): 18.

4) الهداية (الجوامع الفقهية): 56.

5) المبسوط 1: 241.

6) الخلاف 2: 140 كتاب زكاة الفطرة، ذيل المسألة 173.

و النهاية (1)، و المحقّق في المعتبر (2). نعم في الشرائع قيّد الاستحباب بما لم يصلّ العيد (3)، و نحوه العلّامة في القواعد (4)و الإرشاد (5).

و مثل الفتاوى- من حيث الاختلاف هنا- الأخبار، ففي رواية الفقيه عن محمد بن مسلم: «تصدّق عمن تعول من حر أو عبد، صغير أو كبير، من أدرك منهم الصلاة» (6). و في مرسلة التهذيب المنقولة بالمعنى ان من ولد له قبل الزوال استحب أن يخرج عنه الفطرة، و ان ولد بعده فلا، و كذلك من أسلم قبل الزوال أو بعده (7). لكن الظاهر انّه لا منافاة بين الحكمين، و يكون الأوّل آكد في الاستحباب من الثاني.

و كيف كان فالإنصاف انّ الحكم المذكور في المرسلة يدلّ بظاهره على امتداد الوقت إلى الزوال، حيث انّ ظاهر الحكم استحباب تشريك المولود قبل الزوال مع غيره و إلحاقه به في إعطاء (8)الفطرة عنه.

و يؤيدها في الدلالة ما تقدم من صحيحة ابن سنان من أنّ إعطاءها قبل الصلاة و بعدها صدقة (9). فإنّ الظاهر أن المراد بما قبل الصلاة المقابل لما بعدها


1) النهاية: 191.

2) المعتبر 2: 604.

3) الشرائع 1: 172.

4) القواعد 1: 60.

5) الإرشاد 1: 291.

6) الفقيه 2: 182، الحديث 2081، و الوسائل 6: 228 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 6.

7) التهذيب 4: 73، الحديث 198، و الوسائل 6: 245 الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 و فيه: إن ولد له قبل الزوال يخرج عنه الفطرة و كذلك من أسلم قبل الزوال.

8) في «ف»: و إعطاء.

9) الوسائل 6: 245 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث الأول.

المحكوم بكون الفطرة فيه صدقة، فيكون دالا على الإجزاء فيما بعد الصلاة، إلّا انّها تنقص ثواب الفطرة، بل تنعدم و تصير صدقة، و ليس المراد قريب الصلاة حتى يكون مقابلا لما قبل الصلاة بكثير.

و يؤيدها أيضا الرواية المتقدّمة (1)عن كتاب الإقبال، و الرواية التي أرسلها السيد المرتضى حيث قال: و روي انّه في سعة من أن يخرجها إلى زوال الشمس (2).

و يؤيّدها لفظة «ينبغي» في الرواية الأخرى المحكيّة عن كتاب الإقبال:

«ينبغي أن يؤدّي الفطرة قبل أن يخرج الناس إلى الجبّانة، فإن أدّاها بعد ما يرجع فإنّما هي صدقة و ليست فطرة» (3).

و يؤيدها أيضا ما روي من أمر أمير المؤمنين عليه السلام بأداء الفطرة في خطبة العيد المتأخّرة عن الصلاة و بيان بعض أحكامه بقوله عليه السلام: «فليؤدّها كلّ امرئ منكم عن عياله كلّهم ذكرهم و أنثاهم، صغيرهم و كبيرهم، حرّهم و مملوكهم، عن كلّ إنسان منهم صاعا من تمر أو صاعا من بر أو صاعا من شعير ..

الى آخره» (4).

و يؤيّد الكلّ أنّ من المستبعد إناطة وقت الفطرة الواجبة على كلّ أحد بفعل الصلاة التي لا تقع عن كثير من الناس، إمّا تعمّدا؛ لعدم وجوبها على المشهور، أو للعذر، مع اختلاف زمانها ممّن تقع منه.

و أمّا دليل ما اختاره العلّامة (5)و مال إليه في المدارك (6)و الذخيرة (7)فهو


1) في الصفحة 440.

2) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 80.

3) الإقبال: 283، و الوسائل 6: 247 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 7.

4) الوسائل 6: 228 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 7.

5) المنتهى 1: 541.

6) المدارك 5: 349.

7) الذخيرة: 476.

ذيل صحيحة العيص المتقدمة (1)، و قد عرفت أن الظاهر حملها على صورة العزل كما ذكره غير واحد (2)و إن كان الإنصاف كونه مخالفا للإطلاق، بل لظاهر الرواية، حيث انّ السؤال في أوّل الرواية عن وقت الإخراج، و سؤال الذيل متفرّع (3)على ذلك كما لا يخفى على المتأمّل، و قد عرفت دعوى العلامة في المختلف الإجماع على حرمة تأخيرها عن الزوال (4).


1) في الصفحة 428.

2) منهم صاحب الحدائق (12: 303) و صاحب الجواهر (15: 534).

3) في «ف»: يتفرع.

4) المختلف: 200.

مسألة [11]

الظاهر جواز عزل الفطرة في وقت أدائها، و في الحدائق: أنه لا خلاف بين الأصحاب في انه متى عزلها و قصد بها الفطرة و عيّنها في مال مخصوص قبل الصلاة فإنه يجوز إخراجها بعد ذلك، و ان خرج وقتها (1).

و المستند في أصل مشروعية العزل: الأخبار المستفيضة، و قد تقدّم بعضها كرواية المروزي (2)، و رواية إسحاق بن عمّار (3)، و ذيل الرواية المحكية عن كتاب الإقبال (4).

و المراد بالعزل على ما ذكره جماعة (5): تعيينها في مال خاص بقصد التقرّب، فتصير أمانة شرعيّة في يد المالك لا يوقّت أدائها بوقت، و مقتضى قاعدة الأمانات الشرعيّة انّه يجب أداؤها فورا مع الإمكان و إن لم يخرج وقت الفطرة؛ لأنّ الوقت


1) الحدائق 12: 307 مع اختلاف يسير.

2) الوسائل 6: 247 الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث الأول، و تقدمت في الصفحة 437.

3) الفقيه 2: 181، الحديث 2080، و الوسائل 6: 248 الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4، و تقدمت في الصفحة 437.

4) الإقبال: 274 و الوسائل 6: 230 الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 16، و تقدمت في الصفحة 438.

5) منهم الشهيد في المسالك 1: 51.

وقت امتثال الفطرة لا وقت أداء الأمانة، إلّا أنّ ظاهر ما تقدم من عبارة الحدائق هو عكس ذلك، و أنّ فائدة العزل جواز التأخير و لو خرج الوقت.

و يدل على ذلك ما تقدّم من قوله عليه السلام في رواية إسحاق بن عمّار المتقدّمة (1): «إذا عزلتها فلا يضرّك متى أعطيتها»، و نحوها ذيل رواية الإقبال المتقدمة، (2)و ذيل صحيحة العيص (3)، بناء على حملها على صورة العزل. و على ذلك تحمل أيضا رواية الحارث (4)، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «لا بأس أن تؤخر الفطرة إلى هلال ذي العقدة» (5)فإنّ التحديد بهلال ذي القعدة يأبى عن الحمل على صورة عدم المستحق.


1) في الصفحة 437.

2) في الصفحة 438.

3) الوسائل 6: 246 الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5، و تقدمت في الصفحة 426.

4) في النسخ الحريث.

5) الوسائل 6: 248 الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

مسألة [12]

لو لم يعزلها و لم يؤدّها حتّى خرج وقتها و هو الزوال أو فعل صلاة العيد، أو نهار يوم العيد، فهل يجب إعطاؤها أم لا؟ و على الأول، فهل هو أداء أو قضاء؟

أقوال، أقواها: وجوب الإعطاء قضاء.

أما وجوب الإعطاء فلعمومات وجوبها، و انّ بتركها يخاف الفوت (1)، و انّها من تمام الصوم (2)، و بصحيحة زرارة، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: في رجل أخرج فطرته فعزلها حتّى يجد لها أهلا؟ فقال: «إذا أخرجها من ضمانه فقد بري‌ء، و إلّا فهو ضامن لها حتّى يؤدّيها إلى أربابها» (3).

و الجواب: أمّا عن العمومات فبتقييدها بأدلّة التوقيت، و دعوى أنّ أداءها في الوقت المذكور تكليف مستقلّ، يدفعه الإجماع على اتحاد التكليف؛ إذ ليس في أدائها في الوقت امتثالان: أحدهما المطلق (4)، و الآخر المقيّد (5). و التزام تعدّد


1) في «م»: الموت و في الهامش في نسخة «القوت».

2) الوسائل 6: 221، الباب الأول من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.

3) الوسائل 6: 248 الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

4) في «ع»: للمطلق.

5) في «ع»: للمقيّد.

العقاب في تركها في الوقت و خارجه عند هذا القائل إنما هو لأجل التكاليف المترتبة، كما في ردّ السلام و أداء الدين و الوديعة، لا لأجل مخالفة تكليفين متوجهين إليه دفعة: أحدهما مطلق، و الآخر مقيد، على ما يقتضيه التمسك بالعمومات بعد خروج الوقت.

هذا كلّه مضافا إلى أنّ ظاهر أدلّة توقيتها انّ المراد بالفطرة سؤالا و جوابا هي التي وجبت (1)في الأخبار المطلقة، فكأنها بيان لوقت ذلك الواجب الذي لم يتعرّض الشارع في الأخبار المطلقة لأزيد من أصل وجوبها، كما لم يقصد في أدلة التوقيت إلّا بيان وقتها بعد الفراغ عن وجوبها.

و أمّا عن الصحيحة، فباحتمال- بل ظهور- إرجاع الضمير في «أخرجها من ضمانه» إلى الفطرة المعزولة، و معنى إخراجها عن ضمانه: إخراجها إلى المستحق بحيث يخرج عن عهدة إيصالها، فقوله: «و إلا فهو ضامن .. إلخ» يعني أنه في عهدة الأداء و الإيصال، و كون الفقرة الاولى عبارة عن العزل، و الثانية لحكم صورة عدم العزل، لا يجدي في إثبات بقاء التكليف بعد خروج الوقت؛ لاحتمال أو ظهور أنّ المراد أنّ مع العزل ضامن لها حتّى يؤدّيها في وقتها المضروب.

فحاصل الجواب: ان مع العزل يخرج عن الضمان و مع عدمه فهي في عهدته.

لكن الإنصاف صحّة التمسك بالعمومات، حيث انّها تدلّ على استقرار الفطرة في ذمّة المكلّف عند دخول وقتها، فحرمة تأخيرها عن وقتها المضروب لا يدلّ على السقوط، كما في كثير من الواجبات، و لا يوجب ذلك تعدد التكليف بالمطلق و المقيّد دفعة حتّى يحصل امتثالان بإتيان المقيّد، نظرا إلى أنّ المطلق مسوق لبيان أصل مطلوبية الفعل دائما ما لم يحصل في الخارج، لا لبيان مطلوبيته


1) في «ف»: وردت.

في زمان موسّع، بحيث يدلّ على تخيير المكلّف في إيقاع الفعل في أيّ جزء منه، حتّى يكون مغايرا للتكليف بوجوب إيقاعه معينا في مقدار خاصّ من الزمان حتّى يحصل تكليفان دفعة، و إنّما يوجب ذلك تعدّد التكليف تدريجا، بمعنى بقاء الأمر بالطبيعة بعد فوات الخصوصيّة من المكلّف كما في ردّ السلام و نحوه.

و يمكن أن يقال أيضا: بأنّ المستفاد من العمومات هو الوجوب الشبيه بالحكم الوضعي، و هو اشتغال ذمّة المكلّف بهذا المقدار للفقراء، و توقيت الشارع له بمنزلة تأجيل الدين لا يسقط عن الذمة بخروج الأجل.

و الفرق بين هذا و سابقه: أنّ الباقي بعد خروج الوقت في الوجه السابق هو التكليف المطلق بأداء الفطرة، و في هذا الوجه هو الحكم الوضعي.

ورد في نهاية نسخة «ف»: إلى هنا وجدنا من كتابته قدّس اللّٰه روحه في الزكاة بعد الفحص و الجدّ و الاجتهاد و طلب التوفيق من اللّٰه لكتابة الخمس و الصوم، إنّه خير موفّق و معين و حافظ في الليل و اليوم، و أسأل الهّٰف التوفيق. و قد كتبه الحقير جامع الأوراق في بلدي الشوش، و تم في الغرة من ربيع الثاني عام الثاني و الثمانين بعد المائتين و الألف.

و في نهاية نسخة «ج» ورد: قد تم بحمد اللّٰه تعالى على يد العبد الأقل الجاني ابن المرحوم ميرزا سيد محمد رضا أحمد الطباطبائي الأردستاني 1289.

و في نهاية نسخة «ع» ورد: قد تم بحمد اللّٰه تعالى على يد العبد الأقل الجاني زين العابدين قمي المسكن في سنة 1302 ه.