ghaemiyeh.com
نام كتاب: تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام
نويسنده: ميمونى، ابراهيم بن محمد
تاريخ وفات مؤلف: 1079 ه. ق
محقق / مصحح: مكتبة نزار مصطفى الباز
موضوع: مزارات
زبان: عربى
تعداد جلد: 1
ناشر: المكتبه التجاريه مصطفي احمد الباز
مكان چاپ: رياض
سال چاپ: 1418 ه. ق
نوبت چاپ: اول
إبراهيم بن محمد بن عيسى المصرى الشافعى المأمونى
قال عند المحبى: عالم محقق خاتمة الأساتذة المتبحرين، كان آية ظاهرة فى علوم التفسير و العربية، و أعجوبة باهرة فى العلوم العقلية و النقلية، حافظا متقنا متضلعا من الفنون، مشهورا خصوصا عند القضاة و أرباب الدولة، و أبلغ ما كان مشهورا فيه علم المعانى و البيان حتى قل من يناظره فيهما.
كان مترفها فى عيشه رقيق الطبع حسن الخلق فصيح اللسان وجيها.
لازم والده سنين، و كان ينحصر معه و هو صغير، و درس على الشمس الرملى و أجازه بمروياته، و أخذ عن أبى بكر الشنوانى و منصور الطبلاوى و غيرهم.
1- حاشية على المختصر.
2- حاشية على المواهب اللدنية.
3- حاشية على تفسير البيضاوى.
4- المعراج.
5- تحريرات على حاشية الجامى.
توفى يوم الثلاثاء ثانى عشر من رمضان سنة تسع و سبعين و ألف و دفن بتربة المجاورين رحمه اللّه تعالى(1)
1) انظر خلاصة الأثر 1/ 45
اعتمدنا فى تحقيق الكتاب على نسخة فريدة مصورة من مكتبة حسن حسنى عبد الوهاب بتونس تحت رقم 18660.
عدد أوراقها 205 ورقة فى كل صفحة 25 سطرا.
نسخت عام 1046 ه نسخها: منصور سليم حسن الدمناوى الأزهرى، نوع الخط فارسى جميل.
غلاف المخطوط
الصفحة الأولى من المخطوط
الصفحة الأخيرة من المخطوط
الحمد لله الذى حكم بالتغير على كل مخلوق لظهور نوامس عظمته، و أنزل مثل الجبال من تجلى جلال أحديته، و أوجب الاستسلام و الانقياد لبالغ قدرته؛ إذ هو القاهر، فلا منازع له فى إرادته، و إذا أبرم حكما فهو المنفرد بمعرفة حكمته () في كل شريف و مشروف، و عم استيلاء صفة قهره كل منكور و معروف. من رضى بمجارى أقداره أوصله إلى () عظمته، و من فتح عين قلبه لتلقي ما يرد عليه () على باهر حكمته.
و الصلاة و السلام على من أمده ()(1)بالآيات الباهرات و الحجج الظاهرات، و شرف بوجود تلك المشاعر الشريفة و حمى به حرمه بتلك المناسك المنيعة؛ فأزال ما بها من الأصنام و طهرها من دنس الشرك و الآثام، أمده اللّه تعالى بالآيات ليظهر بذلك كرامته عند مولاه، و كان بذلك خليقا، و ليتحقق صدق رسالته حيث تساقطت حين أن تلى عليها قوله تعالى: «وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً» و على آله و صحبه أجمعين الذين لم يعبدوا اللّه على حرف، و لم يقصروا فى طلب القصور و قاصرات الطرف و بعد.
فيقول الفقير إلى مولاه العلم المأمونى الشافعى إبراهيم: «إن من المعلوم عند ذوى البصائر و أرباب التأمل و النواظر أن بادئ البدء لم يعد بقباء أحد من الموجودات خلقه للوجود إلا و قد قذفه فناء و موت، و لم يخط لفرد من الأفراد لباس الإيجاد إلا و ألبسه عباء فناء و فوت، إذ قهره تعالى عام لجميع الموجودات، و قضاؤه نافذ فى جميع المصنوعات، و قدرته تعالى ما زالت ترى عجيبا، و تبدى غريبا، و توقظ بزواجره شاكا و مريبا، و تبدى شموس المواعظ غير متوارية بحجاب، و تذكر بما يبدو منا و ما يصدر عنها و إنما يتذكر أولوا الألباب، فما من وقت و لا زمان إلا و يظهر من قدرة اللّه تعالى فيه ما يبهر العقول، و يعجز عن إدراك حكمته أرباب المعقول و المنقول.
على أنها الأيام قد صرن كلهاعجايب حتى ليس فيها عجايب
1) كل ما بين معكوفتين طمس بالأصل.
فمن ذلك أنه فى شهر شعبان المعظم المنتظم فى سلك سنة تسع و ثلاثين و ألف الذى أنزل فيه آية الصلاة على النبى المكرم قد عمد السيل إلى عقود البيت الحرام ففسخها، و إلى محكم آيات بناية فنسخها، و انتصب لعالى ما بنى منه على الرفع فكسره، و إلى ما جمع جمع السلامة منه فكسره، فبلغت من ذلك القلوب الحناجر، و فعلت المخافة بالمسلمين ما لا تفعله الخناجر، و كادت أنفسهم أن تتفطر أسفا من ذلك، و نجوم سماء مسرتهم قد تسربلت بعموم الغموم لما هل لهم من المهالك، و شارفت الأرض أن تنشق و تخر الجبال هدا، و تحمل المسلمون من أثقال تلك المساءة إدّا، و كلما سكن الواعظ قلوبهم بطلب التوبة و الإقبال على اللّه تعالى و هدّا، أقلقهم الأسف فلا يجدون من تساكب المدامع بدا، ظنا منهم أن بساط الوجود قد أشرف على الانطواء و أن نجوم سمائه قد دنت من الغروب كأن لم يخفق على مفرقه عصابة ذاك اللواء.
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفاأنيس و لم يسمر بمكة سامر
و ذلك لما جبلوا عليه من محبة هذا البيت العظيم و القيام بما يجب له من مزيد الإجلال و التكرم، و كيف لا و هو قبلتهم التى يصلون إليها و وسيلتهم التى يطوفون بها و يحجون إليها؟ و فى ذلك دلالة على بقاء الخير الكثير و الفضل الخطير فى هذه الأمة المكرمة و العصابة المعظمة حيث بقى فيهم المحافظة على احترام هذا البيت الشريف و القيام بحماية حرمتها المنيفة، عملا فى ذلك بما جاء فى الحديث المجمع على العمل به فى القديم و الحديث من قوله عليه الصلاة و السلام: «لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحومة حق تعظيمها «يعنى الكعبة و الحرم» فإذا ضيعوا ذلك هلكوا» و لما دهى العالم هذه النازلة التى هدّمت ما شيد فى الدهور، و المعضلة التى ظن الناس بما أرته أن إسرافيل قد نفخ فى الصور، صارت الأفكار لها مستهولة، و من شدة وقعتها متزلزلة، خصوصا لما وقفوا على الأثر القدسى المروى عن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه و هو:
«قال اللّه تعالى: «إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتى فخربته ثم أخرب الدنيا على أثره»، فعند ذلك صاروا أحير من ضب و أذهل من صب، و كان من الواجب على العلماء أن يبينوا للناس ما خفى عليهم، و أن لا يكتموا شيئا مما
تقرر لديهم، و يرشدهم إلى ما هو خير لهم مما أهمهم من الإقبال على اللّه تعالى بالتوبة النصوح، و جاء أن يحصل لهم بذلك الفتوح فإن ما حصل لهذا البيت عبرة للّبيب العاقل و حسرة على المعرض الغافل، و تنبيه على إخلاص التوبة من المتفاضل و إزعاج للمتباطئ عن الطاعة و المتثاقل، و آية من اللّه لعباده منذرة، و من سنة الغفلة موقظة، و لكن ليست هذه الكائنة بأول قارورة كسرت فى الإسلام، و لا بالأمر الذى لم يتفق ما يقرب منه فى سالف الأيام، بل تقدم له حصول ما هو أعظم خطرا و أقوى تأثيرا أو أثرا مما أثبتنا بعضه فى هذا الكتاب، ليعلم أن عجائب هذا الدهر متصلة الأسباب، و ليظهر أن إلمام هذا الحادث ليس هو الخراب الذى أشير إليه فى الأثر المشهور، و الخبر الغير المنكور إذ ذاك خراب على يد الفجار حيث لا يبقى إلا الأشرار، و ذلك بعد موت سيدنا عيسى عليه الصلاة و السلام، و رفع القرآن من الصدور بل هذا من أعظم الآيات، و أقوى المعجزات، الدالة على صدقه صلى اللّه عليه و سلم، حيث أخبر بسقوط هذا البيت الشريف بعده و عين عدده، و سخن على يقين من أن حضرة سلطاننا طاول اللّه بعمره الأبد، و حرسه بسر «قل هو اللّه أحد»، يفوز بثواب تجديد بناء هذا البيت الشريف بغاية الإحكام؛ و بذلك يمتاز على من تقدمه من الملوك و الحكام، و قد صار و للّه الحمد عزاء المسلمين تجديده للبيت الشريف مستدركا بالهناء و تعوضوا عن كنز العنى بكنز الغنى، و أعقبت الأيام نقصها بإتمامها و نقضها بإبرامها، و استرجعت العبرات ما جاءت به من مزنها و استبدلت ردّ مسرتها من حرارة حزنها، و لما أن أجملنا عليهم فى المقال، و اختصرنا لهم فى بيان الحال، تطلبوا منا تأليفا جامعا لتفصيل هذه المباحث المقفلة، و كتابا كاشفا عن غوامض هذه المعضلات المغلقة، فأملينا عليهم فى هذه الصحائف ما تحار العقول فى الوصول إلى أمده، و حققنا لهم ما فهمناه من الحكم ببركة النبى صلى اللّه عليه و سلم و مدده، من بيان أسرار درر الأحكام الشرعية و الأحاديث النبوية، و تلونا عليهم ما يزيل عنهم هذا الألم و النصب، و يريحهم مما هم فيه من مزيد الخوف و التعب، ليطمئن بذلك خاطرهم و يبتهج به ناظرهم، و سميتها: «تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت اللّه الحرام» و ذلك بنظر مولانا سلطان سلاطين الإسلام
شرقا و غربا مالك أرقاب الأمم عجما و عربا، خادم الحرمين الشريفين، مسلك سبل القبلتين، مختار اللّه تعالى لحماية حمى بيته الحرام، و عمارة تلك المشاعر العظام، صاحب العز و الخير و الجبر لعموم العباد، مولانا السلطان الأعظم مراد، بلغه اللّه المراد، و كفاه شر الأعداء و الحساد و لا برح موفور النعم، مسعود السيف و القلم، بجاه سيد العرب و العجم صلى اللّه عليه و سلم. هذا و السبب الحامل للعلماء على الإقبال على بيان هذه المسائل العلمية و الكشف عن حقائق ما ستر من تلك المباحث البهية، أنه لما وصل الخبر بذلك لحضرة مولانا عين أعيان الوزراء الكرام، و صفوة الصفوة من أرباب الدولة العظام مختار الخلافة الخاقانية لكفالة كافة مهمات المسلمين، و مرتضى تلك السعادة السلطانية لمطالب الدنيا و الدين، صاحب المجد الذى انقطعت دونه مطايا المطامع، و السؤدد الذى انحسرت الأبصار دون أضوائه السواطع، مقلد جيد العليا جواهر المجد و الجلال، و ملبس هياكل السعادة حلل السؤدد و الجمال.
فالوصف عن إحصاء وصفك عاجزو العقل عن إدراك قدرك قاصر
وقف الكلام وراء مدحك حايراأنى يفى بالمدح ذاك الحاير
أعنى بذلك حضرة مولانا الوزير المعظم، و الدستور المفخم، الذى بهر الشمس ضياء عزته، و اتفقت كلمة علماء الإسلام على الشكر لجميله و منته، أعظم الوزراء الكرام، مدبر ممالك الإسلام، الذى عذبت بالديار المصرية موارد فضله، و أمطر على العلماء و الرعايا وافر عدله، و ارتفع على الوزراء الكرام بمزايا الجود و الإنعام و سجايا الأفضال و الإكرام، لا سيما بالنسبة إلى العلماء الأعلام، فلقد شاع جوده فى تخوم الآفاق، و بذلك و غيره من الملكات الفاضلة اعتلى على أعالى الوزراء وفاق، و حصل فى هذه الدعوى من جماهير الورى الإجماع و الوفاق، و اهتزت الشمس بوقوعها على مواطىء قدمه طربا، و افتخرت السماء بدورانها حول رأس خدمه تيها و عجبا.
فى كل يوم لنا من مجده عجبو كل ليل لنا من ذكره سمر
سقى به اللّه دنيانا فأخصبهاو العدل يفعل ما لا يفعل المطر
احتظى من عام إنعامه كل غنى و فقير، و ارتضع من ثدى إحسانه كل صغير و كبير، فهو حسنة الزمان، و عزة جبهة الدهر و الأوان، حاكم الأقطار الحجازية، و التخوت اليوسفية، مولانا الوزير محمد باشا يسر اللّه له من الخير ما شاء، فاهتم لذلك غاية الاهتمام، و أحضر لمجلسه الشريف علماء الإسلام، و عرض ما وصل لحضرته من فتاوى علماء الحجاز، غير مكتف بها لعدم إفصاحها عن كنه المراد، مع عدم خلوها عن نوع من المجاز، و طلب من العلماء الحاضرين بيان الحكم الشرعى، و إظهار مقدار ذلك المقام المرعى، و كان الفقير ممن شمله ذلك المجلس الشريف، مع أفراد من أعيان كبار العلماء أرباب الإفتاء و التصنيف فعند ذلك فتح الكلام فى بيان تلك الأحكام، و ما منا إلا من أفصح عن بيان ذلك بغاية الإحكام.
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناو سالت بأعناق المطى الأباطح
ثم انتهى المجلس الشريف مع مزيد الدعاء لعلى مقامه المنيف، فبعد ذلك أدير الكلام بين العلماء فى جميع المجالس، و صار ذلك مصاحبة القاعد و الجالس، و لما رأيت بضاعة العلماء عند حضرة هذا الوزير نافقة، و أغصان كمام الفضلاء فى روض سدته بأنواع السرور باسقة، أحببت أن أبيض من هذا التأليف الفريد، و التصنيف الوحيد نسخة أهديها إلى خزانته المعمورة، و ساحته التى بمزيد جبر خواطر العلماء مشهورة، فوجهت ركاب النظر شطر ذلك المطلب، و توجهت تلقاء مدين ذلك المأرب، و جعلت وصف الذل للمرآة صقالا، فلمع شئ من البوارق رحب مقاما و عذب مقالا، أجراها المولى الكريم على اللسان، فقل أن يجري مجراها إنسان، تطرب و ترتاح عند سماعها الأرواح، هى من الدر المصور، و السر المكنون، و قد صدر ذلك فى زمن يسير، عن خاطر بأعباء الأكدار كفيل، و نشأ عن فكر كدت عليه آلام الملمات فهو عليل، و انبعث عن ذهن ذهبت به خطوب الحوادث فهو كليل، إن نام ففؤاده بالهموم مأسور، و إن قام فقلبه بغمرات الغموم مغمور، و كيف لا و قد أقعد صحيح فضله كسر مقيم، و أعدم وجود كمالاته حظ سقيم؟ و لو كان فردا لما اشتكى جميع الهموم من المسألة عائلة، و الأعضاء بخصوص الضجر بالقلب من التعب فى غموم.
و لو كان هما واحدا لاتقتيهخواطر قلبى كلهن هموم
و قال:
يا مبدى الإنصاف طال تلهفىو جهلت مورد علّىّ من مصدرى
بعلاك قد علق الرجاء و أنت ياخير البرية عدة المتحير
ما شمت البارق جودك و الندىو رجوت عارض وابل لك ممطر
و حططت آمالى ببابك راجيابالحق إدراك النجاح المثمر
و صرفت عن كل السماح مطالبىو على سماحك كان عقدى خنصرى
و نرجو بين طلعة هذا الوزير أن يتهلل بدر النجاح، و أن يغرد طير القبول بصلاح الحال و حال الصلاح، لا زالت كعبة الإقبال و مستلم الإقبال، و مشرق شمس الكمال، و لا برحت كواكب السعادة بمطلعها منيرة، و أفلاك السيادة على و طيتها مستديرة، و زمام النجاحة نحو سماحتها مسيما، و وجه القبول و الإقبال فى محرابها مصليا و مسلما، ما فاز بالأمل آمل، و تيسرت على طالب وسائل هذا، و لما كانت الكعبة الشريفة أفضل مساجد الأرض، مما حواه الطول و العرض؛ إذ هى بيت اللّه الحرام، و قبلة لجميع الأنام، و المسجد الحرام فضله لا ينكر، و ما طوى من فضائله لم يزل ينشر و مكة المشرفة هى بلده الأمين، و مسقط رأس سيد المرسلين، و الأدلة على ذلك من الكتاب و السنة أكثر من أن تحصى، و أعظم من أن تستقصى، تصدى للتأليف فى فضل ذلك جمع كثير من المتقدمين و المتأخرين، غير أنى أحببت أن أخترع أمرا لم أسبق إليه، و أن أسلك فى ذلك طريقا لم يدلوا عليه، لما أن التأليف فى هذا الوقت ليس إلا كما قال بعضهم: جمع ما تشتت و رم ما تفتت، و أما تفسير الآيات الواردة فى فضل ذلك، و الكلام على ما يتعلق بتلك المسالك فقد تكفل ببيانه العلماء على حسب مراتبهم و تنوع مقاصدهم فلذلك رتبت كتابنا هذا على ثلاثة مباحث:
فى الجواب عن أسئلة ابتكرتها حيث دار الكلام بين الأفاضل فى بعضها، و اخترت أن أرتب فى شأنها أسئلة ليسهل الكشف عن أجوبتها و هى: هل حفظ محل البيت الشريف من دخول الطوفان زمن نوح صلى اللّه عليه و سلم و من السيول فيما
بين نوح و إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم فلم تعله السيول؟ فإن كان حفظ منهما فما باله لم يحفظ فى هذا الزمن من هذا السيل الذى استولى على بنيانه و هدمه؟ و هل ما نقله الزركشى فى كتاب إعلام الساجد بأحكام المساجد عن أبى القاسم المالكى أنه قال: سمعت أن الحرم يعرف بأنه لا يجى سيل من الحل فيه كل الحرم، قال ابن عطية فى تفسيره: و هذا لأن اللّه تعالى جعله ربوة و فى حكمها ليكون أصون له انتهى. صحيح و عليه فهذا السيل الذى دخل البيت الآن و قبل ذلك من أى محل جاء؟ أو غير صحيح و هل تقدم حصول سيل يقرب من هذا أولا؟
و هل سقوط هذا الجانب من البيت الشريف فى هذا الزمن على هذا الوجه علامة على شئ يحدث فى الدنيا يخشى منه؟ و أنه من الآيات المنذرة بخراب الدنيا عملا بما روى عن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه أنه قال: قال اللّه تعالى: «إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتى فخربته ثم أخرب الدنيا على أثره» أولا يدل على ذلك، بل ربما يشعر بمزيد الخصب و إن تفرع عليه وقوع بعض البيت لما ذكره العلماء من أن الغيث إذا كان فى ناحية الركن اليمانى كان الخصب باليمن، و إذا كان من ناحية الركن الشامى كان الخصب بالشام، و إذا عم البيت كان الخصب لجميع البلدان، ذكر ذلك بعض المفسرين فيما نقله ابن الحاج و نقل ذلك غيره كما نقله الفاسى(1)و غيره، و نقل الفاسى عن ابن عباس أنه قال: «ما مطرت مكة قط إلا كان للخندمة عزة و ذلك أن فيها قبر سبعين نبيا انتهى. قال الفاكهى(2): الخندقة ما بين حرف السويدا إلى الثنية التي عليها بئر ابن أبى سمير فى شعب عمر و مشرفة على أجياد الصغير و على شعب ابن عامر و على دار محمد بن سليمان فى طريق منى و هو جبل فى ظهر أبى قبيس إلى آخره و هل أخبر النبي صلى اللّه عليه و سلم بعدد سقوطها بعد بعثته و رسالته؟ و فى أى زمن يكون سقوطها و خرابها بحيث لا تعود كذلك و لا تحج بعد ذلك؟ و هل فى القيمة تعاد كباقى المساجد؟ و هل صح أنها تزف زف العروس عند قيام الساعة
و تأتى إلى قبره صلى اللّه عليه و سلم عند انشقاقه عنه و تخاطبه و يخاطبها ثم تأتى الصخرة الشريفة و تعانقها و تكون معها فى الجنة و أنه يتعلق بأستاره من حجها حتى تدخله الجنة أو لا؟ و هل تجب المبادرة بعمارة ما سقط من البيت الشريف بالفعل و ما أشرف على السقوط دون ما هو ثابت متماسك؟ و هل يجوز التوصل إلى بيان حقيقة ما ظن اختلاله من نجو سقفها بكشف ما يعلم به أمره أو لا؟ و هل إذا بنى ما سقط يجب أن يعاد علي الصفة التى كان عليها أولا من غير زيادة و لا نقص بحيث لا يزاد فى طوله و لا ينقص عنه؟ أو تجوز الزيادة فى طوله كما زاد عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهما فى طوله إلى جهة السماء حين بناه على ما كان عليه زمن قريش مع ورود النهى عن التطاول فى البناء؟ و كما زادت قريش فى طوله إلى جهة السماء على ما كان عليه زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم فإن طوله إذ ذاك فى السماء كان تسعة أذرع؟ و هل أحد قبل قريش ممن بناه زاد على الطول إلى جهة السماء الذى كان زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم أو لم يزد عليه؟ و هل كان له سقف و مغلق زمنى الخليل صلى اللّه عليه و سلم أو لم يكن؟ و من سقفه و جعل له مغلقا بعد الخليل أولا هل هم قريش أو من تقدمهم؟ و من أى شئ كان السقف و الباب حينئذ؟
و هل ما ذكره العلماء من أن ابن الزبير أعاد البيت على قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم ينافيه ما نقله ابن الحاج المالكى من أن صفة بناء البيت زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم كان مدورا من ورائه، و كان له ركنان و هما الشاميان، فجعلت له قريش حين بنته أربعة أركان مع إخراج الحجر منه. و قد نقلوا أن ابن الزبير رضى اللّه عنهما جعل للبيت أربعة أركان و استلمها و قال: إنما ترك النبى صلى اللّه عليه و سلم استلام الركنين الشاميين اللذين يليان الحجر بالسكون إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم، و قد وافق الناس ابن الزبير على استلام الأركان الأربعة لكونه أعادها على قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم مع أن البيت لم يكن له فى زمن الخليل إلا ركنان على ما ذكره ابن الحاج، و قد ذكر مجاهد و عكرمة فى وجه تسمية البيت بالكعبة أنها مربعة، و قال القاضى فى المشارق: الكعبة هو البيت لا غير، سمى بذلك لاستدارتها، و قيل: لتربيعها يقال: برد مكعب إذا طوى مربعا. و قيل:
لعلوه و نتوئه، و منه سمى الكعب كعبا لنتوئه و خروجه من جانب القدم، يقال:
تكعبت الجارية إذا خرج نهدها، و قيل: لانفرادها عن البيوت و ارتفاعها، و ذكر
الأزرقى(1)أن الناس كانوا يبنون بيوتهم مدورة تعظيما للكعبة و أول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير فقالت قريش ربع حميد بيننا، إما حياة أو موتا، ثم مقتضى ما تقدم نقله عن العلماء من أن ابن الزبير أعاد البيت على قواعد إبراهيم أن الباب الغربى الذى سده الحجاج و هو الذى فتحه ابن الزبير كان بهذه الصفة زمن الخليل مرتفعا غير لاصق بالأرض، و المصرح به فى صفة البيت زمن الخليل أنه جعل له بابين كما فى سيرة الشامى، و روى(2)الأزرقى(3)من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: بلغنى أنه لما خلق اللّه السموات و الأرض كان أول شئ وضع فيها البيت الحرام، و هو يومئذ ياقوتة جوفاء لها بابان، أحدهما شرقى و الآخر غربى، فجعله مستقبل البيت المعمور إلى آخر الرواية، ثم المصرح به فى شفاء(4)الغرام(5)إن البابين فى زمن ابن الزبير كانا لاصقين بالأرض فهل هذا الارتفاع من فعل الحجاج فيكون قد رفعه ثم عنّ له فسده، أو الرافع له إنما هو ابن الزبير رضى اللّه عنهما و الذى فعله الحجاج إنما هو السد فقط؟ و عليه فهل كان هذا الباب المسدود الآن مرتفعا زمن الخليل أو لا؟
و الرافع له إنما هو ابن الزبير فجعل الباب الغربى مرتفعا و الآخر لاصقا بالأرض، و كيف ساغ له أن يغير فى بيت اللّه و يفتح بابا فى علو الجدار مع حرمة الفتح و الاستطراف منه حينئذ إن صح أن البابين كانا لاصقين بالأرض فى زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم؟ و فى رواية الحارث بن عبد اللّه بن ربيعة المخزومى و هو من ثقاة الرواة لعبد الملك تصديقا لما رواه ابن الزبير رضى اللّه عنهما عن خالته، و فيه قال عليه الصلاة و السلام: و جعلت لها بابين موضوعين على الأرض، بابا شرقيا يدخل الناس فيه و بابا غربيا يخرج الناس منه. فهذا يدل على أن ابن الزبير رضى اللّه عنهما و فىّ بذلك، و قد نقل الشامى أن صفة بناء ابن الزبير أنه جعل لبابها مصراعين طولهما أحد عشر ذراعا، و جعل الآخر بإزائه على هيئته و جعل لها درجا من خشب معوجة يصعد منها إلى ظهرها، و أن الحجاج غير تلك الدرج التى فى جوفها و نقص من طول الباب خمسة أذرع، و لم يذكر أنه
علّى الباب المسدود أيضا، و كذا هل يرد على قولهم المذكور- أعنى أن ابن الزبير أعاد البيت على قواعد إبراهيم- ما ذهب إليه الشافعى من أن من البيت هذا البناء الحادث الذى أحاط بالبيت ملاصقا بأسفل الجدار فيما بين الركنين اليمانيين و هو المسمى بالشاذروان بكسر الذال و هى لفظة أعجمية بلسان الفرس و لا توجد هذه التسمية فى حديث صحيح و لا سقيم و لا عن أحد من السلف، و لأنه ذكر عند فقهاء المالكية المتقدمين و المتأخرين إلا ما وقع فى الجواهر(1)لابن شاس و تبعه أبو عمرو بن الحاجب تبعا لكتب الشافعية فى ذلك من غير تعرض لبيان حكم، و صرح ابن الصلاح أن قريشا لما رفعوا الأساس بمقدار ثلاث أصابع من وجه الأرض و هو القدر الظاهر الآن من الشاذروان الأصل نقصوا عرض الجدار عن عرض الأساس الأول و ذكر العلامة المؤرخ الأزرقى(2)أن ذرع عرض الشاذروان المخرج من البيت ذراع و قد أحدث فيه بناء على شكل المصطبة أولا، فكان بسيطا، ثم سنّم هذا البناء بعد ذلك حتى صار كأنه مثلث احتياطا حتى لا يفسد طواف الطائفين إذا طافوا ماشين عليه لو دام بسيطا لكون طوافهم حينئذ فى جزء من البيت و كان منتهاه إلى قريب من الركن، و لم يكن من هذه الزيادة الظاهرة تحت الحجر الأسود ثم زيدت بمقدار فى المدة الأخيرة.
و قول عالم الحجاز المحب الطبرى إن هذا البناء لم يستكمل جميع القدر الخارج من البيت الذى عرضه ذراع و إنه يجب إعادة الشاذروان إلى ذراع لما نقله الأزرقى حتى لا يفسد طواف الطائفين إذا مشوا فيه على مذهب الشافعى، و عليه فى الأمر مشكل؛ لأنه إن صح أن الشاذروان من البيت، فكيف أخرجه ابن الزبير رضى اللّه عنما مع التزامه أن يعيده على قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم؟ و ما تقدم عن ابن الصلاح الشافعى من أن قريشا لما رفعوا
الأساس بمقدار ثلاث أصابع نقصوا منه عرض الجدار عن عرض الأساس الأول و هو القدر المسمى بالشاذروان فقد رده الإمام العلامة الخطيب ابن رشيق بضم الراء و فتح الشين المعجمة كما نقله عنه الدمامينى بأنه لم يأت به حديث صحيح و لا ورد من قول صاحب يصح سنده و لعل ذلك من كلام المؤرخين، و لو صح هذا لاشتهر و نقل. و قد هدم عبد اللّه بن الزبير الكعبة هل بلغ بها الأرض و أتمها على قواعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام؟ و كون الحجاج لم يهدم مما بناه ابن الزبير إلا ناحية الحجر لكونه أدخله فى البيت أمر معلوم مقطوع به مجمع عليه منقول بالسنة الصحيحة فى الكتب المعتمدة لا يشك فيه أحد، فإذا أثبت هذا فكيف يقال إن هذا القدر الظاهر الآن مما نقصته قريش عن عرض الجدار؟ و هل بقى لبناء قريش أثر؟ فالسهو و الغلط فيما نقله ابن الصلاح مقطوع به و العصمة للأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و المنقول أن ابن الزبير لما هدم الكعبة و ألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعا و ظهرت أسسها و أشهد الناس عليها قال لهم ابن الزبير: «اشهدوا»، ثم وضع البناء على الأساس و هذا الاسم الحادث أعنى الشاذروان اسم حادث على شئ صنع ليصان به الجدار خيفة إجحاف السيول، و قد نص ابن تيمية على إنه ليس من البيت بل جعل عمادا للبيت، و مما يؤيد ذلك أن داخل الحجر تحت حائط الكعبة شاذروان فيكون هذا الشاذروان، نظيرا للشاذروان الذى هو خارج البيت و لم يقل أحد إن هذا له حكم الشاذروان، فكون هذا الشاذروان مراعا فى الطواف لا دليل عليه، و لو صح ما قاله الشافعية فى الشاذروان لنبه النبى صلى اللّه عليه و سلم الصحابة على ذلك لكونه مما تمس الحاجة إليه بقول أو فعل و لنقل ذلك مع توافر الدواعى على النقل، و مثل هذا لا يثبت إلا بالإجماع الصحيح المتواتر النقل، و كيف يمكن أن يغيب ذلك عن الصحابة و التابعين و من بعدهم من أهل العلم فلا يتنبه أحد له مع تكرر الحج فى كل عام؟ إن هذا لمن الأمر البعيد الذى لا تسكن إليه نفس عاقل، و المنصف لا يحتاج إلى مزيد البيان، فقد انعقد الإجماع على أن البيت متمم على قواعد الخليل صلى اللّه عليه و سلم من جهة الركنين اليمانيين و لذلك استلمهما النبى صلى اللّه عليه و سلم دون الآخرين؛ و أن ابن الزبير لما نقضه و بناه إنما زاد فيه من جهة الحجر و أقامه على الأسس الظاهرة التى عاينها العدول من الصحابة و كبراء التابعين؛ و لذلك وقع الاتفاق على أن الحجاج لما نقض البيت بأمر عبد الملك لم ينقض إلا جهة الحجر
خاصة و أقام قوسا داخل الكعبة إلى ما كان عليه من الارتفاع، و أغلق الباب الغربى و هو باق مسدود، و ترك الحجاج ما زاده ابن الزبير من ارتفاع البيت على حاله، و ليس للشاذروان فى هذا العمل كله ذكر، و يدل على ذلك أن ابن الصباغ(1)الشافعى احتج على أبى حنيفة حيث قال فى الركن اليمانى: لا يستلم لأنه لا يقبل و لا يستلم الركنين الآخرين، فقال ابن الصباغ: أما قياسه على الركنين الآخرين فى الجواب أن الركن اليمانى على قواعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام بخلاف الركن الآخر فإنه لم يبن على قواعد إبراهيم، فافترقا.
فانظر كيف أمر ابن الصباغ فى التفرقة بين اليمانيين و غيرهما أن اليمانيين على قواعد إبراهيم فلو كان الشاذروان من البيت لكان الركن الذى فيه الحجر الأسود داخلا فى البيت و لم يكن مبنيا على قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم، و ذكر أن الركن الذى فيه الحجر الأسود اختص بشيئين الاستلام و التقبيل للفضيلتين و أما اليمانى فيستلم و لا يقبل؛ لأن فيه فضيلة واحدة و هو كونه على قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و أما الركنان الآخران فلا يقبلان و لا يستلمان. و هذا النووى مصرح بأن اليمانيين متممان على قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم فمن أين نشأ الشاذروان؟ فما الحق فى هذه المسئلة على كلام الإمام الشافعى مع لزوم ذلك؟ و هل كان بناء الخليل صلى اللّه عليه و سلم بمونه لجميعه أو لبعضه أولا؟ و هل كان بناء قريش كله بالحجر أو بعضه بالخشب الساج و البعض بالحجر؟ و هل يجب إعادة ما صلح من أحجاره و أخشابه؟ و ما لم يصلح منه ما حكمه؟ و هل إذا احتاج البناء إلى حجر جديد أو خشب يكفى فيه أى حجر و أى خشب أو يتعين أن يكون فى الجبال الخمسة التي بنى منها الخليل صلى اللّه عليه و سلم أو مما بنت منه قريش و ابن الزبير رضى اللّه عنهما؟ و هل تنصبا عمدة و ينصب عليها الستور حال البناء ليتمكن من الطواف بها و الصلاة إليها وقت البناء و تكون العملة من داخل الستر أو من خارجه؟ و هل ينبغى قلة الكلام من العملة و مشيهم فى البيت و يجب احترامهم له؟ و من المخاطب ببنائه و إصلاح(2)ما وهى منه؟ هل هو الإمام الأعظم و من أنابه عنه فى ذلك
أو جميع المسلمين و يسقط بفعل بعضهم فيكون من فروض الكفاية؟ و هل يتعين فى مصروف عمارته مال مخصوص أو مرجعه بيت مال المسلمين؟ و هل يجوز بيع شىء من قناديله و حليه و صرفه فى العمارة أو رهنه لذلك أو لا؟ و هل ما فيه من القناديل يجب إدامة تعليقها به و يحرم تنزيلها و كذا قناديل الحجرة الشريفة أو لا؟ و ما المراد بكنزه؟ و هل يدخل فيه كسوته و قناديله و حليه أو لا؟ و هل يجوز إحداث زخرفة و ترخيم و تغيير فى بعض أجزائه كعتبته و بابه و ميزابه من غير ضرورة تدعو لذلك ما عدا قصد التعظيم أولا؟ و هل كسوته بالحرير من داخله و خارجه جائزة من غير خلاف أو فيه خلاف؟ و هل كان الواجب كسوته فى الأصل أوجبت بعد ذلك؟ و مع القول بوجوبها بعد ذلك هل كانت كسوته قربة فى الأصل أو إنما صارت قربة بعد ورود الشرع أو ليس بواجب مطلقا؟
و هل إذا قلنا بعدم وجوبه مطلقا يكون قربة بعد ورود الشرع أو فى الأصل؟
و هل كسى البيت زمن الخليل و ولده إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم أو لا؟ و من الكاسى له أولا و من أى جهة كان يكسى قبل أن يوقف على كسوته شئ و من الواقف عليها أولا؟ و ما الحكم فى كسوته إذا غيرت من يأخذها؟ و هل يجوز أخذ شئ من طيبه أو شمعه أو زيته للتبرك أو لا؟ و هل يجوز لسدنة البيت أخذ أجرة من أحد على إدخاله البيت الشريف أو أخذ شئ من قناديله أو حليه إذا دعت الحاجة لذلك أو لا؟ و هل تصفيح البيت الشريف بالذهب و الفضة المموه جائز من غير خلاف أو فى ذلك خلاف؟ و هل حكم المسجد الشريف الذى حول الكعبة فى التحلية تعليق و القناديل و نحوه و كذا مسجده صلى اللّه عليه و سلم و مسجد بيت المقدس حكم الكعبة فى جميع ذلك؟ و الخلاف متحد أو لا؟ و ما حكم باقى المساجد؟ و كيف هذا مع ما ورد من أن زخرفة المساجد من أشراط الساعة؟ و هل يجوز تعمد هدم ما بناه الحجاج فى البيت و إن لم يظهر به خلل لكونه لم يوضع بحق لمخالفته الحديث الشريف الذى تمسك به ابن الزبير رضى اللّه عنهما، و حدثته به أم المؤمنين خالته عائشة رضى اللّه عنها، و شهد له بسماعه منها الحارث لما وفد على عبد الملك فى خلافته و كان الحارث مصدقا لا يكذب؟
و أن عبد الملك ندم على ما فعله حين شهد عنه الحارث بذلك، و كذا لو انهدم الجانب الذى بناه الحجاج من غير صنع صانع كما فى هذه الحادثة فهل يتعين عوده لما كان عليه زمن الحجاج أو لما كان عليه زمن ابن الزبير رضى اللّه عنهما؟
و من المصيب منهما هل هو سيدنا عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهما أو الحجاج؟
فإن سيدنا عبد اللّه ابن الزبير رضى اللّه عنهما تمسك بالحديث الذى روته له عائشة رضى اللّه عنها فالحجر عنده من البيت الشريف؛ و لهذا لا يصح عند الشافعى الطواف فيه؛ لأن الطواف إنما هو بالبيت و الطائف بالحجر طائف فى البيت لا بالبيت، و مع هذا فقياس صحة إدخاله فى البيت، و عدم صحة الطواف فيه أنه لو أدخل فى البيت أن يصح استقباله فى الصلاة على مذهب الشافعى مع أن الشافعى جعل للحجر حكم البيت فى عدم صحة الطواف فيه و لم يجعل له حكم البيت فى صحة استقباله فى الصلاة، و حينئذ فما الفرق؟
و قضية مذهب الشافعى امتناع بناء البيت على ما بناه ابن الزبير من إدخال الحجر لما يلزم فى صحة الاستقبال له كما تقدم مع أنه لا يصح استقباله عنه، ثم إن المنقول فى تاريخ الأزرقى(1)و الفاسى(2)أن الخليل جعل الحجر بكسر الحاء إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز، و كان زربا لغنم إسماعيل، و مقتضى ذلك أن الحجر بالكسر لم يكن داخلا فى الكعبة زمن الخليل فكيف هذا مع حديث عائشة رضى اللّه عنها و مع ما ذكره الشامى من أن الخليل أدخل الحجر و هو سبعة أذرع فى البيت و كان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل، و أما شبهة الحجاج و من وافقه فهى أن بناء قريش أقرّه النبي صلى اللّه عليه و سلم و من بعده من الخلفاء فلا يغير، و إذا قلتم بأن الحجاج غير مصيب و أن الحق مع ابن الزبير رضى اللّه عنهما فى إدخاله القدر المختلف فيه من الحجر فى البيت الشريف، فكيف أقر النبى صلى اللّه عليه و سلم فعل قريش الذى اقتدى به الحجاج مع أنه يلزم عليه التغيير فى بيت اللّه من جهة فتح باب فى علو جدار الكعبة و سد باب آخر و
تغيير معالمها التي كانت عليه زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم؟ و هم و إن لم يكونوا مكلفين إذ ذاك بشرع لكن أقرهم النبى صلى اللّه عليه و سلم على ذلك و كذا الخلفاء رضى الله عنهم مع أنه يلزم عليه أن يكون الاستطراق من ذلك الباب المفتوح من جدار الكعبة حراما، حيث كان الفتح حراما، و كذا الدخول فى أحد فتحتى الحجر، و قد دخل صلى اللّه عليه و سلم و الخلفاء من ذلك الباب الذى فى جدار الكعبة و أما دخوله صلى اللّه عليه و سلم الحجر فهل ورد به حديث أولا؟ فإن الإمام(1)السبكى مع سعة اطلاعه قال فى رسالته منع الاستطراق من الباب و المستحق الإغلاق أنه لا يدرى هل دخله النبى صلى اللّه عليه و سلم أو لا؟ و من جهة إخراج جانب من البيت و هو المقدار المختلف فيه الداخل فى الحجر و يلزم من إخراجه إفساد طواف من طاف من داخله، و هل الحجر بسكون الجيم كان الداخل منه زمن الخليل فى البيت هذا المقدار من الأذرع الستة أو نحوها؟ و الباقى كيف كان؟ هل كان فى المسجد أو كان له حكم آخر فى زمن الخليل و إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم؟ و هل الجدار المميز للحجر من المسجد أحدثه أو لا هل هو سيدنا عمر رضى اللّه عنه كما أنه أول من عمل جدارا للمسجد الذى حول الكعبة أو قريش فعلت ذلك قبل الإسلام؟ و هل أساس الخليل صلى اللّه عليه و سلم من داخل ذلك الجدار أو الجدار محاذيه؟ و مع هذا فقد نقل غير واحد أن قبر سيدنا إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم بالحجر فى البلاطة الخضراء و ذلك من رأسها إلى ناحية الركن الغربى مما يلى بنى سهم ستة أشبار فعند انتهائها يكون رأس إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم على ما نص عليه عالم الحجاز المحب الطبرى، و ذكر الإمام الشامى من حديث أبى جهم أن إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم توفى بمكة فدفن بالحجر مما يلى الكعبة و هناك قبر أمه هاجر دفن معها و كانت توفيت قبله، ثم ذكر عن ابن الزبير رضى اللّه عنهما أنه لما كشف عن أساس إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم فوجده داخلا فى الحجر ستة أذرع و شيئا، و أصاب قبرا فقال: «هذا قبر أم إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم» فاقتصر على الإخبار بأنه قبر أم إسماعيل و لم يقل: «قبر إسماعيل» مع أفضليته، و نقل بعضهم أن قبر إسماعيل بالحطيم فما الأصح من ذلك؟ و هل المراد بالحطيم الحجر؟ و هل المراد أنهما مدفونان فى المقدار الذى كان داخلا فى البيت زمن
1) انظر القول فى رسالة ابن حجر الهيثمى« المناهل القوية»، لوحة 6.
الخليل صلى اللّه عليه و سلم؟ فإن كان كذلك فكيف يقبر فى الكعبة الشريفة سيدنا إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم فإنه مات بعد بنائها و أما أمه هاجر فقد ماتت قبل بناء الكعبة؟ فإن أجيب بأن من خواص الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم أنهم يدفنون حيث يموتون و سيدنا إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم كان ساكنا بالحجر كما فى حديث أبى جهمة أن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم لما سار بهاجر و ولدها إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم إلى مكة انتهى إلى موضع البيت فعمد إلى موضع الحجر فأوى فيه هاجر و إسماعيل و أمرها أن تتخذ عريشا فى موضع الحجر من سمر و ثمام ألقته عليه قال الشامى: «و لا يخالف ذلك» ما فى حديث ابن عباس رضى اللّه عنهما من أن إبراهيم(1)عليه السلام جاء بهاجر و بابنها إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم و هى ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم فى أعلى المسجد خلافا لما زعمه فى شفاء الغرام لاحتمال أن يكون إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم أنزلهما أولا عند الدوحة ثم نقلهما إلى موضع الحجر أو بالعكس و اللّه تعالى أعلم انتهى. فكيف حكم الصلاة فى ذلك المحل مع كراهة الصلاة فى المقابر؟
و كيف طمس قبر سيدنا إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم؟ و كذا يقال فى أمر سيدنا عمر رضى اللّه عنه حيث أمر بطمس قبر سيدنا دانيال صلى اللّه عليه و سلم حيث ظهر فى زمان خلافته؟ و قد روى الإمام(2)أحمد أن ما بين المقام إلى الركن إلى بئر زمزم إلى الحجر قبر سبعة و سبعين نبيا جاءوا حاجين فماتوا فقبروا هنالك، و قد روى الطبرانى فى معجمه عن ابن عمر رضى اللّه عنهما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم(3)
زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم بيوت مبنية أو لا؟ و من بنى عنده دارا أو لا؟ و هل كانت الدور التى بنيت عنده ملاصقة له أو منفصلة عنه مدورة أو مربعة مرفوعة عليه فى البناء أو لا؟ و هل يحرم تعلية بناء عليه أو لا؟ و هل كان المسجد الشريف المحيط بالكعبة زمن النبى صلى اللّه عليه و سلم و من بعده من الخلفاء محوطا مسقفا أو لا؟ و من فعل له جدارا أو سقفا بعده صلى اللّه عليه و سلم؟ و كيف كان سعة المسجد زمنه صلى اللّه عليه و سلم؟ هل كان على ما أسس عليه الخليل صلى اللّه عليه و سلم أو أنقص؟ و كيف أدخل فيه المهدى العباسى جانبا من المسعى و حوّل المسعى إلى غيره على ما نقله الأزرقى(1)و غيره من كيفية فعله زمنه مع أن السعى بين الصفا و المروة من الأمور التعبدية التى أوجبها اللّه تعالى فى ذلك المكان المخصوص و لا يجوز لنا العدول عنه؟ و كيف يصير ذلك مسجدا يصح الاعتكاف فيه؟ و كيف أقره العلماء على ذلك فى زمن المهدى مع جلالتهم عنده؟ و هل صح أن سيدنا على بن أبى طالب رضى اللّه عنه ولد بداخل الكعبة أو لا؟ و هل ولد بها أحد غيره أو لا؟ و هل يمتنع سكنى هذه البيوت التى بالحرم المجاورة للمسجد الشريف المفتوح لها أبواب فى سور المسجد ليتوصل منها إلى المسجد الشريف و إلى سطحه لحرمة فتح تلك الأبواب فى سور المسجد فيحرم الاستطراق أيضا منها أو يجوز سكناها مع حرمة الاستطراق و إن دعت لذلك حاجة ليلا؟ أو يفرق بين كون الجدار عريضا بحيث يحتاج إلى وضع القدم؟ و هل إحداث هذا البناء فى مصلى الأئمة جائر أو حرام و من أحدثه؟ و هل يجوز أخذ الأجرة على سكنى دور مكة و ما حكمها؟
فى أن محل البيت هل خلق قبل السماء و الأرض أو لا؟ و ما السابق فى الخلق بعد ذلك هل هو السماء و الأرض أو شئ آخر؟ و ما الجواب عن الآيات المختلفة الدلالة على ذلك؟ و هل محل البيت فى وسط الأرض و أنها دحيت من تحته أو لا؟ و هل علو مكة من الأرض إلى السماء خمسمائة عام كسائر الأرض إلى السماء أم مكة أعلى؟ و هل تجاه الكعبة باب من السماء أو لا؟ و هل
1) ج/ 1 شفاء الغرام ص 224
السماء أفضل من الأرض التى بنى فيها البيت هل هى خمسة أو عشرة أو أحد عشر؟ و هل بناء الملائكة كان قبل بناء آدم أو بعده؟ و هل كان بناؤهم لجميعه أساسا و علوا أو أساسا فقط، و أما العلو فكان خيمة أنزلت و وضعت على أساسه و كانوا يطوفون بها ثم رفعت قبل هبوط آدم؟ و كذا سيدنا آدم هل بنى أساسه فقط إما تجديدا لبناء الملائكة أو إنشاء و لم يبن فى العلو شيئا و إنما أنزل اللّه عليه خيمة وضعت على الأساس بمقداره؟ و هل طولها كان على طول البيت زمن الخليل أو أزيد؟ و هل كان بها قناديل أو لا؟ و هل هذه الخيمة هى البيت المعمور أو غيره؟ أو الواقع أن آدم صلى اللّه عليه و سلم جمع له بين البناء للأساس أو عليه و نزول الخيمة أو البيت المعمور و وضع ذلك قريبا من بنائه ليدوم أنسه بذلك، و كان يطوف بهما إلى أن رفع البيت المعمور أو الخيمة؟ و متى رفع ذلك هل بعد موته أو عند الطوفان؟ فإن الروايات مختلفة ففى بعضها أنها بقيت إلى زمن الطوفان و فى بعضها أنها رفعت بعد موتة، فعلى رواية أنها استمرت إلى زمن الطوفان كيف يتأتى القول بأن ولده سيدنا شيث صلى اللّه عليه و سلم
و هل جميع الأنبياء حجوا إليها أو تخلف البعض؟ و هل ثبت أن سيدنا موسى صلى اللّه عليه و سلم حج على ثور أو لا؟.
و المقام و ما ورد فى شأنهما و ما جرى عليهما من الحوادث السابقة و ما يؤول إليه أمرهما فى الآخر، و هل تسميته بالأسود وردت فى حديث؟ و هل ثبت له هذا الاسم زمن الخليل أو بعد أن اسوّد، و هل المقام فى محله الآن الذى كان فيه زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم و قريش و النبى صلى اللّه عليه و سلم أو لا؟ فإن الإمام الشافعى ذكر فى سيرته أنه كان لاصقا بالبيت عن يمين الداخل فهل هو صحيح أو لا؟ و لشرع فى المقصود متوكلا على الحق المعبود فنقول: أما الجواب عن السؤال الأول من المبحث الأول و هو هل حفظ محل البيت الشريف من دخول الطوفان إلخ؟
فهو أنه قد ذكر ابن هشام(1)فى سيرته أن الماء لم يعل البيت المعظم زمن الطوفان و لكنه قام حوله و بقى هو فى هواء السماء، و أن نوحا قال لأهل السفينة و هى تطوف بالبيت: إنكم فى حرم اللّه و حول بيته فأحرموا للّه و لا يمسك أحدا امرأة، و جعل بينهم و بين النساء حاجزا فتعدى حام فدعى نوح عليه أن يسود لون بنيه، و ذكر يحيى بن سلام عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- قال: أول من عاذ بالكعبة حوت صغير من حوت كبير فعاذ منه بالكعبة و ذلك فى أيام الطوفان و ذكر صاحب الكشاف(2)فى صورة إبراهيم عند قوله تعالى:
«عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ» ما نصه: «أو لأنه حرم على الطوفان» أى: منع منه، كما يسمى عتيقا لأنه أعتق منه فلم يستول عليه انتهى. فقول الكشاف: «فلم يستول عليه» محتمل لما قاله ابن هشام من أن المراد بالبيت البناء لا الخيمة، و أنه بقى هو فى هواء السماء من غير أن يرفع البناء إلى السماء، و أنه قام الطوفان حوله فيكون مراده أنه لم يستول على محله مع بقائه فى الهواء، ثم المراد ببقائه فى هواء السماء أنه لم يزل مستقرا فى محله من غير أن يمسه الماء فيكون فى فضاء لجهة السماء لا فى ماء الطوفان، لكن يبعد ما قاله ابن هشام من بقاء بناء البيت زمن الطوفان على الوجه المذكور، و كان موضعه أكمة حمراء لا يعلو السيول
غير أن الناس كانوا يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك من غير يقين محله، و كانوا يحجون إلى موضعه حتى بوأه اللّه لإبراهيم صلى اللّه عليه و سلم، و لهذا ذهب بعضهم إلى أن المرفوع هو البناء إلى السماء و أنه البيت المعمور كما يأتى و هذا كله ظاهر على القول فإن سيدنا آدم صلى اللّه عليه و سلم، بنى البيت، و أما على القول بأنه لم يبنه و إنما أنزل عليه خيمة ثم رفعت زمن الطوفان إلى السماء فلا ضرورة لحمل عبارة الكشاف(1)فى سورة إبراهيم على ما قاله ابن هشام حينئذ، بل تحمل على أنه الخيمة و أن موضعه منع منه الطوفان فاعتقد منه بأن رفعت الخيمة إلى السماء و لم يستول الطوفان على محلها أيضا. و الذى يدل على مراد الكشاف فى سورة إبراهيم هذا المعنى اقتصاره فى سورة البقرة عليه حيث قال فى تفسير قوله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الآية روى أن اللّه تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمردة شرقى و غربى و قال لآدم عليه السلام:
أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشى، فتوجه آدم من أرض الهند إليه ماشيا و تلقته الملائكة فقالوا: بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام، و حج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك إلى أن رفعه اللّه أيام الطوفان إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور انتهى.
و هذا أحد الأقوال فى البيت المعمور، و قيل: إن البيت المعمور هو البيت الذى بناه آدم أول ما نزل إلى الأرض- كما سيأتى فى الكلام على البيت المعمور- ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان، و تسميه الملائكة الضراح؛ لأنه ضرح عن الأرض إلى السماء بمعنى أبعد، و قد نسب هذا القول للزمخشرى الشيخ ابن حجر فى رسالته، و لعل الزمخشرى قاله فى غير الكشاف، فأنا لم نطلع على أنه قال ذلك فى الكشاف، و إذا صح ذلك فالمرفوع نفس البناء أيضا.
و فى تاريخ النويرى(2)فى قصة نوح صلى اللّه عليه و سلم أن الطوفان لما عم الأرض أمر اللّه الملائكة أن يحتملوا البيت إلى السماء الدنيا و كان الحجر الأسود يومئذ أشد بياضا من الثلج، فيقال إنه اسود من خوف الطوفان انتهى. فاستفيد منه وقت
مبتدأ اسوداد الحجر و إن العلة خوف الطوفان، لكن فى كون العلة ذلك لا يناسب ما فى الحديث من قوله إنما سوده خطايا بنى آدم، ثم رأيت بعض المصنفين من العلماء من أرباب الولاية ذكر أن القاضى اعترض هذا القول بأن موضع التشريف هو تلك الجهة المعنية و الجهة لا يمكن رفعها إلى السماء، ألا ترى أن الكعبة- و العياذ باللّه- لو انهدمت و نقلت أحجارها و أخشابها و ترابها إلى موضع آخر لم يكن لها شرف البتة و يكون شرف تلك الجهة باقيا بعد الانهدام و يجب على كل مسلم أن يصلى إلى تلك الجهة بعينها، و إذا كان كذلك فلا فائدة فى نقل تلك الجدران إلى السماء، و لقائل أن يقول: لما صارت تلك الأحجار و نحوها منسوبة لتلك الجهة اكتسبت منها مزيد الشرف فلهذا نقلت بأمر اللّه تعالى إلى السماء زمن الطوفان، و حينئذ فنقلها إلى السماء من أعظم الدلائل على نهاية تعظيم تلك الجهة بحيث ينقل إلى السماء ما كان مستقرا بها ألا ترى أن بناءها يزف يوم القيامة إلى الجنة و يكون بها هذا كله محصل كلام هذا المصنف، و لم أدر مراده بالقاضى الذى نسب له هذا الاعتراض و أجاب عنه، هل هو القاضى البيضاوى فى تفسيره أو فى بعض كتبه، أو القاضى عياض؟ و مع هذا فلم نقف على ذلك فى كلام القاضى البيضاوى(1)فى تفسير سورة آل عمران عند الكلام على قوله تعالى: «إن أول بيت وضع للناس» الآية بعد حكاية بعض الأقوال، و قيل: كان فى موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح تطوف به الملائكة فلما أهبط آدم أمر بأن يحجه و يطوف حوله، و رفع فى الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات، و هو لا يلائم ظاهر الآية، انتهى كلام القاضى البيضاوى. فقوله:
«و قيل كان فى موضعه قبل آدم بيت» قال المحسن شيخ الإسلام زكريا الأنصارى- نفعنا اللّه ببركاته- بنته الملائكة، و قوله: «و هو لا يلائم ظاهر الآية»، قال شيخ الإسلام المذكور: أى القول بأنه قبله بموضعه بيت فرفع إلى السماء لا يلائم ظاهر الآية. كما لا يخفى مع أن موضع التشريف هو تلك الجهة المعينة و الجهة لا يمكن رفعها انتهى.
فأنت تراه إنما اعترض القول بأنه كان بموضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح، و أنه استمر حتى حجه آدم و دام إلى أن رفع زمان الطوفان، و كلام القاضى
1) انظر تفسيره 1/ 320.
مجمل فعين شيخ الإسلام أن ذلك البيت بنته الملائكة، و أنه هو المرفوع زمن الطوفان، و ذكر أن وجه عدم ملائمة هذا القول لظاهر الآية ظاهر، و زاد أن موضع التشريف هو تلك الجهة المعينة و الجهة لا يمكن رفعها، و هذا من تصرفات شيخ الإسلام، و حمل لعبارة القاضى بما لا يتعين أنه مراده لجواز أن يكون كلامه محمولا على الخيمة التي كانت قبل آدم يطوف بها الملائكة، و أن وجه عدم ملائمة ذلك لظاهر الآية إما لما قاله القصام فى حواشى القاضى من أنه لم يكن حينئذ وضع للناس بل للملائكة، و إنما قال: «ظاهر الآية» لأنه يمكن تصحيحه بأنه أيضا للناس إلا أنه تتبرك به الملائكة قبل آدم و لم يكن وضعه لهم انتهى. أو لما قاله الكازرونى من أنه يدل حينئذ على أن الذى ببكة هو أول بيت وضع للناس هو الضراح الذى رفع فى زمن الطوفان انتهى. فتأمل.
ثم رأيت فى كلام بعض المحققين من شراح الحديث أنه روى أن اللّه أوحى إلى آدم عليه السلام: «إنى أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشى» فتوجه آدم من أرض الهند إليه ماشيا و تلقته الملائكة فقالوا: «برّ حجك يا آدم، فقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام» يعنى فى السماء انتهى. فهذا تأويل يمنع من حج الملائكة لما أهبط إلى آدم فى الأرض قبل وجود آدم و أنهم حجوه قبله فى السماء، و هذا يقتضى عدم هبوط بيت لهم فى الأرض قبل آدم و عدم بنائهم له قبله أيضا فيكون أول هبوط ذلك البيت زمن آدم لا قبله فيلائم ظاهر الآية عن قوله تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ» ثم اعلم أنه لا يشكل على ما تقدم من أن الطوفان لم يستول على البيت الشريف و لا على محله ما ذكره العلماء من أن طينة نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم من سرة الأرض بمكة يعنى الكعبة، و أنه لما خاطب اللّه السموات و الأرض بقوله: «ائتيا طوعا أو كرها» أجاب من الأرض موضع الكعبة و من السماء ما يحاذيها، و أن المجيب من الأرض ذرته صلى اللّه عليه و سلم، و من الكعبة دحيت الأرض و لم يكن مدفنه صلى اللّه عليه و سلم بها؛ لأنه لما تموج ماء الطوفان رمى الزبد إلى النواحى فوقعت جوهرته صلى اللّه عليه و سلم إلى ما يحاذى تربته بالمدينة و استقرت بها، فإن ظاهر هذا الكلام أن الطوفان دخل الكعبة و أخذ منها ذرته صلى اللّه عليه و سلم و ألقاها بمحل قبره الشريف؛ لأنا نمنع ذلك لجواز أن ذرته الشريفة حملتها
الرياح و ألقتها فى ماء الطوفان الذى حول البيت ثم تموج الماء بها إلى أن جاء إلى محل القبر الشريف، و حينئذ فلعل الفرق بين الطوفان و السيول أن الطوفان كان عذابا بخلاف السيول التى تقع جهة البيت الشريف لما سيأتى من أنها علامة على الخصب للجانب الذى تحصل فيه حتى لوعم جوانبه كان الخصب عاما لتلك الجهات كلها، و لكن تبقى الحكمة فى عدم استيلاء السيول على محله فيما بين زمن نوح و إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم مع استيلائها على بنائه فى هذا الزمن و هل الحكمة فى ذلك الوفاء بما أخبر به صلى اللّه عليه و سلم من انهدامه بعده مرتين و رفعه فى الثالثة؟ و لم يكن ليهدمه المسلمون فسلط اللّه عليه السيل ليهدمه تصديقا لهذا الخبر الصادق و اتعاظا لهذه الأمة و تنسيبها لها ليزدادوا من الاستمتاع به؛ لأنه على جناح مسافر لقرب الساعة و وقوع بعض أشراطها، ثم فى دعاء سيدنا نوح صلى اللّه عليه و سلم على ولده حام الذى تعدى فى الحرم بسواد لون بنيه تنبيه على أن معصية الآباء و لو كانوا ممن لا يعقل، يضر الأبناء و طاعتهم تنفع الذرية، و نظير ذلك ما ذكره الزركشى فى حمام الحرم أنه احترم لبيض أصله على نسج العنكبوت؛ فلذلك احترم حمام الحرم و هو من جنس قوله تعالى: وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً(1)قيل: جدهما السابع فحفظ الأعقاب رعاية للأسلاف و إن طالت الأحقاب، و ضد هذا ما أمر به النبى صلى اللّه عليه و سلم من قتل الوزغ لما قيل: إنها كانت تنفخ النار على إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم.
و أما الجواب ما ذكره الزركشى و ابن عطية(2)من عدم دخول سيل الحل فى الحرم فقد ذكره العلامة المؤرخ الفاسى(3)عن الأزرقى ما يخالف كلام الزركشى فإنه قال: ذكر الأزرقى(4)
و ذكر الفاكهى ما يقتضى أن سيل الحل يدخل إلى الحرم من عدة مواضع؛ لأنه قال: «ذكر ما يسكب من أودية الحل إلى الحرم» و بين هذه المواضع و ذكرنا ذلك فى أصل هذا الكتاب، انتهى كلام الفاسى. ثم اعترض ما ذكره جده من الأبيات التى فى تحديد الحرم و من جملتها.
و من يمن سبع بتقديم سينهاكذلك سيل الحل لم يعد بنيانه
قال: و هذه الفائدة ذكرها غير واحد من العلماء إلا أنها معترضة بما ذكره الأزرقى من أن سيل الحل يدخل الحرم من جهة التنعيم فقط، و قد سبق كلام الأزرقى فى هذا المعنى و يعارضها أيضا ما سبق عن الفاكهى و اللّه أعلم انتهى كلامه و قال الفاضل السمين فى تفسير قوله تعالى: «فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ» أن من جملة الآيات حمايته من السيول، و لعل المراد بالسيول سيول الحل لا مطلقا فإن السيول دخلته فتأمل اسمى هذا.
و فى تعليل ابن عطية(1)منع دخول سيل الحل فى الحرم بأنه ربوة و فى حكمها ليكون أصون له نظر؛ إذ مقتضاه أن أرض الحرم أرفع من أرض الحل؛ فلهذا لا يدخلها الماء، و قد روى عن عائشة- رضى اللّه عنها- أنها قالت:
«لو لا الهجرة لسكنت مكة، إنى لم أر السماء بمكان أقرب إلى الأرض منها بمكة، و لم يطمئن قلبى ببلد قط ما اطمأن بمكة، و لم أر القمر بمكان قط أحسن منه بمكة» أخرجه(2)الأزرقى. و هذا لا يدل صريحا على أن أرض الحرم أعلى من أرض الحل و إنما يدل على أن مكة بتمامها أقرب إلى السماء من باقى الأرض، و مع هذا فرواية عائشة- رضى اللّه عنها- يعارضها ما ذكره كعب الأحبار- رضى اللّه عنه- فى قوله تعالى: «وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ» أنه ينادى من بيت المقدس من الصخرة و هى أوسط الأرض و هى أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا انتهى.
ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال: إن فى كلام كعب هذا نظر، أو لم يبينه و لعل وجهه رواية عائشة- رضى اللّه عنها- المتقدمة الدالة على أن مكة أرفع إلى جهة السماء من غيرها، ثم رأيت فى كتاب إعلام الساجد(3)بأحكام المساجد
نقلا عن القشيرى أنه قال فى تفسير قوله: وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ(1)قال:
ينادى المنادى و هو صاحب الصور من الصخرة من أعلا بيت المقدس و هى أقرب إلى الأرض باثنى عشر ميلا انتهى.
فقوله: «أقرب إلى الأرض» عكس قول كعب: «أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا» فليتأمل و ذكر القاضى البيضاوى فى تفسير قوله تعالى:
وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ(2)من سورة المؤمنين أى أرض بيت المقدس فإنها مرتفعة، أو دمشق، أو رملة فلسطين، أو معرفان قراها على الربا انتهى. لكن ما ذكره القاضى من أن الربوة دمشق اعترضه ابن العماد حيث قال: الصحيح أن الربوة التى أدى إليها المسيح و أمه مدينة البهنساوية فى موضع يعرف الآن بمسجد الديوان أوى به هو و أمه سبع سنين، قال: و أما الربوة التي بدمشق فموضع مبارك تره مليح النظر فى لحف جبل و ليست الربوة التى ذكر اللّه عز و جل فى كتابه؛ لأن عيسى عليه السلام ما دخل دمشق و لا وطئ أرض الشام، بل الربوة هى مصر. و قيل: هى الرملة انتهى المقصود منه. و اعلم أن نظير ما ذكر من عدم استيلاء السيول على محله فيما تقدم مع استيلائه عليه فى مثل هذا الزمن فإنه استعلى على بنيانه فى هذا الزمن، و خالف العادة ما ذكره الحافظ و جزم به أبو عتبة البكرى من أن الفرقة من الطير و غيره تقبل حتى إذا كادت تبلغ الكعبة انفرقت فرقتين فلم يعل ظهرها شئ منها، و ذكر مكى و غيره أن الطير لا يعلوه و إن علاه طائر فإنما ذلك لمرض يستشفى بالبيت، قال ابن عطية: و هذا عندى ضعيف و الطير يعاين يعلوه و قد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جدره و تلك كانت من آياته انتهى قال(3)الزركشى: و ليس فى هذا ما ينافى كلام مكى انتهى.
و وجه عدم المنافاة ظاهر و ذلك لأن ما عوين من ذلك جاز أن يكون للاستشفاء و أما العقاب فعلوه إنما هو لأخذ الحية المذكورة، و قال بعض
المتأخرين: المعروف عند أهل مكة المشرفة قبل وقتنا هذا ما قاله مكى و ابن(1)جماعة و غيرهما، و أما فى وقتنا هذا فما قاله ابن عطية فإن الطيور الآن تعلوه كثيرا و يتكرر ذلك فى الساعة الواحدة، و هذا مشاهد لا ينكر قال: و لعل حدوثه كذلك بسبب ما وقع من نقض السقف و التغييرات الواقعة على بعض المتأخرين يحتمل أنه كان فى السقف المنقوض و فيما غير شئ من الأرصاد يمنع ذلك فزال عند النقض و التغيير، قلت هذا غير مناسب إذ من المعلوم أن السقف حادث بعد الخليل صلى اللّه عليه و سلم و الظاهر أن هذا الاحترام ثابت له قديما و لو كان ذلك بسبب رصد لم يكن له مزية ذاتية، إذ هذا القدر موجود فى غيره بل نقله الزركشى أن بالجامع الأزهر طلسما لا يسكنه عصفور و لا يفرخ فيه، و قد ذكر التورنسى فى شرح المصابيح أنه قال: و لقد شاهدت من كرامة البيت أيام مجاورتى بمكة أن الطير كان لا يمر فوقه و كنت كثيرا أتدبر تحليق الطيور فى ذلك الجو فأجدها مجتنبة عن محاذاة البيت، و ربما انقضت من الجو حتى تدانت فطافت به مرارا ثم ارتفعت: ثم قال أيضا: و من آيات اللّه البينة فى كرامة البيت أن حمامات الحرم إذا نهضت للطيران طافت حوله مرارا من غير أن تعلوه، فإذا وقفت عن الطيران وقعت على شرفات المسجد أو على بعض الأسطحة التى حول المسجد و لا تقع على ظهر البيت مع خلوها عما ينفرها، و قد كنا نرى الحمامة إذا مرضت و تساقط ريشها و تناثر ترتفع من الأرض حتى إذا دنت من ظهر البيت ألقت بنفسها على الميزاب أو على طرف ركن من الأركان فتبقى زمانا طويلا كهيئة المتخشع ثم تنصرف بعد حين من غير أن تعلو شيئا من سقف البيت انتهى.
لكن روى أن طيرا من أقبلا فى الجاهلية كأنهما نعامتان يسيران كل يوم ميلا أو بريدا حتى أتيا مكة فوقعا على الكعبة، و كانت قريش تطعمهما و تسقيهما فإذا خف الطواف من الناس نزلا فدفيا حول الكعبة، حتي إذا اجتمع الناس طارا فوقعا على الكعبة فمكثا كذلك شهرا أو نحوه ثم ذهبا، و معنى دفيا: سارا، و منه يدفون إليك دفوف النشور، قال فى الصحاح: الدفيف الدبيب و هو السير اللين.
و أما الجواب عن أنه هل تقدم حصول سيل يقرب من هذا أو لا؟ فنقول:
1) انظر كتابه المناسك 2/ 103
ذكر السهيلى(1)أنه قد قيل أن البيت الشريف بنى فى أيام جرهم مرة أو مرتين لأن السيل قد صدع .... و لم يكن ذلك بنيانا و إنما كان إصلاحا لما .....
و جدارا بنى بينه و بين السيل.
قلت: فى حديث أبى جهم بن حذيفة رضى اللّه عنه أن البيت فى زمن جرهم دخله السيل من أعلا مكة فانهدم فأعادته جرهم على بناء إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و جعلت له مصراعين و قفلا انتهى.
و ذكره السيد السمهودى أنه فى شهر ذى القعدة الحرام سنة سبع و ثمانين و ثمانمائة قبل دخول الحاج مكة أرسل اللّه سيلا عظيما بمكة ملأ ما بين الجبلين، و علا جدار أبواب المعلاه، و ارتفع فى جوف الكعبة أزيد من قامة و هدم دورا كثيرا و ذهب فيه من الأموال و الأنفس مالا يحصيه إلا اللّه تعالى و وجد تحت الردم بالمسجد الحرام فقط عند تنظيفه نحو ثمانين نفسا و مائة، و لم أقف فى سيول الجاهلية و الإسلام على مثله، و لم يتأت إخراج ذلك الردم بعد جمعه بالمسجد الحرام كالأرام حتى قدم الحجاج و شاهدوا هذه الآية. و قد عقد الإمام الفاسى(2)بابا فى ذكر شئ من أمطار مكة و سيولها الواقعة فى الجاهلية و الإسلام و شئ من خبر الصواعق بمكة، قال رحمه اللّه: روينا عن الأزرقى قال سيول وادى مكة فى الجاهلية حدثنى محمد بن يحيى حدثنا عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز أن وادى مكة سال فى الجاهلية سيلا عظيما و خزاعة تلى الكعبة و أن ذلك السيل هجم على أهل مكة و دخل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و رمى بالشجر بأسفل مكة، و جاء برجل و امرأة ميتين فغرقت المرأة و كانت تكون بأعلى مكة يقال لها فارة و لم يعرف الرجل فبنت خزاعة حول البيت بناء أدارته عليه و أدخلوا الحجر فيه ليحصنوا البيت من السيل فلم يزل ذلك البناء على حاله حتى بنت قريش الكعبة فسمى ذلك السيل سيل فارة و سمعت أنها امرأة من بنى بكر.
و روى الأزرقى(1)بسنده عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده قال: جاء سيل فى الجاهلية كسى ما بين الجبلين، ثم ذكر الأزرقى سيول مكة فى الإسلام فمنها على ما ذكر السيل المعروف بسيل أم نهشل بنت عبيد بن سعيد بن العاص بن أمية لذهابه بها، و دخل هذا السيل المسجد الحرام من الوادى و من أعلى مكة من طريق الردم، و ذهب بمقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام حتى وجد بأسفل مكة فأتى به و ربط عن الكعبة بأستارها، و أخبر عمر بن الخطاب بذلك فأقبل فزعا حتى وصل إلى مكة ورد المقام إلى موضعه و عمل الردم الذى بأعلى مكة صونا للمسجد بناه بالظفاير و الصخر العظام و ردمته بالتراب و هو معروف عند الناس إلى اليوم، و لما ردم هذا المكان صار السيل إذا وصل من أعلى مكة لا يعلو هذا المكان بل كان ينحرف عنه إلى جهة الشمال المستقبل للبيت الشريف للبناء الذى بناه عمر رضى اللّه عنه فلا يصل هذا السيل إلى وادى إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم، و يكاد يمنع جريان هذا السيل إلى أسفل مكة سيل آخر يعترضه يسمى سيل لفيم يجتمع من الجهات التى فى جنوب مكة و ينصب من محلة حياة و يمر عريضا إلى أن يصدم الركن اليمانى من المسجد و ينحرف إلى أسفل مكة، و قوة جريانه تمنع من جريان سيل وادى إبراهيم فيقف و يتراكم و يدخل المسجد الحرام، و تقع مثل هذه السيول عليه من كل عشرة أعوام تقريبا مرة، فيدخل المسجد الحرام و يحتاج إلى تبديل و تنظيف الحصى و نحو ذلك، و قد عمل المتقدمون و المتأخرون لذلك، طرقا و اهتموا غاية الاهتمام، فاندرست أعمالهم بطول الزمان، و لم يتفطن الملوك بعدهم لذلك، و استمرت السيول العظيمة بعد كل مدة تدخل إلى المسجد.
و نقل الأزرقى(2)عن جده أنه جاء بعد ذلك أسيال عظائم فلم يعمل، منها سيل هذا الردم، و منها السيل المعروف بسيل الجحاف فى سنة ثمانين من الهجرة بينما الحجاج نازلون بوادى مكة و قد ضربوا الأبنية أتاهم فى غبش يوم التروية قبل صلاة الصبح سيل ذهب بهم و بمتاعهم، و دخل المسجد الحرام، و أحاط بالكعبة، و هدم الدور الشارعة على الوادى، و قتل الهدم أناسا كثيرا و رقى
الناس الجبال، و اعتصموا بها، فسمى بذلك الجحاف و لما بلغ الخبر عبد الملك بن مروان فزع لذلك و بعث بمال عظيم لعمل ظفاير الدور الشارعة على الوادى و لعمل ردم على أفواه السكك ليحصن بها دور الناس فعمل ذلك، و منها سيل يقال له: سيل المخبل؛ لأنه أصاب الناس بعده شبه الخبل لمرض شديد فى أجسامهم و ألسنتهم، و كان سيلا عظيما دخل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و ذلك فى سنة أربع و ثمانين و مائة، و منها فى هذه السنة سيل عظيم دخل المسجد الحرام و ذهب بالناس و أمتعتهم و غرق الوادى فى أثره، و منها سيل فى خلافة المأمون سنة اثنين و مائتين و دخل هذا السيل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة، و كان دون الحجر الأسود بذراع، و خيف منه على المقام فرفع، و هدم للناس دورا و ذهب بكثير من الناس، و أصاب الناس بعده مرض شديد من وباء و موت فاشى، و سمى هذا السيل سيل ابن حنظلة؛ لأنه جاء فى ولايته على مكة لحمدون بن على بن عيسى بن ماهان، و منها سيل فى خلافة المأمون أيضا فى شوال سنة ثمان و مائتين دخل المسجد الحرام و بلغ الحجر الأسود، و رفع المقام من موضعه خوفا عليه من ذهابه به، و كبس المسجد و الوادى بالطين و البطحاء، و قلع صناديق الأسواق و مقاعدهم و ألقاها بأسفل مكة و هدم دورا كثيرة مشرفة على الوادى و ذهب بناس كثير.
هذا ما ذكره(1)الأزرقى فى سيول مكة فى الجاهلية و الإسلام و هى فى كتابه أبسط من هذا.
و ذكر(2)الفاكهى السيول التى ذكرها الأزرقى أقصر مما ذكره و ذكر فى ذلك ما لم يذكره الأزرقى، لأنه ذكر أن السيل الذى يقال له المخبل كان فى ولاية حماد البربرى على مكة و هذا لا يفهم من كلام الأزرقى، و ذكر أن السيل الذى يقال له: سيل ابن حنظلة، كان عظيما ملأ الوادى و علاه قيد رمح و هذا أيضا لا يفهم من كلام الأزرقى.
و نقل الفاكهى هذا عن أبيه إسحق بن العباس.
و من أمطار مكة و سيولها فى الإسلام مما لم يذكره الأزرقى مع إمكانه لذكره لوقوع ذلك قبل موته بكثير سيل كان فى سنة ثمان و ثمانين من الهجرة و فى تاريخ ابن جرير(1)الطبرى شئ من خبر هذا السيل؛ لأنه ذكر أن الإمام العادل عمر بن عبد العزيز قدم مكة للحج فى هذه السنة و معه نفر من قريش، فلما قربوا من مكة لقيهم بعض أهلها و أخبروهم بقلة الماء بها و أنه يخشى على الحجاج العطش، فدعا عمر و من معه و ألحوا فى الدعاء، قال صالح ابن كيسان فما وصلت إلى البيت ذلك اليوم إلا مع المطر، حتى كان مع الليل و سكنت السماء جاء سيل الوادى، فجاء أمر خافه أهل مكة، و مطرت عرفة و منى و جمع، فما كانت إلا عين، قال: و كانت مكة تلك السنة مخصبة، و منها سيل أبى شاكر فى ولاية هشام بن عبد الملك فى سنة عشرين و مائة و لم يبين الفاكهى(2)تسمية هذا السيل بأبى شاكر؛ و ذلك لأن أبا شاكر حج بالناس سنة تسع عشرة و مائة على ما ذكر العتيقى و غيره، و جاء هذا السيل عقيب حج أبى شاكر فسمى به و اللّه أعلم.
و منها سيل الكبرى فى خلافة المهدى العباسى سنة ستين و مائة و كان هذا السيل ليومين بقيا من المحرم ذكر هذين السيلين الفاكهى بمعنى ما ذكرناه.
و من أمطار مكة و سيولها فى عصر الأزرقى(3)أو بعده بقليل سيل كان فى سنة ثلاث و خمسين و مائتين دخل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و بلغ قريبا من الركن الأسود و رمى بالدور بأسفل مكة، و ذهب بأمتعة الناس و قرب منازلهم، و ملأ المسجد عشا و ترابا حتى جرما فى المسجد من التراب بالعجل، و منها فى سنة اثنين و ستين و مائتين سيل عظيم ذهب بحصباء المسجد الحرام حتى عرى منها.
و منها سيل فى سنة ثلاث و ستين و مائتين و ذلك أن مكة مطرت مطرا شديدا حتى سال الوادى و دخل السيل من أبواب المسجد، فامتلأ المسجد و بلغ قريبا من
الحجر الأسود و رفع المقام من موضعه و أدخل الكعبة للخوف عليه من السيل.
ذكر هذه السيول الفاكهى بهذا اللفظ غير قليل بالمعنى و من أمطار مكة و سيولها بعد الأزرقى ما ذكره إسحق بن أحمد الخزاعى راوى تاريخ الأزرقى و أدخله فيه عقيب الخبر الذى فيه أنه يأتى على زمزم زمان تكون أعذب من النيل و الفرات لأنه قال و قد رأينا ذلك سنة إحدى و ثمانين و مائتين و ذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة سال واديها بأسيال عظام سنة تسع و سبعين و سنة ثمانين و مائتين فكثر ماء زمزم و ارتفع حتى كان. سفح قارب رأسها فلم يكن بينه و بين شفتها العليا إلا سبعة أذرع أو نحوها و ما رأيتها قط كذلك و لا سمعت من يذكر أنه رآها كذلك، و عذبت جدا حتى كان ماؤها أعذب من مياه مكة التى يشربها أهلها انتهى.
و منها ما ذكره المسعودى(1)فى تاريخه فى أخبار سنة سبع و تسعين و مائتين لأنه قال ورد الخبر إلى مدينة السلام بأن أركان البيت الحرام الأربع غرقت حين جرى الغرق فى الطواف، و فاضت بئر زمزم و إن ذلك لم يعهد فيما سلف من الزمان انتهى.
و منها مطر فى جمادى الأولى سنة ثمان و عشرين و خمسمائة أقام سبعة أيام فسقطت الدور و تضرر الناس به كثيرا.
و منها مطر سنة تسع و أربعين و خمسمائة سال فيه وادى إبراهيم و نزل برد بقدر البيض وزن مائة درهم.
و منها مطر فى سنة تسع و ستين و خمسمائة جاء سيل كبير و دخل السيل من باب بنى شيبة و دخل دار الإمارة عنده، و لم ير مثله فى دخوله من هذه الجهة، و منها فى سنة سبعين و خمسمائة أمطار كثيرة و سيول سال فيها وادى إبراهيم خمس مرات.
و منها فى ثامن صفر سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة سيل دخل الكعبة و أخذ أحد فرجتى باب إبراهيم، و حمل المكة و درجة الكعبة، ثم رأيت بخط بعضهم
1) مروج الذهب 1/ 120
تقتضى أن السيل دخل الكعبة فبلغ قريبا من الذراع و فرجتى باب إبراهيم و سال بهما، و هذا لا يفهم مما ذكرناه أولا.
و منها فى منتصف ذى القعدة سنة عشرين و ستمائة سيل عظيم قارب دخول الكعبة و لم يدخلها، و منها سيل فى سنة إحدى و خمسين و ستمائة، و منها فى ليلة نصف شعبان سنة تسع و ستين و ستمائة سيل لم يسمع بمثله فى هذه الأعصار على ما ذكر الميورقى، و ذكر أنه بسببه من الهدم و الغرق مات منهم عالم عظيم، بعضهم حملهم السيل و بعضهم طاحت الدور عليهم، انتهى بالمعنى من خط الميورقى.
و منها فى ليلة الأربعاء سادس عشر من ذى الحجة سنة ثلاثين و سبعمائة وقع سيل عظيم بلا مطر امتلأت منه البرك التى فى المعلاة، و عند المولد النبوى و خرب البساتين، و ملأ الحرم بالأوساخ، و منها فى آخر ذى الحجة سنة اثنين و ثلاثين و سبعمائة أمطار و صواعق بمكة منها صاعقة على أبى قبيس فقتلت رجلا و الأخرى بالجعرانة فقتلت رجلين، و منها فى سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة مطر عظيم و سيل هائل دخل الكعبة و فعل أمورا عجيبة و قد ذكره غير واحد، و أبلغ بعضهم فى وصفه و أفاد من حاله ما لم يفده غيره لأنى وجدت بخطه ما صورته لما كان عام ثمانية و ثلاثين و سبعمائة أحسن اللّه تقضيه و عقباه ليل الخميس عاشر جمادى الأولى منه الموافق خامس كانون الأول، قدر اللّه تعالى حصول غيم و رعود مزعجة و بروق مخيفة و مطر وابل كأفواه القرب المطلقة عن ملء من علو، ثم دفعت السيول من كل جهة، و كان ذلك بمكة شرفها اللّه تعالى و حماها و كان معظم السيل من جهة البطحاء فدخل الحرم الشريف من جميع الأبواب التي تليه من باب بنى شيبة إلى باب إبراهيم، و حفر فى الأبواب و حول الأعمدة التى فى طريقه جورا مقدار قامتين و أكثر، و لو لم تكن أساسات الأعمدة محكمة لكان رماها و قلع من أبواب الحرم أماكن و طاف بها الماء و طاف بالمنابر كل واحد إلى جهة، و بلغ عند الكعبة المعظمة قامة و بسطة، و دخلها من خلل الباب و علا الماء فوق عتبتها أكثر من نصف ذراع بل شبرين، و وصل إلى قناديل المطاف، و عبر فى بعضها من فوقها فأطفأها، و غرق بعض المجاورات النساء
اللاتى فى المساطب، و خرب بيوتا كثيرة و غرق بعض أهلها و بعضهم مات تحت الردم، و كان أمرا مهولا قدره قادر يقول للشىء كن فيكون، و لو دام ذلك النوء إلى الصباح لكان غرقت مكة و العياذ باللّه تعالى انتهى.
و لم يجئ بمكة فيما علمت سيل على صفته إلا سيل كان فى سنة اثنين و ثمانمائة و ذلك أن فى ليلة الخميس عاشر جمادى الأولى من السنة المذكورة، وقع بمكة مطر كأفواه القرب و ما شعر الناس إلا بسيل وادى إبراهيم قد هجم مكة، فلما حاذى جياد خالطه مسيله فصار ذلك ... و دخل المسجد الحرام من غالب أبوابه و عمه كله، و كان عمقه فى المسجد خمسة أذرع على ما قيل، و دخل الكعبة و علا فوق عتبتها ذراعا أو أكثر فيما قيل، و ألقى درجة الكعبة عند باب إبراهيم، و أخرب عمودين فى المسجد فسقطا بما عليهما من البناء و السقف، و أخرب دورا كثيرة بمكة، و مات فى الهدم جماعة يقال أنهم نحو ستين نفرا فلا حول و لا قوة إلا باللّه، و من العجيب أن هذين السيلين اتفقا فى التاريخ باعتبار الشهر و الليلة لأن كليهما في ليل الخميس عاشر جمادى الأولى فسبحان الفعال لما يريد.
و من سيول مكة المهولة بعد هذا السيل سيل يدانيه لدخوله المسجد الحرام و ارتفاعه فيه فوق الحجر الأسود حتى بلغ عتبة باب الكعبة الشريفة، و ألقى درجها عند منارة باب الخرورة، و كان هجم هذا السيل على المسجد الحرام عقيب صلاة الصبح من يوم السبت سابع عشر ذى الحجة سنة خمس و عشرين و ثمانمائة، و كان المطر وقع بقوة عظيمة فى آخر هذه الليلة، فلما كان وقت صلاة الصبح صلى الإمام الشافعى بالناس أمام زيادة دار الندوة بالجانب الشامى من المسجد الحرام لتعذر الصلية عليه بمقام إبراهيم و ما يليه هناك، فلما انقضت صلاته للصبح حمل الفراش الشمع ليوصله للقبة المعدة لذلك بين سقاية العباس و قبة زمزم، فإذا الماء فى صحن المسجد يعلوه قليلا قليلا و لم يتمكن من إيصال الشمع للقبة إلا بعسر، و كان بعض أهل السقاية بها فدخل عليه الماء من بابها، ثم زاد فرقى على دكة هناك، ثم زاد فرقى على صندوق وضعه فوق الدكة، فبلغه الماء فخاف و خرج من السقاية فارا إلى صوب الصفا و ما نجا إلا بجهد، و كان السيل قد دخل المسجد من الأبواب التى بجهة الصفا و الأبواب التى
بالجهة الشرقية و هى التى فيها باب بنى شيبة و منه دخل الماء إلى المسجد الحرام و قل أن يعهد دخول الماء منه، و صار المسجد مغمورا بالماء الكثير المرتفع نحو القامة، و كان به خشب كالصندوق الكبير ليس له رأس يستره كان فوق بعض الأساطين التى أزيلت فى هذه السنة لعمارتها، فأخرجه بعض الناس و ركب فيه و صار يقذف به حتى أخرج فيه من السيل الجديد عند زمزم شخصا كان بالسبيل متعلقا فيما قيل ببعض شبابيك السبيل خوفا من الغرق لما دخل الماء السبيل، و وصلا فيه للمحل الذى أرادا و فعل مثل ذلك لغير واحد، و ما خرج السيل من المسجد حتى هد باب إبراهيم لعلوه، و ألقى السيل فى المسجد من الوحل و الطين و الأوساخ ما كره التعب لتنظيفه و نقله و عسر قبل ذلك الانتفاع بالمسجد لأجله، و أفسد للناس أشياء كثيرة فى المتاجر فى الدور التى بمسيل وادى مكة بناحية سوق الليل و الصفا و المسقلة، و ما مات فيه أحد فيما علمناه و لكن مات فى هذه الليلة أربعة نفر بمكان يقال له الطنبداوية بأسفل مكة بصاعقة وقعت عليهم هناك فسبحان الفعال لما يريد، و مما تخرب بهذا السيل موضع الدرب الجديد بسور باب المعلاة و ألقاه إلى الأرض و ما بين هذا الباب و الباب القديم و ذلك ثمانية و عشرون ذراعا.
و منها سيل قارب هذا السيل دخل المسجد الحرام أبوابه لجانب اليمانى و قارب الحجر الأسود، و ألقى فى المسجد أوساخا كثيرة من المزابل و الطين و هدم باب الماجن بأسفل مكة و جانبا من سوره حتى بلغ به الأرض، و كان هذا السيل بعد المغرب ليلة ثالث جمادى الأولى سنة سبع و عشرين و ثمانمائة أثر مطر عظيم كان ابتداؤه بعد العصر فى ثانى الشهر المذكور. و قد أوضحنا خبر أمطار مكة و سيولها التى علمناها أكثر من هذا فى أصل هذا الكتاب، و قد خفى علينا خبر كثير منها بعد الأزرقى لعدم العناية بتدوين ذلك.
أما الجواب عن قوله: هل سقوط هذا الجانب من البيت إلى آخره فهو أنه من باب إرسال الآيات للزجر و التخويف على عادة اللّه تعالى: قال شيخ الإسلام ابن قدامة الحنبلى: و من ظن أن أرضا معينة تدفع عن أهلها البلاء مطلقا لخصوصها أو لكونها فيها قبور الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم و الصالحين فهو غالط
فأفضل البقاع مكة و قد عذب اللّه أهلها عذابا شديدا عظيما فقال: وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَ هُمْ ظالِمُونَ.(1)و روى أن النبى صلى اللّه عليه و سلم كان قد آخا بين سلمان الفارسى و أبى الدرداء، و كان أبو الدرداء بدمشق و سلمان بالعراق فكتب أبو الدرداء، إلى سلمان هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان إن الأرض لا تقدس أحدا و إنما يقدس الرجل عمله، و المقام بالثغور للجهاد أفضل من سكنى الحرمين باتفاق العلماء.
هذا و فى سقوط هذا الجانب الشريف من البيت فى هذا الزمن الوفاء بتصديق خبر الصادق المصدوق صلى اللّه عليه و سلم فيما أخبر به من تعدد خراب هذا البيت الشريف بعده ليبادر أمته بمزيد الاستمتاع به و الإقبال عليه بمزيد التعظيم و التكريم لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «استمتعوا من هذا البيت فإنه يهدم مرتين و يرفع فى الثالثة» و فى الاستمتاع به القيام بواجب حقه و التباعد عما يضع من عظيم قدره من اقتراف الذنوب و الآثام خصوصا بمجاورة تلك المشاعر العظام، فقد تهاون الناس بالقيام بحقه العظيم و ما يجب له من التكريم من حصل التعال على بنائه فى هذا الزمن المؤذن بعدم احترامه، و قد كانت أهل الجاهلية محترمين له احتراما عظيما بحيث لم يبنوا بيتا عنده فى القديم إلى زمن قصى، و كانوا لا يرون بالجنابة بمكة حتى نقل أن سيدنا آدم كان لا يأتى حواء إلا فى الحل لأجل الولد، و كان بعض الأولياء المجاورين فى الحرم لا يأتون حاجة الإنسان إلا فى الحل، و كان عمر رضى اللّه عنه يأمر بهدم كل بناء أشرف عليها، و قال: ليس لكم أن تبنوا حولها ما يشرف عليها، و كذا كان شيبة لا يرى بيتا مرتفعا على الكعبة إلا أمر بهدمه، و قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص حين رأى بيتا على أبى قبيس يشرف على الكعبة:
إذا رأيت بيوت مكة قد علت أخشابها كذا و فجرت بطونها أنهارا فقد أزف الأمر أى قرب إلى غير ذلك، و قد روى في وهيب بن الورد المكى- رحمة اللّه عليه- أنه قال: كنت ليلة أصلى فى الحجر فسمعت كلاما بين الكعبة و الأستار خفيا
1) سورة النحل: 112، 113.
فاستمعت فإذا هى تناجى و تقول: إلى اللّه أشكو ثم إليك يا جبريل ممن حولى من سمرهم و تفكههم باللغو و ذكر أحوال الدنيا و الاغتياب و الخوض فيما لا ينبغى لهم و اللهو و الغيبة، لئن لم ينتهوا عن ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر منى إلى الجبل الذى قطع منه انتهى.
و ذلك لتعامى الخلق عن الحق و تماديهم فى الباطل، و تركهم الصلاة التى من تركها فقد كفر و صار بمنزلة القاتل، و منعهم الزكاة المفروضة عن الفقير و السائل، و أخذهم الربا و قد أمر اللّه بتركه أذن لحربه كل متثاقل، و تطفيفهم الكيل و الوزن يغل من هلكوا يوم الظلة بالعذاب الشامل، و إصرارهم على الكبر و الفجور و شرب الخمور و شهادة الزور فعل من شرد على اللّه و باع آخرته بالعيش الزائل، و لم يذكر الموت و لا اقتراب الساعة بالدلائل و قد أخرج الترمذى عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إذا اتخذ الفئ دولا، و الأمانة مغنما، و الزكاة مغرما، و تعلم لغير الدين، و أطاع الرجل امرأته و عق أمه، و أدنى صديقه و أقصى أباه، و ظهرت الأصوات فى المساجد، و ساد القبيلة فاسقهم، و كان زعيم القوم أرذلهم، و أكرم الرجل مخافة شره، و ظهرت القينات و المعازف، و شربت الخمور، و لعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء و زلزلة و خسفا و مسخا و قذفا، و آيات تتتابع كنظام لآلى قطع مهلكة فتتابع»، و قال ابن جرير فى تفسيره: حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة فى قوله تعالى: وَ ما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً(1)قال إن الله يخوف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبون أو يذكرون أو يرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه، و وقع زلزلة بالرى فبكر أبو عمران الصوفى فتلا هذه الآية: «و نخوفهم فيما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا».
قال السيوطى(2): و لا ينافى ما دل عليه هذه الآثار من أن الزلزال و الخسف من الآيات التى يخوف الله بها عباده ما روى عن ابن مسعود أنه أخبر بزلزلة تارة و بخسف أخرى فقال: إنا كنا أصحاب محمد نرى الآيات بركات و أنتم ترونها
تخويفا، نحن مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فى سفر إذ حضرت الصلاة و ليس معنا ماء إلا يسير فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بماء فى صحيفة و وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبجس من بين أصابعه، ثم نادى هى لأهل الوضوء و البركة من الله، فأقبل الناس فتوضئوا. فإن ذلك يدل على أن ابن مسعود يعتفد أنها بركة و ينكر على من اعتقد أنها تخويف، قال: و جوابه أن «نرى» بضم النون و به يزول الإشكال؛ لأنه إنما جاء من طريق أن الكلمة نرى بفتح النون مبنيا للفاعل بمعنى نعتقد من رأى الاعتقادية المتعدية إلى مفعولين بنفسها و إلى ثلاثة بالهمزة، و أن بركات مفعول ثانى و ليس كذلك بل هى نرى بالضم مبنيا للمفعول من أرى البصرى المتعدية قبل دخول الهمزة إلى واحد و بعد دخولها إلى اثنين، تقول: «رأى زيد آية» أى أبصر، و أراه اللّه آية أى بصّره إياها و منه قوله تعالى: يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً(1)نصب على الحال و كذلك فى هذا الأثر الضمير الذى ناب مناب الفاعل مفعول أول و الآيات ثان و بركات و تخويف حالان، و ليس مراد ابن مسعود أن الزلزلة بركة و إنما أراد أن يبين للناس عظم مقدار الصحابة و أنهم كانوا إذا أراهم الله آية أراهم آيات البركة من نبع الماء و تسبيح الطعام لصلاحهم، و أن الذى يعدهم لفساد زمانهم إنما يريهم الله من الآيات ما كان عذابا و غضبا كالزلزلة و الخسف هذا معناه فتأمل انتهى.
و لا شك أن حدوث هذا الحادث و دخول هذا السيل المهول من هذا الباب فيه إشارة لطيفة و هو أنه لما فقد من يقوم بحقه من مزيد الإخلاص فى القيام بحقوق الله تعالى كأنه حزن لفقده فتداعى بناؤه و سقط جداره، كما قيل فى حكمة سواد كسوة الكعبة أن بعض شيوخ أبى الصيف مفتى مكة قال له:
يا محمد تدرى لم كسى البيت السواد؟ فقال: لا، فقال: كأنه يسير إلى أنه فقد ناسا كانوا حوله فلبس السواد حزنا عليهم.
و قد ذكر القسطلانى فى قصة وقوع الحريق الأول بالمسجد النبوى صلى اللّه عليه و سلم المشرف فى أول ليلة الجمعة من رمضان سنة أربع و خمسين و ستمائة أنه شوهد من هذه النار أن صفة القهر و العظمة الإلهية مسئولية على الشريف و المشروف
1) سورة الرعد: آية( 12).
و كان هذا الحريق عقب ظهور نار الحجاز المنذر بها من أرض المدينة و حماية أهلها منها لما التجأوا إلى مسجدها فطفيت عند وصولها لحرمها، و ربما خطر ببال العوام أن حبسها عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم فى الآخرة مع اقتراف الأوزار، فاقتضى الحال البيان بلسان الحال الذى هو أفصح من لسان المقال، و النار مطهرة لأدناس الذنوب و قد كان الاستيلاء على المسجد حينئذ للروافض و القاضى و الخطيب منهم و أساءوا الأدب، و قد وجد عقب الحريق على بعض جدران المسجد هذه الأبيات:
لم يحترق حرم النبى لحادثيخشى عليه و ما به من عار
لكنها أيدى الروافض لا مستتلك الرسوم فطهرت بالنار و غيره
قل للروافض بالمدينة ما بكملقيادكم للذم كل سفيه
ما أصبح الحرم الشريف محرقاإلا لسبكم الصحابة فيه
و فى ذلك كله عبرة تامة و موعظة عامة أبرزها الله تعالى للإنذار فخص بها حضرة الرسول النذير صلى اللّه عليه و سلم، و قد ثبت أن أعمال أمته تعرض عليه فلما ساءت منا الأعمال المعروضة ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجازى بها فى موضع عرضها، فإنا فى وجل مما يعقب ذلك حيث لم، يحصل به الاتعاظ و الانزجار قال الله تعالى: وَ ما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً(1)و قال تعالى: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ(2)انتهى كلام السيد السمهودى.
و قد أخبر الصادق المصدوق بخراب هذا البيت الشريف بعد الإسلام مرتين و أنه يرفع فى الثالثة أو يرفع الحجر الأسود فيها على ما سيأتى، و قد ذكر العلماء أن من جملة الآيات البينات المذكورة فى قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ(3)بقاء بنائه الذي بناه ابن الزبير إلى الآن و لا يبقى غير هذه المدة الطويلة على ما يذكره المهندسون؛ لأن الرياح و الأمطار إذا تواترت على مكان خربته، و الكعبة ما زالت الرياح العاصفة و الأمطار العظيمة تتوالى عليها منذ بنيت و إلى تاريخه و لم يحدث بحمد الله تغير فى بنائها، و لكن سقوطها الآن
بقدر هذه المدة الطويلة الدالة على مزيد إعزاز هذا البيت الشريف وفاء بما أخبر به الصادق المصدوق من خرابه مرتين و أنه يرفع فى الثالثة، و لم يتقدم له خراب إلا مرة واحدة، و قد علمنا سلامة العاقبة فى هذا الهدم، و أنه يجدد فى دولة سلطاننا خلد الله و أبد عزته، ثم لا يهدم إلا بعد نزول سيدنا عيسى صلى اللّه عليه و سلم تهدمه الحبشة فلا يعمر، و كفى بذلك فخرا لهذا السلطان العثمانى و امتيازا عن جميع سلاطين الإسلام حيث حصل على يده عمارة هذا البيت الشريف و تجديده و يكون له ثوابه، و يراه سيدنا عيسى صلى اللّه عليه و سلم على بنائه فيحمده على ذلك و يدعو له فى تلك المسالك و كذا أهل الكهف لما روى ابن أبى حاتم عن أبى هريرة رضى الله عنه: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «ليهلن ابن مريم بفيح الروحاء حاجا أو معتمرا» و روى سعيد بن منصور عنه قال سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى يمر عيسى بن مريم بطن الروحاء حاجا أو معتمرا يلبى لبيك اللهم لبيك» و روى ابن الجوزى فى المثير(1)عن عطف بن خالد قال: يحج عيسى بن مريم إذا نزل فى سبعين ألف فيهم أصحاب الكهف فإنهم لم يموتوا و لم يحجوا» و فى قوله: «لم يموتوا» نظر، و الصحيح أنهم ماتوا.
و روى(2)الأزرقى عن عمرو بن يسار المكى قال: بلغنى أن الله تعالى إذا أراد أن يبعث ملكا من الملائكة لبعض أموره فى الأرض استأذنه ذلك الملك فى الطواف ببيته فيهبط الملك مهللا.
و عن وهب بن منبه قال: قرأت فى كتاب(3)من الكتب الأول ذكر فيه أمر الكعبة و أنه ليس من ملك بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت فينقض من عند العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعا بالبيت و يصلى فى جوفه ركعتين، ثم إذا قامت الساعة يعاد ذلك البناء و يزف إلى قبر النبى صلى اللّه عليه و سلم و يخاطبه، ثم إلى بيت المقدس و يعانق الصخرة، ثم يذهبان إلى الجنة فأى ثواب يعدل ثواب سلطاننا فى هذا الخير العظيم مع ما ورد فى الحديث
الشريف: «من بنى مسجدا يبتغى به وجه الله بنى الله له بيتا فى الجنة، فضله على ما سواه من جميع بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا» و المراد بقوله: يبتغى به وجه الله الإخلاص فى الفعل، فلو بنى مسجدا و كتب اسمه عليه ليطلع عليه الناس فيحمدونه كان بعيدا من الإخلاص، لأن المخلص يكتفى برؤية المعمور منه، و قد كان حسان بن أبى سنان يشترى أهل البيت فيعتقهم و لا يخبرهم من هو، و هذا الحديث يفسر المثلية فى الحديث الآخر و هو:
«من بنى للّه مسجدا بنى الله له بيتا فى الجنة مثله» فالمثلية فى مسمى البيت، و أما حقيقته و صفته فى السعة و غيرها فمعلوم فضلها و عظمها، فالمراد المثلية فى الاسم لا فى المقدار؛ لأن الأعمال الحسنة جزاؤها الضعف، و فى الحديث «من بنى لله بيتا كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا فى الجنة» و مفحص القطاة هو موضع تبحث فيه برجليها و تصلح موضعا لتبيض فيه بالأرض مأخوذ من الفحص و لو هنا للتقليل، و قد أثبته ابن هشام الخضراوى من معانيها و جعل منه «اتقوا النار و لو بشق تمرة» و الظاهر أن التقليل مستفاد مما بعد لو لا من لو، ثم المراد بالتقليل هنا إما الزيادة فى المسجد تنزيلا له منزلة ابتدائية أو لأن الكلام خرج مخرج المبالغة، و تأمل كيف خص القطاة بالذكر دون غيرها فى بنائه و الصدق فى إنشائه، و إذا كان هذا ثواب من بنى أى مسجد كان أو زاد فى بناء مسجد، فكيف بثواب من جدد أشرف بيوت الله تعالى و أولها و أعظمها؟ و قد قال الله تعالى فى كتابه العزيز: «وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ» فالرفع هنا إما حقيقى أو مجازى كالتطهير فى قوله تعالى: «وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ» قال العلماء: المراد بالبيوت هنا المساجد، و قيل: المساجد بيوت الله تضىء لأهل السماء كما تضىء النجوم لأهل الأرض و قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «تذهب الأرضون كلها يوم القيامة إلا المساجد فإنها يضم بعضها إلى بعض» و عن أبى الدرداء رضى الله عنه أنه قال: لتكن المساجد مجلسك فإنى سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يقول: إن الله عز و جل ضمن لمن كانت المساجد بيته الأمن و الجواز على الصراط يوم القيامة» و أما ما يتوهم من أن سقوط هذا البيت الشريف لأمر يقع فى الدنيا من خرابها و زوالها كما روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: قال الله
تعالى: «إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتى فخربته ثم أخرب الدنيا على أثره» فخطأ، و ذلك لأن المراد بهذا الخراب المذكور فى الحديث هو الخراب الذى لا يعقبه عمارة. و لا حج و ذلك لا يكون إلا من الحبشة بعد موت سيدنا عيسى صلى اللّه عليه و سلم قال فى مثير العزم(1)الساكن عن النبى صلى اللّه عليه و سلم فى حديث طويل «و خراب مكة من الحبشة، و خراب المدينة من الجوع، و خراب اليمن من الجراد» و فى الحديث «اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين» قال فى المصباح تركت البحر ساكنا لم أغيره عن حاله انتهى. و المعنى لا تتعرضوا لهم ما داموا فى ديارهم و لم يتعرضوا لكم، و أما إذا دخلوا بلاد الإسلام قهرا و العياذ بالله تعالى و استباحوا دماء المسلمين و أموالهم، فلا يباح لأحد ترك قتالهم و الذبّ عن أبضاعهم و أنفسهم، فإن قتالهم فى هذه الحالة فرض عين و فى الحالة الأولى غير فرضى، قال ابن رسلان: و وجه تخصيص الحبشة أن بلادهم و عرة ذات حر عظيم، و يقال: إن نهر النيل الواصل إلى مصر من بلادهم باقى، فإذا شاءوا حبسوه، و بين المسلمين و بينهم مهاد عظيمة و مفاوز شاقة، فلم يكلف الشارع المسلمين دخول ديارهم لعظم ما يحصل لهم من التعب و المشقة فى ذلك، و لأن الحبشة ستأتى الى الكعبة و تستخرج كنز الكعبة فلا يطاقون. و السويقتين تصغير ساق و أحدهما سويقة، و صغرهما لدقتهما و رقتهما و هى صفة سوق الحبشة غالبا، قال الخطابى: هذا تصغير الساق، و هى مؤنثة، فلذلك أدخل فى تصغيرها الساق عامة الحبشة فى سوقهم حموشته بالحاء المهملة و الشين المعجمة إلى دقة، و قد وصفه النبى صلى اللّه عليه و سلم بقوله: «كأنى به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا و يأخذ الكنز مع ما فيها من الآلات و الفحج» بفاء فحاء فجيم، قال ابن حجر الهيثمى: من يتقارب صدرا قدميه و يتباعد عقباه و ينفرج ساقاه يقال رجل أفحج و امرأة فحجا، و الوصفان- أعنى أسود أفحج- منصوبان على الحالية و يقلعها فى محل نصب على الصفة أو الحال كذا قاله الدمامينى، و ورد أنه لا يستخرج كنزها إلا هو، أنه أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، و أن أصحابه ينقضونها حجرا حجرا و يتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر و لا يعارض هذا قوله تعالى: «أَ وَ لَمْ
1) انظر 1/ 73.
يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً» لأن تخريب الكعبة على يدى هذا الحبشى إنما يكون بعد رفع القرآن من الصدور و المصاحف، و ذلك بعد موت سيدنا عيسى صلى اللّه عليه و سلم و ذلك عند خراب الدنيا، و لعل هذا الوقت هو الذى لا يبقى فيه إلا أشرار الناس، فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين و أهله و هذا هو الصحيح كما قاله أبو العباس القرطبى، و أما ما ذكره الحليمى فضعيف، فإنه ذكر أن ظهور ذى السويقتين فى زمن عيسى عليه الصلاة و السلام إليه طليعة ما بين التسعمائة إلى ثمانمائة، فبينما هم يسيرون إليه أو بعث الله ريحا يمانية فيقبض فيها روح كل مؤمن انتهى. قلت: المذكور أن أول الآيات الخسوفات، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج و مأجوج فى زمنه، ثم الريح التى تقبض أرواح المؤمنين فتقبض روح عيسى و من معه، و حينئذ تهدم الكعبة و يرفع القرآن و يستولى الكفر على الخلق، فعند ذلك تخرج الشمس من مغربها، ثم تخرج حينئذ الدابة، و بعضهم يجعل خروج الدابة قبل طلوع الشمس من مغربها و توزع فيه، و على هذا فهذا يدل على أن خراب الحبشة للبيت إنما هو بعد سيدنا عيسى صلى اللّه عليه و سلم. و فى حديث على كما فى الصحيح: «و كأنى برجل من الحبشة أصلع- أو قال أصمع- حمش الساقين قاعد عليها و هى تهدم» و رواه الفاكهى من هذا الوجه و لفظه: «أصقل» بدل أصلع و قال: قائما عليها يهدمها بمسحاته، و الأصلع من ذهب شعر مقدم رأسه، و الأصقل الصغير الرأس، و الأصمع الصغير الأذنين و على كل فكيف هذا مع ما نقل عن ابن الزبير من أنه أرقى عبيدا حبوشا يهدمونها رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشى الذى قال فيه صلى اللّه عليه و سلم «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبش» مع ما تقدم من صفاته و أنه مع جماعته يلقونها حجرا حجرا فى البحر و يأخذ كنزها و لا تعمر و لا يحج بعده ذلك و أن ذلك إما فى حياة عيسى صلى اللّه عليه و سلم أو بعد موته و هو الصحيح؟ فحقا هذا على ابن الزبير رضى الله عنهما مع إقرار من كان عنده من الصحابة و العلماء مشكل جدا. و ذكر الزركشى عن مسند أبى(1)داود الطيالسى أنه تجىء الحبشة فيخربونه خربا لا يعمر و قال صلى اللّه عليه و سلم: استمتعوا من هذا البيت فإنه يهدم مرتين و يرفع فى الثالثة أخرجه ابن حبان(2)فى صحيحه و الحاكم(3)فى مستدركه و قال: صحيح على شرط الشيخين. و فى رواية: يهدم مرتين و يرفع الحجر الأسود
فى الثالثة، قال العلقمى فى حاشيته على الجامع الصغير فى شرح هذا الحديث: أما الثالثة فهى هدم ذى السويقتين له و المراد بها رفع بركته فإنه لا يعمر بعده أبدا، و أما الأوليين فلم أر لهما ذكرا فى شئ مما وقفت عليه مما يتعلق بالبيت و لعل اللّه أن يوفقنا على ذلك انتهى كلامه.
هذا و انظر ما المراد من الهدم، هل المراد هدمه بفعل فاعل أو ما يشمل الانهدام بنفسه؟ و هل المراد هدم جميعه فيخرج هدم الحجاج بعضه أو ما يعم ذلك فيراجع؟ و ما المراد بقوله: و يرفع فى الثالثة؟ هل المراد أنه يهدم مرة ثالثة فلا يعاد بعد ذلك لقوله: «فلا يعمر» و هذا معنى رفعه، و هناك هدم ثالث و عليه فالهدمان فى الإسلام حصل أحدهما بفعل ابن الزبير، و الآخر بانهدامه بنفسه الواقع فى هذه الأزمنة، و يكون الثالث الذى لا يعاد هدم ذى السويقتين، و هل يكون هناك حج للبيت بعد هدم الحبشة له؟ قضية ما تقدم على القول الأصح أنه بعد موت سيدنا عيسى و رفع القرآن أنه لا يحج حينئذ، لكن ذكر أبو الحسن ابن بطال فى شرح البخارى أن تخريب الحبشة يحصل ثم تعود حرمتها و يعود الحج إليها و احتج بما رواه البخارى من حديث أبى سعيد رضى اللّه عنه قال:
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ليحجن البيت و ليعتمرن بعد خروج يأجوج و مأجوج».
قلت: و فى الاستدلال بذلك نظر؛ لأن يأجوج و مأجوج ظهورهما و هلاكهما فى زمن سيدنا عيسى صلى اللّه عليه و سلم و هذا لا يمنع أن يتوسط حج البيت بعد يأجوج و مأجوج فى زمن سيدنا عيسى صلى اللّه عليه و سلم و قبل تخرب الحبشة فأى دليل على ذلك خصوصا مع تصريح الحديث بأنه لا يعمر بعدها؟
بقى هنا بحث و ذلك أنه تقدم رواية أنه تجئ الحبشة فيخربون البيت خربا لا يعمر، و فى الرواية الأخرى: «استمتعوا بهذا البيت فإنه يهدم مرتين و يرفع فى الثالثة» و فى رواية: «يهدم مرتين و يرفع الحجر الأسود فى الثالثة» فإن قضية ذلك أن البيت إذا خرب و هدم المرة الأخيرة لا يعمر بعد ذلك، و هذا مشكل مع ما روى أنه لا تقوم الساعة حتى تزف الكعبة إلى الصخرة زف العروس فيتعلق بها جميع من حج و اعتمر، فإذا رأتها الصخرة قالت لها: مرحبا بالزائرة و المزور إليها. و روى أيضا عن كعب الأحبار قال: لا تقوم الساعة حتى يزف البيت الحرام إلى بيت
المقدس فينقادان إلى الجنة فيهما أهلهما، و عن جابر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «إذا كان يوم القيامة زف البيت الحرام إلى قبرى فيقول: السلام عليك يا محمد، فأقول: عليك السلام يا بيت اللّه، ما صنع بك أمتى بعدى؟ فيقول يا محمد من أتانى فأنا أكفيه و أكون له شفيعا، و من لم يأتنى فأنت تكفيه و تكون له شفيعا(1)انتهى.
فهذه الروايات تقتضى أن الكعبة بعينها تكون عامرة عند قيام الساعة، و أنها تزور قبر النبى صلى اللّه عليه و سلم و الصخرة الشريفة، فكيف هذا مع رواية أن الحبشة يخربونه خربا لا يعمر؟ و رواية أنه يهدم مرتين و يرفع فى الثالثة إلا أن يقال بعد خراب الحبشة له لا يعود بناؤه على يد الخلق و لكن عند قيام الساعة يعيده اللّه على هيئته التى كان عليها قبل هدم الحبشة كإعادة الموتى، ثم يزف إلى القبر الشريف و الصخرة الشريفة و ينقادان إلى الجنة.
و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «تذهب الأرضون كلها يوم القيامة إلا المساجد فإنها يضم بعضها إلى بعض» فائدة: قال القرطبى(2)لا يعارض ما يفعله ذو السويقتين من تخريب البيت آخر الزمان قوله تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً»؛ لأن تخريب الكعبة إنما يكون عند خراب الدنيا و لعله يكون فى الوقت الذى لا يبقى فيه إلا الأشرار من الخلق فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين و أهله فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى، و الحق فى الجواب أنه لا يلزم من قوله: «حرما آمنا» وجود ذلك فى كل وقت من الأوقات، و لا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى فى وقت آخر، فإن قيل: فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إنى أحلت لى مكة ساعة من نهار ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة».
قلت: أما الحكم بالحرمة و الأمن لم يرتفع و لا يرتفع إلى يوم القيامة، و أما وقوع الخوف فيها و ترك حرمتها فقد وجد ذلك فى أيام يزيد و غيرها فإن قيل:
ما السر فى حراسة الكعبة من الفيل و لم تحرس فى الإسلام زمن يزيد ابن
معاوية لما نصب المنجنيق على أبى قبيس، و رمى الكعبة، و كسر الحجر الأسود، و احترقت الكعبة، و سقط سقفها إلى غير ذلك، حتى روى أن أول حجر من حجارة المنجنيق أصاب وجه الكعبة فسمع لها أنين و تأوه شديد، و كذا وقع من القرامطة ما وقع، و أخبر الصادق بأن ذا السويقتين يهدمها حجرا حجرا؟
فالجواب: أن حبس الفيل وقع إرهاصا لأمر نبوة نبينا صلى اللّه عليه و سلم، و الإرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه، فلما ظهر صلى اللّه عليه و سلم و تأكدت نبوته بالدلائل القطعية لم يحتج إلى شئ من ذلك بعد، و أيضا أبرهة قصد بالتخريب إذهاب عودها فلذلك عوجل بالعقوبة، و الحجاج إنما قصد بالتخريب إذهاب صورة بناء ابن الزبير و إعادتها على حالها الأول؛ فلذلك لم يبادر بالعقوبة، و حيث تمت الدعوة و الكلمة قد بلغت و الحجة قد ثبتت فأخر اللّه تعالى أمرهم إلى الدار الآخرة و قد أخبر صلى اللّه عليه و سلم بوقوع الفتن و أن الكعبة ستهدم، و قد تقدم أن هدم ذى السويقتين لها لا يعارض قوله تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً»؛ لأن تخريب الكعبة على يدى هذا الحبشى إنما يكون عند خراب الدنيا، و لعل هذا الوقت هو الذى لا تبقى فيه إلا أشرار الناس فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين و أهله، و قول ابن حجر الهيثمى و الجواب: إن الحجاج ما قصد التسلط على البيت بل الاحتيال لإخراج ابن الزبير فيه نظر، على أنه منتقض بفعل القرمطى الملحد فإنه لم يقصد إلا التسلط على البيت و أهله، أجيب أيضا بأن ما وقع فيه فى الإسلام من القتال و نهب الأموال إنما كان بأيدى المسلمين فهو مطابق لقوله صلى اللّه عليه و سلم، و لم يستحل هذا البيت إلا أهله فوقع ما أخبر به صلى اللّه عليه و سلم و هو من علامات نبوته، و إثبات الأهلية و الإسلام لأولئك الفجرة الذين جسروا على حرمة البيت إنما هو باعتبار الغالب فلا ينافى كفر الحجاج عند جماعة من العلماء، و هو الصواب إن صح ما نقل عنه أنه رأى جماعة محدقين بالحجرة الشريفة النبوية على مشرّفها أفضل الصلاة و السلام فقال: ما بال هؤلاء؟ و هل يطوفون إلا بعظام بالية؟ و حكى عنه قبائح أخرى نحو ذلك، و لا ينافى أيضا الحكم عن القرامطة بالكفر و الإلحاد لأنهم من الإسماعيلية الذين هم أقبح كفرا و أسخف عقلا من كثير من الملل الفاسقة لاستحلالهم مع إلحادهم نكاح المحارم و مثابرتهم عليه.
و اعلم أن الصحيح الذى صرحت به الأحاديث الصحيحة أن صيرورة مكة
و حرمها أمنا من الجبابرة و الخسف و غيرهما كان منذ خلق اللّه السموات و الأرض، و إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم إنما أظهر حرمتها لسؤاله المذكور فى القرآن لما اندرس البيت من الطوفان و نسى حكمه و هجر، و أنه لم يسأل إلا أمنا مخصوصا كالأمن من الجدب و القحط أى: القاتل و إلا فكم وقع منها من جدب لا يطاق انتهى. و قال الدمامينى(1)فى شرح البخارى فى تفسير قوله تعالى: «أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً» أنه تطرق جماعة من الملاحدة إلى الطعن فى ذلك و العياذ باللّه تعالى بقتل عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهما و غيره ممن قتل فى الحرم، يشيرون بذلك إلى وقوع الخلف فى القرآن بزعمهم فقال القاضى أبو بكر الباقلانى: الخبر هنا مراد به الأمر كقوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ(2)و قال عليه الصلاة و السلام: «من ألقى سلاحه فهو آمن و من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» إلى غير ذلك، قال ابن المنير: الأوجه فى إبطال كلام الملاحدة أن يقال: إن اللّه تعالى خاطب العرب كما تتخاطب، و لا شك أن لسانها يقتضى وصف المدن بأنها مأمن و وصف المفاوز بأنها مخاوف، و لا ينكر هذا إلا متعنت جاهل، ثم الأمر محمول فيه على الغالب، و إلا فليس كل من كان بمدينة لا يهلك و لا كل من كان بمفازة يهلك، فدل ذلك على أنهم إنما يضيفون ذلك إلى الغلبة، و لا شك أن الحرم فى الجاهلية و ما تقدم عليها لم يزل متميزا على غيره بمهابة تصد عن السفك فيه غالبا فصح وصفه بالأمن و حمل الكلام على الخبر الحسن و هو الأصل، و أيضا لو حمل على الأمر لم يكن له مزية؛ لأن السفك إن كان بالباطل فهو منهى عنه مطلقا فى الحرم و غيره، و إن كان بحق فالحكم عندنا أن تستوفى الحدود فى الحرم، فأين المزية باعتبار الحكم إذن؟ و حمل الأمر على حالة اختص بها يوم الفتح بعيد، فإن أمان الفتح ما كان معروفا بمكة إلا لمن أغلق بابه و لمن دخل دار فلان و نحو ذلك، و أما ما كان من الكفار فى الطرقات و الشعاب فلم يكن حينئذ مؤمنا، و الحرم أعم من مكة يتناولها، و يسمى الحرم كله مقام إبراهيم؛ لأن المقام فيه و هذا هو الأظهر انتهى كلام الدمامينى.
قد ورد أن رأس كل مائة سنة يكون عندها أمر، قال ابن أبى حاتم فى تفسيره: حدثنا يحيى بن عبدك القزوينى، حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا المبارك بن فضالة، عن على بن زيد بن عبد الرحمن بن أبى بكر، عن العريان بن الهيثم، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص- رضى اللّه عنهما- قال: «ما كان منذ كانت الدنيا رأس مائة سنة إلا كان عند رأس المائة امرؤ» و أخرجه ابن عساكر فى تاريخه مطولا، و فيه ذكر خروج الدجال و نزول عيسى عليه الصلاة و السلام، و كان عند المائة الأول الحجاج الذى عم ظلمه و فساده فجدد اللّه بعده الدين بعمر بن عبد العزيز، و كان عند المائة الثانية إظهار المأمون القول بخلق القرآن و غير ذلك من البدع الاعتقادية، و امتحانه للعلماء بذلك امتحانا عاما فى الأقطار، و من لم يجب ضرب أو قيد و حبس أو قتل، و ذلك من أعظم الفتن فى هذه الأمة، و لم يدع خليفة قبله إلى شئ من البدع، فقيض اللّه عند هذه المائة الشافعى فطبق الأرض بعلومه، و هو أول من أفتى بقتل من قال بخلق القرآن و تكفيره، و كان عند المائة الثالثة فتنة القرامطة فى كثير من البلاد أنهم دخلوا مكة، و قتلوا الحجيج فى المسجد الحرام قتلا ذريعا و طرحوا القتلى فى بئر زمزم(1)، و ضربوا الحجر الأسود بدبوس فكسروه، ثم اقتلعوه و أخذوه إلى بلادهم فعلقوه على الأسطوانة السابعة من جامع الكوفة، إلى الجانب الغربى ظنا منهم أن الحج ينتقل إلى الكوفة، و بقى عندهم أكثر من عشرين سنة حتى اشترى منهم بعد ذلك بثلاثين ألف دينار و أعيد إلى محله، و ذلك أنه لما أيست القرامطة من تحويل الحاج إلى هجر ردوا الحجر إلى مكانه، و قدم شنبر بن حسن القرمطى إلى مكة يوم النحر يوم الثلاثاء عاشر ذى الحجة الحرام سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة و معه الحجر الأسود، فلما صار بفناء الكعبة حضر معه يومئذ أبو جعفر محمد بن جعفر بن عبد العزيز العباسى، فأحضر سفطا أخرج منه الحجر الأسود و عليه ضباب من فضة فى طوله و عرضه لضبط شقوقات حدثت فيه بعد قلعه، و أحضر معه جصا يشده به، فوضع حسن بن المزوق البنّاء الحجر فى مكانه الذى قلع منه، و قيل: بل وضعه شنبر بيده: و قال: أخذناه بقدرة
1) انظر هذه الحادثة فى البداية و النهاية 11/ 160.
اللّه تعالى، و أعدناه بمشيئته، و قد أخذناه بأمر، و رددناه بأمر و نظر الناس إلى الحجر فقبلوه و استلموه و حمدوا اللّه تعالى، و حضر ذلك محمد بن نافع الخزاعى و نظر إلى الحجر الأسود و تأمله، و إذا السواد فى رأسه دون أسفله و سائره أبيض، و حضر معهم ممن حج تلك السنة محمد بن عبد الملك بن صفوان الأندلسى و شهد رد الحجر الأسود إلى مكة حمل على قعود هزيل فسمن، و كان لما مضوا به مات تحته أربعون جملا، و كان مدة استمراره عند القرامطة اثنتين و عشرين سنة إلا أربعة أيام، ثم أمروا صانعين فصنعوا له طوقا من فضة وزنه ثلاثة آلاف و سبعة و ثلاثون درهما و طوقاه به و شداه عليه و أحكما بناءه فى محله كما كان ذلك قديما و كما هو الآن أيضا كذلك، و كان قلع الحجر الأسود فى أيام المقتدر انتهى.
و كان عند المائة الرابعة الحاكم بأمر اللّه تعالى، و ناهيك بما فعل من الفساد، بل هو أعظم شرا من الحجاج بكثير، فإن الحجاج لم يأمر أحدا بالسجود له إذا ذكر اسمه فى الخطبة، و أفاعيل الحاكم مشهورة معلومة، و مما يصلح أن يعد هنا أنه فى سنة سبع و أربعمائة اتفق تشعيث الركن اليمانى من الكعبة المعظمة و سقوط جدار من قبر النبى صلى اللّه عليه و سلم و سقوط القبة الكبيرة على صخرة بيت المقدس فعد ذلك من أغرب الاتفاقات العجيبة.
و كان عند المائة الخامسة استيلاء الفرنج على كثير من البلاد الشامية منها بيت المقدس، و قتلوا به وحده أكثر من سبعين ألفا، و ذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق مستعينين على الفرنج، و أقام بيت المقدس بيد الفرنج بعد ذلك إحدى و تسعين يوما إلى أن خلصه منهم السلطان صلاح الدين بن أيوب.
و كان عند المائة السادسة فى جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة ظهور نار الحجاز المنذر بها من أرضها و انطفائها عند وصول حرمها بعد أن استمرت ثلاثة أشهر، و من العجائب أن فى تلك السنة احترق المسجد النبوى حريقه الأول عقيب انطفاء هذه النار، و زادت دجلة زيادة عظيمة فغرق أكثر بغداد و تهدمت دار الوزير، ثم فى السنة التى بعدها وقعت الكبرى من أخذ التتار لبغداد و قتل الخليفة و أهلها بذل السيف فيهم نيفا و ثلاثين يوما، و ألقيت
الكتب تحت أرجل الدواب و بنى منها محالفهم بالمدرسة المنتصرية، و خلت بغداد، ثم استولى عليها الحريق حتى عم ترب الرصافة مدفن ولاة الخلافة، و شوهد على بعض حيطانها إن «ترد عبرة فهذى بنوا العباس دارت عليهم الدائرة»، و استبيح الحريم إذ قتل الأحياء منهم و أحرق الأموات، و كثر الموت و الغنى بتلك الناحية، و طوى بساط الخلافة منها، و قد ذكر بعضهم هذه النار و غرق بغداد و أنهما فى سنة واحدة بقوله:
سبحان من أصبحت فينا مشيئتهجارية في الورى بمقدار
في سنة أغرق العراق و قدأحرق أرض الحجاز بالنار
و خروج التتار و عموم فسادهم معروف.
و كان عند المائة السابعة غلا وفنا عظيمان بديار مصر و الشام بحيث أفنيت الحمير و البغال و الكلاب الكلا، و كان للتتار وقعتان بالبلاد الشامية، و كان عند المائة الثامنة فتنة تمرلنك.
و أما المائة التاسعة فوقع عندها ثلاث أمور كل منها يصلح أن يعد، أحدهما:
استيلاء الفرنج على عدة بلاد من جزيرة الأندلس كغرناطة و غيرها، الثانى:
خروج خارج ببلاد التكرود يقال له سنى على نمط تمرلنك أباد العباد و البلاد و أقام عشرين سنة على ذلك إلى أن أهلكه اللّه سنة سبع و تسعين، و الثالث:
عموم الجهل الذى طبق الأرض و انقراض العلماء من جميع الأقطار من أهل كل فن، و هذا شىء لم يعهد بمثله فيما تقدم من أول الملة إلى الآن كذا قاله الإمام السيوطى قال الشيخ العلقمى، قلت: و فى عد هذه الأمور الثلاثة نظر؛ لأنها قبل تمام المائة التاسعة، و أسأل اللّه أن يقبضنا إلى رحمته قبل فتنة المائة التاسعة بجاه نبيه عليه الصلاة و السلام انتهى.
و قال بعض العلماء: لا أشك أن فتنة المائة التاسعة هى فتنة المرحوم السلطان سليم و خروجه مع إخوته و قتل إياهم و أولادهم، ثم حروبه مع صاحب الشرق و كسره إياه، ثم قتله على دولاب و أخذه بلاده، ثم اجتماعه بعسكر مصر و سلطانها على مرج دابغ و قتل سلطانها و أكابر أمرائها، ثم دخوله إلى
مصر فى أسرع حال و أقصر زمان، و فعله فيها مع أهلها ما فعل رحمه اللّه تعالى، و قد وقع آيات عظيمة فمنها ما وقع فى سنة اثنتين و أربعين و مائتين أنه رجمت قرية الشويرا بناحية من مصر من السماء بخمسة أحجار، و وقع حجر منها على خيمة أعرابى فاحترقت، و وزن حجر منها فكان عشرة أرطال، و سار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين، و وقع بحلب طائر أبيض دون الرخمة فى رمضان فصاح: يا معاشر الناس اتقوا اللّه اللّه اللّه، فصاح أربعين صوتا ثم طار و جاء من الغد ففعل كذلك، و كتب صاحب البريد بذلك و أشهد خمسين إنسانا سمعوه، و فى سنة خمس و أربعين سمع بتنيين صيحة عظيمة هائلة فمات منها خلق كثير، و غارت عيون مكة، و فى سنة اثنتين و تسعين هبت ريح سوداء عمت الدنيا و تحرك البيت الحرام مرارا، و وقع من الركن اليمانى قطعة، و زلزلت مصر، و فى سنة ثلاث و تسعين انقض كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت عظيم هائل، و اهتزت الدور و الأماكن فاستغاث الناس و أعلنوا بالدعاء، و فى سنة أربع و خمسين و ستمائة يوم الإثنين مستهل جمادى الآخرة وقع بالمدينة الشريفة صوت يشبه الرعد البعيد تارة و تارة أقام على هذه يومين، فلما كان ليلة الأربعاء تعقبت الصوت زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض و الحيطان و اضطرب المنبر الشريف، و سمع لها صوت كدوى الرعد، و ارتج القبر الشريف على ساكنه أفضل الصلاة و السلام، و استمرت تزلزل ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر ظهرت النار من الحرة، إلى غير ذلك من الآيات و الزلازل و الأمور التى أخبر بها صلى اللّه عليه و سلم. و أما الجواب عن وجوب المبادرة بعمارة ما سقط من البيت فنقول: لا يخفى أن الآيات القرآنية الدالة على مزيد تشريف هذا البيت و ما ورد فى حقه من الأحاديث النبوية أمر لا يخلو عن بيانه كتاب، و لا يخفى على ذى رأى صواب قال اللّه تعالى: «إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ» قال فى الكشاف: العمارة تتناول رم ما استهدم منها و قمها و تنظيفها و تنويرها بالمصابيح و تعظيمها و اعتيادها و الذكر فيها. و قد جاء فى الحديث الحسن عن سيد البشر صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: (لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحومة حق تعظيمها: «يعنى الكعبة و الحرم» فإذا ضيعوا ذلك هلكوا) أو حيث كان كذلك فالمبادرة لبناء ما سقط منها واجب على أكمل الوجوه اللائقة بحرمتها و أبهتها و جلالتها، و كذا إصلاح ما تشعث و اختل من
سقفها و جدارها و ميزابها و عتبتها و رخامها مما يحتاج لترميمه، و أنه يجوز التوصل إلى بيان حقيقة ما ظن اختلاله من سقفها بكشف ما يعلم به أمره كما وقع نظيره، و أن فعل ذلك لا يتوقف على سقوط ما وهى منها خلافا لجمع أفتوا بأنه لا يجوز أن يصلح منها إلا ما سقط، و لو لم يسقط لا يصلح بل يترك على استهدامه و تشعثه، و هذا وهم من قائله لأنه إن كان الحامل لقائله على ذلك رعاية احترام البيت بذلك ما أمكن بحسب ظنه، فيرده أن تركه كذلك يؤدى إلى غاية وهن فى الدين و إسقاط هيبة الكعبة المعظمة من قلوب سائر المسلمين؛ لأنهم يرون البيوت المنسوبة إلى أهل الدنيا فى غاية العظمة الصورية و البيت المنسوب إلى اللّه تعالى فى غاية الاستهانة بحقه و عدم الاعتناء بشأنه و القيام بحرمته و هذا خرق عظيم يجب تداركه، قال ابن حجر بعد نقله و هو استدلال لا بأس به لا سيما عند من يرى المصالح المرسلة التى قال المحققون: إنها لا تختص بالمالكية بل ما من مذهب من المذاهب الأربعة إلا و عمل بها، لكن المالكية لما أكثروا من رعايتها نسب القول إليهم، و سيأتى أن سيدنا عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه لما دخل سيل أم نهشل اقتلع مقام إبراهيم عن موضعه و ذهب به حتى وجد بأسفل مكة، و عفى مكانه الذى فيه لما عفاه السيل، فأتى به و ربط بلصق الكعبة فى وجهها، و كتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر- رضى اللّه عنه- و هو بالمدينة الشريفة فأهم له ذلك و ركب فزعا مهولا إلى مكة، فدخلها ليلا بعمرة فى شهر رمضان، ثم بحث عن محل المقام و أعاده إلى محله كما يأتى، فانظر مبادرة أمير المؤمنين رضى اللّه عنه و فزعه و ركوبه من المدينة إلى مكة لهذا الخطب و إصلاحه بنفسه، و منه يعلم أن المبادرة بإصلاح خلل نفس البيت الشريف واجبة و الفزع لما يحصل له مطلوب. و قد ذكر الفاكهى أنه فى بعض السنين غابت اسطوانة من أساطين البيت، فأخرجت وجئ بأخرى ليدخلوها مكانها فطالت عن الموضع و أدركهم الليل و الكعبة لا تفتح ليلا، فتركوها مائلة ليقوموا من غد فيصلحوها، فجاءوا من غد فأصابوها أقوم فى القدح انتهى كلامه. و هو كما قال العلامة السيد التقى الفاسى غريب جدا، و معلوم أن هذه المبادرة بإصلاح هذه الأسطوانة ليلا إنما هو بفعل الملائكة بإذن
من اللّه تعالى فبادروا بالإصلاح و لم ينتظروا الصباح. و لفظ عاتب فيما رواه الفاكهى بالعين المهملة و الموحدة و قدح بكسر القاف و بالحاء المهملة هو السهم، قال ابن حجر: و إسناد هذه القضية قوى و رجاله ثقات. و كانت هذه القضية فى أوائل دولة بنى العباس و الأسطوانة من خشب و اللّه أعلم.
هذا و أما ما هو متماسك منها لا يخشى سقوطه فلا يتعرض له، و قد أشار إلى ذلك المحب الطبرى حيث قال على متولى البيت الحرام: و الناظر فى هذه المشاعر العظام رعاية مصالحها و الاهتمام بعمارتها، و جعل ذلك توطئة للكلام على المسألة الآتية من وجوب هدم الشاذروان و إعادته إلى ذراع كما يأتى، و ذكر أيضا أن مدلول حديث عائشة الآن يبيح التغيير فى البيت بالعمارة تصريحا و تلويحا إذا كان لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة انتهى، و صرح الإمام السبكى(1)بأن عمارتها و نحوها- أى كالترميم- قربة يصح نذرها و يعرف المنذور فيها. و من الواضح أن ما و هى و تشعث منها فى حكم المنهدم أو المشرف على الانهدام فيجوز إصلاحه، بل يندب، بل يجب إن وجد له مصرف كما يجب على ناظر المسجد أن يصلح و يرم ما فيه، و يدل له أيضا قول الزركشى فى الخادم: فظهر بهذا اختصاص الكعبة بما يهدى إليها و ينزلها و ما يوجد فيها من الأموال و امتناع صرف شىء منها إلى الفقراء و المصالح إلا أن يعرض لها نفسها عمارة فيصرف فيها إن حدثت لها و إلا فلا يغير شئ من وجهه انتهى. قال الشيخ ابن حجر بعد نقله: و إذا تأملت قول الخادم: «إن حدثت لها و إلا فلا يغير شئ عن وجهه» تجده موافقا لذلك، فإنه لا ينهى عن تغير الشئ عن وجهه، إلا إذا كان باقيا على وجهه، أما إذا تغير عن وجهه، بميل أو كسر فهذا لا يقال فيه لا يغير الشئ عن وجهه، و هذا ظاهر لمن له أدنى تأمل، و منه يعلم أن ما هو متماسك لا يتعرض له بل يبقى على وجهه، و قد خالف فى ذلك ابن الزبير رضى اللّه عنهما فإنه لما أراد أن يهدم الكعبة للحريق الذى فيها إما من بعض جماعته أو ممن حاضره شاور من حضره من الصحابة و غيرهم رضى اللّه عنهم منهم ابن عباس رضى اللّه عنهما فى هدمها، فهابوا هدمها و قالوا: نرى
1) انظر المناهل العذبة للهيثمى لوحة 10.
أن تصلح ما و هى منها و لا تهدمها فقال: لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح و لا يكمل إصلاحها إلا بهدمها فهدمها حتى وصل إلى قواعد إبراهيم، و على سائر الأنبياء و المرسلين، و فى رواية أنه جمع وجوه الناس و أشرافهم فاستشارهم فى هدمها، فأشار القليل من الناس بالهدم و أبى الكثير، و كان أشدهم أبا عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما و قال: دعها على ما أقرها عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فإنى أخشى أن يأتى بعدك من يهدمها فلا تزال تهدم و يبنى فيتهاون الناس بحرمتها و لكن رقعها، فقال ابن الزبير(1)رضى اللّه عنهما: و اللّه ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه و أمه فكيف أرقع بيت اللّه؟ و استقر رأية على هدمها، فهؤلاء الصحابة و التابعون اتفقوا على إصلاح ما ضعف و اختل و تشعث منها بحسب الضرورة أو الحاجة الماسة، و قوله: «ما و هى» كما فى القاموس بمعنى تخرق و انشق و استرخى رباطه، و ابن الزبير رضى اللّه عنهما و من وافقه موافقوهم على ذلك، و إن الذى وقع بينهم الخلاف فيه القدر الزائد على الحاجة، فالأكثرون نظروا إلى جانب الاحترام المطلق للكعبة فلم يوافقوا على الزائد على الحاجة، و هو رضى اللّه عنه و من وافقه نظروا إلى ما يليق بإجلال بيت اللّه و تعظيمه و إيقاع مزيد هيبته فى القلوب فلم يقنعوا بالاقتصار على قدر الحاجة، و أبرز ذلك بالقياس المعنوى بقوله: لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل الصلاح و لا يكمل إصلاحها إلا بهدمها، فلم يتعرضوا لهذا الدليل الذى أبرزه لهم إما لوضوحه لهم و إما لأن المجتهد لا ينكر على مجتهد فلذلك مكنوه مما أراد و لم يتعرضوه. فتأمل ذلك أدنى تأمل فقد اتفقوا على إصلاح ما تخرق و انشق و استرخى لا اختلاف بينهم فى ذلك و هم الحجة على من بعدهم فى ذلك و غيره، و إنما الاختلاف بينهم فى إصلاح زائد على الحاجة و لائق بكمال البيت و عظيم إجلاله و حرمته، فابن الزبير و موافقوه يرون ذلك، و الأكثرون لا يرون، فتأمل. و يجوز التوصل إلى بيان حقيقة ما ظن اختلاله من نحو سقفها بكشف ما يعلم به أمره على ما أشار إليه عالم الحجاز المحب الطبرى الذى قيل فى حقه: إنه لم يخرج من مكة بعد الإمام الشافعى أفضل منه، و لم يوجد له بحث رد أى غالبا بقوله فى حديث
1) انظر أخبار مكة للأزرقى 1/ 204
عائشة الآتى، و مدلول هذا الحديث تصريحا و تلويحا يبيح التغيير فى البيت الشريف بالعمارة إذا كان لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة، و كما وقع فى زمن السلطان برسبالى حين خيف من سارية من سواريها ظهر بها ميل فكشفوا من فوقها فوجدت صحيحة وردت حتى استقامت، و فى ذلك دلالة على بقاء الخير الكثير فى هذه الأمة كما أخبر به الصادق المصدوق صلى اللّه عليه و سلم فيما تقدم فى الحديث السابق؛ و ذلك لأن تركها متشعثة منهدمة يزيل هيبتها من قلوب كثيرين إذ ليس نظرهم إلا للصور، و عظمتها على ما أشار إليه ابن الزبير رضى اللّه عنهما بقوله: لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض إلا بأكمل الإصلاح. و إذا عمرت فلا يجوز أن تعلى زيادة على ما وجد من علوها، و أما زيادة قريش على بناء الخليل فى الطول إلى جهة العلو و كذا زيادة ابن الزبير رضى اللّه عنهما فى طولها إلى جهة العلو على بناء قريش و تسقيف البيت، و جعل مغلق له بعد الخليل مع كونه ليس له ذلك فى زمنه و بيان من فعل به ذلك أولا.
فجوابه يؤخذ مما رواه الفاكهى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن الخليل و إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم ما بنيا البيت بقصه- بالفتح- الجير و لا مدر، و لا كان لهما من السعة و الأعوان ما يسقف به انتهى فلذلك لم يسقف فى زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم، و سبب تسقيفه فى زمن قريش أنه لما لم يكن له سقف و كان الناس يلقون فيه الحلى و المتاع، حتى إذا كاد أن يمتلئ، فأنفذ له خمسة نفر من جرهم يسرقون ما فيه، فقام كل واحد على زاوية و اقتحم الخامس(1)، فسقط على رأسه فهلك، فبعث اللّه عنه ذلك حية بيضاء سوداء الرأس و الذنب، قال ابن جماعة:
و يروى أن هذه الحية هى الدابة التى تخرج عند قيام الساعة تكلم الناس، فحرست البيت خمسمائة عام لا يضر به أحد إلا أهلكته، فلم يزل كذلك حتى أرسل اللّه تعالى العقاب فاختطفها، ثم بنته قريش فلذلك سقفته حتى لا يتوصل أحد إلى سرقة ما فيه، كما سيأتى ذلك مفصلا عند الكلام على بناء قريش، فلما كان لقريش سعة و أعوان و قدرة على تسقيفه سقفته من خشب
1) انظر أخبار مكة للأزرقى 1/ 87
المركب التى اشتروها حين انكسرت على ساحل الشعيث بخلافه فى زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم فإنه لم يكن هناك ما يسقف به؛ لأنها أرض غير ذى زرع إذ ذاك، و أيضا قريش أو من قبلها فعلت ذلك لتزداد أبهته، فهو من الزخرفة الزائدة لتزداد عظمته، و كذا زيادتها فى طوله إلى جهة العلو أيضا من باب التعظيم أيضا له، فلا يضر كفعل السوارى و الدرج بداخله، و أما زيادة ابن الزبير رضى اللّه عنهما فى طوله إلى جهة العلو على طول قريش كذلك، فلأنه لما أدخل الحجر فى البيت و كانت قريش أخرجته منه استقصر طوله إذ ذاك، فزاد فى طوله تسعة أذرع؛ و ذلك لأن البناء لما صار ثمانية عشر ذراعا فى السماء و كان هذا طولها يوم هدمها قصرت حينئذ لأجل الزيادة التى زادها من الحجر، فلم يعجب ابن الزبير ذلك إذ صارت عريضة لا طول لها، فقال: كانت قبل قريش تسعة أذرع، و زادت قريش تسعة أذرع، و أنا أزيد تسعة أخرى، فبناها سبعة و عشرين ذراعا، و هذا من باب الزخرفة و التكرمة، و حيث زيدت إلى هذا الحد باجتهاد هذا الصحابى يكون بناؤها على هذا الطول واجبا، و إن لم يكن فى أصله واجبا، كما أن الكسوة لم تكن واجبة فى الأصل ثم وجبت بعد ذلك؛ لأن فى نقصها عن هذا الطول إهانة لها، و الزيادة عليه خروج عن اجتهاد الصحابة، فتعين هذا المقدار، فتأمل. و لهذا لم يغير عبد الملك و الحجاج طوله بزيادة أو نقص لكونه غاية فى الحسن، فلم يأمر بتغييره عن ذلك و إنما أمر بإخراج الحجر كما كان فى زمن قريش، فالزيادة فى الطول من باب الزخرفة فى البيت الشريف و هى جائزة للتعظيم كما يأتى، لكن امتنعت الزيادة الآن لما تقدم، و لا يعد ذلك من التطاول فى البناء المنهى عنه المذموم المشار إليه فى قوله تعالى: «وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ» قيل المصانع القصور المشيدة و بروج الحمام و فى قوله صلى اللّه عليه و سلم: «أما إن كل بناء فهو وبال على صاحبه» لأن محل ذلك إنما هو بناء القصور المشيدة، و الحصون المانعة، و الغرف المرتفعة، و العقود المحكمة التى تتخذ للترفه و وصول الأهوية إلى النازل بها، و يرجون بذلك التمكن فى الدنيا و التشبه بمن يتمنى الخلود فى الدنيا، و يلتهى بذلك عن ذكر الآخرة، و أما ما لا بد من فعله للإنسان مما يستره من الحر و البرد و بقية السباع و نحوها من اللصوص التى ترتفع على البناء القصير و يتسورون الجدار ليسرقوا ما يجدونه فيباح ارتفاع الجدار بقدر ما يدفع ضرر المفسدين، و كذا ما كان فى
مسجد، و يلحق به كل بناء كان على جهة قربة، كمكان تنزله المارة و أبناء السبيل، أو رباط يعد للأرامل و الأيتام و الفقراء و المساكين، أو عمارة صهريج بئر و نحو ذلك. و الحديث السابق رواه أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خرج فرأى قبة مشرفة فقال: ما هذه؟ قال له أصحابه: هذه لفلان رجل من الأنصار، قال: فسكت و حملها فى نفسه؟ حتى إذا جاء صاحبها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأعرض عنه، فشكى ذلك لأصحابه فقال: و اللّه إنى لأنكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قالوا: خرج فرأى قبتك: قال: فرجع إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ذات يوم فلم يرها، فقال: ما فعلت القبة، قالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها، فقال: «أما إن كل بناء فهو و بال على صاحبه يوم القيامة إلا ما كان فى مسجد أو أو أو» قال ابن رسلان: و لا يقال إن فى هدم ذلك الأنصارى للقبة إضاعة مال لا تجوز، بل إضاعة المال إنما كانت فى عمارتها، فإن المال المنفذ فيها هو و بال عليه و هلاك له فى عاقبته غير محترم مع هذا لا يجوز لغيره هدمه انتهى. قال شيخ مشايخنا العلقمى: قلت: و لا له إلا أن يكون أنقاضه ملكا للغير أو الأرض أو نحو ذلك، لكن علمه صلى اللّه عليه و سلم و إقراره عليه فيه دليل لمن يقول بجواز ذلك، أو كان ذلك تافها لا يعد مثله إتلافا، و قد يكون النقض الباقى يساوى ما أسرفه فلا إتلاف حينئذ.
و أما الجواب عن أنه هل حصل ممن تقدم على قريش ممن بناه زيادة فى طوله أو على ما كان عليه زمن الخليل أو تسقيف له، و من أى شئ سفف إذ ذاك؟
فنقول: قد تناقض فيه كلام الأزرقى، فإنه أخرج فى رواية أن طول الكعبة كان سبعة و عشرين أذرعا فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر ذراعا و نقصوا من عرضها أذرعا أدخلوها فى الحجر، و الثابت المشهور أن بناء قريش بعد بناء الخليل و أن الخليل صلوات اللّه عليه جعل طولها فى السماء تسعة أذرع كما تضافرت به الأقوال و ذكره الأزرقى أيضا، فما نقله أن طول الكعبة كان سبعة و عشرين ذراعا إلى آخره فيه مناقضة لما ذكره، و لم يثبت من طريق صحيح أن أحدا بناها بعد الخليل و جعل طولها سبعة و عشرين ذراعا، و ما تقدم من بناء العمالقة و جرهم و قصى بعد الخليل إنما هو مجرد خبر و هو محتمل و لم يتأيد
بدليل، و على تقدير الصحة فلم يذكر أحد مقدار ارتفاع بنائهم، نعم نقل الفاسى رحمه اللّه تعالى عن الزبير بن بكار أن قصيا بنى الكعبة بناء محكما على خمسة و عشرين ذراعا، و سقفها بخشب الدوم و جريد النخل، ثم قال:
و فيه نظر؛ لأنه إن أريد به أن قصيا جعل ارتفاع الكعبة خمسة و عشرين ذراعا كان مخالفا لما اشتهر من أن الخليل جعل طولها تسعة أذرع، و أن قريشا زادت تسعة أذرع و إن أريد أن قصيا جعل عرضها خمسة و عشرين ذراعا فالمعروف أن عرضها من الجهة الشرقية و الغربية لا ينقص عن ثلاثين فى بناء الخليل، و من الجهة الشامية و اليمانية لا تبلغ خمسة و عشرين ذراعا و كل من بنى الكعبة بعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم لم يبنها إلا على قواعده، غير أن قريشا استقصرت عن عرضها من الجهة الشرقية و الغربية أذرعا فى بناء قصى على أن ارتفاع البيت فى السماء و إن كان يخالف المشهور فليس فيه دلالة لما رواه الأزرقى لنقصه ذراعين فيكون ما رواه الأزرقى مجرد رواية لم يعضدها شئ فلا يعول عليها كما أفاده بعض المتأخرين.
و أما الجواب عن أول من جعل لها بابا فقد اختلف فيه، فقيل: أول من بوبها أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام على ما ذكر الزبير بن بكار و السهيل، و قيل: تبع الحميدى جعل لها بابا فارسيا و هو التبع(1)الثالث الذى كسى البيت و نحر له، و هذا فى تاريخ الأزرقى، و قيل: أن جرهما بوبه، ذكر هذا القول الفاكهى و اللّه أعلم.
و كان باب الكعبة قبل بناء ابن الزبير رضى اللّه عنهما مصراعا واحدا فجعله مصراعين.
و أما الجواب عن قوله: و هل ما ذكره العلماء إلى آخره؟ فنقول: التنافى بين ما نقله ابن الحاج المالكى و ما نقله غيره ظاهر يحتاج إلى تأمل إن سلم صحة نقله، و إلا فإن كان أحد من العلماء أرباب الترجيح رده فلا معارضة، و هذا أمر يحتاج إلى مزيد المراجعة للكتب و لعل اللّه يسر ذلك، مع أن هناك احتمالات عقلية يمكن أن يجاب بها، لكن مثل هذا لا يسلك فيه هذه المسالك إلا أن أيس
1) انظر أخبار مكة للأزرقى 1/ 164
من النقل، و أما ما يتعلق بصفة الباب المسدود فالمنقول أن ابن الزبير جعل للبيت بابين متقابلين أحدهما يدخل منه، و الآخر يخرج منه و فى شفاء الغرام أنهما لاصقان بالأرض، قال الحافظ بن حجر: جميع الروايات التى جمعتها فى هذه القصة متفقة على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض و مقتضاها أن يكون الباب الذى زاده على سعته، و قد ذكر الأزرقى أن جملة ما غيره الحجاج الجدار الذى من جهة الحجر و الباب المشدود الذى فى الجانب المغربى عن يمين الركن اليمانى و ما تحت عتبة الباب الأصلى و هو أربعة أذرع و شبر، و هذا موافق لما فى الروايات المذكورة لكن المشاهد الآن فى ظهر الكعبة باب مسدود يقابل الباب الأصلى و هو فى الارتفاع مثله، و مقتضاه أن يكون الباب الذى فى عهد ابن الزبير رضى اللّه عنهما لم يكن لاصقا بالأرض فيحتمل أن يكون لاصقا كما صرحت به الروايات، و لكن الحجاج لما غيره رفعه و رفع الباب الذى يقابله أيضا ثم بدا له فسد الباب المجدد، لكن لم أر النقل بذلك صريحا، ثم قال:
و ذكر الفاكهى أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة فى سنة ثلاث و ستين و مائتين فإذا هو مقابل باب الكعبة و هو بقدره فى الطول و العرض، و فى أعلاه كلاليب ثلاثة كما هو فى الباب الموجود سواء و اللّه أعلم، انتهى كلامه. قال بعض المتأخرين فى قوله: و يحتمل أن يكون لاصقا كما صرحت به الروايات: فيه بعد، إذ مشاهدة البناء من أسفله و ارتباط بعضه ببعض بخلاف ذلك و اللّه أعلم.
و أما الجواب عن ما يتعلق بالشاذروان فيؤخذ من كلام الإمام الفاسى(1)فإنه قال: هو الأحجار اللاصقة بها التى فوقها بناء مسنم مرخم فى الجانب الشرقى و الغربى و اليمانى و فى الجانب الشرقى مجارة لا بناء عليها هى شاذروان أيضا، و ليس من الشاذروان الأحجار التى تلى جدار البيت الذى يلى الحجر لكون موضعها من البيت بلا ريب و الشاذروان هو ما نقصته قريش من عرض أساس جدر البيت بين ظهر على الأرض كما هو عادة الناس فى الأبنية، أشار إلى ذلك أبو حامد الأسفراينى الشافعى و غيره من الأئمة الشافعية، و أما حكمه فإن طاف عليه و كان شئ من بدنه فيه فلا يصح طوافه على مذهب الإمام الشافعى، و لا على مقتضى ما ذكر جماعة من متأخرى المالكية منهم ابن شاس و ابن الحاجب
1) انظر شفاء الغرام 1/ 170.
و شارحه الشيخ خليل الجندى و تلميذه صاحب الشامل و غيرهم و أنكر ذلك بعض متأخرى المالكية، و لم يثبته فى المذهب. و لا يفسد الطواف عند الحنابلة لعدم الاحتراز منه، و هو مقتضى مذهب الحنفية؛ لأن القاضى شمس الدين السروجى منهم ذكر أنه ليس من البيت على مذهب أبى حنيفة، و اختار كونه ليس منه جماعة من محققى العلماء على ما قاله ابن جماعة، قال الفاسى:
قلت: ينبغى الاحتراز منه لأنه إن كان من البيت كما قيل فالاحتراز منه واجب و إلا فلا محذور فى ذلك، كيف و الخروج من الخلاف مطلوب و هو هنا قوى؟
و اللّه أعلم. و بعض الناس يعارض القول بأن الشاذروان من البيت بكون ابن الزبير- رضى اللّه عنهما- بنى البيت على أساس إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم كما جاء فى خبر بنائه، و هذا المعارض لا يخلو من حالين: أحدهما أن يدعى أن ابن الزبير رضى اللّه عنهما استوفى البناء على جميع أساس جداران البيت بعد ارتفاعها عن الأرض، و الآخر أن يدعى أن البناء إذا نقص من عرض أساسه بعد ارتفاعه عن الأرض لا يكون مبنيا على أساسه القديم، و الأول لا يقوم عليه دليل؛ لأن ما ذكر من صفة بناء ابن الزبير رضى اللّه عنهما لا يقتضى أن يكون بناء البيت مستوفا على جميع أساس جدرانه بعد ارتفاعها عن الأرض و لا ناقصا على أساسها، و وقوع هذا فى بنائه أقرب من الأول؛ لأن العادة جرت بتقصير عرض أساس الجدار بعد ارتفاعه لما فى ذلك من مصلحة البناء، و إن كان فى هذا مصلحة فلا مانع من فعله فى البيت لما بنى فى زمن ابن الزبير رضى اللّه عنهما و اللّه أعلم، نعم فى بناء ابن الزبير له على أساس إبراهيم دليل واضح على أنه أدخل فى البيت ما أخرجته منه قريش فى الحجر فإنه بنى فى ذلك على أساس إبراهيم لا أساس قريش، و الثانى غير مسلم؛ لأن الجدار إذا اقتصر من عرضه بعد ارتفاعه عن الأرض لا يخرجه ذلك عن كونه مبنيا على أساسه القديم و هذا مما لا ريب فيه و إنكاره مكابرة، و اللّه أعلم. و ما علمت متى كان ابتداء بناء الشاذروان و لم يبن مرة واحدة و إنما بنى دفعات منها فى سنة اثنين و أربعين و خمسمائة، و ما عرفت المبنى منه فى هذه السنة، و منها فى سنة ((1)) و ثلاثين و ستمائة على ما ذكره سليمان بن خليل، و بيض لما بين ستة و ثلاثين
1) بياض بالأصل و كتب بالحاشية: يراجع.
و ذكر أن فى هذه السنة ختم الشاذروان عند الحجر الأسود و منها فى آخر عشر الستين و الستمائة أو فى أوائل عشر السبعين و ستمائة؛ لأن القاضى بدر الدين بن جماعة رآه فى سنة ست و خمسين و ستمائة و هو مصطبة يطوف عليها بعض العوام، و رآه فى سنة إحدى و ستين و قد بنى عليه ما يمنع من الطواف على هيئته اليوم، و ذكر الأزرقى طول الشاذروان فى السماء ستة عشر إصبعا و عرضه ذراع انتهى. و مقدار عرضه ينقص فى بعض الجهات عما ذكره الأزرقى، و أفتى المحب الطبرى عالم الحجاز فى وقته بوجوب إعادة مقداره على ما ذكره الأزرقى و له فى ذلك نحو نصف كراس سماه استقصاء البيان فى مسألة الشاذروان أنه أفتى بوجوب هدم الشاذروان و إعادته إلى ذراع احتياطا لما نقله الأزرقى، و قد استشعر على نفسه اعتراضات منها أنه قال: لا يقال إن ذلك زيادة فى بيت اللّه جل و علا و تغيير له عن موضوعه و لا يجوز ذلك؛ لأن نقول أخبار هذا الإمام العدل يمنع من أن يكون التتميم زيادة و تغييرا؛ لأنه إنما يكون زيادة إذا تحقق أن الموجود الآن هو الأصل، و نحن لا نتحققه، بل لا نظنه، بل لا نشك فى أنه ليس على الأصل، ثم قال: و كلام الأزرقى يجب قبوله و طرح ما توسوس به الشياطين من الخيالات الفاسدة و الاحتمالات البعيدة، و قد أحدث فى الشاذروان زيادة و لم يقل أحد ممن وجد بعد الأزرقى إلى زمننا هذا إن هذا الإحداث زيادة فى بيت اللّه تعالى و تغيير له عن موضوعه و لا أنكره أحد، فليكن كذلك ما يتم به الذراع المفعول فى عرضه، و لا يكون ذلك زيادة بل خيرا و تتميما، ثم قال: فإن قيل هذا الموجود اليوم الناقص عن الذراع ترادفت عليه الأعصار و تواردت عليه علماء الأمصار و جاور بالحرم الشريف من العلماء و طالت مدة مجاورتهم و لم ينكره أحد منهم و الظاهر أن ذلك لم يخف على جميعهم.
قلنا عدم إنكارهم لا يدل على رضاهم به و تقريرهم له، و إنما يحكم بالرضى و التقرير بعد العلم بأنهم علموا بأنه كان ذراعا ثم أقروه ناقصا و لا يحتاج إلى إثبات، و كثير من جملة العلماء لا يعلم أن الأزرقى ذكر أن عرضه ينقص عن ذراع و إن علموا حكمه، و كثير يعلم ما ذكره الأزرقى و لا يعتبره و يطوف، أو يعتقد أنه كما ذكره الأزرقى و لا يعلمون نقصه، و قد رأيت من أجله أهل العلم
من هو كذلك، و ما المانع من أن يكون أنكره من اطلع و علمه كما أنكره اليوم فحصل له صاد كما حصل اليوم، و لا يتمكن كل أحد من تغييره بيده و إنما ذلك منوط بولاة الأمر فيه و كم من بدعة تطاول زمانها، و لا يقال إن علماء عصر أقروها رضى بها بل يحرم على كل أحد نسبتهم إلى ذلك، ألا ترى أن فى الكعبة منكرين فاحشين قد تطاول الزمان عليهما، المنكر المسمى بالعروة الوثقى، و المنكر المسمى بسرة الدنيا أنكرهما كثير من العلماء و لم يلتفت إليهم انتهى كلامه.
قال ابن حجر بعد نقلها: فإن قلت: يؤخذ من كلامه هذا منازكة السبكى(1)و غيره فيما قالوه من الاستدلال بتقرير العلماء على فعل تلك الإصلاحات و الرخام و التحلية؛ لأن الاحتمالات التى ذكرها السكوت العلماء على بقاء الشاذروان على دون ذراع تأتى فى ذلك، قلت: ممنوع؛ لأن الإنكار يستدعى تقدم العلم بما قاله الأزرقى إنه كان ذراعا، و هذا لا يتأتى فيما نحن فيه سلمنا أنهم علموا يحتمل أنهم يرون صحة الطواف على الشاذروان سلمنا أنهم يعتقدون ذلك هم قد أنكروا فى كتبهم و هذا كله لم يوجد منه شئ هنا فدل سكوتهم على تلك الإصلاحات و عدم تعرضهم لإنكارها بلسان و لا قلم على جوازها، و قوله: «و كم بدعة» إلى آخره، لا يأتى فيما نحن فيه أيضا؛ لأن العلماء لم يبقوا شيئا من البدع المنكرة إلا و قد ذكروا حكمه و بينوه تلويحا أو تصريحا، فسكوتهم عن الإنكار عليه إنما هو لعجزهم، و هنا لو كان سكوتهم لعجزهم لبينوا ذلك فى كتبهم، فتأمل ذلك حق التأمل لتكون على جادة الصواب و تظفر بتحقيقه فإنه مما يستفاد و يستطاب، وفقنا اللّه لتحريه على الدوام و جعلنا ممن قام بشعار هذا البيت الحرام آمين انتهى، كلام ابن حجر. و أما الجواب عن بناء الخليل هل كان بمونة أو لا؟
فالمنقول أنه لم يكن بمونة و إنما كان يرص الحجارة رصا حتى صار الطول تسعة أذرع ليتمكن من الطواف، لكن وقع فى بعض الروايات أن إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم كان يناوله الحجارة و الطين، قال ابن حجر: و هذا ينافيه ما مر من أن إبراهيم
1) انظر المناهل العذبة لوحة 10.
لم يبنها بمدر و لا قصه و إنما رضمها رضما، و من ثم أخذ منه بطلان ما على ألسنة العامة أن الحفرة الموجودة الآن بين الحجر- بكسر أوله- و باب البيت كان معجنة للطين الذى بنى به إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و قد يجمع بأنه يحتمل أنه جعل الطين فى أسفل جدارها زيادة فى الهامة ثم رضم الباقى انتهى.
و أما بناء قريش فالمنقول أنه كان مدماكا من ساج و مدماكا من الحجر على ما يأتى بيانه.
و أما حكم أحجاره و خشبه فقد نص صاحب الفنون(1)الحنبلى فى فنونه على أنه لا بأس بتغيير حجارة الكعبة إن عرض لها مرمّة؛ لأن كل عصر احتاجت فيه لذلك قد فعل بها ذلك و لم يظهر نكير على فعله، نعم الحجر الأسود و لا يجوز نقله عن مكانه و لا تغييره؛ لأنه لم يوضع موضعه إلا بنص من النبى صلى اللّه عليه و سلم، فهو كبعض آيات القرآن لا يجوز نقلها من موضعها إلى موضع آخر و يكره نقل حجارتها عند عمارتها إلى غيرها، و ما صلح من حجارتها و أخشابها يعاد إليها، فقد نقل عن ابن الزبير رضى اللّه عنهما أنه عزل من حجارة البيت الشريف ما يصلح أن يعاد فيه و إنه لما أتم عمارة الكعبة بقيت من الحجارة بقية ففرشها حول البيت الشريف، قال العلامة التقى(2)الفاسى فى تاريخه: و أول من فرش الحجارة حول البيت عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهما؛ لأنه لما فرغ من عمارة الكعبة بقيت من الحجارة بقية ففرش بها حول البيت كما يدور البيت نحوا من عشرة أذرع، ذكر ذلك الفاكهى عن بعض المكيين، و أن الحجاج كبس أرض الكعبة بالحجارة التى فضلت، و نقل أن قريشا لما بنت البيت الشريف تقدم عايذ بن عمران بن مخزوم فتناول حجرا من الكعبة فوثب من يده حتى رجع إلى مكانه، و لا يتعين فى الحجارة المحتاج إليها أن تكون من تلك الجبال التى بنى منها الخليل صلى اللّه عليه و سلم، فقد نقل أن قريشا بنوها من حجارة الوادى، و أن ابن الزبير رضى اللّه عنهما سأل رجالا من أهل العلم بمكة من أين أخذت قريش حجارتها؟ فأخبروه بمقلعها فنقل منها ما يحتاجه، و حيث
كان كذلك فإن احتيج الآن إلى حجر جديد فليسأل ممن له خبرة بالأماكن التى أخذ منها ابن الزبير رضى اللّه عنهما و يؤخذ منها اقتداء به رضى اللّه عنه، و هذا أمر استحسانى و إلا فلا مانع من الكفاية بأى حجر يكون و كذا الخشب لا يتعين فيه شئ بل المدار على ما يحصل به الكمال و تظهر به مزيد الإجلال، و أما كيفية البناء هل تكون من داخل الستور أو خارجها و ما يليق بحال العملة؟
فالذى ينبغى فيه أن يقتدى بما فعله عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهما، فإنه أدار سترا على فناء البيت الشريف فكان البناة يبنون من وراء ذلك الستر و الناس يطوفون من خارج، قال الزركشى فى كتابه إعلام الساجد بأحكام المساجد: لو انهدمت الكعبة و العياذ باللّه فصلى فى عرصتها و لا شاخص لم تصح صلاته كالصلاة على سطحها؛ لأنه صلى فى البيت لا إليه، و لهذا لما هدم ابن الزبير رضى اللّه عنهما الكعبة و وضع أعمدة فستر عليها الستور لاستقبال المستقبلين و طواف الطائفين، و قال ابن عباس رضى اللّه عنهما: إن كنت هادمها فلا تدع الناس لا قبلة لهم. و هذا يدل على أن بقعة البيت ما كانت تنزل عندهما منزلة البيت لكن خالفهما فى ذلك جابر رضى اللّه عنه و قال: صلوا إلى موضعها و خالف ابن شريح فى الصلاة فى العرض فجوز ذلك، قال الرافعى: و خصه بعضهم عنه بصورة العرصة، قال الإمام: لا شك أنه يجزيه فى العرصة و به صرح البغوى نقلا عنه فلا فرق انتهى.
و أما الصلاة إلى أرض الكعبة فيجوز، و يجزيه ذلك بلا خلاف عندنا سواء بقى منها شاخص أم لا، و مذهب مالك أن المقصود بالاستقبال البناء لا البقعة كذا نقله فى شرح مسلم فى الحج، و ما ادعاه من نفى الخلاف باطل ففى الاستدلال للدارمى ما لفظه: و أما الصلاة إليه إذا انهدم و العياذ باللّه فمن أصحابنا من قال: لا يجوز، و الصحيح أنه يجوز انتهى. و قد تقدم عن صاحب المفهم الحنبلى أنه قال فى مفهمه: إنه يكره التكلم فيها و فى أبنيتها إلا بقدر الحاجة، و أما المخاطب بذلك أولا فهو الإمام الأعظم و السلطان الأكرم، مالك رقاب العالم، خليفة اللّه على أبناء آدم، خادم الحرمين الشريفين، و مسلك سبل القبلتين، خلد اللّه دولته، و قوى صولته، و يدل لذلك قول عالم الحجاز المجمع على متانة علمه، و غزارة فكره المحب الطبرى فإنه قال: على متولى البيت الحرام و الناظر فى هذه المشاعر العظام، رعاية مصلحتها و الاهتمام بعمارتها انتهى.
فإن سلاطين آل عثمان- خلد اللّه دولتهم و أدام عزتهم- هم المتولون لذلك، و الحائزون قصب السبق فيما هنالك، و كل من تعاطى خدمة ذلك فهو بطريق النيابة عنهم، و هذه كتب التواريخ مصرحة بمزيد اعتنائهم بخدمة هذا البيت الشريف، و أما تعيين جهة المال المصروف على العمارة و ما يتعلق بذلك فجوابه نص العلامة بقية المتأخرين الشيخ ابن حجر(1)الهيثمى الشافعى نزيل حرم اللّه تعالى على أن مصروف ذلك يتعين أن يكون من مالك الكعبة، كالبخور و الكسوة و الوقود و نحوها: و قال: و ذلك لأن للكعبة مالا مرصدا لها من زمن الخليل صلى اللّه على نبينا و عليه و على سائر الأنبياء و المرسلين و سلم و ذلك أنه و إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم لما بنياها حفرا لها جبا فيها على يمين داخلها، فكان فيه ما يهدى لها من حلى و ذهب و فضة و غيرها، و لم يكن لها سقف، فعدا على ذلك الجب قوم من جرهم فأرادوا سرقة ما فيه، فبعث اللّه تعالى حية تحرسه فسكنت فى ذلك الجب أكثر من خمسمائة سنة تحرس ما فيه فلا يقربه أحد إلا و رفعت رأسها و فتحت فاها، و كانت ربما تشرف على جدار الكعبة، إلى أن جاء عقاب فاختطفها و طار بها نحو أجياد، و هى الدابة التى تخرج آخر الزمان، قال الأزرقى: و ذكر أن النبى صلى اللّه عليه و سلم وجد فى الجب الذى كان فى الكعبة سبعين ألف أو قية من ذهب مما كان يهدى للبيت، و أن عليا كرم اللّه وجهه قال:
يا رسول اللّه لو استعنت بهذا المال على حربك، فلم يحركه، ثم ذكر لأبى بكر رضى اللّه عنه فلم يحركه، و عن الحجبة أن ذلك المال كان موجودا بالكعبة سنة ثمان و ثمانين و مائة ثم لم يدر حاله بعد ذلك، و حكى الأزرقى عن مشيخة أهل مكة و بعض الحجبة أن الحسن بن الحسين العلوى رضى اللّه عنهما عمدا إلى خزانة الكعبة فى سنة مائتين حين أخذ مكة فأخذ مما فيها مالا عظيما و نقل إليه، و قال: لما تصنع الكعبة بهذا المال موضوعا لا ينتفع به؟ نحن أحق به نستعين به على حربنا، و يروى أن مالها كان يدعى الأبرق، و لم يخالط مالا قط إلا محقه و أدنى ما يصيب آخذه أن يشدد عليه عند الموت، و روى البخارى أن أبا وائل جلس مع شيبة بن عثمان حاجبها على الكرسى فقال له: لقد جلس هذا المجلس عمر رضى اللّه عنه فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفرا و لا بيضا إلا قسمته، قلت: إن صاحبيك لم يفعلا، قال: هما المراد اقتدى بهما. قال
1) انظر رسالته المناهل العذبة لوحة 10
الدمامينى فى كتابه تعليق المصابيح على أبواب الجامع الصحيح: المراد بالصفراء و البيضاء الذهب و الفضة، و قال الزركشى: و ظن بعضهم أنه حلى الكعبة و غلطة صاحب المفهم بأن ذلك محبس عليها كحصرها و قناديلها فلا يجوز صرفه فى غيرها و إنما هو الكنز، قال القرطبى من علماء المالكية رحمه اللّه تعالى: كنز الكعبة المال المجتمع مما يهدى إليها بعد نفقة ما تحتاج الكعبة إليه، و ليس من كنز الكعبة ما تحلا به من الذهب و الفضة؛ لأن حليها حبس عليها كحصرها و قناديلها لا يجوز صرفه فى غيرها انتهى. و أخذ منه عدم جواز تفرقة كسوتها؛ لأنها ليست من الكنز الذى هم النبى صلى اللّه عليه و سلم بتفريقه بقوله: «و لأنفقت كنز الكعبة» على كلام يأتى، و علم منه تعريف الكنز و ليس المراد به ما وضع فى جبها فقط، ثم ما قاله صاحب المفهم من جملة الصفرا و البيضاء فى كلام عمر رضى اللّه عنه على غير حلى الكعبة، و أن من الغلط جعله شاملا لحليها المقتضى أنه من كنزها الذى هم النبى صلى اللّه عليه و سلم بتفرقته، و كذا عمر رضى اللّه عنه لو لا ما ذكره له شيبة قد خالف فيه الإمام السبكى حيث قال: تنبيه محل الذى قلته من الصرف إلى وجوه الكعبة إذا كان المال علم من حاله ذلك أو كانت عليه قرينة بذلك مثل كونه دراهم أو دنانير، أما القناديل التى فيها و الصفائح التى عليها فتبقى على حالها و لا يصرف منها شئ، و قول عمر رضى اللّه عنه صفراء أو بيضاء يحتمل النوعين و لم ينقل لنا صفتها التى كانت ذلك الوقت، ثم قال الدمامينى: و كان سيدنا عمر رضى اللّه عنه قصد بكلامه هذا ما يهدى إليها خارجا عما كانت تحتاج إليه مما ينفق فيها، و لما افتتح النبى صلى اللّه عليه و سلم مكة تركه رعاية لقلوب قريش، ثم بقى على ذلك فى زمن الصديق و عمر رضى اللّه عنهما، و قال: لا أدرى ما صنع به بعد ذلك. و ينبغى أن يبحث عنه، فإن قلت: ما وجه تذكير لضمير من قوله: «إلا قسمته» مع أن مرجعه مؤنث قلت:
ذكر باعتبار المال ثم قال الدمامينى(1): و استدلال من استدل بترك النبى صلى اللّه عليه و سلم أموال الكعبة و توقيرها على القسمة على إيجاب بقاء الأحباس على ما سبلت عليه فيه نظر؛ لأنه أن كان المال المحبس على الكعبة عنى به الصرف فى إقامة الكعبة بتقدير انهدامها- و العياذ باللّه تعالى- فهذا مما لا يخطر بالبال؛ لأنا نعلم أن الذين يهدون المال للكعبة لم يقصدوا ذلك، و إن كان هذا المال المحبس
1) فى كتابه المصابيح.
عليها أريد بقاؤه لذاته فهذا لا نظر له فإن الأحباس إنما تراد لمنافعها لا لذاتها فلا يستدل بهذا الباب المستثنى على غيره، ألا ترى أنه لا يجوز أن يوقف دارا على أن تبقى ذاتها غير منتفع بها؟ و إن كان المراد بالمال المذكور منفعة أهل الكعبة و الحرم و سدنة البيت أو ارصاده لعامة المسلمين فهذا لا يختلف فى أن قسمته على مستحقيه عمل بمقتضى الوقف لا إبطال له، فالحق أن هذه الأموال أريد بها بقاء ذواتها أو تجمل الكعبة إقامة لأبهة الإسلام أو خرج عنها أصحابها على أن تبقى فى الكعبة غير قاصدين لمعنى آخر، و على كل تقدير من هذه الثلاثة فهو تحبيس لا نظر له فلا يقاس عليه، و هذا هو الوجه الذى رجع إليه عمر رضى اللّه عنه، و على الجملة فالمسألة اجتهادية، و من هذه القاعدة الأموال التى تهدى للمشاهد كالشمع و الزيت و قناديل الفضة التى لا يوقد فيها يجرى فيها هذا النوع من الاجتهاد و يحتمل الخلاف، قلت: وقع لشيخنا الإمام أبى عبد الله بن عرفة رحمه الله تعالى فى كتاب الإيمان و النذور فى مختصره فى الفقه ما نصه:
و نذر شيء لميت صالح معظم فى نفس الناذر لا أعرف نصا فيه و روى أن قصد مجرد كون الثواب للميت تصدق به بموضع الناذر و إن قصد الفقراء الملازمين لقبره أو زاويته تعين لهم إن أمكن وصوله لهم انتهى. و بقى عليه ما إذا علمنا نذره و جهلنا قصده و تعذر استفساره فعلى ماذا يحمل؟ و الظاهر حمله على ما هو الغالب من أحوال الناس بموضع الناذر انتهى كلام الدمامينى. نقلناه برمته لنفاسته.
و هذا الفرع الذى نقله الدمامينى عن ابن عرفة نبه عليه الشيخ السبكى فقال: الكعبة و الحجرة الشريفة قد علم حالهما الأول بالنص للحديث الوارد الذى قدمناه و الثانية بالإلحاق به و بالقطع بعظمها، و قد كثر فى البلاد و غيرهما أماكن ينذر لها و يهدى إليها، و قد يسأل عن حكمها و يقع النظر فى أنها هل تلحق بهذين المكانين و إن لم تبلغ مرتبتهما؟ و قد ذكر الرافعى عن صاحب التهذيب و غيره أنه لو نذر أن يتصدق بكذا على أهل بلد عينه يجب أن يتصدق به عليهم، قال: و من هذا القبيل ما ينذر بعثه إلى القبر المعروف بجرجان، فإن ما يجتمع فيه على ما يحكى يقسم على جماعة معلومين، و هذا محمول على
أن العرف اقتضى ذلك، فنزل النذر عليه، و لا شك أنه إذا كان عرف حمل عليه، و إن لم يكن عرف فيظهر أن يجيء فيه خلاف على وجهين: أحدهما:
لا يصح النذر، و لأنه لم يشهد له الشرع بخلاف الكعبة و الحجرة الشريفة، و الثانى: تصح إذا كان مشهورا بالخير، و على هذا ينبغى أن يصرف فى مصالحه الخاصة به و لا يتعداها، و الأقرب عندى بطلان النذر لما سوى الكعبة و الحجرة الشريفة و المساجد الثلاثة لعدم شهادة الشرع لها، و إن من أخرج من ماله شيئا لها، و اقتضى العرف صرفه فى جهة من جهاتها صرف إليها و اختصت به و الله أعلم.
و قال المحب(1)الطبرى فى حديث شيبة السابق لما أخبره شيبة: أن النبى صلى الله عليه و سلم و أبا بكر لم يتعرضا للمال رأى عمر رضى اللّه عنه أن ذلك هو الصواب، و كأنه رأى حينئذ أن ما جعل فى الكعبة يجرى مجرى الوقف عليها فلا يجوز تغييره، أو رأى ترك ذلك تورعا حين أخبره شيبة أن صاحبيه تركاه و إن كان رأيه إنفاقه فى سبيل الله، فتركه صلى الله عليه و سلم إنما هو رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم لذلك و أيده شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر برواية مسلم فى خبر عائشة: «لو لا قومك حديثو عهد بجاهلية» الحديث: و فيه: «و لأنفقت كنز الكعبة فى سبيل الله، و لجعلت بابها بالأرض»، قال: و عليه فإنفاقها جائز كما جاز لابن الزبير بناؤها على قواعد إبراهيم صلى الله عليه و سلم لزوال سبب الامتناع انتهي.
و تقدم المراد بالكنز و تعريفه قال(2)ابن حجر عقب نقله لما تقدم: فإن قلت:
هذا ينافى ما ذكره أصحابنا من أنه لا يجوز صرف شيء من مال الكعبة الذى أهدى لها إلى شيء من المصالح الخارجة عنها، فما جوابهم عن ذلك؟
قلت: يمكن أن يجاب من جهتهم عن ذلك بأن ترك أبى بكر و عمر رضى الله عنهما و بقية الخلفاء الراشدين لأخذه و إنفاقه فى سبيل الله تعالى مع شدة احتياجهم إليه، و مع زوال ذلك المعنى الذى خشيه صلى اللّه عليه و سلم فى حياته و بعد موته
فيه أظهر دليل على أنهم عملوا بنص أو قياس أن ذلك مستحق للكعبة فلا يصرف فى غيرها و يكون تركه صلى اللّه عليه و سلم لإنفاقه بعد زوال ذلك المعنى كالنسخ لما دل عليه خبر عائشة رضى اللّه عنها، و مما يدل على أن حكم ما أهدى للكعبة بعد الإسلام حكم كنزها فى تعين صرفه لها دون غيرها ما صح عن شقيق قال:
بعث معى رجل بدراهم هدية إلى البيت فدخلته و شيبة ابن عثمان جالس على كرسى، فناولته إياها فقال: ألك هذه؟ فقلت: لا، و لو كانت لى لم آتك بها، قال: أمالئن قلت ذلك لقد جلس عمر بن الخطاب مجلسك الذى أنت فيه فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين، فقلت: ما أنت بفاعل، قال: و لم قلت؟ قال: قال لأن النبى صلى اللّه عليه و سلم قد رؤى مكانك و أبو بكر و هما أحوج منك إلى المال فلم يحركاه، فقام كما هو و خرج. و قال الشافعية:
يصح الإهداء و النذر إلى الكعبة نفسها، و كذا لرتاجها و طيبها و قودها فينقله إليها ثم يصرفه إلى القيم بأمرها ليصرفه فى الجهة المنذورة إلا أن يكون قد نص فى نذره أن يتولى صرف ذلك: بنفسه، قال الإمام المجتهد التقى السبكى فى كتابه تنزيل السكينة بعد ذكره ذلك فظهر بهذا القطع ثبوت اختصاص الكعبة بما يهدى إليها و ما ينذر لها و ما يوجد لها من الأموال و امتناع صرفها فى غيرها، لا للفقراء، و لا للحرم الخارج عنها المحيط بها، و لا لشيء من المصالح، إلا أن يعرض لها نفسها عمارة و نحوها، و حينئذ ينظر، فإن كانت تلك الأموال قد أرصدت لذلك فتصرف فيه، و إلا فيختص بها الوجه الذى أرصدت له، فلا يغير عن وجهه فالمرصد للبخور لا يصرف فى غيره، و المرصد للعمارة لا يصرف فى غيرها، و المرصد للكسوة لا يصرف فى غيرها، و المرصد للكعبة مطلقا يصرف فى جميع هذه الوجوه، و كذا ما وجد فيها و لم يعلم قصد من أتى به لكنه معد للصرف. انتهى المقصود منه. ثم قال: و إياك أن تغلط فتعتقد أن ذلك يصرف إلى فقراء الحرم، فإن ذلك فيما إذا كان الإهداء إلى الحرم أو إلى مكة، أما إذا كان إلى الكعبة نفسها فلا يصرف إلا لها، نعم لو كان المهدى للكعبة غنما و بقرا و إبلا فالقرينة تقتضى ذبحه و تفريقه بخلاف الذهب و الفضة فلا
عرف يقتضى ذلك فيه فوجب قصره على مقتضى اللفظ و اختصاص الكعبة بخصوصها كما شهد به الحديث السابق، و إذا وجدنا بالكعبة مالا و احتمل أن يكون من هذه الجهة حملناه عليها عملا باليد، كما تبقى أيدى أرباب الأملاك على ما بأيديهم كما فعل رسول الله صلى اللّه عليه و سلم، و قد تبع الزركشى السبكى فى الخادم فقال بعد ذكره عن الأصحاب نحو ما تقدم: فظهر بهذا اختصاص الكعبة بما يهدى إليها و ما ينذر لها و ما يوجد فيها من الأموال و امتناع الصرف منها إلى الفقراء و المصالح إلا أن يعرض لها نفسها عمارة فتصرف فيها إن حدثت لها و إلا فلا يغير شيء عن وجهه انتهى. ثم قال: و الرتاج بكسر الراء المهملة ثم مثناة فوقية ثم جيم قال القاضى حسين: هى فى اللغة الباب العظيم، قال: و المراد هنا جميع الكعبة: ثم قال: و قيل: الرتاج السترة انتهي.
و صرح الماوردى بأن من نذر للكعبة شيئا لا يستعمل فيها بيع و صرف الثمن فى مصالحها، و هنا مسألة تعم البلوى بها و هى ما لو نذر أن يوقد شمعا على باب الكعبة، فأرسل به مع غيره ليوقده، فجاء المرسل به و أوقده على الباب قليلا، ثم جاء الحجبة و أخذوه منه و منعوه من استمرار وقوده و قالوا: هذه عادتنا مع كل أحد، و ربما سرقه نوابهم على غفلة بعد إيقاده قليلا، فهل تبرأ ذمة الناذر و المرسل معه، أو تبرأ ذمة الناذر دون المرسل معه؟ و الجواب على مذهب الشافعى رضى اللّه عنه أن الناذر خلص عن عهدة المنذور، و كون الحجبة يأخذونه أمر آخر لا يتعلق ببقاء المنذور فى ذمة الناذر و لا المرسل معه، و إن كان على الحجبة إبقاؤه موقودا إلى إنفاذه، و لا خفاء أن الناذر نفسه لو حضر بالشمع فكان ما تقدم كان الحكم كذلك، و محل صحة هذا النذر من أصله أن ينتفع بهذا الوقود و لو على تنوير مصلى هناك أو غيره و إلا فإن كان القصد بالنذر و هو الغالب تعظيم البقعة فقط ففيه وقفة و قضية، كلام النووى عدم الصحة، و صرح به الأذرعى و تبعه الزركشى، و ذكر بعض المتأخرين من الحنفية أن مقتضى مذهبهم أن المرسل بالشمع لا يخلص من العهدة بمجرد إيصال الشمع إلى المحل و لا بوقوده قليلا ما لم يوقد ثلثاه فأكثر، و أما الحجبة فلفهم أخذه بغير إذن المرسل إذا جرى العرف بذلك بعد أن أوقد معظمه نص عليه
الغنية من كتب المذهب هذا و إذا تأملت قولهم بصحة النذر للكعبة نفسها و إنه يصرف لما حدث فيها من العمارة و نحوها و لبابها تجد ذلك مصرحا بأن عمارتها و ترميمها مما ذكر قربة يصح نذرها و الوقف عليها و نحو ذلك و يصرف ذلك فيها، و لم يذكر أئمتنا أن مصرف عمارتها من بيت المال ابتداء، بل عولوا على مالها المختص بها مما يهدى إليها أو ينذر لها و ما يوجد فيها من الأموال التى لم ينص على تعينها لغير العمارة بأن لم يعلم قصد من أتى بها كما تقدم عن السبكى، قال ابن بطال فى كتاب الاعتصام: أراد عمر رضى اللّه عنه أن يقسم المال الذى فضل عن نفقة الكعبة و مؤنتها و يضعه فى مصالح المسلمين فلما ذكّره شيبة أن النبى صلى اللّه عليه و سلم و أبا بكر رضى الله عنه بعده لم يتعرضا له، لم يسعه مخالفتهما و رأى أن الاقتداء بهما واجب، فربما تهدم الكعبة و تخلق بعض الآلة فيصرف ذلك المال فيه، و لو صرف ذلك فى منافع المسلمين لكان كأنه قد أخرج عن وجهه الذى سبل فيه. قال السبكى: فإن قلت: قد ذكر الفقهاء وجهين فى صحة الهبة للمسجد و إنه هل يملك أو لا يملك؟ قلنا: أصحهما الجواز و إنه تصح الهبة له و يقبلها قيمه و يملك و يؤخذ له بالشفعة، و الوجه الآخر ضعيف و يرد عليه بالحديث أو لا يرد عليه بل يكون الوجه خاصا بالهبة المفتقرة إلى إيجاب و قبول، و أما الإهداء إلى الكعبة فأصله معهود قال الله تعالي: «هديا بالغ الكعبة» و إن كان ذلك فى الفداء لكنه عرف به مشروعية هذا النوع و إضافته إلى الكعبة، و قد اختلف الفقهاء فى الوقف على المسجد؟ هل هو وقف على المسلمين أو على مصالح المسجد؟ و الأصح الثاني، و القائل الأول إنه لم يرد أنه وقف على المسلمين يصرفونه فيما شاءوا بل يختص بالمسجد قطعا، و إنما حمله على جعله على المسلمين أنهم القابلون للتملك، و الجماد لا يقبل التملك و جوابه أن الجماد إذا كان له جهة يصرف فيها و يحتاج إليه فذلك معنى التملك، فظهر لنا القطع بثبوت اختصاص الكعبة بما يهدى إليها و ما ينذر لها و ما يوجد فيها من الأموال، و امتناع صرفها فى غيرها لا للفقراء و لا للحرم الخارج عنها المحيط بها و لا لشيء من المصالح إلى آخر ما تقدم، ثم قال السبكى:
و محل الذى قلته من الصرف إلى وجوه الكعبة إذا كان المال علم من حاله ذلك أو كانت عليه قرينة بذلك مثل كونه دراهم أو دنانير، أما القناديل التى فيها
و الصفائح التى عليها فتبقى على حالها و لا يصرف منها شيء، و قول عمر رضى الله عنه: صفراء أو بيضاء يحتمل النوعين و لم ينقل إلينا صفتهما التى كانت ذلك الوقت، و قد قيل: أول من ذهّب البيت فى الإسلام الوليد إلى آخر ما يأتى، و سيأتى أنه يجب إدامة تعليق ما علق بالحجرة من القناديل و لا يجوز انفكاكه عن ذلك؛ لأن التعليق و إن لم يكن فى الأصل واجبا و لا قربة إلا أنه صار شعارا و يحصل بسبب إزالتها تنقيص فيجب إدامتها، كما ذكرناه فى كسوة الكعبة أن استدامتها واجبة و ابتداءها غير واجب، و حينئذ فيقال مثله فى تعليق قناديل الكعبة و عليه فيحرم تنزيلها و رهن شيء منها على ما يصرف فى عمارتها، فتأمل هذا، و الذى يظهر أنه إن لم يكن بها شيء من ذلك فالمرجع لبيت المال، لكن معلوم أن هناك أوقافا عليها محكوم بصحتها فمن يرى بصحة الوقف على الكعبة و بموجبه الرافع للخلاف، و قد ذكر العراقى أن قول الواقف: وقفت هذا على الحرمين، يدخل فيه الكعبة، فتعمر من مثل ذلك فليراجع عبارته، و قد صرح الإمام السبكى فى رسالته: تنزل السكينة على قناديل المدينة أن العمارة التى تحتاج لها الحجرة الشريفة أو الحرم إن كان هناك أوقاف يعمر منها و إلا فيقوم بها المسلمون من أموالهم، إلى آخره كما سيأتى، و معلوم أنه إذا رجع الأمر إلى بيت المال فلا بد أن يكون من مال حلال خالص لا شبهة فيه بوجه، فقد اشترطت ذلك قريش حين بنت البيت و وزعت مصرفه عليهم، فعند هدمها تقدم عايذ بن عمران بن مخزوم و هو خال أبى النبى صلى اللّه عليه و سلم فتناول حجرا من الكعبة فوثب من يده حتى يرجع إلى مكانه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا فى بنائها من مالكم إلا حلالا طيبا ليس فيه مهر بغى و لا رياء و لا مظلمة، ثم لما قصرت النفقة الحلال التى أعدوها لعمارة البيت نقصوا من عرضها أذرعا من جهة الحجر كما يأتى بيانه، و حيث كان كذلك فإن فقد ما تعمر به الكعبة من مالها المختص بها رجع الأمر فى ذلك إلى مال حلال يؤخذ من بيت المال وجهة المحل الخالص يمكن من مال موروث لا وارث له أو من مال الجزية الزائد عن المقررين فيما إذا أخذ من أهل الذمة من غير حيف، و قد قال أكثر العلماء فى الجزية بما قال به عمر بن الخطاب رضى الله عنه، و لم
يخالف أحد من الصحابة أنه يؤخذ من الغنى ثمانية و أربعون درهما، و من المتوسط أربعة و عشرون درهما، و من الفقير المعتمل اثنا عشر، و قال بذلك الإمام أبو حنيفة و أحمد فيما رواه أكثر الصحابة، و قال الإمام مالك أربعة دنانير على أهل الذهب، و أربعون درهما على أهل الفضة، و المراد بالدينار المثقال الذهب الخالص فإنه الدينار الشرعى، و المراد بالدرهم أن يكون من الفضة الخالصة، و الإمام الشافعى و إن قال بإجزاء دينار فقد قال أيضا: أنه ينبغى للإمام أن يماكسهم حتى يجعل على الفقير المعتمل دينارا، و على المتوسط دينارين، و على الغنى أربعة دنانير، قال علماؤنا: فأخذ الأكثر منهم فى مثل هذا الزمن الذى طغوا فيه و تجبروا هو المتعين و هو من المال الحلال الطيب الذى لا ظلم فيه و لا عدوان، و فى ذلك توسعة على بيت مال المسلمين و لا سيما فى مثل هذه الأوقات المحتاج للنفقة فى الجهاد فى سبيله، و أما ما ذكره بعض أهل العصر من الشافعية من أن من وجوه المحل أن يؤخذ من مال خراج القرى المصرية فإنه حلال، و هذا الكلام من هذا المنسوب للشافعية مشكل، فإن وضع الخراج على الأراضى المصرية لا يقول به الشافعى رحمه الله تعالى؛ لأن الصحيح كما حكاه النقلة الذين رجع إليهم فى نقل المذاهب أن مصر فتحت عنوة كما قاله ابن الرفعة و نقله الزركشى رحمهما الله تعالي، و قيل: فتحت مرتين مرة صلحا ثم نكثوا ففتحت مرة ثانية عنوة، و ما فى وصية الشافعى رحمه الله من أن له أرضا بمصر مما يقتضى أنه يرى ملكها و أنها فتحت صلحا فقال بعضهم: يحتمل أنه أحيي الأرض المذكورة بعد أن كانت مواتا فلا دلالة فيه على ذلك، و حيث فتحت عنوة كما هو القول الأشهر و قسمت بين الغانمين و بقيت فى أيديهم فهى عشرية لا خراج فيها، و الأرض تكون خراجية كما قاله أصحابنا و نقله فى الشرح و الروضة فى صورتين: إحداهما: إذا فتحها الإمام قهرا و لم تقسم، أو قسمت بين الغانمين ثم تعوضها و وقفها علينا و ضرب عليها خراجها، و الثانية: إذا فتحت صلحا على أن تكون لنا و يسكنها الكفار بخراج معلوم فهى لنا و الخراج عليها أجرة لا تسقط بإسلامهم، فإن لم يشرط لكن سكنها الكفار بخراج فهى جزية تسقط بإسلامهم، و أما البلاد التى فتحت قهرا و قسمت بين الغانمين و تثبت فى أيديهم، و كذا الذى أسلم أهلها عليها و الأرض
التى أحياها المسلمون فكلها عشرية و أخذ الخراج منها ظلم انتهي، و قال الزركشى فى خادم الشرح و الروضة بعد أن ساق كلامهما فى صورتى الأرض الخراجية إلى آخره مقتصرا على عزو ذلك للشرح يريد أن هذه المسألة مفروضة فى أرض العراق أو فى أرض صالح الكفار المسلمون عليها بخراج يعطونه كل سنة، و على هذا فأرض مصر ليست خراجية انتهي، إذا تقرر ذلك فقد علمت منه أن مذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه أن أراضى مصر لا خراج عليها، و على تقدير أن يكون عليها خراج كما هو مذهب الإمام أبى حنيفة رضى الله عنه فغالب قراها إما وقف أو فيها حصة وقف، و إذا حكم فى الأوقاف من يرى بعدم الخراج ارتفع الخلاف، و غالب الأوقاف الحاكم فيها شافعى و من موجب حكمه عدم الخراج فلا يجوز نقضه و لا مخالفته بوضع الخراج على أراضى الوقف لبيت المال، و على تقدير عدم الحكم بها فما على الأراضى الموقوفة من الحمايات و المغارم زائد على الخراج بكثير بلا شبهة، فأخذ زائد عليه ممتنع لا يجوز من وجوه الحل القرض عن طيب خاطر باطنا و ظاهرا من مال لا شبهة فيه إلى غير ذلك من وجوه الحل، و قضية ما قلناه من أن المرجع فى ذلك للمال المختص بالكعبة على الوجوه المذكورة، فإن تعذر ذلك ففى بيت المال أنه لا يجب عند تعذر ما اختص بالكعبة من المال المذكور على المسلمين من أموالهم، و الذى صرح به السبكى فى رسالته تنزل السكينة على قناديل المدينة، أن العمارة التى تحتاج إليها الحجرة الشريفة أو الحرم إن كان هناك أوقاف يعمر منها و إلا فيقوم بها المسلمون من أموالهم طيبة قلوبهم النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ(1)و هو مقتضى أن تعمير الكعبة إذا تعذر مالها يكون على المسلمين من أموالهم، و يمكن رده لما قلناه بحمله على ما إذا تعذر الصرف من بيت المال، أو إن الصرف من أموال المؤمنين يصدق بالصرف من بيت المال فإنه لهم فتأمل، ثم قال السبكى: و كنت سئلت عن بيع القناديل الذهب التى بالحجرة المعظمة الشريفة حين أراد بعض الناس بيعها لعمارة الحرم الشريف النبوى على سكانه أفضل الصلاة و السلام فأنكرته و استقبحته، أما إنكاره فمن جهة الفقه لأن هذه القناديل إن كانت وقفا فلا يصح بيعها، و من يقول من الحنابلة ببيع
1) الأحزاب( 6).
الوقف عند خرابه أو من الحنفية القائلين بقول أبى يوسف فى الاستبدال إنما يقول ذلك إذا كان يحصل به غرض الواقف بقدر الإمكان، أما هنا فقصد الواقف إبقاءها لمنفعة خاصة و هى التزيين فبيعها للعمارة مفوت لهذا الغرض، و إن كانت ملكا للحجرة كالملك للمسجد فكذلك لما قدمناه أن قصد الآتى بها ادخارها لهذه الجهة و إن جهل حالها فيحمل على إحدى هاتين الجهتين فتمنع البيع أيضا، و إن عرف لها مالك معين فأمرها له و ليس لنا أن نتصرف فيها، و إن علم أنها ملك لمن لا ترجى معرفته فتكون لبيت المال، و معاذ الله ليس ذلك واقعا و إنما ذكرناه لضرورة التقسيم حتى يعلم أنه لا تسلط على بيعها للعمارة بوجه من الوجوه، و لو فرضنا أن هذه مما يجب الزكاة فيها ففى هذه المدد قد ملك الفقراء فى كل سنة ربع العشر فتكون قد استغرقت بالزكاة فيجب صرفها إليهم و لا تباع، فعلى كل تقدير لا مساخ للبيع و هذا وجه إنكارى إياها.
و أما الاستقباح فلما يبلغ الملوك فى أقطار الأرض أنابعنا قناديل نبينا صلى اللّه عليه و سلم لعمارة حرمه و نحن نقدر بأنفسنا فضلا عن أموالنا، و ما برحت الملوك يعمرون هذا الحرم الشريف و يفتخرون بذلك فهذه القناديل التى بالحجرة الشريفة المعظمة لا حق فيها لأحد من الفقراء كما لا حق لهم فى مال الكعبة، و كذا لا حق فيها لما يحتاج إليه من عمارة مسجد النبى صلى اللّه عليه و سلم و حرمه الخارج عن الحجرة لما ذكرنا من المغايرة بين الحجرة و المسجد، فلا يكون الذى لأحدهما مستحقا للآخر و لا له حق فيه، و أما الحجرة نفسها لو فرض احتياجها لعمارة أو نحوها هل يجوز أن يصرف من القناديل فيها؟ الذى يظهر المنع، فليست القناديل كالمال المصكوك المعد للصرف الذى فى الكعبة؛ لأن ذلك إنما أعد للصرف و أما القناديل فما أعدت للصرف، و إنما أعدت للبقاء ليس قصد صاحبها الذى أتى بها إلا ذلك، سواء أوقفها أم اقتصر على إهدائها فتبقى مستحقة لتلك المنفعة الخاصة و هى كونها معلقة يتزرمن بها و العمارة التى يحتاج إليها الحجرة الشريفة أو الحرم إن كان هناك أوقاف يعمر منها و إلا فيقوم بها المسلمون من أموالهم طيبة قلوبهم فا النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ(1)و الذى قالته الحنابلة إنها إذا بطل وقفها تصرف إلى مصالحه ليس صحيح قطعا، و الذى قاله أصحابنا من
1) الأحزاب( 6).
أن الموهوب للمسجد يصرف فى مصالحه لا يأتى هنا؛ لأن ذلك فيما لا يقصد واهبه جهة معينة أما لو قصد جهة معينة فتتعين، كما قالوا فى الإهداء لرتاج الكعبة أو لتطيبها أنه يتعين صرفه فى تلك الجهة و ليس هذا كما إذا وهب لرجل درهما ليصرفه فى شيء عينه حتى يأتى فيه ذلك؛ لأن ذلك فى الهبة لخصوص عقدها و لكونها لمعين آدمى يقتضى ذلك، و هنا الإهداء لما يقصد من الجهات فأى جهة قصدها تعينت و لم يعدل عنها، و حيث علقت هذه القناديل فى الحجرة و صارت لها بوقف أو هلك بإهداء أو نذر أو هبة لا يجوز إزالتها؛ لأنها و إن لم يكن تعليقها فى الأول واجبا و لا قربة صارت مشعارا و يحصل بسبب إزالتها تنقيص فيجب إدامتها، كما قدمناه فى كسوة الكعبة أن استدامتها واجبة و ابتداءها غير واجب، فلو لم يحصل وقف و لا تمليك و لكن أحضرها صاحبها و علقها هناك مع بقائها على ملكه لقصد تعظيم المكان و انتسابه إليه فينبغى له أن لا يزيلها ما أمكنه عدم إزالتها؛ لأن الشعار الحاصل لها و النقص الحاصل بزوالها موجود هنا كما هو موجود فى التى خرج عنها فليخشى عليه من تغييرها أو تغيير عقده من الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ(1)هذا فى الباطن و إنما يمكن فى الظاهر منها إذا علم منه بأن كانت باقية فى يده أو أشهد عليه بذلك عند تسليمها، و أما إذا لم يعلم و أحضرها لناظر المكان أو القيم عليه و تسلمها منه كما هو عادة النذور و الهدايا و جاء يطلبها زاعما أنه لم يكن خرج عنها فلا يقبل قوله بعد ما اقتضاه فعله و قرائنه من الإهداء كما هو أهدى هدية و أقبضها ثم جاء يزعم أنه لم يكن قصد التملك، فإن الفعل الظاهر من الدال عرف و عادة من القرائن كاللفظ الصريح.
و أما الجواب عن قوله: و هل يجوز إحداث زخرفة و ترخيم إلى آخره؟ فنعم يجوز ذلك و يدل له قول المحب(2)الطبرى بعد أن تكلم على حديث عائشة رضى الله تعالى عنها الآتى: و مدلول هذا الحديث تصريحا و تلويحا يبيح التغيير فى البيت بالعمارة إذا كان لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة انتهي.
و قد تطابق الناس على ذلك فى الأعصار من غير نكير، و ممن استدل بذلك الإمام المجتهد السبكى و عبارته، و قد قيل: إن أول من ذهّب البيت فى الإسلام الوليد بن عبد الملك و ذلك لا ينفى أن يكون ذهّب فى الجاهلية و بقى إلى عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، و يقال: إن الذى عمله الوليد بن عبد الملك على بابها صفائح فى الميزاب و على الأساطين التى فى بطنها و الأركان ستة و ثلاثون ألف دينار و أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، و لما عمل الوليد ذلك كانت أئمة الإسلام و الصالحون و سائر المسلمين يحجون و ينظرون ذلك و لا ينكرون على ممر الأعصار انتهي.
قال ابن حجر الهيثمى نزيل حرم الله: يؤخذ من كلام(1)السبكى هذا أنه يجوز أن يحدث فيها كل ما يليق بتعظيمها و أبهتها و جلالتها و إن لم يحتج إليه، فإن فرش الرخام لا يحتاج إليه البتة و إنما فيه محض زينة و جلالة، و يؤيده أن العلماء و غيرهم أقروا الملوك و نحوهم على تغيير بابها المرة بعد المرة مع الصلاحية و عدم الاحتياج للتغيير، و كذلك غيروا عتبتها المرة بعد المرة و ميزابها المرة بعد المرة كما سيأتى بيان ذلك و ليس الحامل للفاعلين على ذلك إلا إظهار أبهة الكعبة و أنه لا يليق بجلالتها إبقاء ما خلق أو عتق فيها؛ فلذلك حمدوا على تغيير تلك الأشياء و أقرهم العلماء و غيرهم على ذلك و لم ينكروا عليهم، فإن قلت: يحتمل أن عدم إنكارهم لعلمهم بأن أولئك الملوك لا يمتثلون أوامرهم فحينئذ لا يستدل بسكوتهم.
قلت: هذا غفلة عما قاله الأئمة إنه يجب الأمر بالمعروف و إن علم من المأمور أنه لا يمتثل، على أنه سيأتى عن السبكى أن الملوك إنما تصعب مراجعتهم فيما يتعلق بملكهم دون نحو هذا سيما و فى توفير لأموالهم و ذلك محبب للنفوس و الشح مطاع، و قد قال السيد السمهورى رحمه الله فى فتاويه بعد كلام ساقه يتعلق بأمر السلطان فى قضية بشيء ظاهره يخالف الشرع: و ينبغى أن يصان أمر ولاة المسلمين عن مثل ذلك، بل هى محمولة على ما يسوغ شرعا انتهى و لئن تنزلنا و لم نتظر لذلك كله فالإنكار لم ينحصر فى ذلك بل من
1) انظر المناهل العذبة لوحة 9.
جملته بيان حكم ذلك فى كتبهم و أنه منكر أو ممنوع مثلا، و لو لا سبر السبكى لكتب الأئمة من لون الوليد و إلى وقته فلم ير أحدا من العلماء تعرض لإنكار ما فعله بقول و لا قلم لما استدل بما مر عنه، و لما ساغ له أن يقول: و لما عمل الوليد ذلك كانت أئمة الإسلام و الصالحون و سائر المسلمين يحجون و ينظرون ذلك و لا ينكرونه على ممر الأعصار انتهي.
و أما الجواب عن كسوة البيت الشريف بالحرير و غيره فقد ذكر السبكى أنه جائز بالإجماع عليه، و أما قول الشاش من أصحابنا القياس أنه لا يجوز فليس بصحيح و أى قياس يقتضى ذلك و القياس إنما يكون على منصوص من جهة الشرع، و لم ينص الشرع على شيء يقاس عليه ذلك كيف و لم ينقل أنه صلى اللّه عليه و سلم و لا أحد من الصحابة رضى الله عنهم أنكر ذلك؟ و قد كان عمر رضى الله عنه يكسوها من بيت المال و ذلك من عمر دليل على وجوب كسوتها؛ لأنه لا يصرف من بيت المال إلا فى واجب، و قد كساها النبى صلى اللّه عليه و سلم و لا ينافى ذلك حديث عائشة رضى اللّه عنها أنها قالت: خرج رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فى بعض مغازيه و كنت أتحين قفوله فأخذت غطاء كان لنا فسترته على العرص، فلما جاء استقبلته فقلت السلام عليك يا رسول الله و رحمة الله و بركاته الحمد لله الذى أعزك و أكرمك، فنظر إلى البيت فرأى النمط، فلم يرد على شيئا، و رأيت الكراهة فى وجهه، فأتى النمط حتى هتكه، ثم قال: إن الله لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسوا الحجارة و اللبن، قالت: فقطعته و جعلته و سادتين و حشوتهما ليفا، فلم ينكر ذلك علىّ انتهى. قال النووى: و استدلوا به على أنه يمنع من ستر الحيطان، و تنجيد البيوت بالثياب و موضع الكراهة تنزيه لا تحريم هذا هو الصحيح، و قال الشيخ أبو الفتح المقدس من أصحابنا: هو حرام، و ليس فى هذا الحديث ما يقتضى تحريمه؛ لأن حقيقة اللفظ أن الله تعالى لم يأمرنا بذلك و هذا يقتضى أنه ليس بواجب و لا مندوب و لا يقتضى التحريم انتهي، و فى الروض كأصله يكره للرجال و غيرهم تزيين البيوت حتى مشاهد العلماء و الصالحين بالثياب لحديث الباب، و يحرم تزيينها بالحرير و الصور لعموم الأخبار الواردة فيها، نعم يجوز ستر الكعبة بالحرير و كذا المساجد على ما أفتى به الغزالى، و كلام ابن عبد السلام فى فتاويه يميل إليه، لكن الأصح كما قال ابن العماد عدم الجواز فيها و هو، ما يقتضيه كلام اليمنى كأصله فى باب زكاة الذهب و الفضة انتهي، قال الإمام
السبكى و ليتنبه هنا لفائدة و هى أن الكعبة المشرفة بناها إبراهيم عليه السلام و لم تكن كسيت من زمانه إلى زمان تبع اليمانى فهو أول من كساها على الصحيح، و يروى أنه لما كساها المسوح و الأنطاع انتفضت، فأزال ذلك عنها و كساها الحصر فانتفضت، فأزال ذلك عنها فلما كساها الملا و الوصايع قبلتها، و قد ورد النهى عن سب أسعد الحميري(1)و هو تبع و الكلام على أنه آمن بالنبى صلى اللّه عليه و سلم و كتب له مكتوبا و هل هو بنى أو لا؟.
و قد تكفلنا ببيانه فى تراجم الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم ثم إن الناس كسوها فى الجاهلية ثم كساها النبى صلى اللّه عليه و سلم ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية رضى الله عنهم، و كان المأمون يكسوها ثلاث مرات الديباج الأحمر يوم التروية، و القباطى أول رجب، و الديباج الأبيض فى سابع و عشرين من رمضان، و قيل:
إن إسماعيل عليه السلام كساها.
ففى تلك المدد لا نقول إن كسوتها كانت واجبة إذ لو كانت واجبة لما تركها الأنبياء و لكن لما كساها تبع و كان من الأفعال الحسنة و استمر ذلك كان شعارا لها و صار حقالها و قربة يصح نذره و واجبا كيلا يكون فى إزالته تنقيص من حرمتها فيقاس عليه إزالة ما فيها و العياذ بالله تعالى من صفائح الذهب و الرخام و نحوه، و نقول: إنه يحرم إزالته و لا يمتنع أن يكون ابتداء الشيء غير واجب و استدامته واجبة، و مرادى وجوب سترها دائما لإبقاء كل سترة، ثم قال السبكى: إن قول الرافعى: إن ستر الكعبة و تطييبها من القربات فصحيح الآن بعد الشرع، و أما قبل ذلك فقد قلنا إنه لم يكن واجبا و إن السترة صارت واجبة بعد أن لم تكن، و أما كونها قربة من الأصل أو صارت قربة ففيه نظر، و أما الطيب فالظاهر أنه ليس بواجب بل قربة، و الظاهر أنه قربة فى الأصل فيها و فى كل المساجد، و إن كان فيها أعظم، ثم قال: إن السترة التى تكساها من بيت المال تصير مستحقة لها بكسوتها و لا يجوز نزعها للإمام و لا لغيره حتى يأتى بكسوة أخرى، فتلك الكسوة القديمة ما يكون حكمها؟ قال ابن عبد إن من أصحابنا لا يجوز بيعها و لا شراءها و لا نقلها و لا وضع شيء منها بين أوراق المصحف، و من عمل من ذلك شيئا لزمه رده خلاف ما يتوهمه العامة و يشتدونه من بنى شيبة، و حكى الرافعى ذلك و لم يعترض عليه، و قال ابن
1) أخبار مكة للأزرقى 1/ 45.
القاص من أصحابنا: لا يجوز بيع كسوة الكعبة، و قال الحليمى: لا ينبغى أن يؤخذ من كسوة الكعبة شيء، و قال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام يصرفها فى بعض مصاريف بيت المال بيعا و عطاء، و احتج بما روى الأزرقى أن عمر رضى الله عنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيوزعها على الحاج، قال النووى: و هذا أحسن، و عن ابن عباس و عائشة رضى الله عنها و ألا تباع كسوتها و يجعل ثمنها فى سبيل الله و المساكين و ابن السبيل، قال ابن عباس و عائشة و أم سلمة رضى الله عنهم: لا بأس أن تلبس كسوتها من صارت إليه من حائض و جنب و غيرهما و هذا كله، فما إذا كانت من بيت المال فلو كانت موقوفة فينبغى أن لا تزال عن الوقف و تبقى، و إنما اختلف الفقهاء على ما ذكرناه لأن العرف فيها ذلك و لا معنى لبقائها بعد نزعها و هى غير موقوفة، و قد قالوا: إن الطيب لا يجوز أخذ شيء منه لا للتبرك و لا لغيره و من أخذ شيئا منه لزمه رده و لم يذكروا فى ذلك خلافا، فإذا كان فى الطيب فما ظنك بالذهب و الفضة كالصفائح و القناديل و نحوهما مما يقصد بقاؤه و لا يتلف فلا يتأتى ذلك فيه بلا خلاف بل تبقى، قالوا: و إذا أراد أن يأخذ شيئا من الطيب للتبرك فطريقه أن يأتى بطيب من عنده فيمسحها به ثم يأخذه، و الذى استحسنه النووى رحمه الله فى الكسوة: لا بأس به، و كذا ما نقل عن ابن عباس و عائشة رضى الله عنهم، و لا بأس بتفويض ذلك إلى بنى شيبة فإنهم حجبتها و لهم اختصاص بها فإن أخذوه لأنفسهم أو لغيرهم لم أربه بأسا لاقتضاء العرف ذلك و كونهم من مصالح الكعبة، و أما لو أراد الإمام أخذها و جعلها من جملة أموال بيت المال كما اقتضاه إطلاق ابن الصلاح و لا وجه لذلك أصلا و لكن له ولاية التفرقة على من يخص بالتفرقة، و بنو شيبة قائمون مقامه، انتهى كلام السبكى. و كلام الحنفية صريح فى جواز بيع ثياب الكعبة إذا استغنت عنه و قال به جماعة من الشافعية و غيرهم، و يجوز الشراء من بنى شيبة؛ لأن الأمر مفوض إليهم من قبل الإمام نص عليه الطرسوسى الحنفى من شرح منظومته و وافقه السبكى من الشافعية، ثم قال: و عليه عمل الناس، و المنقول عن ابن الصلاح أن الأمر فيها إلى الإمام يصرفها فى بعض بيت المال بيعا و عطاء و استدل بما تقدم عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال بعض العلماء: إنه
لا يتردد الآن فى جواز البيع من بنى شيبة لأجل وقف الإمام ضيعة معينة على أن يصرف ريعها فى كسوة الكعبة و الوقف بعد استقرار هذه العادة و العلم بها فينزل لفظ الواقف عليها، و استحسن النووى الجواز أيضا، و قال بعض علماء الشافعية: هذا واضح فى الكسوة الظاهرة أما الداخلة فلا تزال بل تبقى على ما هى عليه؛ لأن الكلام إنما هو فى الستور التى جرت العادة بأن تغير فى كل عام فلو قدر جريان العادة بمثل ذلك فى الستور الباطنة سلك بها مسلك الظاهرة انتهى. هذا و أول من كساها الديباج الأسود الناصر العباسى فاستمر ذلك إلى يومنا، و كان الناصر العباسى كساها ديباجا أخضر قبل الأسود، و قد ذكر بعضهم حكمة حسنة فى سواد كسوة الكعبة فقال: كان البيت يشير إلى أنه فقد أناسا كانوا حوله فلبس السواد حزنا عليهم. و قد كسته أم العباس بن عبد المطلب الحرير حين ضل العباس و هو صغير، فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة، فوفت بذلك، و هى أول عربية كسته الحرير، و لم تزل الملوك يتداولون كسوتها إلى أن وقف عليها الصالح إسماعيل بن الناصر بن قلاوون قرية فى ضواحى القاهرة و ذلك فى سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة.
فائدة: لو سرق شىء من ستر الكعبة أو من فضة بابها لا يقطع لعدم الحرز.
روى عن عائشة(1)رضى الله عنها أنها قالت: طيبوا البيت فإن ذلك من تطهيره؛ و لأن أطيب الكعبة أحب إلى من أن أهدى لها ذهبا، و لما فرغ ابن الزبير رضى الله عنهما من بنائها خلق باطنها و ظاهرها بالعنبر و المسك من أعلاها إلى أسفلها، ثم كساها، و كان يجمرها فى كل يوم برطل من الطيب و فى يوم الجمعة برطلين، و أجرى لها معاوية الطيب كل صلاة، و كان يبعث به فى الموسم و فى رجب، و أخدمها عبيدا بعث بهم إليها، و هو أول من أجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت المال، و قد ضمخها المهدى بالغالية و المسك و العنبر، و قيل: إن ما فى أحجارها من السمرة إنما حصلت من آثار تلك الغالية.
و أما الجواب عن جواز تصفيح باب البيت الشريف بالذهب المموه و ما يتعلق
1) انظر شفاء الغرام 1/ 106.
بذلك مما هو مذكور جميعا فى السؤال فهو أن الإمام الرافعى ذكر فى تحلية الكعبة و المساجد بالذهب و الفضة و تعليق قناديلهما وجهين مرويين فى الحاوى و غيره، أحدهما: الجواز تعظيما كما فى المصحف و كما يجوز ستر الكعبة بالديباج و أظهرها المنع، و يحكى عن ابن إسحاق إذ لم ينقل ذلك عن فعل السلف و حكم الزكاة مبنى على الوجهين ثم لو جعل المتخذ وقفا فلا زكاة فيه بحال، انتهى ما ذكره الرافعى رحمه الله. و اعترض السبكى من وجوه، أما أولا فعلى تسويته بين الكعبة و المساجد فى إجراء الخلاف و هذا لا ينبغى لأن للكعبة من التعظيم ما ليس للمساجد ألا ترى أن ستر الكعبة بالحرير و غيره مجمع عليه و فى ستر المساجد خلاف فحينئذ الخلاف فى الكعبة مشكل، و ترجيح المنع فيها أشكل، و أما تعليل الرافعى بأن ذلك لم ينقل عن فعل السلف فعجيب؛ لأن هذه العلة لا تقتضى التحريم و قصاراها أنها تقتضى أنه ليس بسنة أو مكروه كراهة تنزيه أما التحريم فلا و ليس لنا أن نحرم بمثل ذلك حتى يرد نهى من الشارع، و كيف يكون ذلك و قد فعل فى صدر هذه الأمة و قد تولى عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه عمارة مسجد النبى صلى اللّه عليه و سلم عن الوليد و ذهب سقفه، فإن قيل: إن ذلك امتثال أمر الوليد فأقول: إن الوليد و أمثالهم من الملوك إنما تصعب مخالفتهم فيما لهم فيه غرض يتعلق بملكهم و نحوه، أما مثل هذا ففيه توفير عليهم فى أموالهم فلا تصعب مراجعتهم فيه فسكوت عمر بن عبد العزيز و أمثاله و أكبر منه مثل سعيد بن المسيب و بقية فقهاء المدينة و غيرها دليل لجواز ذلك، بل ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة بعد ذلك و أراد أن يزيل ما فى جامع بنى أمية من الذهب فقيل له إنه لا يتحصل منه شيء يقوم بأجرة حكه فتركه، و الصفائح التى على الكعبة يتحصل منها شيء كثير، فلو كان فعلها حراما لأزالها فى خلافته لأنه إمام هدى رضى الله عنه، فلما سكت عنها و تركها وجب القطع بجوازها و معه جميع الناس الذين يحجون كل عام و يرونها، فالقول بمنعها عجيب جدا، و قد قيل: إن أول من ذهب البيت فى الإسلام الوليد ابن عبد الملك و ذلك لا ينفى أن يكون ذهب فى الجاهلية و بقى إلى عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- و يقال: إن الذى عمله الوليد بن عبد الملك على(1)
1) انظر شفاء الغرام 1/ 111.
بابها صفائح و الميزاب و على الأساطين التى فى بطنها و الأركان ستة و ثلاثون ألف دينار بعث بها إلى خالد بن عبد العزيز والى مكة المشرفة و فى خلافة الأمين زيد عليها ثمانية عشر ألف دينار، و أول من فرشها الوليد بن عبد الملك و لما عمل الوليد ذلك كانت أئمة الإسلام من التابعين موجودين و بقايا الصحابة رضى الله عنهم، و لم ينقل لنا عن أحد منهم أنه أنكر ذلك ثم جميع علماء الإسلام و الصالحين و سائر المسلمين يحجون و يبصرون ذلك و لا ينكرون على ممر الأعصار فالقول بمنع ذلك عجيب جدا، على أنه قل من تعرض لذكر هذا الحكم فى الكعبة بخصوصها، و رأيتها أيضا فى كتب المالكية فى الذخيرة القرافية و ليس فى كلامه تصريح بالتحريم و هذا الذى قلته كله فى تحلية الكعبة بخصوصها بصفائح الذهب و الفضة و نحوهما فليضبط ذلك و لا يتعدى، و لا أمنع من جريان الخلاف فى التمويه و الزخرفة فيها؛ لأن التمويه يزيل مالية النقدين الذين هما قيم الأشياء، و تضييق النقدين محذور لتضييقه المعايش و إعلائه الأسعار و إفساد المالية، و لا أمنع من جريان الخلاف أيضا فى سائر المساجد فى القسمين جميعا التمويه و التحلية؛ لأن القاضى حسين جزم بحل تحلية المسجد بالقناديل الذهب و نحوها، و أن حكمها حكم الحلى المباح، و هذا أرجح مما قاله الرافعى؛ لأنه ليس على تحريمها دليل، و الحرام من الذهب إنما هو استعمال الذكور له و الأكل و الشرب و نحوهما من الاستعمال من أوانيه و ليس فى تحلية المسجد بالقناديل الذهب و نحوها شيء من ذلك، و قد قال الغزالى رحمه الله فى الفتاوى: الذى يتبين لى أن من كتب القرآن بالذهب فقد أحسن و لا زكاة فيه عليه، فلم يثبت فى الذهب إلا تحريمه على ذكور الأمة فيما ينسب إلى الذكور و هذا لا ينسب إلى الذكور، فيبقى على أصل الحل ما لم ينته إلى الإسراف، فإن كل ذلك حرام. و ليس فيه ما ينسب إلى الذكور حتى يحكم بالتحريم، و لست أقول هذا عن رأى مجرد، لكن رأيت فى كلام بعض الأصحاب ما دل على جوازه، فهذا كلام الغزالى فى الكتابة بالذهب، و فى ذلك ما ذكرناه من تضييق النقدين لزوال مالية الذهب بالكلية بخلاف التحلية بذهب باق، فقد ظهر بهذا أن تحلية الكعبة بالذهب و الفضة جائز و المنع منه بعيد شاذ
غريب فى المذاهب كلها قل من ذكره منهم و لا وجه له و لا دليل يعضده و قد رأيت فى القناديل شيئا آخر فإنه ورد فى الحديث فى أرواح الشهداء تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش و لعل من هنا جعلت القناديل فى المساجد و إلا كان يكفى لها مسرجة أو مسارج تنور و كأنها محل النور فلما كان النور مطلوبا فى المساجد للمصلين جعلت فيه.
قلت و أنسب من ذلك أنه يتمسك بما ورد أن الله أنزل إلى آدم عليه السلام خيمة من خيام الجنة و وضعها له موضع البيت و كانت تلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة فيها ثلاث قناديل من ذهب من سرج الجنة فيها نور يلتهب من نور الجنة انتهي.
و هذا أنسب مما استدله الإمام السبكى فتأمله.
هذا و الذى ورد من قوله صلى اللّه عليه و سلم فى الذهب و الحرير: «هذان حرام على ذكور أمتى حل لإناثها» لا يدل على تحريم تعليق القناديل، و كذا قوله صلى اللّه عليه و سلم: «لا تشربوا فى آنية الذهب و الفضة و لا تأكلوا فى صحافها، فإنها لهم فى الدنيا و لكم فى الآخرة» و قد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يحرم غير الأكل و الشرب منها؛ لأن الحديث إنما اقتضى لفظه ذلك، و كذلك قوله صلى اللّه عليه و سلم: «الذى يشرب فى آنية الذهب و الفضة إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم»(1)و قاس أكثر العلماء غير الأكل و الشرب عليهما و المقتضية لقياس غير الذهب و الفضة عليهما، فمنهم من قال التشبه بالأعاجم ورد عليه بأن هذه العلة تقتضى الكراهة لا التحريم، و استند من علل بالعلة المذكورة إلى قوله فى الحديث: «فإنها لهم فى الدنيا و لكم فى الآخرة» و تأملت فوجدت هذه العلة ليست بمشروعية التحريم بل هى تسلية للمخاطبين عن منعهم عنها و علة لانتهائهم بمجازاتهم بها فى الآخرة لتنشط نفوسهم كما يقول القائل: لا تأخذ هذا فى هذا الوقت فإنى أؤخره لك فى وقت أنفع لك من الآن، فلذلك لم تكن هذه علة التحريم، و لو كانت علة منصوصة لم يجز تعديها، و قال بعضهم: العلة السرف و الخيلاء، أو كسر قلوب الفقراء، أو تضييق النقدين كما قدمنا الإشارة إليه، و جميع هذه العلل بالنسبة
1) صحيح مسلم كتاب اللباس و الزينة.
إلى ما يستعمله الشخص كالأكل و الشرب أما تحلية المساجد تعظيما لها فليس فيه شيء من هذه العلل و هكذا القناديل من الذهب و الفضة؛ لأن الشخص إذا اتخذها للمسجد لم يقصد استعمالها و لا أن تزين بها هو و لا أحد من جهته و الذى حرم اتخاذها على أصح الوجهين، إنما حرم ذلك لأن النفس تدعو إلى الاستعمال المحرم و ذلك إذا كانت له، و أما إذا جعلها للمسجد فلا تدعو النفس إلى استعمال حرام أصلا فكيف تحرم و هى لا تسمى أواني؟
و رأيت الحنابلة قالوا بتحريمها للمسجد و جعلوها من الأوانى أو مقيسة عليها و ليس بصحيح؛ لأنها ليست أوانى و لا فى معنى الأوانى، هذا فى الكعبة شرفها الله تعالى أما غيرها من المساجد فلا ينتهى إليها فلا يبعد جريان الخلاف فيه، و الأرجح فيه الجواز كما قاله القاضى حسين، و لا أقول إنه ينتهى إلى حد القربة؛ و لهذا استمر الناس على خلافه فى الأكثر هذا ما يتعلق بمذهب الشافعى فى اتخاذها من غير وقف فإن وقف المتخذ من ذلك من القناديل أو الصفائح و نحوها، فقط قطع القاضى حسين و الرافعى بأنه لا زكاة فيه، فأما قطع القاضى حسين فلا يرد عليه شىء لأنه يقول بإباحتها و مقتضاه صحة وقفها و إذا صح فلا زكاة، و أما الرافعى فقد رجح تحريمها، و مقتضاه أنه لا يصح وقفها، لهذا الغرض و إذا لم يصح وقفها تكون باقية على ملك مالكها، و تكون زكاتها مبنية على الوجهين فيما إذا لم تكن موقوفة فلعل مراد الرافعى إذا وقفت على قصد صحيح أو وقفت و فرعنا على صحة وقفها، فإن قلت: قد قال المتولى من الشافعية: لو وقف فهل تجصيص المسجد و تلوينه و نقشه هل يجوز؟ على وجهين: أحدهما، يجوز لأن فيه تعظيم المسجد و إعزاز الدين، و الثانى: لا؛ لأن النبى صلى اللّه عليه و سلم ذكر أن تزيين المساجد من أشراط الساعة و ألحقه بترك الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر. قلت: أما كونه من أشراط الساعة فلا يدل على التحريم، و أما كونه ألحقه بترك الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فالذى ورد:
«لتزخرفنها ثم لا تعمرونها إلا قليلا» فالمذموم عدم العمارة بالعبادة أو الجمع بينه و بين الزخرفة أو الزخرفة الملهية عن الصلاة فى المكروهة، أما التجصيص ففيه
تحسين للمساجد و قد فعله الصحابة رضى الله عنهم و منهم عثمان فمن بعده و لا شك أن بناء المساجد من أفضل القرب و تحسينها من باب إحسان الأعمال الصالحة فهو صفة القربة و قد رآه المسلمون حسنا، و قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» فكل ذلك حسن، و لا يكره منه إلا ما يشغل خواطر المصلين، فلا شك أنه يكره كراهة تنزيه لا تحريم، هذا ما يتعلق بمذهبنا مذهب الشافعي.
و أما الحنفية فعند أبى حنيفة لا بأس بنقش المسجد بالجص و الساج و ماء الذهب إذا كان من مال نفسه، و كذا فى سقف البيوت و تمويهها بماء الذهب، و كرهه أبو يوسف و على قول الحنفية المصحف أولى بالجواز و كذا المسجد، و اختلفت الحنفية هل نقش المسجد قربة أم لا؟ و الصحيح أنه ليس بقربة لكنه مباح فالذى تقتضيه قواعد أبى حنيفة أن تحلية المسجد و تعليق قناديل الذهب فيه جائز، و قال صاحب الكافى: لا بأس، يدل على أن المستحب غيره، قال:
و أصحابنا جوزوا ذلك و لم يستحسنوه و مراده بأصحابهم الجميع فأبو يوسف ما يخالف فى المسجد و إنما يخالف فى البيوت، و قال القدورى فى شرح مختصر الكرخى: إن أبا حنيفة رحمه الله جوز تمويه السقف بالذهب و إن أبا يوسف كره ذلك، قال: فعلى قول أبى حنيفة رحمه الله المصحف أولى بذلك و كذا المسجد، و فى الكافى قيل: يكره، و قيل: هو قربة؛ لأن العباس زين المسجد الحرام فى الجاهلية و الإسلام، و كسى عمر رضى الله عنه الكعبة، و بنى داود صلى اللّه عليه و سلم مسجد القدس من الرخام و المرمر و وضع فيه على رأس القبة كبريتا أحمر يضيء اثنى عشر ميلا و زينة مسجد دمشق شيء عظيم و فى ذلك ترغيب الناس فى الجماعة و تعظيم بيت الله، و كونه من أشراط الساعة لا يدل على قبحه على أن المراد تزيين المساجد و تضييع الصلوات هذا كلام صاحب الكافى فى الحنفية، قال: فإن اجتمعت أموال المسجد، و خاف الضياع بطمع الظلمة فيها فلا بأس به حينئذ يعنى من مال المسجد، و فى غير هذه الحالة لا يباح من مال المسجد و إنما تباح من مال نفسه، و فى قنية المنية من كتبهم: لو اشترى من مال المسجد شمعا فى رمضان يضمن، و هذا محمول على ما إذا لم يكن بشرط الواقف و لا جرت
به عادة، و لكن الوقف و قال السروجى فى الغاية شرح الهداية: و لا بأس بأن ينقش المسجد بالجص و الساج و ماء الذهب و كذا تحلية المصحف بالذهب و الفضة، و قيل: هو قربة، و فى الجامع الصغير لقاضى خان منهم من استحسن ذلك و منهم من كرهه، و ذكر فى الزعامة عن أحمد أن المسجد يصان عن الزخرفة، و هم محجوجون بما ذكرناه من إجماع المسلمين فى الكعبة ذكر ذلك صاحب الطراز من المالكية، و أما الحنابلة ففى المغنى من كتبهم لا يجوز تحلية المصحف و لا المحاريب و قناديل الذهب و الفضة لأنها بمنزلة الآنية، و إن وقفها على مسجد و نحوه لم تصح و يكون بمنزلة الصدقة فتكسر و تصرف فى مصلحة المسجد، و هو مردود، و أما قولهم: إنها بمنزلة الآنية، فليس بصحيح لما قدمناه، و أما قولهم: إنه إذا لم يصح وقفها تكون بمنزلة الصدقة فليس بصحيح؛ لأن واقفها إنما خرج عنها على أن تكون وقفا دائما و له قصد فى ذلك فإذا لم يصح ينبغى رجوعها إليه.
و أما مذهب مالك رحمه الله ففى التهذيب من كتبهم ليس فى حلية السيف و المصحف و الخاتم زكاة، و فى النوادر لابن أبى زيد روى ابن عبد الحكم عن ابن القاسم عن مالك أنه إن كان ما فى السيف و المصحف من الحلية يبقى له فلا زكاة، و فى كتاب ابن القرطبى يزكى ما حلابه خلا المصحف و سيف و خاتم و حلى النساء و أجزاء من القرآن و ذكر غير ذلك، و قال: فلا زكاة فيه، ثم قال:
و ما كان فى جدار من ذهب أو فضة لو تكلف إخراجه أخرج منه بعد أجره من يعمله شيء فليزكه و إن لم يخرج منه شيء إلا قدر أجرة عمله فلا شيء فيه، و فى النوادر عن مالك لا بأس أن يحل المصحف بالفضة و لقد نهيت عبد الصمد أن يكتب مصحف بالذهب و ذكر أنه يباع المصحف و فيه الشيء من الحلى من الفضة و السيف و فيه مثل ذلك، و لم يزل على هذا بيوع الناس بينهم يبيعونها و يتبايعونها جائزة بينهم، و قال القرافى فى الذخيرة أما تحلية الكعبة و المساجد و القناديل و العلاليق و الصفائح على الأبواب و الجدر من الذهب و الورق، فقال سحنون: يزكيه الإمام كل عام كالعين المحتبسة، و قال أبو الطاهر: و حلية الحلى المحذور كالمعدودة و المباحة فيها ثلاثة أقوال: أحدها: تزكى كالصكوك، و الثانى: كالعرض إذا بيعت وجبت الزكاة حينئذ فيكمل بها النصاب هنا،
و الثالث: يتخرج على القول بأن الحلى الجواهر يجعل مكان العين فيكمل بها النصاب هنا، و اعلم أن بين الكعبة و المساجد اشتراكا و افترقا، أما الاشتراك فلإطلاق المسجد على الكعبة لأنها بيت الله و المساجد بيوت الله، و أما الافتراق فالمسجد بيت لذكر الله و الصلاة فيها و الكعبة بيت للصلاة إليها و اختلاف العلماء فى الصلاة فيها، و قال صلى اللّه عليه و سلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فالمسجد الحرام الذى تشد الرجال إليه يصح أن يقال إنه الكعبة و يصح أن يقال إنه الذى حولها الذى هو محل الصلاة و فيه مقام إبراهيم، قال الله تعالي:
وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى(1)فالحرم كله شريف و مكة أشرفه، و الحرم المحيط بالكعبة الذى هو مسجد أشرفها و الكعبة أشرفه، و إن كانت ليست محل الصلاة فهى من جهة التعظيم و التبجيل أزيد، و هو من جهة إقامة الصلاة أزيد، و تلك الجهة أعظم من هذه فلا جرم كانت فى الحلية بالذهب و الفضة أحق فمن المسجد لضعف الخلاف فيها و قوى فيه أعنى فى التحلية التى استمرت الأعصار عليها، و أما القناديل فالمقصود منها التنوير على المصلين و هم ليسوا داخل الكعبة من هذه الجهة كان المسجد بالقناديل أحق، لكن فى الكعبة ما ذكرناه من الرجحان فى التعظيم و التبجيل فاعتد لا بالنسبة إلى القناديل فالتسوية بينهما فى القناديل لا بأس به و إلا صح منه على ما اخترناه الجواز و على ما قاله الرافعى التحريم و لا دليل له؛ لأنها لا أوانى، و لا مشتبهة بالأوانى و لم يرد فيها نهى و لا فيها معنى ما نهى عنه لا فى المساجد و لا فى الكعبة فكان القول بتحريمها فيهما باطلا لما ذكر الرافعى و غيره الكعبة و المساجد أطلقوا، و لا شك أن أفضل المساجد ثلاثة المسجد الحرام و مسجد النبى صلى اللّه عليه و سلم و مسجد بيت المقدس، و من يقول بجواز التحلية و القناديل الذهبية فى سائر المساجد فلا شك أنه يقول بهما فى المساجد الثلاثة بطريق الأولى، و من يقول بالمنع فى سائر المساجد لم يصرحوا فى المساجد الثلاثة بشىء لكن إطلاقهم محتمل لها، و عموم كلامهم يشملها، و كلامى هذا لا يختص بمسجد المدينة و مسجد بيت المقدس، بل يعم الثلاثة؛ لأن الكعبة غير المسجد المحيط بها فصار هو من جملة المساجد المعطوفة عليها، و ينبغى أن يرتب الخلاف فيقال: فى سائر المساجد غير
1) البقرة( 125).
الثلاثة و جهان: أصحهما الجواز كما قاله القاضى حسين و مسجد بيت المقدس أولى بالجواز، و المسجدان مسجد مكة و مسجد المدينة أولى من مسجد بيت المقدس بالجواز، ثم المسجدان على الخلاف بين مالك و غيره فمالك يقول:
المدينة أفضل فيكون أولى بالجواز من مسجد مكة، و غيره يقول: مكة أفضل، فقد يقول: إن مسجدها أولى بالجواز، و قد يقول: إن مسجد المدينة انضاف إليه مجاورة النبى صلى اللّه عليه و سلم و قصد تعظيمه بما فى مسجده من الحلية و القناديل و هذه كلها مباحث و المنقول ما قدمناه فى مذهبنا و به يتبين أن الفرق الذى ذكره الرافعى رحمه الله يستغنى عنه و أنه ليس بصحيح، و أن قوله: إن ستر الكعبة و تطييبها من القربات صحيح الآن بعد الشرع و أما قبل ذلك فقد قلنا إنه لم يكن واجبا و إن السترة صارت واجبة بعد أن لم تكن، و أما كونها قربة من الأصل أو صارت قربة ففيه نظر، و أما الطيب فالظاهر أنه ليس بواجب بل قربة، و الظاهر أنه قربة من الأصل فيها و فى كل المساجد و إن كان فيها أعظم، هذا ما يتعلق بمذهبنا فى اتخاذها من غير وقف، فإن وقف المتخذ من ذلك من القناديل أو الصفائح و نحوهما فقد قطع القاضى حسين و الرافعى بأنه لا زكاة فيه، فأما قطع القاضى حسين فلا يرد عليه شيء؛ لأنه يقول بإباحتها و مقتضاه صحة وقفها و إذا صح وقفها فلا زكاة، و أما الرافعى رحمه الله فقد رجح تحريمها، و مقتضاه أنه لا يصح وقفها لهذا الفرض و إذا لم يصح وقفها تكون باقية على ملك مالكها و تكون زكاتها مبنية على الوجهين فيما إذا لم تكن موقوفة، فلعل مراد الرافعى رحمه الله إذا وقفت على قصد صحيح أو وقفت و فرعنا على صحة وقفها، ثم قال السبكى: هذا ما يتعلق بمكة شرفها الله تعالى: فننتقل إلى المدينة الشريفة دار الهجرة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام فنقول: فيها المسجد و الحجرة المعظمة، أما المسجد فقد ذكرنا حكم المساجد فى التحلية و تعليق القناديل الذهب و الفضة فيها و قلنا: إن مسجد النبى صلى اللّه عليه و سلم أولى بذلك من سائر المساجد التى لا تشد الرحال إليها و من مسجد بيت المقدس و إن كانت الرحال تشد إليه و من مسجد مكة عند مالك رضى الله عنه بلا إشكال، و قلنا إنه يحتمل أن يقال بأولويته على مذهب من يقول بتفضيل مكة أيضا لما يختص به هذا المسجد الشريف من مجاورة النبى صلى اللّه عليه و سلم، و لذلك كان عمر ابن الخطاب رضى الله عنه يمنع من رفع الصوت فيه و لم يكن يفعل
ذلك فى مسجد مكة، و ما ذلك إلا للأدب مع رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و وجوب معاملته الآن كما يجب أن يعامل به لما كان بين أظهرنا، و كانت عائشة رضى الله عنها تسمع الوتد يوتد و المسمار يضرب فى البيوت المطيفة به فتقول: «لا تؤذوا رسول الله صلى اللّه عليه و سلم»، فمن هذا الوجه يستحق التعظمة و التوقير ما لا يستحقه غيره، و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: «صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» فعند مالك رحمه الله يكون أفضل من المسجد الحرام بما دون الألف، و عندنا و عند الحنفية و الحنابلة الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى غيره، و اختلفوا إذا وسع عما كان عليه فى زمن النبى صلى اللّه عليه و سلم فى غيره، و اختلفوا إذا وسع عما كان عليه فى زمن النبى صلى اللّه عليه و سلم هل تثبت هذه الفضيلة أو يختص بالقدر الذى كان فى زمنه صلى اللّه عليه و سلم؟ فمن رأى الاختصاص النووى رضى الله عنه للإشارة إليه بقوله: مسجدى هذا، و رأى جماعة عدم الاختصاص و أنه لو وسع مهما وسع فهو مسجده كما فى مسجد مكة شرفها الله تعالى إذا وسع، فإن تلك الفضيلة ثابتة له، و قد قيل: إن مسجد النبى صلى اللّه عليه و سلم كان فى حياته سبعون ذراعا فى ستين ذراعا و لم يزد فيه أبو بكر رضى الله عنه شيئا، و زاد فيه عمر رضى الله عنه و لم يغير صفة بنائه، ثم زاد فيه عثمان رضى الله عنه زيادة كثيرة و بنى جداره بالحجارة المنقوشة و القصة و هى الجص و جعل عمده من حجارة منقوشة و سقفه بالساج، ثم زاد فيه الوليد فى ولاية عمر بن عبد العزيز(1)رضى الله عنه على المدينة و مباشرته و عمل سقفه بالساج و ماء الذهب، و كان الوليد أرسل إلى ملك الروم إنى أريد أن أبنى مسجد نبينا، فأرسل إليه بأربعين ألف دينار و أربعين روميا و أربعين قبطيا عمالا و شيئا من آلات العمارة، و عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أول من عمل محرابا و شرفات فى سنة إحدى و سبعين، ثم وسعه المهدى، و أما الحجرة الشريفة فتعليق القناديل الذهب فيها أمر معتاد من زمان فلا شك أنها أولى بذلك من غيرها، و الذين ذكروا الخلاف فى المساجد لم يذكروها و لا تعرضوا لها، كما لم يتعرضوا لمسجد النبى صلى اللّه عليه و سلم، و كم من عالم و صالح من أقطار الأرض قد أتاها للزيارة و لم يحصل من أحد إنكار للقناديل الذهب التى هناك فهذا وجه كاف
1) أخبار مكة للأزرقى 1/ 210.
فى العلم بالجواز مع الأدلة التى قدمناها عليه مع استقراء الأدلة الشرعية فلم يوجد فيها ما يدل على المنع منه فنحن نقطع بجواز ذلك، و من منع أورام إثبات خلاف فيه فليبينه، و المسجد و إن فضلت الصلاة فيه فالحجرة لها فضل آخر يختص بها يزيد شرفها به، فحكم أحدهما غير حكم الآخر، و الحجرة الشريفة هى مكان المدفن الشريف فى بيت عائشة رضى الله عنها و ما حوله، و مسجد النبى صلى اللّه عليه و سلم وسع و أدخلت حجر نسائه التسع فيه، و حجرة حفصة رضى الله عنها هى الموضع الذى يقف فيه الناس اليوم للسلام على النبى صلى اللّه عليه و سلم و كانت مجاورة لحجرة عائشة رضى الله عنها التى دفن فيها صلى اللّه عليه و سلم فى بيتها، و تلك الحجر كلها دخلت فى المسجد، و أما ما كان غير بيت عائشة رضى الله عنها فكان للنسوة الثمان به اختصاص و لهن فى تلك البيوت حق السكن فى حياتهن، فيتحمل أن يقال: إن البيوت التسعة كانت للنساء التسع لقوله تعالى: وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَ الْحِكْمَةِ(1)، و يحتمل أن يقال: إنها للنبى صلى اللّه عليه و سلم لقوله تعالى: بُيُوتَ النَّبِيِ(2)و هذا هو الأولى، ثم بعد هذا هل تكون بعده صدقة و يكون لهن فيها حق السكنى، أو كيف يكون الحال؟ و الظاهر الأول، و يحتمل أن يقال: إنها لهن بعده و يكون قد دخلت بالشراء و الوقف فى المسجد كغيره من الأماكن، و إن كان الأول فيكون أدخلت فى المسجد إن لم يكن لها حكمة، و حكم صدقته صلى اللّه عليه و سلم جار عليها و من جملة صدقته انتفاع المسلمين بالصلاة و الجلوس فيها هذا كله فى غير المدفن الشريف، أما المدفن الشريف فلما يشمله حكم المسجد بل هو أشرف من المسجد و أشرف من مسجد مكة و أشرف من كل البقاع كما حكى القاضى عياض رحمه الله تعالى الإجماع على ذلك أن الموضع الذى ضم أعضاء النبى، لا خلاف فى كونه أفضل، و أنه يستثنى من قول الشافعية و الحنفية و الحنابلة و غيرهم أن مكة أفضل من المدينة، و رأيت جماعة يستشكلون نقل هذا الإجماع، و قال له قاضى القضاة شمس الدين السروجى الحنفى رحمه الله: طالعت فى مذهبنا خمسين مصنفا لم أجد فيها تعرضا لذلك و قال لى:
ذكر الشيخ عز الدين ابن عبد السلام لنا و لكم أدلة فى تفضيل مكة
على المدينة و ذكرت لنا أدلة أخرى، و الأدلة التى قالها الشيخ عز الدين فى تفضيل بعض الأماكن على بعض قال: إن الأماكن و الأزمان كلها متساوية و يفضلان بما يقع فيهما لا بصفات قائمة بهما، و يرجع تفضيلها إلى ما ينيل الله العباد فيهما من فضله و كرمه، و أن التفضيل الذى فيهما أن الله يجود على عباده بتفضيل أجر الفاعلين فيهما، هكذا قال الشيخ عز الدين رحمه الله، و أنا أقول: قد يكون كذلك و قد يكون لأمر آخر فيهما و إن لم يكن عمل، فإن قبر النبى صلى اللّه عليه و سلم يتنزل عليه من الرحمة و الرضوان و الملائكة و له عند الله من المحبة له و لساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه و ليس لمكان غيره، فكيف لا يكون أفضل الأمكنة و ليس محل عمل لنا لأنه ليس مسجدا و لا له حكم المساجد بل هو مستحق للنبى صلى اللّه عليه و سلم، فهذا معنى غير تضعيف الأعمال فيه، و قد تكون الأعمال مضاعفة باعتبار أن النبى صلى اللّه عليه و سلم حى و أعماله فيه مضاعفة أكثر من كل أحد فلا يختص التضعيف بأعمالنا، فافهم هذا ينشرح صدرك لما قال القاضى عياض رحمه الله من تفضيل باسم اعضائه صلى اللّه عليه و سلم باعتبارين، أحدهما: ما قيل إن كل أحد يدفن فى الموضع الذى خلق منه، و الثانى: تنزل الرحمة و البركات عليه و إقبال الله، و لو سلمنا أن الفضل ليس للمكان لذاته لكن لأجل من حل فيه فهذا المكان له شرف على جميع المساجد فلا يلزم من منع تعليق قناديل الذهب فى المساجد و الكعبة المنع من تعليقها هنا، و لم ير أحدا قال بالمنع هنا، و كما أن العرش أفضل الأماكن و قوله قناديل كذلك هذا المكان أفضل الأماكن الأرضية فيناسب أن يكون فيه قناديل، و ينبغى أن تكون من أشرف الجواهر كما أن مكانها أشرف الأماكن فقليل فى حقها الذهب و الياقوت، و ليس المعنى المقتضى للتحريم موجود ههنا فزالت شبهة المنع، و القنديل الذهب ملك لصاحبه يتصرف فيه ما شاء فإن وقف هناك إكراما لذلك المكان و تعظيما صح وقفه و لا زكاة فيه و إن لم يقفه و اقتصر على إهدائه له صح أيضا و خرج عن ملكه بقبض من صح قبضه، لذلك صار مستحقا لذلك المكان كما يصير المهدى للكعبة مستحقا لها و كذلك المنذور لهذا المكان كالمنذور للكعبة، و قد يراه هنا فيقال: إنه مستحق للنبى صلى اللّه عليه و سلم و النبى صلى اللّه عليه و سلم حى دائما يحكم بانقطاع ملكه بموته له و هو الذى فى أذهان كثير من الناس حيث يقولون هذا للنبى صلى اللّه عليه و سلم، هذا إذا
لم يجعله وقفا و إن جعله وقفا فالموقوف عليه كذلك إما نفس الحجرة الشريفة كالكعبة، و إما للنبى صلى اللّه عليه و سلم نفسه على ما قلناه، و قد يقول قائل: الوقف حيث صح لا بد أن يكون لمنفعة مقصودة و منفعة تزيين ذلك المكان غير مقصودة للشرع و تذهب منفعة ذلك الذهب بالكلية لأنه لا غاية له يصير إليه و إذا قامت القيمة زالت الزينة، فنقول: منفعه فى الدنيا الزينة و التعظيم لما هو منسوب إلى النبى صلى اللّه عليه و سلم و بقاء ذكر المهدى له فيذكر به و ذلك مقصود لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ(1)وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ(2)و إذا قامت القيامة تجد ثوابه و ربما يجىء ذلك الذهب بعينه فإن الله تعالى مالك الدنيا و الآخرة و ما فيهما و هو يحلى أهل الجنة بالذهب و الفضة، و ربما تأتى تلك الفضة و الذهب نفسهما فيحلى بهما صاحبهما جزاء له أو أحد من حشمه و من عنده فيسر بذلك أو يسر بمشاهدة النبى صلى اللّه عليه و سلم له فى تلك الدار، و هذه نكتة لطيفة، و حيث قلت: إنه ملك الحجرة فلا زكاة فيه كما لا زكاة فى مال الكعبة و إن كان مملوكا لأن الزكاة و إن تعلقت بالمال فلا بد من ملك مالك معين لها إما مكلف و إما متهىء للتكليف فى دار التكليف و أما ما قدمناه عن سحنون من المالكية أن الإمام يزكبه كل عام كالعين المحبسة فعجيب هذا، و قد استشكل ما ذكره المؤرخون من أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أتى بمجمرة من فضة فيها تماثيل من الشام فدفعها إلى سعد جد المؤذنين و قال له: جمر بها فى الجمعة و فى شهر رمضان فكان سعد يجمر بها فى الجمعة و كانت توضع بين يدى عمر بن الخطاب رضى الله عنه حتى قدم إبراهيم بن يحيى بن محمد بن العباس المدينة واليا بها سنة ستين و مائة فأمر بها فغيرت و جعلت صلاحا، و هى اليوم بيد مولى المؤذنين؛ و ذلك لأن المجمرة مما تستعمل و قد قال الفقهاء: إنها إذا احتوى عليها يكون حراما و مقتضى اشتراطهم الاحتواء أن هذا الصنع غير حرام لكن العرف أن ذلك استعمال فإما أن يكون هذا الخبر ضعيفا و إما أن يكون احتمل ذلك لأجل المسجد تعظيما له فتكون القناديل بطريق الأولى أو لا استعمال فيها.
أول من حلى الكعبة فى الجاهلية عبد المطلب جد النبى صلى اللّه عليه و سلم بالغزالين الذهب اللذين وجدهما فى زمزم حين حفرها، ذكر ذلك الأزرقى و اضطرب كلامه فى أول من حلاها فى الإسلام، فنقل عن جده أن الوليد بن عبد الملك أول من ذهب البيت فى الإسلام، و ذكر فى موضع آخر أن عبد الملك بن مروان ضرب على الأسطوانة الوسطى من أسفلها إلى أعلاها صفائح الذهب انتهى. و ذكر المسبحى ما يخالف ذلك و أن ابن الزبير جعل على الكعبة و أساطينها صفائح الذهب و مفاتيحها من الذهب انتهى.
و قال الفاكهى(1)فى الأوليات بمثله و أول من عمل الذهب على باب الكعبة فى الإسلام عبد الملك بن مروان، و ذكر أيضا أن الوليد بن عبد الملك بن مروان أول من جعل الذهب على ميزاب الكعبة، و ذكر الأزرقى أن الوليد بن عبد الملك بعث إلى واليه خالد بن عبد الله بستة و ثلاثين ألف دينار، فضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب و فى ميزاب الكعبة و على الأساطين التى فى داخلها و الأركان، ثم لما ولى الأمير محمد بن هارون الرشيد العباسى أرسل أيضا إلى عامله سالم بن الجراح بثمانية عشر ألف دينار ليجلى بها باب الكعبة فقلع ما كان بها من الصفائح و زاد عليها ما بعثه الأمين و ضربه على الباب صفائح و مسامير، و حلى به الباب و جعل له حلقتين من ذهب و جعل أعتابه من الذهب، و أن المتوكل العباسى حلاها أيضا حلية جيدة، و ذكر(2)السهيلى أن الوليد بن عبد الملك حلى ميزاب الكعبة و سقفها بالذهب و الفضة الذى كان فى مائدة سيدنا سليمان بن داود صلى اللّه عليه و سلم، و كانت حملت له من طبيطلة من جزيرة الأندلس على بغل قوى فتفسخ تحتها، و كان لها أطواق من ياقوت و زبرجد، و فى كلامه ما يشعر بأن الوليد ليس أول من حلاها، ثم حلاها الملوك و غيرهم بعد ذلك على الترتيب، فمن ذلك أن المعتقد العباسى حلا بابها فى سنة إحدى و ثمانين و مائتين، و من ذلك أن الخليفة المقتدر العباسى حلى بالذهب
الأسطوانة الأولى التى تلى باب الكعبة و ذلك فى سنة عشر و ثلاثمائة، و من ذلك أن الوزير الجواد حلى داخلها و أركانها بخمسة آلاف دينار و كان أرسلها بذلك فى سنة تسع و أربعين و خمسمائة، و ممن حلاها الملك المظفر صاحب اليمن و حلينه لبابها و حفيده الملك المجاهد على بن المؤيد داود(1)بن المظفر صاحب اليمن و تحليته لجوفها، و الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر بخمسة و ثلاثين ألف درهم و ثلاثمائة درهم حلا بها بابها، و حفيده الملك الأشرف شعبان صاحب مصر، كذا ذكره الفاسى، و أما المغاليق التى أهديت له فمنها أن ساسان بن بابك أهدى للكعبة غزالين من و ذهبا و جواهر و سيوفا و ذهب كثيرا فدفن فى زمزم ذكره المسعودى، و يقال أن كلاب بن مرة والد قصى بن كلاب أول من جعل فى الكعبة السيوف المحلاة بالذهب و الفضة و خيره للكعبة، و منها أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما فتح مدائن كسرى كان مما بعث إليه هلالان من ذهب فبعثهما عمر إلى الكعبة و علقهما فى جوفها، و بعث عبد الملك بن مروان بشمستين و قدحين من قوارير، و بعث ابن الوليد بقدحين أيضا و بعث الوليد بن يزيد بن عبد الملك بهلالين و بالتسرير الذبنى، و بعث السفاح بصفحة خضراء، و بعث المنصور بالقارورة الفرعونية، و بعث المأمون بياقوتة فاخرة كانت تعلق بسلسلة من فضة من وجه الكعبة فى الموسم كل سنة، و بعث الخليفة المتوكل العباسى بشمسة من الذهب مكللة بالدر الفاخر و الياقوت الرفيع و الزبرجد و سلسلة من ذهب لتعلق فى وجه الكعبة كل سنة، و بعث بعض الملوك لما أسلم بصنم من ذهب كان يعبده على صورة إنسان، و بالتاج الذى كان على صورة الصنم، و بالسرير الذى كان يوضع عليه كذا فى الأزرقى، و أهدى إلى الكعبة قفل فيه ألف دينار بعثه إليها المعتصم العباسى فى سنة تسعة عشر و مائتين، و من ذلك طوق من ذهب مطلل بأنواع الجواهر الفاخرة مع ياقوتة كبيرة خضراء وزنها كما قيل أربعة و عشرون مثقالا، بعث ذلك بعض ملوك السند لما أسلم، و من ذلك عدة قناديل كلها فضة ما عدا واحد منها كان ذهبا زنته ستمائة مثقال بعث بها المطيع العباسى فى سنة تسع
1) شفاء الغرام 1/ 107.
و خمسين و ثلاثمائة، و من ذلك قناديل محكمة، و محاريب زنة كل محراب أزيد من قنطار بعثها صاحب عمان بعد العشرين و الأربعمائة، و من ذلك قناديل ذهب و فضة بعثها الملك المنصور عمر بن على بن رسول صاحب اليمن فى سنة اثنين و ثلاثين و ستمائة، و من ذلك قفل و مفتاح بعث بهما الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر و ركب القفل على باب الكعبة، و من ذلك حلقتان من ذهب مرصعتان باللؤلؤ و البلخش كل حلقة وزنها ألف مثقال، و فى كل حلقة ست لؤلؤات فاخرات، و بينهما ست قطع بلخش فاخرات أيضا، بعث بذلك الوزير على شاه وزير السلطان أبى سعيد ابن خرنبدا ملك التتار فى سنة ثمان عشرة و سبعمائة، فأراد الرسول تعليقهما على باب الكعبة كما أمر، فمنعه أمير الركب المصرى فى السنة المذكورة و قال: لا يمكن ذلك إلا بإذن السلطان- يريد صاحب مصر و هو إذ ذاك الناصر محمد بن قلاوون- فلوطف الأمير و عرفه الرسول بأن الوزير نذر أن يعلقهما على باب الكعبة فأذن له فى ذلك، فعلقتا زمانا طويلا، ثم أخذهما أمير مكة إذ ذاك رميثة بن أبى نمى، و من ذلك أربعة قناديل كبار كل قنديل منها على ما قيل قدر الدورق من دورق مكة اثنان ذهب و اثنان فضة بعث بذلك السلطان شيخ إدريس صاحب بغداد فى اثنى عشر السبعين و السبعمائة فعلق ذلك يسيرا ثم أخذه أمير مكة عجلان بن رميثة، ذكره ذلك الفاسى ثم قال: و ليس فى الكعبة الآن يعنى فى زمنه شىء من المغاليق التى ذكرها الأزرقى التى ذكرناها سوى ستة عشر قنديلا، منها ثلاثة فضة و واحد ذهب و واحد بلور و اثنان نحاس و التسعة الباقية زجاج، و سبب ذلك توال الأيدى عليه من الولاة و غيرهم، و من ذلك، وقع لأبى الفتوح الحسن بن جعفر العلوى حين فرج من طاعة الحاكم و دعى لنفسه بالإمامة أنه أخذ من حلية الكعبة و ضربه دنانير و دراهم و سميت بالفتحية، و أخذ المحاريب التى أهداها صاحب عمان، و من ذلك ما وقع لمحمد بن جعفر المعروف بابن أبى هاشم الحسينى أنه فى سنة اثنتين و ستين و أربعمائة أخذ قناديل الكعبة و ستورها و صفائح الباب لكون صاحب مصر المستنصر العبيدى لم يرسل له شيئا لا شتغاله بالقحط الذى كادت مصر أن تخرب بسببه.
و أما الجواب عن أخذ الأجرة على إدخال البيت فبيانه يحتاج إلى بيان سدانة البيت و هى خدمته و تولى أمره و فتح بابه و إغلاقه، و كانت قبل قريش لطسم بن عاد فاستخفوا بحقه و استحلوا حرمته فأهلكهم الله، ثم وليت بعدهم جرهم زمنا طويلا حتى صار الأمر إلى ابن غبشان فباع مفتاح البيت من قصى بن كلاب جد النبى صلى اللّه عليه و سلم بزق خمر، فقيل فى ذلك: أخسر من صفقة أبى غبشان، فذهبت مثلا، و صارت حجابة الكعبة من بعد خزاعة لقصى و انتهى إليه أمر مكة بعد ذلك، فأعطى ولده عبد الدار السدانة و هى الحجابة، و أعطى عبد مناف السكاية و الرفادة ثم جعل عبد الدار الحجابة إلى ولده عثمان، و لم تزل تنقل فى أولاده إلى أن انتهت إلى عثمان بن طلحة، ثم إلى ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبى طلحة و هى فى ولده إلى الآن، و يروى عن عثمان بن طلحة أنه قال:
فتحنا الباب يوما فى الجاهلية فجاء رسول الله صلى اللّه عليه و سلم ليدخل مع الناس، فتكلمت بشىء فحلم عنى ثم قال: يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ و ذلت، فقال: بل عزت، و دخل البيت و وقعت كلمته منى موقعا ظننت أن الأمر بيده سيصير إلى- قال فأردت الإسلام فخشيت من قومى فقدمت المدينة فبايعته و أقمت معه حتى خرج فى غزوة الفتح، فلما دخل مكة قال: يا عثمان ائت بالمفتاح، فأتيته به، فأخذه منى ثم دفعه إلى و قال: خذوه يا بنى طلحة خالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم، و فى ذلك نزل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها(1)و فى سنن سعيد بن منصور أنه صلى اللّه عليه و سلم لما أخذ المفتاح من بنى شيبة أشفقوا أن ينزعه منهم ثم قال: يا بنى شيبة هاكم المفتاح و كلوا بالمعروف، قال العلماء: إن هذه ولاية من رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فلا يجوز لأحد أن ينزعها منهم، و أعظم من ذلك أن يشرك منهم غيرهم، و سيأتى كلام العارف بالله تعالى ابن العربى فى مخالفته لذلك، قال الشيخ المحب(2)الطبرى عالم الحجاز فى القربى: لا يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته و لازموا الأدب فى خدمته، أما إذا لم يحفظوا حرمته فلا تبعد أن يخطر عليهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته، ثم قال أيضا: و ربما تعلق الجاهل المعكوس الفهم بقوله صلى اللّه عليه و سلم:
«و كلوا بالمعروف» فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت، و لا خلاف بين الأئمة فى تحريم ذلك و أنه من أشنع البدع و أقبح الفواحش و هذه اللفظة إن صحت فيستدل بها على إقامة الحرمة؛ لأن أخذ الأجر ليس من المعروف، إنما الإشارة و الله أعلم إلى ما يتصدق به من البر و الصلة على وجه التبرع فلهم أخذه و ذلك أكل المعروف لا محالة أو إلى ما يأخذوه من بيت المال على ما يتولونه من خدمته و القيام بمصالحه فلا يحل إلا قدر ما يستحقونه و الله أعلم، انتهى كلام المحب الطبرى. و استفيد منه حرمة أخذ الأجرة على إدخال البيت و أما أخذ شىء من قناديله أو صفائحه أو معلقاته فهى أظهر مما يخفى كما يعلم ذلك مما قدمناه عن السبكى، و قد تقدم أن مال الكعبة يسمى الأورق و أنه ما خالط مالا إلا محقه و أنه يشدد الموت على من يأكل منه شيئا و قد رأيت فى تاريخ القطبى أن المعتصم العباسى أهدى الكعبة قفلا لباب الكعبة فيه ألف مثقال ذهبا و كان والى مكة يومئذ صالح بن العباس، و أنه أمر الحجبة بقبض القفل فأبوا أن يأخذوه منه و أراد أن يأخذ القفل الأول و يرسله إلى الخليفة فأبوا أن يعطوه، و توجهوا إلى بغداد و تكلموا مع المعتصم فترك قفل الكعبة عليها و أعطاهم القفل الذى كان بعثه إليها فاقتسموه بينهم، انتهى. و لم يعترضه، و مقتضى كلام السبكى السابق أن ما يهدى للكعبة يصير محبسا عليهم فلا يجوز للحجبة أخذه و لا للمهدى صرفه بعد أن حبسه لغيرها، فكيف أعطى المعتصم القفل المذكور للحجبة؟ و كيف ساغ لهم أخذه؟ و كيف أراد أيضا أن يأخذ القفل الأول الذى على الكعبة مع حرمة أخذه له؟ و هل أنكره علماء عصره؟ فتأمل. و أعجب من ذلك أن القطبى ذكر أنه أدرك فى أيام صباه أن بعض شيوخ الكعبة كان يتهم بسرقة قناديل الكعبة، و أن نجارا أخبره بأنه عمل لأحدهم محطا مركبا من الخشب مربعا من عدة أعواد طوال كل واحد منها نحو ذراع تركب فتطول ثم تفك و تحمل فى الكم، فإذا دخل الشيخ يوم فتح الكعبة ابتداء و دخل وحده كما هو عادة المشايخ، و ركب ذلك المحط و ركب قنديلا و فك تلك الأعواد و وضع ذلك القنديل فى كمه الواسع، ثم أذن بالدخول إلى البيت الشريف قال و ما كان يحمله على ذلك غير فقره و احتياجه تجاوز اللّه عنه.
و أما الرفادة فأصلها خرج كانت قريش تخرجه من أموالها إلى قصى يصنع به طعاما للحاج يأكله من ليس له سعة و لا زاد، و كان قصى يخسر على كل طريق من طرق مكة جزرا كثيرة و يطعم الناس، و كان يحمل راجل الحاج و يكسو عاريهم، ثم صارت بعد عبد مناف ابن قصى إلى ابنه هاشم، فكان يطعم الناس فى كل موسم إلى أن توفى، فقام بذلك بعده عبد المطلب ثم بعده أبو طالب و استمر إلى أن جاء الإسلام فقام به النبى صلى اللّه عليه و سلم و أرسل بمال يعمل به الطعام مع أبى بكر رضى الله عنه حين حج بالناس سنة تسع، ثم عمل سنة عشر فى حجة الوداع، ثم أقامه أبو بكر فى خلافته ثم عمر ثم الخلفاء بعده، فلما ولى معاوية رضى الله عنه اشترى دارا بمكة و سماها دار المرافد، و جعل فيها قدورا فكانت، الجزر من الغنم تطبخ فيها للحاج أيام الموسم ثم يفعل ذلك فى شهر رمضان، و يروى أن أول من أطعم الحاج الفالوذج بمكة عبد الله بن جدعان وفد على كسرى فأطل عنده الفالوذج، فسأل عنه، فقالوا: لباب البر مع العسل، فقال: آتونى غلاما يصنعه، فآتوه بغلام فاشتراه و قدم به مكة فصنع الفالوذج للحاج، و وضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى مناديه ألا من أراد الفالوذج، فحضر الناس، و ما زال ذلك إطعامه للحاج إلى الجاهلية.
و أما السقاية(1)فكان أصلها حياضا من أدم توضع على عهد قصى بفناء الكعبة و تملى ماء للحاج، و كان قصى يسقى اللبن المخيض و يسقى الماء المنبوذ بالزبيب أيضا، و ما زال ذلك فعله حتى هلك، فقام به هاشم بعده، ثم أخوه المطلب بعده، ثم عبد المطلب، و كان يسقى لبنا و عسلا فى حوض من أدم عند زمزم، ثم قام به العباس رضى الله عنه بتوليته النبى صلى اللّه عليه و سلم، و لم يزل فى ولده من بعده، و أما الندوة فهى دار بناها قصى حين صار أمر مكة إليه ليحكم فيها بين قريش، و كانت أول دار بنيت بمكة و لم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصى إلا ابن أربعين سنة للمشورة؛ و أما ولد قصى فيدخلونها كلهم و حلفاؤهم، و لم تزل دار الندوة لاجتماع الندا فيها؛ لأنهم كانوا يندونها فيجلسون فيها لتشاورهم و إبرام أمرهم و عقد الألوية لحروبهم، و هذه الدار فى الرواق الشامى من المسجد الحرام و هى معروفة مشهورة.
1) انظر شفاء الغرام 1/ 259.
و أما اللواء فكان فى أيدى بنى عبد الدار يليه منهم ذو السن فى الجاهلية حتى كان يوم أحد فقتل عليه من قتل منهم.
و أما القيادة فوليها من بنى عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف، ثم وليها بعده ابنه أمية، ثم من بعده ابنه حرب، فقاد بالناس يوم عكاظ و غيره من حروب قريش، ثم قاد الناس بعد أبى سفيان ابنه إلا يوم بدر قاد الناس عتبة بن ربيعة، فلما كان يوم أحد و الأحزاب قادهم أبو سفيان، و كانت الأحزاب آخر وقعة لقريش، ثم أيد الله الإسلام و منّ بفتح مكة على نبيه صلى اللّه عليه و سلم، هذا ملخص ما رواه الأزرقى من خبر قصى و ذكر غيره فى قسمة قصى غير هذا و الله أعلم.
و ذكر الأزرقى(1)أن قصيا لما انتهت إليه رياسة مكة و قرب أجله قسم رياسته و مكارمه بين ولده فأعطى عبد مناف السقاية و الرفادة و القيادة، و أعطى عبد الدار السدانة و هى حجابة البيت و دار الندوة و اللوى.
و أما الجواب عن جواز تعهد هدم ما بناه الحجاج الخ فقد قال الشيخ ابن حجر فى رسالته «المناهل العذبة فى إصلاح(2)ما وهى من الكعبة»، أنه اختلف العلماء فى جدار الحج الموجود اليوم و فيه الميزاب، هل يجوز هدمه؟ لأن ابن الزبير رضى الله عنهما أعاد الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام لما مر، و للخبر المتفق عليه الذى روته له خالته عائشة رضى الله عنها عن النبى صلى اللّه عليه و سلم الدال على أنه صلى اللّه عليه و سلم لو لا خشى على قريش من الفتنة لهدم بنائهم الذى قصروه عن قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم بإخراج ستة أذرع منه من جهة الحجر و تعليه بابها الشرقى و فتح بابها الغربى؟ أو لا يجوز هدم ذلك الجدار و لا تغيير بابها؛ لأن ابن عباس قال لابن الزبير رضى الله عنهم: دعها على ما أقرها عليه النبى صلى اللّه عليه و سلم؟ فقال جماعة بالجواز و جماعة بالمنع، و ممن قال بجواز ذلك صاحب الفروع من الحنابلة و عبارته: و يتجه جواز بنائها على قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم؛ لأن النبى صلى اللّه عليه و سلم لو لا المعارض فى زمنه لفعله كما قرره ذلك مصرحا به فى خبر عائشة رضى الله عنها، قال الإمام النووى: و فيه دليل لقواعد منها إذا تعارضت مصلحة و مفسدة و تعذر الجمع بين فعل المصلحة و ترك المفسدة بدىء بالأهم؛
لأن النبى صلى اللّه عليه و سلم أخبر أن رد الكعبة إلى قواعد إبراهيم عليه السلام مصلحة و لكن يعارضه مفسدة أعظم منه و هى خوف فتنة بعض من أسلم قريبا لما كانوا يرون تغييرها عظيما فتركها النبى صلى اللّه عليه و سلم، و منها فكر ولى الأمر فى مصالح رعيته و اجتناب ما يخاف منه تولد ضرر عليهم فى دين أو دنيا إلا الأمور الشرعية كأخذ الزكاة و إقامة الحد، و منها تألف قلوبهم و حسن حياتهم، و أن لا ينفروا و لا يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعى، انتهى كلام النووى. و قال الإمام ابن هبيرة: فيه أنه يدل على جواز تأخير الصواب لأجل قالة الناس. و قد رأى مالك و الشافعى رضى الله عنهما أن تركه أولى لئلا يصير البيت الشريف ملعبة للملوك انتهى. و قول ابن هبيرة: إن التأخير لأجل قالة الناس فيه نظر، و ظاهر الخبر أنه لخشية الردة عليهم بنقض بعض بنائهم الذى يعدونه من أكمل شرفهم، و قوله: إن مالكا و الشافعى رضى الله عنهما رأيا أن ذلك أولى، يشهد له بالنسبة لمالك قول التقى الفاسى من أئمة المالكية، و روى أن الخليفة الرشيد و قيل أبوه و قيل جده المنصور أراد أن يغير ما صنعه الحجاج فى الكعبة و أن يردها إلى ما صنع ابن الزبير فنهاه عن ذلك الإمام(1)مالك و قال: أنشدتك الله لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك لا يشأ أحد منهم أن يغيره إلا غيره فتذهب أبهته من قلوب الناس، انتهى بالمعنى. و كان مالكا لحظ فى ذلك كون درء المفاسد أولى من جلب المصالح و هى قاعدة مشهورة معتمدة، انتهى كلام الفاسى. فتعبيره بأولى مساو لقول ابن هبيرة عن مالك أنه رأى أن ذلك أولى، فإن قلت استشهاد الفاسى بالقاعدة المذكورة يدل على الوجوب؛ لأن درء المفاسد يجب تقديمه على جلب المصالح قلت: هذا إيهام لأن المفاسد على قسمين: مظنونة الوقوع فهذه هى التى تجب تقدم رعايتها على جلب المصالح، و متوهمة الوقوع و هذه هى التى تكون رعايتها أولى لا واجبة، و ما نحن فيه من هذا الثانى كما هو واضح، إذ حينئذ تغيير الملوك لها حتى تذهب هيبتها من القلوب مع ما استقر فى النفوس من تعظيمها بعيد جدا فكان متوهما لا مظنونا فصح التعبير فى هذا المقام بأولى، فتأمله. و يشهد لذلك بالنسبة للشافعى رضى الله عنه قول النووى رحمه الله فى شرح المهذب، قال القاضى أبو الطيب فى تعليقه فى باب دخول مكة فى آخر مسألة افتتاح الطواف
1) انظر أعلام العلماء الأعلام ص 71.
بالاستلام قال الشافعى رضى الله عنه: أحب أن تترك الكعبة على حالها فلا يهدم؛ لأن هدمها يذهب حرمتها و يصير كالتلاعب فلا يريد وال تغييرها إلا هدمها و لذلك استحسن تركها على ما هى، انتهى. فظاهر قوله رضى الله عنه أحب، بل صريحه ما نقله عنه ابن هبيرة أنه رأى أن ترك ذلك أولى، و زعم أنه يريد بأحب أوجب بتقدير تسليمه و إلا فكتبه لا سيما مختصر المزنى مع صغره مشحونة باستعمال أحب فى المندوبات لا غير، كما هو وضعه لا يرد على ابن هبيرة؛ لأن نص الإمام فى حق مقلديه كنص الشارع فى حق الأمة فى كونه يحمل على معناه الحقيقى و لا يجوز صرفه عنه إلا لديل من كلامه أو قواعد قرر أهل الأصول دلالة مثله على الوجوب، و زعم بعضهم أنه قد يريده به أوجب لقرينة ليس فى محله؛ لأن كلامنا فى نص خلا عن القرينة، و التعليل بإذهاب الحرمة لا يدل على الوجوب لأنه مشكوك فيه لا يراعى مثله إلا من يقول: برعاية المصالح المرسلة مطلقا، و نحن لا نقول بذلك على أن قوله و لذلك استحسن إلى آخره يرد توهم الوجوب و سيأتى قريبا عن المحب الطبرى قوله: على أنا نقول: إنما كره مالك إلى آخره و هو صريح واضح فيما ذكرته فتأمله. و أما قول الشافعى رضى الله عنه فى بعض المواضع: لا أحب كذا، لا أحب نقل الميت إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فهو لا يقضى على ابن هبيرة؛ لأن لا أحب كذا قد يستعمله الشافعى فيما فعله محرم و قد يستعمله فيما فعله مكروه، و من ثم اختلف أصحابه فى هذه المسألة: فقال جماعة: يحرم النقل لغير الثلاثة، و قال آخرون: يكره و نظير هذا استعمال الشافعى أكره كذا فإنه قد يستعمله فى المكروه كراهة تنزيه و قد يستعمله فى الحرام، فإن قلت: ما الفرق بين أحب حيث لا يستعملها إلا فى المندوب و أكره حيث يستعملها فى الأمرين؟ قلت: الفرق ما استفاض على لسانه و لسان أصحابه أن المكروه قد يكون كراهته للتحريم و قد تكون كراهته للتنزيه، فصح استعمال أكره فيهما، و أما المحبوب فلم يقع اصطلاح على أن محبته قد تكون للإيجاب و قد تكون للندب بل لم يستعمل إلا قسيما للواجب فتعين صرفه له، و فى البديهة ما يقضى بها على ابن هبيرة فتأمل ذلك فإنه قد وقع فيه غلط.
هذا ما يتعلق بالقائلين بالجواز نقلا و دليلا، و أما القائلون بالمنع فيشهد لهم قول النووى رحمه اللّه فى شرح مسلم: قال العلماء: و لا تغير الكعبة عن هذا
البناء و يحتمل أن نفى ذلك أولى ليوافق، ما مر عن الشافعى رضى اللّه عنه و يشهد لهم أيضا بل يصرح به قول السبكى: الإجماع انعقد على عدم جواز تغيير الكعبة، انتهى. و قول الزركشى بعد الحكاية السابقة عن مالك رضى الله عنه و الرشيد أو أبيه أو جده: و استحسن الناس هذا من مالك و عملوا فصار كالإجماع على أنه لا يجوز التعرض للكعبة بهدم أو تغيير انتهى، فإن قلت كيف هذا الإجماع مع وجود ما مر من الخلاف؟ قلت: أما عبارة النووى فهى محتملة فلا دليل فيها، و أما عبارة السبكى فصريحة فى نقل الإجماع لكن فيها نظر، و كان هذا هو السبب فى عدول الزركشى عنها إلى قوله فصار كالإجماع إلى آخره، فافهم أنه ليس فى المسألة إجماع حقيقى و هذا هو الحق، هذا كله إن حملنا كلام هؤلاء كما هو المتبادر منه على أنه فى الصورة السابقة و هى هدم ما صنعه الحجاج و ردها على بناء ابن الزبير رضى الله عنهما، و يؤيد ذلك أن هذا هو الذى أراده هارون أو أبوه أو جده فمنعه منه مالك رضى الله عنه، و أما بقية بناء ابن الزبير رضى الله عنهما فلم يتعرض له أحد بعد الحجاج بهدم و لا تغيير و لا أراد أحد فيه ذلك كما قاله التقى الفاسى و غيره كما يأتى حتى يقع فيه خلاف، و إنما الذى وقع من الملوك من ذلك الزمن و إلى الآن ترميم و إصلاح لنحو السقف و العتبة و الميزاب و الباب، على أن من العجب الدال على كرامة ابن الزبير رضى الله عنهما أن جميع الإصلاحات الواقعة فى نحو جدار الكعبة و بابها إنما هى فيما صنعه الحجاج و ما قرب منه دون بناء ابن الزبير رضى الله عنهما كما سيأتى مبسوطا، أما إذا لم تحمله على تلك الصورة الخاصة بل على ما عداها فالإجماع على الامتناع من هدم جدرانها أو تغييره بلا ضرورة أمر حقيقى واقع لا مرية فيه، و ليس ذلك من خصوصيات الكعبة بل هو جار فى كل مسجد، إذ من البديهى فى سائر المساجد أنه لا يجوز لأحد هدم أبنيتها و لا تغييرها عما هى عليه من غير ضرورة أو حاجة ماسة، و حينئذ فلا يجوز لأحد حمل اختلاف العلماء على ذلك.
بل يتعين حمله على ما قررنا، و أوضحناه فتأمله لئلا يزل قدمك و يطغى قلمك، أعاذنا الله أجمعين من ذلك بمنه و كرمه آمين. ثم رأيت الإمام المحب الطبرى صرح عن مالك رضى الله عنه بما يوافق ما قدمته عن ابن هبيرة و غيره فى فهم كلامه و ما ذكرته أن محل كلامه إنما هو فى هدم ما فعله الحجاج لا
غيره و ذلك أنه- أعنى المحب الطبرى- لما أفتى بوجوب هدم ما كان عليه الشاذروان من دون ذراع فى عرضه و وجوب إعادته إلى ذراع احتياطا للطائفين الذين يرون بطلان الطواف عليه استشعر اعتراضا على نفسه من كلام الإمام مالك رضى الله عنه أنه لما حج الخليفة فى زمنه و كان بلغه عنه أنه يريد أن يهدم ما بناه الحجاج من البيت و يرده إلى ما بناه ابن الزبير رضى الله عنهما، فخرج له من المدينة و اعترض له فى طريقه و قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين لا جعلت هذا البيت ملعبة للملوك لا يشأ أحد منهم يهدمه و يبنيه إلا فعل، فكف الخليفة عن ذلك، و إنما قال له مالك ذلك و كف الخليفة تعظيما للبيت و احتراما له، و التعظيم و الحرمة ثابتان للجزء كثبوته للكل، قلنا: إيراد هذه الحكاية فى معرض الاعتراض تشنيع و تهويل و عمى بصيرة عن رؤية الحق و ارتكاب هوى متبع و أى جامع بين ما نحن فيه و ما فى الحكاية و الفرق بينهما من وجهين: الأول: من جهة المعنى فإن القصد فى مسألتنا رعاية مصلحة الطائفين و تصحيح طوافهم و جعل المطاف على صورة يصح الطواف فيه للملاصق للشاذروان و ذلك الغاية فى تعظيم حرمة البيت و الإعراض عن ذلك هتك لحرمته لما يتطرق به من الخطر الكثير و الفساد العويص فناسب وجوب رعاية ذلك تجنبنا للخطر الناشئ بسبب الترك على كل قادر، و ما أنكره الإمام ليس فى تركه خطر و لا إفساد عباده بخلاف مسألتنا لما يترتب عليها من الخطر المذكور، و لو سئل مالك رضى الله عنه عن مسألتنا لأجاب بمثل جوابنا؛ لأن مذهبه وجوب حسم الذرائع المفضية إلى المفاسد و مسألتنا تنزع إلى ذلك إلى تقرير الشاذروان على ما هو عليه يؤدى إلى إفساد طواف بعض الطائفين فوجب حسمه بالإزالة الثانى الفرق من جهة الصورة، و ذلك أن هدم البيت أو جانب منه يكثر الابتذال فيه و يعظم الشعث و تقل الهيبة لا سيما إذا كان ناشئا عن هوى متبع، بخلاف هدم شبر من دكة فى بناء البيت إن احتيج إليه و إلا فالضرورة تندفع بإلصاق بناء إليه يتمم به الذراع و يندفع به المخدور و بين الصورتين بون عظيم، على أنا نقول: إنما كره مالك رضى الله عنه ما كرهه خشية أن يتكرر هدم البيت لما علم من هدم ابن الزبير رضى الله عنهما و بنائه ثم هدم الحجاج لما زاده ابن الزبير رضى الله عنهما فخشى مالك لو هدمه هذا الخليفة و أعاده على وضع ابن الزبير رضى الله عنهما أن يأتى بعده مما يرى رأى الحجاج و يتكرر ذلك، فجرى على مقتضى مذهبه فى سد الذرائع، و لهذا نبه
رضى الله عنه على ذلك بقوله: أخشى أن تبقى ملعبة للملوك، و إلا فلو علم أنه لا يهدم بعد إعادته على وضع ابن الزبير رضى الله عنهما لما أنكر بل استحسنه و ندب إليه و حث عليه، فرأى أن التعظيم به أنسب و أولى و لم يكن ملعبة بل سنة متبعة و فعلا جميلا فإن سيد المرسلين الممهد لنا شرائع الدين أشار إلى ذلك بما جاء فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «يا عائشة لو لا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة، و ألزقت بابها بالأرض، و لجعلت لها بابا شرقيا و بابا غربيا، و زدت فيه ستة أذرع، فإن قومك استقصرتها حين بنت الكعبة»، و فى رواية فى الصحيحين: «فإن بدا لقومك من بعدى أن يبنوه فهلمى لأريك ما تركوا منه» فأراها قريبا فى ستة أذرع، و فى قوله: «فإن بدا لقومك» تصريح بالإذن فى أن يفعل ذلك بعده عند القدرة عليه و التمكن منه و فى قوله صلى اللّه عليه و سلم «لو لا» إلخ حث عليه و دلالة على أن المانع منه حديثهم بالشرك و تنبيه على أنه أى فعل ذلك فى مهمات الدين عند تمكن الإسلام و هذا هو المعنى الذى حث ابن الزبير على هدم الكعبة و استيفاء قواعدها فلم يكن لذلك ملوما و لا عد منتهكا حرمة بل قائما فى ذلك بالحرمة رضى الله عنه، و مدلول هذا الحديث تصريحا و تلويحا يبيح التغيير فى البيت بالعمارة إذا كان لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة و الله أعلم، انتهى كلام المحب الطبرى(1). و هو مشتمل على نفائس، انتهى كلام ابن حجر(2)فى رسالته نقلناه برمته مع زيادة كلام النووى، و أقول كلامه هذا كله مفروض فيما يتعلق بجواز تعمد هدم ما بناه الحجاج فذكر فيه خلاف العلماء و أما لو انهدم بناء الحجاج بنفسه كما فى هذه النازلة فهل تجب إعادته على ما فعله ابن الزبير فى جعله على قواعد سيدنا إبراهيم- صلى اللّه عليه و سلم- و إدخال ما أدخله بن الزبير من الحجر بالسكون، و يفرق بين تعمد هدمه و بين ما لو انهدم بأن فى الأول ما رآه مالك من تجرىء الملوك عليه و جعله ملعبة لهم فتذهب مهابته من قلوب الناس بخلاف ما لو انهدم بنفسه، فإنه ليس فيه ذلك لكن يلزم عليه محذور آخر حينئذ و هو الوقوع فى استقبال ما زيد، و قد ذكر فى الروض و شرحه أنه لو استقبل الحجر بكسر الحاء دون الكعبة لم يجزه؛ لأن كونه من البيت مظنون لا مقطوع
به لأنه إنما ثبت بالآحاد، و قد نقل الزركشى عن القرطبى أنه قال فى المفهم:
و ما فعله عبد الله ابن الزبير كان صوابا و قبح الله الحجاج و عبد الملك لقد جهلا سنة رسول الله صلى اللّه عليه و سلم، و قال عبد الملك حين بلغته السنة: لو كنت سمعته قبل أن انهدمت لتركته على بناية ابن الزبير. و هو غير معذور فى ذلك فإنه كان متمكنا بالتثبت بالسؤال و البحث فلم يفعل و استعجل و قضى فالله حسبه و مجازيه على ذلك فلقد اجترأ على بيت الله و على أوليائه، و لما كان الرشيد أراد أن يرد على ما بناه ابن الزبير فقال مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشأ أحد إلا نقض البيت و بناه فتذهب هيبته من صدور الناس، فترك ما هم به و استحسن الناس هذا من مالك و عملوا، عليه فصار هذا كالإجماع على أنه لا يجوز التعرض له بهدم أو تغيير و الله أعلم، انتهى. ثم رأيت الأستاذ الشيخ الأكبر نفعنا الله ببركاته حسن فى الفتوحات فعل الحجاج و عبارته و قد ذكرنا فى أول هذا الكتاب ما بقى فى الحجر من البيت، و لماذا أبقاه الله فيه، و بينا الحكمة الإلهية فى ذلك فى رفع التحجير و التجلى الإلهى فى الباب المفتوح لمن أراد الدخول إليه و ذلك هو بيت الله الصحيح، و ما بقى منه بأيدى الحجبة بنى شيبة وقع فى باطنه التحجير لأنه فى ملك محدث و هو الموجود المقيد فلا بد أن يفعل ما تعطيه ذاته و الحديث النبوى فى ذلك مشهور و الخلف و الأمر أغفلوا عن مقتضى معنى قوله تعالى حين أمسك صلى اللّه عليه و سلم مفتاح البيت الذى أخذه من بنى شيبة فأنزل الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها(1)فتخيل الناس أن الأمانة هى سدانة البيت و لم تكن الأمانة إلا مفتاح البيت الذى هو ملك لبنى شيبة فرد عليهم مفتاحهم، و أبقى صلى اللّه عليه و سلم عليهم ولاية السدانة، و لو شاء جعل فى تلك المرتبة غيرهم و للإمام أن يفعل ذلك إذا رأى فى فعله المصلحة، لكن الخلفاء لم يريدوا أن يؤخروا عن هذه المرتبة من قرن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فيها، فهو مثل سائر ولاة المناصب إن عدلوا فيها الحق فلهم و إن جاروا فعليهم، و للإمام النظر فبقى بيت الله عند العلماء بالله لا حكم لبنى شيبة و لا لغيرهم فيه و هو ما بقى فى الحجر فمن دخله دخل البيت و من صلى فيه صلى فى البيت كذا قاله صلى اللّه عليه و سلم لعائشة أم المؤمنين، و لا يحتاج العارفون لمنة بنى شيبة فإن الله قد كفاهم بما أخرج لهم منه فى الحجر فجناب الله أوسع أن يكون عليه سدنة من خلقه و لا سيما من نفوس جبلت على الشح و حب الرياسة و التقدم، و لقد وفق الله الحجاج لرد
1) النساء آية: 58.
البيت على ما كان عليه فى زمان رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و الخلفاء الراشدين فإن عبد الله بن الزبير غيره و أدخل فى البيت فأبى اللّه إلا ما هو الأصل عليه و جهلوا حكمة اللّه فيه بقول على ابن الجهم:
و أبواب الملوك محجباتو باب الله مبذول الفناء
انتهى كلامه رضى اللّه عنه. قال الحافظ(1)ابن حجر لم أقف فى شئ من التواريخ على أن أحدا من الخلفاء و لا من دونهم غير من الكعبة شيئا فى صنعة الحجاج إلى الآن إلا فى الميزاب و الباب و عتبته و وقع الترميم فى جدارها غير مرة و فى سقفها و فى سلم سطحها و جدد فيها الرخام إلى أن قال: و قد ترادفت الأخبار الآن فى وقتنا هذا فى سنة اثنين و عشرين و ثمانمائة أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتم لذلك السلطان الملك المؤيد ثم حججت فى سنة أربع و عشرين و تأملت المكان الذى قيل عنه فلم أجده بتلك البشاعة، و قد نقض سقفها فى سنة سبع و عشرين على يدى بعض الجند فجدد لها سقفا و رخم السطح فلما كان فى سنة ثلاث و أربعين صار المطر إذا انزل ينزل إلى داخل الكعبة أشد مما كان أولا، فأراه رأيه الفاسد إلى أن نقض السقف مرة أخرى و سد ما كان فى السطح من الطاقات التى كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة و لزم من ذلك امتهان الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين فكتب إلى القاهرة يشكو، فتعصب للأول بعض من جاور، و أجمع الباقون رغبة و رهبة فكتبوا محضرا بأنه ما فعل ذلك إلا عن ملأ منهم و إن كل ما فعله مصلحة و غطى عليه الأمر، و مما يتعجب منه أنه لم يتفق الاحتياج فى الكعبة إلى الإصلاح إلا فيما صنعه الحجاج إما فى الجدار الذى بناه فى الجهة الشامية و إما فى السلم الذى جدده للسطح أو العتبة و ما عدا ذلك مما فعل فإنما هو لزيادة محضة كالرخام أو التحسين كالباب و الميزاب انتهى المقصود نقله من كلام الحافظ و اعترض عليه فى جعله نقض السقف الجديد فى سنة سبع و عشرين بأنه سبق قلم و إنما هو سنة ثمان و ثمانين.
و أما الجواب عما نقله الفاسى(2)و الأزرقى من أن الخليل جعل الحجر عرشا فى أراك تقتحمه العنز و كان زربا لغنم إسماعيل مع ما روى عن عائشة
رضى الله عنها و مع ما ذكره الشامى من أن الخليل أدخل الحجر و هو سبعة أذرع فى البيت و كان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم فلعل موضع الحجر الذى كان زربا لغنم إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم كان أزيد مما أدخله الخليل فى البيت، فالذى أدخله فيه إنما هو مقدار سبعة أذرع أو أقل، فإطلاق الشامى أنه أدخل الحجر إطلاق مجازى أى بعضا مما كان يسمى بالحجر زمن إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم، ثم ما فضل عن ذلك القدر الذى أدخله الخليل صلى اللّه عليه و سلم فى البيت جعله الخليل صلى اللّه عليه و سلم عريشا من أراك(1)تقتحمه العنز و كان زربا لغنم إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم، فإن كونه مع ما أدخل فى البيت كان زربا لغنم إسماعيل حين نزل بالبيت لا ينفى إلى حكم على ما فضل عن القدر المدخل فى البيت بأنه كان زربا له، و لعل هذا الذى جعله الخليل عريشا من أراك هو الذى كان أنزل به هاجر و ولدها إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم حين انتهى بهما إلى موضع البيت، فعمد إلى موضع الحجر فآوى فيه هاجر و إسماعيل و أمرها أن تتخذ عريشا فجعلت عريشا فى موضع الحجر من سمر و تمام ألقته عليه على ما بينه الشافعى مجيبا عن الرواية الأخرى و هى أنه وضعهما عند دوحة فوق زمزم فى أعلى المسجد بأنه يحتمل أن يكون الخليل صلى اللّه عليه و سلم أنزلهما أولا عند الدوحة ثم نقلهما إلى موضع الحجر أو بالعكس، و لا مخالفة بين الروايتين خلافا لما زعمه فى شفاء الغرام، ثم رأيت فى تاريخ الفاسى ما يؤخذ منه هذا الجواب فإنه قال روينا فى تاريخ الأزرقى عن ابن إسحاق قال و جعل إبراهيم إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز و كان زربا لغنم إسماعيل عليه السلام انتهى.
و قد تقدم(2)فى خبر عمارة الكعبة أن قريشا أدخلت فى الحجر منها أذرعا لقصر النفقة الحلال التى أعدوها لعمارتها، و أن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما لما عمر الكعبة أدخل ذلك فيها، و أن الحجاج أخرج منها ذلك ورده إلى ما كان عليه فى عهد قريش و النبى صلى اللّه عليه و سلم و استمر ذلك إلى الآن فصار بعض الحجر من الكعبة و بعضه ليس منها، و فى الحجة على ذلك حديث عائشة رضى اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يا عائشة لو لا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض و لجعلت لها بابا شرقيا و بابا غربيا وزدت فيها
ستة أذرع من الحجر فإن قريشا استقصرتها حين بنت الكعبة» و فى رواية: «فإن بدا لقومك من بعدى أن يبنوه فهلمى لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع» أخرجاه و الأحاديث فى هذا المعنى كثيرة، و قد ذكرنا شيئا منها فى أصل هذا الكتاب، و لا يعارض ذلك حديث عائشة رضى الله عنها سألت النبى صلى اللّه عليه و سلم عن الحجر أمن البيت؟ قال: نعم؛ لأن هذا الحديث مطلق و الأحاديث الأخرى مقيدة. و المطلق يحمل على المقيد أشار إلى ذلك المحب الطبرى لأنه قال و الأصح أن القدر الذى فيه من البيت قدر سبعة أذرع، و قد جاء مصرحا به فى الحديث عن عائشة فذكر عنها ما سبق بالمعنى مختصرا، ثم قال: فيحمل المطلق فيما تقدم على هذا، و إطلاق اسم الكل على البعض جائز على سبيل المجاز المستحسن ذكر ذلك فى شرحه للتنبيه انتهى. ذلك و أما قوله صلى اللّه عليه و سلم فى حديث عائشة المطلق: «و لو لا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، فأخاف تنكر قلوبهم أن أدخل الحجر فى البيت» الحديث، فإن حال من قال بأن الحجر كله من البيت لا يخلو من أمرين: إما أن يقول أشار النبى صلى اللّه عليه و سلم بقول هذا إلى إدخال بعض الحجر أو جميعه، فإن قال من قال بالأول فقد ناقض قوله أن الحجر كله من البيت، و إن قال بالثانى ففى صحته نظر؛ لأن فى البخارى من حديث عائشة عن النبى صلى اللّه عليه و سلم «و أدخلت فيه ما أخرج منه و بلغت به أساس إبراهيم» و هذه الرواية تقتضى أن النبى صلى اللّه عليه و سلم يختار رد البيت إلى أساس إبراهيم، و أساس إبراهيم الذى أشار إليه النبى صلى اللّه عليه و سلم هو الذى أدخلته قريش فى الحجر لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالتاريخ أن البيت فى عصر النبى صلى اللّه عليه و سلم كان مبنيا من جميع جوانبه على أساس إبراهيم إلا من جهة الحجر، فيكون أساس إبراهيم الذى أشار إليه صلى اللّه عليه و سلم هو الأساس الذى فى جهة الحجر، و هو الأساس الذى بنى عليه ابن الزبير كما فى صحيح مسلم و تاريخ الأزرقى، و مما يدل على أن بعض الحجر من البيت لا كله كون النبى صلى اللّه عليه و سلم أرى عائشة مقدار ما تركته قريش من الكعبة فى الحجر، و لو كان الحجر كله فى الكعبة لم يكن رأى رأيه محل و الله أعلم، و قد اختلفت الروايات عن عائشة رضى الله عنها فى مقدار ما فى الحجر من الكعبة ففى رواية قرب من سبعة أذرع، و فى رواية ستة أذرع أو نحوها، و فى رواية سبعة أذرع، و فى رواية خمسة أذرع، و فى رواية أربعة أذرع، و هذه الرواية الأخيرة فى كتاب الفاكهى بإسناد فيه من لم أعرفه و ما عدا ذلك من الروايات صحيح الإسناد و اختلاف الروايات عنها من قدر ما فى
الحجر فى الكعبة لا يقتضى ترك العمل بما روى عنها من أن بعض الحجر من البيت، و إنما يقتضى أن يعمل فى مقدار ما فى الحجر من الكعبة بأكثر الروايات فى ذلك و هى نحو سبعة أذرع كما فى الصحيحين و الله أعلم، و إنما نبهنا على ذلك لأن كلام ابن الصلاح يوهم خلاف ذلك على ما نقل عنه النووى فى الإيضاح لأنه قال: و أما حديث عائشة رضى الله عنها فقد قال الشيخ(1)الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قد اضطربت فيه الروايات ففى رواية فى الصحيحين الحجر من البيت و روى: ستة أذرع من الحجر من البيت، و روى: سبعة أذرع أو نحوها، و روى: خمسة أذرع: و روى قريبا من سبع، قال: و إذا اضطربت الروايات تعين الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقين انتهى.
و هذا من ابن الصلاح و النووى تحريم على أن الطواف لا يصح إلا من وراء الحجر جميعه و ذكر النووى أن هذا المذهب هو الصحيح و أن الشافعى نص عليه و قطع به جماهير الشافعية و أنه الصواب لأن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم طاف خارج الحجر و هكذا الخلفاء الراشدون و غيرهم من الصحابة فمن بعدهم، قال العلامة السيد الفاسى: قلت: يمكن الانفصال عن استدلال النووى بطواف النبى صلى اللّه عليه و سلم خارج الحجر على إيجاب الطواف من وراء الحجر؛ لأن الأفعال الصادرة من النبى صلى اللّه عليه و سلم فى حجته إما أن يكون فعلها أجمع يطلب على وجه الوجوب و هذا غير مسلم أو يطلب بعضها على سبيل الندب و بعضها على سبيل الوجوب، و يتميز ذلك بدليل من خارج، و هذا هو الحق، و إذا كان كذلك فطواف النبى صلى اللّه عليه و سلم من وراء الحجر لا يكون دليلا على وجوب الطواف هكذا لما تقرر من التزام أن أفعاله صلى اللّه عليه و سلم فى حجه بعضها واجب و بعضها مندوب، و لا يمكن أن يقوم دليل على وجوب الطواف من خارج الحجر إلا أن يكون حديث عائشة الحجر من البيت و هو مطلق يحمل على أحاديثها المقيدة و الله أعلم. قال و مثل هذا يقال فى طواف الخلفاء و غيرهم من وراء الحجر و إذا لم يتم دليل من فعله صلى اللّه عليه و سلم على وجوب الطواف من وراء الحجر فإن الطواف من ورائه مطلوب على سبيل الندب المتأكد، فإن خالف إنسان و تسور جدار الحجر و طاف فيه فى الموضع الذى ليس من البيت خصوصا على رواية سبعة أذرع و نحوها أو ستة، ففى الجزم بفساد طوافه نظر كثير لا ينهض عليه دليل، و قد قال بصحة طواف
1) شفاء الغرام 1/ 91.
من طاف فى الحجر و جعل بينه و بين الكعبة ستة أذرع الشيخ أبو محمد الجوينى و ابنه إمام الحرمين و البغوى، و ذكر الرافعى أن هذا المذهب هو الصحيح و قال به اللخمى من أصحابنا المالكية و جزم به الشيخ خليل الجندى فى مختصره الذى صنفه لبيان ما به الفتوى و غيره و اللّه أعلم.
هذا و حكم الصلاة فيما فى الحجر من الكعبة حكم الصلاة فيها لكونه ذلك من الكعبة، فلا يصح فيه على المشهور من مذهب مالك الفرض و لا النفل المؤكد كالسنن و الوتر و ركعتى الفجر و الطواف الواجب، و يصح فيه النقل غير المؤكد و يستحب ذلك فيه كبقية الحجر، و يصح فى بقية الحجر الفرض من غير كراهة، و مذهب الشافعى و أبى حنيفة جواز جميع الصلوات فى جميع الحجر، و قد ذكر المحب الطبرى فى كتاب القرى أن من جملة المواضع التى صلى فيها النبى صلى اللّه عليه و سلم بالحجر و استدل له بحديث خنق عقبة بن أبى معيط للنبى صلى اللّه عليه و سلم فى الحجر كما فى الصحيحين و هو: بينما النبى صلى اللّه عليه و سلم يصلى فى حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبى معيط فوضع ثوبه فى عنقه صلى اللّه عليه و سلم فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر و أخذ بمنكبه و رفعه عنه عليه السلام و قال: أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ(1)الآية. و روى الفاكهى بسنده عن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال لأبى هريرة: يا أبا هريرة إن على باب الحجر لملكا يقول لمن دخل فصلى ركعتين: مغفورا لك ما مضى فاستأنف العمل، و على باب الحجر الآخر ملك منذ خلق الله الدنيا إلى يوم يرفع البيت يقول لمن صلى و خرج: مرحوما إن كنت من أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم تقيا انتهى.
و أما الجواب عن إقرار النبى صلى اللّه عليه و سلم بناء قريش مع إخراجهم الحجر و فتحهم للباب فى جدار الكعبة إلى غير ذلك فتقدم ما يعلم منه الجواب و قد اعتذر صلى اللّه عليه و سلم عن ذلك بقوله لعائشة رضى الله عنها: «لو لا قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، و لجعلت لها بابا شرقيا و بابا غربيا، و زدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا استقصرتها حين بنت الكعبة» قال النووى و فيه دليل لقواعد منها إذا تعارضت مصلحة و مفسدة و تعذر الجمع بين فعل المصلحة و ترك المفسدة بدئ بالأهم لأن النبى صلى اللّه عليه و سلم أخبر أن ردّ الكعبة إلى قواعد إبراهيم عليه السلام مصلحة و لكن يعارضه مفسدة أعظم منه و هى خوف فتنة بعض من أسلم قريبا لما كانوا يرون تغييرها عظيما فتركها النبى صلى اللّه عليه و سلم، و منها فكر ولى الأمر
1) غافر: آية( 28).
فى مصالح رعيته و اجتناب ما يخاف منه تولد ضرر عليهم فى دين أو دنيا إلا الأمور الشرعية كأخذ الزكاة و إقامة الحد و منها تألف قلوبهم و حسن حياطتهم و أن لا ينفروا و لا يتعرضوا لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعى انتهى. و لعل الخلفاء رضى الله عنهم رأوا ما رأى النبى صلى اللّه عليه و سلم فى ترك تغيير بناء قريش.
و أما الجواب عن إقرار النبى صلى اللّه عليه و سلم و الخلفاء الراشدين لقريش فى تغيير بناء الكعبة و فتح هذا الباب المستعلى فى جدار الكعبة و دخولهم منه، و كذا ما فعله الحجاج اقتفاء لآثارهم فقد تكفل به الإمام السبكى فقال فى رسالته التى سماها منع الاستطراق من الباب المستحق الإغلاق: و هو أنه إذا كان الفتح فى الأصل حراما فهل يجوز الاستطراق فيه بعد الفتح؟ قال و لا نقل عندى فى مثله، و الذى أقوله أنه حيث جاز الفتح جاز الاستطراق بلا إشكال و حيث لم يجز الفتح فقد حضرنى فى نظرى فى ذلك باب الكعبة الذى هو اليوم فهو أحدثته قريش بدلا عن الباب التحتانى الذى كان فى زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم و قد دخل النبى صلى اللّه عليه و سلم منه، و حضرنى فى الجواب عنه أن دخول الكعبة مشروع سنة و ربما كان واجبا فلا يترك لفعل قريش، و لم يكن تغيير ذلك الباب ممكنا لما قال صلى اللّه عليه و سلم لو لا حدثان عهد قومك فاجتمع فى باب الكعبة أمران أحدهما جواز إبقائه فى ذلك الوقت، و الثانى: الحاجة إلى دخول الكعبة إقامة للشرع المسنون أو الواجب و هكذا الآن فإن الإجماع انعقد على عدم جواز تغييرها، و فكرت أيضا فى أن الحجر من البيت، و قد أفرد عنه بيتا لطيفا فيه فتحتان شرقية و غربية فى جنوبه ملاصقان لجهة الكعبة، و المعنى الثانى موجود فيه و هو أنه يجوز إبقاؤه و لا يجوز تغييره كالكعبة و الدخول فيه من إحدى الفتحتين أو من فوق جداره اللطيف كالظن أحدا يمنع منه، و لا أدرى هل دخله النبى صلى اللّه عليه و سلم أو لا؟ و لكن جاء فى الترمذى أنه قال لعائشة: «صل فيه» فإن دعت حاجة إلى الدخول فيه جاز الدخول كالكعبة لاجتماع المعنيين و إن لم تدع حاجة احتمل أن يقول بالجواز لأجل جواز الإبقاء، و هذا هو الظاهر للحديث المذكور، و احتمل التوقف لعدم الحاجة، و هذا بعيد و القول به محوج إلى أن لعائشة عذرا إن صح الحديث انتهى كلام السبكى.
و فيه أمور منها: أنه حكى الإجماع على أنه انعقد على عدم جواز تغيير الكعبة الآن عن بناء الحجاج، و أن الحجر كالكعبة لا يجوز تغييره، و قد تقدم لك فى الجواب عن تغيير البيت عن بناء الحجاج و إدخال الحجر فى البيت اختلاف العلماء فى ذلك، و أن عبارة الشافعى: «لا أحب أن يغير البيت» و تقدم كلام ابن حجر مستوفا فى ذلك فلاحظه، ثم قوله فى الحجر: و لا أدرى هل دخله النبى صلى اللّه عليه و سلم عجيب، مع سعة إطلاعه و حفظه، و قد نقل المحب الطبرى فى القرى أنه صلى اللّه عليه و سلم صلى فى الحجر و استدل على ذلك بحديث خنق عقبة بن أبى معيط للنبى صلى اللّه عليه و سلم فى الحجر كما فى الصحيحين و قد تقدم، ثم قال السبكى و فى فتاوى ابن الصلاح رباط موقوف اقتضت مصلحة أهله فتح باب مضاف إلى بابه القديم أجاب إن استلزم تغيير شئ من الموقوف على هيئة كان عليها مثل أن يفتح إلى أرض وقفت بستانا مثلا فيستلزم تغيير محل الاستطراق، و جعل ذلك القديم طريقا بعد أن كان أرض غراس و زراعة، فهذا و شبهه غير جائز، و إن لم يستلزم شيئا من ذلك و لم يكن إلا مجرد فتح باب جديد فهذا لا بأس به عند اقتضاء المصلحة، و فى الحديث فى الصحيحين ما دل على تشريعه و هو قوله صلى اللّه عليه و سلم: «لو لا حدثان عهد قومك بالكفر لجعلت للكعبة بابين» و لا فرق و الأثر فعل عثمان رضى الله عنه فى مسجد رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و هو إجماع، انتهى كلام ابن الصلاح. و اعترضه الإمام السبكى بقوله: قلت: الذى قاله صحيح، لكن استدلاله بالكعبة فيه نظر؛ لأن البابين كانا فى زمن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم ففتح الثانى رد لما كانت عليه فى الأصل، و كذا باشر عثمان رضى اللّه عنه لأن ذاك مصلحة عامة للمسلمين فلا يلزم طرده فى كل وقف، ألا ترى أن ذلك هدم بالكلية و غير و لو جئنا نفعل ذلك فى كل الأوقاف لم يجز؟ ثم قال السبكى: و قال ابن الصلاح: لا بد أن يضاف ذلك عن عدم شئ لأجل الفتح على وجه لا يستعمل فى موضع آخر من المكان الموقوف فإن ذلك من الموقوف فلا يجوز إبطال الوقف فيه ببيع و غيره، فإذا كان الفتح بانتزاع حجارة بأن تجعل فى طرف آخر من المكان فلا بأس هذا كلام ابن الصلاح انتهى.
و أما الجواب عن حكم باقى القدر المذكور من الحجر زمن الخليل هل هو من المسجد فى زمنه أو لا فتقدم لك أنه كان الحجر جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز زمن الخليل و أنه كان زربا لغنم إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم، و لعله هو الذى
نزلت به هاجر و ولدها إسماعيل حين أنزلهما الخليل صلى اللّه عليه و سلم به، و أمر هاجر أن تجعل عريشا فجعلت عريشا فى موضع الحجر من سمر و تمام ألقته عليه، و مع هذا هل كان له حكم المسجد أولا، مقتضى ما أخرجه الأزرقى بسنده إلى أبى هريرة رضى الله عنه أنه من المسجد؛ لأنه قال: إنا لنجد فى كتاب الله أن حد المسجد الحرام الخرورة إلى المسعى، و أخرج أيضا بسنده إلى عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال أساس المسجد الحرام الذى وضعه إبراهيم عليه السلام من الخرورة إلى المسعى إلى مخرج مسيل أجياد، ثم قال: و المهدى وضع المسجد على المسعى، انتهى كلامه. و لنا فى ذلك بحث يأتى الكلام عليه بعد ذلك و عندى فى هذا شئ.
و أما الجواب عن فعل هذا الجدار المميز للحجر من المسجد فقد ذكر الدمامينى فى تعليق المصابيح على أبواب الجامع الصحيح أن المنقول أنه لم يكن حول الكعبة حائط يحجز الحجر من سائر المسجد حتى حجزه عمر رضى الله عنه بالبنيان، و لم يبنه على الجدار الذى كان علامته أساس إبراهيم عليه السلام بأن زاد و وسع قطعا للشك، و صار الجدار فى داخل التحجيز، فلذلك حرر جرير بأن فى الحجر من البيت ستة أذرع أو نحوها و لم يقطع به، انتهى.
لكن رويت فى تاريخ القطبى أن قريشا جعلت عليه حائطا قصيرا علامة على أنه من الكعبة، فأزال عبد الله ابن الزبير رضى الله عنهما ذلك الوضع و أعادها على ما كانت عليه زمن الجاهلية، و الظاهر أن الحق ما قاله الدمامينى بأن الفاعل لذلك إنما هو عمر رضى الله عنه.
و أما الجواب عن كون قبر إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم بالحجر مع أمه هاجر مع لزوم مالزم فى السؤال فهو أن الشيخ الزركشى ذكر فى كتابه إعلام الساجد بأحكام المساجد(1)أن الصلاة و إن كانت مكروهة فى المقابر- كما جاء فى الحديث و نص عليه الفقهاء- لكن يستثنى منه مقابر الأنبياء صلوات الله عليهم و إن لم يصرح به الفقهاء؛ لأن الله تعالى عظم ذواتهم الشريفة عن أكل الأرض، و إنما ذكرت هذا لأن البيهقى ذكر فى كتاب مناقب أحمد بن حنبل و هو كثير الفوائد
1) ص 56.
أن أحمد بن حنبل روى قال: حدثنا يحيى بن سليم الطائفى، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عبد الله بن حمزة السلوك قال: ما بين المقام إلى الركن إلى بئر زمزم إلى الحجر قبر سبعة و سبعين نبيا جاءوا حاجين فماتوا فقبروا هنالك. قال أحمد بن حنبل: لم أسمع من يحيى بن سليم غير هذا الحديث الواحد انتهى. و قد اشتهر أن قبر إسماعيل و أمه فى الحجر و مع ذلك فلم يقل أحد بكراهة الصلاة فيها بل ما فيه من الأجر العظيم و الثواب الجزيل، و كذلك مسجد الخيف قال الطبرانى فى معجمه: حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا عيسى بن شاذان، حدثنا أبو همام الدلال، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن منصور عن مجاهد عن ابن عمر رضى الله عنهما قال:
قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «فى مسجد الخيف قبر سبعين نبيا» و قال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلى فيما وقع لى فى تأملات الحج: السلام على قبور الأنبياء كآدم و من تبعه، فقد روى أنه ما من نبى خرج بعد عذاب فوصل إلى مكة و دفن بها، و أن بها، ثلاثين ألوفا من الأنبياء انتهى كلامه. و ذكر السبكى فى رسالته المحاورة و النشاط فى المجاورة و الرباط ما نصه عن ابن عباس رضى الله عنهما يقال فى المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما قبر إسماعيل و شعيب صلى اللّه عليه و سلم، فقبر إسماعيل فى الحجر، و قبر شعيب مقابل الحجر الأسود و هذا فى جزء ابن زنبور من رواية الكلبى عن أبى صالح، و كنت سمعت شيخنا رضى الدين الطبرى بمكة يقول: إن قبر إسماعيل بالحجر، فتعجبت من دفنه فيه و الحجر من الكعبة حتى رأيت هذا الحديث من الجزء المذكور، انتهى كلامه. و لكن ذكر القاضى أن فى تعيين قبر سيدنا إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم خلافا، فقيل: بالحجر، و قيل: بالحطيم، و أما قبور الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين فقد أجمع العلماء رضى الله تعالى عنهم أنه لا يعرف قبر نبى بعينه إلا قبر نبينا صلى اللّه عليه و سلم، و أما قبر سيدنا الخليل فهو داخل السور على الصحيح و عنده إسحاق و يعقوب و يوسف عليهم الصلاة و السلام، و أما قبر موسى عليه الصلاة و السلام، فقد صح عن نبينا صلى اللّه عليه و سلم أنه عند الكثيب الأحمر بقرب الطريق و المكان الذى يزار الآن؛ لأن الوصف منطبق عليه فيظهر أنه فى تلك البقعة، لكن لا تعرف عين قبره فتزار تلك البقعة و يلزم الأدب هناك فإنه أفضل الأنبياء بعد نبينا و الخليل صلى اللّه عليه و سلم، و قد قال مالك للمهدى لما قدم المدينة الشريفة صلى الله و سلم على مشرفها و استقبله مالك على أميال، فلما أبصر بمالك انحرف إليه المهدى فعانقه و سايره فالتفت
إليه مالك، فقال: يا أمير المؤمنين إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك و يسارك و هم أولاد المهاجرين و الأنصار، فسلم عليهم، فإن ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة، قال: و من أين لك ذلك يا أبا عبد الله؟، فقال: لأنه لا يعرف قبر نبى اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد صلى اللّه عليه و سلم، و من كان قبر محمد صلى اللّه عليه و سلم عندهم فينبغى أن يعرف فضلهم على غيرهم، ففعل المهدى ما أمره به انتهى. و مثله يقال فى قبر سيدنا إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم و من ذكر معه من الأنبياء أن عين قبره و قبرهم لا تعلم و لهذا وقع الخلاف فى محل قبر سيدنا إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم هل هو فى الحجر أو فى الحطيم كما تقدم؟ نعم هو فى الحرم الشريف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال عبد العزيز الكتانى المحدث المعروف، ليس فى قبور الأنبياء ما يثبت إلا قبر نبينا صلى اللّه عليه و سلم، قال غيره: و قبر الخليل صلى اللّه عليه و سلم أيضا، قال: و سبب اضطراب العلم بأمر القبور أن ضبط ذلك ليس من الدين فإن النبى صلى اللّه عليه و سلم قد نهى أن تتخذ القبور مساجدا فلما لم يكن معرفة ذلك من الدين لم يجب ضبطه، و قد كذبوا على المشاهد المضافة إلى الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم مثل كذبهم على القبر الذى فى قبل جامع دمشق الذى يقال أنه قبر هود، و إنما هو قبر معاوية رضى الله عنه دفنوه داخل الحائط القبلى من المسجد بدمشق فى قصر الإمارة الذى كان يقال له الخضراء، و هو الذى تسميه العامة قبر هود و هود باتفاق العلماء لم يجئ إلى دمشق، بل قبره ببلاد اليمن حيث بعث، و قيل بمكة حيث هاجر، و لم يقل أحد إنه بدمشق، و إنما دفن معاوية رضى الله عنه فى ذلك المحل خوفا عليه من الخوارج، و لهذا كتموا قبر على و عمرو بن العاص رضى الله عنهما، و قد كذبوا أيضا على قبر سيدنا نوح صلى اللّه عليه و سلم فقالوا إنه القبر الكائن قريبا من بعلبك فى سطح جبل لبنان، انتهى كلام الإمام(1)ابن تيمية رحمه اللّه تعالى.
قلت فى الجواب الذى أجاب به الزركشى من استثناء قبور الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم من كراهة الصلاة بها نظر، و ذلك لما قاله الأذرعى من أنه يجب الجزم بتحريم الصلاة إلى قبور الأنبياء و الأولياء تبركا و إعظاما، و فى التتمة أن الصلاة إلى قبر رسول الله صلى اللّه عليه و سلم حرام، قال الأذرعى،: و ينبغى أن لا
1) انظر اقتضاء الصراط المستقيم ص 120
يختص هذا بقبره الكريم بل هو كما ذكرنا، و عجب قول النووى فى التحقيق تحرم الصلاة متوجها إلى قبر رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و تكره إلى غيره انتهى. و ذلك لما جاء فى الحديث الشريف كما فى الصحيحين أيضا عن عائشة و ابن عباس قالا:
نزل برسول الله صلى اللّه عليه و سلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال و هو كذلك: «لعنة الله على اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا، و فى الصحيحين أيضا عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فى مرضه الذى لم يقم منه: «لعن الله اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» و لو لا ذلك أبرز قبره غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا، و فى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال سمعت النبى صلى اللّه عليه و سلم قبل أن يموت بخمس و هو يقول: «إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل فإن الله قد اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، و لو كنت متخذا من أمتى خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا و إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إنى أنهاكم عن ذلك»، و فى صحيح مسلم عن أبى مرثد الغنوى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا تجلسوا على القبور و لا تصلوا إليها»، و عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم:
«الأرض كلها مسجدا إلا المقبرة و الحمام» رواه أهل السنن و أبو داود(1)و الترمذى و ابن ماجة و علله بعضهم بأنه روى مرسلا و صححه الحفاظ، و فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: لما اشتكى النبى صلى اللّه عليه و سلم ذكر بعض نسائه كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية، و كانت أم سلمة و أم حبيبة أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها و تصاوير فيها، فرفع رسول الله صلى اللّه عليه و سلم رأسه فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصورة و أولئك شرار الخلق عند الله.
و عن ابن عباس قال: لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم زائرات القبور و المتخذين عليها المساجد، و فى موطأ مالك عن النبى صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «اللهم لا تجعل قبرى عيدا و لا تتخذوا بيوتكم مقابر»، و قد صرحت عائشة رضى الله عنها أنه لو لا ذلك- أى اتخاذ قبره مسجدا- لأبرز قبره الشريف و لكن كره أن يتخذ مسجدا، قال شيخ الإسلام ابن قدامة الحنبلى: فدفننته الصحابة رضى الله عنهم فى موضعه الذى
1) فى كتاب الجنائز.
مات فيه من حجرة عائشة رضى الله عنها و كانت هى و سائر الحجر خارج المسجد من قبلية و شرقية قيل: و شامية لكن لما كانت فى زمن الوليد بن عبد الملك عمر هذا المسجد و غيره، و كان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، فأمر أن تشترى الحجر و تزاد فى المسجد، فاشتريت فى ملاكها ورثة أزواجه و زيدت فى المسجد، فدخلت حجرة عائشة فسدوا باب الحجرة و بنوا حائطا عليها غير الحائط القديم فلم يتمكن أحد من الدخول إلى قبره صلى اللّه عليه و سلم، و بنيت الحجرة الشريفة منحرفة عن القبلة و ثلثت لما بنيت فلم يجعل حائطها الشمالى على سمت القبلة و لا جعل مسطحا حتى لا يصلى إليها، و كذلك قصدوا ذلك قبل أن تدخل الحجرة الشريفة فى المسجد، فروى ابن بطة بإسناد معروف عن هشام بن عروة قال: حدثنى أبى قال: كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلى إليه الناس، فلما هدم بدت قدم بساق و ركبة ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة و قال: هذه ساق عمر بن الخطاب رضى الله عنه و ركبته، فسرى عن عمر بن عبد العزيز، و الحاصل أن الحجرة بنيت منحرفة عن القبلة مسنمة لئلا يصلى إليها أحد رواه مسلم عن أبى مرثد الغنوى، قال: و كان ذلك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة و لم يبق إلا من أدرك النبى صلى اللّه عليه و سلم و لم يبلغ سن التمييز الذى يؤمر فيه بالطهارة و الصلاة، و روى عن عروة نازلت عمر بن عبد العزيز فى قبر النبى صلى اللّه عليه و سلم أن لا تجعل فى المسجد أشد المنازلة، فأبى و قال: كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه، و عن عطاء الخراسانى ما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم، و سمعت سعيد بن المسيب يقول: و الله لوددت أنهم تركوها على حالها فينشأ ناس من أهل المدينة و يقدم قادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فى حياته و يكون ذلك مما يزهد الناس فى التفاخر و التكاثر فيها، قال: و ليست الصلاة عند قبورهم أو قبور غيرهم مستحبة عند أحد من أئمة المسلمين، بل الصلاة فى المساجد التى ليس فيها قبر أحد من الأنبياء و الصالحين و غيرهم أفضل من الصلاة فى المساجد التى فيها ذلك باتفاق أئمة المسلمين، بل الصلاة فى المساجد التى على القبور إما محرمة أو مكروهة، و إنما منع من اتخاذ قبره مسجدا لأنه لو صار كذلك لأكبّ الناس عليه يطوفون به و يحجون إليه و هذه من حقوق الله تعالى لا يشركه فيها أحد، فكان من حكمة الله تعالى دفنه صلى اللّه عليه و سلم فى حجرته و منع الناس من مشاهدة قبر، و العكوف عليه لهذا لما خيف الفتنة حين ظهور قبر سيدنا دانيال صلى اللّه عليه و سلم زمن
سيدنا عمر رضى الله عنه أعفوا قبره الشريف و عموه عن الناس فعل ذلك الصحابة رضى الله عنهم بأمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه، و قصته أن المسلمين لما فتحوا تستر التى تسميها العجم تشتر وجدوا عندها قبرا عظيما قالوا: إنه قبر دانيال و وجدوا عنده مصحفا أى كتابا، قال أبو العالية: أنا قرأت ذلك المصحف و إذا فيه أخباركم و سيرتكم و كلامكم، و شموا رائحة طيبة و وجدوا الميت بحالة لم يتغير فكتب بذلك أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فأمر عمر أن يحفر بالنهار بضعة عشر قبرا فإذا كان الليل دفنه فى قبر من تلك القبور ليخفى أثره لئلا يفتتن به الناس و يتخذوه مصلا و مسجدا، فعند ذلك أكرمه أبو موسى رضى الله عنه و صلى عليه و دفنه، كذا قاله السخاوى و غيره فى تهذيب الأسماء أن قبره بنهر السوس، و ذكر بعض العلماء أن التمثال فى شريعة من قبلنا مباح و أنه وجد خاتم سيدنا دانيال صلى اللّه عليه و سلم فى عهد عمر رضى الله عنه و كان على فصه أسدان و بينهما رضيع يلحسانه، و ذلك أن بختنصر لما أخذ فى تتبع الصبيان و قتلهم و قد ولد هو ألقته أمه فى غيضة رجاء أن ينجو منه، فقيد الله سبحانه أسدا يحفظه و لبؤة ترضعه و هما يلحسانه، فلما كبر صور ذلك فى خاتمه حتى لا ينسى نعمة الله عليه، قلت: و قضية ذلك أنه إنما أدرك بختنصر و هو طفل، فكيف؟ قال النووى أنه كان فى أيام بختنصر و أنه أسره مع من أسره و حبسه ثم رأى بختنصر رؤيا أزعجته و عجز الناس عن تعبيرها ففسرها له دانيال فأعجبه و أكرمه انتهى. قال شيخ الإسلام ابن قدامة الحنبلى هذا الذى قصده عباد القبور من التعظيم هو بعينه السبب الذى لأجله حرم رسول الله صلى اللّه عليه و سلم اتخاذ القبور(1)مساجد، و إيقاد السرج عليها، و لعن فاعل ذلك، و نهى عن الصلاة إليها، و حرم اتخاذ قبره عيدا، و دعا ربه أن لا يجعل قبره و ثنا يعبد، و لأجل ذلك أمر عمر رضى الله عنه بتغييب قبر سيدنا دانيال- صلى اللّه عليه و سلم- فى زمن الصحابة رضى اللّه عنهم، ألا ترى إلى ما روى عن سيدنا عمر رضى الله عنه أنه رأى فى بعض حجاته الناس ابتدؤا مسجدا، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار الأنبياء بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل و من لم يعرض له فيمعن، و قد كان قبره صلى اللّه عليه و سلم من حين دفن لم يمكن
1) انظر اقتضاء الصراط المستقيم ص 56.
أحد فى الدخول إليه لا لزيارة و لا لصلاة و لا لدعاء و لا غير ذلك، و لكن كانت عائشة رضى الله عنها فيه لأنه بيتها، و كانت ناحية عن القبور؛ لأن القبور فى مقدم الحجرة و كانت هى فى مؤخر الحجرة، و لم تكن الصحابة يدخلون إلى هناك، و كانت الحجرة على عهد الصحابة خارجة عن المسجد متصلة به، و إنما أدخلت فيه فى خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت العباد له و جميع الصحابة الذين كانوا بالمدينة، و لم تكن الصحابة يدخلون إلى عند القبر و لا يقفون عنده خارجا مع أنهم يدخلون المسجد ليلا و نهارا، و حيث كان الأمر كذلك فالأولى فى الجواب عن ما قيل فى السؤال فى لزوم إقبار سيدنا إسماعيل من المسجد أو فى الكعبة مع ما ذكر معه فى الأنبياء خصوصا على كلام الأزرقى السابق فى تحديد المسجد الحرام من زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم، و أنه بنى أساسه بأن ما قيل فى قبور هؤلاء الأنبياء صلوات الله عليهم ليس أمرا مقطوعا به، لما تقدم من كلام مالك رضى الله عنه و غيره فى الأئمة من أنه لا يعرف قبر أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم و سلم إلا قبر نبينا صلى اللّه عليه و سلم أو قبر الخليل صلى اللّه عليه و سلم، و لهذا وقع الخلاف عن قبر سيدنا إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم هل هو فى الحطيم أو فى الحجر؟ و كذا فى غيره من الأنبياء و تقدم لك عن الإمام ابن تيمية أن السبب فى اضطراب العلم بأمر قبورهم أن ضبط القبور ليس من الدين فإن النبى صلى اللّه عليه و سلم قد نهى أن يتخذ القبور مساجد، فلما لم يكن معرفة ذلك من الدين لم يجب ضبطه، و يفرض أنه فى ذلك الحجر فالحكمة فى إخفائه و عدم إظهاره ما تقدم و هو مخافة أن يتخذ مسجدا و وثنا يعبد خصوصا فى زمن قريش، فإنها كانت أرباب أوثان خصوصا بالمسجد الشريف؛ فلهذا لم يظهروه فى ذلك الزمن، و بالجملة فالمحل يحتاج إلى أمر أزيد من ذلك فتأمل، و قد تقرر فى كتب الفروع أن بناء نحو قبة حول القبر المملوك مكروه كراهة تنزيه إذا كان البناء فى ملكه، و كما يكره البناء على القبر يكره بناؤه أيضا، روى مسلم عن جابر نهى رسول الله صلى اللّه عليه و سلم أن يجصص القبر و أن يبنى عليه، و فى رواية نهى أن يبنى القبر، لكن حيث خشى على القبر من آدمى أو ضبع أو خاف من السيل أن يخرقه و يظهر الميت فيجوز البناء بلا كراهة، أما البناء فى المقبرة المسيلة فيحرم و يهدم كما فى المجموع و غيره و إن كان ظاهر العزيز و الروضة الكراهة فى المسيلة، و المراد بالمسيلة التى عينت لدفن عموم الناس دون وقف، أما الموقوفة فيحرم البناء فيها قطعا، و ألحق الأذرعى الموات
بالمسيلة؛ لأن فيها تضييقا على المسلمين بما لا مصلحة فيه و لا غرض شرعى بخلاف الأحياء انتهى.
و أما الجواب عن قوله: و هل كان البيت الشريف زمن الخليل مدورا أو مربعا؟
فهو أن مقتضى قولهم: إن ابن الزبير بناه مربعا و استلم الأركان الأربعة لأنه أعاده على قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم أن يكون البيت فى زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم مربعا، لكن صرح ابن الحاج المالكى فى منسكه بأن صفة بناء البيت زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم أنه كان مدورا من ورائه، و كان له ركنان و هى الشاميان، فجعلت له قريش حين بنته أربعة أركان مع إخراج الحجر، و هذا لم يره لغيره، و يدل للأول أن العلماء كالقاضى عياض و غيره ذكروا فى وجه تسمية البيت بالكعبة أنها مربعة، فسمى بذلك لتكعبه و هو تربعه، يقال: برد مكعب إذا طوى مربعا، و معلوم أن التسمية بالكعبة قديم، و ذكر السيد السمهورى أنه لم يزل بيت النبى صلى اللّه عليه و سلم الذى دفن فيه ظاهرا حتى بنى عمر بن عبد العزيز عليه الحيطان المزور حين بنى المسجد فى خلافة الوليد، و إنما جعله مزورا كراهة أن يشبه تربيعه تربيع الكعبة و أن يتخذ قبلة فيصلى إليه، و ذكر الأزرقى أن الناس ما كانوا يبنون بيوتهم مدورة تعظيما للكعبة، و أول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير فقالت قريش: ربّع حميد بيتا إما حياتا أو موتا، لكن الإمام النووى علل تسميته بالكعبة بقوله: سميت بذلك لاستدارتها و علوها، و قيل: لتربيعها، فذكر التربيع مقابلا للاستدارة و ضعفه.
و أما الجواب عن قوله و هل كانت مرفوعة البناء إلخ؟
فهو أنه لم يكونوا يعلون بيوتهم على الكعبة قال الإمام التقى الفاسى و ينبغى لمن بنى بيتا أن لا يرفع بناءه على الكعبة، فإن بعض الصحابة كان يأمر بهدمه فقد أخرج ابن شبه البصرى فى مؤلفه أخبار مكة أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه لما قدم مكة رأى حول الكعبة بناء قد أشرف عليها، فأمر بهدمه و قال: ليس لهم أن يبنوا حولها ما يشرف عليها انتهى، و ذكر الأزرقى أن شيبة بن عثمان كان يشرف فلا يرى بيتا مشرفا على الكعبة إلا أمر بهدمه، و نقل عن جده أنه كان جالسا مع عبد الله بن عمرو بن العاص فى ناحية المسجد الحرام إذ نظر إلى بيت على أبى قبيس مشرف على الكعبة فقال: أبيت ذلك؟ قلت:
نعم، فقال: إذا رأيت بيوت مكة قد علت أخشابها كذا و فجرت بطونها أنهارا فقد أزف الأمر أى قرب، و ذكر ابن عباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس لما بنا داره التى بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام أمر القوم أن لا يرفعوا بناءها فيشرفوا به على الكعبة إعظاما لها، و أن الدور التى كانت تشرف على الكعبة هدمت و خربت إلا دار العباس هذه فإنها على حالها إلى اليوم انتهى، قال بعض المتأخرين: إذا كانت العلة فى عدم العلو و الإشراف هى الإعظام فارتفاع البيوت الموجودة الآن المحيطة بالمسجد يؤذن بقوله، فلا حول و لا قوة إلا بالله، و بالجملة فالتطاول فى البناء من علامات الساعة على حد قوله صلى اللّه عليه و سلم: و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون فى البنيان؛ لأن المراد الإخبار بتغير الأحوال و تبدلها كما قاله الإشبيلى، و فيه دليل على كراهية ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل البناء و تشييده، و مات صلى اللّه عليه و سلم و لم يشيد بناء و لا طوله انتهى.
و أما الجواب عن قوله: و هل للمسجد الشريف المحيط بالكعبة حد معين زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم؟
فهو ما أخرجه(1)الأزرقى بسنده إلى أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: إنا لنجد فى كتاب الله تعالى أن حد المسجد الحرام من الحزورة إلى المسعى، و أخرج أيضا بسنده إلى عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال: أساس المسجد الحرام الذى وضعه إبراهيم عليه السلام من الحزورة إلى المسعى إلى مخرج سيل أجهاد ثم قال: و المهدى وضع المسجد على المسعى انتهى. أى فالمهدى خرج عن أساس إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم، و عندى فى هذا الكلام شبهة و ذلك لأن مقتضاه أن الخليل بنى أساسا للمسجد، و أنه كان محوطا على هذا الأساس و هذا لا يشهد له شىء، كيف و الدور كانت له حول المطاف؟ و أقر النبى صلى اللّه عليه و سلم و الخلفاء ذلك و لم يأمروا أحدا بهدم داره لكونها فى المسجد، و سيدنا عمر إنما جعل العلة فى هدم الدور التى زادها فى المسجد أنها بنيت فى فناء الكعبة و لم يقل فى المسجد فقط، و الذى أدركه صلى اللّه عليه و سلم أن المسجد هو المطاف إلى زمن عمر رضى الله عنه فزاده كما يأتى.
1) أخبار مكة 1/ 120.
و أما الجواب عن قوله و هل كان عند البيت الشريف و مكة بيوت مبنية زمن الخليل إلى آخره؟
فهو أن المنقول أن الكعبة الشريفة لما بناها سيدنا إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم لم يكن حولها دار و لا جدار، استمرت كذلك فى أيام العمالقة و جرهم و خزاعة لا يقدم أحد منهم على أن يبنى دارا و لا جدارا احتراما للكعبة الشريفة، فإن موضع البيت كان قبل الخليل قد درس و هو ربوة حمراء مروة يشرف على ما حوله، و كانت مكه عضاه و سلما و سمرا و العماليق يومئذ حول الحرم، و هم أول من نزل مكة أو كانوا بعرفة، فلما أنزل إبراهيم هاجر و ولدها إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم بالحجر أمرها أن تتخذ عريشا فجعلت عريشا بموضع الحجر من سمر و لمام ألقته عليه و لم يكن بمكة يومئذ أحد، فلما انطلق إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و وقف على كداء فنظر فلم ير بناء يحول بينه و بين ابنه، فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة، ثم إن غلامين من العمالقة الذين كانوا بعرفة لما نظروا للماء و العريش نزلا و كلما هاجر و سألاها متى نزلت؟ فأخبرتهما، فرجعا إلى أهليهما فأخبراهم فتحولوا حتى نزلوا معهما على الماء، ثم إن جرهما و قطورا قدموا مكة فرأوا فيها ماء معينا و شجرا ملتفا و بناء كثيرا، فأخرجت جرهم العماليق من مكة و تزوج منهم سيدنا إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم كذا فى سيرة الشامى و غيره، و مقتضى ذلك أن جرهم وجدت بمكة عند إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم دورا مبنية لقوله: و بناء كثيرا، لكن ليس هذا أيضا فى أن البناء كان حول البيت الشريف بل بمكة، و مع هذا فلا يناسبه ما يأتى من أنهم كانوا يحترمون أن يبنوا بمكة شيئا، و أما حديث ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى اللّه عليه و سلم أنه قال:
فألفت ذلك أم إسماعيل و هى تحب الأنس، فزلوا و أرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى كان بها أهل أبيات كثيرة منهم و شب الغلام إلى آخره، فقوله: أبيات كثير، ليس صريحا فى أنها بالبناء جاز أن يكون عرائش كعريشتها، أو أن ذلك بيوت شعر على عادة العرب، و يؤيد ذلك أن المنقول أن قصى أحد أجداد النبى صلى اللّه عليه و سلم لما ولى أمر الكعبة المشرفة و اشترى مفتاحها بزق خمر و سار فى الأمثال أخسر من صفقة أبى غبشان، و صار له ملك مكة، و اجتمع قومه عليه و ملكوه عليهم و انتزعها من خزاعة و أخرجهم منها، و كان العرب يحترمون أن يسكنوا مكة
و يعظمونها عن أن يبنوا بها بيتا مع بيت الله تعالى، فكانوا يكمنون بها نهارا فإذا أمسوا خرجوا إلى الحل و لا يستحلون الجنابة بمكة، فلما جمع قصى قومه إليه أذن لهم أن يبنوا بمكة بيوتا و أن يسكنوها، و قال لهم: إنكم إن سكنتم الحرم حول البيت هابتكم العرب و لم تستحل قتالكم و لا يستطيع أحد إخراجكم، فقالوا له: أنت سيدنا و رأينا تبع لرأيك فجمعهم حول البيت و فى ذلك يقول القائل:
أبوكم قصى كان يدعى مجمعابه جمع الله القبائل من فهر
و أنتم بنو زيد و زيد أبوكمبه زيدت البطحاء فخرا على فخر
و ابتدأ هو فبنى دار الندوة من الجانب الشامى، و يقال أنها محل مقام الحنفية الذى يصلى فيه الإمام الحنفى الصلوات الخمس، فهى أول دار بنيت بمكة بناها قصى و جعل بابها إلى مسجد الكعبة، و دخلت كلها فى المسجد الحرام على دفعات، و ذكر الزبير بن بطار عن أبى سفيان بن أبى وداعة السهمى أن سعد بن عمر بن هصيص السهمى أول من بنى بمكة و أنشد لأبى سفيان فى ذلك شعرا يدل عليه و هو قوله:
و أول من بوأ بمكة بيتهو سور فيها ساكنا بابان
و لم يذكر أنه جعل بابه إلى مسجد الكعبة و الله أعلم، كذا فى تاريخ الفاسى، و الندوة فى اللغة الاجتماع، و كانوا يجتمعون فيها للمشورة و غيرها من المهمات فلا تنكح امرأة و لا يتزوج رجل من قريش إلا فيها، و لا يدخلها أحد من غير أولاد قصى إلا إذا كان ابن أربعين سنة، ثم قسم جهات البيت الشريف بين طوائف قريش، فبنوا دورهم حول البيت الشريف من جهاته الأربع و تركوا للطواف بالبيت مقدارا يقال أنه المفروش الآن حول البيت الشريف بالحجر المنحوت المسمى بالمطاف الشريف، و شرعوا أبواب بيوتهم إلى نحو البيت و تركوا ما بين كل بيتين طريقا ينفذ منه إلى المطاف، قال النووى و الماوردى فى الأحكام السلطانية: أما المسجد الحرام فكان فناء حول الكعبة و فضاء للطائفين و لم يكن له على عهد النبى صلى اللّه عليه و سلم و أبى بكر رضى الله عنه جدر تحيط به، ثم لما كثرت الدور
و اتصلت إلى زمن النبى صلى اللّه عليه و سلم، ثم لما ظهر الإسلام و كثر المسلمون استمر الحال على ذلك الوضع فى زمن النبى صلى اللّه عليه و سلم و زمن خليفته أبى بكر الصديق رضى الله عنه، ثم زاد ظهور الإسلام و تكاثر المسلمون فى زمن أمير المؤمنين عمر الفاروق رضى الله عنه، قال الأزرقى: كان المسجد الحرام ليس عليه جدران يحيط به و إنما كانت دور قريش محدقة به من كل جانب غير أن بين الدور أبوابا يدخل الناس منها إلى المسجد الحرام، و لما كان زمن عمر رضى الله عنه و ضاق المسجد و لزم توسيعه اشترى دورا حول المسجد و هدمها و أدخلها فى المسجد، و بقيت دورا أحتيج إلى إدخالها فى المسجد و أبى أصحابها من بيعها، فقال لهم عمر رضى الله عنه: أنتم نزلتم فى فناء الكعبة و بنيتم به دورا و تملكون فناء الكعبة و الكعبة لم تنزل فى سوحكم و فنائكم، فقومت الدور و وضع ثمنها فى جوف الكعبة ثم هدمت و أدخلت فى المسجد، ثم طلب أصحابها السلم فسلم إليهم ذلك، و أمر ببناء جدار قصير دون القامة و كانت المصابيح توضع عليه، و كان عمر رضى الله عنه أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام فجعله محيطا بالمسجد و جعل فيه أبوابا كما كانت بين الدور قبل أن تهدم جعلها فى محاذاة الأبواب السابقة، ثم كثر الناس فى زمان أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه فأمر بتوسيع المسجد و اشترى دورا حول المسجد هدمها و أدخلها المسجد، و أبى جماعة عن بيع دورهم، ففعل كما فعل عمر رضى الله عنه و هدم دورهم و أدخلها المسجد، فضج أصحاب الدور و ضاقوا ذرعا، فدعاهم و قال لهم: إنما جرأكم علىّ حلمى عليكم ألم يفعل بكم ذلك عمر فلا ضج به أحد و لا صاح عليه و قد احتذيت حذوه فضجرتم منى و صحتم على، ثم أمر بهم إلى الحبس فشفع فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فتركهم، و كانت زيادة أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه فى سنة سبع عشرة من الهجرة بتقديم السين، و زيادة أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه فى سنة ست و عشرين من الهجرة، فابتاع منازل الناس و وسع بها المسجد و عمره، و جعل له أروقة فكان رضى الله عنه أول من اتخذ الأروقة للمسجد الحرام و كان المسجد الحرام غير مسقف، و كان الناس يجلسون حول الكعبة بالغداة و العشى يتتبعون الأفياء، فإذا قلص قامت المجالس و استمر المسجد غير مسقف
و جداره قصير حتى جاء عبد الله بن الزبير فاشترى دورا أيضا و أدخلها فى المسجد، قال الأزرقى: و ذكر جدى أنه سمع مشايخة أهل مكة يذكرون أن عبد الله ابن الزبير سقف المسجد، غير أنهم لا يدرون أكله سقف أم بعضه؟ قال: و روى جدى عن سفيان عن سفين عن عمرو بن دينار عن يحيى بن حفيدة عن وادان ابن روح قال: مسجد الكوفة تسعة أجربة، و مسجد مكة سبعة أجربة و شىء ذلك فى زمان عبد الله ابن الزبير انتهى قلت: و سيأتى تحرير مقدار الجراب، ثم عمره عبد الملك بن مروان و لم يزد فيه، لكنه رفع جدرانه و سقفه بالساج و عمره عمارة حسنة، و أمر أن يجعل فى رأس كل أسطوانة خمسين مثقالا من الذهب، كذا قال الأزرقى و اعترضه العلامة الفاسى(1)بأنه ذكر بعد ذلك أن الوليد بن عبد الملك تقضى عمل أبيه و عمر المسجد الحرام و عمل عملا محكما، و كان إذا عمل المساجد زخرفها، و هو أول من نقل الأساطين الرخام و سقفه بالساج المزخرف، و جعل على رؤس الأساطين صفائح الذهب، و أزر المسجد بالرخام، و جعل للمسجد سرادقات، فقوله: إن الوليد أول من نقل إليه أساطين الرخام يخالفه ما ذكره فى عمل عبد الملك أنه جعل فى رأس كل أسطوانه خمسين مثقالا من الذهب، و هذا يقتضى وجود الأساطين قبل الوليد فيكون إما من عمل ابن الزبير أو عبد الملك، و على كلا الأمرين فهو مخالف لم ذكره الأزرقى من أن الوليد بن عبد الملك أول من حمل إليه ذلك و الله أعلم بالصواب انتهى.
و أجاب عن ذلك بعض المتأخرين بأنه يمكن الجمع بين كلام الأزرقى رحمه الله تعالى و ترفع المخالفة التى ذكرها الفاسى، و ذلك أن الأزرقى رحمه الله تعالى لم يذكر أن الأساطين التى جعل فى رؤسها المثاقيل الذهب فى أيام عبد الملك كانت من رخام ليتجه ما قاله الفاسى و لا خصوصية أيضا لتسمية الأساطين بما كان من الرخام، فيحتمل أنها كانت من آجر أو من حجارة أو من خشب و يؤيد ذلك ما تقدم فى الباب الأول من هذا الكتاب عند عد فضائل البيت الشريف فيما أخرجه الفاكهى عند قوله: فغابت أسطوانة قال شيخ الإسلام ابن حجر:
الأسطوانة من خشب و ما سيأتى فى كلام الفاسى عند ذكره لما غيره القاضى محمد بن موسى من الزيادة التى بدار الندوة فى قوله: و جعل ذلك بأساطين
1) انظر شفاء الغرام 1/ 92.
حجارة مدورة عليها حلا من ساج، و فى قوله: عند بناء ما كان احترق من الجنب الغربى و بعض الشامى من المسجد الحرام فى عام اثنين و ثمانمائة ما صورته أن الأساطين التى بالجانب الغربى حجارة هذا كلامه، فأما الأساطين من الآجر فيحمل منها كثير فى المساجد و غيرها فإذا علم ذلك، و قول الأزرقى رحمه الله:
إن الوليد أول من نقل إلى المسجد الحرام أساطين الرخام ليس فيه مخالفة مع الاحتمال المذكور فتأمل و الله الموفق، ثم لما كانت الخلافة إلى أبى جعفر المنصور العباسى تأنى خلفاء بنى العباس وسع المسجد الحرام من جانبه الثانى من جانبه الغربى، و لم يجعل فيما وسعه من الجانبين إلا رواقا واحدا، و كان ابتداء عمله فى المحرم سنة سبع و ثلاثين و مائة، و الفراغ منه فى ذى الحجة سنة أربعين و مائة، و كان الذى زاده المنصور النصف مما كان عليه قبل ذلك، ثم إن المهدى ابن أبى جعفر وسع المسجد الحرام بعد موت أبيه من أعلاه و من الجانب اليمانى و من الموضع الذى انتهى إليه أبوه فى الجانب الغربى حتى صار على ما هو عليه اليوم ما عدا الزيادتين فإنهما أحدثتا بعده، و كانت عمارة المهدى فى نوبتين، و فى النوبة الأولى منهما فى سنة إحدى و ستين و مائة و زاد فيما زاده أبوه رواقين، و الثانية فى سنة سبع و ستين و كان أمر بها لما حج حجته الثانية فى سنة أربع و ستين و رأى الكعبة فى شق من المسجد فكره ذلك و أحب أن تكون متوسطة فى المسجد، فدعى المهندسين و قال لهم: أريد أن أزيد فى الجانب اليمانى فى المسجد فتكون الكعبة فى وسط المسجد، فقالوا: لا يمكن ذلك إلا بأن تهدم البيوت التى على فاقة الميل فى مقابلة هذا الجدار اليمانى و تنقل الميل إلى تلك البيوت و يدخل الميل فى المسجد، قال: العلامة التقى الفاسى رحمه الله تعالى، و قد ذكر الأزرقى ما يقتضى أن موضع السعى فيما بين الميل الذى بالمنارة و الميل المقابل له لم يكن مسعى إلا فى خلافة المهدى العباسى لتغيير موضع السعى قبله فى هذه الجهة و إدخاله فى المسجد الحرام فى توسعة المهدى له ثانيا؛ لأنه قال فى أخبار هذه التوسعة: و كان المسعى فى موضع المسجد الحرام اليوم عند موضع المنارة الشارعة فى شجر الوادى فيها علم المسعى و كان الوادى يمر دونها فى موضع المسجد الحرام اليوم، قال: و اشتروا الدور و هدموها فهدموا أكثر دار ابن عباد بن
جعفر العابدى و جعلوا المسعى و الوادى فيها انتهى. و نقل الأزرقى(1)ذلك عن جده خلا قوله: فاشتروا الدور، إلى آخره، و الظاهر و الله أعلم إجزاء السعى بموضع المسعى اليوم و إن كان تغيير بعضه عن موضع السعى، قبله لتوالى الناس من العلماء و غيرهم على السعى بموضع السعى اليوم، و لا خفاء فى تواليهم على ذلك، كما لا خفاء فى شهرة كتاب الأزرقى شرقا و غربا و إحاطة العلماء المتأخرين عنه بما فيه سيما علماء الحرم، و لو سلم أن من تأخر عن الأزرقى لم يعلموا بما فى كتابه فهو معروف عند علماء الحرم و غيرهم ممن وقع ذلك التغيير من زمنه لمشاهدتهم له، و ما حفظ عن أحد منهم إنكار لذلك، و لا أنه يسعى فى غير المسعى اليوم، و حال من بعد هؤلاء من العلماء كحالهم لهم إلا فى عدم مشاهدتهم لتغيير ذلك، فيكون إجزاء السعى محل المسعى اليوم مجمعا عليه عند من وقع التغيير فى زمنه و عند من بعدهم و الله أعلم، انتهى كلام الإمام التقى الفاسى فى تاريخه. و العجب كل العجب من القطبى مع اطلاعه على كلام الإمام الفاسى حيث نسب هذا الإشكال لنفسه و أنه تفرد به و أنه لم ير من تعرض له مع أن الإمام الفاسى(2)أشار إلى جوابه بأن العلماء لم ينكروا ذلك و حيث لم ينكروا ذلك فالظاهر إجزاء السعى بموضع المسعى اليوم و إن كان تغير بعضه عن موضع السعى قبله لكن ما ذكره القطبى فى جوابه كالبسط لما أجمله التقى فى جوابه و عبارة القطبى، و ههنا إشكال عظيم ما رأيت من تعرض له و هو أن السعى بين الصفا و المروة من الأمور التعبدية التى أوحاها الله تعالى علينا فى ذلك المكان المخصوص الذى سعى فيه رسول الله صلى اللّه عليه و سلم، و على ما ذكره هؤلاء الشقاة أدخل ذلك فى المسعى فى الحرم الشريف و حول ذلك المسعى إلى دار ابن عباد كما تقدم، و أما المكان الذى يسعى فيه من الآن فلا يتحقق أنه بعض من المسعى الذى فيه رسول الله صلى اللّه عليه و سلم أو غيره، فكيف يصح السعى فيه و قد حول عن محله كما ذكره هؤلاء الشقاة؟ و لعل الجواب عن ذلك أن المسعى فى عهد رسول الله صلى اللّه عليه و سلم كان عريضا و بنيت تلك الدور بعد ذلك فى بعض عرض المسعى القديم فهدمها المهدى و أدخل بعضها فى المسجد الحرام و ترك بعضها للسعى فيه و لم
يحول تحويلا كليا و إلا لأنكره العلماء الذين هم من الأئمة المجتهدين رضى الله عنهم مع توقيره لهم إذ ذاك، كان الإمامان أبو يوسف و محمد بن الحسن رضى الله عنهما و الإمام مالك بن أنس رضى الله عنهم موجودين يومئذ، و قد أقروا ذلك و سكتوا عليه، و أيضا من سار بعد ذلك الوقت فى مرتبة الاجتهاد كالإمام الشافعى و أحمد بن حنبل و بقية المجتهدين رضى اللّه عنهم، فكان إجماعا منهم رضى اللّه عنهم على صحة السعى، و يبقى الإشكال فى جواز إدخال شىء من المسعى فى المسجد و كيف يصير ذلك مسجدا، و كيف يصير حال الاعتكاف فيه؟
و جوابه أن يجعل حكم المسعى حكم الطريق العام، قال علماؤنا: إدخال الطريق فى المسجد إذا لم يضر بأصحاب الطريق فيصير مسجدا و يصح الاعتكاف حيث لم يضر بمن يسعى و الله تعالى أعلم، فاعلم ذلك و هذا مما تفردت ببيانه و الحمد لله على التوفيق لبيانه، انتهى كلام القطبى.
و أقول فى قوله: إن حكم المسعى حكم الطريق العام و إن حكم الطريق العام أنه إذا لم يضر بأهله أنه يجوز إدخاله فى المسجد و يصير مسجدا يصح الاعتكاف فيه نظر لا يخفى؛ و ذلك لأن الفرق بين الطريق العام و المسعى ظاهر؛ لأن فى المسعى أمرا ظاهرا يقتضى عدم إلحاقه بالطريق العام و هو كونه متعبدا أو نسكا لعامة المسلمين فصارت كالمساجد و غيرها من المسبلات، و ما هذا شأنه لا اختصاص منه لأحد إلا بالسبق بالبناء فلا إذ هو ممتنع فيه، و نظير ذلك ما اعترض به على إفتاء الشيخ نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف الأصفونى الشافعى مؤلف مختصر الروضة حيث أفتى بأن منى كغيرها فى جواز بيع دورها و إجارتها، فاعترض عليه بأنه غير سديد نقلا و نظرا، أما بالنقل فلما روى من حديث عائشة رضى الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله ألا نبنى لك بناء يظلك؟ فقال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: لا منى مناخ من سبق، أخرجه الترمذى و حسنه و جزم النووى فى المنهاج بأن منى و مزدلفة لا يجوز إحياء مواتها كعرفة، و أما النظر فلأن أعظم ما يمكن أن يتمسك به فى ذلك أن يقال بجواز إحياء موات الحرام و منى منه فيملك ما أحيى فيها و يجرى فيه أحكام تلك الملك، و هذا لا يستقيم؛ لأن فى منى أمرا زائدا لعامة المسلمين فصارت كالمساجد و غيرها من المسبلات، و ما هذا شأنه لا اختصاص فيه لأحد إلا بالسبق، و أما بالبناء فلا، إذ هو ممتنع و الله أعلم، و العجب كل العجب من القطبى(1)حيث ذكر هذا الجواب
1) انظر إعلام العلماء الأعلام ص 26.
و تبجح به ثم أعقبه بإنكار عامة العلماء بالأقطار الحجازية على المرحوم السلطان قايتباى و على وكيله الخواجة ابن الزمن، حيث تعدى على جانب المسعى مقدار ثلاثة أذرع و أدخله فى رباطه الذى وقفه بمكة المشرفة ليسكنه الفقراء، فقام عليه القضاة و العلماء و أحضروا له النقل من تاريخ الفاكهى بأن عرض المسعى كان خمسة و ثلاثين ذراعا و ذرعوا من ركن المسجد إلى المحل الذى وضع فيه ابن الزمن أساسه فكان سبعة و عشرين ذراعا، فعند ذلك منعه القاضى و توجه بنفسه و منع البنائين و أجمع علماء العصر على المنع، فعند ذلك غضب المرحوم السلطان قايتباى من ذلك و عزل القاضى و ولى غيره و بنى الرباط و أدخل القدر المذكور من المسعى فيه، قال القطبى: و يا لله العجب كيف ارتكب السلطان قايتباى هذا الأمر المجمع على تحريمه فى مشعر من مشاعر الله تعالى طالبا الثواب، مع أنه كان أحسن ملوك الجراكسة عقلا و دينا و خيرية؟ و كيف يعزل قاضى الشرع الحنيف لكونه نهى عن منكر ظاهر الإنكار؟ فلو كان جوابه الذى ينجح بانفراده صحيحا لما ساغ له الإنكار على المرحوم السلطان قايتباى و وكيله الخواجة ابن الزمن فى هذا الفعل؛ لأن لهما أن يتمسكا بما أجاب به من أن المسعى له حكم الطريق العام فيجوز أخذ جانب منه و إدخاله فى المساجد و نحوها كالرباط، فلو لا أنه ليس له حكم الطريق العام فى ذلك لكونه كالمساجد المسبلة؛ لأنه مشعر من مشاعر الله تعالى للعبادة فيه ما ساغ إجماع علماء ذلك العصر على إنكاره، و لكن وقع له ذلك ليظهر صدق قول الأمام مالك رحمه الله تعالى: كل أحد يؤخذ من كلامه و يرد عليه إلا المعصوم صلى اللّه عليه و سلم، و كلام إمامنا الشافعى رضى الله عنه حيث قال: صنفت هذه الكتب و ما ألوت فيها جهدا و إنى لأعلم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول: وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً(1).
هذا و قد فات القطبى شىء آخر نبه عليه الإمام التقى الفاسى و قال: إن الأزرقى لم يذكره، و قد ذكر ذلك الفاسى مع التنبيه على الاعتراض السابق الذى نسبه القطبى لنفسه، فقال التقى: و يسرع الساعى إذا توجه من الصفا إلى المروة إذا صار بينه و بين العلم الأخضر الذى بالمنارة المشار إليها و المحاذى له نحو ستة أذرع على ما ذكر صاحب التنبيه و غيره، قال المحب الطبرى فى شرحه للتنبيه:
1) النساء: آية( 82).
و ذلك لأنه أول محل الأنصاب فى بطن الوادى، و كان ذلك الميل موضوعا على بناء ثم على الأرض فى الموضع الذى يشرع منه ابتداء السعى، و كل السيل يهدمه و يحطه فرفعوه إلى ركن المسجد و لم يجدوا أقرب من ذلك الركن، فوقع متأخرا عن محل ابتداء السعى ستة أذرع انتهى، و ذكر سليمان بن خليل نحو ذلك بالمعنى و سبقهما إلى نحو ذلك إمام الحرمين أبو المعالى الجوينى رحمهم الله تعالى، و لم يذكر الأزرقى هذا التغيير مع كونه ذكر أن بالمنارة المشار إليها علم المسعى، و يبعد أن يخفى عليه هذا التغيير و كذا سببه لكثرة عنايته بهذا الشأن و الله أعلم، و مقتضى ما ذكره من هذا التعبير أن الساعى إذا قصد الصفا من المروة لا يزال يهرول حتى يجاوز هذين الميلين بنحو ستة أذرع لأجل العلة التى شرع لأجلها الإسراع فى التوجه إلى المروة و الله أعلم، انتهى المقصود منه. و أما حد المسجد الشريف زمن الخليل فقد أخرج الأزرقى بسنده إلى أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: إنا لنجد فى كتاب الله أن حد المسجد الحرام من الخرورة إلى المسعى. و أخرج أيضا بسنده إلى عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال: إنا لنجد فى كتاب الله أن حد المسجد الحرام الذى وضعه إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم من الخرورة إلى المسعى إلى مخرج سيل أجياد، ثم قال و المهدى وضع المسجد على المسعى، انتهى. أى فالمهدى أخرج عن أساس الخليل و زاد المسعى و قد تقدم ما فيه و عندى فى ذلك شبهة؛ لأن هذا يقتضى أن الخليل بنى أسسا للمسجد على هذه الحدود و مقتضاه أن يكون بنى عليها ليكون محوطا، و الذى يظهر أن الخليل لم يبن إلا البيت الشريف فقط؛ و لهذا كان المسجد زمن النبى صلى اللّه عليه و سلم هو المطاف و لم يكن محوطا، و لو كان المسجد مؤسسا على هذه الحدود زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم لكان بناء الدور فى داخله ممتنعا فكيف أقرهم صلى اللّه عليه و سلم على بقائها؟ و سيدنا عمر رضى اللّه عنه إنما تمسك فى هدم ما زاده فى المسجد فى الدور بأنها فى فناء الكعبة لا بأنها فى المسجد، ثم رأيت الإمام البلقينى ذكر فى فتاويه رواية الأزرقى هذه فقال: و هذا المسجد الحرام فيه شىء من تأسيس أبينا إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم يدل على ذلك ما ذكره الأزرقى فى تاريخ مكة فى ترجمة ما جاء فى المسجد الحرام و فضله و فضل الصلاة فيه من الأخبار، فأسند من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: أساس المسجد الحرام الذى وضعه إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم من
الخرورة إلى السعى إلى مخرج سيل أجياد ثم قرأ رجال السند و قال: فالحديث محتج به و لله الحمد و الظاهر أن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما لا يقول ذلك إلا بتوقيف من النبى صلى اللّه عليه و سلم أو يكون هذا مشهورا بين قريش يداولونه بينهم، و قدرواه أبو هريرة رضى الله عنه انتهى كلامه. و فرع على ذلك حرمة هذه الأبنية التى أحدثت بفناء المسجد و جعلت مصلى للأئمة كما سيأتى.
هذا و قد قال العلامة(1)الفاسى: و ذكر الأزرقى خبرا فيه أن المسجد الحرام كان فى زمن ابن الزبير سبعة أجربة و شيئا انتهى. و الحدب على ما قال النووى و القلعى و غيرها أرض مربعة كل قائمة منها ستون ذراعا، قال ابن الرفعة بعد ذكره لذلك: و أنت إذا ضربت ذلك فى مثله بلغ ثلاثة آلاف ذراع و ستمائة ذراع انتهى. و على ذلك يكون مقدار المسجد الحرام فى زمان ابن الزبير خمسة و عشرين ألف ذراع و مائتين ذراع؛ لأن ذلك مقدار سبعة أجربة و يزيد مقداره على ذلك بزيادته على السبعة الأجربة التى قيلت فى مقداره، و قد قيل فى التجريب غير ذلك، و بينا ما يترتب عليه فى الأصل هذا الكتاب و ذرع المسجد الحرام الآن مكسر مائة ألف ذراع و عشرون ألف ذراعا، هكذا قال الأذرعى انتهى كلام التقى الفاسى، انتهى. فليتأمل.
و أما الجواب عن قوله: و هل يمتنع سكنى هذه البيوت التى بالحرم إلخ؟ فقد تكفل بجوابه الإمام قاضى القضاة تقى الدين السبكى فى رسالة سماها منع الاستطراق من الباب المستحق الإغلاق، لكنه لم يتكلم عن الأبواب المفتوحة بسطح المسجد و قد تكلم عليها التقى الفاسى فقال و لم أذكر فى أبواب المسجد الحرام أبواب الدور التى فى المسجد، و إن كان الأزرقى ذكرها لأنها أبواب الدور لا المسجد، و فى غالب هذه الدور أبواب أخر صغار يخرج منها إلى سطح المسجد و كانت سدت قبيل سنة ثمانمائة و فيما بعدها حسما لمادة مفايد تقع فى سطح المسجد ثم فتحت فلا حول و لا قوة إلا بالله العلى العظيم، انتهى كلام الفاسى.
و لم يزد على ذلك، و محصل رسالة الإمام أنه قال كتب إلى ولدى أبو حامد- أحمد الله عاقبته و بارك فيه لنفسه و لنا و للمسلمين أجمعين- يسألنى عن الباب إذا
1) شفاء الغرام 1/ 91.
فتح فى سور الجامع هل بعد فتحه يجوز الاستطراق منه إلى المسجد مثل الأبواب التى فى المسجد الحرام و مثل شباك الطبيرسية أو لا يجوز؟ أو لغرق بين أن يكون الجدار عريضا بحيث يحتاج إلى وضع القدم فى وسط أو لا؟ قال: فإننى أرسلت لأبى الفضل ليبين لى كيف لا يكون فيه باب إلى الحرم، ثم توقفت فى تحريم هذا، فكتبت إليه فى الجواب: الحمد لله هذه المسألة تتكلم فيها فى موضعين: أحدهما فى جواز فتح البناء المذكور و الذى يظهر على قواعد مذهب الشافعى رضى الله عنه أنه لا يجوز، و لإنكار الشافعية يرتابون فى إنكار ذلك فإنهم يحترزون عن تغيير الوقف جدا، و لما فتح شباك الطبيرسية الذى أشار إليه فى جدار الجامع الأزهر عظم على ذلك و رأيته من المنكرات و أنكرته بقلبى و لم يكن لى قدرة على أكثر من ذلك، و لما فتح الشيخ علاء الدين فى بيته فى المدرسة الشريفين بالقاهرة شباكا لطيفا لأجل الضوء خشى الإنكار عليه، فقال لى:
إنه استند إلى كلام لابن الرفعة فى المطلب شرح الوسيط، و رأيت أنا ذلك الكلام عند قول الغزالى فى تعليل الوجه القائل بأنه لا يجوز تزويج الجارية الموقوفة أنه ينقض الوقف و يخالف غرض الواقف، فقال ابن الرفعة: قوله:
و يخالف غرض الواقف يفهم أن أغراض الواقفين و إن لم يصرح بها ينظر إليها؛ و لهذا كان شيخنا عماد الدين رحمه الله تعالى يقول: إذا اقتضت المصلحة تغيير بعض بناء الوقف فى صورته لزيادة ريعه جاز ذلك و إن لم ينص عليه الواقف بلفظه؛ لأن دلالة الحال شاهدة بأن ذلك لو ذكره الواقف حالة الوقف لأثبته فى كتاب وقفه، قال ابن الرفعة: و قلت ذلك لشيخ الإسلام فى وقته قاضى القضاة تقى الدين القشيرى رحمه الله، و ابنه قاضى القضاة تاج الدين، و ولده قاضى القضاة صدر الدين رحمه الله، عملا بذلك فى بعض الوقف من تغييرات من مكان إلى مكان فقال لى فى جواب ذلك: كان والدى رحمه الله- يعنى الشيخ مجد الدين- رحمه الله يقول كان شيخى المقدسى رحمه الله يقول بذلك و أكثر منه، قال الشيخ تقى الدين رحمه الله، و ناهيك بالمقدسى أو كما قال فاشعر ذلك برضاه و مراد ابن الرفعة برضا الشيخ تقى الدين رحمه الله، و هو المشهور بابن دقيق العيد و كان قدوة زمانه فى العلم و الدين؛ فلذلك اغتبط ابن الرفعة مما
استشعره من رضاه بذلك و كان بحيث يكتفى منه بما دون ذلك، و المقدسى شيخ والده مالكى فقيه محدث قدوة أيضا، و قد قلت فى شرح المنهاج إن الذى أراه فى ذلك الجواز أيضا بشرطين: أحدهما: أن يكون يسير ألا يغير مسمى الوقف، و الثانى: أن لا يزيل شيئا من عيبات بنقل نقضه من جانب إلى جانب فإن اقتضى زوال شىء من العين لم يجز، و إذا وجدت هذين الشرطين فلا بأس إذا كان فى ذلك مصلحة للوقف، فهذا شرط ثالث لا بد منه، و هو مقصودى فى شرح المنهاج و إن لم أصرح به فيه، و فتح شباك الطبيرسية لا مصلحة للجامع الأزهر فيه فلا يجوز، و كذلك فتح أبواب للحرم لا حاجة للحرم بها فإنما هى لمصلحة ساكنيها فهذا لا يجوز على مقتضى مذهب الشافعى رحمه الله، بل و لا على مذهب غيره إذا لم يكن فيه مصلحة، و فى فتاوى ابن الصلاح رباط موقوف اقتضت مصلحة أهله فتح باب مضاف إلى بابه القديم أجاب: إن استلزم تغيير شىء من الوقوف عن هيئة كان عليها مثل أن يفتح إلى أرض وقفت بستانا مثلا فيستلزم تغيير محل الاستطراق و جعل ذلك القديم طريقا بعد أن كان أرض غراس و زراعة، فهذا و شبهه غير جائز و إن لم يستلزم شيئا من ذلك و لم يكن إلا مجرد فتح باب جديد فهذا لا بأس به عند اقتضاء المصلحة و فى الحديث فى الصحيحين ما دل على تسويغه و هو قوله صلى اللّه عليه و سلم: «لو لا حدثان قومك بالكفر جعلت للكعبة بابين» و لا فرق و الأثر فعل عثمان فى مسجد رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و هو إجماع قلت: الذى قاله صحيح لكن استدلاله بالكعبة فيه نظر؛ لأن البابين كانا فى زمن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم ففتح الثانى رد لما كانت عليه فى الأصل و كذا باشر عثمان رضى الله عنه لأن ذلك مصلحة عامة للمسلمين فلا يلزم طرده فى كل وقف، ألا ترى أن ذلك هدم بالكلية و تغير؟ لو جئنا نفعل ذلك فى كل الإمكان لم يجز، قلت: قال المحب الطبرى: شباك الصحابة المأثور بسدها الله أعلم هل كانت من أصل البناء أو فتحت بعده؟ يعنى فى جدار المسجد، فإن كان الأول فلا يخالف ما قلناه من أن مثله فى شباك فتح فى جدار المسجد تعديا لا يبعد إلحاقه بالصلاة فى الموضع المغصوب، و إن صح الثانى و أمكن أن يقال إنه خصيصة لهم تسهيلا عليهم فى حضور الجماعة، ثم لما مروا على ذلك أمروا
بسدها، و خص أبو بكر إظهارا لمودته و قد أكثرت البحث عن ذلك فلم أر من تعرض له، و لعلهم اكتفوا بذكر منع التصرف فى حائط الجار دون إذن حتى يدق الوتد فجدار المسجد كذلك انتهى. و قال السبكى: الذى يظهر من قول الشافعى منع فتح الباب و نحوه فى جدار المسجد و لا يكاد الشافعية يرتابون فيه فإنهم يحترزون عن تغيير الوقف صار كما فتح شباك الطيبرسية فى جدار الجامع الأزهر عظم ذلك على و رأيته من المنكرات إذ لا مصلحة للجامع فيه، و كذا كلما كان لمصلى غير المسجد، قال: و حيث لم يجز الفتح فيظهر أن لا يجوز الاستطراق من غير ضرورة، و إنه لو لا إقراره صلى اللّه عليه و سلم لما فتح قريش من باب الكعبة فى غير محله لم يجز الدخول منه، قال السيد السمهودى: و فى كلامه ما يقتضى أن ما قاله مقتضى كلام المذاهب الأربعة و به يعلم الترخيص فى جواز الفتح إذا حصل هدم الجدار و انهدامه؛ لأن ترك الفتحات فى الجدار تغير الوقف، فإن قريشا إنما فعلوا ذلك فى الكعبة بعد هدمها و قد سبق كلام السبكى فيه و الظاهر القطع بمنع ذلك فى مسجد المدينة، لأنه ظهر من أمر الشارع صلى اللّه عليه و سلم فيه المنع مطلقا، و توهم أن ذاك فى جداره فلا يمتنع فى جدار بناء غيره غلط بين انتهى. و قال ابن الصلاح: لا بد أن يصان ذلك عن عدم شىء لأجل الفتح على وجه لا يستعمل فى موضع آخر من المكان الموقوف، فإن ذلك من الموقوف، فلا يجوز إبطال الوقف فيه ببيع و غيره، فإذا كان الفتح بانتزاع حجارة بأن تجعل فى طرف آخر من المكان فلا بأس، هذا كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى، و يظهر من هذا أنه إنما يجوز الفتح بهذه الشروط فى باب جديد فى الحرم إذا ضاقت أبوابه من ازدحام الحجيج و نحوهم، فيفتح فيه باب آخر أو أكثر ليتسعوا، فهذا هو الذى يقول إنه جائز بالشروط المذكورة، أما غيره لغرض خاص من جيرانه أو غيرهم فلا، الموضع الثانى و هو الذى سأل الولد عنه و هو جواز الاستطراق فيه بعد الفتح، و لا نقل عندى فى مثله، و الذى أقوله أنه حيث جاز الفتح جاز الاستطراق بلا إشكال و هذا لم يسأل عنه، و حيث لم يجز الفتح فقد حضرنى فى نظرى فى ذلك باب الكعبة الذى هو اليوم و هو الذى أحدثته قريش بدلا عن الباب التحتانى الذى كان فى زمن إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و قد دخل
النبى صلى اللّه عليه و سلم منه و حضرنى فى الجواب عنه أن دخول الكعبة مشروع سنة و ربما كان واجبا فلا يترك لفعل قريش و لم يكن تغيير ذلك الباب ممكنا لما قال النبى صلى اللّه عليه و سلم: «لو لا حدثان عهد قومك» فاجتمع فى باب الكعبة أمران: أحدهما: جواز إبقائه فى ذلك الوقت، و الثانى: الحاجة إلى دخول الكعبة إقامة للشرع المسنون أو الواجب و هكذا الآن فإن الإجماع انعقد على عدم جواز تغييرها، و فكرت أيضا فى أن الحجر من البيت و قد أفرد عنه ببناء لطيف فيه فتحتان شرقية و غربية فى جنوبه ملاحقان لجهة الكعبة، و المعنى الثانى موجود فيه و هو أنه يجوز إبقاؤه و لا يجوز تغييره كالكعبة و الدخول فيه من إحدى الفتحتين أو من فوق جداره اللطيف ما أظن أحدا يمنع منه، و لا أدرى هل دخله النبى صلى اللّه عليه و سلم أو لا؟ و لكن جاء فى الترمذى أنه قال لعائشة رضى الله عنها: «صل فيه» فإن دعت حاجة إلى الدخول فيه جاز الدخول كالكعبة لاجتماع المعنيين و إن لم تدع حاجة احتمل أن يقال بالجواز لأجل جواز الإبقاء، و هذا هو الظاهر للحديث المذكور، و احتمل التوقف لعدم الحاجة و هذا بعيد و القول به مجوج إلى أن لعائشة رضى الله عنها عذرا إن صح الحديث.
أما الأبواب المفتحة إلى الحرم من أماكن لأصحابها فلا حاجة للمسلمين و لا للحرم بها، فلا يجوز فتحها و لا يجوز إبقاؤها، و لا حاجة إلى الدخول إلى الحرم منها، فلم يوجد فيها شىء من المعنيين اللذين فى الكعبة، فيظهر أنه لا يجوز لأمرين: أحدهما: معنى كان شيخنا ابن الرفعة لما زينت القاهرة فى سنة اثنتين و سبعمائة زينة عظيمة أفتى بتحريم النظر إليها، قال: لأنها إنما تعمل لينظر إليها فهو العلة الغائبة المطلوبة منها ففى تحريم النظر إليها حمل على تركها، و هكذا هذا إذا تواطأ الناس على عدم الدخول منه كان ذلك داعيا إلى سده الواجب، و ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب، و ترك الواجب حرام، بل أقول إن الدخول فيه إعانة على إبقائة و دوامه فيكون حراما، و الثانى: إن الوقف غير مملوك لنا و إنما يجوز لنا التصرف فيه بإذن من الواقف شرطا أو عرفا على مقتضى الشرع، فوافق الجامع و الحرم و غيرهما فى المساجد و نحوها وقفه على صفة ليس لنا أن نتصرف فيه إلا على تلك الصفة، و الدخول من ذلك المكان
المفتوح لم يقتضيه وقف الواقف فلا يكون مملوكا لنا، و أيضا فمن ملك مكانا ملك تحته إلى تخوم الأرض و فوقه إلى السماء و الهواء الذى فوقه مملوك له، فالداخل من الباب متصرف فى هواء غيره بما لم يأذن له فيه فلا يجوز، و مع ملاحظة هذين المعنيين لا فرق بين أن تكون العتبة عريضة بحيث يضع قدمه عليها أولا، نعم إذا كانت عريضة يتأكد المنع للتصرف فى الهواء و القرار هذا الذى يترجح عندى فى ذلك، و يحتمل عندى أيضا أن يقال المنع إنما كان لوجود الجدار و ليس بمقصود فى نفسه، فإذا زال الجدار بأى طريق فرض فلا يمتنع دخول المكان كما لو انهدم بنفسه، و اعتبار ملك الهواء بحيث يقال ليس لنا العبور إذا انهدم بنفسه لا يقتضيه قواعد الفقه و لا العرف و هو مستنكر، فالوجه أن يقال:
إنما يتخيل التحريم من جهة أنه إعانة على ظلم، فإذا لم يكن إعانة على ظلم فهو جائز و ذلك حيث لا يفيد الامتناع من الدخول، و إنما يفيد إذا كان الممتنع مطاعا فيكون امتناعه سببا لإنكار المنكر فيجب، و إذا لم يكن بهذه المثابة فلا منع و لا سيما قد يتفق أن يكون الشخص الذى لا قدرة له على التغيير ساكنا فى جواز الحرم فى مكان قد فتح باب كذلك و هو لا يقدر على سده، فيحتمل جواز دخوله منه، و يقول ذلك إذا احتاج بأن يكون فى الليل أو نحوه و خاف على نفسه أو من معه من الخروج، فأنا أقطع فى هذه الحالة بجواز دخوله منه قياسا على الكعبة للحاجة، و أما السكن فيه فلا يمتنع فالولد إذا تهيأ له ذلك لا يمتنع من اكترائه لهذا المعنى، و يعتمد فى دخوله منه فى بعض الأحوال ما ذكرناه من الضرورة، و حيث لا ضرورة فلا يدخل منه لأمرين: أحدهما ما ذكرناه، و الثانى كثرة الخطأ فى الخروج و الدخول من أبواب الحرم و الله سبحانه و تعالى أعلم.
و أما الجواب عن قوله: و هل إحداث هذا البناء فى مصلى الأئمة الأربعة جائز أو حرام؟ و من أحدثه؟ فجوابه أن الإمام البلقينى قال فى فتاويه ما نصه:
مسئلة فى مسجد الحرم المكى و صفته أنه يشتمل على فضاء متسع يحيط به أروقة على عمد مسقفة تكن الحر و البرد و المطر، و الكعبة المشرفة فى وسط ذلك الفضاء و بئر زمزم إلى جانبها مشرقة تعلوها قبة، و قريب منها قبتان إحداهما لما يحتاج إليه الحرم من آلات يزال بها ما يطرأ بالمسجد الشريف مما ينزه عنه و ما يسرج به من شموع و يبسط به من يوازى، و الثانية على فسقية لعلها مكان
السقاية العباسية و تجاه باب الكعبة قبة صغيرة على المقام الإبراهيمى، و يتصل بها سقف لطيف يصلى تحته الإمام الشافعى ما لم يكن سيل أو مطر، فإن كان فتحت الأروقة خلف المقام الإبراهيمى، و وراء المقام بنحو ستة أذرع ركيزتان ارتفاع كل واحدة منهما عن الأرض نحوا من ذراعين فى عرض ذلك و سمكه موضوعة فى كل واحدة منهما أخشاب قائمة مسمور فى أعاليها أخشاب معرضة لتعليق القناديل، و جعل لكل إمام من بقية المذاهب الثلاثة دكة مبنية مرتفعة عن الأرض مقدار ذراع من شرقيها إلى غربيها مقدار ستة أذرع، و من قبليها إلى بحريها مقدار ثلاثة أذرع و جعل على طرفى كل من الدكك المذكورة ركيزتان بهما من الأخشاب مثل ما ذكر فيما تقدم، يصلى كل إمام وراء دكته المغرب و العشاء و الصبح ما لم يكن سيل أو مطر، و أما الظهر و العصر فإن كان غيم ففى موضعه و إلا فيتنحى إلى ما يحاذى ذلك فى الأروقة خلفه، فتهدمت دكة إمام الحنفية فأعادها إنسان على أربعة ركائز بهيئة المرامى التى تجعلها الترك بالصحراء يقعدون بها لرمى النشاب، فهل يجوز له ذلك مع ما يتحقق و يتوقع من المفاسد؟ فمنها منع مشاهدة البيت لمن تجلس حيال ذلك من ورائه، و منها تغيير البقعة عما وقفت عليه، و منها منع من السجود و الطواف و الاعتكاف عليها، و منها أن من لا خير فيه أولا علم عنده قد يتوارى بها لارتكاب محرم أو مكروه كخلوة بأجنبية و وسائل ذلك و مقاصده أو إزالة حقنة امرأة أو صغير أو أعرابى جاف لا سيما فى الليالى المظلمة، و منها إعانة اللصوص على أخذ متاع الغريب الذى يأوى إلى ذلك البناء، و منها ما تحدثه كذبة المكيين لوفد الحجيج فى فضائل ذلك البناء كسرة الدنيا و العروة الوثقى و غير ذلك، و هل تذكرون رضى الله عنكم من أقوال علماء الأئمة الأربعة و أتباعهم ما يفهم منه جواز ذلك؟ فإن بعض من ينتسب لمذهب أبى حنيفة رضى الله عنه زعم أن مذهبه جواز ذلك مستند إلى كلام فتاوى قاضى خاف، و هو ما ذكره فى فصل فيما يحدث فى المسجد، قال أهل المسجد: إذا احتضروا بئرا فى المسجد و وضعوا فيه جبا يصب فيه الماء و طرحوا فيه البوادى أو الحشيش أو الحصا أو ركبوا بابا أو علقوا فيه القناديل أو طلوه فعطب بذلك شىء لا ضمان عليهم؛ لأن المسجد فيما هو من
تدبير المسجد بمنزلة الملاك، و كذلك لو فعل ذلك غيرهم بأمرهم، فإن فعل بغير أمرهم كان ضامنا لما عطب فى قول أبى حنيفة رضى الله عنه، و قال صاحباه: لا يضمن استحسانا إذا كان ذلك العامة إلا فى حفر البئر و ما لا يكون من باب التمكين لإقامة الصلاة لهما أن كل مسلم مندوب إلى عمارة المسجد و إلى ما كانت من باب التمكين لإقامة الصلاة، و إنما يختص أهل المسجد بالبناء و حفر البئر لأنهما من باب التمكين لإقامة الصلاة، و لأبى حنيفة أن أهل المسجد يختص بالتدبير فى هذه البقعة، و لهذا كان فتح الباب و الإغلاق، و نصب المؤذن و الإمام إليهم لا إلى غيرهم انتهى. فزعم أن مستنده قوله أو طلوه فجعلها أو ظللوه بظاء معجمة و لا مين بعدها، و الذى رأيناه فى نسخ أربع هو ما أسلفناه كالتطيين أو التنويرة، و استند أيضا إلى قوله: و إنما يختص أهل المسجد بالبناء و حفر إليه؛ لأنهما من باب التمكين لإقامة الصلاة، قال: و هذه الظلة فيها التمكين لأنها تكن مريد سماع الخطبة يوم الجمعة و بقرب الإمام و من يكون تحتها فى كل الصلوات فى البيت و بقى مشاهد البيت الحر و البرد و المطر، قال: و الركيزتان المزالتان كانتا شاغلتين لأكثر من الركائز الأربع؟؟؟ لا فأذرعنا الدكة الأولى و ركيزتها و ما جعلناه من الركائز، و السقف وجدناه أقل من ذلك بأحد عشر ذراعا، فهل فيما أسنده إليه هذا الحنفى مستند لو سلم له أن النسخة كما زعم؟ و يكون ما أبداه من المصالح مقاوم لما تحقق و يتوقع من المفاسد، و هل يمكن أن يجاب عن الظلة بأن هذا محمول على مسجد لم يجعل له ما يكن المصلين؟ أما مثل هذا فلا يجوز التصرف فى فضائه لا سيما عند المحققيين المجوزين لمقابلة القضاء بالأعواض فى الإجارة، أو يحمل على مساجد المحال لا المساجد العامة بدليل قوله: أهل المسجد، و هل يمكن أن يجاب عن قوله: و إنما يختص أهل المسجد بأن هذا فى مسجد مفتقر ليمكن جماعة إماما التمكن فيه حاصل، فكيف يقال بجواز مثله؟ و أما سماع الخطبة و قرب الإمام و من معه و المشاهد فالأروقة، و أما الركيزتان فهل يمكن أن يجاب عنه بأن الوضع جهل فى الركيزتين و حمل التصرف على السداد لا سيما فيما قرب من الأعصار الفاصلة هو المتعين؟ و الآن فركيزتان قد تحقق التعدى بوضعهما، أجاب: لا يجوز
ذلك و يزال الخشب المذكور و الركائز لا يوقف فى ذلك و يجب على القائم بأمور المسلمين سدده الله تعالى و نصر به الدين و أعانه على القيام بمصالح المؤمنين المبادرة إلى إزالة ذلك لما يخاف و يحذر مما هنالك، و الدلالة على ما ذكرناه من الكتاب و السنة و اتفاق أئمة المسلمين و القياس كما سيظهر لك بلا إلباس، و لقد أقدم فاعل ذلك على جرأة عظيمة على بيت الله تعالى و فناء المسجد الحرام الذى هو حول البيت العتيق، و جنا على المسلمين فى مطافهم و مواضع مناسكهم حول البيت المحرم، و هو الذى أمر الله تعالى بتطهيره للطائفين و العاكفين و القانتين و الراكعين الساجدين قال الله سبحانه و تعالى: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ(1)و قال الله سبحانه: وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ(2)، و الأمر فى ذلك و إن تعلق بالبيت المحرم فإنه يتعلق بحرم البيت المحرم و هو المسجد الحرام و هذا المسجد الحرام فيه شىء من تأسيس أبينا إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم يدل على ذلك ما ذكره الأزرقى فى تاريخ مكة فى ترجمة ما جاء فى حد المسجد الحرام و فضله و فضل الصلاة فيه من الأخبار، فأسند من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال أساس المسجد الحرام الذى وضعه إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم من الخرورة إلى المسعى إلى مخرج سيل أجياد، و رجال إسناده أخرج لهم مسلم فى صحيحه إلا واحدا و لم ينسب إلى جرح فقال: حدثنى محمد بن محمد بن يحيى، قال حدثنا هشام بن سليمان عن عبد الله بن عكرمة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أنه قال: أساس المسجد الحرام الذى وضعه إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم من الخرورة إلى المسعى إلى مخرج سيل أجياد شيخ الأزرقى هو محمد بن أبى عمر العدنى نزيل مكة يروى عن سفيان بن عيينة و جماعة كثيرة من المكييين و غيرهم روى عنه مسلم و الترمذ و النسائى و ابن ماجه، و سئل الإمام أحمد عمن يكتب فقال: أما بمكة فابن أبى عمر ذكره ابن حبان فى الثقات و شيخه هشام بن سليمان ابن عكرمة ابن خالد بن العاص القرشى المخزومى المكى أخرج له مسلم أيضا، و عكرمة
المذكور فى السند هو ابن عبد الرحمن و أخويه أخرج له الشيخان البخارى و مسلم و أما عبد الله بن عكرمة المذكور فى السند فقد ذكره ابن حبان(1)فى الثقات، فالحديث يحتج به و لله الحمد و الظاهر أن عبد الله بن عمرو رضى الله عنه لا يقول ذلك إلا بتوقيف من النبى صلى اللّه عليه و سلم أو يكون هذا مشهور بين قريش يتداولونه بينهم، و قد روى أبو هريرة رضى الله عنه انتهى. و قد تعرض الإمام(2)الفاسى فى تاريخه لذلك فقال فى الفصل الذى عقده لذكر كيفية المقامات التى هى الآن موجودة بالمسجد الحرام و بيان مواضعها و كيفية الصلاة فيها و نصه: أما المقامات فأربع، فأما مقام غير الحنفى فأسطوانتان من حجارة مقام الشافعى و صفته أسطوانتان عليهما عقد مشرف من أعلاه مبيض بالنورة و خشبة معترضة للقناديل، و هو خلف مقام الخليل عليه الصلاة و السلام، و أما مقام الحنفى فكان قديما أربع أساطين من حجارة عليها سقف مدهون مزخرف، و أعلاه مما يلى السماء مطلى بالنورة و بين الأسطوانتين المقدمتين محراب مرخم، و كان ابتداء عمله على هذه الصفة فى أواخر سنة إحدى و ثمانمائة انتهى فى أوائل سنة اثنين و ثمانمائة كذا ذكره الفاسى، ثم قال: و أنكر عمله على هذه الصفة جماعة من العلماء منهم الشيخ العلامة زين الدين الفارسكورى الشافعى ألّف فى ذلك تأليفا حسنا، و الشيخ سراج الدين البلقينى و ولده الإمام العلامة قاضى القضاة بالديار المصرية شيخ الإسلام جلال الدين، و كان إذ ذاك متوليا، و باقى القضاة أفتوا بهدم هذا المقام و تعزير من أفتى بجواز بنائه على هذه الصفة، و رسم ولى الأمر بهدمه فعارض فى ذلك بعض ذوى الهواء فلم يتم الأمر، و سبب الإنكار ما حصل من شغل الأرض بالبناء و قلة الانتفاع بموضعه، و ما يتوقع من إفساد أهل اللهو فيه لأجل سترته لهم انتهى. و سبب المعارضة أن الجماعة من علماء الحنفية إذ ذاك أفتوا بجواز إبقائه على هذه الصفة لما فيه من النفع لعامة المسلمين من الاستقلال من حر الشمس و التوقى من البرد و المطر، و أما حكمه حكم الأروقة و الأساطين الكائنة بالمسجد الحرام، و فى سنة ست و ثلاثين و ثمانمائة كشف
الأمير سودون المحمدى سقف المقام المذكور و عمره و زخرفه أحسن مما كان، و وضع عليه من أعلاه قبة من خشب مبيضة تظهر من فوق و لا أثر لها فى داخل المقام، و فرش فيه حجارة حمراء تقرب من حجر الماء، و لم يكن هذا فيه قبل ذلك، ثم جدد بعد ذلك مرارا آخرها فى حدودها عام سبعة عشر و تسعمائة، فلما حج الأمير مصلح الدين الرومى فى موسم سنة ثلاث و عشرين فى أول ولاية مولانا السلطان سليم بداله أن يهدمه، فهدمه فى أول عام سنة أربعة و عشرين، و جعل قبة كبيرة شامخة على أربع تبر عراض جدا بأربع عقود كل ذلك فى حجر يعرف عند أهل مكة بحجر المايوتى به من جهة الحديبية أحمر و أصفر منحوت، و زاد فى طوله و عرضه، و أراد اتصاله بالمطاف فعرف بأن ذلك يؤدى إلى قطع الصف الأول الذى يصلى خلف إمام الشافعية، و انتهى بمحرابه إلى إفريز حاشية المطاف، و استمر الصف الأول متصلا و استمرت هذه القبة كذلك نحو خمسة و عشرين سنة، فلما كان فى عام تسعة و أربعين و تسعمائة برز أمر مولانا سلطان الإسلام سليمان بهدم هذه القبة لما أنهى إليه من سموحها و أخذها جانبا كبيرا من المسجد، و كان هدمها من كرامات الشيخ محمد بن عراق رحمه الله تعالى، فإنى سمعت غير واحد من الشيخ المذكور أنه كان يقول: لا بد أن تهدم هذه القبة، و كان كذلك، و كرامة الولى حق، فلما برز الأمر بذلك بادر إلى هدمها الأمير خشكلدى صاحب الهمم العالية، مزيل المنكرات و موسع الطرقات، نقمة على أهل المفاسد نايب جده المحروس و مباشر العماير السلطانية المأنوسة أعزه الله تعالى بعزه و كان له و أحسن إليه، فبادر إلى امتثال الأمر، و حضر بنفسه على جارى عادته فى علو الهمة و هدم القبة المذكورة، و ذلك فى أوائل شهر رجب أحد شهور عام تسعة و أربعين و تسعمائة، ثم شرع فى بناء مقام عظيم فى الشهر المذكور وصفه أربع تبر لطاف فى الأركان من أنقاض القبة الأولى من حجر الماوست، أعمده من الحجر الصوان مثمنة، على عموده قطعة واحدة فمن ذلك و عمودان بين البترتين المقدمتين إلى جهة القبلة، و عمودان على البترتين المؤخرتين، و عمودا البترتين من ناحية باب العمرة و عمودا البترتين من جهة باب السلام مقابل له، و على ذلك عشرة عقود لطاف رشفه منها إلى جهة القبلة،
و ثلاثة منها إلى جهة آخر المقام يقابله الثلاثة الأول، و عقدان إلى جهة باب العمرة على يمين من كان جالسا فى المقام مستقبل القبلة، و عقدان مقابلان لهما إلى جهة باب السلام، و فوق ذلك سقف مزخرف من خشب الساج بصناعة ظريفة، و كان تركيب هذا السقف فى يوم الخميس غرة شهر شعبان أحد شهور العام المذكور آنفا، ثم جعل فوق هذا السقف ظل للمبلغين بأربع بتر و ستة أعمدة ألطف من الأعمدة التحتانية على حكم ما جعل أسفل عاليها سقف مزخرف بعمل محكم، و فوق هذا السقف جملون عليه رصاص إلى جهة السماء لدفع المطر، و فى أرض السقف الأول طاقة فى وسطه يرى منها المبلغ الإمام، و جعلت درجة لطيفة يصعد منها المبلغ إلى الظلة فى وقت المكتوبات، و كان ابتداء تركيب سقف الظلة فى يوم الثلاثاء رابع شهر رمضان، و انتهى بعد الترصيص فى ثالث عشر رمضان من العام المذكور، و أما مقام المالكى و الحنبلى فكانا قديمين كمقام الشافعى المتقدم، بترتان عليهما عقد و فى أعلاه نحو ثلاث شراريف، غير أن بين التبرتين من أسفل جدار لطيفة فيه محراب فى هذين المقامين فقط، و نقل الفاسى رحمه الله فى كتاب شفاء الغرام أن ابتداء عمارة هذه الثلاث مقامات على الصفة المذكورة كان فى سنة سبع و ثمانمائة، قال: و قد ذكرنا صفتها القديمة فى أصل هذا الكتاب يعنى به أصل شفاء الغرام، و لم يوجد هذا الأصل بعد الفاسى و لا عثر عليه مطلقا، فما كان من مقام الشافعى فهو كذلك إلى يومنا هذا، و أما مقام المالكى و الحنبلى فقد أدركتهما كذلك ثم غيرا بعد الثلاثين و تسعمائة قبل تأليفنا لهذا الكتاب بأحسن مما كانا عليه فى أيام مولانا الخنطار الأعظم سلطان الإسلام سليمان خان، أدام الله أيامه و رفع بالنصر و التأييد أعلامه، و صفتهما الآن كل مقام بأربع أساطين مثمنة الشكل، كل إسطوانة قطعة واحدة من الحجر الصوان المكى، و تحت كل إسطوانة قاعدة منحوتة بتربيع و تثمين، و فوقها أخرى كذلك من الحجر الصوان، و فوق ذلك سقف من الخشب المدهون المزخرف، و فوقه إلى جهة السماء أخشاب هينة جملون، عليها صفائح الرصاص لأجل المطر، و فى كل مقام محراب فيما بين الأسطوانتين المقدمتين إلى جهة القبلة، و هما كذلك إلى هذا الشارع، و كان المباشر لذلك عبد الكريم اليازجى الرومى و الله أعلم.
أما كيفية الصلاة، فإنهم فى زمننا هذا يصلون مرتبين الشافعى فى مقام الخليل عليه الصلاة و السلام، ثم الحنفى إمام الحنفية بعده فى مقام الحنفية، ثم إمام المالكية بعده فى كل مقام المعين له، ثم إمام الحنابلة بعده فى مقامه، و هذا فى الأربع فروض الفجر و الظهر و العصر و العشاء، و أما صلاة المغرب فكان فيما أدركناه قريبا يصلى الحنفى و الشافعى معا فى وقت واحد، فهل بذلك التخليط و التشويش على المصلين من الطائفتين بسبب اشتباه أصوات المبلغين، فانتهى ذلك إلى مولانا السلطان سليمان خبر أمره بالنظر فى ذلك و إزالة هذا التخليط، فاجتمع القضاة و الأمير على بيك نائب جده فى الحطيم، و اقتضى رأيهم أن الحنفى يتقدم فى صلاة المغرب و عند التشهد يدخل إمام الشافعية، و كان هذا فى حدود إحدى و ثمانين و تسعمائة و استمر ذلك إلى وقتنا هذا عام تسعة و أربعين و تسعمائة، فجزى الله الساعى فى ذلك خيرا، و أما المالكى و الحنبلى فلا يصلون المغرب فيما أدركناه.
و أما كيفية الصلاة فيما تقدم من الزمان فكانوا يصلون مرتين فى الأربع الفروض المتقدمة، إلا أن المالكى كان يصلى قبل الحنفى مرة ثم يتقدم عليه الحنفى بعد التسعين بتقديم التاء على السين و تسعمائة، و نقل الفاسى عن ابن جبير ما يقتضى أن كلا من الحنفى و الحنبلى كان يصلى قبل الآخر، و أما صلاة المغرب فكانوا يصلونها جميعا أعنى الأربعة الأئمة فى وقت واحد، فيحصل للمصلين بسبب ذلك لبس كثير من اشتباه أصوات المبلغين و اختلاف حركات المصلين، فأنكر العلماء ذلك، و سعى جماعة من أهل الخير عند ولى الأمر إذ ذاك و هو الناصر فرج بن برقوق الجركسى صاحب مصر، فبرز أمره فى موسم سنة إحدى عشرة و ثمانمائة بأن الإمام الشافعى بالمسجد الحرام يصلى المغرب بمفرده، فنفذ أمره بذلك، و استمر الحال كذلك إلى أن توفى الملك المؤيد شيخ صاحب مصر فرسم بأن الأئمة الثلاثة يصلون المغرب كما كانوا قبل ذلك، فابتدأوا بذلك فى ليلة السادس من ذى الحجة عام سنة عشر و ثمانمائة، و استمروا يصلون كذلك.
و أما وقت حدوث صلاة الأئمة المذكورين على الكيفية المتقدمة، فقال الفاسى رحمه الله تعالى: لم أعرفه تحقيقا، ثم نقل ما يدل على أن الحنفى و المالكى كانا موجودين مع أن الشافعى فى سنة سبع و تسعين بتقديم السين فى الكلمة الأولى و التاء فى الثانية و أربعمائة، و أن الحنبلى لم يكن موجودا فى ذلك الوقت، و إنما كان إمام الزيدية، ثم قال: و وجدت ما يدل على أن إمام الحنابلة كان موجودا فى عشر الأربعين و خمسمائة و الله أعلم.
و أما بيان محل المقامات المذكورة فى المسجد الحرام، فإن مقام الشافعى خلف مقام الخليل و لكن ما يصلى إمام الشافعى إلا فى مقام الخليل قديما و حديثا، و مقام الحنفى بين الركنين الشامى و يسمى بالعراقى أيضا و الغربى عن يمين مقام الخليل فى جهة الشام تجاه جدار الكعبة الذى فى الميزاب قريب من حاشية المطاف، و مقام المالكى بين الركنين الغربى و اليمانى قريب من الحاشية، و مقام الحنبلى تجاه الحجر الأسود و قربه من المطاف كقرب مقام الحنفى.
و أما حكم صلاة الأئمة الثلاثة الحنفى و المالكى و الحنبلى فى الفرائض على الصفة التى يصنعونها فاختلفت فيها آراء العلماء المالكيين؛ لأن الشيخ الإمام أبا القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الجباب المالكى أفتى فى سنة خمسين و خمسمائة بمنع الصلاة بأئمة متعددة و جماعات مترتبة بحرم الله الشريف، و عدم جوازها على مذاهب علماء الأربعة، ثم إن بعض الناس استفتى فى ذلك بعض علماء الإسكندرية فأفتوا بخلاف ما رآه ابن الجباب، و الذى أفتى بذلك شداد بن المقدم و عبد السلام بن عتق و الشيخ أبو الظاهر ابن عوف و الزهرى، و لما وقف ابن الجباب على فتاويهم أملا فى الرد عليهم أشياء كثيرة حسنة، و نقل إنكار ذلك عن جماعة من الشافعية و الحنفية و المالكية حضروا الموسم بمكة فى سنة إحدى و خمسين و خمسمائة، منهم هذه القطارى من الشافعية، و الشريف القرنوى من الحنفية، و عمر المقدسى من المالكية و غيرهم، و قد ذكرناهم فى أصل هذا الكتاب.
و أما وقت حدوثهم فلم أعرفه تحقيقا و رأيت ما يدل على أن الحنفى و المالكى كانا موجودين فى سنة سبع و تسعين و أربعمائة، و أن الحنبلى لم يكن فيها موجودا و وجدت ما يدل عليه أنه كان موجودا فى عشر الأربعين و خمسمائة، و قد ذكرت ذلك فى أصل هذا الكتاب و الله أعلم.
و لما حج مرجان خادم المقتفى العباسى قلع الحطيم الذى كان للحنابلة بمكة و أبطل إمامتهم بها على ما ذكر سبط ابن الجوزى فى المرأة، و ذكر أنه كان يقول: قصدى أن أقلع مذهب الحنابلة.
و أما الجواب عن قوله: و هل يجوز أخذ الأجرة على سكنى دور مكة، و حكمها؟ فقد قال الإمام التقى الفاسى: قال الإمام أبو الحسن اللخمى من أئمة المالكية: اختلف قوله- يعنى مالكا- فى كراء دور مكة و بيعها، فمنع من ذلك مرة و حكى عنه أبو جعفر الأبهرى أنه كره بيعها و كراءها، فإن بيعت أو أكريت لم يفسخ، قال ابن رشد فى المقدمات بعد ما ذكره اللخمى و الأبهرى: فيتحصل عندى فى ذلك يعنى الكراء أربع روايات: الجواز و المنع و الكراهة مطلقا و كراهة كرائها فى أيام الموسم خاصة و ذكر أن الظاهر من مذهب ابن القاسم منه فى كتاب الحج المنع من ذلك انتهى. و ليس سبب الخلاف عند المالكية فى بيع دور مكة و إجارتها الخلاف فى فتحها هل هو عنده أو صلح؟ لأنه لم يختلف قول مالك و أصحابه أنها فتحت عنوة على ما ذكر ابن رشد لأنه قال: و لا خلاف بين مالك و أصحابه فى أنها فتحت عنوة، فقيل: إنه من على أهلها فلم تقسم و لا سبى أهلها لما عظم الله من حرمتها، و قيل: إنها أقرت للمسلمين، انتهى.
و هذا سبب الاختلاف فى بيع دور مكة و إجارتها عند المالكية و القول بجواز ذلك ينبنى على القول بأنها أقرت للمسلمين، و فى هذا القول نظر؛ لأن غير واحد من علماء الصحابة و خلفائهم رضى الله عنهم عملوا بخلافه فى أوقات متعددة؛ لأن عمر بن الخطاب رضى الله عنه و عن عثمان بن عفان و عبد الله بن الزبير رضى الله عنهم اشتروا دورا بمكة و سعوا بها المسجد الحرام، و اشترى لعمر بن الخطاب عامله على مكة نافع بن عبد الحرث الخزاعى دارا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على ما روينا فى صحيح البخارى تعليقا بصيغة الجزم، و روينا ذلك مسندا فى تاريخ الأزرقى و فيه روينا ما سبق ذكره من شراء الدور لتوسعة المسجد الحرام، و روينا فيه أن معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه اشترى بعض الدور بمكة، و شرحنا شيئا من خبر ذلك فى أصل الكتاب، و لا ريب فى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه و من ذكرنا من علماء الصحابة
و خلفائهم رضى الله عنهم أعلم من بعدهم بما يصلح فى أرض مكة، و أنه لو كان عندهم علم عن النبى صلى اللّه عليه و سلم بأنها أقرت للمسلمين لما أقدموا، على ما فعلوا، و يبعد جدا أن يصح ذلك عن النبى صلى اللّه عليه و سلم و يخفى عليهم و على غيرهم من علماء الصحابة رضى الله عنهم، فإنه لم يحفظ عن غيرهم أنه أنكر على أحد منهم ما فعل له، أما حديث علقمة بن فضلة الكنانى و يقال الكندى: كانت الدور و المساكن على عهد النبى صلى اللّه عليه و سلم و أبى بكر و عمر و عثمان رضى الله عنهم لا تكرى و لا تباع و لا تدعى إلا السوائب من احتاج سكن و من استغنى أسكن، انتهى.
فإنه لا دلالة فيه على نهى النبى صلى اللّه عليه و سلم و أبى بكر و عمر و عثمان رضى الله عنهم عن بيع دور مكة و كرائها، و إنما فيه دلالة على عدم وقوع ذلك من زمن المشار إليهم، و لا يلزم من عدم وقوع ذلك فى زمنهم منه، إذ الإنسان يترك ما يجوز له فعله دهرا طويلا على أن دلالة حديث علقمة على عدم وقوع بيع دور مكة و كرائها فى زمن المشار إليهم معارضة بما وقع من شراء عمر و عثمان رضى الله عنها لدور مكة، و وقع ذلك فى عهد النبى صلى اللّه عليه و سلم؛ لأن الفاكهى قال فى كتاب أخبار مكة: حدثنا حسين بن حسن قال: كتبت إلى عبد الرحمن بن مهدى أسئلة عن كراء دور مكة و شرائها قال: فكتب إلى: إنك أتيت إلى تسألنى عن أشرية دور مكة و كرائها، فأما الشراء فقد اشترى الناس و باعوها على عهد رسول الله صلى اللّه عليه و سلم انتهى. و حسين بن حسن هو المروزى صاحب ابن المبارك قال فيه أبو حاتم(1): صدوق، و قد روى عنه الترمذى و النسائى، و إذا تعارض ذلك مع حديث علقمة؛ فهو مقدم على حديث علقمة؛ لأن حديث علقمة حاصله شهادة على نفى و فى مثل هذا يقدم المثبت، و يتعين حمل حديث علقمة على أن فى عهد النبى صلى اللّه عليه و سلم و أبى بكر و عمر و عثمان رضى الله عنهم كان الغالب فى فعل الناس بمكة تركهم بيع دورهم بمكة و كرائها لعدم الحاجة إلى ذلك و توسعة على الوافدين و المحتاجين، و لما كان وقوع خلاف ذلك نادرا لم يستحضره علقمة فى حال تحديثه بحال دور مكة و نفاه فى حديثه و الله أعلم. و علقمة لا صحبة له و إن كان ابن عبد البر قد ذكره فى كتاب الصحابة المسمى
1) انظر الجرح و التعديل 2/ 61.
بالاستيعاب، و ذكره ابن حبان فى أتباع التابعين و ذكره ابن مندة أنه تابعى، و الله أعلم و فى شراء عمر و من ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم دلالة واضحة على أن مكة مملوكة لأهلها، إما لمنّ النبى صلى اللّه عليه و سلم بها على أهلها كما هو أحد القولين عند القائلين بأنها فتحت عنوة، أو لأنها فتحت صلحا، و الوجه الأول أصوب؛ لأن فتحها صلحا يخالف ظاهر الأحاديث الواردة فى صفة فتح مكة و يخالف قول جمهور العلماء رضى الله عنهم فى أنها فتحت عنوة و الله أعلم بالصواب، و نقل ابن الحاج المالكى فى منسكه عن مالك و غيره من العلماء(1)إباحة بيع رباع مكة و كراء منازلها و لم يحك عن مالك فى ذلك خلافا، و استدل على ترجيح ذلك ببعض ما سبق من شراء عمر دار السجن بمكة و غير ذلك، و قال ابن عطية المالكى المفسر فى تفسير قوله تعالى: وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ(2)و قال جمهور من الأئمة منهم مالك: ليست الدور كالمسجد و لأهلها الامتناع بها و الاستبداد، و هذا هو العمل اليوم انتهى. و هذا يشعر بترجيح هذا القول فى المذهب؛ لأنه لم ينقل عن مالك سواه، و مثل ذلك ما ذكره ابن الحاج و الله أعلم، و قد استدل هو و ابن عطية على ترجيح هذه المقالة ببعض ما ذكرناه و غير ذلك، و نقل القاضى عز الدين بن جماعة فى منسكه عن القاضى سند بن عثمان المالكى صاحب الطراز ما يقتضى ترجيح المنع فى الكراء؛ لأنه قال: و نقل سند فى الطراز أن مذهب مالك المنع، و فيه إن قصد بالكراء الآلات و الأخشاب جاز، و إن قصد البقعة فلا خير فيه انتهى. و حيث جاز بيع دور مكة فيجوز فيها الكراء و الهبة و الوقف و الشفعة و القسمة و غير ذلك من الأحكام التى تجوز فى الأملاك، فإن قيل يعارض ذلك بالنسبة إلى الشفعة فيها قول مالك رحمه الله فى المدونة و لا شفعة فى أرض العنوة و لا يجوز بيعها انتهى. لأن هذا يقتضى أن يكون هو الحكم فى مكة لأنها عنده فتحت عنوة.
فالجواب أن مكة و إن كانت فتحت عنوة فقد من النبى صلى اللّه عليه و سلم بها على أهلها كما هو الراجح فى ذلك ففارقت بذلك غيرها من البلاد، و تفارق مكة أيضا
غيرها فى كراهية كراء دورها على الحجيج، و على ذلك يعنى الخيار من السلف و أما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما: «من أكل من أجر بيوت مكة فإنما يأكل نارا» فإن بعضهم يرفع ذلك إلى النبى صلى اللّه عليه و سلم و بعضهم يقفه على عبد الله بن عمرو و هو الأصح على ما ذكر الدارقطنى و عليه فلا حجة فيه على التحريم، و بتقدير رفعه فليس ذلك لعدم الملك و إنما هو لخبث المكسب، كما نهى النبى صلى اللّه عليه و سلم عن كسب الحجام و إنما كان الكرى فيها خبيثا لما فيه من ترك مواساة المحتاجين من الحجاج بالسكنى، و قد قال بعض العلماء بوجوب السكنى بمكة للحاج؛ لأن السهيلى قال: لما تكلم على هذه المسألة فأرض مكة إذا و دورها لأهلها و لكن أوجب الله عليهم التوسعة على الحجيج إذا قدموا، و أن لا يأخذوا منهم كراء فى مساكنها، فهذا حكمها و لا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحا، و إن كانت ظواهر الأحاديث أنها فتحت عنوة انتهى. و إيجاب السكنى للحجيج بمكة، و ترك أخذ الأجرة منهم لا ينافى كون مكة مملوكة لأهلها؛ لأن الإنسان يجب عليه بذل ماله لحاجة غيره إليه فى مسائل كثيرة منها بذل الخيط لخياطة جرح، و بذل فضل الطعام و الماء لمن اضطر إلى ذلك لسقى زرع أو غيره، و بذل العمد و الخشب لحفظ جدار الغير إذا خشى سقوطه، و يجب الضمان فى ذلك على من منع، و فى أخذهم الثمن عن ذلك خلاف و إيجاب ذلك حق للمواساة فيتنزل عليه ما قيل فى دور مكة و الله أعلم، و هذا لإنكاره فيه فى المذهب و اختلف مذهب الإمام أبى حنيفة فى أرض مكة فروى عنه كراهية بيعها، فقيل: مراده لا يجوز البيع، و ذكر قاضى خان أنه ظاهر الرواية، و قيل: يجوز مع الكراهة، و أجاز ذلك صاحباه أبو يوسف و محمد بن الحسن و عليه الفتوى على قول الصدر الشهيد، و به جزم النسفى فى الكنز، و اختلف مذهب أبى حنيفة أيضا فى إجارة أرضها فروى عنه و عن محمد بن محمد بن الحسن فى ذلك المنع، و روى عنهما الجواز مع الكراهة، و اختلف مذهب الإمام أحمد فى ذلك فروى عنه الجواز و المنع، و رواية الجواز أظهر فى الحجة على ما ذكر الموفق بن قدامة، و رواية المنع هى المذهب على ما ذكر بن المنجا فى الحنابلة، و لم يختلف مذهب الإمام الشافعى- رضى الله عنه- فى
جواز بيع دور مكة و إجارتها؛ لأنها عنده فتحت صلحا، و قال بعضهم عنه:
فتحت بأمان و الأمان فى معنى الصلح إلا أن القاضى أبا الحسن المعروف بالماوردى من أئمة الشافعية قال فى كتابه الحاوى الكبير: عندى إن أسفلها دخله خالد بن الوليد رضى الله عنه عنوة و أعلاه فتح صلحا انتهى. قال الشيخ محى الدين النووى فى الروضة: و الصحيح الأول انتهى. و فى صحته نظر؛ لأن الفتح صلحا إنما يكون بالتزام أهل البلد المفتتحة ترك القتال، و لم يلتزم ذلك أهل مكة عند فتحها و لم يقبلوا تأمين النبى صلى اللّه عليه و سلم لهم؛ لأنا روينا فى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن رباح الأنصارى عن أبى هريرة رضى الله عنه فذكر حديثا فى فتح مكة قال فيه: و وبشت قريش أو باشها و اتباعا فقالوا:
نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم و إن أصيبوا أعطينا الذى سئلنا، فقال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: ترون إلى أوباش قريش و أتباعهم، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى، ثم قال: حتى توافونى بالصفا، قال: فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، و ما أحد منهم توجه إلينا شيئا، قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، ثم قال فىّ: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، انتهى باختصار. و فى هذا دلالة صريحة على ما ذكرناه من عدم إلزام قريش ترك قتال المسلمين يوم فتح مكة و على وقوع القتال منهم فيه، و ذلك ينافى الصلح و فيه دليل على فتح مكة عنوة، و قوله فى هذا الحديث: أعطينا الذى سئلنا، إشارة إلى تفضيل النبى صلى اللّه عليه و سلم على أهل مكة بتأمين من ترك القتال منهم لأنا روينا فى مغازي(1)موسى بن عقبة أن أبا سفيان بن حرب و حكيم بن حزام قالا للنبى صلى اللّه عليه و سلم بعد أن أسلما بمر الظهران: يا رسول الله ادع الناس إلى الأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش و كفت أيديها آمنون هم يا رسول الله؟ قال صلى اللّه عليه و سلم: نعم من كف يده و أغلق باب داره فهو آمن، قالوا:
فابعثنا نؤذن فيهم بذلك، قال: انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان بأعلى مكة و دار حكيم بأسفل مكة. و روينا نحو ذلك فى سيرة ابن إسحاق إلا أنه لم يذكر تأمين النبى صلى اللّه عليه و سلم لمن دخل دار حكيم، و ذكر تأمينه لمن دخل المسجد إلا رجالا و نساء استثناهم النبى صلى اللّه عليه و سلم من الأمان لجرائم لهم اقتضت ذلك، و ذكر أن أبا سفيان أبلغ هذا التأمين أهل مكة، و ذكر الفاكهى أن العباس بن عبد المطلب
1) الكتاب مفقود.
أبلغهم ذلك، و فى مسلم و غيره أحاديث تدل على أن فتح مكة عنوة ذكرناها فى أصل هذا الكتاب مع بيان وجه الدلالة منها على ذلك، و من أصرح الأخبار الدالة على ذلك قوله صلى اللّه عليه و سلم فى خطبته بمكة يوم فتحها: يا معشر قريش ما ترون أنى فاعل فيكم، قالوا: خيرا أخ كريم، و ابن أخ كريم، قال:
اذهبوا فأنتم الطلقاء. و هذه الخطبة فى السيرة لابن إسحاق تهذيب ابن هشام، و يظهر الدلالة من ذلك على أن فتح مكة عنوة ببيان معنى قوله عليه السلام:
«أنتم الطلقاء» و معنى ذلك المطلقون من الاسترقاق أشار إلى ذلك ابن الأثير فى نهاية الغريب له لأن فيها قال حديث حنين و معه الطلقاء الذين خلا عنهم يوم فتح مكة أطلقهم و لم يسترقهم، و أحدهم طليق فعيل بمعنى مفعول و هو الأسير إذا أطلق سبيله، و منه الحديث الطلقاء من قريش و العتقاء من ثقيف، كأنه ميز قريشا بهذا الاسم حيث هو أحسن من العتقاء انتهى. و إذا كان هذا معنى الطلقاء فخطاب النبى صلى اللّه عليه و سلم لقريش بهذا الخطاب يقتضى أنهم كانوا حين خوطبوا بذلك فى الأسر المقتضى للاسترقاق لو لا أن النبى صلى اللّه عليه و سلم تفضل عليهم بالإطلاق، و لو لا ذلك لم يكن لاستعلاق قريشا يتوقعونه منه محل، كما لا محل لخطاب قريش بذلك بعد تأمينهم، و يبعد الانفصال عن هذا الدليل بجواب شاف إلا أن يقال أنه مرسل و المرسل لا يحتج به، و لو سلم ذلك فالدلالة على أن فتح مكة عنوة ناهضة من غيره من الدلائل التى ذكرناها و الله أعلم، و قد حاول الشيخ محيي الدين النووى رحمه الله الجواب عما فى حديث أبى هريرة رضى الله عنه من الألفاظ الدالة على أن فتح مكة عنوه، و حاول أيضا الجواب عن حديث أم هانىء فى استئمانها النبى صلى اللّه عليه و سلم يوم فتح مكة لحموين لها أراد أخوها على رضى الله عنه قتلهما، فإن إرادة على قتلهما يقتضى عدم وقوع الصلح، فإنه لو وقع لما أقدم على قتل من دخل فى الأمان و لما خفى عليه ذلك، و فيما حاوله من الجواب، و هذا من النووى تأييد لقول الشافعى رضى الله عنه أن مكة فتحت صلحا، و فى شرح مسلم للقاضى عياض و الماوردى ما يقتضى أنه تفرد بذلك، و لم ينفرد به لموافقة مجاهد و غيره له على ذلك على ما وجد بخط سليمان بن خليل المكى إمام المقام الشريف فى حاشية المهذب نقلهما عن الشامل و لم يقل فيها لابن الصباغ
و هو له فى غالب الظن و الله أعلم، و ذكر النووى حجة الشافعى على أن مكة فتحت صلحا، فقال: و احتج الشافعى بالأحاديث المشهورة أنه صلى اللّه عليه و سلم صالحهم بمر الظهران قبل دخوله مكة، و فى هذا الاستدلال نظر؛ لأن الصلح المشار إليه كان المراد به تأمين النبى صلى اللّه عليه و سلم لأهل مكة على الصفة السابق ذكرها بإطلاق الصلاح عليه إنما يتم إذا التزموا ترك قتال المسلمين يوم الفتح، و قد وقع منهم بمكة ما يقتضى أنهم لم يلتزموا ذلك كما فى حديث أبى هريرة السابق، و إن كان المراد بالصلح المشار إليه عقد هدنة كما وقع عام الحديبية فهذا لا يعرف فيه حديث فضلا عن أن يكون فيه أحاديث مشهورة، و الاحتمال الأول أقرب لمراد النووى رحمه الله، و فيه من النظر ما ذكرناه و الله أعلم بالصواب، و ذكر النووى حجة الشافعى على أن دور مكة مملوكة فقال: قوله صلى اللّه عليه و سلم: «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» استدل به الشافعى و موافقوه على أن دور مكة مملوكة يصح بيعها و إجارتها؛ لأن أصل الإضافة إلى الآدميين يقتضى الملك و ما سوى ذلك مجاز انتهى. و فى هذا الاستدلال نظر؛ لأن الحديث المشار إليه غير مشعر بإضافة شىء من دور مكة لأربابها من مسلمة الفتح إلا دار أبى سفيان و إذا كان كذلك فالدلالة منه على أن دور مكة أجمع مملوكة لأهلها غير ناهضة من الحديث المذكور؛ و لأن الحديث غير دال على ذلك، و فى قياس دور مسلمة الفتح بمكة على أن دار أبى سفيان نظر لعدم مساواتهم لأبى سفيان فى الحكم فإنه أسلم بمر الظهران قبل أن يدخل النبى صلى اللّه عليه و سلم مكة و بإسلامه أحرز نفسه و ماله، و مثله فى ذلك حكيم بن حزام الأسدى و بديل بن ورقاء الخزاعى فإنهما أسلما معه على خلاف فى بديل فى الفتح هل أسلم بمر الظهران أو قبل ذلك؟
و الله أعلم. و فى أصل هذا الكتاب فيما يتعلق بهذا المعنى فوائد كثيرة لا يوجد مثلها مجتمعا فى كتاب و الله تعالى أعلم، و حيث انتهى بنا الكلام إلى إتمام المبحث الأول.
فنقول: أما الجواب عن قوله: هل الكعبة أفضل من المؤمن إلى آخره؟ فقد قال ابن حجر فى شرح العباب: قال الزركشى: و يسن تطييب المصحف و جعله على كرسى و تقبيله، و سئل السبكى عن الدليل على تقبيله القياسى على الحجر
الأسود و يد العالم و الصالح و الوالد و معلوم أنه أفضل منهم انتهى. فقوله و معلوم أنه أفضل إلى آخره قد ينازع فيه بقوله صلى اللّه عليه و سلم للكعبة فى الحديث الصحيح: «و المؤمن أعظم حرمة عند الله منك» و قد يقال الكلام فى مقامين:
مقام التعظيم بالظاهر كالقيام و التقبيل، فالكعبة و المصحف أحق بهذا من مطلق المؤمن، و مقام الاحترام بأن لا يقبل إليه أبدا، فالمؤمن أحق بهذا منهما، لكن يعكر على هذا أن تلويثها بالقذر كفر و إن لم يستحله، بخلاف تلويث المسلم بل قتله بمجرده لا يكون كفرا، و قد يجاب بأن الكفر ليس لذات المصحف و الكعبة بل لاستلزام تلويثهما بالقذر الاستهزاء بالدين و لا كذلك فى المسلم فهو من حيث ذاته أعظم حرمة منهما، و هما من حيث التعظيم الظاهر أعظم حرمة منه و هذا و إن كان فيه ما فيه إلا أنه أحوج إليه ضرورة الجمع بين متفرقات كلامهم انتهى كلام ابن حجر. لكن ذكر عارف الزمان الشيخ الأكبر نفعنا الله ببركاته فى الفتوحات كلاما نفيسا فى ذلك يخالف هذا فننقله ليعود على الرسالة بركة نفسه رضى الله عنه فنقول: ذكر فى الباب الثانى و السبعين فى أسرار الحج ما نصه: و لقد نظرت يوما إلى الكعبة و هى تسألنى الطواف بها، و زمزم تسألنى التضلع من مائه رغبة فى الاتصال بنا سؤال نطق مسموع بالأذن فخفنا من الحجاب بهما لعظيم مكانتهما عما نحن فيه من حال القرب الإلهى الذى ليس بذلك الموطن فى معرفتنا فأنشدتهما مخاطبا و معرفا بما هو الأمر يكن مترجما عن المؤمن الكامل:
يا كعبة الله و يا زمزمهكم تسألانى الوصل صد ثم مه
إن كان وصلى بكما واقعافرحمة لا رغبة فيكمه
يا كعبة الله سوى ذاتناذات ستارات التقى المعلمة
ما وسع الحق سما و لاأرض و لا كلم من كلمه
و لاح للقلب فقال اصطبرفإنه قبلته المحكمة
منكم إلينا و إلى قلبكممنا فيا بيتى ما أعظمه
فرض على كعبتنا حبكمو حبنا فرض عليكم و مه
ما أعظم البيت على غيرهسواك يا عبدى بأن تلزمه
قد نوّر الكعبة تطوافكمبها و أنوار الورى مظلمة
ما أصبر البيت على سراكملو لا كموا كانت له مشأمة
لكنكم فيما تواصيتمبالصبر تحقيقا و بالمرحمة
ما أعشق القلب بذاتى و ماأشده حبا و ما أعلمه
و كان بينى و بين الكعبة فى زمان مجاورتى بها مراسلة و توسلات و معاتبة و أئمة، و قد ذكرت بعض ما كان بينى و بينها من المخاطبات فى جزء سميناه تاج الرسائل و منهاج الوسائل، يحتوى فيما أظن على سبع أو ثمان من أجل السبعة الأشواط، لكل شوط رسالة مبنى على الصفة الإلهية التى تجلت لى فى ذلك الشوط، و لكن ما عملت تلك الرسائل و لا خاطبتها بها إلا لسبب حادث و ذلك أنى كنت أفضل عليها نشأتى و أجعل مكانتها فى محل الحقائق دون مكانتى، و أذكرها من حيث ما هى نشأة جمادية فى أول درجة من المولدات، و أعرض عما خصها الله به من علو الدرجات، و ذلك لأرقى همتها و لا تحجب بطواف الرسل و الأكابر بذاتها و تقبيل حجرها، فإنى على بينة من ترقى العالم علوه و سفله مع الأنفاس لاستحالة ثبوت الأعيان على حالة واحدة فإن الأصل الذى يرجع إليه جميع الموجودات و هو أعلم وصف نفسه أنه كل يوم هو فى شأن، فمن المحال أن يبقى شىء من العالم على حالة واحدة زمانين فتختلف الأحوال عليه لاختلاف التجليات بالشؤون الإلهية، و كان ذلك منى فى حقها لغلبة حال غلب على، فلا شك أن الحق أراد أن ينبهنى على ما أنا فيه من شكر الحال فأقامنى من مضجعى فى ليلة باردة مقمرة فيها رش مطر فتوضأت و خرجت إلى الطواف بانزعاج شديد ليس فى الطواف أحد سوى شخص واحد فيما أظن و الله أعلم، فقبلت الحجر و شرعت فى الطواف، فلما كنت فى مقابلة الميزاب من وراء الحجر نظرت إلى الكعبة، فرأيتها فيما يتخيل لى قد سموت أذيالها و استعدت مرتفعة عن قواعدها، و فى نفسها إذا وصلت بالطواف إلى الركن الشامى أن تدفعنى بنفسها و ترمى بى عن الطواف بها و هى تتوعدنى بكلام أسمعه بأذنى فجزعت جزعا شديدا، و أظهر الله لى منها حرجا و غيظا بحيث لم أقدر على أن أبرح من موضعى ذلك، و تسترت بالحجر ليقع الضرب منها عليه
جعلته كالمجن الحائل بينى و بينها، و أسمعها و الله و هى تقول لى: تقدم حتى ترى ما أصنع بك، كم تضع من قدرى و ترفع من قدر بنى آدم و تفضل العارفين على، و عزة من له العزة لا أتركنك تطوف بى، فرجعت مع نفسى و علمت أن الله يريد تأديبى، فشكرت له على ذلك و زال جزعى الذى كنت أجده، و هى و الله فيما يخيل لى قد ارتفعت عن الأرض بقواعدها مشمرة الأذيال كما يشمر الإنسال إذا أراد أن يثب من مكانه عليه ثيابه هكذا خيلت لى قد جمعت ستورها لتثب على، و هى فى صورة جارية لم أر صورة أحسن منها و لا يتخيل أحسن منها، فارتجلت أبياتا فى الحال أخاطبها بها و استزلها عن ذلك الحرج الذى عاينته منها، فما زلت اثنى عليها فى تلك الأبيات و هى تتسع و تنزل بقواعدها على مكانها و تظهر السرور بما أسمعها إلى أن عادت إلى حالها كما كانت، و أمنتنى و أشارت إلى بالطواف، فرميت بنفسى على المستجار، و ما فى مفصل إلا و هو يضطرب من قوة الحال إلى أن سرى عنى، و صالحتها و أودعتها بشهادة التوحيد عند تقبيل الحجر فخرجت الشهادة عند تلفظى بها و أنا أنظر إليها بعينى فى صورة سلك، و انفتح فى الحجر الأسود مثل الطاق حتى نظرت إلى قعر طوال الحجر، فرأيته نحو ذراع، فسألنا عنه بعد ذلك من رآه من المجاورين حين احترق البيت فعمل بالفضة و أصلح شأنه، فقال لى: رأيته كما ذكرت فى طول ذراع الإنسان، و رأيت الشهادة قد صارت مثل الكبة و استقرت فى قعر الحجر و انطبق الحجر عليها، و أنشد ذلك الطاق و أنا أنظر إليه، فقال لى: هذه أمانة عندى أرفعها لك إلى يوم القيامة، فشكرتها على ذلك و من ذلك وقع الصلح بينى و بينها و خاطبتها بتلك الرسائل السبعة، فزادت بى فرحا و ابتهاجا، جاءتنى بشرى منها على لسان رجل صالح قال لى: رأيت البارحة فى النوم الكعبة و هى تقول: سبحان الله ما فى هذا الحرم من يطوف بى إلا فلان، و سمتك لى باسمك، ما أدرى أين قضى الناس؟ ثم أقمت لى فى النوم و أنت طائف بها وحدك، قال الراءى: فقالت لى: انظر إليه هل ترى بى طائف آخر؟
لا و الله و لا أراه أنا، فشكرت الله على هذه البشرى من مثل ذلك الرجل و تذكرت قول رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فى الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم و ترى له، و أما الأبيات التى استنزلت بها الكعبة فهى هذه:
بالمستجار استجار قلبيلما أتاه منهم أعادى
يا رحمة الله للعبادأودعك الله فى الجماد
يا بيت ربى يا نور قلبييا قرة العين يا فؤادي
يا سر قلبى الوجود حقايا حرمتى يا صفا ودادي
يا قبلة أقبلت إليهامن كل ربع و كل وادي
و من بقاع و من سماء بالكعبة اللهو من غنا و من مهاد
يا كعبة اللّه يا حياتييا منهج السعد يا رشادي
أودعك الله كل آمنمن فزع الهول فى المعاد
فيك اليمين التى كستهاخطيتى بردة السواد
ملتزم فيك من يلازمهواه يسعد يوم التناد
ماتت نفوس شوقا إليهامن ألم الشوق و الميعاد
من حزن ما نالها عليهمقد لبست حلة الحداد
لله نور على ذراهامن نوره للعواد بادي
و ما يراه سوى حزينقد كحل العين بالسهاد
يطوف سبعا فى إثر سبعمن أول الليل للمنادي
بعبرة مالها انقطاعرهين وجد حلف اجتهاد
سمعته قال مستغيثامن جانب الحجرآه فوادي
قد انقضى ليلنا حثيثاو ما انقضى فى الهوى مرادي
و أما الجواب عن قوله: هل كانت الكعبة قبلة بجميع الأنبياء إلى آخره؟
فالذى ذكره الإمام الحافظ المحدث ابن سيد الناس اليعمرى فى سيرته(1)نقلا عن الغير أنه ما خالف نبى قط فى قبلة، إلا أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم استقبل بيت المقدس من حين قدم المدينة ثم قرأ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً(2)
و ذكر أيضا فى تفسير قوله تعالى: وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ(1)أى يكتمون ما علموا من أن الكعبة هى قبلة الأنبياء انتهى. و ذكر الكواشى فى قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ(2)الآية أن سبب نزولها أن اليهود لما قالوا للمسلمين: قبلتنا قبل قبلتكم، أنزل الله الآية، و ذكر بعض العلماء أن الدليل على أن الكعبة قبلة بجميع الأنبياء أن تكليف الصلاة كان لازما فى دين جميع الأنبياء عليهم السلام بدليل قوله فى سورة مريم: «أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم و ممن حملنا مع نوح» إلى قوله: خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا(3)فدلت الآية أن جميع الأنبياء كانوا يسجدون لله، و السجدة لا بد لها من قبلة، فلو كانت قبلة شيث و إدريس و نوح عليهم الصلاة و السلام موضعا آخر سوى القبلة لبطل قوله: «إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة» لأن أل فى الناس للاستغراق، فهو موضع لجميع الناس فيقتضى كونه مشتركا فيه بين جميع الناس، فأما سائر البيوت فيكون كل واحد منها مختصا بواحد من الناس فلا يكون شىء من البيوت موضعا للناس، و كون البيت مشتركا فيه بين كل الناس لا يحصل إلا إذا كان البيت موضع الطاعات و العبادات و قبلة للخلق أنزل قوله: «إن أول بيت وضع للناس»(4)على أن البيت وضعه الله موضعا للطاعات و الخيرات و العبادات ليدخل فيه كون هذا البيت قبلة للصلاة و موضعا للحج فيه، و حينئذ فوجب أن يقال: إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هى الكعبة فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبدا مشرفة مكرمة، قال القاضى البيضاوى فى تفسير قوله تعالى من سورة يونس:
وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا(5)أن اتخذا لقومكما بمصر بيوتا تسكنون فيها أو ترجعون إليها للعبادة، و اجعلوا أنتما و قومكما بيوتكم تلك البيوت قبلة مصلى، و قيل مساجد متوجة نحو القبلة يعنى الكعبة، و كان موسى يصلى إليها انتهى، و لكن وقع فى ديباجة المواقف التعبير بقوله: و أسرهم قبلة، أى أصوبهم قبلة قال مولانا حسن فى حواشى المواقف: الوجه فى أنه عليه الصلاة و السلام أصوب قبلة بالنسبة إلى إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و إن كان قبلته أيضا الكعبة إلا أنه لم يشرع له التوجه إليها للصلاة فى غير المسجد و شرع لرسولنا عليه السلام
مطلقا، و كان استقباله صوابا فى غير المسجد فصح أنه أسر من إبراهيم عليه السلام أيضا قبلة، على أن التمييز بمعنى الفاعل فتقديره: و قبلته أسر من سائر القبلات انتهى المقصود منه، و هذا منه بناء على أن الصلاة فى غير المسجد من خواص نبينا صلى اللّه عليه و سلم و كذا أمته صلى اللّه عليه و سلم دون باقى الأنبياء لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «جعلت لى الأرض مسجدا» قال القاضى عياض: لأن من كان قبلنا كانوا لا يصلون إلا فى موضع يتيقنون طهارته، و نحن خصصنا بجواز الصلاة فى جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته، و قال القرطبى: هذا ما خص الله تعالى به نبيه صلى اللّه عليه و سلم، و كانت الأنبياء قبله إنما استنجت لهم الصلاة فى مواضع مخصوصة كالبيع و الكنائس، و قال المهلب فى شرح البخارى: المخصوص به صلى اللّه عليه و سلم جعل الأرض طهورا، أما كونها مسجدا فلم يأت فى أثر أنها منعت من غيره، و قد كان عيسى عليه السلام يسبح فى الأرض و يصلى و لم تجعل له طهور انتهى. قال الزركشى و هذا هو الظاهر من حديث جابر و أبى هريرة رضى الله عنهما فى عدة الطهور و المسجد فى حكم الواحد انتهى. و قد رد ابن حجر تبعا لغيره كلام الزركشى فقال: و فى الحديث: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى، نصرت بالرعب مسيرة شهر، و جعلت لى الأرض مسجدا و طهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل» الحديث و المراد بقوله: مسجدا موضع سجود أى أن السجود لا يختص بموضع منها دون غيره، قيل: و يمكن أن يكون مجازا عن المكان الذى للصلاة و هو من مجاز التشبيه؛ لأنه لما جازت الصلاة فى جميعها كانت كالمسجد فى ذلك، و قيل: المراد جعلت لى الأرض مسجدا و طهورا و لغيرى مسجدا لا طهورا؛ لأن عيسى صلى اللّه عليه و سلم كان يسبح فيها و يصلى حيث أدركته الصلاة و قيل المراد أن الصلاة لم تبح إلا فى محل يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأمة أبيحت لها فى كل الأرض إلا ما يتيقنون نجاسته، و الأصح الأول و هو أنها لم تبح لمن قبلنا إلا فى أماكن مخصوصة كالبيع و الكنائس و الصوامع للخبر المصرح بذلك، و كان من قبلى إنما يصلون فى كنائسهم و توافقه رواية: «و لم يكن من الأنبياء أحد يصلى حتى تبلغ محرابه» و بهذين يرد الاحتجاج بقصة عيسى صلى اللّه عليه و سلم المذكورة بمنع ما ذكر فيها لدلالة هذين على خلافه و بفرض صحته فهو لا ينافى الخصوصية لأنها ثابتة لنبينا صلى اللّه عليه و سلم و لأمته بخلاف سيدنا عيسى صلى اللّه عليه و سلم.
و ذكر المحقق الصفوى فى شرح الشفا عند تفسير قوله تعالى: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ(1)الآية أنه تعالى شبه نور إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم بالنار و إبراهيم بالشجرة، أو شبه نوره بالشجرة، فإن الإيمان له أصل و نوع و آثار و ثمار، و حينئذ قوله: «لا شرقية» تشبيه لكونه ليس يهودى و لا نصرانى فإن قبلة اليهود المغرب و النصارى المشرق انتهى. فقوله: فإن قبلة اليهود إلخ، لا يقتضى أنها كذلك فى شريعتهم قبل النسخ بل هذا فى جعلهم كما صرح به الإمام محمد ابن أبى بكر بن أيوب الزرعى الحنبلى بن القيم فى السفر الثاني(2)فى بدائع الفوائد حيث قال ما نصه: قال أبو القاسم و كرر البارى تعالى الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام فى ثلاثة آيات؛ لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس، اليهود و لأنهم لا يقولون بالنسخ فى أصل مذهبهم، و أهل الريب و النفاق اشتد إنكارهم له؛ لأنه كان أول نسخ نزل، و كفار قريش قالوا: ندم محمد على فراق ديننا فرجع إليه كما رجع لقبلتنا، و كانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون: يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم و إسماعيل و قد فارق قبلة إبراهيم و إسماعيل و آثر عليها قبلة اليهود، فقال الله له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ(3)على الاستثناء المنقطع أى لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون و لا يهتدون، و قل الحق من ربك، فلا تكونن من الممترين أى من الذين شكوا و امتروا، و معنى الحق من ربك الذى أمرتك به من التوجه إلى البيت الحرام هو الحق الذى كان عليه الأنبياء قبلك فلا تمتر فى ذلك فقال: وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ(4)و قال: «و إن فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون»:
أى يكتمون ما علموا من أن الكعبة هى قبلة الأنبياء، و قال خالد بن يزيد: إنى لأقرأ الكتاب الذى أنزله الله على محمد صلى اللّه عليه و سلم و التوراة التى أنزلها الله ليس فيها هذه القبلة، و لكن تابوت السكينة كان على الصخرة، فلما غضب الله عز و جل على بنى إسرائيل رفعه، فكان صلاتهم إلى الصخرة عن مشاورة منهم، و روى
أبو داود أيضا أن يهوديا خاصم أبا العالية فى القبلة، فقال أبو العالية: إن موسى كان يصلى عند الصخرة و يستقبل البيت الحرام، فكانت الكعبة قبلته و كانت الصخرة بين يديه، و قال اليهودى: بينى و بينك مسجد صالح و قبلة الكعبة، و أخبر أبو العالية أنه رأى مسجد ذى القرنين و قبلته الكعبة، و قد تضمن هذا فائدة جليلة و هى أن استقبال أهل الكتاب لقبلتهم لم يكن من جهة الوحى من الله تعالى بل كان عن مشورة منهم، أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم فى الإنجيل و لا فى غيره باستقبال المشرق أبدا، و هم مقرون بذلك و مقرون أن قبلة المسيح كانت قبلة بنى إسرائيل و هى الصخرة، و إنما وضع لهم شيوخهم و أسلافهم هذه القبلة و هم يعتذرون عنهم بأن المسيح فوض إليهم التحليل و التحريم و شرح الأحكام و أن ما حللوه و حرموه فقد حلله هو و حرمه فى السماء، فهم مع اليهود متفقون على أن الله لم يشرع استقبال المشرق على لسان رسوله أبدا، و المسلمون شاهدون عليهم بذلك، و أما قبلة اليهود فليس فى التوراة الأمر باستقبال الصخرة البتة و إنما كانوا ينصبون التابوت و يصلون إليه من حيث خرجوا، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة و صلوا إليه فلما رفع صلوا إلى موضعه و هو الصخرة، و أما السامرة فإنهم يصلون إلى طورهم بأرض الشام يعظمونه و يحجون إليه، و رأيته أنا و هو فى بلد نابلس ناظرت فضلائهم فى استقبالهم، و قلت: هو قبلة باطلة مبتدعة، فقال مشار إليه فى دينهم: هذه هى القبلة الصحيحة و اليهود أخطأوها؛ لأن الله تعالى أمر فى التوراة باستقباله عينا ثم ذكر نصا يزعمه من التوراة فى استقباله، فقلت له: هذا خطأ قطعا على التوراة؛ لأنها إنما أنزلت على بنى إسرائيل، فهم المخاطبون بها و أنتم فرع عليهم فيها، و إنما تلقيتموها عنهم و هذا النص ليس فى التوراة التى بأيديهم و أنا رأيتها و ليس هذا فيها، فقال: صدقت إنما هو فى توراتنا خاصة، قلت: فمن المحال أن يكون أصحاب التوراة، المخاطبون بها و هم الذين تلقوها عن الكليم و هم متفرقون فى أقطار الأرض قد كتموا هذا النص و أزالوه و بدلوا القبلة التى أمروا بها و حفظتم النص بها، فلم يرجع إلى الجواب، قلت: هذا كله مما يقوى أن يكون الضمير فى قوله تعالى: وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها(1)راجعا إلى كل أى هو موليها وجهة، و ليس المراد أن الله موليه إياها لوجوه هذا أحدها، الثانى:
أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضمير عليه فى الآية، و إن كان مذكورا
1) البقرة آية:( 148).
فيما قبلها ففى إعادة الضمير إليه تعالى دون كل رد الضمير إلى غير من هو أولى به و منعه من القريب منه لا بوجه الثالث أنه لو عاد الضمير إليه تعالى لقال: «هو موليه إياها» هذا وجه الكلام كما قال تعالى: نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى(1)فوجه الكلام أن يقال: ولاه القبلة، و لا يقال: ولى القبلة إياه، انتهى كلام ابن القيم فى كتابه المذكور نقلناه مع طوله لنفاسته جدا. هذا و اعلم أنه قد ذكر العلماء فى توجهه صلى اللّه عليه و سلم فى الصلاة إلى بيت المقدس و هو بمكة أقوالا، فقالت طائفة: ما صلى إلى بيت المقدس إلا منذ قدم المدينة سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا، قال الإمام اليعمرى المحدث الشهير بابن سيد الناس: و يزعم أناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة حتى خرج منها فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس انتهى، فعلى هذا يكون فى القبلة نسخان نسخ سنة بسنة، و نسخ سنة بقرآن، و على هذا فلا تصح هذه الحكمة التى ذكرت فى الإسراء إلى بيت المقدس فى أنه أراد أن يريه القبلة التى صلى إليها مدة؛ لأنه على هذا لم يكن صلى إلى بيت المقدس و هو بمكة، فكيف يقال: أراد أن يريه القبلة التى صلى إليها مدة كما عرفت الكعبة مع كون الإسراء قبل الهجرة و هو بمكة؟ و ذهبت طائفة إلى أنه صلى لبيت المقدس و هو بمكة قبل الهجرة، لكن روى عن ابن عباس من طرق صحاح أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم كان إذا صلى بمكة استقبل بيت المقدس، و جعل الكعبة بينه و بين بيت المقدس، فلما كان صلى اللّه عليه و سلم يتحرى القبلتين جميعا لم يتبين توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة، و على هذا لا يصح قولهم فى بيان حكمة الإسراء به صلى اللّه عليه و سلم إلى بيت المقدس أولا أن الله أراد أن يريه القبلة التى صلى إليها مدة، كما عرف الكعبة، فإن ظاهره أن الصلاة لبيت المقدس حصل له صلى اللّه عليه و سلم و هو بمكة استقلالا، ثم نسخ ذلك قبل الإسراء مع أنه استمر يصلى إليها على هذا القول حتى هاجر، و مع هذا فكان يجعل الكعبة بينه و بين بيت المقدس، فهذه الحكمة مشكلة على كلا القولين، و قال ابن شهاب: و زعم ناس و الله أعلم أنه كان يسجد نحو بيت المقدس و يجعل وراء ظهره الكعبة و هو بمكة، و هو على هذا أيضا مشكل لا يناسبه قوله: أراد أن يريه القبلة التى صلى إليها مدة، كما عرف الكعبة التى صلى إليها؛ إذ مقتضى هذا القول أنه قبل هجرته لم يصل إلا إلى بيت المقدس و لم يستقبل الكعبة، و مقتضى الحكمة
1) النساء:( 115).
المذكورة أنه استقبل كلا منهما قبل الإسراء فليتأمل، و قال ابن العماد فى الدرة الضوية فى هجرة خير البرية: كان تحويل القبلة فى السنة الثانية، قال النووى:
و كان صلى اللّه عليه و سلم مأمورا بالصلاة إلى بيت المقدس مدة مقامه بمكة و بعد الهجرة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر، ثم قال معترضا على النووى فى ذلك بأنه قد جزم البغوى بخلافه فقال فى تفسير قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ(1)الآية كان رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلى نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم ما يجدون من نعته فى التوراة، فصلى إليها ستة عشر شهرا أو سبعة عشر، و كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لأنها كانت قبلة إبراهيم، و قال مجاهد، كان يحب ذلك من أجل أن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا و يصلى إلى قبلتنا، فقال صلى اللّه عليه و سلم لجبريل وددت لو حولنى الله إلى الكعبة، فقال له سل ربك، فجعل صلى اللّه عليه و سلم يديم النظر إلى السماء، فأنزل الله تعالى: «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ» الآيات انتهى بنصه.
و ما جزم به البغوى من أنه عليه الصلاة و السلام كان يصلى بمكة إلى الكعبة هو المعتمد و عليه أكثر المفسرين و أصحاب السير، و اختلف العلماء هل كان ذلك باجتهاده أو بأمر من ربه؟ و هذا تفريع على الأصح فى أنه عليه الصلاة و السلام لم يتعبد بشرع غيره بعد البعثة.
و أما الجواب عن قوله: و هل جميع الأنبياء حجوا إليها أو تخلف البعض؟
فهو أن العلامة السيوطى ذكر فى بعض كتبه أن جميع الأنبياء حجوا البيت إلا هودا و صالحا فإنهما تشاغلا بأمر قومهما فماتا و لم يحجا، و أن آدم لما حج حلق جبريل رأسه بياقوتة من الجنة، و كان السيوطى تمسك بحديث ما من نبى إلا و قد حج البيت إلا ما كان من هود و صالح، لكن قد صرح هو بأن إسناده ضعيف، و قال ابن حجر فى شرح الهمزيه إن استثناء صالح و هود لم يصح، و روى الأزرقى عن عبد الرحمن بن سابق مرسلا عن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: كان النبى من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فيعبد الله تعالى فيها و من معه حتى يموت، فمات بها نوح و هود و صالح و شعيب و قبورهم بين زمزم و الحجر و روى ابن
1) البقرة: آية( 114).
الجوزى فى مثير(1)الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى أن نوحا صلى اللّه عليه و سلم حج البيت قبل الغرق، و روى الأزرقى عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى أن هودا و، صالحا و شعيبا حجوا البيت بمن آمن معهم و أنهم ماتوا بمكة، و أن قبورهم غربى الكعبة بين دار الندوة و دار بنى هاشم، و هذه الأحاديث واردة بحج هود و صالح عليهما الصلاة و السلام أقوى أسانيد من أحاديث: «ما من نبى إلا و قد حج البيت إلا ما كان من هود و صالح» فإن إسناده ضعيف و قد حج موسى و يونس صلى اللّه عليه و سلم فقد روى الأزرقى عن مجاهد قال: حج موسى على جمل أحمر فمر بالروحاء عليه عباءتان قطونتان مترز بإحداهما مرتد بالأخرى، فطاف بالبيت، ثم طاف بين الصفا و المروة إذ سمع صوتا من السماء و هو يقول: لبيك عبدى و أنا معك، فخر موسى ساجدا، و عن مجاهد أيضا قال: حج البيت سبعون نبيا فيهم موسى صلى اللّه عليه و سلم عليه عباءتان قطوانيتان، و فيهم يونس يقول لبيك كاشف الكرب رواه سعيد بن منصور، و القطوانيتان تثنية قطوانية و هى عباءة بيضاء قصيرة و ذكر الشامى فى مبحث بناء إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم البيت أنه لما فرغ من الحج انطلق إلى منزله بالشام، و كان يحج البيت كل عام، و حجته سارة و حجته إسحق و يعقوب و الأسباط و الأنبياء و هلم جرا، قلت: و العجب من ابن حجر الهيثمى حيث أنكر فى شرحه للهمزته حج إسحق صلى اللّه عليه و سلم فقال مستدلا على أن الترجيح هو إسماعيل لا إسحاق صلى اللّه عليه و سلم: إن إسحق صلى اللّه عليه و سلم لم ينقل قط أنه حج و لا أتى تلك الأماكن مع أنه صرح بعد ذلك فى شرح قول النظم مأوى الرسل بعموم حديث: «ما من نبى إلا و قد حج البيت» و إن استثناء صالح و هود لم يصح، و كأنه فهم ذلك من عبارة المواهب فى الاستدلال على أن الذبيح ليس هو إسحق حيث قال: و مما يدل على أن الذبيح إسماعيل أنه لا ريب أن الذبح كان بمكة؛ و لذلك جعلت القرابين يوم النحر بها كما جعل السعى بين الصفا و المروة و رمى الجمرات تذكيرا لشأن إسماعيل و أمه و إقامة لذكر الله تعالى، و معلوم أن إسماعيل و أمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحق و أمه، ثم قال: و لو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب و من تلقى عنهم لكانت القرابين و النحر بالشام انتهى.
1) 1/ 120.
و أنت خبير بأنه ليس فى عبارة المواهب المذكورة ما يصرح بنفى حج إسحاق صلى اللّه عليه و سلم و إنما الذى فيها أن الذبح كان بمكة لا بالشام، و لو كان المذبوح إسحاق لكان الذبح بالشام و لكانت القرابين بها، و تبعد كل البعد مع قطع النظر عن النص أن تخلف إسحاق عن الحج مع كون البانى لهذا البيت و المؤذن بالحج والده إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم مع أن هذا الدليل قناعى، إذ لا تنافى بين كون الذبيح إسحاق و أن يكون الذبح بمكة لجواز أن يقع له ذلك و هو حاج بها، على أن القائل بأنه إسحاق يرى أن الذبح ليس بمكة بل على صخرة بيت المقدس كما صرح به الزركشى فى الأعلام(1)، فإنه صرح بأن صخرة بيت المقدس كالحجر الأسود، و لما فدى إسماعيل بالكبش ذبحه إبراهيم عليه السلام عليها فاختار الله تعالى ذلك الموضع لقربان خليله عليه السلام و من عليه بفداء ابنه فهو محل الرحمة انتهى. لكن فى قول الزركشى أن المفدى إسماعيل مع كون الذبح بالصخرة قول ملفق من قولين، و لا يلزم من كون ذبح القربان وقع بالصخرة أن لا تكون القرابين بمكة يوم النحر؛ لأن ذلك أمر تعبدى، و عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «سرنا مع رسول الله صلى اللّه عليه و سلم بين مكة و المدينة فمررنا بواد فقال: أى واد هذا: قالوا: وادى الأزرق، فقال: كأنى أنظر إلى موسى واضعا أصبعيه فى أذنيه له جواز إلى الله تعالى بالتلبية مارا بهذا الوادى، حتى أتينا على ثنية فقال: ما هذه الثنية، قالوا: ثنية هرشا، فقال، كأنى أنظر إلى يونس على ناقة حمراء خطام ناقته ليف خلبة و عليه جبة له من صوف يهل مارّا بهذه الثنية ملبيا» رواه الشيخان و ابن حبان، قال الشامى فى ضبط غريب ما تقدم الجؤار بجيم مضمومة فهمزة مفتوحة رفع الصوت بالاستغاثة، و قوله: ثنية هرشا بهاء مفتوحة وراء ساكنة فشين معجمة مفتوحة فائق مقصورة جبل قريب من الجحفة، و قوله: ليف خلبة بخاء معجمه مضمومة فلام ساكنه فباء موحدة مفتوحة يروى بتنوين الكلمتين على البدل و بإضافة الأول للثانى، قال فى التقريب، و كأنه على الإضافة مقلوب فى الصحاح الخلب حبل رقيق من ليف أو قنب فالوجه بخلبة ليف انتهى.
1) ص 69.
هذا و فى المواهب للقسطلانى أذوادى الأزرق خلف أمج بفتح الهمزة و الميم و الجيم قرية ذات مزارع بينه و بين مكة ميل واحد، و لم يعين فى رواية البخارى الوادى، قال: قال المهلب: هذا وهم من بعض رواته؛ لأنه لم يأت فى أثر و لا خبر أن موسى حى و سيحج، و إنما أتى ذلك فى عيسى فاشتبه على الراوى و يدل عليه قوله فى الحديث الأخير: «ليهلن ابن مريم بفج الروحاء» انتهى.
و هو تغليط للثقات بمجرد التوهم، و قد ذكر البخارى الحديث فى اللباس من صحيحه بزيادة ذكر إبراهيم فيه أفيقال أن الراوى غلط فزاده؟ و فى رواية مسلم المتقدمة ذكر يونس أفيقال أن الراوى الآخر غلط فزاد يونس؟ و تعقب أيضا بأن توهيم المهلب للراوى وهم منه و إلا فأى فرق بين موسى و عيسى؟ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع نزل إلى الأرض و إنما ثبت أنه سينزل، و أجيب بأن المهلب أراد أن عيسى لما ثبت أنه سينزل كان كالمحقق فقال: «كأنى أنظر إليه» و لهذا استدل المهلب بحديث أبى هريرة الذى فيه: «ليهلن ابن مريم بالحج» و لهذا اختلف فى معنى قوله: «كأنى أنظر إليه» فقيل: إن ذلك رؤيا منام تقدمت له فأخبر عنها لما حج عند ما تذكر ذلك و رؤيا الأنبياء وحى، و قيل هو على الحقيقة»، لأن الأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون فلا مانع أن يحجوا فى هذه الحالة كما فى صحيح مسلم عن أنس أنه رأى موسى عليه السلام قائما فى قبره يصلى، قال القرطبى: حببت إليهم العبادة فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعى أنفسهم لا بما يلزمون به كما يلهم الله أهل الجنة الذكر، و يؤيده أن عمل الآخرة ذكر و دعاء لقوله تعالى: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَ(1)الآية، لكن تمام هذا التوجيه أن يقال: إن المنظور إليه هى أرواحهم فلعلها مثلت له صلى اللّه عليه و سلم فى الدنيا كما مثلت له ليلة الإسراء، و أما أجسادهم فهى فى القبور، قال ابن المنير: يجعل الله لروحه مثالا و يرى فى اليقظه كما يرى فى النوم، و قيل، كأنه مثلت أحوالهم التى كانت فى الحياة الدنيا كيف تعبدوا و كيف حجوا و كيف لبوا، و لهذا قال كأنى، و قيل: كأنه أخبر بالوحى عن ذلك و لشدة قطعه به قال: كأنى أنظر إليه انتهى كلام المواهب. قلت فى قوله: إنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع نزل إلى الأرض و إنما ثبت أنه سينزل، و ذلك لأن الإمام المحدث الشامى نقل فى سيرته عن ابن إسحاق عن عمر بن عبد العزيز أنه
1) يونس( 10).
ذكر حديثا عن سلمان الفارسى أن الراهب صاحب عمورية قال لسلمان حين حضرته الوفاه: ائت غيضتين من غيض الشام فإن رجلا يخرج من إحداهما إلى الأخرى، فى كل سنة ليلة يعترضه ذو الأسقام فلا يدعو لأحد به مرض إلا شفى، فاسأله عن هذا الذى تسألنى عنه، فخرجت حتى أقمت بها سنة حتى خرج تلك الليلة، فأخذت بمنكبه فقلت: رحمك الله الحنيفية دين إبراهيم، قال: قد أظلك زمان نبى يخرج عند هذا البيت بهذا الحرم يبعث بذلك الدين، و لما ذكر ذلك سلمان للنبى صلى اللّه عليه و سلم قال: لئن كنت صدقتنى يا سلمان لقد رأيت عيسى بن مريم. و الغيضة الشجر الملتف، قال السهيلى: و إسناد هذا الحديث مقطوع و فيه رجل مجهول، و يقال هو الحسن بن عمارة و هو ضعيف فإن صح الحديث فلا نكارة فى متنه، فقد ذكر الطبرى أن المسيح صلى اللّه عليه و سلم نزل بعد ما رفع و أمه و امرأة أخرى عند الجذع الذى فيه الصليب يبكيان عليه، و كلمهما و أخبرهما أنه لم يقتل و أن الله تعالى رفعه، و أرسل إلى الحواريين و وجههم إلى البلاد، و إذا جاز أن ينزل مرة جاز أن ينزل مرارا، و لكن لا يعلم أنه هو حتى ينزل النزول الظاهر بكسر الصليب و يقتل الخنزير كما جاء فى الصحيح، قال الحافظ السخاوى: و ما نقله ابن جرير يحتاج إلى دليل انتهى. قال الشامى: قلت: ما ذكره ابن جرير رواه فى تفسيره، و عند ابن حميد و ابن المنذر من طريق آخر عن وهب بن منبه انتهى. و روى ابن الجوزى فى المنير عن عطا بن خالد قال: يحج عيسى ابن مريم إذا نزل فى سبعين ألفا فيهم أصحاب الكهف فإنهم لم يموتوا و لم يحجوا، قلت: الصحيح أن أصحاب الكهف ماتوا، و روى الأزرقى عن عطاء بن السائب أن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم رأى رجلا يطوف بالبيت، فأنكره، فسأل ممن أنت؟ قال من أصحاب ذى القرنين، قال: و أين هو؟ قال بالأبطح، فتلقاه إبراهيم فاعتنقه، فقيل لذى القرنين: لم لا تركب، قال ما كنت لأركب و هذا يمشى، فحج ماشيا، روى ابن أبى حاتم عن على بن أحمر أن ذا القرنين قدم مكة، فوجد إبراهيم و إسماعيل يبنيان الكعبة و استفهمهما عن ذلك فقالا: نحن عبدان مأموران، فقال: من يشهد لكما؟
فقامت خمسة أكبش فشهدت، فقال: قد صدقتما، قلت: و فى الأخبار عن لفظ نحن بالمثنى الرد على من أوجب صيغة الجمع فى مثله: و قد ورد أيضا
نحن أنصاريان يا رسول الله، و روى ابن أبى شيبة عن مجاهد قال: كانت الأنبياء إذا أتت حكم الحرم نزعوا نعالهم، و روى أبو ذر الخشنى فى مناسكه عن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما قال حج البيت ألف نبى من بنى اسرائيل لم يدخلوا مكة حتى وضعوا نعالهم بذى طوى، و هو بضم الطاء المهملة و فتح الواو و ألف مقصورة واد معروف عند باب مكة، و عن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: مر بصفاح الروحاء سبعون نبيا حجاجا عليهم لباس الصوف خطم إبلهم الليف. رواه الأزرقى، و صفاح الروحاء جانبها و الروحاء بفتح الراء و بالحاء المهملة ممدود اسم قرية، و روى أيضا عن عثمان بن ساج قال: أخبرنى ابن ساج قال أخبرنى صادق أنه بلغه أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم قال: مر بفج الروحاء سبعون نبيا على نوق حمر خطمهم الليف لبوسهم العباء و تلبيتهم شتى، و الفج بالفاء و الجيم الطريق الواسع و شتى أى متفرقة، و روى أيضا عن مجاهد قال: حج خمسة و سبعون نبيا كل قد طاف بالبيت و لبى فى مسجد منى، فإن استطعت أن لا تفوتك الصلاة فى مسجد منى فافعل، و روى أيضا عن عبد الرحمن بن سابط قال: سمعت عبد الله بن حمزة السلوس يقول: ما بين الركن الى المقام إلى زمزم قبر سبعين نبيا جاءوا حجاجا فقبروا هنالك، و روى أبو نعيم عن مجاهد قال: كان يحج من بنى إسرائيل مائة ألف فإذا بلغوا أنصاب الحرم خلعوا نعالهم ثم ذهبوا الحرم حفاة، و روى ابن أبى شيبة الأزرقى عن عبد الله بن الزبير قال: كانت الأمة من بنى إسرائيل لتقدم مكة فإذا بلغت ذا طوى خلعت نعالها تعظيما للحرم.
و روى ابن عساكر عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: حج الحواريون فلما دخلوا الحرم مشوا حفاة تعظيما للحرم، و قد حجته الملائكة حج آدم صلى اللّه عليه و سلم، روى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبى رباح أن آدم صلى اللّه عليه و سلم هبط بأرض الهند و معه أربعة أعواد من الجنة فهى هذه الذى يتطيب بها الناس، و أنه حج هذا البيت و طاف بين الصفا و المروة و قضى مناسك الحج.
و روى الأزرقى عن عثمان بن ساج قال: أخبرنى سعيد أن آدم صلى اللّه عليه و سلم حج على رجليه سبعين حجة ماشيا.
و روى أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: حج آدم صلى اللّه عليه و سلم فقضى المناسك فلما فرغ قال: يا رب إن لكل عامل أجرا قال الله تعالى: يا آدم أما أنت فقد غفرت لك، و أما ذريتك فمن جاء منهم هذا البيت فباء بذنبه فقد غفرت له، باء بذنبه اعترف.
و روى ابن خزيمة و أبو الشيخ فى(1)العظمة و الديلمى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم قال: إن آدم أتى هذا البيت ألف أتية لم يركب قط فيهن من الهند على رجليه، ثلاثمائة حجة و سبعمائة عمرة، و أول حجة حجها آدم و هو واقف بعرفة أتاه جبريل فقال: يا آدم بر نسكك، أما إنا قد طفنا بهذا البيت قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة.
و روى الأزرقى(2)و الجندى و ابن عساكر عن ابن عباس قال: حج آدم فطاف بالبيت سبعا فلقيته الملائكة فى الطواف فقالوا: بر حجك يا آدم، إنا قد حجننا هذا البيت قبلك بألفى عام، قال: فماذا كنتم تقولون فى الطواف؟ قالوا كنا نقول سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر، قال آدم: فزيدوا فيها و لا حول و لا قوة إلا بالله فزادت الملائكة فيها ذلك، ثم حج إبراهيم بعد بنائه البيت فلقيته الملائكة فى الطواف فسلموا عليه فقال لهم: ماذا كنتم تقولون فى طوافكم؟ قالوا كنا نقول قبل أبيك آدم: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فأعلمناه ذلك فقال: زيدوا و لا حول و لا قوة إلا بالله، قال: زيدوا فيها العلى العظيم، فقالت الملائكة ذلك. تنبيه: قد تقدم روايته أن سيدنا موسى صلى اللّه عليه و سلم حج على جمل أحمر، و ذكر الشيخ أبو الحسن فى شرح مناسك النووى حديث الطبرانى عن ليث ابن أبى سليم و بقية رواته ثقات أنه صلى اللّه عليه و سلم قال: حج موسى على ثور أحمر عليه عباءة قطوانية، قال: و بعض النواحى يركبون البقر، فإن قلنا بحل ركوبها و هو ما يؤمن إليه كلامهم فواضح، لكن الحديث ربما يومىء إلى خلافه، ثم رأيت السبكى فى فتاويه مال إلى تحريم ركوبها أخذا من ميله إلى تحريم المشى على الكلمات المكتوبة على البسط
و نحوها كوقف و بركة؛ لأن حروفها إنما خلقت ينتظم منها كلامه تعالى و كلام أنبيائه و ملائكته، قال: فكلما خلقه تعالى ينبغى للعبد أن يستعمله فى الغرض الذى خلق لأجله من إكرام و إهانة، فمتى وضعه فى غير موضعه لم يجز إلا أن يجىء إذن من الشارع فى إباحة ذلك، ألا ترى إلى الحديث الصحيح فى البخارى فى باب المزارعة بينما رجل يسوق بقرة يركبها، فقالت: إنى لم أخلق لهذا إنما خلقت للحراثة؟ فالبقرة لما خلقت للحرث و نحوه أنطقها الله بمعاتبة راكبها، و إذا قيل يجوز ركوب البقرة، فإما لدليل خاص و إما بأن يكون الركوب من جملة الأغراض التى خلقت له و إن كانت للحراثة أغلب أغراضها انتهى المقصود منه ملخصا من فتاوى السبكى. قال الشيخ أبو الحسن: و تأمله تعلم أنه متردد فى حل ركوبها كما ترددت فيه على أن أول كلامه ربما يميل لتحريمه و آخره يميل لحله و يؤيده حديث الطبرانى السابق، و وجه تأييده أن البقر لو خلق للحرث فقط لم يحل ركوبه فى ملته، فدل ركوب موسى له على أنه خلق للركوب أيضا، و يلزم من كونه من جملة ما خلق له و أيضا فشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد فى شرعنا ما ينسخه عند كثيرين، و على مقابلة الأصح فالحجة فى حكايته صلى اللّه عليه و سلم لذلك و تقريره عليه، و أيضا فقدم الخلق للشىء لا يدل على التحريم، ألا ترى إلى قول المفسرين و الفقهاء منا فى قوله تعالى: وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها(1)إنه لا يدل على تحريم الأكل، و إن سلمنا أنها إنما خلقت للركوب لأن التعليل بالشىء لا يقتضى الحصر فيه بل يكفى كونه أظهر أنواعه هذا مع قطع النظر عن الأحاديث الصحيحة المصرحة بحل أكلها و يؤيده ما قررته فى البقر قول الحنابلة: يجوز الانتفاع بالحيوان فى غير ما خلق له كركوب البقر و الحمل عليها و استعمال الإبل و الحمير فى الحرث انتهى. و قول ابن بطال من المالكية القائلين بحرمة أكل الخيل فى هذا الحديث أى المار، فالبقرة حجة على من منع أكل الخيل مستدلا بقوله تعالى: «لِتَرْكَبُوها» فإنه لو كان ذلك إلا على منع أكلها لدل هذا الخبر على منع أكل البقر؛ لقوله فى الحديث: «إنما خلقت للحرث» و قد اتفقوا على حل أكلها انتهى. ثم رأيت غير واحد من أئمتنا صرح بجواز المسابقة على البقر بلا عوض و هو ظاهر أو صريح فى حل ركوبها، انتهى كلام الأستاذ الشيخ أبى الحسن البكرى نفعنا الله
1) النحل: آية( 8).
ببركاته، و حيث ذكرنا تقدم فلنكمل باقى المبحث فى تحقيق ذلك فنقول: و ذكر فى المواهب أن العلماء اختلفوا فى إباحة لحوم الخيل، فمذهب الشافعى و الجمهور من السلف و الخلف أنه مباح لا كراهة فيه، و به قال عبد الله بن الزبير و أنس بن مالك و أسماء بنت أبى بكر.
و فى صحيح(1)مسلم عنها قال: نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فأكلناه و نحن بالمدينة، و فى رواية الدارقطنى فأكلنا نحن و أهل بيت النبى صلى اللّه عليه و سلم، قال الحافظ فى فتح البارى: و يستفاد من قولها: «و نحن بالمدينة» أن ذلك بعد فرض الجهاد فيرد على من استند إلى منع أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد، و من قولها: «و أهل بيت النبى صلى اللّه عليه و سلم» الرد على من زعم أنه ليس فيه أن النبى صلى اللّه عليه و سلم اطلع على ذلك مع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بآل أبى بكر أنهم يقدمون على فعل شىء فى زمنه صلى اللّه عليه و سلم إلا و عندهم العلم بجوازه؛ لشدة اختلاطهم به عليه الصلاة و السلام عن الأحكام، و من ثم كان الراجح أن الصحابى إذا قال:
كنا نفعل كذا على عهده عليه الصلاة و السلام كان له حكم الرفع؛ لأن الظاهر اطلاعه صلى اللّه عليه و سلم على ذلك و تقريره، و إذا كان ذلك فى مطلق الصحابة فكيف بآل أبى بكر، و قال الطحاوى: ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل و خالفه صاحباه و غيرهما و احتجوا بالأخبار المتواترة فى حلها انتهى. و قد نقل بعض التابعين الحل عن الصحابة مطلقا من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبى شيبة بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عطاء قال لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: قلت: له أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه و سلم؟، فقال: نعم، و أما ما نقل فى ذلك عن ابن عباس من كراهتها فأخرجه ابن أبى شيبة و عبد الرزاق بسندين ضعيفين، و قال أبو حنيفة فى الجامع الصغير أكره لحوم الخيل، فحمله أبو بكر الرازى على التنزيه، و قال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم و ليس هو عنده كالحمار الأهلى و صحح أصحاب المحيط و الهداية الذ خيره عنهم التحريم و هو قول أكثرهم، و قال القرطبى فى شرح مسلم مذهب مالك الكراهة، و قال الفاكهانى: المشهور عند المالكية الكراهة و الصحيح عند المحققين منهم التحريم، و قال ابن أبى حمزة الدليل على الجواز مطلقا واضح لكن سبب كراهة مالك
1) فى كتاب الجهاد 4/ 150.
لأكلها لكونها تستعمل غالبا فى الجهاد فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله، و لو كثر لأفضى إلى فنائها فيولى إلى النقص من إرهاب العدو الذى وفع الأمر به فى قوله: وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ(1)فعلى هذا فالكراهة لسبب خارج، و ليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته لو حدث أمر يقتضى أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكاب محذور لامتنع، و لا يلزم منه ذلك القول بتحريمه. انتهى و أما قول بعض المانعين لو كانت حلالا لجازت الأضحية بها فمنتقض بحيوان البحر، فإنه مأكول و لم تشرع الأضحية به. و أما حديث خالد بن الوليد عند أبى داود و النسائى «نهى رسول الله صلى اللّه عليه و سلم عن لحوم الخيل و البغال و الحمير» فضعيف و لو سلم ثبوته لا ينهض معارضا لحديث جابر الدال على الجواز و قد وافقه حديث أسماء، و قد ضعّف حديث خالد بن الوليد أحمد و البخارى و الدارقطنى و الخطابى و ابن عبد البر و عبد الحق و آخرون و زعم بعضهم أن حديث جابر دال على التحريم لقوله رخص لأن الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة التى أصابتهم بخيبر، فلا يدل على الحل المطلق. و أجيب بأن أكثر الروايات جاء بلفظ الإذن كما رواه مسلم و فى رواية له أكلنا زمن خيبر الخيل و حمر الوحش و نهانا النبى صلى اللّه عليه و سلم عن الحمار الأهلى و عند الدارقطنى من حديث ابن عباس نهانا صلى اللّه عليه و سلم عن الحمر الأهلية و أمر بلحوم الخيل فدل على أن المراد بقوله رخص إذن و نوقض أيضا بالإذن فى أكل الخيل و لو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها و عزة الخيل حينئذ فدل على أن الإذن فى أكل الخيل إنما كانت للإباحة الخاصة لا لخصوص الضرورة.
و قد نقل عن مالك و غيره من القائلين بالتحريم أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً(2)و قرروا ذلك بأوجه:
أحدها أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر فإباحة أكلها يقتضى خلاف ظاهر الآية، ثانيها: عطف البغال و الحمير فدل على اشتراكها معهما فى حكم التحريم فيحتاج حكم من أفرد حكم ما عطفت عليها إلى دليل، ثالثها: أن الآية سبقت مساحة الامتنان فلو كان ينتفع بها فى الأكل لكان الامتنان به أعظم و الحكيم لا يمتن بأدنى النعم
و يترك أعلاها و لا سيما و قد وقع الامتنان بالأكل فى المذكورات قبلها، رابعها:
لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب، و الزينة، و أجيب بأن آية النحل مكية إتفاقا و الإذن فى أكل الخيل إنما كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين فلو فهم النبى صلى اللّه عليه و سلم فى الآية المنع لما أذن فى الأكل و أيضا فآية النحل ليست نصا فى منع الأكل و الحديث صريح فى جوازه و أيضا فلو سلمنا أن اللام للتعليل لم نسلم إفادة الحصر فى الركوب و الزينة، فإنه ينتفع بالخيل فى غيرهما، و فى غير الأكل اتفاقا و إنما ذكر الركوب و الزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل، و نظيره حديث البقرة المذكورة فى الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: لم أخلق لهذا، و إنما خلقت للحرث، فإنه مع كونه أصرح فى الحصر ما يقصد به إلا الأغلب، و إلا فهى تؤكل و ينتفع بها فى أشياء غير الحرث اتفاقا و قال البيضاوى و استدل بها أى بآية النحل على حرمة لحومها، و لا دليل فيها إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا. انتهى و أيضا فلو سلم الاستدلال للزم منع حمل الأثقال على الخيل و البغال و الحمير و لا قائل به. و أما عطف البغال و الحمير فدلالة العطف إنما هى دلالة اقتران و هى ضعيفة و أما أنها سبقت مساحة الامتنان فالامتنان، إنما قصد به غالبا ما كان يقع به انتفاعهم بالخيل فخوطبوا بما ألغوا و عرفوا و لم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتها فى بلادهم، بخلاف الأنعام فإن أكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال، و للأكل، فاقتصر فى كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينفع به فلو لزم من لزم من ذلك الحصر فى هذا الشق لأضره و أما قولهم لو أبيح أكلها لكانت المنفعة بها إلى آخره فأجيب عنه بأنه لو لزم من الإذن فى أكلها إن تفنى للزم مثله فى البقر و غيرها مما أبيح أكله و وقع الامتنان به، و إنما أطلب فى ذلك لأمر اقتضاه. و الله أعلم.
و أما الجواب عن قوله: و هل محل البيت فى وسط الأرض إلخ؟ فهو أنه روى ذلك عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: الكعبة خلقت قبل الأرض بألفى عام و كيف خلقت قبل الأرض؟ و هى من الأرض فقال: إنه كان عليها ملكان يسبحان بالليل و النهار ألفى سنة فلما أراد الله تعالى أن يخلق الأرض،
دحاها من تحت الكعبة فجعلها فى وسط الأرض و لكن يعارضه ذكره فى تاريخ بيت المقدس و نقله أيضا فى الخميس أن عبد الله بن سلام قال (للنبى) صلى اللّه عليه و سلم لما تلا عليه قوله تعالى: «إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» و لم سماه أقصى لأنه وسط الأرض لا يزيد شيئا، و لا ينقص قال: صدقت انتهى.
و أما الجواب عن قوله و أن الأرض هل دحيت من تحته فقد تقدم ذلك فى رواية أبى هريرة و مثله فى المدارك و غيره قال: فذلك قوله تعالى «كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما و الرتق الالتزاق و لكن روى عن الحسن ما يخالف ذلك و هو أنه قال:
إن الله خلق الأرض فى موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها و كان ظلمان ملتصق بها ثم أصعد منها الدخان، و خلق منه السموات و أمسك الفهر فى موضعه، و بسط الأرض منه، و فى تاريخ بيت المقدس أن الأرض بسطت من الصخرة و منها تطوى، و فيه أيضا عن كعب قال إن فى التورية يقول الله لصخرة بيت المقدس «أنت عرشى الأدنى منك ارتفعت إلى السماء و من تحتك بسطت الأرض و كل ما يسيل من ذروة الجبال من تحتك».
و أما الجواب عن قول و هل ارتفاع مكة من الأرض إلى السماء إلخ؟
فهو أنه روى كعب الأحبار رضى الله عنه أنه قال فى قوله تعالى: وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ(1)أنه ينادى من بيت المقدس من الصخرة و هى أوسط الأرض و هى أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. انتهى، قال الحافظ ابن حجر فى شرح البخارى: و فيه نظر و لم يبينه و لعل وجهه ما روى عن عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت: «لو لا الهجرة لسكنت مكة إنى لم أرى السماء بمكان أقرب إلى الأرض منها بمكة و لم يطمئن قلبه ببلد قط ما اطمأن بمكة و لم أر القمر بمكان قط أحسن منه بمكة أخرجه الأزرقى فإن رواية عائشة رضى الله عنها ثم رأيت فى كتاب الزركشى(2)أعلام الساجد بأحكام المساجد نقلا عن القشيرى أنه قال فى تفسير الآية المتقدمة ينادى المنادى و هو صاحب الصور من الصخرة من أعلا بيت المقدس و هى أقرب إلى الأرض إثنى عشر ميلا. انتهى فقوله: «أقرب إلى الأرض» عكس قول: «كعب أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا» فليتأمل.
فائدة: ذكر الزركشى أيضا فى كتابه المذكور ما نصه الصخرة فى المسجد الأقصى كالحجر الأسود، و لما فدى إسماعيل بالكبش ذبحه إبراهيم- عليه السلام عليها- فاختار الله تعالى ذلك الموضع لقربان خليله عليه السلام، و من عليه بفداء ابنه فهو محل الرحمة. انتهى المقصود منه.
و هذا فى غاية الغرابة فإن الفداء وقع بأرض الحجاز، فأين الصخرة؟
فليراجع و فى تاريخ بيت المقدس حديث من رواية على بن أبى طالب رفعه للنبى صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «سيد البقاع بيت المقدس» و قال ابن عبادة: «صخرة بيت المقدس من صخور الجنة الكعبة بإزاء البيت المعمور و الجنة فى السماء السابعة بإزاء بيت المقدس لو وقع منها حجر لوقع على الصخرة» ثم قال: «إن صخرة بيت المقدس من عجائب الله فى أرضه و إنها صخرة فى وسط المسجد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الله الذى يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه» فيعلم من كلامه آخرا أن المراد بكونها من صخور الجنة أنها تعاد إلى الجنة لا أنها نزلت منها، فإن ذلك ينافى قوله صخرة انقطعت من كل جهة فإنه صريح فى انفصالها بما تحتها، و سيأتى أنها تكون مع الكعبة فى الجنة. فتأمل.
و أما الجواب عن قوله و هل تجاه الكعبة باب من السماء فهو أن العلماء ذكروا فى الحكمة فى إسرائه صلى اللّه عليه و سلم من مكة إلى بيت المقدس ثم العروج منه إلى السماء أنه ليحصل له العروج مستويا من غير تعويج، لما روى عن كعب أن باب السماء الذى يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس قال: و هو أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، قال الحافظ ابن حجر فى شرح البخارى: «و فيه نظر لورود أن فى كل سماء بيتا معمورا و أن الذى فى السماء الدنيا حيال الكعبة و عليه فكان يمكن أن يصعد من مكة إلى سماء الدنيا إلى البيت المعمور». انتهى و اعترض عليه بأنه إنما يتم ما قاله لو كان فى جهة البيت المحاذى للكعبة باب يخلص منه إلى السماء و لا يلزم من وجود بيت هناك بداخل السماء أن يكون هناك باب يتأتى منه ذلك لكن ذكروا أن من الحكم فى مجىء الملك له من جهة السقف دون الباب أنه انصب عليه من السماء انصبابة واحدة بإزاء محله الذى هو فيه فلم يعرج على غيره مبالغة فى المفاجأة فقوله بإزاء محله يشعر بأن هناك
بابا فى السماء بإزاء محله صلى اللّه عليه و سلم و عليه فتوجه ما نظر به الحافظ، و قد يقال لا يلزم ذلك لإمكان فرج السماء للملك كما فرج عليه سقف بيته ثم أعيد و كما شق صدره الشريف ثم أعيد. و القدرة صالحة لذلك فتأمل، ثم رأيت فى تاريخ(1)بيت المقدس أنه روى عن النبى صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إن لله تعالى بابا مفتوحا من سماء الدنيا نحو بيت المقدس، ينزل منه كل يوم سبعون ألف ملك يستغفرون لمن أتى بيت المقدس فصلى فيه».
أما الجواب عن قوله و هل محل البيت خلق قبل السماء إلى آخره؟
فنقول الكلام على ذلك يستدعى الكلام على مبدأ أمر الكعبة الشريفة فنقول قال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ(2)الآية و قال المحققون. الأول هو الفرد السابق فإذا قال: أول عبد اشتريته فهو حر فلو اشترى عبدين فى المرة الأولى لم يعتق واحدا منهما لأن الأول هو الفرد ثم لو اشترى فى المرة الثانية عبدا واحدا لم يعتق لأن شرط الأول كونه سابقا فثبت أن الأول هو الفرد السابق و قال النووى فى تهذيب الأسماء: إذا عرفت هذا فنقول إن قوله تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ» لا يدل على أنه أول بيت ما خلقه الله تعالى و لا أنه أول بيت بنى مطلقا كما روى عن على- رضى الله عنه- أنه سأله رجل عن قوله تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ» الآية أهو أول بيت بنى فى الأرض؟، قال: لا كان نوح قبله و كان فى البيوت، و كان إبراهيم قبله و كان فى البيوت و لكنه أول بيت وضع فيه البركة و الهدى، و من دخله كان آمنا، قال الزركشى: فبين على- رضى الله عنه- أن الوضع خلاف البناء و محصوله أن آل فى الناس للاستغراق، فهو أول بيت وضع لجميع الناس فيه الصفات المذكورة بخلاف باقى البيوت، فإن كل واحد منها ليس لجميع الناس بالصفة المذكورة بل كل واحد منها مختصا بصاحبه مع عدم حصول تلك الصفات فيه، و كل البيت مشتركا فيه بين كل الناس لا يحصل إلا إذا كان البيت موضع الطاعات و العبادات و قبلة لجميع الخلق فدل ذلك على أن البيت وضعه
الله تعالى موضعا للطاعات، و الخيرات، و العبادات، فيدخل فيه كون هذا البيت قبلة للصلاة و موضعا للحج و مكانا يزداد ثواب العبادات و الطاعات فيه و قد صحح بعض المتأخرين ما أجاب به سيدنا على- رضى الله عنه- كما قال الزركشى و قال: و نقل القول بأنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقا عن السدى فقط ثم قال الزركشى: و ما صححه ذلك البعض مخالف لما تقدم من أنه روى أن سيدنا آدم صلى اللّه عليه و سلم بناه أولا، و كذا الملائكة، على ما سيأتى تحقيقه فهو على هذا أول البيوت المبنية بالأرض مطلقا لتأخر وجود سيدنا نوح عليه الصلاة و السلام و من تقدمه عن آدم و الملائكة صلى اللّه عليه و سلم، و الحاصل أن قوله تعالى «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ» الآية الأولية تحتمل أن يكون المراد بها كونه أولا فى الوضع تفسير فى البناء، و أن يكون المراد كونه أولا فى كونه مباركا و هدى فوقع للمفسرين فى تفسير هذه الأولية قولان: الأول أنه أول فى البناء و الوضع، و الذاهبون إلى هذا المذهب لهم أقوال أحدها ما روى الواحدى- رحمه الله- فى البسيط بإسناده و عن مجاهد أنه قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين، و فى رواية: خلق الله موضع هذا البيت قبل خلقه شيئا من الأرض بألفى سنة و أن قواعده فى الأرض السابعة السفلى و روى أيضا عن محمد بن على بن الحسن بن على بن أبى طالب- رضى الله عنهم- عن أبيه قال إن الله تعالى بعث ملائكة فقال: «ابنوا لى فى الأرض بيتا على مثال البيت المعمور». و هذا كان قبل خلق آدم عليه السلام و أيضا ورد فى سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر و مجاهد و السدى أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الأرض و السماء، و قد خلقه الله تعالى قبل خلق الأرض بألفى عام، و كان زبدة بيضاء على الماء، ثم دحيت الأرض تحته و فى رواية عن على بن أبى طالب- رضى الله عنه- أنه قال: خلق الله تعالى البيت قبل الأرض و السموات بأربعين سنة و كان غثا على الماء، و روى من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- أنه قال: الكعبة خلقت قبل الأرض بألفى عام قيل، و كيف خلقت قبل الأرض و هى من الأرض فقال: لأنه كان عليها ملكان يسبحان بالليل و النهار ألفى سنة، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الأرض دحاها من تحت
الكعبة، فجعلها فى وسط الأرض، و فى رواية عن مجاهد أن قواعد البيت فته؟؟؟ و قدره و قدر ما بينه و بين الأرض ذكر المسبحى أن محمدء من أن موضع البيت خلق قبل الأرض لا نفس بناء البيت، فإنه أول ما بنته الملائكة بأمر الله تعالى هذا و بيان القول بأن محل الكعبة أول شىء ظهر على وجه الماء عند خلق السماء و الأرض، أن الله تعالى كان و لم يكن شىء قبله، و كان عرشه على الماء، و ليس هو ماء لبحر بل هو تحت العرش بكيفية أنشأهما الله تعالى فقيل إنه خلق السماء دخان قبل الأرض، و فتقها سبعا بعد الأرض و رده بعضهم بأن خلق الأرض كان أولا مستدلا بقوله تعالى: «أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ» إلى قوله «طائِعِينَ» قال النسفى فى تفسيره المسمى بالمدارك: يفهم منه أن خلق السماء كان بعد خلق الأرض و به قال ابن عباس- رضى الله- تعالى عنهما و اختاره الشيخ جلال الدين و له فى ذلك سؤال و جواب بالنظم فإن قيل هو قول السماء و الأرض كان بلسان الحال أم المقال؟
قيل إن ظهور الطاعة منهما قام مقام قولهما، و قيل إن الله تعالى خلق فيهما كلاما فنطق من الأرض موضع الكعبة و نطق من السماء ما يحيا لها، و قال الثعلبى: خلق الله جوهرة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء، فخلق الأرض من زبده، و السماء من بخاره، فكان أول ظاهر على وجه الأرض مكة زاد غيره ثم المدينة ثم بيت المقدس، ثم دحا الأرض منها طبقا واحدا ثم فتقها بعد ذلك و كذلك السماء و روى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أنه قال أصل طينة النبى صلى اللّه عليه و سلم من سرة الأرض بمكة قال بعض العلماء- فى هذا إيذان بأنها التى أجابت من الأرض و عن كعب الأحبار- رضى الله عنه- قال:
كانت الكعبة غثا على الماء قبل خلق السموات و الأرض بأربعين سنة و منها دحيت الأرض فهو صلى اللّه عليه و سلم الأصل فى التكوين و الكائنات تبع له فان قيل مدفن الإنسان يكون بتربته أى مكان طينته التى خلق منها و هو صلى اللّه عليه و سلم دفن بالمدينة الشريفة أجاب بعض العلماء أن الماء لما تموج عند وقوع الطوفان ألقى تلك الطينة إلى ذلك الموضع من المدينة الشريفة و عن ابن عباس- رضى الله عنه- قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق السموات و الأرض بعث الله ريحا
أحسبها هفهافة فصفقت الماء فأبرزت عن خشفه فى موضع البيت كأنه، قبة فدحا الله الأرضين من تحتها فمادت فأوتدها بالجبال، و كان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت مكة بأم القرى- أى: أصلها- و الخشفه بالخاء و الشين المعجمتين و الفاء واحدة الخشف و هى حجارة تنبت فى الأرض نباتا، و روى عمر بن شبة فى أخبار مكة خشعه بالعين المهملة عوضا عن الفاء و هى أكمة لا طينة بالأرض و قيل هو ما غلب عليه السهولة و ليس بحجر و لا طين و يقال الجزيرة التى فى البحر لا يعلوها الماء خشفه بالفاء و جمعها خشاف هذا و تحقيق الكلام على ذلك يستدعى التكلم على تفسير قوله تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً» قال القاضى ذات رتق أو مرتوقتين و هو الضم و الالتحام أى كانت شيئا واحدا، و حقيقة متحدة «ففتقناهما» بالتنويع و التمييز أو كانت السموات واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة، حتى صارت أفلاكا، و كانت الأرضون واحدة فجعلت باختلاف كيفياتها و أحوالها طبقات أو أقاليم، و قيل: كانتا بحيث لا فرجة بينهما، ففرج و قيل: كانتا رتقا لا تمطر و لا تنبت ففتقناهما بالمطر و النبات، فيكون المراد بالسموات سماء الدنيا و جمعها باعتبار الآفاق أو السموات بأسرها على أن لها مدخلا ما فى الأمطار انتهى المقصود من كلام القاضى: «اليضاوى قال مولانا شيخى زاده فى حواشيه على القاضى قوله أو لم يعلموا إلى آخره يعنى أن الرؤية قلبية و ليست بصرية لأنهم ما رأوها كذلك قال الله تعالى: «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و الرتق مصدر بمعنى الضم و الالتحام فقوله السموات و الأرض رتق من قبيل رجل عدل و لذلك قال ذات رتق أو مرتوقتين و لم يقل كانتا رتقتين لأن المصدر لا يثنى و لا يجمع كقوله: «و ما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام» و اختلف المفسرون فى وجه فتقهما بعد الالتحام فروى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن المعنى كانتا شيئا واحدا ملتزما إحداهما بالأخرى، ففصل الله تعالى بينهما، و رفع السموات إلى حيث هى و أقر الأرض و أشار القاضى إليه بقوله كانتا لا فرجة بينهما، و هو ما قيل أنه تعالى خلق الأرض فى موضع بيت المقدس على هيئة الفهر عليها دخان، لازق بها فأصعد الدخان، و خلق منه السموات و أسكن الفهر فى موضعه و خلق منه الأرض، و بسطها، قال كعب: خلق الله السموات و الأرض ملتصقتين ثم خلق ريحا
توسطتهما ففتقهما بها، و قيل: المعنى كانت السموات رتقة طبقة واحدة ففتقها بالتحريكات المختلفة، فجعلها سبع سموات، و كذلك كانت الأرض رتقة طبقة واحدة ففقتها باختلاف كيفياتها، و أحوالها فجعلها سبع أرضين، و قيل المعنى كانتا شيئا واحدا، و حقيقة واحدة متحدة، ففتقها بالهيبة و التمييز كما جاء فى الحديث المشهور: «أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بنظر الهيبة، فذابت و تفتقت من خوف ربها فصارت ماء، ثم نظر إليها نظر الرحمة فجمد نصفها فخلق منه العرش فارتعد العرش فكتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن العرش، و ترك الماء يرتعد على حالته إلى يوم القيامة و ذلك قوله:
«و كان عرشه على الماء» ثم حصل من تلاطم الماء دخنة متراكمة بعضها فوق بعض و زبد فخلق منه السموات و الأرض طبقا و كانت رتقا فخلق الريح ففتق من أطباق السموات و أطباق الأرض، و قيل المعنى أن السموات كانت رتقا مستوية صلبة لا تمطر و كذلك الأرض كانت رتقة لا تنبت ففتق السماء بالمطر، و الأرض بالنبات، ففتق السماء و هى الأشياء و أصلها بألين الأشياء و هو الماء و كذلك فتق الأرض بألين الأشياء و هو النبات مع شدتها و صلابتها فالآية قل هذا القول ننظر قوله تعالى «وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ» «وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ» و رجح هذا القول بقوله تعالى بعد ذلك «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ» و ذلك لا يليق إلا إذا كان بما تعلق بما تقدم، و لا يكون كذلك إلا إذا كان بالرتق و الفتق كما ذكرنا فإن قيل هذا الوجه مرجوع لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة و هى سماء الدنيا أجيب بأن أطلق لفظ الجمع على سماء الدنيا لأن، كل قطعة منها سماء كما يقال ثوب أخلاق و برمة أعشار و يجوز أن يراد بلفظ الجمع السموات بأسرها و جعلها مفتوق بالمطر بنى على أن لها مدخلا فى الأمطار». انتهى كلام مولانا شيخى قال مولانا سعدى افندى: و يجوز أن يراد بالسموات السحاب فإن السماء تجى بمعنى السحاب أيضا بل هو الأولى لأن النظاير أن المطر لا يجىء من نفس سماء الدنيا بل من السحاب إنتهى و أقول ما اقتضاه كلام القاضى من أن المطر يأتى من سماء الدنيا فقط دون باقى السموات يرده ما صرح به الإمام السيوطى فى المهمة السنية حيث قال: أخرج أبو الشيخ
عن الحسن أنه سئل عن المطر من السماء أم من السحاب فقال: من السماء. إنما السحاب علم ينزل عليه الماء من السماء و أخرج عن وهب قال: لا أدرى المطر أنزل من السماء قطرا فى السحاب أم خلق فى السحاب فأمطر: و أخرج ابن أبى حاتم و أبو الشيخ و الخرايطى فى مكارم الأخلاق عن خالد بن معد أنه قال:
المطر يخرج من تحت العرش فينزل من سماء التماض يجتمع فى سماء الدنيا، فيجتمع فى موضع يقال له الأيزم فيجى السحاب الأسود فتدخل فتشربه مثل شرب الأسفنجة، فيسوقها الله حيث شاء و أخرج ابن أبى حاتم و أبو الشيخ عن عكرمة قال ينزل الماء من السماء السابعة فتقع القطرة منه على السحاب مثل التعير فيتق هذه الآثار لا حاجة للتأويل بل فى جمع السموات على الاحتمال الأخير فى قوله تعالى «أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً» حيث قد رتق السموات بأنها صلبة لا تمطر، ففتقت بالمطر و لما ينافيه أن المطر لا ينزل من جميع السموات، بل من سماء الدنيا فقط لأن إطلاق السموات بلفظ الجمع على سماء الدنيا، على هذا النقد يرينا على أن كل قطعة منها سماء كما يقال ثوب أخلاق و برمة أعشار أو يراد بلفظ السموات جمعها و جعلها مفتوقة بالمطر، مبنى على أن لها مدخلا فى الأمطار و ذلك لأنه بعد ورود الآثار بأن المطر يخرج من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجمع فى سماء الدنيا فى محل يقال له الأيزم فيجىء السحاب الأسود فيدخل، فيشربه مثل شربة الأسفنجة كيف يصرف جميع السموات حينئذ عن ظاهره و يدعى حصر نزول المطر من سماء الدنيا فقط؟ دون ما قبلها؟ و بذلك يظهر لكن أن ما استظهره مولانا سعدى افندى من حل السموات على السحاب و أنه أولى. لأن الظاهر أن المطر لا يجىء من السماء بل من السحاب غير ظاهر مع وجود الآثار فى خلافه على أنه قد يقال السماء بمعنى السحاب لا يجمع هذا الجمع كما يؤخذ من كلام حسن قلينى فى حواشى المطول من التبين به حيث قال: المظلة للأرض مؤنثة لا غير و لهذا وجهوا فنظر فى قوله تعالى «السَّماءُ مُنْفَطِرٌ» بوجوه منها أنه بمعنى المطر فيذكر و يؤنث و إلا غلب التأنيث و الجمع فى القلة على اسمية و فى الكثرة على اسمين بوزن فعول و لا يجمع على سموات ثم قاله فاحفظ هذا و لا تلتفت إلى ما قاله الجوهرى: من أن السماء على المعنى الأول يذكر و يؤنث- يجمع
على أسميه و سموات انتهى و لعل معتقد مولانا سعدى أفندى أن المطر خلق ابتداء من السحاب، أو أن أخذه فى البحر الملح و الذى ذكره السيوطى فى المهمة عن خالد بن يزيد «أن المطر منه ما هو من السماء، و منه ما يستفيد الغيم من البحر فيعذبه الرعد و البرق فأما كان من البحر فلا يكون له نبات، و إنما النبات مما كان من السماء، إذا علمت ذلك فلنرجع لما نحن بصدده فنقول:
ما تقدم نقله عن شيخى أفندى من أن الله خلق الأرض فى موضع بيت المقدس، إلى آخره أحد قولين فقد نقل كلا منهما فى تاريخ الخمينى فقال روى عن الحسن أن الله خلق الأرض فى موضع بيت المقدس كهيئة الفهر، عليها دخان ظلمان ملتصق بها، ثم أصعد منها الدخان و خلق منه السموات.
و أمسك الفهر فى موضعه، و بسط منه الأرض، و فى المدارك و غيره بسط الأرض من تحت الكعبة قد يكون قوله تعالى «كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما» و الرتق الالتزاق، و فى مرايس الثعلبى قال العلماء، ثم أراد الله عز و جل أن يخلق السموات فخلق جوهرة مثل السموات السبع و الأرض السبع ثم نظر إليها هيبة، فصارت ماء، ثم نظر إلى الماء فغلا، و ارتفع له زبد و دخان فخلق من الزبد الأرض، و من الدخان السماء، لقوله تعالى «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ» ثم فتقها بعد ما كانت طبقة واحدة و حيرها سبعا، و ذلك قوله تعالى «أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما» الآية و ذكر ابن العماد أنه قيل: أن الله نطق زمردة خضرا كغلظ السموات و الأرض ثم نظر إليها نظر العظمة فانما عن فصارت ماء، فمن ثم ترى الماء دائما يتحرك من تلك الهيبة، ثم إن الله تعالى رفع من البحر بخارا و هو الدخان الذى ذكره فى قوله تعالى «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فخلق السماء من الدخان و خلق الأرض من الماء و الجبال من موج الماء انتهى. و ذكر السيوطى فى المهمة السنية فى قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ و ذاك الدخان من تنفس، الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات يومى الخميس و الجمعة، و إنما يسمى يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات و الأرض و أوحى فى كل سماء أمرها قال خلق فى كل سماء أمرها قال خلق فى كل سماء خلقها من الملائكة و الخلق
الذى فيها من البحار و الجبال و جبال البرد و ما لا نعلم ثم زين السماء الدنيا بزينة الكواكب و أخرج عثمان بن سعيد الدارمى فى كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن عامر قال: لما أراد أن يخلق الأشياء إذ كان عرشه على الماء، و إذ لا أرض، و لا سماء، خلق الريح فسلطها على الماء حتى اضطربت أمواجه و ثار فأخرج من الماء دخانا و طينا و زبدا، فأمر الدخان فعلا و سما و نما فخلق منه السموات، و خلق من الطين الأرضين، و خلق من الزبد الجبال، و روى عن مجاهد قال: خلق الله الأرض قبل السماء فلما خلقت طار منها دخان فذلك قوله تعالى «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ. فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» و هذا صريح فى تقديم خلق الأرض على السماء و هو مذهب ابن عباس و تبعه صاحب الكشاف متمسكا بظاهرات البقرة و هى قوله تعالى «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ» و كذا آية حم و هى قوله تعالى «أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها» الآية فصلت قال و لا ينافيه قوله تعالى «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» لأن جرم الأرض خلق متقدما على خلق السماء، و أما دحوها و بسطها فمتأخر لقوله تعالى: «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها و أيد الزمخشرى ذلك بما روى عن الحسن البصرى- قدس الله سره- من أن الله خلق الأرض فى موضع بيت المقدس لهيئة الفهر عليها دخان ملتزمة بها، ثم أصعد الدخان، و خلق منه السموات و أمسك القهر فى موضعه، و بسط الأرض بعد ذلك و خالفه القاضى البيضاوى فى ذلك و ذهب إلى خلق السماء على الأرض و جعل ذلك من الأسباب المقتضية لتقدمها على الأرض فى الذكر عند اجتماعهما، و هذا مذهب قتادة و السدى متمسكين بما فى سورة النازعات فى قوله تعالى «أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها الذى من جملته خلق الجبال من فوقها عن خلق السماء و تسويتها، و أجاب القاضى
عن آيتى البقرة و حم فصلت بقوله فى آية البقرة ثم لقلة التفاوت ما بين الخلقتين و فضل خلق السماء قبل خلق الأرض كقوله «ثم كان من الذين آمنوا لا للتراخى فى الوقت فانه يخالف ظاهر قوله تعالى «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم، على خلق ما فيها، عن خلق السماء و تسويتها إلا أن يستأنف بدحاها النصب، الأرض فعلا آخر دل عليه «أأنتم أشد خلقا قبل تعرف الأرض و تدبر أمرها بعد ذلك لكنه خلاف الظاهر». انتهى و بقوله فى آية حم فصلت و الظاهر أن ثم لتفاوت ما بين الخلقين، لا للتراخى فى المدة لقوله: و الأرض بعد ذلك دحاها «و دحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها: انتهى و قد أثار لرد كلام الزمخشرى فى الجمع بين آية النازعات و آيتى البقرة و حم و فصلت، و قد نبغ فى ذلك الرد الإمام حيث قال: هذا الجمع الذى جمع به صاحب الكشاف و هو تقدم خلق جرم الأرض على السماء، و تأخر دحو الأرض الآية يدل على تأخر خلق السماء فى خلق ما فى الأرض المتأخر عن دحوها، قال المحقق التفتازانى: و ذلك لا قائم يدل على تأخر خلق السماء على الأرض ما فى الأرض من عجائب الصنع حتى أسباب اللذات و الآلام، و أنواع الحيوانات، حتى الهوام لأن مجرد خلق جرم الأرض. انتهى قال الكازرونى: «و فيه نظر لأن خلق ما فى الأرض ليس المراد من خلق جميع أفراده و هو بل المراد فى ضمن بعض الأفراد و هذا لا يستلزم أن يكون بعد دحو الأرض، بل لعله قبل دحوها أى بسطها هذا البسط المشاهد فإنه يمكن أن يكون خلق الأرض و خلق جميع أجناس ما فيها ثم دحيت الدحو المحسوس، فلا يستفاد من آية البقرة تقدم دحو الأرض على خلق السماء و تسويتها حتى يكون منافيا لقوله تعالى «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها». انتهى و حاصله أن يجوز أن يخلق الله فى جرم صغير فردا من كل نوع مما فى الأرض فى غاية الصغر مثل الجزء الذى لا يتجزأ كما قال به جمع ليفيد أخذ الميثاق من ذرية آدم عليه السلام و إخراجهم من ظهره فخلق الأرض على هيئة الفهر، ثم خلق من كل نوع فزاد ثم خلق السموات و سواها ثم دحا الأرض و من تأمل مصنوعاته لم يستبعد
ذلك، و قد سلك مولانا سعدى أفندى مثل هذا فى الجواب فقال يجوز أن يخلق ما فى الأرض قبل البسط و الدحو بالإجمال و مبدأ تفاصيل الخصوصيات و قال المحسن شيخى و يمكن أن يجاب أيضا بأن يقال خلق ما فى الأرض إنما يستلزم كونها مدحوة أن لو كان ما فى الأرض بمعنى إيجاده مفصلا و ليس بلازم بجواز: أن يكون الخلق بمعنى التقدير الذى هو فيه تفصيل الخصوصيات فالمعنى قدر لكم ما فى الأرض جميعا ثم خلق السموات السبع و سواهن و لا محذور فى أن يخلق الله تعالى الأرض أولا على هيئة الفهر و يقدر فيها إجمالا جميع ما ينتفع به الإنسان من الرواسى و الأقوات و غيرها، ثم خلق السموات، ثم يبسط الأرض، و يمهد للسكنى، و يخلق فيها على التفصيل ما قدره إجمالا، و الله أعلم لحقيقة الحال. انتهى. و ما قبله أن الخلق ليس بمعنى الاتجار بل بمعنى التقدير إلا أنه جعل التقدير للتفصيل قلت و لا يخفى ما فى هذه الأجوبة، فإن صريح آية «حم فصلت» التى فيها تحديد خلق الأرض بأربعة أيام، ليناسب على الخلق فيها على التقدير، و كذا تعميم ما فى الأرض بقوله جميعا، فى آية البقرة لا يلائم الحمل على الإجمال روى التفصيل فليتأهل و أجاب سعدى أفندى عن آية النازعات بناء على القول بتقدم خلق الأرض مدحوة بأن البعدية محمولة على البعدية الربيبة و أجاب صاحب الكشف عنها بأن كلمة ذلك فى قوله- بعد ذلك دحاها- إشارة إلى ذكر خلق السماء نظير ما زكرنى ثم قال الكاذرونى و فيه ان كون الطرف معلقا به ما يدفعه و جوابه أنه يتعلق بمقدر و تقدير الكلام أقول بعد ذكر ما ذكر دحاها لا بدحاها. انتهى و قال المحقق التفتازانى فى حواشى سورة البقرة: و سيذكر الكشاف فى حم فصلت ما يدل على تأخر إيجاد السماء عن خلق الأرض و دحوها جميعا حتى قيل أنه خلق الأرض و ما فيها فى أربعة أيام ثم خلق السماء و ما فيها فى يومين، ذكر ذلك فى الروايات فلا يفيد، ثم يدل رتبة التراخى إلا أن يقول قبل رواية كون إيجاد السماء إيجاد الأرض فضلا عن دحوها، قيل ما روى عن مقاتل و الأوجه أن قول تأويل قوله تعالى: «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» انتهى كلام المحقق التفتازانى بقوله و الأوجه أن إلى آخره الى ما اختاره من تقدم خلق الأرض عليه فتذكر و منه يظهر أن جوابه على
الإشكال الوارد عن انتظام الأرض مع السماء فى الأمر بالإتيان مع أن خلق الأرض قد تم لا يتم لاتننا به هل تأخر الدحو؟ و لا قتضابه أن يكون الأمر بعد خلقها، و قوله «فقضاهن» لا يساعد عليه إلا إن يقال أن إرادة كونهما على الوصف جاز أن يتقدم خلق السموات، أما كونهما على الوصف فهو متأخر، و معنى الأمر الإرادة ما حقق و يتم جواب الإشكال حينئذ و لو قيل: إن التمثيل للدلالة على أنهما محلا قدرته تعالى يتصرف فيهما كيف يشاء أمجاد أو إجمالا لا ذاتا و صفة و هو تمهيد لمقولته فقضاهن أى لما كان أمر الخلق بهذه السهولة قضى السموات و أحكم خلقها فى يومين فيصبح هذا القول قل كونهما و بعد و فى أثنائه، إذ ليس الغرض دلالة على وقوع لكان أظهر فى الجواب انتهى كلام الكشاف هذا و قد علمت أن القاضى يرى بتقدم خلق السماء على خلق الأرض، و ذكر فى تفسير سورة حم فصلت أن الأرض و ما فيها خلق فى أربعة أيام متصلة و لم يبين عين تلك الأيام و ذكر أن السماء و ما فيها خلقت فى يومين و حكى تعينهما بقبل و هو أنهما يوم الخميس و الجمعة، نقلى هذا يكون أيام خلق السماء متقدمة على أيام خلق الأرض، و هذا فيحتمل أن يكون تلك الأيام التى خلقت فيها الأرض و ما فيها، متصلة باليومين اللذين خلق فيهما السماء و ما فيهما فاذا كان المبدأ يوم الخميس و الأيام متصلة كان الانتهاء بيوم الثلاثاء و لم يذهب أحد بأن مبدأ الدحو يوم الخميس فكيف هذا و قد عين صاحب الكشاف فى الأيام الأربعة التى خلقت فيها الأرض، و ما فيها حاليا بقبل حيث قال: قبل خلق الأرض يوم الأحد و يوم الإثنين، و ما فيهما يوم الثلاثاء و يوم الأربعاء:
و خلق السموات و ما فيها من يومين فى يوم الخميس و الجمعة. انتهى و هذا ظاهر على مختاره من قدم خلق الأرض على خلق السماء، موافق لظاهر آيتى البقرة و فصلت و مودلا لآية النازعات بما تقدم هى مقتضى جوابه فى آية فصلت عن ذكر الأرض فى قوله تعالى «فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً» الآية مع السماء و انتظامهما فى الأمر بالإتيان مع كون الأرض مخلوقة قبل السماء بيومين بأنه قد خلق جرم الأرض أولا غير مدحوة ثم دحاها بعد خلق السماء كما قال: «و الأرض
بعد ذلك دحاها». و المعنى إيتيا على ما يتبقى أن فليه من الشكل و الوصف ايتى يا أرض مدحوة قرارا و مهادا، و ايتى يا سما سقفا لهم إلى آخره، أن لا يكون أيام خلق الأرض و ما فيها الأربعة متصلة على خلق جرم الأرض فى يومين، و هما: يوم الأحد و يوم الإثنين ثم خلق السماء فى يومين هما: يوم الخميس و يوم الجمعة ثم دحا الأرض و خلق ما فيها من جبال و غيره فى يومين آخرين و هما يوم الثلاثاء و الأربعاء فيلزم أن تكون تلك الأيام من جمعتين و فيه خفا و إنما قلنا ذلك لأن فى الأرض من جبال و شجر و غير ذلك إنما يكون بعد دحوها لا قبله، فحيث كان المتقدم خلق جرم الأرض، و يليه خلق السماء، و يليه دحو الأرض، لزم من ذلك تأخر خلق ما فيها عن دحوها، و يلزمه ما تقدم من عدم اتصال أيام خلق الأرض و ما فيها بخلافه على كلام القاضى، فان أيام خلق الأرض و ما فيها متصلة واقعة. بعد خلق السماء ثم رأيت فى كلام بعضهم أن الذاهبين إلى أن المتأخر دحو الأرض قائلون أن خلق الأرض و ما فيها متقدم و المتأخر دحوها و بسطها فقط، و صريح قوله تعالي: «أخرج منها ماءها و مرعاها» يفيد تأخر ذلك و إن قيل بأن أخرج منها ماءها و مرعاها تفسير و تبيين لقوله تعالى: «دَحاها» من عند قول القائلين المتأخر الدحو بمعنى البسط أى بسطها و مدها للسكن. انتهى و أقول ما قاله من أن القائلين بأن المتأخر دحو الأرض قائلون أن خلق الأرض و ما فيها متقدم، و المتأخر فدحوها و بسطها فقط، يرده ما تقدم لكن عمن الاتفاق من كلام ابن عباس- رضى الله عنهما- و توضيح الحافظ ابن حجر له حيث قال ابن عباس: و الأرض بعد ذلك دحاها يقول جعل فيها جبلا، و جعل فيها نهرا، و جعل فيها بحرا و جعل فيها بحورا، قال الحافظ و حاصله أنه بدأ خلق الأرض غير مدحوه فى يومين ثم خلق السموات فسواهن فى يومين ثم دحى الأرض بعد ذلك و جعل فيها رواسى و غيرها فى يومين. انتهى و هذا صريح فى أن أيام خلق الأرض و ما فيها الأربعة غير متصلة و هذا يرد كلام هذا القائل فتأمل و اعلم أن صريح الآيات أن السنة طرق لخلق السموات و الأرض و ما فيها المصرح به فى حم فصلت، و هو أن السموات خلقت فى يومين، و الأرض فى يومين و ما عليها من أنواع الحيوان و النبات، و غير ذلك فى يومين و حينئذ فمعنى قوله تعالى: «وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فى تتمة أربعة أيام: لأن اليومين اللذين خلق فيهما الأرض من جملة الأربعة، و أنه مع ما يفهمه ظاهر آية فصلت هن قبل الرواس و ما ذكر عنها فى أربعة أيام لأنه يلزم أن يكون خلق الأرض و ما فيها فى ستة أيام و قد ذكر بعده أن خلق السموات فى يومين فيلزم أن يكون مدة خلقهما ثمانية أيام، و هذا يخالف صريح الأيات فى أن خلقها فى ستة أيام بقى أن الكلام فى تحقيق إطلاق هذه الأيام قبل خلق السماء، و ما مقداره هل يتى مقدار أيام الدنيا و أيام الآخرة فنقول: قال: القاضى البيضاوى فى سورة الأعراف فى ستة أيام أى:
فى ستة أوقات كقوله تعالى: «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ» أو فى مقدار ستة أيام فإن التعارف فى النوم زمان طلوع الشمس إلى غروبها، و لم يكن حينئذ و فى خلق الأشياء مدرجا مع القدرة على إيجاده، و رفعه دليل الاختيار و اعتبار النظار و حيث على الثانى فى الأمور انتهى قال مولانا سنان أفندى قوله فى سته أوقات بأن يتخلل بين هذه الأوقات خمسة خالية، و قوله فإن المتعارف تعليل صالح للتوجيهين و قوله دليل الاختيار فإن قلت: يجوز أن يكون الفاعل مؤخيا مشروطا بأمور توجد وقتا فوقتا قلت: ماله إلى التسلسل أو ثبوت الاختيار و قوله اعتبار النظار لاخفاء فى أن هذا يتوقف على تقدم خلق الملائكة على خلق الأرض و السماء انتهى قلت: المذكور فى تاريخ الخميس أن الله خلق يوم الخميس السموات، و خلق يوم الجمعة الشمس و القمر و النجوم و الملائكة، و هذا يقتضى تأخر خلق الملائكة عن خلق السموات ثم ذكر من العرايس أنه خلق يوم الخميس ثلاثة أشياء السموات و الملائكة و الجنة هذه تقتضى خلق الملائكة مع السموات فى يوم الخميس، لكن أيهما أسبق لا يعلم ثم رأيت فى الحبايكن ان الله تعالى خلق الملائكة يوم الأربعاء، و خلق الجن يوم الخميس، و خلق آدم يوم الجمعة. انتهى فعلي هذا يكون خلق الملائكة متقدما على خلق السموات لأن لم يزمن يقول بتقدم خلق السموات على يوم الأربعاء فعلى كلام الحبايكن اعتبار التنظار منهم واضح، إن قلنا برأى القاضى بتقدم خلق السموات على خلق الأرض، و إن الملائكة خلقت يوم الخميس، فيكونون قد شاهدوا خلق السموات و الأرض تدريجا، و أما على رأى صاحب الكشاف فى
تقدم خلق الأرض و ما فيها هل خلق السماء و ما فيها و معلوم أن الملائكة من مخلوقات السماء فإن قلنا بأنهم خلقوا فى يوم الجمعة، فهم لم يشاهدوا خلق شىء من الأرض و السماء، و إن قلنا بأنهم خلقوا فى يوم الخميس مع السموات، فلا يظهر مشاهدتهم لخلق السموات إلا إن تقدموا فى الخلق، و أما الأرض فلتقدم خلقها عنده فلم يشاهدوها، و أما كلام الحبايكن فى اعتبار النظار عليهم بذلك بأخبار الصادق ثم رأيت ابن عادل قال: و هذا عند من يقول خلق الملائكة قبل خلق السموات و الأرض، و قد علمت و قال المحقق التفتازانى:
إثبات الجهات العلوية و السفلية و الأربعة قبل خلق السماء و الأرض مبنى على التقدير، و التمثيل، و للواقفين على أسرار الآيات فيه كلام آخر. انتهى و اعترضه المول فسرو بأنه لا حاجة اليد فى الجهتين، لأن المراد بهما ما يسمى لأن ما يعلو و السفل فكان قيل خلق لكم ما فى جهة أسفل الآن ثم استوى إلى ما فى جهة العلو نعم يحتاج اليه فى الأيام الستة و الأربعة لأن اليوم زمان طلوع الشمس، و لا شمس حينئذ فيصار إلى التندير. انتهى و ذكر فى الكشاف فى تفسير سورة حم فصلت أن الأرض خلقت فى يوم الأحد و يوم الأثنين، و ما فيها فى يومين يوم الثلاثاء و الأربعاء، و خلق السموات و ما فيها فى يوم الخميس و يوم الجمعة، و فرغ فى آخر ساعة فى يوم الجمعة فخلق فيها آدم و هى الساعة التى تقوم فيها القيامة و قال القاضى: قيل أن السموات خلقت يوم الخميس، و الشمس و القمر و النجوم يوم الجمعة، قال المحقق التفتازانى: إثبات حقيقة النوم قبل خلق السموات و الأرض، و تعيين الأحد و الإثنين و الثلاثاء و الأربعاء مشكل. قال الرازى: فإن قيل و ما فيها أعظم من الأرض و ما فيها بأضعاف مضاعفة فى الخلق فى أن الله تعالى خلق الأرض و ما فيها فى أربعة أيام و السموات و ما فيها فى يومين قلنا السموات و ما فيها من عالم الغيب و من عالم الملكوت، و من عالم الأمن، و الأرض و من فيها من عالم الشهادة و الملك و الخلق و الأول أشرع من الثانى، و وجه آخر: و هو أنه فعل ذلك ليعلم أن الخلق على سبيل التدريج فى الأرض، و ما فيها لم يكن للعجز من خلقها دفعة واحدة بل كان لمصالح لا تحصل إلا بذلك، و لهذه الحكمة خلق العالم الأكبر فى ستة أيام و العالم الأصغر و هو الإنسان فى ستة أشهر، و قال المولى أبو السعود
و أما تخصيص ذلك بالعدد المعين، فأمر استأثر بعلم ما يقتضيه علام الغيوب جلت حكمته، و أشار ابن عادل إلى ذلك فى سورة الأعراف، حيث قال:
السؤال السابع ما الحكمة فى تقييدها بالأيام الستة؟ و الجواب أن هذا السؤال غير وارد لأنه تعالى لو أحدثه فى مقدار آخر من ذلك لعاد ذلك السؤال و قال أيضا:
السؤال السادس أنه تعالى قال: «وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ» و هو كالمناقض لقوله لخلق السموات و الأرض فى مدة متراخية، و جوابه إن قوله:
«و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر» محمول على إيجاد كل واحد من الذوات و على إعدامه لأن إيجاد الموجود الواحد لا يقبل التفاوت فلا يمكن تحصيله إلا دفعة و أما الإمهال فلا يجعل إلا فى المدة. انتهى. و لعل حاصل الجواب أن التدريج بالنظر إلى خلق المجموع الذى هو السموات و ما فيها، و الأرضون و ما فيها، و بنظر المفهوم فى الآية الثانية فالنظر إلى كل واحد. و معنى قوله: «و أما الإمهال فلا يحصل إلا فى المدة» أن التأخير إنما هو فى المدة التى ينتهى إليها لإيجاد و أما نفس الإيجاد فلا تدريج فيه و عبارة القاضى فى تفسير قوله تعالى «أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ» فى مقدار يومين، أو نوبتين و خلق فى كل نوبة ما خلق فى اسرع ما يكون. انتهى. بقى بحث آخر: و هو أن صريح كلام المفسرين أن الستة أيام ظرف لخلق السموات و ما فيها و الأرض و ما فيها و أن خلق السموات و ما فيها فى يومين منها، و خلق الأرض و ما فيها فى أربعة منها و هذا يخالفه خبر مسلم عن أبى هريرة قال: أخذ رسول الله صلى اللّه عليه و سلم بيدى فقال خلق الله التربة يوم السبت، و خلق فيها الجبال فى يوم الأحد، و خلق الشجر يوم الإثنين و خلق المكروه يوم الثلاثاء و خلق النور يوم الأربعاء، و بث فيها الدواب يوم الخميس و خلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، فى آخر الخلق فى آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل، فهذا الحديث يدل على أن الستة أيام ظرف لخلق الأرض، و ما فيها فقط و أن من جملة ذلك خلق آدم فيكون من مخلوقات الأرض، و سيأتى ما يقتضى أنه من مخلوقات السماء، فى بعض الروايات و ذلك لأنه لم يصرح فيه باليومين اللذين خلق فبيّنا السماء و ما فيها فنيا فى صريح الآية أنها ظرف لخلق السموات و الأرض و ما فيهما جميعا
و ذكر فى تاريخ الخميس أنه ذكر فى الحديث أن الله خلق الأرض يوم الأحد و يوم الإثنين خلق الجبال قلت هذه الرواية تغاير رواية مسلم السابقة فإنه ذكر فيها أنه خلق الجبال يوم الأحد، و هذه ذكر فيها أنه خلقها يوم الأثنين، و فى رواية أنه خلق الحديد يوم الثلاثاء و خلق يوم الأربعاء الشجر و الماء و العمران و الخراب و أنواع النباتات و الحيوانات و أقوات أهل الأرض و أرزاقهم تلك أربعة.
لا ستة فقد رواه ابن عساكر بأنه إنما يصح تقدير أن يوم الجمعة داخل فى السبت التى خلق فيها العالم، و لم يصح ذلك لأنه صلى اللّه عليه و سلم فسر خلق الأشياء و جعل خلق آدم فى اليوم السابع، و هو يوم الجمعة، و لم يثبت أنه خلق الأيام، و إنما أخبر تعالى أنه خلق هذا العالم فى ستة آخره الخميس، و خلق آدم بعد الفراغ من خلقها إشارة لكونها خلقت لمصالحة، و سباق خبر مسلم المذكور ظاهر فى ذلك و يؤيده أيضا الخبر الصحيح، أن الله تعالى هدانا إلى يوم الجمعة و أضل عنه اليهود و النصارى أى لأن اليهود لما اعتقدوا أن أول الأسبوع الأحد كان الجمعة سادسها فأخذوا السابع هو السبت و النصارى لما اعتقدوا أن أوله الإثنين أخذوا الأحد و أما هذه الأمة فاعتقدوا أن أوله السبت، فآخذ السابع و هو الجمعة، و لا حجة فى اشتقاق نحو الأحد، من الواحد و هكذا لأن هذه التسمية لم تثبت بأمر رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فلعل اليهود وضعوها على مذهبهم، فأخذتها الغرب عنه و لم يرد فى القرآن إلا الجمعة و السبت، و ليسا من أسماء العدد انتهى كلام ابن عساكر و أقول فى قوله لعل اليهود وضعوها على مذهبهم نظر، فقد قال السيوطى فى الهيئة عن ابن عباس قال: إن الله خلق يوما فسماه الأحد، ثم خلق ثانيا فسماه الإثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسماه الخميس، فخلق الأرض يوم الأحد و الإثنين، و خلق الجبال يوم الثلاثاء، و لذلك يقول الناس أنه يوم ثقيل و خلق الأشجار و الأنهار يوم الأربعاء، و خلق الطير و الوحش و السباع و الهوام و الآفة يوم الخميس، و خلق الإنسان يوم الجمعة، و فرغ من الخلق يوم السبت. انتهى كلام ابن عباس فعلم من كلام بن عباس رضى الله عنهما أن المسمى لهذه الأيام بهذه الأسماء هو الله تعالى لا اليهود فكيف كلام ابن عساكر السابق ثم رأيت ابن حجر التيمى قال إن هذه التسمية لو ثبتت لم يكن فيها دليل لأن العرب
تسمى خامس الورد أربعا و هكذا و هو الذى أخذ منه «ابن عباس» قوله الذى كاد أن ينفرد به أن يوم عاشوراء هو تاسع المحرم و تاسوعا ثامنه، و هكذا كذا أنا «و ابن حجر» فى شرح الهمزته قلت: «صريح الكشاف فى تفسير سورة فصلت يقتضى أن خلق آدم داخل فى الأيام الست و إن المبدأ الأحد و الانتهاء الجمعة، و أن أيام خلق الأرض و ما فيها، أربعة كاملة لا نقص فيها و ان يومى خلق السماء و ما فيها ناقصان غير كاملين» فانه قال فى قوله: «فى أربعة أيام» أنه لما ذكر أن الأرض خلقت يومين و أن يقول فى أربعة أيام سواء فائدة ليست فى يومين و هى: الدلالة على أنها كانت أياما كاملة بغير زيادة و لا نقصان و لو فى يومين، و قد يطلق اليومان على اكثر مما كان يجوز أن يزيد باليومين الأولين و الآخرين أكثرها ثم قال فى تفسير قوله تعالى «فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ»: «قيل خلق السموات و ما فيها فى يومين فى يوم الخميس و الجمعة و فرغ فى آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها «آدم» و هى الساعة التى تقوم فيها الساعة فى هذا دليل على ما ذكرنا من أنه لو قيل فى يومين من موضع أربعة أيام سواء لم يعلم أنهما يومان كاملان أو ناقصان». انتهى فهذا صريح فى أن يوم خلق آدم داخل فى الستة أيام المذكورة فلم يخرج خلق آدم عن هذه الأيام، فإن قلت: خلق آدم تأخر عن خلق السموات بألوف من السنين و قد تقدم خلق إبليس و غيره ممن سكن الأرض فكيف يقال أنه خلق فى اليوم السادس؟ قلت:
جاز أن يكون ذلك اليوم الذى خلق فيه آدم سادس بالنظر ليوم الذى وقع فيه خلق ما قبله و إن لم يتصل به ألا ترى أن القاضى لما فسر قوله فى ستة أيام فى سورة الأعراف بستة أوقات على أحد التفسيرين قال مولانا «سنان أفندى» عليه بأن تخلل بين هذه الأوقات خمسة خالية من ينافى هذا رواية أن الله تعالى خلق يوم الجمعة الشمس و القمر و النجوم و الملائكة و خلق آدم أخر ساعة من يوم الجمعة آخر الخلق فقرن خلق آدم بخلق الشمس و القمر و النجوم و الملائكة فى يوم الجمعة، فلا يكون يوم خلقه يوما سادسا لما قبله على تقدير خلقه بعد ما تقدمه من الخلق، فتأمل «و ذكر القاضى» فى سورة حم فصلت انه قيل أن السموات خلقت يوم الخميس، و النجوم و الشمس و القمر خلقت يوم الجمعة و هو لا يناسب طريقته فى تقدم خلق السموات على خلق الأرض؛ لأنه على
طريقته ينبغى أنه بدأ خلقها فى أول الأسبوع و هو الأحد أو السبت على ما سبق، و لعل هذا حكمه التعبير بقيل ذكر القاضى أيضا فى (حم فصلت): أن المراد من قوله فى يومين مقدار يومين أو نوبتين، و خلق فى كل نوبة ما خلق فى أسرع ما يكون و لعل المراد بالأرض ما فى جهة السهل من الاجرام البسيطة من خلقها فى يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا، ثم خلق لها صورا بها صارت أنواعا». انتهي.
و ذكر فى «سورة الأعراف» أنه تعالى خلق هذا العالم على ترتيب قويم تدبير حكيم فأبدع الافلاك، ثم زينها بالكواكب كما أشار إليه بقوله فقضاهن سبع سموات فى يومين، و عمد إلى إيجاد الاجرام السفلية فخلق جسما «قابلا» للصور المتبدلة، و الهيئات المختلفة، ثم قسمها بصور نوعية متضادة الأثار و الأفعال و أشار إليه بقوله خلق الأرض فى يومين أى ما فى جهة الشغل فى يومين، ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة بتركيب مواده أولا و تصويرهما ثانيا كما قال بعد قوله:
«و خلق الأرض فى يومين و جعل فيها رواس من فوقها و بارك فيها و قدر فيها أقواتها فى أربعة أيام» أى مع اليومين الأولين لقوله فى سورةالم السجدة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ .... إلى آخر كلامه قال مولانا «سنان أفندى»: قوله فأبدع الأفلاك قال إلى القول بتقدم خلق السماء على خلق الأرض و سبق منه التصريح بذلك فى الأنعام و قوله: فخلق جسما قائلا للصور و هو اليئول سما جسما لأنها مادته المنقمسة فى الأقطار الثلاثة، و قوله:
«ثم قسمها إلى العناصر الأربعة، و المواليد الثلاثة بين الحيوانات و النباتات و المعادن.» انتهى و أما الكلام على نوع هذه الأيام هل هى من أيام الدنيا أو الآخرة فتقول:
«ظاهر كلام القاضى البيضاوى أن الايام الستة التى وقع فيها خلق السماء و الأرض مقدرة بأيام الدنيا» و الذى قال: «السيوطى» فى الاتفاق: إن ابن عباس توقف فى جواب السائل حيث سأله رجل عن يوم كان مقداره ألف سنة و يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فقال ابن عباس: «هما يومان» ذكرهما الله فى كتابه الله أعلم. بهما و إنى لا أدرى ما بقى و أكره أن أقول فيهما ما لا أعلم. و قد سئل «سعيد به المسيب عن ذلك» فلم يدر ما يقول فقيل له إن ابن عباس توقف فى ذلك فقال ابن المسيب متسائلا: هذا «ابن عباس» قد اتقى أن يقول فيها و هو أعلم
منى، و روى عن «ابن عباس» أيضا أن يوم الألف فى قوله تعالى: «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ». أهو مقدار تسيير الأمر و عروجه إليه، و يوم الألف فى سورة الحج هو أحد الأيام الستة التى خلق الله فيها السموات، و يوم الخمسين ألف هو يوم القيامة و روى عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا قال له: حدثنى ما هذه الآيات فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة «و يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة و إن يوم عند ربك كألف سنة» فقال يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة و السموات فى ستة أيام و إن كل يوم يكون كألف سنة و يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة قال ذلك مقدار المسير، و ذهب بعضهم اليه أن المراد بهما يوم القيامة و أنه باعتبار قال المؤمن و الكافر بدليل قوله: «يوم عسير على الكافرين غير يسير» انتهى كلام الإتقان قلت و فى جوابه عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة بأنه يوم القيامة مع ما ورد من أن الله تعالى جمعه من جمع القيامة و إن يومها ألف سنة تأمل فليراجع «رسالة الكشف» و قد ذكر السيوطى أيضا من الهيئة السنة عن وهب فى قوله تعالى «يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» قال: هى ما بين أسفل الأرض إلى العرش و ذكر فى تاريخ الخميس عن: «محمد بن سيرين» رجل من أهل الكتاب اسمه أسلم قال إن الله تعالى خلق السموات و الأرض فى ستة أيام، الستة مقدار ستة الآف سنة. انتهي، و أما الكلام على أن الأفضل هل هو السموات أو الأرض و أما الأفضل من السموات و من الأرض بالنسبة لباقى السموات و باقى الأرض فنقول: الذى صرح به القاضى فى سورة الانعام أن السموات أفضل من الأرض و لهذا قدمت على الأرض و كانت مقرا للملائكة المقربين، و مصاعد أرواح الشهداء و المؤمنين، و قبلة للدعاء يرفع إليها الايدى و محلا ملخية و كون الأرض منازل الأنبياء و المرسلين ليس لكونها مكانهم اللائق بل لغرض ضرورة التبليغ، و إرشاد العبيد و هذه المسألة اختلف فيها العلماء قال العلامة النيسابورى: قال بعضهم: السماء أفضل لأنها متعبد الملائكة و ما وقع فيها معصية و لذا لما عصى آدم أهبط من الجنة، و قال الله تعالي: «و لا يسكن فى جوارى من عصاني» و قال
تعالي: «و جعلنا السماء سقفا محفوظا» و وقع فى الأكثر ذكر السماء مقدما على الأرض و السماء مؤثر و الأرض متأثر و المؤثر أشرف من المتأثر و لعل هذا الخلاف وقع فيما بين الأرض و السموات السبع فقط دون العرش و الكرسى و اللوح المحفوظ المكتوب فيه القرآن الشريف، و ينزل منه الروح الأمين مع ما انضم له من القلم و الجنة فتأمل، و أما أفضل السموات فذهب بعضهم إلى أن السماء الأول أفضل مما سواهما؛ لقوله تعالى: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ» و كذلك الأرض الأول أفضل مما تحتها لاستقرار ذرية آدم صلى اللّه عليه و سلم فيها كذا ذكره ابن العمار فى كشف الأستار و الذى ذكره السيوطى فى الهيئة السنية «عن ابن عباس» أنه قال:
سيد السموات التى فيها العرش، و لعل المراد السماء التى فى جهة العرش لأن العرش فيها، و لعل وجه استدلال ابن العمار بقوله تعالى: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ من حيث نسبة تزيينها إلى الله تعالى، و إن لم يتحقق كون ما عدا القمر فيها قال القاضى فى تفسير قوله تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ما نصه: و ركوز الثوابت فى الكرة الثامنة و ما عدا القمر من السيارات فى الست المتوسطة بينها و بين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح فى ذلك فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة انتهى و قال آخرون: الأرض أفضل لأن الله تعالى وصف بقاعا فى الأرض بالبركة و قال فى «البقعة المباركة» و قال: «المسجد الأقصى الذى باركنا حوله» و وصف جملة الأرض بالبركة فقال تعالى «وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها» و فيه كما قال الكازرونى: إن وصفها بالبركة لا يدل على إشرفتيها بل على شرفها نعم استدل لذلك بأن الأنبياء خلقوا من الأرض و هى مدفنهم و مستقرهم و هم أفضل من الملائكة لا يقال السماء لم يقض الله فيها بخلاف الأرض لأنا نقول هذه مزية، و قد يكون فى المفضول مزايا على أن ذلك منتقض بما وقع لآدم و حواء و إبليس و ادعائهم أنهم لم يكونوا فى السماء يحتاج لدليل، و على النزل تكون المعصية تقع فى محل دون محل مقتضى أفضلية الثانى لذاته غير مسلم فعلى مدعية إثبات بدليل يدل له هذا، و قد قال سلطان العلماء «العز بن عبد السلام» أن الأزمنة و الأمكنة كلها متساوية، و يتفاضلان بما يقع فيهما لا يصفان قائمة بهما
و يرجع تفضلهما إلى نيل الله العباد فيهما، و أن التفضيل الذى فيهما أن الله تعالى يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما و قال الإمام تقى الدين السبكى عقيب حكايته لكلام ابن عبد السلام: و أنا أقول قد يكون التفضيل لذلك و قد يكون لأمر أخر فيهما، و إن لم يكن عمل فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة و الرضوان و الملائكة، و له عند الله من المحبة و لساكنه ما تقتصر العقول عن إدراكه، و ليس ذلك لمكان غيره فكيف لا يكون أفضل الأمكنة و ليس محل عمله فهذا معنى غير تضعيف الأعمال فيه». انتهى قلت قد يقال القبر الشريف محل عمل له صلى اللّه عليه و سلم لأنه حى يعبد ربه و يصلي فليتأمل و قد نقل القاضى عياض أن البقعة التى ضمت أعضاءه صلى اللّه عليه و سلم أفضل بقاع الأرض حتى الكعبة» و نقل التاج السبكى «أنها أفضل من العرش» و قال النووى: الجمهور على تفضيل السماء على الأرض ما عدا ما ضم الأعضاء الشريف.» انتهى. و قال الفاكهانى الظاهر المتعين تفضيل جميع الأرض على السموات قال: و وكاه بعضهم عن الأكثر فضائل راء الكلام على عدد السموات و عدد الأرض و حفاتهما و مقدار ما بينهما و مقدار تحتها فنقول: الذى صرحت به الآيات أنها سبع سموات قال القاضى البيضاوى «فإن قيل أليس أصحاب الأرصاد أثبتوا تسعة أفلاك قلت: فيما ذكروه مشكوك و إن صح فليس فى الآية نفى الزائد مع أنه إن انضم إليها العرش و الكرسى لم يبق خلاف. انتهى كلام القاضى فقوله تسعة أفلاك قال الإمام بنى كرة القمر ثم كرة زحل و الفلك الثامن الذى جعلت الكواكب فيه و التاسع الفلك الاعظم و هو يتحرك كل يوم و ليلة على التقريب دولة واحدة و قوله فيما ذكروه مشكوك أى فلا يجوز التعويل عليها لأنها أخبار صدرت عن فلاسفة اليونان فى أحوال الملكوت الأعلى بغير علم، و لم يرد عن أحد من الأنبياء صلى اللّه عليه و سلم خبر تصديق شىء منها، و قد قال تعالى «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» و قوله ما ليس فى الآية نفى الزائد رواه مولانا سعدى أفندى بأن التنصيص على العدد الخاص نفى لما سواه ظاهر على ما يتبادر إلى الذهن المستقيم فالجواب هو الأول و الثانى و الثالث ليس بشىء كذا قيل قال: و يحتمل أن يخلق الزائد قبل أو بعد لا بالاستواء إلى المقصد من غير أن يلوى على شيء.» انتهى كلام القاضى و قال المقريزى و يقال لما عدا
هذه الكواكب من بقية نجوم السماء الكواكب الثابتة سميت بذلك؛ لثباتها فى الفلك بموضع واحد، و قيل لبطء حركتها فإنها تقطع الفلك بزعمهم بعد كل ستة و ثلاثين ألف سنة شمسية مرة واحدة، و لكل كوكب من الكواكب السيارة فلك من الأفلاك يخصه و الأفلاك أجسام كريات مشتتات بعضها فى جوف بعض.
و هى تسعة أقربها من تلك القمر و آخرها تلك الثوابت و فيه كل كوكب يرى فى السماء سوى السبعة السيارة و من فوق فلك الثوابت الفلك المحيط و هو الفلك التاسع دائم الدوران كالدولاب، و يدور فى كل أربعة و عشرين ساعة مستوية دورة واحدة و دورانه يكون أبدا من المشرق إلى المغرب، و يدور بدوراته جميع الأفلاك الثمانية و ما يحويه من الكواكب دورانا حركته قسرية لإدارة التاسع لها، و عن حركة التاسع المذكور يكون الليل و النهار مدة بقاء الشمس فوق أفق الأرض، و الليل مدة غيبوبة الشمس تحت أفق الأرض، و قد اختلف فيما وراء الفلك التاسع فقيل فلا و قيل ملا و قيل لا و فلا و ملا. انتهى المقصود منه لكن قال السيد عيسى الصفوى: لم يبلغنا فى كتاب سماوى و لا فى حديث نبوى أن الله خلق فوق العرش شيئا.» انتهى .. و قد ذكر لهذه السموات أسماء فالأول رفيعا و قيل وقيع و الثانية اسمها أرتلون و الثالثة فيدوم. و الرابعة عوناه و الخامسة ربعاه و السادسة اسمها دفقاه و السابعة اسمها عرساه و قيل القراح و هذه الأسماء المذكورة للسموات نقلها السيوطى فى الهيئة لكن يحتاج إلى ضبط و مراجعة لعموم التحريف فى النسخ. و أما صفة الملائكة الساكنين فيها و أسماء من يحفظها فقد تكفل فيه السيوطى فى الحبائك فليراجع هذا، و أما الكلام على جميع السموات دون الأرض فقد بين القاضى حيث جمع السموات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل و الذات دون السفليات، و أراد بالاصل الحقيقة كما روى أن السماء الأولى من زمردة خضراء، و الثانية من فضة بيضاء، و الثالثة من ياقوتة حمراء، و الرابعة من درة بيضاء و الخامسة من ذهبة حمراء، و السادسة من ياقوتة خضراء، و السابعة من نور كذا جاء عن سلمان الفارسى بسنده رواه كما بينه السيوطى فى كتاب الحبائك و فى الهيئة السنية و اختار كما سيأتى من رواية الربيع بن أنس الآتية فقد قال «القاسم بن أبى بذة» السماء ليست مربعة لكنها
مقبوة يراها الناس خضراء و بين الثورى سبب ذلك فقال: «بلغنا أن صخرة تحت الأرض خضراء كما فى حديث البزار و غيره منها خضرة السماء أى و ليست فى الحقيقة كذلك للحديث إنهم قالوا يا رسول الله: ما هذه السماء؟ قال: هذا موج مكفوف عنكم و من ثم سئل ابن عباس- رضى الله عنهما- السماء من أى شىء فقال من موج مكفوف و يوافقه قول على- كرم الله وجهه- فى خلقه و الذى خلق السماء من ماء و دخان و قال كعب: أشد بياضا من اللبن و قال الربيع بن انس السماء الدنيا موج مكفوف، و الثانية مرمرة، بيضاء، و الثالثة من حديد، و الرابعة من نحاس، و الخامسة من فضة، و السادسة من ذهب، و السابعة ياقوته حمراء، و ذكر ابن العماد: أن الله تعالى جعل السماء خضراء لتكون أوفق للبصر لأن الأطباء يأمرون بإدمان النظر إلى الخضرة ليكون قوة للبصر. قال الغزالى: و فى النظر إلى السماء عشر فوائد منها: أنه يفرق الهم: و يذهب السوداء. و يقوى البصر، و زينة للناظرين، و عندك من الانشراح بقدر ما فى بيتك من السماء، و أما خضرتها فقيل منه جبل فاق لاند من زمردة، و هو خلق مغيب الشمس بسنة و خضرة السماء منه و قيل خضرتها من الصخرة التى تحت الأرض السفلى تحت النون و هى الصخرة التى ذكر لقمان أنها ليست فى السماء و لا فى الأرض المشار إليها بقوله تعالى:
إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ» انتهى و قول القاضى: و الذات يشير به إلى أنها سبع طباق متفاصلة بين كل اثنين منها مسيرة خمسمائة عام كما ورد فى الأثر فيؤول قوله تعالى: «وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ» بالأقاليم السبعة، و أما على القول بأن المراد مثل السماء فى العدد و الطبقات، و أن فى كل طبقة خلقا كما ذكره جار الله فى سورة الطلاق و حم فصلت فيكتفى فى التعليل بالاختلاف بالأصل كما اكتفى بالآخر فى سورة الأنعام حيث قال: لأن طبقاتها مختلفة بالذات و جمع بينهما فى البقرة، كما جمع ههنا فقال هناك لأن طبقاتها متفاصلة بالذات، مختلفة بالحقيقة، و قد اعترض العلماء و منهم شيخ الإسلام كلام القاضى بأن ما قاله مذهب الحكماء و أما الأشاعرة فالأرضون عندهم أيضا طبقات متفاصلة بالذات
بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام كما ورد به الأخبار و ذكر البغوى: أن السموات مختلفة الأجناس بخلاف الأرضين لاتحاد جنسهما و هو التراب و عبر القاضى فى سورة الأنعام بقوله: و جمع السموات دون الأرض و بين مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار و الحركات، و اعترض الكازرونى و ابن كمال الوزير و سعدى أفندى بأن ذلك يوافق كلام الفلسفة فإنهم يقولون لكل فلك هيولى، و صورة نوعية خاصة، و لا يوافق مذهب أهل السنة فإنه لا يصح فى ذلك شىء يدل على كونها مختلفة بالذات و الحقائق بل المحققون من المتكلمين على أن الأجسام كلها متساوية فى تمام الماهية فحقيقتها غير مختلفة عندهم لتركبها من الجواهر الأفراد المتماثلة عندهم فإنها جميعا متجانسة عندكم، و به استدلوا على جواز قبول السموات الخرق و الالتئام و إمكان المعراج و لعل استفادة اختلافها بالذات ممن حركاتها المتفاوتة الأثار لأن الطبيعة الواحدة لا يصدر عنها الأفاعيل المتناهية، و هذا أيضا على مذهبهم فإن التنوع إنما يثبت أن الفاعل بكل هو الله تعالى تجب إرادته فيمكن أن تكون السموات متحدة بالنوع مختلفة الحركات بارادة القادر المختار و ههنا نظر و هو ان القائل أن يقول لم لا يجوز أن تكون السموات متحدة مع أن اختلاف الحركات بواسطة التشخصات و قال بعضهم إن القاضى كثيرا ما يخالف الأشاعرة فى تفسيره، و تماثل الجواهر غير ظاهر و دليلهم عليه ليس تاما و قد روى أن السموات سبع و أن الأول من زمردة إلى آخر ما تقدم و قد فتح مولانا سنان افندى عبارة القاضى المذكورة فى الأنعام حيث قال قوله لأن طبقاتها متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة، فإما أن يؤيد بالاختلاف الذاتى التفاصل بالذات و الهوية و لا يلتفت إلى ما قيل أن الأرض سبع طبقات و فى كل طبقة مخلوقات بعدم ثبوته و يؤيده أن قيل المراد من قوله تعالى «وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ» أنها سبع أقاليم على حسب سبع سموات و سبع كواكب فيها و بين السيارة فان لكل واحدة من هذه الكواكب خواص يظهر آثار تلك الخواص فى كل إقليم فيصير سبعة بهذا الاعتبار، و إما أن يريد به الاختلاف بالماهية لقوله مختلفة بالحقيقة و يؤيده ما روى أن السماء الأول من زمردة خضراء إلى آخر ما سبق و لا يلزم من كون المصر من الأشاعرة القائلين بتركب الأجسام من الجواهر
الفردة المتماثلة أن يقول بعدم اختلاف الأجسام بالحقيقة لعدم المحيص لمن قال بتجانس الجواهر الأفراد عن جعل الأعراض منضمة إلى تلك الجواهر و إلا لكانت الأجسام كلها مثماثلة فى الحقيقة، و إنه ضرورى البسط لأن كذا فى شرح المواقف إلا أنه يلزمهم القول بعدم الفرق بين الجواهر و الأعراض فى التجدد و البقاء ضرورة استلزام تجدد الجزء بتجدد الكل لكن المشهور من مذهبهم القول ببناء الأجسام، و عدم بقاء الأعراض، فلزمهم القول بعدم اختلاف الأجسام فى الحقيقة فلا محيص إلا بأن يقال لعلم القاضى لم يقل بتجديد الأعراض أو بتماثل الجواهر الأفراد لعدم تمام دليل شىء منهما ثم إن حديث اختلاف الآثار و الحركات إشارة إلى ما قيل أن السماء جارية مجرى الفاعل، و الأرض مجرى القائل، فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر و هو يحمل بمصالح هذا العالم و إذا تعددت اختلفت الاتصالات الكوكبية فيحصل بها الفصول الأربعة و ساير الأحوال المختلفة فينتظم مصالح العالم و أما الأرض فهى قابله و القابل الواحد كان فى القبول و حاصله أن اختلاف الآثار دل على تعدد السماء دلالة عقلية.
و الأرض و إن كانت متعددة لكن لا دليل عليه من جهة العقل فلذلك جمعها دون الأرض فكل منهما و إن تعدد فى نفسه لكن قام دليل من جهة العقل على تعدد السماء هو اختلاف الآثار و الحركات، دون تعدد الأرض فلتفاوتهما من تلك الحبستيه جمع الأول يكون حقيقا به دون الثانى إشارة إلى تفاوتهما بل ذكره باسم غير المنافى لتعدده فى نفسه و أما دلالة اختلاف الحركات بأن يكون بعضها إلى جانب و بعضها إلى آخر على تعدد المتحرك فظاهر». انتهى أقول: مع تجويز صدور الأشياء عن الواحد كما عليه الأشاعرة و هو الحق فأى دلالة فى اختلاف الآثار على التعدد و لم لا تكون صادرة عن شىء واحد فلا دلالة على التعدد و ما قاله العلامه سنان أفندى من أن دلالة اختلاف الحركات على التعدد ظاهرة بشىء على قول من لا يعتد به، و غاية ما استندوا إليه أنهم وجدوا فى بادى الرأى جميع تلك الكواكب متحركة بالحركة اليومية الشريعية من المشرق إلى المغرب، فأثبتوا لها فلكا آخر و كذلك وجدوا الكواكب السبعة السيارة ذوى حركات غريبة مختلفة غير متشابهة فأثبتوا لكل منها فلكا فصارت تسعا و يا ليت شعرى مع
تجويز أن تكون الحركات المختلفة جهة أو سرعة و بطأ للكواكب نفسها طرز السابحين فى الماء فأى دلالة فضلا عن الظهور، و دفع هذا بأن الفلك لا ينخرق سقيم جدا فلا ينبغى الأبتناء عليه و زيد الأمر أن قول مولانا سنان أفندى واجب دلالة اختلاف الحركات إن كان عن نفسه أو حكاية عن غيره لا يخلو عن خدش فليأتمل و قال مولانا سعدى أفندى فى حواش سورة الأنعام: قوله لأن طبقاتها مختلفة بالذات لا يوافق مذهب أهل السنة فإن الأجسام متجانسة عند بكم و به استدلوا على جواز قبول السموات الخرق و الالتئام و إمكان المعراج و لا مجال لإراده الاختلاف الشخصى لأن الأرض أيضا كذلك قال الله تعالى:
«وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ» و قد جاء فى الأحاديث النبوية أن صلى اللّه عليه و سلم قال: هل تدرون ما هذه الأرض؟ هل تدرون ما تحتها؟ قالوا: الله و رسوله اعلم. قال: أرض أخرى و بينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام أخرجه الترمذى و ابن مردويه و أبو الشيخ عن أبى هريرة رضى الله عنه و قوله متفاوتة الاثار و الحركات تفاوت الاثار و الحركات معلوم من الشرع قال الله تعالى: «وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ» إلى قوله: «كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» و قد فسر بكل من الكواكب و محتوى أيضا فيهما، و فى «الخنس الحواء و الكنس». انتهي. و ما يدل على تعدد الأرض و عدم صحة تأويل قوله تعالى «وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ»: بما تقدم و بنائه فى الهيئة و الشكل و ذلك بأنها جاءت فى السنة مجموعة ففى دلائل النبوة للبيهقى أنه صلى اللّه عليه و سلم قال: «اللهم رب السموات السبع و ما أظللن و رب الأرضين السبع و ما أقللن» فهذا يدل على تعدد الأرض و فى الصحيح عن عائشة أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم قال: من ظلم شبرا فى الأرض طوقه الله من سبع أرضين فهذا صريح فى أن الأرض سبع طباق و هو موافق لظاهر قوله تعالى: «وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ» فتأول الهيئة المثلية بالهيئة و الشكل خلاف الظاهر و إن كان محتملا و كذا تأويلها بسبع أقاليم فإنه يلزم عليه أن يطوق الظالم بشبر من سبع من هذه الأقاليم إن الأصل فى العقوبات المساواة قال تعالى: «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» فمن تلك أشياء من الأرض تلك ما ورثه من الطباق لكن قال القاضى عياض: «و قد جاء فى غلظ الأرض و طباقها و ما بينهن
حديث ليس بثابت» قال الشيخ تاج الدين الفاكهانى «و هذه من المسائل التى لا يترتب على الخلاف فيها كبير فائدة و مثل ذلك الخلاف فى أن الأرض كروية أو سطحية إذ ليست باعتقادية و لا عملية». انتهي، و قول من أستدل على أن السماء سطحية بقوله تعالى وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً ضعيف كقول من احتج على أن الأرض سطحية بقوله تعالى: «وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ» لأن الكرسى إذا اتسع قطره و صار سطحيا و قد أقام أرباب علم الهيئة البرهان على أن أعظم جبل فى الدنيا كالشعيرة بالنسبة إلى اتساعها، و هذا مبرهن عليه فى فنه، و لا يناسب ذكره هنا، و ذكر المقريزى أن الأرض جسم مستدير كالكرة، و قيل ليست بكرة و هى واقفة فى الهواء بجميع جبالها و بحارها، و عامرها و غامرها، و الهواء محيط بها من جميع جهاتها كالمخ فى جوف البيض، و بعدها من السماء متساو من جميع الجهات، و أسفل الأرض بالحقيقة هو عمق باطنها مما يلى مركزها من أى جانب كان، و ذهب الجمهور إلى أن الأرض كالكرة موضوعة فى جوف الفلك كالمخ فى البيض، و إنها فى الوس، و بعدها من الفلك من جميع الجوانب على التساوى و زعم هشام بن الحكم: أن تحت الأرض جسما من شأنه الارتفاع، و هو المانع للأرض من الانحدار و هو ليس محتاجا إلى ما بعده أنه ليس يطلب الانحدار بل الارتفاع، و قال آخر: إن الله تعالى أوقفها بلا عماد. و قال بعض الحكماء: إنها تقوم فى الماء، و قد حصر الماء تحتها. حتى لا يجد مخرجا فيضطر إلى الانتقال. و قال آخر هى واقفة على الوسط على مقدار واحد من كل جانب، و الفلك يجذبها من كل وجه؛ فلذلك لا تميل إلى ناحية من الفلك دون أخرى لأن قوة الأجزاء متكلفة، و ذلك كحجر المغناطيس فى جذبه الحديد فإن الفلك بالطبع مغناطيس الأرض فهو يجذبها فهى واقفة فى الوسط كما إذا وضعت ترابا فى قارورة و أدرتها بقوة فإن التراب يقوم فى الوسط. و قال محمد بن أحمد الخوارزمى:
الأرض فى وسط السماء، و الوسط هو السفل بالحقيقة، و هى مدورة مضربة من جهة الجبال البارزة و الوهما و الغديرة و ذلك لا يخرجها عن الكرية إذا اعتبرت جملتها لأن مقاديرها و إن شمخت يسيرة بالقياس إلى كرة الأرض، و إن الكرة التى قطرها ذراع أو ذراعان مثلا إذا انتابها شىء و غار فيها لا يخرجها عن الكرة، و لأن
هذه التضاريس لإحاطة الماء بها من جميع جوانبها، و عمرها بحيث لا يظهر منها فحينئذ تبطل الحكمة المودعة فى المعادن و النبات و الحيوان فسبحان من لا يعلم أسرار حكمته إلا هو. و أما سطحها الظاهر الماس للهواء من جميع الجهات فإنه فوق الهواء، فوق الأرض محيط بها من سائر الجهات، و فوق الهواء الأفلاك المذكورة فيما تقدم واحد فوق واحد إلى الفلك التاسع الذى هو أعلى الأفلاك و نهاية المخلوقات بأسرها انتهى و اعلم أنه جرى خلاف فى أول شيء خلقه الله تعالى فقال ابن عباس رضى الله عنهما: أول ما خلق الله تعالى جوهرة طولها و عرضها مسيرة الف سنة فى مسيرة عشرة الآف سنة فنظر الله تعالى إليها بالهيبة فذابت و اضطربت، ثم ثار منها دخان فارتفع و اجتمع ذلك فقام فوق الماء فجعل الزبد أرضا و الدخان سماء، قالوا فالسماء من دخان خلقت و بريح ارتفعت و بإشارة ترقرقت و بلا عمد قامت، و بنفخة انكسرت. انتهى. و اختاره صاحب الكشاف و أخذ من تقدم خلق الأرض على خلق السماء على ما تقدم و قال.
النيسابورى: قال بعضهم: أول ما خلق الله تعالى زمرده خضراء و يقال اللوح المحفوظ و القلم و يقال الوقت و الزمان و يقال العرش و الكرسى و يقال خلق أول عاقلا لأنه أراد أن ينتفع بعقله غيره، و يقال خلق جوهرا متغيرا من الألوان و الطباع و الهيئات ثم خلق الهيئات فركبها من الطباع و الألوان فصارت بسيطة مؤلفة مطبوعة، و يقال خلق نقطة ثم نظر إليها بالهيبة فتضحضحت و تمايلت فضربها تعالى ألفا و جاء عن ابن عمر- رضى الله عنهما- قال: لما أراد الله أن يخلق الأشياء إذ كان عرشه على الماء و إذ لا أرض و لا سماء خلق الريح فسلطها على الماء حتى اضطربت أمواجه، و أثار ركامه، فأخرج من الماء دخانا و طينا و زبدا، فأمر الدخان فعلا و سما، فخلق منه السموات و خلق من الطين الأرضين و خلق من الزبد الجبال، و وقع فى كلام الغزالى أن أول ما خلق الله العقل، و هذا ورد بإسنادين ضعيفين كما قال الحافظ العراقى فى تخريج الاحاديث الأحياء لكن تضمن كلام الغزالى تسميته قلما و قد روى أحمد و الترمذى و صححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا «أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة» و إن كان المراد بالقلم ذلك و إنه المسمى بالعقل كما اشتمل
عليه كلام الغزالى فهذا الحديث الثابت يأخذ قوله بأوليته و قد حكى أبو العلاء الهمذانى أن للعلماء قولين فيما خلق أولا هل هو العرش أو القلم؟ قال: و الأكثر على سبق خلق العرش و اختار ابن جريح و من قبله الثانى: و فى الحديث «الصحيح كان الله و لم يكن شىء غيره» و فى رواية و لم يكن معه و كان عرشه على الماء و كتب فى الذكر كل شىء» و فيه دلالة على أنه لم يكن فى القدم غيره تعالى لا الماء و لا العرش و لا غيرهما لأن كل ذلك عن الله تعالى قال السمهودى و ظاهر قوله تعالى «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» سبق خلق الماء على خلق العرش و جاء فى رواية» و كان عرشه على الماء» ثم خلق القلم فقال له: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السموات و الأرض و ما فيهن و صرح بترتيب المخلوقات بعد الماء و العرش، و إن القلم بعدهما، و قد روى أحمد و الترمذى و صححه من حديث أبى رزين العقيلى مرفوعا إن الماء خلق قبل العرش» و روى السدى فى تفسيره بأسانيد متعددة أن الله تعالى لم يخلق أشياء مما خلق قبل الماء أولا ثم العرش، و جمع بين ذلك و بين ما سبق فى أولية القلم بأن أوليته بالنسبة إلى ما بعد الماء و العرش أو بالنسبة إلى ما صدر منه من الكتابة إذ أنه قيل له اكتب أول ما خلق و هذا الجمع موافق بما سبق عن الأكثر من تقدم خلق العرش على القلم انتهى كلام السمهورى و قال الشيخ ابن حجر الهيثمى و عن جابر- رضى الله عنه- قال: يا رسول الله أخبرنى عن أول شىء خلقه الله قبل الأشياء، قال يا جابر: إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، و لم يكن فى ذلك الوقت لوح و لا قلم و لا جنة و لا نار و لا ملك و لا سماء و لا أرض و لا شمس و لا قمر و لا جنى و لا إنس، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم و من الثانى اللوح، و من الثالث العرش، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السموات، و من الثانى الأرضين، و من الثالث الجنة و النار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول نور أبصار المؤمنين، و من الثانى نور قلوبهم، و هى المعرفة بالله تعالى، و من الثالث نور ألسنتهم، و هو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله». الحديث و صح حديث أول ما خلق الله القلم و جاء بأسانيد
متعددة «إن الماء لم يخلق قبله شىء» و لا ينافيان ما فى الأول من نور محمد صلى اللّه عليه و سلم لأن الأولية فى غيره نسبية، و فيه حقيقية، فلا تعارض». انتهى كلام ابن حجر و قال القاضى فى تفسير سورة هود عند قوله تعالى: «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لأنه كان موضوعا على متن الماء، و استدل على إمكان الخلاء و إن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم، و قيل كان عرشه على متن الريح». انتهى قال مولانا سنان أفندى قوله: لم يكن حائل بينهما قال الأصم: هذا كقولهم السماء على الأرض، و ليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر و يكون معنى قول القاضى لم يكن حائل أنه لم يكن حائل محسوس فإن بين السماء و الأرض حائلا و هو الهواء لكن لما لم يكن محسوسا لم يعد حائلا». انتهى و هذا التقييد غير مناسب لكلام القاضى فى إثبات الخلاء فإن الهواء جسم و القائل بان كان الخلاء يبقى الهواء أيضا و لهذا قال: فى الطوالع و الدليل على إمكان الخلاء أنه لو دفع صفحة ملساء أى لا اختلاف فى أجزائها رفعا و خفضا و لا مسام فيها أصلا عن صفحة مثلها وفق بعد انطباقها، بحيث لا يتخللها شىء لخلاء الوسط أول زمان الارتفاع؛ لأن الجسم كالهواء إنما ينتقل إلى الوسط من الأطراف بناء على رأى الحكيم، فحال كونهما على الطرف يكون الوسط خليا لامتناع حصول الجسم فى زمان واحد فى مكانين. إلى آخر كلامه و قول القاضى لا أنه كان موضوعا على متنى الماء قال مولانا سعدى أفندى ليت شعرى ما المانع من إرادته و أثار سنان أفندى إلى جوابه حيث قال: قوله لا أنه كان موضوعا على متن الماء ليس نفيا لعدم الحائل لعدم المنافاة بينهما بل المراد أن قدم الحائل ليس بالانطباق رامين هذا النفى على كون الظاهر ذلك فإن كون العرش منطبقا على الماء أولا ثم رفعه عنه يحتاج إلى دليل و هو منتف انتهى و قوله القاضى فان كون العرش منطبقا على الماء أولا ثم رفعه عنه يحتاج إلى دليل أقول ذكر الإمام الحافظ ابن حجر فى شرح البخارى ما نصه قول البخارى و عرشه على الماء ظاهر أنه كذلك حين التحدث بذلك و ظاهر الحديث الذى قبله أن العرش كان على الماء قبل خلق السموات و الأرض، و مجمع بأنه لم يزل على الماء، و ليس المراد بالماء ماء البحر بل ما تحت العرش كما شاء الله تعالى و قد جاء
بيان ذلك فى حديث ذكره فى أول الباب، و يحتمل أن يكون على البحر بمعنى أن أرجل حلته فى البحر، كما ورد فى بعض الآثار فيما أخرجه بعضهم فى قوله تعالى: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» قال إن الصخرة التى فى الأرض السابقة عليها و هى منتهى الخلق على أرجائها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة وجوه: إنسان و أسد و ثور و نسر فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين و السموات و رؤسهم تحت الكرسى و الكرسى تحت العرش انتهى كلام ابن حجر لكن قد يقال لو سلم الاحتمال الأول ليس فى هذا أن العرش على متن ذلك الماء لجواز أن يكون بينهما خلاء، و أن يكون على متنه فيأتى كلام سعدى أفندى و لا يظهر ما قال سنان أفندى على هذا الاحتمال ثم ما استشهد به الحافظ على الاحتمال الثانى محل بحث لانه لا يلزم من كون أرجل الملائكة الحاملين للعرش على الصخرة أن تكون فى الماء، و قال فى الهيئة السنية فى قوله تعالى: «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ أنه لما خلق الله السموات و الأرض قسم ذلك الماء الذى كان عليه العرش قسمين فجعل نصفه تحت العرش، و هو البحر المسجور فلا يقطر منه قطرة حتى ينفخ فى الصور فينزل منه مثل الطل فتنبت منه الأجسام، و جعل النصف الآخر تحت الأرض السفلى و ذكر أيضا: أن الله تعالى احتجب عن خلقه بأربعة أشياء بنور و ظلمة ثم بنور و ظلمة من فوق السموات السبع و البحر الأعلى فوق ذلك كله تحت العرش و ذكر أيضا رواية أن بين السماء السابقة إلى الكرسى مسيرة خمسمائة عام، و ما بين الكرسى و الماء مسيرة خمسمائة عام، و العرش على الماء، و هذه الرواية تقتضى أن الماء فوق الكرسى و أن الكرسى مفصول من العرش، و قد قدم ما يخالف ذلك و أن الكرسى ملصوق بالعرش جميع الماء فى جوف الكرسى، و قد تقدم أن المطر يخرج من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء، حتى يجتمع فى سماء الدنيا فيجتمع فى موضع يقال له الأيزم فيجىء السحاب الأسود فتدخله فتشربه إلى آخره فليراجع وجه الجمع بين هذه الروايات هذا و قد أشار المولى أبو السعود إلى رد كلام القاضى سابقا حيث قال:
و كان عرشه قبل خلقهما على الماء ليس تحته شىء غيره سواء كان بينهما فرجة لو كان موضوعا على متنه كما ورد فى الاثر فلا دلالة فيه على إمكان الخلاء
كيف لا؟ و لو دل لدل على وجوده انتهى أقول: جوابه واضح و هو أن الدليل لما كان محتملا لأن يكون العرش ملصقا بالماء فلا يثبت الخلاء و محتملا أن يكون بينه و بينه فرجة فيثبت الخلاء، فلهذا كان دليلا على إمكان الخلاء دون وجوده لاحتمال الدليل لذلك و لغيره، و قد أشار سعدى افندى إلى أن المراد بالإمكان الإمكان الوقوعى دون العقل حيث قال قوله، و استدل به على إمكان الخلاء فإن معنى الخلاء هو الفراغ الكائن بين الجسمين اللذين لا يتماسان، و ليس بينهما ما يماسهما فإذا لم يكن بين العرش و الماء حائل ثبت الخلاء و المراد بالإمكان هو الإمكان الوقوعى و لا يخفى عليك توجه المنع على المبنى كما أشرنا اليه انتهى و مراده بتوجه المنع ما أشار اليه أولا من عدم المانع من كون العرش على متن الماء و قد علمت أن مراد المستدل الاستدلال على الامكان لاحتمال الدليل و لغيره فالمستدل غير جازم بذلك فلا يرد عليه ما ذكره سعدى افندى من توجه المنع عليه بما أشار إليه من جواز كون العرش على متن الماء، و قد أشار مولانا سعدى أفندى أيضا إلى الاعتراض الذى ذكره المولى أبو السعود حيث قال: و إن الماء أول حادث بعد العرش لا يخفى عليك تطرق المنع عليه أيضا و مثله فى سنان أفندى و قد صرح فى المذاهب و غيرها بأن الماء سابق على خلق العرش و نقل فى ذلك روايات متعددة و تقدم عن السمهودى الاستدلال بقوله تعالى «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» سابق على العرش و فيه توقف فليتأمل و قول القاضى و قيل إن الماء على متن الريح يعنى فلا يكون الماء أول حادث بل يكون أول حادث هو الريح فقط أو مع الماء انتهى و أما الجواب عن ما يتعلق ببناء الكعبة الشريفة و كم بنيت و ما ورد فى ذلك من الأقوال و الروايات و الاختلاف و بأن أسباب البناء فقد ذكر فى الكتب مجملا و مفصلا و ها أنا أذكره مبينا و مفصلا مع التنبيه على أشهر الأقوال اعلم أن الكعبة زادها الله شرفا بنيت مرات قال فى منهاج التائبين بنيت الكعبة خمس مرات احداهما بناء الملائكة قبل آدم و الثانية بناء الخليل عليه السلام و الثالثة بناء قريش فى الجاهلية الرابعة بناء عبد الله بن الزبير- رضى الله عنهما- الخامسة بناء الحجاج. و قد قيل إنها بنيت مرتين أخريين الأولى بناء العمالقة بعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام و الثانية بناء جرهم بعد العمالقه ثم بنت قريش و الله
اعلم انتهى و فى شفاء الغرام للقاضى تقى الدين الفاسى إنها بنيت عشر مرات.
الأول للملائكة عليهم السلام، ثم آدم صلوات الله عليه، ثم أولاده، ثم الخليل عليه السلام، ثم العمالقة، ثم جرهم، و الأخبار مختلفة فى السابق منهما ففى بعضها ما يقتضى سبق جرهم على العمالقة، و فى بعضها ما يقتضى سبق العمالقة عليهم قال العلامة التقى الفاسى: ذكر الفاكهى خبرا يوهم أن العمالقة كانوا بعد جرهم لأنه روى بسنده إلى على بن أبى طالب رضى الله عنه قال:
أول من بنى البيت إبراهيم، ثم هدم فبنته جرهم، ثم هدم فبنته العمالقة، ثم هدم فبنته قريش. انتهى و قال قبل ذلك و أما بناء العمالقة و جرهم فذكره الأزرقى فيما رواه بسنده عن على بن أبى طالب و فيه ما يقتضى أن بناء العمالقة قبل جرهم و ذكر الفاكهى ما يدل لذلك إلا أن فى الخبر الذى ذكره ما يقتضى تقديم بناء جرهم على بناء العمالقة، و فى ذلك نظر لأن ولاية العمالقة مكة قبل ولاية جرهم و لم يلها بعد جرهم إلا خزاعة و ذكر السعودى ما يقتضى أن الذى بنى الكعبة من جرهم الحارث بن مضاض الأصفر، و ذكر أنه زاد فى بنائه و رفق عما كان عليه من بناء الخليل صلى اللّه عليه و سلم انتهى ثم قصى بن كلاب ذكر الزبير بن بكار قاضى مكة ما يدل له فى موضعين من كتاب نسب قريش، و فى أحدهما أنه بناها بنيانا لم يبن أحد ممن بناها مثله، و فيه بناها و سقفها بخشب الدوم الجيد و بجريد النخل و نقل الفاكهى عن الزبير ما ذكره بناء قصى للكعبة و ذكر ما يدل لذلك عن غير الزبير لأنه روى بسنده إلى ابن الأسود محمد بن عبد الرحمن قال:
بلغنى أن قصى بن كلاب بنى البيت بعد بناء إبراهيم عليه الصلاة و السلام ثم بنته قريش انتهى و لم يذكر الأزرقى ذلك جملة و ما عرفت السبب الذى أوجب لذلك و الله أعلم انتهى كلام أنفاس ثم قريش ثم عبد الله بن الزبير رضى الله عنه عنهما ثم الحجاج بن يوسف الثقفى قال القاضى تقى الدين المشار اليه و إطلاق العبارة بأنه- أى الحجاج- بنى الكعبه يجوز لأنه لم يبين إلا بعضها كما سيأتى بيانه، و لو لا أن السهيل و النووى ذكراه لما ذكرته انتهى و فى الروض الأنف للسهيلى أن أول من بنى الكعبة شيث بن آدم عليه السلام و ذكر فى موضع آخر أن الملائكة هى التى أسست الكعبة و ذكر القاضى تقى الدين أيضا
أنه وجد مخيط عبد الله المرجانى أن عبد المطلب جد النبى صلى اللّه عليه و سلم بنى الكعبة بعد قصى و قبل بناء قريش ثم قال: و لا أعلم له فى ذلك سلفا و لا خلفا و الله أعلم و اختلف هل بناء الملائكة قبل آدم، أو بناء آدم قبل الملائكة، و قد ذكر الأزرقى رحمه الله تعالى ما يشهد للقولين و حذف بعضهم بناء العمالقة و جرهم فإنه كان ترميما فقال: بنيت الكعبة الشريفة خمس مرات الأولى بناء الملائكة، و الثانى بناء آدم عليه السلام الثالث بناء إبراهيم عليه السلام، و الرابع بناء قريش فى الجاهلية الخامس بناء ابن الزبير- رضى الله عنهما- ثم هدم الحجاج بعضه و بناه قال: و هذا هو المشهور المعروف، و أخرج الفاكهى عن على- كرم الله وجهه- أن أول من بنى البيت الخليل عليه السلام و جزم به ابن كثير فى تفسيره قال لم يجىء خبر عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبله، و قال فى تاريخه عند قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ الآية يذكر الله تعالى عن عبده و خليله أنه بنى البيت العتيق الذى هو أول مسجد وضع لعموم الناس يعبدون الله فيه و أراه مكانه أى أرشده اليه و دله عليه، و عن على و غيره أنه أرشده إليه بوحى من الله و لم يجىء خير صحيح عن معصوم و ذكر ما تقدم ثم قال: و من تمسكه فى هذا بقوله تعالى مكان البيت فليس بناء خفيا و لا ظاهرا لأن المراد مكانه الكائن فى علم الله المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و قد ذكر أن آدم عليه السلام نصب عليه قبة و أن الملائكة قالوا له قد ظننا قبلك بهذا البيت و أن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك و هذه كلها أخبار عن بنى إسرائيل و هى لا تصدق و لا تكذب فلا يحتج بها انتهى أقول: فعلى هذا يكون بناء البيت ثلاث مرات، الأول بناء الخليل، الثانى بناء قريش، الثالث بناء عبد الله بن الزبير و الحجاج، لان بناء الخليل ثابت ينص الكتاب، و بناء قريش ثابت فى صحيح البخارى و غيره و بناء ابن الزبير و الحجاج ذكره عامة المفسرين و أهل التواريخ و غيرهم من العلماء ثم ما جزم به ابن كثير من أنه لم يأت خبر عن معصوم أن البيت بنى قبل إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و أن جميع ما ذكر من أخبار بنى إسرائيل قد نقله غير واحد من المتأخرين كابن حجر الهيثمى و لم يعترضه و قد نظر فيه العلامة المحدث الشامى فقال: بعد نقله فيه نظر لما ذكر من الآثار السابقة
و اللاحقة و لعل مراده بالسابقة ما ذكره العلماء من الأجوبة عن الحديث الذى رواه ابن أبى شيبة و الإمام أحمد بن حميد و الشيخان و ابن جرير و البيهقى فى الشعب عن أبى ذر- رضى الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله أى مسجد وضع أول قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أى قال: المسجد الأقصى قلت: كم بينهما: قال: أربعون سنة قال الحافظ: أول بضم اللام قال: أبو البقاء ضم بناء قطعة عن الإضافة مثل قبل و بعد و التقدير أول كل شىء و يجوز الفتح مصروفا و غير مصروف ثم أى بالتنوين و تركه و هذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ» و يدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة، لا مطلق البيوت و قد ورد ذلك صريحا عن على- رضى الله تعالى عنه- أخرجه إسحق بن راهويه و ابن أبى حاتم بإسناد صحيح عنه قال: كانت البيوت قبله و لكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى و قوله أربعون سنة قال ابن الجوزى: فيه إشكال لأن إبراهيم بنى الكعبة و سليمان بنى بيت المقدس، و بينهما أكثر من الف سنه قال الحافظ و مستنده أن سليمان هو الذى بنى المسجد الأقصى ما رواه النسائى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص- رضى الله عنهما- مرفوعا بإسناد صحيح» أن سليمان صلى اللّه عليه و سلم لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثة الحديث و فى الطبرانى من حديث رافع بن عمير «أن داود عليه الصلاة و السلام ابتدأ بناء بيت المقدس ثم أوحى الله تعالى إليه إنى لأقضى بناه على يد سليمان و فى الحديث قصته قال ابن الجوزى: و الجواب أن الإشارة إلى أول البناء و وضع أساس المسجد و ليس إبراهيم أول من بنى الكعبة و لا سليمان أول من بنى المقدس فقد روينا أن أول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده فى الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن و كذا قال القرطبى: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم و سليمان- عليهما الصلاة و السلام- لما بنيا المسجدين ابتديا وضعهما لهما بل ذلك تجديد لما كان غيرهما أسسه قال الحافظ و قد ابن حبان فى صحيحه على ظاهر هذا الحديث فقال فى هذا الخبر رد على من زعم أن بين إسماعيل و داود عليهما الصلاة و السلام ألف سنة و لو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة و هذا عين المحال لطول الزمان بالاتفاق بين بناء إبراهيم عليه
الصلاة و السلام البيت و بين موسى عليه الصلاة و السلام ثم إن فى نص القرآن أن قصة داود فى قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة و قد تعقبه الحافظ ضياء الدين المقدسى بنحو ما أجاب به ابن الجوزى قال الخطابى: يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناه بعض أولياء الله تعالى قبل بناء داود و سليمان- عليهما الصلاة و السلام- ثم داود و سليمان فزادا فيه و وسعا، و أضيف إليهما بناء قال:
و ينسب هذا المسجد إلى إيليا فيحتمل أن يكون هو بانيه أو غيره، و لست أحقق بم أضيف إليه قال الحافظ: الاحتمال الذى ذكر أولا موجه، و قد رأيت أن أول من أسس المسجد الأقصى آدم صلى اللّه عليه و سلم و قيل الملائكة عليهم الصلاة و السلام و قيل سام بن نوح صلى اللّه عليه و سلم و قيل يعقوب صلى اللّه عليه و سلم فعلى الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديدا كما وقع فى الكعبة و على الآخرين يكون الواقع من إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم أو يعقوب صلى اللّه عليه و سلم أصلا و تأسيسا و ممن؟؟؟ صلى اللّه عليه و سلم تجديدا لذلك و ابتدأ بناء فلم يكمل على يده حتى كمل سليمان لكن الاحتمال الذى ذكره ابن الجوزى أوجه و قد وجدت ما يشهد له و يؤيده قول من قال إن آدم هو الذى أسس كلا من المسجدين و ذكر ابن هشام فى كتاب التيجان أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله بالمسير إلى بيت المقدس، و أن يبنيه فبناه، و يسكن فيه و بناء آدم البيت مشهور، و قيل أنه لما صلى إلى الكعبة أمره بالتوجه إلى بيت المقدس، فاتخذ فيه مسجدا و صلى فيه، ليكون قبلة لبعض ذريته، و أما ظن الخطابى أن إيليا اسم رجل ففيه نظر، بل هو اسم البلد فاضيف اليه المسجد كما يقال مسجد مكة و مسجد المدينة و قال أبو عبيد البكرى فى معجم البلدان: أن إيليا مدينة بيت المقدس فيها ثلاث لغات مد آخره و قصره و حذف الياء الأول و على ما قال الخطابى يمكن بأن يقال أنها سميت باسم بانيها كغيرها انتهى كلام الشامى فهذه الأجوبة عن ما أورده هذا الحديث الذى ما تكلم فيه المتضمن سبق البناء للبيت على بناء إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم يرد ما جزم به ابن كثير بأن الخليل أول من بنى البيت مطلقا و قوله إنه لم يثبت خبر معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل إذ لو ثبت ما قاله لم يتضح ما دل عليه الحديث السابق من أن المدة التى
بين بنائهما أربعون سنة إذ لا يتضح ذلك إلا إذا تقدم هناك بناء على بناء الخليل كما سبق و مما يصرح ببناء الملائكة المتقدم على بناء الخليل ما رواه الأزرقى عن على بن الحسين- رضى الله تعالى عنهما- أن رجلا سأله ما بدء هذا الطواف بهذا البيت لم كان؟ و أنى كان؟ و حيث كان؟ فقال أما بدء هذا الطواف بهذا البيت فإن الله تعالى قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فقالت الملائكة: أى رب اجعل ذلك الخليفة منا فنحن لا نفسد فيها و لا نسفك الدماء و لا نتباغض و لا نتحاسد و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك و نطيعك و لا نغضبك، قال الله سبحانه و تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ(1)قالت فظنت الملائكة أن ما قالوا رد على ربهم عز و جل، و أنه قد غضب عليهم من قولهم فلاذوا بالعرش، و رفعوا رؤسهم و أشاروا بالأصابع، فيتضرعون و يبكون إشفاقا لغضبه فكانوا بالعرش ثلاث ساعات فنظر الله تعالى إليهم فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله سبحانه و تعالى تحت العرش بيتا على أربع أساطين من زبرجد، و غشاهن بياقوتة حمراء و سمى البيت الضراح ثم قال للملائكة: طوفوا بهذا البيت و دعوا العرش فطافت الملائكة بالبيت، و تركوا العرش فصار أهون عليهم، و هو البيت المعمور الذى ذكره الله تعالى يدخله كل يوم و ليلة سبعون ألف ملك، لا يعودون اليه أبدا ثم إن الله سبحانه و تعالى بعث ملائكة فقال: ابنوا لى بيتا فى الأرض بمثاله، و قدره فأمر الله سبحانه و تعالى من فى الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور استفيد من صريح هذا الحديث أن الملائكة أمروا ببناء هذا البيت الشريف و لكن تقدم رواية الأزرقى و فيها التصريح بأن أول شىء وضعه الله فى الأرض البيت الحرام، و هو يومئذ ياقوتة جوفاء لها بابان احدهما شرقى و الآخر غربى، فهو فيها إلى يوم القيامة، و استودع الله تعالى الركن اليمانى أبا قييس، و هذه الرواية تشعر بأن الموجود زمن آدم بل أول شىء وضع فى الأرض هو الخيمة و أيّه ليس هناك بناء و أن تلك الخيمة استمرت إلى زمن الطوفان فلما كان الطوفان رفعت تلك الخيمة فى ديباجتين فهى فيهما إلى يوم القيامة، و مقتضى رواية ابنوا لى بيتا فى
1) البقرة: آية( 30).
الأرض بمثاله و قدره أن البيت الذى بنته الملائكة كان بطول البيت المعمور الذى بالسماء، و قدره و إنه غير البيت المعمور و نقل السيد التقى الفاسى عن تاريخ الأزرقى عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبى صلى اللّه عليه و سلم فى حديث حدث به «أن آدم عليه الصلاة و السلام قال: أى رب إنى أعرف شقوتى إنى لأرى شيئا من نورك بعيد فأنزل الله عز و جل البيت المعمور على عرض البيت، و موضعه، من ياقوتة حمراء و لكن طولها كما بين السماء و الأرض و أمره أن يطوف به فأذهب الله عنه ذلك الغم الذى كان يجده قبل ذلك ثم رفع على عهد نوح». انتهى ففى هذه الرواية أيضا أن المنزل عليه نفس البيت المعمور لا الخيمة و أنه ليس هناك بناء و استفيد من هذه الرواية أن تلك الخيمة المسماه فى الحديث بالبيت المعمور على عرض البيت و موضعه و أن طولها كما بين السماء و الأرض، و حيث قلنا بأن الملائكة و آدم بنت البيت و تقدم أنهم أمروا ببناء البيت الشريف، و أن يكون بمثال البيت المعمور و قدره مع ما تقدم من أن الخيمة طولها كما بين السماء و الأرض لزم من ذلك أن لا يكون بناؤهم فى الارتفاع على ثبوت بناء آدم أو الخليل- صلى الله عليهما و سلم- لأنهم مأمورون إن بنوا البيت على مثال البيت المعمور و قدره فليتأمل هذا و يحتمل أن يقال أيضا أن الكعبة بنيت أربع مرات الأول بناء الملائكة و آدم فى آن واحد و يشهد له ما سيأتى قريبا عن ابن عباس عند ذكر السبب فى بناء آدم كما ستقف عليه و هو مجرد تأسيس، الثانى بناء الخليل- عليه الصلاة و السلام-، الثالث بناء قريش، الرابع بناء ابن الزبير و الحجاج و يكون البناء الأول و الرابع مشتركا ثم على القول بأن ذلك فى أنين فهو تأسيس أيضا كما ذكره أنفاس فى شفاء الغرام لا بناء مرتفع كغيره من الأبنية الآتى وصفها لأن حينئذ يحتاج إلى معرفة السبب فى نقص بناء الملائكة على تقدير أوليته حتى بناء آدم و فى نقص بناء آدم أن لو كان أولا حتى بنته الملائكة كما ستعلمه عن ذكر أسباب الأبنية الآتية إن شاء الله تعالى و لم أر أحدا ذكر ذلك فيما وقعت عليه و لا تعرض لمقدار ارتفاع بناء الملائكة و آدم فى السماء كم هو فيحتمل أنه كان مرتفعا و حفظ من الهدم و التغير إلى أن بنى عليه أدم أو الملائكة على الخلاف أيهما كان أولا أو أنه انهدم لتناسخ القرون فبنى ثانيا على
ما وجد من الأساس أو لم يكن هناك ارتفاع أصلا بل هو مجرد تأسيس فبنى عليه، و يحتمل غير ذلك و الله أعلم بحقائق الأمور. انتهى أقول: قد تقدم ما يصرح بناء الملائكة و أنه مرتفع ارتفاعا زائدا أخذا من رواية أن الله تعالى بعث ملائكة فقال لهم: ابنوا لى بيتا على مثال البيت المعمور و قدره ففعلوا و البيت المعمور هو الذى وضعه الله تعالى تحت العرش على أربع أساطين من زبرجد يغشاهن ياقوتة حمراء، و تقدم أن طول الخيمة كما بين السماء و الأرض فتأمل و سيأتى عن الحليمى أن معنى رواية أنه أهبط مع آدم صلى اللّه عليه و سلم بيت فكان يطوف به أنه أهبط مقدار البيت المعمور طولا و عرضا و سمكا ثم قيل ابن بقدره و حياله و كان حياله موضع الكعبة فبناها فيه روى أن الخيمة التى أنزلها الله تعالى لآدم يتمل بها من ياقوت الجنة و فى الرواية الأخرى أن طول الخيمة كما بين السماء و الأرض فمقتضى ذلك أن بناء آدم للبيت على هذا الطول فتأمل و قد آن الشروع فى ذكر الأسباب إما سبب بناء الملائكة عليهم الصلاة و السلام فروى عن على بن الحسين- رضى الله عنهما- أنه قال: لما قال الله تعالى للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالت: أى رب خليفة من غيرنا ممن يفسد فيها و يسفك الدماء فغضب عليهم، فلاذوا بالعرش و رفعوا رؤسهم و أشاروا بالأصابع يتضرعون و يبكون إشفاقا لغضبه فكانوا بالعرش ثلاث ساعات و فى رواية سبعة أطواف يترضون ربهم فرضى عنهم، و قال لهم: ابنوا لى فى الأرض بيتا يعوذ به كل من سخطت عليه من خلقى، فيطوف حوله كما فعلتم بعرشى فأغفر له كما غفرت لكم، فبنوا البيت الحرام قال العلامة عماد الدين ابن كثير- رحمه الله تعالى-: قول الملائكة عليهم السلام أَ تَجْعَلُ فِيها الآية سؤال على وجه الاستكشاف و الاستعلام عن وجه الحكمة لا على وجه الاعتراض و التنقص لبنى آدم و الحسد لهم كما توهمه بعض جملة المفسرين و فى الروض الآنف للسهيلى لما قالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها خافت أن يكون الله عاتبا عليهم لاعتراضهم فى علمه فطافوا بالعرش سبعا و ذكر ما تقدم عن على بن الحسين- رضى الله عنهما- و ظاهر قول السهيلى خافت أن يكون اللّه عاتبا عليهم أنه لم يقع من الله غضب عليهم و هو الموافق للحكم بعضهم و قوله تعالى «لا يَعْصُونَ
اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» و ما تقدم عن على بن الحسين يخالف ذلك و قوله لاعتراضهم فى علمه يخالف ما تقدم عن ابن كثير من أن ذلك منهم على وجه الاستكشاف لا الاعتراض اللهم إلا أن يراد ما صورته صورة الاعتراض فلا مخالفة و فى بعض الروايات أن الله تعالى بعث ملائكة فقال لهم ابنوا بيتا على مثال البيت المعمور و قدره ففعلوا و أمر الله تعالى أن يطاف به كما يطاف بالبيت المعمور و إن هذا كان قبل خلق آدم عليه السلام، و قبل خلق الأرض بألفى عام و إن الأرض دحت من تحتد.
فصل فى الكلام على البيت المعمور و شىء من خبره على سبيل الاستطراء ذكر شيخ مشايخنا العلامة النجم الغيطى فى معراجه أن الحافظ البرهان الحلبى فى نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس أن السلطان الظاهر برقوق سأل عن البيت المعمور من أى شىء هو فأجاب بعض المعاصرين بأنه من تحقيق و نقله عن بعض التفاسير انتهى و أقول ذكر الكشاف فى تفسير قوله تعالى «وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ» الآية أنه روى أن الله تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقى و غربى و قال لآدم عليه السلام أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشى فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور انتهى المقصود منه و هذا صريح فى أنه من يواقيت الجنة و أن بابيه من الزمرد و سيأتى أن تلك الياقوتة حمراء و أن بها ثلاث قناديل من ذهب من بئر الجنة فبها يلتهب من نور الجنة و ذكر التقى الفاسى عن تاريخ الازرقى عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبى صلى اللّه عليه و سلم فى حديث حدث به أن آدم عليه السلام قال: أى رب إنى أعرف شقوتى إنى لأرى شيا من نورك بعيد فأنزل الله عز و جل عليه البيت المعمور على عرض البيت و موضعه من ياقوتة حمراء و لكن طولها كما بين السماء و الأرض و أمره أن يطوف به فأذهب الله عنه الغم الذى كان يجد قبل ذلك ثم رفع على عهد نوح انتهى و روى الازرقى من طريق ابن جريح عن مجاهد قال بلغنى أنه لما خلق الله تعالى السموات و الأرض كان أول شىء وضعه فيها البيت الحرام و هو يومئذ ياقوتة حمراء بابان أحدهما شرقى و الآخر
غربى فجعله مستقبل البيت المعمور فلما كان زمن الغرق رفع فى ديباجتين فهو فيهما إلى يوم القيامة و استودع الله تعالى الركن أبا قبيس انتهى و هذه الرواية تقتضى أن هذه الخيمة غير البيت المعمور فتأمل و روى الأزرقى أيضا أن آدم هبط بياقوتة حمراء مجوفة لها أربعة أركان بيض فوضعها على الأساس فلم يزل إلى زمن الطوفان، و فى رواية نقلها الشامى «أن الله تعالى عزا آدم بخيمة من خيام الجنة، وضعها الله تعالى له بمكة فى موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة و تلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة فيها ثلاث قناديل من ذهب فيها نور يلتهب من نور الجنة، و نزل معها يومئذ الركن و هو ياقوتة بيضاء من ربض الجنة و كان كرسيا لآدم صلى اللّه عليه و سلم يجلس عليه فلما كان آدم صلى اللّه عليه و سلم بمكة حرسه الله تعالى، و حرس له تلك الخيمة بالملائكة كانوا يحرسونها و يدرون عنها سكان الأرض و ساكنوها يومئذ الجن و الشياطين و لا ينبغى لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة و الأرض يومئذ طاهرة نقية طيبة لم تنجس، و لم يسفك فيها الدم و لم يعمل فيها الخطايا فلذلك جعلها الله تعالى مسكن الملائكة، و جعلهم فيها كما كانوا فى السماء يسبحون الله تعالى الليل و النهار لا يفترون، و كان وقوفهم على أعلام الحرم صفا واحدا مستدبرين بالحرم كله الحل من خلفهم، و الحرم كله من أمامهم و لا يجوزهم جن و لا شيطان من أجل مقام الملائكة و كان آدم صلى اللّه عليه و سلم إذا أراد لقاء حواء يعلم بها لأجل الولد خرج من الحرم، حتى يلقاها فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض آدم و رفعها الله تعالى إليه» و ذكر الحديث انتهى فهذه كلها مصرحة بأن البيت المعمور ليس من عتيق فكيف خفى هذا على صاحب النبراس مع جامعيته حتى أقر هذا الجواب و لم يغير منه و تبعه على ذلك النجم القبطى و كيف أقر العلماء هذا الجواب و ذكره للسلطان برقوق و ذكر المحب الطبرى فى القرى فى سبب تجديد الحرم و اختلاف حدوده أربعة أوجه الأول ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما أهبط آدم صلى اللّه عليه و سلم ساجدا معتذرا فأرسل الله تعالى إليه جبرائيل بعد أربعين سنة فقال: ارفع رأسك فقد قبلت توبتك فقال: إنما أتلهف على ما فاتنى من الطواف بعرشك مع ملائكتك فأوحى الله فقال إليه: أنى سأنزل إليك بيتا أجعله قبلة فأهبط الله
تعالى إليه البيت المعمور كأنه ياقوتة حمراء تلتهب التهابا و له بابان شرقى و غربى قد نظمت حيطانه بكواكب بيض من ياقوت الجنة فلما استقر البيت من الأرض أضاء نوره ما بين المشرق و المغرب فنفرت لذلك الجن و الشياطين و فزعوا فصعدوا فى الجو ينظرون من أين ذلك النور؟ فلما رأوه من مكة أقبلوا يريدون الاقتراب اليه فأرسل الله تعالى ملائكة فحاموا حول الحرم فى مكان الإعلام اليوم فمنعتهم فمن ثم ابتدىء اسم الحرم الثانى ما رواه وهب بن منبه «أن آدم صلى اللّه عليه و سلم لما نزل إلى الأرض اشتد بكاؤه فوضع الله تعالى له خيمة بمكة موضع الكعبة قبل الكعبة و كانت الخيمة ياقوتة حمراء من الجنة و فيها ثلاثة قناديل فيها نور يلتهب من الجنة، و كان ضوء النور ينتهى إلى مواضع الحرم و حرس الله تلك الخيمة بملائكة و كانو يقفون على مواضع أنصاب الحرم يحرسونه و يدرون عنه سكان الأرض من الجن فلما قبضه الله تعالى رفعها إليه و الثلاث روى أن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم لما بنى البيت قال لإسماعيل: ابغنى حجرا أجعله للناس آية فذهب إسماعيل و لم يأت بشىء، و وجد الركن عنده، فقال: من أين يكن هذا قال جاء به من لم يكلمنى إلى حجرك جاء به جبرائيل فوضعه إبراهيم موضعه هذا فأنار الحجر شرقا و غربا و يمينا و شمالا فحرم الله الحرم حيث انتهى اليه نور الركن و إشراقه من كل جانب، الرابع أن آدم عليه الصلاة و السلام لما أهبط إلى الأرض خاف على نفسه من الشياطين، و استعاذ بالله تعالى فأرسل الله تعالى ملائكة حفوا بمكة من كل جانب وقفوا حولها فحرم الله تعالى الحرم، حيث وقفت الملائكة» انتهى و زاد فى شفاء الغرام تبعا للسهيلى وجها خامسا و هو أنه قيل أن الله تعالى حين قال للسموات و الأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين لم يجب بهذه المقالة من الأرض إلا أرض الحرم و لذلك حرمها و قال الزركشى- رحمه الله تعالى- فى الأعلام فإن قيل ما الحكمة فى تحديد الحرم قيل فيه وجوه:
أحدهما التزام ما ثبت له من الأحكام و تبين ما اختص به من البركات، الثانى ذكر أن الحجر الأسود لما أتى به من الجنة كان أبيضا مستنيرا أضاء منه نور فخبت ما انتهى ذلك النور و كانت صدور الحرم و هذا معنى يناسب و الأمر فوق ذلك، الثالث أنه أنوار موضوعة عن العالم الأعلى ربانى و سر روحانى توجه
إلى تلك البقاع و يذكر أهل المشاهدات أنهم يشاهدون تلك الأنوار واصلة إلى حدود الحرم و لها منار سبع منها و تكون منها فى الحرمين و الأرض المقدسة هذا و قد روى عن النبى صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «هذا البيت يعنى الكعبة الشريفة خامس خمسة عشر بيتا سبعة منها فى السماء إلى العرش و سبعة منها إلى تخوم الأرض و أعلاها الذى يلى العرش البيت المعمور لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت لو سقط منها شىء لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السفلى و لكل بيت من أهل السماء و من أهل الأرض من يعمره كما يعمر هذا البيت». أخرجه الأزرقى فإن قيل فى قوله عليه الصلاة و السلام و لكل بيت إلى آخره إشارة إلى تسميته كل بيت منها بالبيت المعمور بهذا المعنى فحصل الاشتراك فابنها البيت المعمور المراد فالجواب أن وجه التسمية لا يلزم اطراده كما هو مقرر فاشتراكها فى من يعمرها لا يلزم أن يسمى كل منها بالبيت المعمور بل هو اسم لما يلى العرش منها قد غلب عليه هذا الاسم و لزمه و صار علما عليه عند الإطلاق خصوصا و قد تميز عنها بأنه هو المسمى بالضراح دون بقية البيوت الأخر و الله الموفق لكن فى الكشاف و القاضى أنه اسم للذى فى السماء الرابعة و أنه مسمي: بالضراح فعليه لا يظهر هذا الجواب و لهذا اعترض سعدى بأن الكلام فى البيت المعمور فتفسيره بالذى فى السماء الرابعة فيه فتأمل، و سيأتى رده و عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال البيت المعمور الذى فى السماء يقال له الضراح و هو على البيت الحرام لو سقط سقط عليه يعمره كل يوم سبعون ألف ملك و لم يرده قط و الضراح بضم الضاد المعجمة بعدها راء مخففه فالف فى مهملة، و قيل بالصاد المهملة و المشهور الأول و قاله الزمخشرى فى ربيع الأبرار: و هو غلط صراح» انتهى و هذا تسمية الملائكة له و عن مجاهد البيت المعمور هو الضريح يعنى بالضاد المعجمة و الضريح لغة البعيد و سمى به لانه ضرح عن الأرض أى بعد و اختلف فى البيت المعمور و فى مقره فقيل إنه البيت الذى بناه آدم أول ما نزل إلى الأرض كما سيأتى ذكره قريبا ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان و تسميه الملائكة الضراح لأنه ضرح عن الأرض إلى السماء بمعنى أبعد و قضية ذلك أن نفس بناء آدم هو الذى رفع و تقدم كلام القاضى فيه
و أن للجهة لا للبناء و الجهة لم ترفع فراجعه و بقى القول بأن البيت المعمور هو نفس الخيمة التى أنزلت على آدم و قد صرح به الحليمى فى منهاجه على ما سيأتى ذكره فى بناء آدم و قد نقله أيضا ابن حجر الهيثمى فى رسالته المناهل العذبة حيث قال: و فى منهاج الحليمى أنه أهبط مع آدم صلى اللّه عليه و سلم بيت فكان يطوف به و المؤمنون من ولده كذلك إلى زمان الغرق ثم رفعه الله فصار فى السماء و هو الذى يدعى البيت المعمور و معنى أهبط بيت معه انه أهبط مقدار البيت المعمور طولا و عرضا و سمكا ثم قيل له ابن بقدره و حياله و كان حياله موضع الكعبة فبناها فيه و رمى الخيمة التى أنزلها الله تعالى لآدم من ياقوت بها فيجوز أن تكون أنزلت و ضربت فى موضع الكعبة فلما أمر ببنائها فبناها كانت حول الكعبة طمأنينة لقلب آدم ما عاش ثم رفعت فتتفق الأخبار انتهى كلام ابن حجر فى الرسالة و بقى احتمال أنه اسم لبناء الملائكة و أنه هل رفع أو كان أنزله عليه و خيمة قبل آدم فليراجع فإنى لم أقف على القول بذلك هذا و العجب من المؤرخ القطبى حيث جوز أن يكون الثابت لسيدنا آدم أنه جمع له بين خيمة أنزلت عليه مع البيت المعمور معا، و أنه لعلها رفعت الخيمة بعد وفاة آدم عليه السلام و بقى البيت المعمور إلى أن وقع الطوفان قال: و فى ذلك من ارتكاب المجاز ما يصحح به هذه الروايات المتباينة ظواهرها- و الله أعلم- و الجاهل له على ذلك أن يبين الروايات تنافيا ففى بعضها التصريح بالرفع لها بعد موت آدم، و أن أولاده أو خصوصا شيت بنى البيت بالطين بعده و فى بعضها أنها بقيت بعده إلى زمن الطوفان فرفعت فجمع بين هذه الروايات بأن المرفوع بموته هو الخيمة فقط، و بقى البيت المعمور مستقرا فى محل الكعبة فلا يمكن حينئذ آدم و لا أحد من ولده شيث أو غيره من بنائها مع استقرار البيت المعمور فى محلها فرواية إلى زمن الطوفان، و الرواية لا يحصل معها بناء آدم و لا أولاده قبل الطوفان و الرواية فيها ذلك، و كان القطب لم يقف على كلام الحليمى فى منهاجه الذى نقله ابن حجر و هو أن الهابط مع آدم إنما هو خيمة بقدر البيت المعمور، و طوله و سمكه، ثم قيل له ابن على قدره و حياله و كان حياله موضع الكعبة فبناها فيه و رمى الخيمة التى أنزلها الله تعالى لآدم من ياقوت الجنة يتمل بها فيجوز أن تكون أنزلت و ضربت فى موضع الكعبة فلما أمر ببنائها فبناها، و كانت حول
الكعبة طمأنينة لقلب آدم ما عاش ثم رفعت فتتفق الأخبار و كان القبطى رأى أن الجواب بذلك و إن حصل به الجمع بين بناء آدم و نزول الخيمة، لكن لا يحصل به الجمع بين رفعها بمجرد موت آدم و بقائها إلى زمن الطوفان، فلا يحصل ذلك إلا بالاختلاف بين الخيمة، و البيت المعمور فتأمل ذلك. هذا و قيل إن البيت المعمور هو الذى بمكة، و هو معمور بمن يطوف به، و هذا منسوب إلى ابن عباس و الحسن و عن محمد ابن عباد بن جعفر أنه كان يستقبل الكعبة الشريفة و يقول: وا حبذا بيت ربى ما أحسنه و أجمله هذا و الله البيت المعمور و ظاهر هذين القولين ينافى ما تقدم من أنه اسم لما فى السماء السابعة و قد يجاب بأنه لا تنافى بين هذا و ما مر لأن البيت المعمور بالاشتراك على ما فى السماء السابعة و هو الأشهر و على ما وقع زمن الطوفان و على الكعبة فتأمل و أما مفسره فللأزرقى ثلاث روايات:
الأولى أنه فى السماء السابعة و الثانية أنه فى السماء السادسة، الثالثة أنه فوق السموات السبع تحت العرش، و فى رواية لغير الأزرقى أنه فى السماء الرابعة و حيث ذكر غير الأزرقى بأن مقر البيت المعمور فى السماء الرابعة اندفع ما اعترض به مولانا سعدى أفندى على البيضاوى فى حكاية أنه فى السماء الرابعة تبعا للكشاف حيث قال: قوله و هو فى السماء الرابعة بحيال الكعبة فى الأرض بناء، و أما الذى كان فى زمن آدم صلى اللّه عليه و سلم فرفع بعد موته، فهو فى الرابعة على ما نقله الأزرقى فى تاريخ مكة شرفها الله و فيه أن الحديث فى البيت المعمور فتفسيره بما فى السماء الرابعة ينافيه» انتهى كلامه على سقم فى النسخة الواقعة لى فلتصحح و أقول الرواية الأولى هى المشهورة الصحيحة الموافقة لما رواه مسلم فى صحيحه من حديث ثابت البنانى عن أنس- رضى الله عنه- من كونه صلى اللّه عليه و سلم اجتمع بإبراهيم عليه الصلاة و السلام فى السماء السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور و هذا الحديث أولى بالاعتماد عليه دون غيره قال غيره قال القاضى عياض- رحمه الله تعالى- فى الشفا جود ثابت هذا الحديث الأول عن أنس ما شاء و لم يأت عنه أحد بأصوب من هذا و قد خلط فيه غيره عن أنس تخليطا كثيرا لا سيما شريك بن أبى قمر انتهى و روى عن ابى هريرة- رضى الله عنه- أنه قال:
قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «فى السماء بيت يقال له المعمور بحيال الكعبة ما فى السماء
الرابعة نهر يقال له الحيوان يدخل جبريل كل يوم فينغمس فيه انغماسة ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخر عنه سبعون ألف قطرة يخلق الله تعالى من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيصلون فيه فيفعلون ثم يخرجون فلا يعودن إليه أبدا و يولى عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم فى السماء موقف يسبحون الله فيه، إلى أن تقوم الساعة». و فى سنده ضعف قال الشامى و الصواب أنه ليس بموضع كما بينته فى الفوائد المجموعة فى بيان الأحاديث الموضوعة و روى أبو الشيخ من طريق الليث قال حدثنى خالد بن سعد قال: بلغنى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء يسمع تأذينه من فى السموات السبع و من فى الأرض الا الجن و الانس ثم يتقدم عظيم الملائكة فيصلى بهم قال و بلغنا أن ميكائيل يؤم الملائكة بالبيت المعمور، و استدل بهذه الأحاديث على أن الملائكة أكثر المخلوقات لأنه لا يعرف من جميع العوالم ممن يتجدد من جنبه فى كل يوم سبعون ألفا غير ما ثبت فى هذه الأخبار» انتهى كلام الشامى قلت و أستفيد منه أن خلق الملائكة بالتدريج لا دفعى فتردد العراقى فى أسئلته فى ذلك مع وجود هذا مدفوع تأمل، و أما سبب بناء أدم صلوات الله عليه فروى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن الله تعالى لما أهبط آدم كان رأسه فى السماء، و رجلاه فى الأرض، و هو مثل الفلك من رعدته قطأطأ الله عز و جل منه إلى ستين ذراعا فقال يا رب ما لى لا أسمع صوت الملائكة فقال له حطيتك يا آدم، و لكن اذهب فابن لى بيتا فطف به، و اذكرنى حوله كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشى، فأقبل آدم يتخطى فطويت له الأرض و لم يقع قدمه فى شىء من الأرض إلا صار عمرانا و بركة حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام بعد أن ضرب جبريل عليه السلام بجناحه الأرض، فأبرز عن أس ثابت فى الأرض السفلى فقذفت فيه الملائكة الصخر ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا قال ابن عباس- رضى الله تعالى عنهما- فكان أول من أسس البيت و صلى فيه و طاف به آدم- عليه السلام- و لم يزل كذلك حتى بعث الله الطوفان فدرس موضع البيت.
أقول هذا مما يشهد لبناء الملائكة و آدم فى آن واحد كما سبقت الإشارة اليه ثم فى كون آدم- صلى الله عليه و سلم- أول من طاف و صلى لعلة بالنظر إلى بيته
فهو أول نبى فلا ينافى سبق الملائكة له على ذلك أو المراد بالطواف الطواف المخصوص قال العلامة العز بن جماعة: «فى قول الأزرقى فمنذ طاف آدم كانت سنة الطواف لعله يريد سنة الطواف فى العدد و إلا فقد ورد أن الملائكة طافت به قبل آدم- عليه الصلاة و السلام- فلعله كان بغير عدد أو بغير ذلك العدد إذا أراد سنة لبنيه من بعده، و الله أعلم. انتهى. و يروى بناه من خمسة أجبل لبنان، و طور و طور سيناء، و طور زيتا، و الجودى، و حرا متى استوى مع وجه الأرض أى لم يرتفع عنه و فى الكشاف انه روى أن الله تعالى أنزل ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقى و غربى و قال لآدم- عليه الصلاة و السلام- أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرش فتوجه آدم من أرض الهند اليه ماشيا و تلقته الملائكة فقالوا بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام و حج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور. انتهى. قال المحقق التفتازانى قوله بر حجك على لفظ المبنى للمفعول من بر الله حجه و حج مبرور لا يخالطه شيء من المأثم و قد جاء بر حجه غير متعد و قوله أربعين حجة بكسر الحاء» انتهى و يروى أنه بناه من خمسة أجبل لبنان، و طور زيتا، و طور سيناء و الجودى، و حراحتى، استوى مع وجه الأرض أى لم يرتفع عن وجه الأرض كما قدمته و سيأتى بيان موضع هذه الجبال عند ذكر بناء الخليل- عليه السلام- إن شاء- الله تعالى- و الفلك فيما تقدم بضم الفاء هو السفينة و وجه التشبيه أن آدم عليه السلام قال: الهبوط كان فيه اضطراب كاضطراب السفينة فى البحر قال: هبوب الرياح كذا ذكره بعض المتأخرين و الذى ذكره الشامى أن الفلك موج البحر المضطرب و قيل أراد فلكة المغزل قال: دورانها. انتهى. و فى بحر العلوم للنسفى أن الكلبى ذكر عن ابى صالح عن ابن عباس أنه قال: إن آدم لما هبط إلى جبل الهند كان رأسه يمسح السحاب فصلع فأورث ولده الصلع و هذا هو المشهور بين المؤرخين و قالوا: كان آدم يصعد الجبل فيسمع تسبيح الملائكة فقصره الله تعالى حتى بلغ ستين ذراعا و هذا يخالف لما رواه أبو هريرة عن النبى صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: خلق آدم على صورته و طوله ستون ذراعا كذا فى حياة الحيوان و زاد فى المشكاة فى
سبعة أزرع عرضا و فى الصحيحين فكل يدخل الجنة على صورة آدم فلم تزل الخلق تنقص حتى الآن كذا فى المشارق، و اختلف فى المراد بالذراع هو ذراع آدم أو الذراع المتعارف بين الناس الآن، كذا ذكر فى الخميس و فيه أيضا أن آدم أهبط بأعلى الهند نحو الصين و هو جبل عال يراه البحريون من مسافة أيام، و فيه أثر قدم آدم مغموسة فى الحجر و يرى على هذا كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب و لا بد له فى كل يوم من مطر يغسل قدمى آدم يقال: إن الياقوت الأحمر يوجد على هذا الجبل تحدره السيول و الأمطار إلى الحفيض و به يوجد الماسى أيضا:
و العود و فى عرايس التعلبى قال ابن عباس: أهبط الله آدم عليه السلام على جبل وادى سرنديب و ذلك أن ذروته أقرب ذرى جبال الأرض إلى السماء و كانت رجلاه فى الأرض و رأسه فى السماء يسمع دعاء الملائكة و تسبيحهم و كان آدم يأنس بذلك، فهابته الملائكة و اشتكت نفسه إلى الله فنقض الله قامته إلى الستين ذراعا بذراع آدم، و كان قبل ذلك يمس رأسه السحاب فصلع و أخذ رأسه الصلع انتهى. و تقدم ما فيه ثم قضية ما ذكر أن ذورة هذا الجبل الذى نزل عليه و هو جبل وادى سرنديب أقرب إلى السماء من مكة و من صخرة بيت المقدس، مع أنه تقدم عن كعب الأحبار أن صخر بيت المقدس أقرب إلى السماء قضية الأثر الذى روى عن عائشة- رضى الله عنها- أن مكة أقرب إلى السماء فتأمل ثم ظاهر هذه الإشارات النزول لآدم وقع فى أرض الهند أولا ثم جاء إلى مكة حاجا:
و فى بعضها أنه أنزل إلى مكة أولا فليراجع و فى بعض الروايات أن آدم عليه الصلاة و السلام لما هبط بأرض الهند اشتد بكاؤه و حركه فتاب الله عليه و أمره بالمسير إلى مكة فلما انتهى إليها عزاه الله بخيمة من خيام الجنة و وضعها له موضع البيت و كانت تلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة فيها ثلاث قناديل من ذهب من تبر الجنة فيها نور يلتهب من نور الجنة. و عن قتادة- رضى الله عنه- أن آدم عليه السلام أهبط و معه بيت و كان يطوف و المؤمنون من ولده كذلك إلى زمن الغرق، ثم رفعه الله عز و جل فصار فى السماء و هو الذى يدعى البيت المعمور. ذكره الحليمى فى منهاجه ثم قال: يجوز أن يكون معنى قول قتادة من أنه أهبط مع آدم بيت أى مقدار البيت المعمور طولا و عرضا و سمكا ثم قيل
له ابن بقدره و حياله فكان حياله موضع الكعبة فبناها فيه، و أما الخيمة فقد يجوز أن يكون أنزلت و ضربت فى موضع الكعبة فلما بنى الكعبة كانت الخيمة حولها طمأنينة لقلب آدم ما عاش، ثم رفعت فشقق هذه الأخبار و تقدم ما فيه و ما فى كلام المؤرخ فتذكره، و روى الأزرقى عن عبد الله بن أبى زياد قال: لما أهبط الله تعالى آدم من الجنة قال: يا آدم ابن لى بيتا بحذا بيتى الذى فى السماء تتعبد فيه أنت و ولدك كما تتعبد ملائكتى حول عرشى، فهبطت عليه الملائكة فحفر حتى بلغ الأرض السابعة فقذفت فيه الملائكة الصخر حتى أشرف على وجه الأرض و هبط آدم بياقوتة حمراء مجوفة لها أربعة أركان بيض، فوضعها على الأساس فلم تزل الياقوتة كذلك حتى كان زمن الغرق، فرفعها الله تعالى و مقتضى هذه الرواية أن سيدنا آدم- صلى الله عليه و سلم- لم يستكمل البناء و إنما بنى الأساس فقط فليتأمل. و أما سبب بناء الخليل- صلوات الله و سلامه عليه- فروى عن مجاهد- رضى الله تعالى عنه- أن موضع الكعبة أى البيت كان قد خفى و درس من الغرق أيام الطوفان فصار موضعه أكمة حمراء مدرة لا يعلوها السيول غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت- فيا منالك- و لا يثبتونه فكان المظلوم يأتيه من أقطار الأرض و يدعو عنده المكروب فقيل من دعا هنالك إلا استجيب له و عن ابن عمر كانت الأنبياء يحجونه و لا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لخليله و اعلمه مكانه و روى أن هودا و صالحا و من آمن بهما حجوا البيت و هو كذلك نقل العلامة السيوطى فى بعض كتبه أن جميع الأنبياء حجوا البيت إلا هودا و صالحا فإنهما تشاغلا بأمر قومهما فمات و لم يحجا و إن آدم لما حج حلق جبريل رأسه بياقوتة من الجنة و قد تقدم الكلام على من حج من الأنياء فلما بوأنا الله الخليل مكان البيت و أمره ببنيانه بقوله تعالى «وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ» و قوله «و إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت» الآيتين أقبل من الشام و سنه يومئذ مائة سنة و سن إسماعيل ستة و ثلاثون سنة و فى كلام الشامى و سن إسماعيل ثلاثون سنة و أرسل الله معه السكينة و العز و الملك دليلا حتى أتوا البيت الحرام فقال لابنه إسماعيل- عليه السلام-: إن الله تعالى قد أمرنى أن أبنى له بيتا فقال له إسماعيل: و أين هو؟ فأشار أكمة مرتفعة عليها رضراضى من حصبا فقال الجعران عن
القواعد و يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، و يحمل إسماعيل الحجارة على رقبته و إبراهيم يبنى. قال المحقق التفتازانى فى حواشى الكشاف:
قوله كان إبراهيم يبنى بشبه أن يكون تقديم القواعد على عطف إسماعيل إشارة إلى هذا. انتهى و قال البيضاوى: و إسماعيل كان يناوله الحجارة و لكنه لما كان له مدخل فى البناء عطف عليه و قبل كانا يبنيان فى طرفين أو على التناوب. انتهى فلما ارتفع البناء و شق على الخليل تناول الأحجار قرب له إسماعيل المقام فكان يقوم عليه، و سيأتى الكلام عليه سقوفا و الصرد بضم الصاد و فتح الراء المهملتين طائر منخم الرأس فوق العصفور يصيد العصافير، و قيل إنه أولى طائر صام الله و قال أبو حاتم: الصرد طائر يقع أبيض البطن، أخضر الظهر، منخم الرأس و المنقار له برسن، و يصطاد العصافير و صغار الطير، و زاد بعضهم على هذا فقال: و يسمى الأجوف لبياض بطنه، و الأخطب لخضرة ظهره، و الأخبل لاختلاف لونه فى المصباح: هو نوع الغربان و الأنثى صردة و الجمع صردان و يقال له: الواق و كانت العرب تتطير من صوته و تقتله فنهى عن قتله و نهى الطيرة، و منه نوع أسود تسميه أهل العراق العقعق، و أما الصرد المهام: فهو البرى الذى لا يرى فى الأرض و يقتر من شجرة إلى شجرة، و إذا اضطر و اضجر أورك و أخذ فصيرق كالصقر و يصيد العصافير و السلينة لها رأس كرأس البرة و خبامان و فى رواية كأنها غمامة أو ضبابة تغشى الأرض كالدخان فى وسطها كهيئة الرأس تتكلم و كانت بمقدار البيت فلما انتهى الخليل- صلوات الله عليه- إلى مكة وقفت فى موضع البناء و نادت: يا إبراهيم ابن على مقدار ظلى لا تزيد و لا تنقص و فى أخرى كأنها تطوقت ما الأساس الأول كأنها حية، و فى أخرى أنها لم تزل راكدة تظل إبراهيم و تهديه مكان القواعد فلما رفع القواعد قدر قامة انكشفت قال السهيلى فى روضة السكينة من شان الصلاة قال صلى اللّه عليه و سلم: «و آتوها و عليكم السكينة». انتهى فجعلت علما على قبلتها حكمة من الله تعالى و روى أن السكينة قالت لإبراهيم عليه الصلاة و السلام ربضت على البيت فلذلك لا يطوف بالبيت ملك و لا أعرابى نافر و لا جبار إلا رأيت عليه السكينة و ذكر أن الخليل لما حفر من القواعد أبرز عن ربض كأمثال خلفة الأبل لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا
و كان يبنى كل يوم ساقا و هو المدماك فى عرفنا الآن و عبارة الشامى و هو العرق من الحائط قال ابن عباس- رضى الله تعالى عنهما-: أما و الله ما بنياه بقصة و لا مدد و لا كان معهما ما يسقفاه و لكنها أعلماه و طافا به، و فى رواية رضماه رضما فوق القاعدة و لم يسقفاه و الرضم أى رص الحجارة بعضها على بعض بغير بلاط، و القصة بفتح القاف قال الشامى: الجبر و بعضهم هى النورة أو شبهها قال التقى الفاس: و قد اختلف فى عدد الجبال التى بنى منها الخليل الكعبة فقيل:
خمسة و هذا يروى عن أبى قلابة و عن قتادة و لكن بينهما اختلاف فى الجبال التى بنى منها، فإن أبا قلابة قال من حرى و ثبير و لبنان و الطور و الجبل الأحمر و قتادة قال: بناه من طور سيناء و طور زيتا و لبنان و الجودى و حراد قيل: بناه من ستة أجبل: من أبى قبيس، و الطور، و من القدس، و من ورقان، و من رضوى، و من أحد و هذا ذكره الفاكهى و قيل: بناه من سبعة أجبل ذكره الأزرقى عن عثمان بن ساج. انتهى و قال السهيلى بناه الخليل عليه الصلاة و السلام من أخمسة أجبل كانت الملائكة تأتيه بالحجارة منها و هى: طور سيناء و طور زيتا اللذين بالشام و الجودى و هو جبل بالجزيرة بالقرب من الموصل و لبنان و حراء و هما بالحرم و عبارة الكشاف و أسسه من حرام ثم قال: و انتبه لحكمة الله تعالى كيف جعل بناها من خمسة أجبل فشاكل ذلك معناها اذ هى قبلة للصلوات الخمس و عمود الإسلام و قد بنى على خمس. انتهى قال بعض العلماء: و فى كون لبنان بالحرم نظر إذ لا يعرف ذلك و عباره الشامى و لبنان بضم أوله و اسكان ثانيه جبل بالشام و روى الازرقى عن عطاء بن السايب ان إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم رأى رجلا يطوف بالبيت فأنكره فسأله ممن أنت؟ قال: من أصحاب ذى القرنين؟ قال: و أين هو؟ قال: بالأبطح فتلقاه إبراهيم فاعتنقه، فقيل لذى القرنين: لم لا تركب قال: ما كنت لأركب: و هذا يمشى فحج مايا و روى ابن أبى حاتم عن عليا ابن احمر أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم و إسماعيل يبنيان الكعبة فاستفهمهما عن ذلك فقالا نحن عبدان مأموران فقال من يشهد لكما فقامت خمسة أكبش فشهدت فقال: قد صدقتما ثم مضى قلت: قد نقل الفاكهى أن الخليل عليه الصلاة و السلام حفر زمزم لأنه قال بعد أن ذكر جعرافى إخراج جبريل ماء زمزم لإسماعيل فحفر
إبراهيم بعد ذلك ثم غلب عليهما ذو القرنين. انتهى قال العلامة الفاسى: و هذا غريب و الله اعلم فلما انتهى الخليل عليه السلام من البناء إلى موضع الحجر بالفتح طلب من إسماعيل حجرا يضعه ليكون علما على بدأة الطواف فجاءه جبريل بالحجر الاسود قيل نزل به من الجنة و قيل: جاء به من أبى قبيس لأن الله استودع الحجر أبا قبيس لما غرقت الأرض و فى رواية أن الحجر نفسه نادى الخليل من ابى قبيس ها أنا ذا فرقا النيه فأخذه فوضعه فى موضعه هذا. و ظاهر كلام الكشاف أن بناء الخليل للبيت أدركته هاجر، فإنه قال فى قوله تعالى: «رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ» و ترى مسلمين على الجمع كانهما أراد أنفسهما و هاجر. انتهى و تبعه القاضى و الذى يدل عليه مساق ذكرهم للقصة أن أمه انتقلت قبل بناء الكعبة. فليراجع، و جعل الخليل- صلوات الله عليه- طول البيت فى السماء تسعة أذرع و عرضه فى الأرض اثنين و ثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشمالى الذى عنده الحجر بكسر الحاء من وجهه، و جعل عرض ما بين الركن الشامى إلى الغربى الذى فيه الحجر- بالكسر- أثنين و عشرين ذراعا، و جعل طول ظهرها من الركن العربى إلى الركن اليمانى إحدى و ثلاثين ذراعا، و جعل عرض شقها اليمانى من الركن الأسود إلى الركن اليمانى عشرين ذراعا فلذلك سميت كعبة لأنها على خلقة الكعب، و كذلك بنيان أساس آدم عليه السلام و جعل بابها بالأرض غير مبوب حتى كان تبع أسيد الحميرى هو الذى جعل لها بابا و غلقا فارسيا و كساها كسوة تامة، و نحر عندها، و جعل الخليل الحجر- بكسر الحاء- إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز و كان زربا لغنم إسماعيل و حفر فى بطن الكعبة جاعل يمين الداخل يكون خزانة للبيت يلقى فيه ما يهدى للكعبة و هو الذى نصب عليه عمرو بن لحى هبل صنم قريش الذى كانت تعبده و تستقسم عنده بالأزلام، أقول: و لعله- و الله أعلم- هو المراد بقول أبى سفيان بن حرب فى يوم أحد أكل هبل، ثم عدا على ذلك الجب قوم من جرهم فسرقوا ما فيه من أموال الكعبة و حليتها مره بعد أخرى فبعث الله الحية لحراسته، و هى التى اختطفها العقاب كما تقدم- و الله أعلم- فقوله ثم عدا على ذلك- هكذا وقع فى عبارة جمع من المتأخرين
و الذى فى سيرة الشامى أن الخليل و إسماعيل صلى الله عليهما و سلم لم يجعلا له سقفا و كان الناس يلقون فيه الحلى و المتاع حتى إذا كاد أن يمتلىء انقذ له خمسه نفر ليسرقوا ما فيه فقام كل واحد على زاوية و اقتحم الخامس فسقط على رأسه فهلك، و بعث الله سبحانه عند ذلك حية بيضاء سوداء الرأس و الذنب، فحرست البيت خمسمائة عام لا يقربه احد إلا أهلكته فلم يزل كذلك حتى بنته قريش. انتهى و هذا صريح فى أنهم لم يسرقوا منه اصلا فكيف ما تقدم من أنهم سرقوا منه مرة بعد اخرى فتأمل و أما سبب بناء العمالقة و جرهم فروى ابن أبى شيبة و إسحاق بن راهويه فى مسنده و ابن جرير و ابن ابى حاتم و البيهقى فى الدلائل عن على- رضى الله تعالى- عنه ان بناء إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم لبث ما شاء الله أن يلبث ثم انهدم فبنته العمالقه، ثم انهدم فبنته جرهم. قال السهيلى: قد قيل أنه بنى فى أيام جرهم مره أو مرتين لأن السيل قد صدع حائطه و لم يكن ذلك بنيانا و إنما كان إصلاحا لها، و هى و جدار بنى بنيه و بين السيل قلنا: فى حديث ابى جهم بن حذيفة- رضى الله عنه- أن البيت فى زمن جرهم دخله السيل من أعلى مكه فانهدم فأعادته جرهم على بناء إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و جعلت له مصراعين و قفلاه. انتهى فهذا نقل صريح يشهد لما فى حديث سيدنا على رضى الله عنه و أما عمارة قصى بن كلاب فقد ذكرها الزبير بن بكار فى كتاب النسب و جرهم به الإمام أبو الحسن الماوردى فى الأحكام السلطانية و نقل الفاسى عن الزبير بكار أن قصيا بنى الكعبة بناء كما على خمسة و عشرين ذراعا و إنه سقفها بخشب الدوم و جريد النخل ثم قال فيه نظر لانه إن أريد من أن الخليل جعل طولها تسعة أذرع و إن أريد أن قصيا جعل عرضها خمسة و عشرين ذراعا فالمعروف أن هذا عرضها من الجهة الشرقية و الغربية و روى عبد الرازق و الطبرانى و الحاكم عن أبى الطفيل- رضى الله عنه- قال كانت الكعبة فى الجاهلية مبنية بالرضم و هو الحجارة تجعل فوق بعض ليس فيها مرر و كانت قدر ما يقتحمها العناق، و كانت ثيابها توضع عليها تسدل سدلا و كانت ذات ركنين كهيئة كهذه الحلقة فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبا من جده
انكسرت فخرجت قريش لتأخذ خشبها فوجدوا الرومى الذى فيها نجارا فقدموا به و بالخشب ليبنوا به البيت، و كانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حية فاتحة فاها فبعث الله تعالى طيرا أعظم من النسر فغرز مخالبه، و ألقاها نحو أجياد فهدمت قريش الكعبة، و بنوها بحجارة الوادى فرفعوها فى السماء عشرون ذراعا فبينما النبى صلى اللّه عليه و سلم يحمل الحجارة من أجياد و عليه ثمره فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته فى صفرها فنودى يا محمد عورتك فلم يرى عريانا بعد ذلك قال ابن إسحاق: ثم إن الناس هابوا هدمها و فرقواتها فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم فى هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها و هو يقول: اللهم لا ترع بمثناه فوقية فراء مفتوحة أى لم يفزع الكعبة فاضمرها لتقدم ذكرها و يروى لم تزغ بفتح النون و كسر الزاى و بالغين المعجمة أى لم عن محبتك و لا خرجنا عنه يقال: زاغ عن كذا إذا خرج عنه اللهم لا نريد الا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة قالوا: انتظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا و رددناها كما كانت، و إن لم يصبه شىء هدمنا فقد رضى الله تعالى ما صنعنا فأصبح الوليد من ليلته عاديا إلى عمله فهدم و هدم الناس معه حتى إذا انتهى إلى الأساس أساس إبراهيم- صلى الله عليه و سلم- أفضوا إلى حجارة خضراء كالأسنة أخذ بعضها ببعض الأسنمة جمع سنام و هو أعلى الظهر و أراد أن الحجارة دخل بعضها فى بعض، كما تدخل عظام السنان بعضها فى بعض فشبهها بها و فى رواية كالأسنة جمع سنان الرمح شبهها بالأسنة فى الخضره فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلته و هى الهراوة الغليظة بين حجرين منها ليلفع بها بعضها فلما تحرك الحجر تنقضت بمثاة فوقية فنون مفتوحتين فقاف فضاد معجمة ساقطة أى اهتزت مكة بأسرها و أبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل فانتهوا عن ذلك الاساس، و وجدت قريش فى الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود فاذا هو أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات و الأرض، و صورت الشمس و القمر و حفقتها بحاء مهملة مفاءين ثانيهما ساكنة فتاء المتكلم أحاطت الملائكة بها بسبعة أملاك حففا لا تزول أخشباها أى جبلاها أبو قبيس و قيقعان
يبارك لأهلها فى الماء و اللبن و وجدوا فى المقام كتابا فيه مكة بلد الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل جميع سبيل الطريق أول من أهلها، و وجدا آخر مكتوب فيه من يزرع خيرا يحصر غبطة و هى تمنى حصول مثل الخبر الذى فيه غيرك و من يزرع شرا يحصد ندامة، تعملون السيئات و تجزون الحسنات، آجل نعم ورنا و معنى كما يجتنى من الشوك العنب ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن أى الحجر الأسود و سمى ركنا لأنه مبنى فى الركن فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الاخرى حتى تجاوزوا فوقيه فحاء مهملة فألف فواو فزاى معجمة أى انحازت كل قبيلة إلى جهة و تحالفوا و أعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماء ثم تعاقدوا أنهم و بنو عدل بن كعب على الموت و أدخلوا أيديهم فى ذلك الدم، فى تلك الجفنة فسموا عقة الدم فمكثت قريش على ذلك أربع ليالى أو خمسا ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا و تناصفوا فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم إذا سن قريش كلها فقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم، فكان أول داخل رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم و أخبروه الخبر قال صلى اللّه عليه و سلم هلم إلىّ ثوبا فأتى به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال ليأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده صلى اللّه عليه و سلم و كانت قريش تسمى رسول الله صلى اللّه عليه و سلم قبل أن ينزل عليه الوحى الأمين قال فى الزهر: و كان ذلك فى يوم الإثنين و روى يعقوب ابن سفيان عن ابن شهاب أن قريشأ لما بنوا الكعبة فبلغوا موضع الركن اختصمت فى الركن أى القبائل من رفعه فقالوا تعالوا نحكم أول من يطلع علينا فطلع عليهم رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و هو غلام فحكموه فأمر بالركن فوضع فى ثوب ثم أخرج سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فوضعه هو، ثم طفق لا يزداد على السن الأرض حتى دعوه الأمين قبل أن ينزل عليه الوحى فطفقوا لا ينجزون جزورا إلا التمسوه فيدعو لهم فيها. و روى ابن سعيد و أبو نعيم عن ابن عباس قال: لما وضع رسول الله صلى اللّه عليه و سلم الركن ذهب رجل من
أهل نجد ليناول النبى صلى اللّه عليه و سلم حجرا يشد به الركن فقال العباس: لا و ناول العباس رسول الله صلى اللّه عليه و سلم حجرا فسد به الركن فغضب النجدى فقال: و اعجبا القوم أهل شرق و عقول و أموال عمدوا إلى رجل أصغرهم سنا و أقلهم مالا فرأسوه عليهم فى مكرمتهم و حرزهم كأنهم خدم له أنا و الله لفوقهم شيعا أو ليقمسن بينهم حظوظا و جدودا فيقال: إنه إبليس زاد غيره و كاد يثير شرا فيما بينهم ثم سكنوا و قال هبيره بن أبى وهب المخزومى: حين جعلت قريش رسول الله صلى اللّه عليه و سلم حكما.
تشاجرت الاحبا فى فصل حظهجزت طيرهم بالحس من بعد أسعد
تلاقوا لها بالبغض بعد مودةو أوقدها نارا بينهم شر موقد
فلما رأينا الأمر قد جد جسدهو لم يبق شى سد المهند
رميننا و قلنا العدل أول طالعيجىء من البطحاء عن غير موعد
فلم يفجنا إلا الأمين محمدفقلنا رضينا بالأمين محمد
بخبر قريش كلها أمس خيمةو فى اليوم مع ما يحدث الله فى غد
فجاء بأمر لم ير الناس مثلهأعم و ارضى فى العواقب و البدي
أخذنا بالكناف الردا و كلناله حصة من رفعة قبضة اليد
فقالا رفعوا حتى إذا ما علت بهأكف اليد قرفى خير مسند
و كان رضينا ذاك عنه بعينهو أعظم به من رأى هاد و مهتد
لتلك يد منه علينا عظيمةيروح بها ركب العراق و يعتدي
و لما بنت قريش الكعبة جعلت ارتفاعها من خارجها من أعلاها إلى الأرض ثمانية عشرة ذراعا منها تسعة ازرع زائدة على طولها حين عمرها الخليل صلى اللّه عليه و سلم و اقتصروا من عرضها أذرعا جعلنها فى الحجر لقصر النفقة الحلال التى أعدوها لعمارة الكعبة عن إدخال ذلك فيها و رفعوا بابها ليدخلوا من شاءوا و يمنعوا من شاءوا و جعلوا فى داخلها ست دعائم فى ضعين ثلاث فى كل صف من الشق
الذى يلى الحجر إلى الشق اليمانى و جعلوا فى ركنها الشامى من داخلها درجة يصعد منها إلى سطحها و جعلوه سطحا و جعلوا فيه ميزابا يصب فى الحجر.
تبيهات الأول تقدم فى كلام العلامة المحدث الشامى انه قال فى سيرته تبعا للاستوى أى المركب التى سقفت منها قريش البيت كان البحر رمى بها الى جده و إنها لما بلغت مرساها من جده بعث الله تعالى عليها ريما قحطتها و ذكر بعض المتأخرين من المصنفين كابن حجر الهيثمى فى رسالته أن السفينة أقبلت من الروم حتى إذا كانت بمحل يقال له الشعبية بضم الشين المعجمة و هى يومئذ ساحل مكة قبل جده انكسرت انتهى و هذا هو و كأنه ظن أن السفينة يقال لها جده و هى بضم الجيم ساحل مكة تعر و قد سميت بذلك لأنها حاضرة البحر و الجدة من البحر و النهر ما ولى البر و أصل الجدة الطريق الممتد لم يجعلها ساحلا لمكة ألا سيدنا عثمان- رضى الله عنه- و ذلك فى سنة ست و عشرين من الهجرة بسؤال أهل مكة لعثمان- رضى الله عنه- أن يحول لهم الساحل من الشعبية و هى ساحل مكة قديما فى الجاهلية إلى ساحلها اليوم و هى جده لقربها من مكة فخرج عثمان- رضى الله عنه- إلى جده و رأى موضعها و أمر تحويل الساحل إليها و دخل البحر و اغتسل فيه و قال إنه مبارك و قال لمن معه ادخلوا البحر للاغتسال و لا يدخله أحد لا يميز ثم خرج من جده على طريق عسفان إلى المدينة و قد يقال لا يلزم من قوم الشعبية و كونها هى الساحل إذ ذاك رون جده أن لا يكون الريح رمت تلك المركب إلى جده و إنها انكسرت فى مرساها فنقلتها قريش منها و هو لا أيمه لا يتخلون ذلك إلا بالتوقيف و قد ذكروا أن مرساة الشعبية قريبة إلى البر بخلاف مرساه جده لان مرساها لا تقف فيه السفينة بعيدة عن البر و لهذا أمر المهدى بنقل الأساطين من مصر و الشام فحملت بحرا إلى ساحل مكة القديم الذى كان أيام الجاهلية و هى الشعبية لكون مرساه أقرب إلى البر من مرساة جده و صارت الأساطين الرخام تحمل منها على العجل إلى مكة و يتحاكى العربان أن بها إلى الآن بقايا أساطين الرخام دفنتها الريح بالرمل.
و قول التقي(1)الفاسى: أنها حلت إلى جده محل نظر هذا و قد تقدم فى كلام الشيخ الشامى انه قال: تبعا للإسنوى كانت هذه السفينة لقيصر ملك
1) شفاء الغرام 1/ 92.
الروم يحمل فيها الرخام و الخشب و الحديد مع باقوم إلى الكنيسة التى أحرقت بالحبشة ثم لما بلغت قريبا من مرسى جدة بعث الله عليها ريحا فحطتها قال القطبى فى تاريخه: قلت لا يعرف طريق بين الروم و الحبشة تمر فيها على جدة إلا أن يكون ملك الروم طلب من ملك مصر مجهزها له من بندر السويس، أو الطور، أو نحو ذلك التنبيه الثانى قال التقى الفاسى: ذكر الفاكهى فى خبر بناء قريش الكعبة أمرين مستقرين أحدهما أنهم رفعوها فى السماء عشرين ذراعا و ذلك فى خبر رواه بسنده إلى عثمان بن عفان، و الأمر الآخر أن قريشا لما اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود فى موضعه، و قضى فيه النبى صلى اللّه عليه و سلم بما قضى و رفعته قريش فى الثوب حتى وضعه رسول الله صلى اللّه عليه و سلم بيده، فرفعه إلى عبد المطلب و كان هو الذى وضعه بيده و وجه الغرابة فى الأول مخالفته لما ذكر الأزرقى و الفاكهى و غيرهما أن قريشا جعلوا طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا، و فى تاريخ الأزرقى عن أبى الطفيل ما يوافق ما ذكره الفاكهى عن عثمان من أن قريشا جعلوا طول عشرين ذراعا و قد ذكر هذا ابن حجر الهيثمي(1)فى رسالته مقدما له و حكى كونه ثمانية عشر و وجه الغرابة فى الثانى أن عبد المطلب لم يشهد بناء الكعبة لأن بناها إنما كان قبل الهجرة بخمس سنين أو خمس عشرة على ما هو المشهور فى ذلك و عبد المطلب مات و النبى صلى اللّه عليه و سلم ابن عشر سنين هذا اكثر ما قيل فى سنه حين موت جده فكيف يحضر قصة حضرها النبى صلى اللّه عليه و سلم و سنه ما سبق بيانه انتهى كلام الفاسى و أخرج الأزرقى فى رواية أن طول الكعبة كان سبعة و عشرين ذراعا فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر ذراعا و نقصوا من عرضها أذرعا أدخلوها فى الحجر و قد نقله ابن حجر فى رسالة ينقم عليه و قد اعترض بعض المتأخرين بأن بناء قريش ثابت على القول المشهور بعد بناء الخليل- و قد علمت فيما سبق أن الخليل صلوات الله و سلامه عليه- جعل طولها فى السماء تسعة أذرع كما تظافرت الأقوال و ستقف على ذلك فى كلام الأزرقى أيضا عند ذكر بناء ابن الزبير- رضى الله عنهما- أيضا فما نقله من أن طول الكعبة كان سبعة و عشرين ذراعا إلى آخره فيه مناقضة لما يأتى عنه و لم يثبت من طريق صحيح أن أحدا بناها بعد الخيل و جعل طولها سبعة
1) المناهل العذبة لوحة 9.
و عشرين ذراعا و ما تقدم من بناء العمالقة و جرهم و قصى بعد الخليل إنما هو مجرد خبر محتمل و لم يتأيد بدليل، و على تقدير الصحة فلم يذكر أحد مقدار ارتفاع بنائهم مطلقا على أن الأزرقى نفسه ذكر بناء العمالقة و جرهم و لم يبين مقدار ارتفاع بنائهم ثم نقل الفاسى- رحمه اللّه تعالى- عن الزبير بن بكار أن قصيا بنى الكعب بناء محكما على خمسة و عشرين ذراعا و سقفها بخشب الدوم و جريد النخل ثم قال فيه نظر لأنه إن أريد به أن قصيا جعل ارتفاع الكعبة خمسة و عشرين ذراعا كان مخالفا لما اشتهر من أن الخليل جعل طولها تسعة أذرع و إن أريد أن قصيا جعل عرضها خمسة و عشرين ذراعا فالمعروف أن عرضها خمسة و عشرين ذراعا فالمعروف أن عرضها من الجهة الشرقية و الغربية لا ينقص عن ثلاثين فى بناء الخليل و من الجهة الشامية و اليمانية لا يبلغ خمسة و عشرين ذراعا و كل من بنى الكعبة بعد إبراهيم لم يبنها إلا على قواعده غير أن قريشا استقصرت عن عرضها فى الجهة الشرقية و الغربية أذرعا فى بناء قصى على أن ارتفاع البيت فى السماء و إن كان يخالف المشهور فليس فيه دلالة لما رواه الأزرقى لنقصه ذراعين فيكون ما رواه الأزرقى مجرد رواية لم يعضدها شئ و لا يقول عليها و اللّه الموفق انتهى.
اختلف فى سن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حين بنت قريش الكعبة فقيل كان ابن خمسة و ثلاثين و قد مر الإشارة إليه و حكى الأزرقى قولا أن النبى صلى اللّه عليه و سلم لما بنت قريش الكعبة كان غلاما و هو ضعيف جدا لمخالفة المشهور و قال الحافظ: و لعل عمدته ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى قال: لما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الحلم أجمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرها فى ثياب الكعبة فاحترقت فذكر القصة و قال التقى الفاسى: و رأيت فى منسك سليمان بن خليل المكى ما يقتضى أنه كان ابن ثلاثين سنة و هذا القول فيه غير معروف و أظن أنه سقط فى كلامه خمس من بين ابن و ثلاثين و اللّه أعلم و روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن مجاهد أن ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة و كذا ابن عبد اللّه من طريق محمد بن جبير و به حزم موسى بن عقبة فى مغازيه و الذى جزم به ابن إسحاق أن بنيان قريش كان قبل المبعث بخمس سنين قال الحافظ و هو أشهر قال: و يمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدم وقته على الشروع فى البناء و قيل ابن خمس و عشرين و غلط قائله.
فى الكلام على ما ذكر فى القصة من بدو عورته صلى اللّه عليه و سلم حين نقل الحجارة و أنه كان عليه نمرة ضيقة فضاقت عليه فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها فنودى يا محمد: عورتك فلم ير عريانا بعد ذلك و قد تعدد له ذلك قال ابن إسحاق: و كان رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يحدث عما كان الله يحفظه فى صغره من أمر الجاهلية و منه أنه قال لقد رأيتنى فى غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الصبيان كلنا قد تعرى و أخذ إزاره و جعله على رقبته يحمل عليه الحجارة فإنى لأقبل معهم و أدبر، و إذا لكمنى لاكم لكمة شديدة ثم قال شد عليك إزارك قال فأخذته فشددته على ثم جعلت أنقل الحجارة على رقبتى و إزارى علىّ من بين أصحابى، و هذه القصة شبيهة بما وقع عند بناء الكعبة.
روى الطبرانى و البيهقى فى الدلائل من طريق عمر بن قيس و ابن جرير فى التهذيب من طريق هارون بن المغيرة و أبو نعيم فى المعرفة من طريق قيس بن الربيع، و فى الدلائل من طريق شعيب بن خالد كلهم عن سماك بن حرب و أبو نعيم من طريق الحكم بن أبان كلاهما عن عكرمة عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- قال: حدثنى أبى العباس بن عبد المطلب قال: لما بنت قريش الكعبة انفردت رجلين رجلين ينقلون الحجارة فكنت أنا و ابن أخى فجعلنا نأخذ آزرنا فنضعها على مناكبنا و نجعل عليها الحجارة فإذا دنونا من الناس لبسنا أزرنا فبينما هو أمامى إذ صرع فسعيت و هو شاخص ببصره إلى السماء فقلت: يا ابن أخى ما شأنك قال: نهيت أن أمشى عريانا قال: فكتمته حتى أظهره اللّه بنبوته و ودد من حديث جابر و أبى الطفيل قال العلامة المحدث الشامى فى سيرته و ما ذكره ابن اسحاق من قصة تعريته صلى اللّه عليه و سلم و أنه فى صغره و أنه أمر بالستر قال السهيلى و تبعه بن كثير و أبو الفتح و الحافظ إن صح حمل على أن هذا الأمر كان مرتين مرة حال صغره و مرة أول إكهاله عند بنيان الكعبة، و استبعد ذلك مغلطة فى كتابيه الزهر دلائل النبوة بأنه صلى اللّه عليه و سلم إذا نهى عن شىء مرة لا يعود إليه ثانيا بوجه من الوجوه و أيضا فى حديث العباس المذكور فى بناء البيت أنه لأول مرة نودى، رواه بن سعد و إبراهيم و ابن عساكر من طريق النضر بن عبد الرحمن عن ابن عباس قال كان أبو طالب يعالج زمزم و كان النبى صلى اللّه عليه و سلم ينقل الحجارة
و مر غلام يأخذ إزاره و يتقى به الحجارة فغشى عليه فلما أفاق سأله أبو طالب فقال أتانى آت عليه ثياب بيض فقال: بل استتر فكان أول شىء رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من النبوة أن قيل له: استتر، و مر غلام قال: فما رأيت عورته من يومه.
فقد قال الحافظ فى الفتح: إن النضر ضعيف و قد ضبط فى إسناده و فى متنه فإنه جعل القصة فى معالجة زمزم و لم يذكر العباس و قد قدمنا أن عكرمة و الحكم بن أبان روى القصة عن ابن عباس عن أبيه فى قصة بناء البيت انتهى، أو رده العلامة المحدث الشامى فى سيرته ثم رأيت الزركشى ذكر فى الإعلام أنه قال البخارى فى صحيحه حدثنى عبد اللّه بن محمد بن أبى عاصم أخبرنى بن جريج أخبرنى عمرو بن دينار قال: سمعت جابر- رضى اللّه عنه- يقول:
لما بنيت الكعبة ذهب النبى صلى اللّه عليه و سلم و عباس رضى اللّه عنه ينقلان الحجارة فقال العباس- رضى اللّه عنه- للنبى صلى اللّه عليه و سلم اجعل إزارك على رقبتك فخر صلى اللّه عليه و سلم إلى الأرض و طمحت عيناه إلى السماء فقال: أرنى إزارى فرده عليه فذكر السهيلى فى بقية الحديث سقط مغشيا عليه فضمه العباس- رضى اللّه عنه- إلى نفسه و سأله عن شأنه، فأخبر أنه نودى من السماء أن اشدد عليك إزارك يا محمد، قال ابن الجوزى: ليس فيه دلالة على كشف العورة و إنما فيه كشف الجسد.
انتهى، و لهذا قال الحضرمى فى تفسير قوله تعالى (بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) أنه لم تبد لغيرهما حتى لا يعلم غيرهما مكانه الجنابة كما علماه و لو بدت للأغيار لقال: بدت منهما و قد نقل إن آدم صلى اللّه عليه و سلم كان عليه سبعمائة حلة و كانت عورتهما قبل ذلك مستورة و لما يعلما أن لهما عورة قال القتابى: لم يكونا رأيا عورتهما إلى ذلك الوقت، و كان على سؤتيهما نور إذا نظرا إليها غلب ذلك النور على أبصارهما و منعهما من أبصارهما أما لما ذهب ذلك النور أيضا فبدت لهما سؤاتهما فلما رأيا فزعا و حسبا أن غيرهما أيضا يرى، فتأمل، ثم أعلم أنه تقدم فى القصة أن اللّه بعث للحية طائرا فأخذها، و ألقاه إلى أحيائه قد ذكر بن جماعة أنه يروى أن هذه الحية هى الدابة التى تخرج عند قيام الساعة تكلم الناس قال العلامة الدميرى: و اختلفوا فى كيفية الدابة التى هى من أشراط الساعة اختلافا كثيرا فقيل إنها على خلقة الآدميين و قيل جمعت خلق كل حيوان و عن ابن عباس أنها الثعبان الذى كان فى جوف الكعبة، و اختطفه العقاب حين أرادت قريش بناء البيت الحرام و أن الطائر حين اختطفها ألقاها بالحجون ثم يلقبها الأرض، فهى الدابة التى تخرج تكلم الناس عند الصفا بمكة
يتصدع لها الخيل و الكائن إلى منى و قيل تخرج من الطائف و قيل من الحجر معها عصا موسى و خاتم سليمان- عليهما السلام- تضرب المؤمن بالعصى و تختم وجه الكافر بالخاتم فتنقش هذا الكافر روى السهيلى أن موسى- عليه السلام- سأل ربه أن يريه الدابة التى تكلم الناس فأخرجها اللّه له من الأرض فرأى منظرا لها أفزعه فقال: يا رب ردها فردها و يروى أنها تخرج حين ينقطع الخير و لا يؤمر بالمعروف و لا ينهى عن منكر و لا يبق منيب و لا نائب و الظاهر أنها واحدة و روى أنه يخرج من كل بلد دابة مما هو منسوب نوعها إلى الأرض و ليست واحدة فتكون دابة اسم جنس و فى الحديث أن الدابة و طلوع الشمس من المغرب أول الأشرط و لم يعين الأول منهما و كذا الدجال و ظاهر الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها و فى الميزان للذهب عن جابر الجعفى أنه كان يقول:
دابة الأرض على بن أبى طالب و قال و كان جابر الجعفى شيعى يرى بالرجعة إلى أن على يرجع إلى الدنيا.
قال الإمام أبو حنيفة: ما لقيت أحد أكذب من جابر الجعفى، و لا أفضل من عطاء بن أبى رباح و قال الشافعى: أخبرنى سفيان بن عيينة قال: كنا فى منزل جابر الجعفى فتكلم بشىء فترى لنا خوفا أن يقع علينا السقف، و مع ذلك روى له أبو داود و الترمذى و ابن ماجة و وفاته سنة 66 و كأنه انتهى و أما بنا ابن الزبير الثابت فى الصحيحين و غيرهما فهو صاحبى بن صاحبى ولده الزبير بن العوام القرش بن صفية عمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أحد الثمانية السابقين و الستة أصحاب الشورى و العشرة المبشرين بالجنة و الشجعان المشهورين لم يلحقه (كحمزة) و على أحد فى الشجاعة و الغزو سنة و أما هو فعبد اللّه بن أبى حبيب و أبو بكر بن أسماء بن أبى بكر ذات النطاقين ولد بعد عشرين شهرا من الهجرة بالمدينة و كان أول مولود بها و اشتد فرح المهاجرين به لأن اليهود توعدوهم أنهم عملوا لهم ما أبطل نسلهم فلا يأتيهم ولد فلما ولد بان كذبهم و قد حنكه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بتمرة لاكها و سماه عبد اللّه و كناه أبا بكر باسم جده الصديق- رضى اللّه عنه- و كان ختوما يواصل الخمسة عشر يوم و أكثر قواما طويل الصلاة وصولا للرحم عظيم الشجاعة قوى قسم الليالى ثلاثة فليلة يصلى قياما إلى الصبح و ليلة يصلى و يستمر راكع إلى الصبح و ليلة يصلى و يظل ساجد إلى الصبح و كان أطلس لا لحية له من العرب المشهورين و شجاعتهم الموصوفين و أحد العباد
الأربعة المتقاربين سناءا و علما و ذكاءا و فهما و الثلاثة عبد اللّه بن عباس، و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و ليس فيهم ابن مسعود لأنه أكبر منهم سنا فليس من طبقتهم، و قد روى عن النبى صلى اللّه عليه و سلم ثلاثة و ثلاثين حديث و لما احتمم صلى اللّه عليه و سلم أعطاه دمه فقال عينه أو غيبة فى موضع لا يراك فيه أحد فلما جاء إليه قال له: ما فعلت بالدم قال: شربته قال إذن لا تلج النار بطنك ويل لك من الناس و ويل للناس منك فكان كذلك لأنه كان مما أبى البيعة ليزيد و فر إلى مكة و أطاعه أهل الحجاز و اليمن و العراق و خراسان و لم تخرج عن طاعته إلا أهل مصر و الشام فإنهم بايعوا اليزيد فلما هلك أطاع أهلها عبد اللّه بن الزبير و خرج مروان بن الحكم فتغلب على مصر و الشام إلى أن ولى عبد الملك فجهز جيشا كثيفا على ابن الزبير و أمر الحجاج بن يوسف الثقفى فحاصره و رمى عليه بالمنجنيق و خذل ابن الزبير أصحابه فخرج ابن الزبير وحده قاتل قتالا عظيم إلى أن استشهد- رضى اللّه عنه- فى سنة ثلاث و سبعين من الهجرة و أنشد فيه النابغة:
حكيت لنا الصديق لما وليتناو عثمان و الفاروق فرتاح معدما
و سويت بين الناس بالحق ماستوىو عاد صباحا حالكا لو اشمم
فسببه نشأ عن تخلفه عن بيعة يزيد و الدخول تحت طاعته، و ذلك لأن يزيد كان أمير سوء، كما أشار إلى ذلك أبو هريرة- رضى اللّه عنه- لما قيل له من يخرجهم يعنى أهل المدينة منها فقال: أمراء السوء و لابن شيبة عنه و الذى نفسى بيده يكونن بالمدينة ملحمة يقال لها الحالقة لا أقول حالقة الشعر و لكن حالقة الدين فأخرجوا من المدينة و لو على قدر بريدة و لابن أبى شيبة عنه اللهم ما لا تدركنى سنة ستين و لا أمره الصبية يشير إلى ولاية يزيد و كانت سنة ستين و إلى كانت الحرة فهى السبب فى ترك المدينة كما يشير إليه قول القرطبى متبعا لقيا من فلما انتهى حال المدينة كما لا و حسنا تناقض أمرها إلا أن أكفرت جهاتها، و توالت الفتن فيها فخاف أهلها، و ارتحلوا عنها و وجه إليها يزيد بن معاوية مسلم ابن عقبة المرسى فى جيش عظيم من أهل الشام فترك بالمدينة ليلة الأربعاء ليلتين بقيت من ذى الحجة سنة ثلاث و ستين من الهجرة.
فقاتل أهلها فهزمهم و قتلهم بحرة المدينة قتلا ذريعا و استباح المدينة ثلاثة أيام فسميت «وقعة الحرة» لذلك و يقال لها مرة زهرة و كانت الواقعة فى موضع يعرف بواقم على ميل من المسجد النبوى فقتل بقايا المهاجرين و الأنصار و خيار التابعين و هم 1700 قتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء و الصبيان و قتل من حملة القرآن سبعمائة رجل قال و قال الإمام بن حزم فى المرتبة الرابعة و جالت الخيل فى مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و بالت وراثت بين القبر و المنبر- أدام اللّه تشرفيهما- و لم يصل أحد فى المسجد تلك الأيام و لما كان فيه أحد حاشا سعيد بن المسيب لم يفارق المسجد و لو لا شهادة عمرو بن عثمان بن عفان و مروان بن الحكم له عند مسلم بن عقبة بأنه مجنون لقتله و هتك مسلم حرمة المدينة و نهبها و استخف بأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و مدت الأيدى إليهم و نتف لحية أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه- و كان مما لزم بيته فأخذوا جميع ما فى داره حتى سوط الفرس حتى أخذوا زوجين من حمام كان صبيانه يلعبون بهما و أكره الناس أن يبايعوا يزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع و إن شاء أعتق ..
و ذكر له يزيد بن عبد اللّه بن زمعة البيعى على حكم القواعد و السنة فأمر بقتله فضربت عنقه و أمه حاضرة و لم يرع حرمتها و كانت من المهاجرات الأوائل فهى زينب بنت أم سلمة ربيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فهى التى دخلت على رسول اللّه و هى طفلة و هو يغتسل فنفخ الماء فى وجهها فلم يزل كالشباب فى وجهها حتى عجزت و قاربت المائة فدعت على مسلم بن عقبة هذا و ذكر الأخباريون أنها قلت من أهلها و بقيت ثمارها للقوافى و بالت الطلاب على سوارى المسجد.
انتهى كلام القرطبى- عليه رحمة اللّه تعالى-. و سبب أمر يزيد بذلك على ما ذكره ابن الجوزى أنه ولى عثمان بن محمد بن أبى سفيان المدينة فبعث إليه وفدا منها فلما رجعوا قالوا قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر و يعزف بالطنابير و يلعب بالكلاب و إنا نشهدكم أنا قد خلفناه مع أحشائه جائزتهم فخلفوه عند المنبر و بايعوا عبد اللّه بن حنظلة الغسيل على الأنصار و عبد اللّه بن مطيع على قريش و أخرجوا عاملة عثمان و كان بن حنظلة يقول ما خرجنا عليه حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء و فى كتاب الواقدى أن ابن سينا كان عاملا على حوافى المدينة و بها يومئذ صواف كثيرة حتى كان معاوية- رضى اللّه عنه- يجىء من المدينة و أعراضها مائة ألف وسق و خمسين
ألف وسق و يحصد مائة ألف وسق حنطة فأقبل ابن سينا يسرع من الحرة يريد الأموال فلما انتهى إلى الحارث منعوه فأعلم أمير المدينة عثمان بذلك فأرسل إليه ثلاث من الحراس فأجابوه ففدا ابن سينا فذبوه فرجع إليه الأمير فقال ارجع لهم و بعث بعض جنده معهم فرضت قريش للأنصار، و تغاتم الأمير فكتب عثمان إلى يزيد بذلك و حرضه على أهل المدينة فقال: و اللّه لأبعثن إليهم الجيوش لأوطئنها الخيل، فبعث مسلم بن عقبة فى إثنى عشر ألفا و ذكر الزركشى فى الإعلام أنه بعثه فى عشرة آلاف فارس و سبعة آلاف رجل و قال له: ادعو القدوم ثلاثا فإن هم أجابوك و إلا فقاتلهم فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا للجند، و أجهز على حركتهم، و اقتل مدبرهم، و إياك أن تبقى عليهم و إن لم يعرضوا لك فامض إلى ابن الزبير فما تربوا تشاوروا أهل المدينة فى خندق رسول اللّه و شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية و عملوا فى الخندق خمسة عشر يوما فلما وصل القوم عسكروا بالجرف و بعثوا رجالا أحرقوا المدينة فلم يجدوا مدخلا و الناس علي أفواه الخنادق يرمون بالنبل و جلس مسلم بناصية راكم فرأى أمرا مهولا فاستعان بمروان و كان أهل المدينة قد أخرجوه و أهله من بنى أمية فلقى مسلم فرجع معهم و كلم مروان رجلا من بنى حارثة و رغبا فى الضيع و قال له: تفتح لنا طريقا فأكتب بذلك إلى يزيد فيحسن جائرتك ففتح لهم طريقا من قبلهم حتى أدخل له الرجال من بنى حارثة إلى بنى عبد الأشهل قال محمود بن لبيد: حفرت يومئذ فإنما أبتنا فى قومنا بنى حارثة و أخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- قال: جاءت تأويل هذه الآية من سورة الأحزاب على رأس ستين سنة «و لو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها» يعنى إدخال بنى الحارثة أهل الشام على أهل المدينة فى دمعة الحرة قال يعقوب و كانت الوقعة سنة ثلاث و ستين و لابن أبى خيثمة سند صحيح إلى أسماء قال سمعت أشياخ أهل المدينة يتحدثون أن معاوية- رضى اللّه عنه- لما احتضر دعا يزيد فقال له لو أن لك من أهل المدينة يوما فإن فعلوا فأمرهم بمسلم بن عقبة فإنى عرفت نصيحته فلما ولى يزيد وفد علبة بن حنظلة و جماعة فأكرمهم فرجع فحرص الناس على يزيد و دعى الناس إلى خلعة فأجابوه فبلغه فجهز مسلم بن عقبة فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة فلما نشب القتال سمعوا فى جوف المدينة التكبير و ذلك أن بنى حارثة أدخلوا قوما
من الشامين من جانب المدينة فترك أهل المدينة القتال و دخلوا خوفا على أهلهم فكانت الهزيمة و تابع مسلم الناس على أنهم خولا ليزيد يحكم فى دماءهم و أموالهم و أهليهم بما شاء. انتهى. ورد المجد و غيره أنهم سبوا الذرية و استأجروا الفروج و أنه كان يقال لأولئك الأولاد من النساء اللاتى حملن أولاد الحرة. و لابن الجوزى عن هشام بن حسان ولدت بعد الحرة ألف امرأة من غير زوج و ممن قتل من الصحابة يومئذ صبرا عبد اللّه بن حنظلة الغسيل مع ثمانية من بينه و عبد اللّه بن زيد حاكى وضوء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و معقل بن سفيان الأشجعى و كان شهد فتح مكة و كان معه راية قوم يقول الشاعر:
ألا تكلم الأنصار تبكىمراتها و أشجع تبكى معقل بن سفيان
و لابن الجوزى عن سعيد بن المسيبلقد رأيتى ليالى الحرة
ما فى المسجد أحد من خلق اللّه غيرى و أن أهل الشام ليدخلون زمرا زمرا يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ. المجنون و لا يأتى وقت صلاة إلا سمعت أذانا من القبر الشريف ثم أقيمت الصلاة فتقدمت و صليت و ما فى المسجد أحد غيرى و يسمى مسلم بن عقبة مسرفا لإسرافه فى مثل أهل المدينة و كذا مجرما لعظيم إجرامه و روى أبو يعلى بن حسين مع غيظة عليه فلما رآه ارتعد و قام له و أقعده إلى جانبه و قال له اسئلنى حوائج فلم يسله شيئا واحدا قدم للسيف إلا شقق فيه و انصرف فقيل لعلى رأيناك تحرك شفتاك فما الذى قلت قال قلت اللهم رب السموات السبع و ما أظللن و الأرضين السبع و ما أقللن و رب العرش العظيم رب محمد و إله الطاهرين أعوذ بك من شره و أدرأ بك فى نحره و أسئلك أن تأتينى خيره و تكفينى شره و قيل لمسلم رأيناك تسب هذا الكلام و تسفه فلما أوتى به إليك دفعت منزلته قال ما كان ذلك برأى منى و لقد ملاء قلبى رعبا و طاسا من المدينة لقتال بن الزبير- أهلكه اللّه- فى الطريق ابتلاه اللّه بالماء الأصفر فى بطنه فمات بقديد و قيل بهرشه بعد الوقعة بثلاث ليال و هو ينبح كالكلب و كان قد قال الحصين بن نمير أمير المؤمنين و لك بعدى فأسرع المسير لابن الزبير و أمره أن ينصب المجانيق على مكة و مضى الجيش لمكة و حصل رمى الكعبة بالمجانيق و أخذ رجل قبسا فى رأس رمح فطاء الرمح
فاخترق البيت فجاءهم نعى يزيد هلال ربيع الآخر و كان بين الحرة و موته ثلاثة أشهر و أودوتها فإنه توفى بالذبحة و ذات الجنب بجوارين من الشم سنة أربع و ستين فى نصف ربيع الأول، و حمل إلى دمشق و قبل عليه أخوه خالد، و دفن فى قبره باب الصغير و قد بلغ ثلاثا و ستين سنة و كانت ولايته ثلاث سنين و ثمانية أشهر و اثنى عشر يوما و كانت وقعة الحرة و قتل الحسين و رمى الكعبة من أشنع ما جرى فى زمن يزيد و للواقدى أن النبى صلى اللّه عليه و سلم خرج سفرا من أسفاره فلما ربحره زهرة وقف و استرجع فسىء بذلك من معه و ظنوا أن ذلك من أمر سفرهم فقال عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- يا رسول اللّه ما الذى رأيت فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أما إن ذلك ليس من سفركم هذا قالوا: فما هو يا رسول اللّه؟ قال: يقتل فى هذه الحرة خيارا منى بعد الصحابة و له أيضا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا أشرف على بنى عبد الأشهل أشار بيده فقال يقتل نبذة الحرة خيارا منى و عمر كعب قال: نجد فى التوراة أن فى حرة شرقى المدينة مقتلة تفنى وجوههم يوم القيامة ضعفاء و يقال للحرة: حرة و أقم أيضا و قال عبد الرحمن بن سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين رضى اللّه عنهم.
قال: تقتلونا يوم حرة راقمفنحن على الإسلام أول من قتل
و نحن قتلناكم بيد راذلةو أبنا بأسلاب لنا منكم نقل
فإن ينج منا عايذ البيت سالمافكل الذى قدنا لنا منكم حلل
يعنى بعايذ البيت عبد اللّه بن الزبير- رضى اللّه عنهما- و لما قدم الحصين بن نمير لمكة و معه الجيش من قبل يزيد معاوية لقتال ابن الزبير جمع ابن الزبير أصحابه فتحصن بهم فى المسجد الحرام حول حول الكعبة و نصبت فيه خياما يستظلون فيها من الشمس و كان الحصين قد نصب المنجنيق على أخشبى مكة و هما أبو قبيس ذا الأحمر الذى يقابله فصار يرمى به على ابن الزبير و أصحابه فتصيب الأحجار الكعبة قال الزركشى و أول حجر من حجارة المنجنيق أصاب وجه الكعبة سمع لها أنين و تأوه شديد فوهنت لذلك و تحزقت عليها و صارت كأنما جيوب التشائم أن رجلا من أصحاب ابن الزبير- رضى اللّه عنهما- أو قد نارا فى بعض تلك الخيام مما يلى الصفا بين الركن الأسود و اليمانى و المسجد يومئذ صغير و كان فى ذلك اليوم رياح شديدة و الكعبة إذ ذاك مبنية بناء قريش مدماك من ساج و مدماك من حجارة فطارت الريح بشرارة من تلك النار
فتعلقت بكسوة الكعبة فاحترقت و احترق السارج الذى بين البناء فازداد تصدع البيت و ضعفت جدرانه و تصدع الحجر الأسود أيضا حتى ربطه بعد ذلك بالغضبة ففزع لذلك أهل مكة و أهل الشام أعنى الحصينة و جماعته، و ذكر الفاكهى أن سبب حريق البيت إنما كان من بعض أهل الشام، و أحرق على باب بنى جميع و فى المسجد و فيه خيام تمشى الحريق حتى أخذه فى البيت، و ظن الفريقان أنهم هالكون و هذا يخالف ما ذكر من أن السبب فى ذلك إنما هو من بعض أصحاب ابن الزبير و لعل ما ذكره القاضى أصوب على أنه يمكن الجميع بوقوع كل من ذلك فيكون السبب مركب و قد أخرج الأزرقى عن محمد بن الجنينة أنه قال: أول ما تكلم فى القدر حين احترقت الكعبة فقال: رجل احترقت ثياب الكعبة و هذا من قدر اللّه و قال الآخر، قدر اللّه هذا ثم جابر نعى يزيد بعد ذلك بتسعة و عشرين يوما و الحصين مستمر على حصار ابن الزبير فأرسل ابن الزبير إلى الحصين جماعة من قريش فكلموه، و عظموا عليه ما أصاب الكعبة، و قالوا له: إن هذا من ريبكم فأنكر ذلك، ثم زل راجعا إلى الشام فعند ذلك ترك ابن الزبير البيت على ما هو عليه، حتى قدم الناس الوسم إن يخذلهم على أهل الشام فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا على فأشار عليه بالقليل من الناس بذلك و أبى الكثير و كان أشدهم إباء عبد اللّه بن عباس فإنه قال: قد حرق لى فيها رامى أرى أن تصلح ما و هى فيها و تدع بيتا و أحجارا أسلم عليها الناس و بعثا عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و قال: دعها عليها أقر يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فإنى أخشى أن يأتى بعدك من يهدمها فلا تزال تهدم و تبنى فيتهاون الناس بحرمتها و لكن أرفعها فقال ابن الزبير: و اللّه ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه و أمه فكيف أرقع بيت اللّه و استقر رأيه على هدمها رجاء أن يكون هو الذى يردها على قواعد الخليل صلوات اللّه و سلامه عليه لقوله صلى اللّه عليه و سلم لعائشة رضى اللّه عنها ألم تر أن قومك حين بنوا الكعبة انتصروا عن قواعد إبراهيم فقلت يا رسول اللّه: لا تردها على قواعد إبراهيم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «لو لا حدثان قومك بالكف» ر فقال عبد اللّه بن عمر رضى اللّه تعالى عنهما ليت كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما أرى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ترك استلام الركنين الشاميين الذين يليان الحجر إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و فى رواية قالت: قال: رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «لو لا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ثم بنيته على أساس إبراهيم فإن قريتنا اقتصرت بناء
و جعلت له خلفا» قال هشام: يعنى بابا متفق عليه قال الدمامينى فى كتابة تعليق المصابيح. على أبواب الجامع الصحيح: قوله خلقا بخاء معجمه مفتوحة و لام ساكنة أبى بابا عن خلقه يقابل هذا الباب الذى هو مقدم قلت تفسير خلقا بذلك وقع من متن البخارى و عليه فتعين كون جعلت مسندا إلى خير المتكلم و هو النبى صلى اللّه عليه و سلم لا إلى ضمير يعود إلى قريش كما قاله الزركشى فتأمله. انتهى كلامه فرض رواية البخارى لو لا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت البيت فهدم، فأدخلت ما خرج فيه، و ألزقته بالأرض، و جعلت له بابين بابا شرقيا و بابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم فذاك الذى حمل ابن الزبير على هدمه قال يزيد: هو ابن رومان و شهدت ابن الزبير حين هدمه و بناه، و أدخل فيه من الحجر، و قد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل قال جرير بن أبى حازم: فقلت له:
يعنى لزيد بن رومان أين موضعه قال: أريكه الآن فدخلت سعة الحجر فأشار إلى بناء مكان و قال: ههنا قال: جرير فحرزت من الحجر ستة أذرع أو نحوها و فى بداية لمسلم عن سعيد ابن مينا قال: سمعت عبد اللّه بن الزبير يقول:
حدثتنى خالتى يعنى عائشة قالت: قال: رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يا عائشة لو لا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، و لجعلت لها ما بين بابا شرقيا و بابا غربيا فزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حين بنيت الكعبة قال ابن بطال: فيه أنه قد يترك سير من الأمر بالمعروف إذا خشى فيه أن يكون سببا لفتنة قوم ينكرون دفنه أن النفوس تحب أن تساس كما تساس إليه فى دين اللّه عن غير الفرائض، قال أبو الزناد: إنما خشى أن ينكره قلوب الناس لقرب عهدهم بالكفر و يظنون أنه إنما فعل ذلك ليتفرد بالفخر دونهم و قد روى أن قريشا حين بنت البيت فى الجاهلية تنازعت فيمن يجعل الحجر الأسود فى موضعه، فحكموا أول رجل يطلع عليهم، فطلع النبى صلى اللّه عليه و سلم فرأى أن يوضع الحجر فى ثوب و أمر كل قبيلة أن يأخذ بطرف الثوب لئلا ينفرد واحد منهم بالفخر فلما ارتفعت الشبهة فعل ابن الزبير فيه، قال النووى: فيه دليل القواعد فيها إذا تعارضت مصلحة و مفسدة و تعذر الجمع بين فعل المصلحة و ترك المفسدة بدئ بالأهم لأن النبى صلى اللّه عليه و سلم أخبر أن رد الكعبة إلى قواعد إبراهيم عليه السلام و لكن عارضه مفسدة أعظم فيه و هو خوف فتنته بعض من أسلم قريشا كما كانوا يرون تغييرها عظيما، فتركها النبى صلى اللّه عليه و سلم و منها نكر ولى الأمر فى مصالح
رعيته و اجتناب ما يخاف فيه تولد ضرر عليهم فى دين أو دنيا إلا الأمور الشرعية كافة الزكاة و إقامة الحد و منها تألف قلوبهم و حسن حياتهم لا ينفرد أولا أو لا يتعرض لما يخاف تنفيذهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعى ثم أنه استخار ربه ثلاثة أيام فلما مضت أجمع أمره على نقضها، ثم إنه- رضى اللّه عنه- أمر بهدم الكعبة و كان ذلك فى يوم السبت النصف من جمادى الأخرة سنة أربع و ستين من الهجرة أخرجه الأزرقى و قيل سنة خمس و ستين فلم يجرؤ على ذلك أحدو أخرج أهل مكة إلى منى و أقاموا بها ثلاثا خوفا من أن ينزل عليهم عذاب بسبب ذلك، و خرج عبد اللّه بن عباس إلى الطائف فلما رأى ذلك ابن الزبير علاها بنفسه و أخذ المعول و جعل يهدمها فلما رأوا أنه لم يصبه شىء صعدوا معه و هدموه كذا ذكره جمع، و لم يذكر الشامى أنه رمى بنفسه و إنما ذكر أنه معه صعد رجل فألقى منه حجارة، فلما يره الناس أصابه شىء تابعوه ثم أن ابن الزبير أرقى عبيدا من الجيش يهدمونها، رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشى ص 142 الذى قال فيه صلى اللّه عليه و سلم يخرب الكعبة ذو السويقتين فى الحبشة قال بعض العلماء و إنما صغره ذو السويقتين لأن فى سيقان الحبشة دقة و حموشة بالحاء المهملة و الشين المعجمة قال فى الصحاح رجل حمش الساقين دقيقهما فيه العطف تفسيرى و تقدم ما لنا فى ذلك من البحث فإن هدم الجيش الذى أجربه النبى صلى اللّه عليه و سلم إنما هو بعد سيدنا عيسى صلى اللّه عليه و سلم و قد تقدم مبسوطا- لما انتهى ابن الزبير- رضى اللّه عنه- من هدم الكعبة حفر عن الأساس من نحو الحجر بكسر الحاء ليقف من قواعد إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم فلم يصب شيئا فشق عليه ذلك فبالغ فى الحفر، و نزل بنفسه، فكشفوا له عن قواعد إبراهيم فإذا بين صخرا مثال الحلف مثل الإبل عن بن طا أنه قال كنت فى الأمنا الذين جمعوا على حفرة محفورة قامة و نصف فهجموا على حجارة لها عروق تتصل بزرد و عروق المروة فحركوها بالعقل فتحركت قواعد البيت و ارتجعت مكة بأسرها، و رأوه بنيانا مربوطا بعضه ببعض فحمد اللّه بن الزبير و كبر ثم أصغى الناس و أمرهم بالإشراف منزلا و شاهدوا ذلك فى تاريخ الأزرقى أن ابن الزبير لما هدم الكعبة و سواها بالأرض كشف عن أساس إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم فوجده داخلا فى الحجر ستة أذرع و مشيا و حجار ذلك الأساس كأنما أعناق الإبل حجارة حمر أخذ بعضها فى بعض مشبكة كتشبيك الأصابع و أصاب فيه قبرا فقال هذا قبر أم إسماعيل عليه الصلاة
و السلام و دعى ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس و أشرافهم و أشهرهم على ذلك الأساس و أدخل عبد اللّه بن مطيع العدوى عتلة كانت بيده فى ركن من أركان البيت، فتدعدعت الأركان كلها و ارتجت جوانب البيت و رجفت مكة بأسرها رجفة شديدة، و خافوا خوفا شديدا و طارت من الحجر قطعة فأخذها بيده، فإذا فيها نور مثل نار فطارت فيه برمة فلم يبق دارا من دور مكة إلا دخل ففزعوا، فقال ابن الزبير: اشهدوا ثم وضع البناء علي ذلك الأساس فشرع حيئذ فى أمر البناء و أراد أن يبنيها بالورش و قيل له: إن الورش و لكن ابنها بالقصة و أخبر أن قصة صنعا أجور فأرسل بأربعمائة دينار يشترى بها ذلك، و فى الزهر الباسم أنه بناها بالرصاص المذاب بالورش، ثم أن يسأل رجلا من أهل العلم بمكة من أين أخذت قريش حجارتها فأخبروه بمقامها فنقل ما احتاج إليه و عزل من حجارة البيت ما يصلح أن تعاد فيه ثم بنى على تلك القواعد بعد أن جعل أعمدة من الخشب و ستر عليها المستور ليطوف الناس من قيامها و يصلون إليها حتى ارتفع البناء قال الزركشى فى الأعلام: لو هدمت الكعبة العياذ باللّه تعالى فصلى فى عرضا و لا شاخص لم يصح بالصلاة على سطحها، لأنه صلى فى البيت لا إليه و لهذا لما هدم ابن الزبير رضى اللّه عنهما الكعبة و وضع أعمدة فستر عليها الستور لاستقبال المستقبلين و طوف الطائفين قال ابن عباس- رضى اللّه عنهما- له: إن كنت هادمها فلا تدع الناس لا قبلة لهم و هذا يدل على أن بقعة البيت ما كانت تنزل عندهما منزلة البيت لكن خالفهما عن ذلك جابر- رضى اللّه عنه- و قال: صلوا إلى موضعها و خالف ابن شريح فى الصلاة من العرضية فجوز ذلك قال الرافعى: رخصه بعضهم عند بصورة العرضيته و قال الإمام: لا شك أنه يجريه فى العرضة و به صرح البغوى نقلا عنه فلا فرق انتهى و أما الصلاة إلى أرض الكعبة فيجوز و يجزيه ذلك بلا خلاف عندنا سواء منها شاخص أم لا و مذهب مالك أن المقصود بالاستقبال إلينا لا البقعة كذا نقله فى شرح مسلم فى الحج و ما ادعاه فى معنى الخلاف باطل، فنفى الاستدراك للدار فهى لفظه، و أما الصلاة إليه إذا انهدم فمن أصحابنا من قال لا يجوز الصحيح أنه يجوز انتهى و الصواب تخصيصه عن ابن شريح بالعرضة كما فى الروضة و أخرج الأزرقى أن البناء لما صار ثمانية عشرة ذراعا فى السماء و كان هذا طولها يوم هدمها قصرت حينئذ لأجل الزيادة التى
زادها من الحجر فلم يعجب ابن الزبير و ذلك فصارت عريضة لا طول لها فقال قد كانت قبل قريش تسعة أذرع و زادت قريش تسعة أذرع و أنا ص 143 أزيد تسعة أخرى فبناها سبعة و عشرين ذراعا فى السماء إلى سبعة و عشرين مدماكا و عرض الجدار ذراعا و جعل فيها ثلاث دعايم فى صف واحد و كانت قريش جعلت فيها ست دعايم فى صفين و أرسل إلى صنعاء فأتى برخام منها يقال له البلق فجعله فى الزورات التى فى سقفها للضوء. انتهى، و هذا مخالف لما تقدم عن الأزرقى من أن طول البيت كان سبعة و عشرين ذراعا فاقتصرت قريش إلى آخر، و كما سبق فيه فتأمل و جعل ابن الزبير البيت بابين متقابلين أحدهما يدخل منه و الآخر تخرج منه و فى شفاء الغرام أنهما لاصقان بالأرض قال الحافظ ابن حجر جميع الروايات التى جمعتها فى هذه القصة مخفقة على ابن الزبير جعل الباب ما الأرض و مقتضيا أن يكون الباب الذى زاده على قسمته و قد ذكر الأزرقى أن جملة ما غيره: المخارج الجدار الذى من جهة الحجر و الباب المشدود الذى فى الجانب الغربى عن يمين الداخل الركن اليمانى و ما تحت عتب الباب الأصلى و هو أربعة أذرع و شبر و هذا موافق لما فى الروايات المذكورة لكن المشاهد الآن فى ظهر الكعبة باب مسدود يقابل الباب الأصلى و هو فى الارتفاع مثله و مقتضاه أن يكون الباب الذى فى عهد ابن الزبير لم يكن لاصقا بالأرض فيحتمل أن يكون لاصقا كما صرحت به الروايات الحجاج لما غيره رفعه و رفع الباب الذى يقابله أيضا ثم بداله فسد الباب المجدد و لكن لم أر النقل بذلك صريحا ثم قال: و ذكر الفاكهى أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة فى سنة ثلاث و ستين و مائتين فإذا هو يقابل باب الكعبة و هو يقدره فى الطول و العرض و فى أعلاه كلاليب ثلاثة كما فى الباب الموجود سواء و اللّه أعلم انتهى و اعترضه بعض المتأخرين بأن فى قوله و يحتمل أن يكون لا صقا كما صرحت به الروايات فيه بعد إذ مشاهدة البناء فى أسفل الباب و ارتبط بعضه ببعض يقضى بخلاف ذلك و عليه فكيف ما وقع فى سيرة الشامى حيث ذكر القصة و ذكر فيها أن ابن الزبير جعل لها بابين ملتصقين بالأرض، هذا و كان باب الكعبة قبل بناء ابن الزبير مصراعا واحدا فجعله مصراعين، طولهما أحد عشر ذراعا و جعل الباب الآخر زائه على هيئته و جعل لها درجا من خشبة معوجة و صعدتها إلى طهرها و قد نقص الحجاج من طول الباب خمسة
أذرع، و سد الباب الغربى الذى فتح و ترك سائرها على بنيان ابن الزبير إلا الجدار الذى فى الحجر و موضع سد الباب الغربى فإنه فى بنيان الحجاج و غير تلك الدرج التى فى جوفها و كان ابن الزبير لما هدم البيت أخذ الحجر الأسود، و جعله فى وشاجه و أدخله فى تابوت، و أقفل عليه و أدخله دار الندوة و عمد إلى ما كان فى الكعبة من حلى و ثياب و طيب، فوضعه فى خزانة الكعبة فى دار شيبة بن عثمان فلما انتهى إلينا إلى موضع الحجر أمر فنقر بين حجرين أحدهما المدراك الذي تحته، و الآخر من الذى فوقه و طبق ما بينهما و لما انتهى إلى موضع الحجر الأسود تحرى عقله الناس نصف النهار فى يوم صائف و جاء بالحجر الأسود هو و ولده و جبير بن شيبة و وضعوه بأيديهم، كما فى الزهر الباسم و قيل بل الحمية قواعد و الوضع الركن فلما دخل ابن الزبير فأخذ بها فى الثوب فرفعه معهم و قيل: بل وضعه ابن الزبير نفسه و شده بالقصة و قيل:
وضعه عباد بن عبد اللّه بن الزبير و جبير بن شيبة أمرهما عبد اللّه بن الزبير أن يجعلا الركن فى ثوب و يخرجانه و هو يصلى بالناس الظهر على غفلة من الناس لئلا يعلموا بذلك فيتنافسوا فى وضعه و قلل لهما: إذا فرغتما فكبرا حتى أسمعكما فى صلاتى فلما وضعه هو فى موضعه كبرا فتسامع الناس بذلك فغضب رجال من قريش حيث لم يحضرهم ابن الزبير و قالوا: ما رفعته قريش فى الجاهلية حتى يحكموا أول من دخل عليهم مكان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أول داخل أخرجه الأزرقى و قيل وضعه صخرة ابنه وحده بأمر أبيه نقله السهيلى و اللّه أعلم بالصواب و كان الحجر قد تصدع من الحريق و انفرق ثلاث فرق قال ابن جدعون: فنظرت ص 130 إلى جوف الحجر حين انفلق كأنه الفضة و انشظت منه شظية كانت عند بعض آل شيبة بعد الحريق بدهر طويل فشده ابن الزبير بالقصة إلا تلك الشظية و موضعها بين فى أعلى الركن ثم تزلزت تلك القصة بعد ذلك، و تفلقت حتى خيف على الحجر فلما اعتمرها روى هارون الرشيد فى سنة تسع و ثمانية كأنه أمر بنقب الأحجار التى فوق الحجر و التى تحته فنقبت بالمأسر من فوقها و من تحتها، ثم أفرغ فيها القصة و لما فرغ ابن الزبير- رضى اللّه عنهما- من بناء الكعبة و ذلك فى سابع عشرة رجب من سنة خمس و ستين خلق جوفها بالعنبر و المسك و لطخ جدرانها بها من خارج بذلك من أعلاها إلى أسفلها، و سترها بالديباج و قيل بالقباطى و فى فضل من الحجارة فرشها حول البيت و قال من كانت لى عليه
طاعة فليعتمر من التنعيم شكرا لله عز و جل من قدر أن ينحر بدنة فليفعل، و من لم يقدر علي بدنة فليذبح شاة، و من لم يقدر فليتصدق بقدر طوله، ثم خرج ماشيا حافيا و خرج معه رجال من قريش مشاة حفاة عبد اللّه بن صفوان و عبيد بن عمر ما حرم بن أكمة إمام مسجد عائشة- رضى اللّه عنها- بمقدار علوة مقارب المسجد المنسوب لعلى- رضى اللّه عنه- و جعل طريقة على تنبيه الحجون و دخل فى أعلا مكة و طاف بالبيت و استلم الأركان الأربعة و قال: إنما ترك النبى صلى اللّه عليه و سلم الركنين يعنى الشامى و الغربى لأن البيت لم يكن تاما يعنى على قواعد إبراهيم و صارت هذه العمرة سنة عند أهل مكة فى هذا اليوم يعتمرونها فى كل سنة إلى يومنا هذا، و أهدى ابن الزبير فى تلك العمرة مائة بدنة نحرها من جهة التنعيم، و بعض طرق الحى و لم يبق من أشراف مكة و ذوى الاستطاعة بها إلا أهدى، و أقاموا أياما يتطاعمون و يتهادون شكرا للّه تعالى على الإيمان و التيسير على بناء بيته الحرام بالصفة التى كان عليها مدة الخليل عليه السلام، و لم يزل البيت علي بناء ابن الزبير تسلم الأركان كلها و يدخل من باب و يخرج من باب حتى قتل ابن الزبير انتهى تنبيه تقدم فى القصة أن الحجر الأسود تصدع من الحريق و هذا لا ينافى ما ذكروه فى وصفة و قد قال الإمام بدر الدين أحمد بن محمد الشهير بابن الصاحب: فإن قلت: ما الحكمة من كون الحجر من ياقوت الجنة دون غيرها من جواهرها؟ قلت: غريب نبهت عليه فى كتاب كشف أغطية الكنوز قرانا حتين بذلك و لكن الوّح هنا بشىء من فتوره و ذلك أن الشمس فى الفلك الرابع المتوسط لو لم يكن أوسط الأشياء أصفها ما اختارت الشمس من أفلاكها الوسط و يلى الممدة لما فوقها و ما تحتها من الأفلاك و المعدة فى الفلك الرابع من الأنفس و تلى الممدة لما فوقها و ما تحتها متعسرها علي النار و خلق اللّه تعالى فيها عينا مناعة بحمص معينة على الهضم و التبريد و مكة فى الفلك المتوسط من الدنيا و هو محل النار، و تلى الممدة للدنيا قال اللّه تعالى: «جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ» أى قواما لدينهم و دنياهم و جعل الحجر من يأتون الجنة الذى لا تبالى بالنار، و يحصل منه التبريد المعنوى و الحسى و قال ما أحلى الياقوت هم نمضى و تم انطفأ الحجر و الياقوت ياقوت ثم
راخر و هو أنه نقطة الدايرة الياقوتية انتهى و ذكر الفاسى فى تاريخه أن الحجر الأسود يطفو على الماء و أنه لا يسحق من النار قال ذكر هاتين الآيتين ابن أبى فى الفرق الإسلامية فيما حكا عنه ابن شاكر الكتبى المؤرخ، و نقل ذلك من بعض المحدثين و رفعه إلى النبى صلى اللّه عليه و سلم و نقل الزركشى فى الأعلام لأن القرامطة لما أن سلموا الحجر الأسود للمسلمين قالوا لهم: يا من لا عقل لهم من أين لكم أن هذا هو الحجر الأسود و لعلنا حفرنا حجرا أسودا من هذه البرية عوضه فسكت الناس إذ كان فيهم عبد اللّه بن حكيم المحدث فقال: لنا فى الحجر الأسود علامة فإن كانت موجودة فهو و إن كانت معدومة فليس هو، ثم رفع حديثا غريبا أن الحجر الأسود يطفو على وجه الماء و لا يسحق بالنار إذا أوقد ص 145 عليه فأحضر القرمطى طشتا و وضع الماء فيه و وضع الحجر فطفى علي الماء ثم أوقدت عليه النار فلم يحس بها، فمد عبد اللّه المحدث يده و أخذ الحجر و قبله و قال: أشهد أنه الحجر الأسود، فتعجب القرمطى من ذلك و قال: هذا دين مضبوط بالنقل و أرسل الحجر إلى مكة قال بن دحية عبد اللّه بن حكيم:
هذا لا يعرف و الحجر الأسود جلد لا تخلخل به و الذى يطفوا على الماء يكون فيه بعض التخلخل كالحقاف و شبهه انتهى و أما سبب بناء الحجاج و تغير بعض ما صنعه بن الزبير فهو أن ابن الزبير- رضى اللّه عنه- لما قتل كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد فى الكعبة ما ليس منها و أحدث فيها بابا آخر، و فى سيرة الشامى أنه كتب له يخبره بذلك و بأنه وضع البناء على أمر قد نظر إليه العدول من أهل مكة و استأذنه فى رد ذلك على ما كان عليه فى نيار قريش فكتب عبد الملك أن البناء من تخليط ابن الزبير فى شىء أما ما زاد فى طوله فأقره، و أما ما زاد فيه من الحجر بكسر الحاء فرده إلى بنائه، و سد بابه الذى فتحه يعنى الغربى، فبادر الحجاج عند ذلك، و نقض الشق الذى يلى الحجر بالكسر أيضا، و بناه و ربع بابها و سد الباب الغربى، و قد روى عن غير واحد من أهل العلم أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج فى ذلك و لما أخبره الحارث بن عبد اللّه بن أبى ربيعة أنه سمع الحديث عن عائشة- رضى اللّه تعالى عنها- الذى اعتمده ابن الزبير فيما فعله فى الكعبة و هو قوله، لو لا قومك إلى آخره و كان الحارث مصدقا لا يكذب فجعل ينكف بقضيب كان فى يده فى
الأرض ساعة ثم قال: وددت إنى كنت تركته و ما تحمل قال الزركشى فى الأعلام قال القرطبى فى المفهم: و ما فعله عبد اللّه بن الزبير كان صوابا و قبح اللّه الحجاج، و عبد الملك، لقد جهلا سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ندم عبد الملك لا يفيده، فإنه كان متمكنا بالتسبب بالسؤال و البحث فلم يفعل و استعجل و قضى، فالله حسبه و مجازيه على ذلك فلقد اجترئ علي بيت اللّه و على أوليائه. انتهى و كل شىء فيها الآن بناء ابن الزبير عدا الجدار الذى فى الحجر و سد الباب الغربى، و تغير ما تحت عتبته الباب الشرقى، فإنه نقض من طول الباب خمسة أذرع الدرجة التى فى باطنها و روى أن هارون الرشيد أو أبا المهدى أوجده المنصور سأل مالك بن أنس- رضى اللّه عنه- فى هدمها و ردها إلى بناء بن الزبير للحديث المذكور فقال له مالك نشدتك اللّه يا أمير المؤمنين لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا شيئا إلا نقضه و بناه فتذهب هيبته من صدور الناس قال الفاسى: و كان مالكا لحظ فى ذلك كون درأ المفاسد أولى من جلب المصالح و علي قاعدة مشهورة معتمدة و استمر بناء الكعبة على ذلك فلم يقدم أحد على هدم ما بناه الحجاج و لم يتسور أحد عليها من الملوك و غيرهم بما يخالف ذلك و إنما الذى تسوروا به عليها هو صلاح ما وقع فيها بقدر الحاجة لا غير، و تجديد ما يخل بحرمتها من إبدال بابها ميزابها و عتبتها و نحوها المرة بعد المرة، فلله سبحانه الحمد على ذلك و روى أن الحجاج لما نصب المنجنيق على أبى قبيس و النيران و اشتعلت أستار الكعبة بالنار، جأت سحابة من نحو جدة فسمع فيها الرعد و برق البرق فمطرت، مما جاوز مطرها الكعبة و المطاف فأطفأت النار و أرسل اللّه عليهم صاعقة فأحرقت منجنيقهم فتداركوه، قال عكرمة: و أحسب أنها أحرقت تحته أربعة رجال فقال الحجاج: لا يهولنكم هذا فإنما أرض صواعق فأرسل اللّه صاعقة أخرى فأحرقت المنجنيق و أحرقت معه أربعين رجلا، و ذلك فى سنة ثلاث و سبعين أيام عبد الملك بن مروان غريبة نقل عن الشعبى أنه قال:
رأيت عجبا كنا بفناء الكعبة أنا و عبد اللّه بن عمرو و عبد اللّه بن الزبير و أخوه مصعب و عبد الملك بن مروان فقالوا بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم رجل
فليأخذ بالركن اليمانى و ليسأل اللّه تعالى حاجته فإنه يعطى من سعته ثم قالوا لعبد اللّه بن الزبير: قم أولا فإنك أول مولود من الهجرة فقام فأخذ بالركن اليمانى ثم قال: اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم أسألك بحرمة ص 146 وجهك و حرمة عرشك و حرمة نبيك صلى اللّه عليه و سلم أن لا تميتنى من الدنيا حتى تولينى الحجاز، و يستلم على بالخلافة، و جاء جلس ثم قام أخوه مصعب فأخذ بالركن اليمانى فقال: اللهم إنك رب كل شئ، و إليك كل شئ، أسألك قدرتك على كل شئ أن لا تميتنى من الدنيا حتى تولينى العراق، و تزوجنى سكينة بنت الحسين و جاء و جلس ثم قام عبد الملك بن مروان فأخذ بالركن و قال اللهم رب السموات السبع و الأرض ذات النبات بعد القفر أسألك عبادك المطيعون لأمرك، و أسألك بحرمة وجهك، و أسألك بحقك على جميع خلقك، و بحق الطائفين حول بيتك أن لا تميتنى حتى تولينى شرق الأرض و غربها، و لا ينازعنى أحد إلا أتيت برأسه ثم جاء و جلس، ثم قام عبد اللّه بن عمر حتى أخذ بالركن ثم قال اللهم يا رحمن يا رحيم أسألك برحمتك التى سبقت غضبك و أسألك بقدرتك على جميع خلقك أن لا تميتنى من الدنيا حتى توجب لى الجنة، قال الشعبى فما ذهبت عيناى من الدنيا حتى رأيت كل واحد منهم قد أعط ما سأل و بشر عبد اللّه بن عمر بالجنة قال: يعش المتأخرين لقائل بأن يقول ما لا دليل على وجه البشرى و لم أر أحدا من المؤلفين فى هذا المعنى ذلك شيئا فاستدل به على ذلك و لا تعرض له فيما وقفت عليه و يحتمل أن يكون فى ذلك و جهان الأول أن سيدنا عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه- تعالى عنه كان قد كف بصره بعد ذلك و قد وعد النبى صلى اللّه عليه و سلم من ابتلاه بذلك الجنة كما فى صحيح البخارى الشافى إن الثلاثة لما أعطوا ما سألوا، كان ذلك دليلا على إجابة دعاء الجميع إذ هو اللائق بكرم اللّه تعالى و سعة عطاءه و كان سيدنا عبد اللّه- رضى اللّه عنه- من الورع و الزهد و العلم و الصلاح بالمكانة التى لا تجهل كما فى مناقبه و حيث تقدم ذكر الحجاج و نقلته لابن الزبير فلا بأس بذكر القصة مفصلة فنقول: لما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير أخا عبد اللّه بن الزبير بالعراق و استولى عليها تقدم له الحجاج بن يوسف الثقفى و قال لعبد الملك: يا أمير المؤمنين قد رأيت فى المنام أنى أخذت ابن الزبير و سلخته فابعثنى إليه و ولنى حربه فبعثه فى ألفين
و قيل فى ثلاثة آلاف، فسار فى جمادى الأول سنة اثنتين و سبعين، و نزل الطائف و كان يبعث بالخيل إلى عرفة، و يبعث ابن الزبير الخيل فيقتتلون فتهزم خيل ابن الزبير، و تعود خيل الحجاج بالظفر، ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه فى دخول الحرم و حصر ابن الزبير و يخبره بضعفه و تفرق أصحابه من بعده و يستمده فأمده بطارق بن عمرو مولى عثمان و كان عبد الملك قد بعثه فى جيش إلى وادى الفرس ليمنع عمال ابن الزبير من الانتشار، فقدم المدينة فى ذى القعدة سنة اثنتين و سبعين و أخرج عامل ابن الزبير منها، و جعل عليها رجلا من أهل الشام اسمه ثعلبة و قدم طارق مكة فى ذى الحجة منها فى خمسة آلاف و تقدم الحجاج إلى مكة فنزل عند بئر ميمون و حج بالناس فى تلك السنة إلا أنه لم يطف بالبيت و لا سعى بين الصفا و المروة منعه عبد اللّه ابن الزبير من ذلك و لم يحج ابن الزبير و لا أصحابه فى تلك السنة و نصب الحجاج المنجنيق على أبى قبيس و رمى به الكعبة فقال عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنهما للحجاج اتق اللّه و اكفف هذه الحجارة عن الناس فإنك فى شهر حرام فى بلد حرام و قد قدمت وفود اللّه من أقطار الأرض ليؤدوا فريضة اللّه و قد منعهم المنجنيق عن الطواف فكف حتى انقضى الحج ثم نادى فى الناس انصرفوا إلى بلادكم فإنا نعوذ بالحجارة على ابن الزبير الملحق قال: و أول ما رمى الكعبة بالمنجنيق رعدت السماء و برقت و علا صوت الرعد على الحجارة و أعظم ذلك أهل الشام و أمسكوا أيديهم، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق و وضعه بيده و رمى به فجاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثنى عشر رجلا فانكسر أهل الشام فقال الحجاج: يا أهل الشام لا تنكروا هذا فإنى ابن تهامة و هذه صواغها و هذا الفتح قد حضر فأبشروا فلما كان الغد جاءت الصاعقة فأصابت من أصحاب ابن الزبير فقال الحجاج ألا ترون أنهم 147 يصابون كما تصابون و أنتم على الطاعة و هم على خلافها و كان الحجر يقع بين يدى عبد اللّه بن الزبير و هو يصلى فلا يصرفه عن مكانه و غلت الأسعار عند ابن الزبير حتى ذبح فرسه و قسم لحمه فى أصحابه، و بقيت الدجاجة بعشرة دراهم و المد الذرة بعشرين درهما و كانت بيوت ابن الزبير مملوءة قمحا و شعير و ذرة و تمرا و كان أهل الشام
ينتظرون فناء ما عنده فكان لا ينفق منه إلا ما يمسك الرصف فيقول: نفوس أصحابى قوته ما لم يعن فلما كان قبيل مقتله تفرق الناس عنه و خرجوا إلى الحجاج بالأمان فخرج من عنده نحو عشرة آلاف و كان ممن فارقه أبناؤه حمزة و خبيب أخذا لأنفسهما أمانا و قال عبد اللّه لابنه الزبير: خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك فو اللّه أنى لأحب بقائكم فقال: ما كنت لأرغب بنفسى عنك نقتل معه قال و لما كان فى الليلة التى قتل فيها عبد اللّه فى صحبتها جمع قريشا فقال لهم ما تأمرون فقال رجل من بنى مخزوم: و اللّه بيدنا قاتلنا معك حتى ما نجد مقتلا و اللّه لئن سرنا معك ما نريد على أن نموت و إنما هى إحدى خصلتين أما إن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا أو لك و أما أن تأذن لنا فنخرج فقال له رجل: اكتب إلى عبد الملك فقال: كيف أكتب من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان فو اللّه لا يقبل هذا أبدا أو اكتب لعبد اللّه أمير المؤمنين مروان من عبد اللّه بن الزبير و اللّه لئن تقع الخضراء على الغبراء أهون على من ذلك؛ فقال له عروة: و هو جالس معه على السرير قد جعل اللّه لك أسوة فى الحسن بن علي خلع نفسه و بايع معاوية فركضه برجله رماه عن السرير و قال: قلبى إذا مثل قلبك و اللّه لو قلتما ما عشت إلا قليلا و أن أضرب بسيف فى عز خير من أن ألطم من ذل، فلما أصبح دخل على امرأته أم هاشم فقال: اصنعى لى طعاما فلما صنعته و أتت به لاك منه لقمة ثم لفظها و قال: اسقولى لبنا فسقاه ثم اغتسل و تطيب و تحنط و دخل على أمه فقال يا أماه قد خذلنى الناس حتى دل و أهل و لم يبق معى إلا اليسير و القوم يعطوننى ما أردت من الدنيا فما رأيك قالت له: أنت أعلم بنفسك إن كنت على حق و أنت تدعو إليه فامض له فقد ضل عليه أصحابك و لا تمكن من نفسك تلعب بك غلمان بنى أمية و أن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك و من قتل معك، و إن قتلت كنت على حق فلما و هن أصحابى ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار و لا أهل الدين، كم خلودك فى الدنيا؟ القتل أحسن فقال: يا أماه أخاف إن قتلنى أهل الشام أن يمثلوا بى و يصلبونى فقالت، يا بنى إن الشاة لا تألم السلخ بعد الذبح فامض على بصيرتك و استعن باللّه فقبل رأسها و قال: هذا رأيى و الذى خرجت
به داعيا إلى يومى هذا ما ركنت إلى الدنيا و لا أحببت الحياة فيها و ما دعانى إلى الخروج إلا الغضب للّه و أن تستحل حرماته و لكنى أحببت أن أعلم رأيك فقد زدتنى بصيرة، فانظرى فإنى مقتول فى يومى هذا فلا يشتد حزنك و تسلمى الأمر للّه، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر و لا عملا بفاحشة، و لم يجر فى حكم اللّه، و لم يغدر فى أمان، و لم يتعمد ظلم مسلم، أو معاهد، و لم يبلغنى ظلم عن عمال فرضيت بديل أنكرته، و لم يكن شىء آثر عندى من رضى ربى اللهم إنى لا أقول هذا تزكية لنفسى و لكن أقوله تعزية لأمى حتى تسلو عني فقالت: إنى لأرجو أن يكون عزائى فيك جميلا إن تقدمتنى احتسبك، و إن ظفرت شهدت بظفرك، اخرج عنى حتى أنظر إلى ما يصير أمرك فقال: جزاك اللّه خيرا فلا تدع الدعاء لى قالت: لا أدعو لك أبدا فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام فى الليل الطويل و ذلك النحيب و الظماء فى هواجر مكة و المدينة و بره بأبيه و بى اللهم قد سلمته لأمرك فيه و رضيت بما قضيت فأثبنى فيه ثواب الصابرين الشاكرين فتناول يدها ليقبلها فقالت: هذا وداع فلا تبعد فقال لها: جئت مودعا لأنى أرى هذا آخر أيامى من الدنيا قالت: أمض على بصيرتك، و ادن منى حتى أودعك فدنا منها فعانقها، و قبل بين عينيها فوقعت يدها على الدرع فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد فقال مالبسته إلا لأشد منك قالت: فإنه لا يشد منى ص 148 فنزعها ثم درج كميه و شد أسفل قميصه و حبة خز تحت السراويل و أدخل أسفلها تحت المنطقة و أمه تقول: ليس ثيابك مشمرة فخرج من عندها و حمل على أهل الشام حملة منكره فقتل منهم ثم انكشف هو و أصحابه فقال له بعض أصحابه لو لحقت بموضع كذا فقال: بئس الشيع أنا إذا فى الإسلام إن أوقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن قتل مصارعهم، و دنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب و كانوا يصيحون يا ابن ذات النطاقين فيقول، و تلك شكاء ظاهر عنك لومها و جعل أهل الشام على أبواب المسجد رجالا فكان لأهل حمص الباب الذى يواجه الكعبة، و لأهل دمشق باب بنى شيبة، و لأهل الأردن باب الصفا، و لأهل فلسطين باب بنى جمح و لأهل قسرين باب بنى شهم، و كان الحجاج و طارق بناحية الأسطح إلى المروة و ابن الزبير يحمل على هذه الناحية و فى هذه
أخرى و كأنه أسد فى أجمه ما تقدم عليه الرجال و هو يغدو فى أثر القوم حتى يخرجهم ثم يصيح: أبا صفوان ويل أنه فيما لو كان له رجال لو كان فردا واحدا كفيته فيقول أبو صفوان عبد اللّه بن صفوان بن أمية بن خلف: أبى و اللّه و ألف فقال رجل من أهل الشام اسمه جليوب: إنما يمكنكم أخذه إذا أول قبل فخذه أنت إذا ولى قال: نعم و تقدم ليحصنه من خلف فعطف عليه فقطع ذراعه فصاح فقال: أصبر جلبوب قال: فلما رأى الحجاج لا يقدمون على ابن الزبير غضب، و ترجل يسوق الناس، و يصمد بهم فصمد صاحب علم ابن الزبير و هو بين يديه فتقدم ابن الزبير على صاحب علمه، و قاتلهم حتى انكشفوا و رجع فصلى ركعتين عند المقام فحملوا على صاحب علمه فقتلوه عند باب بنى شيبة، و أخذوا العلم فما فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم و قتل رجلا من أهل الشام و آخر، و قاتل معه عبد اللّه بن مطيع و هو يقول: أنا الذى فررت يوم الحرة و الحر لا يفر الامرة و اليوم أخرى فز بكفره، و قاتل حتى قتل و يقال: أصابت جراحه فمات منها بعد أيام قال: فقال عبد اللّه بن الزبير لأصحابه و أهله يوم قتل بعد صلاة الصبح: اكشفوا وجوهكم حتى أنظر النهار عليكم المفاخر ففعلوا فقال: يا آل الزبير لو طبتم لى نفسا عن أنفسكم كنا أهل البيت من العرب اصطلحنا فى اللّه فلا تر تحكم وقع السيوف فإن ألم الذى للجراح أشد من ألم وقعها صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم غضوا أبصاركم عن البارقة، و ليشغل كل أمرة قرنه، و لا تسألوا عنى فمن كان سائلا عنى فإنى فى الرحيل الأول، احملوا على بركة اللّه ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجول فرمى بأجره رماه بها رجل من السكون فأصابت وجهه فأرعش لها و سال الدم على وجهه فقال:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلو مناو لكن على أعقابنا تقطر الدما
و قاتلهم قتالا شديدا فتعاودا عليه فقتلوه قتله رجل صغيرا و حمل رأسه إلى الحجاج، فتسجد و وفدا السكونى و المرادى إلى عبد الملك بالخبر فأعطى كل واحد منهما خمسمائة دينار، و قيل فى قتله أنه جاءه حجر المنجنيق و هو يقاتل فصرعه ما اقتحم عليه أهل الشام و ذهبوا به إلى الحجاج فجز رأسه بيده و كان مقتله- رضى اللّه عنه- فى يوم لثلاثاء الثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى
الأول سنة ثلاث و سبعين و قيل فى جمادى الآخرة فيها و له ثلاث و سبعون سنة، و لما قتل- رضى اللّه عنه- كبر أهل الشام فرحا بقتله فقال عبد اللّه بن عمر: انظروا إلى هؤلاء لقد كبر المسلمون فرحا بولادته و هؤلاء يكبرون فرحا بقتله و بعث الحجاج برأسه و رأس عبد اللّه بن صفوان و رأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة ثم إلى عبد الملك و صلب جثته منكسة على الثنية اليمنى بالحجون فأرسلت أسماء تقول: قاتلك اللّه على ماذا صلبته؟ قال: استبقت أنا و هو إلى هذه الخشبة و كانت له فاستأذنته فى تكفينه و دفنه فأبى و كتب إلى عبد الملك يخبره بصلبه فكتب إليه بلومته و يقول: لا خليت بينه و بين أمه فأذن لها الحجاج فدفنته بالحجون و كان قبل مقتله بقى أياما يستعمل الصبر و المسك لئلا ينتن إن هو صلب فلما صلب ظفر منه ريح المسك فقيل إن الحجاج صلب معه كلبا ميتا و قيل سفورا و قلب على ريح المسك و لما قتل عبد اللّه ركب أخوه عروة بن الزبير ناقته لم ير مثلها و سار إلى عبد الملك فسبق رسل الحجاج فاستأذن على عبد الملك فأذن له فلما دخل عليه سلم عليه بالخلافة فرحب و أجلسه معه على السرير فقال عروة:
قال تقتلونا يوم حرة رافمفنحن على الإسلام أول من قتل
و نحن قتلناكم بيد راذلةو أبنا باسلاب لنا منكم نقل
فإن ينج منا عايذ البيت سالمافكل الذى قدنا لنا منكم حلل
نهيب بإرجام إليك قربىفلا خير فى الأرحام ما لم تقرب
و تحدث حتى جرى ذكر عبد اللّه فقال عروة: إنه كان فقال عبد الملك و ما فعل قال: قتل فخر ساجدا فقال عروة: إن الحجاج قد صلبه فهبنا جثته لأمه قال:
نعم و كتب إلى الحجاج فعظم صلبه، و كان الحجاج لما فقد عروة كتب إلى عبد الملك أن عروة كان مع أخيه، فلما قتل عبد اللّه أخذنا لآمر قال اللّه و هرب فكتب إليه عبد الملك يقول: إنه لم يهرب و لكنه أتانى مبايعا و قد أمنته و حللته مما كان منه و هو قادم عليك فإياك و عروة فعاد عروة إلى مكة و كانت غيبة عنها ثلاثين يوما فأنزل الحجاج جثة عبد اللّه ابن الزبير من الخشبة و بعث بها إلى أمه فغسلته فلما أصابه الماء تقطع فغسلته عضوا عضوا و صلى عليه عروة و قيل غيره
و قيل لم يصل عليه أحد منع الحجاج من الصلاة عليه و كانت أيام ولايته منذ مات معاوية بن يزيد إلى أن قتل سبع سنين و أياما و كان له من الأولاد عبد اللّه و حمزة و خبيب و ثابت و عبادة و قيس و عامر و موسى و كاتبه زيد بن عمرو و ما معه سالم مولاه ذكر نبذة من سيرته و أخباره كان- رضى اللّه عنه- كثير العبادة إذا سجد وقفت العصافير على ظهره فظنه سابطا لسكونه و طول سجوده و قال بعض السلف: قسم عبد اللّه بن الزبير على ثلاث حالات: فليلة قائم حتى الصباح، و ليلة راكع حتي الصباح، و ليلة ساجد حتي الصباح، و قيل: أول ما علم من حمته أنه كان يلعب ذات يوم مع الصبيان و هو صبى فمر رجل فصاح عليهم ففروا و مشى عبد اللّه القهقرى فقال للصبيان: اجعلونى أميركم و شدوا بنا عليه و مر به عمر بن الخطاب و هو يلعب مع الصبيان ففروا و وقف هو فقال له عمر: ما منعك أن لا تفر معهم؟ فقال: لم أجرم فأخافك، و لم تكن الطريق ضيقة فأوسع لك، و قال هشام ابن عروة، كان أول ما اتضح من عمل عبد الله بن الزبير و هو صغير السيف فكان لا يضعه من فيه فكان الزبير يقول: و الله ليكونن لك منه يوم و أيام و قال ابن سيرين: قال ابن الزبير: ما كان شئ تحدثنا به كنت إلا فقد جاعل ما قال إلا قوله فتى ثقيف يقتلنى، و هذا رأسه بين يدى يعنى المختار، قال: لم يشعر ابن الزبير أن الحجاج قاتله و مر به عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- و هو مصلوب فقال: يرحمك الله إن كنت لصواما قواما و لقد أقلعت قريش إن كنت شرها و كان الحجاج قد صلبه ثم ألقاه فى مقابر اليهود و أرسل إلى أمه لتحضر له فلم تحضر فأرسل إليها لتيأتينى إليك لأبعثن من يسحبك بقرونك فلم تأبه فجاء إليها فقال: كيف رأيتنى صنعت بعبد الله قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه و أفسد عليك آخرتك و أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حدثنا أن فى ثقيف كذابا و مييزا أما الكذاب فقد رأيناه و أما المييز فأنت، و قال:
مطن بن عبد الله: كان ابن الزبير يفطر من الشهر ثلاثة أيام و مكث أربع سنين لم ينزع ثوبه عن ظهره و قال مجاهد لم يكن باب من أبواب العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلفه ابن الزبير. و لقد جاء شبل طبقة البيت فجعل ابن الزبير يطوف سباعه. انتهت أنصار عبد الله ابن الزبير قلته كم غير ذلك من أخبار أيام عبد الملك و نبدأ بأخبار الحجاج و ما فعل بمكة و المدينة و بيعه أهل مكة لعبد الملك بن مروان و ما فعله الحجاج من هدم الكعبة و بنائها مسيرة إلى المدينة و ما فعله فيها بالصحابة رضى الله عنهم قال: و لما فرغ الحجاج من أمر عبد الله بن الزبير
دخل مكة فبايعه أهلها لعبد الملك، و أمر بكنس المسجد الحرام من الحجارة و الدم، و هدم الكعبة فى المحرم سنة أربعة و سبعين و أعادها إلينا الأول و أخرج الحجر منها و كان عبد الملك يقول: كذب ابن الزبير فيما رواه عن عائشة- رضى الله عنها- عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فى أمر الحجر و أنه من البيت فلما قال له: غير ابن الزبير أن عائشة- رضى اللّه عنها- روت ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال:
وددت أنى و ما تحمل و الكعبة فى وقتنا هذا على بنائها الذى أعاده الحجاج بن يوسف قال: ثم سار الحجاج إلى المدينة فى سنة أربع و سبعين و كان عبد الملك قد عزل طارق عنها و استعمل عليها الحجاج قصار معه مكة و المدينة و اليمن و اليمامة، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين فأسبى إلى أهلها و استخف بهم و قال: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان أيدى جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمة منهم جابر بن عبد الله و أنس بن مالك و سهل بن سعد. ثم عاد إلى مكة معتمرا و قال حين خرج من المدينة الحمد لله الذى أخرجنى من أم نتن أهلها أخبث أهل بلد، و أغشه لأمير المؤمنين، و أحسدهم له على نعمة اللّه، لو لا ما كانت تأتينى كتب أمير المؤمنين فيها لجعلتها مثل جوف الحمار أعواد يعوذون بها ورقة قد بليت يقولون منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فبلغ جابر بن عبد الله قوله فقال: إن وراءه ما قد قال فرعون ما قال فأخذه اللّه بعد أن أنظره و أقام الحجاج بالحجاز إلى إنقله عبد الملك إلى ولاية العراق و ذلك فى سنة خمس و سبعين خاتمه. و ذكر أن أثناء القصة أمور منها أن ذا القرنين قدم مكة و الخليل و ابنه إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم يبنيان البيت. فقال: ما هذا؟. فقالا نحن عبدان أمرنا بالبناء فطلب منهما البرهان على ذلك، فشهدت بذلك خمسة أكبش، فقال: قد رضيت و سلمت ثم مضى و نقل الفاكهى أن الخليل عليه السلام حفر زمزم بعد إخراج جبريل مائها لإسماعيل ثم غلبه عليهما ذو القرنين. و قال الفاسى: هذا غريب و قد تعرض العلماء لذكر ذى القرنين فوقع الفصل بين أجزاء القصة و منها تعجيل العقوبة لمن قصده بسوء كقصة تبع و أصحاب الفيل حين قصدوا تخريبه ثم ذكروا فى أثناء القصة خبرهما فطال الفصل بذلك فأحيت تأخير الكلام على جميع ذلك غير متفرق فنقول: أما ذو القرنين فإن المسمى به اثنان و الذى اجتمع بالخليل
اختلف فيه هل هو عربى أو رومى و الذى ذكره اللّه تعالى فى القرآن و هو صاحب الحصن و قال قال الإمام المحدث الشامى فى السيرة: اختلف فى اسمه فقيل اسمع الصعب و به جزم كعب الأحبار رحمه اللّه و قال الحافظ فى الفتح بعد أن أورد قول أعشى بن ثعلبة- و الصعب ذو القرنين أمشى ثاديا. بالحنو فى حدث هناك مقيم. الحنو بكسر الحاء المهملة و سكون النون. فواو مكان فى ناحية المشرق ثم ذكر شواهد أخر يؤخذ من أكثر هذه الشواهد أن الراجح فى اسمه الصعب و قيل غير ذلك و لقب بذى القرنين و اختلف فى نبوته فقيل كان نبيا و به جزم جماعة و هو مروى عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص- رضى اللّه تعالى عنهما- قال الحافظ: و عليه ظاهر القرآن و روى الحاكم من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: ذو القرنين كان نبيا أولا و ذكر وهب فى المنبر إنه كان عبدا صالحا، و أن اللّه سبحانه بعثه إلى أربع أمم اثنتين منها طول الأرض، و اثنتين منها عرض الأرض، و ذكر قصة طويلة و ذكرها الثعلبى فس تفسيره و عن على- رضى اللّه عنه- أنه قال: لم يكن نبيا و لا ملكا و لكن كان عبدا صالحا أحب اللّه، و أحبه و نصح لله فنصحه بعثه إلى قومه فضربوه على قرنه ضربة مات فيها ثم بعثه اللّه إليهم فضربوه. ثم بعثه اللّه فسمى ذو القرنين. قال الحافظ: و فيه إشكال لأن قوله لم يكن نبيا مغاير لقوله «بعثه اللّه تعالى إلى قومه» إلا أن يحمل البعث على غير رسالة النبوة و الأكثر أنه كان من الملوك الصالحين، و ذكره البخارى قبل ترجمة إبراهيم عليه السلام.
قال الحافظ فى ذلك إشارة إلى توهيته قول ص 151: من زعم أنه الإسكندر اليونانى لأن الإسكندر كان قريبا من زمن عيسى و بين زمن إبراهيم و عيسى صلى اللّه عليه و سلم أكثر من ألفى سنة، و الذى يظهر أن الإسكندر المتأخر لقب بذى القرنين تشبيها بالمتقدم لسعة ملكه، و غلبة على البلاد الكثيرة، أو لأنه لما غلبت على الفرس و قفل ملكهم انتظم له ملك المملكتين الواسعتين الروم و الفرس فلقب ذو القرنين بذلك، و الحق أن الذى قص اللّه نبأه فى القرآن هو المتقدم، و الفرق بينهما من أوجه إحداها ما ذكرته و الذى يدل على تقدم رحمة اللّه تعالى أن ذا القرنين حج ماشيا فسمع به إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم فتلقاه و ذكر ابن هشام فى التيجان أن إبراهيم تحاكم إلى ذى القرنين فى شئ فحكم له فقوله حج ماشيا لا يوافق ما
ذكر فى القصة أنه قدم مكة فرأى الخليل و ولده إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم يبنيان البيت فقال: ما هذا. فقالا نحن عبدان أمرنا بالبناء فطلب منهما البرهان على ذلك فشهدت بذلك خمسة أكبش. فقال: قد رضيت و سلمت و وصى إلا أن يجاب بأن هذا لا ينافى معرفة ذى القرنين بأن محل البيت بتلك الجهة فإن الأنبياء كانوا يحجون إلى محله حين عفى من الطوفان بين نوح الخليل صلى اللّه عليه و سلم و لكن لا يعرفون خصوص الموضع فذو القرنين جاء حاجا للموضع فرأى البناء فطلب البرهان عليه، و كذا هذا لا يناسب ما ذكر فى القصة من أن ذا القرنين غلب الخليل على زمزم فليراجع. قال الإمام فخر الدين- رحمه الله تعالى:- كان ذو القرنين من العرب، و أما الإسكندر فهو من اليونان و شهده من قال أن ذا القرنين هو الإسكندر. ما رواه ابن جرير بإسناد فيه ابن لهيعة «أن رجلا سأل النبى صلى اللّه عليه و سلم عن ذى القرنين. فقال: كان من الروم فأعطى ملكا، و سار إلى مصر و بنى الإسكندرية إلى آخره». و هذا لوصح لرفع النزاع. و لكنه ضعيف هذا خلاصة كلام الحافظ فى الفتح قال الشيخ تقى الدين المقريزى فى الخطط أعلم أن التحقيق عند علماء الأخبار أن ذا القرنين الذى ذكره اللّه تعالى فى القرآن اسمه الصعب بن الحارث و ساق نسبه إلى سام بن نوح صلى اللّه عليه و سلم و أنه ملك من ملوك حمير و هم العرب العاربة و يقال لهم القرب العرب، و كان ذو القرنين تبعا متوجا، و لما تولى الملك تجبر ثم تواضع للّه و قد غلط من ظن أن الإسكندر هو الذى بنى السد، فإن لفظه ذا عربية، و ذو القرنين من ألقاب ملوك اليمن و ذاك رومى يونانى و بسط الكلام على ذلك. و ذكر الحافظ عماد الدين بن كثير نحو ما سبق عن الحافظ و صوب أن ذا القرنين غير الإسكندر اليونانى وسط الكلام على ذلك انتهى كلام الشامى برمته، و فيه يعلم أن ما ذكره الشيخ جار الله الطهيرى فى تأليفه من أن الذى اجتمع بالخليل ذو القرنين الرومى خطأ مخالف لما نص عليه الحفاظ من أنه عربى حميري، ثم رأيت السيوطى مع سعة إطلاعه قال فى الإتقان: و اسمه اسكندر، و قيل عبد الله بن الصحاح ابن سعد و قيل المنذر بن ماء السماء و قيل الصعب بن قرين بن همام و تقدم أن هذا الأخير جزم به كعب الأحبار و نقله ابن هشام عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- و قال الشيخ تقى الدين المقريزى فى الخطط: أنه التحقيق عند علماء الأخبار و قال
الحافظ فى الفتح بعد أن أورد قول أعشى بن ثعلبة: و الصعب ذو القرنين أمشى ثاويا بالحنو فى جدث هناك مقيم الحنو بكسر الحاء المهملة و سكون النون فواو مكان فى نواو مكان فى ناحية المشرق ثم ذكر شواهد أخرى يؤخذ من أكثر هذه الشواهد أن الراجح فى اسمه الصعب لكن قال المقريزى: أنه ابن الحارث و لقب بذى القرنين لأنه بلغ قرنى الأرض المشرق و المغرب، و قيل لأنه ملك فارس و الروم، و قيل: كان على رأسه قرنان أى ذؤاتبان و قيل: كان له قرنان من ذهب، و قيل: كانت صفحتا رأسه من نحاس و قيل كان على رأسه قرنان صغيران ثوار بهما العمامة و قيل أنه ص 152 ضرب على قرنه فمات ثم بعثه اللّه فضربوه على قرنه الآخر و قيل: لأنه كان كريم الطرفين أمّا و أبا و قيل:
لأنه انقرض فى زمانه قرنان من الناس و هو حى و قيل لأنه أوتى علم الظاهر و الباطن و قيل: لأنه دخل النور و الظلمة و قيل: لأنه أرى فى المنام كان أمنه من الأرض و إلى السماء، فأخذ بقرنى الشمس و قيل: لأنه ملك الروم و فارس أو الروم و الترك و قيل: لأنه عاش قرنين و عن على سخر له السحاب، و مدت له الأسباب، و بسط له النور و كان الليل و النهار عنده سواء و قد عمر ألف سنة و ستمائة سنة و قد اختلف فى زمنه، فقيل كان فى زمن نمرود و يؤيده اجتماعه بالخليل صلى اللّه عليه و سلم، و النمرود فى زمن واحد، و قيل كان قبل عيسى عليه السلام، و أن عيسى صلى اللّه عليه و سلم ولد بعد مضى خمس و ستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل كذا فى معالم التنزيل، و ذكر غيره أن ذا القرنين قبل عيسى صلى اللّه عليه و سلم بثلاثمائة و تسعة عشر سنة. و أما قول ذهب أنه كان بين عيسى و محمد صلى اللّه عليه و سلم ففيه بعد كما قاله بعضهم إذ ليس بين نبينا و عيسى عليهما الصلاة و السلام نبي. قال ابن العماد و السخاوى و ذو القرنين هذا قد اختلف فى نبوته. وجده السابع العبقفى هو الذى قصه اللّه فى الكهف، و كان روميا و هو ذو القرنين الأصغر، و أما ذو القرنين الأكبر فكان فى زمن الخليل صلى اللّه عليه و سلم بعد نمرود، و هو الذى قضى للخليل بالبئر التى حفرها لمواشيه و نازعه فيها أهل الأردن. كما ذكره الطبرى و ابن العماد و هل هو نبى فقط أو رسول أو صالح أو ولى أو ملك و هو غريب كما يحكى عن عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- أنه سمع رجلا يقول لآخر يا
ذا القرنين فقال: مه ما كفاكم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسموا بأسماء الملائكة، و فى حديث غريب من الوجه الذى أورده ابن عساكر أنه صلى اللّه عليه و سلم قال: لا أدرى ذو القرنين كان نبيا أو لا. و أقول ما ذكره السيوطى فى الإتقان و ابن العماد فى منظومته: من أن المذكور فى القرآن هو ذو القرنين الأصغر المسمى باسكندر، و أنه وقع الخلاف فى نبوته فقد قد مالك عن الحافظ بن حجر: رده حيث قال فى شرح البخارى نقلا عن الفخر الرازى، كان ذو القرنين نبيا، و كان الإسكندر كافرا بلا شك و شبهة من قال إن ذا القرنين هو الإسكندر، ما رواه ابن جرير بإسناد فيه ابن لهيعة أن رجلا سأل النبى صلى اللّه عليه و سلم عن ذى القرنين، فقال: كان من الروم فأعطى ملكا، فسار إلى مصر و بنى الأسكندرية، فلما فرغ أتاه ملك فعرج به فقال انظر ما تحتك فقال أرى مدينة واحدة قال تلك الأرض كلها و إنما أراد اللّه أن يريك، و قد جعل لك فى الأرض سلطانا فسر فيها و علم الجاهل و ثبت العالم و هذا لوصحّ لرفع الخلاف. و لكنه ضعيف ثم قال: و الحق أن الذى قص اللّه بنأة فى القرآن هو المتقدم و الفرق بينهما أوجه إحداها ترجمة البخارى لذى القرنين قبل ترجمة إبراهيم فإن فى ذلك توهينا لقول من زعم أنه الاسكندر اليونانى لأن الاسكندر كان قريبا من زمن عيسى، و بين إبراهيم و عيسى أكثر من ألفى سنة، و الذى يظهر أن الإسكندر المتأخر لقب بذى القرنين تشبيها بالمتقدم لسعة ملكه، و غلبته على البلاد الكثيرة أو لأنه غلب على الفرس و نقل ملكهم انتظم له ملك المملكتين الواسعتين الروم و الفرس فلقب ذو القرنين، لذلك قال: و الحق أن الذى قص اللّه علينا نبأه فى القرآن هو المتقدم، و الفرق بينهما وجوه إحداها ما تقدم و الذى يدل على تقدم ذى القرنين ما رواه الفاكهى عن عبيد بن عمر أحد كبار التابعين- رحمه اللّه تعالى- أن ذا القرنين حج ماشيا فسمع إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم فتلقاه و ذكر ابن هشام فى التيجان أن إبراهيم تحاكم إلى ذى القرنين فى شئ فحكم له، و قد اختلف فى نبوته، فقيل كان نبيا و به جزم جماعة قال الحافظ: و عليه ظاهر القرآن و ذكر وهب فى المبدأ أنه كان عبدا صالحا و أن الله تعالى بعثه إلى أربع أمم اثنتين منها طول الأرض و اثنتين منها
عرض الأرض فذكر قصة طويلة و عن على أنه لم يكن نبيا و لا ملكا و لكن كان عبدا صالحا أحب اللّه فأحبه اللّه، و نصح اللّه فأنصحه بعثه اللّه إلى قومه فضربوه على قرنه ضربة مات فيها، ثم بعثه اللّه فسمى ذو القرنين، قال الحافظ: و فيه إشكال لأن قوله لم يكن نبيا يغاير قوله بعثه اللّه تعالى إلى قومه إلا أن يحمل البعث على غير رسالة النبوة و الأكثر أنه كان من الملوك الصالحين ثم قال إن ذا القرنين الأول كان من العرب و أما الإسكندر فهو من اليونان و العرب كلها ولد سام بن نوح بالاتفاق و إن وقع الخلاف هل هم كلهم بنو إسماعيل أو لا و اليونان من ولد يافث بن نوح على الراجح ما افترقا كذا قال:
و قد تقدم أبو السعود فى تفسيره للكلام على ذى القرنين بنحو ما تقدم قلت و العجب من الحافظ السيوطى مع سعة إطلاعه و تأخره عن الحافظ كيف سلك ما سلكه من أن المذكور فى القرآن هو ذا القرنين المسمى بإسكندر وقع أن المسمى بإسكندر كافر و ليس هو المذكور فى القرآن، و الذى قص القرآن هو ذو القرنين الأكبر، و هو مؤمن وقع فى نبوته خلاف و عربى و كذا. و العجب من ابن العماد حيث سلك فى منظومته ما ذكره السيوطى و صرح فيها بأن ذو القرنين الأصغر هو الذى ذكر فى القرآن و أنه رومى و أن جده السابع العيصى و أن الثعلبى قال: أنه الذى تسمى بأسكندر و أن فى نبوته خلاف مع رد الحافظ لذلك كله فتأمل هذا و اعلم أنه قال المفسرون ملك الدنيا أربعة مؤمنان و كافران. أما المؤمنان فذو القرنين و سليمان بن داود صلى اللّه عليه و سلم و أما الكافران فالنمرود و بخت نصر قال القرطبى و سيملئ الدنيا فى هذه الأمة خامس و هو المهدى لقوله تعالى ليظهره على الدين كله. انتهى. و زاد بعضهم سادسا و هو عيسى عليه السلام كما جاءت به السنة فى غير موضع من الصحيحين، و غيرهما هذا و قد تقدم أنه عاش ألف سنة و ستمائة سنة و لكن ذكر الحافظ أبو الفرج بن الجوزى أنه نقل من خط أبى الوفاء على بن عقيل الحنبلى صاحب الفنون قال: وجدت فى تعاليقه تحقق من أهل العلم أن سبعة مات كل واحد منهم و له ستة و ثلاثون سنة فعجبت من قصر أعمارهم مع بلوغ كل أحد منهم الغاية فيما كان فيه، و انتهى إليه فمنهم الإسكندر ذو القرنين و أبو مسلم صاحب الدولة
العثمانية و ابن المقنع صاحب الخطابة و الفصاحة و سيبويه صاحب التصانيف و التقدم فى علم العربية، و أبو تمام الطائى و ما بلغ فى الشعر و علومه و إبراهيم النظام المتعمق فى علم الكلام، و ابن الراوندى و ما انتهى إليه من التوغل فى المغازى فهرسه التقدم فى علم العربية، و أبو تمام الطائى و ما بلغ من الشعر، و علومه و إبراهيم النظام المتعمق فى علم الكلام ابن الراوندى و ما انتهى إليه من التوغل فى المغازى فهوسه لا السبعة لم يجاوز أحد منهم ستا و ثلاثين سنة بل اتفقوا على هذا القدر من العمر انتهى. و يضاف لهم ثامن و هو الزركشى صاحب الخادم و التصانيف الجليلة فى مذهب إمامنا الشافعى انتهى.
فإن صح هذا فليكن فى الإسكندر الكافر و أما المتقدم فقد بلغ عدا السن السابقة فتأمله ثم رأيت الموالى أبا السعود، و ذكر خلافا فى سن ذى القرنين و أطال فيه الكلام فراجعه و أما قصة ربيع اليمانى و أصحاب الفيل فنقول لا بد من تمهيد مقدمة على ذلك قبل الكلام و يلى أن الأمام النووى فى تهذيب الأسماء و اللغات أن قيصر الذى بالشام لقب لكل من ملك الروم. و يقال لكل من ملك الفرس كسرى و الترك خاقان و الحبشة اليحاشى و القبط فرعون و مصر العزيز و حمير باليمن تبع ذاد غيره و النعمان العرب من قبل العجم و جالوت لملك البربر، و قال فى الكشاف: أن فرعون علم لملك ملك العمالقة قال المحقق التفتازانى: و يشبه أن يكون مثل فرعون و قيصر و كسرى من علم الجنس و لذا منه الصرّف لكن جمعه باعتبار الأفراد مثل الفراعنة و القياصرة و الأكاسرة يدل على أنه علم شخص يسمى به من ملك ذلك وضعا ابتدائيا انتهى. و قال النووى كان اسم قيصر الذى كان بالشام و كتب إليه النبى صلى اللّه عليه و سلم كتابه هرقل بكسر الهاء و فتح الراء و ضبطه الجوهرى بإسكن الواو و هو لا ينصرف للعجمة.
و العلمية و تنازع أبناء عبد الحكم فى أنه هل كان يقال له هرقل أم قيصر و ترافعا إلى الشافعى- رحمه اللّه- فقال: هو هرقل و هو قيصر فهو اسم علم له و قيصر لقب و فى الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده و إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده». قال الشافعى فى مختصر المذنى: «معناه و لا قيصر بعده بالشام و لا كسرى بعده بالعراق». قال: و سبب الحديث أن قريشا كانت تأتى الشام و العراق كثيرا للتجارات فى الجاهلية، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لمخالفتهم أهل الشام و العراق بالإسلام، فأجابهم
النبى صلى اللّه عليه و سلم على حسب حاجتهم. فقال: لا قيصر و لا كسرى بعدهما فى هذين الإقليمين فلا ضرر عليكم، و كان كما قال النبى صلى اللّه عليه و سلم فلم يكن قيصر بعده فى الشام إلى الآن و لا يكون و لا كسرى بعده فى العراق و لا يكون. و قال صلى اللّه عليه و سلم: «و الذى نفسى بيده لتنفق كنوزهما فى سبيل اللّه» فكان كذلك ففتحت الصحابة الإقليمين فى زمن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- إذا تقرر ذلك فلنبدأه بذكر قصة تبع فنقول ذكر القرطبى أنه كان من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها و كان كثير الوزراء فاختار منهم واحدا و خرج به لينظر فى ملكه و قد ذكر فى مرآه الزمان التتابعة الذين ملكوا اليمن و اختلف فى المسلم منهم من هو فقيل هو تبع الأكبر و قد سأل ابن عباس ابن مسعود فقال: سمعت اللّه يذكر تبعا و لم يذمه و ذم قومه و قد ذكر الثعلبى فى مم الدخان فى تفسير قوله تعلى أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ و أن عائشة كانت تقول لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا و قال سعيد بن جبير: هو الذى كسى البيت و قال الثعلبى بإسناده إلى سعد بن سعد قال: سمعت النبى صلى اللّه عليه و سلم يقول: «لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم» أخرجه أحمد فى المسند و روى الثعلبى بإسناده إلى أبى هريرة رضى اللّه عنه عن النبى صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: ما أدرى تبعا كان نبيا أو غير نبى و قال عكرمة: إنما سمى تبعا لكثرة أتباعه و كان يعبد النار فأسلم قال السهيلى فى الروض و لا ندرى أىّ التبابعة أراد، و فى المرآة أن هذا تبعا الأوسط ثم قال: و قال الأزرقى فى كتب مكة أن تبعا الأول سار إلى مكة فأراد هدم الكعبة و كان له وزراء فأخذ منهم واحدا فى صحبته، و خرج فى جيش عظيم، و كان إذا دخل بلدا عظمه أهله، و كان يختار من كل بلد عشرة أنفس من حكمائهم، و كان معه من العلماء و الحكماء ألف رجل هم الذين اختارهم من البلدان و لم يكونوا محسوبين من الجيش فطاف المشرق و المغرب حتى انتهى إلى مكة فلم يخضع له أهلها كخضوع غيرهم و لم يتحرك له أحد من أهلها، و لا عظموه فغضب لذلك و دعا وزيره، و شكى إليه فعلهم فقال له: إنهم عرب لا يعرفون شيئا و لهم بيت يقال له الكعبة و هم معجبون به فنزل الملك يعسكره ببطن مكة، و عزم على هدم البيت، و قتل الرجال و نهب النساء و سبيهم فأخذه الصداع و تفجر من عينيه
داذينه و منخريه و فمه ماء نتن بحيث لا يستطيع أحد أن يدنوا منه من نتن رائحته، فقال لوزيره: اجمع العلماء و الحكماء و الأطباء فلم يقدروا على الجلوس عنه و عجزوا عن مداواته و قالوا: نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض و هذا من السماء لا نستطيع له ردا، ثم اشتد أمره و تفرق الناس عنه فلما أقبل الليل جاء أحد العلماء إلى وزيره فقال: إن بينى و بينك سرا فإن كان الملك يصدقنى فى حديثه عالجته فاستبشر الوزير بذلك، و جمع بينه و بين الملك فلما خلا به قال له العالم: أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوءا قال:
نعم فقال له العالم: أيها الملك نيتك أحدثت لك هذا الداء و رب هذا البيت عالم بالأسرار فبادر و ارجع عما نويت، فقال له الملك: قد أخرجت ذلك من قلبى و نويت لهذا البيت و أهله كله خير فلم يخرج العالم من عنده إلا و قد عافاه اللّه تعالى من علته فآمن باللّه من ساعته، و خلع على الكعبة سبعة أثواب، و هو أول من كسا الكعبة ثم خرج إلى يثرب و هى بقعة فيها عين و ليس لها بنيان و لا أحد فنزل على رأس العين ثم إن العلماء و الحكماء أخرجوا من بينهم أربعمائة و هم أعلمهم و تبايعوا أن لا يخرجوا من يثرب إن قتلهم الملك فلما علم الملك بذلك سألهم عن الحكمة التى اقتضت إقامتهم فى هذه البلدة فقالوا: أيها الملك إن ذلك البيت و هذه البقعة يشرفان برجل يبعث آخر الزمان اسمه محمد و وصفوه ثم قالوا له: طوبى لمن أدركه و آمن به و نحن على أن ندركه أو يدركه أولادنا فلما سمع الملك بذلك هم بالمقام معهم فلم يقدر على ذلك فأمر بعمارة أربعمائة دار و أعطى كل واحد منهم جارية و أجزل عطائهم و كتب لهم كتابا و ختمه بالذهب و أعطاه للعالم الذى نصحه فى شأن الكعبة و قال له: إن خرج محمد فادفعه إليه إن أدركته و إن لم تدركه فإلى أولادكم و أولادكم و كان الكتاب أما بعد يا محمد فإنى آمنت باللّه و بك و بكتابك الذى ينزل عليك و أنا على دينك و سنتك و آمنت بربك و بكلما جاء من ربك من شرع الإيمان و الإسلام فإن أدركتك فبها و نعمت و إن لم أدركك فاشفع لى يوم القيامة، و لا تنسنى فإنى من أمتك الأولين و قد بايعتك قبل مجيئك و أنا على ملتك و ملة
إبراهيم أبيك عليه السلام ثم نقش عليه للّه الأمر من قبل و من بعد، و كتب عنوانه إلى محمد بن عبد المطلب نبى اللّه و رسوله و خاتم النبيين و رسول رب العالمين صلى اللّه عليه و سلم من تبع الأول حمير بن وردع ثم سار من يثرب إلى بلاد الهند، فمات بها و كان من يوم موته إلى اليوم الذى بعث فيه النبى صلى اللّه عليه و سلم ألف سنة لا تزيد و لا تنقص و كان الأنصار من أولاد أولئك العلماء و الحكماء و من جملة ما فى الكتاب.
شهدت على أحمد أنهرسول من اللّه بارى النعم
فلو مد عمرى إلى عمرهلكنت وزيرا له و ابن عم
و ختمه بخاتم ذهب و دفعه إلى كبيرهم و سأل أن يدفعه للنبى صلى اللّه عليه و سلم إن أدركه و إلا فمن أدركه من ولده و ولد ولده و بنى للنبى صلى اللّه عليه و سلم دارا ينزلها إذا قدم فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبى أيوب الأنصارى و هو من ولد ذلك العالم الذى نهى تبعا عن خراب الكعبة، و أهل المدينة الذين نصروه كلهم من أولاد أولئك العالم و لما ظهر خيره صلى اللّه عليه و سلم بمكة أرسلوا إليه كتاب تبع مع رجل منهم يقال له أبو ليلى إلى مكة فوجدوا النبى صلى اللّه عليه و سلم فى قبيلة بنى سليم فعرفه صلى اللّه عليه و سلم و قال له أنت أبو ليلى قال: نعم قال: معك كتاب تبع الأول قال: نعم و بقى أبو ليلى يتفكر ثم دفع الكتاب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فدفعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى على بن أبى طالب فقرأه عليه فلما سمع صلى اللّه عليه و سلم كلام تبع قال: مرحبا بالأخ الصالح ثلاث مرات ثم أمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة يبشرهم بقدومه سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم و صاروا يتعلقون بزمام ناقته و هو يقول: خلوها فإنها مأمورة حتى جاءت إلى دار أبى أيوب الأنصارى و كان من أولاد العالم الذى شفى تبع برأيه و قيل إن الكتاب كان عند أبى أيوب حين نزل عليه الصلاة و السلام فدفعه له قال ابن اسحق فى تاريخ دمشق هذا الحديث منكر و فيه غير واحد من الضعفاء و ذكر النجم العيطى فى المولد الشريف أن النبى، يوم قدومه المدينة على البراء بن معرور بعد وفاته بشهر و على تبع اليمانى و كان قد آمن بالنبى صلى اللّه عليه و سلم قبل مبعثه سبع مائة سنة و هو أول من كسى البيت نقله ابن عبد البر و قال لابن العماد فقوله قبل مبعثه بسبعمائة سنة ينافيه ما تقدم عن القرطبى أنه متقدم عليه بألف
سنة هذا و قيل السبت فى عزم تبع على هدم البيت أن جماعة من هذيل ممن يحسد قريشا حشدوا لتبع هدم الكعبة، و أن يبنى بيتا عنده و يصرف حجاج العرب إليه فلما سار لهذا القصد حصل له ما حصل فأقلع عن ذلك كما تقدم و أمر بقتل المضلين ثم لما قدم مكة كان سلاحه بالموضع المعروف ص 156 بتبعان فلذلك سمى به، و قيل بغير ذلك و كانت خيله بالمكان المعروف بأجياد فسمى بذلك لذلك و قيل بغير ذلك و كانت مطابحه فى الشعب المعروف بعبد اللّه بن عامر بن كرمز فلذلك سمى الشعب بالمطابح و أقام بمكة أياما ينحر كل يوم مدة إقامته مائة بدنة لا يأكل هو و لا أحد ممن فى عسكره منها شيئا بل يردها الناس ثم الطير ثم السباع و أما أبرهة بن الصباح هو الأشرم المكنى بأبى مكيوم على ما ذكره الأزرقى فى تاريخ مكة صاحب الفيل من التبابعة، و لا يقال له تبع لأنه كما فى المرآة و غيرها لم يكن من بيت الملك و إنما تغلب على أرباط بغير أمر النجاشى و ذلك لأن النجاشى جهز جيشا عظيما لتخريب اليمن و أمر عليهم رجلا يقال له أرباط بن أتمم و كان من جملة الجيش أبرهة بن الصباخ صاحب الفيل فبعد أن ملك أرباط اليمن و ضرب حصونها صار يعظم الأغنياء و يذل الفقراء فطمع أبرهة فى الملك و اتفق مع جماعة كثيرين على ذلك فعلم أرباط بذلك، فتقاتل معه فضربه أرباط بحربة به فأشرمت عينه و أنفه و شفته فسمى الأشرم و أنزم، و كان قصيرا دميما ثم أنه قتل أرباط و أجمع الجندى على أبرهة فعند ذلك بلغ النجاشى فغضب، و حلف أنه لا بد أن يطأ أرض أبرهة و أن يحلق ناصيته و قال تعدى على أميرى و قتله و كان أبرهة حاذقا فحلق رأسه و ملأ جرابا من الأرض و كتب إلى النجاشى أيها الملك إنما كان أرباط عبدا من عبيدك، و ليس له خبرة بسياسة المملكة و أنا خير منه، و قد بعثت لك بناصيتى و تراب فى جراب من تراب اليمن لتضعه تحت قدميك فرضى النجاشى عنه و أعجبه فهمه و أقره على أرض اليمن و أبرهة بن الصباخ هذا هو الذى قصه البيت الحرام فهو ملك اليمن من قبل النجاشى دره فى المرأة بأن أصحن ابن النجاشى الذى كان فى زمن الفيل و أصحن هذا أدرك البعثة و أسلم و صلى النبى، و نعاه للصحابة و لنذكر قصة أصحاب الفيل و ما جرى عليهم من العذاب
الوبيل فنقول إن أرباط كان ملكه النجاشى اليمن فكان يعظم الأغنياء و يذل الفقراء فقتله أبرهة ابن الصباخ الأشرم فولاه النجاشى بعد ما سخط عليه و رضى عنه، فأقام بصنعاء فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة، فقال:
أين تذهبون قالوا: إلى البيت الحرام قال: و ما هذا البيت؟ قالوا بيت بناه إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام قال: و بأى شىء هو مبنى؟ قالوا: بالطين و الحجارة فقال و حق المسيح لأبنين لكم بيتا خيرا منه فبنى كنيسة بصنعاء لم يبن فى زمانها مثلها، بناها بالرخام و زخرفها بالذهب و الفضة و الجواهر و اليواقيت، و لطخ حيطانها بالمسك و جعل فى أرضها الزعفران، و جعل على أبوابها الذهب و الفضة، و جعل فى أعلاها قبة عظيمة من عجائب الدنيا و عمل على رأسها ياقوتة حمراء تضىء ملك الناحية فى الليل منها و على أبوابها الستور و الأحجبة و السدنة و سماها (الفليس) و أمر الناس لحجها و قال أطال الأزرقى فى تاريخ مكة فى وصفها و أنه بناها من صرح بلقيس و أطال فى بيان ذلك فليراجع، و قد ذكرها الجوهرى فقال: و الفليس بيعة كانت بصنعاء الحبشة بناها أبرهة و هدمتها حمير و كتب إلى النجاشى قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها، و لست بمنته حتى أنقل إليها حج العرب ثم منع أهل اليمن من الحج إلى مكة فأقاموا سنتين فجاء رجل من بنى كنانة فأحدث فيها فسمع بذلك، و أنه تعمد ذلك رجل من العرب أزورا بكنيسته و أنها ليست أهلا لما قصد قبل أعجبت رفقة من العرب نارا فحملتها الريح فأحرقتها فغضب و حلف ليسيرن إلى كعبة العرب و يهدمها فكتب أبرهة إلى النجاشى يطلب فيله الأعظم، و اسمه محمود و لم يكن فى زمانه أقوى و لا أعظم منه، فبعث به إليه قيل بانفراده و قيل معه غيره من الفيلة و اختلف فى عدتها فقيل ثمانية و قيل اثنا عشرة و قيل ثلاثة عشر ثم أمر الحبشة فتهيأت و سار معه من العساكر بما يزيد على ستين ألف مقاتل و كان ذلك قبل ولادته صلى اللّه عليه و سلم بخمسة أشهر و قيل بخمسين يوما و قيل فى يوم ولادته، و عند ذلك خرج عليه ملوك فقهرهم و أشرهم إلى أن قرب من المغمس عند عرفة، فبلغ ذلك عبد المطلب فقال: يا معشر قريش لا يصل لهدم البيت إن له ربا يحميه، ثم أرسل أبرهة خيلا، و استاقت إبل قريش و غيرهم و لعبد المطلب فيها أربعمائة ناقة فركب فى قريش حتى بلغ خيل نبير فاستدارت دائرة غرة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم
على جبينه كالهلال و اشتدت شعاعها على الكعبة مثل السراج فقال: ارجعوا فقد كفيتم فو اللّه ما استدار هذا النور منى إلا أن يكون الظفر لنا فرجعوا ثم أرسل أبرهة رجلا لسيدهم و هو عبد المطلب ليخبره بأن لا حاجة له به ما يهم و إنما غرضه تخريب الكعبة فإن مكنتمونى نجوتم، فقال له عبد المطلب: لا طاقة لنا بحربه، و البيت بيت اللّه فإن منعه فهو بيته ثم طلب سيد أهل مكة فأخذ عبد المطلب مع جماعة من قومه فتوصل عبد المطلب إلى الملك باينس سايس الفيل الأعظم فى أن يتلطف فى وصوله إلى أبرهة و يلاحظه عنده و كان عبد المطلب أفرس أهل زمانه و أجلهم و أهيبهم طلعه فكلمه أنيس سايس الفيل فى أمر، و ذكر له شرفه فى قريش، فأمر أبرهة أن يعرض عبد المطلب على محمود الفيل الأعظم قبل دخوله عليه إرعابا و تخويفا فإن العرب لم تكن تعرف الأفيال، و لا هى بأرضها فأراد تقديم الإرهاب لعبد المطلب ليشتد خوفه، و كانت الأفيال كلها تسجد لأبرهة إلا الفيل الأعظم محمود فيل النجاشى فلم يكن يسجد له لأنه لم يتمرن عليه، و لا يسجد لغير النجاشى، فلما دخل عبد المطلب عليها سجدت كلها و خر الفيل الأكبر ساجدا و قال: السلام على النور الذى فى ظهرك يا عبد المطلب و ذل له أبلغ مما كان يصنع النجاشى فبلغ ذلك أبرهة فغضب ثم تطير و سأل كهنته فقيل له: إنما سجدت لما كان فى وجهه من نور نبى قد أظل زمانه و فى رواية أن رسول أبرهة لما دخل مكة و رأى وجه عبد المطلب خضع له و تلجلج لسان و خر مغشيا عليه و خار كما يخور الثور عند ذبحه فلما أفاق خر ساجدا لعبد المطلب و قال: أشهد أنك سيد قريش حقا ثم أمر أبرهة بإدخال عبد المطلب عليه فلما رآه ألقيت له الهيبة فى قلبه فنزل عن سريره تعظيما له و جلس معه على بساط ثم قال له ما حاجتك قال أن ترد علىّ إبلى فقال له كنت أعجبتنى ثم زهدت فيك تكلمنى فى إبلك دون بيت هو دينك و دين آبائك، فقال أما الإبل فأنا ربها، و أما البيت فله رب يحميه فقال لم يكن ليمتنع منى مع كثرة جيوش فقال: أنت و ذلك فرد عليه إبله فرجع إلى مكة ثم أخذ بحلقة الكعبة و دعا و الناس يؤمنون على دعائه ثم أمر الناس بالتحصن فى الجبال خوفا عليهم من الجيش فتحروا فى شعف الجبال
و الشعاب، فلما أصبح أبرهة فى المغمس الذى أصابهم فيه العذاب هيأ فيله و جنوده لدخول مكة قال الأزرقى فى تاريخ مكة و حين وجه الفيل إلى مكة أقبل عليه نفيل بن حبيب الخثعمى و التقم أذنه و قال له أبرك محمود أو ارجع راشدا من حيث جئت فإنك فى بلد اللّه الحرام، ثم أطلق أذنه انتهى فبرك الفيل من محل بناء على الأصح، أنهم لم يدخلوا الحرام و قيل دخلوه و إنما برك لما و صلوا وادى محسر و لذا سمى بذلك لأن فيلهم حسراى أعنى فيه و نكص على عقبيه راجعا و برك فأدخلوا الحديد فى أنفه، حتى خرقوه فلم يساعدهم على التوجه إلى مكة فضربوه فى رأسه قصر أحد بدنه فمشى، ثم نحو الكعبة فأبى و نقل الدمامينى فى حواشى المعنى: أنه لما بلغ المغمس خرج إليه عبد المطلب و عرض عليه ثلث قال تهامة ليرجع فأبى فخرج من عنده و أمر قريشا أن يتفرقوا بالشعاب و رؤس الجبال خوفا عليهم من مدة الجيش إذا دخلوا ففعلوا و أتى عبد المطلب إلى الكعبة و أخذ بحلقة الباب و جعل يقول اللهم إن المرينع رحله فامنع رجالك لا يغلبن صليبهم و محالهم غدا محالك.
جروا جموع بلادهمو الفيل كى يسبو عيالك
عمدوا حمالك بكبدهمجهلا و ما رقبوا إجلالك
إن كنت تاركهم و كعبتنافما مرقا جدالك
و معنى محالك مكرك منه شديد المحال و قال أيضا
يا رب لا أرجو سواكايا رب فامنع بهم حماكا
إن عدو البيت قد عاداكاامنعهم أن يخربوا فذاكا
فعند ذلك رأى أهل مكة طيرا قد أقبلت من ناحية البحر فقال عبد المطلب إن هذا لغريب ثم بعث ابنه عبد اللّه أبا النبى صلى اللّه عليه و سلم على فرس ينظر فرجع و هو مريض و يقول هلك القوم جميعا ثم خرج عبد المطلب و قريش و غنموا أموالهم و كانت الطير التى أرسلها اللّه عليهم طيرا أبابيل أى جماعات تجئ شيئا بعد شئ كأمثال الخطاطيف من الحبر مع كل طائر منها ثلاثة أحجار حجر فى منقاره و حجران فى رجليه كأمثال العدس و قال الدمامينى أكبر من العدسة و أصغر من
الحمص فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، و كل حجر على اسم من يقع عليه ففروا و أهلكوا، و قد نقل فى المرآة الخلاف فى وصف هذا الطير و لونه، و هل روى قبل ذلك و كان مخلوقا أو خلقه فى تلك الساعة، و نقل الأزرقى فى تاريخ مكة عن الوليد عن بعض المكيين أنه قال: أول ما كانت بمكة حمام اليمام حمام مكة الحريته ذلك الزمان يقال أنها من نسل الطير التي رمت أصحاب الفيل حين خرجت من البحر من خبره انتهى قلت فيه تأمل فإن صور تلك الطير على خلاف هذه و إن كان لا يلزم أن يكون النسل بصورة الأصل و الذى قيل أنها من نسل حمامتى الغار و كلام الأزرقى لا يخلو عن تحريف بالنسخة التى بيدى و اللّه أعلم لا تصيب أحدا منهم إلا قتلته فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التى جاوءا منها و يتساءلون عنها ثم جعلوا يتساقطون بكل طريق و يهلكون بكل منهل، و لم ينج إلا الفيل الأكبر لاحترامه بيت اللّه الحرام، و انفلت وزير أبرهة أبو يكوم و طائر محلق فوقه حتى بلغ النجاشى فقص عليه القصة فلما انتهى أجناده، وقع الحجر عليه فخر ميتا بين يديه و أصيب أبرهة فى جسده فصار يسقط أنمله فى رجوعه، كلما سقطت أنمله تبعها دم وقيح حتى قدموا به صنعاء، و قد خار مثل فرخ الطائر مما مات حتى أكلت صدره، و أنصدع صدره حتى قلبه حتى رأى قلبه بالعين، و بعث اللّه سيلا فحملهم فألقاهم فى البحر، و من يومئذ احترمت الناس قريشا، و قالوا هم جيران اللّه يدافع عنهم و نقل الأزرقى عن ابن عباس اسحاق عن يعقوب ابن عتبة بن المغيرة بن الأخنس إن أول ما رؤيت الصحبة و الجدرى الشحر من الحوامل، و الحنظل ذلك العام بأرض العرب. انتهى قلت: و روى سعيد بن منصور عن عكرمة- رحمه اللّه تعالى- أن رؤوس الطيور مثل رؤوس السباع لم تر قبل ذلك و لا بعده فأثرت فى جلودهم فإنه لأول ما رؤى الجدرى، و قد انتشر الناس فى ذلك إشعارا كثيرا منها لأمية ابن أبى الصلت الذى ورد أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال عنه: آمن و كفر قلبه فذكر هلاك أصحاب الفيل بالمغمس فذكر أبياتا منها آيات منها
إن آيات ربنا بيناتلا يمارى فيهن إلا الكفور
جمس الفيل بالمغمر حتىظل يحبو كأنه معقود
و المغمس المحصب الذى أصابهم فيه العذاب و من ذلك قول نفيل بن جبيت حين طلبوا منه أن يدلهم على الطريق على البحر ذارى فأنزل بهم فأنشده
أين المفر و الإله الطالبو الأشرم المغلوب ليس الغالب
و رأيته فى المرآة عن عائشة- رضى اللّه عنها- أنها قالت: رأيت قائد الفيل و سايسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان من الناس. انتهى فانظره مع ما تقدم عن أن اللّه تعالى أهلك الجميع و لم ينج إلا الفيل محمود لامتناعه عن دخول الحرم رأيت سيرة الشامى من عطاء بن يشار عمن كلم قائد الفيل، و سأله فذكر له القصة إلى أن قال: نقلت بخا غيركما فقال: نعم ليس كلهم أصابه العذاب إلخ فهذا يصح رواية عائشة- رضى اللّه عنها- و قد ذكر اللّه هذه القصة فى سورة الفيل و اقتحمها بالم ترجح أنها قبل مبعثه بل قبل ولادته إشارة إلى أن المراد من الروية العلم و التذكير و أن الخبر بذلك متواتر فكان العلم بذلك ضروريا متساويا للعلم الحاصل بالرؤية البصرية و قد دلت هذه القصة على ما غايات شرف نبيا فإنها كانت إرهاصا و تأسيسا لنبوته، و الإرهاص يجوز تقديمه على زمن النبوة تأسيسا كما فى تظليل الغمام و الشجر، و الملكية بل جاء أن الشجر و الحجارة قرب مبعثه صلى اللّه عليه و سلم كان لا يمرضها شىء إلا سلم عليه سلاما يسمعه بأدنه و على شرف قومه و حماية اللّه لهم، و لذا دانت العرب لشرفهم و لعلمهم بأن أبرهة لا قدرة للعرب بأسرهم على قتاله فإذا تولى اللّه نصرتهم عليه دل ذلك على عظيم اعتناء اللّه بهم و حيث كان ذلك إرهاصا فلا يضر تقدمه على زمان البعثة بخلاف المعجزة، لكن قال الإمام الرازى: و مذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزة على زمان البعثة تأسيسا قال: و لذلك قالوا: كانت الغمامة تظله عليه الصلاة و السلام يعنى قبل البعثة و خالفه السيد فى شرح المواقف تبعا لغيره و اشترط فى المعجزة أن لا تقدم على الدعوى بل تكون متقارنة لها كما حقق فى محله و حيث كان هلاك أصحاب الفيل أرهاصا لولادة نبينا صلى اللّه عليه و سلم فهو تشريف له و لبلده الشريف إلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب و كان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه أهل مكة لأنهم كانوا يعبدون الأصنام فنصرهم اللّه تعالى نصرا لا صنع للبشر فيه و لسان حال القدر يقول: لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخير فيكم عليهم، و لكن صيانة للبيت العتيق الذى سنشرفه
و نعظمه و نوقره ببعثة النبى صلى اللّه عليه و سلم كذا أفاده العلامة الشامى فى سيرته و لفقد معنى الإرهاص بعد مجئ النبوة و ثبوتها بالدلائل القطعية أملى للحجاج قيمة اللّه حتى خرب الكعبة، و لم يعاقب بشىء و قال النجم الغيطى: فإن قيل أن الحجاج خرب الكعبة و لم يحدث شىء من ذلك فى الجواب أن ذلك وقع إرهاصا لأمر نبوة محمد صلى اللّه عليه و سلم و الإرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه فلما ظهر صلى اللّه عليه و سلم و تأكدت نبوته بالدلائل القطعية لم يحتج إلى شىء من ذلك بعد، و قد يجاب عن ذلك بأن أبرهة قصد التخريب بالكلية، و عدم عودتها فلذلك عوجل بالعقوبة، و الحجاج إنما قصد بالتخريب صورة بناء بن الزبير، و إعادتها على حالتها الأولى فلذلك لم يحدث له شىء من ذلك قال العلامة الشامى إن قيل قد وقع فى زمن يزيد بن معاوية لما أرسل الحصين بن نمير فنصب المنجنيق على أبى قبيس و غيره من جبال الكعبة و رمى الكعبة و كسر الحجر الأسود، و احترقت الكعبة حتى انهدم جدارها، و سقط سقفها إلى غير ذلك فالجواب إنما لم يمنعوا لأن الدعوة قد تمت و الكلمة قد بلغت و الحجة قد ثبتت، فأخر اللّه تعالى أمرهم إلى الدار الآخرة و قد أخبر صلى اللّه عليه و سلم بوقوع الفتن و أن الكعبة ستهدم. انتهى و قد تقرر قدم تعظيم هذا الحرم حتى ممن لا يعقل فقد روى الأزرقى عن ابن أبى نهيج قال:
لم يكن كبار الحيتان يأكل صغارها فى الحرم زمن الطوفان و روى ابن أبى الدينار فى ذم الملاهى عن حومرة بن أشما عن عمه قال حججت مع قوم فنزلنا منزلا و معنا امرأة فنامت فانتبهت و حية مطوية عليها جمعت رأسها و ذنبها بين ثديها فهالهن ذلك و ارتحلنا فلم تزل مطوية عليها لا تضرها شيئا حتى دخلنا أنصاب الحرم فانسابت فدخلنا مكة فقضينا نسكا و انصرفنا حتى إذا كنا بالمكان الذى تطوقت عليها فيه الحية و هو المنزل الذى نزلنا فنامت فاستيقظت و الحية مطوية عليها ثم صفرت الحية فإذا بالوادى يسيل علينا حيات فنهشتها حتي بقيت عظاما فقلت لجارية لها: ويحك أخبرينا عن هذه المرأة قالت: بغت ثلاث مرات كل مرة تلد ولدا فإذا وضعته سجرّت التنور ثم ألقته فيه و روى ابن أبى شيبة عن ابن شابط قال: كان الناس إذا كان الموسم بالجاهلية خرجوا فلم يبق واحد بمكة و أنه تخلف رجل سارق فعمد إلى قطعة من ذهب فوصفها ثم دخل ليأخذ
نرى فلما أدخل رأسه همزه البيت فوجدوا رأسه فى البيت و أسته خارجه ص 160 فألقوه للكلاب و روى الجندى عن طاووس قال: أن أهل الجاهلية لم يكونوا يصيبون فى الحرم شيئا إلا عمل لهم و يوشك أن يرجع إلى ذلك و الأحاديث و الآثار فى تعظيم حرمة البيت أكثر من أن تحصى. و روى الأزرقى عن حويطب بن عبد العزى قال كنا جلوسا الكعبة فى الجاهلية فجاءت إمرأة إلى البيت تعود به من زوجها فجاء زوجها فمد يده إليها فمست يده فلقد رأيته فى الإسلام و أنه شل و روى الأزرقى عن بن جريج قال الحطيم: ما بين الركن و المقام و زمزم و الحجر و كان إساف و نائلة رجل و امرأة دخلا الكعبة فقبلها فيها فمسخا حجرين فأخرجا من الكعبة، فنصب أحدهما فى مكان زمزم، و نصب الآخر فى وجه الكعبة يعتريهما الناس و يزجرون عن مثل ما ارتكبا فسمى هذا الموضع بالحطيم، لأن الناس كانوا يحطون هنالك بالإيمان و تستجاب فيه الدعاء على الظالم للمظلوم فقل من دعى هنالك علي ظالم إلا هلك، و قل من حلف هنالك إثما إلا عجلت عليه العقوبة و كان ذلك لحجز بين الناس عن الظلم، و يتهيب الناس الإيمان هنالك فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء اللّه تعالى بالإسلام فأخر اللّه تعالى ذلك لما أراد إلى يوم القيامة و أما هدم ذى السويقتين للكعبة و أخذه كنزها و ما فيها من الآلات الذى أخبر به صلى اللّه عليه و سلم فلا يرد و لا يعارض قوله تعالى «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً» لأن تخريب الكعبة على يدى هذا الحبشى إنما يكون عند خراب الدنيا و لعل هذا الوقت لا يبقى فيه إلا شرار الناس فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين و أهله كذا أفاده العلقمى فى حواشى الجامع الصغير و ذكر أيضا أنه عند المائة الثالثة كانت فتنة القرامطة فى كثير من البلاد ثم انهم دخلوا مكة و قتلوا الحجيج فى المسجد الحرام قتلا ذريعا و طرحوا القتلى فى بئر زمزم و ضربوا الحجر الأسود بديوش فكسروه ثم اقتلعوه و أخذوه إلى بلادهم و بقى عندهم أكثر من عشرين سنة حتى اشترى منهم بعد ذلك بثلاثين ألف دينار و أعيد إلى محله قال العلماء و لما أيست القرامطة من تحويل الحاج إلى هجر و ردوا الحجر إلى مكانه وفد شنبر بن حسن القرمطى إلى مكة فى يوم النحر يوم الثلاثاء عاشر ذى الحجة سنة تسع و ثلاثين و ثلثمائة و معه
الحجر الأسود فلما صار بفناء الكعبة حضر معه مكة يومئذ أبو جعفر محمد بن جعفر بن عبد العزيز العباسى فأحضر سفطا أخرج منه الحجر الأسود و عليه ضباب من فضة فى طوله و عرضه، لضبط شقوقات حدثت فيه بعد قلعه و أحضر معه جصا به، فوضع حسن بن المزوق البناء الحجر فى مكانه الذى قلع فيه و قيل بل، وضعه شنبر بيده و قال: أخذناه بقدرة اللّه تعالى و أعدناه بمشيئة اللّه تعالى، و قد أخذناه بأمر و رددناه بأمر نظر الناس إلى الحجر فقبلوه و استلموه و حمدوا اللّه تعالى و حضر ذلك محمد بن نافع الخزاعى و نظر إلى الحجر الأسود و تأمله و إذا السواد فى رأسه دون أسفله و سائره أبيض و حضر معهم تلك السنة محمد بن عبد الملك بن صفوان الأندلسى و شهدوا الحجر الأسود إلى مكة و كان حمل على قعود هذيل فسمن و كان لما مضوا به مات تحت أربعون جملا و كان مدة استمراره عند القرامطة اثنتين و عشرين سينة إلا أربعة أيام، ثم أمروا صانعين فصنعوا له طوقا من فضة وزنه ثلاثة آلاف و سبعة و ثلاثون درهم نطوقوا به الحجر الأسود و شدا عليه به، و أحكما نباءه فى محله كما كان ذلك قديما و كما هو الآن أيضا كذلك، و كان قلع الحجر الأسود فى أيام المقندر. انتهى تنبه مرافقا أمران لا يخلوان عن إشكال و هما النور الذى فى جبهة عبد المطلب و الذى فى صلبه و أن ذلك نور محمد صلى اللّه عليه و سلم مع أن الأشهر أن ولادتة كانت بعد الفيل لخمسين يوما و كل ذلك جرى و هو صلى اللّه عليه و سلم حمل قريب وضعه و سبب إشكال هذين اعلم أن نوره صلى اللّه عليه و سلم كان ينتقل من أصلاب الآباء و أرحام الأمهات بحسب ترتيبهم فى الوجود، فإذا أوجد واحدا انتقل إليه ما كان فى الذى قبله، و هكذا، و قضية هذا المعلوم أن النور كله انتقل إلى آمنة و لم يبق منه شىء فى عبد اللّه فضلا عن عبد المطلب و يؤيد ذلك ما ذكر عن الكاهنة التى شاهدت ذلك النور فى عبد اللّه فبذلت له مالا عظيما ليتزوجها لينتقل النور إليها فتراضى عن إجابتها ثم ذهب فواقع آمنة فحملت فانتقل النور إليها ثم جاء لتلك فأبت فقال؟ لم: فقالت: لأن النور الذى كنت أشاهد. فيك انتقل لغيرك فعلم انتقاله لآمنة. و قد يجاب عن ذلك بأن النور إن انتقل كما ذكر لكن اللّه سبحانه و تعالى أكرم عبد المطلب فأحدث فيه كما يدل على سياق القصة حين احتاج إلى كرامة تخلصه و ماله من ذلك الملك و جنده الذين بلغوا من العتو
و الجرأة على اللّه و بتيه الذين أجمع الأمم من لدن إبراهيم على صيانته و تعظيمه و أنه لا يحاكى و لا يغالب نورا يحاكى ذلك النور الذى استوفى أمنه بل مع زيادة حتى صار فى جبهته كالشمس، ثم أكرمه ثانيا بنور آخر وجده فى صلبه و اطلع الفيل عليه فسجد ليعلم الخلق بهاتين الكرامتين أن جميع ما وقع فى قصة الفيل إنما هو من كمال الإرهاص لتحقيق نبوة محمد صلى اللّه عليه و سلم قبل وجوده مع الإشارة لأنه يستظهر دينه على الأديان كلها، و أنه لا يواضيه أحد إلا أهلكه اللّه و استأصل أتباعه، حتي لا يبق فيهم أحد إلا الشاذ ليخبر الناس عن الكيفية التى أخذهم اللّه بها، و إلى أن ربه سيعطيه من خوارق المعجزات و باهر الآيات ما لم يعطه لنبى مرسل لا ملك مقرب لأن هذا الأمر الباهر إذا وقع لأجله، و هو حمل لم تبرز فى الوجود بما سيقع بالك بما سيقع له بعد وجوده ثم فى تنويع كرامة عبد المطلب لكون أحد دينك الباهرين طير للناس و شاهده كل أحد، و الثانى يظن فيه و لم يطلع عليه إلا الفيل فسجد له الإشارة الباهرة أيضا، أن اللّه سيظهر ذلك الحمل و كراماته إلى حد لا يمكن أحد أن يخفى عليه من ذلك شئ، و إلى أنه سيطلع على حقائق علومه الباطنة أما أنبا صلى اللّه عليه و سلم عنه بقول فى الحديث المشهور فعلمت علم الأولين و الآخرين و إلى أن تلك العلوم الباطنة و يطلع اللّه على بعضها خلفاءه ليتم لهم حقائق الخلافة و غايات الوراثة و الحاصل أنه كان له مقامان باهران ظاهر فى العالم كالشمس، و باطن يوجب خضوع سائر الأرواح الكاملة من البشر و غيرهم بين يديه، و استمدادهم فيه، و أنه الممد لسائر الكل من لدن وجودهم إلى ما لا غاية له و لا انقضاء و حيث أتممنا الكلام على جوابه أسئلة المبحث الثانى، فلنشرع فى الكلام على المبحث الثالث، فنتكلم على ما يتعلق بالحجر الأسود و المقام و مبدئها يئول إليه أمرهما بعد فقد روى الإمام أحمد و الترمذى عن عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه تعالى- عنهما قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: و هو مسند ظهره إلى الكعبة الركن و المقام «ياقوتتان من ياقوت الجنة و لو لا أن اللّه تعالى طمس نورهما لأضاء ما بين المشرق و المغرب و ما مسهما ذو عاهة و لا سقم إلا شفى» و روى الأزرقى عن عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه عنهما- أنه قال: أشهد باللّه أن الركن و المقام
ياقوتتان من ياقوت الجنة لو لا أن اللّه تعالى طمس نورها لأضاء نورهما ما بين السماء و الأرض و روى الأزرقى أيضا عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص- رضى اللّه تعالى- عنهما قال الركن و المقام من الجنة و روى الأرض عن ابن عباس- رضى اللّه تعالى عنهما- قال: ليس فى الأرض من الجنة شىء إلا الركن الأسود و المقام فإنهما جوهرتان من جوهر الجنة و لو لا ما مسهما من أهل الشرك ذو عاهة إلا شفاه اللّه تعالى، و من رواية لو لا مسهما خطايا بنى آدم لأضاء ما بين المشرق و المغرب و روى الأزرقى عن ابن عباس- رضى اللّه تعالى عنهما- قال: أنزل اللّه تعالى الركن و المقام مع آدم عليه الصلاة و السلام ليلة نزل بين الركن و المقام فلما أصبح رأى الركن و المقام فعرفهما و ضمهما إليه و انس بهما و أما منتهاها و ما تؤول إليه أمرها فروى الأزرقى عن مجاهد- رحمه اللّه تعالى- قال: يأتى الركن و المقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أبى قبيس كل واحد منهما له عينان و شفتان يناديان بأعلى صوتهما يشهدان لمن وافاهما بالموافاة و روى ابن أبى شيبة و الطبرانى عن عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه تعالى عنهما- قال: حجوا هذا البيت و استلموا هذا الحجر فو اللّه ليرفعنّ أو ليصيبنه أمر من السماء إن كانا لحجرين أهبطا من الجنة، فرفع احداهما و سيرفع الآخر، و إن لم يكن كما قلت فمن مر على قبرى فليقل هذا قبر عبد اللّه بن عمرو الكذاب قلت: و هذه الآثار و إن كانت موقوفة فلها حكم المرفوع لأن هذا لا يقال من قبل الرأى كما هو ظاهر و هى و إن كان فى أسانيدها الضعيف و المضعف فإذا انضم بعضها إلى بعض أفاد ذلك قوة- و اللّه أعلم- و قد تقدم كلام القسطلانى عند قوله فيه آيات بينات مقام إبراهيم و قوله البالغ يعيينه و أنه آثره مبلغ التواتر و ذكر الأزرقى فى تاريخه أن ذرع المقام ذراع، و أن القدمين الشريفين دخلان سبعة أصابع و حرر مقدار ارتفاعه من الأرض فكان نصف ذراع و ربع ذراع و موضع عرض القدمين الشريفين فى المقام و ليس بفضة و عمقه من فوق الفضة سبعة قراريط و نصف قيراط عن الذراع المصرى و المقام اليوم فى صندوق من حديد حوله شباك من حديد عرض الشباك عن يمين المصلى و يساره خمسة أذرع إلا قبراطين و خلف الشباك المصلى و هو محوط بعمودين من
حجارة و حجرين من جانب المصلى و طول المصلى خمسة أذرع و سدس ذراع و من صدر الشباك الذى داخل المقام إلى شاذرواى الكعبة عشرون ذراعا و ثلثا ذراع و ثمن ذراع كل ذلك بالذراع المصرى انتهى و قال الإمام القرطبى و اختلف فى تعيين المقام على أقوال أصحها أنه الحجر الذى يعرفه الناس اليوم يصلون عنده ركعتى طواف القدوم و فى صحيح مسلم أنه صلى اللّه عليه و سلم صلى خلف المقام ركعتين و قرأ «و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» و فى البخارى عن أنس- رضى اللّه عنه- أنه الحجر الذى ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التى كان إسماعيل عليه الصلاة و السلام يناوله إياها فى بناء البيت و عرقت قدماه فيها قال أنس رأيت فى المقام أثر أصابعه و عقبه و أخمص قدميه غير أنه أذهب مسح الناس ما بديهم انتهى و قال الأزرقى الحافظ القدوة المعمدة الحجة فى تاريخه فى قوله عز و جل «فيه آيات بينات مقام إبراهيم» قيل عطف بيان على آيات و بين الجمع بالواحد لاشتماله على اثار قدميه الشريفين فى الصخرة و بقاؤه و حفظه مع كثرة أعدائه من المشركين دليلا علي قدرة اللّه تعالى، و صدق إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و روى عن مجاهد قال: أثر قدميه فى المقام آية بينة ثم ذكر بيت أبى طالب الذى ذكره الشهاب القسطلانى كما أسلفناه عنه و ذكر ابن إسحاق فى السيرة النبوية و غيره حديث بناء إبراهيم عليه السلام أن يؤذن فى الناس بالحج فقال إبراهيم. و ما يبلغ صوتى قال اللّه عز و جل أذن: و على البلاغ قال: فعلى إبراهيم على المقام فأشرف به حتى صار رافع الجبال و أطوالها فجمعت له الأرض يومئذ سهلها و حيلها، و برها و بحرها، و إنسها و جنها، حتى أسمعهم جميعا فأدخل أصبعين فى أذنيه و أقبل بوجهه يمينا و شمالا شرقا و غربا و بدأ بشق اليمن فقال: أيها الناس كتب اللّه عليكم حج البيت العتيق فأجيبوا ربكم فأجابوه من تحت التخوم السبعة و من بين المشرق و المغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها لبيك اللهم لبيك قال: و كانت الحجارة على ما هى عليه اليوم إلا أن اللّه سبحانه و تعالى أراد أن يجعل المقام آية و كان أثر قدميه فى المقام إلى اليوم و روى الأزرقى عن زهير بن محمد أن أوّل من أجاب إبراهيم عليه الصلاة و السلام أهل اليمن قال: و أثر قدمى إبراهيم فى المقام،
و ذلك قوله تعالى فِيهِ آياتٌ* ص 163 بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ الآية و روى عبيد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير قال: الحجر مقام إبراهيم لينه اللّه له فجعله رحمه و كان يقوم عليه و يناوله إسماعيل الحجارة، و روى عبيد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و الأزرقى عن قتادة قال: لقد ذكر لنا من رأى أثر عقبى إبراهيم عليه الصلاة و السلام و أصابعه فما المقام فى زالت هذه الأمة تمسحه حتى أخلولق و انماح و روى الأزرقى عن أبى سعيد الخدرى قال سألت عبد اللّه بن سلام عن الأثر الذى فى المقام فقال: كانت الحجارة على ما هى عليه اليوم إلا أن اللّه أراد أن يجعل المقام آية من آياته و ذكر الحديث و قد ذكر فى سبب وقوف إبراهيم على هذا الحجر ثلاثة أقوال الأول أنه وقف عليه لبناء البيت قاله سعيد بن جبير كما تقدم و جماعة الثانى أنه وقف عليه و أذن الناس بالحج و قد تقدم عن ابن اسحق و غيره الثالث أن إبراهيم جاء يطلب ابنه إسماعيل عليهما الصلاة و السلام و لم يجده فقالت له زوجته انزل فأبى فقالت دعنى أغسل رأسك فأتته بحجر فوضع رجله عليه، و هو راكب فغسلت شقة و قد غابت رجله فيه ثم رفعته و وضعته تحت الشق الآخر و غسلته فغابت رجله الأخرى فيه فجعله اللّه عز و جل من الشعائر، و هذا رواه الأزرقى و غيره عن ابن مسعود و ابن عباس- رضى اللّه عنهم- و السدى- رحمه اللّه تعالى- و اختلف الناس أيضا فيه مسئلة على ماذا قام إبراهيم لما أذن بالحج على أقوال الأول على جبل تبير رواه الجندى عن مجاهد الثانى على حبل أبى قبيس و جزم به الجلال المحلى و اقتصر عليه الثالث على الحجر المعروف بمقام إبراهيم كما تقدم و لما فرغ من التأذين أمر بالمقام فوضعه قبله فكان يصلى إلى مستقل باب الكعبة رواه الأزرقى و غيره. انتهى قلت: و المقام لغة موضع القدمين قال النحاس يكون مصدرا و اسما للموضع من قام يقوم و مقام من أقام و اللّه أعلم هذا و قد رفع لبعض المحدثين سؤال فيما هو جار على ألسنة العامة و فى المدائح النبوية أن النبى صلى اللّه عليه و سلم لان له الصخر و أثرت قدميه فيه و أنه إذا مشى على التراب لا تؤثر قدميه فيه هل له أصل فى كتب الحديث أو لا و هل إذا ورد فيه شىء من خرجة صحيح هو أو ضعيف و هل ما ذكره الحافظ شمس الدين بن ناصر
المرصفى فى معراجه الذى ألفه مسجعا و لفظه ثم توجها نحو صخرة بيت المقدس و يمهاها فصعد من جهة الشرق أعلاها فاضطربت تحت قدم نبينا و لانت فأسكنها الملائكة لما تحركت و مالت هل لهذا أصل أيضا فى كتب الحديث صحيح أو ضعيف؟ أو لا و هل هذا الأثر الموجود الآن بصخرة بيت المقدس المعروف هناك قدم النبى صلى اللّه عليه و سلم صحيح أو لا؟ و هل ورد فى الكتب أن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام أثرت قدماه فى الحجر الذى كان يبنى عليه البيت الذى هو الآن بالمسجد الحرام بالمكان المعروف بمقام إبراهيم هل هو صحيح أو ضعيف؟ أو ليس له أصل؟ و هل ما قاله بعضهم أنه لم يعط معجزة إلا حصل لنبينا مثلها أو لأحد من أمته صحيح ذلك أم لا؟ و من هو قائل ذلك؟ و هل صح أنه عليه الصلاة و السلام لما جاء إلى بيت أبى بكر- رضى اللّه عنه- بمكة وقف ينتظره، فألزمه منكبه و مرفقه بالحائط فغاص المرفق فى الحجر و أثرت فيه و برز الحجر و خاطبه، و به سمى الزقاق مكة زفاق المرفق أو ليس لذلك أصل؟
و هل ما ذكره الثعلبى و الطرطوشى فى تفسيرهما أنه عليه الصلاة و السلام لما حفر الخندق فظهرت فيه كدية فضربها ثلاث ضربات و أنها لانت و تفتت صحيح ذلك أو ضعيف أو ليس له أصل؟ معتمد و أجاب عن ذلك بقوله أما الجواب عن المسألة الأولى و هى ما قولك فيما هو جار على ألسنة العامة و فى المدائح النبوية أن النبى صلى اللّه عليه و سلم لان له الصخر و أثرت قدمه فيه.
الجواب قال العلامة محمد بن يوسف الدمشقى مؤلف السيرة النبوية فيما ذكر كثير من المدائح أن النبى صلى اللّه عليه و سلم كان إذا مشى على الصخر غاصت قدماه فيه و لا وجود لذلك فى كتب الحديث البتة و قد أنكره* ص 164 الإمام برهان الدين الناجى بالنون الدمشقى- رحمه اللّه- و جزم بعدم ورود الشيخ الحافظ جلال الدين السيوطى فى فتاويه و قال: أنه لم يقف له على أصل و لا سند و لا رأى من خرجه فى شىء من كتب الحديث و ناهيك بإطلاع الشيخ الحافظ جلال الدين السيوطى- رحمه اللّه تعالى- و نفيهم على ذلك الشيخ شمس الدين العلقمى فى شرحه للجامع الصغير و قال: راجعت الأحاديث و التواريخ كيف يسوغ نسبته للنبى صلى اللّه عليه و سلم انتهى قلت: سبحان من لا ينسى و لقد عجبت من هؤلاء السادة كل العجب و وجهه ذلك أن الشيخ الحافظ جلال الدين السيوطى ذكر
فى الخصائص الصغرى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما وطئ على صخر إلا و أثر فيه و عزاه للحافظ رزين العبدرى انتهى و قال الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين القسطلانى فى المواهب المدنية: كان صلى اللّه عليه و سلم إذا مشى على الصخر غاصت قدماه فيه كما هو مشهور قديما و حديثا على الألسنة و نطق به الشعراء فى منظومهم و البلغاء فى منثورهم مع اعتضاده بوجود أثر قدمى الخليل فى حجر المقام المنوه فى التنزيل فى قوله «فيه آيات بينات مقام إبراهيم» البالغ تعيينه و أنه أثره مبلغ التواتر القائل فيه أبو طالب و شوطئ إبراهيم فى الصخر قطعية علي قدميه حافيا غيرنا على و بما فى البخارى من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه- من معجزة تأثير ضرب موسى فى الحجر ستا أو سبعا إذ مر ثبوتة لما اغتسل إذ ما خص بنى بشئ من المعجزات و الكرامات إلا و نبينا، مثله مع ما يؤيد ذلك و هو وجود أثر حافر بغلته صلى اللّه عليه و سلم الشريفة على ما قيل فى مسجد بطينه حتى عرف المسجد بها بحيث عرف المسجد بها يقال له: مسجد البغلة و ما ذلك إلا من سره السارى فيها ليكون ذلك أقوى فى الاية و أوضح فى الدلالة على إيتائه هذه الآية التى أدها الخليل فى حجر المقام على وجه أعلى منه، بل قال الوزير ابن بكار: فيما نقله المجد الشيرازى فى المغانم المطابه بعد ذكره لحافر البغلة و مسجدها و فى غربي هذا المسجد المذكور أثر كأنه أثر مرفق يذكر أنه- عليه الصلاة و السلام- اتكاء عليه و وضع مرفقه عليه و على حجر آخر أثر الأصابع انتهى قلت: قال:
العلامة الحجة العمدة السيد الشريف السمهودى فى تاريخه الذى ما ألف فى بابه مثله مسجد بنى ظفر من الأوس شرقى البقيع بطرف الحرة الغربية و يعرف اليوم بمسجد البغلة و روى أبو شبه عن الحارث بن سعيد بن عبيد أن النبى صلى اللّه عليه و سلم فى مسجد بنى ظفر و رواه بن زبالة و يحيى عن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة و رويا أيضا عن أدريس بن محمد بن يونس ابن محمد الطغرى عن جده أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم جلس على الحجر الذى فى مسجد بني ظفر و أن زياد بن عبيد اللّه كان أمر بقلصه حتى حانة مشيخه بنى ظفر و أعلموه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم جلس عليه فرده قال: فقل امرأة تجلس عليه إلا ما حملت قال يحيى عقبة: و أدركت الناس بالمدينة يذهبون بنسائهم حتى ربما ذهب بهن فى الليل
فيجلس على الحجر قال السيد: و أصله ما روى الطبرانى برجال ثقات عن محمد بن فضاله و كان ممن صمت النبى صلى اللّه عليه و سلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أتاهم فى و مسجد بنى ظفر فجلس على الصخرة التى فى المسجد الذى ببنى ظفر اليوم و معه عبد اللّه بن مسعود و معاذ بن جبل و أناس من أصحابه و أمر النبى، قارئا فقرأ حتى هذه الآية «فكيف إذا جئنا من كل آمة بشهيد و جئنا بك على هؤلاء شهيدا» فبكى النبى صلى اللّه عليه و سلم حتى اضطربت لحيته فقال «أى رب شهيد على من أنا بين ظهرانيه فكيف بمن لم أر قال السيد: و ليس بهذا المسجد اليوم حجر يجلس عليه إلا ما فى كتف بأنه عن يمين داخله قال المطري و عند هذا المسجد آثارا فى الحرة عن جملة القبلة يقال: إنها أثر حافر بغلة النبى صلى اللّه عليه و سلم و فى غربية أى غربى أثر الحافر أثر على صخر كأنه* ص 195 أثر مرفق يذكر أن النبى صلى اللّه عليه و سلم اتكأ عليه و وضع مرفقه الشريف عليه و على حجر آخر أثر أصابع و الناس يتبركون بها و وصف ابن النجار هذا المسجد فى زمنه و قال: أنه يعرف بمسجد البغلة و أن خراب و فيه أسطوان واحد و حوله فشد من الحجارة فيها أثر يقولون: أنه أثر حافر بغلة النبى صلى اللّه عليه و سلم انتهى قال السيد: و به حجر رخام فيه خلد اللّه الإمام أبا جعفر المنصور المنتصر باللّه عمر سنه ثلاث و ستمائة و ذرعته و كان مربعا طوله من القبلة إلى الشام أحد و عشرون ذراعا و من المشرق للمغرب مثل ذلك.
انتهى قلت: وفات القسطلانى و غيره ما رواه الحافظ أبو نعيم فى دلائل النبوة و البيهقى أن بعض شعاب مكة حجرا أصم استروح إليه النبى صلى اللّه عليه و سلم فى صلاته فلان له الحجر حتى أثر فيه بذراعيه و ساعديه و ذلك مشهور و روينا أيضا أنه صلى اللّه عليه و سلم استتر من المشركين يوم أحد فمال برأسه إلى الجبل ليخفه شخصه عنهم فلين اللّه له من الجبل حتى أدخل فيه رأسه و ما وقع فى حديث الهجرة لسراقة بن حجم صحيح مشهور و ما ذكرت السيد من حديث مسجد البعلة و ما فيه ذكرة الأزرقى و غيره و اللّه أعلم و أما حديث الحافظ و رزين فسنده ضعيف و لا يلزم من ضعف السند ضعف المتن و قد تلقى الناس ذلك بالقبول و تلقى العامة للحديث الضعيف بالقبول يقويه و يصير حجه يعمل بعض الأحكام و غيرها نص عليه الإمام الشافعى- رحمه اللّه تعالى- و قد اعتصر هذا الحديث بما ذكرناه من الشواهد كما ترى فظهر بل ثبت أنه له أصلا أصيلا و اللّه الموفق و هو حسبى
و نعم الوكيل المسائلة الثانية أنه كان صلى اللّه عليه و سلم إذا مشى على التراب لا يؤثر قدمه فيه هل له أصل فى كتب الحديث إلخ الجواب لم أقف له على أصل بعد الفحص الشديد و التتبع الكثير لكن روى ابن سبع و النيسابورى و غيرهما بسند ضعيف ما يدل على ذلك و الحكمة فيه أنه صلى اللّه عليه و سلم كان ألطف الخلق و من لطفه عدم تأثيره فى الرمل و تأثيره فى الصحن أيضا لأثره الشريف، و إشارة إلى تبكيت حاسدة من كفر به صلى اللّه عليه و سلم و لم يتبعه و هذا مما يتسامح فيه لأنه من باب الفضائل لا العقائد و الأحكام، و إن شاء اللّه تعالى أن وقفنا له على أصل آخر ألحقناه و الذى يظهر من أحاديث شمائلة الشريفة صلى اللّه عليه و سلم أنه كان فى ذلك لغيره- و اللّه تعالى أعلم- و المسألة الثالثة هل ما ذكره الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين المرصفى إلخ الجواب قال الشيخ مجير الدين الحنبلى فى كتابه الأنس الخليل: حكى صاحب مثير الغرام قال: رأيت فى كتاب القبس شرح الموطأ للإمام مالك بن أنس تأليف الإمام أبى بكر بن العربى المالكى و هو من تلامذة الغزالى قال فى تفسير قوله تعالى: «وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ» فذكر أقوالا أربعة الرابع قيل أن مياه الأرض كلها تخرج من تحت صخرة بيت المقدس و هى من عجائب اللّه فى أرضه و أنها صخرة مرتفعة فى وسط المسجد الأقصى قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذى يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه فى أعلاها من جهة الجنوب قدم النبى صلى اللّه عليه و سلم حين ركب البراق و قد مالت من تلك الجهة لهيبته صلى اللّه عليه و سلم و فى الجهة الأخرى أثر أصابع الملائكة التى أمسكتها إذ مالت به و من تحتها الغار الذى انفصلت عنه من كل جهة عليه فإن يفتح للناس للصلوات و الإعتكاف انتهى فمثل هذا لا يحرم به هذا الإمام إلا عن توقيف، و ما ألف نؤلف فى تاريخ البيت المقدس إلا و يذكر هذا و قد رأيت تواريخ كثيرة ذكر فيها هذا و لم يتعقبوه فظهر بهذا أن ما قاله المرصفى له أصل و اللّه الموفق، المسألة الرابعة و هل هذا الأثر الموجود الآن إلخ الجواب ذكر الشيخ الإمام مجير الدين الحنبلى فى كتابه تاريخ القدس المذكور آنفا أن موضع قدم النبى صلى اللّه عليه و سلم الشريف فى حجر منفصل من الصخرة مما ذالها آخر جهة القبلة و هو على عهد من رخام انتهى و قد رأيت هذا فى كتب جماعة من المتقدمين* من المؤرخين و تقدم فى
الجواب قبل كلام ابن العربى و هذا و الذى قبله من المسألة الثالثة مشهور فى تلك البلاد و بين المؤرخين من الأئمة كالشمس لا خفاء فيه و لا لبس.
المسألة الخامسة. و هل ورد فى الكتب أن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام أثرت قدماه فى الحجر إلخ الجواب نعم هذا مما لا مرية فيه و لا شك.
المسألة السادسة و هل ما قاله بعضهم أنه صحيح لم يعط نبى معجزة إلا حصل لنبينا صلى اللّه عليه و سلم مثلها أو لأحد من أمته صحيح ذلك أم لا و من هو قائل ذلك الجواب نعم هذا صحيح بالنسبة له صلى اللّه عليه و سلم يبلغ بالاستقراء مبلغ التواتر و هذا لا يشك فيه عاقل فكيف بالعاقل الكامل قال الإمام العلامة البدر بن حبيب فى كتاب النجم الثاقب فى أشرف المناقب: و لم يعط أحد من الأنبياء فضيلة مستفادة إلا و قد أعطاه مثلها و زيادة و تقدم ما قاله الشهاب القسطلانى فى مواهبه- رحمه اللّه تعالى- و قال الحليمى و البيهقى خص نبينا صلى اللّه عليه و سلم بأنه جمع له كل ما أوتيه الأنبياء صلى اللّه عليهم و سلم من معجزات و فضائل و لم يجمع ذلك لغيره بل اختص كل بنوع و قال الشيخ الحافظ الجلال السيوطى فى كتابه الباهر: قال الشافعى:
ما أوتى بنى معجزة و لا فضيلة الا و لنبينا صلى اللّه عليه و سلم نظيرها أو أعظم منها فقيل له قد أوتى عيسى عليه السلام إحياء الموتى تعال و قد أوتى النبى صلى اللّه عليه و سلم حنين الجذع و هو أعظم و قد شاعت هذه المقالة حتى أن كل من صنف فى الفضائل النبوية يذكرها انتهى و نقل هذا القول الشافعى و البيهقى و النووى و البلقينى و السبكى و العراقى و الحافظ ابن حجر و غيرهم و قال الجلال السيوطى أيضا فى كتابه تزيين الأرائك ما أوتى نبى فضيلة إلا أوتى نبينا صلى اللّه عليه و سلم مثلها أو نظيرها و هذه القاعدة كالمجمع عليها انتهى أما قول السائل أو لأحد من أمته فلم أقف لها على أصل و إن كان قال بن بعضهم.
المسألة السابعة و هل صح أنه عليه الصلاة و السلام لما جاء إلى بيت أبى بكر وقف ينتظره فألزمه منكبه و مرفقيه إلخ الجواب ذكر الأزرقى فى تاريخ مكة قال: أن بمكة مسجد يقولون هذا مكان أبى بكر- رضى اللّه عنه- الذى كان يتبع فيه الحرّ و اسلم فيه على يده عثمان بن عفان و طلحة و الزبير و غيرهم من الصحابة رضى اللّه عنهم أجمعين و فى جدار هذا المكان أثر مرفق النبى صلى اللّه عليه و سلم
يروى أنه جاء إلى دار أبى بكر رضى اللّه عنه ذات يوم و اتكأ على هذا الجدار و نادى يا أبا بكر مرتين و فى هذا الزقاق حجر مركب على الجدار يزوره الناس و يقولون هذا الحجر مسلم على النبى صلى اللّه عليه و سلم ليالى بعث، و ذكر الأزرقى فى تاريخه أيضا أن بمكة شرفها اللّه تعالى مسجدا يصلون فيه، و يذكرون أن به ولد على بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- و فيه أيضا موضع مثل التنور يقولون هنا مسقط رأس على بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- و فى جداره فى الزاوية حجر مركب يقولون هذا الحجر كان يكلم النبى صلى اللّه عليه و سلم و ذكر الشيخ شهاب الدين القسطلانى فى مواهبه فى تفسير الحديث الذى رواه مسلم و الإمام أحمد و غيرهما مرفوعا «إنى لأعرف حجرا كان يسلم علىّ» الحديث. قد اختلف فى هذا الحجر فقيل هو الحجر الأسود و قيل غيره بزقاق يعرف به بمكة شرفها اللّه تعالى و الناس يتبركون بلمسه و يقولون أنه هو الذى كان يسلم على النبى صلى اللّه عليه و سلم متى احتاز به، و قد ذكر الإمام أبو عبد اللّه محمد بن رشد بضم الراء فى رحلته، كما ذكره فى شفاء الغرام عن علم الدين أحمد بن أبى بكر بن خليل قال: أخبرنى عمى سليمان قال أخبرنى أبو جعفر الميانسى قال أخبرنى كل من لقيته بمكة أن هذا الحجر ينعى المذكور هو الذى كلم النبى صلى اللّه عليه و سلم و اللّه الموفق.
المسألة الثانية و هو ما ذكره الثعلبى إلخ الجواب نعم هذا له أصل و حديثه خليل خرجه الأئمة الموصوفون بالتجيل و سنذكر ما فيه قطع للنبيل روى البخارى عن جابر- رضى اللّه عنه- أنه قال: أنا يوم الخندق نحفر فعرضت لنا كدية فجاز النبى صلى اللّه عليه و سلم فقالوا هذه كدية عرض فى الخندق، فقال: أنا فازال ثم قام و بطن معصوب لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذوقا فأخذ النبى صلى اللّه عليه و سلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم و ذكر الحديث و روى الإمام أحمد فى مسنده و النسائى عن البراء بن عازب- رضى اللّه عنه- قال أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بحفر الخندق قال و عرض لنا صخرة فى مكان الخندق لا تأخذ منها المعاول فشكونا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: عوف و أحسبه قال: وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة فأخذ المعول و قال: بسم اللّه و ضرب ضربة فكسر ثلث الحجر و قال: اللّه أكبر أعطيت مفاتيح الشام و اللّه إنى لأبصر قصورها الحمر من مكانى هذا ثم قال:
بسم اللّه و ضرب أخرى فكسر تلث الحجر فقال: اللّه أكبر أعطيت مفاتيح فارس
و اللّه إنى لأبصر المدائن، و أبصر قصرها الأبيض من مكانى هذا، ثم قال: بسم اللّه و ضرب ضربة أخرى فقطع بقية الحجر فقال: اللّه أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، و اللّه أنى لأبصر أبواب صنعاء من مكانى هذا، و روى البيهقى فى دلائل النبوة عن جابر- رضى اللّه تعالى عنه- قال: كنا فى الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدابة و هى الحبل فقلنا: يا رسول اللّه إن كدابة قد عرضت فيه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم رشوا عليها ثم قام رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأتاها و بطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسماة فسمى ثلاثا، ثم ضرب فعادت كئيبا أهيل. الحديث و روى ابن اسحق و البيهقى فى الدلائل عن سلمان- رضى اللّه عنه- قال: ضربت فى ناحية من الخندق تعطف على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو قريب منى فلما رآنى أضرب و رأى شدة المكان على نزل و أخذ المعول من يدى ثم ضرب به ضربة فلمعت تحت المعول برقة ثم ضرب ضربة أخرى فقلت: يا رسول اللّه بأبى أنت و أمى ما هذا؟ الذى رأيته يلمع تحت المعول و أنت تضرب به فقال قد رأيت ذلك يا سلمان فقلت: نعم فقال: أما الأول فإن اللّه عز و جل فتح على بابها اليمن، و أما الثانية فإن اللّه عز و جل فتح علىّ بها الشام، و المغرب و أما الثالثة فإن اللّه عز و جل فتح على بها المشرق و رواه.
موسى بن عقبة فى مغازيه و روى البيهقى فى الدلائل عن عمرو بن عوف المزنى- رضى اللّه عنه- قال خط رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الخندق عام الأحزاب من أجم السمر طرف بن حارثة حتى بلغ المداد، ثم قطع أربعين ذراعا بين كل عشرة فاختلف المهاجرون و الأنصار فى سلمان الفارسى- رضى اللّه عنه- و كان رجلا قويا، فقالت الأنصار: سلمان منا و قالت المهاجرون سلمان منا فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سلمان منا أهل البيت قال عمرو بن عوف فكنت أنا و سلمان و حذيفة بن اليمان و النعمان بن مقرن و ستة من الأنصار أربعين ذراعا فحضرنا حتى إذا بلغنا الثرى، أخرج اللّه تعالى من الخندق صخرة بيضاء مدورة، فكسرت حديدنا اوشقت علينا، حتى ما يجيبك فيها قليل و لا كثير فمرنا فيها بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك فهبط رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مع سلمان فى الخندق و رقينا عن الشقة فى شقة الخندق فأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة
صدعها و برقت منها برقة أضاء ما بين لابتيها يعني لا بنى المدينة حتى لكان مصباحا فى جوف ليل نكلم فكبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم تكبيره، و فتح، و كبر المسلمون ثم ضربها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فكسرها، و برق فيها برقة أضاء ما بين لابتيها حتى لكان مصباحا فى جوف بيت مظلم، فكبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم تكبيرة فتح فكبر المسلمون ثم أخذ بيد سلمان، فرقا فقال: سلمان بأبى أنت و أمى يا رسول اللّه لقد رأيت شيئا ما رأيته قط فالتفت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى القوم فقال:
هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول اللّه بأبينا أنت و أمنا قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر و لا نرى شيئا غير ذلك، فقال: صدقتم ضربت ضربتى الأولى برق الذى رأيتم أضاءت لى منها قصور الحرير و مدائن من كسرى كأنها أنياب الكلاب و أخبرنى جبريل أن أمتى ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتى الثانية فبرق الذى رأيتم أضاءت لى منها قصور الحمرة من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب و أخبرنى جبريل- عليه السلام- أن أمتى ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتى الثالثة فبرق لى منها الذى رأيتم أضاءت منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب و أخبرنى جبريل- عليه الصلاة و السلام- أن أمتى ظاهرة عليها فأبشروا يبلغهم النصر و أبشروا يبلغهم النصر فاستبشر المسلمون و قالوا:
الحمد للّه موعود صادق بأن وعدنا النصر بعد الخصر و طلعت الأحزاب فقال المسلمون: هذا ما وعد اللّه و رسوله و صدق اللّه و رسوله و ما زادهم إلا إيمانا و تسليما و قال المنافقون ألا تعجبون يحدثكم و يمنيكم و يعدكم الباطل و يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة و مدائن كسرى و أنها تفتح لكم و أنتم تحفرون الخندق و لا تستطيعون أن تبرزوا فأنزل اللّه سبحانه و تعالى القرآن إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً و روى البيهقى فى دلائل النبوة عن البراء بن عازب الأنصارى- رضى اللّه عنهما- قال: لما كان حنين أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يحضر الخندق و عرض لنا فى بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول فشكر ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلما رآها أخذ المعول و قال: بسم اللّه و ضرب ضربة، فكسر ثلثها فقال:
اللّه أكبر أعطيت مفاتيح الشام و اللّه إنى لأبصر قصورها الحمر إن شاء اللّه ثم
ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: اللّه أكبر أعطيت مفاتيح فارس، و اللّه أنى لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم اللّه فقطع بقية الحجر فقال: اللّه أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، و اللّه إنى لأبصر أبواب صنعاء من مكانى الساعة و روى البيهقى فى الدلائل عن ابن إسحق قال: و كان فى الحفر بالخندق أحاديث بلغنى فيها عبرة فى تصديق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و تحقيق نبوئته و عاين ذلك المسلمون منه، و كان مما بلغنى أن جابر بن عبد اللّه- رضى اللّه عنهما- كان يحدث أنه اشتد عليهم فى بعض الخندق كدابة فشكوها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء اللّه تعالى أن يدعو ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدانة فقال من حضرها فو الذى بعثه بالحق لا نشالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا و لا مسماه رواه الكلاعى فى سيرته و اللّه تعالى أعلم، و قد اختصرت هذا الجواب فإن الأحاديث فيه كثيرة معلومة للأصحاب ثم سئل أيضا بما صورته فى القدس الشريف هل زيارة مستحبة مطلقا أو مختصر عن حج إلى بيت اللّه الحرام و ما المزور فى تلك الأرض هل هى نفس المسجد أو مقابر الأنبياء التى هناك أو غير ذلك و هل ورد الحديث من النبى صلى اللّه عليه و سلم على زيارته و هل ورد شىء فى فضل زيارته و هل ورد شىء بفضل الأعمال فيه على غيره من الصلاة و الصيام الصدقة و كثرة الذكر و فعل الخير و غير ذلك من أعمال البر، و هل تضاعف فيه الحسنات و السيئات كما قيل فى مكة و المدينة، و ما الحكمة فى تسميته تلك الأرض بالمقدسة، و هل هى لها حد يميزها عن غيرها و هل ورد أن الحشر يكون فيها و من مات و دفن بها يبعث بعد أهل الحرمين أم لا، و هل ورد فيها شىء و هل عيون الأرض جميعا تحتها و هل المسجد الأقصى فى الفصل علي غيره بل حرم مكة و المدينة و لماذا سمى الأقصى و من بناه و أسسه فى الأوائل و هل علوه من الأرض إلى السماء خمسمائة عام كسائرت الأرض أم أعلى منها و ما الحكمة من الإسراء به صلى اللّه عليه و سلم فيه إلى السماء دون الحرمين الشريفين و هل صلى فيه صلى اللّه عليه و سلم ليلة الإسراء و ما الباب الذى دخل منه صلى اللّه عليه و سلم حين صعودة و حين رجوعه و من كان من الأنبياء مقيما و هل صح دفن الخليل فيه و ما عنده من الأنبياء المشهورين فيه الآن و ما الحكمة* ص 169 فى تقديم المالكية بالصلاة على الشافعة و غيرهم أفتونا مأجورين و أوضحوا لنا
الجواب أثابكم اللّه الجواب الحمد للّه زيارة بيت المقدس مستحبة مطلقا و لا تختص بمن حج و لا بمن اعتمر و المزور هو نفس المسجد، و يستحب شد المضى إليه لما ثبت و صح «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدى هذا و المسجد الحرام و المسجد الأقصى» و مستحب المجاورة فيه لما روى الحاكم عن ثور بن يزيد عن مكحول قال: كان عبادة بن الصامت و شداد بن أوس يسكنان بيت المقدس و قد سكنه عدة من الصحابة- رضى اللّه عنهم- و يسمى قصد الصخرة أيضا بالزيارة و التبرك بها، فإنها فى المسجد الأقصى كالحجر الأسود فى المسجد الحرام. و روى أبو نعيم عن وهب بن منبة قال: أن اللّه تعالى قال صخرة بيت المقدس لأضعن عليك أحسبها عرشى و لأحشرن إليك خلقى و ليأتينك يومئذ داود راكبا» و يستحب الصلاة فى محراب داود، و هو من يمين الداخل من باب المسجد الذى بناحية مكة، و يستحب زيارة الأماكن المشهورة بآثار الأنبياء لا سيما موضع صلاة نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم و قبور الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، فيستحب قصد زيارتها، و قد أجمع العلماء- رضى اللّه عنهم- أنه لا يعرف قبر نبى بعينه إلا قبر نبينا صلى اللّه عليه و سلم و مكان قبر الخليل صلى اللّه عليه و سلم فهو داخل السور على الصحيح و عنده اسحق و يعقوب و يوسف- عليهم الصلاة و السلام- و أما قبر موسى فقد صح عن نبينا صلى اللّه عليه و سلم إنه عند الكثيب الأحمر بقرب الطريق، و المكان الذى يزار الآن الوصف متفق عليه فينظر أنه فى تلك البقعة لكن لا يعرف عين قبره فتزار تلك البقعة، و يلزم الأدب هناك فإنه أفضل الأنبياء بعد نبينا، و الخليل. و زيارة الصالحين مستحبة إجماعا، و الأنبياء و سادات الخلق كلهم عليهم صلوات اللّه و سلامه و كلهم أحياء قد ردت إليهم أرواحهم و أما الأعمال فى بيت المقدس فقد ورد فى فضلها أحاديث أما الصلاة فقد وردت أحاديث فى مضاعفتها منه و قد اختلفت الأحاديث فى مقدارها فالأول روى أحمد و ابن ماجة و البزار و ابن عساكر عن أبى الدرداء مرفوعا «صلاة فى بيت المقدس خمسمائة و الثانى ألف روى ابن ماجة عن ميمونة قالت: «قلت: لرسول اللّه أفتنا فى بيت المقدس قال: أرض المحشر و المنشر ايتوه فصلوا فيه فإن الصلاة فيه بألف صلاة فى غيره» فالنووى لا بأس بإسناده و قال الذهبى حديث منكر الثالث خمسين ألفا روى ابن ماجة عن أنس مرفوعا قال صلاة الرجل فى بيته بصلاة، و صلاته
فى مسجد القبائل بخمس و عشرين صلاة، و صلاته فى المسجد الذى يجمع فيه بخمسمائة صلاة، و صلاته فى المسجد الأقصى بخمسة آلاف صلاة، فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة و الرابع مائتان و خمسون، روى الطبرانى عن أبى ذر مرفوعا قال: «صلاة فى مسجدى أفضل من أربع صلوات يعنى بيت المقدس الخامس بعشرين ألف». روى ذلك عن ابن عباس و أما الصيام فقد ورد فى خبر صيام يوم فى بيت المقدس براءة من النار، و أما الحج أو عمرة منه و روى أبو داود عن أم سلمة مرفوعا قال: «من أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى غفر له ذنبه». و قياس ما مر مضاعفة جميع الأعمال كما قيل بذلك فى مكة كما يأتي شرفها اللّه تعالى، و أما السيئات و روى عن كعب الأحبار أنه كان يأتى عن حمص إلى الصلاة فى بيت المقدس فإذا صار منه قدر ميل اشتعل بالذكر و التلاوة و العبادة حتى يتخرج منه بقدر ميل أيضا، و يقول السيئات تضاعف فيه أى تزداد قبحا و فحشا لأن المعاصى فى زمان أو مكان شريف أشد جرأة، و أقل خوفا من اللّه تعالى، و روى أبو بكر الواسطى عن نافع قال: قال لى ابن عمر:
أخرج بنا من هذا المسجد، فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف فيه الحسنات، و أما الحكمة فى تسمية تلك الأرض المقدسة فلأن اللّه طهرها بمن حل بها من أنبيائه و أصفيائه من الفجور، و بارك فيها، و أما حدها و روى ابن عساكر عن معاذ بن جبل «الأرض المقدسة ما بين العريش إلى* إلى الفرات» و هذه الأرض تسمى الشام أيضا و أما قوله هل ورد أن الحشر إلخ نعم روى أبو داود و ابن ماجة و اللفظ له عن ميمونة قالت: قلت: يا رسول اللّه: أفتنا فى بيت المقدس قال: أرض المحشر و المنشر ايتوه فصلوا فيه، فإن صلاتكم فيه كألف صلاة فى غيره، قلت: يا رسول اللّه أرأيت إن لم أستطع أن أصلى فيه قال: فتهدى إليه زيتا يسرج فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه المحشر تفعل من الحشر». و هو الجمع يعنى يوم القيامة فإذا فتحت الشين فهو المصدر و أما الموضع فهو بالكسر و قال الجوهرى و ذكر صاحب القين أن المحشر بالكسر و الفتح الموضع الذى يحشر الناس إليه، و المنشر موضع النشر، و هو قيام الموتى من قبورهم و أما من مات إلخ فجوابه روى الحاكم و تعقب و ابن عساكر عن ابن عمر مرفوعا «أول
من تنشق عنه الأرض أنا- و لا فخر- ثم تنشق عن أبى بكر و عمر، ثم تنشق عن الحرمين بمكة و المدينة، ثم أبعث بينهما» و روى الخطيب فى الموضع عن جابر مرفوعا قال: أول من يدخل الجنة الأنبياء، ثم مؤذنو البيت الحرام، ثم مؤذنو بيت المقدس، ثم مؤذنو مسجدى، ثم سائر المؤذنين». و قد روى فى فضل الموت ببيت المقدس أحاديث منها: «ما روى أن من دفن ببيت المقدس وقىّ فتنة القبر، و سؤال الملكين، و كأنما دفن فى السماء». و روى أبو نعيم فى تاريخ مسند ضعيف عن أبى هريرة مرفوعا من مات ببيت المقدس فكأنما مات فى السماء و هل ورد ما هو شائع إلخ الجواب الذى ورد و هو ضعيف أن أزواج المؤمنين بالجابية، و الجابية داخله فى الأرض المقدسة لكن الصحيح أن الأرواح منها ما هو فى الجنة، و منها ما هو بغيرها كما بينه فى شرح حديث أن أرواح إلخ ممن أراده فليراجعه. و أما قوله و ما الحكمة فى ارتفاع الصخرة؟ فجوابه ليعلم الناس سر قوله تعالى «رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ» و هذه الصخرة مشاهدة لا علاقة من فوقها، و لا عمد من تحتها ممسوكة فى الهواء بالقدرة، و قد علمت مما مر ما ورد فيها و أما قوله و هل جميع عيون الأرض تحتها؟ فجوابه نعم. ورد ذلك عن كعب و غيره أن مياه الأرض كلها أصل انفجار من تحت صخرة بيت المقدس و قوله و هل المسجد الأقصى فى الفصل؟ إلخ فجوابه نعم، هو كذلك:
و فى التضعيف أيضا كما مر و قد صح عن أبى ذر أنه سأل النبى صلى اللّه عليه و سلم أى المساجد وضع أولا؟ قال: المسجد الحرام قال: ثم ماذا؟ قال: المسجد الأقصى قال: كم بينهما قال: أربعون و لم يذكر مسجد المدينة لأن أول من وضعه النبى صلى اللّه عليه و سلم بخلاف المسجدين المذكورين و أما قوله: و لم يسمى الأقصى فجوابه الأقصى أفعل من القصى و القاصى هو البعيد، و كان أبعد مسجد عن أهل مكة فى الأرض يعظم بالزيارة، و قيل: وضعه بالأقصى منهم أى من العرب أو من مكة أو من النبى صلى اللّه عليه و سلم و أما قوله من بناه و أسسه؟ فجوابه أول من بناه آدم ثم الخليل، ثم دثر فبناه يعقوب، ثم دثر فبناه داود، و لم يكمله فبناه سليمان عليهم الصلاة و السلام أحسن بناء، و أما قوله و هل علوه إلى آخره؟ فجوابه قال كعب: هو أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. قال الحافظ بن حجر:
و فيه نظر و أما قوله و ما الحكمة فى إسرائه صلى اللّه عليه و سلم؟ إلخ فجوابه: لأنه معدن
الأنبياء عليهم الصلاة و السلام من لدن الخليل و هكذا أجمعوا له هنالك كلهم، و أمهم فى محلتهم و دارهم، ليدل ذلك على أنه الرئيس المقدم و الإمام الأعظم صلى اللّه عليه و سلم، و قال بعضهم: ذلك لإظهار الحق على من عانده لأنه لو عرج من مكة إلى السماء، تجد المعاندة فى الإسراء سبيلا إلى البيان و الإيضاح، فلما ذكر أنه أسرى به إلى بيت المقدس سألوه عن أشياء من بيت المقدس كانوا أروها، و علموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك فلما أخبرهم بما حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء به إلى بيت المقدس فى ليلة، و إذا صح خبره فى ذلك لم يصدقوه فى بقية ما ذكر، و قال بعضهم: «ليحصل له العروج مستويا من غير تعريج» لما روى عن كعب .. أن باب السماء الذى يقال له مصعد الملائكة مقابل بيت المقدس كان يصلى إليه الأنبياء يهاجرون إليه، فحصل له الرحيل إليه فى الجملة، ليجمع من أشتات الفضائل». و قال بعضهم: لأنه محل الحشر و أراد اللّه تعالى أن تطأه قدمه ليسهل على أمته يوم القيامة وقوفهم ببركة أثر قدمه».
و قال بعضهم أراد اللّه أن يريه القبلة التى صلى إليها مدة كما عرف الكعبة التى صلى إليها و قال بعضهم لأنه مجمع أرواح الأنبياء فأراد اللّه أن يشرفهم بزيارته صلى اللّه عليه و سلم». و قال بعضهم: «أراد اللّه أن يتفاءل بحصول التقديس له حسا و معنى و قال بعضهم أراد الحق سبحانه و تعالى أن لا يخلى قربه فاصلة عن مشهده، و وطن قدمه، فتتمم تقديس بيت المقدس بصلاة سيدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم، فلما تم تقديسه به أخبر صلى اللّه عليه و سلم أنه لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد الحديث المسجد الحرام لأنه مولده، و مسقط رأسه، و موضع نبوته، و مسجد المدينة لأنه محل هجرته و أرض قربته، و المسجد الأقصى لأنه موضع معراجه». و قوله: و هل صلى؟ إلخ جواب نعم، صح. من طرق كثيرة ذلك و ورد فى روايات أنه، قبل عروجه و بعده و أما الباب فباب الرحمة و هو مشهور هناك و أما من كان مقيما به من الأنبياء فإبراهيم و إسحق و يعقوب، و من بعدهم من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، فقوله و هل صح إلخ فجواب علم مما قرؤا أما قوله و ما الحكمة فى تقديم المالكية إلى آخره فجوابه: هو أمر اصطلاح و اللّه تعالى أعلم، ما قيل فى أخبار المقام اعلم أن لهذا البيت المعظم زاده اللّه شرفا و تعظيما آيات شريفة، و عجائب عزيزة منيفة تدل على شرفه منها مقام إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم،
و هو لغة موضع القدم القائم و مقام إبراهيم هو الحجر الذى وقف عليه الخليل، و فى سبب وقوفه عليه أقوال الأوائل: أنه الحجر الذى نزل لإبراهيم الخليل صلى اللّه عليه و سلم من الجنة كما صبح به الحديث ليقوم عليه عند بنائه الكعبة إذا طال البناء، فكان يعلو به إلى أن يضع الحجر فى عمله، ثم يقصر به إلى أن يتناول الحجر من إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم، و فيه أثر قدميه هذا الذى نادى عليه لما فرغ بناء الكعبة «أيها الناس إن اللّه بنى لكم بيتا، فحجوا إليه» فسمعته مع النطف فى الأصلاب و الأجنة فى الأرحام فأجابوه فى ذلك لبيك و فى رواية أنه نادى بذلك على الحجون، و لا ينافى الاحتمال أنه نادى مرتين الثانى أنه جاء بعد موت هاجر مرتين بطلب ابنه إسماعيل عليهما الصلاة و السلام، فلم يجده ففى المرة الثانية قالت له زوجته انزل فأبى فقالت: دعنى أغسل رأسك، فأتته بحجر فوضع رجله عليه و هو راكب، فغسلت شقه ثم دفعته، و قد عاتب رجل فيه فوضعته تحت الشق الآخر فغسلته، فغابت رجله الثانية فيه، فجعله اللّه من الشعائر، و هذا القول منسوب إلى ابن عباس و ابن مسعود- رضى اللّه تعالى- عنهما قال ابن حجر فى شرح الغمريه و هذا القول من الغرائب الثالث أنه وقف عليه للآذان بالحج، قال العلامة الفاسى و يمكن الجمع بين هذه الأقاويل بأن يكون الخليل عليه الصلاة و السلام وقف: عليه لهذه الأمور الثلاثة، و ذكر الأزرقى فى تاريخه أنه لما فرغ من التأذين، جعل المقام قبله، فكان يصلى إليه مستقبل القبلة. انتهى ذكر صفته و قدره ذكر الأزرقى- رحمه اللّه- شيئا من ذلك و ذكر أن ذرع المقام ذراع و إن القدمين داخلان فيه سبعة أصابع و ذكر القاضى عز الدين بن جماعة: أن مقدار ارتفاعه من الأرض نصف ذراع، و ربع ذراع، و ثمن ذراع و موضع عرض القدمين ملبش بفضة، و عمقه من فوق الفضة سبع قراريط. و نصف قيراط انتهى قال العلامة الفاسى: و الذراع الذى حرر به جماعة ذراع الحديد المتقدم ذكره و الذراع الذى حرر به الأزرقى ذراع اليد و بين ذراع الحديد، و اليد فرط نحو ثمن أو قرب منه بحسب الأشخاص، فتأمل و بمعادة من غير أن يتعرض له أحد فى الجاهلية، مع كثرة السيول التى كانت تدخل الحرم و تزحزح ما هو أكبر منه بأضعاف متضاعفة فى آيات اللّه الباهرة ذكر شىء من حليه المقام أول ما حلى المقام فى خلافه المهدى العباسى، و سبب تحليته أنه وقع ما نثلم و خيف عليه أن
يتفتت فكتب فى ذلك الحجبة إلى المهدى، فبعث بألف دينار فصب بها المقام من أعلاه و أسفله، ثم زيد فى تحليته بالذهب أيضا فى خلافة المتوكل فى مصدر الحاج سنة ست و ثلاثين و مائتين، و عمل الذهب الذى حلى به فى هذا التاريخ فوق الذهب الذى تحلى به فى زمن المهدى، هذا ما ذكره الأزرقى فى خبر حلية المقام، و لم يذكر السنة التى حلا فيها فى خلافة المهدى و هى سنة إحدى و ستين و مائة على ما ذكر الفاكهى، و ذكر أن المذهب الذى حل به المقام فى خلافة المتوكل لم يزل عليه إلى أن أخذه جعفر بن الفضل، و محمد بن حاتم فى سنة إحدى و خمسين و مائتين و ضرباه دنانير و أنفقاه على حزب إسماعيل العلو فيما ذكر، و أبقى الذهب الذى عمل فى خلافة المهدى إلى سنة ست و خمسين و مائتين ثم قلع، و ضم إليه ذهب آخر، و صلى بذلك كله المقام و كان فى المقام حيثه من فضة مع الذهب فزيد فيها فى هذا التاريخ، و الذى زاد الذهب و الفضة فى هذا التاريخ أمير مكة على بن الحسن الهاشمى العباسى، و كان سبب هذه الحلية أن الحجبة ذكروا العلى بن الحسن المذكور أن المقام قدرها و يخاف عليه، و سألوه أن نجدد عمله و يصيبه حتى يشتد، فأجابهم إلى ما سألوه، و قلع ما على المقام من الذهب و الفضة فإذا هو سبع قطع ملصقة و زال عنها الإلصاق فأحكم الصاقه بالعقاقير و ركب عليه من حليه الذهب و الفضه ما يزيده شدة، و يستحسنه الناظر فيه، و كان ابتداء عمل ذلك فى المحرم سنة ست و خمسين و مائتين، و الفراغ منه فى ربيع الأول منها و كان جملة باقى الطوقين الذين عملا فى المقام بالنجوم التى فيهما، ألفى مثقال ذهب إلا ثمانية مثاقيل. انتهى من كتاب الفاكهى بالمعنين ذكر صفة الموضع الذى فيه المقام، و المصلى خلفه، قال العلامة الفاسي. أما صفة الموضع المشار إليه فإنه الآن قبة عالية من خشب ثانية قائمة على أربعة أعمدة دقاق، حجارة منحوتة بينها أربعة شبابيك من حديد من الجهات الأربعة، و من الجهة الشرقية يدخل المقام و القبة مما يلى المقام منقوشة من خزفه بالذهب، فما يلى السماء مبيضه بالنور، و أما موضع المصلى الآن فإنه شاباط من خزف على أربعة أعمدة، منها عمودان عليهما القبة و هو متصل بها و هو مما يلى الأرض منقوش من خزف بالذهب، و مما يلى السماء مبيض منور و أحدث عهد صنع فيه ذلك شهر رجب سنة عشر و ثمانمائة و اسم الملك الناصر فرح صاحب مصر مكتوب فيه بسبب هذه العمارة،
و اسم الملك الناصر محمد بن قلاون مكتوب فى الشباك الشرقى من هذا الموضع، لأنه عمره فى سنة ثمان و عشرين و سبعمائة و فى هذا التاريخ عملت الشبابيك الحديد المطبقة بالمقام من جوانبه الأربعة، و كانت خشبا قبل ذلك، و لعل الملك المسعود صاحب اليمن أول من بنى القبة على مقام إبراهيم، لأن أبا شامه فى ذيل الروحتين ذكر شيئا من خبر المسعود ثم قال: «و هو يبنى القبة على مقام إبراهيم عليه السلام». انتهى و المقام بين الشبابيك الأربعة من قبة من حديد ثابتة فى الأرض و تحت المقام فى جوف القبة الحديد رصاص مضبوب المقام، و القبة ناتبان فيه بحيث لا يستطاع قلع القبة إلا بالمعاول و شبهها، و ما عزمت متى ثبت المقام، و القبة المشار إليهما فى الأرض، لأن المقام على ما ذكر ابن جبير كان غير ثابت يوضع حينا فى الكعبة و حينا فى موضعه هذا، و عليه قبة من خشب فإذا كان الموسم وضعت عليه قبة من حديد. انتهى بالمعنى ذكر ذرع ما بين المقام و الحجر الأسود و الركن الشامى و جدار الكعبة الشرقي، و زمزم قال العلامة الفاسي: قد حرر ذلك الأزرقى و ابن جماعة و ذكرنا كلامهما فى أصل هذا الكتاب و حررنا ذلك أيضا فكان ما بين ركن الكعبة الذى فيه الحجر الأسود و بينه الركن اليمانى من أركان الصندوق الذى فيه المقام من داخل الشباك الذى فيه الصندوق، أربعة و عشرين ذراعا إلا سدسى ذراع، و كان ذرع ما بين وسط جدار الكعبة الشرقى إلى وسط الصندوق المقابل له اثنين و عشرين ذراعا إلا ربع ذراع، و كان ما بين ركن الكعبه الشامى الذى يلى الحجر يكون الجيم، و ركن الصندوق الشامى ثلاثة و عشرين ذراعا، و كان ما بين ركن الصندوق الشرقى إلى ركن البيت الذى فيه بئر زمزم المقابل له خمسة عشر ذراعا إلا ثلث ذراع، و كل ذلك بذراع الحديد المتقدم ذكره، ذكر موضع المقام فى الجاهلية و الإسلام و ما قيل فى ذلك ورد عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- له إلى موضعه هذا حين غبره السبل عنه، روينا عن الأزرقى قال: حدثنى جدى حدثنا عن الجيار بن الورد قال: «سمعت ابن أبى مليكه يقول: «موضع المقام هو الذى هو به اليوم، هو موضعه فى الجاهلية، و فى عهد النبى صلى اللّه عليه و سلم و أبى بكر و عمر- رضى الله عنهما- إلا أن السيل ذهب به فى خلافة عمر حين
جاء سبل أم نهل، الذى ماتت فيه ما احتمل المقام فذهب به فوجد بأسفل مكة فأتى به فربط إلى أستار الكعبة فى وجهها، و كتب بذلك إلى عمر، فأقبل فزعا، فدخل معتمرا فى رمضان و قد عفى السيل موضع المقام، فدعا الناس و سألهم عن موضعه فقال المطلب ابن أبى وداعه: «عندى علم ذلك كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدرة من موضعه إلى الركن، و إلى باب الحجر و إلى زمزم بميقاط، و هو عندى فى البيت» فقال له عمر: «اجلس عندي، و أرسل إليها فأرسل المطلب، فأتى بها فوجدها عمر كما قال فشاور الناس عمر، و استثبت فقالوا: هذا موضعه فأمر بإحكام ربضه تحته ثم خوله فوضعه فى مكانه هذا إلى اليوم». انتهى بمعناه و ذكر الأزرقى ما يوافق قول ابن أبى مليكه فى موضع المقام عن عمرو بن دينار و سفيان بن عيينه و روى الفاكهى عن عمرو ابن دينار و سفيان بن عيينه مثل ما حكاه فيها الأزرقى بالمعني، و نقل المحب الطبرى فى القرى عن مالك ما يخالف ذلك لأنه قال: «و قال مالك فى المدونة» كان المقام فى عهد إبراهيم عليه السلام فى مكانه اليوم، و كان أهل الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السيل، فكان كذلك فى عهد النبى صلى اللّه عليه و سلم و عهد أبى بكر، فلما ولى عمرو رده بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمه، قيس بها حين أخذوه». انتهى ثم قال المحب: و فى هذا مناقضة ظاهره لما ذكره الأزرقى عن ابن أبى مليكه».
انتهى و ذكر المحب ما يرجح ما قاله ابن أبى مليكه، و ذكرنا ذلك فى هذا الكتاب و وقع لغير مالك ما يوافق قوله إن المقام كان عند البيت لأنار روينا فى الأوائل لأبى عروبه عن مجاهد قال: كان المقام إلى جنب البيت و كانوا يخافون عليه من السيول، و كان الناس يصلون خلفه. انتهى و روينا فى مغازى موسى بن عقبة قال: كان زعموا المقام لاصقا فى الكعبة فأخره رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فى مكانه هذا. انتهى ما يدل على أنه كان عند الكعبة و أن الولاة أخذوه، و ذكر الفاكهى أخبارا أخر تدل على أن المقام كان عند الكعبة و فى بعضها ما يشعر بتقريب بيان موضعه عند الكعبة لأنه روى بسترة إلى سعيد بن جبير أنه قال:
كان المقام فى وجه الكعبة فلما كثر الناس خشى عمر بن الخطاب أن يطأوه بأقدامهم فأخرجه إلى موضعه هذا الذى هو به اليوم، حذاء موضعه الذى كان به قدام الكعبة انتهى و هذا يقتضى أن يكون موضع المقام اليوم حذاء موضعه
الذى كان عند الكعبة، و المقام الآن فى الصندوق الذى فيه المقام من وجه الكعبة ذراعان، و نحو خمسة قراريط بالحديد، و الذراعان اللذان يحاذيان الصندوق من وجه الكعبة على ما يحاذى نصف الحفرة المرخمة التى فى وجه الكعبة مما يلى الحجر بسكون الحيم، و القراريط الزائد على الذراعين مما يلى هذا النصف، و على هذا فيكون موضع المقام عند الكعبة تخمينا- و الله أعلم.
فيما بين نصف الحفرة التى تلى الحجر بسكون الجيم، و القراريط التى تلى هذا النصف، و رأيت فى موضع المقام عند الكعبة ما يخالف هذا الآن الفقيه أبا عبد الله محمد بن شراقة العامرى قال فى كتابه دلائل القبلة و من الباب يعنى باب البيت- إلى مصلى آدم عليه الصلاة و السلام حين فرغ من طوافه و أنزل الله عليه الثوب و هو موضع الخلوق من إزار الكعبة أرجح من تسعة أذرع و هناك كان موضع مقام إبراهيم عليه السلام، و صلى النبى صلى اللّه عليه و سلم عنده حين فرغ من طوافه فأنزل الله عز و جل عليه و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ثم نقله صلى اللّه عليه و سلم إلى الموضع الذى هو فيه الآن و ذلك على عشرين ذراعا من الكعبة ثم قال و بين موضع الخلوق و هو مصلى آدم عليه السلام و بين الركن الشامى ثمانية أذرع. انتهى و هذا يقتضى اتحاد موضع مصلى آدم عليه السلام فى ذرع ما بينه، و بين ركن الكعبة الذى يلى الحجر، بسكون الجيم يكون على ذراعين و ثلثى ذراع بالحديد من طرف الحفرة إلى جهة الحجر بسكون الجيم، و على هذا فيكون موضع المقام عند الكعبة خارجا عن الحفرة فى مقدار ذراعين و ثلثى ذراع، و على مقتضى ما قيل من أن موضعه اليوم حذاء موضعه عند الكعبة فى مقدار نصف الحفرة التى يلى الحجر بسكون الجيم، و اللّه أعلم بالصواب و الذراع الذى حرر به ابن سراق ذراع اليد و ما ذكره فى مقدار ما بين موضع المقام الآن و وجه الكعبة لا يلائم ما ذكره الأزرقي، فى مقدار ما بين موضع المقام الآن و وجه الكعبة و لا يلائم أيضا ما ذكرناه فى ذلك، و ذكر ابن جبير فى أخبار رجلته ما يقتضى أن الحفرة المرخمة التى عند باب الكعبة فى وجهها علامة موضع المقام فى عهد إبراهيم إلى أن صرفه النبى صلى اللّه عليه و سلم إلى الموضع الذى هو الآن مصلي، و فى هذا نظر لأن موضع المقام الآن هو موضعه فى عهد الخليل عليه السلام من غير خلاف، أعلم فى ذلك و إنما الخلاف فى موضعه الآن هل
هو موضعه فى زمن النبى صلى اللّه عليه و سلم لما ذكر ابن أبى مليكة أو لا كما قال مالك و اللّه أعلم و لم أر فى تاريخ الأزرقى ذكر السنة التى ورد فيها عمر المقام إلى موضعه هذا لما غيره عنه السيل، و هى سنة سبع عشرة من الهجرة كما ذكر ابن جرير، و ابن الأثير، و قيل سنة ثمانى عشرة كما ذكر بن حمدون فى التذكرة و الله أعلم بالصواب، ذكر شيء من فضل المقام لا شك أن فضل المقام: مشهور ثابت بنص القرآن العظيم، و السنه الصحيحة فأما القرآن ففى قوله تعالى «فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ» الآية و المراد بالمقام فى هذه الآية هذا المقام على الصحيح المشهور و قيل المراد مناسك الحج كلها و قيل عرفة و قيل مزدلفة و قيل الحرم كله، و أما السنة فتقدم شىء من فضله مع فضل الحجر الأسود و أنهما من ياقوت الجنة، و غير ذلك و روينا فى تاريخ الأزرقى عن مجاهد قال: يأتى الركن و المقام يوم القيامة كل واحد منهما قبل أبى قبيس يشهدان لمن وافاهما بالموافاة خاتمة قال القاضى فى تفسير قوله تعالي: و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى الخطاب لأمة محمد صلى اللّه عليه و سلم، و هو أمر استحباب، و مقام إبراهيم هو الحجر الذى كان فيه أثر قدميه، و الموضع الذى كان فيه حين قام عليه و دعى الناس إلى الحج أو رفع بناء البيت، و هو موضعه اليوم، روى أنه عليه الصلاة و السلام أخذ بيد عمر فقال: هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى فقال: لم أؤمر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت، و قيل المراد به الأمر بركعتى الطواف، لما روى جابر «أنه عليه السلام لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين و قرأوا «و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» ذلك ففى وجوبهما قولان و قيل مقام إبراهيم الحرم كله، و قيل مواقف الحج، و اتخذاها مصلى أن يدعى فيها، و يتقرب إلى الله تعالى و قرأ نافع و ابن عامر و اتخذوا بلفظ الماضى عطفا على جعلنا أى و اتخذوا الناس مقامه المرسوم به يعنى الكعبة قبلة يصلون إليها انتهى فقولد و هو موضعه اليوم صريح بأن موضعه الآن هو موضعه فى عهد الخليل و قد تقدم عن الإمام الفاسى حكاية الاتفاق على ذلك، و أنه لا يعلم فى ذلك خلافا. و الرد على ابن جبير حيث ذكر فى رحلته ما يقتضى أن الحفرة المرضمة التى عند باب الكعبة فى وجهها علامة مواضع المقام فى عهد إبراهيم إلى أن صرفه النبى صلى اللّه عليه و سلم إلى الموضع الذى هو الآن مصلي، و إنما الخلاف فى
موضعه الآن هل هو موضعه فى زمن النبى صلى اللّه عليه و سلم كما ذكر بن أبى مليكة أولا كما قال مالك ثم ما ذكره القاضى فى روايه أنه صلى اللّه عليه و سلم صلى خلف المقام إلى آخره، و لا تقتضى أن الصلاة خلف المقام على هذه الصفة من كونه فى محله الآن، لأن هناك روايتين كما بينه الفاسى أحداهما مفسرة للأخرى و ذلك أن الأزرقى قال: حدثنى جدى حديثا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريح عن محمد بن عباد ابن جعفر عن ابن السائب «أن النبى صلى اللّه عليه و سلم يوم الفتح فى وجه الكعبة حذو الطرفة البيضاء، ثم رفع يديه فقال هذه القبلة و حديث أسامة يوافق، و فى الصحيح من حديث أسامة بن زيد- رضى الله عنهما- الموافق فى المعنى لحديث بان السائب «أن النبى صلى اللّه عليه و سلم لما دخل البيت دعى فى حوالبه كلها، و لم يصل، حتى خرج فلما خرج ركع قبل البيت ركعتين، و قال هذه القبلة أخرجاه و قال النسائى سبح فى نواحيه و كبر و لم يصل ثم خرج و صلى خلف المقام ركعتين ثم قال هذه القبلة قال الفاسى و لا منافاة بين قول اسامة فى بعض طرق حديثه ركع قبل البيت، و بين قوله فى بعض طرق حديثه، و صلى خلف المقام ركعتين لأن المقام كان فى وجه الكعبة على ما ذكر بن عقبه فى مغازيه، و غيره يكون قوله صلى خلف المقام مفسر لقوله: ركع قبل البيت لينتفى التعارض بين حديثية و هذا أولى من حمل قوله على أنه صلى خلف المقام فى موضعه اليوم لأنه إذا حمل على ذلك يفهم منه التناقض بين الحديثين. و الله أعلم و إذا كان حديث ابن السائب يقتضى أن النبى صلى اللّه عليه و سلم عند الكعبة فى يوم الفتح، و قال: هذه القبلة و اقتضى ذلك أيضا حديث أسامة ففى ذلك دليل على اتحاد المصلى الذى ذكره أسامة، و ابن السائب فلا يحسن حينئذ عدهما مصليين، و الله أعلم، و الظاهر أن المصلى الذى ذكره اسامة و المصلى الذى ذكره ابن السائب هو موضع المقام فى الجاهلية عند الكعبة و قد سبق الخلاف فيه هل هو عند الكعبة فى نصف الحفرة المرضمة فى وجه الكعبة مما يلى الحجر بسكون الجيم أو هو عند الكعبة خارج عند الحفر بمقدار ذراعين و ثلثى ذراع بالحديد، مما يلى الحفرة من جهة الحجر بسكون الجيم و القول الأول: وافق قول سعيد بن جبير و الثاني: يوافق قوله ابن سراقه و الله أعلم بالصواب و وجدت بخط الرضى بن خليل المكى مفتى الحرم ما يقتضى أن النبى صلى بين
هذه الحفرة، و بين الحجر بسكون الجيم، و أن الدعاء مستجاب فيه، و الظاهر- و الله أعلم- أن هذا المصلى هو المصلى الذى ذكره اسامة و ابن السائب و أما الحفرة المرضمة فى وجه الكعبة، فذكر الشيخ الإمام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الشافعى أنها المكان الذى صلى فيه جبريل بالنبى صلى اللّه عليه و سلم الصلوات الخمس حين فرضها الله على أمته، قال القاضى عز الدين بن جماعة: و لم أر ذلك لغيره و فيه بعد. انتهى و قد نقل عن شيخ اليمن علما و عملا أحمد بن موسى بن العجيلى ما يوافق ما ذكره بن عبد السلام فى الحفرة المذكورة، و أنه حقق ذلك بطريق الكشف بعد أن سأله عن ذلك الرضى الطبرى أمام المقام شيخ شيوخنا هكذا بلغنى- و الله أعلم- و قد سبق ما يقتضى أن نصفها الذى يلى الحجر بسكون مصلى الآية و هذا أحد المواطن ص 177* التى وافق عمر فيها ربه فى ذكر شيء، من أخبار الحجر الأسود روينا فى تاريخ الأزرقي، عن ابن إسحاق و غيره «أن الله عز و جل استودع الركن أبا قبيس حين غرق الأرض فى زمن نوح عليه السلام و قال: إذا رأيت خليلى يبنى بيتا فأخرجه له فلما بنى الخليل البيت جاءه جبريل عليه السلام، بالحجر الأسود، فوضعه الخليل للناس بعد الغرق ذكرة الزبير بن بكار و هذا يخالف ما سبق- و الله أعلم- و قال ابن اسحاق بعد أن ذكر إخراج بنى بكر بن عبد مناف بن كنانة و غبشان ابن خزاعه لجرهم من مكه فخرج عمرو بن الحرث بن مضاض الجرهمى يقرأ إلى الكعبة و بحجر الركن فدفنهما فى زمزم و انطلق، هو و من معه من جرهم إلى اليمن، و ذكر الزبير معنى ذلك كما سيأتى- إن شاء الله تعالي- و ذكر ابن عائد الدمشقى فى مغازيه ما يقتضى أن جرهما حين خرجوا من مكة فعلوا فى الحجر الأسود و غير ما ذكره ابن اسحق لأنه ذكر خبرا عن أم سلمة فيه شىء من شأن أم جرهم و خروجهم من مكة إلى اليمن، و فيه شىء من شأن قصى من كلاب، و ما ولد له من أولاد من حين بنت حليله و فيه فقال قصى لامرأته:
قولى لجدتك تدل نبيك على الحجر، فلم يزل بها حتى قالت: إنى أعقل أنهم حين خرجوا إلى اليمن سرقوه و نزلوا منزلا، و هو معهم فبرك الجمل الذى عليه فضربوه، فقام ثم ساروا فبرك فضربوه، ثم قام فبرك الثالثة، و قالوا: أما برك من أجل الحجر فدفنوه، و ذلك فى أسفل مكة و إنى أعرف حيث برك فخرجوا
بالحديد، و خرجوا بها معهم فأرتهم حيث برك أولا و ثانيا و ثالثا فقالت احفروا ههنا، فحفروا حين يئسوا منه ثم ضربوه فأصابوه و أخرجوه، فأتى به قصى فوضعه فى الأرض، و كانوا يتحسمون به و هو فى الأرض حتى بنى قصى البيت» انتهى و ذكر الفاكهى هذا الخبر بزيادة فيه، و ذكر عن الزبير و ابن الكلبى خبرا يشبه عن بن أياد بن نزار لأنه قال: بعد أن ذكر الخبر عن ابن الكلبى فحدثنا الزبير بن أبى بكر قال: لما هلك وكيع الأيادى و اتضعت أيادى و هى إذ ذاك تلى أمر بيت الله الحرام، و قاتلوهم، و أخرجوهم، و أجلوهم ثلاثا يخرجون رعبهم فلما كان الليلة التالية، حسروا مضر إن يلى الركن الأسود فحملوه على بعير فبرك فلم يقم، فغيروه فلم يحملوه على شىء الإروح و سقط فلما رأو ذلك بحثوا له تحت شجرة فدفنوه ثم ارتحلوا من ليلتهم فلما كان بعد يومين افتقدت مضر الركن فعظم فى أنفسها، و قد كانت شرطت على أياد كل امرأة متزوجة فى أياد ثم قال فأبصرت أيادا حين دفنت الركن أجمع الزبير و بن الكلبى فى حديثهما كل واحد منهم ينجوا من حديث صاحبه، فقالت لقومها: حين رأت مشقة ذهاب الركن على مضر حذوا عليهم أن يولوكم حجابة البيت، و أدلكم على الركن فأخذوا بذلك عليهم، ثم قال: فد لتهم عليه فابتحثوه فأعادوه فى مكانه، و ولوه فلم يبرح فى أيدى خزاعة حين قدم قصى فكان من أمره الذى كان. انتهي، و هذا الخبر أقرب إلى الصحة من الخبر الذى ذكره ابن عائذ؛ لأن المعروف فى القصة التى ذكرها ابن عائذ أنها اتفقت لبنى أياد لا لجرهم، و الله تعالى أعلم بالصواب، ذكر ما أصاب الحجر الأسود فى زمن ابن الزبير- رضى الله تعالى عنهما- و ما صنع فيه من الفضة فى زمنه و زمن هارون الرشيد روينا فى تاريخ الأزرقى خبرا طويلا فى خبر ابن الزبير للكعبة قال فيه: و كان الركن قد تصدع من الحريق بثلاث فرق فانشظت منه شظيه كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك به هو طويل فشده ابن الزبير بالفضة إلا تلك الشظية من أعلاها بين موضعها فى أعلا الركن انتهى و رويا فى تاريخ الأزرقى عن جده قال كان ابن الزبير ربط الركن الأسود بالفضة لما أصابه من الحريق ثم كانت الفضة قد تزلزلت و تزعزعت و تفلقت، حول الحجر حتى
خافوا عليه أن ينقضى فلما اعتمر هارون الرشيد و جاءوا فى سنة تسع و ثمانين و مائة أمر بالحجارة التى بينها الحجر الأسود، فنقيت بالماس من فوقها، و من تحتها ثم أفرغ فيها الفضة،
و أخذه له كان أبو طاهر القرمطى و اخامكه فى سابع ذى الحجة سنة سبع عشرة و ثلثمائة و أسرف فيها هو و أصحابه فى القتل و النهب، و فعل المنكرات، و كان مما فعلوه أن بعضهم ضرب الحجر الأسود بدبوس فتكسر، ثم قلع يوم الاثنين بعد الصلاة لأربع عشرة ليلة خلت من ذى الحجة بأمر أبى طاهر، و ذهب به معه إلى بلاده هجر و بقى موضعه من الكعبة خاليا يضع الناس فيه أيديهم للتبرك إلى أن رد إلى موضعه من الكعبة يوم النحر و ذلك يوم الثلاثاء من سنة تسع و ثلاثين و ثلثمائة على ما ذكره المسبحي، و ذكر أن الذى وافى به مكة شنبر بن الحسن القرمطى و أن شنبرا لما صار بفناء الكعبة و معه أمير مكة أظهر الحجر من سفط، و عليه جنبات فضة قد عملت من طوله و عرضه، تضبط شقوقا حدثت عليه بعد انقلاعه، و أحضر معه جصا، يشد به فوضع شنبر الحجر بيده، و شده الصانع بالجص، و قال شببر: لما رواه أخذناه بقدرة الله و رددناه بمشيئته، و نظر الناس إلى الحجر فتبنوه و قبلوه و استلموه، و حمدوا الله تعالى و كانت مده كينونته عند القرمطى و أصحابه اثنين و عشرين سنة إلا أربعة أيام هذا معنى كلام المسبحى، و ذكر القاضى عز الدين بن جماعة فى منسكه أن المطيع العباس اشتراه بخمسين ألف دينار من أبى طاهر القرمطي، و فى هذا نظر لأن أبا طاهر القرمطى مات فى خلافه المطيع فى سنة اثنتين و ثلاثين و ثلثمائة على ذكر ابن الأثير، و غيره و الله أعلم ذكر ما صنعته الحجبة بالحجر الأسود باثر رد القرامطة له ذكر المسبى أن فى سنة أربعين و ثلثمائة قلع الحجبة الحجر الأسود الذى نصبه شنبر و جعلوه فى الكعبة خوفا عليه و أحبوا أن يجعلو له طوقا من فضه يشده به كما كان قديما حين عمله ابن الزبير- رضى الله عنهما- فأخذ فى إصلاحه صائغان حاذقان فعملا له طوقا من فضة، و أحكماه و نقل المسبحى عن محمد ابن قانع الخزاعى أن مبلغ ما على الحجر الأسود من الطوق، و غيره ثلاثة آلاف و سبعة و تسعون درهما و نصف، على ما
قيل. انتهى و هذه الحلية غير حلية الحجر الآن لأن داود بن عيسى بن قلتيه الحسنى أمير مكة أخذ طوق الحجر قبل عزله عن مكة سنة خمس و ثمانين و خمسمائة، أوفى التى بعدها على ما ذكر غير واحد و هذا يقتضى أن يكون قلع الحجر الأسود حتى يعمل له طوق يصونه و ما علمت يقينا أنه قلع بعد ذلك، غير أن بعض فقهاء المصريين ذكر لى فى موسم سنه أربعة عشر و ثمانمائة أن الحجر الأسود قلع من موضعه لتحليته فى سنة إحدى و ثمانين و سبعمائة، و ذكر أنه شاهده مقلوعا و رأيت بعض المكيين ينكر عليه ذلك كثيرا- و الله تعالى أعلم-. ذكر ما أصاب الحجر الأسود بعد فتنة القرامطة من بعض الملاحدة مثلهم ذكر أبو عبد الله محمد بن على بن عبد الرحمن العلوى أن فى سنة ثلاث عشرة و أربعمائة يوم النفر الأول، قام رجل فقصد الحجر الأسود، فضربه ثلاث ضربات بدبوس، و تنخش وجه الحجر من تلك الضربات، و تساقطت منه شظايا مثل الأطفار و تشقق و خرج مكسرة أسمر يضرب إلى صفرة محبب مثل الخشخاش، فأقام الحجر على ذلك يومين، ثم أن بنى شيبه جمعوا الفتات، و عجنوه بالمسك و اللك، و حشوا الشقوق و طلوها بطلاء من ذلك. انتهى باختصار و ذكر بن الأثير هذه الحادثة فى أخبار سنة أربع عشرة و أربعمائة و الله تعالى أعلم ذكر صفته و قدره و قدر ما بينه و بين الأرض ذكر المسبحى أن محمد ابن نافع الخزاعى دخل الكعبة فيمن دخلها للنظر إلى الحجر الأسود، لما كان فى الكعبة بأثر رد القرامطة لدوانه تأمل الحجر الأسود فإذا السواد فى رأسه دون سائره أبيض قال: و كان مقدار طوله فيما حررت مقدار عظم ذراع، أو كالذراع المقبوضة الأصابع، و السواد فى وجهه غير ماض فى جميعه. انتهى و ما ذكره العلوى فى صفة الحجر يخالف هذا، و الله أعلم، و قيل فى طوله أكثر مما ذكر الخزاعى لأن صاحب العقد نقل ما يقتضى أن طوله ثلاثة أذرع، و الله أعلم و ارتفاع الحجر الأسود من أرض المطاف ذراعا فى ربع و سدس ذراع بذراع الحديد على ما ذكر القاضى عز الدين بن جماعه فيما أخبرنى به عند حال.
للحجر الأسود آيات بينات منها حفظ الله تعالى له من الضياع منذ أهبط إلى الأرض مع ما وقع من الأمور المقتضية لذهابه كالطوفان و دفن بنى أياد و ذكر ابن
جماعة أن الحجر الأسود أزيل من موضعه غير مرة، ثم رده الله إليه قال: وقع ذلك من جرهم و إياد و العماليق و القرامطة انتهى و لم أر ما ذكره عن العماليق و الله أعلم و منها أنه يقال ما هلك تحته لما حمل إلى هجر أربعون جملا فلما أعين حمل على قعود هذيل، فسمن و قيل: هلك تحته ثلثمائة بعير و قيل:
خمسمائة و الله أعلم و منها أنه يطفو على الماء، و منها أنه لا يسحق من النار، ذكر هاتين الآيتين ابن أبى الدم فى الفرق الإسلامية فيما حكاه عنه ابن شاكر الكتبى المؤرخ و نقل ذلك عن بعض المحدثين و رفعه إلى النبى صلى اللّه عليه و سلم- و الله تعالى أعلم- بالصواب خاتمه فى ذكر الحطيم و المستجار و الملتزم و ما جاء فى استجابة الدعاء فى هذه المواضع و غيرها من الأماكن بمكة المشرفة و حرمها.
الملتزم ما بين الحجر الأسود و باب الكعبة على ما رويناه فى تاريخ الأزرقى عن ابن عباس، و يقال له المدعا و المتعوذ على ما رويناه فى تاريخ الأزرقى عن ابن عباس و روينا عنه حديثا مرفوعا فى استجابه الدعاء فيه و رويناه مسلسلا فى الأربعين المختارة لابن مسدى ذكر المستجار ما بين الركن اليماني، و الباب المسدود فى دبر الكعبة و قد سماه بذلك ابن سراقه و ابن جبير و المحب الطبرى و يقال للمستجار و المتعوذ و الملتزم على ما روى عن ابن الزبير و يقال له: ملتزم عجائز قريش على ما روى عن ابن عباس رويا ذلك عنهما فى تاريخ الأزرقى و روينا فيه عن معاوية ابن ابى سفيان من قام عند ظهر البيت، فدعى استجيب له، و خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، قال المحب الطبري: و مثل هذا القول من معونة لا يكون إلا عن تلق من لسان النبوة انتهى و فيه دعى عبد الله بن عمر بن الخطاب، و عبد الله بن الزبير، و أخوه مصعب و عبد الملك بن مروان؛ بما رب لهم فنالوها فى الدنيا إلا عبد الله بن عمر فإنه لم يدع إلا بالجنه و بشر بها و رؤيت له و هذا الخبر رويناه أبسط من هذا فى مجابى الدعوة لابن أبى الدنيا ذكر الحطيم اختلف فيه، و فى سبب تسميته بذلك فقيل هو ما بين الحجر الأسود، و مقام إبراهيم و زمزم و الحجر بسكون الجيم و هذا مقتضى ما قاله ابن جريج فيما حكاه عنه الأزرقى فى تاريخه و فى كتب الحنفيه أن الحطيم الموضع
الذى فيه الميزاب و عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال الحطيم: الجدار و قال المحب الطبري: يعنى جدار حجر الكعبة قال: و قد قيل الحطيم هو الشاذروان سمى بذلك لأن البيت رفع و ترك هو محطوما فيكون فعيلا بمعنى مفعول قال:
و قد قيل لأن العرب كانت تطرح ما طافت فيه من الثياب فيبقى حتى ينحطم من طول الزمان فيكون فعيلا بمعنى فاعل. انتهى و قيل فى سبب تسميته بالحطيم أن الناس كانوا يحطون هنالك بالإيمان فقل من دعا هنالك على ظالم إلا هلك، و قل من حلف هنالك إثما إلا عجلت له العقوبة و هذا روينا فى تاريخ الازرقي، و من فضائل الحطيم ما رواه الفاكهى بسنده إلى عائشة- رضى الله عنها- مرفوعا أن خير البقاع و أطهرها و أزكاها و أقرئها من الله ما بين الركن و المقام، و أن فيما بين الركن و المقام روضة من رياض الجنة فمن صلى فيه أربع ركعات نودى من نطاب العرش أيها العبد غفر لك ما قد سلف منك فاستأنف العمل. انتهى باختصار، و من فضائل الحطيم أن فيه قبر تسعة و تسعين نبيا جاءوا حجاجا فقبضوا هنالك، و ممن قيل قبره هنالك. على ما ورد فى رواية غير هذه الرواية نوح و هود و صالح و شعيب، و فى رواية ثالثة أن فيه قبر تسعين نبيا منهم هود و صالح و إسماعيل، و هذه الأخبار فى تاريخ الأزرقى و فيه أيضا أن قبر إسماعيل فى الحجر، و الله أعلم بالصواب.
و حفر عبد المطلب لها زادها الله شرفا اختلف العلماء لم سميت بذلك؟ فقيل لكثرة مائها قال أبو عبيد البكري: يقال: ماء زمزم رزفزلت أى كثير و فى الموعب لابن التيان ماء زمزم و زمزام و هو الكثير، و قيل لتزمزم الماء فيها، و هو حركته و الزمزمة الصوت يسمع له دوى و قيل لاجتماعها نقل عن ابن هشام و قال مجاهد سميت زمزم لأنها مشتقة من الهمزة و الهمزة الغمر بالعقب فى الأرض رواه الفاكهى بسند صحيح و قيل: لأنها زمت بالميزاب لئلا تأخذ يمينا و شمالا و قال البكرى فى معجمه. فى زمزم لغات بفتح أوله و إسكان ثانيه و فتح الزاى الثانية و زمزم بضم أوله و فتح ثانيه بلا تشديد، و كسر الزاى الثانية و ذكر الزمخشرى فى ربيع الأبرار أن جبريل صلى اللّه عليه و سلم أنبط ماء زمزم مرتين مرة لادم صلى اللّه عليه و سلم
حتى انقطعت زمن الطوفان و مره لأم إسماعيل و فى الزهر، و بعضه ما قاله قول خويلد بن أسد بن عبد العزى فى حق عبد المطلب.
أقول و ما قولى عليهم يشبه ... إليك ابن سلمى انت حافر زمزم ركبه إبراهيم يوم ابن هاجر .. و ركضه جبريل على عهد آدم قال السهيلى:
و كانت زمزم سقيا لإسماعيل صلى اللّه عليه و سلم حفرها الروح القدس بعقبه و فى حفرها بالعقب دون أن يفجرها باليد، أو غيرها إشارة إلى أنها لعقبة و رأته و هو محمد صلى اللّه عليه و سلم. انتهي، و العقب بأفضل من مؤخر الرجل عن الساق، و المراد به فى الآية الولد و ولد الولد، و لم يدل ماء زمزم ظاهر اينتفع به سكان مكة و لما توفى الله سبحانه و تعالى إسماعيل بن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم ولى البيت بعده إبنه نابت بنون و مثناه فوقيه ما شاء الله تعالي، إن يليه ثم ولى البيت مضاض بميم مسكورة و حكى ضمها و ضادين معجمتين ابنى عمرو و الجمر ثمى ثم أن الله تعالى نشر ولد إسماعيل أى كثرهم بمكة و أخوالهم من جرهم ولاه البيت و الحكام بمكة لا ينازعهم ولد إسماعيل، و فى ذلك لخولتهم و قرابتهم و إعظاما للحرم أن يكون به بغى و قتال، ثم إن جرهما بغوا بمكة و استحلوا إحلالا من الحرم، فظلموا من داخلها من غير أهلها، و أكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها فرق بذلك أمرهم أى ساءت حالتهم فعند ذلك رأت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة و غبشان ابن خزاعة ذلك فأجمعوا لحربهم و إخراجهم من مكة فاذنوهم أى أعلموهم بالحرب، فأقتتلوا فغلبتهم بنو بكر، و غبشان، فنفوهم من مكة و كانت مكه فى الجاهلية لا يقر بها ظلما و لا بغيا، و لا يبغى فيها أحد إلا أخرجته، و لا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا أهلكته مكانه فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض يغزالين الكعبة اللذين كان ساسان ملك الفرس أهداهما مع الأشتاف القطعية المنسوبة إلى بلد بالهند من جهة الصين للكعبة و قيل أهداها سابور و كانت الأوائل من ملوك الفرنج تحجها إلى عهد ساسان أو شابور فدفنه ذلك فى زمزم و ردمها و مرت عليها السنون عصرا بعد عصر إلى أن صار موضعها لا يعرف حتى ثواها الله تعالى لعبد المطلب و انطلق عمرو بن الحارث بن مضاض و من معه من جرهم إلى اليمن و روى قصة حفر عبد المطلب لزفر ابن إسحاق ص 181* عن
على بن أبي- طالب رضى الله عنه- و البيهقى عن الزهرى أن عبد المطلب بينا هو فى الحجر أتى فقيل له احفر بئره بفتح الباء الموحدة و تشديد الراء المهملة سميت بذلك لكثرة منافعها وسعة مائها قال: وقا بئره فذهب عنه حتى إذا كان العد فنام فى مضجعه، ذلك فأتى أيضا فقيل له: احفر المضنونه قال وهب بن مبنه: «سميت بذلك لأنها ضن بمائها على غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق» و روى البخارى فى التاريخ و ابن ماجه و الطبرانى و الحاكم و البيهقى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم قال آيه ما بيننا و بين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم له طرق و هو بمجموعها حسن و روى الأزرقى عنه قال:
قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: التضلع من ماء زمزم برأه من النفاق، و قيل سميت بذلك لأنه قيل لعبد المطلب: احفر المصنوته ضننت بها على الناس إلا عليك، قال و ما المصنوته، فذهب عنه حتى إذا كان من الغد فنام فى مضجعه ذلك فقيل له:
ظبية لظاء معجمة فيا موحدة فمثناه تحتيه سميت بذلك تشبيها بالظبية، و هى الخريطة لجمعها ما فيها قاله فى النهاية تبعا لأبى موسى المديني، و الذى جرى عليه السهيلى و الخشنى أنها بطاء مهمله فمثناه تحتيه فباء قال: الخشنى من الطيب، و قال السهيلي: لأنها للطيبين و الطيبات قال: و ما ظبيه فذهب عنه فلما كان الغد عاد إلى مضجعه فنام فيه فأتى فقيل له: احفر زمزم قال: و ما زمزم قال: لا تتزف أى لا يفزغ ماؤها و لا يلحق قعرها قال السهيلى و هذا برهان عظيم لأنها لم تنزف من ذلك الحين إلى اليوم قط و مقد وقع فيها حبشى فنزحت من أجله فوجد ماؤها ينور من ثلاثة أعين أقواها و أكثرها ماء عين من ناحية الحجر الأسود، و لا تذم قال الخشني: أى لا توجد قليلة الماء يقال: أزممت البئر إذا وجدتها ذمه أى قليلة الماء زاد السهيلى و ليس معناه على ما يبدو من ظاهر اللفظ من أنها لا يزمها حد و لو كان من الذم لكان ماؤها أعذب المياه و لتضلع من كل من شرب فيه، و قد تقدم أنه لا يتضلع منها منافق مماؤها إذا مذموم عندهم، و فى النهاية لا تذم أى لا تعام أولا تلغى مذمومه، من قولك أذممت إذا وجدته مذموما، و قيل: لا يوجد ماؤها قليلا من قولهم بيرذمه إذا كانت قليلة الماء و حكمه بعضهم على لا تذم عاقبة شربها تسقى الحجيج الأكبر، عظم ثم أدع بالماء الروا غير الكدر يقال ماؤها بالكسر و القصر و ردا بالفتح و المداى غرب
تسقى حجيج الله فى كل مبر تفعل من البريريد فى مناسك الحج، و مواضع الطاعة، ليس يخاف منه شىء يا عمر بفتح العين المهملة أى يا عمر هذا الماء فإنه لا يؤذي، و لا يخاف منه ما يخاف من المياه إذا أنوط فى شربها، بل هو بركة على كل حال، فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: تعلمون أنى قد أمرت بحفر زمزم قالوا: فهل بين لك أين هي؟ قال لا قالوا فارجع إلى مضجعك الذى رأيت فيه ما رأيت فإن يك حقا من الله يبين لك و إن يك من الشيطان فلن يعود إليك، فرجع عبد المطلب فنام فيه، و قال: اللهم بين لى و أورى فى المنام أحفر تكتم بمثناتين فوقيتين مبنى للمفعول و فى لفظ فقيل: له احفر زمزم ان حفرتها لم تندم و هى تراث من أبيك الأعظم لا تنزف و لا تذم تسقى الحجيج الأعظم مثل نعم جافل لم يقسم الجافل من جفلت الغنم إذا انفلتت بجملتها و لم تقسم لم تتورع و لم تتفرق ينفذ فيها نادر المغنم يكون ميراثا و عقدا محكم ليست لبعضكم ما قد تعلم. فقال: و أين هى فقيل له بين الفرث و الدم فى مبحث الغراب الأعصم و هو من الغربان من يشافية بياض قالة الخشنى فى قريه النمل و هو الموضع الذى يجتمع فيه النمل، فقام عبد المطلب يمشى، حتى جلس فى المسجد الحرام ينتظر ما سمى له من الآيات، فنحرت بقرة بالخرورة فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها، أى بقية روحها حتى غلبها الموت بين الوثنين إساف بكسر الهمزة و فتح المهملة المخففة و نائلة فنون و بعد الألف مثناه تحتيه فنحرت تلك احتمل لحمها فأقبل غراب يهوى حتى وقع على الفرش فبحث عن قرية النمل، فقام عبد المطلب فحفر هناك و معه ابنه الحارث، و ليس له يومئذ ولد غيره فجاءته قريش فقالت له: ما هذا النيع قال: أمرت بحفر زمزم فلما كشف عنها، و أبصروا بالطى كبرو الطى قال ابن هشام و يقال:
الطوى و المعنى واحد و اعترضه الخشنى بأنه ليس بظاهر لأن الطى الحجارة التى تطوى أى يبنى، بها البئر سميت بالمصدر، و الطوى هى البئر نفسها فعند ذلك، عرفت قريش أنه قد ادرك حاجته فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر نبينا إسماعيل و إن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها قال: ما أنا بفاعل إن هذا الأمر خصصت به دونكم قالوا تحاكمنا قال نعم قالوا بيننا و بينك كاهنة بنى سعد بن هذيم كذا روى و رواه ابن سراح سعد هذيم باسقاط ابن قال الخشنى و هو
الصواب لأن هذيما لم يكن أباه و إنما كفله بعد أبيه فأضيف إليه و كانت بإشراف الشام بالغا أخت القاف و هو ما ارتفع من أرضه واحدة شرف تقول قعدت على شرف من الأرض أى مكان مرتفع فركب عبد المطلب فى نفر من بنى أبيه و ركب من كل بطن من، آفنا قريش نظرا لافنا جمع فنوكا جمال، و حمل أى أخلاطهم، و كانت الأرض مفاوز بين الشام و الحجاز، و المفاوز القفار واحدتها مفازة و فى اشتقاق اسمها ثلاثة أقوال فقيل: لأن راكبها إذا قطعها فقد فاز، و قيل: معناها مهلكه يقال: فاز الرجل و فوز مشددا و فاء بالدال المهمله إذا هلك و قيل سميت مفازه على جهة التفاؤل حتى إذا كانوا بمفازه من تلك البلاد ففى ما عبد عبد المطلب و أصحابه حتى أيقنوا الهلكة ثم طلبوا من القوم السقيا، فقالوا لهم: ما نستطيع أن نسقيكم و انا نخاف مثل الذى أصابكم فقال عبد المطلب لأصحابه ماذا ترون قالوا: ما رأينا إلا تبع رأيك قال أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته، فكلما مات رجل منكم دفعه أصحابه فى حفرته حتى لا يبقى منكم إلا واحد نضيعه رجل أهون من ضبعة جميعكم ففعلوا ثم قال:
و الله أن القينا بأيدينا للموت لا يحس، و لكن نضرب فى الأرض أى نسافر، و نبتغى لعل الله تعالى يسقينا بعجر فقال لأصحابه: ارتحلوا ما ارتحلوا و ارتحل فلما جلس على ناقته فانبعثت به انفجرت عين من خفها بماء عذب فكبر عبد المطلب، و كبر أصحابه ثم نزل فشرب و شرب أصحابه، و استقوا و سقوا ثم نادى القائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء، فقد سقانا الله، فجاؤا و استقوا و سقوا و قالوا يا عبد المطلب: قدو الله قضى لك علينا لا نخاصمك فى زمزم أبدا إن الذى سقاك هذا الماء، بهذه الفلاة لهو الذى سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا، و لم يصلوا إلى الكاهنة و خلوا بينه و بينها، فلما رجع عبد المطلب أكمل حفر زمزم و جعل عليها حوضا يملؤه و يشرب الحاج منه فيكسره أناس من حسدة قريش بالليل، فيصلحه عبد المطلب، فلما أكثروا إفساده دعى عبد المطلب ربه فأرى فى المنام، فقيل له: قل اللهم أنى لا أحلها لمغتسل، و لكن هى للشارب حل بكسر الحاء الحلال ضد الحرام بكسر الباء الموحدة المباح و قيل الشفا من قولهم بل من مرض، و بل و بعضهم يجعله أتباعا لحل قال فى النهاية و يمنع من جواز الاتباع الواو، ثم كفيهم فقال عبد المطلب فنادى بالذى
رأى ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه عليه أحد إلا رمى فى جسده تبرا، حتى تركوا حوضه و سقيانه و ذكر بن إسحاق أن عبد المطلب وجد فى زمزم غزالين من ذهب، و هما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم، حين خرجت وجدت فيها أسيافا قلعية، و أدراعا فقالت له: قريش: يا عبد المطلب لنا معك فى هذا شرك، و حق قال: لا و لكن هلموا إلى أمر نصف بكسر النون و سكون الصاد المهمله، و بفتحها النصفه بفتحات، و هو الاسم من الإنصاف بينى و بينكم يضرب عليه بالقداح، جمع قدح بكسر القاف فيهما، و هو السهم الذى كانوا يستقسمون به قالوا و كيف نصنع قال ص 183* اجعل للكعبة قدحين و لى قدحين و لكم قدحين فمن خرج قدحاه على شىء، كان له و من تخلف قدحاه فلا شىء له فقالوا:
أنصفت فجعل قدحين أصفرين للكعبة و قدحين أسودين لعبد المطلب، و قدحين أبيضين لقريش ثم أعطوا صاحب القداح يضرب بها عند هبل بضم الهاء و فتح الباء و هو صنم فى جوف الكعبة و قام عبد المطلب يدعو و صاحب القداح يضرب القداح، فخرج الأصفران على الغزالين و خرج الأسودان على الأسياف، و الأدرع، و تخلف قدحا قريش فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة و ضرب فى الباب الغزالين من ذهب فكان أول ذهب حلية الكعبة قال ابن إسحاق:
فلما حفر عبد المطلب زمزم و دله الله تعالى عليها و خصه بها زاده الله بها شرفا و خطرا فى قومه، بفتح الخاء المعجمه و الطاء المهملة قال فى المصباح: خطر الرجل يخطر خطرا و زاد شرفا إذا ارتفع قدره و منزلته فهو خطير، و تخلطت كل ساقية كانت بمكة حين ظهرت، و أقبل الناس عليها التماس بركتها، و معرفة فضلها لمكانها من البيت و أنها سقاية الله عز و جل لإسماعيل صلى اللّه عليه و سلم تنبسقان الأول، قال السهيلي: دل عبد المطلب على زمزم بعلامات ثلاث بنقرة الغراب الأعصم و أنها بين الفرث و الدم و عند قرية النمل و لم يخص هذه العلامات الثلاث إلا بكلمه إلهية و فائده مشاكله لطيفة فى علم التعبير و التوسم الصادق المعنى زمزم و مائها أم الفرث و الدم فإن مإها طعام طعم، و شفاء سقم، و هى لما شرب له و قد تقوت من مائها أبو ذر ثلاثين بين ليلة و يوم فسمن حتى تكسرت عن بطنه فهى إذا كما قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: فى اللبن إذا شرب أحدكم اللبن فليقل اللهم بارك لنا فيه و زدنا منه فإنه ليس شىء يسد مسد الطعام و الشراب إلا
اللبن، و قد قال تعالي: «من بين فرث و دم لبنا خالصا سائغا للشاربين» فظهرت هذه السقيا المباركة بين الفرث و الدم، و كانت تلك من دلائلها المشاكلة لمعناها، و أما الغراب فهو فى التأويل فاسق، و هو أسود فدلت نقرته عند الكعبة على نقرة الأسود الحبشي، بمعوله فى أساس الكعبة يهدمها آخر الزمان فكان نقرة الغراب فى ذلك المكان تؤذن مما يفعله الفاسق فى آخر الزمان، بقبله الرحمن و سقيا أهل الإيمان، و ذلك عند ما يرفع القرآن و تجىء عبادة الأوثان و فى الصحيح عن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم ليخربن الكعبة ذو السويقتين من الحبشة و فيه أيضا صفية أنه أفجع، و هذا ينظر إلى كون الغراب أعصم إذا افجح تباعد فى الرجلين كما، أن من العصم اختلاف فيهما، و الاختلاف بتباعد، و قد بذى السويقتين كما نعت الغراب بصفة فى ساقية، فتأمل و هذا من خفى علم التعبير، لأنها كانت رؤيا، و أما قرية النمل ففيها من المشاكلة أيضا و المناسبة أن زمزم عين مكة التى يردها الجميع، و العماد من كل جانب فيحملون إليها البر و الشعير، و غير ذلك و هى لا تحرث و لا تزرع، كما قال سبحانه خبرا عن إبراهيم عليه الصلاة و السلام «ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم» «الآية و قرية النمل كذلك لأن النمل لا يحرث و لا يزرع و تجلب الحبوب إلى فريقها من كل جانب، و مكة قال تعالى «كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ» مع أن لفظ قرية النمل مأخوذ من قرية الماء فى الحوض إذا جمعته، و الرؤيا تعبر على اللفظ تارة، و على المعنى أخري، فقد اجتمع اللفظ و المعنى فى هذا التأويل. و الله أعلم التنبيه الثانى فى بعض فضائل زمزم و خواصها قال أبو ذر:- رضى الله عنه- قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «إنها طعام طعم و شفاء سقم» رواه أبو داود الطيالسى و الطبرانى و البزار و رجاله رجال الصحيح و رواه مسلم بدون و شفاء سقم و قال ابن عباس:- رضى الله تعالي- عنهما قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: ماء زمزم لما شرب له رجاله موثوق إلا أنه اختلف فى إرساله و وصله أوضح كما قال الحافظ و قال ابن عباس- رضى الله عنهما- قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام طعم ص 184* و شفاء سقم رواه الطبرانى و رجاله ثقات و صححه بن حبان و قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما. كنا شباعه يعنى زمزم و نجدها نعم العون على العيال رواه الطبرانى
و رجاله ثقات و قال أيضا: اشربوا من شراب الأبرار» يعنى زمزم رواه الأزرقى و قال أيضا: كان رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفه سقاه من ماء زمزم «رواه أبو نعيم فى الحلية و صحح الدمياطى إسناده و قال عباد بن عبد الله بن الزبير: لما حج معاوية حججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم و زمزم و هو خارج إلى الصفا فقال: انزع لى منها دلوا يا غلام قال: فنزع له منه دلوا فأتى به فشرب و صبّ على وجهه و رأسه و هو يقول:
زمزم شفاء، و هى لما شرب له «رواه الفاكهى قال الحافظ: هذا إسناد حسن مع كونه موقوفا، و هو أحسن من كل إسناد وقفت عليه لهذا الحديث روى الإمام أحمد و ابن ماجه عن ابن الزبير عن جابر بن عبد الله- رضى الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «ماء زمزم لما شرب له» و لفظ أحمد «لما شرب فيه» و قد صح عن جماعه من الأئمة أنهم جربوا هذا الحديث فوجدوه صحيحا و قد ذكر العلماء له خواصا فمنها أنه يرد الحمى لأمر النبى صلى اللّه عليه و سلم بذلك كما فى سنن النسائى من حديث ابن عباس، و منها أنه يذهب الصداع قال الضحاك و منها أنه لا يرفع و لا يغور، إذا رفعت المياه و غارت قبل يوم القيامة قال الضحاك: أيضا و منها أنه يفضل مياه الأرض كلها طبا و شربا قال الشيخ بدر الدين بن الصاحب وزنت ماء زمزم بماء عين مكة فوجدت زمزم أثقل من العين بنحو الربع ثم أعترتها بميزان الطب، فوجدتها تفضل مياه الأرض كلها طبا و شرعا بل قال شيخ الإسلام البلقيني: «إنه أفضل من ماء الجنة، و لهذا مزيد بيان تقدم فى شق صدره الشريف، و منها أنه يحلو ليلة النصف من شعبان و يطيب ذكر ذلك ابن الحاج فى مناسكه نقلا عن مكى بن أبى طالب و نص كلامه قال الشيخ مكى ابن أبى طالب و فى ليله النصف من شعبان يحلو ماء زمزم، و يطيب ماؤها، يقول أهل مكة أن عين سلوان تفضل بها تلك الليلة و يبذل على أخذ الماء فى تلك الليلة الأموال، و يقع الزحام فلا يصل إلى الماء إلا ذوجاه و شرف، قال:
و عاينت ذلك ثلاث سنين و منها أن يكثر فى ليلة النصف من شعبان كل سنة بحيث أن البئر تفيض بالماء على ما قيل، لكن لا يشاهد ذلك إلا العارفون، و قد شاهد ذلك الشيخ الصالح أبو الحسن المعروف بكر تاج، و منها أن الإطلاع فيها يجلوا البصر قال الضحاك و منها أنه يحط الأوزار و الخطايا، ذكر ذلك أبو الحسن
محمد بن مرزوق الزعفرانى الشافعى فى مناسكه و روى الأزرعى عن مكحول مرسلا أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم قال النظر فى زمزم عبادة و هى تحط الخطايا و منها أن الله تعالى خصه بالملوحة ليكون الباحث عليها الملح الإيمانى و لو جعله عذبا جدا لغلب الطبع البشري، و بهذا يرد على ابى على المعرى قوله لك الحمد أمواه البلاد بأسرها عذاب، و حصنت بالملوحة زمزم، و منها أن من حثى على رأسه ثلاث حثيات، لم تصبه ذلك أبدا، رواه الفاكهى عن بعض ملوك الروم، أنه وجد ذلك فى كتبهم خاتمة يذكر على بعض الألسنة أن فضيلته مادام فى محله فإذا نقل تغير قال فى المقاصد الحسنه و هذا شىء لا أصل له فقد كتب النبى صلى اللّه عليه و سلم إلى سهيل بن عمرو «إن جاءك كتابى ليلا فلا تصبحن، أو نهارا فلا تمسين، حتى تبعث إليّ بماء زمزم» و فيه أن بعث له بزادتين، و كان حينئذ بالمدينة قبل أن تفتح مكة، و هو حديث حسن بشواهده و روى الترمذى و حسنه ابن خزيمه فى صحيحه و الحاكم و البيهقى عن عائشة- رضى الله عنها- أنها حملت ماء زمزم فى القوارير، و قالت: حمله رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فى الأداوى و القرب، و كان يصب منه على المرضى و يسقيهم، و روى الطبرانى عن حبيب بنى أبى ثابت قال: سألت عطاء عن حمل ماء زمزم قال: قد حمله رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و حمله الحسين- رضى الله عنه- و أعلم أنه يجوز نقل ماء زمزم باتفاق الأئمة الأربعة بل هو مستحب عند الشافعية و المالكيه و الفرق عند الشافعية بينه و بين حجارة الحرم فى عدم جواز نقلها و جواز نقل ماء زمزم أن الماء ليس شىء يزول فلا يعود، أشار إلى هذا الفرق الإمام الشافعى كما حكاه عنه البيهقى و قال ابن العماد و اختلفوا فى استعمال زمزم فمذهبنا لا يكره استعماله فى شىء من الطهارات كسائر المياه لأنه صلى اللّه عليه و سلم توضأ فيه، لكن قال أبو الفرج العجلى فى نكت الوسيط و الوجيز الأولى: أن لا يتطهر به لحرمته و كرامته و قد روى عن العباس- رضى الله عنه- أنه قال لا أحله لمغتسل و هو للشارب حل و بل و البل بكسر الباء الموحدة و بالآم الشفاء أى هو حلال و شفاء للشارب، يقال: بل من مرضه إذا شفي، و كان ابن عباس- رضى الله عنه- إذا شرب ماء زمزم قال: «اللهم إنى أسألك علما نافعا، و رزقا واسعا، و شفاء من كل داء» و قال صلى اللّه عليه و سلم: ماء زمزم
طعام طعم، و شفاء سقم، من كل داء» و أما استعماله فى إزالة النجاسة و الاستنجاء فنقل فى الكفاية، عن الماوردي، أنه لا يجوز استعماله و لا استعمال حجارة الحرم فى الاستنجاء و الصحيح خلاف ذلك، و ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز استعماله فى الطهارة مطلقا، و دليلنا عموم الأدلة و أن النبى صلى اللّه عليه و سلم توضأ منه، و لأنه يؤدى جواز التيمم مع وجود الماء، و لأن حرمة ماء زمزم إن كانت لأجل أن يتبع من الحرم فينبغى أن لا يجوز استعمال مياه آبار الحرم، و ان كانت حرمته لكونه طعاما و شفاء لكان الذى نبع من بين أصابع النبى صلى اللّه عليه و سلم أفضل من ماء زمزم، و فيه من الشفاء ما ليس فى ماء زمزم، و مع ذلك فقد توضأت به الصحابة- رضى الله عنهم- و لا حجه فى قول العباس- رضى الله عنه- لا أحمله لأنه محمول على إحالة اجتماع الناس إلى الشرب فقوله لا أحمله لمغتسل أى فى حالة الاحتياج إلى الشرب لأن الغالب التزاحم عليه للشرب.
انتهى كلام بن العماد و قال العلامة الفاسي: أول من أظهر زمزم على وجه الأرض جبريل عليه السلام عند إسماعيل عليه السلام سقيا له من الله تعالي، و لما أظهر الله ماء زمزم لإسماعيل، حوضت عليه أمه هاجر خيفة أن يفوتها قبل أن تملأ منه شنتها و لو تركته لكان عينا تجرى كما رويناه عن النبى صلى اللّه عليه و سلم فى الصحيح و ذكر الفاكهى «أن الخليل عليه السلام حفر زمزم لأنه قال بعد أن ذكر خبرا فيه إخراج جبريل ماء زمزم لإسماعيل، فحفر إبراهيم بعد ذلك البئر، ثم غلبه عليها ذو القرنين» انتهى و هذا غريب- و اللّه أعلم- و لم يزل ماء زمزم طاهرا ينتفع به سكان مكة إلى أن استخفت جرهم بحرمة الكعبة، و الحرم، فدرس موضعه و مرت عليه السنون عصرا بعد عصر، إلى أن صار لا يعرف، و قيل أن جرهما دفنتها حين نفيت عن مكه ذكره الزبير بن بكار و غيره تم بوأه الله تعالى لعبد المطلب ابن هاشم جد النبى صلى اللّه عليه و سلم لما خصه الله به من الكرامة فأتى فى المنام و أمر بحفرها، و أعلمت له بعلامات استبان بها موضع زمزم، فحفرها و كان حفره لها قبل مولد النبى صلى اللّه عليه و سلم على مقتضى ما رويناه عن على- رضى الله عنه- فى السيرة لان إسحاق سيد رجاله ثقات و روينا عن الزهرى أن حفر عبد المطلب لزمزم كان بعد الفيل و على هذا فيكون حفر عبد المطلب لها
بعد مولد النبى صلى اللّه عليه و سلم و الله أعلم و يروى أن أبا طالب عم النبي- صلى الله عليه و سلم- عالج زمزم، و كان النبى صلى اللّه عليه و سلم ينقل فى علاجه الحجارة و هو غلام و هذا الخبر فى مسند البزار بإسناد ضعيف و بتقدير صحته فهو غير علاج عبد المطلب، و الله أعلم ذكر علاج زمزم فى الإسلام روينا عن الأزرقى بالسند المتقدم إليه قال: ثم كان قد قل ماءوها، حتى كانت تحجم فى سنة ثلاث و عشرين و أربع و عشرين و مائتين. قال: فضرب فيها تسع أذرع فى الأرض، فى تقدير جوانبها ثم قال: و قد كان سالم بنى الجراح قد ضرب فيها فى خلافة الرشيد أذراعا؛ و كان قد ضرب فيها فى خلافة المهدى أيضا، و كان عمر بن ماهان و هو على البريد و الصوافى فى خلافه الأمين محمد ابن الرشيد قد ضرب منها، و كان ماؤها قد قل حتى كان رجل يقال محمد بن مسير من أهل الطائف يعمل فيها، فأنا صليت فى قعرها. انتهى باختصار ذكر ذرع بئر زمزم و صافيها من العيون أو صفة الموضع الذى هى فيه الآن، أما ذرع عورتها من أعلاها إلى أسفلها فستون ذراعا على ما ذكر الأزرقي، و قال أيضا: ففورها من رأسها إلى الجبل أربعون ذراعا. انتهى و هذا يخالف ما سبق، و الله أعلم و أما العيون التى فى قعرها فثلاث عند حذاء الركن الأسود، و عين جذاء أبى قبيس و الصفا و عين حذاء المروة ذكر ذلك الأزرقى و الفاكهى و ذكر الفاكهى خبرا فيه أن العباس بن عبد المطلب قال لكعب الأحبار: فأى عيونها اغزر؟ قال: العين التى تجرى من قبل الحجر قال: صدقت. انتهى و أما صفة الموضع الذى فيه زمزم فهو بيت مربع فى جدرانه تسعة أحواض للماء تملأ من بئر زمزم ليتوضأ منها الناس و أعلى البيت مسقوف ما خلا الموضع الذى يحاذى البئر، و هذه الصفة يخالف الصفة التى ذكرها الأزرقى فى صفة موضع زمزم، و فى سابع ربيع الأول سنة اثنتين و عشرين و ثمان مائة هدمت ظلة المؤذنين التى فوق البيت، الذى فيه زمزم، لتحربها و لحراب أساطينها الحشب من أكل الأرضة، لذلك و سلخ جميع الجدر الغربي، من هذا البيت و هو الذى يلى الكعبة و الجدار الشامى منه و هو الذى يلى مقام الشافعى و بنى ما سلخ من هذين الجدارين حتى كمل بناؤها بحجارة منحوته فى غالب ذلك و حجارة غير منحوتة بعد أن أوسعوا
فى عرض الجدارين لأحكام البناء و لا سيما الغربى، فإنهم أعمقوا فى أساسه فى الأرض، و لسبب اتساعهم فى عرض هذين الجدارين، أوسعوا فى الأحواض التى فيهما من داخل البيت، و كل ذلك يبنى بالنورة، و بنى بها و بالأجر، ما سلخ من الجدار الشرقى من هذا البيت، و هو ما فوق العتبة العليا من هذا البيت إلى أعلا الجدار، و ثبتوا على الجدار الشرقى أسطوانتين من أجر بالنورة لشدّ الدارابزين الذى يكون فى ذلك، و بنوا خمس أساطين دقيقة من أجر بالنورة و ثلاث فوق الجدار الغربى، و واحدة فى الجدار الشامى، و أخرى من الجدّ اليمانى و نصبوا اسطوانة من خشب بين الأسطوانتين المؤخرتين، و جعلوا أخشابا بين كل من الأساطين الست و ستروها بألواح من خشب مدهونة و جعلوا فيها بين الأساطين الأم، وصف بين الوسطى الأجر و الخشب، فجعلوا فيه قبة من خشب مدهونة و جعلوا فوق هذه القبة قبة من خشب و جريد و قصيب، ساترة للقبة المدهونة و جعلوا زفافا من خشب مدهونا بطيف يجمع هذا السقف، و أيقنوا شد الرفرف و القبة و السقف بمسامير كثيرة كبار، و بكلاليب حديد، و جعلوا فوق السقف المدهون سقفا من خشب غير مدهون و طلوه بالنورة و دكوا فوقها بالأجر، و طلوا ذلك بالنورة، و طلوا ما فوق القبه بالجبس طليا حسنا و أصلحوا جميع سطح البيت بالأجرة، و النورة و جعلوا دارابزين من خشب مخروط، يطيف بجميع جوانب السطح، خلا جانبه اليمانى و جعلوا دارابزين من خشب مخروط يطيف بجانبى الظله اليمانى، و الشرقى، و لم يكن قبل فى هذين الجانبين دارابزين، و جعلوا شباكا من حديد فوق بئر زمزم، زنته اثنان و تسعون منا كل من مائتين و ستون درهما بعد أن ضيقوا سعة الفتحة التى كانت تحاذى بئر زمزم بأخشاب مسمرة جعلت هنالك و لم يكن هناك شباك حديد قبل ذلك، و إنما كان هناك أخشاب مرتفعة كالقافة فطيف بالبئر تمنع من السقوط فيها، و جعلوا دارابزين من خشب مخروط، يطيف بالشباك الحديد و وسعوا الدرجة التى يصعد منها الى سطح هذا البيت لضيقهما، و جعلوا لها دارابزين من خشب غير مخروط و استحسنت وسعتها، و كذا جميع ما عمر فى جدار هذا البيت و ما عمل فى سطحه من ظلة المؤذنين، و غير ذلك استحسانا
كثيرا و فرغ من عمل ذلك كله فى رجب سنة اثنتين و ثمان مائة و المتولى المعروف هذه العمارة الجناب العالى الكبير العلانى، خواجا شيخ على بن محمد الجيلانى نزيل مكة المشرفة- زاده الله رفعة- و توفيقا و كان الى جانب هذا الموضع خلوه فيها بركة تملأ من زمزم و يشرب منها من داخل الى الخلوة لها باب الى جهة الصفا، ثم شدد جعل فى موضع الخلوة بركة مقبوة، و فى جدارها الذى قبل الصفا زبازيب من نحاس يتوضأ الناس فيها على أحجار نصبت عند الزبازيب و فوق البركة المقبوة خلوه فيها شباك الى الكعبة و شباك إلى جهة الصفا، و طابق صغير الى البركة، و كان عمل ذلك على هذه الصفة فى سنة سبع عشر و ثمان مائة هدم ذلك حتى بلغ الأرض فى العشر الأول من ذى الحجة سنة سبع عشرة و ثمان مائة، لما قيل من أن بعض الجهلة يستنجى هناك، و عمر عوض ذلك سبيل لمولانا السلطان المؤيد بن النصر شيخ- نصرة الله- ينتفع الناس بالشرب منه، فيتضاعف له الدعاء و لمن كان السبب فى ذلك وصفة هذا السبيل: بيت مربع مستطيل فيه ثلاثة شبابيك كبار من حديد، فوق كل شباك لوح من جبس صنعة حسنة من كل واحد الى جهة الكعبة و اثنان إلى جهة الصفا، و تحت كل شباك حوض فى داخل البيت و فيه بركة حاصل للماء، و له سقف مدهون يراه من داخل السبيل، و باب إلى جهة الصفا و له رفرف من خشب من خارجه، و فوق ذلك شراريف من حجارة منحوته و باطن السبيل منور ظاهره مرخم بحجارة ملونة، و جاءت عمارته حسنه و فرغ منها فى شهر رجب سنة ثمان عشرة و ثمانمائة، و ابتدى فى عمله بأثر سفر الحاج و فى موضع هذه الخلوة كان مجلس عبد الله بن عباس- رضى الله عنهما- على مقتضى ما ذكر الأزرقى و الفاكهى، و من الحجر الأسود إلى وسط البيت الذى فيه بئر زمزم أحد و ثلاثون ذراع و سدس ذراع بذراع الحديد ذكر أسماء زمزم قال الفاكهى: أعطانى أحمد بن محمد بن ابراهيم كتابا ذكر فيه أنه عن أشياخه من أهل مكة فكتبته من كتابه فقالوا هذه تسمية أسماء زمزم هى زمزم و هى مزمة جبريل و سقيا الله إسماعيل لا تنزف و لا تذم و هى بركة و سيدة نافعة و مضمونة و عونه و يسرى و صافية و برزة و عصمة و سالمه و ميمونه و مباركة و كافية و عافية و معذبة و طاهرة و مقداة و جرمية. و مروية. و مؤنسة و طعام طعم و شفاء من
سقم انتهى. و لها أسماء أخر غير ذلك، و هى حفيره العباس ذكره ياقوت و همز جبريل بتقديم الميم، على الزاى ذكره السهيلى قال: و حكى زمازم و زمزم و رأيت فوق الزاى من زمزم ضمه و على الميم الأول شده و فتحة و طيبة: و تكتم و شباعة العيال و شراب الأبرار و قرية النمل، و نقرة الغراب و هزمة اسماعيل، و هذه الأسماء ذكرناها فى أصل هذا الكتاب بأبسط من هذا، و ظبيه فى أسماء زمزم بالظاء المعجمة بعدها باء موحدة ساكنة ثم ياء مثناة من تحت على مقتضى ما ذكر ابن الأثير فيما نقله عن ابن جماعة فى مكة و كلام السهيلى يقتضى أن طيبة اسم زمزم بطاء مهملة بعدها ياء مثناه من تحت مشددة ثم باء موحده و الله أعلم و أقاتكتم فى أسماء زمزم فهو فعل فيكون بفتح التاء الأول و سكون الكاف و ضم التاء الثانية بعد الكاف و الله أعلم. و اختلف فى زمزم هل هى مشتقة أم لا؟ و اختلف فى المعنى الذى اشتقت منه على القول بأنها مشتقة و قد أوضحنا ذلك مع معانى بعض أسمائها فى أصل هذا الكتاب.
رويناه من حديث ابن عباس عن النبى صلى اللّه عليه و سلم خير ما على وجه الأرض ماء زمزم أخرجه ابن حبان و الطبرانى بسند رجاله ثقات، و كان شيخنا شيخ الاسلام سراج الدين البلقينى، يقول: أنه أفضل من ماء الكوثر على ما ذكر عنه الشيخ لابن الدين الفارسكورى و ذكر أن شيخ الاسلام كان يعلل ذلك بكونه غسل به صدر النبى صلى اللّه عليه و سلم حين شق لأنه لم يكن يغسل إلا بأفضل المياه و ذكر شيخنا الحافظ العراقى أن حكمة غسل صدر النبى صلى اللّه عليه و سلم بماء زمزم ليقوى به على رؤية ملكوت السموات و الأرض، و الجنة و النار، لأن من خواص ماء زمزم أنه يقوى القلب، و يسكن الروع انتهى بالمعنى و الله أعلم بالصواب و روينا من حديث ابن عباس أن النبى صلى اللّه عليه و سلم كان إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم أخرج هذا الحديث الحافظ شرف الدين الدمياطى بسنده و قال فيما أنيبت به عنه اسناد صحيح و روينا من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: ماء زمزم لما شرب له إن شربته تستشفى به شفاك الله و إن شربته لقطع ظمأك قطعه هى هزمه جبريل و سقيا الله اسماعيل و هذا الحديث رويناه فى سند الدارقطنى، و أخرجه الحاكم فى المستدرك، و قال: هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم من
الجارودى، يعنى محمد بن حبيب رواية عن سفين بن عيينة، قال شيخنا الحافظ العراقى: سلم منه و لله الحمد، لإن الخطيب ذكره فى تاريخ بغداد، و قال: كان صدوقا، و حسن شيخنا ابن الصلاح أن حديث بن عباس أصح من حديث جابر. انتهى و ذكر الذهبى رحمه الله ما يقتضى أن هذا الحديث ضعيف، لأنه قال بعد أن ضعف الأسنانى شيخ الدارقطنى فيه: فلقد أثم الدارقطنى بسكوته عنه فإنه بهذا الإسناد باطل، و قد ذكرنا بقية كلام الذهبى فى أصل هذا الكتاب: و قد أخرجنا فى أصل هذا الكتاب حديث جابر من طرق و حديثا لعبد الله بن عمرو بن العاص، و عبد الله بن عمر بن الخطاب- رضى الله عنهم- فى هذا المعنى و حديث جابر رواه الموالى، عن محمد بن المنكدر، عن جابر عن النبى صلى اللّه عليه و سلم و صحيح الدمياطى هذا الإسناد و فى صحته نظر على ما ذكر الحافظ ابن حجر و بينا ذلك فى أصله- و الله أعلم- و قد شربه جماعة من السلف و الخلف لمقاصدهم الجليلة فنالوها روينا فى ذلك أخبارا منها أن الإمام الشافعى- رضى الله عنه- شربه للعلم فكان فيه غاية، و للرمى فكان يصيب العشرة من العشرة، و التسعة من العشرة، و منها أن رجلا يشرب سويقا فيه أبرة و هو لا يشعر بها فاعترضت فى حلقة، و صار لا يقدر يطبق فمه و قارب أن يموت فأمره بعض الناس بالشرب من ماء زمزم و أن يسأل الله الشفاء فشرب منه شيئا بجهد، و جلس عند أسطوانة المسجد الحرام فغلبته عيناه فنام و انتبه من نومه، و هو لا يحس من الإبرة شيئا. و ليس به بأس ذكر هذا الخبر الفاكهى، و هذا ملخص منه بالمعنى و منها أن أحمد بن عبد الله الشريفى الفراش بالحرم المكى شربه للشفاء من العما فشفى، كما ذكر لى شيخنا الشريف عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى: و منها أن الفقيه العلامة المدرس المفتى أبا بكر بن عمر بن منصور الأصبحى المعروف بالشبينى بشين: معجمة و نون ثم يا مثناة من تحت و نون و ياء للنسبة أحد العلماء المغتربين ببلاد اليمن، شرب من ماء زمزم بنية الشفاء من استسقاء عظيم أصابه بمكه فشفى بأثر شربة له على ما أخبرنى به الفقيه الصالح عفيف الدين عبد الله بمكه، و أخبرنى عن أبيه أنه لما اشتد به الاستسقاء خرج يتعرض لطبيب بمكة فأعرض عنه الطبيب الذى قصده، فانكسر
خاطره لذلك، و ألقى الله بباله أن يشرب من ماء زمزم و استسقى بدلو، فشرب منه حتى تضلع، و أنه بعد أن تضلع منه أحس انقطاع شىء فى جوفه فبادر حتى وصل الى رباط الشدرة يستنجى به فما وصل إليه ألا و هو شديد الخوف من أن يروث فى المسجد، فألقى شيئا كثيرا، ثم عاد إلى زمزم و شرب فيه ثانيا حتى تضلع و أخرج شيئا كثيرا ثم صح فبينما هو فى بعض الأيام برباط رفيع بمكة يغسل ثوبا له و هو يطأه برجله، و إذا بالطبيب الذى أعرض عن ملاطفته فقال له: أنت صاحب تلك العلة فقال: نعم قال له: بما تداويت قال: بماء زمزم فقال الحكيم: الله لطف بك قال: و بلغنى عن ذلك الحكيم أنه قال حين رآه أولا هذا ما يعيش ثلاثة أيام عثر الله المذكور و هذه الأخبار تدل لصحته و الحديث صحيح أو حسن و قد ذكر ابن الجوزى فى الموضوعات* ص 189 و لم ينصف فى ذلك، و أما حديث الذى فيه أن الباذنجان لما أكل له فهو حديث موضوع على ما بلغنى عن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية الحنبلى، و صرح بوضعه مشيخنا الحافظ نور الدين الهيثمى، و ليس لهذا الحديث أصل فى كتب الإسلام إلا فى أثناء حديث فى مسند الفردوس بإسناد مظلم، و رويناه فى حزوين عليك بإسناد ساقط، و من خواصها أنه يبرد الحمى، و منها أنه يذهب الصداع، على ما قال الضحاك بن مزاحم و منها أن المياه العذبة ترفع و تعور قبل يوم القيامة إلا ماء زمزم، قاله الضحاك أيضا، و الله أعلم بذلك، و منها أنه يفضل مياه الأرض كلها طّبا و شرعا، على ما قال الشيخ بدر الدين بن الصاحب الأثارى المصرى فى تأليف له سماه نقل الكرام و هديه دار السلام، و أنشد لنفسه أبياتا حسنة فى مدح ماء زمزم كتبناها فى أصل هذا الكتاب، و منها أن ماءها يحلو ليلة نصف شعبان و يطيب على ما ذكر ابن الحاج المالكى فى منسكه و منها أنه يكثر فى ليلة النصف من شعبان فى كل سنة، بحيث أن البئر يفيض بالماء على ما قيل لكن لا يشاهد ذلك الا العارفون، و من شاهد ذلك الشيخ الصالح أبو الحسن المعروف بكر تاج على ما وجدت بحط حد أبى الشريف أبى عبد الله ألفاسى نقلا عن الشيخ فخر الدين النوزرى عن الشيخ على كرتاج و منها على ما قال الضحاك بن مزاحم الاطلاع فيها يجلو البصر، و منها أن الاطلاع فيها يحط الأوزار و الخطايا على ما ذكر أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفرانى فى
كتاب الإرشاد فى المناسك، له و روى الفاكهى نحوه عن النبى صلى اللّه عليه و سلم مرسلا من رواية مكحول، بسنده الى مكحول و منها أن من حثا على رأسه ثلاث حثيات من ماء زمزم لم تصبه زلة أبدا، على ما وجد فى كتب الروم، منها حكاه الفاكهى بسنده عن بعض ملوك الروم ذكر آداب شربه: يستحب لشاربه أن يستقبل القبلة و أن يسهى فيذكر الله تعالى، و يتنفس ثلاثا و يتضلع منه، و يحمد الله تعالى، و يدعو بما كان ابن عباس يدعو به إذا شرب ماء زمزم، و هو أنه يقول اللهم إنى أسألك علما نافعا، و رزقا واسعا، و شفاء من كل داء، كما روى عنه فى المستدرك للحاكم و لا يقتصر على هذا الدعاء، بل يدعو بما أحب من أمر الآخرة و الدنيا، و يتجنب الداعى بما فيه مأثمه. ذكر حكم التطهير بماء زمزم يصح التطهر به بالإجماع على ما ذكر الرويانى فى البحر، و الماوردى فى الحاوى، و النووى فى شرح المهذب و ينبغى توقى إزالة النجاسة به و خصوصا مع وجود غيره و خصوصا فى الاستنجاء، فقد قيل أنه يورث الباسور و جزم المحب الطبرى بتحريم إزالة النحاسة بة و أن حصل به التطهير و قال ابن شعبان من المالكية لا يغسل بماء زمزم ميت و لا نجاسة و مقتضى ما ذكره ابن حبيب المالكى استحباب التوضى به و كذلك مذهب الشافعى ذكره ابن حنبل فى روايه عن الوضوء به، و ذكر الفاكهى أن أهل مكة يغسلون موتاهم بماء زمزم إذا فرغوا من غسل الميت، و تنظيفه تبركا به، و ذكر أن أسماء بنت الصديق- رضى الله عنها- غسلت ابنها عبد الله بن الزبير رضى الله عنه بماء زمزم ذكر نقل ماء زمزم إلى البلدان روينا فى جامع الترمذى عن عائشة رضى الله عنها أنها حملت من ماء زمزم فى القوارير و قالت حمله رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فى الأداوى و القرب، و كان يصب على المرضى و يسقيهم قال الترمذى حديث غريب، لا يعرف إلا من هذا الوجه، و روينا من حديث ابن عباس بسند رجاله ثقات فى معجم الطبرانى الكبير أن النبى صلى اللّه عليه و سلم استهدى سهل ابن عمرو من ماء زمزم، و روينا فى تاريخ الأزرقى أن النبى صلى اللّه عليه و سلم استعجل سهيلا فى إرسال ذلك إليه، و أنه بعث إليه بروايتين، و قد اتفق الأئمة على جواز نقله و استحب ذلك الشافعية و المالكيه ذكر خير شىء من سقاية العباس بن عبد المطلب- رضى الله عنه- هذه السقايه الآن بيت مربع فى أعلاه قبه كبيرة ساتره لجميعه و القبة من أجر معقود بالنورة
و فى أسفل جدرانها خلا الجنوبى شبابيك من حديد تشرف على المسجد الحرام، فى كل جهة شباكان و فى جانبها الشمالى من خارجها حوضان من رخام مفردين، و باب الساقية بينهما و فى هذا البيت بركه كبيرة، تملأ من بئر زمزم يسكب الماء من البئر فى حشبه طويله على صفه الميزاب، متصلة بالجدار المشرقى فى حجره زمزم، و يجرى الماء منها إلى الجدار المشار إليه، ثم إلى قناة تحت الأرض حتى يخرج من البركة من نوارة فى وسطها، و تاريخ عمارة هذه القبة سنة سبع و ثمان مائة، و سبب عمارتها فى هذه السنه سقوط القبة التى كانت على هذه السقاية و كانت خشبا من عمل الجواد و الناصر محمد بن قلاون، ممن عمر هذه السقاية و قد ذكرنا فى أصل هذا الكتاب ما ذكره الأزرقى فى صفة هذه السقاية و هو يخالف ما ذكرناه، و قد ذكر الأزرقى ذرع ما بينها و بين الحجر الأسود و غير ذلك من جوانب المسجد، و ذكرنا شيئا من ذلك فى أصل هذا الكتاب، مع تحرير بالماء بينها و بين الحجر الأسود. انتهى ذكر فضل خبره الذى الآن بداخل مكة و المرابطة بها لما تقدم فى القصة أن قريشا لما أرادوا بناء الكعبة خرجوا إلى جدة لشراء المركب التى انكسرت عليها، باب أن يذكر فضلها، ثم نختم بعد ذلك بالكلام على فضل المرابطة بالثغور، و فضل المجاورة بمكة فنقول فضل جدة التى هى الآن ساحل مكة روى الفاكهى عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضى الله عنه- قال: قال: رسول الله صلى اللّه عليه و سلم مكه رباط و جده جهاد و عن ابن جريح قال: سمعت عطا يقول أما جدة خزانة مكة أوتى به إلى مكة و لا يخرج به منها، ثم قال: أعنى ابن جريح أنى لأرجو أن يكون فضل مرابط جده على سائر المرابط كفضل مكة على سائر البلدان و عن عباد و ابن كثير، أنه قال: الصلاة بجده بسبعه عشر ألف ألف صلاة و الدرهم فيها بمائة ألف و أعمالها بقدر ذلك يغفر للناظر فيها من بصره، مما يلى البحر، و عن فرقه السبخى أنه قال: أتى رجل أقراء هذه الكتب و أتى لا أجد فيما أنزل الله من كتبه جدة أو جديدة يكون بها قتلى و شهد الشهداء يومئذ على ظهر الأرض أفضل منهم، و عن بعض المكيين أن الحبشة جاءت إلى جدة فى سنة ثلاث و ثمانين فى مصدرها فوقعوا بأهل جدة فخرج الناس من مكة إلى جدة غزاة فى
البحر، و عليهم أميرهم عبد الله بن محمد بن إبراهيم المخزومى. انتهى قال الفاسى- رحمه الله تعالى- عبد الله بن محمد هذا أول مكه للرشيد العباس، فيكون المراد سنة ثلاث و ثمانين و مائه، و أول من جعل جدة ساحلا لمكة عثمان بن عفان- رضى الله عنه- فى سنة ست و عشرين من الهجرة و كانت الشعبية ساحل مكة قبل ذلك و ذكر ابن جبير أنه رأى بجده أثر سور محمد مد بها و أن بها مسجدين بنيان لعمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- أحداهما يقال له:
مسجد الأبنوش و هو معروف إلى الآن و الآخر غير معروف و لعله و الله أعلم المسجد الذى يقام فيه الجمعه و هو من عمارة المظفر صاحب اليمن. انتهى و يروى أن قبر حواء بجدة و الله تعالى أعلم. خاتمه للإمام السبكى. رسالة سماها المحاوره و النشاطة. فى المجاوره و الرباط. قال فيها ما نصة قال شيخنا:
شيخ الإسلام بقيه السلف قاضى القضاه حاكم الحكام نقى الدين أبو الحسن على بن عبد الكافى السبكى رحمه الله تعالى جاءنى سؤال أيهما أفضل الإقامة فى الثغر على وجه المرابطة فى سبيل الله كالمرابطه فى أطراف بلد سيش و نحوها، أو المجاورة بمكة شرفها الله تعالى، و المدينة الشريفه فقلت مبتدرا المرابطة ثم رأيت أن أشرح ما عندى فى ذلك فأقول و بالله التوفيق: أما المجاورة بمكة فروى أبو داود فى سنته عن القعينى عبد الدروارى، عن عن الرحمن بن حميد أنه سمع، عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن يزيد: هل سمعت فى الإقامة شيئا؟ قال: أخبرنى ابن الحضرمى أنه سمع رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يقول للمهاجرين إقامة بعد الصدر ثلاثا، و بوب عليه أبو داود باب الإقامة بمكة، و رواه الترمذى أيضا من حديث العلاء بن الحضرمى مرفوعا يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا، و قال: حسن صحيح و هذا خاص بالمهاجرين لا يتعدى إلى غيرهم، لأن المهاجرين تركوها لله، فلا يعودون فيما تركوه لله و كانوا يكرهون الموت فى الأرض التى هاجرو منها، و ورد بإسناد جيد عن ابن عمر بن الخطاب و ليس فى الكتب السنه أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم كان إذا دخل مكه قال: اللهم لا تجعل منايانا منها حتى تخرجنا منها، و ورد من حديث مرسل أن النبى صلى اللّه عليه و سلم خلف على سعد رجلا فقال: إن مات فلا تدفنوه بها. و كان عمر بن الخطاب يقول: يا معشر المهاجرين لا تتخذوا الأموال بمكة، و أعدها بدار هجرتكم فإن
قلب الرجل عنه ماله و فى مصنف ابن أبى شيبة أن عمر بن الخطاب و عائشة كانا إذا قدما مكة حاجا كره أن ينزل بيته الذى هاجر منه، و بوب ابن أبى شيبة فى مصنفه للجوار بمكه فذكر حديث العلاء بن الحضرمى الذى ذكرناه و ذكر عن إسماعيل ابن أبى خالد قال: سمعت عامرا يقول: ما جاور أحد من أصحاب النبى صلى اللّه عليه و سلم، و كان عامر يقول: مالجوار و عن الأعمش عن أبى سفين قال:
جاورت مع جابر بن عبد الله بمكه ستة أشهر و عن عطاء قال: جاور عندنا جابر بن عبد الله و ابن عمر و ابن عباس و أبو هريرة و أبو سعيد الخدرى و عن ابن الزبير أنه كان يقيم بمكه السنين، و عن حفص بن عثمان عن عبد الملك قال: جاورت بمكة و ثم على بن حسين و سعيد بن جبير و عن عطاء قال: أتيت أنا و عبيد بن عمر الليثى عائشة، و هى مجاورة قال: و كان عليها نذرا أن تجاور شهرا، و كان عبد الرحمن أخوها يمنعها من ذلك، و تقول جوار البيت و طواف به أحب إلى و أفضل، فلما مات عبد الرحمن خرجت. و عن عمر لا تقيموا بعد النفر إلا ثلاثا و عن الشعبى عن عبد الله قال: مكه ليست بدار إقامة و لا مكث، و ما ذكره من مجاورة جابر و أبى سعيد فإنهما من الأنصار ليسا من المهاجرين، و ما ورد عن عمر من النهى محمول على المهاجرين أو أنه كان يقصد به عمارة البلاد و أن لا ينتقص حرمه البيت من قلوب الناس الوافدين عليه و قد اختلف العلماء فى كراهية المجاورة، و الحق أنها إنما تكره للمهاجرين، أما غيرهم فلا يكره لهم الإقامة بها، قد دعا إبراهيم- عليه السلام- رب اجعل هذا بلدا آمنا و ارزق أهله من الثمرات و هى أفضل الأرض عند الجمهور، و حرمتها من يوم خلق الله السموات و الأرض، و يحكى أن النبيين كانوا يحجون فإذا أتوا الحرم مشوا إعظاما له و مشوا حفاة، و قيل إنه ما من نبى أهلك الله أمته، إلا أتى مكة بمن معه من الصالحين يتعبدون الله بها حتى يموتوا قلت: و هو مناسب لأن الإنسان ما دام فى الدنيا ينفى له الحرص على الازدياد فى الأعمال الصالحة على الحمل الوجوه فإذا لم يكن له شغل فى غير مكة أفضل من عبادته فيها فهى له أولى، لأن عبادته بها أكمل، و فيها بيت الله فحقيق بالعبد أن يكون عند بيت مولاه، و عن ابن عباس قال: فى المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما قبر إسماعيل و شعيب عليهما السلام فقبر إسماعيل فى الحجر، و قبر شعيب مقابل الحجر الأسود، و هذا فى خبر ابن زنبور من رواية الكلبى عن أبى
صالح، و كنت سمعت شيخنا رضى الدين الطبرى بمكة يقول: إن قبر إسماعيل بالحجر فتعجبت من دفنه فيه و الحجر من الكعبة حتى رأيت هذا الحديث فى الجزء المذكور، و ذكر الشيخ محب الدين الطبرى فى كتابه خير القرى فى زيارة أم القرى، فيما جاء فى الجوار بمكه عن سهل بن عبد الله قال كان عبد الله بن صالح رجل له سابقة جليله و كان يفر من الناس من بلد إلى بلد، حتى أتى مكة فطال مقامه بها، فقيل له: لقد طال مقامك بها فقال: لم لا أقيم بها؟ و لم أر بلدا ينزل فيه الرحمة و البركة أكثر من هذا البلد الملائكة تغدو فيه و تروح، و إنى أرى فيه عجائب كثيرة، أرى الملائكة يطوفون به على صورتها، لا يقطعون ذلك، و لو قلت لك كلما رأيت لصفرت عقول قوم ليسوا بمؤمنين، فقلت له أسالك ألا ما أخبرتنى بشىء من ذلك، فقال ما من ولى لله تعالى صحت ولايته إلا و هو يحضر هذا البلد فى كل جمعة و لا يتأخر عنه فمقامى هذا لاجل من أراه منهم، و لقد رأيت رجلا يقال له مالك بن القاسم جبلى، و قد جاء و يده غمره فقلت له إنك حديث عهد بالأكل، فقال لى: استغفر الله، فإننى منذ أسبوع لم آكل و لكن أطعمت والدتى، و أسرعت لألحق صلاة الفجر، و بينه و بين الموضع الذى جاء منه سبع مائة فرسخ نهل أنت مؤمن فقلت: نعم فقال: الحمد لله الذى أرانى مؤمنا موقنا خرجه الحافظ أبو الفرح فى مثير العزم قوله غمره إنما يقال هذا فى اللحم خاصة و عن إبراهيم قال: كان الاختلاف إلى مكه أحب إليهم من مجاورة البيت، و عن الشعبى قال: لم يكن أحد من المهاجرين و الأنصار يقيم بمكة و عن جابر أنه أقام بمكة فى أحواله فى بنى سهم سبعة أشهر، خرجه سعيد بن منصور قلت: جابر بن عبد الله أنصارى ليس من المهاجرين فلا تحرم عليه الإقامة بمكة، و مع ذلك فقد رأيت ما قيل أنه أقام فى أحواله، فلم يقصد المجاورة و إنما أقام لشغل له مده احتياجه، و فى هذا الكتاب من الميانشى من حديث ابن عباس عن النبى صلى اللّه عليه و سلم «من أدرك شهر رمضان بمكه من أوله إلى آخره صيامه و قيامه كتب له مائه ألف شهر رمضان فى غيره، و كان له بكل يوم مغفرة و شفاعة و بكل ليله مغفرة و شفاعة، و بكل يوم حملان فرس من سبيل الله عز و جل و له بكل يوم دعوة مستجابة». و هذا الحديث فى ابن
ماجة و لفظه: من أدرك رمضان بمكة فصامه، و قام منه ما تيسر له، و ذكر الغزالى- رحمه الله- فى الإحياء فضيلة المقام بمكة، قال: كره الخائفون المحتاطون فى العلماء المقام بمكة لثلاثة معان أحدها خوف التبرم و الأنس بالبيت، فإن ذلك إنما يؤثر تسكين حرقة القلب فى الاحترام، و أنه كان عمر- رضى الله عنه- يضرب الحجاج إذا حجوا و يقول يا أهل اليمن يمنكم، و يا أهل الشام شامكم، و يا أهل العراق عراقكم قلت: يحتمل أن يكون مراد عمر بهذا عمارة البلاد ببقاء أهلها فيها، و الله أعلم قال الغزالى: و لذلك هم عمر- رضى الله عنه- بمنع الناس من كثرة الطواف و قال: خشيت أن ينسى الناس هذا البيت الثانى بتهيج الشوق بالمفارقة لينبعث داعية العود الثالث الخوف من الخطايا قال ابن مسعود: ما من بلد يؤاخذ فيه بالهم قبل العمل إلا مكة، و تلا قوله تعالى: «وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» و يقال السيئات تضاعف كما تضاعف الحسنات، و قال ابن عباس: لأن أذنب سبعين ذنبا بركبه أحب إلى من أن أذنب واحدا بمكة، و ركبه منزل بين مكة و الطائف و لا يظن أن كراهية المقام يناقض فضل البقعة لأن هذه كراهية لضعف الخلق و قصورهم عن القيام بحق الموضع، معنى قولنا أن ترك المقام به أفضل أى بالإضافة إلى المقام مع التقصير و التبرم، و أما أن يكون أفضل مع الوفاء بحقه فهذيان، و كيف لا و لما عاد رسول الله صلى اللّه عليه و سلم إلى مكة قال: «إنك لخير أرض الله إلى الله عز و جل، و أحب بلاد الله إلى الله، و لو لا أنى أخرجت منك ما خرجت» و ما بعد مكه بقعة أفضل من مدينة الرسول صلى اللّه عليه و سلم و الأعمال فيها أيضا مضاعفة فكل عمل بالمدينة بألف، و كل عمل فى مكه بمائة ألف، و الصلاة فى بيت المقدس بخمس مائة صلاة، و كذلك سائر الأعمال، فالعمل فى القدس على نصف العمل فى المدينة، و على نصف عشر عشر العمل فى مكة، و المقتضى لكون العمل فى مكة بمائة ألف، مركب من حديثين أحدهما فى الصحيح، و الآخر سنده صحيح و قال حماد بن زيد عن حبيب بن معلم و قد وثقه أحمد و ابن إسمعين عن عطاء عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «صلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائه صلاة» و هذا صريح فى تفضيل مكة على المدينة و روى نحوه من حديث موسى الجهنى عن نافع عن
ابن عمر عن النبى صلى اللّه عليه و سلم. قال الغزالى: و ما بعده هذه المواضع الثلاثة إلا الثغور فإن المقام بها للمرابطة فيه فضل قلت: الثغور لأفضل فيها فى نفسها إنما الإقامة فيها لأجل الرباط بخلاف مكة، و المدينة، و بيت المقدس، ففيها فضل فى أنفسها، و ليس فى الأرض بقعة لها فضل غير البلاد الثلاثة، و عرفه و مرادنا بذلك الفضل الذى شهد الشرع باعتباره و رتب عليه حكما شرعيا، و تشد الرحال إليها و أما غيرها فلا تشد الرحال إليها لذاتها، و أما شد الرحال إليها لزيارة او جهاد أو علم فلا منع منه، و قد التبس ذلك على بعض الناس، فتوهم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن فى غير الثلاثة داخل فى النهى، و هو خطأ لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، فمعنى الحديث الوارد فى ذلك لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد، أو إلى مكان من الأمكنه لأجل ذلك المكان، إلا إلى ثلاثة مساجد و شد الرحال إلى زيارة حى أو ميت ليس إلى المكان بل إلى من فى المكان كشغل من الأشغال هذا ما يتعلق بالمجاوزة و فى المجاورة بمكة الاعتمار و الطواف و النظر إلى البيت، و تضعيف الصلاة التى تزيد على غيرها، و فى المجاورة بالمدينة تضعيف الصلاة، و زيارة النبى صلى اللّه عليه و سلم و من مات بها يكون النبى صلى اللّه عليه و سلم شفيعا له شهيدا له، يوم القيامة و فى المعجم الكبير للطبرانى ثنا الحسن ابن على بن نصر المطوشى ثنا عبد الله بن أيوب المحرمى ثنا عبد الله ابن كثير بن جعفر عن أبيه عن جده عن بلال بن الحارث قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان و جمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان، و المعجم الكبير روايتنا جمعة إلى الطبرانى و العجب أنه لم يستثن فى هذا الحديث مكة و قد ورد حديث من مات فى أحد الحرمين غفر له و فى إسناده ضعف و المنقول عن أبى حنيفة كراهية المجاورة، و هو محمول على ما قدمناه عن الغزالى إن شاء الله تعالى و ينبغى أن ينظر فى ضابط المجاورة التى اختلف العلماء فى كراهتها، هل من شرطها الاستيطان؟ أو إقامة ما زاد على مدة المسافرين؟ أو كيف هى؟
و لا شك أن إقامة ثلاثة أيام لا تكره لأن النبى صلى اللّه عليه و سلم رخص فيها للمهاجرين، و أقام فى حجته فيها ثلاثة أيام، و الزائد على ذلك يظهر أن يقال إن كان لشغل من
انتظار حج أو غيره فلا يكره قطعا، و إن كان الغزالى- و الله أعلم- فهو محل الخلاف، و تحرير الخلاف، و سببه ما قاله الغزالى- و الله أعلم- و أما الرباط ففى البخارى و مسلم من حديث سهل بن سعد الساعدى- رضى الله عنه- عن النبى- صلى الله عليه و سلم- قال: «رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا و ما عليها و موضوع سوط أحدكم فى الجنة خير من الدنيا و ما عليها» (و الروحه يروحها العبد فى سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا و ما عليها) و فى مسلم من حديث سلمان- رضى الله عنه- قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم «رباط يوم و ليلة خير من صيام شهر و قيامه و إن مات فيه جرى عليه عمله الذى كان يعمل و أجرى عليه رزقه و أمن الفتان» و فى سنن أبى داود من حديث فضالة بن عبيدان أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم قال: «كل الميت يختم على عمله إلا المرابط، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة و يؤمن من فتان القبر» و هذا الحديث قال أبو داود: فيه سعيد بن منصور ثنا عبد الله بن وهب ثنا أبو هانى عن عمرو بن مالك عن فضالة و رواه الترمذى أيضا عن أحمد بن محمد عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن أبى هانى الخولانى أن عمرو بن مالك الجنبى أخبره أنه سمع فضالة ابن عبيد يحدث عن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم أنه قال كل ميت يختم على عمله إلا الذى مات مرابطا فى سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة و يأمن فتنة القبر قال الترمذى: حديث فضالة بن عبيد حديث حسن صحيح و لا يلزم أن يطرد هذا فى من مات فى الجهاد حنف أنفه لأن الجهاد لغرض، و ينقطع و الرباط مستمر فالمرابط حبس نفسه، و عزم على صرف عمره فى الرباط، فهو من هذا الوجه يزيد على المجاهد قرأت على المحدث أبى بكر عبد الله بن على بن شبل الصهاجى قال: أنا الشيخ قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن على بن القسطلانى أنا أبو الحسن على بن أبى الكرم ابن النبا أنا أبو الفتح عبد الملك الكروضى أنا أبو عامر محمود بن القاسم الأزدى و أبو بكر أحمد بن عبد الصمد الفورجى أنا أبو محمد عبد الجيار بن محمد بن عبد الله الجراحى أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبى ثنا أبو عيسى بن سورة الترمذى و الترمذى جمعه هذى بهذا السند قال الترمذى بالإسناد المذكور إليه ثنا محمد ابن بشار ثنا عبد الرحمن بن مهدى و أبو عامر العقدى قالا: ثنا هشام ابن سعد
عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر» و قال غريب و ليس إسناده بمتصل ربيعة بن سيف، إنما يروى عن أبى عبد الرحمن الحبل عن عبد الله بن عمر، و كذا قال و ربيعة يروى عن فضالة بن عبيد قال المزنى، رواه بشر بن عمر الزهرانى و خالد نزار الإيلى عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف عن عياض بن عقبة الغزالى، عن عبد الله بن عمر رواه الليث بن سعد عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف أن ابنا لعياض بن عقبة توفى يوم الجمعة فاشتد وجده عليه فقال له:
رجل من صدف؟ يا أبا يحيى ألا أبشرك بشىء سمعته من عبد اللّه بن عمرو بن العاص فذكره قلت ما ذكره ابن عساكر من رواية ربيعة عن فضاله قد لا يرد على الترمذى، و يكون مراده نفى سماعه من عبد الله بن عمرو بن العاص، و حضر روايته عنه فى طريق أبى عبد الرحمن الجبلى لا نفى روايته عن أحمد سواه مطلقا، و أما ما ذكره المزنى فسنذكره و اسم أبى هلال والد سعيد مرزوق و قال الحافظ مسعود بن أحمد: يفيدنا هذا و يقول هذا من الزوايا يعنى معرفة اسم أبى هلال و ذكر الطحاوى فى مشكل الإناء مثل ذكر الترمذى و زاد بروايته عن يونس عن ابن وهب عن الليث عن ربيعة أن عبد الرحمن بن قمزم أخبره أن ابنا لعياض بن عقبة توفى يوم جمعة فاشتد وجده عليه فقال له رجل من أهل الصدف: ألا أبشرك بشىء سمعته من عبد الله بن عمرو؟ فذكره و يونس هذا حوا بن عبد الأعلى الثقة المشهور و رواه الطحاوى أيضا عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن أبيه و شعيب بن الليث عن الليث ثنا خالد يعنى ابن يزيد عن ابن أبى هلال عن ربيعة بن سيف أن عبد الرحمن بن مخذم فذكره قال فبطل الاحتجاج بهذا الحديث و ذكر الطحاوى هذا فى معارضه حديث قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا وهب ابن جرير ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن أم المؤمنين أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن للقبر ضغطة لو أن أحد ناج منها نجا منها سعد بن معاذ» قال الطحاوى: هكذا ثنا ابن مرزوق لغير إدخال فيه بين نافع و أم المؤمنين أحد أو حدثنا سليمان بن شعيب بن سليمان الكسائى
أبو محمد ثنا عبد الرحمن بن زياد ثنا شعبة قال: سمعت نافعا يحدث عن امرأة ابن عمر عن عائشة عن النبى صلى اللّه عليه و سلم مثله و ثنا محمد بن إسماعيل الصانع ثنا يحيى بن بكير الكرمانى قاضى كرمان ثنا شعبة قال سعد اخبرنى قال: سمعت نافعا عن امرأة ابن عمر عن عائشة رفعه إلى النبى صلى اللّه عليه و سلم ثم ذكر مثله و قد خالف سفين بن سعيد فى إسناد هذا الحديث عن سعد فرواه عنه كما ثنا فهد ثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن سعد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم:
لو أحد نجا من عذاب القبر، لنجا منه سعد ثم قال بأصابعه الثلاث يجمعها كأنه يقبلها ثم قال: لقد ضغط ثم عوفى» قال الطحاوى: فقال قائل ايكون هذا مضادا لما قد روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره ثم قال الطحاوى، فكان جوانبا له و ذكر ما قدمناه، و أن ربيعة لم يلق عبد الله بن عمرو، و ما ذكره حسن لكن يحتاج إلى جواب عن حديث فضالة فى المرابط فإما أن يجعل مخصصا لحديث عائشة و هو الأول و إما أن يفرق بين الأمن و الوقاية فقد يحصل له و هو آمن فيها، و هذا إذا صح الحديثان، و فى كل منهما نظر سنبينه إن شاء الله و قد استمليت من الحافظ مسعود بن أحمد الحارث جزاء فى هذا الحديث، و سمعته منه قال: قرأت على أحمد بن محمد أخبرك زهران الكرخى أنا الأذرى و الرمافى و الفورجى أنا الجراحى أنا المحبوبى أنا الترمذى ثنا محمد ابن يسار ثنا عبد الرحمن بن مهدى و أبو عامر العقدى قالا: ثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف فذكره قال مسعود و أنا بالحديث عبد اللطيف أنا الحرى أنا ابن الحصر، أنا ابن المذهب أنا القطيعى، ثنا عبد الله ابن أحمد حدثنى أبى- رحمه الله- ثنا أبو عامر العقدى ثنا هشام بن سعد فذكره قال مسعود و أنا أبو الفرج، أنا ابن النحاس، أنا القاضى أخبرنا الحوادى، أنا ابن لشغير ابن سعد قال مسعود: و اختلف على هشام فيمن رواه عنه ربيعه فقال انى مهدى و العقدى و شعيب بن حرب عبد الله بن عمرو من غير واسطه و هو ما أوردنا و كذلك قال يونس بن بكير: عنه عن ربيعه لم يذكر سعيد أو زاد حكاية قصة قال: توفى ابن فلان ابن عقبة يوم الجمعة فاشتد وجعه، فسمعت عبد الله بن عمرو يقول: ألا أنبئك بما يسليك عن ابنك هذا أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم
قال فذكره قال مسعود: و هو لو صح الوصل فيما بين ربيعة و عبد الله و رواه أبو يزيد خلد بن نزار بن المغيرة الإيلى عنه بإثبات واسطه فقال: عن عياض بن عقبه الفهرى عن عبد الله و هو الصواب إن شاء الله أنبأنا أحمد بن عبد الدايم عن الكرانى أنا محمود أنا ابن ناد شاده أنا الطبرانى ثنا المقدام بن داود ثنا خالد ابن نزارنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف عن عياض بن عقبة الفهرى عن عبد الله بن عمرو فذكره و رواه أيضا المفافا بن عمران عن هشام، كذلك أباه ابن سلامة أدما عن فاطمة الأنصارية أن فاطمة العلوية أنبأتهم عن إبراهيم، السلمى أنا محمد بن إبراهيم أنا أحمد بن على بن المثنى بنا عبد الغفار، أنا المفافا فذكره و ذكر مسعود كلام الترمذى على الحديث، ثم قال و هو كما قال إلا أن قوله إنما يروى عن أبى عبد الرحمن الحنبلى، عن عبد الله مما يستدرك عليه لما أوردناه من روايته له عن عياض بن عقبة من غير وجد و كأنه أخذه و الله أعلم من ذكر شيخه الإمام أبى عبد الله البخارى له بالرواية عن الحبل معتصرا عليه قاله فى التاريخ، و ذلك لا يفيد ما قال من الحصر، و عياض بن عقبة، كناه ابن يونس انا يحيى توفى سنة مائة و هذا الاختلاف كله مع ما فى ربيعة بن سيف من الضعف فإنه و ان روى له أبو داود و الترمذى و النسائى و قال النسائى لا بأس به و قال الدارقطنى: صالح فقد ضعفه جماعة و عنده مناكير، ورد عبد الحق لأجله حديث يا فاطمه أبلغت معهم الكدا، و هو حديث أخبرناه أبو الفضل محمد بن عمر بن أبى بكر بن ظافر البصرى، أنا يعقوب بن محمد بن الحسن الهنديانى أنا منصور بن أبى الحسن الطبرانا زاهر بن طاهر، أنا محمد عبد الرحمن الكنجروذى أنا أبو عمرو محمد ابن أحمد بن حمدان، أنا أبو يعلى أحمد بن على بن المثنى عبد الأعلى بن حماد ثنا المفضل بن فضاله حدثنى ربيعة المعافرى عن أبى عبد الرحمن الجند عن عبد الله بن عمرو قال: قرأنا مع رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يوما فلما فرغ انصرف و وقف وسط الطريق فإذا نحن بامرأة مقبلة لا نظن أنه عرفها فلما دنت إذا هى فاطمة- عليهما السلام- فقال لها رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «يا فاطمة ما أخرجك من بيتك قالت: أتيت يا رسول الله أهل هذا البيت، فرحمت إليهم بيتهم، أو عزيتهم لا أحفظ أى ذلك قالت: قال: ربيعة فقال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «لعلك بلغت معهم
الكدا قالت: معاذ الله و قد سمعتك تذكر فيها ما تذكر، قال: لو بلغت الكدا ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك». أو أبو أبيك و روى الطحاوى هذا الحديث عن الربيع بن سليمان الجيزى قال ثنا أبو زرعة ثنا حيرة حدثنى ربيعة بن سيف المعاصرى عن أبى عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى اللّه عليه و سلم، فذكر نحوه و إنما ذكر الطحاوى هذا لتثبت رواية ربيعة عن أبى عبد الرحمن الخبلى، و إن كان غير حديث من مات يوم الجمعة، و ذلك لا شك فيه، و ممن ضعف ربيعة النووى فى الكتاب الذى جمعه فى الأحكام قال الحافظ مسعود بن أحمد و قد روى من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو أخبرناه يوسف أنا أبو بكر.
و قرأت على عمر أنا عبد الرحمن و أبو نصر و أبو المفضل و غير واحد.
و قرأت على محمد بن ملاعب، و على بن أحمد أن أبا نصر أخبرهم قالوا: إن عبد الأول، أنا ابن المظفر، أنا السرخسى، أنا ابن خزيم ثنا عبد ثنا يزيد بن هارون، أنا بقية ثنا معاوية بن سعد كذلك الأصل و أنما هو سعيد التجيبى قال:
سمعت أبا قبيل المصرى قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يقول: «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقى فتنة القبر» قال مسعود: الحديث إسناده جيد متصل مشهور من رواية بقية ثقة تكثر عن معاوية ابن سعيد كان يكتب فى ديوان الجند بمصر مشهور روى عنه جماعة من التابعين عن أبى قبيل و اسمه حى وثقه أحمد و ابن معين و أبو زرعة لا يرو بهذا الاسناد إلا من جهة بقيه رواه عنه يزيد بن هارون فى آخرين منهم شريح بن النعمان ثقة احتج به البخارى أخبرناه أبو الفرج، أنا ابن أبى المجد، أنا هبة الله أنا أبو على أنا ابن حمدان ثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا شرع هو ابن النعمان فذكره و منهم حيوة بن شريح و احتج به البخارى أيضا أخبرناه محمد بن إبراهيم أنا أبو القاسم عبد الحميد أنا إسماعيل أنا عمر أبو حفص أنا عمر أبو سهل ثنا عبد الله ابن جعفرنا إسماعيل بن عبد الله ابن مسعودنا حيوة بن شريح نا معاوية بن سعيد التحيبى قال سمعت أنا قبيل فذكره و منهم إبراهيم بن أبى العباس البغدادى السامرى ثقة أيضا أخبرناه عبد اللطيف أنا صاعد أنا الشيبانى أنا أبو على، أنا ابن حمدان نا عبد الله حدثنى أبى نا إبراهيم فذكره و منهم سليمان
ابن داود الختلى أنبأ به غير واحد عن أبى طاهر أنبأنا أبو صادق أنا ابن الطفال، أنا ابن بجيرنا محمد بن عبروسى ثنا سليمان، فذكره من الجزء الثالث عشر من حديث ابن بجير أخبرنا أحمد و عبد الله و عثمان قال: الأولان أنا إسماعيل و قال الآخران عبد الرحمن قالا أنا الرازى أنه سمع من محمد بن الحسين الحر المذكور، أنا الذهلى قرأت على عبد العزيز عن أم هانى، أنا فاطمه أنا أبو بكر أنا سليمان ثنا بكر بن سهل ثنا محمد بن أبى السرى ثنا بقية فذكره و منهم داود بن رشيد احتج به البخارى و مسلم قرأت على عبد اللطيف أخبرك أحمد، أنا إسماعيل، أنا أبو منصور أنا أبو طاهر ثنا عبد الله و هو البغوى ثنا داود يعنى ابن الرشيد فذكره و رواه عبد الرزاق عن عبد الملك بن جريح عن رجل عن ابن شهاب عن النبى صلى اللّه عليه و سلم مرسلا بنحوه و أيضا عبد الرزاق عن ابن جريح عن رجل عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن النبى صلى اللّه عليه و سلم بنحوه، و روينا عن الحافظ الدارقطنى عن أبى الأسود عبيد الله بن موسى عن بشرين فأنى عن أبى نعيم عن خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال الدارقطنى: غربت من حديث زيد بن اسلم عن ابن عمر تفرد به أبو نعيم عن خارجة عنه و لم يروه غير بشرين فأنى. انتهى قال مسعود: و قد روى من جهة أنس بن مالك أخبرنا به أبو حامد، أنا عبد الصمد أنبأنا إسماعيل، أنا ابن مصرور، أنا محمد بن أحمدم، أنا أبو على النيسابورى أنا يوسف، أنا محمد أنا نصر أنا الحسين عن أبان بن أبى مصرور عياش عن أنس قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: ليس ينجو من ضغطة القبر إلا شهيد أو مصلوب، أو من مات يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة» لا أعلمه يروى إلا من هذا الوجه و أبان بن أبى عياش أحد المتروكين أخبرنا عثمان بن الحاجب و قرأت على الأنصاريين و غيرهما قالوا: أنا الحسن بن على أنا الحسين أنا على أنا محمد بن محمد أنا السامرى أنا جعفر بن محمد ثنا محمد بن عبيدنا الحسن اللولوى نا أحمد بن صحيح عن حسين بن علوان عن سعد بن طريف عن أبى جعفر محمد على قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أدخله الله عز و جل الجنة البتة» أبو جعفر هو الباقر و سعد بن طريف ضعيف و أخرج له الترمذى و ابن علوان أبو على الكوفى هذا ملخص ما ذكره الحافظ مسعود- رحمه الله- و لقد أجاد
فى جمعه هذه الطرق، لكن قوله اختلف على هشام محمد رواه. عن ربيعة صحيح، و ليعلم أن الاختلاف عند المحدثين على قسمين أحدهما ما يعتقده المحدث كما هو عند الفقهاء، و غيرهم و القسم الثانى اختلاف الرواية و هو أن يروى ذلك الحديث عن رواية على وجهين أو أكثر، قاله ما نحن فيه رواه عبد الرحمن بن مهدى و العقدى و شعيب عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة عن عبد الله بن عمرو و رواه خالد بن بزار عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة عن واسطة بينه و بين عبد الله بن عمرو فهذه ثلاثة أوجه و تسمى طرقا و تسمى روايات كلها مروية عن هشام بن سعد و لا ينسب إلى عبد الرحمن بن مهدى و العقدى و شعيب منها غير روايتهم عن هشام بن سعد واحده منها و يحتمل أن تكون هى الصحيحة و يحتمل أن يكون الصحيح غيرها و عبد الرحمن إمام فى الحديث عمدة نقاد و نحن لم نعلمه ما عنده من ذلك هل الصحيح عنده ما سمعه من شيخه هشام بن سعد؟ أو ما رواه غير منه؟ فعبارة الشيخ سعد الدين- رحمه الله- لو علم أن عبد الرحمن قائل بترجيح تلك الطريقة التى رواها و لكن لم يرد ذلك و إنما أراد ما قلناه فلذلك نبهنا عليه قوله فقال بن مهدى و العقدى و شعيب بن حرب عبد الله بن عمرو من غير واسطة قد نبهنا على ما فيه قوله و هو ما أوردناه مما يبين أن مراده رحمه الله ما ذكرناه من الرواية لا الترجيح فإنه- رحمه الله- كان غلب عليه علم الحديث و أراد الرواية و لا فى ذهنه غير ذلك قوله و كذلك قال يونس بن بكير: عنه عن ربيعة، و لم يذكر سعيدا، لم يذكر الحافظ سعد الدين- رحمه الله- سندا لرواية يونس بن بكبير هذه و قوله واراد حكايه قصة قال توفى ابن فلان بن عقبه الطاهر أن فلانا هو عياض فقد جاء مبينا فى كلام الذى بعده فى كلام غيره قوله فسمعت عبد الله بن عمرو و هذا لم أره إلا فى هذا الكلام، و قد قلت أنه لم يذكره بإسناد فرددنا لو وقفنا على إسناده، و قد قدمنا عن الطحاوى فى حكاية القصة المذكورة ذكر ابن محزم و قوله فقال له رجل من أهل الصدق: ألا أبشرك بشئ سمعته من عبد الله بن عمرو» و هذا اللفظ يقتضى أن يكون بين ربيعة و عبد الله بن عمرو رجلان أحدهما عبد الرحمن بن محزم
و الآخر مجهول هو المخبر لابن محزم عن عبد الله بن عمرو، و قوله و رواه خالد ابن بزار هذه الرواية و هى مسندة، ليس فيها سمعت، و إنما فيها من طريقة الطبرانى ثنا المقدام بن داود ثنا خالد بن بزار ثنا هشام بن سعد عن سعيد عن ربيعة بن سيف عن عياض عن عبد الله بن عمرو فلم يصرح بالسماع قوله و رواه المعافا بن عمران عن هشام ليس منها تصريح بالسماع أيضا بل فيها ربيعة عن عياض أن ابنا له هلك فقال عبد الله ابن عمرو: و هذا يقتضى أن المحدث لعياض هو عبد الله بن عمرو و عياض بن عقبة ليس له ذكر فى كتب الستة، و قد تقدم ذكره عن ابن يونس، و أن وفاته سنة مائة و لا أدرى هل رأى عبد الله بن عمرو أولا، و أما ربيعة ابن سيف فتوفى فى نحو سنة ست و عشرين و مائة و القصه على الوجه الذى ذكره الحارثى- رحمه الله- يقتضى ظاهرها أن يكون كلاهما حاضرين موت ولد عياض، و أن يكون عبد الله بن عمرو حاضرا أيضا، و هذا بعيد. و الوجه أنه منقطع فإنه لم يصرح بالسماع، فلم يثبت لنا لربيعة سماع من عبد الله بن عمرو، و لا طريق صحيح بسماع ربيعة من غير أبى عبد الرحمن الحبلى فلا مستدرك على الترمذى قوله و قد روى من وجه آخر و ذكر سنده إلى عبد بن حميد إلى أبى قبيل عن عبد الله بن عمرو إلى آخره كلام جيد و معاوية* ابن سعيد ذكره بن حبان فى الثقات فهو إسناد جيد كما قال متصل لا ريبة فيه- إن شاء الله- إلا أنه حديث لم أجده فى شىء من الكتب الستة، و مسند عبد بن حميد الذى هو منه من المسانيد المشهورة، و هو سماعا على زينب المقدسية سماعا، من ابن الليث بسماعه من أبى الوقت عبد الأول، بالسند الذى ذكره مسعود الحافظ، و عبد بن حميد من شيوخ مسلم يزيد بن هرون عظيم و بقية حاله معروف و روى له مسلم و معاوية بن سعيد قد قلنا: إن ابن حبان وثقه و أبو قبيل عن عبد الله بن عمرو ليس فى شىء من الكتب الستة فلعلهم تركوها لأجل بقية، و إن كانوا أخرجوا له غيرها و ما ذكره الحافظ مسعود بعد ذلك من و سل ابن شهاب، حديث المطلب بن عبد الله بن حطب و حديث ابن عمر و حديث أنس و مرسل أبى جعفر الباقه كلها يشد بعضها بعضا، و يقوى الحديث المذكور فيندفع ما قاله الطحاوى من قوله بطل الاحتجاج بهذا الحديث، و يبين أنه جيد مما ينظر فيه لكن من طريق أبى قبيل
حى بن هانى و أما من طريق ربيعة فلا، و المحدث يحكم على الحديث من جهة سنده، فحكم الترمذى عليه من ذلك الطريق صحيح، و الفقيه يحكم عليه من جهة متنه، و قد تبين أن متنه جيد- إن شاء الله- و لا معارضة بينه، و بين حديث ضغطة القبر لأنه عام، و هذه الأحاديث خاصة، فيجمع بينهما، و تقدم الخاص على العام هذا محتمل، و لسنا جازمين به فقد روى الطبرانى فى معجمه الكبير قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمى، ثنا عمران بن أبى الرحيل، ثنا حبيب بن خالد الأسدى عن سليمان الأعمش عن عبد الله بن المغيرة عن أنس قال: «توفيت زينب بنت رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فخرجنا معه، فرأينا رسول صلى اللّه عليه و سلم مهتما شديد الحزن، فجعلنا لا نكلمه حتى انتهينا إلى المقبرة، فإذا هو يفرغ من لحده، فقعد رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و قعدنا حوله فحدث نفسه هنيهة، و جعل ينظر إلى السماء، ثم فرغ من القبر، فنزل رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فقلنا له: يا رسول الله رأيناك مهتما حزينا لم نستطع أن نكلمك، ثم رأيناك سرى عنك، فلم ذلك قال: كنت أذكر ضيق القبر، و غمه، و ضعف زينب، فكان ذلك يشق على، فدعوت الله عز و جل أن يخفف عنها ففعل، و لقد ضغطها ضغطة سمعها من بين الخافقين إلا الجن و الإنس، و اعلم أن هذا السند لم يصح و السند الذى ذكره الطحاوى إلى عائشة رضى الله عنها لم يصح و الصحيح فى أمر الضغطة ما رواه النسائى من حديث أبى عمرو رضى الله عنه عن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: «هذا تحرك له العرش، و فتحت له أبواب السماء، و شهده سبعون ألفا من الملائكة ضم ضمة ثم فرج عنه» رواه النسائى بإسناد صحيح، و ليست فيه عموم لكل ميت فلا إشكال فيه و لا تعارض و سعد بن معاذ- رضى الله عنه- و إن كان عظيما و لكن قد يكون أمرا اقتضى ذلك، فلا يلزم أن يكون ذلك لكل أحد. و ممن صحح إسناد النسائى هذا النووى فى الكتاب الذى جمعه فى الأحكام، و قد أطلنا فلنرجع إلى ما كن فيه من أمر الرباط، و فى الترمذى من حديث عثمان- رضى الله عنه- قال سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يقول: «رباط يوم فى سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه، من المنازل» قال الترمذى: حديث حسن و عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: مر رجل من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه و سلم بشعب فيه عين ماء عذبه فأعجبته فقال لو اعتزلت الناس فأقمت فى هذا الشعب و لن أفعل
حتى أستأذن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فذكر ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: «لا تفعل فإن مقام أحدكم فى سبيل الله أفضل من صلاته فى بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، و يدخلكم الجنة، اغزوا فى سبيل الله من قاتل فى سبيل الله فواق ناقة، وجبت له الجنة» رواه الترمذى و قال: حسن و الفواق ما بين الحلبتين و عن أبى أمامة:- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «أفضل الصدقات ظل فسطاط فى سبيل الله و مبيحة خادم فى سبيل الله». رواه الترمذى و قال حسن صحيح و روى القاضى أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبى عاصم فى كتاب الجهاد من تأليفه من حديث العرباص ابن سارية قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا الرابطة فى سبيل اللّه أو طروقه محل فى سبيل الله، فإنه ينمى له عمله و يجرى عليه رزقه إلى يوم الحساب» و من حديث أبى هريرة عن النبى صلى اللّه عليه و سلم: «من مات مرابطا أجرى عليه رزقه من الجنة، و نماله عمله إلى يوم القيامه، و وقى فتان القبر» و من حديث وائلة بن الأسقع قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «من مات مرابطا فى سبيل الله، أجرى الله له مثل أجر المرابط فى سبيل الله حتى يبعثه الله يوم الحساب» و من حديث عثمان بن عفان سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يقول: «رباط يوم فى سبيل الله» أفضل من ألف يوم فيما سواه من القرب فليرابط أمر كيف شاء و من حديث أبى أمامه عن النبى صلى اللّه عليه و سلم «من مات على ذنابى طريف فهو من أهله و من حديث فضاله بن عبيد عن النبى صلى اللّه عليه و سلم» «من مات على مرتبه من هذه المراتب بعثه الله عليها يوم القيامه» و عن سلمان أنه قال: لأفعل بيروت سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يقول:
رباط يوم صيام شهر بين و من مات مرابطا أجير من فتنه القبر و أجرى له صالح عمله إلى يوم القيامة» و عنه قال: سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يقول: «رباط يوم و ليلة خير من صيام شهر، و قيامه صائما لا يفطر، و قائما لا يفترو» عن أنس عن النبى صلى اللّه عليه و سلم: «من رابط ليلة على مساجد البحر، أفضل من عمل رجل فى أهله ألف سنة السنه ثلثمائة و ستون يوما اليوم مقدار ألف سنه» و فى بعض طرقه حرس ليله و روى فى ذلك فى فضل الرباط عدة أحاديث أخر عن سلمان و أم الدرداء و أبى هريرة و عبد الله بن عمرو ابن العاص و عتبة ابن المنذر و الأحاديث فى فضل الجهاد كثيرة، و إنما ذكرنا منها ما يختص بالرباط و لم يستوعبه، و الرباط مراقبة العدو فى الثغور، و المزاحمة لبلاده قال القنيبى: أصل المرابطة أن يربط الفريقان خيولهم فى ثغر كل منهما معدا لصاحبه فسمى المقام فى الثغور رباطا فالرباط مصدر رابطت أى لا دنت و قد ورد فى المواظبة على الطهارة
و الصلاة قال صلى اللّه عليه و سلم: «فذلكم الرباط» و قيل فى هذا الحديث أنه اسم لما يربط به يعنى أن هذه الخلال يربط صاحبها عن المعاصى، و تكفه عن المحارم، و الربيط:
الزاهد الحكيم الذى ربط نفسه عن الدنيا فصل روى أبو داود فى سننه من حديث أبى سعيد عن النبى صلى اللّه عليه و سلم أنه سئل أى المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: «رجل يجاهد فى سبيل الله بنفسه، و ماله، و رجل يعبد الله فى شعب من الشعاب قد كفى الناس شره» و ظن بعض الناس أن هذا مخالف لتفضيل العلم على الجهاد و قال: و حمل القاضى عياض على أن المراد من التى للتبعيض، لأن العلماء أكمل منهم، و إذا حملناه على من جمع بينه ذلك، و العلم لم يحتج إلى ما قال فقد يكون كل واحد من الرجلين عالما على أنا نفرق بين أكمل إيمانا، و أفضل فالعالم أفضل، و قد يكون غيره أكمل إيمانا منه، و هذا اللفظ الذى ذكرناه عن أبى داود و لفظ الصحيحين من حديث أبى سعيد أرضا مرفوعا مؤمن مجاهد فى سبيل الله بنفسه، و ماله قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن فى شعب من الشعاب يتقى الله، و يرح الناس من شره و لفظ السؤال فى أى الناس أفضل؟ فلا يجىء الجواب الذى قلناه و إن اختار ما دل عليه الحديث و أن هذين أفضل و يكفيهما علما ما هما فيه من ذلك و من لفظ الصحيحين الذى ذكرناه و الترتيب، يؤخذ أن المرابط أفضل من المجاور، و الكلام فى تفضيل العلم على الجهاد له محل غير هذا و قد قرأت على الحافظ مسعود بن أحمد قال: أنا عبد الهادى سماعا أن أحمد بن عبد الرحمن الحضرمى أنا الرازى بقراءة السلفى عليه و أنا اسمع أنا محمد ابن إسماعيل الكثى أنا أبو محمد البالوى أنا عيسى بن موسى بن عدم ثنا الخراسانى عن سفين الثورى عن عباد بن منصور عن الحسن عن أنس قال:
قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «يوزن مداد العلماء و دم الشهداء* فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء» و لا شك أن نفس العلم أفضل من نفس الجهاد، و الجهاد من الأعمال التى تنشأ من العلم و المقصود بالحديث تفضل الأعمال الناشئة عن العلم، و العمل من جنس الإيمان هو الأمثل و تقرير هذا له محل غير هذا فليشتغل بما نحن بصدده و من حديث أبى أمامة أن رجلا قال: «يا رسول الله إئذن لى فى السياحة. قال النبى صلى اللّه عليه و سلم: سياحة أمتى الجهاد فى سبيل الله» و هذان الحديثان و إن لم يكونا خاصين بالرباط فيدخل فيهما لأنه نوع من الجهاد
و الاستعداد له و من الأحاديث فى الجهاد عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «من مات و لم يغز و لم يحدث نفسه بالغزو و مات على شعبة من نفاق» أخرجه مسلم و أخبرنا أبو محمد الحق بن عبد الكريم بن عبد السلام المالكى العمادى المشهور بسيط زيادة قرأه عليه و أنا أسمع قال: أخبرنا عيسى بن عبد العزيز بن عيسى اللخمى يقرأه الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن عليه، و أنا أسمع أنا أبو طاهر السلفى، أنا محمد بن عبد العزيز الغسانى، أنا محمد بن عبد الله بن شنبويه، أنا أبو بكر أحمد بن موسى ثنا محمد بن عبد الله بن دسته ثنا عبد الواحد بن عتاب ثنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبى ذر قال:
قلت: يا رسول الله أى الأعمال أفضل قال: «جهاد فى سبيل الله، ثم إيمان لا شك فيه» و لا خلاف أن الجهاد إما فرض عين، و إما فرض كفاية و الرباط نوع منه و هو أيضا منقسم إلى فرض عين و فرض كفايه و قد يمكن أن يكون سنة لا فرض عين، و لا فرض كفاية فى بعض الأحوال أما المجاورة فليست فرضا أصلا، و لا شك أن الفرض أفضل مما ليس بفرض فى الغالب، لما قاله النبى صلى اللّه عليه و سلم عن الله تعالى «ما تقرب المتقربون إلى بمثل أداء ما افترضته عليهم» و إن كان قد خرج عن هذا مسائل يسيرة كالتصدق على المعسر، الذى هو أفضل من الإنظار الواجب، و نحو ذلك و إذا تؤمل لم لم توجد المسائل المذكورة خارجة عن ذلك بل هى راجعة إليه فائدة فى الجهاد مع إعلاء كلمة الله تعالى تنبيه للكفار من يكون منهم غافلا، و دعوة لهم إلى الحق لتقوم الحجة عليهم فمتى تركه المجاهدون أثموا، و يؤخذ ذلك من قوله تعالى وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ و هكذا العلماء لا يكتفى منهم بعلمهم و تصنيفهم و تعليمهم من يشاء لهم بل يجب عليهم أن يبتدءوا بتعليم كل جاهل، و تنبيه كل غافل، من كافر حربى و ذمى و مسلم عاص و غافل، و ألا يطالبهم يوم القيامة لم لا يبلغوا دعوة الرسل، و يطالبهم أولئك الناس كلهم و هذه لطيفة ينبغى أن ينتبه لها فالعلماء و المجاهدون خلفاء الرسل فى الدعاء إلى الحق، و قيام حجة الله على خلقه، مكلفون بذلك و المجاور و نحوه من المنقطعين للعباده يمدونهم بالدعاء بظهر الغيب.
لما جاءنا هذا السؤال ابتدر ذهبنا إلى أن الرباط أفضل ثم توقفنا عن الجواب لأمرين: أحداهما: «المعنى فى المجاورة و أهلها، و ذلك أن المجاورة فيها عكوف على العبادة التى خلق الله العباد لها قال تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» فالمجاورون فرغوا أنفسهم لذلك و جردوها عما سواه و وجهوا همهم إلى الله تعالى سبحانه، لا شريك له، و استعانوا بذلك على صلاح قلوبهم التى إذا صلحت صلح الجسد كله، و إذا فسدت فسد الجسد كله، و استطراد المعارف الإلهية المتنزلة عليهم من سحائب الرحمة و اشتغلوا بما يترتب عليها من الأحوال السيئة و هم فى ذلك بين صلاة و طواف و نظر إلى البيت العتيق، الذى يتنزل عليه كل يوم مائه و عشرون رحمة ستون منها للمصلين و أربعون للطائفين، و عشرون للناظرين مع مالهم، من صيام و أعمال أخر، ثم هم مع ذلك كله جيران بيت الله تعالى، فاطنون بحرف و ما زال سكان حرم الله مكرمين لأجله، و انظر الحجر الأسود كيف شرع تقبيله لأنه يمين الله فى الأرض على عادة تقبيل يد الملوك، و ان كان الله سبحانه متنزها عن الجارحة، فيفهم من جعل الحجر الأسود فى الأرض لذلك، و هو يمين البيت أن العكوف عند* البيت وحده خدمة لله و عز به و إذا حصل أصل الإسلام، و لو لم يضيف إليه من الأعمال، و هذا وحده لا يوجد فى الرباط لأن القائم على الثغور بمجردها لا قربة فيها، و إنما تزاد و سبله للجهاد، و مجرد الإقامة بمكة إذا قصد لما ذكرناه من مجاورة بيت الله، قربة فمن أوى إلى الله، آواه الله، و فيه شىء آخر عظيم لا يوجد فى غيره، و هو التوجه فى الصلاة إلى عين الكعبة، فيقطع بصوابه، و صحه صلاته بذلك، أما غيرها من البلاد فقد اختلف الفقهاء هل الواجب استقبال العين أو الجهة اشتهر البحث، فى ذلك، و ما فيه من الإشكال على كل من القولين ما عرف فى الفقه و اختلفت محارب أكثر البلاد فى ذلك اختلافا كثيرا، عن الوقوف على الصواب، فيه إلا فى المواضع التى صلى فيها الرسول صلى اللّه عليه و سلم فإنا نقطع بصوابها و لا فيها احتمال تياسر أو تيامن أو جهة أو خطأ فى حساب، فلو لم يكن فى مكة إلا هذه الفائدة لكفت فتادينا مع من يكون بهذه الصفة أن يفضل عمره عليه و لمحنا أنه بالنسبه إلى غيره
كالفقير الصابر، بالنسبة إلى الغنى الشاكر و قد أجرى الله عادته، و قسم الخير فى عبادة من انقسامهم إلى أرباب القلوب المتجردين لذلك، وتر لهم فى الغالب هم الذين تظهر عليهم الكرامات و شواهد الولاية فلا بد فى الخلق فى كل عصر منهم فبهم يحصل لنا الخير من الله فهذا أحد الأمرين اللذين أوجبا لنا التوقف عن إخلاق الجواب. الأمر الثانى: لمعنى فى المرابطين، و هو أن الأحاديث و الآثار و ما قدمناه من قيام بفرضه و اقتضائه رجحانه على المجاورة، و هو فممن يفعل ذلك محتسبا لله تعالى قاصدا به إعزاز دين الله، و إعلاءه كلمته، مجاهدا بنفسه، و ماله- إن كان له مال- أو بنفسه فقط- إن لم يكن له ذلك- رزقا من الأموال الحرام و المكوس بل قانعا من الحلال بما تيسر أو بما يفتح الله عليه من فى المسلمين المرصد للمجاهدين، غير قاصده بل قاصدا إعلاء كلمة الله، فهذا هو المرابط الذى ينظر بينه و بين المجاور فإن كنت أيها السائل من هذا القبيل، قلنا لك: أن الرباط أفضل بشرط اخر أيضا و هو أن تجد من نفسك قوه تعينك على ذلك، فإن من الناس من يكون فيه فضل قوه، و دفع: عن المسلمين فهو الذى يقصد منه ذلك، و أما من لا دفع له لضعف بدنه و نحوه ما المجاورة له أفضل، إن تيسرت و إن كنت أيها السائل ليس من هذا القبيل بل يقصد بهذا السؤال فخر أو رياء، فإنك تأثم بذلك و يدخلنا معك فى الإثم لإعانتنا لك عليه، و إن كنت تقصد بهذا مجرد علم لم يحصل بذلك طائل و ضيعت علينا الزمان فالعلم إنما ينبغى الاشتغال به للعمل أو لتعليم من يعمل لينتفع به القائل و السامع و غير ذلك لا خير فيه و قد كان من المجاورين بمكة الفضيل بن عياض و لا أطيل عليك بكراماته و كونه بالمحل الأسى من المعارف الإلهية و الأحوال السنية، فكتب إليه عبد الله بن المبارك، و لا أطيل أيضا بكراماته و كونه بالمحل الأسنى من العلم و الزهد و الأعمال الصالحه حجا و غزوا و مرابطه و كرما بأحواله كتب إلى الفضل.
من الثغور. يا عابد الحرمين لو أبصرتنالعلمت أنك فى العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعهفنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله فى باطلفخيولنا يوم الصبحة تتعب
ربح العبير لكم و نحن عبيرناوهج السنابك و الغبار الأطيب
و لقد اتانا من مقال نبيناقول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوى و غبار خيل الله فىأنف أمرئ و دخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بينناليس الشهيد بميت لا يكذب
فلما قرأ الفضيل كتابه ذرفت عيناه، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن و نصحنى و هذه الأبيات أنشد فيها ولدى عبد الوهاب من حفظه عن تاريخ ابن عساكر و نقلتها منه، فإن كنت أيها السائل تتخلق بخصلة واحدة من خصال هذين الرجلين فقد سمعت الجواب و إلا فأسأل ربك من خير ما عنده، و ابك على خطيئتك و ادع الله لى و لك و لأمثالنا* من المقصرين و اعلم أن جميع ما ذكرناه فى المرابطة يأتى مثله فى المشتغل بالعلم، و المعلم له إذا لم يتأن له مثلهما بمكة و فيمن هو مشتغل ببر أحد والديه، أو كليهما، أو بأمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو مصلحة من مصالح المسلمين، يعظم وقعها فى الدين لا يتأتى له مثلها بمكة كما شغل أويسنا القرنى بره بأمه عن رؤيته وجه رسول الله صلى اللّه عليه و سلم التى لا شىء بعد الإسلام أعظم منها، أن المقصود بالذات من العبادة و عبادة الله تعالى فالمطلوب من المجاور هو المقصود بذاته و اما الجهاد و الرباط فمقصود بطريق الوسيلة لأنه يتوصل به إلى عبادة أكثر من الشخص الواحد، و إعلاء لكمة الله، و إعزاز دينه و نصرة رسله، و كم من واحد يهتدى به نحو عباده فى نفسه، و يتوسل به إلى ما لا يحصى من العبادات، و كذلك العدل، و نحوه فلذلك فضل عن المجاور اختلف فيها فكرهها بعض العلماء و الذين لم يكرهوها لم يقولوا أنها مطلوبة فلم يجىء عن النبى صلى اللّه عليه و سلم أمر بها و لا فعل دال عليها، و العلم كذلك مقصود فى نفسه فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى صفاته و أسماؤه و وسيله إلى غيره لما يهتدى به و هو الذى يعتمده المجاهدون و العباد ففضله على الجهاد كفضل الجهاد على العبادة، و فضلهما على العبادة بالعرض، لا بالذات، و المفضل بالذات هو العبادة، و سرها و تفضيلها للوصول، بها إلى الله الملك الحق فهو المقصود كله لا إله إلا هو و كل ما سواه عدم و من وجده وجد كل شىء و من فاته لم يحصل على شىء، و التعب فى رضاه راحة و فيما سواه باطل.
لئن كان هذا الدمع يجرى صبابةغلى غير ليلى فهو دمع مضيع
و من هى ليلى فى خلق الله، فكيف رب العالمين خالق الموجودات أجمعين نسأل الله أن يجمعنا عليه، و يجذبنا إليه بمنه، و كرمه بنبيه محمد و هو وسيلتنا إليه صلى اللّه عليه و سلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين، و رضى الله عن صحابته أجمعين و عن جميع علماء المسلمين. آمين و الله تعالى أعلم بالصواب و إليه المرجع و المآب و كان الفراغ من زبرها يوم الأربعاء المبارك حادى عشر ذى الحجة الحرام من شهور سنة تسع و ثلاثين و ألف ختمت بالخير و الشرف على بركاتها العبد الفقير إلى الله تعالى.
منصور بن سليم الدمناوى الأزهرى
ترجمة المؤلف 5
وصف المخطوط 6
تمهيد 11
المبحث الأول 16
المبحث الثانى 27
المبحث الثالث فى فضل الحجر الأسود 29
ذكر تطييب الكعبة 90
ذكر حلية الكعبة المعظمة و مغاليقها 103
ذكر كيفية صلاة الأئمة بهذه المقامات و بيان مواضعها من المسجد الحرام 153
تحقيق أجوبة المبحث الثانى 161
التنبيه الثالث 242
التنبيه الرابع 243
ذكر ما أصاب الحجر الأسود فى فتنة القرمطى 312
ذكر شىء من الآيات المتعلقة بالحجر الأسود 313
ذكر الملتزم 314
ذكر زمزم 315
ذكر فضائل ماء زمزم و خواصه 328
فصل 350
الفهرس 354(165)
ت
هنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام
تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام
جلد اول
مقدمات ..... ص : 5
ترجمة المؤلف ..... ص : 5
اسمه و نسبه ..... ص : 5
صفاته و أخلاقه ..... ص : 5
شيوخه: ..... ص : 5
مؤلفاته: ..... ص : 5
وفاته: ..... ص : 5
وصف المخطوط ..... ص : 6
تمهيد ..... ص : 11
المبحث الأول فى حفظ محل البيت من الطوفان زمن النوح و من السيول فيما بين نوح و ابراهيم ..... ص : 16
المبحث الثانى فى أن محل البيت هل خلق قبل السماء و الارض أو لا؟ و فى... ..... ص : 27
المبحث الثالث فى فضل الحجر الأسود ..... ص : 29
خاتمة: ..... ص : 57
ذكر تطييب الكعبة ..... ص : 90
ذكر حلية الكعبة المعظمة و مغاليقها ..... ص : 103
ذكر كيفية صلاة الأئمة بهذه المقامات و بيان مواضعها من المسجد الحرام ..... ص : 153
فلنشرع فى تحقيق أجوبة المبحث الثاني ..... ص : 161
التنبيه الثالث فى بيان سن رسول الله... ..... ص : 242
التنبيه الرابع فى الكلام على ما ذكر فى القصه من بدو... ..... ص : 243
ذكر ما أصاب الحجر الأسود فى فتنة القرمطي ..... ص : 312
ذكر شىء من الآيات المتعلقة بالحجر الأسود ..... ص : 313
ذكر الملتزم ..... ص : 314
ذكر زمزم ..... ص : 315
ذكر فضائل ماء زمزم و خواصه ..... ص : 328
فصل:(لما جاءنا هذا السؤال ابتدر ذهبنا إلى أن الرباط...) ..... ص : 350
فهرس الكتاب .....