تاریخ سجستان من المصادر الفارسیه فی التاریخ الاسلامی

ghaemiyeh.com

اشارة

‌عنوان و نام پديدآور : تاريخ سجستان من المصادر الفارسيه في التاريخ الاسلامي ؛ ترجمه محمود عبد الكريم علي.

مشخصات نشر : القاهره: المجلس الاعلي للثقافه، ۲۰۰۶م=۱۳۸۵.

مشخصات ظاهري : 349 ص.

فروست : المشروع القومي للترجمه؛ ۱۰۵۶.

شماره كتابشناسي ملي : ۲۸۶۹۷۱۸

اشارة

مقدمة المترجم‌

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين و المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد و على آله و من اتبعه من المؤمنين و سار على دربه إلى يوم الدين.

هذا الكتاب ترجمة للكتاب الفارسى" تاريخ سيستان" أى" تاريخ سجستان" و هو مجهول المؤلف، ألّف فى منتصف القرن الخامس من الهجرة المباركة، و نشر هذا الكتاب و حققه العلامة الأستاذ/ محمد بهار ملك الشعراء، حيث كان فى تحقيقه دقيق الملاحظة متكئا على خلفية علمية عميقة له، كان من أهم مقوماتها علمه الواسع باللغة البهلوية التى كانت لغة إيران قبل الإسلام، حيث إن الكتاب أخذ عن مصادر كتبت بهذه اللغة و اندثر معظمها، إلا أن هذا الكتاب حفظها، و كتاب مثل هذا لا بد أن يكون عظيم الأهمية خصوصا أنه كتاب تاريخ، و معلوم أن تاريخ الأمم هو مرآة حضارتها.

تقع سجستان فى الجنوب الشرقى لإيران على حدودها المتاخمة لأفغانستان و هى مدينة قديمة هاجر إليها قوم السكه فى عصر فرهاد الثانى الأسكانى سنة (136- 128 ق. م.) و استقر فيها، و كانت تسمى فى ذلك الوقت زرنج، و لفظ سجستان معرب من الكلمة الفارسية (سگ) بمعنى الكلب، كما كانت تسمى أيضا نيمروز لأننا نجد هذا الاسم قد جاء مكررا فى الشاهنامة، و قد كتب على عملة الدولة الساسانية و الكيانية. و تنقسم سجستان إلى قسمين، الأول: الحافة الجنوبية لجبال هندكوش حيث يمر الطريق الذى يربط قندهار بهراة و مرو و بلخ، و هو

موقع متميز للاتصالات. الثانى: المنطقة الصحراوية، و تقع حول بحيرة هامون و أطرافها صالحة للزراعة.

و لا يفوتنا أن ننوه إلى أن مدينة بم الإيرانية التى ضربها الزلزال و خربها 2004 م. قريبة من مدينة سجستان.

و من الأهمية بمكان أن نذكر أن سجستان قد أنجبت للعالم الإسلامى بصفة عامة و لها بصفة خاصة كوكبة كبيرة من العلماء فى كثير من فروع العلم و الثقافة، كما أنها قد تميزت بإنجاب العلماء الفقهاء المتخصصين فى علوم الدين، و نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر أبا داود السجستانى المحدث صاحب كتاب السنن، و أبا حاتم السجستانى و هو لغوى و أديب مشهور، و أبا بكر السجستانى و هو فقيه و مفسر و له نزهة القلوب فى تفسير غريب القرآن، و غيرهم كثير.

كما أنه من الأهمية بمكان أن نعلم أن تاريخ المسلمين و حضارتهم فى المشرق الإسلامى فى حاجة ماسة لرصده و تسجيله من عصر إلى آخر، و لا يمكن الإتيان بهذا إلا بالإلمام بلغات هذه الشعوب فى المشرق الإسلامى سواء كانت اللغة الفارسية أو الأردية أو التركية أو غيرها، فلا يجوز بأى حال من الأحوال أن نسجل تاريخ هذه الشعوب من مصادر عربية، فلا بد من معرفة تاريخ هذه الشعوب من لغتها الأم التى يتحدثون بها، و يدونون بها تاريخهم، و من مصادرهم التى سطروا بها حضارتهم.

و الكتاب الذى أقدمه- بعد النظر فيه- خرجت منه بحقيقتين: إحداهما عامة و الأخرى خاصة.

فالحقيقة العامة تتصل بمؤلف الكتاب، فهو يعد من الكتب القليلة من التراث الإسلامى التى لم يعرف لها مؤلف، و اتضح فى النهاية أن له مؤلفين، و ذلك أخذا من اختلاف أسلوب الكتاب فى جانب منه عن الجانب الآخر، فهذان الجانبان يمثلان مؤلفين يختلفان فى أسلوبهما، و فى كيفية تناولهما الأحداث.

أما الحقيقة الخاصة فهى أن للكتاب قيمة تاريخية خاصة، و يعد بحق مصدرا من المصادر المهمة فى التاريخ الإسلامى بصفة عامة، و فى التأريخ للخوارج و الدولة الصفارية بصفة خاصة، و زاد من قيمة الكتاب أن مؤلفيه اعتمدا على مراجع فارسية قديمة ضاع معظمها، و بذلك جاء بمادة نادرة، هى تلك المادة التى نجدها فى هذا الكتاب، و أظن أن مؤلف القسم الأول اعتمد على كتب" بهلوية"، حيث كان يعرفها، أضافت بعدا جديدا إلى قيمة هذا الكتاب من حيث كونه كتابا فى تاريخ ذلك الإقليم الذى أبدى فرط اهتمامه بالتأريخ له منذ بدء الخليقة إلى العصر الذى عاش فيه. و أنه كان يحذو حذو قدماء المؤرخين الذين يستقون مادتهم التاريخية من الأساطير و الوقائع. و لا يقلل من قيمة الكتاب أن يؤرخ فيه مؤلفه معتمدا على ما يعد أسطورة، فمن المعروف أن الأسطورة تاريخ فى مرحلتها الأولى، و الأسطورة اليوم كانت حقيقة فى نظر القدماء.

إن المؤلف يبدو معتزا اعتزازا كبيرا ببلده سجستان، فهو يتتبع تاريخها منذ نشأتها، و لا يريد أن يترك حقيقة دون الإشارة إليها، و هو يعمد إلى التفصيل رغبة منه فى التمجيد و التعظيم، لأنه يريد أن يبين أن لها سابقة فى المجد قبل الإسلام، أما بعده فهو يذكر لنا الكثير من الحقائق التى تتعلق بدخول الإسلام إلى سجستان.

و ينتقل المؤلف من التاريخ إلى الجغرافيا فى تفصيل، فيقف على كثير من الحقائق، و يذكر كل شى‌ء عنها، راغبا فى أن يبين فضلها على غيرها من المدن الأخرى، و عقد مقارنات يذكر فيها أخص الخصائص من المعلومات.

اهتم المؤلف بفترة خاصة من تاريخ سجستان، و هى الفترة التى كان للخوارج فيها دولة، و ذكر عنهم معلومات قيمة و بيّن صلتهم بالخلافة الإسلامية فى دمشق و بغداد. كما أرّخ لميلاد المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و عصره، و عصر الخلفاء الراشدين و الأمويين و العباسيين، و العلاقات القائمة بين سجستان و بين هؤلاء الخلفاء.

استفاد المؤلف من معظم المصادر التاريخية، كما استفاد من نصوص الشعر العربى و الفارسى معا، و يدعم قوله فى الكثير من الأحيان بالحجة أو الدليل، خاصة أثناء سرده لسيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) فهو يذكر أحداثا يتسم معظمها بالغرابة، و هذا دليل على أنه اعتمد على مصادر مفقودة، و لكنه يكتفى بسرد الخبر و لا يتصدى لتوكيده أو تفنيده.

و أرّخ المؤلف للدويلات الفارسية التى قامت في المشرق الإسلامى، و بيّن علاقتهم بالخلفاء العرب، و تلك حقبة تاريخية فى غاية الأهمية.

و من بعض مزايا هذا الكتاب انفراده دون غيره من كتب التاريخ الإسلامى بالحديث عن الفتح الإسلامى لسجستان، و ذكر قصة مقتل أبى مسلم الخراسانى على يد أبى جعفر المنصور، و هى قصة فريدة، و كذلك قصة إسراف معن بن زائدة فى العطاء للشاعر مروان بن أبى حفصة، لدرجة أن ما فى الخزانة قد نفد و لم يبق منه شى‌ء، و قصص حمزة الشارى، و رسالة هارون الرشيد إلى حمزة ورد حمزة عليها، و كذلك قصة أبى جعفر أحمد بن محمد مع ماكان بن كاكى، و مجلس الأمير نصر بن أحمد، و قصيدة الرودكى النونية و ذكرها كاملة و المناسبة التى نظمت من أجلها، و غير ذلك كثير.

و كما أن الورد لا يخلو من الأشواك، فإن للكتاب عيوبا تؤخذ عليه، إلا أنها لم تنقص من قيمته التاريخية مطلقا، منها على سبيل المثال لا الحصر، وجود بياض كثير فى المتن الأصلى، و هذا يجعل المعنى مضطربا و السياق غير واضح، كما أنه يكثر من ذكر الأسماء أثناء سرده للأحداث، فهذا يشتت تركيز القارئ عن تتبع سير الأحداث، كما أنه يكثر من ذكر الأحداث المتعاقبة فى سرعة، و يضع عناوين و لا يذكر تحتها شيئا إلا أسطرا معدودات.

أما الجزء الثانى من الكتاب و الذى يبدأ تقريبا من بعد عنوان" مقدم الأمير بيغو سجستان" حتى نهاية الكتاب، لم يذكر المؤلف عناوين للأحداث التى أرخ لها

إلا عنوانين تقريبا- إلا أنه كان يأتى بالحدث تلو الآخر، مما جعل هذا القسم غير مرتب و منظم، و أصبحت قراءته للإلمام بأحداثه أمرا صعبا بالنسبة للمطلع على الكتاب.

و الآن أيها القارئ الكريم أقدم لك بعض ما فتح اللّه علىّ من ترجمة عربية للمتن الفارسى برمته لكتاب" تاريخ سيستان"، و قد حاولت جهد الطاقة أن تكون الترجمة مطابقة للأصل الفارسى، و قمت بكتابة بعض الحواشى و التعليقات المفيدة التى قد تساعد على توضيح المعلومات و إزالة اللبس.

و اللّه أسأل أن يكون الكتاب ذا فائدة واقعة للمهتمين بالتاريخ الإسلامى بصفة عامة، و تاريخ المشرق الإسلامى بصفة خاصة، و أن تعم فائدته الجميع، و هو الهادى إلى الصواب.

محمود عبد الكريم على

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، و سبحان الذى أحاط بكل شى‌ء علمه، و نفذ فى كل موجود حكمه، و ظهر فى جميع الأمور حكمته، و بان فى كل مصنوع لطيفة صنعه، نحمده على نعمته عندنا بموهبة العقل الذى اختصنا من سائر الحيوان به، فوجب علينا بذلك حجته و لزمنا معه عبادته و الإقرار بربوبيته، و صلى اللّه على محمد عبده و رسوله و على آله من أهله.

أخبار سجستان منذ نشأتها و أنساب عظمائها و حدودها و أين كانت فى بداية أمرها و فضائلها على غيرها من المدن الأخرى كما وجدت فى كتاب جرشاسب(1)، و كذلك كتاب فضائل سجستان الذى ألفه هلال يوسف الأوقى(2)

( يوسف الأوقى) من رجال أوه( من تعليقات محمد بهار على الكتاب ص 2).

، و ما حدث بعد ذلك حتى عصر الملك؟(3)...، أما بناء سجستان على يد جرشاسب بن أثرت بن شهر بن جورنج بن بيداسب بن تور بن جمشيد الملك بن نوبخان بن إينجد بن اوشهنك بن فراوك بن سيامك بن ميشى بن كيومرث.

1) يوجد فى الأصل ثلاثة أسطر بيضاء، و كتاب جرشاسب الذى ذكره بهذا التفصيل غير جرشاسب نامه الذى نظمه أسدى الطوسى، و ينبغى أن يكون كتابا آخر غير كتاب أسدى الطوسى الذى أخذ عنه قصة جرشاسب و أسرته، و بموجب تصريح هذا الكتاب فى مكان آخر، فإن الكتاب من تأليف أبى المؤيد البلخى، و لعله كان جزءا من شهنامته، و سقطت هذه القصة من شهنامة أبى منصور.( من تعليقات محمد بهار على الكتاب، ص 2).

2) لا يعرف من هذا الشخص، و أوق اسم مكان منسوب إليه، و هو مكان بين بست و غزنه، و سجله الإصطخرى( أوقل) و كتبت فى الحاشية بنقل عن الإدريسى( أوق)، و ذكرت فى هذا التاريخ( الكتاب) مكررة، و قد ذكرها ياقوت فى حاشية كتابه أن( أوه) اسم شخص من معاصريه، و أنه من أحفاد:

3) فى المتن ثلاثة أسطر بيضاء و لا نعلم أى ملك هو، ص 2.

و كان كيومرث(1)آدم علية السلام الذى عاش ألف سنة منذ أن خلقه اللّه فى ذلك اليوم ملكا. و كان من بعده الملك (أوشهنك) الذى بلغت مدة مملكته أربعين سنة، و من بعده كان الملك (طهمورث) الذى ...(2)و بنوا سجستان حتى بعث محمد صلى اللّه عليه و سلم نبيّا من قبل اللّه تعالى، و جاء بشريعة الإسلام بعد مضى أربعة آلاف سنة شمسية، و أعظم فضل لمدينة سجستان هو أن اسم النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و خبره قد جرى على ألسنة أهلها خاصهم و عامهم. و كان بناء سجستان فى اليوم الذى جمع فيه جرشاسب علماء عصره قائلا لهم:" إننى سوف أبنى مدينة فى الوقت الذى يخرب فيه الضحاك(3)العالم و يقتل الأحرار و يفسد فى العالم بالسحر حتى يكون للناس ملجأ، و لن يكون له على هذا المدينة أمر، فلذلك أريد منكم أن تهتموا فترقبوا الطالع، و تبدأوا فى وقت سعد ليس به نحس على الإطلاق، و انتظروا طويلا حتى يصبح هذا ممكنا، بحيث تبقى الدنيا و كل ما فيها قائم، و يصبح فى النهاية لا شى‌ء" فمكثوا على ذلك طويلا ثم انتظروا و قالوا:(4)" يجب البناء الآن" فبدأ بنفسه البناء، ثم حكموا بعد ذلك و بقيت هذه المدينة أربعة آلاف سنة شمسية. و عندما يبعث المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و يظهر الدين الإسلامى، فإنه يدعو الأعاجم إلى دين الحق، و أول أناس يستجيبون له أهل سجستان و يدخلون فيه طوعا أو كرها، و فى عصر دينه


1) ذكر البعض أن مدة ملك كيومرث ثلاثون عاما، و قال آخرون هى أربعون و عمره ألف أو ثلاثة آلاف سنة قضى بعضها فى الجنة و البعض الآخر على الأرض( من تعليقات محمد بهار على الكتاب ص 3).

2) فى المتن ثلاثة أسطر بيضاء ص 3.

3) الضحاك: هو بيوارسب. من أصل عربى- بناء على ما جاء فى الشاهنامة- قتل والده، و كان يخرج من منكبيه ثعبانين. قتل جمشيد، و جلس على العرش. و كان ظالما، و ثار الناس عليه، و استدعوا أفريدون، فأسره و سجنه فى جبل دماوند.

4) المراد هو رؤية الطالع للمدينة، و الطالع يكون أمام أربعة و سبعة باصطلاح أهل الفلك، بحيث يكون الغارب مقابلا للطالع، و أن تكون العشرة مقابلة و ثابتة للأربعة، و فى هذه الاصطلاحات، لا وجود لرقم اثنى عشر. و المقصود أنك تنظر إلى الطالع وقت بناء المدينة من أربعة و سبعة و عشرة حيث إنها أوتاد الطالع( من تعليقات محمد بهار على الكتاب، ص 4).

عليه السلام، وقعت أربعمائة و أربع و أربعون موقعة، و عندما تمر أربعمائة و أربع و أربعون سنة تعمر هذه المدينة ثانية على يد الملك بوركان بن كرايست شان و هو قريب من الكيانيين(1)فابتهج جرشاسب بهذا و خلع عليهم الخلع، و بنى هذه المدينة و أتمها، و قصة جرشاسب و بكتابتها يتم الكلام، و قد اكتفينا هنا بهذا المقدار حتى لا يطول الكتاب، أما عن عظمته و فخره فكانت واحدة منها أنه فى عصر الضحاك و كان عمره آنذاك لا يزيد عن أربعة عشر عاما، قتل تنينا بمفرده كان فى عدة جبال بأمر من الضحاك، و بعدها مضى مع قليل من الناس الزواليين و الإيرانيين و ذلك بأمر من الضحاك عونا لبهرام الهندى(2)، ثم مضى و قبض على بهو مع فوجين من ألف ألف فارس و ألف فيل و قتله، و أمن الهنود و ديارهم، و توجه إلى سرانديب(3)

أمطرى لؤلؤا جبال سرنديب‌و فيضى آبار تكروبترا

و قبض هناك على نسرين و قتله، و طاف حول بحر المحيط، و رأى العجائب فى هذه الجزر، و من هناك توجه إلى المغرب و حقق أعمالا كثيرة حتى ظهر فريدون ابن عمه ثانية، ثم قيد الضحاك، و أرسل شخصا لاستدعاء جرشاسب مع حفيده نريمان بن كورنك(4)بن جرشاسب صوب أفريدون و استقبله أفريدون

1) هذه الجملة محل تأمل فى الأصل و بها اضطراب و ليست صحيحة و لم يتيسر لنا أن نخمن عليها( من تعليقات بهار على الكتاب، ص 4).

2) ظاهرا مهراج الهندى، لأنه ذكر فى جرشاسب نامه أن مهراج هو اسم جرشاسب أيضا( مهاراجه) فإنه لقب الملك العظيم و ضبط فى إحياء الملوك( بيهو)( من تعليقات محمد بهار، ص 5)

3) سرانديب هو الاسم الذى أطلقه العرب على جزيرة سيلان، و هو تحريف للاسم السنسكريتى" سنها لافيا"، اشتهرت سرانديب باللؤلؤ كان يجمع على الساحل الشمالى الغربى، و كان من أسباب غزو البرتغال و الهولنديين للجزيرة، فمن ثم أطلق عليها اسم( لؤلؤة الشرق) و إلى هذا المعنى يشير الشاعر العربى:

4) فى جرشاسب نامه لأسدى الطوسى يقول: إن نريمان بن كورنك، و كورنك أخو كرشاسب و يقول أيضا: عندما كان نريمان طفلا و كورنك رجلا، استدعى جرشاسب نريمان، و كورنك هذا غير الجد القديم من جهة الأم جرشاسب و والدة زوجة جمشيد.( من تعليقات محمد بهار، ص 5)

مرة أخرى، و أجلسه على العرش، و أجلس نريمان أمام العرش على كرسى من الذهب ثم أرسله إلى الصين لكى يقبض على ملك الصين الذى لم ينصدع لأمره فقبض عليه، و أرسل إلى العتبة حمولة ألف فيل من الذهب و الجواهر إلى نريمان، و كان هو بنفسه فى الصين، و أرسل رسالة إلى أفريدون يقول فيها: (قبضت على هذا الرجل و أرسلته و سأبقى هنا حتى تأتى إلى هذا المكان، أما (تواورا) فامنحه الخلع و أعده و اعف عنه لأنه رجل محتشم، و لم يكن لأحد غيره القدرة على هذه الولاية) و هكذا نفذ أفريدون، و من هناك جاء جرشاسب إلى أعتابه ثم جاء من هناك إلى سجستان، و ظل ملكا عليها تسعمائة سنة، و لم يكن للضحاك حكم فى سجستان مطلقا، و أعاد إلى جرشاسب كل زابل و كابل و خراسان التى كانت للضحاك، و أضافها أفريدون إلى ولايته.

حديث كورنك

(1)لم يعش كورنك أكثر من ثلاثين عاما، و وافاه الأجل فى عصر (گرشاسب) و لما كان (گرشاسب) مشغولا بعبادة اللّه، أودع بطولة العالم لحفيده (نريمان) الذى كان ابن كورنك، و كان (أفريدون) فى عصر منوچهر، و استودع (نريمان) منوچهر حتى مضى و ثار لدم أبيه إيرج، و شكر (أفريدون) اللّه تعالى قائلا: (إنى لم أمت حتى أنصف اللّه تعالى الدنيا من الظالمين)، و فى عصر (نوذر) كان (سام بن نريمان) بطلا للعالم، و كان منصفا و صفت له الدنيا حتى ظهر أفراسياب ثانية،


1) يتحدث المؤلف عن كورنك و أفريدون و رستم و فرامرز و أفراسياب و ينسب إلى كل منهم أعمالا قاموا بها، و صبغها بالصبغة الإسلامية، و لكننا لم نتقبل كل ما قاله لأن هؤلاء من الملوك الأسطوريين، و معروف أن أفراسياب كان ملك الترك و رستم ملك الفرس و كانت إيران و توران متحدتين و تحت إمرة ملك واحد، و عندما أراد أفريدون أن يعتزل الحكم قسم ملكه بين أبنائه. كما كان فرامرز بن رستم و هو بطل مغوار، و حارب أفراسياب و دارت حرب ضروس بينهما و هزم فرامرز أفراسياب، و عندما قدم رستم المعركة و وجد الحال هكذا، سر سرورا عظيما استقبل ابنه الفارس المغوار.

و كان ممسكا بزمام الأمور فى مملكة إيران لمدة اثنى عشر عاما، و كان (نريمان) و ابنه (سام) يهاجمونه كثيرا حتى حرر مملكة إيران، و مضى عاجزا ثم اتجه إلى التركستان ثانية، و كان (سام) فى عهد (طهساب)(1)

لم يروا إلا ابن طهماسب منه‌و كانت له قوة الملوك و بلاغة القول

و يسمى البيرونى زاب على أنه ابن طهماسب( من تعليقات محمد بهار ص 7)

بطلا للدنيا، و عمر ابنه (دستان) العالم، حتى ظهر (أفراسياب) و استولى على إيران، و دخل أهل إيران فى حماية (دستان) حتى مضى، و كان رستم فى الرابعة عشرة من عمره و أحضر (كيقباد) و مضى وسط جيش من الترك، ثم عاد و أظهر الشجاعة، و هاجم أفراسياب و أرواح العالم، و فى عصر (كى‌كاوس) توجه مرة ثانية إلى التركستان، و انتقم من (سيخاوش) حتى مضى مع كيخسرو و حارب حتى قبض على (أفراسياب) و قتله(2)

إن من يوجه أمرى مثل القلم‌فإنه يخاطر بحياته كمن فى عنقه ذنب

. و كان من بعده (فرامرز) و أخباره فى اثنى عشر مجلدا متفرقة، و أخبار (نريمان و سام و دستان) ذكرت فى الشاهنامة(3)و لا تمس الحاجة إلى ذكرها (تكرارها)، و حديث رستم من جملة هذا فقد ذكرها (أبو القاسم الفردوسى) فى شهنامته، و قدمها باسم السلطان (محمود) و قرأها عدة أيام، فقال (محمود): (إن شهنامتك كأنها حديث رستم و فى جيشى ألف رجل مثل رستم)، فقال أبو القاسم (أطال اللّه عمر مولاى إنى لا أعلم أحدا فى جيشك مثل رستم أما مبلغ علمى أن اللّه تعالى لم يخلق عبدا مثل رستم) قال هذا و قبّل الأرض و انصرف(4)

قلت كلاما صحيحا و مضيت سريعافلا يوجد رجل فى العالم مثل رستم


1) لم يذكر الملك طهماسب فى الكتب المعتبرة مثل الآثار الباقية و الشاهنامة و مؤلفات المسعودى و غيره و لكن الشاهنامة ذكرته فى بيت شعر واحد هو:

2) كتب هذا البيت فى الحاشية ص 7:

3) الشاهاناته: كتاب سير الملوك، ديوان شعر و ملحمة العجم نظمها شعرا الفردوسى و هى تتكون من ستين ألفا بيت، حكى فيه أريج و أساطير و قصص إيران منذ القدم حتى فتح العرب بلاد فارس و ترجمت إلى جميع لغات العالم

4) كتب هذا البيت فى الحاشية ص 8:

فقال السلطان (محمود) لوزيره: (إن هذا الرجل (الحقير) يدعونى كاذبا معرضا بى) فقال وزيره (يجب قتله) فكلما طلبوه لم يجدوه و قال: (إنه أضاع آلامه و مضى) و لم يجد أى عطاء فى الغربة حتى مات، و إذا ما انشغلنا بشرح كل واحد بالتفصيل فلن نحقق الهدف المنشود، و كل واحد من هؤلاء معروف و مشهور للدنيا، كما أن أبناءهم جيلا بعد جيل كانوا أبطال الدنيا فى عصر ملوك العجم، و بعد انقضاء أربعة آلاف عام، بعث نبينا صلى اللّه عليه و سلم، و جاء بشريعة الإسلام فى عصر (خسرو پروبز بن هرمز بن أنوشروان الملك) و كان (بختيار) بطلا للعلم و هو من أبناء رستم، و هم يقرأون قصته فى كاتب بختيار نامه.

نسب بختيار الأسبهبد

اشارة

بختيار بن الملك فيروز بن برزفوى بن شيراوزن بن حذايكان بن فرخ به ابن ماه خداى بن فيروز بن كرد افرين بن بهلوان بن أسبهبد بن رستم بنى مهرازاد بن رستم ابن بولاد بن كان أزاد مرد رستم بن جهرازاد بن نيروسنج بن فرخ به بن دادافرين بن سام بن به‌أفريد بن هوشنكى بن فرامرز بن رستم الأكبر ابن دستان بن سام بن نريمان بن كورنك بن كرشاسب.

و لما دخل الإسلام سجستان، و قوى جيش الإسلام و أصبح معروفا للعالمين و لم يكن لأحد قدرة على الأمر السماوى، و لم يكن العمل بالعدة و السلاح و الجيش إلا بأمر من اللّه تعالى، و كان معروفا لأهل سجستان أنه فى آخر الزمان يظهر المصطفى عليه السلام و هو على الحق، أعطوه سجستان سلما، و كانت سجستان مقاما لهذا البطل فى عصر الملك(1)، و كان (رستم بن أزاد خو بن بختيار


1) فى المتن بياض و لم يمكننا من فهم المعنى تماما، ص 9.

الأسبهبد) زعيما للجيش، و تحدثنا عن (بختيار) إلى (گرشاسب) و ذكرنا نسب (جرشاسب) فى هذا الكتاب حتى كيومرث الذى كان هو آدم عليه السلام.

و الآن نذكر جانبا من الفضائل التى وردت فى الكتب و التى ذكرها عظماء الأخبار و الحكماء حيث نعيد القول من كتاب (الأنبياء عليهم السلام) (لعلى بن محمد الطبرى)(1)حيث يقول: (عندما مضى آدم عليه السلام من سرانديب فى طلب حواء لم يقم فى مكان قط سوى هذا المكان الذى هو سجستان، حيث رأى الماء يجرى على الرمال فشرب فكان عذبا، و عندما هبت عليه رياح الشمال غلبه النوم، و عندما استيقظ من نومه تطهر و سبح، و عندما فرغ طلب شيئا يأكله فاقترب منه جبريل عليه السلام، فقدم له فى الحال شجرة رمان و نخلة فصارتا بقدرة البارى تعالى مثمرتين، فأكل آدم منهما، و ما زال هناك أصل النخيل و الرمان، و عندما أراد جرشاسب بناء سجستان، كان السبب الرئيسى لذلك أنه رأى فيها النخيل و الرمان).

و فضل آخر و هو أثناء غرق نوح عليه السلام و هو فى السفينة يدور حول الآفاق، فتوقفت السفينة هناك، فجاءته حمامة تخبره أنها تتعذب حيث أصبح الماء قليلا، فصلى هناك ركعتين فى سفينته و دعى للحمامة أن أعزها يا رب، و أصبحت هذه البقعة مباركة ببركة هذا الدعاء حيث إن أهلها فى بحبوحة من العيش من الآن حتى يوم القيامة.


1) هذا الشخص لا يعلم من هو، و لا توجد هذه الرواية فى تاريخ محمد بن جرير الطبرى و لعل المراد هو على بن محمد المداينى،( حيث إن المؤرخين القدماء مثل المسعودى و الطبرى و البلعمى و غيره نقلوا عنه الكثير)، أو يكون على بن محمد بن سليمان النوفرى، حيث إن المسعودى ذكر اسمه فى مقدمة مروج الذهب( من تعليقات محمد بهار، ص 9).

و فضل آخر هو أن سليمان عليه السلام، أمر الرياح أن تطوف به مع جيشه حول العالم و رآه الخلق، و صدعوا لأمره، و كان معه الجن و الإنس، و كان الطباخون فى عملهم، فقال للرياح: أنزلينى فى مكان أكثر اعتدالا و هواؤه عليل، فهبط فى سجستان، و تناول الغذاء بها، ثم قال بعد ذلك: ما ذهبنا إلى مكان أحسن من هذا المكان، إن العالم كله اليوم يسير على العدل و ليس به جور، لأن العالمين أصبحوا متساوين فى الدين، و قد أخذ الخوارج الفرق بين العدل و الجور من ذلك.

فضل آخر

عندما قتل الإسكندر الرومى(1)دارا بن داراب، و تزوج روشنك أخته(2)

إنها رائعة ذات دلال و حياءو كلامها طيب و صوتها رخيم لين

محمد على إسلامى: مجموعة مقالها أدبى، ص 54( تهران 1354).

قصد الهند، و مضى إلى القلعة التى بناها كيخسرو و شمال سجستان و قلعة أخرى فى الجنوب بناها (أردشير بابكان) بعد ذلك، و مكث هناك سبعة أيام و أكرم قائد جيش سجستان الذى خدمه كثيرا و استقبل ثانية، ثم أمر بعد ذلك أن تنفصل القلعة عن الأماكن التى يكون فيها مواضع للحارس، و أطلق سراح روشنك عندما فرغ من عمله فى الهند، و عاد إلى هناك ثانية بعد أن أنهى أمر تلك القلعة، ثم مكث هناك شهرا حتى أتموها فى أحسن صورة و قال: (يجب أن يكون الحارس فى داخل

1) الإسكندر الرومى معروف لدى المؤرخين الفرس القدماء، حكم ما بين سنة 336 إلى سنة 323 ق. م، و عند ما تقاتل مع دارا، و اقتتل الجيشان عند الفرات و انتصر الإسكندر، يقال إن دارا و هو جريح وصاه أن يتزوج ابنته روشنك فوعده الإسكندر بتنفيذ هذه الوصية، و أمر الإسكندر أن تشيع جنازته بما يتفق و مقام الملوك، و أصبح الإسكندر الحاكم الشرعى على بلاد الفرس، و ذهب إلى الهند لمقاتلة ملكها، و نشبت بينه و بين هذا الملك معارك هائلة انتهت بقتل خصمه فى مبارزة فردية، و بعد ذلك بدأ يغزو بقاع العالم و يقولون: إنه دخل أرض الظلمات و قابل الخضر، و توفى عند عودته إلى فارس أو بابل، و فى بيت المقدس كما يقول الدنيورى رثاه الفلاسفة بكلمات موجزة، و دفن فى الإسكندرية، و يقول المسعودى: إن قبره كان لا يزال موجودا حتى عام 322 ه.( دائرة المعارف الإسلامية، ج 3، ص 318، 319( القاهرة 1933).

2) يقول الفردوسى فى شاهنامته عن ابنة دارا و اسمها روشنك إنها امرأة ممتازة ذات حياء بالغ و وصفها فى بيت ما ترجمته:

القلعة و ليس كما كان سابقا)، و آرك(1)باللغة الرومية يقال لها الحارس، و القلعة التى يقال عنها آرك هى قلعة سجستان الآن التى بناها ذو القرنين(2)

( سيد قطب: فى ظلال القرآن، ج 4، ص 2289( القاهرة 1982 م).

، و قد جاءت هذه الحكاية فى عدة كتب واحدة منها بتاريخ سجستان، و الأخرى ذكرها عبد اللّه ابن المقفع فى كتابه سير ملوك العجم، و ذكرها أيضا أبو الفرج قدامة بن جعفر بن قدامة البغدادى(3)

( ابن النديم: الفهرست، ص 188، بيروت 1978).

فى كتاب (خراج باب المسالك و الممالك)، و أصبحت هذه الأخبار صحيحة فى الحديث عن سجستان من كتاب حديث الأنبياء عليهم السلام و باللّه العصمة و التوفيق.

و أما الذى يوجد فى سجستان فلا يوجد فى المدن الأخرى:

أول ذلك حصن شارستان العظيم الذى يشمل عدة مدن، و هذا المكان يقال له مدينة (العذرا)، و لا يمكن لأى شخص أن يستولى عليها، إلا إذا أعطوها له، و لا يستطيعون ذلك أبدا، و أهلها رجال حرب حيث إنهم جبلوا على الحرب و الثورة و حمل السلاح، و كانت لهم هذه العادة منذ الصغر و تعلموا فنون الحرب.

و فى موضع آخر يذكر أنها معتدلة الطقس، حيث ينير القطب الجنوبى و القطب الشمالى و سهيل و قدمان و فرقدان فى هذا المكان، و تهب عليها رياح الشمال و رياح


1) آرك: كانت تستخدم فى اللغة البهلوية و آركيد كانت لقبا من الألقاب فى البلاط الساسانى.

2) ذو القرنين المذكور فى القرآن كان من حمير مستدلا باسمه فملوك حمير كانوا يلقبون بذى، و كان اسمه أبو بكر بن أفريقش، و أنه رحل بجيوشه إلى البحر المتوسط فمر فى تونس و مراكش، و بنى مدينة أفريقية فسميت القارة كلها باسمه، و سمى ذا القرنين لأنه بلغ قرنى الشمس، و التاريخ يعرف ملكا اسمه الإسكندر ذو القرنين و من المقطوع به أنه ليس ذا القرنين المذكور فى القرآن، فالإسكندر الإغريقى كان وثنيا، و ذو القرنين الذى يتحدث عنه القرآن كان مؤمنا باللّه موحدا معتقدا بالبعث و الآخرة.

3) هو قدامة بن جعفر بن قدامة، كان نصرانيا، و أسلم على يد المكتفى باللّه، و كان بليغا فصيحا فاضلا، و كان له باع فى علم المنطق، و له من الكتب كتاب الخراج و نقد الشعر و صابون الغم و صرف الهم و جلاء الحزن و ديارق الفكر و غيرهم.

الصبا على الدوام، و بذلك يكون فهم أهلها و ذهنهم بفضل اعتدال طقسها و هواؤها أفضل من أهل الأماكن الأخرى، و يمارسون أعمالا لا يمارسها غيرهم، حيث إنهم يحملون الرمل من مكان إلى مكان، و يجمعونه فى الأماكن التى يريدونها، و رملهم هذا كنز عظيم، فكل شى‌ء يريدونه يضعونه فى هذا الرمل، و مهما مرت عليه السنون يحفظه و لا يصيبه أى نقصان، و ليس لغيرهم من قبل هذه الدراية، و للرمال فائدة أخرى كذلك، حيث إنهم إذا أخذوا منه قليلا و وضعوه للنبات فإنه ينمو، بشكل أفضل و الماء يغمره بلا تكلف، و يصلح أجساد الناس الذين ينامون و يجلسون عليه، و من فضل هذا الرمل أن ابن آدم إذا كان نحيف الجسم فإنه يقوى، و تقوى أعضاؤه و تكمل، و هم يصنعون الطواحين ذوات العجلات لتديرها الرياح و تطحن القمح.

أما فى المدن الأخرى فيجب أن تدور الدابة أو طواحين المياه أو طواحين اليد، و يصنعون منها عجلات لكى تسحب الماء من الآبار للحدائق و الأرض التى يزرعونها. إذا كان الماء قليلا، و هم يستخدمون الرياح استخداما عظيما، و فضلا عن ذلك فإنها مدينة قائمة بذاتها و لا حاجة بها لغيرها، فإذا ما انقطع قدوم قافلة فكل شي‌ء من النعم و أنواع الثياب الفاخرة، و كل ما يلزم الملوك و العظماء و أهل المروءة يوجد فى هذه المدينة، بحيث لا تمس الحاجة إلى مكان آخر، و تتوافر و تكثر الفاكهة فى الشتاء كما هو الحال فى الصيف عاما بعد عام، و يوجد الإسبرغم الجيد طوال السنة، و الحملان التى يأخذون منها اللبن، و السمك طازج فى كل آن و أوان حيث مدحه اللّه فى كتابه(1)، و يأتون بالسمك من المدن البعيدة فى السفن و يرسلونها إلى القصبة و تحمله الدواب إلى أماكن أخرى، و هو فى بغداد نفسها، كما طلب كبار العلماء فيها الفقه و الأدب و القراءات و التفسير، كما هو الشأن فى طلبهم لهذا من الحرمين و الشام و العراق كلما احتاجوا ذلك، و قرأوا الكتب و الآن يقرءونها


1) مدح اللّه عز و جل السمك فى سورة فاطر حين يقول:\i( وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها)\E الآية 12.

بحيث لو ذكرت اسم كل منها لطال الكتاب، و لم يحدث مطلقا أنها كانت خلوا من العلماء و الفقهاء ففى طبع هوائها لا بد من وجود العلماء بوفرة، و ينبغى لأهلها أن يكونوا شغوفين بالعلم حيث إن رجالها بواسل و نساءها عفيفات، فكما أنه ليس لهن حبيب كما فى الأماكن الأخرى و من شذت عن ذلك فإنها ليست سجستانية أصيلة و ربما لم تكن من سجستان و فى قلبها حب لهذه المدينة التى لم يقصدها أى عدو فلم تغز من قبل و لن تغزا و أنه لا يستطيع مهاجمتها، و إذا فعل ذلك فإنه يهلك، و ليس فى الدنيا بناء بهذا الكبر و لا يمكن أن يكون إلا فى سجستان، فمن المعروف فى الدنيا أنه لا أرض أفضل من أرض سجستان، و لا يوجد لحم أفضل من لحم حيوانها، و لا يوجد قوم لهم سعة و نعيم مثل أهلها لأن ساحة المدينة و ضواحيها واسعة و فيها النعم من كل الأشكال، و منذ أن خلقوا أكلوا و أعطوا و كان الكرم عادتهم و ما زال موجودا حتى قيام الساعة و باللّه التوفيق.

و من العجائب الأخرى التى كانت فى سجستان و التى أرى بعضا منها الآن:

يقول أبو المؤيد البلخى و بشر المقسم فى كتاب البر و البحر، إنه كان فيها عجائب لا وجود لها فى موضع آخر، منها: أن ينبوعا ظهر فى أعلى الجبل فى منطقة فراة، و ارتفع فى الجو اثنى عشر فرسخا، و هبط فى هذا المكان على هيئة مدينة، و خرج ثانية من شارستان و كان لها أرض زراعية تبلغ أربعة فراسخ، و إلى الآن ما زال المكان الذى ظهر فيه الينبوع و المدينة و الحقل موجودا، و هذا الينبوع حاول أفراسياب(1)أن يغلقه، فجاء غلامان صغيران فتدبرا أمره، و لما انتهى من العمل قتل الطفلين و ما زال قبرهما على رأس هذا الينبوع ظاهرا.


1) أفراسياب يسمى فى القصص الإيرانية ملك التورانيين الذى دخل فى حرب مع إيران لمدة طويلة من الزمن، و أسر و قتل فى عصر كيخسرو. د محمد معين: فرهنك فارسى، ج 5، ص 158.

فضل آخر

و بفراة جسر من الجبل يقال له" مسو" به ماء يقطر، فإذا كان المرض شديدا و اغتسلت بمائه الذى يقطر من أعلى الجبل فإنك تشفى، و من العجيب أنه إذا كان الإنسان حسن السيرة عفيفا صالحا فإن الماء يقطر عليه، أما إذا كان رجلا مفسدا و سيئ العمل فلا ينزل الماء عليه، و مهما حاول المفسد أن يستمر طويلا فإن الماء لا ينزل، و إذا ما نهض فإن الماء يقطر (ينزل).

فضل آخر

بفراة أيضا جبل حرون و يقع على يساره ثقب بحيث لا يصل إليه السهم، و لا يمكن أن يصل إلى أحد هناك، و تخرج من ذلك الثقب حية منذ ألف سنة بحيث ترى عينيها و وجهها و لسانها، و لها قرنان مثل الغزال، و هى حية، و لا يعرف أحد ما غذاؤها و ممّ يكون إلا اللّه تعالى.

فضل آخر

و فى ناحية رون وجول(1)رملة كبيرة ارتفعت فوق الجبل، فإذا اقترب منها إنسان و لم يلق عليها شيئا ملوثا فإنها تنوح كما ينوح الرعد، و هذا من العجائب، و هكذا يقولون، يفتح من تلك الرملة طريق تحت الأرض حتى جبل دماوند(2)حيث أسر أفريدون الضحاك هناك و سجنه، و جاء فى الخبر أن الدجال الذى يظهر فى آخر الزمان هو الضحاك نفسه و ما زال حيّا حتى يخرج، و يهبط عيسى عليه السلام


1) ذكرت فى الكتاب مرة أخرى ص 156، و لكن لا يوجد فى الكتب الجغرافية القديمة و الجديدة ذكر لهذين المحلين، و يحتمل من لفظ جول إنها الجيم ذات الثلاث نقاط، و يظن أن هذا الموضع على حافة الصحراء المالحة، لأن جول المستخدمة فى خراسان الآن بمعنى الصحراء المالحة و الصحراء الفقيرة، و يسمون الصحراء السبخة الكبيرة( چول) البستان أو الحديقة، التى خلت من الفاكهة أو المكان الذى نهب تماما.( من تعليقات بهار، ص 15 حاشية 1).

2) دماوند: اسم مدينة مشهورة فى مازندان، و اسم جبل ينسب إلى تلك المدينة، و قيل إن الضحاك حبس فى هذا الجبل.( ابن خلف التبريزى: برهان قاطع، ص 504( تهران 1336 ه. ش)

من السماء إلى الأرض و يهلكه و سألوا الحسين بن على عن حديث الدجال، فأجاب بهذين البيتين:

و فى سجستان رمل نحو كورتهامسجن فى تحتها أى تسجين

إذا ألقيت عليها جيفة نطقت‌سمعت منها أنينا مثل تنين

و غير ذلك من الفضائل، و يظهر أن نهر هيرمند و نهر رخد و نهر خاش و نهر فراة و نهر خشك و نهر هروت و مياه الصحارى و الجبال تأتى كلها من أطراف سجستان من ألف فرسخ، و هناك ثقب يقولون له فم الأسد و ليس كبيرا، إلا أن كل هذه المياه تنصب فيه، و لا يعلم أحد إلى أين تذهب إلا اللّه تعالى و تقدس و هذه من العجائب.

فضل آخر

يقول أبو المؤيد البلخى و كتاب ابن دهشتى المجوسى(1): إنه فى شارستان التابعة لسجستان بركة حول الفلك، حيث إنها كانت نبعا، و كانت تفيض من الأرض على الدوام(2)، حيث إن أفراسياب لجأ إليها و كان يفعل ذلك ببست، و هكذا يقولون:

إنه بعد ألف سنة حتى الآن كان قد وصلها و عاد إليها عندما رأى بها منفعة بمشيئة اللّه.


1) البندهش كتاب مقدس باللغة و الخط البهلوى و يحتوى على قصص و روايات دينية و تاريخية، و الزردشتين معناه أصل الخلقة حيث إن( چه) بمعنى الأصل( يخ دهشن) بمعنى الخلقة و هذا النوع من قبيل المصادر التى جاءت بالتاء المثناة و تستعمل اليوم بدون نون و تاء، و بما أنه أضيف إلى الزردشتيى( كبركان) و لا شك أنها نفسها( بندهش).

2) سقط ربع سطر من المتن، و فى بندهش و الأوستا، إشارات كثيرة إلى سجستان و بحيراتها و أنهارها و جبالها، و يقرران أن سجستان كانت مركز الدين الزرادشتى.

فضل آخر

ذكروا فى كتاب البلدان و منافعها ما يستخرج من كل مدينة قالوا: يستخرج من سجستان الذهب الخالص، و أصله ليس معروفا لدينا الآن، حيث يقول أبو المؤيد البلخى فى كتاب ابن دهشتى المجوسى: إنه كان نبعا فى هيرمند المقابلة لبست، و تأتى المياه باستمرار فتختلط بالرمل و الذهب، و كان عائده لا يقل عن ألف دينار من الذهب، إلا أن أفراسياب عقد عليها بالسح و قال: إنه خزانة و قد قيل إنه يعيد الكرة ثانية فى ثلاثة آلاف عام بعد زرادشت(1)و صارت صالحة للمنفعة بإذن اللّه، و من المعروف و المشهور أن جبل توجكى تستخرج منه الفضة، و الآن لو أرادوا لخرجت لهم أيضا.

فضل آخر

يجرى نبع سمور من سنة إلى سنة فى الصيف و الشتاء و هو ذو منفعة و يقول أبو المؤيد البلخي: إن فى سجستان جبلا كالقبة الحديدية(2)، و تظهر من هذا الجبل كل قبة حديدية جميلة فى ذلك العصر، و لكنها ليست معروفة لأهلنا، و هناك عجائب كثيرة لم نذكر منها شيئا فى الأماكن الأخرى.


1) بعد مرور ثلاثة آلاف سنة بعد زردشت و فى روايات الزرادشتين أن العالم منذ بدء الخليقة قسّم إلى اثنى عشر قسما، و فى آخر ألف منها يتغلب اللّه( الصدق) على أهريمن( الكذب) يقول المسعودي:( إن كيومرث ملك أربعين سنة و قيل ثلاثين قبل الهزاريكة الأولى فى بدء النسل و تغير ذلك الألف سنة، و فى العشرة من الألف( ألف) و بعده بألف هوشيد آخر، و آخر ألف سوشبانسى( و احتمال أن يكون المسيح) و هم حفدة زرادشت الذين خرجوا من سجستان و يبدأ يوم القيامة و تتطهر الدنيا من الشياطين و يقف كر و ثمان( الملكون) مع الشياطين متقابلين و تمتلى‌ء جهنم من قادة الشر و الشيطان و يظهر عدم الموت و الدنيا( كتب السنن البهلوية).( من تعليقات بهار على الكتاب).

2) خم آهن و خم آهان حجر فى غاية الصلابة و السواد، و لونه قريب من الحمرة و هو نوعان ذكر و أنثى، و إذا لمس الماء الذكر فإنه يشبه الشنجرف الأحمر و انثاه كذلك تصبح مثل الزرنيخ الأصفر، و يقال إنه نوع من الحديد و يقال له بالعربى: إنه صندل حديدى، و يقول البعض إنه حجر أسود و أبيض يصنعون منه الخواتم( من تعليقات بهار).

و الآن نذكر بعض الأسماء التى عظم قدرها بعد الإسلام و عرفهم الناس بفضلهم‌

عن عكرمة الفقيه(1)

محمد الخضرى بك: تاريخ التشريع الإسلامى، ص 116، 117 الطبعة التاسعة( القاهرة 1970).

مولى ابن العباس الذى تروى عنه أكثر الروايات فى الفقه أن المهدى فوض لمعاذ بن مسلم ولاية خراسان و سجستان كلها، و تولى من بعده يحيى بن معاذ بن مسلم و من بعده بسام مولى(2)الليث بكر بن عبد مناف بن كنانة الذى وصل إلى تلك المكانة لغزارة علمه فقد اشتراه من مولاه بمائة ألف دينار.

فقالوا: ألا تريد شيئا آخر، قال: لا حيث إن قيمتى (قدرى) أكبر من هذا، و دفع فيه مبلغا جزيلا و أعطاه، و كان إبراهيم بن بسام بعظمته هو ابنه، و فيروز مولى الحصين بن أبى الحر العنبري(3)من سجستان حيث كان يحارب الحجاج باستمرار، و فى يوم وضع الحجاج إمارته مع سبعين شخصا و أعطى قواد جيشه، و لكن فيروز قتل الجميع، و كان آخر صوت يردد كم حجاجكم(4)، فنادى الحجاج قائلا:

من جاءنى برأسه أعطيته عشرة آلاف درهم، و قال يزيد للمهلب: تقدم و لك عشرة آلاف درهم، فأجاب تقدم أنت و لك عشرون ألف درهم، فأنا و هو ذو رأس واحد، فسمع فيروز و نادى فى جيشه أن من يحضر رأس الحجاج سأعطيه مائة ألف


1) عكرمة مولى ابن عباس: روى عنه و عن عائشة و أبى هريرة و غيرهم، و تفقه على يد ابن عباس و قيل لسعيد بن جبير أتعلم أحدا أعلم منك قال: نعم عكرمة، و عن الشعبى قال: ما بقى أحد أعلم بكتاب اللّه من عكرمة، و من ثم لم يخرج له مالك الإمام و لا مسلم بن الحجاج، و توفى سنة 107 ه.

2) سقط شى‌ء فى هذين المكانين يقول البلاذرى إن جد إبراهيم بن بسام أسر فى قرية شروانة و هى من قرى سجستان أو أصبح عبدا لابن عمير الليثى( فتوح البلدان، طبع مصر، ص 401) و من تعليقات بهار.

3) الصحيح الحر العنبرى من بنى العنبر بن عمرو بن تميم و كان من أسرة مشهورة و كريمة و كبيرة( فتوح البلدان للبلاذرى، ج 1، ص 403، القاهرة 1932).

4) فى المتن جاءت هذه الجملة باللغة العربية و جاءت من بعدها ترجمتها إلى الفارسية و فعل ذلك فى جملتين من بعدها.

درهم، و قامت فى ذلك اليوم حرب ضروس، و فى النهاية هزم الحجاج و كان فيروز هذا عالما شجاعا و زهير بن نعيم و عفان بن محمد و عثمان بن عفان و أبو حاتم السجستانى و سليمان بن الشعث و عثمان بن العبد و أبو بكر بن أبى داود و أبو يعقوب الزاهد و الخليل بن أحمد(1)و أبو حاتم بن حسان و نصر بن جيك و ياسر بن عمار و عبيد القوفى(2)و عمير بن يحيى و أبى نصر بن حمدان الجوينى و أبو إسحاق الجاشنى(3)و شاهين بن العنبر و بكر بن جعد و غالب بن شارك و رونك القروى و أبو الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى الذى ألف غريب القرآن و هلال بن حويص و أبو عامر بن أبى حيان و الإمام أبو جعفر فاخر بن هاذ و أبو زكريا يحيى ابن عمار و القاضى أبو الحسن و الأستاذ أبو العباس و أبو سعيد بن عمر النوقانى(4)و أحمد السمورى و أبو أحمد القصار و أبى جعفر بن أبى منصور بن أبى سعيد الوزير(5).

و كان هؤلاء قد وصلوا إلى مرتبة فى العلم و العظمة بحيث لم ينكر أحد فى العالم فضلهم، و هم كثير و لم نذكر أسماءهم و هم الآن موجودون، و لما كان الشرط فى جمع هذا الكتاب الاختصار حتى لا تطول القصة، و قد ذكرت من كل طائفة قدرا و القليل يدل.


1) الخليل بن أحمد غير الخليل المعروف و لكنه الخليل بن أحمد السجستانى المعاصر للملك مظفر صالح ابن نوح السامانى، و كان من رواة الحديث، و لم يكن له مثيل فى الفقه.

2) القوفي: اسم قرية من قرى سجستان و نسب إليها أناس كثيرون و ذكرت هكذا فى كل الكتاب.

3) جاشن و كاشن اسم محلة فى سجستان و ذكر هذا الاسم نسبة إليها.

4) نسبة إلى نوق و نوق محلة من محلات سجستان و يسميها الناس نوها و عربها نوقان و نسب إليها أبو عمر بن أحمد النوقانى صاحب التصانيف فى الأدب و ابنه عمر و أخيه أبو سعيد عثمان( ياقوت الحموى: معجم البلدان، ج 3، ص 193).

5) يوجد فى المتن ثلاثة أسطر بيضاء، و لعل هذا كان من أجل كتابة بقية عظماء سجستان فى هذه الأماكن الخالية.

شروط تعمير سجستان و قد وضعت على أسس ثلاثة: التحكم فى الماء و الرمل و المفسدين، و كلما كان التحكم فى هذه الأسس فلن توجد مدينة فى الدنيا مثل سجستان فى نعمة العيش و عندما يحكمون أمرها بهذا الشكل كان لزمانها قوام.

أسماء سجستان سجستان، زاول، زرنگ، نيمروز

أما سجستان فيقال من أجلها: إن الضحاك كان ضيفا بها عند گرشاسب، و كان من عادته أن ينزل فى إيلة(1)التى يقال لها الآن بيت المقدس، و كان يشرب مع زوجاته، و فى ذلك الوقت كانوا يقولون لقصر النساء شبستان، و عندما ثمل الضحاك تذكر عادته فقال: أريد قصر النساء لأن الشرب هناك أفضل، و كان جرشاسب يعرف عادته و قال: هنا سجستان لا شبستان، و كان" سيو" قد بلغ مبلغ الرجال فى ذلك الوقت و يقال عن سجستان: إنها كانت دائما مكان الرجولة، و ينبغى لرجولة الرجل أن تمر من هناك، و عندما قال هذا الكلام خجل الضحاك و قال: أيها البطل قل الحق نحن فى سجستان أم فى شبستان، و بعد ذلك كانوا يقولون لها سجستان و تقل حرفا و هو الواو و يقولون لها زاول من ذلك حيث إن جميع المدن التى أقاموها فى العالم جعلوها على شاطئ البحر أو بالقرب من الجبل، لأن الجواهر و الأشياء الثمينة تخرج من البحر و المعادن من الجبل و قالوا:

يجب أن تصنع جميع أشيائنا من الماء و الطين، و هنا سقط حرف من الكلام و قالوا


1) إيلة مدينة على ساحل البحر الأحمر تقع فى بداية أول حد الحجاز و بين مصر و الشام و تقع فى الإقليم الثالث و عرضها ثلاثون درجة و بقول آخر إنها جزء من الجبل الرضوى بين مكة و المدينة و يقولون إن إليا و إلياء هى بيت المقدس و بانيها هو إيليا بن آرم بن سام بن نوح( من تعليقات بهار).

لها زاول(1)، أما زرنج فيقولون: إنها أكثر عمرانا و بها الأنهار و مناطق الزراعة لأن زال العجوز جعلها هكذا، و يقولون لها زالق العتيق و فى المقابل عربوها إلى زالق الحديث، و تلك زال القديمة و زال الجديدة، و أهل سجستان يسمونها زرورنج لأن شعره يشبه الذهب المشدود، و كان بسكو قد أقامها و قالوا لها زرنج(2)و هم بذلك أضاعوا حرفين من الكلام، و بما أن الشجعان و رجال العلم ظهروا من بسكو و سمو كلهم سجستان بهذا الاسم و قالوا لها زرنج.

أما نيمروز ففيها قولان أولهما: إنه كان للملوك يوم واحد فى السنة يحكمون فيه فى المظالم و هذا ما انطبق على نيمروز فى العالم و كان كذلك، و كانوا يسمون من يظلمون فى سجستان باسم نيمروز.

و يقول أبو الفرج البغدادى: إن الأمر ليس كذلك لأن حكماء العالم قسموا الدنيا حسب شروق الشمس و غروبها على نيمروز و يكون هذا على النحو التالى: إنه من ناحية المشرق تشرق الشمس فى أقصر يوم، و من ناحية المغرب تغرب الشمس فى أطول يوم من هناك، و هذا العلم أصبح معروفا بالحساب، و هذا كله قسموه إلى أربعة أقسام خراسان و إيران و باختر مع أنهم يسمونها فى الشمال باختر و فى الجنوب يسمونها بنيمروز و فى الوسط تنقسم إلى قسمين و فى الشرق يسمونها خراسان و فى الغرب يسمونها بلاد إيران و اللّه المستعان.


1) هذه التسمية شبيهة بالأسطورة يقول مؤلف برهان قاطع كانت اسم ولاية سجستان، و كانت اسم قوم و طائفة و كانت اسم فن موسيقى و وحدة من سبع لغات فارسية.

2) زرنك أقدم اسم لسجستان و زاولستان و ذكرت عند كتبة داريوشى( زرنجا) و هذه المدينة خراب الآن، و فى رأى المحققين زرنج و زرويه فى لغة الأوستا بالمعنى نفسه عند الهخافشين، و كانت زريا فى اللغة البهلوية و دريا بلغة اليوم و كلها واحد و أصبحت اسم المدينة أيضا( من تعليقات بهار على الكتاب).

حدود سجستان و كم عدد مدنها و من أين و إلى أين‌

اشارة

أسلفنا القول إن جرشاسب بنى سجستان و قبل أن يقسمها كانت له بست و رخد(1)و زمين داور و كابل و سوادها، و كان جده من ناحية أمه هو الذى بناها و اسمه كورنج(2)، و هذه المدن يأتى خراجها الآن إلى ديوان بغداد حيث يوجد الخلفاء فى سجستان و يجمع مالها على مال سجستان، و أقام نريمانى سفزار(3)و بوزستان و لواستان و غورسام، و شيد رستم القصص كشمير و وضع أمواله و خزائنه هناك، كما شيد حمزة بن عبد اللّه الشارى جرديز، و شيد يعقوب بن الليث ملك الدنيا غزنين، و كانت كل هذه المدن فى العصر الجاهلى فى حوزة الأبطال و مرازبة سجستان حتى جاء الإسلام و تغيرت الولاية، و كان حد الشرق الأقصى كشمير حتى بحر المحيط و من ناحية الغرب سبه(4)التى تبدو على بعد عشرة فراسخ فى وسط الجبال على حافة جبل، و كل الصحارى التى تحيط بجهات سجستان الأربع أقاموها كلها فى وسطها و كانت" كس"(5)و باللّه التوفيق.

و يقول أبو الفرج البغدادى صاحب كتاب الخراج: إن إيران و خراسان و سجستان رأس الدنيا و يسمونها الحى الناطق الميت، و يقولون فى هذا الوسط إن


1) أخذت من رخوت البهلوية و هى أرخوزيه الهخامانشية نفسها و رخج بالعربي.

2) هو أبو زوجة جمشيد و جد گرشاسب.

3) سفزار و سبزاور و اسفزار كلها كلمة واحدة و هى اليوم جزء من ولاية هراة و يسمونها سبزوار و هى تختلف عن سبزوار خراسان الحالية.

4) سبه و اسفه و سفه من توابع سجستان.

5) يوجد بياض فى المتن، و كس كانت جنوب حدود سجستان يقول الإصطخرى عن سجستان( فلها من المدن زرنج و كس) و يقول ياقوت: إن كس مدينة فى أرض الهند.

الطقس فيه معتدل و قامة أهل هذه النواحى معتدلة و ليست لهم حمرة الروم و لا سواد الحبش و لا غلظة الترك و الخرز و لا دماثة أهل الصين، و قد قسموا هذا كله إلى أربعة أقسام خراسان و إيران و نيمروز و باختر، و كل ما هو فى الشمال يسمونه باختر و كل ما هو فى الجنوب يسمونه نيمروز و الوسط ينقسم إلى قسمين و كل ما هو فى الشرق يقولون له خراسان و كل ما هو فى حد الغرب يسمونه إيران.

عمل سجستان بعد الإسلام و كورها على الاصطلاح القديم‌

عمل سجستان بعد الإسلام و كورها(1)على الاصطلاح القديم

ألف ألف درهم و هى سجستان و بست و رخد و كابل و زابلستان و نزاد و زمين داور و أسفزار و خجستان.

خراج خراسان حتى غاية حد الإسلام‌

فى عصر عبد اللّه بن طاهر سنة مائتين و إحدى عشر و ثلاثون ألف ألف درهم.

كورها

طبسين و قهستان و هراة و طالقان و كوزكانان و خفشان و بادغيس و بشنج و طخارستان و فارياب و بلخ(2)

عبد اللّه بن محمد بن محمد حسين البلخى: فضائل بلخ- تصحيح و تحشية عبد الحى صبى، ص 12، تهران 1350 ه ش.

و خلم و مرو الرود و جغانيان و آشجرد و خنلان و بدخشان و طالقان و أبرشهر و بخارا و سمرقند و شاش و فرغانه و سروشنة و سفد و آمويه و خوارزم و كش و إسيجاب و فارياب و ترمذ و نسا و أبيورد و سرخن و مر

1) كورة معرب خورة و كور جمعها، كانت مملكة فارس قبل الإسلام تنقسم إلى خمس كور: 1- كورة أردشير 2- كورة استخر 3- كورة داراب 4- كورة شابور 5- كورة قباد، و خورة فى البهلوية بمعنى العظمة و ذكر ياقوت أردشير خورة بمعنى عظمة أردشير.

2) روى عن على بن أبى طالب كرم اللّه وجهه أنه قال: جاء رجل إليه فقال: من أين هذا الرجل، قال من خراسان، قال من أيها، قال من بلخها، قال على: سقيا لبلخها إنها مكتنزة بالعلم كاكتناز الرمان بحبها.

و شاهجان يوطوس و برسجان و بلم و آخرون و نسف. و فى عصر الإسلام إلى ذلك الوقت الذى خرج فيه الخوارج انقطع عن بغداد خرج خراسان و سجستان و فى النهاية تصالحوا على الخطبة التى كانوا يضعونها فى المدن إلى القصبة التى كانت فى حوزة الخوارج، و لكن لم يصل هذا الخراج بعد ذلك فقد قام المتغلبون إلى الآن و باللّه التوفيق.

و كان سبب ذكر خراسان و كورها و مجموعها فى هذا الفصل فلنا غرض فى هذا الكتاب و هو فضل مدينتنا حتى أن كل من يقرأ هذا يعلمه، و كانت له سجستان على الدوام مميزة من وسط العالم و قائمة بذاتها و لم يصلوها بمكان آخر، إلا أنهم أقاموا مدنا كثيرة و أوصلوها بها و باللّه التوفيق.

و الآن نذكر طول سجستان و عرضها و كورها و رساتيقها بعد الإسلام و من كان عاملا و واليا عليها، أما طول سجستان فمن خراسان حتى حدود السند و عرضها من كرمان حتى حد الهند، أما كور سجستان فهى أسفزار و جبل نية و سردرة و هند قانا و فراة و أوق و خواش و فلاد و فشلنج(1)

ذلك الذى حطمه تحت حوافر خيول الجيش‌فى زمان و باب و حائط قلعة پشلنج

و نوزاد و بست و زمين داور و رخج و كش و رودبار و زابل و كابل.

رساتيق سجستان‌

قوس و كاق و سوكنى و بال و جوى كهن و ناشيرود(2)و نهيزن و زوشت و بر و جوسم و بكود و كركوى و زالق و ميسون و نوجرد و نوق و نيشك و أما الصراة وسيه.


1) يبدو أن فشلنج معربة و أصلها بشلنك أو يشلنج، و كانت قلعة على حدود سجستان و ولاية الغور و فتحت على يد محمود الغزنوي، يقول الفرخى:

2) جاء هذا الاسم مختلفا فى كتب المسالك فقد جاء باشترود و باسرود و بيسرود و باسروز و ناشرود.

قراها

أما جروا تكن فهى ليست من جالق القديمة و لا الجديدة و قرنين ليست من خاش و لا من نيشك أما الضرائب فكانت لها قسمة أخرى قرنين(1)و أبرونيشك و جالق القديمة و كش و من الكور بست و ررزان و سروان.

تقسيم خراج سجستان‌

يبلغ خراج سجستان ثلاثة ألف ألف و خمسمائة و اثنى عشر ألف ألف درهم غير الجوالى(2)و الصوافي(3)و مال الإجارة و كانت جملتها خمسة و ثمانين ألف درهم فيصبح مجموعها ثلاثين مليونا و خمسمائة و سبعا و تسعين ألف درهم، و كان للسلطان ألف ألف درهم من جملة هذا، و علاوة على ذلك تفصيلا فقد ذكروا هذا حتى لا يتضايق الناس فى الوقت الذى يكونون مشغولين فيه بأعمالهم، و الأول هو إقامة الجيش و كان هذا من بيت المال و مهما كان الأمر فكان يجب تقديم مليونى درهم كل سنة، أما ما كان يجب أن يحصل على المال فالعامل و الوالى كانا يأخذان اثنى عشر ألف درهم كل سنة و لإصلاح الكور أربعة آلاف درهم، و لإصلاح القلاع المتفرقة خمسين ألف درهم، و للسجناء بكل مدينة عشرين ألف درهم، و لشهر رمضان فى المسجد الجامع ثلاثين ألف درهم، و كان لكل من قارئى القرآن و خدم


1) قرية من قرى سجستان و ينسب إليها أبو الحسن محمد بن حسين الأبرى الذى كان من شيوخ أئمة الحديث.

2) جمع جالية و فى عهد عمر رضى اللّه عنه أمر أن تؤخذ هذه القسمة من أهل الذمة الذين أجلاهم عمر عن جزيرة العرب و استوطنوا و سميت جالية رويدا رويدا ثم أطلق هذا اللفظ على الجزية التى تؤخذ من هؤلاء القوم و بتلك الصورة يمكن أن تقول إن الجوالى مال الجزية التى تؤخذ من هؤلاء القوم.

3) هى العائدات الخالصة مع أن كلمة صافى و صافية لم تشاهد فى كتب اللغة و لكن فى الاصطلاح الفقهى كلمة صفى بمعنى الغنيمة و هى من الغنائم التى يختص بها السلطان. و قد ذكر أبو يوسف عن ابن سيرين أن النبى( صلى اللّه عليه و سلم) كان يصطفى من كل غنيمة صفيّا يصطفيه، كما أن لفظ صافى جعلوه علما على أملاك السلطان، يقول الإصطخرى: رخج إقليم بين أرض راور و بين بالس و عامتها صواف يرتفع لبيت المال منها مال عظيم.

الديوان و موظفيه و حرسه و رؤساء المدينة و الحراس و المطلعين على أحوال الناس و المفتشين و المخبرين السريين مهما كان عددهم فى كل مدينة فكل واحد منهم له فى آخر الشهر عشرون درهما و منان من الخبز كل يوم، و للمؤذنين فى كل مكان عشرون ألف درهم، و كانوا فى كل سنة يشترون مائة من العبيد بحوالى خمسمائة درهم و يعتقونهم و يعطونهم مثل قيمة العتق(1)و للمستشفيات عشرة آلاف درهم، و لإقامة السدود و إصلاحها خمسة و عشرون ألف درهم، و لوالى الشرطة ثلاثون ألف درهم و للسدود الرملية ثلاثون ألف درهم و خمسون ألفا لحفظ الجسور و ثلاثون ألفا لترميم الجسور و الأنهار و معابر السفن فى نهر هيرمند، كما أنهم كانوا ينفقون على أبناء السبيل و الضعفاء و كانوا يعطونهم الملابس و كذلك الغرباء أيضا. و كانوا إذا رأوا على أحد دينا قضوه عنه و إذا غرق مكان بالماء فكانوا يعمرونه، و كل ما زاد فى أول العام كان الوالى يوزعه على هؤلاء الأشخاص و كانوا يقيمون الولائم فى الأعياد و كانوا يوزعون البخور و الغالية و كان للضعفاء نصيب منها و باللّه التوفيق.

مذهب أهل سجستان فى القدم حتى ظهور الإسلام‌

كان گرشاسب و أحفاده إلى فرامرز بنى رستم على مذهبهم و هو المذهب الذى جاء به آدم عليه السلام حيث كانوا يصلون الفجر و الظهر و المغرب و يعبدون اللّه تعالى، كما أنهم كانوا يقدمون على الأعمال الدنيوية قليلا و يداومون على الصلاة كثيرا، و كانوا يكثرون من الصلاة ثم يمضون إلى العمل، و كان الزنا و اللواط و الدم الحرام محرمة عندهم و لا يأكلون الجيفة و ما لم يذكر يذبح، أما الذى يذبح فإنه


1) يوجد بياض فى المتن مما أدى إلى اضطراب فى المعنى و لكننا كتبناها هكذا كما فهمناها من الحاشية.

حلال و يأكلونه و غير ذلك لا يأكلون، و يوزعون الصدقات كثيرا و يكرمون الضيف دائما و يدعونه، و كانوا يعدون ذلك من الفرائض عليهم و لا يتزوجون بناتهم و أخواتهم.

أما سبب الحرب التى وقعت بين رستم و أسفنديار فبسبب أنه عندما ظهر زرادشت و جاء بدين عبادة اللّه (مرديستان) و لكن رستم أنكر مذهبه و لم يقبل، و لهذا السبب تمرد على الملك گشتاسب و لم يلازم العرش مطلقا، و لما قال جاماسب لگشتاسب: إن موت أسفنديار سيكون على يد رستم، خاف گشتاسب من أسفنديار و أرسله لمحاربة رستم حتى قتل أسفنديار، و بعد ذلك مضى فرامرز من سجستان، و جاء بهمن بن اسفنديار ليثار لأبيه، و كان فرامرز قد مضى إلى الهند و أثناء عودته غرق، و كان بخت النصر الذى كان قائده رأى أنه من الصواب أن يتصالح مع بهمن و أسفنديار و هوشنك الذى كان صغيرا و دعاه إلى ملك سجستان و تصالح، و خرج من سجستان اثنا عشر ألف رجل زوالى مع بهمن و توجهوا إلى بلخ.

نسب بخت النصر

اشارة

كان بخت النصر حفيدا لرستم دستان من ناحية ابنة أخته بنت فرامرز، و كان اسمه بخت نرس بن كيو بن جود بن كشواد بن أشجمر بن فرجير بن حير بن يشودان بن أنبوت بن نابجن بن تفر بن تفوك بن وأيذنج بن ذنج بن ماى‌شو ابن نوذر بن الملك، و كان بهمن أسفنديار حفيد بن يامين من ناحية الأم، و لما قتل بنو إسرائيل يحيى و زكريا عليهما السلام، أرسل بخت النصر إلى هناك حتى يثأر لهما، و ذكر اللّه تعالى بخت النصر و أهل سجستان بالشجاعة فى كلامه حيث قال

تعالى: (عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)(1)و عند ما نزلت هذه الآية تعجب سادات العرب و عظماؤهم من المهاجرين و الأنصار فى أى حال كان هؤلاء حتى مدحهم اللّه تعالى و قال النبى صلى اللّه عليه و سلم: (إن أمتى ستغلب عليها) و كان فخر سجستان بالإسلام، و كان أعظم فخر لهذه المدينة كلام اللّه و قول الرسول (صلى اللّه عليه و سلم).

و الآن نذكر سبب نار كركوى

و الآن نذكر سبب نار كركوى(2)

يقول أبو المؤيد البلخى فى كتاب گرشاسب: عندما ذهب كيخسرو إلى أذربيجان و معه رستم داستان، و رأى بقدرة اللّه تعالى تلك الظلمة و جنة الأشرار، و ظهرت النار المقدسة و ظهور الفور على أذن حصانه و أصبح له الملك، و رجع كيخسرو من هناك بمعجزات عديدة و مضى على التركستان طالبا دم أبيه سياوش، و كان يقتل كل من وجده فى التركستان من الذكور، و كان معه رستم و أبطال إيران الآخرون، و هرب أفراسياب و ذهب إلى الصين و منها إلى الهند و من هناك جاء إلى سجستان، و قال: لقد جئت فى حماية رستم فنزل فى بنكوه، و عندما يأتى الجيش فوجا فوجا كان فى بنكوه مخزن للغلال كانوا يدخرون فيه على الدوام فى كل جانب من جوانبه الثلاثة، و كانوا يضعون فيه ما يقرب من مائة ألف كيلة من الغلة، و التف حوله السحرة و كان هو ساحرا حيث إن العلف موجود و الحصار محكم و لا يجب أن يبدو العجز، و أراد أن يجرب ثانية، و أقام بالسحر ظلاما مخيفا على بعد فرسخين من كل جانب و عندما مضى كيخسرو إلى إيران و علم بخبره مضى إليه إلا أنه علم أنه لا يقدر على الوصول إليه بسبب هذا الظلام، و كان معبد گرشاسب


1) سورة الإسراء، آية 5.

2) كركوى و كركويه اسم محلة تبعد ثلاثة فراسخ عن مدينة زرنج على طريق هراة و كانت اسم بوابة من بوابات المدينة نفسها.

فى هذا المكان الذى أطلق عليه الآن اسم بيت نار كركوى، و كان گرشاسب فى عصره مستجاب الدعوة و له الأمر و الناس يذهبون إليه أملا فى بركاته و يدعون فيستجيب اللّه دعاءهم، و لما أصبح الحال هكذا، توجه كيخسرو إلى هناك و ارتدى الصوف و دعا فأظهر اللّه تعالى نورا فى ذلك المكان الذى أصبح الآن موضع النار، و ما إن ظهر الضياء بجوار الظلمة حتى تبددت، فمضى كيخسرو إلى رستم فى القلعة و قذفوا النار بالمجانيق، فاشتعلت المخازن كلها بكل الذى ادخروه لعدة سنين، و احترقت تلك القلعة، و هرب افراسياب من هناك بالسحر(1)

لم يرتفع رأس أفراسياب‌قال رستم لم تكن رديئة و بيضاء

و احترق أناس آخرون و خربت القلعة، ثم أقام كيخسرو مدينة فى نصف هذه القلعة و مكانا للنار تسمى كركويه، و يقال إنه يخرج منها ضياء، و يقول المجوس أيضا إنها عقل كرشاسب، و يحتجون فى هذا الكلام بأشعار كركوى:

ليكن موقدا عليه‌فغنى عقل كرشاسب

و كله ممتلئ فياض‌فاشرب الخمر الحلوة

و احتضن الحبيب‌و اصغ إلى المدح

و واظب فى الخير على الدوام‌فقد مضى أمس و البارحة

أيها الملك الممدوح

و بما أن شرطنا فى أول الكتاب هو أن نذكر أنساب العظماء الذين ذكرنا أسماءهم و أن أعظم إنسان فى الدنيا و الآخرة هو محمد المصطفى صلى اللّه عليه و سلم،


1) كتب هذا البيت فى الحاشية مع العلم أن ذكره لا يؤدى لغرض و ترجمته هكذا:

و عند ما نذكر عصر الإسلام، ينبغى أن نبدأ به و بحديثه حتى يكرم الكتاب بذكره و باللّه التوفيق.

ذكر مولد المصطفى صلى اللّه عليه و سلم‌

نذكر مولد المصطفى عليه السلام فليس لسجستان فخر أعظم من هذا.

و فى روايتين حدثنا و أخبرنا جاء فى كتاب مولد النبى صلى اللّه عليه و سلم لكعب الأحبار، أما نحن فقد كففنا عن الإطالة و لكن سعيد بن عمرو الأنصارى فيروى عن أبيه قائلا: لم أر أحدا على صفة المصطفى صلى اللّه عليه و سلم و هو أكثر علما و رأيا عن كعب الأحبار، و كان أقوى سبب لإسلامنا قبل رؤية النبى (صلى اللّه عليه و سلم) كان من الروايات و الأخبار التى قصها كعب الأحبار علينا و ذلك فى حديثه قبل بعثته، لأنه ذكر لنا خاتم نبوته و أخلاقه و صورته قبل الرؤيا و ما رأيناه، كما أخبرنا عن عامه و شهره و يومه و ساعة موته (صلى اللّه عليه و سلم)، و فى الليلة التى تلقى فيها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الأمر كنا مع كعب الأحبار فى المدينة فلم ينم كعب و كان خارج البيت طوال الليل، ثم عاد و دخل و نظر إلى السماء، و لما طلع الفجر قلنا يا أبا إسحاق رأينا البارحة شيئا عجيبا عنك فبكى و قال: كان شيئا يسحق الوجود ففى هذه الليلة مضى نبينا و كانت أبواب الجنة مفتحة لدخوله، و ليس فى أرضنا مكان أعظم من ذلك المكان الذى يضمه فتعجبت منه فعاد، فمضيت حتى توفى أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه، و فى عهد عمر قدم المدينة و اقتربت منه فعرفنى و قربنى إليه و كنت أحدث الناس عما رأيته منه، فتعجب الناس و قالوا: إن ما قاله بالسحر و كله هكذا، و سمع كلام الناس فقال: اللّه أكبر و اللّه لست بساحر و قال هذا ثانية، فأخرجوا سلة صغيرة كان فيها درة بيضاء و قفل من الذهب الأحمر كان عليه خاتم، فأخذ

الخاتم و فتح القفل و أخرج حريرا أخضر و قال: ها هى صفة المصطفى صلى اللّه عليه و سلم(1)

صلوا على روح النبى المصطفى‌النبى الهاشمى الأبطحى المجتبى

و قلت من هذا المكان فقلنا ثانية يا أبا إسحاق و الآن اقرأ علينا هذه الصحيفة و حدثنا عن حاله من البداية إلى النهاية فقال: نصنع هذا إن شاء اللّه، و عندما أراد اللّه تبارك و تعالى أن يخلق سيد ولد آدم عليه السلام، أمر جبريل أن يقبض من قلب الأرض قبضة بيضاء و هى نور بهاء الأرض، و فى ذلك المكان الذى هو الآن قبره عجن القبضة بماء التسنيم(2)حتى أصبح كالدرة البيضاء، ثم غسله فى أنهار الجنة و أذراه فى السماوات و الأراضين و فى البحار حتى عرفه الملائكة، إن فضل النبى صلى اللّه عليه و سلم أكثر من فضل آدم عليه السلام، و عندما تم خلق آدم و أوجد الروح فيه سمع آدم عليه السلام من جبلته فقال:

سبحانك يا رب العظيم ما هذا؟ فقال اللّه تعالى: تقبل يا آدم تسبيح خاتم الأنبياء و سيد ولدك، و لا تجعل هذا و هو عهدى و ميثاقى فى أى مكان قط إلا عند الطاهرين و الطاهرات، قال آدم: تقبلت يا إلهى العظيم. إن نور محمد صلى اللّه عليه و سلم كان فى دائرة غرة جبين آدم مثل الشمس و هى تدور حول الفلك، و عندما أراد آدم عليه السلام أن يقترب من حواء تطهر و تطيب و أمر حواء أن تفعل مثله حتى جاء إلى الوجود بدر الأنبياء شيث، و فتح فى ذلك اليوم لآدم و حواء نهر الجنة و غمرتهما رحمة اللّه حتى يغتسلا منه و شربا منه، و نظر آدم فى الصباح فرأى هذا النور فى وجه حواء فابتهج، و زادت مكانة حواء عنده حتى أن طيور الجو و الوحوش و الحيوانات كلها أنست حواء و لم يقترب آدم عليه السلام منها، و كانت الملائكة يأتون فى كل يوم للتسليم و التهنئة و كانوا يحضرون ماء التسنيم حتى شربت منه، و لما تم خلق شيث انفصل عنها، فما كان له من ولد آخر حتى انفصل


1) كتب هذا البيت فى حاشية الكتاب:

2) المؤلف تأثر بالقرآن الكريم و يقول عز و جل:\i( وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)\E سورة المطففين: آية 27، 28).

عن أمه، ثم ظهر نور المصطفى صلى اللّه عليه و سلم على جبينه، و وضع اللّه سبحانه و تعالى حجابا من نور بينه و بينها، إلا أن إبليس اللعين رفع الحجاب و دام ذلك لمدة خمسمائة عام، إلا أن شيث كان يزيد فى هذا النور باستمرار حتى ارتفع إلى السماء، و كل الملائكة الذين كانوا يشاهدونه كانوا يقولون هذا نور المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)(1)

نور الهداية للمصباح الأرضى‌و فى الرفعة أعلى من السماء السبع

و عندما بلغ شيث مبلغ الرجال، و حان أجل آدم أمسك بيد شيث و حمله إلى حواء و قال: يا بنى إن ذلك النور الذى تملكه وديعة اللّه و أنا لا أضعه عندى إلا فى أطهر مكان سواء عند الرجال أو النساء، و قال ثانية: يا ربى العظيم أرسل ملائكة حتى يشهدوا على شيث، و دخل جبريل عليه السلام مع سبعين ألف ملك و معه حرير أبيض و قلم من أقلام الجنة و قال: يا آدم هذا قلم من الجنة و حرير و إن هذا القلم لا يحتاج لمحبرة لأن به مدادا للكتابة، فاكتب على هذا الحرير كما كتبوا عليك، و كتب آدم عهدا على شيث و أشهد اللّه و الملائكة و ختمه بخاتم جبريل صلوات اللّه عليه و استودعه هذه الوديعة الخفية و فى الحال أحضر حلتين من نور الجنة و لون الشمس و ألبسوها شيث بأمر اللّه تعالى، و زوجه اللّه تعالى محوايلة البيضاء و هى تشبه حواء تماما، فقرأ جبريل عليه السلام الخطبة و كان الملائكة شهودا، و آدم عليه السلام ولى العروس و أقام قبة من الزمرد الأخضر حول محوايلة، و بقدرة البارى تعالى حملت محوايلة من شيث، و فى الحال سمع نداء من كل مكان قائلا: هنيئا هنيئا يا بيضا فقد جاء نور محمد تجاهك، و قد حجب اللّه تعالى هذه القبة عن عيون الناس و الشياطين حتى أن أحدا لم يستطع أن ينظر من أى جهة من شدة هذا النور الذى يعمى العيون، و فى الحال ولدت بيضا أنوش(2)و النور ظاهر فى جبينه فابتهجت، و عندما كبر أنوش استودعه شيث هذه الوديعة،

1) كتب هذا البيت فى الحاشية و ترجمته:

2) يقول الطبرى: إن أم أنوش هى خرورة أخت شيث.( الطبرى، ج 1، ص 127).

و استودعها أنوش عند قينان و استودعها قينان عند مهلائيل، و لما اختار مهلائيل زوجة كما كان الأمر و اسمها آجرة، و حملت و جاء لها أخنوج و كان هو إدريس و ذلك النور فى جبينه، فأودعه العهد نفسه و الوديعة و قبلها و تزوج بروحا و هى أعظم النساء، ولد منها متشولخ و جاء لمتشولخ لمك، و كان لمك رجلا عظيما ذا قوة، و تزوج قينوس بنت بركائيل، و جاء منها نوح عليه السلام بهذا النور الواضح، و ربط لمك هذا العهد بنوح و قبل هذا و تزوج عمرية و كانت امرأة عظيمة مؤمنة فجاء منها سام و نور المصطفى صلى اللّه عليه و سلم واضح عليه و قد استودعها نوح هذا النور و قبلته،. و أودع عنده تابوت آدم و كان هذا التابوت من درة بيضاء و بابين من الذهب الأحمر و قفلين من الزمرد الأخضر، و زوجه امرأة من بنات الملوك و هى امرأة لم يكن لها فى العالم نظير فى الحسن و الجمال و العفة، و جاء منها أرفخشد و أحضر النور سام و أودع عنده النور و التابوت و قبله. و تزوج أرفخشد مرغانة و جاء منها عابر و كان هو هود النبى صلوات اللّه عليه و أحضر النور و ارتفع النداء من كل جهة أن هذا النور هو نور المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، و هو النور الذى يحطم الأصنام و يهلك الكفار، و استودع أرفخشد نورا و تابوت أبيه و قبله و تزوج ميشاخا و جاء منها فالخ و من فالخ شانخ و من شانخ أرغوا و من أرغوا أشروع و من أشروع ناجور و من ناجور تارخ و من تارخ آذر حتى تزوج بنت ثمر و جاء منها الخليل إبراهيم صلوات اللّه عليه و فى وقت ولادة إبراهيم ظهر له علمان توجه أحدهما للمشرق و الآخر للمغرب، و امتلأت الدنيا كلها بالنور، و لما ارتفع النور تجاه السماء مثل عمود حيث جاء صوت من هناك و ظهر الملائكة و قالوا يا إلهى ما هذا؟ فجاء صوت إنه نور محمد صلوات اللّه عليه، و اتخذ إبراهيم عليه السلام الحجاب- كما كان ذلك لآدم عليه السلام- من قبل حتى ظهر كل بنى آدم و لم ير أمة أعظم من أمم الأنبياء عليهم السلام أعظم من أمة المصطفى عليه السلام، فأراد أن يسأله فجاء نداء أن هذا محمد؛ يا خليل إنه حبيبى- صلوات اللّه عليهما- و دون هذا ليس لى حبيب، لقد ذكرته قبل خلق

السماوات و الأرض، و أبوه آدم كان فى ذلك الوقت بين الطين و الروح، و أنت و هو فى درجة بلا ترديد و أنا أربط نورى بنوره و منك إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم و أمرت بالكرم و الخير و العظمة حتى تكون معه رفيق الطريق، فأخبر إبراهيم سارة بما أظهره اللّه له، و طمعت سارة فى نور النبى صلى اللّه عليه و سلم و كانت تأمل فيه على الدوام حتى وجدته هاجر، و لما جاء إسماعيل و أحضر النور حزنت سارة و بكت من الغيرة، و قالت: يا إبراهيم ما ذا حدث حتى أننى دون النساء جميعا بغير ابن، و قال إبراهيم عليه السلام: لا تحزنى فإن اللّه منجز وعده، و ظلت حزينة حتى جاء إسحاق و كبر و عندما حان وقت رحيل إبراهيم من هذه الدنيا، أحضر تابوت آدم و جمع أبناءه و كان له فى ذلك اليوم ستة أولاد، و كان لكل نبى فى هذا التابوت منزل فقال ارفعوا غطاء هذا التابوت، فرفعوا، و نظروا و ظهرت بيوت ولد إبراهيم عليه السلام كلها و كان فى آخر البيوت بيت محمد المصطفى عليه السلام، و وجدوا كل أنسابهم و عرفوا نسب كل واحد، و إلى أى جيل ينتسب، و كان محمد صلى اللّه عليه و سلم فى بيت من الياقوت الأحمر و كان يصلى و على يده اليمنى رجل شيخ مطيع و قد كتب على جبينه: هذا أول من تبعه من أمته من المؤمنين كان هو أبو بكر الصديق، و على يساره الفاروق و كتب على جبينه فرق من حديد لا تأخذه فى اللّه لومة لائم، و كان هو عمر بن الخطاب، و كان خلف ظهره و قد كتب على جبينه: يا زين البرية و لب الخلفاء و كان هذا عثمان بن عفان، و أمامه كان على بن أبى طالب و قد استل سيفه و وضعه على العنق و قد كتب على جبينه: هذا أخوه و ابن عمه المؤيد بالنصر من عند اللّه تعالى و حوله المهاجرون و الأنصار و قالوا: إن نور حوافر خيولهم متألق كالشمس الآن فى دار الدنيا. و بعد ذلك قال إبراهيم عليه السلام للأبناء: انظروا جيدا حيث إن الأنبياء ارتبطت بمن منكم، ثم نظروا، فاتصلوا كلهم بإسحاق إلا محمد صلى اللّه عليه و سلم فقد انفصل عنهم و اتصل بإسماعيل.

و ظهر فى الحال النور على جبين إسماعيل فقال أبوه: بخ بخ هنيئا لك يا بنى، فقد اختصك اللّه تعالى بهذا النور العظيم لخاتم الأنبياء، و أعطاه عهد أبيه و تابوته و قبّله.

ثم تزوج هالة بنت الحارث و جاء منها قيدار و أحضر النور، و لما كبر أودعه إسماعيل العهد و أودعه التابوت و كان قيدار ملكا.

و أراد باختيار هذا النور أن يجعله متصلا بنسب إسحاق عليه السلام. و أراد اللّه تعالى أن تكون له عجائب كثيرة يظهرها فى نفسه و هذا آخر ما يريد اللّه.

قصة قيدار الملك بن إسماعيل فى حديث نور المصطفى عليه السلام‌

اشارة

كان قيدار ملكا و له سبع خصال لم تكن لأى ملك و كان يريد صيد كل ما يراه بالشبكة و إذا ما أراد، كان يرمى بالسهم بحيث لا يخطئ. و الثالثة: لم يكن هناك فارس يضارعه. و الرابعة: لم يكن لشخص من البشر قوة مثل قوته. و الخامسة: لم يكن أحد فى مثل شجاعته. و السادسة: لم يكن هناك أحد فى كرمه. و السابعة: لم يكن لأحد قوته فى مجامعة النساء و تزوج مائتى فتاة من ولد إسحاق عليه السلام لعل هذا النور يتصل بأحد منهم، و لم يتصل و بلغ عمره مائتى عام و لم يولد له ولد، و فى النهاية مضى ذات يوم إلى الصيد ثم عاد و رأى الوحوش و الطيور و السباع، و قد اجتمعت فى مكان واحد فتعجب من ذلك فقالوا له، بصوت واحد و بلسان فصيح و بكلام البشر: لماذا لا تفكر فى نور محمد المصطفى عليه السلام، حيث إن الوصية و الوديعة التى قبلتها لم تتمها و انقضى وقت من العمر و قد شغلت باللعب، فعاد قيدار إلى داره محزونا، و أقسم ألا يأكل و لا يشرب حتى يظهر اللّه له ماذا ينبغى أن يعمل، و مضت عدة أيام و لم يأكل شيئا و كان يصلى فى وسط سهل

فجاءه ملك فى صورة إنسان جميل الوجه و فى ثوب من الهواء و سلم عليه، و رد عليه قيدار السلام، ثم قال له الملك: لقد ملكت عدة ممالك و مدن و كنت مشغولا بالشهوات و لذات الدنيا، ألم يحن الوقت لتفى بالعهد و تؤدى نور محمد المصطفى عليه السلام.

و اعلم أنه لن يكون فى ولد إسحاق. أما الآن فينبغى الذهاب و أن تقدم القربان إلى اللّه تعالى و تقدس، و أن تطلب منه حتى يظهر قال هذا و صعد إلى السماء، و سرعان ما مضى قيدار إلى ذلك المكان الذى ولد فيه إسماعيل فنحر سبعمائة كبش أقرن من أكباش إبراهيم عليه السلام، و كلما قدم قربانا هبطت من السماء نار حمراء و حملت هذا القربان إلى السماء و بعد الهواء جاء صوت: كفى فقد استجاب اللّه تعالى دعاءك و قبل قربانك امضى و نم تحت شجرة الوعد حتى يبدو لك فى المنام ما ينبغى أن تصنع فمضى قيدار إلى تلك الشجرة و نام. فرأى فى النوم أن شخصا يأتى و يقول له إن هذا النور الذى تملكه صنع اللّه منه كل الأنوار و لا يريد أن يصل إلى مكان آخر ما عدا الأطهار و بنات العرب و من فتاة اسمها غاضرة، فاستيقظ قيدار و ابتهج(1)

كنت أرى سحر دلاله فى المنام‌فما أفضل مراتب النوم التى فى اليقظة

. و فى الحال أرسل الرسل إلى كل مكان يطلبون فتاة تسمى غاضرة، و لم يصبر على هذا و ركب و استل سيفه و كان يطلب حتى وصل إلى ملك جرهم، و هو من ولد ذهل بن عامر بن يعرب بن قحطان، و كان له أخت اسمها غاضرة، و هى أجمل نساء زمانها و تزوجها و حملها إلى مملكته فحملت منه غاضرة، و نظر قيدار فى يوم آخر فى وجه غاضرة فرأى النور فابتهج، و كان يملك تابوت آدم عليه السلام و كانوا يقولون له: يا ولد إسحاق أعطنا التابوت فأنتم تملكون نوره فاكتفى و الأنبياء فى ولدنا و لم يعط و قال: أوصانى أبى (لقد أوصانى أبى)، و لما مضى يوم أراد أن يفتح التابوت و لكنه لم يفتح، و جاء صوت من السماء أن هذا

1) كتب هذا البيت فى حاشية الكتاب و ترجمته:

التابوت لا يفتح بيدك قبل أن تتم وصيتك و أعط التابوت لابن عمك يعقوب حتى يفتحه بيده و هو إسرائيل و يقول أبو محمد الترقفي(1): إنهم يسمونه إسرائيل حيث كان فى بيت المقدس، و فى النهاية خرج كل شخص و دخل قبل شخص و عندما رأى المصابيح كلها أطفأها فتعجب من ذلك و اختفى فى المسجد حتى يعمل هذا و بعد مدة وجد هذا الشخص و أمسك به، و ربطه على عمود حتى دخل الناس فى الفجر و رأوه و كان جنيا، و اسمه قيدار و جعلوا اسم إسرائيل ليعقوب، لأنه كان قد أسر هذا الجن و لما جاء لقيدار الأمر أن أعط التابوت لإسرائيل، قال لغاضرة لا بد من تأدية هذه الوديعة لأنها أمانة عندى، و إذا مت و جاء لك غلام سميه حملا، ثم أخذ التابوت ليحمله إلى كنعان و حمله على كتفه، و ببركة هذا التابوت وصل إلى كنعان فى ساعة واحدة، وضعه على الأرض، فارتفع من التابوت نداء، ثم بكى يعقوب لأنه لم يشاهد هذا النور معه، قال يا ابن العم ما ذا حدث لك، قال: لقد أعطيت نور محمد المصطفى عليه السلام و ذهب (بعد) عنى، قال يعقوب هل أعطيته لأولاد إسحاق؟ قال: لا، أعطيته للأعرابية الجرهمية غاضرة قال يعقوب بأبنائى هؤلاء لم يكن لك شرف المصطفى صلى اللّه عليه و سلم إلا فى العربيات الطاهرات، يا قيدار لك البشرى فقد جاء لك البارحة ولد عظيم، فقال قيدار: أنت فى أرض الشام، و هو فى أرض الحرم فكيف علمت؟ قال: رأيت أبواب السماء مفتوحة و ارتفع هذا النور إلى السماء فإن محمد المصطفى عليه السلام أوجده اللّه تعالى من هذا النور، فعلمت أنه كان موجودا فى عالم الجهة، و لما كبر حمل، أمسك قيدار يده حتى يدله على مكة و المقام و موضع البيت، و عندما وصل إلى جبل ثبير، جاءه ملك الموت فى صورة آدمى و سلم عليه، و قال: أين تذهب يا قيدار، قال أريد أن أدل هذا الفتى على المقام و البيت الحرام قال: آهل خيرا، أما فلك نصيحة


1) نسبة إلى بلد" ترقف" التى ينسب إليها أبو محمد العباس بن عبد اللّه بن أبى عيسى الترقفى الباكسائى أحد أئمة الحديث توفى سنة 368، أو 269 ه. ياقوت الحمى: معجم البلدان( نقلا عن تعليقات بهار).

منى، و أمسك بيده فقبض روحه من ناحية أذنه. و سقط قيدار ميتا أمام ابنه، فغضب حمل، و قال قتلت أبى فقال ملك الموت انظر جيدا حتى تعلم هل مات أم لا؟ فنظر حمل (فأراد حمل أن ينظر) فارتفع ملك الموت من أمامه إلى السماء، و نظر حمل فلم ير شيئا و عرف الحال فجلس على رأس أبيه باكيا، فأوجد اللّه السبب فوصلت جماعة من أبناء إسحاق عليه السلام و غسلوا قيدار و كفنوه و دفنوه، و وضعوه فى جبل ثبير(1)فبقى حمل وحيدا يتيما و رضى اللّه تعالى عنه و قبله حتى كبر، و أصبح ملكا ذا عز و شرف و تزوج امرأة من عظماء قومه الذين كان لهم العهد و اسمها حربوة، و جاء له منها نبت و كان على شكل أبيه فى الجلالة و العظمة حتى جاء منه هميع و جاء لهميع أدد و أصبح له اسم عظيم فى الدنيا و تعلم العلم و الأدب، و كان له فضل الكتابة على أهل زمانه و جاء عدنان لأدد، و قالوا له عدنان لأنه كان له عين الإنس و الجن و أرادوا أن يحموه من الحسد، و قال العلماء و الحكماء و عظماء العالم منهم، إن اللّه تبارك و تعالى وكل به مهما جهدوا حتى أنهم لم يستطيعوا أن يؤذوه، و جاء منه معد و سموه معد لأنه حارب كثيرا و أغار كثيرا فى بنى إسرائيل و كان على الدوام منصورا مظفرا. و جمع له مال لم يكن لأى ملك مثله فى الدنيا، و جاء منه نزار و سموه نزارا لأن نور محمد صلوات اللّه عليه عندما ظهر فيه قدم قرابين كثيرة، و قال فى النهاية و إن كان ليس لى ملك و لا ملك فإن كل شى‌ء أمام هذا النور قليل و كما جرت عادة قومه تزوج امرأة اسمها سعدة(2)و جاء منها مضر و قالوا له مضر حيث إنه كلما وضع يده على قلب لم يكن أحد يراه، و كان سيد كل العرب، و من هذا كتب كتابا على كل أبنائه عهدا و ميثاقا على جملة ما قلناه، و قد أخفوا هذا الكتاب فى بيت الكعبة منذ عهد إسماعيل عليه السلام إلى أن جاءوا بالفيل على


1) ثبير: اسم جبل بمكة يقال: أشرق ثبير كيما تغير( مادة ثبر صحاح اللغة).

2) سعدة بنت عك( الطبرى)

مكة، ثم غير عمرو بن اللحى(1)

خير الدين الزركلى: الأعلام، ج 2، ص 737( القاهرة 1928).

كل ذلك. ثم تزوج مضر كزمة و كانت تسمى كزمة أم حكيم و جاء منها إلياس بعد أن يئست أن يولد لها ولد. و كان إلياس على الدوام يسمع تلبية حضرة الرسول عليه السلام و يقول للناس، حتى تزوج مخة و جاء له منها مدركة و سموها مدركة لأنها وصلت إلى مكانة عظيمة من الشرف و الفضل، و تزوج بعد مدركة قرعة و جاء منها خزيمة(2)و بقى خزيمة مدة بلا زواج لأنه لم يجد من تليق به و لكن رأى أن يتزوج مرة بنت أدين الطانجة(3)، فتزوجها و جاء منها كنانة و تزوج كنانة ريحانة التى تسمى أم الطيب و جاء منها النضر و قد اختاره اللّه سبحانه و تعالى و ظهر منه نور عظيم و سموه قريش (و قالوا له قريش) فكل من هم أبناء النضر قرشيون و كل من ليسوا منه فهم ليسوا قرشيين و كانت تلك الرؤيا التى رآها فى المنام.

رؤيا نصر بن كنانة و هو من سموه قريشا

رأى فى المنام رؤيا، فقال: إن شجرة نبتت من ظهرى و تأصلت و ارتفعت حتى عنان السماء و مدت غصونها فى العالم كله، و أصبحت هذه الأغصان كلها نورا. و رأيت جماعة إلى حد أن الدنيا امتلأت بالناس و أمسك كل منهم بغصن من أغصانها، حتى رأيت سماء الدنيا ممتلئة بالناس، و لما استيقظت من النوم سألت علماء قريش فقالوا: إذا رأيت هذا الحلم فقد اختصصت بالعز و الكرم و وصلت إلى منزلة لم يصلها أحد. و فى الحال نظر اللّه تعالى تجاه الأرض و قال للملائكة: من ذا


1) عمر بن اللحى بن حارثة بن عمر بن الأزدى من ملك العرب فى الجاهلية، أول من أتى بالأصنام من بلقاء الشام إلى الحجاز، فجعلها فى الكعبة، دعا العرب إلى الاستشفاء بها و العبادة حولها و يظن أنه كان فى أوئل القرن الثالث للميلاد.

2) يوجد بياض فى المتن صححناها كما وردت فى الحاشية.

3) الطانجة لقب عامر بن إلياس بن مضر لقبه بذلك لأنه طبخ العنب( صحاح اللغة مادة طنج).

فى هذه الأرض و فى هذا الزمان أكبر عندى و أعلم و أنا بهذا أعلم قالوا يا إلهى العظيم لا نرى أحدا يذكرك على الدوام فى الأرض إلا نورا و هو تلك الوديعة التى عند أحد من أولاد إسماعيل عليه السلام. فقال الجبار جل جلاله: اشهدوا يا ملائكة لقد اخترته ببركة المصطفى صلى اللّه عليه و سلم و قربته. و قد فتح له الحرم و مكة و العرب كلها و جاء منه مالك. و قالوا له مالك حيث إن العرب جميعا كانوا تحت إمرته و جاء فهر من مالك. و من فهر لؤي، و من لؤى غالب و من غالب كعب، و من كعب مرة و من مرة كلاب و من كلاب قصى و سمى قصيّا لأنه طرح الباطل بعيدا و قرب الحق و هو الذى عمل أحكام العرب و جاء من قصى عبد مناف و كان له شرف عظيم حيث إن ملوك الأرض جميعهم أرسلوا إليه الهدايا و الرسل و كان معه لواء نزار و قوس إسماعيل و سقاية الحاج و مفاتيح الكعبة، و كان له خمسة أبناء و تسع بنات، و أول أبنائه كان هاشم و سموه هاشم لأنه هو أول من وضع الثريد و وضع المائدة للعالم كله. و قد أحضر هاشما هذا النور و قبل الوصية. و كانت كل أمهاتهم إلى قرب حضرة الرسول طاهرات حرائر، و كلهن قبلن العهد و وفين به و كان لكل منهن صداق عظيم لا يقل عن ألف دينار و كان أكثر، و يقول الأقدي: إن اللّه تعالى اختار هاشما و طهره و عرف الملائكة أن طهرت هذا العبد من كل شي‌ء.

و قد أثر فيه هذا النور بحيث كان فى جبينه مشرقا كأنه هلال بدر أو كوكب درى.

بحيث لم يشاهد مثل هذا إنس و لا جن إلا سجد، و وصل خبره تجاه قسطنطين قيصر الروم، فأرسل إليه رسولا قائلا له إن لدى فتاة ليس فى الشرق و لا فى الغرب سواها و أنا أزوجك إياها، إلا أنه رفض، و بسبب هذا النور العظيم لم يتزوج حتى أظهر اللّه له فى الرؤيا أن يتزوج سلمى بنت زياد بن عمرو بن لبيد بن خداد بن عدى بن النجار فتزوجها و كانت من حرائر العرب كما كانت خديجة بنت خويلد فى عهد الرسول عليه السلام، و كانت بكرا و عاقلة و ذات جمال و كمال و جاء منها عبد المطلب و كان هاشم نائما فاستيقظ، و رأى حلة من الجنة فارتداها، و زين المهد بحلل الجنة و رأى عبد المطلب هذه العفيفة فى المهد و قد كحلت عين أمها

و ابنها و طلاها بزيوت لم ير مثلها قط فتعجب فأخذ حلة و مضى إلى (كهنة) قريش و قص عليهم القصة، فقالوا: إن اللّه تعالى أمر أن تزوج هذا الرجل العظيم و سوف يصبح عظيما. و زوجوه قيلة بنت عمرو بن عاجر و أصبح عظيما و قبل العهد و جاء له الحارث و ماتت هذه الزوجة و تزوج هند بنت عمرو ثم حان أجل هاشم فقال لعبد المطلب اجمع أبناء النضر عندى عبد شمس، و مخزوم، و فهر، و لؤى، و غالب. و هاشم ما عدا أم عبد المطلب ..؟ و كان عبد المطلب فى ذلك الوقت يبلغ الخامسة و العشرين و كان أجمل و أعقل أهل الدنيا، و لم يستطع أحد فى الدنيا أن يساجله (يفعل مثله) لما له من هيبة و شجاعة و يشم منه رائحة أجمل من رائحة المسك و الكافور و العنبر، و تألق نور المصطفى صلى اللّه عليه و سلم فى غرته، و عند ما رأى هاشم هذا النور و قد اجتمعت قريش كلها قال: اعلموا أنكم مخ ولد إسماعيل و قد اختاركم اللّه عز و جل و جعلكم خاصته، و أنتم سكان الحرم و سدنة بيته و أنا اليوم رئيسكم و سيدكم و لواء نزار و قوس إسماعيل عليه السلام فى يدى و سقاية الحاج و مفاتيح الأصنام و حماية و حراسة كل هذه الأشياء التى ذكرتها لكم أودعتها عند عبد المطلب و جعلته سيدكم. و كان لعظماء هذه الدنيا كلها خبر عن هذا النور و كانوا يؤمنون به و يرسلون الهدايا. و بما أن المطر لم يسقط على مكة فذهب السادة و العظماء و اجتمعت قريش، و مضوا إلى عبد المطلب حيث جبل ثبير، فدعى فأرسل اللّه تبارك و تعالى المطر فى الحال، و كانت عجائب كثيرة له (و كانت له عجائب كثيرة) بفضل نور المصطفى عليه السلام.

فى قصة أبرهة الصباح مع عبد المطلب الذى كان أول من قدم مكة

فى قصة أبرهة الصباح(1)مع عبد المطلب الذى كان أول من قدم مكة

حينما قدم أبرهة فى المرة الأولى، و قصد تخريب مكة، قال عبد المطلب لعظماء العرب لا ينبغى شغل القلب بهذا الأمر، إنه لا يستطيع أن يخرب هذا لأن له ربا قديرا لا يدعه يصنع هذا و هو يحفظ هذا البيت. ثم جاء أبرهة حتى نزل بالقرب من هذا الحرم و ساق جمال المكيين و خرافهم و كان فى وسطهم أربعمائة جمل أحمر لعبد المطلب، و عند ما عرف الخبر جلس مع جماعة من عظماء قريش، و عندما وصل إلى جبل ثبير، و ذلك النور يظهر على جبين عبد المطلب، و عندما سطع نور القمر و من هناك أشرق على مكة، فتعجب عظماء قريش من هذا فقالوا:

عاد هذا النور و لم يشرق قط على مكان إلا ظفر، و عاد و أشرق على مكة فعادوا من هناك، و بلغ الخبر أبرهة بأن رؤساء قريش قدموا و رجعوا فغضب، و كان له قائد و معه ألف فارس يسمونه حباطة الحمير(2)فأرسله قائلا: امض و احضر لى عبد المطلب فجاء و دخل مكة، و لما رأى عبد المطلب و على جبينه هذا النور خاف و ارتعب و ذهب عقله، و لما عاد إلى وعيه قال حقا إنك سيد قريش ثم سجد له و قال يقول الملك أبرهة: إنك جئت ثم رجعت فما السبب؟ و الآن يعمل الفضل و نحن فى ألم حتى نشاهده فركب عبد المطلب مع رؤساء قريش و مضى، و لما دخل فى وسط الجيش و مضى إلى الرسول مع الحاجب إليه حتى دخلا على الملك و قال ها هو ذا سيد قريش قد جاء، و عندما رآه أبرهة قال لا ينبغى تعريف هذا السيد فإن كل من يراه يوقن أنه السيد بهذا النور الكبير، ثم وقف و أمسك بيد عبد المطلب و رفعه إلى العرش و أجلسه و كان ينظر إليه باستمرار، فعاد ثم قال يا عبد المطلب كان هذا


1) قال الجوهرى فى الصحاح( أبرهة بن الصباح أيضا ملك اليمن كان عالما جادا) أبرهة الأشرم من ملك اليمن ابن يكم صاحب الفيل، من هذا القرار فإن حكاية أبرهة صاحب الفيل معروفة مع عبد المطلب قد أشار إليها فى المتن.

2) ذكره ابن الأثير و الطبرى فى تاريخهما حناطة الحميري.

النور لآبائك فقال عبد المطلب إن هذا ميراث و كان لكل آبائى مثل هذا، فقال أنت شرف الملوك و العظماء، و نظر إليه ثانية و كان له فيل أبيض و هو كبير إلى حد أن سنه كانت مرصعة بالجواهر و كان يفخر على الملوك كلهم بهذا الفيل، و كانت كل الفيلة تسجد لأبرهة و لم يسجد فيل فأمر، و قال: احضروا هذا الفيل فأحضروه أمامه مزينا، و لما رأى الفيل عبد المطلب ركع و سجد له، و صاح بلغة الآدميين بحيث سمع الخلق كلهم صوته سلام على تلك العظمة التى على جبينك فإن شرف الدنيا و الآخرة و عزهما فيه يا عبد المطلب إنك لن تذل و لا ظفر لأحد عليك و تعجب الملك من ذلك و خاف فى قلبه أن يكون عبد المطلب ساحرا فنادى سحرته و كهانه فقال لهم قولوا لى الحق فما السبب فى أن هذا الفيل لم يسجد لى فقال ساحر إن هذا النور الذى هو مودع فيه يخرج فى آخر الزمان و أنه محمد و يشمل كل الدنيا و هو يذل الملوك و يصلح دين هذا البيت (يعنى يجدد دين إبراهيم صلوات اللّه عليه) و زاد ملكه كثيرا عما كان للملوك السابقين فى الدنيا حتى الآن، ثم قالوا مرنا حتى نقبّل يد عبد المطلب و قدمه جميعا، فأمرهم فقبّلوا يد عبد المطلب و قدمه، ثم نهض الملك و قبّل رأسه و أعطاه عطاء جزيلا ثم أعاد إليه الجمال و الخراف كلها، و عاد عبد المطلب من هناك و تزوج هالة بنت الحارث، و جاء منها أبو لهب و كان اسم أبو لهب عبد العزى، و كان كافرا و شيطانا رجيما، ثم تزوج سعدى بنت غياث و جاء منها العباس، و جاء منه الأمراء و الخلفاء و جاءت صفية منه و تزوج حميدة و جاء منها حمزة سيد الشهداء و رأى ذات يوم كلا من جحل بن عبد المطلب و عاتكة بنت عبد المطلب فى المنام فاستيقظ من نومه خائفا و هكذا مضى مسرعا و يقول العباس: إنى كنت كبيرا و ذهبت من بعد أبى حتى أقبل عليه كهنة قريش ماذا حدث يا أبا الحارث، قال: رأيت حلما و خفت منه، قالوا ماذا رأيت؟ قال رأيت سلسلة خرجت من ظهرى و لها أربعة أطراف مضى واحد و شمل الشرق، و الآخر مضى و شمل المغرب و واحد صعد إلى السماء و واحد دخل فى الأرض و كنت أنظر إليه حتى أصبحت هذه السلسلة شجرة و قد جمعت كل شي‌ء و كلما اخضرت

و حملت انتشر النور فى كل مكان من هذه الشجرة و كلما كنت أنظر رأيت شخصين عظيمين عليهما الهيبة فقلت لأحدهما من أنت؟ قال ألا تعرفنى؟ قال: لا.

قال: أنا نوح نبى رب العالمين. و قلت للآخر من أنت؟ قال أنا إبراهيم خليل الرحمن. فاستيقظت، فقال الكهنة إذا كان حلمك صادقا فمن ظهرك يخرج ولد يؤمن به أهل السماوات و الأرض و يظهر العلم فى الدنيا و الآخرة، ثم مرّ على عبد المطلب وقت لم يتزوج فيه أى امرأة، حتى رأى ثانية فى المنام من يقول له تزوج فاطمة بنت عمرو فتزوجها و أمهرها مائة جمل أحمر و مائة رطل من الذهب الأحمر فجاء له منها أبو طالب و آمنة بنت عبد المطلب و لم يخرج هذا النور قط منذ أن خرج يوما للصيد و رجع متعبا، و رأى ظلا كبيرا و قد نزل الماء عليه و شرب منه و مضى إلى منزله و فى تلك الليلة مضى هذا النور و عرف أحبار الشام جميعهم فى الحال عن ولادة عبد اللّه و سبب هذا أنه كان لديه صوف أبيض ليحيى بن زكريا عليهما السلام و قد جف دمه عليه و قد كتب على الجبة أنه كلما شاهدتم الدم يقطر من هذه الجبة قطرة قطرة و تصبح الجبة بيضاء اعلموا أن عبد اللّه والد محمد عليه السلام قد جاء فى هذه الدنيا و كانوا يحصون اليوم و الشهر و السنة، و عندما رأوا أن الدم أصبح قطرة و أصبحت الجبة بيضاء عرفوا أنه بعد أن يكبر يأتى اليهود يطلبونه حتى يقتلوه، و حفظه اللّه تعالى حتى أن أعينهم لم تقع عليه فرجعوا و لم يروه و كل من رآه فى الشام قادما من مكة سألوه عن عبد اللّه و كانت قريش تمدحه بصورته و جماله و كماله، و كانت اليهود تقول: إن ذلك ليس نور عبد اللّه ثم قالوا لمن؟ قالوا: لمحمد ابنه عليه السلام الذى يظهر النبوة آخر الزمان و يحطم الأصنام و يأتى بدين إبراهيم عليه السلام و قد بلغ عبد اللّه فى الحسن إلى حد أن النساء جميعهن افتنن به و أصبح يوسف عصره، و كانت النساء الكاهنات جميعهن يعرضن أنفسهن عليه و قال: لا طريق إليكن إلىّ و قال: كل عجائب أمره لأبيه و خرج ذات يوم إلى بطحاء مكة فرأى نورا خرج من جبينه و تفرع فرعين أحدهما اتجه إلى الشرق و اتجه الآخر إلى الغرب، و اجتمع فى جبينه فقال الأب: لا يمر طويلا زمان حتى

يأتى منك ولد تسخّر له الدنيا كلها، و كان أحبار الشام يقصدون إهلاك عبد اللّه على الدوام حتى قدم سبعون رجلا من هناك و قدموا خفية و جلسوا فى كمين حتى خرج عبد اللّه للصيد فمضوا إليه و التفوا حوله ثم رأى وهب بن عبد مناف من بعيد و كان والد آمنة وجد المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، فأراد أن ينصر عبد اللّه و جاء من السماء فرسان (و رأى فرسانا جاءت من السماء) فقتلوا اليهود جميعا فأخذه العجب من هذا و ذهب فى الحال إلى داره و قال لبرة و هى أم آمنة يجب أن نبذل الجهد لكى نعطى ابنتنا لعبد اللّه قبل أن يخرج من اليد فجاءت برة إلى عبد المطلب قائلة له:

أعط ابنتى آمنة إلى عبد اللّه. فقال عبد المطلب: ليس أحد من أبنائى أفضل من آمنة. و بعد ذلك أعطاها الأب لعبد اللّه و مرضت مائة امرأة من قريش و متن بغمهن، و كانت آمنة أجمل و أطهر نساء قريش، و تم ذلك بأمر اللّه تعالى و تقدس فى غرة شهر جمادى الآخر ليلة الجمعة أودع عبد اللّه هذا النور عند آمنة، و فتحت أبواب الجنة فزفت البشرى ملائكة السماوات و الأرض جميعها بأن محمدا عليه السلام وجد فى هذه الليلة. و فى هذه الليلة نكست كل الأصنام الموجودة فى الدنيا و نكس عرش إبليس اللعين، و سقط فى البحر و زجه أحد الملائكة فى البحر أربعين يوما ليحترق بالشمس حتى أنه حرره فى اليوم الأربعين و قد صعد إلى جبل بوقبيس(1)، هاربا محترقا و ناح حتى اجتمعت عليه جميع الشياطين، فقالوا: أيها الرئيس! ماذا وقع؟ قال: لقد هلكت فمثل هذا العصر لم يكن لنا قالوا قل الحال، قال خرج محمد ابن عبد اللّه عليه السلام بسيف قاطع، فبعد هذا ليست لنا قوة فغير الأديان و حطم الأصنام و أهلكها و يصبح دين وحدانية اللّه فى الدنيا ظاهرا، و أن محمدا و أمته هما السبب فى أن اللّه تعالى جعلنى لعينا طريدا، و الآن ضاق الحال بى و لا أعلم ماذا أصنع و إلى أين أمضى؟ قالت العفاريت: لا تخف فإن اللّه سبحانه خلق بنى آدم سبع طبقات و كل طبقة منهم كانت لها قسمة، و تركوا الطبقات الست التى كانت أعظم و قد أنصفنا أنفسنا منهم و نجتهد عليهم أيضا، ثم قال إبليس: كيف نسيطر عليهم


1) بوقبيس: اسم جبل مشهور فى مكة المكرمة و يقع فى الناحية الشرقية منها.

و فيهم خصال فهم يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يقيمون الصلاة(1)و يدعون اللّه و يحجون و يغزون و يزكون و يقرأون القرآن، قالوا: نتوسل على كل جماعة بهذا الشى‌ء فنتوسل على العالم بالعلم و على الجاهل بالجهل و على الزاهد بزهده و على صاحب الرياء بريائه و نزين الدنيا فى عيونهم حتى نفسد الدين عليهم، قال إبليس: إن هؤلاء يعتصمون باللّه، قالوا: نحن نلقى الهوى و البدع بينهم و نجعل هذا جميلا فى قلوبهم فضحك إبليس و قال: الآن سر قلبى، و فى ذلك العام الذى ولد فيه الرسول عليه السلام كان عام قحط و قد عجزت قريش و عندما جاءت (هطلت) الأمطار و اخضرّت الدنيا كلها، و جاءت الوفود من كل مكان إلى قريش، و سموا هذا العام عام الفتح، و الآن سنة الفتح معروفة بينهم، و كان لعبد المطلب الحكم على العرب جميعهم فى هذا العام، و كان يخرج كل يوم يطوف و لما طاف رأى شخصا عظيما فوقف أمامه على تلك الصورة التى جاء بها المصطفى عليه السلام، و كان يقول للناس: إنى أرى شخصا كأنه قطعة نور ثم نظرت قريش و لم تشاهده، و فى تلك الليلة قالت الجياد جميعها التى كانت عند قريش بلسان فصيح، قسما بالآلهة مع إله الكعبة إن محمدا قد خلق، و هو أمان على الدنيا و سراج أهلها، و فى تلك الليلة يئس الكهان كلهم بعضهم من بعض و مضى و ولى عنهم علمهم و قد نكست فى هذه الليلة عروش ملوك العالم جميعها، و قد رأوا فى الفجر ألسنتهم جميعا قد انعقدت فما استطاعوا أن يقولوا هذا الكلام إلى الفجر و بشّرت و حوش الأرض و هوام البحر بعضها بعضا بولادته عليه السلام، و كانت الملائكة تنادى فى الأرض و السماء قائلة:

قد جاء وقت ظهور أبى القاسم صلى اللّه عليه و سلم، فقد مضت تسعة شهور- بلا ألم و لا حرقة- فظهر فى العالم و لم يكن قد ولد بعد، و انتقل أبوه إلى العالم الآخر.


1) المؤلف متأثر بالقرآن الكريم و يقول اللّه عز و جل:\i( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)\E آل عمران، آية 110).

ولادة محمد المصطفى عليه السلام‌

يقول محمد بن موسى الخوارزمى(1)

( ابن النديم: الفهرست، ص 383، القاهرة 1970).

فى تاريخه: إن مولد المصطفى كان يوم الاثنين لثمانى ليال خلون من شهر ربيع سنة الفيل، و بعد ذلك بخمسين يوما ولد، بعد ذلك هلك أصحاب الفيل و فى السابع عشر من شهر ذى الحجة و العشرين من شهر نيسان سنة 882 من وقت ذى القرنين(2)

و يقول المسعودى: ولد عليه السلام لعام الفيل لثمان من ربيع الأول و قيل لعشر و هو اليوم الثامن من ديماه من بدء الملك بختنصر يوافق اليوم العشرين من نيسان سنة 882 بالتقويم الرومى.

و فى ذلك اليوم كانت الشمس فى عشر درجات من برج الثور، و القمر فى برج الأسد فى ثمانى عشرة درجة و عشر دقائق، و زحل فى برج العقرب بتسع درجات و أربعين دقيقة راجعة، و المشترى فى برج العقرب فى درجتين و عشر دقائق راجعة، و المريخ فى السرطان بدرجتين و خمسين دقيقة، و الزهرة فى برج الثور فى اثنتى عشرة درجة و عشر دقائق، و عطارد فى الحمل بتسع درجات و أربعين دقيقة، و قالت أمه: جاءنى صوت إذا كان لك ولد فأسميه محمدا. فإنه سيد العالمين، و فى يوم الاثنين كنت وحيدة و كان عبد المطلب يطوف و دخل الرعب قلبى و رأيت جناح طائر أبيض يمسح على قلبى و أصبحت ساكنة، و فارقنى كل غم و ألم فنظرت ثانية فرأيت كأسا فأعطونى إياها

1) محمد بن موسى أصله من خوارزم، و كان منقطعا إلى خزانة الحكمة للمأمون و هو من أصحاب علوم الهيئة، و كان الناس قبل الرصد و بعده يعولون على زيجه الأول و الثانى و يعرفان بالسند هند، و له من الكتب كتاب الزيج نسختان أولى و ثانية و كتاب الرخامه و كتاب العمل بالإسطرلابان و كتاب التاريخ.

2) اختلف المؤرخون فى تحديد ولادة الرسول صلى اللّه عليه و سلم، و يقول ابن الأثير: انه ولد فى العشرين من نيسان الموافق الثانى عشر من ربيع الأول سنة 42 للملك انوشروان و سنة 882 بالتاريخ الرومى و يقول الطبرى: ولد ليوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول سنة 810 من التاريخ القديم الموافق 20 من نيسان سنة 891 بالتاريخ الرومى.

قلت: لعله لبن و كنت ظمأى فشربت، فرأيت نورا ظهر مثل نخلة تنمو و رأيت ثانية نساء على نور مثل بنات عبد مناف و قد التففن حولى ثم رأيت ديباجا أبيض جاء فى الجو و التف حولى، و جاء نداء احفظيه من أعين الناس ثم رأيت أناسا فى الجو و فى أيديهم أباريق من فضة مملوءة من هذا الماء جاءت على وجهى قطرة طيبة الرائحة و أطيب من المسك و كنت أقول: ليت عبد المطلب جاء إلى جانبى، ثم رأيت طائرا و دخل حجرتى و منقاره من الزمرد و ريشه من الياقوت الأحمر، و عندما هبط فتحت لى الدنيا. و رأيت من الشرق إلى الغرب. و رأيت ثلاثة أعلام غرس أحدها بالمشرق و الآخر بالمغرب و الثالث على سطح الكعبة ثم ضاقت الحال و أمسكت النساء بيدى و ولدت محمدا عليه السلام، فنظرت فكان ساجدا على الأرض و قد رفع إصبعه فى الهواء متضرعا، فنزل سحاب أبيض من الجو و حمله و جاء صوت احملوا الرسول عليه الصلاة و السلام من الشرق إلى الغرب و إلى البحار حتى يعرفوا صفته و صورته و يقولون إنه الماحى و قد انمحى به الشرك و الكفر كله و لم يمض طويل زمان ثم نظرت ثم أحضروه ملفوفا فى قطعة فى صوف أبيض من الحرير، و كان كل شى‌ء تحته حرير أخضر و به ثلاثة أربطة من اللؤلؤ المبلول و ثلاثة مفاتيح أيضا من اللؤلؤ، و كتب على الثلاثة مفتاح النصر و مفتاح الشريعة و مفتاح النبوة، و فى الوقت جاءت سحابة أخرى أكبر منها، و من هذا جاء صوت الخيول و صوت الطيور و صوت كلام الناس و غيبوه عنى ساعة، و سمعت صوتا أن طوّفوا محمدا عليه السلام بالمشرق و المغرب و على مواليد الأنبياء عليهم السلام و على أرواح الإنس و الجن و الطيور و السباع و الحيوان، و قد أعطيته (وهبته) صفوة آدم و رقة نوح و يعقوب و وجه داود و صبر أيوب و زهد يحيى و كرم عيسى، فحملوه، و جاءوا به فى الحال و لفوه فى حرير أخضر، و صاحوا، حبذا محمد جعل العالم كله فى يده حتى الرجال الثلاثة الذين كنت رأيتهم فى الجو جاءوا بإبريق و طست و هذا الماء الذى هو أطيب رائحة من المسك، و أمسكوه و غسلوه به، و جاء واحد و بيده خاتم يتألق مثل الشمس و غسلوه سبع مرات، و بهذا الخاتم ختموا بين

كتفيه هذه قبلة محمد علية السلام، و وضعوه فى وسط الحرير و كان حبل من المسك و ربطوه ربطا محكما و حمله واحد من هؤلاء الثلاثة، و قبله بين عينيه و قال ثانية يا محمد البشرى لك فلم يكن لنبى علم إلا أعطى لك و علمك الخاص زيادتها و مفتاح النصر معك، و لا يسمع أحد قط اسمك دون أن يخاف، ثم رأيت رجلا آخر فوضع شفته على شفته و سلمه شيئا كما تزق الحمام وليدها (فرخها) الحبة، و قال محمد زدنى زدنى و أشار بيده نحو السماء، فرأيت شيئا يبدو كأنه البدر فى ليلة الرابع عشر، و وضعه أمامى خذ سيد الأولين و الآخرين فقد أدرك عز الدنيا و الآخرة، و ذهبوا، و بعد ذلك لم أر أحدا. و يقول عبد المطلب كنت فى تلك الليلة فى الكعبة عند مقام إبراهيم عليه السلام، و قد رأيت الكعبة ساجدة ثم وقفت و قالت بصوت فصيح اللّه أكبر اللّه أكبر رب محمد عليه السلام، و الآن طهرنى اللّه تعالى و نجوت من المشركين فنكست الأصنام كلها و نادى مناد أن آمنة ولدت محمدا عليه السلام و ها هو ذا غسل مرتين فى طست و إبريق و ماء الفردوس و قلت لعلى أرى هذا فى المنام، فقلت سبحان اللّه فاستيقظت فخرجت من باب بنى شيبة إلى بطحاء مكة و رأيت الصفا و المروة تتحركان، و قالوا لى: أين تذهب يا سيد قريش و لم أجب مطلقا فقد كان قلبى مقيدا بحديثه، حتى أمضى إلى آمنة و أنظر ماذا حدث، و عندما وصلت إلى هناك، رأيت طيور الدنيا جميعها قد وقفت فى الجو و قد أظلت سحابة بيضاء حجرتها، فحاولت كثيرا حتى جئت بنفسى كى أطرق الباب، فنادتنى آمنة بصوت خافت و جاءت و فتحت الباب و نظرت إلى وجهها فلم أر النور فى جبينها و لم أر عليه أى علامة، و من ضعف إدراكى أردت أن أمزق حريره، فقالت آمنة:

ماذا كان فقلت أين النور فقالت جئت بالتمام ها هى ذى الطيور تقول لى لا تفرطى فيه حتى تربيه و تقول هذه السحابة أعطيه لى كى أربيه قال عبد المطلب:

أرنى قالت لا أستطيع اليوم فإن شخصا جاء يقول لا طريق لأحد إليه قبل مرور ثلاثة أيام فسحب (استل) عبد المطلب السيف و مضى إلى باب الحجرة و يقول: رأيت رجلا مخيفا خرج لى و استقبلنى، و قال ارجع و إلا أهلكتك قال لقد ضعفت يدى

و وقف (بكم) لسانى و غطى سيفه (أى وضع السيف فى جرابه) ثم قال لى قبل مرور ثلاثة أيام حتى تأتى الملائكة جميعها و يزورونه ثم يراه الآدميون و يقول ابن عباس: فى أسبوع ليلا و نهارا لم يستطع عبد المطلب أن يتكلم، ثم يقول لقد تنازعت هذه السحاب و الطيور و الرياح و الجن قال كل منهما أنا أرضعه ثم سمعت مناديا أن أحدا لا يرضعه إلا الآدميون ثم يئست ثم جاء صوت طوبى لمن يرضعه حتى قدر اللّه تعالى و تقدّس له حليمة بنت أبى ذويب السعدية، تقول: إنه كان فى هذه السنة قحط كبير (شديد) و كنت أعانى ألما كثيرا و فى هذه الليلة التى ولد فيها محمد عليه السلام رأيت رؤيا (فى منام) ملكا يمسكنى و يرفعنى فى الهواء، و رأيت نبع ماء لم أر مثله مطلقا و قال اشربى فشربت فقال مرة ثانية اشربى فشربت أيضا فقال: أصبح الآن لبنك غزيرا و سيأتى إليك رضيع هو سيد الأولين و الآخرين فاستيقظت من النوم فوجدت لبنى كثيرا و به قوة و لم يكن للجوع طريقا لى بعد ذلك، و فى اليوم الآخر قالت لى نساء بنى سعد يا حليمة إنك اليوم مثل بنت الملك و لم أقل لهن شيئا مطلقا حتى مضيت (صعدت) إلى الجبل لطلب الحطب و الحشائش فسمعت مناديا ينادى لماذا لا تذهبين إلى مكة و الحرم و تتسلمين سيد الأولين و الآخرين و ترضعينه فى الدارين و نزلت (هبطت) النساء و أنا معهن أيضا و سلكنا الطريق فكلما بقيت فى مكان وحدى كانت تقول لى النباتات و الحجارة كلها لقد فزت بأفضل الخلق فلا تحزنى أبدا، و عندما جئت (وصلت) حتى وجدت نساء بنى سعد كلهن قد ذهبن إلى مكة فقلت لصاحبى، يجب أن نذهب إلى هناك أيضا، فركبت حمارا و مضيت مع صاحبى إلى مكة و عند ما وصلنا كانت هذه النساء قد دخلن مكة و أخذن كل الأطفال الذين لهم أب و أم، و لكنى رأيت رجلا عليه العظمة أمام نخلة خرجت من وسط الجبال و يقول يا حليمة ذلك بقى لك فاطلبى سيد العرب، و عندما وصلت إلى هناك قلت لصاحبى من سيد العرب، قال عبد المطلب، ثم ذهبت إلى مكة فرأيت النساء اللاتى أخذن أطفال (أبناء) قريش و قد أخذت كل منهن شيئا و رجعن و عدن و رأيت عبد المطلب يقول: هل منكن يا نساء بنى سعد من تربى

ابنى فقلت: أنا قال ما اسمك؟ قلت: حليمة قال: بخ بخ نعم المربية. قلت على الرغم من أنه ليس له أب فإن ما رأيته فى منامى و ما قيل لى ليس بخطأ و ذهبت معه و مضى يتقدمنى و يمشى حتى حجرة آمنة و فتح الباب و هكذا قلت و خيل لى من الرائحة أن باب الجنة قد فتح، و دخلت و رأيت آمنة كالقمر فى ليلة الرابع عشر أو كوكب دري، و إذا علمت و ذهبت إلى تلك الحجرة كانت الرائحة جميلة، و هكذا قلت: كأننى كنت ميتة و أصبحت الآن حية، و كانت هذه الروح و نظرت فرأيت محمدا نائما فى صوف أبيض، و علمت أنه ليس من صنع مخلوق و فى حرير مكتوب منقط و حرير أخضر، و كان يظهر من رائحة كل قميص و لونه أنه ليس من صنع مخلوق و أنه من صنع اللّه تعالى، و استغرق فى النوم و عندما رأيت نوره و بهاءه أردت أن أنثر روحى أمامه و لم يطاوعنى قلبى كى أوقظه و أردت أن أضع ثديى فى فمه ففتح عينيه و ابتسم و إذا بالنور يخرج من عينيه و يرتفع إلى السماء، فتحيرت و قبلته بين عينيه و أعطيته ثديى الأيمن فرضع و لما أردت أن أعطيه ثديى الأيسر أبى (رفض) و لم يأخذه. يقول ابن عباس: كان عليه السلام عدلا.

فأخذته و أتيت به إلى صاحبى (و حملته عند صاحبى) و عندما رآه سجد للّه تعالى شاكرا و قال ما رجع أحد إلى داره أكثر منا غنى، ثم أرسلت أمه إلىّ من يخبرنى ألا أخرج به من بطحاء مكة قبل أن أراك لأن لى وصايا لك بشأنه، و مكثت هناك ثلاث ليال و تيقظت ذات ليلة فرأيت رجلا كانت تخرج (تسطع) منه الأنوار إلى السماء (تسطع منه الأنوار و ترتفع إلى السماء) يحتضنه فى مهده و يقبله فأيقظت صاحبى فقال اسكتى فإنه منذ أن ولد و ليس ليهود العالم من نوم و لا قرار و عليك أن تخفى كل ما ترين منه ثم مضيت إلى أمه و ودعتها و ذهبت. و جلست على حمارى هذا، و حملته أمامى و ولى الحمار وجهه ناحية الكعبة، و سجد و أشار لشي‌ء برأسه و ذهبنا، و تعجبت هؤلاء النساء منى، يا بنت ذويب إن الذى كان

يمشى معنا ليس حمارا. إنه جمل بختى(1)فقلت إن هذا ليس حمارا إن هذا شي‌ء آخر عظيم، عند ما قلت هذا قال الحمار: كنت ميتا و أصبحت حيّا و خطفتك و أصبحت سمينا و من يعلم عن بركات خاتم النبيين و سيد المرسلين و حبيب رب العالمين، و فى الوقت سرعان ما ذهب إلى خيولهم و رجالهم كلهم، و قد نما فى كل مكان وصلت إليه نبات أخضر حتى أكل حمارى و عندما وصلت إلى المنزل فإن الخراف و الجمل و حمارى هذا و كل ما ملكته قد زاد من النتاج و من اللبن و من السمنة حتى أصبح مالى كثيرا من بركته، و ذلك الشخص الذى اتصل بى و عرفنا و كنا نعتز به جميعا ثم سمعت أنه قال ذات يوم اللّه أكبر أللّه اكبر و الحمد للّه رب العالمين، فتعجبت منه كثيرا و لم أر قط بوله و لا غائطه حيث لا ينبغى الغسيل و لم يلعب مع الأطفال قط و قال لى ذات يوم أين أصحابي؟ قلت خراف مضوا بها إلى المرعى و تعود فى الليل فبكى، و قال لماذا لا ترسلينى معهم، قلت فدتك نفسى أرسلك فى الصباح فمسحت عليه بالزيت فى الفجر و كحلت عينيه و طوقت عنقه بالجذع اليمانى و وضعت عصابة عليه تمنعه من الحسد، و كان يمضى مسرورا و يأتى مسرورا حتى جاءنى ذات يوم فى وقت الظهيرة ابن ضمرة و جاءنى باكيا و عرقانا و قال: افهموا محمدا قلت ما ذا حدث قال إن رجلا أخذه من وسطنا و حمله إلى رأس الجبل و رأيته يمزق بطنه و لا أعلم ما ذا صنع، و أسرعت أنا و أبوه إلى هناك جريا فرأيناه جالسا على رأس الجبل و عيناه فى السماء و تبتسم فرميت نفسى و قبلته بين عينيه و قلت: ماذا جرى يا روحى و دنياى قال: يا أمى لا شي‌ء إلا الحسن، و لكن فى الوقت الذى كنت مشغولا فيه بالحديث مع أخى رأيت ثلاث صور عظيمة حتى دعونى فرأيت فى يد أحدهم إبريقا مضيئا و فى يد الآخر طستا من الزمرد الأخضر به ثلج و أخذونى و حملونى إلى رأس هذا الجبل و فتحوا بلطف


1) نوع من الجمال القوية ذات السنامي، و توجد بكثرة على حدود السند و كابل و غالبا كان الملوك يرسلونها هدايا إلى الخلفاء من سجستان و نيمروز و كابل و السند و قد ذكر البعض أنها منسوبة إلى يختان و هى الاسم الأصلى لأفغانة، و قد ذكر البلعمى أن بختى مكان موجود على ساحل دجلة.

و شفقة صدري، فنظرت فلم يجد الأذى لى طريقا و أدخل واحد منهم يده فى جوفى و أخرج كل شى‌ء كان فى جوفى، و بهذا الثلج طهرونى و غسلونى و وضعونى فى مكان آخر، فنهض آخر و قال لرفيقه أنت أتممت فيجب تنفيذ أمر اللّه تعالى فوضع يده و أخرج قلبى و قسمه شطرين و أخرج نقطة سوداء كانت هناك فى الدم قلت أخذت ذلك الشي‌ء الذى تعلق به الشيطان و الآن يا حبيب اللّه ليس للشيطان طريق إليك، فنهض الثالث و قال أنا أنفذ الأمر أيضا فأنزل يده على صدرى فتم شفاؤه كله، و لم يبق أى أثر مطلقا و لم يكن لى من هذا أى ألم مطلقا فقال أعط هذا لعشرة أشخاص لكى يزنوه فكان زيادة فقال أعطه لمائة شخص لكى يزنوه فزاد وزنه أيضا فقال: دعه إذا وزنته بالعالم كله لرجح هو و أمسكونى بلطف ورقة و أوقعونى على الأرض و قبلونى على رأسى و عينى و قالوا ألا تعلم أى خبر سوف يأتى لك يا حبيب اللّه و لكن سترى و لكنه لن يتأخر و تركونى فى هذا المكان الذى نراه، و ارتفعوا إلى السماء و لو أردت أن أبين لك إلى أى مكان فى السماء دخلوا، قالت حليمة: فأخذته و أحضرته إلى بنى سعد و كان الناس قد سمعوا هذا الخبر فقالوا يجب حمله إلى فلان الكاهن حتى يعالجه فقال النبى (صلى اللّه عليه و سلم) لست فى حاجة لأى معالجة فإن جسدى و عقلى و قلبى صحاح بحمد اللّه تعالى و فى النهاية قال الناس: إن هذا العمل عمله الجن فقال: سبحان اللّه ليس بى شي‌ء و أنا أعلم منكم بشأنى و فى النهاية نفد صبرى حتى أخذته و حملته إلى الكاهن و طلبت أن أعيد القصة فقال الكاهن: دعيه حتى يقول الغلام بنفسه فالتفت إليه و قال: قل يا غلام قال محمد المصطفى عليه الصلاة و السلام القصة من البداية إلى النهاية فقفز الكاهن على قدميه خائفا و أخذه و صاح يا آل العرب يا آل العرب اقتلوه فإن شرا عظيما قد اقترب بسبب هذا الغلام، فإذا ما وصل سن البلوغ فإنه يحطم أصنامكم و يهلك دينكم و يترككم بلا إله إذ إنكم لا تعرفوه قالت حليمة: و عندما سمعت منه هذا قلت من أنت حتى تقتله، أنا لا أقتل محمدا و لو علمت بأنى أرى هذا الشى‌ء و أسمع ما أحضرته، ثم أحضرته إلى المنزل، و عندما مضيت به إلى بنى سعد قال

بنو سعد جميعهم إن رائحة المسك تأتى منه حيث ملأت المنزل كله و عندما كبر كنت أرى كل يوم فى النور أن نورا يأتى من الجو و يختفى فى ثيابه و لما كان الحال هكذا قال الناس لحليمة ثانية أرجعيه إلى عبد المطلب حتى يخرج عهدتك فأخذته و مضيت و لما خرجت إلى الصحراء صاح و نادى من الجو هنيئا لك ببطحاء مكة و قد عاد إليك النور و الدين و وصل البهاء و الكمال إليك و تطهرت من الشرور و نجوت من الخراب و عمرت و ركبت حمارى و حملته أمامى حتى وصلت إلى باب مكة الأعظم، و كان هناك جماعة جالسون و نزلت و وضعته و قلت: حتى أقوم بعملى فارتفع صوت شديد فنظرت و لم أره و عجبت و قلت: يا أيها الناس أين ذهب هذا الطفل قالوا أى طفل: قلت محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب الذى أصبح فقرى به ثراء و أصبح مرضى عافية و كثر فرحى به و انصرف عنى الغم كله فأحضرته حتى أودعه إلى أبيه عبد المطلب و الآن لا أعلم أين ذهب و إن لم أعثر (أجد) عليه ثانية ألق نفسى (جسدي) من فوق الجبل و أمزقه و بكيت و بكى الناس كلهم رحمة علىّ، فوضعت يدى على رأسى و صحت: يا محمداه- يا ولداه فاجتمع علىّ (عندى) أهل مكة فرأيت شيخا يتوكأ على عصا فقال لى: تعالى حتى أحملك إلى مكانه حتى يقول لك أين هو فقلت: فدتك نفسى من هو قال: الصنم الأعظم هبل(1)

ابن الكلبى: كتاب الأصنام ص 27 الطبعة الثانية( القاهرة 1343 ه) 1924.

فهو يعلم و يقول لك فى أى مكان فقلت فى نفسى لتبكى عليك أمك فإنى لا أعلم ما الذى حدث (وصل) بهبل بولادة محمد عليه الصلاة و السلام و ما الذى وصل إليه بعد ذلك الآن و لكنى لم أقل شيئا و لما حملنى الشيخ و طاف سبع مرات حول هبل و دخل عليه و كنت أنظر فقبّل رأسه و قال يا سيدى إن منتك على قريش كبيرة فقد ضاع لهذه المرأة ابن فارفع الغم عن مكة، و دله على الطريق و سقط هبل و أصنام

1) هبل: أعظم الأصنام فى جوف الكعبة كان من عقيق أحمر على صورة إنسان أدركته قريش و يده مكسورة فجعلوا له يدا من ذهب أول من نصبه خزيمة و به كان يسمى ابن الكلبى كان عنده سبعة أقداح بمعرفة الولد المشكوك فيه إن كان صريح النسب أو ملصقا.

أخرى على وجهها و قال هبل بلسان فصيح ابتعد عنا أيها الشيخ إن هلاكنا سيكون على يد هذا الطفل و هو محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فكشر الشيخ أسنانه على بعضها و سقط العكاز من يده و قال: يا حليمة ابتهجى فلمحمد هذا إله لا يضيعه فابحثى عنه حتى تجديه و مضيت إلى عبد المطلب و أنا خائفة فلما رآنى على هذا الحال قال ماذا حدث و قلت: مشكلة و أى مشكلة (وقعت مشكلة) قال: لعل ابنك قد ضاع، قلت نعم و خيل لى أن قريشا قد قتلته، فاستل سيفه و خرج غاضبا و صاح، يا آل غالب و كانوا ينادونهم (يسمونهم) هكذا فى الجاهلية فاجتمع كلهم فى الحال و قالوا أمرك قال: ضاع محمد فقالوا له: اركب حتى نركب و سرعان ما ركب و ركب الجميع (بحثوا) فى مكة و بحثوا فى السهل و الجبال لم يجدوه فطاف عبد المطلب حول الحرم و طاف حول البيت و قال هذين البيتين:

يا رب رد زاكى محمداأودده ربى و اتخذ عندى عبدا

يا رب إن محمدا لم يوجدفجمع قومى كلهم مبدد

و عندما ذكر عبد المطلب هذين البيتين جاء صوت من الجو يا معاشر الناس لا تحزنوا فإن لمحمد ربا لا يضيعه، فقال عبد المطلب: يا هاتف ماذا يكون لو قلت لى أين هو، قال: هو بوادى تهامة عند شجرة اليمن، فركب عبد المطلب و معه سلاحه و جرى و كان عنده ورقة بن نوفل(1)فجرى معه حتى وصل إلى هناك فشاهد محمدا و بيده ورقة شجر فتقدم عبد المطلب فقال محمد من أنت قال: أنا جدك فنزل و حمله و قبّله و ركب و وضعه أمامه على قربوس السرج و أحضره إلىّ و هدأت قريش.


1) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى من قريش حكيم جاهلى. اعتزل الأوثان قبل الإسلام و امتنع من أكل ذبائحها و قرأ كتب الأديان و كان يكتب اللغة العربية بالحروف العبرية أدرك أوائل النبوة و لم يدرك الدعوة له شعر سلك فيه مسلك العلماء.

و تقول حليمة: لاطفنى عبد المطلب و أعطانى عطاء كثيرا من كل شئ من جمال و خراف و ملابس فاخرة و ذهب و فضة و مسك و كافور و عنبر و أعادنى مكرمة مع جماعة كبيرة من الغلمان و العبيد، و وجدت خير الدنيا و الآخرة، و رجعت إلى المنزل، و بقى محمد عليه السلام عند جده عبد المطلب، و الآن لو اشتغلت بمحمد عليه السلام و معجزاته و عظمته لانتهى العمر و لن تأتى كلمة من الآلاف، و قد ذكرنا هذا حتى يعلم كل من يقرأ هذا الكتاب أن أهل سجستان سلّموا هذه المدينة طواعية، و كان هذا الغرض العظيم للمصطفى صلى اللّه عليه و سلم و للدين الإسلامى و كانوا يعلمونها و قرأوها من قبل فى الكتب السابقة و هو على الحق و لسجستان مناقب كثيرة على جميع المدن و باللّه التوفيق.

و كان محمد عليه الصلاة و السلام أينما سار كانت الأحجار و الجبال و الأراضى و النباتات و الأشجار و الحيوان و السباع و الملائكة و الجن تسلم عليه و عندما مر أربعون عاما من عمره و قد عصمه اللّه تعالى فما وقف أمام صنم مطلقا و كان كلما يعبد يقول: يا اللّه (و لم يعبد إلا اللّه تعالى) و عند ما انقضت أربعون سنة و جاء إليه الأمر أن ادع الناس للتوحيد و قل حتى يقولوا لا إله الا اللّه محمد رسول اللّه،، و كان أبو بكر الصديق أول من آمن به و نصر اللّه تعالى دينه، و كانت الفتوح كثيرة و أول فتح كان للمدينة و بعدها كان فتح بنى النضير و خيبر و فدتك و تيمة(1)و مكة و الطائف و تبالة(2)و جرش(3)و دومة الجندل و بخران و اليمن و عمان و البحرين و اليمامة و بعد هذه الفتوح كان نبينا عليه الصلاة و السلام بالمدينة و جاءه الأمر يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة مرت من شهر ربيع الأول ستة عشر.


1) بالفتح و المد مدينة فى أطراف الشام تقع بين الشام و وادى القرى على طريق حجاج الشام و دمشق اصطلح أهلها مع النبى صلى اللّه عليه و سلم فى السنة التاسعة فى الهجرة و أمر الرسول صلى اللّه عليه و سلم أن تؤخذ منهم الجزية.

2) بلدة مشهورة تقع بين تهامة على طريق اليمن بينها و بين مكة اثنان و خمسون فرسخا و بينها و بين الطائف ستة أيام.

3) جرش: فتحت فى السنة العاشرة للهجرة بدون حرب.

خلافة أمير المؤمنين أبى بكر رضى اللّه عنه‌

جلس يوم الثلاثاء فى سقيفة بنى ساعدة و بويع من قبل عمر بن الخطاب و عبيدة ابن الجراح ثم الأنصار قبل دفن الرسول عليه السلام، و هو أبو بكر بن أبى قحافة و كان اسمه عبد اللّه و لقبه العتيق و اسم أبيه أبو قحافة بن عامر بن عمر ابن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر، و كان النضر من قريش، ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان رضى اللّه عنه، و سار على سيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و حافظ على آثاره و نفذ سنته و دبر أمور المسلمين على المنهج نفسه و هى أحكام الكتاب و الشريعة و حارب المرتدين و سالمهم، و جعل الدين فى نصابه، و جاء مسيلمة الكذاب و عيسى(1)بدعوة كاذبة و قتل الجماعة التى ناصرتهما فى قصة يطول بها الكلام و عندما جاءه الموت استخلف عمر بن الخطاب عهدا بالخلافة، و أرسل نسخة من هذه البيعة إلى كل مكان و توفى و كان عمره اثنتين و ستين سنة، و كانت مدة خلافته سنتين و ثلاثة أشهر و اثنى عشر يوما، و دفنه عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و طلحة بن عبيد اللّه و عبد الرحمن أبو بكر بجانب قبر المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) فى المساء.

خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‌

ثم بايع المهاجرون و الأنصار عمر و هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن زياح بن عبد اللّه بن قرط بن رزاح بن كعب بن لوى بن غالب بن فهر


1) مراده الأسود العنسى الذى ظهر فى أواخر عهد الرسول( صلى اللّه عليه و سلم) فى اليمن و ادعى النبوة، و كان الرسول( صلى اللّه عليه و سلم) و هو فى مرض الموت قد أرسل إليه رسالة، و توفى العنسى بعد وفاة الرسول( صلى اللّه عليه و سلم) فى خلافة أبى بكر الصديق.

ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، و كانت كنيته أبا حفص العدوي، و كان لقبه الفاروق رضى اللّه عنه، و تولى يوم الاثنين، و قام بإعلان الإسلام على حكم الشريعة و سنة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم).

و فتح اللّه تعالى على يده كثيرا من البلاد و جمع مالا كثيرا فى بيت المسلمين، (نهض) بقطع عنق الضلالة و انمحت الجهالة، و كان أول فتوحاته الجسر، و أرسل الجيش حتى يفتح الشام و فى هذه الموقعة قتل سبعون ألف رجل من الروم و عزّ شأن الإسلام وسما، انمحا الكفر، ثم أرسل سعدا بن أبى وقاص إلى القادسية(1)و جاء رستم قائد جيش يزدجرد ملك العجم مع جيش كثير و أرسل عمر رضى اللّه عنه عتبة بن غزوان ليفتح الأيلة و الفرات و ميسان، ثم أعطاهم الأمر أن يفتحوا الكوفة و البصرة، و مضى بنفسه إلى الشام ثم رجع، و أمر أبا عبيدة بن الجراح حتى أرسل عمرو بن العاص إلى قنسرين حتى يفتحها، و أمر عمر عمرو بفتح رهاء(2)و سياط(3)، ثم أرسل خالد بن الوليد حتى يفتح حمص، ثم أمر أبا موسى الأشعرى ليفتح جندى سابور و سوس و رامهرمز و تستر و سباهان و قم و قاشان إما بالميثاق أو الصلح أو الحرب، ثم أرسل معاوية بن أبى سفيان حتى يفتح قيسارية و الرملة ثم كتب لعمرو بن العاص ليفتح الإسكندرية، ثم أرسل المغيرة بن شعبة ليفتح أذربيجان، و أرسل عثمان بن عفان ليفتح نواحيها (أى توابعها) حتى فتحها. و لما بلغ الأمر هذا الحد أراد أن يصلى الفجر يوم الأربعاء(4)من ذى الحجة و أراد أن يكبّر، فطعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ثلاث ضربات، فتألم عمر، فأمسك يد عبد الرحمن بن عوف و داوم حتى انتهى من صلاته، ثم استدعى عثمان و عليّا


1) مدينة تقع على حافة نهر الفرات بينها و الكوفة خمسة و عشرون فرسخا، و يقول البعض إنها تقع بالقرب من كربلاء

2) مدينة فى الجزيرة الواقعة ما بين النهرين دجلة و الفرات، و تقع أيضا بين الموصل و الشام.

3) مدينة كبيرة قديمة و لها سور و تقع بين دمشق و حلب.

4) يوجد بياض فى المتن.

و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن و قال: أشيروا علىّ و كل من يكون رأيه أصلح من رأى الجميع اجعلوه خليفة، و توفى، و كان عمره خمسا و ستين سنة، و دامت مدة خلافته عشر سنوات و ستة أشهر و أربع ليال، و صلى عليه صهيب، و دفنه عثمان ابن عفان و ابنه عبد اللّه فى بيت عائشة بجانب أبى بكر.

خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه.

اشارة

و عند ما دفن عمر، أبدى على بن أبى طالب و الزبير بن العوام و طلحة بن عبد اللّه و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبى وقاص و عثمان بن عفان الرأى فى الخلافة، قال عثمان لعبد الرحمن خذ أنت الخلافة، قال: لا أستطيع ثم قال عبد الرحمن:

يجب أن تمر ثلاثة أيام حتى نرى الأمر جيدا فسألوا الناس جميعا، و عندما انتهت المدة اتفقوا على عثمان فى غرة المحرم بعد دفن عمر بثلاثة أيام، و هو عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد الشمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن نضر بن نزار بن معد بن عدنان، و كان له ثلاث كنى أبو عمرو، و أبو عبد اللّه و أبو ليلى. و سار عثمان على منهج الخلفاء السابقين الذين قبله فى الدين و القسمة و العدل فى الحكم، و كان أول فتح فى خلافة عثمان كان فتح همدان و هذا ما كانوا فتحوه فى خلافة عمر إلا أنهم ارتدوا فى يوم وفاته، و أرسل عثمان المغيرة بن شعبه إلى هناك حتى فتحها ثم أرسل أبا موسى الأشعرى حتى يفتح الرّى، و كان معه البراء بن عازب و قرظة بن كعب، ثم أرسل معاوية إلى الروم حتى فتح قلاعها، و هناك ولد يزيد ابنه، و كان هذا فى سنة خمس و عشرين، ثم ارتد أهل الإسكندرية، فأرسل عمرو بن العاص إلى هناك حتى فتحها، ثم عزل عمرو بن العاص من الإسكندرية و من مصر، و أرسل عبد اللّه ابن سعد بن أبى سرح إلى هناك، و فتح عبد اللّه المغرب، ثم عزل سعد عن الكوفة،

و أرسل وليد بن عقبة بن أبى معيط إلى هناك، و كان مع وليد سلمان بن ربيعة الباهلى و معهما اثنا عشر ألف فارس إلى بردعة و فتحها و سلمت له البلقان و جرزان صلحا، و كان غزو سابور الأول فى العام نفسه، و عندما جاء العام السادس و العشرون أرسل عبد اللّه بن سعد للغزو فاستولى على أفريقية و كان معه العبادلة(1)و خرج جرجير مع مائتى ألف فارس إلى مكان يسمى سبيطلة(2)و هى على بعد سبعين ميلا من القيروان فقتلوا جرجير، و كان الفتح، و قسموا الغنائم و كان نصيب الفارس ثلاثة آلاف دينار، و لكل مترجل ألف دينار إضافة للأشياء الأخرى، و فتح عثمان بن أبى العاص سابور ثانية بأمر عثمان و استولى على كزروان، و أرسل هرم بن حيان العبدى إلى قلعة جرة ليستولى عليها (أخذها) و الآن يسمونها قلعة الشيوخ، و لما جاءت سنة ثمان و عشرين استولى عثمان ابن أبى العاص على آرجان و دار بجرد، و عندما جاءت سنة سبع و عشرين أرسل عثمان معاوية و عبادة ابن الصامت إلى غزو دريابار، ثم استولوا على هذه الجزر كلها، ثم كان فتح فارس على يد هشام بن عامر، و فى العام نفسه مضى عبد اللّه بن سعد خلف معاوية ليعاونه و استولوا على كثير من بلاد الروم مثل سوريا و قبرص، ثم استولى هشام على إصطخر فى العام نفسه، و عندما حل العام التاسع و العشرون عزل عثمان أبا موسى الأشعرى عن البصرة و عثمان بن العاص عن فارس، و أعطى البصرة و فارس لعبد اللّه بن كريز، و كان عمر عبد اللّه خمسا و عشرين عاما و قدم البصرة، و بقى فيها عدة أيام، و مضى إلى فارس، و ولى زياد بن أبيه على البصرة، و كان من قبل كاتبه و قائد جيش عبد اللّه بن معمر التميمى، و قد فتح إصطخر و غزنة و جورن و اتجه إلى كازرون، و جاء إلى دار بجرد و استولى على أردشير خوره، و هرب يزدجرد من مدينة يل و اتجه إلى مرو، و أرسل عبد اللّه بن عامر مجاشع


1) عبادلة جمع عبد اللّه و مراده عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن الزبير و عبد اللّه بن نافع و عبد اللّه ابن الحصين أنهم قدموا بجيوش و ذلك لمعاونة عبد اللّه بن سعد.

2) اسم مدينة فى أفريقيا و يظنون أنها مدينة جرجير نفسها التى كانت للأمير الرومي، و بينها و القيروان سبعون ميلا.

ابن مسعود السلمى خلف يزدجرد و جاء مجاشع و استولى على سيرجان، و عند ما أحل العام الثلاثون من هجرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) أرسل عبد اللّه بن عامر بن كريز مجاشع إلى سيستان و حارب و قتلوا كثيرا من المسلمين و عاد مجاشع‌

حديث فتح سجستان فى عهد عثمان بن عفان فى سنة ثلاثين من الهجرة

و لما بلغ خبر مجاشع إلى عثمان على أنه عاد من سجستان على تلك الحال، أرسل الربيع بن زياد بن أسد الذيال بجيش إلى عبد اللّه بن عامر قائلا له: أرسل هذا إلى سجستان، و وصل إلى بهره و كرمان فسلموها أهلها صلحا، و مضى من هناك إلى جالق فصالحه أميرها، فقال له الربيع يجب أن أمضى إلى سجستان، فقال هذا الطريق فإذا ما عبرت هيرمند فإنك ترى رملا فاعبره، ثم تجد حصى و تبدو من هناك القلعة و القصبة، فمضى الربيع و الجيش فعبر هيرمند، فخرج جيش سجستان أمامه، و حاربوا حربا صعبة، و قتل فيها كثير من الجيشين و قتل عدد كبير من المسلمين، ثم حمل المسلمون عليهم أيضا فعاد أهل سجستان إلى المدينة، ثم استدعى ملك سجستان إيران بن رستم بن زاد بن بختيار(1)موبد الموبدان (رئيس الموابذة) و الأعيان، و قال: إن هذا ليس عملا سيطوى فى يوم أو سنة أو ألف و سيظهر (يبدو) فى الكتب، و سيبقى هذا الدين و هذا الزمان حتى النهاية، و لا يستقيم معه قتال أو حرب و لا يمكن لشخص تغيير أمر السماء، و من الأصح أن نصطلح فقال الجميع: هذا هو الصواب ثم أرسل رسولا قائلا: إننا لسنا عاجزين عن الحرب مع أن المدينة فيها الشجعان و الأبطال و لكنهم لا يستطيعون حرب اللّه تعالى و أنتم جند اللّه و قد صح ما رأيناه فى الكتب أنكم ستخرجون بقيادة محمد عليه السلام و أن هذه الدولة ستتأخر و الصواب فى الصلح حتى لا يقع القتل بين الجيش ثم سلم


1) ذكر البلاذرى اسم هذا الملك و هو إپرويز مرزبان سجستان و ليس إيران.

الرسول الرسالة. فقال الربيع: من العقل ما يقوله الدهقان(1)و نحن أقرب إلى الصلح من الحرب فأمنه و أمر الجيش أن يبعد السلاح و ألا يأذوا أحدا، حتى يستطيع كل منهم أن يمضى و يأتى، ثم أمر أن يقيموا له صدرا من هؤلاء القتلى و ألقوا الثياب على ظهورهم، و صنعوا من هؤلاء القتلى متكأ فصعد عليهم و جلس، و جاء إيران بن رستم بنفسه و السادة و مبد الموبدان، و لما دخلوا المعسكر اقتربوا من الصدر و رأوه هكذا فنزلوا و وقفوا، و كان الربيع هذا رجلا طويلا أسمر الوجه و أسنانه كبيرة و شفتاه كبيرتان، و لما رآه إيران بن رستم على تلك الحال و صدره من القتلى فنظر و قال لرفاقه: يقولون: إن أهرمن لا يظهر فى النهار، و لكن ها هو أهرمن قد جاء و ليس فى هذا شك، فسأل الربيع ماذا يقول: فقال المترجم ما قاله إيران، فضحك الربيع كثيرا ثم سلم عليه إيران بن رستم من بعيد و قال: نحن لا نقف على صدركم فإنه ليس صدرا طاهرا و ألقوا الثياب من عليه و جلسوا، و قرر عليهم أن يؤدوا خراج سجستان لأمير المؤمنين ألف ألف درهم، و اشترى فى هذا العام ألف وصيفة(2)و فى يد كل منها ثوب ذهبى و أرسلهم هدية، و تعاهدوا على هذا كله و قدموا المنشورات (الخطط) و قام الربيع من هذا المكان و دخل القصبة آمنا، و مكث عدة أيام، و مضى من هناك إلى خواش ليمضى إلى بست إلا أن أهل بست لم يطيعوه و حاربوا و قالوا: نحن لا نريد الصلح، و فى النهاية قتل منهم خلق كثير، و حملوا منهم مجموعة كبيرة و مضوا إلى قصر أمير المؤمنين، و أصبح منهم رجال عظماء مثل عبد الرحمن(3)الذى كان كاتبا للحجاج و ولاه سليمان بن عبد الملك خراج العراقيين، و حصين أبو الحرث و بسام و سالم بن ذكوان و بشر مولى بنى مازن، و الذين سبق ذكرهم فى بداية هذا الكتاب، و قلنا: إنهم أصبحوا من العظماء ببركة الإسلام و علم الأمراء، و قد وجدوا الحرية بعد الرق، و كان لهم خلق كثير من


1) هو رئيس الطبقة الثالثة من أهل إيران و كبير الزراع، و قالوا عنه فى الإسلام إن الدهقان هو كبير الإيرانيين، كما كانت تطلق هذه الكلمة المرزبان فى القرية أو المدينة، و كان لهم حق رئاسة القوم و قد حافظوا على التراث الإيرانى خصوصا فى الأدب و الحكمة.

2) الوصيف الغلام دون المراهق أى المقارب للبلوغ جمع و صفاء و وصيفة جمع وصائف.

3) عبد الرحمن أبو صالح بن عبد الرحمن الذى كان كاتبا للحجاج بدلا من زاد نفروخ بن نيرى، كما ولاه سليمان بن عبد الملك خراج العراق.( البلاذرى: فتوح البلدان، ص 401، القاهرة 1972 م).

العبيد، ثم مضى إلى غزنين التى كانت بها حظيرة خيول رستم فبقى فيها مدة، و أراد أن يترك الصحراء، و مضى إلى بست و لم يتركها حتى مضى إلى عبد اللّه ابن عامر، و لكن أهل سجستان تمردوا عليه، فأرسل عبد اللّه بن عامر بأمر عثمان عبد الرحمن بن سمرة إلى سجستان، و كان معه الحسن البصرى و فقهاء كبار.

مجى‌ء عبد الرحمن بن سمرة إلى سجستان فى سنة ثلاث و ثلاثين‌

كان رجلا عظيما من صحابة المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، و لما قدم باب سجستان، مضى إليه إيران بن رستم، و قال: أنا داخل فى هذا الصلح، إلا أن الربيع تركنا عبثا و مضى، و مكث عبد الرحمن هناك و اضطرب أمر عثمان، و دخل عليه تسعة و أربعون من صحابة النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى قصره(1)و قالوا: أنت لا تسير على سيرة رسول اللّه و أبى بكر و عمر رضى اللّه عنهما، فقالت زوجته: إنه يختم الصلاة بالقرآن كله، فإذا شئتم فدعوه و إذا شئتم فاقتلوه، فقتله سودان بن حمزان المرادى مع جماعة من الصحابة، ثم غسله جبير بن مطعم بعد ثلاثة أيام و كفنه ليلة السبت لاثنى عشر يوما بقين من شهر ذى الحجة، و كانت مدة خلافته اثنتى عشرة سنة إلا اثنى عشر يوما، ثم تولى الخلافة من بعده على بن أبى طالب رضى اللّه عنه.

خلافة أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم اللّه وجهه‌

اشارة

و هو على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة


1) ترك المؤلف الأحداث و عرج على ذكر استشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه.

ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو الحسن الهاشمى.

و لما وصل خبر عثمان عند عبد الرحمن فى سجستان، استشار أصحابه و كان منهم المهلب بن أبى صفرة قالوا: يجب أن نمضى إلى عبد اللّه بن عامر، ثم استخلف عبد اللّه أمير بن الأحمر اليشكرى على سجستان، و مضى بنفسه إلى عبد اللّه بن عامر، و عندما وصل رأى الناس قد ضيقوا على الأمير لأنه خليفة عبد الرحمن، و لما وصل عبد الرحمن إلى البصرة كانت حرب (موقعة) الجمل قد اشتعلت، و كان علىّ مشغولا بها، و لما رأى عبد الرحمن الأمر كذلك اختفى حتى انتهى علىّ من هذه الحرب، و بعد ذلك مضى عبد الرحمن بالمال الذى كان يملكه إلى الشام عند معاوية، و قدم لمعاوية كثيرا من الهدايا، و بقى هناك، و كان من سنن عبد الرحمن أنه أمر بعدم قتل ابن عرس و القنفذ لأنهما يلتهمان الثعابين و يأكلانها حيث إن الثعابين كثيرة فى سجستان كى يبعد (يندفع) شرها، و لما سمع أمير المؤمنين على أنه جاء و مضى إلى معاوية، أرسل عبد الرحمن بن جرو الطائى إلى سجستان، و لما بدأت حرب صفين، خطب لعبد الرحمن بن سمرة على أنه عامل علىّ، و أعاده معاوية إليها مرة ثانية، و لما علم عبد الرحمن الطائى خبره مضى إلى علىّ، و جاء عبد الرحمن بن سمرة إلى سجستان فى سنة ست و ثلاثين، و امتثل الناس لأمره، و مكث هناك مدة فى سجستان، ثم مضى إلى خواش، و عبر الصحراء و فتح بست و رخد(1)، و مضى من هناك إلى كابل و فتحها، و أحضر كثيرا من العبيد منها و كثيرا من عظماء القوم، و من جملة هؤلاء العبيد باب مولى ابن سعد وجد عمرو بن عبيد بن باب، و مكحول السامى الفقيه، و سالم بن عجلان الأفطن و حميد الطويل و نافع مولى بن عمر، ثم أرسل عبد الرحمن بن سمرة المهلب ابن أبى صفرة إلى الهند، و جعله قائدا للجيش، فحيث وجد فى مكان وجد فارس، و الآن نذكر قصته.


1) اسم ولاية من ولايات زمين داور، و هى اليوم تابع للحكومة الأفغانية، و كان الفرس يقولون لها قديما( أرخوذيا) و ذكرت فى الأصول البهلوية( رخوت) و شيدها هام بن كودرز.( من تعليقات بهار على الكتاب).

سبب قيادة المهلب

سبب قيادة المهلب(1)

كان المهلب فى العشرين من عمره، و كان فى جيش عبد الرحمن، إلا أنه كان رزينا و حكيما و شجاعا، و كان دائما يقود الجيش بفكر مفاجئ، و كانوا يأتون إلى صحراء كرمان، و قدم جماعة من التجار فى صحبة جيش عبد الرحمن إلى سجستان، و كان من بين هؤلاء التجار رجل شجاع و عالم بأخبار العرب و العجم و يحفظ كثيرا من الشعر الجاهلى، و تحدث معه المهلب، و لما كان رجلا ظريفا، أنس به المهلب و كان يصحبه حيثما يمضى، و لما خرج الجيش من الصحراء، لم يكن لدى التجار خوف، و لكن جاء الكفجيون(2)خلف الجيش لعلهم يجدون شيئا، فوجدوا هؤلاء التجار نائمين، فأغاروا عليهم و قتلوا جماعة منهم و أسروا الآخرين و قيدوهم، و استولوا على أموال كثيرة و جياد و ساقوهم، و تركوا الأسرى هناك، و كان من عادة المهلب أن ينزل فى ركن، و لم يعلم عنهم أى خبر، و فى الصباح نهض و ركب و مضى إلى التجار، و كان الحال هكذا فأخذه الحزن، ففاتحهم ثم قال:

إذا ساعدتمونى كما أقول لكم فأسترد مالكم بتوفيق اللّه. قالوا: نحن جميعا نصدع لأمرك و نكون عبيدك و أحرارك. فقال: كل منكم يأخذ عمودا من هذه الخيمة، و أنا أمضى فى المقدمة و أتعقبهم، و تأتون على أثرى، فإذا شاهدتمونى معهم كبروا.

ففعلوا ما طلب منهم، و هجم المهلب، و كلما وجد واحدا أو اثنين من هؤلاء الكفجيين كان يمضى إليهم و يقتلهم، حتى قتل سبعة منهم، و لما اقترب من الآخرين كان


1) المهلب: أمير كبير مشهور الذكر، شجاع جواد صاحب عقل و شجاعة لا مثيل لها، نشأ فى دولة آل أبى سفيان، ولاه عبد اللّه بن الزبير خراسان، و قتل الخوارج و استمر على ذلك حتى مات فى زمن الحجاج سنة 83 ه.

2) هم قبيلة تعيش فى حدود كرمان و مكران و بلوجستان، و مفردها كفج، و يقال لهم أيضا بلوج و لكن يذكر اسم الكفج أكثر من البلوج، و من عادتهم قطع الطريق، قضى عليهم السلطان محمود الغزنوى و محا اسمهم من الوجود.

فارسا منفردا، و كانوا هم خلق كثير فساقهم، و كان يصعد على المرتفعات، و كان يضع علامة على رأس الرمح، و لما رأوا هذا- إلى أن وصل هؤلاء التجار، و كبروا- و لما رأى الكفجيون أن الأمر هكذا، مضوا منهزمين، و تركوا الخيول و الأمتعة، و بذلك استرد المهلب مالهم على تلك الحال، و جاءوا إلى سجستان، مضى رئيس هؤلاء التجار إلى عبد الرحمن، و قص هذه القصة و شكر المهلب، و فى الحال استدعى عبد الرحمن المهلب و رعى جانبه، و تعجب من دهائه و حكمته و شجاعته و رزانته، ثم قالوا: إن هذا كله بعيد عنا. و قال عبد الرحمن: الأشراف فى الأطراف. و كان سبب هذا المثل فى الأغلب المهلب، فخلع عليه و أعطاه مائة فارس و علما و بوقا و طبلا، و أمر بأن يكتب اسمه فى ديوان العرض فارس الفرسان، و لما مضوا إلى حرب كابل، و تقابلت الجيوش، كان ملك كابل يقاتل بنفسه، حيث كان رجلا لم يساوه أى إنسان، و قتل الكثير حتى استشهد على يده عشرون ألفا و نيف من المسلمين، و لما رأى المهلب هذا، حمل على ملك كابل الذى كان قد رجع نحو جيشه فى هذا الوقت، فرشقه برمح أصابه فى ظهره و دخل الرمح فى الدرع، و لم يدخل فى ملك كابل، و مضى و نفذ الرمح أمام وجهه فقوى المهلب ليحضره ثانية و هكذا قوى إلى حد أنه استطاع أن يضم عنق الفرس إلى صدره، فبقى الفرس فى مكانه، و فى النهاية اقتلع الرمح، و ولى عنه ملك كابل من أمامه، و فى الحال أرسل شخصا و أبرم الصلح و قال: لا يمكن أن نتحارب مع هذا الجيش، و لما تم الصلح، جاء إلى عبد الرحمن ثم قال: لما تم الصلح حتى باغتنى أحد الفرسان، فسأل عبد الرحمن: من الذى باغته؟ فجاء عدة رجال قائلين نحن كنا فقال عبد الرحمن: إن هذا لا يعنى أن يكون عشرة رجال فى جسم واحد، إنه شخص واحد، ليس أكثر من ذلك، و التسعة الآخرون يقولون كذبا، و فى النهاية سأل ملك كابل هل تعرفه؟ قال: إذا كان قد ركب و مر علىّ فى يوم الحرب فأنا أعرفه، فأمر عبد الرحمن بأن يرتدى الجيش كله السلاح، ثم عرض هذا كله على ملك كابل، و لما قدم المهلب أمامه ممتطيا جوادا أبلق من سلالة خيل أبيه، فقال ملك

كابل: ها هو أيها الأمير، فاستدعى عبد الرحمن المهلب قائلا: يا سبحان اللّه، ادعى عدة رجال أنهم هم الطاعنون، و لم يقل أحد أنت الذى طعنت فلم يقل شيئا، فقال المهلب: أعز اللّه الأمير لا تكون المفاخرة بحديث علج، فأعزه عبد الرحمن، و عظم المهلب فى عين الجيش، و لما مضوا إلى حرب ملك كابل، تقدم الملك بجيش مجهز، و سبعة من الفيلة المدربة و مع كل فيل أربعة آلاف فارس، و حاربوا حربا عنيفة، و كان جيش الإسلام يفر من أمام الفيلة، و لكن لم يتقدم أحد، و لما رأى المهلب ذلك تقدم و واجه الفيلة، و واجه الفيلة، و ألقى الفيال الفيل أمامه، و رشق المهلب صدر الفيل برمح، فأصاب الفيل سبعة رماح التى بلغت إلى قلب الفيل، فصاح الفيل، و سحب الرماح، و عاد الفيل و هو يصيح، و لما رأى الفيلة الأخرى هذا، و شاهدت تمزق هذا الفيل و موته، عاد الجيش مع الفيلة الأخرى منهزمين، و قتل جيش المسلمين منهم خلقا كثيرا و كان الأسرى أكثر، و تم هذا النصر العظيم على يد المهلب، و لما كان الأمر هكذا، ففى هذا اليوم منح عبد الرحمن المهلب قيادة الجيش، و جعل الجيش تحت أمره، و أرسله إلى الهند و عاد و وثق فيه، و عظم المهلب و مضى و كانت الفتوح كثيرة حتى وصلت قندابيل، و عاد من هناك سالما بكثير من الغنائم، و جاء عبد الرحمن إلى سجستان، و كان عباد بن الحصين الحبطى صاحب شرطته، و مكث ثلاثة أعوام فى تلك الديار، و كان هناك أبو الحسن البصري(1)، و بنى عبد الرحمن فى سجستان مسجد الجمعة، و وضع الحسن البصرى محرابه، و كان الحسن البصرى فى الثلاث سنوات هذه ملازما لمسجد الجمعة فى سجستان، و كان أهلها يقرأون العلم عليه، و كذلك كان حال عبد الرحمن بن سمرة فى تلك الأعوام الثلاثة كلها، كان يجمع و يقصر الصلاة لأنهم لم يكونوا يستقرون فى مكان واحد، و لما أراد عبد الرحمن أن يغادر (يترك) سجستان، اجتمع أهلها من علماء و أعيان و قادة


1) الحسن البصرى من كبار التابعين، و كان أبوه من أسرى ولاية ميسان، ولد فى خلافة عمر بن الخطاب فى المدينة و مكث بها، و فى رجب سنة 110 توفى فى البصرة.( ابن خلكان: و فيات العيان، ج 1، ص 180( القاهرة 1972).

و قالوا: يجب أن يكون لنا إمام بحق على سنة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و الآن على بن أبى طالب مكانه، و قد أرسلك معاوية إلى هنا و قد قتل بينهما ثمانين ألفا من أهل التهليل، و يجب أن تكون هذه الصلاة و الخطبة بالحق، أما الحال التى هى عليها فنحن لا نرتضيها، و حدث هذا فى حضور الحسن البصرى و عمر بن عبد اللّه ابن فهر و المهلب بن أبى صفرة و قطرى بن الفجاءة و السادات و العلماء و الكبار، ثم قال عبد الرحمن: إنى ذاهب إلى هناك حتى يستقر هذا الأمر، و إذا ما كان فى العمر بقية أعود، و حافظوا على هذا الأمر، و نفذوا أوامر الإسلام، و استخلف عباد ابن الحسن الحبطى، و مضى بنفسه إلى البصرة، و مكث هناك مدة، و كان زياد بن أبيه فى الكوفة، و مضى عبد الرحمن عند زياد، و عندما وصل إلى باب الكوفة توفى، و صلى عليه زياد و دفنه، و نسبه عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر، و كانت كنيته أبا سعيد، و لما فرغ أمير المؤمنين من أمر الحرمين، أعطى البصرة لعبد اللّه بن عباس الذى أرسل ربعى بن الكاس العنبرى إلى سجستان، فاستدعاه من الطريق، ثم أرسل عبد الرحمن بن جرو الطائى إلى سجستان، و بعد أن ظل مدة عزله، و جاء ربعى بن كاس إلى هنا، و لما وصل قتل علىّ أمير المؤمنين على يد عبد الرحمن بن ملجم ليلة الجمعة لسبعه عشرة ليلة خلت من شهر اللّه المبارك (رمضان) و كان فى الثانية و الستين من عمره، و كانت مدة خلافته أربعة أعوام و تسعة أشهر، و اعتقل عبد اللّه بن جعفر و الحسين بن على عبد الرحمن بن ملجم(1)و قيدوا يديه و قدميه، و سملوا عينيه و قطعوا لسانه، و بايع أهل الكوفة الحسن بن على بن أبى طالب، و لما وصل خبر مقتل علىّ إلى الشام، بايع أهل الشام معاوية فى إيليا، و هو معاوية بن أبى سفيان، و اسمه أبو سفيان صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، و كنيته عبد الرحمن، و جاء معاوية


1) اتفق المؤرخون جميعهم أنهم ضربوه ضربة واحدة، إلّا أن ابن الأثير يقول: إن أهل الكوفة أحرقوه.

إلى دمشق و منها جاء إلى الكوفة، و خرج الحسن بن على من الكوفة و اجتمعوا فى الأنبار، و تعاقدوا هناك على الصلح بشروط، و ترك الحسن الإمارة.

تولى معاوية الخلافة

وصفا الملك لمعاوية، و مضى من هناك إلى المدينة، و كان هذا فى سنة إحدى و أربعين من الهجرة، و سموا هذه السنة بسنة الجماعة لأن ما كان يريده معاوية حدث فى هذه السنة، و لما كان الحال كذلك، أعطى معاوية البصرة و سجستان و خراسان إلى عبد اللّه بن عامر بن كريز و مضى حتى وصل سجستان.

مقدم عبد اللّه بن عامر بن كريز فى سنة إحدى و أربعين‌

لما وكلت إليه هذه الولاية، مضى أولا إلى سجستان، و كان على مقدمته الأحنف بن قيس، و كان معه جيش غفير من العظماء و السادة و العرب و العجم، و لما بقى هناك مدة مضى من هناك إلى خراسان حتى وصل إلى المدينة التى يسمونها نيسابور، و ترك هناك خليفة عنه، و بقى عامين فى سجستان فى عهد معاوية، ثم أعطى معاوية البصرة و خراسان و سجستان إلى زياد بن أبيه الذى أرسل ربيع الحارثى إلى سجستان.

مقدم ربيع الحارثى إلى سجستان عاملا عليها فى سنة ست و أربعين‌

قدم ربيع سجستان، و كانت له سيرة حسنة، و أجبر الناس على أن يتعلموا العلم و القرآن و التفسير، و أقام العدل، و دخل كثير من المجوس فى الإسلام و ذلك لحسن سيرته، و فى سنة سبع و أربعين مضى إلى بست و رخد و تلك الناحية التى اصطدم فيها بزنبيل(1)الذى كان قد مضى إلى محاربته، و مضى زنبيل أمامه منهزما إلى بلاد الهند، وصفت له هذه الديار، و أخذ لهم حقهم، و عاد إلى سجستان، و هو الذى وضع ديوان الخراج فيها على أساس الكتاب و الحساب و جامعى الضرائب و المستوفين و المشرفين و المعتمدين، و كان كل هذا بمشورة الحسن البصرى الذى وصل إلى هناك معه، و لم يصنعوا شيئا إلا إذا سألوه، ثم عزل زياد بن أبيه ربيع عن سجستان، و أرسل عبد اللّه بن أبى بكرة إلى سجستان.

مقدم عبد اللّه بن أبى بكرة إلى سجستان فى سنة إحدى و خمسين‌

و أمر قائلا: لقد جئت إلى هذا لأقتل الهرابذة(2)، و أخمد نيران المجوس و مضى إلى سجستان على هذا الحال، و قصد الدهاقين و المجوس فى سجستان على


1) ذكر هذا الاسم فى معظم الكتب خصوصا المخطوطات، و لكن هذا الاسم لقب لملوك كابل و سجستان، إلا أنه ذكر فى عدة مواضع من هذا الكتاب( زنبيل) و( زنبل) و( رتبيل) و بما أن النسخة التى بين أيدينا قليلة النقط و هذا عيبها الوحيد فإنها من حيث صحة الأسماء و السنين التى وردت فيها منقطعة النظير، و قد ترددت فى صحة هذا الاسم، و قدّر لى أن وجدت نسخة من الطبرى تكاد تكون صحيحة و خالية من الخطأ حيث وجدت فى كل مرة يكتب اسم( زنتبيل) و ذكرت أيضا( زنده بيل) و قد وقع العرب فى كثير من الأخطاء المتعلقة بهذا الاسم( من تعليقات بهار على الكتاب).

2) هم رؤساء المجوس و هى كلمة مشتقة من( هيربز) و هذه الكلمة لقب لبعض رؤساء المجوسيين مثل موبذ و كانوا يسمون رئيس المعبد( ايربذ) أى رئيس الأحبار و يقولها العرب( هيربذ).

عصيانه إذا سلك هذا الطريق، ثم قال مسلمو سجستان، لو أن نبينا صلى اللّه عليه و سلم أو الخلفاء الراشدين فعلوا هذا مع جماعة اصطلحوا معهم، فيجب أن نفعل هذا الأمر، و إن لم يكن فلا يجب هذا الأمر، لأنه ليس فى شريعة الإسلام، و ليس فى الصلح، و كتبوا رسالة إلى الشام، و كان الرد عليها على النحو التالى لا ينبغى أن يكونوا معاهدين، و لهم هذا المعبد، و هم يقولون: نحن نعبد اللّه، و لكننا نملك معبد النار هذا و أيضا معبد الشمس الذى لنا لا نملكها كى نعبدها، و إنما نملكها بمثابة مالكم أنتم من محراب الكعبة بمكة، و لما كان الحال هكذا، فلا ينبغى هدمها فلليهود كذلك معبد، و للنصارى كنيسة و للمجوس بيت النار، و ما دام الكل معاهدين، فما الفرق بين معابدهم(1)، يقولون: إننا نعبد اللّه، و معبد النار الذى نمتلكه و كذلك الشمس، أى فرق نجده حتى يكونوا لهم منكرين، و هم لا يحبون هدم أى شي‌ء، و هدم كل الكفر و الأديان إلا دين الإسلام، و لكنهم لم يفعلوا، و صالحهم على الجزية، و كان عز الإسلام ما دامت الدنيا و دام الزمان، فإن المسلمين يحافظون على عقيدتهم و دينهم، و يشكرون اللّه تعالى من جديد، و إذا رأوا خللا فى طريق دينهم أو يسمعون فإنهم يتحركون أو يتكون، و قضاؤهم يحكم بأمر اللّه و سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الذى قال: لا تحكم بين شخصين و أنت غضبان. ثم مكث عبد اللّه مدة فى سجستان، و مضى لى بست و رخد و كابل، و حارب زنبيل و فى النهاية اصطلحوا على ألف ألف درهم، و جاء معه زنبيل و عادا معا إلى سجستان، و أرسله من هنا إلى البصرة أمام زياد بن أبيه بأمر منه، و كان زياد يريد لقاءه، و لما وصل أكرمه زياد و خلع عليه، و أعاده إلى عبد اللّه بن أبى بكرة، و له أخبار كثيرة فى الجود و السخاء و الشجاعة، و لكن كان قصدنا فى الكتاب الاختصار فلا يجوز أن نتحدث عما وقع فى هذه المدينة الكبيرة فى عصره، و عندما حلت السنة الثالثة بعد الخمسين من الهجرة، مات زياد بن أبيه فى البصرة، و كان يبلغ من العمر ثلاثة و خمسين سنة، فصار سمرة بن جندب خليفته على البصرة، و كان على الكوفة


1) يوجد بياض فى المتن و هذا ما نجده كثيرا.

عبد اللّه بن خالد، و عند ما وصل معاوية خبر وفاة زياد، عزل عبد اللّه بن أبى بكر عن سجستان، و مضى عبيد اللّه و عباد بن زياد أخوه إلى معاوية، فأعطى معاوية خراسان لعبيد اللّه بن زياد، و أرسل أخاه عباد بن زياد إلى سجستان.

مقدم عباد بن زياد إلى سجستان‌

قدم عباد سجستان، و كان يجلس كل يوم خميس للنظر فى مظالم الناس، و كان يقضى الحاجات التى تطلب إليه فى كل يوم، و كان يعطى الصدقات و يحسن إلى الناس، و كان هذا الخبر يروى عن النبى صلى اللّه عليه و سلم كل يوم خميس (اللهم بارك لأمتى فى بكورها و اجعل ذلك يوم الخميس) و بعد أن استقرت الخلافة، مضى إلى كابل و من هناك مضى إلى قندهار حيث واجه جيش الهند، و قامت حرب صعبة، و فى النهاية نصر اللّه تعالى المسلمين، و كان عباد فى ذلك اليوم يحارب بنفسه و هو على ظهر بغلة، و حارب زهير بن ذويب العدوى هناك فى ذلك اليوم مثل رستم فى عصره، و وقع فى أيدى المسلمين ديار ممتلئة بالذهب و غنائم كثيرة، و كان ابن المفرغ(1)هناك، و كان يهجو عبادا و زيادا كل يوم، و نذكره كما كان فى زمانه:

و أشهد أن أمك لم تباشرأبا سفيان واضعة القناع

و لكن كان أمرا فيه لبس‌على وجل شديد و ارتياع

فاستقدمه عباد و أدبه و حبسه، و سلمه للحجامين، و كان الحجامون قد مضوا و جاءوا بالخنازير البرية و الخمر، و أكل هذا الشاعر و أصبح ثملا، و فى اليوم التالى لسكره أصابه الإسهال، و كان الأطفال يشاهدونه، و من كثرة السواد الذى كان له من


1) هو يزيد بن ربيعة المفرغ الحميرى، سمى بهذا لأنه تراهن على شرب و عاء حتى يفرغه وقع خلاف بينه و بين الصاحب بن عباد فحبسه فهجاه ابن المفرغ و هو فى السجن.

الإسهال، كانوا ينادونه باللغة الفارسية، هذه الليلة، فأجابهم بالفارسية قائلا(1):

ماء و نبيذو عصارة الزبيب

و ليلة مملؤة بالشحم‌و سمية أيضا بغية

و كانت سمية اسم أم زياد، ثم أعطاه عباد مالا و أعاده إلى العرب قال: يكفينى هذا منك، و كان واليا على سجستان على الدوام حتى وفاة معاوية يوم الخميس منتصف شهر رجب سنة ستين، و كان عمره ثمانى و سبعين سنة، و صلى عليه الضحاك بن قيس الفهرى، بعد خلافة دامت تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر و اثنى و عشرين يوما، و كان خضابه الحنة و الشبر، و كان توقيعه لا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم، و قبره فى دمشق فى مقبرة الباب الصغير، و اللّه المستعان.

تولى يزيد بن معاوية الخلافة يوم الخميس لثمانى ليال بقين من شهر رجب سنة ستين‌

اشارة

و كانت كنيته أبا خالد، و توقيعه آمنت باللّه مخلصا، و عندما بلغت أخبار تولى يزيد و بيعة أهل الشام عند الحسين بن على رضوان اللّه عليه، أرسل مسلم بن عقيل أبا طالب إلى الكوفة حتى يبايعوه، إلا أن أهل الكوفة غدروا به، حيث إن حاله لم يكن خفيا على الخاص و العام، و أقروا مسلم كى يقطعوا رقبته، و أخبروا يزيد بذلك، و بقى عمر بن سعد إلى أن أرسل يزيد عبد اللّه بن زياد إلى هناك، و فى هذه الليلة كان ثلاثة آلاف فارس مع مسلم يجتمعون حوله مدة من الزمن، فنظر فلم يجد


1) لمزيد من المعلومات انظر فى هذه القصة الكامل فى التاريخ لابن الأثير، ج 3، ص 205 و أيضا فى كتاب الأغانى، ج 17، ص 51.

سوى عشرة رجال فعاد، و أراد أن يهرب حتى لا يراه أحد، و كان ظمآن فطلب ماء من امرأة، و دخل بيتها، فأخبرت المرأة عبيد اللّه بن زياد، فأرسل شرطيا حتى أحضره، و أمر أن يحمل إلى سطح القصر، فضربوا عنقه، و ألقوا رأسه و جسمه فى الميدان، كما ضرب أيضا عنق هانى بن عروة المرادى و الزبير بن أروح التميمى، و أرسل الرءوس الثلاثة إلى يزيد، و لما وصل خبر مسلم إلى الحسين بن على، نهض و سلك طريق الكوفة، و لما سمع عبيد اللّه بن زياد خبره، أرسل عمر بن سعد بجيش لاستقباله فى كربلاء، فالتقوا معا و حاربوا، و قطعوا طريق الماء على الحسين حتى أصابه الظمأ، ثم قتلوه هناك و هو ظمآن فى يوم عاشوراء الموافق الأربعاء سنة إحدى و ستين، و قتل من أهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من كان مع الحسين هناك، جعفر بن على بن أبى طالب، و عباس بن على بن أبى طالب، و محمد بن على، و على بن الحسين الأصغر و على بن الحسين بن على، و عبد اللّه بن الحسن بن على، و القاسم بن الحسن بن على، و عون بن عبد اللّه ابن جعفر بن أبى طالب، و محمد بن عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب، و عبد اللّه بن مسلم ابن عقيل بن أبى طالب، و أكثر من هؤلاء الصغار و الكبار، الذين إذا ذكرنا أسماءهم لطالت القصة، و كان هؤلاء هم المعرفون، و أخرج شمر بن ذى الجوشن لعنه اللّه رأس الحسين بن على رضى اللّه عنه، و أسر عبد اللّه الرأس مع النساء و الأطفال، و أرسلها إلى الشام على الجمال و رءوسهم عارية، و كانوا كلما نزلوا فى موضع أخرجوا الرأس من الصندوق، و رفعوها على رأس رمح، و كان الحراس يفعلون هذا حتى يركبوا دوابهم، حتى وصلوا إلى منزل كان فيه راهب من النصارى، و رفعوا الرأس على الرمح كما هى عادتهم، و لما دخل الليل، كان الراهب يتعبد فى صومعته، فرأى نورا يصعد من الأرض إلى السماء، بحيث لم تبق ظلمة و سطع هذا النور من السماء إلى الأرض، فصاح من على السطح قائلا:

من أنتم؟ قالوا: نحن أهل الشام، قال: رأس من هذا؟ قالوا: رأس الحسين بن على قال: جماعة سيئة هذه، لو أن بقى لعيسى عليه السلام فإننا نضعه فى عيوننا، ثم

قال: يا قوم لدىّ عشرة آلاف دينار و هى ميراث حلال إذا كنتم تسلموننى هذه الرأس إلى الصباح، فأنا أعطيكم هذا الذهب الحلال، قالوا: أعطنا، فأحضر الذهب فأخذوه و قسموه فيما بينهم و أعطوه الرأس فغسله و نظفه و طهره، فعجن ماء الورد و المسك و الكافور، و وضعه (و أدخله) فى منافذه و قبله، و وضعه فى جانب، و ظل يبكى حتى طلع الصباح و قال: أيها الرأس العظيم إن لى السيطرة على نفسى و أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن جدك محمد صلى اللّه عليه رسول اللّه و أسلم، و أصبح مولى الحسين رضى اللّه عنه، ثم سلمهم الرأس مرة أخرى، فوضعوه فى الصندوق و مضوا، و لما وصلوا بالقرب من دمشق نظروا إلى الذهب الذى أخذوه من الراهب، فأصبح كله فخارا، و فى مكان خاتم العملة وجدوا (وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)(1)و ظهر على الوجه الآخر بقدرة البارى تعالى (وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(2)فجمعوا هذا الذهب كله و ألقوه فى النهر، فبكى كثير منهم و تابوا، و مضوا فى الحال إلى الجبل و الصحراء و كانوا كثيرين، و أصر الباقون و حملوا النساء الأسيرات و الأطفال الحاسرين على جمل إلى دمشق، و وضعوا هذا الرأس أمامهم فى طست، و كانوا يضربون بقضيب شفة الرأس و أسنانه، و ذكر هذا الخبر فى كتاب الخلفاء(3)كاملا و هو معروف، و لما وصل هذا الخبر سجستان، قال أهلها: إن يزيد لم يسلك مسلكا حسنا مع أبناء رسول اللّه عليه السلام، و هكذا فعل، فثار بعضهم، فأودع عباد سجستان لأهلها، و كان قد جمع عشرين حملا و كل حمل ألف ألف درهم لبيت المال من غنائم كابل، و أخذ الأموال الأخرى، و عاد إلى البصرة، فعهد عبيد اللّه بن زياد بأخيه ليزيد بن زياد، و أرسل أخاه أبا عبيدة بن زياد إلى سجستان فى أول سنة اثنتين و ستين.


1) سورة إبراهيم، الآية 42.

2) سورة الشعراء، الآية 227.

3) لا نعلم عن هذا الكتاب شيئا.

مقدم ولدى زياد بن عباد و أبى عبيدة إلى سجستان يزيد للإمارة و أبو عبيدة للقيادة

و قدم يزيد سجستان، و مكث مدة طيب السيرة، ثم انصرف عنه أهل كابل، فمضى يزيد إلى هناك بجيش و جمع جيشا كبيرا هناك، و حاربوا حربا صعبة، و قتل خلق كثير من المسلمين و وقعوا فى الأسر و نجا بعضهم، و ظل أبو عبيدة فى الأسر و يزيد وصلة بن أشيم العدوى(1)و أبو الصهباء و أبوه و زيد بن جدعان والد على بن يزيد و بديل بن نعيم العدوى، و عثمان بن الأدهم العدوى، و استشهد هناك جمع عظيم من العباد و العظماء (و الأعيان)، و لما بلغ الخبر الشام، أرسل يزيد بن معاوية سلم بن زياد بن أبيه إلى خراسان و سجستان الذى أرسل طلحة بن عبد اللّه ابن خلف الخزاعى الذى يسمونه طلحة الطلحات إلى سجستان و أرسل رسولا إلى يزيد بن معاوية برسالة يطلب فيها أن يرسل طلحة إلى سجستان، فأرسل يزيد عهد سجستان لطلحة، و أمر أن يكون سلم خليفة له من بعده و قد جاءه هذا الأمر و هو فى الطريق، فكان أن آمر يا أخى خذ الأمر ثانية.

مقدم طلحة الطلحات إلى سجستان و كان أخوه عمر صاحب الجيش‌

قدم طلحة سجستان، و كان أخوه عمر صاحب الجيش، و صاحب شرطته مالك ابن أوسى الأزدى، و أرسل رسولا و افتدى أبا عبيدة و الأسرى الذين كانوا معه بخمسمائة ألف درهم، ثم مضى إلى بست، و نظم شئون تلك الديار و عاد إلى سجستان، و كان رجلا عظيما حكيما حسن السيرة، و لم يكن له نظير فى الشجاعة


1) صلة بن أشيم أبو الصهباء العدوى و هو زوج معاذة العدوية( البلاذرى، ص 405).

و السخاء، و صار بعدله و سخائه أن أهل سجستان كانوا يقسمون بروحه، و ذلك لأن محبته تمكنت فى قلوبهم و كان هكذا يقول الشاعر:

يا طلح أنت أخو الندى و عقيده‌فبحيث بت من المنازل باتا

شهد الأنام صغيرهم و كبيرهم‌أن الندى إن مات طلحة ماتا

و بلغ من السخاء منزلة أن أبا الأسد(1)، قدم سجستان يقصده، و بقى مدة على بابه، و لكنهم لم يخبروه، و فى النهاية كتب هذه الأبيات و أرسلها إليه:

ورد السقاة المعطشون فأنهلواريا و طاب لهم لديك المكرع

و وردت بحرك طاميا متدفقافرددت دلوى شنها يتقعقع

و أراك تقطر جانبا عن جانب‌و محل بيتى عن سمائك بلقع

و لما رأى خطه و شعره، تملكه الخجل، و أحضره فى الحال، و اعتذر إليه و أعطاه فى يديه ياقوتتين حمراوين ثمينتين و قال: يا أبا الأسد: ما أحب إليك، العشرون ألف درهم أم واحدة منهما فقال: لا أختار قطعة من حجر، فأحضر له عشرين ألف درهم، و قال: إنه لا يخدع الناس بهذا فقد اشتريتها بمائة ألف درهم، و حملهما أبو الأسد إلى العراق و باعهم بمائة و عشرين ألف درهم.


1) قدم أبو الأسد ذات مرة سجستان لزيارته، و إذا ما فرضنا أن أبا الأسد هذا رجل مغمور و أما أبو الأسد ذلك الشاعر الذى كان معاصرا لطلحة و يزيد، و ليس من المستبعد أن يكون قد مضى إلى سجستان و لكننا لم نجد عن أخباره شيئا، و سياق النص يدل على أن أبا الأسد لم يكن موجودا، لأنه من المستبعد أن يمضى أبو الأسد إلى سجستان و أن طلحة لا يعلم بمقدمه.

مقدم الأسود بن سعيد إلى سجستان‌

و أرسل يزيد بن معاوية أسود بن سعيد إلى سجستان فى آخر سنة اثنتين و ستين، و لما مكث عدة أيام، أرسل فى أثره عبد اللّه بن طلحة الطلحات إلى سجستان فى سنة ثلاث و ستين.

مجي‌ء عبد اللّه بن طلحة إلى سجستان‌

و بقى عاما فى سجستان، ثم أرسل يزيد أباه طلحة إلى سجستان فى سنة أربع و ستين، و جعل ابنه عبد اللّه خليفته حتى أن الناس مدحوا حسن سيرته، و بقى طلحة فى سجستان (إلى وقت وفاته) ثم أوصى ابنه قائلا: ادفنى هنا، فإن هؤلاء القوم يحبوننى حتى ذكرى هنا بين أصدقائى و يذكروننى أعواما، لأن من يذكره الناس لا يموت، و الكلام الذى قالوه منذ ألف سنة ليس خطأ و هو أن بقاء الإنسان فى الذكر الطيب، و إنى آمل ان أكون من جملة هؤلاء فى هذه المدينة الكبيرة و بين هؤلاء الرجال العظماء الأحرار، و عندما مات نفذ ابنه أمره، و دفنه فى تل مهاجر، و قبره الآن معروف يقول الشاعر- و هو عبد اللّه بن قيس الرقيات(1):

رحم اللّه أعظما دفنوهابسجستان طلحة الطلحات

و لما مات طلحة، تمرد جيشه على يزيد بن معاوية، و استقر كل شخص على ناحية من نواحى سجستان، و لما كان الأمر كذلك، ترك ابنه القصبة و عاد، فاستولى


1) هو عبد اللّه بن قيس بن شريح بن مالك بن ربيعة بن غالب، لقب بعبيد اللّه بن قيس الرقيات لأنه شبب بثلاث نسوة سمين جميعهن رقية، و هو شاعر قرشى ..

أبو سليح بن ربعى القشرى على باب طعام، و وكيع بن أسود على أوق، و عبد المجيد ابن جميل على خواش و عبد اللّه بن ناشرة على فراة، و أهملوا القصبة و بسكر بحيث لم يكن لهما واليا حتى توفى يزيد بن معاوية فى حوران من توابع الشام لأربعة عشر يوما مضت من ربيع الأول سنة أربع و ستين، و كان عمره ثمانية و ثلاثين عاما و ثمانية أشهر إلا ثمانية أيام، و دفنوه فى دمشق.

تولى معاوية بن يزيد بن معاوية الخلافة

و تولى معاوية بن يزيد الخلافة فى منتصف ربيع سنة أربع و ستين(1)، و كانت كنيته أبا ليلى، و كان فى الأربعين من عمره عندما تولى الإمارة، و لما ضاق الحال عليه قالوا: اتخذ لك (فليكن لك) وليا للعهد، قال: إنى لم أر من دنياكم الخير و أجعل وبال ما تبقى فى عنكم، و توفى لأربعة أيام بقين من ربيع الأول سنة أربع و ستين، و بايعوا مروان بن الحكم فى الشام و عبد اللّه بن الزبير فى مكة.

تولى مروان بن الحكم فى الشام‌

و هو مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، و بايعوه فى جايبه يوم الأربعاء لثلاثة مضت من شهر ذى القعدة سنة أربع و ستين.


1) لم يحدد الطبرى و ابن الأثير اليوم و الشهر الذى تولى فيه معاوية بن يزيد الخلافة.

تولى عبد اللّه بن الزبير فى مكة

اشارة

و هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام، و كانت كنيته أبا حبيب، بايعه أهل العراق، و كان اسم أمه أسماء بنت أبى بكر الصديق، و لما استقام له الأمر، أعطى الحارث ابن عبد اللّه بن أبى ربيعة المخزومى البصرة و خراسان و سجستان الذى كانوا يسمونه القناع(1)، ثم أرسل القناع عبد العزيز بن عبد اللّه بن عامر بن كيز إلى سجستان.

مقدم عبد العزيز أميرا من قبل الحارث بن عبد اللّه‌

و قدم سجستان، و أحسن إلى الناس و قال لهم خيرا، و جمع جيش طلحة و خلع عليهم (وداعبهم) و ذكروا له خبر كابل و بست و هو أنهم أعلنوا العصيان.

ذهاب عبد العزيز إلى بست و كابل‌

و مضى بطريق الصحراء، و جمع زنبيل جيشا من الأتراك، و حارب حربا صعبة، حتى عجز المسلمون و أرادوا أن يفروا أمام قوة الأعداء و شجاعتهم، و كان عمر بن شان العرى رجلا شجاعا و معروفا، و كان مع عبد العزيز فى موضع


1) هو الحارث بن عبد اللّه بن أبى ربيعة المخزومى المعروف بالقناع( البلاذرى، فتوح البلدان، ص 405).

واحد، فحمل على زنبيل(1)و هزموه، و قتلوا كثيرا من الأتراك و هزموهم، و وجد المسلمون كثيرا من الغنائم و كثيرا من الغلمان و الخيول و السلاح، و استقام له أمر كابل و زابل، و عاد إلى سجستان منصورا، و كان رجلا عالما و كان يحب العلماء، و استدعى ذات يوم رستم بن مهر هرمز المجوسى و أجلسه، و كان متكلم سجستان، و قال له: إن للدهاقين حكما فقل لى شيئا منها، قال: إن الجاهل هو من يفتعل الصداقة، و يرائى فى تقوى اللّه، و يصاحب النساء بغلظة، و يرى منفعته فى إيذاء الناس و يريد أن يتعلم الأدب بسهولة، فقال له: زدنا، فقال الدهقان: ماء النهر حسن حتى يصل إلى البحر، و الأسرة فى سلامة ما لم تلد ابنا، و الصداقة بين شخصين فى صلاح ما لم يصل إليها سوء ظن، و العالم دائما قوى مادام الهوى لا يغلب عليه، و أمر الملك و الملك مستقيم دائما مادام الوزراء صالحين. و بقى عبد العزيز فى سجستان حتى توفى مروان بن الحكم فى شهر رمضان سنة خمس و ستين، و كان يبلغ من العمر اثنتين و ستين عاما، و كانت مدة ولايته عشرة أشهر إلا ثلاثة أيام، و صلى عليه ابنه عبد الملك بن مروان الذى كان وليا لعهده، و دفنوه فى دمشق، و بايع أهل الشام عبد الملك.

تولى عبد الملك بن مروان بن الحكم الخلافة

اشارة

و كانت كنيته أبا ذنان، و تولى فى شهر رمضان سنة خمس و ستين، و نعود إلى حديث عبد اللّه بن الزبير، فقد عزل الحارث بن عبد اللّه من إمارة العراق، و أعطى العراق لأخيه مصعب بن الزبير، و كتب لمصعب رسالة بذلك، و جعل عمل سجستان لعبد العزيز الذى كان فيها على الدوام إلى عام اثنتى و سبعين حينما قصد


1) يذكر البلاذرى و ابن الأثير أن زنبيل قتل فى هذه المعركة، إلا أن مؤلفنا يقول إنه هزم فقط.

مصعب بن الزبير محاربة عبد الملك، و سلك طريق الشام إليه مع جيش عظيم، كما أن عبد الملك قصده أيضا و سلك طريق العراق، حتى وصل الجيشان إلى دير جاليق، و وقعت بينهما مواقع و حروب كثيرة، حتى وقعت الهزيمة مرة على جيش مصعب الذى قتل لأنه لم يهرب، و كان له من العمر أربعون عاما، و لما حل عام ثلاثة و سبعين، أرسل عبد الملك الحجاج بن يوسف لمحاربة عبد اللّه بن الزبير، و دخل الحجاج الحرم، و صوب المنجنيقات على الكعبة، و مكث هناك مدة، و كان يقتل الناس فى الحرم، حتى قتل عبد اللّه بن الزبير فى يوم السبت لثلاثة عشر يوما بقين من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث و سبعين، و علقه (نكسه) على نخلة و هو بلا رأس، و بذلك استقر الأمر لعبد الملك، ثم أسند إلى الحجاج العراق و خراسان و سجستان، ثم أعطى الحجاج لأمية بن عبد الملك خراسان و سجستان، و أعطى أمية سجستان لابنه عبد اللّه بن أمية.

مقدم عبد اللّه بن أمية إلى سجستان فى عصر الحجاج سنة أربع و ستين من الهجرة

ما إن انقضى شهر حتى مضى عبد العزيز، و مكث عبد اللّه مدة فى سجستان، ثم مضى إلى بست، و حارب زنبيل، و استولى على ملتقى الطرق، و لما ضاق الأمر على زنبيل أرسل إليه حمل حمار من الذهب هدية متعهدا بعدم الحرب، و اصطلح على ألفى ألف درهم، و له ثلاث مائة ألف درهم، و لما بلغ هذا الخبر إلى عبد الملك عزله.

مقدم موسى بن طلحة بن عبد اللّه إلى سجستان‌

مقدم موسى بن طلحة بن عبد اللّه(1)إلى سجستان

و أرسل الخليفة موسى بن طلحة بن عبد اللّه إلى سجستان، و عاد عبد اللّه و بقى موسى هناك حتى أول سنة خمس و سبعين، و توفى بشر بن مروان أخو عبد الملك فى البصرة، و قدم الحجاج الكوفة، و مكث فيها عدة أيام، ثم عاد إلى البصرة، و استخلف عروة بن المغيرة بن شعبة على الكوفة، و لما استقر بالبصرة جمع جيشا ليحارب الخوارج، الذين كانوا قد خرجوا من كل مكان، و انضم الناس خاصهم و عامهم معهم، و كان قوادهم من صناديد العرب و عظمائهم، من صحابة المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، و لما وقعت الوقائع بين المسلمين، و خرجت الأمور عن حدها إذ لم يروها فى الكتاب و السنة و كانوا يزدادون يوما بعد يوم، و لما ظهرت أحداث أمير المؤمنين عثمان و الذين اجتمعوا حوله من الصحابة، و أنكروه حتى بلغ الكلام معه إلى أن يقتلوه على تلك الحال و كذلك حرب الجمل و مقتل طلحة و الزبير و هؤلاء العظماء الذين كانوا ضمن الجماعتين، ثم خلاف معاوية و حرب صفين و حديث الحكمين و نية أبى موسى الأشعرى و خدعة عمرو بن العاص و قتل أمير المؤمنين على بن أبى طالب، ثم اجتماع القوم مع معاوية، و عزل الحسن بن على عن الخلافة، و قتل الحسين بن على و كل أهل المصطفى صلى اللّه عليه و سلم فى عصر يزيد بن معاوية، و أخذ رأس الحسين و حريم آل بيت المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و هن عاريات الرأس إلى الشام، و ضرب شفاه الحسين و أسنانه بالقضيب حيث إن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قبلهما آلاف المرات، ثم قتل مصعب بن الزبير و صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فى عصر عبد الملك بن مروان، ثم إرسال الحجاج بن يوسف إلى مكة لدق حرم اللّه تعالى و قبلة الإسلام بالحجر و المنجنيق، و إزهاق دماء كثيرة بغير حق فى الحرم، و قتل عبد اللّه بن الزبير و تعليقه فى شجرة، و ما تبقى من ذلك


1) لم يذكر هذا الاسم عند الطبرى و البلاذرى فى تاريخهما.

إذا ذكرناه كله لطال بنا الكلام، و لما رأى جماعة من أصحاب الرسول صلى اللّه عليه و سلم هذه الأحوال قالوا: إن الدنيا لا تساوى الدين و نحن نعلم أن العبد ليس معصوما من الخطأ و الوقوع فى الهفوات، أما أن تمر الساعات و الأيام و الشهور و الأعوام على هذه الحال و بهذا الإصرار، فقد برأوا منهم، و كان رجلا عظيما هو قطرى بن الفجاءة(1)، الذى كان من سادات العرب كان مع عبد الرحمن بن سمرة هناك، و كان صديقا لأهل سجستان، و لما نهض من العراق و خرج من جماعته، طلبوه و قصدوه، فكان لابد له أن يحارب، و وقعت حروب كثيرة، ثم أرسل أشخاصا إلى سجستان و ذكروا هذه القصة، و أن مثل هذه الأشياء وقعت فى الإسلام، و اتفق معهم أهل سجستان خاصهم و عامهم، و لما دبر الحجاج هذا التدبير، و جهز الجيوش، و أرسل عبيد اللّه بن أبى بكرة بجيش عظيم إلى سجستان، و جعل حربش ابن بسطام التميمى قائدا للجيش، و رافقه ابنه بو بردعة بن عبيد اللّه بن أبى بكرة أيضا بجيش كبير.

مقدم عبيد اللّه بن أبى بكرة إلى سجستان فى عصر الحجاج‌

و قدم عبيد اللّه بن أبى بكرة بجيش، و لما وصل مشارف سجستان كان حربش ابن بسطام التميمى قد جاء من قبله بجيش كبير، و مضى أهل سجستان لمحاربته، و حارب جماعة الخوارج حربا عنيفة و قتلوا خلقا كثيرا، و أجهد الظمأ و الجوع جيش حربش و قتل منه الكثير، و قتل فى ذلك اليوم شريح بن هانى الحارثى و عبد اللّه


1) كان من عظماء الخوارج و كنيته أبو نعامة و يتصل نسبه بمازن بن مال بن عمرو بن تميم و عندما كان مصعب أخو عبد اللّه واليا على العراقيين، ظهر قطرى، و كان خليفة على الخوارج مدة عشرين عاما و رائدا لهم، و كان يلقب بأمير المؤمنين، و قد انتصر أكثر من مرة على جنود بنى أمية، و حارب المهلب و أبناءه حروبا كثيرة، و فى آخر أمره سقط من واد و قتل سنة 79 ه.

ابن عباس بن ربيعة بن عبد المطلب ثم عاد جماعة منهزمين إلى القصبة، فقدّم إليهم الناس الطعام فأكلوا، و لما أكلوا كثيرا ماتوا جميعا بحيث لم يبق أحد من هذا الجيش إلا قتيلا أو ميتا، و لما قدم العرب بعدهم، و رأوا الأمر كذلك سموهم جيش الفناء، ثم وصل عبيد اللّه بن أبى بكرة سجستان فى أول سنة ثمان و سبعين، و جعل ابنه بوبردعة واليا على الخراج و كان اسمه المغيرة، و مكث عبيد اللّه هناك مدة، ثم مضى إلى بست عن طريق الصحراء، و عهد بسجستان إلى ابنه بو بردعة، و لما وصل بست، كان زنبيل قد أعد جيشا و كان على مقدمته، و كان مع عبيد اللّه جيش كبير، و حاربوا حربا شعواء(1)، و وقعت وقائع عظيمة بينهما، كان آخرها الصلح على سبعمائة ألف درهم، و مات عبيد اللّه فى بست بسبب مرض فى الأذن، و قبره موجود الآن فى بست، ثم مضى ابنه بو بردعة لمحاربة زنبيل، و ضاق الأمر على زنبيل حتى قبل الصلح و ذلك من الكرة الأولى، ففتح الثانى الطريق، و عاد إلى سجستان، و لما وصل خبر وفاة عبيد اللّه إلى الحجاج، جمع جيشا، و اختار عشرة آلاف فارس من بين مائة و عشرين ألفا، و جهزهم بما يجب تجهيزهم من السلاح و الدواب و الرواتب (العتاد) و جعل عمر بن عطا قائدا عليهم، ثم استدعى عبد الرحمن بن محمد الأشعث الكندى، و أعطاه ولاية سجستان، و جعل هذا الجيش كله تحت يده، و أمرهم بأن يدينوا له بالطاعة، و سموا هذا الجيش جيش الطواويس، و ذلك لأن جميع الصناديد و أبناء النعم من العرب كانوا فيه، و قدم عبد الرحمن مع هذا الجيش.


1) كانت للخوارج الغلبة على سجستان، حيث يقول المؤرخون المسلمون الذين ذكروا هذه الحرب إنها كانت فى حوزة عبد اللّه بن أبى بكرة و إنها وقعت فى ملك رتبيل بالقرب من كابل و إن شريح بن هانى‌ء قتل مع جميع المسلمين فى هذه الحرب و إن عبيد اللّه قد مات أيضا فى هذه الحرب بسبب مرض بالأذن، و أن أعدادا كبيرة قد ماتت من بعده عطشا أو جوعا، و هذه الحرب كانت مع الخوارج فى زرنج كما يقول مؤلف تاريخ سجستان، يقول البلاذرى: إنها حرب كانت ضد زنبيل و ليست ضد السيستانيين، انظر فتوح البلدان، ص 406 و الطبرى ج 3، ص 1038 و ابن الأثير ج 4، ص 174.

مقدم عبد الرحمن بن محمد الأشعث إلى سجستان فى سنة اثنتين و ثمانين‌

و منذ أن قدم عبد الرحمن سجستان، كان قد قدمها همام(1)بن عدى السدوسى و هو قائد عظيم من قواد الخوارج بجيش عظيم، فحاربه عبد الرحمن، و قتل خلقا كثيرا من الطائفتين، و فى النهاية انهزم همام، و أرسل عبد الرحمن رءوس هؤلاء الصناديد الذين قتلوا إلى الحجاج، و دخل القصبة، و كان عبد اللّه بن عامر المجاشعى من عظماء سجستان، و لما سمع خبر مقدم عبد الرحمن مضى إليه، و أرسل بو بردعة رسالة إلى المهلب بن أبى صفرة- و كان المهلب واليا على خراسان- قائلا له: أرسل إلينا رجلا عمل بجيش حتى لا يضعف أمرى هنا، حيث كثر الخوارج، فأرسل المهلب وكيع بن أبى بكر بن وائل، فاتفق بوبردعة و وكيع على أن يصالحا أبا عبد اللّه بن عامر الذى كان أبوه قائدا لجيش سجستان و كان عبد اللّه يحافظ على الناس، و لما وصل عبد الرحمن طلب عبد اللّه بن عامر و استدعاه و أكرم وفادته، و أدخله المدينة و كان يصنع كل شي‌ء بمشورته و تدبيره(2)و كان أهل سجستان شيعة لعبد اللّه بن عامر و كان منهم عظماء سجستان، ثم مضى عبد الرحمن لحرب زنبيل، و أودع سجستان لعبد اللّه بن عامر، و دخل بست فى نهاية سنة اثنتين و ثمانين، و حارب زنبيل حربا شعواء، و قتل عددا كبيرا من الكفار، و استولى على غنائم كثيرة، ثم نظم جيشه و عاد على سجستان، فوصلته رسالة الحجاج يقول فيها: حصّل الضرائب من الناس، و اهجم على الهند و السند، و أرسل فى الوقت نفسه عبد اللّه بن عامر، و لما قرأ عبد الرحمن الرسالة، صلى العشاء و أحضروا إليه الطعام حتى يأكله، و كان طائرا سمينا على المائدة، فأكله و استحسنه، و سأل قائلا للطباخ حدثنى عن أمر هذه الدجاجة، قال: إن هذه الدجاجة أرسلها عبد الرحمن بن عامر مع غيرها و كلهم على هذا النحو، و فى الحال أرسل شخصا


1) ذكر المؤلف اسم هذا الشخص على أكثر من وجه، ذكره همام و بعده ذكره همان، و لكنه ورد عند ابن الأثير( هميان) إلا أننا نرى أن( همام) هى الأقرب للصواب.

2) لم تذكر الأمهات من كتب التاريخ الموثوق بها هذا الخبر و ينفرد به هذا الكتاب.

و استدعاه، و عندما جلس، عرض عليه رسالة الحجاج قال عبد اللّه: إن للّه زمنا طويلا و أوصيك، فضحك عبد الرحمن و قال: إنه عمر منحك اللّه إياه و لم أقدر على اعتقاله، أما إن استطعت بما يقوله الحجاج فإنى أن أصنع، فأنت آمن، فهل من الواجب أن آكل طيرك و أن أجفوك بأمر من الحجاج و أصبح مأخوذا بدمك، أبسط يدك و كل شيئا، فسر عبد اللّه و أكل شيئا، ثم رد على رسالة الحجاج بقوله: أنا أغزو الهند و السند و لكنى لا آخذ شيئا بغير حق و لا أريق دما و لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق و السلام(1)، و أرسل الرسالة إلى الحجاج، ثم جاءته رسالة منه بالتهديد، فنهض و مضى إلى كابل، و هناك حارب زنبيل، و صادقه فى الخفاء، و أحسن إلى أهل سجستان و بست، و بهذا أصبحت هذه النواحى حتى زابل و كابل و الهند و السند، و مواطنوها كلهم تحت أمره، و عزم على أن يخالف الحجاج لسوء معاملته له و للمحرمات التى يقترفها من إراقة الدماء بلا حق و عدم رعايته الرعية، و كان معه كثير من أهل العلم فى هذا الرأى، و كان من جملتهم عمر الذى كان يعقد مجلس التذكير و كان فصيحا يقول كلاما بليغا، و اجتذب قلوب أهل تلك النواحى، و جعل للدين و للشريعة مساغا فى قلوبهم، و صرح بأن ما صنعه الحجاج يتجافى مع الشريعة، و بايع عبد الرحمن فى السر، و كان يدعو الناس، ثم أرسل عبد الرحمن رسالة فى هذا الموضوع إلى المهلب بن أبى صفرة الذى كان فى مرو، قائلا له:

أنت ترى و تسمع عن سوء ما يصنعه الحجاج و اعتقاده الشئ و الأشياء التى صنعها فى الإسلام، و مضى عبد الرحمن إلى كابل، و كان يأخذ البيعة من الناس فى كل الأماكن، و لما فشا هذا الخبر و انتشر، مضى أبى بن سفيان الدوسى إلى الحجاج، و أخبره بحديث عبد الرحمن، و فى الحال أرسل الحجاج رسولا إلى عبد الملك بن مروان و أخبره، فأجاب عبد الملك عليه فى الحال، أن اجمع الجيوش من كل مكان، و أعد العدة و العتاد و تركه تحت تصرف الحجاج، فجمع الحجاج


1) لم يرد هذا الخبر فى كتب التاريخ الأخرى و بذلك يعد خبرا جديدا و لطيفا( من تعليقات بهار).

و جهزه و مضى قاصدا عبد الرحمن الذى عزم أيضا على مواجهة الحجاج، فوصلا إلى البصرة(1)، و كان الحجاج فيها و خرج منها قبل وصول عبد الرحمن، و صعد عبد الرحمن المنبر فى ذلك اليوم و هو فى البصرة، و ذكر أفعال الحجاج، و تعرض لهؤلاء الأشخاص الذين كانوا معه، و تضامن معه فى ذلك اليوم أربعة آلاف من العباد من العراقيين و لم يكن لهم غرض سوى خلع الحجاج، و فى اليوم التالى مضى خلف الحجاج و تحاربوا فى الزاوية حربا شعواء، و قتل خلق كثير، و فى النهاية انهزم عبد الرحمن، مضى إلى الكوفة عند مطر بن ناحية الرياحى(2)، و بايعه مطر و أهل الكوفة، و لما قوى أمره عاود القتال، و حارب فى دير الجماجم إحدى و ثمانين مرة، انهزم الحجاج فى ثمانين منها و فى الأخيرة هزمه الحجاج، و قتل و غرق معظم رفاقه، و ضاع بعضهم فى الصحارى و كان منهم عامر الشعبى(3)الذى ضل طريقه فوصل إلى ما وراء النهر، و سعيد بن جبير الذى وصل إلى مكة، أما عبد الرحمن فقد اتجه إلى البصرة و من خلفه الحجاج، إلا أنه وصل فارس و منها إلى كرمان إلى أن دخل سجستان، و قبله أهلها فيها، و أرسل الحجاج رسالة إلى المهلب فى خراسان، أن أرسل جيشا يطلب عبد الرحمن بن الأشعث فى سجستان، و فى الحال أرسل المهلب ابنه مفضل بجيش غفير إلى سجستان، و أرسل الحجاج من البصرة عبد الرحمن بن العباس الهاشمى مع ألفى فارس إلى سجستان، و عندما علم عبد الرحمن بن الأشعث بذلك مضى من سجستان إلى بست، و مضى عبد الرحمن


1) يقول ابن الأثير: نزل الحجاج بتستر و جاء إلى البصرة بعد المعركة التى اشتبك فيها مع جيش عبد الرحمن فى( دجيل) و هزمت فيها مقدمة جيش الحجاج فى يوم عيد الأضحى سنة واحد و ثمانين من الهجرة.( الكامل ج 4، ص 179).

2) ذكره ابن الأثير بتاريخه مطر بن ناجية اليربوعى.

3) هو أبو عمرو عامر بن سراخيل بن عبد ذى كبار الشعبى الحميرى كان من أهل الكوفة، و من التابعين المشاهير كان رجلا فاضلا عالما و زاهدا، تتلمذ عل يد ابن عباس، و قتل على يد الحجاج بن يوسف فى شعبان سنة خمس و تسعين أو أربع و تسعين( ابن خلكان: و فيات الأعيان، ج 1، ص 288).

الهاشمى و المفضل بن المهلب بجيشهما فى أثره إلى بست، و بين بست و رخد اشتعلت حرب شعواء، و قتل خلق كثير من كلا الفريقين، و انهزم عبد الرحمن بن الأشعث، و أسر معظم رفاقه، و كان من ضمن هؤلاء الأسرى يزيد بن طلحة بن عبد اللّه الطلحات و نصر بن أنس بن مالك و عبيد اللّه بن فضالة الزهرانى، و كثير من أهل العلم، و أرسلوا هؤلاء الأسرى إلى يزيد بن المهلب، الذى أحسن إليهم فى الخفاء، و أعطاهم عطاء كثيرا، أما عبد الرحمن بن الأشعث فمضى إلى زابلستان فى أمان زنبيل، فوصل الخبر إلى الحجاج، فأرسل عمارة بن تميم القيسى إلى زنبيل و حضر و اختلى بزنبيل، و كان قد أرسل العهود قائلا: إن جيشك لم يأت بعد إلى ولايتك و لا أريد منك مالا و بيننا صلح و مودة، فأرسل إلى عبد الرحمن بن الأشعث و رفاقه، فقيد زنبيل عبد الرحمن و ذلك الرجل، و أحضر حلقة وضع قدم عبد الرحمن فى ناحية منها، و ناحية أخرى فى قدم ذلك الرجل فقال عبد الرحمن:

يجب أن أكون على حافة السطح، فسحبوا الاثنين إلى الحافة فألقى عبد الرحمن بنفسه من فوق السطح، فوقعا كلاهما، و أسلما الروح، و كان اسم صاحب عبد الرحمن أبا العنبر(1)و أخذ عمارة بن تميم رأسيهما، و أرسلهما إلى الحجاج، و وقع هذا فى رخد، و دفنوا جثته فيها، و أرسل الحجاج رأس عبد الرحمن إلى عبد الملك فى دمشق، فأرسلها عبد الملك إلى عبد العزيز بن مروان فى مصر، ثم دفنوا رأس عبد الرحمن فى مصر، و جثته فى رخد، و فى هذا يقول الشاعر:

هيهات موضع جثة من رأسهارأس بمصر و جثة بالرخج

و كانت الحرب التى كانت بين عبد الرحمن و الحجاج فى دير الجماجم فى سنة ثلاث و ثمانين، و بقى عامين فى بست و زاول، و كان مقتله فى سنة خمس و ثمانين،


1) لم تذكر كتب التاريخ اسم هذا الشخص الذى كان مع ابن الأشعث و سقط معه من فوق السطح إلا أن البلاذرى يقول فى هذا الصدد: إن الشخص الذى كان مع عبد الرحمن كان حارسه و مقيدا معه بالسلاسل و سقط معه( البلاذرى، ص 407)،

و قدم عمارة بن تميم سجستان بعد أن أتم هذه المهمة، و عرض ما وعد به الحجاج، و لكن لم يمر وقت طويل إلا و انعزل بأمر من الخليفة عبد الملك، و قدم مسمع ابن مالك(1).

مقدم مسمع بن مالك إلى سجستان فى سنة ست و ثمانين‌

و لما جاء مسمع إلى سجستان كان أبو خلدة مع كثير من الناس الأعيان فى سجستان، و حاربوا مسمعا كثيرا، و فى النهاية اعتقل أبو خلدة، و أرسل مسمع رسالة إلى الحجاج و عرفه، فأجاب الحجاج: أن أرسل لى أبا خلدة، فأرسله إلى الحجاج، و فى السنة نفسها مات مسمع فى سجستان، و عينوا مكانه ابن أخيه محمد بن شيبان ابن مالك، و توفى عبد الملك بن مروان فى دمشق لأربعة أيام مضت من شهر شوال سنة ست و ثمانين، و كان يبلغ من العمر اثنين و ستين عاما، و دامت خلافته ثلاث عشرة سنة و أربعة أشهر إلا ستة أيام ثم بايعوا الوليد بن عبد الملك فى دمشق فى اليوم نفسه الذى مات فيه عبد الملك.


1) يقول اليعقوبى فى كتاب البلدان: إن رتبيل كان يكره عمارة بن تميم اللخمى، و لما استقرت العلاقة بين الحجاج و رتبيل، عزل الحجاج عمارة عن سجستان( من تعليقات بهار نقلا عن كتاب اليعقوبى).

تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة

اشارة

و كانت كنية الوليد أبا العباس، و كان توقيعه يا وليد إنك ميت، و لما تولى الوليد، أعطى الحجاج العراق و خراسان و سجستان، فأعطى الحجاج خراسان و سجستان لقتيبة بن مسلم.

مقدم قتيبة بن مسلم فى رجب سنة ست و ثمانين إلى سجستان‌

و مضى قتيبة أولا إلى سجستان، و كان على مقدمته عمرو بن مسلم، و مضى حتى دخل سجستان، و مكث هناك مدة، ثم مضى إلى خراسان، و استخلف عبد ربه ابن عبد اللّه هناك، و هو عبد ربه بن عبد اللّه بن عمرو الليثى، و لما مضى قتيبة إلى خراسان، و أقر الأعمال، أرسل الأشعث بن بشر اليربوعى إلى الحجاج كى يخبره بما يتم من حديث سجستان و خراسان الذى لم ينته، و أرسل حملا مع الرسول، و كان الأشعث رجلا فصيحا على قدر من الكفاءة و البشاشة و حسن الكلام، فلما رآه الحجاج و عن كل ما سأله سمع جوابا حسنا منه، فولى الأشعث عل سجستان، و عزل قتيبة، الذى عزل فى الوقت نفسه عبد ربه، و أرسل النعمان بن عوف اليشكرى إلى سجستان، و منذ أن وصل النعمان إلى سجستان، كان الأشعث بن بشر قدم سجستان من قبل الحجاج فى سنة اثنتين و ثمانين، و مكث الأشعث فى سجستان مدة، ثم مضى إلى بست، و أبرم زنبيل مع الأشعث صلحا معروفا، و عاد الأشعث إلى سجستان، و أرسل رسالة إلى الحجاج فى هذا الصدد، و قد عاب الحجاج هذا الصلح و غضب، فعزل الأشعث و أرسل إلى قتيبة عهدا و منشورا جديدين لسجستان، و أرسل قتيبة أخاه عمرا بن مسلم إلى سجستان، و مكث عمرو بسجستان عدة أيام،

ثم مضى إلى بست و بدأ الحرب مع زنبيل و فى النهاية تم الصلح على ثمانمائة ألف درهم، فأرسل عمرو رسالة إلى قتيبة و عرفه، فأبلغ قتيبة الحجاج و لكنه لم يرض، و أجاب على قتيبة أن امض بنفسك لمحاربة زنبيل و قدم قتيبة بن مسلم سجستان.

مقدم قتيبة بن مسلم إلى سجستان ثانية فى عهد أخيه عمرو

و لبث مدة فى سجستان، و اجتذب إليه الناس، و كان رجل عمل، و كان يجمع العلماء فى كل يوم ثم مضى من هنا إلى بست، و مكث مدة، و جهز جيشا، و جمع ألف زوج من الثيران القوية و ألفين من الفلاحين (المزارعين) مع الآلات الزراعية التى تلزمهم، و حملهم لمحاربة زنبيل، و مضى إلى هناك ليحارب و يقتل، و لما سمع زنبيل هذا الخبر، اشتد عليه هذا، و دخله الفزع، و علم أنه (أى قتيبة) لا يريد العودة، فأرسل رسولا يعرض (يقدم) ضعف ألف ألف درهم كل سنة (و قبل زنبيل أن يرسل فى كل عام حملين من ألف ألف درهم) و أرسل أول سنة فى سنة أربع و تسعين، و راجع قتيبة و قدم سجستان من هناك و مضى إلى خراسان، و استخلف عبد ربه بن عبد اللّه بن عمير الليثى على سجستان ثانية، و بعد أن مكث عبد ربه هناك مدة، أرسل قتيبة منيع المنقرى إلى هناك، و أمر أن يقيدوا عبد ربه و يحبسوه، فلما جاء منيع، أحسن إلى عبد ربه، و لم يحبسه، و كان يأخذ منه المال بالرقة و اللطف، فوصل الخبر إلى قتيبة، فعزله، و أرسله النعمان بن عوف اليشكرى إلى هناك، فقبض النعمان على عبد ربه و قيده، و أذاقه أنواع العذاب و أخذ ماله، و فى ذلك الوقت عزل الحجاج قتيبة بم مسلم عن خراسان و سجستان و أرسل يزيد ابن المهلب إلى خراسان و سجستان.

مقدم يزيد بن المهلب إلى خراسان عاملا عليها و إرسال أخيه المدرك بن المهلب إلى سجستان‌

لما وصل مدرك بن المهلب سجستان، توفى الوليد بن عبد الملك فى دمشق، و كان عمره ثمانى و أربعين سنة، و دفن فى مقبرة الباب الصغير فى دمشق، و فى ذلك اليوم تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة، و كانت كنيته أبا أيوب، و أعطى سليمان خراسان و سجستان ليزيد بن المهلب، و بقى مدرك بن المهلب مدة فى سجستان حتى عزل يزيد بن المهلب مدرك، و أرسل ابنه معاوية بن يزيد بن المهلب إلى سجستان، و قدمها، و سلك مع الناس سيرة حسنة، و مكث فيها، حتى توفى سليمان بن عبد الملك فى دابق(1)يوم الجمعة، لعشرة أيام بقيت من شهر صفر سنة تسع و تسعين، و كان عمره خمسا و أربعين سنة، و تولى عمر ابن عبد العزيز بن مروان الخلافة.

تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة يوم الجمعة لعشر خلون من شهر صفر سنة تسعة و تسعين‌

اشارة

و كانت كنيته أبا حفص، و فى اليوم الذى تولى فيه الخلافة، جمع وكلاءه، و عمل حسابه معهم، و كلف مناديا أن ينادى أن من له خصومة مع أحد فليقدم، و من يطلب الإنصاف فسوف يجد الحل، ثم جمع نساءه و جواريه و طلقهن جميعا، و أعطاهن مهورهن و نفقتهن و عدتهن، و أعتق الأخريات، و أعطى كلا منهن جهازا


1) دابق قرية بالقرب من حلب بينها و بين حلب أربعة فراسخ و يوجد بها قبر سليمان بن عبد الملك( معجم البلدان، ج 2)

و عين لكل منهن زوجا، و باع بهائمه و ضياعه فكان ثمنها أربعة و عشرين دينارا(1)، فتصدق بها ثم خطب قائلا: أيها الناس لقد جعلتم فى عنقى مسئولية عظيمة و قد ضمنتها، و سأجتهد أن اعمل بمقتضى طريق المصطفى صلى اللّه عليه و سلم و سنته، و أن أسلك طريق الخلفاء الراشدين، و قرب أهل العلم و الزهاد، و أسند إليهم الأعمال، و علق فى أعناقهم ما علقه اللّه فى عنقه من عهود، و أرسل جراح ابن عبد اللّه الحكمى إلى خراسان و سجستان، و أمره قائلا: يجب أن تصنع ما صنعت أيضا من أن عمالك يجب أن يكونوا من أهل الدين و الورع و العلم و الزهد.

مقدم سباك بن المنذر الشيبانى‌

و أرسل جراح سباك بن المنذر الشيبانى إلى سجستان، و كان رجلا تقيا طاهرا حسن السيرة، و مكث هناك مدة، و وجد الناس منه النعمة و الرخاء، ثم قامت الفتنة، فعزل عمر بن عبد العزيز الجراح من سجستان.

مجى‌ء عبد الرحمن إلى سجستان‌

و أرسل عبد الرحمن بن عبد اللّه بن زياد القشيرى إلى سجستان، ثم عزله.


1) هكذا فى النص.

مقدم معارك بن الصلت سجستان‌

و أرسل معارك بن الصلت إلى سجستان، و كان هذا كله فى أقل من عام، ثم توفى عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لخمسة أيام بقيت من شهر رجب سنة إحدى و مائة، و كانت مدة ولايته عامين و خمسة شهور و خمسة أيام، و هو ابن أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، و كان حفيدا لعمر، فقالوا: عدل العمرين فى سيرته، و توفى فى دير سمعان من توابع حمص، و أجلسوا يزيد بن عبد الملك فى ذلك اليوم.

تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة فى رجب سنة إحدى و مائة

أرسل يزيد فى مطلع سنة اثنتين و مائة عمر بن هبيرة إلى العراق و خراسان و سجستان و قتل يزيد بن المهلب فى شهر صفر من هذا العام، و مكث سرى ابن عبد اللّه مدة فى سجستان، ثم أرسل حكم بن عبد اللّه إلى سجستان، و جعل عمر ابن هبيرة للصلاة و الحرب و أسند إلى القعقاع بن سويد المال و الخراج و لم يمض وقت طويل، حتى أسند أمر الإمامة (الصلاة) و الحرب و المال و الخراج كلها إلى القعقاع، و كان ذلك فى آخر سنة أربع و مائة، و أقام القعقاع مجلسا للشراب و الطعام و اللهو، صنع فيه معظم أهل سجستان ما صنعه، فأصابهم ما أصابهم من تخمة، و كان القعقاع دائما عاملا على سجستان حتى توفى يزيد بن عبد الملك فى حوران يوم الجمعة لخمسة أيام بقيت من شعبان سنة خمس و مائة، و كان عمره سبعة و عشرين عاما، و مدة خلافته أربعة أعوام و شهرا، و يقول البعض إنه توفى فى البلقا فى

الشام، و يقول آخرون: إنه توفى فى سواد الأردن، و بايعوا هشام بن عبد الملك فى اليوم نفسه.

تولى هشام بن عبد الملك الخلافة فى يوم الجمعة لخمسة أيام بقيت من شهر شعبان سنة خمس و مائة

و كانت كنية هشام أبا الوليد، و عزل هشام عمر بن هبيرة فى أول سنة ست و مائة عن خراسان، و أعطى خالد بن عبد اللّه القسرى العراق و خراسان و سجستان، و أرسل خالد حبلة بن هماد الغطفانى إلى سجستان، و قدمها حبلة فى أول سنة ست و مائة، و بقى مدة طويلة فى سجستان، ثم أرسل خالد يزيد بن العريف الهمدانى فى أول سنة سبع و مائة إلى هناك، و أرسل يزيد بلال بن أبى كشته إلى زنبيل، فمضى بلال مباشرة، إلا أن زنبيل لم يدن له بالطاعة، فعاد بلال إلى سجستان ثانية، و عين يزيد بشر الحوارى أميرا للشرطة، و جاء فى الليل خمسة من الخوارج و قتلوا بشرا، و ظلوا يقاتلون فى الليل حتى قتلوا، و كانت الغلبة فى سجستان للخوارج، و أعطى يزيد بن العريف قضاء سجستان لمعمر بن عبد اللّه، الذى كان من عظماء سجستان، و هو المعمر الذى جاءت عنه روايات حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لما غلب الخوارج على سجستان، عزل خالد بن عبد اللّه يزيد، و أرسل أصفح بن عبد اللّه الشيبانى إلى سجستان فى سنة ثمان و مائة، و كان محمد بن جحش قائدا لجيشه، فمكثا وقتا فى سجستان، ثم مضيا لمحاربة زنيبل، و كان معهم عمر بن بجير، و كانوا قد بقوا عدة أيام فى بست سنة تسع و مائة، ثم مضوا إلى زنبيل، و حاربوا حروبا صعبة، و فى النهاية أغلق زنبيل الطريق على المسلمين، و قتل كثير من المسلمين من العظماء، و أسر سوار بن الأشعر، و جرح أصفح فى رأسه و قدم

سجستان، و مات بها شهيدا، و كانت هذه المقاتلة(1)فى سنة تسع و مائة، و لما وصل الخبر إلى خالد بن عبد اللّه القسرى، اغتم، و أرسل محمد بن حجر الكندى إلى سجستان، و قدمها، و مكث بها مدة، ثم أرسل خالد بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن بلال ابن بدة بن أبى موسى الأشعرى إلى سجستان، و جاءها فى شعبان سنة إحدى عشر و مائة، و سار فى الناس سيرة حسنة، و أقام العدل، و بنى مصلى باب فارس، و ما زال هذا المصلى موجودا حتى الآن، و اشترى كل هذه الساحة بالذهب و الفضة، كما اشترى كثيرا من مشغلاتها و وقفها عليه، و دفع ثمن كل ما اشتراه نقدا، و أسند قضاء سجستان إلى عبد اللّه بن الحسين الذين كانوا يقولون له أبا حرير، و كان من عباد اللّه الصالحين، و كان عظيما فى العلم، و تروى عنه أكثر روايات الحديث للبصريين و فى أثناء ولاية عبد اللّه بن بلال وقع زلزال شديد لم يره أحد من قبل، و عظم أمر الخوارج فى سجستان، و كان عبد اللّه بن بلال واليا حتى سنة ستة عشر و مائة و فيها عزل خالد بن عبد اللّه القسرى(2)، و أعطى العراق و خراسان و سجستان ليوسف بن عمر، الذى أرسل إبراهيم بن عاصم العقيلى إلى سجستان فى رجب من سنة ستة عشر و مائة، و قدم إبراهيم سجستان، و كان معه نحيف بن عمير الشاعر، و اعتقل عبد اللّه بن بلال، و أرسله إلى العراق، و استمر يوسف بن عمر حتى موته يطالب عبد اللّه بن بلال لأخذ ماله، و لما اشتد عليه الأمر، أعطى مستخرجا مالا قائلا: قل عن يوسف إن عبد اللّه بن بلال أسلم الروح، فقال لمستخرج: أحضره أمامى حتى أراه و هو ميت، فرجع المستخرج و قتله، و حمله إلى يوسف بن عمر، و بقى إبراهيم بن عاصم أميرا على سجستان بالسيرة الحسنة و إقامة العدل، حتى


1) يقول البلاذرى: فى خلافة يزيد بن عبد الملك لم يعط زنبيل شيئا للعمال العرب و قال: ماذا سيصير من قوم حلوا بنا و ضمرت بطونهم و لفحتهم الشمس من الصلاة و نعالهم من ليف النخل؟ فقالوا له: لقد انقرضوا فقال: إنهم أقوى صلة منك و أشد قوة و لو كانت وجوهكم أجمل منهم، فقالوا ماذا أصبح من الحجاج الذى كنت تدفع له و لا تدفع لنا، قال: الحجاج رجل لا يهمه ما ينفق فى سبيل تحقيق هدفه، أما أنتم فلا تنفقون درهما إلا إذا عاد عليكم بعشرة،( البلاذرى، ص 408).

2) يذكر ابن الأثير أن خالد بن عبد اللّه القسرى عزل عن العراق و خراسان سنة 120 ه.

توفى هشام بن عبد الملك فى أرض قنسرين(1)يوم الأربعاء لستة أيام مضت من شهر ربيع الآخر سنة خمسة و عشرين و مائة، و كان يبلغ من العمر ستا و خمسين سنة، و مدة خلافته تسع عشرة سنة، و ستة أشهر و أحد عشر يوما، و فى يوم وفاته، بايعوا الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان.

تولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك الخلافة فى ربيع الأول فى العام الخامس و العشرين بعد المائة

و كنيته أبو العباس، ثم أسند إلى عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز ولاية العراق و سجستان و خراسان، ثم أرسل عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز حرب بن قطن ابن مخارق الهلالى إلى سجستان و أول سنة مائة و ست و عشرين، و توفى إبراهيم ابن عاصم فى سجستان فى صفر فى السنة نفسها، و خرج فى العام نفسه فى العراق عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب ذى الجناحين(2)على عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز، و دعا الناس إلى الرضا عن أهل المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، و ظهر و جمع جيشا، و مضى عبد اللّه بن عمر لمحاربته، و وقعت وقائع كثيرة بينهما، و فى النهاية انهزم ذو الجناحين و مضى على سباهان، و قدم سجستان منها، و لما دخل ذو الجناحين حدود سجستان، لم يرد حرب بن قطر أن يحاربه فعهد لسوار بن الأشعر سجستان و مضى، و لما وصل الخبر إلى عبد اللّه بن عمر بأن حربا لم يرد أن يحاربه، عزل حربا عن سجستان، و أسندها إلى محمد


1) يقول ابن الأثير إن هشاما توفى فى الرصافة و هى مكان فى صحراء الشام.

2) فى رأى الشهرستانى صاحب كتاب الملل و النحل: إن عبد اللّه بن معاوية كان يعتقد فى التناسخ، و كان يعتبر الثواب و العقاب فى تناسخ الأرواح، و كان يعد نفسه وصى بنى هاشم الذى ينتسب إليه الهاشميون( من تعليقات بهار).

ابن عروان، و قدمها فى شعبان سنة مائة و ست و عشرين، و اعتقل حربا و حبسه و عثمان ابن ربيعة، و أخذ منه مالا كثيرا، و لما كان الحال هكذا، كان حرب رجلا عادلا حسن السيرة، و أرسل مشايخ سجستان و عظماؤهم وفدا إلى عبد اللّه بن عمر فى العراق، و طلبوا أن يطلقوا سراح حرب بن قطن، و جعله عاملا على سجستان مرة أخرى، و أن الناس لن يسعدوا بغيره، فتركوه للرجال، حتى قتل الوليد بن يزيد ابن عبد الملك يوم الخميس، لليلتين بقيتا من جمادى الآخر سنة ست و عشرين و مائة، و كانت مدة خلافته ستة أشهر و اثنين و عشرين يوما، و بايعوا يزيد بن الوليد.

تولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك الخلافة يوم الخميس فى شهر جمادى الآخر سنة ست و عشرين و مائة

و سموه يزيد الناقص، ثم أبقى عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز على ولاية العراق و خراسان و سجستان، و أرسل عبد اللّه بن عمر حرب بن قطن إلى سجستان، حتى توفى يزيد بن الوليد فى دمشق، فى ذى الحجة سنة ست و عشرين و مائة، و كانت مدة خلافته خمسة أشهر و يومين، ثم بايعوا أخاه إبراهيم.

تولى إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك الخلافة فى ذى الحجة سنة مائة و ستة و عشرين‌

اشارة

جعل إبراهيم عبد اللّه بن عمر أيضا على ولاية العراق و سجستان و خراسان، و أرسل عبد اللّه بن عمر حرب بن قطن إلى هناك.

أول تعصب بين الفريقين‌

ثم وقعت الفتنة فى سجستان من قبل العرب، بين بنى تميم و بين بكر ابن وائل، و كان من هذه المجموعة من كانوا رفاق قطرى بن الفجاءة، و كانوا يتحدثون عن فضائل الصحابة، و نشبت حروب كثيرة، و كان فى كل يوم حرب و أصبح الغوغاء و أهل سجستان جميعهم فريقين، و كانت كل طائفة تبحث عن ود الطائفة الأخرى، و لما خشى حرب بن قطن على نفسه، مضى من سجستان، و كان سوار ابن الأشعث خليفته على سجستان، ثم أرسل عبد اللّه بن عمر سعيد بن عمر من أهل سعيد بن العاص إلى سجستان، و قدم سعيد بن عمر سجستان فى المحرم سنة ثمان و عشرين و مائة. ثم دان بنو تميم بالطاعة لسعيد بن عمرو، و أعلن بنو بكر العصيان عليه، ثم قدم بجير بن سهلب بمنشور و عهد مزورين من قبل أمير المؤمنين على سجستان و كرمان و كان بجير بن سهلب بكريا، و سوار بن الأشعث تميميا، ثم وقعت بينهما حروب و وقائع شديدة، و قتل خلق كثير، و كان سعيد بن عمر أيضا من أنصار بنى تميم، و قتل فى هذه الواقعة سبعون شيخا غير الشباب، و سموا هذه الحرب بحرب الشيوخ، و كان بجير بن سهلب من بست، و قتل فى هذه الواقعة كثير من الأعيان منهم علاء بن عبيد اللّه الحجازى، ثم اجتمع غوغاء سجستان و أخرجوا سعيد بن عمرو و البحترى بن سهلب كليهما من القصبة، و تولى سوار ابن الأشعر الإمارة فى جمادى الآخر سنة مائة و ثلاثين.

مقدم سوار بن الأشعر فى سجستان‌

فخرجوا على سوار، و قتلوه فى الشهر نفسه، ثم طلبوا البحترى بن سهلب، و لم يجدوه، و خرج من المدينة خمسون ألف رجل من الغوغاء، و وجدوا البحترى

فى الرمال و قتلوه، و ولوا هيثم بن عبد اللّه بن البغاث الإمارة بشرط ألا يترك بكريا يأتى إلى سجستان، ثم قدم شيبان الخارجى(1)و اتحد مع أهل المدينة، و عاد عبد اللّه ابن معاوية ذو الجناحين إلى سوار سجستان فحاربه غوغاء المدينة و شيبان الخارجى، و قتل شيبان، و لم يكن مع ذى الجناحين جيش كبير، و اتحد عوام سجستان و غوغاؤها و حاصروه، و لم يستطع ذو الجناحين أن يصنع شيئا، و مضى منها إلى فراة، و كان إبراهيم بن الوليد الخليفة قد عزل عبد اللّه بن عمر عن العراق و خراسان و سجستان فى هذه الأثناء، و أسندها ليزيد بن عمر بن هبيرة، و لما صارت الأحوال على هذا النحو، بزغت الفتنة فى كل جانب، و ظهر مروان بن محمد ابن مروان فى حران و قال: الخلافة لى، و قدم حمص من هناك حيث كان عبد العزيز ابن الحجاج هناك، فتحاربوا، و أخذ حمص، و مضى سليمان بن هشام بجيش لحربه بأمر من إبراهيم بن الوليد، و حاربوا حربا قاسية بين دمشق و حمص، و قتل الحكم و عثمان ولدا الوليد بن عبد الملك فى هذه الحرب، و قدم مروان بن محمد من هناك إلى غوطة، و نزل على حدود دمشق، و لما رأى إبراهيم بن الوليد أن أمره قد ضعف، خلع نفسه، و سموه المخلوع، و بايعوا مروان بن محمد.

تولى مروان بن محمد الخلافة فى سنة سبع و عشرين و مائة

اشاره

و كانت كنيته أبا عبد الملك، و كانوا يلقبونه بمروان الحمار، و قامت فتنة كبيرة فى عصره فى خراسان و سجستان و العراق و فى كل مكان، و ظهر أبو مسلم ابن عبد الرحمن بن مسلم و دعا للرضا من آل الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و انضم إليه أناس من


1) هو شيبان بن عبد العزيز أبو دلف اليشكرى، من الخوارج الحرورية الذين ظهروا فى العراق سنة 127 ه و خرج على مروان الأموى مبايعا الضحاك بن قيس الخارجى، و بعد قتل الضحاك اختير شيبان هذا لرئاسة الخوارج( ابن الأثير: الكامل فى التاريخ، ج 5، ص 131).

كل لون، و اجتمعوا حول حافة الصحراء، و لما كثر جمعه، دخل مرو، و حارب نصرا بن سيار، و هزمه، و مضى نصر إلى العراق حتى وصل ساوة، و هناك انتهى الأجل، و توفى، ثم أرسل أبو مسلم قحطبة بن شيب الطائى(1)بجيش كبير إلى العراق، كما أرسل مالك بن الهيثم مع ثلاثين ألف رجل إلى سجستان.

مقدم مالك إلى سجستان‌

كان هيثم بن عبد اللّه قد قدم سجستان من طرف مروان بن محمد بن مروان ابن الحكم و معه ألف فارس من الشام، و لما قدم مالك من جهة أبى مسلم إلى هناك نزل على باب المدينة و قال لأهلها: يجب أن تسلموا إلى هيثم بن عبد اللّه و الجيش الذى معه، قال الناس: يقبح أن نأسر رجلا كان أميرا و أن نسلمه إلى العدو، نحن لا نصنع هذا و نحارب، و فى النهاية تم الصلح على ألف ألف درهم، و سلموا هيثم ابن عبد اللّه و جماعته إلى مالك، و ضمنوا سلامته، و أرسلوه للشام، و فتحوا أبواب القصبة و القلاع، حتى يدخل مالك بن الهيثم المدينة من ناحية أبى مسلم.

نهوض أبى مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم صاحب الدعوة يوم الإثنين من شهر رمضان سنة إحدى و ثلاثين و مائة

و قتل مروان بن محمد يوم الخميس لستة أيام بقيت من شهر ذى الحجة سنة إحدى و ثلاثين و مائة، قتله عامر بن إسماعيل فى دمشق(2)، و كانت مدة خلافته


1) قحطبة بن شبيب بن خالد بن حمدان الطائى، كان نقيبا من اثنى عشر شخصا لبنى العباس فى خراسان.

2) من المعروف أن مروان بن محمد لم يقتل فى دمشق، بل قتل باتفاق المؤرخين فى مصر، يقول الطبرى: إنه قتل فى عين شمس، و يقول ابن الأثير: إنه قتل فى كنيسة بأبى صوير، و لم يعرف من- - قتله، و فصل أهل الكوفة رأسه و جعلوها كأسا يشربون فيها شراب الرمان، و قتل فى الثامن و العشرين من شهر ذى الحجة، و يقول المسعودى: إنه قتل فى ليلة السبت السابع و العشرين من ذى الحجة فى" أبو صوير".

أربعة أعوام و عشرة شهور، و انتهى به ملك بنى أمية، و قدم أبو مسلم العراق، و أحضر أبا العباس و أبناءه من المدينة و أهل البيت كلهم إلى الكوفة، و بايعه، و كان هو أول خليفة من ولد عباس بن عبد المطلب.

تولى أبى العباس السفاح الخلافة و بيعته‌

تولى يوم الجمعة لثلاث عشر يوما مضت من ربيع الأول سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و اسمه عبد اللّه بن محمد بن على بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب.

ثم أعطى أبو مسلم سجستان فى خلافة السفاح لعمر بن العباس بن عمر ابن مطارد بن حاجب بن زرارة، و جعل عمر أخاه إبراهيم بن العباس على مقدمته، و قدموا سجستان، و أعطاه ولاية السند، و فى اليوم الذى أراد أن يمضى فيه إلى السند، طلب إلى أخيه عمر أن يقول للناس أن شيعوه، ثم أمر عمر يزيد بن بسطام الذى كان واليا لشرطته أن ينادى: إنكم تشيعون أخا الأمير لأنه ماض إلى ولاية السند، و كانت منزلة عمر عظيمة عند أبى مسلم، و خرج الناس، و كان معه ثلاثة آلاف من الغوغاء و الخواص و العوام، و معهم جماعة من بنى تميم، و قد وقعت فتنة من غوغاء سجستان فى ذلك الوقت، و لكن أساء الأدب واحد من بنى تميم فأمر إبراهيم:

أن يضربوا عنقه، فثار بنو تميم، و قتل يزيد بن بسطام الذى كان صاحب الشرطة، و دارت الحروب و المعارك الشديدة، وزج الغوغاء بإبراهيم و جيشه كله فى القتال، و خدعوا بنى تميم بمصادقتهم و قتلوهم جميعا، و أغاروا على خيولهم و متاعهم و سلعهم، و أصبح الحفل مأتما، و اضطربت المدينة كلها ثم قصدوا عمر بن العباس

الذى كان قد خرج من المدينة بسبب الهجوم عليها على طريق بست التى قصدها، و كان قد قدم من بست إلى سجستان مطر بن ميسرة و كان من بنى تميم، و كان قد مضى ألف فارس من بنى تميم على أثر عمر بن العباس. و اتصلت الجيوش الثلاثة فى وسط الصحراء، و لما عرف مطر بن ميسرة الأمر ساعد بنى تميم، و قامت حرب صعبة، و قتل هناك عمر بن العباس، و قد وصل مطر بن ميسرة إلى سجستان فى سنة ثلاث و ثلاثين و مائة فى شهر جمادى الأولى، و لما بلغ الخبر إلى أبى مسلم أرسل أبا النجم عمار بن إسماعيل إلى سجستان على أساس إذا كان عمر ابن العباس حيّا فهو الأمير، و إن لم يكن حيّا فالإمارة لك، و لما قدم أبو النجم سجستان، كان من يسمى أبا العاصم قد قدم سجستان من بست بجيش كبير، و اتحد معه بنو تميم، و حاربوا أبا النجم و هزموه، و استولى أبو عاصم على سجستان بلا عهد و لا منشور سلطانى(1)، حتى توفى أبو العباس السفاح فى الأنبار لثلاثة عشر يوما مضت من ذى الحجة سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، و كانت مدة خلافته أربع سنوات و ثمانية أشهر، و بايعوا فى هذا اليوم أبا جعفر المنصور للخلافة.

تولى أبى جعفر المنصور أخى السفاح‌

اشاره

و كان اسمه عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، و لما تولى المنصور، دبر حيلة لقتل أبى مسلم لأنه كان مستاء منه منذ أيام أخيه، و كتب الرسائل إليه، و كان أبو مسلم فى مرو، و كان المنصور يرسل إليه الرسل تباعا، إلا أنه لم يأت، و أقسم له فى النهاية، و عقد معه العهد أنه سيكون معه و لن


1) كلمة السلطان فى ذلك الوقت كانت تعنى الخلافة، معلوم أن أول من لقب بهذا اللقب هو السلطان محمود الغزنوى و ذلك بعد أن حاصر خلف بن أحمد فى القلعة فلقبه بالسلطان.

يخونه، و مضى أبو مسلم ذات مرة مع جماعة، و قال: ليكن ما يحدث من قضاء، حتى وصل إلى نيسابور، فوصلت الرسل بالهدايا من ناحية المنصور، إلى أن قدم الرى، و لما وصلها ترك رأيه و حكمته فيها، و مضى إلى همدان، فوصل الرسل بالهدايا ثانية، و مضى إلى حلوان، و أحضروا الخلع، فمضى إلى النهروان، فوصلت الجيوش لاستقباله، و دخل بغداد فى أحسن هيئة و كرامة و عزة، و لما وصل بابها ترك جيشه فى الميدان، و عندما وصل إلى الحجاب، اعتقلوا خواصه، و قالوا:

اجلسوا، و حملوا أبا مسلم وحيدا، و عندما دخل وسط القصر، نزعوا سلاحه، و كان المنصور جالسا تحت قبة، و أعد الغلمان لقتله خارج مكان حضرته، و قال لهم:

عندما تسمعوننى أصفق ادخلوا و اقتلوه، و دخل أبو مسلم و قبّل الأرض، و طلب أن يبدى عذره فى التأخير، و كان المنصور يوجه له أشياء و كلمات قاسية، و كان يذكر له مساوئه، و كان أبو مسلم يبدى لكل واحدة منها حجة، و بعد ذلك صفق و لكن الغلمان لم تكن عندهم الشجاعة فى ذلك الوقت لقتله، إلا أن أبا منصور أمسك فى يده قضيبا من حديد، و ضرب رأس أبى مسلم، و كان أبو مسلم حتى هذا الوقت يقبّل الأرض و عندما عرف الغلمان أن المنصور يضربه بالحديد دخلوا، و قتلوا أبا مسلم، و حدث هذا فى آخر شعبان سنة سبع و ثلاثين و مائة، ثم نهض المنصور بعد أن قتله، و صلى ركعتين، و شكر اللّه تعالى بعد ذلك، و قال: (لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا)، و نعود إلى حديث سجستان، و أصبح أبو عاصم عظيما فى سجستان، و صاحب جاه، و مضى من سجستان بجيش كثيف ليستولى على خراسان، و استخلف عتاب بن العلا على سجستان، و كان أبو داود واليا على خراسان، و كان خبر سجستان قد وصله، فماذا يصنع أبو العاصم هناك؟ شق عصا الطاعة و قصد خراسان، ثم أرسل أبا داود سليمان بن عبد اللّه الكندى بجيش كبير إلى سجستان لمحاربة عاصم.

مقدم سليمان بن عبد اللّه الكندى‌

لما وصل سليمان إلى سفزار(1)، سمع أهل سجستان خبره، فاجتمعوا، و أرسلوا عبيد اللّه بن العلا و الحصن بن الربيع بجيش مجهز للهجوم على أبى عاصم من خلفه، و وصلوا أبا عاصم فى فراة، و قاتلوا قتالا عنيفا، و قتلوا أبا عاصم هناك، و استقبلوا سليمان بن عبد اللّه الكندى، و أحضروه إلى سجستان يوم السبت فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان و ثلاثين و مائة، و بقى هناك بضعة أيام، و نزل فى سر لشكر، و لذلك يسمونها سر لشكر، ثم مضى إلى بست و منها إلى رخد، و هرب زنبيل، و فى هذه الأثناء وصل الخبر إلى المنصور أن هناك فتنة فى سجستان، فأرسل المنصور هنادى السرى إليها(2).

مقدم هنادى السرى إلى سجستان‌

و منذ أن قدم سجستان، عاد من بست و نزل هناك، و من ثم يسمونها الآن سر لشكر سليمان، و وقع هذا الأمر فى سنة إحدى و أربعين و مائة، مضى من هناك لحرب الخوارج، و ظهر فى مدينة سر لشكر حضين بن الرقاد، و كان من قرية رون و جول، و كان رجلا أصيلا نجيبا، و التف حوله خلق كثير، و تحارب معه سليمان و قتله، ثم عاد إلى القصبة، و جمع أموالا طائلة من غزوه لرخد و حربه للخوارج، و نزل فى سرلشكر، ثم وقعت الحرب بين سليمان و هنادى السرى، حيث


1) سفزار مدينة من مدن سجستان تقع ناحية هراة.

2) يقول اليعقوبى: إن أول وال جاء سجستان من قبل المنصور هو إبراهيم بن حميد المروذى و من بعده جاء معن بن زائدة( كتاب البلدان، ص 285 نقلا عن بهار).

اتحد أهل المدينة مع هنادى، لأنه كان معه عهد المنصور و لواؤه، ثم سجن هنادى سليمان، ثم أعطى المنصور ولاية سجستان إلى زهير بن محمد الأزدى فى آخر سنة إحدى و أربعين و مائة.

مقدم زهير بن محمد الأزدى إلى سجستان‌

وفد زهير سجستان، و قال هنادى: لن أترك لك القصبة، و حاربوا، و قتل هنادى السرى، و تولى زهير، و أدخل سليما السجن لأنه كان قويا، و أرسل شجاع ابن عطا بجيش عظيم إلى السند، و غزا هناك غزوات، و حصلوا على أموال وفيلة كثيرة، ثم عاد، فوقع بينهم و بين زهير خلاف، و تحارب معهم زهير، و فى النهاية وقع فى الحصار، و كان زياج بن همام الراسب مع زهير و كان رجل عمل، و كان هذا الحصار فى ذى الحجة سنة ثلاثة و أربعين و مائة، و استولى شجاع بن عطا على السواد و القصبة، حتى وجد زياد بن همام مصلحته فى المخالفة، و أخرج زهيرا من الحصار، و أدخل شجاع بن عطا و جماعته تحت أمره فى المحرم سنة أربع و أربعين و مائة، ثم جهز جيشا و جعل عتيبة بن موسى قائدا له، و أرسله إلى بست، و جمع عتيبة بن موسى حوله جماعة من هؤلاء المتمردين ليدخلهم فى طاعته، فبلغ زهير الخبر، فاستخلف عبيد اللّه بن العلا على سجستان، و مضى إلى بست، و لما اقترب منها، رجع عتيبة بن موسى، أما زهير فنقل العزى، و عسكر بين رخد و بست، و هناك اشتعلت حرب صعبة، و قتل عتيبة و أرسل زهير رأسه إلى المنصور، و لم يقتل بكر بن أبان الذى كان مع عتيبة، فقيده، ثم وصلت رسالة المنصور يقول فيها: استخلف على سجستان رجل عمل، و أحضره إلى البلاط فورا، فاستخلف زهير عبيد اللّه بن العلا إماما للصلاة و الحضين بن محمد على

الخراج، و مضى إلى المنصور حاملا معه زياد بن همام الراسبى فى سنة خمس و أربعين و مائة، و لما وصل هناك، اختار المنصور المهدى وليّا للعهد.

تولى المهدى الخلافة و إرسال يزيد بن منصور إلى سجستان‌

اشارة

تولى المهدى الخلافة(1)و إرسال يزيد بن منصور إلى سجستان

و أرسل المهدى خاله يزيد بن منصور إلى سجستان، و بعد أن وصل زهير إلى العراق، و اصطحب يزيد بن منصور زياد بن همام معه إلى سجستان، و دخل المدينة يوم الثلاثاء لثلاثة مضت من شهر شوال سنة ست و أربعين و مائة، و أحسن إلى الناس، و كان رجلا عادلا، فمكث مدة، ثم مضى إلى بست فى سنة خمسين و مائة، و ذلك بسبب أن رجلا ظهر من (لغمريات) و اسمه محمد بن شداد حيث انضم إليه آذرويه المجوس و مرزبان المجوس و مجموعة كبيرة سيئة، و لما قوى أمره قصد سجستان، و خرج يزيد بن منصور لمحاربته، و استخلف عثمان الطارابى على سجستان، و تطاولت الحروب بينهما، و فى النهاية لحقت الهزيمة بيزيد بن منصور، و سلك طريق نيسابور، و كان معه عبيد اللّه بن العلا فاستخلفه و هو معه فى الطريق و أرسله إلى سجستان.


1) لعل المؤلف قد أخطأ فى هذا العنوان، لأن خلافة المهدى العباسى بدأت فى عام 158 ه، و يبدو أن المؤلف كان هدفه هو أخذ البيعة للمهدى و خلع عيسى بن موسى ولاية العهد بينما هذا الأمر حدث فى سنة سبع و أربعين و ليس خمسا و أربعين، و هذا الخطأ حدث فى العنوان.

مقدم عبيد اللّه بن العلا إلى سجستان فى سنة إحدى و خمسين و مائة

و قدم عبيد اللّه بن العلا سجستان خليفة فى أول سنة إحدى و خمسين و مائة، و كان هناك، و لما وصل الخبر إلى المنصور بما وقع، أرسل معن بن زائدة الشيبانى إلى سجستان.

مقدم معن بن زايدة الشيبانى إلى سجستان‌

و هو معن بن زائدة بن عبد اللّه بن مطر بن شريك(1)و كان مطر بن شريك أخا خوفران بن شريك، و دخل القصبة فى شعبان سنة إحدى و خمسين و مائة، و عزل عبيد اللّه بن العلاء و كل أتباعه، و أرسل يزيد بن مزيد(2)إلى رخد، و مضى فى أثره، و أرسل إليه زنبيل الهدايا من الأوانى الفضية و الثياب التركية المصنوعة من الحرير و أشياء رقيقة(3)، و لكن معن عد هذا قليلا، و غضب، و لما وصل بست قدم إليه يزيد بن مزيد، و أمره أن يستولى على مفترق الطرق، حتى وصله خبر مقدم زنبيل، و هجم هجمات كثيرة بجيش كبير، و هجم عليهم فجأة، و أسر ثلاثين ألف رجل منهم فى مكان واحد، و لكن طلب صهر زنبيل الأمان، و قدم إلى معن،


1) أبو الوليد معن بن زائدة بن عبد اللّه بن زائدة بن مطر بن شريك بن الصلب، و ذكره أيضا ابن الكلبى فى جمهرة النسب كما يأتى معن بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مرة ابن همام بن ذهل، و الرواية الأخيرة أقرب إلى الصحة.( من تعليقات بهار).

2) هو ابن أخى معن بن زائدة، من كبار و شجعان و أسخياء أمراء العرب، و عين على إمارة أذربيجان و أرمينية فى عهد هارون الرشيد( ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 2، ص 420).

3) يقول البلاذرى: إن زنبيل أرسل إلى من الخراج ليرسله إلى الحجاج، إلا أن زنبيل أرسل جمالا و عبيدا و أشياء كثيرة، فغضب من ذلك معن( البلاذرى، ص 408).

و أمنه، و كان اسم هذا الصهر ماويد، و أحضره معه إلى سجستان، و أرسله مع عدد كبير من أعوانه معززين مكرمين إلى المنصور، فأحسن المنصور إليه، و أمر أن يكتب اسمه و من معه من الجند فى ديوان الجند، و أقر لهم رواتب الجند، و عند عودة معن أوقف أهل بست كلهم، و قدم سجستان من هناك، و كانت هذه هى عادته، فثار أهل سجستان، و كتب عبيد اللّه بن العلاء رسالة إلى المنصور شاكيا له، و لكنهم عثروا على الرسالة و هى فى الطريق، و أحضروها إلى معن، حيث استدعى عبيد اللّه بن العلاء، و سأله عن هذا الحال و لكنه أنكر، فأمر أن يجردوه من ثيابه، و أن يضربوه أربعمائة سوط، و أن يضربوا رءوس رفاقه فى هذا العمل، و لكنهم فدوا أنفسهم بدفع مال كبير، ثم أخذ أربعين رجلا من هؤلاء الخوارج و قيدهم، و أرسلهم إلى بست، و أمر أن يكون عملهم بناء قصر له، و أمرهم بالسرعة فى عملهم، و كلما انتهوا من موضع من القصر، كانوا يبدأون فى موضع آخر، و كان ينفق من أجل هذا مالا كثيرا لا يحصى و لا يعد، ثم جاء مروان بن حفصة(1)ذات يوم من الأيام إليه- و كان مروان شاعره- و مكث عدة أيام و لم يره معن، ثم قال: أين كنت؟ قال: كان عندى ميلاد و كنت مشغولا بحديثه، قال: ما اسمه؟ قال:

سميت معنا بمعن ثم قلت له‌هذا سمى عقيد المجد و الجود

قال: يا غلام أعطه ألف دينار، و قل يا مروان بيتا آخر، قال:

أنت الجواد و منك الجود أوله‌فإن هلكت فما جود بموجود

فقال ثانية: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، و قل بيتا آخر، قال:

أضحت يمينك من جود مصورةلابل يمينك منها صورة الجود

فقال: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، و قل بيتا آخر، قال:

من نور وجهك تضحى الأرض مشرقةو من بنانك يجرى الماء فى العود


1) كان شاعرا كبيرا بلغ شهرة عظيمة، و ممدوحه الأصيل هو معن بن زائدة الشيبانى( ت 185 ه).

فقال: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، و قل بيتا آخر، قال:

صلى لجودك جود الناس كلهم‌فصار جودك محراب الأجاويد

فقال: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، و قل بيتا آخر، قال:

لو أن من نوره مثقال خردلةفى السود كلهم لا بيضت السود

فقال: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، و قل بيتا آخر، فقال الغلام: لم يبق فى الخزينة دينار، فقال معن: أقسم باللّه تعالى لو كان معى دينار، و قلت أبياتا هكذا حتى ألف بيت لأعطيتك على كل بيت ألف دينار، و كان هكذا على الدوام، يأخذ المال ظلما، و يعطيه جودا (تكرما) و لما كان مبذرا للمال مسيئا فى تدبيره خلعه الحكماء من قلوبهم، و ذلك بسبب ذلك الظلم الذى كان يرتكبه، فتعاهدت جماعة من الخوارج على قتله مكابرة، و منذ أن مضى معن إلى بست و كان يمضى على ذلك الجوسق الذى كان قد شيده الخوارج، و صعد إلى سطحه، فشرب الخمر، حتى خرج عليه هؤلاء الخوارج الذين قد تبايعوا على قتله و كان كل منهم يحمل حزمة من القصب معلقة فى عنقه، و فى كل حزمة منها سيف مسلول فقالوا للحاجب: نحن الذين أقمنا (أتممنا) برجه، و لكن الحاجب منعهم، فصاحوا أنت تمنع عنا عطاء الأمير، فسمع معن ضجيجهم، و قال: أدخلوهم، فدخلوا عليه مع ما يحملون، و لما رأوه، استلوا سيوفهم من الحزم، و هجموا عليه، و اتخذ ترسا له من وسادة، حتى جرحوه جراحا كثيرة، و فى النهاية مزقوا بطنه إربا إربا، حيث كان كبير البطن، و قتل، و دفنوه فى بست يوم الخميس لثمانية أيام مضت من شهر ذى الحجة سنة اثنتين و خمسين و مائة، و جاء يزيد بن مزيد، و كان يبعد عن بست أربعة فراسخ، و قتل هؤلاء الخوارج و بايعه الجبش و أهل سجستان، و وصل الخبر المهدى، فجعل يزيد بن مزيد واليا على سجستان، و أرسل إليه العهد، و كان هذا فى أول سنة ثلاث و خمسين و مائة، و مكث يزيد مدة طويلة، ثم كتب رسالة، و سلمها لأحد رفاقه من

قبيلة بكر وائل ليمضى بها إلى المهدى يخبره بأن جماعة من الخوارج من قبيلة بكر وائل أرادت أن تضع خراجها فى سجستان، و لما وصل إلى العتبة احتال جماعة من المحتالين على يزيد بن مزيد، و دفعوا لهذا الرجل عشرة آلاف درهم، و زوروا رسالة يزيد، و جعلوها باسم المنصور قائلا يزيد فيها أعطنى أمرا اجعل سجستان تحت أمركم فليس للمهدى علىّ من سبيل، فقرأ المنصور الرسالة، فغضب، و أعطى الرسالة للمهدى قائلا له: هذه رسالة يا ملك فعزله المهدى، و أسند سجستان إلى تميم بن عمر التميمى من تميم، و كان عامله على هراة، و كان أصله من سرخس، و وصلت الرسالة هراة إلى تميم بن عمر الذى قدم سجستان فى سنة ثلاث و خمسين و مائة، و كان معه الجراح بن زياد بن همام، و كان تميم بن عمر مصاحبا للمنصور فى رحلة للحج، ثم قيد يزيد بن مزيد و حبسه، فاحتال يزيد حتى هرب و مضى إلى بغداد، و مكث بها مدة متواريا، و أراد ذات يوم بعدها أن يمر من على جسر، فكان هناك جماعة من خوارج سجستان التقوا به، فعرفوه، و حدث قتال بينهم أسفر عن قتل يزيد بن مزيد لعدد منهم، و أصبح بذلك أنه عمل عملا كبيرا، فأرسلوه إلى خراسان، و قد كثر الخوارج فى ولاية تميم بن عمر فى سجستان، و عظم شأنهم، حيث قتلوا الحضين بن محمد يوم عاشوراء فى المحرم سنة ست و خمسين و مائة، و بلغ الخبر المهدى، فأعاد تميم بن عمر إلى هراة ثانية، و أرسل عبيد اللّه بن العلاء(1)إلى سجستان ثانية، و وصل العهد هناك فى رمضان سنة ثمان و خمسين و مائة، و توفى أبو جعفر المنصور يوم الثلاثاء قبل يوم التروية بيوم و هو على بئر ميمون سنة ثمان و خمسين و مائة، و كان له من العمر ثلاثة و ستون


1) فى فهرست ولاية سجستان عند اليعقوبى ينتهى بذكر هذا الشخص و يقول: فمات أبو جعفر( يعنى عبد اللّه بن العلاء) و هو عليها، ثم مضمومة إلى عمال خراسان يولونها رجلا من قبلهم، و ذلك أن الشراة غلبت عليها و كثرت عليها، و خراج سجستان عشرة آلاف درهم، و يوزع بين جيوشها و ثغورها.( كتاب البلدان، ص 286 نقلا عن بهار).

عاما و كانت مدة خلافته اثنتين و عشرين عاما إلا يومين، و أصبحت إقامة الحج بعد وفاته فى هذه السنة لإبراهيم بن يحيى بن محمد.

تولى المهدى بن المنصور الخلافة يوم الثلاثاء فى شهر ذى الحجة سنة ثمان و خمسين و مائة

اشارة

و كانت كنيته أبا عبد اللّه، و اسمه محمد بن عبد اللّه بن محمد بن على بن عبد اللّه ابن العباس بن عبد المطلب، و أرسل المهدى حمزة بن مال الخزاعى إلى سجستان، و جعل حمزة بن مالك خالد بن سويد خليفة له على سجستان، فقدمها خالد يوم الأربعاء لأربعة أيام بقين من ربيع الأول سنة تسع و خمسين و مائة، و مكث عدة أيام، أرسل عثمان الطارابى ليحارب نوحا الخارجى، و مضى عثمان إلى هناك، فأخرج نوح جيشا، و وقعت بينهما حرب شعواء، و قتل فى هذه الحرب من الأعيان زياد بن هما الراسبى، ثم مضى حمزة بن مالك بنفسه إلى سجستان فى آخر سنة تسع و خمسين و مائة، و مكث عدة أيام، و أرسل جيشا إلى خراسان، و جعل عثمان ابن بسام الأزدى رئيسا عليهم، و لما وصل فراة، خرج عليه أتباعه، و قتلوه، و دفنوه هناك، و رجع الجيش إلى سجستان، و جعل رئيسهم سعيد بن قثم السعدى، و أنزلوه فى ضاحية المدينة، و دخل حمزة بن مالك الربض(1)، يوم الجمعة فى شهر صفر سنة ست و مائة، و حارب سعيد بن قثم عدة أيام، و عاد عاجزا، و رجع بالجيش، و استولى على بست، و قوى أمره، و عاد يزيد بن مزيد من خراسان بجيش كبير قاصدا سجستان فى شعبان سنة ستين و مائة، و عند مقدم يزيد بن مزيد وصلت رسالة من المهدى إلى حمزة بن مالك قائلا له: اسند ولاية سجستان إلى عبيد اللّه


1) الربض هو العمران المقام حول المدينة خارج القلعة الأصلية فى مركز المدينة، و كان ربض سجستان هو المدينة الكبيرة العامرة نفسها، و قديما كان لكل مدينة قلعتان واحدة للحاكم، و المبانى الأهلية التى كانت فى وسط المدينة كانت تمثل قلعة أخرى يسمونها ربض أو حومة.

ابن العلاء، فسلم حمزة الولاية، و مضى إلى العراق، ثم وقعت وفاة عبيد اللّه فى ذى الحجة سنة ستين و مائة فى سجستان، و صلى عليه يزيد بن مزيد، و كفنه و دفنه، ثم أرسل يزيد ابنه فياضا بجيش إلى بست، و جعل مطيعا بن زياد اللخمى نائبا عن ابنه فى الخلافة، ثم أرسل المهدى زهير بن محمد الأزدى إلى سجستان، و أمر يزيد ابن مزيد أن يخرج من سجستان.

مقدم زهير بن محمد الأزدى إلى سجستان‌

و قدم زهير بن محمد الأزدى سجستان فى أول سنة إحدى و ستين و مائة، و مضى يزيد بن مزيد، و تولى زهير الإمارة، و أحسن إلى الناس ثمانية أعوام، إلى أن مات المهدى فجأة فى قرية تسمى سريرا(1)من توابع ماسذان، فى ليلة الخميس لثمانية أيام بقيت من شهر المحرم سنة تسع و ستين و مائة، و كان يبلغ من العمر ثلاثة و أربعين عاما، و مدة ولايته عشرة أعوام و شهرا و أربعة عشر يوما، و تولى ابنه الهادى الخلافة.

تولى الهادى الخلافة فى سنة تسع و ستين و مائة

اشارة

و كان اسمه موسى بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب، و كانت البيعة لأبيه فى بغداد، و جعله وليا للعهد، و كان موسى فى هذا اليوم فى جرجان، و أعطى الهادى خراسان لفضل بن سليمان، و بقية سجستان لتميم ابن سعيد، و دخلها تميم فى يوم السبت لثمانية أيام بقيت من شهر صفر سنة تسع


1) ذكر المسعودى اسم هذه القرية( زرين) و زرين و سرى لم أرها فى المعجم، و لكن يبدو أن الاثنين لاسم واحد، و ذكر ياقوت أن قبر المهدى فى قرية( رذ) و هى من قرى ماسبذان.

و ستين و مائة، و كان معه بشر بن فرقد عاملا على خراجها، فمكث تميم بها وقتا، ثم مضى إلى بست، و جعل بشرا بن فرقد خليفة مكانه، و مضى من بست إلى رخد و حارب زنبيل، و أسر أخاه، و أرسله إلى العراق، ثم أعطى الهادى سجستان لكثير ابن سالم.

مقدم كثير بن سالم لسجستان‌

و قدم كثير سجستان لثلاثة أيام خلون من شهر ذى الحجة سنة تسع و ستين و مائة، و جعل أسد بن حبلة أميرا للشرطة، و توفى الهادى فى عيسى أباد يوم الجمعة لأربعة أيام خلت من ربيع الأول سنة سبعين و مائة، و كان كثير قد أحسن إلى الناس حتى وفاة الهادى، و كان عمره خمسا و عشرين عاما، و كانت مدة خلافته أربعة عشر شهرا إلا ستة أيام، ثم ترك الهادى الخلافة إلى أخيه هارون الرشيد.

تولى هارون الرشيد الخلافة يوم الجمعة منتصف شهر ربيع الأول سنة سبعين و مائة

اشارة

و كانت كنيته أبا جعفر، هارون بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن على ابن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، و فى اليوم التالى لتوليه الخلافة ولد له ابنه عبد اللّه المأمون، ثم اضطربت سجستان على كثير بن سالم، و طلب الجيش الرواتب، و حاربوا.

و فى النهاية هرب كثير من سجستان، و مضى إلى بغداد لعشرة أيام بقيت من جمادى الأولى سنة سبعين و مائة، ثم أرسل هارون الرشيد عهد سجستان و خراسان إلى فضل بن سليمان الذى أعطى الأصرم بن عبد الحميد سجستان، ثم أرسل الأصرم حميد بن عبد الحميد أخاه خليفة له عليها، و دخلها يوم الجمعة لسبعة أيام بقيت من جمادى الأولى سنة سبعين و مائة، و كان كثير بن سالم بعدها بثلاثة أيام وصل بغداد، و قدم أصرم بن عبد الحميد على أثر أخيه، و مكث مدة هنا فى سجستان، أحسن فيها إلى الناس، حتى أرسل الرشيد عبد اللّه بن حميد من جهته إلى سجستان.

مقدم عبد اللّه بن حميد إلى سجستان‌

كان أول عامل خاص قدم سجستان من قبل هارون الرشيد هو عبد اللّه بن حميد، و دخلها لثمانية أيام خلت من رجب سنة إحدى و سبعين و مائة، و جعل عبد اللّه ابن عون خليفة له، و مكث هناك مدة، ثم عزله الرشيد، و أرسل عثمان بن عمارة ابن خزيمة المزنى إلى سجستان ثم أرسل عثمان رسالة إلى شبيب بن عبد اللّه، و جعله خليفة، و استمالة شبيب الناس، فأراح المدينة، و عاد عبد اللّه إلى العراق، و قدم عثمان بن عمارة بنفسه إلى سجستان يوم الجمعة لسبعة أيام بقيت من جمادى الأولى سنة اثنتين و سبعين و مائة، و دخل من باب پارس، و قتل بشر بن فرقد(1)فى هذا اليوم، و لما دخل المدينة، طلب من الناس الهدوء، و كان سبب قتل بشر، أنه قد جرى على الألسنة أن بشرا بن فرقد سبب فتنة سجستان، ثم أرسل ابنه صدقة ابن عثمان بجيش إلى بست، و كان معه مطرف بن سمرة القاضى و جماعة من


1) بشر بن فرقد اسم جد من أجداد الأسرة الصفارية.

الغزاة، حتى وصلوا رخد، كان الترك قد اجتمعوا هناك، فحاربهم، و انتصر عليهم، و قتلوا كثيرا منهم، و لم يمض صدقة إلى سجستان لأنه توقف فى بست، و كان الحضين الخارجى(1)و معه جماعة من الخوارج يهجمون على المنطقة ما بين بست و سجستان، فكتب عثمان رسالة إلى ابنه صدقة أن يقدم من بست لمحاربة الحضين، و قدم معه الغزاة، و مضى من هذه الناحية حتى وصل عثمان إلى الخوارج، و انتصر صدقة على الخوارج، و عاد الجيشان إلى سجستان، و أعطى عامة سجستان، و أحسن إلى الناس حتى بلغ حديث سجستان إلى حضرة أمير المؤمنين هارون الرشيد، و ذات يوم و بعد أن عاد الخليفة من الصيد، تقدم إليه الليث ابن ترسل فى الوقت المناسب فاستدعاه، و قال: أنا أرسلك إلى مصر، إذا كنت تعمل وفق ما أمر اللّه تعالى به، فأنا أعينك على سجستان حتى يصبح شأنك عظيما، ثم قال: قال الشاعر:

الزم سجستان و احذر أن تنافيهافإنها جنة سبحان منشيها

ثم قال لمن كانوا حضورا فى المجلس: إن مصر بلد عظيم، فمنذ ذلك اليوم الذى ذكر فيه أمير المؤمنين سجستان، و كان داود بن بشر المهلبى من العظماء فأسند إليه هارون الرشيد ولاية سجستان، و قدمها داود عن طريق خراسان يوم الخميس لإحدى عشر مضت من شهر ربيع الأول سنة ست و سبعين و مائة، و قدم همام بن سلمة بن زياد بن همام واليا على الخراج، و مكث بها داود هناك مدة، ثم خرج لمحاربة الحصين ليلة السبت لثلاثة عشر يوما مضت من ربيع الآخر سنة سبع و سبعين و مائة، و كان معه الجيش و المتطوعون و الغازون، و كانت حربا شديدة، قتل فيها خلق كثير من الفريقين، و قتل الحضين الخارجى(2)

الكامل فى التاريخ، ج 6، ص 41).

، و رجع داود

1) يذكره ابن الأثير الحصين و هو من موالى قيس بن ثعلبة الذى كان من أهالى آوق.

2) يقول ابن الأثير: إن الحصين الخارجى مضى إلى خراسان بعد هزيمة جيش سجستان و مضى إلى يوشنج و هراة و بادغيس، و كتب هارون الرشيد رسالة إلى خالد الغطريف بن عطا والى خراسان يطلب فيها إحضار الحصين، فأرسل داود بن يزيد مع اثنى عشر ألف جندى لمحاربة الحصين، و لكنه- - انتصر بجيشه القليل الذى يبلغ ستمائة جندى على هذا الجيش، و قتل منه خلق كثير( ابن الأثير:

إلى سجستان، ثم أعطى خراسان و سجستان لرشيد بن فضل بن يحيى، و أرسل فضل يزيد بن جرير إلى سجستان.

مقدم يزيد بن جرير إلى سجستان‌

قدمها يوم الخميس لاثنى عشر يوما بقيت من جمادى الآخر سنة ثمان و سبعين و مائة، و لبث فيها مدة، ثم عزل فضلا، ثم أعطى سجستان لإبراهيم ابن جبريل الذى أرسل إبراهيم بن بسام بن زياد إلى هناك، و دخلها بسام يوم الاثنين لثلاثة أيام مضت من شهر صفر سنة تسع و سبعين و مائة، و مضى إبراهيم فى أثر بسام إليها يوم السبت فى شهر ربيع الأول سنة تسع و سبعين و مائة، و مكث هناك مدة، ثم مضى إلى بست و منها إلى رخد، و حارب الترك، و انتصر، و مضى من هناك إلى كابل و غزاها، و غنم منها كثيرا، و مضى من هناك إلى سجستان، ثم خرج عمر بن مروان عليه فى سجستان، و التف حوله كثير من الخوارج، و مضى إبراهيم بن جبريل مع الغازين لحرب عمر، و تحاربوا حربا صعبة، و عاد إبراهيم إلى المدينة، ثم أعطى رشيد خراسان و سجستان إلى على بن عيسى بن ماهان، الذى أرسل عليّا بن الحصين بن قحطبة إلى سجستان و قدمها فى غرة شعبان سنة ثمانين و مائة، و بعد أن مرت عشرة أيام أعطى عليّا بن عيسى سجستان إلى همام ابن سلمة، و قدمها بعهد على الخراج و الصلاة و الحرب، و خلفه وصلت رسالة بعهد إلى ابن على بن عيسى، و اسمه الحسين بن على بن عيسى الذى أرسل نصر ابن سليمان إلى سجستان، و دخلها يوم الأربعاء لأربعة أيام بقيت من شعبان سنة ثمانين و مائة، ثم أعطى عليّا بن عيسى ولاية سجستان إلى يزيد بن جرير الذى قدمها

بطريق آخر، فى غرة المحرم سنة إحدى و ثمانين و مائة، و توفى فى السنة نفسها مطرف بن سمرة القاضى، و كان قد تولى القضاء عشرين سنة، و كان رجلا عظيما فقيها، ثم أرسل عليّا بن عيسى الأصرم بن عبد الحميد إلى سجستان بطريق آخر، و كان معه همام بن سلمة واليا على الخراج(1)فى السنة نفسها كما ذكرنا، و لما قدم الأصرم سجستان، أصيب بمرض صعب، فاستخلف همام بن سلمة ليحفظ المدينة، و توفى، ثم أعطى على بن عيسى ابنه عيسى سجستان و استخلف عيسى همام كى يحفظ المدينة، و قدم فى أثره، و لم يمكث فى سجستان طويلا، و مضى إلى بست، و منها مضى إلى كابل، ثم عاد إلى بست ثانية ثم قدم سجستان فى أول سنة اثنتين و ثمانين و مائة.

ظهور الأمير حمزة بن عبد اللّه الخارجى فى سنة إحدى و ثمانين و مائة

كان حمزة بن عبد اللّه من نسل ذى طهماسب(2)، و كان رجلا عظيما و شجاعا، و كان من رون و جول(3)، فقد أساء أحد العمال الأدب عليه، و كان حمزة


1) كان فى عهد الفتوحات أن يوكل شخص بالممالك الكبيرة، و يكون له ولاية فى حكم الثغور و أجزاء المملكة الأخرى، و كان هؤلاء الولاة يصرفون أمور هذه الجهات و يستقلون بها، و كانوا يختارون من يقوم بعمل الصلاة و شئون القضاء و المظالم و الحرب و الصلاة أما الخراج فكان يعهد به إلى آخر( من تعليقات بهار على الكتاب).

2) ذكر ابن الأثير أنه حمزة بن أترك السجستانى و أنه ظهر فى سنة 177 ه، و ذكره البيهقى( حمزة ابن أذرك، و يقول: إنه جاء فى عام 313 من جانب ترشز إلى سبزاور، و قتل كثيرا من أهل بهق و يبدو أن أذرك أحد أصدقاء حمزة بن عبد اللّه.( من تعليقات بهار).

3) لم يعرف أين كانت تقع رون جول من سجستان، إلا أن لفظ( جول) فى اللهجة الخرسانية تعنى الصحراء الفقيرة، و بذلك تكون( رون جول) من المناطق الصحراوية التى كانت ترتبط بسجستان( من تعليقات بهار).

عالما، و يأمر بالمعروف، و أراد هذا العامل أن يقضى عليه، و فى النهاية قتل العامل، مضى حمزة من سجستان لأداء فريضة الحج، ثم عاد من هناك مع جماعة من رفاق قطرى بن الفجاءة، و كان خوارج سجستان قد ثاروا على خلف الخارجى، و اجتمع أتباع الحضين و خلق كثير كان تعدادهم خمسة آلاف، و لما قدم حمزة بايعه أتباعه، وفد بسكر، و خرج هناك و ظهر، و مضى عيسى بن على بن عيسى بجيش لحربه، و استخلف حفص بن عمر بن تركة على سجستان، و مضى يوم الجمعة من شهر شوال سنة اثنتين و ثمانين و مائة لحرب حمزة، و كان فى هذه الحرب سيف ابن عثمان الطارابى و الحضين بن محمد القوسى و روق بن حريس مع عيسى ابن على، و حاربوا حربا صعبة، و قتل الخوارج خلقا كثيرا منهم، و مضى عيسى ابن على منهزما إلى خراسان و مضى معه هؤلاء الرؤساء بطريق الصحراء، و فى هذا يقول الشاعر:

يا ابن على أين تسرى فى الفلاو كنت ليث الغاب قبلا مرسلا

بين يدىّ حزة فى قبيلةفصرت فى الجبن لدينا مثلا

و لما كان الأمر كذلك، قدم الخوارج إلى باب القصبة، و توارى حفص ابن عمر بن تركة، و كان حمزة قد قدم المدينة فى الصباح (الفجر)، و سمع الآذان كثيرا فى هذه المدينة من غير عدد و لا إحصاء، فتملكه العجب، و قال فى النهاية: عودوا عن تلك المدينة التى يكبرون فيها إلى هذا الحد، و لا ينبغى سل السيف، و نزل فى حلفاباد، و أرسل رسولا يقول: لن أحارب عامة المدينة، و يجب على عامل السلطان أن يخرج كى نتحارب، فنظروا، فكان حفص بن عمر بن تركة قد مضى، و اختفى فى موضع، فقال شاعر جيش حمزة هذين البيتين:

و من رأى أبدا أميرا هاربامتواريا فى أرضه من أهلها

حفص بن تركة قد نراه خائفامن سطوت قد عاينوا من قبلها

ثم استدعى حمزة أهل سواد سجستان جميعا و قال: لا تعطوا درهما خراجا و لا مالا آخر للسلطان، لأنه لا يستطيع أن يرعاكم، و أنا لا آخذ منكم شيئا قط، فأنا لن استقر فى مكان، و من ذلك اليوم و ما بعده لن يدخل بغداد من سجستان دخل و لا حمل، و فى النهاية اتفقوا على أن يكون أهل المدينة على ولاية أمير المؤمنين هارون الرشيد، و خطبوا له، و ما زالت هذه الخطبة لبنى العباس حتى الآن، أما المال فمقطوع، و أما عظماء سجستان الذين كانوا مع عيسى بن على فمضوا إلى على بن عيسى، و طلبوا منه عزل حفص بن عمر الذى أصبح عاجزا، فأرسل سيف بن عثمان الطارابى إلى سجستان للصلاة و الحرب، و الحصين بن محمد القوسى على الخراج، و قدما فى المحرم سنة ست و ثمانين و مائة.

مقدم سيف بن عثمان الطارابى و الحصين بن محمد القوسى إلى سجستان‌

و اعتقلوا حفص بن تركة، و سجنوه و اعتقلوا رفاقه، و كان حبيب بن تركة صاحبا لشرطة حفص، و كان فى در طعام(1)فأرسلوا شخصا، فاحضروه و اعتقلوه، و عذبوا حفصا عذابا شديدا، حتى قتل، ثم أرسل على بن عيسى عبد اللّه بن العباس قائد جيش خراسان إلى هناك، و دخلها فى غرة ربيع الأول سنة سبع و ثمانين و مائة.


1) در طعام بوابة من بوابات مدينة زرنج، و يقول محمد بن وصيف الجزى شاعر يعقوب بن الليث: بوابة أكاروا بوابة طعام، و يقول الإصطخرى: لمدينة زرنج خمس بوابات واحدة فى الحى الجديد و الأخرى فى الحى القديم الذى يفتح على بوابتين تجاه إقليم فارس، و بوابة ثالثة فى كركويه التى تقع على خراسان، و الرابع فى نيشك و الخامسة بوابة در طعام و هى أكثر البوابات عمراناز

مقدم عبد اللّه بن العباس إلى سجستان‌

و مكث هناك مدة، و مضى حمزة إلى نيسابور، و أعلن هناك الحرب على ابن عيسى، حتى مضى حمزة إلى خراسان، و عاد، و كان عبد اللّه بن العباس قد خرج إلى بسكر، و أغار كثيرا، و عاد إلى المدينة ثم أسند على بن عيسى إلى ابنه عيسى سجستان بطريق آخر، و لما قدم عيسى فراة، و جبى الخراج، و قدم آوق، و قتل هناك خلقا كثيرا، و دخل المدينة، و نزل بباب كركوى فى شوال سنة ثمان و ثمانين و مائة، ثم وصل حمزة من خراسان، و قتل جميع العمال الذين جاءوا مع الجيش فى بسكر و قدم باب المدينة، و خرج عيسى بن على لمحاربته، و كان معه خلق كثير، كان معه عفان بن محمد فى ذلك الجيش و حاربوا حربا شعواء، و قتل عفان بن محمد فى هذه الحرب، فأحضروه إلى المدينة، و دفنوه بجوار مسجده، و كان عفان من علماء زمانه و فقهائهم، ثم مضى حمزة تجاه خراسان، عندما عرف أن هؤلاء القوم لا قدرة لهم، و مضى عيسى بن على فى إثره بجيش يوم الخميس لثلاثة عشر يوما مضت من شوال سنة ثمان و ثمانين و مائة، و فى أثناء هذا الوقت مكث عيسى هناك اثنى عشر يوما و مضى حمزة إلى نيسابور، و فى إثره عيسى و التقيا على باب نيسابور، و تحاربا حربا عنيفة، فعاد حمزة، و مضى إلى سجستان، و مكث عيسى عند أبيه فى نيسابور، و أعطى سجستان للحصين بن محمد القوسى، و أرسل إليه العهد، و كتب له رسالة، و كان الحصين فى قرية قوس، فأرسل لابنه رسالة كى يسيطر على المدينة، و فى النهاية دخل المدينة يوم الثلاثاء العاشر من ذى القعدة سنة تسع و ثمانين و مائة، و انتظم أمر القصبة و ارتاح الناس به، و وقع زلزال فى سجستان فى السادس من المحرم من سنة تسعين و مائة، و أرسل على بن عيسى رسالة إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد، و أخبره فيها أن رجلا من خوارج

سجستان قد ثار و يغير باستمرار على خراسان و كرمان، و قتل عمال هذه النواحى الثلاثة جميعهم، و طلب الخراج، و لم يتحصل درهما و لا حبة من خراسان و سجستان و كرمان، ثم بايع الرشيد ابنه المأمون(1)على الولايات الإسلامية جميعها، فى سنة ثمان و ثمانين و مائة، و أراد الرشيد أن يأتى بنفسه إلى الرى قاصدا خراسان لمحاربة حمزة، فقد قوى و ازدادت شوكته، و اجتمع له ثلاثون ألف فارس و جعلهم خمسمائة- خمسمائة، و أرسل كل جمع إلى ناحية من النواحى بحيث لا تقيم قى مكان أكثر من يوم واحد، فبلغ الخبر إلى الرى أنه خرج جيش من بلاد الروم، فرجع من هنالك، و مضى إلى بغداد، و توفى الحسين بن محمد القوسى فى سجستان سنة ستة و تسعين و مائة، و أحرقوا الدواوين و لما كان الخرج ينقص و يزيد، فعزل الرشيد عليّا بن عيسى من خراسان، و أمر أن يأخذوا ماله، و أسند خراسان إلى هرثمة بن أعين و كذلك سجستان، و أعطى هرثمة سيف بن عثمان الطارابى سجستان.

مقدم سيف بن عثمان الطارابى إلى سجستان‌

اشارة

و لما قدم سيف سجستان، كان محمد بن الحسين بن محمد القوسى قد حل محل أبيه و استولى على الولاية، و لم يتركه فى المدينة، فنزل على باب المدينة و مضى إلى المشايخ و قالوا: من الصواب أن ترجع، فعاد، و لم يستطع الاستقرار فى سواد سجستان بسبب حمزة، فمضى إلى فراة، و منها إلى بست، و هناك حشد جيشا، و قدم


1) يقول ابن الأثير: فى هذه السنة بايع الرشيد عبد اللّه المأمون بولاية العهد بعد الأمين و ولّاه خراسان، و ما يتصل بها من همدان و لقبه المأمون.

سجستان، و كان معه أبو العريان، و كان أبو العريان هذا رجلا عيارا(1)من سجستان، و يعتبر من القادة الذين لهم رفاق من الغوغاء، فنزل سيف و قادة جيشه فى قصره، و حاربا محمد بن الحسين و الخطبة، و لم يكن هناك دخل قط من القرى بسبب خروج الخوارج، فأرسل هرثمة بن أعين الحكم بن سنان إلى سجستان، و كان صالح بن الفكاك قائدا لجيش الحكم، و لكن لم يأتمر بأمرهم محمد بن الحسين، و تحاربا حروبا، و فى النهاية تصالحا، و نزل الحكم بن سنان فى قصر الحسين ابن بشر بن فرقد، و نزل محمد بن الحسين فى قصر الرجال، ثم قال محمد بن الحسين الحكم، إن الإمارة فى سجستان الآن هى محاربة الخوارج، و لكم الخطبة و الصلاة فهذا أمر يسير، فالقوم فى هذه القصبة فى ولاية أمير المؤمنين، إذا فالحديث فى حرب الخوارج، ثم أرسل الحكم صالح بن حماد على رأس جيش لمحاربة الخوارج، و حاربوا حربا صعبة، و قتل صالح بن حماد و رفاقه، و عاد قليل منهم إلى القصبة منهزمين، و توفى سيف بن عثمان الطارابي، و بسبب الخوارج قصد أمير المؤمنين هارون الرشيد فى السنة نفسها، و نزل فى جرجان و كتب رسالة إلى حمزة ابن عبد اللّه الخارجى.

نص رسالة هارون الرشيد:

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم: من عبد اللّه هارون أمير المؤمنين إلى حمزة بن عبد اللّه سلام عليك و إنى أحمد إليك اللّه الذى لا إله إلا هو و أسأله أن يصلى على محمد عبده و رسوله صلى اللّه عليه و سلم، أما بعد فإن اللّه تبارك و تعالى بعث محمدا نبيه صلى اللّه عليه و سلم إلى الناس كافة بشيرا و نذيرا و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا


1) العيار: هو الرجل الكثير الطواف و الحركة بذكاء، و يتضح من كتب التاريخ أن العيارين قد ظهروا فى العصر العباسى فى بغداد و خراسان و بصفة خاصة فى سجستان، و كان منهم يعقوب بن الليث، و كان العيارون ينتخبون لهم قائدا فى كل مدينة يوجدون فيها.

منيرا و يبشر بالجنة من أطاعه و ينذر بالنار من عصاه و أنزل إليه كتابا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيلا من حكيم حميد بيّن فيه حلاله و حرامه و فرائضه و حدوده و شرائع دينه و بلغ محمد رسالة ربه و نصح الأمة و بيّن لهم السنن الهادية لا اختلاف بين الأمة فيها فى الصلاة و أركانها و الحج و الفرائض و الحدود و أوجب اللّه على عباده طاعة نبيه و جعل طاعته مقرونة بطاعته و من أطاعه أطاع اللّه و من عصاه عصا اللّه فلما بلغ به اللّه عامة الاحتجاج على خلقه، قبض اللّه رسوله صلى اللّه عليه و سلم و اختار له ما عنده.

و خلف بين ظهرانى أمته كتاب اللّه و سنته التى فيها رضى ربه و الفوز و النجاة لمن لزمها و اعتصم بها و البوار و الهلاك لمن خالفها و عمل بغيرها و أمير المؤمنين يدعوك إلى كتاب اللّه و سنة نبيه و يحثك على طاعته و ينهاك عن معصيته و قد عرف أمير المؤمنين الذى كان بينك و بين عماله فى خراسان و سجستان و فارس و كرمان من المحاربة و سفك الدماء، فأحب النظر إليك و لأصحابك فيما فيه صلاحك و جمع كلمتكم ورد ألفتكم، و إدخال السلامة و العافية و الطمأنينة عليكم و خلفكم بإخوانكم من المسلمين و أعطاكم نصيبكم من الفئ و الصدقات و الحق و العدل و حقن دمائكم و الصفح و العفو و التجاوز عنكم عما سلف من أحداثكم و جرائمكم، و إهدار ما نلتم من دم أو مال أو غير ذلك، فى هذه الحروب بينكم و بين عماله لما نوى من الأجر و الزجر و حسن المثوبة، و لرغبته فى صلاحك خاصة و استيفائك و خلطك بأهل طاعته، و ما يجب من الإحسان إليك و الاتصال عليك، و قد قوت من بلادك و ترك بصدد منك، و لم يأت منه كتاب و لا رسول قبل كتابه هذا و رسوله و قد أمنك أمير المؤمنين على دمك و مالك و شعرك و بشرك و وهب لك كل يوم جرما كان منك و كل دم أصبته أنت أو أحد من أصحابك، أو حدث أحدثته أو مال نلته أو صغيرا أو كبيرا كان منك فى هذه الحروب، و صفح عن ذلك و تركه للّه وحده لا شريك له إن قبلت أمانه، و قدمت عليه سامعا مطيعا تائبا إلى اللّه من ذنوبك داخلا فى جماعة المسلمين

متمسكا بطاعته و ولاة عهده و لم تعد تنكث، و جعل لك إن قبلت أمانه، و قدمت عليه و وفيت بما اشترط عليك عهد اللّه و ميثاقه و ذمة أمير المؤمنين و ذمة آبائه و أشد ما أخذ اللّه على الملائكة المقربين و النبيين و المرسلين من عهد و ميثاق بالوفاء لك و لأصحابك بالأمان على دمائكم و أموالكم و جميع ما أحدثتم فى الحروب التى كانت بينكم و بين عماله ما وقيتم، و لم تبدلوا و لم تغيروا و لم تغدروا، فاقبل نصيحة أمير المؤمنين و نظره لك و لأصحابك و اعرف ما فى ذلك من الحظ و الرشد فى العاجل و الآجل، و اقدم عليه مع رسوله و تأمن بالوفاء لك و لأصحابك و الإحسان إليك و الإفضال عليك، و إن أنت لم تقبل أمانه و لم تشخص إليه فاردد إليه أمانه مع رسوله، و عجل سراحه، و لا يكونن له من قبلك لبث إن شاء اللّه، و اللّه يشهد أمير المؤمنين فإنه قد أعذر إليك و احتج عليك و كفى باللّه شهيدا، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته و كتب إسماعيل بن صبيح مولى أمير المؤمنين يوم الجمعة لثمان بقين من صفر سنة ثلاث و تسعين و مائة، و الحمد للّه و صلواته على رسوله محمد و آله أجمعين.

رد (جواب) حمزة بن عبد اللّه الخارجى

رد (جواب) حمزة بن عبد اللّه الخارجى(1)

بسم اللّه الرحمن الرحيم: من عبد اللّه حمزة أمين المؤمنين، سلام على أولياء اللّه، أما بعد، فإن اللّه تبارك و تعالى اصطفى آدم عليه السلام، و كرمه و أنشأ منه ذريته، فاستودعه أمانته و أوجب عليهم معرفة ربوبيته و العمل بطاعته و جعل منهم أنبياءه و رسله، و أنزل عليهم كتبه و شرع لهم دينه، فتتابعت رسل اللّه تترى فى أممها على منهج واحد و شرائع مختلفة، يصدق آخرهم أولهم حتى مضت القرون أمما،


1) لم أجد ذكرا لهاتين الرسالتين فى أى كتاب من كتب التاريخ الأخرى، و بذلك ينفرد هذا الكتاب بهذه الميزة عن بقية هذه الكتب.

و أصنافا مهدية بطاعة ربها و تصديق رسلها فبعث اللّه محمدا على حين فترة من الرسول، و اقتراب من الساعة رحمة للعالمين و خاتما للنبيين و مصدقا لهم، و أنزل عليه الفرقان مهيمنا على الكتب و ناسخا لهم، فاقتدى نبى اللّه كتاب اللّه و صدع بأمره فى مجاهدة أعدائه، و الدعاء إلى دينه و النصيحة لأمته حتى أكمل اللّه له الدين و بلغ به الحجة و أظهر له الدعوى و مكن له الأرض و اختار له ما عنده من كرامة و الفضيلة فقبضه اللّه فختم به النبوة و رفع الوحى، و خلف لأمته كتاب اللّه وصيته فى خلقه بيّن فيه حلاله و حرامه و سنته و فرائضه و محكمه و متشابهه و أمثاله و ثواب أهل طاعته و عقاب أهل معصيته فتمسك به أولياء اللّه بعد نبى اللّه فاقتدوا به و آثروه فأيدهم اللّه و أهله فى زيادة من نعماء اللّه، و ما افتتح لهم من رحمته خلافة أبى بكر و عمر، و صدرا من خلافته عثمان حتى تعرضت الدنيا ببهجتها فركن إليها الراكنون و آثروها و مالوا إليها، و خالفوا كتاب اللّه و سنة نبيه، فاختلفت الأمة بعد إيلافها و تفرقت بعد اجتماعها فهدى اللّه الذين آمنوا، لما اختلفوا به من الحق بإذنه و ضل من استحق الضلالة بما ضيعه من كتاب اللّه و خالفوا من سنة نبيه، و اهتدى من أثر حق اللّه و دينه و كتابه و لزموا سبيل من هدى اللّه قبلهم فصبروا عليه حتى قهروا باطل هذه الأمة أهل حقها فألبست شيعا و أذيق بعضهم بأس بعض، فلا تزال مختلفة إلا من رحم ربك و لا يزال الإسلام و أهله فى نقصان حتى تقوم الساعة و ذلك موعد هذه الأمة عند اجتماعها على الضلالة حيث يقول بل الساعة موعدهم، و الساعة أدهى و أمر فنعوذ باللّه أن يقدمنا فى الجهل و الضلال أو يخلفنا فى الأشرار، و قد وصل إلىّ كتابك تدعونى فيه إلى كتاب اللّه و سنة نبيه، و ذكرت محاربتى عمالك فى كور خراسان و غيرها و صفحك عن ذلك و غيره مما كان منا، و مما عرضت من أمانك و إحسانك بعد قبولها كتابك و أمانك و دخولنا فى طاعتك و كل ما كتبت به فقد فهمته أما كتاب اللّه فإليه دعوتى و به رضاى، و لست أبغى إلا به حكما فالحمد للّه على ما منّ به علىّ فى ما عرفنى من دينه و بصرنى من هداه و جعلنى أدعو إلى

محكم كتابه و بالواجب من طاعته و أجاهد عليها من عند عنها و خالفها و عمل بغيرها و اللّه المعين و الموفق، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العظيم، و أما ما تناهى إليك من محاربتى عما لك فما كان ذلك من منازعة لك فى ملكك، و لا رغبة فى دنيا أنا لها بذلك و لا طالبا الرفعة و الذكر فيها، و لا ابتدأت أحدا منهم بغى عليهم مع ما ظهر للعامة من سوء سيرتهم، فيمن ولوا عليهم و ما تعاطوا من سفك الدماء و إباحة الأموال و ركبوا الفواحش، و ما لم يحله اللّه إلى عباده لا أظنه إلا قد بيّن لك من رجال خراسان و بلغك من سجستان و فارس و كرمان، و ما فيه كفاية عن التطويل عليك فيما أصف لك من ذلك، و أما إحسانك إلىّ و نظرك لى و ما دعوت إليه فلو كنت ممن يؤثر الدنيا و يرغب فيها و يلتمس خفض العيش و النعمة فيما عرضت دركا فى العاجل دون الآجل إنى أعوذ بجلال اللّه أن يجعل ذلك حظى و نصيبى منهم فإن المغبون من باع دينه بدنيا تبقى له و لا يبقى لها و لا خير بخير بعده النار و لا شر بعده الجنة بشر. و أما الفي‌ء و الصدقات فأنى ذلك و قد فقد المسلمون عطاياهم و أرزاقهم و صدقاتهم بعد الخليفتين فصارت تؤخذ من غير موضعها و تصرف إلى غير أهلها، و اللّه حسيب خلقه و أما ما عرضت من أمانك و دعوت إليه من طاعتك فهل لمخلوق أمان الأمر، إن يوم الفزع الأكبر يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، و كيف يأمن من ذلك من لا يملك لنفسه موتا و لا حياة و لا نشورا فانظر لمعادك و ما أنت صائر إليه و به مرتهن و عنه مسئول و به عما قليل محاسب، فقد رأيت ما فعلت الدنيا بأربابها الراكبين إليها المؤثرين لها كيف أبقتهم و خذلتهم و أسلمتهم، فلن تغنى عنهم شيئا اعتذروا لها عنهم و بقيت أعمالهم قلائد فى أعناقهم و صاروا إلى الندامة و تلهفوا حيث لا يغنى عنهم ذلك على ما فرطوا، وفاتهم من العمل فى دنياهم لمعادهم و يوم فقرهم و فاقتهم حيث يقول يا حسرتى ما فرطت فى جنب اللّه و قد بايعت اللّه و عاهدته على القيام بأمره و الدعاء إلى طاعته و مجاهدة أعدائه حتى تفنى نفسنا، ما موف عهدى و منجز موعدى قال اللّه تعالى و أوفوا

بعهدى أوف بعهدكم فنسأل اللّه الانتفاع بما علمنا من كتابه و نعوذ باللّه أن نكون ممن لبسوا دينهم على أنفسهم فلبس اللّه عليهم، و نسأله العصمة و الكلاءة و أن لا تكلنا إلى نفسنا و لا إلى أحد من خلقه و أن يتولى منا مما هو أهل التقوى و أهل المغفرة رضينا باللّه ربا و بالإسلام دينا و بمحمد نبيا و بالقرآن إماما و حكما، ربنا رب السماوات و الأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هذه سبيلى أدعو إلى اللّه على بصيرة أنا و من اتبعنى، و سبحان اللّه رب العالمين و ما أنا من المشركين، و لا حول و لا قوة إلا باللّه لا حكم إلا للّه، يقص الحق و هو خير الفاصلين فإن تولوا فقل حسبى اللّه لا إله إلا هو عليه توكلت و هو رب العرش العظيم و صلى اللّه على محمد النبى و على جميع المرسلين.

فأحسن إلى رسوله، و أعطاه العهد و هذه الرسالة و أعاده، و لما وصل الرسول عند أمير المؤمنين هارون الرشيد قدم من جرجان إلى طوس فى جمادى الآخر سنة ثلاث و تسعين و مائة فى موضع يسمى سناباد من توابع نوق(1)، و هناك توفى و كان عمره تسعا و أربعين سنة و كانت كنيته أبا عبد اللّه، ثم هيأ حمزة الأسباب للحرب و التف حوله الكثير معظمهم من الأعراب فأعطى للنساء مهورهن و نفذ الوصايا و لبثوا الأكفان، و حملوا الأسلحة عليها، و مضى ثلاثون ألفا من الزهاد و قارئى القرآن، و قال شاعرهم هذه الأبيات:

أظن هارون و أشياعه‌أنّا نبيع الحق بالباطل

نمق فى قرطاسه أسطراأجهل به من كاتب جاهل

خشن فى بعض و فى بعضه‌لين كفعل اللاعب الهازل

يعرض سلطانا على حمزةملكا وشيكا غير ما طايل


1) نوق: كانت من قرى طوس المشهورة، أما هى الآن فتعد من محلات مدينة مشهد.

و لم يكن حمزة ممن يبيع‌آجله بالعاجل الزائل

هو الإمام المرتضى و الذى‌يقيم صعر الأعوج المايل

و الصادى الوعد إذا ما أوى‌ليس بمخلاف و لا ماطل

و لما وصلوا بالقرب من نيسابور، سمعوا بخبر وفاة هارون، و دفنه فى طوس، و عودة الجيش إلى بغداد، فقال حمزة:" وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ"(1)، و لما كان الحال هكذا، وجب علينا أن نمضى لنغزو عباد الأصنام، فى السند و الهند و الصين و الترك و الروم و أحلاق الزنج فقال أتباعه: إن ما أبراه اللّه تعالى على لسانك هو الصواب، فقسم خمسة آلاف فارس إلى مجموعات، كل مجموعة خمسمائة فارس إلى خراسان و سجستان و فارس و كرمان، و قال: لا تسمحوا لهؤلاء الظلمة أن يظلموا الطغاء، و وصل حديث هذه الجيوش إلى هنا، و هو أن يخرج بعضهم على بعض، و نحن لا نتدخل حتى يفنى بعضهم، فقد قسم الخليفة ملكه على أولاده الثلاثة، و الملوك غيور، ثم مضى إلى الهند و السند حتى وصل إلى سرانديب، و عبر البحر، و زار قبر آدم عليه السلام، و شاهد هذه الآثار، و غزا كثيرا، و مضى إلى الصين من ناحية البحر، و من هناك مضوا إلى ماچين، و دخلوا التركستان، و منها إلى بلاد الروم، ثم رجع إلى التركستان، و مضى منها إلى سجستان عن طريق مكران، و غزا كل مكان، و قال لرفاقه: إن اللّه تعالى ناصر دين محمد عليه السلام، و ألا ينبغى علينا أن نؤدى ما علينا، و عليه الشكر، و تأتى ذكر غزوات حمزة(2)كاملة و باللّه التوفيق.


1) سورة الأحزاب: آية 25.

2) وردت أخبار حمزة فى الكامل فى التاريخ عند ابن الأثير و معظم التواريخ غير مكتملة و مختلطة، أما ما ذكره هذا الكتاب فإنه يحتاج إلى التأمل( من تعليقات بهار).

ثم أعطى المأمون سجستان إلى زهير بن المسيب، و أرسل زهير خليفة له هناك اسمه إسحق بن سمن(1)، و مضى زهير بنفسه فى شوال سنة ثلاث و تسعين و مائة، و جاء هنا، و أحسن إلى الناس، و لم يطلب شيئا، و مكث مدة، ثم أعطى المأمون سجستان لفتح بن حجاج مولى الرشيد، فأسند فتح لسهل بن حمزة سجستان، ثم مضى إلى هناك فى ذى العقدة سنة أربع و تسعين و مائة، و لكن محمد ابن الحصين القوسى أثار عليه المدينة، حتى وقعت الحرب بينهما فى النهاية، و مضى محمد بن الحصين منهزما إلى شعبه، و فى ذلك الوقت توفى فقيه سجستان خالد بن مظا الذهلي، و كان عالما ورعا، و حارب الخوارج الذين كانوا من جهة حمزة هنا، و كان قائدهم أبو عقيل فى شوال سنة خمس و تسعين و مائة، ثم حاربوا قائد جيش فتح بن أبى على، و دخل على المدينة منهزما، و قتل كثير من رفاقه ثم قال فتح: إنهم كثيرون و نصف سجستان معهم.

و كان يحب الشعر، و قال شعراء سجستان الشعر فيه، و سمع و قال: هل يوجد شاعر حسن، و كان عمار بن عيسى الشاعر ذات يوم فى مجلسه، و صار الحديث عن الشعر، فقال عمار: أيها الأمير سأقول شعرا فى مدحك حسب الحال، فإذا كان جيدا فسأكون سعيدا، فقال: قل: فقال:

سألت رسما مهددا عنها فماذا أنبايافتح بل من جوده يغنى من فقراء

الفتح و الجود حليفا مكرمات نشا

فنهض فتح، و أجلسه إلى جانبه، و أعطاه عشرة آلاف درهم، ثم أعطى المأمون سجستان لمحمد بن الأشعث الطارابي، و دخلها يوم الأربعاء لاثنى عشر يوما بقين من المحرم سنة سبع و تسعين و مائة.


1) يوجد ما يقرب من ثلثى سطر أبيض فى المتن.

مقدم محمد بن الأشعث إلى سجستان‌

و أرسل الأشعث ابنه إلى بست، و كان هناك بنفسه، و سار مع الناس الصالحين، ثم جمع المأمون الجيش، و أرسل طاهرا الأعور(1)

يا ذا اليمينين و عين واحدةنقصان عين و يمين زائدة

إلى بغداد لمحاربة أخيه محمد بن زبيد، و هو طاهر بن حسين مصعب بن زريق مولى على بن أبى طالب، و كثرت الحروب بين طاهر و محمد كما ذكر ذلك فى كتاب الخلفاء، حتى قتل محمد لسبعة أيام بقيت من المحرم سنة ثمان و تسعين و مائة فى بغداد، و كان عمره سبعا و عشرين سنة و ثلاثة أشهر و أحد عشر يوما، و بايعوا بعد ذلك أبا العباس عبد اللّه المأمون.

تولى أبى العباس عبد اللّه المأمون الخلافة

هو ابن هارون الرشيد، و فى اليوم نفسه الذى قتل فيه محمد، خرج أبو السرايا فى الكوفة مبايعا ابن طباطبا، و اسمه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب، و دخل أهل الحجاز و اليمن جميعهم فى هذه البيعة، و توفى ابن طباطبا يوم

هو ابن هارون الرشيد، و فى اليوم نفسه الذى قتل فيه محمد، خرج أبو السرايا فى الكوفة مبايعا ابن طباطبا(2)، و اسمه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب، و دخل أهل الحجاز و اليمن جميعهم فى هذه البيعة، و توفى ابن طباطبا يوم


1) يقصد أبا الطيب طاهر بن حسين بن مصعب بن زريق بن ماهان، و عند زريق هو ابن أسعد ابن دادويه، و يقول آخر أسعد بن زادان، و يقول مصعب بن طلحة بن زريق الملقب بذى اليمينين و هو من أهل پوشنج و من الموالى و جده زريق مولى طلحة الطلحات الخزاعى، و هجاه عمرو بن باءة بقوله:

2) هو أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن على و هو الذى يعرف بابن طباطبا، و لكن ابن الأثير يذكر أنه ظهر فى عام 199 ه.

رجب سنة تسعين و مائة، و قتلوا أبا السرايا فى الكوفة فى السنة نفسها، و ظهر رجل فى بست فى السنة نفسها و خرج و كان معه كثير من الغوغاء، و اسمه حرب ابن عبيدة، و كان من خوارج سجستان، و خرج الأشعث بن محمد بن الأشعث لمحاربته و مضى حرب منهزما، و تعقبه الأشعث، فعاد حرب، و حاربوا حربا شعواء، و انهزم الأشعث، و قتل حرب فيها كثيرا من جنده، و أخذ متاعهم و دوابهم و مالهم، و قوى بها و قدم الأشعث و مضى فى الطريق لمحاصرة بست، و قدم حرب و لكن فشل حصاره، و ضيق عليه، و ادعى حرب أنه قد جدد حرب حمزة الخارجى من جديد، لأن جيشه العربى لم يكن كافيا، و لما وصل الخبر عند محمد بن الأشعث أرسل المثنى بن سليم الباهلى إلى بست بجيش عظيم، و لما وصل بست، لم يدعه حرب فيها، و ظهر فى سجستان حمدويه بن الأشعث بن الحارث بن مجاشع الغجلي، و اجتمع له الغوغاء، و حاربه محمد بن الأشعث بنفسه و خدامه و غلمانه، و لكنه انهزم، و نزل فى قصر الرعية (الناس) و قدم حرب بن عبيدة من بست، و تحارب مع حمدويه، و مضى حمدويه منهزما، و كذلك مضى محمد بن الأشعث، و استولى حرب بن عبيدة على مال كل منهم، و دوابهم و كان هذا فى آخر سنه تسع و تسعين و مائة، و توفى عمرو ابن عمارة الفقيه الذى أقام المذهب السفياني(1)فى سجستان فى السنة نفسها، و مسجده معروف فى بوابة فارس، و وقع فى السنة نفسها زلزال فى سجستان، و أسند المأمون ولاية سجستان إلى الليث بن الفضل، الذى كانوا يقولون له ابن ترسل، و كان واليا على قهستان، و أرسل أخاه أحمد بن الفضل إلى هناك.


1) يقول بهار معلقا على هذا الخبر: كان هناك سفيانان و يعدان من أئمة الحديث أولهما سفيان الثورى، و هو أبو عبد اللّه بن سعيد بن مسروق الثورى الكوفى المنسوب إلى ثور بن عبد مناة، و عاش بين سنة 97 إلى سنة 161، أما سفيان الثانى فهو سفيان بن عيينة و هو أبو محمد بن عيينة بن أبى عمران ميمون الهلالى مولى امرأة من بنى هلال، و كان كلاهما من أئمة الحديث و العلماء.

مقدم أحمد بن الفضل إلى سجستان‌

و دخلها لإحدى عشر يوما مضت من شهر رمضان سنة تسع و تسعين و مائة، و كان محمد بن الأشعث فى هذا الوقت فى أمان مع حرب بن عبيدة، و اتحدا معا، و صار من قواعده، و نزل أحمد بن الفضل فى قصر محمد بن الأشعث و أغار على ماله و دوابه، و كان قد خرج حرب بن عبيدة، و محمد بن الأشعث و كل جيشهما إلى درطعام، ليمضوا لمحاربة الخوارج، و استولى أحمد على المدينة، و لما عادوا، لم يفتحوا الطريق، و حاصروا المدينة، ثم قدم الليث بن الفضل المدينة فى جمادى الأول سنة مائتين، و مضى طالبا حرب بن عبيد، و جيشه، و استولى على أمتعته، و لكنه عاد عندما رأى أنه لا طاقة له بقوة حرب، فكان قوام جيش الليث أربعمائة فارس، و مع حرب عبيدة ثلاثون ألف فارس غير المترجلين بالسلاح أقوياء، و دخل الليث المدينة، و قبض على أصدقاء حرب، و عاد، ثم عاد حمزة الخارجى إلى سجستان و عن طريق مكران، و أرسل الليث بن الفضل الرسل إليه يريد الصلح قائلا: إنك غزوت غزوات كثيرة، و نريد محالفتك كى نستفيد، و هذا الرجل الثائر اسمه حرب بن عبيدة، و يقول: إننى بعثت حرب حمزة من جديد، و هو يريد بذلك لنفسه الشهوة و الانتشار، و لم يكن يخطر ببال أن نطلب منك المساعدة، كى نبعد شره عن المسلمين، فقد أصبح جاهز العتاد قوى الشوكة. فرد حمزة قائلا: يجب أن نشغل البال بهذا الموضوع، فلو أراد المولى عز و جل أن يتم نعمته فإن حقك علينا واجب، ما دام الأصدقاء و الأعوان لنا شكروك كثيرا. ثم مضى حمزة للهجوم على حرب بن عبيدة، و حاربوا، و قتل فى مكان واحد من رفاق حرب بن عبيدة عشرين ألفا و نيفا، و قدم محمد بن الأشعث المدينة منهزما، فأخذه الليث بن الفضل، و أخرجه مقيد اليدين و القدمين، و علقه على ناحية من بوابة فارس، و كان الليث كلما وجد شيئا فى سجستان، كان يجهز منه الطعام، و استضاف عليه عيارى سجستان.

و خلع عليهم، و قدم الخوارج فى عهده إلى المدينة، و تصالح مع حمزة الخارجى و رفاقه، و أحسن السيرة معهم، و بقى على هذا الحال مدة أربع سنوات، و شيد أبنية كثيرة، و اشترى كثيرا من الضياع و المزارع فى كل مكان، ثم أعطى المأمون خرسانة و سجستان إلى غسان بن عباد، الذى أعطى أعين بن هرثمة عمر ابن الهيثم إلى هناك، يوم الأربعاء فى شهر ربيع الأول سنة أربع و مائتين.

مقدم عمر بن الهيثم إلى سجستان‌

و دخلها متنكرا، و أخفى عمله، و كان الليث بن الفضل قد خرج إلى قرية من ضياعه، فمضى عمرو إلى هناك، و أراد أن يقبض عليه، و أن يسجنه، و لكن لم يكن ذلك فى الإمكان بين يوم و ليلة قضاها، و جلس كلاهما فى اليوم التالى بين جيشه فى صلاة الجمعة، و لما وصلوا إلى باب مسجد الجمعة، عرض عمرو بن الهيثم عهده و منشوره، فعاد الليث، و مضى إلى قريته، فدخل عمرو، و أدى الصلاة و استقام له الأمر، و قدم أعين بن الهيثم بنفسه فى يوم الجمعة لعشرة أيام مضت من شوال سنة أربع و مائتين، و أحسن إلى الناس، و وعدهم و عودا حسنة، ثم أعطى غسان بن عيار سجستان إلى عبد الحميد بن شبيب و دخلها يوم الخميس لعشرة أيام بقيت من رمضان سنة خمس و مائتين، و أحسن إلى الناس بأن ما يأخذه من ولاية سجستان كان لدر طعام، فلم يحدث لذلك نفقات يتحملها الخوارج، و لم يأخذ لنفسه شيئا، و لم يسمحوا لأحد أن يأخذ شيئا و كانوا يشنون الحملات على الدوام على الغور و الهند و السند، و لم يؤذوا أهل سجستان، إلا إذا هاجمهم جيش، فإنهم سيقاتلونه.

ثم أعطى المأمون ولاية سجستان و خراسان لطاهر بن الحسين، و أرسل طاهر ابنه إلى الجزيرة(1)فى سنة ست و مائتين لمحاربة نصر بن شبيب، و أرسل فى السنة نفسها محمد بن الحصين القوسى إلى سجستان.

مقدم محمد بن الحصين القوسى إلى سجستان‌

و دخل سجستان لعشرة أيام مضت من جمادى الأول سنة ست و مائتين، و أحسن إلى الناس و اشترى كثيرا من الضياع، و اجتذب قلوب الناس إليه بحسن العمل و القول، ثم أسند طاهر بن الحسين سجستان إلى ابنه طلحة بن طاهر، الذى أرسل إلياس بن أسد(2)إلى هناك.

مقدم إلياس بن أسد إلى سجستان‌

و دخلها فى يوم الخميس لعشرة أيام مضت من شهر صفر سنة ثمان و مائتين، و لم يمض بها طويل زمان حتى قدم معدل بن الحصين القوسى أخو محمد


1) كان عبد اللّه بن طاهر واليا على الجزيرة قبل ذلك، و كان يحارب نصر بن شيث، و بعد تولى أبيه أمر خراسان، أصبح صاحبا للشرطة فى عهد المأمون( من تعليقات بهار).

2) إن إلياس بن أسد هو أخو نوح و يحيى و أحمد والد إسماعيل فنصر جد السامانيين و لكن ولايته على سجستان لم تأت فى بقية كتب التاريخ.

ابن الحصين، من جهة طلحة ليكون خليفة لأخيه فى يوم الخميس من جمادى الآخر سنة ثمان و مائتين، و سلمه إلياس بن أسد العمل، و خرج من دار الإمارة و نزل فى قصر الحارث بن المثني، و كان يثير الناس باستمرار ضد معدل بن الحصين، و كان الناس أميل إلى إلياس، و انحاز محمد بن الحصين إلى الخوارج كى يقوى بهم، و خرج و مضى إلى فراة، و طلب من حمزة جيشا، و جاء و لكن لم يسمح له القوم بدخول القصبة، فمضى إلى قريته التى بين النهرين، و نزل بها و كان الخوارج معه و لزمهم باستمرار، و كان تحت حوزته سواد سجستان كله، و كان على الدوام فى وفاق مع الخوارج، و لم يؤذوه مطلقا، ثم أسند طلحة بن طاهر سجستان إلى محمد الأحوص.

مقدم محمد بن الأحوص إلى سجستان‌

و دخلها يوم الخميس لعشرة أيام بقيت من شوال سنة ثمان و مائتين، و أحسن إلى الناس، و أرسى العدل و الإنصاف، ثم أسند طلحة بن طاهر سجستان إلى محمد ابن شيب.

مقدم محمد بن شيب إلى سجستان‌

و دخلها يوم الثلاثاء لأربع عشر يوما مضت من جمادى الآخر سنة تسع و مائتين، و لم يتأخر، حتى أعطى طلحة بن طاهر سجستان إلى ابن إسحاق بن سمرة،

الذى استخلف محمد بن يزيد، و أرسله، و دخلها يوم الجمعة فى شهر رجب سنة ست عشر و مائتين، و استولى على المدينة.

مقدم محمد بن يزيد إلى سجستان‌

و قدم فى إثره محمد بن إسحاق، ثم ظهر رجل من عيارى سجستان فى بست، و التف حوله الغوغاء، و خرج محمد بن إسحاق لمحاربة هذا العيارى و لما وصل إلى خواش(1)قدم حسن بن على السيارى عاملا على سجستان، من قبل طلحة ابن طاهر.

مقدم حسين بن على إلى سجستان‌

و دخلها، و أخفى عهده عدة أيام، ثم أظهره، و أرسل جيشا طالبا محمد ابن إسحاق، فوصلوا، و جاءوا به أسيرا، و كان هذا كله فى سنة مائتين و إحدى عشر، ثم أرسل عيسى بن أحمد لحرب ذلك العيار فى بست، و مضى هناك و عاد إلى سجستان، ثم أسند طلحة بن طاهر سجستان إلى ابن خالد.


1) خواش: اسم ولاية من ولايات سجستان، و اليوم جزء من بلوجستان، و يتضح من النص أن خواش قريبة من زرنگ، كما تنسب فاشرود إلى هذا المكان و هما الآن من بلاد الأفغان.

مقدم أحمد بن خالد إلى سجستان‌

و أرسل محمد بن إسماعيل الذهلى إلى هناك، و دخلها يوم الأربعاء لأسبوع بقى من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشر و مائتين، و قدم على أثره أحمد بن طاهر فى شهر جمادى الأولى من السنة نفسها و لما أراد أن يدخل المدينة، و هجم عليه فوج من أصحاب حمزة الخارجي، و لم يسمحوا له بدخول المدينة، و حاربوا حربا عنيفة، و عاد أحمد بن خالد منهزما إلى خراسان، و توفى حمزة الخارجى يوم الجمعة لاثنى عشر يوما من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة و مائتين فى بيهش(1)، و بايع الخوارج فى اليوم نفسه إسحاق بن إبراهيم بن عمير الجاشني، و كان رجلا طيب القلب حسن السيرة و عالما، و أنكر على الخوارج، و كان يغير أحيانا على أهل التهليل، و لما لم يطيعوه، فر من بينهم، و مضى إلى بحيرة زره، و اختفى فى غابة من القصب، و الآن يسمونها كويل پير و هى معروفة، ثم بايع الخوارج أبا عوف ابن عبد الرحمن بن بزيع، فى جمادى الآخر سنة خمس عشرة و مائتين، و توفى طلحة بن طاهر يوم الأحد لأربعة أيام بقيت من ربيع الأول سنة ثلاثة عشر و مائتين، ثم أسند عبد اللّه بن طاهر سجستان إلى محمد بن الحوص.


1) لم يعين الطبرى مكان وفاة حمزة و يذكر ابن الأثير فى كتابه الكامل أنه توفى فى عام 185 ه و لكنه خطأ، يقول ابن الأثير: مات حمزة الخارجى فى بادغيس و فى حوادث سنة 192 ه يتحدث عن هجوم حمزة على خراسان، و لم يذكر الطبرى شيئا عن هذا، و يقول اليعقوبى، خرج حمزة الثارى على على ابن عيسى بن ماهان فى بادغيس فنهض إلى ابن عيسى و هزمه و اتبعه حتى مضى إلى كابل فحاربه حتى قتله، و مع تصريح مؤلف هذا الكتاب و عدم معرفة تاريخ وفاة حمزة لدى الطبرى و ابن الأثير و اليعقوبى، إلا أن حمزة الثارى يعد من مشاهير الخوارج و لم يمت على يد على بن عيسى و إنما مات ميتة طبيعية عام 213 ه( من تعليقات بهار).

مقدم محمد بن الأحوص إلى سجستان‌

اشارة

و دخلها ليلة عيد الفطر، و اجتذب إليه جيش سجستان، و خرج لمحاربة الخوارج، و كان معه علماء سجستان، مثل الحسن بن عمرو الفقيه و شارك ابن النصر و ياسر بن عمار بن شجاع- و كان ياسر خارجى المذهب- و لكن عند ما دخل أبو إسحاق البحيرة، دخل هو القصبة، و محمد بن بكر بن الكريم، و عمرو ابن واصل، كلهم من أهل الفضل و علماء سجستان، و مضوا و قاتلوا الخوارج قتالا عنيفا، و قتل كثير من هؤلاء على يد الخوارج، و أخبروا عبد اللّه بن طاهر، أن عزيز بن نوح، أرسل جيشا كثيفا من الغرباء لمحاربة الخوارج، فاجتمع الجيشان (جيش الغرباء، و جيش سجستان) و مضيا لمحاربة أبى عوف، و تحاربا، و قتل من الخوارج و من كلا الجيشين خلق كثير، و نزل أبو عوف فى كركوي(1)، و دخل الجيشان فى المدينة و استعدوا ثانية، و أخذوا كثيرا من العدة اللازمة لهم للحصول على الماء و الحبال و المسك و آلات السفر، فى شهر ذى القعدة سنة خمس عشرة و مائتين، و عزموا على أن ينزلوا فى كل صحراء و جبل و كل مكان يوجد فيه الخوارج، حتى لا يبقى من الخوارج أحد، و كان محمد بن الأحوص مع عزيز بن نوح فى مكان واحد، و نزل على باب غنجره(2)، و طلب الجند الرواتب من محمد ابن الأحوص، و أعطاهم مالا كثيرا، و خرج كلا الجيشين و غوغاء المدينة مع عزيز ابن نوح، و هاجموا أبا عوف عندما وصلوا إليه فى جروا ركن يوم السبت أول شهر رمضان سنة ست عشر و مائتين، و قتلوا عزيز بن نوح و مجموعة كبيرة،


1) كركوى: كانت محلة على بعد ثلاثة فراسخ من مدينة زرنج على طريق هراة.

2) در غنجرة: كانت واحدة من بوابات ربض مدينة زرنج.

و دفنوا فى باب كركوى و بايع الناس الحصين بن الحسين بن مصعب عم عبد اللّه ابن طاهر.

مبايعة الحصين بن الحسين عم عبد اللّه‌

و كان قد قدم مع عزيز بن نوح، و كان محمد بن الأحوص يدبر الشئون عنده ثم أرسل عبد اللّه بن طاهر عباس بن هاشم بن أبى حور و إلياس بن أسد لمحاربة الخوارج و أعطاهم مالا كثيرا من الدراهم و الدنانير، و لم يكن هذا المال يدخل سجستان قط، و كان قد مضى أبو عوف مع جماعة من رفاقه إلى خرجانة، و مضى إلياس بن أسد بجيش فى طلبه، و خرج عن طريق الصحراء، و نزل فى جالف، و بلغ الخبر الحضين بن الحسين بن مصعب و كان قد نزل فى قصر معدل بن الحصين القوسي، و أراد أن يهاجم أبا عوف فمضى أهل المدينة و جيشه للهجوم يوم الجمعة لسبعة عشر يوما مضت من شهر ذى الحجة سنة ستة عشر و مائتين، ثم ضلوا الطريق بين الرمال، و كان يوما شديد البرد، فخرج أبو عوف بجيش، و تحاربوا حربا عنيفة، و فى النهاية قتل الجيش كله على يد الخوارج، إلا عددا قليلا لم يشاهدوه، و قتل فى ذلك اليوم محمد بن الأحوص و أحمد بن عمرو بن مسلم الباهلى و وهب بن هلال و دفنوهم فى باب كركوي، و مضى أبو عوف من هناك إلى آوق(1)، و اجتمع حوله الخوارج، و عندما قتل محمد بن الأحوص، جعل الحصين بن الحسين إلياس خليفة على سجستان، و أرسل محمد بن زاهر بجيش


1) أوق: ذكرت فى بداية الكتاب على أنها جزء من كور سجستان، يقول الإصطخرى: أوقل رباط فى الطريق بين بست و غزنين، و ضبطها نقلا عن الإدريسى: أوق، و ذكرها صاحب برهان قاطع: أنها اسم قلعة بين فراة و سجستان.

لطلب الخوارج، و وجدوا مجموعة قليلة منهم فقتلوهم و أحضروا رءوسهم و أرسلوها إلى نيسابور، و أحضروا عهد سجستان للحصين بن الحسين من عبد اللّه ابن طاهر يوم الجمعة سنة سبعة عشر و مائتين، و توفى المأمون أمير المؤمنين فى قرية ندندون تابعة لبلاد الروم بالقرب من طرطوس، و دفنوه هناك فى يوم الخميس سنة ثمانية عشر و مائتين، و استمرت خلافته عشرين سنة و ستة أشهر و ستّا و عشرين يوما، و كان عمره ثمانية و أربعين عاما و ثلاثة أشهر و يوما واحدا، و فى اليوم نفسه بايعوا المعتصم.

تولى أبى إسحاق المعتصم باللّه الخلافة

اشارة

و كنيته أبو إسحاق المعتصم باللّه بن هارون الرشيد، و اسمه محمد، و لما بلغ الخبر بغداد بايعوه أيضا فيها، و كان المعتصم مع المأمون فى بذندون(1)، و كان ميالا إلى أهل البدع و المعتزلة، و ولى عبد اللّه بن طاهر على خراسان و سجستان الذى أسند ولاية سجستان إلى الحسين بن عبد اللّه السياري، و كان فى سجستان.

مقدم الحسين بن عبد اللّه السيارى إلى سجستان‌

و بمجرد أن وصل إليه العهد، استولى على المدينة، و أعطى ابن أخيه عبد اللّه ابن محمد بست، و كان معروفا بعبدوس، و مضى إلى بست، و أحسن إلى الناس


1) قرية على حدود بلاد الروم، بينها و بين طرسوس يوم فى الطريق، و مات بها المأمون و دفن فى طرسوس، و طرسوس من مدن آسيا الصغرى بين حدود الشام و حلب.

و خرج فى سجستان رجل من الخوارج أيضا، و قال: أنا أقوم بدور الخوارج، و اسمه ابن الحصين و التف حوله خلق كثير من كلا الفريقين، و أرسل حسين السيارى مشايخ المدينة و كبارهم إليه مثل حسن بن عمر و شارك بن النصر و عثمان بن عفان و ياسر بن عمار قائلين له: أبعد عنك هؤلاء القوم فليس لك أمر عليهم، ثم مضى حسين السيارى بنفسه لحربه، و فرق جمعهم و ظن السيارى أن أهل المدينة سيعينونه بدون ابن الحصين، و أرسل رسالة و عرف عبد اللّه بن طاهر بالأمر، فرد عليه: أن أرسل إلى إبراهيم بن الحضين و معدل بن الحصين بن القوسى و عثمان بن روح بن بسام و أحمد بن محمد بن تركة و أحمد بن الحصين، فأرسلهم السيارى إلى خراسان، و هرب شارك بن سليمان الحميرى، و مضى إلى مكة، و جاور هناك ثم عاد، و قدم سجستان و قتلوه فى اليوم الثالث، و أرسلوا أميرا للشرطة، و عزل إسحاق بن إبراهيم بن الحصين ثم بدأ محمد بن سيف الطارابى فى طلب رفاق ابن الحصين فى الجبال و الصحراء و الرمال التابعة لسجستان، و كان يقتل كل من يجد منهم و استدعى المعتصم أحمد بن حنبل(1)فى سنة عشرين و مائتين و ضربه بالسوط، و كتب رسالة أرسلها فى كل مكان يدعو الناس فيها إلى خلق القرآن و الكفر، و نعوذ باللّه من الكفر.


1) هو أبو عبد اللّه بن محمد بن حنبل بن شيبان بن ذهل، كان من أصحاب الشافعى رضى اللّه عنه، كان يحفظ ما يقرب من المليون حديث، و دعى و قال: إن القرآن غير مخلوق. فضربه المعتصم و حبسه، و توفى فى شهر ربيع الأول أو ربيع الآخر سنة 241 ه( ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 1، ص 284).

جفاف نهر هيرمند و حدوث القحط و الموت‌

جف ماء نهر هيرمند فى سنة مائتين و عشرين، و تجمد الماء و ظهر قحط شديد فى ولاية سجستان و بست، و كثر الموت، و مات كثير من التجار و العظماء و أصحاب النعم، و دام الحال على ذلك عاما، حتى أول سنة إحدى و عشرين و مائتين، و أعطى الناس فى هذه السنة أموالا كثيرة إلى الضعفاء، و أخبر السيارى عبد اللّه بن طاهر بهذا الحال و كتب إليه رسالة أن يعطوا للفقراء مبلغ ثلاثمائة ألف درهم و سلم السيارى هذا المال جميعه إلى عثمان بن عفان و حسين بن عمرو اللذين كانا من فقهاء الفريقين، كى يفرقاه على المحتاجين و أهل البيوت(1)الذين ساءت حالتهم، ثم خرج فى بست رجل يسمى عبد روس، و كانوا يسمونه عبد اللّه الجبلي، و اجتمع حوله جمع كبير من الخوارج، و حاربوا، و مضى عبد روس إلى سجستان منهزما، و أرسل السيارى محمد بن سيف إلى بست و مضى لمحاربة عبد اللّه الجبلي، و فى النهاية تصالحوا و خلع على عبد اللّه، و لما أرسل محمد بن سيف إلى بست، أسند شرطة سجستان إلى على بن سهل بن عثمان الطارابى ثم أرسل عبدوس بطريق آخر إلى بست، و لما دخلها، خرج عليه رجل يسمى محمد بن يزيد، و اجتمع حوله فى باز كل الذين سبق لهم الفرار، و عاد إلى سواد بست، و خرج عبد روس بجيش، و قتل رفاق محمد بن يزيد الذى مضى منهزما، اختفى، و بحثوا عليه، و لكنهم لم يجدوه، و توفى السيارى فى سجستان يوم الأربعاء لأربعة أيام بقيت من شهر صفر سنة اثنتين و عشرين و مائتين، و كان قد استخلف قبل وفاته على


1) أهل البيوت أى أصحاب الأسر، و هذه الكلمة ترجمة للكلمة البهلوية( و يسپهرهر) التى يقولون لها بالآرامية( بريشا) و كان فى إيران القديمة سبع أسر كبيرة كانوا يقولون لها( و يسپهو هرجان) و قد سموا بقايا هذه الأسر أهل البيوت.( من تعليقات بهار على الكتاب).

سجستان ابن عمه نصر بن منصور بن عبد اللّه السياري، و وصل إلياس ابن أسد من جهة عبد اللّه بن طاهر لمحاربة الخوارج، و نزل فى قصر عبد اللّه ابن القاسم و طلب مالا من نصر السياري، و لم يكن فى بيوت المال بقية من المال، فأخذ مالا من أهل المدينة، و خرج إلياس على ناحية بسكراون لطلب الخوارج، الذين كانوا مضوا إلى كرمان، و لما وصل عهد عبد اللّه بن طاهر، استخلف نصر السيارى على سجستان.

مقدم نصر السيارى إلى سجستان‌

أرسل نصر ابنه سيار بن نصر إلى بست، و خرج عليه رجل فى بست اسمه محمد بن واصل، و اجتمع حوله أناس كانوا قد تفرقوا، و كان السيار قد أساء إلى أهل بست، ثم خرج للحرب مع محمد بن واصل، و تحاربوا، و وقعت الهزيمة للسيار، و أسره محمد بن واصل، و لما بلغ الخبر إلى نصر السيار أن ابنه قد أسر، و كان الحال هكذا، أرسل محمد بن سيف الطارابى إلى هناك و أرسل رسالة إلى محمد بن واصل مع أبى يعقوب الراسبي، و لما اقترب أبو يعقوب منه، خلص السيار، و عاد بنفسه مع أبى يعقوب على سجستان إلى نصر بن منصور السيار، و لما قدم أكرمه، و رعى جانبه و خلع عليه، و أعاده، و فى تلك الأثناء وصلت رسالة إلى إلياس بن أسد يخبره فيها بأن يرسل فوجا من الخيالة إلى بست للمحافظة على الحدود من الخوارج، فأرسل إلياس إلى هناك ابن أخيه أحمد بن عميرة بن أسد مع مجموعة من الفرسان الأقوياء، و نزل فى محلة سينك، و لما مضى أحمد بن عميرة ابن أسد لبست، أحسن إلى الناس، فاستراحوا به، و خلص عبد اللّه بن طاهر إبراهيم ابن الحسنين من قلعة هرى فى تلك الأثناء، و خلع عليه و ولاه على هراة، ثم كتب

عبد اللّه بن طاهر رسالة استدعى فيها إلياس بن أسد من سجستان فرجع من هناك يوم الجمعة لعشرة أيام بقيت من ربيع الآخر سنة خمس و عشرين و مائتين، و أرسل عبد اللّه بن طاهر رسالة إلى إبراهيم بن الحضين القوسى قائلا له: أن امض إلى سجستان خليفة عليها، و استخلف على هراة من تريد.

مقدم إبراهيم الحضين إلى سجستان‌

و دخلها عاملا عليها، يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الثانى سنة خمس و عشرين و مائتين و جعل أخيه على هراة، و لما قدم سجستان، أرسل ابنه إسحاق بن إبراهيم واليا على بست، و مكث مدة، فاشتكى الناس منه فاستدعاه، و أرسل إلى هناك ابنا آخر، و لما عاد إسحاق مكث مدة، فطلبه الناس و أحسن إليهم كثيرا فى هذه المرة إحسانا زائدا عن الحد، و مكث هناك، و سعد به الناس إلى أن توفى هناك يوم الإثنين لسبعة أيام مضت من المحرم سنة ست و عشرين و مائتين، و ثارت بست بوفاته، و توفى المعتصم باللّه ليلة الخميس لعشرة أيام مضت من ربيع الأول سنة سبع و عشرين و مائتين، و كان عمره سبعا و أربعين سنة و ثلاثة عشر يوما، و خلافته ثمانية أعوام و ثمانية أشهر، و تولى بعد ذلك الواثق باللّه الخلافة.

تولى الواثق باللّه الخلافة فى سنة سبع و عشرين و مائتين‌

و كانت كنيته أبا جعفر، و اسمه هارون بن محمد، و هو ابن المعتصم، و كان عمره ستة و عشرين عاما و شهرين و ثمانية أيام، و فى اليوم الذى تولى فيه

الخلافة، جرى على عادة أبيه من الحديث فى الدين و الميل إلى المعتزلة، و قال: إن القرآن مخلوق و نعوذ باللّه من الكفر، و لكن لم يستجب له أحد، و أسند خراسان إلى عبد اللّه بن طاهر، و كان إبراهيم بن الحضين بن محمد بن بشير بن سعيد القوسى رجلا من العرب حسن الهيأة إلا أنه كان مسالما، و لم يحارب الخوارج قط، و كان مجاملا لكل شخص، حتى قوى الخوارج فى عصره، و اشتد البرد على الناس فى سنة سبع و عشرين و مائتين فى سجستان، لدرجة أن جفت الأشجار و الكروم و الثمار و ماتت، و وقع و باء شديد و كان إبراهيم بن الحضين واليا على سجستان، حتى توفى عبد اللّه بن طاهر فى نيسابور يوم السبت لعشرة أيام مضت من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين و مائتين، و كان إبراهيم القوسى فى البصرة، و قدم سجستان لأول مرة، و اتصل بأهل طاهر بن الحسين، و أسندوا إليه ولاية هراة، ثم أرسلوه إلى سجستان ثانية، و اشترى فيها ضياعا و أقام قصر غى‌حور بندان، و شيدوا باب المعدل نسبة إلى معدل القوسى و أخيه(1)، و جلس فى دار الإمارة، حتى جعل ابنه خليفة له فى دار الإمارة، و أجلسه فيما يقولون له الآن (ارج) و كان رجلا مسالما، و لم يكن متعصبا، و سلك سياسة واحدة تجاه الخوارج و أهل السنة و بنى تميم و بنى بكر و سلك طريق السلامة و بنى بكر، و سلك طريق السلامة، ثم توفى عبد اللّه ابن طاهر، فتولى ابنه طاهر بن عبد اللّه بن طاهر على خراسان و سجستان، و لما وصل الواثق باللّه خبر وفاته، أرسل عهد خراسان و سجستان إلى طاهر بن عبد اللّه، فقام بالعمل، و أسند سجستان إلى إبراهيم بن الحضين، و أجلس ابنه بدار الإمارة، و قدم بنفسه إلى جور بندان، و لما توفى ابنه إسحاق فى بست، أرسل أحمد ابنه عليّا هناك، فخرج عليه رجل فى بست من ناحية بولان يقولون له سان بن النضير ابن مالك، الفرسان الشجعان لمحاربته، و كان سليمان من إجلاء العرب، و تحاربوا


1) هو معدل بن الحضين القوسى أخو إبراهيم بن الحضين القوسى، و محمد بن الحضين القوسى الذى كان عاملا على سجستان من ناحية طلحة بن طاهر عام 208 ه، و المراد أنهم شيدوا بوابة للمدينة سموها بوابة المعدل.

حربا عنيفة، و قتل خلق كثير، و مضى غسان منهزما، ثم أسروه، و أرسلوا رأيه إلى سجستان، ثم أخذوا رأسه و دفنوه، ثم ظهر رجل آخر من بست، و أرسل يحيى بن عمرو إلى هناك، الذى كان من أجلاء العرب فمضى إلى هناك، و شمل الناس برعايته، و ارتاحوا به، ثم عزله إبراهيم، و أرسل ابنه أحمد إلى هناك ثانية، و كان سليمان بن بشير الحنفى فى بست، و كان أحمد خليفة، و مضى إلى هناك، و أخرج خاقان البخارى إلى سواد بست، و الأموال جميعها، و كان سليمان رئيسا و عظيما، و خرج من بين أهل بست، و حاربوا حروبا كثيرة، و قدم أحمد بن إبراهيم القوسى سجستان منهزما، و استولى بشار على المدينة، و تولى الإمارة، و لكنه جار على الناس، ثم خرج صالح بن النصر(1)، أخوغان بن النصر بن مالك فى بست، و اجتمع له خلق كثير من سجستان و بست، و عاونه يعقوب بن الليث(2)و عيار سجستان، و حاربوا بشار بن سليمان، و قتلوه، وصفت بست و سوادها لصالح ابن النصر، و توفى الواثق باللّه يوم الأربعاء لستة عشر يوما، و بايعوا أخاه فى اليوم نفسه، و اسمه و كنيته أبو الفضل جعفر بن محمد هارون الرشيد، و كان لقبه المتوكل على اللّه بن المعتصم.

تولى المتوكل على اللّه الخلافة

اشارة

و سلك المتوكل طريق سنة النبى صلى اللّه عليه و سلم، و استبعد المدعين، فأحبه الناس، و أمر أن يذكروا فى الخطب، أن كل من قال بخلق القرآن فهو كافر،


1) يرد أحيانا هذا الاسم فى كتب التاريخ( نضر) و أحيانا( نصر).

2) هذه أول مرة يذكر فيها يعقوب بن الليث الصفارى و يظهر على مسرح الأحداث و تأتى له أن أسس بعد ذلك الدولة الصفارية.

ثم أطلق سراح أحمد بن حنبل. و قال له قولا حسنا، و سماه أهل السنة مطرى الإسلام، ثم أخذ البيعة من الناس لأبنائه الثلاثة، محمد المنتصر، و أبى عبد اللّه المعز، و أبى إسحاق المؤيد، و أمر أن يخطب بأسمائهم فى خطبه كلها و كل بلد فى أول المحرم سنة ست و ثلاثين و مائتين، و عظم أمر صالح بن نصر فى بست بالسلاح و الجيش و الأموال و الرجال، و كانت كل قوة جيشه تتمثل فى يعقوب بن الليث و عيارى سجستان، و كان هذا بداية أمر يعقوب، و بايع أهل بست صالح بن نصر فى المحرم سنة ثمان و ثلاثين و مائتين، و جبى الخراج، و كان يعطى الجيش أرزاقهم، ثم أخرج الجيش و أرسله إلى كش(1)و كان هذا أول جيش يرسله، ذلك لأن محمد بن عبيد بن وهب و أولاد حيان بن خريم تمردوا هناك، و هزموهم، و تعقبوهم، و قبضوا عليهم، و استولوا على الخيول و السلاح، و حملوها إلى صالح، و أطلقوا سراح أبناء حيان بن محبس محمد بن عبيد، الذى توفى فى حبسه، و لما عاد أبناء حبان عن طريق كشي، أرسل إليهم من يقتلهم، ثم خرج عليه عمار الخارجى فى ناحية كشى مع جماعة من الخوارج، فأرسل صالح بن نضر، كثير بن رقاد، و يعقوب بن الليث، وردهم بن نضر و هم من جملة السجزيين لمحاربة عمار، و ولى عمار أمامهم منهزما، ثم أرسل إبراهيم بن الحضين ابنه محمد لمحاربة صالح بن النصر إلى بست من سجستان فى منتصف شعبان سنة تسع و ثلاثين و مائتين، و مضى محمد إلى هناك، و تحاربوا فى أرض داور، و مضى صالح منهزما، و تفرق أتباعه، و قدم إبراهيم بن خالد صاحب شرطة صالح و دخل فى أمان مع محمد بن إبراهيم القوسى مع جماعة كبيرة، و مضى صالح فى طريق كش مع قليل من الناس، و بقى هناك مدة، حتى اجتمع جماعة من المنهزمين، ثم مضى إلى بست حتى وصل ماهياباد، و وصل الخبر بست، فخرج محمد بن إبراهيم مع مجموعة،


1) كس و كش: مدينة تقع فى بلاد ما وراء النهر، و واحدة من كور سجستان، يقول الإصطخرى بين كس و سجستان ثلاثون فرسخا، و تقع على حافة طريق كرمان( من تعليقات بهار).

و تحاربوا حربا صعبة، و قتل من كلا الفريقين خلق كثير، و فى النهاية دخل محمد ابن إبراهيم القوسى بست، و حاصر القلعة و تركه صالح محاصرا القلعة، و مضى بنفسه، و لم يعلم أحد إلى أين مضى، إلا أنه قدم سجستان عن طريق الصحراء، و نزل فى دراكار(1)، و هناك تحاربوا حربا صعبة، لدرجة أن خلقا كثيرا من الفريقين قتل، و هذا كله يوم الأربعاء لعشرة أيام بقيت من ذى الحجة سنة تسع و ثلاثين و مائتين، و عاد إبراهيم القوسي، و نزل فى دار الإمارة، و دخل صالح المدينة فى الليل، و كان معه يعقوب بن الليث و أخواه عمرو و علي(2)، و دهم بن نضر و حامد بن عمرو الذى كانوا يقولون له سرنابك، و كان معهم عيارى سجستان، و نزلوا فى قصر عبد اللّه بن القاسم، و فى الصباح خرج صالح، و اجتمع معه شيعته الذين كانوا فى سجستان، و اجتمع هناك خلق كثير، و جمع إبراهيم القوسى المشايخ و الفقهاء، و ارتدى جيشه السلاح من مشاة و فرسان، و أرسل إلى صالح كلا من إبراهيم بن بشر بن فرقد، و شارك بن النضير و عثمان بن عفان يسألونه إلى متى ستظل متمردا، فمضوا و ألقوا السلام و سألوا، ثم قال صالح: جئت إلى هنا كى أحارب الخوارج، و أنا اليوم، و غدا أمضى، و ليس بينى و بين إبراهيم القوسى حرب، و عاد المشايخ على هذا الكلام، و ركب صالح مع جيشه و أتباعه، و مضى إلى پاركين عن طريق سرلشكر، و كانت پاركين جافة، و ما إن دخل پاركين(3)، كان جيش إبراهيم القوسى نزل على باب در طعام فى الأرض كثيرة المياه مجهزا للحرب، و عندما رأى جيش صالح، دخل المدينة، و أغلق أبوابها، و كان عظيمهم عبيد الكشي، و لما رأى صالح هذا، مضى إلى المدينة فى الحال، نزل


1) اسم لبوابة من بوابات مدينة زرنج.

2) يقول الإصطخرى: كانوا أربعة إخوة يعقوب و عمرو و طاهر و على أولاد الليث، و أن طاهر قتل فى الحرب التى وقعت فى بوابة بست( المسالك و الممالك، ص 245).

3) پاركين: منطقة كثيرة المياه أو تأتى بمعنى خندق المدينة( من تعليقات بهار).

حامد سربانك و العيارين، و صعدوا إلى سطح قصر حيك بن مالك، و هو الآن خان، و خرجوا من باب قصره، و فتحوا باب المدينة، و قتلوا هناك عدة رجال، و دخل أتباع صالح المدينة، و قتلوا كثيرا من رجال إبراهيم القوسى فى ساعة واحدة، و لم يكن لإبراهيم أى خبر عن هذا، و لما علم، ركب فى الحال و خرج من باب فارس، و مضى إلى باب غنجره منهزما، و أخلى المدينة، و دخل صالح دار الإمارة، و نزل و تناول صالح و أتباعه من ذلك الطعام الذى كانوا يعدونه لإبراهيم القوسي، و كان هذا فى يوم الخميس لتسعة أيام بقيت من ذى الحجة سنة تسع و ثلاثين و مائتين، و مضى إبراهيم القوسى بالقرب من جيش عمار الخارجى و نزل هناك، و كان متعاهدا معه، و أرسل صالح جيشا إلى حور بندان ليستولى على خزائن إبراهيم و يحطموا السجون، و لما وقع هذا، اجتمع أهل المدينة و عامتهم، و أرادوا أن يقاتلوه هو و جيشه، فعاد صالح خائفا، و لم يدخل قصر إبراهيم القوسي، و نزل فى دار الإمارة، و أراد أن يهرب من المدينة لما رآه من أهلها، و قال لجماعة من رفاقه:

ينبغى أن تمضى عند عثمان بن عفان، ليروا ماذا يقول: فركب و مضى صوب عثمان، و قال عثمان له: ما كان ينبغى صنع هذا، فقال صالح جئت أطلب دم أخى، فقد قتله الخوارج، و قد علمت أنك تساعد فى هذا الأمر، فسكت عثمان، و خرج صالح من هناك، و أمر بأن يغيروا على قصر بهلول بن معن الذى كان صاحب شرطة(1)إبراهيم القوسي، و فى هذا اليوم، عرض صالح جيشه، و كانوا أربعة آلاف رجل من المشاة و الفرسان، و عاد إبراهيم بن الحضين و معه عمار الخارجى ليعاونه، و وصل الخبر إلى صالح، فأرسل يعقوب بن الليث إلى درآكار،


1) صاحب الشرطة: تعنى رئيس النظامية و الشرطى و الشرط واحد، و هم طائفة من خيار أعيان الولاة و رؤساء الضابطة و رجالها، قال الأصمعي: سمى الشرط لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها الواحد و قال أبو عبيد: سمو شرطا لأنهم أعدوا( من تعليقات بهار).

و سربانك إلى درمينا، و عقيل بن الأشعث إلى دركركوى بالأعلام السود(1)، و كان علم الخوارج أبيض، و لما رأى الناس عوامهم و خواصهم هذا العلم الأبيض، ساعدوا صالحا ضد الخوارج، و قاتلوا قتالا عنيفا، و قتل خلق كثير من الفريقين، و فى النهاية عاد عماد حماد (حمزة الخارجي) و إبراهيم بن الحضين القوسى منهزمين، و قوى أمر صالح، و أرسل إبراهيم رسالة إلى طاهر بن عبد اللّه فى خراسان، و طلب منه جيشا، و أرسل طاهر الجيش و لما كان الحال هكذا، أغار صالح على مقر إبراهيم القوسي، و قصر حمدان بن يحيى الذى كانوا يقولون له (كلوك) و استولى على ما لهما، و التف الخوارج حول المدينة، و لم يدعوا الفرصة لأحد أن يدخل أو يخرج منها، فهجم يعقوب بن الليث على الخوارج، و قتل خلقا كثيرا، و كان يعقوب يحارب ليل نهار، و أرسل إبراهيم القوسى ابنه إلى جمازة فى بست أن أرسل لى جيشا و جمع محمد بن إبراهيم القوسى من هناك من داور و جهزهم بالسلاح و أرسلهم، و لما قدموا سجستان كان رئيسهم من يسمونه خواص قدم عند صالح و معه ثلاث مائة رجل و لما عاد رئيسهم عاد الآخرون إلى بست ثم أرسل عثمان بن عفان بجيش مجهز إليه و هجم على بست، و ضل الطريق فى الليل، و لما بزغ الصباح، اقترب من المدينة فوصل الخبر إلى محمد بن إبراهيم القوسى فى بست قائلا له: انهض و اقدم، فقدم محمد فجأة بجيش مجهز إليه و هجم على بست، و ضل الطريق فى الليل، و لما بزغ الصباح، اقترب من المدينة، فوصل الخبر إلى المدينة فخرج يعقوب بن الليث و حامد سرباوك إلى بوابة نكران لمحاربة محمد بن إبراهيم القوسي، و كان صالح و خواصه فى كمين بمينو حنف، و تحاربوا حربا عنيفة، و قتل خلق كثير من كلا الفريقين، و فى النهاية مضى محمد بن إبراهيم القوسى منهزما إلى هيسون عند أبيه، و فى اليوم التالى أمر صالح أن يغيروا على قصر محمد بن إبراهيم القوسى و خواصه، ثم قال ليعقوب و سرباوك و عيارى


1) كان العلم الأسود هو علم الدولة العباسية.

سجستان: نحن نحارب و المدينة هناك، و نحن ننصر الدين، و كان أصل صالح من سجستان، إلا أنه تربى و نشأ فى بست، فقالوا: من يكون هذا الذى نهب من خزانة سجستان ألف ألف درهم، و الآن سوف يغير من جديد على بست و أى خطر له، إنه بلا حمية، و إذا ما سلب الأموال على هذه الناحية، و اختلفوا، و ركب كل من كان سجزيا و عسكروا فى باب غنجرة و نزلوا فيها، و كان من كانوا من بست كانوا مع صالح هذا، علم أنه لا يستطيع أن يمضى إلى بست ليلا، فحمل متاعه، و كتب رسالة إلى مالك بن مردودية الذى كان خليفته هناك قائلا: أريد أن أقدم، و لكن الأمر كان كذلك، فقدم مهاجما مع خمسمائة فارس، و لما اقترب من المدينة، خرج صالح، و هجم بعده يعقوب بن الليث، و تحاربوا حربا صعبة، و قتلوا مالكا، و استولوا على خزائنه و أمتعته كلها، و قتلوا رؤساء جيشه جميعا، و أخذوا السلاح و المتاع، و مضى صالح إلى بست منهزما مع فئة قليلة، ثم مضى يعقوب مهاجما خلف صالح بن النضر و التقيا فى نوقان، و هناك اجتمع الناس حول صالح، و حاربوا حربا صعبة، و قتل فى تلك المعركة طاهر بن الليث- أخو يعقوب- فى يوم الجمعة لثلاثة أيام بقيت من جمادى الآخر سنة أربع و أربعين و مائتين، و قبره الآن فى كرمه، و مضى صالح منهزما، و اختفى و لم يجدوه فى أى مكان، و عاد جيش سجستان، و بايعوا درهم بن النصر، و كان جيش سجستان فى هذه الواقعة التى كانت فى آخر جمادى الآخر سنة أربع و أربعين و مائتين، و صار يعقوب بن الليث و سربانك أميرين لجيشهما و كانوا يحاربون الخوارج باستمرار و من يخالفونه، و عين درهم بن النضر حفص بن إسماعيل بن الفضل أميرا للشرطة، و توفى محمد بن إبراهيم بن الحسنين القوسى فى هيسون، و جاءوا بجنازته على أعناق الناس إلى القصبة ليومين بقين من جمادى الأولى سنة أربعين و مائتين فى ولاية درهم بن النضر، و لما رأى درهم شجاعة و بسالة يعقوب بن الليث و هيبته فى قلوب الناس، خاف و استقر (و أقام) فى القصر، و ادعى أنه مريض فركب يعقوب إليه،

و لما رأى هذا أغار على تلك الجهة، و قتل خلقا كثيرا، و هرب الباقون، و أسر درهم بن النضر، و أخرجه من منزله، و حبسه، و بايع أهل سجستان يعقوب ابن الليث يوم السبت لخمسة أيام بقيت من شهر المحرم سنة سبع و أربعين و مائتين.

أخبار ملك الدنيا صاحب القرآن أبى يوسف يعقوب ابن الليث و نسبه و ذكر ما كان له من عظمة

أخبار ملك الدنيا صاحب القرآن أبى يوسف يعقوب ابن الليث و نسبه و ذكر ما كان له من عظمة(1)

ورد الكتاب من الحبيب بأنه‌سيزورنى فاستعبرت أجفانى

هجم السرور علىّ حتى أنه‌من فرط شدة فرحتى أبكانى

8 محرم 864 ه

أما نسبه فهو: يعقوب بن الليث بن المعدل بن حاتم بن ما هان بن كيخسرو ابن أردشير بن قباد بن خسروا برويز بن هرمزد بن خسروان، نوسزوان بن قباد ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد بن شابور ذى الأكتاف ابن هرمز بن نرسى بن بهرام بن هرمز البطل بن شابور بن أردشير بن بابك ابن ساسان بن بهمن الملك بن سفنديار الشديد بن يستاسف الملك بن لهراسب- عم كيخسرو بن سياوش- بن لهراسب بن أهو بن كبوحى بن كيقباد بن كى فشين ابن كى ابيكه بن كى منوش بن نوذر بن منوش بن ضوشرود بن منوشجهر ابن نروسنج بن ايرج بن افريدون بن أبتيان بن أبتيان بن جمشد الملك بن يوبخهان ابن الحمر، بن أوشنهج بن فرواك بن سيامك بن ميثى بن كيومرت. و كانت هذه أول بيعة بويع فيها يعقوب بالإمارة، و قدم حامد بن عمر سر بانك مع كل لبيعته، و عين يعقوب حفصا بن إسماعيل أميرا للشرطة و مكث مدة ثم حارب الخوارج فى كل


1) كتب أمام هذا العنوان هذان البيتان فى حاشية المتن الأصلى للكتاب، و قد كتبا بخط بين الثلث و النسخ، و تحتهما هذا التاريخ، و البيتان هما:

يوم، حتى هرب درهم بن النضر من سجن يعقوب، و مضى إلى سربانك فى كلاشير التى كان بها قصر سربانك، فاتحدا معا و أرادا أن يأخذا المدينة من يعقوب، فركب يعقوب و مضى إلى هناك، و كان معه محمد بن رامش، و كان أول شخص قدموا عليه سربانك مستلا سيفه، فخرج محمد بن رامش معه و قتل سربانك، و هزم جيشه، و استولى يعقوب على كل شي‌ء من سلاح سربانك و خيوله و ماله و أسره، و عاد إلى دار الإمارة منتصرا، و استقام له أمر سجستان، ثم استدعى الناس جميعا، و أحسن إليهم، و أطلق سراح الأسرى، و خلع عليهم، و أقسم لهم، و عاهدهم، و تألفت قلوبهم جميعا معه، و قسم الأرزاق على الجيش، و أرسل إلى عمار الخارجى رسولا، و قال إن كل هذا العمل الذى أنجزتموه كان بسبب أن حمزة بن عبد اللّه كان رجلا لم يقصد المدينة قط، و لم يؤذ أهل سجستان، و لكنه كان قد خرج على أصحاب السلطان لأنهم كانوا ظالمين، و كان أهل سجستان فى أمن و سلام و كانت لهم ولاية الغرباء و كانوا فى سلام بسبب خلافه، و بعد ذلك فى عصر أبى إسحاق و أبى عوف كانت غزواتهم فى دار الكفر، أما الآن فقد تغير الحال، أما إذا أردت أن تكون بسلامة، أبعد عن فكرك فكرة أمير المؤمنين، و قم على جيشك و اتحد معنا، فقد نهضنا و لنا اعتقاد حسن، و إننا لم نعط سجستان إلى أحد، و إذا ما نصرنا اللّه تعالى فسوف نوسع فى ولاية سجستان ما نستطيع، و إن كان هذا لا يعجبك فلا تؤذ أحدا فى سجستان، و امض على تلك السنة التى كان يمضى عليها الخوارج، فرد عمار على الرسالة قائلا: أمهلنا حتى نتشاور، و لكننا لا نؤذيك و لا نؤذى أتباعك، و أدى يعقوب الخراج و أسند الولايات، و أقام الديوان، و قتل المتوكل على اللّه ابنه محمد بن جعفر المنتصر باللّه، و دامت خلافة المتوكل خمسة عشر سنة إلا شهرين، و بايعوا المنتصر فى يوم الخميس نفسه السابع من شوال سنة سبع و أربعين و مائتين.

تولى المنتصر باللّه الخلافة

و بايعه أخواه المعتز و المؤيد، و استقامت الخلافة للمنتصر، و لم يقع فى خلافته حدث و توفى المنتصر باللّه بن المتوكل على اللّه فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان و أربعين و مائتين، و دامت خلافته ستة أشهر، و جعل ابنه أحمد بن محمد بن جعفر ولى عهده قبل وفاته، و تسمى بالمستعين باللّه، و تولى فى تاريخ وفاة أبيه نفسه.

تولى المستعين باللّه الخلافة

اشارة

ولى المستعين باللّه طاهر بن عبد اللّه على خراسان، و لما قوى أمر يعقوب فى سيستان جعل عصر خليفة عليها (على سيستان) و عزيز بن عبد اللّه أميرا للشرطة، و مضى بنفسه و كان أمر صالح قد قوى فى بست فذهب لمحاربته فى جمادى الآخر سنة مائتين و ثمان و أربعين، و قد دارت حروب كثيرة بينهما، ثم هرب صالح بن النصر ليلا، و ترك بست ليعقوب، و جاء إلى سيستان بجيش عن طريق الصحراء، و لم يكن لأحد خبر عن ذلك حتى دخل در (آكار) ليلا فى رجب سنة ثمان و أربعين و مائتين و علم الناس أن يعقوب عاد من بست و منذ أن عرف عمرو الأمر بأن الناس متفرقون و كان الوقت ليلا و لم يحدث أكثر من أنه استولى على بيت القلعة فى مدينة كوشة. التف صالح حول البيت و أخرج عمر من القلعة و أسر عزيز بن عبد اللّه و داود أخاه، و كان يعقوب قد جاء فى إثره فى اليوم التالى، و قد فعل هذا فى يوم آخر، ثم نزل الجيش و استولى صالح على قلعة مينوخند و حفر ما حوله، و جاء يعقوب للحرب يوم السبت لخمسة أيام خلت من شهر شعبان سنة

مائتين و ثمان و أربعين، و مضى صالح منهزما و استولى يعقوب على الأموال و السلاح و خيول الجيش كلها و خلص عمرو عزيز و داود من الأسر فكل واحد أعطى كل أسير شيئا و تركه و شكر اللّه على هذا النصر و عثوره على أخيه حيا، و منح الفقراء خمسين ألف درهم، و لما أخذ يعقوب فى الكبر، و يسر اللّه له الفتوح كانت لأزهر صداقة مع الخوارج.

قصة أزهر

أزهر بن يحيى بن زهير بن فرقد بن سليمان بن ماهان بن كيخسر ابن أردشير بن قباد بن خسروا بروندر الملك.

بعث أزهر الرسائل إلى عظماء الخوارج يلاطفهم و يرغبهم بالقول الحسن حتى جاء ألف رجل منهم دفعة واحدة، و أعطى يعقوب لرؤسائهم الخلع و تحدث معهم حديثا حسنا قائلا كل من هو قائد فيكم جعلته أميرا و كل من هو فارس جعلته قائدا، و كل من هو مترجل منكم جعلته فارسا، و كل من أرى فيه فضلا زدت له من قدرة فارتاح له الناس و بقى مدة فى سجستان، و بعد ذلك توفى أبو الطب طاهر بن عبد اللّه بنيسابور يوم الإثنين لثمانية أيام باقية من شهر رجب سنة ثمان و أربعين و مائتين، و قد أعطى المستعين باللّه خراسان لمحمد بن طاهر بن عبد اللّه و أرسل إليه العهد و قد كثر مجى‌ء الخوارج إلى يعقوب، ثم جعل يعقوب عزيز بن عبد اللّه خليفة له فى سجستان و أغار مع ألفى فارس على بست فعلم صالح فهرب و مضى إلى زنبيل (عند زنبيل) و استولى يعقوب على متاعه و عاد إلى سيستان يوم السبت لستة أيام مضت فى شهر رمضان سنة تسع و أربعين و مائتين، و هاجم أسدويه الخارجى فى در طعام، فعلم يعقوب الخبر فخرج و حارب و قتل أسديه و شنقه،

و علقه على الأعواد فسلك طريقا آخر للهجوم، و توجه إلى بست، و كان عزيز بن عبد اللّه خليفة على سجستان يوم الخميس لأسبوع انقضى من شهر ذى الحجة سنة تسع و أربعين و مائتين، و دخل بست مع ألفى فارس و تولى فى ميركان، و خرج صالح مع جيش عظيم و أراد الفرار، و مضى بالقرب من رخد، و لحق به يعقوب و تحاربا على نحو لم يره أحد من قبل، و قدم زنبيل العون لصالح بجيش عظيم و فيلة كثيرة، و عندما تم أمر يعقوب، اختار خمسين فارسا من جيشه، و خرج معهم، و قام بحملة، و أسقط زنبيل و قتله، و هزم الجيش كله، و أغمد يعقوب و رفاقه السيوف فيهم حتى قتلوا ستة آلاف رجل، و أسروا ثلاثين ألف رجل كما استولوا على أربعة آلاف جواد أصيل غير الجمال و البغال و الحمير و الخيول المسرجة و الخوازن و الدراهم و الدنانير و الفيلة، و أسروا خيرك الذى كان غلاما و حاجا لصالح بن النضر، و كان أتباع صالح قد اتفقوا مع يعقوب، و انهزم صالح مع خمسة فرسان و دخل أخو زنبيل فى أمان يعقوب، و قدم كل ذوى قرباه بعرش زنبيل الفضى و خزائنه و أسلحته الكثيرة، و كل ما وصل إلى أيديهم من أموال، و أرسلت رؤوس القتلى إلى سجستان على ظهر سفينة، و كانت حمولة السفينة مائتى و قليلا، و أرسل شاهين مع جماعة من الفرسان فى إثر صالح حتى وجدوه فى بول على حدود و الشان(1)و قيدوه، و جاءوا به إلى يعقوب، ثم مضى به يعقوب مع الأسرى كلهم إلى سجستان، كما جئ بأحرمى أخى زنبيل و ذوى قرباه الذين لجأوا إليه، و جاء بهم جميعا، و ترك هناك الفيلة و قال:

" لا يلزمنى فيل فإنهم ليسوا ملوكاو ليسوا منسوبين إلى الملك


1) و الشتان: جاءت فى الصفحات التالية لهذه الصفحة و الشتان و تعد ضمن ولاية بست و فى تاريخ البيهقى ذكر اسم شبيه بهذين الاسمين أولهما باشان و هى موضع بين هراة و الغور و الأخرى و الستان و هى تابعة لمكران( من تعليقات بهار).

فإن اللّه تعالى ذكر أبرهة بالفيل، ثم أرسل صالح بن عم زنبيل إلى رخد، و مات صالح بن النضر فى سجن يعقوب بعد سبعة عشر يوما، و أحضروه إلى سجستان يوم السبت لسبعة عشر يوما خلت من شهر المحرم سنة إحدى و خمسين و مائتين.

خروج يعقوب لمحاربة عمار الخارجي‌

و كتب رسالة قبل الخروج لمحاربة عمار إلى خلف بن الليث بن فرقد بن سليمان بن ماهان الذى كان قد عينه أميرا على بست، و لما تم حديث صالح عاد و استخلف خلفا على مدينة سجستان، و مضى يعقوب، و كان عمار فى فيشك، و نزل مع جيشه، و وصل يعقوب إلى مدينة بتو فى الصباح، و كان شاهين له دليلا و مرشدا إلى طريق بتو، و عندما وصل بجيش منظم لم يكن جيش عمار منظما، و لم يستطيعوا أن يهزموه، أما الباقون فقتلوا، و قتل عمار فى المعركة يوم السبت لليلتين باقيتين من شهر جمادى الآخر سنة إحدى و خمسين و مائتين و جاءوا برأس عمار إلى المدينة، و رفعوه على جدار در طعام و نكسوا جسده فى دراكار، و انكسرت قلوب الخوارج جميعهم، و مضوا إلى جبال سفرار، و قد دبت الفتنة فى وادى هندقانان، و فى هذا الوقت وقعت فتنة فى بغداد بين المعتز و المستعين حتى خلع المستعين نفسه، و بايعوا المعتز و كان اسمه زبير بن جعفر فى سنة إحدى و خمسين و مائتين، عندما كانت غرة المحرم سنة اثنى و خمسين و مائتين، و دخل الخاص و العام فى بيعة المعتز و خرج ثانية إلى سجستان و نواحى فراة و جوبيه، و توجه يعقوب إلى محاربته و أسره ثم قتله و علق رأسه على القصبة فى يوم الجمعة سنة اثنتين و خمسين و مائتين، و مكث يعقوب مدة فى سجستان، و جاء الخبر بأن صالحا رفع راية العصيان فى رخد، و مضى يعقوب لمحاربة صالح يوم الإثنين لليلتين

باقيتين من ذى الحجة سنة اثنتين و خمسين و مائتين و جعل عزيز بن عبد اللّه خليفة على سجستان.

خروج يعقوب لمحاربة صالح بن حجر

كان صالح بقلعة كوهز(1)و لم يكن لديه علم بذلك حتى استولى يعقوب على ما حول القلعة ثم قاتلوا قتالا عنيفا لمدة أيام و لما أيقن صالح أنه سوف يستولى على القلعة قتل نفسه، و ألقوا به خارج القلعة و سلموا القلعة طالبين الأمان، و أحضروا صالحا إلى بست، و هناك دفنوه و أقبروه (دفنه) قلعة معتمدة (موثوق بها) و عاد إلى سجستان لأربعة أيام بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث و خمسين و مائتين، و بعد أن أوجد الأمان فى هذه الناحية و ولى لاقام فى و الشان و زمين داور و زمين بست و بقى مدة فى سجستان، و قصد هراة يوم السبت لأحد عشر يوما مضت فى شعبان سنة ثلاث و خمسين و مائتين.

خروج يعقوب إلى هراة و استيلاؤه عليها

خروج يعقوب إلى(2)هراة و استيلاؤه عليها

كان حسين بن عبد اللّه بن طاهر أميرا على هراة خلفا لمحمد بن طاهر، و استخلف يعقوب داود بن عبد اللّه على سجستان، و مضى و توجه إلى هراة،


1) كوهز: قلعة من قلاع غزنين على طريقة بست و هى قلعة استولى عليها أمراء محمد بن محمود بناء على رغبة الأمير مسعود بن محمود و فتحوا بابها و لا يوجد ذكر لهذه الأسماء فى كتب المسالك.

2) هراة، هرى، هراه: هذه الكلمات الثلاث اسم مدينة من مدن خراسان المشهورة و المنسوب إليها يسمى هروى و هراتى و هربوى

و حاصر حسين الهدوى، و نزل يعقوب هناك و تحاربا لمدة طويلة، ثم استولى على القلعة فى النهاية، و أسر حسينا، و كان إبراهيم بن إلياس بن أسد قائد جيش خراسان، و جاء لمحاربة يعقوب، و نزل فى بوشنك و وصل الخبر إلى يعقوب فترك على بن الليث أخاه و الأسرى و المتاع فى هراة، و مضى بنفسه حتى يصل إلى بوشنك، و آمن أهل هراة ليستحوذ على قلوبهم و مضى إلى بوشنك و حارب إبراهيم ابن إلياس، و قتل جندا كثيرا من جيشه، إلا أنهم هزموهم ثانية و انهزم إبراهيم و توجه ناحية محمد بن طاهر، و مضى إبراهيم نحو محمد بن طاهر منهزما و قال" إنه لن يحارب هذا الرجل مطلقا فإن له جيشا مخيفا لا يهاب القتل مطلقا و هم يحاربون و لا يبالون و لا عمل لهم سوى الضرب بالسيف، و كأنما ولدتهم أمهاتهم للحرب، و اتحد معه الخوارج جميعا ليأتمروا بأمره فالصواب أن يستميلهم حتى يندفع شره و شر هؤلاء الخوارج و هو رجل صارم له سمات الملوك و فيه طبيعة الغزو، و لما سمع محمد هذا أرسل المرسل و الرسائل و الهدايا و منشور سجستان، و أرسل إلى عثمان رسالة فأمر بالخطبة و الصلاة له و خطب عثمان ثلاث جمع و وصل يعقوب، و قتل بعض الخوارج الذين تبقوا، و أخذ أموالهم فقال الشعراء فيه شعرا بالعربية.

قد أكرم اللّه أهل المصر و البلدبملك يعقوب ذى الأفضال و العدد

قد آمن الناس نخوته و غرته‌ستر من اللّه فى الأبصار و البلد

و لما أنشد هذا الشعر لم يكن عالما فلم يفهمه، و كان محمد حاضرا، و كان كاتب رسائله، و كان يعرف الأدب جيدا و فى ذلك الوقت لم تكن الرسائل بالفارسية.

و كان يقول شعرا بالفارسية، و كان هذا أول شعر قيل فى العجم، و لم يقل أحد قبله منذ أن كان الفرس يقولون شعرا على القيثارة (العود) على الطريقة الخسروانية، و لما زال العجم من الوجود و جاء العرب كان الشعر عندهم بالعربية و عرف الشعر العربى عندهم جميعا، و لم يظهر أحد فى العجم كانت له عظمة قبل يعقوب حتى يقولوا فيه شعرا إلا حمزة بن عبد اللّه الخارجى، و كان عالما يعرف العربية و قال شعرا بالعربية، و كان معظم جيشه من العرب، و كانوا عربا، و عند ما

قتل يعقوب زنبيل و عمار الخارجى، و استولى على هراة و أسلموه سجستان و كرمان و فارس قال محمد بن وصيف(1)هذا الشعر.

أيها الأمير يا من يكون أمراء العالم خواصهم و عوامهم‌لك عبيدا و خادما و مولى و خادم كلب و غلمانا

فى اللوح خط أزلى يقول أعطوه الملك‌ليوسف يعقوب بن الليث الهمام

جاء بلنام و زنبيل أكله نمر فى التام‌و تمزق جيش زنبيل و ذهب العربية هباء

و أنت أيها الأمير قرأت آية الملك بالتعبيرإذ قد تحقق لنا النصر بفئة قليلة من الجيش

طلبك عمر عمار ثم برئ منك‌إن سيفك كان واسطة بين الوحش و المستأنس

و قد ملكت عمره كاملا فعش أنت مثل نوح‌فجسمه على بوابة آكار و رأسه على بوابة طعام

و هذا الشعر كثير و لكننا ذكرنا منه قليلا و كان بسام من هؤلاء الخوارج و من الذين جاءوا ليعقوب طالبين الصلح و لما رأى قرص رصيف للشعر جعل يقول من الشعر أشعارا و كان أديبا و هو يذكر حديث عمار فى شعره:

كل من لم يكن بالقلب متهمافقد أجاب دعوتك بنعم


1) محمد بن وصيف أول شاعر قرض الشعر باللغة الفارسية بناء على كتب التواريخ و الأدب الفارسية، و كان كاتبا لرسائل يعقوب بن الليث الصفاري

إن العمر أصبح بريئا بهذا من عمارلأنه جاء بالخلاف حتى لا جرم

رأى البلاء على جسده و روحه‌و تألم جسمه فى العالم

إن اللّه جعل كله حرما للعرب‌و جعل لك العهد فى العجم

و كل من بقوا هم كل من دخل هذا الحرم‌و قد فنى من لم يدخل هذا الحرم

و محمد بن مخلد كان سجزيا كذلك، و كان رجلا فاضلا و شاعرا يقول الشعر بالفارسية و قال هذا الشعر:

لم تلد سواك حواء و لم ينجب آدم سواك‌لك طبيعة الأسود و أنت عالى الهمة

أنت معجز النبى المكى‌بالعمل و الطبع و اللحم

و يفخر عمار فى يوم كبيرقائلا أنا الذى أصبحت يعقوب

و بعد هذا جعل كل إنسان ينتهج يقول الشعر، و كان هؤلاء الأوائل و لم يكن أحد قد ذكر شعرا باللغة الفارسية إلا أبو نواس فإنه قد أورد كلاما فارسيا رقيقا فى شعره.

خروج يعقوب إلى كرمان و فارس‌

عدنا إلى الحديث عن ذهاب يعقوب إلى فارس و كرمان و جعل عزيز عبد اللّه خليفة يوم السبت لثمانية أيام بقين من شهر ذى الحجة سنة أربع و خمسين و مائتين، و فى اليوم نفسه مضى إلى كرمان و عندما وصل إلى" بم" كان إسماعيل ابن موسى موئلا للخوارج جميعهم الذين جاءوا من العرب، و تحاربا مع يعقوب و أسره يعقوب، و قتل أتباعه كلهم فى الحرب و أسر من لم يقتل، و من هناك مضى إلى كرمان و كان على بن الحسين بن قريش عاملا على كرمان، فأرسل طوق بن المفلس ليحارب يعقوب و لما توجه الجيشان دارت بينهما حرب ضروس و فى المعركة ألقى أزهر وهقا فى وسط طوق و جذب أزهر طوقا بأنشوطته و أسره و هزموا جيشه، ثم طلبوا الأمان فأعطاهم الأمان و عندما سمع على بن الحسين ذلك توجه إلى شيراز و جمع على بن الحسين الجيوش قدر المستطاع و استمال إلى جانبه الكفجين(1)و تقدم إلى يعقوب بالقرب من شيراز و دارت رحى الحرب الضروس.

و انهزم جيش على كما أسر على بن الحسين بن قريش، و ظل فى الأسر فى جمادى الأولى سنة خمس و خمسين و مائتين و كان على حفيدا لقريش بن شبل، و لذلك سموه قريش و حصل يعقوب على أموال طائلة فى الحربين لم يكن لهما عدد و لا حصر(2)و أرسل من هناك الهدايا الكثيرة إلى المعتز من خيول فارهة


1) الكفج و كوفج و كوج: كانوا طائفة مرادفة لكلمة( بلوج) كما يقول ناصر خسرو و لم يكن لهم رسول ليؤمنوا به و لم يصدر عنهم إلا الشر( من تعليقات بهار)

2) يذكر الطبرى حرب كرمان و شيراز ليعقوب بن الليث الصفارى من قول شخص كان بنفسه فى تلك المعركة و قد مات منذ ذلك التاريخ و نظرا لأهمية هذا الموضوع فإننا نترجم له فى هذا الكتاب( من تعليقات بهار).

و صقور صيد و الكؤوس الراقية و مسك و كافور، و ما ينبغى للملوك، و من هناك عاد إلى سجستان و دخل سجستان يوم الخميس لخمسة أيام بقين من رجب سنة خمس و خمسين و مائتين، و قتل المعتز باللّه فى الشهر نفسه.

تربع المهتدى باللّه على العرش‌

اشارة

و من بعده أفضت الخلافة للمهتدى باللّه و هو محمد بن هارون الذى ولى محمد بن عبد اللّه على خراسان، و لما دخل يعقوب على هذه الشاكلة من العظمة و الثراء بلاد فارس جاءوا بعلى بن الحسين بن قريش و طوق بن المفلس و هما أسيران مع لوازم السفر و زاده، و كانت خمسة آلاف جمل و ألف من البغال غير الحمير و الرمكات و الخيول العربية و الأموال الأخرى، فسعد الناس و استراح يعقوب فى سجستان و قتل أبو محمد عثمان بن عفان فى غرة شوال سنة خمس و خمسين و مائتين، و كان رجلا عظيما فى الفقه و العلم فى سجستان، و حبس ابن زنبيل فى الوقت نفسه و ما فى قلعة بست، و تمكن من الهروب فهرب و جمع جيشا عظيما و مضى إلى رخد، و استولى عليها و بلغ يعقوب الخبر، فأسند سجستان إلى حمدان بن خليفة و ذلك فى يوم الخميس لخمسة أيام بقيت من ذى الحجة سنة خمس و خمسين و مائتين.

خروج يعقوب إلى رخد لمحاربة زنبيل‌

و لما وصل بالقرب من رخد، هرب ابن زنبيل، و مضى إلى كابل، و جدّ يعقوب فى طلبه، و لما وصل إلى حاساب تساقطت الثلوج و قطعت الطريق، فعاد

إلى سجستان، و قتل فى الطريق كثيرا من الخلج(1)و الترك و أحضر دوابهم، و جاء بكثير من العبيد و كان السبكرى أحد هؤلاء العبيد، و قدم حسين بن عبد اللّه بن طاهر عند يعقوب، و مضى معه فى هذا الهجوم، و عاد يعقوب إلى سجستان فى يوم الجمعة لأربعة عشر يوما مضت من شهر شوال سنة ست و خمسين و مائتين، و بقى فيها عدة أيام، و توجه إلى هراة و أعطاها إلى حسين بن عبد اللّه بن طاهر، و مكث هناك ثلاثة عشر يوما، و رجع و عاد إلى سجستان، و قضى مدة ثم توجه إلى كرمان يوم الخميس لخمسة أيام بقيت من شهر المحرم سنة تسع و خمسين و مائتين، و قتل المهدى باللّه فى بغداد فى رجب سنة سبع و خمسين و مائتين فجلس المعتمد على اللّه على عرش الخلافة.

تولى المعتمد على اللّه الخلافة

اشارة

اسمه أحمد بن جعفر، و فى رجب سنة ست و خمسين و مائتين أسند إلى المعتمد محمد بن عبد اللّه بن طاهر خراسان و منحه عهد سجستان كذلك و مضى يعقوب إلى كرمان كما أسلفنا، و استخلف حمدان بن عبد اللّه المرزبان، و أعطى قيادة الجيش لفضل بن يوسف و الصلاة و الخطبة لإبراهيم بن داود البمى و بيت المال لإسماعيل بن إبراهيم، و عندما وصل يعقوب كرمان قدم محمد بن واصل إلى يعقوب بجيشه لاستقباله مقرا بالطاعة و الولاء و الهدايا حاملا إليه الأموال الكثيرة، فأعطاه يعقوب فارس، و أرسل إلى المعتمد رسولا يحمل الهدايا و خمسين تحفة


1) الخلج و التركمان على حد قول المؤرخين يعدون من بقايا الهياطلة الذين استولوا على طخارستان فى عهد الساسانيين و انهزموا على أيديهم و فى اللغة البهلوية كلمة( هلك و خلج) تقرآن على هذا النحو و معناهما القوم الأشداء الضالون( من تعليقات بهار)

ذهبية و فضية أحضرها من كابل و أرسلها إلى المعتمد ليرسلها إلى مكة ليضعوها فى حرم مكة فى طريق الناس رغم أنف الكفار، و دخل فارس يوم الأربعاء لأربعة أيام مضت من المحرم ثمان و خمسين و مائتين، و عندما وصلت الهدايا و التحف إلى المعتمد سربها كثيرا، و أرسل أخاه أبا محمد الموفق الذى كان اسمه طلحة، و كان ولى عهد المعتمد، و أرسل إلى يعقوب رسولا، و أرسل إسماعيل بن إسحاق القاضى و أبا سعيد الأنصارى بالمنشور و العهد و الولاء إلى ولاية بلخ و تخارستان و فارس و كرمان و سجستان و السند فسر يعقوب بذلك، و رعى جانبهم و أعطاهم الخلع و الهدايا الجميلة، و عادوا مسرورين و عاد بنفسه إلى سجستان، و مكث مدة ثم خرج ناحية كابل قاصدا ابن زنبيل يوم السبت لخمسة أيام بقين فى ربيع الأول سنة ثمان و خمسين و مائتين، و عندما وصل زابلستان صعد ابن زنبيل قلعة ناى لامان و استولى عليها(1)و وقف يعقوب هناك، و تحاربا حتى أنزله منها و قيده و توجه إلى بلخ عن طريق بامبان، و كانت بلخ لداود بن العباس، و عند ما سمع خبر يعقوب هرب و حاصروا أهل بلخ و قهندز، و دخل يعقوب و استولى عليها للوهلة الأولى، و قتل الكثير، ثم أغاروا و جعل محمد بن بشير خليفة على بلخ، و من هناك اتجه إلى هراة، و كان عبد اللّه بن محمد بن صالح بهراة فهرب من أمام يعقوب و توجه إلى نيسابور. و دخل يعقوب هراة و مكث بها و أحسن إلى الناس و قال:" أصبح أهل هراة شيعة ليعقوب فتعلقت به قلوبهم.(2)


1) يقول الكرديزى فى تاريخه فى هذا الموضوع: إنه مضى إلى بلخ و استولى على باميان سنة 256 ه و خرب نوشاد و بلخ كما خرب كل ما أقامه داود بن العباس بن هاشم من أبنية ...

2) ذكره الكرديزى( عبد الرحمن) و قال: لقد حوصر عبد الرحمن فى كروخ و لما انهزم قدم فروض الطاعة و الأمان مع أتباعه مثل المهدى بن محسن و محمد بن نولة و غيرهما و قد ذكره الطبرى عبد الرحمن أيضا: عند ما دخل رسل يعقوب بغداد كانوا قد أحضروا على قناة فيه رقعة فيها رأس عدو اللّه عبد الرحمن الخارجى الذى قتله يعقوب بن الليث.

خروج عبد الرحيم للإمارة

و عبد الرحيم الخارجى الذى كان قد ثار من جبل كروع و أطلق على نفسه أمير المؤمنين و لقبه المتوكل على اللّه و جمع حوله عشرة آلاف رجل من الخوارج و جبال هراة و سفزار و نواحى خراسان و أخذوا يغيرون على غيرهم و عجز قادة جيش خراسان و عظماؤها عن رده، فقصده يعقوب فدخل فى الجبل فتساقطت عليه ثلوج غزيرة، و حاربه يعقوب بين الثلوج و لم يعد إليه مطلقا رغم الأمطار و الصعوبات ليلجأ إلى يعقوب، و دخل فى طاعته و قد أعطاه يعقوب الأمان و بعد أن قدم إليه مطيعا أعطاه العهد و الميثاق و أسند إليه أعمال سفزار و الصحارى و الأكراد(1)و استقر فى هراة، و لم يمض عام حتى قتل الخوارج عبد الرحيم، و ولوا إبراهيم ابن أخضر، و جاء إبراهيم بالهدايا الكثيرة و الخيول و الأسلحة الجيدة عند يعقوب و قد وكل إليه هذا الأمر بالطاعة و لاطفه (و رعى جانبه) و قال له كلاما حسنا ثم قال له أنت و أتباعك ينبغى أن تكون قلوبكم قوية فإن معظم جيشى و عظمائى من الخوارج و أنت بينهم فلا تكن غريبا عنهم و إذا لم ينجز هذا العمل الذى أعطيتك إياه فأرسل إلىّ كثيرا من رجالك حتى أجدهم يوما ما، و اجعلهم على الديوان، و أعطهم كل ما يريدون من هذا العمل، و لكن هذه الجبال و الصحارى و الثغور يجب أن تصونها من الأعداء فنحن إنما ننشر الولاية بالذات و لا نستطيع أن نبقى هنا طوال العام، ولى رجل خير و هو أنت على الخصوص من بلدى نفسها، و معظم رجالك من بسكر و لا يمكننى بأى حال أن أنالهم بأذى فعاد إبراهيم بقلب منشرح و مضى إلى أتباعه، و رجع مسرعا بالجيش كله و خلع يعقوب على الأتباع و العظماء و أمر


1) كردان جمع كرد و هى الصحارى التى تقضى فيها هذه الطوائف الصيف و الشتاء و لكن فى هذا العهد يوجد للأكراد فى خراسان مساكن للعيش( من تعليقات بهار)

العارض أن يكتب أسماءهم فى ديوان العرض جعل أجورهم على قدر مراتبهم و وجدهم مقسمين إلى عشرينات، و جعل إبراهيم قائدا عليهم و أطلق عليهم جيش الشراة، و عاد يعقوب إلى سجستان لثلاثة عشر يوما بقين من جمادى الأولى سنة تسع و خمسين و مائتين، و تساقطت فى هذه السنة الثلوج الكثيرة حتى جفى النخيل، ثم بقى يعقوب معه فى سجستان، و بعدها قصد خراسان، و جعل حفص بن زونك خليفة على سجستان يوم السبت لأحد عشر يوما بقين من شعبان سنة تسع و خمسين و مائتين، و سلك طريق نيسابة، و قال هكذا إنى ماض فى طلب عبد اللّه بن محمد ابن صالح(1)و كان عبد اللّه بن محمد فى نيسابور عند محمد بن طاهر، و عندما جاء يعقوب إلى بوابة نيسابور، أرسل رسولا إلى محمد بن طاهر، نحن لن ندخل معه فى حرب و إذا ما حاربناه كانت له الغلبة علينا و يلحق الضرر بأرواحنا، و لما رأى عبد اللّه بن محمد بن صالح هذا نهض و توجه إلى دمغاث، و كان يعقوب قد نزل عند بوابة نيسابور، و أرسل محمد بن طاهر جميع الوزراء و الحجاب إلى يعقوب و تبعهم فى اليوم التالى، و ذهب لمقابلة يعقوب، و عندما نزل و أراد الرجوع أمر يعقوب عزيز بن عبد اللّه(2)قائلا: أحبس هؤلاء جميعا، فحبسهم عزيز و قيّدهم و هم محمد بن طاهر و خواصه.


1) عبد اللّه هنا ذكر فى الصفحات السابقة و كان فى هراة و هرب من أمام يعقوب و لكن المؤرخين زادوا فى شرح سبب فراره يقول الطبرى:" إن عبد اللّه السجزى كان يتنافس الرئاسة بسجستان هو و يعقوب فتخلص منه عبد اللّه و لحق بمحمد بن طاهر فى نيسابور فلما مضى يعقوب إليها هرب عبد اللّه( الطبرى ج 3. ص 1883) و يقول ابن الأثير فى أحداث سنة 259 ه: فارق عبد اللّه السجزى يعقوب فى هذا العام و حاصر نيسابور و بها محمد بن طاهر قبل أن يملكها يعقوب بن الليث فوجه محمد ابن طاهر إليه الرسل و الفقهاء فاختلفوا بينهما ثم ولاه الطبسين و قهستان( الكامل ج 7. ص 88 و يبدو أن سبب هروب عبد اللّه أمام يعقوب ساقط من هذه النسخة.

2) ذكره الطبرى عزيز بن السرى

سبب حبس محمد بن طاهر و انقراض الأسرة الطاهرية على يد يعقوب بن الليث‌

و كان سبب حبسهم و اعتقالهم و اتجاه يعقوب إليهم أنه فى يوم من الأيام التى حارب فيها زنبيل، مضى إلى بست و قتله، و ذات يوم مضى هو و كاتبه إلى ضواحى بست متنكرين، و دخلا قصرا، و كان هذا القصر لصالح بن النضر، و بعد وفاة صالح بوقت قصير، كان قد هرب، فنظر الكاتب و رأى أنه كان قد كتب على جدار المنزل بيتين و قرأهما فهز رأسه فسأله يعقوب ما هذا فقال: و ترجمهما له و كان هذان البيتان المكتوبان هما:

صاح الزمان بآل برمك صيحةخروا لصيحته على الأذقان

و بآل طاهر سوف يسمع صيحةغصبا يحل بهم من الرحمن

ثم قص الكاتب قصة البرامكة على يعقوب من أولها إلى آخرها، و روى سبب محنتهم و قتلهم و تقويض منازلهم، و قال إن معنى البيت الثانى من حديث الطاهريين فقال يعقوب: لا معجزة لنا أكثر من هذا حيث أتى بنا إلى هذا الخراب حتى نقرأ هذين البيتين و نعلمهما، إنه وحى الأنبياء، و هو أننى سأكون السبب فى القضاء على الطاهريين و تخليص المسلمين من جورهم، و أمره أن يكتب هذين البيتين و يحتفظ بهما حتى يطلبهما، فكتب الكاتب هذا الشعر على رقعة و حفظها، و فى اليوم الذى قيّد فيه محمد بن طاهر نادى الكاتب قائلا: أحضر البيتين اللذين استودعتك إياهما فى ذلك اليوم بمدينة بست فأحضر البيتين له قائلا: ألم أقل إننى لست ذلك الشخص، ثم قال للكاتب: اذهب بهذين البيتين و أعرضهما على محمد بن طاهر و قل ما الذى يلزمك و حرمك حتى تذهبا إلى سجستان و تعيش هناك، و اكتب

ما يستطيب له كله حتى أرسله معك، و أنا أستحسن كل ما يأمر به اللّه تعالى، فلما عرضوا هذين البيتين على محمد بن طاهر بكى و قال: لا مرد لقضاء اللّه، الآن أمر اللّه الحق و نحن عباده و فى قبضته فنسخ منها نسخة، و أرسلها إلى يعقوب، فأمر يعقوب أن يضاعف كل درهم، و أمر أن يعطوا له و أهله و هؤلاء الأشخاص كل ما يرتضونهم، و أرسله إلى سجستان و سجنه فى السجن الكبير، و حبسه فى مسجد الجمعة، و قبر محمد فى هذا السجن إذا مات هناك بعد عدة سنوات(1)، و أمر يعقوب أن يدفن فى الحجرة التى مات فيها، لأنه مات فى اليوم الذى حبس فيه، و استقر يعقوب فى نيسابور، ثم قالوا للحاجب: اذهب و ناد حتى يتجمع هنا عظماء نيسابور و علماؤها و رؤساؤها غدا لأعرض عليهم عهد أمير المؤمنين، فأمر الحاجب بأن ينادى فى الفجر أن يتجمع عظماء نيسابور، و جاءوا إلى البسط و أمر يعقوب الغلمان بأن يكونوا مدججين بجميع الأسلحة و يتأهبوا و يحمل كل منهم درعا و سيفا و عمودا فضيا و ذهبيّا من ذلك السلاح الذى من خزانة محمد بن طاهر فى نيسابور و جلس على شاكلة الملوك و اصطف الغلمان صفين أمامه و أمر الناس فدخلوا و وقفوا أمامه و أمرهم بالجلوس ثم قال للحاجب إننى بعهد أمير المؤمنين حتى أقرأه عليهم فدخل الحاجب و فى يده سيف يمانى ملفوف فى عمامة مصرية، فأخرج السيف من العمامة، و وضعه أمام يعقوب، فأخذ يعقوب السيف و شهره فخر القوم صعقا و قالوا: لعله يريد أن يزهق أرواحنا، فقال يعقوب: لم أحضر السيف من أجل أن أقتل به أحدا، أما أنتم فقد شكوتم أن يعقوب ليس له عهد أمير


1) تختلف هذه الرواية عن الروايات التى وردت فى كتب التواريخ الأخرى حيث يقول الطبرى و ابن الأثير أنه بعد انهزام يعقوب عند دير العاقول انطلق محمد بن طاهر الذى كان معتقلا فى جيش يعقوب و مضى إلى بغداد و صار موضع رعاية الخليفة و أيد بن خلكان هذه الرواية و لكن اليعقوبى فى كتاب البلدان ذكر الخبر مخالفا للطبرى و ابن الأثير و يشبه رواية هذا الكتاب بعض الشئ و لكن رواية الطبرى تعد أصح الروايات.

المؤمنين، و ودت أن تعرفوا أننى أملكه، فثابوا إلى رشدهم، ثم قال يعقوب: ألم يكن وضع هذا السيف لأمير المؤمنين فى بغداد؟ قالوا: نعم، قال: و قد جعلنى هذا السيف فى هذا المكان فعهدى و عهد أمير المؤمنين واحد، ثم أمر بتقييد هؤلاء الناس كلهم الذين كانوا من زمرة الطاهريين، و أرسل ذلك كله إلى جبل (سپهپد) و قال للآخرين أردت أن أقيم العدل فى خلق اللّه تبارك و تعالى و الأخذ على يد أهل الفسق و الفساد، و لو لم أكن هكذا لما وفقنى اللّه تعالى إلى هذا النصر حتى الآن، فلا شأن لكم بهذه الأعمال، و عودوا إلى سبيلكم، و كان يعقوب فى نيسابور حتى جاء الخبر بأن عبد اللّه بن محمد بن صالح نزل دامغان متجها إلى جرجان، و اتحد معه حسن ابن يزيد فحشدا الجنود لحربك فجمع يعقوب الجيش و اتجه إلى جرجان.

خروج يعقوب إلى جرجان و ابن صالح و حسن بن زيد

عندما وصل يعقوب بالقرب من جرجان اتجه عدواه إلى طبرستان، فذهب يعقوب فى أثرهم للهجوم عليهم و زود جيشه بالعتاد و قال: من الفضل أن تلحقوا بى و مضى هو و لحق بعدوية فى سارى، فلما التقيا معه هزمهما دون أدنى عراك، و دخل حسن بن زيد فى جبل ديلمان، و مضى عبد اللّه بن صالح إلى البحر فقبض عليه مرزبان فى طبرستان و قيده و اصطحبه إلى يعقوب، و عندما رأى مرزبان عزيز بن عبد اللّه مع فوج من جيش يعقوب استودعهم عبد اللّه و عاد إذ لا يجب أن يتحد الديالمة مع حسن بن زيد فيقاتلوننى و استلم منه عزيز بن عبد اللّه و أحضره إلى يعقوب مقيدا.

و عندما أحضر عبد اللّه أمامه كان قد تفوه فى حق يعقوب فأمر بأن يضربوا عنقه(1)، ثم رجع من هناك صوب نيسابور و استقر فيها.

قتل عبد اللّه و صعاليك خراسان‌

و لما استقر يعقوب فى نيسابور اجتمع صعاليك خراسان، و قد رأوا أن هذا الرجل سيكون له شأن عظيم و دولة عظيمة، و هو رجل شجاع و لن يغلبه غالب، و من الصواب أن نذهب إليه و نعيش تحت إمرته، و قدم على يعقوب سركب الكبير(2)يتقدمهم إبراهيم بن مسلم و إبراهيم بن إلياس بن أسد و أبو بلال الخارجى و إبراهيم بن أبى حفص و أحمد بن عبد اللّه الخجستانى(3)و رفاقهم و جماعاتهم فأكرمهم و خلع عليهم من نعمه و اصطحبهم إلى سجستان، و أمر أن يحضروا رأس عبد الرحيم الذى كان قد قتله الخوارج، فأمسكوا بها و أحضروها، و بعد ذلك أرسل يعقوب الرسل و الرسائل إلى المعتمد أمير المؤمنين و الموفق أخيه و ولى عهده، و كانت كنيته أبا أحمد و ذكر فى رسائله القبض على محمد بن طاهر و أرسل رأس عبد الرحيم فلم يرق لأمير المؤمنين القبض على محمد بن طاهر، و أنكره و لكنه


1) يقول الطبرى فى أحداث سنة 260 ه مضى عبد اللّه من طبرستان إلى الرى و طلب مخبأ من صلاب عامله و مضى يعقوب إلى الرى و كتب إلى صلاب قائلا أرسل عبد اللّه إلىّ و إلا حاربتك

2) ذكر الطبرى و غيره هذا الشخص و هذه الطائفة باسم بنى شركب و يقول ابن الأثير: كان بنو شركب ثلاثة أخوة إبراهيم و أبو حفص و أبو طلحة أبناء أبى مسلم و كان إبراهيم أكبرهم.

3) أحمد بن عبد اللّه الخجستانى كان سائس حمير و لكنه وصل من هذه الحرفة إلى افمارة و خجستان فى جبال هراة و هى من توابع بادغيس( نظام العروض السمرقندى، جيهار مقاله. ترجمة 5: عبد الوهاب عزام و زميله ص 93( القاهرة 1949).

قبّل رأس عبد الرحيم، و أمر أن يطوفوا بها فى بغداد و نادى مناد هذه رأس من كان يدعى الخلافة و تله يعقوب بن الليث و أرسل رأسه إلينا.

ورد أمير المؤمنين على الرسائل بكلام لطيف لأنه لم تكن له حيلة أكثر من ذلك، و قد عظمت شوكة يعقوب و رأى من الصواب أن يستميله إليه، و لما عادت الرسل أراد يعقوب الذهاب إلى فارس يوم السبت لاثنى عشر يوما بقين من شعبان سنة إحدى و ستين و مائتين، و استخلف أزهر بن يحى على سجستان، و كان مع يعقوب فى هذا السفر على بن الحسين بن قريش و أحمد بن العباس بن هاشم و محمد ابن طاهر، و عندما وصل يعقوب إصطخر جاء إليه الخليفة محمد بن واصل و سلمه القلعة و خزانة محمد بن واصل و ماله، و كان محمد بن واصل فى الأهواز، فاستولى يعقوب على هذه الأموال و الأسلحة كلها و قوى بها الجيش و خلع عليه و أعطاه أفضاله و لا طفه و أحسن إليه بالقول و الفعل و كان محمد بن زيدوى خليفة ليعقوب على قهستان، ثم عزله يعقوب عنها فغضب و قصد كرمان و من هناك مضى إلى محمد بن واصل و أظهر له خلافه مع يعقوب و شجع محمد على محاربة يعقوب و هيأ الأمر للحرب.

حديث محمد بن واصل مع يعقوب و محمد زيدويه‌

و لما اقترب يعقوب قال محمد زيدويه لمحمد بن واصل: لا أرى من الصواب محاربته الآن، فلقد اشتد عوده و تغيرت الأحوال من بعدى، و لم يأمره محمد، ثم انفصل محمد بن زيدويه عنه و استولى على نواحى فارس و قراها، و هناك استقر مع جيشه و أخذ من الناس المال، ثم جاء محمد بن واصل ليحارب يعقوب، و وصل إلى بنوبند جان" و أرسل من هناك رسولا و هو بشير بن أحمد إلى يعقوب فأمر

يعقوب جيشه أن يختبئوا فى الأماكن التى لم يروها، و لما جاء الرسول إلى يعقوب لم ير أحدا مطلقا سوى غلمان صغار، فأكرم يعقوب الرسول و قال له كلاما طيبا و أعطاه العطايا و قال: إننى مضيت من هنا إلى سجستان و لم أحضر جيشا و جئت بعدد من الغلمان معى حتى يوقن محمد أننى جئت أنشد الصداقة حتى يتحد معى و هو أعظم رجل فى إيران و خراسان، و ما أصنعه كله إنما هو بأمر منه، و يعلم أن أحمد بن عبد اللّه الخجستانى كل معى ثم فارقنى فلابد أن يعطينى جيشا حتى الحق بالخجستانى فإنه فسد على خراسان كلها و ما قمت به كله صار هباء منثورا فرجع الرسول مسرورا، و أخبر محمد بن واصل بما رأى و قال إن هاجمته ستقتلعه من الدنيا فى لحظة واحدة حتى لا يقول أحمد إن جيش يعقوب بن الليث قد تنحى عنه و كان معه غلمان صغار غير محنكين فركب محمد و قصد يعقوب و خرج يعقوب أمامه و وصلوا إلى بيضا و نشبت بينهما حرب ضروس و لم يكن يعلم محمد أن هناك عشرة آلاف فارس يتبعون يعقوب و كان مع محمد بن واصل ثلاثون ألف فارس و مع يعقوب خمسة عشر ألف فارس و رأى محمد بن واصل أن عشرة آلاف رجل من رجاله قتلوه فى مكان واحد و انهزم محمد بن واصل و مضى و لحق به عند زمبير كان(1)من خلف ظهره و مضى فى أثره، حتى دخل الجبل ثم أسره مع عشرة آلاف رجل كانوا فى ذلك المكان وسط الجبل و صعد الجبال الأخرى، و نزل يعقوب فى رامهرمز، و أرسل المعتمد إسماعيل بن إسحاق القاضى إلى يعقوب رسولا فى سنة اثنتين و ستين و مائتين، و قدم عبد اللّه بن الواثق على يعقوب و رحب به و فى العام نفسه مات و هو ضمن جيش يعقوب، و أسند المعتمد ولاية ما وراء النهر فى العام نفسه إلى نصر بن أحمد بن أسد بن سامان السامانى، و كان أبو


1) رم بيزنجان وردت فى الطبرى بعد أحداث سنة 261 ه بعد معركة هزيمة محمد بن واصل على حدود مدينة البيضا فى فارس و يطابق الطبرى تاريخ سجستان، فى هذه الحادثة يقول الطبرى و فى هذه السنة أوقع أصحاب يعقوب بأهل زم موسى بن مهران الكردى لما كان مما لا تهم لمحمد بن واصل فقتلوه و انهزم من مهران.

محمد الموفق ولى عهد المعتمد، و طلب إلى تجار بغداد أن يجمعوا له تجار خراسان و حجاجها، و استقبلهم و ذكر لهم رسالة أمير المؤمنين، و جاء فيها أن أمير المؤمنين أرسل إسماعيل بن إسحاق القاضى إلى يعقوب بن الليث مع عهده و لواء خراسان و طبرستان و جرجان و فارس و كرمان و السند و الهند و شرط مدينة السلم و خلع عليه الخلع، و قدم إسماعيل القاضى على يعقوب بناء على قول الموفق للناس، و كان يعقوب فى رمهرمز، و أكرم إسماعيل و خلع عليه ورده مسرورا، و جاء محمد بن زيديه من فارس إلى خراسان، و اتجه من هناك إلى قهستان، و اجتمع مع الفارين حول محمد بن واصل، و مضى محمد بن واصل إلى نسا و من هناك مضى إلى سيراف(1)و أرسل يعقوب عمر بن عبد اللّه مع ألفى فارس فى أثره و مضى فى أثره عزيز بن عبد اللّه و استولى على متاعه و هزمه و تعقبه و ركب محمد بن واصل السفن و استقر فيها و مضى فى البحر، و لم يكن للسفن شراع و لا محركات لأنها كانت سفينة صيد، و كان طول الليل يتجول فى السفينة حتى بلغ شاطئ سيراف عند الفجر، و كان ثمة أحد العظماء يقول له الأكراد الراشدى خرج و اعتقل محمد بن واصل و من معه و هجم الفارس نحو عزيز بن عبد اللّه و أدركه و أرسل عزيز غانم السبكرى الذى كان قائدا للخوارج ليحضر محمد مكبلا، و جاء به عزيز مقيدا على بغل عند يعقوب حاسر الرأس و ذلك فى المحرم من عام ثلاثة و ستين و مائتين(2)، و رغب على بن الحسين بن قريش فى الاستئذان لكى يرى محمد بن واصل على تلك الحال فأذن له حتى رآه، و أمر بحبس محمد بن واصل، ثم أرسل شخصا إلى محمد بن واصل قائلا أمره حتى يفتحوا باب قلعتك، قال الأمر لأخى و كانت له قلعة على قمة الجبل الذى استولى عليه و ما كان ذلك فى


1) سيراف: مدينة عامرة على خليج أرس و كانت ميناء الهند و تعد من توابع أعمال أردشير خوره.

2) يقول الطبرى فى أحداث سنة 163 ه كل عزيز بن السرى من أصحاب يعقوب و أسر محمد بن واصل و يعرف من أحداث تاريخ سجستان أن عزيز هذا من صعاليك خراسان الذين انضموا إلى يعقوب.

الأماكن، ثم مضى خلف بن الليث إلى أسفل القلعة و صاحوا، و ارتفع نظره إلى قمة هذه القلعة و نظر و قال: يا محمد بن واصل افتح باب القلعة، و ألقى الحارس سيفا و بعض الحطب من هناك و صاح قائلا: اقتلوا محمد بهذا السيف و أحرقوه بهذا الحطب فأنا لن أفتح باب القلعة، فأحضره خلف بن الليث و سلمه يعقوب إلى يد أشرف بن يوسف فعلقه من رجل واحدة حتى قال: لدى علامة أقولها حتى يفتحوا باب القلعة، و مضوا حتى أرسلوا غلاما بهذه الإمارة و فتحوا باب القلعة، و لبثوا ثلاثين يوما فى كل يوم منها يحملون الدراهم و الدنانير و البسط و الديباج و السلاح القيم و الأوانى الذهبية و الفضية على خمسمائة بغل و خمسمائة جمل فى كل يوم من الصباح حتى المساء سوى ما تبقى من بسط صوفية لم تمسها يد إنسان(1)، ثم مضى يعقوب من هناك و حمل هذه الأموال كلها إلى يوساج حتى(2)وصل" شيراز"، و خلع عمرو أخاه عنها غاضبا و قبض على محمد أخيه و سلك طريق سجستان، و استاء يعقوب من هذا، و أرسل يعقوب محمد بن واصل إلى القلعة مقيدا و حبسه هناك، و خرج إلى طريق الأهواز، و كان أبو معاذ بلال بن الأزهر فى المقدمة، و نزل فى جندى سابور سنة أربع و سبعين و مائتين، و أرسل على المقدمة جيشا، و جاء أحمد المولد والد سرانى و سعيد بن رجا الحصارى و صالح بن الوصيف إليها جميعا، ثم قال له جاسوى ربما قد وصل إلى معسكر الجيش و جاءوا جميعا بمكر. فأمر بهم جميعا أن يقتلوا و هو لم يكن هناك، و أرسلت الرسل من التركستان و الهند و السند و الصين و بلاد الصين و زنك و الروم و الشام و اليمن، و كانوا جميعا يهدفون من وراء الرسائل و الهدايا إلى الدخول فى طاعته، و استقر و أقام هناك حتى وصلوا جميعا، و وهبهم الألقاب و الخلع، ثم عادوا و دانت الدنيا كلها


1) ذكر الطبرى اسم قلعة محمد بن واصل( حزمه) و يقول: فبعث إلى حزمة بن واصل و أخذ ما كان فيها( الطبرى ج 3) و ذكرها الإصطخرى( سعيدأباد).

2) ذكره مؤلف هذا الكتاب بعد أربع صفحات من هذه الصفحة( بوساج) و هو من عمال الخليفة و كان من أصفياء يعقوب بن الليث.

له و أطلقوا عليه ملك الدنيا، و بلغ أحمد الموفق الخبر عن كيفية هذه الحالة و تعلقت به قلوب رجال العالم لكونه كان رجلا عدلا و أينما ولى وجهه لم يغلبه أحد، و كتب الرسائل ليعقوب أن يتفضل بالحضور ليزورنا و طالما أنت حارس الدنيا فإن الدنيا كلها تابعة لك و نحن نصدع بما تأمر به و أنت تعلم أننا اكتفينا بالخطبة و نحن من أهل بيت المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و أنت تعمل على تقوية دينه و قد غزوت ديار الكفر فى الهند و سرانديبها حتى أقصى بحر المحيط و دخلت الصين و الماحين، و اتجهت إلى التركستان و الروم، و خرجت من التركستان و أثر سيفك واضح على كفار الدنيا فى كل مكان، و أصبح حقك واجبا على الإسلام كله، و نحن أصدرنا الأمر كى تقرأ الخطبة باسمك فى الحرمين، و مثل هذه الآثار خير لك فى الدنيا، و لم يكن لأحد فى الإسلام بعد أبى بكر و عمر آثار العدل و الخير، و لم يكن هناك عدل كما فى عصرك و الآن نحن و المسلمون جمعيهم أعوان لك حتى تدين الدنيا كلها على يديك بدين واحد هو الدين الإسلامى الحنيف(1)، و مضى يعقوب و خرج المعتمد على اللّه من بغداد مع جيش، و عندما نزلت الجيوش يوم الخميس لأسبوع مضى من شوال سنة خمس و ستين و مائتين(2)خرجت مجموعة من جيش المعتمد و دارت بينهم حرب ضروس، و كان إبراهيم بن سيما على راية المعتمد على تلك الجماعة، حيث إنه هو الخليفة فعلموا أن ذلك مكر، ثم حمل عليهم يعقوب و قتل من جيش بغداد خلقا كثيرا، و انهزموا و ولوا الماء ظهورهم، و فاضت المياه و أبعدوا الماء عن جيش يعقوب إلى أن بلغه فمضى يعقوب من هناك أمام المياه، و فى هذا اليوم قتل من


1) لم يذكر فى أى تاريخ من التواريخ معنى لهذه الرسالة التى أرسلها الموفق إلى يعقوب و لكن كبار المؤرخين أقروا أنه منذ أن ظهر يعقوب فى فارس و المراسلات بينه و الموفق ولى عهد المعتمد لم تنقطع يقول ابن خلكان منذ أن خرج يعقوب من الأهواز قاصدا واسط ساء ظن موالى بنى السباس جميعهم بالخليفة الموفق و قالوا لعل الطرفين تحالفا.

2) ذكر الطبرى أن هذه الحرب حدثت يوم الأحد لليلتين خلتا من شهر رجب و ذكر ابن خلكان أنها وقعت يوم الأحد لسبعة أيام خلت من رجب.

جيوش يعقوب بن إسماعيل و محمد بن كثير و هم من العظماء، و عاد يعقوب من هناك إلى جندى سابور، و اتجه إلى غزو الروم لأنه كان يخرج كل عام لغزو بلاد الكفر، و عندما يعود من هناك كان يفتح ولاية للإسلام و جاهد ألا يجب قتل أهل التهليل مطلقا، و كان هكذا حتى وصل عمرو بن الليث إلى جندى سابور، و سعد مع يعقوب بالرسالة التى أرسلها فى أثره فسر يعقوب بمقدم عمرو.

وفاة يعقوب بن الليث فى جندى سابور

ثم مرض يعقوب هناك، و كان مرضه شديدا، و عندما تم له أمر الدنيا كلها لحق النقصان بالتمام، و عندما مرض قام عمرو بنفسه على خدمته أثناء مرضه حتى مات فى يوم الإثنين لعشرة أيام بقين من شوال سنة خمس و ستين و مائتين، و بلغ نعيه سجستان يوم الأحد لاثنى عشرة يوما باقية من شوال سنة خمس و ستين(1)و مائتين، و دامت مدة إمارته سبع عشرة سنة و تسعة شهور، و كان له عمال فى خراسان و سجستان و كابل و السند و الهند و فارس و كرمان، و خطبوا له فى البحرين سبع سنوات، و دان الناس فى مختلف الأماكن و امتثلوا لأمره، و كانت بلاد الكفر ترسل إليه فى كل عام الهدايا، و كانوا يسمونه ملك الدنيا لمدة طويلة من الزمان و إذا أحصيت مناقبه كلها لكانت قصصا كثيرة و لطال هذا الكتاب أما حروبه مع عظماء الإسلام فقد ذكر منها قدر و سيرته الطيبة و عدله معروف و معروف ماذا صنع لأهل الدنيا فى عصره.


1) ذكر الطبرى و ابن الأثير: أنهم كتبوا بعد حرب دير العاقول و قبل موت يعقوب الوقائع التى حدثت فى الأهواز و فارس ليعقوب و منها وقوع محمد بن واصل فى الأسر و اتفقوا على أن وفاة يعقوب حدثت فى شوال سنة 265 ه.

تولى عمرو بن الليث الإمارة فى شوال سنة خمس و ستين و مائتين‌

عند ما مات يعقوب كان عمرو و على أخوه حاضرين، و كان على أعظم منزلة و أنفذ أمر على الجيش و لهذا قدم عمرو سجستان غاضبا و وصلها أول مرة حديثا و جرى حديث بين الأخوين و الجيش دام لمدة يومين اثنين و فى اليوم الثالث كانت شاهين(1)فى بيتو كوثر و قال لعمرو: يقول أخوك إنه خلع الخاتم من أصبع عمرو و قبل عمرو الأمر و أرضى الجيش و ندم على ذلك التباطؤ ثم بايع الجيش كله عمرو، و كتب عمرو رسالة إلى المعتمد بالسمع و الطاعة، و عندما قدم رسول المعتمد على عمرو، و جدد العهد على العمل فى الحرمين و بغداد و فارس و كرمان و أصفهان و الجبال و جرجان و طبرستان و سجستان و الهند و السند و ما وراء النهر، و قال نحن أعطيناك هذا الإسلام و الكفر كله على أن ترسل لنا كل سنة عشرين حملا كل حمل ألف ألف درهم، و كان الرسول أحمد بن أبى الأصبع، و قبل عمرو هذه الأعمال كلها من الرسول، و جعل عبد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر خليفة له على بغداد(2)

على الشرطة ببغداد و سامراء( الطبرى ج 3 ص 1936).

و خلع عليه، و أرسله هناك فى صفر سنة ست و ستين و مائتين، و أعطى ولاية الحرمين لنجع بن حاخ، و حاخ و قدم فارس ثم أرسل عمرو أعمدة ذهبية و مالا عديدا إلى المعتمد و اتهم أخا المعتمد المعتمد بالجنون و سجنه و جلس على عرش الخلافة فى أول سنة سبع و ستين و مائتين، و توفى المعتمد فى آخر سنة ست و ستين و مائتين فى سجنه.

1) شاهين واحد من قواد يعقوب بن الليث القدامى و كان من بتو و هى تابعة لرستاق نيشك.

2) كان عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر فى بلاط الخليفة و هو أخو محمد بن طاهر الخزاعى يقول الطبرى:

تلقى أمر وفاة المعتمد فى سجنه سنة ست و ستين و مائتين‌

اشارة

و أسند أبو أحمد الموفق هذا العمل إلى عمرو، و كان علوى ناجم(1)قد خرج من البصرة و منع جيش الموفق علويا من دخول الأهواز و أغلقوا الطرق، و أرسل عمرو إلى الموفق مالا كثيرا، و أقام العدل و الصلاح و نشرهما بين الناس فى فارس، و كان يهب الجيش الأشياء و يعطيهم الخلع، و ندم على بن الليث لأنه قال شيئا فى حق عمرو، و سمعه عمرو و قيد عليا، و أعطى عمرا ولاية فارس لمحمد بن الليث ابن روح، و قدم سجستان بنفسه و أخيرا طلب من محمد بن الليث و أحمد بن عبد العزيز أن يرسلا المال إلى الموفق و جعل صاعد بن مخلد محصلا لتلك الأموال ثم استأذن أبا ساج فى أن يذهب إلى بغداد فأذن له حتى وصل إلى جندى سابور، و مات هناك و سمع بذلك عمرو و تولى ابنه محمد بن أبى الساج على مكة و دخل عمرو سجستان يوم الأحد لثلاثة أيام باقية من رجب سنة ست و ستين و مائتين، و جلس فى المأتم و واساه الناس، و أطلق سراح على بن الليث و أعطاه مالا كثيرا و جعله مسرورا سعيدا و أثناء ذلك كان كل ما هو عظيم كان بفضل يعقوب و عندما مات يعقوب عقدوا العزم على العصيان، و طلبوا إلى عمرو أن يكونوا ملوكا للطوائف، ثم استخلف عمرو بن محمد بن الحسين الدرهمى أخا على الحسين الدرهمى خليفة على سجستان، و كان صهرا لعمرو لأنه كان زوجا لفاطمة ابنة عمرو، و كتب عمرو رسالة إلى أمير المؤمنين الموفق و طلب مشورته فى خراج سجستان الذى بلغ ألف درهم و نظر الموفق فى شأن الألف ألف درهم، و مضى عمرو إلى خراسان يوم السبت لثمانية أيام باقية من شهر رمضان سنة ست و ستين


1) علوى ناجم هذا كان صاحب الزنج المعروف و اسمه على بن محمد بن عبد الرحيم( من تعليقات بهار).

فى عدة و عتاد و شاكلة عظيمة من الثياب و السلاح و الخيل و الخزائن، و كان على يمينه محمد بن عمرو ابنه و على يساره أخوه على بن الليث، و أعطى محمد ابن الحسن الدرهمى مالا كثيرا فى ذلك اليوم، و عند ما وصل على نيسابور أعلن أحمد ابن عبد اللّه الخجستانى العصيان و حاصر نيسابور، و نزل عمرو على باب المدينة، و أرسل على بن الليث أخا عمرو إلى السجستانى شخصيا فى الخفاء قائلا: أنا صديقك و خالف أخاه، و عندما تحاربوا و كان الأمر على هذا الحال، و لم يعلم عمرو انهزم يوم الخميس لستة أيام مضت من ذى الحجة سنة ست و ستين و مائتين، و أغار السجستانى بجيشه كله على معسكر عمرو و عتاده و وقع فى أيديهم مال كثير، و دخل عمرو هراة و سجن أخاه على بن الليث، و وصل السجستانى متعقبا عمرو حتى هراة و حاصر هراة، و علم السجستانى أنه لا يمكن الاستيلاء على هراة من قبضة عمرو فسلك طريق سجستان و قتل خلقا كثيرا دون سبب فى فراة و قدم باب سجستان ليومين بقيا من ربيع الآخر سنة سبع و ستين و مائتين و كان محمد ابن الحسين الدرهمى عاملا عليها فحاصر المدينة، و كان دليل عمرو فى سجستان عبد اللّه بن محمد بن ميكال، و كان شريكه شارانم بن مسرور ففتحا بيت المال و وهبا للجيش النعم و الخلع و الصلات الكثيرة، و حافظوا على أهل المدينة و استمروا فى العراك، و أرسل عمرو من هراة رجالا و أموالا، و لم يكن للخجستانى علم بذلك قط و لما علم الخجستانى أنه لا يستطيع فتح المدينة أعطى الأمر بتخريب البلاد و الإغارة عليها و أن يخرب الربض(1)فى كل مكان ما استطاع لذلك سبيلا، ثم تدخل العوام فى الأمر و فى كل مكان وجدوا أتباعه قتلوهم، ثم بلغ الخبر إلى الخجستانى أن فضل بن يوسف قصد نيسابور كى يأخذ أمه من هناك و يستولى على خزائنه، فمضى من هناك عن طريق قهستان يوم السبت لعشرة أيام بقين من


1) الربض: هى الأماكن التى بنيت فى أطراف المدينة و القلعة و حدائق الفلاحين و طواحينهم و بيوتهم و أحيانا يجعلونها سورا كبيرا حول هذه المدن و يسمون هذا كله الربض.

ربيع الآخر سنة سبع و ستين و مائتين، و أثناء ذلك جاء أبو طلحة(1)منصور بن مسلم و محمد بن زيدويه عند عمرو فى هراء فخلع عليهم و أكرمهم، و أعطى لهما مالا كثيرا و عندما سمع الأصرم بن سيف هذا الخبر جاء أيضا إلى عمرو و وجد الخلعة و الرعاية و الإكرام ثم جعل عمرو أبا حلمه منصور بن مسلم قائدا على جيش خراسان و عاد من هراة إلى سجستان يوم السبت منتصف ذى القعدة سنة سبع و ستين و مائتين و دخل المدينة ثم علم بأن خليفته على فارس لم يرسل الأموال التى كانت تحت تصرف عمرو و لهذا خالفه كما وصلت أحمد بن عبد العزيز رسالة صاعد بن مخلد الوزير القائم بأمر الأموال و فيما يتعلق بهذا الموضوع كتب عمرو رسالة إلى صاعد و ذكر له حديث الخجستانى، و فى هذا العام كان محمد ابن طولون قائد الجيش و أمير مصر جاء إلى مكة و كانت العادة أن يرفعوا علم عمرو على مكة أيام الحج بجانب المنبر، و عندما علم خبر تقصير محمد بن الليث أرسل فى حديث المال قال عمرو لقد اعترى الحديث عن جاهى بمكانه الملل و قصد فارس و بلغه الخبر كما دخل الخوف قلبه إذ إنهم طلبوا علم مصر حتى يرفع على اليمين المنبر أيام الحج و لم يرفعه خليفة عمرو فى مكة، و فى النهاية طال الحديث و دارت رحى الحرب و نصر أهل مكة خليفة عمرو، و رفعوا علم عمرو على يمين المنبر جريا على العادة، ثم استخلف عمرو ابنه محمد بن عمرو على سجستان، و مضى إلى فارس لست أيام مضت من المحرم سنة ثمان و ستين و مائتين، و مضى أبو طلحة خليفة عمرو على" خراسان" إلى سرخس، و جاء الخجستانى إليه محاربا قتالا شديدا، و عاد أبو طلحة إلى سجستان منهزما، و لكن عاونه محمد ابن الحسين الدرهمى بالمال و الرجال، و أخبر عمرا فرد عليه عمرو برسالة، ثم ذهب إلى خراسان، و أرسل له العهد من جديد، و رجع أبو طلحة من خراسان إلا أنه كان


1) أبو طلحة هذا من بنى شركب و يعتبر الأخ الأصغر و هو فى الصباحة و الملاحة بلا نظير و أريقت من أجله الدماء و بعد أن قتل الخجستانى أخاه عاد الجيش و أصبح عظيما فى خراسان و أسر الخجستانى و له مع الخجستانى وقائع كثيرة( من تعليقات بهار).

مستاء و غير طريقه، و مضى إلى جربان، و لما جاء خبر قتل الخجستانى إلى جرجان أرسل محمد بن عمرو بن الليث خليفته فضل بن يوسف إلى هراة، و دخل هراة فى ذى القعدة سنة ثمان و ستين و مائتين، و عندما سمع عمرو الخبر أرسل رسالة إلى أهل هراة بطلب الطاعة و الولاء لفضل، و أرسل رسالة إلى فضل يطلب السعى و الاجتهاد، و لما علم رافع أن فضل استقر فى هراة أرسل محمد بن المهندى لحربه، و لما جاء محمد بن المهندى إلى هراة، أراد أهلها قتل الفضل، فعاد فضل إلى سجستان، و عاد رافع إلى مرو ليحارب أبا طلحة، و تحاربا هناك مدة من الزمن، و فى النهاية مضى أبو طلحة منهزما و مضى إلى تخارستان و جاء رافع إلى هراة و مكث بها مدة، ثم قال إن عمرو بعيد عن سجستان و يجب أن أمضى إليها لأستولى عليها و ليكن ما يكون، و مضى حتى فراة، و أنكر عظماء جيشه مكانه و عاد من هناك و أخذ معه قدرا من العلف و عاد إلى هراة، و فى تلك الأثناء رزق محمد بولد و أسماه طاهرا و ذلك يوم السبت لثلاثة عشر يوما بقين من شعبان سنة تسع و ستين و مائتين، و تم ختان طاهر فى سنة تسع و ستين و مائتين، و لما وجد طاهر أراد محمد بن عمرو زيارة أبيه فى فارس ليبشره بولده بنفسه، و أراد أن يجعل محمد بن الحسن خليفة على سجستان و مضى إلى فارس يوم السبت لثلاثة أيام مضت من المحرم سنة ست و سبعين و مائتين، و أرسل عمرو بن الليث نصر ابن أحمد بجيش أثناء الشتاء لحرب أحمد بن الليث الكردى، و مضى و حاربه و أسره و استولى على أمواله و خزائنه كلها، و جاء بها إلى عمرو و أرسل عتيق بن محمد إلى رامهرمز لمحاربة محمد بن عبد اللّه الكردى(1)و حاربه و أسره و أحضر ما كان لديه كله من خيول و متاع عند عمرو، و كان مع كل قائد من هذين القائدين


1) ذكره ابن الأثير محمد بن عبيد اللّه و كذلك الطبرى.

عشرون ألف فارس رفعوا راية العصيان و كان الاثنان من أبطال يعقوب(1)، و عندما قتل هذان الرجلان استقام أمر فارس و استقر، ثم أرسل الموفق العهد و المنشور و اللواء من جديد لعمرو على ديار الإسلام و ديار الكفر كلها، و أمر أن يكون الجميع تحت أمره و كل ما يفتح من بلاد الهند و الترك و الروم يكون تابعا له أيضا، و وصلت رسالة أحمد بن أبى الأصبع يقول فيها: لقد استقام الآن أمر فارس و العراقيين و العرب و الشام و اليمن و يجب العودة إلى خراسان، و يجب إرسال الغزاة إلى دار الكفر حتى تفتح، ثم استخلف عمرو نصر بن أحمد على فارس و كرمان، و جاء إلى سجستان، و بلغه خبر رفع من هراة، و أمر نصر بن أحمد بأن يرسل أربعة آلاف درهم للموفق و أن يحضرها معه محمد بن الليث، و دخل سجستان يوم الخميس لعشرة أيام مضت من جمادى الآخر سنة سبعين و مائتين، و مكث بها عدة أيام، و مضى يوم الإثنين ليومين مضيا من شعبان سنة سبعين و مائتين إلى خراسان، و طلب جميع قادة خراسان الدخول تحت إمرته، و استخلف محمد بن عمرو و ابنه على سجستان، و مضى إلى هراة، و حاصر رافع فى هراة، فتحارب عمرو معه، و فى النهاية مضى مهزوما فى شوال سنة سبعين و مائتين، ثم أرسل عمرو بلال بن الأزهر إلى نيسابور برسالة فعاد عظماء نيسابور إلى بلال، و أعلنوا الطاعة لعمرو كما أعلنها محمد بن ياسين و محمد بن إسحاق بن خزيمة" و عقيل بن عمرو" و" المهدى بن محسن" خليفة الرافع على بيشاور، عند ما علم بهزيمة" رافع" جعل الخطبة باسم عمرو، و مضى رافع من هراة إلى مرورود و كتب الرسائل إلى عمرو معلنا فيها أنه عاد إلى طاعته و ندم على ما وقع منه و طلب منه العفو، و مضى أبو طلحة من تخارستان ليأتى إلى عمرو، و لما رأى رافع فى الطريق انضم إليه و قصدا عمرو معا، و استقرا فى مرو، أبو طلحة داخل


1) إن هذين الشخصين لم يكونا من رجال يعقوب بل كانا من الأمراء و أبناء العظماء، و كان كل واحد منهم يعتبر نفسه أميرا على الآخر، و كانوا من سادة زموم، و قد ذكر الإصطخرى شجرة نسبهم ضمن تقريره على إقليم فارس( من تعليقات بهار).

المدينة و رافع على أبوابها، و لما مضت عدة أيام أغار بيت أبو طلحة على رافع ليلا و قتل معظم جيش رافع و نجا رافع بنفسه و أراد الذهاب إلى نيسابور، و استقر أبو طلحة فى مرو، و كان عمر يكتب إلى أبى طلحة الرسائل الطيبة و يمنيه بأطيب الأمانى و لكنه لم ينصع لأمر عمرو. و كان بلال بن الأزهر و فضل بن يوسف ضمن أفراد الجيش فى نيسابور، و أرسل عمرو قائلا يجب أن تتبعونى إلى مرو و هجم على مرو بنفسه بناء على مشورة أبى طلحة و خرج أبو طلحة بجيش جرار، و قاتل قتالا عنيفا و لكنه هزم بعد أن قتل من رجاله ما يقرب من سبعين ألف رجل، و سلك أبو طلحة الصحراء مع من بقى من جيشه و تفرق جيش عمرو و أسر كثيرا، و جن الليل فرجع، و غادر فضل بن يوسف و بلال بن الآزهر نيسابور بناء على أمر عمرو، و جاءت رافع الفرصة سانحة فدخل نيسابور، و علم عمر بذلك فقدم من مرو إلى نيسابور، و خرج رافع معلنا الحرب و مع أول هجوم لجيش عمرو مضى مهزوما فى أول يوم من شوال سنة إحدى و سبعين و مائتين، و مكث عمرو مدة فى نيسابور، ثم عاد إلى سجستان و دخلها يوم الخميس لثمانية أيام بقت من ذى الحجة سنة إحدى و سبعين و مائتين، و قتل علوى ناجم بالبصرة فى صفر سنة سبعين و مائتين، و كان قد ادعى أربعة عشر عاما و أربعة عشر يوما دعوة النبى صلى اللّه عليه و سلم، و كان قد قتل على يديه فى حروب هذه الدعوى خمسمائة ألف رجل من أهل التهليل، و اجتمع حوله جيش كثيف و فى سنة إحدى و سبعين و مائتين بدأ صاعد ابن مخلد و هو فى أعتاب الخليفة فى ذم عمرو بن الليث، و كان أحمد بن عبد العزيز قائدا لجيش يعقوب مولاه و على كرمان و فارس و أعطاه العهد و المنشور، و لما علم نصر بن أحمد بذلك من فارس قدم إلى كرمان و علم عمرو فأرسل عمرو من حسن الدرهمى على رأس جيش لمساعدة نصر بن أحمد لكى يحاربوا أحمد بن عبد العزيز و عندما وصل على بن حسن الدرهمى هناك كانت الحرب دائرة، و انهزم نصر ابن أحمد، و باشر أحمد بن عبد العزيز العمل بجدية، و أغار بكر بن عبد العزيز أخوه على قلعة فارس و ضربها، و اقتلع أبوابها و أرسلها إلى أصفهان،

و مضى مصعد بن مخلد بنفسه خلف أحمد بن عبد العزيز و قدم على بلاد فارس و استقر فى شيراز، و مضى أحمد بن عبد العزيز إلى سباهان، و جاء أبو طلحة عند عمرو فى سجستان فى أمان، و لما رأى عمرو الأمر كذلك استخلف أبا طلحة على خراسان من قبل ابنه محمد بن عمرو و سلمه خراسان كلها إلا" هراة" و" بوشنك" اللتين قد أعطاهما إلى مهدى بن محسن و مضى بنفسه تجاه فارس، و أرسل محمد ابن عمرو ابنه على مقدمة الجيش و ذلك فى أول يوم من المحرم سنة اثنتين و سبعين و مائتين، و لما سمع صاعد بن مخلد خبر عمرو، أرسل" ترك" عباس" مع ثمانين ألف فارس لمحاربة عمرو، و مضى خلف بن الليث عنه و هو غاضب متجها إلى بلاط الخليفة و أكرمه الخليفة و جعله قائدا على ألفى فارس، و لما اجتمعت الجيوش كان محمد بن عمرو على المقدمة، و كان عمرو على المؤخرة، فتحركت عاطفة العربى لدى خلف بن الليث و لم يشأ أن تلحق الهزيمة بجيش عمرو و ابنه و أهل سجستان، و قال لقائد الجيش قولا لينا و منى عمرو بأطيب الأمانى و منحه بعض الأشياء لكى يتحدا معا، ثم أغار على ترك بن العباس نفسه و ذلك الجيش الذى كان تابعا لأمير المؤمنين، و قضى على الجيوش جميعها، و استولى على أمواله و خزائنه و جياده و مصانع أسلحته و مضى صوب" صاعد بن مخلد" تاركا ترك بن العباس مهزوما، و لما أتم خلف هذا العمل قدم إلى محمد بن عمرو مع ألفى فارس و ألف رجل سجزى، و لما قام بهذا العمل فى غيبة عمرو(1)، و وقعت له الهزيمة و قدم" سيرجان" و استولى المعتضد على فارس، و فى أثناء ذلك كان رافع بخراسان و كان


1) يوجد بياض فى المتن و يبدو أن شيئا سقط من هذا الموضع من أصل النسخة، و لكن لم يشاهد هذا الخبر فى كتب التاريخ. يقول ابن الأثير فى أحداث سنة 241 ه: فى العاشر من ربيع الأول كان ابن عسكر الخليفة أحمد بن عبد العزيز فى ذلك الوقت، و وقعت حرب بينه و جيش عمرو بن الليث، و استمرت الحرب من الصباح حتى الظهر، و انهزم جيش عمرو الذى كان يتكون من خمسة عشر ألف فارس و مترجل، و جرح من كانوا فى مقدمة الجيش و قتل مائة رجل من البارزين فى جيشه، و أسر ثلاثة آلاف رجل من جنود عمرو( ابن الأثير- الكامل، ج 7، ص 129).

أبو طلحة خليفة محمد بن عمرو بن الليث فقصد رافعا و لما اشتد على رافع مضى إلى ما وراء النهر، و طلب العون من نصر بن أحمد فأرسل نصر أخاه إسماعيل ابن أحمد مع أربعة آلاف فارس لمساعدته، و لما التحم الجيشان سلك أبو طلحة طريق سجستان و وصل إلى هراة، و خرج مهدى بن محسن لمحاربته و حاربه أبو طلحة و لكنه عامله بالحسنى و أطلق سراحه- و مضى إلى سجستان بنفسه، و خرج" عبد اللّه بن محمد بن ميكال" و" شاران بن سرور" لاستقبال أبى طلحة، و جاءوا به إلى داخل المدينة و خلعوا عليه و أحسنوا إليه و أرسلوا إلى عمرو رسالة فرد عليها، و طلب أبو طلحة و مضى أبو طلحة إلى هناك و وصل إلى عمرو فى سرجان، و دب الخلاف بين المعتضد و صاعد فى فارس و طلب الموفق المعتضد من فارس، ثم اتجه عمرو إلى شيراز فهرب صاعد متجها إلى العراق.

استيلاء عمرو على فارس للمرة الثانية

استولى عمرو على فارس و أرسل الموفق رسالة إلى عمرو يقول فيها ينبغى أن ترسل إلىّ مالا مقبولا و أرسل ابنك فأرسل عمرو الجيش إلى برمان(1)و أرسل محمد بن عمرو على المقدمة و أبا طلحة فى إثره و أرسلوا الجيوش بعد فرج، و لما وصل الخبر الموفق خرج بنفسه مع مائة و خمسين ألف فارس، و لما علم محمد ابن عمرو بذلك رجع- و رجع أبو طلحة مع جيش عظيم، و مضى نحو الموفق، و عندما عاد أبو طلحة و جيشه قدم عمرو إلى كرمان و جاء الموفق فى إثره و مضى عمرو إلى صحراء" كرمان" و عند ما وصل" براشدى"(2)مرض محمد بن عمرو


1) برجان: كانت موضعا من خور اردهير فى فارس و حاضرتها شيراز.

2) براشدا و راشان: مكان بين كرمان من و سجستان ملح التربة و فيه بشرماء، و بينهما و بين زرنج ثلاثة و عشرون فرسخا.

و مات هناك يوم الجمعة لأحد عشر يوما بقين من جمادى الأولى سنة أربع و ستين و مائتين، و كان يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث قد ولد فى هذا الشهر نفسه أيضا ليلة الأربعاء لاثنى عشر يوما مضت من جمادى الأولى سنة أربع و سبعين و مائتين، و دخل عمرو سجستان يوم الإثنين لليلتين مضتا من جمادى الآخر سنة أربع و سبعين و مائتين، و أخذ الموفق فى كتابه الرسائل الرقيقة إلى عمرو للصلح، و كان قلب الموفق قد انشغل بحديث الشام و مصر لأنه علم أنه عندما يعلن عمرو العصيان سيعلنون عصيانهم أيضا، ثم أرسل أحمد بن أبى الأصبع برسالة من كرمان إلى سجستان حتى يقاطعه المسلمون جميعهم، و دخل أحمد ابن أبى الأصبع سجستان يوم الجمعة لسبعة أيام مضوا من صفر سنة خمس و سبعين و مائتين، و قد أكرمه عمرو كثيرا و أنعم عليه و أقطعه كرمان و فارس و خراسان بعشرة آلاف درهم، و كانت سجستان خاصة به، و قد أحضر الخلعة و اللواء و العهد و أعطاه إياها و قرأ العهد على الناس و أعطى عمرو أحمد بن الأصبع خمسمائة ألف درهم و أعاده بالحسنى، و أعطى لعمرو ضعف ألف ألف درهم من تلك الأموال التى كانت للناس فى جيش الموفق- و أرسل عمرو السبكرى(1)إلى بغداد بالهدايا النفيسة للموفق، و مضى معه أحمد بن أبى الأصبع إلى ذلك المكان، و وصل السبكرى بغداد فى ذى القعدة سنة خمس و سبعين و مائتين، و أصدر الموفق أمرا فى بغداد أن يكتب اسم عمرو على الأعلام و الرايات و السهام و التروس و على أبواب البيوت و الدكاكين كلها، و أرسل عمرو بلال بن الأزهر إلى فارس لخليفته، و أرسل عبد الغفار بن جليس لجمع مال الخراج من هناك و مكث بسجستان مدة، و أحسن بلال أداء هذا العمل حتى قصد عمرو فارس ثانية و استحلف أحمد بن شهفور بن موسى على سجستان فى أمور الحرب و الصلاة و الخراج و الوكالة


1) السبكرى: كان عبدا ليعقوب بن الليث الصفار، و هو من أسرى الخلع، و هو يشبه طغرل الكافر بنعمة آل سبكتكين الذى أسقط أسرة مولاه، و سوف يذكر الكتاب السبكرى فى الصفحات القادمة.

و جعل شهفور أفراد مرد مساعدا له فى الوكالة و الخزانة، و عزل محمد بن عبد اللّه ابن ميكال و شادان بن مسرور عن الوكالة، و هذا الذهاب كان فى شهر ربيع الآخر سنة ست و سبعين و مائتين.

هروب على بن الليث من قلعة بم‌

و عندما وصل عمرو فارس كان على بن الليث سجينا محبوسا فى قلعة بم و اختلق حيلة خلص بها نفسه فى شهر رمضان سنة ست و سبعين و مائتين و من هناك جمع جماعة أتى بها إلى سجستان مهاجما فخرج أحمد بن شهفور و أزهر ابن يحيى بجبيس لحربه، و لما رأى الأمر كذلك لم يدخل معهما فى حرب و سلك طريق خراسان، و مضى إلى رافع بن هرئمة مخالفا لعمرو، و عندما وصل الخبر إلى الموفق أمر أن يمحو اسم عمرو من الأعلام فى بغداد فى شوال سنة ست و سبعين و مائتين، و لم يكن لعمرو علم بذلك و أرسل الهدايا إلى الموفق و كان الموفق فى أصفهان، و جاء لطلب أحمد بن عبد العزيز، و أرسل موسى المفلحى إلى فارس على رأس جيش جرار و لما علم عمرو قدم إلى كرمان، و مضى منضور بن نصر الطبرى على رأس جيش كثيف من سجستان إلى عمرو ثم مضى إلى فارس و عندما وصل إلى إصطخر، و هاجموا جيش موسى المفلحى، و دارت رحى الحرب و قتل عمرو كثيرا منهم و أسر و مضى موسى مهزوما، و كان ذلك فى يوم الأحد لأربعة عشر يوما بقت من ذى الحجة سنة ست و سبعين و مائتين، و تعقبه عمرو حتى وصل إلى البيضاء و أسر أربعة آلاف رجل من جماعة المفلحين، و أرسل الأسرى جميعهم إلى سجستان و أدخلوهم سجستان و أرسلوهم جميعا إلى القلاع فوجا بعد فوج و سموهم المفلحين، و دخل عمرو شيراز منتصرا فى غرة المحرم سنة

سبع و سبعين و مائتين، و بايعوا أبا العباس المعتضد باللّه ولى عهد الموفق، و أبلغ عمرو بأنهم أسقطوا اسمه من الأعلام فأسقط هو الآخر اسم الموفق من الخطبة فطلب أحمد بن عبد العزيز إذنا من الموفق بالذهاب لحرب عمرو فأذن له و جاء كامل العدد و العدة و عندما تقابل الجيشان، و رأى كل منهما الآخر رجع أحمد ابن عبد العزيز منهزما دون أدنى عراك فتعقبه عمرو حتى البيضا و أسر العديد منهم و استولى على ما لديهم من متاع و سلع و سلاح، ثم أرسل" بلال بن أزهر" إلى فارس و مضى هو إلى" الأهواز" و أرسل" منصور بن نصر الطبرى" إلى" نستر" و دخل وصيف الخادم فى أمان عمرو مع جيش عظيم و قسم عمرو الجيش فى الأهواز و كان وزير بغداد فى هذا الوقت إسماعيل بن بلبل و كان الموفى غائبا حيث كان قد مضى إلى الجزيرة، ثم كتب إسماعيل إلى عمرو رسائل طيبة و عاهده بالعهود الكثيرة قائلا: إن هذا كله لك لا خلاف فى الإسلام كله و لكن يجب حفظ حق أولى الأمر و أسرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) من أجل الدين يجب أن تعود الأهواز على الشاكلة التى ذكرناها فعاد عمرو، و عندما جاء الموفق إلى بغداد و علم بما صنعه عمرو مع أحمد بن عبد العزيز و أنه قدم الأهواز و أخذ مالها و انصرف قصد أن يمضى بنفسه إلى شيراز، و كان قد عقد العزم على هذا إلا أن مرضا شديدا أصابه و توفى يوم الخميس ثمانية أيام مضت من صفر سنة ثمان و سبعين و مائتين.

" وفاة الموفق و قبول المعتضد باللّه الخلافة"

و تولى أبو العباس المعتضد باللّه بن أبى أحمد الموفق باللّه الخلافة، و فى اليوم الذى مات فيه أبوه كان المعتضد سجينا، و لما تولى الخلافة كان أول عمل له

إصداره الأمر بقتل إسماعيل بن بلال الذى كان وزيرا لأن أباه أسر بتدبيره، و نصب عبد اللّه بن سليمان بن وهب وزيرا، ثم أرسل ابن إسحاق القاضى رسولا إلى عمرو و تم الصلح بينهما، و حقق رغبات عمرو كلها، و أمر أن يكتب اسمه فى الأماكن جميعها التى كان فيها و خطبوا له فى الحرمين، و أرسل له حملا جديدا و خلعا و هدايا كثيرة و اللواء لولاية" فارس و كرمان و خراسان" و" زابلستان و سجستان" و" كابل" و شرطة بغداد، و أصدر أوامره بأنه ينبغى أن يمضى إلى حرب رافع بن هرثمة فقبل عمرو و عاد من فارس فى سنة تسع و سبعين و مائتين، و جعل محمد بن شهفور بن موسى خليفة على فارس، و توفى خلف بن الليث ابن فرقد بن سليمان بن ماهان يوم الاثنين لإحدى عشر يوما بقيت من ذى الحجة سنة تسع و سبعين و مائتين.

و جاء عيسى النوشرى بلواء عمرو على هذه الولايات و أنعم عمرو عليه و أعطاه مائة ألف درهم، و دخل عمرو سجستان فى يوم النوروز، و كان ذلك يوم الخميس لثمانية أيام بقيت من المحرم سنة ثمان و سبعين و مائتين، و فى ذلك اليوم أسند منصب الوزارة إلى أحمد بن أبى ربيعة، و خلع عليه الخلع و مكث مدة فى سجستان، و مضى إلى خراسان يوم الإثنين غرة ربيع الأول سنة مائتين و ثمانين، و جعل أحمد بن محمد بن الليث خليفة له على سجستان، و عندما وصل إلى هراة، هرب عامل هراة الذى كان تابعا لرافع و كان رافع بالرى(1)، و لما سمع بقدوم عمرو مضى إلى" جرجان" ليدبر أموره هناك ليحارب، و أرسل عمرو بلال ابن الأزهر إلى قهستان ليحارب محمد بن رويدى، و صعد محمد بن زويدى الجبل فأغار بلال على قهستان جميعها ثم مضى بنفسه إلى هناك، ثم دخل محمد


1) يعلم من السطور التالية أن رافعا كان فى جرجان و ليس كرمان و لا يعقل أن يكون رافع فى الرى و سمع خبر مقدم عمرو إلى خراسان و أنه سوف يذهب إلى كرمان ليحاصره فى أرض الأعداء.

ابن زويدى فى أمان عمرو فأمنه و أنعم عليه و مضى من هناك إلى نيسابور و أرسل منصور بن محمد بن نصر الطبرى إلى مرد و أصدر أمرا بأن تعقب على ابن الحسين المروردى(1)أينما وجد إلا أن منصور بن نصر بن محمد داهن فى هذا الأمر فغضب عمرو عليه من هذا النحو، و وجد فى الرسالة أن منصور أراد ألا يأتمر بأمرنا فأرسل عمرو شخصا لكى يأتى به فهرب و مضى إلى رافع فقوى به رافع و مضى من جرجان إلى نيسابور.

هزيمة رافع بن هرثمة أمام عمرو بن الليث و كان على مقدمة جيش رافع أخوه محمد بن هرثمة.

انهزام رافع بن هرثمة أمام عمرو بن الليث‌

و كان على مقدمة رافع أخوه محمد بن هرثمة و أبو منصور بن مخليس و منصور بن نصر و الليث بن على، و معدل بن على و أولاد على بن الليث، ثم التقى الجيشان و قاتلا قتالا شديدا و مضى رافع إلى جرجان منهزما، و مضى عمرو فى إثره حتى يسفراين(2). و أسر الليث معدل بن على الليث و أحضرهما إلى نيسابور و تلطف معهما و خلع عليهما (من نعمه) و قال لهما قولا حسنا، ثم قال


1) كان على بن الحسين فى ذلك الوقت أمير مرو و كان رجلا عظيما و طلب فى هذا السفر المدد من الأمير أحمد أمير كوزكانان و لكنه لم يجد شيئا إلى أن لجأ إلى الأمير إسماعيل أمير بخارى الذى أكرمه إكراما عظيما و مضى من هناك إلى قرب و قتل أخيرا بيد ابنه( تاريخ بخارى نقلا عن تعليقات بهار).

2) بسرافين تخفيف الكلمة( به إسفراين) و تقع الآن بالقرب من بجنورد و سبزوار و بين نيسابور و هاتان الولايتان منطقة جبلية.

عمرو امضيا إلى أبيكما فقالا: لا بل نحن عبدان و نظل هنا و يأتى إلينا أبونا، و جعل بلال بن الأزهر أميرا على نيسابور، و أرسل محمد بن شهفور إلى مرو الرود لطلب على بن الحسينى فهرب على و مضى إلى بلغ، و اجتمع مع ابن فريغون(1)هناك حتى أن أبا داود الذى كان عاملا على بلخ طلب من عمرو لهما الأمان فأعطاهما عمرو الأمان، و لما قصد عمرو مروة جاء رافع إلى نسا و أرسل عمرو إلى قادة خراسان جملا (جمازة) و رسالة قائلا: امضوا فى طلب رافع، و لما علم رافع مضى إلى صحراء سرخس عمرو مهاجما فخرج نحو طوسى و مضى من هناك إلى نيسابور و دخل القلعة و قدم عمرو على نيسابور، و كان ذلك كله فى ربيع الآخر سنة ثلاث و ثمانين و مائتين، ثم رفع رافع الرايات البيضاء و ألقى السوداء و خطب لمحمد بن زيد و كان فى طبرستان، و ترك خطبة المعتمد و حاصر عمرو (الحمل) من كل ناحية و أرسل رافع جيشا للهجوم لعله يستولى على الحمل، و أرسل عمرو أحمد بن سمى و على شروين مع القادة، و احتشد الجيشان و تحاربا فهجم رافع بمساعدة جماعته فسمع و مضى أيضا للهجوم بمساعدة جيشه، و أرسل محمد بن بشر أمامه إلى باب الزاد فوصل كلاهما و مضى إلى ماء منصور بنى نصر الطبرى و كان هذا يوم السبت لخمسة أيام باقية من رمضان سنة ثلاث و ثمانين و مائتين و أمر أن يحفروا خندقا حول نيسابور و لكنه خرج من الخندق، و مضى رافع إلى سيزوار و تحاربوا هناك، و قتل خلق كثير، و انهزم رافع هزيمة قبيحة (ساحقة) و جاء منصور بن مخلس لاجئا إلى عمرو، و مضى عمرو بعد رافع حتى وصل إلى مراد، ثم عاد من هناك و أسر خمسة آلاف رجل و لجأ خمسة آلاف آخرون إلى عمرو، فرعى جانبهم و أحسن إليهم و أرسل على بن شروين و أحمد ابن سمى بجيش عظيم على أثر رافع، و دخل رافع فى صحراء خوارزم برجال


1) ابن فريغون هو أبو الحرث أحمد بن محمد الفريغونى صاحب كوزكانان، الذى طلب سبكتكسين منه يد ابنته، و زوج ابنته لابنه أبى نصر، و ذكر العتبى فى تاريخه هذه الأسرة و مدحهم بالعظمة و الكرامة، كما مدحهم بديع الزمان الهمذانى

قلت عدتهم، و لما خرج من هناك حاول غلمانه قتله و حاربهم، و فى النهاية حملوا المتاع و السلع و مضوا إلى تركستان، و جاء رافع خوارزم وحده، و بقى و دخل فى رباط حتى يتوب و يبقى و عرف أهل خوارزم و قتلوه فى هذا الرباط فى شوال سنة ثلاث و ثمانين و مائتين، و قتله محمد بن عمرو الخوارزمى الذى كان عامل عمرو على خوارزم، و كان عمرو فى نيسابور، و استقر أمر خراسان بقتل رافع و يقول محمد بن الوصيف هذا الشعر فى حديثه:

أيها القلب من طبران‌فإنها تظهر الفيروز من صدف المرجان

و رافع إذا ما خسف‌فمن فعل أبى حفص ملك الجيوش

ثم أرسل عمرو على بن الحسن(1)إلى جرجان و محمد بن شهفور إلى مرو، و جاء محمد بن عمرو الخوارزمى إلى نيسابور عند عمرو، بعد قتل رافع، و أعطاه عمرو الخلع، و أرسله إلى خوارزم، و كان قد جاء عراق بن منصور من ناحية إسماعيل بن أحمد إلى خوارزم، و كتب رسالة إلى على بن شروين، و مضى مع محمد بن عمرو إلى خوارزم، و مضوا بجيش إلى هناك و نزلوا فى الجانب الشرقى ناحية بخارى، و كان الحر شديدا، و لم يستطيعوا أن يمضوا إلى (الصحراء) فبقوا هناك حتى تحسن الجو، و عبروا جيحوث ليلة الجمعة آخر ربيع الآخر سنة خمس و ثمانين و مائتين، و خرج إسماعيل بن أحمد من بخارى و قال: عودوا لا يبغى


1) يقول أبو جعفر الترشخى فى تاريخ بخارى: إن على بن الحسين لم يتقرب من عمرو، و لجأ إلى الأمير إسماعيل فى بخارا، و يقول أيضا: إن أبا داود أمير بلغ و الأمير أحمد فريغون أمضيا إلى عمرو و قدما ولاءهما، و ليس معروفا هل قدم على بن الحسين إلى عمرو أم لا( من تعليقات بهار).

الحرب، فعادوا و جاء الخبر إلى عمرو فأرسل محمد بن بشر(1)بجيش كبير لمساعدتهم و ينبغى أن يحاربوا إسماعيل بن أحمد ثم اجتمعوا و قصدوا إسماعيل، و كان إسماعيل رجلا غازيا كما كان جيشه كله من الغزاة، و كانوا يصلون و يدعون و يقرأون القرآن ليل نهار فقصدهم أيضا، و اشتعلت حرب صعبة و قتل محمد ابن بشر و بقى على بن شروين و مجموعة كبيرة من الأسر و كان هذا فى آخر شوال سنة خمس و ثمانين و مائتين، و لما وصل الخبر إلى عمرو و كبر عليه هذا و صارت الدولة متأخرة و لهذا السبب ينبغى القتل فوجد العار من هذا و أخذته الحمية فكتب رسالة إلى المعتضد يطلب فيها ولاية ما وراء النهر و قال: لو يعطينى هذا العمل و رضى بهذا فأبعد علوى عن طبرستان، و إن لم يرض فأنا مضطر أن أبعد إسماعيل بن أحمد، و كتب هذا الموضوع إلى عبد اللّه بن سليمان، و لما قرأ عبد اللّه هذه الرسالة و كان صديقا لعمر و قال: أى حاجة لهذا العظيم بذلك و أنا أعلم أن هذا لا يرضى أمير المؤمنين و ذكر هذا ثانية فى مجلس المعتضد و عرض الرسالة فأحنى أمير المؤمنين رأسه، و دام على ذلك مدة ثم رفع رأسه فقال: أجب على رسالة عمرو كما طلب و أنا أعلم أن هلاكه فى هذا، و كتب إلى إسماعيل بن أحمد نحن لم نكف يدك عن هذا العمل و السلام، فأجاب عبد اللّه بن سليمان على رسالة عمرو فإن أمير المؤمنين وافق على ما طلبته و لكن لم يحسن فيه، و أرسل العهد و اللواء، و لما وصلت الرسالة إلى عمرو جمع الجيش ليمضى إلى حرب إسماعيل، و أرسل على الحسين درهم فى المقدمة، و كان هو فى جرجان، و أرسل محمد ابن حمدان إلى ابن عبد اللّه و كان هو والى زابلستان و لما كان هذا جاء الخبر أن ناسد الهندى و آلمان الهندى أصبح كل منهما ملكا و قدما إلى غزنين، و كان برد عالى عامل عمرو على عزنين حيث هزموه فيها فحزن من هذا و مضى حتى


1) يذكره ابن الأثير( محمد بن بشير) و يذكره ابن خلكان( محمد بن بشر) و يذكره الكرديزى( محمد بن بشر).

وصل إلى بلخ، و كلف إسماعيل بن أحمد مناديا ينادى فى ما وراء النهرين عمرا فقدم ليستولى عليها و يقتل الناس و يسلب الأموال و يستعبد النساء و الأولاد، و لما كان الأمر كذلك فيما وراء النهر(1)

و يقول بعض من المؤرخين: إنه كان مع إسماعيل عشرة آلاف فارس و كان ركاب خيولهم من الخشب و ذلك لشدة فقرهم.

فكل من كان من شجعان ما وراء النهر نهضوا معه ليحاربوا عمرا، و قالوا لنقتل و نحن شجعان خير من أن نأسر، و كان عمرو فى بلغ، و مضى إسماعيل إلى باب بلغ و حاربوا حروبا كثيرة ثم أرسل إسماعيل مجموعة من القادة و خوفهم من اللّه تعالى فنحن قوم غزاة و لا مال لنا، و هذا الرجل يطلب الدنيا دائما أما نحن فالآخرة ما ذا تطلب منا، فقاتلوا قتالا عنيفا حتى آخر يوم، و هبت ريح الصاعقة حتى أصبح النهار ليلا و هزموا جيش عمرو، و كان عمرو يحارب حتى(2)

( ابن الأثير- الكامل- ج 7- ص 165).

أسر يوم الثلاثاء ليوم باق من ربيع الآخر سنة سبع و ثمانين و مائتين.

1) و فيما يتعلق بهذا الأمر أن يكون مع إسماعيل رجال أكفاء، حيث إن أبا جعفر المزشخى الذى ألف كتاب تاريخ بخارى باسم الأمير نوح بن مصر يقول، عندما علم إسماعيل بالخبر علم أن عمرا يستعد للحرب فحشد جيشه و زوده بالزاد، و اتجه إليهم من كل ناحية، و أعطى للأكفاء مغيرهم الزاد، و هذا ما اشتد على القوم، و كانوا يقولون: بهذا الجيش سيحاربون عمرو، و لما علم عمرو بهذا الخبر سعد به.

2) فيما يتعلق بأسر عمرو بن الليث توجد روايتان أحدهما ضعيفة و الأخرى ذكرت فى بعض من كتب التاريخ حيث تقول هذه الرواية: إن عمرا اصطفاف الخيل و ألقى بنفسه فى صف إسماعيل و أسر و حبس فى الخيمة إلى آخر هذه القصة و هذه الرواية لم تشاهد فى الكتب الأمهات فقد ذكر الطبرى و ابن الأثير أن حاصر إسماعيل عمرو على باب بلخ لأنه قدم مع جماعة كثيرة العدد، و استولى على الطرق، و ندم عمرو على مقدمه و طلب الصلح مع إسماعيل و لكنه لم يقبل و حارب و تقهقر جيش عمرو.

بقاء عمرو بن الليث فى بلغ بيد إسماعيل بن أحمد و وفاة نصر بن أحمد

و فى هذا العام توفى نصر بن أحمد بن أسد بن سلمان سيد لسلمان فى سمرقند ليلة الجمعة لاثنى عشر يوما مضت من شوال سنة سبع و ثمانين و مائتين، و بعد أن بقى عمرو أسيرا مضى طاهر و يعقوب ابنا محمد بن عمرو مع القادة و الجيش إلى خراسان منهزمين، و اجتمع عمال خراسان كلهم و جاءوا إلى هراة و من هنا مضوا إلى سجستان، و جاء محمد بن شهفور إلى بست عن طريق كرمان، و بقى هناك طويلا، و جاء بلال بن الأزهر من فارس إلى كرمان ثم اجتمع جيش عمرو كله، و بايعوا طاهرا و أعطى طاهر الوزارة لأحمد بن شهفور، و جعل حكم المملكة فى يده، و فى هذا اليوم الذى بايعوا فيه طاهر كان فى خزانة أرك مبالغ متفرقة تبلغ ستة و ثلاثين حملا ألف ألف درهم غير الدنانير و الجواهر، و كانت الخزائن ممتلئة، و كان فى قلعة سبيهبد القلاع الأخرى كلها كنوز و خزائن، أما الثياب و السلاح و الخيول فلا يستطيع أحد حصرها كما كان فيها الضياع و العقارات و الخيول العظيمة و عشرة آلاف غلام فى القصر غير من هو فى الخارج، و جاء طاهر يوم الثلاثاء لثلاثة عشرة يوما بقين من جمادى الآخر سنة سبع و ثمانين و مائتين إلى سجستان و كتب أحمد بن شهفور رسالة إلى المعتضد و إلى عبد اللّه ابن سليمان و أخبرهما أن عمرو بقى أسيرا و أن الجيش بايع طاهرا، و استولى السيكرى على طاهر و على الجيش و أخذ كل شى‌ء و ما كان له أن يجعل أحمد بن شهفور وزيرا حيث إن الرسالة التى كان يكتبها يخفيها، و كان على بن الليث مختفيا فى سجستان و كان السبكرى متحدا (صفيا) له على سره (مطلع على سره) ثم حمل

القادة عنده و رفع الخلاف بين الجيش، قال واحد يجب أن يكون" طاهر" و قال الآخر كلا يجب أن يكون" علىّ" لأنه كان هو نفسه وصيا على يعقوب.

وصول رسالة عمرو

ثم وصلت رسالة عمرو من سمرقند على يد يوسف بن يعقوب النقيب يقول فيها إن شغلى (أمرى) يستقيم بعشرين حملا كل حمل ألف ألف درهم حتى يطلقوا سراحى، و أن يرسل هذا المال إلى أمير المؤمنين، و كان قد أنزل إسماعيل عمرو فى مقر نصر بن أحمد فى سمرقند، و لما وصلت الرسالة هنا لم يستحسنوا (يعجبهم) إطلاق سراح عمرو، و مرت الأيام حتى وصلت رسالة عمرو إلى طريق آخر، فإن ما كانوا قد قالوه و هو عشرون، و الآن أصبحت عشرة.

ينبغى أن يرسلوا هذا كله و ليس هذا خطرا، و لما وصلت هذه الرسالة القادة قالوا لطاهر و يعقوب ابنى محمد بن عمرو: اعلما ما الذى مضى وسط هذا إن عمرا يحمل هذا كله الآن فى قلبه.

و لم نحارب فى هذا اليوم حتى احتفل فإنه وحده الذى حارب و نحن لم نحارب و سلبوا ما كان معه. جئنا من هناك و ما مضى منا فى خراسان فى كل مدينة، و إجلاسك هنا لأنك طاهر و مبايعتك و العطية التى أعطيتها من خزينتنا و الحوادث الكثيرة وقعت منا ليست صلاحنا و صلاحك على آية حال حتى يكون له الخلاص عندما يخرج فلن تبقى و لا نحن، و إذا كنت ترضى بكل هذا فنحن لا نستطيع أن نعمل ما نريد أن نعمل، و لما كانت الحال هكذا جعل يعقوب أخاه خليفة على سجستان، و كان مشغولا باللهو و المتعة ليل نهار و أخذ عم السبكرى، و أصبح الحل و العقد كله فى يده، و قصد السبكرى قتل أبناء شهفور أحمد و محمد كليهما

و قدم (فضل) عبد اللّه بن محمد بن ميكال(1)ليشغل الوزارة، و كان سبب هذا أن أحمد بن شهفور كان وزيرا من جهة طاهر، و كان قد جلس محمد بن شهفور فى بست، و كان أحمد يكتب له قائلا: ينبغى أن تأتى إلى هنا حتى أقوم بمنصب الوزارة و أن تكون القائد الجديد، و أجاب محمد عليه قائلا: ليس من الحكمة أن نجتمع معا فى هذا الوقت فى مكان واحد و الصواب أن أبقى فى بست و أنت فى سجستان حتى نعلم ما يظهر فوضع هذه الدولة على حافة الهاوية، و فى النهاية لم يمض أحمد و جعل طاهرا على ذلك المكان حتى كتب رسائل مؤكدة إلى محمد شهفور حتى جاء إلى سجستان مكرها، و قد رعى طاهر جانبه و أحسن إليه كثيرا و قال: و عرض عليه منصب قيادة الجيش و لم يقبله حتى يروا تدبيرا حتى أرسلوا السبكرى إلى رخد و أن يبعدوه عن العتبة (القصر) و كتبوا له عهدا برخمد و كابل و أرض الهند و خلعوا عليه و لكنه لم يمض، و كان يتعلل كل يوم بعلة، و عرض أحمد بن شهفور فى أثناء الحديث عنقه بالجيش و فى العطية و سبب هلاكه هذا كله، و فى النهاية دبر الجيش ثم قالوا: ما دام محمد بن حمدان بن عبد اللّه حاضرا لا يمكن قتله، و أعطوا لمحمد بن حمدان أرض داور و بست، و كتبوا العهد، ثم جمع محمد بن حمدان بن عبد اللّه جيشا و ركب و جاء إلى العتبة (القصر) فخلع طاهر عليهم و أقسم ألا يعتذروا، و فى اليوم التالى صعد طاهر على سطح القصر، و اجتمع الجيش فى الميدان على باب القصر اليعقوبى و جاءوا ببدر من الدراهم و نثروها من على سطح القصر على الجيش و جمعوها و بهذا المعنى أرادوا إذا ما أسقط أحمد ابن شهفور اسمكم من الديوان فلن تخافوا فإننا نعطيكم الدراهم فأخذوا الدراهم و عادوا و فى اليوم التالى جاء حمد بن حمدان ليلتقى و سلم و عاد و مضى و أمسك الخادم دكاى يده و حمله (أوصله) إلى حجرته قائلا له اسمع رسالة الأمير قبل الذهاب حتى تعمل هذا العمل، و لما دخل الحجرة دخل الرجال و قتلوه، و كان أحمد


1) هو أبو الفضل الميكالى توفى سنة 436 ه و كان شاعرا و أديبا مشهورا فى خراسان، و يتصل نسب الميكاليين ببهرام كور( من تطبيقات بهار)

و محمود ولدا شهفور عند طاهر، و لم يكن لهم عن ذلك خبر، و لما عرف الجيش أن محمد حمدان قتل وقفوا منتظرين له، و لما خرج الاثنان (كلاهما) نهض الجيش و جردوا سيوفهم، و استلوا الخاتم من يده و قبضوا و نهبوا قصورهما، و أرسلوهم إلى القلعة مقيدين، و كان هذا كله تدبير السبكرى، و استخرج عليهما سيما الحيانى، و قتل سيما محمد بن شهفور فى طريق المطالبة بعد أن أخذ أمواله كلها، فقويت وزارة عبد اللّه بن محمد بن ميكال، و استقر الأمر كله للسبكرى و وصلت إلى الجيش الخلع و الصلات ثم أرسل طاهر و يعقوب حفص بن عمر الفراة إلى عمرو ليعتذروا عن عدم إرسال مال أحمد و محمد ابنى شهفور و استيلاء محمد بن حمدان على هذه المملكة و ظهر منهم الفساد فى الولاية و الخزانة حتى أنه لا يمكن القول فنحن بذلنا الجهد حتى رفعنا باسهم، و الآن تجتهد على أثر ما طلبه لنرسله ثم أرسل محمد ابن وصيف السجزى شعرا و هذه الأبيات من هذا الشعر، و لما قرأ عمرو هذه الأبيات يئس و صرف قلبه عن هذه الدنيا، و هذه الأبيات هى:

إن اجتهادى سبب العطاءإن كان هذا فعل القضاء فى عيب لها

الأزلية و الأبدية من صفات اللّه‌و العبد العاجز المسكين من هنا

إن أول مخلوق له الزوال‌فعمل الدنيا الأول و الآخر واحد

اقرأ قول اللّه فاستقم‌و اعتقدوا على ذلك أن تستقيم على هذا

و قال له حفص و أوقفه (و أخبره) على جالية الحال و أعاد له ما حدث كله، و لما مضت عدة أوقات (و بعد مدة) وصلت رسالة المعتضد إلى إسماعيل بن أحمد أن أرسل عمرا، و ما كان له إلّا أن ينفذ الأمر و إرسال عمرو و قال لعمرو: لا ينبغى أن تعتقل على يدنا، و إذا ما اعتقلت لا ينبغى أن أرسلت إلى هنا، و لا أريد أن يكون زوال دولتك على يدى. و الآن أنا أحفظ أمره و أرسلك على طريق سجستان مع ثلاثين فارسا، و اجتهد حتى يأتى شخص و يأخذك حتى يكون لى عذر و حتى لا يكون ضرر، ثم أرسله على يد أسناس الخادم و بقى ثلاثين يوما فى بنه(1)، و لم يقل أى شخص مطلقا فى خراسان و سجستان أن عمرو هنا و فى النهاية قال أسناس الخادم: أيها الأمير لا يطلبك أحد فى هذه الدنيا قال: أيها الأستاذ حينما كنت على رأس الملوك و أنا الآن على رأس الأطفال فأنا الآن مثل الأطفال الذين تخلصوا من يد الأستاذ، فالذين يريدون أن يبقوا هنا، ثم حمله إلى بغداد، و كان قد أرسل إلى المعتضد من ضمن الهدايا التى أرسلها إليه جملا ذا سنامين و هو فى حجم الفيل الضخم، و حملوا عمرا على هذا الجمل إلى بغداد، و لما رأى عبد اللّه ابن المعتز عمرا على هذا الجمل، و كان قد عرف أن هذا الجمل أرسله عمرو قال:

هذه الأبيات:

فحسبك بالصغار عزا و متعةيروم و يغدو فى الجيوش أميرا

حباهم بأجمال و لم يدر أنه‌على جمل منها يقاد أسيرا(2)

ألم تر هذا الدهر كيف صروفه‌يكون عسيرا مرة و يسيرا

ثم حمله (أحضره) المعتضد إلى حضرته، و أمل آمالا طيبة، و رعى جانبه و قصد أن يطلق سراحه و قال: إن هذا الرجل عظيم فى الإسلام و لم يفتح أحد مثله


1) بنه من مدن سجستان الصغيرة و هى تقع على حدود قهستان، و هى اليوم قصب بها مكتب تلغراف و قريبة من بندان.

2) يقول ابن خلكان فى مجلده الثانى ضمن أحوال الليث إن هذه القطعة تنسب إلى أبى على حسين ابن محمد بن فهيم المحدث، و يقول المسعودى فى هذا الأمر فى مروج الذهب ص 246 إنها تنسب إلى حسن بن محمد بن مهر و أضاف المسعودى هذا البيت:

فتوحا فى دار الكفر و خراسان و سجستان كلاهما ثغر و قد احتفظ بهما ثم قال:

احتفظوا به حتى نرى و مرض بمجرد أن شاهد عمرا و كان بدر الكبير سيئ العلاقة مع عمرو فقال المعتضد: يجب قتله لأنه يطمع فى ملك الدنيا بأسرها و لا ينبغى أن يكون فى الدنيا أحد يستطيع أن يدعى أنه أعظم منك فأمر بتدبير من بدر حتى يقتلوا عمرا فى الخفاء، و لما قتل عمرو ندم و أمر حتى يقتلوا بدرا و قد مات أيضا أبو العباس المعتضد باللّه يوم الأربعاء لخمسة أيام مضت من جمادى الآخر سنة ثمان و ثمانين و مائتين.

نهاية الأمير عمرو بن الليث و نهاية المعتضد باللّه و الآن نذكر بعضا من سيرة يعقوب و عمرو

اشارة

نهاية الأمير عمرو بن الليث(1)و نهاية المعتضد باللّه و الآن نذكر بعضا من سيرة يعقوب و عمرو

أول توكله يعنى ذكرنا يعقوب، فإنه فى أى عمل كبير لم يدبر أمرا مع أحد إلا قال: فى النهاية توكلت على اللّه تعالى ما الذى سوف يفعله و من باب التعبد كان


1) تضاربت الآراء فى مقتل عمرو بن الليث فقال البعض: إن المعتضد فى مرض موته بعد أن انقطع عن النطق طلب صافى الخرمى الذى كان من خواصه و وضع إحدى يديه على عينيه و وضع يده الأخرى على عنقه ففهم صافى أنه يجب قطع عنق الرجل الأعور و لما كان عمرو أعور لم ينفذ صافى الأمر لأنه كان يعلم أن المعتضد سيموت فى اللحظة و لما قدم الخليفة المكتفى بغداد سأل الوزير قاسم بن عبد اللّه عن حال عمرو فقال الوزير: إنه حى فسر المكتفى بذلك و كان عمرو قد أرسل إليه كثيرا من الهدايا و أراد أن يحسن إلى عمرو و هذا ما لم يعجب الوزير و بناء على ذلك أرسل شخصا فى الحال و قتلوا عمرا فى السجن و يقولون إنه فى وقت موت الخليفة نسوه فمات جوعا فى السجن أو أنهم جعلوا هذا وسيلة لقتله أما ما ذكر فى تاريخ سجستان عن خبر بدر الكبير ربما كان لا أصل له و هو شبيه بتدبير الوزير قاسم بن عبد اللّه لأن بدر المذكور قتل بلا ذنب بسبب رسائله و فصل هذا الخبر ابن الأثير فى كتابه الكامل و ليس بعيدا أن رواية هذا الكتاب كتبت فى سجستان و نسب قتل عمرو لبدر و قتل بعد من قبل الخليفة جزاء قتله لعمرو لأن مثل هذه الدسائس كان معمولا بها بين الدول و معمولا بها اليوم كذلك فإنهم يصيبون هدفين بسهم واحد( من تعليقات بهار)

يزيد فى الصلاة مائة و سبعين ركعة فى اليوم و الليلة من الفرض و السنة و من باب الصدقة، كان يتصدق فى كل يوم بألف دينار، و من باب الكرم و المروءة أنه لم يعط أقل من ألف دينار و مائة دينار و عشرة آلاف و عشرين ألف و خمسين ألف و مائة ألف، و أعطى دراهم كثيرة و أعطى خمسمائة ألف دينار لعبد اللّه بن زياد عند ما جاء عنده.

و من باب المنع أنه لم ينظر إلى أحد ممتنعا عن مشاهدته، لا ناحية مرأة و لا ناحية غلام، و ذات ليلة رأى غلاما من غلمانه فى نور القمر فتغلبت عليه الشهوة، فقال: ما الأمر فأنا أتوب و أعتق الغلمان، و لكنه فكر بعد ذلك أن هذا كله من نعمة اللّه، و لا ينبغى، و قال بصوت عال: و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم حتى استيقظ الغلمان كلهم، و كان قد عاد و فى الصباح كان الجميع مخزنين فى القصر، و لم يعلم أحد ماذا كان (ما الخبر) فأمر أن يحملوا السبكرى إلى النخاس(1)قال الخادم للسبكرى: يجب الذهاب إلى النخاس بأمر الملك قال: الأمر له و لكن ينبغى إعلان ذنبى (جريمتى) فمضى الخادم و قال: ما أعظم جرمه فأنا فى هذا لست حكيما و لا حمية التى وهبها اللّه لى حتى ألاحظ مثل هذا، حتى أقع فى يد شخص من الذين يسوقهم اللّه و لا يخافون علىّ، فقالوا ليعقوب، فقال أطلقوه، و لكن أبقوا شعره و طرته(2)و اجعلوه رئيس خدم القصر، و لا أريد أن يأتى إلىّ ففعلوا، و لم يأت إليه إلى ذلك اليوم الذى مات فيه أمير فارس قال: لعله لهذا الشغل قالوا:

البكرى فإنه رجل عاقل فكتبوا العهد و أعطوا الخلع قال: السبكرى إن العبد يمضى و لا يعلم ما الحال و قد ابيضت لحيته و طلب إذنا باللقاء و قابله و رعى جانبه و أعاده.


1) النخاس الكثير النخس بياع الرقيق بياع الدواب بالنخاسة بيع الرقيق والدا و أبا( المنجد).

2) هذه القصة قصة السلطان محمود مع غلامه إياز التى ذكرها نظامى العريض العروض فى جهار مقامه.

و لكن كان فى العدل فكان يجلس يعقوب فى كوشك (القصر) الخضراء(1)منفردا (وحيدا) حتى إن كان كل من له حاجة كان يمضى إلى الخضراء و كان يقول كلامه بلا حجاب (و كان يتحدث بلا حجاب) و يقضيها له فى الحال كما تقضى الشريعة (بمقتضى الشريعة).

أما فى العناية فكان يبحث الأمور، و كان جالسا ذات يوم فى الخضراء فرأى رجلا جالسا على رأس الطريق سينك من بعيد واضعا رأسه على ركبتيه، ففكر فى أن هذا الرجل محزون و فى الحال أرسل الحاجب قائلا: لم أحضر هذا الرجل لى فأحضره فقال له: حدثنى عن حالك فقال: ينبغى أن يخلوا الطريق للملك فأمر الناس أن يمضوا فقال: أيها الملك إن حالى أصعب من أن أقوله لك (أى حالى أصعب حتى أستطيع أن أقوله لك) إن قائدا من قواد الملك ينزل كل ليلة و كل ليلتين عند بنت لى من الثقب بلا رغبة منى، و من البنت و يفعل ما لا يليق مع البنت فما كان لى طاقة قال: لا حول و لا قوة إلا باللّه لم لم تقل لى امض إلى البيت، و حينما يأتى تعالى إلى هنا فى مكان الخضراء، و يأتى معك رجل معه سيف و ترس و ينتقم لك (ينصفك) كما أمر اللّه تعالى لغير الحافظين، فمضى الرجل و لم يأت هذه الليلة، و جاء فى ليلة أخرى و كان هناك الرجل و معه السيف و الترس و مضى معه و دخلا القصر، و قال له إن عبد اللّه حفظ على باب فارس، و كان هذا القائد فى قصر هذا الرجل، و ضرب به جعبة السيف فانشطرت شطرين و قال: اشعلوا المصباح و لما أشعلوا المصباح قال أعطنى ماء فشرب الماء قال: أحضر لى خبزا و أكل، فنظر الأب و كان يعقوب بنفسه ثم قال هذا الرجل باللّه العظيم مادمت أنا و أنت قلنا هذا الكلام فقد شربت ماء، و أكلت خبزا و كنت قد نذرت للّه تعالى أنى لن آكل حتى


1) الخضراء مكان مثل الميدان الأخضر كان الملك يقف على ربوة تشرف على هذا الميدان و العوام يصطفون ليعرضوا مظالمهم عليه.

يخلو قلبى من هذا الأمر قال الرجل: و الآن ماذا أصنع لهذا فقال: اقبض عليه فقبض على الرجل و أخرجه فقال: احملوه حتى نلقيه فى البالوعة قال: عودوا الآن و أمر فى الصباح أن ينادى مناد أمضوا إلى البالوعة (حافة البالوعة) لكى تروا غير الحافظين و انظروا إلى هذا الرجل.

أما عن دهائه فكان فى ذلك الوقت قد أرسل رجلا كاتبا قائلا له: امض من نيسابور إلى سجستان و تعرف على أحوال سجستان، و أقدم علىّ و قل ما عرفت، فجاء الرجل إلى سجستان، و عرف بأحوالها كلها و كتب بها نسخا و رجع و لما توجه إليه قال: كنت فى المظالم قال: كنت قال: هل اشتكى أحد من أمير الماء قال: لا، قال: (الحمد للّه) قال: هل مررت بنهر عمار قال: مررت، قال: هل كان هناك أطفال قال: لا، قال: الحمد للّه قال: هل كنت عند منارة كهن قال: كنت، قال: هل كان هناك قرويون، قال: لا، قال: الحمد للّه ثم طلق الرجل أن يبدأ الكلام (الحديث) و يعرض النسخ، قال يعقوب: عرفت و لا يجب أكثر من هذا فقام الرجل و مضى عند شاهين فى بتو(1)و قص القصة، قال شاهين: حتى نصل، و مضيا عند الأمير قال: إذا جاء هذا الرجل جاء بالأخبار فينبغى أن يقول، قال: إنه قال كل شى‌ء و سمعت أن أمر سجستان يرتبط بثلاثة أمور العمارة و الألفة و المعاملة و وصلت إلى هذه الثلاثة و سألت أمير الماء عن العمارة (و سألت أمير الماء فى الحديث عن العمارة) و فى المظالم لم يشتك أحد من أمير الماء قال: لا قال: عرفت فلا تأخير فى الحديث عن تأخير العمارة و ابتدأ أمر هذه السوق شى‌ء واحد و إذا ما وقع التعصب بين الفريقين واصل و سألت قال: لم يكن قال: علمت فإن الألفة على ما كان (فى المكان) و لا وجود للتعصب و الثالث هو معاملة العمال و الرعية و إذا


1) بتو اسم مكان فى سجستان و شاهين هذا كان منها و هو أحد أمراء يعقوب بن الليث و قد سبق أن ذكرنا اسمه

وقع على الرعية ظلم يدبرون أمرهم فى منارة كهن (القديمة) و هنا يجتمعون و يتظلمون و عندما لم يجدوا عدلا (أو إنصافا) يأتون إلى هنا و يدبرون الهروب، و لما لم يكونوا هناك علمت أنه لا ظلم للرعية، فعن أكثر من هذا أسأل و الآخر فقد قسموا التقويم ثلاثين لكل يوم عمل و أعط لكل غلام ثلاثين عصا و سهما و جعبتين فى أول كل يوم من الشهر، و أعطه فى يدى وضعه فى المساء فى الجعبة الأخرى و قل كم سهما أخذت فى كل يوم و كم تبقى و يخرج الغلام كل يوم سهما و كان يسلمه (يعطيه) يده فقال: كم لدىّ من السهام فقال: يعقوب أعطيت سهما مستقيما فيجب أولا تسويته و ذكرت عمل هذا اليوم و ما كان ممكنا أتممته من هذا الباب حتى حفظت بذلك تقويم اليوم و الشهر و السنة و كثيرا ما قلت إنهم بنود دولة العباسيين على الغدر و المكر ألا ترى أنه مع أبى مسلمة أبى مسلم و البرامكة و فضل سهل مع كل الخير الذى كان فى تلك الدولة ماذا صنعت و لا ينبغى لأحد أن يثق فيهم و قد مضيت للتجسس الغالب مع الحرس فى الأسفار و أنه لم يجرد سيفه مطلقا مع أحد من أهل التهليل و لم يقصده و قبل أن تبدأ الحرب أوردت حججا كثيرة، و استشهدت باللّه تعالى و لم تحارب دار الكفر حتى تعرض عليهم الإسلام، و لما اعتنق شخص الإسلام لم تأخذ ماله و لا أولاده و إذا ما أصبح بعد ذلك مسلما خلعت عليه و رددت عليه ماله و أولاده كما أنه فى ولايتك كل من كان له أقل من خمسمائة درهم لم تأخذ منه خراجا و تصدقت عليه(1).

حديث سير عمرو بن الليث و عمله و كيفيته‌

أما عمرو عندما توفى جهد أن يحفظوا أكثر ما يكون من عاداته و رسومه، و أقام رباطا و خمسمائة مسجدا للجمعة و شيد المنارات غير الجسور و أقيسة


1) يمكن أن نقول منصفين إن ما ذكره المؤرخون من فضائل يعقوب و عمرو بن الليث أقل القليل.

المسافات فى الصحارى، و تمت على يديه أعمال خير كثيرة و قصد أشياء لم يحققها، و كانت له همة عالية بحيث إن أتاه رجل بمجموعة ثياب مزركشة وزنها عشرون منا (حجرا) فأمر حتى يسألوه عن مصروفات فقال: ألف دينار فأعطاه عشرين ألف دينار، ثم أمر أن يحضروا هذا الديباج قال: إذا أعطيت غلاما فإن الآخرين يبقون بلا نصيب و هذا واحد لا أكثر ثم أمر حتى يمزق على عدد الغلمان و أعطى كلا منهم قطعة، و لم يؤذ عمرو ضعيفا قط و قال: لا ينبغى أن يكون الدهن فى لبن العصفور أنه يوجد (يتحصل) فى بطن الثور (البقرة) و قال: يمكن إمساك الطائر بالطائر و يمكن جمع الدرهم إلى الدرهم و يمكن استمالة الرجال إلى الرجال و قال: إذا كان الحمار العجوز لا يحمل الحمل فليمض فى الطريق.

نسبة أزهر بن يحيى و حكايته

اشارة

نسبة أزهر بن يحيى و حكايته(1)

أما حديث أزهر فمنقول من بدء نسبة أزهر بن يحيى بن زهير بن فرقد ابن سليمان بن ماهان و سليمان، و كانوا لحاتم أخيه، و كان حاتم جد يعقوب و عمرو و على و سليم جد خلف بن الليث و ذلك أزهر بن يحيى، و كان أزهر بطلا و شجاعا و كاملا و عاقلا و حكيما، و كان أديبا كاتبا و فتحت على يديه كثير من البلاد، و جعل نفسه جاهلا و كان يصنع أشياء يضحك عليها الناس و كان متواضعا إلى حد بعيد و من حكاياته ما كان نادرا و هو أن الناس قاموا ذات يوم فى قصر يعقوب و كان يضع أصبعه فى حلقة الباب و شدد إصبعه و تورم و بقى و لما لم يرد أن يشاهدوه جاءوا بحداد حتى أخرج إصبعه منها و مضى و فى اليوم الثانى جلس هناك و وضع


1) أزهر هذا مشهور بأزهر الحمار يقول عنه عنصر المعالى فى قابوساته( كان لعمرو بن الليث قائدا و كانوا يقولون له أزهر الحمار( من تعليقات بهار)

إصبعه فى الحلقة قالوا له لما ذا قال: نظرت هل أصبحت واسعة و ذكر الدقيقى(1)هذا الشعر:

بقيت قدمى فى الماء الحارمثل الحلقة فى إصبع أزهر

و فى يوم آخر جاء يعقوب لصلاة الجمعة و أمامه أزهر يخدمه، و سلم قروى على أزهر و قدماه بلا سروال و لباس القروى خلقة رقبته، و كان من أقربائه و سأله عن الأحاديث ثم قال يصعب عليك الجرى و اجلس خلفى حتى يكون ذلك أسهل لك، فركب القروى و رأى يعقوب الطريق، و مضى أزهر هكذا للصلاة، و لما عادوا قال:

أيها الأمير إن كلك فضل و لكن هذا الحسد ليس موجودا فيك فأنا فى موكبك يمكن أن أرى مائة ألف فارس و عشرة آلاف غلام لم تستطع أن ترانى بالزينة حتى تطوى الطريق فضحك يعقوب كثيرا مع أن عادته عدم الضحك (لم يكن يضحك)

و فى يوم آخر حين عاد من الصيد رأى عجوزا و قد حملت شيئا تحت إبطها قال: أيتها العجوز ماذا معك قالت معى أكل (طعام نكانك و بزند)(2)قال:

أحضريه فوضعت أمامه، و كان له جواد و أكل و أركب العجوز على الجنيبة و حملها إلى المنزل و قال: قص علىّ قصتك قالت: لى واحد فى السجن و متهم بالقتل (بالدم) و سيقتصون منه غدا، و بعد ذلك فإن أزهر جعل (صنع) من الشى‌ء الحر طبقا جيدا و أرسله إلى السجن مع العجوز و قال: سأطلق سراح ابنك غدا إن شاء اللّه، و كان الغد يوم النظر فى المظالم، فمضى هناك أمام الأمير عمرو قال: هذا الرجل كان زانيا، قال عمرو: و إن هذا عمل الخصوم فاستدعى الخصمين (الخصوم) فافتدى (اشترى) أزهر هذا الرجل بمبلغ اثنى عشر ألف درهم و قال: لقد أكلت من طعام العجوز فأعط عمرا الفضة (النقود) من الخزانة و حرر (و أطلق) الرجل و خلع


1) الدقيقى هو أبو منصور بن أحمد البلخى من شعراء القرن الرابع الهجرى العظام توفى سنة 365 ه.

2) نكانك نوع من الأطعمة و البزند نوع من البرغست و هو عشب صحراوى يضعونه فى المرق.

عليه و سموه مولى أزهر، و أصبح بعد ذلك معرفا، و أصبح أحد العظماء فى حديث العمار، و كان رئيس و كلاء أزهر، و اتفق أنه دعى عمرا مع الجيش كله ليتناولوا طعام (يزند) و قدم إليه أمير الماء الرائحة فى الطعام (و قدم إليه الأمير الماء فى الطعام) و كان ذلك لمدة و فى حرب زنبيل ضرب خرطوم الفيل بالسيف، و كان قد حمل على جيش يعقوب و كان سببا للهزيمة هو هذا، و جاء رسول أمير المؤمنين إلى سجستان فنزله فى قصر أزهر، و سأل يعقوب رسول أزهر عن التبجيل (الاحترام) فقال: أنت أمير من قال: أنا حارس (سائق) الخيل فغضب الرسول من هذا، و لما دعوه إلى المائدة (الطعام) رأى الرسول أزهر جالسا مع يعقوب على المائدة فقال الرسول: إنى كنت غاضبا منذ مدة و الآن بقيت متعجبا قال: يعقوب لما ذا: قال إنه أنزلنى بقصر السائس و الآن أرى سائسك على المائدة فعرف يعقوب أن هذا ليس كلام أزهر و لم يقل شيئا مطلقا حتى رفعوا المائدة فأمرهم أن يأتوا بالثيران و أنزلوها فى القصر للمعركة، و لما قربوا رؤوسهم بإحكام قال لأزهر:

انهض و افتح للثيران فنهض أزهر و أمسك بقرن ثور بيد و باليد الأخرى قرنا آخر و أبعد كلا منهما عن الآخر ثم قال اضرب فدفع ثور بعيدا حتى وقع على جنبه فسحب (استل) السيف و ضرب ثورا آخر بالسيف فشطره شطرين، فتعجب الرسول (فبقى الرسول متعجبا) ثم قال يعقوب: إذا كان رجل الخيل (سائس الخيل) الذى تشاهده له حرمة عظيمة فلا بد أن أجلسه على المائدة فإن مثل هذا الرجل ينفع و قد أنزلته فى قصرك و كان مبجلا (و كان له تبجيل) إلا أنه ابن عمى و ليس سائس الخيل و لكن من عادته أن يقول أشياء منافية (مخالفة) للحكمة (للعقل) و يقول متكلفا (و يتحدث متكلفا) و أنا أعلم أنه عاقل و هو مستغن عن هذا الحديث فسر بذلك الرسول و خدم الأمير يعقوب و شكره، و لكن قصصه كثيرة فى الحروب و الأوقات، و لكن فإن شرطنا فى أول الكتاب كان الاختصار حتى لا يمل القارئ إن شاء اللّه تعالى.

وعدنا ثانية إلى الحديث عن الأمير أبى الحسن طاهر محمد عمرو بن الليث و حديث أخيه يعقوب‌

ففى يوم الجمعة لعشرة أيام مضت من المحرم سنة سبع و ثمانين و مائتين أسقطوا خطبة عمرو من المنابر جميعها ثم جعلوا الخطبة لطاهر و يعقوب فى هذا اليوم، و بايعوا أبا محمد المكتفى باللّه من ذلك اليوم الذى مات فيه المعتضد(1)فعزم طاهر الرحيل إلى فارس و أرسل أحمد بن محمد بن الليث فى المقدمة مع عشرة آلاف فارس، ثم أرسل محمد بن عمرو الخوارزمى مع ثلاثين ألف فارس على ميكال على أنه وزيره، و جعل يعقوب بن محمد أخاه خليفة على سجستان، و لما وصل إلى كرمان وقعت معركة بين بلال بن الأزهر و بين الليث بن على، و عقد القادة الصلح بينهما و لم يتقبل بلال عظمة السبكرى و قيادته للجيش، و كان يخفى عن الجيش أنه كان قائدا له، و كان بشير عاملا (خليفة) من جهة أمير المؤمنين و عيسى بن الموثرى، و لما سمع طاهر الخبر مضى من هنا، و دخل طاهر بالجيش شيراز و جلس و قسّم الأموال، و جعل النصف لفارس مال السبكرى و أخذ جيشه و النصف الآخر أخذه بلال بن الأزهر و جيشه و أرسل طاهر الليث بن على على المقدمة إلى برجان(2)، و أراد أن يمضى على أثره، و كان يعطى الجيش اقتطاعات و هبات كثيرة و سر الجيش كله بهذه الإقطاعات و العطايا، إلا عبد اللّه ابن محمد بن ميكال و فورجة بن الحسن فإنهما أرادا عملا و استخرج ثم وصلت رسالة


1) يقول ابن الأثير: كانت وفاة المعتضد و جلوس المكتفى سنة 289 ه و فى العام نفسه توفى عمرو ابن الليث( ابن الأثير: الكامل ج 7، ص 169)

2) برجان: كانت مكانا فى ولاية أردشير خوره و كانت مركزا و قصبة شيراز و قد ذكرها الإصطخرى( فرجان) و يوجد على حدود الروم مكان بهذا الاسم و لكن برجان هذه هى فرجان و قد ذكرت فى هذا الكتاب كثيرا.

عبد اللّه بن محمد بن سليمان إلى طاهر على يد أبى النجم بدر الصغير، و الرسالة هى أن أمير المؤمنين يريد أن تكون فارس له، فالصيد و الخزانة و هذه الولايات كلها سلمت لك (يعنى كانت فى يدك) و هذا لا يوجب عليك أن تبخل عليه بهذا المال، و لما وصلت الرسالة و نزل بدر على باب شيراز، و جاء قوم و مضوا و فى النهاية قال بدر قولا حسنا بهذه الجملة التى قلتها و أقول إذا ما كان يهمك فارس أما أنت فاحفظ (فاحتفظ) بهذا الأمر حتى لا يقع خلاف فإنك توليت حديثا، و فى النهاية اقتنع طاهر بكرمان و مكران و سجستان و خراسان و بدر بمعرفته أمر فارس (و بعد أن وجد بدر حديث فارس) عاد بالصلح فى شوال سنة تسع و ثمانين و مائتين، و عندما وصل إلى سيرجان ترك هناك بلال بن الأزهر، و مضى إلى جيررفت و هناك سجن منصور بن جردين الذى كان عامل عمرو على كرمان و طالبه و أخذ منه مالا كثيرا و وصلت رسالة بدر بأمر فارس (بخصوص فارس) و أنا أضع الأمور فى نصابها، و أرسل طاهر فورجه بن الحسن إلى سجستان و بست مطالبات بأموالها التى كانت بين على بن المعتضد و أبى محمد المكتفى و لم يكن بدر هذا طيبا، و لما مضى بدر من فارس مضى طاهر إلى فارس بطريق آخر، و أرسل رسولا إلى المكتفى و طلب فارس فأعطاها له المكتفي، و أرسل العهد ثم أرسل طاهر الليث بن على إلى برجان، و أرسل العمال فى مكان فى نواحى فارس، و شغل نفسه باللهو و الصيد، و كانت الأمور كلها فى يد السبكرى و عبد اللّه بن محمد ميكال، و كان عبد اللّه يفعل هذا كله بأمر السبكرى، و قد أبدى بلال بن الأزهر مخالفته للسبكرى، فأمر طاهر بلال أن يمضى إلى سجستان فأخذ بلال ماله و أهله و غلمانه و جيشه و كل ما كان خاصا به، و سلك طريق سجستان، و لما وصل إلى إصطخر فارس، أرسل طاهر يوسف بن يعقوب من خلفه حتى يحبسه هناك و أخذ ماله و حبسه فى قلعة محمد ابن واصل و جعل عبد الغفار بن حلبس حارسا له (حاميا له) و قتل بلال هناك (و هناك قتل بلال)، و أرسل طاهر فتح بن مقبل بالهدايا و المال الكثير إلى المكتفى، و عاد

طاهر و قدم سجستان مساء الأحد غرة رجب سنة إحدى و تسعين و مائتين، و لم يسمع لأحد مطلقا بمقابلته (برؤيته)، و شغل نفسه باللهو و الشراب ليل نهار و ما استقبل المشايخ و لا الجيش، و كان يحب البغال و الحمام، و كان يجمعها طوال اليوم، و كان يشاهدها، و أرسل شخصا ليستدعى محمد بن خلف بن الليث، و جعله رئيسا على القادة كلهم، و كان يحبه و ما كان يعقوب يصبر ساعة عن محمد بن خلف و زوج بنت أخيه محمد بن عمرو من محمد بن خلف، و الحق أنه كان رجلا تام العقل و كاملا و هذا ما لم يعجب السبكرى، و وقع التعصب فى سجستان فى هذا الوقت بين الفريقين و قتل خلق كثير، و سموا فريقا صدقى و الآخر سمكى.

أول تعصب (خلاف) بين سمك و صدق‌

و كان سبب هذا أن أكثر ميل يعقوب كان إلى أصحاب الرأى و ميل طاهر إلى أهل الحديث، أما سبب ذلك الاسم الذى وقع على الفريقين فكان بسبب أن مجنونا ولد له ولد فى حال جنونه فقال أصحاب الرأى: إن هذا ولد زنا، و قال أبو يعقوب لأن عقد النكاح كان صحيحا قبل جنونه، و لما صحح المسألة قال طاهر:

صدق أبو يعقوب و كذب الحايكون، و بهذا أراد أن الذى لا يعرف شيئا و يتكلم فيه فإنه يكون حائكا، و أصل هذا التعصب وقع فى سجستان بين العرب؛ بين تميم و بكر، فطلبت جماعة هواء تميم، و طلبت جماعة أخرى هواء بكرى، و أصبح لتميم اسم صدقى و بكرى اسم لسمك حتى استصوب فورجة بن الحسن هذا فى النهاية.

و مضى طاهر إلى بست يوم الأحد لثمانية أيام بقين من ذى الحجة سنة إحدى و تسعين و مائتين، و جعل يعقوب خليفة على سجستان، و لم يجد أحد خلافا بين

الأخوين فى الملك، و لم يخف فى المدينة أحد من الرعية، و كان ينبغى أن تقع فى هذه المملكة أحداث سيئة و كانا شابين(1)، و كانا يصرفان هذا كله فى الأبنية و البساتين و اللهو و الرغبات بحيث جاء شاعر عند يعقوب و أنشد (و قال) هذه الأبيات و أعطاه أربعة آلاف درهم و له على كل بيت من هذه الأبيات ألف درهم:

أتيت أبا يوسف المرتجى‌فأصبحت من جود الغنى

و كنت أمرا خايفا(2)فى الزمان‌فأصبحت فى الأمن لما أتى

و صيرنى ضياء فى ضياء و نورو قد كنت من قبله فى الدجى

هو الملك السيد المجتبى‌به كل نور الدنيا بدا

فبدأت الأموال تنقص و ضعفت الأعمال، و كثرت المؤن و وصلت الدولة إلى النهاية، و لم يأخذ طاهر فى هذا الوقت شيئا من أحد، و لم يطلب من الرعية مالا فقال: لماذا أظلم الناس حتى استخدم كل ما هو موجود وليكن ما يكون و تمضى (تمر) الدنيا، أما التبذير فى النفقات و الإسراف فى العطايا فكان يضع كثيرا من الحملان و الطيور على المائدة و الحلوى و أشياء كثيرة بحيث أن أحدا من الحشم لا يستطيع الأكل، لدرجة أن الصبية كانوا يحملون المطبخ إلى السوق و يطرحونه للبيع فكل شى‌ء كانوا يشترونه بدينار، كانوا يبيعونه بدرهم فى السوق، و كان هذا غبنا


1) سقط سطر من المتن فى هذا الموضع مما أدى إلى عدم ترابط الجملة بما بعدها.

2) هكذا فى النص.

حتى نفذت هذه الأموال كلها و الكنوز على جملة هذا، و كان له كثير من البغال و كان يسقيها الماء المثلج، و كان الناس العقلاء كلهم يبتعدون عنه، و كانوا يسلمون عليه مرة فى الشهر و الحمقى كانوا يجتهدون بمل‌ء بطونهم بالطعام ليل نهار، و مكث مدة فى بست على هذا، ثم عاد إلى سجستان و دام على هذا مدة، ثم توجه إلى بست يوم الثلاثاء لعشرة أيام بقين من شهر ربيع الأول سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و دخل بست بعد مضى أخوى يعقوب إلى بست فى غرة ربيع الآخر سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و أخلوا سجستان و انقطع الدخل من جهة السبكرى فما كان يرسل شيئا قط من فارس و كرمان، ثم رجع طاهر و يعقوب إلى سجستان و قصد طاهر فارس يوم السبت من منتصف ربيع الآخر سنة اثنين و تسعين و مائتين و استخلف يعقوب على سجستان فمكث يعقوب مدة ثم قصد رخد يوم السبت لثمانية أيام بقين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين و تسعين و مائتين و جعل محمد بن خلف ابن الليث خليفة على سجستان و كان محمد رجل عمل عاقلا و كان حزينا على الدوام من كل ما رأى، و لما أصبح الأمر فى يده أكرم الفريقين و قال: قولا حسنا و لا ينبغى التعصب فقد وقعت بنا محنة بعد فقد يعقوب و عمرو و هكذا الحال و الخلافات التى ترونها فلا ينبغى أن يكون التعصب لكما يجب أن تتألفا فإذا ما كانت هذه الولايات كلها لكم فلن تبقى واحدة فى يدكم و لا يقع هذا فى يد الغراء و السفلى، و قبل الناس كلامه و انصرفوا على الخلاف و ظهرت الألفة و المودة بين الناس، و عاد يعقوب من رخد، و دخل المدينة يوم الخميس لتسعة أيام بقين من جمادى الآخر سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و كان مولود الأمير أبى جعفر أحمد بن محمد ابن خلف يوم الإثنين لأربعة أيام بقين من شعبان سنة ثلاث و تسعين و مائتين، و فى الوقت الذى ولدت فيه أمه قالت إنه كان مفتوح اليد (الكف) و قالت امرأتان من أهل بيته: كل ما بقى فإنه يهبه للريح و يأكل و يعطى، و لكن لما وصل طاهر بالجيش لم يعجب مجيئه فراس السبكرى، و خشى أن يعزله من هناك، ثم أرسل السبكرى أحمد ابن محمد بن الليث لاستقباله و قال: أنت الآن قدمت و يطمع فيك الأولياء و قادة

الجيش و كذلك أمير المؤمنين فى بغداد و هنا لا وجود لمال كثير حتى يكفى هذه الأعمال، و كان قد قال ينبغى بذل الجهد حتى يعود و حتى أنا أرسل المال و الحمل ثم جاء أحمد عند طاهر، و قال هذا الكلام و عرف طاهر أنه يقول هذا على سبيل النصيحة و الشفقة، ثم قبل هذا الكلام و كان له بذلك المنة و عاد سجستان، و دخلها يوم الخميس لاثنى عشر يوما مضين من شهر رمضان سنة اثنتين و ثمانين و مائتين، و استولى على أموالها لينفقها فى غير وجهها (على متعته) فى اللعب و البهجة و لم يهتم بالملك مع أن عقلاء الجيش كانوا خائفين من عاقبة هذا الأمر، و عرفوا أن المملكة لا تدوم طويلا مع اللعب بالحمام و الصقور و شرب الخمر ليل نهار و الأخذ من الخزانة و عدم الوضع فيها، و كل شخص كان يعرف سره، و كان يقول بعضهم لبعض مثل إياس بن عبد اللّه الذى كان عظيم العرب و كان رجل عملا حكيما عاقلا، و كان قد خدم عمرو و يعقوب و المعتمد و كان موضع ثقة عندهم فطلب الإذن و مضى و قال: لقد أخذنا ملكنا بالسيف و أنت تريد أن تنال الملك باللهو، و لا يمكن أن يكون الملك بالهزل و ينبغى أن يكون الملك بالعدل و السياسة و الكلام و السوط و السيف، و لكنه لم يسمع هذا الكلام (لم ينتصح) و أذنوا له و مضى إلى كرمان، و كان قد جعل أحمد بن محمد بن سليمان و أحمد بن إسماعيل القرنين(1)وكيلا له، و لم يبق فى الخزانة مال من الذهب و الفضة فقد استخدمه (أخذه) كله، و أعطى و بسطوا يدهم فى بيع الأوانى و صنعوا (و ضربوا) من الذهب و الفضة الدرهم و الدينار، و استخدموها فى الطعام و إقامة الأبنية و شراء البغال و الخيول، و هذا كله لم يكن موجودا و أعطى (و أمر) طاهر عشرين أمرا، و أقاموا تسع قباب و زرعوا البساتين حول هذه القباب و الميادين و قد (نفد) المال فى هذا كما أقاموا فى بست خضراء على باب الديوان فى طرف الميدان و أنفق فيها مالا، و أقام قصرا (جوسقا) آخر فى بست على حافة نهر هيرمند بالقرب من الجسر (الكوبرى)، و فى


1) قرنين كانت قرية تابعة لكفر سند التابعة لمدينة زرنج على طريق بست و قد ظهر أولاد الليث الصغار من هذه القرية.

سجستان أقام قصر أبى الحسنى و قد أقام هذه القصور كلها بالمال (بالدرهم)، و لم يطلب من أحد المساعدة (ينضم إليه) و كذلك فى النفقات التى لم تكن لازمة و العطايا التى كان يعطيها بلا مناسبة و أعطى ما لم يجب أن يعطى و لم يعط ما يلزم إعطاؤه و فى سنة أربع و تسعين و مائتين أرسل يابس الخادم إلى بست و قدم لطاهر الشغل، و أرسل السبكرى الليث بن على إلى مكران، و أعطاه ذلك العمل و أرسل إليه الرجال و السلاح، و لما مضى إلى هناك أعطاه عيسى بن معدان مال ثلاث سنوات، و أعاده و أعطاه الأموال و الهدايا الكثيرة، و قال إن هذا مكان ضيق و وجود الجيش هنا يسبب القحط و إنما أعطى المال و ينبغى أن يعود الليث و جاء (و قدم) جيرفت) و بقائى هنا قد أخذت مكانه، ثم قدم السبكرى جيرفت و قال: لم يكن شيئا و لا ينبغى أن نترك مكران فى يده و لا ينبغى أن نعود بلا مال و أعطى جيرفت لأحمد بن محمد بن الليث، و قال الليث بن على ينبغى أن يكون لمكران طريق آخر، ثم مضى الليث مع السبكرى إلى فارس و ترك هناك ابنا له، ثم قدم جيرفت، و كان قد مكث بها حتى ذى الحجة سنة خمس و تسعين و مائتين، و من هنا مضى إلى بم و كان معه (أخذ معه) كل من منصور بن حزدين وفور، و أخذ مالها و قتل منصورا و مضى إلى سيرجان و قتل عبد اللّه بن بحر و أخذ ماله، و جاء الخبر إلى السبكرى فأرسل الجيش لمحاربة الليث على، و لم يساعدوا جيشه و حارب وحده و هرب فورجة فى يوم الحرب و مضى عند السبكرى و قدم الليث خوخ(1)و أرسل طاهر إليه المال و استقام (أصلح) حاله و أكثر من الشكوى عند طاهر من السبكرى، و بعد ذلك لم يكن لأى شخص مطلقا خبر حتى جاء الليث على إلى ابنه مع قليل من الرجال، إلا أنه كان يملك مالا كثيرا فى المحرم سنة خمس و تسعين و مائتين.


1) خوخ و خان خوخ جزء من كرمان، و خوخ اسم محلة من المحلات التى كانت متصلة بزرنج.

تولى أبى جعفر المقتدر باللّه الخلافة ستة و تسعين و مائتين‌

اشارة

و لما مات أبو محمد المكتفى باللّه بمدينة السلم فى ذى الحجة سنة خمس و تسعين و مائتين، و تولى المقتدر و كان أخا المكتفى باللّه و أرسل المقتدر عهد العمل إلى طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث على هذه الأعمال و أعطى طاهرا خلعه لمن جاء بالعهد و أرسل مالا كثيرا إلى المقتدر.

و كان فى بست، و وصل الخبر طاهرا أن الليث بن على جاء إلا أنه خرج فى الحال إلى سجستان و معه على بن الحسن الدرهمى و أحمد بن سمى و ساقه (طرده) القادة الآخرون حتى نزل فى قوقة (و القادة الآخرون طردهم جميعا حتى نزلوا فى قوقة)، و كان مع الليث بن على مائة و خمسون رجلا و قال: إن معى جيشا كبيرا و كانت الرسائل متصلة بينهم على الدوام و قال الليث أتيت لخدمتك على الدوام و أرسل المال فى السر إلى قادة طاهر و لم يكن لطاهر خبر قط حتى مضى من نية و نزل فى سجستان يوم الاثنين لثمانية أيام بقين من صفر سنة ست و تسعين و مائتين.

مجى‌ء الليث بن على إلى سجستان و دخوله المدينة

و جاء مباشرة إلى ميدان قصر (جوسق) يعقوب، و كان يعقوب فى القصر، و لم يسمحوا لرجال يعقوب بدخول القصر، و من على السطح ألقوا (ضربوا) الحجارة على رؤوس إصطبل الليث، فتحطمت رأسه، و عاد الليث و هو محطم

الرأس من باب المدينة الذى أقاموه حديثا، و مضى إلى فارس و مضى إلى مسجد الجمعة و نزل هناك و أمر بفتح أبواب المدينة المحصنة، و قد تعب هو و أعوانه تعبا شديدا، و كان قد قدم من نيه ليلا و فى اليوم التالى حتى موعد صلاة العصر و قد ساعده أهل المدينة و مالوا إليه (طلبوا هواه) و قد عرف طاهر خبره فوصل على أثره و استولى على ما حول المدينة، و أرسل يعقوب أخاه إلى در طعام و أحمد بن سمى إلى باب فارس و مازن بن محمد إلى بابكركوى و على بن حسن الدرهمى إلى باب نيشك و حفروا على رأس كل كورة(1)خندقا، و أقاموا جدارا على حافة كل خندق و وضع على بن الليث المنجنيقات على السور، و حارب و أرسل طاهر رسالة إلى السبكرى أن أرسل لى مددا، و أرسل السبكرى عبد اللّه بن محمد القتال و قدم فورجة بن الحسن سجستان مع جيش و حاربوا (و قامت الحرب)، و كان لطاهر فى كل يوم خمسة آلاف درهم نفقات خاصة إلى مكان يوزعه على الجيش و على أبواب المدينة و كان يضرب (يوزع) الدرهم و الدينار من الأوانى التى كانت فى الخزائن و كان يوزع على أبواب المدينة الدرهم و الدينار و الأوانى التى كانت فى (الخزائن) و أرسل السبكرى مالا قليلا إليه و لم يكن له دخل من جهة أخرى فاتفقت (اتحدت) قلوب الناس لأنه كان يملك (عنده) الدرهم و الدينار و الجواهر الكثيرة، و أعطى الناس و اتحد أهل الربض مع أهل المدينة، و فى الحقيقة لم يبق أحد من الجيش و من الرعية متعلقا بطاهر لأنه لم يهتم (يلتفت) إلى الليث ماعدا محمد ابن خلف بن الليث و أحمد بن سمى، ثم علم طاهر بهذه الأحاديث، و قد أشار على علىّ بن الحسن الدرهمى أن يصطلح مع الليث و على هذا تركه يمضى إلى بست و نعطيه عمل رخد بست، و قد وافق على هذا الأمر كل من قتال و على بن الحسن الدرهمى و الليث على و قد بالغوا (كبروا) فى حديث الليث عند طاهر فسر بهذا، و لما عرف قتال مضى هو و القادة ليلا و ما كان لطاهر علم بهذا، و فى اليوم التالى بقى طاهر مع قليل من الجيش و استدعى على بن الحسن الدرهمى، و أرسله إلى الليث بناء على الخطة التى دبروها و أجابه الليث، و فى اليوم الآخر حفروا الخنادق و فتحت أبواب المدينة يوم الجمعة لستة أيام بقين من جمادى الآخر سنة ست


1) كورة: لها عدة معان و المراد بها هنا الروابى و الآكام من التراب أو المكان الذى انقطع عنه الماء.

و تسعين و مائتين، ثم أمر طاهر القادة جميعا أن يمضوا لمقابلة على للسلام و لكن الليث لم يسمح لأى شخص قط من المدينة و من الجيش أن يمضى إلى طاهر، و كان قد مضى معدل بن على من سجستان لجمع الجيش و الرجال، و كان قد أرسل طاهر فضل بن العنبر ليطلبه (فى طلبه)، و جاء به أسيرا و اعتقله و تصالحوا (أبرموا) الصلح فى هذا اليوم و فتحوا باب المدينة و أخرجه طاهر و خلع عليه و حمله (أركبه) و أرسله إلى أخيه حتى اجتمعوا جميعا فى المدينة، و أرسل طاهر الحجاب ليمضيا إلى بست، كما كان قد كلف على حسن بهذا الأمر و قد اعتذر الليث متعللا بأنه ليس آمنا على نفسه، كى يخرج، ثم عرف طاهر أن الناس جميعا اتحدوا معه و معظم رجال الجيش، فعزم أن يمضى من سجستان و حمل ماله و عياله فقال: أخو يعقوب لا ينبغى المضي، و لما كان يوم الأربعاء لأحد عشر يوما بقين من جمادى الآخر سنة ستة و تسعين و مائتين، فقد آوى (أجلس) يعقوب بن الحسن الدرهمى و قال: كلاما جافيا (قبيحا) ثم قصد الحرب مع الليث بن على و فى النهاية وجد طاهر و يعقوب الخذلان حتى خرجا من المدينة إلى باب طعام و أحرقوا محلة باب طعام و سوقه و مضوا إلى كركوى و من هناك مضوا إلى بنة ليمضوا عند السبكرى.

خروج طاهر و يعقوب ابنى محمد عمرو بن الليث من سجستان دفعة واحدة

و لما مضى، أخرج الليث من المدينة و أغار على بيوتهم و معه الغوغاء فى مكان واحد، و قد سموه فى ذلك اليوم شير لبادة لأنه كان يرتدى لبادة(1)حمراء


1) اللبادة: ما يلبس للمطر يقول الطبرى: كان محمد بن كثير فى حرب دير العاقول، و قد قتل و هو فى ركاب يعقوب كان معروفا بلباره( من تعليقات بهار).

و جاء الجيش و قادة طاهر جميعا عند الليث و كان قائدهم (رائدهم) على بن حسن الدرهمى و استقام عمل سجستان إلى الليث و استولى على خزائن طاهر و قرر لذوى قرباه (لحرمه) أجرا و لم يترك أحدا يدخل فى قصر الحرم (الحريم) و أقام (و جلس) فى قصر يوم الخميس ليومين بقيا من جمادى الآخر سنة ست و تسعين و مائتين.

تولى الليث بن علىّ على الإمارة و هو الذى يسمى شير لبادة

اشارة

و خطبوا له يوم الجمعة فى سجستان و فراة و كش و بست، و خطب له محمد ابن زهير شهمود، فقد كان هناك عاملا من قبل طاهر، و عاد فورجة بن الحسين بمال كثير و جواهر وفيرة من عند طاهر، و كتب رسالة و أرسل جمازه إلى طاهر و استحلفه باللّه فى عدة أماكن ألا يمضى إلى السبكرى و لا أن يعتمد عليه لأنه ليس وافيا لك، و دبر أمره فيما يتعلق بأمير المؤمنين و ضمنه على أن يسجنك و يرسلك إليه، و مضى بنفسه و توجه إلى رخد كما عاد أحمد بن سمى، و توجه إلى أرض داور، ثم تبين لطاهر و يعقوب أن هذا الكلام صحيح حتى دبروا لمحاربة السبكرى، و كان معهم مجموعة من القادة، و مضى طاهر لحرب السبكرى و جبى الليث ابن علىّ الأموال هنا فى سجستان، و أرسل العمال فى كل جهة، و عرف السبكرى الخبر أيضا فأرسل جيشا يوم السبت لأحد عشر يوما مضت من شهر رمضان سنة ست و تسعين و مائتين، فوصلت الجيوش، و كان السبكرى قد أرسل أموالا كثيرة و رسائل فى الخفاء إلى قادة طاهر، و كان قد قال إن هؤلاء أبنائى و ليس أحد أجدر منهم قط بالعبودية و أن يكون لهم عبد منى أما هؤلاء فلن يكون لهم الملك و ليست لهم همة هذا فقد جمع يعقوب الخزائن و المال و بذرها عمر (أنفقها عمر)، و الآن

بقيت الروح لنا و لهم، و نحن نبقى و هم لا يبقون، و أنتم ترون أنهم جعلوا سجستان بيتا له و لأهله و أولاده عند خادم لهم و مضوا، و الآن هم فى شكوه و أنا أرى من الصواب أننا نجعلهم (نقيمهم) فى مكان و نضع السيف على العنق و نحن نملك خبزهم و خبزنا (رزقهم و رزقنا) حتى لا تزيد حماقتهم علينا و إذا أخذهم أحد و احتقرهم (يحتقرهم) فهذا ضعف علينا (لنا) و لما رأى الجيش ضعفهم و وصلهم دينار البيعة صمتوا حتى سجنوهم، و أرسل السبكرى كليهما إلى بغداد، ثم جاء الخبر إلى سجستان فحزن الناس جميعهم خاصهم و عامهم و تأسفوا كما بكى الليث ابن على بكاء مريرا، و قال لا دفع لقضاء اللّه تعالى و يعلم اللّه تعالى أنى برئ من ذنبهم هذا، و أنهم لم يعتمدوا علىّ و قد عرضت نفسى و لم يقبلوا ثم ذكر محمد ابن وصيف السجزى هذه الأبيات.

كانت مملكة و أصبحت مترامية الأطراف‌و قد أصبح عمرو رأسا (رئيسا) على هذه المملكة

من حدود الهند إلى حدود الصين و الترك‌و من حد بلاد الزنج إلى حدود الروم و مملكة العرش

و أصبح الرأس ذنبا (ذيلا) و انتهت المملكةو أصبح الذهب من النحس نحاسا

وا آسفاه لقد خسفت دولة يعقوب‌و بقيت العقوبة على حواس أعقابهم

مضى عمرو و عمر و تبقى منهمامذهب الثعلب للجيل و الأحفاد

وا حزناه فقد جاء و مضى السرورو قد امتلأ قلبى من ذلك بالرعب

إن كل ما صنعاه سوف نشاهده‌فلا جدوى من الاحتراس من القضاء

إن كل الناس أصبحوا نسناساو النسناس أصبح ناسا

يدور الفلك كالطاحونةفلا شك فى أن هذا الأساس كانت تصنعه الطاحونة

الملك لا ينتسب إلى الهزل‌و إن النور لا يقتبس من الظلام

فينبغى ليعقوب الجهد و الجدحتى يخرج إياس عن الجادة

و لما انتقل الخبر إلى زابلستان وقع هناك الاضطراب فقد قالوا: نحن على عهد طاهر و لا نطيع مخالفيه، ثم أرسل الليث على معدل أخاه إلى هناك ليطلب غالب أخ السبكرى ثم قام بحلية و قبض عليه و سجنه، و أرسله إلى الليث فى سجستان، و من هناك قدم إلى غزنين و قتل سخجك و أخذ ماله، و اجتمع جيش سخجك و لم يجدوا معدل فى غزنين حتى جاء الخبر إلى الليث بن على فأرسل ابن الحسن و فورجة بن الحسن و أحمد بن سمى بجيش عظيم لمواجهة الأمر هناك، و لما مضوا و أتموا هذا العمل بالصلح رجع معدل و على بن الحسن الدرهمى إلى

سجستان فى شهر ربيع الأول سنة سبع و ثمانين و مائتين، و كثرت الأموال على الليث بن على من بست و رخد و كابل، و كان الليث يعطى المرتبات و العطايا و التف الجيش حوله و أعلن العصيان (الخلاف) على السبكرى و قال: و أمر أن يذكر على المنابر سوء فعل السبكرى و عدم وفائه لأبناء سارته، و أظهر حجته للعام و الخاص فيما يتعلق بسبب حربه له، و كان ابن الليث فى يد السبكرى كما كان يريد أن يطلق سراحه و جمع الجيش و قصد فارس.

ذهاب شير لبادة لحرب السبكرى فى فارس‌

و مضى يوم الأربعاء فى منتصف جمادى الآخر سنة سبع و تسعين و مائتين مع سبعة آلاف فارس، و استخلف أخاه محمد بن على على سجستان، و لما وصل إلى بم، و كان جيش عبد اللّه بن محمد القتال يقترب منه و مضى عبد اللّه بنفسه إلى السبكرى، و كان واليا على بم من جهة السبكرى، و مكث الليث بن على أحد عشر يوما فى بم و منها مضى إلى خناب، و جاء السبكرى بجيشه (بمعسكره) إلى برندة و مضى الليث من خناب(1)إلى برندة و واجه كل منهما الآخر فى يوم السبت لسبعة أيام مضت من شعبان، و تحاربوا فى يوم الإثنين، و كانت الحرب غاية فى الشدة و مضى السبكرى منهزما و الليث على مضى إلى إصطخر يوم الأحد لثلاثة عشر يوما مضوا من رمضان و كان ابن الليث هناك محبوسا فى قلعة محمد بن واصل، و أرسل الحاكم ابنه إلى الليث و مضى الليث من هناك إلى شيراز لخمسة أيام بقين من شهر رمضان و هيأ (جهز) جيشه بالقرب من (طاحونة) محمد بن الليث و أقام


1) خناب ضبطها الإصطخرى خناب و يقول: بين خناب و سيرجان ثلاث مراحل و بين خناب و بم أربع مراحل و هذه المراحل بسيطة فى الغالب.

الديوان، وجبى الأموال و الخراج، و أرسل معدل أخاه إلى نوبندجان(1)و كان وزير المقتدر فى ذلك الوقت على بن محمد الفرات، و أرسل الليث رسالة إلى الوزير قائلا لم أحضر لطلب الولاية و جئت طالبا السبكرى ورد الوزير على الرسالة قائلا:

إن السبكرى عبدك و لكن لا ينبغى تخريب ولاية السلطان حتى تأتى لطلب عبدك، و مضى الليث من شيراز يوم السبت لستة أيام مضت من شوال، و استخلف محمد ابن زهير هناك و من هناك مضى إلى برجان يوم الخميس لخمسة أيام بقين من شوال و كان مؤنس الخادم هناك بجيش للمقتدر و قد اتحد به السبكرى، و كان بدر الصغير مع الجيش، و كانت رسالة المقتدر وصلت بدر أن امض إلى شيراز، و وصل الخبر الليث بن على فأرسل أحمد بن سمن بمدد إلى محمد بن زهير فى شيراز و دامت (اتصلت) الرسائل بين الليث و مونس، و جاء بدر إلى إصطخر و خرج محمد بن زهير لمحاربة ابن زهير، و قامت الحرب، و انهزم محمد ابن الزهير ليوم باق من ذى الحجة و السلام.

ثم صالح عبد اللّه بن إبراهيم المسمعى الليث بن على و مونس على أن يعود الليث بن على إلى فارس، و لم يستحسن هذا السبكرى، و قال أنا أحارب بنفسى و لا أطلب العون منكم و وقع الصلح، و لما سمع الليث خبر محمد بن زهير عاد من طريق ضيّق و عر بين الجبال، و تعب الجيش كثير فى هذا الطريق، و جاء فى إثرهم عبد اللّه بن محمد القتال بجيش قليل و كثيرا من الأبواق و الطبول، و هرب كثير من أتباع الليث بن على من أصوات هذه الطبول و الأبواق و قالوا: لعله جيش كبير، و جاء مؤنس من طريق مستقيم و السبكرى على مقدمته حتى تواجه الجيشان يوم الأحد من غرة المحرم سنة ثمان و تسعين و مائتين، و قامت حرب عنيفة، و قتل خلق كثير من الجيش، و انهزم أتباع الليث بن على، و لكنه لم يهزم و حارب و قتل


1) نوبندجان كانت مركز كورة شابور و تتبعها كازرون.

كثيرا من المبارزين حتى لم يبق فى يده سلاح و أسر(1)و قبض على علىّ ابن حمويه و على عدد من جيشه، و أغاروا على ماله و أتباعه، و مضى معدل أخوه مع فوج من الجيش إلى نيسابور، و مضى أحمد بن سمن إلى السبكرى، و حملوا الليث بن على إلى بغداد، و بقى محبوسا هناك، و عاد السبكرى إلى شيراز و معه معظم جيش الليث بن على، و مضى معدل من نيثابور إلى كرمان و أخذ مالا من كرمان، و لما جاء خبر اعتقال الليث بن على إلى سجستان استدعى أهلها محمد ابن الليث، و قال قولا حسنا و قال: لقد وقع القضاء و الآن ماذا ترون الصواب و كان أبو على محمد بن الليث رجلا كافيا و سخيّا و وفيّا كما كانوا يقولون: إن فيه جود حاتم و وفاء سموءل بن عاد و شجاع كعمرو بن معدى كرب و كان فيه من كل فضل و أدب.

تولية أبى على محمد بن على الليث إمارة سجستان فى يوم الأحد غرة المحرم سنة ثمان و تسعين و مائتين‌

فاتفق الناس عليه و بايعوه و أخذ خزائن أخيه، و كان يعطى الأرزاق للجند و كان يعطى الهبات و أخذ إصبطل الخيل و المركبات و ما كان كله و استقرت له الأمور كما يقول الشاعر:


1) يقول ابن الأثير إن هذه الموقعة كانت عام سنة 297 ه حيث أغار السبكرى و مؤنس على أرجان و أراد الليث أن يخرج لمحاربتها و جاء الخبر أن الحسين بن حمدان قدم من قم لمواجهته فدخل بيضا فارس و مضى الليث فى طلبه من طريق صعب و قد نفقت معظم دوابه و التقى فجأة بجيش مؤنس و أسر الليث فى هذه الحرب( ابن الأثير ج 8، ص 18).

ألا إن الأمير أبا على‌علا فعلا إلى أعلى السماء

هو الملك الذى يحيى المعالى‌بإفناء العداة و بالسخاء

لقد برع الأنام بجود كف‌كما فاق التبرية بالبهاء

ثم أغار معدل على كرمان كلها، و استولى على المال، و مضى إلى سجستان بمال بلا حد و مضى عند أخيه و رعى جانبه، ثم خاف أن يطمع فى الولاية فسجنه معدل و أرسله إلى أرك، و وكل به حارسا و أرسل إليه كل يوم ما يلزمه، و أرسل إليه ندماءه و المطرين و الجوارى و الغلمان، و قال قل ما شئت و أنا أفعل هذا حتى لا تقوم الفتنة فالأمن لا ينبغى أن نبقى فقد ظهر خلاف و خطبوا لمحمد بن على ابن الليث فى سجستان و بست و كابل و غزنين، و بعد أن حملوا الليث بن على إلى بغداد و تعدون السبكرى من جملة عبيد المقتدر كتب المقتدر رسالة إلى أحمد ابن إسماعيل ابن أحمد صاحب بلاد ما وراء النهر و خراسان(1)و أرسل له عهد سجستان و أمره أن يرسل جيشا إلى سجستان، و أرسل أحمد بن إسماعيل حسين ابن على بن الحسين المروردى إلى هناك قائدا للجيش.

و أرسل ابن أخته معه بجماعة من الجيش، و لم يكن لمحمد بن على بن الليث تجربة فى هذه الأعمال و كان الجيش مجهزا مع حسين، و جمع محمد بن على ابن الليث جيشا عظيما من الفرسان و المشاة و القرويين، و لم يكن موجودا فى القصبة حتى جاء إلى باب المدينة، و مضى و استقبله فى طريقه، و هناك بدأت الحرب و استخلف أحمد بن محمد بن عمرو الذى كانوا يسمونه (الجد) على المدينة و كان هذا يوم السبت لأحد عشر يوما بقين من جمادى الآخر سنة ثمان و تسعين و مائتين، و هناك حاربوا حروبا كثيرة فى كل يوم حتى يوم الخميس لثلاثة أيام مضت من


1) يشير المؤلف إلى بداية ظهور الدولة السامانية على مسرح الأحداث

شهر رجب، و قتل خلق كثير من الفريقين كل يوم، و لما كان يوم الخميس و أطلق أعوان حسين بن على جميعهم السهام معا و لم يحاربوا بسلاح آخر و أطلقوا سهاما صعبة كالمطر و تمادوا فى الرمى بالسهام و أغاروا بحملات شديدة و انهزمت هذه الأفواج من الخلق، و لما رأى الجيش الهزيمة مضى هاربا حتى قتل من هذه الشراذم حوالى ثلاثة آلاف رجل، و دخل محمد بن على المدينة يوم الجمعة، و دبر مع الناس فيما يجب أن يعمل، و اتفقوا فى النهاية على أنه يجب إطلاق سراح الأخ حتى تقوى به يدك فأطلق سراح الأخ، و قال له كثيرا من القول و الفعل الحسن، فقال له أخوه ينبغى لك أن تحتفظ بالقصبة حتى أحافظ على المدينة فقال الأخ: هذا جميل فنزل حتى يحافظ على القصبة و فى الحال فزع أخوه معدل بن على الطبل و استولى على أبواب المدينة و أظهر الخلاف على أخيه و لما كان الحال هكذا علم محمد أنه لا يمكن محاربة عدوين فى وقت واحد و مضى اليوم السابع من الشهر و مضى إلى بست عن طريق كش.

فرار محمد بن على منهزما أمام جيش أمير خراسان‌

و لما مضى إلى بست ظلم الناس و أغار عليهم و قتلهم، و عذب الناس و أخذ أموالهم بألوان العذاب، و قبل ذهاب محمد بن على إلى بست، و كان قد خرج رجل من بست كانوا يقولون له إبراهيم بن يوسف العريف، و خرج يوم الجمعة و كحل عينيه، و كان يرتدى ثوبا سيئا، و صاح و التف حوله مجموعة من الأطفال و الغوغاء و سلم الدواوين و الخزائن و الغلات، و اجتمع حوله قوم كثير، و صعد المنبر و خطب لأحمد بن إسماعيل، و عمل عملا لم يكن أحد فعله من قبل، و مضى و كبر شأنه و وقعت فى يده خيول كثيرة، و كان يركب كل يوم مع أطفال كثيرين أحرار لا عمل

لهم و لم يحاربوا قط، و بعد أن سمع فتح بن مقبل خبره قدم من أرداور للهجوم، و خرج إبراهيم لحربه، و هناك حاربوا حربا عنيفة، و قتل خلق كثير و هزموا أتباع إبراهيم و جلس وسط الصحراء، و كلما بحثوا عنه لم يجدوه، و مضى أتباعه، و منذ ذلك اليوم لم يذكر أحد مطلقا خبر إبراهيم و لا يعلم أحد أين مضى، و دخل فتح بست، و لما جاء محمد على إلى بست اتحد معه فتح فى الإغارة و سلب المال، و مضى الناس إلى الربط و إلا ما كانت المباركة و كانوا يدعون لعلهم يجدون فرجا من جورهم حتى نهضوا ذات يوم فى الصباح و لم يكن لأحد قط و فى الصباح ارتفعت أصوات الطبول من ناحية حاربان(1)و كان أحمد بن اسماعيل موجودا حيث كان قد مضى من هراة ليأتى إلى سجستان، و سمع خبر بست فى فراة حيث ما ذا يفعل بشأن ما يفعله محمد بن على هناك فطوى الطريق، و نظر الناس و رأوا القلانس السود فسعد الناس حينئذ أن جيش خراسان كان عادلا، و لما وصل الخبر إلى محمد بن على فأمر فى الحال أن يرفعوا جسر بست و كان الماء كثيرا و سلك طريق الفرار مع الجيش الذى كان معه و ترك أهل بولان أحمد و اسماعيل و جيشه و دخل بست.

(دخول أحمد بن اسماعيل بست و حبس محمد بن على الليث) و بعد دخول أحمد بن اسماعيل أرسل حسين بن مت(2)مع فوج من الفرسان لطلب محمد بن على و وصلوا إليه فى رخد و قبضوا عليه و حبسوه و أحضروه إلى بست، و نزل أحمد بن إسماعيل على ضفة نهر هيرمند و أقام العدل و السيرة الحسنة بين المسلمين و أعاد اليهم المال كله و الأملاك، و أعطى حاتم بن عبد اللّه الشاسى ولاية بست و كان حاتم هذا رجلا مسلما عادلا و جدد سيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) بين الناس و هناك


1) يقول الإصطخرى: بين بست و هراة مكان باسم خاستان و جامان.

2) يذكره ابن الأثير على أنه محمد بن حسين بن مت.

أعطى أحمد بن إسماعيل أربعة رواتب للجيش و أراد بذلك أن يكثر المال فى بست حتى يستطيع الناس أن يشتروا كل شى‌ء بالمال حتى القش و الحطب، ثم أمر بإعادة السلع كلها التى أخذها محمد بن على من الناس إلى أصحابها، و كل ما تعرف عليه الناس أخذوه و أعادوه، و مكث فى بست خمسة و ثمانين يوما، و لم يروا شيئا قط فى جيشه إلا أداء صلاة الليل و الصيام و الاجتماع و أذان الصلاة و قراءة القرآن، و تحصن هناك فى سجستان معدل بن على، و نزل حسين بن على مع الجيش فى حاسباد على باب كركوى يوم السبت لاثنى عشر يوما من رجب سنة ثمان و تسعين و مائتين، و وضع معدل المنجنيقات، و بدأت الحرب، و أول ما بدأت على أهل المدينة، و أطلقت يد العيارين فى الرعية، ثم دخل حسين بن على إلى ربض فى باب آكار، و كان سيمجور مولى اسماعيل بن أحمد فى جوسق يعقوب يوم الخميس ليومين مضيا من شعبان، و كان باب فارس مفتوحا و مضى الناس إلى المدينة و نزلوا بها و حملوا ما يحتاجونه كله إلى الحصن حتى يوم الثلاثاء لثلاثة أيام بقين من شعبان نزل حسين بن على أيضا على هذا الباب، و وصل الخبر أن أحمد ابن إسماعيل مضى إلى بست و قبض على محمد بن على، و لما سمع معدل هذا ضاق قلبه (استاء) و عرض الصلح و أدخل كثير من أحمد بن شهفور و مشايخ المدينة فى الأمر و بعده عقدوا الصلح و أقسموا فيما بينهم و عزل معدل من المدينة عند حسين ابن على يوم الخميس لليلة مضت من ذى الحجة سنة ثمان و تسعين و مائتين، و سار سيمجور إلى المدينة، و اقتلعوا أبوابها و ثقبوا الأسوار، و أحرقوا خشب هذه المنجنيقات، و كان قبل هذا بشهرين أعطى أحمد بن إسماعيل عهد سجستان إلى سيمجور و انقضى أمر سجستان.

زوال ولاية سجستان عن آل يعقوب و عمرو و الخطبة (للسامانيين)

و فى يوم الجمعة الثانى من ذى الحجة سنة ثمان و تسعين و مائتين، و بعد تولى سيمجور الإمارة مضى أحمد بن إسماعيل من بست، و لم يأت إلى سجستان، و أرسل رسالة إلى حسين بن على المرورودى قائلا لمعد (ارجع) و أحضر معك معدل بن على إلى هراة، و حمل أحمد بن إسماعيل محمد بن على معه من بست إلى هراة، ثم أرسل أحمد بن إسماعيل معدل بن على من هراة إلى بخارى، و أعطى رجاله الرواتب و أمر له بصفة خاصة كل شهر بثلاثة آلاف درهم، حتى فعل هذا إلى أن جاءت رسالة أمير المؤمنين المقتدر إلى أحمد بن إسماعيل أن أرسل محمد بن على إلىّ، ثم أرسل محمد بن على إلى بغداد، ثم أعطى أحمد ابن إسماعيل عمل سجستان إلى أبى صالح منصور بن إسحاق بن عمه(1)، و جاء أبو صالح يوم الخميس لاثنى عشر يوما مضت من ربيع الأول سنة تسع و تسعين و مائتين.

حديث السبكرى‌

أما حديث السبكرى، فقد جاءت رسالة على بن محمد بن الفرات إلى السبكرى الذى كان قد دعاه (استدعاه) إلى مدينة السلام و كان عيال و متاع


1) هو أبو صالح منصور بن إسحاق بن أحمد بن أسد السامانى و أبوه إسحاق الذى أخذ لنفسه البيعة فى أوائل إمارة نصر بن أحمد فى سمرقند و ثار أبو صالح فى نيسابور و استولى على بعض مدن خراسان.

السبكرى رهائن عند محمد بن جعفر العبرتانى و جاءت رسالة إلى بدر(1)من على ابن الفرات محتواها كن فى شيراز مع الجيش، و لم يعجب السبكرى ذهابه إلى المقتدر فكتب رسالة و جعل الخطبة و عمل فارس و كرمان و سجستان، و أرسل مالا كثيرا، و أعطى محمد بن العبرتانى مائتى آلف دينار حتى يعتنى بعمل السبكرى فى كتابة الرسائل، و ضمن للمقتدر أن يدفع كل سنة ثلاثة عشر حمل ألف ألف درهم من هذه المنطقة، ثم جاء بالعهد و المنشور، و كان للسبكرى و عياله يد فى هذا، و كان هذا كله بتدبير من عبد اللّه بن محمد بن ميكال، ثم مات عبد اللّه بن محمد بن ميكال فى برجان و عين السبكرى إسماعيل بن إبراهيم البمى وزيرا و عامله بالمدارة ...

و عبد اللّه بن محمد بن ميكال، و كانت مدة و جاء طلب المال من السبكرى و علم السبكرى أنه لا يمكن تحصيل هذا المال، فظلم الناس و صادر أموالهم حتى جمع عشرة آلاف ألف درهم، و لما كان هذا فقد جاء جيش المقتدر عند باب شيراز لحرب السبكرى، و مضى السبكرى منهزما من شيراز يوم السبت لأربعة أيام بقين من ذى الحجة سنة تسع و ثمانين و مائتين.

انهزام السبكرى‌

و جاء السبكرى إلى سيرجان (كرمان)، و من هناك جاء إلى بم و جاء الجيش على أثره و حذر السبكرى محدقا حول بم، و أبرم الصلح كى يعود الجيش، و قالوا


1) لم يذكر ابن الأثير بدر هذا و لكنه يقول: لما علم ابن الفرات أن مؤنس كان له ميل فى السراء إلى السبكرى أرسل وصيف الكاتب و جماعة من القواد بالاتفاق مع محمد للقبض على السبكرى فى فارس و كتب إلى مؤنس رسالة أن الليث الذى كان أسيرا أحضره إلى بغداد معك و حارب محمد السبكرى و فى إحدى الحروب التى وقعت على باب بم كرمان لحقت الهزيمة بالسبكرى( ابن الأثير ج 8 ص 19)

يجب أن نمضى إلى العتبة، ثم وقعت الحرب يوم الجمعة لأربعة أيام مضت من ذى الحجة، و مضى السبكرى منهزما، و أسروا عبد اللّه بن محمد القتال و محمد بن خلف ابن الليث و جماعة عظيمة من القادة، و جاء السبكرى عن طريق جهرة إلى سفه، و جاء من هناك إلى أنه و منها إلى طبس و لم يكن مهلة (مساعدة) حتى يأتى إلى سجستان بسبب ما صنعه مع طاهر و يعقوب ابنى محمد بن عمرو بن الليث، و عرف أن أهل سجستان خصوم له، و مضى من هناك إلى هراة، و كتب رسالة إلى أحمد بن إسماعيل حتى يكون على عبده فى خراسان، و أمر أن امض إلى مرو(1)و أقم هناك و مضى إلى هناك، و وصلت رسالة المقتدر إلى أحمد بن إسماعيل أن أرسل إلى السبكرى و قيده و أرسله إلى بغداد فى جمادى الآخر ستة تسع و تسعين و مائتين، أما حديث أبى صالح منصور بن إسحق فحينما قدم إلى سجستان قال للناس كلاما حسنا كثيرا و وعدهم و عودا طيبة و لكنه لم يف بها و لم يستقر فى مكان الجيش (مع الجيش) فى حلفاباد(2)و دخل المدينة و أقام فى المنازل و لم يكن مال سجستان فى العهد القديم أكثر من ألف ألف درهم و لكنه أراد الزيادة.

خلاف (ثورة) الناس على منصور بن إسحاق‌

ثم قال أهل سجستان نحن لا نحتمل الاستخفاف بأى وجه، و لم يبق مطلقا أحد من آل يعقوب و عمرو إلا أبو حفص عمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو ابن الليث، و كان طفلا لم يزل فى العاشرة، و اتفقوا على أن يولوه عليهم و أن نعمل


1) يقول ابن الأثير إنه قدم سجستان بجيش مرهق ضعيف و قد عرفه جند أمير خراسان و أسروه و كتبوا رسالة للمقتدر فجاءهم الرد بوجوب إرساله إلى بغداد( ابن الأثير ج 8، ص 20)

2) كانت محلة خارج ربض سجستان و معسكرا للجيش

أمامه و أن نسقط جيش خراسان هذا، و محمد بن هرمز المولى الذى قالوا عنه إنه مولى سند لى، و كان من موالى محمد بن عمرو، و كان رجلا صبورا فى المظالم و قال أنا لا أمضى إلى سجستان فإنهم يطلبون مالا كثيرا و يجب أن يكون الجيش فى موضعه فللناس نساء و بنات فلا يجب أن يدخل أناس الغوغاء إلى منزل الأحرار و قصورهم و كان لمنصور بن إسحاق ابن أخ شاب عصبى قال: نحن لم نحضر القصور و الجماعات من خراسان و لا نحصل منهم مالا قليلا و هى رواتبنا (أجورنا) قال مولى: السند لى أقول لك ... و قام (نهض) و مضى و قال: منصور ابن إسحاق لهذا الشاب لا يجب أن نقول هذا و ليس هذا الرجيل أو عدنا أيضا فبحثوا عنه و لم يجدوه، و كان قد مضى ثم توجه السند لى عند العيارين و دبر معهم أمرا و مضى إلى بيش‌زره(1)و كان من صلب زهير و كلما مضى إلى مدينة كان يجمع عشرا و عشرين رجلا و خمسمائة رجل من بيشزرة و جاء إلى باب كركوى ليلة السبت لثلاثة عشر يوما بقين من جمادى الأول سنة تسع و تسعين و مائتين و كان هناك جماعة من أتباع منصور بن إسحاق، فتحارب معهم و قتل منهم جماعة و دخل الآخرون إلى المدينة منهزمين و وقع (و حدث) ضجيج فى المدينة و اجتمع أهل خوج و كل من رأى جنديا فى منزل أو محلة و سوق كانوا يقتلونه حتى وصلوا إلى باب السجن و كسروا بابه و أخرجوا السجناء و اتحدوا معهم و كان محمد ابن عباس الكولكى رجلا شجاعا فجاء و اتحد الفريقان على إفناء هذا الجيش و صعدوا على سقف إصطبل يعقوب و قتل و أسر من جيشه خلق كثير.


1) زره بحيرة فى سجستان و بيش‌زره كانت ناحية فى شرق هذه البحيرة و يسمونها الآن( بيش‌آب)

استيلاء المولى السند لى على سجستان و قتل جيش خراسان و القبض على منصور بن إسحاق‌

خرج منصور بن إسحاق منهزما من المدينة و أسروا ابن أخيه ذلك الشاب فى محلة النساء حيث كان سجينا هناك، و قد نحاه السند لى و فى اليوم التالى أعطاه إلى سائس الخيل حتى لا يمحوه من أجل هذا الكلام الذى قاله، و نزل منصور ابن إسحاق فى كدة محمد بن الليث، و أراد فى اليوم التالى أن يحارب حيث علم أنه جاء إلى خوج أند و قد قبض عليه فى المحلة و أسروه و أغاروا على ماله كله و متاعه و خيوله و نزل محمد مولى السند لى فى جوسق يعقوب و لما انتهى هذا العمل أراد أن يجعل الخطبة له فى الإمارة و ذكر (ترك) حديث أبى حفص و لم يستحسن الناس و انفصل عنه محمد بن عباس الكولكى و خرج مع جماعة من العيارين و مضى إلى فراة، و كان المولى السند لى يسلب و يصادر أموال الناس، و أرسل أبو النصر حمدان الجوينى(1)مع جماعة من الجيش و الترك الذين كانوا مع منصور بن إسحاق إلى فراة الحرب محمد بن عباس و لم يحارب و قال: الأمر لأخى و نهض و جاء معهم و لما اقتربوا من المدينة قتل أبو نصر حمدان الجوينى على غير المتوقع (بلا سابقة) و انهزم أتباع أبى نصر، و جاء إلى باب المدينة و اجتمع معه خلق كثير و خرج المولى لحربه و قاتلوا قتالا عنيفا، و قتل خلق كثير، و فى النهاية مضى المولى منهزما و نزل على ضفة هيرمند، و نزل الكولكى فى جوسق يعقوب، و اجتمع المولى حوله، و أخرجوا أبا حفص و جعلوه أميرا و خطبوا


1) جوين: تسمى أحيانا( كوين) قرية من قرى سجستان على طريق هراة على بعد ثلاث مراحل من زرنج و على بعد مرحلة من بست و هى غير جوين الحالية و هى من أعمال سبزوارا و تحسب من توابع جنورد.

له يوم الجمعة لاثنى عشر يوما مضت من شهر رمضان سنة تسع و تسعين و مائتين.

الخطبة للأمير أبى حفص عمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث‌

و طلب أبو حفص منصور بن إسحاق الذى كان قد هرب فى تلك الفترة، و كان متواريا فى قصر مجوسى بالقرب من المصلى فوجده و أحضره و أحسن إليه كثيرا، و خلع عليه، و كان يلازمه ليل نهار، و كان أبو حفص ينام فى قصر النساء فى الليل، و كان الكولكى فى قصر يعقوب، فجمع المولى الناس ثانية من العيارين و القرويين و المدينة، و قرع الطبل فى الليل، و كان الكولكى ثملا و ما كان يعى مطلقا و أيقظوه فى النهاية و ركب، و كان هذا ليلة الجمعة لأربعة عشر يوما بقين من شوال، و حاربوا، و فى النهاية انهزم المولى، و مضى الحفار على أثره و وصل إلى محلة النساء، و دخل فى محلة رخ، و ألقت امرأة من على السطح هونا ثقله ثلاثين منا على رأسه، و سقط من على الجواد (و سقط جواده) و وصل الحفار و أخذ رأسه و صلبها، و عظم شأن الكولكى، و كان معجبا بنفسه، و كان يقول آخذ هذا بسيفى، ثم أخفى وجهه عن أبى حفص يوم السبت لعشرة أيام بقين من شوال، فركب الكولكى مع الموالى، و مضى إليه، و طلب العذر كثيرا، و أحضر مواليه كلهم إلى جوسق يعقوب، ثم اختلف الكولكى مع الموالى، و اجتمع الموالى ليقتلوا الكولكى، و لما رأى الكولكى الأمر كذلك حمل أبو حفص إلى الخضراء و أجلسه و وقف أمامه إلى أن رأى الموالى و العوام فى خدمته فانصرفوا عنه، و أرسل الكولكى إسحاق إلى أرك، و عاد من هناك، فخرج الموالى على الكولكى و هكذا فعلوا، و فى النهاية هرب الكولكى و اختفى، و جعل شخصا بينهم (و فعل شخص بينهم) و آمنه أبو حفص

و خرج، و لما وصل خبر منصور بن إسحاق إلى أحمد بن إسماعيل إلى أين مضى (و عرف ما حدث له) و هو الآن محبوس أرسل حسين بن على المرورودى مع القادة و جيش كثير إلى سجستان.

مجي‌ء حسين بن على المرورودى إلى سجستان بطريق آخر

و جاء معه أحمد دراز إلى سجستان لعشرة أيام بقين من ذى الحجة، و فى هذه السنة نزل بباب مدينة حلفاباد، و حاربوا حروبا كثيرة، و لم يدخلوا المدينة ثم مضى من هنا إلى نيشك، و نزل هناك، و أرسل شخصا إلى المدينة للعظماء و الرؤساء، و كان يأمل آمالا حسنة، فركب ذات يوم و أعطى الجيش مالا، و أحبه (و مال) أهل الربض، و حاربوا فى هذا اليوم حربا عنيفة، و مضى الكوركى و أبو حفص إلى المدينة، و دخل حسين الربض و جامل (و داعب) الناس و قال لهم كلاما كثيرا حسنا (و قال قولا حسنا) و وصل أبو بكر المظفر و سيمجور بجيش لمساعدة حسين بن على، و وقعت حروب كثيرة بينهم، و فى النهاية تصالحوا و أمنهم حسين بن على جميعا، و تصالحوا ليلة الاثنين الرابع من شوال سنة ثلاثمائة، و جاءوا بمنصور ابن إسحاق من أرك، و جاء الكولكى و زنكالود و العيارون الآخرون جميعهم عند حسين بن على، و قال لهم جميعا قولا حسنا و خلع عليهم و أرسلهم إلى القلعة إلا منصور بن إسحاق، و مضى منصور بن إسحاق يوم الاثنين لثمانية أيام بقيت من شوال إلى خراسان و قال: نجوت اليوم من جهنم و وصلت (جئت) الجنة فلا ينبغى أن تكون سجستان لى أكثر من هذا. و خرج أبو حفص مع مواليه إلى حسين بن على و أحسن حسين إليهم و وعدهم و عودا حسنة و كتب رسالة إلى أحمد ابن إسماعيل فى حديثه فأجاب على الرسالة أن احضر و معك الرفاق،

و اترك الولاية و المدينة إلى سيمجور، و لكن لم يستحسن حسين هذا لأنه أراد عمله و اضطرب العيارون جميعا، و كان سيمجور يحسن العمل، و كان يقول: و قد طيب قلوب الناس، و فى النهاية قيد حسين بن على على الكولكى، و حمل أبا حفص معه بلا قيد و معه العيارون و الآخرون و مضى إلى هراة يوم الخميس لأربعة عشر يوما مضت من ذى الحجة سنة ثلاثمائة، و لما وصل إلى هراة، و أرسل أبا حفص و العيارين إلى أحمد بن إسماعيل إلا زنكالور الذى احتفظ به ثم قتله فى ربيع الأول سنة ثلاثمائة و واحد، و أرسل أحمد بن إسماعيل أبا حفص إلى سمرقند، و أمر بقتل العيارين، و جاء أبو منصور الجهانى من بست إلى سجستان فى أول ربيع الأول سنة ثلاثمائة و واحد، و أرسل أهل سجستان رسولا إلى أحمد بن إسماعيل، و لما وصل الرسل إلى حدود بخارى قتلوا لأحمد بن إسماعيل غلامين من غلمانه على ضفة نهر هيرمند بتدبير أبى بكر الكاتب و كان هذا فى جمادى الآخر لثمانية أيام بقيت من سنة ثلاثمائة و واحد.

قتل أحمد بن إسماعيل أمير خراسان و تولية أبى نصر بن أحمد الإمارة

و بايع الجيش و الناس أبا نصر بن أحمد، و كان عمره تسع سنوات و كان يتولى عبد اللّه الجيهانى(1)العمل، و أعادوا الرسل، و لما وصل خبر أحمد


1) هو عبد اللّه محمد بن أحمد الجيهانى يقول الترشخى فى تاريخ بخارى: كان نصر بن أحمد يبلغ من العمر ثمانى سنوات و كان وزيرها أبا عبد اللّه محمد بن أحمد الجيهانى و قال ابن الأثير هذا أيضا.

ابن إسماعيل و مقتله إلى سيمجور، أظهر الجلد و الشجاعة فى الحفاظ على المدينة، و وقع بين الجيش هناك خلافات، و مضى أبو بكر بن المظفر إلى هراة عند حسين ابن على و مضى معه معظم القادة، و هكذا كانوا يمضون الواحد تلو الآخر حتى بقى سيمجور وحيدا مع خواصه، و لم يكن له خبر حتى بيت عليه العيارون، و لم يستطع أن يخرج من المدينة هاربا لثمانية أيام مضت من رمضان سنة ثلاثمائة و واحد، و مضى بطريق قهستان.

هروب سيمجور من سجستان‌

و مضى الناس عند أحمد بن محمد بن عمرو الذى كان معروفا و قالوا: ينبغى الحفاظ على المدينة و كان أبو اليزيد خالد بن محمد بن يحيى عامل خراج(1)كرمان كتب رسالة إلى المقتدر فى أمر سجستان و أن يفعل هذا من باب تحريك محمد بن حمدان (و كان له التحريك فى هذا الشأن و جعل محمدا سجينا)، ثم جاء رد المقتدر و جاء عهد سجستان عند فضل بن حميد، فأرسل محمد بن حمدان لخلافته على سجستان، و كان معه سمرة بن الربيع فى هذا الوقت، و طلب نساجا من نواحى أوق اسمه مليخ، و اجتمعت معه مجموعة من الغوغاء، و جاء إلى باب المدينة، و قال يجب أن تكون المدينة لى، و فى يوم الأربعاء خطبوا له بالإمارة، و قال أحدهم له:

أيها الأمير جرت العادة و الرسم أن تكون الخطبة فى يوم الجمعة قال: ليكن فإنه لا يكون لى العمر حتى يوم الجمعة كما لم يكن فخرج أحمد و العيارون فى ذلك اليوم الذى خطبوا فيه له و قتلوه، و خرجوا فى اليوم الآخر لاستقبال محمد بن حمدان


1) بندار: من وظائف عمال الخراج و يعلم من هذا اللفظ الفارسى أن هذا اللقب كان معرفا و معمولا به من قبل الإسلام و قد استعمله العرب أيضا( من تعليقات بهار).

برندة و سمرة بن الربيع، و جاءوا بهم إلى المدينة بالإجلال و التعظيم فى غرة ذى القعدة سنة ثلاثمائة و واحد.

مجي‌ء فضل بن حميد مع أمير سجستان‌

و دخل فضل بن حميد فأقام أهل المدينة الزينات و كان معه خالد بن محمد، و أنزلوا خالدا فى قصر أبى الحسين و فضل بن حميد فى قصر أبى يوسف، و لما مضت عدة أيام أرسل محمد بن حمدان برندة إلى زهير و قتله العيارون هناك، و اضطربت المدينة كما أن فضل و خالد قصد كلاهما الذهاب، و لما دخل الليل وقعت الحرب بين الفريقين، و أظهر محمد بن حمدويه العصيان فى خواشى(1)و طالت يده على مال السلطان، و هم فضل بن حميد و قتله هناك و تفرق أتباعه و أسروا معظمهم و أحضروهم إلى المدينة و هدأت المدينة، ثم قبض على العيارين و سجنهم و أرسلهم إلى كرمان، و جمع (أخذ) منهم الخراج فى أول سنة ثلاثمائة و اثنتين، و أرسل بدر إليه مددا من فارس، و أمر أن يمضى إلى بست، و كان أبو منصور الجيهانى(2)فى بست، و استولى أبو منصور على عمل بست من يد أحمد ابن إسماعيل، و جاء بعضهم إلى سجستان، و لما قتلوه أجلسوا نصر بن أحمد و مضى أبو منصور إلى بست، و كتب خالد بن محمد رسالة إلى الجيهانى أن اترك بست


1) خواشى: مدينة فى سجستان و يسميها أهلها( طاس) و هذه المدينة تقع على يمنة من يمضى من طريق زرنج إلى بست و بينها و سجستان منزل واحد و بها أشجار النخيل و المياه و القنوات و يبدو غير خواص بلوجستان الحالية( من تعليقات بهار).

2) ذكره ابن الأثير عبيد اللّه بن أحمد الجيهانى و من المحتمل أن يكون أبو منصور كنية له و يبدو أنه أخو محمد بن أحمد الجيهانى وزير نصر بن أحمد.

و امض و اذهب، و لم يمض بأمره (و لم يمتثل لأمره)، فمضى فضل بن حميد لحربه فى بست يوم الثلاثاء لثمانية أيام مضت من جمادى الأولى سنة ثلاثمائة و اثنتين، و لما وصل إلى نوزاد خرج أبو منصور الجيهانى لمقابلته و تحاربوا هناك حربا عنيفة و وقعت الهزيمة للجيهانى، و مضى مع جماعة إلى سعد بن طالقانى فى زابلستان، و دخل فضل بن حميد يوم الخميس لستة أيام بقين من جمادى الأول سنة ثلاثمائة و اثنتين، و مكث هناك مدة، و من هناك قدم إلى سجستان، و استخلف فتح بن بارجوح هناك، و لما وصل الجيهانى عند سعد قصد كلاهما بست، و لما وصلا إلى روزان(1)هجم عليهم فتح و قتل خلق كثير، و فى النهاية مضى فتح منهزما، و دخل الجيهانى و سعد إلى بست، و جاء فتح إلى سجستان، و مرض فضل بن حميد مرضا شديدا، و كتب رسالة إلى بدر فى فارس، قائلا له: ارسل لى شخصا بدلا منى (مكانى) و ذكر علته و ماله، و أرسل بدر محمد بن طفريل بجيش كبير يوم الثلاثاء لخمسة أيام بقين من ذى القعدة سنة ثلاثمائة و اثنتين، و دخل سجستان، و مضى إلى أرض داور، و تحارب معه كل من الجيهانى و الطلقانى على بعد فرسخ واحد من أرض داور، و مضى الجيهانى منهزما، و بقى الطلقانى أسيرا لليلتين مضيتا من المحرم سنة ثلاثمائة و ثلاثة، و أرسله سعد فى هودج إلى سجستان، و مضى خالد ابن محمد بن يحيى إلى زابلستان مع محمد بن طغريل، و حقق الصلاح فى هذه الأعمال كلها و عاد إلى سجستان و دخلها لستة أيام بقيت من جمادى الأول سنة ثلاثمائة و ثلاثة، و خلص سعد الطالقانى و أحسن إليه كثيرا، و مات محمد بن طغريل فى الشهر نفسه بسبب مرض صعب كان يعاوده فى زمنه.


1) روزان: مدينة صغيرة و هى أصغر من قرنين القريبة من فيروز قند من الناحية اليمنى عندما يمضى الإنسان من بست إلى رخد.

عصيان خالد بن محمد بن يحيى‌

و أرسل حسين بن على المروردى و أبا إسحاق الزيدوى إلى سقرار مع جماعة من الجيش قائلا لهما: احتفظا بالفرصة فقد نستطيع أن نستولى على سجستان، و لما عاد خالد من بست سمع خبر إسحاق الزيدوى، و كتب إليه رسائل رقيقة و وعده وعودا كثيرة، و أجاب أبو إسحاق على رسالته و أحسن إليه خالد كثيرا، و أعطاه الخلع و الصلة، و أرسل معه جيشا إلى قهستان لمحاربة سيمجور الذى هرب من قهستان، و استولى أبو إسحاق الزيدوى على قهستان، و أقام هناك و لما جاءت سنة ثلاثمائة و أربع، أرسل بدر زيدا بن إبراهيم من فارس إلى سجستان مع مال الخراج، و لما وصل الخبر إلى خالد جمع الناس و قال للناس: نحن لا نريد شخصا قط سواك، و اعتزم خالد فى نفسه أن يعلن العصيان على بدر، و خرج إلى فراة، و فى الوقت نفسه أحضر سيمجور جيشا إلى قهستان، و حارب إسحاق الزيدوى، و جاء أبو إسحاق منهزما إلى فراة عند خالد، و كان فتح فى بست، و لم يمتثل لأمر خالد الذى مضى من فراة إلى بست، و كان معه أبو إسحاق الزيدوى فى مكان واحد، و قبضوا على فتح بعد أن تحاربوا معه و جاءوا به إلى سجستان، و كان هذا فى جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و أربع، و مضى أبو إسحاق الزيدوى إلى هراة، و كان يوم الجمعة لأحد عشر يوما مضت من شوال سنة ثلاثمائة و أربع، و ارتدى خالد لباس الكتاب و لبس لباس الجند و أسقط اسم بدر من الخطبة و خطب لنفسه و قصد كرمان يوم الثلاثاء لليلة باقية من شعبان سنة ثلاثمائة و أربع، حتى وصل إلى بم(1)و من هناك مضى إلى دار أبجرد، و جاء جيش بدر عنده، و تحاربوا


1) لقد ذكر ابن الأثير هذه الموقعة فى اختصار شديد و ذكرها عقب موقعة فضل بن حميد الجيهانى سنة 301 ه.

حربا عنيفة، و مضى جيش خالد منهزما و أسروا خالد و قتلوه و لجأ جيشه إلى بدر، و كان كثير بن أحمد شهفور فى جيش خالد، و لما كان حال خالد هكذا جاء من هناك مباشرة إلى سجستان يوم السبت لثمانية أيام بقين من ذى القعدة سنة ثلاثمائة و أربع مع مجموعة من الجيش و بسط (أظهر) كثير بين الناس و عاملهم بالحسنى، و كان يحسن إلى الناس، و كتب رسائل إلى بست و رخد و أرض داور، و دخلوا جميعا فى طاعته، و أرسل كثير أبا سهل بن حمدان إلى فرستاد، و لما مضى إلى هناك أعلن العصيان على كثير بن حمدان الذى أرسل محمد بن القاسم صهره مع جيش حتى قبضوا عليه، و جاءوا به إلى سجستان و أمر كثير أن يقتلوه و يمثلوا به، ثم جاء أبو إسحاق الزيدوى مع جماعة من العيارين و قصدوا كثيرا فى صفر سنة ثلاثمائة و خمس، و أرسل كثير محمد بن القاسم مع جيش لمقابلة أبى إسحاق و تحاربوا، و فى النهاية وقعت الهزيمة لأبى إسحاق و أسروا أخاه زكريا الزيدوى و مضى أبو إسحاق إلى خراسان، و أحضروا معظم رفاقه أسرى، و كانت هذه الحرب فى ربيع الآخر سنة ثلاثمائة و خمس، ثم أرسل المقتدر عباس بن شفيق رسولا إلى كثير بن أحمد أنه ينبغى أن يسلم هذا العمل إلى بدر، فاجتمع الناس و قالوا: لا نريد أحدا إلا كثير ابن أحمد فأرسل بدر زيد بن إبراهيم مع جيش كثير إلى سجستان، و لما اقتربوا من المدينة خرج أتباع كثير و العيارون لحربه، و تحاربوا، و انهزم جيش بدر و أسروا زيد بن إبراهيم، و كان هذا يوم الأربعاء لعشر أيام بقيت من رجب سنة ثلاثمائة و خمس، و جاء عباس بن شفيق من سجستان بطريق آخر برسالة ابن الفرات و محتواها أن يرسل بدر زيد بن إبراهيم و يخلصه، و خلص كثير بن أحمد زيد و خلع عليه و أعطاه جوادا و بغلين و خمسة جمال و ألف دينار و عشرة ثياب و أرسله، و أعطى عباس بن شفيق ستمائة ألف درهم إلى ابن الفرات، و لما كان يوم السبت لليلتين باقيتين من شوال سنة ثلاثمائة و ستة، و خرج كثير بن أحمد متنزها ناحية كركوى فى هودج، و كان معه القادة و غلامه تكين فى الهودج فعاد رفاقه، و قطعوا

عرف البغل، و تقدموا لقتل طرابيل و أحمد بن قدام، و قتلوا كثيرا فى وقت صلاة العصر، و ضربوا كثيرا بن أحمد مع يعقوب و كان كوركتر(1)قد حكم بأن يقتلوه فى اليوم نفسه.

و سارع مع يعقوب فكانت صلاة العصر فى قصر كوركتر الذى لم يقتل فقال الكثير: ما زال يوم بقى على قتل كثير، و لما كان هذا جاء الخبر بأنهم قتلوا كثيرا، و دخل أحمد بن قدام المدينة و نزل فى جوسق يعقوب يوم الأحد لليلة باقية من شوال سنة ثلاثمائة و ست، و تركوا عمال كثير فى أعمالهم، و أرسل جماعة إلى بست، و من كثرة الماء لم يستطيعوا الوصول إلى بست فمضى بنفسه إلى بست و استخلف أحمد بن بهمن على سجستان، ثم أظهر جماعة من سجستان الميل إلى محمد بن قاسم الذى كان صهرا لكثير بن أحمد، و كان محمد بن قاسم عامل كثير على زابلستان(2)فأحضر جيشا و تحارب مع أحمد بن قدام على باب بست، و مضى محمد بن قاسم منهزما، و مضى إلى سجستان، فأرسل أحمد بن قدام جيشا على أثره فهرب محمد بن قاسم و مضى إلى زابلستان، و أعطى أحمد بن قدام بست إلى مطهر بن طاهر، ثم أرسل محمد بن حمدون الإسفسلارى مع جماعة من الجنسين لمعاونته فى بست، و كان فى سجستان بنفسه حتى جاء الخبر أن محمد ابن حمدون شق عصا الطاعة فقصد بست، و جاء فى أثر الخبر أن خشك و طغان استوليا على بست، و أرسل أحمد بن قدام جيشا لطلب محمد بن قاسم فوجدوه و قبضوا عليه فى قرية و قتلوه على باب طعام (در طعام)، ثم سجن أحمد بن قدام


1) كوكتر: اسم أحد العيارين الكبار أو اسم أحد رؤساء الجند و الغوغاء فى سجستان لأن هذا يؤخذ من اسمه و يؤيد عمله و يبدو أن أبا يعقوب من فقهاء سجستان بدليل كلامه مع كوكتر

2) زابلستان: اسم مملكة ينمروز و كانت تتكون من سجستان و زمين داور و طوران و قندهار حتى كابل و لكن مراده فى هذا الموضع زابلستان و هى ناحية قصبتها مدينة غزنين ثم عمرت و أصبحت من بعد عاصمة السلاطين الغزنويين و لذلك سموا محمود الغزنوى الزابلستانى( من تعليقات بهار).

أحمد بن تركه و أرسله إلى جبل كوهز و أمر أن يقتلوه هناك فى جمادى الأولى سنة ثلاثمائة و تسعة، و جاء أحمد بن قدام إلى سجستان و أرسل جيشا لطلب طغان و وصلوا إلى طغان فى أرض داور و تحاربوا حربا صعبة و فى النهاية أسروا طغان و جاءوا به إلى سجستان على جمل، و وضعوا على ظهر الجمل كرسيا ليجلس عليه، و كان هذا يوم السبت لأحد عشر يوما مضت من شهر رمضان سنة ثلاثمائة و تسع، و أمر أن يقتلوه، و لما قتل طغان كانت الدنيا كلها تطلب عبد اللّه بن أحمد الذى كان متواريا حتى ليلة الثلاثاء لثلاثة عشر يوما مضت من جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و عشر، و لم يكن لأحد خبر حتى جاء إلى ضفة باركين على باب فارس الجديد صوت طبل ضعيف فخرج أحمد بن قدام من جوسق يعقوب مع جيش و نظر، و كان عبد اللّه بن أحمد مع جماعة من الغوغاء، فبدأوا الحرب، و لما سمع خبر الحرب فى المدينة علم الناس و ساعد عامة المدينة عبد اللّه بن أحمد، و مضى أحمد بن قدام مع قليل من الناس منهزما و مضوا من ضفة المستنقع إلى بست، و دخل عبد اللّه بن أحمد قصر يعقوب، و استولى على ذخائر أحمد بن قدام كلها، و مؤنه و سلاحه و جاء كل السجزيين الذين كانوا مع أحمد بن قدام إلى عبد اللّه ابن أحمد، و مضى الهنود مع أحمد بن قدام إلى بست، و أرسلوا طلحة بن سوار مع طليعة إلى دهك، ثم قيد عبد اللّه بن أحمد فى سجستان ابنى طربيل الهندى الذى كان قائد الهنود فى جيش يعقوب، و وصلت رسالة طرابيل إلى عبد اللّه بن أحمد محتواها أعطنى الأمان حتى أحضر، فأمنه عبد اللّه و أرسل الخلع و قبل مجيئه، و جاء طرابيل إلى سجستان، و كان أحمد بن قدام فى رخد، و لما جاء طرابيل قوى عبد اللّه بن أحمد فجمع الجيش و قصد أحمد بن قدام و استخلف عزيزا ابنه على سجستان، و مضى فى غرة رمضان سنة ثلاثمائة و عشر بجيش قوى، و أراد أن يمضى بطريق الصحراء، فجاء الخبر أن أحمد طرح آبار صحراء

انكژد(1)و أفسد ماءها فمضى بطريق آخر حتى وصل إلى نوقان، و خرج أحمد بن قدام إلى نوقان و خرج أحمد بن قدام لحربه و تحاربوا حربا صعبة، و فى النهاية مضى أحمد بن قدام منهزما و الجيش من بعده و وصلوا إليه فوقف الجواد و ترجل فوصلوا إليه و قبضوا عليه يوم السبت لأربعة أيام من شهر رمضان سنة ثلاثمائة و عشر، ثم أحضروا أحمد بن قدام إلى سجستان، و فى يوم الأحد من العيد أخذ عبد اللّه بن أحمد أقوال قائد الجيش سيمجور مطهر بن طاهر أن يأخذ من أهل بست ألف ألف درهم، و مضى عبد اللّه بن أحمد بنفسه إلى رخد، و من هناك إلى بست، و كان هذا يوم الأحد لتسعة أيام بقين من المحرم سنة ثلاثمائة و إحدى عشر و خرج عامة سجستان على عزيز بن عبد اللّه و أظهروا شعار الأمير أبى جعفر ابن أحمد بن محمد بن خلف بن الليث.

تولية الأمير أبى جعفر أميرا على سجستان ليلة الأربعاء لثلاثة عشر يوما من المحرم سنة ثلاثمائة و إحدى عشر

ثم أخرجوه و أجلسوه، و كان قليل المال إلا أنه كانت له حكمة الشيوخ و حصل علما كثيرا، فأظهر البسط (الفروض) و العظمة (و استولى العيارون على المدينة) و بسطوا أيديهم بالسفارة لاثنى عشر يوما بقيت من المحرم، و لما وصل خبر اختفائه عن الناس عند عزيز بن عبد اللّه مضى منهزما و عاد، و لما جاء إلى باب المدينة، صاح العيارون بالأمير أبى جعفر و قالوا: لن يكون أحد قائدا علينا إلا هو، و لما رأى عزيز هذا عاد و نزل فى رباط ربيع، و وصل خبر الأمير أبى جعفر


1) انكژد: انكژان اسم للصمغ يقول ابن خلف التبريزى: هو الصمغ مطلقا و هو صمغ كريه الرائحة يسمى بالعربية حلتين و يسمونه انكژد لهذا السبب و هو صمغ شجرة تسمى انگدان و اصل انگدان ژد فى اللغة الفارسية بمعنى الصمغ( ابن خلف التبريزى: برهان قاطع، ص 53).

إلى عبد اللّه بن أحمد، فلم ينم و لم يسترح حتى مضى إلى سجستان يوم السبت لأحد عشر يوما بقين من صفر سنة ثلاثمائة و أحد عشر، و لما رأى أمر المدينة متغيرا و أن قلوب الناس و العيارين تنفر منه، و لم يمض أحد عنده و رأى كلام الأمير أبى جعفر له أثر فى قلوب الناس و أن شعاره أصبح معلوما فبقى متحيرا و خرج من المدينة، و نادى العيارون على أبى جعفر و جلس الأمير أبو جعفر فى البيت و أرسل إلى كل مكان الجواسيس و الرسل و الرسائل، و كتب فى السر إلى ميهم بن رونك، و كان عامل رخد من ناحية عبد اللّه بن أحمد محتواها يجب أن تطيب خواطر القادة و موالينا الموجودين فى هذه الديار و أن تهنئم نيابة عنى و ذلك بمنحهم الخلع الفاخرة و الرعاية و الأعمال العظيمة كما كتب إلى حكك بن نوح قائلا له تعالى إلى رخد و بقدر ما تستطيع اجمع الناس و خذ منهم البيعة، و كان رفاقه قد أجابوا، و لما سمع فيهم خبر الأمير أبى جعفر خلع عبد اللّه بن أحمد، و جعل الخطبة للأمير أبى جعفر، و جاء حمك إلى رخد بناء على أمره، و أرسل عبد اللّه بن أحمد محمد بن محمد ابن أبى تميم خليفة على بست، و لم يتركه (يسمح) له الناس، و أظهروا شعار الأمير أبى جعفر و خطبوا له، و لما وصل خبر خطبة بست عند ميهم فى رخد إلى بست، و أخذ فى بست بيعة الأمير أبى جعفر، و قال للناس: إنه تسلم هذا العمل منذ مدة طويلة و هو يصلحه فى الخفاء، فبقى عبد اللّه بن أحمد فى حدود سجستان، و لم يعلم ماذا يصنع و أين يمضى، و لم يبق له ثقة فى أحد قط فى العالم لأن الناس جميعا كانوا ميالين للأمير أبى جعفر، ثم أرسل الأمير أبو جعفر رسالة إلى ميهم محتواها: انهض و اقدم إلى سجستان مع القادة و الحشم الذين تجمعوا من الأولياء حتى يأتى عهد جديد، و مضى ميهم من بست مع جيش مجهز فداه بالمال و الروح قائلين: نحن وجدنا العظمة بذكرى ملكنا، و تخلصنا من خدمة الأغراب و العبيد، و لما وصل ميهم بهذا الجيش قرب سجستان لم يكن لعبد اللّه بن أحمد خبر، و لما وصل خبر العيارين إلى عبد اللّه بن أحمد عاد حتى سمع صوت الطبل و الأبواق، و وصل ميهم مع الجيش، و لم يكن لميهم خبر عنه و لا كان له خبر عن ميهم، و قامت الحرب بينهم، و تحاربوا حربا صعبة، و انتصر رفاق ميهم، و كانت الدولة جديدة

و الوقت (العصر) سعيد، و مضى عبد اللّه بن أحمد منهزما، و فى الحال جاء الخبر إلى الأمير أبى جعفر، و ظهر و جلس فى قصر يعقوب الملكى، و فى الحال أرسل يمان بن حذيف على أثر عبد اللّه بن أحمد، و وصل يمان إلى بندان(1)عند عبد اللّه و أسره هناك، و جاء به إلى المدينة ليلة الإثنين لثلاثة عشر يوما مضت من رجب سنة ثلاثمائة و إحدى عشر.

أسر عبد اللّه بن أحمد على يد يمان بن حذيف‌

و بايعوا الأمير أبا جعفر البيعة العامة ثانية و استقر له الأمر، و اجتمع الجيش من الموالى و القادة و أحرار سجستان(2)و كانوا جميعا قلبا واحدا، و ظهر الاضطراب بينهم، ثم خرج ميهم بين رونك و حسين و محمد ولدى بلال بن الأزهر و مضوا إلى خراسان بأمر الأمير أبى جعفر، و لما وصلوا فرادى اختلف ميهم و طرابيل و مضيا إلى بست، و مضى الأمير أبو جعفر لحرب ميهم فى بست، و استخلف محمد بن ميهم على سجستان، و حارب ميهم و مضى منهزما، ثم جاء أبو الفضل محمد بن إسحاق العربى إلى سجستان بخلافة الأمير أبى جعفر فى شوال، و عاد الأمير من بست فى ذى الحجة، فجاء الخبر أن أبا الفضل بن حارث و أبا الفضل بن حصين بايعا عزيز بن عبد اللّه فى بست فى رجب سنة ثلاثمائة و ثلاثة عشر، فخرج الأمير إلى بست لحرب عزيز فى شهر رمضان، و لما وصل بالقرب من بست جاء عزيز إلى حدود سجستان عن طريق كش فى آخر رمضان، و نزل


1) بندان: قصبة بالقرب من نه تقع شمال سجستان و هى اليوم معروفة و تسمى نه و بنداب و بها مكتب تلغراف( من تعليقات بهار)

2) كان الجيش منقسما عدة أقسام قسم العبيد الذين يسمونهم الموالى و قسم للقادة و هم العبيد العتقاء و رؤساء الغوغاء و الفرسان المشهورون و قسم للأحرار.

على باب مينا و حاربه أبو الفضل محمد بن إسحاق العربي، و مضى عزيز و جاءوا إلى أبى الفضل، فهرب و مضى إلى خراسان فى شوال، و عاد الأمير أبو جعفر من بست إلى سجستان فى ربيع الآخر سنة ثلاثمائة و أربعة عشر، ثم مضى إلى بست و رخد فى ذى الحجة سنة ثلاثمائة و خمس عشرة، و عاد فى رجب سنة ثلاثمائة و ستة عشر، و فى هذا الوقت كانت خلافة سجستان لأبى الفضل و دخل المدينة فى ذى الحجة و أرسل محمد بن موسى فى جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و سبعة عشر و فى شعبان أرسل الرزدانى الذى كان اسمه محمد بن يعقوب إلى كرمان مع جيش، و مضى إلى كرمان و أعطوه ألف ألف درهم، و عاد فى ذى القعدة، و فى العام نفسه عزل أحمد بن محمد بن الليث من القضاء، و جعل أبو الحسن الأنصارى قاضيا، و عزل أبو سعيد المشروطى من الخطبة و عين أبا الحسن الماصلى خطيبا، ثم أرسل محمد بن يعقوب الرذدانى إلى بست فى رمضان، و أحرقوا السوق الجديد فى ربيع الأول، ثم مضى الأمير أبو جعفر بنفسه لحرب حمك بن نوح فى شعبان سنة ثلاثمائة و تسعة عشر، و تصالحوا هناك، و عاد و فى جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و عشرين، أرسل أبو أحمد الحسين بن بلال بن الأزهر أبا يزيد النبكى، و مضى أبو يزيد منهزما، و فى هذا الشهر عزل الأنصارى من القضاء و عين خليل بن أحمد فى جمادى الآخرة سنة ثلاثمائة و عشرين، ثم جاء الخبر أن بايزيد بنكى و بازكريا زيدوى و قراتكين(1)و أتباعهم خرجوا إلى بست عن طريق نوزاد ليقبضوا على أحمد بن يعقوب الرزدانى و هرب الرزدانى من هناك فى شهر رمضان ثم عاد و خرج الأمير أبو جعفر ليمضى إلى هناك ليحارب الترك فى بست و بقى شهرين


1) يذكر ابن الأثير فى هذا الصدد أن أبا إسحاق إبراهيم و إخوته قد هربوا من قهندر وجيا من حبس نصر ابن أحمد بن إسماعيل السامانى، و اتصل بهم قراتكين من بلخ، و تقهقر إلى بست منهزما أمام جند نصر ابن أحمد ثم طلب الأمان و لحق بأخيه، و توفى قراتكين فى بست و نقلوا نعشه إلى سيجاب و دفنوه فى الرباط الذى بناه هناك( ابن الأثير، ج 8، ص 65).

على باب المدينة خرج فى رمضان و دخل المدينة فى ذى الحجة و كتب فى هذا الوقت رسالة إلى أبى حفص عمرو بن يعقوب، و كان أبو حفص(1)متنكرا فى بغداد حتى يعود و دخل المدينة فى المحرم سنة ثلثمائة و إحدى و عشرين و عظمه الأمير أبو جعفر و أجله و أكرمه و خلع عليه و عرضوا عليه الأعمال، و أعلن بايزيد بنكى و بازكريا زيدوى و قراتكين الثلاثة كلهم الطاعة و دخلوا فى أمره و لما عاد الرذدانى من هناك غضب عليه و حبسه، و بقى فى الحبس سنوات، ثم هرب من السجن، و كانت الأعمال تسير على يد أبناء طاهر الأصرم أبى الخير و أبى هض و أبى القسم، و لما جاء الأمير أبو حفص عرضوا عليه الأعمال فقال لى عملان فى سجستان ثم إن الصدر الذى تملكه لست مشتريا له و الآن مضى مائة و لا أريده و كان لى مجلس الرئاسة و أسلمته للرياح و لم يكن لى كفايته التى كنت تملكها فأعلم أنك أحق منى بذلك فأنت جعلتنى أميرا للمدينة و الآن أعطيت كندمك فذهب مائة و كنت أميرا آخر للماء، و أعطيت فلانا لمحمد بن عبد الرحمن حتى ذهب صفاؤه (ماؤه) و الآن لم يبق لى عمل و لا أريد و لن أعمل، و فى النهاية قالت السيدة والدة الأمير أبى جعفر لا ينبغى لك عمل و فى النهاية جعله صاحب المظالم و كان فى كل يوم مظالم للجيش و جلست فى مجلس المظالم و تدبر الأعمال (الأمور)، و كان الأمير أبو جعفر رجلا يقظا سخيّا عالما و أهل فضل و كان له نصيب من كل علم، و كان مشغولا ليل نهار بشرب الخمر و إعطاء الهدايا و العطايا و استراح الناس (أهل الدنيا) فى عصره، و لم يكن عظيم فى مثل شجاعته فى هذه العصور، و كان يقسم الساعات و الأوقات فمنها وقت الصلاة و قراءة القرآن و وقت للنشاط (للسرور)


1) أبو حفص هذا هو عمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث الصفارى، تولى إمارة سجستان فى رمضان سنة 299 ه، ثم أسره السامانيون فأرسلوه إلى بغداد، و يقول ابن الأثير: إن الخليفة المقتدر فى هذا العام أطلق سراح طاهر و يعقوب ولدى محمد بن عمرو بن الليث و خلع عليهما، و من المعلوم أن أبا حفص المذكور وجد الخلاص فى هذا الوقت و تنكر فى بغداد( من تعليقات بهار).

و وقت للطعام و وقت للنظر فى أمور الملك و وقت للراحة و الخلوة، و قد عظم ذكره فى العالم عند عظماء الدنيا.

حديث ماكان مع الأمير أبى جعفر

حديث ماكان(1)مع الأمير أبى جعفر

أعلم أنه أرسل إلى ماكان رسولا و وجد أبو الحسن الخارجى الرسول وسط زره فى القلعة قال أبو الحسن: أين تمضى؟ قال إنه يرسلنى دائما إلى كان رسولا فمزع أبو الحسين و قال:

أنا أجعل لحيتك فالا لى يا رسول‌فإن ما كان ينتف لحيتك كلها من أصلها

و مضى الرسول إلى ماكان و داعبه ما كان و أحسن إليه، و فى النهاية شرب ذات ليلة و ثمل فأمر بحلق لحيته، و ندم بعد ذلك عندما أفاق، و أعطى الرسول الخلع و أغدق عليه المال و اعتذر و انتظر حتى نبت شعر لحيته و أعاده إلى قضاء الحاجات و اعتذر إليه فقال الرسول: أيها الأمير لم يكن هذا ثم ألا إن هذا كان فألا صنعوه فى سجستان، و من صنع الفأل أتم العمل، و لما عاد الرسول إلى سجستان، كان الجاسوسى قد عرف أبو جعفر فسأل الرسول فأعاد (فقص) القصة، فنادى أبو الحسين الخارى لكنه أنكر ذلك، فحشد الأمير ألف فارس و لم يقل أين مضى، و أركب خمسمائة ناقة و خمسمائة رجل مترجلين.

و سلك طريق صحراء كرمان و قال الناس: لعله سيمضى إلى الكفجان(2)، و لم يكن لأحد خبر حتى بيتهم فى الرى، و قبض على ماكان و أحضره إلى سجستان


1) ماكان: ماكان بن كاكى من أعيان الديالمة.

2) السبكى اسم طائفة يعيشون فى بلوجستان التى يسميها العرب القفص و يقال لها بالفارسية كوج.

و أخذ خزينته و ماله، و أحضر ألف حصان عربى و خمسمائة جمل، و أخذ منه هناك ألف ألف درهم، ثم أحسن إليه و أطلق سراحه و ضيفه و لكنه تغير (غضب) عليه فى سكره، و أمر بحلق لحيته ثم طلب المعاذير الكثيرة و أحسن إليه حتى نبتت لحيته، و فى ذلك الوقت خلع عليه و أعاده.

حديث نصر بن أحمد مع الأمير أبى جعفر

قالوا هذا الخبر فى مجلس أمير خراسان، فتعجب من همته و مروءته و شجاعته، و كان ما كان يعادى أمير خراسان، و شرب الخمر ذات يوم و قال: نحن نمتلك النعم كلها و لكن ينبغى أن أشاهد الأمير أبا جعفر، و الآن ينبغى أن نذكره (لنشرب على ذكراه)، و كان عظماء خراسان جميعهم قد حضروا، فشرب على ذكراه و شرب كذلك أعيان خراسان جميعهم، و لما وصل إليه الشراب المغلى ختم على الجام السيكى(1)ختم على جامه و أرسل عشر قطع من الياقوت الأحمر و عشرة تخوت من الثياب، و عشرة غلمان و عشر جوار تركيات و عليهن مرتديات الحلى و الحلل و الخيول و الأحزمة، أرسلها جميعا إليه فى سجستان، و كان الرودكى قد قال فى هذا شعرا و أرسله، و منذ ذلك اليوم جرى الشعر على لسان أمير خراسان، و لو لم يكن الأمير قانعا برأى الأمير أبى جعفر، و لم يكن له هذا التدبير و الرأى و الحكمة لاستولى على الدنيا كلها و هذا هو الشعر:

ينبغى أن نقتل أم الخمر قربانالأنها أخذت ولدها و سجنته


1) السيكى كلمة مركبة من( سه يكى) بمعنى الشراب المغلى و يتجزأ ثلثاه و يبقى الثلث.

و أخذ جاهل ابنها منهاما دامت لا تضر به و لا تسحب منه الروح

و إذا لم يكن بعد الطفل حلالاعن لبن الأم و ثديها

و ما دام لم يرضع سبعة أشهر تمامافأحضر شهردى بثمانية إلى أصل شهرابان

و بذلك يجوز من طريق الدين و الشريعةجعل الطفل فى سجن ضيق و ذبح الأم

و إذا ما وضعت ابنها فى السجن‌فإنه يبقى حائرا سبعة أيام بلياليهم

و إذا عاد إلى رشده و رأى الحال‌فإنه يفيض و ينوح من القلب المحترق

فتارة يصبح أعلاه أسفله غماو أنا آخر يصبح أسفله أعلاه مثل الذى يغلى به الهم

ذهب على نار فكيف تريد أن تصفيه‌فإنه يغلى و لكن من الغم يغلى شديدا

و تعمل على البعير الهائج الثمل‌فإنه يخرج الزبد غضبا و يطرد السلطان

يأخذ الرجل الحارس كل زيدهاحتى يمحو عنها كدرتها و تصبح صافية

و فى النهاية حين يستريح و لا يتعارك‌يحكم إغلاق بابها الحارس

و حينما تستقر تماما و تصفوفإنها تتخذ لها خدا أحمر و مرجان

و كثير منها أحمر العقيق اليمانى‌و كثير منها مثل عقيق بدخشان(1)

فإذا ما شممت رائحتها ظننتها وردة حمراءأعطتك الرائحة و المسك و العنبر البابانى(2)

فإنها توضع فى الجرةحتى وقت الربيع و منتصف نيسان

و فى ذلك الوقت فتحت الجرة فى منتصف الليل‌فإنك ترى عين الشمس مشرقة

و إذا نظرت داخل البللور فكان‌الجوهر الأحمر فى يد موسى بن عمران


1) اسم مدينة مشهورة بمعادن الياقوت.

2) بابان: اسم حى من أحياء مرو.

يصبح الرجلان الشجاعان قويين‌إنما قوامنه و من وجهة الروضة الصفراء

و إذا شرب منها أحد و هو مبتهج‌فإنه لا يعرف الألم و لا الحزن

و يطردهم عشر سنين بعيدا عنك إلى طنجة(1)

و يأتى لك سرور جديد من الرى و عمان

و بهذه الخمر العتيقة يطول العمرو كأنما أبليت أكثر من خمسين لباسا

أن ينتظم المجلس الملكى‌من ورد و ياسمين و مختلف الألوان

و فرشت بسط الفردوس فى كل جانب‌فى روعة إعداد لم يهيأها إنسان

من لباس ذهبى و بسط لامعةو طرق واسعة و رياحين و أسرة كثيرة

و فى صف جلس الأمراء و البلعمى‌و فى صف جلس الشيوخ و الدهقان و صالح


1) طنجة: مدينة من مدن مراكش( المغرب) و لكن مراده أنه أرسل الحزن القديم إلى أبعد بلاد الدنيا و السرور فى الرى و عمان و كليهما لم يكن قريبا من بخارى.

و بتوا خسروا مقدمة العرش‌ملك ملوك العالم أمير خراسان

و انتظم الترك بالآلاف فى صف‌و كل واحد كالبدر فى ليلة الرابع عشر

و على رأس كل منهم تاج من الوردوجهه كالورد و خصالهم كالريحان

و ساقى الخمر فاتنة من الفاتنات‌طفلة خاتون الترك و طفلة الخاقان

و عند ما تدور بالنبيذ مسرورةيسعد ملك العالم فرحا ضاحكا

من كف تركية سمراء العين و طلعها كالحورو قامتها مثل السرو و خصل كالصولجان

يأخذ من تلك الخمر ذات الرائحة العطرةكأسا عليها محيا ملك سجستان

فيشرب الشراب و يقول كذلك لأوليائه‌ليأخذ كلّ كأس الخمر مبتهجا

و أبو جعفر أحمد بن محمد هو السعادةعظيم الأحرار و مفخرة إيران

ذلك ملك العدل و شمس الزمان‌و العدل به حى و نور الدنيا

ذلك الذى لم يكن له نظير فى ذرية آدم‌و لا وجود له الآن إن لم تقل كذبا

إنه الحجة الوحيدة للّه و ظله‌و قد استوجبت آية الفرقان طاعته

إن الخلق جميعا من التراب و الماء و النار و الهواءو هذا الملك من جوهر الساسان

وجد به الملك المظلم النورو قد صارت الدنيا الخربة به جنات عدن

إذا كنت من الفصحاء فقل كل منافقةو إذا كنت كاتبا فأنشد كل مدائحه

و إذا كنت حكيما و تبحث عن طريق الحكمةفاقتد بسيرته و اعرف مذهبه

إن ما تراه قلة بالحكمةأنه سقراط و أفلاطون و يونان

و إذا كنت فقيها و تأخذ بالشرع‌فإنه لك شافعى و أبو حنيفة و سفيان

و إذا أجرى العلم و الحكمة على لسانه‌فاستمع إلى علم و حكمة لقمان

يزيد الحكمة و العقل لرجل الأدب‌و يزيد رجل الحكمة الأدب و الايمان

و إذا أردت أن تشاهد الملك‌فها هو ذا رضوان الظاهر

انظر جيدا فى تلك اللطافة و هذا الوجه‌حتى تجد البرهان على ما قلت

إن طهر أخلاقه و نسبه‌أنه ذو نية حسنة و له مكارم الأخلاق

و إذا وصل كلامه سمعك مرةفلى و لك يصبح نحس زحل هو السعد

و إذا رأيته و هو جالس فى صدر المجلس‌قلت فى جزم إن سليمان أصبح حيا

إنه سام الفروسية ما أضاءت الكواكب‌و الفرس لا يرى فارسا مثله فى الميدان

و كذلك فى يوم المعركة و الحمية و الكريهةإذا رأيته بين المغفر و الدرع

و يبدو الفيل الثائر أمامك حقيرامهما كان هذا الفيل ثائرا و مزمجرا (مغرغرا)

و إذا ما رآه أسفنديار فى المعركةلفرت الدنيا من أمام أسنانه مرتعدة

و فى وقت الحلم فإن جسمه جبل‌و هو جبل سيامست الذى لم يره أحد يهتز

و إذا كان العدو متينا أمام أسنانه‌أصبح مثل الشمعة أمام النار الحارقة

و إذا جاءه كوكب المريخ فى المعركةفإنه يصير زاده و عبده

و حينما يمسك كأس الخمرفإنه سحابة الريع لا تمطر المطر مثله

إن سحابة الربيع لا تمطر إلا مطرا كدراإنه على الدوام له ديباج على العرش و الذهب فى الهيمات (الخرج)

من كثرة ما يهب بكفيه من عطاءبتدومقية و حديث الطوفان حقيرة

لا جرم من قصة جودة و سخائه‌لقد أخذ المديح أجرا و الصامت بالمجان

فإن الشاعر يمضى إليه فقيرا خالى اليدو يرجع من عنده محملا بالذهب الكثير و الحمول

للعفيح منه الرعاية و البرو لرجل الأدب وظيفة فى الديوان

و فى وقت العدل على خلق‌لا وجود فى الدنيا لنبيل و مسلم يشبهه

يجد الضعيف و القوى و الإنصاف عنده على السواءو لا ترى عنده دورا و لا عدوان

و انبسطت نعمته فى الدنيا بأسرهاو لا ترى أحدا عاريا من نعمته

لقد انتظمت الدنيا و وجدت الراحة و السعادة به‌و إذا مرضت الدنيا وجدت منه الدواء

و على عفو هذا الملك المبارك‌فإن كل صحراء بالنسبة له حلقة ضيقة

إنه يقبل العذر و يعفو عن الذنب‌إنه لا يمتلئ بالغضب و يسعى فى العفو و الغفران

ملك سجستان هذا هو المظفردولته كالفهد و عدوه غزال نائح

لقد عاش به عمرو بن الليث‌مع حشمة و زمانهم

يا رودكى على نور مدح الخلق كلهم‌قل فى مدحه و خذ توقيع الدولة

و إذا بذلت الجهد فقل‌فاملأ فهمك بالمبرد

و إذا كان لك فئتان من الملائكة يتبعونه‌و لو كان لك جور و جن و شياطين

فأنت لا تعرف فضله فأحضر الخيرو ما قلته أنت لا يمكن أن يقال

هذا هو المدح الذى هو على قدر طاقتى‌فإنه لفظ جيد و سهل المعنى (معناه سهل)

أنا لا أعرف شيئا إلا ما أنت جدير به‌و لو كنت فى الشعر مثل جرير و الطائى و حسان

أنه مدح أمير و المدح منه للدنيازينة و نورة و نزهة و سعادة

إنى أشكو مر الشكوى من أن عجزى ظاهرو إن كنت صريع الغوانى و سحبان(1)أبو الفصاحة


1) سحبان: هو سحبان بن زمر بن أياس الوائلى من باهلة خطيب يضرب به المثل فى البيان يقال أخطب من سحبان اشتهر فى الجاهلية و عاش زمنا فى الإسلام و كان إذا خطب يسيل عرقا و لا يعيد كلمة و لا يتوقف و لا يقعد حتى يفرغ عاش فى دمشق و له شعر قليل( الرزكلى الأعلام، ج 1، ص 358، القاهرة 1928 م).

عرج الزمان على ابنه المدح‌و ان كان قادرا متسلطا على مدح الملوك

لقد ظهر للمدح الخلق كلهم حدو ليس لمدحه حد لا نهاية

لا عجب أن الرودكى فى مثل هذا الموضع‌يبقى فى حيرة و لا يتحدث بشفتيه

و إلا فقد شجعنى أبو عمرو الوزير المختار عدنان

كيف يكون لى القدرة على مدح الأميرالذى خلق اللّه من قدمه الدنيا

و إن كنت ضعيفا و لا نديم لى‌و لم يكن من أمير المشرق أمر

يجرى مثل الرسول الحاذق‌و يمضى على خدمته بالنواجز

إن مدح الرسول يقدم عذرى‌حتى يعلم الأمير الفصيح حقيقة الأمر

إن عذر عبدك هو العجز و الشيخوخةو هو الذى بجسمه لا يأتى ضيف

أطال اللّه على الدوام دولة أميرى‌و لتكن دولة أعدائه على الدوام فى نقصان

لقد رفع رأسه إلى الذروةو معانيه اختفوا تحت السمكة

إن طلعته أكثر إشراقا من طلعة الشمس‌و لتكن نعمته أكثر دواما من نعمة و كرم(1)

و ذكرنا هذا الشعر كله بحيث إن كل من يقرأه كأنه رأى الأمير أبا جعفر، و كان هذا كله على ما قاله و قرأ الرودكى هذا الشعر فى مجلس أمير خراسان و سادتها، و لم ينكر أى شخص قط مما جاء فى هذا الشعر إلا بيتا واحدا جرى على ألسنتهم، و هذا البيت كل ما يقال فيه من مدح لا يوفيه حقه فإن الرجل حينما جاء بهذا الشعر هناك أرسل عشرة آلاف دينار إلى الرودكى، و أعطى ساقى أمير خراسان الذى كان قد جاء بهذا التذكار الخلع و إعادة، و لا أطيل القصة فى حديثه حتى لا يطول الكتاب فينبغى لذكر فضائله بين عظماء سجستان أن تمس الحاجة فيه إلى مجلدين، و لا ينبغى قوله و لكن من هذا سوف يذكر فصل عن كل عظيم من هؤلاء العظماء على سبيل الاختصار، و ذكر صايغ(2)البلخى فى رباعياته هذه القصة، قصة ماكان و الأمير الشهيد و نذكرها هكذا:


1) كذلك و المشهور( شهلات) و قد وردت هذه القصة فى ديوان قطران و هى مزيج من شعر الرودكى و عدة شعراء آخرين من شعراء القرن الرابع و الخامس الهجريين و قد طبعت عدة قصائد و قطع من هذا الديوان مع غيرها فى طهران باسم الرودكى و هذه القصيدة ضمن تلك القصائد و لم يبعد أى شى‌ء فى تحديد هذه القصيدة التى كتبها الرودكى( من تعليقات بهار).

2) صانع أو صايغ البلخى لم نعلم عنه أى شى‌ء.

ليكن خوان حزنك خرباو ليكن خوان طربك عامرا على الدوام

و لتكن صلتك على الدوام مع الأخيارو لتكن أنت الأمير الشهيد و ليكن عدوك ماكان

و قال شعراء العرب فيه شعرا كثيرا و لكن شرطنا فى هذا الكتاب فهو الشعر الفارسى إلا فى الموضع الذى يفخر فيه و لم يوجد فيه شعر فارسى. ثم حبس الأمير أبو جعفر أبناء طاهر الأصرم و أرسل محمد بن حمدوت أبو العباس عمير إلى بسكر، ثم مضى محمد بن حمدون إلى خراسان فى خدمة أميرها، و عين الأمير جعفرا أبا الفتح قائدا للجيش، و كانت الأعمال تسير على يد أبى الفتح، و أبح عظيما، و كان رجلا جلدا و ذا حكمة، طلب أبو الحسين طاهر بن محمد بن أبى تميم(1)إذنا ليمضى إلى خراسان و هناك أنجزت على يديه أعمال كثيرة، و خدم أمير خراسان خدمات، و كانت هناك أسباب لعودته لهذا المكان سنذكرها إن شاء اللّه، و أعطى أشياء كثيرة، و اشتهر اسمه بالشجاعة فى خراسان، و كان فى قصر أمير خراسان، و هناك وجد الخلع و القبول و صار معروفا و عاد من هناك بعظمته إلى سجستان، و استقبله الأمير أبو جعفر، و جاء به إلى المدينة بمرتبة عالية، و مكث هناك ستة أشهر، و كان فى مجلسه ليل نهار، و خلع عليه و أحسن إليه، ثم أعطاه بست و مضى إلى هناك، و كان هناك كثير من أهل العلم، و كان طاهرا محبا للعلم و انشغل به ليل نهار، و كان يستدعى إليه العلماء و الفقهاء فى بست ليل نهار، و كانوا يتناظرون أمامه، و كان يبدى رأيا فى هذا، و وقع بين أهل أوق خلاف شكل و زاتورف سنة


1) فى نسب هذا الشخص و اسمه اختلافات فى صفحات هذا الكتاب نفسها، ففى الصفحات التالية يذكره أبو الحسن بن طاهر بن على التميمى و أحيانا أبو الحسين طاهر بن محمد بن محمد بن تميم، و أحيانا طاهر أبو على و قد ذكره العتبى و ابن الأثير طاهر بن الحسين( من تعليقات بهار).

إحدى و أربعين، و مضى أبو الفتح إلى هناك و زجرهم على هذا، و وقع الخلاف ثانية لأبى الفتح بسبب عصيان تازى مندرك، و خرج من المدينة و مضى إلى كركوى و منها إلى قوقة، و أرسل أطلمير أبو جعفر الرذدوانى و الجيش فى طلبه و عاد أبو الفتح و جاء إلى جروادكن و هناك اجتمع حول الغوغاء الناس الغوغائيون، ثم بايعوا هناك أبا العباس بن طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث، و قالوا هذا ملك نيمروز أليق من الأمير أبى جعفر لأنه ملك بن ملك و الأمير أبو جعفر ملك من ناحية أمه، و اتحد أهل بسكر فى هذه البيعة، و كان أبو الفتح قائدا لجيشه، و جمع الجيش و قصدوا القصبة و جاءوا إلى باب المدينة، و وقعت الحرب بين الجيش، و وصل أتراك(1)بست لمساعدة الأمير أبى جعفر و لم يكن لأبى الفتح طاقة بهم، و مضى منهزما، و أغار معظمهم من خلف على جروا دكن و بيش‌زره، و أرسل الأمير أبو جعفر الرزدانى إلى أوق على أثرهم و لم يجدهم و أقام بها، و خرج أهل أوق عن طاعته، و اجتمعوا فى برونج، و تحاربوا و انهزموا، و قتلوا فى هذا اليوم ستة عشر رجلا من قادتهم، ثم أرسل الأمير أبو جعفر أحمد بن إبراهيم إلى أوق، و استراح الناس معه، ثم جاء سليمان بن عوف برسالة من خراسان إلى الأمير أبى جعفر بأمانه معه ثلاثة آلاف رجل و أعطاه ناحية أوق (قتل الأمير الشهيد أبى جعفر رحمه اللّه).

ثم كان غلام الرزدانى و كان الخير يغمره من قبل الأمير أبى جعفر، و دبروا تدبيرا عبد اللّه بن محمد بن اسماعيل مع أبى العباس بن طاهر بن عمرو و مع إبراهيم ابن سرخ و جماعة من خواص خدامه و قتلوه فى مجلس الشراب فى الجوسق الخلفي، و أغاروا على بيت المال، و كان قتله ليلة الثلاثاء لليلتين من ربيع الأول سنة


1) إن أتراك بست من أتباع القراتكين و عبيد السامانيين و هم فى أول الأمر كانوا قد خالفوا نصر بن أحمد سنة 318 و اتفقوا مع إخوته و قدم من لخ إلى بست و بقى هناك إلى أن مات و حملوا نعشه إلى أسيجاب( الكامل ج 8، ص 66) و بعد ذلك وجد بايتوز الترتى المشهود و صار رئيسا عليهم و لذلك يسمون بالأتراك البيتوزيين و قد سقط على يد سبكتكين( من تعليقات بهار).

ثلاثمائة و اثنتين و خمسين، و ذهب الأمير خلف فى هذه الليلة إلى دوشاب، و أطلق هناك الخيول لترعى الكلأ، و كلما بحثوا عنه لم يجدوه، و لما وصل خبر أبيه مضى من هناك مسرعا إلى بست عند مكحول الذى كان واليا عليها و أحسن إليه و تحمس و قال: أنا أثأر لدم أبيك بعون اللّه تعالى و أجلسك فى دار الملك، و أنزله فى موضع عظيم و أرسل إليه الهدايا (النزل)، و مضى فى أثره جماعة من غلمان أبيه و توطد له الأمر و فى اليوم التالى لقتل الأمير أبى جعفر نصبوا أبا حفص محمد بن عمرو أميرا فى قلعة أرك، فجمع مكحول جيشا و اختار ألف فارس و أرسلهم مع الأمير خلف إلى سجستان، و لم يكن لأحد فى سجستان خبر حتى نزل الأمير خلف فى هارون، و لما سمع أبو حفص خبره انهزم فى خراسان فى الحال، و لما مضى خمسون يوما على مقتل الأمير أبى جعفر دخل الأمير خلف المدينة و تولى الإمارة و خطبوا له يوم الأحد لخمسة أيام مضت من جمادى الأولى سنة ثلاثمائة و اثنين و خمسين، و خلع على أبى يوسف و أبى سعيد المدركى و عينهما قائدين للجيش، و أحضروا تابوت أبى الفتح من نيسابور فى المدينة يوم الخميس لستة أيام مضت من رجب بالتاريخ نفسه، و قدم الأمير أبو الحسن بن أبى طاهر بن أبى على التميمى من بست إلى فراة، و كانت هذه الناحية خاصة به هناك اجتمع إليه خلق و مضى إلى باب المدينة فخرج الأمير خلفه لاستقباله، و اختلى كل منهما بالآخر و قال الأمير خلف أنت شريكى فى هذه المملكة و أنزله فى قصر يعقوب.

مجى‌ء الأمير طاهر أبى على فى مدينة سجستان‌

و كانت أم طاهر أبو على عايشة بنت محمد بن أبى الحسين بن على بن الليث و دخل يوم الإثنين غرة ذى الحجة فى السنة نفسها، و لما مضت ستة أشهر

قامت الفتنة فى المدينة، و كانوا فى هذه الشهور الستة يخطب القاضى خليل ابن أحمد على المنبر بقوله اللهم أصلح الأمير بن أبى أحمد و أبى الحسين، ثم جاء نكرنوسك مع قومه فى الليل إلى باب قصر يعقوب.

و خرج الأمير طاهر أبو على من الجوسق منهزما، و نزل فى محلة الجوسق حتى اجتمع الناس حوله و حاربوا سمك و صدق و أحرقوا السوق فى نهاية اليوم التالى، ثم قال الأمير خلف أريد أن أمضى للحج فقد نذرت نذرا فى الليلة التى أصابتنى المحنة فيها و لكنى قلت (أردت) أن تستقيم هذه الأمور و أستودع سجستان كلها عند الأمير طاهر أبى على، و أمر أن كل شى‌ء يقع فى يده به من هؤلاء السفاحين، و مضى بنفسه إلى بيت اللّه الحرام فى غرة جمادى الأولى سنة ثلاثمائة و ثلاثة و خمسين، و قبض الأمير طاهر أبو على على أبى يوسف محمد بن يعقوب المدركى يوم الإثنين لاثنى عشر يوما مضت من شهر اللّه المبارك سنة ثلاثمائة و ستة و خمسين، ثم أمر أن يقتلوه ليلة النوروز لأربعة يوم مضت من ربيع الآخر سنة ثلاثمائة و سبعة و خمسين، و كان الأمير طاهر أبو على رجلا عالما حازما و سخيّا و عادلا و حسن الخصال، و استراحت به سجستان و من كثرة عدله و إنصافه الذى شمل الخاص و العام و الجيش فى عهده، و كان يأخذ الخراج درهما و كانت للأمير أبى جعفر هذه العادة، و كان مشغولا طوال الليل و النهار بالشراب و كان طاهرا يسير على عادته و سيرته و قبض على قاتليه جميعا و قتلهمن و كان على تلك الحال و إذا ما ذكرت سيرته و مروءته و عيارتيه فإن القصة تطول و لكنى أذكر حكاية فى عصر الأمير أبى جعفر مضى طاهر أبو على و محمد بن حمدون مع الحشم إلى خراسان فى بلاط (قصر) أميرها، و كان طاهر من العمرويين، و كان محمد بن حمدون حفيد المرزبان فى زمن جاهلية سجستان(1)، و كان هؤلاء من سلالة


1) يقصد بجاهلية سجستان أى عصرها قبل الإسلام.

رستم دستان، و لما مضوا إلى قصر أمير خراسان و كانوا يمضون كل يوم و كانا فارسين تامين (عظيمين)، فكانوا يضعون كل واحد منهم على ألف فارس و كانوا يلعبون الكرة ذات يوم فى بخارى على أرض رملة، و ركب اثنا عشر ألف فارس فى ذلك اليوم من عظماء حشم أمير خراسان، و وقف طاهر و محمد بن حمدون بن عبد اللّه كلاهما يراقبانهم، و أمر أمير خراسان حاجبا.

فمضى الحاجب و قال: هؤلاء خدموا و وضعوا للخيول حوافر و لعبوا الكرة و سلبوا (أخذوا) اثنتى عشرة كرة، و كان قاسد عربيا فى قصر أمير خراسان، فصاح و قال بالفارسية عمر اللّه بلدا أنجب و ربى هؤلاء، قال محمد بن حمدون: نحن أحقر فرسان هذه البلاد، و ليست لنا الجسارة أن نمضى أمام هذا الملك و مدخل الميدان، فسر أمير خراسان من هذا و أحسن إليهما و خلع عليهما و أعطاهما مالا لا حد له، و عفى طاهر فى ذلك اليوم عن رتيك الخادم، و كان لفتيك هذا مائتا غلام من الترك دون الأشياء الأخرى، و عم أمر طاهر هناك حتى أرسله أمير خراسان قائدا للجيش لمحاربة ما كان(1)، و كان تحت إمرته أميرك الطوسى(2)و عبد اللّه الفراغانى، و مضوا هناك و حاربوا و مضى ما كان منهزما و أغاروا على جرجان و مضى الأمير طاهر إلى ميدان ما كان و نصب خيمة، و لم يترك أحد أن يغير على قصره، و لكن قل ماله ألف جواد عار و ألف بغل مسرج فى إصطبله، و أعطى الأجور للغلمان و نساء القصر بأكثر مما كان يعطى ما كان، و مضى ماكان إلى طبرستان


1) ما صرح به فى التواريخ الأخرى أن أمير خراسان نصر بن أحمد السامانى لم يحارب ماكان مرتين الأولى سنة 310 ه بقيادة محمد و سيمجور و المرة الأخرى سنة 328 ه بقيادة أحمد بن محمد الجنانى و لا يوجد ذكر فى أى كتاب لطاهر أبى على و يمكن أن تكون حرب أخرى قد قامت خلاف هاتين الحربين بين جيش خراسان و ماكان و أنها حذفت من التواريخ( من تعليقات بهار).

2) أميرك الطوسى: هو اسم و لقب لشخص رغب الفردوسى فى نظم الشاهنامة و مات فى حبس سبكتكين مع أبى على سيمجور.

و منها مضى إلى تركستان، و جمع الفرسان و بيتهم و استولى على جرجان، و لم يكن لجيش طاهر خبر و أميرك الطوسى و عبد اللّه فرغانى و فتيك خادم و أبو الحسن الكاشانى الذى كان حاجب الحجاب و الجيش الآخر الذى كان أعطاه أمير خراسان، و استولوا على جيش طاهر و متاعه، و مضوا و حارب طاهر و وقف مع عدة فرسان، و وضع طاهر و أتباعه فى أقفاص حديد عند ماكان، و بقى محبوسا عند ماكان، و لم يكن لماكان خبر أن طاهر فى الحبس، و ظل ماكان يتأسف طول اليوم قائلا: ليتنى طاهر حتى أخدمه و ليتنى خدمته مقابل إحسانه، و إلى ذلك اليوم الذى دخل فيه الخادم هذا السجن رأى طاهر فعرفه فمضى إلى ما كان جاريا قائلا: إن طاهر فى سجنك فمضى ماكان إلى السجن بنفسه و قبل طاهر الأرض و خلصه، و طلب العذر منه لعدم معرفته، و جاء به إلى مكانه و أجلسه عليه و وقف بنفسه لخدمته و بذل جهدا كثيرا حتى جلس، و أرسل لطاهر مائة غلام و مائة جارية و عشرين ألف دينار و مائة ألف درهم، و هيأ جوسقا من أجله و أرسل له خيولا و حمرا فارهة، كما ينبغى للملوك، و كان يضيفه ليل نهار لمدة شهر، ثم أرسل إليه وزيره قائلا: إذا شئت فكن أميرا مادمت أنا القائد و إلا فأنت القائد حتى أقول إن لك منصب أمير الأمراء فى الأعمال كلها قال طاهر: إنه يقول كلاما حسنا أما إذا فعل هذا من أجلى فأنا فى المقابل فعلت هذا مع حرمه و أسبابه حتى يكون هذا مكافأة على ذلك، و فعلت هذا بسبب أن أجدادى استولوا على الدنيا كلها ففى كل مكان يصلون فيه إلى قصر الأحرار كانوا يصنعون هذا، و تلك عادة احتفظت بها عن أجدادى و لا يجب أن يجعلنى قائدا و لا أميرا، فأنا عدوه و قل لخادم أمير خراسان: لا تعتمد على من لم تربيه خاصة العدو فأنا تربيت على نعمة أمير خراسان و أنا من سجستان و إذا وجدتك فى حرب أرسلتك إلى القصر و لكن لم أهتم قط، ثم قال ماكان: الأمر لك قال: ائذن لى حتى أمضى و ارتاح شهرا فاتخذ ماكان طريقا جديدا، و أرسل مالا كثيرا و قبله كله، ثم أرسل رسالة محتواها يلزم لى رجل ليدبر هذا المال، فأرسل

ماكان رجلا فاستودع كل ذلك المال عنده و ركب فى اليوم التالى، و قال لهذا الوكيل: لقد أخفيت شيئا فى هذه الصحارى فأمضى لأحضره، ففكر فى هذه الأعمال لأنى سأبقى يوما أو يومين، فمضى و معه الحبنية و أخذ تابعا و بغلا و قدرا من الطعام، و سلك طريق خراسان، و لم يكن لأحد خبر، و لما وصل بخارى بعد مرحلة كتب رسالة إلى أمير خراسان و أخبره و فى اليوم التالى ركب أمير خراسان مع جيش و مضى بنفسه فرسخا ليستقبله و وقف على ربوة حتى مضى العظماء و القادة لاستقباله و رأى، ثم جاء الخادم و أبو الحسن الكاشانى مع خمسمائة غلام مسلحين تسليحا تاما، و مضوا ليستقبلوه و قال أمير خراسان إن ما فعله الوكيل و أبو الحسن الكاشانى و فتيك الخادم للأمير طاهر و هم الذين يأخذون الرواتب و حافظوا على الجيش و اشتروا الغلمان و الخيل و الحمير، و ما كان لأحد إلى يومنا هذا فى خراسان تجمل مثل ما كان لطاهر بن أبى على، و كل ما صنعه هذا الرجل لم يستحسنه من كلامه و عمل و لم يقبل شيئا من ماكان، و كان السلطان محمود ابن سبكتكين يروى هذه القصة عن الأمير طاهر أبى على فى مجلسه، و كان يقول ينبغى لى أن أراه حيا، ثم أعطاه أمير خراسان خلعا جميلة، و من هناك أرسل رسالة إلى الأمير أبى جعفر حتى أعطاه فراة، و كان هناك حتى وقعت هذه الأحداث، فوجد أمير سجستان فمضى سعيدا و أحسن إلى الناس، و بقيت له السمعة الطيبة على الدوام، و لما استقام له أمر سجستان سحب جيشه فى سنة ثلاثمائة و سبع و خمسين، و مضى إلى بست، و مضى الترك منهزمين من بست، و تركوا بست خالية، و دخل الأمير طاهر بست بلا حرب و لا قتل، و خطبوا له، و مكث هناك مدة، و لم يكن له خبر حتى هجم بايتوز(1)و كانوا غافلين، و قتلوا جماعة من المشاة


1) بايتوز: كان اسما للأتراك الذين كانوا فى بست و وقع بينه و بين من يسمى طغان التركى نزاع و استولى طغان على بست و التجأ طغان إلى الأمير سبتكتكين أن استولى على بست بالعنف و المكابرة و هجم سبكتكين على بايتوز فى بست و أسند إلى طاغية الحكم( تاريخ العتبى) و كان أبو الفتح على بن محمد- - البستى كاتب و شاعر بانيوز هذا و لحق بخدمة سبكتكين فى هذه الحرب و كان أيضا فى الخدمة فى عصر محمود بن سبكتكين و فى النهاية توفى فى التركستان و قد ذكره ابن الأثير( بأى تور) من تعليقات بهار).

السجزيين، و عاد طاهر إلى سجستان، و حبس كل عظمائه بارس ديلم قائد الجيش و أبو الحسن الكاشانى حاجب الحجاب و ناصر بن منصور رئيس الجيش و محمد ابن عزيز و أحمد بن عزيز و أحمد بن إبراهيم و محمد بن صالح السعيارى، و كان هذا فى سنة ثلاثمائة و ثمان و خمسين، و قال لهم لم يقاونى فى الحرب، و لما كان هذا عاد الأمير خلف من الحج و مضى عند منصور بن نوح أمير خراسان فى بخارى(1)و أعطاه أمير خراسان الخلع و الجيش و جاء إلى سجستان، و لما سمع الأمير طاهر الخبر و ما أبرم من عهود و ما أقسم من إيمان فخرج من المدينة و مضى إلى سقرار(2)و نزل الأمير يوم الأحد لأحد عشر يوما مضت من رجب سنة ثلاثمائة و ثمان و خمسين، فى عمارة (قلعة) محمد بن الليث و فى اليوم التالى دخل المدينة و خطبوا له و جلس فى دار الملك، و لما رجع الأمير طاهر أبو على مستعدا إلى تكران، و تحاربوا، و مضى الأمير خلف منهزما إلى بست، و مكث هناك حتى يوم الجمعة لليلتين من شعبان سنة ثلاثمائة و ثمانية و خمسين، و مات الأمير طاهر أبو على، و تولى الإمارة الأمير حسين و كانت كنية الحسين أبا أحمد الحسين ابن طاهر و كانت وفاة الأمير طاهر ليلة الأحد لعشرة أيام بقين من ذى القعدة سنة ثلاثمائة و تسعة و خمسين، و كان الأمير فراة و لم يعلنوا موت طاهر حتى لا يهجم جمازة (أحد)، و جاء حسين، و لما علم الأمير خلف أن طاهر توفى و تولى حسين


1) تقول جميع التواريخ: عند ما عاد الأمير خلف من الحج و لم يفسحوا له الطريق إلى سجستان لجأ إلى خدمة أبى صالح منصور بن نوح السامانى و عاد إلى سجستان بعد أن نال العون منه.

2) يقول ابن الأثير: لم يسمح خلف لطاهر بأن يسلك طريقه لسجستان و تلقى من بخار المدد و لما أحس طاهر بهذا أخلاها بلا حرب و مضى إلى سفزار و قد نقل ابن الأثير هذه الأخبار من تاريخ العتبى الذى ذكر هذه الموقعة فى سنة 354 ه( ابن الأثير ج 8 ص 185 نقلا عن بهار).

جمع الجيش و جاء حتى وصل إلى هستن، فخرج حسين مع الجيش، و تحاربوا هناك حربا صعبة، و كان النصر للأمير خلف.

عودة الأمير خلف و الاستيلاء على سجستان‌

و وجد النصر العظيم، و فى اليوم نفسه قتل بارس الدايملى و أحمد أبو الفتح و أبو أحمد أبو الأظهر و عظماء جيش حسين كلهم، و دخل الأمير خلف يوم الخميس لثلاثة أيام مضت من جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و ستين، و قبض على أنصار طاهر و حسين جميعا و قتلهم، و أخذ مالهم و أغار على باب فارس و خربه، و أحضر محمد بن غالب من أوق عظماءها كلهم و أرسلهم إلى ريك، و استولى على أموالهم، و هكذا فعل بحيث لم يبق أى حسينى فى سجستان حتى مضوا إلى خراسان، و كان لهم الغربة أو القتل و جعل مقره فى داشن(1)، و استقامت الأمور و لم يكن لأحد خبر حتى جاء الأمير حسين من كهه(2)إلى ضفة هيرمند، و جاء ماء السيل و عبر الجيش فوق الماء (فخاض الجيش فى الماء) يوم الجمعة لستة أيام من شعبان سنة إحدى و ستين و مائتين.

انهزام الأمير خلف‌

و مضى الأمير خلف منهزما إلى جوين، و دخل حسين المدينة و توجه إلى مسجد الجمعة و صلى و خطبوا له فى ذلك اليوم، و لما انقضت سبعة أيام جمع


1) داشن: كانت محلة خارج مدينة زرنج و يبدو أنها كانت من محلات الريعن.

2) كه مخفف كوه، و يوجد فى سجستان مكان يسمى قوهة و معربها كهه، و ربما كان المقصود به كوهة نفسها.

الحسين الجيش، و خرج و مضى إلى زره و نزل فى رامهرآباد، و كان لحسين جيش كثيف و أربعة فيلة، و لما سمع الأمير خلف خبر حسين و كان مع الأمير خلف و فرسان و مشاة ما يقرب من ثلاثة آلاف فمضى إلى باب المدينة، و لكن أهل المدينة لم يسمحوا له بدخولها و مضى الأمير خلف إلى داشن و نزل بها، وراء حسين و مضى إلى القلعة و قفلوا أبوابها، و اشتعلت الفتنة بين سمك و صدق، و دمر عبد اللّه ابن الصابونى أبواب القلعة، و كان هذا لخمسة أيام بقيت من شعبان سنة ثلاثمائة و إحدى و ستين، ثم وصلت رسالة أمير خراسان إلى الأمير خلف من نوح بن منصور أن أتراك حسين بن طاهر و عبد اللّه الصابونى حتى ينزلا الحصن و ليأتيا إلىّ حتى أسمع كلا منهما و قد سمعت كلامك حتى أرى لمن تجب سجستان، فمضى الأمير خلف للأمر و تركهما ينزلان من القلعة يوم الجمعة لعشرة أيام مضت من ربيع الأول سنة ثلاثمائة و اثنين و ستين، و مضيا إلى بخارى، و استقبلهما أمير خراسان بأموال عظيمة و استقر هناك عبد اللّه الصابونى، و أعطى حسين لطاهر الجيش و لما سمع أمير خراسان مضى الأمير خلف إلى جوين خرج لاستقباله، و تحاربوا هناك حربا صعبة حتى المساء، و قتل من الفريقين خلق كثير يوم الجمعة الرابع من المحرم سنة ثلاثمائة و تسعة و ستين(1)، عاد الأمير خلف إلى المدينة، و مضى إلى القلعة و نزل الأمير حسين على باب فارس، و كان معه جيش خراسان و كان للأمير خلف باب طعام و المدينة، و استولوا يوم الثلاثاء الثامن من صفر على القلعة، و استخدم المنجنيقات و الرجال ثلاث سنوات فى هذا العمل.


1) جاء فى معظم التواريخ أن حسين بن طاهر ظل مدة فى بخارى و فى عهد نوح بن منصور جمع جيشا و مضى لحرب خلف و على حد قول صاحب تاريخ العتبى أن غزو السامانيين لسجستان إنما كان حماية لحسين بن طاهر و مقاومة الأمير خلف التى دامت سبعة أعوام مما أضعف السامانيين و جعل الآخرين يطمعون فى هذه الدولة و خصوصا أمراء الترك( من تعليقات بهار).

استيلاء الأمير خلف على القلعة و بدء الحرب مع جيش خراسان‌

و كل من كان فى خراسان من الأمراء، و القادة و فى بلاد ما وراء النهر جاءوا جميعا هناك بأمر أمير خراسان، و فى كل يوم يأتى جيش جديد، و كان الأمير خلف كل يوم و ليلة يهجم و يقتل، و كان يأتى خمسون فارس من فرسانه من ناحية جيش خراسان يغيرون و يقتلون و يمضون إلى ناحية أخرى، و لما كان حسين يغير كانوا يمضون إلى الحصن حتى هلك عظماء خراسان جميعهم فى هذا المكان، و عجزوا عن الأمير خلف، و كان حسين بن طارة يضحك و يبتهج بشجاعة جيش خلف حتى جاء الأمير أبو الحسن بن محمد بن إبراهيم بن سيمجور للتفتيش، و كانت رسائل أمير خراسان عند الأمير خلف، و لما جاء الأمير أبو الحسن و أعطى رسائل أمير خراسان نزل الأمير خلف من القلعة و مضى إلى قلعة طارق يوم الخميس التاسع من شعبان سنة ثلاثمائة و اثنتين و سبعين، ثم أرسل أبو الحسن سيمجور رسالة فى الخفاء إلى الأمير خلف محتواها أن أمير خراسان عجز فى حديثك و قد هلك عظماء و أمراء خراسان جميعهم على يدك، و أرسلنى الآن حيث علم مما بيننا من صداقة و لا تفعل شيئا حتى أعود، و تسلم رسالة حسين و أراد الجيش، و إذا ما علمت أن الأمير حسين مضى مع الأمير خلف إلى قلعة طاف، و نزل أبو الحسن فى جوسق زيد، و جعلوا الرسل بينهم حتى عقدوا عهدا مع الأمير خلف أن تكون له طاق و ضياعها، و لحسين المدينة و النواحى الأخرى، و در طعام و خراجها عليك و تصالحوا على هذا، و دخل حسين القلعة و أنس، و أتم الأمير أبو الحسن الأعمال فى شعبان و رمضان و شوال و ذى القعدة حتى السابع عشر من ذى الحجة، و بقى هناك ثم أخذ رسائل المشايخ و حسين، و جاء قائد الجيش إلى هنا، و أخذ المدينة و القلعة و أودعها عندى و انتهى عملى و مضيت، و جاء الأمير خلف بجيش و نزل فى دانش لسبعة أيام بقين من ذى الحجة سنة ثلاثمائة و اثنتين

و سبعين، و بدأ الحرب فى كل يوم، و كان حسين على باب فارس و المدينة ثم استولى الأمير خلف فى آخر المحرم سنة ثلاث على باب فارس، و دخل حسين و أهل باب فارس فى القلعة، و كان معه خلق كثير، و لم يترك الأمير خلف و جيشه أى علف فى القلعة إلا قلعة كانت خالية من شى‌ء و بسط كانوا بسطوها فى قلعة أرك و لم يترك على الإطلاق أى شى‌ء عمدا، و علم أن حسين سيأتى للقلعة، و لازم الأمير خلف الربط(1)على حافة البركة حتى لا يستطيع أحد أن يأتى الطعام إلى القلعة، و ربط الجيش حولها حتى أصبح ثمن حمل الحمار من القمح هناك بمائتين و أربعين دينارا و مات معظم الناس من الجوع، و طلب حسين المدد من سبكتكين و كان يقبل من كل شى‌ء و جاء سبكتكين حتى خان(2)لمساعدة حسين، فأرسل الأمير خلف شخصا و أعطاه الدنانير الكثيرة و قال: إن حسين زنديق و هواه مع القرامطة، و كان سبكتكين رجل لمعزير (عزيز) فعاد و مضى إلى بست، و جاء ابن بايتوز و الأمير أبو القاسم و أبو منصور بن كومال وزيره من عند سبكتكين مع ألف فارس عند خلف الذى أحسن معاملتهم و أحسن إليهم، و استمد بهم قوة كبيرة فعرف حسين و قال: أهل المدينة لا طاقة لنا بهم و اصطلحوا، و جاء الأمير خلف فى المقابر على باب نيشك و حسين فى مسجد باب نيشك، و كان الرسل يمضون و يأتون، و كانوا يكتبون المحاضر و يقسمون الأقسام و يأخذون العهود حتى تم (انتهوا) و كان هذا يوم الخميس الثامن عشر من رجب ثلاثمائة و ثلاث و سبعين.


1) الربط: بمعنى الربط و تقييد الدواب و المربط محل ربط الشى‌ء، و يسمون المرابطة على حدود بلاط الخصم و المرابطة و يسمون الجيش الذى يلازم ثغور العدو و رابطة و إن هذه الربط مصدرا بمعنى الملازمة و الحراسة( من تعليقات بهار).

2) خان: لا وجود لمكان بهذا الاسم فى حدود سجستان و غزنة، و لكن فى هذه الحدود نقاط باسم خاش و خابا ساروخاست، و يوجد مكان أرخ على طريق ترمات باسم كرماخان، كما توجد ربط كثيرة فى الطريق، و كانوا يسمون الرباط( الخان) و هذا الخان ما زال حروفا حتى هذا الوقت( من تعليقات بهار).

تصالح الأمير خلف مع الأمير حسن و النزول من القلعة

و نزل الأمير حسين من القلعة، و خرج الأمير خلف من المقابر فعانقه و بكى بكاء مريرا، و تلا الأمير خلف هذه الآية (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي)(1)ثم قال شكرا للّه تعالى على أنى كنت حيا حتى رأيت هذا الوفاق، و قد بقيت لى من أسرتك العظيمة و قوى ظهرى بك و الآن ما رأيك فى الولاية و قد حسن هذا العمل الآن، ما هو موجود كله لم تقتصر فيه، و بما أن الاتفاق تم الآن، فلنعتبر (نصمم على أن ولايات العالم كلها ميراث لنا، و لكن يوجد غرباء، و الآن و قد صفت القلوب و بفضل اللّه تعالى حسن هذا الأمر و أن أثر النصر و الفتح لهذا العالم إنما ببركاته و أجلسه و ركب و مضى مع الجيشين و الغلمان فى جمع واحد العالم، و مضى الأمراء اثنين اثنين متقابلين و نزلوا فى محلة فراة و كانت النزل(2)جميلة، و أرسل الخلع الكثيرة و أحسن إلى غلمانه الواحد تلو الآخر، و أعطاهم الذهب و الصلات و الرواتب، و أرسل الشراب و المطربين و قال: إن الأمير حسين يحب الشراب، و لما مضت عشرة أيام أرسل رسالة محتواها اعلم أنك مستاء للحصار الضيق المضروب على القلعة، و عندما يأتى نمضى إلى باب طعام للتنزه و الصيد و الفرجة حتى ينشرح قلبك و قلب أطفالك قال: الأمير حسين هذا عين الصواب، فتجهزوا و مضوا و أقاموا فى كل منزل وليمة أفضل من الأخرى حتى وصل طاق و هناك أقام أحسن وليمة، و ضيفه عشرين يوما، و فى النهاية توفى الأمير حسين، و أقام له الأمير خلف مأتما و بكى كثيرا، و استدعى غلمانه و قال:

ماذا تريدون أن أصنع من أجلكم، و الآن جرى القضاء و لا مرد لقضاء اللّه فقبلوا الأرض و قالوا: نحن ميراث سيدنا و عبيده، و إذا كنا نليق بالخدمة و إلا فبيعنا ثم


1) أصل الآية\i( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي)\E سورة يوسف آية 100).

2) النزل: بضم النون و سكون الزاى، النزل ما هيئ للضيف( المنجد).

أحسن إليهم جميعا، و أعطاهم جميعا البيت و الضياع و النساء اللائقات و استقام أمر الأمير خلف فى ملك سجستان.

جلوس الأمير خلف أبى أحمد بن أحمد بن محمد بن خلف‌

و بعد أن قهر الأعداء، و حج و خدم أمير المؤمنين، و أحضروا اللواء و العهد و المنشور، و استولى على القلاع و حارب كثيرا و ثار لدم أبيه و قام بالهجمات (و هجم كثيرا) و مضت على ذلك سنوات حتى توطد له الأمر و هو خلف بن أبى جعفر (أحمد) بن أبى الليث (محمد) بن خلف بن الليث بن فرقد بن سليم بن ماهان(1)، و كانت أم الأمير حسين عائشة بنت أبى يوسف بن محمد بن عمرو بن الليث، و لما استقامت الأمور للأمير خلف أمر أن يأخذوا الخراج درهما درهما، و بسط بساط العدل، و خلع ثوب الجيش و طاف و ارتدى ثياب العلماء و الفقهاء، و عقد مجالس العلماء فى طاف و طجستان و قرب العلماء إليه، و حقر السفهاء و عقد مجالس العلم و عرف العلم من كل نوع، و كان يقيم مجلس العلم و الحديث و المناظرة كل ليلة، و جاء إليه علماء العالم مثل الخطيب بن هوشنج(2)و بديع الزمان(3)و فقهاء بغداد و علماؤها و العراقيون، و فى هذا يقول بديع:


1) ابن خلف بن الليث عم أزهر و والد محمد المكنى بأبى الليث، و محمد والد الأمير أحمد المكنى بأبى جعفر و هو والد خلف، و خلاف بن الليث المذكور حفيد سليم أو سليمان بن ماهان، و كان سليمان و حاتم أخوين، و كان حاتم جد يعقوب و عمرو و على أو سليمان جد خلف بن الليث و زاهر بن يحيى.

2) هو أحمد بن الحسن الخطيب، و كان خطيبا لكراة التى كانت من توابع هوشنج و كان من الدهاقين و الفضلاء و كاتب عظيم، و له شعر بالفارسية العربية.

3) هو أبو الفضل أحمد بن الحسين بن أبى يحيى بن سعيد الهمذانى المعروف ببديع الزمان كان يعتبر فى هراة و فى سنة 398 ه مات مسموما بها، و قيل مات بالسكتة، و قلده الحريرى فى مقاماته.

قصدت السيد الملك المؤيدو خد المكرمات به مورد

بأرض تنبت الآمال فيهالأن سحابها خلف بن أحمد

و يقول كذلك:

اكفف بحق اللّه عن هذا الصلف‌بحياة من جمع المكارم و الكلف

ملك الملوك بن الملوك عن السلف‌خلف بن أبى ليث خلف(1)

و إذا ما ذكرت قصة سياسته و عظمته و همته و وزارته و كفايته فإن القصة تطول، و قد سماه عظماء العالم كلهم الأمير السيد الملك العالم العادل ولى الدولة لأنه لم يبلغ أحد فى المكارم مبلغه و لم يكرم أحد رجال العلم و الدين مثل ما أكرمهم، و لم يقمع أحد رجال السفه و المخالفة و أهل الشر مثله، و كان الأمن مستتبا فى صحرائه أكثر استتبابا منه فى بساطه، و لم يكن لأبنائه فرصة أن يرفعوا أصواتهم على الخدم، و كان له العقاب و الأمر، و كان له ألف جاسوس فى الدنيا كلها فكان كل من ذهب إلى التركستان و الصين و الهند و الروم جاء و يخبره، و كان يقظا و كان له ألف فارس يغيرون على بست و زابلستان و واحد ناحية فارس و كرمان و واحد ناحية هراة و فوشنج و قاين و أخذها (استولى عليها) و كان يعتقل قادتهم فى أرك حتى لا يجد أحد القدرة على التعدى على ولايته، و لما تدهورت الدولة و انتهى عصرها نقول الآن قصته و أولاده، توفى الأمير أبو نصر و الأمير أبو الفضل كلاهما بلا سبب، و اعتقل الأمير عمرو رهينة فى عصر منصور بن نوح فى بخارى بسبب الجيوش التى أحضرها، و قبوله المال، و لما مات منصور بن نوح


1) مدحه كل من أبى الفتح البستى و أبى منصور الثعالبى، كما ذكره العتبى فى تاريخه و ذكر أبياتا لبديع الزمان فى مدحه، و لكن الأشعار التى وردت فى العتبى لم تكن هى هذه الأشعار( من تعليقات بهار).

تولى نوح بن منصور الولاية و كان صديقا للأمير خلف، و أعطى الأمير عمرو خلعة هناك، و أرسله إلى سجستان، و استولى على مدينة آيين بأمر من الأمير خلف.

عودة الأمير عمرو بن الأمير خلف من خراسان‌

دخل الأمير عمرو يوم الأربعاء الخامس من المحرم سنة ثلاثمائة و ثمان و سبعين المدينة فى أحسن هيئة، و أنزلوه فى داشن، و مضى لخدمته عظماء المدينة و المشايخ الأجلاء و كل القضاة و هم ينثرون النقود، ثم أمر أن يغلقوا المسجد الجامع فى آيين حتى يوم الجمعة، و مضوا لاستقباله جميعا فى وقت واحد، و أصدر الأمير عمرو إذنا (طلبا) حتى ينشغل بالحرب و الضرب، و لما انقضت مدة، عصى أباه، مضى مكحول الحاجب و بعض غلمانه معا إلى أبيه، و لما علم الأمير خلف الخبر أرسل الأمير أبا نصر مع جماعة من الفرسان إلى جوبن يوم الخميس الخامس من ذى الحجة سنة ثلاثمائة و ثلاثة و ثمانين و أسروه و حبسوه و مات فى حبسه يوم الإثنين التاسع عشر من المحرم سنة ثلاثمائة و أربعة و ثمانين، و كان الأمير خلف يدبر أمره على حال واحد حتى (توفى) الأمير عمو و أبو نصر و أبو الفضل، و كانا يسميانه الأمير طاهر الأسد الضامر(1)و كان يشبه رستم الأسطورى، و تزين العالم كله منه، و استولى على طريقى بست و طريق قاين و كرمان، و مضى لحرب الأمير أبى على بمساعدة سبكتكين، و لما تحاربوا و انتصر، قصد الأمير طاهر غرجوك مع اثنى عشر ألفا جاءوا من بعده إلى يودج، و عاد طاهر مع مائة فارس من غلمانه، و حارب و قتل غرجوك، و أحضر برأسه و سبعة أفيال من هذا الجيش و كثير


1) أشير باريك: كان لقبا لطاهر بن خلف و معناها الأسد الضامر( النحيل) و كانوا يسمونه هكذا و ذلك لشجاعته و رجولته.

من الخيول و السلاح و الخزائن. و أصبح رجلا مشهورا فى الدنيا بشجاعته و مروءته و حكمته و سخائه، و سر الأمير خلف به و فرح بأبيه، حتى مضى الزمان و أصابه الحسد، و مضى الأمير خلف إلى جبل أسپهبد مع حرمه و خدامه، و اتفق أن أمر السلطان محمود سبكتكين من هناك بجيش عظيم و كثير من الفيلة، و سمع أن الأمير خلف هنا مع حرمه و النساء فى الجبل، و كان جيش الأمير طاهر فى سجستان، و مضى السلطان محمود إلى سفح الجبل لثمانية عشر يوما مضت من جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و تسعين، و لم يكن مع الأمير خلف أحد إلا النساء و خدامه السود.

مجى‌ء السلطان محمود بن سبكتكين رحمة اللّه إلى سفح جبل إسبهبد

و لم يكن له قياس، و استولى على الجبل بحيث إنه لم يستطع أى شخص إضاءة مصباح فى الليل لأنهم فى هذه الساعة ملأوا البيت بالسهام و هيأوا المنجنيقات، و فى النهاية قبل الأمير خلف الصلح و قبل مائة ألف درهم(1)و خطبوا للسلطان محمود، و كتبوا اسم محمود على وجه السكة، و عاد السلطان من هناك يوم السبت لأربعة أيام مضت من رجب سنة ثلاثمائة و تسعين، و توقع الأمير خلف أن الأمير طاهر و جيش سجستان سيبيتون جيش السلطان، و كانوا ينتهزون منهم غفلة، و لما استعدوا (جهزوا) كان السلطان قد مضى، و خشى الأمير طاهر أباه فعصاه و استولى على فيله و جيش أبيه، و مضى إلى كرمان، و مضى هكذا إلى فارس و لم يقاومه أحد.


1) ذكر العتبى فى تاريخه أن المال الذى اصطلحوا عليه كان مائة ألف دينار و ذكره الكرديزى فى تاريخه ألف دينار أيضا.

ذهاب الأمير طاهر إلى كرمان فى شعبان سنة ثلاثمائة و تسعين، و لما سمع الأمير خلف فى الجبل هذا الخبر انكسر قلبه، و جاء فى شعبان إلى خورانديز(1)و هؤلاء الذين قدموا لجيش السلطان محمود العلف عندما انتهت دولتهم أمر بإحراق غلالهم، و هم لا يستحسنون هذا و قضى اللّه أنه فى هذا العام كثر الترنجين (الصمغ) بحيث يأخذ كل رجل منه ألف من، حتى اغتنى الصغير و الكبير منه، و مضى الأمير خلف إلى قلعة طاف و غضب على أهل سجستان و مشايخها و العيارين و خافوا منه و لم تكن الجرأة لأحد قط منهم على أن يمضى إليه إلا الفقيه أبو بكر النيهى(2)، و كان الأمير خلف فى طاف و قضى شهر الصيام هناك، و قدم المدينة فى العيد و لم يجعل لأحد طريقا إليه إلا الفقيه أبا بكر، و سرعان ما عاد و مضى إلى طاف ثم جاء إلى المدينة فى ذى الحجة، و سمح للمشايخ أن يقابلوه و يمثلوا فى حضرته فى محله درنيشكو، و من هناك دخل المدينة عند ما مر عيد الأضحى و مرت عدة أيام عاد الأمير طاهر من كرمان مع مجموعة قليلة و حالة سيئة(3).


1) خوارنديز: لم تذكر فى كتب الممالك و لكنها خورندير( وديز) بلهجة أهل خراسان و سجستان( دز) نفسها بمعنى القلعة و يقال شاهان دز.

2) نسبة إلى قرية( نيه) و هى من رساتيق سجستان و هى محلة من محلات سجستان الحالية.

3) يذكر هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابى فى الجزء التاسع من تاريخه المعروف بتاريخ التاجى فى حوادث سنة 390 ه ذكر فى شرحه لحملة طاهر و استيلائه على كرمان عبارة على النحو التالى: فى هذه السنة ورد طاهر بن خلف المعروف بشير باريك كرمان منافرا لخلف أبيه ثم تغلب عليها و ملكها و انضم إليه كثير من عساكرها، و انتهى أمره إلى الهزيمة و العودة إلى سجستان، و بعد ذلك فإن حملة طاهر على كرمان و عاد بعدها إلى سجستان، و قتل بيد خلف و يقول و عاد طاهر من بم إلى سجستان، و أسر جماعة من أعاظم الديالمة من القادة و الكتاب العظام، و عاد بهم مثل أبى موسى خواجة غيره، و يقول إن هؤلاء الشجعان عاونوه فى حربه ضد أبيه بشرط أن يعطيهم الحرية و العودة إلى كرمان، و قد أطلق سراحهم و سمح لهم بالعودة( من تعليقات بهار).

عودة الأمير طاهر من كرمان‌

و أرسل رسولا إلى أبيه أن ما صنعته صنعته بسبب خوفى من ظنك، و مضى الآن ما مضى و أنا عبدك و أفديك بالروح- و قد رجعت- و هيأ لى مكان حتى أمضى إليه ولى نفقات أقنع بها، فسب الأمير خلف الرسول و قال له إنه ليس ابنى حتى أفعل معه شيئا، و لما عاد الرسول بالرسالة، قصد الأمير طاهر المدينة، فسمع الأمير خلف الخبر و أخرج الجيش، و كان قائد جيش الأمير طاهر زينب، و كانوا يسمونه فى هذا الوقت القائد، و تواجه جيش الأمير طاهر و جيش الأمير خلف على ضفة هيرمند، و تحاربوا، و هزم الأمير طاهر جيش أبيه، و قد انخلعت قلوبهم رعبا، عندما قدموا أمام الأمير خلف منهزمين و متعبين و بعضهم قتلى، فعلم الأمير خلف أن المحنة نزلت به و يجب على الأب أن يفر أمام ابنه، و مضى مع خواصه إلى طاف، و دخل الأمير طاهر المدينة فى صباح يوم الثلاثاء و غرة المحرم سنة ثلثمائة و إحدى و تسعين، و كان أهل القصبة أغلقوا أبواب الحصن بأمر من الأمير خلف، و نزل الأمير طاهر فى القصر اليعقوبى، و استقر و أصبح جيشه أقوى و أغنى من جيش أبيه، و نزلوا هناك و مضى عيار و سجستان، و لما حل وقت صلاة الظهر فتحوا أبواب القلعة وصفت المدينة للأمير طاهر و القلاع فى كل مكان إلا طاف لأن الأب مستول عليها.

دخول الأمير طاهر المدينة و استيلاؤه على الولاية

و لم يمض زمن طويل (طويل زمان) حتى جمع الأمير طاهر الجيش و القادة و العيارين و غوغاء المدينة، و مضوا إلى أسفل قلعة طاف، و خاضوا الحرب و أقاموا المنجنيقات من أسفل إلى أعلى فى جرأة و بسالة، ثم عاد الأمير طاهر من هناك بعد

مدة و جاء إلى المدينة و توسط الرسل بينهم و تصالحوا، و أرسل الأمير خلف خواصه كلهم إليه ليخدموه، و انخدع الأمير طاهر حتى نهض مع مجموعة قليلة ليمضى إلى أبيه، و قال الأشخاص التى كانت لهم الجرأة لا ينبغى (و قال من كانت لهم الجرأة لا ينبغى) فإن الأمير خلف مكار (غدار)، و أدرك محنته و لا ينبغى أن يبقى ابنه، و من الخطأ أن يمضى و تنقطع مادة هذه المملكة و دولة هذه المملكة و دولة هذه الأسرة بسبب حقده، فإن كل إنسان إذا ما انتهت دولته لابد أن يسلك طرقا معوجة حتى تنتهى هذه الدولة و الملك، و لم يلتفت الأمير طاهر و مضى مع جماعة قليلة و نزل أسفل القلعة و أرسل شخصا لأبيه قائلا: ها أنا قد قدمت و ركب و مضى إلى باب القلعة، و لما رآه أبوه من بعيد نزل من هناك و مشى، و كان تنبوى مهتر و تنبوى كهتر (و كان تنبوى الأكبر و تنبوى الأصغر) الزنجيان من المبارزين، و كان الأمير خلف قد أخفاهما خلف باب القلعة و قال لهما: عندما أعانقه و أقول الحمد للّه أخرجا و ساعدانى حتى أدخله القلعة، و لما رأى الأمير طاهر أباه قادما و وقعت هيبة أبيه فى نفسه، نزل عن جواده و قبل الأرض و أقدم عليه بخفة و عانق أباه و قال:

الحمد للّه فقفز الزنجيان إلى الخارج و عاوناه لأنه لم يكن معه أى سلاح و لا غش فى قلبه، و أخذ العهود و أقسم الأيمان، و عاهد الأمير خلف كذلك، و أقسم أغلظ الأيمان، و لكنه أخلف (نكث العهد) عهده و حمله إلى القلعة و قيده، و مضى الجيش الذى كان معه إلى القصبة، و مات رحمة اللّه عليه فى هذا الحبس (السجن) يوم الإثنين لأربعة أيام مضت من جمادى الأول سنة ثلثمائة و اثنين و تسعين، و كان انتهاء آل يعقوب و عمرو فى هذا اليوم، فما كان لأحد قط من بعدهم دولة و اللّه تعالى يعلم كل ما يكون، و حاصر أهل سجستان و جيش طاهر و العيارون المدينة، و أظهروا شعار السلطان محمود لتخويف الأمير خلف، و هتفوا للسلطان محمود.

الاستيلاء على القلعة باسم السلطان محمود و عيارى سجستان‌

و كان أبو سعيد بن حسين قائدا حمل طبلة إلى در طعام، و كان يقرعها هاتفا للسلطان محمود و ألقوا (و طرحوا) اسم آل عمرو من الخطبة، و خطبوا باسم السلطان منفردا، و كتب طاهر زينب فى المدينة رسالة، و أرسل رسولا إلى السلطان محمود قائلا: إن الحال وقع هكذا، و خلصت لك المدينة، و كان السلطان حسن ابن عبد اللّه بن قارى المعروف بعبد اللّه ملوك أرسل رسولا حتى يتعرف على حال المدينة و الناس و العيارين و ليخبره (و ليخبره عن هذا) عن هذا بدقة (بصحة)، و لما جاء حسن بن عبد اللّه إلى هنا مضى الأمير طاهر بن زينب مسرعا إلى السلطان، و عرفه صحة (جلية) الأمر، و ليس لطاهر خلاف قط فى هذا الأمر إلا أن الدولة انتهت، إلا أنه اقتلع شجرة دولته بيده، و لما أيقن محمود أعطاه الخلع و أرسل معه الحاجب قبجى(1)الذى كانوا يسمونه غلاغوش مع ألف فارس، و جاء معه طاهر ابن زينب و أنزله فى زاوية داشن، و كان الأمير خلف جالسا فى طاف متمكنا، و كان كل هذا فى سنة ثلثمائة و تسعين، و كان يمضى راكبا إلى در طعام مستكشفا حركات الجيش السلطانى، و كان هذا كله على مقدمة الحبلين السلطانى أبو الليث أبو جعفر أبو سهل بن رزنجى ثم هجم الأمير خلف فى النهاية و قبض على أبى الليث و حمله إلى طاق و أمر ان يقتلوه.

و قبض على جماعة من جيش السلطان و قتلهم، و لما سمع السلطان خبر عدم استقامة أمره هناك (أن عمله لم يصبح مستقيما هناك) و مضى بنفسه مع جيش


1) ذكره العتبى( فتحى) الحاجب و يقول: إنه أحد المحتشمين من قواد ناصر الدين سبكتكين و ذكره ابن الأثير( قنبجى)، و قد ذكرت فى هذا الكتاب فى موضع آخر( قبجى) و من المحتمل أن تكون( قابجى) و هو اللقب التركى للحاجب( من تعليقات بهار).

عظيم عن طريق كش، و نزل على باب قلعة طاف، و بدأ الأمير خلف الحرب، و مضى المشايخ و أهل المدينة جميعهم إلى محمود، و قصد فتح القلعة، و استولى على ريعن خارج القلعة، و قصد ربض ميان، و علم الأمير خلف بعجزه، و مضى خواص سجستان و عوامهم إليه فتصالحوا، و استجاب له السلطان محمود قائلا:

انزل كما تريد و بقدر ما تريد و لا شأن لأحد قط بمالك و أهلك و اختر لنفسك أى جهة تريد أن تمضى حتى أرسلك إليها، فإن أهل سجستان لا يسرون بك على أى وجه، و ليس هذا شغلا تكلفته، و لكن صنعته على نفسك فماذا نستطيع أن نفعل فى تلك الحالة التى وقعت، فنزل الأمير خلف بعد صلاة العشاء ليلة الأحد الثانى عشر من صفر سنة ثلثمائة و ثلاثة و تسعين، و عليه الطيلسان فى هيئة العلماء و الزهاد و ركب حمارا مصريا و أمامه شموع موقدة.

هبوط الأمير خلف من قلعة طاق للصلح و ذهابه من سجستان إلى خراسان‌

و دخل أمام السلطان محمود، و لما اقترب منه نهض محمود و عانقه و أجلسه بجانبه و سأله سؤالا حسنا و استرضاه و طيب خاطره و أمل آمالا حسنة و سأله فى النهاية لما جاء الأمير إلى سجستان أصبح الحال على جملة هذا (هكذا) فأين تريد و أى مكان يختاره لنفسه قال الأمير خلف: لى صداقة مع ابن كاكوى(1)و إذا ما سمانى (تركنى) هنا فأنا أحب هذا أكثر و إلا ما استصوبه و رآه السلطان فأعاده إلى


1) هو علاء الدين بن كاكويه من الأمراء الديالمة، و صاحب أصفهان، و كنيته أبو جعفر و أبوه دشمنزيار خال مجد الدولة، و يسمون الخال فى اللغة الفارسية الديلمية كاكو و كاكوى( من تعليقات بهار).

القلعة و قال: امض إلى القلعة عند عيالك، و أرسل فى اليوم التالى شخصا قائلا: إن لى متاعا و ثقلا و لا بد من خيول تحمل حرمى و أمتعتى فأمر السلطان بإعطائه خمسين بغلا و خمسين جملا، و حمل ما أراد من الذهب و الفضة و الجواهر، و مضى ناحية خراسان، و أرسل حاجيا معه حتى يخدمه، و كان يحمل معه العلف و كل ما ينبغى حتى يصل إلى مقصده إن شاء اللّه(1).

صفاء ملك سجستان للسلطان العادل العالم يمين الدولة أبى القاسم محمود ابن سبكتكين يوم الأحد فى صفر سنة ثلاثمائة و ثلاثة و تسعين‌

و مضى محمود من هناك، و جاء إلى المدينة و نزل فى كركنك، و كان مقصوده أن يعطى المدينة و عمل سجستان إلى طاهر بن زينب، و كان قد سأل طاهرا من فى سجستان يوثق فى قوله، و كان طاهر قد قال إنه الفقيه أبو بكر النيهى، و لما استقرت الأمور و طلب عهد طاهر أمر أن يعطى بأن العهد مكتوب بولاية سجستان، فاستدعى أبا بكر النيهى و قال: لقد أخذت من هؤلاء الأشخاص طاهر ابن زينب لأعطيه سجستان من ناحيتنا فإنهم يقولون: إنك لا تقول كلاما فيه محاباة و لا رياء، قال: لا يليق طاهر بهذا الشغل، فاستدعى السلطان طاهرا و قال: لقد وكلنا


1) سلك العتبى فى هذا الموضع سبيل الإغراق، و ذلك نظرا لعظمة يمين الدولة الذى كان ولى نعمته فيقول: و أقبل خلف بن أحمد على بذله الجايزه حتى أستأذن له على السلطان ففعل و أهوى إلى الأرض شبيبته البيضاء، و لكن ابن الأثير يقول: إن كانت هذه الأقوال نقلها العتبى بقوله فى ذلك الجزء و قيل عنه إن خلف وقع فى التراب، و لم يذكر أنه مسح لحيته بالتراب كما لا يذكر العتبى خبر ابن كاكوى و يقول: إن خلف اختار الذهاب إلى حوزجانات، و إنهم أرسلوه إلى ذلك المكان.

إليك سجستان، و لكن أبا بكر بن ينهى يقول: إنك لست أهلا لذلك فتجلد طاهر و أظهر الحكمة، و لما كان قال هذا و هو المعتمد و لم يثر قوله أى خلاف و قال: إنه يقول الحق (إن ما يقوله حق) ثم سلم المدينة و الولاية إلى قبجى إلى الحاجب و جعل الوكالة لأبى على شاد بناء على اختيار المشايخ، و أمر أن يخطبوا لقبجى و كان هذا كله فى صفر سنة ثلاثمائة و ثلاثة و تسعين، و عاد السلطان محمود بطريق بست و مضى.

بداية تولى الترك على السجستانيين‌

و لما خطبوا باسم الترك على منبر الإسلام، كانت محنة سجستان فى هذا اليوم، و لكن لم ينل سجستان أى ضرر إلى ذلك الوقت، و منذ عهد يعقوب و عمرو لم يكن فى العالم كله بلاد قط أكثر عمرانا من سجستان، و سموا دار الدولة نيمروز حتى ذلك اليوم الذى أخرجوا منه الأمير خلف سجستان بسبب الثورة التى قامت عليه حتى رأوا ما رأوا و ما زالوا يرونه، و يعلم اللّه تعالى أنه تنقضى عدة أزمنة و هكذا كان الشأن على هذا النحو حتى جمادى الاخر من السنة نفسها، و فى تلك الليلة التى لم يكن فيها خبر حتى ذلك اليوم الذى صاح فيه غوغاء المدينة و عيار خوج(1)و اضطربت المدينة، فقد رجع هؤلاء القادة و العيارون الذين استقدمهم السلطان محمود معه، و كان تركهم فى بست و غزنين، و مضى إلى الهند بحيث لم يعلم عنه خبر فظنوا أن محمود ربما مضى فاستولى عليهم الطمع و الفساد، و كان أبو بكر بن عبد اللّه حفيد الأمير خلف من ناحية البنت و أبو الحسن الحاجب فقد


1) خوج: اسم محلة أو ناحية فى زرعج متصلة بالمدينة، و يقولون عنها إن العيارين رفعوا صوتهم فيها.

أحضروا هؤلاء العيارين، و جمعوا الناس، و لم يوجد طبل فجاء بقدر كبير من النحاس و طرقوها و هتفوا لأبى بكر، و استولوا على المدينة، و قصدوا القبجى و ركب القبجى و الجنسين فى الليل و خرجا من المدينة منهزمين، و نزلا فى كركتك و محلة ميار، و دخل الأمير أبو بكر فى قلعة أرك و استقر هناك، و اجتمع الناس معه، و خطبوا له فى يوم الجمعة، و كان محمود قد أمر أن يثقبوا سور المدينة ثقوبا كثيرة، فعاد من سجستان حتى لا يكثر الفساد، فأمر أبو بكر بترميمها، و كان جيش السلطان فى كرنك، و مضى خلق كثير منهم و بإراداتهم ما يقرب من ألف فارس فى نواحى سجستان، و كان أكثر الهنود كفارا فقتلوا معظمهم، و استولوا على الخيول و الأمتعة أمام بيش‌زرة، و لجأ بادار(1)أبو فضل و بادار مظفر ابنا أبى نصر أبى العباس و إسحق بن عروة و مائة فارس منهم إلى الأمير أبى الحسن الكاشانى و كان معه ألفا رجل فى ييش‌زرة، و لم يكونوا عصاة للسلطان، و لكن عاونوا جيشه و أرسل الأمير أبو بكر الرسائل و الرسل إليه إلا أنه لم يقبل و لم يحضر، و قال: لقد انتهت هذه الدولة و لا يمكن أن يدوم هذا العمل، و جاء غلمان الأمير خلف و مائة فارس إلى الأمير أحمد أبو الحسن الكاشنى، و كان أرسلان الزنجى نقيبا، و أقام القادة المعروفون و هو فى رندان(2)حتى اجتمع أولياء السلطان من فراة و أوق و ييش‌زرة ثم قصد القصبة و مضى مع الجيش السلطانى و استقر فى مكان، و حارب أبو بكر أبا الحسن الحاجب قائدا لجيشه، و مضى المفترون إلى السور و ارتقى المفترون على السور، و كانوا يحاربون كل يوم، و لما وصل الخبر إلى غزنين، كان مع القبجى إلى سعيد بن حسين و أبا على بن أبى الحسن و كانا قائدين عظيمين، و مضوا من هناك مع نوح من جيش محمود، و علموا بخبر عودة السلطان من الهند، و دخل جيش محمود من باب نواى فى هذا اليوم، و كان القوم


1) ذكر فى موضع آخر( بادار بو جعفر) و يبدو أن( بادار) كان لقبا للأعيان و أصحاب الضياع.

2) راندان: اسم مكان و من المحتمل أن تكون تصحيفا لكلمة( روذان) و قد كررت فى هذا الكتاب كثيرا

كثيرا من المشاة مع الأمير أحمد بن أبى الحسن بن كاشانى، و قتل كثير من عوام سجستان، و استولى أبو الحسن بن أبى على مع القبجى فى اليوم نفسه على باب فارس و با بكركوى و أبو سعيد بن حسين على باب طعام، و حاصروا أبا بكر و رجاله فى القلعة و المدينة و القصبة و جيش السلطان و العيارين، و نزل الأمير أحمد أبى الحسن الكاشانى فى در فارس و أبو الحسن بن بو على و القبجى فى در كوكوى و أبو سعيد بن حسين فى در طعام، و كانوا يقيمون الاستحكامات حول القلعة، و كان هذا كله آخر شعبان سنة ثلثمائة و ثلاثة و تسعين، و كانوا يحاربون كل يوم فى كور(1)القلعة حتى وصل السلطان محمود فى اليوم الثانى من عيد الأضحى(2)بجيش كثيف و نزل فى حلفا باد، و ركب فى اليوم التالى، و طاف حول ضفة باركين و القلعة كلها و نظر و بدأ فى تدبير الحرب و الاستيلاء على الحصن من البداية، و وضع المنجنيقات، و استولى على الأرض المجاورة و نصب على ضفة باركين (البركة) و على كل جهة مقابلة لأرك منجنيق عروسى و أطلقوا المنجنيقات، و هدموا جزءا من خضر أبرارك فقال محمود جاء بفأل حسن و النصر لنا، و لما مضت خمسة أيام على العيد كان يوم الجمعة و لم يصل أحد فى المسجد الجامع لسجستان لانكسار (الانفطار) قلوب أهل المدينة و القلعة، و لما كانت ليلة السبت و فى وقت صلاة العشاء قالوا لأبى الحسن الكنهنزى حيث كان عيار صديقا لأبى سعيد فتح در طعام و نادى محمود و لم يكن لأبى بكر و جمعة خبر قط حتى صعود الغلمان كلهم من قصر محمود إلى القلعة، و صعدوا على السور و قرعوا الطبل و نادوا محمود و جعلوا يغيرون و يحرقون و أحرقوا الأسواق و القصور، و أغاروا


1) كور: بفتح الأول و كورة بالفتح و الضم: هى الأرض الممتلئة بالمرتفعات و المنخفضات و المراد بها هنا الاستحكامات حول القلعة.

2) يذكر ابن الأثير أن هذه الحرب و فتح هذه القلعة كان فى شهر ذى الحجة سنة 393 ه( ابن الأثير ج 9، ص 60).

على مسجد الجمعة و أحرقوا در حلوا و قتلوا علوى الخباز فى مسجد الجمعة، و قتلوا النصارى فى الكنيسة، و قتلوا رجال المسلمين فى بيوتهم، و لم يقتلوا كثيرا لأن غرضهم كان مجرد الإغارة لا القتل، و لما أصبح الصباح نادى مناد لا تكثروا من الإغارة و أمنوا الناس (أعطوا الناس الأمان) و انطفأ هذا اللهب، و كان أبو بكر و أبو الحسن الحاجب فى أرك، و فى اليوم التالى آمنهم على أرواحهم (روحهما) فنزلا و بقيا مدة يسيرة، ثم مضيا و أعطى الإمارة الخطبة مرة أخرى القبجى، و جعلوا محمد أبا حفص كلانة عاملا و كان ذلك لستة أيام بقين من ذى الحجة سنة ثلثمائة و أربعة و تسعين.

عمل الأمير محمد أبى حفص بن كلانة

و لما حلت سنة ثلثمائة و خمس و تسعين، جاء الحاجب بهشتى، و خطبوا له حتى جمادى الأول سنة ثلاثمائة و ستة و تسعين، و لكنهم طلبوه، و استقرت سجستان للكلانيين، و كان لمحمد بن أبى حفص أبناؤهم أبو حفص و أبو نصر و أبو أحمد و أبو القاسم، و كان كل منهم يمضى إلى الحضرة سنة و يبقى سنة ثم يمضى الآخر و يأتى غيره، و كانوا قوما ظالمين، و ضربوا سجستان، و قد شحت الغلال فى سنة أربعمائة، و وقع القحط، و أصبح ثمن حمل الحمار من القمح بمائتين و أربعين درهما، و تألم الناس حتى حل رمضان هذه السنة، و خطبوا لقائد الجيش و هو الأمير نصر بن سبكتكين رحمه اللّه، و عاد السعر إلى ما كان عليه و تحسنت الأحوال.

مقدم السيد أبو منصور بن خوافى ليكون عاملا على سجستان‌

و فى شوال من هذه السنة جاء السيد عميد أبو منصور بن خواف(1)من جهة الأمير نصر و أخذ عمل المدينة و سحب محمد أبا حفص و أبناءه و طالبهم و استولى على أموالهم، و تناول محمد أبو حفص السم، و مضى أبو حفص إلى حضرة السلطان و ألقوه أمام الفيلة و نجا الآخرون، و فى سنة أربعمائة و واحد وقع مرض خطير فى سجستان، و مات ناس كثيرون، و دخل ثانية فى سنة أربعمائة و اثنتين، و جاء الأمير نصر بنفسه إلى سجستان و صاحوا (استغاثوا) من الغور، و جاء المشايخ إلى هنا، و مضى السلطان محمود بنفسه إلى هناك، و قاتلوا قتالا عنيفا فى جبل يشتلك(2)و قتل كثير من المسلمين و بقوا أسرى، و كان السيد أبو العباس الخليلى رحمه اللّه من هؤلاء الأسرى إلا أنه حرر (إلا أنه أطلق سراحه).

مقدم ابن بهاء الدولة إلى سجستان‌

و لما كانت سنة أربعمائة و أربعة جاء إلى سجستان أمير الأمراء أبو الفوارس ابن بهاء الدولة، و نزل فى بادار أبو جعفر القوسى، و كان بهاء الدولة ابن عضو


1) خواف: رستاق كبير و كانت من ملحقات نيسابور و هى اليوم تابعة لمشهد و يسمونها روى و خواف و كانت قصتها خركود و الآن خواف و كانت لها قصة أخرى تسمى سلومد.

2) بشلنك: اسم قلعة تقع على رأس جبل و بشلنك، و فشلنك من قلاع الغور العظيمة و تقع على حدود داود و يقول الإصطخرى و بلاد الداور إقليم خصب و هو ثغر للغور و خلج و بشلنك.

الدولة فناخسرو(1)، و مضى من سجستان إلى حضرة السلطان محمود، و قد رعى جانبه و أعطاه جيشا و أرسل معه الأمير أبا العباس بن طاهر إلى كرمان حتى وجد الجاه و الملك بمساعدة جيش السلطان، و فى هذا العام هبط ثلج صعب فى سجستان حيث جف كثير من الأشجار و النخيل و الحقول، و تخربت القصور من هذا الثلج، و كان هذا كله أثناء عمل السيد أبى منصور بن الخوافي، و كان رجلا داهية، و قتل خلق كثير فى سجستان، إلا أنه قتل جميع المفسدين، و كان خيرا مع أهل الخير و الصلاح، و كان حييا و سخيّا و كفئا فى تدبير العمل، و أعلن كثير من الناس العصيان فى عصره مثل أبى الليث بن أبى القصر بن ملك و طاهر بن أبى محمد ابن أحمد بن طاهر الحذيقى، و كان معهم كثير من الناس و الدواب، و كانوا عصاة و قتل كلاهما، و كان فى سجستان دائما ألف رجل من العصاة فى عصره، فقبض عليهم و قتلهم، و إذا ما قلت قصته بتمامها فإنها تطول، و بعدهم أعلن ناصر ابن محمد بن كازن العصيان، و لم يستطع القبض عليه (الإمساك به)، و لما تم عزله جاء عزيز محمد الفوشنجى و لجأ إليه (أمن عنده)، و مات بنفسه، و لما جاء عصر أبى منصور و شكاه كثير من الناس، و كان الأمير قائد الجيش قد مات فى السنة نفسها سنة أربعمائة و ثمانية عشر، جاء حسنك(2)النيثابورى بأمر السلطان محمود إلى سجستان، و أحضر معه عزيز بن قوشنجة ليلة السبت الثانى من جمادى الأول، و دخل القصبة فى السنة نفسها، و عزل أبا منصور و جعل عزيز عاملا (خليفة).


1) عضد الدولة و فناخسرو الملقب بشاهنشاه و المكنى بأبى شجاع هو ابن ركن الدولة حسن بن بويه و قبره فى النجف.

2) هو أبو على حسن بن محمد الميكالى المعروف بالأمير( حسنك) آخر وزراء السلطان محمود الغزنوى أسند إليه السلطان رئاسة نيسابور، و أظهر فى تدبير أمور هذه البلاد حنكة و دعاء و كفاءة، و بهذا كبر فى عين السلطان، و أسند إليه أعمال ديوان غزنين، و قد وصفه العتبى فى آخر كتابه وصفا بليغا، و قتل فى سنة 411، أو سنة 422 فى بلخ على يد السلطان مسعود بن محمود و بتحريض من أبى سهل الزوربى و صلب.

عمل عزيز بن محمد فوشنجى و عزل أبى منصور بن خوافى يوم الثلاثاء التاسع من رجب سنة أربعمائة و ثمانية عشر

و حملوا أبا منصور إلى الحضرة و فى شوال من هذا العام ارتفعت الأسعار، و أصبح ثمن كيلة القمح سبعة دراهم، و توفى أبو منصور الخوافى سنة أربعمائة و تسعة عشر، و فى سنة عشرين سقط برد (ثلج) كثير على سجستان، و مات كثير من الطيور فى زرة و ظنوا أن أجنحتها انكسرت، و وزنوا جبة من حبات هذا الثلج، فكان وزنها عشرة دراهم، و كان عزيز رجلا مستقيما فى العمل، إلا أنه لم يكن كريما و ضيق الأعمال على نفسه و على الناس، و لما حل المحرم سنة أربعمائة و إحدى و عشرين، أعطى السلطان محمود عمل سجستان للسيد الأمير الأجل سيد أبو الفضل بن نصر بن أحمد مولى أمير المؤمنين و عزل عزيز.

مجى‌ء الأمير أبى الفضل نصر بن أحمد عاملا على سجستان‌

و جاء إلى سجستان و قويت قلوب الناس لأن الدولة تحسنت لأنه أصبح من مدينتنا قائد عظيم علينا ثم وقع قضاء اللّه تعالى، و توفى السلطان محمود ابن سبكتكين يوم الخميس لسبعة أيام بقين من ربيع الأول سنة أربعمائة و إحدى و عشرين.

وفاة السلطان محمود- رحمة اللّه عليه-

و قامت القيامة فى الدنيا و اضطربت و بقى الأمير أبو الفضل مدة حتى جاءت رسالة السلطان مسعود من العراق، و استخدم الأمير أبو الفضل الفيلة و الجيش فى استقباله، و استولى العيارون على المدينة فأخذوا (و أقاموا) التعصب و الحرب و أغاروا على باب فارس و أغاروا و أحرقوا قصر الإمام فاخر بن معاذ و أبنائه فى رمضان من هذا العام، و خطبوا للسلطان مسعود بن السلطان محمود فى سجستان، و أصبح أخوه محمد أميرا على غزنين حتى وصل الأمير أبو الفضل نيثابور، و جاء الأمير مسعود من العراق إلى هنا و مضى أخوه من غزنين حتى يأتى إلى سجستان، و أراد أن يسلب منهم الحقد و الخلاف(1)، و هكذا وقع قضاء اللّه تعالى أن يهزموا جيشهم و قيدوهم و اتجهوا ناحية مسعود، و لما اقتربوا منه اعتقل أركان الدولة جميعهم و قتلهم، و لم يقبل الأمير أبو الفضل سجستان على النحو الذى قاله ثم أعطوا سجستان لعزيز فوشنجة ثانية.

مجئ عزيز الفوشنجى من قبل السلطان مسعود عاملا على سجستان‌

و دخل ليلة الأربعاء منتصف المحرم سنة أربعمائة و اثنتين و عشرين، و جعلوا الخطبة و الإمارة لكتغدى الحاجى، و لما حلت سنة ثلاث و عشرين جاء خبر وفاة أمير المؤمنين من بغداد القادر باللّه و خطبوا لأمير المؤمنين القائم بأمر اللّه يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان سنة أربعمائة و ثلاثة و عشرين، و جاء عزيز


1) إن هذه الرواية التى تقول إن الأمير محمد قصد سجستان تعد وجهة نظر شخصية و ليس لها مصدر معلوم فما أجمعت عليه التواريخ أنه خرج ليحارب السلطان مسعود و ليس من المعقول أن يقصد مسعود نيسابور و خراسان و أنه ترك أخاه ليمضى لحرب السجزيين( من تعليقات بهار).

ثانية إلى سجستان، و كان قد جاء قبله صاحب القضاء- أبو سعيد الجيمرنى- و كانت ثورة العيارين قد ضعفت لأن الحاجب شطر بعض الرجال شطرين، ثم اعتقل عزيز القادة و ضربهم بالسياط، و ضرب أعناق النقباء(1)و شطرهم شطرين، و اتخذ العمل بالسياسة و استولى على كثير من المصادر و كثير من رؤساء القصبان و عظماء القرية و توفى ناصر كارش فى هذه السنة و أخذ ماله من زوجية اعتقلها، و لما حلت سنة أربعمائة و خمسة و عشرين جاء إلى هنا أبو المظفر فوشنجة، و أرسل (حمل) عزيز إلى فراة، و أعطى سجستان للأمير أبى الفضل، و حمل عزيز معه، و كان أبو سعد الجيمرتى هناك، و لما سمع الخبر هرب، و تولى الأمير أبو الفضل العمل فى غرة رجب سنة أربعمائة و خمسة و عشرين فى سجستان و باشر عملها حتى سنة أربعمائة و سبعة و عشرين، ثم أمضى العمل لأبى سعد الجيمرتى و أبى سعد الفهستانى متشاركين و جاءوا هنا.

عمل أبى سعد الجيمرتى‌

و فى أثناء تولية عملهم جعل الأتراك(2)يغيرون على سجستان، و مضى أبو سعد القهستانى إلى برونج و قتلوه، و كان الأمير أبو الفضل محبوسا فى قلعة أرك،


1) النقباء: نوع من التشكيلات العيارية

2) المقصود بالترك فى هذا الموضع طائفة السلاجقة، و يعرفون فى بعض التواريخ بالغز، و هؤلاء التركمان هاجروا فى أواخر القرن الثالث الهجرى مجموعة مجموعة من التركستان عن طريق كوج مع حشمهير و خيولهم و خيامهم، و مضوا إلى ما وراء النهر و أسلموا، و بهذه الوسيلة وجدوا مقرّا و مرتعا، و لما كان أمراء ما وراء النهر يحاربون الترك الخطايين فى صحراء القبجاق، و كانوا يغتنمون مقدم هؤلاء الطوائف و من جملتهم قدوم جماعة فى حدود سنة 375 و مضوا إلى خراسان، و جملة القول إن التركمان عاثوا فى أرض خراسان فسادا و كانوا أبناء سلجوق و تاريخهم معروف( من تعليقات بهار)

و استقر عمل أبى سعد الجيمرتى يوم الإثنين لعشرة أيام بقيت من ذى الحجة سنة أربعمائة و ثمانية و عشرين، و لما حلت سنة تسع طلبوا الأمير أبا الفضل إلى الحضرة و أعطوه عمل سجستان.

مجي‌ء الأمير أبى الفضل يوم الخميس سنة أربعمائة و تسعة و عشرين من شهر ذى الحجة

و دخل المدينة يوم الجمعة، فجاء أحمد بن طاهر و إسحاق بن كازن و الشنكليانيون إلى سكر، و اجتمع لهم ألفا رجل و جاءوا إلى برونج لحرب الأمير أبى الفضل، و مضى الأمير من داشن و عليار و المدينة و القادة و مراقبو المدينة (الشرطة) و تحاربوا هناك، و تغلبوا عليهم، و قبضوا على كثير من قادتهم، و هرب أحمد بن طاهر و إسحاق بن كازن بحيث لم يرهما أحد، و حبسهم جيمعا فى أرك، و تصدع فى السنة نفسها سد كندك و جرف الماء باب كركوى يوم السبت الحادى عشر من المحرم فى هذه السنة، و اتحد أبو عمر بن الليث و ابنه ربانا جر مع الشنكليانين و اعتقلوا جميعا، و فى سنة ثلاثين و أربعمائة ارتفع سعر الغلة حتى أصبح ثمن حمل القمح بمائة و ثلاثين درهما، و أمر الأمير أبو الفضل بأن يجددوا سور سجستان، و انتهى العمل من سور المدينة فى سنة أربعمائة و اثنتين و ثلاثين على يد الأمير أبى الفضل ثم جمع أحمد بن طاهر خلقا كثيرا و اتحد مع الترك، و نزلوا على باب كركوى و جعلوا يغيرون على ييش‌زرة و انقطعت الدخول بسببه، و طلب الأمير أبو الفضل جيشا من السلطان مسعود و لكنه لم يرسل، و فى هذا بقى (انقطع) حديثه، فما وجد سببا أن يطلب من الترك قورة و أرسل شخصا، و فى النهاية مضى الأمير أبو نصر و أحضر أرتاش مع خمسة آلاف فارس فى ربيع

الأول سنة أربعمائة و اثنتين و ثلاثين، و كان التركمان يغيرون كل يوم على باب المدينة من جهة أحمد بن طاهر، و فى النهاية استولى أحمد بن طاهر على المشاة و الفرسان كلهم من الترك، و مضى إلى در طعام، و لما جاء أرتاش نزل عند أسفل أرك، و اقترب منه الأمير أبو الفضل.

مجي‌ء أرتاش و الخطبة لبيغو

و أبرموا العهود و خطبوا لبيغو، و أرسل أرتاش شخصا و أمر هؤلاء الترك الذين كانوا مع أحمد بن طاهر أن يحضروه و أتباعه جميعا إليه على باب المدينة، فاعتقلوا أحمد بن طاهر و كل أوليائه، و أحضر إلى أرك، و مضر أرتاش و الأمير أبا نصر و الجيش إلى باب بست، و أمر أبو الفضل أبا نصر الكوكى حاكم المدينة بشنق أحمد بن طاهر و منوجهر و مظفرين حسين و أبى جعفر حمدان الدرقى أوليائهم و قادتهم جميعهم.

مقدم بيغو إلى سجستان‌

و جاء بيغو فى الحادى عشر من ربيع الآخر سنة أربعمائة و اثنتين و ثلاثين، و مضى الأمير أبو الفضل معه إلى مكان و مضينا إلى باب بست، و استولوا على هذه النواحى كلها، و أغاروا ثم وقع خلاف بين بيغو و أرتاش فعاد أرتاش فجأة و الجيش معه و عاد بيغو أيضا و جاء إلى سجستان، و انتهى حديث سجستان للأمير أبى الفضل و عاد الجيش التركمانى كله ناحية خراسان.

مقتل السلطان مسعود

و قتل الأمير مسعود أيضا فى سنة أربعمائة و اثنتين و ثلاثين، و أصبح (جلس) مودود بن مسعود أميرا و أحضر أبو سعد الجيمرتى و أبو عمر بن الليث جيشا إلى سجستان من جهة الأمير مودود و كان قائدهم قيماس الحاجب، و نزلوا على باب نوايست، و كان ابن أبى عمر بن الليث بن نصر و ابن أبى سعد الجيمرتى كلاهما محبوسا فى أرك فهربا بحيث لم يعلم أحد كيف هربا.

مقدم قيماس مع الجيش إلى سجستان و مجى‌ء أرتاش و انهزام جيش مودود فى سجستان‌

و مضى الأمير أبو الفضل مع جيشه الخاص إلى هناك، و تحاربوا مع قيماس و هزموهم و عادوا إلى غزنين، و كان هذا كله فى سنة أربعمائة و اثنين و ثلاثين (و جرت) الأحاديث فى هذا، و أرسل الأمير مودود الرسائل سرا إلى سجستان و كان الأمير أبو الفضل على علم بهذا و لم يعلموا حتى يوم الأربعاء الثالث و العشرين من جمادى الآخر سنة أربعمائة و ثلاثة و ثلاثين، و حبس الأمير أبو الفضل كلا من أبى سعيد بن محمد بن عبد اللّه و الفقيهين عبد الحميد و عبد السلام ولى الإمام فاخر و الأمير كنك و الأمير أحمد كوترال فى أرك، ثم وصل جيش مودود مع حاجبه الكبير و كان مقداره ألفى فارس و عشرة آلاف من المشاة الشنكليانين الذين اجتمعوا معهم، و كان معهم أبو سعد الجيمرنى و أبو عمر بن الليث و أخو أحمد بن طاهر و أبو منصور و أبو حاتم ابنا ستكان الجوينى، يوم الأحد الخامس و العشرين من رجب سنة أربعمائة و ثلاثة و ثلاثين، و خرج الأمير أبو الفضل و تحاربوا حربا صعبة، و قتل خلق كثير من كلا الفريقين، و عاد أنصار القائد طاهر بن محمد ابن السجزى، و دخل أبو نصر و جيش مودود، و مضى الأمير أبو الفضل إلى القلعة

أغاروا و قتلوا خلقا كثيرا، و صنعوا ما لا يصنعونه فى دار الكفر، و كان بداية الحصار من هذا اليوم، و كانوا فى كل يوم يقاتلون قتالا عنيفا حول أبواب القلعة، و قتل من الفريقين خلق كثير لمدة أربعة شهور و مائة و عشرين يوما، حتى أرسل الأمير أبو الفضل رسالة إلى أرتاس فى خراسان، و كان قد مضى الى بلاد ما وراء النهر حيث كان للتركمان حرب هناك، و مضى من هنا فى آخر ذى القعدة سنة ثلاث و لم يكن لأحد خير من هذا للصعود و لا للهبوط حتى وصل مع الجيش، و مضى جيش مودود الى باب المدينة و عسكر (أقام) الجيش فى هذا المكان و فى الصباح وصل أرتاش و الجيش، و حاربوا ساعة واحدة، و نزل رجل المدينة مع الأمير أبى الفضل، و مضى جيش مودود منهزما و قبض عليهم و قتلوا، و ماتوا من العطش فى الصحراء ألى أن وصل عدد قليل منهم إلى بست، و صلب (شنق) الأمير أبا الفضل قيماس و الحاجيين و مجموعة من كمران و أبا سعد الجيمرتى على قصر يعقوب، و استولى أرتاش على الجيش و مضى إلى بشت على أثر جيش مودود و كان معه الأمير أبو الفضل و المشاة، و استولى على قلاع و أغاروا و عادوا من هناك فى ربيع الأول سنة أربعمائة و أربع و ثلاثين.

أسر الأمير أبى نصر على يد طغرل‌

أسر الأمير أبى نصر(1)على يد طغرل

و جاء بيغو إلى سجستان بطريق آخر فى شهر ربيع الآخر و عاد من هناك و مضى إلى خراسان و مضى آلامى أبو النصر إليها و تزوج الخاتون و مكث مدة و عاد من هناك، و جعل صغول(2)حاجب مودود جاسوسا عليه، و أغار من بست


1) الأمير أبو نصر: هو أبو نصر منصور بن أحمد مولى أمير المؤمنين أخى الأمير أبى الفضل نصر ابن أحمد صاحب سجستان.

2) يقول ابن الأثير: إن طغرل هذا كان غلام الأمير مودود بن مسعود و حاجبه، و كان إذا طلب شيئا يستجاب له حتى أنهم أعطوه جيشا ليحارب الترك فلم يقبل ذلك، و فى النهاية و بعد وفاة مودود- - و جلوس الأمير عبد الرشيد أميرا، جدد طغرل طلبه و أعطاه عبد الرشيد ألف فارس و دخل سجستان، و هزم بيغو و أبا الفضل على بابها( ابن الأثير ج 9، ص 201).

مع ألفى فارس و قبض عليه فى وادى هندقان، و جاءوا فى جمادى الآخر من هذا العام نفسه، و أصابوا الجيش فى سجستان بخسائر، و استولوا على باب كركوى، و قتلوا خلقا كثيرا من المجوس و المسلمين و أغاروا و مضوا إلى كاشن، و حاصروا بيت كاشن و استولوا عليها و قتلوا جماعة من الناس و أغاروا، و مضوا إلى أسفل القلعة و التقوا بالأمير أبى الفضل، و صعد بعضهم إلى القلعة و أصلحوا، و مضوا فى النهاية، و حملوا الأمير أبا نصر إلى غزنين و حبسوه هناك.

مقتل أرتاش‌

و فى سنة أربعمائة و سبعة و ثلاثين مضى أرتاش مع جيش كبير حتى أمضى إلى غزنين، و جاء جيش مودود و تحاربوا، و عاد أرتاش منهزما و قدم المدينة و نزل هناك، و عاد بيغو فى سنة ثمانية و ثلاثين و كان أرتاش فى سجستان، و خلص الأمير أبو الفضل فى تسعة و ثلاثين الفقيهين عبد الحميد و عبد السلام يوم الإثنين الثانى و العشرين من رجب سنة أربعمائة و تسعة و ثلاثين، و كان حبسهما استمر ست سنوات و شهرا، و خلص الأمير أحمد بن توتوال فى وقت الحصار نفسه و أمر الأمير كتك أن ينسحبوا إلى قلعة أرك، و هرب القاضى أبو سعيد بن القاضى أبى الحسن و مضى إلى مكران و مات هناك، و قتل أرتاش فى سنة أربعمائة و أربعين فى طبس على يد غلمان الأمير أبى العباس بن درهى.

خلاص الأمير أبى نصر

و تخلص الأمير أبو نصر بفضل خواجة سعيد بن أحمد بن حسن الميندى الذى كان محبوسا فى سجستان، و بدلوا عدة حجاب كان قد أخذهم الأمير جفرى، و دخل المدينة يوم الخميس فى الحادى و العشرين من صفر سنة واحد و أربعين، و استولوا على مدينة أثين، و فرح أهل سجستان كثيرا، و وزعوا الصدقات ثم عاد من هراة، و دخل المدينة ليلة السبت فى السادس و العشرين من ذى القعدة سنة أربعمائة و واحد و أربعين، و قتل يوسف بن يعقوب بن صابر الكمرى و أبا جعفر الصابر و أولادهم، و أغار على قصرهم و أغار الأمير أبو الفضل و حرره (أخذه) يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الأول سنة أربعمائة و اثنين و أربعين، و أمر فى الوقت نفسه أن يقسموه قسمين.

خبر وفاة أبى جعفر أحمد بن منصور بن أحمد مولى أمير المؤمنين نور اللّه حفرته‌

كان هذا الأمير بن نصر الذى كان من أبطال العالم، و ما كان فى رجال الدولة نظير له قط فى الرجولة و الشجاعة و السخاء و التواضع و حسن العهد على نحو لم يكن مثله كريم و معطاء، و إن قيل إن أحدا مثله لم يأت إلى سجستان بعد الأمير ماهر أبى على، و هكذا أجرى القضاء ليلة الأربعاء التاسع و العشرين من ربيع الآخر سنة أربعمائة و اثنتين و أربعين و أقام أهل سجستان خاصهم و عامهم مأتما لمدة تسعة أيام بقلوب محزونة و عيون دامعة، لأنه كان منقطع النظير رحمة

اللّه عليه، و مضى أبوه الأمير أبو نصر يوم الإثنين الثامن عشر من جمادى الأولى سنة أربعمائة و اثنتين و أربعين إلى هراة، و حزن الأمير أبو الفضل عدة أيام بسببه، و لكن عاد الطرب على عادة الملوك، و لم يكن فى هذا الوقت أى ضرر فى سجستان حتى جاء طغرل الملعون غير المبارك عليه.

مجى‌ء طغرل‌

و نزل يوم الأحد الثالث من رجب سنة ثلاث و أربعين فى قلعة طاق، و جعل يرسل الرسل و لم ينخدع الأمير أبو الفضل به، و فى النهاية وقعت الحرب على القلعة، و كان هلال بن درقى الحاكم، أظهر كثيرا من الشجاعة، و مات فى النهاية، و كان خليفة الأمير أبى الفضل هناك الأمير أبو سعيد السمورى الذى تابع هذا العمل و أظهر الشجاعة، و كان القادة هناك و العيارون مثل أبى الليث اليرزى و أبو محمد بن منصور و أصحابهم الذين ظهروا الوفاء حتى هيأ خمسة آلاف فارس محمودى و خمسة فيلة و مجموعة من ألفى من المشاة السجزيين و الغزنويين، و كان معهم أبو محمد بن عسكر، و لم يستطيعوا أن يستولوا على هذه القلعة مع كل ما صنعوا من حيل، و كان من حكم القضاء أن يختار طغرل ألف فارس كاملى العدد، و جاء إلى باب المدينة و جاء الأمير بيغو من هراة بجيش ليحارب جيش طغرل لم يكن لأحد خبر عن طغرل قد يروا تدبيرا و أخبروا طغرل أن بيغو قادم الآن، فتربص له فى كمين حتى خرج من المدينة الأمير الأجل السيد أبو الفضل بن أحمد مولى أمير المؤمنين رحمه اللّه، و نزل بيغو على ضفة النهر حتى يصل الجيش و العتاد و يجتمعوا و يدخلوا المدينة و كان هذا اليوم السبت الثانى و العشرين من رجب

من التاريخ نفسه، و أغار (ضرب) طغرل فجأة على عامة المدينة و ارتفع الصياح، و مضى بيغو منهزما بلا جيش و بلا سلاح و احتفظ الأمير أبو الفضل بقلبه (بهدوئه) و مضى معه إلى هراة حتى يجمع الجيش هناك و يأتى للحرب، ثم مضى طغرل إلى قلعة طاق، و حارب هناك عدة أيام أخر، و لم يأت له قط، و مضى محمود بن كندمك و الإخوة إليه، و لم يأت شي‌ء قط مع أهل القلعة، و فى النهاية عاد عاجزا يوم الجمعة الثالث عشر من شعبان و مضى إلى غزنين و استولى عليهما، و قتل عبد الرشيد ابن محمود و معظم أمرائها الملوك أهلكه اللّه تعالى كذلك، و كان هذا جزاء له، و لما سمع الأمير أبو الفضل خبر ذهابه ترك الجيش و عاد إلى مملكته بطالع السعد و دخلها ليلة الثلاثاء الخامس عشرة من رمضان من هذه السنة نفسها، و أحضر معه ابن الأمير بيغو و أنزله فى داشن و كان الأمير الأجل أبو الفتح قرارسلان بورى ابن معز الدولة(1)مولى أمير المؤمنين هناك و مكث عاما مع العظمة و الجاه و النصر و أحبه الأمير الأجل المؤيد أبو الفضل، ثم أرسل والده من هراة الرسل و الحجاب حتى جاءوا به، و مضى إلى هراة يوم الإثنين الثامن من شوال سنة أربعمائة و أربع و أربعين، و الخطبة للأمير طغرل بن محمد بن ميكال أدام اللّه ملكه فى سجستان يوم الجمعة الثامن من المحرم أربعمائة و خمس و أربعين(2)


1) قرارسلان بورى بن معز الدولة أمير المؤمنين، ابن الأمير موسى بن بيغو فى هذا الكتاب، لكن فى شجرة النسب التى ذكرها الراوندى أن أبناء بيغو كانوا على هذا النحو: يوسا- ارتاش- ينال- مسعود الأمير فرخ‌زاد، و لكن فى أسرة البارسلان شخصين لهما هذا الاسم أولهما بورى بارس ابنه و الآخر بورى تكين حفيد ابنة تكشى.

2) فى المتن عدة سطور بيضاء مما جعل سياق الحديث به اضطراب.

موقعة بده‌

غارة أهل سجستان على روستان بده من قبل قرتاش بن طغان بك العسلى لعنه اللّه يوم الإثنين السابع و العشرين من رمضان سنة أربعمائة و خمسة و أربعين فى وقت النحس فى برج الحوت، و كان هكذا مقدمه إلى سجستان، كان قصد أن يمضى إلى مكران، عدة أيام و قالوا: ينبغى أن تمنى بعد كثرة ما فعله جيشك فقال أعطونى علفا لمدة خمسة أيام أخرى حتى أرى عيد سجستان ثم مضى غاضبا و نزل فى بده و بدأ الحرب مع الرعايا و جعل يخرب فى بيوتهم و يقتلهم و فى ليلة الإثنين عين الأمير الأجل السيد أبو الفضل الأمير بورى قائدا على فوج من التركمان و عين الأمير إسماعيل القوقهن و الأمير أبو جعفر القوقهى و الأمير أحمد أخيه على أهل أوق، و وكل الأمير طاهر بالثوار (العصاة) و أهل بيش‌زرة و عينه عليهم كما عين غلمانه معه، و مضى معه ما يقرب من مائتى فارس من التركمان و غلمانه و خمسمائة رجل مسلحين تماما و مضى معهم بنفسه إلى باب المدينة، و كان يوصيهم جميعا احترسوا من أن تقتلوا أحدا و لا تسيلوا دما من الرؤوس، و ارفعوا الأصوات حتى يمضوا، فمضوا، و كان هؤلاء التركمان الذين كانوا مع الأمير بورى صاحوا قبل أن يصلوا إلى الجيش، فترك التركمان معسكرهم و مضوا، و جاء هؤلاء و أغاروا و حملوا أمتعتهم و تفرقوا جميعا، و ولى كل شخص منفصل منهم وجهه إلى المدينة و لما جاء (بزغ) نور الصباح عاد التركمان و بدأوا الحرب و حاربوا إلى صلاة الظهر، و هرب تركمان الأمير بورى، و تقهقر الأمير يورى و الأمير طاهر و تركوا المشاة بأيديهم، و دخل الأمير إسماعيل أبو جعفر المنزل، و استولوا على القلعة، و حاربوا يومين آخرين، و أنزلوهم فى اليوم الثالث و قبضوا عليهم، و قتل ما يقرب من مائتى رجل هناك، و باعوا الأمير

إسماعيل بعشرين ألف درهم، و مضى الأمير الجليل السيد أبو نصر هناك و كان معه الرهائن حتى يقدموا (يعملوا) الذهب و مضى السلام.

سجن السيد الكبير الأمير بيغو فى قلعة اسبهبد بين (وسط) الجيش الذى كان قد أحضره، و الأمير يورى بن بيغو فى شعبان سنة أربعمائة و خمسة و أربعين و فى اليوم التالى كان الجيش الذى معه و قصدوا الأمير بيغو فى هراة، و أحضروه إلى قلعة أرك، و قتل فى الخامس من رمضان من هذا العام.

قدوم ياقوت للمرة الأولى إلى سجستان‌

قدوم ياقوت(1)للمرة الأولى إلى سجستان

يوم الخميس الثامن من رجب سنة أربعمائة و ستة أربعين، و بقى تسعة أيام فى سجستان مع ألفى فارس ضيوفا على الأمير الأجل السيد الملك المؤيد أبو الفضل رحمه اللّه، و لم يأخذ أى شخص منهم و هم فى كل سجستان منا من القش، و لم يضربا شخصا قط، و مضى إلى مكران يوم السبت السابع عشر من رجب، و خطبوا فى مكران، و زوجوه أخت الأمير مهيا، و عاد و مضى إلى قاين عن طريق صحراء كرمان، و عاد معظم جيشه إلى سجستان، و بقوا هناك عدة أيام، و كان أبو المظفر حضر نقيب العتبة (مندوب العتبة) يرسل المؤن لهذا الجيش و قبضوا عليه فى سجستان، و قيدوه، و حملوه معه إلى فاين، و لم يتركوه فى الخارج حتى يتعذب و مطالبته آلاف دينا، و وقعت المكاشفة بينه و بين الأمير أبى الفضل من هذه الجهة حتى مضى إلى خراسان، و طلب منشور سجستان من الأمير حضرى أبيه، و أرسل شخصا إلى العراق، و كتب الرسائل إلى الأمير الغول و تسلم منشور سجستان


1) ياقوت بن داود بن چغرى بك و ابن أخى السلطان طغرل السلجوقى

و قدمها، و نزل فى رون و جول يوم الأحد الثانى عشر من شعبان سنة أربعمائة و سبع و أربعين.

مقدم ياقوتى مرة أخرى (ثانية)

و جاء فى اليوم التاسع من السنة الفارسية(1)فى عام أربعمائة و أربعة و عشرين. و مكث مدة هناك، و أصبح معه أهل رون و جول و لم يؤد أحد قط هنا، و أرسل الرسل، و عرض منشورا إلا أنهم لم يحسنوه و لم يقبلوه، و آل الأمير أبو الفضل: لا اعتماد (لائقة) لى فى قولك فأنا لا أريد و لن أخطب لك و يمكن إخراج سجستان من يدى بقوة السيف، و نهض من هناك و جاء إلى جوين، و أرسل الرسول إلى طرف آخر، و أعادوا رسوله ثانية و قالوا: أنت الآن لم تأخذ قلعة سجستان و لم تستولى على القلعة و لم تقتل رجلا فهل نعطيك الطاعة بالحجة حتى مضى رسول و كان قد قدم دوق، و لما سمع هذا الكلام عاد يوم الأحد السادس و العشرين من شعبان،

و صلى العصر فجأة فى جوين، و كان الناس غافلين، و عادوا إلى ديارهم مما حدث لهم و لم يتأذوا، فحارب الناس و صدهم عن القلعة.


1) لأول مرة يذكر المؤلف التاريخ بالسنة الفارسية، لأنه كان قبل ذلك يذكر التواريخ العربية الإسلامية فقد ذكر المؤرخ( روز آذر) و سنة( 424 يزدجردى) و معنى روز آذر اليوم التاسع و يعلل الأستاذ بهار هذا بقوله: لعل المؤلف أخذ عودة الأمير ياقوتى من المزارعين و الدهاتين، و القرويين كانوا يحتفظون بالتقويم الفارسى القديم.

موقعة جوين‌

و استولوا على القلعة فى اليوم التالى يوم الثانى عند وقت صلاة الصبح و شنوا الغارة، و قبضوا على الأمير شاهنشاه فى جوين، و حملوه إلى المعسكر، و قتل ما يقرب من ألف و مائتى رجل من هذه المدينة، و أسروا كثيرا و سجنوهم و حملوهم، و أرسلهم إلى خراسان، و مكث هناك حتى مضى عيد الفطر، و جاء إلى برونج، و نزل فى الجانب الغربى فى كلموه، و تقاتل معه أهل قوقة عدة مرات، و سلبوا منه كثيرا من الخراف و الجياد و الأمتعة، و باع درب و أخذ منهم ما يقرب من ثلاثمائة ألف درهم، و آمنهم، و أرسل أبو القاسم ينال الذى كان قائد جيشه من كلموه مع مائتى فارس على أنهم رسل، و قال: ها أنا استوليت على القلعة و قتلت الرجل و قضيت عليه، و لم يبق عذر، و لكن لم يخضع الأمير أبو الفضل و أبى و قال: لا يمكن طلب الولاية مع هذه المعاملة التى تعاملنا بها، فعاد أبو القاسم ينال و مضى عنده، و كان الأمير أبو الظفر و الأمير أبو الحسن مع الأمير أبى نصر فى قلعة برونج، و معهما ما يقرب من عشرة آلاف رجل مسلمين تماما، و وقعت الحرب هناك ذات يوم و لم يحدث له شئ، و قبضوا على عدة رجال من رجاله و جرحوهم ثم أرسل رسولا و هو أبو القاسم النيشابورى، و قال الأمير أبو الفضل: إذا ما كففت يدك عن الحرب و الغارة و القتل فأنا أطيعك، و لم يؤذ أحدا مدة سبعة أيام، و أرسل حنباشكى إلى كل قرية من قرى ييش‌زرة، و أمن الناس جميعا.

موقعة ييش‌زرة

و جاء فجأة إلى كمر زهير يوم الخميس العشرين من شوال، و مضى إليه أصرم بن يعقوب بن صابر مع أهل كمر و خدمه و ضيفه، و مضى فى اليوم التالى

من هناك إلى مارجويه، و بدأ الحرب على قلعة مارجويه و استولى على الحصن فى اليوم التالى فى الضحى (الصباح)، و قتل مائة و سبعين رجلا فى القلعة و آمن النساء، و أرسلوا إليه شخصا، و قدم برندن فى هذا اليوم نفسه، و استولى على رود و زرق و حصونهما و قتل الناس جميعا، و أسر النساء، و حمل بعضهن و أطلق بعضهن، و مضوا فى اليوم التالى إلى قلعة مهربان و براون، و استولوا عليهما و خربوا بيت براوند و بيت شهرزادى فى رندن و بيت و نيس زن و قتل كثيرا من الناس فى براون، و كان الطالع فى هذا الوقت نحسا فى العمل، و استولوا فى هذا اليوم على قلعة كدة، و قتلوا أربعين رجلا منها، و عاد فى الخامس و العشرين من شوال، و نزل فى فرسقان برونج و مضى فى اليوم التالى إلى دوق، و بدأ الحرب و حارب يومين و استولى على أسفل القلعة، و سلك طريق ثمانين، و كان يصنع هذا كله من أجل تقتيل أهل سجستان، و جاء قبله خمسمائة رجل كانوا قد خرجوا من سجستان، و أراد محمود كندمك أن يمضى معهم إلى طغرل، و لما جاء إلى سجستان عاد محمود كندمك و جاء معه ثلاثمائة رجل من رون و جول و الأماكن الأخرى و كان من هؤلاء كلهم الفتنة و الحرب.

مجى‌ء رسول الأمير جغرى

مجى‌ء رسول الأمير جغرى(1)

يوم الثلاثاء الثانى و العشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربعمائة و ثمانية و أربعين كان الطالع السعد فى الثانية و العشرين درجة، و كان هؤلاء فى ذلك اليوم فى بيت الأمير أرتاش، و كان هو فى سجستان، و حملوهم إلى ضفة النهر فى زيان،


1) هو أبو سليمان داود بن جفرى بيك بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق أخو السلطان طغرل بن السلجوق.

و كان معه فى الطريق ثلاثة آلاف رجل و الجوش و الدرع و الأسلحة و الناجح و الرمح، و كانت شرف قلعة أرك مختلفة عن شرفات القلاع الأخرى، و فى كل شرفة دروع. و عتاد تام للفرسان وضعوه من أعلاها إلى أسفلها، و لم يكونوا قد فتحوا باب السلاح و كان هذا و ذلك فى يد الرجال، و لما وصل الرسل إلى ضفة النهر من هذا الجانب، حملوا القتلى معهم و وضعوهم فى السفينة، و مضى الحاجب مع خمسين فارسا معهم من ضفة نهر هيرمند إلى باب المدينة و من جهة النهر إلى زيان، و جاءوا معهم حتى باب المدينة، و لما قدم الرسل و الحاجب معهم من ضفة النهر مضوا، أغلقوا الباب و لم يسمحوا للآخرين بالخروج حتى مضى هؤلاء الرسل إلى الأمير الأجل أبى الفضل فى حديقة ميمون و كان جالسا فى خنبكركين، و كان يخدمه مائة غلام و خمسون و مائتا شخص من خواصه معهم السلاح التام (الكامل) فدخل الرسل و أقاموا الصلاة و لما أرادوا أن يدوموا (ينصرفوا) نثروا أمامه الجواهر القيمة و ألف دينار و مضوا، و نزلوا فى بيت أرتاش.

الخطبة للأمير بيغو

و فى يوم الجمعة الخامس و العشرين من هذا الشهر أقاموا الرسوم فى المدينة من باب قصر أرتاش حتى باب تبان، و تزينوا جميعا بالخوذة و المغفر و الدرع و الجوش و الديباج، و نثروا الكثير من الدراهم و الدنانير، و مضى من بوابة جفرى بك إلى مسجد الجمعة، و لما خطبوا باسم الأمير جفرى نثروا قدرا من الدراهم و الدنانير حتى أن ما وجده من المصلين ما بين عشرين و ثلاثين دينارا، فكان فى ذلك الوقت طالع العقرب فى عشرين درجة و المريخ فى الأسد بثلاث درجات،

و الشمس فى السرطان بخمس و عشرين درجة، و القمر فى الجوزاء فى التاسع عشر درجة، و الرخل فى الحمل من عشرين درجة و المشترى فيه بتسع و عشرين درجة، و الزهرة فى الجوزاء بإحدى عشرة درجة، و عطارد فى السد بأربع عشرة درجة.

مقدم الأمير بيغو إلى سجستان‌

و لما كان الحال على هذا النحو، أرسل الأمير بيغو رسالة إلى الأمير طغرل فى العراق، و كان يشكو كثيرا من الأمير چغرى، و الوعود التى أبرمها فى ذلك الوقت، و أنهم قدموا بعد عبورهم نهر هيرمند، و استولوا على خراسان، و ذكر هذا كله، و عاتبه كثيرا ثم جاء الرد على الرسالة و كتب المنشور إليه عند الأمير أبى الفضل و أهل سجستان و قال: لقد كتبنا إلى الأمير چغرى حتى لا يسئ الأدب من بعد، و كتبنا منشور سجستان إلى الأمير بيغو فينبغى بعد ذلك ألا نختلف و ألقوا السمع إلى أمره، و اخطبوا له و اجعلوا الخاتم و الدرهم و الدينار باسمه، و إذا جاء جيش بيغو إلى هذه الناحية فلا تطعه حتى نعلم هذا كله، و لما وصلت الرسالة و المنشور إلى الأمير بيغو، أرسل ابنه يورى مع الحجاب و الجيش إلى سجستان، و كتب رسالة لقد أرسلت منشور الأمير طغرل كما ينبغى أن تخطبوا إلىّ و تجعلوا خاتمى على السكة و أن ترسلوا الضرائب و الشحن الخاص بالأمير چغرى عندكم، و سلموها للجيش، و أمر جيشه ألا يأذوا أحدا فى مكان قط حتى ذلك، وقت الذى لا ينفذون فيه ما قلت، فإن يدا تحرق و الأخرى بها السيف تقتلون و تحرقون حتى يأتمر فى ذلك الوقت، و قدم الأمير يورى سجستان يوم الخميس الرابع عشر من جمادى الآخر سنة أربعمائة و ثمانية و أربعين فى الصباح و كان الطالع فى الميزان ثلاث درجات، و لما وصل ضفة نهر ديوان على باب المدينة، أرسل الأمير

أبو الفضل حاجبه الكبير مع عشرة آلاف فارس ليستقبلوه، و لما وصلوا إلى باب المدينة لم ير أحدا أخر يستقبله، و هكذا مضى يورى و نزل فى داشن، و قدم معه ما يتراوح بين عشر أو خمسة عشر فارسا إلى المدينة عند الأمير أبى الفضل فى حديقة ميمون، و سلم عليه، و كان فى صلاة الظهر قد أحضر الخلع من عند الأمير بيغو أرسلها بيد الحاجب و عليها رسائل، و لما قرأ الأمير أبو الفضل الرسالة قال:

لا أستطيع أن أفعل لكم هذا ....(1).

وفاة الأمير الأجل أبى الفضل فى الثالث و العشرين من جمادى الآخر سنة أربعمائة و خمس و ستين و تولى الأمير الأجل بهاء الدولة(2)و الدين طاهر بن منصر بن أحمد فى السابع و العشرين من جمادى الآخر فى هذه السنة نفسها.

مجى‌ء الأمير بدر الدولة و الدين شمس الملوك بن العباس أول مرة فى أوق فى غرة شوال سنة أربعمائة و سبع و ستين، و مجيئه إلى قلعة سمور و الاستيلاء عليها فى الشهر نفسه، و مجئ الأمير طاهر إلى درق، و حصر (ضغط) الأمير أبى العباس فى القلعة و جيش سجستان و خمسة آلاف رجل و فارس فى يوم الجمعة السابع عشر من الشهر نفسه و عودة الأمير طاهر من قلعة درق فى يوم الأحد التاسع عشر من


1) فى الأصل ما يقرب من نصف صفحة بياض، و قد قطع موضوع التاريخ، و سقطت سبع عشرة سنة و يبدو أن قضية مقدم بيغو من هراة إلى سجستان و كيفية الأوضاع فى السبع عشرة سنة و بقية أخبار الأمير أبى الفضل سقطت من هذا التاريخ، أو أن المؤلف لم يكتبها أصلا، و من العجب، أن موضوعات الكتاب، كما يبدو فى الصفحات التالية قطعت فجأة و الصفحات التى تتلوها كتب فيها الموضوعات التاريخية عبارة عن جمل و فهارس و ما يشبع هذا، و كأن كاتب النسخة الأولى قد توفى و أن بقية التاريخ كتب على النحو سابق الذكر، فمن جملة الأمير طغرل خلد اللّه ملكه التى رؤيت فى الصفحات الماضية و أن المؤلف الأصلى كان معاصرا للسلطان طغرل و بيغو و أبى الفضل، و يبدو من ذلك أن بقية الكتاب قد أتمه مؤلف أخر، كما أن الجزء الأخير من الكتاب به كلمات و ألفاظ لا وجود لها فى القسم الأول و عبارات ليست فى قيمة عبارة الجزء الأول.

2) بهاء الدولة هو الأمير طاهر بن أبى الفضل بن نصر بن أحمد.

الشهر نفسه و بقاء الأمير أبى العباس فى قلعة درق و دوام هذه الحرب و الخصومة ثمانية أشهر حتى عاد و مضى إلى خراسان، و بعد هذا قتل الأمير أبو العباس الأمير حرب فى التاسع عشر من شوال فى سنة أربعمائة و تسع و سبعين و مجئ الأمير أبى العباس إلى قلعة كاه فى الخامس عشر من شهر المحرم فى سنة أربعمائة و ثمانين، و القبض على إسماعيل بن أبرم يوم الجمعة الثامن من صفر فى السنة نفسها، و قتل الأمير إسماعيل فى قلعة كاه ليلة الأربعاء الثالث عشر من شهر صفر، و موت الأمير أبى جعفر القوقهى ليلة الأربعاء الثامن عشر من ربيع الآخر فى السنة نفسها، و الخطبة فى قلعة برونج للأمير أبى نصر شاهنشاه يوم الأربعاء الثانى من جمادى الأول فى السنة نفسها، و الخطبة فى برونج باسم الأمير بدر الدولة شمس الملوك أبو العباس يوم الجمعة فى الرابع من هذا الشهر و دخوله برونج و النزول فى جوسق برونج يوم الأحد الثانى عشر من هذا الشهر، و مضيه إلى باب المدينة، و حصر الأمير طاهر فى القلعة فى المدينة غرة شهر جمادى الآخر حتى قرب شهر رمضان من السنة نفسها و هناك وقعت الحروب الكثيرة، و ارتفعت الأسعار، و أصبح المن الواحد من القمح بثمانية دراهم فى المدينة فى السنة نفسها، و حمل الأمير أبى العباس من سفح المدينة فى شهر شعبان و قدومه إلى برونج و بقاؤه فيها فى الثامن عشر من شهر شعبان، و قد مكث هناك حتى شهر ذى الحجة ثم نهض و مضى إلى مدينة أخرى، و استولى على قلعة أرك فرودين (العليا) ليلة السبت الثانى و العشرين من هذا الشهر و حارب كثيرا على باب أرك، و قتل خلق كثير على باب المدينة، و فى هذه النهاية استولى على باب كركوى، و شق جدار قلعة أرك و القلعة العليا و طلب بادار عمار حاكم أرك هو و العشرون رجلا الذين معه هناك و أعطاه الأمان على النزول من القلعة، و مضى بنفسه للقلعة و الأمير أبو العباس و الأمير أبو نصر قوقة أول شهر ذى الحجة فى نفس السنة و خرج الأمير طاهر من المدينة ليلا فى الخفاء و اعترض شخص له

و اعتقاله و جلوسه فى أرك الثانى من شهر ذى الحجة. و جلوس الأمير أبى العباس فى المدينة و استيلاؤه على المدينة كلها فى وقت الزوال الثالث من ذى الحجة و قتل الأمير طاهر ليلة الخامس من ذى الحجة، و كان قد تولى الإمارة خمسة عشر عاما، و مضى الأمير مأمون إلى سجستان ليلة الإثنين الثالث من ذى الحجة فى هذا الشهر و السنة، و مضى الأمير أبو العباس إلى قلعة نة و حمل جيش سجستان هناك ليلة الأربعاء من غرة رجب فى سنة أربعمائة و احدى و ثمانين، و حمله من قلعة نة للصلح فى آخر هذا الشهر، و مجي‌ء شخص خلفه من قبل حضرة سلطان خراسان، و مضى الأمير أبو العباس فى سجستان للمرة الأولى إلى قصر السلطان ملك شاه بعد هذه الوقائع غرة شوال فى هذه السنة نفسها، و عودته من قصر السلطان ملك شاه و جلوسه أميرا فى شهر جمادى الأول سنة أربعمائة و اثنتين و ثمانين، و وفاة و الأمير أبى العباس بن أبى الفضل ليلة السبت الثالث من شهر ذى الحجة فى السنة نفسها جلوس الأمير الأجل بهاء الدولة خلف بن أبى الفضل أميرا فى الثامن من ذى الحجة، و مضى بهاء الدولة فى التاريخ نفسه إلى خراسان و فى سجستان جلس (تولى) الأمير أبى منصور أبو جعفر القوقهى الإمارة، و اتفاق أهل سجستان على الأمير منصور و عصيانه على بهاء الدولة فى يوم الجمعة الثامن عشر من ذى القعدة سنة أربعمائة و ثلاثة و ثمانين، عودة بهاء الدولة من خراسان إلى برونج، و مجئ الأمير أبو منصور القوقهى من سجستان و حاصروا الأمير بهاء الدولة الأمير أنور منصور فى برونج يوم الأربعاء الثانى عشر من ذى الحجة فى السنة نفسها، و استيلاء الأمير بهاء الدولة على برونج مثل الأمير أبو منصور فى الثانى عشر من ذى الحجة حتى اليوم الرابع من شهر المحرم فى سنة أربعمائة و أربعة و ثمانين، و تصالحوا على أن يمضى بهاء الدولة من برونج إلى طبس و أن يمضى الأمير أبو منصور إلى سجستان، و فى هذا العام أصبح المن من القمح بعشرين درهما، و ثلاث منات من القمح و من الشعير بخمسة عشر درهما، و قن التمر باثنى

عشر درهما و امتلأت الأنهار كلها بالماء فى سجستان و أوق، و هطلت أمطار غزيرة، و فى نفسه أغار الأمير منصور بن أحمد القوقهى على ورق و شرائها بمائة ألف درهم يوم الجمعة غرة شهر صفر فى السنة نفسها، و مقدم بهاء الدولة مرة أخرى إلى برونج، و مجي‌ء الأمير أبى العباس بن قوقة فى الشهر نفسه، و مضى الأمير أبى منصور بن أحمد و جيش أوق معهما إلى باب المدينة، و قتل الأمير أبى العباس الأمير أبى منصور بن جعفر القائد و خلق كثير، و وقعت حروب كثيرة على باب المدينة، و قتل خلق كثير بحيث لا يعلم عددهم إلا اللّه وحده فى الحادى و العشرين من صفر فى السنة نفسها، و عودة الأمير الأجل بهاء الدولة مرة أخرى إلى الإمارة يوم الاثنين الخامس و العشرين من صفر، و قتل بهاء الدولة للأمير منصور بن أحمد القوقهى فى يوم الخميس الحادى عشر من ذى القعدة من السنة نفسها، مقدم الأمير المؤيد إلى سجستان، و حصار بهاء الدولة للمدينة قبله فى غرة جمادى الأول سنة أربعمائة و خمسة و ثمانين، و جلوسه عند أسفل (سفح) المدينة حتى غرة شهر رمضان من السنة نفسها. و فى النهاية خرج الأمير بهاء الدولة من المدينة و جلوس الأمير المؤيد أميرا، و مضى بهاء الدولة إلى قلعة دره بمساعدة قزل السارع(1)لاقتلاع القرامطة، و كان هناك حتى وفاة السلطان ملكشاه، و جاءوا من هناك إلى سجستان و كانوا معا فى شهر رمضان من هذا التاريخ عودة بهاء الدولة ثم خروجه إلى سجستان و كان الأمير قزل سارع فى سفن المدينة و اجتمع له عشرة آلاف رجل من المدينة و الأطراف، و لما جاءوا جميعا اجتمعوا عند سجستان فى العاشر من شهر ذى الحجة سنة أربعمائة و ستة و ثمانين حتى العاشر من


1) ذكر سارع، و يذكر فى بعض النسخ قزل سارق و هو من قواد السلطان ملكشاه السلجوقى الذى أمره بالخروج لقمع الإسماعيلية فى قهستان و رئيسهم حسين القاينى الذى لجأ إلى قلعة درة و هى من توابع مؤمن آباد و من العام نفسه توفى ملكشاه، و قوى أمر الملاحدة و قد ذكر الجوينى قزل ساريع( من تعليقات بهار).

المحرم. و بقوا هناك شهرا و انهزموا ليلة الإثنين لعشرة أيام مضت من شهر المحرم، مقدم جيش غزنين و معهم الأمير بهاء الدولة أسفل مدينة سجستان، و محاصرة الأمير المؤيد للمدينة فى يوم الإثنين الخامس من شهر صفر فى السنة نفسها، و بقوا فى هذه المرة فيها، و حصروا الناس فى المدينة مدة هذه الأيام التى كانوا فيها، و لم يجعلوا قليلا أو كثيرا يخرجون من المدينة، و لم يتركوا أحدا يدخل إلا ما شاء اللّه، و بقوا هناك حتى الحادى عشر من ربيع الآخر يوم الثلاثاء من السنة نفسها، و اقتلعوا الجميع فجأة حتى قالوا: إن أحدا لم يعرف ماذا حدث، خروج الأمير(1)المؤيد من المدينة و قومه فى السابع و العشرين من ربيع الأخر و فى الشهر نفسه سلموا المدينة للأمير أبى نصر شاهنشاه و تولى الإمارة فى المدينة، و استيلاء الأمير الأجل بهاء الدولة على قلعة طارق و در طعام، و استولى بادار محمود على قلعة برونج باسم بهاء الدولة، و كتب أهل المدينة و الأمير أبو الفضل إلى الأمير مأمون حتى أحضروه من هراة، و جلسوا فى المدينة منتصف رجب من السنة نفسها، و جرت الحروب بينهم فى هذه السنة حتى يوم الخميس الخامس و العشرين من شهر جمادى الأخر سنة أربعمائة و سبعة و ثمانين، و مال بعض أهل سجستان من المدينة إلى بهاء الدولة و أعطوه الباب (و فتحوا له الباب) و جاء بهاء إلى المدينة و هكذا يقولون إنه قتل ثلاثمائة رجل من المدينة منذ طلوع الشمس حتى الظهر، و أغاروا و وقع ما وقع (و مضى ما مضى) و جلس الأمير بهاء الدولة فى المدينة.

و استولى بادار محمود على أرك و كان نائب الأمير أبى نصر شاهنشاه و حاكم أرك من جهة الأمير أبى منصور، و فى آخر الأمر نزل بادار محمود فى الخامس من شهر رجب، و حبسوه فى حديقة المدينة و عينوا عليه حراسا حتى العشرين من


1) هذه الجملة مضطربة و مختلفة و بذلك لم يحدث تلاؤم بين الجملة التى سبقتها و لا التى تبعتها.

رجب و قتلوه فى ذلك الوقت، و أرسلوا الجيش إلى برونج و كان معه حاكم قلعة برونج و استولى على القلعة و حارب و كان معه الأمير مودود، فدخلا القلعة كلاهما و بقوا هناك ما يقرب من ثلاثة أشهر حتى نزلوا للصلح، و سلموا القلعة للأمير بهاء الدولة، و فى العام نفسه كان مقدم جيش القرامطة خذلهم اللّه و لعنهم على بعد تسعة فراسخ شهر كذا، و مضى جيش سجستان لمحاربتهم فتعقبهم إلى مكان يسمى محتاران، و قامت الحرب هناك و كانت حربا كحرب بدر، و أرسلوا إلى جهنم ألفا و أربعمائة رجل من القرامطة خذلهم اللّه، و هكذا وصفوهم بأن رجلا واحدا من جيش سجستان قتل على يد القرامطة لا أكثر و كانت تلك الحرب فى شهر جمادى الأولى سنة أربعمائة و تسع و ثمانين، و مجي‌ء الأمير ألب غازى(1)إلى درق فى الرابع عشر من جمادى الآخر سنة أربعمائة و تسعين، و إقامته فى درق جول بيه مولين و دستكرده حتى الثانى عشر من شهر رجب من نفس السنة، و غارته على نصف درق و بيعة نصفها بخمسة عشر ألف دينار على أن يتسلموها بعد مدة قليلة، و كان هذا فى ذلك التاريخ نفسه، مقدم الأمير أبو منصور شاهنشاه من خراسان و كان معه الأمير فرخ شاه و مضى الأمير مأمون أبو العباس من نه إليه، و حاصروا الأمير الأجل بهاء الدولة فى المدينة فى شهر شعبان سنة أربعمائة و اثنتين و تسعين، و اشتعلت الحرب بينهما حتى آخر شهر صفر سنة أربعمائة و ثلاثة و تسعين مدة سبعة أشهر متصلة، و فى هذا العام غلت الأسعار، و أصبح ثمن القمح بمائة درهم و الشعير بمائة و ثمانين درهما و التمر بمائة و عشرين درهما، و جاء الماء بعد النوروز و جرى شهرا فى نهر درنك و مدة أربعين يوما فى أوق و كان هذا كله فى سنة أربعمائة و ثلاثة و ثمانين، و شحن الغلة إلى حد بحيث أصبح من القمح فى ناحية سجستان ألف و مائتى درهم، كما كان الشعير و الذرة و التمر بالسعر نفسه حتى أحسن اللّه تعالى الحال، مجى‌ء جيش القرامطة خذلهم اللّه إلى درق


1) ألب غازى أحد قواد السلاطين الغور، و كانت له هراة، و يحتمل أنه هو ألب غازى نفسه.

و قتل العالم أبو الحسن القاضى يوم الثلاثاء لسبع ليال بقين من صفر سنة أربعمائة و اثنتين و تسعين، مجي‌ء الأمير مأمون إلى برنج فى شهر جمادى الأول فى سنة أربعمائة و ستة و تسعين، مجي‌ء الأمير برغش(1)قائد جيش السلطان سنقر إلى سجستان فى آخر شهر صفر و معينة إلى أسفل (سفح) المدينة و التصالح على أن ينزل إليه كل من الأمير بهاء الدولة خلف و الأمير الأجل تاج الدين أبو الفضل(2)و استخدم إليه أمير تاج الدين إلى بلخ و ترمد و كان هناك ستة أشهر حتى رمضان من السنة نفسها فى أول شهر جمادى الآخر سنة أربعمائة و تسع و تسعين، و ظهرت علامة فى السماء و كانت تظهر كل ليلة فى وقت صلاة العشاء حتى ينتصف بالليل أو أكثر مثل عمود و أكبر من وجه سطح الأرض حتى كبد السماء، و كانت تلك الرأس التى على الأرض متصلة و منتصبة على الدوام، و كان لونها أبيض، و ظلت هكذا شهرا ثم اختفت، و عصيان الأمير الأجل تاج الدين أبو الفضل لابنه فى غرة شهر رجب فى السنة نفسها، و قامت بينهما الخصومة حتى مضى تاج الدين فى النهاية، و انضم إليه معظم أهل أوق و سجستان قادة سجستان جميعهم و من أوقش زرة و النواحى الأخرى، و مضى فى غرة شهر رمضان، و استولى على باب المدينة، و بدأت الحرب و استمرت حتى يوم الإثنين الثانى و العشرين من شهر رمضان من العام نفسه، و فى النهاية دخل الأمير الأجل تاج الدين أبو الفضل و تولى الإمارة فى هذا التاريخ، و هرب الأمير شاهنشاه أخوه، و أعلن العصيان و استولى على قلعة طاق و قتل حاكمها و أغار بعضهما على بعض، و كان الأمير بهاء الدولة فى هذه الوقت فى المدينة و فى النهاية هرب و مضى إلى قلعة طاق


1) الأمير برغش أمر فى سنة 494 ه بقلع و قمع الملاحدة فى قهستان و طبس، و فتح طبس فى عام 497 ه( ابن الأثير ج 10، ص 112).

2) تاج الدين أبو الفضل بن بهاء الدولة خلف بن أبو الفضل نصر بن أحمد، و قصص شجاعته و نجدته تملأ صحائف التاريخ( ابن الأثير، ج 10، ص 355).

و اتحد مع الأمير شاهنشاه و انسحب الأمير قلمش و جيشه إلى سجستان و كان هو فى استفزار، مجى‌ء الأمير قلمش إلى سجستان غرة شهر ذى القعدة فى سنة خمسمائة، و كانوا على الدوام فى سجستان و نواحيها حتى منتصف شهر محرم سنة خمسمائة و واحد، و مضى الأمير بهاء الدولة مع جيش قلمش إلى رون و جول، و فى نهاية الأمر تصالح الأمير الأجل الملك المؤيد تاج الدين أبو الفضل مع أبيه بهاء الدولة و أحضره على أن يأتى إلى سجستان و حقق له رغباته كلها إلا الإمارة فإنها له، مقدم الأمير فرخشاه مرة أخرى إلى سجستان فى العشرين من شهر شعبان سنة خمسمائة و واحد(1)و مجي‌ء جيش الملاحدة(2)فى سنة خمسمائة و عشرين، و مضى تاج الدين إلى سمرقند فى سنة خمسمائة و ثلاثين و مقدمه من سمرقند فى شوال سنة خمسمائة و ثمانية و ثلاثين و وقوع المرض له فى شهر شعبان سنة خمسمائة و تسعة و خمسين، و مجى‌ء شمس الدين من نية فى غرة رمضان من نفس السنة، و تجمد التمر فى سجستان فى صفر سنة خمسمائة و اثنتين و ستين، و كسوف الشمس تماما و صار النهار ليلا و ظهور النجوم يوم السابع و العشرين من جمادى الآخر من السنة نفسها، و وقوع (استيلاء) الملك للأمير تاج الدين حرب فى الحادى عشر من شعبان سنة خمسمائة و أربعة و ستين و مجي‌ء عز الملوك من نية فى نفس السنة، و مقدم الغز لعنهم اللّه بين العيدين و الهزيمة يوم عيد الأضحى فى العام نفسه، و عودة الغز مرة أخرى فى العاشر من المحرم سنة خمسمائة و أربع و سبعين، و مجى‌ء جيش الملاحدة لعنهم اللّه بقرية حورق، و قتل الأديب أبى جعفر فى يوم الأربعاء غرة


1) فى هذا الموضع سقطت اثنتان و عشرون سنة من أحداث هذا التاريخ و لم يذكر عنها شيئا، و بعد سطرين آخرين سقطت اثنتا عشرة سنة أخرى.

2) الملاحدة أو القرامطة هم أتباع حسن الصباح، و سموا فى أول أمرهم بالقرامطة و ذكرهم هنا بالملاحدة مما كتب المؤرخون يعلم أن إسماعيلية إيران إلى آخر مدة حكم بن كبا لم يكونوا ملاحدة و كانوا على السنة الإسلامية و لكنهم يقولون عن حكومة حسن بن محمد بن بزرك أميد على ذكره السلام و قتل فى سنة خمسمائة و واحد و ستين.

رجب سنة خمسمائة و تسعين، و مضى جيش سجستان إلى قهستان فى الخامس عشر من هذا الشهر، و هزيمة جيش سجستان يوم الأربعاء الثانى و العشرين من شهر رجب من السنة نفسها، و مجى‌ء الملاحدة مرة أخرى إلى قرية رنجن و الاستيلاء على القلعة، و حمل القاضى طاهر و القاضى مسعود يوم الأربعاء الخامس من جمادى الآخر سنة خمسمائة و إحدى و تسعين، و مضى جيش سجستان و غور و خراسان على باب قاين و مقتل الملاحدة(1).

مقدم تاج الدين يلدروز إلى سجستان و نصير الدين حسن و التخريب و الخلاف مع بعضهم، و العودة إلى خراسان فى سنة ستمائة و اثنتين، و مضى جيش سجستان لمساعدة السلطان محمد خوارزم شاه على باب هراة و فتحها سنة ستمائة و أربع، و وفاة السيد ناصر الدين عثمان بن حرب بن محمد نور اللّه قبره فى السنة نفسها، و ذهاب خواجه زورن نحو كرمان و طلب المدد، و ذهاب شهاب الدين محمود مع جيش سجستان لمعاونته و فتح كرمان على أيديهم فى سنة ستمائة و ست، وفاة السيد الملك المعظم تاج الحق و الدين حرب بن محمد نور اللّه مرقده فى الثالث من رجب سنة ستمائة و عشرة، استقرار ملك سجستان كله للسيد يمين الدين بهرامشاه بن حرب فى هذا اليوم، و طلب السلطان محمد خوارزمشاه الجيش من سجستان و إرسال السيد يمين الدين شمس الدين زنكى بن الأمير أبا حفص الجوينى و القائد أصرم الكمرى مع ستة آلاف رجل لمعاونته إلى ضفة نهر ترمد فى سنة ستمائة و خمس عشرة، و عرضوا جيش السلطان و هو ما يقرب من مائة و خمسين فارسا


1) سقطت أحداث ست عشرة سنة من الكتاب قبل عدة أسطر، و هنا سقطت إحدى عشرة سنة أخرى، و الموضوع غير تام فى الكتاب حيث به بياض لآخر الصفحة.

فضلا عن المشاة و كان عددهم مائة ألف آخرين، و لما وصل جيش المغول(1)على ضفة نهر ترمد، هزم السلطان محمد و قتل جيش سجستان عن آخره، و غرق فى ماء النهر و كان هذا فى سنة ستمائة و ست عشرة، و استيلاء جيش المغول على أرض خراسان فى السنة نفسها و مقتل يمين الدين بهرام شاه بن حرب على يد الملاحدة، و كانوا يسمون الفدائيين فى سوق السراحين يوم الجمعة الخامس من ربيع الآخر سنة ستمائة و ثمانية عشرة، و جلوس السيد زاده تاج الدين نصرت بن بهرامشاه أميرا على سجستان يوم الأحد السابع من شهر ربيع الآخر من السنة نفسها، الخلاف بين الشاه شمس الدين الزنجى و شجاع الدين بن سام الأصرم الكمرى و بادار نصر بن على فى برونج، و إخراج السيد زاده ركن الدين أبى منصور بهرامشاه من الجيش فى أرك، وقوع الطبل باسمه، و هزيمة السيد زاده نصرت فى جانب بست فى يوم الأربعاء الرابع و العشرين من جمادى الأول من السنة نفسها، و إجلاس الأمير شهاب الدين محمود بن حرب، و كان حبس السيد زاده ركن الدين فى اليوم نفسه، و عودة السيد زاده نصرت من جانب بست و تحارب شهاب الدين محمود معه، و خروج ركن الدين من قلعة أرك و جلوسه ملكا فى أول رجب من السنة نفسها و طلب السيد زاده العون منجيش المغول الين قدموا من ناحية بست، و ذهاب السيد زاده نصرت عنهم إلى جانب خراسان فى شهر صفر فى سنة ستمائة و تسع عشرة، و مقتل ركن الدين أبى منصور بهرامشاه على يد غلامه التركى فى الخامس عشر من ربيع الأول فى السنة نفسها، و جلوس السيد زاده أمير أبى المظفر بن حرب فى اليوم نفسه، و عودة السيد زاده نصرت إلى جانب خراسان و استيلائه على الملك فى الخامس عشر من السنة نفسها، و مجى‌ء


1) جاءت فى الكتب العربية و الفارسية كلمة( مغول) و لكنها تأتى فى الكتب الأوربية( منغول) و لكنها جاءت فى هذا الكتاب أيضا( منغول).

الجيش الكافر إلى سجستان للمرة الأولى فى عهد دولة السيد زاده نصرت فى غرة ذى القعدة من السنة نفسها، و الاستيلاء على مدينة سجستان و تخريبها، و قتل السيد زاده نصرت كان يوم الجمعة العاشر من ذى الحجة سنة ستمائة و تسعة عشر، و مجى‌ء علاء الدين أحمد بن عثمان بن حرب من جانب نية سنة ستمائة و عشرين، و قتل علاء الدين أحمد على يد الأمير سام جوجند يزى فى التاسع و العشرين من شهر رمضان من السنة نفسها، و جلوس السيد زاده أمير على بن حرب بن محمد فى شهر شوال من السنة نفسها، و وقوع الخلاف بين أعيان سجستان، و ذهاب بادار طاهر مأمون الدرقى إلى نية، و إحضار الملك تاج الدين نيالتكين للشاه محمود و جلوسه ملكا على سجستان، و قتل الأمير على فى جمادى الآخر سنة ستمائة و اثنتين و عشرين، و تعمير أرك و حفر خندق بين المدينة و أرك فى السنة نفسها، و ذهاب الملك نيالتكين إلى جانب نية، مجى‌ء جيش الملاحدة لمحاربته و الهزيمة أمامهم فى السنة نفسها، و جلوس أسد منجنيقى بالنيابة، و المضى إلى جانب فراة، و الخلاف بين عظماء سجستان، و إحضار ابن الأمير خلف و محاصرة قلعة أرك فى سنة ستمائة و أربعة و عشرين، و مجى‌ء الملك نيالتكين من جانب فراة و إحضار نير كل ملك معه، و إلحاق الهزيمة بالجيش فى أسفل القلعة أرك و المضى إلى أوق و قوقة و حصارهما، و مجى‌ء الملك نيالتكين إلى المدينة و حمل الجيش إلى معركة قوقة و هزيمتهم و قتلهم على يده فى السنة نفسها، و ذهاب الملك نيالتكين إلى جانب كرمسير و الغور حتى حدود تولك و اسفزار، و محمل جيش سجستان و الاستيلاء على تلك الولاية، و إحضار ملوك تلك الولاية للخدمة فى سنة ستمائة و ستة و عشرين، و مجى‌ء جرماغون و جيش المغول، مضى الملك نيالتكين إلى جبل إسبهبد، محاصرة الجبل أربعين يوما، و خلاص الملك نيالتكين من الجبل فى سنة ستمائة و سبعة و عشرين، و مجى‌ء قراجة و يغان سنقر و لجوؤهما إلى سجستان، مقدم جيش الملاعين خذلهم اللّه فى إثرهم فى عهد دولت الملك نيالتكين فى الخامس عشر من شهر ذى القعدة فى السنة نفسها، و الاستيلاء على المدينة فى السابع

و العشرين من شهر رمضان سنة ستمائة و إحدى و ثلاثين، و الاستيلاء على قلعة أرك و أسر الملك نيالتكين و قتل بقية الرجال الذين كان موتهم(1)فى الرابع عشر من جمادى الأولى سنة ستمائة و اثنتين و ثلاثين، و فى المدة التى كان محاصرا فيها كان أكثر أو أقل من مائة ألف رجل قد هلكوا من ألم القدم و الفم و الأسنان، و ارتفعت أسعار الغلال و الحبوب و الأطعمة و المأكولات على النحو التالى:

السكر الأبيض (الحلوى)/ سكر/ عسل/ زيت الخيل/ لحم الغنم (الضأن)

المن الواحد عشرة دنانير/ خمسة عشرة دينارا/ اثنا عشر دينارا/ خمسة دنانير/ أربعة دنانير

لحم البقر/ الدهن/ الخل/ الحبنة الجاف/ الحناء التى تفيد ألم القدم

دنانير/ ستة عشرة دينارا/ ستة عشرة دينارا/ خمسة و عشرين دينارا/ سبعة دنانير

أملج (و هو صنف من الأدوية)/ الدقيق

سبعة دينار/ العشرون منا

دينار واحد

مبايعة مشاهير سجستان للملك شمس الدين على بن مسعود بن خلف بن مهربانى فى شهر رمضان فى سنة ستمائة و ثلاثة و ثلاثين، و جلوسه فى مملكة سجستان فى الثالث عشر من شهر ذى القعدة فى السنة نفسها، و توجيهه إلى حضرة القاآن فى سنة ستمائة و ستة و ثلاثين و إجلاس ابنه مبارز الدين أبو الفتح بن سعود نائبا عنه و مجى‌ء علاء الدين درهكز للمرة الولى إلى سجستان فى سنة ستمائة


1) يذكر ميراخواند فى هذا الموضع: أن جيش المغول مضى إلى سجستان مرة أخرى سنة 625 ه، و كان تاج الدين نيالتكين محصورا فى القلعة، و دامت أيام حصاره عامين، و كان معه جنود من الغور و التوالكى و السجزيين و غيرهم من الأتراك، و قد هلك معظمهم، و قد أصابوا عين الملك فزال نور عينه، و استولى المغول على القلعة، و استشهد الباقون، و حملوا نيالتكين أسيرا إلى قلعة إسبهبد( من تعليقات بهار).

و تسع و ثلاثين لجمع الضرائب و وضع رسم الضرائب(1)، و تخريب قلعة إسبهبد بواسطة الأمير تمغى و الملك مجد الدين كاليونى فى غرة شهر المحرم سنة ستمائة و أربعين، و مجى‌ء السيل فى ولاية سجستان فى جانب الخندق و هبوط السيل على المدينة بحيث ارتفع الماء بقدر رمح، و وصل فى ناحية الغرب إلى صحراء كندة كرمان و وصل فى ناحية المشرق حتى سفح جبل دزدان و فى ناحية الشمال حتى سفح جبل فراة، و فى الجنوب حتى حد رمكران، و ارتفع الماء فى هذه الجهات كلها إلى هذا الحد، و كان ينبغى ركوب السفينة لمدة ثلاثة شهور من المدينة، و غرق فى هذه المدة ثمانية رجال فى الخندق، و فى أطراف الولاية أهلك هذا السيل ما يقرب من ثلاثمائة رجل و امرأة و كثير من الدواب، و حمل الماء أغلب غلة سجستان فى يوم الجمعة التاسع عشر من شهر شوال سنة ستمائة و إحدى و أربعين، و وفاة السيد مبارز الدين أبى الفتح بن مسعود نور اللّه قبره فى شهر ربيع الأول سنة ستمائة و سبعة و أربعين، و محاصرة الأمير نكودر(2)نيه مع ثلاثة آلاف فارس، و ذهاب الملك شمس الدين على بن مسعود إلى نيه، و إخراج أهل نيه إلى إيلى و إحضارهم إلى سجستان فى سنة ستمائة و إحدى و خمسين، و خروج الملك شمس الدين على ابن مسعود مع جيش سجستان إلى جانب شمال و مستونك، و الاستيلاء على قلعة قصدار و مشكى و هذه الناحية فى سنة ستمائة و اثنتين و خمسين، و توجهه إلى خدمة أمير الجيش الذى اسمه كدبغانويين فى نفس السنة، و مجى‌ء الملك شمس الدين كرت بأمر الملك منلوقآن إلى سجستان فى ذلك الوقت، و الخلاف مع عظماء سجستان فى غيبة ملكهم، و إنزاله فى قصر الملك شمس الدين على بن مسعود فى


1) ذكر المؤلف كلمتى( قبچور و قلان) و الكلمتان مغوليتين و كل منهما بمعنى الضريبة المقررة فى الديوان و هى المستحقة على الرعايا، و ألغى غازان هذه العادة، و جاء فى التواريخ( قوبجور) نوع من الضرائب على ذوات الأربع( من تعليقات بهار).

2) ذكر فى جانگشاى( تكودر اغول) و هو احد أبناء( جوجى أغول) و حفيد جنكيز خان، و كان حاكما على إيران من قبل هولاكو، و( نكودر) ابن هولاكو.

شهر المحرم سنة ستمائة و ثلاثة و خمسين، و عودة الملك شمس الدين على بن مسعود من خدمة كدبغانويين و إقامة بيت له و دخوله البيت و اعتماده عليهم، و قتل فى اليوم نفسه فى شهر صفر من السنة نفسها، و ذهاب الملك شمس الدين كرت لخدمة الملك هولاكو و تعيين أرسى شاه نيالتكين نائبا عنه فى هذا الشهر، و ذهاب ابن أخ الملك على بن مسعود و اسمه الملك نصر الدين محمد بن أبى الفتح بن مسعود لخدمة أمراء المغول و تسلمه الأمر، و إرسال القائد الأجل شجاع الدين نصر بن خلف مهربان نائبا عنه على إمارة سجستان، و مجيئه بنفسه وراء الملك شمس الدين كرت طلبا للثأر لدم عمه الملك شمس الدين على بن مسعود بن خلف مهربانى و ذلك لخدمة الملك هولاكو فى هذا العام، و العودة و الإثبات بالأمر فى ذلك العام، و مجى‌ء الملك شمس الدين كرت للمرة الثانية إلى سجستان، و ذهاب الملك نصير الدين إلى خدمة الملك هولاكو و بقاؤه مدة فى الخدمة فى عام ستمائة و خمس و سبعين، و عودة الملك مصير الدين من خدمة الملوك و إحضار الأمر إلى إمارة سجستان، و جلوسه فى مملكة سجستان فى سنة ستمائة و تسعة و خمسين من منتصف جمادى الأولى، و إخراج نواب الملك شمس الدين كرت من سجستان، و قتل من كانوا أنصارا له جزاء لهم على قتلهم عمه الملك شمس الدين على بن مسعود، و عندما كان طاهر بن أبى الأسد القوقهى نوبت سالار(1)و نقيب و عميد و مبارز الدين محمد بن حرب بن مقاتل فى برونج سنة ستمائة و إحدى و ستين. و فرار أبنائهم إلى فراة فى شهر رجب من السنة نفسها و إرساء الملك المعظم نصير الحق و الدين عمارة قلعة أرك و سور المدينة الذى دام أربعين عاما حتى خربه و سواه بالأرض جيش الملاعين فى أول رمضان من السنة نفسها. جمع جيش الملك شمس الدين كرت من بلاد غور و خراسان و فراة و نيه جميعها و عدة ملوك


1) نوبت سالار كان منصبا و يعنى قائد النوبة، و النوبة هى الموسيقى التى تعزف، و أطلقت النوبة فى الاصطلاح العلمى على الطبل الذى يقرع ثلاث أو خمس مرات على باب القصر أو خيمة الملك، و النوبيون هم قارعو الطبول( من تعليقات بهار).

كبار و أمراء عظام و جماعة من ثائرى سجستان و المضى بهم إلى باب المدينة، و بيتوا و حاربوا و انهزم جيشه فى الساعة نفسها و العودة من باب المدينة يوم الجمعة فى الثالث عشر من ذى الحجة من السنة نفسها، مجى‌ء الملك الكبير عماد الدين كجوران و لجوؤه إلى خدمة الملك المعظم نصير الحق و الدين فى الثامن عشر من شعبان من السنة نفسها، و العودة إلى ولايته و سرور المدينة كلها فى السنة نفسها، مجى‌ء الأمير جنجو در نوبين إلى سجستان و الجيش، و إقامته معسكرا فى زرة، و قيام الجيش بمناورات الصيد على ضفة نهر هيرمند آخر صفر سنة ستمائة و ثلاثة و ستين، مجى‌ء الأمراء الكبار ياغو و ارس نويين(1)باثنى عشر ألف فارس و الملك شمس الدين كرت مع جيش الغور و خراسان و اصفرار و فراة و نية كله و غيرهم ملوك و أمراء هذه الديار جميعهم و ثائر و سجستان و الحرب مع الأمير الكبير جنجودر نويين و انهزامه و مضيه إلى المدينة، و لجوؤه إلى خدمة السيد الملك المعظم نصير الحق و الدين خلد اللّه ملكه، و ذهاب جميع الجيوش إلى جانب زرة و التوقف اثنى عشر يوما و القيام بالتخريب و قتل خلق كثير من السجزيين و البلوجيين و المجوس و معظم أهل السواد الذين كانوا فى الخارج انضموا إليهم و المضى إلى باب المدينة فى غرة ربيع الأول فى السنة نفسها، و البقاء فى الحصار أربعين يوما، و البيات من داخل المدينة عليهم فى ليلة الجمعة و قتل كثير من جنود جيشهم، و حمل رؤوسهم و الأعلام و خيولهم و أسلحتهم إلى المدينة، و طلب أمراء القبائل العظام أن يكونوا مع الملك المعظم نصير الحق و الدين، و مجى‌ء ملك نية بينهم و البيعة و خروج الملك المعظم إلى باب المدينة- بوابة طبق كران- و اللقاء و الحديث مع الأمراء الكبار، و خوض الجيش من باب المدينة فى منتصف ربيع الآخر فى نفس السنة. و إجلاس الملك تاج الدين أرسى شاه إلى أوق مع ألف رجل من الفرسان و المشاة من غور و هراة و اسفراز و نية و فراة، و فصل أوق عن بيش زرة و تعميره لقلعة برونج و الأبواب فى السنة نفسها و مجى‌ء الملك عز الدين


1) هذه و الأسماء السالفة فى الصفحة نفسها لم تر فى التواريخ الأخرى.

تولك(1)مع عدة أمراء عظام من غور و خراسان و اسفزار و فراة ما يقرب من خمسمائة فارس مدد الملك الكبير تاج الدين أرسى شاه فى أول رجب سنة ستمائة و ستة و ستين و مقدمهم مع الجيش جميعه إلى أرض الترك و الحرب مع نقباء كلمارود و مقتل عدة رجال منهم و من نقباء كلمات رود و خروج جيش الملك من المدينة، و إرسال أخيه ملك الأمراء و الكبار علاء الملة و الدين بجيش مجهز و ذهابهم من أمامه منهزمين حتى رباط دشت و الحرب و انهزامهم، و قتل بعض منهم و أسرهم و انهزامهم و تتبع الجيش لهم فى السادس عشر من شعبان فى السنة نفسها، و تحرك الركاب المبارك للملك المعظم فى أوق و محاصرة قلعة قوقة و الحرب تسعة أيام و الاستيلاء على فصيل و جرح عدة أشخاص منهم و عجزهم و خروجهم بسبب عجزهم، و أخذوا العهد و طلبوا الأمان و حضور عدة أشخاص من رؤوسائهم و هروبهم من الطريق، و سجن واحد من عظمائهم، و وضع هذه الطائفة للأساس مرة أخرى، و تعمير القلعة و استعدادهم لبدء الحرب فى الثانى عشر من ذى الحجة من السنة نفسها، و ذهاب ملك الأمراء و الكبار الملك علاء الدولة و الدين صفدر نيمروز دامت دولية مع الجيش، و علم الملك تاج الدين أرسى شاه بذلك، و جمعهم للجيش فى قرية سمور و خروجهم إلى الصحراء و الحرب و هزيمتهم و اللجوء إلى قلعة سمور، و خروج ملك الأمراء و الكبار علاء الدولة و الدين فى أثرهم، و إلقاء عدة أشخاص منهم فى خندق قلعة سمور و جرحهم و قتلهم، و العودة بالنصر فى الرابع و العشرين من المحرم سنة ستمائة و سبعة و ستين، تشييد الملك نصير الحق و الدين خسرو نيمروز خلد اللّه ملكه دار الملك فى أرك و إتمام تعمير قلعة أرك فى الشهر و السنة نفسها. تحرك ركاب الملك المعظم خسرو نيمروز مرة أخرى مع جيش المغول إلى أوق و حمل عدة منجنيقات و حصار قلعة


1) تولك: اسم قلعة على حدود الغور و جورجيا، و قد وصف منهاج السراج مؤلف طبقات نصرى هذه القلعة، و ذكر أخبار أهلها مع المغول، و يقول: إنه حتى سنة 659 ه كانت هذه القلعة تحت يد هرمز الدين محمد مبارك، و استولى عليها تولك( من تعليقات بهار).

قوقة، و تخريب ركن من السور بالمنجنيقات و اضطرارهم و خروجهم عاجزين من صغير و كبير، و تعدى جيش المغول على نسائهم و أبنائهم، و صراع الملك المعظم من أجلهم مع المغول و إنقاذهم من القلعة و من أمام المغول، و عودة الملك المعظم من سفح قلعة قوقة، و إقامة المعسكر عل ضفة نهر فراة و التوقف عدة أيام، و المضى بعد ذلك إلى أسفل قلعة برونج، و نصب المنجنيقات، و الحرب لعدة أيام و طلبهم العهد و عودتهم من أسفل القلعة بالعهد و التوقف واحدا و عشرين يوما و العودة إلى جانب المدينة، و إحضار عدة أشخاص من رؤسائهم و حبسهم، و تخريب قلعة قوقة فى الثانى عشر من ربيع الآخر فى السنة نفسها، و هجوم الملك تاج الدين أرسى شاه و الأمراء الذين كانوا فى أوق على ييش‌زره و سلب أموال المسلمين و الإغارة على القرى و أحرقوا السدود و البيادر فى أوائل شهر شوال من السنة نفسها، حركة ركاب الملك المعظم للمرة الثانية إلى أوق و حمل الجيش إلى ييش زرة و إحراق الطواحين الهوائية و التخريب فى أواخر شوال من السنة نفسها، و خروج الملك تاج الدين و محاصرة قلعة برونج و إخلاء القلعة من الناس، و مجى‌ء كل الأمراء و النقباء لخدمة الملك المعظم نصى الحق و الدين و طاعة انقياد الولاية كلها، و تخريب قلاع أوق جميعها و إحضار عظمائهم إلى الخانات فى التاسع عشر من جمادى الآخر فى السنة نفسها، إرسال ملك نية ابنه شمس الدين محمد شاه للخدمة مع عدة من الأشخاص من العظماء فى الثانى من شوال من السنة نفسها، إرسال الملك الكبير أرسى شاه قائد الجيش الكبير قطب الدين محمود الذى كان ابن أخيه فى السابع من شهر ذى القعدة فى السنة نفسها، إرسال قائد الجيش الكبير شجاع الدين لتكريم نيمروز، و قاسم بن محمود دام إقباله لإدارة قلعة كاه فى العشرين من ذى الحجة من السنة نفسها، تعمير مواضع بحيرة برزره(1)و استخدام نهر جوب المتحطم فى الزراعة و إجراء الجداول و الأنهار إلى هذه الناحية و تعميرها و قد كانت خربة و معطلة منذ ما يقرب من مائتى عام، و عمرت بحيث


1) برزره: جزء من قرى بحيرة زره، و ذكرت فى معظم الكتب( يشت زره و دشت زره).

إنها جعلت من يسكنون هذه النواحى فى رفاهية فى سنة ستمائة و ثلاثة منذ عهد بهمى أسفنديار و استظهار الولاية و رفاهية الرعايا و التعمير و صرفها فى مؤنة و أحوال هذه الناحية فى سنة ستمائة و خمس و ستين، تعمير ولاية خشك رود و المواضع التى فى شرق القصبة مثل كدة بلبلى و إقامة سور جديد و حفر خندق كدة بلبلى، و هذا ما لم يكن موجودا أصلا من قبل، و تعمير الزراعة و العمارة فى هذه المواضع فى السنة نفسها، و كان هناك عدة مواضع خربة فى سجستان من تخريب الكفار لها و لم يكن باستيلاء هذه الطائفة مثل لبنو، و كوشك طاهر، و فشته السلطان و هيسونج و مارجويه، و اشتقاق رافد من هيرمند و إجراء الماء و عمران هذه الناحية فى سنة ستمائة و خمسة و سبعين، و مجى‌ء السلطان مظفر الدين حجاج(1)من كرمان و لجوؤه إلى خدمة الملك المعظم نصير الحق و الدين، و إقامته عاما فى سجستان، و كان الإعزاز و الإكرام فى حقه، و السفر إلى الهند استبدادا بالرأى و ذهابه فى السنة نفسها، مجى‌ء جيش أباقاخان ملك الوقت على سجستان و فى مقدمتهم الأمير جاردوود نعره و طغان، و عدة آلاف من الأمراء الآخرين مع جيش الملك ابقا، و تخريب معظم الولاية و إتلاف و سلب الغلة و الدواب و ما أعطى لهم، و مجيؤهم إلى باب المدينة و خروج جيش منصور و غارته عليهم، و قتل كثير من المغول و الاستيلاء على كثير من الخيول و الأسلحة و قهرهم و هزمهم فى السنة نفسها، و عصيان الأمير بار و هو مكين الدين عمر بن أبى منصور مهربائى و الملك سابق محمد رئيس، و خروج جماعة من العشائر و القبائل منهم و إخراجهم من ولايتهم و ذهابهم إلى نية و تعقب جيش منصور نصرهم اللّه و مضيهم إلى قهستان منهزمين من هناك، و وفاة الأمير بار فى جوسف فى سنة ستمائة و اثنتين و ثمانين، و هروب قومه و ذهابهم إلى سجستان، و وضع رقابهم ربقة الطاعة و الخدمة، كما كان الرأى و المراد للملك المعظم و انتهى بالصلاح فى السنة نفسها، مجى‌ء رسول أحمد سلطان الذى كان من نسل جنكيز خان و اعتلائه عرش إيران و إعطاء القوة للإسلام و المسلمين به، و إرسال خلع التشريفة إلى السيد الملك المعظم نصير الحق و الدين


1) مظفر الدين حجاج: من بقايا أسراء كرمان، و استولى عليها بعد غزان فى عام 668 ه، و كان فى خراسان فى معسكر، و كان حاضرا فى معسكر الأمير شاهزاره.

خلد اللّه ملكه مثل الأمر و المنشور و الجمال و العلم و الطبل و السيف و القباء المرصع و المجاملات الكثيرة و إعطاء منشور إمارة سجستان و نية و فراة و قلعة كاه و بست و تكناباد و كل نواحى رواد، و التفضل بالإعزاز و الإكرام فى سنة ستمائة و ثلاثة و ثمانين. تعمير مواضع قلعة طاق، و جمع خلق كثير من در طعام و حفر نهر و توصيله إلى هذه المواضع، و إتمام تعمير القلعة، و اجتماع عدد كبير من الناس فى هذه الناحية و الاتجاه إلى التعمير فى سنة ستمائة و أربعة و ثمانين. مجى‌ء أخى طغان و هو ترشيير ملك مع جيش كثيف من المغول إلى نية و الحرب على باب نية (و نزول شمس الدين محمد شاه مع الرعايا و ترحيلهم إلى قهستان فى سنة ستمائة و ثمانية و ثمانين، إرسال خدام الملك نصير الدين خلد اللّه ملك ابنه الشاه شمس الدين على إلى نية، و تعمير هذه البقعة و مضيه من هناك إلى جانب قهستان و الاستيلاء على جوسف و بيرجند و بقية منجدر قهستان، و الإقامة هناك فى السنة نفسها مجى‌ء كمشو الذى من نسل ملوك المغول مع خمسة آلاف فارس إلى ولاية أوق و إحراق عدة طواحين هوائية، و الذهاب إلى سفح قلعة سفيد كوه المعروفة ببلاش، و مشاهدة الجيش الكثيف التام العدة، و العودة من هناك خوفا إلى جانب خراسان فى السنة المذكورة نفسها، مجى‌ء أتابك يزد و هو الأتابك معظم قطب الملة و الدين أتابك علاء الدولة و الإقامة فى مدينة سجستان لمدة عام، و ذهابه من هناك إلى خدمة الأمير نوروز فى السنة نفسها. مجى‌ء الأمير الكبير نوروز(1)إلى فراة و البيات و الهموم و أسر أهالى هذه البقعة و النهب و القتل فى هذه الولاية، و اعتقال الملك جلال الدين بن الملك تاج الدين و حمله إلى هراة، و الاستيلاء على قلعة داورى، و إجلاس الملك ركن الدين فى هذه القلعة أميرا سنة ستمائة و ثلاث و تسعين، مجى‌ء رسل الملك شمس الدين كرت و هما القاضيان مولانا شمس الدين محمد قاضى غور و مولانا


1) الأمير نوروز يعد من القادة العظام فى عهد السلطان غازان خان، و هو من المغول الذين أسلموا و كان على صفات عالية و شجاعة عظيمة و سجايا و خصال حميدة، توفى سنة 696 نتيجة لغدر فخر الدين قتل على يد قتلق فى أسفل قلعة هراة.

زين الدين قاضى أسفزار لإصلاح ذات إبلبين و بسط الأغدار فى السنة نفسها.

مجى‌ء الشاه شمس الدين على من قهستان بعبودية خدمة الملك، و طلب الجيش و إرسال الجيش بمصاحبته إلى قهستان، و استخلاص مدينة قاين و بقية ممالك قهستان حتى بترشز فى سنة ستمائة و أربع و تسعين، مجى‌ء الملك نيالتكين بن الملك تاج الدين أرسى شاه من جانب العراق بطريق قهستان إلى ولاية فراة، و الاستيلاء على دزبوج و جمع جماعة من أهل فراة و اللجوء إلى عبودية عتبة نيمروز و طلبه المدد، و إرسال مخدوم ملك الإسلام خلد اللّه ملكه الجيش و الاستعداد و معاونة الملك و استخلاص هذه الولاية و الجلوس فى قلعة دزداورى و وقع قحط شديد فى تلك البقعة، مجي‌ء الملك نيالتكين بالعبودية للسيد ملك الإسلام خلد اللّه ملكه و تفضله بالإنعامات و التشريفات فى حقه، و إرسال الغلة إلى فراة حبوبا و علفا لأهالى تلك البقعة بما يعنى الحاجة لمدة عام و كان ذلك فى السنة نفسها، مجى‌ء ملوك كرمان و بم و هم الملك المعظم غياث الدين و الملك المعظم معز الدين على ملك و الأمراء الآخرون و الأمراء و أكابر هذه الديار إلى حضرة مولانا ملك الإسلام خلد اللّه ملكه بسبب ما قام من نزاع و خصام بين أفراد الأسرة المالكة فى سلطنة كرمان و إقامة مستقر لهم فى المدينة، و بذل العناية و الرعاية فى حقهم و إسكانهم فى الولاية فى العام نفسه، مجآء نكودريات إلى ولاية أوق رغبة فى الهجوم على سجستان بأربعة آلاف فارس و إحراق عدة طواحين هوائية و الانهزام خوفا و رعبا من هناك و عودتهم إلى هراة فى العام نفسه، مجى‌ء السيد شاه شمس الدين على للمرة الثانية بالعبودية لخدمة ملك الإسلام خلد اللّه ملكه بعشرة آلاف فارس إلى قهستان و كذلك الأمير باييك و تودكان و إقامته هناك، و طلبه من عبودية مخدوم الملك جيشا و إرسال الجيش معه و إخراج العشرة آلاف فارس من قهستان فى السنة نفسها، إرسال جيش منصور إلى ولاية كرمسير و توابع بست و تنكاباد و القضاء على طائفة اللصوص و الخلعاء و قتل بعضهم و إخلاء الولاية من هذه الجماعة و إحضار القادة و الرؤساء و أهل تلك البقاع إلى سجستان و تأمين الطرق من شرهم و فسادهم فى سنة ستمائة

و خمس و تسعين، و تعمير قرية المحروسة ديورك و إجراء الماء إلى هذا الموضع و بدأ العمارة بعد استيلاء الكفار خذلهم اللّه الذين خربوا و عطلوا فى السنة نفسها.

قصة أحوال مخدوم الشاه الأعظم شهريار نيمروز ركن الحق و الدين الشاه محمود خلد اللّه ملكه

قصة أحوال مخدوم الشاه الأعظم شهريار نيمروز ركن الحق و الدين الشاه محمود خلد اللّه ملكه(1)

و هو الابن الأكبر للملك المعظم نصير الحق و الدين، و سر أبوه برؤيته التى تزين العالم مدة من الزمن، و كان ملازما خدمة أبيه باللفظ و المعنى حتى وقع بينه و بين أبيه شر بسبب بعض قبائل و عشائر أمه، و أصابته عين الحسود، مضى الشاه المعظم ركن الدين محمود من سجستان غاضبا و عزم المضى إلى مدينة مزناباد و مضى إلى هناك، و بايعه أهل تلك النواحى و جعلوا رءوسهم فى ربقة طاعته، و أقام هناك مدة عام واحد، و بعد ذلك أخذ الجيش و مضى إلى بهداين و خرج أهلها لمحاربته، و هزمهم الشاه المعظم ركن الدين محمود، و قتل عدة رجال منهم، و استولى على كل ما لديهم من مال و منال، و لكن بعد أن رأى أهل تلك القصبة ألّا طاقة لهم به أرسلوا إليه شخصا منهم، و دانوا له بالطاعة و سلموا القلعة، و بعد ذلك أخذ الجيش و مضى به إلى سلامت(2)، و مضى جماعة من أبناء سادة خواف و قهستان إلى قلعة سلامى، و بدأ الحرب مع الشاه المعظم ركن الدين محمود، و استمرت الحرب بينهما ثلاثة أيام حتى عجزوا فى النهاية و سلموا القلعة، و جاءوا


1) يبدأ الكتاب من هذا الموضع فى التفصيل مرة أخرى، حيث انقطعت كتابة الفهارس و الجمل إلا أن عباراته لا تشبه أوائل الكتاب.

2) سلامت: هذه القرية من قرى خواف، و ذكرها الإصطخرى( سلومك) و قد ذكرت فى ص 256 من هذا الكتاب( سلومد) و يسمونها إلى يومن هذا سلومد.

إليه عاجزين، و أعطاهم الشاه المعظم و أمنهم، و جعل تلك القصبة تحت تصرفه، و مضى من هناك إلى خرجرد و حارب هناك. و استولى على هذه القصبة أيضا، و أقام هناك عدة أيام، و مضى بالجيش من هناك إلى سنكان، و انهزم الأمير شهاب الدين سنكان، و قدم إليه بقية أهل سنكان و انقادوا له و أطاعوه و مضى من هناك إلى قصبة زوزن، و قدم إليه أيضا أهل تلك البقعة و خدموه و سلموه المدينة و القلعة، و طاب له المقام هناك عدة أيام، و مضى من هناك إلى سنكان و لما عرف أهل تلك المنطقة خبر وصوله المبارك خرجوا فى الحال و الساعة لاستقباله، و هكذا فتح ولاية خواف كلها و قد أنس به أهل تلك الولاية و فرحوا به. و بعد ذلك مضى إلى ولاية باخرز، و قدم إليه أهل تلك الولاية جميعهم و بايعوه و قبلوا خدمته، و كان الأمير نوروز أمير خراسان جمع جيشا فى الخفاء و أرسله إلى هناك بحيث لم يطلع أى شخص قط على هذا الحال، و كان الشاه المعظم ركن الدين محمود قد نزل فى قرية من ولاية باخرز و فرق جيشه، حتى بيت جيش الأمير نوروز فجأة، و كان الشاه المعظم ركن الدين محمود قد انفصل عن جيشه، و بقى مع عشرة من خواص رجاله فى مكان ضيق، و جاء جيش الأمير نوروز حول هذا الببيت و حاربوا طوال الليل، و لما أصبح الصباح استمرت الحرب بينهما إلى وقت صلاة الظهر، و بعد ذلك فقد اقترب كبار قادة جيشهم من الدار و قالوا للشاه المعظم ركن الدين محمود: نحن نبرم معك عهدا و ميثاقا على ألا ننالك بضرر و لا ننقض العهد و نمضى معك إلى خدمة الأمير نوروز، فوثق الشاه المعظم ركن الدين محمود بكلامهم و خرج، و مضوا معا إلى الأمير نوروز، فاعتقله الأمير نوروز و أرسله إلى غرجستان فى قلعة وبزويز، و بقى فى السجن عاما و بعد ذلك أطلق سراحه الأمير نوروز و طلبه و خلع عليه و خصه بالرعاية و مكث عاما آخر عند الأمير نوروز، و بعد ذلك أرسله مع أخيه حاجى إلى قهستان و اتفقوا أن يهزموا جيش قهستان و هزموه، و استولوا على غنائم كثيرة و عاد الأمير حاجى من هناك.

عودة الشاه المعظم ركن الدين محمود من عند الأمير نوروز إلى ولاية نية

و جاء الشاه المعظم ركن الدين محمود من هناك إلى ولاية نية، و كان جيش المغول خذلهم اللّه قد خربوا هذه الولاية و تفرق الناس، و اتخذ هناك مقاما له، و أعاد تعمير هذه القصبة وشيد قلعة و أصلح القنوات و غرس فى المدينة و مواضع الحدائق الأشجار المثمرة، و قديما لم يكن فى مدينة نية شجر و لا حدائق، و بعد ذلك التف الناس حوله و مضى إلى ولاية خبيص.

ذهاب الشاه المعظم ركن الدين محمود إلى ولاية خبيص‌

و استولى على ولاية خبيص، و قوى أهل هذه الولاية و أمنهم، مضى من هناك إلى قرية كرد، و استولى على قلعتها، و مضى من هناك إلى حيث و فتح هذه النواحى، و بعد ذلك مضى إلى قلعة هشتاد طاف و أقام المنجنيقات و بدا الحرب حتى رفع أهل القلعة صوتهم معلنين عجزهم، و أرادوا أن يأمنوا على أرواحهم و سلموا القلعة، و استولى على المال كله الذى كان فى القلعة، و أقام فى هذه المواضع كلها الرجال و المعتمدون، و كان من فى هذه النواحى من ناحية الجبل كلهم سلم إليه، و سر به الناس و كانوا سعداء، و أرسل السلطان محمود من مدينة كرمان أقاربه

و المتصلين به بالخيول العربية و الهدايا الكثيرة و ذلك لخدمة الشاه المعظم ركن الدين محمود، و أقام هناك مدة عام، و أحاط مدينة حنبيص بسور و حفر خندقا فى هذا العام بسبب عفونت كرمسير، و انتشر فى هذه الولاية مرض صعب و مرض الناس و مات معظمهم، و مرض أيضا الشاه المعظم ركن الدين محمود كما مرض جميع رفاقه.

و لما كان الحال هكذا، حملوه على محفة إلى ولاية نية، و بقى هناك عاما طريح الفراش، و لما شفى من مرضه أرسل شخصا إلى أبيه يقول له إن مولانا هذا غادر الوطن منذ وقت طويل و كابر مشقة الغربة و تقلبات الدهر و أصبح اليوم وقت خدمة أبيه الهرم فمن الواجب أن يجد هذا الولد نصيبا له من الولاية، و لم يجد جوابا لهذا المعنى، فأرسل إليه رسولا مرتين أو ثلاثة.

و عرض عليه مثل هذا، و ما أجابوا و لو بلا صواب، و بذلك تجدد ظهور العداء بينهم، و كان الشاه المعظم ركن الدين محمود يأتى عدة مرات مع خدامه إلى نواحى سجستان و كان يخرب أطرافها حتى قدم مرة مع مائة فارس من خدامه خلف المدينة، و أرسل شخصا إلى خدمة الملك المعظم نصير الحق و الدين و عرض عليه أن فى خدمته عدة آلاف من الفرسان و المشاة المحاربين و معلوم لخدمتك أنه ليس مع ابنك أكثر من مائة فارس و أنا أحتفظ بحرمتك الأبوية و عزة خدمتك، و أنا لا أقدم نفسى فى حضورك و بقية الجيش كله و العيان و تفضل بتعيينهم حتى نحارب، و إذا أجبت الجميع فاعلم أنى خير منهم جميعا و إذا ما هزمونى فإنى أغادر سجستان و أرضى بهذا الركن، و لما سمع الملك المعظم نصير الحق و الدين هذا الكلام، تمكن أثر الغضب فى وجهه، و زادت الحمية، و أخرج جيش سجستان كله حتى جاء إلى قرية مارجويه.

محاربة الشاه المعظم ركن الدين محمود مع جيش نصير الحق و الدين و انتصار جيشه على جيش الملك‌

و كان الشاه المعظم ركن الدين محمود هناك، و أرسل شخصا إلى أبيه قائلا:

إن من أجل المحافظة عليك لا أريد أن أواجهك و أستل السيف، أرسل الآخرين جميعا فاستدعى الملوك و عظماء سجستان كلهم، و أبلغهم كلام الملك المعظم ركن الدين محمود معهم فقالوا جميعا: جعل اللّه جسمنا و روحنا لك فداء و إذا ما أمرت فنحن نحارب، و فى الحال أرسل الملك المعظم نصير الحق و الدين ألف فارس مع ملوك و عظماء سجستان جميعهم لمحاربة الشاه المعظم ركن الدين محمود، و لما التفوا ببعض حمل بما لديه من المائة فارس خدامه على الألف فارس و ألحق بهم الهزيمة، و أسر الأمراء و العظماء، و لما قتل عدة رجال منهم أمر بعد ذلك بألا يقتل أحد منهم و أن يطلقوا سراح من فى الأسر كلهم، و مضى الجيش المنهزم المتعب المسكين من أمام الملك المعظم نصير الحق و الدين و فى الحال عاد الجيش من هناك و مضوا إلى المدينة و اتجه الملك المعظم ركن الدين محمود إلى نية منصورا مظفرا، و بعد مدة أرسل الملك المعظم نصير الحق و الدين عدة أشخاص إلى نية، و طلب الشاه المعظم ركن الدين محمود و سلمه الملك، و بقى فى المدينة، و فوض إليه أمر قلعة أرك و القلاع الأخرى و مواضع سجستان، و لما مضى على هذا الكلام عام ندم الملك المعظم نصير الحق و الدين على تسليمه المملكة للشاه المعظم ركن الدين محمود، و جمع ذات ليلة غوغاء المدينة و جاء إلى باب أرك و بدأ الحرب و اجتمع معه أهل المدينة جميعهم و تحاربوا عشرة أيام و قتل و جرح ما يقرب من مائتى رجل، و بعد ذلك أرسل الملك المعظم ركن الدين محمود رسلا إلى أبيه قائلا:

لقد طلبتنى بمحض إرادتك و وهبتنى الملك، و اليوم و بعد أن ندمت على هذا مكننى

من العودة إلى ولايتى، و هكذا فعلوا و خرج الشاه المعظم ركن الدين محمود مع قومه و أتباعه و مضى إلى ولاية نية و مكث هناك إلى أن حان وقت الغلة و جاء من هناك إلى ولاية سجستان، و اجتمع حوله أهل زرة و مضوا إلى باب المدينة، و خرج الملك المعظم نصير الحق و الدين مع عشرة ألاف رجل من باب المدينة و باب طعام الحرية، و تقابلا وجها لوجه، و لما ظهر الملك المعظم ركن الدين محمود من بين جيش أبيه ترك جيشه كله، و حمل على أبيه و هو على جواده، و دخل من بين عشرة آلاف رجل و أسقط أباه من على جواده، مضى بالسيف إلى رأسه فطلب منه أبوه الأمان و صاح يا محمود لا تضرب، و أثرت شفقة الآب فى نفس ابنه الشاه المعظم ركن الدين محمود فرفع يده عن السيف، و حملوا الملك المعظم نصير الحق و الدين، و كانوا قد قرروا من قبل أن يحاربوا أنه من ينتصر يكون له الملك، و لما انتصر الشاه المعظم ركن الدين محمود و هزم جيش أبيه أرسل فى اليوم التالى رسولا إلى أبيه قائلا: انتهت الحرب و كان الظفر لى فينبغى أن تسلمنى الملك الآن، و لم يلتفت الملك المعظم نصير الحق و الدين لهذا الكلام فحاصر الجيش أطراف المدينة و بدأوا الحرب على أبواب المدينة و كانت الحرب فى كل يوم و دام هذا الحصار ثمانية أشهر، و هلك ما يقرب من خمسمائة رجل، و تلفت الغلال كلها و سلبوا الأنعام، و بعد ذلك تدخل الأئمة و المشايخ بينهم و قرروا أن يكون نهر هيرمند الفاصل بينهم و أن تكون هذه الناحية من نصيب الملك المعظم نصير الحق و الدين و تلك الناحية من نصيب الشاه ركن الدين محمود، و عادوا بهذا العهد و عاد الشاه ركن الدين محمود إلى نية و ترك رجاله فى نواحى زرة و متعلقاته، و مرة أخرى نقض الملك المعظم نصير الحق و الدين هذه العهود كلها التى أبرمها، و عزل أتباع و أشخاص و خدام الشاه المعظم ركن الدين محمود من الولاية و أرسلهم خلفه إلى نية، فجاء الشاه ركن الدين محمود مرة أخرى إلى سجستان و خرب كثيرا فى أطراف أوق و بيش زره، و انقطع تجار الأطراف، و مضى إلى نية ثانية إلى أن

انتقل الملك المعظم نصير الحق و الدين إلى رحمة مولاه، و فى هذا الوقت سقط الشاه المعظم الشاه محمود فى مكان الصيد عن فرسه و انكسرت ساقه و لذلك لم يستطع أن يمضى إلى سجستان، و كان فى المدينة واحد من اخوته هو الشاه نصرة الدين فأرسل إليه شخصا و أطلعه على الحال و الآن يجب المحافظة على المدينة و لما مر عام و شفيت ساق الشاه ركن الدين محمود، مضى إليه أكابر أعيان ولاية زرة و أعيانهم جميعها و قالوا: لا بد من الذهاب إلى سجستان، و لم تكن لقدمه فى ذلك الوقت القوة (الشفاء) فحملوه على محفه إلى سجستان و مضى الشاه المعظم نصرة الدين إلى المدينة مباشرة، و اتفق الناس معه و وزع عليهم خزائن أبيه و لما قدم الشاه المعظم ركن الدين محمود، قدم جميع أهل سجستان إليه و قالوا: ينبغى أن تبقى فى المدينة، فمضوا إلى باب المدينة و بدأوا الحرب و دام هذا الصراع شهرين، و هلك خلق كثير و تصالحوا فى النهاية، و جاء الأئمة و المشايخ مرة أخرى و تدخلوا بينهم و قرروا ما أقروه فى عهد الأب من أن هيرمند يكون بينهم، و مضى على هذا القرار مدة ثمانية أعوام و هم يقررون هذا فى الساعة نفسها، و اتصل الأبناء ببعضهم، و رفعوا من بينهم المعاندة و المنازعة و كانوا معا إلى آخر العمر.

و باللّه التوفيق.

المترجم فى سطور: محمود عبد الكريم على‌

ولد بمركز كفر صقر، محافظة الشرقية. سافر إلى ألمانيا فى بعثة إشراف مشترك بجامعة كلونيا، و حصل على الدكتوراة من قسم اللغة الفارسية، كلية اللغات و الترجمة، جامعة الأزهر، و هو يعمل الآن أستاذا مساعدا بها. له اهتمامات متعددة فى مجال اللغة و الأدب الفارسى بصفة عامة و التاريخ و الحضارة الإسلامية بصفة خاصة، حيث يرى أن التاريخ و الحضارة الإسلامية ليست مقصورة على اللغة العربية، بل حفظت لغات الشعوب الإسلامية الكثير من التراث الإسلامى كاللغة الفارسية و التركية و الأردية. و هنا يبرز دور الباحثين المتخصصين فى لغات هذه الشعوب فى نقل إسهامات العلماء و الأدباء المسلمين الذين كتبوا بهذه اللغات.