ghaemiyeh.com
نام كتاب: قاعدة نفي الضرر و الاجتهاد و التقليد( مقالات الأصول) موضوع: فقه استدلالى و قواعد فقهى نويسنده: عراقى، آقا ضياء الدين، على كزازى تاريخ وفات مؤلف: 1361 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: مجمع الفكر الإسلامي تاريخ نشر: 1420 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران محقق/ مصحح: سيد منذر حكيم- مجتبى محمودى ملاحظات: قاعده لا ضرر و اجتهاد و تقليد در ج 2 مىباشد.
[المقالة الثالثة و العشرون] [قاعدة نفي الضرر] قد اشتهر في ألسن الفقهاء تمسّكهم بقاعدة [نفي] الضرر في كثير من الموارد حتّى [صارت] بين المعاصرين من القواعد المسلّمة الفقهيّة كسائر [قواعد الفقه] العامّة، فلذا ينبغي تنقيح الكلام فيها [في] جهات كي ينكشف الظلام عن وجه الأوهام فنقول: هنا مقامات:
، و تقابلهما من قبيل العدم و الملكة، فلا يصلح إطلاق الضرر إلاّ في مورد قابل لإطلاق النفع في قباله.
فبالنسبة إلى نقص الانتفاع من المباحات الأصليّة لا يطلق عليه الضرر، بل الضرر نحو نقص له مساس إلى الشخص حقّا أو مالا أو بدنا أو عرضا أو سياسة. نعم ربّ مورد يكون [فيه] للإنسان مساس بالمباحات الأصليّة فيصدق بالنسبة إليه أيضا النفع و الضرر. و حينئذ مرجع الضرر إلى النقص من جهة راجعة إلى الشخص، كما أنّ مرجع النفع إلى زيادة كذلك.
و أمّا الضرار فهو مصدر باب المفاعلة، و أريد منه [الإصرار] على الضرر، كما يشهد له قوله صلّى اللّه عليه و آله: «إنّك رجل مضار» بعد [إصراره]. و منه أيضا المطالب و المسافر و المحامي حيث استعملت الهيئة في تكرار المبدأ و امتداده. و قد يتحقّق
التكرار بين اثنين فتستعمل هذه الهيئة فيما بينهما، و لكن لا اختصاص لذلك به، كما توهّم.
. و هي أخبار عديدة واردة في موارد عديدة، من جملتها ما في موثّقة زرارة المشتملة على قضية سمرة (1)، و ما في ذيل رواية «فضل الماء» (2)و ما في ذيل نص الجار (3)، و خبر الشركة في رأس البعير (4)، و ما ورد في باب «الإضرار بطريق المسلمين» (5)فربّما ينتهي أمر نصوصها إلى التواتر و لو إجمالا. و ذلك المقدار يكفي للاتّكال سندا، خصوصا مع كونها مورد اتّكال الأصحاب.
فلا قصور في سندها، بلا احتياج إلى ضميمة ما اشتملت على نفي الضرر [وحده] كي [يبقى] مجال احتمال تقطيعها ممّا سبق. نعم كثيرها غير شامل لعنوان الإسلام أو الأمّة أو المؤمنين، و لكن لا ضير فيه بعد ما كان سوقها للامتنان على الأمّة كما لا يخفى.
و لئن أبيت من اقتضاء الفاقد للعنوانين السوق للامتنان نقول: إنّ بناء الأصحاب في جعلهم هذه القاعدة من القواعد الامتنانية، و تسلّم مثل هذه الجهة عندهم يوجب جبر رواية ابن مسكان (6)و خبر ابن أثير (7)المشتمل على قوله:
1) الوسائل 17: 341، الباب 12 من أبواب إحياء الموات، الحديث 3 و 4.
2) الوسائل 17: 333، الباب 7 من الابواب، الحديث 2.
3) دعائم الاسلام 2: 504، الحديث 1805 و المستدرك 13: 447، الباب 10، الحديث 1.
4) الوسائل 13: 49، الباب 22 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.
5) الوسائل 19: 180، الباب 8 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2.
6) الوسائل 17: 341، الباب 12، من أبواب إحياء الموات، الحديث 4.
7) النهاية لابن أثير 3: 81.
«في الإسلام». و حينئذ يكفي هذا المقدار لثبوت الفقرتين في كلام المعصوم، مضافا إلى ما في الوسائل في الباب الأوّل من كتاب الفرائض (1). و ستتضح نتيجة هذه الجهة في طي الكلمات إن شاء اللّه.
و بعد ما اتضح سند روايات الباب ينبغي الكلام في دلالتها فتقول: عمدة النظر في وجه الدلالة إلى ما اشتمل [على] قوله (2)عليه السّلام: «لا ضرر و لا ضرار».
و حينئذ فاسمع بأنّ الهيئة الكلامية المزبورة قابلة للحمل على معان: أظهرها الحمل على نفي الحقيقة بضميمة تقييده بالشريعة و لو من جهة أنّ نفي تشريع ما يوجب الضرر موجب لنفي نفس المعلول الناشئ من قبله.
بل و لئن دققّت النظر لا يحتاج هذا المعنى إلى تقييد زائد، إذ التقييد إنّما يحتاج [إليه] في مورد قابل للإطلاق، و معلوم أنّ نفي الضرر من قبل الشارع في عالم تشريعه منحصر بما كان ناشئا عن تشريعه، و لا يشمل المضار الخارجية الأجنبية عن مرحلة التشريع، كما هو ظاهر. و حينئذ لا يحتاج النفي المزبور إلى التقييد و لا التقدير و لا المجاز و لا مرآتية الضرر عن الأمر الضرري.
كما أنّ مرجع نفي الضرر- بالمعنى المختار- إلى كون الضرر مانعا عن ثبوت تشريع حكم باقتضائه. و بهذا المعنى يناسب سوقه مقام الامتنان، لا أنّ الضرر [مقتض] للالتزام بتركه، كي يكون من قبيل «لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ».
كيف! و هذا المعنى لا يناسب التخفيف على الأمّة الموجب للامتنان عليهم، بل كان حينئذ [تحميلا] آخر و إلزاما زائدا عليهم، و هو ينافي بناءهم على سوقه
الوارد مساق حديث الرفع (1)و عمومات نفي الحرج (2)من حيث التخفيف على الأمّة بشهادة تصريحهم بعدم شمول عمومه للمقدم على الضرر في المعاملات الغبنية، فراجع كلماتهم هناك.
مع أنّه لا يناسب مع بنائهم على حكومته على سائر القواعد، إذ حينئذ لا وجه لنظره إليها بل تمام المقصود حرمة الضرر قبال سائر المحرّمات و بقية التكاليف.
مع أنّ استفادة الحرمة من هذه الهيئة فرع إعمال عناية في الإخبار عن عدم الشيء بلحاظ العلم بوجود مقتضيه من التحريم و عدم المانع عنه و لو ادعاء، و أنّ المراد من الضرر المضار الخارجيّة التكوينية غير [المرتبطة] بعالم التشريع.
و [لمثل] هذه الجهات- إذا قيست إلى ما استظهرناه منه من توجّه النفي إليه حقيقة في مرحلة تشريع الأحكام- الوجدان يأبى من ترجيح الأوّل على الثاني، بل يرجّح الثاني بلا تأمّل. و يناسبه حينئذ كون الضرر في المجعول مانعا عن جعله المستتبع لعدم وقوع الضرر من قبل تشريع الأحكام حقيقة بلا احتياج إلى إعمال عناية أو تجوّز أبدا.
و بهذا البيان أيضا ظهر فساد سائر الاحتمالات خصوصا احتمال مرآتيّة الضرر للأفعال الضرريّة، لعدم سنخيّة بينهما مصححة للمرآتية.
و مجرّد سنخيّة العليّة و المعلوليّة بينهما لا يصحح جهة مرآتيّة أحدهما عن الآخر، لأنّ كل عنوان لا يحكي في عالم التصوّر إلاّ عن معنونه لا عن [مقتضياته] و علله.
و توهّم حكاية العناوين الطوليّة عن الأخرى كلام ظاهريّ لا يصدّق إلاّ في مورد كانت العناوين المتعددة مشتركة في جهة واحدة، كعناوين الأوصاف الحاكية عن ذات واحدة محفوظة في الجميع. و إلاّ ففي غيرها لا وجه لحكاية كلّ عنوان عن غيره في عالم التصوّر، كي يصلح مرآتيته عنه كما لا يخفى.
ثم إنّه بعد ما اتضحت هذه الجهات فاسمع أيضا: أنّ لازم سوق مثل هذا العام مساق الامتنان اختصاص مورده بما كان تشريع الحكم فيه خلاف امتنان في حقّ الشخص، و لا يشمل أيضا موردا يكون نفي الضرر خلاف الامتنان في حقّ غيره. و لازمه عدم صلاحيّة عموم نفي الضرر لنفي الأحكام الامتنانيّة مثل سلطنة المالك على ملكه و حينئذ ربّما يجيء الإشكال في تطبيقات النصوص السابقة [لمثل] هذا العامّ على عموم سلطنة المالك أو ذوي الحقوق في ملكه و [حقهم].
فمن ذلك ما في رواية سمرة حيث طبّق النبي صلّى اللّه عليه و آله عموم نفي الضرر على سلطنة سمرة على عذقه، و من هذا القبيل تطبيق العموم على سلطنة الشريك على ماله بجعل الشفعة لشريكه.
و من جملتها ما في خبر فضل الماء (1)حيث نهى عن منع فضله مطبّقا عليه أيضا عموم نفي الضرر الموجب لرفع سلطنة المالك عن ملكه أو لا أقل عنه حقّه.
و من هذا الباب أيضا نصّ الجار (2)المشتمل على السؤال عن جدار رجل هو سترة بينهما سقط فامتنع من بنائه، قال عليه السّلام: ليس يجب إلاّ أن يكون وجب لصاحب الأخرى بحقّ أو بشرط ... إلى قوله عليه السّلام: و إن لم يسقط الجدار و لكن هدمه إضرارا بجاره لغير حاجة منه لهدمه، قال عليه السّلام: لا يترك، و ذلك أنّ رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: لا ضرر و لا ضرار و إن هدمه كلّف أن يبنيه. هذا ملخّص مضمون الرواية. و ظاهر [ذيلها] نفي سلطنة مالك الجدار عن هدمه لعموم الضرر و الضرار.
و يمكن رفع الإشكال المزبور بما توهم في مضامين هذه النصوص فنقول:
أمّا التطبيق الوارد في رواية سمرة فيمكن أن يكون نفي الضرر ناظرا إلى عدم تشريع هتك عرض الأنصاريّ بورود [سمرة] على عياله فجأة مع فرض لزوم الحرج على الأنصاريّ في حفظ عرضه بوجه آخر. و حينئذ يكون الباب من قبيل تزاحم سلطنة الأنصاريّ لحفظ عرضه و سلطنة سمرة على حفظ عذقه. و من المعلوم أنّ أهميّة حفظ العرض من حفظ المال [اقتضت] تقدّم حقّ الأنصاري على حق سمرة، و لذا أصرّ النبي صلّى اللّه عليه و آله من أوّل [الأمر] على الجمع بين الأمرين و لو بإرضاء [سمرة] ببديل عذقه، فحيث ما رضى بالجمع المزبور قدّم النبي صلّى اللّه عليه و آله حق الأنصّاري، و أمر بقلع عذق [سمرة] كي ينتفي حقّ عبور سمرة، حيث لا حقّ له إلاّ للاستطراق إلى عذقه. بل ربّما روعي في حقّه إبقاء شجريّته حيث أمر بغرسه في مكان آخر. و حينئذ ما ارتفع تسلّط سمرة عن عذقه بعموم نفي الضرر كي يرد إشكال خلاف الامتنان، بل إنّما رفع سلطانه عن عذقه بالمزاحمة مع سلطنة الأنصاريّ على حفظ عرضه، و طبّق عموم نفي الضرر على حفظ سلطنة الأنصاريّ لعرضه لأهميته لا نفي سلطنة سمرة على عذقه، و ما فيه المحذور هو الثاني لا الأوّل كما لا يخفى.
و أمّا التطبيق الوارد في خبر الشفعة فقد يجاب بأنّ هذه جملات مستقلّة و أحكام مختلفة واردة في رواية عقبة بن خالد لا ارتباط [لبعضها] بالبعض، و أنّ المتأخّرين أخذوا كلّ فقرة فقرة بنحو التقطيع عن هذه الرواية و تخيّلوا ارتباط بعضها ببعض فجاء حينئذ مجال توهّم ما ذكرناه من الإشكال.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ الرواية المشتملة (1)على هذه الفقرة مضمونها مغاير لمضمون رواية عقبة و [مشتملة] على حكمين راجعين إلى الشفعة مع وقوع هذه الفقرة في وسط الحكمين، و في مثله منتهى البعد في كونه حكما مستقلاّ غير مرتبط بباب الشفعة. و عليه فلا استبعاد في دعوى كون هذه الرواية رواية أخرى مستقلة عن رواية عقبة الطويلة، بل تصلح هذه لشرح رواية عقبة على فرض ظهورها في استقلال الفقرات، فضلا عن إجمالها من هذه الجهة.
و الأولى في الجواب أن يقال: إنّ الإشكال مبنيّ على جعل مثل هذه الفقرة من علل تشريع الشفعة. و هو ممنوع، بل من الممكن جعله من نتائج تشريعها و معاليلها.
و يؤيّد ذلك أنّه لو جعل علّة لتشريع الشفعة يلزم أن يجعل من حكم [تشريعها] كي يشمل موارد لا يلزم [فيها] ضرر بترك جعل الشفعة، و هو أيضا خلاف ظاهر سوق التعليل. و هذه الجهة لا [تكاد ترد] على ما ذكرنا، كما هو ظاهر. و حينئذ يكون نفي الضرر من علل أخذ الشفيع بشفعته و حقّه، فلا ينافي الامتنان، كما لا يخفى، هذا.
مع إمكان أن يقال: إنّ ما هو خلاف الامتنان رفع سلطنة المالك عن ماله
1) روى عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه قال: قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن، و قال لا ضرر و لا ضرار، و قال: اذا رفّت الأرف و حدّت الحدود فلا شفعة. و رواه الشيخ [باسناده] عن عقبة بن خالد و زاد: «لا شفعة إلاّ لشريك غير مقاسم». انتهى- الوسائل 17: 319، الباب 5 من أبواب الشفعة، الحديث 1 و 2، و لم نعثر على الزيادة بالسند المذكور في التهذيب، بل هي موجودة بطريق آخر. انظر التهذيب 7: 166 و 167، الحديثان 737 و 741، نعم الزيادة بالسند المذكور موجودة في الفقيه كما أشار إليها في الوسائل.
أمّا ما ورد في النهي عن فضل الماء فقد يجاب عنه أيضا بنحو ما تقدّم.
و يرد عليه أيضا نحو ما ذكرنا.
و التحقيق في جوابه أيضا أن يقال- بعد تسليم كون حفر البئر بقصد حيازة تمام مائة لا بمقدار استقائه، و إلاّ فلا يبقى مجال إشكال أصلا-:
إنّ أمثال هذه المياه مورد الانتفاع للاستقاء لكلّ أحد من الأناسي و المواشي، فغاية الأمر للمالك أو وليّه حقّ منع الغير عن التصرّف، لا أنّ إذنهم شرط في الجواز من دون فرق بين أن يكون المالك كبيرا أو صغيرا، بشهادة السيرة القطعيّة الدائرة بين الناس الواردين على مثل هذه القنوات و استعمالهم من مائها بمقدار احتياجهم من سقي و وضوء و الأخذ منه بمقدار لا يعدّ ضررا عرفا على المالك، و حينئذ ربما كره منعهم عن فضل مثل هذا الماء، حفظا لما فيه من حقّ الاستباحة للناس في الجملة بما ليس في غيره.
و بهذه الملاحظة أيضا طبّق عموم «نفي الضرر» على المورد تنزيها، و لا ضير فيه بعد كون «نفي الضرر» بنفي تشريع حكمه. و حيث كان المنع الموجب لضرر الناس ممنوعا تنزيهيّا [فنفي] الضرر الناشئ من قبل هذا المنع أيضا تنزيهيّ.
و بعبارة أخرى: تعلّق حقوقهم بالماء لو لا المنع موجب لقصور مرتبة من سلطنتهم بنحو لا يكون أخذهم قبل المنع خلاف سلطنتهم، بل في عدم أخذهم حينئذ ضرر عليهم، فلمراعاة مثل هذا الاقتضاء الاستحبابي منعوا تنزيها من
منعهم كي لا يرد على الناس ضرر من قبل [منعهم].
و في مثل هذا التطبيق روعي كمال الامتنان في حقّ النفوس بلا خلاف امتنان في حقّ المالك كما هو ظاهر.
و يؤيّده: أنه لو كان نفي الضرر موجبا لعدم المنع فيلزم أن لا يؤثّر منعه، مع أنه لا يناسب كراهته، إذ لازمه أنّه لو منع لكان مؤثّرا.
و توهّم عدم الكراهة خلاف ظاهرهم فتدبّر.
أمّا نص الجار بما فيه من التفصيل فنقول أوّلا: لا شبهة في عدم وجوب حفظ مال الناس و لا عرضهم و لا نفسهم من غير الهلاك، و إنّما يحرم هتك عرض الغير أو دمه أو ماله على إشكال فيه ما لم يصدق عليه التصرّف فيه بغصب أو نحوه. غاية الأمر يوجب إتلافه ضمانه، و إلاّ فلا يحرم على الإنسان إلاّ التصرّف في مال الغير. و صدق التصرّف على مطلق الإتلاف ممنوع جدا.
و حينئذ لا وجه لحرمة الإتلاف في الأموال لو لا قصور سلطنة المالك من هذا التصرّف في ملكه بملاحظة مزاحمته مع سلطنة غيره على حفظ ماله من التلف.
و حيث ظهر ذلك نقول: لا تبقى جهة إشكال في صدر الرواية، لأنّ انهدام الجدار بنفسه لا يوجب إلاّ انهتاك عرض الغير لا هتكه. كما أنّ بقاء الجدار على الخراب أيضا لا يوجب إلاّ بقاء انتهاك الغير لا هتكه. و حينئذ لا موجب لإجبار المالك على تعميره، خصوصا مع تمكّن الجار على حفظ عرضه بطريق آخر بقرينة قوله للجار: «استر على نفسك».
نعم لو اشترط الجار تعميره على المالك في ضمن عقد لازم فله حينئذ إجباره على التعمير وفاء بشرطه.
و إليه أيضا أشار في النص بقوله: «إلاّ ان وجب عليه بحقّ أو بشرط ...».
و أمّا ذيل الرواية المشتمل على النهي من هدمه معلّلا بعموم «نفي الضرر»
فيمكن أن يقال فيه: إنّ هدم المالك جداره و إن لم يكن ممنوعا في نفسه إن استلزم تلف مال الغير ما لم يصدق إضافة عنوان الإتلاف إليه، و لكن مع صدق هذه النسبة أمكن دعوى عدم سلطنته على ماله المنطبق على تصرّفه فيه عنوان «إتلاف مال الغير».
كما هو الشأن أيضا في عرضه، ففي فرض صيرورته سببا لهتك عرض الغير أيضا- خصوصا إذا كان قاصدا لإضراره بذلك- فهو غير مشروع حتى مع تمكّن الغير من حفظ نفسه، فضلا عما لو لم يتمكّن، لحرجيّته.
نعم مع عدم قصد الإضرار قد يتوهّم عدم الحرمة مع تمكّن الغير من حفظ نفسه لو لا دعوى أنّ الهتك في هذه الصورة مستند إليهما لا إلى الجار وحده، فلا يخرج التخريب المزبور أيضا عن الحرمة.
و من هذه الجهة ربما كان لمالك الدار إجبار الجار على سد روزنته من داره إلى دار جاره مع أنّه في ملكه و تمكن الجار أيضا على حفظ عرضه.
و حينئذ فتطبيق عموم «نفي الضرر» على مثل هذه الموارد لا يكون خلاف إرفاق في حقّ غيره، لعدم سلطنته على مثل هذا التصرف في ملكه، بل كمال إرفاق في حقّ الجار لئلاّ ينهتك عرضه من قبله، كما لا يخفى.
بقي في المقام شيء آخر و هو: أنّ الذي يستفاد من مجموع أخبار الباب هو تطبيق مثل هذه الكبرى في موارد إتلاف حقّ الغير عرضا أو انتفاعا أو تملّكا.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ في مثل هذه الموارد، مقتضى القواعد الأصليّة الأوّلية أيضا- لو لا هذه الكبرى- نفي تشريع الإتلافات المذكورة بملاحظة قصور سلطنة الإنسان عن التصرّفات في ماله الصادق [عليها] عنوان «إتلاف مال الغير» و لا أقلّ من دعوى تزاحم السلطنتين الموجب لعدم جواز إقدامه على الإتلاف المزبور. فللطرف منعه من هذا التصرّف غير المشروع، إلاّ في مورد يكون لبناء
الغير إسناد على بنائه، فإنّه حينئذ كان في حكم وقوع ملكه في ملكه من سلطنته على تخليص ملكه و عدم سلطنة الغير على إبقاء ملكه على حاله مع جبران الضرر إن كان الاستناد بحقّ، دون غيره، كما لا يخفى.
ثمّ لئن تأمّلت موارد تطبيق الأصحاب هذه الكبرى ترى أيضا أنّ كل مورد مورد كان الدليل أو القاعدة من الخارج [قد] اقتضى الحكم المعهود في المورد. كيف! و في كل مورد- كما سيتّضح لك إن شاء اللّه- نحو خصوصيات الحكم المعهود فيه على وجه تأبى تلك القاعدة عن إثبات مثلها. فذلك شاهد ترى بأن تمام المدار و المدرك للحكم ليس مثل هذه الكبرى. غاية الأمر هذه الكبرى كاشفة عن مرتبة من مراتبه لا عن جميع خصوصيّاته.
و حينئذ لا غرو في دعوى كون هذه القاعدة سيقت للحكاية عن نفي الأحكام الضرريّة بجهات أخرى ثابتة من الخارج من دون [كونها] إنشاء مستقلاّ في قبال سائر القواعد، فكان وزان هذه العمومات وزان عموم «كل شيء لك حلال» (1)في رواية مسعدة [المشتمل] ذيلها على مورد اليد أو الاستصحاب أو أصالة الصحة الحاكمة جميعها على قاعدة الحلّية.
و حلّلنا هذه الجهة من الإشكال بأنّه من الممكن كون هذا العام سيق لبيان جعل الحلّية في جميع الموارد و لو بإنشاءات أخرى من دون كون ذلك إنشاء مستقلاّ في قبالها و إنّما هو مبيّن لأنحاء الجعل من الخارج فلا يكون [مفاده] تأسيس حكم في قبالها.
ففي هذه العمومات أيضا أمكن دعوى عدم كونها حكما تأسيسيّا في قبال الأدلّة و القواعد الخارجية المقتضية لنفي التشريع للحكم الضرري بمالها من
1) الوسائل 12: 60، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.
الخصوصيّات الزائدة الآبية عن كشفها مثل هذا العام.
و توضيح هذا المقصد إنّما هو بالتعرّض لموارد تطبيقات الأصحاب إيّاها على مواردها كي به يتضح أنّ في كل مورد نحو خصوصيّة للحكم لا تصلح مثل هذه لإثباتها، و إنّما نظر الأصحاب في أصل الحكم إلى وجه آخر، و إنّما تشبّثهم بهذه الكبرى لمحض التأييد و بيان ما هو كاشف عن عدم تشريع الحكم الضرري في المورد و لو بإنشاء آخر. و من هذه الجهة ربّما يحتاج في العمل بهذه القاعدة إلى اتّكال الأصحاب [عليها] كي به يفهم أنّ في مثل هذا المورد أيضا لا يكون الحكم الضرري مشروعا من الخارج، فنقول:
من جملة الموارد تطبيقهم هذه القاعدة في باب العبادات الضررية. و لا يخفى أنّ بناءهم في هذه العبادات على الفساد، مع أنّ مفاد عموم «نفي الضرر» ليس إلاّ نفي تشريع ما يجيء من قبله الضرر و يلقي المكلّف فيه، و هو ليس إلاّ الأمر الفعلي.
و إلاّ فمجرد المصلحة و الرجحان لا يكونان منشأين للضرر و لا يلقيان المكلّف فيه، فلا يقتضي مثل هذا العموم [نفيهما]، خصوصا المصلحة الخارجة عن مرحلة التشريع رأسا.
و حينئذ لا وجه لفساد العبادة مع الاكتفاء بالتقرّب فيها بقصد الرجحان، كما هو الشأن في الضد المبتلى بالأهمّ لدى القائل باستحالة الترتّب. و لئن أغمض عن ذلك و بنينا على احتياج العبادة إلى الأمر الفعليّ نقول: لازم ذلك فساد العبادة مع العلم بالوجوب و الجهل بالضرر، إذ حينئذ لا قصور في محركيّة هذا الأمر في الضرر الواقعيّ مع عدم مانع عنه، و الحال أنّ بناء الأصحاب على [صحّتها].
و أيضا مقتضاه صحّة الصلاة في فرض الجهل بالوجوب مع العلم بالضرر كما في صورة الجهل بدخول الوقت مع العلم بضرريّة العبادة، نظرا إلى أنّ الأمر
المجهول غير صالح للتحميل و الإلقاء في الضرر، فلا يكون مرفوعا بعموم نفي الضرر، مع أن بناء الأصحاب على فساد العبادة في هذه الصورة. فذلك أعظم شاهد على أن ليس النظر من الصدر الأوّل البانين على فساد العبادة أو صحّتها إلى تطبيق مثل هذه الكبرى عليها مستقلاّ، بل عمدة نظرهم إلى كبريات النهي عن إلقاء النفس في التهلكة و إضرار البدن. و نسبة هذا النهي إلى الأوامر من باب التزاحم، الموجب للتفصيل بين العلم بالحرمة [و] الجهل [بها] و لو من الجهل بالضرر، سواء علم بالوجوب من غير جهة المزاحمة بالحرمة أو لم يعلم به.
و حينئذ فلا يغرنّك تطبيق المتأخّرين مثل هذه الكبرى على تلك الموارد و لو من جهة تأييد الدليل، بل و كشفه [عن] نفي الحكم الضرريّ في هذا المقام و لو بإنشاء آخر.
و منها: المعاملات الضرريّة كالمشتملة على الغبن و العيب و التبعيض و تخلّف الوصف و الشرط و أمثالها حيث إنّ بناء الأصحاب من الصدر الأوّل على ثبوت الخيار فيها (1). و قرّر ذلك بتقريبين:
أحدهما: أنّ مرجع الجميع إلى شرط ضمنيّ موجب لثبوت حقّ للمشروط له. فتفويت مثل هذا الحقّ ضرر عليه، ف «لا ضرر و لا ضرار» موجب لجبر هذا الضرر بالخيار.
1) كما أشرنا بقرينة تطبيقهم ذلك على المعاملة الغبنيّة و العيوب و أمثالها من تخلّف الوصف و الرؤية و يعبّرون عنها بالخيارات الضررية، فلا يتوهّم حينئذ أنّ هذا التطبيق شاهد استفادة النهي من هيئة «لا ضرر» إذ ذلك لا يناسب مع تمسّكهم بها في الخيارات المزبورة.منه قدّس سرّه.
و ثانيهما: أنّ مرجع الغبن إلى ضرر ماليّ، و هكذا العيب و الرؤية. و مرجع تبعيض الصفقة و تخلّف الشرط إلى ضرر غرضي ناش عن [نقضه]، و يلحق بهما بعض موارد العيب و الرؤية أيضا التي ليس فيها جهة نقص ماليّ.
و لكن لا يخفى ما في هذا التطبيق أيضا بوجهيه، إذ إرجاع الجميع إلى الشرط الضمني أوّل شيء ينكر، بل الباب من قبيل تخلّف الداعي غير المنتج في المعاملات شيئا.
كما أنّ إطلاق الضرر على مجرّد نقض الغرض و تخلّف المراد أيضا ممنوع.
و الشاهد عليه عدم التزامهم به و لو حصل بعد [العقد].
و كذا في باب النكاح مطلقا و لا باب الطلاق و غيره من سائر الإيقاعات.
فالالتزام به مستلزم إمّا للزوم تخصيص كثير في مثل هذا العامّ الوارد مورد الامتنان على المسلمين أو للالتزام بفقه جديد، و هما كما ترى.
كما أنّ الالتزام بأنّ العمل بالقاعدة يحتاج إلى الجبر في العمل إسقاط لها عن الاعتبار.
كيف! و مثل هذه الموارد المتوهّم فيها عمل الأصحاب أمكن منع عملهم بها مستقلاّ، إذ نتيجة العمل بها ليس إلاّ نفي اللزوم، و غايته إثبات السلطنة على الفسخ. و مثل هذه الجهة لا يفيد حقّا قابلا للإسقاط و لا للانتقال إلى الوارث. فمن أين نظر الأصحاب من الصدر الأوّل إلى مثل هذه القاعدة الآبية عن إثبات اللوازم، كما هو ظاهر؟ و ذلك أيضا من الموارد التي توهّم بعض المشايخ من قبل السابقين تطبيق القاعدة المزبورة عليها. و لو نظرت بمقتضى البصيرة و ألقيت حبل التقليد عن عنقك ترى عدم المجال لاستفادة تمام المرام من مثل هذه الكبرى، بل نظر الصدر الأوّل في إثبات مثل هذه الحقوق إلى مدرك آخر و لو لم يصل إلينا تفصيلا. و لكن يكفي في وجه تحصيله إطباق كلّهم على النتيجة المقصودة.
و ربّما يكون وجه تشبّثهم [بها] إلى نفي تشريع الضرر و لو بإنشاء خارجيّ، فيكشف عن مثل هذه الكبرى في الجملة، كما يكون نظر السابقين أيضا في تشبّثهم بهذه الكبرى إلى ذلك، لا أنّها قاعدة مستقلّة مؤسّسة لحكم مستقل في أمثال الموارد، كما هو الشأن أيضا في العبادات الضرريّة كما أشرنا.
و منها: تطبيقهم إيّاها في الزوجة الغائب عنها زوجها بعد فحص الحاكم أربع سنين و تولّيه للطلاق، لعموم «نفي الضرر و الضرار».
و فيه: أنّ الطلاق المزبور خلاف امتنان في حقّ الزوج الذي بيده الساق و الطلاق، فهذا التطبيق ينافي ديدنهم على كون هذا العام سيق مساق الامتنان، و لا يوجب جريانه خلاف امتنان في حقّ غيره. و ليس هنا من الخارج سلطنة للزوجة على التفريق كي لا يكون «لا ضرر» حافظا لهذه السلطنة غير دافعة لسلطنة غيره، بل سلطنة غيره مدفوعة بمزاحمة سلطنة غيره معه. فحينئذ لا مجال لقياس المقام بمسألة سمرة و الجار كما لا يخفى.
و بالجملة: مقامنا من هذه الجهة شبيه بباب خيار الغبن حيث لا يثبت عند المتشبث بهذه القاعدة فيه جواز أخذ الأرش من الغابن. مع أنّ تقريبه كما أفاده شيخنا العلاّمة (1)واضح حيث إنّ جبران الضرر بأحد الأمرين لا خصوص الخيار.
و لا يدفع هذه الشبهة إلاّ دعوى أنّ إثبات السلطنة على الغابن بأخذ الأرش خلاف امتنان في حقّه، و شأن «لا ضرر» ليس إثبات مثل هذا الحكم. فما نحن فيه من تلك الجهة مثله. فلا مجال لإثبات مثل هذا الحكم بالعموم المزبور، بل لا بدّ من كشف دليل آخر، و أنّ تشبّثهم بمثل هذه الكبرى من قبيل تأييد الدليل لا
1) انظر المكاسب: 235.
أنّه دليل. خصوصا مع ملاحظة ما أشرنا إليه من أنّ إثبات أمثال هذه الحقوق بمثل هذه الكبرى مستلزم لأحد المحذورين السابقين، فتدبّر.
و منها: أبواب تزاحم الحقوق حيث إنّ ديدنهم فيها على التشبّث بعموم نفي الضرر و ربّما ينتهي أمرهم إلى تعارض الضررين أو ترجيح ما هو الأهمّ منهما لكثرته أو لجهة أخرى.
و توضيح المقال فيها يقتضي بسط الكلام فيها كي به يرتفع الظلام عن وجه الأوهام، فنقول:
إنّ صور تزاحم الحقوق كثيرة:
منها: ما لو حفر بئرا في داره بنحو يضرّ جدار الغير بأن تخرج الرطوبة [من] البئر [بما] له من الاستحكام. و مرجعه إلى إتلاف وصفه و خصوصيّته. و لا إشكال حينئذ في ضمانه. و أمّا حرمته فقد يتوهّم بأنّه فرع صدق التصرّف في مال الغير الممنوع في المقام، و لولاه لا موجب لحرمته. و حينئذ فلا قصور في سلطنته على حفر البئر، غاية الأمر عليه جبران جدار الجار، لضمانه، و ليس على الجار إلاّ إلزامه بذلك الجبران، لا منعه عن حفر البئر.
و لا مجال في مثل المورد أيضا [للتشبّث] بعموم «نفي الضرر»، لعدم حكومته على سلطنة الإنسان على التصرّف في ماله الذي هو من الأحكام الإرفاقية، كما أشرنا إليه في صدر البحث هذا.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ لمالك الجدار أيضا السلطنة على حفظ جداره بما له من الخصوصيّة الخارجية فقهرا تزاحم هذه السلطنة سلطنة مالك الدار لحفر بئره.
و ببيان آخر: إنّ مالك الدار له جميع أنحاء السلطنة في داره غير ما ينطبق عليه عنوان إتلاف مال غيره. فمن الأوّل لا يكون لمالك الدار مثل هذا التصرّف المتلف لجدار غيره، و حينئذ يمنع مالك الدار عن حفر البئر المزبور من جهة قصور
سلطنته من الأوّل، لا لعموم «لا ضرر»، كما توهّم.
نعم لو تمكّن مالك الجدار [من] حفظ جداره بإبقاء استحكامه بتعمير و غيره أمكن أن يقال إنّ سلطنته على حفظ جداره لا [تقتضي] منع غيره عن التصرّف في داره، لأنّ السلطنة على الجامع لا تقتضي منع الخصوصيّة، كما أنّ تلف الجدار إذا كان مستندا إلى مجموع فعله و ترك تعمير غيره لا يكاد ينسب الإتلاف و الإضرار إليه مستقلاّ كي يمنع مثل هذا العنوان عن التصرّف في ملكه.
و لا يقاس المقام بباب العرض حيث [يحرم] هتكه و لو مع التمكّن [من] حفظ نفسه، إذ المدار فيه على صدق الهتك و لو ضمنا، بخلاف باب إتلاف المال فإنّه لا بأس به ما لم يصدق عليه الإضرار و الإتلاف مستقلاّ، لانصراف أدلّته إليه، خصوصا مع عدم قصور سلطنة المالك إلاّ عمّا ينطبق عليه إتلاف مال الغير مستقلاّ. و إنّما يتمّ ما ذكرنا في فرض انحصار سبب التلف في فعله بلا تمكّن لمالك الجدار [من] حفظ جداره إلاّ بمنع الحافر عن حفر بئره.
و على أيّ حال لا يبقى مجال للتشبّث بعموم «لا ضرر» في المورد مستقلاّ و تحكيمه على عموم سلطنة الإنسان على تصرّفه في ملكه و ماله، [إذ] المورد بين أن يكون لمالك الدار السلطنة على حفر البئر مع قطع النظر عن هذا العموم و بين أن يكون له السلطنة الممنوع صدق الإتلاف و الإضرار [عليها]. و على فرضه لا مجال لحكومته على مثل هذا الحكم الإرفاقي كما لا يخفى.
و من التأمّل في ما ذكرنا ظهر حكم فرع آخر من فرض إضرار حفر البالوعة في الدار ببئر جاره، فإنه أيضا: تارة يضرّ بعين مائه بتنقيصه، و أخرى بمنفعة الماء بتعفينه السالب لمنفعته، و ثالثة بتغيير لونه السالب لوصفه الدخيل في ماليّته، و رابعة بإحداث نحو تنفّر للطباع فيه [السالب] لصرف ماليّته بلا نقص في العين و لا المنفعة و لا وصفه.
و لا إشكال في الصورة الأخيرة من عدم كون التصرّف بحفر البالوعة ممنوعا حينئذ لعدم صدق عنوان إتلاف المال على هذا التصرف كي يكون ممنوعا، غاية الأمر ليس في البين إلاّ إتلاف الماليّة، و هو لا يكون تحت منع، و لا موجبا لضمان.
و لم يتوهّم أحد أيضا منع مثل هذا التصرّف بعموم «نفي الضرر»، و لذا كان للإنسان تقليل القيمة السوقيّة لأجناس الناس بترخيص جنسه في السوق. بل هذا أعظم شاهد على ما ذكرنا من أن هذا العموم لا يكون إنشاء حكم مستقلّ و لا حاكما على عموم سلطنة الناس على أموالهم. و إلاّ فمثل ذلك من أجلى فرد الإضرار المنفيّ بالعموم، كما هو ظاهر.
نعم في بقيّة الصور حيث صدق إتلاف المال عينا أو وصفا أو صفة لا قصور في ضمانه، و لا في نفي مشروعيته مع عدم تمكّن صاحب البئر [من] الحفظ من التلف، و من هذه الجهة لا يكون مالك الدار سلطانا على حفر البالوعة: إمّا لقصوره بذاته عن مثل هذا التصرف المتلف لمال الغير، أو لمعارضته سلطنة مالك البئر على حفظ بئره عن التلف بأيّ وجه، و لقد تقدّم الكلام في نظيره من الفرع السابق.
نعم لا بأس بكشف نفي مشروعيّته للإضرار على غيره بمثل هذه الكبرى و لو من جهة حكايته عن منشئه خارجا، كما هو الشأن في موارد تطبيقات المعصومين عليهم السّلام على ما أشرنا.
و من جملة موارد التزاحم: صور وقوع ملكه في ملك غيره كغرس الشجرة في أرض الغير أو وقوع ثوبه في صندوق غيره و أمثاله ممّا يكون تخليص ملكه عن ملك غيره منوطا بالتصرّف في ملك الغير، لا ممحّضا في صرف إتلاف ملك غيره بلا صدق تصرّف فيه كما في الفروع السابقة.
فقد يتوهّم في أمثال المقام تعارض السلطنتين و الضررين، و يؤخذ بالأقلّ
منهما، دفعا لكثرة الضرر الوارد في البين.
و التحقيق في المقام أيضا: أنّ وقوع أحد الملكين في ملك غيره إمّا أن يكون بحق أو بغير حق من غصب و مثله:
فعلى الأوّل لا شبهة في أنّ سلطنة الناس على أموالهم تقتضي تفريغ ملكه عن ملك غيره و تخليصه منه، كما أنّه ليس له إبقاء ملك الغير في ملكه، لعدم سلطنته على ملك غيره بإبقائه في ملكه. و حينئذ فلكل مالك جميع أنحاء السلطنة على ملكه غير ما ينطبق عليه عنوان الضرب على جدار الغير و تخريبه. و لازمه عدم سلطنة مالك الأرض على المنع عن تخليص مالك الشجرة شجرته عن أرضه، إذ مرجع منعه إلى إبقائه في ملكه و هو ليس سلطانا عليه. و حينئذ لا تزاحم سلطنة صاحب الأرض سلطنة صاحب الغرس حين يريد تخليص ملكه عن أرض غيره. و هكذا الأمر في عكسه.
نعم قضية احترام [الملك] [موجبة] لضمان التلف الوارد على كل واحد بلا إقدامه.
نعم لو كان كلا الطرفين مقدمين على التخليص [فلا] ضمان لطرفه بتلف المال من جبران الشجرة أو طمّ الحفر في الأرض، كما لا يخفى.
و نظيره في عدم الضمان صورة كون الغرس عن غصب، فإنّ الغاصب لا جبران له، لكونه مأخوذا بأشقّ الأحوال. و حينئذ فلو كان الغصب من الطرفين كان كإقدام الطرفين على التخليص في نفي الجبران [عنهما]، كما لا يخفى. و على أي حال لا يبقى موقع لعموم «نفي الضرر» في أمثال المقام مستقلاّ و إن كان صالحا لكشف مثل هذه الجهة الثابتة من الخارج، كما أشرنا.
و من التأمّل في ما ذكرنا ظهر بطلان بقيّة الأقوال من الإبقاء بالأجرة أو التفصيل بين المزروع و الشجرة من الإبقاء بالأجرة إلى وقت حصاده للعلم بأمده،
دون الشجرة فتقلع مع جبر أو بلا جبر.
و لعلّ عمدة النظر فيه إلى الجمع بين احترام [الملك] و نفي الضرر من الطرف الآخر، أو من جهة أنّ الإذن في الشيء إذن في لازمه.
و لا مجال [للأخير] مع المنع الصريح، و لا الأوّل، لعدم صلاحيّة العموم للتحكيم على مثل هذه القاعدة الإرفاقية كما لا يخفى.
و من موارد التزاحم: إدخال الدابّة رأسها في قدر الغير. و فيه أيضا صور و فروض: من كونه بتفريط من أحد الطرفين، أو منهما، أو ثالث، أو بلا تفريط من [أحد].
لا إشكال في الأخير حيث إنّه يجري ما تقدّم في الغرس بحقّ من أنّ المقدم في التخليص يجبر ضرر الآخر، و ليس للآخر منعه، لأنّه مساوق سلطنة إبقاء مال الغير في [ماله]. و لقد تقدّم أنه ليس لأحد هذه الجهة، كما أنّ المقدم من الطرفين لا يستحقّ جبر نقص في كلّ واحد من المالين.
و يلحق بذلك المفرط من الطرفين أو من طرف، و المقدم من الآخر، كما أنّ المفرط الثالث عليه قرار الضمان بإتلاف المخلّص لماله عن مال الغير من دون فرق في هذا كلّه بين كون الضررين متساويين أو أحدهما أكثر، إذ لا يكاد ينتهي الأمر إلى قاعدة «نفي الضرر» كي يلاحظ الأزيد ضررا بمناط الأهمية في باب التزاحم، كما أشرنا إليه في نظائر المقام من هذه الجهة.
و لو ابتلي بالقدر نفس محترمة كالعبد و غيره، فلا شبهة حينئذ في كسر القدر.
و ليس لصاحب القدر حينئذ تخليص قدره و لو بإتلاف مال الغير، إذ هذه القاعدة إنّما تجري لو لا جهة أخرى [لازمة] المراعاة في البين. و وجوب حفظ النفس أو حرمة [إتلافها] جهة زائدة عن مرحلة سلطنة الإنسان على ماله كي لا [تبقى] له السلطنة على إبقاء مال الغير بحفظ ماله.
ثم في ضمان الطرف لقدر غيره مع عدم إقدامه على كسر القدر إشكال: من عدم المقتضي لضمانه من جهة عدم إتلافه و عدم أمر الغير بإتلافه، و [من] كون المال محترما. و مجرّد وجوب إتلافه لا يوجب و لا يقتضي رفع احترامه.
و لكن لا يخفى أنّ مجرّد احترام المال لا يوجب ضمان الغير إلاّ في فرض أمره.
اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ أمر الشارع بالإتلاف إحسانا بالنفس يوجب الضمان على من أحسن له، كما هو الشأن في صورة الإشباع في المخمصة. و حينئذ ففي كون الضمان على المالك لو كان النفس مملوكا أو على رقبة العبد يتبع به بعد عتقه أو على بيت المال، وجوه: خيرها أوسطها، إذ الأمر المزبور ليس تعبّديا محضا كي يقتضي كون الضمان على الشارع الراجع إلى بيت المال، بل هو لمحض الإحسان على النفس، و في ذلك الإحسان لم [تنظر] جهة المملوكية كي يكون إحسانا على مالك العبد فيضمن له، بل تمام النظر إلى حفظ النفس المحترمة، [و] لا يكون من أحسن له إلاّ العبد فيضمن، و يكون على رقبته يتبع به بعد عتقه. كما هو الشأن في الإشباع في المخمصة أيضا.
نعم لو لم تكن في النفس رقبة كالحيوانات لا يبعد الضمان على مالكها، لصدق الإحسان في حقّهم تبعا. و لو لم يكن له مالك، فلا محيص من كون الضمان في بيت المال.
و توهّم عدم الضمان حينئذ رأسا ممنوع بعد فرض احترام المال و تسبيب الإتلاف و لو بالأمر من قبل الغير و لو كان شارعا، كما لا يخفى.
و منها: ما في جملة [من] كلماتهم من تطبيق العام المزبور على جملة من المقدّمات الضرريّة كشراء الزاد بأكثر من ثمن مثله في باب الحجّ، و شراء الماء كذلك في باب الوضوء، و جواز ارتكاب المحرّم من مثل الرجوع إلى حاكم الجور
مع انحصار طريق استيفاء الحقّ به، و كموارد الإكراه على ترك واجب أو فعل محرّم، بل التزموا في فرض [توجّه] الضرر [إلى] أحد عدم جواز صرف الضرر عن نفسه و تحميله على غيره مع قناعة الملزم به و لو بأقلّ الضررين. و لا يجب على الغير أيضا ذلك، و لكن التزموا بذلك في صورة [توجّه] الإلزام و الإضرار إلى أحدهما بلا تعيين، إذ ربّما توهّم فيه تعيين تحميل أقلّ الضررين على صاحبه هذا.
أقول: أمّا صور المقدّمات الضررية فالظاهر أيضا عدم بنائهم على الأخذ بمطلق الضرر، بل يقيّدون بالمجحف الملازم للزوم الحرج عليه. ففي الحقيقة نظرهم فيه إلى قاعدة الحرج لا الضرر. كيف! و صريح كلماتهم بوجوب شراء الماء للوضوء و لو بأكثر من ثمنه، و هكذا في باب شراء الزاد للحجّ، و هكذا نقول في الرجوع إلى حكّام الجور، و إطلاق كلماتهم- لو كان- فيها منزّل على الغالب من كون الضرر مجحفا حرجيّا. كما أنّ الأمر في الإكراه في ترك الواجب أو فعل المحرّم لا بدّ في المضار الماليّة أن يكون مجحفا، و إلاّ أيّ شخص يفتي بجواز ارتكاب شرب الخمر أو الزنا من جهة توعيد المكره بهما على أخذ «قران» (1)على تركهما؟! و لا مجال لقياس هذا الباب بباب المعاملات حيث نكتفي بمثل هذا الإكراه في الحكم بالفساد، إذ مدار الصحّة فيها على طيب النفس غير الحاصل أحيانا بمثل هذا التوعيد.
و هذا بخلاف باب الواجبات و المحرّمات تعبّدية كانت أو توصليّة، فإنّ المدار عندهم فيها على الإلجاء و الاضطرار غير الحاصل بمطلق الضرر.
كما أنّ في فرض [توجّه] الضرر إلى الشخص ليس له السلطنة على إضرار الغير، بل هو خلاف سوق الامتنان من العموم المزبور، فإنّه لا يوجب خلاف
1) «القران» الاسم القديم للعملة الايرانية المعروفة اليوم ب «الريال» الايراني.
الامتنان في حقّ الغير.
نعم في فرض [توجّهه] إلى أحدهما فلكلّ منهما السلطنة على حفظ نفسه، و لازم [التوجّه] المزبور قهرا قصور سلطنة أحدهما على الحفظ خارجا. ففي مثله العقل يحكم بالالتزام بأقلّ الضررين و لو لم يكن مثل هذا العموم في البين.
و لعمري إنّ مثل هذه الأبواب أيضا من موهنات استفادة التفهيم من هذه الكبرى مستقلاّ، فلا محيص فيها من الاقتصار على مقدار ما يستفاد من تطبيق سائر الكبريات و لو من جهة إطباق كلمة الأصحاب كما أشرنا إليه مرارا.
نعم في بعض النصوص: «من أضرّ بطريق المسلمين فعليه كذا» (1)، و ربما [تكون] أمثال هذه النصوص أيضا مدرك قاعدة الإتلاف في باب الضمان. و إلاّ فلن نجد نصّا بهذا اللسان في كلمات المعصوم، فراجع كتاب غصب الجواهر (2)و غيره ترى ما ذكرنا حقيقا بالقبول، و لكن لا يضر ذلك بما نحن بصدده من أنّ عمومات «نفي الضرر» لا [تقتضي] أزيد من حكاية نفي الضرر و نفي تشريع الحكم الضرري في الشرع و الإسلام من كبريات و إنشاءات خارجيّة التي منها نفي تشريع الإضرار على الغير الملازم لحرمته، لا أنّ هذه الهيئة أريد بها النهي عنه ك «لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ» (3)كما توهّم بعض مشايخنا كشيخ الشريعة الأصبهاني (4)قدّس سرّه، بل من جهة كشفه عن قصور سلطنة الإنسان عن التصرّفات
المتلفة لمال الغير أو دمه أو عرضه. و ذلك أيضا لا من جهة توهّم حكومة هذه القاعدة على عموم السلطنة على الأموال و حفظ الأعراض كي يردّ بأنّ هذه القاعدة بملاحظة سوقها الامتناني غير صالحة لرفع هذه الأحكام الإرفاقية، بل من جهة أنّ الإنسان من الأوّل قاصر السلطنة على التصرّف المتلف لمال الغير أو عرضه بحيث لو لا عمومات «نفي الضرر» أيضا لما كان لأحد إتلاف مال غيره أو عرضه بفعله و حينئذ لك أن تقول: إنّ هذه القاعدة ما سيقت إلاّ للإشارة إلى الموارد التي ثبت [فيها] نفي الحكم الضرري من الخارج، و [كاشفة] عن قصور سلطنة الإنسان أيضا في حدّ نفسه عن إتلاف و تنقيص لأمر غيره من مال أو دم أو عرض، لا أنّ مفادها تأسيس حكم مستقلّ في قبال سائر القواعد و العمومات.
و لعمري إنّ مثل هذا البيان في شرح مثل هذه القاعدة المشهورة المعروفة و إن كان ثقيلا على الأذهان، و لكن لا نتوحّش مع الانفراد إذا ساعدنا الدليل و سلامة الأفهام.
بقي في المقام التنبيه على أمور:
الأوّل منها: إنّ المشهور في كلماتهم- بعد بنائهم على تعميم مفاد القاعدة المزبورة و حكومتها على سائر القواعد التي منها أصالة اللزوم في المعاملات الضرريّة خصوصا العينيّة منها- التزموا باختصاص جريانها بحال الجهل بالضرر في هذه المعاملات، جريا على ما تسلّموا من كون هذه القاعدة سيقت في مورد
الامتنان، و لا امتنان في رفع اللزوم على العالم بالضرر و المقدم عليه من الأوّل.
و مع هذا التزموا أيضا في المقدم على الجنابة بل و في كلّ موضوع يكون حكمه ضرريّا أيضا برفع حكمه، و أفتوا بعدم وجوب غسل الجنابة على المقدم على الجنابة مع علمه باضطراره.
و حينئذ ربّما يتوجه الإشكال في الفرق بين المقامين بحيث لا يكون ثبوت الحكم في الأوّل خلاف الامتنان، بخلاف الأخير مع تساويهما في صدق الإقدام.
و أجاب عن هذا الإشكال أستاذنا العلاّمة- أعلى اللّه مقامه- بأنّ المدار في منع جريان القاعدة على صدق الإقدام على الضرر. و هذا المعنى في المعاملات الضرريّة مع العلم بها موجود، إذ الإقدام على تبديل شيء بنصفه- مثلا- إقدام على الضرر، و هذا بخلاف الإقدام على موضوع كالجنابة التي [حكمها] وجوب الغسل، إذ صدق اقدامه على الضرر لا يكون إلاّ بتوسيط ثبوت الوجوب، و إلاّ لا يكاد [يصدق] إقدامه على الضرر أصلا. و من المعلوم أن ثبوت هذا الوجوب فرع صدق الإقدام على الضرر و هو دور (1).
أقول: أمّا تقريره في الجزء الأوّل من كلامه فنقول فيه: إنّ من المعلوم أنّ مدار مانعيّة الضرر للزوم المعاملة ليس على حدوثه. كيف! و الضرر المعاملي بنفس صحّة المعاملة قد حدث جزما، و لا مجال لنفي هذا الضرر الحادث. و إلاّ فلازمه بطلان المعاملة، و هو خارج عن مصبّ كلماتهم.
فعمدة النظر في نفي اللزوم نفي بقاء الحادث، و لذا يحدث خيارا موجبا للحلّ من حين الفسخ، لا من أصله. و حينئذ فمفاد عموم نفي الضرر نفي بقاء الضرر، لا
1) لم نعثر عليه.
نفي حدوثه. و حينئذ فمع العلم بغبنيّة المعاملة فلا إشكال في صدق إقدامه على حدوث الضرر.
و أمّا إقدامه على بقاء هذا الضرر فصدقه منوط بثبوت اللزوم، إذ لولاه لما يكاد يصدق عليه الإقدام على ضرره، إذ المفروض أنّ [بمجرّد] تبديل مال بنصفه مع خياره لا تكون المعاملة [ضرريّة] و المفروض أنّ هذا اللزوم ثبوته في المورد منوط بالإقدام فدار.
و حينئذ فتطبيق العموم على بقاء الضرر دوريّ، و على حدوثه كان موجبا لبطلان المعاملة و لم يلتزموا به، بل حدوث الضرر المعاملي خارج عن مصبّ العموم رأسا، كما أشرنا.
و أمّا تقريره في الجزء الثاني ففيه أيضا: أنّ وجوب الغسل و غيره من الأحكام الثابتة لموضوعاتها لدليلها إطلاق يشمل حال الضرر بحيث لو لم يكن في البين مثل هذه الكبرى في الضرر لكان يثبت حتى مع استلزامه الضرر جزما.
و هذا بخلاف كبرى لا ضرر، فإنّه لا إطلاق [لها] بواسطة [سياقها الامتناني] لصورة الإقدام على الضرر. و حينئذ مقتضى إطلاق دليل وجوب الغسل كون [مقتضاه] تنجيزيّا، و مقتضى تقييد دليل نفي الضرر كون اقتضاء نفيه معلّقا بعدم صدق الإقدام، و حينئذ يدور الأمر بين الأخذ بالمقتضى التنجيزي و نحكم بارتفاع دليل المانع للتخصيص أو [الأخذ] بدليل المانع التعليقي، و نحكم برفع اليد عن المقتضى التنجيزي بلا وجه. و لازمه حينئذ حكم العقل بالأخذ بالمقتضى التنجيزي و طرح المانع التعليقي.
و ببيان آخر: إذا كان تطبيق المانع في مورد منوطا بعدم تأثير المقتضي يستحيل رافعية هذا المانع لتأثير هذا المقتضي، فقهرا يؤثر المقتضي و يرتفع المانع،
لعدم الموضوع.
و لئن شئت قرّب الدور بوجه آخر، و هو أنّ عدم صدق الإقدام فرع عدم وجوب الغسل، و هو فرع عدم صدق الإقدام.
و لئن تريد نقول: إنّ عموم لا ضرر إنّما يشمل حكما لو لا هذا العموم لما [صدق] عليه الإقدام على الضرر. و فيما نحن فيه ليس كذلك، إذ لو لا عموم لا ضرر صدق على المورد الإقدام على الضرر كما لا يخفى. و حينئذ لا مجال لنفي هذا الحكم بعموم نفي الضرر، بل لا بدّ من التماس دليل آخر من كبرى حرمة الإضرار بالنفس الوارد في جملة من النصوص على ما في تحف العقول (1)و غيره (2).
و مثل هذه الكبرى كانت مفسدته [تنجيزيّة] كمصلحة الوجوب المزبور.
و يؤيّده أيضا: أنّ المدار في نفي الوجوب أيضا على العلم بالضرر، لا العلم بالوجوب و لو مع الجهل بضرريّته، كما هو لازم تطبيق هذه الكبرى، كما تقدّم شرحه في العبادات الضرريّة.
كما أنّه تقدّم أيضا أنّ مبنى الخيارات الضرريّة أيضا ليس مثل هذه الكبرى، و إلاّ [فهي قاصرة] عن إثبات الحق القابل للإسقاط أو النقل و الانتقال، و ذلك كلّه من شواهد ما تلوناه من منع التعميم في مفاد هذه الكبرى كما توهّم، فتدبّر.
التنبيه الثاني: أنّه بناء على المختار في معنى «لا ضرر» لا تكاد تنتهي النوبة إلى النزاع الآتي (1)، لأنّ مفاده إرشاد إلى مقدار تقتضي القواعد الأوّلية ذلك، و لا يكون مفاده تأسيس شيء في قبالها. و حينئذ لا بدّ من التماس وجه آخر يقتضي عدم مشروعية الضرر و لو من إطباق كلمة الأصحاب في مقام تشبّثهم بها لمحض الكشف عن كبرى أخرى.
نعم على ما توهّم يجيء نزاع آخر من أنّ الضرر المنفيّ هو الضرر الشخصي أو النوعي؟
أقول: لا شبهة في أنّ كلّ عنوان لا يحكي إلاّ عن معنونه و ما بإزائه. و من البديهيّ عدم انتزاع عنوان من العناوين إلاّ عن مقام فعليّة الشيء الملازم لصورته التي بها قوام شيئيّته. و حينئذ لا يبقى مجال توهّم إطلاق عنوان الضرر و النفع- اللّذين [هما] من جملة العناوين- على الضرر الثاني (2)، بل لا محيص من إرادة الفعليّ منه.
و لكن مع ذلك قد يبقى في المقام كلام آخر: بأنّ المدار في الضرر النافي للأحكام هو الضرر الفعليّ الوارد على كلّ شخص شخص، أو المدار على الضرر الفعليّ الوارد على نوعهم؟
و حينئذ لا يبقى مجال ترجيح الأوّل بكبرى ظهور العنوان في الفعليّة، بل لا بدّ من وجه آخر و لو بأن يقال: إنّ الظاهر من إلقاء مثل هذا الخطاب على الأشخاص كون هذا العنوان صادقا في حقّهم، و لا يكاد [يصدق] إلاّ بإرادة
الضرر الفعليّ الوارد عليهم لا على نوعهم و إن يكن بالنسبة إلى بعض أشخاصهم فعليا.
ثم انّ هذه الجهة أيضا مبنية على كون هذا العنوان مأخوذا في حيّز الخطاب بنحو الموضوعية للحكم أو بنحو العلية، و إلاّ فربّما يكون حكمه غير سار في جميع موارد الحكم و لو في حق النوع فضلا عن الشخص قبال العلية المقتضية للسريان في الموارد حسب الملازمة بين العلة و معلولها. و حينئذ ربّما يشكل تمييز موارد العلية عن الحكمة، و لا غرو في دعوى ان ظاهر التعليل هو العلّية و انّ الحكمة تحتاج إلى قرينة من الخارج، و لا مجال للتشبّث بإطلاق الحكم حتى في صور فقد هذا العنوان لإثبات كونه حكمة، إذ ظهور العلية حاكم على إطلاق الحكم المعلّل به، و لذا ترى ديدنهم على تضييق دائرة الحكم أو توسعته من قبل ضيق العلة و [سعتها] دون العكس.
نعم في مقام تشريع الأحكام و بيان جعلها بنحو الإهمال لو علّل بجهة أمكن منع استفادة العلية من مثله، إذ ظهور حاله في كونه في مقام إهمال الجعل و المجعول يمنع عن الأخذ بإطلاق كلامه بنحو يستفاد منه بيان علة تشريعه، بل لهذا المقام كمال المناسبة مع كون العلل المذكورة حكمة. فعليك بالتدبّر التام في أمثال المقام كي تمتاز هذه مع كونه في مقام بيان الأحكام و شرع الحلال و الحرام.
و على أيّ حال مرحلة هذه القاعدة أجنبية عن هذه الورطة، بل ظاهر العموم- بملاحظة أخذ عنوان الضرر موضوع الحكم بنفيه مع إلقاء هذا الخطاب إلى أشخاص الأمّة- كون المدار فيه على الضرر الشخصي، كما هو ظاهر.
التنبيه الثالث: انّ الضرر عند الشك [فيه] من الشبهات المصداقيّة المقتضية لعدم ترتّب حكم عليه من حرمة أو غيره سواء في المضار النفسية أو غيرها، كما
هو الشأن في كلّ حكم شك في مصداقه، بل في المقام يترتّب آثار حكم آخر كان لولاه ثابتا، نظرا إلى أنّ نسبة هذا العنوان إليه كنسبة التزاحم الراجع إلى مزاحمة المانع مع المقتضي. و في مثله كان الأمر للمقتضي حتى مع الشك في المانع، و ذلك أيضا لا من جهة تماميّة قاعدة المقتضي و المانع على الإطلاق، بل إنّما هو لخصوصيّة فيه بملاحظة أنّ مرجع هذا المانع إلى عدم قدرة الحاكم لتوسعة حكمه مع تماميّة مقتضيه، فيكون نظير عدم قدرة المحكوم له على الامتثال، حيث إنّ العقل حاكم بالأخذ باحتمال الحكم. و لا يرى مجرى البراءة إلاّ مورد الشك في أصل الاقتضاء.
و من هذه الجهة نلتزم في جميع مزاحمات الأحكام عند الشكّ [فيها] [بالأخذ] باحتمال وجود الحكم بالاحتياط لا البراءة.
و ربما يجمع بمثل هذا البيان بين القول بمنع الملازمة بين حكم العقل و الشرع و القول بها، بالالتزام بالأوّل رأيا و بالأخير عملا، نظرا إلى أنّ احتمال وجود المانع عن فعليّة الحكم مع الجزم بالاقتضاء و المصلحة فيه بمنزلة العدم من جهة حكم العقل بالأخذ باحتمال الحكم الفعليّ احتياطا، كما لا يخفى.
ففي المقام أيضا لا محيص من الرجوع إلى الوظيفة الثابتة لو لا هذا العموم من مشروعيّة شيء أو وجوبه.
نعم في بعض الموارد قدّم احتمال الضرر، و رفع اليد عن الحكم بمحض خوفه، إيجابا للاحتياط فيه، و لعلّه مختصّ بموارده المنصوصة لو لا التعدّي منها، نظرا إلى استفادة هذا الاهتمام في سنخها، كما هو الشأن في النفوس و الأعراض، فتدبّر و اللّه العالم.
[المقالة السادسة و العشرون] [الاجتهاد] الاجتهاد: مأخوذ من الجهد بمعنى المشقّة.
و أطلق عناية في الصدر الأوّل على إعمال القواعد لاستخراج الأحكام، لأنّ فيه نحو تحمّل للمشقّة.
و من لوازمه استفراغ الوسع لإعمال القواعد المزبورة المنتهية إلى القطع بالوظيفة الفعليّة من الأحكام الواقعيّة تارة و من الظاهريّة أخرى، شرعيّة كانت هذه أيضا أو عقليّة.
فحينئذ لا يخرج إعمال مسائل الانسداد عن الاجتهاد حتى على الحكومة، بل و يدخل فيه إعمال القواعد العقليّة الظاهريّة: من البراءة و الاحتياط و التخيير، و الحال أنّ نتيجتها ليست الظنّ بالحكم الشرعي أصلا.
و حينئذ لا يبقى مجال شرح الاجتهاد بما عن الحاجبي (1)من استفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بالحكم إلّا من باب شرح الاسم. و على أيّ حال يكون مثل ذلك
1) حكاه الشيخ البهائي في زبدة الأصول: 115.
المعنى غاية لتنقيح القواعد الممهّدة للاستنباط، و لازم ذلك كونه من غايات الأصول، و لذا كان شأن الأصولي تعريفه في ذيل خاتمة العلم و الكتاب كما هو دأبهم، و مثل ذلك المعنى جهة مشتركة بين العامّة و الخاصّة الأصوليين منهم و الأخباريين، غاية الأمر ربّما تختلف أنظارهم في بعض القواعد و حجّيتها، مثل اختلاف القدماء في حجّية القياس و الاستحسان، و المتأخّرين في حجيّة القطع الناشئ عن الأحكام العقليّة و تماميّة البراءة في الشبهات التحريميّة البدويّة و أمثالها.
و حينئذ فطعن كلّ طائفة في اجتهاد [غيرها] في الحقيقة طعن على [نظرها] في اختيار بعض القواعد، نظير طعن القائلين بالظنّ المطلق من المجتهدين على القائل بالظنون الخاصّة و بالعكس، و إلّا فلا مجال للطعن في اجتهادهم و إعمال كل طائفة منهم قواعدهم إلّا مع تقصيرهم في مقدّمات الإعمال من جهة الفحص و أمثالها.
ثمّ المراد من الاجتهاد هو [الإعمال] الفعليّ كما هو الشأن في الفتوى و القضاء و غيرهما من سائر الموارد المحفوظة في ضمن الهيئات المصدريّة.
نعم في مشتقّاتها الوصفية كالمجتهد و القاضي و المفتي و أمثال ذلك من سائر الأوصاف العرفية إنّما أخذ في مفاد هيئاتها نحو توسعة في التلبس الصادق مثل تلك العناوين على من له ملكة هذه المواد و ان لم يكن له فعلية، لصدق المجتهد و التاجر على النائم و الغافل و أمثالهما ففي الحقيقة مثل تلك التوسعة من مضامين الهيئة و غير مأخوذة في المادّة أصلا.
فشرح الاجتهاد و القضاء بالملكة المزبورة غير [وجيه]، كما يظهر ما ذكرنا [بالتتبّع] في أمثال تلك الصيغ من المشتقّات و المصادر.
ثمّ إنّ الغرض من إعمال القواعد لمّا كان هو الوصول إلى تحصيل الوظيفة الفعليّة العمليّة فلا يكاد يتوصّل إلى مثل هذا الغرض إلّا بإعمال كلّ ما يحتاج إليه
في المسألة من القواعد، و حينئذ فلا محيص من قدرة المجتهد على إعمال جميعها، و إلّا فلو لم يقدر إلّا على إعمال البعض فلا يكاد [تحصل] النتيجة المزبورة، و مع عدمها فلا يكاد يتحقّق الاجتهاد في المسألة.
و حينئذ فلا يقبل الاجتهاد للتجزّي من تلك الجهة.
و أمّا لو قدر على إعمال جميع القواعد المحتاج إليها في مسألة خاصّة فلا قصور في صدق اجتهاده في شخص تلك المسألة و إن قصر باعه [عن] إعمال قواعد مسألة أخرى غير [مرتبطة] بالمسألة المزبورة.
و توهّم عدم التفكيك بين المسائل في حصول القدرة على إعمالها- و لو من جهة وجود جهة خفيّة في تطبيقها على المورد مع كون القاعدة عنده منقحة فضلا عن عدم تنقيحه بعض قواعدها- في غاية السقوط، لاختلاف درجات الفهم و النظر على وجه لا يكاد يخفى على ذي مسكة.
نعم، لو سمّيت الملكة [و] القوة الموجبة للقدرة على مراتب الاستنباط بلفظ «الاجتهاد» كان لا يكاد للمتجزّي فيه بذلك المعنى وجه. و لكن مع ذلك لا يمنع هذا المقدار عن العمل بما استنبطه في سائر المسائل بإعمال قواعده إلّا على القول باختصاص حجّيتها بعنوان المجتهد بالمعنى المزبور. و إثبات كل واحدة من المقدّمتين [دونه] خرط القتاد.
نعم، في إجراء سائر وظائف المجتهدين على مثله كلام، إذ الموضوع في مثلها عنوان «العارف بالأحكام» و «رواة الحديث» المنصرف عمّن علم بحكم مسألة أو مسألتين.
و عموم من عرف شيئا من أحكامنا (1)أيضا غير ظاهر الشمول لمثله
1) الوسائل 18: 4، الباب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث 5، و فيه: «يعلم شيئا من قضايانا» و لعل المصنّف رحمه اللّه ذكر الحديث مضمونا.
خصوصا مع صدور مثل هذا الكلام عمّن هو [عالم ب] جميع الأحكام.
كما أنّ في جواز تقليد غيره إيّاه- مع عدم إطلاق لدليل التقليد الشامل لمثله مع فرض وجود الأعلم منه و لو في سائر المسائل، فضلا عن تلك المسألة أيضا- نظر. و سيأتي الكلام في هذه الجهة أيضا في طيّ مسائل التقليد.
ثمّ إنّ القواعد المعمولة في كل مسألة لا بدّ و أن [يكون] مجتهدا فيها بحيث لو فرض تقليده في [واحدة] منها كانت النتيجة تقليديّة.
و حينئذ ففي الاكتفاء باجتهاده في سائر القواعد و تطبيقها على المسألة بضميمة تطبيق المسألة التقليدية عليها و أخذ نتيجة المسألة و العمل فيها حتى مع مخالفة نظره [لرأي] سائر المجتهدين في المسألة وجهان:
من عدم اقتضاء دليل التقليد إلّا وجوب رجوع الجاهل بكلّ جهة المسألة إلى العالم، و في المسألة المزبورة لا يكون هذا الشخص جاهلا بجميع جهات المسألة، فلا يجب عليه التقليد إلّا في هذا البعض.
و من أنّ الجاهل بجهة من جهات المسألة جاهل بنفس المسألة. لأنّ النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمات، بضميمة أنّه حينئذ داخل في معاقد إجماعهم بأنّ من لم يكن مجتهدا و [كان جاهلا] في مسألة يجب عليه التقليد في هذه المسألة [بتمامها].
[و ان كان عارفا ببعض جهات المسألة] (1).
و لكن في إتمام مثل هذا الإجماع- على خلاف ما [يساعده] الارتكاز من وجوب رجوع الجاهل بكلّ مسألة إلى العالم بشخص هذه المسألة دون سائر الجهات التي يرى هذا المقلّد نظر غيره خطأ، و أنّ المدار التامّ في سائر الجهات على
1) النص المثبت في النسخة هو: «معهوديّة ببعض في جهات المسألة». و الظاهر أن المقصود هو ما أثبتناه في المتن.
شخص نظره دون نظر غيره- كمال إشكال و تأمّل.
و المسألة بعد ذلك لا [تخلو] عن الإشكال و الإجمال، بل الواجب في مثله متابعة غيره من [المجتهدين] الذي يطابق رأيه في سائر الجهات بأخذ فتواه أيضا احتياطا، و لا يجب عليه تكرار العمل تارة باجتهاده الناقص و أخرى على طبق فتوى غيره تحصيلا للمفرّغ التعيّني، و اللّه العالم.
ثمّ إنّ القواعد المعمول بها لا بدّ أن تكون واقعة في طريق استنباط الأحكام الكليّة، و أمّا الواقعة في طريق تطبيق الأحكام الكليّة على مصاديقها من مثل قواعد الحساب و الهيئة و أمثالهما فهي غير مرتبطة بمرحلة الاجتهاد المعروف بل لا بأس برجوع المجتهد إلى العالم بها من باب رجوعه إلى أهل الخبرة.
و بالجملة: المناط في القواعد المحتاج إليها في المقام هي كلّ كلّي يقع في طريق الاستنباط للحكم الكلّي و لو بالواسطة، فلا يضرّ بذلك حرمة نتيجة شخصه بلا واسطة (1).
فالمسائل الرجاليّة و إن كانت منتجة لمعرفة حال أشخاص خاصّة لكن من جهة أن نتيجتها بالأخرة حكم كلّي إلهي كانت هذه من القواعد المزبورة، و لذا يحتاج إليها من التزم بحجيّة الخبر [المزكّى بتزكية] العدلين. و أمّا من التزم بحجيّة الخبر الموثوق الصدور من أي وجه وجهة- خصوصا بتوسيط [اتّكال] المشهور [على] سنده- فطريق تحصيل الوثوق غالبا ليس إلّا عملهم، و إلّا فما هو مطروح لديهم كان موهون الصدور و غير مشمول لدليل الحجيّة و إن كانت رواية في غاية الاعتبار و العدالة، و ما هو معمول به لديهم فهو موثوق به و إن كانت في غاية الضعف.
1) كذا في الأصل.
و لذا ترى ديدن الوحيد البهبهاني في حاشية المدارك (1)على الاتكال [على] روايات اتكل المشهور [عليها] مصرّحا بأنّ ضعفها منجبر بالشهرة، ردّا على صاحب المدارك الطارح للرواية بمحض ضعف سندها بحسب القواعد الرجاليّة مبنيّا على أصله من حجيّة الخبر المصحّح [المزكّى بتزكية] العدلين.
ثمّ إنّ في اقتضاء القواعد الظاهريّة للمجتهد الإجزاء بما عمل فيها حتى مع كشف خلافها كلاما طويلا و لقد [بسطنا] الكلام في مسألة الإجزاء و بنينا هناك على عدم الإجزاء إلّا في صورة كون القاعدة الظاهريّة الجارية اقتضت توسعة موضوع الحكم الواقعي حقيقة، و إلّا فإطلاق الأدلّة الواقعية يقتضي عدم الإجزاء بالمأتي به حتى على الموضوعيّة و السببيّة فضلا عن الطريقيّة من دون فرق في ذلك بين مفاد أدلّة الطرق أو الأصول، بل و لقد نقّحنا الكلام في بحث حجية [خبر] الواحد، بأنّ مفاد أدلّة الطرق و بعض الأصول هي الطريقية المحضة المستلزمة لتخطئة نظر المجتهد [في] الواقعيّات أحيانا بلا لزوم تصويبهم مطلقا حتى التصويب في الأحكام الفعليّة الواقعيّة فضلا عن التصويب في مقتضياتها و مرتبة إنشائها و إن كان ذلك أيضا ممكنا، بتقريب:
أنّ المصالح و إنشاءاتها الموجبة في حقّ المكلّفين [بعد] الأداء لا بشرطها و لا لا بشرطها. نظير بيان المحقّق القمّي في شرح وضع الألفاظ بكونه في حال الانفراد لا بشرطه و لا لا بشرطه (2)، و ذلك المقدار لا يوجب دورا و لا يمنع عن فحصها، لاحتمال كونه مشمول الخطابات، فيفحص فإن ظفر بها فهو، و إلّا فيجزم
بعدم جعل حكم في حقّه واقعا.
و لكن قد عرفت أنّه خلاف مقتضيات أدلّة الطرق و إطلاقات الأحكام الواقعيّة علاوة عمّا ورد من الأخبار المتواترة (1)على اشتراك أحكامه المجعولة بين العالم و الجاهل. و عليه فينحصر أمر التصويب بخصوص الأحكام الظاهريّة التي هي مفاد أدلّتها شرعيّة أو عقليّة.
ثمّ إنّ في عمل المجتهد بما استنبطه- على [الطريقة] المعروفة- لا يعتبر أزيد من شرائط تكليفه و اجتهاده بلا لزوم عدالة.
و أمّا قضاؤه و حجيّة فتواه في حق غيره فلا إشكال في اعتبار العدالة عندهم.
و يدلّ عليه ما ورد (2)من ردعهم عن قضاؤه العامّة بالتعبير عنهم ب «هؤلاء الفسقة»، الظاهرة في دخل مثل تلك الجهة في مانعيّته عن جواز القضاوة.
و على الثاني بعدم الفصل بين القضاوة و الفتوى في تلك الجهات. و ربّما يشعر [به] ما في بعض الروايات (3)«أنّ للعوام أن يقلّدوا من كان تاركا لهواه مطيعا لأمر مولاه».
و لكن في دلالته على المدّعى نظر، لأنّ ظاهر صدره في مقام بيان حكم
1) لم نعثر على نص صريح في هذا المقام، و لكن قد يستفاد ممّا ورد في أصول الكافي 1: 59، باب الرد إلى الكتاب و السنة. و الوسائل 18: 111، الباب 12 من أبواب صفات القاضي.
2) الوسائل 18: 100 باب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6، و فيه: «هؤلاء الفسّاق».
3) الوسائل 18: 95 باب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20.
أصول الدين، فلا محيص في مثله من كون التقليد المفيد [للقطع] لا بمعنى التعبّد بقول الغير محضا، و لازمه حينئذ إمكان حمل مثل تلك القيود على الإرشاد. إلّا أنّ مثل هذا الشخص ينبغي حصول القطع من قوله فيتّبع، و لكن مع ذلك لا يخلو في نفس التعبير عن «الاتباع» قول مثلهم بالتقليد عن إشعاره في اعتبار العدالة في مثله، بل ربّما يشعر باعتبار على مراعاتها فيه، و ربّما يساعده الاعتبار لكونه في المقام الشامخ الذي لا يصلح ان [تناله] يد كلّ متظاهر بالحسن. أعاذنا اللّه من اتّباع الشهوات و من مظانّ الزلّات [المفضية] إلى مراتب الدركات و مجاري الهلكات آمين آمين.
ثمّ إنّه قد يتوهّم في مرجع التقليد و القضاوة أن لا يكون قائلا بحجيّة الظن المطلق من باب الحكومة من العقل، لعدم صدق العالم بالحكم و العارف بالحلال و الحرام في حقّه.
أقول: أمّا قضاؤه فيمكن صدق دعوى العارف بشيء من أحكامهم على مثله من جهة [علمه] بالمسائل القطعيّة من جهة ضروريّة المسألة أو [إجماعيّتها] أو ورود القرائن القطعية على وفق اختياره، أو من جهة [تواترها] لفظيا أو معنويّا أو إجماليّا، فإنّ العالم بمثل هذه المواقع يصدق في حقّه أنّه عرف شيئا من أحكامهم.
و أمّا حجيّة فتواه في حقّ الغير فيمكن أن يقال إنّ المدار فيه على رجوع الجاهل بشخص الوظيفة إلى العالم به.
و حينئذ فإن كان المقلّد- في ظرف أخذه بقيّة [مقدّمات] الانسداد عن غير العالم بها- عارفا [بوظيفته] من تعيين ما هو أقرب الطرق بنظره فيتعيّن حينئذ ما هو الأقرب بنظره و إن كان على خلاف نظر المجتهد القائل بالانسداد.
و أمّا إن لم يكن عارفا بتعيين ما هو الأقرب فيتعيّن عليه رجوعه إلى من
هو عالم بذلك التعيين فيأخذ بما هو أقرب الطرق بنظر مجتهده فيصير المقلّد بنفسه مجريا لدليل الانسداد بلا اعتبار تقليده في ذلك المقدار و مع ذلك لا يتعدّى عمّا استقرّ عليه رأي مجتهده، فمثل ذلك المعنى نحو اجتهاد مشوب بالتقليد و لا ضير فيه بعد ما يساعد عليه الدليل.
كما أنّه لا [فرق] في كلتا الصورتين بين وجود آخر قائلا بالظنون الخاصّة أو لا، إذ من المعلوم أنّ في انحلال علمه الإجماليّ بوجود الطرق المعتبرة و عدمها (1)، إذا كان جاهلا فكما أنّ له الرجوع إلى العالم بالمسألة الفرعيّة كذلك له الرجوع إلى العالم بالمسألة الأصوليّة.
و يشهد بذلك أنّه مع علمه بخطإ المجتهد في تطبيق القواعد الأصوليّة عند [استخراجه فرعا] يتعيّن عليه التقليد في المسألة الأصولية دون الفرعيّة.
و حينئذ فنقول: إنّه بالنسبة إلى المسألة الفرعيّة و إن كان يتعيّن عليه الرجوع إلى العالم [بها] لانحصاره بخصوصه و لكن ليس عليه خصوص الرجوع إلى الغير في المسألة الفرعيّة بل له أيضا الرجوع إلى خصوص العالم في المسألة الأصوليّة ففي تلك المرحلة لا يتعيّن عليه الرجوع إلى خصوصه بل له الرجوع إلى عالم آخر قائل بعدم الانحلال و بانسداد باب العلم و حينئذ ينتهي أمره بعد ذلك إلى الالتزام ببقية التوالي على ما عرفت.
و حينئذ لا وقع للتوهّم بأنّ مع وجود القائل بالظنون الخاصّة كان باب العلم في حقّه منفتحا، فلا يبقى مجال بعد ذلك للمشي على طبق مقدّمات الانسداد.
إذ ذلك إنّما يتمّ لو كان الواجب عليه اتباع قول أهل العلم في خصوص المسألة الفرعيّة، و إلّا فإنّ دليل رجوع الجاهل إلى العالم لا يقتضي تعيين العالم بخصوص
1) العبارة كما ترى.
المسألة الفرعيّة، بل [مخيّرا] بينها و بين الأصوليّة، فلا يكاد [يصير] إلّا باختياره الرجوع إلى العالم بالمسألة الفرعيّة، و إلّا [فله] أيضا اختيار رجوعه إلى العالم بالمسألة الأصوليّة القائل بانسداد باب العلم، و مع هذا الاختيار في ظرف الأخذ بقوله لا [تكون] فتوى الغير في حقّه حجة كي يلزم في حقّه انفتاح باب العلم.
و ذلك ظاهر.
بقي في المقام مطلب آخر و هو: أنّ المجتهد مهما يرى شخصه مرجعا للتقليد بأن رأى انحصار الأمر به، إمّا لاعتقاده أعلميّته من أقرانه بضميمة وجوب تقليد الأعلم [أو] انحصار المجتهد بشخصه فلا إشكال ظاهرا في وجوب إظهار فتواه و ترغيب الناس بتقليده، نظرا إلى ما دلّ على وجوب إرشاد الجاهل في الأحكام الكليّة المستفادة من أمثال آيتي النفر و السؤال بل و آية الكتمان. و يومئ إليه ظاهر كلماتهم في وجوب إعلام المجتهد لمقلّديه إذا رجع عن اجتهاده.
و لقد صنّف بعض الأعاظم (ره) رسالة (1)في وجوب إرشاد الجاهل في الأحكام الكلّية. و من صغرياتها مسألتنا.
و أمّا مع علمه بعدم انحصار المرجعيّة في حقّه- و لو من جهة اعتقاد التسوية [بينه] و بين غيره- ففي وجوب إظهار نفسه مقدّمة لرجوع الغير إليه إشكال، لعدم مساعدة أدلّة وجوب الإرشاد لمثل تلك الصورة، بل ربّما لا [تكون] فتواه حجة في حق غيره إلّا في ظرف اختيار المقلّد، فليس عليه تحصيل هذا الشرط كي [تكون] فتواه حجة في حقّ غيره لينتهي إلى وجوب إرشاد الجاهل. و اللّه العالم.
1) لم نعثر على الرسالة.
[المقالة السابعة و العشرون] في التقليد و عرّف (1)بالأخذ بقول الغير تعبّدا.
و لا يخفى أنّ المراد من الأخذ ليس إلّا الالتزام بحجّية رأيه في حقّه، و جعله طريقا إلى نفسه بالنسبة إلى الوظائف التكليفية و الوضعية.
و إليه يرجع مفاد كلماتهم بأنّ التقليد مقدّمة للعمل لا نفسه، بشهادة صدق المقلّد على الأخذ بالرأي و إن لم يعمل بقول مجتهده فسقا.
و لكن مثل ذلك المعنى لا يكاد أن يكون موضوعا للوجوب الشرعي كيف! و مفاد دليل وجوب تصديق [الراوي] ليس إلّا ما هو المراد من وجوب تصديق الرواية الراجعة بالأخرة إلى وجوب المعاملة مع الخبر أو الرأي معاملة الواقع أو العمل به تعبّدا.
و لذا لا يجب على العامل بالرواية الالتزام بشيء، بل لا يجب في حقّه إلّا العمل، بل صريح فتاويهم بأنّ المقلّد لو عمل أو اتفق عمله على طبق فتوى المجتهد
1) راجع: المقاصد العلية: 21، و كفاية الأصول: 539.
المنحصر حجيّة فتواه في حقّه أجزأه.
نعم في صورة عدم الانحصار و مخالفة آرائهم لمّا لا يعقل العمل على وفقها- و المفروض أيضا عدم خلوّ المكلّف عن الطريق و الحجّية و عدم تعيين واحد منهما مع التساوي لكونه ترجيحا بلا مرجّح- فحينئذ لا محيص من أن يكون حجيّة خصوص كلّ منهما مشروطا بأخذه و الالتزام بحجّيته و طريقيّته، كما هو الشأن في الخبرين المتعارضين الراجع إليه مفاد التخيير في الأخذ بواحد منهما، و في مثله لا يكون الأخذ مقدّمة للعمل.
و مثل ذلك المعنى واجب عقلا، [و] مناط حكمه وجوب تحصيل الحجة على الجاهل قبل الفحص، و لا يكاد يساعد على شرعية هذا المعنى دليل. بل لو فرض قيام الأمر به في آية أو رواية فلا بدّ من حمله على الإرشاد، لاستقلال العقل بوجوب الأخذ مقدّمة لتحصيل الطريق كي تعمل.
ثم لا يخفى: أنّ أمر كلّ تقليد لا بدّ و أن ينتهي إلى الاجتهاد، لأنّ مرجع الحجج التعبّديّة إلى حجيتها بالغير، و من البديهي أنّ كل ما بالغير لا بدّ و أن ينتهي إلى ما بالذات، و بهذه الملاحظة لا بدّ و أن ينتهي أمر التعبّد بقول الغير إلى حكم قطعي وجداني على مرجعيّة الغير، و هو الذي كان مرتكز عامّة الناس بوجوب رجوع الجاهل بالوظيفة إلى العالم بها. و مثل ذلك الارتكاز الوجداني أيضا مبنى معاقد الإجماعات على مرجعية العالم للجاهل، و لذا لا يصلح مثله دليلا على المسألة قبال الارتكاز المزبور.
نعم في المقام مطلب آخر و هو أنّ قضيّة ارتكاز العقل على مرجعيّة العالم للجاهل هو وجوب اتّباع قوله و حجيّة رأيه في كلّ جهة كان المقلّد جاهلا، و حينئذ:
فإن كان جاهلا بمرجعيّة شخص خاص من حيث اعتبار الحياة فيه أو
العدالة أو الأعلميّة فيجب حينئذ أن يرجع إلى العالم بهذه الخصوصيّة، و في هذه الصورة يفتي العالم بها بما استقرّ عليه رأيه و استقلّ به نظره بمقتضى استفادته من الأدلّة الشرعيّة إطلاقا و [تقييدا].
و أمّا لو لم يكن الشخص جاهلا بتلك الخصوصيّات و لو من جهة اجتهاده فيها ففي تلك الصورة لا يبقى مجال الرجوع له إلى العالم في تلك الخصوصيّة، بل ينحصر مرجعيّة العالم في حقّه بخصوص الأحكام التكليفيّة. و في مثله لا يبقى مجال لاجتهاد المجتهد بالنسبة إلى خصوصيّات المقلّد (بالفتح)، لعدم ثمرة عمليّة لاجتهاده هذا، لعدم إثماره في حقّه و لا حقّ غيره، بل يكون [مثل] ذلك الاجتهاد منه لغوا محضا، لو لا كونه في معرض شمول من كان جاهلا بتلك الجهات.
و لكن لا يخفى أنّ مثل هذا الفرض قليل الوجود في المقلّدين، بل يمكن دعوى قيام العادة على خلافه، لأنّ من [يتمكّن] من الاجتهاد المزبور كان مجتهدا في غالب المسائل الفرعيّة بلا فرق بينهما عادة.
و أمّا قضية ارتكازه برجوع الجاهل إلى العالم فإنّما هو قضية إجماليّة لا يكاد أن يستكشف من [مثلها] سائر الخصوصيّات أبدا، فلا يبقى مجال دعوى [أنّ] مرجع تعيين الحياة أو الأعلميّة أو الأعدليّة مثلا و أمثالها هو ما يقتضيه ارتكاز ذهنه في تعيين العالم المرجع للجاهل.
غاية ما في الباب استقلال العقل بمناط حكمه الإجمالي بمرجعيّة من هو مجمع جميع ما احتمل دخله في المرجع من الحيّ الأعدل الأعلم فيرجع إليه فيما هو جاهل [به]، و مثل هذا المقدار لا يقتضي نفي مرجعيّة العالم في تعيين موضوع الحجة الشرعيّة حينئذ لطائفة دون طائفة، إذ ليس حكم العقل بمرجعيّة مجمع الصفات المزبورة بمناط علمه باعتبار خصوص الجمع كي لا يكون نظر من يبقى اعتبار بعضها أو يثبت متّبعا في حقّه، بل انّما هو بمناط جهله بالخصوصيّات و كون
المجمع المزبور قدرا متيقّنا من بين المراجع.
و من هذا البيان اتضح بطلان توهّم كون المدار في استفادة مثل تلك الخصوصيّات هو الارتكاز العقلي كي لا يتمّ منه إقامة دليل آخر على وفق الارتكاز أو خلافه، بل و يستتبعه لغويّة النظر و الاجتهاد فيها بقول مطلق، لعدم صلاحيّة مثل ذلك حينئذ للمقدّميّة بالنسبة إلى عمل نفسه أو غيره أبدا.
و حيث [اتّضحت] تلك الجهة فينبغي عطف العنان إلى بيان ما يستفاد منه وجوب التقليد و النظر فيه من حيث استفادة الإطلاق منها و عدمه فنقول:
إنّ مقتضى الأصل بعد ما كان عدم حجيّة قول أحد أو رأيه في حقّ غيره، فلا بدّ في رفع اليد عنه من إقامة الدليل الدالّ على وجوبه شرعا فنقول:
قد يستدلّ بمثل الإجماع و السيرة من الأدلّة اللبيّة على وجوب التقليد.
و لكن أمكن دعوى عدم اقتضاء مثلها أزيد ممّا يقتضيه الارتكاز المزبور، بل و يمكن أن يكون مدركهما ذلك، فلا يصلحان لأن يكونا دليلا آخر في قبال حكم العقل الارتكازيّ المستقلّ بمرجعيّة العالم للجاهل. و لقد عرفت آنفا أيضا أنّ مثل تلك الأدلّة الإجماليّة غير وافية لإثبات خصوصيّات المرجع من حيث الحياة و الأعلميّة و الأعدليّة.
و عليه فالعمدة في وجه استفادة المدّعى ما استدلّ به من الآيات و الروايات كآيتي النفر (1)و السؤال (2)، نظرا إلى ظهورهما في دخل الفهم و العلم في المنذر [به] و المسئول عنه. و بذلك تنصرف الآيتان [عن] باب حجيّة الرواية من
حيث [حكايتها] عن الواقع بلا دخل لجهة الفهم للخبر في حجيّة [الخبر]. و من الرواية ما ورد (1)من الأمر بإفتاء مثله للناس.
و لقد [تعرّضا] في الفصول (2)و في التقريرات (3)[للتشبّث] بما دلّ على إرجاع بعض [الرواة] إلى بعض، خصوصا بملاحظة كون فتواهم في الصدر الأوّل غالبا [بعين] لفظ الخبر و مضمونه.
و لكن يمكن الخدشة فيه بأنّ أمثال هذه الروايات غير وافية لإثبات وجوب التقليد، بل و من الممكن كونها في مقام حجيّة قول الغير رواية.
و مجرّد اتّحاد الفتوى و الرواية و عدم الميز بينهما في الصدر الأوّل لا يقتضي تداخلهما حيثيّة. و لقد عرفت ان لجهة فهم الراوي دخل في مثل هذه الروايات.
فالعمدة حينئذ الروايات السابقة و مثل الآيتين على وجه.
و عليه ففي إطلاق مثل الآيتين و الروايات على وجه يستفاد منها وجوب قول العالم و رأيه على الإطلاق نظر، إذ غاية ما يستفاد من الآيتين وجوب إظهار ما فهموا من الحقّ. و أمّا إطلاقهما على وجه يستفاد منه التعبّد بقوله و لو لم يفد العلم [ففيه] نظر، فضلا عن اقتضاء إطلاقهما التعبّد بقول أي عالم.
و أمّا الأخبار فلا يخفى أنّ غاية دلالتها وجوب الإفتاء الملازم لوجوب القبول من مثل المخاطب بخطابه.
و أمّا أنّ المخاطب المزبور من كان فاقدا للأوصاف المشكوكة كي يقتضي حجيّة فاقد الوصفين أو أحدهما المساوق لإثبات مرجعيّة العالم على الإطلاق
ففيه نظر ظاهر، خصوصا في استفادة حكم الفتوى من حيث خصوصيّة حياة المفتي و موته، بل و مع احتمال دخل أعلى مراتب العدالة بمقتضى ما ذكرنا- من استفادة رواية «من كان صائنا لدينه.» (1)على مثله- لا مجال للاكتفاء بما دونه.
اللّهمّ [إلّا] أن يقال إنّ مقتضى ارتكاز العقل برجوع الجاهل إلى العالم دخل [العلم] في المرجع في الجملة. و أمّا دخل أعلى مراتبه فلا يكون العقل مستقلّا بوجوده و لا بعدمه، نظير دخل الحياة.
و أمّا دخل العدالة و الإيمان في حجيّة الرأي الناشئ عن الاجتهاد الصحيح بشرائطه من الفحص التامّ و غيره فيمكن دعوى استقلال العقل بعدمهما.
غاية الأمر لمّا كان حكمه تعليقيّا فيصلح مثل ذلك الردع من قبل الشارع، و لازمه لزوم الاقتصار على المتيقّن ممّا ثبت ردعه.
و من المعلوم حينئذ أنّ المقدار المستفاد من معاقد الإجماعات هو اعتبار الإيمان و طبيعة العدالة الصادقة على أوّل مرتبة من مراتبها و لا يحتاج إلى تحصيل أقصاها.
و لعلّه إلى مثل هذا البيان نظر من قدّم قول الأعلم العادل على الأعدل العالم مع بنائه على عدم إطلاق دليل في أدلّة التقليد القابل لأن ينفى بمثله بعض الخصوصيّات المحتملة، بل و تلك الجهة منشأ اعتبار الأعلميّة، و إلّا فليس لمثل ذلك العنوان في لسان الدليل عين.
نعم إنّما ورد (2)[الترجيح] بالأفقهيّة في باب الحكم في المقبولة و هو غير مرتبط بباب الفتوى. و توهّم عدم الفصل بين المقامين في حيز المنع جدّا.
و حينئذ فلو أغمض عمّا ذكرنا من البيان كان لاحتمال الترجيح الحاكم في باب الحكومة [مجال] و مع هذا الاحتمال لا يبقى وجه لترجيح الأعلم العادل على الأعدل العالم كما هو المعروف. بل لا بدّ حينئذ من المصير إلى التخيير في فرض عدم أحوطيّة قول أحدهما عن الآخر، و إلّا فيتعيّن بنظر العقل الأخذ بأحوط القولين، لأنّ فيه نحو جمع بينهما عملا، و مفرّغ للذمّة، لأنّ به يفرغ يقينا.
و من هنا ظهر الحال بالنسبة إلى الموت و الحياة في التقليد البدوي لو لا دعوى قيام معاقد الإجماعات على عدم جواز تقليد الميّت بدوا.
كما أنّ الشأن هو ما ذكرنا أيضا في مسألة تقليد الميّت بقاء و تقليد الحي بالرجوع عنه إليه لو لا دعوى استصحاب بقاء الأحكام التكليفيّة الناشئة عن قيام رأي المجتهد المثبت سابقا في زمان حياته، بناء على التحقيق من كون رأي المجتهد كسائر الحجج الشرعيّة من علل ثبوت الحكم الظاهري على موضوعاتها بلا دخل لعنوان قيامها على المورد في ثبوت مثل هذا الحكم.
و ذلك أيضا بناء على كون مفاد دليل حجيّة الرأي كسائر أوامر التصديق في الأمارات هو إحداث أحكام تكليفية ظاهريّة. إذ حينئذ كان لمثل هذا الاستصحاب مجال، إذ من المعلوم أنّه مع الشك في حجيّة الرأي حال موت المفتي نشكّ في بقاء الحكم التكليفي الظاهري الثابت لعنوان موضوعه فيستصحب مثل ذلك الحكم و إن لم يجر الاستصحاب في نفس حجيّة الرأي لما يتم.
بل و لئن قلنا بعدم حجيّة الرأي في حال الموت أمكن قيام مقتض آخر في بقاء الحكم الظاهري المزبور، و معه يبقى مثل تلك الأحكام على [مشكوكيّته فتشمله] أدلّة استصحابها، فلا مجال لشبهة الشك في الموضوع في مثلها.
نعم لو بنينا على كون مفاد أدلّة الطرق حكما تكليفيّا- بل غاية ما في الباب كونها موجبة لإحداث الأحكام العقليّة في مواردها- فلا مجال لجريان
الاستصحاب في مثل تلك الأحكام العقليّة، و ذلك أيضا لا من جهة مجرّد عقليّتها.
كيف! و هي من العقليّات المنتهية إلى جعل شرعيّ كبعض الأحكام الوضعيّة من الجزئيّة و السببيّة بل من جهة أن قوام حكم العقل بدركه الوجدانيّ، و مع الشك جزم العقل بعدم حكمه و دركه، فالأحكام العقلية طرّا أمرها دائر بين الأمرين إمّا الجزم بالوجود و إمّا الجزم بالعدم لا بين النفي و الإثبات. فلا يكاد يتحقق في مثلها الشك الذي هو مناط الاستصحاب.
و من هذه الجهة نقول بعدم جريان الاستصحاب في نفس الجزئية و الشرطيّة من العقليّات المنتزعة الوضعيّة، بل الاستصحاب جار في نفس المنشأ ثمّ ينتزع العقل مثل تلك العناوين عن موضوعاتها، نظرا إلى أنّ ما هو منشأ انتزاعها أعمّ من الواقعي و الظاهري. و مهما لا يمكن جريان الاستصحاب في مناشئ تلك الأحكام لا يبقى مجال لجريانه في نفسها كما هو ظاهر.
و أيضا لو بنينا على عدم كون الأمارات عللا [لثبوت] الأحكام في موضوعاتها، بل كان لعنوان قيامها دخل في ثبوت الحكم التكليفي الظاهريّ في مواردها، أو كان مثل تلك الأمارات بنفسها موضوع حكم وضعيّ من مثل الحجيّة محضا لا يكاد أيضا يجري الاستصحاب في المقام، و ذلك لأنّ الحياة [لها] دخل تامّ في نظر العرف في قيام الرأي حدوثا و بقاء بحيث يحكمون بارتفاع الرأي و انعدامه بانعدام الحياة، و لا أقلّ من الشكّ فيه، و معه لا يبقى مجال استصحاب عنوان ما قام عليه رأي هذا الشخص، إذ مع احتمال دخل الحياة في إضافة الرأي إليه عرفا فمع [ارتفاعها] لا [تكون] الوحدة بين القضيتين محفوظة عرفا.
و توهّم كفاية حدوث هذا العنوان في بقاء الحكم المزبور- و لا أقل من الشكّ فيه- فيستصحب الحكم لما حدث فيه هذا العنوان في زمان، مدفوع بأن الحكم حدوثا و بقاء تابع حدوثه و بقائه، بشهادة أنّه لو زال الرأي لنسيان غير
عادي أو هرم أو جنون أو إغماء لا يجوز اتّباع رأيه السابق، فمثل ذلك كاشف عن اعتبار بقاء الرأي في بقاء حجيّته، و أنّه لا يكفي مجرّد حدوث الرأي في زمان في بقاء الحجيّة إلى الأبد.
و من التأمّل في ما ذكرنا ظهر حال ما لم يكن مفاد أدلّة الأمارات إلّا مجرّد جعل الحجيّة لنفس الرأي، إذ بعد فرض تقوّمه بالحياة وجودا [و] عدما لا يبقى مجال استصحاب حجيّة رأيه في حال موته خصوصا لو كان رأيه في [تلك النشأة] ظنّا، فإنّه يقطع بانعدامه من جهة انكشاف الواقعيّات لديه عند انفصاله عن البدن.
و توهّم استصحاب بقاء رجحانه الموجود في ضمن ظنّه- من جهة احتمال بقائه في ضمن قطعه- مدفوع بأنّه كذلك دقة، و إلّا فعند العرف كان ضعف مرتبة الظن غير موجب لبقائه مع ما هو محفوظ في ضمن قطعه.
نعم لو كان رأيه في هذه النشأة قطعيّا أمكن استصحابه دقّة من جهة الشك في بقاء قطعه، لأنّه قائم بالنفس الناطقة التي لا فناء لها بمحض تجرّدها و تخلّيها عن البدن العنصري.
و لكن بعد ما كان جريان الاستصحاب على احتمال إبقاء المستصحب عرفا لا يكاد يجري الاستصحاب، إذ مع احتمال تقوّم بقاء الرأي عرفا بحياته فمع انتفائها لا يبقى مجال له كما لا يخفى.
و كيف كان نقول: إنّ العمدة في وجه تصحيح الاستصحاب في المقام إتمام المقدّمتين.
فإن تمّتا- كما هو التحقيق في مفاد أدلّة كليّة الأمارات- فهو، و إلّا فللنظر للاستصحاب مجال، بل لا محيص حينئذ إلّا من المصير إلى الأخذ بأحوط القولين لو كان ذلك في البين، و إلّا فمع احتمال تعيين كل واحد و عدم الترجيح لا محيص إلّا
من الحكم بالتخيير في أخذ كلّ واحد حذرا عن الترجيح بلا مرجّح. و ذلك أيضا بعد الجزم بعدم انتهاء أمر المقام إلى التوقّف و التساقط في المدلول المطابقي كي يبقى المقلّد بلا طريق إلى الواقعيّات.
و توهّم أنّ ما هو حجة هو بقاء الرأي المتقدّم في حقّ الميت فلا يبقى مجال احتمال تعيين البقاء على تقليد الميّت إلّا بدخل حدوثه في زمان بقاء حجيّته إلى الأبد و لقد عرفت بطلانه أيضا بشهادة ما ذكرنا من الفروض، مدفوع بأنّ قيام الإجماع على عدم جواز البقاء على التقليد في الفروض المتقدّمة إنّما هو لصدق زوال الرأي حقيقة و دقّة. و هذا بخلاف باب الموت، إذ لا مجال لارتفاعه دقّة حتى لو كان في هذه النشأة ظنّيّا، و إنّما العرف لقصور أنظارهم عن عالم المجرّدات و النفوس حاكمين بالارتفاع، فشمول معاقد الإجماعات لمثل ذلك الارتفاع العرفي محلّ نظر.
فحينئذ لو لا الاستصحاب السابق كان لاحتمال تعيين البقاء على تقليد الميّت مجال، و مع ذلك الاحتمال لا مجال لترجيح خصوص الحيّ.
ثمّ إنّ ذلك كلّه لو قلنا بكون التخيير في الأخذ بأحد المتساويين بدويّا أو كان الميّت أعلم من الحيّ، و إلّا فلا مجال لاحتمال تعيين البقاء على تقليد الميّت، بل يجب الاقتصار على الحيّ لكونه متيقّن الحجيّة و الشك في حجيّة غيره، و في مثل تلك الصورة لا يبقى مجال تعيين الأخذ بأحوط القولين أيضا، للجزم بالفراغ من العمل على طبق فتوى الحيّ جزما و إن جاز له العمل على وفق رأي الميّت مطلقا إذا كان أحوط. و اللّه العالم بالحقائق.
الحمد للّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين المعصومين و لعنة اللّه على أعدائهم أعداء اللّه من الآن إلى يوم الدين آمين آمين يا ربّ العالمين.