رساله فی تحقیق الحق و الحکم

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: رسالة في تحقيق الحق و الحكم موضوع: فقه استدلالى نويسنده: اصفهانى، محمد حسين كمپانى تاريخ وفات مؤلف: 1361 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: أنوار الهدى تاريخ نشر: 1418 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران ملاحظات: در ضمن" حاشية كتاب المكاسب- ط الحديثة" چاپ شده است

اشارة

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

فائدة: في تحقيق حقيقة الحق و ما يتعلق به (1).

و حيث إنّ الحق ربّما يجعل من مراتب الملك، فلا بد من تحقيق حال الملك العرفي أو الشرعي، فنقول:

ربّما يجعل الملك من المقولات العرضية، إمّا بمعنى الجدة المعبر عنها بالملك و «له» في فن المعقول، و إمّا بمعنى الإضافة نظرا إلى تضايف المالكية و المملوكية، لتكرر النسبة فيهما، و إمّا بمعنى السلطنة المساوقة للقدرة على [تقليب] (2)العين مثلا و تقلّبه، فيكون من مقولة الكيف، و الكل باطل.

[ان الملك ليس من المقولات]

اشارة

أمّا أنّ الملك المذكور ليس من المقولات العرضية رأسا و أصلا فلوجوه:

أحدها:

أنّ المقولة ما يقال على شي‌ء يصدق عليه في الخارج، فلا بد من أن يكون لها مطابق و صورة في الأعيان، كالسواد و البياض و ما شابههما من الاعراض، أو يكون من حيثيات ما له مطابق و من شؤونه الوجودية، فيكون وجودها بوجوده كمقولة الإضافة، حيث إنّها لمكان كون فعليتها بإضافتها و لحاظها بالقياس إلى الغير لا يعقل أن يكون لها وجود استقلالي، على تفصيل تعرضنا له في بعض تحريراتنا


1) هذه رسالة مستقلة من المصنف قدّس سرّه و حيث انها أدرجت في الطبعة الحجرية في هذا الموضع من الكتاب و هو المكان المناسب لها و الذي يظهر أن هذا عمل المصنف قدّس سرّه لانه يرجع إليها في أثناء الكتاب بقوله كما مر.

2) هذا هو الصحيح و في الأصل (تغليب).

الأصولية (1).

و من الواضح أنّه بعد وجود العقد مثلا لم يوجد ما له مطابق في الخارج، و لم يتحيّث ذات المالك و المملوك بحيثية وجودية، بل على حالهما قبل العقد، و صدق المقولة بلا وجود مطابق أو تحيثه بحيثية واقعية أمر غير معقول.

ثانيها:

أنّ المقولات لمكان واقعيتها لا تختلف باختلاف الانظار، و لا تتفاوت بتفاوت الاعتبارات، فإنّ السقف الملحوظ إلى ما دونه فوق في جميع الانظار، و بالإضافة إلى السماء تحت بجميع الاعتبارات، مع أنّ المعاطاة مفيدة للملك عرفا، و غير مفيدة له شرعا، فالآخذ بالمعاطاة و المأخوذ بها مالك و مملوك في نظر العرف دون الشرع، مع أنّ الحيثية الخارجية العرضية لو كانت ذات واقعية كانت كالفوقية و التحتية اللتين لا تختلف فيهما الانظار.

و ثالثها:

أنّ العرض كونه في نفسه كونه لموضوعه، لأنّ نحو وجوده ناعتي لغيره، فيحتاج إلى موضوع محقق في الواقع، مع أنّ الإجماع واقع على صحة تمليك الكلي الذمي في بيع السلف و نحوه، و المشهور على مالكية طبيعي الفقير للزكاة، و الحال أنّه لم يعتبر في موضوعه الوجود الخارجي أو لا وجود له أصلا، و لا يعقل أن تكون المالكية بلحاظ تشخّص الفقير عند أخذه للزكاة، أو المملوكية بلحاظ تشخص الكلي عند الوفاء، فإنّ المالكية و المملوكية متضائفان، و المتضايفان متكافئان في القوة و الفعلية، فالمالكية الفعلية تستدعي المملوكية الفعلية و بالعكس، و تقدير الوجود في الذمة يستدعي تقدير وجود الملكية لا الملكية التحقيقية.

[ان الملك ليس أمرا انتزاعيا]

اشارة

و ربّما يتوهم أنّ الملك العرفي و الشرعي من الأمور الانتزاعية الموجودة بوجود منشأ انتزاعها، و منشأ الانتزاع أحد أمور:

الأول:

ما هو المعروف و هو العقد أو المعاطاة مثلا، فإنّ وجوده خارجي يصح منه انتزاع الملك.

و فيه: أنّ هذا التوهم على فرض صحته، و إن كان يدفع المحذورين الأول و الأخير،


1) نهاية الدراية 5: 101- مؤسسة آل البيت.

حيث إنّه وجد العقد بعد أن لم يكن، فوجد منشأ الانتزاع و مصحح الاختراع، و لا يلزم وجود العرض بلا موضوع، بتوهم قيام الأمر الانتزاعي بمنشأه، لكنه يبقى المحذور الثاني على حاله، فإنّ العقد أو المعاطاة لو كان منشأ الانتزاع لمقولة واقعا لم يختلف فيه الانظار، مع أنّه ليس كذلك كما عرفت.

مضافا إلى أنّ العقد المنحل إلى لفظ و قصد ثبوت المعنى به، وداع دعاه إليه ليس بذاته منشأ لانتزاع الملكية، بل لا بد من أن يكون بلحاظ حيثية قائمة به يكون منشأ الانتزاع، و هو- مع كونه خلاف المحسوس بالوجدان، حيث إنّ العقد قبل التشريع لم يكن منشأ للانتزاع- يرد عليه: أنّ قيام الأمر الانتزاعي بمنشأه يصحح صدق العنوان المأخوذ منه على منشأه، كما أنّ قيام الحيثية الخاصة بالسقف الذي هو منشأ انتزاع الفوقية، يصحح صدق عنوان الفوق عليه، مع أنّه لا يصدق العنوان المأخوذ من الملك- و هما عنوانا المالك و المملوك- إلّا على ذات المالك و المملوك لا على العقد و المعاطاة، فلا بد من قيام حيثية بذات المالك المملوك.

بل نسبة العقد إلى الملك نسبة السبب إلى المسبب، و هما متغايران وجودا، لا نسبة المنشأ إلى ما ينتزع منه المتحدين في الوجود، بحيث يقال وجود الأمر الانتزاعي بوجود منشأه في قبال الموجود بوجود ما بحذائه.

و بالجملة: قيام المبدء لشي‌ء- سواء كان بقيام انضمامي أو بقيام انتزاعي- يصحح صدق العنوان المأخوذ من ذلك المبدء على ما قام به المبدء، مع انّه لا يحمل العنوان على العقد أو المعاطاة، فيعلم منه أنّ المبدء غير قائم به بقيام انتزاعي.

الثاني:

ما توهمه جماعة في باب الأحكام الوضعية من (1)أنّها منتزعة من الأحكام التكليفية، كجواز التصرّف بالنقل و غيره هنا، نظرا إلى أنّ الملكية بمعنى السلطنة، فمعنى كون الشي‌ء بحيث يجوز التقليب و التقلّب فيه بأي وجه- هو أنّ زمام امره بيده-، و لا نعني بالسلطنة الوضعية إلّا ذلك.

و فيه أولا: أنّ الملكية ربّما تكون و لا ثبوت لجواز التصرف بوجه، كما في المحجور


1) هذا هو في الصحيح و في الأصل (مع).

لصغر أو جنون أو سفه أو فلس، و كونه في حد ذاته كذلك، و إن منع عنه مانع معناه ثبوت الملكية بالاقتضاء لا بالفعل، مع أنّ الملكية فعلية، و ثبوت الأمر الانتزاعي بلا منشأ الانتزاع محال، و جواز التصرف للولي لا يصحح انتزاع الملكية للمولّى عليه، إذ لا يعقل قيام الحيثية المصححة للانتزاع بشي‌ء، و الانتزاع من شي‌ء آخر.

و ثانيا: ما مرّ آنفا (1)من أنّ قيام المبدء بشي‌ء بقيام انتزاعي يصحح صدق العنوان الوضعي على منشأه، فلو كان الحكم التكليفي منشأ الانتزاع حقيقة، فالحيثية قائمة به فيصح حمل عنوان المالك و المملوك عليه.

و دعوى: أنّ الملك نفس جواز التصرف، فالمالك من يجوز له التصرف، رجوع عن القول بانتزاع الوضع عن التكليف إلى دعوى العينية، و أنّ مفهوم الملك عين مفهوم جواز التصرف، لا أنّ جواز التصرف منشأ للانتزاع مع أنّ الملك بجميع معانيه لا ربط له بمفهوم جواز التصرف.

نعم نفي انتزاعية الملكية من التكليف، بدعوى أنّ التكليف أثر الملكية، و انتزاعها منه مساوق لتقدم المعلول على العلة.

قابل للدفع بتقريب: أنّ العقد مثلا يحدث مصلحة مقتضية لترخيص إنشاء التصرف في مورد العقد، فينتزع منه الملكية، و العقد باعتبار هذه العلّية يكون سببا للملكية، و لا بأس بالتسبب بالعقد إلى حصول هذه الملكية المتحققة بتحقق منشأ انتزاعها.

الثالث:

ما ربّما يتخيل من أنّ تمكن الشخص من بيع العين و نقلها بأنواعه و تقليبها و تقلبها شرعا منشأ لانتزاع الملكية شرعا، فقدرته خارجا على العين بأنواع التصرفات شرعا منشأ انتزاع الملكية، لا مجرد جواز التصرف شرعا.

و فيه: أنّ القدرة لا تتعلق إلّا بالفعل، فالقدرة النفسانية على الأعمال الجنانية، و القدرة الجسدانية- أي القوة المنبثة في العضلات- على الحركات الأينية و الوضعية و أشباههما من الأفعال الجسدانية العضلانية، و الملكية لها مساس بعين الرقبة ابتداء،


1) ص 27 قوله (يرد عليه ..).

و هذه قدرة على أفعاله التسببية من بيعه و صلحه و هبته، فضلا عن تقليبه للعين خارجا.

فلا يعقل أن تكون القدرة على أفعاله منشأ لانتزاع ملك رقبة العين، فلا بد من حيثية قائمة بالعين، حتى يصح انتزاع ملك العين عنها، هذا كله في عدم كون الملك الشرعي و العرفي من المقولات واقعا.

[عدم كون الملك من مقولة الجدة أو الإضافة أو الكيف]

و أمّا عدم كونه من المقولات الثلاث بالخصوص: فلأنّ الجدة هي الهيئة الحاصلة للجسم بسبب إحاطة جسم بكله أو ببعضه، كالتختم للإصبع بسبب إحاطة الخاتم، و كالتعمم للرأس بسبب إحاطة العمامة، و كالتقمّص للبدن بسبب إحاطة القميص، و انتفاء مثل هذه الهيئة الخارجية للملك بسبب إحاطة المالك، أو للمالك بسبب إحاطة الملك واضح جدا.

و أمّا مقولة الإضافة فلأنّ مجرد تضايف المالك و المملوك لا يستدعي أن يكون المبدء من مقولة الإضافة، فإنّ العالمية و المعلومية متضائفتان، مع أنّ المبدء و هو العلم كيف نفساني على المشهور، بل مجرد صدق حد الإضافة على المالكية و المملوكية لا يقتضي أن يكون مطابقهما مندرجا تحت مقولة المضاف، ألا ترى صدق العالمية و القادرية و المالكية عليه تعالى، و هي مفاهيم إضافية، مع أنّه تعالى لوجوب وجوده جلّ عن أن يندرج تحت مقولة عرضية، فهي إضافات عنوانية، ربّما يكون مطابقها وجودا واجبيا كالعالمية و القادرية، و ربّما يكون مطابقها وجودا مطلقا غير محدود، كإحاطة الفعلية المعبر عنها بالمالكية فيه تعالى، فإنّ مطابقها ليس إلّا إحاطته في مقام الفعل بجميع الموجودات بنفس إيجادها المرتبط به تعالى بنفس حقيقته البسيطة، و ربّما يكون مطابقها مصداق المقولة كالاضافات الخارجية القائمة بالموجودات العينية كفوقية السقف، أو كإحاطة محيط خارجي بذات الملك.

و أمّا مقولة الكيف فهي في غاية السخافة، لما عرفت من أنّ القدرة لا تتعلق بالافعال، و الملكية متعلقة ابتداء بالعين، فكيف تكون متعلقة للقدرة النفسانية و للقوة الجسدانية حتى تكون عبارة عن الملكية، هذا كله في عدم كون الملك الشرعي

و العرفي من المقولات العرضية عموما و خصوصا.

و كذا ليس من الاعتباريات الذهنية كالجنسية و الفصلية و النوعية، فإنّ معروضاتها أمور ذهنية لا خارجية، و من الواضح أنّ زيدا الخارجي هو المالك شرعا أو عرفا، و الدار الخارجية هي المملوكة شرعا أو عرفا.

بل التحقيق الحقيق بالتصديق في جميع الوضعيات العرفية أو الشرعية: أنّها موجودة بوجودها الاعتباري، لا بوجودها الحقيقي، بمعنى أنّ المعنى سنخ معنى بحيث لو وجد خارجا بوجوده الخارجي لكان إمّا جوهرا بالحمل الشائع، أو كيفا كذلك، أو إضافة أو جدة بالحمل الشائع، لكنه لم يوجد بهذا النحو من الوجود، بل أوجده من له الاعتبار بوجوده الاعتباري، مثلا الأسد بمعنى الحيوان المفترس معنى لو وجد بوجوده الحقيقي لكان فردا من نوع الجوهر، لكنه قد اعتبر زيد أسدا، فزيد أسد بالاعتبار، حيث اعتبره المعتبر أسدا، و الفوقية معنى لو وجد في الخارج حقيقة لكان من مقولة الإضافة، لكن (1)قد اعتبر علم زيد فوق علم عمرو، قال تعالى:

وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (2)و البياض و السواد لو وجدا في الخارج لكانا فردين من مقولة الكيف المبصر، لكنهما ربّما يوجدان بوجودهما الاعتباري، فيقال «قلب زيد أبيض» و «قلب عمرو أسود».

فكذا الملك معنى لو وجد في الخارج لكان جدة أو إضافة مثلا، لكنه لم يوجد بذلك النحو من الوجود، بل وجد بنحو آخر عند اعتبار المتعاملين مالكا شرعا أو عرفا، و العين مملوكة شرعا أو عرفا، و هذا نحو آخر من الوجود سار و جار في كل موجود بلحاظ جهة داعية إلى الاعتبار به يكون موضوعا للاحكام و الآثار شرعا و عرفا، فالعين الخارجية ربّما تكون جدته الخارجية الحقيقية لزيد وجدته الاعتبارية لعمرو مثلا.

[ان الملك أمر اعتباري]

ثم إنّ الملك الشرعي و العرفي حيث كان اعتباريا بالمعنى المذكور، فهل هو


1) لا يخفى ما في العبارة.

2) يوسف آية 76.

اعتبار للجدة، أو اعتبار للإضافة، أو اعتبار جدة ذات إضافة؟

الأوسط منها الأوسط، لأنّ الجدة ليست هيئة إحاطة جسم بجسم، حتى يقال إنّه اعتبر إحاطة المالك بالمال، فيكون المعتبر جدة بحسب المفهوم و المعنى، بل الجدة هي الهيئة الحاصلة للجسم بسبب إحاطة جسم به كالهيئة الحاصلة للرأس من إحاطة العمامة بالرأس، لا نفس إحاطة العمامة بالرأس، و لا محاطية الرأس للعمامة، و إن كان عنوان المحيط و المحاط لازما لمورد الجدة و لمورد الأين و متى (1).

بل التحقيق: أنّ اعتبار احتواء المالك بالمملوك و كون المملوك محويا، أو إحاطة المالك بالمملوك و كون المملوك محاطا، من اعتبار مقولة الإضافة، و لذا قال بعض الأكابر: في شرح الهداية الأثيرية بعد شرح حقيقة الجدة (و قد يعبر عن الملك بمقولة «له» و هو اختصاص شي‌ء بشي‌ء من جهة استعماله إياه و تصرفه فيه، فمنه طبيعي ككون القوى للنفس، و كذلك كون العالم للباري جلّ ذكره، و منه اعتبار خارجي ككون الفرس لزيد و في الحقيقة الملك بالمعنى المذكور يخالف هذا الاصطلاح.) (2)و قال بعده في كتاب آخر: (فإنّه من مقولة المضاف لا غير) (3)

هما للحكيم الفيلسوف الإلهي صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي المشهور ملا صدرا أو صدر المتألهين رحمه اللّه.

و هو من أعاظم فلاسفة الإسلام، بل هو من أقطابها بل عمدتهم، تتلمذ في بداية حياته على الشيخ البهائي، ثم على المحقق السيد الداماد محمد باقر، و من أعرف تلاميذه صهراه ملا محسن الفيض الكاشاني، و الشيخ عبد الرزاق اللاهيجي صاحب شوارق الإلهام رحمهما اللّه.

له عدة مؤلفات منها مفاتيح الغيب، و منها شرح أصول الكافي، و أشهرها الاسفار فإنها مدار الدرس في الحوزة.

أعيان الشيعة 9: 321 بتصرف.

انتهى.

و غرضه كون المعنى من مقولة المضاف، لا وجود مقولة المضاف في الخارج، فإنّ عدم اندراج المبدء الأعلى و فعله الإطلاقي المعبر عنه بالإضافة الإشراقية


1) الأنسب التعبير (بالمتى) ليناسب الباقي.

2) شرح الهداية الأثيرية: القسم الثالث من الإلهيات مقولة الملك ص 274.

3) الحكمة المتعالية الاسفار 4: 223.

و الإحاطة الوجودية تحت مقولة المضاف من الواضحات، لمنافاة الأول لوجوب الوجود، و منافاة الثاني لكون فعله تعالى هو الوجود المطلق الغير المحدود، كما هو غير خفي على الخبير.

و أمّا عدم كونه جدة ذات إضافة، بتوهم عروض الإضافة لجميع المقولات، فلأنّ عروض الإضافة للجدة معنى، و عروض الإضافة على مورد الجدة معنى آخر، مثلا في مقولة الأين عنوان المحيط و المحاط المتضايفين موجود، لكنهما منتزعان من الجسم و المكان، لا من مقولة الأين و هو الكون في المكان، بل الإضافة العارضة لمقولة الأين كالعالي و السافل، فكذا عروض الإضافة للجدة كالأكسى، فإنّه لو لو حظت الجدة في التقمّص- من حيث زيادتها على الجدة في التعمم- كان التقمّص أكسى من التعمم، و تمام الكلام في محله (1).

و هل الملك مفهوما هو الاحتواء أو الإحاطة أو السلطنة أو الوجدان؟

الظاهر أنّه ليس بمعنى السلطنة، فإنّها مفهوما تتعدى إلى متعلقها بحرف الاستعلاء، و الملك يتعدى بنفسه، كما أنّ الإحاطة تتعدى تارة بالباء، و أخرى بحرف الاستعلاء، و المظنون أنّه يساوق الاحتواء و الوجدان تقريبا.

بقي الكلام [مراتب الملك- ملك المنفعة و الانتفاع]

في مراتب الملك من حيث المتعلق و هي ملك العين و ملك المنفعة و ملك الانتفاع، و لا إشكال في الأول إنّما الإشكال في الثاني و الثالث.

أمّا ملك المنفعة فالإشكال فيه من وجهين:

أحدهما: ما هو المعروف من أنّ تعلّق الملك بالمنفعة المستقبلة تعلّق بالمعدوم، و العرض يحتاج إلى موضوع محقق.

ثانيهما: ما تقدم ذكره (2)سابقا من أنّ سكنى الدار و ركوب الدابة و أشباههما المعدودة من منافعها ليست من حيثيات تلك الأعيان، لتكون مملوكة لمالك تلك الأعيان ليملّكها المستأجر، بل هي من أعراض المستأجر، و هي غير مملوكة للمؤجر


1) نهاية الدارية 5: 121. مؤسسة آل البيت.

2) لم يذكره هنا و انما أشار إليه إشارة في تعليقة 4 فمن أراد التفصيل فليراجع كتاب الإجارة للمؤلف ص 4.

قطعا، فكيف يملّكها المستأجر، بل سيأتي (1)إن شاء اللّه تعالى أنّ تلك الاعراض غير قابلة لملكية من تقوم به، فإنّ الإنسان لا يملك أعراض نفسه بالملك الاعتباري المترتبة عليه الآثار، مضافا إلى أنّ المنفعة إذا كانت ما هو من أعراض المستأجر، فلا فرق بين ملك المنفعة و ملك الانتفاع.

و يندفع الأول: بما مرّ من أنّ الملك الشرعي و العرفي ليس من الاعراض الخارجية، حتى يحتاج إلى موضوع محقق في الخارج، بل هو اعتبار الملك، فيكفيه موضوع اعتباري بتقدير المنافع موجودة بوجود ما تقوم به، كما أنّ ملك الكلي الذمي أيضا كذلك بتقدير وجوده في الذمة، بل يكفيه فرض وجوده في أفق الاعتبار حتى يتقوم الاعتبار به، حيث إنّ اعتبار الملك بلا طرف لغو محض، كما في ملكية طبيعي السادة و الفقير للخمس و الزكاة أو الوصية للمعدوم و بالمعدوم على القول بها.

و يندفع الثاني أولا: بأنّ ما هو من حيثيات العين و شؤونها المملوكة بتبعها هي الحيثية المضايفة للسكنى القائمة بالساكن، و الحيثية المضافة لركوب الراكب، في اجرة الدار و الدابة، و هي المسكونية الفعلية المضايفة للساكنية، و المركوبية الفعلية المضايفة للراكبية، فإنّ هذه الحيثية من شؤون العين لا من أعراض المستأجر، و هذه الحيثية هي المنفعة التدريجية، و إلّا فصلاحية الدار و قابليتها للسكنى أمر قار ثابت و غير مستوفاة أصلا، بل هي على حالها ما دامت الدار باقية على حالها.

و من الواضح أنّ العنوانين المتضايفين لكل منهما مبدء قائم بطرفه، غاية الأمر أنّ المبدئين تارة مختلفان كالأبوة و البنوة، و أخرى متماثلان كالاخوة، و حيثية الركوب الذي- هو مبدء في الراكب- و الحيثية التي- هي المبدء في المركوب- متشابهتان، و لذا قسّمت مقولة المضاف إلى متشابهة الأطراف و مختلفة الأطراف، و عليه فالفرق بين المنفعة و الانتفاع واضح، فإنّ الحيثية القائمة بالعين منفعتها، و القائمة بالشخص المنتفع بها انتفاعه، فيختص الإشكال حينئذ بملك الانتفاع فقط.

و ثانيا: بأنّ سكنى الدار التي هي من أعراض الساكن، من حيث مساسها و نسبتها


1) ص 34.

إلى الدار لا بأس بأن تكون مملوكة لمالك الدار.

بيانه: أنّ الكون في الدار عرض واحد قائم بالشخص، و له نسبة إلى المكان كسائر الاعراض النسبية التي لها قيام بموضوعاتها، و نسبة إلى غير موضوعاتها، في قبال الاعراض الغير النسبية التي لها قيام بموضوعاتها، و نسبة إلى غير موضوعاتها، في قبال الاعراض الغير النسبية التي لها مجرد النسبة إلى موضوعاتها، فالكون الواحد الذي له تعين وضعي قياما أو قعودا أو غيرهما- من حيث قيامه بالساكن- يصحح انتزاع عنوان من الساكن، و من حيث نسبته إلى الدار يصحح انتزاع عنوان من الدار، لا أنّ هناك مبدءان حقيقيان قائمان بالساكن.

نظير العلم فإنّ قيامه بذات العالم يصحح انتزاع عنوان العالم منه، و تعلّقه بالمعلوم بالذات- و هي الماهية المقومة لصفة العلم- مصحح لانتزاع عنوان المعلوم منها، لا أنّ هناك صفتان تقوم إحداهما بالعالم و الأخرى بالمعلوم، و إن كان يمكن في بعض العناوين المتضايفة قيام مبدئين بمطابق العنوانين، كالكون في المكان العالي و الكون في المكان السافل للسقف و للأرض، فإنّهما فردان من مقولة الأين، تعين أحدهما بخصوصية العلو و الآخر بخصوصية السفل.

و حيث عرفت أنّه في مثل سكنى الدار و ركوب الدابة ليس إلّا عرض واحد قائم بالساكن و الراكب فقط، مع النسبة إلى الدار و الدابة، تعرف أنّ منفعة الدار سكناها- أي ذلك العرض الذي له نسبة إليها- و بسكناها ينتفع بها، لا بالعنوان المضايف لعنوان الساكن المتأخر رتبة عن السكنى التي لها نسبة إليها، و حيث إنّ السكنى- من حيث تقومها بهذه النسبة المتقومة بالدار منفعة الدار- فلا محالة يكون زمام أمرها بيد مالك الدار، فيعتبر وجدانها لواجد الدار شرعا أو عرفا، لا من حيث عرضيتها لذات الساكن، و لا يخفى أنّ منفعة الدار حينئذ طبيعي سكناها من دون لحاظ قيامها بزيد و عمرو، فإذا ملكها المؤجر للمستأجر فقد ملّك طبيعي السكنى، و هي قابلة للتمليك لآخر، لتحقق هذا الطبيعي في مقام الاستيفاء من كل أحد، بخلاف العارية الموجبة لملك الانتفاع فإنّها تمليك سكنى زيد لزيد، و لا يعقل استيفائها إلّا من زيد، فلذا لا يعقل نقلها من المستعير.

و بذلك يحصل الفرق بين ملك المنفعة و ملك الانتفاع، ففي الحقيقة تكون حيثية الانتساب إلى الدار في الأولى ملحوظة بالاستقلال من دون خصوصية لمن يقوم بها السكنى، بخلاف الثانية فإنّ حيثية القيام ملحوظة بالاستقلال، و المملوك حصة من الطبيعي بحيث لا تتعدى عن مورد العقد، و حصول هذه النتيجة بعقد الإجارة مع شرط الاستيفاء بنفسه لا يوجب نفي الفرق بين الإجارة و العارية من هذه الجهة، و لا عدم الفرق بين ملك المنفعة و ملك الانتفاع، فإنّ اختلاف الحقيقة بالنظر إلى نفس الذات و مقتضياتها محفوظ كما لا يخفى، هذا كله في ملك المنفعة.

و أمّا ملك الانتفاع فإن التزمنا بالإشكال، و سلكنا ما يقتضيه الجواب الأول فلا يبقى بعد حيثية العين إلّا ما هو من أعراض الساكن مثلا، و هو غير مملوك للمعير حتى يملّكه المستعير بعقد العارية، و لا معنى للالتزام بأنّ مفاد عقد العارية إباحة الانتفاع إباحة مالكية يتبعها إباحة شرعية، لأنّ صيرورة الانتفاع مباحة بالإباحة المالكية لا تتوقف على قبول المباح له لا قولا و لا فعلا، فالانتفاع بمجرد الاذن مباح، سواء انتفع به أم لا.

فيعلم أنّ المعقود عليه في العارية سنخ معنى تسبيبي يتسبب إليه بالعقد، مع الالتزام بعدم اعتبار لفظ في تحققه، و حيث إنّه لا يعقل أن يكون ذلك المعنى اعتبار الملك، لأنّ الانتفاع بالمعنى المذكور غير مملوك له حتى يملّكه، فلا مناص من جعله معنى وضعيا آخر، و هي السلطنة الوضعية دون التكليفية، التي ليست هي إلّا إباحة الانتفاع مالكية أو شرعية، فمن شؤون ملك العين أن يسلّط غيره على عينه للانتفاع بها، و التعبير بالملك مجاز، و حيث إنّ المعير سلط المستعير على عينه- لا أنّه أعطاه ملكه أو سلطانه- فلذا ليس له نقل الملك أو السلطنة.

و أمّا لو سلكنا ما يقتضيه الجواب الثاني كما عن جملة من المعاصرين فالأمر واضح، حيث إنّ الانتفاع تارة يكون نسبته إلى العين محفوظة و طرفه القائم به ملغى، فكأنه يتمحض في النسبة إلى العين فيعد منفعة العين، فإذا ملكه كان له نقله إلى غيره، و أخرى يكون قيامه بشخص المستعير ملحوظا، فكأنه متمحض في الانتفاع-

الذي هو عرض من إعراضه- فملكه له غير قابل للانتقال إلى غيره، و إلّا فالملك حاصل في كليهما حقيقة من دون تفاوت في ناحية الملك، ليكون مرتبة الملك في ملك العين أقوى من مرتبة ملك المنفعة، و هو أقوى مرتبة من ملك الانتفاع كما توهم، بل التفاوت في ناحية المملوك.

و ربّما يقال: في الفرق بين ملك العين و ملك المنفعة و ملك الانتفاع، بأنّ العين مملوكة في الجميع، غاية الأمر أنّ السلطنة على العين إن أحاطت بجميع جهاتها عبّر عنها بملك العين و ملك الرقبة، و إن اختصت بجهة من جهاتها مع الاستقلال من تلك الجهة عبّر عنها بملك المنفعة، فالعين المستأجرة مملوكة للمستأجر من تلك الجهة، و إن كانت مملوكة للمؤجر بالملك التام، و إن اختصت بجهة من جهاتها لا مع الاستقلال عبر عنها بملك الانتفاع، لا أنّ الانتفاع مملوك بالحقيقة، و للاستقلال و عدمه افترق ملك المنفعة عن ملك الانتفاع بجواز النقل في الأول دون الثاني، فالعين المعارة مملوكة للمستعير من حيث الانتفاع بجهة خاصة، لكن عدم الاستقلال مانع عن النقل.

و سبقه إليه غيره ممن عاصرناه (1)و دفع به إشكال معدومية المنفعة، و عدم تعلق الملك بالمعدوم، و اشكال كون المنفعة عرضا من أعراض المستأجر و لا يملكه المؤجر، فكيف يملّكه، حيث إنّ المنفعة غير مملوكة بل العين مملوكة في مدة خاصة لجهة مخصوصة.

و فيه: أنّ المملوك في باب الإجارة إن كان واقعا نفس تلك الجهة الخاصة كانت نسبة الملك إلى العين من باب الوصف بحال المتعلق، و لا يندفع به شي‌ء من المحاذير، و إن كان نفس العين المتحيثة بحيثية خاصة، فمن الواضح أنّ جهات العين و حيثياته لا يوجب تعدد العين، فذات العين الواحدة مملوكة ببعض جهاتها لشخص، و مملوكة بسائر جهاتها لشخص آخر، فيلزمه اجتماع ملكيتين على عين واحدة.


1) المحقق الرشتي رحمه اللّه.

فإن كان الملك عرضا لزم قيام عرضين متماثلين بموضوع واحد، و قوة العرض و ضعفه لا يخرجه عن التماثل المانع عن الاجتماع، و إن كان اعتباريا فاعتبار ملكين لعين واحدة لغو عند العقلاء، إذا لم يرجع أحدهما إلى موضوع و الآخر إلى موضوع آخر، مع أنّ سعة المملوك و ضيقه لا يوجب قوة و ضعفا في الملكية، فالملك في حد ذاته وجدان خاص، و سعة متعلقة و ضيقه سعة و ضيق في الموجود له لا في وجدانه له حقيقة و اعتبارا.

و أمّا الاستقلال و عدمه في ملك المنفعة و ملك الانتفاع، فإن أريد بقاء العين بهذه الجهة أيضا على ملك مالكها أيضا، فله مالك آخر حق (1)من هذه الجهة لتفترق العارية عن الإجارة.

ففيه: ما تقدم من اجتماع ملكين على عين واحدة، و كون المعير مسلّطا على ردّ ملكه لا يوجب ضعفا في الملكية الموجودة، كما إذا كان له شرعا أو جعلا في ملك العين و ملك المنفعة، و الملكية الواحدة بسيطة لا تتبعّض حتى يتصور أنّه أعطاه جزء منها، و إن أريد كون المعير و المستعار معا طرفا واحدا للملكية، فهما بمنزلة مالك واحد، لئلا يلزم ورود ملكين على عين واحدة، فهو و إن لم يعقل في الاعراض و كان معقولا في الاعتبارات، إلّا أنّه هنا غير معقول، لأنّ المفروض أنّ المعير مالك للعين بسائر جهاتها من دون شريك في طرفيته للملكية، و إنّما له الشريك في الطرفية لملك العين في هذه الجهة الخاصة، فيلزم ورود ملكين على عين واحدة أيضا، فالتحقيق ما ذكرناه هذا تمام الكلام في الملك الشرعي و العرفي.


1) هكذا في الأصل.

الحق

[معناه اللغوي]

و أمّا الحق فله في اللغة معان كثيرة، و المظنون رجوعها إلى مفهوم واحد، و جعل ما عداه من معانيه من باب اشتباه المفهوم بالمصداق، و ذلك المفهوم هو الثبوت تقريبا، فالحق بمعنى المبدء هو الثبوت، و الحق بالمعنى الوصفي هو الثابت، و بهذا الاعتبار يطلق الحق عليه تعالى لثبوته بأفضل أنحاء الثبوت الذي لا يخالطه عدم أو عدمي، و الكلام الصادق حق لثبوت مضمونه في الواقع وَ يُحِقُّ اللّٰهُ الْحَقَّ (1)أي يثبته وَ كٰانَ حَقًّا عَلَيْنٰا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (2)أي ثابتا و حَقَّ الْقَوْلُ عَلىٰ أَكْثَرِهِمْ (3)أي ثبت و حَقَّتْ كَلِمَةُ (4)رَبِّكَ أي ثبتت و الْحَاقَّةُ (5)أي النازلة الثابتة و حَقِيقٌ عَلىٰ أَنْ لٰا أَقُولَ عَلَى اللّٰهِ إِلَّا الْحَقَّ (6)أي ثابت عليّ.

و أمّا قولهم: «حقيق بكذا» فليس مفهومه الحريّ و اللائق به كما هو المرسوم، بل الشي‌ء إذا كان ثابتا لشخص، فكلاهما ذو ثبوت، فتارة باعتبار ثبوت الشي‌ء على شخص يقال: «حقيق على الشخص أن يفعل كذا» لثبوت الفعل عليه، و أخرى باعتبار أنّ الشخص طرف هذا الثبوت و صاحبه بالمعنى الفاعلي، فيقال: «حقيق به» و الباء لمجرد الإلصاق، و بهذا الاعتبار يقال: «فلان أحق بكذا» فهو أولى من حيث كونه ذا


1) يونس آية 82.

2) الروم آية 47.

3) يس آية 7.

4) يونس آية 33.

5) الحاقة آية 1.

6) الأعراف آية 105.

ثبوت من غيره.

و بالجملة: فلم أجد في الاستعمالات القرآنية و غيرها ما يأبى بمفهومه عن الثبوت، نعم الثابت تارة حكم، و أخرى ملك، كما في صدق الحق على الملك في باب القضاء باعتبار ثبوته على المدعى عليه، و ثالثة السلطنة و أشباهها من الاعتبارات الثابتة للشخص.

بيانه: أنّ نفس الثبوت من دون إضافته إلى شي‌ء غير قابل لاعتبار صحيح، بل هو لغو من حيث عدم الأثر لاعتبار الثبوت المطلق، فلا بد من إضافته إلى شي‌ء ليكون اعتبار ثبوت شي‌ء لشي‌ء (1)، و من الواضح أنّ موارد الحق و متعلقاته لا تكون قابلة لاعتبار ثبوتها للشخص بنفسها، فلا معنى لاعتبار ثبوت الأرض للشخص، بل الصحيح اعتبار ثبوت ملكه لها أو سلطنته عليها، كما لا معنى لاعتبار ثبوت الفسخ مثلا، فإنّ معنى اعتبار ثبوته بنفسه هو اعتبار كون الشخص فاسخا- مع أنّ المراد إثبات كونه مالكا له أو مسلّطا عليه-، و هكذا في سائر الموارد، فلا محالة يجب أن يكون الثابت أمرا اعتباريا متعلقا بمورد الحق كالملك أو السلطنة أو إضافة أخرى.

ثم إنّ اعتبار ثبوت شي‌ء لشي‌ء إنّما يصح إذا لم يستغن عنه بثبوته له حقيقة، و إلّا كان الاعتبار لغوا، و منه يظهر أنّ ملكه تعالى و سلطانه على معلولاته ليس بالاعتبار، ليجعل من جملة موارد الملك و الحق و أشباههما، فإنّ إحاطته تعالى إحاطة وجودية، لارتباط جميع الموجودات بنفس ذواتها به تعالى بنفس وجودها الذي هو عين إيجاده تعالى، فهي ثابتة له تعالى بذواتها من دون حاجة إلى اعتبار ثبوتها له تعالى، و محاطة له تعالى بنفس وجودها الارتباطي به تعالى، و مقهورة تحت قهره و سلطانه تعالى، فإنّ تقلّبها الوجودي لا يكون إلّا بعين إيجاده تعالى، و هذا الارتباط الوجودي مناط ملكه تعالى و سلطانه و إحاطته و شهوده و وجدانه و علمه الفعلي و مشيئته الفعلية، و هو المعبر عنه بالإضافة الوجودية و الإشراقية.

و مما ذكرنا يظهر أنّ كيفية ولاية النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمة (صلوات اللّه عليهم)


1) هذا هو الصحيح و في الأصل (بشي‌ء)

و سلطنتهم المعنوية على جميع الموجودات من هذا القبيل، نظرا إلى أنّهم وسائط الفيض و مجاريها، و في رتبة فاعل ما به الوجود لا ما منه الوجود، و بهذا الاعتبار بهم يتحرك المتحركات و تسكن السواكن، فالولاية بهذا المعنى ليست اعتبارية، على حد ولاية اللّه تعالى.

نعم لهم (صلوات اللّه عليهم) الولاية المجعولة لترتيب سنخ آخر من الأثر، كما أنّ لهم الملكية الاعتبارية بالنسبة إلى ما ملكوه بالبيع و نحوه، فلا منافاة بين مالكيتهم بالمعنى الأول لمن عداهم من الملاك أملاكهم، مع عدم كونهم مالكين بالمعنى الثاني إلّا لأملاكهم الخاصة، أو لما جعله اللّه تعالى ملكا لهم كالأنفال و الخمس.

و منه يظهر أنّ ولاية الحاكم الشرعي ليس من رشحات ولاية اللّه تعالى و ولاية ولاة الأمر بالمعنى الأول، بل من شؤون ولايتهم بالمعنى الثاني كما هو واضح.

و مما ذكرنا- من أنّ الاعتبار في مورد الثبوت التحقيقي لغو- يظهر أنّ كون الشخص أملك بنفسه من غيره، و نسبة المالكية إلى نفسه و إلى فعله ليس بالاعتبار، و أنّه لا دخل له بالملك الاعتباري الذي يترتب عليه الآثار، فإنّ وجدان كل موجود لنفسه كوجدان كل ماهية بوجدان ماهوي لنفسها- ضروري الثبوت، و مالكيته لفعله بملاحظة أنّ الشخص في حركاته و سكناته تابع لاختياره و إرادته، فهو أملك بفعله من غيره، و كون زمام فعله بيده حقيقي واقعي لا بجعل و اعتبار من الشارع أو من غيره.

و لذا لو كان نسبة شخص إلى آخر كذلك بحيث كان طوع إرادته صح أن ينسب إليه أنّه يملكه كما يملك نفسه، من حيث كون زمام أمره خارجا بيده، و لذا قال تعالى لٰا أَمْلِكُ إِلّٰا نَفْسِي وَ أَخِي (1)لانقياد هارون لموسى، فزمام أمره بيده خارجا لا اعتبارا، فهذه الملكية أيضا بالحقيقة لا بالاعتبار، كي يترتب عليه آثار الملك الشرعي و العرفي.

و نظيره استحقاقه تعالى للعبادة الذاتية التكوينية، فإنّ معنى العبادة التكوينية


1) المائدة آية 25.

خضوع الممكن تكوينا للواجب، و انقياده له، فإنّ الأشياء مؤتمرة بأمره التكويني قهرا، و هذا الاستحقاق أيضا واقعي حقيقي لا اعتباري جعلي.

نعم استحقاق العبادة المجعولة كالصلاة و الصيام و الزكاة و أشباهها بنفس إيجابها على العباد، فالاعتبار الثابت من قبله تعالى ليس إلّا الإيجاب، لا اعتبار السلطنة أو الملكية، كما يتوهم لأجله المنع من أخذ الأجرة على الواجبات، بتوهم أنّها مملوكة له تعالى، و أكل المال بإزاء ملك الغير أكل بالباطل.

و لا يخفى أنّ إطلاق الحق على نفس العبادة و حملها عليه كما في قوله صلّى اللّه عليه و آله: (حق اللّه على العباد أن يعبدوه) (1)باعتبار الحق بمعناه المفعولي، كالملك بمعنى المملوك على الأعيان المملوكة، و أمّا بالمعنى الفاعلي القائم بذي الحق فهو نفس الإيجاب، الذي باعتبار تعلّقه بالعبادة تصير حقا بالمعنى المفعولي، لكنه قوبل مع حق العبد فهو بملاحظة أخرى، و هو أنّ متعلق الإيجاب إذا كان له مساس باللّه تعالى- كتعظيمه بالصلاة و الانقياد له بالعبادات- نسب إليه تعالى، و إذا لم يكن له مساس به تعالى بل بالعبد، فهو مما وجب منه تعالى مع إضافته إلى العبد بما هو من دون إضافته إليه تعالى.

[ان الحق هو السلطنة]

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم: أنّ الحق الذي يقابل الحكم هل هو مفهوما أو مصداقا هي السلطنة أو الملك أو اعتبار آخر أو اعتبارات مختلفة في الموارد المتشتتة؟

المعروف أنّه السلطنة، و ليكن المراد منها السلطنة الاعتبارية لا السلطنة التكليفية الراجعة إلى مجرد جواز الفسخ و الإمضاء، أو جواز الملك من المشتري في الشفعة و أشباه ذلك، لئلا يورد (2)عليه بأنّ السلطنة من أحكام الحق لا نفسه، أولا سلطنة للقاصر على التصرفات مع كونه ذا حق شرعا.

و المراد بالسلطنة الاعتبارية اعتبارها كاعتبار الملك في مورده، لا السلطنة الانتزاعية، لما يرد عليه ما أوردنا على انتزاعية الملك الشرعي أو العرفي حرفا


1) تحف العقول 256، قريب منه.

2) كما عن الآخوند في حاشيته 4.

بحرف.

[ان الحق هو الملك]

و ربّما يقال (1)بأنّ الحق هو الملك، و لذا عبّر عن حق الخيار بملك الفسخ و الإزالة.

و قد يورد عليه: بأنّ الملك ملزوم للسلطنة المطلقة، مع أنّ الحق سلطنة خاصة على تصرّف خاص.

و قد تقدم (2)دفعه بأنّ سعة المملوك و ضيقه لا ربط له بسعة الوجدان و ضيقه.

كما قد يتوهم (3)أنّ الحق ربّما يتعلق بعمل من اعمال الشخص، كفسخه و إمضائه و تملكه من المشتري و أشباه ذلك، و قد مر (4)أنّ الحر لا يملك عمل نفسه، و إن كان له القيام بنفسه قيام العرض بموضوعه.

و فيه: أنّ عمل الحر قد يكون كأكله و شربه و كتابته و خياطته مما له قيام به و يصدر عنه، و لو لم يكن اعتبار ملكه له و سلطنته عليه و اعتبار ملكه شرعا لغو لا أثر له، و قد يكون كفسخه و إمضائه و تملكه، حيث أنّه لم يتمكن من حقائق تلك الأفعال إلّا باعتبار ملكه و وجدانه لها شرعا، و بلحاظ هذا الاعتبار يتمكن من إيجاد تلك الحقائق، فاعتبار الملك ليس بلغو جزما، و كذا ما كان من قبيل الأول و كان له مساس بملك الغير، فإنّه من حيث انتسابها بملك الغير تعد من منافع ملك الغير، فتكون مملوكة له تبعا، فيصح اعتبار الملك فيها بتمليك الغير له، أو بجعل الشارع ابتداء كحق المارة و أشباه ذلك.

فاتضح أنّ جعل الحق مفهوما أو مصداقا بمعنى الملك لا مانع منه، لكن الحق ربّما يضاف إلى شي‌ء لم يكن له اعتبار الملك شرعا- كحق الاختصاص بالخمر التي كانت خلا قبلا، أو كحق الأولوية في الأرض المحجرة التي لا تملك إلّا بالإحياء كما هو المشهور- فيعلم منه أنّ الحق ليس بمعنى الملك، أمّا كلية أو في خصوص هذه


1) كما في حاشية اليزدي 57 سطر 35.

2) ص 37 قوله (مع أن سعة المملوك ..).

3) منية الطالب 1: 111- مؤسسة النشر الإسلامي.

4) تعليقة 5.

الموارد.

[ان الحق مرتبة ضعيفة من الملك]

و لذا ربّما يقال (1): أنّ الحق مرتبة ضعيفة من الملك و أول مراتبه، فعدم كون الخمر أو الأرض ملكا- يراد به كسائر الأملاك، لا الملك بهذه المرتبة الضعيفة.

و فيه: أنّ حقيقة الملك سواء كانت من مقولة الإضافة أو مقولة الجدة ليس لها مراتب مختلفة بالشدة و الضعف، حتى يكون اعتبارها في مواردها مختلفا باعتبار مرتبة قوية تارة، و اعتبار مرتبة ضعيفة أخرى.

بيانه: أنّ مقولة الإضافة كما حقق في محله ليس لها وجود استقلالي، بل تابعة للمقولة التي تعرضها الإضافة، فإن كانت من مقولة تختلف بالشدة و الضعف- كالكيف مثلا- فلا محالة تتصف مقولة الإضافة بهما تبعا، فالحرارة قابلة للشدة و الضعف فتتصف مقولة الإضافة بالأحر و هكذا، و إن كانت من مقولة لا تجري فيها الشدة و الضعف فلا تتصف مقولة الإضافة بهما- كمقولة الجوهر مثلا- فإنّ زيدا المحيط على عين في الخارج ليس له و لا لتلك العين شدة و ضعف، حتى تتصف الإحاطة بهما بالعرض.

و أمّا مقولة الجدة فهي لا تتصف في نفسها بالشدة و الضعف، بل تتصف بالزيادة و النقص، فإنّ الهيئة الحاصلة للرأس من العمامة أنقص من الهيئة الحاصلة للبدن من القميص، فإنّ الثاني أزيد إحاطة من الأول، لسعة المحيط و المحاط في الثاني دون الأول، و اللازم هنا هو التفاوت بالشدة و الضعف، فان شخص هذا المانع لم تتفاوت جدته باعتباره ملكا أو اعتباره حقا، فلا معنى لدعوى تفاوت مراتب الملك شدة و ضعفا، و أمّا زيادة و نقصا فهو أجنبي عما نحن فيه، ضرورة أنّ المالك للعين و المنفعة أزيد ملكا ممن يملك أحدهما، فتبيّن أنّ جعل الحق بمعنى الملك لا وجه له، و دعوى اختلافه بالمراتب فاسدة.

نعم كونه بمعنى اعتبار السلطنة الوضعية ممن يجعل الملك غير السلطنة لا مانع منه، و أمّا من يرى أنّ الملك بمعنى السلطنة فالإيراد متوجه إليه أيضا.


1) منية الطالب 1: 107- مؤسسة النشر الإسلامي، تقريرات المكاسب للآملي 1: 92.

[رأي المصنف في حقيقة الحق]

و يمكن أن يقال:- و إن لم أجد من وافق عليه صريحا- أنّ الحق مصداقا في كل مورد اعتبار مخصوص له آثار خاصة، فحق الولاية ليس إلّا اعتبار ولاية الحاكم و الأب و الجد، و من أحكام نفس هذا الاعتبار جواز تصرّفه في مال المولّى عليه تكليفا و وضعا، و لا حاجة إلى اعتبار آخر، فإضافة الحق إلى الولاية بيانية، و كذلك حق التولية و حق النظارة، بل كذلك حق الرهانة، فإنه ليس إلّا اعتبار كون العين وثيقة شرعا، و أثره جواز الاستيفاء ببيعه عند الامتناع عن الوفاء، و حق التحجير أي (1)المسبب عنه ليس إلّا اعتبار كونه أولى بالأرض من دون لزوم اعتبار آخر، و حق الاختصاص في الخمر ليس إلّا نفس اعتبار كونه أولى بالأرض من دون لزوم اعتبار آخر، و حق الاختصاص في الخمر ليس إلّا نفس اعتبار اختصاصه به في قبال الآخر، من دون اعتبار ملك أو سلطنة له، و أثر الأولوية و الاختصاص عدم جواز مزاحمة الغير له.

نعم لا بأس بما ساعد عليه الدليل من اعتبار السلطنة فيه كحق القصاص، حيث قال عز من قائل فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً (2)و كذا لو لم يكن هناك معنى اعتباري مناسب للمقام كما في حق الشفعة، فإنّه ليس إلّا السلطنة على ضم حصة الشريك إلى حصته بتملّكه عليه قهرا، فإنّ الشفع هو الضم، و الشفعة- كاللقمة- كون الشي‌ء مشفوعا، أي مضموما إلى ملكه، و لا معنى لاعتبار نفس الشفعة، و إلّا كان معناه اعتبار ملكية حصة الشريك، مع أنّه لا يملك إلّا بالأخذ بالشفعة لا بمجرد صيرورته ذا حق.

و كذا حق الخيار هو السلطنة على الاختيار- و هو ترجيح أحد الأمرين من الفسخ و الإمضاء- لا اعتبار كونه مختارا، فإنّه في قوة اعتبار كونه مرجحا أي فاسخا أو ممضيا، مع أنّه لا فسخ و لا إمضاء بمجرد جعل الحق، نعم ليس حق الخيار ملك الفسخ و الإمضاء معا و إلّا نفذ إمضائه و فسخه معا، مع إنّه لا ينفذ منه إلّا أحدهما، و كذا السلطنة فإنّ حالها حال الملك، و لا أحد الأمرين من الفسخ و الإمضاء، فإنّ أحدهما المردد لا ثبوت له حتى يتقوم به الملك و السلطنة، بل الملك أو السلطنة يتعلق بترجيح أحد الأمرين على الآخر، فالمقوّم لاعتبار الملك أو السلطنة أمر واحد


1) لا يخفى ما في العبارة، فإن حق العبارة أن يقال (و حق التحجير فان المسبب ..)

2) الإسراء آية 33

و هو ترجيحه لأحد الأمرين.

و يمكن أن يقال: بأنّ المعنى الاعتباري المعقول هنا بحيث يناسب الخيار جعله مفوضا، فاعتبار كونه مفوّضا يترتب عليه جواز الفسخ و الإمضاء تكليفا و وضعا من دون لزوم اعتبار آخر.

بقي الكلام في قابلية الحقوق للإسقاط و النقل و الانتقال:

اشارة

فنقول: أمّا الإسقاط فليس معناه العفو كما توهم، فإنّه و إن كان يناسب السلطنة على الغير لكنه لا يلائم جميع موارد الحقوق، فإنّ منها حق التحجير الذي لا شبهة في إسقاطه، مع أنّ السلطنة فيه ليست على الغير، فإسقاط الحق بمعنى رفع الإضافة الخاصة، أو إخراج المورد عن كونه طرفا للإضافة كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى (1).

[قبول الحق للإسقاط]

و أمّا كون الحق في نفسه قابلا للإسقاط دون الحكم، فليس من أجل أنّ الحكم أمره بيد الحاكم، لأنّ الحق و الملك بناء على أنّهما أمران اعتباريان هما أيضا اعتبار من الشرع أو العرف، و أمر الاعتبار وضعا و رفعا بيد المعتبر.

و ليس الفارق بين الحق و الحكم أنّ من له الحق مالك لشي‌ء يكون أمره بيده، فله إسقاطه كما توهمه جماعة، لأنّ مقتضى مالكية الإنسان لعين أو عمل و سلطنته عليهما هو أنّ أمر العين و العمل بيده، لا أمر الملكية و السلطنة بيده، فالمالك يملك العين لا الملكية، و الملكية مضافة بذاتها إلى الإنسان لا بإضافة أخرى، و كذا الإضافة المعبر عنها بالحق مضافة إلى الإنسان بذاتها لا بإضافة الملكية، فدعوى أنّ الإنسان مالك للحق غلط.

و توهم: أنّ الأحكام ناشئة عن مصالح و مفاسد تتبعها وضعا و رفعا، دون الاعتبارات فإنّها تابعة وضعا و رفعا لأسبابها.

مندفع: بأنّ الاعتبارات أيضا تابعة لمصالح فيها بحسب موارد خاصة، ففي اعتبار الملكية للمتعاقدين مصلحة تدعو الشارع إلى اعتبار الملكية لهما، و في اعتبار السلطنة للشريك عند بيع الشريك حصة نفسه مصلحة تدعو إلى اعتبار السلطنة على


1) ص 46 قوله (ثم ان الاسقاط ..).

تملك حصة الشريك، و الكلام هنا في الموجب لجواز رفع الاعتبار و الدليل عليه.

و التحقيق: إنّ سنخ الأحكام التكليفية مع سنخ الاعتبارات الوضعية متفاوتان، فإنّ البعث و الزجر سواء كانا منبعثين عن مصلحة و مفسدة ملزمة أو غير ملزمة يكونان مقدمة لتحقق الفعل أو عدم تحققه، فما لم يتحقق مقتضاهما لا يعقل سقوطهما إلّا بفوات موضوعهما، فليس للشارع أيضا إسقاطهما.

و لذا قلنا بأنّ النسخ الحقيقي قبل حضور وقت العمل غير معقول، لأنّ المفروض إن كان اشتمال الفعل في وقته على مصلحة باعثة على البعث، فلما ذا رفع البعث؟! و إن لم يكن كذلك فلما ذا جعله؟! مع أنّ البعث إلى الفعل في وقت لجعل الداعي إليه في ظرفه، مع رفعه في ظرفه متنافيان، فهذا سنخ حكم يترقب منه الفعل أو الترك، فلا يسقط إلّا بالفعل أو الترك، و ليس هذا الملاك متحققا في اعتبار الملكية أو الحقية، فهو طبعا لا يأبى عن الرفع، غاية الأمر أنّ ثبوته كما كان بالتسبب إليه بما جعله الشارع سببا لوضع اعتباره، كذلك لا بد في سقوطه من التسبب إليه بما جعله الشارع سببا لرفع اعتباره، و لذا قلنا بأنّ الاعراض عن الملك لا يوجب سقوط الملكية أو سقوط المملوك عن الملكية فإنّ السقوط كالثبوت يحتاج إلى سبب جعلي.

ثم إنّ الاسقاط هل هو بمعنى رفع الإضافة أو إخراج الشخص أو الطرف عن الطرفية للإضافة؟

ربّما يترجح الثاني في النظر، نظرا إلى أنّ الحق ربّما لا يعقل رفعه لقيامه مع وحدته بمتعدد، كما في إرث حق الشفعة، فإنّ إسقاط بعض الورثة حقه جائز مع بقاء الحق بالإضافة إلى الباقي، و الحق الواحد لا يتعدد فإنّه خلف، و لا يتجزئ و لا يتبعّض فإنّه بسيط، فلا معنى لإسقاط الحق إلّا إخراج أحد الورثة نفسه عن الطرفية للإضافة الشخصية، فيستقل باقي الورثة بالطرفية للإضافة.

[حقيقة الإسقاط]

إلّا أنّ التحقيق: أنّ الاسقاط هو رفع الإضافة، و يلزمه خروج الطرف عن الطرفية، لا أنّه عينه، فإنّ الغرض إن كان إسقاط من أصله كان سقوطه منافيا لثبوته، و أمّا إن كان سقوطه عن نفسه فهو لا ينافي ثبوته لغيره.

و بالجملة: الاسقاط كالنقل يضاف إلى نفس الحق، فإنّ الحق- المقابل للعين و المنفعة و عمل الحر في كلام المصنف رحمه اللّه و غيره- نفس الإضافة، لا متعلقة الذي لا يخرج عن كونه أحد الأشياء المتقدمة، و بهذا المعنى أشكل المصنف رحمه اللّه فيما سيأتي (1)إن شاء الله تعالى على جعل الحق عوضا بأنّه ليس بمال، مع أنّه متعلقة مال قطعا، ففي مثل حق التحجير الذي هو مورد هذا الإيراد في كلامه قدّس سرّه، ليس مورد الإشكال في المالية إلّا نفس الاعتبار، لا الأرض المحجرة التي لا شبهة في ماليتها هذا هو الكلام في حقيقة الاسقاط.

[حقيقة النقل]

أمّا حقيقة النقل فقد بيّنا سابقا (2)أنّ النقل الاعتباري إخراج الشي‌ء عن طرف إضافة ملكية نفسه إلى الطرفية لإضافة ملكية غيره، فنقل من طرف هذه الإضافة إلى طرف إضافة أخرى، و لذا قلنا بأنّ البيع لا يستلزم النقل دائما، فإنّ بيع الكلي صحيح مع أنّه لا نقل فيه من طرف إضافة إلى أخرى، بل تمليك ابتدائي.

و عليه فيشكل الأمر في نقل إضافة الحق فإنّ النقل إن كان متعلقا، بطرف الحق كان النقل صحيحا، فإنّ ذا الحق يخرج الأرض المحجرة من طرف إضافته الحقية إلى طرف إضافة أخرى، و أمّا نقل نفس الإضافة المضافة بذاتها فغير معقول، لأنّ الإضافات تتشخص بأطرافها، فشخص العين قابل للنقل دون شخص الإضافة، فلا بد من أن يكون النقل فيها بالعناية و بنظر الوحدة، فكأن الإضافة المنقولة من طرف نفسه إلى طرف غيره شخص تلك الإضافة، هذا كله في بيان حقيقة الإسقاط و النقل.

[ضابطة قبول الحق للإسقاط و النقل]

و أمّا ميزان قبول (3)للإسقاط و النقل: فالمستفاد من كلمات الأكابر كليات لا تكاد تجدي شيئا، كما يقال إنّ الموجب للحق إن كان علة تامة له فيستحيل نقله و انتقاله و إسقاطه، لاستحالة تخلّف المعلول عن علته التامة، و إن كان مقتضيا فإن كان هناك مانع منه- كتقوّم الموضوع بعنوان خاص، أو تقيد مورد الحق و متعلقة بقيد يوجب تضييق


1) كتاب المكاسب 79 سطر 12- تعليقة 12.

2) تعليقة 2.

3) هكذا في الأصل، و لكن اما أن تكون العبارة (أما ميزان القبول ..) أو (أما ميزان قبوله ..).

دائرته- فلا يقبل النقل و الانتقال، و إن لم يكن هناك مانع كان قابلا للإسقاط و النقل و الانتقال.

و الأمر في الواقع و في مقام الثبوت و إن كان كذلك، لكنه لا معين لكون الموجب في ولاية الحاكم و الأب و الجد علة تامة، و في حق الخيار و الشفعة مقتضيا، كما أنّ العنوان إذا كان مقوّما لا معرّفا و إن كان يوجب عدم النقل، لكن كل حق رتب على عنوان فظاهره أنّه الموضوع التام لحكمه، و تخلّف الحكم عن موضوعه التام محال، فأي فرق بين عنوان الشريك في حق الشفعة و عنوان البيع في حق الخيار أو غيره من الحقوق القابلة للنقل.

فالتحقيق: أنّ قبول كل حق للسقوط و عدمه و للنقل و عدمه و للانتقال بالإرث و عدمه يتبع دليل ذلك الحكم، و مناسبة الحكم و موضوعه، و المصالح و الحكم المقتضية لذلك الحكم، فمثل حق الولاية للحاكم و الوصاية للوصي لخصوصية كونه حاكما شرعيا و له هذا المنصب، أو أنّ الوصي لوحظ فيه خصوصية في نظر الموصي فلذا عينه للوصاية دون غيره- فإنّ التخصيص بلا مخصص محال من العاقل الشاعر فنقله إلى غيره غير معقول لفقد الخصوصية، أو لوجود هذا الاعتبار له بنفسه من دون حاجة إلى النقل كحاكم آخر مثلا، و حيث إنّ هذا الاعتبار لمكان رعاية حال المولّى عليه و الموصي لا لرعاية نفس الولي و الوصي فلا يناسبه السقوط بالإسقاط.

و أمّا توهم: أنّ ولاية الحاكم من شؤون ولاية الامام، و هي من شؤون ولاية النبي، و هي من شؤون ولاية اللّه تعالى على عباده، فكما أنّ الأصل محال فكذا فرعه، و ما هو من أطواره و شؤونه.

فقد بيّنا ملاك فساده (1)قبلا، من أنّ سلطنته تعالى على خلقه حقيقة لا اعتبارية، و هي الإحاطة الفعلية الوجودية التي لا زوال لها، لاستحالة استقلال الممكن بالوجود، و كذا ولاية النبي و الأئمة (صلوات اللّه عليهم) بمعنى وساطتهم في الفيض و كونهم مجاري فيض الوجود، فإنّ زوالها مستحيل و إلّا لزم أصالة الموجود بالتبع،


1) ص 39 قوله (و منه يظهر أن ملكه ..).

و كون الممكن الأخس في عرض الممكن الأشرف، و ولاية الحاكم جعلية اعتبارية لا حقيقية ليكون من شؤون الولايتين المتقدمتين.

بل هي من شؤون الولاية المجعولة للنبي و الأئمة عليهم السّلام بمعنى آخر، و هو منصب إلهي مجعول، فكما أنّهم منصوبون لتبليغ الأحكام عن اللّه بلا واسطة في النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و مع وساطته في الأئمة عليهم السّلام، فكذا العلماء خلفاء الامام عليه السّلام و نوابهم في هذا المقام، فما داموا موصوفين بهذا العنوان و واجدين لهذا المنصب لهم حق الولاية على القصّر فتبصر.

و هذا بخلاف سائر الحقوق كحق الخيار و حق الشفعة، فإنّ مصلحة الإرفاق بالبائع أو بالمشتري أو بهما معا أوجب لهم اعتبار السلطنة على فسخ البيع و إمضائه، رعاية لذي الحق لا لمن عليه الحق فله إسقاطه، و كذا الشفعة فإنّ تضرر الشريك ببيع حصة شريكه ممن لا يلائمه أحيانا، أوجب جعل حق الملك من المشتري بالعوض، كما في بعض الروايات (1)المتكفلة لحكمة التشريع، فمع تكلفه للضرر، أو لعدم التضرر من باب الاتفاق صح له إسقاط حقه.

و أمّا النقل فالحق و إن أخذ في موضوعه عنوان من العناوين، لكنه ربّما يستفاد من قرائن المقام أنّه عنوان مقوّم، و ربّما يستفاد أنّه عنوان معرّف، ففي حق الشفعة الذي يمكن أن يتضرر أحيانا هو الشريك دون غيره، فلا معنى لنقله إلى غيره، كما أنّ سلطنة الشخص على تملك ما ملكه غلط، لأنّه حاصل، فنقل الحق إلى المشتري أيضا باطل، و كما في حق الرهانة فإنّ كون العين وثيقة لغير الدائن غير معقول، سواء كان المديون أو غيره، فنقله غير معقول إلّا بتبع نقل دينه إلى غيره، فينقل حق الرهانة تبعا، بخلاف حق التحجير فإنّه ليس فيه شي‌ء من هذه الموانع.

و كذا الأمر في الانتقال بالإرث فإنّ قيام الوارث مقام مورثه في أخذه بالشفعة أو أخذه بالخيار أو أولويته بالأرض المحجرة منقول (2)بلا مانع، بخلاف حق القسم في


1) وسائل الشيعة، باب 5 من أبواب الشفعة، ح 1.

2) هكذا في الأصل، و الظاهر أنها (معقول).

الزوجات، فإنّ نقله من زوجة إلى زوجة صحيح، لاتصافه بذلك العنوان، و صحة استفادته من الحق دون انتقاله بالإرث، فإنّه حقها ما دامت حية يتصور أن يكون لها قسمة، و الوارث لا يمكن أن يقوم مقام الزوجة في هذا الحق، و لا يعقل استفادته من هذا الحق، إلى غير ذلك من الوجوه و المناسبات المتصورة في باب الحق.

فلذا لا يعقل شي‌ء من الاسقاط و النقل و الانتقال في بعضها، و يعقل السقوط دون غيره في بعضها الأخر، و يعقل النقل دون الانتقال في ثالث، و يعقل النقل و الانتقال معا في رابع، و يعقل الانتقال دون النقل في خامس، و لا بد من ملاحظة دليل كل حق و ما يحتف به من القرائن من الوجوه و المصالح و المناسبات.

[إذا شك في قبول الحق للنقل و الانتقال]

بقي الكلام: فيما إذا شك في القبول للإسقاط و النقل و الانتقال، فإن كان منشأ الشك احتمال كونه حكما فلا مناص من الرجوع إلى الأصول دون العموم، لأنّ موضوعه الحق و هو مورد الشك، و لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و إن كان منشأ الشك مع القطع بكونه حقا احتمال كونه سنخ حق له الإباء عن الاسقاط و النقل و الانتقال- كحق الولاية- فالمعروف أنّه مع إحراز القابلية عرفا يتمسك بإطلاق دليل الصلح، لنفوذ الصلح على سقوطه و نقله، أو بعموم أدلة الإرث لانتقاله، و ليس من التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية، بتوهم احتمال اندراجه تحت الحق القابل و الحق الغير القابل، فإنّهما عنوانان انتزاعيان من الحق الداخل تحت العموم و الخارج عنه، لأنّ (1)العام معنون بعنوان القابل و المخصص معنون بعنوان غير القابل.

و يمكن أن يقال: إنّ أدلة المعاملات في مقام إنفاذ الأسباب شرعا عموما أو إطلاقا، فتارة يقطع بأنّ العين الفلانية قابلة للملكية و النقل و يشك أنّه يعتبر فيه سبب خاص أو لا، فبعموم دليل الصلح أو الشرط نقول أنّه يملك بالصلح و الشرط، و أخرى يشك في أصل قبوله للنقل لا من حيث خصوصية سبب من الأسباب، ليقال إنّ الصلح سبب مطلق، و إنّه كسائر أسباب النقل و الاسقاط مثلا، و المفروض هنا الشك في


1) هكذا في الأصل و السياق يقتضي (لا أنّ).

أصل قبول الحق الخاص للإسقاط و النقل، لا من حيث قصور الصلح عن السببية في هذا المورد، فكونه قابلا للصلح عرفا معناه أنّ الصلح كغيره من الأسباب في هذا الموضوع، فلا منافاة بين إحراز القابلية العرفية من هذه الجهة مع الشك في أصل قابليته للإسقاط و النقل.

نعم لو كان ما اشتهر أنّ لكل ذي حق إسقاط حقه- مما ورد في آية أو رواية أو كان معقد إجماع- لصح التمسك بعمومه أو إطلاقه لشمول هذا الحق المشكوك نفوذ إسقاطه، لكن لا أظن بأن تكون القضية المزبورة خبرا أو معقد إجماع معتبر، و إن كان مما اشتهر، لكن ظاهر الشهيد قدّس سرّه في قواعده (1)كما استظهره شيخنا الأستاذ في فوائده أنّ حق العبد قابل للإسقاط، حيث قال رحمه اللّه: (و الضابط فيه أنّ كل ما للعبد إسقاطه فهو حق للعبد، و ما لا فلا كتحريم الربا أو الغرر .. إلخ) (2)

و هو للآخوند الشيخ ملا كاظم الخراساني صاحب الكفاية رحمه اللّه.

ولد في مشهد، و قرأ بعض المبادئ فيها، ثم ارتحل الى النجف الأشرف و في طريقه أقام في طهران ستة أشهر درس خلالها شيئا من الفلسفة، حضر عند الشيخ مرتضى الأنصاري قدّس سرّه ما يقرب من سنتين، ثم عند الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي.

تخرج على يديه مئات من الأفاضل و المجتهدين، له عدة مؤلفات أشهرها كفاية الأصول التي هي مدار البحث و الدرس في الحوزة، و حاشية على رسائل الشيخ الأنصاري.

توفي رحمه اللّه في ذي الحجة سنة 1329 ه بالنجف الأشرف.

أعيان الشيعة 9: 5 بتصرف.

فيظهر منه أنّ ما لا يسقط ليس من حقوق العبد، و أنّه من حقوق اللّه التي هي عبارة عن الحكم، كما مثّل له بتحريم الربا أو بتحريم الغرر، إلّا أنّه إنكار لانقسام الحق المقابل للحكم إلى قسمين، من حيث القابلية للسقوط و عدمها، فينبغي أن يحكم بسقوط كل ما علم أنّه حق حقيقة، كما أنّه لا مجال للتمسك بالعموم في إثبات السقوط، لرجوع الشك فيه إلى أنّه حق أو حكم، و في مثله لا مجال للتمسك بالعموم كما عرفت آنفا.

و الإنصاف أنّه لم يظهر لنا مورد يقطع بكونه حقا و يشك في قبوله للإسقاط، فضلا


1) القواعد و الفوائد 2: 43، القاعدة: 161.

2) الفوائد 295.

عن القطع بعدمه، كما في حق الولاية و أشباهها، فإنّه لا موجب لكونها حقا مجرد التعبير عنه به، مع أنّه لا شبهة في إطلاقه عليه أحيانا في لسان الاخبار و في كلمات علمائنا الأخيار.

و أمّا بناء على ما (1)قرّبناه من أنّ الحقوق اعتبارات خاصة في موارد مخصوصة- كاعتبار الولاية في مورد حق الولاية، و اعتبار الرهانة و الوثيقة في حق الرهانة- فالحق حقيقة ينقسم إلى قسمين، و يكون محكوما بحكمين فيجري فيه ما ذكرناه أولا من حيث التمسك بالعموم و عدمه، و تمام الكلام يحتاج إلى بسط لا يسعه المقام تمت الرسالة و الحمد للّه رب العالمين.

تم بحمد اللّه


1) ص 39.