ghaemiyeh.com
سرشناسه : انصاري، مرتضي بن محمدامين، ۱۲۱۴ - ۱۲۸۱ق.
عنوان و نام پديدآور : كتاب النكاح/ مرتضي الانصاري؛ اعداد لجنه تحقيق تراث الشيخ الاعظم؛ الموتمرالعالمي بمناسبه الذكري المئويه الثانيه لميلادالشيخ الانصاري، المكتبهالفقهيه.
مشخصات نشر : قم: مجمعالفكرالاسلامي، ۱۴۲۶ق.= ۱۳۸۴.
مشخصات ظاهري : ۶۲۸ ص.
فروست : تراث الشيخ الاعظم؛ ۲۰.
شابك : 964-5662-67-2
يادداشت : عربي.
يادداشت : ص. ع. لاتينيشده:Ansari, Murtada. Kitab Al -Nikah.
يادداشت : چاپ دوم.
يادداشت : كتابنامه: ص. [۵۷۷ ] - ۵۹۱؛ همچنين به صورت زيرنويس.
موضوع : زناشويي (فقه)
موضوع : فقه جعفري -- قرن ۱۳ق.
شناسه افزوده : مجمع الفكر الاسلامي
شناسه افزوده : كنگره جهاني بزرگداشت دويستمين سالگرد تولد شيخ انصاري ( ۱۳۷۴ : قم و دزفول). گروه پژوهش آثار شيخ اعظم
شناسه افزوده : كنگره جهاني بزرگداشت دويستمين سالگرد تولد شيخ انصاري ( ۱۳۷۴ : قم و دزفول)
رده بندي كنگره : BP۱۸۹/۱/الف۸ك۲ ۱۳۸۴
رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۶
شماره كتابشناسي ملي : ۲۹۵۱۶۸۹
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و آله الطيبين الطاهرين.
لم تكن الثورة الإسلاميّة بقيادة الإمام الخميني رضوان اللّٰه عليه حدثا سياسيّا تتحدّد آثاره التغييريّة بحدود الأوضاع السياسيّة إقليميّة أو عالميّة، بل كانت و بفعل التغييرات الجذريّة التي أعقبتها في القيم و البنى الحضاريّة التي شيّد عليها صرح الحياة الإنسانيّة في عصرها الجديد حدثا حضاريّا إنسانيّا شاملا حمل إلى الإنسان المعاصر رسالة الحياة الحرّة الكريمة التي بشّر بها الأنبياء عليهم الصلاة و السلام على مدى التاريخ و فتح أمام تطلّعات الإنسان الحاضر أفقا باسما بالنور و الحياة، و الخير و العطاء.
و كان من أولي نتائج هذا التحوّل الحضاري الثورة الثقافيّة الشاملة التي شهدها مهد الثورة الإسلاميّة إيران و التي دفعت بالمسلم الإيراني إلى اقتحام ميادين الثقافة و العلوم بشتّى فروعها، و جعلت من إيران، و من قم المقدّسة بوجه خاصّ عاصمة للفكر الإسلامي و قلبا نابضا بثقافة القرآن و علوم الإسلام.
و لقد كانت تعاليم الإمام الراحل رضوان اللّٰه تعالى عليه و وصاياه و كذا توجيهات قائد الثورة الإسلاميّة و وليّ أمر المسلمين آية اللّٰه الخامنئي المصدر الأوّل الذي تستلهم الثورة الثقافيّة منه دستورها و منهجها، و لقد كانت الثقافة الإسلاميّة بالذات على رأس اهتمامات الإمام الراحل رضوان اللّٰه عليه و قد أولاها سماحة آية اللّٰه الخامنئي حفظه اللّٰه تعالى رعايته الخاصّة، فكان من نتائج ذاك التوجيه و هذه الرّعاية ظهور آفاق جديدة من التطوّر في مناهج الدراسات الإسلاميّة بل و مضامينها، و انبثاق مشاريع و طروح تغييريّة تتّجه إلى تنمية و تطوير العلوم الإسلاميّة و مناهجها بما يناسب مرحلة الثورة الإسلاميّة و حاجات الإنسان الحاضر و تطلّعاته.
و بما أنّ العلوم الإسلاميّة حصيلة الجهود التي بذلها عباقرة الفكر الإسلاميّ في مجال فهم القرآن الكريم و السنّة الشريفة فقد كان من أهمّ ما تتطلّبه عمليّة التطوير العلمي في الدراسات الإسلاميّة تسليط الأضواء على حصائل آراء العباقرة و النوابغ الأوّلين الذين تصدّروا حركة البناء العلمي لصرح الثقافة الإسلاميّة، و القيام بمحاولة جادّة و جديدة لعرض آرائهم و أفكارهم على طاولة البحث العلمي و النقد الموضوعي، و دعوة أصحاب الرأي و الفكر المعاصرين إلى دراسة جديدة و شاملة لتراث السلف الصالح من بناة الصرح الشامخ للعلوم و الدراسات الإسلاميّة و روّاد الفكر الإسلاميّ و عباقرته.
و بما أنّ الإمام المجدّد الشيخ الأعظم الأنصاري قدّس اللّٰه نفسه يعتبر الرائد الأوّل للتجديد العلمي في العصر الأخير في مجالي الفقه و الأصول- و هما من أهمّ فروع الدراسات الإسلاميّة- فقد اضطلعت الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري- بتوجيه من سماحة قائد الثورة الإسلاميّة
آية اللّٰه الخامنئي و رعايته- بمشروع إحياء الذكرى المائويّة الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري قدّس سرّه و ليتمّ من خلال هذا المشروع عرض مدرسة الشيخ الأنصاري الفكريّة في شتّى أبعادها و على الخصوص إبداعات هذه المدرسة و إنتاجاتها المتميّزة التي جعلت منها المدرسة الأمّ لما تلتها من مدارس فكريّة كمدرسة الميرزا الشيرازي و الآخوند الخراساني و المحقّق النائيني و المحقّق العراقي و المحقّق الأصفهاني و غيرهم من زعماء المدارس الفكريّة الحديثة على صعيد الفقه الإسلامي و أصوله.
و تمهيدا لهذا المشروع فقد ارتأت الأمانة العامّة أن تقوم لجنة مختصّة من فضلاء الحوزة العلميّة بقم المقدّسة بمهمّة إحياء تراث الشيخ الأنصاري و تحقيق تركته العلميّة و إخراجها بالاسلوب العلمي اللّائق و عرضها لروّاد الفكر الإسلاميّ و المكتبة الإسلاميّة بالطريقة التي تسهّل للباحثين الاطّلاع على فكر الشيخ الأنصاري و نتاجه العلمي العظيم.
و الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأنصاري إذ تشكر اللّٰه سبحانه و تعالى على هذا التوفيق تبتهل إليه في أن يديم ظلّ قائد الثورة الإسلاميّة و يحفظه للإسلام ناصرا و للمسلمين رائدا و قائدا و أن يتقبّل من العاملين في لجنة التحقيق جهدهم العظيم في سبيل إحياء تراث الشيخ الأعظم الأنصاري و أن يمنّ عليهم بأضعاف من الأجر و الثواب.
أمين عام مؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري محسن العراقي
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و اللعنة على أعداء الدين.
أمّا بعد:
بين أيدينا كتاب النكاح، للشيخ الأعظم الأنصاري قدّس سرّه، و الكتاب يحتوي على رسائل ثلاث:
الاولى- في النكاح:
و هي تتضمّن البحث حول المقصدين الأوّل و الثاني من كتاب إرشاد الأذهان للعلّامة الحلّي قدّس سرّه، الأوّل منه يبحث حول أقسام النكاح: الدائم و المتعة و نكاح الإماء، و الثاني يبحث حول الصداق.
الثانية- الرضاع:
و هذه الرسالة لم تكن شرحا للإرشاد، بل هي رسالة مستقلّة، و لكنّا جعلناها بعد رسالة النكاح لتشغل قسما من المطلب الأوّل من المقصد الثالث، الذي يتضمّن البحث حول المحرّمات بالنسب و الرضاع.
الثالثة- المصاهرة:
اشتهرت هذه الرسالة برسالة المصاهرة في حين أنّها شرح للمواضيع التالية:
1- المطلب الثاني من المقصد الثالث، و هو يتضمّن البحث حول باقي أسباب التحريم، و هي: المصاهرة، و الكفر، و العقد و الوطء.
و لكن لم يكن بحثه حول الكفر و العقد و الوطء تامّا.
2- المقصد الرابع، و هو موجب الخيار الشامل للعيب و التدليس.
3- مسألة مستقلّة تتعلّق بالقسمة.
هذا و لم يبحث حول المقصد الخامس و هو لواحق النكاح، الذي يتضمّن أبحاث: القسمة، و النفقة، و أحكام الأولاد.
و بهذا تمكنّا أن نعرض هذه الرسائل الثلاث بشكل كتاب يشتمل على أغلب مباحث النكاح طبقا لإرشاد الأذهان، و المباحث التي بقيت من دون تعرّض لها هي:
المحرّمات بالنسب، و تتمّة في الباب الثالث- في أسباب التحريم- و المقصد الخامس في اللواحق، و هي القسمة و النفقة و أحكام الأولاد.
و هنا نرى من اللازم أن نشير إلى أمور:
الأوّل- أنّ الرسالة الثانية- كما أشرنا- اشتهرت باسم رسالة المصاهرة في حين أنّ موضوع المصاهرة جزء من الرسالة، لأنّها تتضمّن مواضيع أخرى كما تقدّم.
الثاني- لم يتّضح لدينا هل أنّ الشيخ قدّس سرّه شرح جميع كتاب النكاح من الإرشاد لكنّه ضاع بعضه كما ربما يظهر ممّا هو موجود من النسخة
الأصلية حيث يشاهد فيها انقطاع فجائي في الأثناء؟ كما في نهاية الباب الثالث من المقصد الثالث، حيث يبحث فيه حول العقد و الوطء، و هما من أسباب التحريم.
و بعد إتمامه يترك البحث حول بعض الفروعات المذكورة تحت عنوان «تتمّة» و يشرح بعضها الآخر، فهنا نلمس بوضوح ضياع بعض الأوراق، أو أنّه كان متقصّدا في ذلك؟
الثالث- أنّ الشيخ قدّس سرّه قد كتب حول الرضاع حوالي ورقة واحدة- بخطّه- ثمّ أعرض عنه و كتب من جديد، و نحن أوردناهما معا رعاية للأمانة.
اعتمدنا في تحقيق الكتاب- الرسائل الثلاث- على النسخ التالية:
أوّلا- النسخة الأصلية- مخطوطة الشيخ قدّس سرّه-:
كان أكثر اعتمادنا على النسخة الأصلية التي توجد في مكتبة الإمام الرضا عليه السلام ضمن مجموعة تحتوي على الوصايا و القضاء و غيرهما برقم (11127)، حيث تبدأ رسالة النكاح من الورقة (36) حتى (83)، و الرضاع من (84) حتى (103)، و المصاهرة من (103) حتى (119).
و نحن بدورنا نشكر إدارة المكتبة لما بذلته من مساع حميدة في تحضير مصوّرات النسخ الخطّية و منها هذه النسخة.
و قد رمزنا لهذه النسخة برمز «ق».
و كانت لرسالة الرضاع نسخة خطّية أخرى في مكتبة الإمام
الرضا عليه السلام و لكن لم نعتمد عليها.
ثانيا- نسخة من المكاسب:
و النسخة الثانية التي اعتمدنا عليها هي نسخة من المكاسب مطبوعة عام (1305) و هي تتضمّن سوى المكاسب رسائل اخرى للشيخ الأنصاري قدّس سرّه، منها هذه الرسائل الثلاث.
و قد رمزنا لهذه النسخة برمز «ع».
ثالثا- نسخة ثانية من المكاسب:
و هي المطبوعة عام (1325) في أصفهان منضمّة معها الرسائل المتقدّمة.
و رمزنا لهذه النسخة برمز «ص».
رابعا- نسخة ثالثة من المكاسب:
و هي المطبوعة عام (1375) في تبريز مع شرح الشهيدي و قد استفيد منها في رسالتي الرضاع و المصاهرة حيث طبعتا ملحقتين بها.
و رمزنا لها برمز «ش».
و في الختام نشكر جميع الإخوة الذين بذلوا جهودا متواصلة في إحياء هذا الأثر القيّم، و نخصّ منهم بالذكر، أصحاب السماحة حجج الإسلام و المسلمين:
الشيخ محمّد الحسّون الذي اشترك في تحقيق رسالتي النكاح و الرضاع، و الشيخ رحمة اللّٰه الرحمتي الذي حقّق رسالة المصاهرة و اشترك في تحقيق
رسالة الرضاع و قام بمراجعتها، و السيّد علي الموسوي الذي اشترك في تحقيق رسالة النكاح و قام بمراجعتها، و السيّد منذر الحكيم الذي قام بتنظيم العناوين الجانبيّة للكتاب، و السيّد محمّد جواد الجلالي الذي قام بملاحظة الصيغة النهائية للكتاب، و السيّد هادي العظيمي الذي قام بتنظيم الفهارس الفنّية للكتاب.
هذا و نسأل اللّٰه تعالى لنا و لكلّ المساهمين في إحياء فقه أهل البيت عليهم السلام التوفيق، إنّه قريب مجيب.
مسئول لجنة التحقيق محمّد علي الأنصاري
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
و قد اختلف في أنّه حقيقة في الوطء، أو العقد، أو فيهما، أو مجاز فيهما على أقوال. و الظاهر: أنّ المراد من العقد- هنا- هو الحاصل من العقد لا نفس الإيجاب و القبول، و هو الذي يعبّر [عنه- في الفارسية-] (1):
ب «زن گرفتن» و ب «شوهر گرفتن»، يشهد بذلك ما ذكر أهل اللغة له من الاستعمالات (2).
و الكلام فيه في مقاصد خمسة:
و هي- على ما في الروايات (1)- ثلاثة:
نكاح بميراث و هو الدائم، و نكاح بلا ميراث و هو المنقطع، و نكاح بملك يمين.
1) الوسائل 14: 57، الباب 35 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه.
و الكلام فيه في مطالب
اعلم أنّه يستحبّ النكاح استحبابا مؤكّدا خصوصا مع شدّة الطلب، و لا يختصّ بصورة الطلب، للعمومات، مثل قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم:
«تناكحوا تناسلوا» (1)، و قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «ما استفاد مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة، تسرّه إذا نظر إليها، و تطيعه إذا أمرها، و تحفظه إذا غاب عنها» (2)، و قوله عليه السلام: «الركعتان يصلّيهما متزوّج أفضل من رجل أعزب يقوم ليله و يصوم نهاره» (3).
و من الأخيرين يظهر أفضلية النكاح من التفرّغ للعبادة.
و لو خاف أن يفضي تركه إلى الوقوع في الزنى و شبهه، كالنظر و اللّمس و غيرهما وجب مقدّمة لترك الحرام.
و لا فرق بين العلم بإفضاء تركه إلى الحرام و بين الظنّ به، و في الشكّ تردّد، و في الوهم الظاهر العدم.
و أمّا آدابه المستحبّة فهي أمور:
منها: اختيار البكر الولود العفيفة الكريمة الأصل كلّ ذلك بحكم الأخبار (1)، و شهادة الاعتبار. قيل: المراد بكرم الأصل: أن لا يكون أصلها (2)عن زنى (3)، و الحق بالزنى الحيض و نحوه. و قيل فيه غير ذلك (4)، و المرجع في أغلب أفراده هو العرف.
و منها: صلاة ركعتين، و الدعاء بعدهما، و ذلك بعد إرادة التزويج، كما يستفاد من الرواية (5)، قيل (6): و قبل تعيين الزوجة، كما يستفاد من الدعاء (7).
و منها: الإشهاد على المشهور، خلافا للعماني (8)و جماعة
1) الوسائل 14: 33، الباب 16 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل، و 14: 14، الباب 6 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2، و 14: 29، الباب 3 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.
2) ليس في «ع»: أصلها.
3) المسالك 1: 344.
4) انظر الجواهر 29: 37.
5) الوسائل 14: 79، الباب 53 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
6) نهاية المرام 1: 40.
7) ورد نصّ الدعاء في الرواية المذكورة في الوسائل 14: 79، الباب 53 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
8) نقله عنه العلّامة في المختلف: 535.
من العامّة (1)فأوجبوه لمستند ضعيف لا يرفع به اليد عن الأصل.
و منها: الإعلان، و هو ضدّ الإسرار و أبلغ من الإشهاد، لأنّ الإشهاد لا ينافي الإسرار، و هو مستحبّ من غير خلاف يحكى هنا، و يدلّ عليه النبوي (2).
و الخطبة أمام العقد و الخطبة (3)، و أقلّها: حمد اللّٰه و الصلاة على محمد و آله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و أكملها: إضافة الشهادتين، و الوصيّة بتقوى اللّٰه، و الدعاء للزوجين.
و إيقاع العقد ليلا، للخبر عن الرضا عليه السلام (4).
و صلاة ركعتين عند الدخول، و الدعاء بالمأثور و أمر المرأة بذلك.
و وضع يده على ناصيتها و الدعاء بما في رواية أبي بصير (5).
و الدخول ليلا للخبر عن الصادق عليه السلام (6).
و التسمية عند الجماع لئلّا يشاركه الشيطان فيه.
و سؤال اللّٰه الولد الذكر السويّ.
1) انظر المغني 6: 450، و ليس في «ع» و «ص»: من العامّة.
2) مستدرك الوسائل 14: 213، الباب 34 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2، و فيه: «و لا نكاح في السرّ».
3) ليس في «ع» و «ص»: و الخطبة.
4) الوسائل 14: 62، الباب 37 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
5) الوسائل 14: 81، الباب 55 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
6) الوسائل 14: 62، الباب 37 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
و الوليمة عند الزفاف و هو: إهداء العروس إلى زوجها، و ظاهر هذه العبارة ليلة الزفاف، لكن في الخبر: «زفّوا عرائسكم ليلا و أطعموا ضحى» (1)و لا يبعد أن يراد به ضحى تلك الليلة، فتكون الوليمة بعد الدخول.
و ما يستفاد من بعض الروايات (2)من الإطعام بعد العقد و قبل الدخول، فلعلّه على غير جهة الوليمة الموظّفة.
و كيف [كان] (3)، فقد حدّت (4)وقتها في الأخبار بيوم أو يومين (5).
و اعلم أنّه يجوز أكل ما ينثر في الأعراس كما يجوز [أصل النثار و نحوه ممّا هو مقصود] (6)للعقلاء في هذه المقامات، فيخرج بذلك عن الإسراف و إضاعة المال، لكن [ينبغي] (7)جواز الأكل مع العلم برضى المالك بالأكل، و المراد ما يعمّ الظنّ الذي يطمئنّ إليه (8)العقلاء في أمثال المقام من دلالة الألفاظ و غيرها (9)سواء حصل بشاهد الحال أو بالإباحة القوليّة.
1) و هو الخبر المشار إليه في الصفحة المتقدّمة، الهامش 4.
2) الوسائل 14: 64، الباب 40 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
3) من «ع» و «ص»، و ليس في «ق».
4) كذا في «ق»، و الأنسب: حدّ.
5) الوسائل 14: 64، الباب 40 من أبواب مقدّمات النكاح.
6) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص»، و محلّه منخرم في «ق».
7) من «ع» و «ص»، و محله منخرم في «ق».
8) في «ع» و «ص»: به.
9) ليس في «ع» و «ص»: من دلالة الألفاظ و غيرها.
و حيث جاز (1)الأكل لا يجوز الأخذ إلّا مع العلم كذلك، و حيث جاز فهل يملك المأخوذ بالأخذ، أم لا؟ قولان:
نسب إلى المشهور الأوّل (2)، لأنّه مال أعرض عنه صاحبه فيجوز تملّكه، كسائر ما يعرض عنه و يلحق بالمباحات الأصليّة، و لأنّ مالكه مسلّط على ملكه فله إباحة تملّكه لغيره، و قد صدر منه ذلك بحكم ما يستفاد من النثار عرفا و عادة، فيجوز للآخذ تملّكه بالأخذ، و يكشف عن ذلك السيرة الجارية بين الناس في معاملتهم للمأخوذ معاملة الأملاك، و تعاطيهم إيّاه على هذا الوجه.
و يمكن الجواب، أمّا عن الإعراض فبأنّ الإعراض- الملحق للمعرض [عنه] (3)بالمباحات- هو ما قصد الإعراض عنه أوّلا و بالذات من غير تعلّق القصد أوّلا بأخذ الغير له، لا ما كان المقصود منه بالذات تصرّف الغير فيه و أخذ الغير له و استلزمه (4)الإعراض عنه (5)، و إلّا فهذا الإعراض ثابت في جميع الإباحات حتّى في المعاطاة، مع أنّ أحدا لم يستدلّ على حصول الملك فيها بإعراض المالك عن العين، و صيرورتها كالمباحات الأصليّة.
و الحاصل، أنّ الإعراض قد يحصل قصدا و بالذات، و قد يحصل في
ضمن إرادة تصرّف الغير و أخذه و إتلافه، و الملحق بالمباحات الأصليّة هو الأوّل- مع تسليم وجود الدليل عليه عموما- لا الثاني المتحقّق فيما نحن فيه.
و أمّا عن الثاني فبأنّ (1)تملّك الأخذ إن كان ناشئا عن تمليك المالك، فلم يقع من المالك شيء يدلّ على التمليك، و النثار لا يستفاد منه إلّا الإذن في التصرّف، و إن كان ناشئا عن إباحة المالك لتملّكه- كما هو ظاهر كلام المستدلّ- ففيه: أنّ الكلام في خروج المال- بالنثار وحده أو مع الأخذ- عن ملك مالكه، و إلّا فمع الخروج لا يحتاج تملّك الآخذ إلى إباحة المالك ذلك له، بل بمجرّد الخروج يجوز تملّكه، لأنّه شيء لا ملك لأحد عليه.
و من هنا يظهر المنافاة [بين الكلامين، إذ لو صدر منه إباحة ملكه لغيره] (2)و حصل له لا يحتاج [بعده] (3)إلى إباحة التملّك (4)، بل له ذلك بإباحته العرفية، فيحصل الإعراض، بل حصل إباحة التملّك فهو في الحقيقة تمليك من المالك، فكيف يتملّك بالحيازة كالمباحات الأصليّة؟! و أمّا السيرة المدّعاة، فهي إنّما تدلّ على جواز التصرّف في المأخوذ تصرّف الملّاك في أملاكهم، و هذا لا يدلّ على تملّكه بالأخذ، فلعلّ الملك موقوف على موت الآخذ، أو التصرّف فيه تصرّفا متلفا أو كالمتلف كالبيع،
و يحكم بالملك قبل البيع آنا ما كما في شراء القريب المنعتق (1)على المشتري.
لكنّ الإنصاف، أنّ القول بالتملّك بالأخذ أقرب من هذه التكلّفات، و الدليل عليه هي السيرة الكاشفة عن أنّ النثار مفيد للتمليك (2)، و بناء الناثر على التمليك، دون مجرّد الإباحة.
و منه يظهر أنّ المنثور لا يخرج عن ملكه بمجرّد النثار، بل لا بدّ من الأخذ، فما لم يأخذه أحد فهو باق على ملك مالكه، فالنثار و الأخذ إيجاب و قبول فعليّان.
نعم، لو استندنا في تملّك الآخذ إلى إعراض المالك و صيرورة العين كالمباحات الأصلية- التي يجوز حيازتها لكلّ أحد- توجّه القول بخروج المنثور عن ملك المالك بمجرّد النثار، بل بمجرّد التوكيل فيه، لصدق الإعراض- حينئذ- أيضا. و لكنّك قد عرفت ضعف ذلك (3)الاستناد.
و هل يجوز الرجوع على (4)الآخذ بما أخذ- بناء على المختار من تملّكه- أم لا؟ وجهان:
من أصالة اللزوم في الملك، و من أنّ هذا التملّك (5)لا يزيد على المعاطاة بناء على إفادتها الملك، بل هي أولى باللزوم، من حيث إنّها معاوضة، و ما نحن فيه تبرّع محض، أو أشبه شيء بالهبة المجرّدة.
ثمّ إنّ المعتبر في التملّك هو الأخذ، و لو بأن يبسط حجره أو طرف ردائه أو يأخذ طبقا كبيرا، إلّا أن لا يرضى المالك بالأخذ بهذا النحو، و لا يكفي في الأخذ مجرّد وقوعه في يده أو حجره أو عمامته، بل لو أخذه- حينئذ (1)- غيره ملكه.
نعم، لو استندنا في التملّك إلى إعراض المالك، جاء الإشكال الآتي في مثل ما إذا تعشّش طائر في ملكه أو وقع صيد في شبكته بغير قصد، و لا يبعد الحكم بعدم التملّك في أمثال ذلك، و اللّٰه العالم بأحكامه.
و يجوز للرجل أن ينظر إلى وجه من يريد تزويجها و إلى كفّيها اتّفاقا على الظاهر المصرّح به (2)، لحسنة محمد بن مسلم- بإبراهيم ابن هاشم-، قال: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أ ينظر إليها؟ قال: نعم، إنّما يشتريها بأغلى الثمن» (3).
و حسنة هشام و حمّاد و حفص (4): «عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال:
لا بأس بأن ينظر إلى وجهها و معاصمها إذا أراد أن يتزوّجها» (5).
و رواية الحسن بن السريّ، قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: الرجل يريد أن يتزوّج المرأة، يتأمّلها و ينظر إلى خلفها و إلى وجهها؟ قال: لا بأس بأن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوّجها، ينظر إلى خلفها و إلى
وجهها» (1).
ثمّ إنّ الحسنة الاولى، و إن كانت بإطلاقها مجوّزة للنظر إلى غير الوجه و الكفّين، إلّا أنّ المتبادر من النظر إلى المرأة بحكم [العرف] (2)هو النظر إلى الوجه و اليدين، لأنّهما (3)موقع النظر غالبا و غيرهما (4)مستور غالبا بالثياب، مضافا إلى أنّ تخصيص النظر- المجوّز في الحسنة الثانية- بالوجه و المعاصم ابتداء، لا يظهر له وجه إلّا اختصاصهما بجواز النظر، و إن لم نقل بمفهوم اللقب.
و أوضح من ذلك الرواية الثالثة، فإنّه عليه السلام- بعد أن قال: «ينظر إليها»- قال: «ينظر إلى خلفها و إلى وجهها».
فكان (5)هذا التقييد بعد الإطلاق لدفع توهّم إرادة الإطلاق المتوهّم بادئ النظر من الفقرة الاولى.
و المراد بالنظر إلى خلفها النظر إلى قامتها المستورة بالثياب من خلفها، و المراد بالمعاصم- في الحسنة .. (6).
و ممّا ذكر- من موهنات الإطلاق المتوهّم في حسنة محمد بن مسلم
و نحوها (1)من المعتبرة المعتضدة بالتعليل المذكور فيها: «بأنّه يشتريها بأغلى الثمن»، المقتضي لجواز النظر حتّى يندفع الغرر- يظهر (2)ضعف ما قوّاه بعض متأخّري المتأخّرين من جواز النظر إلى جميع جسدها عدا العورة، تمسّكا بالإطلاق المذكور (3).
و أمّا التعليل المزبور، فالمراد أنّ إرادة تزويجه بالمهر (4)الغير الحقير- كما هو الغالب- تجوّز النظر إلى ما يندفع بالاطّلاع عليه معظم الغرر الحاصل من جهة حسن الخلقة و اللون و قبحهما. و لا يخفى أنّ ذلك يندفع بالنظر إلى الوجه و الكفّين، إذ يستدلّ بهما غالبا على حسن سائر الأعضاء و قبحها من حيث الخلقة و اللون المطلوبين فيهما.
و أمّا الحاصل من جهة العيوب العارضة فإنّه لا يندفع بملاحظة جميع الجسد ما عدا العورة أيضا، بل لا بدّ في اندفاعه من ملاحظة العورة أيضا، مع أنّ أحدا لم يقل به.
و الحاصل، أنّ ملاحظة الأخبار- [الواردة] (5)في المسألة- بالنظر الجليل (6)و إن كانت تؤدّي إلى الحكم بجواز النظر مطلقا، إلّا أنّ ملاحظتها
بدقيق النظر لا تورث الجرأة على الخروج عمّا دلّ على حرمة النظر إلى الأجنبيّة.
بقي الكلام في أنّه إذا قلنا في المسألة الآتية (1): بجواز النظر إلى وجه الأجنبيّة و كفّيها و إن كانت ذات بعل، فما الفرق بين من يراد تزويجها و من لا يراد تزويجها؟
و يمكن الفرق بينهما- مضافا إلى أنّ النظر هنا غير مرجوح اتّفاقا، و في المسألة الآتية مرجوح اتّفاقا، كما يظهر من المسالك (2)-: بأنّ النظر إلى من يريد تزويجها إنّما هو لاختبارها (3)و أنّها حسنة خلقة و لونا تصلح لأن يزوّجها و يعاشرها و يقضي بها شهوته بالنظر و الملاعبة و المواقعة، أم لا؟
و النظر بهذا القصد لا يجوز فيمن لا يريد تزويجها، لعدم دلالة أدلّة الجواز- كما سيأتي (4)- على ذلك، بل النظر لهذا الداعي لا ينفك غالبا عن الريبة- بناء على أنّ المراد بها ما يخطر في البال من النظر- و لذا اشترط (5)في مسألتنا هذه في جواز النظر: أن لا يمنع من تزويجها مانع فعليّ مثل كونها ذات بعل أو معتدّة، و أن يكون المقصود بالنظر: الاختبار لا التلذّذ- نعم، لا بأس بحصول اللذّة بالنظر و إن علم بها قبله- و أن يحتمل أن يطّلع
بالنظر على ما لا يطّلع (1)عليه بدونه، لأنّه المتبادر من مساق الأخبار و تعليلها.
نعم، لا يشترط فقد من يخبره بأوصافه (2)، فإنّ المسموع ليس كالمبصر.
و لا يقتصر في النظر على مرّة واحدة، بل يجوز تكراره بشرط أن يحتمل أن يفيده الثاني ما لم يفده الأوّل، لإطلاق الأخبار المعتضدة بالتعليل الدالّ على أنّ الرخصة من جهة اندفاع معظم الغرر بلونها و خلقها، فيجوز إذا توقّف على تكرار النظر.
[و كذا مقتضى إطلاق الأخبار: جواز النظر و لو (3)من غير إذن منها] (4).
ثمّ إنّه هل يجوز للمرأة أن تنظر إلى من يريد التزوّج (5)أم لا؟
قولان، أقواهما: الأوّل كما صرّح به .. (6)، لما يستفاد من التعليل في أخبار المسألة، فإنّ الرجل إذا جاز له النظر لئلّا يضيع ماله الذي يعطيها
1) في «ع» و «ص»: ما لم يطلع.
2) كذا في النسخ، و لعل تذكير الضمير باعتبار رجوعه إلى (من يريد تزويجها)، المتقدم في الصفحة: 38.
3) ليس في «ق» و «ع»: و لو.
4) كذا في «ع» و «ص»، و قد وردت العبارة في هامش «ق».
5) في «ع» و «ص»: يريد تزويجها.
6) من «ق»، و محل النقط منخرم بمقدار كلمتين، و لعلّهما: «العلامة قدس سره»، انظر القواعد 2: 1.
على جهة الصداق و غيره، فلأن يجوز النظر (1)للمرأة لئلّا يضيع بضعها أولى، سيّما مع أنّ للرجل مناصا عن المرأة بالطلاق إذا لم يجدها على ما يريد بخلاف المرأة.
و بالجملة، حيث دلّت الأخبار على أنّ الرجل يشتري بأغلى الثمن (2)فيجوز له النظر استفيد منها أنّ المرأة- أيضا- تبيع نفسها و بضعها، و لا ريب أنّه أغلى مثمن.
و بذلك ظهر ضعف القول الآخر مستندا إلى عدم الدليل، فإنّه ناش عن عدم الدقّة في مفاد التعليل.
و كذا يجوز النظر إلى أمة يريد شراءها، و تحقيق ذلك في كتاب البيع.
و المشهور- كما في كلام جماعة (3)-: جواز النظر إلى نساء أهل الذمة، و شعورهنّ إذا كان النظر بغير ريبة أو قصد التلذّذ و مستند (4)المسألة ضعيف مجبور، و لضعفه طرحه الحلّي (5)و الفاضل في المختلف (6)- على ما حكي عنهما- و لانجباره أخذ به الآخرون (7).
1) ليس في «ع» و «ص»: النظر.
2) راجع حسنة محمد بن مسلم المتقدّمة.
3) منهم الشهيد الثاني في المسالك 1: 347، و المحدث البحراني في الحدائق 23: 58، و المحقق السبزواري في الكفاية: 153.
4) الوسائل 14: 149، الباب 112 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
5) السرائر 2: 610.
6) المختلف 2: 534.
7) كالشيخ في النهاية: 484، و المفيد في المقنعة: 521، و المحقق في الشرائع 2: 269.
و يجوز للرجل أن ينظر إلى جسد مثله عدا العورة أو مع قصد التلذّذ، و أن ينظر إلى جسد الزوجة- ظاهرا و باطنا- متلذّذا، و يستوي في ذلك عورتها و غيرها، و في حكم الزوجة أمته الغير المزوّجة، أمّا المزوّجة: ففي كلام غير واحد أنّ المعروف بينهم أنّها كالأجنبيّة (1)، و كذا المكاتبة و المشتركة. أمّا المرهونة و المؤجرة: ففيهما كلام.
و يجوز أن ينظر إلى المحارم أيضا- و هي من يحرم عليه نكاحها دائما بنسب أو رضاع أو مصاهرة- عدا العورة.
و للزوجة كالزوج-: النظر إلى جسد الزوج و عورته تلذّذا، و إلى محارمها عدا العورة، لا مع قصد التلذّذ.
و اعلم أنّه لا خلاف في أنّه لا يجوز (2)النظر إلى الأجنبيّة مطلقا مع قصد التلذّذ أو الريبة، و لا في أنّه لا يجوز مطلقا في غير الوجه و الكفّين، و أمّا فيهما- مع عدم الوصفين- فاختلف فيه، فقيل بالجواز مطلقا على كراهيّة (3)، و قيل بالجواز مرّة لا أزيد (4)، و قيل: لا يجوز مطلقا إلّا للحاجة (5)، و هو الذي اختاره المصنّف قدّس سرّه- هنا- و بعض آخر (6)
تمسّكا بعموم ما دلّ على وجوب غضّ البصر (1)، و قوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ (2)، مؤيّدا بمفهوم الأخبار المتقدّمة في أنّه لا بأس بالنظر إلى وجه من يراد (3)تزويجها (4)، حيث اشترط في بعضها عدم البأس بصورة إرادة التزويج (5)، و بما دلّ على «أنّ النظر سهم من سهام إبليس» (6)، و «أنّ زنى العين النظر» (7)، و «أنّه ربّ نظرة أورثت حسرة يوم القيامة» (8)، و بمكاتبة الصفار: «قال: كتبت إلى أبي محمّد عليه السلام (9)في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم، هل يجوز له أن يشهد عليها و هي من وراء الستر، و يسمع كلامها إذا شهد رجلان عدلان أنّها فلانة بنت فلان التي تشهدك و هذا كلامها، أو لا يجوز له الشهادة حتّى تبرز و يثبتها بعينها؟ فوقّع عليه السلام:
تتنقّب و تظهر للشهود» (10).
و بجريان السيرة على منع النساء من أن يخرجن متكشفات.
و لأنّ النظر مظنّة الفتنة، فالأليق بمحاسن الشرع حسم الباب.
1) من قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ .. النور: 30.
2) النور: 31.
3) ليس في «ع» و «ص»: من يراد.
4) انظر الصفحة: 38 من هذا الكتاب.
5) انظر الصفحة: 38 من هذا الكتاب.
6) الوسائل 14: 138، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
7) نفس المصدر، الحديث الثاني، و فيه: فزنى العينين النظر.
8) نفس المصدر، الحديث الأوّل، و فيه: و كم من نظرة أورثت حسرة طويلة.
9) في المصدر: كتبت إلى الفقيه.
10) الاستبصار 3: 19 الحديث 58.
و لأنّ [امرأة خثعمية جاءت إلى] (1)رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم في حجّة الوداع تستفتيه، و كان الفضل بن العبّاس رديف رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، فأخذ ينظر إليها و تنظر إليه، فصرف رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم وجه الفضل عنها، و قال: «رجل شابّ و امرأة شابّة أخاف أن يدخل الشيطان بينهما» (2).
هذه جملة ما وقفت عليه من أدلّة القول بالمنع (3).
و في الجميع نظر، أمّا في آية الغض (4)فلأنّها لا تفيد العموم.
و أمّا قوله لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ (5)فلتخصيصها بقوله إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا (6)، و فسّر في الرواية- المحكية عن تفسير علي بن إبراهيم-:
ب «الثياب و الكحل و الخاتم و خضاب الكف و السوار» (7).
و في موثقة زرارة- لو لا القاسم بن عروة-: بالثاني و الثالث (8).
1) من «ع» و «ص»، و محله منخرم في «ق».
2) لم نعثر عليه بعين العبارة في المصادر الحديثية، نعم روي ما يقرب منه في المستدرك عن بعض نسخ الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام، و ورد معناه في روايات العامة أيضا، انظر المستدرك 14: 269، الباب 81 من أبواب مقدّمات النكاح، و صحيح البخاري 5: 97.
3) في «ع» و «ص»: أدلّة المنع.
4) النور: 30.
5) النور: 31.
6) النور: 31.
7) تفسير القمي 2: 101، و عنه مستدرك الوسائل 14: 275، الباب 85 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
8) الوسائل 14: 146، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
و في رواية أبي بصير: بالخاتم و السوار (1).
و لا ريب أنّ إبداءهما مستلزم لإبداء الكفّين غالبا.
و في صحيحة الفضيل، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الذراعين من المرأة، هما من الزينة التي قال اللّٰه وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ (2)؟ قال: نعم، و ما دون الخمار (3)من الزينة، و ما دون السوارين» (4).
و فيها دلالة ظاهرة على خروج الوجه و الكفين عن الزينة التي يحرم إبداؤها.
و أصرح منها: مرسلة مروك بن عبيد، لكن فيها زيادة: «القدمين» على «الوجه و الكفين» (5).
و لا تقدح (6)، لأنّ طرح بعض الرواية لدليل (7)لا يسقط باقيها عن درجة الاعتبار.
1) الوسائل 14: 146، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4، إلّا أنّ فيه: الخاتم و المسكة و هي القلب.
2) النور: 31.
3) في هامش «ص» في هذا الموضع ما يلي: قوله: و ما دون الخمار .. إلخ قال الكاشاني: و ما دون الخمار، يعني ما يستره الخمار من الرأس و الرقبة، و هو ما عدا الوجه منهما، و ما دون السوارين يعني من اليدين، و هو ما عدا الكفين منهما.
4) الوسائل 14: 145، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
5) الوسائل 14: 146، نفس الباب، الحديث 2.
6) في «ق»: و لا يقدح.
7) ليس في «ع» و «ص»: لدليل.
و في الكفاية عن قرب الإسناد عن الحميري، عن مسعدة (1)بن زياد، قال: «سمعت جعفرا عليه السلام (2)- و سئل عما تظهر المرأة من زينتها؟- قال:
الوجه و الكفّين» (3).
و فيها- أيضا- بسند لم يستبعد صحّته، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر [إليه] (4)من المرأة التي لا تحلّ له؟ قال: «الوجه و الكفّين (5)» (6).
إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبّع، منها: ما سيجيء في مسألة جواز النظر لمعالجة المريض (7).
و منها: ما سيجيء في جواز سماع صوتها (8).
و منها: ما دلّ على كراهة القنازع و القصة (9)و نقش الراحة بالخضاب
1) في «ع»: سعد.
2) في النسخ زيادة: «يقول».
3) كفاية الاحكام: 153- 154، قرب الإسناد: 82، الحديث 270، و عن الوسائل 14: 146، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5.
4) من المصدر.
5) في قرب الإسناد: و الكفّ و موضع السوار.
6) كفاية الاحكام: 153- 154، قرب الإسناد: 227، الحديث 890.
7) الوسائل 14: 172، الباب 130 من أبواب مقدّمات النكاح، و سيجيء في الصفحة: 56.
8) الوسائل 14: 143، الباب 106 من أبواب مقدّمات النكاح.
9) في «ع» و «ص»: العقصة، و القصّة- بالضم و التشديد-: شعر الناصية، و الجمع قصص، (مجمع البحرين) 4: 180.
للمرأة، و أنّ نساء بني إسرائيل هلكن بهذه (1)، إذ لو وجب ستر الوجه و الكفّين كغيرها لم يكره تزيينها- كما لا يكره تزيين غيرها- كيف شاءت.
و منها: ما روي عن دخول جابر مع النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم على فاطمة عليها السلام فرأى وجهها أصفر من الجوع فدعا رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فشبعت و عاد وجهها أحمر (2).
و أمّا فيما دلّ من أخبار المسألة السابقة (3)على اشتراط جواز النظر بإرادة التزويج ففيه (4)، أوّلا: أنّ سياق الشرط فيها ليس مفيدا للتعليق كما يظهر بالتأمّل فيها، مع أنّه لو سلم ثبوت المفهوم فقد عرفت أنّ الجواز هناك غير مشروط بما يشترط هنا من عدم قصد اختبار حسن المرأة خلقة و لونا و قبحها و قابليّتها للمعاشرة و المباشرة و عدمها، و لا شكّ أنّ النظر بهذا القصد معلّق على إرادة التزويج، مع أنّ الجواز هناك أريد به الإباحة [بالمعنى الأعم] (5)، و هو معلّق على إرادة التزويج.
هذا كلّه، مع أنّ في الأخبار التي ذكرناها كفاية في الخروج عن ظاهر المفهوم بحمل البأس في المفهوم على الكراهة، بل لعلّه ليس مخالفا للظاهر.
و أمّا فيما دلّ على أنّ «النظر سهم من سهام إبليس» (1)، فلأنّه ظاهر فيما كان عن شهوة كما لا يخفى، و كذا ما دلّ على أنّ «زنى العين النظر» (2)، و يشهد له (3)قوله عليه السلام: «و زنا الفم القبلة» (4)فإنّها لا تكون إلّا عن شهوة.
و أمّا قوله: «ربّ نظرة أورثت حسرة» (5)، فلأنّه على وجه الإيجاب الجزئي، و لا يجدي في ما نحن فيه (6).
و أمّا في المكاتبة (7)، فلعدم دلالتها على وجوب التنقّب أوّلا، و احتمال كون الأمر بالتنقّب من جهة إباء المرأة عن التكشّف لكونها متستّرة مستحيية عن أن تبرز للرجال، فإنّ ذلك ممّا يشقّ على كثير من النساء، و إن كان جائزا، إذ ربّ جائز يشقّ من جهة الغيرة و المروّة، فإنّك قد عرفت جواز النظر إلى وجه من يراد تزويجها و كفّيها اتّفاقا، مع أنّ هذا شاقّ على كثير من النسوان و أهليهنّ سيّما الأبكار من أولي الأخطار.
و يؤيّد ذلك أنّه لمّا قال أبو حنيفة لمؤمن الطاق: «أنت تحلّ المتعة، فلم لا ترخص نساءك أن يتمتّعن و يكتسبن؟ فقال له مؤمن الطاق:
ليس كلّ الصناعات يرغب فيها» (1).
و يؤيّد ذلك ما روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لأهل العراق:
[ «نبّئت أنّ نساءكم يدافعن الرجال في الطريق أما تستحيون؟» (2)و في حديث آخر إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: «أما تستحيون و لا تغارون، نساؤكم يخرجن إلى الأسواق و يزاحمن العلوج» (3)] (4).
و حاصل المرام: أنّه ربّ جائز يقتضي الحياء تركه.
و من هذا يظهر وجه النظر فيما ادّعي من جريان السيرة على منع النساء من أن يخرجن سافرات، إذ لا يخفى أنّ هذا المنع ليس بآكد من منع تكشّفهنّ لمن يريد تزويجهنّ، بل هذا آكد (5)بمراتب شتّى، فإن أريد أنّ سيرة العلماء على منعهنّ، ففيه: أنّ هذا تمسّك بالإجماع في محلّ النزاع.
و من هذا يظهر العجب من بعض المعاصرين حيث ادّعى في هذه المسألة- بعد ترجيح المنع-: أنّ التطلّع على النساء المتستّرات من المنكرات
1) الكافي 5: 450، كتاب النكاح- أبواب المتعة، الحديث 8.هذا و قد ورد في «ق» تتمّة لهذا الحديث لا يقرأ منه إلّا ما يلي: «و أ .. لأبي ..عنه .. من الاعراض .. ما .. مؤمن الطاق في جواب أبي حنيفة». و تتمّة الحديث ما يلي: «و إن كانت حلالا، و للناس إقدار و مراتب يرفعون أقدارهم ..الحديث».
2) الوسائل 14: 174، الباب 132 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
3) نفس المصدر، الحديث 2.
4) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص»، و العبارة في «ق» منخرمة في مواضع، و ما يمكن قراءته فيها هو ما يلي: «اما .. تستحيون أنّ نساءكم ..فعن الرجال في الطريق .. يزاحمن العلوج في الأسواق».
5) في «ع» و «ص»: هو آكد.
في دين الإسلام (1)، و قال- في مسألة جواز النظر إلى من يريد تزويجها- بجواز النظر إلى جميع جسدها (2)، فيا ليت شعري التطلّع إلى جسد المرأة الباكرة المخدّرة من اولي الخطر بغير اطّلاعها- لاختبار خلقتها و لونها و قابليّتها للأمور المطلوبة من الزوجات- أنكر عند الناس إذا اطّلعوا على تطلّعه عليها لأجل الاختبار، أم تطلّعه على وجهها لا لقصد الاختبار المذكور، بل لأجل معاملة أو غرض آخر مع عدم قصد التلذّذ و عدم الريبة؟! و هل الإنكار في المقامين إلّا لأجل الغيرة و الاستحياء إذا كانت المرأة من أولي الأخطار و ذوات الأستار و سكنة الأمصار؟! و أمّا فيما ذكره من أنّ النظر مظنّة الشهوة (3)و وقوع الفتنة، ففيه:
أنّ المعهود من الشارع حسم الباب في أمثال هذه المظان بالحكم بالكراهة دون التحريم كما يعلم بالتتبّع في الأحكام الشرعية، مع أنّ هذا استحسان (4)لا نقول به.
و أمّا خبر الخثعميّة (5)فهو على جواز [النظر أدلّ] (6)كما لا يخفى.
ثمّ إنّ الأخبار المجوّزة مطلقة، فتشمل النظرة الاولى و الثانية.
و استدلّ من خصّ الجواز بالأولى بأدلّة ضعيفة لا تنهض لتقييد تلك الأخبار.
ثم إنّك قد عرفت أنّ النظر إذا كان بقصد التلذّذ فهو حرام إجماعا (1)، كما ادّعاه غير واحد (2)، و عليه أو على خوف الفتنة يحمل ما ورد من ذمّ النظر في الأخبار.
و أمّا إذا لم يقصد به التلذّذ و لكن علم بحصول اللذّة بالنظر، أو لم يعلم به، و لكن تلذّذ في أثناء النظر، فهل يجب الكفّ، أم لا؟ الظاهر: الثاني، لإطلاق الأدلّة، و لأنّ النظر إلى حسان الوجوه من الذكور و الإناث لا ينفكّ عن التلذذ غالبا- بمقتضى الطبيعة البشرية المجبولة على ملاءمة الحسان- فلو حرم النظر مع حصول التلذذ لوجب استثناء النظر إلى حسان الوجوه مع أنّه لا قائل بالفصل بينهم و بين غيرهم.
و يؤيّد ما ذكرنا ما رواه في الكافي عن عليّ بن سويد في الصحيح قال: «قلت لأبي الحسن عليه السلام: إنّي مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة، فيعجبني النظر إليها، فقال: لا بأس يا علي (3)إذا عرف اللّٰه من نيّتك الصدق، و إيّاك و الزنى فإنّه يمحق البركة و يذهب بالدين» (4).
فإنّ مراد السائل أنّه كثيرا ما يتّفق له الابتلاء بالنظر إلى المرأة
الجميلة، و أنّه حين النظر إليها و المكالمة معها- لمعاملة أو غيرها- يتلذّذ بالنظر لمكان حسنها، و لعلّ ذلك من جهة كون الراوي من أهل الصنائع و الحرف التي يكثر مخالطتهم للنساء كالصائغ و البزّاز حيث يكثر تردّد النساء إليهم، سيّما نساء البوادي اللاتي لا يتسترن، فسأل عن أنّه يجب الكف عن النظر عند التلذّذ أم لا؟ فأجاب عليه السلام بأنّه لا بأس بذلك إذا علم اللّٰه من قصدك مطابقة ما تظهره من أنّ نظرك ليس لمجرّد التلذّذ حيث عبّرت عن مخالطتك معهنّ «بالابتلاء بهنّ»، و أنّك كاره لإعجابك الحاصل حين النظر، ثم حذّره عن الزنى.
و حمل الرواية بعض من عاصرناه (1)على النظرة الاتفاقيّة و حصول الإعجاب- أعني: اللذّة بعد النظر- فأجابه عليه السلام: بأنّه إذا علم اللّٰه منك الصدق، أي: أنّك لم تتعمّد النظر، فلا بأس. و لا يخفى بعد هذا الحمل بل الظاهر ما ذكرنا من معنى الخبر. نعم، ينافي هذا الخبر ما رواه في الكافي في الحسن- بابن هاشم- عن ربعي بن عبد اللّٰه، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام، قال: «كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم يسلّم على النساء و يرددن عليه، و كان أمير المؤمنين عليه السلام يسلّم على النساء، و كان يكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ، و يقول: أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ (2)أكثر مما طلبت من الأجر» (3).
فإنّ الرواية على أنّه عليه السلام كان يكره التسليم عليهنّ لاحتمال التلذّذ بصوتهنّ، فصورة العلم بالتلذّذ [أولى بالمراعاة، إلّا أنّ حمله على الكراهة ممّا لا غائلة فيه، خصوصا بعد جعله التقابل بين أجره- أي ما يرد عليه من الجزاء- و أجر السلام المستحب، و إن كان الوارد على ذلك أكثر، لكن لا تبلغ درجة الحرمة، فتدبر] (1).
و اعلم أنّه قد فسّرت الريبة في المسالك (2)و غيره (3)بخوف الوقوع في المحرّم، و جعل خوف الافتتان عبارة عنها.
و لا يبعد أن يكون المراد بها- كما عن كشف اللثام-: ما يخطر بالبال عند النظر (4). و لعلّ المراد به: الميل إلى فعل الحرام مع المنظور إليه، من الزنى و التقبيل و نحوهما.
و الظاهر حرمة النظر مع الريبة، سواء فسرت بخوف [الوقوع في الحرام، أو] (5)بخوف الافتتان، أو خطور ما يخطر في البال (6)من قبائح الأعمال. أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني و الثالث فلأنّ فيهما الفساد المنهي
1) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص»، و محلّه منخرم في «ق»، و ما يمكن قراءته فيها هو ما يلي: (.. اللذة .. به أولى .. مع العلم بحصول .. بل احتماله .. بأنّ معنى .. أي المباح .. فلا يدل .. كان .. حرمة ..). و الظاهر أنّ ما انخرم من «ق» هو أكثر ممّا أثبت في «ع» و «ص»، فتأمّل.
2) المسالك 1: 347.
3) انظر الجواهر 29: 70.
4) كشف اللثام 2: 8، و فيه: ما يخطر بالبال من النظر.
5) من «ع» و «ص»، و محله منخرم في «ق».
6) في «ع» و «ص»: بالبال.
عنه، و ما تقدّم من صرف النبي صلّى اللّٰه عليه و آله وجه ابن العبّاس عن الخثعمية معلّلا بخوف دخول الشيطان بينهما يشمل كلّ واحد من المعاني الثلاثة، فيصلح دليلا لحرمة النظر مع الريبة (1)مطلقا، لأنّها بأي معنى كانت (2)من الشيطان.
ثم إنّ المراد بالحاجة- التي استثناها المصنّف قدّس سرّه من تحريم النظر إلى الأجنبيّة- هي الحاجة المضطرّ إليها (3)دون مطلق الحاجة، و إلّا فالنظر غالبا لا يكون إلّا لحاجة، مع أنّ مطلق الحاجة لا دليل على تسويغها للنظر المحرّم، و إنّما المسوغ هي الضرورة بحكم العقل و النقل، و للضرورة موارد:
منها: المرض، فيجوز للطبيب أن ينظر إلى عورة الأجنبيّة فضلا عن سائر مواضع جسدها، للعمومات الدالّة على إباحة الضرورات للمحظورات (4)، و خصوص صحيحة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:
«سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها- إمّا كسر و إمّا جراح- في مكان لا يصلح النظر إليه، و يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء،
1) في «ع» و «ص»: عن الريبة.
2) في «ع» و «ص»: بأي وجه كان.
3) في «ع» و «ص» زيادة: المعبّر عنها بالضرورة.
4) مثل قوله عليه السلام: «و ما اضطرّوا اليه»، انظر الوسائل 5: 345، الباب 30 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 2، و مثل قوله عليه السلام: «ما حرم اللّٰه شيئا إلّا و أحلّه عند الاضطرار إليه»، انظر الوسائل 4: 690، الباب الأوّل من أبواب القيام، الحديث 6 و 7.
أ يصلح له أن ينظرها (1)؟ قال: إذا اضطرّت إليه فليعالجها إن شاءت» (2).
و لا يخفى أنّ في هذه الصحيحة دلالة- من حيث التقرير- على جواز النظر إلى المرأة في الجملة، و ليس إلّا الوجه و الكفين، للإجماع على المنع في غيرها.
و منها: أداء الشهادة على المرأة، و تحمّل الشهادة عليها.
و منها: إذا (3)توقف إنقاذها من مهلكة أو مضرّة على النظر.
و قد استثني من الكلّية أيضا مواضع أخر غير الضرورة:
منها: ما تقدّم من جواز النظر إلى من يراد (4)تزويجها أو شراؤها.
و منها: النظر إلى فرج الزانيين، ليشهد عليهما بالزنى (5)عند الحاكم، جوّزه المصنف في القواعد (6)- على ما حكي عنه- و لا يخلو عن إشكال، لأنّ وجوب الشهادة مشروط بالمشاهدة، و لا دليل على الإذن في تحصيلها اختيارا. نعم، لو حصلت اضطرارا وجبت الشهادة.
و منها: ما (7)لو دعت الحاجة إلى شهادة الرجال بالولادة، فقد جوّز النظر حينئذ إلى فرج المرأة لتشهد بالولادة.
و منها: ما لو كانت المنظورة عجوزة (1)قد يئست من النكاح لكبر سنّها، و ليست مظنّة للشهوة، لقوله تعالى- مشيرا إليها- فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنٰاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيٰابَهُنَّ (2)، و الثياب الموضوعة قد فسّرت في حسنتي الحلبي (3)و حريز (4)- بابن هاشم- بالخمار و الجلباب.
و يظهر من صحيحة ابن مسلم (5)و حسنة ابن أبي حمزة (6)اختصاصه بالجلباب وحده، و لعلّه محمول على الاستحباب.
ثمّ إنّ وضع الخمار و الجلباب يستلزم جواز كشف الشعر و الذراع و نحوهما ممّا هو معتاد الظهور عند وضع الخمار و الجلباب.
و منها: ما لو كانت المنظورة غير بالغة، فيجوز للرجل النظر إليها، للأصل، و صحيحة البجلي المروية في الكافي قال: «سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الجارية التي لم تدرك متى ينبغي لها أن تغطّي [رأسها ممّن] (7)ليس بينها و بينه محرم، و متى يجب عليها أن تقنع رأسها للصلاة؟ قال: لا تغطّي رأسها حتى تحرم عليها الصلاة» (8)، يعني حتى تحيض.
1) ليس في «ع» و «ص»: عجوزة.
2) النور: 60.
3) الوسائل 14: 147، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
4) نفس المصدر، الحديث 4.
5) نفس المصدر، الحديث الأوّل.
6) نفس المصدر، الحديث 3.
7) من «ص»، و في «ع»: من الرجل، و محله منخرم في «ق».
8) الكافي 5: 533 الحديث 2، و عنه الوسائل 14: 169، الباب 126 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
و في رواية البزنطي المحكية عن الفقيه: «يؤخذ الغلام بالصلاة و هو ابن سبع (1)، و لا تغطّي المرأة شعرها منه حتّى يحتلم» (2).
و نحوها المحكية عن قرب الإسناد عن ابن عيسى (3)عن البزنطي عن الرضا عليه السلام (4).
و هاتان [الروايتان] (5)و إن دلّتا على جواز تكشّف المرأة عند الصبيّ، إلّا أنّهما تدلّان على جواز نظر الرجل إلى الصبيّة، بعدم القول بالفصل.
أقول: و في هذه الأخبار- حيث خصّ السائل و المعصوم عليه السلام التغطية بالشعر و الرأس- إيماء إلى جواز كشف الوجه، و إلّا لم يحتج إلى ذكر الشعر و الرأس (6)، لأنّه كان- حينئذ- تخصيصا في مورد التعميم، بل كان ينبغي أن يقول: «متى تغطي المرأة عن الرجل» من غير ذكر المتعلّق.
ثمّ إنّ جواز النظر إلى الصبيّة مشروط بعدم الوصفين السابقين
1) في «ص»: ابن سبع سنين.
2) الفقيه 3: 436، كتاب النكاح، الحديث 4507، و عنه الوسائل 14: 169، الباب 126 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 3.
3) في الوسائل: أحمد بن محمد بن عيسى، و في قرب الإسناد: محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن أحمد بن محمد بن أبي نصر.
4) في هامش «ق»- هنا- زيادة ما يلي: «وجدت الرواية في قرب الإسناد بعد ما حكيتها عن الحدائق»، راجع قرب الإسناد: 385، الحديث 1355، و عنه الوسائل 14: 169، الباب 126 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.
5) من «ع» و «ص».
6) في «ع» و «ص»: ذكر شعر الرأس.
ثمّ إنّ ما ذكر حكم نظر البالغ إلى الأجنبيّة، و أمّا نظر غير البالغ إليها، فإن كان غير مميّز، فلا يجب التستر عنه إجماعا، لقوله تعالى أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلىٰ عَوْرٰاتِ النِّسٰاءِ (3).
و إن كان مميزا بحيث يترتّب على نظره ثوران الشهوة أو التشوّق، فقد نسب (4)إلى الأصحاب جعله كالبالغ، و يجب على الوليّ منعه عن النظر، و على الأجنبيّة الاستتار منه (5).
و الأولى أن يقال: إن أريد من «ترتّب ثوران الشهوة» ترتبه فعلا على النظر، فلا كلام في التحريم.
و إن أريد به أن يكون من شأنه ذلك- كما هو ظاهر العبارة- و إن لم يترتّب فعلا على (6)النظر، ففي وجوب منعه على الولي و وجوب التستّر عنه على المرأة نظر، لعدم الدليل، بل قد عرفت أنّ الصحيحتين (7)المحكيتين
عن الفقيه و قرب الإسناد (1)مطلقتان في عدم وجوب تستّر المرأة عنه، الملازم لعدم وجوب منعه على الوليّ بحكم عدم القول بالفصل.
نعم، لا بأس بالقول بالكراهة في المميّز الذي يقدر أن يصف ما يرى، لما روي في الكافي عن السكوني عن الصادق عليه السلام من أنّه «سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الصبيّ يحجم المرأة؟ قال: إن كان يحسن أن يصف فلا» (2)، و لعلّه- مضافا إلى عموم الآية وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ (3)- مستند من قال بالتحريم إذا كان الصبيّ مميّزا مطلقا.
لكن الخبر معارض بما هو أقوى منه، و قد تقدم (4)، و هو المخصّص للآية.
نعم، النظر إلى العورة و تكشّفها عنده مستثنى إجماعا- على الظاهر- فيجب على الولي منعه عن النظر إليها، و يحرم أيضا (5)للرجال و النساء كشفها عنده.
و علم أنّه كما لا يجوز للرجل أن ينظر إلى الأجنبية، كذلك لا يجوز للمرأة النظر إلى الأجنبي و إن كان أعمى، لعموم الأدلّة، و يستثنى
هنا ما استثني في أصل المسألة حرفا بحرف، و إطلاق «الأجنبي» (1)و إن كان يشمل البالغ و غيره، لكن قد عرفت أنّ في روايتي الفقيه و قرب الإسناد (2)عدم وجوب تغطي الرأس عمّن لم يحتلم، و يلزمه (3)جواز نظرها إليه بعدم القول بالفصل، و أنّه لا يعارضهما رواية السكوني (4)و آية وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ (5)لوجوب طرح الاولى، و تخصيص الثانية.
نعم، ربما يقال: إنّ الآية تأبى عن التخصيص من جهة أنّ توصيف الطفل فيها ب الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلىٰ عَوْرٰاتِ النِّسٰاءِ (6)- و هم غير المميزين- مناف لإرادة إخراج مطلق الطفل من عموم (7)التحريم، لأنّه تخصيص في مقام إرادة التعميم، و هو هذر، كما إذا قيل: «أكرم العلماء إلّا زيدا العاقل»، و أقيم القرينة (8)على خروج زيد الجاهل أيضا، فإنّه يوجب هذرية الصفة، لا من جهة القول بمفهوم الوصف، بل من جهة أنّ ذكره محوج إلى القرينة لإخراج غير مورد الوصف- أيضا- عن العموم، و تركه مغن عنها.
و جوابه: أنّ هذا إذا لم يظهر للوصف فائدة ترجح ذكره، و إن أحوج
إلى القرينة على تركه- و إن أغنى عنها- لكن الفائدة موجودة، لأنّ حكم إبداء الزينة في من استثني في الآية هو الإباحة بالمعنى الأخصّ. و لا ريب أنّ عطف الطفل عليهم- المفيد لاتّحاد حكمه معهم- إنّما يصحّ في الطفل الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلىٰ عَوْرٰاتِ النِّسٰاءِ، و إلّا فالظاهارون على عورات النساء يكره إبداء الزينة [عندهم] (1)و إن كان غير محرم، فلذا احتيج إلى ذكر الوصف.
و كيف كان، فالأقوى جواز نظر المرأة إلى الصبيّ المميّز مع عدم قصد التلذّذ و عدم الريبة.
ثم، لا فرق- في الرجل- بين الخصيّ و غيره، فلا يجوز نظرها إلى الخصي، كما لا جوز للخصي أن ينظر إليها إلى غير ما استثني، لعموم الأدلّة، و خصوص روايتي عبد الملك (2)و محمد بن إسحاق (3)، نعم في صحيحة ابن بزيع عن الرضا عليه السلام: «إنّ الأحرار لا يتقنعن منهم» (4)، و عن الشيخ حملها على التقيّة (5).
و يؤيّد ذلك روايتان أخريان، سكت المعصوم عن الجواب في أحدهما (6)، و أمر السائل بالإمساك (7)عن هذه المسألة في الأخرى (8).
1) كذا في «ع» و «ص»، و في «ق»: عندهنّ.
2) الوسائل 14: 166، الباب 125 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
3) نفس المصدر، الحديث 2.
4) الوسائل 14: 160، الباب 125 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
5) التهذيب 7: 480، ذيل الحديث 1926.
6) الوسائل 14: 168، الباب 125 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 8.
7) في «ع» و «ص»: الإمساك.
8) الوسائل 14: 167، الباب 125 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6.
ثمّ ظاهر إطلاق العبارة عدم الفرق في المرأة بين كونها مالكة للخصي أو غير مالكة له، و ظاهر المحكي عن المصنف قدّس سرّه في المختلف (1)جواز نظر الخصي إلى مالكته (2)على كراهة، استنادا إلى استثناء مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ في الآية (3)من عموم وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ، و الموصول عام للعبيد و الإماء، و أنّ تخصيصه بالإماء لا وجه له.
و يؤيّده الأخبار الدالّة على جواز نظر المملوك إلى شعر [مولاته] (4)، و في بعضها إضافة الساق (5)، خرج الفحل- و هو مقابل الخصي- بالإجماع لو ثبت، و بقي الخصي. و قيل بحمل الأخبار على التقية (6)، و هو مشكل، لا لما ذكره في المسالك من اختلاف علماء العامة في هذه المسألة (7)، إذ يكفي في التقية: التقيّة عن سلطان الوقت، و لا ريب في أنّ الخصاء (8)يدخلون على حريم السلاطين في كلّ زمان، بل لأنّ الحمل على التقيّة مختصّ بالأخبار المتعارضة لا على جهة العموم و الخصوص المطلق، إذ المعين في هذا النحو من التعارض حمل العام على الخاصّ، و إن كان الخاصّ موافقا للعامّة، و لا ريب
1) المختلف 2: 534.
2) في «ق»: على مالكتها.
3) النور: 31.
4) في «ق»: مولاتها، و الأخبار هي في الوسائل 14: 164، الباب 124 من أبواب مقدّمات النكاح.
5) الوسائل 14: 165، الباب 124 من أبواب مقدّمات النكاح.
6) حملها الشيخ على التقية، انظر التهذيب 7: 480.
7) المسالك 1: 349.
8) في «ع» و «ص»: الخصايا، و الظاهر: الخصيان.
أنّ أخبار الجواز أخصّ من عمومات المنع.
هذا على فرض الإغماض عن عموم مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ (1)لما نحن فيه، و إلّا كفى هو مخصّصا لعموم تحريم النظر إلى الأجنبيّة.
لكن الإنصاف أنّ الأخبار المجوّزة لو بقيت على عمومها بحيث يشمل الفحل، كاد أن يخالف الإجماع، إذ لم يعرف (2)قبل صاحب المسالك مقوّ له (3). نعم، ربما يوهمه ظاهر عبارة المبسوط المحكيّة (4)، و يظهر من الكليني حيث أورد الأخبار المجوّزة (5). و إن قيّدت بغير الفحل كان تقييدا بالفرد النادر.
و بالجملة، فيتردّد الأمر بين رفع اليد عن ظهور عمومات المنع و ارتكاب خلاف الراجح في هذه الأخبار- إمّا بالقول بعمومها و إن خالف المشهور بل الإجماع المحكيّ (6)، و إمّا بتقييدها بالفرد النادر، و هو الخصيّ- و بين إبقاء عمومات المنع على ظهورها و طرح هذه الأخبار، أو تأويلها بما لا يكون أدون من التقييد بالفرد النادر، سيّما إذا أوجب (7)إبقاء عمومات
1) النور: 31.
2) في «ص»: إذا لم يعرف.
3) المسالك 1: 349.
4) استظهره من قوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ .. أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ، لكنّه قوّى عدم كونه محرما، انظر المبسوط 4: 161.
5) الكافي 5: 531، و الوسائل 14: 164، الباب 124 من أبواب النكاح.
6) انظر الخلاف 4: 249، كتاب النكاح، المسألة 5.
7) في «ع» و «ص»: إذا وجب.
المنع على حالها، ما ارتكبه بعض (1)، حيث حملها على النظر الاتّفاقي لا الاختياري بقرينة تقييد الجواز في بعض تلك الروايات (2)بعدم التعمّد، قال: و لا بأس بالتعرّض لحكم الأمر الاتّفاقي إذا كانت مقدّماته اختياريّة.
و أمّا عموم استثناء ملك اليمين في الآية، فعن الشيخ في المبسوط:
أنّه روى أصحابنا أنّه مختصّ بالإماء (3). و هذه الرواية و إن كانت مرسلة إلّا أنّ اشتهار العمل بها، بل اشتهار نفسها- كما يستفاد من نسبتها إلى الأصحاب- ربما يوجب الاعتماد عليها في تفسير الآية، فتخرج الآية عن دلالة عن الجواز.
و كيف كان، [فا] لمسألة (4)محلّ إشكال لا ينبغي فيها ترك الاحتياط.
و لا يجوز للأعمى فضلا عن البصير- سماع صوت الأجنبيّة و بالعكس للتلذّذ أو مع الريبة اتّفاقا، و أمّا مع عدم الوصفين فالذي اختاره المصنّف هنا- و قبله المحقّق (5)و غيره (6)- أنّه لا يجوز أيضا،
1) انظر الجواهر 29: 93.
2) الوسائل 14: 164، الباب 124 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
3) المبسوط 4: 161.
4) في «ق»: و المسألة.
5) الشرائع 2: 269.
6) لم نعثر على قائل بالحرمة مطلقا عدا المحقق في الشرائع و العلّامة في بعض كتبه، و في كشف اللثام (2: 9) و مستند الشيعة (2: 473) و رياض المسائل (2: 75) و الجواهر (29: 97) نسبة هذا القول إلى المحقق في الشرائع و العلّامة في القواعد و التحرير و الإرشاد.
و لعلّه لموثّقة مسعدة بن صدقة: «لا تبدءوا النساء بالسلام» (1)، و موثقة غياث بن إبراهيم: «لا تسلّم على المرأة» (2)، و عن خبر المناهي:
«و نهى صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم أن تتكلّم المرأة عند غير زوجها و غير ذي محرم منها أكثر من خمس كلمات» (3).
و في الجميع نظر، أمّا الموثقتان- فلمكان دلالتهما (4)على تحريم مطلق الكلام- معارضتان بما هو أقوى منهما، من تسليم النبيّ و الوصيّ صلّى اللّٰه عليهما و على آلهما الطاهرين على النساء و ردّهنّ عليهما، كما في حسنة ربعي ابن عبد اللّٰه- بابن هاشم (5)- المعتضدة بما ورد مستفيضا من تكلّم فاطمة عليها السلام مع كثير من الصحابة، و ذهابها إلى المسجد و قراءتها للخطبة المذكورة في الاحتجاج، و احتجاجها على الأوّل و الثاني في قضية فدك (6)، و من تكلّم النبي و الأئمة صلوات اللّٰه عليه و عليهم مع النساء في غير الضرورة (7).
و بالسيرة القطعية الجارية بين المسلمين من استماع النساء صوت الرجال في المراثي، و ائتمامهنّ بهم في الصلاة، و متابعتهم في تلاوة الأدعية و الزيارات،
1) الوسائل 14: 173، الباب 131 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
2) الوسائل 14: 173، الباب 131 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
3) الوسائل 14: 143، الباب 106 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
4) في «ق»: فلدلالتها.
5) الوسائل 14: 173، الباب 131 من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الحديث 3.
6) الاحتجاج 1: 131، الفقيه 3: 567، الحديث 4940.
7) انظر البحار 16: 294، الباب 10 من مكارم أخلاقه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، الوسائل 14: 143، الباب 106 من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الحديث الأوّل.
و المكالمة معهنّ في المعاملات.
فلا مناص عن حمل الخبرين على المرأة الشابّة، كما يدلّ عليه الحسنة المذكورة، أو على صورة التلذّذ و الريبة، أو حمل النهي على الكراهة، لأنّ تعارف ذلك بين النساء و الرجال مظنّة الفتنة و محلّ التهمة.
و أمّا خبر المناهي فهو و إن لم يناف الحسنة المذكورة المجوّزة للتسليم عليهن و ردّهنّ، إلّا أنّه ضعيف سندا و دلالة، لاقتران هذا النهي فيه بمناهي تنزيهيّة كثيرة، و موهون بكثير ممّا مرّ من معتضدات الحسنة، فتعيّن حمله أيضا على الكراهة.
ثم اعلم أنّ المصنّف قدّس سرّه لم يتعرّض لحكم اللمس، لكنه اكتفى (1)عن حكمه بالحكم بحرمة النظر، حيث إنّه إذا حرم النظر حرم اللمس قطعا، بل لا إشكال في حرمة اللمس و إن جاز النظر، للأخبار الكثيرة (2)، و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه.
و هل يجوز النظر إلى العضو المنفصل عن البدن، و لمسه (3)، أم لا؟
استشكل الحكم في القواعد (4)، و لعلّه من استصحاب الحرمة، و أنّه لو جاز النظر إلى العضو المنقطع و لمسه، لزم جواز تغسيل الرجل للمرأة المقطّعة قطعتين أو ثلاث قطع أو أزيد، مع أنّ الظاهر أنّه لا يجوز إجماعا. و دعوى أنّ تحريم غسل الأجنبي تعبّدي، لا من جهة حرمة النظر و اللمس، بعيد.
و من أنّ حرمة النظر و لمسه حال الاتصال إنّما كان لكونه نظرا
إلى المرأة و لمسا لها. و بعبارة أخرى: موضوع حرمة النظر و اللمس هي المرأة، فالنظر إلى يدها و لمسها حرام باعتبار أنّه نظر إلى المرأة و لمس لها، و بعد الانقطاع يرتفع الموضوع قطعا، إذ لا يصدق النظر إلى المرأة حينئذ (1)و لا مجرى للاستصحاب (2)مع ارتفاع الموضوع، فالمرجع أصالة البراءة، لكن يبقى الإشكال في المسألة من جهة مسألة الغسل.
و كيف كان، فلا ينبغي الإشكال في جواز النظر إلى مثل الظفر و السنّ، بل و كذا الشعر.
و هل يجوز النظر إلى الخنثى أم لا؟ حكي عن جامع المقاصد المنع؛ معلّلا بأنّ النظر إلى الأجنبيّة حرام، و لا يتمّ تركه إلّا بترك النظر إلى الخنثى (3)، و هو ضعيف، لأنّ التكليف في الواقعة غير معلوم تفصيلا و لا إجمالا، حتّى يجب امتثاله بترك ما يحتمل كونه حراما، و لهذا لا يحرم النظر إلى البعيد المردّد بين الرجل و المرأة.
و الفرق بينه و بين الخنثى بإمكان استعلام الحال فيه دون الخنثى، ضعيف في الغاية.
و هل يجب على الخنثى الغضّ عن الذكر و الأنثى؟ أم له النظر إليهما؟
أم يتخيّر بين البناء على الغضّ عن الذكر، و بين البناء على الغضّ عن الأنثى تخييرا؟ وجوه، أحوطها الأوّل، و أقواها الثالث.
أمّا كون الأوّل أحوط، فواضح.
و أمّا أنّ الثالث أقوى منه، فلأنّه لم يكلّف تفصيلا بالغضّ عن الرجل
و لا عن المرأة كما هو المفروض، و لم يكلّف هو أيضا بالغضّ عن مفهوم مجمل (1)مردّد بين الأمرين ليجب عليه الاحتياط، لأنّ حكم الغضّ عن المرأة تعلّق على (2)الرجال، و حكم الغضّ عن الرجل تعلّق بالنساء، و الخنثى لم يتعلّق عليه (3)تفصيلا تكليف بأمر إجمالي.
نعم، يعلم إجمالا بدخوله تحت أحد الصنفين المكلّفين، و هذا غير كاف في ثبوت التكليف، بل لا بدّ فيه من تعلّقه تفصيلا بالمكلّف، سواء كان المكلّف به أمرا مفصّلا أو مجملا.
نعم، مخالفته لتكليف كلا الصنفين يعدّ في العرف عصيانا من حيث علمه بمخالفة حكمه الواقعي، فإنّه يعدّ تجرّيا و طغيانا و إن لم يعلم بمخالفة التكليف الظاهري، لعدم العلم بثبوته، إذ العلم بثبوت الحكم الواقعي إجمالا لا يستلزم العلم بثبوت التكليف الظاهري بمقتضى الواقع عقلا- و لهذا (4)يجوز أن يصرّح الشارع بعدم ثبوت التكليف ظاهرا بمقتضاه- و لا شرعا، لعدم ثبوت الدليل الشرعي على الملازمة.
ثم إنّ التخيير الذي قلنا به، هل هو بدويّ، بمعنى: أنّه مخيّر في بدء الأمر بين البناء على التكليف بواحد من تكليفي الرجل و المرأة، بحيث لا يجوز العدول عما بنى عليه؟ أم هو استمراري، بمعنى أنّه يجوز له (5)العدول عمّا بنى عليه؟ وجهان، أحوطهما: الأوّل.
و اعلم أنّه اختلف الفقهاء في حكم العزل عن الحرة بغير إذنها، و هو إفراغ المني خارج الفرج، بإخراج الذكر عن الفرج عند إرادة الإنزال.
فالمحكي عن الشيخين (1)و جماعة (2)قدّس اللّٰه أرواحهم: أنّه محرّم، بل عن الشيخ الإجماع عليه (3)، لمنافاته لغرض الشارع من شرع النكاح، لأنّه تضييع للنسل، و لذا حرم الاستمناء، و لأنّ فيه إيذاء للمرأة، و لمفهوم رواية يعقوب الجعفي الآتية المثبت للبأس الظاهر في الحرمة فيما عدا الستة المذكورة فيها (4).
و لما روي عن أنّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «نهى أن يعزل عن الحرّة إلّا بإذنها» (5).
و روي عنه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «أنّه الداء (6)الخفي» (7)، و فسّر الداء بقتل
1) المقنعة: 516، المبسوط 4: 267، الخلاف 4: 359، كتاب النكاح، المسألة: 143.
2) منهم الشيخ في المبسوط 4: 267، ابن حمزة في الوسيلة: 314، و الشهيد في اللمعة: 184.
3) الخلاف 4: 359، كتاب النكاح، المسألة 143.
4) الوسائل 14: 107، الباب 76 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 4، و تأتي في الصفحة: 73.
5) دعائم الإسلام 2: 212، للحديث 777، مستدرك الوسائل 14: 233، الباب 57 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
6) كذا في جميع النسخ، و في المصدر: «الوأد»، و قد أورده صاحب الحدائق في الحدائق (23: 88) بلفظ: الداء.
7) سنن البيهقي 7: 231، و ورد في دعائم الإسلام 2: 212، الحديث 777، و مستدرك الوسائل 14: 233، الباب 57 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث الأوّل، عن الإمام علي عليه السلام.
الولد (1).
و لا يخفى ضعف الجميع، فالأقوى ما عليه المشهور من أنّه يكره العزل عن الحرّة بغير إذنها، للأصل، و الأخبار الكثيرة:
منها: صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن العزل؟ فقال: «ذاك إلى الرجل يصرفه حيث شاء» (2).
و في الصحيح (3): «كان عليّ بن الحسين عليه السلام لا يرى بالعزل بأسا» (4).
و موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: «لا بأس بالعزل عن المرأة الحرّة إن أحبّ صاحبها، و إن كرهت ليس لها من الأمر شيء» (5).
و مستند الكراهة: ما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام أنّه سأله (6)عن العزل؟ فقال: «أمّا الأمة فلا بأس به (7)، و أمّا الحرّة فإنّي أكره ذلك إلّا أن يشترط عليها حين يتزوجها» (8).
ثم مقتضى الأصل، و ظاهر هذه الأخبار، و صريح الاعتبار: أنّه
1) كالمحدث البحراني في الحدائق 23: 88، و صاحب الجواهر في الجواهر 29: 111.
2) الوسائل 14: 105، الباب 75 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث الأوّل.
3) كذا في «ع» و «ص»، و كانت العبارة في «ق» هكذا: «و في الصحيح عن الحذّاء قال: كان علي بن الحسين .. إلخ» فشطب المؤلف قدس سره على كلمة «الحذّاء»، فأصبحت العبارة مضطربة، و الظاهر أنّه أراد الشطب على عبارة «عن الحذّاء قال».
4) الوسائل 14: 105، الباب 75 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 3.
5) الوسائل 14: 105، الباب 75 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 4.
6) في «ع»، «ص» و المصدر: سئل.
7) ليس في «ع»، «ص» و المصدر: به.
8) الوسائل 14: 106، الباب 76 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
لا يجب بالعزل دية؛ لأنّ المفروض إذن الشارع فيه، بل يمكن دعوى صراحة صحيحة محمد بن مسلم و موثقته في ذلك.
و ذهب المحقّق (1)و المصنّف رحمهما اللّٰه هنا إلى أنّه يجب به دية النطفة عشرة دنانير للزوجة؛ لأنّ الزوج بمنزلة متلف الولد حيث منع من تكوّنه، فكأنّه قاتل الولد، فلا يرث من الدية.
و لم يحك لهذا القول مستند، عدا ما ذكر من الرواية عن علي عليه السلام- في من أفزع حال الجماع فعزل لذلك-: «أنّ على المفزع دية النطفة عشرة دنانير» (2).
و لا ريب أنّ تسرية حكم الرواية إلى ما نحن فيه في غاية الإشكال، مع ظهور الفرق و جلائه.
و لو عزل عن الأمة فلا شيء قولا واحدا، و ظاهره عدم الفرق بين أمته و أمة الغير.
و لا كراهة في العزل عن الأمة؛ لرواية يعقوب الجعفي، قال:
سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: «لا بأس بالعزل في ستّة وجوه: المرأة التي أيقنت أنّها لا تلد، و المسنّة، و المرأة السليطة (3)، و البذيّة، و المرأة التي لا ترضع ولدها، و الأمة» (4)[مع أنّ الأصل كاف في نفيها] (5).
1) الشرائع 2: 270.
2) الوسائل 19: 237، الباب 19 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث الأوّل.
3) السّلاطة: حدّة اللسان، يقال: رجل سليط، أي صخّاب بذيء اللسان، و امرأة سليطة كذلك، راجع مجمع البحرين 4: 25- مادة: «سلط».
4) الوسائل 14: 107، الباب 76 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 4.
5) ما بين المعقوفتين من «ع» و «ص».
و يحرم على الرجل الوطء لامرأته قبل أن تبلغ المرأة تسع سنين، بلا خلاف- على الظاهر- المصرّح به في كلام جماعة (1)، و الأخبار به مستفيضة كصحيحة الحلبي (2)، و روايتي أبي بصير (3)و زرارة (4).
و لكن لا تحرم المرأة الموطوءة به على الواطئ إلّا مع الإفضاء و هو جعل مسلك البول و الحيض- و هو مدخل الذكر- واحدا.
أمّا عدم التحريم مع عدم الإفضاء فهو المشهور، و يدلّ عليه الأصل (5)، و عدم الدليل على التحريم، عدا مرسلة يعقوب بن يزيد- و فيها سهل بن زياد- عن مولانا الصادق عليه السلام، قال: «إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، فرّق بينهما، و لم تحل له أبدا» (6).
و هي- على ضعفها بالإرسال، مضافا إلى سهل بن زياد- مخالفة للمشهور، فلا تنهض حجّة في رفع اليد عن الأصول القطعيّة الثابتة من حصول الحلّية بعقد النكاح، فلا بدّ من حملها على صورة الإفضاء، التي لا خلاف في كونها سببا للتحريم المؤبّد مع بقاء الزوجيّة.
1) منهم الشهيد الثاني في المسالك 1: 350، و السيوري في التنقيح الرائع 3: 25، و الكاشاني في المفاتيح 2: 290.
2) الوسائل 14: 70، الباب 45 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
3) الوسائل 14: 70، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 4.
4) الوسائل 14: 70، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.
5) في «ق»: و يدلّ للأصل.
6) الوسائل 14: 381، الباب 34 من أبواب ما يحرم المصاهرة، الحديث 2.
و للمسألة فروع و أحكام تأتي إن شاء اللّٰه تعالى.
و يحرم على الرجل أيضا أن يترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر اتفاقا كما في المسالك (1)، و يدلّ عليه: رواية صفوان عن الرضا عليه السلام: «أنّه سأله عن رجل (2)تكون عنده المرأة الشابة، فيمسك عنها الأشهر و السنة لا يقربها، ليس يريد الإضرار بها، يكون لهم مصيبة، أ يكون في ذلك آثما؟ قال: إذا تركها أربعة أشهر كان آثما بعد ذلك» (3).
و زيد في التهذيب قوله: «إلّا بإذنها» (4)، و في سندها ابن أشيم.
و مورد السؤال- في الرواية- مختصّ بالشابة، و قصر الحكم عليها بعض متأخّري المتأخرين كالمحدّث الكاشاني (5)و المحدّث الحرّ العاملي (6)، و مال إليه في الحدائق (7)، و قوّاه بعض مشايخنا (8).
1) المسالك 1: 350، علما بأنّ في «ع» و «ص» وردت كلمة (المبسوط) بدل (المسالك)، و لم نجد فيه حكاية الاتفاق، بل حكايته موجودة في المسالك، و نقله عنه في الجواهر 29: 115، و الحدائق 23: 89.
2) في «ع»، «ص» و المصدر: الرجل.
3) الوسائل 14: 100، الباب 71 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث الأوّل.
4) التهذيب 7: 419، الحديث 16678، و فيه: «إلّا أن يكون بإذنها»، و عنه الوسائل 14: 100، الباب 71، من أبواب مقدمات النكاح، ذيل الحديث الأوّل.
5) مفاتيح الشرائع 2: 290.
6) بداية الهداية 2: 197.
7) الحدائق 23: 90.
8) انظر المستند 2: 475.
لكن قد عرفت دعوى الوفاق على التعميم؛ و [لذا] (1)حكي عن الرياض الإجماع على عدم الفرق بين الشابة و غيرها (2).
و يؤيّد التعميم قاعدة نفي الإضرار؛ لما روي من أنّ غاية صبر النساء عن الوقاع أربعة أشهر، و أنّه إذا مضت أربعة أشهر فنى صبرهن (3).
و في المسالك إنّ المراد بالوطء الواجب مسمّاه الموجب للغسل (4).
و لا يخلو عن إشكال؛ لأنّ الغالب المتعارف الذي ينبغي أن يجعله الشارع لرفع الإضرار، هو الجماع مع الإنزال، و منه يظهر اختصاصه بالوطء في القبل؛ لأنّه المتعارف الذي يحصل به الغرض.
ثمّ إنّ ظاهر قوله عليه السلام- على ما في التهذيب-: «إلّا بإذنها» أنّه حق للمرأة، لها المطالبة و لها الإسقاط. و يحتمل بعيدا أن يكون مجرّد تكليف في ذمّة الزوج.
و في شمول الزوجة للمتمتّعة وجهان، و كذا في إطلاق الحكم لما إذا كان الزوج غائبا.
المطلب الثاني في أركانها (1)
لم يعلم وجه لتأنيث الضمير.
و هي: الصيغة، و المتعاقدان.
فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: في الصيغة أجمع علماء الإسلام- كما صرّح به غير واحد (2)- على اعتبار أصل الصيغة في عقد النكاح، و أنّ الفروج لا تباح بالإباحة و لا بالمعاطاة، و بذلك يمتاز النكاح عن السفاح؛ لأنّ فيه التراضي أيضا غالبا.
و المشهور أنّه لا بدّ من أن يكون الإيجاب و القبول بصيغة الماضي لأنّها الصريحة في الإنشاء، بخلاف المضارع و الأمر، و لأنّ تحقّق
الزوجية معها (1)متيقّن و مع غيرها مشكوك، فيجب الاقتصار في الفروج- المبني أمرها على الاحتياط بحكم العقل و النقل- على المتيقّن.
و يرد على الأوّل: منع اختصاص الماضي بالصراحة، بل الجملة الاسميّة أصرح من الماضي، و لذا جازت في الطلاق إجماعا، مع أنّه ليس بأدون من النكاح في مطلوبيّة الاحتياط إن لم يكن أولى، فإذا جاز بالجملة الاسميّة، جاز في المضارع (2)و الأمر بالإجماع المركب.
و على الثاني: أنّه لا وجه للشكّ في غير الماضي بعد اقتضاء العموم، مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)، و خصوص ما ورد في غير واحد من الأخبار من جواز المتعة بلفظ: «أتزوّجك متعة» (4)، الموجب لجواز ذلك في الدائم أيضا؛ لعدم الفرق، حيث إنّ كلّا منهما عقد لازم موجب للتسلّط على البضع، مع أنّ في بعض تلك الأخبار: أنّه إن أخلّ بذكر الأجل انقلب دائما (5)، فهو صريح في صلاحيّة المضارع للدائم.
و ربما يستدلّ بخبر سهل الساعدي (6)المشهور، حيث إنّه يظهر منه جواز القبول بلفظ الأمر مقدّما على الإيجاب. و فيه نظر؛ لمنع كون الأمر
قبولا، إذ يحتمل [قويّا] (1)تحقق القبول بعد الإيجاب بلفظ آخر، كما يظهر بالتأمّل في متن الرواية، و سيجيء (2).
و المشهور- أيضا- أنّه يشترط وقوعهما بالعربيّة مع القدرة، و هذا الاشتراط أيضا لا يخلو من نظر؛ لعدم ما ينهض دليلا بعد العموم.
و دعوى انصراف العقود إلى العقود العربيّة غير مسموعة، كدعوى اختصاصها بها في الخطاب الملقى إلى المشافهين حيث إنّهم أعراب، و لم يثبت إلحاق العقود الفارسيّة بها؛ و ذلك لأنّ ظاهر أدلة العقود و الشروط وجوب الوفاء بها من حيث هي عقود و شروط، من غير عبرة بعباراتها المؤدّية لها، و لهذا لو القي مثل هذه الخطابات إلينا معاشر الفرس، لم نشكّ في عمومها لما عبّر عنه بالعربي أو الفارسي و التركي و الزنجي.
و أعجب من ذلك كلّه ما ذكره المحقّق الثاني في جامع المقاصد- في باب الرهن (3)- من منع صدق العقد على غير العربي مع القدرة على العربي (4)إذ لا ريب في أنّ القدرة و عدمها لا مدخل لهما في معاني الألفاظ و منصرفها، كما لا يخفى.
و كيف كان، فاللفظ الصريح في الإيجاب (5)فيه لفظان:
زوّجتك، و أنكحتك (1)لورود الكتاب (2)و السنّة (3)بهما في النكاح.
و في متّعتك خلاف (4)، من أنّه صريح في المنقطع، فالتعبير به عن الدائم يحتاج إلى القرينة، و الألفاظ المحتاجة إلى القرائن محترز عنها و لو مع القرائن في العقود اللازمة، سيما المبنية منها على الاحتياط.
و من منع وجوب الاقتصار على ما لا يحتاج في صراحته إلى القرينة، مع أنّ الاحتياج إلى القرينة إن كان لمجازيّة اللفظ فهو ممنوع، و إن كان لكونه حقيقة في القدر المشترك فيحتاج إلى القرينة فلا ريب في جواز استعمال المشترك المعنوي في العقود اللازمة، فظهر أنّ الجواز أقوى، و إن كان المنع أحوط.
و لو قال الرجل: زوّجنيها، فقال: زوّجتك، قيل: يصح (5)إمّا لصدق العقد، فيدخل في عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (6)، و إمّا لخصوص رواية سهل الساعدي المرويّة .. (7): «جاءت امرأة إلى النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فقالت:
1) في «ع» و «ص»: و هما زوّجتك و أنكحتك.
2) النساء: 22، الأحزاب: 37.
3) الوسائل 14: 194، الباب الأوّل من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد.
4) القول بعدم الانعقاد ذهب إليه ابن الجنيد- كما نقله عنه فخر المحققين في إيضاح الفوائد 3: 512- و السيد في الناصريات (الجوامع الفقهية): 246، و الشيخ في المبسوط 4: 193، و ابن حمزة في الوسيلة: 291. و القول بالانعقاد ذهب إليه الماتن في القواعد 2: 4.
5) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 4: 194.
6) المائدة: 1.
7) في «ق»- هنا- بياض بمقدار كلمتين.
زوّجني، فقال صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: من لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، زوّجنيها، فقال: ما تعطيها؟ فقال: ما عندي شيء، فقال: لا. فأعادت، فأعاد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل، ثمّ أعادت، فقال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم في المرّة الثالثة:
أ تحسن من القرآن شيئا؟ قال: نعم، قال: قد زوّجتكها (1)على ما تحسن من القرآن، فعلّمها إياه» (2).
و فيه: منع الدلالة على جواز الاكتفاء بالأمر السابق، فلعلّه قد قبل لاحقا.
و دعوى أنّ الأصل عدم تحقّق القبول اللاحق، فيثبت منه أنّ الرجل اكتفى في القبول بما تقدّم منه من الطلب، و لازمة صحّة العقد بهذا القدر، منظور فيها كما قرر في الأصول- من أنّ مقتضى الأصول الشرعيّة ترتيب الآثار الشرعيّة لا الآثار الغير الشرعيّة و إن ترتّب عليها أثر شرعي- (3)مع أنّ الطلب السابق الصادر من الرجل ليس فيه دلالة على الرضى بالتزويج بالقرآن؛ لعدم التفاته إلى ذلك أوّلا، و عدم علمه بجواز جعل تعليم السورة مهرا، بل اعتقد أنّ الصداق لا بدّ من أن يكون مالا.
و يشهد له ما ورد في بعض الروايات الحاكية هذه الحكاية أنّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم قال له: «هل عندك شيء تصدقها إيّاه؟ قال: ما عندي
إلّا إزاري هذا» (1).
و كيف كان، فلو لا العموم أشكل التمسّك بخصوص الخبر.
و كذا قيل بصحّة العقد لو قال الرجل في مقام القبول: أتزوّجك، فقالت المرأة: زوّجتك (2)، و يدلّ على هذا القول ما مرّ في اشتراط الماضوية من الدليل العام و الخاص.
و لو قيل له: زوّجت بنتك من فلان؟ فقال: نعم، كفى في الإيجاب (3)إذا أراد به الإنشاء لا الإخبار، و قد يشكل من حيث إنّ الثابت هو كون نفس (4)أحد اللفظين أو الألفاظ الثلاثة صالحا لإيجاب النكاح، و لم يثبت صلاحيّة ما قام مقامهما و إن كان صريحا.
و على فرض تسليم الصلاحيّة فهو غير صريح في الإنشاء، بل هو ظاهر في الإخبار، فيحتاج إلى القرينة.
و لو سلّم ظهوره فيه، فلا ريب أنّه أضعف ظهورا من المضارع الذي منع المصنّف قدّس سرّه من وقوع الإيجاب به.
نعم، يستفاد من بعض الأخبار الواردة في المتعة أنّه إذا قالت المرأة:
1) انظر مستدرك الوسائل 15: 60، الباب 2 من أبواب المهور، الحديث 2، مع تفاوت.
2) قاله المحقق الحلّي في الشرائع 2: 273.
3) في «ع» و «ص» زيادة ما يلي: «فلو قال الزوج: قبلت، صحّ العقد»، و علّله في الشرائع بأنّ نعم يتضمّن إعادة السؤال، و الظاهر أنّ مراده: إذا أراد به الإنشاء، انظر شرائع الإسلام 2: 273.
4) ليس في «ع» و «ص»: نفس.
«نعم» عقيب قول الزوج [لها] (1): «أتزوّجك متعة بكذا إلى كذا»، فهي امرأته (2)، و لا شكّ أنّ «نعم» من المرأة إيجاب، فدلّ على جواز الإيجاب به.
و لو قدّم القبول صحّ العقد؛ لعموم الوفاء بالعقود، و لما دلّ على التقديم في المتعة (3)، مع صلاحيّة عقده للدوام بالإخلال بالأجل.
مع أنّه يمكن أن يقال- بعد ملاحظة أنّ النزاع في جواز التقديم ليس فيما كان القبول بلفظ قبلت أو رضيت؛ للاتفاق على عدم جواز تقديمها، بل فيما كان بلفظ منشئ للتزوج (4)، كقوله: «تزوّجتك»، أو «زوّجت نفسي بك»-: إنّ عقد النكاح ليس إيجابه مختصّا بالمرأة؛ لأنّ كلّا منهما يزوّج نفسه من صاحبه و ينكح صاحبه، فإنّ لفظ النكاح و التزويج و التزوّج (5)يصلح أن يستعمل كلّ منهما مستندا إلى كلّ من الرجل و المرأة، قال اللّٰه سبحانه:
وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ (6)، و قال حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (7).
فإن قلت: إنّ المرأة تنشئ تسليط الرجل على بضعها في مقابل المهر، فمقتضى المقابلة أن يصدر من الرجل إمّا إنشاء القبول للتسليط (8)المذكور
بالمهر المزبور، و إمّا أن ينشئ ابتداء تمليك المهر بإزاء البضع فتقبل الزوجة، و لمّا لم يجز العقد بالطريق الثاني اتّفاقا تعيّن الأوّل، فإنشاؤه للتزوّج (1)بها بأن يقول ابتداء: «تزوّجتك» (2)مريدا به إنشاء زوجيّته لها لا قبول تزويجها أمر لا ينطبق على إنشاء المرأة.
قلت: ليس المهر عوضا حقيقيا في النكاح، حتّى يقابل إنشاء المرأة للتسليط على بضعها بإزاء المهر بإنشاء الرجل لقبول ذلك التسليط كالمشتري، أو بإنشائه ابتداء لتمليك المهر بإزاء البضع، كما في الصلح حيث يصحّ فيه الإيجاب عن (3)كلّ من المتصالحين، بل كلّ منهما صالح لإنشاء زوجيّته لصاحبه ابتداء، فيتعقّبه صاحبه بالقبول، فهو كالصلح من جهة صلاحيّة كلّ واحد لإنشاء نكاح صاحبه و زوجيّته له، لا من جهة معاوضة كلّ من البضع و الصداق بالآخر.
و ممّا يؤيّد ما ذكرنا- من جواز إنشاء النكاح و الزوجية من الرجل و قبوله من المرأة، كما يجوز العكس-: رواية أبان بن تغلب، و فيها: أنّه «إذا قالت المرأة: نعم، بعد قول الرجل: أتزوّجك متعة بكذا إلى كذا فقد رضيت فهي امرأته .. الخبر» (4). علّق عليه السلام حدوث الزوجيّة برضاها بما أنشأه الرجل، و على هذا فإذا قال الرجل: تزوّجتك، فقالت المرأة:
قبلت، أو رضيت، صحّ.
لكنّ المسألة حينئذ (1)تخرج عن تقديم القبول على الإيجاب، و لا يضرّ، فإنّ المقصود أنّه يصحّ سبق الرجل بإنشاء النكاح، و إلّا فإذا كان المقصود سبق الرجل بالإنشاء على وجه كونه قبولا بأن يقول: «تزوّجتك» قاصدا به (2)قبول التزويج، فلا يعقل الحكم بصحّته؛ إذ لم يسبق تزويج من المرأة حتى يقبله الرجل.
و لذا صرّحوا بأنّ النزاع فيما إذا لم يكن القبول بلفظ «قبلت»، و لا ريب في أنّه إذا قصد بلفظ «تزوّجت» قبول التزويج، فكأنّه قال:
«قبلت (3)التزويج» فتعبيرهم عن المسألة بجواز تقديم القبول على الإيجاب مسامحة، أو اصطلاح منهم- حيث اصطلحوا على تسمية إنشاء الرجل قبولا من جهة أنّ المرأة تسلّط الرجل على بضعها، و يكون الصداق كالعوض له- [و إلّا فالقبول] (4)من حيث هو قبول الإيجاب لا يعقل تقدّمه عليه.
و اشترط أيضا عدم الفصل بين الإيجاب و القبول، فضلا عن اعتبار بقاء المجلس. و عن شرحه (5)للفاضل الهندي: أنّه لعلّ السرّ فيه أنّه لا بدّ من بقاء المتعاقدين على الرضى، و عدم [الإعراض] (6)عن إنشائه إلى
تمام العقد، و مع (1)انقضاء المجلس لا يعلم ذلك و إن ظنّ، فيصير من قبيل الكناية (2).
و لا يخفى ما فيه من النظر، نعم لو وقع التراخي بحيث يبطل التخاطب العقدي أشكل الصحّة مع احتمالها.
و اشترط أيضا في العقد (3): التنجيز و عدم التعليق بالشرط و الصفة، و قد يمنع من التعليق الصوري، و لكن لا دليل عليه.
و يكفي الترجمة بغير العربيّة مع العجز عنها و عن تعلّمها؛ بناء على اشتراطها.
و لا يجب التوكيل و إن قدر عليه، و ادّعى في الحدائق: ظهور الاتّفاق على ذلك (4)، و نقل في الكفاية دعوى ظهور الاتّفاق عن بعض (5).
نعم، التوكيل مع القدرة أحوط، كما أنّ الأحوط مراعاة الإعراب و عدم اللحن بحسب القواعد العربيّة، و لذا تداول تكرار الصيغة بأنحاء مختلفة.
1) في «ع» و «ص»: و مع تحقق الفصل أو انقضاء.
2) هذه الكلمة غير واضحة في «ق»، و يحتمل «الكتابة»، و في هامش «ق»- في هذه الصفحة- عبارة طويلة ذهب بعضها، و ما يمكن قراءته منها هو: «.. ان العقد ..صريحا .. مدلوله إلى تمام العقد المجلس .. لا يوجد الثالث، بل يصير العقد بالنسبة إليه كالكتابة».و من المحتمل أن يكون المؤلف قدس سره قد أعرض عن هذه العبارة؛ فإنّ ناسخي «ع» و «ص» لم يوردا ذلك.
3) ليس في «ص»: في العقد.
4) الحدائق 23: 168.
5) كفاية الأحكام: 155.
و لو عجز عن النطق أصلا كفت الإشارة معه أي مع العجز، و كأنّه مما لا خلاف فيه مع تعذّر التوكيل، و أمّا (1)مع إمكانه فالظاهر أنّه كذلك أيضا؛ و لعلّه لما استفيد من تتبع أحكام الشارع من قيام الإشارة مقام اللفظ في العبادات و المعاملات، و فحوى ما ورد: أنّ طلاق الأخرس الإشارة (2).
و لا ينعقد الإيجاب في النكاح بلفظ الهبة، و التمليك، و الإباحة اتفاقا منّا، خلافا لبعض العامّة فجوّزوا ذلك مطلقا (3)، و لآخر منهم فجوّزوه (4)مع ذكر المهر (5).
1) في «ع» و «ص»: أما.
2) الوسائل 15: 299، الباب 19 من أبواب مقدمات الطلاق و شروطه.
3) قال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بكلّ لفظ يقتضي التمليك كالبيع و التمليك، و الهبة و الصدقة. (انظر المجموع 17: 309).
4) في «ع» و «ص»: فجوّزه.
5) قال مالك: إن ذكر المهر مع الألفاظ التي تقتضي التمليك انعقد بهما النكاح.(انظر المجموع 17: 309).
الثاني (1): في المتعاقدين
و يشترط فيهما سواء كانا زوجين أو وليين أو وكيلين: التكليف بالبلوغ و العقل و الاختيار و الحرّيّة أو إذن المولى.
و على هذا فلا اعتبار بعقد الصبي و المجنون و إن أجازا بعد البلوغ و العقل و لا بعقد السكران و إن أفاق من سكره و أجاز لعدم قصده إلى مدلول العقد حين تلفّظه به، فلا ينفعه الإجازة بعد الإفاقة.
نعم، وردت رواية مصحّحة بجواز تزويج السكرى نفسها إذا رضيت بعد الإفاقة و أقامت مع زوجها (2)، و عمل بها الشيخ (3)و القاضي (4)و بعض متأخّري المتأخرين (5).
و عن المختلف حملها على سكر يتحقّق معه القصد و إن لم يعرف فيه المصلحة و المفسدة فيما يفعله و لذلك وقف (6)على الرضى بعد الإفاقة (7).
و ردّ بأنّه إن تحقّق القصد لم يحتج إلى الرضى المتأخّر؛ لأنّ المفروض
أنّه بالغ عاقل قاصد.
أقول: لا مانع من كونها في (1)حال السكر كالسفيهة في كونها غير نافذة العقد؛ لعدم معرفتها حينئذ بما يصلحها و يفسدها، إلّا أنّها غير مولّى عليها حينئذ بالإجماع؛ لأنّها حالة اتّفاقية دون السفاهة التي تبقى طويلا، و يحتاج لذلك إلى وليّ.
و بالجملة، فلا يبعد العمل بالرواية مع صحّتها فيما إذا تحقّق القصد من السكران، بل هو أولى من المكره الذي حكموا بصحّة بيعه إذا رضي بعد زوال الإكراه، لكن المسألة مشكلة جدا.
و أمّا اشتراط الحرّية أو إذن المولى، فهو في العاقد إذا كان زوجا أو زوجة واضح. و أما في الوكيل، فهو محل نظر؛ لأنّ تصرّف العبد في نفسه بمقدار التلفّظ بالصيغة ليس مما دلّ (2)الدليل على كونه ممنوعا عنه (3)، و على فرض المنع فالنهي لا يقتضي الفساد. نعم، يحتمل تعلّق اجرة المثل عن هذا الكلام (4)في ذمّة الموكّل لو كان لهذا المقدار من المنفعة عوض في العرف و العادة، فتدبّر (5).
و يكفي عبارة المرأة الرشيدة في الإيجاب لنفسها أو غيرها، و كذا
في القبول (1)وكالة عمّن يريد تزويجها و عن غيره.
و تقييد المرأة بالرشيدة إنّما هو في الإيجاب لنفسها من دون إذن الوليّ، إلّا أن يراد بالرشد: البلوغ و العقل و الحرّية، لا مقابل (2)السفه، و حينئذ (3)فيشترط مطلقا.
و يشترط في الإيجاب: بقاء الموجب على أهليّة الإيجاب إلى تمام القبول من القابل، فعلى هذا لو أوجب ثمّ جنّ أو أغمي عليه قبل القبول، بطل الإيجاب على المعروف بينهم ظاهرا، و حكى في الحدائق عن بعضهم دعوى الإجماع عليه (4)نظرا إلى أنّ الإيجاب قبل القبول بمنزلة العقد الجائز في جواز نقضه و في (5)انتقاضة بالجنون و الإغماء. و منه يظهر عدم انتقاضة بنوم الموجب، كما هو شأن العقود الجائزة حيث لا تبطل بالنوم.
و استدلّ عليه بعض المعاصرين (6)بأنّ معنى اشتراط العقد ببلوغ المتعاقدين و عقلهما: وجود هذه الصفة فيهما في (7)حال العقد، الذي هو المركب من (8)الإيجاب و القبول، لا في حال الإيجاب فقط أو القبول فقط.
و جعل هذا وجه الاستشكال فيما ذكره في المسالك من عدم بطلان الإيجاب بتخلل نوم الموجب بينه و بين القبول (1)، و نقل عن التذكرة (2)أنّ الإشكال في هذه المسألة من حيث جواز إنشاء القبول في حال نوم الموجب، أو يعتبر تيقظه (3).
و أنت خبير بأنّ ما دلّ على اعتبار بلوغ المتعاقدين و عقلهما لا يدلّ على أزيد من اعتبارهما في إيجابهما، و لذا يرتّبون عليه أنّ عبارة الصبيّ و المجنون مسلوبة، و أنّه لا عبرة بعقدهما، فإنّ معناه أنّهما لا يصلحان لأن يكونا عاقدين.
نعم، لا بدّ من الاستدامة الحكمية إلى تمام القبول، بمعنى أن لا يظهر ما ينافيها من الرجوع عن الجزم الذي دلّ عليه الإيجاب.
و كذا الحكم في القبول لو تقدّم على الإيجاب، فجنّ القابل (4)قبل تمام الإيجاب.
و اعلم أنّه و إن روي (5): أنّه لا نكاح إلّا بوليّ و شاهدين (6)،
إلّا أنّه قد أجمع علماؤنا [على أنّه] (1)لا يشترط الولي في عقد الرشيدة على الإطلاق و إن اختلف في اعتباره في بعض أفرادها كما سيجيء (2).
و كذا المشهور أنّه لا يشترط الشاهدان، خلافا للمحكي عن العماني (3)، و قد مرّ ذلك في الآداب (4)و سيأتي تفصيل القول في الوليّ إن شاء اللّٰه (5)، فالرواية محمولة على الاستحباب.
و لو أوقعاه سرّا و تكاتماه صحّ لوجود المقتضي، و عدم ما يصلح للمنع.
و يشترط تعيين الزوجة، فلو زوّجه إحدى بنتيه لم يصحّ بلا خلاف ظاهرا، و في الكفاية: لا أعرف فيه خلافا (6)، و عن الكشف: أنّه اتّفاقي (7).
و لو زوّجه الأب أبو البنات بإحداهنّ، و لم يسمّها في العقد، بل قصد معيّنة ثم تنازع هو و الزوج و اختلفا في المعقود عليها بعد اتّفاقهما على صحّة العقد المستلزمة لورود الإيجاب و القبول على واحدة معيّنة
بالنيّة المتفقة بينهما (1)- بأن حصل الاختلاف بعد اتفاقهما في النيّة، لا أن يقصد كلّ منهما بإنشائه غير ما قصده الآخر، فإنّ هذا باطل قطعا- فالقول قول الأب إن كان الزوج رآهنّ و رضي بكلّ واحدة منهنّ، و فوّض تعيينها إلى الأب، و إلّا يكن (2)الزوج رآهن بطل العقد؛ و لعلّه حينئذ لعدم صحّة التفويض حينئذ؛ بناء على ثبوت الغرر العظيم بهذا التفويض.
لكنّ الإنصاف أنّ هذا مشكل، و إن وجدته بعد ما تفطّنت له محكيا عن كشف اللثام (3). نعم، ورد النصّ بهذا التفصيل في رواية أبي عبيدة (4).
و عن المصنّف في المختلف إنّ البطلان مع عدم الرؤية لعدم الرضى بما يسمّيه الأب (5). و حاصل هذا أنّ في صورة الرؤية لما ثبت التفويض إلى الأب صحّ، و في صورة (6)عدمها لما لم يثبت لم يصحّ، فالرؤية دليل التفويض، و عدمها دليل عدمه.
و كيف كان، فظاهر النصّ لا ينطبق على القواعد، و الذي تقتضيه هو أنّ العاقد إما أن يكون هو الأب وحده، بأن يكون متولّيا للإيجاب و القبول، أو يكون هو الأب مع وكيل الزوج، أو مع نفسه.
فعلى الأوّل، فالقول قول الأب إن كان وكّله الزوج في تزويج إحداهنّ من غير تعيينه لها (1)، و إن عيّن و اختلف في المعيّنة، فالقول قول الزوج؛ لأصالة عدم توكيله فيما يدّعيه.
و على الثاني، فقول الوكيل حجّة على الزوج دون الأب.
و على الثالث، فإن اختلف في المسمّى (2)في العقد من البنات رجع إلى التحالف؛ لأنّ كلا منهما مدّع و منكر.
و إن اتّفقا على عدم التسمية، و وقع القبول من الزوج على ما قصده الأب، فوقع الاختلاف في قصده، فالقول قوله؛ لأنّه أعرف بفعله.
و إن اختلفا في قصدهما حين العقد [عليها]، بأنّ ادّعى [الأب الكبرى] و الزوج [الصغرى] .. يئن (3).
و لو زوّجه الأب واحدة قصدها بضميره، فقبل الزوج ما قصده الأب بضميره، و قلنا بصحّة هذا الإيجاب و القبول- كما عن التذكرة (4)- ثمّ ادّعى الأب أنّه قصد الكبرى، و ادّعى الزوج أنّك قصدت الصغرى، فالقول قول الأب؛ لأنّه يخبر عن قصده. نعم، لو قال الزوج- حينئذ- إنّي قصدت الصغرى، فالظاهر بطلان العقد، و الفروع هنا كثيرة جدّا.
و لو ادّعى أحد الزوجين الزوجيّة، و صدّقه الآخر نفذ دعوى الأوّل
و تصديق الثاني و حكم به أي بما ادّعى و أقرّ به و توارثا لعموم:
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1).
و إلّا يكن الآخر مصدّقا له افتقر المدّعي إلى البيّنة فإن أقامها عند الحاكم أو حلف اليمين المردودة بعد امتناع المنكر و نكوله، فعلى الحاكم أن يحكم عليه بتوابع الزوجيّة كلّا، و إن حلف المنكر فلا سبيل للمدّعي عليه.
و على جميع التقادير يجب على كلّ منهما فيما بينه و بين اللّٰه العمل بما يعتقده باطنا و إن كان مخالفا لما حكم به الحاكم (2)ظاهرا؛ لأنّ حكم الحاكم لا يغيّر الشيء عمّا هو عليه في نفس الأمر، خلافا لأبي حنيفة (3).
و لو عقد رجل على امرأة خالية عن زوج، ثمّ ادّعى رجل آخر زوجيّة المرأة المعقود عليها، لم يلتفت إلى دعواه إلّا بالبيّنة، فإن أقام البيّنة حكم له بمقتضاها، و إن لم يقمها فلا يمين له على المرأة؛ لأنّ اليمين إنّما يتوجّه فيما (4)يسمع منه إقرار المنكر، و هنا لا يسمع إقرار المرأة؛ لأنّه إقرار في حقّ الغير، و هو الرجل العاقد.
و قد يمنع من كونه إقرارا في حقّ الغير؛ إذ ثمرة الإقرار لا تنحصر في أخذ المقرّة من العاقد و دفعها إلى الأجنبي، حتى يقال: إنّ إقرارها إقرار
في حقّ الغير، بل فائدة إقرارها تغريمها مهر المثل للمدّعي (1)، حيث إنّها فوّتت بضعها على المدّعي، كما إذا باع دارا من عمرو ثمّ أقرّ بأنّها كانت لزيد.
و من هنا قال غير واحد: إنّ مبنى المسألة على أنّ البضع هل يضمن بالتفويت أم لا (2)؟
و على كل حال، فلا إشكال أنّه إذا أقرّت بزوجيّة المدّعي، ثم مات العاقد أو طلّقها، حكم بها للمدّعي؛ لأنّه تحقّق حينئذ دعوى الزوجيّة من الرجل و تصديقه من المرأة، و انحصار الحقّ فيهما.
و قد عرفت في المسألة الاولى أنّه يحكم حينئذ بالزوجيّة، و أنّه لو صدّق العاقد المدّعي دفعت إليه أيضا.
و ربما يكون ثبوت مثل هذه الفائدة عند الإقرار كافيا في توجّه اليمين عليها عند الإنكار، مضافا إلى عموم: «اليمين على من أنكر» (3).
و دعوى اشتراط أن يكون المنكر بحيث إذا أقرّ ترتّب على إقراره ثمرة فعلية للمدّعي، يدفعه الإطلاق، لكن الظاهر أنّ مجرّد ترتّب الثمرة على إقرار الشخص في زمان من الأزمان (4)بفرض من الفروض، لا يوجب توجّه اليمين عليه مع الإنكار، بل لعلّ هذا إجماع.
و أمّا حديث: «اليمين على المنكر» فهو إنّما يمكن الاستدلال به بعد القول بضمان البضع بالتفويت، و إلّا فلا يترتّب على نكول المنكر عن اليمين فائدة، و لا فرق حينئذ بين إقراره و إنكاره حتّى يقال: إنّ وظيفته اليمين فيلزم بها.
و اعلم أنّه قد يستدلّ للقول بعدم توجّه اليمين على المرأة بما رواه الشيخ في التهذيب عن يونس [قال: «سألته عن رجل] (1)تزوّج امرأة في بلد من البلدان، فسألها أ لك زوج؟ فقالت: لا، فتزوّجها، ثمّ إنّ رجلا أتاه فقال: هي امرأتي، فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم الزوج؟ فقال عليه السلام:
هي امرأته إلّا أن يقيم البيّنة» (2).
و نحوها رواية أخرى، اعترف المستدل بأنّها دون المذكورة في الظهور (3).
و لا يخفى أنّ الخبر المذكور- مع قطع النظر عن سنده و إضماره- لا دلالة له على المطلوب؛ لأنّ السؤال فيه عن تكليف الزوج، و أنّه ما يلزمه، كما هو صريح قوله: «ما يلزم الزوج؟» و لا ريب أنّ الجواب حينئذ هو أنّ المرأة زوجته إلّا أن يقيم البيّنة. و ليس في السؤال تعرّض لذكر ما يلزم على الزوجة، أو لاستفسار كيفيّة قطع النزاع بينهما، حتّى يقال:
إنّ عدم حكمه بلزوم اليمين على الزوجة دليل على عدم وجوبها عليها.
ثمّ قد عرفت- في المسألة الثانية- أنّ الزوجة المنكرة الخالية عن (1)الزوج تلزم باليمين؛ لعموم: «اليمين على من أنكر».
و هل لها التزويج قبل انتهاء الدعوى بيمينها أو بردّها على الرجل، أو ليس لها التزويج؟ وجهان، قيل: هما مبنيان على المسألة الثالثة (2)، و أنّه هل يلزم المنكرة (3)باليمين مع الإنكار، أو يسقط دعوى المدّعي بمجرّد العجز عن البيّنة؟
فإن قلنا بالأوّل، فيجوز تزويجها؛ لأنّ وظيفتها لا تتفاوت بالتزويج، و دعوى الرجل أيضا لا يسقط بعد تزوّجها.
و إن قلنا بالثاني، فلا يجوز تزوّجها؛ لأنّ تزوّجها حينئذ مسقط لدعوى المدّعي باختيار منها، فلا يجوز؛ لأنّ الدعوى المتوجّهة لا ترتفع إلّا بإسقاط المدّعي، أو قيام الحجّة عليه بيمين المنكر.
و يمكن النظر في هذا الابتناء:
أمّا في جواز التزويج بناء على الأوّل، فلأنّ دعوى المدّعي متعلّقة ببضع المرأة، و لا ريب في حرمانه عنه بعد العقد، إذ غاية ما يحصل من نكول المرأة و حلفه اليمين المردودة هو وصول مهر المثل إليه، لا نفس البضع.
و أمّا في عدم جوازه على الثاني، فلأنّ دعوى المدّعي الغير الثابتة لا يمنع من تصرّف المدّعى عليه فيما يملكها بمقتضى الأصل و الظاهر.
لكنّ الإنصاف، صحة الابتناء المذكور؛ لأنّه إذا قلنا بسماع دعوى الرجل بعد العقد، فلا مانع لها من التزويج إلّا تفويت المدّعى على المدّعي على فرض ثبوت دعواه، و لا مانع منه إذا لم يثبت بعد استحقاقه له (1)حتّى يمنع من تفويته عليه، و مجرّد احتمال ثبوت استحقاقه لا يوجب منع المالك عن التصرّف فيما يملكه؛ و لهذا (2)يجوز بيع الدار المتنازع فيها قبل انتهاء النزاع.
نعم، الممنوع منه تفويت أصل الدعوى على المدّعي؛ لما استفيد من الأدلّة الشرعيّة أنّ الدعاوي إنّما تنقطع ببيّنة عادلة أو يمين قاطعة (3)، و لهذا إذا قلنا بعدم سماع الدعوى بعد العقد لا يجوز التزويج.
و بالجملة، حيث جاز للمدّعى عليه تفويت المدّعى على المدّعي و لم يجز له تفويت أصل الدعوى عليه، توجّه الحكم بجواز التزويج مع سماع الدعوى بعده، و الحكم بعدمه مع عدمه، فتدبّر.
و لو أقام رجل بيّنة بزوجيّة امرأة منكرة لها و أقامت أختها المدّعية على الرجل بأنّها زوجته بيّنة بأنّها الزوجة، قدّمت بيّنة الزوج ما لم يدخل بالأخرى المدّعية أو يتقدّم تأريخ عقدها بشهادة البيّنة على المشهور.
و في الكفاية: إنّ بعضهم نقل الإجماع عليه (1).
و في المسالك: إنّه المشهور، بل لا يظهر فيه خلاف (2).
و مستنده رواية (3)رموها بالضعف و تلقّوها بالقبول (4).
و في المسالك: إنّها مخالفة للقواعد، من حيث ترجيح بيّنة الرجل على بيّنة الأخت مع إطلاق البيّنتين أو تساوي تأريخهما؛ لأنّه منكر، و يقدّم قوله مع عدم البيّنة، و من كان القول قوله فالبيّنة بيّنة صاحبه (5).
و فيه نظر: لأنّ تقديم بيّنة الرجل ليس في مقام إنكاره لدعوى الأخت، بل في مقام ادّعائه لزوجيّة المرأة المنكرة، فليس هنا دعوى واحدة تعارض فيها بيّنتا المنكر و المدّعي، و حكم الشارع فيها بتقديم بيّنة المنكر، بل هنا دعويان متنافيان، و مدّعيان و منكران، و الشارع إنّما حكم بسماع دعوى الرجل دون دعوى الأخت، فمن أجل ذلك لا يسمع بيّنتها و لا يتوجّه لها يمين على الرجل، كما يظهر من الرواية، حيث حكم فيها بعدم تصديق الأخت، و عدم سماع بيّنتها من غير تعرّض لثبوت اليمين لها، بل ظاهر عدم التصديق عدم التفات إلى دعواها.
فالترجيح بين الدعويين- و هو أمر تعبّدي- لا بين البينتين في دعوى واحدة- و هي دعوى الأخت على الرجل و إنكار الرجل- حتّى يقال:
إنّ سماع بيّنة المنكر و تقديمها على بيّنة المدّعي خلاف القواعد.
مع إمكان تطبيقه عليها بما قيل في وجه ترجيح بيّنته على بيّنتها من أنّها تنكر ما هو فعله الذي هو أعلم به من غيره؛ إذ لعلّه عقد على المرأة قبل العقد على الأخت و هي لا تعلم (1)، و كان مرجع ذلك إلى أنّ اعتماد كلّ من البيّنتين فيما تشهدان به إنّما هو على ظاهر العقد، حيث لم يعلموا بفسادها من جهة سبق العقد على الأخرى (2)، فالبيّنتان من هذه الجهة متساويتان.
و أمّا اعتماد غير الرجل و الأخت، فيتفاوتان في أنّ اعتماد الأخت غالبا- كاعتماد البينتين- على ظاهر العقد مع عدم العلم بالفساد؛ لاحتمال سبق العقد على أختها، و اعتماد الرجل في دعواه على العلم بصحة ما يدّعيه في الواقع و فساد ما تدّعيه الأخت؛ لأنّ مناط صحّة ما تدّعيه الأخت من زوجيّة نفسها، و تنكره من زوجيّة أختها، إنّما يعرف من قبل الرجل، فهو أعرف به، و لهذا يمكن الجمع بين ما يدّعيه الرجل و بيّنته، و بين ما تدّعيه الأخت و بيّنتها؛ حيث إنّ المفروض أنّ مستند الأخت و بيّنتها هو وقوع العقد بأن يكون الرجل قد عقد على الاولى قبل العقد على الأخت، لكن لمّا رأت الأخت و بيّنتها العقد حكموا بالزوجيّة؛ لعدم العلم بالفساد، و كذا بيّنة الرجل، و لمّا علم الرجل بفساد عقد الأخت أنكر زوجيّتها و ادّعى زوجيّة أختها.
و من هنا يظهر وجه ما ورد من تعليل عدم قبول بيّنة الأخت بأنّها تريد فساد [عقد] (1)أختها (2)، حيث إنّه لا وجه لدعوى الأخت زوجيّة الرجل المدّعي لزوجيّة أختها إلّا العناد و إرادة الفساد؛ لأنّها إمّا أن تعتقد في نفسها أنّ الرجل عقد عليها أو لا تعتقد، سواء اعتقدت العدم أو ترددت.
و على الثاني و الثالث، فالدعوى كاذبة كاشفة عن العناد، و على الأوّل فهي لا تعلم صحّة العقد الواقع عليها إلّا بمجرّد عدم الاطّلاع على فساده، و مع إنكار الرجل لزوجيّتها يمكنها الجمع بين معتقدها و بين إنكار الرجل بالحمل على سبق نكاح أختها، فلا وجه غالبا لتكذيب الرجل مع عدم علمها بكذبه (3)إلّا إرادة الفساد.
نعم، لو كان بيّنة الأخت مؤرّخة لعقدها بزمان أسبق من زمان العقد على أختها، توجّه الحكم بتقديم بيّنتها.
و كذا لو ثبت دخول الرجل؛ فإنّ الدخول قرينة ظاهرة على كذب الرجل مكذّبة لبيّنته، كذا قيل (4).
و فيه نظر؛ لأنّ الدخول أعمّ من الزوجيّة و لو حملناه على الصحيح، إلّا أنّه لا مانع من جعله مرجّحا لبيّنة الأخت بحكم الخبر.
ثمّ إنّ ظاهر الخبر عدم توجّه الحلف لها على الرجل، و لعلّه لكفاية البيّنة- المسموعة المثبتة لملزوم الإنكار- عنه، كما أنّه إذا سمع بينة المنكر
في موضع يكتفى به عن يمينه.
و لو أذن المولى لعبده في ابتياع زوجته للمولى، فالعقد باق؛ لأنّ زوجة العبد إنّما انتقلت من البائع إلى المولى و لم تدخل في ملك العبد.
و إن أذن له في ابتياعه لنفسه (1)فالعقد باق أيضا إن قلنا بأنّ العبد لا يصلح لأن يملك شيئا و لو بالتمليك؛ لأنّ إذن المولى له في ابتياعه لنفسه (2)يصير لغوا، بل الشراء حينئذ باطل، على ما قوّاه في المسالك (3)، و حكى فيه عن النكت: وقوع الشراء للمولى؛ لأنّ الإذن في الشراء للعبد يتضمّن أمرين مطلق الشراء و كونه للعبد، فإذا لغا الإذن بالنسبة إلى القيد بقي بالنسبة إلى المطلق (4).
و ضعّفه فيه: بأنّ الإذن تعلّق (5)بأمر واحد، و هو المقيّد، و قد ارتفع، و لا يبقى المطلق بعد ارتفاعه. ثمّ قال: فعدم صحّة العقد أصلا قوي (6). و تبعه عليه بعض من تأخّر عنه (7).
و قال بعض معاصرينا بالفرق بين ما لو أذن له أن يشتريها لنفسه على جهة الملكية، و بين ما لو أذن له أن يشتريها لنفسه، بمعنى أن يختص بها
و ينتفع، بأن يرجع ذلك إلى شرائها للمولى لكن ينتفع العبد، و بين ما لو أذن له أن يشتريها و ينتفع بها من غير أن يلاحظ المولى إيقاع الإذن على شرائها لنفسه على جهة الملك للمولى، و قوّى في الأخير الصحّة، و نفى الإشكال عن صحّة الثاني و فساد الأوّل (1).
و وجّه الصحّة في الأخير بأنّ الإذن في الشراء ينصرف إلى ما هو الصحيح من غير حاجة إلى قصده، لكن هذا كلّه مع شراء العبد لها كذلك، أي من غير ملاحظة كونها له أو للمولى (2).
و إلّا نمنع من ملكية العبد- و لو بالتمليك- ملك العبد زوجته و بطل النكاح بينهما، كما يبطل نكاح الحرّ للأمة إذا اشتراها الزوج؛ لأنّ الزوجيّة لا تجتمع مع الملك؛ للتفصيل بينهما في الآية إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ* (3)، و في الأخبار الدالّة على أنّ النكاح على (4)ثلاثة وجوه: «نكاح بميراث، و نكاح بلا ميراث، و نكاح بملك يمين» (5)، و التفصيل قاطع للشركة.
ثم هل يستبيحها العبد المالك لها، إما لأجل الملك أو لأجل رضى المولى
1) كصاحب الجواهر في الجواهر 29: 169.
2) كذا في «ق»، و العبارة في «ع» و «ص»: كما يلي: «أو للمولى، و إلّا فيتبعه حكم الملحوظ. و أمّا بطلان العقد في الثاني ما لا يمنع من ملكية العبد و لو بالتمليك، فمتى ملك العبد زوجته بطل النكاح بينهما».
3) المؤمنون: 6، المعارج: 30.
4) ليس في «ع» و «ص»: على.
5) الوسائل 14: 57- 58، الباب 35 من أبواب مقدّمات النكاح.
بوطئها المستفاد من إذنه له في شرائها لنفسه، أو لا؟ وجوه، يضعّف الأوّل:
أنّ العبد و إن ملك الجارية لكنه محجور عن التصرّف فيما يملكه.
و الثاني: أنّ الإذن في الشراء لنفسه لا يدلّ على الإذن في الوطء أصلا، مع أنّ إذنه في التصرّف قبل الشراء لا يثمر؛ لأنّه إذن في التصرّف فيما لا يملك الآذن التصرّف فيه، فهو في معنى التوكيل فيما لا يملكه الموكّل.
و ردّ بأنّه يسوغ الإذن فيما لا يملكه الآذن، إذا أذن أولا فيما يستتبعه، كما يجوز هذا في الوكيل بأن يقول: اشتر لي جارية ثمّ أعتقها عنّي، فكذا فيما نحن فيه يقول: اشتر الجارية و أنت في حلّ من وطئها، و هو حسن.
ثمّ إنّ هذا الذي ذكر من التفصيل إنّما هو فيما لو كان العبد المأذون لم يتحرّر منه شيء و أمّا (1)لو تحرّر بعضه فاشتراها بطل العقد لأنّ الشراء إن كان بمال ينفرد به العبد، فقد ملكها، و إن كان بمال مشترك بينه و بين السيّد، فقد ملك بعضها، و على التقديرين يبطل العقد. نعم، يجوز له وطؤها بالملك على التقدير الأوّل، و لا يجوز على الثاني.
1) في «ق» و «ع»: أما.
و فيه فصلان:
و هي أربعة:
و في معناها الجدودة على المشهور المعروف عمّن عدا العماني (1).
و تفيد ولاية الإجبار على الولدين و هما الذكر و الأنثى الصغيرين أو المجنونين، سواء في الأنثى البكر و الثيّب بوطء أو غيره.
و إطلاق المجنونين يشمل ما إذا كان جنونهما متّصلا بالصغر، أو طارئا بعد البلوغ عاقلا.
و لا إشكال في الأوّل، و حكي عدم الخلاف فيه (2)للاستصحاب و عموم رواية زرارة: «إذا كانت المرأة مالكة لأمرها، تبيع و تشتري
و تعتق [و تشهد] (1)و تعطي [من] (2)ما لها من شاءت، فإنّ أمرها جائز، تزوّجت متى شاءت بغير وليّ. و إن لم تكن كذلك، لم يجز تزويجها إلّا بأمر وليّها .. الخبر» (3).
و لا ريب أنّ المتبادر من «وليّها» أبوها أو جدّها؛ إذ لا ولاية للغير عليها (4)مع وجودهما اتّفاقا، إلّا أن يقال: إنّ الحاكم هو الوليّ في المجنون المتوحّد (5)عن الصغر، و لا ريب أنّ إرادته من الرواية في غاية البعد. و من هنا يصحّ الاستدلال بالرواية على ولاية الأب و الجدّ على المجنونين و إن لم يتّصل جنونهما بصغرهما؛ إذ لا دليل على ولاية الحاكم عموما و لا خصوصا بحيث تطمئنّ منه النفس.
و لا خيار لهما بعد بلوغهما و رشدهما، أمّا عدم الخيار للصغيرة فالظاهر أنّه موضع وفاق كما في الحدائق (6)، و في المسالك: أنّه لا يظهر فيه مخالف (7).
و يدلّ عليه الأخبار الكثيرة كصحيحة الحذّاء عن أبي جعفر عليه السلام، و فيها: «قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز
عليها تزويج الأب، و يجوز على الغلام، و المهر على الأب للجارية» (1).
و نحوها صحيحة ابن بزيع عن أبي الحسن عليه السلام (2)، و صحيحة عبد اللّٰه بن الصلت عن أبي الحسن عليه السلام (3)، و صحيحة عليّ بن يقطين عنه عليه السلام (4).
نعم، في صحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن الصبي يزوّج الصبية، قال: إن كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم جائز، و لكن لهما الخيار إذا أدركا، فإن رضيا بعد ذلك فإنّ المهر على الأب ..
الخبر» (5).
و هذه الرواية و إن صحّت، لكنّها لعدم ظهور القائل بها و معارضتها بأكثر منها، لا بدّ من إطراحها (6)أو حملها على ما ذكره الشيخ من أنّ الصبي مختار في الطلاق أو الفسخ بأسباب (7)، و الصبيّة مخيّرة في مطالبة الطلاق
1) الكافي 5: 401، الحديث 4. و عنه الوسائل 17: 527، الباب 11، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث الأوّل.
2) الوسائل 14: 207، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث الأوّل.
3) الكافي 5: 394، الحديث 6، التهذيب 7: 381، الحديث 1540، و عنه الوسائل 14: 207، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3، و فيه سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام.
4) الوسائل 14: 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 7.
5) نفس المصدر، الحديث 8.
6) في «ع» و «ص»: طرحها.
7) الكلمة غير مقروءة في «ق».
أو الفسخ مع وجود أسبابه (1)، و لا يخفى بعده، لكن (2)أولى من الاطراح (3).
و أمّا عدم الخيار للصغير إذا أدرك، فقد نسب إلى المشهور، و يدلّ عليه صحيحة الحذّاء المتقدّمة (4)و ما دلّ من الأخبار على أنّهما إذا زوّجهما الأبوان و ماتا يتوارثان كصحيحة محمد بن مسلم (5)و نحوها (6)فإنّ وقوف العقد على الإجازة بعد البلوغ ينافي التوارث إذا ماتا قبله.
اللّٰهمّ إلّا أن يقال: إنّ العقد الواقع ليس موقوفا كالفضولي الصادر عن غير الأب، بل العقد صحيح منجّزا، و إنّما يتخيّر الصبي بعد الإدراك بين فسخه و إبقائه، فلا ينافي ذلك للتوارث.
و ردّ بأنّ ذلك مخالف لما يظهر من الأخبار (7)من أنّ معنى الخيار بعد الإدراك هو أنّه (8)لا يترتّب على العقد أثر قبل الإدراك، كما يستفاد من صحيحة الحذّاء التي نقلنا عجزها.
و يدلّ على خلاف المشهور ما رواه في التهذيب عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام، و فيها: «إنّ الغلام إذا زوّجه أبوه و لم يدرك كان له
1) التهذيب 7: 382، ذيل الحديث 1543، و الوسائل 14: 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 8.
2) في «ع» و «ص»: لكنه.
3) في «ع» و «ص»: الطرح.
4) تقدّمت في الصفحة: 108.
5) الوسائل 14: 220، الباب 12 من أبواب عقد النكاح، الحديث الأوّل.
6) مستدرك الوسائل 14: 317، الباب 5 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
7) ليس في «ع» و «ص»: من الاخبار.
8) في «ع» و «ص»: أن.
الخيار إذا أدرك و بلغ خمس عشرة سنة، أو يشعر في وجهه، أو ينبت في عانته قبل ذلك» (1).
و رواية أبان (2)[و] (3)موثقة الفضل بن عبد الملك، قال: «إذا زوّج الرجل ابنه فذاك إلى ابنه، و إذا زوّج الابنة جاز» (4).
و الأقوى ما عليه المشهور؛ لأنّ المراد بثبوت الخيار للصبيّ بعد الإدراك إن كان هو الخيار في إجازة العقد و ردّه بحيث يكون العقد قبلها فضوليا موقوفا، فيردّه- مضافا إلى صحيحة الحذّاء- أخبار التوارث (5)، و لا يعارضها الخبران.
و إن كان هو الخيار بين فسخ العقد و إبقائه، كالخيار في سائر العقود- و يؤيّده ما في الرياض من أنّه قيل: بأنّ القول بثبوت التوارث لا ينافي الخيار (6)، و أنّه قال بالتوارث كلّ من قال بالخيار للصبيّ، حيث إنّ ظاهر ذلك أنّه يراد بالخيار خيار الفسخ لا خيار الإجازة- فيكون كالعقد الجائز لا الفضولي.
فحينئذ لو سلّم عدم مخالفته لما يظهر من الأخبار، من أنّ المراد
1) التهذيب 7: 382، ذيل الحديث 1544، و عنه في الوسائل 14: 209، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.
2) الوسائل 14: 221، الباب 13 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
3) من «ع» و «ص».
4) الوسائل 14: 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
5) تقدّم بعضها في الصفحة السابقة، انظر الهامش 2 و 3 هناك.
6) رياض المسائل 2: 78.
بالخيار بعد الإدراك هو أنّ قبله لا يترتّب على العقد أثر، رجع الأمر إلى معارضة صحيحة الحذّاء مع الخبرين، فيرجع فيهما- مع قطع النظر عن الترجيح بالشهرة و نحوها- إلى أصالة اللزوم، و عدم ثبوت الخيار، و عدم انفساخ العقد بفسخه.
ثم لو تنزّلنا و رفعنا اليد عن أخبار التوارث، قلنا: إنّ الرواية الاولى- و هي رواية يزيد (1)- ضعيفة مشتملة على ما ربما (2)خالف الإجماع، فكيف تقوى على معارضة صحيحة الحذّاء (3)؟! و أمّا الروايتان (4)فهما أيضا- مع عدم المقاومة سندا- يشملان البالغ و غير البالغ (5)، فلا بدّ من تخصيصهما بالبالغ بحكم الصحيحة التي هي أخصّ منهما.
و لا تثبت ولايتهما على البالغة الرشيدة إن كانت ثيّبا اتّفاقا فتوى و نصّا و كذا إن كانت بكرا و إن زوّجت و وطئت دبرا، أو ذهبت بكارتها بغير الجماع على رأي مشهور، بل في النكت عن السيّد دعوى الإجماع (6)لأصالة صحّة العقد الواقع بينهما على نفسها، و لعموم ما دلّ على
1) التهذيب 7: 382، ذيل الحديث 1544، و تقدّمت في الصفحة: 110.
2) ليس في «ع» و «ص»: ربما.
3) التي تقدّمت في الصفحة: 108.
4) و هما روايتا أبان و الفضل بن عبد الملك، المتقدّمتان في الصفحة السابقة.
5) ليس في «ع» و «ص»: و غير البالغ.
6) � غاية المراد: 173، الانتصار: 122، جوابات المسائل الموصلية الثالثة (رسائل الشريف المرتضى) 1: 235.
وجوب الوفاء بالعقود (1)، و إطلاق قوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (2)بالنسبة إلى صورتي إذن الوليّ و عدمه، و قوله تعالى- في حكم المعتدات بالوفاة- فَإِذٰا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (3)و يشمل بعمومه لغير المدخولة و الموطوءة دبرا، و قوله تعالى فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يَتَرٰاجَعٰا (4)و المراد بالتراجع: المراجعة بالعقد و يشمل أيضا الباكرة الموطوءة دبرا، و يتمّ المطلوب في غيرها بالإجماع المركّب.
و بهذا يظهر أنّ التمسّك لعدم الجواز هنا بأصالة بقاء الولاية للولي و فساد العقد مع عدم رضاه- لثبوتهما قبل بلوغ المرأة- ليس في موقعه، لا لتغيّر الموضوع و هو الصغر كما قيل (5)، [بل] (6)لأنّ الأصل لا يعارض العموم و الإطلاق المذكورين، السليمين ممّا يصلح للتخصيص و التقييد، عدا ما يتراءى من الأخبار الدالّة على أنّه «لا تتزوّج ذوات الآباء من الأبكار إلّا بإذن آبائهنّ»، كما في الصحيح (7).
و على أنّ الجارية ليس لها مع أبيها أمر، كما في صحيحة عبد اللّٰه
ابن الصلت عن أبي الحسن عليه السلام، قال: «سألته عن الجارية (1)إذا بلغت مبلغ النساء، أ لها مع أبيها أمر؟ قال: لا» (2)، و نحوها حسنة الحلبي بابن هاشم (3)، و موثقة إبراهيم بن ميمون بابن فضال (4)، و صحيحة محمد ابن مسلم، و زاد فيها أنّه «يستأمرها كلّ أحد ما عدا الأب» (5)، و نحوها موثقة الفضل بن عبد الملك (6)و المروي عن البحار عن كتاب الحسين ابن سعيد عن ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام (7)، و رواية عبيد ابن زرارة (8)، و المروي في الحدائق عن كتاب علي بن جعفر عن أخيه (9)و على أنه لا ينقض النكاح إلّا الأب، كما في صحيحة زرارة (10)
1) في المصادر: البكر.
2) الكافي 5: 394، الحديث 6، التهذيب 7: 381، الحديث 1540، و الوسائل 14: 207- 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3. و فيه: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام.
3) الوسائل 14: 203، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 11.
4) الوسائل 14: 214، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
5) الوسائل 14: 205، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
6) الوسائل 14: 202، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.
7) البحار 103: 330، الحديث 5.
8) الوسائل 14: 204، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 13.
9) الحدائق 23: 213، الوسائل 14: 215، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 8.
10) الوسائل 14: 205، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث الأوّل.
و رواية محمد بن مسلم (1).
و على أنّ الباكرة لا تملك أمرها في النكاح، كمفهوم صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: «هي أملك بنفسها، تولّي أمرها من شاءت إذا كان كفوا بعد أن تكون قد نكحت رجلا قبله» (2)و نحوه مفهوم صحيحة عبد اللّٰه ابن سنان (3)، و رواية ابن مسكان عن الحسن بن زياد (4)، و موثقة عبد الرحمن (5)لو لا القاسم بن عروة، و مرسلة ابن بكير (6).
و على أنّ تزويج الأب على ابنته (7)جائز كما في موثقة عبيد بن زرارة (8)، و هي عامّة للبالغة و الصغيرة و نحوها، بل أظهر منها في البالغة ما دلّ على أنّه «إذا زوّج الرجل ابنه فذاك إلى ابنه، و إذا زوّج ابنته جاز» كما في رواية أبان (9)و موثقة الفضل بن عبد الملك بأبان (10)فإنّ حمل الابن على البالغ بقرينة ما مرّ سابقا من أنّه لا خيار للابن الصغير بعد البلوغ إذا زوّجه أبوه في صغره، قرينة على أنّ المراد بالابنة البالغة أيضا، لئلّا يلزم
1) الوسائل 14: 205، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 5.
2) الوسائل 14: 202، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
3) الوسائل 14: 212، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.
4) الوسائل 14: 202، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
5) الوسائل 14: 204، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 12.
6) نفس المصدر، الحديث 14.
7) في «ع» و «ص»: بنته.
8) الوسائل 14: 204، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 13.
9) الوسائل 14: 221، الباب 13 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
10) الوسائل 14: 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
التفكيك، و حيث ثبت استقلال الثيبة في أمرها تعيّن إرادة الباكرة.
و على أنّه لا يجوز تزويج الباكرة بغير علم أبيها، كما في رواية سعد بن إسماعيل عن أبيه عن الرضا عليه السلام، المرويّة في التهذيب (1).
و على أنّ الجارية البكر (2)التي لها أب لا تتزوّج إلّا بإذن أبيها، كما في رواية أبي مريم المرويّة في الكافي عن الصادق عليه السلام، قال: «الجارية البكر التي لها أب لا تتزوّج إلّا بإذن أبيها، و قال: إذا كانت مالكة لأمرها تزوّجت متى شاءت» (3).
و على أنّه «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها (4)فنكاحها فاسد»، كما في النبوي (5).
و على أنّ التمتّع بالبكر لا يجوز بدون إذن الأب (6)، و بضميمة عدم معروفيّة القائل بالمنع في المتعة و الجواز في الدوام يثبت المطلوب.
فهذه ثلاث و عشرون رواية تدلّ على استمرار ولاية الأب على البالغة الباكرة، لكنّها- مع صحّة سند كثير منها كوضوح دلالة أكثرها-
1) التهذيب 7: 385، الحديث 1548، و عنه الوسائل 14: 204، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 15.
2) ليس في «ع» و «ص»: البكر.
3) الكافي 5: 391- 392، الحديث 2، و عنه في الوسائل 14: 205، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.
4) في «ع» و «ص»: أبيها.
5) سنن الترمذي 3: 407- 408، الحديث 1102، و فيه: فنكاحها باطل.
6) في «ع» و «ص»: أبيها.
معارضة بأخبار كثيرة دالّة على استقلال الباكرة، معتضدة أو منجبرة بفتوى الأكثر و دعوى الإجماع:
منها: صحيحة منصور بن حازم عن الصادق عليه السلام: «تستأمر البكر و غيرها و لا تنكح إلّا بأمرها» (1).
و منها: الصحيح المروي في الكافي عن الفضيل بن يسار و محمد بن مسلم و زرارة و بريد بن معاوية، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «المرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة و لا المولّى عليها إنّ تزويجها بغير وليّ جائز» (2).
فإنّ الظاهر أنّ المراد بكونها مالكة لنفسها (3): كونها مالكة لأمورها (4)و ما به نظام (5)معاشها من المعاوضات و العطيّات و غيرها، كما يدلّ على ذلك تفسير مالكيّة أمرها في رواية زرارة بأن «تبيع و تشتري و تعتق» (6)، فيرجع حاصل ذلك إلى كونها بالغة رشيدة، فيكون قوله: «غير السفيهة و لا المولّى عليها» أي لأجل الصغر، تفسيرا لمالكيّة نفسها، فملاك أمرها تارة فسّر في الأخبار بصحّة عقودها و إيقاعاتها، و اخرى باتّصافها بما هو مناط صحّة تلك الأمور، و هي عدم السفاهة و الصغر المعبّر عنهما بالبلوغ و الرشد.
لا يقال: إنّ كونها مالكة لأمرها (1)حتّى في النكاح فرع عدم كونها مولّى عليها فيه، و لم يثبت ذلك، بل هو عين المسألة.
لأنّا نقول: ليس المراد ملاك أمرها في النكاح، أو كونها غير مولّى عليها في النكاح، و إلّا لكان المعنى أنّ المرأة المالكة لأمرها حتّى في النكاح- أعني غير السفيهة و المولّى عليها في النكاح- يجوز نكاحها بغير وليّ.
و لا يخفى أنّه لغو صرف؛ ضرورة أنّ أخذ الحكم في الموضوع ممّا يوجب لغوية الحمل، فإنّ الموضوع إذا كانت هي المرأة التي لا يولّى عليها في النكاح و تملك أمرها فيه، فمعنى كونها كذلك: جواز تزويجها بغير وليّ، فالحكم عليه بجواز التزويج بغير وليّ لغو صرف، فالمراد ملاك أمرها و عدم كونها مولّى عليها في سائر العقود و الإيقاعات، فدلّت على أنّه إذا زالت الولاية عليها في سائر العقود و الإيقاعات زالت عنها في النكاح أيضا.
و يشهد لما ذكرنا من المراد بالصحيحة (2)رواية زرارة، و فيها عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع و تشتري، و تعتق، و تعطي مالها من شاءت، فإنّ أمرها جائز، فتزوّج إن شاءت بغير وليّ، و إن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلّا بأمر وليّها» (3).
و ممّا ذكرنا ظهر [فساد] (4)ما عن شرح النافع لصاحب المدارك، أنّ
المراد ب «ملكت نفسها»: أي لم يكن لها أب، أو كانت ثيّبا.
و استشهد على الأوّل: بجعل مالكية الأمر في رواية أبي مريم التي ذكرناها في آخر أخبار ولاية الأب مقابلة للجارية التي لها أب (1).
و على الثاني: بما في حسنة الحلبي المتقدّمة (2)من أنّ «الثيّب أملك بنفسها».
و يرد على الأوّل: احتمال إرادة خصوص الصغيرة من الجارية التي لها الأب، فيكون المراد بمالكية الأمر المقابلة لها هي البالغة.
و على الثاني: أنّ قوله عليه السلام «إنّ الثيّب أملك بنفسها» [يعني به] (3)في النكاح. و لا شكّ أنّ هذا المعنى لا يصلح أن يراد هنا؛ إذ يصير معنى الكلام: أنّ المرأة التي ملكت نفسها في النكاح نكاحها بغير وليّ جائز، و قد مرّ أنّه لغو صرف.
و بالجملة، لا ريب في أنّ المتبادر في العرف من ملاك النفس ملاك أمورها المتعلقة بنظام المعاش و المعاد حتّى أمر النكاح، لكنّ المقام لا يصلح لأن يراد من مالكية الأمر و النفس ملاكها حتّى في النكاح؛ لما عرفت من لزوم لغوية الحمل، فتعيّن إرادة ملاك سائر الأمور.
فحاصل معنى الصحيحة: أنّ من ملك سائر أموره يجوز أن يتزوّج بغير وليّ، و ملك أمر النكاح أيضا، و أنّه إذا بلغت البنت و رشدت زالت عنها الولاية في جميع أمورها، فظهر أن ليس المراد بملاك نفسها كونها غير
ذات الأب، أو كونها ثيّبة.
و احتمل في المسالك أنّ كون (1)المراد بملاك النفس الحرّية (2)، و عليه فيكون القيدان بعده احترازيّين، و استدلالنا معه أيضا مستقيم.
نعم، يمكن (3)دعوى تقييد إطلاق الصحيحة بإحداهما؛ للأخبار المتقدّمة الدالّة على أنّ الباكرة ذات الأب لا تستقل، كما يمكن دعوى ذلك في كثير من مطلقات أدلّة المشهور، مثل رواية زرارة المتقدّمة (4)في تأييد معنى الصحيحة و غيرها، لكن الأمر يدور بين تقييد الصحيحة و غيرها من أدلّة المشهور بتلك الأخبار، أو حمل ما لا يقبل الحمل على الصغيرة منها (5)- مثل صحيحة ابن الصلت المتقدّمة (6)و شبهها- على تأكد استحباب وكول الأمر إلى الأب.
و معنى أنّه ليس لها أمر مع الأب: أنّه ليس ينبغي أن تجعل لنفسها أمرا مع الأب.
و تقييد المطلق و إن سلم كونه أرجح من حمل المقيّد على الاستحباب، إلّا أنّ التقييد هنا مستلزم لطرح أخبار كثيرة، حيث إنّها لا تقبل التقييد بما ذكر و لا بغيره، مثل مرسلة سعدان بن مسلم عن الصادق عليه السلام:
«لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت من غير إذن أبيها» (1).
و ما روي من أنّ جارية بكرا أتت إلى النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فقالت: إنّ أبي زوّجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته و أنا له كارهة، فقال صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم لها: «أجيزي ما صنع أبوك، فقالت: لا رغبة لي فيما صنع أبي، قال: فاذهبي فانكحي من شئت، فقالت: لا رغبة لي عمّا صنع أبي و لكنّي أردت أن اعلم الناس أن ليس للآباء في أمور بناتهم شيء» (2).
و مثل الأخبار الواردة في جواز تزويج البكر متعة بلا إذن أبويها كمرسلة أبي سعيد (3)، و رواية أخرى (4)، و رواية الحلبي عنه (5)الدالّة على ذلك، المثبتة لجواز التزويج الدائم بعدم القائل بالفصل بينهما، إلّا ما ربما يظهر من الشيخ في التهذيب (6)و الاستبصار (7)على ما حكي (8)عنه من الفرق بينهما.
لكنّه لا يخفى أنّ ما ذكره (9)الشيخ في الكتابين لا يعدّ فتوى له، بل هو محض الجمع بين الأخبار المتخالفة، مضافا إلى أنّ الشيخ ذهب في باقي كتبه
1) الوسائل 14: 214، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
2) سنن النسائي 6: 87، و فيه اختلاف يسير عمّا في المتن.
3) الوسائل 14: 458، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 6.
4) الوسائل 14: 458، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 7.
5) الوسائل 14: 459، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 9.
6) التهذيب 7: 380- 381.
7) الاستبصار 3: 236.
8) حكاه عنه المحقق الكركي في جامع المقاصد 12: 126، و صاحب الجواهر في الجواهر 29: 180.
9) في «ع»: ما يذكره.
إلى عدم الفصل (1)، و لا شكّ أنّ بعضها متأخرة (2)عن التهذيبين، فقد رجع عن الفصل جزما، فيصحّ دعوى استقرار مذهب الأصحاب على عدم الفصل.
مع أنّ الشيخ في التبيان- الذي هو متأخّر عن جميع كتبه، كما حكي عمّن حكاه عن (3)السرائر (4)- وافق المشهور (5).
و دعوى أنّ المتّبع هو قول العلماء بعدم الفصل لا عدم قولهم بالفصل، ضعيفة؛ نظرا إلى أنّ الظاهر منهم- حيث اطلعوا على هذه الأخبار المجوّزة في خصوص المتعة و لم يقولوا باختصاص الجواز- هو الإعراض عن الاختصاص و الفصل بين الدائم و المنقطع، مع أنّ المتعة قد تئول إلى الدوام [إذا أهمل ذكر الأجل] (6)، مضافا إلى أنّ التجويز في المتعة- مع ما فيها من العار على أهل الجارية سيّما أبويها- موجب للتجويز في الدائم بطريق أولى، حيث إنّ العار فيه أهون؛ لأنّ نفس المتعة- مع قطع النظر عن تمتيع الجارية نفسها- فيه غضاضة على بعض أهل المروّة، كما يستفاد من قصّة مؤمن الطاق مع أبي حنيفة (7)، و قصّة أحد الصادقين عليهما السلام مع بعض أهل العامّة (8).
و الحاصل، أنّ أخبار الجواز في المتعة دالة على الجواز في الدائم
بالأولويّة و بعدم القول بالفصل، كما استقرّ عليه مذهب الأصحاب على ما عرفت. و ضعف هذه الأخبار كالسابقين عليها منجبر بذهاب الأكثر، و عمل مانعي العمل بالآحاد بها كالسيّد و ابن إدريس (1)، و حكاية الإجماع عن السيّد في الانتصار (2)و الناصريات (3)على طبقها (4).
و حاصل الكلام دوران الأمر بين إبقاء إطلاق أخبار استقلال البكر على حالها و حمل أخبار ولاية الأب على الاستحباب- فنكون قد عملنا بإطلاقات المعتبرة، و بالصراح المنجبرة بما عرفت- و بين إبقاء أدلّة ولاية الأب على ظاهرها من عدم الاستحباب، مع تقييد إطلاقات المعتبرة من أدلّة استقلال البكر، و طرح الصراح المنجبرة منها. و لا شكّ أنّه لو لم يصح كون الصراح المنجبرة مرجّحا لارتكاب الاستحباب على التقييد، فلا أقلّ من كونه موجبا للتسوية بينهما، فيجب الرجوع إلى قاعدة الصحّة المستفادة من العمومات.
فظهر ممّا ذكرنا ضعف القول باستقلال الأب مطلقا، كما هو محكي عن الشيخ في أكثر كتبه (5)و عن الصدوق (6)و العماني (7)و ظاهر الفاضل (8)
و جنح إليه كثير من متأخري المتأخّرين كصاحبي المدارك (1)و الحدائق (2)و صاحبي الكفاية (3)و الوافي (4)و إن كثرت أدلّتهم و ظهرت دلالتها إنصافا، إلّا أنّ التتبّع في القرائن الخارجيّة لأدلّة المختار- و إن كان المعتبر منها غير آب عن التقييد، و الآبي عنه منها غير معتبر- ممّا يوهن التمسّك بها على كثرتها و ظهور دلالتها، و لذا أعرض عن القول بها أكثر المتقدّمين كابن الجنيد (5)و السيّد (6)و المفيد (7)و الشيخ في التبيان (8)الذي هو آخر كتبه- كما قيل (9)، و ابن إدريس (10)و معظم المتأخرين كالفاضلين (11)و المحقّق الثاني (12)و الشهيدين (13)، بل الظاهر هجر القول الأوّل من زمان رجوع الشيخ عنه في التبيان إلى زمان صاحب المدارك.
1) نهاية المرام 1: 77.
2) الحدائق 23: 211.
3) الكفاية: 155.
4) الوافي 3: 64.
5) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 534.
6) الانتصار: 122.
7) أحكام النساء: 36.
8) التبيان 2: 273.
9) قاله صاحب الجواهر قدّس سرّه، انظر الجواهر 29: 180.
10) السرائر 2: 561.
11) الشرائع 2: 276، قواعد الأحكام 2: 6.
12) جامع المقاصد 12: 123.
13) اللمعة الدمشقية و شرحها (الروضة البهية) 5: 116.
و ظهر أيضا ممّا ذكرنا- من استقرار مذهب الفقهاء الإماميّة على عدم القول بالفصل بين المتعة و الدوام- ضعف ما ذكره الشيخ في التهذيبين (1)من استقلال البكر في المتعة، و ثبوت الولاية لأبيها في الدوام؛ بناء على كون ذلك فتوى له، لا محض جمع.
و ظهر أيضا ضعف عكس هذا القول المحكي في الشرائع (2)و عن الشهيد في النكت: إنّ المحقّق سئل عن قائله فلم يجب (3)، و لا مستند له عدا الجمع بين الأخبار المختلفة المتقدّمة (4)لشهادة (5)الاعتبار، و رواية أبي مريم عن مولانا الصادق عليه السلام قال: «العذراء التي لها أب لا تتزوّج (6)متعة إلّا بإذن أبيها» (7)، بجعلها مخصّصة لما دلّ على استقلال الباكرة، و قد عرفت ما هو الأظهر في علاج اختلاف تلك الأخبار.
و أمّا القول بالتشريك بين الجارية و أبيها في الإذن، بمعنى عدم جواز عقد أحدهما إلّا مع إذن الآخر، كما هو المحكي (8)عن المفيد (9)و الحلبي (10)
1) التهذيب 7: 380- 381، الإستبصار 3: 236.
2) الشرائع 2: 276.
3) غاية المراد: 172.
4) تقدّمت في الصفحات: 113- 116 و 120- 121.
5) في «ص» و «ق» بشهادة.
6) و في المصدر، لا تزوّج.
7) الوسائل 14: 459، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 12.
8) حكاه المحقق الكركي في جامع المقاصد 12: 126.
9) المقنعة: 510- 511.
10) الكافي في الفقه: 292.
و الحرّ العاملي (1)، فلعلّه للجمع بين ما دلّ على وجوب استئمار الأبكار (2)، و ما دلّ على أنّ ذوات الآباء منهنّ لا تتزوّج إلّا بإذن الآباء (3)، و أنّه لا ينقض النكاح إلّا الأب (4)، مضافا إلى موثقة صفوان، قال: «استشار عبد الرحمن موسى بن جعفر عليهما السلام في تزويج ابنته لابن أخيه، فقال: افعل و يكون ذلك برضاها؛ فإنّ لها في نفسها نصيبا. قال: و استشار خالد بن داود موسى بن جعفر عليهما السلام في تزويج ابنته علي بن جعفر، قال: افعل و يكون ذلك برضاها، فإنّ لها في نفسها حظا» (5).
و حيث عالجنا الأخبار المختلفة بحمل استئذان الأب [على] أنّه (6)ينبغي لها أن لا تجعل لنفسها أمرا، فلا بدّ من حمل الحظّ و النصيب في هذه الموثقة على ما لا ينافي ذلك.
ثمّ إنّ ظاهر القائلين بالتشريك عدم الفرق بين الأب و الجدّ.
و يحكى (7)هنا قول سادس بعدم مدخليّة الجدّ، و التشريك بين الجارية و الأب، قيل: و هو أمتن دليلا (8). لكن لا يخفى أنّ المستفاد من الأخبار
أولوية الجدّ على الأب (1)، فاعتبار إذنه مستلزم لاعتبار إذنه بطريق أولى.
و اعلم أنّ أحوط الأقوال هو القول الخامس، فلا ينبغي ترك أذن الجارية و وليها خروجا عن مخالفة الأخبار و فتاوى الأخيار.
نعم، لا خلاف ظاهرا في أنّه إذا عضلها الولي- أي منعها عن التزوّج بالكفء مع طلبها للزوج- فلا يعتبر إذنه، كما لا يعتبر إذا تعذّر استئذانه أو تعسّر لغيبة منقطعة، و يؤيّد عدم الخلاف فيه عمومات نفي الحرج (2).
و اعلم أنّه لا تسقط ولاية الجدّ حيث تثبت بموت الأب على رأي نسب إلى المشهور (3)للأصل، و عدم ما يصلح للخروج عنه، عدا رواية (4)مرميّة بالضعف (5)و إن عمل بها جماعة (6)مخالفة للاعتبار، و لما يستفاد من الأخبار من أولوية الجدّ من الأب (7).
و تزول ولاية الأبوّة على الجارية المسلمة، و في معناها الجدودة بالارتداد لقوله تعالى
1) الوسائل 14: 217، الباب 11 من أبواب عقد النكاح.
2) الحج: 78، المائدة: 6.
3) نسبه إلى المشهور المحدث البحراني في الحدائق 23: 202.
4) الوسائل 14: 218، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
5) لاشتمالها على جماعة من الواقفة، انظر نهاية المرام 1: 64.
6) كابن الجنيد على ما حكاه عنه العلّامة في المختلف: 535، و الصدوق في الهداية (الجوامع الفقهيّة): 60، و الشيخ في النهاية: 466، و أبي الصلاح في الكافي في الفقه:
7) الوسائل 14: 218، الباب 11 من أبواب عقد النكاح.
وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (1)، و الولاية سبيل، و قوله: «الإسلام يعلو و لا يعلى عليه» (2).
و في الحدائق: الظاهر أنّه لا خلاف فيه (3).
هذا إذا كان المولّى عليه مسلما، و أمّا لو (4)كان كافرا فمقتضى عموم أدلّة ولاية الأبوين (5)ولايته (6)، إلّا أنّه حكي (7)هنا أيضا القول باشتراط الإسلام، و لم يظهر وجهه.
و ما أبعد ما بين هذا القول و المحكي عن المبسوط من أنّ ولي الكافر لا يكون إلّا كافرا، حتّى أنّه لو كان له وليّان أحدهما مسلم فالولاية للآخر؛ تمسّكا بقوله تعالى وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (8)» (9).
و هو غريب، و الاستدلال عجيب (10).
الثاني من أسباب الولاية الإجبارية: الملك.
و اعلم انّ للمالك إجبار العبد و الأمة المملوكين له على
1) النساء: 141.
2) الوسائل 17: 376، الباب الأوّل من أبواب موانع الإرث، الحديث 11.
3) الحدائق 23: 267.
4) في «ع» و «ص»: إذا.
5) الوسائل 14: 207، الباب 6 من أبواب عقد النكاح.
6) في «ع» و «ق»: ولايتهما.
7) حكاه الشهيد الثاني في المسالك 1: 364، و المحدث البحراني في الحدائق 23: 267.
8) الأنفال: 73.
9) المبسوط 4: 180، و حكاه عنه المحدث البحراني في الحدائق 23: 268.
10) في «ع» و «ص»: به عجيب.
النكاح مطلقا و إن كانا كبيرين رشيدين؛ لأنّ الرقيّة سبب مستقل لسلب الاختيار؛ لتسلّط الناس على أموالهم (1)، و لقوله تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ (2)، و الامتناع من النكاح و الإنكاح شيء فلا يقدر عليه المملوك، و الظاهر عدم الخلاف في المسألة.
و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لا خيار لهما معه، و أنّه ليس لأحدهما العقد لنفسه أو على نفسه إلّا بإذن المولى إجماعا على الظاهر؛ للأخبار الكثيرة (3)فلو (4)بادر أحدهما إلى العقد بدونه أي بدون الإذن وقف على الإجازة من السيّد على رأي.
و قيل: يبطل (5)، إمّا مطلقا و لو مع تعقّب الإجازة، أو مع كون الإجازة كالعقد المستأنف.
و قيل: يقف نكاح العبد و يبطل نكاح الأمة (6)، و الأقوى (7)الوقوف مطلقا؛ للروايات المستفيضة (8).
و حينئذ لو أذن المولى صحّ العقد و عليه مهر عبده و نفقة
1) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 99.
2) النحل: 75.
3) الوسائل 14: 522، الباب 23 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
4) في الإرشاد: فإن، و في «ع» و «ص»: و لو.
5) راجع السرائر 2: 565.
6) راجع الجواهر 30: 205.
7) في «ع» و «ص»: فالأقوى.
8) راجع الوسائل 14: 523، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، و غيره من الأبواب.
زوجته على المشهور كما في المسالك، مستدلا عليه بأنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه و توابعه، كما لو أذن له بالإحرام في الحجّ فإنّه إذن في سائر ما يترتّب عليه من الأفعال، و لما كان المهر و النفقة لازمين للنكاح و العبد لا يملك شيئا و كسبه من جملة أموال المولى، كان الإذن فيه موجبا لالتزام ذلك، من غير أن يتقيّد بنوع خاصّ من ماله كباقي ديونه، فيتخيّر بين بذله من ماله و من كسب العبد إن و في به، و إلّا وجب عليه الإكمال (1).
و لرواية الحسن بن محبوب عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي الحسن عليه السلام، في رجل زوّج مملوكا له من امرأة حرّة على مائة درهم، ثمّ إنّه باعه قبل أن يدخل عليها، قال: «يعطيها سيّده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنّما هو بمنزلة لو كان استدانه بإذن سيّده» (2)، دلّت على وجوب إعطاء المهر من مال المولى، فيثبت عليه نفقة الزوجة؛ لظهور عدم القول بالفصل.
مضافا إلى رواية الساباطي عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «عن رجل أذن لعبده في تزويج امرأة فتزوّجها، ثمّ إنّ العبد أبق، فجاءت امرأة العبد تطلب نفقتها من مولاه، فقال عليه السلام: ليس لها على مولاه نفقة فقد بانت عصمتها منه، فإنّ إباق العبد بمنزلة طلاق امرأته .. الرواية» (3).
فإنّها حيث دلّت على تعليل عدم نفقتها على المولى ببينونة عصمتها،
و إنّها في حكم المطلّقة، علم من ذلك أنّ مع عدم الإذن (1)و عدم البينونة نفقتها على المولى، خلافا للمحكي (2)عن الشيخ في المبسوط (3)و ابن البراج (4)و ابن سعيد (5)و كشف اللثام (6)، فجعلوهما متعلّقين بكسب العبد.
و حكي (7)الاستدلال عليه عن الكشف بأصالة براءة ذمّة المولى، و الإذن في النكاح لا يستلزم تعلّق لازمة في الذمّة، و إنّما يستلزم الإذن في لازمة، و هو الكسب للمهر و النفقة.
و ردّه بعض معاصرينا (8)بأنّه لا ذمّة للعبد صالحة للاشتغال، و إلّا لكان المهر جميعه فيها، و لم يقل به أحد، كما أنّه ليس في الإذن ما يقتضي اختصاص ذلك بخصوص الكسب من أموال السيّد.
و فيه: أنّ المستدلّ لم يقل بتعلّقه بذمّة العبد بحيث يتبع به (9)بعد العتق، بل هو متعلّق به، بمعنى أنّه يجب عليه الكسب (10)، و على مولاه الإذن فيه حتى يوفي الصداق و النفقة.
و لا يحتاج الحق المالي إلى أزيد من ذلك حتّى يقال: إنّه لا بدّ إمّا أن يكون في ذمّة العبد أو في ذمّة المولى، و الأوّل باطل، فتعيّن الثاني، مع أنّ لنا أن نسلّم تعلّقه بذمّة المولى لكن في مال خاصّ من أمواله، و هو كسب العبد، بمعنى أنّه يتعلّق به، و لا سبيل إلى مطالبة أدائه من المولى من مال آخر و إن كان له أداؤه من مال آخر و أخذ كسب العبد لو كسب.
فلا يرد ما ذكره (1)أخيرا من أنّه ليس في الإذن ما يقتضي اختصاص ذلك بخصوص الكسب؛ إذ لا يجبر السيّد على إلزام العبد بالكسب أو على دفع المكسوب، بل المراد أنّه لا تسلّط عليه في إلزامه بالدفع من غير الكسب، فحينئذ صحّ للمستدل أن ليس في الإذن ما يدلّ على التزام المولى لهما (2)بذمّته، بحيث يكون للمرأة مطالبته بهما من غير الكسب، و لهذا تمسّك بأصل البراءة.
ثمّ إنّه حكى (3)عن ابن حمزة قول ثالث بالتفصيل بين ما لو كان العبد مكتسبا ففي كسبه، أو غير مكتسب ففي ذمة المولى (4). و هو حسن إن أراد بغير المكتسب من لا يقدر على الكسب.
هذا كلّه في مهر زوجة العبد، و أمّا الأمة المزوّجة بإذن مولاها (5)فاتفقوا على أنّ له مهر أمته؛ لأنّه عوض منافعها المستوفاة منها،
فهو كاجرة الأمة المستأجرة.
و لو كانا أي العبد و الأمة المتناكحان لمالكين، افتقر لزوم العقد أو صحّته [إلى] (1)إذنهما قبل العقد أو إجازتهما بعده على المختار.
ثمّ إذا أذن لعبده، فإمّا أن يعيّن الزوجة و المهر كليهما أو يعيّن الزوجة دون المهر، أو يعكس، أو يطلقها.
فإن عيّنهما، فمع عدم التخطّي لا إشكال، و مع التخطّي عن المهر يثبت الزائد في ذمّة العبد، يتبعه (2)به بعد العتق، إذ لو لا ذلك لوجب الحكم إمّا بعدم استحقاق (3)الزوجة للزائد، و إمّا بتعلّقه في ذمّة المولى، و كلاهما باطل.
أمّا الأوّل، فلأنّ الاستحقاق ثبت بالعقد، و العبد قابل لأن يتعلّق الزائد بذمّته على الوجه المذكور، فلا معنى للحكم (4)بعدم استحقاق المرأة.
و دعوى أنّ العبد لا ذمّة له: إن أريد من المنفي ذلك، منعناه، لم لا يجوز ثبوت مثل هذه الذمّة له: إن أريد من المنفي ذلك، منعناه، لم لا يجوز ثبوت مثل هذه المذمّة له، بمعنى أن يجب عليه حالا أن يؤدّي ذلك إذا عتق، لا (5)على وجه الوجوب المشروط، حتّى يقال: إنّه ينافي الاستحقاق المنجّز الذي يقتضيه العقد، و لا بمعنى وجوب أن يؤدي حالا حتّى ينافي الرقّية.
لكن يشكل ذلك بأنّ جعل المهر زائدا على مهر المثل المستلزم لإثبات شيء على نفسه ينافي قوله لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ (1).
و لعلّه لذا استشكل في الحكم المحقّق الثاني- على ما حكي عنه (2)- من أنّ ذمّة العبد إن كان قابلا لتعلّق بعض المهر بها لم لا يحكم بتعلّق جميعه بها؟! و إلّا فكيف يتعلّق بعضه؟! و قال: مع أنّ هنا إشكالا آخر، و هو أنّ الزوجة إنّما رضيت بمهر مستحقّ يمكن مطالبته، فكيف (3)يلزمها النكاح و بعض المهر إنّما تستحقّه إذا عتق العبد؟
قال: و قد كان المناسب للقواعد القول بوقوف النكاح أو الصداق على إجازة المولى، فإن فسخ الصداق (4)رجع إلى مهر المثل، و تتخيّر المرأة (5)، انتهى.
أقول: أمّا إشكاله الأوّل فحسن لو لا رواية ابن أبي حمزة المتقدّمة (6)، نعم، انتفاء الذمّة للعبد موافق للآية الشريفة، و ما ذكره من أنّ القاعدة وقوف النكاح أو الصداق على الإجازة.
و أمّا ما ذكره من تخيير المرأة فهو ضعيف:
أمّا أوّلا: فلأنّ ذلك مستند إلى تقصيرها في جهلها بالحكم، كما ذكره في المسالك (1).
و أمّا ثانيا: فلأنّ إقدامها على النكاح على وجه يستحقّ مطالبة المهر و أنّه لم يسلم له ذلك، لا يوجب التخيير في النكاح؛ فإنّ اختلال خصوصيّة المهر، بل فساده، بل انتفاءه لا يوجب التزلزل في أصل النكاح.
و أمّا تعلّقه في ذمّة المولى فلا معنى له بعد قصر الإذن على ما عيّنه، و ليس النكاح بأزيد من المعيّن مهرا كالشراء بأزيد من المعيّن ثمنا حيث إنّه لو تعدّاه يصير موقوفا على إجازة المولى، فإن أجاز صحّ في جميع الثمن بذمّة المولى، و إن ردّ بطل الشراء؛ لتوقّف صحة البيع و الشراء على الثمن، بخلاف النكاح فإنّه لا يتوقف على المهر.
و أمّا مع التخطّي فيقف العقد (2)على إجازة المولى.
و إن عيّن الزوجة و أطلق المهر كان حكم التخطّي عن الزوجة ما مرّ من الوقوف، و حكم إطلاق المهر انصرافه إلى مهر المثل.
و علّل بأنّ إطلاق المهر في النكاح كإطلاق الثمن في الشراء في انصراف كلّ منهما إلى عوض المثل و إن كان بينهما فرق من حيث إنّ مع التخطّي في الأوّل يتبع بالزائد بعد العتق، و في الثاني يقف على الإجازة.
و ردّ بأنّه قياس لا نقول به (3).
و فيه: أنّ مرجعه إلى دعوى (1)انصراف الإطلاق إلى ذلك، و أين هذا من القياس، بل الحكم متفق في الشراء من هذه الجهة أيضا، إذ لم يرد بانصراف إطلاق الإذن في الشراء إلى الشراء بثمن المثل نصّ، بل هو أيضا لانصراف إطلاق الإذن إليه.
و إن عيّن المهر و أطلق الزوجة، كان له العقد بأيّة امرأة كانت حرّة أو أمة، و ضيعة أو شريفة، لكن بذلك المهر المعيّن أو أقل. و الظاهر أنّه ليس له التعدّي و إن كان مهرا لمثل من تزوّجها، فلو تعدّى تعلّق بذمّته بعد العتق.
و لو كان المعيّن مهرا زائدا على مهر مثل التي تزوّجها، فهل يتعلّق الزائد بذمّته؟ أو يثبت جميع المسمّى في ذمّة المولى؟ وجهان، حكى في المسالك (2)الثاني عن التذكرة (3)، و استشكل فيه، نظرا إلى أنّ التجاوز عن مهر المثل حكمه ثبوته في ذمّة العبد. و يظهر من ذلك ميله إلى الأوّل، و جزم به بعض معاصرينا (4).
و فيه إشكال؛ لأنّ ثبوت إلزامه في ذمّة العبد إنّما هو إذا لم يلتزمه الزوج في ضمن إذنه في النكاح، و لا ريب أنّ إذنه لعبده في تزويج من شاء بعشرين دينارا، التزام للعشرين في ذمّته مهرا لأيّة امرأة زوّجها العبد، و بعد ذلك فكيف يثبت في ذمّة العبد؟! مع ما عرفت من أنّ إثبات الذمّة
للعبد و قدرته على اشتغالها بشيء ينافي آية الحجر (1)، فلا بدّ من الاقتصار في ذلك على الموارد المتّفق عليها.
نعم، لو قيل: إنّ مقدار المهر قرينة على انصراف إذنه في التزويج إلى تزويج امرأة يكون هذا المقدار مهرا لمثلها، ناسب ذلك القول بوقوف النكاح المذكور في المسألة على إجازة المولى؛ لأنّه تعدّى عمّا انصرف إليه إطلاق الإذن بقرينة تعيين المهر.
و كيف كان، فمحكي التذكرة (2)أقوى.
و إن أطلقهما، أي الزوجة و المهر، كان له التزويج بمن أراد من النساء؛ عملا بالإطلاق بالنسبة إلى الزوجة إن لم يكن له منصرف و لو بقرينة المقام، و إلّا انصرف إليه كما ينصرف إطلاق المهر إلى مهر المثل فإن اتبع مقتضى الانصراف فهو و إن زاد تبع بالزائد بعد العتق كما مرّ، و إن تعدى عن مقتضى انصراف إطلاق الزوجيّة وقف على الإجازة.
اعلم أنّه لا إشكال ظاهرا في عدم بقاء ولاية المولى المرتدّ عن فطرة على مملوكه؛ لعدم قبول توبته، و وجوب قسمة أمواله- و منها مماليكه- بين من يرثه، و أمّا زوال ولاية المولى المرتدّ عن غير فطرة على مملوكه، ففيه إشكال.
و لو أعتق العبد المزوّج من حرّة أو أمة و لو كارها لم يكن له الفسخ لأصالة بقاء النكاح، و عدم الدليل على الخيار، خلافا للمحكي عن
ابن حمزة حيث أثبت له الخيار في صورة ما لو زوّج كرها (1).
و في الرياض: إنّه لا يخلو عن قوّة بشرط استمرار الكراهة إلى العتق (2)، و فيه نظر، نعم يجوز له الطلاق بشرائطه.
و كما لا خيار له، فكذا لا خيار لزوجته؛ لما ذكر من عدم الدليل، مضافا إلى روايتي أبي بصير و عليّ بن حنظلة (3)و فيهما: أنّها رضيت به و هو مملوك فهو أحقّ بأن ترضى به مع الحرّيّة (4).
و أما لو اعتقت الأمة كان لها الفسخ على الفور إن كانت تحت عبد، إجماعا من المسلمين كما في المسالك (5)، و في الرياض: أنّه حكاه جماعة (6).
و كذا إن كانت تحت حرّ على رأي نسبه في المسالك إلى الأكثر (7)لرواية أبي الصباح عن أبي عبد الهّٰل عليه السلام، قال: «أيّما امرأة أعتقت فأمرها بيدها، فإن شاءت أقامت معه، و إن شاءت فارقته» (8).
1) الوسيلة: 306.
2) الرياض 2: 125.
3) كانت العبارة في «ق» هكذا: «مضافا إلى بعض الروايات» فكتب المؤلّف قدّس سرّه فوقها: «روايتي أبي بصير و علي بن حنظلة».
4) الوسائل 14: 562، الباب 54 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل و الثاني.
5) المسالك 1: 410.
6) الرياض 2: 124.
7) المسالك 1: 410.
8) الوسائل 14: 561، الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 8.
و رواية زيد الشحام- و فيها أبو جميلة- عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام، قال: «إذا أعتقت الأمة و لها زوج خيّرت إن كانت تحت عبد أو حرّ» (1).
و مثلها رواية محمد بن آدم (2)، و يؤيّدها ما روي من أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم قال لبريرة حين اعتقت: «ملكت بضعك فاختاري» (3)، فرّع الاختيار على ملك البضع، فيستفاد منه التعليل، فيتعدّى منه إلى غير مورده، خلافا لظاهر المحقّق في الشرائع (4)و المحكي عن بعض (5)، فخصّ الخيار بزوجة العبد.
ثمّ اعلم أنّ الحكم بالخيار مختصّ بعتق جميع الأمة لا بعضها؛ لأنّه مورد الدليل فيقتصر عليه، و إطلاق الدليل يشمل ما لو وقع العتق قبل الدخول أو بعده، فإن وقع قبله فقبل الفسخ له الدخول، فإن فسخت قبل الدخول سقط المهر؛ لأنّ الفسخ جاء من قبلها، و إن فسخت بعده ثبت المهر، لكنّه للسيّد؛ لأنّ المهر إنّما يستحقّ بالعقد، و هي عند العقد كانت ملكا للمولى.
و يستثنى من جواز فسخها قبل الدخول صورة واحدة، و هي ما إذا كانت قيمة الجارية ثلث مال المولى، و يملك ثلثا آخر، و زوّج الجارية بثلث
1) الوسائل 14: 561، الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 13.
2) نفس المصدر، الحديث 12.
3) الوسائل 14: 559، الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 2.
4) شرائع الإسلام 2: 311.
5) الخلاف 4: 332، كتاب النكاح، المسألة 110 و 4: 353، كتاب النكاح، المسألة 134، و حكاه عنه صاحب الجواهر في الجواهر 30: 243.
آخر، بأن يفرض أنّ جميع ماله ثلاثون دينارا: جارية مزوّجة قيمتها عشرة، و مهرها في ذمّة زوجها عشرة، و للمولى أيضا عشرة. فأعتق (1)المولى جاريته المذكورة في مرض موته، و قلنا بأنّ العتق من الثلث، فحينئذ لا يجوز للجارية الفسخ قبل دخول الزوج بها؛ لأنّ فسخها قبل الدخول مسقط للمهر، و سقوط المهر موجب لزيادة الجارية المعتقة عن الثلث، و هي موجبة لبطلان عتقها في جزء منها يساوي الزائد على الثلث، و تبعّض عتقها موجب لعدم ثبوت الخيار لها؛ لما عرفت من أنّه موقوف على عتق الجميع، فيلزم من تخيّرها عدم تخيّرها، فليس لها الخيار قبل الدخول.
ثمّ إنّ المعتقة لو كانت صغيرة أو مجنونة فليس لوليّها خيار الفسخ، بل هو منوط بشهوتها النفسيّة و ميلها القلبي.
و اعلم أنّه يظهر من المسالك ظهور الاتّفاق على أنّ هذا الخيار على الفور، قال: للاقتصار في مخالفة الأصل على المتيقّن (2).
و ردّ (3)في الرياض بأنّه بعد ما ثبت الخيار فالأصل بقاؤه (4).
أقول: و هذا الردّ غير صحيح؛ لأنّه إذا كان مقتضى عموم وجوب الوفاء بالعقود شاملا لجميع الأفراد في جميع الأزمان، و المفروض أنّه لم يخرج بالإجماع إلّا فرد واحد في بعض الأزمنة و هو أوّل أزمنة عتق الأمة و ما في حكمه، بقي الباقي تحت العموم، فلا وجه للاستصحاب، إلّا أن يقال: إنّ
عموم أدلّة الوفاء ليس فيها دلالة أصلية على عموم الأزمان، حتى يكون أفرادها كلّ فرد في كلّ زمان (1)، بل مدلولها هي الأفراد، و إنّما يجيء عموم الأزمان تبعا، فإذا خرج فرد واحد فلم يلزم في العموم إلّا تخصيص واحد، سواء كان حكم الفرد (2)ثابتا له في كل الأزمان أم في زمان واحد، و ليس الفرد الخارج في الزمان الثاني فردا آخر حتّى يلزم من خروجه زيادة التخصيص، و حينئذ فإذا شكّ في استمرار حكم الفرد الخارج و ارتفاعه في الزمان الثاني جاز إثباته بحكم الاستصحاب، فافهم و اغتنم.
و على كلّ حال، فالظاهر أنّه لا خلاف في أنّ مبدأ الخيار من زمان العلم بالعتق، فالجاهلة بعتقها لا يسقط خيارها، و أمّا الجاهلة بالحكم فالظاهر أنّه كذلك، و أنّه لا دخل لتقصيرها في معرفة الحكم في ذلك، بل هذه أحكام لا يعدّ الجهل بها- سيّما من النسوان، سيّما من إمائهنّ- تقصيرا.
و لو عتقا أي الزوجان معا، تخيّرت الأمة خاصّة.
أمّا إذا تقدّم عتق الأمة؛ فللإجماع.
و أمّا إذا تقدّم عتق العبد أو اقترن العتقان بأن يقول مولاهما أو وكيلهما: أعتقتكما، فلما مرّ (3)من عدم الفرق بين كون المعتقة تحت عبد أو حرّ (4).
نعم، من فرّق بينهما فلا ينبغي أن يقول بالخيار في غير صورة تقدّم عتق الأمة، فما في الشرائع (1)و عن التحرير (2)من تعميم هذا الحكم لصورتي تقديم عتق الزوج، و اقترانهما مع تخصيص الخيار بما إذا كانت المعتقة تحت عبد، ممّا لا يجتمعان، كما أشار إليه غير واحد (3).
الثالث من أسباب الولاية عند بعض: الوصاية.
اعلم أنّه اختلف الأصحاب في ولاية الوصي من الأب و الجدّ على تزويج الصغير، فالمشهور بين المتأخّرين كما قيل (4): أنّه لا تثبت ولاية الوصيّ على الصغيرين و إن نصّ الموصي على الإنكاح لأصالتي عدم انتقال الولاية إليه في النكاح، و عدم صحّة العقد مع ردّ الصغير بعد البلوغ، و لا يجدي عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (5).
و لعموم صحيحة ابن مسلم: في الصبيّ يزوّج الصبيّة، يتوارثان؟ قال:
«إذا كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم» (6).
و دلالة الصحيحة ليست بمجرّد مفهوم الشرط حتّى يتأمل فيه، مع أنّ التأمّل ليس في محلّه، بل لأجل استفصال المعصوم عليه السلام لإطلاق كلام
السائل، و التفصيل قاطع للشركة، ففي الحقيقة دلالتها بحسب المنطوق.
و مثلها صحيحة أبي عبيدة الحذّاء الدالّة على أنّه إذا زوّج الصغير غير الأب وقف التوارث بعد موت أحدهما على بلوغ الباقي و إجازته للنكاح (1).
و يؤيّدهما الصحيحة المروية في الكافي عن محمد بن إسماعيل بن بزيع أنّه قال: «سأله رجل عن رجل مات و ترك أخوين و بنتا، و البنت صغيرة، فعمد أحد الأخوين الوصيّ فزوّج الابنة من ابنه، ثم مات أبو الابن المزوّج، فلمّا أن مات قال الآخر: أخي لم يزوّج ابنه، فزوّج الجارية من ابنه، فقيل للجارية: أيّ الزوجين أحبّ إليك، الأوّل أو الآخر؟ قالت: الآخر، ثمّ إنّ الأخ الثاني مات، و للأخ الأوّل ابن أكبر من الابن المزوّج، فقال للجارية:
اختاري أيّهما أحبّ إليك، الزوج الأوّل أو الزوج الأخير؟ فقال: الرواية فيها: أنّها للزوج الأخير، و ذلك أنّها قد كانت أدركت حين زوّجها، و ليس لها أن تنقض ما عقدته بعد إدراكها» (2).
خلافا لجماعة (3)فأثبتوا له الولاية، سواء نصّ الموصي على ولايته في النكاح، أو أطلقها بحيث يشمله؛ تمسّكا بعموم حرمة تبديل الوصيّة (4)
المستلزمة لتحقّق الولاية بتولية الموصي، فإنّ (1)عزل الوصي عن ذلك مع تولية الموصي تبديل لوصيته، و بما ورد مستفيضا في تفسير «من بيده عقدة النكاح» حيث فسّر بالأب، و الأخ، و الرجل يوصى إليه، و الذي يجوز أمره في مال المرأة (2).
و ردّ في الرياض عموم آية التبديل بأنّ الضمير في «بدّله» راجع إلى الإيصاء للوالدين و الأقربين، المتقدّم ذكرهم في آية الوصيّة، فلا يعم مطلق التبديل (3).
و هو ضعيف؛ للأخبار المستفيضة (4)المشتملة على استدلال المعصوم في أحكام كثيرة من الوصايا بعموم الآية، فلا بدّ من إرجاع ضمير «بدّله» إمّا إلى مطلق الإيصاء، و إما إلى خصوص الإيصاء للوالدين و الأقربين، لكن مع إناطة حكم الإثم بأصل تبديل الإيصاء لا خصوص هذا الإيصاء، بأن يجعل المورد خاصّا و المناط عاما، فالإنصاف أنّ الآية ظاهرة في المدّعى و لو بمعونة الأخبار المشتملة على الاستدلال بها.
و أمّا الأخبار المفسّرة لمن بيده عقدة النكاح، فلا يخفى ضعف دلالتها؛ لأنّ المراد بمن في يده عقدة النكاح:
إمّا أن يكون هو المستقل في عقدة النكاح، بحيث لا يكون لغيره فيها مدخل، فيختص حينئذ بمن ثبت له بأصل الشرع الولاية القهريّة
على الزوجة.
و إمّا أن يكون المراد به المستقل فيها و المتولّي عليها، سواء كانت الولاية بأصل الشرع أو بجعل نفس المرأة كالوكيل.
و جملة الصلة على هذين المعنيين يراد بها مجرد الحكم الوضعي، أعني الولاية الخاصة الإجبارية، أو الأعمّ منها و من الاختيارية.
و إمّا أن يكون المراد من بيده عقدة النكاح على وجه الأولوية و الأحقيّة الشاملة للوجوبيّة كما في الوليّ الإجباري، و الاستحبابيّة كالأخ و وصيّ الأب و من يتولّى سائر أمور الزوجة.
«و جملة الصلة» على هذا الوجه يراد بها الحكم التكليفي الرجحاني الراجع إلى المرأة، كما حمل على ذلك سابقا ما ورد في الأخبار من أنّه ليس لها مع الأب أمر (1).
و إمّا أن يكون المراد به مطلق من أوقع عقد النكاح الذي أزيل بالطلاق قبل الدخول، و من كان هذا النكاح الخاص بيده.
و «جملة الصلة» على هذا الوجه أريد بها صرف الإخبار عن النكاح الواقع قبل الطلاق.
و على التقادير الأربعة، إما أن يراد من المعقود عليها- الذي يعفو عنها من بيده عقدة نكاحها- خصوص الصغيرة، أو خصوص الكبيرة، أو الأعم منهما.
و على التقادير، فإمّا أن يراد من ذكر الأربعة المذكورة في الأخبار حصر «من بيده عقدة النكاح» في هؤلاء، و إمّا أن يكون ذكر هؤلاء لأجل
1) تقدم في الصفحة: 114.
كون عقدة النكاح بيدهم غالبا على بعض الطرق الأربعة المذكورة.
و لا ريب أنّ الأظهر من هذه الاحتمالات و أقلّها مخالفة للأصل و الظاهر، هو المعنى الثاني من المعاني الأربعة المذكورة، و إرادة الأعمّ من الكبيرة و الصغيرة، و كون المراد من ذكر الأربعة تحقّق الولاية الإجبارية أو الاختيارية فيهم غالبا، لا الحصر.
و حينئذ، فلا دلالة في تلك الأخبار على أنّ ولاية الوصي من قبيل ولاية الأب على صغيره (1)، أو من قبيل ولاية الأخ و من بيده مال (2)المرأة على الكبيرة، و كذا ولاية الأب عليها مطلقا، أو مع كونها ثيّبة على الخلاف المتقدّم.
فظهر ممّا ذكرنا بعد أدنى تأمّل ضعف دلالة الأخبار المذكورة.
نعم، في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان تفسير «من بيده عقدة النكاح» ب «ولي أمرها» (3)، و لا يخفى أنّ المراد وليّ أمرها في غير النكاح، و إلّا لزم التفسير بما يساوي المفسّر في الإجمال، و لم يفد بيانا. و لا ريب أنّ الوصيّ على الصغيرة وليّ أمرها في غير النكاح، فيكون عقدته بيده.
لكن هذا الخبر يعارضه مرسلة ابن أبي عمير المروية في التهذيب- في آخر باب الوكالات قبل باب القضاء بين الناس- من تفسير «من بيده عقدة النكاح» بالأب و من توكّله المرأة و تولّيه أمرها من أخ أو قرابة
أو غيرهما (1).
نعم، لا بأس بالاستدلال بآية التبديل (2)بمعونة الأخبار (3)المشتملة على الاستدلال بها.
و يمكن أن يستدلّ أيضا على ثبوت الولاية بالوصاية بعموم ما ورد في توقيع الصفّار عن العسكري عليه السلام: «جائز للميّت ما أوصى على ما أوصى إن شاء اللّٰه» (4)، و عموم الكلام لا يترك لخصوص المورد.
و ما رواه في الكافي و التهذيب فيمن أوصى إلى أحد بالمضاربة (5)بأموال صغير له و أخذ نصف الربح أنّه «لا بأس، من أجل أنّ أباه قد أذن له في ذلك و هو حيّ» (6).
دلّ بمقتضى عموم العلّة و إلغاء الخصوصيّة المتراءاة من اختصاص اسم الإشارة المأتي به لمحض ربط العلّة بالمعلول بالولاية المالية، على أنّ كل ما أذن فيه أبو الصغير في حال حياته فهو نافذ ماض بعد مماته، و منه إذنه للوصيّ في تزويج صغيره و توليته له فيه.
1) التهذيب 6: 215- 216، الحديث 6، و الوسائل 13: 29 الباب 7 من أحكام الوكالة، ذيل الحديث الأوّل.
2) البقرة: 181.
3) انظر الوسائل 13: 411- 415، الأبواب 32 و 33 و 35، من أبواب أحكام الوصايا.
4) الوسائل 13: 454، الباب 63 من أبواب أحكام الوصايا.
5) في «ع» و «ص»: المضاربة.
6) الكافي 7: 62، الحديث 19 و التهذيب 9: 236، الحديث 921، و عنهما في الوسائل 13: 478، الباب 92 من أحكام الوصايا، الحديث الأوّل.
لكن يبقى الكلام في أنّ النسبة بين الآية المعتضدة بهاتين الروايتين و بين عموم الأخبار النافية لولاية ما عدا الأب و الجدّ عموم من وجه، و يشكل الترجيح فيرجع إلى أصالة عدم ثبوت الولاية، و عدم صحّة النكاح من غير إجازة من المزوّج.
و اعلم أنّ معظم من أنكر ولاية الوصي مطلقا، ذهب إلى أنّه يثبت ولايته على من بلغ فاسد العقل مع الحاجة، للضرورة، و عدم زوال العذر، و خوف المرض، أو الوقوع في الزنا.
و فيه: أنّه لا دليل حينئذ أيضا على ثبوت ولاية الوصي، و هذه الوجوه لا يثبت انتقال الولاية إلى الوصيّ بإيصاء الأب و الجدّ، إذ لو ثبتت (1)لم يفرّق فيها بين الموارد، و إنّما تثبت ولاية الحسبة، و لا شكّ أنّها من مناصب الحاكم، فيزوّجه الحاكم بالولاية العامة كما يزوّج غيره ممن سيجيء، و كما يزوّج المفروض مع عدم الوصي كما سيجيء؛ لأنّ الضرورة تندفع بتصدّي الحاكم له كما يتصدّى غيره.
الرابع من أسباب الولاية: ولاية الحكم (2)الذي هو أوّلا و بالأصالة منصب الإمامة، و ثانيا و بالنيابة منصب نائبه الخاص أو العام، و هو الفقيه الجامع للشرائط، الذي حكمه حكم الوصيّ في انتفاء ولايته عن الصغيرين الذكر و الأنثى الفاقدين للأب و الجدّ؛ لما مرّ من العمومات
النافية لولاية غيرهما (1)و خرج عنها ثبوتها للحاكم على المجنونين الفاقدين للأب و الجدّ مع الحاجة إلى النكاح.
و وجه الولاية- مضافا إلى الإجماع، و النبوي: «السلطان وليّ من لا وليّ له» (2)- عموم ما دلّ على وجوب الرجوع إليه في الحوادث الواقعة (3)التي منها طروء الحاجة للمجنون و المجنونة إلى النكاح، و على أنّ الراد عليه كالراد على اللّٰه (4)فلا يجوز للمجنون بعد الإفاقة و لا لغيره قبلها ردّ تزويجه و فسخه، بل لا بدّ من ترتيب الآثار عليه، و على أنّ العلماء أمناء الرسل (5)و خلفاؤهم (6).
و ينبغي بمقتضى ما ذكر ثبوت ولايته للصغيرين إذا دعت مصلحتهما إلى النكاح سيّما الصغيرة، و لا يبعد إن لم يكن (7)خلافه إجماعيّا.
و لا ولاية لغير هؤلاء الأربعة، و هم: الأب، و الجدّ، و الوصيّ، و الحاكم، كالأمّ، و العصبات: و هم المتقرّبون بالأب، فليس لهم ولاية على
1) راجع الصفحة: 108.
2) سنن أبي داود 2: 229، الحديث 2083، سنن الترمذي 3: 407- 408، الحديث 1102.
3) الوسائل 18: 101، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.
4) الوسائل 18: 98- 99، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل.
5) الكافي 1: 46، الحديث 5، و مستدرك الوسائل 17: 312 الباب 11، من أبواب صفات القاضي، الحديث 5، و فيه: الفقهاء أمناء الرسل.
6) الوسائل 18: 66، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 53.
7) في «ع» و «ص»: أن يكون.
صغير و لا على مجنون و لا غيرهما، خلافا للمحكي عن ابن الجنيد في الأمّ (1)، و عن بعض العامّة (2)في الأخ و العم (3).
و ليس للمحجور عليه عن التصرّفات المالية للتبذير، التزويج لأنّه مستلزم للتصرّف في المال من حيث الالتزام بالمهر و النفقة، إلّا مع الضرورة إليه فيستأذن الحاكم لأنّه وليّه، مع عدم وليّ آخر، فإن عقد مع التمكن من إذن الحاكم و بدونه أثم؛ لأنّه منهي عن الاستقلال.
و هل يفسد العقد أيضا؟ وجهان، بل قولان؛ من أنّه محجور عليه إلّا بإذن الولي فلا ينفذ له تصرّف، و من أنّه مع الضرورة قد سوّغ له التزوّج (4)، فلذا يجب على الوليّ تزويجه أو إذنه، غاية الأمر أنّه منهي عن الاستقلال، و هو أمر خارج عن النكاح.
و على القولين لا إشكال في الصحّة مع تعذر استئذان الحاكم.
و حيث حكم بالصحّة، فإن كان النكاح بمهر المثل صحّ لوجود الضرورة المصحّحة للتزويج، و عدم اقتضاء النهي عن الاستقلال للفساد. و إلّا يقتصر (5)في الصداق المسمّى على مهر المثل بطل الزائد عنه.
و كلّ موضع حكم فيه بالفساد مع علم المرأة به لا شيء لها، و مع جهلها فل [- ها] مهر المثل بالوطء.
هذا حكم السفيه البالغ، و أمّا السفيهة البالغة، فليس لها التزويج من غير إذن وليّها؛ لصحيحة الفضلاء المتقدّمة: «المرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة و لا المولّى عليها فإنّ تزويجها بغير وليّ جائز» (1).
و يؤيّدها ما تقدّم من رواية زرارة الدالّة على أنّ «المرأة إذا كانت مالكة لأمرها، تبيع و تشتري و تعتق و تعطي مالها من شاءت، جاز لها التزويج متى شاءت بغير إذن وليها، و إن لم تكن كذلك لم يجز تزويجها إلّا بأمر وليّها» (2)فإنّ دلالته على المطلوب واضحة.
و يؤيّده، بل يدلّ عليه أيضا مصححة عبد اللّٰه بن سنان- المحكية في المسالك (3)في تفسير «الذي بيده عقدة النكاح»- قال: «إنّه وليّ أمرها» (4).
و يؤيّدها (5)رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه- المروية في الكافي-:
1) الوسائل 14: 201، الباب 3 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث الأوّل، و تقدّمت في الصفحة: 117.
2) الوسائل 14: 215، الباب 9 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 6، و تقدّمت في الصفحة: 117.
3) المسالك 1: 361.
4) الوسائل 14: 212، الباب 8 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 2.
5) في «ع» و «ص»: و يؤيده.
«أنّ المرأة تتزوّج بغير وليّ إذا كانت مالكة لأمرها» (1).
و لا شكّ أنّ السفيهة غير مالكة لأمرها عرفا؛ لأنّ المراد من «أمرها» ما عدا النكاح من أموره، و إن عمّ (2)النكاح لزم لغوية الحمل، كما تقدّم في الرواية: «المرأة التي قد ملكت نفسها».
و ليس في هذه الأخبار تفصيل بين ما إذا بلغ سفيها أو تجدّدت سفاهته بعد البلوغ و الرشد.
و الظاهر من «الوليّ» فيها هو الأب و الجدّ؛ لصدق الوليّ عليهما عرفا، و صدقه على غيرهما من الأقارب مع عدمهما لا يضرّ بعد قيام الدليل على عدم ولاية من عداهما.
و لكنّ المشهور- كما حكي- أنّ من تجدّد سفهه فالولاية عليه للحاكم؛ لانقطاع ولاية الأب بالبلوغ و الرشد، فعودها يحتاج إلى دليل.
و فيه: أنّ ثبوت الولاية أيضا يحتاج (3)إلى دليل، و عموم النبويّ:
«السلطان وليّ من لا وليّ له» (4)على فرض ثبوته مختصّ بالإمام عليه السلام، و كون الفقيه في زمانه نائبا عنه حتّى في هذه الولاية لم يثبت بدليل تطمئنّ به النفس، مع أنّه لو ثبت فغايته إثبات ولايته على من لا ولي له، و قد عرفت
صدق الوليّ عرفا على الأب و الجدّ، و أنّ الأخبار دلّت على توقّف نكاح هذا الشخص على الولي العرفي المنحصر عرفا (1)في الأب و الجدّ مع وجودهما، نعم مع عدمهما يتعيّن الحاكم إجماعا.
و أمّا القول بثبوت الولاية للحاكم على من بلغ سفيها مع وجود الأب و الجدّ، فهو ضعيف جدا؛ لعدم الدليل عليه، إلّا أن يثبت للحاكم عموم الولاية بدليل عام خرج عنه ما خرج، و هو الصغير الذي أجمع على أنّ الحاكم لا ولاية له عليه مع الأب و الجدّ و بقي الباقي، و إثبات ذلك دونه خرط القتاد، مع أنّه على فرض الثبوت معارض بعموم الأخبار المتقدّمة الدالّة على توقّف التزويج على إذن الولي العرفي بعد أن خرج منها غير الأب و الجدّ.
فحاصل الكلام، أنّ المستفاد من تتبّع موارد استعمالات الولي في الأخبار- هنا و في الطلاق- هو الولي العرفي، و لا ريب أنّ الأب و الجدّ مع وجودهما أولى الناس عرفا بالشخص، فكلّ ما دلّ على أنّ المرأة الغير المالكة لأمرها يتوقّف تزويجها على إذن الولي يشمل اعتبار إذنهما في النكاح، و هو معنى ولايتهما.
و أمّا غيرهما، فهو و إن صدق عليه الولي عرفا مع فقدهما، لكنّه خارج بالإجماع، فتأمّل.
و ممّا يدلّ صريحا على أنّ المراد هو الولي العرفي قوله عليه السلام في رواية زرارة المتقدّمة: «أنّه إذا كانت مالكة لأمرها تبيع و تشتري جاز تزويجها مع ما شاءت بغير أمر وليها، و إن لم يكن كذلك لم يجز تزويجها إلّا بأمر
1) ليس في «ع» و «ص»: عرفا.
وليّها» (1). و لا شكّ في أنّ «الوليّ» في الأوّل هو الولي العرفي، فهو كذلك في قوله «و إن لم يكن» كما لا يخفى.
1) تقدّمت في الصفحة: 151.
لو زوّج الصغيرين الحرّين غير الأب و الجدّ فإن قلنا ببطلان النكاح الفضولي كان لغوا، و إن قلنا بصحته وقع موقوفا على إجازتهما له فإن أجازاه بعد البلوغ و الرشد، أو أجازه الأب و الجدّ قبلهما أو قبل الرشد؛ بناء على ولايتهما على البالغ غير رشيد صحّ العقد، و إلّا يجزه الزوجان بعد الكمال، و لا وليّاهما قبله فلا يصحّ.
و لو أجاز أحدهما بعد الكمال، أو وليّه قبله و مات الآخر قبل البلوغ و الرشد و قبل إجازة الوليّ بطل النكاح بينهما؛ لعدم تحقّق الإجازة المصححة للعقد من حينه أو من حينها (1)و يترتّب على البطلان أنّه لا مهر و لا إرث و هو واضح.
و إن مات أحدهما بعد البلوغ و الإجازة و بلغ الآخر الباقي احلف مع الإجازة على عدم كون الداعي على الإجازة هو الطمع في الإرث، و إذا حلف تثبت أحكام الزوجيّة بينه و بين الميّت و أقاربه، و ورث نصيبه المفروض من تركته.
و المستند في ذلك صحيحة أبي عبيدة الحذّاء المرويّة في الكافي قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن غلام و جارية زوّجهما وليّان لهما و هما غير مدركين، فقال: النكاح جائز، و أيّهما أدرك كان له الخيار، و إن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر إلّا أن يكونا قد أدركا و رضيا، قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: يجوز ذلك عليه
1) في «ع» و «ص»: حينهما.
إن هو رضي. قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية و رضي بالنكاح ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية أ ترثه؟ قال: نعم يعزل ميراثها منه حتّى تدرك، فتحلف باللّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث و نصف المهر، قلت: فإن ماتت الجارية و لم تكن أدركت أ يرثها الزوج المدرك؟ قال: لا؛ لأنّ لها الخيار إذا أدركت. قلت:
فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الأب، و يجوز على الغلام، و المهر على الأب للجارية» (1).
و المراد بالوليّين في صدر الخبر- بقرينة المقابلة للأب في الذيل- الوليّ العرفي كالأخ و العم.
و اشتمال الرواية على تنصيف المهر لو قلنا بتمام المهر مع الفرقة بالموت لا يضرّ؛ لاحتمال تقديم نصفه الآخر قبل النكاح.
و مقتضى الصحيحة أنّه لو بلغ أحدهما و أجاز لزم العقد من جهته، فيترتّب في حقّه إن كان زوجا آثار زوجيّة المعقود عليها من تحريم أختها و أمّها و الخامسة.
و لو أدركت الزوجة و ردّت العقد انفسخ من حينه، لا من حين الردّ قبالا للإجازة على أحد الوجهين، و يترتّب عليها (2)أنّه هل يجوز نكاح أمّها أم لا؟ وجهان:
من أنّ النكاح في حقّ الزوج كان ثابتا، فارتفع بفسخ الزوجة، فتحرم
الأم (1)لأنّها أم المعقودة بالعقد الصحيح اللازم من طرف الزوج.
و من أنّ العقد إنّما يتمّ بالطرفين، فإذا لم تجز المرأة العقد فكأنّه لم يقع.
و هذا الوجه أقوى؛ لأنّ ما دلّ على تحريم أمّ المعقودة منصرف إلى عقد ثبت صحّته بينهما في آن ما، فيحمل قوله عليه السلام في الصحيحة: «يجوز ذلك عليه إن هو رضي» على أنّه يصير صحيحا لازما من طرفه و لا يجوز له فسخه، لا أنّه يترتّب عليه الأحكام المترتّبة على تحقّق عقد صحيح بينهما، التي من جملتها تحريم أم المعقودة.
و بعبارة أخرى: دلّت الصحيحة على لزوم العقد من طرفه، لا ثبوت الزوجيّة و هي العلاقة المتحقّقة بين الزوجين في حقّه و جريان أحكام المصاهرة في حقّه قبل فسخها من حيث إنّه حينئذ مخاطب بوجوب الوفاء بالعقد، كما يدلّ عليه قوله في الصحيحة: «يجوز ذلك عليه».
و من جملة آثار هذا العقد التي يجب ترتيبها، هو عدم التزويج بأختها و أمّها و الخامسة. و ليس جريان أحكام المصاهرة من جهة دخول المعقود عليها في أفراد الزوجة حتّى يقال: إنّها منصرفة إلى غيرها، بل من جهة حكم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)، و خصوص الفقرة المذكورة في الصحيحة بوجوب ترتيب آثار الزوجيّة المتحقّقة المنجزة على هذه المعقود عليها و إن لم تكن زوجيّتها متحقّقة منجّزة، و مثل هذا ليس موجودا بعد فسخ المرأة لارتفاع [العقد] (3).
ثمّ اعلم أنّ كون الفسخ رافعا للعقد من حينه، إن أريد به أنّ العقد قبله كان صحيحا من الجانبين، و الفسخ بمنزلة الفسخ في العقود الجائزة أصالة أو لعارض الخيار، فلا يخفى أنّه سخيف، مخالف لما اتفقوا من أنّ الإجازة إمّا كاشفة أو ناقلة، إذ عدمها على التقديرين يستلزم ارتفاع حكم العقد و لغويته من حين العقد، فهذا الاحتمال ممّا لا يصلح أن يذكر، و لا أن يبنى عليه الإشكال في صحة العقد على أم المعقودة بعد فسخها (1)، و قد ذكر الإشكال في القواعد (2)كما حكي، و ذكر في الكشف- على ما حكي- أنّ مبنى الإشكال هو أنّ الفسخ كاشف عن الفساد أو رافع له من حينه (3).
نعم، يمكن أن يراد أنّ الزوجيّة المتحقّقة بالنسبة إلى الزوج المجيز هل ترتفع بفسخ الزوجة و من حينه؟ أو يكشف فسخها عن عدم ثبوتها من أوّل الأمر؟ بمعنى جعلها كغير الثابت قبالا لما هو أحد الوجهين في معنى كاشفيّة الإجازة، و أنّها تجعل غير الثابت كالثابت.
و تحقيق الكلام في الوجهين: هو أنّ الزوجيّة المفروض تحقّقها بالنسبة إلى الزوج المجيز، إن أريد بها مجرّد آثارها التي حكم على الزوج بترتبها قبل الفسخ، فلا ريب أنّ الفسخ رافع لهذه من حينه، و لا يلزم منه حرمة أمّ المعقودة؛ لأنّ حرمة الأمّ إنّما ثبتت في الزوجة، و لم تحصل زوجيّته أصلا.
نعم، ثبت على الزوج وجوب ترتيب آثارها في زمان.
و إن أريد بها تحقّق نفس الزوجيّة بالنسبة إلى الزوج المجيز، ففيه: أنّ
الزوجيّة أمر بسيط قائم بطرفين غير قابل للتبعيض. نعم، قد يتبعض آثارها، كما لو ادّعى رجل زوجيّة امرأة، فأنكرت و حلفت، فالزوجيّة بهذا المعنى لم تتحقق من أوّل الأمر بمجرد إجازة الزوج و إن تحقّق آثارها من أحكام المصاهرة و نحوها.
اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّ من جملة آثار الزوجيّة التي يجب ترتيبها بعد الإجازة و قبل الفسخ، هو تحريم الأم مؤبّدا و لو بعد الفسخ، فيجب الالتزام به.
و يمكن دفعه بأنّ الآثار التي يجب ترتبها بحكم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) آثار ظاهريّة، حيث إنّ موجب اللزوم قد تحقّق من الزوج، و لم يعلم بتعقب الفسخ من الزوجة، فمقتضى امتثال الأمر بالوفاء بالعقود هو ترتيب الآثار في مرحلة الظاهر، و لذا يحكم بأنّ من باع ماله من فضوليّ فلا يجوز له الفسخ، بناء على أنّ الإجازة كاشفة مع جهله بأنّه سيقع الإجازة أم لا، فيكون المراد من رفع الفسخ، رفع هذه الآثار الظاهريّة، و الكشف [عن عدمها واقعا] (1).
و صرّح في الكشف- على ما حكي- بأنّ تحريم الامّ و الأخت على الزوج المجيز قبل الفسخ، من حيث احتمال كونهما أمّ الزوجة و أختها في الواقع، بأن تجيز الزوجة فتكشف إجازتها عن ذلك، و كذا حرمة تصرّف من باع ماله من فضوليّ فيه؛ لاحتمال كونه مال الغير، فيكون مرددا بين ماله و مال الغير، فيكون التحريم من باب المقدّمة (2).
و هو ضعيف، مخالف لأصالة بقائه على ملكه و عدم الإجازة، و كذا فيما نحن فيه.
لكنّ الفرق بين مقالة كشف اللثام [و بين ما قلنا لا يخفى] (1)، فإنّ ما ذكرناه لا دخل له بحديث المقدّمة و اشتباه الحرام بغيره، بل من جهة أنّ العرف يفهمون من (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وجوب الوفاء على من تحقّق منه شرائط لزوم العقد بعد تحقّق نفس العقد، نظيره ما إذا نذر أحد مالا لزيد إن حصل له ولد، فقبل حصول الولد قيل بعدم جواز إتلاف المال؛ لاحتمال حصول الولد له فيكون لزيد، و إتلافه مناف لوجوب الوفاء بالنذر، فتدبّر.
و ممّا يؤيّد ما ذكرنا تصريح الصحيحة المذكورة (2)بوجوب عزل الإرث لهذا المتوقع إجازته، مع الشكّ في أنّه سيجيز و يحلف، أم لا.
ثمّ إنّ الفقرة المذكورة لا يدلّ- إنصافا- على وجوب ترتيب آثار الزوجيّة، بل غاية ما يدلّ عليه قوله «يجوز ذلك عليه»: أنّه لا يجوز له فسخه.
و كيف كان، فلنرجع إلى ما كنّا فيه فنقول: إنّه إن حلف من بلغ و أجاز بعد موت البالغ المجيز، أخذ الميراث المعزول، و الظاهر أنّه يجري عليه أحكام المصاهرة بالنسبة إلى أب الميّت و ابنه (3)أو بالنسبة إلى أمّ الميتة، و إن مات قبل الإجازة فلا شيء.
و إن مات بعد الإجازة و قبل اليمين، فالأقوى عدم الإرث أيضا؛ لأنّ اليمين من مكمّلات العقد بحكم النصّ و إن كان على خلاف الأصل، بل من مثبتات الإجازة؛ حيث إنّه يحتمل فيها قويّا أن يكون الإجازة لمجرّد أخذ الميراث من غير رضاه واقعا بزوجيّة الميّت لو كان حيّا.
و عن القواعد الاستشكال في الإرث لو مات قبل الإجازة (1)، فضلا عمّا لو مات بعدها قبل اليمين، و الأقوى ما عرفت.
ثمّ إنّ (2)مقتضى الرواية أنّه لو نكلت المرأة الباقية بعد موت الزوج البالغ المجيز عن اليمين لم ترثه، فلا يثبت في تركة الزوج المهر أو نصفه.
و لو انعكس الأمر، بأن كان الباقي هو الزوج فأجاز و لم يحلف، فالظاهر تعلّق المهر في ذمّته لأجل إقراره في ضمن إجازته، و إنّما يحرم بنكوله عن اليمين عن الإرث لأجل التهمة بالطمع في الإرث، مع أنّ اعتبار اليمين المخالف للأصل ثبت بالنصّ (3)في طرف الزوجة إذا بقيت بعد الزوج، فتأمّل.
و على ثبوت المهر، فهل يرث الزوج منه؟ الأقوى نعم؛ لاستلزام إجازته استحقاقه مقدار نصيبه من المهر على كلّ تقدير؛ لأنّه إن كان صادقا في إجازته فإرثه من المهر ثابت، و إن كان كاذبا فجميع المهر له، فاستحقاق نصيبه من المهر ثابت على التقديرين، بخلاف غير المهر من تركتها فإنّه لا يستحقّ نصيبه منها على تقدير كذبه في إجازته، فاحتيج إلى اليمين.
و أيضا: إقراره (1)بالنكاح في ضمن الإجازة لم يتضمّن الإقرار باشتغال ذمّته بجميع المهر؛ لتنافيهما، لأنّ ثبوت نكاح الميتة يستلزم انتقال بعض مهرها إلى الزوج، بل إنّما تضمّن الإقرار بما عدا نصيبه منه.
ثمّ لو انتفت التهمة في المجيز، فهل يسقط يمينه أم لا؟ وجهان، من إطلاق النصّ؛ فإنّ التهمة حكمة غالبية و لا يلزم اطرادها، فربّ حكم شرعيّ [تعبّدي] (2)تعدّى عن مورد حكمته، و من انصراف النصّ إلى الغالب من ثبوت التهمة، ففي غيره لا دليل على اليمين المخالفة للأصل، نعم لو وجد الدليل لم يلاحظ وجود الحكمة.
و اعلم أنّ النصّ إنّما ورد في الصغيرين اللذين زوّجهما فضوليان، و أمّا غيرهما كالمجنونين و الكبيرين المزوّج كلاهما أو أحدهما فضولا، و الصغير و الكبير المزوّج كلاهما أو أحدهما فضولا، إذا مات من لزم العقد من طرفه و بقي من يحتاج إلى إجازته، فهل يحكم بثبوت الزوجيّة و الإرث بمجرّد الإجازة و اليمين، أم لا؟ وجهان، بل قولان، منشأهما أنّ ثبوت الحكم في مورد النصّ على طبق الأصل فيتعدى إلى كلّ ما وافقه (3)، أم مخالف للأصل فيقتصر على محلّ النصّ؟
يظهر من المسالك (4)و المحكي عن جامع المقاصد: أنّ الحكم على
خلاف الأصل (1)، سواء قلنا بأنّ الإجازة جزء السبب، أو بأنّها كاشفة عن سبق النكاح من حين العقد.
أمّا على الأوّل، فلأنّ موت أحد المتعاقدين قبل تمام العقد مبطل له، كما لو مات الموجب قبل تحقّق القبول.
و أمّا على الثاني، فلأنّ الإجازة وحدها لا تكفي في ثبوت هذا العقد، بل لا بدّ معها من اليمين، فقد حصل الموت قبل تمام السبب، خرج منه مورد النصّ.
و ردّ بأنّ اليمين لا مدخليّة لها في الثبوت واقعا، و إنّما هي كاشفة عن مناط الإجازة و هو الرضى الباطني بالنكاح، و لو سلّم كونها شيئا مستقلّ الاعتبار لا مدخل لها في الإجازة، فهي كالإجازة كاشفة لا مثبتة للنكاح من حينها؛ لأنّ ثبوت النكاح بعد الموت لا يعقل.
و أيضا، كيف يحكم بالإرث الذي لا بدّ من استحقاقه وقت الموت، و المفروض تجدّد ثبوت النكاح بعد اليمين؟
نعم، وجوب اليمين بعد الإجازة على خلاف الأصل، فلا بدّ من الاقتصار فيه على مورد النصّ، فينبغي أن يحكم في غيره بكفاية الإجازة، لا أنّ ثبوت الزوجيّة بعد الإجازة و اليمين على خلاف الأصل فيقتصر فيه على مورد النصّ، إلّا أن يقال: إنّ اليمين من مثبتات الإجازة الكاشفة عن الرضي الواقعي بأصل التزويج.
نعم، قد يقال باعتبار قابليّة المعقود عليها حين إجازة الآخر (2)،
و هي مفقودة في المقام، و لعلّه لاعتبار اجتماع المتعاقدين في الرضى بالعقد في زمان و هو مفقود هنا. و لكنّه محلّ مناقشة؛ لعدم الدليل على اعتبار أزيد من تحقق رضاهما بالعقد، أمّا اجتماعهما في الرضى، أو رضى أحدهما مع بقاء قابليّة الآخر، فلا دليل عليه.
ثمّ إنّ بعض من جعل الحكم مخالفا للأصل، تعدّى إلى بعض الموارد من غير المنصوص، إمّا لأجل مساواته له بتنقيح المناط، و إما لأجل أولويته بالحكم من المنصوص، فألحق العقد الفضولي للمجنونين بالصغيرين؛ للمساواة.
و فيه نظر، بعد فرض مخالفة الحكم للأصل.
و كذا لو كان العاقد على الصغيرين أحدهما الولي و الآخر فضولي، فمات من عقد له الوليّ قبل بلوغ الآخر.
و قد يقال: بتعدّي الحكم المنصوص إليه بطريق أولى؛ لأنّ العقد في المنصوص جائز من الطرفين، و هنا لازم من أحدهما، و لا يخلو من نظر، كالحكم بالصحّة فيما إذا كان أحدهما كبيرا زوّج نفسه أصالة من صغير فضولا.
و كيف كان، فإذا فرض مخالفة الحكم للأصل، يشكل التعدّي بمجرّد المساواة المتراءاة أو الأولويّة الاعتبارية الظنيّة.
و يستحبّ للبالغة الرشيدة أن تستأذن أباها في العقد؛ لما مرّ في الأخبار الدالة بظاهرها على أنّ أمرها بيده (1)، المحمولة على تأكّد أن تجعل
1) تقدّمت في الصفحة: 113 و ما بعدها.
أمرها إليه، و في بعضها التعليل بأنّه «أنظر لها» (1)، و من عموم التعليل يعلم أنّ مع عدمه أي عدم الأب توكّل أخاها استحبابا؛ لأنّه أنظر لها من غيره بعد الأب.
و لو تعدّدوا وكّلت الأكبر لمرسلة ابن فضال عن الرضا عليه السلام: أنّ «الأخ الأكبر بمنزلة الأب» (2).
و لو بادر أخواها فعقدها (3)كلّ واحد منهما لشخص، أو تشاحّ الإخوان في تزويجها بشخصين، استحبّ لها اختيار ما يختاره الأكبر للمرسلة.
و لو وكّلت أخويها في تزويجها بمن شاءا فإن أوقعا عقدين لشخصين، قدّم الأوّل لوقوعه صحيحا لازما المستلزم لبطلان الثاني فإن دخلت المرأة بالثاني المحكوم ببطلان عقده فرّق بينهما لأنّها زوجة غيره و الزم المتأخر المهر بوطء الشبهة إن كانت المرأة جاهلة و إن أتت بولد منه لحق به الولد لثبوت النسب (4)بالشبهة كالصحيح و اعتدّت مع الجهل و لو من أحدهما- لصدق وطء الشبهة الموجب للعدّة و احترام النطفة- بوضع الحمل إن كانت حاملا، و بالأقراء إن كانت حائلا و أعيدت إلى الأوّل هذا مع تقدّم (5)عقد أحدهما.
و مع اقتران العقدين بطلا على المشهور ظاهرا؛ لأنّ الحكم بصحّة أحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجّح، و يترتّب عليه أنّه لو دخلا مع الجهل لزم كلّا منهما مهر المثل، و يجب عليها العدّة من كلّ منهما بالترتيب، و حكم الولد سيجيء.
و لو تحقّق العقد بين رجل أو وكيله و بين شخص آخر عن امرأة ثمّ ادّعى الزوج المنكر لتحقّق الزوجيّة المعترف بالعقد على المرأة عدم إذنها، قدّم قولها من غير يمين إن صححنا الفضولي في النكاح؛ لأنّ دعوى الإذن من الزوجة في قوة الإجازة اللاحقة على فرض عدم تحقّق الإذن السابق؛ لأنّها صريحة في الرضى بالعقد، و مع فرض عدم صراحتها فيه أو عدم دلالتها عليه فلا وجه لليمين أيضا؛ لانقطاع الدعوى بإجازتها مجدّدا فيثبت النكاح، أو ردّها فيبطل العقد، فثبوت العقد و عدمه موقوف على فعل اختياري للزوجة.
و أمّا لو أبطلنا الفضولي، أو صححناه لكن وقع من الزوجة كراهة للعقد بحيث لا ينفع معها الإجازة اللاحقة، فيحتاج إلى اليمين، و وجه تقديم قولها أنّ الإذن فعلها [فهي] (1)أعرف، و أنّها تدّعي الصحة، فيقدّم قولها مع اليمين.
و لو انعكست الدعوى، بأن ادعى الزوج عليها الإذن و أنكرته، فمع عدم الدخول لا إشكال في أنّ القول قولها مع اليمين؛ لأصالة عدم الإذن، و لا يعارضها أصالة الصحة.
أمّا على القول بصحّة الفضولي فظاهر؛ لأنّ عدم إذنها لا ينافي صحّة
1) في النسخ: «فهو»، و ما أثبتناه هو الصحيح.
العقد الواقع حينئذ.
و أمّا على القول ببطلان الفضولي، فلأنّ صحّة العقد التي يدّعيها الزوج إنّما يسنده إلى فعل [يدعيه] (1)على المرأة، و هي تنكره، و الأصل عدم وقوع ذلك الفعل و إن ترتّب عليه فساد العقد.
هذا مع عدم الدخول، و أمّا مع الدخول فقد يقال بتقديم قوله؛ لأنّ الدخول قرينة على إذنها، لأصالة المشروعية فيه و عدم الشبهة، و فيه نظر.
و اعلم أنّه ليس لوكيل الرشيدة أن يزوّجها من نفسه، إلّا بالإذن الخاصّ، كأن تقول له: زوجني من نفسك، فيجوز حينئذ (2)التزويج؛ لوجود المقتضي و عدم المانع، عدا ما يتوهّم من رواية عمّار (3)الضعيفة، و عدم جواز كون الواحد موجبا قابلا، و هو أضعف من الرواية.
أمّا مع عدم الإذن الخاصّ، فإن انتفى الإذن مطلقا، بأن قالت له:
زوّجني من غيرك، أو من فلان، فلا إشكال في أنّ تزويجها لنفسه يقع فضوليّا، و كذا مع ثبوت الإذن المطلق بأن [تقول:] (4)زوّجني، أو زوّجني من رجل، بل في المسالك أنّه لا خلاف في عدم الجواز حينئذ (5)و لعلّه لانصراف الإطلاق إلى غير الوكيل، فهو بضميمة الانصراف بمنزلة
[قولها:] (1)زوجني من غيرك.
و أمّا مع العموم بأن تقول: زوّجني ممّن شئت، أو من أي رجل، فقد يستظهر أيضا العدم؛ بناء على عدم ظهور العموم في شموله لنفس الوكيل، فلا اعتبار بأصالة الحقيقة فيه. و لكنّ المتّجه على القواعد الجواز، إلّا أن يفهم من القرائن إرادة غيره فيتّبع.
و للجد الولي على الجارية أن يزوّجها من ابن ابنه الآخر الصغير ولاية، أو الكبير فضولا؛ لوجود المقتضي و عدم المانع لجواز تولّي طرفي العقد.
و اعلم أنّ مقتضى الأصل عدم صحّة التزويج بدون رضى المزوّجة، و عدم ثبوت الولاية الإجبارية لغيرها عليها، فلا بدّ من الاقتصار فيها على المورد الذي دلّ عليه الدليل.
إذا عرفت هذا فنقول: إذا زوّج الأب و الجدّ الصغيرة، فإمّا أن يزوّجاها بكفء بمهر المثل، و إمّا أن يزوّجاها بغيره بمهر المثل، و إما أن يزوجاها به (2)بدون مهر المثل.
فإن زوّجاها من الكفء بمهر المثل، فليس لها الاعتراض بعد البلوغ، سواء كان ذلك على وجه المصلحة، أو لم يكن فيه مفسدة و لا مصلحة؛ لإطلاق الأخبار الدالّة على الولاية (3)الشاملة لما إذا لم يكن مصلحة و لا مفسدة، بل الأخبار الكثيرة وردت في استحباب تزويج كلّ من يخطب
إذا كان كفأ لمجرد إجابته (1).
و لو زوّجاها من غير الكفء فالظاهر أنّ لها الاعتراض بعد البلوغ في فسخ العقد، سواء كان بمهر المثل أو بدونه، و سواء كانت المصلحة (2)أم لا؛ بناء على أنّ الكفاءة شرط في لزوم العقد الصادر من الولي؛ للأصل المتقدّم، و انصراف ما دلّ من أخبار الولاية بحكم الغلبة الملحقة للنادر بالمعدوم إلى التزويج بالكفء، و حينئذ فيقع التزويج الصادر فضوليّا، لها ردّه بعد البلوغ.
و لو زوّجاها بالكفء بدون مهر المثل، فإن كان لأجل مصلحتها، فليس لها الاعتراض على الأقوى، لا في العقد و لا في المهر.
أمّا في العقد، فلإطلاق أخبار الولاية الشامل لجميع أفراد التزويج بالكفء، و أنّه يجوز عليها تزويج الأب.
و أمّا عدم اعتراضها في المهر، فلثبوت الولاية له عليها في مالها (3)، و له أن يتصرّف في مالها (4)كل ما كان لها فيه مصلحة، فإذا جاز إسقاط مالها عن ذمّة الغير لمصلحتها جاز تقليل مهرها بطريق أولى.
و يدلّ على هذا المطلب جميع ما ورد (5)في الولاية المالية للأب و الجدّ،
فإنّ المتيقن منها جواز كلّ ما اقتضاه المصلحة من التصرّفات.
و إن كان لا لمصلحة، فالظاهر أن لا اعتراض لها في العقد؛ للإطلاقات.
و دعوى انصرافها بحكم الغلبة إلى التزويج من الكفء بمهر المثل مع عدم اقتضاء المصلحة للنقص عنه، مدفوعة بأنّ الظاهر من أخبار ولاية الأب و الجدّ أنّ ولايتهما على الصغير ليس من باب ولاية الحسبة و الغبطة، بل ولايتهما عليه كولاية المولى على العبد، كما يرشد إليه قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم:
«أنت و مالك لأبيك» (1)، و ألزم عليه السلام بذلك من قدّم عقد الأب على عقد (2)الجدّ.
و يرشد إليه قوله عليه السلام: «جاز عليها تزويج الأب و إن كانت كارهة» (3)، و يؤيده جواز عفوهما عن نصف المهر في الطلاق (4).
نعم، يمكن أن يقال: إنّ النكاح لمّا كان فيه جهة المعاوضة للبضع بالمهر، كان في صبر المزوّجة على أقل من مهر المثل بإزاء بضعها ضرر في كثير من المواضع، كما إذا زوّجها بعشر مهر المثل أو نصف عشرة؛ فإنّ الصبر على ذلك مشقّة عظيمة، سيّما على ما نشاهد من أنّ في تقليل المهر عند النساء غضاضة و عارا لا يتحمّلنه، بل ربّما (5)تقنع بعضهن بمجرد اشتغال ذمّة الزوج
بالصداق الكثير في متن العقد ثمّ تبرئ ذمته منه أو تصالحه على شيء قليل.
و بالجملة، فصبر النساء على قلّة المهر فيه مشقّة عظيمة و غضاضة عند الأقران، و حيث إنّ الضرر و الحرج منفيان في الشريعة، وجب تداركه بثبوت الاعتراض للمرأة.
لكن هذا الدليل إنّما يثبت الاعتراض في المهر خاصّة، و يبقى أدلّة جواز تزويج الولي عليها و أنّه ليس لها أمر بحاله.
فإن قلت: إنّ التزويج الواقع من الوليّ بمهر معيّن شيء واحد، إن جاز لها الاعتراض فيه جاز الاعتراض (1)في أصل العقد، و إلّا لم يجز مطلقا، و ليس الواقع في الخارج من الولي أمرين، تجيز المزوجة أحدهما و تردّ الآخر.
و بعبارة أخرى: التزويج الخاصّ الواقع من الولي إن كان لازما فلا اعتراض لها أصلا، و إن كان موقوفا على إجازتها جاز لها ردّ أصل التزويج، بل معنى الاعتراض: الاعتراض في هذا الأمر الواقع، و لذا لا يجوز في التزويج الفضولي إجازة أصل العقد و ردّ المهر إلى مهر آخر مغاير للمسمّى قدرا أو عينا، نعم قد ينفسخ المهر (2)و يرجع إلى مهر المثل مع بقاء أصل النكاح بحاله فيما إذا كان منشأ بطلان المهر أمرا آخر غير عدم قبول أحد المتعاقدين.
قلت: هذا كلّه كلام ظاهري؛ لأنّ الدليل دلّ على جواز التزويج
الواقع من الولي، و قد عرفت منع دعوى انصرافه إلى غير صورة النزاع؛ لما عرفت من أنّ ولاية الأب و الجد ولاية سلطنة و قهر كولاية المولى على العبد، لا ولاية غبطة و حسبة كولاية الحاكم، إلّا أنّ لزوم الضرر في الصبر على دون مهر المثل دلّ على عدم وجوب الصبر عليه.
و لمّا لم يكن النكاح من باب المعاوضة المحضة، بأن يلزم من عدم إمضاء أحد العوضين ردّا لآخر، بل وجدنا موارد تفكيك النكاح عن الصداق المسمّى في العقد، اقتصر في دفع الضرر على الاعتراض في المهر خاصّة، كيف و إن عملنا بمقتضى كون ما وقع في الخارج أمرا واحدا شخصيّا، لزم بحكم العقل استحالة الحكم بثبوت العقد دون المهر، أو ثبوت الخيار في المهر دون العقد، و لم يقبل ذلك التخصيص، فتدبّر.
و الحاصل، أنّ تزويج الولي بمقتضى العمومات، الأصل فيه اللزوم و الجواز على المزوّجة، و قد عرفت منع دعوى الانصراف، إلّا أنّ نفي الضرر و الحرج دلّ على عدم وجوب صبر المزوّجة على الصداق المسمّى، و المفروض أنّه لا يستحيل في الشرع الحكم على العقد باللزوم و على الصداق بعدمه، بل بعدم الصحة، فجمعنا بين مقتضى ما دلّ على لزوم التزويج عليها و ما دلّ على نفي الضرر عليها.
و أمّا حديث عدم جواز التفكيك بين العقد الفضولي و الصداق المسمّى فيه بإجازة الأوّل دون الثاني، فقياس مع الفارق؛ لأنّا نعترف بأنّ التزويج الواقع على صداق مسمّى أمر واحد مشخص (1)في الخارج، لا يجوز لأحد الزوجين إجازة التزويج دون الصداق؛ إذ ليس إلّا إنشاء واحد إن أجيز
1) في «ع» و «ص»: شخصي.
جاز و إن ردّ ردّ من أصله، فإنّ إجازة التزويج الواقع بغير ذلك الصداق ليست إجازة للعقد بالبداهة.
لكن نقول: إنّ الشارع قد حكم في موارد كثيرة بلزوم التزويج دون الصداق، فأدلّة نفي الضرر في المقام لا يثبت إلّا جواز الاعتراض في الصداق، و لا دليل على جواز الاعتراض في العقد، و فرق بيّن بين تفكيك المعقود له أو عليه بين التزويج و الصداق المسمّى فيه بأن يجيز أحدهما دون الآخر، و بين حكم الشارع بلزوم أحدهما، و يجيء الدليل من الخارج على توقف الآخر على إجازة المجيز.
و لذا لو قال الموجب: بعتك هذا بهذا، فقال القابل: قبلت نصفه بنصفه، لم يكن القبول مطابقا للإيجاب؛ لأنّ الإيجاب إنشاء واحد لم يحصل قبوله من القابل، و أمّا إذا قبل الكلّ بالكلّ ثمّ ظهر النصف مستحقّا للغير، فإنّه يحكم بلزوم العقد بالنسبة إلى النصف الغير المستحقّ، مع أنّ العقد غير قابل للتبعّض؛ لأنّه إنشاء واحد.
و ممّا يؤيّد ما ذكرنا: أنّهم حكموا بأنّه (1)إذا أذن المولى في التزويج بمهر المثل أو مطلقا- بناء على انصراف الإطلاق إلى مهر المثل- فتزوّج العبد بأزيد منه بصحّة التزويج و تعلّق الزائد عن مهر المثل في ذمّة العبد.
و لا يخفى أنّ المأذون شيء واحد، و هو التزويج بمهر المثل، و لم يقع، و ما وقع لم يأذن (2)فيه، فكان مقتضى الإيراد توقّف أصل العقد على
الإجازة، مع أنّهم لم يقولوا [به] (1)معلّلين بأنّ التعدّي إنّما كان في مهر المثل، فالتزويج بحاله.
نعم، حكي (2)عن جامع المقاصد أنّه قال فيه: إنّ الأنسب بالقواعد ثبوت الخيار للمولى في العقد أو الصداق (3)، انتهى.
و لا يخفى أنّه لو قلنا هناك بالخيار في العقد لم يلزم القول به هنا، فتدبّر (4).
و لك أن تقول في المقام: إنّ معنى «أنّ لها الاعتراض في المسمّى»، ليس هو التسلّط على فسخه و الرجوع إلى مهر المثل، بل معناه: أنّ المزوّجة لها التسلّط على مطالبة الزوج بما يزيد على المسمّى، بحيث يكون المجموع بقدر مهر المثل.
و تظهر الثمرة بين هذا المعنى و بين ثبوت الخيار لها في فسخ المسمّى و الرجوع إلى مهر المثل، فيما إذا كان الصداق المسمّى عينا، فإنّها بعد الفسخ ترجع إلى مهر المثل في ذمّة الزوج، و أمّا على هذا المعنى فإنّ ملكها باق على العين (5)المسمّى صداقا، و لها مطالبة الزوج بالزائد، و بين الرضى بذلك (6)
العين الذي هو في معنى إسقاط ما يطلبه، كرضى مشتري (1)المعيب به من غير أرش.
ثمّ على كلّ تقدير، لو أعرضت المزوّجة و ألزم الزوج بمهر المثل، فهل له الفسخ؛ لأنّه إنّما أقدم على تزوّجها (2)بالمسمّى، أم لا؟ أم فيه تفصيل بين علم الزوج بالحال الموجب لإقدامه على التزويج و إن آل الأمر إلى الاعتراض و الإلزام بمهر المثل، و بين جهله بالحال؟ وجوه، و المسألة مشكلة من أنّ إلزامه بأزيد ممّا أقدم عليه ضرر، و من أصالة اللزوم و عدم الدليل على الخيار؛ و أنّ مهر المثل قيمة المثل للبضع فبذله في مقابله لا يعدّ ضررا.
هذا كلّه إذا زوّجها بدون مهر المثل، أو بغير الكفء.
أمّا إذا زوّجها بالمجنون الكفء بمهر المثل أو الخصي أو العنين، فالأقوى أنّ لها الاعتراض أيضا؛ لعموم نفي الضرر (3)، مع انصراف أدلّة الولاية إلى غير هذه الصورة. و استدلّ عليه في المسالك بوجود العيب الموجب له لو كان هو المباشر جاهلا، و فعل الولي له حال صغره بمنزلة الجهل (4)، و تبعه في هذا الاستدلال بعض المعاصرين (5).
و فيه: منع المنزلة المدّعاة، و اختصاص ما دلّ على الفسخ بأحد
العيوب (1)بما إذا جهل الزوج، لا ما إذا عقد الولي مع العلم، بل يمكن أن يقال: إنّ عقد الولي على المولّى عليه قبل الكمال بمنزلة عقد الولي عليه بعده، فكما لا خيار له لو عقد مع العلم، فكذا لو عقد وليّه مع العلم، فالأولى في الاستدلال ما ذكرنا.
نعم، يشكل الحكم مع المصلحة، كما إذا كانت المرأة رتقاء (2)أو قرناء (3)أو مجنونة بالجنون الأدواري، بحيث لا يحصل لها (4)كفء غير هؤلاء المعيوبين.
و كذا الحكم لو زوّج الطفل بذات عيب من العيوب الثلاثة، و غيرها من عيوب المرأة المجوّزة للفسخ.
و أمّا لو زوّجها من مملوك لم يكن لها الفسخ لعدم ضرر عرفا في ذلك. و كذا لا اعتراض للصبيّ لو زوّجه بمملوكة على رأي خلافا لمن قال بعدم جواز نكاح الأمة بدون خوف العنت المنفي في حقّ الصغير (5).
و يكفي في إذن البكر حيث يعتبر سكوتها على المشهور،
1) الوسائل 14: 592، الباب الأوّل من أبواب العيوب و التدليس.
2) الرتق: هو أن يكون الفرج ملتحما ليس فيه للذكر مدخل. مجمع البحرين 5: 167، مادّة: «رتق».
3) القرن: لحم ينبت في الفرج في مدخل الفرج، و قد يكون عظما. مجمع البحرين 6: 299، مادّة: «قرن».
4) و في النسخ: له.
5) انظر جامع المقاصد 12: 144، و جواهر الكلام 29: 213.
و في المسالك: لا نعلم فيه مخالفا منّا إلّا ابن إدريس (1)و لعلّه للأصل، و لعدم صدق الإذن عليه، و عدم دلالته على الرضى، و طرح ما دلّ من الأخبار (2)على ذلك و إن كانت صحيحة.
و عن بعض: إلحاق الضحك بالسكوت (3)، و عن آخر: إلحاق البكاء به (4).
و تكلّف الثيّب النطق للأصل و الأخبار (5).
و المراد من «الثيّب»: من ذهبت بكارتها بجماع أو غيره، قبالا للبكر، و لكن (6)إطلاق الثيّب ينصرف إلى من ذهبت بكارتها بالوطء.
و يجوز أن تزوّج البالغة الرشيدة نفسها من غير وليّ سواء قلنا باستقلالها أم لا؛ إذ غاية الأمر على الثاني وقوع العقد الصادر منها فضوليّا موقوفا على إجازة وليّها، و ليست مسلوبة العبارة، خلافا للمحكي عن بعض العامّة (7).
و لا ولاية للكافر و المجنون و المغمى عليه أمّا عدم ولاية الكافر
1) السرائر 2: 569، و المسالك 1: 364.
2) الوسائل 14: 206، الباب 5 من أبواب عقد النكاح.
3) منهم ابن البرّاج في المهذب 2: 194، و المحقق الكركي في جامع المقاصد 12: 121، و صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 85.
4) المهذّب 2: 194.
5) الوسائل 14: 206، الباب 5 من أبواب عقد النكاح، الحديث الأوّل.
6) في «ع» و «ص»: لكن.
7) انظر بداية المجتهد 2: 8.
على المسلم و المسلمة، فلنفي السبيل له عليهما، و أنّ «الإسلام يعلو و لا يعلى عليه» (1)، و قد تقدّم الكلام فيه (2).
و أمّا عدم ولاية المجنون و المغمى عليه، فلعجزهما عن القيام بوظائف الولاية من اختيار الأزواج، و النظر في أحوالهم، و إدراك التفاوت بينهم (3).
و فيه: أنّه إن أريد من ذلك عدم صحّة العقد أو الإذن الواقع منهم في هذا الحال، فهو مسلّم، لكنّه لا يوجب ارتفاع الولاية بمعنى عدم انتظار زوال عذرهم مع عدم الحرج و المشقّة فيه.
[و إن أريد زوال ولايتهم] (4)، فهو ممنوع، لم لا يجوز أن يكون العذر كالنوم و غيره من أسباب العجز؟ نعم، لو ثبت إجماع على زوال الولاية منهما فهو المتّبع.
فإن زال المانع عادت الولاية مع وجود مناطها، كالأبوّة و الجدودة و الحكومة، قيل (5): لا كالوصاية، فإنّ عود الولاية في الوصي بعد زوال المسقط يحتاج إلى دليل، و قد يقال: إنّ ذلك حسن، إذا قلنا بالولاية بمجرّد الوصاية المطلقة، أمّا إذا خصّصناها بما إذا نصّ الموصي على الولاية في النكاح- كما هو أحد الأقوال في المسألة (6)- فيعود بزوال العذر.
و لا ولاية للمولى على من تحرّر بعضه و إن لم يجز له التزويج إلّا بإذنه.
و لو اختار الأب زوجا لصغيرته و الجد زوجا آخر، قدّم اختيار الجد لصحيحة محمد بن مسلم (1)و موثّقة عبيد بن زرارة بابني فضال و بكير (2).
فإن عقدا قدّم السابق أبا كان أو جدّا فإن اقترنا بالفراغ من قبولهما في زمان واحد قدّم عقد الجدّ؛ لصحيحة هشام بن سالم و محمد ابن حكيم عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام، قال: «إذا زوّج الأب و الجدّ كان التزويج للأوّل، فإن كانا جميعا في حالة واحدة فالجدّ أولى» (3).
و في حكم الجدّ أب الجدّ و جدّ الجدّ مع مزاحمة الأب؛ لصدق الجدّ على الكلّ، فيدخل في المنصوص.
و هل الجدّ مع أبيه في حكم ابنه معه، أم لا؟ إشكال، من عدم النص، و ممّا يستنبط من بعض الأخبار من أولوية الأب من (4)استدلال الإمام عليه السلام على صحّة تزويج الجدّ بدون إذن الأب بما روي عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم لمن جاء يستعدي على أبيه: «أنت و مالك لأبيك» (5).
و اعلم أنّ مقتضى الأدلّة الأربعة أنّه لا يجوز نكاح الأمة إلّا بإذن مالكها سواء في ذلك الدائم و المنقطع و إن كان المالك امرأة على رأي (1)[خالف فيه فجوّز التمتع بها بدون إذن مولاتها] (2)مستندا إلى بعض الأخبار الصحيحة (3)الغير المقاوم (4)للأدلّة العقلية (5)و النقلية (6)، و بعض الاعتبارات، مثل: أنّ أمة المرأة محرومة عن الوطء، و ربّما لم تأذن لها مولاتها في التزوّج، فجعلها الشارع في هذا الأمر بخصوصه مستقلّة غير محجورة، و لا يلزم من ذلك منافاة للعقل و النقل إلّا بملاحظة أدلّة الحجر على المملوكة، و أنّ نفسها و منافعها و بضعها مال المولى (7)، و لا يبعد تخصيص تلك الأدلّة بالصحيحة الواردة في الباب.
و ولد الرقيقين رقّ لمولاهما بلا خلاف على الظاهر المصرّح به في المسالك (8)إذ لا وجه لحريّته مع أنّه نماء الملك.
فإن تعدد المالك لهما فالولد بينهما على المشهور؛ لأنّه نماء ملكهما، إذ لا مزيّة لأحدهما على الآخر و النسب لا حق بهما، بخلاف باقي
1) ذهب إليه الشيخ الطوسي قدّس سرّه في النهاية: 490.
2) ما بين المعقوفتين من هامش «ق».
3) الوسائل 14: 463، الباب 14 من أبواب المتعة.
4) في «ع» و «ص»: المقاومة.
5) و التي منها قاعدة قبح التصرّف بمال الغير بدون إذنه.
6) الوسائل 14: 463- 464، الباب 15 من أبواب المتعة، الحديث 1 و 2 و 3.
7) راجع الوسائل 13: 144، الباب 4 من أبواب أحكام الحجر، و الوسائل 14: 527، الباب 29 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
8) المسالك 1: 407.
الحيوانات فإنّ النسب غير معتبر، و النموّ و التبعيّة لاحق للأم. كذا فرّق، و فيه خفاء كما صرّح به غير واحد (1)، و لعلّه لذا حكي عن الحلبي إلحاقه بالأمّ كما في سائر الحيوانات (2).
[هذا إذا لم يشترطه أحدهما لنفسه] (3)و لو شرطه أحدهما ملكه لعموم: «المؤمنون عند شروطهم» (4).
و لو كان أحد أبويه حرا تبعه الولد إن كان وطأها بالملك إجماعا ظاهرا، و كذا إن وطأها بالتحليل أو التزويج على المشهور؛ للأخبار المستفيضة (5)القريبة المذكورة أكثرها في الكافي (6)، خلافا للمحكي عن الإسكافي (7)، فحكم برقّية الولد مطلقا، أو إذا كان الزوج حرّا على اختلاف الحكايتين، و مستنده فيما إذا كان الزوج حرّا بعض الأخبار (8)، لكنّها- على ما وجدت- مختصة كلّا بما إذا كان الزوج حرّا.
و الأقوى ما عليه المشهور؛ لاعتضاد روايته بالكثرة، و موافقة
1) منهم الشهيد الثاني في المسالك 1: 407، انظر الحدائق 24: 208.
2) حكاه عنه الشهيد في المسالك 1: 407.
3) من «ع» و «ص».
4) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.
5) الوسائل 14: 528- 529، الباب 30 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الأحاديث 1- 6.
6) الكافي 5: 492.
7) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 568.
8) الوسائل 14: 530- 531، الباب 30 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الأحاديث 10- 14، و انظر الحدائق 24: 210- 212.
المشهور، و مخالفة بعض الجمهور على ما قيل (1). و يؤيّده مصير الإسكافي إليه، و مع ذلك كلّه فلو سلّم التكافؤ وجب الرجوع إلى الأصول، و هي مع الحرية كما لا يخفى.
و استثنى من هذا الحكم على المشهور صورة واحدة، أشار إليها بقوله: إلّا أن يشترط المولى الرقّية فيسترق حينئذ على قول مشهور، ضعيف المأخذ- كما في الروضة (2)و الرياض (3)- و هي رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه- عليه السلام- كما عن (4)الاستبصار- قال: «لو أنّ رجلا دبّر جارية ثم زوّجها من رجل فوطأها، كانت جاريته و ولدها منه مدبّرين، كما لو أنّ رجلا أتى قوما فتزوّج إليهم مملوكتهم، كان ما ولد لهم مماليك» (5).
فإنّ ظاهرها الحكم برقّية الولد، لكنه محمول على ما إذا شرط (6)على الأب رقية الولد؛ لأنّ الأخبار المستفيضة الدالّة على حرّية الولد بحرّية أحد أبويه ناصّة في الحرّية مع عدم اشتراط الرقّية، لأنّه المتيقن من أفرادها، ظاهرة فيها مع اشتراط الرقّية، و هذه الرواية نصّ في الرقّية في صورة الاشتراط؛ لأنّها المتيقنة من إطلاقها، ظاهرة فيها في صورة عدم الاشتراط،
فينبغي رفع اليد عن (1)ظاهر كلّ بنصّ الآخر.
و يؤيّد هذه الرواية بعض الروايات الأخر (2)، الدالّة بظاهرها على مذهب الإسكافي، التي يمكن حملها على صورة اشتراط الرقّية جمعا كما عرفت. و لا ينافي ذلك موافقة أخبار الرقّية بإطلاقها للتقيّة؛ إذ لا منافاة في أن يكون العام الصادر عن المعصوم عليه السلام بظاهره موافقا لمذهب العامّة، و أريد به (3)الخاصّ الموافق للحكم الواقعي بقرينة منفصلة، بل هذا أحسن أفراد التقيّة.
لكنّ الإنصاف، أنّ روايات الحرّية على الإطلاق أقوى دلالة و أكثر عددا، مع أنّ الجمع المذكور لا شاهد عليه، فالواجب في مثله مع عدم المرجّح بين (4)الأخبار الرجوع إلى مقتضى الأصول.
و أمّا حديث وجوب الوفاء بالشروط و العقود المتضمنة لها، فلا ربط له بما نحن فيه؛ لأنّ رقّية الولد ليس ممّا يملكه الشخص حتّى يلتزم به، فإنّ الحق فيه للّٰه سبحانه و لا تسلّط للعباد عليه، فليس رقّية الولد قابلا لأن يلتزم به الشخص حتّى يجب الوفاء به، كما لا يجوز اشتراط رقّية ولد الحرين، و هذا واضح.
ثم إذا قلنا بفساد هذا الشرط، ففي فساد العقد المشروط به وجهان،
بل قولان. و على تقدير فساد العقد، فلو وطأ عالما كان الولد رقا من حيث إنّه زنى، و مع الجهل لا.
و لو تزوّج الحرّ الأمة دواما أو انقطاعا بغير إذن المالك و إن كان امرأة- على ما مرّ (1)- و وطأها قبل حصول الإجازة من المالك التي يكفي فيها الرضى، عالما بالتحريم، فهو عاص زان كما يدلّ عليه موثقة أبي العبّاس (2)، و روايته الأخرى (3).
و حينئذ يجب عليه الحدّ، و أمّا المهر فلا إشكال عندهم في ثبوته عليه إن كان أكرهها (4)على الوطء أو كانت جاهلة بلا خلاف ظاهرا، و إن اختلف في أنّه المسمّى، أو مهر المثل، أو العشر، أو نصفه.
و الولد رقّ بلا خلاف أيضا كما في الحدائق (5)، مستشهدا عليه بمرسلة جميل في من أقرّ على نفسه أنّه غصب جارية، فولدت الجارية من الغاصب، قال عليه السلام: «تردّ الجارية و الولد على المغصوب» (6)، لكن
1) تقدّم في الصفحة: 180.
2) الوسائل 14: 527، الباب 29 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل.
3) الوسائل 14: 527، الباب 29 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 2.
4) في «ع» و «ص»: قد أكرهها.
5) الحدائق 24: 215.
6) الكافي 5: 556، الحديث 9، الوسائل 14: 571، الباب 61 من أبواب نكاح العبيد و الإماء. و في الوسائل لم يذكر جميل، بل رواه عن علي بن حديد عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام.
موردها الزنى لا التزويج.
و لو كانت الأمة عالمة مختارة فلا مهر و إن حدّت على ما اختاره المصنّف قدّس سرّه، و حكي عن جماعة (1)لأصالة البراءة، و لأنّه (2)«لا مهر لبغيّ» (3).
و قيل بثبوت المهر (4)لأنّه عوض البضع المستوفى، و هو ملك المولى، و لا دخل لاختيار الأمة و علمها في ذلك، و المهر ليس لها حتّى تمنع عنه لبغائها؛ فإنّ المنفي استحقاقها للمهر بسبب البغاء، و هي امرأة تكون من شأنها الاستحقاق، و الأمة ليست كذلك، فالخبر النافي لمهر البغي مختصّ بمن تستحقّه (5)لو لا البغاء.
مع أنّ ظاهر لفظ المهر في الخبر قرينة على إرادة الحرّة من البغيّ؛ لأنّه يقال [لها] (6): بنت مهيرة، في مقابل الأمة.
و لفحوى صحيحة الفضيل- المروية في الكافي- عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام
1) منهم المحقق في الشرائع 2: 310، و حكى هذا القول عن جماعة المحقق الكركي في جامع المقاصد 13: 75، و البحراني في الحدائق 24: 216، و صاحب الجواهر في الجواهر 30: 218.
2) في «ع» و «ص»: و أنّه.
3) لم نجده بهذا اللفظ، نعم في سنن البيهقي (6: 6): «نهى النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم عن .. مهر البغي».
4) حكاه المحقّق الكركي في جامع المقاصد 13: 75، و البحراني في الحدائق 24: 216.
5) في «ع» و «ص»: بمستحقه.
6) في «ع» و «ص».
قال: «قلت له: جعلت فداك ما تقول في رجل له جارية نفيسة و هي بكر، أحلّ لأخيه ما دون فرجها، أ له أن يفتضها؟ قال: لا، ليس له إلّا ما أحلّ له منها، و لو أحلّ له قبلة منها لم يحلّ له ما سوى ذلك، قلت: أ رأيت إن أحلّ له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضّها؟ قال: لا ينبغي له ذلك، قلت: فإن فعل أ يكون زانيا؟ قال: لا، و لكن يكون خائنا و يغرم لصاحبها عشر قيمتها إن كانت بكرا، و إن لم تكن فنصف عشر قيمتها» (1).
و نحوها الصحيح في رجل تزوّج امرأة فوجدها أمة دلّست نفسها؟
قال: «إن كان الذي زوّجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد قلت:
فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ قال: إن وجد ممّا أعطاها شيئا فليأخذه، و إن لم يجد شيئا فلا شيء له عليها، و إن كان زوّجه إياها وليّ له، ارتجع على وليها بما أخذته، و لمواليها عشر قيمتها إن كانت بكرا، و إن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحلّ من فرجها، قال: و تعتدّ منه عدّة الأمة. قلت: فإن جاءت منه بولد؟ قال: أولادها منه أحرار إذا كان النكاح بغير إذن الموالي» (2).
دلّ على سببيّة استحلال الفرج للعشر و نصف العشر مع جهالة الزوج، فمع علمه أولى.
ثمّ إنّ مقتضى الاستدلال بالوجه الأوّل هو استحقاق مهر المثل؛ لأنّه كاجرة المثل في سائر المنافع التي يستوفيها من الأمة بالاستخدام و الاستعمال،
و مقتضى الصحيحتين ثبوت العشر و نصف العشر.
لكنّ التعويل على الدليل الأوّل مشكل؛ لأنّ استيفاء منفعة البضع ليس كاستيفاء سائر المنافع، و لذا لا يجب شيء بتقبيل الأمة أو الاستمتاع بها بما دون الفرج، بخلاف استيفاء منافعها بالاستخدام أو تفويت منافعها، فإنّها مضمونة إجماعا.
و الحاصل، أنّ منفعة البضع لها حكم غير حكم سائر المنافع، اللّٰهمّ إلّا أن يقال: إنّ مقتضى القاعدة ضمان كلّ منفعة يستوفيها من الأمة؛ لأنّ منفعة المال كنفس المال مضمونة، إلّا أن يخرج شيء بالإجماع، و لذا لم يخالف أحد في ثبوت المهر مع جهل الأمة، و لا ريب أنّ علمها و جهلها لا مدخل له في اشتغال ذمّة الزوج بعوض البضع، و الظاهر أنّ من لم يقل بالمهر استند إلى نفي المهر للبغيّ بحمل «اللام» على الاختصاص، لا الملك (1)كما في قولك: لا اجرة للدار و للدابّة.
ثمّ لو ثبت أنّ مقتضى القاعدة ثبوت مهر المثل، لكن قد عرفت أنّ مقتضى الصحيحتين هو العشر و نصف العشر، سواء زاد على مهر المثل أو نقص، و لا بأس بالقول بمضمونهما كما عن ابن حمزة (2)، و اختاره في الرياض. (3)
ثمّ إنّ هذا كلّه إذا لم يجز المولى العقد بعد الوطء، أو أجازه بعده و قلنا بأنّ الإجازة كالعقد المستأنف، أو أنّها جزء السبب.
و أمّا إذا أجاز العقد بعد الوطء و قلنا بأنّها كاشفة، سقط الحدّ و إن بقي الإثم، و حكم بحريّة الولد، و ثبت في ذمّة الزوج المسمّى، لكن قال في الحدائق- بعد هذا التفريع-: إنّ كون الإجازة كاشفة أو ناقلة لا أثر له في الأخبار (1)، انتهى.
أقول: و في رواية (2)محمد (3)بن قيس في من باع جارية أبيه بغير إذنه، فجاء الأب يدّعي على المشتري: «فقال أمير المؤمنين عليه السلام للمالك: خذ وليدتك و ابنها، ثمّ أجاز المالك بيع ابنه، فردّ الجارية و ولدها على المشتري» (4)دلالة على كون الإجازة كاشفة، فتدبّرها.
و لو كان الزوج الواطئ جاهلا بالتحريم و لو مع الشكّ فيه و التقصير في السؤال أو حصلت له شبهة في الحكم أو الموضوع، فلا حدّ، و لكن عليه المهر و إن كانت الأمة عالمة، على ما أطلقه المصنّف قدّس سرّه هنا و إن قيّده مع علم الزوج بصورة جهلها، و يمكن كون تركه هنا اعتمادا على ما سبق منه في صورة علم الزوج، و إلّا فمدرك الحكم إثباتا و نفيا لا يتفاوت بعلم الزوج و جهله.
و اختلفوا في المهر الثابت هنا، فقيل: إنّه المسمّى (5)و لعلّه لإقدام
الزوج عليه، فإن زاد على مهر المثل أقدم عليه، و إن نقص عنه فلا دليل على الزائد؛ لأنّه موقوف على جعل منفعة البضع كسائر المنافع في ضمانها بأعواض أمثالها.
و قيل: إنّه مهر المثل (1)لما مرّ من أنّه في منفعة البضع كاجرة المثل في سائر المنافع (2).
و قيل: العشر أو نصفه (3)للصحيحتين المتقدّمتين (4)، لكن مورد الاولى في صورة علم الزوج، فلا يتعدّى إلى صورة جهله بالأولويّة، إلّا إذا فرض نقصان العشر و نصف العشر عن مهر المثل و المسمّى. أمّا مع زيادته فلا يصحّ التعدّي؛ لأنّ ثبوت الزائد على مهر المثل مع العلم لا يقتضي ثبوته مع الجهل، فالاستدلال بها هنا- كما عن صاحب المدارك في شرح النافع (5)- غير جيد.
و أمّا الصحيحة الثانية، فموردها علم الزوجة، فثبوت حكمها هنا مع جهل الأمة يحتاج إلى تنقيح المناط، و الأولوية هنا ممنوعة؛ لأنّ مهر المثل
1) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 4: 190، و حكاه فخر المحققين في إيضاح الفوائد 3: 142 عن ابن حمزة.
2) تقدّم في الصفحة: 186.
3) قاله ابن الجنيد- كما نقله فخر المحققين في إيضاح الفوائد 3: 142- و الشيخ الطوسي في النهاية: 477، و ابن حمزة في الوسيلة: 303-304، و ابن البراج في المهذّب 2: 217.
4) تقدّمتا في الصفحة: 186.
5) انظر نهاية المرام 1: 272.
قد يزيد عن العشر و نصفه و قد ينقص، و حكم صورة علم الجارية أخف من صورة جهلها؛ لما عرفت من ذهاب جماعة إلى عدم المهر أصلا مع علمها (1)، فأولوية الحكم في الثانية بالعشر و نصفه موقوفة على زيادتها عن مهر المثل.
اللّٰهم إلّا أن يتمسك بدلالة ذيل الصحيحة على أنّ العشر و نصف العشر لأجل استحلال فرجها، فهو سبب في ذلك يدور معه أينما كان، فيتعدّى عن المورد بعموم العلّة.
و على كلّ تقدير، لا ريب بمقتضى ما تقدّم من الأخبار من تبعيّة الولد لأشرف الأبوين (2)- خرج منه صورة علم الزوج بالحرمة (3)- أنّ الولد حرّ إلحاقا له بأبيه و لكن عليه قيمته لمولاها يوم سقط حيّا عوضا عمّا فات على المولى من منافع أمته إلى حين الوضع، فإنّ أجرتها قيمة ما حصل منها، و هو الولد، لا أنّ الولد رقّ يعتق على أبيه بقيمته عند الولادة؛ لما عرفت من أنّه ينعقد حرّا.
و كذلك (4)الحكم من سقوط الحدّ و وجوب المهر و لحوق الولد لو ادّعت الزوجة الحرّية فعقد عليها؛ لما مرّ من الصحيحة الثّانية، و هي لوليد بن صبيح (5)، و هي و إن خلت عن إيجاب القيمة على الأب،
إلّا أنّه يدلّ عليه مصححة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام في رجل تزوّج جارية على أنّها حرّة، ثمّ جاء رجل آخر فأقام البيّنة على أنّها جاريته، قال: «يأخذ جاريته، و يأخذ قيمة ولدها» (1).
و هنا بعض الروايات تدلّ بظاهرها على رقّية الولد المولى الجارية، كموثقة سماعة، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن مملوكة أتت قوما و زعمت (2)أنّها حرّة، فتزوّجها رجل منهم فأولدها ولدا، ثمّ إنّ مولاها أتاهم، فأقام عندهم البيّنة على أنّها مملوكة، و أقرّت الجارية بذلك؟ فقال:
تدفع إلى مولاها هي و ولدها، و على مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم يصير إليه. قلت: فإن لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به؟ قال: يسعى أبوه في ثمن ابنه حتّى يؤدّيه و يأخذه. قلت: فإن أبى الأب أن يسعى في ثمن ابنه؟
قال: فعلى الإمام أن يفديه، و لا يملك ولد حرّ» (3).
و حسنة زرارة قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: أمة أبقت من مواليها، فأتت قبيلة غير قبيلتها، فادّعت أنّها حرّة، فوثب عليها حرّ فتزوّجها، فظفر بها مولاها بعد ذلك و قد ولدت أولادا؟ فقال: إن أقام الزوج البيّنة على أنّه تزوّجها على أنّها حرّة، أعتق ولدها و ذهب القوم
بأمتهم، و إلّا أوجع ظهره و استرق ولده» (1).
و نحوها رواية محمد بن قيس الواردة عن أمير المؤمنين عليه السلام في من باع جارية أبيه بدون إذن أبيه، فأولدها المشتري فقال عليه السلام للمالك: «خذ وليدتك و ابنها» (2).
و المصحّح (3): «في رجل ظنّ أهله أنّه قد مات أو قتل، فنكحت امرأته و تزوّجت سريّته، فولدت كلّ واحدة منهما من زوجها، ثم جاء الزوج الأوّل و جاء مولى السريّة، فقضى في ذلك أن يأخذ الأوّل امرأته فهو أحقّ بها، و يأخذ السيد سريته و ولدها، إلّا أن يأخذ رضاه من الثمن، ثمن الولد» (4).
و عمل بهذه الروايات الشيخ و جماعة على ما حكي عنهم (5)، فحكموا برقّية الولد.
و عن النهاية (6)و القاضي (7)و ابن حمزة (8)التفصيل بين ما إذا تزوّجها مع قيام البيّنة على حريتها أو صدّق فأولادها أحرار، و بين عدمها فهم أرقّاء؛ و لعلّه للجمع بين المستفيضة.
1) الوسائل 14: 578، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 3، بتفاوت.
2) الوسائل 14: 591، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل، و قد تقدّمت في الصفحة: 188.
3) في «ع» و «ص»: و المصححة.
4) الوسائل 14: 579، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 6.
5) حكاه في المسالك 1: 408.
6) النهاية: 477.
7) المهذّب 2: 216- 217.
8) الوسيلة: 303.
و كيف كان، فلا خلاف ظاهرا- كما عن المسالك (1)- أنّه يجب على الأب دفع القيمة، و وجب على مولى الجارية قبول القيمة.
و ظاهر الموثّقة المتقدّمة (2)دلّت على أنّه لو عجز الأب عن قيمتهم سعى، و العمل بها عند من قال بمضمونها من رقّية الولد و إن كانت معارضة بأدلّة إنظار المعسر [متعيّن] (3).
و أمّا عند من لم يعمل بمضمونها فوجوب السعي مشكل؛ لعدم الدليل عليه، عدا الموثقة المشتملة على رقية الولد (4)، التي (5)لا يقول بها هذا القائل.
اللّٰهمّ إلّا أن يمنع صراحتها في رقّية الولد، بل غاية مدلولها أنّه يدفع إلى مولى الجارية ولدها، و يجب عليه دفعه إلى أبيه و أخذ قيمته، و هو أعم من الرقية، فلعلّه أريد أنّه كالرقّ في مقابلته بالقيمة، بل قوله عليه السلام في الذيل: «و لا يملك ولد حرّ» ظاهر في أنّ ولد الحرّ لا يصير مملوكا، سيّما إذا قرئ «يملك» مبنيّا للمجهول.
و إن امتنع الأب عن السعي في قيمته قيل محكيا عن النهاية (6)و ابن حمزة (7): إنّه يفكّهم الإمام من سهم الرقاب للموثّقة
المذكورة (1)التي لا دلالة [فيها] (2)على مطلوبهم من فكّهم من سهم الرقاب، بل غاية مدلوله وجوب فكّهم، فلعلّه من بيت المال المعدّ لمصالح المسلمين، كما حكي (3)عن المصنّف قدّس سرّه (4).
و أمّا آية صرف الزكاة في الرقاب (5)، فهي مختصة ببعض الموارد، كما لا يخفى.
و لو تزوّجت الحرّة بعبد بغير إذن مولاه، فإن كانت عالمة بالتحريم فلا مهر (6)لأنّها بغيّ، و للرواية عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «أيّما امرأة حرّة زوّجت نفسها عبدا بغير إذن مواليه فقد أباحت فرجها و لا صداق» (7).
و ظاهر إباحة الفرج عدم العوض فيه مطلقا و منها يظهر أنّه لا نفقة لأنّها فرع صحّة التزويج و الولد رقّ (8)و في المسالك: أنّ في بعض الروايات دلالة عليه (9).
و لو كانت جاهلة فالولد حرّ لما مرّ من أدلّة تبعيته لأشرف
الأبوين (1). و حكي (2)عن ظاهر المقنعة (3)و الشيخ في التهذيب (4)رقية الولد؛ لرواية العلاء بن رزين (5)، و يمكن حملها على صورة كون الزوجة أمة أو حرّة مع علمها بعد العقد بكون الزوج عبدا غير مأذون، و مع ذلك مكّنته من الوطء الموجب للولد.
و لا قيمة عليها عن الولد؛ للأصل، و اختصاص النصّ بعكس المسألة، مع ما عرفت من أنّ ثبوت القيمة على الأب؛ لفوت (6)بعض منافع الأم في زمان الحمل، و هو هنا مفقود.
و يتبع العبد بالمهر المستقرّ عليه بالدخول بعد العتق، جمعا بين حقّ (7)بضع المرأة و حق المولى، و المراد بالمهر- هنا- مهر المثل.
هذا كلّه إذا لم يجز المولى، أو جعلنا الإجازة ناقلة، أمّا لو أجاز و جعلناها كاشفة ثبت المسمّى، و هل يتعلّق المهر حينئذ و النفقة بذمة المولى، بناء على القول بذلك في صورة إذنه له في العقد ابتداء [أم لا؟ وجهان] (8).
و لو تزوّج العبد بأمة غير مولاه بإذن منهما، أو بغير إذن منهما مع إجازتهما، أو لا معها فالولد لهما، و لو أذن أحدهما فالولد للآخر و في المسالك: أنّ هذا الحكم- أي ما ذكروه في لحوق الولد بهما مع عدم إذنهما و اختصاص الولد بغير الآذن- ظاهرهم الاتفاق عليه. و حكى عن بعضهم أنّه منصوص، قال: و لم نقف عليه (1)، انتهى.
و قريب منه في الحدائق (2).
و يزيد الإشكال ما ذكروه من غير خلاف أجده منهم- و في الرياض: أنّه حكى الاتفاق عليه (3)- أنّه لو زنى العبد فالولد لمولى الأمة فإنّ الفرق في هذا الحكم بين التزويج بدون الإذن و الزنى مشكل، و استدلّ في الحدائق (4)على كون الولد لمولى الأمة إذا زنى بها العبد برواية جميل في من أقرّ على نفسه أنّه غصب جارية فأولدها، قال: «ترد الجارية و ولدها إذا أقرّ الغاصب بذلك» (5).
و فيه: أنّه ظاهر في كون الأب حرّا، و إلحاق العبد قياس، مع إمكان الفرق بأنّ ذلك في الحرّ عقوبة حيث إنّ النسب عنه منتف بالزنى، فلا حرمة له حتى يلحق به الولد، بخلاف ما إذا كان الأب عبدا، فإنّ الملك للمولى
و لا عقوبة عليه.
و لو زوّج عبده بأمته استحبّ له أن يعطيها المولى شيئا من ماله ليكون بصورة المهر لها، و جبرا لقلبها، و رفعا لمنزلة العبد عندها، و عن جماعة وجوبه (1)اعتمادا على ظاهر بعض الأخبار (2)، و لئلّا يخلو النكاح عن المهر.
و هو ضعيف؛ لأنّ مهر الأمة للمولى.
نعم، لا يبعد وجوب (3)مراعاة ظاهر الأخبار، كما مال إليه بعض متأخّري المتأخّرين (4).
و لو اشترى حصته من زوجته المملوكة بطل العقد لامتناع عقد الإنسان على أمته لنفسه مطلقا ابتداء و استدامة (5)، و يلزمه بطلان العقد بالإضافة إلى حصته المستلزم (6)لبطلانه بالإضافة إلى الجميع؛ لعدم تبعّض العقد، و لمضمرة سماعة، قال: «سألته عن رجلين بينهما أمة، فزوّجاها من رجل، ثمّ إنّ الرجل اشترى بعض السهمين؟ قال: حرمت عليه باشترائه
1) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 507، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه:
2) الوسائل 14: 547- 548، الباب 43 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
3) ليس في «ع» و «ص»: وجوب.
4) منهم صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 283، و المحدث البحراني في الحدائق 24: 239.
5) في «ع» و «ص»: أو استدامة.
6) في «ع» و «ص»: المستلزمة.
إيّاها، و ذلك أنّ بيعها طلاقها، إلّا أن يشتريها من جميعهم» (1).
و نحوها الموثق المحكي عن الفقيه (2).
ثمّ إذا بطل النكاح حرم وطؤها مع عدم إذن الشريك؛ لأنّه تصرّف في حصّة الشريك بغير إذنه.
و كذلك إن أباحه الشريك أو أجاز العقد على رأي مشهور.
أمّا عدم الحلّ بإباحة الشريك، فلعموم قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ* (3)خرج منه الزوجة المحضة و ملك اليمين المحض، و خروج المبعّض موقوف على كون قوله أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ* (4)، لمنع الخلوّ، و هو غير معلوم؛ إذ لعلّ المنفصلة حقيقيّة، بل هو الظاهر؛ لأنّ التفصيل قاطع للشركة.
و أمّا استصحاب الحلّ، فغير جار؛ لأنّ الحلّ السابق كان من جهة الزوجيّة المحضة، و قد ارتفعت؛ للإجماع على بطلان الزوجيّة، و غيره لم يثبت سابقا.
و يؤيّده الموثقة السابقة المروية في الكافي (5)و المحكية عن الفقيه، خلافا
للمحكي (1)عن ابن إدريس (2)و جماعة (3)، فحلّلوها بتحليل الشريك؛ لأنّ التحليل ملك المنفعة، فالواطئ يملك الكل؛ لأنّه مالك لعين نصف و لمنفعة نصف آخر.
و للصحيح المروي في الكافي عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سألته عن جارية بين رجلين دبّراها جميعا، ثمّ أحلّ أحدهما فرجها لشريكه؟ قال: هو له حلال، و أيّهما مات قبل صاحبه صار نصفها حرّا من قبل الذي مات، و نصفها مدبّرا.
قلت: أ رأيت إن أراد الباقي منهما أن يمسّها أ له ذلك؟
قال: لا، إلّا أن يبتّ عتقها و يتزوّجها برضى منها مثل ما أراد.
قلت له: أ ليس قد صار نصفها حرا، قد ملكت نصف رقبتها، و النصف الآخر للباقي منهما؟
قال: بلى.
قلت: فإن هي جعلت مولاها في حلّ من فرجها و أحلّت له ذلك؟
قال: لا يجوز له ذلك.
قلت: لم لا يجوز له ذلك، كما أجزت للذي كان له نصفها حين أحلّ فرجها لشريكه منها؟
قال: إنّ الحرة لا تهب فرجها و لا تعيره و لا تحلّله، و لكن لها من
نفسها يوم، و للذي دبّرها يوم، فإن أحب أن يتزوّجها متعة بشيء في اليوم الذي تملك فيه نفسها، فيتمتّع منها بشيء قلّ أو كثر» (1).
و هذا القول لا يخلو عن قوّة، و كذلك الحكم فيما لو كان الباقي عدا نصيب الزوج حرّا فإنّه لم يحل العقد عليها و لا الإباحة، و لا متعة في أيّامها على رأي المصنّف رحمه اللّٰه المحكي عن الأكثر (2).
أمّا عدم جواز العقد، فلما عرفت من عدم التبعّض، و أنّ الفرج لا يحلّ بسببين مختلفين.
و أمّا الإباحة، فظاهر، و الظاهر أنّهما محلّ وفاق.
و أمّا الإباحة، فظاهر، و الظاهر أنّهما محلّ وفاق.
و أمّا عدم جواز المتعة، فلأنّ منافع البضع لا تدخل في المهايأة، و إلّا حلّ لها المتعة لغير مالك النصف، و هو باطل اتفاقا كما في المسالك (3)، و عن السيّد في شرح النافع (4).
خلافا لآخرين فجوّزوا المتعة في أيّامها (5)للرواية المذكورة (6)، التي
1) الكافي 5: 482، الحديث 3، و عنه الوسائل 14: 545، الباب 41 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأول.
2) منهم فخر المحققين في إيضاح الفوائد 3: 149، و الفاضل المقداد في التنقيح 3: 145، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 13: 99.
3) المسالك 1: 410.
4) نهاية المرام 1: 283.
5) منهم الشيخ الطوسي في النهاية: 494- 495، و المحدث البحراني في الحدائق 24: 246، و السيد الطباطبائي في الرياض 2: 123.
6) آنفا.
هي نصّ في مقابل ما مرّ في سند المنع من الاجتهاد، و لكن الاحتياط لا يترك.
و اعلم أنّ طلاق العبد لزوجته الحرّة أو المملوكة بيده، و ليس للمولى إجباره عليه [و لا منعه [منه] (1)إلّا أن يزوّجه بأمته فالطلاق بيد المولى.
و الحكم في المستثنى و المستثنى [منه] (2)ثابت في الأخبار الكثيرة (3)، و لا خلاف ظاهرا في حكم المستثنى، و في الحدائق: نفي الخلاف (4)، و في المسالك: أنّه موضع وفاق (5)، و عن المصنّف في المختلف: دعوى الإجماع على ذلك (6).
و أمّا حكم المستثنى منه فهو مذهب المشهور على ما في المسالك (7)و الحدائق (8)، و فيهما و في غيرهما (9)عن جماعة: أنّ الطلاق مطلقا بيد المولى؛
لبعض الأخبار الصحيحة (1).
و عن الحلبي: أنّ للمولى إجباره عليه و إن لم يكن بيده؛ لأنّ طاعته واجبة (2).
و إذا كان بيده طلاق زوجة عبده المملوكة له فله الفسخ أيضا بغيره أي بغير الطلاق؛ لصحيحة محمد بن مسلم في تفسير وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ (3)، و حسنة عبد اللّٰه بن سنان بابن هاشم (4)، و موثقة عمار (5)، و في رواية محمد بن فضيل عن عبد صالح عليه السلام: «أنّه إن شاء نزعها منه بغير طلاق» (6)، و الأخبار الأخر (7)ظاهرة في ذلك أيضا.
و منه يعلم أنّ هذا الفسخ لا يعدّ في الطلاق على رأي قوي،
1) الوسائل 14: 551، الباب 45 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 7 و 576، الباب 66 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل و الثاني، و 15: 343، الباب 45 من أبواب مقدّمات النكاح و شرائطه، الحديث الأوّل.
2) الكافي في الفقه: 297، و حكاه عنه العلّامة في المختلف: 569، و صاحب الجواهر في الجواهر 30: 278. و قال: و من ذلك كله يعلم ضعف المحكي عن الحلبي من أنّ للسيد إجباره على الطلاق محتجا بما دلّ من وجوب الطاعة عليه.
3) النساء: 24، الوسائل 14: 550، الباب 45 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل.
4) الوسائل 14: 550، الباب 45 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 2.
5) الوسائل 14: 550، الباب 45 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 3.
6) الوسائل 14: 551، الباب 45 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 5.
7) الوسائل 14: 551، الباب 45 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
خلافا لمن عدّه في الطلاق مطلقا (1)، أو مع وقوع التفريق بلفظ الطلاق (2).
ثمّ إنّ عدم كونه طلاقا بناء على عدم كون تزويجه نكاحا واضح، كما حكي عن بعض من أنّه إباحة لا نكاح (3)، و أمّا على القول بأنّه تزويج- كما أطلق عليه التزويج في جملة من الأخبار (4)- فالمستند هو الأخبار الدالّة على أنّ رفع ذلك بيد المولى (5)، و رفع النكاح ليس منحصرا في الطلاق.
و تظهر الثمرة في اعتبار اجتماع شروط الطلاق فيه (6).
و لو باعها المالك بعد طلاق الزوج أ تمّت العدّة و كفت عن الاستبراء، لأنّ الغرض منه قد حصل بالعدة، خلافا للمحكي عن جماعة (7)لأنّهما سببان مستقلّان و لا يتداخل السببان إلّا بدليل.
و يكره وطء الفاجرة (8)[و من ولد من الزنى، و يجوز وطء الأمة و في]
1) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 507.
2) حكاه صاحب المدارك في نهاية المرام (1: 308) بلفظ «قيل».
3) منهم ابن إدريس في السرائر 2: 600، و حكاه عنه المحدّث البحراني في الحدائق 24: 295.
4) الوسائل 14: 547، الباب 43 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
5) الوسائل 14: 550، الباب 45 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
6) في «ع» و «ص»: و عدمه.
7) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 5: 269- 270، و ابن البرّاج في المهذّب 2: 333، و ابن إدريس في السرائر 2: 636، و حكاه المحدّث البحراني في الحدائق 24: 296، و صاحب الجواهر في الجواهر 30: 283.
8) هكذا وردت هذه العبارة في النسخ بدون شرح، و في «ق» بعدها بياض بمقدار نصف صفحة، و ما بين المعقوفتين من الإرشاد.
[البيت غيره، و النوم بين أمتين، و يكره ذلك في الحرة].
القسم الثاني في المتعة و فيه مطلبان
المطلب الأوّل في أركانها و هي أربعة:
الأوّل: العقد و يحتاج إلى إيجاب و قبول فالإيجاب المتّفق عليه قول المرأة: زوّجتك، و كذا أنكحتك، و مثلهما متّعتك مقيّدة كلّ واحدة (1)من الثلاثة بقوله: مدّة كذا بكذا من الأجر، و حكي عن المرتضى قدّس سرّه أنّه يرى التحليل عقد متعة، فعنده ينعقد بلفظ التحليل (2).
و كيف كان، فالظاهر عدم الخلاف في أنّه لا ينعقد بالتمليك و الإجارة و الهبة و العارية.
و القبول الصادر من الزوج بعد الإيجاب: قبلت و رضيت و شبههما، و هل يجوز تقديمه؟ فيه قولان، مضى في الدائم الكلام
فيه (1)و في أنّه يشترط المضيّ (2)على رأي المصنّف و الأكثر قدّس اللّٰه أسرارهم (3)، و أنّ الأخبار- سيّما الواردة في المتعة (4)- قد وردت بلفظ المستقبل مع كون الإيجاب من المرأة و القبول من الرجل.
و يشترط في صحّة العقد و لزومه صدوره من أهله أعني الزوج و الزوجة أو وكيلهما أو وليّهما، فإنّ للوليّ الإنكاح متعة أيضا، و لغيره ذلك فضولا.
الركن الثاني: المحل و يشترط (1)إسلام الزوجة أو كتابيتها على رأي، و ليس للمسلمة أن تتزوّج بغيره.
و لا يجوز الاستمتاع بالوثنية و لا بالناصبية و لا بالأمة لمن عنده حرّة بغير إذنها، و لا بنت أخت امرأته أو بنت أخيها من غير إذن العمّة و الخالة.
و يستحب المؤمنة العفيفة و سؤالها، و يكره الزانية و البكر إذا خلت من أب، فإن فعل كره افتضاضها، و للرشيدة أن تعقد بغير إذن الأب.
و لو أسلم الكتابي عن مثله لم ينفسخ العقد، و لو أسلمت قبله اعتبرت العدّة، فإن أسلم فيها فهو أحقّ مع الأجل، و إلّا بطل.
و لو أسلم أحد الحربيين بعد الدخول اعتبرت العدة و الأجل، فإن خرج أحدهما قبل إسلام الآخر بطل، و لو أسلم و عنده حرة و أمة ثبت عقد الحرة دون الأمة إلّا مع رضاها.
1) هذا المطلب أخذناه من الإرشاد، و لم نقف على شرحه فيما بأيدينا من النسخ، و محله بياض في «ق» بمقدار نصف صفحة، و في «ع» و «ص» ورد ما يلي: «الثاني: المحل، يشترط في محلّ المتعة إذا كان الزوج مسلما أن تكون الزوجة مسلمة، أو كتابية كاليهوديّة و النصرانيّة و المجوسيّة. فلا يجوز للمسلم التمتّع بالوثنيّة، و لا بالناصبيّة المعلنة لعداوتها أهل البيت عليهم السلام كالخوارج؛ لكونها كافرة غير أهل الكتاب، و عدم جواز نكاح المسلم على الكافرة غير الكتابيّة لا دواما و لا متعة، و كذا المسلمة لا تستمتع إلّا بالمسلم.و كذا لا يستمتع أمة و عنده حرّة إلّا بإذنها، و لا يدخل عليها بنت أخيها و لا بنت أختها إلّا مع إذنها، إلى غير ذلك ممّا تشترك فيه الدائمة و المنقطعة، فراجع».
الركن الثالث: الأجل لا خلاف بين الأصحاب- كما ادّعاه غير واحد (1)- على اشتراط ذكر الأجل في المتعة فلو أخلّ به لم ينعقد متعة إجماعا، و بطل أصل العقد على رأي المصنّف و جماعة (2)لأنّ المتعة لم تقع، للإخلال بشرطها (3)، و غيرها لم يقصد، فلم يقع أيضا لعدم ركنه و هو القصد المعتبر في العقود.
خلافا للأكثر فتنعقد دائما (4)لروايتي أبان بن تغلب و عبد اللّٰه بن بكير:
ففي أولاهما: «قلت: و أنا أستحيي أن أذكر شرط الأيّام، قال: هو أضرّ عليك، قلت: و كيف؟ قال: إنّك إن لم تشترط كان تزويج مقام، و لزمتك النفقة في العدّة، و كانت وارثا، و لم تقدر على أن تطلّقها إلّا طلاق السنّة» (5).
1) منهم المحدث البحراني في الحدائق 24: 138، و صاحب الجواهر في الجواهر 30: 172.
2) منهم ابن إدريس في السرائر 2: 620، و المحقق الكركي في جامع المقاصد 13: 26، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 402.
3) في «ق»: بشرطه.
4) منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 298، و الشيخ الطوسي في النهاية: 489، و ابن البراج في المهذّب 2: 241.
5) الوسائل 14: 470، الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث 2.
و في الثانية: «إن سمّى الأجل فهو متعة، و إن لم يسمّ الأجل فهو نكاح بات» (1).
و ردّها في المسالك بأنّه ليس فيها دلالة على أنّ من قصد المتعة و لم يذكر الأجل يكون دائما، بل إنّما دلّ على أنّ الدوام لا يذكر فيه الأجل، و هو كذلك (2).
و لا يخفى أنّ هذا الحمل لو تطرّق في هذه الرواية و لم يناف صدرها، فالرواية الاولى آبية عنه قطعا.
نعم، ربّما أوّلت هي أيضا بأنّ المراد بالأضرية هو الإضافة إلى ظاهر الشريعة، حيث إنّ المرأة لو ادّعت الدوام و أثبتت الألفاظ بدون الأجل، حكم على الزوج ظاهرا بالدوام، و الزم أحكامه من النفقة و غيرها.
أو المراد: الاستحياء (3)من أجل التمتّع بها، لا مجرّد ذكر الأجل في المتعة.
و المسألة مشكلة؛ لمخالفة الحكم المشهور للأصول القطعيّة و يظهر من بعض المعاصرين (4)موافقة الحكم للأصول، من حيث إنّ الانقطاع الحاصل في المؤجل الذي شرّعه الشارع من حيث اشتراط الأجل فيه،
فمع عدم ذكره يكون كالعقد الفاقد للشرط؛ لا أنّ لفظ: «أنكحت» مستعمل في المنقطع على وجه يكون ذكر الأجل كاشفا عن المراد، بل هي ليست مستعملة إلّا في معنى النكاحيّة، فإذا أريد الانقطاع جيء بما يدلّ عليه من ذكر الأجل، فهو معه حينئذ دالّان و مدلولان، و مع عدمه يبقى الأوّل، و يحصل الدوام فيه من مجرد ثبوت النكاحيّة فيه، و عدم اشتراط الأجل (1)، انتهى.
و حاصله، أنّ أصل الصيغة دالّة على النكاح و مقتضى إطلاق النكاح الدوام، و قصد الدوام غير شرط في الدائم كما صرّح به في مقام آخر (2)، و جعله من قبيل ما يدلّ على التمليك و التملك، فإنّ مطلقه يفيد الملكية (3)الدائمة و لا يعتبر قصد الدوام.
أقول: لا يخفى على من لاحظ النصوص و الفتاوى أنّ النكاح المنقطع و الدائم حقيقتان مختلفتان و إن كان لفظ التزويج و أخويه موضوعا للقدر المشترك بينهما، لكن ذلك لا يخرجهما عن اختلاف الحقيقة، و ليس اختلافهما بمجرّد أنّ الدائم تزويج مطلق، و المنقطع تزويج مشروط، فحالهما كحال البيع و الهبة، حيث إنّ التمليك و إن كان موضوعا للقدر المشترك بينهما، إلّا أنّ ذلك لا يخرجهما عن اختلاف الحقيقة، و ليس الفرق بينهما مجرد أنّ الهبة تمليك مطلق، و البيع تمليك مشروط بعوض (4)، فإذا قال البائع: «ملّكتك» و لم يذكر
الثمن، فلا ينصرف إلى الهبة، و كذا في ما نحن فيه.
و ممّا يدلّ على ذلك قول العلماء في هذه المسألة: أنّه إذا أخلّ بالأجل ينقلب دائما (1)، فإنّ التعبير بالانقلاب يدلّ على أنّ الإنشاء الصادر من أوّل الأمر لم يكن مقتضيا للدوام، و إلّا لوجب أن يقولوا: إنّه يبقى العقد دائما.
و ممّا يدلّ على ذلك: اتّفاق النصوص (2)و الفتاوى (3)على أنّ المهر ركن هنا للعقد دون الدائم، فالعقد المنقطع بمنزلة المعاوضة على التسليط على البضع و تمليك الانتفاع به بعوض كالإجارة، كما ورد من «أنّهنّ مستأجرات» (4)، و لا ريب أنّ المهر ليس يشترط ذكره في الدائم.
و يلزم هذا القائل أنّه متى أنشأ الإيجاب و أخلّ بذكر الأجل و المهر كليهما انقلب (5)دائما أيضا؛ لثبوت الدوام بحكم عدم اشتراط الأجل، و عدم اشتراط ذكر المهر في النكاح الدائم، مع أنّ ظاهر المسالك (6)الاتفاق على أنّه متى أخلّ في هذا العقد بهما بطل، و أنّ الخلاف في البطلان و الانقلاب إنّما هو فيما إذا ذكر المهر و أخلّ بالأجل، فراجع.
1) منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 298، و الشيخ الطوسي في النهاية: 489، و ابن البراج في المهذّب 2: 241.
2) الوسائل 14: 465، الباب 17 من أبواب المتعة، و 15: 24، الباب 12 من أبواب المهور.
3) جامع المقاصد 13: 19- 20، نهاية المرام 1: 230، الحدائق 24: 156.
4) الوسائل 14: 446، الباب 4 من أبواب المتعة، الحديث 2.
5) في «ع» و «ص»: انقلبت.
6) المسالك 1: 404.
فقول المرأة: زوّجتك نفسي، إذا أرادت به الانقطاع، فقد أنشأت بهذه الصيغة المعاوضة على الانتفاع ببضعها بإزاء المهر المسمّى، بخلاف ما إذا أرادت الدوام، فإنّه ليس هنا معاوضة، و لذا لا يسقط من المهر شيء بعدم تمكين الزوجة و لو مدّة متطاولة، بخلاف العوض في المنقطع، فإنّه عوض حقيقي للانتفاع بالبضع.
و ممّا يتفرّع على ما ذكره أنّ الزوجين لو تداعيا في الانقطاع و الدوام، كان القول قول مدّعي الدوام، لأنّ مرجعه إلى إنكار الاشتراط.
ثمّ إنّ هذا الفاضل اعترف بأنّه لو أراد الموجب خصوص الانقطاع من قوله: أتزوّجك، و جعل ذكر الأجل كاشفا عن مراده، فسد العقد بالإخلال بالأجل (1).
و لا يخفى أنّ هذا هو الذي يظهر منهم في محلّ الخلاف، لا ما إذا خلا الإيجاب عن قصد خصوص المتعة و الدوام.
قال في المسالك: لو قصدا المتعة و أخلّا بذكر الأجل، فالمشهور بين الأصحاب أنّه ينقلب دائما (2).. إلخ.
و يدلّ عليه تعبير كلهم بالانقلاب (3)[و] (4)مضمون رواية أبان بن
تغلب من هذا الباب (1)فإنّ فيه (2)«قوله: أتزوّجك متعة على كتاب اللّٰه و سنّة رسوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم لا وارثة و لا موروثة» (3)، فإنّه صريح (4)في قصد المتعة بهذا الإيجاب، و قد اعترف الفاضل (5)ببطلان هذا، ثمّ استدلّ به (6)على مذهبه من أنّه لو لم يقصد بالإيجاب خصوص المتعة صار دائما بالإخلال بالأجل.
و اعلم (7)أنّ في المسألة قولا ثالثا محكيّا عن ابن إدريس (8)، مفصّلا بين كون الصيغة بلفظ النكاح و التزويج فينقلب دائما، و بين كونها (9)بلفظ التمتّع فيبطل و لعلّه مبنيّ على صلاحيّة الأوّلين للدائم، و عدم صلاحية الأخير له.
و حكي قول رابع، و هو الفرق بين تعمّد الإخلال بالأجل فينقلب دائما، و بين نسيانه فيبطل (10).
1) ليس في «ع» و «ص»: من هذا الباب.
2) في «ع» و «ص»: فيها.
3) الوسائل 14: 466، الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث الأوّل.
4) كذا في «ق»، و في «ع» و «ص»: و هي صريحة.
5) يعني صاحب الجواهر فيما تقدم من كلامه، انظر الصفحة السابقة.
6) في «ع» و «ص»: بها. و المراد رواية أبان.
7) في «ع» و «ص»: ثم.
8) السرائر 2: 620، و حكاه عنه في المسالك 1: 402.
9) كذا في «ع» و «ص»، و في «ق»: كونه.
10) حكاه المحدّث البحراني في الحدائق 24: 145، و صاحب الجواهر في الجواهر 30: 175.
و يشترط (1)في الأجل تعيّنه بما لا يحتمل الزيادة و النقصان لرواية محمد بن إسماعيل (2)و رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي (3)و يؤيّدهما موثقة زرارة، و فيها- بعد السؤال عن جواز التمتّع ساعة أو ساعتين- قال عليه السلام: «الساعة و الساعتان لا يوقف على حدّهما» (4).
و مقتضى العمومات أنّ الأجل المشروط يجوز اتّصاله بزمان الصيغة و تأخيره كالإجارة، لما في الأخبار من «أنّهنّ مستأجرات» (5)أو «هي بمنزلة المستأجرة» (6).
و يؤيّده رواية بكّار بن كردم (7).
و ربّما قيل (8)بالمنع عن الانفصال؛ لأدلّة ضعيفة، أقواها انصراف أدلّة عقد المنقطع إلى غيره.
ثمّ على تقدير الانفصال، هل يجوز للمرأة أن تتزوّج بغيره فيما قبل المدّة، أم لا؟ قولان (9)، لا يبعد الجواز؛ لوجود المقتضي و عدم المانع
1) في «ع» و «ص»: و كيف كان فيشترط.
2) الوسائل 14: 478، الباب 25 من أبواب المتعة، الحديث الأوّل.
3) الوسائل 14: 465، الباب 17 من أبواب المتعة، الحديث 3.
4) الوسائل 14: 479، الباب 25 من أبواب المتعة، الحديث 2.
5) الوسائل 14: 446، الباب 4 من أبواب المتعة، الحديث 2.
6) الوسائل 14: 446، الباب 4 من أبواب المتعة، الحديث 4. و فيه: و إنّما هي مستأجرة.
7) الوسائل 14: 490، الباب 35 من أبواب المتعة، الحديث الأوّل.
8) قاله صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 240.
9) ليس في «ع» و «ص»: أم لا؟ قولان.
عدا توهم [كونها] (1)ذات بعل، و هو ممنوع، و مع التسليم فأدلّة حرمة النكاح على ذات البعل [منصرفة] (2)إلى ذات البعل فعلا.
نعم، يشترط أن يكون ما قبل الأجل قابلا لزمان العقد المنقطع و عدّته.
ثمّ إنّ جواز التأخير إنّما هو مع تعيين الشهر، كأن يقول: الشهر الفلاني الآتي. أمّا لو قال: شهرا، و قيّده بالمنفصل عن زمان العقد، و لم يبيّن الشهر، فالظاهر عدم الصحة؛ لعدم كونه معلوما، و بطلان مثل هذا في الإجارة فكذا فيما هو بمنزلته (3)بناء على أنّ عموم المنزلة يقتضي تساوي الشيئين في جميع الأحكام.
و لو أطلق من غير تقييد بالانفصال اتّصل بزمان العقد؛ لانصرافه إليه بحكم العرف، و حكي عن ابن إدريس المنع؛ للجهالة (4)، و هو ضعيف؛ لارتفاع الجهالة بحمله على المتّصل عند العرف.
و لو لم يدخل الزوج حتّى خرج الأجل فلها المهر لاستحقاقها له بالعقد و بذل نفسها، و لا مانع من قبلها، كما لو استأجر دارا فلم يدخلها اختيارا حتّى خرجت مدّة الإجارة و خرجت المتمتّع بها عن العقد بمضي المدّة.
و لا يجوز أن يشترط المرّة و المرّتان من دون ذكر الأجل
لعموم ما دلّ على اشتراط الأجل المعيّن في هذا العقد و أنّه ركن فيه (1)، و على أنّ المرأة مستأجرة (2)، و في بعض الروايات الجواز (3)، و هو ضعيف.
ثمّ إنّ من حكم بانقلاب العقد دائما بالإخلال بالأجل (4)، لا يلزمه القول بالانقلاب هنا؛ لأنّ الفساد هنا أقوى من هناك، فتدبّر.
و لو ذكر الأجل مع اشتراط المرّة و المرّتين، فإن جعل الأجل ظرفا للمتعة، إلّا أنّه شرط أن لا يطأها في هذا الزمان الذي جعل ظرفا للمتعة إلّا مرّة أو مرّتين، جاز بغير إشكال؛ لعموم: «المؤمنون عند شروطهم» (5)، فإذا وطأها العدد المشروط حرم عليه وطؤها (6)و إن لم تنقضي المدّة، و لا منافاة بين بقاء الزوجية و حرمة الوطء.
و لو أذنت في الوطء، ففي جوازه إشكال: من حيث إنّه [ممّا] (7)لم يجوّزه العقد فلا (8)يجوّزه إذنها؛ لعدم حلّية الفروج بمجرّد الإذن. و من أنّ (9)العقد اقتضى جوازه إلّا أنّه شرطت لها العدد الخاص، فالمقتضي للجواز
1) الوسائل 14: 465، الباب 17 من أبواب المتعة.
2) الوسائل 14: 446، الباب 4 من أبواب المتعة، الحديث 2 و 4.
3) الوسائل 14: 479، الباب 25 من أبواب المتعة، الحديث 2، 4، 5.
4) منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 298، و الشيخ الطوسي في النهاية: 489، و ابن البراج في المهذّب 2: 241، و قد تقدّم في الصفحة: 210.
5) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.
6) في «ع» و «ص»: وطؤها بعد ذلك.
7) من «ع» و «ص».
8) في «ع» و «ص»: فلم.
9) في «ع» و «ص»: و من كون.
موجود، و المانع هو عدم رضاها بأزيد ممّا شرط، فإذا ارتفع المانع أثّر المقتضي أثره.
و يستفاد من رواية إسحاق بن عمار المحكية عن الفقيه (1)أنّه إذا شرط للمرأة أن لا يفتضها ثم أذنت فيه جاز.
هذا إذا ذكر الأجل ظرفا للمتعة، و أمّا إذا جعل المدّة المضروبة ظرفا للمرّة و المرّتين، بمعنى أن لا يقع شيء من العدد المضروب خارج المدّة، و متى تمّ العدد بانت منه، و لو خرجت المدّة قبل العدد أيضا بانت، كأن يقول: أتزوّجك على أن أطأك في هذا اليوم مرّة أو مرّتين، فالأقوى عدم الصحة؛ للإخلال بالأجل المعيّن، فإنّ المدّة المذكورة ليست أجلا للمتعة، و إنّما هي ظرف للعدد المشروط، و أجل المتعة هو الزمان الذي يكمل فيه العدد، سواء كان مجموع هذا الزمان أو بعضا منه، و لا ريب في جهالته، و هو يبطل العقد.
ثمّ على القول بانقلاب العقد دائما بإخلال الأجل، فالظاهر الحكم هنا بالبطلان؛ لأنّ ذكر الأجل المجهول يؤثّر في البطلان و إن قلنا بأنّ الإخلال بأصل الأجل لا يؤثّر.
و عن العلّامة في المختلف: أنّ على قول الشيخ في الصورة الاولى- و هي ما تعرّض له هنا في المتن بانقلاب العقد دائما- يجيء الانقلاب هنا (2)،
و فيه نظر كما في المسالك (1)للفرق بين الإخلال بالأجل و جعله مجهولا، فتدبّر.
ثمّ اعلم أنّه لا فرق في الأجل المضبوط بين زيادته على ما يحتمل بقاءهما فيه كمائة سنة، أو ما ينقص عن زمان يقبل للاستمتاع، كلحظة و لحظتين إذا علمتا.
و لا مانع في الأوّل إلّا ما ربما يقال من انصراف النصوص إلى غير ذلك، خصوصا بعد عدم جواز مثله في الإجارة المشبّه بها؛ ضرورة عدم القابليّة حينئذ للاستمتاع، فلا وجه لإنشاء تملّكه و تمليكه بالعوض، بل هو شبه المعاملة السفهيّة، بل لا ريب في عدم مراعاة مثله في التوزيع؛ لعدم تحقّق جنس المنفعة فيه المقتضي للتوزيع.
1) المسالك 1: 403.
الرابع من الأركان: المهر و هو ركن في العقد لو أخلّ به بطل بلا خلاف على الظاهر، و الروايات به مستفيضة (1)، و بها (2)فرّق بينه و بين الدائم الذي لا يشترط فيه ذكر المهر مضافا إلى بعض الاعتبارات.
و يشترط أن يكون مملوكا معلوما بلا خلاف؛ للروايات (3)و عمومات أنّها كالمستأجرة (4).
و يكتفى بالمعلوميّة و لو بالمشاهدة حتّى في المكيل و الموزون، فلا يشترط الكيل و الوزن؛ لأنّ هذا العقد ليس معاوضة صرفة، فيكتفى فيه باندفاع الغرر الحاصل بالمشاهدة، و يكتفى في الغائب الوصف الرافع للغرر، بحيث يصدق عليه أنّه شيء معلوم.
و لا تقدير فيه إلّا ما تراضيا عليه ممّا يتموّل؛ للروايات الخاصة (5)و عموم أنّها كالمستأجرة.
و لو وهبها الأجل قبل الدخول استحقّت النصف من المسمّى؛
للرواية (1)المنجبرة بحكاية الإجماع عن المحقّق الثاني (2)، و في الحدائق (3)و عن شرح النافع: دعوى ظهور الاتّفاق (4).
هذا إذا وهب جميع الباقي، و لو وهب بعض الباقي فاتّفق عدم الدخول في البعض الغير الموهوب، ففي إلحاقه بهبة جميع الباقي نظر، لا يبعد العدم؛ قصرا للحكم المخالف للأصل على موضع اليقين.
و لو وهبها المدّة الباقية بعده أي بعد الدخول استحقّت الجميع لاستحقاقها إيّاه بنفس العقد إلّا أن تمتنع عنه بعض المدّة بغير مانع شرعي كالحيض و نحوه فيسقط بنسبة المتخلّف لأنّه مقتضى القاعدة في المعاوضة، و للروايات الخاصّة (5)و عموم كونها بمنزلة المستأجرة (6).
و لو ظهر فساد العقد بتحريمها عليه بأحد الأسباب فلا مهر لها قبل الدخول لعدم سبب الاستحقاق؛ إذ لم يصحّ عقد (7)و لم يقع دخول، و لا موجب للمهر سواهما.
و بعده أي بعد الدخول لها المهر مع جهلها بالحال و الحكم، أمّا مع علمها بهما فلا؛ لأنّها بغيّ.
ثمّ المراد (1)من المهر هو المسمّى أو مهر المثل؟ و على الثاني، فهل المراد مهر أمثالها بحسب حالها لتلك المدّة التي سلّمت نفسها، أو مهر المثل في النكاح الدائم؟ وجوه ثلاثة.
و لها رابع مطابق لبعض الروايات (2)، و هو أنّ لها ما أخذت من المسمّى و لا يلزمه ما بقي، و ليس فيها تعرّض لحكم ما إذا لم يدفع إليها شيئا أو دفع إليها الجميع.
و خامس: و هو أقلّ الأمرين من المسمّى و مهر المثل؛ لأنّ الأقلّ إن كان مهر المثل فقد استحقته في مقابل بضعها، و إن كان أكثر فقد رضيت بدونه.
و فيه: أنّ الرضى كان في العقد الذي حكم بفساده، فلا أثر لذلك الرضى و .. القول .. على الإطلاق (3)، و أمّا الرواية (4)فقد رميت بالضعف، و مقتضى القاعدة: مهر المثل؛ لأنّه الحكم في وطء الشبهة.
و لا دخل لتسليم نفسها في مدّة قليلة أو كثيرة، كما أنّه لا فرق بين الدخول مرّة أو مرّات مع استمرار الشبهة.
المطلب الثاني في الأحكام (1)
إذا شرط السائغ في ضمن العقد بجعله جزءا من الإيجاب و القبول لزم بلزوم العقد؛ لأنّه جزء من العقد الذي يجب الوفاء به، و لو لم يف به لم يف بالعقد، و لا يلزم ما يشترط قبله و بعده (2).
و استشكل ذلك في الكفاية من حيث عموم: «المؤمنون عند شروطهم» (3)قال: إلّا مع منع صدق الشرط، و هو مشكل (4)، انتهى.
و الظاهر الاتّفاق على عدم لزوم الشرط الغير المذكور في متن العقد، كما يظهر من الرياض حكاية و دعوى (5)، و أفرط الشيخ- على ما حكي عنه- حيث أوجب- مضافا إلى ما ذكره (6)في العقد- إعادته بعده أيضا (7)،
لبعض الأخبار (1)، المحمولة على إرادة تكراره في القبول أيضا، و عدم الاكتفاء بذكره في الإيجاب فقط.
و يتفرّع على ذلك أنّه يجوز اشتراط الإتيان في وقت معيّن، و اشتراط المرّة و المرّتين في يوم أو في جميع الأجل، و ادعى في الحدائق عدم الخلاف فيه، و ذكر الخلاف في الدائم (2).
و كذا يجوز اشتراط أن لا يواقعها؛ للخبرين (3)، و في أحدهما (4)دلالة على أنّها إن أذنت بعد ذلك جاز.
و يجوز العزل عنها بدون إذنها من غير كراهة، بلا خلاف ظاهرا، و في الرياض ادّعى الإجماع (5)، مضافا إلى ما مرّ في العزل عن الدائم (6).
و يلحق الولد به و إن عزل كما هو الشأن في كلّ وطء صحيح؛ لعموم: «الولد للفراش» (7)و خصوص الأخبار في المقام (8).
1) الوسائل 14: 468، الباب 19 من أبواب المتعة.
2) لم نعثر عليه بعينه، و لعله يستفاد ممّا في الحدائق 24: 199.
3) الوسائل 14: 491، الباب 36 من أبواب المتعة، الحديث الأوّل، و 458، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 3.
4) و هو الخبر الثاني.
5) الرياض 2: 116.
6) تقدّم في الصفحة: 71.
7) الوسائل 14: 568، الباب 58 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الأحاديث 2 و 3 و 4 و 7.
8) الوسائل 14: 488- 489، الباب 33 من أبواب المتعة.
و لا يقع بها لعان لنفي الولد إجماعا، كما ادّعاه بعض (1)و ادّعى آخر الاتّفاق (2)، بل لو نفى الولد انتفى ظاهرا بغير لعان، و لا للقذف على رأي غير واحد (3)، و عن الغنية الإجماع عليه (4)، و حكى عليه روايتان مصحّحتان (5).
و لا طلاق إجماعا، بل تبين بغير طلاق إذا انقضى الأجل.
و لا ظهار على رأي (6)إذ لا يجب الوطء، و لا يقع الطلاق، و الواجب (7)في الإيلاء أحد الأمرين (8).
1) الرياض 2: 116.
2) المسالك 1: 404.
3) ذهب إليه جماعة منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 298، و الشيخ الطوسي في النهاية: 523، و المحقق في الشرائع 2: 307.
4) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 549.
5) الوسائل 15: 605، الباب 10 من أبواب اللعان، الحديث 1 و 2.
6) ذهب إليه ابن الجنيد و ابن أبي عقيل- كما حكاه عنهما صاحب الجواهر في الجواهر 30: 189- و ابن بابويه في الهداية (الجوامع الفقهية): 60، حيث قال: و لا يقع الظهار إلّا على موضع الطلاق.
7) في «ع» و «ص»: الواجب.
8) في «ع» و «ص»: الإيلاء الذي هو أحد الأمرين.
9) في الإرشاد: شرطه لها.
10) ذهب إليه أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 298، و ابن إدريس في السرائر 2: 624، و المحقق الكركي في جامع المقاصد 13: 37.
سقوطه (1)، و قيل: لا يثبت [إلّا] (2)مع الاشتراط (3)، و قيل: لا يسقط إلّا مع الاشتراط (4).
و منشأ الخلاف: اختلاف الأخبار (5)و عموم آية الإرث للأزواج (6).
و أوسط الأقوال ثالثها، فيكون الزوجية المنقطعة بضميمة اشتراط الإرث سببا للإرث، لا الزوجية نفسها حتّى يرد عدم الحاجة إلى الاشتراط، و لا الشرط فقط حتّى يرد جواز اشتراط توارثهما أزيد من نصيب الزوجين، أو اشتراط عدم منعها من العقار و غيرها ممّا لا ترثه الدائمة.
و عدّتها بانقضاء الأجل و الدخول حيضتان، و عن العماني: أنّها حيضة (7)، و عن المقنع: أنّها حيضة و نصف (8)، و عن جماعة- منهم المصنّف، في المختلف-: أنّها طهران (9). و القول الأوّل لا يخلو عن قرب، مع أنّه
1) ذهب إليه ابن البراج في المهذب 2: 240.
2) من «ع» و «ص».
3) ذهب إليه ابن حمزة في الوسيلة: 309، و حكاه العلّامة في المختلف: 561 عن الكيدري.
4) ذهب إليه السيد المرتضى في الانتصار: 114.
5) انظر ما يدلّ على ذلك في الوسائل 14: الأبواب 18 و 19 و 32 و 40، من أبواب المتعة و غيره من الأبواب.
6) النساء: 12.
7) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 562.
8) المقنع (الجوامع الفقهية): 29.
9) المختلف: 562، و ذهب إليه أيضا الشيخ المفيد في المقنعة 536، و ابن إدريس في السرائر 2: 625.
أحوط.
هذا إذا حاضت، و لو لم تحض و هي من أهله فخمسة و أربعون يوما للأخبار الكثيرة (1)، و في الرياض ادعى الإجماع عليه نصّا و فتوى (2).
و إذا حصل الفرقة بالوفاة و إن لم يدخل بها (3)، اعتدّت بأربعة أشهر و عشرة أيّام على المشهور كما في الحدائق (4)للآية (5)و غير واحد من الروايات (6)، و عن جماعة: تعتد بشهرين و خمسة أيّام (7)، بناء على أنّها عدّة الأمة، لبعض الأخبار (8).
و الأمة بشهرين و خمسة أيّام؛ للأخبار الكثيرة (9)، و عن الحلي (10)و المصنّف في المختلف (11)أنّها كالحرّة، و هو أحوط و إن كان الأوّل أقوى.
و تعتدّ الحامل حرّة كانت أو أمة- بأبعد الأجلين
1) الوسائل 14: 473، الباب 22 من أبواب المتعة.
2) الرياض 2: 118.
3) في «ع» و «ص»: و كانت حرّة.
4) الحدائق 24: 190.
5) البقرة: 234.
6) الوسائل 15: 484، الباب 52 من أبواب العدد، الحديث 1 و 2.
7) منهم ابن أبي عقيل كما حكاه عنه العلّامة في المختلف: 562، و الشيخ المفيد في المقنعة: 536، و السيد المرتضى في الانتصار: 114.
8) الوسائل 15: 485، الباب 52 من أبواب العدد، الحديث 4.
9) الوسائل 15: 471، الباب 42 من أبواب العدد، الأحاديث 6 و 7 و 8 و 9.
10) السرائر 2: 625.
11) المختلف: 562.
و يستباح وطؤهنّ بالملك و العقد و الإباحة
و لهذا يقع النظر في أمور ثلاثة:
يستباح (1)به الوطء بأصل الشرع إن استغرق و لم يشترك فيه أحد و لا ينحصر في عدد بالإجماع- ظاهرا- و الأخبار (2).
و لو كانت مشتركة لم يحلّ وطؤها بالملك لأنّ ملك بعضها لا يسوّغ التصرّف في حصة الآخر و لكن يحل بالتحليل من الشريك على رأي قوي؛ للصحيح المتقدّم في رجلين دبّرا جارية فأحلّها أحدهما لصاحبه، فقال: «هو له حلال» (3).
فإن وطأها قبله أي قبل التحليل- و حملت، حدّ مع العلم بالتحريم، و قوّم عليه حصص الشركاء في الأمّ و الولد لأنّ الجارية صارت أم ولد، فعليه قيمة حصصهم منها، و ولده حرّ و إن كان الوطء زنى؛ لأنّ بعض الامّ مملوك له فتبعه بعض الولد، فقد أتلف الجارية و ولدها عليهم.
و يجوز الجمع بين الامّ و البنت في الملك للأصل و عدم ما يتخيّل مانعا، و لعلّه لا خلاف فيه كما في الحدائق (4).
و يحرم الجمع في الوطء، فإن وطأ إحداهما حرمت الأخرى
مؤبّدا و عن شرح النافع: أنّ عليه إجماع المسلمين (1)، و يدلّ عليه الأخبار (2).
و لا يحرم نكاح الامّ بملك البنت و لا العكس.
و يجوز لكلّ من الأب و الابن تملّك من وطأها الآخر، و لكن يحرم وطؤها لعموم وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ (3)، وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ (4)، و عن شرح النافع: أنّ الحكم بجواز تملّك الموطوءة و حرمة وطئها كليهما إجماعيان (5).
و لا يحرم وطؤها بملك الآخر من دون الوطء و الأصل في جميع ذلك: أنّ المصاهرة منوطة بالوطء دون الملك.
و ليس لأحدهما أي الأب و الابن- وطء مملوكة الآخر إلّا بعقد أو إباحة للأدلّة القاطعة بقبح التصرّف في مال الغير إلّا بإذنه (6).
نعم قد دلّ غير واحد من الأخبار (7)على أنّ للأب أن يقوّم مملوكة ابنه الصغير فيبيعها من نفسه ثمّ يطأها بالملك و مقتضى إطلاق
1) نهاية المرام 1: 130.
2) الوسائل 14: 357، الباب 21 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها.
3) النساء: 22.
4) النساء: 23.
5) نهاية المرام 1: 134.
6) مثل حديث «لا يحلّ لأحد أن يتصرف في مال غيره، بغير إذنه» انظر الوسائل 17: 309، الباب الأوّل من أبواب الغصب، الحديث 4.
7) الوسائل 14: 543، الباب 40 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الأحاديث 1 و 3 و 4.
تلك الأخبار عدم اعتبار المصلحة في ذلك، و حكى في الحدائق التصريح بذلك عن جماعة (1)، و في تعدّي الحكم إلى الجدّ قولان، حكي عن المسالك (2)الأوّل، و عن سبطه الثاني (3).
و لو وطأ أحدهما مملوكة الأخر من غير شبهة فهو زان لما مرّ في تزويج الأمة بغير إذن مولاها (4)و لا تحرم الموطوءة على المالك (5)عند المصنّف- كما سيجيء في أحكام المصاهرة (6)، و يحدّ الابن (7)دون الأب، قيل (8): للنصّ و الاعتبار.
و يعتق ولده على الأب لو وطأ الابن بالشبهة جارية أبيه، لأنّه ابن ابنه لا بالعكس بأن وطأ الأب جارية الابن بشبهة، فإنّ الولد الحاصل يصير أخا للمالك و يجب على الأب فكه، إلّا أن يكون الولد الحاصل من الوطء الأنثى فتعتق لأنّها أخت المالك، فلا يستحقّ قيمتها على الأب، بخلاف الأخ.
و يحرم وطء المملوكة على المالك لو زوّجها إجماعا كتابا و سنّة، و الحق به اللمس و النظر بشهوة و النظر إلى العورة، و في الرياض (1)عن بعض المتأخّرين دعوى الإجماع على حرمة ذلك، بل و حرمة النظر إلى ما عدا الوجه و الكفين، و في بعض الأخبار كراهة أن تراه منكشفا (2)، نعم في الموثق: «في الرجل يزوّج جاريته، هل ينبغي له أن ترى عورته؟ قال:
لا» (3).
و هذه الرواية ظاهرة، بل صريحة في المنع عن نظر الجارية المزوّجة إلى عورة مولاها، فيثبت العكس بعدم القول بالفصل.
و لا يتوهّم أنّ قوله عليه السلام: «لا» في جواب من عبّر عن الحكم المسئول بلفظ «ينبغي» بمثابة قوله: «لا ينبغي»، و هو أعمّ من الحرمة؛ لأنّ قول السائل: «ينبغي» أي يجوز أم لا؟ لا أنّه يرجّح أم لا؟ و حكي (4)عن جماعة عدم تحريم النظر إلى ما عدا العورة ممّا يحرم على غير المالك النظر إليه، و حرّمه المصنّف هنا؛ و لعلّه لعموم أدلّة وجوب غضّ البصر (5)، و قوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ .. إلخ (6)ما لم يفارق الزوج بأحد أسباب الفراق، و لا إشكال في اشتراط جواز
الوطء بانقضاء العدّة مطلقا، و لا في توقف غيره من الاستمتاع، بل مطلق ما كان يحرم قبل الفراق على خروج العدّة الرجعيّة؛ لأنّها بمنزلة الزوجة قبله، و هل يتوقّف على خروج غيرها؟ صرّح في المسالك (1)بالأوّل.
و ليس للمولى المزوّج أمته من غير بعده فسخ العقد بدون بيعها بلا خلاف ظاهر كما في الرياض، و فيه: أنّه حكى عليه الإجماع (2)، هذا كلّه مضافا إلى الروايات (3).
نعم، لو باعها فيتخيّر المشتري في إمضاء العقد و فسخه؛ لصحيحة محمد بن مسلم (4)و حسنة بكير و بريد- بابن هاشم (5)- و لا فرق في ذلك بين صورتي الدخول و عدمه، و لا بين ما إذا كان الزوج عبدا أو حرّا، بل مورد الصحيحة الزوج الحرّ (6).
و لو اشتراها المشتري مزوّجة فأجاز أو لم يفسخ العقد مع العلم به و بتسلّطه على الفسخ استقرّ عقد الزوج؛ لقوله في الحسنة (7):
«فإن شاء تركهما»، فإنّ المراد بالترك مجرّد عدم الفسخ، و المراد باستقراره:
أنّه ليس له الفسخ بعد ذلك؛ لأصالة اللزوم، خرج ما إذا فسخ قبل الرضى.
1) المسالك 1: 416.
2) الرياض 2: 129.
3) الوسائل 14: 574، الباب 64 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
4) الوسائل 14: 553، الباب 47 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل.
5) الوسائل 14: 554، الباب 47 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 4.
6) في «ع» و «ص»: حرّا.
7) و هي حسنة بكير و بريد المتقدّمة أعلاه.
و يدلّ عليه قوله في رواية الكناني المحكية عن الفقيه: «فإن هو تركها معه فليس له أن يفرّق بينهما بعد ما رضي» (1).
فإن فسخ على الفور بطل العقد و كفاه الاستبراء عن العدّة مع الدخول.
و المالك للأمة- بأحد الوجوه المملّكة على المشهور، خلافا للمحكي عن ابن إدريس (2)حيث خصّه بمورد النصّ و هو البيع- لا يحلّ له النكاح قبل الاستبراء لها بحيضة، أو بخمسة و أربعين يوما إن تأخّرت حيضة، و إن علم بحصولها- في كلّ شهرين مثلا- على ما أطلقه المصنّف، إلّا أن يملكها حائضا؛ لحسنة الحلبي- بابن هاشم (3)- و موثقة سماعة، و فيها رجحان الاستبراء بحيضة أخرى (4)، و عن الحلّي وجوب ذلك (5)، أو تنتقل إليه من امرأة لرواية ابن أبي عمير عن حفص (6)
1) الفقيه 3: 543، الحديث 4869، الوسائل 14: 555، الباب 48 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأول.
2) نقل عنه في المسالك 1: 416، و الذي عثرنا عليه في كلام ابن إدريس التعميم، انظر السرائر 2: 634.
3) الوسائل 14: 498، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل، و انظر إسناد الكليني في ذيل الحديث الأوّل.
4) الوسائل 14: 508، الباب 10 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 2.
5) السرائر 2: 635.
6) التهذيب 8: 174، الحديث 608، و انظر الوسائل 14: 503، الباب 6 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل.
أو آيسة فإنّه لا عدّة عليها و لا استبراء؛ و لرواية عبد اللّٰه بن عمرو (1)، أو تكون حاملا بناء على جواز وطئها قبل مضي أربعة أشهر من الحمل أو يخبر البائع الثقة بالاستبراء لرواية ابن أبي عمير عن حفص ابن البختري (2)أو يعتقها و يعقد عليها فإنّ العدّة عن المولى لغيره.
و لو وطأها المولى و أعتقها حرمت على الغير قبل العدّة و هي ثلاثة أقراء، على ما سيجيء في كتاب الطلاق.
و إنّما يصحّ العقد على الأمة بإذن المالك، و لا يشترط التخصيص، فإذا أطلق تخيّرت الأمة المأذونة في تعيين من شاءت من العبيد و الأحرار.
و اعلم أنّه صرّح غير واحد (1)بأنّ من القواعد المعلومة أنّه لا يجوز تزويج الإنسان بأمته بأي مهر كان إلّا أن يجعل عتقها صداقها، فإنّه يجوز عند علماء أهل البيت عليهم السلام كما في المسالك (2)، و ادّعى عدم الخلاف [فيه] (3)غير واحد (4)، و حكي أيضا عن المختلف (5)، و الأخبار به كثيرة (6)حتّى أنّه حكيت دعوى تواترها (7).
و كيف كان، فلا خلاف- ظاهرا- في أصل هذا الحكم، و إنّما الخلاف في مواضع:
أحدها- في أنّه هل يعتبر تقديم التزويج على الإعتاق في التلفّظ-
1) منهم الشهيد الثاني في المسالك 1: 411، و السيد الطباطبائي في الرياض 2: 125.
2) المسالك 1: 411.
3) من «ع» و «ص».
4) منهم الشهيد الثاني في المسالك 1: 411، و المحدّث البحراني في الحدائق 24: 254.
5) المختلف: 572.
6) الوسائل 14: 509، الباب 11 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
7) حكاها السبزواري في الكفاية: 173.
على ما حكي عن أكثر المتقدّمين (1)- بأن يقول: تزوّجتك و أعتقتك و جعلت مهرك عتقك أو يبدأ بالعتق- على ما هو رأي المصنّف هنا و الجماعة (2)- أو لا ترتيب بينهما فيجوز الأمران كما هو المحكي عن أكثر المتأخّرين (3)؟ أقوال، أوسطها أخيرها- لأنّ أصل المسألة على خلاف القواعد- لأجل النصوص (4)، و ليس في شيء من القولين الأوّلين تعليل مخالفة للأصل عدا ما يتوهّم للأوّل من أنّه لو قدّم الإعتاق عتقت، فيعتبر رضاها في التزويج، و استشهد له برواية علي بن جعفر عن أخيه المصححة المحكية عن الفقيه، قال: «سألته عن رجل قال: أعتقتك و جعلت عتقك مهرك قال: عتقت و هي بالخيار إن شاءت تزوّجت و إن شاءت فلا، فإن تزوّجته فليعطها شيئا، فإن قال: قد تزوّجتك و جعلت عتقك مهرك فإنّ النكاح واقع لا يعطها شيئا» (5).
و في المحكي عن قرب الإسناد بدل قوله: «فإنّ النكاح واقع»
1) كالشيخ قدس سره في النهاية: 497، و القاضي في المهذب 2: 247، و ابن حمزة في الوسيلة: 304.
2) منهم المفيد في المقنعة: 549، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 317، و الشيخ في الخلاف 4: 268، كتاب النكاح، المسألة 22.
3) المسالك 1: 412.
4) الوسائل 14: 509- 513، الأبواب 11 و 12 و 14 و 15 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
5) الفقيه 3: 413، الحديث 4444، و عنه الوسائل 14: 510، الباب 12 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل.
«كان النكاح واجبا» (1).
و في المسالك: رواها عن التهذيب «فإنّ النكاح باطل» (2).
و يرد على الأوّل: أنّ تقديم الإعتاق إنّما يفيد رفع التسلّط عليها لو لم يعقب في الكلام الواحد بالتزويج، لا مطلقا؛ و لذا لو قال: «أعتقتك و عليك خدمة سنة» استحقّ الخدمة و لم يرتفع التسلّط بمجرّد التلفّظ بالإعتاق.
و يرد على الاستشهاد: أنّ حكم الإمام عليه السلام بارتفاع التسلّط عليها؛ لعلّه لعدم تعقب الإعتاق بصريح التزويج المعتبر في النكاح، فتأمّل.
و قد يستدلّ للقول الثاني: بأنّ تقديم التزويج يوجب إيقاع العقد على أمة حال ملكيتها، فلا بدّ من تقديم ما يفيد زوال الملكية، ليصحّ التزويج.
و يرد عليه ما أورد على الأوّل من عدم الاكتفاء في زوال الملك بمجرّد التلفّظ، و إلّا لاعتبر رضاها، و لما استحقّ الخدمة على من أعتق بشرط خدمة مدّة.
الثاني- في أنّه هل يعتبر التصريح بإنشاء العتق، أو يكفي جعله مهرا؟
قيل بالأوّل (3)و قيل بالثاني (4)، و الأوّل أقوى، مع أنّه أحوط؛ اقتصارا
1) قرب الإسناد: 251، الحديث 993.
2) كذا أوردها في المسالك 1: 411، من دون نسبة إلى التهذيب، هذا و قد قال صاحب المدارك في نهاية المرام (1: 290) ما يلي: «لكن جدي قدس سره في المسالك أوردها على غير هذا الوجه، إلى أن قال: و لم أقف على هذه الرواية في شيء من كتب الحديث، و لا في كتب الاستدلال و لا يبعد أن تكون موهومة ..».
3) و هو ظاهر قول المفيد في المقنعة: 549، و الحلبي في الكافي في الفقه: 317.
4) جامع المقاصد 13: 120- 121.
فيما خالف الأصل على القدر المتيقّن، و ليس في إهماله في رواية عليّ بن جعفر (1)دلالة تطمئنّ بها النفس.
و ثالثها: هل يعتبر القبول من الأمة في صحّة التزويج أم لا؟ وجهان:
من أنّه عقد، و من أنّ الأمة قبل تمام العقد لا تعتق لتصير أهلا للقبول، و بعده لا حاجة إليه.
و يؤيّده رواية عليّ بن جعفر الدالّة على وقوع النكاح أو وجوبه بمجرّد الكلام الصادر من المولى.
و كيف كان فإن اشترى المولى جارية نسيئة و أعتقها و تزوّجها و جعل عتقها مهرها، ثمّ استولدها و أفلس بالثمن و مات مفلّسا فهما أي الجارية و ولدها حرّان على رأي الأكثر؛ لصحّة التحرير و عدم ما يرفعه، فلا وجه لعودها رقّا للبائع، و صحّة النكاح، فلا وجه لكون الولد رقّا.
و على فرض بطلان التحرير بجملته- كما إذا وقع في مرض الموت مع الدين المستغرق- فلا وجه لعودها رقّا، بل أقصاه أنّها تباع، و لا وجه لرقّية ولدها. و حكي عن الشيخ (2)و جماعة (3)الحكم برقيتهما، لرواية هشام ابن سالم (4)المصححة في كلام جماعة، و إن ناقش فيها في المسالك باشتراك
أبي بصير في سندها (1).
و المسألة لا تخلو عن إشكال، من صحّة الرواية، و مخالفتها لقواعد كثيرة.
و لو طلّق المولى المتزوّج الأمة المجعولة عتقها صداقها فإن طلّقها بعد الدخول فلا إشكال، و لو طلّق قبل الدخول رجع نصفها رقّا على ما حكى عن الشيخ (2)و ابن حمزة (3)و المصنف هنا، و هو (4)خطأ؛ لأنّه صرّح من غير فاصلة (5)بأنّ الحقّ الرجوع على الأمة بنصف قيمتها، فعلم أنّ الحكم الأوّل ليس فتواه، و منشأ الخلاف اختلاف الأخبار (6).
و اعلم أنّه قد تقدم أنّه إذا عقد على الأمة بإذن مولاه أو إجازته، فليس لمولاه نزعها فإن باع الأمة المزوّجة بعد العقد تخيّر المشتري بين الفسخ و الإمضاء لما مرّ من الأخبار (7)المؤيّدة بأنّ صبر المشتري على ذلك ضرر، فلا بدّ من جبره بالخيار.
و فيه: أنّه إن اشتراها مع العلم، فقد أدخل الضرر على نفسه، و إن
اشتراها [مع الجهل] (1)فثبوت الخيار في البيع أولى من ثبوته في النكاح، فالعمدة الأخبار.
و الظاهر أنّ هذا الخيار على الفور اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقّن، و في الحدائق أنّه ممّا قطع به الأصحاب (2)، و في الكفاية نسبته إلى الأصحاب (3)، و يظهر من الرياض عدم الخلاف (4)، و قد يستفاد من رواية أبي الصباح: «فإن تركها معه فليس له أن يفرق بينهما بعد ما رضي» (5)، من حيث دلالتها على أنّ تركها رضى منه، و فيه تأمّل.
و كذا لو باع العبد المزوّج، فللمشتري الخيار فورا في فسخ العبد إن كان تحته أمة، بلا خلاف على الظاهر.
و كذا إن كان تحته حرّة على المشهور؛ لرواية (6)رميت بالضعف سندا و دلالة. و قد استدلّ له في الرياض (7)بعموم التعليل في ما رواه في الكافي عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن الحسن بن زياد، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن رجل اشترى جارية يطأها، فبلغه أنّ لها زوجا؟ قال: يطأها، فإنّ بيعها طلاقها، و ذلك أنّهما لا يقدران على شيء
من أمرهما إذا بيعا» (1)، فإنّ سلب قدرتهما على الشيء عند البيع يدلّ على أنّ للمولى فسخ نكاح زوجة العبد و إن كانت حرّة.
و مقتضى ما ذكر من الاتّفاق- على أنّه إذا بيع الأمة المزوّجة أو العبد المزوّج من أمة تخيّر مولاهما- أنّه لو كانا لمالك (2)فباعهما على اثنين- سواء باع كلّ واحد بواحد، أو باعهما عليهما على الاشتراك- فلكلّ منهما الخيار، و أنّه لو بيعا على واحد تخيّر بطريق أولى و لو باع مالكهما أحدهما على شخص فلكلّ من المشتري و البائع الخيار، أمّا المشتري فحكمه واضح، و لا خلاف.
و أمّا البائع فالحكم فيه منسوب إلى المشهور، و علّل بتعليل ضعيف لا ينهض لمصادمة أصالة اللزوم. و قد استدلّ لهم في الرياض (3)باستصحاب الخيار الثابت له حال ملكهما جميعا.
و يمكن ردّه بأنّ الخيار في الفتاوى و النصوص لمالك الزوجين، من حيث إنّه مالك الزوجين، فالوصف العنواني مأخوذ في الموضوع، فافهم.
و المهر الثابت في عقد الأمة المزوّجة التي بيعت للبائع مع الدخول بلا خلاف، و وجهه واضح سواء أجاز المشتري أو لا لأنّ فسخه لا يزيد على طلاق الزوج و قبله لا مهر مع فسخ المشتري قيل لأن الفسخ قبل الدخول جاء من قبل من يستحقّ المهر فلا يستحقّه،
و مع الإجازة فالمهر له بناء على أنّها كعقد مستأنف.
و فيه نظر؛ لعدم الدليل على كونها كالعقد المستأنف، فكيف ترفع به اليد عن مقتضى القاعدة من استحقاق المهر للمولى الأوّل بنفس العقد، فلا يبعد استحقاق الأوّل له (1)، كما احتمله غير واحد (2).
قيل: و يؤيّده الاتّفاق- ظاهرا- على أنّه إذا أعتقت الأمة المزوّجة قبل الدخول فأجازت النكاح، كان المهر للمولى (3).
و منه يعلم النظر في سقوط المهر كملا مع فسخ المشتري؛ لأنّ المفروض عدم الدليل على استحقاقه للمهر مع الإجازة، حتّى يكون الفسخ تفويتا منه للمهر على نفسه، فلا يستحقّ شيئا.
اللّٰهمّ إلّا أن يقال: إنّه لو فرض أيضا استحقاق الأوّل كان بيعه المعرض للفسخ المصادف له في قوة فسخه، فلا يستحقّ شيئا؛ لأنّ الحدث جاء من قبله.
و لو باع العبد المزوّج قبل الدخول تخيّر المشتري، فإن فسخ فعلى المولى الأوّل نصف الصداق، و لو باعه بعد الدخول استقرّ المهر عليه.
لكن هذا في العقد الدائم واضح؛ لاستقرار جميع المهر بالدخول، و أمّا في العقد المنقطع- الذي يكون الأجر فيه بمنزلة الأجرة الموزّعة على المدّة المضروبة- فيشكل استحقاق المولى المهر كملا بمجرّد الدخول.
و لو باع جاريته التي وطأها ثمّ ادّعى بعد البيع أنّ حملها
منه حتّى تكون أم ولد فيكشف عن فساد البيع لم يبطل البيع لأصالة الصحّة و لكن الحق (1)النسب إذا لم يشترط دخول الحمل في بيع الحامل و قلنا بخروجه مع الإطلاق، و أمّا إذا اشترطه أو قلنا بدخوله مع الإطلاق فلا يبعد أيضا القبول؛ لأنّه إقرار لا يضرّ بالمشتري.
نعم، لو ترتّب على ذلك إلزام المشتري بشيء لم يلزم؛ لعدم نفوذ الإقرار إلّا في حقّ المقرّ.
1) في «ع» و «ص»: الحق به.
النظر الثالث: في حلّ فروج الإماء على وجه الإباحة و اختلف في أنّها عقد نكاح (1)أو تمليك منفعة، و أنّ المحلّلة داخلة في الأزواج أو في ما ملكت الأيمان، و الأظهر: الثاني.
و على كلّ تقدير فيحتاج إلى القبول، و في الكفاية: أنّه المعروف بين الأصحاب (2)لأصالة عدم التملّك إلّا بالرضى و الاختيار، و من ذلك [يعلم] (3)أنّه عقد على القول بالإباحة- أيضا- إلّا أنّه اختلف في أنّه عقد نكاح أم لا.
و اعلم أنّ التحليل لا يصحّ بغير اللفظ؛ لعدم حلّ الفروج بالتراضي إجماعا، كما صرّح به غير واحد (4).
ف اللفظ الصريح له ما يشتق من التحليل بشرط صراحته في الإنشاء بقوله: أحللت لك، أو جعلتك في حلّ، و تأمّل بعض في قوله: أنت في حلّ (5)و في إنشائه بما يشتق من الإباحة (6)و لا يبعد
1) ليس في «ع» و «ص»: نكاح.
2) كفاية الاحكام: 175.
3) من «ع» و «ص».
4) المسالك 1: 418، و الحدائق 24: 315، و الرياض 2: 130.
5) بل صرح غير واحد بعدم الكفاية منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 13: 182، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 418.
6) في جامع المقاصد: فالأكثر- و منهم الشيخ في النهاية و أتباعه، و المرتضى و ابن زهرة و المصنف في الإرشاد- على أنّه لا يفيد الحل. انظر جامع المقاصد 13: 182، و النهاية: 494، و الانتصار: 118، و الغنية (الجوامع الفقهية): 550.
الصحّة على ما هو رأي المصنّف و جماعة (1)لخلوّ الأخبار عمّا يدلّ على وجوب الاقتصار على لفظ التحليل و إن وردت بلفظه (2)، لكن المراد معناه المعبّر عنه بالإباحة.
و في اشتراط العربية و الترتيب كلام مرّ غير مرّة (3).
[و لا يستباح بالعارية] (4)و هل يستباح بهبة الوطء أو تسويغه أو تمليكه؟ الأقرب عند المصنّف قدّس سرّه و غير واحد من الأصحاب (5)عدم ذلك لوجوب الاقتصار في الفروج- المبني على الاحتياط- على المتيقّن و هو على ما عرفت ملك منفعة لا عقد نكاح.
و يجوز أن يبيح المولى أمته القنّ و المتشبثة بالحرّية مثل أمّ ولده و مدبّرته لمملوكه خلافا لمن منعه (6)إمّا بناء على أنّه تمليك منفعة، و عدم قابليّة العبد للتملّك، و إمّا لأجل رواية علي بن يقطين (7)، المحمولة على الكراهة بقرينة بعض الأخبار الدالّة على جواز اشتراء المملوك
1) منهم الشيخ في المبسوط 3: 57، و ابن إدريس في السرائر 2: 633، و المحقق في الشرائع 2: 316.
2) راجع الوسائل 14: 532، الباب 31 من أبواب نكاح العبيد و الإماء و غيره من الأبواب.
3) راجع الصفحة: 79 و غيرها من الصفحات.
4) من «ص» و الإرشاد.
5) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 13: 183، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 418.
6) كالشيخ في النهاية: 494، و العلّامة في المختلف: 571.
7) الوسائل 14: 536، الباب 33 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 2.
للجواري و وطئها بإذن سيّده، رواها في الكافي في باب ما يحلّ للمملوك من النساء (1).
و أمّا تحليله لغيره حرا كان أم عبد غيره فهو جائز، بلا خلاف ظاهرا، إلّا من صاحب الحدائق في العبد (2)لخلوّ الأخبار عنه، و مخالفة الحكم للأصل.
و لا يجوز للمحلّل له استباحة ما خرج عن اللفظ الدالّ على التحليل فلو أباح التقبيل حرم غيره من لمس و نظر لا يتوقّف التقبيل عليهما.
و لو أباح الوطء حلّ التقبيل و شبهه، لدلالة تحليله على تحليله.
و لو أباح الخدمة لم يطأها و جاز لمسها فيما يحتاج الخدمة إليه كغمز الرجلين و بالعكس فلا يجوز الاستخدام إذا أحلّ الوطء.
و ولد التحليل حرّ على ما سبق في المزوّجة (3)إلّا أن يشترطه المولى على الخلاف المتقدّم. و لا قيمة على الأب (4)، خلافا للصدوق (5)على ما حكي عنه؛ جمعا بين ما دلّ على حرّيته و ما دلّ على لزوم قيمته يوم
و فيه مطالب
كلّ ما يصحّ تملّكه- عينا كان أو منفعة، و إن كان ذلك النفع إجارة الزوج نفسه من المرأة لعمل مدّة معيّنة- صحّ مهرا، قلّ أو كثر لعموم ما دلّ من الأخبار المستفيضة على أنّ المهر «ما تراضى عليه الناس» (1).
و هل يجوز جعله حقّا محضا، كحقّ التحجير و نحوه ممّا يقابل بالمال؟
استظهر بعض المعاصرين جوازه (2)لعموم «ما تراضى عليه الناس» (3)، و هو مشكل؛ لأنّ عموم قوله: «ما تراضى عليه» يمكن أن يدّعى أنّه مخصّص بما دلّ على أنّ الصداق «ما تراضى عليه الناس من كثير أو قليل»، فإنّ ظاهر ذلك- بقرينة القليل و الكثير- المال، فهو- حيث وقع في مقام تحديد الصداق حدّا مانعا و جامعا- يخصّص عموم «ما تراضى عليه الناس».
مضافا إلى إمكان دعوى أنّ السؤال في الخبر العام بقول السائل:
«المهر ما هو (1)»؟ سؤال عن الكم لا الحقيقة؛ لعدم الحاجة إليها.
مضافا إلى ما دلّ على أنّه لا يصحّ النكاح إلّا عن درهم أو درهمين (2)، فإنّه الحق (3)بالإجماع المركب مطلق المال، و أمّا الحقّ فلا.
مضافا إلى تسميته في القرآن صدقة و أجرا (4)سيّما في المتعة، فإنّ الظاهر أنّه لا قائل بالفصل.
و أمّا كون الصداق منفعة، مع أنّ منفعة الحرّ لا يكون مالا، و أنّه لا يضمن بحبس الحرّ كما يضمن بحبس العبد، ففيه: أنّه لو سلّم عدم كونه (5)مالا أمكن التزام خروجه بالدليل، مع جواز الفرق بأنّ منفعة الحرّ يمكن أن يجعل عوضا للمبيع و في الإجارة، بخلاف حقّ التحجير، و المحكي عن الشيخ في الخلاف أنّ الصداق ما يصلح أن يكون ثمنا للمبيع أو اجرة قلّ أو كثر، و ادّعى الإجماع على ذلك (6)، مضافا إلى كلمات الفقهاء في تفسير الصداق (7).
هذا في الحقوق المالية، و أمّا الحقوق [التي] (8)لا تقبل الانتقال،
1) الوسائل 15: 1، الباب الأوّل من أبواب المهور، الحديث الأوّل.
2) الوسائل 15: 29، الباب 20، من أبواب المهور، الحديث الأوّل.
3) في «ع» و «ص»: الحق به.
4) النساء: 4 و 24.
5) في «ع» و «ص»: كونها.
6) الخلاف 4: 364، كتاب الصداق، المسألة 2.
7) انظر المقنعة للمفيد: 508، و النهاية للشيخ الطوسي: 468، و السرائر 2: 576 و غيرها.
8) من «ع» و «ص».
بل الإسقاط، فقد اعترف هذا المعاصر بعدم جوازها مهرا (1)، مع أنّ الدليل جار فيه، فتأمّل فيه.
خلافا للمحكي عن الشيخ (2)و جماعة (3)في العقد على منفعة الزوج مدّة؛ للمروي عن البزنطي (4)المضعّف (5)سندا تارة و دلالة أخرى.
ثمّ ظاهر (6)العموم في ما دلّ على «أنّ المهر ما تراضى عليه الناس» (7)أو «كل شيء تراضى عليه الناس» هو جواز جعل الحقوق الغير المالية أيضا صداقا، كحقّ التحجير و غيره من الحقوق الغير المالية القابلة للنقل.
و لو أسلم الزوجان الذمّيان أو أحدهما بعد العقد على خمر بقيا على عقدهما، و وجبت على الزوج القيمة؛ لأنّها أقرب شيء إليه حيث تعذّر دفعه؛ للإسلام، و لأنّ المعيّن يراد شخصه و ماليته، فإذا تعذّر الأوّل يصار إلى الآخر. و يؤيّده ما رواه في التهذيب عن عبيد بن زرارة، و فيها القاسم بن محمد الجوهري (8).
و لو قبضته الزوجة حال كونهما كافرين صحّ و برأت ذمّة
1) الجواهر 31: 7- 8.
2) النهاية: 469.
3) حكاه عنهم الشهيد في المسالك 1: 426.
4) الوسائل 15: 33، الباب 22 من أبواب المهور، الحديث الأوّل.
5) ضعّفه المحقق في الشرائع 2: 324.
6) في «ع» و «ص»: أنّ ظاهر.
7) الوسائل 15: 1- 3، الباب الأوّل من أبواب المهور.
8) التهذيب 7: 356، الحديث 1448، و عنه الوسائل 15: 4، الباب 3 من أبواب المهور، الحديث 2.
الزوج، فلا يطالب بشيء بعد الإسلام، كسائر ما يؤدّيه من الديون في حال الكفر ممّا لا يتموّل في الإسلام.
و لو عقد المسلم، عليه عالما بالموضوع صحّ على الأقوى؛ لوجود المقتضي و عدم المانع، عدا ما يستند إليه من وجوب اقتران الرضى بالعقد، و لم يقع الرضى إلّا على الباطل، فما رضيا به لم يصحّ، و ما صحّ لم يتراضيا عليه، و لأنّه عقد معاوضة، حيث يذكر فيه المهر- و إن لم يكنه مطلقا- فيفسد بفساد العوض كالبيع.
و فيه: أوّلا- النقض بما لو ظهر المهر المشخّص مستحقا للغير؛ فإنّه لا يوجب فساد العقد- بلا خلاف على الظاهر- كما يظهر من الحدائق (1)و الرياض (2)و المسالك (3)، مع أنّ ما استدلّ به جار فيه حرفا بحرف، و كذا لو زعماه خلّا فبان خمرا.
و ثانيا- بالحلّ؛ فإنّ الرضى بأصل النكاح حاصل، فإنّه متقوّم بالزوجين، و الالتزام بالصداق بمنزلة الالتزام بالشرط الفاسد الغير المنافي لأصل النكاح الذي اتّفقوا ظاهرا على عدم فساد العقد به، بل هنا أولى، حيث إنّ في اشتراط الفاسد تصريحا بعدم الرضى بالعقد، بخلاف الصداق الفاسد، مع أنّ فساد العقد- و لو كان من المعاوضات الصرفة- بفساد الشرط محلّ كلام، لا يبعد القول بالعدم فيه. لكنّ الإنصاف أنّ المسألة مشكلة.
و كيف كان، فعلى القول بالصحّة لا إشكال في عدم استحقاق المرأة
لنفس ما جعل صداقا؛ لأنّه ممّا لا يستحقّ شرعا، فهل الواجب لها بدله مهر المثل مطلقا- بناء على أنّه إذا لم يسلّم المعيّن صداقا فالواجب بدله، و هو مهر المثل- أو مع الدخول (1)بناء على أنّ التسمية إذا فسدت فلا يجب شيء إلّا عوضا للبضع، فقبل الدخول لا شيء، و مع الدخول يستحقّ مهر المثل؛ لأنّه عوض الوطء المحترم؟
و تظهر الثمرة في ما لو مات أحدهما قبل الدخول، فإنّه على الأوّل يجب نصف مهر المثل أو جميعه على القولين في التنصيف بالموت و عدمه؛ لأنّه يثبت بالعقد.
و على الثاني فلا شيء؛ لأنّه لا يثبت إلّا بالوطء.
و هنا قول ثالث (2)بوجوب قيمة ما جعل صداقا؛ لأنّها أقرب إليه، كما مرّ في مسألة الذمّيين اللذين أسلما (3).
و على هذا القول يستحقّ القيمة بنفس العقد؛ لأنّه بدل عن نفس الصداق المجعول.
و رابع (4)بالتفصيل بين الصداق الذي له قيمة في الجملة- أي يقابل بالمال، كالخمر المضمون على المسلم، و الذي للذمّي المتستّر به- و بين ما ليس كذلك كالحرّ، فيصار في الأوّل إلى القيمة، و في الثاني إلى مهر المثل.
و المسألة محلّ إشكال، و إن كان القول الثاني الذي اختاره المصنّف هنا
لا يخلو عن قوّة.
و يشترط في الصداق تعيينه بما يرفع معظم الجهالة، فإن أبهم كلّية فسد المهر و لها مهر المثل مع الدخول.
[و كذا يشترط] (1)أن لا يتضمّن إثباته نفيه؛ لعدم صحّة تملّك مثل هذا صداقا، كما لو أصدق الحرّة رقبة عبده المزوّج بها، فإنّ تملّكه ينافي ثبوته، فالجمع بين تملّكها له صداقا و بين تزويجها به جمع بين متنافيين.
و يكفي المشاهدة و إن جهل وزنه لعدم كون الإصداق معاوضة صرفة يعتبر فيها الكيل في المكيل و الوزن في الموزون، و يدلّ عليه- مضافا إلى عموم: «الصداق ما تراضى عليه الناس» (2)- صحيحة محمد بن مسلم في تزويج النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم تلك المرأة على ما يحسن الزوج من القرآن (3)، و لم ينقل تعيينه.
و لو تزوّجها على خادم، أو بيت، أو دار فلها وسط ذلك لرواية أبي حمزة- الواقفي المعاند- في الخادم (4)، و مرسلة ابن أبي عمير في البيت (5)، و لأجل ذلك حكم بفساد المهر لزيادة الجهالة، فيرجع إلى مهر المثل.
و لو تزوّجها على كتاب اللّٰه و سنّة نبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم،
1) من «ع» و «ص».
2) الوسائل 15: 1، الباب الأوّل من أبواب المهور.
3) الوسائل 15: 3، الباب 2 من أبواب المهور، الحديث الأوّل.
4) الوسائل 15: 36، الباب 25 من أبواب المهور، الحديث الأوّل و الثاني.
5) التهذيب 7: 376، الحديث 1520، و رواه في الوسائل 15: 36، الباب 25 من أبواب المهور، الحديث 3، و ليس فيه: «عن ابن أبي عمير».
و لم يسمّ شيئا فخمسمائة درهم مهر السنة؛ للإجماع كما في الروضة (1)و الرواية (2). و بها يدفع الاعتراض بأنّ مقتضى القاعدة هو الفساد حيث لا يعلمان أو أحدهما به، فيكون كما لو تزوّجا بما تزوّج به فلان مع الجهل به، و بأنّ لفظ: «على كتاب اللّٰه» لا يدلّ على ذكر المهر أصلا؛ لاحتمال إرادة النكاح المرغوب إليه في الكتاب و السنّة.
و لو عقد على امرأتين و تزوّجهما بمهر واحد صحّ التزويج بلا خلاف، و كذا المهر على الأقوى؛ لعموم ما دلّ على الاكتفاء بما تراضيا عليه، و لا يضرّ جهل كلّ واحدة بما يقابل بضعها من المهر، و قسط المهر المذكور على مهر المثل و تستحقّ كلّ واحدة منهما منه بنسبة مهر مثلها؛ لأنّ مهر المثل بالنسبة إلى البضع كالقيمة، فيحكم عليه بحكمها على رأي قوي.
و قيل: يقسّط على الرءوس، فينصّف بين الزوجتين، و يثلّث بين الثلاث (3)، و هكذا؛ لعدم الدليل على الترجيح، و عدم كون المعاوضة حقيقية.
و فيه: أنّ المرجّح حكم العرف و الاعتبار، و القاعدة المستفادة من تتبّع الموارد الشرعيّة من مقابلة البضع بمهر المثل.
و كذا لو جمع بين تزويج و بيع في عوض و قد مرّ في باب البيع.
و لا يلزم ما يسمّيه للأب غير المهر، أو منه على رأي دلّ عليه بعض
الأخبار (1).
و لو أصدقها تعليم سورة، علّمها الجائز من القراءات [السبعة] (2)دون الشاذّة، فإن طلّقها قبل الدخول رجع الزوج عليها بنصف الأجرة إن علّمها، و إلّا يكن علّمها رجعت الزوجة (3)عليه بنصف الأجرة، أو بتعليم نصف السورة.
و كذا الحكم في الصنعة حيث يصدقها تعليمها.
و تعليم السورة حدّه (4)الاستقلال بالتلاوة (5)لا متابعته عند النطق؛ لأنّه تلقين لا تعليم.
و لو نسيت الآية الأولى قبل تعلّم (6)الثانية لم يجب إعادة التعليم لبراءة ذمّته بحصوله الغير المشروط ببقائه في الذاكرة.
و لو تعلّمت من غيره، أو تعذّر تعلّمها (7)لبلادة أو طروء آفة رجعت بالأجرة لتعذّر العين، و لا ينفسخ المهر فيرجع إلى مهر المثل- كما تنفسخ الإجارة بتعذّر تحصيل العمل- لقيام الدليل هناك،
و هنا (1)لما وجب المهر المسمّى و تعذّر ضمنه الزوج بقيمته.
و من هنا يعلم أنّ مقتضى القاعدة في المهر هو كون ضمانه ضمان يد لا ضمان معاوضة، فما عن جامع المقاصد (2)و كشف اللثام (3)من احتمال الرجوع إلى مهر المثل ضعيف، نعم لو بذل الزوج التعليم، و تعلّمت الزوجة من غيره، يمكن القول بأنّها فوّتت المهر على نفسها، كما لو أمهرها منفعة عين بذلها لها فلم تستوف المنفعة.
و لو بان الخلّ المصدق خمرا صحّ العقد، بلا خلاف- كما يظهر من جماعة (4)- و أمّا ما تستحقّه عليه بعد ظهور كونه خمرا فالوجه أنّ لها مثل الخلّ لأنّه أقرب إلى المتعذّر من قيمته التي لا تطابقه إلّا من حيث المالية فقط.
و قيل بقيمة الخمر (5)، و ردّ بأنّ الخمر لم يقصد حتّى ينتقل إلى قيمته (6).
و قيل بمهر المثل؛ لفساد ما قصد و عدم (7)قصد غيره، فيرجع إلى مهر المثل (8)، و هو حسن؛ لان المهر انكشف عدم تملكه و لم يقصد غيره فتعين
1) في «ق»: بل هنا.
2) جامع المقاصد 13: 348.
3) كشف اللثام 2: 78.
4) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 13: 376، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 430، و صاحب الجواهر في الجواهر 31: 33.
5) قاله الشيخ في الخلاف 4: 371، كتاب الصداق، المسألة 10، و المبسوط 4: 290.
6) ردّه الشهيد الثاني في المسالك 1: 430، و صاحب الجواهر في الجواهر 31: 33.
7) في «ع» و «ص»: ما قصده أو عدم.
8) قاله العلامة في القواعد 2: 37، و التحرير 2: 32، و المختلف: 547.
مهر المثل لكنّه حسن إن أريد به بعد الدخول، و إن أريد [ذلك] (1)بمجرّد العقد فهو أيضا [غير] (2)مقصود.
هذا كلّه في المثلي، و أمّا في القيمي- كالعبد المستحقّ للغير- ففيه قولان: قيمة العبد، و مهر المثل و كذا لو بان العبد حرا.
و لو قبضت المعيّن صداقا، ثمّ وجدت به عيبا، فلها الردّ و أخذ المثل الصحيح.
و لو حدث العيب بعد العقد فلها الأرش لأنّه في مقابل الجزء الفائت المضمون بالمقابل كالكلّ و لو تلف قبل القبض فلها القيمة وقت التلف الذي هو وقت استقرار القيمة.
و لو عقد سرّا و جهرا بمهرين، فالصحيح الأوّل سرّا كان أو جهرا؛ لأنّ الأخير باطل.
و يستحبّ تقليله بلا خلاف ظاهرا و يكره تجاوز مهر السنّة و حرّمه المرتضى (3)على ما حكي عنه، و هو ضعيف محجوج عليه بالروايات الكثيرة (4).
و الدخول قبل تقديمه أي المهر، كلا أو بعضه (5)أو هديّة لرواية
أبي بصير (1)الظاهرة في التحريم، المحمولة على الكراهة بقرينة رواية عبد الحميد الطائي (2).
و اعلم أنّ الزوجة لها الامتناع من الدخول قبل قبضه أي قبض المهر؛ لأنّ الوطء و المهر بمنزلة العوضين، لصاحب أحدهما الامتناع حتّى يقبض الآخر، و لا يجبر أحدهما على التسليم قبل الآخر، فطريق الجمع لو أرادا التقابض و تشاحّا في التقديم و التأخير: إمّا بإقباض المهر أوّلا، و إمّا بوضعه في يد من يتّفقان عليه، فإذا مكّنت نفسها سلّم المهر إليها أو تسلّم عنها.
هذا كلّه ممّا لا خلاف فيه إذا كان قبل الدخول، و أمّا بعد الدخول فليس لها الامتناع على رأي قوي؛ لتسلّط الزوج على البضع، و حصول التقابض في الجملة، مع يسار الزوج و حلول المهر و قابليّة الزوجة للوطء.
و إن كان معسرا (3)فالحكم أيضا كذلك على ما نسب إلى الأكثر (4)لأنّ الوجه المتقدّم جار هنا، و وجه العدم: المنع من مطالبة المعسر، فيجب عليها تسليم حقّه إليه إذا طالبه؛ لأنّ الامتناع ظلم عرفا، فيحرم شرعا، سيّما مع علمها قبل العقد بإعساره.
و منع أنّ له المطالبة مع عدم إقباض المهر، و أنّه مصادرة، يدفعه؛ ثبوت استحقاق البضع بنفس العقد و تحقّق الزوجيّة، بل يشمله- حينئذ- كلّ ما دلّ على حرمة امتناع الزوجة و نشوزها، بل قد يمنع أصل الحكم في المسألة رأسا حتّى مع اليسار، لأجل الوجه الذي ذكرناه، كما حكي عن السيّد في شرح النافع (1)، و مال إليه في الحدائق (2)، و سبقهما إلى الخدشة في نظير المسألة المحقّق الأردبيلي في مسألة تقابض العوضين في البيع (3).
و أمّا إذا لم تكن الزوجة قابلة للوطء لصغرها، ففيه قولان: من امتناع التقابض، و من أنّ الصداق حقّ ثابت، طلبه المستحقّ فوجب دفعه إليه، و عدم قبض مقابله قد أقدم الزوج عليه حيث عقد عليها كذلك، و هو الأقوى كما في المسالك (4)، و هذا الدليل بعينه يجري في مسألة إعسار الزوج، و القول الأوّل محكيّ عن الشيخ في المبسوط (5).
هذا إذا لم تصلح للاستمتاع، و لو صلحت لغير الوطء ففي وجوب إجابته وجهان: من تحقّق الزوجيّة المقتضية للاستمتاع، و من أنّ المقصود الذاتي الوطء، و الباقي تابع، فإذا انتفى المتبوع انتفى التابع.
و أمّا إذا لم يكن الصداق حالّا، فإنّ الظاهر عدم الخلاف و
حكى في الرياض (1)الإجماع في أنّه ليس لها الامتناع من الدخول؛ إذ لا (2)يجب لها عليه شيء حينئذ، فيبقى وجوب حقّه عليها بغير معارض.
و لدخولها على الرضى بتسليم نفسها قبل قبض العوض، كما لو كان العوض في المعاوضات الصرفة مؤجّلا، أو امتنعت عصيانا للّٰه و لزوجها ثمّ حلّ أجل الصداق، فليس لها أيضا الامتناع بعد الحلول؛ لوجوب تسليم نفسها قبل الحلول، فتستصحب.
و وجه الامتناع: أنّها تستحقّ الصداق حالا، فلها الامتناع عمّا تستحقّه حتّى يسلّمها ما تستحقّه، و الأوّل يحكى عن الأكثر (3).
و إنّما يجب بذله إذا كانت الزوجة مهيّأة للاستمتاع، فلا يلزم تسليمه إلى المحبوسة و الممنوعة بعذر. و إذا سلّم فعليه إمهالها للتنظيف، و البلوغ إذا كانت صغيرة و الصحّة إذا كانت مريضة لا للجهاز و الحيض؛ فإنّه يستمتع بما دون الفرج.
ثمّ اعلم أنّ المحكيّ عن السيّد في شرح النافع (4)الخدشة في أصل (5)هذا الحكم- و هو جواز الامتناع للزوجة إن لم يكن المسألة [إجماعيّة] (6)- بأنّ مقتضى العقد استحقاق الزوج لحقّ البضع و جواز الاستمتاع. و إن وجب
عليه أداء الصداق مع المطالبة و الحلول، سيّما بملاحظة ما دلّ على وجوب إطاعة الزوج و حرمة النشوز و الامتناع.
اللّٰهمّ إلّا أن يقال: إنّ إطلاق العقد في عقود المعاوضة و ما يشبهها يقتضي التراضي على هذا الوجه، فالامتناع من تسليم أحد العوضين قبل تسلّم الآخر لا يعدّ نقضا للعقد، و ليس خروجا عن الوفاء بمقتضاه؛ لأنّ أحدا من المتعاقدين لم يلتزم إلّا بالتمليك و إقباض ما ملّكه مع قبض ما ملكه، لا مطلقا.
و دعوى أنّ العقد إذا اقتضى الملك لزمه وجوب رفع اليد عنه؛ لعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)، مدفوعة بمنع الملازمة إذا كان إطلاق العقد- الذي هو منشأ الملكية- منصرفا إلى النحو المذكور، و هذا الكلام يجري في النكاح بنحو من التقريب، مع أنّه يمكن أن يستدلّ على جواز امتناعها إن امتنع الزوج من المهر مع التمكّن بآية جواز الاعتداء بالمثل (2).
و هو قسمان:
تفويض البضع، و هو إخلاء العقد عن المهر أصلا بأمر مستحقّه.
و هو صحيح بلا خلاف، كما ادّعاه غير واحد (1)، سواء أهملاه، أو شرطا عدمه.
و لو شرطا عدمه في الحال و المآل على وجه يشمل ما بعد الدخول، فسد العقد، على ما نسب إلى الأشهر (2)لمنافاته لمقتضى العقد.
و فيه تأمّل؛ لأنّ العقد لا يقتضي ثبوت المهر بالدخول، نعم انتفاء المهر مع الدخول مخالف للمشروع، فبطلانه من جهة عدم مشروعيّته؛ فإنّه بمنزلة
الهبة التي لا تحلّ إلّا لرسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، كما في الخبر (1)، و أمّا لغيره فلا يصلح نكاح (2)إلّا بمهر، و في المسألة قول بالصحّة، و قول آخر بفساد التفويض دون العقد، فيجب مهر المثل، كما لو شرط في المهر ما يفسده تمسّكا بأصالة اللزوم.
و التفويض إنّما يتحقّق في الرشيدة؛ لأنّ المهر بيدها دون الصغيرة و السفيهة و هو واضح.
و لو زوّجها (3)الوليّ بدون مهر المثل فقد مرّ حكمه و أنّ لها الاعتراض إذا بلغت إذا زوّجها به من غير مصلحة أو مطلقا.
و لو زوّجها (4)مفوّضة، فالأقرب هنا أيضا الصحّة مع المصلحة، و إلّا يكن مصلحة ثبت مهر المثل مع التفويض.
و حيث يصحّ التفويض فلو تزوّجها و لم يذكر مهرا أو شرطا سقوطه، صحّ العقد لكن لا يقتضي مهرا أصلا، بلا خلاف كما يظهر من المسالك (5)و الرياض (6)لعدم ثبوت المقتضي له فإن دخل فلها مهر المثل لأنّه بمنزلة القيمة للبضع.
و يعتبر فيه حال المرأة في الشرف و الجمال و غيرهما ممّا يتفاوت به المهر من العقل و الأدب و البكارة و حسن التدبير و نحو ذلك، كلّ ذلك
مع مراعاة عادة أهلها المستقرّين في بلدها، أو ما يساويه من حيث العادة في المهر.
و المعتبر في الأهل: أقاربها من الطرفين ما لم يتجاوز خمسمائة درهم و هو مهر السنّة؛ للمرويّ عن أبي بصير (1)، المضعّف سندا و دلالة.
و من ثمّ قيل (2)بعدم تقييده بذلك؛ لإطلاق الأخبار أنّ لها صداق نسائها، مع اعتضادها بقاعدة أنّ مهر المثل بمنزلة القيمة للبضع (3).
و إن طلّق قبل الدخول فلها المتعة بلا خلاف ظاهر؛ للآية (4)و الأخبار (5)المدّعى [تواترها] (6)، و مقتضى إطلاقها ثبوتها لها حرّة كانت أو أمة.
و إنّما يعتبر المتعة بحاله، فالموسر يتمتّع بالدابّة أو الثوب المرتفع أو عشرة دنانير، و المتوسّط بخمسة أو الثوب المتوسّط، و الفقير بالدينار أو الخاتم (7)و شبهه [و] (8)كلّ ذلك على وجه المثال، و المناط [اللازم
1) الوسائل 15: 25، الباب 13 من أبواب المهور، الحديث 2.
2) في «ع» و «ص»: و منهم من قال.
3) انظر نهاية المرام 1: 377، و الحدائق 24: 481.
4) البقرة: 236.
5) الوسائل 15: 54- 59، الباب 48- 50 من أبواب المهور، و ادّعى تواترها صاحب الجواهر، راجع الجواهر 31: 51.
6) من «ع» و «ص».
7) في «ع» و الإرشاد: و الخاتم.
8) من «ع» و «ص».
هو] (1)المتاع بالمعروف كما في الآية (2).
و لو مات أحدهما قبل الدخول المقتضي لمهر المثل و قبل الفرض فلا مهر و لا متعة؛ لعدم المقتضي، فإنّ المقتضي هو الدخول أو الفرض، خلافا للمحكي عن المبسوط (3)، فأثبتها بما يقع من طلاق أو فسخ أو من قبلهما، دون ما كان من قبلها، و حكي (4)ثبوتها في الجميع أيضا.
أمّا الدخول فقد عرفت و أمّا الفرض فلأنّه لو عيّناه بعد العقد جاز و لزم؛ لأنّ الحقّ منحصر فيهما و إن زاد عن مهر المثل أو نقص فإنّ مهر المثل قد عرفت أنّه بمنزلة القيمة التي لا يمنع من تراضي المتعاقدين على أزيد منها أو أقلّ و إن طلّقها (5)قبل الدخول، فلها نصفه؛ لقوله تعالى فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ (6).
و لو زوّج أمته مفوّضة صحّ [أيضا] (7)بلا خلاف، فإذا باعها مولاها كان فرض المهر بين الزوج و المشتري، و هو المولى الثاني- إن أجاز جاز النكاح- و له المهر؛ لحدوث الاستحقاق في ملكه دون الأوّل إذ لم يقع في ملكه إلّا العقد الذي لا يقتضي المهر في المفوّضة، مضافا
إلى ما عرفت من أنّ إجازة المشتري بمنزلة العقد المستأنف.
و لو أعتقها المولى المزوّج على وجه التفويض، فالمهر لها إن أجازت العقد بعد العتق؛ لحدوث استحقاقها حين حرّيتها، و لم يحدث في ملك المولى إلّا العقد.
و القسم الثاني من التفويض: تفويض المهر.
و هو ما لو تزوّجها بحكم أحدهما صحّ، و يلزم الزوج ما يحكم به الحاكم منهما قليلا كان أو كثيرا- إلّا أن تكون الحاكمة هي المرأة فإنّها لا تتجاوز السنّة بالاتّفاق، كما ادّعاه في المسالك (1)لبعض الروايات (2).
فإن طلّقها قبل الدخول الزم من إليه الحكم به أي: بالفرض، و إذا فرض ثبت لها نصفه، و لو مات الحاكم قبله فلها المتعة على رأي المصنّف، و حكي عن جماعة (3)للمصحّح (4)و لا شيء على رأي محكي عن الإسكافي (5)و الشيخ في الخلاف (6)و ابن إدريس (7)للأصل و طرح الرواية.
و للمرأة طلب الفرض، و لها حبس نفسها بعد الدخول للفرض لا لتسليم المفروض؛ لما سبق من أنّه ليس لها الامتناع بعد الدخول.
1) المسالك 1: 434، و فيه عند جميع الأصحاب.
2) الوسائل 15: 32، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث الأول.
3) منهم الشيخ في النهاية: 472، و القاضي في المهذب 2: 206، و ابن حمزة في الوسيلة: 296، و غيرهم، راجع المسالك 1: 435.
4) الوسائل 15: 32، الباب 21 من أبواب المهور، الحديث 2.
5) حكاه عنه صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 381.
6) حكاه الحلي في السرائر 2: 587، و صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 381، و غيرهما، و لكن لم نقف عليه في الخلاف.
7) السرائر 2: 587.
و لو أسقطت حقّ طلب الفرض لم يسقط لأنّها ما دامت مستحقّة لعوض بضعها لها المطالبة بتعيينه.
تملك (1)المرأة المعقودة الصداق المسمّى في العقد بنفس العقد على الأشهر، بل عن الحلّي (2)نفي الخلاف فيه، و لعلّه حمل مذهب الإسكافي على أنّ الملك المستقرّ للنصف موقوف على الدخول، كما احتمله في كشف اللثام (3).
و كيف كان، فيدلّ على مذهب المشهور: أنّ مقتضى نفس العقد تملّكها للصداق من غير توقّف على شيء آخر، كما في كلّ العقود.
مضافا إلى ما ورد في موثقة عبيد بن زرارة: من كون نماء الصداق قبل الطلاق لها (4)، و ما دلّ على جواز إبرائه من الصداق [كموثقة سماعة
المروية في باب المتعة من التهذيب (1)، و نحوها رواية (2)شهاب بن عبد ربّه] (3).
و يرد عليه: المراد نصف ما أبرأته منه؛ إذ لو لا تملّكها له لبطل الإبراء في النصف، فلا وجه لردّ مثل النصف (4)إليه.
و ما دلّ على استحباب تصدّق الزوجة بالصداق على الزوج قبل الدخول (5)، مع أنّه لا صدقة إلّا فيما يملك.
و لا يعتبر في تملّكها القبض إجماعا (6)و لا في تصرّفها، بل تتصرّف فيه بالبيع و نحوه قبل القبض على المشهور، خلافا للمحكي عن الشيخ (7)للنهي عن بيع ما لم يقبض (8). و هو ضعيف؛ لاختصاص النهي بالبيع، أو المبيع بما اشترى قبل القبض، و عدم مقاومته للقاعدة المستفادة من
1) التهذيب 7: 374، الحديث 1513، و الوسائل 14: 483، الباب 30 من أبواب المتعة، الحديث الأوّل.
2) التهذيب 7: 374، الحديث 1511، و الوسائل 15: 50، الباب 41 من أبواب المهور، الحديث الأوّل.
3) من «ع» و «ص»، و محله منخرم في «ق».
4) في «ع» و «ص»: نصف المثل.
5) الوسائل 15: 36، الباب 26 من أبواب المهور.
6) ليس في «ع» و «ص»: إجماعا.
7) الخلاف 4: 370، كتاب الصداق، المسألة 7.
8) التهذيب 7: 231، الحديث 1006، و الوسائل 12: 382، الباب 10 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6.
الأدلّة القطعية من تسلّط الناس على أموالهم (1).
فإن طلّق قبل الدخول رجع بنصفه كتابا (2)و سنّة (3)و إجماعا فإن عفت المطلّقة عمّا استقرّ ملكها عليه- و هو النصف- فله الجميع و للأب و الجدّ له أي للأب العفو لكن عن البعض.
أمّا تسلّطهما على العفو؛ فلولايتهما عليها، و هل يعتبر المصلحة أو لا؟
وجهان، أحوطهما الأوّل، و أقواهما الثاني.
و أمّا عدم جواز العفو عن الكلّ؛ فلرواية رفاعة (4)، و الظاهر أنّ موردها صورة عدم المصلحة في العفو عن الكلّ، و إلّا فالظاهر جوازه كما عن (5)المختلف (6)و الجامع (7)، و مال إليه في الكشف (8)، على ما حكي (9)،؛ لعموم ما دلّ على جواز قيامه بمصالح المولّى عليه، بل وجوبه (10)، فهذا أيضا
1) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 99.
2) البقرة: 237.
3) راجع الوسائل 15: 43 و 44، الباب 34 و 35 من أبواب المهور، و غيرهما من الأبواب.
4) الوسائل 14: 213، الباب 8 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 3.
5) في «ع» و «ص»: في.
6) المختلف: 538.
7) الجامع للشرائع: 442.
8) كشف اللثام 2: 89.
9) حكاه صاحب الجواهر في الجواهر 31: 116.
10) انظر الوسائل 12: 195، الباب 78، من أبواب ما يكتسب به، الأحاديث 1 و 3 و 8، و غيرها.
قرينة على أنّ العفو عن البعض لا يناط بالمصلحة، إذ معها يجوز العفو عن الكلّ، هذا إن عفت الزوجة أو وليّها.
و إن عفا الزوج فلها على وجه الاستقرار الجميع، و ليس لوليّه الذي يطلّق عنه مع جنونه المتّصل بالبلوغ أو مطلقا، العفو عن شيء من حقّه؛ لعدم الدليل، و الظاهر الجواز مع المصلحة؛ للعمومات.
ثمّ إن كان الصداق دينا عليه، فعفت الزوجة أو وليها، أو أقبضها و تلفت في يدها، فعفى الزوج، فالعفو إبراء، و إلّا يكن شيء منها بل (1)كانت عينا ظاهرة في يد أحدهما، فالعفو هبة لا بدّ فيها (2)من لفظ صريح أو ظاهر في الإيجاب، و قول أو فعل ظاهر في القبول، و قبض إن لم يكن في يد الموهوب.
و لو طلّق الزوج بعد البيع أو الرهن أو التدبير [أو العتق] (3)و التلف (4)(5).
و إن (6)لم يكن من قبلها، رجع بنصف مثله في المثلي، و بنصف القيمة
1) يكن شيء منها بل: لم ترد في «ص» و «ع» و ورد محلّها: و إن.
2) في «ع» و «ص»: فيه.
3) من «ع» و المصدر.
4) في «ع» و «ص»: أو الرهن أو التدبير أو العتق أو التلف.
5) ورد في آخر «ع» و «ص» ما يلي: هذا آخر ما وجد بخطّه الشريف قدّس سرّه في النكاح. تمّ كتاب النكاح و يتلوه كتاب الرضاع، الحمد للّٰه أوّلا و آخرا.
6) من هنا إلى آخر المطلب من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلّف قدّس سرّه له في ما بأيدينا من النسخ.
في غيره، و يلزمها أقلّ الأمرين من القيمة وقت العقد و القبض، و لو تلف البعض فله نصف الباقي و نصف بدل التالف، و لو تعيّب فله نصف القيمة، و لو نقصت قيمة السوق أو زادت فله نصف العين، و لو زادت بكبر أو سمن أو تعلّم صنعة فله نصف قيمة ما دون الزيادة، و النماء المنفصل لها.
و لو دخل قبلا أو دبرا استقرّ المسمّى أجمع في ذمته و كان دينا عليه، و لا يسقط بترك المطالبة طويلا، و كذا لو مات أحدهما، و لا يستقرّ بالخلوة على رأي.
و لو أبرأته ثمّ طلّقها قبل الدخول أو خلعها به قبله رجع عليها بالنصف، و لو عوضها بشيء رجع بنصف المسمّى لا العوض، و لو لم يسمّ و قدّم لها شيئا ثم دخل فهو المهر، إلّا أن تشارطه قبل الدخول.
و لو شرط غير السائغ- مثل أن لا يتسرّى أو لا يتزوّج- بطل الشرط خاصة، و لو شرط عدم الافتضاض لزم، فإن أذنت بعده جاز، و لو شرطا الخيار في الصداق صح، و لو شرطاه في النكاح بطل العقد، و لو شرط عدم خروجها من بلدها لزم على رأي، و لو شرط زيادة المهر مع الإخراج فأخرجها إلى بلد الشرك لم تجب إجابته و لها الزائد، و إن أخرجها إلى بلد الإسلام لزم الشرط.
و لو زوّج ابنه الصغير الموسر فالمهر على الولد، و لو كان فقيرا فالمهر على عهدة الأب يخرج من صلب التركة، سواء بلغ الولد و أيسر قبل موت الأب أو بعده.
فإن دفع الأب ثمّ طلّق بعد بلوغه رجع النصف إلى الولد، و كذا لو تبرع بقضائه عن البالغ.
و كلّ من وطأ بشبهة فعليه المهر، و لا مهر للزانية، فإن أكرهها الزاني فلها مهر المثل
مسائل النزاع (1)
لو اختلفا في قدر المهر، أو وصفه، أو في أنّ المدفوع مهر أو هبة، أو في المواقعة على رأي و لا بينة قدّم قول الزوج مع يمينه.
و لو اختلفا في التسليم، أو قالت علّمني غير المهر، أو أقامت بينة بالعقد مرتين فادعى التكرار قدّم قول المرأة مع اليمين، و يلزمه في الأخير مهران على رأي، و مهر و نصف على رأي.
و لو ادعت التسمية و أنكرها فالقول قوله، و لو أنكر أصل المهر بعد الدخول فالوجه مهر المثل على رأي.
و لو قال: أصدقتك العبد، فقالت: بل الأمة، تحالفا و يثبت مهر المثل مع الدخول، و لو كان دعواه إصداق أبيها فكذلك و يعتق عليه.
1) هذه المسائل من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلّف قدّس سرّه لها في ما بأيدينا من النسخ.
و فيه مطلبان
و هي ثمانية: الأم و إن علت، و البنت و إن نزلت، و بنات الابن و إن نزلن، و الأخت، و بناتها و إن نزلن، و العمّات و إن علون، و الخالات كذلك، و بنات الأخ و إن نزلن.
و يحرم على النساء مثلهن من الرجال، سواء كان النسب عن نكاح صحيح، أو شبهة، أو زنى و إن انتفى شرعا. و كلّ من حرم بالنسب حرم مثله بالرضاع بشروط خمسة (1):
1) إلى هنا من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلّف قدّس سرّه له، و إنّما كتب في الرضاع رسالة مستقلّة نوردها في ما يلي.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين.
أجمع علماء الإسلام- ظاهرا- على أنّ من جملة أسباب تحريم النكاح:
الرضاع في الجملة، و الأصل في هذا الحكم- قبل الإجماع- قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فيما رواه الفريقان: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
و روي عن الصادق عليه السلام أيضا بعدّة طرق صحيحة، و رواه عبد اللّٰه ابن سنان، و أبو الصباح الكناني، و عبيد بن زرارة عن مولانا الصادق عليه السلام مع تخالف يسير في المتن.
و معنى هذه العبارة الشريفة: أنّه يحرم من جهة الرضاع نظير من يحرم من جهة النسب، لا أنّ نفس من يحرم من النسب يحرم من جهة الرضاع، كما يتراءى من ظاهر العبارة؛ و إنّما عبّر بهذا للتنبيه على اعتبار اتّحاد العنوان الحاصل بالرضاع و الحاصل بالنسب في التحريم صنفا؛ مثلا الامّ محرّمة من جهة النسب، فإذا حصل بالرضاع نفس هذا العنوان حصل
التحريم من جهة الرضاع، و لو حصل بالرضاع ما يلازمه- مثل أمومة أخيه لأبويه- لم يحرم، و كذلك الأخت و البنت و غيرهما ممّن يحرم نكاحه بواسطة النسب الحاصل بين شخصين، أو بين أحدهما و زوج الآخر، أو من في حكمه؛ فإنّ أمّ الزوجة محرّمة على الزوج من جهة نسب بينها و بين الزوجة يحدث باعتباره المصاهرة بعد التزويج، و كذلك الامّ الرضاعيّة للزوجة.
فحاصل معنى هذا الحديث: التسوية بين النسب و الرضاع في إيجاب التحريم، و أنّ العلاقة الرضاعيّة تقوم مقام العلاقة النسبيّة، و تنزل مكانها؛ فلا يتوهّم أنّ تحريم أمّ الزوجة من جهة المصاهرة، فينبغي أن لا تحرم من جهة الرضاع.
توضيح الدفع: أنّ معنى هذه القضيّة السلبيّة- و هي «أنّ المحرّم من جهة المصاهرة لا يحرم من جهة الرضاع» على قياس تلك القضيّة الموجبة- هو: أنّ الرضاع لا يقوم مقام المصاهرة و لا ينزّل منزلتها؛ فإذا أرضعت ولدك امرأة فلا تحرم عليك أمّها من حيث إنّها جدّة ولدك لأمّه الرضاعيّة، من جهة أنّ جدّه الولد لأمّه إنّما تحرم على الأب لأجل نسب بينها و بين زوجته، و لا شكّ أنّ الزوجيّة هنا منتفية، و مجرّد إرضاع ولد الرجل لا يصيّر المرضعة في حكم الزوجة، لما عرفت من أنّ الرضاع لا يقوم مقام المصاهرة.
و أمّا أمّ الزوجة المرضعة لها- في المثال الذي قدّمناه- فإنّما قامت مقام أمّها الوالدة لها؛ فقد قام الرضاع مقام النسب، لا مقام المصاهرة، لأنّ زوجيّة الزوجة ثابتة بنفسها لم يبدّل بالرضاع، و إنّما المبدل به النسب الحاصل بين الامّ و الزوجة.
و ملخّص الكلام أنّه لمّا كانت المصاهرة عبارة عن علاقة تحدث بين كلّ من الزوجين و أقارب الآخر، توقّف وجودها على أمرين: ثبوت
الزوجيّة بين الرجل و المرأة، و ثبوت القرابة و النسب بين شخص و بين أحدهما؛ فكما يمكن استناد التحريم إلى المصاهرة الحاصلة بين المحرّم و المحرّم عليه من مجموع ذينك الأمرين، فكذلك يمكن استناده إلى الأمر الأوّل من الأمرين، بأن يقال: إنّه تحرم أمّ الزوجة على الزوج من جهة زوجيّة بنتها له، و كذلك يمكن استناده إلى الأمر الثاني، فيقال: إنّه تحرم أمّ الزوجة على الزوج لأجل نسب بينها و بين زوجته، و لا يوجب ذلك عدّها في المحرّمات النسبيّة، من جهة قصرها على ما استند فيه التحريم إلى النسب الحاصل بين المحرّم و المحرّم عليه؛ قبالا للمصاهرة الحاصلة بينهما.
إذا عرفت ذلك، فدخول الرضاع في المصاهرة، إمّا بقيامه مقام الأمر الأوّل من الأمرين المذكورين، مع بقاء الأمر الثاني بحاله، كالأمّ النسبيّة للأمّ الرضاعيّة للولد، النازلة منزلة الزوجة، و إمّا بقيامه مقام الأمر الثاني منهما، كالأمّ الرضاعيّة للزوجة الحقيقيّة.
ففي الأوّل: لا مجال لتوهّم نشر التحريم بالرضاع، إلّا إذا دلّ دليل خاصّ عليه، لأنّ حاصل أدلّة النشر بالرضاع إلحاقه بالنسب، و جعل كلّ عنوان حاصل بالرضاع في حكم ذلك العنوان الحاصل بالنسب؛ و معلوم أنّه لم ينتف هنا إلّا الزوجيّة، و لم يدلّ دليل النشر على تنزيل مرضعة الولد مقام الزوجة.
و في الثاني: لا ينبغي التأمّل في التحريم؛ لأنّه إذا الحق العنوان الرضاعي بالعنوان النسبي في التحريم، و أقيم الرضاع مقام النسب في إناطة التحريم به، فلا شكّ [في أنّه] (1)تكون الامّ الرضاعيّة للزوجة بمنزلة الأمّ
1) لم يرد في «ق».
النسبيّة لها.
و لعلّ منشأ توهّم عدم استفادة تحريم مثل هذا من الحديث المذكور توهّم كون المراد بلفظ «النسب» فيه، النسب الحاصل بين المحرّم و المحرّم عليه، على حدّ قولهم: «سبب التحريم إمّا نسب، أو رضاع، أو مصاهرة»، و هذا خبط فاسد، فإنّه تقييد للمطلق من غير دليل، بل المراد منه هو مطلق النسب الموجب للتحريم سواء كان بين نفس المحرّم و المحرّم عليه، أم بين أحدهما و زوج الآخر، أو غيره، مثل المزنيّ بها و الغلام الموطوء و الملموسة و من هنا يصحّ التمسّك بهذا الحديث في تحريم مرضعة الغلام الموقب و أخته و بنته الرضاعيّتين على الموقب، و إلّا فأيّ نسب بينها و بين الموقب؟! و أمّا دعوى أنّ التحريم في غير المحرّمات النسبيّة السبع ليس من جهة النسب، بل هو مستند إلى المصاهرة، فقد عرفت الحال فيها، و أنّه يجوز استناد التحريم فيه إلى نفس المصاهرة و إلى كلّ واحد من الأمرين اللّذين يتوقّف وجودها عليهما.
ثمّ اعلم أنّ انتشار الحرمة بالرضاع يتوقّف على شروط.
الأوّل: أن يكون اللّبن عن وطء صحيح فلو درّ لا عن وطء أو عن وطء بالزنا، لم ينشر (1)..
1) يبدو من نسخة «ق»- و هي المصوّرة من النسخة الأصليّة- أنّه أعرض عمّا كتبه إلى هنا، و بدأ بالكتابة من جديد، حيث كتب في هامش الصفحة الثالثة: «بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، أجمع علماء الإسلام .. إلخ»، و جعله أوّل الكتاب، ثمّ ربطه بقوله: «لم ينشر على المعروف بين الأصحاب.»، و يؤيّد الإعراض عدم ورود هذا المقدار في نسخة خطيّة أخرى، و لكن ورد المقدار المعرض عنه في النسخ المطبوعة.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم [أجمع علماء الإسلام على أنّ من جملة أسباب تحريم النكاح:
الرضاع في الجملة، و الأصل فيه- قبل الإجماع- قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فيما رواه الفريقان: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1).
و رواه عدّة من أصحابنا في الصحيح و غيره عن أبي عبد اللّٰه و أبي الحسن عليهما السلام (2).
ثمّ إنّ كونه سببا في التحريم يتوقّف على أمور:
فلو درّ لا عن وطء أو عن
وطء بالزنا، لم ينشر] (1)على المعروف بين الأصحاب، و حكى عليه الإجماع في المدارك عن جماعة (2)منهم جدّه في المسالك (3)للأصل، فإنّ إطلاقات التحريم بالرضاع منصرفة إلى غير ذلك.
و صحيحة عبد اللّٰه بن سنان: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن لبن الفحل؟ قال: هو ما أرضعت امرأتك من لبنك و لبن ولدك ولد امرأة أخرى، فهو حرام» (4).
و مثلها حسنته بابن هاشم: «ما أرضعت امرأتك من لبن ولدك ولد امرأة أخرى» (5).
و يستفاد من اشتراط كون اللّبن عن الوطء أنّه لا حكم للبن الرجل، و في حكمه لبن الخنثى المشكل أمره، بناء على أنّه لو علم كون لبنه من الوطء، فلا إشكال في كونها امرأة، إلّا ما ورد في بعض الأخبار: من أنّ خنثى ولدت و أولدت في أيّام أمير المؤمنين، فألحقه عليه السلام بالرجال بعد عدّ أضلاعه (6).
1) لم يرد ما بين المعقوفتين في النسخ المطبوعة.
2) كذا في النسخ، و لم يخرج من مدارك الأحكام إلّا العبادات إلى آخر كتاب الحجّ، و ما نسبه إليه موجود في نهاية المرام 1: 100، لصاحب المدارك قدّس سرّه، و لعلّ المؤلف قدّس سرّه كان يراها تتمّة للمدارك، و اللّٰه أعلم.
3) المسالك 1: 371.
4) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4.
5) نفس المصدر: ذيل الحديث 4.
6) الفقيه 4: 328، الحديث 5704.
و عدّ في التحرير هذا الخبر من الشواذّ (1).
و لا حكم أيضا للبن المرأة الموطوءة الغير الحاصل من الوطء، فإنّ اللبن إنّما يحصل عن الوطء بعد العلوق و الحمل و تخلّق الولد؛ و قد استفيد جميع ذلك من الصحيحة المتقدّمة.
و هل يعتبر انفصال الولد، أو يكفي الحمل؟ وجهان، بل قولان، اختار العلّامة أوّلهما في التحرير (2)و ثانيهما في القواعد (3)و هو الأظهر، للإطلاقات، و قول الصادق عليه السلام في صحيحة بريد العجلي: «كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى- من غلام أو جارية- فذلك الرضاع الذي قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم» (4).
إلى غير ذلك ممّا دلّ من الصحاح و غيرها على إناطة التحريم بكون اللبن من الفحل، كصحيحة الحلبي (5)و موثّقة جميل بن درّاج- بأحمد بن فضّال (6)- و رواية أبي بصير (7)، و لا ينافيها قوله في صحيحة ابن سنان و حسنته المتقدّمتين: «من لبن ولدك»؛ إذ يصدق على ذلك اللبن أيضا: أنّه لبن الولد، كما يشهد به العرف.
و دعوى عدم صدق الولد مضافا إلى الأب على الحمل، محلّ نظر، مع
1) التحرير 2: 12.
2) التحرير 2: 9.
3) القواعد 2: 9.
4) الوسائل 14: 293، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.
5) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3.
6) الوسائل 14: 306، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3.
7) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5.
أنّها غير قادحة فيما نحن فيه، لأنّ وجود الولد بالفعل لا يعتبر في إضافة اللبن إليه.
نعم، في روايتي يونس بن يعقوب و يعقوب بن شعيب: أنّ درّ اللبن من غير ولادة لا يوجب النشر (1). لكنّهما- مع عدم صحّتهما- قابلتان للحمل على درّ اللبن من غير ولادة رأسا حتّى في المستقبل، بأن يكون الدرّ لا عن حمل- كما قد يتّفق- فلا ينهضان لتقييد إطلاقات الكتاب و السنّة، إلّا أن يمنع عمومها، لدعوى انصرافها- بحكم الغلبة- إلى الإرضاع بعد الوضع، فيرجع في غيره إلى أصالة الإباحة، فتأمّل.
ثمّ إنّ الوطء الصحيح- المعتبر كون اللبن عنه- يشمل الوطء بالنكاح الدائم، و المنقطع و ملك اليمين و التحليل. و أمّا الوطء بالشبهة: فالمشهور إلحاقه في النشر بالنكاح و أخويه، كما في غالب الأحكام؛ و تردّد فيه المحقّق في الشرائع (2)، و عن الحلّي الجزم بعدم النشر أوّلا، ثمّ بالنشر ثانيا، ثمّ النظر و التردّد ثالثا (3).
و المسألة محلّ إشكال، من إطلاق الكتاب و السنّة، فإنّ الفحل في صحيحة بريد المتقدّمة (4)و غيرها أعمّ من الزوج- و يؤيّده: كون وطء الشبهة بمنزلة النكاح في لحوق النسب- و من الأصل و انصراف الإطلاقات إلى غير هذا الفرد، و قوله في صحيحة ابن سنان و حسنته السابقتين:
«ما أرضعت امرأتك» (1).
و لو بني على دعوى ورود التقييد بالمرأة مورد الغالب جرى مثله في غيره من القيود، فينسدّ باب الاستدلال على اعتبار كثير من الشروط.
و تردّد في المدارك (2)و هو في محلّه، إلّا أنّ القول بالنشر لا يخلو عن قوّة، لأنّ دلالة المطلقات على الإطلاق أقوى من دلالة المقيّد على الاختصاص، مع أنّ تخصيص اللبن بالمرأة- كما فرض استفادته من صحيحة ابن سنان و حسنته و نحوهما- مخالف للإجماع، للاتّفاق على النشر بالارتضاع من المملوكة و المحلّلة، فلا بدّ من حمل التقييد فيها على التمثيل بالفرد الغالب، و إن احتيج في إخراج اللبن الحاصل من الزنا عن إطلاقهما- لو سلّم شمول الولد فيهما لولد الزنا- إلى دعوى الإجماع على خروجه. و يكشف عمّا ذكرنا عدم تصريح أحد من فقهائنا بعدم النشر في المسألة، و لحوق وطء الشبهة بالنكاح في غالب الأحكام.
فلا ينشر الحرمة بوجور اللبن في حلق الرضيع- على المعروف بين معظم الأصحاب- لأنّ الارتضاع المنوط به النشر في الأدلّة لا يتحقّق عرفا إلّا بالامتصاص، فلا يقال لمن شرب اللبن المحلوب من البهائم: إنّه ارتضع منها، بخلاف ما لو امتصّ من ثديها، و لو فرض تسليم شمول الارتضاع لغير الامتصاص، فلا مجال لإنكار انصرافه إليه فيبقى الحكم في ما عداه باقيا تحت أصالة الإباحة.
خلافا للمحكيّ عن ابن الجنيد، فاكتفى بالوجور (1)إمّا لدعوى صدق الإرضاع، و إمّا لحصول ما هو المقصود منه- من إنبات اللحم و شدّ العظم- و إمّا للمرسل المرويّ في الفقيه عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «و جور الصبيّ اللبن بمنزلة الرضاع» (2).
و في الكلّ نظر، لخلوّ الدعوى المذكورة عن البيّنة، كدعوى كون المناط في النشر مجرّد إنبات اللحم و شدّ العظم، و ضعف المرسلة و معارضتها برواية زرارة عن الصادق عليه السلام: «لا يحرم من الرضاع إلّا ما ارتضع من ثدي واحد حولين كاملين» (3)بناء على جعل الحولين ظرفا لأصل الرضاع، لا لقدره حتّى يخالف الإجماع.
فالأقوى- إذا- القول المشهور، إلّا أنّ الأولى مراعاة الاحتياط.
فلا اعتداد بما يرتضعه من المرأة بعد موتها على المشهور، بل لم أعثر فيه على حكاية خلاف صريح في المسألة؛ قيل: لقوله تعالى وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ (4)الظاهرة في مباشرة المرأة للإرضاع المنتفية في حقّ الميّتة، فيدخل في عموم وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (5)و لأصالة الإباحة إلى أن يثبت المزيل (6). و قيل: لأنّها خرجت
بالموت عن التحاق الأحكام، فهي كالبهيمة المرضعة (1)، و بأنّ المتبادر من إطلاق الرضاع في الأدلّة ما إذا حصل بالارتضاع من الحيّ، فيبقى غيره داخلا في عموم أدلّة الإباحة (2).
و في الجميع نظر: أمّا ظهور الآية في مباشرة الإرضاع: فلا يجدي، للقطع بخروج الميّتة عن حكم الآية، و لا يلزم منه دخولها في قوله وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ؛ لعدم قابليّة الميّت للحكم عليه بالتحريم و لا التحليل، فإنّ الكلام في الارتضاع من الميّتة إنّما هو في حدوث الحرمة بين الرضيع و غير الميّتة ممّن يتعلّق به اللبن، فيكفي لمدّعي النشر عموم قوله تعالى:
وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ (3)و قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (4)و لا ظهور لهما في مباشرة المرأة للإرضاع؛ مع أنّ مباشرة المرأة للإرضاع، و قصدها إليه غير شرط إجماعا، كما ادّعاه في المسالك (5)بل لو سعى إليها الولد و هي نائمة، أو التقم ثديها و هي غافلة، تحقّق الحكم.
و ما قيل: من أنّ الآية دالّة بظاهرها على اعتبار الحياة و المباشرة
1) قاله المحقّق قدّس سرّه في الشرائع 2: 283، ثمّ تردّد فيه.
2) يستفاد الاستدلال بذلك من كلام غير واحد مثل العلّامة في التذكرة 2: 615، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد 12: 202، و ثاني الشهيدين في الروضة 5: 156، و السيّد الطباطبائي في الرياض 2: 86.
3) النساء: 23.
4) تقدّم تخريجه في الصفحة: 289.
5) المسالك 1: 374.
و القصد- و لا يلزم من عدم اعتبار الأخيرين لصارف عدم اعتبار الأوّل (1)- فاسد، لأنّ دلالة لفظ «الإرضاع» على الجميع دلالة واحدة، فلا يمكن التفكيك في مدلولها؛ و لهذا لم نتمسّك بالأخبار الدالّة على الإرضاع مع سلامتها عن بعض ما يرد على الآية.
و أمّا التمسّك بالأصل: فهو صحيح لو لا الإطلاقات.
و أمّا خروج الميّتة عن قابليّة الحكم عليها: فهو أمر مسلّم و لا كلام فيه، و إنّما الكلام في نشر الحرمة بين الرضيع و أصوله و فروعه، و بين غير هذه المرأة، من الفحل و أولاده و أولاد المرأة (2)و غيرهم.
و أمّا دعوى تبادر غير الارتضاع من الميّتة في الإطلاقات: فهي على إطلاقها ممنوعة؛ فإنّا لا نجد في السبق إلى الذهن تفاوتا بين من ارتضع منه جميع الرضعات حال الحياة، و بين من ارتضع منه حال الحياة خمس عشرة رضعة إلّا جزءا واحدا فأكملها بعد الموت.
نعم، الإنصاف: انصراف الإطلاقات إلى غير صورة ارتضاع جميع الرضعات حال الموت.
فالأحسن في الاستدلال على اعتبار الحياة هو: أنّ بعض فروض الارتضاع من الميّتة خارج عن إطلاق مثل قوله تعالى وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ؛ لانصراف المطلق إلى غيره كما عرفت، فيدخل تحت قوله:
وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ فيثبت عدم النشر في هذا الفرد بالآية، و يجب إلحاق غيره من الفروض الداخلة تحت إطلاق آية التحريم بعدم القول
بالفصل.
و قلب هذا الدليل- بأن يثبت التحريم في الفروض الداخلة تحت إطلاق آية التحريم بها و يلحق الفرض الخارج عنه بعدم القول بالفصل- و إن كان ممكنا، إلّا أنّ غاية الأمر وقوع التعارض حينئذ- بواسطة عدم القول بالفصل- بين آيتي التحريم و التحليل، فيجب الرجوع إلى أدلّة الإباحة، من العمومات و الأصول المعتضدة بفتوى معظم الفحول.
فلا اعتداد بما يرتضع بعد الحولين على المعروف من مذهب الأصحاب، و نقل عن التذكرة دعوى: إجماعهم عليه (1)و في المسالك: نفي الخلاف عنه (2).
و يدلّ عليه: حسنة الحلبي- بابن هاشم- عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «لا رضاع بعد فطام» (3). و نحوها رواية حمّاد بن عثمان عنه عليه السلام بزيادة قوله: «قلت: جعلت فداك، و ما الفطام؟ قال: الحولين اللذين (4)قال اللّٰه عزّ و جلّ» (5). و نحوها رواية الفضل بن عبد الملك: «الرضاع قبل الحولين، قبل أن يفطم» (6). و رواية منصور بن حازم (7).
1) التذكرة 2: 619.
2) المسالك 1: 374.
3) الوسائل 14: 291، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
4) في الوسائل: الذي.
5) الوسائل 14: 291، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5.
6) الوسائل 14: 291، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4.
7) الوسائل 14: 291، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.
ثمّ إنّ المراد بالفطام في الأخبار المطلقة هو زمان الفطام- أعني الحولين- كما دلّت عليه روايتا الفضل و حمّاد، فلا عبرة بنفس الفطام، حتّى أنّه لو لم يفطم الرضيع إلى أن تجاوز الحولين، ثمّ ارتضع بعدهما قبل الفطام لم يثبت التحريم، كما أنّه لو فطم قبل الحولين، ثمّ ارتضع قبلهما ثبت التحريم.
و حكي عن ابن الجنيد المخالفة في الحكم الأوّل و ثبوت التحريم إذا وقع الرضاع بعد الحولين قبل الفطم (1)و لعلّه لرواية داود بن الحصين المرويّة في الفقيه (2)و التهذيب (3)المردودة فيه بالمخالفة للأحاديث كلّها، و في كلام محكيّ عن الشهيد: أنّ هذه الفتوى مسبوقة بالإجماع و ملحوقة به (4).
و أمّا الحكم الثاني: فلم يحك فيه الخلاف إلّا عن موهم ظاهر كلام العماني، حيث قال: الرضاع الذي يحرّم عشر رضعات قبل الفطام (5)، و عن المختلف (6)الاستدلال له برواية الفضل بن عبد الملك المتقدّمة: «الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم».
و الجواب عنه: بأنّ المراد: قبل أن يستحقّ الفطم. و هو حسن و جار في عبارة العماني أيضا، فيرتفع الخلاف.
ثمّ إنّه هل يعتبر في ولد المرضعة الذي يحصل اللّبن من ولادته كونه في
الحولين حين ارتضاع المرتضع من لبنه، بحيث لا يقع شيء من الارتضاع بعد تجاوزه إيّاهما، أم لا؟ فيه قولان:
المحكيّ عن أبي الصلاح، و ابن زهرة و ابن حمزة: الأوّل (1)تمسّكا بظاهر الخبر: «لا رضاع بعد فطام» الشامل لفطام المرتضع و ولد المرضعة، بل لم يفهم منه ابن بكير إلّا فطام ولد المرضعة، لمّا سأله ابن فضّال عن امرأة أرضعت غلاما سنتين، ثمّ أرضعت صبيّة لها أقلّ من سنتين حتّى تمّت لها سنتان (2)أ يفسد ذلك بينهما؟ قال: لا [يفسد ذلك بينهما] (3)لأنّه رضاع بعد فطام، و إنّما قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «لا رضاع بعد فطام»، أي أنّه إذا تمّ للغلام سنتان، أو الجارية، فقد خرج كلّ عن حدّ اللبن، و لا يفسد بينه و بين من شرب منه (4).
و الأكثر على الثاني؛ و هو الأظهر؛ للأصل و الإطلاقات؛ و لظهور الخبر المذكور في فطام المرتضع، أو عدم ظهوره في العموم الموجب للشكّ في تقييد المطلقات.
و تفسير ابن بكير للخبر معارض بما فسّره به ثقة الإسلام، و الصدوق في الكافي و الفقيه؛ قال في الكافي: معنى قوله: «لا رضاع بعد فطام» إنّ الولد إذا شرب لبن المرأة بعد ما تفطمه لا يحرم ذلك الرضاع التناكح (5). و قريب
منه ما قاله في الفقيه (1).
ثمّ اعلم: أنّ شيخنا في المسالك ناقش المحقّق في نسبة حديث «لا رضاع بعد فطام» إليه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و قال: إنّه لم يرد إلّا عن الصادق عليه السلام (2)، و لا يخفى أنّ إسناد الحديث إلى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم مشهور؛ و قد عرفت أنّ ابن بكير نسبه إليه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و كذا رواه في الفقيه مرسلا عنه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم (3).
و أصدق من ذلك ما رواه في الكافي عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «لا رضاع بعد فطام، و لا وصال في صيام، و لا يتم بعد احتلام .. إلى آخر الحديث» (4). و مع ذلك فلا وجه للمناقشة المذكورة، إلّا أن يرجع إلى المناقشة في الإسناد، مع عدم ثبوت النسبة بطريق صحيح يجوّز الإسناد على وجه الجزم.
ثمّ إنّ المعتبر في الحولين: الأهلّة، و لو انكسر الشهر الأوّل اعتبر ثلاثة و عشرون شهرا بعد المنكسر بالأهلّة، و إكمال المنكسر بالعدد من الشهر الخامس و العشرين، كغيره من الآجال، على أظهر الاحتمالات في نظائر المسألة، و اللّٰه العالم.
فلو القي في فم الصبيّ شيء جامد- كالدقيق و فتيت السكّر-، أو مائع- كيسير من الأطعمة
المائعة- ثمّ أرضع بحيث امتزج اللبن حتّى يخرج عن كونه لبنا، لم يعتدّ به، و كذا لو جبّن اللبن؛ و الوجه في ذلك عدم صدق الإطلاقات مع الخروج عن اسم اللبن، أو عدم انصرافها إلّا إلى الخالص.
أي بلوغ الرضاع حدّا خاصّا؛ فإنّه لا خلاف بين علمائنا- ظاهرا- في أنّ مسمّى الرضاع و مطلقه غير كاف في النشر، و الأخبار بذلك متواترة معنى تأتي الإشارة إلى أكثرها في بيان التقديرات.
نعم، قد يوهم ظاهر (1)بعض الأخبار حصول الحرمة بالمسمّى، كما سيأتي ذكره في أدلّة مذهب الإسكافي المكتفي بالرضعة التامّة.
و خالف في المسألة بعض العامّة (2)فاكتفى بالمسمّى و قدّره بما يفطر الصائم، و لم يقنع بذلك، حتّى ادّعى إجماع أهل العلم عليه، على ما حكي في المسالك (3).
ثمّ إنّ أصحابنا قدّروا المقدار الخاصّ الذي اعتبروه بثلاثة تقديرات:
و حصول النشر مع تحقّق هذا الأثر ممّا لا خلاف فيه بين علماء الإسلام، و يدلّ عليه- مضافا إلى الإجماع- الأخبار المستفيضة:
منها: صحيحة عليّ بن رئاب، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام «قلت: ما يحرّم من الرضاع؟ قال: ما أنبت اللحم و شدّ العظم. قلت: يحرّم عشر
رضعات؟ فقال: لا، لأنّها لا تنبت اللحم و لا تشدّ العظم» (1).
و منها: حسنة ابن أبي عمير عن زياد القندي، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي الحسن عليه السلام قال: «قلت له: يحرم من الرضاع الرضعة و الرضعتان و الثلاث؟ قال: إلّا ما اشتدّ عليه العظم و نبت اللحم» (2).
و منها: رواية هارون بن مسلم تارة عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام (3)و تارة عن مسعدة بن زياد عنه عليه السلام قال: «لا يحرم من الرضاع إلّا ما شدّ العظم و أنبت اللحم» (4).
و منها: رواية عبد اللّٰه بن سنان، قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه عليه السلام يقول: لا يحرم من الرضاع إلّا ما أنبت اللحم، و شدّ العظم» (5).
و في غير واحد من الروايات وقع التقدير بإنبات اللحم و الدم، مثل صحيحة عبيد بن زرارة (6)و حسنة حمّاد بن عثمان بابن هاشم (7).
و لا يبعد تلازم التقديرين، و مع الانفكاك فالأجود ثبوت النشر بتحقّق كلّ منهما؛ لاعتبار أدلّة التقدير الثاني أيضا، إلّا أنّ الأصحاب لم يتعرّضوا لتحقّق الحكم به نفيا و إثباتا؛ و لعلّه لعدم انفكاكه عن الأوّل، فتدبّر.
ثمّ إنّ مقتضى النصوص المذكورة: اعتبار تحقّق كلا الأمرين: من
1) الوسائل 14: 283، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
2) الوسائل 14: 288، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 23.
3) الإستبصار 3: 194، الحديث 702.
4) الوسائل 14: 285، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9.
5) الوسائل 14: 289، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
6) الوسائل 14: 287، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 18.
7) الوسائل 14: 289، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.
إنبات اللحم، و اشتداد العظم، و هو المعروف بين الأصحاب أيضا.
و حكي عن بعض عبارات الشهيد قدّس سرّه الاجتزاء بأحد الأمرين (1)، و نسبه في المسالك إلى الشذوذ (2).
و كيف كان، فالتقدير بهذا الأثر و إن كان اعتباره في غاية القوّة و المتانة، بل مقتضى أدلّته الحاصرة للرضاع المحرّم فيه أنّه أصل لأخويه الآتيين، إلّا أنّه قليل الفائدة؛ لأنّ ظهوره للحسّ في موضع الحاجة أمر لا يكاد يطّلع عليه إلّا بعض أهل الخبرة، و قلّما يتّفق شهادة عدلين فيهم بذلك، و لعلّه لذا كشف عنه الشارع بأخويه، و جعلهما طريقا إليه، كما يومئ إليه صحيحة ابن رئاب المتقدّمة (3).
على المعروف بين الأصحاب، و مستندهم فيه موثّقة زياد بن سوقة: «قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: لا يحرّم الرضاع أقلّ من رضاع يوم و ليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، فلو أنّ امرأة أرضعت غلاما أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد و أرضعتهما امرأة أخرى من لبن فحل آخر عشر رضعات، لم يحرم نكاحهما» (4).
و ليس فيها سوى عمّار الذي نقل الشيخ عمل الأصحاب برواياته (1)مع أنّ في السند ابن محبوب الذي أجمع على تصحيح ما يصحّ عنه (2)مضافا إلى اعتضادها بعمل الأصحاب و موافقة الكتاب، و لا ينافيها ما دلّ على حصر الرضاع المحرّم في ما أنبت اللحم و شدّ العظم (3)، لفقد العلم بعدم كونه منه.
ثمّ إنّ ظاهر الرواية و الفتوى اعتبار الإرضاع في اليوم و الليلة كلّما احتاج الرضيع إليه عادة، أو طلبه.
و لا يعتبر في هذا التقدير إكمال الرضعة في كلّ مرّة، بل لو رضعته رضعة ناقصة ثمّ أكملتها (4)مرّة أخرى لم يقدح.
و لو أطعم في الأثناء طعاما، فإن كان ممّا يغتذي به بدلا عن اللبن، فالظاهر أنّه قادح في التقدير؛ كما أنّ شرب الماء للعطش غير قادح لو وقع في الأثناء، و كذا ما يؤكل أو يسقى دواء، و يشكل فيما اعتاده من يسير من طعام بحيث لا يغنيه عمّا اعتاد شربه من اللبن.
و هل يعتبر ابتداء الرضاع في ابتداء اليوم، و انتهائه في آخر الليلة، أو العكس، أو يكفي الملفّق لو ابتدأ في أثناء أحدهما؟ وجهان، أقواهما
1) راجع التهذيب 7: 101، ذيل الحديث 435، و الإستبصار 3: 95، ذيل الحديث 325، و في عدّة الأصول (381): فلأجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحيّة ..إلخ.
2) رجال الكشّي 2: 830، تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم و أبي الحسن الرضا عليهما السلام، رقم الترجمة (1050).
3) راجع الوسائل 14: 289، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع.
4) و العبارة في «ق»: «رضعه رضعة ناقصة ثمّ أكملها»، و الظاهر أنّها من سهو القلم، و إن كان توجيهها ممكنا.
الثاني، إمّا لصدق رضاع يوم و ليلة عرفا على رضاع الملفّق، و إمّا لأنّ الرضاع في الملفّق لا يكون أقلّ من رضاع يوم و ليلة، بل يكون مساويا له، فلا يدلّ الرواية على انتفاء النشر به، فيبقى داخلا تحت الإطلاقات الدالّة على النشر.
و التعويل على الوجه الأوّل.
و هل المعتبر في رضاع هذا الزمان حال متعارف أوساط الأطفال، أو حال شخص ذلك الرضيع؟ وجهان، أقواهما الثاني؛ لظاهر الرواية.
و تظهر الثمرة بينهما فيما إذا كان الطفل مريضا بمرض يحتاج إلى أزيد ممّا يحتاج إليه الصحيح، كغلبة القيء عليه لعارض، أو عرضه ما يحتاج معه إلى الأقلّ ممّا يحتاج إليه الصحيح، كما إذا أغمي عليه في أغلب اليوم و الليلة.
و هل يعتبر احتمال تأثير اللبن في إنبات لحمه و شدّ عظمه، أم لا؟
وجهان: من إطلاق الرواية، و من دلالة بعض الأخبار السابقة على عدم النشر بما لا ينبت اللحم و لا يشدّ العظم.
و تظهر الثمرة فيما لو كان بحيث يعلم عدم تحلّل (1)اللبن في معدته، لعدم استقراره فيها، لغلبة إسهال أو قيء.
و هنا فروع أخر طوينا عن ذكرها كشحا و أعرضنا عنها صفحا.
و قد اختلف فيه الأصحاب بسبب اختلاف الروايات ظاهرا؛ فالمحكيّ عن ابن الجنيد الاكتفاء برضعة واحدة تملأ جوف الصبيّ،
1) في «ع»: عدم تخلّل.
إمّا بالمصّ، أو بالوجور (1)لإطلاقات الكتاب و السنّة، و خصوص قول أبي الحسن عليه السلام في مكاتبة عليّ بن مهزيار في جواب سؤاله عمّا يحرم من الرضاع: «قليله و كثيره حرام» (2)، و مضمرة ابن أبي يعفور، قال: «سألته عمّا يحرم من الرضاع؟ قال: إذا رضع حتّى يمتلئ بطنه؛ فإنّ ذلك ينبت اللحم و الدم، و ذاك الذي يحرم» (3).
و رواية السكوني (4)، و النبويّ: «يحرم الرضعة ما يحرم الحولان» (5)و العلويّ: «الرضعة الواحدة كالمائة رضعة، لا تحلّ له أبدا» (6). و في آخر:
«انهوا نساءكم أن يرضعن يمينا و شمالا، فإنّهنّ ينسين» (7)، فإنّ الإرضاع يمينا و شمالا مع النسيان بعد حين إنّما يناسب عدم التحديد بأكثر من رضعة.
و هذا القول ضعيف في الغاية؛ لاستفاضة الأخبار- كاشتهار الفتوى- بعدم النشر بما دون العشر، فلا مجال للتمسّك بالإطلاقات و لا بالمكاتبة (8)و المضمرة (9)لقصورهما عن المقاومة، مع موافقة ظاهرهما لفتوى بعض
1) حكاه عنه في المختلف: 518.
2) الوسائل 14: 285، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 10.
3) الوسائل 14: 290، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.
4) كذا، و الظاهر زيادتها، إذ لم نعثر في المقام على رواية من السكوني إلّا العلويّ الآتي.
5) في المسالك 1: 372، و روى العامّة عن عليّ عليه السلام أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم قال: تحرّم الرضعة ما يحرّم الحولان.
6) الوسائل 4: 286، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 12.
7) الوسائل 14: 288، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 25.
8) المتقدمتان أعلاه.
9) المتقدمتان أعلاه.
العامّة (1)، مضافا إلى إمكان حمل المكاتبة على تحريم أصل الارتضاع.
و ممّا ذكرنا يظهر حال التمسّك بالنبويّ و العلويّين، و لذا أعرض سائر الأصحاب عن هذا القول و اتّفقوا على عدم النشر بما دون العشر و إن اختلفت فتاواهم، كالروايات.
فحكي عن أكثر المتقدّمين كالمفيد (2)و الديلمي (3)و القاضي (4)و التقيّ (5)و ابن حمزة (6): التحديد بالعشر؛ و تبعهم الفاضل في المختلف (7)و ولده (8)، و الشهيد في اللمعة (9).
و ذهب الشيخ (10)و المحقّق (11)و الفاضل في غير المختلف (12)إلى التحديد
1) في بداية المجتهد 2: 35: أمّا المقدار المحرّم من اللبن: فإنّ قوما قالوا فيه بعدم التحديد، و هو مذهب مالك و أصحابه، و روي عن عليّ و ابن مسعود، و هو قول ابن عمر و ابن عبّاس؛ و هؤلاء يحرم عندهم أيّ قدر كان، و به قال أبو حنيفة و أصحابه و الثوري و الأوزاعي.
2) المقنعة: 502.
3) المراسم: 149.
4) المهذّب 2: 190.
5) الكافي في الفقه: 285.
6) الوسيلة: 301.
7) المختلف: 518.
8) إيضاح الفوائد 3: 47.
9) اللمعة الدمشقية: 187.
10) النهاية: 461.
11) الشرائع 2: 282.
12) مثل القواعد 2: 10، و التذكرة 2: 620، و التحرير 2: 9.
بالخمس عشرة رضعة، و تبعهم أكثر المتأخّرين، و قد نسب هذا القول إلى الأكثر (1)و المشهور (2)بقول مطلق.
و كيف كان، فهو الأظهر، للأصل، و عدم دليل على النشر بالعشر عدا الإطلاقات من الكتاب و السنّة، و خصوص رواية الفضيل- الموصوفة بالصحّة في كلام بعض (3)- عن الباقر عليه السلام قال: «لا يحرم من الرضاع إلّا المجبور (4). قلت: و ما المجبور؟ قال: أمّ تربّي، أو ظئر تستأجر، أو أمة تشترى، ثمّ ترضع عشر رضعات يروى الصبيّ و ينام» (5).
و مفهوم موثّقة عمر بن يزيد قال: «سألت الصادق عليه السلام عن الغلام يرضع الرضعة و الثنتين، فقال: لا يحرم، فعددت عليه حتّى أكملت عشر رضعات، فقال: إذا كانت متفرّقة فلا» (6).
و نحوها مفهوم رواية هارون بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال:
«لا يحرم من الرضاع إلّا ما شدّ العظم و أنبت اللحم، فأمّا الرضعة
1) كنز العرفان 2: 183.
2) التذكرة 2: 620.
3) و هو كلّ من قال بوثاقة «محمّد بن سنان» الواقع في سند الرواية.
4) كذا في النسخ و التهذيبين و الفقيه، لكن في الوسائل في إحدى الروايتين: «المخبور» و في الأخرى «المخبورة»، و قال في مجمع البحرين 3: 257 في مادّة: «حبر» بعد ذكر الحديث: و قد اضطربت النسخ في ذلك، ففي بعضها بالحاء المهملة و في بعضها بالجيم و في بعضها بالخاء المعجمة، و لعلّه الصواب، و يكون المخبور بمعنى المعلوم.
5) قد وقع هنا خلط بين الخبرين: 7 و 11 من الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع (الوسائل 14: 284 و 285) و المقصود هو الثاني.
6) الوسائل 14: 283، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5.
و الرضعتان (1)و الثلاث- حتّى بلغ عشرا- إذا كنّ متفرّقات، فلا بأس» (2).
و في الجميع نظر.
أمّا في الإطلاقات: فلأنّها- على فرض تسليم إفادتها العموم، و عدم ورودها لبيان أصل نشر الحرمة بالرضاع في الجملة- مقيّدة بصحيحة عليّ بن رئاب عن الصادق عليه السلام: «قال: قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال:
ما أنبت اللحم و شدّ العظم، قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: لا، لأنّها لا تنبت اللحم و لا تشدّ العظم» (3).
و موثّقة عبيد بن زرارة- ب «عليّ بن فضّال»- عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام:
«قال: سمعته يقول: عشر رضعات لا يحرّمن شيئا» (4).
و هذه الرواية لا تقصر عن الصحيح؛ إذ ليس فيها إلّا عليّ بن فضّال، و الظاهر أنّ الشيخ أخذ الرواية من كتابه، حيث ابتدأ به في السند، و كتب بني فضّال ممّا أمر العسكري عليه السلام بالأخذ بها في رواية قريبة من الصحّة (5)مع ما ذكر في ترجمة عليّ بن فضّال من مراتب وثاقته و احتياطه في الرواية (6).
و موثّقة أخرى أيضا رواها الشيخ، عن عليّ بن فضّال، عن أخويه، عن أبيهما، عن عبد اللّٰه بن بكير، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: سمعته
1) في الوسائل: الرضعة و الثنتان.
2) الوسائل 14: 285، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9.
3) الوسائل 14: 283، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
4) الوسائل 14: 283، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3.
5) راجع كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: 239.
6) انظر رجال النجاشي: 257، الرقم 676.
يقول: عشر رضعات لا تحرم» (1)و هذه قريبة من سابقتها في اعتبار السند، و إن كان جميع رجالها فطحيين.
و تخصيص هذه الأخبار المعتبرة برواية الفضيل التي هي أخصّ منها- بعد إخراج صورة تفرّق الرضعات العشر عن عمومها- و بمفهوم الموثّقتين اللتين بعدها و إن أمكن، إلّا أنّ ذلك فرع سلامتها عن معارضة موثّقة زياد ابن سوقة المتقدّمة (2)الصريحة في نفي النشر بالعشر و لو متوالية، أو ترجيحها عليها، و هو مسلّم لو ثبت صحّة رواية الفضيل بتوثيق «محمّد بن سنان» الذي حكي عن غير المفيد من مشايخ الرجال تضعيفه (3)، و سلامتها من موهنات أخر، مثل مخالفة حصرها للإجماع، و خلوّ الفقيه (4)من زيادة رواها الشيخ في ذيلها، أعني قوله: «ثمّ ترضع عشر رضعات» (5)مع سبق الصدوق على الشيخ زمانا، بل و ضبطا، لأخبار كتابه، فكيف يتصوّر في حقّه أو في الكتب التي أخذ الحديث منها إهمال شطر من كلام المعصوم عليه السلام مربوط بما قبله غاية الارتباط و يحتاج إليه نهاية الاحتياج، فلا يبعد أن يكون الزيادة المذكورة من تحريفات «محمّد بن سنان» لأنّه إنّما وقع في سند التهذيب و ليس في سند الفقيه؛ و حيث لم يثبت اعتبار الرواية سندا،
1) الوسائل 14: 283، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4.
2) تقدّمت في الصفحة: 303.
3) عنونه العلّامة قدّس سرّه في الخلاصة في القسم الثاني، و نقل توثيق الشيخ المفيد رحمه اللّٰه و تضعيف الشيخ الطوسي و النجاشي و ابن الغضائري؛ ثمّ توقّف في الرجل استنادا إلى قول الفضل بن شاذان، انظر رجال العلّامة: 251.
4) الفقيه 3: 477، الحديث 4672.
5) التهذيب 7: 315، الحديث 1305.
و لا سلامتها من الموهن، و المفروض أنّ أخويها أيضا لا يبلغان حدّ الصحّة، بل صرّح بضعف ثانيهما (1)، فترجيحها- و إن كانت ثلاثا- على موثّقة زياد- و إن كانت واحدة- غير معلوم، إذ ليس في سند الموثّقة إلّا عمّار، و اعتبار رواياته عند الأصحاب محكيّ عن الشيخ في عدّته (2)مع أنّ الراوي عنه بواسطة هشام بن سالم: الحسن بن محبوب الذي أجمع على تصحيح ما يصحّ عنه (3)مع أنّ متنها أصرح دلالة، لأنّ دلالتها على نفي النشر بالعشر المتوالي بالمنطوق، و دلالة الموثقتين على ثبوته بها بالمفهوم؛ مع احتمال مفهومهما الحمل على ما إذا وقعت العشر المتوالية في يوم و ليلة، فإنّ مفهومهما بهذا الاعتبار أعمّ من منطوق موثّقة زياد، و إن كان تخصيصهما به بعيدا، كما يظهر ذلك كلّه بالتأمّل.
و أمّا ترجيح تلك الثلاث على موثّقة ابن سوقة بموافقة الكتاب، فحسن إن لم نجوّز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد و إن كان صحيحا، و إلّا فموافقة الكتاب لتلك الروايات الثلاث بعد تخصيصه بصحيحة ابن رئاب و أخويها غير حاصلة إلّا بعد ترجيح تلك الروايات المخصّصة للصحيحة و أخويها على موثّقة ابن سوقة، و هو أوّل الكلام، و يلزم الدور أيضا، كما لا يخفى.
فإذا لم يثبت ترجيح تلك الأخبار على الموثّقة بوجه، فلا أقلّ من تكافئهما الموجب لسلامة الأخبار النافية للنشر بالعشر عن المخصّص،
فيجب الأخذ بعمومها المطابق لقاعدة الإباحة المستفادة من العمومات و الأصول، وفاقا لجملة ممّن تقدّم و معظم من تأخّر من الفحول.
و قد يستدلّ على إثبات النشر بالعشر بصحيحة عبيد بن زرارة بناء على سلامة «عليّ بن الحكم» الذي يروي عنه ابن عيسى: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: إنّا أهل بيت كبير، فربّما كان الفرح و الحزن الذي يجتمع فيه الرجال و النساء، فربّما استحيت (1)المرأة أن تكشف رأسها عند الرجل الذي بينها و بينه الرضاع، و ربّما استخفّ (2)الرجل أن ينظر إلى ذلك؛ فما الذي يحرم من الرضاع؟ فقال: ما أنبت اللحم و الدم. فقلت: و ما الذي ينبت اللحم و الدم؟ قال: كان يقال: عشر رضعات. قلت: فهل تحرم عشر رضعات؟
فقال: دع ذا، و قال: ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع» (3).
و أنت خبير بأنّها لا دلالة فيها على تحريم العشر بوجه؛ إذ لم يزد المعصوم عليه السلام إلّا أن نسب القول بذلك إلى شخص مجهول، و لم يعلم رضاه بذلك، و إلّا لم يكرّر الراوي السؤال عنه، بل الظاهر عدم رضاه بهذا القول، كما يشهد به- مضافا إلى نسبته إلى القيل- إعراضه عنه بقوله: «دع هذا» لو قلنا: إنّ المراد «دع هذا السؤال»، و لو كان المراد به «دع هذا القول» كان من أوضح الأدلّة على خلاف المطلوب.
ثمّ اعلم أنّه إذا ثبت عدم النشر بالعشر- لما ذكرنا- تعيّن القول
بالنشر بالخمس عشرة، لعدم القائل باعتبار أزيد منها من حيث العدد، و إطلاق رواية عمر بن يزيد: «قال: سمعت أبا عبد اللّٰه عليه السلام يقول: خمس عشرة رضعة لا تحرم» (1)- بعد سلامة سندها- محمول على صورة عدم التوالي، للإجماع- ظاهرا- على النشر بهذا العدد مع التوالي. نعم، في بعض الأخبار دلالة على التقدير بسنة أو سنتين، مثل ما رواه العلاء بن رزين عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: سألته عن الرضاع، فقال: لا يحرم من الرضاع إلّا ما ارتضع من ثدي واحد سنة» (2)و ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام «قال: لا يحرم من الرضاع إلّا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين» (3).
لكنّهما شاذّان مخالفان للإجماع، كما ادّعاه في المسالك (4)، و ردّ الشيخ في التهذيب الرواية الأولى بالشذوذ (5)، و حمل الثانية على كون الحولين ظرفا للرضاع لا قيدا لمقداره (6). و هو- على بعده- حسن في مقام الجمع و عدم الطرح.
[ما يعتبر في الرضعات] ثمّ إنّه يعتبر في الرضعات العشر أو الخمس عشرة المحرّمة أمور:
فالرضعة الناقصة لا تعدّ من العدد ما لم يكمل على وجه لا يقدح في الاتّحاد، فإذا لفظ الصبي الثدي، فإن كان أعرض عنه إعراض ميل، فهي رضعة كاملة. و إن كان بغير ذلك- كالتنفس، أو السعال، أو الانتقال من ثدي، أو الالتفات إلى ملاعب و نحوه- ثمّ عاد في الحال، فالمجموع رضعة. و لو لم يعد إلّا بعد مدّة، فالظاهر عدم احتساب مجموعهما من العدد، و كذا لو أخرجت الثدي من فيه كرها، فلم تلقمها إيّاه إلّا بعد مدّة.
ثمّ الدليل على اعتبار كمال الرضعة: أنّ المتبادر من الرضعة الواردة في الأخبار هي الكاملة، و المرجع في كمالها إلى العرف، لأنّه المحكّم في أمثاله.
و حكي عن بعض: تحديده بأن يروي الولد و يصدر من قبل نفسه (1)، و ليس ببعيد عن التفسير الأوّل.
و في مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام:
«الرضاع الذي ينبت اللحم و الدّم هو الذي يرضع حتّى يتضلّع و يتملّى و ينتهي [من] (2)نفسه» (3).
بأن لا يفصل بينها رضاع امرأة أخرى، و الظاهر عدم الخلاف في اعتباره- كما في المسالك (4)- و يدلّ عليه موثّقة زياد ابن سوقة المتقدّمة (5)حيث نصّ فيها على تقييد الرضعات بأن لا يفصل بينها رضعة من امرأة أخرى.
و يستفاد منها أنّ المعتبر في الفاصل القادح في التوالي أن يكون رضعة كاملة، فلو فصل بينها رضعة ناقصة، لم تخلّ بالتوالي؛ خلافا للمحكيّ عن القواعد (6)و ظاهر عبارة الشرائع (7)فأبطلا التوالي بفصل مطلق الرضاع؛ و لعلّه لعدم صدق التوالي المقيّد به الرضعات في رواية زياد بن سوقة عرفا إلّا مع عدم فصل مسمّى الرضاع، و إن كان قوله عليه السلام فيها: «لم يفصل
1) قال الشيخ قدّس سرّه في المبسوط 5: 294: فالمرجع في ذلك إلى العرف .. إلى أن قال: غير أنّ أصحابنا خاصّة قدّروا الرضع بما يروى الصبيّ منه و يمسك منه.
2) لم ترد في التهذيب و الوسائل.
3) الوسائل 14: 290، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
4) المسالك 1: 373، و فيه: لا شبهة في اعتبار التوالي.
5) تقدّمت في الصفحة: 303.
6) القواعد 2: 10.
7) الشرائع 2: 283.
بينها رضعة امرأة أخرى» ظاهرا في اعتبار عدم فصل الرضعة الكاملة، إلّا أنّ قيد التوالي المذكور قبله أخصّ منه؛ إلّا أن يقال أنّ قوله: «لم يفصل ..
إلخ» تفسير للتوالي، فلا يعتبر فيه أمر زائد على عدم الفصل بالرضعة الكاملة. اللّٰهم إلّا أن يجعل تقييد الفصل المنفي بالرضعة واردا مورد الغالب، حيث إنّ الفصل إذا اتّفق لا يكون غالبا بأقلّ من رضعة كاملة.
و كيف كان، فينبغي القطع بعدم قطع تخلّل غير الرضاع في التوالي، و ادّعى الاتّفاق عليه في الحدائق (1)فلو اغتذى بينها بمأكول أو مشروب فالتوالي بحاله.
فلو ارتضع بعضها من امرأة و أكملها من امرأة أخرى لم ينشر الحرمة، و لم تصر واحدة من المرضعتين امّا للرضيع، و لو كانتا لفحل واحد لم يصر الفحل أبا له أيضا.
و الظاهر عدم الخلاف في اعتبار ذلك بين من اعتبر تعدّد الرضعات، و عن التذكرة: أنّ عليه علماءنا أجمع (2)، و لعلّ المراد العلماء المعتبرين لتعدّد الرضعات، و إلّا فمثل ابن الجنيد القائل بالنشر برضعة واحدة (3)لا يتأتّى في حقّه اعتبار هذا الشرط؛ اللّٰهمّ إلّا في مجموع الرضعتين الناقصتين المعدودتين برضعة كاملة، أو في اللبن المؤجور في حلق الصبيّ.
و يدلّ على اعتبار هذا الشرط موثّقة زياد المتقدّمة (4)، و يدلّ عليه
أيضا كلّ ما دلّ على تحقّق الحرمة برضاع امرأة ولد اخرى، بعد تقييد الرضاع ببلوغه خمس عشرة، فإنّ قوله عليه السلام في صحيحة بريد العجلي:
«كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من غلام أو جارية، فذلك هو الرضاع الذي قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم» (1). بعد ما حكم- بقرينة أدلّة اعتبار العدد- أنّ المراد منه «أرضعت خمس عشر رضعة» فيكون من أدلّة اعتبار اتّحاد المرضعة، و هكذا قوله عليه السلام في صحيحة عبد اللّٰه ابن سنان و حسنته: «ما أرضعت امرأتك من لبنك .. إلخ» (2).
و يدلّ عليه أيضا قوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ بعد تقييد قوله وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ (3)بالإرضاع خمس عشرة رضعة.
نعم، في إطلاق بعض الأخبار دلالة على كفاية اتّحاد الفحل و عدم اعتبار اتّحاد المرضعة، مثل: قوله عليه السلام في رواية أبي بصير: «ما أحبّ ان يتزوّج ابنة فحل قد رضع من لبنه» (4).
و صحيحة الحلبي و عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «في رجل تزوّج جارية صغيرة، فأرضعتها امرأته و أمّ ولده؟ قال: تحرم» (5)فإنّ إطلاقها يشمل ما إذا وقع الرضاع المحرّم من ارتضاع المرأة و أمّ الولد كلتيهما.
و مضمرة سماعة «قال: سألته عن رجل كان له امرأتان، فولدت كلّ
واحدة منهما غلاما، فانطلقت إحدى امرأتيه فأرضعت جارية من عرض الناس، أ ينبغي لابنه أن يتزوّج بهذه الجارية؟ قال عليه السلام: لا؛ لأنّها أرضعت بلبن الشيخ» (1).
دلّت بعموم التعليل على أنّ كلّ من أرضع بلبن الفحل،- سواء حصل الرضاع المعتبر من إحدى زوجاته، أو من أكثر- يحرم على أولاده، لكن هذه كلّها مطلقات يجب تقييدها بما ذكرنا، مضافا إلى إمكان منع استفادة العموم منها؛ نظرا إلى ورودها في مقام بيان حكم آخر، فتدبّر.
فلو كان من لبن فحلين لم يحصل النشر، و لم يصر واحد منهما أبا للمرتضع و إن اتّحدت المرضعة، و لا تصير أيضا أمّا له.
و يتصوّر ذلك في المرضعة، بأن ترضع الطفل من لبن فحله بعض العدد، ثمّ يطلّقها ذلك الفحل و تتزوّج بآخر و تحمل منه، ثمّ ترضع الطفل المذكور من لبن هذا الفحل تكملة الرضعات من غير أن يتخلّل بين الإرضاعين إرضاع امرأة أخرى، بأن يستقلّ الولد في المدّة الفاصلة بين الإرضاعين بالمأكول و المشروب؛ بناء على عدم إخلال فصلهما بتوالي الرضعات العدديّة، و إن أخلّ برضاع اليوم و الليلة، كما سبق.
و الظاهر أنّ اعتبار هذا الشرط ممّا لا خلاف فيه، و حكي عن التذكرة الإجماع عليه (2)، و يدلّ عليه موثّقة ابن سوقة المتقدّمة، و قوله عليه السلام في صحيحة بريد: «كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى، من
غلام أو جارية، فذلك الرضاع الذي قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم» (1)فإنّه بعد ما قيّد الإرضاع فيه بما بلغ العدد المعتبر، فيعتبر في العدد المعتبر أن يكون من فحل تلك المرأة، و الظاهر من قوله: «فحلها» فحلها الواحد، لا جنس فحلها، كما يدلّ عليه قوله عليه السلام بعد ذلك: «و كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحدا بعد واحد، فإنّ ذلك رضاع ليس بالرضاع الذي قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم.
و أظهر من هذه الصحيحة: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان، و حسنته بابن هاشم في تفسير لبن الفحل: «ما أرضعت امرأتك من لبن ولدك ولد امرأة أخرى، فهو حرام» (2)و تقريب الاستدلال فيهما كالسابقة.
و هذه الأخبار المعتضدة بعدم الخلاف تقيّد إطلاقات الكتاب و السنّة.
و اعلم أنّ هذا الشرط و سابقيه كما يعتبر في الرضاع المقدّر بالعدد، كذلك يعتبر في المقدّر بالزمان، إلّا أنّ معنى الشرط الأوّل- و هو التوالي- في العدد: عدم تخلّل رضاع آخر، و في اليوم و الليلة: عدم تخلّل غذاء آخر، سواء كان لبن غير المرضعة أم غذاء آخر؛ و أنّ الشرط الثالث لا يتصوّر تخلّفه في المقدّر بالزمان إلّا على فرض نادر، بأن يبقى لبن الفحل الأوّل إلى زمان حصول اللبن من الثاني، و لا يحصل من اللبن الأوّل وحده الرضاع المقدّر، بل يحصل رضاع يوم من الأوّل، و ليلة من الثاني.
ثمّ إنّه هذه خلاصة الكلام في شروط نشر الحرمة بالرضاع، فكلّما انتفى
بعض هذه الشروط الستّة (1)لم ينشر الحرمة بين المرتضع أو أحد من قبله و بين الفحل و المرضعة أو أحد من قبلهما.
و هنا شرط آخر اعتبره الأكثر في نشر الحرمة بين كلّ من المرتضعين من مرضعة واحدة و بين الآخر، و جعلوه منخرطا في سلك شروط الرضاع باعتبار أنّه شرط للنشر في الجملة، و هو اتّحاد الفحل الذي يرتضع المرتضعان من لبنه، فلو ارتضع أحد من امرأة من لبن فحل، و ارتضع آخر من تلك المرأة من لبن فحل آخر، لم يحرم أحد المرتضعين أو أصوله أو فروعه على الآخر، فالعبرة بالاخوّة في الرضاع الاخوّة من قبل الأب الرضاعي- و هو الفحل-، و لا عبرة بالأمّ الرضاعيّة. حتّى أنّه لو ارتضع عشرة من لبن فحل واحد، كلّ واحدة من إحدى أمّهات أولاده، صار الجميع إخوة يحرم بعضهم و فروعه على البعض الآخر و على فروعه، و هذا معنى قولهم: اللبن للفحل.
و خالف الطبرسي- صاحب التفسير- في اعتبار هذا الشرط (2). و اكتفى باتّحاد واحد من المرضعة و الفحل، و ألحق الرضاع بالنسب في كفاية الاخوّة من أحد الأبوين في نشر الحرمة، تمسّكا بعموم قوله تعالى وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ و قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» و شبه ذلك، و خصوص رواية محمّد بن عبيدة الهمداني: «قال: قال أبو الحسن الرضا
عليه السلام: ما يقول أصحابك في الرضاع؟ قال: قلت: كانوا يقولون: (اللبن للفحل) حتّى جاءتهم الرواية عنك أنّك تحرّم من الرضاع ما يحرم من النسب فرجعوا إلى قولك. قال: فقال: و ذلك لأنّ أمير المؤمنين سألني عنها البارحة، فقال لي: اشرح لي (اللبن للفحل)، و أنا أكره الكلام. فقال لي: كما أنت حتّى أسألك عنها، ما قلت في رجل كانت له أمّهات أولاد شتّى، فأرضعت واحدة منهنّ بلبنها غلاما غريبا، أ ليس كلّ شيء من ولد ذلك الرجل من أمّهات الأولاد الشتّى يحرم (1)على ذلك الغلام؟ قال: قلت: بلى، قال: فقال أبو الحسن عليه السلام: فما بال الرضاع يحرّم من قبل الفحل و لا يحرّم من قبل الأمّهات، و إنّما الرضاع من قبل الأمّهات، و إن كان لبن الفحل أيضا يحرّم» (2).
و الأظهر ما عليه الأكثر، بل حكى الإجماع عليه عن بعض أصحابنا (3)غير واحد ممّن تأخّر، لضعف الرواية بعد تسليم ظهورها في المدّعى و الإغماض عن اختصاصها بأولاد المرضعة نسبا، و لا خلاف في تحريمهم على المرتضع و إن تعدّد الفحل- كما سيجيء- و تقيّد إطلاقات الكتاب و السنّة بالأخبار الدالّة على اعتبار اتّحاد الفحل.
منها: صحيحة الحلبي «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الرجل يرضع من امرأة و هو غلام، أ يحلّ له أن يتزوّج أختها لأمّها من الرضاعة؟
فقال: إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد، فلا يحلّ. و إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين، فلا بأس» (1).
و منها: موثّقة عمّار الساباطي- الراوي عنه ابن محبوب بواسطة هشام ابن سالم- «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن غلام رضع من امرأة، أ يحلّ له أن يتزوّج أختها لأبيها من الرضاع؟ فقال: لا، فقد رضعا جميعا من لبن فحل واحد من امرأة واحدة، قال: فيتزوّج أختها لأمّها من الرضاعة؟
قال: فقال: لا بأس بذلك، إنّ أختها التي لم ترضعه كان فحلها غير فحل التي أرضعت الغلام، فاختلف الفحلان، فلا بأس» (2)و لا يضرّ دلالتها على اعتبار اتّحاد المرضعة الذي ليس معتبرا بالإجماع.
و منها: صحيحة بريد بن معاوية المتقدّمة قريبا في الشرط الرابع من شروط الرضعات العدديّة (3).
و قد يردّ استدلال الطبرسي على مطلبه بقوله تعالى وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ بمنع كون المرتضعة من امرأة بلبن فحل أختا أمّيا رضاعيّا للمرتضع من تلك المرأة بلبن فحل آخر، لكون الأخت الرضاعية أمرا شرعيّا، و كون المذكورة مندرجة [فيه] (4)محلّ النزاع، فلا بدّ من دليل يدلّ عليه.
و فيه: أنّ صدق العنوانات الحاصلة بالنسب على ما يحصل من الرضاع غير متوقّف على التوقيف من الشارع بالخصوص؛ كيف! و لو كان كذلك لم يثبت نشر الرضاع الحرمة في أكثر الموارد، و لم يكتف الشارع في بيان تحريم نظائر النسب الحاصلة من الرضاع بقوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، لأنّ إلقاء هذا الكلام على هذا الفرض يصير من قبيل الإحالة على المجهول مع أنّه لا يرتاب المتتبّع و المتأمّل في أنّ كلّ من يسمع هذا الكلام من النبيّ أو الأئمّة صلوات اللّٰه عليه و عليهم أو من عالم، فلا يحتاج في تشخيص نظائر العنوانات النسبيّة من بين العلائق الحاصلة بالرضاع إلى بيان و توقيف؛ و يشهد بذلك ما مرّ في رواية محمّد بن عبيدة الهمداني، حيث قال للرضا عليه السلام: «إنّ أصحابي كانوا يقولون: اللبن للفحل حتّى جاءتهم الرواية عنك أنّك تحرّم من الرضاع ما يحرم من النسب، فرجعوا إلى قولك» (1)فليت شعري! أيّ شيء فهموا من هذا الكلام حتّى رجعوا إلى القول بعدم اعتبار اتّحاد صاحب اللبن في الأخوة الرضاعيّة؟ و من هنا ترى الفقهاء الخاصّة و العامّة يتمسّكون بهذا الحديث من غير تأمّل في معناه من هذه الجهة.
ثمّ اعلم أنّ اتّحاد الفحل إنّما يعتبر في حصول الاخوّة بين المرتضعين اللذين يكونان كلاهما ولدين رضاعيّين للمرضعة.
و أمّا إذا كان أحدهما ولدا نسبيّا لها فلا يعتبر في أخوّة ولدها الرضاعي لولدها النسبيّ اتّحاد فحلهما، فلو أرضعت ولدا حرم عليه أولادها النسبيّة كلّا، و إن كانوا من غير صاحب لبن المرتضع، لأنّ اعتبار اتّحاد الفحل أمر مخالف لإطلاق الكتاب، و الأدلّة المثبتة له مختصّة بالولدين
1) مرّ في الصفحة: 321.
الرضاعيّين، كما يظهر لمن راجعها؛ مضافا إلى موثّقة جميل بن درّاج- بأحمد ابن فضّال- عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «إذا ارتضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كلّ شيء من ولدها، و إن كان الولد من غير الرجل الذي كان أرضعته بلبنه» (1)و هي صريحة في المطلوب.
لكن يظهر من بعض الأخبار اعتبار اتّحاد الفحل هنا أيضا، مثل صحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام، و فيها: «قلت: فأرضعت أمّي جارية بلبني؟ فقال: هي أختك من الرضاعة، قلت: فتحلّ لأخ لي من أمّي لم ترضعها أمّي بلبنه؟ قال: فالفحل واحد؟ قلت: نعم هو أخي لأبي و أمّي، قال: اللبن للفحل، صار أبوك أباها، و أمّك أمّها» (2)فإنّ استفصال الإمام عليه السلام عن اتّحاد الفحل مع تصريح السائل بكون الأخ ولد المرضعة نسبا يدلّ على تغاير حكمه مع حكم صورة تعدّد الفحل.
بقي هنا شيء، و هو أنّه قد حكي عن العلّامة في القواعد: أنّ أمّ المرضعة من الرضاع، أو أختها منه أو بنات أخيها منه لا تحرمن على المرتضع (3)لأنّ الرضاع الحاصل بين المرضعة و المرتضع بلبن فحل، و الحاصل بينها و بين أمّها أو أختها أو أخيها بلبن فحل آخر، فلم يتّحد الفحل، فلا نشر، و مثله عن المحقّق الثاني في شرح هذه العبارة من القواعد (4). و زاد على فروض المتن عدم تحريم عمّة المرضعة أو خالتها من الرضاع على
المرتضع، ثمّ نسب التحريم إلى القيل، تمسّكا بعموم الأدلّة من الكتاب و السنّة، و أجاب عنه بأنّ ما دلّ على اعتبار اتّحاد الفحل خاصّ، فلا حجّة في العامّ.
أقول: و لا يخفى ضعف هذا القول، أمّا أوّلا: فلما عرفت من أنّ الدالّ على اعتبار اتّحاد الفحل- المخصّص لعموم الكتاب و السنّة- كان مختصّا بالرضاع الموجب لأخوّة المرتضعين، بمعنى أنّه لا يحدث علاقة الاخوّة بين مرتضعين أجنبيين نسبا إلّا إذا اتّحد فحلهما، و لم يكن فيه إطلاق ليشمل ما نحن فيه.
و أمّا ثانيا: فلأنّ صحيحة الحلبي المتقدّمة (1)- التي هي عمدة أدلّة اعتبار اتّحاد الفحل- قد صرّح فيها بتحريم أخت المرضعة من الرضاع على المرتضع، و هي أحد الموارد التي حكم في القواعد و شرحه بعدم التحريم تفريعا على تعدّد الفحل.
و مثلها موثّقة عمّار الساباطي المتقدّمة أيضا (2)المعلّل فيها تحريم أخت المرضعة من الرضاع بأنّ الأختين رضعتا من امرأة واحدة بلبن فحل واحد، مع أنّه لا ريب في مغايرة فحل المرتضع لفحل أخت المرضعة، فيفهم من التعليل: أنّه إذا اتّحد الفحل بين المرأتين، و تحقّقت الاخوّة بينهما، كفى ذلك في حرمة كلّ منهما على فروع الآخر و لو من الرضاع.
[إذا ظهر ذلك، فاعلم أنّه] (3)إذا حصل الرضاع المعتبر صارت
المرضعة و الفحل أبوين للمرتضع، و فروعه لهما أحفادا، و أصولهما له أجدادا و جدّات، و فروعهما إخوة و أولاد إخوة، و من في حاشية نسبهما عمومة و خئولة.
و تفصيل القول في ذلك يحصل ببيان اثنتين و ثلاثين مسألة حاصلة من ملاحظة كلّ من المرتضع و أصوله و فروعه و من في حاشية نسبه أو رضاعه، مع كلّ من المرضعة و الفحل و أصولهما و فروعهما و من في حاشيتهما.
و قبل ذكر أحكامهما لا بدّ من بيان ضابطة للتحريم في الرضاع، فنقول: إنّ المستفاد من قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1)أنّ كلّ عنوان قد حمل عليه الشارع التحريم من جهة علاقة نسبيّة، فهذا العنوان يحرم من جهة نظير تلك العلاقة من الرضاع و ذلك لا بمعنى أنّ كلّ شخص حرم من النسب فهو بعينه حرام من الرضاع؛ إذ لا شكّ في عدم إرادة هذا المعنى؛ لأنّ نفس المحرّم بالنسب ليس محرّما بالرضاع.
فالمراد ب «ما» الموصولة في الحديث هو عنوان كلّي مشترك بين ما يحصل بالنسب و بين ما يحصل بالرضاع، تعلّق التحريم به من جهة النسب باعتبار بعض أفراده، و هو الحاصل بالنسب، و تعلّق التحريم به من جهة الرضاع باعتبار بعض أفراده و هو الحاصل بالرضاع.
مثلا يصدق على عنوان الامّ- الذي هو شيء واحد بالوحدة النوعيّة الغير المنافية مع تكثّر الأشخاص- أنّها تحرم من جهة النسب، و تحرم من جهة الرضاع.
و لا يقدح في هذا المطلب كون استعمال لفظ ذلك العنوان في الحاصل
1) الوسائل 14: 280، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 و 7.
بالرضاع استعمالا مجازيّا؛ إذ لم يقع في الكلام لفظ أحد تلك العناوين حتّى يقال: إنّ المراد به خصوص الحاصل بعلاقة النسب، بل نقول: إنّه اعتبر مثلا قدر مشترك بين الامّ الرضاعيّة و النسبيّة و أريد من الموصول.
و إن أبيت إلّا عن أنّ المراد بالموصول خصوص العنوانات النسبيّة، فلا بدّ في الكلام من تقدير، بأن يراد «أنّه يحرم من الرضاع نظير كلّ عنوان من العنوانات النسبيّة التي تحرم من جهة النسب» و هذا التقدير هو الذي ارتكبه جمع كثير من الفقهاء المتأخّرين في تفسير الحديث (1).
ثمّ إنّ العنوان الذي يحرم من جهة النسب ليس إلّا أحد العنوانات المتعلّق بها التحريم في لسان الشارع، كالأمّ، و البنت، و الأخت، و غيرهنّ من المحرّمات المذكورة في الكتاب (2)و السنّة (3). و أمّا العنوان المستلزم لأحد هذه- كأمّ الأخ للأبوين المستلزمة لكونها امّا، و كأمّ السبط المستلزمة لكونها بنتا، و كأخت الأخ للأبوين المستلزمة لكونها أختا- فليس شيء منهنّ يحرم من جهة النسب، إذ لا نسب بينهنّ من حيث هذا العنوان و بين المحرّم عليه، فإنّ أمّ أخ الشخص من حيث إنّها «أمّ أخ» ليست (4)نسيبة له، بل نسيبة لأخيه؛ و النسب الحاصل بين الشخص و بين نسيبه لم يثبت كونه جهة للتحريم.
و الشاهد على ذلك أدلّة المحرّمات، فإنّ منها يستفاد جهة تحريم المحرّمات، إذ لا يستفاد من قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ إلّا أنّ
جهة التحريم أمومة الامّ للشخص، و أمّا امومتها لأخيه أو بنوّتها لجدّيه أو أخوّتها لخاليه، فلم يستفد من دليل كونها جهة للتحريم.
فثبت بهذا أنّ النسب الذي يصلح [كونه] (1)جهة للتحريم ليس إلّا ما يكون مبدأ لإحدى الصفات المعنونة بها المحرّمات في الكتاب و السنّة.
و على هذا فإذا أرضعت امرأة أخاك فلا تحرم عليك؛ لأنّها أمّ أخيك، و لم يثبت حرمة أمّ الأخ من جهة النسب، إذ لا نسب بينك و بينها من حيث إنّها «أم أخيك» بل النسب بينها و بين نسيبك، و النسب بين شخص و بين نسيبه لم يثبت كونه جهة للتحريم.
و من هنا يظهر فساد ما ذهب إليه شرذمة من المتأخّرين (2): من عموم التنزيل في الرضاع، و عدم الفرق بين أن يحصل بالرضاع أحد العناوين المذكورة في أدلّة التحريم، و بين أن يحصل به ما يستلزم أحدها؛ فكما أنّ المرتضعة بلبنك محرّمة عليك من حيث إنّه حصل بالرضاع بنوّتها لك، فكذلك مرضعة ولد بنتك حيث إنّه حصل بالرضاع امومتها لولد بنتك، و أمّ ولد البنت محرّمة نسبا لكونها بنتا، فكذلك أمّ ولد بنتك رضاعا؛ إلى غير ذلك.
و قد عرفت وجه فساد ذلك، و حاصله: أنّ الحديث النبويّ إنّما حرّم بالرضاع ما حرّم من جهة النسب، و أمّ ولد البنت لم تحرم من جهة النسب،
إذ لا نسب بينها بهذا العنوان و بين الشخص، بل النسب بينها و بين نسيب الشخص، و لم يثبت كونه جهة للتحريم، فإذا لم تحرم أمّ ولد النبت من جهة النسب، فكيف تحرم من جهة الرضاع؟ مع أنّ دعوى عموم الموصول لكلّ عنوان من العناوين المذكورة في لسان الشارع و لما يستلزمه من العناوين الغير المحصورة، موجب للتكرار في مشمولات (1)العامّ.
فإن قلت: إذا صدق على أمّ ولد البنت أنّها بنت و صدق أنّ كلّ بنت محرّمة من جهة النسب، فلا مساغ لإنكار أنّ أمّ ولد البنت محرّمة من جهة النسب، فيضاف إلى ذلك قوله عليه السلام: «كلّ ما يحرم من النسب يحرم من الرضاع» (2)، ينتج أنّ أمّ ولد البنت تحرم من جهة الرضاع.
قلت: لا يخفى أنّ المراد بالأمّ في قولنا: «أمّ ولد البنت» إمّا أن تكون هي خصوص الامّ النسبيّة، أو خصوص الرضاعيّة، أو الأعمّ، و كذلك المراد بالبنت، فالاحتمالات تسعة؛ و لا نسلّم الصغرى إلّا في احتمالين منها، إحداهما: أن يراد من الامّ و البنت، النسبيّتان (3)و الثاني: أن يراد من الأمّ النسبيّة، و من البنت الأعمّ.
فإن أريد الأوّل منهما، فالصغرى و الكبرى [مسلّمتان] (4)إلّا أنّ الحاصل منها ليس إلّا قولنا: «إنّ الأمّ النسبيّة لولد البنت النسبيّة محرّمة من جهة النسب» لكن الأصغر في هذه الصغرى غير مندرج تحت الأوسط في
كبرى قوله عليه السلام: «كلّ ما يحرم من النسب يحرم من الرضاع» لما عرفت من أنّ المراد بالموصول في الحديث هو العنوان الكلّي المشترك بين العنوان الحاصل من علاقة النسب، و الحاصل من علاقة الرضاع، لأنّه الذي يعقل أن يحكم عليه بالتحريم من كلتا الجهتين، أعني الرضاع و النسب؛ و ليس المراد به خصوص العنوان النسبي، إذ لا يعقل الحكم على نفس هذا العنوان بأنّه يحرم من جهة الرضاع إلّا أن يراد أنّه يحرم نظيره، كما ذكرناه سابقا.
و حينئذ فنقول: كون مرضعة ولد البنت نظيرة للأمّ النسبيّة لولد البنت ممنوع، لأنّ الأمّ النسبيّة لولد البنت كانت متّصفة بالبنتيّة، و باعتبارها ثبت لها التحريم، و مرضعة ولد البنت ليست كذلك. نعم، نظيرة الامّ النسبيّة لولد البنت النسبيّة، الامّ النسبيّة لولد البنت الرضاعيّة.
و الحاصل: أنّ المحرّم في النسب أمّ ولد البنت المقيّدة بكونها بنتا، فنظيرها المحرّم في الرضاع أيضا أمّ ولد البنت المقيّدة بذلك القيد؛ غاية الأمر أنّ القيد المذكور في النسب من اللوازم للمقيّد، و في الرضاع ممّا قد يكون و قد لا يكون، فإذا كان فتثبت النظارة، و إلّا فلا نظارة فلا حرمة.
و إن أريد الثاني منهما، فالمقدّمتان مسلّمتان، و يستنتج منهما أنّ الأمّ النسبيّة لولد البنت مطلقا محرّمة من جهة النسب، و لو باعتبار بعض أفرادها، و هي الأم النسبيّة لولد البنت النسبيّة فيصحّ أن يضمّ إليه قوله عليه السلام: «كلّ ما يحرم من النسب يحرم من جهة الرضاع» (1)، فيصير حاصل هذا: أنّ الأمّ النسبيّة لولد البنت مطلقا عنوان كلّي مشترك بين أمّ ولد البنت النسبيّة و أمّ
1) الوسائل 14: 281، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5، و فيه:«ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع».
ولد البنت الرضاعيّة، و هذا العنوان الكلّي يصدق عليه أنّه يحرم من جهة الرضاع كما يحرم من جهة النسب، و حينئذ فلا يستفاد من الحديث حكم مرضعة ولد البنت بوجه من الوجوه.
و بهذا تقدر على دفع ما يورد في نظائر هذا العنوان؛ و إن كان تقرير الدفع مخالفا له في الجملة.
فإذا قيل مثلا: «أمّ الأخ للأبوين أمّ، و كلّ أمّ محرّمة، فأمّ الأخ للأبوين محرّمة»، ثمّ يضمّ إلى ذلك قولنا: «كلّ ما يحرّم من جهة النسب يحرم من جهة الرضاع» أجبنا عنه: بأنّ «أمّ الأخ» لا يخلو من أن يراد به الاحتمالات التسعة المذكورة، و على فرض إرادة ما عدا احتمالين منهما (1)تكون الصغرى ممنوعة، فإنّ التي يصدق عليها «الامّ» ليس إلّا الأمّ النسبيّة للأخ النسبي، أو مرضعة الأخوين الرضاعيّين.
فإن أريد ب «أمّ الأخ» في الصغرى خصوص الأوّل، دفع بما دفع به الاحتمال الأوّل في أمّ ولد البنت. و إن أريد به الأعمّ من الأوّل- أعني العنوان الكلّي الملازم لصدق الامّ- فلا تدلّ النتيجة الحاصلة بعد ضمّ الحديث إليها على تحريم مرضعة الأخ.
و يمكن الجواب عن أصل الإيراد بمنع كون الموصول للعموم، بل المتبادر منه الإشارة إلى العنوانات المعهودة المتداولة على لسان الشارع، و تعلّق التحريم بها في كلامه.
ثمّ اعلم أنّ المراد في الحديث ليس خصوص النسب الحاصل بين المحرّم و المحرّم عليه، حتّى يخصّ الحديث بتحريم نظائر العنوانات السبع
1) كذا في ظاهر «ق» أيضا، و الصحيح «منها».
النسبيّة من الرضاع، بل المراد به هو الأعمّ منه و من الحاصل بين المحرّم و زوج المحرّم عليه أو ما الحق بزوجة- كالمزنيّ بها (1)و الموطوءة بالشبهة، أو الغلام الموطوء، و نحو ذلك- لأنّ التحريم في العنوانات السبع كما أنّها متوجّهة بجهة النسب، كذلك في هذه العنوانات، مثلا قوله تعالى وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ (2)دالّ على تعلّق التحريم بأمّ الزوجة من حيث امومتها للزوجة، فإذا حصل نظير هذه الجهة من الرضاع حرّمت.
و الحاصل: أنّه لا فرق بين تحريم الامّ و تحريم أمّ الزوجة في تعلّق التحريم في كلّ منهما بعنوان النسبيّ، فيحرم نظيره من الرضاع، و سيأتي زيادة توضيح لذلك إن شاء اللّٰه تعالى.
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى بيان تفاصيل المسائل المذكورة، فنقول:
بالإجماع و الكتاب و السنّة؛ لأنّها امّه.
سواء في ذلك أبوه، و أجداده لأب كانوا أم لام.
أمّا عدم التحريم على الأب: فظاهر؛ لأنّ المرضعة لم تزد على أن صارت امّا لولده، و أمّ الولد أولى بالتحليل من كلّ أحد.
و أمّا على أجداده لأبيه: فلأنّها لم تزد على أن صارت أمّا لولد ابنه،
و أمّ ولد الابن إنّما تحرم على الجدّ لأنّها زوجة ابنه، و الزوجيّة للابن لا تحصل بإرضاع ولد الابن، لأنّ الزوجيّة لا تثبت بالرضاع. و بتقرير أوضح:
أنّ التحريم تعلّق على حليلة الابن، و لا شكّ أنّ مرضعة ولد الابن ليست حليلة للابن.
و أمّا على أجداده لأمّه: فلأنّ غاية ما حصل بالرضاع كون المرضعة أمّا لولد بنته، و أمّ ولد البنت إنّما تحرم إذا كانت بنتا بالنسب أو الرضاع، و هذه لم تصر إحداهما. و قد مرّ (1)مشروحا في تفسير الحديث النبوي: أنّه لا يدلّ إلّا على تحريم ما صدق عليه- بعلاقة الرضاع- أحد العناوين المحرّمة على لسان الشارع، فيجب الرجوع في غيرها إلى أدلّة الحلّ.
و الحاصل: أنّه إذا حصل بالرضاع عنوان مستلزم في النسب لأحد العناوين المعلّق عليها التحريم غير ملازم له في الرضاع، لا يثبت له التحريم، لأنّ ذلك العنوان النسبيّ الملزوم إنّما حرم لتقيّده باللازم و إن كان هذا القيد غير منفكّ عنه، فإن حصل هذا القيد في العنوان الرضاعي- حتّى يتمّ كونه نظيرا للعنوان النسبي و كونهما تحت عنوان كلّي ينتزع من الحاصل بالنسب و الحاصل بالرضاع- حصلت الحرمة، و إلّا فلا.
ثمّ إذا لم تحرم أصول المرتضع نسبا على المرضعة، لم تحرم أصوله الرضاعيّة عليها بطريق أولى.
لأنّهم أحفادها؛ و لا فرق بين
1) في الصفحة: 286.
الفروع النسبيّة و الرضاعيّة. نعم يأتي على قول العلّامة و المحقّق الثاني رضوان اللّٰه عليهما في القواعد (1)و شرحه (2)عدم تحريم فروع المرتضع الرضاعيّة على المرضعة، حيث حكما بأنّ مرضعة المرضعة لا تحرم على المرتضع، فإنّ المرتضع من الفروع الرضاعيّة للمرتضعة من المرضعة، و قد عرفت ضعف هذا القول و متمسّكه (3).
و أمّا الإخوة من الرضاع للمرتضع فهم أولى بعدم التحريم عليها.
و قد يزيد في الاستدلال على ما ذكرنا: بأنّ أمومة الأخ غير ملازمة للأمومة، لتفارقهما في زوجة الأب و الامّ التي ليس لها إلّا ولد واحد.
و فيه: أنّ لمتوهّم التحريم أن يقول: إنّ الأمّ النسبيّة للأخ من الأبوين محرّمة، لأنّها لا تنفكّ عن كونها إمّا، فالامّ الرضاعيّة له أيضا محرّمة.
فالأجود الاقتصار على ما ذكرناه، و أنّ الملازمة بين العنوانين في النسب و إن كانت مسلّمة، إلّا أنّ التحريم هناك من جهة أحد المتلازمين
الغير الحاصل بسبب الرضاع.
ثمّ إنّ حكم فروع حواشي المرتضع حكم نفس الحواشي في عدم التحريم على المرضعة، لأنّ الفرع لا يزيد على الأصل في الحرمة.
لأنّ المرتضع من أحفادهم، و لا فرق بين أصولها بالنسب و أصولها بالرضاع؛ و لا إشكال فيه و لا خلاف ظاهرا.
و حكم حواشي أصول المرضعة من العمومة و الخؤولة حكم نفس الأصول في التحريم، سواء كانت من النسب أو من الرضاع.
لما تقدّم في المسألة الثانية.
لأنّهم جدودتهم.
لما تقدّم في المسألة الرابعة.
و هم المتولّدون منها- و إن نزلوا، سواء كان أبوهم فحلا للمرتضع أم لا، لثبوت الأخوة من قبل الامّ بينه و بينهم من جهة الرضاع.
و لا يشترط اتّحاد الفحل هنا، بلا خلاف على الظاهر المصرّح به في كلام غير واحد (1)، لإطلاق الكتاب و السنّة؛ مضافا إلى خصوص موثّقة جميل بن درّاج- بأحمد بن الحسن [بن عليّ] بن فضّال- عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «قال: إذا رضع (2)الرجل من لبن امرأة حرم عليه كلّ شيء من ولدها، و إن كان الولد من غير الرجل الذي كانت أرضعته بلبنه» (3).
و يؤيّدها رواية محمّد بن عبيدة الهمداني المتقدّمة (4)في استدلال الطبرسي قدّس سرّه.
و أمّا فروع المرضعة من حيث الرضاع- و هم أولادها من الرضاع- فيشترط في تحريم المرتضع عليهم اتّحاد الفحل على المشهور، خلافا للطبرسي قدّس اللّٰه روحه و قد مرّ ضعفه، لورود الخبر الصحيح و ما في حكمه على خلافه (5).
على الأظهر و إن كانت القاعدة لا تقتضي ذلك؛ نظرا إلى أنّ فروع المرضعة لا تزيد على أن تكون إخوة لولد أصول المرتضع، و أخ الولد أو أخته لا دليل على تحريمه من حيث اخوّة لولد، و إنّما يحرم حيث يحرم إمّا من حيث كونه ولدا، و إمّا من حيث كونه ولدا لأحد الزوجين؛ و لذا حكي عن جماعة- منهم الشيخ في المبسوط- عدم التحريم (1)، إلّا أنّه قد دلّ غير واحد من الأخبار المعتبرة على التحريم.
مثل ما رواه في التهذيب عن أيّوب بن نوح في الصحيح: «قال: كتب عليّ بن شعيب إلى أبي الحسن عليه السلام: امرأة أرضعت بعض ولدي، هل يجوز أن أتزوّج بعض ولدها؟ فكتب عليه السّلام: لا يجوز ذلك (2)لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك» (3).
و مثل ما رواه الكليني قدّس سرّه عن محمّد بن يحيى، عن عبد اللّٰه بن جعفر: قال: «كتبت إلى أبي محمّد عليه السلام: امرأة أرضعت ولد الرجل، هل يحلّ لذلك الرجل أن يتزوّج ابنة هذه المرضعة أم لا؟ فوقّع عليه السلام:
لا يحلّ» (4).
و اعلم أنّه قد يتفرّع على [هذا] (1)القول: أنّه لو أرضعت ولدا جدّته لأمّه بلبن جدّه أو غيره، حرمت امّه على أبيه، لأنّ امّه من أولاد المرضعة، فتحرم على أصول المرتضع.
و أمّا تحريم الجدّة المرضعة على جدّه من غير جهة صيرورتها امّا لولد بنته، فقد تقدّم في المسألة الثانية: أنّه لا وجه له.
هذا كلّه من فروع المرضعة نسبا، و أمّا فروعها بالرضاع: فلا دليل على تحريمهم على أصول المرتضع، لأنّ «الولد» و «البنت» في الخبرين المتقدّمين (2)ظاهران في خصوص النسبيّ، فيبقى حكم الرضاعي بأقسامه تحت أصالة الإباحة.
اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّه إذا ثبت التحريم في الولد النسبيّ للمرضعة، ثبت في الولد الرضاعي لها؛ لأنّه «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
و فيه: أنّ الإمام عليه السلام حكم بتحريم ولد المرضعة على أب المرتضع لا من حيث هو ولدها حتّى يحرم ولدها الرضاعي أيضا، بل لأجل كونها بمنزلة ولد أب المرتضع نسبا، و هذا المعنى غير معلوم في ولدها الرضاعي؛ فتأمّل.
مع أنّ هذا الكلام لا يصحّ في ولدها الرضاعي الذي ارتضع بلبن فحل غير فحل المرتضع الذي يكون الكلام في أصوله، لعدم الاخوّة بين ذلك الولد و بين المرتضع على قول غير الطبرسي؛ و من الظاهر- بل المقطوع- أنّ كون ولد المرضعة بمنزلة ولد أب المرتضع فرع الاخوّة الرضاعيّة للمرتضع
المفقودة مع تعدّد الفحل؛ و إنّما يصحّ هذا الكلام- لو صحّ- في صورة اتّحاد الفحل و حدوث الاخوّة بين ذلك الولد و بين المرتضع، و حينئذ فيكون هذا الولد من أولاد الفحل رضاعا؛ و سيأتي الكلام فيه في مسألة تحريم أصول المرتضع على فروع الفحل.
و اعلم أنّ الخبرين المذكورين (1)و إنّ دلّا على تحريم أولاد المرضعة نسبا على أب المرتضع، لكن الظاهر تحريمهم على أمّ المرتضع أيضا، لأنّ كونهم بمنزلة ولد أبيه يستلزم كونهم بمنزلة ولد امّه، و لذا استفيد من تحريم البنات على الآباء تحريم الأبناء على الأمّهات.
لأنّهم خئولة لفروع المرتضع؛ و لا فرق بين فروع المرضعة نسبا و فروعها رضاعا مع نشر الرضاع بينهم و بين نفس المرتضع. و أمّا فروع المرضعة في غير المرتبة الاولى فلا يحرمون على فروع المرتضع مطلقا، لأنّهم أولاد خئولة لهم.
بلا إشكال و لا خلاف، لأنّهم لم يزيدوا على أن صاروا إخوة
1) تقدّما في الصفحة: 340.
لأخي أولئك الحواشي، أو أولادا لأمّ أخيهم، و لم يتعلّق التحريم في الشريعة بأحد العنوانين. و كذا فروع المرضعة النسبيّة- و هم المتولّدون منها- لا تحرم عليهم حواشي المرتضع الرضاعيّة، لما ذكر.
و أمّا تحريم حواشي المرتضع من النسب على فروع المرضعة النسبيّة فاختلف فيه، فالأشهر- كما قيل (1)- عدم التحريم لما ذكر، و هو الأظهر.
و قيل بالتحريم (2)، لأنّ فروع المرضعة إذا صاروا بمنزلة ولد أبوي المرتضع- بحكم ما تقدّم في المسألة العاشرة- فقد صاروا إخوة لأولادهما الذين هم حواشي المرتضع.
و فيه: منع استلزام صيرورتهم أولادا للأبوين صيرورتهم إخوة لأولادهما، إذ لا مستند له إلّا تلازم عنواني النبوّة للأبوين مع الاخوّة للإخوة، و هو مسلّم إذا حدثت بالرضاع نفس البنوّة للأبوين، كما إذا ارتضع شخص بلبنهما، فإن بنوّته لهما تستلزم اخوّته لأولادهما. و أمّا إذا حدث به شيء آخر حكم الشارع بكونه بمنزلة البنوّة للأبوين في أحكامها الشرعيّة، فلا يلزم ثبوت الاخوّة للإخوة.
و الحاصل: أنّ العنوان الحاصل بارتضاع ولد الأبوين من امرأة ذات أولاد ليس إلّا كون أولادهما إخوة للمرتضع؛ و من المعلوم- ممّا سبق في
المسألة الثانية- أنّ بمجرّد هذا العنوان لا يحرم هؤلاء الأولاد على أبوي المرتضع و لا على إخوته، لكن لمّا دلّ الدليل على كون الأولاد بمنزلة أولاد الأبوين في جميع الأحكام الشرعيّة- التي من جملتها تحريمهم عليهما- حكم به، لكن لا يستلزم ذلك كونهم (1)بمنزلة الإخوة لأولادهما حتّى يحرموا عليهم.
و كذا ليس من الأحكام الشرعيّة لأولاد الأبوين تحريم بعضهم على بعض، فإنّ التحريم في آية المحرّمات (2)إنّما علّق على عنوان الأخ و الأخت، لا على ولد الأبوين أو أحدهما.
و من هنا ظهر ما في استدلال صاحب الكفاية على التحريم بأنّ كونهم بمنزلة الولد يقتضي أن يثبت لهم جميع الأحكام الثابتة للولد من حيث الولديّة، و من جملة أحكامه تحريم أولاد الأب عليه (3)إذ لا يخفى أنّ تحريم أولاد الأب على الولد ليس من حيث الولديّة للأب، بل من حيث اخوّته للأولاد.
اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّ الاخوّة التي نيطت بها الحرمة في آية المحرّمات ليس مفهومها العرفي- بل الحقيقي- إلّا كون الشخصين ولدا لواحد، فكونهم أولادا لأبيه أو لأمّه عين كونهم إخوة له، لا أنّه عنوان آخر ملازم له.
و يشهد لذلك تعليل تحريم المرتضعة من لبن ولد على أخيه من
أبيه في صحيحة صفوان- المرويّة في الكافي- بصيرورة أبيه أبا لها و امّه أمّا لها (1).
و ليس هذا إلّا لأنّه إذا ثبتت أبوّة الرجل لشخص و أمومة المرأة له ثبتت اخوّة أولادهما له، فيحرمون عليه من هذه الجهة.
فالقول بالتحريم في المسألة لا يخلو عن قوّة، وفاقا للمحكيّ عن الشيخ (2)و بعض المتأخّرين (3).
و يدلّ على تحريم إخوتها من الرضاع- المستلزم لتحريم إخوتها من النسب بالأولويّة و عدم القول بالفصل- صحيحة الحلبي المرويّة في الكافي و التهذيب: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الرجل يرضع من امرأة و هو غلام، أ يحلّ له أن يتزوّج أختها لأمّها من الرضاع؟ فقال: إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحلّ، و إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن
فحلين فلا بأس» (1).
و نحوها موثّقة عمّار المتقدّمة معها (2)في أدلّة القول المشهور باعتبار اتّحاد الفحل في مقابل الطبرسي قدّس سرّه، فتأمّل.
و في حكم أولئك الحواشي فروعهم، فيحرم المرتضع عليهم.
فيجوز لآباء المرتضع- و إن علوا- التزويج في أخوات المرضعة، و لإخوتها التزويج في أمّهات المرتضع.
و لا يتوهّم في الأوّل كون المرضعة في حكم الزوجة فلا يجوز العقد على أختها؛ لعدم ثبوت الزوجيّة بالرضاع، و لا في الثاني كون أمّ المرتضع امّا لولد أخت إخوة المرضعة و أمّ ولد الأخت محرّمة لكونها أختا؛ لما مرّ من أنّ الحرمة إنّما تعلّقت على عنوان «الأخت» لا على «أمّ ولد الأخت» و إن تلازم العنوانان في النسب.
لكونهم خئولة لأبيهم بلا إشكال و لا خلاف، و لا يحرمون على فروع أولئك الحواشي.
فيجوز لإخوة المرتضع التزويج في أخوات المرضعة، و لإخوة المرضعة التزويج في أخوات المرتضع؛ لما مرّ في المسألة الرابعة: من عدم تحريم حواشي المرتضع على نفس المرضعة، فعدم تحريمهم على حواشيها أولى، و المستند في الكلّ عدم الدليل، إذ لم يحدث بينهم بالرضاع عنوان من العناوين المتعلّقة بها التحريم في النسب.
إجماعا؛ لأنّها بنته من الرضاع.
أمّا أمّة: فواضح. و أمّا جدّاته: فكذلك على الأشهر؛ لأنّ غاية ما حصل بالرضاع كونهنّ جدّات لولده، و جدّات الولد لا يحرمن على الأب إلّا من جهة كونهنّ جدّات لنفس الأب، أو أمّهات أزواجه، و لم يحصل بالرضاع شيء من العنوانين في المقام.
و نسب إلى ابن إدريس تحريم جدّة المرتضع على الفحل (1).
1) السرائر 2: 555.
و هو ضعيف.
ثمّ إذا لم تحرم أصول المرتضع على الفحل، لم تحرم فروع تلك الأصول عليه؛ فعمّة المرتضع و خالته لا تحرمان على الفحل، لأنّ الفرع لا يزيد على الأصل.
لكونهم بمنزلة أحفاده، من غير فرق بين فروعه الرضاعيّة و النسبيّة، بلا خلاف و لا إشكال في ذلك.
على الأشهر، لعدم الدليل على التحريم، عدا ما يتخيّل من كونها أخوات لولده، و لا يخفى أنّ التحريم لم يتعلّق بهذا العنوان، و إنّما تعلّق بعنوان «البنت» أو «الربيبة» اللذين لا ينفكّ أحدهما عن عنوان «أخت الولد» في النسب.
و نسب إلى الشيخ في الخلاف و ابن إدريس: تحريم أخت المرتضع على الفحل (1)، و هو ضعيف.
لكونهم جدودة له بلا خلاف
1) الخلاف، كتاب الرضاع، المسألة: 1، السرائر 2: 555.
فيجوز لآباء المرتضع أن يتزوّجوا في أمّهات الفحل، و كذا لآباء الفحل أن يتزوّجوا في أمّهات المرتضع، لعدم الدليل إلّا بتخيّل كون أمّهات الفحل بمنزلة جدّات المرتضع، فيحرم على أبيه و على بعض أجداده؛ و كذا أمّهات المرتضع بالنسبة إلى آباء الفحل.
لأنّهم جدودة له؛ و قد مرّ تحريمهم على الفحل، لكونهم أحفادا له؛ فيحرمون على آبائه أيضا، لأنّ المحرّم على شخص لأجل النسب محرّم على آبائه أيضا، فكذلك في الرضاع.
لما تقدّم من عدم حرمتهم على نفس الفحل، و يجري هنا الخلاف المنسوب إلى ابن إدريس في تلك المسألة.
لأنّهم إخوة
أو أولاد إخوة بلا خلاف في ذلك، و يدلّ عليه بعد الإجماع أخبار كثيرة (1).
و لا فرق في الفروع بين كونهم من مرضعة المرتضع أو من غيرها، فلو كان لرجل عشر نساء و كان له من كلّ منها بنت و ابن من الولادة، و أرضعت كلّ واحدة منهنّ غلاما و جارية بلبن ذلك الفحل، حرم الذكور العشرون على البنات العشرين.
إلّا أنّ الأظهر التحريم؛ لصحيحة عليّ بن مهزيار: «قال: سأل عيسى ابن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني عليه السلام: أنّ امرأة أرضعت لي صبيّا، هل يحلّ لي أن أتزوّج ابنة زوجها؟ فقال لي: ما أجود ما سألت! من هاهنا يؤتى أن يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن
1) الوسائل 14: 305، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع، و يدلّ عليه أيضا أخبار من الباب 6 و 8 منها.
2) لم ترد في «ق».
3) نسبه الشهيد الثاني في المسالك إلى جماعة من الأصحاب منهم الشيخ في المبسوط، لكن لم نقف فيه على كلام ظاهر في ما نسب إليه، انظر المبسوط 5: 292 و 305؛ و قد نبّه على ذلك المحدّث البحراني في الحدائق 23: 391، و ممّن قال هنا بعدم التحريم القاضي في المهذب 2: 191.
الفحل لا غيره. فقلت له: الجارية ليست ابنة المرأة التي أرضعت لي، هي ابنة غيرها؛ فقال: لو كنّ عشرا متفرّقات ما حلّ لك شيء منهنّ، و كنّ في موضع بناتك» (1).
و الرواية و إن اختصّت بتحريم ولد الفحل على أب المرتضع، إلّا أنّ تحريمهم على امّه أيضا ثابت بالإجماع المركّب ظاهرا؛ مع أنّ كونهم بمنزلة بنات أب المرتضع يستلزم كونهم بمنزلة بنات (2)امّه.
ثمّ إنّ ظاهر الرواية- كما ترى- مختصّ بفروع الفحل نسبا، و يلحق بهم فروعه رضاعا، و لعلّه لقاعدة: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فإذا حرم ولد الفحل نسبا على أصول المرتضع حرم ولده رضاعا، و لأنّ منشأ صيرورتهم أولادا لأصول المرتضع اخوّته لولدهم، و لا فرق بين الاخوّة النسبيّة و الرضاعيّة.
لأنّهم عمومة لفروع المرتضع، و أمّا فروع الفحل في غير المرتبة الاولى فلا يحرمون على فروع المرتضع.
لأنّهم لم يزيدوا على أن صاروا بالرضاع إخوة لأخي أولئك، و اخوّة الأخ ليست موجبة للتحريم؛ إذ قد يتزوّج أخ الرجل لأبيه أخته من امّه، و لو قيّد بالأخ من الأبوين فلا يوجب التحريم، و إنّما يحرم إخوة الأخ للأبوين من جهة كونهم إخوة، و لم يحصل بالرضاع هذا العنوان؛ فالحاصل بالرضاع غير موجب للتحريم، و الموجب للتحريم غير حاصل، خلافا للشيخ (1)و جماعة (2)فحكموا بالتحريم، لأنّ صيرورة الفروع بمنزلة الأولاد لأصول المرتضع- بحكم صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة (3)- يستلزم كونهم إخوة لإخوة المرتضع، فيحرمون عليهم، و قد سبق في المسألة الثانية عشرة أنّ هذا القول لا يخلو عن قوّة.
لأنّهم عمومة له؛ و هذا ممّا لا إشكال فيه و لا خلاف.
إذ لم يحدث بينهم بالرضاع رابطة من الروابط المحرّمة.
لأنّهم عمومة لأبيهم، و يحلّ لهم فروع أولئك الحواشي.
لأنّ حواشي المرتضع لا تحرم على نفس الفحل، فأولى بأن لا تحرم على حواشيه، و يجيء على القول المنسوب إلى ابن إدريس رحمه اللّٰه في تحريم أخت المرتضع على الفحل (1)تحريمها على إخوته. لكنّه لا دليل عليه.
1) السرائر 2: 555.
الأوّل: حيث قد عرفت أنّ الضابط في حصول الحرمة بالرضاع ملاحظة الرابطة النسبيّة التي علّق عليها التحريم، فإن حصل بالرضاع نظيرها تثبت الحرمة، و إلّا فلا، إلّا ما خرج بالدليل، كما عرفت في المسألة العاشرة و السادسة و العشرين.
و لا عبرة بأن يحصل بالرضاع رابطة مغايرة للرابطة المعلّق عليها التحريم، مقارنة معها في الوجود دائما أو في بعض الأحيان.
و ما دلّ على خروج المسألتين السابقتين أو نحوهما عن هذه الضابطة لا يعطي ضابطة كلّيّة لتحريم كلّ عنوان ملازم في النسب لعنوانات التحريم، بل يقتصر على مورده؛ إذ التعدّي قياس لا نقول به.
فاعلم أنّه لا فرق في الرابطة النسبيّة- التي يكون نظيرها الحاصل بالرضاع محرّما- بين أن يكون التحريم المعلّق عليها لأجل وجودها بين نفس المحرّم و المحرّم عليه، و يسمّى بالمحرّم النسبي- كما في المحرّمات السبع
النسبيّة- و بين أن يكون التحريم لأجل وجودها بين المحرّم و زوج المحرّم عليه أو من في حكمه، و يسمّى بالمحرّم لأجل المصاهرة، و هي عبارة: عن علاقة تحدث بين كلّ من الزوجين و أقرباء الآخر، كأمّ الزوجة مثلا؛ فإنّ التحريم علّق على أمومة الزوجة، و هي رابطة نسبيّة بين المحرّم- و هي الأمّ- و بين زوجة المحرّم عليه، و كأمّ المزني بها، و الموطوءة بالشبهة و غيرهما.
و تسمية الأوّل ب «المحرّم لأجل النسب» و الثاني ب «المحرّم لأجل المصاهرة» باعتبار ملاحظة العلاقة الكائنة بين نفس المحرّم و المحرّم عليه.
و أنّها قد تكون نفس الرابطة النسبيّة المعلّق عليها التحريم- كما في المحرّمات السبع- و قد يكون أمرا حاصلا منها- كما في المحرّمات بالمصاهرة- و لكن التحريم في الكلّ معلّق على الرابطة النسبيّة.
أمّا في المحرّمات السبع: فظاهر.
و أمّا في المحرّمات بالمصاهرة: فلأنّ تحريم أمّ الزوجة لم يعلّق في الكتاب و السنّة على علاقة المصاهرة التي بينها و بين الزوج، و إنّما علّق على الرابطة النسبيّة التي بينها و بين زوجة الزوج، و هي الأمومة، و كذا غيرها.
و من هنا ظهر فساد ما ربّما يسبق إلى الوهم من أنّ قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1)إنّما يدلّ على تحريم نظائر المحرّمات السبع الحاصلة بالرضاع، و لا يدلّ على تحريم نظائر المحرّمات بالمصاهرة إذا حصلت بالرضاع، كمرضعة الزوجة و رضيعتها و نحوهما؛ لأنّ هؤلاء لا يحرمن من النسب حتّى يحرم نظائرها من الرضاع، و إنّما يحرمن أجل المصاهرة.
1) الوسائل 14: 280 و 282، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 و 7.
توضيح الفساد مضافا إلى ما ذكر: أنّ المصاهرة- و هي العلاقة الحاصلة بين كلّ من الزوجين و أقرباء الآخر- ليس ممّا علّق عليها التحريم، و إنّما علّق على الرابطة النسبيّة التي هي منشأ لانتزاعها، فتحرم أمّ الزوجة على الزوج أيضا من جهة النسب، لا النسب الحاصل بين المحرّم و المحرّم عليه، بل النسب الحاصل بين المحرّم و زوجة المحرّم عليه.
و عمدة ما يوقع في هذا الوهم توهّم أنّ المراد بالنسب في الحديث خصوص النسب الحاصل بين المحرّم و المحرّم عليه، نظير ما اصطلحوا عليه من قولهم: «سبب التحريم إمّا نسب و إمّا مصاهرة» حيث يجعلون المصاهرة قسيما للنسب.
و لا يخفى أنّه لا داعي إلى تقييد النسب في الحديث بهذا الفرد الخاصّ، بل المراد به: أنّ كلّ ما يحرم على شخص من جهة نسب حاصل بينهما أو من جهة نسب حاصل بين أحدهما و زوج الآخر أو من في حكمه، فيحرم نظيره من جهة الرضاع الحاصل بينهما أو بين أحدهما و زوج الآخر أو من في حكمه.
و حاصل معناه بعبارة أضبط: كلّ رابطة نسبيّة ثبت من جهتها تحريم شخص على آخر، فيثبت التحريم أيضا من جهة نظيرها الحاصل بالرضاع، فإذا ورد: «أنّ أمّهات الأزواج محرّمة» فنقول: إنّ التحريم تعلّق بالنساء المتّصفات بالأمومة للزوجات، و هي رابطة نسبيّة علّق عليها التحريم، فإذا حصل نظيرها بالرضاع يحصل الحرمة، للحديث المذكور.
فظهر: أنّه كما يصدق على أمّ الرجل أنّها محرّمة عليه من جهة النسب- أي من جهة الرابطة النسبيّة؛ حيث إنّها حرمت عليه بعنوان كونها أمّا له- فكذلك يصدق على أمّ زوجته أنّها محرّمة عليه من جهة النسب؛
حيث إنّها حرمت عليه من جهة كونها امّا لزوجته، فالموضوع في كلّ من الحكمين معنون بعنوان «الأمومة» إلّا أنّها في الأوّل بين المحرّم و المحرّم عليه، و في الثاني بين المحرّم و زوج المحرّم عليه.
و من هنا تراهم يتمسّكون في تحريم مرضعة الغلام الموقب و رضيعتها على الموقب بالحديث المذكور، و إلّا فأيّ نسب بين المرضعة و الموقب؟
و ممّا ذكرنا ظهر ما في استشكال صاحب الكفاية الحكم بإلحاق الرضاع بالنسب في الرابطة النسبيّة الموجودة بين أحد الزوجين و أقرباء الآخر الموجدة لعلاقة المصاهرة بين الزوجين في ثبوت أحكام المصاهرة بالنسبة إلى أحد الزوجين و بعض ذوي الروابط الرضاعيّة للآخر، و أنّه إن كان الإجماع على ذلك فهو، و إلّا ففي دلالة الحديث المشهور على ذلك إشكال (1). و قد عرفت أنّه لا إشكال في المسألة أصلا بحمد اللّٰه سبحانه.
الثاني: أنّ الرضاع كما يؤثّر في ابتداء النكاح يؤثّر في استدامته، فكلّ رضاع يمنع من النكاح إذا سبقه، يبطله إذا لحقه، بلا خلاف فيه على الظاهر.
و يدلّ عليه إطلاق الحديث المشهور: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» و خصوص بعض الأخبار الواردة في بعض فروع المسألة.
منها: حسنة الحلبي- بابن هاشم- عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «لو أنّ رجلا تزوّج جارية فأرضعتها امرأته فسد نكاحه» (2)، و رواها في الفقيه بسند صحيح عن أبي جعفر عليه السلام (3)بتفاوت يسير. و نحوها حسنته
الأخرى عنه عليه السلام (1).
و يترتّب على ذلك أنّه إذا تزوّج برضيعة فأرضعتها بعض نساء آبائه و إن علوا أو أولاده و إن نزلوا، أو إخوته بلبنهم، أو أخواته، حرمت عليه، و كذا لو أرضعتها زوجته الكبيرة بلبنه- كما في الأخبار السابقة- و تحرم الكبيرة أيضا مؤبّدا.
و لو أرضعتها بلبن غيره، فإن دخل بالكبيرة حرمتا أيضا، و إن لم يدخل بها حرمت الكبيرة مؤبّدا، و حرمت الصغيرة جمعا، بمعنى جواز تجديد العقد عليها بعد بطلان النكاح الأوّل، و الوجه في بطلان نكاحهما عدم جواز الحكم بصحّة نكاحهما، و لا بصحّة نكاح أحدهما؛ لأنّه ترجيح من غير مرجّح.
و استشكل في الحكم صاحب الكفاية من حيث احتمال القرعة (2). و هو ضعيف.
و لو أرضعت زوجته الصغيرة إحدى الكبيرتين بلبنه، ثمّ أرضعتها الأخرى، حرمن جمع.
و حكي عن الإسكافي (3)و الشيخ (4): أنّه تحرم المرتضعة و اولى المرضعتين؛ و لعلّ وجهه: أنّ أمّ الزوجة المحرّمة هي من زوّج ابنته (5)، بأن
تتّصف بنته (1)بالزوجيّة، بمعنى تصادق عنواني البنتيّة و الزوجيّة في زمان من الأزمنة، حتّى يصدق على أمّها في ذلك الزمان «أمّ الزوجة».
و هنا ليس كذلك؛ لأنّ المرضعة الثانية إنّما صارت امّا بعد ما انفسخ عقد الصغيرة، فحصلت صفة النبتيّة للصغيرة بعد زمان الزوجيّة.
و يؤيّده ما رواه في الكافي بسند ضعيف بصالح بن أبي حمّاد، عن عليّ ابن مهزيار، رواه عن أبي جعفر عليه السلام «قيل له: إنّ رجلا تزوّج بجارية صغيرة، فأرضعتها امرأته، ثمّ أرضعتها امرأة له اخرى، فقال ابن شبرمة:
حرمت عليه الجارية و امرأتاه، فقال أبو جعفر عليه السلام: أخطأ ابن شبرمة، حرمت عليه الجارية. و امرأته التي أرضعتها أوّلا، فأمّا الأخيرة فلم تحرم عليه؛ لأنّها أرضعت ابنتها» (2)و لا يبعد العمل بها؛ لموافقتها للأصل.
ثمّ إنّه كلّما حكم بفساد نكاح الصغيرة بالرضاع، فإن كان الرضاع بسبب مختصّ بها- بأن سعت إلى الكبيرة و هي نائمة، و ارتضعت الرضاع المحرّم- فقد صرّح في الشرائع و التحرير و المسالك بسقوط مهرها (3). و يحتمل عدم السقوط؛ لأنّ المهر ثبت بالعقد، و لا دليل على سقوطه بفعل الصغيرة الذي حصل منها من غير قصد و تمييز.
و إن كان بسبب مختصّ بالكبيرة، بأن تولّت إرضاعها، و كان لها مهر مسمّى، غرمه الزوج، و قيل: يغرم نصفه، كالطلاق، و هو محكيّ عن الشيخ (4)
و جماعة (1)، و لا دليل عليه؛ بناء على ملك الزوجة لكمال المهر بالعقد.
و في رجوع الزوج الغارم إلى المرضعة إشكال، و لا يبعد عدم الرجوع فيما إذا كان الإرضاع واجبا عليها، لفقد من يرضعها بما يسدّ رمقها؛ لأنّه حينئذ مأمور به، فلا يتعقّبه ضرر (2).
و الأقوى عدم الرجوع؛ لعدم الدليل، و نظائره كثيرة، كما لو قتلت الزوجة، أو ارتدّت بعد الدخول، أو أرضعت من ينفسخ نكاحهما بإرضاعه، فإنّ المهر ثابت في جميع الصور على الزوج، و لا يرجع بعد غرامته إلى أحد.
نعم مقتضى قاعدة نفي الضرر: رجوع الزوج بما يغرمه و إن لم نقل بضمان البضع، فإنّ مقتضى ضمانه الرجوع إلى مهر المثل أو نحوه، لا ما يغرمه.
و عدم الرجوع في الأمثلة المذكورة [لأنّه تصرّف في البضع، و هو و المهر عوض له] (3)و لهذا يغرم الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم بطلاق الزوج الأوّل للمرأة المهر للثاني.
و يؤيّدها ما رواه في الفقيه بسند ضعيف عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام «قال: سألته عن رجل قال لآخر:
اخطب لي فلانة، فما فعلت شيئا ممّا قاولت من صداق أو ضمنت من شيء أو شرطت، فذلك لي رضي و هو لازم لي، و لم يشهد على ذلك، فذهب فخطب له و بذل عنه الصداق، و غير ذلك ممّا طالبوه و سألوه، فلمّا رجع إليه أنكر
ذلك كلّه؟ قال: يغرم لها نصف الصداق عنه؛ و ذلك أنّه هو الذي ضيّع حقّها، [إذ لم يشهد عليه بذلك الذي قال] (1)» (2). دلّ بعموم التعليل على أنّ التضييع سبب للغرامة، و قد حصل في ما نحن فيه من المرضعة (3).
الثالث: اعلم أنّه قد حكى شيخنا المحقّق الثاني في رسالته الرضاعيّة عن بعض الطلبة القول بنشر الحرمة بالرضاع في صور كثيرة، و نسب ذلك إلى اشتباههم، و ذكر أنّه لا مستند لهم في ذلك، و زعموا أنّ ذلك من فتاوى شيخنا الشهيد رحمه اللّٰه، و ليس لهم إسناد يتّصل بشيخنا في هذه الفتوى.
ثمّ قال: نعم، اختلف أصحابنا في ثلاث مسائل قد يتوهّم منها القاصر عن درجة الاستنباط أن يكون دليلا لشيء من هذه المسائل، أو شاهدا عليها- إلى أن قال-: إنّ المسائل المتصوّرة في هذا الباب كثيرة لا تنحصر، و الذي سنح لنا الآن ذكره- خارجا من المسائل الثلاث المشار إليها- صور، ثمّ ذكر الصور، ثمّ عقّبها بذكر المسائل الثلاث التي ذكر أنّه اختلف فيها بين الأصحاب (4).
أقول: الظاهر أنّ هذا المتوهّم قد استند في دعوى النشر إلى عموم المنزلة في الرضاع المشهور في الألسنة، و حاصل تفسيره: أنّه إذا حصل بالرضاع عنوان مصادق للعنوان الذي تعلّق به التحريم في النسب حكم بتحريمه و إن لم يحصل بالرضاع نفس ذلك العنوان المنوط به التحريم.
مثلا: إذا أرضعت امرأتك ولد ابنتك، فقد صارت المرضعة أمّا لولد بنتك؛ و «أمّ ولد البنت» حيث إنّه عنوان مصادق في النسب لعنوان «البنت» محرّمة، فإذا حصل هذا العنوان بإرضاع امرأتك ولد ابنتك تحقّق التحريم، و بطلان نكاح الجدّ و المرضعة، و إن لم يتحقّق عنوان «البنتيّة» في الرضاع، و هكذا.
و ها أنا أذكر المسائل الثلاث التي ذكر المحقّق أنّها ممّا تعرّض لها الأصحاب و اختلفوا فيها، ثمّ أذكر غيرها من الصور التي ذكر أنّ القول بالتحريم فيها توهّم، و أنّه ليس به قائل معروف بين الأصحاب، و أنّ نسبته إلى الشهيد رحمه اللّٰه غير ثابتة (1).
1) الرسالة الرضاعية (رسائل المحقق الكركي) 1: 213.
فنقول: أمّا المسائل المختلف فيها:
فإحداها: حرمة جدّات المرتضع على صاحب اللبن:
اختلف فيها الأصحاب على قولين، و قريب منه أمّ المرضعة و جدّاتها بالنسبة إلى أب المرتضع، و قد تقدّم في المسألة الثامنة عشرة نسبة القول بتحريم جدّات المرتضع على الفحل إلى ابن إدريس رحمه اللّٰه (1)، و عزي هذا القول إلى جماعة من الأصحاب (2).
و قد عرفت في تلك المسألة أنّه لا وجه للتحريم، عدا توهّم صيرورة جدّات المرتضع جدّات لولد الفحل، و جدّة الولد محرّمة؛ لكونها أمّا أمّا أو أمّ زوجة، و كلتاهما محرّمتان؛ و مثل هذا جار في أمّ المرضعة و جدّاتها بالنسبة
إلى أب المرتضع. و مرجع هذا الاستدلال إلى دعوى عموم المنزلة في الرضاع التي ذكرنا تفسيره قريبا، و أثبتنا فساده- لعدم الدليل عليه- في المسألة الثانية من المسائل المتقدّمة.
و ثانيتها: أخوات المرتضع نسبا و رضاعا بشرط اتّحاد الفحل هل يحللن للفحل أم لا؟
و قد حكي عن الشيخ و ابن إدريس القول بالتحريم (1)و لعلّه لأنّهن بمنزلة ولده، كما أنّ أولاد الفحل بمنزلة ولد أب المرتضع، لصحيحة عليّ بن مهزيار المتقدّمة (2)، و قد عرفت في المسألة العشرين من المسائل المتقدّمة ضعف هذا القول، لأنّ الحكم بكون أولاد الفحل و المرضعة بمنزلة ولد أب المرتضع لا يقتضي الحكم بكون أولاد أبوي المرتضع بمنزلة أولاد الفحل، بل غاية ما حصل من ارتضاع أخيهم بلبنه هو كون أخيهم بمنزلة ولده، فهم إخوة ولده، و أخ الولد لا يحرم إلّا إذا كان ولدا.
و ثالثتها: أولاد صاحب اللبن ولادة و رضاعا و أولاد المرضعة ولادة هل تحرم على أب المرتضع؟
و قد عرفت في المسألة العاشرة و السادسة و العشرين: أنّ الأصحّ التحريم، للأخبار المتقدّمة في المسألتين، و إن كانت القاعدة لا تقتضي التحريم، نظرا إلى أنّه لم يحصل بالرضاع إلّا أخوّة أولاد صاحب اللبن و المرضعة للمرتضع، فهم إخوة ولد لأب المرتضع، و «أخ الولد» لا يحرم إلّا إذا صدق «الولد» عليه، إمّا من النسب و إمّا من الرضاع، لكن الأخبار
المتقدّمة قد دلّت على أنّهم بمنزلة ولده.
هذه المسائل الخلافيّة التي ذكرها المحقّق في الرسالة، و صرّح في غير الأخيرة بعدم التحريم.
أقول: و هنا مسألة رابعة اختلف فيها، و هي مسألة تحليل أولاد صاحب اللبن نسبا و رضاعا، أو أولاد المرضعة نسبا على إخوة المرتضع الذين لم يرتضعوا بلبن ذلك الفحل.
و أمّا المسائل التي ذكرها و نسب القول بالتحريم فيها إلى الوهم، فهي ثلاث عشرة مسألة:
الاولى: أن ترضع المرأة بلبن فحلها الذي هي في نكاحه حين الإرضاع أخاها أو أختها لأبويها، أو أحدهما.
فيقال: إنّ ذلك موجب لتحريم المرضعة على زوجها، من جهة أنّ المرتضع صار ولدا للفحل و لأختها المرضعة، فهي أخت ولد الفحل، و أخت الولد محرّمة من النسب، فكذا من الرضاع (1).
و بعبارة أخرى: الفحل يصير أبا رضاعيّا لأخ الزوجة أو أختها، و كما أنّ أباهما النسبي محرّم عليها، فكذا الرضاعي.
و الحقّ أنّه توهّم- كما ذكره شيخنا المحقّق- لما مرّ في المسألة العشرين
1) في «ق»: «فكذا من النسب»، و هو من سهو قلمه الشريف.
من المسائل المتقدّمة: من عدم تحريم من في حاشية نسب المرتضع على الفحل، و أنّ الخلاف هنا محكيّ عن الشيخ و ابن إدريس (1)و هو ضعيف.
لكن يرد على شيخنا المحقّق أنّ هذه المسألة هي ثانية المسائل التي ذكر فيها الخلاف بين الأصحاب، فإنّ تحريم المرضعة في الفرض المذكور على زوجها مبنيّ على تحريم أخوات المرتضع على الفحل، و هي عين المسألة الثانية من الثلاث المتقدّمة.
نعم لو كان توهّم التحريم ناشئا عن غير ما ذكر في توجيهه- مثل صيرورة المرضعة أمّا لأخ الزوجة من أمّها، و هي محرّمة على الزوج- أمكن كونها بهذا الاعتبار مسألة خارجة عن المسائل الثلاث.
الثانية: أن ترضع الزوجة المذكورة ولد أخيها.
الثالثة: أن ترضع ولد أختها.
فقد يتوهّم التحريم في هاتين المسألتين من جهة صيرورة المرضعة عمّة أو خالة الولد الفحل من الرضاع، و عمّة الولد محرّمة عينا- لأنّها أخت- و خالته محرّمة جمعا؛ و لأنّ الفحل في المسألة الأولى أب رضاعيّ لولد أخ المرضعة، فكما أنّ الأب النسبيّ لولد أخيها محرّم عليها- لأنّه أخوها- فكذا الأب الرضاعي له.
و لا يخفى أيضا فساد التوهّمين، لأنّ عمّة الولد إنّما تحرم لكونها أختا، فإذا تحقّق بالرضاع علاقة الأختيّة تحقّق التحريم؛ و قد عرفت ذلك في المسألة الثامنة عشر. و كذا الكلام في الأب النسبيّ لولد الأخ، فإنّه لا يحرم إلّا لأجل
1) الخلاف، كتاب الرضاع، المسألة: 1، السرائر 2: 555.
عنوان الاخوّة.
و أمّا خاله الولد فتحريمها على الأب ممّا لا يتفوّه به أحد؛ إذ لم يحصل الجمع بين الأختين الذي هو مناط تحريم خالة الولد. نعم يصدق على المرضعة أنّها أمّ للمرتضع و خالته، و الجمع بين الأختين محرّم هو أن يكون للشخص امرأتان يصدق على إحداهما: أنّها أمّ لولده، و على الأخرى: أنّها خالة لولده، لا أن تكون له امرأة واحدة يصدق عليها أنّها أمّ ولده و خالته.
و قد حكي عن السيّد الداماد الجزم بالتحريم في هذه الصورة (1)و هو بعيد.
الرابعة: أن ترضع الزوجة المذكورة ولد ولدها،- ابنا كان أو بنتا- و مثله ما لو أرضعت إحدى زوجتيه ولد ولد الأخرى.
فيقال هنا بتحريم المرضعة في الفرض الأوّل و ضرّتها في الثاني على زوجهما، من جهة صيرورتها جدّة ولدها، و جدّة الولد محرّمة على الأب؛ لأنّها إمّا أمّ و إمّا أمّ زوجة، و كلتاهما محرّمتان.
و الأقوى في هذه أيضا عدم التحريم، كما نبّهنا عليه في المسألة الثامنة عشر: من أنّ أصول المرتضع لا يحرمن على الفحل.
ثمّ إنّ هذه المسألة أولى المسائل الثلاث الخلافيّة التي ذكرها شيخنا المحقّق (2)- أعني تحريم جدّات المرتضع على الفحل- و قد يستند التحريم في هذه المسألة مع كون المرتضع ولد بنت للفحل إلى صيرورة المرضعة أمّا لولد
بنته، و «أمّ ولد البنت» من النسب محرّمة، لكونها بنتا، فكذا تحرم من الرضاع. و فيه ما مرّ في المسألة الثانية.
الخامسة: أن ترضع الزوجة المذكورة عمّها أو عمّتها.
السادسة: أن ترضع خالها أو خالتها:
فيقال: إنّ الزوجة تصير بالإرضاع امّا لعمّها أو لعمّتها أو خالها أو خالتها، و أمّ عمّ الزوجة أو عمّتها أو خالها أو خالتها محرّمة على الزوج؛ لأنّها جدّة الزوجة لأبيها أو لأمّها، أو أنّ الزوج يصير بإرضاع زوجته لهؤلاء أبا لهم من الرضاع، و هذه الزوجة تحرم على أبيهم من النسب، لأنّه جدّها؛ فتحرم على أبيهم من الرضاع.
و يظهر الجواب عن الوجهين بما مرّ مرارا، فإنّ أمّ عمومة الزوجة و خئولتها إنّما حرمت على الزوج من جهة الدخول في «أمّهات النساء» و لم يحصل هذا العنوان للمرضعة؛ و كذا تحريم المرأة على أبي عمومتها أو خئولتها لأجل كونه جدّا لها، و لم يحصل عنوان «الجدودة» للفحل بالرضاع.
و اعلم أنّ هذه المسألة من فروع المسألة الأولى، لأنّ أخوات المرتضع إذا حرمت على الفحل من جهة كونهنّ كالأولاد له، حرمت عليه أولادهنّ، و هذه المرضعة تصير من أولاده الإخوة.
و قد عرفت أنّ تلك المسألة من المسائل الخلافيّة، فلا وجه لعدّ هذه المسألة مسألة أخرى غير المسألة الأولى؛ كما لا وجه لعدّ كلتيهما خارجة عن المسائل الخلافيّة.
السابعة: أن ترضع الزوجة المذكورة ولد عمّها أو عمّتها.
الثامنة: أن ترضع ولد خالها أو خالتها
فيقال في صورة إرضاع ولد العمّ أو الخال: إنّ الفحل يصير أبا لهذا الولد، فيحرم على المرضعة، لأنّه إمّا أبو ولد عمّها، أو أبو ولد خالها، و كلاهما محرّمان عليها، لأنّ الأوّل عمّها و الثاني خالها.
و أمّا إرضاع الزوجة ولد خالتها أو عمّتها، فلم أعثر فيه على ما يوجب توهّم التحريم فيه، إلّا إذا قلنا بحرمة الجمع بين المرأة و ابنة أخيها أو أختها مطلقا حتّى مع إذنها، و حينئذ فيجري فيه التوهّم الذي جرى في المسألة الثالثة من إرضاع الزوجة ولد أختها، فراجع.
و قد صرّح بعض من جزم بالنشر في صورة إرضاع ولد العمّ و الخال بعدم النشر في إرضاع ولد العمّة و الخالة (1)، و يظهر الكلام في فساد توهّم الحرمة هنا ممّا مرّ مرارا.
التاسعة: أن ترضع الزوجة المذكورة أخا الزوج أو أخته:
فيقال: إنّ المرضعة صارت أمّ أخيه لأبويه أو أخته كذلك، و هي محرّمة، لكونها امّا.
و فيه أنّ حرمة أمّ الأخ للأبوين في النسب لعلاقة الأمومة بينهما، و نظيرها لم يحصل بالرضاع، و إنّما حصل به «أمومة الأخ» و لم يتعلّق التحريم بالنسب به.
العاشرة: أن ترضع ولد ولد الزوج:
فيقال: إنّها صارت امّا لولد ولده، و أم ولد الولد محرّمة؛ لكونها إمّا بنتا، و إمّا زوجة ابن.
1) صرّح بذلك السيّد الداماد في رسالته: ضوابط الرضاع (كلمات المحقّقين): 25.
و فيه: أنّ شيئا من عنواني «البنت» و «زوجة الابن» لم يحصل بالرضاع، مع أنّ حصول زوجيّة الابن لا يجدي، لأنّ الزوجيّة لا تثبت بالرضاع إجماعا.
الحادية عشرة: أن ترضع ولد أخيه أو ولد أخته:
و لا يخفى أنّه ليس في إرضاع ولد الأخ ما يوجب التوهّم، لأنّ المرضعة لم تزد على أن صارت امّا لولد أخي زوجها (1)و «أمّ ولد الأخ» ليس حراما على الشخص.
نعم، يقال في فرض إرضاع ولد الأخت: إنّها تصير «أمّ ولد الأخت» و هي محرّمة؛ لكونها أختا.
و فيه: «أنّ «أمّ ولد الأخت» ليست محرّمة إلّا لعنوان الاخوّة (2)الغير الحاصلة بالرضاع.
الثانية عشرة: أن ترضع عمّ الزوج أو عمّته.
الثالثة عشر: أن ترضع خال الزوج أو خالته:
فيقال: إنّ المرضعة حيث إنّها صارت امّا لعمومة الزوج أو خئولته، حرمت عليه لكونها جدّة له.
و فيه: ما مرّ غير مرّة، و حاصله: أنّه لم يثبت من أدلّة إلحاق الرضاع بالنسب إلّا أنّ الرضاع فرع النسب، فكلّ علاقة حصلت
بالرضاع إنّما توجب الحرمة إذا كان نظيرها الحاصل بالنسب موجبا (1)للحرمة، إذ لا يعقل أن تثبت الحرمة لأجل علاقة رضاعيّة لو فرض حصولها من النسب لم توجب التحريم، لأنّ هذا مناف لفرعيّة الرضاع و أصالة النسب.
فنقول في هذه الصورة- الثالثة عشر-: لم يحصل بالرضاع إلّا علاقة الأمومة بين المرضعة و عمومة الزوج أو خئولته، و نظيرها الحاصل بالنسب ليس موجبا للتحريم، لأنّ الأمّ النسبيّة للعمومة و الخؤولة لا تحرم على الشخص من حيث امومتها لعمومته أو خئولته، بل من حيث علاقة جدودتها له، فلا يحكم بالحرمة في الرضاع إلّا إذا حصلت هذه العلاقة، لا علاقة مستلزمة لها لا دخل لها في التحريم و لو حصلت من جهة النسب (2)كما مرّ مرارا، فراجع.
و الحمد للّٰه أوّلا و آخرا.
و فيه أبواب:
الأوّل (1): في المصاهرة و هي علاقة تحدث بين كلّ من الزوجين و أقرباء الآخر توجب حرمة النكاح.
من عقد على امرأة حرم عليه أمّها و إن علت تحريما مؤبّدا و إن (2)لم- يدخل بالمعقودة على المشهور، بل عن الروضة: أنّه كاد يكون إجماعا (3)و في الرياض (4): أنّ عن الناصريّات (5)و الغنية (6)دعوى الإجماع عليه، لعموم قوله تعالى وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ (7)السليم عن معارضة ما يصلح
لتخصيصه، عدا ما يتراءى: من احتمال كون القيد في قوله تعالى:
مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ راجعا إلى هذه الجملة، كما يرجع إلى «الرّبائب» اتفاقا، فيسقط ذلك عن الحجّية.
و ما يتوهّم من الاتّكال على بعض الروايات (1)في تخصيص الآية.
و شيء منهما لا يقدح في ظهورها.
أمّا القيد الراجع إلى «الرّبائب» فلأنّ إرجاعه إلى قوله «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ» موجب لاستعمال كلمة «من» في معنيين، لأنّها بالنسبة إلى «الرَّبائِبِ» ابتدائيّة، و بالنسبة إلى قوله «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ»- لو رجع إليه- بيانيّة، و هو غير جائز. و لو استعملت في القدر المشترك- و هو مطلق الاتّصال- كان مرجوحا مخالفا لظهورها في الابتداء.
و أمّا الرواية فلا تصلح مخصّصة، لمعارضتها بأكثر منها و أشهر و أقوى:
منها: المحكيّ عن تفسير العيّاشي عن أبي حمزة عن مولانا الباقر عليه السلام: «أنّه سئل عن رجل تزوّج امرأة و طلّقها قبل أن يدخل بها، أ تحلّ له ابنتها؟ قال: فقال عليه السلام: قد قضى في ذلك أمير المؤمنين عليه السلام لا بأس به، إنّ اللّٰه يقوله وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ (2)و لكنّه لو تزوّج الابنة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها لم تحلّ له أمّها، قال: قلت له: أ ليس هما سواء؟ قال: فقال: لا، ليس هذه مثل هذه، إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول:
«وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ» لم يستثن في هذه كما اشترط في تلك، هذه هنا مبهمة ليس فيها شرط، و تلك فيها شرط» (1).
و قد استنهض بعض المعاصرين (2)بهذه الرواية على رجوع القيد الواقع عقيب الجمل المتعدّدة على رجوعه إلى الأخيرة؛ نظرا إلى استدلال المعصوم بإطلاق غير الأخيرة.
و فيه نظر؛ لجواز كون الوجه في إطلاقه عدم صلاحيّة رجوع القيد إليه، كما عرفت. و محلّ النزاع في المسألة الأصوليّة فيما إذا صلح القيد لغير الأخيرة أيضا.
و كيف كان، فالمحكيّ عن العماني من اشتراط الدخول في المعقودة في تحريم أمّها (3)ضعيف جدّا و إن صحّت روايته.
و تحرم أيضا بالعقد عليها بناتها و إن نزلن لكن مع عدم الدخول إنّما تحرم جمعا بمعنى تحريم الجمع بينها و بينهنّ لا عينا، فإن دخل بالأمّ حرمن مؤبّدا لقوله تعالى وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ و يدلّ عليه الروايات المستفيضة (4).
و تحرم المعقود عليها و إن لم يدخل بها على أب العاقد و إن علا لعموم وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ.
و على ابنه و إن نزل و يدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم،
و فيها- بعد الاستدلال على حرمة أزواج النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم على الحسن و الحسين عليهما السلام بقوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ- «أنّه لا يصلح للرجل أن ينكح امرأة جدّه» (1).
و لو وطأ أحدهما زوجة الآخر لشبهة لم تحرم الموطوءة على الزوج (2)لأصالة بقاء الحلّ، و فحوى ما في الروايات: من أنّ الحرام لا يحرّم الحلال، (3)و للرواية (4)في من عقد على أمّ زوجته و وطأها بشبهة (5).
و قيل: يحرم على الابن زوجته إذا وطأها أبوه بشبهة، لعموم قوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ (6)بناء على أنّ النكاح هو الوطء (7).
و كذا لا تحرم الزانية على أب الزاني و ابنه (8)مطلقا على رأي نسب إلى الأكثر (9)لاستصحاب صحّة العقد عليها قبل الزنى. و لا يعارضه استصحاب حرمة الوطء و النظر قبل العقد، لأنّا إذا أثبتنا صحّة العقد
1) الوسائل 14: 312، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأوّل.
2) في الإرشاد زيادة: على رأي.
3) راجع الوسائل 14: 324- 329، الباب 6 و 8 و 9.
4) في «ق»: و الرواية.
5) لم نقف عليها بعد الفحص، و لم نجد الاستدلال بها في مثل الحدائق و الجواهر في مسألة الوطء بالشبهة.
6) النساء: 22.
7) الرياض 2: 95.
8) في «ع» و «ص» زيادة: و له نكاح، و في «ش»: و له النكاح.
9) استظهره السيد الطباطبائي في الرياض (2: 96) من كلام ابن إدريس.
بالاستصحاب لزمها ترتّب الآثار.
و لعموم قوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (1)و لما دلّ من الروايات على عدم تحريم أمّ المزنيّ بها و بنتها على الزاني (2)بناء على عدم الفرق في الحكم بين أصول الزاني و المزنيّ بها و فروعهما في نشر الحرمة و عدمه.
خلافا للمحكيّ عن الأكثر، فتحرم (3)لرواية ابن أبي عمير عن أبي بصير (4)و رواية عليّ بن جعفر (5)، عن أخيه عليهما السلام و موثّقة عمّار (6).
و كذا لا تحرم أمّ المزنيّ بها و لا بنتها و إن تقدّم لما مرّ من الأصل و العموم، مضافا إلى رواية هشام بن المثنّى (7)و حنان بن سدير (8)و رواية سعيد بن يسار (9)و مرسلة ابن رباط (10).
1) النساء: 24.
2) راجع الوسائل 14: 324- 325، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الأحاديث 6- 12.
3) انظر الجواهر 29: 368.
4) الوسائل 14: 328، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأوّل.
5) الوسائل 14: 328، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
6) الوسائل 14: 320، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3.
7) الوسائل 14: 324- 325، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الأحاديث 7 و 10.
8) الوسائل 14: 324- 325، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 11.
9) الوسائل 14: 323- 324، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 6.
10) الوسائل 14: 324، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 9.
و الأوليان تقبلان الحمل على ما إذا وقع الفجور بعد العقد، بخلاف الأخيرتين.
لكنّهما معارضتان بغيرهما ممّا دلّ على التحريم، كصحاح محمّد بن مسلم (1)و عيص بن القاسم (2)و منصور بن حازم (3)فلا بأس بحملهما على ما إذا لم يحصل الزنى، و يراد بلفظ الفجور فيهما مثل اللمس و القبلة و نحوهما، على ما ذكره الشيخ في التهذيب (4).
و استثنى من قال بعدم تحريم بنت المزنيّ بها صورتين، أشار إليهما المصنّف قدّس سرّه بقوله: إلّا أن يزني بعمّته أو خالته، فإنّ بنتيهما تحرمان أبدا بلا خلاف و لكنّ النصّ مختصّ بالخالة (5).
ثمّ إنّ الخلاف المتقدّم فيما إن سبق الزنى على العقد، و إن لم يسبق على الوطء و إلّا يسبق على العقد و إن سبق على الوطء فلا يحرّم إجماعا، للأخبار المستفيضة الدالّة على أنّه لا يحرّم الحرام الحلال (6).
نعم، في بعض الروايات اشتراط عدم التحليل بتأخّر الزنا عن الوطء كرواية أبي الصباح (7)و مفهوم الحصر في رواية
1) الوسائل 14: 322، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأوّل.
2) الوسائل 14: 322- 323، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
3) الوسائل 14: 323، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3.
4) التهذيب 7: 329، ذيل الحديث 1355.
5) الوسائل 14: 329، الباب 10 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1 و 2.
6) راجع الوسائل 14: 324- 329، الأبواب 6 و 8 و 9 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.
7) الوسائل 14: 327، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 8.
عمّار (1).
و كذا لا يحرم لأجل الوطء بالشبهة (2)تزويج الموطوءة على أب الواطئ و ابنه، و لا على الواطئ أمّها و بنتها على رأي المصنّف و جماعة قدّس اللّٰه أسرارهم (3)و إن لحق به النسب للأصل، و عموم وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (4).
نعم، من قال بالنشر في الزنى فالقول به هنا أولى.
و النظر إلى ما يحرم على غير المالك للنظر لأجل الملك أو العقد أو التحليل النظر إليه و كذا لمسه لا ينشر الحرمة، و إن كان الناظر أبا أو ابنا على رأي المصنّف، و شيخه المحقّق قدّس سرّهما (5)للأصل، و العموم، و خصوص رواية عليّ بن يقطين (6).
و عن الشيخ و أتباعه (7)النشر إلى الأب؛ و الابن لعموم «وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ»، و لصحيحة ابن بزيع: «إن جرّدها فنظر إليها بشهوة حرمت على أبيه و ابنه» (8)و نحوها المحكيّة عن الفقيه (9).
1) الوسائل 14: 320، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3.
2) في الإرشاد: للشبهة.
3) مثل ابن إدريس في السرائر 2: 535 و المحقّق في الشرائع 2: 289.
4) النساء: 24.
5) الشرائع 2: 289.
6) الوسائل 14: 585، الباب 77 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 3.
7) النهاية: 451، و المهذّب 2: 182 و الوسيلة: 293.
8) الوسائل 14: 317، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأوّل.
9) الفقيه 3: 410، الحديث 4435، الوسائل 14: 318، الباب 3 من أبواب
و عن المفيد تخصيص الحرمة بمنظورة الأب (1)لصحيحة محمّد بن مسلم:
«إذا جرّد الرجل الجارية و وضع يده عليها فلا تحلّ لابنه» (2)و لا يخفى قصورها عن إفادة الاختصاص.
و عن الإسكافي (3)و الشيخ في الخلاف (4)تحريم أمّ المنظورة و الملموسة و بنتها على الفاعل؛ لعموم النبويّين: «لا ينظر اللّٰه إلى من نظر إلى فرج امرأة و بنتها» (5)و في الآخر: «من كشف قناع امرأة حرمت عليه أمّها و بنتها» (6)و الصحيحة تدلّ على أنّه إذا رأى من المعقودة ما يحرم على غيره حرمت عليه بنتها (7).
و الكلّ ضعيف سندا أو إفادة (8)و القول الثاني لا يخلو عن قوّة.
و حكم الرضاع في جميع ذلك الّذي ذكرنا من موارد الوفاق و الخلاف كالنسب بلا خلاف ظاهرا، لعموم: «يحرم من الرضاع ما يحرم
1) ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 6.
2) الوسائل 14: 317، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 4.
3) نقله عنه العلامة في المختلف: 525.
4) راجع الخلاف، كتاب النكاح، المسألة 81.
5) مستدرك الوسائل 14: 399، الباب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 8 مع تفاوت يسير.
6) مستدرك الوسائل: 14: 401، الباب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 6 مع تفاوت يسير.
7) الوسائل 14: 353، الباب 19 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأوّل.
8) في «ع» و «ص»: سندا و إفادة.
من النسب» (1)لأنّ معناه أنّ العلاقة (2)الحاصلة بسبب الرضاع كالحاصلة بالنسب؛ و كما أنّ العلاقة النسبيّة الثابتة بين الزوجة و أمّها أوجبت حرمة الأمّ على الزوج، فكذلك الرضاعيّة الحاصلة بين الزوجة و بين مرضعتها.
و الحاصل، أنّ العلاقة الحاصلة من الرضاع بمنزلة نظيرها الثابت بالنسب، فمرضعة الزوجة أم، و بناتها أخوات، و كذا مرضعة الزوج و أصولها، فلا يقال إنّ حرمة هؤلاء النسوة بالمصاهرة لا توجب حرمتها في الرضاع، لأنّ الرضاع إنّما حرم منه (3)ما حرم من النسب لا من المصاهرة.
نعم: نظير المصاهرة في الرضاع أمّ المرتضع بالنسبة إلى الفحل، حيث إنّه إذا صار المرتضع ولدا له، فأمّه بمنزلة زوجته، و جدّته بمنزلة أمّ الزوجة؛ فربما يتوهّم تحريمها عليه من هذه الجهة، و هو غلط، فإنّ المصاهرة لا تحصل بالرضاع.
و قد يتوهّم التحريم هنا من جهة عموم المنزلة، بأن يقال: إنّ جدّه الولد النسبي محرّمة، فكذلك جدّة الولد الرضاعي.
و فيه: ما مرّ في باب الرضاع.
و تحرم أخت الزوجة جمعا بالكتاب (4)و السنّة (5)و الإجماع (6)من غير فرق بين الدائمة و المنقطعة؛ و كذا ملك اليمين.
و كذا تحرم مع بقاء علاقة الزوجيّة- و لو بجواز الرجوع في المطلّقة الرجعيّة- العقد على بنت أختها و أخيها، إلّا أن تجيز الخالة أو العمّة و يدلّ عليه الأخبار المستفيضة (1).
خلافا للمحكيّ عن القديمين، فجوّزاه مطلقا (2)لبعض الروايات (3).
و للمحكيّ عن الصدوق، فمنعه مطلقا و لو مع الإذن (4)لبعض آخر (5).
و هما ضعيفان، لتقييد أولاهما بما دلّ على اختصاص الجواز بصورة الإذن.
و عليه فإن عصى في موضع و فعل بطل النكاح على رأي المحقّق قدّس سرّه (6)و وقف على الإجازة على رأي كثير من المتأخّرين (7).
أمّا البطلان منجّزا، فهو:
1) الوسائل 14: 375، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.
2) حكاه عنهما العلامة في المختلف: 527.
3) الوسائل 14: 377، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 11، نقلا عن المختلف.
4) المقنع (الجوامع الفقهية): 28، و حكاه عنه العلامة في المختلف: 528.
5) الوسائل 14: 376، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الأحاديث 7 و 8 و 12.
6) الشرائع 2: 288.
7) نسبه إلى المتأخرين الشهيد الثاني في المسالك 1: 383 و صاحب الجواهر في الجواهر 29: 362.
إمّا لرواية عليّ بن جعفر (1)الدالّة على البطلان.
و إمّا للنهي عنه في الأخبار المقتضي للفساد (2).
و إمّا لأنّ الصحّة في مثل هذا العقد المنهيّ عنه تحتاج إلى دليل خاصّ غير قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (4)لعدم ثبوت وجوب الوفاء و الحلّية مع الحكم بالحرمة؛ أمّا الحكم بالحليّة فواضح، و أمّا وجوب الوفاء، فلأنّ ما كان ابتداؤه و إحداثه مبغوضا يكون البقاء عليه كذلك.
و إمّا لما يستفاد من الروايات الدالّة على صحّة نكاح العبد بدون إذن مولاه و وقوفه على الإجازة المعلّلة بأنّه «لم يعص اللّٰه و إنّما عصى سيّده» (5).
و في بعضها «إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّٰه عليه من النكاح في عدّة و أشباهه» (6).
و أمّا الوقوف على الإجازة، فلعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مع ضعف رواية عليّ بن جعفر، و منع دلالة النهي على الفساد، و لعدم منافاة الحرمة قبل الرضى لوجوب الوفاء، إلّا إذا ادّعي أنّ النهي هنا لعدم قابليّة المعقود عليها للعقد كسائر المحرّمات في النكاح و غيره- مثل تحريم الأصول و الفروع، و تحريم بيع الخمر و شبهه- و هو غير ثابت، بل لا يبعد أن يكون النهي هنا
لعارض و هو رضى العمّة و الخالة، و هذا العارض يندفع بالإذن.
و أمّا حكاية الأخبار الواردة في وقوف نكاح المملوك على الإجازة معلّلا بأنّه «لم يعص اللّٰه و إنّما عصى سيّده»، فالمراد به معصية اللّٰه سبحانه في نكاح النساء المحرّمات عليه، لا مطلق المعصية، لتحقّقها في نكاح المملوك قطعا.
و هنا قول ثالث (1)و هو تخيّر العمّة و الخالة بين فسخ عقد أنفسهما و فسخ عقد البنت و إمضائهما، لوقوع كليهما صحيحين؛ أمّا عقد العمّة و الخالة فواضح، و أمّا عقد البنت فلأنّه عقد صدر من أهله في محلّه؛ فإذا وقع كلاهما صحيحا و كان الجمع بين العقدين موقوفا على رضاهما، تخيّرتا بين الرضى بالجمع و رفعه بفسخ أيّ عقد شاءتا.
و هو ضعيف، لأنّ العقد الأوّل وقع لازما و الأصل يقتضي بقاءه، و رفع الجمع يحصل بفسخ العقد الطارئ و لا يعلم قابليّة العقد الأوّل للفسخ حتّى يرفع الجمع به، فيبقى على أصالة اللزوم.
و هنا قول رابع محكيّ عن الحلّي، و هو بطلان العقد اللاحق و تزلزل العقد السابق (2).
و هو ضعيف، إذ مع بطلان اللاحق و صيرورته كالعدم لا وجه لتزلزل العقد السابق.
و القولان الأوّلان مترتّبان في القوّة و ثانيهما أقوى، و الأخيران
مترتّبان في الضعف كذلك، و الاحتياط غير خفيّ.
[و له إدخال العمة و الخالة على بنت أختهما و أخيهما و إن كرهت المدخول عليها] (1)و لو تزوّج الأختين فإن ترتّبا صحّ السابق لوجود المقتضي و عدم المانع، و بطلان اللّاحق لحرمة الجمع.
و إن (2)اقترنا مع تعدّد العقد أو اتّحد العقد عليهما بطل الكلّ، لأنّ صحّة الكلّ ممتنعة شرعا، و صحّة أحدهما ترجيح من غير مرجّح؛ كما إذا عقد على المرأة و أمّها أو بنتها في عقد واحد.
خلافا للمحكيّ عن الشيخ و أتباعه (3)، فيتخيّر في إمساك إحداهما، لرواية جميل المرميّة بالإرسال و الضعف (4)على رواية التهذيب (5)و الكافي (6)و الموصوفة بالصحة على رواية الفقيه (7).
1) ما بين المعقوفتين من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلّف قدّس سرّه له.
2) في الإرشاد: فإن.
3) النهاية: 454، و المهذّب 2: 184، و لم نعثر على غيرها.
4) أمّا الإرسال، فلأنّه رواها «جميل» عن بعض أصحابه. و أمّا الضعف، فمن جهة «عليّ بن السندي»، انظر معجم رجال الحديث 12: 46.
5) التهذيب 7: 285، باب من أحلّ اللّٰه نكاحه من النساء، الحديث 39، الوسائل 14: 368، الباب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ذيل الحديث 2.
6) الكافي 5: 431، باب الجمع بين الأختين، الحديث 3، الوسائل 14: 368، الباب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
7) الفقيه 3: 419، باب ما أحلّ اللّٰه عزّ و جلّ من النكاح، الحديث: 4460، الوسائل 14: 367، الباب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأول.
و لو تزوّج أخت الأمة الموطوءة بالملك حرمت المملوكة ما دامت الثانية زوجة أو في حكمها. أمّا صحّة التزويج؛ فلعموم وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (1)، و لأنّ الجمع بين الأختين مطلقا ليس بمحرّم، و لهذا يجوز الجمع بينهما في الملك، و أمّا أنّه إذا حصل التزويج حرم وطء المملوكة دون المتزوّجة؛ فلأنّ الوطء بالنكاح أقوى من الوطء بالملك اليمين، لكثرة ما يتعلّق به من الأحكام الّتي لا تتعلّق بالوطء الملك؛ مع أنّ الغرض الأصلي من الملك: الماليّة دون الوطء، و من المتزوّجة: الوطء، و لهذا يجوز تملّك الأختين و لا يجوز تزويجهما، فترجّح المتزوّجة في جواز الوطء.
و في التعليل تأمّل.
و اعلم أنّه لا يجوز الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين، كما لا يجوز الجمع في النكاح.
فعلى هذا لو وطأ الأختين بالملك؛ حرمت الثانية على رأي (2)أي تبقى على حرمة الوطء كما كانت كذلك قبل وطئها بعد وطء الاولى، سواء أبقاها على ملكه أو أخرجها، و سواء كان عالما أو جاهلا، إلّا أن يخرج الاولى عن ملكه فتحلّ الثانية.
أمّا حرمة الثانية و حلّية الاولى؛ فلاستصحابهما و «أنّ الحرام لا يحرّم الحلال». و أمّا حلّيتها بإخراج الأولى عن الملك؛ فلعدم صدق الجمع حينئذ، فلا مقتضى للحرمة.
و في المسألة أقوال أخر، أقواها دليلا ما تضمّنته حسنة الحلبي- بابن هاشم- في أختين وطأ المالك إحداهما ثمّ وطأ الأخرى، قال: «إذا وطأ الأخرى فقد حرمت الاولى حتّى تموت الأخرى. قلت: أ رأيت إن باعها أ تحلّ له الاولى؟ قال: إن كان يبيعها لحاجة و لا يخطر على قلبه من الأخرى شيء فلا أرى بذلك بأسا، و إن كان إنّما يبيعها ليرجع إلى الاولى، فلا، و لا كرامة» (1).
و نحوها رواية الكناني (2)إلّا أنّ فيها سقطا لا يخلّ بالمقصود، فإنّ الظاهر اتّحاد متنها مع متن رواية الحلبي؛ و ظاهرهما و إن عمّ صورة الجهل، إلّا أنّ في بعض الأخبار تخصيص ذلك بصورة العلم (3).
و لا يجوز للرجل أن يعقد على أمته إجماعا (4)و للتفصيل في قوله:
إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ* (5)و معنى عدم الجواز هنا اللغويّة.
و لا يجوز للحرّة أي يحرم عليها أن تنكح عبدها إجماعا أيضا (6)و قد حدّ أمير المؤمنين عليه السلام امرأة أمكنت نفسها من عبدها (7).
1) الوسائل 14: 373 الباب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، ذيل الحديث 9.
2) الوسائل 14: 373، الباب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 9.
3) الوسائل 14: 372، الباب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 5.
4) صرّح به في جامع المقاصد (13: 50)، و في كشف اللثام (2: 58) صرّح بعدم الخلاف.
5) المؤمنون: 6، المعارج: 30.
6) لم نظفر على من صرّح بالإجماع في المسألة. نعم، أرسلوها إرسال المسلّمات، انظر في القواعد 2: 27، و جامع المقاصد 13: 51، و كشف اللثام 2: 58.
7) الوسائل 14: 559، الباب 51 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل.
و فيه بحثان:
الأوّل (1): يحرم على المسلم نكاح غير الكتابيّة من النساء الكوافر دائما و متعة و ملك يمين بلا خلاف، كما صرّح به غير واحد (2)و إجماعا كما ادّعاه آخرون (3)للكتاب (4)و السنّة المستفيضة (5).
و فيها أي في الكتابيّة قولان؛ من حيث حرمة مطلق النكاح أو خصوص الدوام، و إلّا فقد حكي في المسألة أقوال ستّة (6). و يحتمل
1) النسخ مختلفة في العنوان من حيث الزيادة و النقصان، و ما أثبتناه من «ص».
2) صرّح به المحدث البحراني في الحدائق (24: 3) و نسبه إلى غير واحد من المحقّقين.
3) صرّح به في القواعد 2: 18. و الشرائع 2: 293. و الروضة البهيّة 5: 228.
4) البقرة: 221، و الممتحنة: 10.
5) راجع الوسائل 14: 410، الباب الأوّل من أبواب ما يحرم بالكفر و نحوه.
6) الحدائق 24: 3.
أن يكون القولان المذكوران أشهرا الأقوال في المسألة.
ثمّ الأشهر منهما و أقربهما عند المصنّف و جماعة قدّس سرّهم حرمة الدائم و جواز المنقطع و ملك اليمين (1).
أمّا حرمة الدائم، فلقوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ (2)و قوله:
وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ (3)مضافا إلى بعض الروايات، كرواية الحسن بن الجهم (4)و المحكيّ من نوادر الراوندي (5).
و أمّا جواز المنقطع، فلبعض الروايات المصرّحة بالجواز (6)المنجبر ضعفها- لو كان- بحكاية الإجماع عن غير واحد (7)مضافا إلى ما دلّ على جواز النكاح بملك اليمين كآية أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ* (8)و خصوص الصحيحة في المجوسيّة إذا كانت أمة (9)بعد ما استفيد من غير واحدة من الروايات:
1) جعله المحدث البحراني في الحدائق (24: 5) خامس الأقوال، و قال: «و نقل عن أبي الصلاح و سلّار إنّه اختيار المتأخّرين» و استظهره من كلام الشيخ في المبسوط.
2) البقرة: 221.
3) الممتحنة: 10.
4) الوسائل 14: 410، الباب الأوّل من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 3.
5) البحار 103: 380، باب نكاح المشركين و الكفّار، الحديث 20، نقلا عن نوادر الرواندي.
6) الوسائل 14: 415، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالكفر.
7) حكاه السيد الطباطبائي في الرياض (2: 105) عن صريح المرتضى و الغنية و ظاهر سلّار و التبيان و مجمع البيان و السرائر.
8) المؤمنون: 6، المعارج: 30.
9) الوسائل 14: 418، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث الأوّل.
«أنّ المتمتّعة بمنزلة الأمة» (1)كلّ ذلك مضافا إلى عموم قوله وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (2)خرج منها نكاحهنّ دواما. و ليس في مقابل الأصل (3)المذكور عدا إطلاق الآيتين السابقتين و الروايات، و تخصيصها بما ذكرنا طريق الجمع.
فالقول بالمنع مطلقا (4)ضعيف؛ و أضعف منه: القول بالجواز مطلقا (5)لعموم وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ (6)و عموم بعض الأخبار الصحيحة (7)و بعض الروايات (8).
و الآية نسخت بقوله تعالى وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ (9)كما في بعض الروايات (10)و بقوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ (11)كما يظهر من بعض
1) راجع الوسائل 14: 447- 449، الباب 4 و 26 من أبواب المتعة.
2) النساء: 24.
3) ليس في «ع» و «ص»: الأصل.
4) و هو مذهب المرتضى، و الشيخ في أحد قوليه و قوّاه ابن إدريس، كما في الحدائق 24: 3.
5) و هو منقول عن الصدوقين، و ابن أبي عقيل، كما في الحدائق أيضا.
6) المائدة: 5.
7) كصحيح معاوية بن وهب المرويّ في الوسائل 14: 412، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث الأوّل.
8) مثل خبر أبي بصير المرويّ في الوسائل 14: 420، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث الأوّل، و روايات أخر، راجع الوسائل، الباب 5 و 7 من أبواب ما يحرم بالكفر.
9) الممتحنة: 10.
10) انظر الوسائل 14: 410، الباب الأوّل من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1 و 7.
11) البقرة: 221.
آخر (1)و الأخبار مقيّدة بالمتعة، مع موافقة عمومها لمذهب العامّة (2)على ما حكي.
و المجوسيّة كالكتابيّة إمّا لما ورد من ثبوت كتاب لهم و نبيّ، فقتلوا نبيّهم و حرقوا كتابهم (3)و إمّا للنبويّ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّة أهلِ الكِتابِ» (4)و إمّا لما ورد بالخصوص من جواز التمتّع بالمجوسيّة (5)مؤيّدا بما في مصحّحة محمّد بن مسلم من جواز نكاح المجوسيّة بملك اليمين (6)بعد ضمّ كون المنقطعة بمنزلة الأمة.
و الصابئون، و هم- كما قيل-: طائفة من النصارى (7)كما أنّ السامرة طائفة إن كانوا ملحدة الاولى منهم عند النصارى، و الثانية عند اليهود، فكالوثنيّ لخروجهما حينئذ عن كلتا الملّتين، [فلا يشاركانهما في الحكم] (8)للاختلاف في أصول الملّة، و إن كانوا مبتدعة متوافقة معهم في أصل الملّة فكالكتابيّ.
و عن مجمع البحرين، عن الصادق عليه السلام: «أنّه ليس للصابئة دين
1) الوسائل 14: 411، الباب الأوّل من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 3 و 7.
2) في المغني لابن قدامة (6: 589): «ليس بين أهل العلم- بحمد اللّٰه- اختلاف في حِلّ حرائر نساء أهل الكتاب».
3) الوسائل 11: 96، الباب 49 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث الأول.
4) الوسائل 11: 97، الباب 49 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث 5 و 9.
5) الوسائل 14: 462، الباب 13 من أبواب المتعة، الحديث 4 و 5.
6) الوسائل 14: 418، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث الأوّل.
7) حكاه في الجواهر 30: 45 عن أبي علي.
8) من «ع» و «ص»، و لم يرد في «ق».
و لا كتاب» (1)و مقتضاه أنّهم غير كتابيّين؛ و عن الشيخ: التصريح بذلك (2)و عن المصباح المنير: أنّهم يدّعون أنّهم على دين صابئ بن شيث بن آدم (3)، و عن الصحاح: أنّهم من أهل الكتاب (4). و حكي عن المحقّق الثاني في شرح القواعد: أن الصابئة فرقتان: فرقة توافق النصارى في أصول الدين، و الأخرى تخالفهم و يعبدون الكواكب السبعة، و تسند الآثار إليها، و تنفي الصانع المختار. قال: و كلام المفيد (5)قريب من هذا، و قال: إنّ جمهور الصابئين يوحّدون الصانع في الأزل، و منهم من يجعل معه هيولى في القدم صنع منها العالم، فكانت عندهم الأصل؛ و يعتقدون في الفلك و ما فيه الحياة و النطق، و أنّها المدبّر لما في هذا العالم الدائر عليه؛ و عظّموا الكواكب و عبدوها من دون اللّٰه، و سمّاها بعضهم ملائكة و بعضهم آلهة، و بنوا لها بيوتا للعبادات (6)انتهى.
و عن تفسير القمي: الصابئون قوم لا مجوس و لا يهود و لا نصارى
1) مجمع البحرين 1: 260، مادّة «صبا» نقلا بالمعنى. و في «ق» بدل «دين»: «نبيّ».
2) قال الشيخ قدّس سرّه في المبسوط (4: 210): «فأمّا السامرة و الصابئون، فقد قيل: إنّ السامرة قوم من اليهود و الصابئون قوم من النصارى .. و الصحيح في الصابئي أنّهم غير النصارى».
3) المصباح المنير: 232، مادّة «صبي».
4) الصحاح 1: 59، مادّة «صبأ».
5) المقنعة: 271.
6) جامع المقاصد: 12: 385- مع تفاوت في بعض الكلمات.
و لا مسلمون، و لكنّهم يعبدون الكواكب و النّجوم (1).
و عن التبيان و المجمع للطوسي و الطبرسي: أنّه لا يجوز عندنا أخذ الجزية من الصابئة، لأنّهم ليسوا من أهل الكتاب (2).
و كيف كان، فجواز النكاح منهم في غاية الإشكال، إذ لم يخرج من عموم أدلّة التحريم إلّا اليهود و النصارى و المجوس، و كونهم منهم يحتاج إلى دليل؛ إلّا أن يقال: إنّ الشكّ في دخولهم فيهم يوجب الشكّ في شمول العموم لهم، فيبقى على أصل الإباحة.
لكنّ الإنصاف: أنّ المتبادر من اليهود و النصارى- الخارجين عن العمومات- هو ما يقابل الصابئة، فالصابئة لو كانت منهم فرضا نشكّ في شمول الخاصّ لهم، فيبقى تحت العامّ.
ثمّ اعلم أنّه قال في المسالك: لا فرق في الكتابي بين الذمّيّ «و هو القائم بشرائط الذمة منهم» و الحربيّ «و هو الناقض لها» لعموم الأدلة (3).
و فيه إشكال، لانصراف اليهود و النصارى إلى الذمّيّ؛ و اللّٰه العالم.
و لو أسلم زوج المرأة الكتابيّة و المجوسيّة بقي على نكاحه و إن لم يدخل بغير خلاف بين العلماء حتّى المانعين من نكاح الكتابي ابتداء، كما يظهر من غير واحد (4)و يدلّ عليه ما سيأتي في من أسلم على
أكثر من أربع.
و إن (1)أسلمت المرأة دونه أي دون الرجل، فإن كان إسلامها
قبل الدخول انفسخ النكاح (2)لحرمة نكاح الكافر على المسلمة وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (3)و لا عدّة عليها هنا حتّى يتوقّف الانفساخ على بقائه على الكفر حتّى تنقضي العدّة، كما فيما بعد الدخول و لا مهر لها أيضا، لأنّ الحدث جاء من قبلها. و يدلّ على ذلك كلّه- مضافا إلى أنّ الظاهر أنّه المعروف من مذهب الأصحاب، كما حكي- الصحيح في نصرانيّ تزوّج نصرانيّة فأسلمت قبل أن يدخل بها؟ قال:
«قد انقطعت عصمتها و لا مهر لها و لا عدّة عليها منه» (4)و في رواية السكوني وجوب نصف المهر «لأنّ الإسلام لم يزدها إلّا عزّا» (5)، و هو شاذّ.
و إن كان إسلامها بعده أي بعد الدخول تنتظر العدّة عدة الطلاق فإن أسلم فالزوجيّة باقية، و إلّا بطلت من حين إسلامها [و عليه المهر] (6).
و هذا الحكم في غير الزوج الكتابيّ و المجوسيّ ممّا لا خلاف فيه ظاهرا، كما يظهر من جماعة (7).
و أمّا الكتابيّ و المجوسيّ، فحكمه أيضا كذلك عند المشهور، بل عن الشيخ في الخلاف دعوى الوفاق (1)و لكنّه خالفه في التهذيبين (2)و النهاية (3)- على ما حكي عنه- فحكم ببقاء النكاح و إن لم يسلم الكتابي، إلّا أنّه لا يقربها و لا يمكّن من الخلوة بها، لرواية محمّد بن مسلم و فيها إرسال لكن عن ابن أبي عمير (4)، و مرسلة جميل بن درّاج (5)و فيها عليّ بن حديد.
و لو أسلم أحد الحربيّين قبل الدخول انفسخ العقد و لو كان المسلم هو الزوج، لعدم جواز نكاح غير الكتابيّة ابتداء و لا استدامة إجماعا (6)و عليه نصف المهر إن كان الإسلام منه و قيل: عليه جميع المهر لثبوته بالعقد، و لا دليل على سقوطه، و إلحاقه بالطلاق قياس (7). و إلّا يكن الإسلام منه بل كان الإسلام منها فلا شيء لما تقدّم.
و إن كان إسلام أحدهما بعده أي بعد الدخول تنتظر العدّة فإن أسلم الآخر بقي النّكاح، و إلّا يسلم انفسخ بلا خلاف ظاهرا،
1) الخلاف، كتاب النكاح، المسألة 105.
2) التهذيب 7: 300، و الاستبصار 3: 183.
3) النهاية: 457.
4) الوسائل 14: 421، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 5. و ليس في سندها «ابن أبي عمير» فلاحظ.
5) الوسائل 14: 420، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث الأوّل.
6) كما في المسالك 1: 392.
7) المسالك 1: 395.
كما صرّح به في الرياض، و فيه أنّه حكي عليه الإجماع (1). و يدلّ على حكم المسألة مع إسلام المرأة أوّلا- المستلزم لثبوته مع العكس بالإجماع و الأولويّة- رواية محمّد بن مسلم عن ابن أبي عمير (2).
و على كلّ تقدير عليه المهر لاستقراره بالدخول و إن كان الإسلام من المرأة لأنّ مطلق تفويت البضع لا يوجب الضمان؛ و لهذا لو قتلت نفسها لم يسقط مهرها؛ و كذا لا يضمن المهر من قتلها.
و لو انتقلت زوجة الذمّي الذميّة إلى غير الإسلام انفسخ النكاح (3)[و إن عادت] (4)في الحال، قيل: لقوله تعالى وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (5)و عموم قوله: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (6)فيجب عليه بعد التبديل القتل، أو تدخل في الإسلام.
و تنظّر في ذلك في المسالك من وجهين:
الأوّل: أنّه يجوز أن تنتقل إلى دين يصحّ عندهم التناكح فيه، فلا ينفسخ ما دامت حيّة (7).
الثاني: أنّها إن قتلت فالانفساخ بالقتل لا بالانتقال، و إن أسلمت
1) الرياض 2: 107.
2) الوسائل 14: 421، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 5.
3) في الإرشاد: انفسخ العقد.
4) ما بين المعقوفتين من الإرشاد، و لم يرد في النسخ.
5) آل عمران: 85.
6) مستدرك الوسائل 18: 163، الباب الأوّل من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 2.
7) كذا في «ق» و المصدر، و في «ع» و «ص» و «ش»: «ما دامت فيه».
فينبغي هنا مراعاة انقضاء العدّة و عدمه إذا كان بعد الدخول (1).
و على كل تقدير لا يعدّ الفسخ الحاصل باختلاف الدين طلاقا كما هو واضح.
فإن كان قبل الدخول من المرأة، فلا مهر كما تقدّم و إن كان من الرجل فعليه من المهر- على ما حكي عن المشهور- نصفه و قد تقدّم (2)أنّه محلّ نظر و خلاف (3).
و إن كان بعد الدخول فالمسمّى من أيّهما كان موجب الفسخ، لاستقراره بالدخول و لو كان المهر المسمّى فاسدا فمهر المثل مع الدخول.
و إن كان أسلم قبله فعليه المتعة حملا له على طلاق المفوّضة.
و فيه نظر، لعدم كونه (4)طلاقا، و لا المرأة مفوّضة.
و لو ارتدّ من الزوجين أحدهما قبل الدخول انفسخ العقد في الحال لأنّ المرتدّ إن كان هو الزوج فلن يجعل اللّٰه للكافرين على المؤمنين سبيلا، و إن كانت الزوجة فلا يجوز البقاء على نكاح غير الكتابيّة و المجوسيّة إجماعا (5)و لا عدّة قبل الدخول حتّى ينتظر.
و حينئذ فإن كان الارتداد من الزوجة (1)فلا مهر لها؛ لأنّ الحدث جاء من قبلها و إلّا يكن منها كان على الزوج المرتدّ نصفه إلحاقا له بالطلاق، كما تقدّم، مع النظر فيه و الخلاف (2).
و إن كان ارتداد أحدهما بعد الدخول فالجميع لازم لها لاستقراره.
و ينفسخ العقد في الحال إن كان المرتدّ هو الزوج و كان ارتداده عن فطرة لعدم قبول الإسلام منه (3)حتّى ينتظر العدّة، كما في غيره من الكفّار.
و إن كان ارتداده عن غيرها، أو كانت المرتدّة هي الزوجة وقف الانفساخ على انقضاء العدّة مع بقاء المرتدّ منهما (4)على ارتداده.
و هذا الحكم و إن خلا عن النصّ، بل في بعض الأخبار: البينونة بمجرّد الردّة (5)إلّا أنّ وقوفه على انقضاء العدّة الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه، و صرّح به في الرياض و حكى التصريح بالاتّفاق عن بعض (6)مضافا إلى أنّ الأصل بقاء النكاح.
فإن وطأها الزوج لشبهة في العدّة، قال الشيخ: عليه مهران (1)كما لو وطأ مطلّقة في العدّة البائنة؛ هذا، مع عدم الإسلام في العدّة، فيكشف ذلك عن بينونتها من حين الردّة فتكون أجنبيّة كالمطلّقة (2)و فيه نظر لأنّها بحكم الزوجة و لهذا لا يحتاج إلى تجديد نكاح بعد الإسلام، فليست كالمطلّقة (3).
[و لو ارتدّ الوثني و أسلمت في العدة ثم رجع فيها فهو أحق، و إلّا فلا، و لو أسلم دون الوثنية فلا نفقة لها في العدة إلّا أن تسلم، و لو أسلمت دونه فعليه نفقة العدة، فإن اختلفا في السابق قدّم قول الزوج مع اليمين.
و ليس له إجبار الذميّة على الغسل، بل على إزالة المنفّر، و على المنع من الخروج إلى الكنائس، و شرب الخمر، و أكل الخنزير، و استعمال النجاسات.
و إذا أسلما لم يبحث عن شرط نكاحهما، إلّا أن يتزوجها في العدة و يسلما أو أحدهما قبل انقضائها، و لا نقرّهم على ما هو فاسد عندهم، إلّا أن يكون صحيحا عندنا.
و لو طلّقها كافر ثلاثا ثم أسلم افتقر إلى المحلّل] (4).
1) في الإرشاد: عليه مهر ثان.
2) المبسوط 4: 238. و لا يخفى أنّ عبارة الشيخ هنا ليست بذلك التفصيل، فلاحظ.
3) هذا آخر ما ورد في الصفحة اليمنى من الورقة (108).
4) ما بين المعقوفتين من إرشاد الأذهان، و لم نجد شرحه فيما بأيدينا من النسخ؛ و لعلّ المؤلف قدّس سرّه لم يشرحه، و احتمال سقوط أوراق من النسخة الأصليّة أيضا غير بعيد.
البحث الثاني (1)في حكم الزائد على العدد
إذا أسلم الذمّي على أكثر من أربع تخيّر أربع حرائر أو حرتين و أمتين، و العبد يتخيّر حرتين أو حرة و أمتين أو أربع إماء، و يندفع نكاح البواقي من غير طلاق، و لو لم يزدن على العدد الشرعي ثبت عقده عليهن.
و لو أسلم عن مدخول بها و بنتها حرمتا.
و لو لم يدخل بهما حرمت الأمّ خاصة.
و لو أسلم عن أختين تخيّر أيتهما شاء، أو عن امرأة و عمّتها أو خالتها، إذا لم تجيزا، و لو أجازتا صحّ الجمع، و كذا عن حرة و أمة.
و لو أسلم عن أزيد من أربع و ثنيّات فسبق إسلام أربع في العدة كان له التربّص، فإن انقضت و لم يزدن ثبت عقده عليهنّ و لا خيار، و إن لحق به في العدة غيرهنّ كان له اختيار من شاء من السابق و اللاحق.
و لو أسلم العبد عن أكثر من حرتين و ثنيّات، فأسلم معه اثنتان، ثم أعتق و لحق به الباقي في العدة، تخيّر اثنتين لا أزيد، من السابق أو اللاحق.
و لو تقدّم عتقه على إسلامه تخيّر أربعا.
و لو أسلم عن أربع مدخول بهنّ لم يكن له العقد على خامسة، و لا على
1) هذا البحث بأكمله من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلف قدّس سرّه له فيما بأيدينا من النسخ.
أخت إحداهنّ إلّا بعد العدة و بقائهنّ على الكفر.
و لو أسلمت الوثنيّة فتزوج بأختها و مضت العدة على كفره ثبت عقده، فإن أسلم فيها تخيّر.
و لا يبطل الاختيار بموتهن، فإن اختار أربعا ورثهن.
و لو مات بعدهن قبل الاختيار أقرع.
و لو مات قبلهنّ فعليهنّ جمع العدة، و ترثه أربع منهن، و توقف حصة الزوجات حتى يصطلحن أو يقرع أو يشرّك بينهن.
و لو مات قبل إسلامهنّ لم يرثن.
و عليه النفقة على المسلمات في العدة حتى يختار، و كذا لو أسلمن قبله
خاتمة (1)
الاختيار إمّا بالقول مثل: اخترتك أو أمسكتك، و إمّا بالفعل كالوطء أو التقبيل و اللّمس بشهوة على إشكال.
و لو طلّق فهو اختيار و طلّقت، دون الظهار و الإيلاء.
و لو اختار مرتّبا ما زاد على أربع ثبت نكاح الأربع الأوّل و بطل البواقي.
و لو علّق اختيار النكاح أو الفراق بشرط لم يصح.
و لو قال: حصرت المختارات في ست من العشرة انحصرن، و لو بقي بعد العشرة.
و لو بقي بعد الأربع المسلمات أربع وثنيات فاختار المسلمات للنكاح صحّ، و إن اختارهنّ للفرقة لم يصح، و يحتمل الصحة موقوفا. فعلى الأوّل، لو أسلمت ثمانية على ترادف و هو يخاطب كلّ واحدة بالفسخ عند إسلامها، تعيّن الفسخ في المتأخرات، و على الثاني في المتقدمات، و يحبس الزوج على التعيين.
1) هذه الخاتمة من الإرشاد، و لم نقف على شرح لها فيما بأيدينا من النسخ.
و لو مات على أربع كتابيات و أربع مسلمات لم يوقف شيء، و كذا لو قال للكتابية و المسلمة: إحداكما طالق، و مات قبل التعيين
إذا (1)عقد الحرّ غبطة أي دواما على أربع حرائر أو حرّتين و أمتين حرم الزائد إجماعا على الظاهر، كما يظهر من جماعة (2)و به روايات كحسنة زرارة و محمّد بن مسلم: «إذا جمع الرجل أربعا فطلّق إحداهنّ فلا يتزوّج الخامسة حتّى تنقضي عدّة المرأة الّتي طلّق؛ و قال: لا يجمع ماءه في خمس» (3). و نحوها روايتا عليّ بن أبي حمزة و محمّد بن قيس (4).
1) هذا هو أوّل ما ورد في الصفحة اليسرى من الورقة (108)، و العنوان أخذناه من الإرشاد، و محله بياض في «ق» بقدره.
2) كالعلّامة قدّس سرّه في التذكرة 2: 638، و الشهيد الثاني قدّس سرّه في المسالك 1: 390، و من تأخّر عنهما، كصاحب الحدائق و صاحب الرياض و صاحب الجواهر قدّس سرّهم.
3) الوسائل 14: 399، الباب 2 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث الأوّل.
4) الوسائل 14: 400، الباب 3 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث 1 و 2.
و لا خلاف أيضا- كما قيل (1)- في أنّه لا يحلّ له ثلاث إماء و إن لم يكن معهنّ حرّة و في الرياض: أنّه حكى جماعة الإجماع عليه (2)و استدلّ له في الرياض و الحدائق (3)برواية أبي بصير: «لا يصلح أن يتزوّج ثلاث إماء» (4)و لكن تنظّر فيه في الرياض.
و لا خلاف أيضا ظاهرا [كما يظهر] (5)من غير واحد (6)أنّه يحرم على العبد تزويج ما زاد على حرّتين، أو حرّة و أمتين، أو أربع إماء و يدلّ عليه رواية محمّد بن مسلم: «عن العبد يتزوّج أربع حرائر؟
قال: لا، و لكن يتزوّج حرّتين و إن شاء تزوّج أربع إماء» (7).
قيل: و المعتق بعضه كالحرّ في حقّ الإماء [كما يظهر] (8)فلا يزيد على أمتين، و كالعبد في حقّ الحرائر فلا يزيد على حرّتين؛ و المعتق بعضها كالحرّة في حقّ العبد، و كالأمة في حقّ الحرّ (9). قيل: و لعلّه، لتغليب الحرام إذا اجتمع
1) الجواهر 30: 5.
2) الرياض 2: 102.
3) الحدائق 23: 619.
4) الوسائل 14: 399، الباب 2 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث 2.
5) من «ق».
6) صرّح به العلّامة قدّس سرّه في التذكرة 2: 642، و الشهيد الثاني قدّس سرّه في المسالك 1: 390، و غيرهما.
7) الوسائل 14: 405، الباب 8 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث الأوّل.
8) من «ع» و «ص».
9) نسبه صاحب الجواهر في الجواهر (30: 7) إلى غير واحد من الأصحاب.
مع الحلال (1).
و العبد و الحرّ لو استكملا العدد في الدائم حلّ لهما بملك اليمين و المتعة ما أرادا.
أمّا عدم الحصر في ملك اليمين، فموضع وفاق (2)، كما صرّح في المسالك، لعموم قوله تعالى أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ (3).
و أمّا في المنقطع، فهو المشهور (4). و عن الحلّي الإجماع عليه (5)للروايات الكثيرة (6).
و عن القاضي، تحريم ما زاد على الأربع (7)لما ورد في بعض الروايات «أنّها- أي المنقطعة- من الأربع» (8)و حمل على الاستحباب، لأنّه متى جعلها من الأربع و اطّلع عليه المخالفون أمكن أن يدّعي أنّهن دائمات، بخلاف ما إذا زاد، و يدلّ عليه قول أبي الحسن عليه السلام لصفوان: «أنّه قال أبو جعفر عليه السلام: اجعلوهنّ من الأربع. قلت: على الاحتياط؟ قال:
نعم» (9). و المراد به الاحتياط من المخالفين.
1) قاله السيّد الطباطبائي قدّس سرّه في الرياض 2: 102.
2) في «ق»: فهو موضع وفاق.
3) المسالك 1: 390. و الآية من سورة النساء: 3.
4) كما في المصدر السابق.
5) السرائر 2: 624.
6) الوسائل 14: 446، الباب 4 من أبواب المتعة.
7) المهذّب 2: 243.
8) الوسائل 14: 448، الباب 4 من أبواب المتعة.
9) الوسائل 14: 448، الباب 4 من أبواب المتعة، الحديث 9.
و اعلم أنّه لو طلّق واحدة من كمال العدد بائنا جاز له نكاح غيرها و أختها على كراهيّة في الحال.
أمّا الجواز، فلانقطاع عصمة المطلّقة على ما يستفاد من الروايات (1).
و أمّا الكراهة، فلورود النهي عن الخامسة قبل انقضاء عدّة الرابعة (2).
الشامل لغير الرجعيّة؛ و كذا عن الأخت (3)و حمل (4)على الكراهة.
و لو كان الطلاق رجعيّا حرمت الأخرى و الأخت إلّا بعد العدّة لأنّها بحكم الزوجة ما دامت في العدّة.
ثمّ المحكيّ عن الأكثر (5)- بل المشهور- إلحاق عدّة المتعة بعدّة البائن؛ و يشهد له تعليل الجواز في عدّة البائن بانقطاع عصمتها (6)الجاري في المنقطع أيضا.
و في بعض الأخبار وجوب التربّص إلى انقضائها، فيتزوّج أختها (7)و حكي القول به عن المقنع (8)و هو أحوط؛ و قول المشهور أقوى.
و لو تزوّج خمسا في عقد واحد أو تزوّج اثنتين و معه
1) الوسائل 15: 480، الباب 48 من أبواب العدد.
2) الوسائل 15: 479، الباب 47 من أبواب العدد، و الباب 2 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث الأوّل.
3) الوسائل 15: 481، الباب 48 من أبواب العدد، الحديث 3.
4) ليس في «ع» و «ص»: و حمل.
5) حكاه السيّد الطباطبائي قدّس سرّه في الرياض 2: 103.
6) تقدّم آنفا.
7) الوسائل 14: 369، الباب 27 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأوّل.
8) المقنع (الجوامع الفقهيّة): 29.
ثلاث، أو تزوّج أختين في عقد واحد بطل العقد بالنسبة إلى كليهما، للزوم الترجيح بلا مرجّح. و قيل: يتخيّر (1)و يدلّ عليه حسنة جميل (2)و قد مرّ نظيره في الأختين أيضا (3).
و إذا طلّقت الحرّة ثلاثا بينها رجعتان بالرجوع أو باستئناف العقد حرمت المطلّقة إلّا بالمحلّل الّذي يأتي تفصيله في باب الطلاق (4)، سواء كان المطلّق حرّا أو عبدا.
و الأمة تحرم بطلقتين، سواء كانت تحت حرّ أو عبد بلا خلاف (5)كما يظهر، لما دلّ من أنّ الاعتبار في الطلاق و العدّة بالزوجة، دون الزوج (6).
فإن طلّقت المرأة تسعا للعدّة ينكحها بينها رجلان بأن طلّقها فراجعها في العدّة و وطأها، ثمّ طلّقها، ثمّ راجعها و وطأها، ثمّ طلّقها فتزوّجها المحلّل؛ ثمّ بعد فراقه تزوّجها فطلّقها ثلاثا بينها رجعتان مع الوطء، ثمّ تزوّجها المحلّل؛ ثمّ بعد فراقها (7)تزوّجها الأوّل فطلّقها ثلاثا بينها رجعتان مع الوطء حرمت أبدا.
1) قاله الشيخ الطوسي قدّس سرّه في النهاية: 454 و 456، و القاضي في المهذّب 2: 185- 186.
2) الوسائل 14: 403، الباب 4 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث الأوّل.
3) الوسائل 14: 367، الباب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1 و 2.
4) في «ق»: كتاب الطلاق.
5) الرياض 2: 104، و فيه «بإجماعنا المستفيض نقله في كلام جماعة من أصحابنا».
6) الوسائل 15: 391، الباب 24 من أبواب أقسام الطلاق.
7) في «ق»: فراقه.
و إطلاق طلاق العدة على الطلقات التسع مجاز، لأنّ طلاق العدّة (1)ليس إلّا ستّة منها.
ثمّ إنّ غير واحدة من الروايات ليس فيها تقييد الطلقات بكونها للعدّة، كرواية أبي بصير المحكيّة عن الكافي (2)و رواية جميل المحكيّة عن المشايخ الثلاثة (3)و رواية أديم بيّاع الهروي المرويّة في التهذيب (4)و المحكيّة عن الكافي (5)و عن كتاب الحسين بن سعيد (6).
نعم، حكي عن الخصال في رواية عدّ المحرّمات من الأزواج قول الصادق عليه السلام: «و تزويج الرجل امرأة طلّقها للعدّة تسع تطليقات» (7)و نحو ذلك حكي عن الفقه الرضوي (8). و حيث إنّهما في مقام البيان تدلّان على نفي الغير بالمفهوم؛ مع أنّ في الرضويّ دلالة بالمنطوق ظاهرة، و نحوهما
1) في «ق»: الطلاق للعدّة.
2) الكافي 5: 428، الحديث 9، الوسائل 15: 357 الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث الأول.
3) الكافي 5: 428، الحديث 7 و التهذيب 7: 311، الحديث 1290. و لم نجده في الفقيه، و لم ينقل عنه في الوسائل أيضا.
4) التهذيب 7: 305، الحديث: 1272، الوسائل 14: 378، الباب 31 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأول.
5) الكافي 5: 426، الحديث 1، الوسائل 14: 378، الباب 31 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأول.
6) رواه في المستدرك 15: 325 عن نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى.
7) الخصال: 533، أبواب الثلاثين و ما فوقه، الحديث 10.
8) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام: 242- 243.
فتوى عليّ ابن إبراهيم (1)الكاشفة عن وجود النّص؛ فيصلح هذا كلّه بعد اشتهار مضمونها لتقييد تلك المطلقات. مضافا إلى رواية معتبرة رواها عبد اللّٰه بن بكير في عدم احتياج المطلّقة ثلاثا إذا تزوّجت بعد انقضاء عدّة كلّ طلاق إلى المحلّل، فإنّ قوله عليه السلام فيها: «له أن يتزوّجها أبدا» (2)معناه أنّه لا تصير المرأة عليه محرّمة أبدا، بل يجوز تزويجه أبدا بعد المحلّل في كلّ ثلاث.
ثمّ بناء على اختصاص الحرمة الأبديّة بالمطلّقة للعدّة، فلو كان في كلّ من الأدوار الثلاثة طلاق واحد للعدّة لم يحصل التحريم الأبديّ؛ و كذا لو كان في بعض الأدوار طلاقان للعدّة، و في بعض آخر واحد. هذا كلّه في الحرّة.
و أمّا في الأمة فالحكم فيها بتحريمها مؤبّدا محلّ نظر من أنّ الطلقات الستّ فيها بمنزلة التسع في الحرّة حيث إنّها تحرم بعد كلّ طلقتين حتّى تنكح زوجا غيره، و من أنّ حكم النصّ معلّق على تسع طلقات بينها محلّلان، فإذا طلّقت الأمة- بين كلّ طلقتين محلّل- يصدق (3)عليها «أنّها طلّقت تسعا و نكحها (4)بينها رجلان» و إن كان قد نكحها بينها أكثر حينئذ، إلّا أنّ ذلك لا ينفي صدق «الرجلين» و من أنّ الظاهر المتبادر من النصّ هي
الحرّة، فينبغي أن تبقى الأمة على أصالة الإباحة؛ مع أنّ ظاهر «تحلّل (1)الرجلين» نفي الزائد، فيصير هذا قرينة لإرادة الحرّة.
و اعلم أنّ من عقد على امرأة في عدّتها الرجعيّة أو البائنة دواما أو انقطاعا أو للوفاة عالما بالحكم و الموضوع حرمت المرأة عليه أبدا و إن لم يدخل بها و كذا إن جهل العدّة و التحريم أو أحدهما و لكن دخل.
و لو لم يدخل بطل العقد و له استئنافه (2)بعد الانقضاء اتّفاقا في الجميع، كما يظهر من غير واحد (3)و يدلّ عليها أخبار:
منها: حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام، قال: «إذا تزوّج الرجل المرأة في عدّتها و دخل بها لم تحلّ له أبدا عالما كان أو جاهلا، و إن لم يدخل بها حلّت للجاهل و لم تحلّ للآخر» (4)و إطلاق التحريم بالدخول مع الجهل يشمل ما لو وقع الدخول في العدّة أو بعدها.
و حسنته الأخرى عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام، قال: «سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع و تزوّج قبل أن يمضي لها أربعة أشهر و عشرا؟
قال: إن كان دخل بها فرّق بينهما ثمّ لم تحلّ له أبدا، و اعتدّت بما بقي عليها من الأوّل، و استقبلت عدّة اخرى من الآخر ثلاثة قروء؛ و إن لم يكن دخل بها فرّق بينهما و اعتدّت بما بقي عليها من الأوّل، و هو خاطب من الخطّاب» (5)
و صريحها الدخول في العدّة.
و نحوها في الصراحة موثّقة محمّد بن مسلم (1).
لكن لا يخفى أنّ اختصاص موردها بصورة الدخول في العدّة لا يقتضي اختصاص الحكم بذلك، فبقي إطلاق رواية الحلبي السابقة و نحوها على حالها.
و صرّح في المسالك باشتراط الدخول في العدّة في التحريم (2). و لعلّ وجهه أنّ الدخول مع الجهل إنّما يوجب التحريم إذا وقع في زمان لا تصلح الزوجة للنكاح، و بعد الدخول لا فرق بين الدخول بها و بغيرها ممّن لم يعقد عليها في العدّة.
و جوابه واضح، لاحتمال مدخليّة العقد في ذلك؛ مضافا إلى أنّه اجتهاد في مقابلة إطلاق النصّ، إلّا أن يدّعى ظهور ذلك من النصّ.
ثمّ إنّ بعضهم صرّحوا بلحوق عدّة الشبهة بعدّة الطلاق و المتمتّعة (3).
و في دلالة النصوص عليه تأمّل، لانصراف العدّة إلى غيرها.
ثمّ إذا كان الدخول بالمعقودة في العدّة لشبهة استحقّت المهر مع جهلها، و هل هو المسمّى؟ أو مهر المثل؟ قولان: أقواهما الثاني، لفساد المسمّى بفساد العقد.
و اعتدّت من وطء الشبهة بعد إتمام عدّتها الأولى، للحسنة الثانية
و رواية محمّد بن مسلم المتقدّمتين (1)و في بعض الأخبار ما يدلّ على الاكتفاء بعدّة واحدة (2).
و هل يلحق مدّة استبراء الأمة بالعدّة (3)؟ فيه إشكال، الأقوى العدم اقتصارا على مورد الدليل.
و هل يلحق بالمعتدّة ذات البعل؟ قيل: فيه وجهان، من مساواتها لها في المعنى، و من انتفاء العدّة الّتي هي مورد النصّ (4).
و في الوجهين نظر لا يخفى، إذ المساواة لا تصلح (5)دليلا للحكم الشرعي حتّى يتعدّى، و لا النصّ مختصّ، بالمعتدّة حتّى يقتصر (6)بل الأقوى الإلحاق.
أمّا التحريم مع العقد عليها عالما، لموثّقة أديم بن الحرّ: «قال: قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام: الّتي تتزوّج و لها زوج يفرّق بينهما ثمّ لا يتعاودان» (7)اخرج منه ما لو جهل و لم يدخل، بقي ما لو علم أو دخل.
1) في الصفحة: 415- 416.
2) الوسائل 14: 347، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 11 و 12.
3) ليس في «ع» و «ص» بالعدّة.
4) قاله الشهيد الثاني قدّس سرّه في المسالك 1: 388.
5) في «ق»: إذ لا المساواة يصلح دليلا.
6) في «ق»: حتّى يقصر.
7) الوسائل 14: 341، الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأوّل.
8) الوسائل 14: 343، الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 10.
9) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام: 243.
و يدلّ على التحريم مع الدخول- مضافا إلى الموثّقة المذكورة- موثّقة زرارة- في المرأة فقدت زوجها أو نعي إليها، فتزوّجت، ثمّ قدم زوجها بعد ذلك، ثمّ طلّقها زوجها [أو مات عنها] (1)- قال: «تعتدّ منهما جميعا ثلاثة أشهر عدّة واحدة و ليس للآخر أن يتزوّجها أبدا» (2)، و نحوها خبر آخر (3).
و لا يعارضها- الصحيح الآتي- بالعموم من وجه، لظهورها في صورة الجهل، مع وجوب الرجوع على هذا الفرض إلى عموم موثّقة أديم بن الحرّ و نحوها؛ مضافا إلى الأولويّة الجليّة، فإنّ بقاء النكاح لو لم يؤكّد التحريم لم ينفه قطعا.
و امّا عدم التحريم مع الجهل و عدم الدّخول، فالظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه، و صرّح بدعوى الإجماع في الرياض (4). و في الحدائق: ليس فيه خلاف يعرف (5).
و يدلّ عليه أيضا الصحيح عمّن تزوّج امرأة و لها زوج و هو لا يعلم، فطلّقها الأوّل أو مات عنها، ثمّ علم الآخر؛ أ يراجعها؟ قال: «لا حتّى تنقضي عدّتها» (6).
و أمّا التحريم مع الدخول و العلم، فهو اتّفاقي، لأنّه زنى بذات البعل؛ و يدل عليه غير واحد من الأخبار (1).
و على كلّ حال فإن دخل [بها] (2)مع الجهل (3)لحق به الولد إن جاء لستّة أشهر منذ وطأها لأنّ وطء الشبهة، بمنزلة الصحيح و فرّق بينهما، و عليه المهر مع جهلها، لا مع (4)علمها إذ لا مهر لبغيّ و تتمّ عدّة الأوّل لكونها فيها و تقدّم سببها و (5)تستأنف أخرى كلّ ذلك علم ممّا سبق.
و لو زنى بذات بعل أو في عدّة رجعيّة حرمت المزنيّ بها على الزاني أبدا بلا خلاف فيه ظاهرا، و حكي في الرياض الإجماع عليه عن جماعة (6)و في الحدائق عن غير واحد (7). و يدلّ عليه فحوى ما تقدّم من الحكم بالحرمة مع العقد عالما بدون الدخول، و كذا الدخول مع الجهل؛ مضافا إلى صريح المحكيّ عن الرضويّ في تحريم الزنى بذات البعل و أنّه «لا يحلّ للزاني تزويجها أبدا» (8)و أنّه «يقال لزوجها يوم القيامة: خذ من حسناته
ما شئت» (1). و يدلّ على حكم المعتدّة رجعيّا بانضمام ما دلّ على أنّها بمنزلة الزوجة (2).
و قد يستدلّ بما تقدّم من الدليل على التحريم بالعقد و الدخول الشامل لصورة العلم و هو الزنى (3).
و فيه نظر، إذ لعلّ للزنا المستند إلى العقد تغليظ عقوبة، حيث استند في العلم القبيح إلى الأسباب الشرعيّة، فجعلها واسطة في خلاف ما وضع (4)لأجله؛ و لذا عدّ معصية اللّٰه سبحانه فيما يكون بصورة العبادة أغلظ من غيرها (5).
و لهذا لو زنى بغيرها (6)من المعتدّات لم تحرم عليه عند المصنّف و غيره؛ مع أنّ العقد عليها مع الدخول بها محرّم إجماعا، كما تقدّم (7).
نعم، ربما يحتمل التحريم هنا من جهة فحوى حكم الدخول بها مجرّدا و العقد المجرّد عليها عالما، و فيه تأمّل.
و في حكم المعتدّات غيرهنّ الخاليات (8)عن الزوج و الموطوءة بشبهة
1) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام: 278.
2) يستفاد ذلك من أبواب متفرّقة في النكاح و الطلاق و الإرث و الحدود.
3) استدلّ به المحقّق الثاني قدّس سرّه في جامع المقاصد 12: 314.
4) في «ق»: وضعت.
5) مثل ما يدلّ على أغلظيّة حرمة التغنّي بالقرآن، راجع الوسائل 12: 230، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 27.
6) كذا في «ق»، و في الإرشاد و بعض النسخ: بغيرهما.
7) راجع الصفحة: 415.
8) في النسخ: غيرها الخالية.
و الموطوءة بالملك.
و كذا الحكم فيما لو أصرّت امرأته عليه أي على الزنى، فإنّه لا يوجب حرمتها عليه.
و إن عقد المحرم على امرأة عالما بالتحريم حرمت مؤبّدا (1)و إن لم يدخل بها إجماعا، حكاه في الرياض عن جماعة (2). و يدل عليه المحكيّ عن الخصال (3)و بعض الروايات (4).
و إن كان جاهلا فسد عقده إجماعا (5)و لكن لا (6)تحرم على الأشهر (7)بل عن التذكرة و المنتهى: الإجماع عليه (8). و يدلّ عليه المحكيّ عن كتاب الحسين بن سعيد (9)و مفهوم الخبر: «المحرم إذا تزوّج و هو يعلم أنّه حرام عليه لا تحلّ له أبدا» (10). خلافا للمحكيّ عن المقنع (11)
1) في الإرشاد: أبدا.
2) الرياض 2: 101.
3) الخصال: 533، أبواب الثلاثين و ما فوقه، الحديث 10.
4) الوسائل 14: 378، الباب 31 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأوّل.
5) صرّح به في الجواهر 29: 450.
6) في الإرشاد: لم.
7) كما في المسالك 1: 389.
8) تذكرة الفقهاء 1: 343، تروك الإحرام، و منتهى المطلب 2: 809.
9) لم نقف عليه.
10) مستدرك الوسائل 14: 411، الباب 31 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأوّل.
11) المقنع (الجوامع الفقهيّة): 28.
و سلّار (1)فحكموا بالتحريم، لعموم ما دلّ عليه (2).
و من أوقب غلاما أو رجلا، و لو بإدخال بعض الحشفة غير الموجب للغسل، على تأمّل فيه من جهة انصراف النصوص و الفتاوى إلى غيرها حرمت عليه امّه و إن علت و بنته و إن نزلت، و أخته لا بناتها، اتّفاقا في جميع ذلك على الظاهر المصرّح به في كلام بعض (3)و المحكيّ في كلام آخرين (4).
و لا تحرم (5)واحدة من هؤلاء لو سبق العقد عليها اللواط بشرط وقوعه حال الزوجيّة، أمّا لو عقد على إحداهنّ ففارقها ففعل ذلك القبيح فالظاهر حرمة تزويج المفارقة، لأنّ عموم قوله: «لا يحرّم الحرام الحلال» (6)في الحلال بالفعل؛ و هكذا حكم غير [هذه] (7)المسألة من مسائل المصاهرة و ما يلحقها.
ثمّ إنّ أصل الحكم في سورة العقد اتّفاقيّ، لا مخالف فيه فتوى و رواية، إلّا ما يظهر من بعض الروايات من أنّ «من أتى أخا امرأته حرمت عليه
1) المراسم: 149.
2) الوسائل 9: 91، الباب 15 من أبواب تروك الإحرام.
3) صرّح به في المسالك 1: 389، و الحدائق 23: 596.
4) حكاه في كشف اللثام 2: 38 عن الانتصار و الخلاف، و في الرياض 2: 101 عنهما و عن الغنية و التذكرة و غيرهما.
5) في الإرشاد: «و لا تحريم»، و غيّره المؤلّف قدّس سرّه لتستقيم العبارة.
6) راجع الوسائل 14: 324- 329، الأبواب 6 و 8 و 9 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.
7) الزيادة اقتضتها العبارة.
امرأته» (1)و هي محمولة على إرادة أخي من صدق عليها أنّها امرأته في الحال دون زمان الإتيان، و إن كان مخالفا للظاهر، لأنّ ظاهر الموضوعات المتّصفة بعنوان ثبوت الوصف العنواني فيها حال عروض المحمول لها لا (2)حال الإخبار عن وقوعها، و ظاهر إطلاق العبارة- كسائر العبائر- عدم الفرق في الفاعل بين الصغير و الكبير، إلّا أنّ المذكور في الأخبار هو الرجل (3)و حمله على كونه رجلا [لها] (4)حال الحكاية بعيد، كما عرفت.
و يؤيّده الحكم بالتحريم عليه حيث إنّه من عوارض أفعال البالغين.
اللّٰهمّ إلّا أن يقال: إنّ المراد بالتحريم في هذه المقامات هو مجرّد الفساد، كما أنّ صيغة النهي قد تستعمل لمحض ذلك، فكذا مادّة التحريم.
و اعلم أنّ المشهور أنّه لا يحرم على المفعول بسبب هذا العمل أحد من أقارب الفاعل. و حكي عن شرح النافع حكاية نقل القول بإلحاقه بالفاعل عن بعض (5).
و من لاعن امرأته حرمت عليه أبدا بلا خلاف في ذلك ظاهرا، كما صرّح به غير واحد (6)و سيأتي الكلام فيه.
1) الوسائل 14: 339، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2، مع تفاوت.
2) ليس في «ع» و «ص»: لا.
3) الوسائل 14: 339، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.
4) من «ع» و «ص».
5) حكاه المحدث البحراني في الحدائق 23: 601، عن السيّد السند في شرح النافع.
6) كالشهيد الثاني في المسالك 1: 391، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 12: 305، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 37، و غيرهم قدّس سرّهم.
و كذا لو (1)قذفها و هي صمّاء أو خرساء بما يوجب اللعان لو لا خرسها أو صممها، بأن يرميها بالزنى مع دعوى المشاهدة و عدم البيّنة.
قيل: و الحكم في الرواية مختصّ بجامعة الوصفين (2)لكنّ المحكيّ عن الأكثر؛ الاكتفاء بأحد الأمرين (3)و عن الغنية (4)و السرائر؛ الإجماع (5).
قيل: و في بعض مواضع التهذيب ذكر الرواية بعطف أحدهما على الآخر بلفظ «أو» بدل «الواو» (6)و الموجود عندي هو ذكر لفظ «أو» في الرواية المرويّة في التهذيب عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير (7)و ذكر عبارة المقنعة قبل هذه الرواية بلفظ «أو» أيضا (8).
نعم، في بعض الروايات الاكتفاء بالخرس وحده (9)و يثبت الاكتفاء بالصّمم وحده بعدم القول بالفصل.
1) في الإرشاد: إن قذفها.
2) قال الشهيد الثاني في المسالك (1: 391) بعد نقل رواية أبي بصير: «و هذه الرواية دلّت على اعتبار الصمم و الخرس معا».
3) حكاه في المسالك 1: 391.
4) الغنية (الجوامع الفقهية): 553.
5) حكاه عن الغنية و السرائر السيد الطباطبائي في الرياض 2: 105. و انظر السرائر 2: 701.
6) قاله الشهيد قدّس سرّه في المسالك 1: 391.
7) التهذيب 7: 310، باب من يحرم نكاحهنّ بالأسباب، الحديث 46. الوسائل 15: 603، الباب 8 من أبواب اللعان، الحديث 2. و ليس فيه كلمة «أو».
8) انظر المقنعة: 501.
9) الوسائل 15: 602، الباب 8 من أبواب اللعان، الحديث 1 و 4.
و حكي عن الصدوق (1)تعدّي الحكم إلى ما لو قذفت الزوجة زوجها الأصمّ، للمرسل (2).
و كلّ مقام ثبت الحرمة فالواجب تمام المهر و إن كان قبل الدخول، لأنّ إلحاقه بالطلاق قياس لا نقول به.
ثمّ هل ينفى بذلك الولد عن أبيه الملاعن أم لا؟ وجهان.
[يكره العقد على القابلة المربية و بنتها، و أن يزوج ابنه بنت زوجته المخلوقة بعد فرقته، و التزويج بضرّة الأمّ مع غير الأب، و بالزانية قبل التوبة، و بالأمة مع وجود الطّول للحرة.
و يحرم نكاح الأمة على الحرة إلّا برضاها، فإن بادر بدون الإذن بطل، و يجوز العكس، فإن جهلت الحرة كان لها فسخ عقدها، و لو جمعهما في عقد صحّ عقد الحرة خاصة] (1).
و لو (2)دخل الزوج بصبيّة لم تبلغ تسعا و تزوّجها فعل محرّما بلا خلاف، كما يظهر من كلام بعضهم (3)و لم تحرم عليه بذلك ما لم يفضها على
المعروف ممّن عدا الشيخ (1). و له إطلاق بعض الروايات (2)ف لو أفضاها بجعل مسلك البول و الحيض واحدا؛ و ربما فسّر بجعل مسلك الحيض و الغائط واحدا (3)- و هو بعيد الوقوع- حرمت عليه أبدا، لمرسلة زيد بن يعقوب (4)و عليه الإنفاق عليها حتّى يموت أحدهما لرواية الحلبي (5).
و هل تبين منه بغير طلاق أم لا؟ ظاهر رواية بريد بن معاوية (6)و رواية حمران المحكيّة عن الفقيه (7)بل صريحهما، الثاني، و ظاهر المرسلة المتقدّمة: الأوّل؛ و هو المحكيّ عن ابن حمزة (8)و أيّده في المسالك (9)- تبعا
1) النهاية: 453.
2) الوسائل 14: 381، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
3) قال العلّامة قدّس سرّه في القواعد (2: 16): «هو صيرورة مسلك البول و الحيض واحدا أو مسلك الحيض و الغائط على رأى»، و نسبه في كشف اللثام (2: 39) إلى ابن سعيد، لكنّا لم نعثر عليه في الجامع للشرائع، و في نزهة الناظر (144):«و الإفضاء هو أن يصير مخرج المنيّ و الحيض و الولد واحدا، لأنّ بينهما حاجزا رقيقا» و هذا خلاف ما نسب إليه.
4) الوسائل 14: 381، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2، و في سنده «يعقوب بن يزيد» لا «زيد بن يعقوب».
5) الوسائل 14: 381، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 4.
6) الوسائل 14: 381، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3.
7) الفقيه 3: 431، الحديث: 4493، الوسائل 14: 380، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث الأول.
8) الوسيلة: 292.
9) المسالك 1: 390.
للمحقّق الثاني (1)على ما حكي- بأنّ التحريم المؤبّد ينافي النكاح، إذ ثمرته حلّ الاستمتاع، و لأنّه يمنع النكاح سابقا فيقطعه لاحقا، كالرضاع و اللعان و القذف للزوجة الصمّاء و الخرساء.
و فيه: أنّ انحصار ثمرة النكاح في حلّ الاستمتاع إنّما يوجب عدم جواز ابتداء النكاح على من يحرم الاستمتاع منه، لا بقاءه. و أمّا حرمة النكاح بالرضاع السابق الموجب لانفساخ اللاحق فلوجود الدليل.
و الحاصل، أنّ الخروج من أصالة بقاء النكاح و حرمة الزوجة للغير لا بدّ له من دليل قاطع و لا اعتبار بالاعتبار.
و قد طعن ابن إدريس على هذا القول بما لا مزيد عليه (2)بل ظاهره ثبوت الاتّفاق على عدم بينونتها بغير الطلاق، على ما حكي عنه.
ثمّ لو طلّقها أو قلنا بأنّها تبين منه بغير طلاق لو تزوّجت فهل يجب على المفضي الإنفاق عليها أيضا أم لا؟ الأظهر، الثاني، و إن كان مقتضى إطلاق رواية الحلبي (3)، الأوّل؛ و فيها: «يجب الإجراء عليها ما دامت حيّة» لانصرافها إلى صورة عدم تزوّجها، حيث إنّ الغالب عدم رغبة الأزواج فيها بعد الإفضاء، كما تدلّ عليه الرواية القائلة: بأنّه «قد أفسدها و عطّلها على الأزواج» (4)مضافا إلى ما دلّ على وجوب نفقة الزوجة على زوجها (5)الشامل لهذه الزوجة؛ و ليس إطلاق تلك الأدلّة أدون من إطلاق هذه
الرواية، فيتعارضان، حيث يدلّ كلّ منهما على وجوب الإنفاق عينا، و يترجّح تلك الأدلّة باعتبار موافقتها للقواعد الشرعيّة من كون النفقة في مقابل التمكين، و غير ذلك ممّا لا يخفى.
[و لو لم يفضها لم تحرم، و ذات البعل تحرم على غيره ما دامت في حباله، و عدّته ان كانت ذات عدّة] (1).
1) هذه العبارة من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلف قدّس سرّه لها.
و هو العيب و التّدليس
و فيه فصول:
[الفصل] الأوّل في العيب ال عيوب المجوّزة لفسخ النكاح في الرجل أربعة: الجنون، و الخصاء، و الجبّ، و العنّة و سيأتي الدليل على كونها عيوبا و تفصيل أحكامها.
و هل الجذام و البرص عيب في الرجل؟ فيه قولان، الأشهر: لا، و المحكيّ عن القاضي (1)و الإسكافي (2)و الشهيد الثّاني (3)نعم، لعموم الصحيح:
«إنّما يردّ النكاح من البرص و الجنون و الجذام و العفل» (4)و لادّائه إلى الضرر، لأنّهما من الأمراض المتعدّية باتفاق الأطبّاء؛ و في الخبر: «فرّ من المجذوم
فرارك من الأسد» (1)مع أنّها عيب في المرأة مع طريق تخلّص للرجل إلى فراقها بالطلاق، فثبوته في الرجل بطريق أولى، حيث لا طريق للمرأة إلى فراقه بوجه آخر.
و ردّ باختصاص الصحيح بالمرأة بحكم سياقه، و السؤال المذكور له في غير التهذيب (2)و التخلّص يمكن مع التضرّر بإجبار الحاكم له على الطلاق لو تضرّرت بالمباشرة و المعاشرة؛ مضافا إلى أنّه مستلزم لثبوت الفسخ بجميع الأمراض المعديّة.
و هل يردّ بالعمى؟ المحكيّ عن القاضي (3)و الإسكافي (4)نعم، و ألحق الثاني به العرج و الزمن الثابتين قبل العقد أو بعده (5).
و حكي عن الشيخ في المبسوط: أنّه عدّ من العيوب ما لو ظهر الزوج خنثى (6). و في المسالك: أنّ موضع الخلاف ما إذا كان محكوما بالذكوريّة بالأمارات، للتنفّر عنه و عدم حصول الاطمئنان بالأمارات؛ أمّا لو كان
1) الخصال 2: 521، و الوسائل 8: 431، الباب 28 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2.
2) الكافي 5: 406، باب المدالسة في النكاح و ما تردّ منه المرأة، الحديث 6.
3) المهذّب 2: 231.
4) نقله عنه العلامة في المختلف: 552.
5) راجع المختلف: 553- 554، فانا لم نجد فيه إلّا نسبة القول بردّ العرجاء إلى ابن الجنيد من دون تعرض لما إذا كان قبل العقد أو بعده، نعم نقل عنه:«لو حدث ما يوجب الردّ- قبل العقد- بعد الدخول لم يفرّق بينهما إلّا الجنون فقط».
6) راجع المبسوط 4: 250 و 266، ففي الموضع الأوّل قوّى عدم الخيار لها، و في الثاني قوّى ثبوت الخيار للرجل و اكتفى في المرأة ب «قيل فيه قولان».
مشكلا تبيّن فساد النكاح (1).
و عيوب المرأة سبعة: الجنون، و الجذام، و البرص، و القرن بسكون الراء و هو العفل و هو لحم ينبت في قبل المرأة، أو شيء يخرج من قبل المرأة شبه الأدرة للرجل- أعني انتفاخ الخصيتين- أو عظم، كالسنّ، في قبل المرأة.
و اتّحاد العفل و القرن هو المحكي عن أكثر أهل اللغة و الفقهاء (2).
و يدلّ عليه الصحيح: «المرأة تردّ من أربعة أشياء: [من] (3)البرص، و الجذام، و الجنون، و القرن- و هو العفل- ما لم يقع، فإذا وقع عليها فلا» (4)و نحوه خبر آخر (5)كما قيل.
ثمّ إنّه لا خلاف نصّا و فتوى في أنّ هذه الأربعة عيوب في المرأة توجب الفسخ. و لا فرق في الجنون بين المطبق و الأدواري.
و هل القرن عيب مطلقا؟ أو بشرط كونه مانعا عن الجماع بسهولة؟
و لذا أطلق في كلام جماعة من أهل اللغة أنّه يمنع الوطء (6)و لكن يستفاد من غير واحد من الأخبار إمكان وطئها (7).
1) المسالك 1: 420.
2) راجع الحدائق 24: 360- 361. الصحاح 6: 2180.
3) من المصدر.
4) الوسائل 14: 592، الباب الأوّل من أبواب العيوب و التدليس، الحديث الأوّل.
5) الوسائل 14: 593، الباب الأوّل من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 2.
6) النهاية لابن الأثير 4: 54 مادّة: «قرن»، لسان العرب 11: 138 نقلا عن التهذيب.
7) الوسائل 14: 592 و 599، الباب الأوّل من أبواب العيوب و التدليس، الحديث الأوّل، و الباب 3، الحديث 2 و 3.
و على كلّ حال، فالمحكيّ عن الشيخ و الأكثر هو عدم ثبوت الخيار مع إمكان الوطء (1)للأصل، و عدم ثبوت المقتضي للخيار، فإنّه إنّما نشأ من حيث المنع عن الوطء. و حكي عن جماعة من المتأخّرين (2)ثبوت الخيار أيضا (3)و مال إليه المحقّق في الشرائع (4)لإطلاق الأخبار (5)و تصريح بعضها بالخيار و لو مع الدخول (6).
ثمّ إنّ الخيار إنّما يثبت بالجذام و البرص إذا تحقّقا بشهادة أهل الخبرة.
و يظهر من بعض اعتبار التعدّد فيه، لأنّها شهادة (7)و في اعتبار العدالة نظر.
و قد يشتبه البهق بالبرص.
و الخامس من العيوب: الإفضاء، و هو جعل المسلكين واحدا و لا خلاف ظاهرا في ثبوت الخيار به، كما يظهر من غير واحد (8). و يدلّ
1) المبسوط 4: 250، و في المسالك 1: 421 (و هو الّذي قطع به الشيخ و الأكثر).
2) كذا في «ق»، و في «ع» و «ص»: و حكي عن الشيخ و الأكثر عدم ثبوت الخيار أيضا.
3) قال في كشف اللثام (2: 71): و يقوى إثبات الخيار مطلقا وفاقا لإطلاق الأكثر و نصّ المحقّق.
4) الشرائع 2: 320.
5) راجع الوسائل 14: 593، الباب الأوّل من أبواب العيوب و التدليس.
6) الوسائل 14: 598- 599، الباب 3 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 1 و 3.
7) في جامع المقاصد 13: 236 «بشهادة طبيبين عدلين» و في المسالك (1: 421): يرجع فيه إلى طبيبين عارفين.
8) جامع المقاصد 13: 239 و الحدائق 24: 365 و الجواهر 30: 335.
عليه مصحّحة الحذّاء (1).
و السادس: العمى و لا خلاف فيه ظاهرا، إلّا ما يحكى عن ظاهر المقنع (2)و المبسوط (3). و يدلّ عليه مصحّحة داود بن سرحان (4)و موثّقة ابن مسلم (5).
و السابع: العرج مطلقا على ما حكي عن الشيخين (6)و الإسكافي (7)و الحلبي (8)و أكثر الأصحاب، لمصحّحة داود بن سرحان و موثّقة محمّد بن مسلم، أو بشرط كونه بيّنا كما ذهب إليه آخرون، منهم المصنّف قدّس سرّه في المختلف (9)و التحرير (10). و يمكن أن يراد به ما كان كثيرا متفاحشا، لبعد كون اليسير جدّا عيبا، بل الأخبار أيضا منصرفة إلى البيّن.
و قيل: ليس بعيب مطلقا (11).
1) الوسائل 14: 596، الباب 2 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث الأوّل.
2) المقنع (الجوامع الفقهيّة): 27.
3) المبسوط 4: 249.
4) الوسائل 14: 597، الباب 2 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 6.
5) الوسائل 14: 594، الباب الأوّل من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 7.
6) المقنعة: 519، و النهاية: 485.
7) نقله عنه العلامة في المختلف: 553.
8) الكافي في الفقه: 295.
9) المختلف: 553.
10) تحرير الأحكام 2: 29.
11) نسبه في المسالك (1: 421) إلى ظاهر الشيخ في المبسوط و الخلاف و ابن البرّاج في المهذّب و الصدوق في المقنع، لأنّهم لم يعدّوه من عيوب المرأة.
و قيل: إنّه عيب إن بلغ الإقعاد (1)، و الأوّل أقوى.
و هل يثبت الخيار بالرتق؟- و هو على ما حكي عن أهل اللغة: التحام الفرج بحيث لا يكون للذكر فيه مدخل (2). و عن التحرير: أنّه لحم ينبت في الفرج فيرادف العفل (3)فيه قولان، أظهرهما؛ نعم، لعموم التعليل في رواية أبي الصباح: «عن رجل تزوّج امرأة فوجد بها قرنا؟ قال: هي لا تحبل و لا يقدر زوجها على مجامعتها، تردّ و هي صاغرة؛ قلت: فإن كان دخل بها؟ قال: إن كان علم بذلك قبل أن ينكحها- يعني المجامعة- ثمّ جامعها فقد رضي بها، و إن لم يعلم إلّا بعد ما جامعها، فإن شاء طلّق بعد، و إن شاء أمسك» (4).
و نحوها رواية الحسن بن صالح عن الفقيه (5)و الكافي (6). و المراد بالطلاق هو الطلاق اللغوي بالفسخ لا الطلاق الشرعي.
و اختلف في المحدودة في الفجور، فعن كثير من المتقدّمين، بل عن أكثرهم: أنّها تردّ، للعار على الزوج (7). و لم أجد في الروايات ما يدلّ على
1) الشرائع 2: 320 و القواعد 2: 33.
2) مجمع البحرين 5: 167، مادّة: «رتق»، لسان العرب 5: 132.
3) التحرير 2: 28.
4) الوسائل 14: 598، الباب 3 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث الأوّل، و أورد صدره في الباب الأوّل، الحديث 3.
5) الفقيه 3: 433، الحديث 4499، الوسائل 14: 599، الباب 3 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 3.
6) الكافي 5: 409، الحديث 17.
7) المسالك 1: 422.
هذا الحكم.
نعم، في بعض الروايات: «عن رجل تزوّج امرأة فعلم بعد ما تزوّجها أنّها قد كانت زنت؟ قال: إن شاء زوجها أخذ الصداق ممّن زوّجها، و لها الصداق بما استحلّ من فرجها، و إن شاء تركها» (1). و هذا يدلّ على جواز الرجوع على وليّها بالصداق، و ليس إلّا لكونه عيبا يفسخ به.
و عن الشيخ: أنّه حكم بضمان الوليّ مع عدم الخيار (2). و عن المختلف:
ردّه بأنّهما لا يجتمعان (3). [و إثبات مثل هذا الحكم بمثل هذا المستند مشكل] (4).
و تفسخ المرأة نكاحها بالجنون الحاصل للرجل و إن كان أدوارا، سواء تجدّد بعد الوطء أو كان سابقا عليه، أو على العقد، بلا خلاف صريح إذا كان لا يعقل أوقات الصلاة.
و إن كان يعقل، فإن كان قبل العقد أو مقارنا له، فالمعروف عمّن عدا ابن حمزة (5)الفسخ أيضا. و إن كان متأخّرا عن العقد، فالمحكيّ عن أكثر المتقدّمين عدم الفسخ (6)و خلافا لكثير من المتأخّرين (7)و لهم إطلاق رواية
1) الوسائل 14: 601، الباب 6 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 4.
2) النهاية: 486.
3) المختلف: 553.
4) من «ع» و «ص».
5) الوسيلة: 311.
6) مثل المفيد في المقنعة: 520 و الشيخ في المبسوط 4: 252 و القاضي في المهذّب 2: 233، و نسبه في الرياض (2: 132) إلى أكثر القدماء.
7) مثل المحقّق في الشرائع 2: 318، و العلّامة في المختلف: 554، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 13: 220 و ثاني الشهيدين في المسالك 1: 419.
عليّ بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم عليه السلام: «عن المرأة يكون لها زوج و قد أصيب في عقله بعد ما تزوّجها أو عرض له جنون؟ فقال: لها أن تنزع نفسها منه إن شاءت» (1).
و أضاف إليها في المسالك إطلاق صحيحة الحلبي: «إنّما يرد النكاح من البرص و الجذام و الجنون و العفل» (2)و اعترض (3)بأنّ ظاهر السؤال المذكور في هذه الرواية في غير التهذيب هو حكم المرأة (4). نعم أورد في التهذيب من غير سؤال (5).
و استدلّ للقدماء بالمحكيّ عن الفقه الرضويّ (6). و المسألة محلّ إشكال.
و تفسخ المرأة نكاحها بالخصاء أيضا و هو سلّ الأنثيين و إخراجهما. و في معناه حكما الوجاء و هو رضّ الخصيتين. و حكي عن بعض أنّه من أفراد الخصاء (7)فيعمّه كلّ ما دلّ على ثبوت خيار الفسخ
1) الوسائل 14: 607، الباب 12 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث الأوّل، بتفاوت يسير.
2) الوسائل 14: 594، الباب الأوّل من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 10.
3) المعترض هو المحدث البحراني قدّس سرّه في الحدائق 24: 338.
4) الكافي 5: 406، و الفقيه 3: 433.
5) التهذيب 7: 424، باب التدليس في النكاح، الحديث 4.
6) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام: 237.
7) في الحدائق (24: 340): «و في القاموس أنّه بمعنى الخصاء»، انظر القاموس 1: 31.
بالخصاء من الأخبار الكثيرة (1)و ظاهر اتّفاق الفتاوى.
نعم، حكي عن الشيخ في الخلاف (2)و المبسوط (3): أنّ الخصاء ليس بعيب، لأنّه يقدر على الوطء و يبالغ فيه أكثر من غيره من جهة عدم الإنزال. و هو ضعيف في مقابلة النصوص.
و إن لم يكن من أفراده، فإلحاقه به مشكل.
و هذا الحكم في الخصاء ثابت إن كان حصوله سابقا على العقد، و إلّا يكن سابقا فلا خيار لها، لأصالة بقاء النكاح، و اختصاص أدلّة الفسخ بصورة تدليس الخصيّ، و هو ظاهر، بل صريح في تقدّم خصائه على العقد.
و تفسخ المرأة أيضا نكاحها بالعنّة و هو- كما قيل-: مرض يعجز معه من الإيلاج لضعف الذكر عن الانتشار (4)من دون تقييد بعدم إرادة النساء، و ربما حكي [عن المصباح المنير] (5)عن بعض أهل اللغة اعتباره (6).
و حكي عن الفقهاء الاكتفاء بالأوّل (7)و يشهد بذلك رواية الكناني (8)
1) الوسائل 14: 608، الباب 13 من أبواب العيوب و التدليس.
2) الخلاف، كتاب النكاح، المسألة 125.
3) المبسوط 4: 250. لكنّه أورده إيرادا لا اعتقادا، فراجع.
4) كما في القواعد 2: 32.
5) من «ع» و «ص».
6) المصباح المنير 1: 433، مادّة: «عنن».
7) نسبه في الحدائق (24: 343) إلى ظاهر كلام الفقهاء.
8) الوسائل 14: 611، الباب 14 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 6.
و رواية أبي بصير (1)المعبّرتان عن العنن بعدم القدرة على النساء من دون تقييد بعدم إرادتهنّ.
و ثبوت الفسخ بها ثابت بالإجماع ظاهرا، كما يظهر من غير واحد (2)و يدلّ عليه الأخبار المستفيضة (3).
و إطلاق غير واحد منها (4)يدلّ على ثبوت الخيار و إن تجدّدت بعد العقد لكن (5)قبل الوطء، و أمّا لو تجدّدت بعد الوطء و لو مرّة كما في روايتي السكوني و إسحاق بن عمّار (6)أو عنّ عنها خاصّة، أو عن القبل خاصّة، فلا خيار.
خلافا في الأوّل للمحكيّ عن المفيد (7)و جماعة (8)لإطلاق بعض النصوص (9)و قد عرفت أنّها مقيّدة بالروايتين المنجبرتين بفتوى الأكثر،
1) الوسائل 14: 610، الباب 14 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث الأوّل.
2) مثل المحقّق الثاني في جامع المقاصد 13: 229، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 419. و المحدّث البحراني في الحدائق 24: 343.
3) الوسائل 14: 610، الباب 14 من أبواب العيوب و التدليس.
4) في «ع» و «ش»: منهما.
5) ليس في «ع» و «ص»: لكن.
6) الوسائل 14: 611- 612، الباب 14 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 4 و 8.
7) كذا في «ق»، و في «ع» و «ص»: المصنّف.
8) حكاه السيد الطباطبائي في الرياض 2: 136.
9) الوسائل 14: 610، الباب 14 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 1، و 6، و غيرها.
و حكاية الإجماع عن الغنية (1). و في الثاني عن المفيد (2)خاصّة، فاكتفى بالعنّة عنها خاصّة (3)لبعض الأخبار (4). و يقيّد بما في بعض آخر من اعتبار العجز عن إتيان النساء (5).
و لو ادّعى الزوج الوطء لها أو لغيرها بعد ثبوت العنّة، صدّق المدّعي باليمين و علّل بأنّه فعله؛ فلا يعرف إلّا من قبله، و تعذّر الإشهاد عليه، فكان كالعدّة في النساء (6).
و قيل: إنّ المرأة لو كانت بكرا نظر إليها من يوثق بها من النساء (7)و إن كانت ثيّبا حشي قبلها خلوقا- حيث لا يعلم- فإن ظهر شيء منه على العضو صدّق (8).
ثمّ مع ثبوت العنّة بإقراره أو بما في حكمه إن صبرت المرأة فلا فسخ، و إلّا تصبر رفعت أمرها إلى الحاكم، فيؤجّله سنة من حين
1) الغنية (الجوامع الفقهية): 549.
2) في «ق»: للمفيد.
3) المقنعة: 520، و يستفاد ذلك من مفهوم كلامه، فراجع.
4) مثل قوله عليه السلام في رواية أبي حمزة: «فإن وصل إليها و إلّا فرّق بينهما» انظر الوسائل 14: 613، الباب 15 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث الأوّل.
5) مثل: رواية أبي بصير و الضبي و عمّار بن موسى، الوسائل 14: 610، الباب 14 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 1 و 2 و 3.
6) كما في المسالك 1: 423.
7) صرّح به الصدوق في المقنع (الجوامع الفقهية): 27.
8) نسبه الشيخ قدّس سرّه في الخلاف إلى رواية أصحابنا، و قال: «هذا هو المعمول عليه»، راجع الخلاف، كتاب النكاح، المسألة 140.
المرافعة بلا خلاف ظاهر كما ادّعي (1): «للمحكيّ عن قرب الإسناد (2)و رواية البختري عن عليّ عليه السلام: «أنّه كان يقضي في العنّين أنّه يؤجّل سنة من يوم مرافعة المرأة» (3)فإن وطأها أو غيرها كما مرّ مع خلاف المفيد فلا فسخ، و إلّا فسخت و لها نصف المهر لمصحّحة أبي حمزة (4)و المحكيّ عن الفقه الرضويّ (5). و إلّا فليس الفسخ طلاقا يوجب تنصيف المهر، بل مقتضى الفسخ عدم المهر أصلا.
و لهذا لا شيء لها لو فسخت بغيره أي غير العنن قبل الدخول.
و في احتساب مدّة السفر من السنة إشكال.
و لو رضيت بأن يقيم معها فطلّقها ثمّ جدّد العقد عليها فلا خيار لها مع العلم بأنّه الزوج السابق.
أمّا لو وطأها في العقد الأوّل ثمّ عنّ في الثاني فلها الخيار و وجهه واضح.
و أمّا الجبّ و هو قطع الذكر، ف إن استوعب العضو فسخت المرأة به، و إلّا يستوعبه بل بقي مقدار الحشفة فلا فسخ.
1) الرياض 2: 136.
2) قرب الاسناد: 105، الحديث 357، الوسائل 14: 612، الباب 14 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 12.
3) الوسائل 14: 612، الباب 14 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 9، و الذي ورد هنا منقول بالمعنى.
4) الوسائل 14: 613، الباب 15 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث الأوّل.
5) الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام: 237.
أمّا الفسخ في الأوّل، فقد حكي عن المبسوط و الخلاف؛ عدم الخلاف فيه (1). و يدلّ عليه عموم رواية الكناني الدالّة على ثبوت الفسخ في امرأة ابتلي زوجها فلم يقدر على الجماع (2). مضافا إلى فحوى ثبوت الخيار في الخصيّ مع إمكان الوطء فيه، بل قيل: إنّه يبالغ فيه أكثر من غيره (3)و في العنن مع إمكان زواله؛ مضافا إلى نفي الضرر.
و أمّا عدم الفسخ لو بقي مقدار الحشفة، فادّعي عليه الإجماع (4)مضافا إلى لزوم الاقتصار في مخالفة الأصل على موضع النصّ.
و لهذا لو تجدّد الجبّ بعد العقد فلا خيار (5)و قيل بثبوته (6)لعموم مصحّحة الكناني (7)و رواية ابن مسكان عن أبي بصير:
في امرأة ابتلى زوجها فلم يقدر على الجماع (8)و فحوى ثبوته في العنن.
[و لا تفسخ لو بان خنثى مع إمكان الوطء.
1) المبسوط 4: 264. و لم نجد التفصيل في الخلاف، نعم ادّعي الإجماع فيه على أنّ الجبّ من العيوب المجوّزة للفسخ، انظر: الخلاف، كتاب النكاح، المسألة 124.
2) الوسائل 14: 611، الباب 14 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 6.
3) انظر المهذّب 2: 233.
4) كما في الرياض 2: 133.
5) في الإرشاد: فلا فسخ.
6) نسبه في المهذّب 2: 235 إلى أصحابنا. و في التحرير (2: 29): و الأقرب في الجبّ المتجدّد بعد الوطء ثبوت الخيار.
7) تقدّم آنفا.
8) الوسائل 14: 610، الباب 14 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث الأوّل.
و القرن ان لم يمنع الوطء فلا فسخ] (1)، و كذا يتحقّق الخيار مع الرتق و قد تقدّم الكلام فيه؛ هذا إذا لم يمكن إزالته بشقّ موضع الالتحام أو غيره، و أمّا إذا أمكن فإن لم تمتنع المرأة عن الإزالة فلا خيار، للأصل، و اختصاص ما سبق من الدليل بغير الفرض.
و لو امتنعت فالّذي اختاره المصنّف قدّس سرّه هنا هو ثبوت الخيار.
و فيه إشكال، بل لا يبعد أن يقال بإجبارها على الإزالة مع عدم تضرّرها بها زائدا على ألم الإزالة، لأنّ حقّ الزوج في الاستمتاع ثابت، لإمكانه؛ و ما تقدّم من دليل الخيار لا ينصرف إليه، لأنّ التعليل المذكور في القرن- أعني عدم القدرة على مجامعتها- يراد به عدم القدرة مع عدم (2)إمكان العلاج و إزالة المرض، كما هو الظاهر المتبادر؛ و اللّٰه العالم.
و اعلم، أنّ الخيار في الفسخ بالعيب و التدليس على الفور بلا خلاف يعرف، كما صرّح به جماعة (3).
هذا مع العلم بالخيار و الفوريّة؛ و لو جهل أحدهما، فلا يبعد معذوريّته إلى زمان العلم، لإطلاق الأخبار، و استصحاب الخيار، و نفي الضرر.
و إن كان العيب ممّا يحتاج إثباته إلى المرافعة كان المرافعة فوريّة، فإذا ثبت العيب كان الفسخ فوريّا؛ و كذا مرافعة العنّين إلى الحاكم.
و ما يتجدّد من عيوب المرأة بعد العقد لا يفسخ به و إن كان
تجدّدها قبل الوطء لأصالة اللزوم، و اختصاص أكثر الأخبار- كما قيل (1)- بصورة سبقها على العقد.
نعم، بعضها مطلقة (2)و لكن لا تنافي بين المطلقات و المقيّدات حتى تحمل عليها، إلّا أن يدّعى انصراف المطلقات إلى صورة تقدّمها على العقد، كما ادّعاه في الرياض (3). و المسألة لذلك محلّ إشكال.
و يمكن أن يستدلّ على ذلك: بأنّ الأخبار و فتاوى الأصحاب أطبقت على عدم استحقاق الزوجة لشيء من المسمّى إذا فسخ قبل الدخول، و لا يتأتّى ذلك إلّا مع سبق العيب على العقد حتّى يكون الصداق من أصله متزلزلا، أمّا لو تجدّدت بعد العقد- و المفروض تملّك الصداق بالعقد و استقرار ملكها على المشهور (4)- فإذا حصل الفسخ بالعيب (5)الحادث بعد العقد يحكم بثبوت المهر كلّا، لأنّ الفسخ ليس طلاقا، و لا أقلّ من ثبوت نصف المهر، لاستقراره بالعقد و عدم وجود عيب حين العقد حتّى يوجب تزلزله.
اللّهم إلّا أن يقال: إنّ استقرار نصف المهر المجمع عليه إنّما هو بالإضافة إلى عدم اشتراطه بالدخول، فلا ضرر في التزام تزلزله بالنسبة إلى العيب الحادث قبل الوطء، فتأمّل.
أمّا إذا تجدّدت بعد الدخول، فينبغي القطع بعدم الخيار، بل ادّعي
الوفاق عليه (1). و يدلّ عليه كثير من الأخبار (2)و حكي عن الشيخ ثبوت الخيار هنا أيضا (3).
و لا يشترط في الفسخ شرط من شروط الطلاق، لأنّه ليس طلاقا شرعيّا، و إن أطلق عليه التطليق في غير واحد من الأخبار (4)و المراد الإطلاق؛ و لا التلفّظ بصيغة خاصّة؛ و لا أن تكون بحضور الحاكم خلافا للمحكيّ عن شاذّ منّا (5)إلّا في العنّة فإنّه لا بدّ من رفع الأمر إليه ليضرب (6)الأجل، و هذا الاستثناء منقطع، لأن الفسخ في العنّة لا يتوقّف على الحضور عند الحاكم، إذ لها الفسخ بعد انقضائه بدونه أي بدون الحاكم.
و كما لا يشترط الحضور عند الحاكم لا يشترط حضور شاهدين، لما عرفت من أنّ الفسخ ليس بطلاق.
و إذا اختلف الزوجان في العيب كان القول قول منكر العيب مع
1) المسالك 1: 422.
2) مستندهم في الحكم إطلاق صحيحة عبد الرحمن. الوسائل 14: 593، الباب الأوّل من أبواب العيوب و التدليس، الحديث الأوّل، و استدلّ عليه في الجواهر 30: 341 بصحيح أبي عبيدة أيضا؛ و لم نعثر على غيرهما، فلاحظ.
3) المبسوط 4: 252، حكاه عنه و عن الخلاف في المسالك 1: 422.
4) مثل ما رواه في الوسائل 14: 595، الباب الأوّل من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 14، و الصفحة: 598، الباب 3، الحديث الأوّل.
5) حكاه العلامة في المختلف: 557 عن ابن الجنيد، و نقل كلاما عن المبسوط و قال: و هو يدلّ على تردّده؛ راجع المبسوط 4: 253.
6) في الإرشاد: لضرب.
عدم البيّنة لأصالة السلامة و لزوم العقد، و على المنكر اليمين، فإن نكل أحلف المدّعي و يثبت العيب.
و إذا فسخت المرأة بالعيب أو التدليس قبل الدخول فلا شيء بلا خلاف فتوى و نصّا (1)إلّا في الخصيّ؛ فقد حكي عن الشيخ (2)و جماعة ثبوت جميع المهر عليه بالخلوة (3)و عن أخرى ثبوت نصف المهر مع عدم الدخول مطلقا (4)لروايتي قرب الإسناد (5)و الفقه الرضوي (6)إلّا في فسخها لأجل العنّة فإنّ لها النصف.
و إن كان فسخها بعده أي بعد الدخول- كان لها المسمّى لاستقراره بالدخول.
قال في المسالك: و مقتضى القواعد أنّه لا فرق بين الفسخ بالعيب الحادث قبل العقد و بعده، لأنّ الفسخ لا يبطله من أصله، و لهذا لا يرجع عليها بالنفقة الماضية، و قال الشيخ في المبسوط: إن كان الفسخ بالمتجدّد بعد الدخول فالواجب المسمى، لأنّ الفسخ إنّما يستند إلى العيب الطارئ بعد استقراره؛ و إن كان بعيب موجود قبل العقد أو بعده قبل الدخول وجب مهر
1) الوسائل 14: 593، الباب الأوّل من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 4 و 14، و 14: 596، الباب 2، الحديث الأوّل.
2) النهاية: 488.
3) حكاه السيد الطباطبائي في الرياض 2: 135 عن الشيخ و أكثر الأصحاب.
4) حكاه السيد الطباطبائي في الرياض 2: 135 عن الصدوقين.
5) قرب الإسناد: 248- 249 الحديث 982، الوسائل 14: 609، الباب 12 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 5.
6) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام: 237.
المثل، لأنّ الفسخ و إن كان في الحال إلّا أنّه مستند إلى حال حدوث العيب، فيكون كأنّه وقع مفسوخا حين حدوث العيب، فيصير كأنّه وقع فاسدا، فيلحقه أحكام الفاسد؛ فإن كان قبل الدخول فلا مهر و لا متعة، و إن كان بعده فلا نفقة للعدّة و يجب مهر المثل (1).
ثمّ قال في المسالك: و لا يخفى ضعفه، لأنّ النكاح وقع صحيحا، و الفسخ- و إن كان بسبب العيب السابق- لا يبطله من أصله، بل من حين الفسخ، خصوصا إذا كان العيب حادثا بعد العقد، فإنّ دليله لا يجيء عليه (2)انتهى.
و إن فسخ الرجل قبله أي قبل الدخول فلا مهر لها و لا عدّة عليها، بلا خلاف نصّا و فتوى، كما يظهر من الحدائق (3)و ادّعي الإجماع في الرياض (4)و إن كان بعده فلها المسمّى، و يرجع الزوج به على المدلّس؛ للأخبار (5).
فإن كان (6)المدلّس هي؛ سقط، إلّا أقلّ ما يمكن أن يكون مهرا لئلّا تخلو البضع عن عوض؛ و قيل: أقلّ مهر مثلها (7)و الأخبار
خالية عن هذا الاستثناء، و لهذا أنكره جماعة، كما في الرياض و ارتضاه (1).
و لو لم يكن مدلّس (2)- بأن خفي عيب المرأة عليها و على وليّها- فلا رجوع للزوج على أحد.
الفصل الثاني في التدليس و هو إظهار صفة كمال في المرأة مع انتفائها عنها أو إخفاء صفة نقص.
و الفرق بينه و بين العيب: أنّ منشأ الخيار في العيب مجرّد ثبوته في الواقع، و في التدليس اشتراط الصفة بحيث لو لا الاشتراط لم يثبت.
ف- لو تزوّجها على أنّها حرّة باشتراط ذلك في متن العقد لفظا، أو ذكره قبله بحيث أجريا العقد على ذلك فخرجت أمة، فله الفسخ عملا بمقتضى الشرط، إذ ليس فائدته إلّا التسلّط على الفسخ مع عدمه.
و حكي عن الشيخ في الخلاف و المبسوط البطلان (1).
و علّل تارة بعموم «المؤمنون عند شروطهم» (2)حيث إنّ مقتضى
وجوب الوفاء بمقتضى الشرط عدم بقاء التزويج بدونه. ثمّ ردّه المعلّل (1)باختصاص العموم بغير المستحقّ، أمّا المستحقّ فلا يجب عليه الوفاء، إذ له إسقاطه، لأنّه من حقوقه.
و اخرى بأنّ نكاح الأمة بدون إذن المولى (2)باطل. و ردّه المعلّل بأنّه مختصّ بما إذا لم يكن التزويج بإذن مولاها.
و كيف كان، فهذا القول ضعيف مع إذن المولى و عدمه.
أمّا مع إذن المولى؛ فلعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)خرج منه الوفاء بالعقد قبل الإمضاء و بقي الباقي، و منه هذا العقد بعد الإمضاء.
و أمّا مع عدم الإذن؛ فلما تقدّم من عدم وقوع العقد باطلا، بل موقوفا على إجازة المولى.
و ممّا ذكرنا من الدليل و عمومه يظهر ثبوت خيار الفسخ و إن دخل بها، فإنّ التصرّف مع الجهل لا يزيل خيار الشرط، فإن لم يفسخ الزوج فلا كلام.
و إن فسخ، فإن كان قبل الدخول فلا مهر، بلا خلاف ظاهرا، لأنّ سبب الفسخ حصل من قبلها؛ كذا علّل (4).
و إن كان بعد الدخول فإن كانت المرأة قد دلّست نفسها بإذن المولى لها في التزويج (5)فتزّوجت مدلّسة دفع المهر إلى المولى لأنّه
مالك بضع الجارية، فله عوضه و لا يسقط حقّه بتدليس غيره و تبعها به بعد عتقها، إذ في جعلها في ذمّتها قبله إضرار بالمولى، و في الحكم بعدم استحقاق الزوج شيئا إضرار بالزوج، مع إمكان تداركه بما ذكر؛ و اتباعها بالمهر بعد العتق ليس منافيا لحقّ المولى.
نعم، لا يقدر المملوك أن يشغل ذمّته و لو على هذا الوجه؛ لأنّه مملوك لا يقدر على شيء؛ و لا ينافي ذلك تعلّق شيء بذمّته قهرا و إن كان سببه اختياريّا، كما لو أقرض بدون إذن مولاه، فإنّه إتلاف اختياريّ موجب لضمانه قهرا.
و إن دلّسها مولاها فلا مهر لأنّ المملوكة لا تستحقّ مهرا و المولى هو المدلّس؛ و ثبوت الرجوع على المدلّس ينافي الحكم بوجوب الدفع إلى المولى ثمّ الارتجاع منه و لا يستثنى هنا في مقابل الوطء شيء من مهر المثل أو أقلّ ممّا يتموّل.
و وجّهه في المسالك بعموم الدليل الدالّ على الرجوع به على المدلّس (1).
و ينبغي أن يراد بالدليل عموم التعليل في بعض الأخبار المتقدّمة في العيب؛ ففي بعضها- في مقام بيان علّة الرجوع إلى وليّ المرأة المعيبة إذا دلّسها- قال عليه السلام: «إنّما صار عليه المهر لأنّه دلّسها» (2)و يستفاد هذا من غيره أيضا، كما لا يخفى على من راجعها.
و تعتق عليه أي على مولى الجارية المدلّسة لو (3)تلفّظ
عند التدليس بما يقتضي (1)إنشاء العتق أو الإخبار به على وجه الإقرار؛ و حينئذ فصحّ العقد مع إذن المرأة سابقا أو إجازتها لاحقا، و لها المهر و لا خيار له.
و الولد حرّ، و على أبيه المغرور قيمته يوم سقط حيّا للمولى و يرجع به على الغارّ، و لو كان الغارّ هو المولى فلا يستحقّ شيئا، لأنّ الرجوع عليه لمكان غروره ينافي استحقاقه. و لو كان الغارّ عبدا تبع بالقيمة بعد العتق.
و لو انعكس الفرض- بأن تزوّجت الحرّة رجلا على أنّه حرّ فبان عبدا- فلها الفسخ؛ فإن كان قبل الدخول فلا شيء لها، لأنّ الحدث جاء من قبلها؛ و إن كان بعده ثبت لها المهر على السيّد إن أذن في العقد، لأنّ إذنه يستلزم تعلّق عوض الوطء بذمّته، و إن كان بغير إذنه اتبع العبد به بعد العتق و اليسار. و مستند الخيار في هذا الفرض- مضافا إلى أنّه مقتضى الشرط- مصحّحة محمّد بن مسلم (2).
و لو شرط كون المرأة المعيّنة المعقود عليها بنت مهيرة أي حرّة- لأنّها ذات مهر دائما دون الأمة، فإنّها قد توطأ بالملك كما قد توطأ بالمهر- فبانت بنت أمة (3)كان له الخيار في ردّها، فإن ردّ (4)قبل الدخول فلا شيء، و إن ردّ (5)بعده فلها مهر المثل بما استحلّ من فرجها،
و يرجع به على المدلّس و لا خيار هنا بدون ذكر الشرط في متن العقد.
و تبع المصنّف قدّس سرّه هنا المحقّق رحمه اللّٰه في الشرائع (1)حيث أطلق الحكم بالخيار في السابق بحيث يمكن أن يعمّم لما إذا ذكر الشرط سابقا و أجرى العقد عليه، و هنا قيّد الحكم بما إذا شرط في متن العقد. و ذكر في المسالك الفرق بين هذه و السابقة من وجهين:
الأوّل: إطلاق النصّ هناك حيث ورد السؤال فيها عن رجل تزوّج حرّة فوجدها أمة دلّست نفسها.
الثاني: أنّ الحرّيّة أمر مهمّ ففواتها نقص بيّن يصلح لتسلّط من قدم عليه على الردّ إذا ظهر خلافه، بخلاف الحرّة الّتي أمّها حرّة أو أمة، فإنّ التفاوت بينهما ليس كالتفاوت بين الحرّة و الأمة و لا قريبا منه؛ بل ربما لا يظهر التفاوت بينهما، أو يكون الكمال في جانب بنت الأمة مع اشتراكهما في الوصف بالحرّيّة، فلم يكن لفواته أثر إلّا مع الشرط في ضمن العقد عملا بعموم الوفاء بالشرط (2)و بفواته يظهر تزلزل العقد (3).
هذا كلّه إذا وقع العقد على امرأة معيّنة و شرط كونها بنت مهيرة فبانت بنت أمة.
و أمّا لو زوّجه بنت مهيرة و أدخل عليه امرأة أخرى هي
بنت أمة لم يعقد عليها ردّت وجوبا بمجرّد العلم، فإن كان الردّ قبل الدخول فلا شيء لها عليه، و إن كان بعده مع جهل الزوجة بعدم العقد عليها كان عليه مهر المثل لأجل وطء الشبهة، و عليها العدّة و يرجع الرجل به أي بالمهر على السائق المدلّس [و يدفع إليه امرأته] (1). و مع علم الزوجة بالحال فلا شيء لها لأنّها بغيّ، و لا عدّة عليها مع علم الرجل لعدم احترام ماء الزنى.
و كذا الحكم في كلّ من سيق إليه غير زوجته و قد ورد به غير واحد من الأخبار (2).
و لو شرط البكارة فظهرت ثيّبا فلا فسخ لاحتمال زوال البكارة بعد العقد، و الأصل تأخّر الحادث، و مع الشّك في تأريخهما لا سبب للفسخ و إن لم يمكن الحكم بتأخّر الثيبوبة عن العقد، لأنّ الخيار لا يثبت إلّا إذا علم سببه، و هو تقدّم الثيبوبة على العقد.
و لو فرض حصول العلم بتاريخ الثيبوبة و شكّ في زمان العقد فلا خيار أيضا و إن كان الأصل تأخّر العقد، لأنّ أصالة تأخّر العقد لا يثبت تقدّم العيب و إن كانا متلازمين عقلا، لأنّ ثبوت أحد المتلازمين عقلا بالأصول الشرعيّة الظاهريّة لا يثبت الآخر، كما قرّر في محلّه.
و بالجملة، لا يحكم بالخيار إلّا أن يعلم سبق الثيبوبة على العقد.
ثمّ على تقدير عدم الفسخ بعدم العلم بسبقها على العقد أو اختيار
البقاء في موضع له الفسخ، هل له (1)أن ينقص عن المسمّى بنسبة ما بين المهرين؟ أو لا ينقص مطلقا؟ أو ينقص شيء و لم يرد من الشارع تقديره؟ و قد يفسّر بالسدس قياسا على الوصيّة بالشيء، أو تقديره موكول إلى نظر الحاكم؟ أقوال.
و علّل الأوّل بأن الرضى بالمهر المعيّن إنّما حصل على تقدير اتّصافها بالبكارة فيلزم التفاوت كأرش ما بين الصحّة و العيب.
و ضعّف بأنّ ذلك إنّما يكون حيث ثبت فواته قبل العقد، أمّا مع إمكان تجدّده بعده فلا دليل على سقوط شيء من المسمّى، و هذا الإيراد ينبئ عن تسليم النقص مع تحقّق سبق الثيبوبة.
و وجه القول الثالث بورود «فإنّه (2)ينقص» (3)بقول مجمل، فإمّا يحمل على مسمّى الشيء، أو يحمل على السدس، أو يفوّض إلى الحاكم.
و وجه العدم مطلقا هو أنّ النقص على خلاف الأصل، فإنّ مقتضى العقد وجوب جميعه فإذا أمضى العقد وجب العمل بمقتضاه، و ليس للشرط تأثير إلّا الخيار بين الردّ و الإمساك، و لهذا لا يحكم بشيء مع فوات الوصف المشروط في المبيع.
و هذا أقوى، لو لا الرواية المصحّحة الواردة في النقص؛ و معها فيوجّه
وكوله إلى نظر الحاكم.
و حينئذ فالأولى أن يقال: إنّ على الحاكم أن ينظر في نفس هذه المسألة الخلافيّة و يحكم بما يؤدّي إليه نظره.
بل قد يقال: إنّ وكول ما ينقص إلى الحاكم لا دليل عليه، لأنّ تعيين ما أبهمه الشارع ليس موكولا إلى الحاكم (1). و يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من الرواية- حيث لم يبيّن مقدار النقص- هو نقص التفاوت؛ لأنّه المتعارف في تدارك الفائت و قد وكله الشارع إلى المتعارف، بل مقصود السائل أيضا السؤال عن نقص التفاوت، كما لا يخفى على من تأمّل قليلا.
و لو شرط إسلامها فبانت كتابيّة، فإن قلنا بجواز ابتداء نكاح الكتابيّة، فله الفسخ قضيّة للشرط و لا خيار مع عدم ذكر الشرط (2)في متن العقد لأصالة اللزوم، كما في كلّ عقد لم يذكر في متنه شرط.
و لو تزوّجت على أنّه حرّ فبان مملوكا فلها الفسخ، و قد تقدّم أنّ لها المهر مع الدخول.
و لو أدخلت امرأة كلّ من الزوجين على الآخر، فلها مهر المثل على الواطئ بشبهة و المسمّى على الزوج، و تردّ زوجة كلّ منهما إليه و لكن لا يطؤها إلّا بعد العدّة (3).
[و كل عقد باطل فللموطوءة مهر المثل، و كل مفسوخ بعد الصحة فلها المسمى و لا خيار للأولياء، و لا نفقة لها في العدّة إلّا مع الحمل] (1).
1) ما بين المعقوفتين من الإرشاد.
نكت متفرّقة (1)
الكفاءة شرط في النكاح، و هي المساواة في الإسلام، و ليس للمؤمنة التزويج بالمخالف، و يكره العكس، و لا يشترط تمكّنه من النفقة على رأي، و لو تجدد العجز لم تفسخ المرأة، و لا يشترط التساوي في النسب و الشرف و الحرية، و يجب إجابة المؤمن الخاطب القادر على النفقة و إن كان أخفض نسبا
و لو انتسب إلى قبيلة فبان من غيرها ففي فسخ الزوجة قولان، و يكره تزويج الفاسق خصوصا شارب الخمر
و لو علم بعد العقد أنها زانية فلا فسخ على رأي.
و وطء الشبهة يسقط الحدّ و تجب به العدة، و لو علمت حدت و اعتدت و لا مهر، و يلحق به الولد، و إن كانت أمة فعليه قيمته لمولاها و مهرها.
و يحرم التعريض بالخطبة للمعتدة رجعية، و يجوز للمطلّقة ثلاثا من
1) أخذنا هذه النكت من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلف قدّس سرّه لها فيما بأيدينا من النسخ.
الزوج و غيره، و يحرم التصريح لها منه و من غيره، و التصريح من الزوج للمطلّقة تسعا للعدة، و التعريض لها منه لا من غيره، و البائن عن فسخ أو خلع يجوز التعريض من الزوج و غيره، و التصريح منه لا من غيره، و لا تحرم بتحريم الخطبة، و يكره الخطبة، على الخطبة المجاب.
و لو شرطت انتفاء النكاح عند التحليل بطل العقد على رأي و لا يبطل بالقصد، و لو شرط الطلاق بطل الشرط، و نكاح الشغار باطل و هو: جعل مهر كلّ من المرأتين بضع الأخرى، و لو جعل مهر أحدهما خاصة بطل نكاحها دون الأخرى.
و يحلّ للزوج كلّ استمتاع، و يكره الوطء في الدبر، و هو كالقبل في جميع الأحكام، حتى تعلّق النسب، و تقرير المسمّى و الحد، و مهر المثل مع فساد العقد، و العدة، و تحريم المصاهرة، إلّا التحليل و الإحصان و استنطاقها في النكاح
1) هذا المقصد بأكمله إلى آخر الكتاب، من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلف قدّس سرّه له فيما بأيدينا من النسخ. نعم تعرض قدّس سرّه للبحث عن مسألة القسمة بصورة مستقلة، و ستأتي في الصفحة: 470.
و هي واجبة للمنكوحة بالعقد دائما، و قيل: إنّما تجب لو ابتدأ بها.
و تستحق المريضة، و الرتقاء، و الحائض، و النفساء، و الأمة و إن لم يأذن المولى، و المحرمة، و المولّى عنها، و المظاهر منها- لأن الواجب المضاجعة و الأنس ليلا خاصة دون الوقاع- لا الصغيرة، و المجنونة المطبقة، و الناشز، بمعنى أنه لا يقضى لها.
على كلّ زوج، سليما من العنّة و الخصاء أولا، عبدا أو حرا، عاقلا أو مجنونا، و يقسم عنه الولي.
فذو الزوجة يبيت عندها ليلة من أربع و الثلاث يضعها أين شاء، و للاثنتين ليلتان، و للثلاث ثلاث، و للأربع لكلّ واحدة ليلة، و لا يجوز الإخلال إلّا بالإذن أو السفر، و تجوز القسمة أزيد من ليلة، و للأمة مع الحرة ليلة، و للحرة ليلتان، و الكتابية كالأمة، و لو أسقطت حقها لم يجب القبول، و لو وهبته لإحداهنّ و قبل اختصّ بالموهوبة، و لها الرجوع- لو وهبت-
في المستقبل، و لو لم يعلم لم يقض، و لا يلزم العوض لو اصطلحا عليه
و لا يزور الضرّة إلّا مع المرض، فإن أقام ليلته لم يقض على رأي، و لو اعتقت الأمة بعد ليلتي الحرة فلها ليلتان، و لو كان بعد الثلاث فلا شيء، و لو بات عند الأمة ليلة قبل الحرة فأعتقت بات عند الحرة اثنتين، و له المبيت في بيوتهنّ أو بيته أو بالتفريق، و البكر تختص بسبع، و الثيب بثلاث، و لا قضاء و إن كانتا أمتين، و لا قسمة في السفر.
و يستحب القرعة في تعيين المسافرة معه، و التسوية بينهنّ في الإنفاق، و إطلاق الوجه، و تخصيص صاحبة الليلة بيومها، و الإذن لها في حضور موت أبويها.
و لو جار في القسمة قضى، و لو نشزت إحدى الأربع ثم بعد استيفاء اثنتين أطاعت وفّى الثالثة بقدر القسمة، و الناشز بقدر الثلث بين كلّ ثلاث للثالثة ليلة لها و ذو الزوجتين في البلدين يقيم عند الثانية كما أقام عن الاولى، و لو سافرت بإذنه استحقت القضاء، و يتخيّر فيمن يبتدئ
و لو طلّق الرابعة بعد حضور ليلتها ثم تزوجها، قيل: يجب القضاء، و فيه نظر
يجب على الزوجة التمكين من الاستمتاع، و تجنّب المنفر، و على الزوج المئونة، فإن نشزت وعظها، فإن أجابت و إلّا هجرها في المضجع بأن يحوّل ظهره في الفراش، فإن أفاد و إلّا ضربها غير مبرح.
و لو نشز ألزمه الحاكم بإيفاء حقّها، و لو أسقطت بعض حقّها من نفقة و قسمة استمالة له حلّ له قبوله.
و لو نشزا معا و خيف الشقاق بعث الحاكم حكما من أهله و حكما من أهلها و يجوز غيرهما، فإن اتفقا على الإصلاح فعلاه من غير إذن، و إن اتفقا على الفرقة لم يجز إلّا بإذن الزوج في الطلاق و المرأة في البذل، و يلزم ما يشترطه الحكمان من السائغ، و لو أغارها أو منعها بعض حقّها فبذلت مالا للخلع و ليس بإكراه
مسألة (1)[في وجوب القسم بين الزوجات]
لا خلاف بين الأصحاب كما صرّح به جماعة (2)في وجوب القسم بين الزوجات في الجملة، و يدلّ عليه الأخبار المستفيضة أيضا (3)و إنّما الإشكال و الخلاف في أنّه هل يجب بنفس العقد و التمكين؟ فيجب للزوجة الواحدة ليلة من أربع ليال، و للاثنين ليلتان، و للثلاث ثلاث، و الفاضل عن تمام الأربع له يضعه حيث يشاء، فإذا كنّ أربعا فليس له شيء من الليالي؛ و كلّما فرغ من دورة واحدة من القسمة يجب عليه الشروع في دورة أخرى؟
أم يتوقّف وجوبه على الشروع في القسمة؟ و يتفرّع عليه- كما ذكره جماعة
و نسبه بعض إلى الأصحاب (1)- عدم الوجوب للزوجة الواحدة و عدم وجوب الابتداء بها للمتعدّدة. نعم لو بات عند واحدة ليلة يجب عليه المبيت عند غيرها، فإذا انقضت دورة القسمة لم يجب عليه استئناف دورة أخرى إلى أن يبيت عند بعضهنّ فيجب عليه إيفاء القسمة للباقيات، ثمّ لا يجب عليه الاستئناف، و هكذا.
و المشهور كما صرّح به جماعة (2)على الأوّل. و حكي عن الشيخ في المبسوط (3)و المحقّق في الشرائع (4)و العلّامة في التحرير (5)الثاني، و اختاره الشهيد الثاني (6)و سبطه (7)و صاحب الكفاية (8)و صاحب الحدائق (9)و قوّاه في الرياض (10).
و يمكن أن يستدلّ للمشهور بجملة من الآيات و الأخبار.
فمن الآيات، قوله تعالى وَ عٰاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (11)دلّ على
1) الحدائق 24: 591.
2) كما عن الشهيد الثاني قدّس سرّه في المسالك 1: 449، و المحدّث البحراني قدّس سرّه في الحدائق 24: 591، و السيّد الطباطبائي قدّس سرّه في الرياض 2: 150.
3) المبسوط 4: 325.
4) الشرائع 2: 335.
5) تحرير الأحكام 2: 40.
6) الروضة البهيّة 5: 404.
7) هو السيّد السند صاحب المدارك، حكاه عنه صاحب الحدائق 24: 591.
8) كفاية الأحكام: 186.
9) الحدائق 24: 591.
10) الرياض 2: 150.
11) النساء: 19.
وجوب معاشرة النساء في الجملة، و لا يصدق عرفا بمجرّد الإنفاق و لا بانضمام وطئها في كلّ أربعة أشهر مرّة واحدة بأقلّ ما يوجب الغسل، فدلّ على وجوب شيء آخر يوجب صدق المعاشرة، و ليس غير المضاجعة بالإجماع، فتعيّن وجوبها.
و أورد عليه في المسالك بأنّ المعاشرة تتحقّق بدون المضاجعة، بل بالإيناس و الإنفاق و تحسين الخلق و الاستمتاع بالنهار أو بالليل مع عدم استيعاب الليلة بالمبيت، بل مع عدم المبيت على الوجه الّذي أوجبه القائل، بل يمكن تحصيل المعاشرة بالمعروف زيادة في الأوقات مع عدم مبيته عندهنّ (1).
و فيه: أنّ ما عدا الإنفاق من هذه الأمور الّتي ذكرها غير واجب إجماعا. و قد عرفت أيضا عدم تحقّق المعاشرة عرفا بمجرّد الإنفاق أو بانضمام أقلّ الواجب من الوطء، فلم يبق هنا ما يصلح أن يكون واجبا إلّا المضاجعة؛ مع أنّ مثل هذا الإيراد لو توجّه لم يمكن الاستدلال بالآية على وجوب المضاجعة و القسمة في الجملة الّذي لا خلاف فيه؛ مع أنّه قدّس سرّه كغيره استدلّ بها عليه.
و منها، قوله تعالى فَلٰا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهٰا كَالْمُعَلَّقَةِ (2)أي لا تميلوا إلى إحدى الزوجتين أو الزوجات حتّى تذروا الأخرى كالمعلّقة لا ذات بعل و لا مطلّقة؛ فدلّت على تحريم الميل لأجل العلّة المذكورة، و هي أن يذرها كالمعلّقة؛ و لا ريب في تحقّق هذه الغاية في ترك القسمة ابتداء،
فيتحقّق التحريم.
و منها، قوله تعالى وَ اللّٰاتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضٰاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلٰا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا (1)دلّ على جواز الهجر في المضاجع مع خوف النشوز أو مع علمها- على اختلاف في التفسير- فيدلّ بمفهومه المعتبر هنا اتّفاقا ظاهرا- و إن كان مفهوم الوصف- على عدم جوازه مع عدم خوف النشوز.
و وجه اعتبار مفهوم الوصف هنا أنّه في مقام تحديد الصنف الّذي يجوز هجره من النساء؛ مضافا إلى وجود القرينة في ذيل الآية، و هو قوله:
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلٰا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.
و أمّا الأخبار:
فمنها: موثّقة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام، «قال: و إذا كانت الأمة عنده قبل نكاح الحرّة على الأمة قسم للحرّة الثلثين من ماله و نفسه يعني النفقة، و للأمة الثلث من ماله و نفسه» (2).
و ردّها في المسالك تارة بضعف الدلالة حيث إنّها بظاهرها تدلّ على وجوب ما ليس بواجب إجماعا، لعدم وجوب (3)الحرّة بالثلثين من تمام الأوقات و الأمة الثلث، و أخرى بضعف السند (4).
أقول: أمّا الإيراد بضعف الدلالة، فضعيف؛ لأنّ دلالتها على وجوب
ما ليس بواجب إجماعا لا يوجب طرح الرواية، فإنّ التقييد و التخصيص في المطلقات و العمومات بواسطة الإجماع ليس بعزيز؛ فكما أنّ المراد ب «المال» في الرواية خصوص النفقة- كما فسّره الإمام عليه السلام- فكذا المراد من «النفس» المضاجعة، إذ ليس غيرها واجبا إجماعا.
و أمّا الإيراد بضعف السند، فإن كان بواسطة «محمّد بن قيس» حيث إنّه مشترك بين الثقة و الضعيف، ففيه: أنّ الظاهر كما استظهره غير واحد (1)هو وثاقة من يروي عنه عاصم بن حميد، كما في هذه الرواية؛ مع أنّ ما سيجيء من الرواية في العمل بكتب بني فضّال كاف في هذا المجال، فإنّ الرواية مأخوذة ظاهرا من كتاب عليّ بن حسن بن فضّال.
و إن كان ضعفه بواسطة نفس عليّ بن فضّال حيث إنّه فطحيّ، ففيه:
أنّه في غاية الوثاقة و الورع في دينه، كما يظهر من ملاحظة ترجمته؛ مضافا إلى أنّ الشيخ أخذ الرواية من كتابه (2)كما هو الظاهر من عادته في من يبتدئ به في السند؛ و قد ورد رواية حسنة كالصحيحة في شأن عليّ بن فضّال و أبيه و أخويه و كتبهم عن العسكري عليه السلام قال: «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» (3)مضافا إلى انجبار الرواية بالشهرة.
نعم، هذا الإيراد منه حسن، على قاعدته من التأمّل في الضعيف المنجبر و لو كان موثّقا حيث قال في مقام آخر- و لا أذكره الآن-: «العمل بالموثّق خروج عن قيد الايمان، و جبر الضعف بالشهرة [ضعيف] مجبور
بالشهرة» (1).
و منها: موثّقة عبد الرحمن- بابن فضّال و أبان- عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام، و فيها: «للحرّة ليلتان و للأمة ليلة» (2).
و منها: صحيحة ابن مسكان: «فإن تزوّج الحرّة على الأمة فللحرّة يومان و للأمة يوم» (3)و نحوها المحكيّ عن الفقيه مرسلا (4)و رواية أبي بصير (5).
و منها: صحيحة الحلبي أو حسنته- بابن هاشم-، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن قوله تعالى وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً قال: هي المرأة تكون عند الرجل فيكرهها فيقول لها: إنّي أريد أن أطلّقك، فتقول: لا تفعل إنّي أكره أن تشمت بي، و لكن انظر في ليلتي فاصنع بها ما شئت و ما كان سوى ذلك من شيء فهو لك، و دعني على حالي، فهو قوله تعالى فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يُصْلِحٰا بَيْنَهُمٰا صُلْحاً (6)و هذا هو الصلح» (7).
1) المسالك 1: 313، كتاب الوصايا، و الزيادة من المصدر.
2) الوسائل 15: 88، الباب 8 من أبواب القسم و النشوز و الشقاق، الحديث 3.
3) الوسائل 14: 393، الباب 46 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3.
4) الفقيه 3: 428، الحديث 4483. الوسائل 14: 393، الباب 46 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 7، و 15: 88 الباب 8 من أبواب القسم و النشوز، ذيل الحديث 3.
5) الوسائل 14: 392، الباب 46 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
6) النساء: 128.
7) الوسائل: 15: 90، الباب 11 من أبواب القسم و النشوز و الشقاق، الحديث 1، بتفاوت يسير.
فإنّ الرواية كما ترى ظاهرة في كون الليلة حقّا للزوجة و لهذا لها إسقاطها و المصالحة بها كسائر الحقوق على ترك الطلاق.
و نحوها رواية أبي بصير (1)و رواية زيد الشحّام (2)و المرويّ في تفسير العيّاشي عن البزنطي عن مولانا الرضا عليه السلام (3)و رواية زرارة (4)الواردة كلّها في تفسير الآية الشريفة المذكورة.
و أظهر من الجميع رواية عليّ بن حمزة- الواردة في تفسير الآية- عن أبي الحسن عليه السلام، قال: «إذا كان كذلك فهمّ بطلاقها، فقالت له: أمسكني و أدع بعض ما عليك و أحلّلك من يومي و ليلتي، حلّ له ذلك و لا جناح عليهما» (5).
و لا يقدح في هذه الرواية و في غيرها اشتمالها على ذكر اليوم مع الليلة مع أنّ اليوم ليس حقّا لها على المشهور، لأنّ ترك ظاهر الرواية في بعض موارده لا يوجب طرحها بالنسبة إلى الباقي؛ مع أنّ كون الزوج عند الزوجة في صبيحة ليلتها من الحقوق المستحبّة، و قيلولته عندها من الحقوق الواجبة عند الإسكافي- على ما حكي عنه (6)- فليس شيء من الرواية مخالفا
1) الوسائل 15: 91، الباب 11 من أبواب القسم و النشوز و الشقاق، الحديث 3.
2) الوسائل 15: 91، الباب 11 من أبواب القسم و النشوز و الشقاق، الحديث 4.
3) تفسير العيّاشي 1: 278، الحديث: 281، الوسائل 15: 91، الباب 11 من أبواب القسم و النشوز، الحديث 6.
4) الوسائل 15: 91، الباب 11 من أبواب القسم و النشوز و الشقاق، الحديث 7.
5) الوسائل 15: 90، الباب 11 من أبواب القسم و النشوز و الشقاق، الحديث 2.
6) حكي عنه في المختلف: 580.
للإجماع.
هذا كلّه مضافا إلى أنّ في هجر الزوجة في المضاجع ضررا عظيما عليها، نفي بعموم: «لا ضرر و لا ضرار» (1)الّذي تمسّكوا به كثيرا في موارد خيار الفسخ للزوجين و غيرها، و بخصوص ما يستفاد من بعض الروايات من حرمة مضارّة الرجل المرأة، و المرأة الرجل (2).
ثمّ إنّ هذه الأدلّة و إن اختصّ بعضها بوجوب القسمة مع تعدّد الزوجة، إلّا أنّ بعضها يشمل صورة اتّحادها؛ مضافا إلى ما يظهر من المسالك من عدم القول بعدم الوجوب في الواحدة و الوجوب في المتعدّدة (3)و يمكن أن يستفاد من كلام غيره أيضا (4).
نعم، حكى في الرياض عن ابن حمزة، التصريح باشتراط التعدّد في وجوب القسمة، قال بعده: و حكي أيضا عن ظاهر جماعة كالمقنعة و النهاية و المهذّب و الجامع (5)، انتهى كلامه رفع مقامه.
و يحتمل قويّا أن يكون مراد ابن حمزة من القسمة الّتي اشترط فيها تعدّد الزوجة هي القسمة بين الزوجات، و لا ريب في اعتبار تعدّد الزوجة في مفهومها.
أمّا القسم للواحدة بمعنى إعطائها قسما أو حظّا من الليالي أو نصيبا من المعاشرة، فلا يعتبر فيه التعدّد.
و كيف كان، فلعلّ مستند التفصيل اختصاص ما اعتبر سنده و دلالته من الأدلّة المذكورة بصورة التعدّد، و عدم ثبوت الإجماع المركّب، و ضعف ما دلّ منها على العموم سندا أو دلالة على سبيل منع الخلوّ؛ فيرجع في صورة الاتّحاد إلى أصالة البراءة.
و من ذلك يظهر مستند القائلين بعدم الوجوب مطلقا، حيث إنّهم ضعّفوا دلالة ما اعتبر سنده و سند ما اعتبر دلالته، و لم يزيدوا على ما في المسالك، و قد ذكرنا.
و قد استدلّ له في المسالك- مضافا إلى الأصل- بقوله تعالى:
فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ (1)قال: إنّ الآية تدلّ على أنّ الواحدة كالأمة لا حقّ لها في القسمة المعتبر فيها العدل، و لو وجبت لها ليلة من الأربع لساوت غيرها، و كلّ من قال بعدم الوجوب للواحدة قال بعدمه للأزيد إلّا مع الابتداء (2)، انتهى.
و فيه: أنّه لا دلالة في الآية على كون الواحدة كالأمة، و عطفها عليها لا يدلّ على اتّحادهما، بل المراد- و اللّٰه العالم- و إن خفتم ألّا تعدلوا بين الزوجات فانكحوا واحدة فتسلموا من الميل و الحيف، أو ما ملكت أيمانكم و لو كانت متعدّدة، لأنّ منافعها مملوكة للمولى، فلا يلزم ظلم عليهنّ، و لو ترك المولى استيفاء المنفعة من بعضهنّ، لأنّ ترك الرجل الحقّ المختصّ به ليس ظلما؛ و كيف كان، فليس في الآية دلالة على المطلوب و لا إشعار.
نعم، يمكن أن يتمسّك لهم بما دلّ من الأخبار على حصر الحقّ الواجب للمرأة في أن يكسوها من العري و يطعمها من الجوع، كموثّقة إسحاق بن عمّار (1)و رواية عمرو بن جبير العزرمي (2)و رواية شهاب بن عبد ربّه (3)و نحوها.
و يمكن الجواب عنها بأنّ المراد بحقّ الزوجة في تلك الأخبار حقّها المختصّ بها، و لا ضير في حصره فيما ذكر فيها، فإنّ القسم عند من يوجبه إنّما هو من الحقوق المشتركة بين الزوجين و ليس مختصّا بالزوجة؛ فتأمّل.
و بالجملة، فالمسألة محلّ التّأمل، و إن كان ما ذهب إليه المشهور لا يخلو عن قوّة؛ مع أنّه أحوط.
و أسبابها ثلاثة: الزوجية، و القرابة، و الملك.
و فيه بحثان:
و هو ستة:
فقيل مدّ، و الحق: قدر الكفاية من غالب قوت البلد، فإن لم يكن فما يليق بالزوج، و يملّكها الحب و مئونة الطحن و الخبز و إصلاح اللحم، و له دفع الخبز، و لا يكلّفها الأكل معه، و لو دخل و استمرت تأكل معه على العادة لم يكن لها المطالبة بنفقة مدة المؤاكلة
و يرجع فيه إلى العادة من أمثالها من أهل البلد في الجنس و القدر، و لو تبرّمت (1)بجنس أبدله، و لها أخذ الأدم و إن لم تأكل.
1) التبرّم: التضجّر و الملل، راجع الصحاح 5: 1869، مادة: «برم».
إما بنفسه، أو بمن يستأجره، أو يشريه لها أو ينفق على خادمها إن كانت من أهله، و لا يلزمه أكثر من واحد و إن كانت من أهله، و تخدم نفسها لو لم تكن من أهل الإخدام، إلّا في المرض فيخدمها، و لو طلبت مستحقّة الخدمة نفقة الخادم لتخدم نفسها لم تجب الإجابة، و له إبدال خادمتها المألوفة لغير ريبة، و إخراج سائر خدمها إلّا الواحدة، إذ ليس عليه سكناهن، بل له منع أبويها من الدخول و منعها من الخروج
و هي في الصيف قميص و سراويل و خمار و مكعب، و يزيد في الشتاء الجبة لليقظة و اللحاف للنوم، و يرجع في جنس ذلك إلى عادة أمثالها، و يزاد على ثياب البذلة ثياب التجمّل- إن كانت من أهله- جاري عادة أمثالها، و لا بدّ من ملحفة و حصير و مخدّة، و آلة الطبخ و الشرب من كوز و جرة و قدر و مغرفة.
كالمشط، و الدهن، و المزيل للصنان، و لا يجب الطيب، و لا الكحل، و له منعها عن مثل أكل الثوم و تناول السم و الأطعمة الممرّضة، و لا يجب الدواء للمرض، و لا أجرة الحجامة، و لا اجرة الحمّام إلّا في شدّة البرد
إما بعارية أو إجارة أو ملك، و لها المطالبة بالتفرّد في مسكن عن مشارك غير الزوج.
و يدفع نفقة كلّ يوم في صبيحته، و لو عاوضها بدراهم جاز، فإن ماتت في أثناء النهار لم تسترد، و لو نشزت استرد، و لو دفع نفقة أيام فماتت استرد
الزائد غير يوم الموت، و لا يجب في الكسوة و المسكن و الأثاث التمليك بل الإمتاع، و لو منعها النفقة مع التمكين التام استقرت في ذمته، و لو دفع نفقة لمدة فانقضت ممكّنة ملكتها، و لا اعتراض لو أنفقت من غيرها أو استفضلت، و لو أخلقت الكسوة قبل المدة المضروبة لم يجب البدل، و لو انقضت و هي باقية فلها المطالبة بأخرى، و لو طلّقها استعاد الكسوة و ما زاد من النفقة عن يوم الطلاق، إلّا أن تنقضي المدة التي قررت لها قبله، و لو مضت مدة قبل الدخول فلا نفقة، إلّا أن تبذل التمكّن التام، و لو حضرت زوجة الغائب و بذلت التمكين عند الحاكم لم تجب النفقة، إلّا بعد الإعلام و قدر وصوله أو وكيله، و لو أطاعت الناشزة لم تجب النفقة، إلّا بعد الإعلام و زمان إمكان الوصول، و لو ارتدت سقطت نفقتها، فإن عادت وجبت و إن لم يعلم، و ينفق على البائن مع ادعاء الحمل، فإن ظهر الفساد استعيدت، و لو أخّر نفقتها سقط السالف إن قلنا إن النفقة للحمل
و هو العقد الدائم بشرط التمكين التام، سواء كانت حرّة أو أمة أو كافرة، فلو امتنعت زمانا من غير عذر أو مكانا سقطت، و المولى إن أرسل أمته ليلا و نهارا إلى الزوج وجبت النفقة، و إلّا على المولى.
و تسقط بصغر الزوجة بحيث يحرم وطؤها، و ارتدادها، و نشوزها، و طلاقها بائنا إلّا الحامل.
و لا تسقط بصغر الزوج خاصة، و بمرضها، و رتقها، و قرنها، و عظم آلته مع ضعفها، و سفرها في الواجب من دون إذنه، و اعتكافها و صومها الواجبين و حيضها، و طلاقها رجعيا و بائنا مع الحمل، و لو أنكر دعواها تأخّر الطلاق عن الوضع بانت منه و عليه النفقة، و له مقاصّتها بدينه مع يسارها، و يبدأ بالنفقة عليه، ثم بالزوجة، ثم بالأقارب
و تجب النفقة على الأبوين و إن علوا و الأولاد و إن نزلوا لا غير، بشرط فقرهم، و عجزهم عن التكسب، و حريتهم، و قدرة المنفق على فاضل قوت يوم له و لزوجته، لا الإسلام.
و تستحب على غير هؤلاء من الأقارب، و يتأكد الوارث.
و يجب قدر الكفاية من الإطعام و الكسوة و المسكن، و يباع عبده و عقاره في النفقة، و يجب الكسب في نفقة القريب، و لا يجب الإعفاف، و لو فاتت لم تقض إلّا أن يأمره بالاستدانة.
و على الأب النفقة على ابنه، فإن عجز أو فقد فعلى الجدّ له و إن علا، و لو عدموا فعلى الامّ، و مع عدمها أو فقرها فعلى أبويها و إن علوا الأقرب فالأقرب، و مع التساوي الشركة، و لو فضل عن قوته ما يكفي أحد أبويه تشاركا، و كذا الأب و الولد، أما أحد الأبوين و الجدّ فيختصّ به الأقرب، و لو أيسر الأب و الابن فالنفقة عليهما بالسوية، أما الأب و الجدّ المؤسران فالنفقة على الأقرب و يحبسه الحاكم لو ماطل و يبيع عليه.
تجب نفقته على المالك، و يتخيّر المولى بين الإنفاق من خاصته أو من كسبه، و لا تقدير بل عادة مماليك أمثاله من البلد، فإن امتنع اجبر عليه أو على البيع، و لو خارجه و لم يكفه الفاضل فالتمام على المولى، و لا تجوز المخارجة على أكثر من كسبه، و القنّ و المدبّر و أمّ الولد سواء، و تجب نفقة البهائم المملوكة بالرعي، فإن قصر علفها، فإن امتنع اجبر على البيع أو الإنفاق أو الذبح إن كانت من أهله، و يوفّر على ولدها كفايته من اللبن مع حاجته إليه
من بلغ عشرا فما زاد و إن كان خصيا أو مجبوبا، ثم ولد له ولد بالعقد الدائم، بعد الدخول قبلا أو دبرا، و مضيّ ستة أشهر من حين الوطء إلى عشرة، لحق به و لم يجز له نفيه، و لا ينتفي عنه إلّا باللعان.
و لو لم يدخل، أو جاء لأقلّ من ستة حيا كاملا، أو لأكثر من عشرة، أو كان له دون عشر سنين، أو كان خصيا و مجبوبا لم يلحق به، و لا يجوز له إلحاقه به، و لو جاءت به كاملا لأقلّ من ستة أشهر من طلاق الأول فهو للأوّل، و إن كان لستة أشهر فللثاني.
و لو وطأها اثنان للشبهة، أو أحدهما للنكاح الصحيح و الآخر للشبهة ثم جاء الولد، أقرع و الحق بالخارج، كافرين أو مسلمين أو عبدين أو مختلفين، و يلحق النسب بالفراش المنفرد الدعوى المنفردة، و بالفراش المشترك و الدعوى المشتركة يقضى بالقرعة مع عدم البيّنة.
و لو ادّعى مولودا على فراش غيره، بأن ادّعى وطأه للشبهة و صدّقه
الزوجان، فلا بدّ من البيّنة لحقّ الولد، و لو استلحق و أنكرت زوجته ولادته لم يلحقها بإقرار الأب، و القول قول الزوج لو اختلفا في الدخول أو الولادة، و مع ثبوتهما لا يجوز له نفيه لفجورها، و لا ينتفي إلّا باللعان، و كذا لو اختلفا في المدّة.
و لو وطأها زان فالولد للزوج، و لو طلّقها فاعتدت و جاءت به لعشرة من حين الطلاق فما دون لحق به إن لم توطأ، و لو انخلق من زناه ولد لم يجز إلحاقه به و إن تزوّجها بعد، و لو ولدت أمته لستّة أشهر من حين وطئه إلى عشرة وجب إلحاقه به، فإن نفاه انتفى بغير لعان، فإن اعترف به بعد الحق به و لو وطأ المولى و أجنبي فالولد للمولى، قيل: و لو ظنّ انتفاءه لم يلحق و لم ينتف به، بل يوصي له بقسط دون نصيب الولد. و لو انتقلت من واطئ إلى آخر، فإن ولدت لستة أشهر فصاعدا من حين وطء الثاني فالولد له، و إلّا فللسابق، و لو وطأها الشركاء و تداعوا الولد الحق بمن تخرجه القرعة و يغرم حصص الباقين من قيمة الأمّ و قيمته يوم ولد، و لو ادعاه واحد الحق به و اغرم.
و لا يجوز نفي الولد للعزل، و لو تشبّهت عليه و حملت من وطئه الحق الولد به، فإن كانت أمة أغرم قيمة الولد يوم ولد حيا، و لو ظنّ الموت أو الطلاق فأحبلها ردّت إلى الأول بعد العدة و الولد للثاني.
و يجب عند الولادة استبداد النساء بالمرأة أو الزوج.
و يستحب: غسل المولود، و الأذان في اذنه اليمنى، و الإقامة في اليسرى، و تحنيكه بماء الفرات و بتربة الحسين عليه السلام، و التسمية بالأسماء الحسنة، و الكنية، و لا يجمع بين أبي القاسم و محمّد.
و يكره التسمية ب «حكم، و حكيم، و حارث، و مالك، و ضرار».
و يستحب يوم السابع حلق رأسه و التصدق بوزنه ذهبا أو فضة، و الختان فيه و يجب عند البلوغ، و خفض الجواري و إن بلغن، و العقيقة عن الذكر أو الأنثى بالمثل بشرائط الأضحية، و لا تكفي الصدقة بثمنها، و تخصّ القابلة بالرجل و الورك، و لا يسقط عنه استحبابها لو أهمل الأب، و لا بموته بعد الزوال، و يكره للأبوين الأكل منها، و كسر العظام