ghaemiyeh.com
سرشناسه: آل کاشف الغطاء، محمد حسین، 1877- 1954م.
عنوان و نام پديدآور: المراجعات الریحانیه / تالیف محمد الحسین کاشف الغطا؛ تحقیق و تعلیق محمد عبد الحکیم الصافی.
مشخصات نشر: قم: ذویالقربي٬ 1427ق.-= 1385-
مشخصات ظاهری: ج.: مصور.
شابک:: دوره دو جلدی: 964-518-097-X؛964-518-096-1؛: ج.1:964-518-098-8
وضعیت فهرست نویسی: برون سپاری.
يادداشت: عربی.
يادداشت: عنوان روی جلد: المراجعات الریحانیه: حوار فکری٬ ادبی٬ عقائدی بین الامام کاشف الغطاء و مجموعة من العلماء و الادباء....
یادداشت: کتابنامه.
عنوان روی جلد: المراجعات الریحانیه: حوار فکری٬ ادبی٬ عقائدی بین الامام کاشف الغطاء و مجموعة من العلماء و الادباء....
موضوع: اسلام -- مطالب گونهگون -- پرسش ها و پاسخ ها
اسلام و ادیان دیگر
ادیان -- روابط
شناسه افزوده: صافی٬ محمد عبد الحکیم
رده بندی کنگره: BP11/ک2م4 1385
رده بندی دیویی: 297/02
شماره کتاب شناسی ملی: 1045446
المراجعات الريحانية
جَميْع الحُقوق محْفُوظة
الطّبعَة الأولىٰ
تأليف
الإمام العلّامة
محمّد الحسين كاشف الغطاء
تحقيق وتعليق
السيّد محمد عبد الحكيم الصافي
الطّبعَة الأولى
1424ه- - 2003م
دَار الهَادِي للطباعة والنشر والتوزيع
هاتف: 550487 / 01 - 03/896329 - فاكس: 541199 - ص.ب: 25/286 غبيري - بيروت - لبنان
محرر الرقمي: ميلاد احمدي
جَميْع الحُقوق محْفوُظة
الطّبعَة الأولى
1424ه- 2003م
دَار الهَاديْ للطباعة و النشر و التوزيع
هاتف: 550487/ 01- 03/896329- فاكس: 541199- ص.ب: 286/ 25 غبيري- بيروت- لبنان
Tel.:03/896329-01/550487-Fax:541199-P.O.Box:286/25 Ghobeiry-Beirut-Lebanon
E-Mail:daralhadi@daralhadi.com - URL:http://www.daralhadi.com
تأليف: الإمام العلّامة محمّد الحسين كاشف الغطاء
تحقيق و تعليق: السيّد محمد عبد الحكيم الصافي
الجزء الثاني
دَار الهَاديْ
للطّبَاعَة و النّشْر و التوزيْع
بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِ
بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِ
حمداً و مجداً، و صلاة و سلاماً
و بعد: فهذا هو الجزء الثاني من كتاب (المطالعات و المراجعات و النقود و الردود)، الذي أردنا أن نجمع فيه كلّ ما اتّفق أو يتّفق لنا من المباحثات النظرية، و المطالعات الفكرية، عند مرورنا بشيء من المقالات التأريخية و الأدبية التي تجلوها علينا- في البرهة بعد البرهة- أقلام الكتّاب من أُُولي الفضيلة، ثمّ توصلها إلينا مجلّات أرباب الغيرة و النشاط، إلى جمع نوادر الأدب و شوارد الفوائد، و غير ذلك مما يبدو لنا فيه نظر، و نجد فيه موضعاً للمؤاخذة، سواء كان من الأعصر الحاضرة أو الغابرة.
كلّ ذلك علماً بما في النقد من الفوائد الجُلّى التي تفتق القريحة، و تشحذ الذهن، و تصقل مرآة الفكر عن صدى التقليد و الجمود، الذي تموت به الحقائق، و تحيا به الأوهام.
و قد كان سدّ باب الاجتهاد إحدى الجنايات على العلم التي ساء تأثيرها، و وخمت على الأفكار عاقبتها.
و ما زال ذلك السدُّ يمتدُّ حتى فشا التقليد إلى كلّ فنّ من الفنون، فصار الرجل في العصور الأخيرة، بل من يسمّى بالعالم- صار بين أهلها- مقلّداً في اللغة للقاموس (1)و الصحاح (2)مثلاً، و في النحو لابن
هشام (1)و ابن مالك (2)، و في الأصول لابن الحاجب (3)
كما أنّه مقلّدٌ في الفروع لأبي حنيفة (4)و الشافعي (5)و في أصول العقائد للنسفي (6)في عقائده،أو العلّامة الحلّي في حادي عشره (7)
و قد فات الناس أنّ من وهب أُولئك الأكابر تلك القرايح و الفهوم، لم يكن ليجعلها حجراً عليهم و يمنعها من سواهم، إن كان ذلك بموهبة و منحةٍ، و إن كان بجد و طلب، فإنّ لكلّ مجتهد حظاً من الطلب.
أمّا بعض علوم العربية فهو و إن كان لا محيص عن رجوع الأمر فيه
1) عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري ت 761 ه صاحب المغني، و أوضح المسالك و غيرها. (الأعلام ج 4 ص 147).
2) محمّد بن عبد الله بن مالك الطائي الجيّاني ت 672 ه، صاحب الألفية المشهورة في النحو و غيرها. (الأعلام ج 6 ص 233).
3) عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس ابن الحاجب ت 646 ه فقيه مالكي كردي الاصل كان أبوه حاجباً فعرف به، من تصانيفه «الكافية في النحو، و الشافية في الصرف، و منتهى السؤول و الأمل في علمي الأصول و الجدل و غيرها» . (انظر: ترجمته في الأعلام ج 4 ص 211).
4) النعمان بن ثابت بن زوطي، صاحب الرأي و القياس، إمام الحنفيّة أصله من بلاد فارس، ولد و نشأ بالكوفة و توفي ببغداد عام 150 ه، له: المسند في الحديث و المخارج وغيرها. (انظر: ميزان الاعتدال ج 7 ص 37، الأعلام ج 8 ص 36).
5) محمد بن إدريس الشافعي، إمام الشافعية، ولد في غزّة بفلسطين و حمل منها إلى مكّة و قصد مصر و توفى بها عام 204 ه، من كتبه: المسند و الأم و أحكام القرآن و غيرها. (الأعلام ج 6 ص 26).
6) عمر بن محمّد بن أحمد بن إسماعيل النسفي من فقهاء الحنفية، ولد بنسف و توفي بسمرقند عام 537، له نحو مئة مصنّف، منها: العقائد و تعرف بعقائد النسفي. (الأعلام ج 5 ص 60).
7) الباب الحادي عشر في ما يجب على عامّة المكلفين من معرفة أُُصول الدين: هو الباب الأخير من أبواب كتابه المعروف «منهاج الصلاح في مختصر المصباح»، استلّه و جعله كتاباً مستقلّاً، له شروح كثيرة. (راجع الذريعة ج 3 ص 5 - 7).
إلى التقليد في الجملة، و لكن من نظر إلى كتب الأعلام من المتقدّمين؛ كابن فارس في «المقاييس» (1)، و «الصاحبي» (2)و ابن الأنباري في «أسرار العربية » (3)، و أمثال هؤلاء، عرف ما في علوم العربية من المجال الواسع للنظر و البحث و الاجتهاد و العقل.
ثمّ إن كان سواغ للتقليد، فليس هو على النحو الذي شاع عند المتأخرين، حيث تجد المؤلف منهم لا يعدو في تفسير اللفظ العربي أن يأتي بعبارة من «القاموس» أو «الصحاح»، كأنّه جاء بوحي منزل، أو نصّ محكم.
و أدهى من ذلك ما نراه من بعض ذوي العناية بالنقد و المشارفة، من الوقفة عند بعض الجموع التي يقتضيها القياس، و لا يأباها الاستعمال، و هي مطردة في أمثال تلك الصيغة، بل و لا محيص عنها، فتراهم يضيّقون من هذه اللغة واسعاً، و يحظرون منها مباحاً.
فإنّ مثل (النقد) إذا لم يجمع على ( نقودٍ) كسائر صيغ هذا الباب من الثلاثي المفتوح الفاء و مضمومها، ك (عهد) على (عهود) أو (جند) على (جنود)، فعلى أيّ هيئة تجمع؟!
1) [سوف يمثل هذا الاثر الجليل للطبع قريباً بمعونته تعالى] ما بين المعقوفتين من المصنّف قُدس سرِّه، و قد طبع هذا الكتاب عدّة طبعات باسم معجم مقاييس اللغة.
2) الصاحبي في اللغة ط لابن فارس أبي الحسين أحمد بن فارس الرازي اللغوي توفى عام 395 ه، قال هذا الكتاب الصاحبي في فقه اللغة و سنن العرب في كلامها و إنما عنونته بهذا الاسم لأنّي ألّفته و أو دعته خزانة الصاحب، يعني أَلّفه للوزير الصاحب إسماعيل بن عبّاد المتوفى 385. (راجع كشف الظنون ج 2 ص 1068).
3) أسرار العربية في النحو، لأبي البركات عبد الرحمن بن محمّد الأنباري النحوي المتوفّى سنة 577 ه و هو تأليف سهل المأخذ كثير الفائدة، ذكر فيه كثيراً من مذاهب النحويين و صحح ما ذهب إليه. (كشف الظنون ج 1 ص 83).
و بالجملة: فهذه مباحث طويلة الذيل، و أقصى ما نريد منها توسيع الفكر في سعة اللغة العربيّة و فكّ أغلال التقليد، و هدم أسوارها الشاهقة بفتح أبواب النقد و النظر الذي كاد في القرون الأخيرة أن لا تسمع له حسّاً و لا همساً، حتّى قال بعض الأدباء من أهل القرن الأخير:
تفانى اليومَ أهلُ النقدِ حتّى *** رأينا الزُّجَّ (1)قُدّامَ السِّنان
فهم لا ينظرون إلى مقالٍ *** و لكن ينظرون إلى فلان (2)
نعم، و للنقود شروط لازمة، و آداب واجبة المراعاة، أرجو أن لا يفوتني أكثرها، فإن فاتني شيء منها، فالله- سبحانه- هو الشهيد أنّي ما قصدت سوءاً، و لا أردت في أحد مكروهاً، و لا قلت قولاً عن علّة، و لا كتبت ما كتبت لتبريد غُلّة (3)، و إنّما هی الحقيقة أطلبها و أحوم عليها، فإن أصبتها فبفضل الله جلّ شأنه، و إن أخطأتها فلا غرو و لا عجب، فأوّل آبائي، أوّل من أخطأ، بيد أنّي لا أرتاب أنّ خطئي كخطيئته، ما كانت عن عناد و مشاقّة، و لا عن سوء و لا عن مكابرة.
و أنا أُُشفِّع رجائي إلى أهل الفضيلة في أن لا يحملوني على سوء، برجائي إليهم أن ينبِّهوني على هفواتي، و يوقفوني على مواضع عثراتي، بعد أن كنت أعلم أنّ الإنسان- أيّاً ما كان- لا يخلو من شيء منها، إلّا بعصمةٍ من الله عزيزةٍ على أمثالي.
و أنا على مشرفة علم من أنّ ذلك منهم يدٌ مشكورة، و صنيعة
مبرورةٌ، لا إليّ فقط، بل إلى الفضيلة و الحقيقة، و كلّ ملتمس لها و طالب، سيما و الإنسان يغفل عن عيوبه، و قد لا تخفى عليه عيوب غيره.
نعم، و ذهن المؤلف مشغول، و ذهن المتصفّح فارغ.
و إذا كانت صنيعة المال تستوجب الشكر، فصنيعة العلم أولى بذلك و أحقّ به، و ما أحسن قول القائل:
لَوْمٌ يصدُّك عن سوءٍ تُلِمُّ بهِ *** أحرى و أحسن من قولٍ يُداجيكا (1)
و قد رمى بكَ في دهياءَ (2)مُهلكةٍ *** من بات يكتمك العيبَ الذي فيكا (3)
لوم يعيذك من سوء تقارفه *** أبقى لعرضك من قول يداجيكا
و قد رمى بك في تيهاء مهلكة *** من بات يكتمك العيب الذي فيكا
و قد عنَّ لي أن أنسق هذا الجزء على نسق سابقه، فأُصدّره ببعض (المراجعات الريحانية)؛ شغفاً بما فيها من الروح الجميلة، و العواطف الشائقة، و الأفكار العالية، التي لا تخلو منها مواقع أقلامه، ورشحات قرائحه، ممّا راسلني به، و أتحفني به من مقالةٍ أو مراسلة أو غير ذلك ممّا له هنا بعض العلاقة أو مسيس رابطةٍ، و في طليعتها (المقالة الثالثة ) التي تقدّمت أخواتها ولِداتها في الجزء الأوّل و إليكها (4)
1) دجا الشيء: إذا ستره، و داجى الرجل: ساتره بالعداوة و أخفاها عنه. (لسان العرب: ج 4 ص 296، مادة «دجا»).
2) الدهياء: الداهية من شدائد الدهر. (لسان العرب: ج 4 ص 436، مادة «دها»).
3) البيتان لكلثوم بن عمرو العتابي كما في معجم الأدباء: ج 5 ص 20 و روايتهما:
4) [لم تنشر إلى الآن هذه المقالة الآتية في شيء من الصحف فيما نعلم] ما بين المعقوفتين منه قُدس سرّه.
جاءتني من الأستاذ ناصر الدين البغدادي هذه الكلمة الشديدة تصحبها بعض غراس من مغرس أفكاره الكريمة:
أبقاك الله أيّها الريحاني! و متّع بك.
اعلم أنّني زرعت من بذورك في مزرعتي فلم تنبت إلّا قليلاً، و هذا القليل سريعُ النشوء سريع الذبول.
و قد بعثت بمثال فيه إلى ناظر الزراعة في العاصمة، ليفحص و يحلّل علّنا نهتدي إلى أسباب السقم فيه .فنتلافاها. و أخال أنّ مكروباً غريباً كامناً في بذورك، يحول دون نُموّها.
وهاك مثالاً من الغراس البلديّة السليمة الجيّدة- و ما أقلّها وا أسفاه عندنا!- اغرسها في بستان أدبك لتتمتّع بثمارها الناس.
و السلام عليك و رحمة الله و بركاته.
ناصر الدين البغدادي
و قد غاب عن سيدي الأستاذ أنّ المكروب الذي أشار إليه قد يكون في التربة لا في البذور نفسها.
وليته قد بعث بمثال منها- أيضاً- إلى ناظر الزراعة في العاصمة.
أمّا الغراس التي تفضّل بها، فهاك بعضها:
یبْقی اَلْمُلْکُ بِالْعَدْلِ مَعَ الْکُفْرِ وَ لا یبْقی بِالْجَوْرِ مَعَ الْإِیمانِ (1)حديث شريف. السلطان الكافر العادل إذاً أفضل من السلطان المسلم الجائر (2)
الفخري في الآداب السلطانية: ص 23، الأعيان ج 8 ص 360، و يروى أنّه قال: الكافر لنا عدله و عليه كفره، و الجائر له إيمانه و علينا جوره.
أتخشونَ الموت أيّها الناس! و لا تشعرون بموتٍ أنتم فيه.
إنّ عظاماً في الأجداث بالية، لَخيرٌ من هاته الأشباح التي تتمشّى في أسواق المدنيّة.
أصلحك الله أيّها الأديب المصلح! أتمسح حذاءك ثلاثاً كلّ يوم، و لا تمسح نفسك مرّةً في السنة؟
أبماء الوجه تغسل يدك الأثيمة، و تُلحف بماء الورد- مثل العاهر البغيّ- نتاناتك؟
أتجرّد يراعك على النائين من الظلام، و أمام أسيادك الطغاة العتاة تعفِّر وجهك؟
إلى النار بيراعك، و إلى «البويجي» (3)بنفسك لا بحذائك.
1) أخرجه الزمخشري في ربيع الأبرار ج 2 ص 823، بنحوه و نسبه للنجاشي.
2) و بهذا أفتى السيد رضي الدين على بن موسى بن طاووس المتوفى سنة 664 ه لمّا تمّ احتلال بغداد أمر هولاكو (أن يُستفتى العلماء أيهما أفضل، السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر؟ ثمّ جمع العلماء بالمستنصرية لذلك، فلمّا وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب، و كان رضي الدين علي بن طاووس حاضراً هذا المجلس- و كان مقدّماً محترماً- فلمّا رأى إحجامهم تناول الفتيا و وضع خطه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر، فوضع الناس خطوطهم بعدهُ).
3) البويجي: الصباغ، و هنا تعني صباغ الأحذية.
مارك (1)الله أيّها الأمير! فإنّ من تطريهم من العرانين (2)يبصرون الدِّرهم بالقلشين (3)، و من تنظرهم من الغطاريف (4)يعوّذون بالله الرغيف.
و أصحابك الأعيان- الباقي في خاتم مجدهم فصُّ أو فصّان- يبيعونك غداً برتبة و نيشان.
انتصح- مارك الله و رعاك- و اطرق باحثاً عن رزقك غيرَ هذا الباب.
إنَّ قفريّاً (5)همجيّاً، منتهى البلاغة عنده أن يقول: «لا» أو «نعم»، لأفضلُ من هؤلاء الأدباء المتحذلقين (6)، و السياسيين المرائين الذين يقضون حياتهم بين «اللّا و النعم»، مصانعين مذبذبين منافقين.
روى أبو داود في سننه أنّ النبيّ قال:
سَیَأْتِیکُمْ رَكْبٌ مُبْغَضُونَ يطلبون منكم ما لا يجب عليكم، فإذا سألوا ذلك فاعطوهم، و لا تسبّوهم، و ليدعوا لكم (7)
1) مارهم یميرهم: جلب لهم الميرة؛ و هي الطعام. (تاج العروس ج 7 ص 500 مادّة «مير»).
2) عرانين الناس: وجوههم و ساداتهم و أشرافهم. (تاج العروس ج 18 ص 375، مادّة «عرن»).
3) القلشن أو (الگلشن): تعني بالتركية البهجة و الفرح، و بالفارسية (الگلچين) تعني أخذ الزبدة و النخبة المرغوبة من كلّ شيء، و لم أهتد إلى معناها بالتحديد.
4) الغطاريف: جمع الغطريف و هو السيّد الشريف السخي الكثير الخير. (لسان العرب ج 10 ص 87، مادّة «غطرف»).
5) القفري: نسبة إلى القفر؛ و هى الخلاء من الأرض، و القفر: المكان الخلاء من الناس. (لسان العرب ج 11 ص 253، مادّة «قفر»).
6) المتحذلق: المتكيّس، و الذي يريد أن يزداد على قدره، و إنّه ليتحذلق في كلامه و يتَبلْتع أي يتظرف و يتكيس. (لسان العرب ج 3 ص 96، مادّة «حذلق»).
7) اُنظر: سنن أبي داود ج 2 ص 108 ح 1588 مع اختلاف في اللفظ، مجمع الزوائد ج 3 ص 79، کنز العمال ج 6 ص 333 ح 15910.
و هل كان أبو داود جاسوساً للأغيار فلفّق الحديث؟!
وهبْ أنّ النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم نصح مرّة هذا النصح لقومه، أيرضى أن نكون مستذلّين مستعبدين مدى الدهر؟!
أحديثاً تقدِّسون؟!
أسيفاً للباغي تصقلون و تشحذون؟!
أجواهرَ للطغاة تصوغون؟!
و أيمُ الله، إنّ جواهر في تاج الظالم لأغلالٌ في أيدي الأُمّة، و إنّ سلامة الشرق و الشرقيين لفي تحطيم التِّيجان و الأغلال.
قَالَ ابن مسعودٍ: قال لنا النبيُّ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بعدی أَثَرَةً وَ أُمُوراً تنكرونهأَ.
قالوا: فما تأمرنا یا رَسُولَ اللَّهِ؟.
قَالَ: أَدَّوْا لهم حقوقَهُمْ، وَ اسألُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ (1)
و في هذه الحكمة طريقان قويمان إلى عرش الكفر، و سجن الإيمان. في هذه الحكمة الشرقيّة و أمثالها يُحلّل الظلم، و يقدّس الاستعباد.
قومٌ يسودون لا واجب عليهم غير البلص (2)و الاغتصاب، و قوم مستعبدون تعوَّدوا أن يسمعوا طائعين، و يسلِّموا ساكتين صابرين.
و معاذ الله أن تكون هذه سنّة الحياة القويمة.
و عندي أنّ عكس الآية في الشرق لعينُ الحكمة:
خذوا حقوقكم من الظالمين أيّها الناس! و متّعوهم على المشنقة بحقوقهم.
نظرة في الهيئة الاجتماعية الشرقيّة صائبة تريّنها مركّبة في الإجمال من طبقتين من الناس؛ الساهرين و النائمين؛الظالمين و المظلومين؛ المغتصِبين و المُغتَصَبين.
أمّا النائمون فينهضون بعد طويل الرقادِ أقوياء أشدّاء، و يظلمون اللّصوص أبناء الليل و قد أصبحوا لهاماً (1)سفهاء.
لا تأمن شرّ الاغتصاب إلّا إذا اقتلعت عينه.
الاغتصاب داوِِه بالاعتصاب (2)
ثمّ سار إلى محلّ هجرته- صحبته السلامة- و كتب إلينا بعد وصوله من أميركا ما نصّه:
من نويرك في 21 أيلول سنة 1913.
صديقي العزيز:
مضيت على ما شاءت الأقدار في التَّجوال، فزادني البعدُ حسرةً، و ملأت الغربة نفسي حزناً و غمّاً.
بلادي و إن جارت عليّ عزيزةٌ (1)
راجع أعيان الشيعة ج 2 ص 507- 508.
، و الأحباب فيها، و أنت في مقدّمتهم يشفعون بما فيها من سوء حال و تقهقرٍ و أكدار.أجل، أخي! إنّك عندي لفي المقام الأوّل، و نفرٌ من الآل الأعزاء.
فما أشرف عواطفك، و ما أجمل حبّك، و ما أخلص وِدادك، و ما أصفى لُبّك.
صانك الله من حوادث الزمان و أكدار الحياة، و متّعنا بِلُقياك قريباً
1) صدر بيت للشريف قتادة أمير مكّة من أبيات أجاب بها الخليفة الناصر، و كان قد طلبه ليحضر إليه حتّى وصل إلى النجف و أخرج الخليفة العلماء و الأمراء و الأعيان للقائه، و معهم أسد في سلسلة فتطيّر من ذلك، و قال: مالي ولأرض تذلّ فيها الاسود، و رجع، فكتب إليه الناصر يعاتبه، فأجابه: بلادي و إن جارت عليّ عزيزةٌ *** و لو أنّني أعرى بها و أجوعُ
و أنت بخير.
إنّي في بلاد الغربة لا أرى حسنةً من حسنات التمدّن إلّا و أتمنّاها في بلادي، و إنّي لأذكر الاسلام فيه قبل ذكري المسيحيّين، و أعدُّ نفسي سعيداً إذا تمكّنت و إيّاك و إخواننا المفكّرين المخلصين من رفع نقاب الجهل الكثيف، و لو قليلاً؛ لترى العرب شيئاً من نور العلم الذي هو أساس المدنيّة الجديدة.
و إنِّي أُُمثِلُ دائماً لناظري أُُمّةً عربيّةً ناهضةً عاملةً متيقّظةً، لا تنفر من الأُوربيين و لا تخشاهم، بل تقف أمامهم معتمدةً على نفسها، مستقلّة بأمرها، رافعة رأسها تحت السماء التي أظلّت أشرف خلق الله، أُُمَّةً أبيّة كريمة عزيزة ظافرة؛ كسائر أُمم المغرب صاحبات الصولة و الاقتدار.
و لا نفوز بأمنيتنا هذه إلّا إذا اقتدينا باليابانيين؛ فنأخذ عن أوروبا حسناتها فنضمّها إلى حسناتنا، و نعزِّز الثنتين بالسعي و العمل و الجِدِّ و النشاط.
ما رأيك؟ و هل نظفر يوماً بأمنيتنا المحبوبة؟
واصلني- أخي- بأخبارك، فإنّك إذا بعثت برسائلك إلى صهري فهو يُرسلها إليّ.
ودُم سالماً عزيزاً مُكرماً لصديقك و محبّك
أمين الريحاني
ثمّ أعقبه- دامت عواطفه الكريمة- بهذا الكتاب:
نويرك في 19 تشرين الأوّل سنة 1913.
أخي العزيز الفاضل:
لقد أصبح شوقي إلى من أُُحبّ اشتياقاً، و لا أظنّك تجهل ما فی الحالتين عند ساداتنا الصوفيّين من الفرق (1)
و تُراني و أنا في هذه البلاد- بلاد الحركة الدائمة العقيمة المهلكة- أحنُّ دائماً إلى وطني و إلى الأحباب فيه، و أنت أخي في مقدّمتهم.
كتبتُ إليك كلمةً منذ أسابيع بعثت بها إلى «صيدا» فعسى أن تكون وصلتك.
و لو علمت مقدار أشغالي هنا- أكتب في هذه الأيام باللّغتين الإنكليزية و العربيّة- لعذرت منّي ما قد تدعوه بخلاً في المراسلة.
بين يديّ اليوم رواية عربيّة سورية قريبةُ الإنجاز، و مقالات إنكليزية لبعض المجلات لا بدّ من كتابتها.
أعيش لأكتب بلغتي؛ حبّاً بها و بوطني و أُُمّتي، و أكتب بلغة الإنكليز لأعيش.
هذه حالتي اليوم، و لا بدّ من أن تتغيّر.
آهٍ على سنةٍ نَقضيها- و إياكم- بين إخواننا العرب. حقّق الله ذي
1) [لا يحضرني الساعة شيء من كتب هذا الفن لأجدد المراجعة، و لكن شبح ما بقي على خاطري من ذلك أنّ (الشوق) هو الذي يبرد باللقاء و يسكن بالمشاهدة. و الاشتياق ما يزداد باللقاء و يستعر بالقرب، أو ما يقرب من هذه المعاني] ما بين المعقوفتين من المصنّف قدِّس سرُّه.
الآمال.
وصلني كتابكم «المراجعات» ... مالنا و لهؤلاء اللّغويين المتنطّعين؟! ألا ترى أنّهم يلهون بالعرض عن الجوهر؛ لأنّ الجوهر إذا عالجوه يحرق أياديهم و قلوبهم و أنفسهم و ضمائرهم، و يظهر للناس ما لصق بها من صدأ حياة يقضونها بالتمويه و التلبيس؟
قل كلمتك وامش. و الله يوفقك، و يحفظك سالماً، و يطيل بقاءك
أخوك
أمين الريحاني
و قد كتبت إليه بعد هذين الكتابين عدّة كتب مطوّلة و معتدلة، و لكن لا تحضرني نسخها، كما هو عادتي في أكثر مراسلاتي و ما يجري به يراعي.
و لكنّي وقفتُ على مقالات نشرها (المراقب الأغرّ) تتعلّق بالريحاني و صديق له (1)، وجدتها لا تخلو من روح جميلة، و صورةٍ شائقة. و قد رغب إليَّ في إيرادها هنا فأوردتها، و إن لم تكن من النقد، و لكنّها أشبه بالمراجعة من وجهٍ، و ها هي بصورتها هنالك كما ترى:
*1)المقالة الاولی:(ساعة للوداع)(2)
سِرْ على اليُمْنِِِ و الشَّرَفْ *** ودَعِِ النفسَ و الكَلَفْ (3)
أَيُّها الظاعنُ الذي *** أخذَ القلبَ و انصَرَفْ
سِرْ معافيً كما تشا *** ناعمَ البالِ و الكَنَفْ (4)
1) المراد به الشيخ كاشف الغطاء نفسه قدِّس سِرُّه.
2) [و علق «المراقب» علیها هذه العبارة: سافر الأحد الأسبق فیلسوفنا الریحانی، فلم نجد کلمة تعرب عن وداعنا إیّاه ، و کنّا نودّ إقامة حفلة شائفة لوداع ابن الفریکة فأبی علینا ذلک، و شرّفنا فی هذا الأسبوع ناظم هذه القصیدة فزاد حبّنا للأمین؛ لإنّه کان الواسطة فی هذا التعارف اللذیذ، و تلطّف رعاه الله فناب عن عشاق الریحانی بوداعه بهذا الشعر الجمیل، و علی ظنّی أنّ هذا العالم الفاضل سیتحف قرّاء «المراقب» «بمناجاة لمحبین» فیرون بها آیات السحر المبین و لا سیّما و فیها بذور للزارعین، و قد فعل کما تری فی هذا العدد] ما بین المعقوفتین منه قدِّس سِرُّه.
3) الكلف: الولوع بالشيء مع شغل قلب و مشقّة، يقال كلف بالشيء كلفاً و كلفة: أحبّه و لهج به. (لسان العرب ج 9 ص 307، مادّة «كلف»).
4) الكنف: الناحية و الجانب من كلّ شيء، و كنفا الإنسان: جانباه، و هما حضناه، و يقال : اذهب في كنف الله و حفظه: أي في كلاءته و حرزه. (لسان العرب ج 12 ص 170، مادّة «كنف»).
فَلَكَ الفَوْزُ بالهَنا *** و لنا بعدَكَ الأسَفْ
سارَ عَدْواً و لَيْتَهُ *** لَوْ قليلاً لنا وَقَفْ
فتلفَّت عساكَ أن *** تُنْعِشَ النفسَ من تَلَفْ
یاکِراماً سَروا و ما *** زَوَّ دوني سِوى الدَّنفْ (1)
فی وَداع و لم نضَعْ *** فيه كفَّاً لنا بِِکَفْ
لَهْفَ نفسي لِساعةٍ *** مِنكَ لَوْ يَنْفَعُ اللَّهَفْ
ساعةٍ للوادعِِِ ما *** نِلتُ منها و لا طَرَفْ
فرحلْتُم معَ الأسى *** و بَقينا مَعَ الأسَفْ
یا مصابيحَ أوْجُهٍ *** لا عَدِمناكَ في السدَفْ (2)
یا مفاتيحَ اَلْسُنٍٍٍ *** لا فَقَدْناكَ للغلفْ (3)
قلوبنا غُلْفٌ: أي صُمٌّ. (لسان العرب ج 10 ص 102، مادّة «غلف»).
لا عَدِمْناكِ للخِطا *** بَةِ للحُكْمِ للنَّصَفْ
أنت ریحانةُ العلو *** م و ريحانةُ الظَّرَفْ
أنت ريحانةُ المَشو *** قِِ إذا شَفَّهُ الشَّغَفْ
أنت ياشمسُ لا كُسِفْت *** و يا بَدْرُ لا انخَسَفْ
أنت تلكَ العصا التی *** قال (خُذْها و لا تَخَفْ) (4)
1) الدّنف: المرض اللازم المخامر. (لسان العرب ج 4 ص 417 مادّة «دنف»).
2) [السدف: الظلمات] منه قدِّس سِرُّه، انظر: لسان العرب ج 6 ص 216، مادة «سدف».
3) [إشارة إلى الآية وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ البقرة 2/ 88] منه قدِّس سِرُّه.
4) [العصا آية موسى التي ابطل بها سحر السحرة و لقفت ما يأفكون و الكلمتان اقتباس من القرآن الكريم] منه قدِّس سِرُّه. سورة الشعراء 26: 45- 46.
أنتَ يا جملةَ الجما *** ل و يا شُرفَةَ الشَّرَفْ
أنتَ حرُّ كما عَرَفْ *** تَ و حرُّ و ما عَرَفْ
لُؤلُوٌِّ أنتَ قَد صفا *** فحكاهُ لنا الصَّدفْ
ألَّفَتْنا لطائفٌ *** وَحَّدَتْ كلَّ ما اختَلَفْ
أینَ لُبنانُ و العِرا *** قُ و أمْرِِیکُ و ... (1)
فسلامٌ لكَ البقاء *** و للباطِلِِ التَّلَفْ (2)
أيّها الحبُّ! شقاءٌ أنتَ أم نعيم؟ جنّةٌ أنتَ أم جحيم؟ حربٌ أنتَ أيّها الحبّ أم سلام؟ بردٌ أنتَ أم ضرام؟ (1)
سماؤك من الفردوس الأعلى، و أرضك قطعة من لظى، لا بل الفردوس رقعةٌ من سمائك، و لظى قطعةٌ من أرضك.
جوّك نقيُّ الأديم (2)منعشُ النسيم، صافي الإهاب (3)، رقيق الجِلباب، حيثُ تتناجى هنالك الأرواح، و تتنزّل الأملاك، و تتسامر النفوس، حيث الدمعةٌ طلّةٌ (4)، و الابتسامة وردةٌ، و الحديث روضةٌ، و الأرج (5)حياة، و النفحة رحمةٌ.
ما أجملَ دينَ الحبّ! لو لا أنّ جحيمه أكبرُ من جنّته، و ناره أشدّ من نوره، و حزنه أوسعُ من سروره.
حزنٌ و سرور، موتٌ و حياةٌ، شقوةٌ و نعيمٌ، خلاعةٌ و وقارٌ، عقلٌ
1) ضرم الشيء: إذا اشتدّ حرّه. (تاج العروس ج 17 ص 427، مادّة «ضرم»).
2) نقي الأديم: نقيُّ الهواء، و أديم السماء: ما ظهر منها، و أديم كلّ شيء: ظاهر جلده. (لسان العرب ج 1 ص 9- 10، مادّة «أدم»).
3) الإهاب: الجلد من البقر و الغنم و الوحش ما لم يدبغ. (لسان العرب ج 1 ص252، مادّة «أهب»).
4) طلّة: أي ندية أو خفيفة. (لسان العرب ج 8 ص 191، مادّة «طلل»).
5) الأرج: نفحة الريح الطيّبة. (تاج العروس ج 3 ص 286، مادّة «أرج»).
و جنون.
أيّها الحبّ! أنت سرُّ الكيان، و رابطة الأكوان، و جامعة الوجود، و رمز المعبود.
أنت تجعل الجماد حيّاً، و الحيَّ روحاً، و الروح عقلاً، و العقل ملاكاً، و الملاك إلهاً.
و الآلهة أنتَ، فأنت تستدير على نفسك، و تنقلب على محور ذاتك. منك البداية، و إليك النهاية، و أنت الأوّل، و أنت الغاية.
فمنكَ البداء و منكَ المعادُ *** و منكَ الرياحُ و منكَ المطَرْ
و أنتَ ذرأتَ ذراري الوجود *** و أنشأتَ في الكونِ كلَّ البَشَرْ
فمَهما ذرأتَ و مهما برأتَ *** و مَهما سَطَرتَ و مَهما استطَرْ
فأنتَ الحياةُ و منكَ المماتُ *** و أنتَ العِيانُ و أنتَ الخبر
و أنتَ أنرتَ كيانَ الأثير *** و لولاكَ ما لأثيرٍ أثَرْ (1)
فها أنا ذا آمنت بسرِِّك، و أيقنت بحشرك و نشرك، وصلّيت على خشبة صليبك، و وجّهتُ وجهي شطَر كعبتك، و عَرفتُ أنّي- لو عرفتُ- كنتُ أنت، و كنتَ أنا
لقد كنتُ دهراً قبل أن يكشف الغطا *** أخالكَ أنِّي ذاكِرٌ لك شاكرُ
فلمّا أُزيل السِّتر أيقنتُ عارفاً *** بأنّك مذكورٌ و ذِكرٌ و ذاكِرُ
فإن شئت أيّها الإنسان! أن تكون عبداً و ربّاً، فكن محبّاً صبّاً.
1) لم يرد هذا الشعر في أعمال الريحاني الكاملة و بالتحديد في المجلد التاسع الخاص بشعره و نثره في هذه الطبعة و هي ط/ المؤسسة العربية للدراسات و النشر.
1) و كذا لم ترد هذه المقالة في الأعمال الكاملة للريحاني.
أيّها الحبُّ! ما أجملك و أبهاك، ما أزهر أرضك و أبهرَ سماك، ما أدقّ حكمك و أرقّ كلمك، ما أبعدك و أدناك، و أرقّك و أقساك.
أفلا ترحم تلك الدموع المتقاطرة، و الزفرات المتصاعدة، تلك الدموع التي تغلي على مواقد الأحشاء، و مجامر الضلوع، فتسيل صبباً (1)و هي نارٌ تجري رهاما (2)، أو ماءٌ استحال ضراماً، التي تحفزها تلك الزفرات المتصاعدة بأفلاذ الحشايا، و ذراري (3)الأكباد، و قطع القلوب حين تنضح فتذوب.
ألا ترحم تحت أطباق الدجى و مسامرة النجوم، ذلك الأنين و الرنين، و اللّوعة و الحنين.
تلك الحسرات التي ترمي الشهب المذنّبات المحترقة بأمثالها من الأنفاس، لا بل بشعلة مقباس.
فيا لها من سهام ذهبية، و نصول ناريّة، ترتمي من حشرجة الصدر، بل من ظلمة القبر، بل من كظَََّة (4)الفقر، فتضيء بها الآفاق من الإشراق.
1) الصببُ: تصوّب نهر أو طريق يكون في حدور، و في صفة النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم أنّه كان إذا مشی كأنّه ينحطّ في صبب، أي في موضع منحدر. (لسان العرب ج 7 ص 269 مادّة «صبب»).
2) الرِِِّهام: جمع الرّهمة؛ و هي المطر الضعيف الدائم الصغير القطر. (تاج العروس ج 16 ص 308، مادّة «رهم»).
3) الذرارة: ما تناثر من الشيء المذرور، و ذرية الرجل: ولده، و جمعها ذراري. (لسان العرب ج 5 ص 33، مادّة «ذرر»).
4) الكظّ: الهم و الشدّة و التعب. (لسان العرب ج 12 ص 105، مادّة «كظظ»).
و لكن تظلم بها الصدور، لا بل تظلم بها القصور، لا بل تهوي رجوماً على رؤوس الجبابرة و الباغين المتهالكين في سبيل حبّ الذات و هوى النفس، المحتكرين حقوق البشرّية، المنهكين قوى الإنسانية.
رحماك أيّتها القلوب القاسية في سبيل الحب، المتحجّرة في طاعة الهوى!
رحماك! فكم في السجون من شجون، و كم في الحبوس من نفوس، نفوس ما اجترحت إثماً، و لا اقترفت جُرماً، و لا ارتكبت في شريعة العدل ذنباً.
رحماك! فكم لك في عرصات الحروب، من أجسام و قلوب، أجسام تتمزّق، و أرواح تزهق و قلوب ترهق.
كم لك على المشتقات من معلّقات تنشدها أياماها (1)، و تبكيها يتاماها، لا بل تبكيها الرحمة، و تنعاها الحقيقة، و ترثي لها المروءة .
إيهٍ أيّها الحبّ! ما أقساك و أرحمك، ما أعدلك و أظلمك!
ليتني عرفت سرّك، و علمت كنهك، و دريت ما أنتَ؟ و من أين أنت؟ و كيف أنت؟
فيا حسّي و يا نفسي! خلِّياني ألتمس هذه المعارف في مدرسة الكون، و أدرسها على معلّم الوجود، و أتلقّاها من تلقين الحقائق و تعاليم الفكر.
خلِّياني أستفيدها من خلسات الخلوات، و من العلم العملي في مدرسة الكائنات.
1) الأيامى: الذين لا أزواج لهم من الرجال و النساء. (لسان العرب ج 1 ص 289، مادّة «أيم»).
خَلِّياني مُلازمَ الخلواتِ *** حولَ درس الأكوان و الكائناتِ
خَلِّياني أجوبُ قفر الفيافي *** و أزور الوحوش في الفلوات
و أُُناجى النجومَ في الليل رام *** بشواظ النيران للنَّيِِّرات (1)
خائضاً في السماء لُجّيَّ بحرٍٍٍ *** كم له في المجَرِّ من غمرات
حيثُ تطفو الشموس فيه حباباً (2)*** و تهاوى النفوس كالثاقبات (3)
حيثُ ساد السكون في الأرض حتّى *** ما لغیر الأرواح من همسات
حيثُ موجُ الأثير يقدَحُ ناراً *** ترتمي للضمير في جذوات (4)
حيثُ كفُّ الظلام مدّت رواقاً *** و شمتهُ النجوم باللّمعات
1) النَّيِِّرات: النجوم. (تاج العروس ج 7 ص 563، مادّة «نور»).
2) حَباب الماء: طرائقه، و قيل: نفّاخاته التي تطفو عليه. (لسان العرب ج 3 ص 11، مادّة «حبب»).
3) الثاقبات: جمع الثاقب؛ و هو النجم المضيء. (لسان العرب ج 2 ص 111. مادّة «ثقب»).
4) الجذوات: جمع الجذوة: القبسة من النار، و قيل هي الجمرة. (لسان العرب ج 2 ص 226، مادّة «جذا»).
حيثُ حضن الظلام ضمّ إليه *** كلّ حیٍٍِّ و استام (1)كلّ حياة
حيثُ ثَغرُ السماءِِ يُوحي لِثغر ال *** أرض رمزَ الحياة بالنَّسمات
خلِّياني هُناكَ جَوْهرَ فكرٍٍٍ *** أو كروحٍ تطيرُ في نفثاتي (2)
سائلاً و اللسانُ سائلُ دمعي *** شاكياً و الزفيرُ بَثُ شكاتي
أينَ مَثوى السلام و الحبِّ في الأر *** ض و أينَ الهَنا بغيرِِ هَناتِ (3)
ظُلماتٌ يا حبُّ! أنتَ و حقّاً *** إنّ ماء الحياةِ في الظُلُمات
إنّ خلفَ الشهودِ غامضَ سرٍٍّ *** من وراء الشكوك و الشُّبهات
لو تجلّى عرَفْتُ في الكون نفسي *** أو تَبَدّى عَلِمتُ ما كُنْهُ ذاتي
هُوَ معنىً و الحبُّ أُدْمِجَ فيه *** كاندماج الحروف في الكلمات
هُوَ معنى الجمال و الحسنُ لفظٌ *** و المسمّى و الحسنُ بعضُ السِّمات
أنا بِعتُ الجمالَ بالحبِّ روحي *** يومَ قالَ الجمالُ هاكَ و هات (1)
1) شعراء الغري ج 8 ص 148- 149.
أيّها الحبّ! حبَّذا دينُكَ القويم، و عصرك الوسيم.
حبّذا أُمةٌ أنت لها الزعيم، حبّذا دولةٌ أنت مالكها و مليكها، و حاكمها و حكيمها، و لك عرشها و كرسيّها، و صولجانها و تاجها.
حبّذا يومٌ يسود سلامك، و تُنشر أعلامك، و لا تُنفّذ إلّا أحكامك، حيثُ لا زبانيةَ، لا سجون، حيث لا جواسيس لا عيون.
حيث السماء نورٌ، و الأرض طهور، و الأحزان مسرّةٌ و حُبورٌ.
حيث الفضيلةٌ و لا سواها، و الصدق و الصداقة و لا أضدادها، و السلم و الولاء و لا أغيارها.
حيث يتصافح الخطيب و الحاخام (1)، و يصطلح الخوري (2)و الإمام، حيثُ يتسالم فرعون و موسى، و بيلاطس (3)و المسيح.
حيث اللّوافح (4)نوافح (5)، و الرياح بالسلم لواقح، و الخواطر بالصفاء
1) رتبة دينية لرجال الدين اليهود.
2) رتبة دينية لرجال الدين النصارى.
3) بيلاطس البنطي: الحاكم الروماني في مقاطعة يهوذا أيام السيد المسيح علیْهِ السَّلام و هو الذي صلبه- في العقيدة المسيحية-؛ تلبيةً لرغبة الشعب، و إن كان مقتنعاً ببراءته (متى: 27، يوحنّا 29/18- 39 و 19/ 39) مشهور بكلمته (ما هي الحقيقة) و بغسله يديه بعد الحكم على المسيح مدّعياً أنّه غير مسؤول عن موته، يضرب به المثل للإنتهازي الذي يخشى أن يقوم بواجبه ( الموسوعة العربية الميسرة: 471).
4) اللّوافح: جمع اللّافحة؛ من لفحته النار و السموم فهي لافحة: إذا أحرقته (تاج العروس ج 4 ص 190 مادّة « لفح»)
5) النوافح: جمع النافحة؛ و هي الرائحة الطيّبة في الأصل، تُستعار للخير و فعل المعروف، فيقال: لفلان نفحةٌ طيِّبة و نافحةٌ، و من المجاز: نفحت الريحُ فهي نافحة: إذا هبّت، والنفحة من الريح في الأصل: الدفعة، تجوّزٌ بها عن الطيب الذي ترتاح له النفس؛ و الأقرب إرادة المعنى هنا بدليل السياق. (تاج العروس ج 4 ص 237 مادّة «نفح»).
سوانح، على حكم الأخوّة البشرية، و حقيقة جوهر الإنسانية.
أيّها الحبّ! أبعد الله عصراً أنت فيه لفظٌ بلا معنى، و مجازٌ بلا حقيقة، و دعوى بلا بيّنة.
إيهٍ شوارد أحبّائي! لئن أبعدتكم النّوى عنّي، و حجبكم البَيْنُ عن عيني، و ضاقت الأرض عن أن تضمَّني و إيَّاكم، و تُحيي رميم آمالي بطليعة مُحيّاكم و أريج شذاكم، فإنّ في الخيال لمتَّسعاً، و في النفس لمفسحاً، و في الفكر و الذكر لمجالاً.
و إنّ لكم من وراء الشغاف (1)لمقاماً، لا تناله يدُ الوهم، و لا تعلق به ذراري الخيال، و لا يستشفّه نديم أو مُدام (2)، و لا يُفضي إليه طعام أو شراب.
إيهٍ أيّها الطائر الذي أحنيتُ عليه قفص ضلوعي! و أسدلت عليه بردة الشغاف من قلبي، و روَّحت عليه خوف لهيب أشجاني بمروحة روحي.
أفأخشى وراء هذا أن تطير بك عنّي عاصفة النوى، و تختلسك منّي أعاصير البين؟!
لا ها الله، يا مزاج روحي، و سلسال حياتي، و سلسبيل (3)نعيمي!
1) الشغاف: غلاف القلب، و هو جلدة دونه كالحجاب و هي شحمة تكون لباساً للقلب. (تاج العروس ج 12 ص 307 مادّة «شغف»).
2) المدام و المدامة: الخمر. (لسان العرب ج 4 ص 446، مادّة «دوم»).
3) السلسل: الماء العذب الصافي، و السلسبيل: السهل المدخل في الحلق و يقال: شراب سَلْسَل و سَلْسال و سلسبيل. (لسان العرب ج 6 ص 325 مادّة «سلسل»).
أُُناجيك على قربك منّي و بعدك عليّ، أُناجيك و لا أُحاجيك (1)و أبكي و ما أدري أأبكي منك أم أبكيك؟
فسل خفير (2)الهوى بيني و بينك، و بريد الشوق منّي إليك.
عساها تعيد عليك ما تغرّد به عنادل (3)أشجاني عند ذكراك، و ما تنوح به بلابل أشواقي عند تذكّر نواك.
عساك تسمعها إذ تضرب في عود أقلامها، فتقول:
أَلِكْني(4)إليكَ خفيرَ الهوى *** فهل من حديثٍ وهلْ من خَبَرْ
حبيبي رَمتْ بك عنِّي النوى *** فأينَ الثَّواءُ (5)و أينَ المقَرْ
هنيئاً لكَ النوم إنّي سَهِِرتُ *** و أنتَ سَميري و فيكَ السمرْ
يناجيكَ منِّيَ روحُ الخيالِ *** و يحضرُكَ الشوقُ لي و الفِكَرْ
و أبغي حديثَكَ لي مع لِقاكَ *** فأرْعى الثُّريّا معاً و القَمَرْ
فيا ظبية البانِ عنِّي إليكِ *** فماليَ عندَ الظِّبا وَطَرْ (6)
صبوتُ لكلِّ أغَرِِّ الطِّباعِِ (7)*** أهيمُ بهِ لا بوجهٍ أغَرْ
1) حاجيته مُحاجاةً و حجاءً، فحجوته: فاطنته فغلبته. (تاج العروس ج 19 ص 307، مادّة «حجو».
2) الخفير: المجير، و الخفارة: الأمان. (لسان العرب ج 4 ص 152 مادّة «خفر»).
3) العنادل: العندليب، و العندليب: طائر يصوّت ألواناً. (لسان العرب ج 9 ص 422، مادّة «عندل»).
4) اُلِكْني: أرسلني، كن رسولي إليه. (تاج العروس ج 13 ص 511، مادّة «ألك»).
5) ثوى بالمكان ثواءً: أطال الإقامة به، (لسان العرب ج 2 ص 152، مادّة «ثوا»).
6) الوَطر: كلّ حاجة كان لصاحبها فيها همّة. (لسان العرب ج 15 ص 336، مادّة « وطر»).
7) أغرُّ الطباع: كريمُها، و الأغرُّ في الأصل: الأبيض الوجه، مأخوذ من الغرّة؛ و هي البياض في وجه الفرس. (لسان العرب ج 10 ص 43، مادّة «غرر»).
و ليس وِِزانُ جميلِ الخَلاقِِ (1)*** لدَيَّ وِِِِِزانَ جميلِِ البَشَرْ
إذا ما المحاسِنُ يَعْرُضْنَ لي *** طلبتُ حقائقها لا الصوَرْ
رأيتُ الجمالَ بغير الكمال *** كعودٍ زها و هوَ مُرُّ الثَمرْ
و غيداءَ ما أنا من همِّها *** زرعتُ محاسنَها بالنَّظرْ
نحلتُ فَصِرتُ إذا ما بَدَتْ *** (أُُريها السُّها و تُريني القمر) (2)
فَشوقي و لكنَّهُ لا لَها *** و وَجدي و ما الدلُّ (3)بي و الخَفَر (4)
يَروقُ لىَ الحسنُ لكنَّهُ *** بخُلق الفتى لا يِخَلق الغُرَرْ
أكاد أطيرُ لحبِّ الكمالِ *** تطَوَّرَ لا لِملاحِ الطُّرَرْ (5)
و يُعجبُني كلُّ سَبطِ الشُّعور *** و إن كان في العين جَعْدَ الشَّعَرْ
و يملكُ وُدِّيَ كُلُّ امْرِِىءٍ *** يروق و يَصفو على مَن كدر
و من يأمَنُ الناسُ مِنْ شَرِِّه *** أآمن في ربِّه أم كَفَر؟
1) الخلاق: الحظُّ و النّصيب من الخير و الصلاح. (لسان العرب ج 4 ص 197، مادّة «خلق»).
2) يضرب مثلاً لمن تخاطبه فيبعد في الجواب، و يتمثل به في الخطأ، و المثل لابن المعتز الايادي في قصة له معروفة (راجع جمهرة الأمثال ج 1 ص 142، و ذكره الميداني في مجمع الامثال ج 2 ص 31 بغير صورة)، و السها: كوكبٌ صغيرٌ خفيُّ الضوء من بنات نعش الكبرى، و الناس يمتحنون به أبصارهم. (لسان العرب ج 6 ص 416، مادّة «سها»).
3) الدلّ: حسن الحديث و المنظر، و السكينة و الوقار. (لسان العرب ج 4 ص 393، مادّة «دلل»).
4) الخفر: شدّة الحياء. (لسان العرب ج 4 ص 152، مادّة «خفر»).
5) الطرّة: الناصية، و الطرير: ذو الرواء و المنظر. (لسان العرب ج 8 ص 142، مادّة «طرر »).
حناناً بني آدم بينكم*** و رِِفْقاً فإنّا جميعاً بشرْ
و ها نَحنُ مِنْ شَجرٍٍٍ واحدٍ *** فواعجبي لاختلاف الثَّمَر (1)
(محبك يا ريحاني)
1) شعراء الغري ج 8 ص 163- 164.
و قد وقفت على العدد السابع من مجلة (الفنون) (1)الغرّاء التي إحدى حسنات أميركا، و نواصع مآثرها في العربية، فوجدت فيه مقالة عليها عنوان (النظرة السريعة في مقالة الريحاني)، للخوري إيليا الحاماتي، ثمّ عثرت على جواب بعض لها، فأحببت إيرادهما معاً لشدّة علاقتهما بما نحن فيه، مضافاً إلى كونها لا تخرج عن دائرة النقد و المراجعة.
قال ذلك الكاتب الخوري- بعد أن أفاض في الإطراء و الثناء على تلك المجلّة بما يأتي على مثل صفحتين- ما نصّه:
أدخل الآن على موضوعي الذي اخترته و هو «نظرة سريعة» ... إلى آخره، فأقول:
إنِّي شممت على مقالة «صديقي الأعزّ»، و «رسم الأستاذ ناصر الدين البغدادي» رائحة الأسلوب العربي، و رأيت الريحاني- كاتب القطعتين الأنف ذكرهما- قد تحدّى في إنشائهما طريقة المويلحي (2)، و من تقدّمه كتاب المولّدين، فأقبلت على قراءتهما إقبال المشوق المستهام،
1) مجلّة أسسها الشاعر و الأديب نسيب عريضة ت 1946 م من مؤسسي الرابطة القلمية في المهجر الامريكي أنشأها سنة 1913 م، و أغلقها ثمّ أعادها و أضاع في سبيلها ما يملك. (راجع: الاعلام ج 8 ص 17، و معجم المؤلفين ج 4 ص 19).
2) محمّد بن ابراهيم بن عبد الخالق المويلحي: أديب، في إنشائه إبداع، اشتهر بكتابه (عيسى بن هشام-ط)، و نشر أبحاثاً و مقالات كثيرة في كبريات الصحف المصرية، أنشأ مع أبيه جريدة (مصباح الشرق)، توفّى عام 1930. (الأعلام ج 5 ص 350).
فحمدت للكاتب الأديب رجوعه إلى الصواب في تقرير مراده و نشر أفكاره بالنهج المعروف لأبناء العرب، و تمنيت لو أخذ نفسه بهذا الأسلوب؛ لما فيه من جمال و كمال.
ثمّ رحلت بفكري إلى استقصاء المعاني في مسطوره، فإذا هو يطري صديقه (الأستاذ ناصر الدين) إطراءً كبيراً، و قد تجاوز الحدّ في وصف ما اشتملت عليه نفسه من الصفات الأدبية و الاجتماعية، حتّى خلته من تلاميذ المغفور لهما جمال الدين الأفغاني (1)و محمّد عبدة المصري (2)، و لكنّي لما قرأت خطبة الأستاذ في المسجد:
«ويل أُمراء الناس من عواقب الإفلاس! ويل أُُمراء الكلام من منطق الأيام! ويل أُُمراء المؤمنين من كتائب الحقّ و اليقين! ... غداً ينقدون مما یضربون، غداً يشربون مما يسقون، غداً يأكلون مما يطبخون، غداً يحصدون مما يزرعون ... ازرع البر و القناعة تحصد الحكمة و الدعة، و لكنك إذا زرعت الإثرة، تحصد النقمة، و إذا زرعت الفسق و الفحشاء تحصد الويل و البلاء، ... (إلى قوله): جَيرِِ، إنّ الزارعين فساداً، ليحصدون رماداً ... اليوم ديوان و إجلال، و غداً سجن و أغلال، اليوم قبة مضروبة، و غداً آلة منصوبة، اليوم تاج و صولجان و عود و كأس و قيان،
1) محمّد بن صفدر الحسيني جمال الدين: فيلسوف الإسلام في عصره و أحد الرجال الأفذاذ الذين قامت على سواعدهم نهضة الشرق الحاضرة ، ولد في أسعد آباد (بأفغانستان) و نشأ بكابل، رحل مارّاً بالهند و مصر إلى الأستانة، و نفي منها و قصد مصر فنفخ فيها روح النهضة الإصلاحية في الدين و السياسة، تتلمذ لهُ نابغة مصر الشيخ محمّد عبدة و آخرون، و توفى عام 1897. (راجع: ترجمته في الأعلام ج 6 ص 168).
2) تقدّمت ترجمته في ج 1 ص 230.
و غداً لا جنازة غداً و لا أكفان.
لنا النفوس و للطيرِِِ اللّحومُ ولل *** وحشِ العظامُ و للثوارةِ السلبُ
علمت أنّ الأستاذ ناصر الدين قد تتلمذ لقُسّ بن ساعدة خطيب الجاهلية المشهور (1)، و أوّل من توكأ على عصاه، و قال: أمّا بعد.
يا للأسف! إنّ هذا الأستاذ الذي أُولي شرف الخطابة في ملأ من الناس أيّام الجمع الشريفة في المساجد الآهلة بجماهير المصلّين، يحاول أن يقلّد في الجيل العشرين خطيب العرب في العصور المظلمة.
أليس ابن ساعدة هو القائل- من جملة خطبة طويلة له-:
«أيّها الناس! انظروا و اذكروا، من عاش مات، و من مات فات، ليل داج و سماء ذات أبراج، و بحار تزخر، و نجوم تزهر، وضوء و ظلام، و شهور و أيّام، و مطعم و مشرب، و ملبس و مركب، مالي أرى الناس يدخلون و لا يخرجون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا؟
للذاهبين الأولي *** ن من القرون لنا بصائر» (2)
فأُناشدك الله، أيّها القارىء العزيز! ما الذي فهمته من خطبة الأستاذ؟ و ماذا حصلت من الفائدة من خطبة ابن ساعدة؟ كلّ ما في الخطبتين كلمات مصفوفة، و أسجاع ركيكة، و فِقَر باردة (3)، على أنّنا نجد لابن ساعدة بعض العذر في اتّباعه هذا الأسلوب من الكلام مجاراة لأهل عصره، و لكن أيّ
عذر للأُستاذ في تحدّيه هذا المذهب الوعر، و ركوبه ذلك المركب الخشن؟.
أين الكلام يا أستاذنا! في ما ينمّي الفضيلة في نفوس الناشئة الاسلامية البيروتية، و يقتلع الرذيلة من صدور بعض الشيوخ و المعمّرين الذين شابوا و انحنت ضلوعهم على جراثيم التعصب المذهبي، حتّى باتوا ينظرون إلى كلّ ما خالفهم في العقيدة بمؤخر عيونهم، و يعتبرون كلّ من ليس مسلماً عدواً الله و للوطن و للعالم أجمعين.
أين الكلام في ما يذهب البغضاء، و يقضي على الحقد المختزن في الصدور، و يبيد الفوارق الملّية و الجنسية التي تثير فتناً كقطع الليل المظلم بین أبناء الوطن الواحد، على ما بين القوم من تشابك في المصالح و تلازم في الجوار؟.
أين نصيب السامعين من خطبة لا يجدون فيها غير ألفاظ رنّانة، و أسجاع طنّانة؟.
ألم يقع في سمع الأُستاذ قبل إلقاء الخطبة بيوم كلمات زميله صاحب المكتبة، و قوله عن صديقه الريحاني: إنّه «إفرنجي كافر و لا شك»؛ لأنّ على رأسه قبعة، فأي إشارة أو تلميح جاء في خطبة المسجد محرّضاً على وجوب الإقلاع عن التعصب الممقوت و التنطّع الذميم؟
إنّ رذيلة التعصب و أمثالها من الرذائل المنتشرة بين الجماعات في سوريا مسكوت عنها كأنّها ليس بالشيء المذكور.
و قد بات من همّ معظم الخطباء في المحاريب، و الوعاظ على المنابر تنميق الكلام ليكون منطبقاً على قواعد الفصاحة و البلاغة، أمّا تلك المنكرات و الفظائع و الأوهام و الأضاليل، و ضروب الجور و الاعتساف التي
سال سيلها في قطرنا العزيز، فلا يتصدّى لها خطيب و لا مرشد.
مصيبة أبناء الشرق في معظم شيوخهم و غالب وعّاظهم أنّهم باتوا في مناصب الإرشاد و الوعظ و النصح و الإنذار يتوقّعون ما يجري عليهم من الرواتب، و ما يطمحون إليه من المراتب، فهم- و الحالة هذه- كعجائز المطابخ؛ يأكلن و يحملقن، أو كبقر الجنّة؛ تأكل علفها و تمرح.
هذا ما عنّ لي من الكلام على خطبة المسجد، سطرته بملء الحرية، و مأمولي أنّه لا يسوء الأُستاذ و لا صديقه؛ لأنّ السكوت في مثل هذا الموقف إساءة إلى النوع البشري، و نحن إلى إعلان الحقيقة و الجهر بالحقّ و الإخلاص في النصح أحوج منّا إلى التدليس و المخادعة، و قد جرأني على النطق بمثل هذه الحرية دون غمغمة (1)أو تلويح أنّ ناصر الدين حر الكلمة، لا يوارب (2)و لا يصانع، و لا يحابي» على ما وصفه صديقه الريحاني.
بقي أن أُومىء هنا إلى آية قرآنية اقتبسها صديقنا الريحاني، و ضبط شكلها هكذا: و لاَ تَتسْأَلُواْ عَنْ أَشْیَاء إِنْ تُبْدَ لَکُمْ تَسُوءْ کُمْ (3)و لو راجع المقتبس هذه الآية في مظانّها لوجدها على غير هذا الشكل الشائن الذي يغضب أصدقاءه تُبّاع هذا الكتاب، و يجعله دريئة (4)لسهام انتقاداتهم الحادّة.
انتهى ما في (الفنون)، و إليك الجواب:
أحسنُ ما يُبْلَغُ النجاحُ به ال *** طبع و عند التكلّف الزَّللُ
حسنٌ أن ينظر اللبيب في المقالات و غيرها نظر الناقد الممحِّص و الفاحص المنقِّب، و جميلٌ أن يبدي رأيه فيها و نقده عليها،و لكن أجملُ من هذا و أحسنُ من ذاك أن يتلبّث في النقد، و يتريّث في النشر، و لا يجلو مرأة فكره على الناظرين إلّا بعد تجويد الصقل، و مراجعة العقل، فإنّ كلام المرء قطعة من عقله، و نسخة من نفسه، و العجلة أمّ الندامة، و السرعة توجب الصرعة (1)، و في الاسترسال عثرات لا تقال.
أهدى إليّ بعض الكرام العدد السابع من السنة الأولى من مجلة (الفنون) الغراء البديعة التي تصدر في (نيورك)، فما زلت أُُسرِّح النظر فيها، و أُُمتّع النفس بمقالاتها، حتّى وقفت على نبذة منها عنوانها: (نظرة سريعة في مقالة الريحاني)، أطرى كاتبها في طليعتها على تلك المجلّة بما تستحقه، و أعطى الشيء ما هو حقّه، ثمّ اقتضب الكلام إلى ذكر مقالتي الريحاني و صديقه الأستاذ ناصر الدين، زاعماً أنّ الريحاني قد أطرى صديقه إطراء كبيراً تجاوز الحد فيه.
و قد فات هذا الكاتب أنّ الريحاني- لعلّه- لم يقصد شخصاً بعينه،
1) الصرع: الطرح على الأرض و الصرعة: المرّة منه و في الحديث (مثل المؤمن كالخامة من الزرع تصرعها الريح مرة و تعدلها أُخرى أي تميلها، و ترميها من جانب إلى جانب. (تاج العروس ج 11 ص 268، مادّة «صرع»).
و إنّما هو على سبيل الرواية و التمثيل، و التوطئة و التمهيد، كعادته في كثير من كتاباته، ثمّ هب أنّه عنى إنساناً معيّناً، و لكن ماذا عليه إذا أبدى ما يعتقده فيه، و يتراءى له منه؟! و إنّما الإطراء الذميم هو أن ينعت الشخص بما ليس فيه، و ما لا يعتقده القائل به، و إلّا فكيف نسي كاتب (النظرة) نفسه في إطراء (الفنون) بما يقرب من صفحتين من الثناء؟!
و هل لنا أن نقول: إنّه أفرط و تجاوز الحدّ، أم نقول: إنّه وصف و أنصف، و قال و ما مال، و أعطى الشيء حقّه، و بلغ به حقيقته؟
و لكن صاحب (النظرة السريعة) قد أدركه النسيان و ما أكثر ما ينسى الإنسان.
ثمّ استدرك على خطبة للريحاني أوردها عن صديقه في المسجد، و المغزى و الغاية منها الإشارة إلى سوء السياسة و وخيم العاقبة، و غفلتهم عن المهاوي التي هم على شفا جرف منها. كلّ ذلك على أسلوب بديع ، و رموز شفافة، و إنشاء جميل و لكنّه- و للأسف- لم يرق ذلك لصاحب النظرة.
بید أنّه لم يكتف باستهجان خطبة الأستاذ فقط، حتّى ضم اليها خطبة لقس بن ساعدة الإيادي- قُسّ و ما أدراك ما قسّ، الخطيب العربي اللاهوتي، واضع أوّل حجر في الخطابة بين آبائنا العرب الأوّلين، و مضرب المثل في الفصاحة عند المتقدّمين و المتأخّرين- فيا للهضيمة و يا للظليمة!
لو بغير الماء حلقي شَرِقٌ *** كنتُ كالغَصّانِ بالماءِ اعتصاري (1)
أبلغ النعمان عنّي مالكاً *** أنهُ قد طال حبسي و انتظاري
1) الاعتصار: أن يغصَّ الإنسان بالطعام فيعتَصر بالماء، و هو أن يشربه قليلاً قليلا. (لسان العرب ج 9 ص 239، مادّة «عصر»). و البيت لعدي بن زيد العبادي كما في الأغاني ج 2 ص 106 من قصيدة مطلعها:
إلى قسّ و أمثاله نرجع في التماس أساليب الفصاحة و البراعة، و تراكيب الإنشاء و البلاغة، فإذا لطمناه و أضرابه بتلك اللطمة السوداء، فإلى من المرجع، و على من المعوّل؟! ما أدري، و لا أخال أنّي أدري.
يزعم ذلك الكاتب أنّ كلّ مافي الخطبتين كلمات مصفوفة، و أسجاع ركيكة، و فِقَر باردة ... إلى آخره.
لا ياصاحب النظرة! و لكن الكلام السامي ماء تتنزّل به سماء العقول و الأفكار ، فتحتمل منه أودية الأذهان، كلُّ بقدره، و كلُّ من الخطبتين قد أخذت حظََّها الفائق من البلاغة و القوّة.
و لکن تأخذُ الأفهام منهُ *** على قدرِ القرائح و الفُهومِ (1)
و كلّ شجاعة في المرء تغني *** و لا مثل الشجاعة في الحكيم
قيل لهُ أنّى يكون الشجاع حكيماً؟ فقال: هذا علي بن أبي طالب، ثمّ قال:
و كم من عائبٍ قولاً صحيحاً *** و آفتهُ من الفهم السقيم
و لكن تأخذ ... إلى آخره.
راجع: معادن الجواهر- للسيد الأمين- ج 3 ص 68.
بيدَ أنّي لا أرتاح بالاكتفاء بمجرد الدعوى دون الإشارة إلى البينة. فنحن نراجع الناقد مسائلين: هل إنّ الركاكة و البرودة في الخطبتين كانتا من قبل اللفظ أو المعنى أو منهما معاً؟
أمّا الألفاظ فقد نظرنا كلّ واحدة مما اشتملت عليه الخطبتان.
نعم، نظرناها بالعين المجرّدة، ثمّ بالنظارتين المصغِّرة و المكبِِّرة، فلم
1) البيت لأبي الطيب المتنبي، كما في ديوانه ج 4 ص 246 بشرح البرقوقي، و فيه (القرائح و العلوم) من أبيات قالها عندما كبست أنطاكية ، و قتل مُهره الطخرور و الحجرُ أُمهُ و عندما تلا قوله:
نجد فيهما و لا لفظة واحدة خارجة عن حد الاعتدال، لامرذولة سافلة، و لا وحشيّة نافرة، هذا من حيث مفردات الألفاظ.
و أمّا من حيث الصياغة و التركيب فليس في شيء منهما إيجاز مخلّ، أو إطناب مُملّ، أو تقديم و تأخير موهم، كما في أبو أُُمّه حيُّ أبوهُ يُقارِبهُ (1)
(و أصبح ما في الناس إلّا مملكاً).
، و أضرابه، بل كلّ الجمل و الفقر جارية بمجراها الطبيعي، منساقة بسوقها الاختياري.فإنّ قوله مثلاً: ويل أُمراء الكلام من منطق الأيام (2)، و قوله: اليوم ديوان و إجلال و غداً سجن و أغلال (3)، و كذلك قول قس: من عاش مات و من مات فات (4)، كلّ هذه الفقرات لا يمكن تبديلها بأحسن منها صوغاً، و أبدع تركيباً، و أجمل تنسيقاً، بل هي هكذا و ليست إلّا كذا. فأين البرودة- يا هذا- و الركاكة؟!
و أما التسجيع فمن الجليّ لدى أرباب الصناعة أنّه إذا جاء من غير تكلّف و تصنّع، كان مما يزيد حسن الكلام، و يضاعف بلاغته ، و إلّا لسقط كلام أكثر البلغاء عن درجة الصفر من البلاغة، و إذا شئت وضوح ذلك فانظر إلى رسائل بديع الزمان (5)
1) عجز بيت للفرزدق كما في الأغاني ج 21 ص 310 و صدره:
2) تقدّم في ج 1 ص 281.
3) تقدّم في ج 1 ص 282.
4) تقدّم في ص 37 من هذا الجزء.
5) أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني، أبو الفضل، أحد أئمة الكتاب: لهُ: (مقامات ط) أخذ الحريري أسلوب مقاماته عنها و كان شاعراً، و طبقته في الشعر دون طبقته في النثر، ولد في همذان و انتقل إلى هراة سنة 380، فسكنها، ثمّ ورد نيسابور سنة 382 ه- فلقي أبا بكر الخوارزمي فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة، فطار ذكر الهمذاني في الآفاق، كان قوي الحافظة يضرب المثل بحفظه، و يذكر أنّ أكثر مقاماته ارتجال، و له: (دیوان شعر ط) و (رسائل ط) عدتها 233 رسالة، و وفاته في هراة مسموماً عام 398 ه. (راجع الأعلام ج 1 ص 115- 116).
و الخوارزمي (1)و من قبلهم و بعدهم، فهل تجدها خالية من السجع؟ و هناك تعرف صوب الصواب.
و هذا قليل مما نقوله عن اللفظ و الصوغ.
و أمّا المعاني المقصودة فهي ظاهرة جلية، لا ستار عليها و لا غبار، كما أنّها بمكان من الفصاحة لمطابقتها لمقتضى الحال، و المحيط الذي وقف به كلّ من الخطيبين، فإنّ خطبة المسجد كانت في أمّة لم تحسن حكومتها تدبيراً فساءت عاقبة و مصيراً. فسدت و أفسدت أخلاق شعبها، و أمكنت الأغيار منها، و نفثت فيهم روح التعصب الذميم و التباغض الوخيم، و هم إخوان في الوطن و اللسان و الجلدة، بل- و على الحقيقة- في الدين مهما اختلفت نزعاته، و تباينت مظاهره و أسماؤه، و تنازع السلطة الروحية رؤساؤه، فأراد خطيب المسجد أن ينبّه الأمّة و حكومتها على ما في تلك من الغفلة و الغرارة (2)، و ما في هذه من المقاصد السيئة الوخيمة العاقبة التي
1) محمد بن العباس، أبو بكر الخوارزمي: من أئمة الكتاب و أحد الشعراء العلماء، كان ثقة في اللغة و معرفة الأنساب، و هو صاحب (الرسائل ط) المعروفة برسائل الخوارزمي و له: (ديوان شعر ط)، ولد و نشأ في خوارزم، و رحل في صباه إلى بعض البلدان، فدخل سجستان، و أقام في دمشق مدّة ثمّ سكن نواحي حلب، و انتقل إلى نيسابور فاستوطنها و اتصل بالصاحب بن عباد و توفي بها عام 383 ه، و كانت بينه و بين البديع الهمذاني محاورات نقل بعضها ياقوت في معجم الأدباء، و أورد ابن خلكان و الثعالبي طائفة من أشعاره و أخباره. (الأعلام ج 6 ص 183).
2) الغرارة: قلّة الفطنة للشر و ترك البحث عنه، و قلّة التجربة. (لسان العرب ج 10 ص 41، مادّة «غرر»).
تجرّ الوطن إلى الامتلاك بل الهلاك.
أمّا (قس) فوقف في أُمّة جاهليّة لا تعرف و لا تؤمن بشيء، قد ركبت متن شهواتها، و تناهى بها الشقاء إلى قتل أبنائها و وأد بناتها، فأراد أن يُشرب في نفوسهم و ينفث في أفكارهم روح الدينونة و الجزاء، كي يزعهم (1)ذلك عن التغالي في الجهل و الشهوات، و قساوة القلوب التي هی كالحجارة أو أشدّ.
فأيّ الخطيبين أو الخطبتين يليق أن يوجّه إليها تلك الكلمات القاسية، و المؤاخذة الشديدة؟
أم هل مراد الناقد بأنّه لماذا لم يذكر كلّ خطيب كلّ شيء في كلّ موقف؟ فإنّ آخر ما كان عند صاحب تلك النظرة السريعة مراجعة الأستاذ بقوله: أين الكلام يا أستاذنا فيما ينمي الفضيلة .. و يقتلع الرذيلة من نفوس بعض الشيوخ و المعمّرين الذين شابوا و انحنت ضلوعهم على جراثيم التعصب المذهبي ...(2)
إلى آخر ما أفاض فيه من تهويل أمر التعصب الذي نوافقه على جميع ما قال فيه فأكثر، بيد أنّنا لا نخصّه بطائفة دون آخرين بعد ما دخلنا في نوادي التبشير، و سمعنا- هنالك- ما سمعنا، و رأينا- ثمّة- ما رأينا من سبّ النبيّ العربي، و الطعن على كتابه، و لكن هل يكون تكليف الخطيب الإنحاء على ذلك في ذلك الموقف الخاص إلّا تكليفاً بالمحال الذي لا يقتدر عليه حتّى ذلك الإله القدير على كلّ شيء، الذي خلق السماوات
والأرض في ستة أيّام؟!
أليس يعلم الناقد و كلّ أحد أنّ ذلك الشعب البائس قد تلوّث بأغلب الرذائل الذميمة ليس التعصّب و الجهل فقط، و إن كانت هي أمّ بلاياه، و لكن لو ألزمنا الخطيب الأخلاقي بالصيحة عليها لقال الآخر: لماذا لم يتعرض للصيحة على الكذب.
و قال الآخر: لماذا لم يعرّج على الخيانة.
و قال الثالث، لماذا لم يعطف على ذمّ الانغماس في الشهوات،و هكذا.
أفلا نكون قد كلّفنا الخطيب أن يأتي بكلّ شيء في كلّ موقف في كلّ كلام.
أمّا التعصب و الصرخة عليه و الدعوة إلى التساهل، فأكبر من قام فيهما- في ما نعلم- هو ذلك الخطيب الريحاني، و هو في مقدّمة الداعين و الساعين إلى رفض التعصب و التحلّي بحلية التساهل قولاً و عملاً، و شاهدي على ذلك- بعد معرفة أخلاقه لمن عاش معه و عاشره و لو قليلاً- نفس كتابه «الريحانيات»، فإنّ من راجعه يجد فيه من ذلك ما لا یجده في غيره، و تلاه في ذلك صاحبه النجفي في «المراجعات الريحانية»، فراجع.
و حيث إنّ المسلمين و غيرهم على علم من سلامة ضمير الريحاني و براءة ساحته من السوء و الغرض، فلا يغضبهم، بل و لا يسوؤهم أبداً لو فاته ضبط آية من قرآنهم الكريم، و لا يوجب ذلك بوجه ما أن يجعلوه دريئة لسهام انتقاداتهم الخفيفة، فضلاً عن الحادّة، و لا سيما مع احتمال، بل اليقين أنّ ذلك من غلبة الطبع في المطبعة أو سبق القلم.
و الغاية أنّ من ينظر في تلك (النظرة السريعة) يتجلّى له تحامل
كاتبها الذي خرج فيه عن خطة الاعتدال، و لا سيما في قوله: نحن إلى إعلان الحقيقة أحوج منّا إلى التدليس و المخادعة،و ما أدري أين موضع الحقيقة من كلامه؟
و حقاً أقول: إنّني كلّما أردت أن أقع على غرض معقول أو مقبول من تلك المقالة، لم أجده فيها، و كأنّ كاتبها ما كتب إلَّا لِيُعْلَم أنّه كتب.
و نحن لو لا تلك الكلمات القاسية لكنّا نلتمس له العذر، و نقول: إنّ عنوان نظرته (بالسريعة) تقضي بغفلته عن الحقيقة ، و لكن أيّ عذر له في سرعة النشر، و المبادرة إلى إذاعة كلّ ما يخطر على الذهن من الرأي الفطير، و النظر الخداج (1)؟! فإنّه من الطيش و الخفّة، و وهن الحصافة و خفة الحصاة (2)، كيف و إنّ المراقبين و المحاسبين اليوم بالمرصاد، كما تَنقد تُنقد، و كما تزرع تحصد، و كما تدين تدان.
نجفي سيار
و بعدُ:
فقد وقع في يدي كتاب ( تاريخ آداب اللغة العربية) (1)
و لكن.
إذا كان وجه العذر ليس بواضحٍٍ *** فإنّ اطّراح العذرِِ خيرٌ من العُذرِِ
كما أنّ في بعض نقوده مواضع للنظر، عسى أن نشير إليها في غضون ذلك، و نجعلها من طريف الفوائد الزوائد هنا على نشرتها الأولى. و بالله المستعان] ما بين المعقوفتين من المصنّف قُدِّس سِرِّه.
و بيت الشعر للشاعر المشهور محمّد بن الحسن المعروف بالوراق كما في العقد الفريد ج 1 ص 363.
، للمؤلف البحّاث الشهير (جرجي أفندي زيدان)(2)صاحب «الهلال»، و نظراً إلى1) [قد نشر النقد على الجزء الأوّل و الثاني من هذا الكتاب قبل حول و نصف، في مجلة (العرفان) الأغر، في الجزء الرابع من المجلد الرابع، في رجب سنة 1330، و قد أفردناه بالطبع هنا مع بعض التهذيب و الملاحظة، و قد أخذ منه انستاس الكرملي في صحيفته (لغة العرب) بعض مواضع في الجزء الثاني من سنته الثالثة 1331 في نقده على الكتاب نفسه، و كان يلزم أن ينبه على مواضع الأخذ و إن قلّت، حسب الموظف في أداء الأمانة، و الجاري بين أهل العلم والصحافة و لا ينكر وقوفه على تلك المجلّة و إعدادها، و لكننا نقوم عنه بهذه العناية و نشير إلى مواضع أخذه و نظره في هذه الطبعة الثانية، مع تعيين المواضع حسب الصفحات صحيفته المتأخرة عن تلك بما عرفت من تلك المدّة زاعماً عروض ما عاق عن درجها في وقتها.
2) جرجي بن حبيب زيدان ت 1914م: مؤرخ صحافي لغوي قصصي، شارك في بعض العلوم، ولد ببيروت، و أخذ مبادئ العلم في بعض مدارسها الابتدائية، و انتسب للكلية الأمريكية لتعلم الطب، ثمّ غادرها إلى مصر، و لم يكمل تحصيله فتولى تحرير جريدة الزمان، و رافق الحملة إلى السودان كمترجم بقلم المخابرات ، ثمّ عاد إلى بيروت فدرس فيها اللغتين العبرانية و السريانية، و رحل إلى لندن، ثمّ رجع إلى مصر فحرر في «المقتطف »، و أنشأ مجلّة «الهلال»، و انقطع إلى التأليف. من تصانيفه الكثيرة: «تاريخ آداب اللغة العربية» في أربعة أجزاء، « تاريخ التمدن الإسلامي» في خمسة أجزاء، «روايات تاريخ الإسلام» و غيرها. (معجم المؤلفين ج 1 ص 481، الأعلام ج 2 ص 117).
نفاسة الموضوع و أهميته رغبت في أن أُوفّيه حقّه من المطالعة باباً باباً، و فصلاً فصلاً، فإنّ هذه الخطّة مما يهفو إلى الوقوف عليها، و استكمال النظر فيها، كلّ ضارب من العربية بعرق، أو مايل إليها و لو بشقّ (1)، بيد أنّ شهرة المؤلف مما تحرّك الأميال، و تبعث الأهواء، إلى النظر في مواقع أقلامه و مواضع ملاحظاته.
ما صرفت عناية النظر في تصفّحه إلّا و ظهر لي مقدار عناء المؤلف فی هذا الموضوع، و جهده في جمع هذا المشروع من مواضيع متباعدة، و مجاميع متشتتة، و أنحاء متباينة.
و حقاً- و الحق يقال- إنّه قد مدّ إلى العربية يداً، و أحسن لها حسب استطاعته صنعاً، و لكنّا في غضون سبره و السير فيه عثرنا على غفلات فيه، و مواضع سهو منه، أو خطأ اجتهاد له، أو تقصير في تتبع وفحص، كان يلزم على من جعل على عاتقه النهوض بمثل هذا العِبء، أن يرجع إليه و يستمدّ منه، و يعتدّ إهماله لذلك غفلة تخلّ بالغرض المهم و المقصد الصميم، مضافاً إلى ما وجدنا من الخروج عن أُُصول العربية في التعبير مادة أو وضعاً؛ كالخروج عن نواميس العلوم الأدبية من نسبة الشعر إلى غير قائله، و الكتاب إلى غير مصنّفه، أو وصف الرجل بغير صفاته، و ذكره بغير ما اشتهر به من علومه، و وضعه من الفنون في غير مقامه، و كبخس طائفة من الناس حقّهم، و عدم ذكر مآثرهم و مساعيهم في هذا الموضوع نفسه،
1) الشق: الناحية و الجانب. (لسان العرب ج 7 ص 166، مادّة « شقق»).
و هم من الشهرة و انتشار الذكر، و ظهور الآثار و المآثر بمكان لا يجحد فضله، و لا يجهله مثله.
و نحن- إجابةً لما أو عز إليه فى نفس هذا الكتاب، صفحة 8 بقوله: «فنتقدم إلى من يقع لنا على خطأ أن ينبّهنا عليه لنستدركه في الأجزاء الآتية» (1)- أشرنا إلى تلك المواضع، و ذكرنا ما سنح لنا من الملاحظات عليها، ثقة بأنّ مثل ذلك الباحث المحنّك سوف يعد تلك المراجعات معارفة لا مناكرة، و حسنة منّا إليه لا سيّئة، و بالنقد و الانتقاد و احتكاك الآراء و مساجلة الأفكار تتجلّى الحقائق، و تظهر دفائن المعارف، و إنّ الإمعان في الملاحظات على أيّ موضوع و مشروع لا محالة إنّما هي من مزيد العناية به و الثقة فيه، بيد أنّها تبعث طبعاً على اشتهاره، و تحثّ على انتشاره، و تلك صنيعة برٍٍٍّ إلى العلم و أهله و المؤلفات و أربابها.
و نحن مهما أوردنا و نقدنا فلسنا بغامطين حقَّه، و لا باخسین کیله، و لا جاهلين جهده و عناءه، و إنّما العصمة و الكمال لله وحده، و من السائغ أن يكون له عمّا نقدناه عذر خفي علينا وجهه، و اعتاص (2)دوننا سره، و لكن لا يصدّنا ذلك عن بيان ما عندنا و أداء ما علينا من ذكر ما نراه حريّاً بالبيان، خدمة للعلم، و عناية بإبراز الحقائق لطلّابها، و ما المعونة إلّا بالله وحده.
1) أسقطت هذه العبارة من الطبعة التي بين يدي و هي/ منشورات دار مكتبة الحياة، و تكلّم في بداية الجزء الثاني عن الذين تناولوه بالنقد و التقريظ، و لا يخفى ظهور انزعاجه كما يبدو من كلامه (راجع ج 2 ص 311- (315) و في بداية الجزء الثالث ص 6 أبدى قبوله بالنقد و عدم رفضه.
2) اعتاص الأمر عليه: اشتد و التوى، و قيل: إذا التاث عليه فلم يهتد للصواب فيه. (تاج العروس ج 9 ص 314، مادّة « عوص»).
و قد دللنا على مواضيع الملاحظات بالإشارة إلى أعداد الصفحات، و ذكر نص العبارة، و دونكها تباعاً على الترتيب.
صفحة (1): و لو لاه لضاع أسماء كثيرة من الكتب النفيسة (1)
حقّ لابن النديم (2)ما وفّاه من البجالة، و حسن الذكر، و جميل الأُُحدوثة، و شكر الصنيعة، أمّا عدم ضياع كثير من الكتب النفيسة فليس هو منحصراً بكتابه، و لا هو بأول كتاب حفظ أسماء الكتب المؤلّفة في القرون الإسلامية الأولى، و لكن ليت المؤلف استبحر في البحث، و استوسع في الطلب، حتّى يقف على كتب الإمامية من الشيعة الاثني عشرية المؤلّفة في ذلك العصر أو قبله في هذا الموضوع.
هذا أحمد بن محمّد بن خالد بن عبد الرحمن البرقي (3)أصله
1) تاريخ آداب اللغة العربية ج 1 ص 7.
2) محمّد بن إسحاق بن محمّد بن إسحاق بن النديم أبو الفرج، مصنّف كتاب الفهرست الذي جوّد فيه و استوعب استيعاباً يدلّ على اطلاعه على فنون من العلم و تحققه لجميع الكتب و لا يبعد أن يكون قد كان وراقاً يبيع الكتب و ذكر في مقدّمة كتابه أنّه صنّفه في سنة 377، و له من التصانيف: فهرست الكتب و كتاب التشبيهات، و كان شيعياً معتزلياً يدل كتابه على ذلك، يحتمل أنّه ولد في عهد الناصر، و اختلف في سنة وفاته بين 380، 385، 392، 438 ه. (راجع معجم الأدباء ج 5 ص 227،الأعلام ج 6 ص 29، معجم المؤلفين ج 3 ص 122، مقدّمة كتاب الفهرست/ تحقيق الدكتور يوسف علي طويل).
3) من كبار مشايخ محدّثينا من أصحاب الإمام الجواد و الهادي و العسكري علیهِمُ السَّلام أكثر الكليني عنه الرواية في الكافي، و يروي عنه بواسطة عدّة من أصحابنا، أخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى من قم لما رمي به من الرواية عن الضعفاء، و لمّا توفي مشى أحمد بن محمّد بن عيسى في جنازته حافياً حاسراً ليبرئ نفسه مما قذفه به، و ترجمه ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان ج 1 ص 262 ما نصّه: أصلهُ كوفي من كبار الرافضة، له تصانيف جمّة أدبية منها: (كتاب اختلاف الحديث، و العيافة و القيافة)، كان في زمن المعتصم، من أشهر كتبه كتاب «المحاسن» (راجع فهرست النجاشي 76، و فهرست الشيخ 20، معجم رجال الحديث ج 3 ص 49).
كوفي، فهرب جدّه عبد الرحمن بعد أن قتل يوسف بن عمر الثقفي (1)أباه بعد قتل زيد بن علي علیْهِ السَّلام (2)حتّى ورد برق رود (3)
هذا الحبر بحر واسع في العلم، له أكثر من مئة تصنيف في علوم شتّى، و مواضيع مختلفة، يسمّى مجموعها ب «المحاسن »، و هي تعرف ب «محاسن البرقي»، الذي يقول فيها البعض- من نوع التوجيه بأسماء الكتب في البديع-: (4)
يا كاملاً في الجمال أضحى *** مُجملُ وجدي به مفصّل
تلخيص شوقي إليك يغدو *** إن رُمتُ إيضاحه مطول]
ما بین المعقوفتين من المصنّف قدِس سِرُّه، و الكتب هي:
أ- الكامل في اللغة و الأدب- لأبي العباس محمّد بن يزيد المعروف بالمبردت 285 ه.
ب- المجمل في اللغة- لأبي الحسين أحمد بن فارس القزويني ت 395 ه.
ج- المفصل في النحو- لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري ت 538 ه.
د- تلخيص المفتاح في المعاني و البيان- للشيخ جلال الدين محمّد بن عبد الرحمن القزويني الشافعي المعروف بخطيب دمشق ت 738 ه.
ه- الإيضاح في المعاني و البيان- لهُ أيضاً.
و- المطول في شرح تلخيص المفتاح- لسعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني ت 793 ه.
1) يوسف بن عمر بن محمّد الثقفي: من جبابرة الولاة في العهد الأموي، ولي اليمن لهشام بن عبد الملك ثمّ نقله إلى الكوفة، ثمّ قتل سلفه في الإمارة خالد بن عبد الله القسري تحت العذاب، و استمر في ولايته إلى أيّام يزيد بن عبد الملك فعزله و قبض عليه و حبسه في دمشق إلى أن أرسل إليه يزيد بن خالد القسري من قتله في السجن بثأر أبيه عام 127ه، كان صغير الحجم قصير القامة عظيم اللحية يسلك سبيل الحجاج في الأخذ بالشدّة و العنف، و كان يضرب به المثل في التيه و الحمق يقال: أتيه من أحمق ثقيف. (راجع وفيات الأعيان ج 7 ص 101- 112، مقاتل الطالبيين: ص 130- 142، و الاعلام ج 8 ص 243).
2) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیهِِمُ السَّلام خرج على هشام بن عبد الملک في الكوفة سنة 121ه، قتله يوسف بن عمر و صلبه ثمّ أحرقه و ذراه في الفرات، قال أبو الجارود: قدمت الكوفة فجعلت كلّما سألت عن زيد بن علي قيل لي ذاك حليف القرآن و قال رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم للحسين علیْهِ السَّلام يخرج من صلبك غلام يقال له زيد يتخطّى هو و أصحابه يوم القيامة رقاب الناس غرّاً محجلين يدخلون الجنّة بغير حساب، و خرج معه جملة من أهل العلم و نقلة الآثار و الفقهاء. (راجع مقاتل الطالبيين: ص 130- 139، عيون أخبار الرضا علیْهِ السَّلام ج 1 ص 226 ح 2 ط 1 الأعلمي، الغدير ج 3 ص 97- 105).
3) برق رود: قرية من سواد قم على وادٍ هناك. (الإيضاح: 272).
4) [البيتان لصاحب النقد و له كثير من هذا النظير من أوائل شعره في صباه، منها قوله في توجيه اسماء ستة كتب:
يا ثَغْرَهُ قَد أريتنا عجباً *** حينَ رويتَ الحديثَ عن صدقِ
صحاحك الجوهري كيف غدا *** يروي لنا عن محاسن البرقي (1)
و البرقي هذا من أهل القرن الثالث، توفي قبل الثلاثمئة (2)فهو قبل ابن النديم بأكثر من مئة سنة.
و من بعض تلك الكتب: «كتاب الطبقات»، و «كتاب الرجال»، و منها: «كتاب التراحم و التعاطف»، «كتاب الرفاهية»، « كتاب الزي»، «كتاب الزينة»، «كتاب الحقائق»، «كتاب الأحزان»، «كتاب العويص»، «كتاب الشعر»، «كتاب أدب النفس» ، «كتاب أدب المعاشرة»، «كتاب مكارم الأخلاق»، «کتاب الغرائب»، «كتاب العجائب»، «كتاب اللطائف»، «كتاب المصالح»،
«كتاب المنافع»، «كتاب الدواجن و الرواجن» (1)، «كتاب الشعر و الشعراء»، «كتاب النجوم»، «كتاب تعبير الرؤيا»،« كتاب السماء»، «كتاب الأرضين»، «كتاب البلدان و المساحة»، «كتاب الأوائل»، «کتاب التاريخ»، «کتاب الإنسان»، «كتاب جداول الحكمة»، «كتاب النحو»، «كتاب الأفانين»، «كتاب المغازي»، «كتاب النوادر» (2)
هذا بعض ما ذكره علماء الرجال لهذا الرجل الكبير. و قد ذكروا له ما من هذا بكثير، و هذه الكتب كلّها، و إن لم تطبع، و لا يقطع بوجودها أجمع، و لكن كثير منها يوجد في مكتبات العراق و إيران، و قد وقفت على ثلاثة أو أربعة منها في ( النجف الأشرف) في مكتبة المحدّث العلّامة (النوري) (3)التي تفرّقت اليوم أيدي سَبا (4)
و لعلّ المتتبّع يعثر على شيء منها في مكاتب (العراق) و (إيران)، فالذي يبحث عن كتب العربية- و على الأخص كتب الإسلام- في مكاتب (ليدن) و (برلين) (و البريطاني) (5)و فلان و فلان، كان بالأحرى أن يبحث
1) الرّاجن: الآلف من الطير و غيره. (لسان العرب ج 5 ص 163، مادّة «رجن» ).
2) راجع معجم رجال الحديث ج 3 ص 49- 52.
3) حسين بن محمّد تقي الدين بن محمّد بن علي النوري، الطبرسي، محدّث، عارف بالرجال و السير و التاريخ، ولد في قرية بالو من كور طبرستان، و هاجر إلى العراق و توفّي في النجف عام 1320 ه، له من التصانيف: مستدرك الوسائل، و كشف الاستار عن وجه الغائب عن الأبصار. (معجم المؤلفين ج 1 ص 635).
4) سبأ: اسم مدينة بلقيس باليمن، و قالوا: تفرقوا أيدي سبأ و أيادي سبأ، و ضربت العرب بهم المثل في الفرقة لأنّه لمّا أذهب الله عنهم جنّتهم و غرق مكانهم تددوا في البلاد، و قولهم ذهبوا أيدي سبأ أي متفرقين، شبهوا بأهل سبأ لمّا مزّقهم الله الأرض كلّ ممزق. (لسان العرب ج 6 ص 136 مادّة «سبأ»).
5) أي مكتبة المتحف البريطاني.
عن ذلك في مكتبات العراق و إيران و الهند التي هي أُُمّ تلك الكتب، و فيها صنفت، و منها نشأت.
هذا أحمد بن محمد بن الحسين بن دول القمي (1)، و هو- أيضاً- من رجال القرن الثالث، و توفّي في الثلاثمئة و خمسين، ذكر علماء الرجال أنّ له مئة كتاب، و عدّدوها بأسمائها واحداً واحداً، و ذكروا منها:
«کتاب الحياة»، «كتاب الحقائق»، «كتاب الخصائص»، «كتاب الإخوان» «كتاب الطبائع»، «كتاب الطب»، «كتاب العواصم »، «كتاب الطبقات»، و يظهر أنّ هذه الكتب في القرن الرابع و ما بعده قد كانت موجودة، و الرواة ترويها و تروي عنها، و الله أعلم كيف كانت بعد.
هذا عبد العزيز بن يحيى بن عيسى الجلودي (2)الأزدي البصري، شيخ البصرة، و إخباريُّها، عدّد له علماء الرجال ما ينيف على مئتي كتاب، بل ما يقرب من ثلاثمئة، كلّها من عجايب الكتب، و هو -أيضاً- من أهل القرن الثالث على ما يظهر، و له أربعون كتاباً فيما يتعلق بخصوص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیْهِِ السَّلام، من غزواته مع النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و حروبه من
1) أحمد بن محمّد بن دول القمي: فاضل إمامي أورد العاملي اسماء 77 كتاب لهُ منها الحدائق في التوحيد، و الطبقات ، و التفسير، و الادوية، و قال الاسترابادي: له مئة كتاب. (الأعلام ج 1 ص 208، و راجع ترجمته في الأعيان ج 3 ص 103، و معجم رجال الحديث ج 3 ص 46).
2) عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى، أبو أحمد الجلودي، الأزدي البصري: مؤرخ، أديب، كان شيخ الإمامية بالبصرة، نسبته إلى جلود (قرية)، له كتب كثيرة أورد النجاشي أسماءها تقارب المئتين. (الأعلام ج 4 ص 29، و راجع ترجمته في معجم رجال الحديث ج 11 ص 43).
(الجمل) و (صفين) و (الغارات) (1)و (الحكمين) (2)و (بني ناجية) (3)
فرقة قالوا: كنّا نصارى فأسلمنا و دخلنا فيما دخل فيه الناس من الفتنة و نحن نبايع كما بايع الناس فأمرهم فاعتزلوا.
فرقة قالوا كنّا نصارى و لم نسلم فخرجنا معهم فهزموا فنحن ندخل فيما دخل فيه الناس، و نعطيكم الجزية كما أعطيناهم، فقال لهم اعتزلوا.
و فرقة قالوا: كنّا نصارى فأسلمنا فلم يعجبنا الإسلام فرجعنا إلى النصرانية، فنحن نعطيكم الجزية كما أعطاكم النصارى، فقال لهم: توبوا و ارجعوا إلى الإسلام، فأبوا، فقتل مقاتليهم و سبى ذراريهم فقدم بهم على عليّ عَلیْهِ السَّلام. (الغارات: ص 220، و شرح ابن أبي الحديد ج 3 ص 127).
و فضائله، و ما نزل في الخمسة، و تزويج فاطمة، و من أحبّه، و من أبغضه، و من سبّه من الخلفاء، و كتاب التفسير عنه، و ما نزل من القرآن في خصوصه، و كتاب شعره، و كتاب خطبه و خلافته و عمّاله و ولاته، و الشورى و ما كان بينه و بين عثمان، و قضائه، و رسائله، و من روى عنه من الصحابة ، و كتّاب شيعته، و من مال بعده، أفرد لكلّ واحد من هذه المذكورات كتاباً.ثمّ على مثل هذا ألّفَ في كلّ واحد من أهل البيت كتاباً: كتاب في ذكر خديجة، كتاب في ذكر فاطمة عَلیهَا السَّلام، كتاب في ذكر الحسن عَلیْهِ السَّلام، كتاب
1) مثل: غارة الضحاك بن قيس على العراق، و غارة النعمان بن بشير على عين التمر، و غارة سفيان بن عوف الغامدي علی الانبار، و غارة يزيد بن شجرة الرهاوي على مكّة، و غارة بسر بن أرطأة على المدينة و مكّة و اليمن، و حدثت هذه الغارات بعد التحكيم و حتّى استشهاد الإمام علي عَلیْهِ السَّلام.
2) أبو موسى الاشعري، و عمرو بن العاص.
3) لمّا بايع أهل البصرة علياً عَلیْهِ السَّلام بعد الهزيمة دخلوا في الطاعة غير بني ناجية فإنّهم عسكروا، فبعث إليهم علي عَلیْهِ السَّلام رجلاً من أصحابه في خيل ليقاتلهم فأتاهم، فقال: ما بالكم عسكرتم، و قد دخل الناس في الطاعة غيركم، فافترقوا ثلاث فرق:
في ذكر الحسين عَلیْهِ السَّلام، كتاب مقتل الحسين.
و له عشرات من الكتب تتعلق بعبد الله بن عبّاس، كتاب التنزيل عنه، كتاب التفسير عنه، تفسيره عن الصحابة، الناسخ و المنسوخ عنه، ما أسنده عن الصحابة، ما رواه من رأي الصحابة، كتاب أخبار على بن الحسين عَلیْهِ السَّلام، أخبار محمّد الباقر عَلیْهِ السَّلام، أخبار زيد بن على، أخبار محمّد ابن الحنفية (1)، أخبار العبّاس بن عبد المطلب، أخبار جعفر بن أبي طالب، أخبار أُُمّ هاني (2)، أخبار عبد الله بن جعفر (3)، أخبار المهدي، أخبار محمّد و إبراهيم ابني عبد الله بن الحسن (4)، ثمّ بقية كتبه في سائر العلوم
1) محمّد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم، وأُمّه خولة بنت جعفر الحنفية، أحد الأبطال الأشداء في صدر الإسلام، و أخبار قوته و شجاعته كثيرة. توفي سنة 81 ه. (الأعلام ج 6 ص 270).
2) أمّ هانيء: و اسمها فاختة بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أُختلف اسمها، قيل: جمانة، و قيل غيره، و هي أخت أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام زوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي، هرب إلى نجران يوم الفتح، ففرق الإسلام بينهما، أراد أن يتزوجها رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و لكنّها اعتذرت خوفاً من عدم الوفاء بحقّه كونها مصبيّة. (راجع ترجمتها في الاستيعاب، و الإصابة، و أسد الغابة قسم النساء).
3) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أحد أجواد العرب، و كان يسمى بحر الجود، ولد بأرض الحبشة لمّا هاجر أبواه إليها، زوجه أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام ابنته زينب عَلیْها السَّلام و أخباره معروفة توفي سنة 80 ه.
4) محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، ذو النفس الزكية: كان أفضل أهل بيته و أكبر أهل زمانه في علمه بكتاب الله و حفظه له، و فقهه في الدين و شجاعته و جوده و بأسه، ظهر في سنة 145 ه في المدينة زمن المنصور و له بيعة في عنق المنصور، كان الاتفاق أخيه على الظهور في يوم واحد إلّا أنّ هذا لم يتم، قتله عيسى بن موسى بأحجار الزيت، و كان ابراهيم بن عبد الله جارياً على شاكلة أخيه محمّد في الدين و العلم والشجاعة و الشدّة ظهر بعد مقتل أخيه في البصرة فاستولى على البصرة و الاهواز و واسط و هاجم الكوفة، قتله حميد بن قحطبة في وقعة باخمرى المشهورة. (راجع مقاتل الطالبيين: ص 206 و ما بعدها، الأعلام ج 1 ص 48).
و أحوال سائر الأُمم عامّة، و العرب خاصّة، و الشعراء على الأخص، منها في الدعاء و العوذ و الطب و النجوم، منها- من المتعلّق بابن عبّاس- كتاب قوله في قتال أهل القبلة، و إنكاره الرجعة، منها في ذكر الأنبياء، و كلامه في العرب.
و من مؤلفاته: «أخبار من عشق من الشعراء»، «أخبار لقمان بن عاد» (1)، «أخبار لقمان الحكيم»(2)، كتاب «من خطب على المنبر بشعر» ، «أخبار تأبط شرّا» (3)
(راجع أخباره في الأغاني ج 21 ص 138- 181، خزانة الأدب ج 1 ص 147- 148، الأعلام ج 2 ص 98).
، «أخبار الأعراب» ، « أخبار قريش»، کتاب «الطب»، کتاب «طبقات العرب و الشعراء»، «كتاب السحر»، كتاب «ما رثي به النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم»، كتاب «الرؤيا»، كتاب «أخبار السودان»، « المطر و السحاب1) لقمان بن عاد ملطاط بن من بني وائل، من حِمْيَر، معمر جاهلي قديم من ملوك حِمْيَر في اليمن، يلقب بالرائش الأكبر، قيل: إنّه عاش عمر سبعة نسور. (راجع الأعلام ج 5 ص 243، و الروض الأنف 1 ص 266).
2) لقمان الحكيم: الذي أثنى الله تعالى عليه في كتابه، اختلف في نبوته، فقيل كان حكيماً، و قيل كان رجلاً صالحاً، و في الحديث (لم يكن لقمان نبيّاً و لكن كان عبداً كثير التفكير، حسن اليقين، أحبّ الله تعالى فأحبّه فمنّ عليه بالحكمة ... الحديث). (راجع تفسير القرطبي ج 14 ص 41، تاج العروس ج 17 ص 655، مادّة «لقم»).
3) اسمه ثابت بن جابر بن سفيان، أبو زهير الفهمي، من مضر، شاعر عداء من فتاك العرب في الجاهلية. كان من أهل تهامة، شعره فحل، و يقال: إنّه كان ينظر إلى الظبي في الفلاة، فيجري خلفه فلا يفوته، و في تلقيبه بتأبط شراً أقوال أشهرها أنّه تأبط سيفاً و خرج فقيل لأُمّه: أينَ هو؟ فقالت: لا أدري تأبط شراً و خرج قتل في بلاد هذيل و ألقي في غار فوجدت جثّته بعد مقتله.
و الرعد و البرق كلّ في كتاب»، «أخبار ابن معد يكرب» (1)
إذا لم تستطع شيئاً فدعه *** و جاوزه إلى ما تستطيع
و في كتاب «الإشراف في منازل الأشراف- خ» حدثني محمّد بن عمر قال: حدثنا سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء، قال: شهد صفين غير واحد أبناء خمسين و مئة منهم: عمرو بن معدي كرب. (راجع الاستيعاب ج 3 ص 1201، الأعلام ج 5 ص 86).
أخبار «أُميّة بن أبي الصلت» (2)(الأغاني ج 4 ص 127- 140، الشعر و الشعراء ج 1 ص 459، خزانة الأدب ج 1 ص 244- 249، الأعلام ج 2 ص 23)
، « أخبار أبي الأسود» (3)سكن البصرة في خلافة عمر، و ولي إمارتها في أيّام علي و شهد صفين معه عَلیْهِ السَّلام و هو- في أكثر الاقوال- أوّل من نقّط المصحف و له شعر جيد أشهره أبيات يقول فيها:
لا تنه عن خلقٍٍٍ و تأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيمُ
مات بالبصرة. (راجع ترجمته في اسد الغابة ج 2 ص 485، فيات الأعيان ج 2 ص 288، الأعلام ج 3 ص 236).
، «أخبار أكثم بن1) عمرو بن معدي كرب الزبيدي: فارس العرب و صاحب الصمصامة، أبو ثور صاحب الغارات الكثيرة قدم على النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم في وفد زبيد فأسلم، ثمّ ارتد فوجّه رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم علياً عَلیْهِ السَّلام و خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن فرجع إلى الإسلام شهد اليرموك و القادسية، و قيل: إنّه هو الذي قتل رستم كان النفس أبيّها فيه قسوة الجاهلية، و أخبار شجاعته كثيرة لهُ شعر جيد أشهره قصيدته التي يقول فيها:
2) أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفى: شاعر جاهلي من أهل الطائف، و كان قد قرأ الكتب المتقدّمة، و رغب عن عبادة الأوثان، و كان يخبر بأنّ نبيّاً يبعث قد أظلّ زمانه و يؤمّل أن يكون ذلك النبيّ، فلمّا بلغه خروج رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم لم يؤمن به حسداً له، قدم عليه مكّة عليه مكّة و سمع منه آيات من القرآن، و انصرف عنه، فتبعته قريش تسألهُ عن رأيه فيه؟ فقال: أشهد أنّه على الحقّ! قالوا: فهل تتبعه؟ فقال: حتّى أنظر في أمره! فخرج إلى الشام، و حدثت وقعة بدر، و عاد أمية من الشام يريد الإسلام، فعلم بمقتل أهل بدر و فيهم ابنا خال له، فامتنع و أقام في الطائف إلى أن مات سنة 5 أو 9 ه.
3) ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدولي الكناني، من المخضرمين أدرك الجاهلية و الإسلام و توفي سنة 69 ه- واضع علم النحو، كان معدوداً من الفقهاء و الأعيان و الأمراء و الشعراء و الفرسان و الحاضري الجواب، رسم له علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام شيئاً من أصول النحو، فكتب فيه أبو الأسود، و أخذه عنه جماعة.
صيفي» (1)
(راجع ترجمته في الاصابة ج ا ص 209، أسد الغابة ج 1 ص 134، الأعلام ج 2 ص 6).
،«أخبار خالد بن صفوان» (2)(معجم الأدباء ج 3 ص 174، الأعلام ج 2 ص 297).
، «أخبار أبي نواس» (3)(خزانة الأدب ج 1 ص 338، الأعلام ج 2 ص 225، و راجع الجزء 25 من الأغاني ملحق ابن منظور).
، کتاب «ما روي في الشطرنج»، كتاب «أخبار أبي بكر و عمر (رض)» ، كتاب «خطب أبي بكر»، کتاب «خطب عمر»، کتاب «خطب عثمان»، «كتب النبيّ»، «رسائل أبي بكر»، «رسائل عمر»، «رسائل عثمان»، «كتاب الطيب»، «كتاب الرياحين»، كتاب1) أكثم بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية التميمي: حكيم العرب في الجاهلية، و أحد المعمرين عاش زمناً طويلاً ، و أدرك الإسلام و قصد المدينة في مئة من قومه يريدون الإسلام، فمات في الطريق، و لم ير النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و أسلم من بلغ من أصحابه، و هو المعني بالآية الكريمة: و مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إلَى الله وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أجْرُهُ عَلَى الله.
2) خالد بن صفوان بن عبد الله بن عمرو بن الاهتم التميمي المنقري ت نحو 133 ه أحد فصحاء العرب و خطبائهم، كان راوية للاخبار خطيباً مفوهاً بليغاً و كان يجالس عمر بن عبد العزيز و هشام بن عبد الملك و خالداً القسري، ولد و نشأ بالبصرة، و كان أيسر أهلها مالاً، و لم يتزوج، عاش إلى أن أدرك خلافة السفاح العباسي و حظي عنده.
3) الحسن بن هاني بن عبد الأوّل بن الصباح الحكمي، نسبة إلى الحكم بن سعد العشيرة: شاعر العراق في عصره، ولد بالبصرة، و قيل بالأهواز ، و نشأ بالبصرة رحل إلى بغداد فاتصل فيها بالخلفاء من بني العباس، و أخباره كثيرة و مشهورة توفي سنة 198 ه و قيل 195 ه و قيل 196 ه.
«من قال شعراً في وصيّته»، كتاب «من أوصى بشعر جمعه»، كتاب «التمثيل بالشعر»، كتاب «قطائع النبيّ»، «قطائع أبي بكر»، «قطائع عمر و عثمان»، «الوفود على النبيّ و أبي بكر و عمر و عثمان (رضوان الله علیهم)»، كتاب «أخبار الفرس»، كتاب «البخل و الشحّ»، «أخبار قنبر» (1)، كتاب «الألوية و الرايات»، كتاب «رايات الأزد»، «أخبار شريح» (2)، «أخبار حسّان» (3)
(راجع: الاستيعاب ج 1 ص 341، أسد الغابة ج 1 ص 482، الإصابة ج 2 ص 62).
، «أخبار دغفل النسّابة» (4)، «أخبار حمزة1) قنبر مولى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام عدّه البرقي من خواص أصحاب أمير المؤمنين قتله الحجّاج على حبّه و ولائه لعلي عَلیْهِ السَّلام. (راجع ترجمته في: معجم رجال الحديث ج 5 ص 87).
2) القاضي شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، استقضاه عمر على الكوفة و أقام قاضياً خمساً وسبعين سنة لم يعطّل فيها إلّا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير، و استعفى الحجاج فأعفاه و لم يقض بين اثنين حتّى مات سنة 78 ه و قيل غير ذلك، و سئل عن الحجاج أكان مؤمناً؟ قال: نعم بالطاغوت كافراً بالله تعالى، و هو الذي أفتى بالخروج لقتال الحسين عَلیْهِ السَّلام عندما أمره عبيد الله بن زياد. (راجع ترجمته في: طبقات ابن سعد ج 6 ص 182، وفيات الأعيان ج 2 ص 460، مجمع البحرين ج 2 ص 381).
3) حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري الخزرجي النجاري شاعر رسول الله، كان معروفاً بالجبن و قصته في حصار الخندق مع صفية عمة النبيّ في الحصن عندما طلبت منه أن يقتل اليهودي مشهورة، تحول في آخر أيامه عثمانياً و وقف إلى جانب عثمان و أخباره معروفة توفي سنة 54 ه وقيل غير ذلك.
4) دغفل بن حنظلة بن زيد بن عبدة الزحلي الشيباني، نسابة العرب يضرب به المثل معرفة الأنساب يقال له صحبة، وفد على معاوية في أيّام خلافته فأمره أن يتولّى تعليم ابنه يزيد ففعل، غرق يوم دولاب (بفارس) في وقعة مع الأزارقة سنة 65 ه . (راجع الإصابة ج 2 ص 388، أسد الغابة ج 2 ص 8، الأعلام ج 2 ص 340).
ابن عبد المطّلب»، « أخبار صعصعة» (1)
كتب أديب من البحرين في (جريدة الخليج العربي: 26/ 10/ 1379) إنّ قبره لايزال معروفاً في بلدة تسمى (الكلابية) بالبحرين ، و قيل مات بالكوفة و في تاريخها أنّ مسجده لا يزال معروفاً فيها إلى الآن.
، « أخبار الحجّاج» (2)ألا سبيل إلى خمر فأشربها *** أم لا سبيل إلى نصر بن حجاج
و اشتهر خبر فراره من غزالة امرأة شبيب بن يزيد الخارجي حتّى عيّره بذلك الشعراء قال عمران بن حطان يخاطبه:
أسدٌ عليّ و في الحروب نعامة *** ربداء تجفل من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى *** بل كان قلبك في جناحي طائر
و أخباره في معركة دير الجماجم و قتله لسعيد بن جبير و مع عبد الملك بن مروان و ابنه الوليد معروفة مشهورة. (راجع خزانة الأدب ج 4 ص 75-74، مجمع الأمثال ج 2 ص 253، جمهرة الأمثال ج 1 ص 588، الأعلام ج 2 ص 168، و ج 5 ص 118، و مصادر تاريخية أخرى).
«أخبار1) صعصعة بن صوحان العبدي: كان مسلماً على عهد رسول الله، و كان سيداً من سادات قومه عبد القيس، و كان فصيحاً خطيباً عاقلاً، لسناً ديناً، فاضلاً بليغاً من أصحاب علي (رض) و شهد معه حروبه في الاستيعاب ج 2 ص 2 ص 717، و أسد الغابة ج 2 ص 403، و قال الشعبي كنت اتعلم منه الخطب كما في الإصابة ج 2 ص 200، و روى الكشي في رجاله: ص 68 في حديث (أنّ أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام عاد صعصعة بن صوحان في مرضه فقال:یَا صَعْصَعَهُ لاَ تَتَّخِذْ عِیَادَتِی لَکَ أُُبَّهَةً عَلَی قَوْمِکَ ...، قال صعصعة: بلى و الله اعدّها منّة مَنَّ الله عليّ و فضلاً قال: فقال له أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام: إن كنت ما علمتك لخفيف المؤنة حسن المعونة، قال: فقال صعصعة: و أنت و الله يا أمير المؤمنين ما علمتك إلّا بالله عليماً، و بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، و في حديث آخر قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلام ما كان مع أمير المؤمنين من یعرف حقّه إلّا صعصعة و أصحابه، و في حديث آخر ص 69 قال معاوية لصعصعة: أما و الله اني كنت لأبغض أن تدخل في أماني قال: و أنا و الله أبغض أن أسميك بهذا الاسم- إلى أن قال- أيّها الناس أتيتكم من عند رجل قدّم شره وأخر خيره و أنّه أمرني أن ألعن علياً فالعنوه لعنه الله فضج أهل المسجد بآمين ... الحديث)، و قال الزركلي في الأعلام ج 3 ص 205، و نفاه المغيرة من الكوفة إلى جزيرة أوال في البحرين بأمر معاوية فمات فيها عن نحو 70 عاماً.
2) الحجاج بن يوسف بن الحکم الثقفي ت 95 ه ولد و نشأ في الطائف و انتقل إلى الشام فلحق بروح بن زنباع فكان في عداد شرطته ثمّ مازال يظهر حتى قلّده أمر عسکره، تولّى قتال ابن الزبير و رمى الكعبة بالمنجنيق، تولّى العراق عشرين عاماً و كان سفاكاً سفاحاً باتفاق معظم المؤرخين، وجد في سجنه عندما مات 80 ألفاً لم يكن لهم ذنب و قيل أكثر من ذلك، ضرب بأمه المثل فيقال ( أصب من المتمنية) و هي الفريعة بنت همام عشقت نصر بن حجّاج فتىً من بني سليم و هي إذ ذاك تحت المغيرة بن شعبة فمر عمر بن الخطاب فسمعها تقول:
الفرزدق» (1)
هذا الذي تعرف البطحاء و طأته *** و البيت يعرفه و الحل و الحرمُ
و التي بسببها حبسه هشام بن عبد الملك بعسفان بين مكّة و المدينة، و أخباره مشهورة معروفة. (راجع ترجمته في الأعيان ج 10 ص 267).
، «أخبار العرب و الفرس»، «أخبار التراجم»، «كتاب الذكر»، «كتاب المواعظ»، « أخبار جعفر بن محمّد الصادق عَلیْهِ السَّلام»، كتاب «مناظرات عليّ بن موسى الرضا عَلیْهماِ السَّلام (2)»، « أخبار عقيل» (3)،«أخبار محمد بن مروان» (4)1) همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي ت 110 ه يعد من شعراء الطبقة الأولى صاحب الميمية المشهورة في مدح الإمام زين العابدين و مطلعها:
2) يوجد بعض من هذه المناظرات في احتجاج الطبرسي ج 2 و عيون أخبار الرضا عَلیْهِ السَّلام
3) عقيل بن أبي طالب ت 60 ه كان أسن من جعفر بعشر سنين، و جعفر أسن من علي بعشر سنين، ممن ثبت يوم حنين ، قال لهُ رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: إنِّي أحبُّك حبَّين، حبَّاً لقرابتك، و حبَّاً لما كنتُ أعلم من حبِّ عمِّي إيَّاك و كان عالماً بأنساب قريش و مثالبها، و كان سريع الجواب المسكت للخصم، حتّى قيل بأنّ لسانه أحد من السيف، و لهُ مواقف مع معاوية مشهورة، و كان في حلب و اطرافها جماعة ينتسبون إليه يعرفون ببني عقيل. (راجع الاصابة ج 3 ص 1078، و أسد الغابة ج 3 ص 560، الأعلام ج 4 ص 242، و مصادر أخرى).
4) محمّد بن مروان بن الحكم الأموي، كان والي الموصل و الجزيرة و أرمينية و أذربيجان، و اشتهر بقوة البأس، حتّى كان أخوه الخليفة عبد الملك يحسدهُ على ذلك، له وقائع و حروب مع الروم، و هو أبو مروان الحمار آخر ملوك بني أُُمية، وصفه ابن حجر بالجهالة و لم يوثقه في الحديث. (راجع لسان الميزان ج 5 ص 375، دول الإسلام- للذهبي-: ص 61، الأعلام ج 7 ص 95).
قال النجاشي- بعد أن ذكر له ما يناهز الثلاثمئة كتاب-: «و هذه جملة كتب أبي أحمد الجلودي التي رأيتها في الفهرستات. و قد رأيت بعضها»، ثمّ ذكر طريق روايته لتلك الكتب.
نعم، و لو أردنا أن نعدّ من أمثال هؤلاء الأعاظم من أهل القرن الثالث من معاصري ابن النديم أو قبله، ممن أكثر من التأليف في تاريخ اللغة العربية، و آدابها، و علومها، و شعرائها، و رجالها، و قبائلها، و حروبها، و سائر أحوالها و شؤونها، لافتقرنا إلى إفراد مؤَلََّفٍ ضخم في هذا الموضوع و لكن هب أننا نعتذر لعصرينا المؤلف، أو يعتذر هو لنفسه بخفاء أكثر تلك الكتب و تلاشيها ، و عدم وقوفه حتّى و لا على أسمائها و أسماء مؤلفيها، و لكن ما العذر عنه في عدم وقوفه على (كتاب النجاشي)، الكتاب الخطير الشهير الذي- فضلاً عن انتشار نسخه القلمية في عامّة الشرق، و خاصّة العراق و سوريا و إيران و الهند، فضلاً عن ذلك- قد طبع قبل ثلاثة عشر عاماً في بومباي طبعة جيدة، و يباع بقيمة زهيدة، و قد ملأ المخازن و الحوانيت، فضلاً عن القماطير و المكتبات و البيوت.
و قد ألّف هذا السفر النافع في حدود القرن الرابع (1)
(راجع الذريعة ج 10 ص 154، معجم رجال الحديث ج 2 ص 166، الأعلام ج 1 ص 172، مقدّمة كتابه).
، و هو موضوع1) رجال النجاشي (المسمى بالفهرست) عمدة الأصول الأربعة الرجالية نظير الكافي بين الكتب الأربعة للعالم النقاد البصير الشيخ أبي العباس أحمد بن علي بن أحمد من ولد عبد الله النجاشي الذي كتب إليه الصادق عَلیْهِ السَّلام الرسالة الأهوازية، و هو أفضل من خطّ في علم الرجال أو نطق بفم، لا يقاس بسواه و لا يعدل به من عداه، بل قوله المقدّم عند المعارضة على غيره من أئمة الرجال من تلامذة الشيخ المفيد رضوان الله عنهُ و علم الهدى الشريف المرتضى، اشتهر عنه أنّه لا يروي إلّا عن ثقة و يظهر من ترجمة محمّد بن عبد الملك بن محمّد التبان، و تاريخ وفاته في سنة 419 ه أنّه ألّفه بعد هذا التاريخ، و قبل وفاة السيّد المرتضى 436 ه. ولد النجاشي سنة 372 ه و توفي سنة 450 ه من مصنفاته: (الكوفة و ما فيها من الآثار و الفضائل، و أنساب بنى نصر بن قعين و أيّامهم و اشعارهم، و هم أجداده).
لخصوص المؤلفين، إلى ذلك العهد من رجال الشيعة الإمامية، و ذكر مؤلفاتهم الشهيرة، و ذكر منهم ما يناهز ألفي رجل من أرباب التصانيف و عيون الرجال ممن له طريق الرواية عنهم على عادة القديم، و إلّا فلو وسع الموضوع لزاد على عشرات الألوف، و أكثر من ذكر ممن له العشرات و المئات من التصانيف في عامة العلوم، لا نخصّ الفقه و الحديث و الدين، و إن كان هو الأكثر، و قد رأيت و سمعت قريباً بعضهم، و قس على ذلك.
ثمّ بعده بقليل كتاب (معالم العلماء) (1)
قال عنه الصفدي في «الوافي بالوفيات»: كان يرحل إليه من البلاد، ثمّ تقدم في علم القرآن و الغريب و النحو، و وعظ على المنبر أيام المقتفي ببغداد فأعجبه و خلع عليه و أثنى عليه كثيراً، و ذكره ابن أبي طي في «تاريخه»، و أثنى عليه ثناء بالغاً، ، و الفيروز آبادي في «البلغة»، و السيوطي في «طبقات النحاة»، و قال شمس الدين محمّد بن علي المالكي في «طبقات المفسرين»: نبغ في الأصول حتّى صار رحلة، و قد تقدّم في علم القرآن و القراءة و النحو، و كان إمام عصره، و غلب عليه علم القرآن و الحديث، من أشهر مصنّفاته ( المناقب).
استقر في حلب و توفي فيها.
(راجع الذريعة ج 21 ص 201، الأعلام ج 6 ص 279، مقدّمة المناقب- تحقيق د. يوسف البقاعي).
للنحرير الشهير بابن1) معالم العلماء في فهرست كتب الشيعة و أسماء مصنّفيهم لرشيد الدين محمّد بن علي بن شهر آشوب السروي ت 588 ه عن عمر مئة سنة، جعله تتمة لفهرست شيخ الطائفة، و قال: قد زدت فيه نحواً من ثلاث مئة مصنّف، و ذكر في آخره بعض شعراء أهل البيت، و جعلهم أربع طبقات: المجاهرون و المقتصدون و المتّقون و المتكلّفون.
شهر آشوب، صاحب التصانيف الطائلة، و منها ذلك الكتاب الذي عقده لخصوص مؤلفات مشاهير علماء الإمامية إلى عصره.
نعم، و لو أردنا التعداد لبلغنا المئات، بل الأُلوف من ذلك العصر إلى عصرنا.
أمّا كتاب «معالم العلماء» المذكور، فهو و إن كنت لا أستحضر أنّه قد طبع أم لا (1)، و لكن نسخه القلمية في العراق كثيرة شائعة، و ليس هو بوحيد، و لا على طالبه ببعيد.
إذاً فما عذرك أيّها الواضع على صدره و سام البحث و التنقيب عن العربية و أطوارها و تقلباتها و نشوّها و ارتقائها و عامة شؤونها، و عن الإسلام و تمدّنه و عهود أدواره و ثراه و آثاره؟.
ما عذرك في إغفال مثل تلك المواد و المرافق الغزيرة النبع الكثيرة النفع التي لا غنى عنها، و لا بدّ في هذه الخطّة منها؟!
الذي يثير لائمتي عليك أيُّها الباحث المؤلف! في خاصّة كتابك ذا و عامة كتبك؛ حرمانُ مشروعاتك جمعاء من الاستفادة و الإمتاع، و حظوة الأبصار و الأسماع، حرمانها من الاقتباس و الاستظهار بتلك الأسفار بمساعي تلك الطائفة التي لها النهضة الكبرى، و الصنيعة العظمى لآداب العربية و كافة العلوم و الأمم، و خاصة الأُُمّة الإسلامية، تلك المساعي التي يبتهج بها
1) طبع المعالم عدّة طبعات.
الإسلام، و يفتخر بها على سائر الأمم و كافة الشعوب.
أيّها الرجل! إنّ الشيعة الإمامية لم يدخلوا بعدُ بحمد الله في خبر كان، و لا هم ممن يُرمى بهم الرجوان (1)
أتبلسنا ليلى على شعث بنا *** من العام أو يرمى بنا الرجوان
، و لا من يسع أيَّ كاتب أن ينبذهم في زوايا الغفلة و النسيان.خذ إليك «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وانظر إلى كثرة من صرّح بتشيعهم من أعيان أهل العلم و كبار الرجال، فضلاً عمّن أهمل فيهم ذكر ذلك من المشاهير، كالخليل بن أحمد (2)
أخذ عنه الاصمعي، و سيبويه، و النضر بن شميل، و غيرهم، و وجه إليه سليمان ابن علي و الي الأهواز لتأديب ولده، فأخرج لرسول سليمان خبزاً يابساً و قال: مادمت أجده فلا حاجة إلى سليمان، و للخليل من التصانيف كتاب «العين» فی اللغة مشهور، و كتاب «العروض»، و كتاب «الشواهد»، و كتاب «النقط و الشكل»، و كتاب «النغم»، و كتاب «في العوامل».
قيل: إنّ ولادته سنة 100 ه و توفي سنة 170 ه أو 175 ه، و كان سبب موته أنّه فكّر في ابتكار طريقة في الحساب تسهله على العامّة، فدخل المسجد و هو يعمل فكره فصدمته سارية و هو غافل فكانت سبب موته.
(راجع ترجمته في معجم الادباء ج 3 ص 300، وفيات الأعيان ج 2 ص 244، الثقات لابن حبّان ج 8 ص 230، الذريعة ج 15 ص 364، الاعلام ج 2 ص 314، أعيان الشيعة ج 6 ص 337، معجم رجال الحديث ج 8 ص 80).
، و أبي1) الرجوان: ناحية البئر و حافتاه، و في المثل (رمي به الرجوان) أي استهين به (تاج العروس ج 19 ص 448 مادّة «رجو»)، قال ضبارة بن الطفيل كما في الأغاني ج 1 ص 79:
2) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي اليحمدي العروضي، سيد الأدباء في علمه و زهده، عدّه ابن إدريس من كبراء أصحابنا المجتهدین، و قال العلّامة في «الخلاصة»: كان أفضل الناس في الأدب و قوله حجّة فيه و اخترع علم العروض و فضله أشهر من أن يذكر و كان إمامي المذهب، و قال ابن داود في (رجاله القسم الأوّل (564)»: الخليل بن أحمد شيخ الناس في علوم الأدب، فضله و زهده اشهر من أن يخفى، كان إمامي المذهب، و سئل الخليل عن الدليل على إمامة علي علیْهِ السَّلام على نحو الكلّ في الكلّ، قال: احتياج الكلّ إليه، و استغناؤه عن الكلّ، و قال الصدوق في المجلس (40) ح (14) من «الأمالي» بسنده عن أبي زيد النحوي الأنصاري قال: سألت الخليل بن أحمد العروضي، فقلت لم هجر الناس علياً علیْهِ السَّلام و قرباه من رسول الله قرباه و موضعه و عناؤه في الإسلام عناؤه؟، فقال: بهر و الله نوره أنوارهم، و غلبهم على صفو كلّ منهل، و الناس على أشكالهم أميل. أما سمعت الأوّل حيث يقول:وكلّ شكل لشكله ألف *** أما ترى الفيل يألف الفيلاو قال الشيخ البلاغي في حواشي «الخلاصة»: ﴿أنّه كان من أصحاب الصادق علیْهِ السَّلام، و قال ابن حبّان: و كان من خيار عباد الله المتقشفين في العبادة، و كان سفيان الثوري يقول: من أحبّ أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب و المسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد، و عن المبرد أنّه فتش المفتشون فما وجدوا بعد نبيّنا صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله وَ سَلَّم من اسمه أحمد قبل والد الخليل، فكان ولده بتلك المنزلة من الذكاء و الزهد، كرامة لأوّل تسمية باسم رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله وَ سَلَّم.
تمّام (1)، و البحتري (2)، و كثير من نظرائهم ممن لا تخوّلنا الظروف الحاضرة توسيع نطاق القول في تعدادهم، وسرد شواهد تشيعهم، من أشعارهم و شهادة المؤرّخين في حقّهم، على أنّنا لسنا من هذا الصدد في شيء، فإنّ)
1) أبو تمّام حبيب بن أوس بن الحارث الطائي ت 231 ه، الشاعر الأديب أحد أمراء البيان، ولد في جاسم (من قرى حوران بسوريا)، و رحل إلى مصر و استقدمه المعتصم إلى بغداد، و أخباره مشهورة، قال النجاشي: كان إمامياً و له شعر في أهل البيت كثير، و قال الجاحظ في كتاب «الحيوان»: و حدثني أبو تمام الطائي و كان من رؤساء الرافضة، و في «أمل الآمل»: كان شيعياً فاضلاً أديباً منشئاً. (راجع الأعيان ج 4 ص 391، الغدير ج 2 ص 390، الأعلام ج 2 ص 165.
2) أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي البحتري: شاعر كبير، ولد بمنبج سنة 206، يقال لشعره (سلاسل الذهب)، قال عبد الجليل الرازي أستاذ ابن شهر آشوب: «البحتري من شعراء الشيعة»، و كان خصيصاً بدعبل الخزاعي و من أصدقائه، كما في كتاب (اكتفاء القنوع) و غيره، و أخباره مشهورة، توفّي سنة 284 ه. (راجع الأعيان ج 10 ص 274، الأعلام ج 8 ص 121).
في شهادة العلم و التاريخ مقنعاً و كفاية.خذ إليك «ميزان الاعتدال» للحافظ الذهبي الدمشقي (1، و على ما في هذا الرجل من الانحراف عن العلويين و شيعتهم، كما هو الغالب يوم ذاك على الشام من كونهم من أحزاب بني أميّة، و لكن إذا تصفّحت كتابه هذا، لم تجد باباً فيه و لا حرفاً إلّا وسرد به عدّة من رواة الشيعة و محدثيهم، و علمائهم، و مهما كانت الأهواء و الأميال تعمل فيه على التغاضي عنهم و الحط منهم، كان بُعد الصيت و واسع الشهرة و عظيم الثقة و الأمانة، تدفعه إلى الصراحة بالحقّ و الإنصاف، فيثني عليهم أحسن الثناء.)راجع ترجمة أبان بن تغلب (2تجد هناك رأياً له أبداه، و مقالة سردها، و تقاسيم للشيعة قسّمها، ختمها بما مضمونه : أنّا لو أردنا أن نترك
1) الحافظ محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، تركماني الأصل من أهل ميافارقين صاحب المصنّفات الكثيرة مولده و وفاته في دمشق سنة (673- 748). (راجع الأعلام ج 5 ص 326).
2) أبان بن تغلب بن رباح القارئ الكوفي، المتوفى سنة 141 ه، ثقة جليل القدر، عظيم المنزلة في أصحابنا لقي أبا محمّد علي بن الحسين، و أبا جعفر، و أبا عبد الله علیهِِمُ السَّلام، و روى عنهم و كانت له عندهم حظوة و قدم، و ذكر البلاذري: أنّ أبا جعفر علیهِِ السَّلام قال له: ﴿اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس، فإنّي أحب أن يرى في شيعتي مثلك)، و قال أبو عبد الله علیهِِ السَّلام لمّا أتاه نعيهُ: أما و الله، لقد أوجع قلبي موت أبان، و كان قارئاً من وجوه القرّاء، فقيهاً لغوياً سمع من العرب و حكى عنهم و ثّقه أحمد بن حنبل، و ابن معين و أبو حاتم، و روى عنه أصحاب الصحاح الست سوى البخاري، و قال عنه الذهبي: شيعي جلد لكنّه صدوق فلنا صدقه و عليه بدعته، قال النجاشي: و كان أبان رَحمَه الله مقدّماً في كلّ فن من العلوم، في القرآن ، و الفقه و الحديث و الأدب و النحو، و له كتب منها: تفسير غريب القرآن، و كتاب من الأصول في الرواية على مذهب الشيعة، كما في فهرست ابن النديم ص 367. (راجع ترجمته في معجم رجال الحديث ج 1 ص 131، میزان الاعتدال ج 1 ص 118).
كلّ حديث كان في طريقه أحد الشيعة لزم علينا ترك العمل بأكثر الأخبار (1)و له أمثال ذلك في الكتاب نفسه و غيره، و هكذا سائر المعاجم و كتب التراجم.
بلغ حال الشيعة في النبوغ بالشعر و الآداب، أنّ الكتّاب و أرباب الترجمات إذا أرادوا أن يبالغوا في وفور حظ بعض الشعراء من الشعر و الأدب، قالوا: فلان يترفّض في شعره، و قالوا: و هل ترى من أديب غير شيعي (2)
شیعی أملاك بكر إن هم انتسبوا *** و لست تلقى أديباً غير شيعي
من قصيدة بعنوان (علوي الرأي وائلي الأصل) يمدح بها ابا الفرج الشيباني.
و في الذريعة ج 24 ص 154 (فالمثل السائر حتّى القران الرابع كان يقول: هل رأيت أديباً غير شيعي).
و قال القاضي ابن خلّكان في ترجمة ابن الجهم (3)ما نصّه: و كان مع انحرافه عن عليّ بن أبي طالب رَضی اللهُ عَنهُ و إظهاره التسنّن مطبوعاً مقتدراً على الشعر (4)و في هذه العبارة كفاية للمتدبر (5)
1) نص العبارة في الميزان ج 1 ص 118 رقم 2 هكذا (فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، و هذه مفسدة بينة).
2) عجز بيت لابن هاني الأندلسي كما في ديوانه: ص 378، و روايته:
3) علي بن الجهم بن بدر من بني سامة، خصّ بالمتوكل العباسي، ثمّ غضب عليه فنفاه إلى خراسان، فحبسه طاهر بن عبد الله بن طاهر، و صليه مجرداً نهاراً كاملاً، رجع إلى العراق ثمّ إلى الشام، ثمّ خرج من حلب، فخرج عليه جماعة من كلب فجرحوه، و مات من جراحه سنة 249 ه، كان يلعن أباه لأنّه سماه عليّاً، له ديوان شعر مطبوع. (راجع ترجمته في وفيات الأعيان ج 3 ص 355، تاریخ بغداد ج 11 ص 367، الأعلام ج 4 ص 269).
4) وفيات الأعيان ج 3 ص 355.
5) أي كأن الاقتدار على قول الشعر الجيد هو من مختصات الشيعة و مقترن بهم، و فحول الشعراء هم من الشيعة.
دع عنك أهل النهضات العظمى، و الآيات الكبرى، و الدول المهمة في العالم الاسلامي و الساعية في مدّ باعه و انبساط أشعته على البسيطة، دع عضد الدولة و البويهيين (1)
و البويهييون نسبة إلى بويه أبو شجاع، كانت بداية دولتهم سنة 321 ه و حكموا فارس و العراق و الموصل و الجزيرة و استمرت حتّى دخول طغرلبك بغداد سنة 447 ه فانتهت دولتهم.
، دع سيف الدولة و الحمدانيين (2)كانت بداية الدولة الحمدانية سنة 292 ه، و شملت الموصل، و ديار بكر، و الجزيرة، و حلب، و انتهت بموت أبى الفضائل سعيد الدولة سنة 392 ه.
، دع المعزّ و عليّة العلويين (3)استمرت الدولة الفاطمية من سنة 296- 567.
، دع1) فناخسرو الملقب عضد الدولة ابن الحسن (ركن الدولة) ابن بويه الديلمي، أبو شجاع ت 372 ه أحد المتغلبين على الملك في عهد الدولة العباسية بالعراق، تولى ملك فارس، ثمّ ملك الموصل و بلاد الجزيرة، و هو أوّل من خطب له على المنابر بعد الخليفة و أوّل من لقب في الإسلام (شاهنشاه) كان مشاركاً في عدّة فنون أديباً عالماً بالعربية ينظم الشعر، نعته الذهبي بالنحوي، و صنّف له أبو علي الفارسي «الإيضاح» و «التكملة» كما صنّف له أبو إسحاق الصابي كتاب «التاجي » و أخباره كثيرة أتى على معظمها ابن الأثير في الكامل. (راجع وفيات الأعيان: ج 4 ص 50، الأعلام ج 5 ص 156).
2) كان بنو حمدان ملوكاً و أمراء أوجههم للصباحة، و ألسنتهم للفصاحة، و أيديهم للسماحة، و عقولهم للرجاحة، و سيف الدولة مشهور بسيادتهم، و واسطة قلادتهم، و كان غرة الزمان و عماد الإسلام و من به سداد الثغور و سداد الأمور و حضرته مقصد الوفود، و مطلع الجود ، و قبلة الآمال، و محط الرحال، و موسم الأدباء و حلبة الشعراء، و يقال: إنّه لم يجتمع قط بباب أحد من الملوك ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر، و نجوم الدهر، صاحب المتنبي و ممدوحه، صاحب الغزوات الكثيرة و الوقائع المشهورة مع الروم، و كان أديباً شاعراً محبّاً لجيّد الشعر، يقول الشعر الجيد الرقيق، و هو أوّل من ملك حلب من بني الحمدان توفي سنة 356 ه. (راجع يتيمة الدهر ج 1 ص 37، وفيات الأعيان ج 3 ص 401، الأعلام ج 4 ص 303).
3) المعز لدين الله معد بن إسماعيل بن القائم بن المهدي عبيد الله الفاطمي العبيدي أبو تمیم ت 365 ه صاحب مصر و إفريقية، ولد بالمهدية- في المغرب- و بويع له بالخلافة في المنصورية بعد وفاة أبيه، و هو الذي فتح مصر، و في أيّامه بنيت مدينة القاهرة و ازدهرت مصر ازدهاراً عظيماً، و كان عاقلاً حازماً شجاعاً أديباً ينسب إليه شعر رقيق. (راجع ترجمته في وفيات الأعيان ج 5 ص 224، الأعلام ج 7 ص 265).
أمير الأُمراء و أمير العرب صدقة بن مزيد (1)و سائر ملوك بنی دبیس، لا بل دع المأمون (2)نفسه و المنتصر (3)
1) ملك العرب سيف الدولة أبو الحسن صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي باني مدينة الحلّة في العراق سنة 495 ه، كان جليل الشأن عظيم السلطان كريم الأخلاق عفيفاً كثير العطاء و هو أشهر بني مزيد، شجاعاً و بطلاً، و كان محبّاً للشعر و الشعراء جميل الإصغاء و جزيل العطاء، نافر السلطان محمّد بن ملکشاه السلجوقي، فالتقيا عند النعمانية، فقتل و حمل رأسه إلى بغداد سنة 501 ه و قيل 504 ه. (راجع وفيات الأعيان ج 2 ص 490، اعيان الشيعة ج 7 ص 386، الأعلام ج 3 ص 203).
2) أبو العباس عبد الله بن هارون العباسي الهاشمي: سابع خلفاء بني العبّاس، و أحد أعاظم الملوك، كان عالماً بالأصول و النحو و اللغة و علوم الحكمة، و في أيّامه ظهرت كتب اليونان، و أمر بتعريبها و اعتنى بها، و كان يناظر في كلّ فن، عرف بحبّه للعفو و موقفه مع دعبل معروف، و كان المأمون يظهر أنّ مذهبه مذهب القائلين بالنص و الوصية من الشيعة و أمر بلعن معاوية على المنابر، و في «عيون أخبار الرضا» أنّ المأمون قال: لئن نصرني الله على المخلوع- الأمين- لأخرجن الخلافة عن بني العباس إلى بني علي فنصرني الله فوفيت بما عاهدته، و كان هذا أحد أسباب بيعته لأبي الحسن الرضاء علیهِِ السَّلام، و أخباره مشهورة تولى الخلافة سنة 198 ه و توفي في طرسوس من بلاد الشام سنة 218 ه. (راجع: نسمة السحر ج 2 ص 299، الأعلام ج 4 ص 142).
3) محمّد بن جعفر المتوكل بن المعتصم، أبو جعفر من خلفاء الدولة العباسية، ولد في سامراء، و بويع بالخلافة بعد أن قتل أباه سنة 247 ه، أظهر المنتصر خلاف مذهب أبيه في كلّ شيء و طرد من كان يتقرب إليه بهجاء علي علیهِِ السَّلام من الشعراء كعلي ابن الجهم، و مروان بن أبي حفصة الصغير، و كان المنتصر شجاعاً حازماً كريماً سرّياً شاعراً أديباً، و كان برّاً بآل أبي طالب، مات مسموماً سنة 248 ه و مدة خلافته ستة أشهر و أيام، و هو أوّل خليفة من بني العباس عرف قبره. (راجع نسمة السحر ج 3 ص 181، الأعلام ج 6 ص 70).
و الناصر (1)
و كان للناصر من المبار و الوقوف ما يفوق الحصر، و بنى من دور الضيافات و المساجد و الربط ما يتجاوز حدّ الكثرة، و هو الذي بنى سرداب الغيبة في سامراء. و جعل فيه شبّاكاً من الآبنوس الفاخر، كتب على دائرة اسمه و تاريخ عمله، و هو باقٍ لهذا الوقت، و نقش في داخل الصفة اسماء المعصومين الأربعة عشر علیهِِم السَّلام.
و قال ابن الساعي في كتابه «مختصر أخبار الخلفاء»: كان أسد العباس تتصدع لهيبته الجبال، و كان حسن الخق فصيح اللسان، له التوقيعات المسددة و الكلمات المؤيدة، و كانت أيّامه غرة في وجه الدهر، و قد جعل مشهد الإمام موسى الكاظم علیهِِ السَّلام أمناً لمن لاذ به فكان الناس يلتجؤون إليه في حاجاتهم و مهمّاتهم و جرائمهم فيقضي الناصر لهم حوائجهم و يسعفهم فيما أهمهم و يعفو عن جرائمهم.
و قال ابن النجار: دانت السلاطين للناصر و دخل تحت طاعته من كان من المخالفين، و قال الموفق عبد اللطيف: أحيا هيبة الخلافة، و كانت قد ماتت بموت المعتصم، ثمّ ماتت بموته. (راجع نسمة السحر ج 1 ص 252، الأعيان ج 2 ص 505، الفخري في الآداب السلطانية: ص 308).
و كثيراً من العباسيين (2)، بل و عدداً من رجال الأُمويين كخالد1) الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله الحسن بن المستنجد، ولد سنة 553 ه و توفي سنة 622 ه و مدة خلافته نحو 47 سنة و هي أطول مدّة ولي الخلافة فيها خليفة عباسي، كان فاضلاً حازماً أديباً و كان من الشيعة الإمامية، و كان يرى نفسه نائباً للإمام المنتظر علیهِِ السَّلام و بذلك ذكره الذهبي و عجب منه و من سعادته استرجاع بيت المقدس و سائر ساحل الشام إلّا القليل من أيدي الافرنج فی أيّامه، و كان الناصر عالماً مؤلفاً شجاعاً شاعراً، و يعدّ في المحدثين و له كتاب فضائل أمير المؤمنين علیهِِ السَّلام رواه السيد ابن طاووس في كتابه «اليقين» عن السيد فخار بن معد الموسوي عن الناصر، و قال ابن الطقطقي في «الاداب السلطانية»، صنّف كتباً و سمع الحديث النبوي- صلوات الله على صاحبه- و أسمعه.
2) كالمعتضد بالله، أبو العباس أحمد بن الموفق ت 288 ه، و الواثق بالله أبو جعفر ابن المعتصم ت 232 ه، كما في نسمة السحر ج 1 ص 262، و ج 3 ص 295.
ابن سعيد بن العاص (1)من السابقين في الإسلام، و نفر من أوائل بني أُُميّة (2)فضلاً عن أواخرهم، كأبي الفرج الأصفهاني (3)صاحب الأغاني، و غيره ممن لا يبعدون عن المتتبع بادئ الأمر.
و عبثاً أُُحاول إثبات هذه الجليّة الجليلة التي يراها بالناظر المجرد كلّ
1) خالد بن سعيد بن العاص الأموي: كان من السابقين للإسلام، و قيل: إنّه خامس من أسلم أو سادس من أسلم، و عندما علم أبوه سبّه و ضربه و نال منه و طرده، فانصرف خالد إلى رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم، فكان يلزمه و يعيش معه، و هاجر إلى الحبشة و قدم مع جعفر و شهد مع النبيّ عمرة القضاء و فتح مكّة و حنيناً و الطائف و تبوك، و بعثه عاملاً على اليمن، و لم يزل خالد و أخواه عمرو و أبان على أعمالهم التي استعملهم عليها رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم حتّى توفّي، فرجعوا عن أعمالهم، فقال لهم أبو بكر مالكم رجعتم؟ ما أحد أحقّ بالعمل من عمال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْه وَ آله وَ سَلَّم ارجعوا إلى أعمالكم، فقالوا: نحن بني أحيحة لا نعمل لأحد بعد رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم أبداً و تأخر خالد و أخوه أبان عن بيعة أبي بكر، فقال لبني هاشم: إنكم لطوال الشجر طيبوا الثمر، و نحن تبع لكم، فلمّا بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد و أبان، و ذكره ابن شحنة في تاريخه فيمن تخلف يوم السقيفة مع علی علیهِِ السَّلام ، و عن الجوهري في كتاب السقيفة: أنّ خالد بن سعيد هذا كان قد تخلف عن بيعة أبي بكر، و قال: لا أبايع إلّا علياً،استشهد في وقعة مرج الصفر (قرب دمشق سنة 14 ه)، و لعمرو بن معدي كرب قصيدة يمدحه بها. (راجع ترجمته في الاستيعاب ج 2 ص 420، و اسد الغابة ج 1 ص 574، و الإصابة ج 2 ص 236، و الأعيان ج 6 ص 288، و الأعلام ج 2 ص (296).
2) ك (أبان بن سعيد بن العاص أخو خالد المتقدّم ذكره و أخوه عمرو، و محمّد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس الذي قتله معاوية سنة 36 ه، و معاوية بن يزيد بن معاوية، و سعد الخير الذي قال في حقّه الإمام الباقر علیهِِ السَّلام: أنت أمويّ منّا أهل البيت).
3) أبو الفرج، علي بن الحسين بن محمّد، صاحب الأغاني يصل نسبه إلى مروان الحمار، و كان زيديّاً و من شيوخه الحافظ ابن عقدة الزيدي، و قال القاضي التنوخي: و من المتشيعين الذين شاهدناهم أبو الفرج الاصفهاني كما في نسمة السحر ج 2 ص 376.
أحد، و إنّما المعنيُّ بنفثتي هذه أنّ من حاول تاريخ هذه اللغة العربية الإسلامية، ثمّ فاته الاعتداد بمساعي تلك الطائفة و موروثات مآثرهم و آثارهم في العربية و الإسلام، فقد فاته الحظ الأكبر و النصيب الأوفر، و يشهد الدين و الأمانة علىَّ أنّي ما أردت بكلمتي هذه الإطراء بقومي و أبناء نحلتي، كلّا، فإنّ الأمر فيهم أوضح و أجلى:
و إذا استطالَ الشيءُ قامَ بنفسه *** و صفاتُ ضوءِ الشمسِِِ تذهبُ باطلا (1)
و إنّما أقصى الغرض من ذلك أنّي وجدت مؤلف هذا الكتاب ممن يطلب الحقيقة، و قد ضاع عليه منها الجانب المهم، فأحببنا تنبيهه عليها ثقة بأنْ سوف تصادف منه قبولاً يبعثه إلى الطلب، و يعتدّها لخدمة العلم أقوى سبب، و عسى أن يأتي لهذا في ملاحظاتنا هذه مزيد بيان لهذه الجملة إن شاء الله.
نعم، بقي هنا شيء و هو من الغريب، ألا و هو عدم ذكره في الكتب التي عوّل على الأخذ منها في مشروعه هذا، كتاب «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (2)، و هو أمتع و أجمع كتاب في هذا الموضوع؛ أعني في تاريخ المؤلِّفين و المؤلَّفات، على طرز «الفهرست و الوفيات» و غيرهما من المآخذ
1) البيت للمتنبي و قد تقدّم تخريجه في ج 1 ص 219.
2) ياقوت بن عبد الله الرومي الجنس و المولد الحموي المولى البغدادي الدار، أُُسر من بلاد الروم صغيراً و ابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر بن إبراهيم الحموي، فربّاه و علّمه و شغله بالأسفار في متاجره، ثمّ أعتقه سنة 596 ه و أبعده، فعاش من نسخ الكتب بالأجرة، كان متعصباً على علي بن أبي طالب علیهِِ السَّلام، و كان قد طالع شيئاً من كتب الخوارج فاشتبك في ذهنه منه طرف قوي، و ناظر بعض من يتعصب لعلي علیهِِ السَّلام و جرى بينهما كلام أدى إلى ذكره علياً علیهِِ السَّلام بما لا يسوغ، فثار الناس عليه ثورة كادوا يقتلونه، فسلم منهم و خرج من دمشق منهزماً. (وفيات الأعيان ج 6 ص 127، و الأعلام ج 8 ص 131).
التي عوّل عليها، و هذا المعجم قد طبعت بعض أجزائه في القاهرة (1)و يبعد جداً أن يكون المؤلف لم يقف عليه، و لكن كأنّه لم يستفرغ الوسع، و لم يبذل تمام الجهد، فظهر النتاج خداجاً، و الأثر ضعيفاً ناقصاً، و الكمال لله وحده.
صفحة 17: و يعبر عن شعائرهم (2)
حقّ المقام أن يقول عن (مشاعرهم) بدل (شعائرهم)، و الفرق بين اللفظين معنى كالفرق لفظاً، مما لا يخفى على المترعرع فضلاً عن المتضلّع.
صفحة 25: تأثير الحمورابيين في الشرائع (3)
في هذا المقام إلى نهايته ترضّخات (4)و تخرّصات تفوح منها رائحة التلاعب بالأديان، و الترامي بالشرائع المقدّسة، مثل: إنّ صاحب شريعة موسى كأنّه اقتبس من شريعة حمورابي (5) (6)، و مثل: إنّ حوريب مكان
1) يشير إلى طبعة د . س مرجليون التي ظهرت في سنة 1914 و قد طبعت بمطبعة هندية بالموسكى فى سبعة مجلدات كاملة.
2) أسقطت من هذه الطبعة و أصبحت العبارة هكذا: (خصائص في مشاعرها و مداركها) ج 1 ص 19.
3) ج 1 ص 26 و الذي يظهر منه بعض التصرف.
4) يقال فلان يرتضخ لَكْنَة عجمية: إذا نشأ مع العجم يسيراً ثمّ صار مع العرب فهو ينزع إلى العجم في ألفاظ من الفاظهم لا يستمر لسانه على غيرها و لو اجتهد. (لسان العرب ج 5 ص 230، مادّة «رضخ»).
5) ملك بابل عاش حوالي (2100 ق .م) يعد عصره العصر الذهبي لبابل هزم رم سن ملك لارسا، و طرد العيلاميين من بابل، بسط نفوذ بابل على الجزء الشمالي من بلاد ما بين النهرين، و نجح في تكوين إمبراطورية اتخذ بابل عاصمة لها. (راجع الموسوعة العربية الميسرة: ص 740). اشتهر برسائله و بمجموعة قوانينه و هي منقوشة على قطعة كبيرة من حجر الديوريت الأسود المصقول و تعرف بمسلة حمواربي و هي موجودة الآن بمتحف (اللوفر) في باريس.
6) ج 1 ص 27.
عبادة على نحو ما أخذه العرب عن الصابئة العراقيين من تقديس الجبال و إقامة الحرم أو الحمى حول المعابد (1) وكلّ من له من الدين عرق ينبض يعرف مرامي هذه الكلمات و مناحيها، و ما يتفوح من فحاويها، و قد كان من الحريّ بالمؤلف أن لا يتعرّض لنقل ما يمس الأديان، و يثير العواطف بموهم سوء، و شايبة شر، بل يدع الأديان لأهلها، و يحيلها إلى حُوَّلها و قُلََّبِها (2)، فإنّ لكل مجال رجالاً، و لكل ميدان فرساناً، و فيما سوى ذلك له سعة و مندوحة.
و الحق الذي عليه عامّة التواريخ- و خاصّة الكتب المقدّسة- أنّ العرب ما اتخذوا تقديس الجبال، و إقامة الحرم حول المعابد لا من الصابئة و لا من غيرهم من الأمم، و إنّما اتخذوه من جدهم إبراهيم و أبيهم إسماعيل بتعليم إلهي و ناموس سماوي (3)، و بقي محفوظاً فيما بين العرب إلى يومك هذا، لا يزيده مرور الأيام إلّا جدّة (4)، و لا تقادم العصور إلّا بهجة، وكلّ ما سوى هذه الحقيقة الراهنة فهي رجم بالغيب ، و ريبة في الأديان بلا ريب.
صفحة 29: لا يقلّ شيئاً على أحكام أكابر الفلاسفة (5)
حقّ العربية أن يجعل «عن» في الكلام بدل «على»، فيقول: لا يقلّ عن أحكام أكابر الفلاسفة، كما هو ظاهر.
1) اسقطت هذه العبارة من هذه الطبعة و الذي يظهر أنّ الموضوع غُيِّرَ فيه.
2) قولهم: هو حُوّلٌ قُلّب: أي محتال، بصير بتقليب الأمور، و القُلّب الحوّل: الذي يقلب الأمور و يحتال لها. (لسان العرب ج 11 ص 269، مادّة «قلب»).
3) إشارة إلى بناء الكعبة و الأمر بالحج إليها.
4) الجدّة: نقيض البلى، يقال: شيء جديد. ( لسان العرب ج 2 ص 201، مادّة «جدد»).
5) أصبحت العبارة هكذا:(لا يقل عن نظر أعظم الفلاسفة) ج 1 ص 30.
صفحة 39: على أننا نستدلّ على تكاثر الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية بخلوّ أخواتها من تلك الألفاظ، فإذا رأينا لفظاً في العربية لم نر له شبيهاً في العبرانية أو السريانية أو الحبشية، ترجّح عندنا أنّه دخيل فيها، إلى آخر ما ذكره في هذا المبحث على طوله (1)
الذي تقتضيه فلسفة البحث في هذه النظرية أنّنا إذا وجدنا اللفظ قد استعمله فصحاء العرب في الجاهلية ، وشاع أو تعدّد تزاوله فيما بينهم، اعتددنا بذلك اللفظ، و عددناه من فصحى الألفاظ العربية. و لا يهمنا أن يكون من الصميم أو الدخيل، بعد افتراضه فصيحاً، فإنّ أقصى ما يهمّنا في الأبحاث اللغوية و العلوم العربية أن نعرف الفصيح من غيره، حتّى نأتي بالكلام المشتمل على الفصاحة العربية على نواميسها و مشروعاتها عند أهلها الذين عليهم المعوّل، ثمّ إن دفعنا دافع التوسع في البحث و الترامي في معارج المبادي و الغايات إلى النظر في مبادي هذه اللغة و أوائلها، و منشآتها، و مستعمراتها (2)، و تمييز خاصّة أملاكها من مستعاراتها، فبالحريّ، بل اللازم النظر أوّلاً فى: أنّ من هم الذين وضعوا اللغات، و كيف وضعوها، و على الأخص لغة العرب التي فيها و إليها يساق الحديث؟!.
الباحثون في علوم العربية و المتفلسفون فيها في القرون الأولى. وضعوا هذه النظرية في موضع البحث، و استعرضوها على صفحات احتكاك الآراء و الأفكار، وكلُّ سلك فيها مسلكاً، و اختار بها مذهباً،
و حاضر الوقت و المقام لا يفسح لنا نشر هذه الدقيقة على حدودها و تخومها، و لكن أُُمّهات الأقوال فيها ثلاثة (1):
الأوّل: إنّ واضع الخلق و موجدهم هو واضع لغاتهم و تحاورهم بتعليم واحد منهم، إمّا آدم أب البشر، أو جذوم (2)أولاده كسام و غيره، أو يعرب بن قحطان أب العرب فيما يزعمون بالنسبة إلى اللغة العربية، و هذا القول واهن واهي، و لا حجّة لهم فيما يحسبون من ظواهر بعض الآيات كقوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاء (3)الآية، و البسط موكول إلى محلّه (4)
الثاني: ما ينسب إلى سليمان بن عباد الصيمري (5)
(راجع فهرست ابن النديم: ص 300، لسان الميزان ج 3 ص 229، سير أعلام النبلاء ج 10 ص 551، طبقات المعتزلة: ص 77، الفصل في الملل و النحل ج 2 ص 86).
أنّ دلالتها باقتضاء ذواتها و مناسبة خاصة بين كلّ لفظ و معناه (6)، و هذا بظاهره- كما1) أو صلها محمّد بن علي الشوكاني ت 1250 ه في إرشاد الفحول: ص 34 إلى ستة أقوال.
2) الجذْم: أصل الشيء، و جذم القوم: أصلهم. (لسان العرب ج 2 ص 223 مادّة « جذم»).
3) سورة البقرة 2: 31.
4) ذهب إلى هذا القول الأشعري و أتباعه و ابن فورك، و أهل الظاهر كما في إرشاد الفحول: ص 34، و الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 1 ص 67، و به قال أبو على الفارسي کما في المخصص ج 1 ص 4.
5) هو أبو سهل عباد بن سليمان الضمري البصري [ الصيمري] المعتزلى ت 220 ه من أصحاب هشام بن عمرو الفوطي، يخالف المعتزلة في أشياء اخترعها لنفسه، زعم أنّ بین اللفظ و المعنى طبيعة مناسبة فردوا عليه ذلك، من كتبه (إنكار أن يخلق الناس أفعالهم).
6) انظر: لسان الميزان ج 3 ص 229، إرشاد الفحول: ص 34، أحكام الآمدي ج 1 ص 66.
ترى- أشبه بالسخافة.
و كأنّ شهرة القائل عند العلماء بدقة الفكر و نفوذ الخاطر (1)و اعتياص الأقوال، صار المؤلفون يطلبون مخرجاً لكلامه هذا، وكلّ حمله على محمل ليس بالصحيح السالم.
و الذي كنّا نحتمله- أيّام دروسنا لمباحث الوضع من كتب المعاني و البيان- أنْ لعلّ نظر هذا الذاهب و فلسفة قوله ترمي إلى أنّ الواضع- أيّاً ما كان- قد لا حظ المناسبة بين المعاني و الألفاظ فجعل (القصم) بالقاف لكسر الشيء الشديد الجبس، و (الفصم) للشيء الرقيق ذي الخلل، و (الخضم) للشيء الرقيق أيضاً، و لكن مع الطراوة لا الجفاف.
فحروف الألفاظ وقعت متغايرة على نسبة المعاني؛ فالقاف و الصاد في الأوّل أشدّ كمعناها، و الفاء و الصاد في الثاني أرقّ، كما أنّ معناها ألين و أرقّ من الأوّل، و الخاء و الضاد أطرى و أوطى من تلك الحروف ، كما أنّ المحسوس الخارجي من معناه أطرى من محسوسات تلك المعاني، و ربّما يعضد هذا التوجيه أنّ صاحب القول كان من علماء التكسير (2)و المعنيين بعلم الحروف و معرفة خواصّها و طبائعها، في ما يزعمون، و تقسيمها إلى أنواع المجهورة و المهموسة و الشديدة و الرقيقة و أمثال ذلك، مما اجتذبه بعض الصرفيين إلى علمهم.
و سواء كان هذا التأويل صحيحاً أم غير صحيح، و تلك المناسبة المدعاة
مطّردة أم غير مطّردة، فإنّ ذلك القول على ظاهره أوهن من سابقه (1)
الثالث -و هو المرجح عندنا إبّان اشتغالنا بالمبادئ-: أنّ كافّة اللغات- و على الأخص العربية- كسائر الكاينات الحيّة واقعة في سبيل التحول و التبدل و النموّ و الارتقاء و التهذّب و التشذّب تدريجاً، و البسطة و التوسّع شيئاً فشيئاً، على سنن بقاء الأصلح أو الصالح للبقاء (2)
و ما زالت هذه اللغة الكريمة تتدرّج في أطوارها و أدوارها الغابرة القديمة، لا أقول من عهود قحطان (3)و عدنان (4)
انتشرت بطون عدنان في أنحاء الحجاز و تهامة و نجد و العراق، ثمّ اليمن، و بنو عدنان هي قبيلة من ولد إسماعيل عَلیْهِ السَّلام، و المنسوب إليهم العرب العدنانية من قريش و كنانة و غيرهم، و قد انتسب النبي إلى عدنان هذا، و كان رسول الله إذا انتسب فبلغ عدنان يمسك و يقول: «كذب النسابون»، فلا يتجاوزه.
(الأعلام ج 4 ص 218، سبائك الذهب ص 19).
، بل قبل تلك الأزمان، و لا من عهد جديس (5)(راجع سبائك الذهب: ص 14، الأعلام ج 2 ص 113- 114).
1) راجع رد الآمدي على هذا الرأي في أحكامه ج 1 ص 66، و الشوكاني في إرشاده: ص 37، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: ص 28.
2) و بهذا المعنى قال ابن سيده في المخصص ج 1 ص 6، و السمعاني في قواطع الأدلة ج 1ص 51، و ابن حزم الظاهري في الإحكام في أصول الأحكام ج 1 ص 31، و به قال أغلب فلاسفة و باحثي الأعصار المتأخرة.
3) قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح عَلیْهِ السَّلام: أصل العرب القحطانية و أبو بطون حمير و كهلان، و التبابعة، و اللخميين، و الغساسنة في الجاهلية، يعدّه أهل الأنساب أوّل رجال الجيل الثاني من أجيال العرب الثلاثة (العاربة، و المتعربة، و المستعربة) و فيهم من قال أنه ابن هود النبي عَلیْهِ السَّلام. (راجع سبائك الذهب- للسويدي-: ص 16، الأعلام ج 5 ص 190).
4) عدنان: أحد من تقف عندهم أنساب العرب، و إليه ينتسب معظم أهل الحجاز.
5) جديس بن لاوذ بن إرم: جد جاهلي قديم، من العرب العاربة، كانت مساكن بنيه باليمامة أو البحرين و حربهم مع طسم مشهورة، قيل انتهت بفناء القبيلتين.
و جرهم (1)، بل من زمن أقدم، و لا من أحقاب قيدار (2)و إسماعيل، بل قبل ذلك الجيل، و لا من عهد عاد (3)
(الأعلام ج 3 ص 242، و سبائك الذهب: ص 15).
و ثمود (4)ورد ذكرهم في القرآن الكريم و أنّهم أهلكوا بالصيحة، و ورد ذكرهم في تاريخ الآشوريين، و أنّهم غلبوا سنة (715 ق.م)و أسكنت بقاياهم في مقاطعة السامرة بفلسطين، و قدماء اليونان يسمونهم (ثموديني) و يسمون الحجر (أجرا) و دلت الاكتشافات الحديثة على أنّ بقايا من ثمود أدركت أيام المسيح و عاشت بعد الميلاد، و بين الكتابات الثمودية نصّ أرخ بسنة 267 للميلاد، و نقل الدكتور جواد علي: أنّ في المتاحف الأوربية الآن و في مكتبات بعض الجامعات، و في أوراق المستشرقين مجموعة من النصوص الثمودية يزيد عددها على (1700) نص وجدت فی منطقة حائل بنجد و أرض تبوك و تيماء، و مدائن صالح و السلاسل الجبلية الممتدة بین هذه المنطقة و الحجاز، و وجد بعضها في الطائف و بقرب الوجه، و في شبه جزيرة سيناء، و في الصفا (شرقي دمشق) و يشك في صحة نسبة الكثير منها إلى الثموديين. ( الأعلام ج 2 ص 101، سبائك الذهب ص 14، و كتب التفسير).
، بل قبل تلك العهود،1) جرهم بن قحطان: جدّ جاهلي يماني قديم، كان لهُ و لبنيه ملك الحجاز، تزوج منهم إسماعيل عَلیْهِ السَّلام، و لمّا بنى البيت الحرام بمكّة كان لهم أمرهُ، و أوّل من ولیه منهم الحارث بن مضاض الجرهمي إلى أن غلبتهم عليه خزاعة فهاجروا عائدين إلى اليمن. (سبائك الذهب: ص 14، الاعلام ج 2 ص 118).
2) قيدار بن إسماعيل عَلیْهِ السَّلام و هو ابنه الأكبر تزوج بنت ملك الجرهميين، كان صاحب بأس و شدّة و رمي و فروسية، كما في تاريخ الخميس ج 1 ص 146.
3) عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عَلیْهِ السَّلام جد جاهلي قديم يقال: إنّه كان في بابل ورحل بولده و أهله إلى اليمن فاستقر في الأحقاف (بين عمان و حضرموت) و كانت له و لبنيه من بعده حضارة و عناية بالعمران، و في علماء الأخبار من يذكر أن عاداً قبيلتان: الأولى (عاد إرم) هذه و قد بادت، و أصبح اسمها رمزاً للقدم حتّى قيل مجدٌ عادي أي قديم،و عاد الأخيرة قالوا إنهم بني تميم و منازلهم في رمال عالج.
4) ثمود بن عابر بن إرم من بني سام بن نوح رأس قبيلة من العرب العاربة في الجاهلية الأولى كانت إقامته في بابل،ورحل عنها بعشيرته إلى الحجر (بين الشام و الحجاز) و بقيت آثارهم في الحجر المعروفة بمدائن صالح إلى اليوم، و فيها من عجیب الآثار بيوت منقورة في الصخور.
ما زالت تترامى في نشأة حياتها و أدوار عمرها من مبدأ لا أعلمه على اليقين، و قد لا يعلمه الباحثون.
ما انفكّت تتقلّب في تلك الأدوار المظلمة حتّى بلغت منتهى و إبّان زهوها و أحسن نشأتها في عصر البعثة، عصر بزوغ شمس الكمال على الوجود، و انبعاث أشعّتها الروحية بالرحمة الكلية على العالمين، قد بعثت الفصاحة المحمدية و النفحة القرآنية روحاً من الفلسفة الأدبية في سائر السائرين على نهجها و المقتبسين من أنوارها.
فما مضى نيّر ذلك القرن إلّا و اللغة العربية في أوج ارتقائها عند جميع أبنائها، تجدها قد تشذّبت و تهذّبت و برزت في أزهى زيّها، و أبهى صورها، تجد أكثر السواد و عامّة البلاد قد أخذت طرزاً حديثاً من البيان يحقّ أن يعدّ نهجه في الطراز الأوّل من الفصاحة، دع من نبغ في ذلك القرن من مشاهير الكتاب، كعبد الحميد (1)، و ابن المقفّع (2)
(راجع وفيات الأعيان ج 2 ص 151، الأعلام ج 4 ص 140).
، و فلان، و ما الفضل في ذلك كلّه إلّا لتلك الروح الإسلامية و الحياة القرآنية.1) عبد الحميد بن يحيى بن سعد: مولى بني عامر بن لؤي بن غالب المعروف بالكاتب ت 132 ه يضرب به المثل في البلاغة و هو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل، عالماً بالأدب من أئمة الكتاب، أصله من قيسارية، سكن الشام و اختص بمروان بن محمد آخر ملوك بني أميّة له رسائل تقع في نحو الف ورقة، أبى مفارقة مروان و بقي معه إلى أن قتلا معاً في (بوصير) بمصر. (راجع وفيات الأعيان ج ص 228، الأعلام ج 3 ص 290).
2) عبد الله بن المقفّع: الكاتب المشهور بالبلاغة، أئمة الكتاب و أوّل من عني فی الإسلام بترجمة كتب المنطق،كان مجوسياً و أسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح و ولي كتابة الديوان للمنصور العباسي حاول معارضة القرآن و فشل، رمی بالزندقة، قتله أمير البصرة سفيان بن معاوية المهلبي سنة 142 ه.
و القصارى و المقصد أن ليس واضع هذه اللغة سوى البشر أنفسهم، و إن شئت قلت: ليس واضع اللغة سوى عامة أهل تلك اللغة، لا خاصّة واحد أو أحاد منهم.
ليس واضع اللغة شخصاً بعينه صعد منبراً أو تربّع دستاً (1)، و نادى: أيّها الناس! إنّي وضعت هذه الأسماء لتلك المسمّيات، و هذه الألفاظ لهذه المعاني، و أخذ يعدّد و يسرد ما بأيدينا الألفاظ.
و لا أنّ جماعة احتشدوا في ندوة أو محتفل و تعاقدوا على ذلك و اتّبعتهم أُُمّة من الناس، كلّا! ليس الواقعة على ما يتوهّم من ذلك حتّى تكون ألفاظ اللغة محدودة معدودة، ضيقة الدائرة، ذات فقر و عوز إلى غيرها من اللغات بالنسبة إلى ما يحدث لها من المعاني الغائبة عن الواضعين حين الوضع (2)، أو الحادثة الحقائق بعدهم، فتصبح جملة من الألفاظ دخيلة فيها، مستعارة من جاراتها، ملتمسة من أخواتها.
لا و كلّا! بل كلّ أُُمّة من الناس في بدء العمارة و انتشار هذا الكائن المسمّى بالإنسان على سطح هذه الكرة المسمّاة بالأرض بعد الطوفان أو قبله، سواء كان خلقاً فجائياً أو متسلسلاً من نوع واحد أو من أنواع.
کلّ أمّة جمعتها رابطة واحدة من مسكن واحد أو انتساب إلى أب واحد، اندفعت لا محالة بطباعها إلى إفهام مقاصد بعضها لبعض، فوجدت أسهلَ آلة موصلة لذلك أصواتها التي كانت تستعملها في ذلك، يوم كانت
1) الدست: الدشت؛ صدر البيت، معرّبة، و استعمله المتأخرون بمعانٍ شتّى، منها: الديوان و الرئاسة، أنظر شفاء الغليل ص 148، و لعل الكلمة تصحيف «سدّة» التي تعني: أمام باب الدار. (أنظر لسان العرب ج 6 ص 211 مادّة «سدد »).
2) الوضع: هو تخصيص اللفظ بالمعنى و تعيينه لهُ، و الواضع الذي يضع اللفظ للمعنى، و الموضوع هو اللفظ، و الموضوع لهُ: هو المعنى.
في أبسط عهودها و أشدّ سذاجتها، يوم كانت هذه الواسطة هي الآلة الوحيدة في إفهام جميع طوارئها و شؤون مقاصدها، فإذا جاعت و طلبت الغذاء بكت، و إذا تألّمت بكت، و هكذا.
ليس عندها من بيان سوى رفع الصوت و قطعه، فهو قرين وجودها، و الذي ركنت إليه في أسبق عهودها، و ما انفكّ ينشأ و يربو معها، و يشتدّ ساعده في المساعدة باشتدادها، و انتقلت به من البساطة و السذاجة إلى التقطيع و التركيب، ثمّ إلى التهذيب و التشذيب حتّى صار لغة من اللغات، و كائناً من الكوائن الحيّة.
و قد استبان من بيان الواضع كيفيّة الوضع، إذ كلما حضر لها معنى، أو شاهدت من الخارج حقيقة، أو اخترعت صناعة، أو مصنوعاً، أو ألّفتَ من الأعيان الخارجية مركّباً، اندفعت بسائق الغريزة إلى وضع لفظ له للتعبير عنه في مقاصدها، و هذا على التعاقب و التعاون لا يحدّه العلم بمبدأ معلوم، و لا التاريخ بأوّلِ محدود، لا يضبط عامّه، و لا تؤرّخ أيّامه.
و ما مضى ردح من الدهر إلّا و اللغة قد شيّد بنيانها، و توطّدت أركانها، ورست أُصولها، وبسقت فروعها، و استغنت بنفسها عن غيرها. فصارت حتّى لو أنشأت طريفاً (1)جديداً، أخذت له ما عندها من الألفاظ تليداً، و وضعته له، فاستغنت عن مدّ يد الحاجة إلى سواها، أدباً و مادّة.
الفاحص المتدبّر و الباحث المنقّب لا يشكّ أنّ وضع اللغات كلّها كان على هذه السنّة و الطريقة.
و لا شكّ أيضاً أنّ اللغة العربية قد بلغت أوج مجدها، وشأو كمالها،
1) الطريف و الطارف: المستحدث، و هو خلاف التليد. (لسان العرب ج 8 ص 146، مادّة «طرف»).
و أثرى ثروتها، و نزلت مغنى غناها في عصر الجاهلية المنبثق عنه فجر البعثة، بلغت مرتبة استغنائها عن كلّ لغة لكثرة الأطوار و الأدوار التي مرّت عليها، و كانت أبناؤها قد توسعت في الحضارة، و استبحرت في العمران، و كابدت كلّ نعيم و شقاء، و راحة و بلاء، و مارست جميع شؤون الحياة و أسباب غضارة العيش و الترف، لا باحتكاكها بالأُمم فقط، بل بما مرّ عليها من الملك و اتساع السلطة من ملوك حِمْيَر (1)و تبابعة (2)اليمن، و ملوك الجزيرة من النعامنة و المناذرة (3)
(راجع مروج الذهب ج 2 ص 74- 84، الأعلام ج 7 و 8).
، و من لا أُُُحصيهم في موقفي هذا.و كل ذلك الملك مما يدعو إلى التوسع في العيش و فخامة العظم و القوة، و هي مما تدعو إلى توفر المعاني و المعدات، فتتوفر الألفاظ و الموضوعات، و بوضعهم و استعمالهم لها تكون عربية ليس إلّا.
و الغاية أنّ أكثر ما يدّعى من وجود الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية،
1) نسبة إلى حِمْيَر بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، ملك اليمن، و إليه نسبة الحميريين، و كان شجاعاً مظفراً، يقول مؤرخوا العرب: إنّه حكم بعد أبيه سبأ، و عاصمة ملكه صنعاء و أنّه غزى و افتتح حتّى بلغ بعض غزواته الصين. (الأعلام ج 2 ص 284).
2) قال الليث: التبابعة في حمير، كالأكاسرة في الفرس، و القياصرة في الروم. (تاج العروس ج 11 ص 39، مادّة «تبع»).
3) النعامنة و المناذرة من ملوك الحيرة هم: النعمان بن امرئ القيس الذي قاتل الفرس 65 سنة، و المنذر بن النعمان بن امرئ القيس، و النعمان بن المنذر فارس حليمة، و هو الذي بنى الخورنق، و المنذر بن الأسود بن النعمان، و المنذر بن عمرو بن المنذر، و المنذر بن المنذر، و النعمان بن المنذر و الذي بسببه حدثت معركه ذي قار، و من ملوك الغساسنة: النعمان بن الحارث بن جبلة، و المنذر أبو شمر بن الحارث بن جبلة الغساني، و النعمان بن المنذر بن الحارث بن جبلة.
تلك الألفاظ التي ثبت استعمال فصحاء عرب الجاهلية لها؛ كالمشكاة (1)و النبراس (2)، و القسطاس (3)، و الخوان (4)، و الطبق (5)، و القصعة (6)، و الخز (7)، و الديباج (8)، و السندس (9)، و الإستبرق (10)، و كثير من أمثالها ، دعوى كونها مستعارة من فارسية و رومية و عبرانية و يونانية و حبشية و غيرها، كلّ ذلك تخرّصات ما أنزل بها الدليل و البرهان من سلطان، سوى ما يدّعى من وجود ما يقارب هذه الألفاظ لتلك المعاني أو غيرها ما بين تلك اللغات، مع احتكاك الأُمّة العربية بتلك الأمم و شدّة اعتلاقها و ارتباطها بهم.
و أنت جدّ خبير أنّ مجرّد وجود اللفظ في اللغتين مع الملابسة ما بين
1) زعموا أنّها هندية كالغزالي في المستصفى ج 1 ص 105، و قيل من لغة الحبشة کما في محصول الرازي ج 1 ص 121، و المشكاة بالكسر: كلّ كوة غير نافذة، كما في تاج العروس ج 19 ص 582، مادّة «شكى».
2) النبراس بالكسر: المصباح، مأخوذ من البُرس، و هو الفتيلة. (تاج العروس ج 8 ص 201، مادّة « برس».
3) زعموا أنّها رومية، و القسطاس: الميزان. (مجمع البحرين ج 4 ص 96).
4) الخوان: ما يؤكل عليه (المصباح: ص 70).
5) الطبق: غطاء كلّ شيء، و الطبق: الذي يؤكل عليه أو فيه. (لسان العرب ج 8 ص 120، مادّة «طبق» ).
6) القصعة: الصّحفة، و الضخمة منها تشبع العشرة. (تاج العروس ج 11 ص 375، مادّة «قصع»).
7) الخزّ: من الثياب معروف. (لسان العرب: ج 4 ص 81، مادّة «خزز»).
8) الديباج: ضرب من الثياب. (لسان العرب ج 4 ص 278، مادّة « دبج»).
9) السندس: الديباج الرقيق الحسن و رفيعه. (مجمع البيان: ج 10ص 195، لسان العرب ج 6 ص 390، مادّة « سندس»).
10) زعموا أنّها فارسية كما في منتهى الوصول لابن الحاجب: ص 24، و التقريب و الإرشاد للباقلاني ج 1 ص 400، و تعني الديباج الغليظ البراق كما في مجمع البيان ج 1 ص 195، و لسان العرب ج 1 ص 384، مادّة «برق».
الأمّتين، لا يقضي بالحكم بأنّ هذا اللفظ من مستملكات هذه و مستعمرات تلك، و ليس هو بأولى من العكس، و إن هذا إلّا تحكّم و قول بلا علم.
و ليس رأيي هذا بالرأي الفطير، و لا هو بالخيال السانح في وقتي هذا بلا تدبر عتيد، بل كنت أرى هذا حقيقة راهنة قبل برهة أعوام عند مزاولة علوم العربية في الحداثة، و لا أزداد فيه إلى اليوم إلّا صلابة.
أرى أنّ اللغة العربية لا تزال غنية بذاتها، غير عالة على أخواتها، فضلاً عن جاراتها.
أرى أنّ القرآن المجيد و الفرقان الحميد ما اشتمل على غير العربي أبداً، و لا مدّ إلى اللغات الأعجمية من الحاجة يداً، تلك هنة أوردها بعض المشكّكين في الدين، و سدر (1)بعض علماء المسلمين على غرارتهم في الذّب عنها و تكبّد العناء و العلل في توجيهها، و هي مبنية على أمر هو فاسد في أصله، متلاشٍٍ من ذاته قبل البناء عليه (2)
كانوا يقولون ذلك في مثل ما مرّ من المشكاة، و النبراس، و القرطاس، و نظيرها. أمّا هذا المؤلف فقد جاءنا بأدهى و أمرّ جاءنا يزعم أنّ مثل الضياء، و البهاء، و السفينة، و المسك (3)و الكافور، كلّها من اللغة
1) سَدِر: تحيّر فلم يحسن الادراك. (تاج العروس ج 6 ص 509، مادّة «سدر»).
2) و بهذا الرأي- أي أنّ القرآن عربياً و ليس فيه كلام غير عربي- جزم الباقلاني، و ادّعى الاجماع على ذلك (راجع كلامه في التقريب و الإرشاد ج 1 ص 399- 408 فإنّه اشبع الكلام حول الموضوع، و رجّحه الرازي في المحصول ج 1 ص 118- 121، و قرره الشوكاني في ارشاد الفحول: ص 50، و قال به بعض المتأخرين تبعاً للباقلاني كما في إرشاد الفحول: ص 49).
3) المَسْك: بالفتح الجلد عامّة، و المِسْك بالكسر طيبٌ معروف و هو معرّب مشك، و كانت العرب تسمّيه المشموم. (تاج العروس ج 13 ص 640، مادّة «مسك»).
(السنسكريتية) (1)، اذاً فعلى اللغة العربية- لغة الإسلام- السلام، يزعم ذلك لمجرّد أنّ في تلك اللغة (مشكا) و (كابور) (2)
من أخبرك- أيّها الباحث-! أنّ لفظ المسك لم يكن عربيَّ النشأةِ، و أنّهم استعاروه من المسك بمعنى الجلد حيث وجدوه في فأرة المسك (3)، و هي كيس من رق (4)رقيق في جوفه، فاستعاروا اسم الظرف للمظروف- کما هو كثير- استعاروا له اسم ظرفه، ثمّ غلب الاستعمال حتّى صار علم جنس أو اسم جنس له، و لعلّهم كسروا أوّله للفرق بينهما، ثمّ ضرب تجار العرب في الأرض حتّى جاؤوا الهند، فسمعوه منهم، و غيروه على اقتضاء لهجتهم، فصار (مشكا)؟! و هكذا القول في غيره.
أفلست أنت الذي تقول- في ما أدّاك إليه بحثك-: إنّ اللغة العربية قد كانت على عهد حمورابي (5)أي قبل المسيح بخمسة و عشرين قرناً، و قبل موسى بتسعة قرون، و نحن نعلم أنّها قبل إبراهيم، و أنّها من أُصول اللغات بعد الطوفان.
و لكن هب أنّها قبل المسيح بذلك الأمد، أفلا تكون تلك اللغة التي مرّ عليها ذلك الأبد الأبيد قد أخذت عدّتها، و استكملت
1) السنسكريتية: لغة الهند الكلاسيكية النموذجية من المجموعة الهندية الإيرانية للّغات الهندية الأوربية، أقدم صورة لها تمثلها لغة الفيدا، و كانت السنسكريتية في القرن الرابع ق.م تتخذ نموذجاً في المحاكم، و تتضمن أقدم الوثائق الهندية الأوربية بقايا اللّغة السنسكريتية التي كان الدارسون يظنونها اللغة الأم. (الموسوعة العربية الميسرة: ص 1022).
2) ج 1 ص 47.
3) فأرة المسك: سرر الظباء. (حياة الحيوان- للدميري- ج 2 ص 200).
4) الرَّقُُّ: الجلدُ الرقيق . (لسان العرب: ج 5 ص 288 مادّة «رقق»).
5) ج 1 ص 27.
مرافقها و توفّرت و سائلها و بواعثها إلى الوضع بما نبَّهها إلى ذلك، و استدعاها إليه من معاناة الحوادث، و مزاولة الكوائن، و مكافحة تقلّبات الصروف؟!.
نعم، لا يبعد في بادي النظر سريان بعض الألفاظ الأجنبية إليها، و لكن هي تلك الألفاظ التي تكون مغايرة للأسلوب العربي لفظاً و معنى؛ كاللوزينج، و الفالوذج، و السكباج (1)، و الطياهج (2)
و يوم كتنور الطواهي سجرته *** من الجزل حتى كاد أن يتضرّما
و قد نظمها امرؤ القيس، و ظلّ طهاة اللحم الخ] ما بين المعقوفتين من المصنف قُدِّس سِرُّه.
و البيت الأوّل لبشار بن برد كما في (ديوانه: ص 590) من قصيدة مطلعها:
أبى طلل بالجزع أن يتكلّما *** و ماذا عليه لو أجاب متيما
و بيت امرىء القيس من ضمن معلقته المشهورة كما في جمهرة اشعار العرب: ص 141، و شرح المعلقات: ص 49.
و ظلّ طهاة اللحم ما بين منضج *** صفيف شواءٍ أو قديد معجّل
، و الجوزينج (3)، من المركبات تركيباً فارسياً في اسمها و مسماها، يزعم الزاعمون أنّها فارسية اللفظ- و ذلك واضح- و فارسية المعنى؛ لأنّ العرب- و قد كانت على توحّشها و همجيتها و بؤس عيشها- ما كانت لتعرف هذه المطاعم الملذة و المآكل الشهيّة.أمّا نحن فنوافق هؤلاء الزاعمين، و لكن بالنظرة الاولى و الملاحظة
1) اللوزينج: من الحلواء شبه القطائف تؤدم بدهن اللوز، (لسان العرب ج 12 ص 357 مادّة «لوز»)، الفالوذ و الفالوذج: حلواء يسوى من لب الحنطة، (تاج العروس ج 5 ص 387 مادّة «فلذ»)، و السكباج: لحم يطبخ بخل، (تاج العروس ج 3 ص 404 مادّة «سكبج»).
2) [الأصح أنّ الطياهج عربية الأصل فصحى و أصلها الطواهي قال الجاهلي:
3) الجوزينج: ضرب من الحلوى المصنوعة من الجوز.
بادي الرأي، أمّا بالكرّة الثانية و الملاحظة المتسعة فنرفضه بتاتاً، و نرى أنّ العرب و إن كانت فيهم تلك الأمم المتوحّشة من أهل البادية، و لكن حال العرب لم يزل في تلك العصور كحالها في هذه، فإنّها لا تزال ذات عرض عريض و أطراف في العيش متباعدة؛ ففيها المتوحشّون من أهل البادية؛ كالذين هم اليوم في بادية نجد و الحجاز، و قد بلوناهم في فيافيهم فشهدنا من توحّشهم الغريب المدهش الذي لو حدّثنا به على النأي لما حسبناه إلّا ضرباً من أقاصيص السعالي و الغيلان.
نعم، و فيها في الزمان نفسه أهل الحضارة الرائقة، و الغضارة (1)الرائعة، و المعارف، و الآداب، و كرم الأخلاق، و شمم الأُنوف،و شهامة النفوس، ذاك التمدّن الصحيح المطابق لنواميس العقل و مقاييس العفّة، لا ما تسمعه و تراه اليوم من التمدّن الغريب في الزخرفة العاطلة، و الفخفخة الباطلة المنفجرة عن كلّ عهر و فجور و خناً و خيانة، و على مثل هذا الزمن حال سائر الأزمان.
من الذي يشكّ و يرتاب في اتّساع حضارة ملوك اليمن من أقيال (2)حمير و التبابعة، و سيف بن ذي يزن (3)
(راجع مروج الذهب ج 2 ص 58، تاريخ الطبري ج 1 ص 438- 449، تاريخ الخميس ج 1 ص 239، كامل ابن الأثير ج 1 ص 334، الأعلام ج 3 ص 149).
، و أضرابهم؟ من الذي لا يعلم ما1) الغضارة: النعمة و السعة في العيش. (لسان العرب ج 10 ص 80، مادّة «غضر»).
2) الأقيال: جمع القيل، و هو الملك من ملوك حمير يتقيل من قبله من ملوكهم؛ أي يشبهه، (تاج العروس ج 15 ص 645، مادّة «قيل»).
3) سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح الحميري توفي نحو 50 ق .ه، من ملوك العرب اليمانيين و دهاتهم، و اسمه معد يكرب، و هو الذي استنجد بكسرى عندما ملكت الحبشة اليمن فقتلوا ملك الحبشة و دخلوا صنعاء و تولى ملك اليمن، و أتت الوفود من العرب تهنّئه بعود الملك إليه، و فيهم عبد المطلب بن هاشم فأكرمه و بشره بأنّ النبي من نسله.
بلغ إليه ملوك الشام الغسّانيون (1)
(راجع دائرة معارف القرن العشرين ج 7 ص 73، و آثارهم شاخصة إلى اليوم في بصرى و تدمر و الأنباط، راجع كلمة (عرب) في ج 6 من دائرة المعارف).
و آخرهم جبلة بن الأيهم (2)تنصرت الأشراف من عار لطمة *** و ما كان فيها لوصبرت لها ضرر
(البداية و النهاية ج 8 ص 51- 53، الأعلام ج 2 ص 111).
من الترف و النعيم، و بسطة العيش، و مهد الحضارة؟ دع ملوك الأرض من بني ماء السماء (3)، كالنعامنة و المناذرة و اللخميين (4)، و ملك الحضر (5)و أرى الموت قد تولّى من الحض *** ر على رب ملكه الساطرون
و قال الشرقي بن القطامي، لما افترقت قضاعة سارت فرقة منهم إلى أرض الجزيرة و عليهم ملك يقال له الضيزن بن جلهمة أحد الأحلاف، و قال غيره الضيزن بن معاوية، أغار على الحضر سابور و خربها في قصة معروفة.
(معجم البلدان ج 2 ص 308، مراصد الإطلاع ج 1 ص 409).
1) هم آل جفنة ملوك غسان كانوا عمالاً للقياصرة الرومانيين على عرب الشام و أصلهم من اليمن، ثمّ نزلوا بادية الشام و صاروا ملوكاً بعدهم و استقرّ ملكهم نحو أربعة قرون.
2) جبلة بن الأيهم بن جبلة الغساني ت 20 ه، من آل جفنة آخر ملوك الغساسنة في بادية الشام عاش زمناً في العصر الجاهلي، و قاتل المسلمين في (دومة الجندل) سنة 12 ه، و حضر وقعة اليرموك سنة 15 ه، و هو على مقدّمة عرب الشام، و انهزم الروم و جبلة معهم، ثمّ أسلم و هاجر إلى المدينة زمن عمر، ثمّ ارتدّ و تنصّر من أجل لطمة، فقد لطم رجلاً من مزينة، أو فزارة زاحمه، فأراد عمر أن يقتص منه، فرحل بأهله إلى بلاد الروم و ارتدّ نصرانياً، و فيه يقول حسان بن ثابت:
3) ماء السماء بنت عوف بن النمر بن قاسط، و إنّما سميت ماء السماء لحسنها و جمالها، و هی أُُمّ المنذر بن الأسود بن النعمان بن المنذر كما في مروج الذهب ج 2 ص 74، و قيل: اسمها ماوية بنت عوف كما في تاريخ سني ملوك الأرض: ص 70 و هي أُُُمّ المنذر بن امرؤ القيس بن النعمان بن الأسود اللخمي، و قيل: ماء السماء هو: عامر بن حارثة بن الغطريف الأزدي من يعرب، أمير غساني يلقب بماء السماء لجوده. (الأعلام ج 7 ص 292، و ج 3 ص 250).
4) اللخميون: ملوك الحيرة منهم المنذر بن ماء السماء، و النعمان بن المنذر نسبة إلى لخم و هو مالك بن عدي بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب، كما في (جمهرة أنساب العرب- لابن حزم-: ص 422).
5) الحضر: اسم مدينة بإزاء تكريت في البرية بينها و بين الموصل و الفرات، و هي مبنية بالحجارة المنهدمة بيوتها و سقوفها و أبوابها، و يقال فيها ستون برجاً كباراً و بين البرج و البرج تسعة أبراج صغار بإزاء كلّ برج قصر، و إلى جانبه حمّام على نهر الثرثار، و كان نهراً عظيماً عليه قرى و جنان، و خرب الحضر و لم يبق منه إلّا رسم السور، و آثار تدل على عظمه و جلاله وكان يقال لملك الحضر الساطرون، و فيه يقول عدي بن زيد:
و أمّا- وَ مَنْ نشر أُُولئك الملوك ثمّ طواهم، و لم يبق منهم إلّا بعض آثارهم و ذكراهم- إني لو أردت أن أُُورد الشواهد و الدلائل على ذلك لشحنت القماطير بتلك الأساطير، و لكن ليس الغرض هنا إلّا دعوى أمر بسيط ظاهر لا يحتاج إلى كلّ ذلك الكرّ و الفرّ، و هو أنّ أمثال (اللوزينج و الفالوذج) و أمثالها من كلّ مظاهر الحضارة، مطعماً أو ملبساً أو مسكناً، كلّ ذلك ما كانت لتضيق سعة ملك العرب عنه، و لا لتقصر عنه حضارتهم، و لا كانوا أقلّ نظراً و أفكاراً عن اختراعه من تلقاء أنفسهم، و ليس تركيب اللوز مع السكّر و السمن بأمر شاسع المنال بعيد عن الأفكار.
و لكن العرب- و حيّاهم الله- كانت شهامة نفوسهم و علوّ هممهم تأبى لهم الاكتراث و التكاثر و التحادث و التذاكر، تأبى لهم أن يتحدّثوا بمطاعمهم و مشاربهم و مساكنهم و ملابسهم، تأبى لهم التحدّث إلّا بأحاديث مجدهم، و كرم أخلاقهم، و صرامة عقولهم، يتحدثون في شعرهم و نثرهم، و يتسامرون في ندواتهم و محافلهم بجودهم و سخائهم و شجاعتهم و إقدامهم و انتصارهم على أعدائهم.
نعم، كانت قريش تأكل السخينة و المضيرة (1)
و المضيرة: لحم باللبن و ربّما خلط بالحليب و هو الأجود، ثمّ يضيفون إليه من الأبزار ما يوفر اللذة في طعمه، و لهُ مريقة يحمدون أكلها، و كان أبو هريرة يحبّها و يكثر من أكلها. (راجع لسان العرب ج 13 ص 127، مادّة «مضر»، تاج العروس ج 7 ص 486، مادّة «مضر»، و مصادر أخرى).
و أمثالها، و لكن ليس هو طعام جميعهم، و لا عامّة آكالهم، بل كان عندهم أنواع من طيّبات الأطعمة يأكلونها و يطعمونها ضيوفهم أليس هذا عبد الله جدعان (2)الذي يقول شاعرهم فيه- و لعله أميّة بن أبي الصلت- (3):له داعٍٍ بمكّة مُشمَعِلٌّ *** و آخرُ فوق ندوتِهِ يُنادي
إلى رُدُحٍٍ من الشّيزى مِلاءٍ *** لُبابُ البُرِّ يُلبك بالشهادِ (4)
ليت سائر الأمم جاؤونا بواحد من مثل عبد الله بن جدعان، أو حاتم الطائي (5)، أو كعب بن مامة الإيادي (6)، أو قيس بن عاصم (7)، أو غالب بن
1) السخينة: طعام يتخذ من دقيق و سمن، و قيل: دقيق و تمر، أغلظ من الحساء، و أرق من العصيدة، و كانت قريش تُكثر من أكلها فعيّرت بها حتّى سموا سخينة. (لسان العرب ج 6 ص 207 مادّة «سخن»).
2) عبد الله بن جدعان التيمي القرشي: أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية أدرك النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم قبل النبوة و كانت له جفنة يأكل منها الطعام القائم و الراكب، لهُ أخبار كثيرة أوردها الأصفهاني و غيره بعضها متفرقة. (راجع الأعلام ج 4 ص 76).
3) تقدّمت ترجمته في ص 63.
4) نعم، لأُميّة بن أبي الصلت، كما في الأغاني ج 8 ص 342، و مشمعل: مشرف، و الشيزى، و الشيزي نوع من الخشب تتخذ منه الجفان و القصع.
5) تقدّمت ترجمته في ج 1 ص 164.
6) تقدّمت ترجمته في ج 1 ص 163.
7) قيس بن عاصم بن سنان المنقري السعدي التميمي: أحد أمراء العرب و عقلائهم و الموصوفين بالحلم و الشجاعة فيهم، كان شاعراً، اشتهر و ساد في الجاهلية، و هو ممّن حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، و وفد على النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم في وفد تميم سنة 9 ه فأسلم، و قال النبي لمّا رآه: هذا سَیِّدُ أهلِ الوَبَر، و استعمله على صدقات قومه، ثمّ نزل البصرة في أواخر أيامه توفّي سنة 20 ه. (راجع أُسد الغابة ج 4 ص 132، الاعلام ج 5 ص 206).
صعصعة (1)، أو مثل عبد الله بن جعفر (2)، أو واحد من الطلحات (3)
أمّا قريش فقد أفرطوا و تناهوا في الترف و النعيم، حتّى أحدثت لهم الخيلاء و الزهو ما يحسبون به أنّهم هم الناس و لا سواهم، و كانوا يلبسون الحرير و الديباج، و يحملون بأيديهم مسبحات اللؤلؤ، حتّى يقال: كان بعضهم إذا سقطت من يده يأنف من الانحناء لتناولها من الأرض، فيتركها و يمضي سادراً في خيلائه.
أنا لا أريد أن أذكر شيئاً من حضارة العرب، لا بل أُُريد أن أذكر ما لديهم من المهانة و الحقارة للترف و الحضارة، و لكن كيف لي بذلك و القلم يجري بسرعة، و سوانح الخواطر تزدحم على الذهن دفعة؟!.
1) غالب بن صعصعة بن ناجية التميمي الدارمي المجاشعي: جواد من وجوه تميم والد الفرزدق أدرك النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و وفد على عليّ عَلیْهِ السَّلام، قال المبرد: كان الفرزدق يجير من استجار بقبر أبيه. (راجع الإصابة ج 5 ص 340، الأعلام ج 5 ص 114).
2) تقدّمت ترجمته في ص 57.
3) في كتاب الغرر- لإبراهيم الوطواط- الطلحات ستة و هم: طلحة بن عبيد الله التيمي و هو طلحة الفياض، و طلحة بن عمر بن عبد الله بن معمر التيمي: و هو طلحة الجود، و طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري ابن أخي عبد الرحمن بن عوف: و هو طلحة الندى، و طلحة بن الحسن بن علي بن أبي طالب: و هو طلحة الخير، و طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر: و يسمى طلحة الدراهم، و طلحة بن عبد الله ابن خلف الخزاعي و هو سادسهم المشهور بطلحة الطلحات. (راجع تاج العروس ج 4 ص 143).
إنّما المقصود بالأصالة غير هذا، لكن- و لا جرم- أنّ ما ذكرناه كاف في إزاحة ما ضرب على الأذهان و تمكّن منها من أنّ العرب لم تكن سوى أمّة و حشيّة، قد بلغت منتهى العجرفة و الهمجية، ما كانت تعرف سوى أكل الضبّ و اليربوع و أم حبين (1)و سائر حشرات الأرض مما دبّ و درج.
نعم، و لا أُنكر أنّه قد كان فيهم من هو على هذه الصفة و إلى اليوم، و لا أظنّ أمّة من الأُمم تخلو من أمثالهم، و ممن هو أسوأ أثراً منهم بأضعاف لا تقدّر.
و زبدة المخض (2)أنّ أُُمّة توسعت لها الحضارة، و امتدّت لها أسباب المساعدة، و تناوبت في امتلاك أكثر رقاع المعمورة، و دام لها الملك، و لم تصفر يداها منه من أمدٍ، لا يضبط على التحقيق بدؤه، أحْرِِ بهذه الأُمّة أن تتدافعها أفكارها و حاجياتها على التدريج إلى استكمال لغتها، و عدم عوزها لغيرها، و أن لا يكون فيها دخيل و مستعار، و هي تلك الأُُمّة التي لها تلك العصبية القومية للغاتها و جنسيتها، و حقّ لها أن تعدّ المستعار عاراً، و الاستدخال اختلالاً، هذا من حيث اتساع حضارة العرب، لا اتساع لغتها و أوضاعها و عدم احتياجها إلى غيرها.
أمّا من حيث أساليب تلك الألفاظ و مغايرتها للأُسلوب العربي،
1) ام حُبَيْن: دويبة معروفة مثل ابن عرس، و ابن آوى، و قيل: هي أنثى الحرباء، و قيل: دابة على قدر كف الإنسان و قيل: غير ذلك. (تاج العروس ج 18 ص 128، مادّة «حبن»).
2) المخض: تحريكك المِمْخَض الذي فيه اللّبن المخيض الذي أُُُُخذت زيدته، و زبدة المخضِِِ- على المثل- أي خلاصة القول. لسان العرب ج 13 ص 47 مادّة «مخض»).
فلست في هذا المقام كباحث لغوي، و لا أتكلم عن لفظ اختصاصي، و إنّما أقول على الجملة- كما قلت أولاً- إنّ ما ثبت استعمال فصحاء العرب له، و لم يثبت كونه لأمّة أخرى سبقت العرب فى وضعه أو استعماله، كما لا أحسب لأحد من سبيل إلى إثباته، فذاك هو الأسلوب العربي، سواء وجدناه مع ذلك عند اُمّة بنفسه أو بشبهه، أم لا.
كنّا نسمع في مبادي التحصيل أنّ الجيم و الصاد لا يجتمعان بلفظ واحد في لغة العرب، ثمّ وجدنا ذلك في كثير من الكتب اللغوية (1)، و لا سيما للمتأخرين (كأقرب الموارد) (2)و غيره، فقد صرّحوا بأنّ الجيم و الصاد لا يجتمعان في لغة العرب، و من هذا الزعم جعلوا لفظ (الجص) دخيلاً معرب (كج) (3)فارسياً، و أنت إذا فتحت أيّ معجم من المعاجم اللغوية وجدت من الألفاظ التي يقوّمها ذانك الحرفان ما لا يقل عن غيره.
قالوا: (الصجّ) ضرب الحديد على الحديد، و (الصُّجُجُ)- بضمتين- صوت وقع الحديد على الحديد (4)و لم يذكروا أنّه معرب دخيل كما صنعوا في غيره مما يزعمون.
و كذلك قالوا: (الصوجان كل يابس صلب من الدواب و الناس،
1) كالجوهري في الصحاح ج 3 ص 1029، و راجع لسان العرب ج 1 ص 79، و تاج العروس ج 9 ص 235 في مادة «أجص» علماً أنّ صاحب تاج العروس ذكر عن الأزهري في التهذيب أنّه قال: بل هما مستعملان، و منه جصص الجرو: اذا فتح عينيه، و جصص فلان إناءه إذا ملأه.
2) أقرب الموارد- لسعيد الخوري الشرتوني- ج 1 ص 437 مادة «الجص».
3) كما في تاج العروس ج 9 ص 249.
4) تاج العروس ج 3 ص 418، لسان العرب ج 7 ص 286، مادّة «صجج»، القاموس المحيط ج 1 ص 203، أقرب الموارد ج 3 ص 177 مادة «صج».
و نخلة صوجان: يابسة، أيُّ صوجان هو؛ أيْ أيُّ الناس) (1)
(و عبد صنهج: أصيل في العبودية) (2)(صنج فلان الناس: ردّهم إلى أصلهم، و بالعصا ضربه. ما أدري أيّ صنج هو، أي أيّ الناس و کانوا يلقبون الأعشى صنّاجة العرب) (3)
نعم، ذكروا أنّ (الصنج) ذو الأوتار مختص بالعجم و أنّه معرّب (4)، و لم يذكروا أنّه معرّب عن أيّ فارسية كما هو عادتهم في أكثر ما يزعمونه معرّباً، فلله صناعة التعريب و مزعمته!
ما أكبر الخطة فيها و أوسع الدائرة! ليس له ضابطة و لا رابطة.
يقولون: (جص) معرب (كج)، وهب أنّ الكاف الفارسية تنقلب في العربية (چيماً) و لكن ما بال (الجيم) تقلب (صاداً)، فإنّ فن التعريب الغريب ما حدثنا بمثل ذلك و لا جاءنا بمثل له، و لعل الباحثين و أهل النهضة العربية يجعلون للتعريب حدوداً، و يستنبطون له نواميس و أصولا، تخرج به عن هذه الفوضى و صرافة الاحتمال و الدعوى، و يرحضون (5)عن لغتنا الشريفة المقدّسة هذه المعرة المدنسة.
أما الباحث المؤلف الحائز امتياز المحاماة عن اللغة العربية، و التناصر لها، و استخراج أقدم عهودها و تاريخها، فقد أصبحت هذه اللغة بفضل
1) تاج العروس ج 3 ص 420، اللسان ج 7 ص 436، مادّة «صوج»، القاموس المحيط ج 1 ص 204.
2) تاج العروس ج 3 ص 420، و القاموس المحيط ج 1 ص 204 مادّة «صنهج».
3) القاموس المحيط ج 1 ص 204، لسان العرب ج 7 ص 418، مادّة «صنج».
4) كالجوهري في الصحاح ج 1 ص 325، و ابن منظور في اللسان ج 7 ص 418، و الزبيدي في تاج العروس ج 3 ص 419.
5) رحضه رحضاً: غسله. (تاج العروس ج 10 ص 58، مادّة «رحض»).
عنائه لها، بحيث لو أنّ بعض أخواتها و جاراتها قد استردت منها مستعاراتها و مستعمراتها، لأصبحت العربية في مدقع من الفقر الأدبي و المادي؛ لأصبحت كخرساء لا تستطيع نطقاً، و لا تجد لها في عداد اللغات المتقدّمة حقيقة و لا حقّاً.
و لقد تلوَّنت علينا آراؤه، و تهافتت في أمر العربية نظراته، فتارة يرفع بضبعها (1)إلى أوج الغنى و التقدّم و القوة، و أخرى يهبط بها من حيث يدري و لا يدري إلى أسفل هوة.
صفحة 39: وإِنَّ الفَتى بَعْدَ السَّفاهةِ يَحْلُم (2)
معرباً بالكسر و لا وجه له لعدم وجود جازم للفعل، و الظاهر أنّه من الإقواء (3)
أمِن آل ميّة رائحٌ أو مغتدِ *** عجلانَ ذا زادٍ و غير مزوّدِ
زعم البوارحُ أنّ رحلتنا غدٌ *** و بذاك خبرنا الغراب الأسودِ
و قال ابن رشيق: الأقواء عند أكثر العلماء: اختلاف اعراب القوافي، و هو غير جائز لمُولّد و إنّما يكون فى الضم و الكسر، و لا يكون فيه فتح. و اشتقاقه عندهم من أقوَت الدار: إذا خلت. كأنّ البيت خلا من هذا الحرف، و هذا يسمّيه الخليل المقعد و هو من باب الوزن لا من باب القافية.
(معجم مصطلحات العروض و القافية ص 28- 29، و أنظر: ديوان النابغة الذبياني: 28).
الذي كان شائعاً في شعر الجاهلية و جائزاً عندهم، و حظره الإسلاميون.1) الضَّبع: وسط العضد بلحمه يكون للإنسان و غيره، و قيل ما بين الابط إلى نصف العضد من أعلاه. (لسان العرب ج 8 ص 16، مادّة «ضبع»).
2) ج 1 ص 30، و هو عجز بيت لزهير بن أبي سلمى و صدره: رأيت سفاه الشيخ لا حلم بعده.
3) الإقواء: اختلاف حركة الرويّ ( المجْرَى)؛ و هو أن يأتي بيت مجروراً و آخر مرفوعاً نحو قول النابغة من قصيدة دالية مكسورة مطلعها:
صفحة 36: كان فيهم من ذلك العهد البعيد من يقول بمذهب (اللاأدرية (1)، فكان جندب بن عمرو (2)
(راجع أسد الغابة ج 1 ص 361، الإصابة ج 1 ص 510، معرفة الصحابة لأبي نعيم ج 2 ص 585، الأغاني ج 1 ص 369، وج 13 ص 245، خزانة الأدب ج 4 ص 222).
يقول: إنّ للخلق خالقاً لا أعلم ما هو (3)، و هو قول جماعة من فلاسفة اليونان﴾ (4)كلمتي التي قلتها- و لا أكترث لو كرّرتها- أنّه ليت الباحث جرجي زيدان ترك التعرّض بتاتاً لنقل ما تعلق بمسائل الأديان؛ فإنّها ليست من أشغاله، و لا هو من فرسان موقفها و لا من رجاله.
أيّها الرجل! ليس هذا بمذهب (اللاأدرية)، بل مذهب جميع الموحدين و المنتمين إلى التوحيد من الإسلام و النصارى و اليهود؛ كلّ هذه الأديان و كتبها المقدّسة تعترف و تنادي بالعجز عن معرفة الخالق و اكتناهه مع القطع بوجوده على الجملة، مذهب الإسلام و رجاله يعلن أنّ العجز
1) تقدّم الكلام عن مذهب اللاأدرية في الجزء الأوّل ص 108.
2) جندب بن عمرو بن حممة الدوسي، حليف بني أُميّة، قال عروة، و ابن شهاب: إنه قتل ب(أجنادين)، قدم المدينة مهاجراً في خلافة عمر بن الخطاب، ثمّ مضى إلى الشام و خلف ابنته أُم أبان عند عمر، و قال لهُ: يا أمير المؤمنين! إن وجدت لها كفواً فزوجه و لو بشراك نعله، فكانت عند عمر، و استشهد أبوها فزوجها من عثمان بن عفّان.)و قال أبو الفرج: و كان جندب بن عمرو بن حممة يقول في الجاهلية: ﴿إنّ للخلق خالقاً لا أعلم ماهو. و في خزانة الأدب: ذكر أنّ الشماخ و أصحابه كانوا يبغضون جندب بن عمرو؛ لأنّه كان يتحدث و يعرض بامرأة الشماخ و اسمها سليمى ثمّ ذكر قصة في ذلك و شعراً له.
3) ذكره صاحب الأغاني في ج 13 ص 245.
4) ج 1 ص 32.
عن الإدراك إدراك (1)و أنّ غاية المعرفة العجز عن المعرفة (2)حتّى لقد تغالى بعضهم و أفرط بما يستشم منه رائحة التعطيل و الجحود بقوله:
فيك يا أغلوطة الفكرِِ *** تاه عقلي و انقضى عُمري
سافرتْ فيك العقول و ما *** رَبِِحتْ إلّا أذى السفرِِ
رجعتْ حسرى و ما وقعت *** لاعلى عينٍٍ و لا أثرِِِ (3)
أمّا (اللاأدرية)؛ فهم الذين يقولون: لا نعلم أن للخلق خالقاً أم لا، لا الذين يقولون: له خالق و لا نعرفه، فإنّ هذا هو المذهب الذي لا مندوحة عنه و إليه ذهب جميع موحدي عرب الجاهلية، من قس بن ساعدة، و زيد بن عمرو بن نفيل (4)و أميّة بن أبي الصلت، و غيرهم، و كلّ موحدي فلاسفة اليونان لا جماعة منهم.
ثمّ أردف تلك الجملة بنظرية من مستنبطات فلسفته و مستخرجات اجتهاده، فقال: و لا يبعد أنّ العرب اقتبسوا ذلك و أمثاله من مخالطة بعض العلماء الوافدين عليهم أو في أثناء وفودهم على الشام أو العراق، و فيهما
1) مأخوذ من صدر بيت ينسب للإمام علي عَلیْهِ السَّلام، كما في الديوان: ص 142، و روايته: العجز عن درك الإدراك إدراك *** و البحث عن سر ذات السر إشراك
2) لعلّه أخذه من كلام لأمير المؤمنين علي عَلیْهِ السَّلام، و روي قريباً منه لأرسطو.
3) الأبيات لابن أبي الحديد المعتزلي، كما في شرح النهج ج 13 ص 51، و كشكول البهائي ج 1 ص 1 ص 124.
4) زيد بن عمرو بن نفیل بن عبد العزى العدوي، والد سعيد بن زيد و ابن عم عمر ابن الخطاب لم يدرك الإسلام، كان يكره عبادة الأوثان و لم يأكل مما ذبح على النصب، رحل إلى الشام باحثاً عن عبادات أهلها، و كان قد علم من أهل الكتاب بأخبار النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و أنّه يبعث في مكّة. (راجع الإصابة ج 2 ص 631، الأعلام ج 3 ص 60).
العلماء و الفلاسفة (1) هذا المذهب- و أعني به- معرفة أنّ للخلق خالقاً لم تقتبسه العرب إلّا بالوراثة من آبائها إبراهيم و إسماعيل، لم تقتبسه إلّا من فطرة الله التي فطر الناس عليها، اقتبسه بعضهم بالتنبي و الإلهام كحنظلة (2)و خالد بن سنان العبسي (3)أنبياء الفترة (4)، و اهتدى إليه آخرون بالنظر و الفكرة، و إدمان التدبر و العبرة، اهتدوا إليه بصفاء قرايحهم ، و نفوذ خواطرهم، و صحة عقولهم كمن ذكرناه من قس بن ساعدة الإيادي و العدوي (5)و الثقفي (6)، و كثير من أضرابهم ممن رفضوا في الجاهلية عبادة الأوثان و الأنداد، و دانوا
1) تاريخ آداب اللغة العربية ج 1 ص 32.
2) حنظلة بن صفوان الرسّي : يقال: إنّه من انبياء الجاهلية، كان في الفترة التي بين الميلاد و ظهور الإسلام، و هو من أصحاب الرس الوارد ذكرهم في القرآن، بعث لهدايتهم فكذبوه و قتلوه، و الرس ما بين نجران إلى اليمن، و من حضرموت إلى اليمامة، و قيل: قرية بفلج اليمامة، و قيل غير ذلك. (راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 200، البداية و النهاية ج 2 ص 168، معجم البلدان ج 3 ص 50، المنتظم ج 1 ص 309، الأعلام ج 2 ص 286).
3) خالد بن سنان العبسي: حكيم يقال: إنّه من أنبياء العرب في الجاهلية، كان في أرض بني عبس، كان نبياً من ولد إسماعيل، و كان بعد المسيح بثلاث مئة سنة ، و قيل: غير ذلك، و من معجزاته أنّ ناراً ظهرت بأرض العرب فافتتنوا بها و كادوا يتمجسون، فأخذ خالد عصاه و دخلها حتّى توسطها ففرقها، و روي أن ابنته وفدت على رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم فبسط لها رداءه و أجلسها عليه، و قال: ابنة نبى ضيعه أهله، و في حديث قال لها: مَرْحَباً بِابْنِ أَخِی، و روي أنّ خالداً كان إذا أراد أن يستسقي يدخل رأسه في جيبه فتمطر و لا يمسك المطر حتّى يرفعه. (راجع البداية و النهاية ج 2 ص 167، تاريخ الخميس ج 1 ص 199، الأعلام ج 2 ص 296).
4) الفترة: انقطاع ما بين النبيين و كانت الفترة بين عيسى و محمد صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم. (مجمع البيان ج 3 ص 239).
5) هو زيد بن عمرو بن نفيل المتقدّم ذكره في ص 101.
6) هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، و قد تقدّمت ترجمته في ص 59.
بعبادة الواحد الأحد.
و ما زالت العرب في كلّ عصر من العصور الغابرة و الحاضرة لها نوابغ فی الحكمة و المعرفة، كما لغيرها من الأُمم من الفرس و اليونان مثل ذلك. سوى أنّ هؤلاء جعلوا معارفهم صناعة علمية، و الأكثر من أولئك- و لا سيّما الأوائل- تركوها على سذاجة البيان، و على اقتضاء بسيط الفطرة، و لعل هذه الطريقة أتم و أسلم و لا سيما بالنظر إلى عامّة النفوس.
فدعوى اقتباس العرب هذه المعارف من غيرهم غرارة (1)ظاهرة، و استرسال واه، نعم، لم يبرح ذلك الاعتقاد الصحيح و المذهب الحقّ موجوداً بين العرب و لكن على تعكير فيه حتّى استنار وشعّ ألق (2)الإسلام و انبثقت من دامس ظلام الشرك أشعة أنواره على العالم فأوضح ذلك المذهب و أناره، و قشَّع غباره و أوقف الناس على الحد الوسط فيه فزحزحه من جانبي التعطيل (3)و التشبيه (4)، إلى مركز التوحيد و التنزيه، وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (5)
هذا، و إنّ من الغريب المدهش وصله ذلك الكلام بقوله: و من هذا
1) الغرارة و الغرّة: الغفلة، و الباطل. (تاج العروس ج 7 ص 303- 304، مادّة «غرر »).
2) ألق يألق: أي لمع و أضاء. تألّق البرق: التمع. (تاج العروس ج 13 ص 10، مادّة «ألق»).
3) التعطيل: يقصد به هنا تعطيل الله سبحانه و تعالى عن صفاته و نيابة الذات عنها، و يتبنى هذا الرأي سواد المعتزلة هروباً من تعدد القدماء، و له معنى آخر: هو تعطيل العقول عن المعرفة.
4) التشبيه: هو تشبيه الخالق بالمخلوق بإثبات الجسمية و الجوارح. (راجع نور اليقين في أُصول الدين ص 269، الملل و النحل ج 1 ص 93 و ما بعدها).
5) سورة البقرة 2: 143.
القبيل قول الأعشى و كان نصرانياً: استأثر الله بالوفاء و بال *** عدل و ولّى الملامة الرّجُلا (1)
إن محلّاً و إن مرتحلاً *** و إن في السفر من مضى مهلاً
(الشعر و الشعراء ج 1 ص 69، خزانة الأدب ج 10 ص 486، الأغاني ج 9 ص 133 و ص 146، دیوانه ص 170).
و هو مذهب فلسفي يراد به رفع التبعة عن الإنسان (2)
و أنا أحاشى هذا الباحث المؤلف الذي أصبح من مشاهير المؤلفين في هذا العصر- أحاشيه- أن يكون كمن يسطر و لا ينظر، و یجري قلمه، و لا يجاريه تدبره و تفهمه.
و إلّا فمن ذا الذي يتلو بيت الأعشى و يعشى عن أنّ المراد به وضع التبعة على الإنسان لا رفعها عنه، و هذا هو مذهب العدلية من فرق الإسلام، و على الأخص هو مذهب الشيعة الإمامية القائلين بأن الخير من الله و بتوفيقه، و الشر من العبد بخذلانه، و أنّ الله أولى بحسناتك و أنت أولى بسيئاتك، طبقاً لقوله تعالى: مَا أصَابَکَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّهِ وَ مَا أصَابَکَ مِنْ سَیِّئَه فَمِنْ نَفْسِکَ (3)
و ليس هذا مقام بسط القول في هذه النظرية الغامضة، و لعل الاشتباه نشأ من توهم أنّ تولية الشيء هنا بمعنى: التولية عن الشيء و افتراض الغفلة و السهو أولى من افتراض ذلك الخطأ في العلم للفرق المستبين بينهما جلياً.
من آرائه هنا- أيضاً- أنّ المسلمين لمّا تمدنوا و أنشأوا العلوم جعلوا
أساس علومهم اللسانية و الأدبية و الاجتماعية آداب العرب الجاهلية (1).)ما أدري ماذا أقول. هل أقول ما أنصفت. أم أقول ما عرفت- أيّها الرجل الضليع فيما تزعم ب «التمدن الإسلامي» (2إنّ الإسلام- و لذكره المجد و الشرف، و على مبلِّغه السلام- هو الذي أخذ بضبع الجاهلية إلى حالق، و نهض بها إلى شاهق، و هذّب منها الطباع و شذّب الخلايق.)و هو الذي دحض عنها الصبغة الدموية، و غبرة الهمجية، و عجرفة البداوة، و غلظة القساوة، و وأد البنات، و قتل البنين، نحن و إن كنّا نعترف لآبائنا العرب بكثير من محاسن الأخلاق، و كرم الطباع، و جميل العادات، و نجعل لهم الحظ الأكبر من ذلك على ساير الأمم، و لكنّا لا نجهل مزيج تلك الفضائل بكثير من الرذايل.تلك السيئات التي كادت أن تذهب بتلك الحسنات حتّى جاء الإسلام- و له الفخر- فصقل تلك المحاسن، و سقاها بماء غير آسن، حتّى لم يذر على محيّاها أقلّ شيء شاين.و هذه الصنيعة المشكورة للإسلام وحده على الجاهلية، بل العالم أجمع، لم تكن اختصاصية في اللّسان و الآداب و الاجتماعيات، بل في جميع الشؤون و الأطوار بعث في العالم روحاً أيقظه من سباته العميق و نومه الطويل.كان اللسان العربي في الجاهلية على ما بلغه من تخوم الفصاحة، و ما قبض عليه من أعنة البيان، و لكن إذا قسته إلى الطرز الذي جاء به القرآن الكريم، و اتخذه الناهجون على أسلوب بلاغته كعبة و مطافاً، تجد- و لا
محالة- لسان الجاهلية- و ما أقرب الشبه- كشجرة برية مغبرة الأوراق مالحة الثمار كالحة اللون- أتاها زراعي ماهر فغرس أصولها في حديقة غنّاء و تربة دمثاء (1، أرصد لها عين المراقبة تشذيباً و تهذيباً، و أجرى لها من أعذب المياه ماء معيناً، فأصبحت خضراء نضراء، يانعة الثمار رائعة الأزهار، تؤتي أُُكلها كلّ حين.)خذ طليعة المعلقات السبع التي هی طليعة بلاغة العرب و فصاحتها، و رجّع نظرتك فيها تجدها كسلك واحد نظمت فيه اللؤلؤة اليتيمة، و إلى جنبها الحجارة و الجزعة (2و الحرة (3)و الدرة و البعرة و أمثال ذلك.)و هكذا أكثر مشهورات كلماتهم ورنانات قصائدهم، فأين هذا من البلاغة المقفعية (4و الرسائل الحميدية (5)، و حماسيات الفرزدق، و غزليات جرير ، و هاشميات الكميت، و كثير من أقرانهم، انقلبت الفصاحة فی ذلك القرن الواحد انقلاباً كأنّه عاد بها من الشيخوخة إلى الصبا، و من السقم إلى العافية، و من الموت إلى الحياة، و ما الفضل في ذلك كلّه إلّا للقرآن وحده لا قبله و لا بعده.)أفهل مع ذلك كلّه يحسن بالباحث أن يقول: إنّ أساس العلوم
1) الدمثة: الأرض اللينة السهلة الرخوة. (لسان العرب ج 4 ص 400، مادّة « دمث»).
2) الجَزْعُ و الجِزْعُ: ضرب من الخرز، و قيل: هو الخرز اليماني، و هو الذي فيه بياض و سواد تشبه به الأعين. (لسان العرب ج 2 ص 275، مادّة «جزع»).
3) الحرّة: أرض ذات حجارة سوداء نخرة كأنّما أحرقت بالنار. ( لسان العرب ج 3 ص 117، مادّة «حرر»).
4) المقفّعية: نسبة إلى عبد الله بن المقفّع صاحب كتابي: الأدب الكبير و الأدب الصغير.
5) الحميدية: نسبة إلى عبد الحميد بن يحيى الكاتب، صاحب الرسائل الأدبية المشهورة.
اللسانية بين المسلمين و الأدبية و الاجتماعية آداب العرب؟ثمّ يردفه بقوله: ﴿و ما زالوا في كثير منها مقصرين عن إدراك الشأو الذي بلغ إليه أُولئك البدو عشراء الجمال و سكنة الصخور و الرمال. (1) قل لي- بربك الأكرم- أيُّ شأو للجاهلية قصر عنه عرب الإسلام؟ أفي الشجاعة و قد دكوا عروش كسرى و قيصر؟ أم البلاغة و البراعة و قد عرفت مقامهم فيها و محلّهم منها؟ أم الجود و الكرم و قد كان فيهم الألوف ممن يؤثر على نفسه و لو كان به خصاصة؟
ألا ليت الصروف (2)تفسح لي أن أشرح لك متون هذه الكلمات و أريك كيف ينبغي للكاتب أن يكتب و للقايل في الإسلام أن يقول.
ثمّ ختم هذا الفصل بقوله: لا ينبغي لنا أن نستخف بآداب العرب قبل الإسلام، و لكن أكثرها ضاع؛ لأنّها لم تدون فذهبت بذهاب الحفاظ بالحروب و اشتغال الناس بالإسلام (3)
الاشتغال بالإسلام- كما تعلم أنت و ستعترف به كما اعترف به كلّ أحد- هو الذي ساعد على نشر الآداب العربية و آثار الجاهلية، و لو لا سعي الإسلام و ملوك المسلمين في ترويج آثار الأوائل و الأقدمين لذهبت العرب و مآثرها ذهاب أمس الدابر، و أصبحوا كإحدى الأمم الغابرة التي لا نعرف منها إلّا أسماء الأقلين منها، و ستذكر أنت بعضاً مما ذكره المؤرخون من عناء خلفاء المسلمين و إكرامهم الطائل
لحفاظ اللغة العربية و نقلتها، و سيكون كافياً لدفع كلمتك هذه، و يبين للقارئين أن اشتغال الناس بالإسلام هو أكبر مساعد لحفظ آداب العرب قبل الإسلام.
صفحة 33 تحت عنوان: المرأة في الجاهلية، و الشهيرات في: الشجاعة، ثمّ ذكر سلمى بنت عمرو (1)إحدى نساء بني عدي بن النجار، و لم يذكر سوى أنّها كانت امرأة شريفة لا تتزوّج الرجال إلّا و أمرها بيدها (2)، و ما أدري ما علاقة ذلك بالشجاعة؟!
ثمّ ذكر هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان (3)، و أنّها بقرت بطن حمزة و أخرجت كبده فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها) (4)
إن كانت هذه شجاعة فالكلب و الذئب و الهرة و ابن آوى و جميع أكلي لحوم الأموات الملقاة أشلاؤها في الفلاة أشجع منها بكثير، و هل هذه إلّا الغلظة البهيمية و الفظاظة الوحشية و النهمة الكلبية، ما هي من الشجاعة و لا قلامة ظفر.
1) سلمي بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش: إحدى نساء بني عدي بن النجار، و هي أُم عبد المطلب بن هاشم، خلف عليها هاشم بعد أُحيحة بن الجلاح، و كانت امرأة شريفة، و أمرها بيدها، تزوّجها هاشم عند خروجه إلى الشام، و شرط عليه أبوها أن لا تلد ولداً إلّا في أهلها، ذكر أبو الفرج قصة إنذارها لقومها عندما أراد زوجها أحيحة الإغارة عليهم. ( الأغاني ج 15 ص 47، خزانة الأدب ج 3 ص 334، المنتظم ج 12 ص 12).
2) ج 1 ص 33.
3) هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أُم معاوية و موقفها يوم أحد، و قصة أكلها لكبد حمزة عَلیْهِ السَّلام معروفة ، ذكرها أرباب السير و المغازي و التواريخ، توفيت في خلافة عمر.
4) ج 1 ص 34.
أين أنت عن أُُم هانئ بنت أبي طالب (1)التي كان لها من الأيد و القوة و الحمية و الشرف و الشهامة، أنّه لمّا استجار بها يوم الفتح الحارث بن هشام (2)، هجم عليه أخوها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام في بيتها فسلّ السيف ليقتله فقبضت على يده، و كانت لا تعرفه لما دججه من الحديد، و قالت: و الله لا أدعك تقتل من دخل في جواري.
فحدّث عليّ رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم بما جرى، و قال: و الله إنّها لمّا قبضت على يدي لم أستطع تحريكها، فقال رسول الله صلوات الله عليه: لَوْ أنَّ أَبا طَالِبٍ وَلَدَ النَّاسَ جَمیعاً لَکَانُوا کُلَّهُمْ شُجْعَاناً. انتهى ملخصاً من ربيع الأبرار للزمخشري (3)
و لو أردنا ذكر النساء اللاتي يحقّ ذكرهن تحت عنوان: الشهيرات بالشجاعة، لطال بنا مدى القول، و لخرجنا عن النقد إلى الاستدراك، و لسنا هناك.
قال في ص 34: و هل أكبر نفساً من الخنساء (4، عندما حرّضت أولادها على الثبات في واقعة القادسية) (5)
1) تقدّمت ترجمتها في ص 57.
2) الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، أخو أبي جهل، و حمو أم هانيء، شهد بدراً مع المشركين، فانهزم فعيّره حسان بن ثابت، التجأ يوم الفتح إلى أُم هانئ فأجارته، ثمّ قبل جوارها رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم كان من المؤلفة قلوبهم و إليه انتهت سيادة بني مخزوم، خرج بأهله و ماله أيام عمر إلى الشام، و مات في طاعون عمواس سنة 18 ه. (راجع الاستيعاب ج 1 ص 301، الأعلام ج 2 ص 158، الإصابة ج 1 ص 605).
3) ربيع الأبرار ج 1 ص 869.
4) تقدّمت ترجمتها في ج 1 ص 165.
5) ج 1 ص 34.
نعم- أيّها الباحث- أكبر نفساً منها أسماء ذات النطاقين (1)بنت الخليفة أبي بكر (رضوان الله علیها) حين حرضت ولدها عبد الله بن الزبير حتّى لزّت (2)به إلى القتل لزّاً، و القصة (3)و إن كانت شهيرة و لكن كان بالحري أن تذكرها أو تشير إليها، و تجعلها طليعة عنوانك و فاتحة بيانك في الشهيرات بالشجاعة إن كان المراد بها قوة القلب، و ثبات دعايم الصبر، و لها مع الحجاج قصّة هي في الشجاعة أعجب و أغرب، و لا يتسع المقام لنقلها (4)
نعم، ذكرت أُختها أُم المؤمنين عايشة (رضوان الله علیها) و لكن لم تذكر من مزاياها سوى أنّها كانت تحفظ كلّ شعر لبيد (5)
صفحة 35: (قبل أن تزوجها) (6)
الأفصح بل الأصح: قبل أن يتزوجها.
صفحة 37: أحد أبناء سام مما يطول الكلام فيه (7)
1) أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة: أُم عبد الله بن الزبير و أخت عائشة، و كانت أكبر منها بعشر سنين، تزوجت الزبير بن العوام، و كان شديداً عليها فطلقها فعاشت مع ابنها عبد الله بمكّة، شهدت اليرموك مع ابنها عبد الله، توفيت سنة 73 ه بعد مقتل ابنها عبد الله و عمرها 100 عام. (راجع ترجمتها في: طبقات ابن سعد ص 196، البداية و النهاية: ج 8 ص 276، الأعلام ج 1 ص 305).
2) لزّت به: شدّت به و دفعته بقوة.
3) ذكرها ابن طيفور في بلاغات النساء: ص 231.
4) ذكر كلامها مع الحجاج ابن كثير في البداية و النهاية ج 8 ص 276، و ابن سعد فی الطبقات ج 8 ص 200، و من ضمن كلامها معه قالت: سمعت رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم يقول: يخرج من ثقيف كذّاب ومبير، فأما الكذّاب فقد رأيناه، و أمّا المبير فلا أراك إلّا إيّاه..
5) ج 1 ص 35.
6) ج 1 ص 35: و قد صححها فعلاً في هذه الطبعة.
7) أسقط من هذه الطبعة و اصبحت العبارة هكذا (التي يتفاهم بها أبناء سام).
حق الكلام حسب الصناعة العربية أن يقول: و هو مما يطول الكلام فيه، كما لا يخفى.
صفحة 46: (ليس في جزيرة فقط) (1)
الظاهر أنّ الطباعة أسقطت العرب لفظاً، لا سقطوا معنى إن شاء الله، و المراد ليس في جزيرة العرب.
صفحة 47: (اركنوا إلى الرخاء) (2)
هذا الفعل بهذا المعنى مجرد لا مزيد فاللازم ركنوا.
صفحة 50: و قد خطب واصل بن عطاء (3خطبة طويلة لم يرد فيها حرف الراء) (4)
ليتك أبصرت فذكرت خطبة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه الخالية من حرف الألف التي هي من أكثر الحروف دوراناً فی
1) تم تصحيحها في هذه الطبعة (ج 1 ص 45).
2) ج 1 ص 46 و قد تم تصحيحها إلى (ركنوا).
3) واصل بن عطاء الغزال: من موالي بني ضبّة أو بني مخزوم، رأس المعتزلة و من أئمة البلغاء و المتكلمين، سمي اصحابه بالمعتزلة لاعتزاله حلقة درس الحسن البصري، فقد روي أنّه سأل الحسن البصري عن مرتكب الكبيرة: هل هو مؤمن أم کافر؟ فتفكر الحسن قبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً و لا كافر مطلقاً بل هو منزلة بين المنزلتين، ثمّ قام و اعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، و هو الذي نشر مذهب الاعتزال، و كان يلثغ بالراء فيجعلها غيناً فتجنب الراء في خطابه، توفي سنة 131 ه.)(راجع طبقات المعتزلة: ص 3، وفيات الأعيان ج 1 ص 7، الأعلام ج 8 ص 108.
4) ج 1 ص 49.
الكلام، و هذه الخطبة من جلايل خطبه الكبيرة الرنانة أنشأها على عادته- صلوات الله عليه- ارتجالاً، و ارتجلها إرسالاً، و هي مع خلوها من ذلك الحرف الذي هو عمود الكلام، لا تجد فيها أثر التكلف، و لا صبغة التصنع، بل هي كساير خطبه لا يحسُّ بتلك الخاصّة فيها من لم يسبق إليه خبرها و الخطبة شايعة مشهورة في كثير من كتب الإمامية؛ ك«البحار» (1)و غيره (2)
صفحة 52: من آداب العرب الهامّة (3)
كثر استعمال هذه الصيغة عند كتبة العصر، و لا أعرف له وجهاً على أُُصول العربية، و الصحيح (المهمة)؛ فإنّه من (أهمّه) فهو مهمّ لا من (همّه) فهو هام إلا على تكلّف بعيد عن الفصاحة.
ثمّ تعريفه للأمثال بأنّها عظات بالغة من ثمار الاختبار الطويل و العقل الراجح لا ينطبق على أكثر أمثال العرب؛ فإنّ الكثير منها لا يرتبط بالعظة أبداً، و لا يحتاج إلى اختبار طويل، و لا عقل راجح، مثل: (ماوراءك
1) البحار ج 77 ص 340.
2) و أخرجها الحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب: ص 394، و المتقي في كنز العمال ج 16 ص 208 ح 44234، و فيه قال: حمدت و عظمت من عظمت مننه، و سبغت نعمته و سبقت رحمته غضبه، و تمّت كلمته و نفذت مشيئته، و بلغت قضيته، حمدّته حمد عبد مقر بربوبيته، متخضع لعبوديته، متنصل لخطيئته، معترف بتوحيده ... إلى آخره، و ذكرها ابن شهر آشوب في المناقب ج 2 ص 58، ثمّ قال: ثمّ ارتجل عَلیْهِ السَّلام خطبة أخرى من غير النقط التي أولها: الحمد لله أهل الحمد و مأواه، و له أوكد الحمد و أملاه، و أسرع الحمد و اسراه، و أطهر الحمد و أسماه، و أكرم الحمد و أولاه ... إلى آخره و نقلها الكفعمي في المصباح.
3) ج 1 ص 50 و قد صححت في هذه الطبعة إلى (المهمة).
یا عصام) (1)، (وافق شن طبقه) (2)، (ماء و لا كصدَّى) (3)، و أمثال ذلك كثير.
و إنّما هو كلام عادي دارج استحسن السامعون اختصاره أو إصابته موقعه فتمثلوا به في موارد تطابق مورده بعض المطابقة حتّى شاع و صار مثلاً.
و هذا هو القسم الثاني من تقسيمه، فإطلاق القول- أوّلاً- على مطلق الأمثال أنّها عظات لا وجه له، و فيها: (سبق السيف العزل) بدل (العذل) (4)و لعلها من سوء الطبع.
صفحة 54: (فالحفر يصورها بارزة) (5)و قد يصورها واطية غير ناتية، كما لا يخفى.
صفحة 55: فياليلى كم من حاجة لي مهمة (6)
تذكرت ليلى و السنين الخواليا *** و أيام لا نخشى على اللهو ناهيا
غلط فاحش مخل بالوزن، و إنّما هو بالترخيم، (فياليل)؛ ليستقيم
1) يضرب مثلاً في استعلام الخبر: أول من قال ذلك الحارث بن عمرو ملك كندة في قصة مذكورة. (راجع جمهرة الأمثال ج 1 ص 570 و ج 2 ص 255، و مجمع الامثال ج 3 ص 240).
2) يضرب مثلاً للشيئين يتفقان ، و فيه قصة مذكورة. (مجمع الأمثال ج 3 ص 418 و جمهرة الأمثال ج 2 ص 336 و مواضع اخر).
3) يضرب مثلاً للرجلين لهما فضل إلّا أنّ أحدهما أفضل، وصداء هو: ماء للعرب ليس لهم أعذب منه. (جمهرة الأمثال ج 2 ص 241، و مجمع الأمثال ج 3 ص 267).
4) يضرب مثلاً لمن فرّط من الفعل ما لا سبيل إلى ردّه. (مجمع الأمثال ج 2 ص 97، جمهرة الأمثال ج 1 ص 377 و ص 511).
5) ج 1 ص 53.
6) ج 1 ص 54، و هو صدر بيت لمجنون ليلى و عجزه: إذا جئتكم بالليل لم أدرِ ماهيا، من قصيدة مطلعها:
الوزن، و يتم التجنيس.
(56): الإسلام يمحو ما كان قبله (1)
ليس معنى هذا الكلام ما حمله عليه في سياق كلامه، كما لا يخفى على المراجع على أنّ الرواة قد نقلوا بعض ذلك و يوجد شيء منه في الأغاني (2)و غيره.
فيها: کما أبادوا- أي المسلمين- مكاتب الفرس و مصر (3)
و هذا لم يثبت، و إن نقل، و لكن قد نقل خلافه، كما أرادوا هدم إيوان كسرى و أهرام مصر (4)و لكن للارتفاق بها لا للعصبية، و محو الآثار، و لذلك عدلوا عنه لمّا رأوا أنّ النفقة عليه توازي ثمنه (5)
(63): و هو- أي الشعر- يصدر عن أحد أربعة فواعل: الرغبة، و الرهبة، و الطرب، و الغلب (6)
الغلب نوع من الطرب، و بقي من الفواعل الحزن؛ و هو تألم النفس و انفعالها بخسران ما يعز عليها من نفس أو مال أو شرف، و هو غير الرهبة و لا نوع منها؛ لأنّها عبارة عن خوف خسران مستقبل، و الحزن تأثر من خسار غابر، و الفرق بينهما كالفرق بين الهم و الغم، و لا هو من الرغبة، كما لا يخفى.
1) ج 1 ص 55.
2) الأغاني ج 16 ص 91 و فيه (الإسلام يجب ما كان قبله).
3) اسقطت من هذه الطبعة.
4) حاول المنصور هدم ایوان کسرى ثمّ تركه لارتفاع التكاليف، و المأمون حاول حفر الاهرام للاطلاع و ليس للهدم.
5) راجع مروج الذهب ج 1 ص 401 فقد ذكر أنّ بعض ملوك الإسلام شرع في هدم بعضها فإذا خراج مصر و غيرها من الأرض لا يفي بقلعها، و ج 1 ص 285، فقد ذكر امتناع الرشيد من هدم الإيوان لما يلزم من هدمه أموال عظيمة لا تضبط كثرة.
6) ج 1 ص 61.
(فيها): (جوههم) (1)بدل (جرهم) و هو من أغلاط الطبع.
(64): و الشعر يوجبه الحرب أو الحب أو الموت (2)اعترف هنا بفواعل خلاف ما تقدّم، و هي مما لا تندرج في الأربعة إلّا بتكلّف.
(66): و هي حرب البسوس (3بين كليب (4)و جساس (5)... و في أثنائها نبغ مهلهل أخو كليب و شهد تلك الحروب، و كان شاعراً مطبوعاً فتوسط في المصالحة بين القبيلتين) (6)
إنّ هذا لمن الخلط و الخبط المدهش الذي لا وجه له إلّا أنّ المؤلف يكتب كيفما اتفق من دون تثبت عند الكتابة.
و قد فاض على الألسنة فضلاً عن التواريخ و الصحف، و قد عرف كلّ ذي إلمام أنّ حرب البسوس كانت بين مهلهل و جساس من جراء قتله
1) صححت ج 1 ص 62.
2) ج 1 ص 63.
3) البسوس بنت منقذ التميمية، شاعرة جاهلية ، يضرب المثل بشؤمها، و هی خالة جساس بن مرة الشيباني، كانت لها ناقة رآها كليب وائل ترعى في حماه فرمی ضرعها بسهم فحزنت البسوس، و قالت شعراً أثار جساس بن مرة فقتل كليباً، فهاجت حرب بكر و تغلب ابني وائل بسببها أربعين سنة، فقيل: أشأم من البسوس، و عرفت حرب البسوس باسمها. (الأعلام ج 2 ص 51، الأغاني ج 5 ص 39- 69).
4) كليب بن ربيعة بن الحارث بن مرة التغلبي الوائلي: سيد الحيين (بكر، و تغلب) في الجاهلية، و من الشجعان الأبطال، و أحد من تشبهوا بالملوك في امتداد السلطة، كانت منازله في نجد و أطرافها، و بلغ من هيبته أنّه كان يحمي مواقع السحاب، و هو خال امرؤ القيس بن حجر الكندي. (الأعلام ج 5 ص 232).
5) جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان من بني بكر بن وائل، شجاع شاعر من أمراء العرب في الجاهلية، قتل في أواخر حرب البسوس. (الأعلام ج 2 ص 119).
6) ج 1 ص 65 و قد صحح في هذه الطبعة و جعل مهلهل بدل كليب.
لكليب أخ المهلهل، لا بين كليب نفسه و جساس، و أنّ الذي قام بهذه الحرب و أضرم نارها و عانى أمراسها من بدئها لغايتها هو المهلهل، لا أنّه نبغ في أثنائها و أنّه هو الذي هلهل برد الشعر للشعراء (1)، فلقب بذلك و كان اسمه مرة أو غيره (2)من الأسماء، و أن الذي توسط في المصالحة بين القبيلتين الحارث بن عباد (3)
نادى بالحرب بعد مقتل ولده و نصرت به بكر على تغلب و أسر المهلهل فجزّ ناصيته و أطلقه، و اصطلحت بكر و تغلب، و عمّر الحارث طويلاً مات نحو 50 ق.ه. (الأعلام ج 2 ص 156).
و كان من كبار تغلب (4)و حلمائها و ذوي الرأي فيها، و لكن اعتزل الحرب، و لم يتحزب لأحد الطرفين حتّى قتل ابنه فتكرّم و تحلم و قال: عسى أن يحقن الله به الدماء و تضع الحرب أوزارها و يعتدّه المهلهل بواء (5)بأخيه كليب، فبلغ المهلهل ذلك، فقال: هو بشسع نعل1) راجع سبب تسميته بالمهلهل. (القاموس ج 4 ص 72، و اللسان ج 15 ص 124، و تاج العرس ج 15 ص 821).
2) المهلل: اسمه عدي بن ربيعة بن مرة، أبو ليلى شاعر من أبطال العرب في الجاهلية، قيل لقب مهلهلاً لأنّه أول من هلهل نسج الشعر؛ أي رقّقه، و كان من أصبح الناس وجهاً و من أفصحهم لساناً، عكف في صباه على اللهو و التشبيب بالنساء فسماه أخوه كليب (زير نساء)، و لما قتل جساس بن مرة كليباً ثار المهلهل فانقطع عن الشراب و اللهو، و آل أن يثأر لأخيه، فكانت وقائع بكر و تغلب التي دامت أربعين سنة، و كانت للمهلهل فيها العجائب و الأخبار الكثيرة، أمّا شعره فعالي الطبقة. (الأعلام ج 4 ص 220).
3) الحارث بن عباد بن قيس بن ثعلبة: حكيم جاهلي، كان شجاعاً من السادات شاعراً، انتهت إليه إمرة بني ضبيعة و هو شاب، و في أيّامه كانت حرب البسوس فاعتزل القتال و قال قولته المشهورة: لا ناقة لي في هذا و لا جمل، فذهبت مثلاً.
4) الحارث بن عباد من سادات بكر و أشرافها و ليس من تغلب.
5) البواء: السواء، و فلان بواء فلان: أي كفؤه إن قتل به. (لسان العرب ج 1 ص 530، مادّة «بوأ»).
كليب، فأغارت الحارث هذه المهانة و أحمته و عزم على مخاضة تلك السعير الموقدة، و أنشأ قصيدته الرنانة الشهيرة التي أوّلها:
قرّبا مربط النعامة مني *** لقحت حرب وايل بالنزال
يقول فيها:
لم أكن من جناتها علم اللّ *** -ه و إنّي بحرّها اليومَ صال (1)
هذا ما بقي على صحيفة خواطرنا من الحداثة، و إلى اليوم ما سمعنا و لا رأينا ما يشعر بخلافه، و الله أعلم.
قوله فيها: ناهيك بالحروب التي جرت (2)
ما أكثر ما يستعمل هذه اللفظة فيما سبق، و يلحق بغير معناها؛ فإنّه يريدها بمعنى فضلاً عن كذا أو كيف بكذا مع أنّ صميم معناها: حسبك، و كفاك، فيقال: ناهيك به عالماً، أي اكتف أو كفاك أو كافيك، و هذا لا یلایم موارد استعمالاته و سياق كلماته، فليتنبه القراء و الكتاب لذلك.
صفحة (80): و إنّ أشعر بيت أنّك قائله (3)
الصحيح (أنت قائله).
و مثله في (81): فافنيت علاتي فماذا أقول (4)، إلّا أنّ الغلط أفحش فيه، لاختلال الوزن، و الصحيح: فأفنيت علاتي فكيف أقول.
و مثله في (83): هجزا يحك ذراعه بذراعه (1)و الصحيح: (هزجا) (2)
هزجاً يحك ذراعه بذراعه *** قدح المكب على الزناد الأجذم
(شرح المعلقات للزوزني: ص197).
(84): لكنّه متى علم إلى قوله: أدرك مراد الشاعر (3)
إنّ التعقيد هنا ليس من غرابة الألفاظ فقط، بل من سوء التأدية و ضعف التركيب؛ كقول الفرزدق.
أبو أُُمه حي أبوه يقاربه (4) و حاصله: عدم وقوع الألفاظ و الجُمل وضعاً كموقعها طبعاً، و خير الشعر ما لو أراد المتكلم أن يتكلّم على صرف طبعه لما قدّم منه مؤخراً و لا أخر مقدّماً، و لا أمكنه أن يحذف منه شيئاً، لاحتياج الكلام إلى كلّ أجزائه كقول الفرزدق في الإمام زين العابدين عَلیْهِ السَّلام ردّاً على هشام بن عبد الملك:
و ليس قولك من هذا بضائره *** الحل يعرف من أنكرت و الحرم (5)
1) ج 1 ص 81، و قد صحح و هو صدر بيت لعنترة و عجزه قدح المكبّ على الزناد الاجذم.
2) هزجاً: مصوتاً، صدر بيت لعنترة من معلقته المشهورة و هو:
3) ج 1 ص 82.
4) عجز بيت للفرزدق و قد تقدّم تخريجه في ص 43.
5) ديوان الفرزدق 2 ص 178، و قد ورد عجز البيت هكذا: العرب تعرف من أنكرت و العجم، و فيه: لمّا حجّ هشام بن عبد الملك في أيّام أبيه طاف بالبيت و جهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليتسلمه فلم يقدر على ذلك لكثرة الزحام فنصب له كرسي و جلس عليه ينظر إلى الناس، و معه جماعة من أعيان الشام، فبينما هو كذلك، إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فطاف بالبيت، فلمّا انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتّى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي ها به الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافه أن يرغب فيه أهل الشام و كان الفرزدق حاضراً، فقال: أنا أعرفه، ثمّ اندفع فأنشد:هذا الذي تعرف البطحاء و طأته *** و البيت يعرفه و الحل و الحرم
أو قول نصيب (1. في سليمان بن عبد الملك:)فجاؤوا فأثنوا بالذي أنت أهله *** و لو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ (2و عندي أنّ هذا من أهم شروط البلاغة و مقومات الشعر و هو المعيار في حسنه و قبحه.(فيها: ﴿فإنّ شعر عدي بن زيد (3)، و هو جاهلي أسلس من شعر الفرزدق و جرير و هما إسلاميان). ليس كلّ شعر جرير و الفرزدق على الحالة التي و صفت من الخشونة و الوعورة التي يفوقها شعر عدي، بل لكلّ منهما كثير من السهل الممتنع على عدي و كثير ممن هو في طبقته خذ من الفرزدق تلك الميمية التي
1) تقدّمت ترجمته في ج 1 ص 165
2) الأغاني ج 1 ص 323، الشعر و الشعراء ج 1 ص 411، معجم الأدباء ج 5 ص 420، خزانة الأدب ج 5 ص 291 و فيها: (فعاجوا فأثنوا) و مطلع الأبيات:)أقول لركب صادرين لقيتهم *** قفا ذات أو شال و مولاك قاربُ
3) عدي بن زيد بن حماد بن زيد العبادي التميمي، صاحب النعمان بن المنذر: كان شاعراً فصيحاً يحسن العربية و الفارسية، و هو أوّل من كتب بالعربية في ديوان كسرى، اتخذه في خاصّته و جعله ترجماناً بينه و بين العرب، و شى به أعداء له إلى النعمان بما أو غر صدره فسجنه و قتله في سجنه بالحيرة. (الأغاني ج 2 ص 89 و ما بعدها، خزانة الأدب ج 1 ص 367 و ما بعدها، الأعلام ج 4 ص 220).
يقول في أوّلها:
هذا الذي تعرف البطحاء و طأته *** و البيت يعرفه و الحلّ و الحرمُ
التي يقول فيها:
يغضي حياء و يغضى من مهابته *** فلا يكلّم إلّا حين يبتسمُ
فی کفّه خيزران ريحها عبق *** من كف أروع في عرنينه شممُ
إذا رأته قريش قال قائلها *** إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ (1)
و مثل قوله في الحماسة:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ (2)
و قوله:
إذا أبصروا ناراً يقولون ليتها *** و قد خصرت أيديهم نار غالب (3)
و كذا إذا نظرنا في شعر جرير وجدنا فيه ما هو أبهج من نسيج الديباج و الحرير؛ مثل قوله في الغزل:
إنّ العيون التي في طرفها حور *** قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
يصر عن ذا اللُُّب حتّى لا حراك به *** و هن أضعف خلق الله أركانا (4)
و قوله في المدح:
ألستم خير من ركب المطايا *** و اندى العالمين بطون راح (5)
و نظير هذا من سائر شعرهما كثير.
فقل لي- أصلحك الله- أين تجد فيها جلافة البادية، و جفاء الأعراب؟! و أشهد أنّ عدي بن زيد لم يسمع، و لم ير مثل هذا الديباج الخسرواني مدّة عمره على ما ذكرت له من ملازمة الحضارة و استيطان الريف.
فتثَّبت- يا هذا- فيما تسطر! و انظر فيما تقول، فلعل أمامك من الناس من يعرف شيئاً و لا يروج عليه المزيف و لا يخفى عليه المبهرج.
صفحة (85): و قد يتكلّم بالمثنى كأنّه يخاطب اثنين (1كقول عبد يغوث (2):)ألا لا تلوماني كفى اللوم مابي *** فما لكما في اللوم نفع و لا ليألم تعلما أنّ الملامة نفعها *** قليل و ما لومي أخي من شمالی (3)
أنا لا أدري ماوجه رواية البيتين بحذف الألف من الروي مع لزومه في قواعد العربية، و اختلال الوزن بدونه، كما لا أدري ما الغرض و ما المراد و ما الغاية و الفايدة منه، فليتنبه الناظر و ليتدبر!
(صفحة 102): (و لذلك فلا تكاد) (4)
1) ج 1 ص 83.
2) عبد يغوث بن صلاءة بن ربيعة من بني الحارث بن كعب من قحطان: شاعر جاهلي، كان فارساً سيد قومه من بني الحارث و قائدهم، و هو الذي طعن عامر بن الطفيل في عينه يوم فيف الريح، أسرته تميم و قتلته نحو 40 ق .ه. (راجع الأغاني ج 16 ص 354، خزانة الأدب ج 2 ص 178، الأعلام ج 4 ص 187).
3) راجع تمام القصيدة و صحّة وزنها في: المفضليات : ص 91، الأغاني ج 16 ص 360، خزانة الأدب ج 2 ص 173.
4) ج 1 ص 93، و قد صحح.
لا وجه لهذه الفاء في العربية، و الأصح: و لذلك لا تكاد، و قد كثر هذا التعبير في كتابه فليتدبر.
ص (109): فصاروا أي المعلقات ثمانية (1)
الأصح: فصارت ثمانية.
(111): أن تهب صبا إلا أطعم (2)
الأصح: أن لا تهب.
(115): يزعمون أنّه قالها ارتجالاً؛ و ذلك بعيد؛ لأنّه ذكر فيها عدّة من أيام العرب (3)
لا أعرف وجه هذا الاستبعاد؛ فإنّ أيام العرب و وقايعهم كانت على طرف ألسنتهم و حاضر خواطرهم، و لم يكن فيها أخبار عن الوقايع المتأخرة حتّى تكون من قبيل الملاحم؛ فتحتاج إلى فكر و روية، فراجع.
نعم، و المرجح أنّ أغلب شعر العرب- و على الأخص الجاهلية- كان ارتجالاً، أو ما يقرب منه نظراً إلى قلّة الكتب و الكتابة فيما بينهم، و كان الشاعر يقف فينشد شعره و يملي على السامعين قصيدته التي قد تتجاوز المئة عن صفحة خاطره لا صحيفة يده، و هذا من نفوذ خواطرهم و صحة ضمايرهم و صفاء قرايحهم، و لا أظن أُُمّة من الأمم توازيهم في ذلك.
(118): (مطلعها) (4)
لغير العلى مني القلى و التجنب *** و لو لا العلى ما كنت للعيش أرغب (1)
الأصح: (في العيش).
أمّا المطلع، فلا شكّ أنّه للشريف الرضي، و هو موجود في نسخة ديوانه القلمية و المطبوعة بتغيير لفظ (العيش) ب (الحب) لا غير و يبعد أن يعمد مثل هذا السيد الأبي الشهم العظيم القدر إلى بيت مشهور لذلك الشاعر المشهور، فينتزعه و يجعله طليعة قصيدة من غرر قصايده، كما يبعد أن يكون من قبيل توارد الخاطر، و من راجع القصيدتين (2)عرف أنّه بمسلك السيد أشبه، و إلى أُسلوبه أقرب، على أنّ الديوان المنسوب لعنترة لعدم ورود رواية وثيقة به أكثره أو الكثير منه مستعار على الظن من السيد الرضي و نظرائه الذين بلغ الشعر في أعصارهم إلى أرقى معارجه، و أنقى مناهجه،و ألطف أساليبه، و ما أبعد ما بين شعر عصر عنترة من الشعر الذي ينسب إليه، و هذا شيء يعرفه أهله، و الله أعلم بالحقيقة.
(124): (و من مراثيه بأخيه) (3)
و الأصح: و من مراثيه لأخيه.
(125) : (و نبغ من أهله غير شاعر)
الظاهر سقوط لفظ (واحد)، و إلّا فلا معنى للعبارة يريد أنّه نبغ في
1) مطلع قصيدة للشريف الرضي، من اثنين و سبعين بيتاً. (الديوان ج 1 ص 107، و فيه: (بالحب أرغب).
2) راجع ديوان الشريف الرضي ج 1 ص 107- 112، جواهر الأدب: ص 515، فقد نسبها للشريف الرضي أولاً، ثمّ قال : و قيل لعنترة العبسي و فيها: ما كنت فی الحب أرغب، ديوان عنترة: ص 36.
3) ج 1 ص 120، و قد صحح إلى (و من مراثيه في أخيه) و هو المهلهل بن ربيعة.
قومه شعراء كثيرون بدليل قوله بعد هذه الجملة (و كلّهم فحول) (1)
(126):
إذا قالت حزام فصدقوها *** فإنّ القول ما قالت حزام (2)
هذه هي تلك الشنشنة المصرية و السورية من ابدال (الذال) (زاياً) و بالعكس أحياناً، و قد نبهنا عليها غير مرة لينتبه الكتّاب إلى الحياد عن هذه الوصمة فيما يلي، إن شاء الله.
(128): و من نظمه؛ أي قيس بن عاصم (3):
أيا ابنة عبد الله (4)و ابنة مالك *** و يا ابنة ذي البردين (5)و الفرس الورد (6)
إلى تمام الأبيات الأربعة.
المشهور أنّ هذه الأبيات لحاتم الطائي، و هي بأسلوب أشعاره و آثاره
1) ج 1 ص 121 و لم تصحح، و هو عبد يغوث بن صلاءة.
2) ينسب البيت إلى لجيم بن صعب و قيل و سيم بن طارق،و حذام امرأته، و هو بیت مشهور من شواهد النحو. (لسان العرب ج 3 ص 97، تاج العروس ج 16 ص 132) و قد صحح في هذه الطبعة (ج 1 ص 122).
3) ج 1 ص 124.
4) هي ماوية زوجة حاتم الطائي.
5) ذو البردين: هو عامر بن أحيمر بن بهدلة، و كان وفد على النعمان بن المنذر في وفود من العرب فأخرج إليهم بُرْدي عمرو بن هند عمّه، و قال: ليقم أعزّ العرب قبيلة فيأخذهما فقام عامر هذا فأخذهما و لم ينازعه أحد من العرب، كما في شرح حماسة أبي تمّام- للشنتمري- ج 2 ص 969.
6) شرح حماسة أبي تمام- للشنتمري- ج 2 ص 969، عيون الأخبار ج 2 ص 286، الأغاني ج 14 ص 69.
أشبه، و كفى دليلاً على صحة هذه النسبة رواية أبي تمام لها في ديوان الحماسة (1)إلى حاتم لا إلى قيس، و على مثله المعول في أمثال ذلك فإنّه الثقة الثبت، و الخريت في هذه الطرق و المسالك.
(134)
ضربت بذي الزجين ربقة مالك *** فأبت بنفس قدْ اصبت شفاءَها
و سامحني فيها ابن عمرو بن عامر *** خِداشٌ فأدّى نعمة وافادها (2)
الصحيح: وافاءها (3)
ص (140): كان شعره قاسياً حافيا (4)
الأصح: جافيا.
(فيها) : ثمّ تكاثر الشعراء العشاق بعد الإسلام لانتشار التسري (5)
يا هذا! إنّ العشق لا ربط و لا علاقة له بالتسري، فتلك نفحة روحية ملكية و هذه بهيمية حيوانية، و أكثر الشعراء المشهورين في صدر الإسلام و القرن الأوّل كانوا من أهل البادية الذين يقل فيهم التسري و اتخاذ الجواري و الانهماك في التباضع، بل لعل أكثرهم لا يعرفون السراري و امتلاك الجواري إلّا بالزيجة للطاهرات المصونات.
1) بشرح التبريزي ج 4 ص 305 و فيه: حاتم الطائي يخاطب امرأته ماوية.
2) البيتان لقيس بن الخطيم من قصيدة قالها بعد أخذ ثأره من قاتل جدّه و قاتل أبيه، و قد ساعده خداش بن زهير، و القصة و الأبيات ذكرها أبو الفرج. (راجع الأغاني ج 3 ص 4، و القصيدة في ديوانه: ص 41- 52.
3) ج 1 ص 130 و لم يصحح.
4) ج 1 ص 136، و قد صحح في هذه الطبعة.
5) ج 1 ص 136، و التسريّ: اتخاذ السُرِّية و هي الجارية المتخذة للملك و الجماع. (لسان العرب ج 6 ص 235 مادّة «سرر»).
قل لي: أفكثير عزة (1)، أم جميل بثينة (2)
(راجع الاعلام ج 2 ص 138).
، أم عروة عفراء (3)، أم غيلان مية (4)، أم قيس لبنى (5)،أم قيس ليلى (6)، كانوا يعشقون لانتشار1) كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي أبو صخر ت 105 ه، شاعر متيم مشهور من أهل المدينة، و أكثر إقامته في مصر، في نفسه شمم و ترفع، كان أشعر أهل الحجاز في الإسلام لا يقدِّمون عليه أحداً، و في المؤرخين من يذكر أنّه غلاة الشيعة، أخباره مع عزة بنت جميل المضرية كثيرة، و كان عفيفاً في حبّه، قيل له: هل نلت من عزّة شيئاً طول مدتك؟ فقال: لا و الله، إنّما كنت إذا اشتدّ بی الأمر أخذت يدها فإذا وضعتها على جبيني وجدت لذلك راحة. (الأعلام ج 5 ص 219).
2) جميل بن عبد الله بن معمّر العذري القضاعي أبو عمرو: شاعر من عشاق العرب، افتتن ببثينة، من فتيات قومه، فتناقل الناس أخبارهما، شعره يذوب رقّة، أقل ما فيه المدح، و أكثره في النسيب و الغزل و الفخر، مات سنة 82 ه و أخباره مشهورة.
3) عروة بن حزام بن مهاجر الضبِِّي من بني عذرة: شاعر من متيمي العرب، كان یحب ابنة عم له اسمها عفراء، نشأ معها في بيت واحد؛ لأنّ أباه خلّفه صغيراً فكفّله عمّه، و لمّا كبر خطبها عروة فطلبت أمّها مهراً لا قدرة لهُ عليه ، فرحل إلى عم لهُ باليمن و عاد، فإذا هي قد زوجت بأموي من أهل البلقاء بالشام فلحق بها، فأكرمه زوجها، فأقام أياماً و ودعها و أنصرف فضني حبّاً، فمات قبل بلوغ حيّه و دفن في وادي القرى قرب المدينة نحو 30 ه. ( الأعلام ج 4 ص 226).
4) غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، الشاعر المعروف بذي الرُّمّة: شاعر من فحول الطبقة الثانية في عصره، أكثر شعره تشبيب، و بكاءأطلال، يذهب في ذلك مذهب الجاهليين، و كان مقيماً بالبادية، يحضر إلى اليمامة و البصرة، كثيراً عشق ميّة المنقرية و اشتهر بها، توفي سنة 117 ه. (الأعلام ج 5 ص 124).
5) قيس بن ذريح بن سنّة بن حذافة الكناني ت 68 ه: شاعر من العشاق المتيمين، اشتهر بحب لبنى بنت الحباب الكعبية، و هو من شعراء العصر الأموي و من سكان المدينة، كان رضيعاً للحسين بن علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام، أرضعته أُم قيس، و أخباره مع لبنى كثيرة جدّاً، و شعره عالي الطبقة في التشبيب و وصف الشوق و الحنين. (الأعلام ج 5 ص 206).
6) قيس بن الملوح بن مزاحم العامري، مجنون لیلی: شاعر غزل من المتيمين، من أهل نجد، لم يكن مجنوناً و إنّما لقب بذلك؛ لهيامه في حب ليلى بنت سعد، نشأ معها إلى أن كبرت و حجبها أبوها فهام على وجهه ينشد الأشعار، و يأنس بالوحوش، فيرى حيناً في الشام و حيناً في نجد و حيناً في الحجاز، إلى أن وجد ملقى بين أحجار و هو ميت فحمل إلى أهله سنة 68 ه. (الأعلام ج 5 ص 208).
التسري و الإركان إلى الرخاء و ترف العيش؟!
اشهد يا هذا! أنّك أفسدت تلك الجوهرة الشريفة- جوهرة العشق- و أذبت وجوه أولئك العشاق حياء و خجلا، أُولئك الذين مثَّلوا لنا روح العفّة و الطهارة.
أليست العرب هي التي تقول: إنّ نكح الحبّ فسد (1)
ما الحب إلّا قبلة *** و غمز كف و عضد
ما الحب إلّا هكذا *** إن نكح الحب فسد
إلى أن قالت: لست بعاشق أنت طالب ولد. (المستطرف ج 2 ص 185).
، و تقول لمن زاد من محبوبه على الحديث و الكلام : إنّما هو طالب ولد.أما الذين تشير إليهم من أهل التسري و رخاء العيش، و لعلك تومي إلى أبي نؤاس، و من في طبقته، فأولئك ليسوا من العشق في شيء، أنّهم ليسوا من العرب في الصميم.
ص (153): ذكر أنّ سائلاً سأل عليّاً أن يهجو قريشاً ذبّاً عن رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم، فقال: إن أذن لي النبي.فقيل يا رسول الله أئذن لعلي أن يهجو القوم الذين هجونا.فقال صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: عليّ ليس هناك أو ليس عنده ذاك (2)
و لا مرية عند أحد أنّه إن صحّ هذا الخبر- و لا أحسبه على شيء من
الصحة- و لكن على الفرض، فقصدُ رسول الله الإشارة إلى إجلال مقام علی عَلیْهِ السَّلام عن الشعر و تنزيله منزلة النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و في أنّه لا ينبغي له الشعر (1)
و قد ذكر المؤلف نفسه في هذا الكتاب أنّ الملوك و الأكابر من العرب كانوا يأنفون من نظم الشعر و إن أمرأ القيس كان يعد ممن تنازل عن مقامه، و تطامن للنظم (2)
و نحن سواء سلّمنا بهذه المزعمة أم رفضناها، نظراً إلى ما يروى من الشعر للنعمان بن المنذر و غيره من ملوك العرب، و لكن هم إن نظموا لا يضربون على وتر الشعراء و إنّما ينظمون على الحشمة و الفخامة، و ما يناسب مقامهم من الشعر الملوكي و النظم الادبی.
و على أي فالنبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم يوعز في هذا إلى أنّ مقام عليّ أعلى من قول الشعر على عمومه فضلاً عن الهجاء ، و لو كان بحقّ:
إذا ما اجتررت سفاه السفيه *** عليّ فإنّي إذا أسفه (3)
و أحلم عن سباب الناس جهدي *** و أكره أن أعيب و أن أُُعابا (4)
احب مکارم الاخلاق جهدي*** و اكره ان اعيب و أن أُعابا
و اصفح عن سباب الناس حلماً *** و شر الناس من يهوى السبابا
نعم، و إنّ لعليّ عَلیْهِ السَّلام غنىً بسلة سيفه عن أسلة لسانه، و إن كانتا لمن
1) إشارة إلى قوله تعالى: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ سورة يس: 69.
2) ذكر ذلك في ج 1 ص 98 (شعر امرئ القيس).
3) تقدم تخريجه و البيت موجود في ديوان الإمام علي عَلیْهِ السَّلام ص 206، و ينسب لأصرم ابن قيس: كما في العقد الفريد ج 2 ص 59.
4) ينسب البيت للحسن بن رجاء كما في العقد الفريد ج 2 ص 59، و هو موجود في ديوان الشافعي ص 140 و روايته:
أسآء سوآء، و لقد تقاضى منهم يوم بدر، و أُحد، و الأحزاب، و نظايرها.
نعم، تقاضى فاستوفى، و نهض بالثار فشفى و أشفى، و لو أراد الشعر لهزّ المراكز و جاء بالهزاهز (1)، و لكن التشفي باللسان- يا هذا- حرفة عاجز، و يأبى الله و رسوله و نفس أمير المؤمنين له ذلك، فلا يسترسل الكاتب، و لا يغفل الناظر و القارئ و الله ولي التوفيق.
ص (157): أشوقاً و لم تمض لي غير ليلة (2)
الأصح: و لمّا تمض لي؛ ليستقيم الوزن.
(109):
أودى و هل تنفع إلّا شاخة *** من شيء قد يحاول النزعا (3)
أُنظر: الأغاني ج 11 ص 78 و فيه (البدعا) بدل (النزعا).
هذا البيت على هذه الصورة مختل الوزن اختلالاً غير مغتفر و لا تحضرني روايته الصحيحة، و لكنه يستقيم بمثل:
أودى فهل تنفع الإشاحة من *** شيء لمن قد يحاول النزعا
أو الجزعا أو ما يشبه ذلك.
ص (170): و كان لكلّ قبيلة خطيب، أو غير خطيب كما كان لها شاعر أو غير شاعر (4)
1) الهزاهز: الشدائد. (تاج العروس ج 8 ص 174 مادّة «هزز»).
2) ج 1 ص 153 و قد صحح، و هو صدر بيت لسحيم مولى بني الحسحاس، و عجزه فكيف إذا سار المطيّ بنا شهرا.
3) ج 1 ص 155 و قد صحح البيت مثل قول الشيخ قُدِّس سِرُّه و البيت لأوس بن حجر من أبيات يرثى بها فضالة الأسدي، و مطلعها: أيّتها النفس أجملي جزعاً *** إنّ الذي تحذرين قد وقعا
4) ج 1 ص 164 و العبارة أصبحت هكذا: و كان لكل قبيلة خطيب، أو أكثر، كما كان لها شاعر أو أكثر.
لیتفضل الأفاضل أو نفس المؤلف في توضيح مراده من هذه العبارة، فإنّي- و ربّ الشاعر و غير الشاعر، و الخطيب و غير الخطيب- كلّما أعملت الفكر في تحصيل معنىً يتسع ظرف هذا اللفظ به و يليق له، لم أجده و لم أعثر عليه.
نعم،أظنه يريد أن يقول و لكلّ قبيلة خطيبٌ واحد أو خطباء، كما أنّ لهم شاعر واحد أو شعراء، و لكنّي أحاشيه عن تحميل هذه العبارة الطويلة ذلك المعنى المختصر الذي يمكن اداؤه بأقل من ذلك اللفظ و أكثر منه في الإيضاح عن المراد بأن يقول: شاعر أو شعراء و خطيب أو خطباء.
حاشاه و هو المؤلف الشهير الذي نقد عمره في مهنة التأليف و التصنيف بالعربية عن أن يريد ما لا ينطبق عليها إذاً فما المراد بها أيّها الفضلاء.
ص (195): أشهر خطباء ذلك العصر الإمام علي بن أبي طالب فقد جُمعت خطبه في كتاب نهج البلاغة ... و لا نظن كلّ ما حواه من الخطب له (1)
أيّها المؤلف! رويدك و على هونك، فنحن قد رأينا جزمياتك و قطعياتك، فكيف بمظنوناتك و موهوماتك؟! ألا و إن الشريف الرضي (2)
1) ج 1 ص 189 و مكان الفراغ هذه العبارة (جمعها الشريف المرتضى المتوفى سنة 436 ه).
2) ذو الحسبين أبو الحسن محمّد بن الحسين بن موسى الرضي العلوي الموسوي، ولد ببغداد سنة 359 ه قال الثعالبي: ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز العشر سنين بقليل و هو اليوم أبدع أبناء الزمان و أنجب سادة العراق يتحلّى مع محتده الشريف، و مفخره المنيف، بأدب ظاهر و فضل باهر و حظّ من جميع المحاسن وافر ثمّ هو أشعر الطالبيين، من مضى منهم و من غبر على كثرة شعرائهم المفلقين ... و لو قلت أنّه أشعر قريش لم أبعد من الصدق، و أخباره مشهورة توفي سنة 406 ه. (راجع يتيمة الدهر ج 3 ص 155، وفيات الأعيان ج 4 ص 414، الأعلام ج 6 ص 99).
أصدق منك ظنّاً، و أبعد أثراً، و أقرب عهداً، و أصحّ نقداً، و أعرف بلحن آبائه و أجداده منك، و من جميع ماقذفت به أيامنا و حوته عصورنا من فطاحل العلماء، و أفاضل النقدة فضلاً عن غيرهم.
نعم، و أنّ السيد الرضي لأعرف بالدين، و أعرق بالصدق، و أشد حريجة (1)و خوفاً من الله، كما هو أكبر نفساً و أعلى شرفاً، و أشم أنفاً يدس في كلام أمير المؤمنين ما ليس منه، أو يفتري على الله و أوليائه الكذب.
فنهنه (2)أيّها الرجل من غلوائك! فقد حنّ قدح ليس منها (3)، و طفق يحكم عليها من عليه الحكم لها، فلا تقضِِ و تحكم لنا في مذاهبنا و أمهات كتبنا التي لست منها في شيء.
أيّها الرجل! لتعتقد أنت وكل شاك أنّ هذا الكلام الذي حواه ذلك المجموع كلّه لأمير المؤمنين- أعني ما نسبه السيد له سلام الله عليه- ليس كلمة منه لغيره و كفاك شهادة البحاث الشهير الكاتب التحرير عبد الحميد شارح النهج (4)، فإنّه غزير الاطلاع، واسع الفضل، بحاث عن الحقايق،
1) حريجة: مبالغة في التحرّج؛ و هو الإثم و الضيق، يُقال: تحرّج فلان: إذا فعل فعلاً يتحرّج به؛ أي يتأثم. «لسان العرب ج 3 ص 107 مادّة «حرج»).
2) نَهنه: كُفْ (لسان العرب ج 14 ص 312 مادّة «نهنه»).
3) يضرب مثلاً للرجل يدخل نفسهُ في القوم ليس منهم و قد تقدّم. (جمهرة الأمثال ج 1 ص 370، مجمع الأمثال ج 1 ص 341).
4) عبد الحميد بن هبة الله بن محمّد بن الحسين بن أبي الحديد، أبو حامد، عز الدين، عالم بالأدب، من أعيان المعتزلة، له شعر جيد و اطلاع واسع على التاريخ. ولد في المدائن عام 586، و انتقل إلى بغداد، و خدم في الدواوين السلطانية، و برع في الإنشاء. له: « شرح نهج البلاغة» و «الفلك الدائر على المثل السائر» توفي ببغداد عام 656. (أنظر: الاعلام ج 3 ص 289).
كما يعلم من كتابه، و تشهد له أشعاره و آثاره.
و قد سجل في مواضع و بالأخص الخطب التي وقع الوهم و الاحتمال أنّها ليست لأمير المؤمنين، سجل أنّها له، و نقل عن جماعة من فطاحل العلماء و المؤرخين أنّهم وجدوا تلك مروية لأمير المؤمنين في الكتب التي كان نسخها قبل أن يخلق الشريف الرضي بمئة عام (1)
نعم، قد همس بهذه المزعمة بعض ضعفة المسلمين، و لا سيما من المتأخرين، و لكنّهم بين خلّاط و خبّاط، و كسير و عوير (2)، لا يأوي إلى ظلّ حجّة و لا يستند إلى كنف برهان.
ثمّ و لا يذهبن عليك أنّ لأمير المؤمنين في كتب الإمامية من خطبه و كتبه و عهوده أضعاف ما في نهج البلاغة، و كلّها على أسلوبه، و عهدي ببعض أفاضلنا قد تصدى لجمعها و جعلها مستدركاً على النهج (3)و كان قد
1) راجع كلام ابن أبي الحديد في ذلك ج 1 ص 205، و فيه: (فقال ابن الخشاب: أنّى للرضي و لغير الرضي هذا النفس و هذا الأسلوب، قد وقفنا على رسائل الرضي، و عرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور، و ما يقع مع هذا الكلام في خلٍٍٍٍّ و لا خمر، ثمّ قال: و الله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنّفت قبل أن يخلق الرضي بمئتي سنة، و لقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها، و أعرف خطوط من هو من العلماء و أهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي ...) إلى آخره.
2) العوير: تصغير الأعور و عورت عينه: ذهب بصرها، و منه قولهم: كُسير و عوير وكلُّ غيرُ خير، يُقال في الخصلتين المكروهتين. (لسان العرب ج 9 ص 466 مادّة «عور»).
3) هو الشيخ هادي بن الشيخ عباس بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، المولود سنة 1289 ه صاحب كتاب «أوجز الأنباء في مقتل سيّد الشهداء» و غيرها، و قد جمع ما استدركه على نهج البلاغة في ثلاثة أجزاء، توفّي سنة 1361 ه. (الذريعة ج 21 ص 6، الاعلام ج 8 ص 58).
جمع منها شيئاً كثيراً يتوفر على النهج أضعافاً، و كلّه على شريطة أن يكون على ذلك النمط من البلاغة، و أن لا يذكر سواه، و لم يكن قد أتمّه، فأسأله تعالى توفيقه لإتمامه و انتشاره إن شاء الله تعالى.
ص (201): فانتقلت إلى عند ابنته (1)
إقحام (عند) هنا ليس بالفصيح أو ليس بالصحيح، و الأصح (إلى بنته).
(207): فصارت في أيامهم ملكاً عضوداً (2)
الظاهر أنّها تحريف (عضوضا) و إلّا فلا معنى لها.
(208): قال رجل يمني من أنصار علي: أيّها الناس هل من رايح إلى الله تحت العوالي، و الذي نفسي بيده لنقاتلنكم على تأويله كما قاتلناكم على تنزيله (3)
المعروف في كتب التاريخ أن هذا الكلام لعمّار بن ياسر (4)
نحن ضربناكم على تنزيله *** فاليوم نضربكم على تأويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله *** و يذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق إلى سبيله
، و هو من المهاجرين لا الانصار، و من العدنانية بالولاء لا من القحطانية.(فيها): (بحدل) تصحيف (بجدل) (1)
(212): فعمد، أي أردشير (2إلى استرجاع علوم الفرس من اليونان أو الاستعاضة بمثلها) (3)
و هكذا نقل عن أنوشروان (4)من التعويل على كتب اليونان، و المرجح أنّ الفرس كانت مستغنية بعلومها عن غيرها، و ما كانت عالة على سواها، و كانت الحكمة و الفلسفة و الفلكيات على أوليات الدهر فيهم و منهم، و كانت فيهم طوائف مهمّة من الفلاسفة و الحكماء و أرباب التشريع و واضعي النواميس؛ كالأصفهبذية (5)
و تركّز هذه الفلسفة على كون الشيء ينقسم إلى نور وضوء في حقيقة نفسه، و إلى ماليس بنور وضوء في حقيقة نفسه، و هذا مأخوذ من العقيدة الزردشتية و الفهلوية. (راجع معجم المعارف الإسلامية الفلسفية و الكلامية ج 1 ص 329- 330، و موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي: ص 1732).
و قبلها1) ج 1 ص 201 و العبارة على حالها.
2) أردشير بن بابك أول ملوك الفرس المتمجسة، و كان ملكه باصطخر، حارب ملوك الطوائف الذين ملّكهم الاسكندر، و استولى على فارس و خراسان و أرمينية و أذربيجان و الجزيرة و غيرها، و سمّى شاهنشاه، و بنى بيت نار باردشیرخرّه، عقد لابنه سابور الملك بعده، و كان ملكه أربعة عشر سنة. (تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 200، مروج الذهب ج 1 ص 266).
3) ج 1 ص 205.
4) انوشروان بن قباذ بن فيروز، ملك ثمانياً و أربعين سنة، و هو الذي قتل مزدك و أصحابه غزا بلاد الشام، و حارب قيصر. (راجع أخباره في مروج الذهب ج 1 ص 290، و تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 207).
5) الأصفهبذية أو ما يسمى بأنوار الأصفهبذية: و هي النفوس الناطقة و التي تكون أعم من النفوس الناطقة الفلكية و الإنسانية المجردة، و النور الأصفهبذ هو مدير الأفلاك، و هو نفسه الناطقة، و يكون مجرد عن المادة ، و يعني باللسان الفهلوي زعيم الجيش و رأسه، و النفس الناطقة رئيس البدن و ما فيه من القوى، و لهذا كانت أسفهبذ البدن، و هو لا يتصرف إلّا بتوسط الروح، و هي حالة برزخية.
الجمشيدية (1)و قبلها الزرادشتية (2)
و من مارس الفلسفة، وقف على كثير من آرائهم الراقية و أفكارهم السامية التي تقضي لهم بالتقدم على اليونان و السبق عليهم، و حسبك من ذاك أنّ كتاب «حكمة الإشراق» للشيخ شهاب الدين السهروردي (3)
(راجع: وفيات الأعيان ج 6 ص 268، الأعلام ج 8 ص 140، معجم المؤلفين ج 4 ص 90).
المقتول بحلب و شرحه للقطب الشيرازي (4)أكثره مبنيُّ على تلك الأُسس و الدعايم،1) الجمشيدية: مذهب فلسفي يفسر الكون بمبدأين مستقلين، و يؤكد على قدم الخير و الشر و تركز أيضاً على النور، و الظلمة كالزرادشتية، و جمشيد بطل أسطوري فارسي و يعني شعاع القمر.
2) الزرادشتية: مذهب ديني أسّسه زرادشت نحو القرن 7 و 6 ق.م و هو زعيم ديني فارسي ثمّ أضيفت إليه بعض الإضافات، و تركز فلسفة الزرادشتية على وجود الهين یزدان و هو إله الخير و النور، و أهريمن إله الشر و الظلمة، و يقدس أتباع الزرادشتية النار و يستعملونها في شعائرهم الدينية. (راجع الموسوعة العربية الميسرة: ص 922، و غيرها من المصادر).
3) يحيى بن حبش بن أميرك أبو الفتوح شهاب الدين السهروردي الشافعي، حكيم صوفي، متكلّم، فقيه،أصولي، أديب، شاعر، ناثر، ولد في سهرورد من قرى زنجان و نشأ بمراغة، و عاش بأصبهان، ثمّ ببغداد، ثمّ بحلب،نسب إليه انحلال العقيدة، و كان علمه أكثر من عقله كما يقول ابن خلكان، فأفتى العلماء بإباحة دمه، فسجنه الملك الظاهر غازي، ثمّ خنقه بإشارة والده السلطان صلاح الدين، و كان في سنة 587 ه، و عمره ثمان و ثلاثون سنة. من مصنّفاته التلويحات، هياكل النور، المشارع و المطارحات، التنقيحات، حكمة الإشراق و غيرها.
4) محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي قطب الدين الشيرازي: قاضي عالم بالعقليات مفسر، ولد بشيراز، و كان أبوه طبيباً فيها، فقرأ عليه، ثمّ قصد نصير الدين الطوسي و قرأ عليه، و دخل الروم، فولي قضاء سيواس و ملطية، وزار الشام و العراق و مصر، ثمّ سكن تبريز و توفى فيها سنة 710 ه، و كان ظريفاً لا يحمل همّاً و لا يغير زي الصوفية، يجيد لعب الشطرنج و يديمه، و يتقن الشعبذة، و يضرب بالرباب، و يجلس في حِلق المساخر، من كتبه: (فتح المنان في تفسير القرآن ، و غيرها. (راجع الأعلام ج 7 ص 187، معجم المؤلفين ج 3 ص 832).
و هو يخالف الحكمة اليونانية و ينهج في منهج أعلى منها، بل هو من أجل كتب الحكمة و أعلاها و أدقها و أرقها، و الغرض أنّ الفرس كانت أغزر مادة و أوسع علماً و نظراً من اليونان، و إن كانت الشهرة و التداول لعلوم هؤلاء دون أولئك، و الموروث عنهم أكثر و أشهر.
222: و أقدم من دوّن الأحاديث مالك بن أنس (1فی کتاب الموطأ) (2)
الثابت المحقق، أنّ أوّل من دون في الحديث ابن أبي رافع (3)كاتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام، و خازنه على بيت ماله، و هو قبل الإمام مالك بزمان كثير، بل الحقّ أنّ أوّل من دوّنه هو نفس أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، كما يدل عليه خبر الصحيفة من)
1) مالك أنس مالك الأصبحي، أبو عبد الله، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنّة و إليه تنسب المالكية، ولد في المدينة عام 93ه و توفّي فيها سنة 179، له كتب منها: الموطأ، تفسير غريب القرآن، و غيرها. (الأعلام ج 5 ص 257).
2) ج 1 ص 216 من تاريخ آداب اللغة العربية.
3) علي بن أبي رافع، ولد في عهد رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و كان صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم سماه عليّاً، و قال النجاشي: من خيار الشيعة و كاتب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام حفظ كثيراً، و جمع كتاباً في فنون من الفقه، الوضوء، و الصلاة، و سائر الأبواب ... و كانوا يعلمون هذا الكتاب، و قال السيد شرف الدين في الفصول المهمة: و علي الذي ألف كتاباً في الفقه على مذهب أهل البيت، و هو أوّل كتاب فقهي عمل في الإسلام بعد صحيفة علي عَلیْهِ السَّلام. (راجع: الإصابة ج 5 ص 67، فهرست النجاشي ص 6- 7 ترجمة رقم 2، الفصول المهمة لشرف الدين: ص 265.
الصحيحين (1)﴿فيها- من أغلاط الطبع-: انصرفت قرايحهم إلّا الفلسفة و فرعها (2) و الصحيح إلى الفلسفة و فروعها.
223: و تكوّن فقههم أي المسلمين، و هو من أفضل شرايع العالم، و قد أسرعوا في ذلك سرعتهم في تأسيس دولتهم و نشر دينهم (3)
حيّاك الله و بياك (4)أيّها الباحث! و يعجبني أن أشكرك في موضع الحسنة، كما أنتقد عليك في موضع السيّئة.
نعم، و إصابتك الحقيقة، ثمّ اعترافك بها لَمِن أجدى الحسنات و إنّ الحسنات يذهبن السيئات إن شاء الله.
225: فالظاهر أنّ العرب لما خالطوا السريان في العراق اطّلعوا على آدابهم و في جملتها النحو فأعجبهم، فلمّا اضطروا إلى تدوين نحوهم نسجوا على منواله (5)
1) صحيح البخاري ج 1 ص 64/ باب كتابة العلم، و صحيح مسلم ج 4 ص 115/ كتاب الحجّ باب فضل المدينة، و مواضع أُُخر من الصحيحين، و قد جمع أخبار هذه الصحيفة و رتبها الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب- كلية دار العلوم - جامعة القاهرة، و طبعت تحت عنوان (صحيفة علي بن أبي طالب رَضی اللهُ عَنهُ) عن رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم.
2) ج 1 ص 216، و قد صححت العبارة.
3) ج 1 ص 216.
4) حياك و بيّاك: قيل: ملّككَ و أبقاك، و قيل قرّبك، و قال خلف الأحمر: بيّاك الله معناه بوّأك منزلاً إلّا أنّها لمّا جاءت مع حيّاك تركت همزتها و حوّلت و اوهُا ياءً؛ أي أسكنك منزلاً فى الجنّة و هيّأك له. (لسان العرب ج 1 ص 565 مادّة « بيي»)
5) ج 1 ص 219.
هذا من قبيل ما يقال من الاجتهاد في مقابلة النص، و إعمال الحدسيات ضد الحسيات؛ فإنّ المؤرخين و ثقات العربية قد فاضت رواياتهم بأنّ أمير المؤمنين قد ألقى أصول النحو على أبي الأسود (1)، و قال له: الكلمة: اسم أو فعل أو حرف، و الاسم: ما أنبأ عن المسمى، و الفعل: ما أنبأ عن حركة المسمى، و الحرف: ما دلّ على معنى في غيره.و الكلام: ظاهر أو مضمر، و ما ليس بظاهر و لا مضمر، إلى غير ذلك من القواعد.
و أمير المؤمنين ممن لم يعهد له مخالطة مع السريان، و لا مزاولة لهم، و كان بما ألهمه الله من العلوم و الكفاءة غنيّاً عنهم و عن غيرهم، و ممن شرح القصّة و أسباب الوضع و نسبته إلى أمير المؤمنين أبو الفرج الأصبهاني في «الأغاني» (2)و الزجاج (3)و الحموي في « معجم الأدباء» (4)في عدّة مواضع منه فليراجع.
ص 228: (من أحراف الألسنة الأخرى) (5)
لم يعهد هذا الجمع و لم نجده في اللغة و الموجود حروف و أحرف. 228: ذكر الحركات الثلاث من الضمّة و الفتحة و الكسرة و أرجعها بالمناسبة و المشابهة إلى الواو و الألف و الياء، و لم يذكر علامة الجزم، و أهمل البحث و التعرض لها بتاتاً (6)
230: فلمّا ظهر الإسلام و اشتغل المسلمون بالفتح و الحرب حتّى استتب لهم الأمر، و نزعوا إلى الجهاد تدرجوا في وضع التاريخ (1)
سياق الكلام يعطي أن مراده: النزوع من الجهاد لا إليه، بدليل قوله و استتب لهم الأمر، فليتدبر.
237: (أصحاب شعر و خيال و حساسة مثلهم) (2)
لا أحس لهذه الصيغة حسّاً في العربية، و لا أعرف وجهاً لهذا التركيب الغريب، فلو قال: أصحاب شعر و خيال و إحساس لكان أولى و أحسن.
238: (لكنّه كان من أصحاب الشاعرية) (3)
لا يخفى ركاكة هذا التعبير و تفاهته إنْ صح له مخرج في العربية.
250: (فكان أكثر الشعراء في هذا الدور إمّا على الحياد خوفاً من معاوية، أو ينصرون العلويين) (4)
الأصح: إعادة إمّا بدل (أو) كما صرّح علماء العربية فيما لو تأخرت (إمّا)، كما في المقام.
(فيها): (و خالف على مروان) (5)
و الأصح: و خالف في مروان.
256: (و خذوا مسايحكم بنو النجار) (1)
الصحيح: و خذوا مساحيكم بني النجار.
257: (بمطرد المتنين منتبر الخصر) (2)
ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر *** و إن كان حيّانا عدى آخر الدّهرِِِ
ديوان الأخطل ج 1 ص 179.
الصحيح: منبتر الخصر.
262: (قوله في هجو التيم) (3)
تيم وعدي، كقريش لا تدخل عليها الألف و اللام إلّا عند النسبة، فيقال: التيمي و العدوي، و الصحيح هنا: في هجو تيم.
263: (يظهران القول الكامنة) (4)هذا من أغلاط الطبع الغريبة و لعلّه يريد: القوى الكامنة.
278: (و كان من أحسن الشباب وجها) (5)
الصحيح: من أحسن الشبان وجهاً (6)
اُنظر: لسان العرب ج 7 ص 12 مادّة «شبب»
.1) ج 1 ص 248، و قد صحح و هو عجز بيت للأخطل و صدره: (خلّوا المكارم لستم من أهلها) من أبيات يهجو بها الأنصار بعد أن طلب منه معاوية ذلك.
2) ج 1 ص 250، و قد صحح، و هو عجز بيت للأخطل و صدره: (تموت و تحيا بالضجيع و تلتوي)، و ذلك من قصيدة مطلعُها:
3) ج 1 ص 255، و قد صحح.
4) ج 1 ص 255، و قد صحح، و العبارة (و الضغط و المقاومة يظهران القوى الكامنة).
5) ج 1 ص 272، و قد صححت إلى الشبان و هو بيهس بن صهيب الجرمي.
6) الشباب: جمع شاب كالشبّان، و هو عند سيبويه اسم جمع له، و قد ورد هذا الجمع في أشعار و خطب العرب الذين يستشهد بأقوالهم و أشعارهم.
ص 294: إنّي لأ ذكرها بما تكرهون (1)
الصحيح: لا أذكرها.
297: و قلبي إلى البيت الذي لا أزور (2)، الشطر غير مستقيم الوزن، فليراجع.
303: في كفه خيزران ريحها عبق (3)
الأصح: أنّ هذين البيتين من جملة قصيدة الفرزدق التي تقدّم بعضها في الإمام زين العابدين عَلیْهِ السَّلام.
312: فتبين لنا من ذلك أنّه لا يقرأ (4)
هذا مغاير لما تقدّم من حفظه القرآن، و يبعد حفظه على غير قراءة منه، و الحق أنّ الفرزدق كان من أكمل الشعراء، و أوفاهم عهداً، و أزكاهم عملاً، و أصحهم ديناً، و أبرّهم بوالديه و بإخوانه، و قد حجّ بأُمّه مراراً، لقي في إحداهن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام عند توجهه إلى الكوفة، فقال له في طويل محاورة بينهما: يا سيدي! إنّ قلوب أهل العراق معك و سيوفهم عليك (5)، ثمّ سأله عن مسائل في الحج و الصلاة و ودّعه و مضى.
1) ج 1 ص 287 و قد صححت العبارة، و المعنيُّ بها: كثير و صاحبته عزة.
2) ج 1 ص 290، و هو عجز بيت للاحوص و صدره: (أزور البيوت اللاصقات ببيتها)، كما في الأغاني ج 6 ص 270.
3) حذفت من هذه الطبعة.
4) ج 1 ص 305.
5) راجع تاريخ الطبري ج 3 ص 296، و تاريخ ابن الأثير ج 3 ص 401.
6) تقدّمت ترجمته في ص 126.
7) ج 1 ص 305.
الذين كانوا لا يقرأون كثيرون، و لكن حبذا لو دلنا المؤلف على الكتّاب و القراء منهم؛ فإنّه هو الحري بالذكر.
تلك ملاحظاتنا على هذا الجزء حينما كنّا نستطرده استطراداً و ننحدر فی مطالعته انحداراً، و ننقد ما خطر على الفكر عرضاً، و سنح على الخاطر عفواً، و جاءنا من النظر إرسالاً من دون ريث و إمهال و تأمل و مراجعة، و لا استمداد من المصنفات تعويلاً على المصادر و الأُمهات، لعدم وفاء الوقت بذلك لو كانت عتيدة (1)حاضرة، فكيف واليد عنها قاصرة، وشقة السفر دونها حاصرة.
و الغرض أننا لا نأمن الخطأ فيما نقدناه، و لا ندعي العصمة فيما قلناه، و إنّما ذكرنا ما خطر لدى الوقت، و الله أعلم بالحقيقة. كما أحسب أنّ الناقد المتتبع و الباحث المتضلع، سوف يعثر على كثير من الملاحظات على الكتاب فاتنا الالتفات لها أو التنبيه عليها لضيق المدّة، و قلة العدّة، وها نحن نراجع الجزء الثاني منه، و نقيد في أثناء المطالعة و المراجعة ما يسنح لنا من الملاحظات عليه، و الله ولي الصواب و الهداية.
1) العتيد: الحاضر، المهيّأ، القريب (تاج العروس ج 5 ص 92 مادّة «عتد»).
صفحة 10: (في سبب وضع النحو) (1)
عرفت في ما سبق أنّ وضع النحو كان بتعليم أمير المؤمنين لأبي الأسود، و هذا هو المرجّح من المصادر الوثيقة؛ كأغاني الأصبهاني؛ و أمالي الزجاج؛ و طبقات (2)
اُنظر : کشف الظنون ج 2 ص 1940، معجم المؤلفين ج 2 ص 115- 116. الأعلام ج 3 ص 327، معجم المطبوعات العربية ج 1 ص 480.
الأنباري، و غيرهم من مشاهير علماء العربية. و هم أسبق و أوثق من القاضي ابن خلّكان في ما نقل من نسبة الواقعة مع زياد (3)(12): ذكر أنّ أسباب تدوين الفقه هو صيرورة الإسلام دولة (4)
1) ج 2 ص 319 من المجلد الأوّل.
2) هو كتاب نزهة الألباء في طبقات الأدباء، و قد طبع على الحجر أوّل مرّة سنة 1294 ه بمصر، ثمّ طبع عدّة طبعات محقّقة بعد ذلك لأبي البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمّد بن عبيد الله الأنصاري الأنباري ت 577 ه من علماء اللغة و الأدب و تاريخ الرجال، صاحب «الإنصاف في مسائل الخلاف»، و «أسرار العربية» و غيرها.
3) وفيات الأعيان ج 2 ص 537، و في ص 535 ذكر أنّ علياً رضوان اللهُ عنهُ وضع له: الكلام كلّه ثلاثة أضرب، اسم، و فعل، و حرف، ثمّ رفعه إليه و قال له: تمم على هذا و حكاه أبو علي القالي عن الزجاج عن المبرد كما في الإصابة ج 3 ص 562، و خزانة الأدب ج 1 ص 577، و تاريخ الخلفاء: ص 213، و راجع ما تقدّم في ص 138.
4) ج 2 ص 320.
و لا علاقة لصيرورته دولة بذلك أبداً، و إنّما الباعث على تدوينه توقف العبادات الواجبة على كلّ مكلف عليه.
كيف، و الإسلام لم يصر دولة إلّا بعد مضي مدّة الخلافة طبق ما أنبأ به النبي صلوات الله عليه في أعلام نبوّته من الحديث المشهور: الخلافة بعدي ثلاثون ثم تصير ملكاً عضوضاً (1)؟!
و أوّل من صنّف أحاديث الفقه علي بن أبي رافع (2)مولى رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم، و هو أحد الخصيصين بأمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، و كان تابعياً من خيار الشيعة، و كان كاتباً له، و له حفظ كثير، و جمع كتاباً في فنون الفقه من الوضوء و الصلاة و غيرها.
و كان أبو رافع (3)
و قال ابن عبد البر: و عقب أبي رافع أشراف بالمدينة و غيرها عند الناس، و زوّجه رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم سلمى مولاته، و قال ابن الأثير: و بقي عقبه أشراف المدينة.
(الاستيعاب ج 1 ص 84، أُُُسد الغابة ج 1 ص 93).
صاحب بيت المال بالكوفة لأمير المؤمنين، و ابناه1) راجع سنن أبي داود ج 4 ص 210 ح 4646 و 4647، و جامع الترمذي ج 4 ص 436 ح 2226، مسند أبي يعلى ج 2 ص 77 ح 873، معجم الطبراني ج 1 ص 55 ح 13، و ص 89 ح 136، و ج 7 ص 83- 84 ح 6442- 6444 بألفاظ عدّة، دلائل البيهقي ج 6 ص 341- 342 بعدّة ألفاظ، و راجع كنز العمال ج 6 ص 87.
2) راجع ص 139.
3) أبو رافع القبطي: مولى رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و اسمه أسلم، كان للعباس بن عبد المطلب،فوهبه للنبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم فلمّا بشر النبي بإسلام العباس أعتقه و أسلم أبو رافع قديماً بمكّة، و هاجر إلى المدينة، و شهد مع النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم مشاهده، ولزم أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام من بعده، و كان من خيار الشيعة، و شهد معه حروبه، و كان صاحب بيت ماله بالكوفة، و ابناه عبيد الله و علي كاتبا أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام و لأبي رافع كتاب السنن و الأحكام والقضايا (ذكره النجاشي في رجاله ص 4 - 6).
عبيد الله (1)و علي كاتباه، و لآل أبي رافع- هؤلاء- مزايا جليلة و مساع جميلة و مآثر في الاسلام جمّة، من أرادها فليراجع كتب الإمامية و مؤلفاتهم في الرجال (2)
بل و عرفت أنّ أوّل من صنّف في الفقه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه، و هي الصحيفة التي ذكرها البخاري و مسلم في صحيحيهما (3)، فراجع.
و على كلّ فالغرض أنّ الفقه دوّن و صنّف قبل أن يصير الإسلام دولة، و تعود الخلافة ملكاً.
صفحة 13: لم يصلنا من أساليب الإنشاء الجاهلي غير سجع الكهان ... إلى آخره (4)
قف هنا فستعجب أشدّ العجب إذا تذكرت أنّ المؤلف نفسه قد ذكر في الجزء الأوّل (5)من كتابه هذا قصّة النعمان (6)مع كسرى أنوشروان (7)يوم بعث إليه النعمان بخطباء العرب و حكمائها: كأكثم بن صيفي (8)
1) عبيد الله بن أبي رافع: كان كاتباً لأمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام هو و أخوه، و قد أفرد كتاباً فيمن حضر صفين مع علي من الصحابة، و كان قد رجع مع الإمام الحسن إلى المدينة بعد استشهاد أمير المؤمنين، و لهُ ذرية صالحة في المدينة، كما في (فهرست الشيخ الطوسي: ص 106) و قد نقل عن كتابه كثيرون منهم ابن حجر فی الإصابة.
2) راجع (فهرست النجاشي، و الطوسي، و معجم رجال الحديث).
3) تقدّم الكلام عنها في ص 136.
4) ج 2 ص 222.
5) ج 1 ص 164.
6) تقدّمت الإشارة إليه في ص 86.
7) تقدّمت ترجمته في ص 134.
8) تقدّمت ترجمته في ص 60.
1) حاجب بن زرارة بن عُدس الدارمي التميمي: من سادات العرب في الجاهلية، كان رئيس تميم في عدّة مواطن، و هو الذي رهن قوسه عند كسرى على مال عظيم و وفی به، و حضر يوم شعب جَبَلة- من أيام العرب المعروفة- و أدرك الإسلام، و أسلم و بعثه النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم على صدقات بني تميم فلم يلبث أن مات، و هناك من يشك في أنّ حاجباً أدرك الإسلام و إن ذكره ابن حجر في الإصابة، فحاجب عاش في الجاهلية و أسر يوم جبلة شيخاً قبل المولد ب- 19 عاماً، و ابنه عطارد هو الذي افتكّ قوسه المرهونة عند كسرى، و ذلك بعد وفاة أبيه، ثمّ وفد مع وجوه بني تميم فأهدى إلى النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم الحلّة التي كساه إياها كسرى، و لم يكن لحاجب ذكر مع ذلك الوفد ... حاجب أكبر زعيم جاهلي، فكيف يخفى إسلامه و وفاته (الإصابة ج 1 ص 561، ج 3 ص 432 في ترجمة صفوان بن أسيد، الأغاني ج 11 ص 140، الأعلام ج 2 ص 153، العقد الفريد ج 1 ص 280).
2) الحارث بن ظالم بن غيظ المري أبو ليلى: أشهر فتاك العرب في الجاهلية نشأ يتيماً قتل أبوه و هو طفل، و شب و في نفسه أشياء من قاتل أبيه، و آلت إليه سيادة غطفان بعد قتل زهير بن جذيمة، و وفد على النعمان بن المنذر فالتقى بقاتل أبيه خالد بن جعفر سيد بني عامر، فتنازعا بين يدي النعمان، فلمّا كان الليل أقبل الحارث على خالد و هو في مبيته فقتله، و علمت بذلك بنو عامر فجدت في طلب الحارث، فعاد إلى عشيرته من غطفان، فهابوا شر بني عامر فلم يحموه، فانصرف إلى حاجب بن زرارة فحماه مدّة ثمّ تجهم له فلحق بعروض اليمامة، و بلغه أنّ النعمان بعث إلى جارات له فسباهن، فأتى و أنقذهن من الأسر، و كانت له في كلّ يأوي إليه حادثة و شاع خبره في القبائل، فتحامت العرب شره، و نشبت من أجله معارك كثيرة، ثمّ لحق بملك من ملوك غسان إلى أن قتل بسجنه. (راجع خبره في الأغاني ج 11 ص 99- 137، الأعلام ج 2 ص 155).
3) قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله ذي الجدين، من بني ذهل بن شیبان، كان عاملاً لكسرى على طف العراقين و الأبلّة، و هو أبو الشاعر الفارس بسطام الشيباني، و كان قيس ضمن لكسرى على بكر بن وائل الّا يدخلوا السواد و لا يفسدوا فيه فأقطعه الأبلّة و ما والاها، فغارت بكر على السواد و عبثت بأصحاب كسرى، فلمّا بلغ كسرى ذلك و بلغه أنّ سلاح و دروع النعمان و ولده و أهله عند قومه اشتد حنقه على بكر بن وائل و كتب إلى قيس: غررتني من قومك و زعمت أنك تكفيهم، و أمر به فحبس بساباط، و بدأ بتعبئة الجيوش لذي قار، فنظم قيس أبياتاً ينذر بها قومه، و يوصيهم بنبذ ما بينهم من خصومات و بقي في حبس كسرى إلى أن مات. (الأغاني ج 24 ص 56 و ما بعدها، الأعلام ج 5 ص 208).
بن طفيل (1)
(راجع أخباره في الأغاني ج 16 ص 304 و ما بعدها، الإصابة ج 5 ص 172، الأعلام ج 3 ص 252).
و جماعة من نظرائهم (2)فلمّا دخلوا على كسرى خطب كلّ واحد منهم خطبة باهرة تشتمل على مزايا العرب و آدابها و مكارم أخلاقها، و القصة بتفاصيلها مذكورة في الجزء الثالث من العقد الفريد (3)كأنّ المؤلف نسي هذه الخطب أو لم يراجعها، أو أنّه يرى أنّها ليست من أساليب الإنشاء الجاهلي- على حين أنّ سجع الكهان منه- نسي هذا كما نسي خطب وفود قريش على سيف بن ذي يزن (4)بعد قتله الحبشة، و كان في جملة الوافدين سيد العرب عامّة و قريش خاصة عبد المطلب بن هاشم جدّ رسول الله سلام الله عليه و على أجداده و أولاده، و لعبد المطلب
1) عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر العامري، من بني عامر بن صعصعة، فارس قومه، و أحد فتاك العرب و شعرائهم، و ساداتهم في الجاهلية، ولد و نشأ بنجد، و كان يأمر منادياً في عكاظ ينادي: هل من راجل فنحمله، أو جائع فنطعمه أو خائف فنؤمنه؟ و خاض المعارك الكثيرة، و أدرك الإسلام شيخاً، فوفد على رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و هو في المدينة بعد فتح مكّة، يريد الغدر به، فلم يجرؤ عليه، فدعاه إلى الإسلام، فاشترط أن يجعل له نصف ثمار المدينة، و أن يجعله ولي الأمر من بعده فردّه فعاد حنقاً و سمعه أحدهم يقول: لأملأنّها خيلاً جرداً، و رجالاً مرداً، و لأربطنّ بكل نخلة فرساً، فمات في طريقه قبل أن يبلغ قومه، و هو ابن عم لبيد الشاعر.
2) كان معهم خالد بن جعفر، و علقمة بن علاثة العامريين، و عمرو بن الشريد السلمي و عمرو بن معد يكرب الزبيدي، و الحارث بن عباد البكري.
3) راجع العقد الفريد ج 1 ص 273.
4) العقد الفريد ج 1 ص 282.
هناك خطبة شهيرة (1)تتدفق بمياه البلاغة و الفصاحة.
نسي وفود حسان بن ثابت على النعمان بالحيرة (2)، و على آل جفنة بالبلقاء (3)
نسي خطبة النابغة عند النعمان يفضله على بعض أقرانه من الملوك، و يقول فيها: والله إنّ شمالك خير من يمينه، وقفاك خير من وجهه، و يومك خير من سنته ... إلى آخرها (4)
أفليس هذا كلّه من أساليب الإنشاء؟! فكيف يسوغ لمثل هذا المؤلف المؤرخ لآداب اللغة العربية أن يدّعي عدم وصول شيء من أساليب الإنشاء الجاهلي غير سجع الكهان و كلّ هذا بمرأى منه و مسمع؟!
أمّا أنستاس الكرملی (5)، فقد نقد على قول الفاضل (جرجي زيدان): إنّ أسجاع الكهان كلّها باردة ركيكة ... إلى آخره (6)
و لكنّه جاء بما هو أشبه برطازات (7)الكهنة منه بالحقائق حيث قال صفحة 74 من الجزء الثاني من السنة 3 من مجلته «لغة العرب»:
1) ذكرها صاحب الاغاني في ج 17 ص 313، و في العقد الفريد ج 1 ص 283.
2) راجع العقد الفريد ج 1 ص 281.
3) راجع الأغاني ج 15 ص 155 و ما بعدها. و البلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام و وادي القرى، قصبتها عمان. (معجم البلدان ج 1 ص 579).
4) ذكرها أبو الفرج في الأغاني ج 15 ص 156، و ذكر أنّ النابغة مدح فيها عمرو بن الحارث و فضله على المنذر اللخمي.
5) تقدّمت ترجمته في ج 1 ص 118.
6) ج 2 ص 322.
7) الرّطَز: الضعيف من الشعر و غيره، و الرطازات مخففة: شبه الخرافات. (تاج العروس ج 8 ص 71 مادّة « رطز»).
إنّ الذين نقلوا أقوال شق (1، و سطيح (2)، و سائر الكهان جاؤوا بعدهم بعدة سنين، بل بعدة مئين، فلم ينقلوها بنصها، لا بل لعلهم وضعوها على لسانهم بدون أن يكون لها ظل من الحقيقة، و قد فعلوا ذلك تحقيراً لكلامهم). لله أبوك- يا أنستاس! على هذه الفلسفة أو الكهانة .. ليتك يا أنستاس! تتدبر ما تقول و تحسب ما تكتب ...
ألا تعلم أنّك إذا فتحت هذا الباب- باب الفرية و الخيانة- في وسايط التاريخ و حملة العلم و السفراء بين الحديث و القديم، إنك إذا نبزتهم بالخيانة، و أضعفت الثقة و الأمانة، و فتحت هذا الباب فقد سددت على نفسك من العلم كلّ باب، و سدلت على جبهات التاريخ كلّ حجاب.
ألا تعلم يا انستاس أنّ الذين أخبروك أنّ في العالم قد كان رجال علمهم الكهانة و أسماؤهم: سطيح، وشق، و حارثة بن جهينة (3)، و عنز
1) شق بن صعب بن يشكر بن رهم القسري البجلي الأنماري الأزدي، كاهن جاهلي من عجائب المخلوقات ، و هو من معاصري سطيح، و كانا يستدعيان أحياناً للاستشارة أو تفسير بعض الأحلام، و عاش شق إلى ما بعد ولادة النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم فيما يقال وقد عمّر طويلاً. ( الأعلام ج 3 ص 170).
2) ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عدي بن الذئب من بني مازن من الأزد ، كاهن جاهلي غساني من المعمرين يعرف بسطيح، كان العرب يحتكمون إليه و يرضون بقضائه حتى أنّ عبد المطلب بن هاشم- على جلالة قدره في أيامه- رضي به حكماً بينه و بين جماعة من قيس عيلان في خلاف على ماء بالطائف، كانوا يقولون إنّه لهم، و كان يضرب المثل بجودة رأيه، و هو من أهل الجابية، من مشارف الشام، مات فيها بعد مولد النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم بقليل، و كان الناس يأتونه فيقولون: جئناك بأمر فما هو؟ فيجيبهم على ما في أنفسهم. (الأعلام ج 3 ص 14).
3) أحد كهان العرب في الجاهلية ذكره الجاحظ في (الحيوان) ج 6 ص 425، و ذكره المسعودي في مروج الذهب ج 2 ص 154 من كهان العرب.
سلمة (1)، و فلان و فلان هم الذين أخبروك أنّ أحدهم قال في الواقعة الخاصّة مثلاً: (حبة بر، في إحليل مهر) (2)، أو (عبد المسيح على جمل مشيح) (3)إلى آخره.
فإنّ كانوا كذبوا فى أنّ هذه الأقوال من كلامهم، فلعلهم كذبوا في أصل وجودهم، و إذا جوّزنا كذبهم في ذلك جاز كذبهم في كلّ ما بأيدينا من التاريخ عنهم.
إذاً فكل ما نحن فيه و أكثر ما نزاوله و نعتد به و نعتمد عليه وهمٌ في وهم و كذب في كذب، هكذا نتاج فلسفة أنستاس.
أم يحسب أنستاس أنّ تباعد السنين بالعشرات و المئين، مما يؤدي إلى النسيان أو النقل بالمعنى أو الجعل و الوضع حسبما أشار إليه من التدرج أو التسفل.
لا يا أنستاس! إنّ طول المدّة، و بعد العهد لطول المنقول و المحكي من شعر أو خطبة أو قصة، كلّ ذلك لا يوجب شيئاً مما زعمت بعد أن
1) عنز بن سلمة من الكهان العرب ذكره الجاحظ في «الحيوان» ج 6 ص 425.
2) تتعلق هذه الواقعة بهند بنت عتبة أُم معاوية و كانت تحت الفاكة بن المغيرة و أتهمها، فحاكمه أبوها إلى بعض كهان اليمن فخبأ له حبّة بر فأخبره بها، ذكر هذه الحادثة أبو الفرج في «الأغاني» ج 9 ص 66، و الأبشيهي في «المستطرف» ج 2 ص 92، و غيرهم.
3) هذا القول السطيح الكاهن قاله لعبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان ابن بقيلة الغساني من أهل الحيرة و سطيح خاله، و كان قد ذهب إليه ليخبره عن رؤيا كسرى عند ولادة النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم من ارتجاج الإيوان و خمود النيران، و رؤيا الموبذان، فأخبره بتفسير ذلك و هو مشهور. (راجع البداية و النهاية ج 2 ص 214، تاريخ الطبري ج 1 ص 459 و فيه: جمل يسيح، و الصحيح ما في البداية، قال في لسان العرب ج 7 ص 253 و في حديث: سطيح على جمل مشيح، أي جاد مسرع).
جبل الله (1)أُُولئك العرب على صفاء من الخواطر، و صقالة من الأذهان، و استقامة من القرايح، جعلت لهم ألواح صدورهم و شغاف قلوبهم بمنزلة كتبهم و قماطيرهم، و مذكراتهم و مجاميعهم.
فكأنّ مسامعهم ليست على الصفة التي نجدها في أسماعنا التي هی كالقصبة الخوّارة يمرُّ الكلام بها، و هو كالريح يدخل من جانب و يخرج من الآخر، أمّا أداة السمع فيهم؛ فكميزابين يجريان إلى قلتين (2)في الصخر أو قلّتين (3)من حديد أو كإبرة (الحاكي) (4)على ألواحه.
ثمّ كان كلّ واحد يرسم ما عنده على صحيفة خاطر الآخر، و لم يزل العلم عندهم على ذلك حتّى تسافل الزمان، و ضعفت الخواطر عن التحمل و الارتسام أو اتسعت العلوم، فدونوه في الكتب كما ترى إلى اليوم.
أمّا الكذب و الاختلاق- فيا أنستاس! -إنّ عامّة العرب و أكثر غبرائهم، فضلاً عن أخصائهم، ماكانوا ليكذبوا و لا ليعرفوا شيئاً من الكذب لما أودع في طباعهم من الحرية و البسالة، و الشمم و الصلابة، فما كانوا و هم بهذه الخلال؛ ليكذب بعضهم على بعض، و إنّما يكذب عليهم الشعوبي (5).
1) جبل الله الخلق يَجبِِلهم و يجْبُلهم: خلقهم. (لسان العرب ج 2 ص 170 مادّة «جبل»).
2) القَلت: النقرة و الحفرة تكون في الجبل و الصخور تمسك الماء. (لسان العرب ج 11 ص 273 مادّة «قلت»).
3) القُلّة: اناء للعرب كالجرة العظيمة. (لسان العرب ج 11 ص 288 مادّة «قلل»).
4) الحاكي أو بما يسمى- الگرامافون- كان يستخدم لسماع الأغاني و غيرها، و فيه اسطوانة، و قد استعيظ اليوم عنه بأجهزة التسجيل الحديثة.
5) الشعوبي: الذي يصغر شأن العرب و لا يرى لهم فضلاً على غيرهم. (اللسان ج 7 ص 127 مادّة «شعب»)
فيهم، الدعيّ منهم اللصيق بهم، الذي يسر لهم حسواً في ارتغاء (1)، و يظهر لهم شيئاً و يبطن عليهم أشياء.
و أمّا احتمال الوهم، و الخطأ في السمع أو في الفهم، كما يقع لهم مثل ذلك في دعوى رؤيا السعالي (2)، و الغيلان (3)، و الرّئيّ (4)، و الجان و أمثالها مما يعدّ من خرافات العرب، فعسى أن تكون تلك السجعات أشياء وضعوها على لسان الكهنة و هي من ذلك القبيل.
فالخوض في هذه النظرية يستدعي فسحة لا يتسع لها الاستطراد، و خُصيرى (5)ما نرتأيه في أمثال تلك الأُمور أن ليس شيء منها من الوهم الفارغ أو الخيال الباطل، فضلاً عن كونه من الكذب المختلق، و الإفك المفتحر (6)،بل لكل واحد من تلك الحكايات و الأقاصيص توجيه و تخريج تعتنق به الحقيقة من بعض وجوهها، و تدخل به إلى الاصابة من بعض
1) الارتغاء: شرب الرغوة، و يضرب مثلاً لمن يريك أنّه يعينك، و إنّما يجر النفع إلى نفسه. (مجمع الأمثال ج 3 ص 525).
2) السعالي جمع السّعلاة: اسم لواحدة من نساء الجنّ، تتغوّل لتفتن السّفارَ. (الحيوان ج 6 ص 410).
3) الغيلان: جمع الغول؛ و هو اسم لكلّ شيء من الجنّ، يعرض للسّفار، و تتلوّن في ضروب الصور و الثياب، ذكراً كان أو أنثى، إلّا أنّ الأكثر على أنّه أُُنثى. (الحيوان ج 6 ص 409).
4) الرّئيّ: جنّي يتعرّض للرجل يريه كهانة أو طبّاً، يقال مع فلان رئي، و الرّئي: الحية العظيمة تتراءى للإنسان تشبيهاً بالجنّي. (تاج العروس ج 19 ص 436- 437 مادّة «رأى»).
5) الخُصيرى: كالاختصار، و الاختصار: حذف الفضول من كلّ شيء. (لسان العرب ج 4 ص 109 مادّة «خصر»).
6) افتحر الكلام و الرأي: إذا أتى به من قَصد نَفسه و لم يتابعه عليه أحد. (تاج العروس ج 7 ص 341 مادّة «فحر»).
أبوابها.
فمنها ما يأتي إليها على استقامة بغير تعاريج و ملتويات، و ذاك ما يزعمونه من الغيلان و السعالي، و جنان الفلوات؛ فإنّه ليس بالبعيد، بل من الجائز، بل الواقع أن يكون في تلك الهواجل (1)الموحشة الهيماء بعض الأوابد (2)من الحيوانات الغريبة التي لا يعرفها الحضر، و لم يقتدر البشر على تأهيل شيء منها، و من الجائز أن تتلون في الليل كما تتلون الحرباء في النهار،و تجتمع و تمتد كالأفاعي و غيرها، فيكون بعض العرب أبصر ذلك في بعض تلك القفار، ثمّ انتشر الحديث عنه ذلك الانتشار، هذا فضلاً عمّا يدّعى في هذه العصور من أنّهم وجدوا شيئاً من ذلك.
و منها ما هو من قبيل التمثيل و ما يسمّونه بالشعر الخيالي، و منه ما يعرف اليوم (بالروايات)؛ و ذلك كالرئي و الجان؛ و لعل منه تزوج عمرو بن يربوع (3)
يا قبح الله بني السعلاة *** عمرو بن يربوع شرار النات
ليسو إعفاء و لا أكيات
(أنظر: جمهرة النسب لابن الكلبي ج 2 ص 180، جمهرة أنساب العرب- لابن حزم-: ص 224، الحيوان ج 6 ص 410، أمالي القالي ج 2 ص 68، حياة الحيوان ج 2 ص 21، هامش القاموس المحيط ج 3 ص 407).
بإحدى السعالي في قصة شهيرة أشار إليها المعری1) الهواجل: جمع الهَوْجَل؛ و هو المفازة البعيدة التي لا علم بها. (تاج العروس ج 15 ص 793 مادّة «هجل»).
2) الأوابد: الوحوش. (تاج العروس ج 4 ص 832 مادّة «أبد»).
3) عمرو بن يربوع بن ثعلبة [حنظلة] بن مالك بن زيد بن مناة بن تيم، فارس الناس يوم أضاعي، و يقولون تزوج عمرو بن يربوع السعلاة، و قال دريد: أنّ عمرو بن يربوع أخذ سعلاة فأولدها عسلاً و ضمضمات، ثمّ فرّت من عنده فمن ولد عسل صيفي وسمّوا بني السعلاة، و يقال: أنّ عمرو بن يربوع كان متولداً من السعلاة و الإنسان، و أنشد الفراء [ أبو عمر]:
في قوله:
إذا لاح إيماضٌ سترتُ وجوهَها *** كأني عمرو و المطيُّ سعالي (1)
و من هذا القبیل قصة عبید بن الأبرص (2)فإنّها من ظریف الحکم و الآداب (3)
(راجع الأغانی ج 22 ص 89، جمهرة أشعار العرب: ص 58، المستطرف ج 1 ص 244، لسان العرب ج 7 ص 38 مادّة «شجع») .
، و یقرب منها أقاصیص الأعشی مع رئیه و هاجسه (مسحل) (4)و ما كنت ذا خوفٍ و لكن حسبتني *** إذا مسحل يُسدي لي القول أفرقُ
ذكر أخبار مسحل هذا القرشي في جمهرة أشعار العرب: ص 62- 63، و الجاحظ في الحيوان ج 6 ص 432، قال: و قد ذكر الأعشى مسحل حين هجاه جهنام، فقال:
دعوت خليلي مسحلاً و دعوا لهُ *** بجهنام يدعى للهجين المذمم
و ذكره أبو الفرج في الأغاني ج 9 ص 182، و الزمخشري في ربيع الأبرار ج 1 ص 384، و ديوانه: ص 27، لسان العرب ج 6 ص 198 مادّة «سحل».
و صاحبته (سمية) (5)رَحلَتْ سمية غدوةً أجمالها *** غضبى عليك فما تقول بدا لها
هذا النهارُ بدا لها من همها *** ما بالها بالليل زال زوالها
سفهاً و هل تدري سمية و يحها *** أنْ ربّ غانية قطعت وصالها
و راجع الخزانة ج 4 ص 240- 245، و الأغاني ج 25 ص 114 ملحق ابن منظور.
1) شروح سقط الزند ج 3 ص 1163.
2) عبید بن الأبرص بن عوف بن جشم الأسدی، من مضر من دهاة الجاهلیة و حکمائها ، و هو أحد أصحاب (المجمهرات) المعدودة طبقة ثانیة عن المعلقات، عاصر امرأ القیس، و له معه مناظرات و مناقضات، و عمّر طویلاً حتّی قتله النعمان ابن المنذر، و قد وفد علیه یوم بوءسه. (الأعلام ج 4 ص 188).
3) و ملخص القصة: أنّ عبید بن الأبرص قال: خرجت فی رکب معی نطلب الحجّ، فبینا نحن نسیر إذا بشجاع قد أدلی لسانه و هو یجود بنفسه من شدّة العطش، ثمّ دنوت منه فصبب الإداوة فی فیه حتّی روی ... إلی آخره. و الشجاع: الحیّة أو الذکر منها.
4) مِسحل: اسم جنّی الأعشی، و قیل اسم تابعة الأعشی ، ذکره فی شعره و منه قوله:
5) ذكر قصّة سمية هذه، البغدادي في خزانة الأدب ج 8 ص 398، و أنّه لاقى أباها مسحل بن أثاثة و ابنته سُمية و أخبره بأنّه هو هاجسه الذي يلقي على لسانه الشعر، و رأى الأعشى سمية فإذا هي جارية خماسية، فأنشدته قصيدته التي مدح بها قيس ابن معد يكرب و مطلعها:
و كثير مما يخرّج على هذا الباب، و على الأوّل ينزل ماورد في بعض الصحاح: إِذَا تَغَوَّلَتْ الغَوْلِ فَنَادُوا بِالْأَذَانِ (1)، و يكون قوله سلام الله عليه في بعض الصحاح (لا غول) كقوله (لا عدوى) (2)مع قوله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم فِرَّ مِنَ اَلْمَجْذُومِ فِرَارَکَ مِنَ اَلْأَسَدِ (3)أو ما هو بمعناه فإنّ لكلّ وجه.
و لا يتسع المقام لأكثر هذا، و قد تباعدنا عن الغرض، و هو أنّه ليس شيء من هذه الأُمور يدخل في ضابطة الكذب كما لا يدخل في فارطة الوهم، أعني به الوهم الباطل الذي ليس له منشأ انتزاع و ضرب من الحقيقة (4)
(أُنظر: الحيوان ج 6 ص 426، و روى نحوه أحمد في مسنده ج 6 ص 157، و الترمذي في الشمائل كما في كنز العمال ج 3 ص 629 ح 8244، و ابن الأثير في النهاية ج 2 ص 25.
حتّى يقال: لعل أقوال الكهنة من ذلك موضوعة و مكذوبة عن1) رواه أبوه یعلی فی مسنده ج 4 ص 153 ح 2219، و أخرجه الهیثمی فی مجمع الزوائد ج 10 ص 134، وج 3 ص 213، و قال: قلت رواه أبو داود و غیره.
2) روى أحمد في المسند ج 3 ص 382 بسنده عن جابر أنّه سمع رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم يقول: لا عَدْوَی و لا صَفَرَ و لا غَوَلَ، و مسلم في صحيحه ج 7 ص 32، و أبو يعلى في مسنده ج 3 ص 324 ح 1789، و ابن أبي شيبة في المصنّف ج 6 ص 225- 226 باب 169 و من عدّة طرق.
3) رواه ابن أبي شيبة في المصنّف ج 5 ص 568 باب 31 ح 2، وج 6 ص 226 باب 170 ح 3، و أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال ج 10 ص 56 ح 28340.
4) روى الجاحظ حديثاً يفيد في هذا المعنى: أنّ النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم قال: خرافة رجل من عذرة، استهوته الشياطين، و أنّه تحدّث يوماً بحديث فقالت امرأة من نسائه هذا حديث خرافة، قال: لا و خرافة حقّ.
لسان الكهنة .
و أعجب من ذلك قوله تلوَ ما سبق: و إلّا فإنّ ما وصل إلينا من أشعارهم المتينة و ارتجالهم إياها يدل على ما كان لهم من قوة العارضة، و أداء البلاغة بجميع حقوقها.
یا أنستاس! ليتك أتحفتنا و جميع القرّاء بشيء من شعر الكهنة الذي تزعم أنّه قد أدّى حقوق البلاغة، فإنّنا ما عثرنا طول عمرنا على شيء من الشعر يعتد به لمثل (سطيح) و (شق) من الكهنة، فكان يلزم أن تأتي بشاهد لتلك الدعوى، و إلّا فالمدعي بغير بيّنة دعيّ.
أمّا قولك: طالع ما يعزى إلى خطباء العرب و وفودهم و راجع العقد الفريد... (1)
فهو من الغرابة بمكان، أنسيت- يا انستاس! -أنّ موضوع كلامك في سجع الكهان لا في سجع مطلق العرب، كلّ هذا التهافت و لم يمض مسافة بضع أسطر.
فالصواب في النقد على الفاضل (جرجي زيدان) هو ما قلناه من أنّ الإنشاء الجاهلي غير منحصر بسجع الكهان، كما دللنا على مواضعه من «العقد الفريد» و غيره.
و بهذا تعرف أنّ حضرة أنستاس أخذ نقدنا السابق و ما أحسن
1) العقد الفريد ج 1 ص 270- 347.
الأخذ، و أراد أن يغير فخبط- كما رأيت- خبط عشواء (1)، و كذّب العرب و المؤرخين أجمعين.
24 في أحوال أفلاطن: أنّه قال بثلاثة أُصول: (الإله، و المادة، و الإدراك) (2)
أقول: ليس من الإنصاف و لا من حسن الجزاء و كرم الوفاء أن يرمى هذا الفيلسوف الكبير بالشرك، و هو الذي مهّد قواعد التوحيد و وطد دعائم أدلته، و قد ثبت من حاله و من السبر لكتبه و مقالاته أنّه لا يقول إلّا بأصل واحد؛ و هو الإله الأوّل موجد أُصول العالم: المادة و الصورة و الإدراك (3)
46:
و كنت في حياتك لي عظات *** فأنت اليوم أو عظ منك حيا (4)
(الأغاني ج 4 ص 48 و فيه: (و كانت) بدل (و كنت)، (و أنت) بدل (فأنت)، و دیوانه: ص 491).
أنظر ما أفحش هذا الغلط المخل بالوزن و المعنى سواء كان من سوء الطباعة أم الطبع و الصحيح: (و كانت).
صفحة 48: في الماجنين (إمامهم أبو نواس) (5)
1) خبط خبط عشواء: مثل يضرب للذي يعرض عن الأمر كأنّه لم يشعر به، و يضرب للمتهافت في الشيء. ( مجمع الأمثال ج 3 ص 520).
2) ج 2 ص 331.
3) تقدّم الكلام عنه في ج 1 ص 234.
4) البيت لأبي العتاهية من قصيدة يرثي بها صديقه عليّ بن ثابت لمّا دفن، و مطلعها: ألا من لي بأُنسك يا أخيّا *** و من لي أبُثّك ما لديّا
5) ج 2 ص 352.
من يستقص النظر في مطيع بن إياس (1)و حماد عجرد (2)و أصحابهم و يحيى بن أكثم (3)
قاضٍٍ يرى الحدّ في الزناء و لا *** يرى على من يلوط من بأس
(راجع أخباره في الأغاني ج 20 ص 272، تاريخ بغداد ج 14 ص 191- 204، وفيات الاعيان ج 6 ص 147- 155، الأعلام ج 8 ص 138).
و حزبه في عصره ممن جمع بين الخمر و الغلمان و الزندقة، و هتك حرمات الدين، و نقض عروش الطهارة و العفّة يستبِِنْ له أنّ أبا نواس كان أخفّهم و أهونهم، و أنّ إمامهم الذي سن لهم هذه الخلاعة، و فتح لهم بابها الوليد بن يزيد بن عبد الملك (4)و قال: دعا الوليد بن يزيد ذات ليلة بمصحف فلمّا فتحهُ وافق ورقة فيها وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، فقال اسجعاً سجعاً! علقوه، ثمّ أخذ القوس و النبل فرماه حتّى مزّقه ثمّ قال:
أتوعد كلّ جبار عنيد *** فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا لا قيت ربك يوم حشر *** فقل الله مزقني الوليد
و أمر يوماً جاريته أن تصلي بالناس متلثمة، و هي سكرانة جنبة، و راود يوماً ابن أخيه. (راجع أخباره في الأغاني ج 7 ص 5- 95، و غيره).
، و قبله عمه1) مطيع بن إياس الكناني ت 166 ه، شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية و العباسية، كان ماجناً متهماً بالزندقة واللواطة و الابنة، مولده و منشؤه الكوفة، و أصل أبيه من فلسطين، مدح الوليد بن يزيد و نادمه في العصر الأموي، و انقطع فی الدولة العباسية إلى جعفر بن أبي جعفر المنصور فكان معه إلى أن مات، و كان صديقاً لحماد عجرد الشاعر، و حماد الراوية أقام ببغداد زمناً، و ولاه المهدي الصدقات بالبصرة فتوفي فيها و أخباره كثيرة. (راجع الأغاني ج 13 ص 300 و ما بعدها، خزانة الأدب ج 1 ص 240، الأعلام ج 7 ص 255).
2) حماد بن عمر بن يونس بن كليب السواني، أبو عمرو المعروف بعجرد ت 161 ه، شاعر من الموالي من أهل الكوفة من مخضرمي الدولتين الأموية و العباسية ، و لم يشتهر إلّا في العباسية، نادم الوليد بن يزيد الأموي، رمي بالزندقة و حبس عليها، و كانت بينه و بين بشار بن برد أهاج فاحشة، و كان صديقاً لأبي حنيفة الفقيه، قتل غيلة بالأهواز، و يقال دفن إلى جانب قبر بشار. (راجع أخباره في الأغاني ج 14 ص 313 و ما بعدها، الأعلام ج 2 ص 272).
3) يحيى بن أكثم بن محمّد بن قطن التميمي الاسيدي المروزي ت 242 ه، ولد بمرو و اتصل بالمأمون أيّام مقامه بها فولاه قضاء البصرة سنة 202ه، ثمّ قاضي قضاة بغداد، فلمّا مات المأمون ولى للمعتصم، ثمّ عزله و أعاده المتوكل، رمي بحبّه للغلمان، و فيه يقول أحمد بن أبي نعيم:
4) الوليد بن يزيد بن عبد الملك ت 126، أُمه بنت أخي الحجاج، قال أبو الفرج: كان فاسقاً خليعاً متهماً في دينه مرميّاً بالزندقة، و شاع ذلك من أمره و ظهر حتّى أنكره الناس فقتل، و له أشعار كثيرة تدلّ على خبثه و كفره.
صاحب حبابة (1)، و قبلهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط (2)
و الله ما هند بأمك إن مضى النه *** ار و لم يثأر لعثمان ثائرُ
(راجع الأغاني ج 5 ص 134- 167، الاصابة ج 6 ص 615، الاعلام ج 8 ص 122).
الذي صلى الغداة بالناس في مسجد الكوفة أربعاً و هي ركعتان، ثمّ التفت و قال: أزيدكم،1) كلمة «عمّه» من سهو قلمه الشريف، إذ إنّ صاحب حبابة هو: أبوه يزيد بن عبد الملک بن مروان ت 105 ه، ولي الخلافة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان بن عبد الملك، كان مفرطاً في الانصراف إلى الملذات و المجون و الغناء و الشرب، و قد غلبت عليه حبابة و كانت مولّدة من مولدات المدينة، و سلامة جارية مصعب بن سهيل، خرج يوماً إلى الصلاة فتلقته حبابة بالعود و هي تغنى فعدل إليها و ترك الصلاة و أقام معها يشرب و تغنيه، و كانت حبابة تعزل الولاة و تولي و تقوم بالأمور الجسام مكان الخليفة، و عندما اعتلّت حبابة أقام يزيد أياماً لا يظهر للناس ثمّ ماتت فأقام أياماً لا يدفنها جزعاً عليها حتّى جيفت، ثمّ دفنها و أقام على قبرها ثمّ أقام بعدها أياماً قلائل و مات كمداً عليها (راجع الأغاني ج 8 ص 355- 365، وج 15 ص 119، و ما بعدها و مواضع أخر في الأغاني، مروج الذهب ج 3 ص 196- 200، الأعلام ج 8 ص 185).
2) الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي أخو عثمان لأمّه أسلم يوم الفتح، و هو الذي نزل فيه قوله تعالى: إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا، قال أبو الفرج: كان الوليد ابن عقبة زانياً شريب خمر، و جلده أمير المؤمنين علي عَلیْهِ السَّلام الحد لشربه الخمر في خلافة عثمان، ولاه عمر بن الخطاب صدقات بني تغلب و هو الذي يقول يرثي عثمان و يحرض معاوية:
فقالوا: حسبنا فما زلنا منك في زيادة، وقاء الخمر مرة أخرى في المحراب (1)
و بالجملة: فما من بلية دخلت على الإسلام إلّا وجدتها لو فتشت عنها أُُموية، و ما هذه الأمور بأعظم عند الله من قتل ريحانة رسول الله و سبطه و سبي ذراريه و أهله، و لا أشد بلية على الإسلام من هدم الكعبة (2)و سفك الدماء على قبر رسول الله يوم (الحرة) (3)
أنظر تفاصيل ذلك في: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 165، تاريخ الطبري ج 3 ص 353، مروج الذهب ج 3 ص 69، ابن الاثير ج 3 ص 455، و ابن كثير ج 8 ص 175.
ص57: تحت عنوان شعراء الشيعة (4)عدّ ثلاثة: السيّد الحِمْيَري (5)
قال أبو الفرج: كان شاعراً متقدّماً مطبوعاً، يقال: إنّ أكثر الناس شعراً في الجاهلية و الإسلام ثلاثة: بشار، و أبو العتاهية، و السيد.
و كان أبو عبيدة يقول: أشعر المحدّثين السيد الحِمْيَري و بشار، و كان يتعصب لبني هاشم تعصباً شديداً، و أكثر شعره في مدحهم و ذم غيرهم ممن هو عنده ضدّ لهم، و طرازه في الشعر قلّما يلحق به.
كان في بداية أمره كيسانياً، غير أنّه رجع عن ذلك و ذهب إلى إمامة الصادق عَلیْهِ السَّلام، و قال:
تجعفرتُ باسم اللهِ و اللهُ أكبر *** و أيقنتُ أنّ الله يعفو و يغفر
و أخباره و ملحه مشهورة.
(راجع الأغاني ج 7 ص 248- 297، و ترجم له الأميني في الغدير ترجمة وافية ج 2 ص 250- 323، الأعلام ج 1 ص 322).
1) راجع خبر هذه الحادثة في الأغاني ج 5 ص 139- 142، و مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 144، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 59، الإصابة ج 6 ص 616،و أخرجها ابن الاثير و ابن عبد ربّه في العقد الفريد و آخرين.
2) راجع أحداث حصار مسلم بن عقبة المرّي لابن الزبير في الكعبة و ضربها بالمنجنيق و حرقها و هدمها في (تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 166 أحداث سنة 64 ه، و مروج الذهب ج 3 ص 71، و تاريخ الطبري ج 3 ص 360 ، و ابن الأثير ج 3 ص 364، و ابن كثير ج 8 ص ، ورماها الحجاج مرة ثانية و أحرقها كما في المصادر المتقدّمة في أحداث سنة 73 ه).
3) في هذه الواقعة قام مسلم بن عقبة المرّي بقتل خلق كثير من أهل المدينة من بني هاشم و قريش و الأنصار و غيرهم، أمثال عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، و بايع الناس على أنّهم رقّ و عبيد ليزيد، و حبلت ألف إمرأة من أهل المدينة من غير زوج، و دخلت الخيل و الدواب في مسجد رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و بالت وراثت فيه، و أباح حرم رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم.
4) ج 2 ص 362.
5) إسماعيل بن محمّد بن يزيد الحميري، أبو هاشم، الملقّب بالسيّد ت 173ه.
و دعبل (1)
و كان محمّد بن القاسم بن مهرويه يقول: سمعت أبي يقول ختم الشعر بدعبل، و كان البحتري صديقاً له و يتعصب له، و أخباره كثيرة.
(الأغاني ج 20 ص 131- 201، و الغدير ج 2 ص 349- 450).
و ديك الجن (2)ياعين لا للقضا و لا الكتب *** بكا الرزايا سوى بكا الطرب
و هي مشهورة عند الخاص و العام و يناح بها. (راجع أخباره في الأغاني ج 14ص 52- 69، وفيات الأعيان ج 3 ص 184- 188، الأعلام ج 4 ص 5).
، مع أن في ذلك العصر و ما يقاربه من شعراء1) دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن بديل الخزاعي، شاعر متقدّم مطبوع هجّاء، لم يسلم من لسانه أحد من الخلفاء و الوزراء، ولد في الكوفة سنة 148 و توفي سنة 246 ه. قال أبو الفرج: و كان دعبل من الشيعة المشهورين بالميل إلى علي صلوات الله عليه و قصيدته (مدارس آیات خلت من تلاوة) من أحسن الشعر و فاخر المدائح المقولة في أهل البيت عَلیْهِم السَّلام، و قصد بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا عَلیْهِ السَّلام بخراسان فأعطاه عشرة آلاف درهم ممّا ضرب باسمه، و خلع عليه من ثيابه، و بلغ أهل قم خبرها، فسألوه أن يبيعهم إيّاها بثلاثين ألف درهم، فلم يفعل فقطعوا عليه الطريق و أخذوها ... إلى أن قال و كتب قصيدته (مدارس آيات) فيما يقال على ثوب و أحرم فيه و أمر أن يكون في أكفانه، و لم يزل مرهوب اللسان و خائفاً من هجائه للخلفاء فهو دهره كلّه هارب.
2) ديك الجنّ: اسمه عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب الكلبي، الملقب بديك الجن، و مولده بحمص سنة 161 و توفي سنة 235 و هو شاعر مجيد، و شعره في غاية الجودة يذهب مذهب أبي تمام و الشاميين في شعره، من شعراء الدولة العباسية، و كان من ساكني حمص، و لم يبرح نواحي الشام، و لا وفد إلى العراق، و لا إلى غيره منتجعاً بشعره، و لا متصدياً لأحد، و كان يتشيّع تشيّعاً حسناً و له مراتٍ كثيرة في الحسين بن علي عَلیْهِ السَّلام منها قوله:
الشيعة عدداً كثيراً، كصريع الغواني مسلم بن الوليد (1)
هل العيش إلّا أنْ تروح مع الصَّبا *** و تَغدو صريعَ الكأس و الأعيُنِِ النُّجل
فلقّبه على اثرها ب(صريع الغواني)، و كان مداحاً، مفوهاً بليغاً، و ولي في خلافة المأمون بريد جرجان، فلم يزل بها حتّى مات سنة 208 ه. (راجع ترجمته في الأغاني ج 19 ص 36- 79، الشعر و الشعراء ج 2 ص 832- 842، تاريخ بغداد ج 13 ص 96، سیر أعلام النبلاء ج 8 ص 365، الأعلام ج 7 ص 223).
، و كان من المجاهرين بالتشيع، و لما شاعت أبياته التي منها قوله:أنس الهوى ببني عليّ في الحشا *** و أراه يطمحُ عن بني العباس (2)
تطلّبه الرشيد حتّى ظفر به، و أراد قتله فقلب الأبيات إلى مدح بني العباس في الحضرة، فتعجب الرشيد من بداهته و عفا عنه.
و كابن الرومي (3)و له في ذلك نظم و قصايد رنّانة، منها قصيدته
1) مسلم بن الوليد الأنصاري بالولاء شاعر متقدّم من شعراء الدولة العباسية منشؤه و مولده الكوفة، و هو أوّل من قال الشعر المعروف بالبديع، و كان متفنناً متصرفاً في شعره، نزل بغداد، فأنشد للرشيد قصيدته التي آخرها:
2) دیوانه: ص 324.
3) أبو الحسن علي بن العباس بن جريح الشهير بابن الرومي، شاعر كبير، ولد في بغداد سنة 221 ه، و مات بها مسموماً سنة 283 ه، دسّ لهُ السم القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد، عدّه ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة: ص 285، و الشبلنجي في نور الأبصار: ص 183 من شعراء الإمام الحسن العسكري عَلیْهِ السَّلام، قال عنه ابن خلكان: الشاعر المشهور صاحب النظم العجيب و التوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها، و يبرزها في أحسن صورة و لا يترك المعنى حتّى يستوفيه إلى آخره و لا يبقى فيه بقية. (راجع ترجمته في وفيات الأعيان ج 3 ص 358- 362، الغدير ج 3 ص 51- 81، الأعلام ج 4 ص 297).
الطويلة التي ذكرها بطولها أبو الفرج الأصبهاني في آخر كتابه الشهير ب «مقاتل الطالبيين» المطبوع منذ أعوام، و القصيدة أولها:
بعينك فانظر أيّ نهجيك تنهج *** طريقان شتى مستقيم و أعوج (1)
و هي من غرر القصايد في أهل البيت، فارجع إليها إن شئت.
وكأبي تمام (2)و حسبك منه [في] ذلك قصيدته المطبوعة في ضمن ديوانه الشهير:
أَظبيةُ حيثُ استنّتِ الكُتُبُ العُفْرُ *** رُوَيدكِ لا يَعْتالُكِ اللّومُ و الزَّجْرُ (3)
يقول فيها:
و يومَ الغدير استَوضَحَ الحقّ أهلُهُ *** بفيحاءَ لا فيها حِجابٌ و لا سترُ (4)
و منها:
و كوّفَني ديني على أنّ منصبي *** شآمٌ و نَجري أيّة ذكر النجر (5)
و كالبحتري (6)، و كفاك قصيدته القافية التي تضمنها ديوانه المطبوع
1) راجع مقاتل الطالبيين: ص 511- 520 و هي قصيدة طويلة يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي و فيه «أمامَكَ» بدل «بعينك»، و ديوانه ج 2 ص 492.
2) تقدّمت ترجمته في ص 68.
3) دیوانه ج 1 ص 325، الغدير ج 2 ص 385. استنّت: أي جرت بنشاط، و الكتب: الجماعات، و العفر: الضباء البيض باحمرار.
4) المصدر: ص 356 و فيه «و لا سرُّ» بدل «و لا سترُ»، و الغدير ج 2 ص 386.
5) المصدر: ص 358، و كوفني: جعلني منسوباً إلى الكوفة، و نجري: أصلي، و القصيدة 73 بيتاً.
6) تقدّمت ترجمته في ص 68.
و مستهلها: (أأفاق صبٌّ من هوى فأُُُُفيقا) (1)
كنّا نكفِّر من أميّة عُصبةً *** طلبوا الخلافة فجرةً و فُسُوقا
و نقول تيمٌ قربت و عديها *** أمراً بعيداً حيث كان سحيقا
و نلوم طلحة و الزبير كليهما *** و نعنِّف الصدِّيق و الفاروقا
وهم قريش الأبطحين إذا انتموا *** طابوا أصولاً فيهم و عُروقا
حتّى انبرت جُشمُ بن بكرٍ تبتغي *** إرثَ النبيّ و تدّعيه حقوقا
ديوان البحتري ج 2 ص 358.
فارجع إليها تجد فيها من ذلك شيئاً كثيراً.
و منهم: العكوك (2)، و أبو دلف (3)
(راجع الأغاني ج 8 ص 256- 277 و مواضع أخر من الأغاني، تاريخ بغداد ج 12 ص 416- 424، الأعلام ج 5 ص 179).
، و أبو نواس (4)، على الأغلب،1) مطلع قصيدة مشهورة للبحتري و هي من عيون الشعر العربي في مدح الأمير محمّد بن يوسف وذكر أحد الخوارج على العباسييّن و تمام البيت: (أم خان عهداً أم أطاع شفيقا) يقول فيها من أبيات يدلّل على تشيّعه، و هي مقصود الشيخ قُدِّس سِرُّه منها.
2) العكّوك: و اسمه على بن جبلّة بن مسلم الأنباري، أبو الحسن الشاعر المعروف بالعكوك، كان ضريراً، دقيق الفطنة ، مدّاحاً، و وصافاً، قال الجاحظ: كان أحسن خلق الله إنشاداً، و قال أبو الفرج: و هو شاعر مطبوع عذب اللفظ، استنفذ شعره في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى، و أبي غانم الطوسي، طلبهُ المأمون فهرب و لم يزل متوارياً منه حتّى مات سنة 213 ه، و قيل قتله. ( الأغاني ج 20 ص 20- 50، تاریخ بغداد ج 11 ص 359، الشعر و الشعراء ج 2 ص 864- 868، الأعلام ج 4 ص 268).
3) القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل، من بني عجل بن لجيم بن صعب ت 226 ه، أبو دلف العجلي، و مَحلُُّهُ في الشجاعة و علوِّ المحل عند الخلفاء، و عظم الغَنَاء في المشاهد و حسن الأدب وجودة الشعر محلّ ليس لكبير أحد من نظرائه، كان سيد قومه و أحد الأمراء، شاعراً أديباً، و سمحاً جواداً، قلّده الرشيد أعمال الجبل، ثمّ كان من قادة المأمون، مدحه الشعراء و فيه يقول العكوك: ( إنّما الدنيا أبو دلف)، و أخباره كثيرة.
4) تقدّمت ترجمته في ص 60.
و منصور النمري (1)
و من جيد شعره في ذلك:
و عاذلي أننّي أحبّ بني *** أحمد فالترب في فم العاذلْ
قد ذقت ما دينكم عليه فما *** وصلت من دينكم إلى طائلْ
دينكم جفوة النبيّ و ما *** الجافي لآل النبيّ كالواصلْ
مظلومةٌ و النبيّ والدها *** قريرُ أرجاءِ مقلة حافلْ
ألا مصاليت يغضبون لها *** بسلّةِ البيضِِ و القنا الذابلْ
(راجع الأغاني ج 13 ص 157- 176، الشعر و الشعراء ج 2 ص 859- 862، تاريخ بغداد ج 13 ص 65، 69، الأعلام ج 7 ص 299).
، على اليقين ، و الأشجع السلمي (2)و ممّا يدل على تشيعه ما رواه الشيخ الطوسي في أماليه ص 281 ح 546 و ملخصه: إنّه دخل على الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام يمدحه فوجده عليلاً ... فقال له:
ألبسكَ الله منه عافية *** في نومك المعتري و في أرقك
يخرج من جسمك السقام كما *** أخرج ذل السؤال من عنقك
فأعطاه الإمام عَلیْهِ السَّلام أربعمئة درهم كان معه، ثمّ أعطاه خاتمه و ثمنه عشرة آلاف درهم، و طلب من الإمام أن يعلمه دعاءً يأمن به على نفسه لكثرة أسفاره ... إلى آخره.
و ممّا يدلّ على تشيعه أيضاً رئاؤه الإمام علي بن موسى الرضا عَلیْهِ السَّلام، ذكرهُ أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: ص 458 قال:
يا صاحب العيس يحدي في أزقّتها *** اسمع و اسمع غداً يا صاحب العيس
اقرأ السلام على قبر بطوس و لا *** تقرأ السلام و لا النعمى على طوس
فقد أصاب قلوب المسلمين بها *** روع و أفرخ فيها روع ابليس
و أخلست واحد الدنيا و سيدها *** فأي مختلس منّا و مخلوس
و يقول فيها:
ما زال مقتبساً من النور والده *** إلى النبيّ ضياء غير مقبوس
فی منبت نهضت فيه فروعهم *** بباسق في بطاح الملك مغروس
إلى أن يقول:
صلى عليك الذي قد كنت تعبده *** تحت الهواجر في تلك الاماليس
لو لا مناقضة الدنيا محاسنها *** لما تقايسها أهل المقاييس
أحلّكَ الله دار غير زائلة *** في منزل برسول الله مأنوس
(راجع أخباره في الأغاني ج 18 ص 219- 261، تاريخ بغداد ج 7 ص 45، الشعر و الشعراء ج 2 ص 881- 885، الأعلام ج 1 ص 331).
،على الظن، و خلق1) منصور بن الزبرقان بن سلمة- و قيل: سلمة بن الزبرقان- بن شريك النمري من بني النمر بن قاسط، شاعر من أهل الجزيرة الفراتية، كان تلميذ كلثوم بن عمرو العتابي، مدح الرشيد وفاز بعطاياه، و كان النمري يظهر للرشيد أنّه عباسي إلى أن سعي به إلى الرشيد، و أنّه يتشيع للعلويين، و لهُ شعر في ذلك، فغضب الرشيد و أرسل من يجيئه برأسه من بلدته (رأس العين) في الجزيرة، فوصل الرسول في اليوم الذي مات فيه النمري..
2) أشجع بن عمرو السلمي، من بني سليم، توفّي نحو سنة 195 ه، شاعر فحل، ولد باليمامة، و نشأ بالبصرة، و انتقل إلى الرّقة، و استقر ببغداد. قال الشعر و أجاد وعدّ في الفحول، انقطع إلى جعفر بن يحيى البرمكي فحباه و اصطفاه، و آثره و أدناه، كان أشجع حلواً ظريفاً سائر الشعر، و له كلام جزل و مدح رصين، قرّبه جعفر من الرشيد فأُعجب به.
کثير من مشاهير الشعراء و كبارهم، و لا يسع الوقت لتعدادهم و سرد الشواهد على تشيعهم، وقس على هذا ساير العصور السابقة على ذلك العصر و اللاحقة، فراجع.
87:
فتى نزار و كهلها و أخي الج *** ود حوى عانيه من كتب هكذا روى البيت، و هو فاقد الوزن و المعنى، و لا تحضرني روايته الصحيحة، فليراجع (1)
أهلاً و سهلاً بسيّد العرب *** ذي الغرر الواضحات و النجب
يقول فيها:
فتی نزار و كهلها و أخي الج *** ود حوى غايتيه من كثب
الأغاني ج 13 ص 348.
1) ج 2 ص 391 و قد صحح البيت، و قائله: مطيع بن إياس يمدح معن بن زائدة من قصيدة مطلعها:
90: ابن عبد القدوس (1)و هو القائل:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه *** و جاوزه إلى ما تستطيع (2)
و حذف البيت في هذه الطبعة و المفروض أن يكون في ص 394.
بودي أن لا يظهر للمؤلف مثل هذا الإهمال والاسترسال، و لكني ما أدري بأيّ عذر أعتذر عنه؟! وأي نسيان يبلغ بالمرء هذا الحدّ؟! عافانا الله.
أفليس هو قد ذكر في الجزء الأوّل في ترجمة عمرو بن معد يكرب (3)هذا البيت من جملة أشعاره، و ما كنت أحسب أحداً يتمثل بهذا المثل الساري على أطراف الألسنة إلّا و هو يعلم أنّه لعمرو بن معد يكرب من قصيدته التي يستهلها بقوله:
أمنْ ريحانةَ (4)الدّاعي السميع *** يؤرّقني و أصحابي هجوع (5)
1) صالح بن عبد القدوس البصري، مولى الازد، شاعر حكيم كان متكلماً يعظ الناس في البصرة، لهُ مع أبي الهذيل العلّاف مناظرات، و شعره كلّه أمثال و حكم و آداب، اتهمه المهدي بالزندقة فقتله ببغداد، و صلب على الجسر نحو سنة 160 ه، قال المرتضى: قيل رؤي ابن عبد القدوس يصلي صلاة تامة الركوع و السجود فقيل لهُ ما هذا و مذهبك معروف؟ قال سنة البلد، و عادة الجسد، و سلامة الأهل و الولد. (تاريخ بغداد ج 9 ص 303، وفيات الأعيان ج 2 ص 492،الأعلام ج 3 ص 192).
2) البيت لعمرو بن معدي كرب الزبيدي كما في (الأصمعيات: ص 87، الأغاني ج 15 ص 216، الشعر و الشعراء ج 1 ص 374، و القصيدة موجودة في ديوانه المطبوع.
3) تقدّمت ترجمته في ص 59.
4) ريحانة: امرأة تزوجها و أخبر باطلاً أنّ بها وضحاً فطلقها قبل أن يدخل بها، و قيل هی أخته، و قيل: أخت أم دريد بن الصمّة.
5) ديوانه: ص 140، الأصمعيات: ص 86، الاغاني ج 15 ص 216.
و من حكمها:
و كيف تريد أن تدعى حكيماً *** و أنت لكلّ ما تهوى تبوع (1)
و قد طفحت كتب الأدب بنسبة البيت إلى ابن معد يكرب حتّى البحتري في ديوان حماسته، و غيره في غيره، و قد ضمنته الشعراء (2)
لهانَ على سليمي كم قتيلٌ *** يغادر في المكر و كم صريعُ
و ابن عبد ربّه الأندلسي في إحدى عينياته كما في ديوانه: ص 125، و نسبه البحتري في ديوان حماسته إلى عمرو بن معدي كرب و قد تقدّم تخريجه.
و أشار بعضهم إلى قايله في نفس شعره، فقال بعضهم- و أحسن ما شاء-:فهلا إذْ عجزتَ عن المعالي *** و عمّا يفعل الرجل القريعُ (3)
أخذتَ بقول عمرو حين ذكّى *** وشبَّ لناره الشرفُ الرفيعُ
إذا لم تستطع شيئاً فدعه *** و جاوزه إلى ما تستطيعُ (4)
112: (زعم أنّ أبا الأسود وضع النحو في العصر الأُموي) (5)
و قد عرفت أنّه لم يضعه في الأموي، بل وضعه بتعليم علوي في العصر العلوي (6)
في صفحة 137 و ما بعدها ذكر الفقه و أئمة الفقهاء الأربعة، و ذكر أنّ المنصور نصر أبا حنيفة و أصحابه و روّج مذهبه (7)
1) ديوانه: ص 148، الأغاني ج 15 ص 227.
2) البيت ضمّنه ابن الرومي في إحدى قصائده كما في ديوانه: ص 334، و يقول فيها:
3) القريع: السيد و الرئيس.
4) الأبيات لابن هرمة الفهري المدني يهجو فيها رجلاً من قريش لم يثبه و كان قد مدحه، كما في الأغاني ج 15 ص 229.
5) ج 2 ص 419.
6) راجع ص 138 و ص 143.
7) ج 2 ص 444.
و هذا شيء لم يعهد و لم يعرف إلّا خلافه، كيف و المنصور ضرب أبا حنيفة بالسياط، و أراد أن يسقطه من عيون الناس بتوليته القضاء، فلمّا أبى ضربه و نكبه، و أزري به أشدّ الإزراء، و الأسباب السياسية في ذلك أنّ المنصور كأنّه أحسّ برأي أبي حنيفة، و أنّه زيدي المذهب يرى أنّ الخلافة لأهل البيت، و كان قد بايع محمّداً و إبراهيم (1)قتيل (باخمرا) (2)
و قبر بارض الجوزجان محله *** و قبر بباخمرا لدى الغربات
(راجع معجم البلدان ج 1 ص 376، مراصد الاطلاع ج 1 ص 148).
الذي خرج على المنصور هو و أخوه حتّى قتلهم و كان أبو حنيفة يحثّ الناس سراً على الخروج مع إبراهيم في نواحي الكوفة، و يقول: لو لا دَيْنٌ عليّ و أمانات للناس عندي لكنت أول الخارجين معه (3)و هذا ذنب لا يحتمله المنصور من أبيه وجده، فكيف بأبي حنيفة؟! و يظهر أنّه كان يتربص الدوائر لقتله لو لا دفع الله، و ظني أنّه قد أشار إلى بعض ذلك أبو الفرج الأصبهاني في «مقاتل الطالبيين» (4)أو غيره من
1) راجع ترجمتهما في ص 57.
2) باخمرا موضع بين الكوفة و واسط، و هو إلى الكوفة أقرب، و قالوا بين باخمرا و الكوفة سبعة عشر فرسخاً بها كانت الوقعة بين أصحاب أبي جعفر المنصور و إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، فقتل إبراهيم هناك، فقبره به إلى الآن يزار، و إياها عنى دعبل بن علي بقوله:
3) ذكر خبر فتواه في الخروج مع إبراهيم و إن الذي منعه من الخروج ودائع الناس: الخطيب البغدادي في تاريخه ج 13 ص 398، والديار بكري في تاريخ الخميس ج 2 ص 327، و ذكر أنّ المنصور سمه بسبب ذلك، و مصادر أُخرى.
4) روى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: ص 310 باسناده عن زَفَر بن الهذيل أنّه قال: كان أبو حنيفة يجهر في أمر إبراهيم جهراً شديداً و يفتي الناس بالخروج، و في ص 313 ذكر أنّ أبا حنيفة جعل من استشهد مع إبراهيم كشهداء بدر، و في ص 315 ذكر أنّ أبا حنيفة كتب إلى إبراهيم أن يسير بسيرة علي عَلیْهِ السَّلام يوم صفين و ليس يوم الجمل لأنّ لهم فئة، و في ص 41 بخصوص تأييده لزيد بن علي.
کتبه، فليراجع هو أو «الحدائق الوردية في أيمة الزيدية» (1)و هو من الكتب المهمة لم يطبع حتّى الآن، و في مكتبتنا بالعراق نسخة منه، ثمّ ذكر المؤلف أيمة الفقه الأربعة (2)، و كان حتماً على مبتغي الاستقصاء و الإحاطة أن يذكر في طليعتهم سيّدهم و إمامهم و أسبقهم و أقربهم إلى رسول الله حسباً و نسباً، و أشرفهم في العلم نفساً وجداً و أباً، ألا و هو الإمام جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بقية رسول الله من بضعته الزهراء سلام الله عليهم جميعاً.
و هذا السيد الإمام قد قرأ عليه أبو حنيفة (3)(رضوان الله علیه)، كما نصّ عليه جماعة منهم عبد الحميد في أوّل شرح النهج (4)،و قرأ عليه مالك (رضوان الله علیه)، كما نصّ عليه الذهبي في ميزانه (5)
1) «الحدائق الوردية في أحوال الأئمة الزيدية» للفقيه حميد بن أحمد المحلي الهمداني، المعروف بالقاضي الشهيد، و هو مؤرخ فقيه زيدي يماني من من أهل صنعاء، كان من كبار أصحاب الإمام المهدي أحمد بن الحسين القاسمي، قتل في معركة الخصبات سنة 652 ه، و الحدائق الوردية مخطوط توجد منه نسخة في مكتبة الجامع بصنعاء ، و المتحف البريطاني برقم 3812، و جزءان مصوران في معهد المخطوطات. (الذريعة ج 1 ص 291، الأعلام ج 2 ص 282).
2) ج 2 ص 445 - 448.
3) اشتهر عنه قوله: (لو لا السنتان لهلك النعمان)، كما في التحفة الاثنا عشرية صفحة 8، و يقصد بهما السنتين اللتين أخذ بهما العلم عن جعفر بن محمّد الصادق عَلیْهِ السَّلام.
4) شرح ابن أبي الحديد ج 1 ص 18، و أنظر: تهذيب الكمال ج 3 ص 419، تهذيب التهذيب ج 2 ص 68، الفصول المهمة- لابن الصباغ-: ص 222، و ذكر صاحب الأعلام ج 2 ص 126، بأنّه أخذ عنه جماعة منهم الإمامان أبو حنيفة و مالك.
5) ميزان الاعتدال ج 2 ص 144، ونص على ذلك أبو نعيم في حلية الأولياء ج 3 ص 199، و المزي في تهذيب الكمال ج 3 ص 419، و ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 2 ص 68، و البخاري في التاريخ الكبير ج 2 ص 189، و ابن أبي حاتم في الجرح و التعديل ج 2 ص 487، و ابن حبّان في الثقات ج 6 ص 131.
و بالجملة: فإنّ مذهباً لا يزال الداينون به على أوّليات الإسلام و إلى اليوم لا يقلّون عن مئة مليون، أعني ثلث المسلمين (1)لَحري بالذكر جدير بالتبجيل، فكيف و هو مذهب أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.
ص 144: و من الفقهاء في هذا العصر فقهاء الشيعة لم ينبغ منهم من يستحق الذكر ... إلى آخره (2)
هذا موضع المثل:
و النجم تستصغر الأبصار رؤيته *** و الذنبُ للطرفِ لا للنجم في الصغر (3)
يا ساهر البرق يقّظْ راقد السمر *** لعل بالجزع أعواناً على السهر
ما ذنب فقهاء الشيعة و نوابغها إن قصر ذرع باعك، و ضاق وسع اطلاعك عن حظوتك بالوقوف على شهير آثارهم و عظيم مساعيهم ؟!
أنا- و ربّك الكريم- واقف في مقامي هذا وقوف المتردد الحاير، ما أدري ما أقول في قبالة قولك هذا، كما لا أدري أنّي لو أردت ذكر نوابغ الفقهاء من الشيعة في هذا العصر الذي تشير إليه، أعني عصر المئة و أربعين، عصر الاستنارة بوجود الإمام الصادق جعفر بن محمد سلام الله
عليه و على آبائه، أكان يسع أخبارهم و تراجمهم قدر جزئي كتابك هذا أم لا، كما هو الأغلب؟!
هب- يا هذا- أنّك لم تقف على شهير كتب الشيعة التي طبعت طبعات متعددة فضلاً عن واحدة في إيران و العراق و الهند و بومباي.
و لكن أفلا عدلت في الوزن فنظرت في ميزان الاعتدال المطبوع في مصرك لترى من نوابغ فقهاء الإمامية في ذلك العصر ما تودّ لو وقفت يدك، و لم تكن كتبت ما كتبت، و لا قلت ما قلت؟!
أين غاب عنك ذكر:
أبان بن تغلب (1)..
و أبان بن عثمان (2)
(راجع ترجمته في رجال الكشي ج 2 ص 640 و ص 673، فهرست النجاشي، و الشيخ الطوسي، معجم رجال الحديث ج 1 ص 143، الأعلام ج 1 ص 27، ميزان الاعتدال ج 1 ص 124).
..و جابر الجعفي (3)
قال الذهبي: أحد علماء الشيعة.
قال ابن مهدي عن سفيان: كان جابر الجعفي و رعاً في الحديث، ما رأيت أورع منه في الحديث.
و قال شعبة: صدوق.
و قال يحيى بن أبي بكير عن شعبة إذا قال: أخبرنا، و حدثنا، و سمعت منه، فهو من أوثق الناس.
و قال وكيع: ما شككتم في شيء فلا تشكوا أنّ جابراً الجعفي ثقة.
قال سفيان الثوري لشعبة: لئن تكلمت في جابر الجعفي لأتكلّمنّ فيك، و عن زهير بن معاوية: سمعت جابر بن يزيد يقول: عندي خمسون ألف حديث ما حدثت منها بحديث.
و قال ابن الغضائري: إنّ جابر بن يزيد الجعفي الكوفي: ثقة في نفسه، و لكن جلّ من روى عنه ضعيف، روى عنه مسلم، و أبو داود، و الترمذي، و النسائي، و الدار قطني.
مات بالكوفة وترحم عليه الصادق عَلیْهِ السَّلام و قال: إنّه كان يصدق علينا.
(ميزان الاعتدال ج 2 ص 103، معجم رجال الحديث ج 4 ص 336، الأعلام ج 2 ص 105).
..1) تقدّمت ترجمته في ص 69.
2) أبان بن عثمان بن يحيى بن زكريا اللؤلؤي البجلي مولاهم، قال النجاشي: أصله كوفي كان يسكنها تارة و البصرة تارة، و قد أخذ عنه أهلها: أبو عبيدة معمر بن المثنى و أبو عبد الله محمّد بن سلام، و أكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء و النسب و الأيام، روى عن أبي عبد الله و أبي الحسن علیهِِمِا السَّلام، له كتاب حسن كبير، يجمع المبتدأ و المغازي و الوفاة و الردة، و أضاف الشيخ، كتاب المبعث، و السقيفة، و عدّه الكشي ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم و تصديقهم و الاقرار لهم بالفقه.
3) جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبد الله ت 128 ه تابعي لقي أبا جعفر و أبا عبد الله علیهِِمِا السَّلام.
1) هشام بن سالم الجواليقي الجعفي، قال النجاشي: روى عن أبي عبد الله و أبي الحسن علیهِِِما السَّلام ثقة له كتاب يرويه جماعة، و قال الشيخ: لهُ أصل، و عدّه الشيخ المفيد في رسالته العددية من الرؤساء و الأعلام المأخوذ منهم الحلال و الحرام و الفتيا و الأحكام الذين لا يطعن عليهم بشيء، و لا طريق إلى ذم واحد منهم، اتهم بالقول بالتجسيم و لم يثبت. (معجم رجال الحديث ج 20 ص 324، و مصادر أخرى).
2) هشام بن الحكم الشيباني بالولاء ، ولد بالكوفة، و تحول إلى بغداد لقي الصادق و الكاظم علیهِِِما السَّلام، و كان ممن فتق الكلام في الإمامة و هذّب المذهب بالنظر، و كان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب، رفعه الصادق علیْهِ السَّلام في الشيوخ و هو غلام، و هو القائل له : مثلك فليكلم الناس، و قال: هذا ناصرنا بقلبه و لسانه و يده، و كان يحيى بن خالد بن برمك القيّم بمجالس كلامه و نظره، و ناظر يوماً عمرو بن عبيد فقطعه، صنّف كتباً منها: الإمامة، و القدر، و الشيخ و الغلام، والدلالات على حدوث الأشياء، والرد على المعتزلة و غيرها، اتهم بالقول بالتجسيم و لم يثبت. (معجم رجال الحديث ج 20 ص 297، الأعلام ج 8 ص 85).
و زرارة بن أعين (1)
قال النجاشي: شيخ أصحابنا في زمانه و متقدّمهم، و كان قارئاً فقيهاً متكلماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل و الدين صادقاً فيما يرويه، له كتاب الاستطاعة و الجبر.
و عدّه الكشي من الستّة الأولين من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد الله علیهِِِِما السَّلام ممن أجمعت العصابة على تصديقهم و انقادوا لهم بالفقه، و أفقه الستّة زرارة.
(رجال الكشي ج 2 ص 507، معجم رجال الحديث ج 8 ص 225).
..و أخواه حمران (2)
قال أبو غالب الزراري في رسالته: و كان حمران من أكابر مشايخ الشيعة المفضلين الذين لا يشكّ فيهم، و كان أحد حملة القرآن، و ممن يعد و يذكر اسمه في كتب القراء، و كان نحويّاً.
و قال في حقّه الصادق علیْهِِِ السَّلام: حمران بن أعين مؤمن لا يرتد و الله أبداً.
(رجال الكشّي ج 1 ص 421، معجم رجال الحديث ج 7 ص 269، رجال الشيخ: 314).
، و بكير (3)(رجال الكشي ج 2 ص 419، معجم رجال الحديث ج 4 ص 265).
..و باقي بني أعين و أولاده العشرة (4)
عبد الرحمن، و عبد الملك، و ابنه ضريس، و مالك وقعنب أبناء أعين. و أولاد زرارة: الحسن، و الحسين، و رومي، و عبيد الله، و عبد الله و يحيى. و لحمران ابنان: حمزة، و محمّد.
و أبناء بكير: عبد الله، و الجهم، و عبد الحميد، و عبد الأعلى، و عمر، و زيد.
و لأبي غالب الزراري رسالة ذكر فيها آل أعين و أولادهم و ذريتهم، و قد أدرجها البحراني في كشكوله، و طبعت مستقلّة في بغداد و في إيران و تعتبر أحد مصادرنا الرجالية المتقدّمة.
..1) زرارة بن أعين الشيباني بالولاء ت 150 ه.
2) حمران بن أعين الشيباني: تابعي من أصحاب الباقر و الصادق علیهِِِِما السَّلام.
3) بكير بن أعين الشيباني من أصحاب الباقر و الصادق علیهِِِِما السَّلام، ترحم عليه الإمام الصادق علیْهِِِ السَّلام عندما بلغه موته، و قال: أما و الله لقد أنزله الله بین رسوله و أمير المؤمنين صلوات الله عليهما.
4) و هم إضافة إلى المتقدّمين:
و محمد بن مسلم (1)
(رجال الكشي ج 2 ص 507، ميزان الاعتدال ج 6 ص 336، معجم رجال الحديث ج 18 ص 260).
..و أبو بصير ليث المرادي (2)
(رجال الكشي ج 2 ص 507، معجم رجال الحديث ج 15 ص 144، مناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 347).
..و بريد بن معاوية العجلي (3)..
1) محمّد بن مسلم بن رباح الطائفي الثقفي ت 150 ه، وجه أصحابنا بالكوفة، فقیه ورع، صحب أبا جعفر و أبا عبد الله علیهِِِِما السَّلام، و كان من أوثق الناس، عدّه الكشي ممن أجمعت العصابة على تصديقهم و الانقياد لهم بالفقه، قال الذهبي : و ثقه يحيى ابن معين و غيره، و قال معروف بن واصل: رأيت سفيان الثوري بين يدي محمّد بن مسلم الطائفي يكتب، و ذكره عبد الرحمن بن مهدي، فقال: كتبه صحاح روى عنه القعنبي، و يحيى بن يحيى وقتيبة، روى عنه مسلم في الصحيح.
2) ليث بن البختري المرادي الكوفي أبو بصير، روى عن الصادق و الكاظم علیهِِِِما السَّلام، و ذكره البرقي في أصحاب الباقر علیْهِِِِ السَّلام و في رجال الكشي عدّه بعضهم ممن أجمعت العصابة على تصديقهم مكان أبي بصير الأسدي، و اسمهُ يحيى بن أبي القاسم و عدّه ابن شهر آشوب من الثقات الذين رووا النص الصريح على إمامة موسى بن جعفر علیْهِِِِ السَّلام من أبيه.
3) بُريد بن معاوية أبو القاسم العجلي، روى عن أبي جعفر و أبي عبد الله علیهِِِِما السَّلام، مات في حياة أبي عبد الله علیْهِِِِ السَّلام، وجه من وجوه أصحابنا، له محل عند الأئمة، و هو ممن أجمعت العصابة على تصديقهم، و الانقياد لهم بالفقه و هم: (زرارة، و معروف ابن خربوذ، و أبو بصير الأسدي، و الفضيل بن يسار، و محمّد بن مسلم الطائفي)، قالوا وأفقه الستّة زرارة، و قال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي أبو بصير المرادي).(رجال الكشي ج 2 ص 507، معجم رجال الحديث ج 4 ص 195).
أولئك الذين يقول فيهم إمامهم و معلمهم جعفر الصادق:
«لو لا هؤلاء الذهب الفقه (1)و لم يعرف الاستنباط أحد (2)، الذين يقول فيهم- و هو الصادق-: أُولئك أمناء الله على حلاله و حرامه (3)، أولئك الذين رووا فأكثروا و استنبطوا فمهروا حتّى ملأوا الطوامير و القماطير بفقههم و علومهم و صفَّوا لمن بعدهم مناهله، و أوضحوا معالمه و دلائله.
و لكن ليست هذه بأول ظليمة على العلم و العلماء و بخس لحقوقهم و حطّ لأقدارهم، فالحافظ الذهبي و إن أكثر من ذكرهم و لكنّه قد مال لسان ميزانه فلم يسلم سوى أقلّهم من وصمة وصمهم بها و نقيصة قذفهم فيها و هم براء منها براءة النجم من الأوحال، و الشمس من تقوّس الهلال، يبرؤون إلى الله منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
نعم، و أعظم عند الله من ذلك ما نبزهم به الشهرستاني في «الملل و النحل» راجع ما ذكر في هشام بن الحكم، و هشام بن سالم الجواليقي (4)
1) روى الكشي: بإسناد صحيح عن إبراهيم بن عبد الحميد و غيره عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلام أنّه قال: رحم الله زرارة بن أعين لو لا زرارة بن أعين و نظراؤه لاندرست أحاديث أبي. (ج 1 ص 347 ح 217).
2) و روى الكشي أيضاً بإسناد صحيح عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلام يقول: ما أجد أحداً أحيى ذكرنا و أحاديث أبي عَلیْهِ السَّلام إلّا زرارة و أبو بصير ليث المرادي و محمد بن مسلم و بريد بن معاوية العجلي، و لولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين و أمناء أبى عَلیْهِ السَّلام على حلال الله و حرامه، و هم السابقون إلينا في الدنيا و السابقون إلينا في الاخرة. (ج 1 ص 348 ح 219).
3) روى الكشّي بإسناد صحيح عن جميل بن دراج، قال: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلام يقول بشر المخبتين بالجنّة: بريد بن معاوية العجلي و أبا بصير ليث بن البختري المرادي و محمّد بن مسلم و زرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله و حرامه، لو لا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة و اندرست. (ج 1 ص 398 ح 286).
4) راجع الملل و النحل ج 1 ص 187- 191.
و ما رماهم به من القول بالتجسيم و غيره من الشناعات و الفظائع التي لا ظل لها من الحقيقة أبداً.
فهذه كتبهم و مقالاتهم و أخبارهم محفوظة عندنا يداً بيد، و من عصر إلى عصر ليس فيها إلّا الحكمة العالية و الفلسفة الشرعية المنزهة من كلّ وصمة ولوثة، و لكن: (و ما آفة الأخبار إلّا رواتها) (1)
أُبيَّنْتُها أم ناكرتك شياتها *** نزائع ينقلن الردى صهواتها
(دیوانه: ج 1 ص 212).
ليس في أقوالهم و آرائهم إلّا ما هو طبق مقالات إمامهم و معلمهم الإمام جعفر بن محمّد الصادق، الذي عليه تخرّجوا و على منواله نسجوا، و هو أعرف بالله و بشريعة جدّه من كلّ أحد قبله أو بعده، و أولئك الأعاظم ما أخذوا من غيره، و لا اقتبسوا العلم من سواه، و قد تناثر الثناء منه عليهم، و حسبهم بذلك مجداً و كرامة و استدراكاً لكلّ فرية عليهم و وقيعة.
فيا ليت ما بيني و بينك عامر *** و بيني و بين العالمين خراب (2)
و ليت الذي بيني و بينك عامر *** و بيني و بين العالمين خرابُ
من قصيدة مستهلها:
أما لجميلٍٍ عندكن ثوابُ *** و لا لمسيء عندكنّ متابُ
و لقد كان بودي بسط الكلام في هذا المقام بأكثر من هذا، و لكن بكرهي وقفت وكففت دون بلوغ الغاية، وقبل استيفاء الغرض و إيضاح جلية الحال.
و لو لا المزعجاتُ من الليالي *** لما ترك القطا طيب المنام (1)
إذا قالت حذام فصدقوها *** فإن القول ما قالت حذام
(شرح قطر الندى- لابن هشام الأنصاري: ص 26).
ما الحكم إلّا لله و لا حول و لا قوة إلّا به.
أمّا أنستاس، فقد نقد على تلك الفقرة التي قدمناها من قول (جرجي زیدان): و من الفقهاء في هذا العصر- فقهاء الشيعة- لم ينبغ منهم من يستحق الذكر..
فأراد أنستاس أن يناصر الحقّ و ينتصر للشيعة، على حين أنّ الشيعة غنية عن نصرته بكفاءة رجالها و أقلام كتّابها، سيّما و قد لفّ الحابل على النابل (2)، و جاء في كلامه كحاطب ليل (3)، و خابط سيل (4)، و إليك صورة كلماته من ذلك العدد الذي مرّ البيان عنه (5)
قلنا: و لو راجع حضرته بعض كتب هذه الفرقة؛ ك«روضات الجنات» (6)، و كتاب «منهج المقال في أحوال الرجال» (7)
و الآن تقوم مؤسسة آل البيت علیهِِمُ السَّلام بتحقيقه مع تعليقة الوحيد البهبهاني عليه، و قد صدر الجزء الأوّل و الثاني منه،و يحتمل أن تصل إلى 15 جزء.
... و كتاب1) ينسب البيت إلى لجيم بن صعب، و قيل و سيم أو ديسم بن طارق زوج حذام التي يقول بعده فيها:
2) يقال: اختلط الحابل بالنابل: أي ناصب الحبالة بالرامي بالنبل، يضرب مثلاً اشتباك الأمر و ارتباكه. (المستقصى ج 1 ص 94،و جمهرة الأمثال ج 1 ص 110).
3) يضرب مثلاً للرجل يجمع كلّ شيء و لا يميز الجيد من الرديء. (جمهرة الأمثال ج 2 ص 159) و يقال أخبط من حاطب ليل. ( المستقصى ج 1 ص 93).
4) الخبط: كلّ سير على غير هدي. (تاج العروس ج 10 ص 230 مادّة «خبط») و الخبط الإصابة مرة، و الاخطاء أُخرى (المستقصى ج 1 ص 93).
5) راجع ص 148.
6) روضات الجنات في أحوال العلماء و السادات للسيد محمّد باقر الخونساري المتوفّى سنة 1313، و هو كتاب كبير في التراجم طبع بعدّة مجلدات.
7) منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال، و يعرف بكتاب الرجال الكبير للميرزا محمّد بن علي بن إبراهيم الاسترابادي ت 1028 ه، و قد قسم المصنّف كتابه الكبير إلى ثلاثة أجزاء، و توجد تعليقة للوحيد البهبهاني على المنهج.
«الفهرست» (1)
أ- فهرست أسماء مصنفي الشيعة المعروف برجال النجاشي، لأبي العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي الأسدي ت 450 ه، و هو أهم المصادر الرجالية و قد تقدّم ذكره في ص 64.
ب- فهرست الشيخ الطوسي ت 460 ه.
ج- فهرست الشيخ منتجب الدين ابن بابويه الرازي ت بعد 585 ه و هو تكملة و تتميم لفهرست الشيخ الطوسی.
.. و كتاب «أمل الآمل» (2)، لرأى أنّه غير مصيب في كلامه هذا، و لتحقق أنّ بين الإمامية من الفقهاء المتوغلين في هذا العلم ما قلما (كذا) نشاهد مثلهم في سائر الفرق الإسلامية، ثمّ ذكر من ذكرناهم من أعاظم ذلك العصر كأبان بن تغلب و أبان بن عثمان ... إلى آخره.و هذا حسن لو أنّه أشار إلى الأخذ، و لكنّه أخطأ في ذكر «روضات الجنات» و كتاب «أمل الآمل»؛ فإنّ هذين الكتابين لم يذكر فيهما و لا واحد من أهل تلك العصور؛ أعني القرن الأوّل و الثاني، و إنّما الموضوع فيهما ترجمة العلماء و السادات في (الأوّل)، و علماء جبل عامل و نبذة من غیرهم فی (الثانی)، و لیس فیهما شیء من أحوال الرواة و المحدثین، و أصحاب الأیمة سلام الله عليهم.
نعم، قد شذّ صاحب «الروضات» عن موضوع كتابه في مورد واحد؛
و هو كميل بن زياد (1)صاحب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام حيث أفرد له ترجمة، و ذلك لزعمه أنّ علماء الرجال ما وفّوه حقّه عند ذكره.
و على أيٍّ، فقد بان لديك أنّ أنستاس أخذ و نقص وزاد، و لكن مازاد سوى الغلط و الاشتباه.
ثمّ من الغريب المدهش من أنستاس- و ما أكثر غرائبه- أنّه عقّب هذا الكلام بذكر التقيّة، فما برح مكانه حتّى نكأ القرحة (2)و جرح العاطفة، فقال ما حرفه:
و كان يحسن به- أي بجرجي زيدان- أن يذكر في ص 155 التقيّة إذ قال: و فيه- أي في عصر العباسي (كذا الثاني- قيدت الأفكار فطارد المتوكل المعتزلة و الشيعة فضعفت الحرية، و عمد الناس إلى التستر بأفكارهم خوفاً على حياتهم خلافاً لِما كانوا عليه في أواخر العصر الماضي ...) (3)، إلى آخره.
1) كميل بن زياد بن نهيك النخعي، تابعي ثقة من أصحاب علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام، كان شريفاً مطاعاً في قومه، شهد صفين مع علي، و سكن الكوفة، و ذكره المدائني عبّاد الكوفة، و ثقه ابن معين و جماعة ، و قال ابن عمار: كان من رؤساء الشيعة و قال ابن حجر: لهُ إدراك، قتله الحجاج صبراً سنة 82 ه. (الإصابة ج 5 ص 654، تهذيب التهذيب ج 8 ص 447، جمهرة أنساب العرب ص 415، الأعلام ج 5 ص 234).
2) نكأ القرحة ينكوها نكأً: قشرها قبل أن تبرأ فنديت (لسان العرب ج 14 ص 275 مادّة «نكأ»)، و قال عمرو بن العاص لمّا بلغه مقتل عثمان: (أنا أبو عبد الله إذا نكأت نكأة قرحتها، قتلته و أنا بوادي السباع)- وادي السباع في فلسطين-، فإنّه كان يحرض على عثمان و يشهر به و بأفعاله بعد أن عزله من ولاية مصر، فكان يلقى الراعي في الجبل فيحرضه عليه. (تاريخ الطبري ج 2 ص 656- 658).
3) ج 2 ص 462.
فعقبه أنستاس بقوله:
قلنا: و هذا ما يسميه الشيعة بالتقيّة، و هنا كان يليق به أن يذكر بحثاً و جيزاً فيها، و يظهر ضررها بالدين؛ لأنّها ليست إلّا رياء فيه، الأمر الذي لا نراه في أهل السنة (1)انتهى. عمرك يا انستاس! ما أدري ماذا أقول لك، و لكن ليتك عرفت جدّك (2)، و لم تتعد حدّك، هب أنّك تجهل أنّ التقيّة في مواردها من أساسيات الدين الإسلامي و مما دلّ عليها كتابه المجيد، و فرقانه الحميد في عدّة مواضع:
إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً (3)، إِلاَّ مَنْ أُُکْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِیمَانِ (4)، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ کَبِیرُهُمْ (5) و في السُّنة مالا يحصى نظير قصة عمار التي نزلت فيها الآية (6)، و مثل قوله صلوات الله عليه: لو لا قومك حديثو عهد بالإسلام لغيرت
1) الجزء الثاني من السنة الثالثة من مجلة لغة العرب.
2) الجدّ: الحظُّ و البخت.
3) سورة آل عمران 3: 28.
4) سورة النحل 16: 106.
5) سورة الأنبياء 21: 63.
6) راجع تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 124، تفسير الطبري ج 7 ص 651، فقد روى بإسناده عن محمّد بن عمّار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمّار بن ياسر فعذّبوه حتّى باراهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم، فقال النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، قال النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: فإن عادوا فعد، و راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 118، و أخرج القصّة عبد الرزاق و ابن سعد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و الحاكم و صححه، و البيهقي في «الدلائل» من طريق أبي عبيدة محمّد بن عمّار كما في الدر المنثور ج 5 ص 170.
الكعبة (1) و من يفلي نواصي كتب الحديث يجد فيها من المواضيع و النظاير (2)ما يستحق الإفراد، كفاك من بداهة الأمر فيها أنّ الخوارج و هم أُولئك البواسل أو لو الأجسام الشداد، و السيوف الحداد الذين كانوا يعدّون المنايا أمانيا، ذلك لم يسعهم التملص من ربقة التقيّة، فإنّ أبا بلال مرداس (3)
1) رواه البخاري في ج 2 ص 286- 287 کتاب الحجّ/باب فضل مكّة و بنيانها و بعدّة ألفاظ، و الخطاب في الحديث لعائشة ، و مسلم في ج 2 ص 97- 100 بعدّة الفاظ باب/نقض الكعبة و بناؤها و مواضع أخرى من الصحيحين، و راجع مسند أحمد ج 6 ص 177 و ص 247، و مسند أبي يعلى ج 7 ص 326 ح 4363 نحوه، و أخرج الطبراني نحوه في المعجم الأوسط ج 3 ص 447 ح 3272، و النسائي في سننه ج 5 ص 314 باب/بناء الكعبة، و ابن كثير في البداية و النهاية ج 9 ص 3.
2) و نظير ذلك ما رواه الحسن البصري: أنّ عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما، فقال لأحدهما: أتشهد أنّ محمّداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ فأهوى إلى أُُُذنيه، فقال: إنّي أصمّ، فأمر به فقتل، و قال للآخر: أتشهد أن محمّداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: نعم، فأرسله فأتى النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم، فأخبره، فقال: أمّا صاحبك فمضى على إيمانه، و أمّا أنت فأخذت بالرخصة. (تفسير الحسن البصري ج 2 ص 76، مصنّف ابن أبي شيبة ج 7 ص 642 باب 85، الدر المنثور ج 5 ص 172، و مجمع البيان ج 2 ص 273 نحوه.
3) أبو بلال مرداس بن حدير بن عامر بن عبيد بن كعب الحنظلي التميمي، و يقال: مرداس بن أدية، كانت الخوارج تعظمه، شهد صفين مع علي عَلیْهِ السَّلام و أنكر التحكيم و شهد النهروان و سجنه عبيد الله بن زياد، و نجا من السجن فجمع نحو أربعين رجلاً، و نزل بهم في آسك قرب الأهواز، و أذاع في الناس أنّه لم يخرج ليفسد في الأرض و لا ليروع أحداً، و لكن هرباً من الظلم، و أنّه لا يقاتل إلّا من يقاتله، و لا يأخذ من الفيء إلّا أعطياته و أعطيات أصحابه، فوجّه إليهم عبيد الله بن زياد جيشاً قوامه ألفي شخص بإمرة أسلم بن زرعة الكلابي فهزمهم أبو بلال شر هزيمة، و وجه جيشاً ثانياً يقوده عباد بن علقمة المازني فلمّا كان مرداس و أصحابه في صلاتهم أحاط بهم عباد فقتلهم عن آخرهم سنة 61 ه، قال ابن حزم: لهُ عقب كثير باصطخر. (راجع كامل المبرد ج 2 ص 183- 187، تاریخ الطبري ج 3 ص 254، و ص 344، و تاريخ ابن الأثير ج 3 ص 444، الأعلام ج 7 ص 202).
-و هو أحد جذومهم (1)-قال للبلجاء (2)-و هي إحدى مستفحلاتهم- يحذّرها سطوة الغاشم عبيد الله بن زياد: إنّ الله قد وسع على المؤمنين بالتقية فاستتري؛ فإنّ هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكركِ (راجع المبرد في كامله) (3)
و ما هي -لعمر الله- عند ذي الروية من الرياء في شيء؛ فإنّ جوهر الرياء هو أن يأتي بالعمل المشروع لعبادة الخالق تقرّباً إلى المخلوق، و طلباً للزلفى عنده، و أخصر و أجلى هو أن يتقرب إلى المخلوق بعبادة الخالق.
أمّا حقيقة التقيّة، فهي أن يأتي بالعمل الذي لا يرى أنّه من شريعة الخالق و لكن يعمله، أو يتكتم بما يراه من الشريعة؛ كلّ ذلك دفعاً لشرّ المخلوق؛ إذاً فهو يشتمل على جوهر العبادة- فأين هذا من ذاك- يا هذا.
نعم، و المصلحة فيه عائدة إلى نفس الدين؛ فإنّ الشريعة و الدين ليسَ هيكلاً مجرداً في نفسه، قائماً بذاته، و إنّما يتقوم الدين بقيام أهله و يحفظ بحفظ ذويه، فلو أسلموا أنفسهم عند الضعف و القلّة إلى القوة المبيدة لكانوا
1) الجِذم: أصل الشيء، و جذم كلّ شيء: أصله، و الجمع أجذام و جذوم، و جذمُ القوم: أصْلُهم. (لسان العرب ج 2 ص 223 مادّة «جذم»).
2) البَلجاء: و هي امرأة من بني حرام بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم من رهط سجاح التي كانت قد تنبأت، فوجه إليها عبيد الله بن زياد فأتي بها فقطع يديها و رجليها و رمى بها في السوق، فمرّ أبو بلال و الناس مجتمعون، فقال: ما هذا؟ فقالوا: البلجاء، فعرج إليها فنظر ثمّ عض على لحيته و قال لنفسه: لهذه أطيب نفساً عن بقية الدنيا منك يا مرداس. (كامل المبرد ج 2 ص 181).
3) كامل المبرد ج 2 ص 82.
قد أعانوا على محق الدين و استئصاله، فضلاً عن محق نفوسهم و محو حياتهم.
إذاً فمن البقيا على الدين البقيا على أنفسهم حتّى يشتد ساعدهم للكفاح عنه و المنافحة دونه.
أمّا قوله: الأمر الذي لا نراه في أهل السنّة.
فما أدري أفي صحو كان حين كتب ذلك، أم في محو (1)؟! و إلّا فليت شعري علامَ وممَّ، و لماذا يتقي من له السلطة و السطوة، و له القهر و القوة، و على رأسه التاج، و بيده السيف و القلم، و القضيب و الصولجان؟! أم ترى أنّ الشيعة كانت تنقبع في أكواخ التقيّة، أو تلجأ إلى معاقلها يوم كان لها ذلك؟!
أشيعة بغداد في الدولة البويهية؟ أم شيعة حلب في أيام الحمدانية؟ أم علوية مصر في الخلافة الفاطمية؟ أم الشيعة اليوم و من قبل في أنقاضالدويلة الإيرانية؟
لا، بل مطلق الشيعة اليوم على ما يزعمون من عهد الحرية و الدستور.
ألا ترى- ويبك (2)يا أنستاس! -أنّ علماء السنّة لمّا دال الدهر عليهم يوماً من الأيام و لذعتهم لفحة من نيران الضغط و الاضطهاد؛ فزعوا جميعاً بسائق الطبيعة و الدين إلى التقيّة، و لم يجدوا مندوحة عنها؛ و ذلك في أيام
المحنة (1)بخلق القرآن، حيث أمر المأمون و المعتصم بالضرب عليه، فكلّهم قال به إلّا نفراً لا يبلغ أدنى العدد،منهم: أحمد بن حنبل (2)
و ذكر الدميري في حياة الحيوان ج 1 ص 79 أنّ المعتصم لم يقتل أحمد بن حنبل لأنّ أحد القادة الخراسانية كان عم أحمد بن حنبل و ما ذكر من صموده و ثباته على مبدئه لم يثبت، و إنّما هو مغالاة في الفضائل، و إلّا فمن لم يقل بخلق القرآن يقتل، و قد أجاب إلى القول بخلق القرآن: الواقدي، و يحيى بن معين، و أبو خيثمة، و اسماعيل بن داود، و الدورقي و غيرهم من المحدثين. حكاه الطبري و غيره.
نظراً إلى أنّ التقية ليست بعزيمة، و إنّما هي فسحة و مندوحة.و في أصحاب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام جماعة أبوا عن الاعتصام بها، و قدموا أنفسهم ضحايا و قرابين على مشاعر الإعلان بالحقّ و الإصحار بالحقيقة، و أُولئك مثل: ميثم التمّار (3)،و رشيد
1) راجع أخبار محنة القول بخلق القرآن و ما فعله المأمون و المعتصم و الواثق بمن لم يقل بخلق القرآن من ضرب و تعذيب و حبس و قتل و صلب (تاريخ الطبري ج 5 ص 186 و ما بعدها، و في ص 282 ذكر قتل الواثق لأحمد بن نصر الخزاعي و صلبه لعدم قوله بخلق القرآن، و مواضع أخر، و راجع تاريخ ابن كثير ج 10 ص 228 و ما بعدها، و ابن الأثير ج 6 ص 3 و ما بعدها و كلّ من أرخ لسنة 218 ه و ما بعدها حتّى استلام المتوكل للخلافة، حياة الحيوان ج 1 ص 79 و فيه أنّ المعتصم لم يقتل).
2) رُوي أنّ أحمد بن حنبل قد قال بخلق القرآن بعد أن امتحنه المعتصم و ضُرب عدّة سياط، و امتحنه إسحاق بن إبراهيم و تولّى مناظرته .. إلى أن قال: فإني أقول بقول أمير المؤمنين قال -إسحاق- في خلق القرآن؟ قال: في خلق القرآن فأشهد عليه و خلع عليه و أطلقه إلى منزله. ﴿حكاه اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 432.
3) ميثم بن يحيى التمار الأسدي بالولاء الكوفي، من خواص أصحاب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام اقتله عبيد الله بن زياد سنة 60 ه، بعد أن قطع يديه و رجليه و صلبه، و قطع لسانه كما أخبره به مولاه أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، له كتاب في التفسير فيه بعض ما تعلّمه من أمير المؤمنين أملاه على ابن عبّاس، و أخبره بكيفية قتله على يد ابن مرجانة فظنّ ابن عباس أنّها كهانة فأراد أن يخرق ما كتبه، فقال له ميثم: احتفظ بما سمعته منّي، فإن كان ما قلته حقّاً أمسكته، و إن يك باطلاً خرقته، و بعد مضي أيام وقع تمام ما أخبر به، (راجع رجال الكشي ج 1 ص 294، الأعلام ج 7 ص 336، الذريعة ج 4 ص 317).
(راجع ترجمته في الاستيعاب ج 1 ص 329، أسد الغابة ج 1 ص 461، الإصابة ج 2 ص 37، الأعلام ج 2 ص196 ، معجم البلدان ج 4 ص 103).
و عمرو بن الحمق الخزاعي (3)و كثير من1) رشيد الهجري من خواص أصحاب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام و من السابقين المقرّبين منه، أرسل إليه عبيد الله بن زياد الدّعي فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، فأبى أن يتبرأ منه، فقال له الدعي : فبأي ميتة قال لك تموت؟ فقال له: أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراءة منه فلا أبرأ؛ فتقدمني فتقطع يديّ و رجليّ و لساني، فقال: و الله لأكذبن قوله فيك فقدموه فقطعوا يديه و رجليه و تركوا لسانه ، فأخذ يحدث بما علمه به أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام فأمر ابن زياد بقطع لسانه. (رجال الكشي ج 1 ص 290، و الأعيان ج 7 ص 6).
2) حجر بن عدي بن جبلة الكندي، الملقب بحجر الخير، راهب أصحاب رسول الله، و من فضلائهم، وفد على رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم وشهد القادسية و فتوح الشام، و كان من خواص أصحاب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، وشهد معه وقعتي الجمل و صفّين، و كان على كندة، أرسل في طلبه معاوية إلى أن وصل إلى مرج عذراء قرب دمشق، و كان هو الذي فتحها و أوّل من كبّر في نواحيها، فأمر به أن يُقتل أو يلعن علياً عَلیْهِ السَّلام و يتبرأ منه فلم يتبرأ، فصلى ركعتين و قدم فقتل صبراً و معه ابنه و أصحابه سنة 51 ه، كان الحسن البصري يعظم قتل حجر و أصحابه، و كان معاوية يقول: يومي منك يا حجر طويل، قبره اليوم مبني و يزار في منطقة عذراء.
3) عمرو بن الحمق الخزاعي من حواري أمير المؤمنين ، صاحب رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم، العبد الصالح الذي أبلته العبادة سقى النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم- كما في اسد الغابة، و الإصابة- فقال له: اللّهم متّعه بشبابه، فمرت عليه ثمانون سنة لا ترى في لحيته شعرة بيضاء، كان من العارفين بحق أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، شهد معه مشاهده كلّها، نصب معاوية رأسه على رمح، و هو أوّل رأس نصب في الإسلام، و أهدى رأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد، و كان معاوية قد حبسها في سجن دمشق زماناً فألقي في حجرها، و هو أوّل رأس أُهدي في الإسلام، و كان ذلك في سنة 50 ه. (راجع ترجمته في رجال الكشي ج 1 ص 248، الإستيعاب ج 3 ص 1173، و الإصابة ج 4 ص 623، و أسد الغابة ج 3 ص 714).
أمثالهم (1)
ثمّ هب أنك جهلت من أمر التقيّة و مشروعيتها في دين الإسلام كلّ ما تقدّم و لكن ما بالك-و أنت فيما يقال من كهنة المسيحية- تجهل أنّه لو لا التقيّة لما ثبت و لا انتشر دين النصرانية و لنسفته الأعاصير و أصبح نسياً منسياً؟!
أتجهل مقام الرسل و أتباعهم في دياميس (2)(روميه) (3)، و مغاراتها تحت الأرض خوفاً من غاشمة (نيارنة الرومانيين) (4)حتى قضوا على ذلك أحقاباً من السنين إلى أن بعثهم الله من تلك القبور إلى النشور على يد
1) مثل: صيفي بن فسيل من رؤوس أصحاب حجر، و قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، و عبد الله بن خليفة الطائي، و عبد الرحمن بن حسّان العنزي، و كريم بن عفيف الخثعمي، و شريك بن شداد الحضرمي، و عاصم بن عوف، و الأرقم بن عبد الله.
2) الدياميس: جمع الدَّيماس؛ و هو الكِنّ أو السَّرَبُ المظلم، و دَمَسَ الشيء: غطّاه، و المراد به هنا السجن المظلم على التشبيه، و الدّيماس: سجنٌ للحجّاج أيضاً؛ سُمّي بذلك تشبيهاً. (لسان العرب ج 4 ص 403 مادّة « دمس»).
3) راجع قصة الحضارة ج 11 ص 277- 289 الفصل الأوّل فقد ذكر فصلاً مفصلاً حول الموضوع و كيفية حفر الطرقات الطويلة تحت الأرض، ثمّ قال في ص 286: فلمّا أن علا شأن المسيحية و انتصرت على أعدائها ... أضحت الدياميس أماكن يحج إليها الناس، و قبل أن يحل القرن التاسع سدّت السراديب و نسيها الناس و لم تكتشف إلّا بطريق المصادفة عام 1578.
4) أمثال: نيرون الذي أحرق روما، و فسبازيان، و دومتيان، كما تقول رسالة يوحنا الأولى و غيرهم من أباطرة الرومان أمثال دیسیوس، و أنطونينس، و أورليوس، و دقلديانوس.
قسطنطين الكبير (1)و هيلانة (2)؟.
أفلم يكن ذلك من التقيّة نفسها التي هي ضد الرياء لا نفسه -كما تزعم- جهلاً منك بالأمرين، بل و بأمر دينك فضلاً عن عامّة الأديان ؟!
هذا و قد كتب بعض كتبة الشيعة العصريين (3)مقالة حافلة بالتقية و شؤونها و بواعثها، و قد نشرت في عدّة أعداد من «المقتطف» (4)ثمّ نشرت في «العرفان» (5)و قد وضعت في آخريات رسالتنا (عين ميزان) (6)
و كتب الشيخ منير عسيران العاملي محاكمة بينهما سماه (تعديل الميزان)(الذريعة ج 15 ص 373).
شذرة من القول عن التقيّة، و أشرنا إلى أسبابها و مشروعيتها و بيان من هو الأولى بمعرتها، و قد نشر شطر منها في « العرفان» أيضاً، ثمّ طبعت بتمامها منفردة ، و لا شك أنّ أنستاس قد وقف على كلّ ذلك.1) فلافيوس فليرموس قسطنطين: بدأ حياته ابناً غير شرعي لقسطنطيوس من محظيته الشرعية هلينا، و لم يتلق من العلم إلّا قليلاً، فقد انخرط في سلك الجندية في سن مبكرة و حتى أصبح امبراطوراً، ادعى أنّه رأى صليباً ملتهباً في السماء و به انتصر إحدى معاركه قرب روما سنة 312 م. (قصة الحضارة ج 11 ص 382- 396).
2) هيلينا- أو هيلانة- أم قسطنطين و محظية قسطنطيوس، و كانت خادمة في إحدى الحانات في أثينا، اعتنقت الدين المسيحي حين طلقها قسطنطيوس و لعلها أفضت إلى ولدها بفضائل المسيحية كما يقول ديورانت في قصة الحضارة ج 11 ص 382 و 387.
3) هو الأديب الشيخ أحمد رضا العاملي النبطي، المتوفّى سنة 1372ه.
4) تقدّم الكلام عنها.
5) مجلّة تاريخية أدبية صدرت في صيدا سنة 1327 ثمّ تعطّلت مدّة الحرب العالمية الأولى،أنشأها أحمد عارف الزين. (الذريعة ج 15 ص 246).
6) عين الميزان: رسالة في انتقاد مقالة (ميزان الجرح و التعديل) للشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي طبع في صيدا سنة 1330 ه.
أمّا إعادة الطعن بها جذعة (1)بعد وضوح الأمر، و نصوع الحقيقة فلا أعرف وجهه و لكن صلال (2)بعض الأقلام تأبى إلّا أن تدبّ و تلسع، و تضر و لا تنفع.
و مثل هذا في الغرابة و الجهل و الغرارة، بعض نقوده على كتاب «الشيعة و فنون الإسلام» لصدر من صدور علمائنا الأعلام (3)،أخصّ بالذكر منها قوله في الجزء الرابع من سنته الثالثة صفحة 210 من مجلته.
إنّ المؤلف اعتبر الشيعة حينما (كذا كانوا فرقة سياسية كما لو كانوا فرقة دينية ...) إلى آخره. يا طبيب! طب لنفسك (4)..
حبّذا -يا أنستاس- لو شغلت نفسك عن هذا بتقسيم فرق المسيحية و تشعباتها، و تمييز الدينية منها عن السياسية، ودع البحث عن الشيعة لرجالها، و خلِّها لأهلها، فقد جئت لنا تفتق و ترتق (5)و تجتهد و تحتكم،
1) الجذعة: الصغيرة السنِِّ من الأنعام مؤنث الجِذع، فهي من المعز لسنة و الضأن لثمانية أشهر أو تسعة، و من الدوابِّ أوّل ما يستطاع ركوبها، و يقال: أعدت الأمر جذعاً: أي جديداً، و إذا أُطفئت حربٌ بين قوم فقال بعضهم: إن شئتم أعدناها جِذعة؛ أي أوّل ما يُبتدأ فيها. (لسان العرب ج 2 ص 219 مادّة «جذع»).
2) الصِّلال: جمع الصِّلِِِّ؛ و هو الحيّة القاتلة لا تنفع معها الرُّقيّة على الاستعارة هنا لما تنفثه الأقلام من سموم الحقد و التعصّب. (لسان العرب ج 7 ص 395 مادّة «صلل»).
3) للسيد حسن بن السيد هادي الصدر ت 1354 ه، و هو تلخيص لكتابه (تأسيس الشيعة الكرام لفنون الإسلام) الذي أبان فيه عن تقدّم الشيعة في السبق إلى تأسيس العلوم و تدوينها.
4) يا طبيب طبّ لنفسك: يضرب مثلاً للرجل يدّعي العلم و هو جاهل أو ينتحل الصلاح و هو مفسد. (جمهرة الأمثال ج 2 ص 423، مجمع الأمثال ج 3 ص 514).
5) الرتق ضد الفتق، يقال لمن يفسد و يريد أن يصلح.
تحكَََّم الطفل على أُُمّه، و الصبي على أهله، و الجاهل على معلمه.
و لو تحايدت عن هذه المزالق و عوّلت فيها على ذوي الأقدام الراسخة من أرباب الحقائق، لكان أحرى بك و أحزم، و أبقى عليك و أسلم، و أحسن لسياستك، و أنجح لتربية غرضك.
إعلم يا أنستاس أنّ مذهب التشيع، بل و طائفة الشيعة، منذ نثر بذرها الطاهر، و غرس دوحها الزاهر، أعني منذ هلهلت على جبال فاران (1)، ودوّت في شعاب الحجاز صرخة: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله.
من ذلك اليوم إلى هذا اليوم ما مسّ مذهب التشيع شيئاً من هشيم السياسة، و لا انصبغ بلون من أصباغها المختلفة ، و ما خرج التشيّع يوماً ما عن كونه ديناً محضاً و عقيدة روحية، و رابطة إلهية.
يا هذا !..
إنّ سلمان الفارسي (2)
و أبا ذر (3)..
1) فاران: كلمة عبرانية معربة؛ و هي من اسماء مكّة، ذكرها في التوراة، و قيل: هو اسم لجبال مكّة. (أُنظر: مراصد الاطلاع ج 3 ص 1011، و معجم البلدان ج 4 ص 255، و جاء في الكتاب المقدّس: الآية 2 من الاصحاح 33 من سفر التثنية ما نصّه: جاء الربّ من سيناء و أشرق لهم من سعير و تلالاً من جبل فاران)، و هو كما ترى بشارة بنبينا محمّد صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم.
2) أبو عبد الله سلمان الفارسي، من الأربعة الذين أمر الله تعالى نبيّه الكريم بحبهم و قال فيه ( سلمان منّا أهل البيت) و حاله في الولاء لأمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام مشهور، توفّي في المدائن و هو أمير عليها سنة 36 ه. (راجع ترجمته في الاستيعاب ج 2 ص 634، واسد الغابة ج 2 ص 265، و الإصابة ج 3 ص 141).
3) جندب بن جنادة، أبو ذر الغفاري خامس من أسلم، و أحد الأركان، قال فيه رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: ما أظلت الخضراء، و لا أقلت الغبراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر، و هو من الأربعة الذين أمر الله نبيّه بحبهم، و كان من المنقطعين إلى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام و لم تأخذه في الله لومة لائم، سيّره عثمان إلى الشام ثمّ أبعده إلى الربذة حيث مات فيها كما أخبر صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم بقوله ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، دفنه مالك الأشتر جماعة من أصحابه. (راجع ترجمته في الاستيعاب ج 1 ص 252، أسد الغابة ج 1 ص 357، الإصابة ج 7 ص 125، المستدرك ج 3 ص 387 ح 5467).
1) المقداد بن عمرو الكندي: أحد الأركان، و أوّل من أظهر الإسلام في مكّة، فارس يوم بدر، ممّن أمر الله تعالى نبيّه صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم بحبهم، الذي لم يشك طرفة عين في حق الإمام علي عَلیْهِ السَّلام. صاحب المقامات المحمودة و منها يوم بدر و يوم السقيفة و يوم الشورى، لم تأخذه في الله لومة لائم ينتظر ما يأمره أمير المؤمنين فيفعل،زوجه رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، و كان مقامه في بني هاشم عظيم، و فضائله مشهورة (راجع الاستيعاب ج 4 ص 1480، و أسد الغابة ج 4 ص 475، و الإصابة ج 6 ص 202، و أوائل رجال الكشي تجد الكثير الطيب).
2) أبو اليقظان عمار بن ياسر أحد الأركان، جلدة ما بين عين و أنف رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم، دخل يوماً على رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم فقال له: مرحباً بالطيب المطيب، و قال فيه صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: عَمَّارٌ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَمَّار، و قال صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: مَنْ يَسُبَّ عَمَّاراً يَسُبَّه الله و مَن يُعادِ عَمَّاراً يُعَادِهِ اللَّهُ، و قال فيه صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: وَیْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ اَلْفِئَهُ اَلْبَاغِیَةُ، و غير ذلك من الكثير الطيب في حقّ عمار. (راجع: مناقب عمّار في مستدرك الحاكم ج 3 ص 432- 445، و أسد الغابة ج 3 ص 626، و الإصابة ج 4 ص 575.
3) حذيفة بن اليمان: أحد الأركان، صاحب سر رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم في المنافقين،من المنقطعين إلى على عَلیْهِ السَّلام و العارفين بحقه، ضمن له رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم الجنّة ليلة الخندق عندما بعثه ليتجسس أخبار المشركين وراء الخندق، و قد امتنع جميع المسلمين من الذهاب في قصة معروفة ، و روى الحاكم في المستدرك ج 3 ص 428 ح 5626 بسنده عن بلال بن يحيى قال: لما حضر حذيفة الموت، و كان قد عاش بعد عثمان أربعين ليلة قال لنا: أوصيكم بتقوى الله و الطاعة لأمير المؤمنين على بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام و قال ابن عبد البر: و قتل صفوان و سعيد ابنا حذيفة بصفين، و كانا قد بايعا عليّاً بوصية أبيهما إياهما بذلك. (راجع الاستيعاب ج 1 ص 334، أسد الغابة ج 1 ص 468، الإصابة ج 2 ص 45).
و ذا الشهادتين (1)
إذا نحن بايعنا عليّاً فحسبنا *** أبو حسن مما نخاف من الفتن
و فيه الذي فيه من الخير كلّه *** و ما فيهم بعض الذي فيه من حسن
(راجع الاستيعاب ج 2 ص 448، أسد الغابة ج 1 ص 610، الإصابة ج 2 ص 278).
..و أبا أيوب الأنصارى (2)..
و خالد بن سعيد بن العاص (3)..
و قيس بن سعد بن عبادة (4)..
1) خزيمة بن ثابت الأنصاري، ذو الشهادتين، من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، شهد بدراً و ما بعدها، جعل رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم شهادته بشهادة رجلين، شهد الجمل و صفين و استشهد فيها و هو القائل يومئذ:
2) أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري: و هو من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، شهد العقبة و بدراً و ما بعدها، نزل عليه رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم لمّا قدم المدينة، و كان أبو أيوب شهد مع عليّ عَلیْهِ السَّلام حروبه كلّها، ولزم الجهاد، توفّي سنة 50 ه، و قيل 51 ه. (الاستيعاب ج 2 ص 424، أُسد الغابة ج 1 ص 571، الإصابة ج 2 ص 234.
3) تقدّمت ترجمته في: ص 74.
4) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي: من كرام أصحاب رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم، و من عظماء الشيعة، و من أجواد العرب و أحد الدهاة، و كان أحد الأركان التي يعتمد عليها أمير المؤمنين و مواقفه مشهورة، ملأ معاوية يوم صفين رعباً و قال: يريد أن يفنينا سعد غداً إن لم يحبسه عنّا حابس، و استمر بعد استشهاد أمير المؤمنين في ولائه للإمام الحسن، و لم يبايع معاوية إلى أن قال له الحسن عَلیْهِ السَّلام: أنت في حلّ من بيعتي، و أخبار جوده و شجاعته و دهائه مستفيضة في كتب التاريخ و السير و المغازي. (راجع ترجمته في الاستيعاب ج 3 ص 1289، أسد الغابة ج 4 ص 124، الإصابة ج 5 ص 473).
و أضراب هؤلاء الذين هم دعائم عرش التشيع و أواسي حصونه (1)
أقول: ذكر المسعودي في مروج الذهب ج 2 ص 325، كان ممن شهد صفّين مع علي من أصحاب بدر سبعة و ثمانون رجلاً، منهم سبعة عشر من المهاجرين، و سبعون من الأنصار، وشهد معه ممن بايع تحت الشجرة، و هي بيعة الرضوان من المهاجرين و الأنصار من أصحاب رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم تسعمئة، و كان جميع من شهد معه من الصحابة ألفين و ثمان مئة.
و راجع أواخر كتاب الفصول المهمة للسيد شرف الدين، فقد ذكر عدد كثيراً من الصحابة الذين كانوا يشايعون علياً عَلیْهِ السَّلام.
، كلّ هؤلاء و أضعافهم من التابعين لهم قد اتخذوا التشيع ديناً، و جعلوه إلى الله سبحانه مذهباً، و لكن ما التمسوا به دنيا، و لا طلبوا فيه لأنفسهم أو لمن شايعوه ملكاً.كانوا يدينون بإمامة علي عَلیْهِ السَّلام في الدين، و يسالمون من سالمه علىُّ عَلیْهِ السَّلام في السياسة، فإنّه سلام الله عليه لمّا رأى المتخلفين بعد رسول الله قد أحسنوا سياسة الإسلام في إقامة شعائره، و تحصين ثغوره، و توسيع فتوحه، وهذا أهم ما يسهر ويهم له أمير المؤمنين للإسلام و المسلمين، فلذلك ترك سياسة الإسلام إليهم، وعوّل فيها عليهم، و سالمهم بقياً على الإسلام أن ينحلّ بالخلاف نظامه، و ينهدّ دعامه، و سالم باستسلامه كلّ شيعته و أتباعه و من يدين الله بإمامته.
و بقي التشيّع ديناً محضاً، و كان أمير المؤمنين بعد أن زُحزح من مقامه الأوّل أعرض عنها و لم يرغب فيها، و إنّما أكرهوه عليها بعد ثالث
1) [كلّ هؤلاء و أضعاف أضعافهم من أكابر الصحابة شيعة بالمعنى الأخص، أعني شيعة إمامية و إن أردت الحقائق الراهنة على ذلك، فارجع إلى كتاب «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة» للسيد علي خان صاحب السلافة فإنّه سوف لا يدع لك ريبة في ذلك إن شاء الله] منه قدِّس سِرُّه.
القوم و تداكّوا عليه -سلام الله عليه- في البيعة تداك الإبل الظماء على ورود الماء (1)
و كان حظّه منها ما ذكره هو عليه السلام لابن عباس يوم دخل عليه ب(ذي قار) أيام خلافته، و هو يخصف نعله، فقال له: يا ابن عبّاس ما قيمة هذه النعل؟
فقال: ياسيدي ! لا قيمة لها.
فقال: و الله لهي عندي خير من إمارتكم هذه، إلّا أن أُُقيم حقاً و أدفع باطلا (2)
سيّما و قد دبّت وبدت عقارب المكر من طاغوت بني أُُمية التي كان أضمرها في وجار (3)صدره للإسلام، و كان يبث و ينفث سمومها على رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم من أوّل بعثته إلى أنْ مَلَكهُ و أباه في فتح مكّة فأسلموا خوف السيف مكرهين غير طائعين، فأطلقهم رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و سمّاهم الطلقاء.
و لم يزل ضب (4)الحقد الله و رسوله في صدورهم حتّى أمكنت
1) إشارة إلى قوله عَلیْهِ السَّلام: ثمّ تداككتم عليّ تداكك الايل الهيم على حياضها أي ازدحمتم، و هو كلام مشهور عنه عَلیْهِ السَّلام حتّى استشهد به أهل اللغة كما في لسان العرب ج 4 ص 383 مادة «دكك»، و تاج العروس ج 13 ص 560.
2) راجع نهج البلاغة: ص 76 تحقيق صبحي الصالح، و رواه أحمد بن حنبل في الفضائل باسناده إلى ابن عباس كما في تذكرة الخواص: ص 110.
3) الوجار: جُحر الضبّ و الضبع و الثعلب و غيره، و الجمع أو جرة و وجر. (لسان العرب ج 15 ص 220 مادّة « وجر»).
4) الضبّ: الغيظ و الحقد، و رجلٌ خبٌّ ضبٌّ: منكرٌ مراوغ حَرب، و أضبّ الرجل على حقدٍ في صدره: أضمره. و ألضبّ في الأصل: دويبة. (لسان العرب ج 8 ص 9 مادّة «ضببَ»).
الفرض، فقاموا يثأرون لأضغانهم من دين الله، يثلون (1)عروشه، و يهدمون بيته (2)و يقتلون أولياءه، و كان رسول الله بما آتاه الله من العلم قد أوعز إلى كلّ ذلك بأمثال قوله: یا عَلِیُّ إنَّکَ سَتُقاتِلُ النّاکِثینَ وَ القاسِطین وَ المارِقینَ (3)و قوله لعمّار: تَقْتُلُکَ اَلْفِئَهُ اَلْبَاغِیَةُ، كما في الصحيحين (4)
كلّ ذلك مما أهاب بأمير المؤمنين بالقيام بالإسلام و الكفاح عنه، و الإسلام يومئذ في أوّل ترعرعه لم يبلغ أشده، و لم يستحكم عقده، حتّى كان من الأمر بينه و بين أولئك البغاة على الإسلام و عليه ما كان.
يدلك على خلوصه من أطماع الدنيا، و محوضته في الله و ما عند الله، أنّ الدائنين به على أوّلياته؛ أعني على أوليات الإسلام ، كانوا يعلنون على
1) ثَلَّ البيت يَثُلّه ثلاً: هدمه، وثُلَّ عرش فلان: هدم وزال أمر قومه. (لسان العرب ج 2 ص 123 مادّة «ثلل»).
2) إشارة إلى رمي الكعبة و هدمها من قبل مسلم بن عقبة المرّي و الحجاج.
3) أخرجه الحاكم في المستدرك ج 3 ص 150 ح 4674 و 4675، و ابن الأثير في أُسد الغابة ج 3 ص 611- 612، و أبو حاتم الرازي في أعلام النبوة: ص 210 تحقيق صلاح الصاوي، و ابن عساكر في تاريخ دمشق ج 42 ترجمة الإمام علي، و الخوارزمي في المناقب: ص 175 ح 212، و ص 189 ح 224- 226، و أبو جعفر الإسكافي في المعيار و الموازنة: ص 37 و ص 55.
4) راجع صحيح البخاري ج 1 ص 194 كتاب الصلاة- باب التعاون في بناء المسجد، صحيح مسلم ج 8 ص 186 من عدّة طرق، و رواه أبو يعلى في مسنده ج 3 ص 209 ح 1645، وج 11 ص 403 ح 6524، وج 12 ص 455 ح 7025 و مواضع أخر، و رواه أحمد في مسنده ج 6 ص 311، و أبو حاتم الرازي في أعلام 311 النبوة: ص 211، و الحاكم في المستدرك ج 3 ص 436 ح 5659، كما رواه عبد الرزاق، و ابن سعد، و ابن هشام، و البزار، و الدارقطني، و الطبراني، و ابن عبد البر ، و آخرين، و طرقه كثيرة جداً تربو على حد التواتر فقد رواه أكثر من خمسة و عشرين صحابياً.
رغم السياسة في حاضر عصورهم بأنّ الدين كان يدعوهم إلى موالاة علي عَلیْهِ السَّلام و اتّباعه و مشايعته ليس إلّا.
فقد كان سلمان الفارسي، بل المحمدي يقول- كما رواه في «الدرجات»-: بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين، و الائتمام بعليّ بن أبي طالب و موالاته (1)
و روى الثعلبي في تفسيره ما ملخصه: أنّ أبا ذر وقف على بئر زمزم و قال: أيّها الناس! أنا جندب بن جنادة البدوي (2)أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم بهاتين و إلّا فصمّتا و رأيته بهاتين و إلّا فعميتا يقول: عَلِیٌّ قائِدَ البَرَرَةِ وَ قاتِلُ الکَفَرَةِ مَنصُورٌ مَن نَصَرَهُ مَخذُولٌ مَن خَذَلَهُ (3)
و هذا و أمثاله كثير قد طفحت به كتب الفريقين، و لكن خذ مثلاً من الطبقة الثانية؛ هذا أبو الأسود الدؤلي (4)و هو في خلافة معاوية و إمارة زياد ابن أبيه الذي صلب الشيعة على جذوع النخل و قتلهم صبراً (5)، و بطش فيهم، كما بطش به الله البطشة الكبرى (6).
و كان معاوية قد نادى: أنْ برئت الذمة ممن روى شيئاً في فضل أبي
1) الدرجات الرفيعة: ص 213.
2) كذا في الأصل، و في المصادر: «البدري».
3) تفسير الثعلبي ج 4 ص 80، مطالب السؤول: ص 125، فرائد السمطين ج 1 ص 191- 192 ح 151.
4) تقدّمت ترجمته في ص 59.
5) تقدّم ذكر بعض ذلك في ترجمة ميثم التمار، و رشيد الهجري.
6) ذكر في سبب هلاكه أنّ طاعونة خرجت فى أصبعه، فأراد قطعها فلمّا نظر إلى النار و المكاوي جزع و ترك ذلك، فتوفّي من أثرها و ذلك عام 53 ه. (تاريخ الطبري ج 4 ص 507، الكامل في التأريخ -لابن الأثير- ج 3 ص 493).
تراب و أهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة، و على كلّ منبر يلعنون عليّاً و يبرأون منه، و كان أشد الناس بلاءً أهل الكوفة؛لكثرة من بها من شيعة علي عَلیْهِ السَّلام، فاستعمل عليهم زياد بن سُمية، و كان يتبع الشيعة- و هو بهم عارف- فقتلهم تحت كلّ حَجَر و مَدَر، و قطع الأيدي و الأرجل، و سمل العيون، و شرّدهم كلّ مشرد، و كتب معاوية إلى جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحدٍ من شيعة علي و أهل بيته شهادة (1)
و مع هذه الشدّة، فقد سأل زياد بن أبيه أبا الأسود عن حبّه لعلي عَلیْهِ السَّلام، فقال: إنّ حبّه يزداد في قلبي جدة (2)كما يزداد حبّ معاوية في قلبك، فإنّي أُريد الله و الدار الآخرة بحب علي عَلیْهِ السَّلام و أنت تريد الدنيا و زينتها بحب معاوية و مثلي و مثلك كما قال أخو مذحج (3):
خلیلان مختلف شأننا *** أُُُُريد العَلاء و تهوى السّمنْ
أحبّ دماء بني مالكٍ *** و راقَ المُعلّى بياض اللبْن (4)
و كفاك من حديث ضرار بن ضمرة الكناني مع معاوية ما هو
1) روى ذلك أبو الحسن المدائني في كتاب (الأحداث) كما في شرح ابن أبي الحديد ج 11 ص 44.
2) كذا في الأصل، و في المصدر: «حدّة».
3) هو الأفوه الأودي الشاعر، و اسمه صلاءة بن عمرو بن مالك، ينتهي نسبه إلى أود ابن سعد العشيرة بن مذحج، ذكره ابن دريد في الاشتقاق و نسب البيتين لهُ بسبب قتل عبد الله بن معدي كرب أخا عمرو بن سلمة و كان ذلك سبب خروج بني مازن ابن مالك من مذحج إلى بني تميم، و نسب صاحب العقد الفريد البيتين للأشعر بن أبي حمران الجعفي. (راجع: الشعر و الشعراء ج 1 ص 225، الأغاني ج 12 ص 198، الأعلام ج 3 ص 206).
4) راجع ربيع الأبرار ج 3 ص 479- 480 و فيه (و يهوى اليمن)، الاشتقاق لابن دريد ج 2 ص 421، و فيه (مختلف بحزنا) و (بني مازن)، العقد الفريد ج 2 ص 527.
مشهور (1)
و كان بنو الزبير ممن علم حالهم في الانحراف عنه عَلیْهِ السَّلام، و مع ذلك فقد كان عروة بن الزبير (2)يقول: ما بنى الدين شيئاً فهدمته الدنيا، و كم بنت الدنيا ما قد هدمه الدين، و شاهد ذلك في علي عَلیْهِ السَّلام؛ فإنّ بني أُمية لم يزالوا منذ أربعين سنة يلعنونه على رؤوس المنابر، و يحطون منه، و هم كأنّما يرفعون بضبعه إلى السماء (3)
هذا الشعبي (4)و هو من صنايع عبد الملك و ذوي الزلفي عنده يقول: مالقينا من علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام، إن أحببناه قُتلنا، و إن أبغضناه هلكنا.
1) نهج البلاغة ج 4 ص 16، شرح نهج البلاغة ج 18 ص 225، المناقب- لابن شهر آشوب- ج 2 ص 119، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ص 129، ربيع الأبرار- للزمخشري- ج 1 ص 835، الاستيعاب ج 3 ص 1107، و القالي في الامالي ج 2 ص 147 و فيه و في الاستيعاب (ضرار الصدائي).
2) عروة بن الزبير بن العوام يعد من الفقهاء السبعة بالمدينة، و أُمه أسماء بنت أبي بكر سمع من خالته عائشة، أصابته الأكلة في رجله و هو بالشام عند الوليد بن عبد الملك فقطعت رجله توفّي سنة 93، و قيل 94 ه. (وفيات الأعيان ج 3 ص 255).
3) راجع ربيع الأبرار ج 2 ص 168 ، و الاستيعاب ج 3 ص 1118.
4) عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبى، ولد و نشأ بالكوفة، اتصل بعبد الملك ابن مروان، فكان نديمه و سميره و رسوله إلى ملك الروم، خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث و عفا عنه الحجاج و كان منحرفاً عن علي عَلیْهِ السَّلام، مات فجأة بالكوفة سنة 103 ه. (راجع ترجمته في: وفيات الأعيان ج 3 ص 13، تاريخ المدينة للسخاوي ج 2 ص 258، و الأعلام ج 3 ص 251).
5) الأمالي ج 3 ص 174 و فيه (و إن أبغضناه كفرنا).
6) ربيع الأبرار ج 1 ص 494.
و لو أردنا أن نضرب على هذا الوتر، و نجري على ذا النهج، لفاتنا العدُّ و أعيانا الإحصاء، و لسنا نريد جمع شيء من هذا النمط ، و ما يندرج هذا السلك، و لا فتشنا الخبايا عنه، و لا فلينا لُمّة الكتب إليه، و إنّما أوردنا على العجالة نموذجاً منه، مما سنح على الخاطر من بقايا الحفظ، و ما جرى منه على جري القلم، لتعرف هل شيء منه ينطبق على السياسة و يجري على نواميسها؟ أم هى عاطفة عميقة- من وراء لمعات الملك، و زخارف الدنيا و بهرجة العيش، و عوامل الحرص و الطمع؛ يدلك على أنّ التشيع ليس له مسيس بالسياسة، و لا مزيج فيه من الدنيا و الملك، و إنّما هو روح محض، و دين بحت.
إنّ واحداً من الأئمة الاثني عشر- الذين هم محور التشيع و عليهم تدور رحاه- لم ينهض في طلب الخلافة و الإمارة، و لا استنهضوا داعية لهم و لا عصبة، بل نفضوا أيديهم من غبار السياسة جملة، و تركوا الأمر فيها إلى المتأمرّين من خلفاء زمانهم من بني العباس و بني أُُُمية.
و قد بلغك حديث المأمون مع الرضا علي بن موسى ثامن الأئمة سلام الله عليهم، و عرفت كيف ألحَّ عليه في قبول الخلافة أولاً، فلمّا أبى أكرهه على قبول ولاية العهد، و لمّا ختم الصك بالقبول، كتب سلام الله عليه هذه العبارة: و لكن الجفر و الجامعة يدلان على أنّ هذا الأمر لا يتم (1)
و قبل ذلك ما كان من أمر أبي مسلم الخراساني مع الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام یوم أراد أن ينقلها من بني أُمية إليه، فأبى سلام الله عليه و قال
1) راجع الفصول المهمة لابن الصباغ: ص 259، نور الأبصار: ص 173، الفخري في الآداب السلطانية: ص 215.
له: ما أنت من رجالي و لا الزمان زماني فجعلها في بني العباس (1)، و ستأتي الإشارة إلى ذلك.
نعم، لم ينهض بها إلّا أمير المؤمنين، و قد عرفت البواعث له، و هي عينها البواعث التي قضت لولده سيّد الشهداء، و أوّل من سنّ شريعة الإباء أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه، بل البواعث هنا كانت أشد و أقوى بمراتب.
و النسبة بين المقامين نسبة ما بين يزيد و معاوية في المظاهرة على أساسيات الإسلام، و المجاهرة بعدائه، و الدأب في هدِّه و هدمه، فإنّ كلّ واحد من عدوّي الله و إنْ قَتلَ سبطاً من أسباط رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم فدسّ ذلك الضبّ سمّاً إلى الحسن عَلیْهِ السَّلام فقتله سراً، و لكن حِسْلَه (2)ذبح الحسين عَلیْهِ السَّلام و سبى عياله جهراً.
و ذاك يقول على المنبر بعد أن استتب الأمر له: إني ما قاتلتكم لتصلوا و لا لتصوموا، و إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم (3)
أمّا خِنَّوْصُهُ (4)فيقول:
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء و لا وحی نزل (5)
1) راجع: الكافي ج 8 ص 274 ح 412، مناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 249، مروج الذهب ج 3 ص 254، الملل و النحل- للشهرستاني- ج 1 ص 153.
2) الحسل: ولد الضبّ. (لسان العرب ج 3 ص 175 مادّة « حسل»).
3) راجع شرح ابن أبي الحديد ج 16 ص 15 خطبة معاوية لأهل الكوفة، و تاريخ ابن کثير ج 8 ص 131.
4) الخِنَّوْصُ: ولد الخنزير، و الجمع: خنانيص. (تاج العروس ج 9 ص 276 مادّة «خنص»).
5) البيت من أبيات تمثل بها يزيد نسبها ابن طاووس في الملهوف: ص 214 لعبد الله بن الزبعرى، و أخرجه الخوارزمي في مقتل الحسين ج 2 ص 66، و ابن أبي الحديد و آخرين.
و هكذا يزيد الفرع على أصله في يزيد حتى بلغ التمادي في الشقاء به إلى هدم الكعبة، و ثنّى بل ثلّث في وقعة الحرّة، و كان كلّ ذلك مما يعلمه الحسين سلام الله عليه، بل يعلمه كلّ أحد نشأة من يزيد و عكوفه على الفجور، و إدمانه الخمور، و هتكه لحرمات الله قبل أن يتولّى الأمر، فكيف به لو تولاه (1)؟!
و لو سالمه الحسين عَلیْهِ السَّلام أو أغمض الطرف عنه، لذهب عناء جدّه رسول الله في إقامة دين الله ضحية أطماع بني أُمية و مستور كفرهم.
و مثل هذا ممايمس جوهر الدين، بل يزهق روح حياته مما لا يصبر عليه أولياء الله و خلفاؤه و مثله لا يحتمل التقيّة، و الصبر و القرار عليه إقرار بالكفر و معونة على هدم دعائم الهدى.
و من ذلك كلّه قال الحسين عَلیْهِ السَّلام لمّا طُلِبَ منه البيعة ليزيد: على الإسلام السلام إن كان يزيد يصبح خليفة على المسلمين (2)
ثمّ هبّ شبل رسول الله صلوات الله عليه فادياً دين الله بنفسه و ولده و خاصة أهل بيته حتّى و ردوا مناهل المنية في مصرع واحد، قائلاً:
إن كان دين محمّدٍ لم يستقم *** إلّا بقتلي يا سيوف خذيني (3)
إلى تفاصيل حكم و أسرار، و شريف مقاصد و أغراض في شهادته و سبي عياله، و حمل رأسه و ذبح أطفاله لا يسعها المقام، و عسى أن نتوفق لشرحها فلسفياً في موقف آخر، إن شاء الله.
و إنّما المعنيُّ بالبيان أن نهضة الحسين عَلیْهِ السَّلام ما كانت إلّا نهضة دينية خالصة، ليس للسياسة حظ فيها أبداً، ما نهض إلّا ليكون الدين كلّه خالصاً لله، و يسلم الإسلام من عيث بني أُمية و تلاعبهم فيه و لو عند جماعة من خاصة المؤمنين، و الصفوة من عباد الله.
و كان سلام الله عليه يعلم بكل ما جرى عليه من القتل و التنكيل، و ما جرى على ذراريه من السبي و الأسر، حتّى أعلن بذلك في عدّة مواضع، منها: في خطبته عند خروجه من مكّة التي يقول فيها: و كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان (1الفلوات بين النواويس (2و كربلا، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين) (3)
و قوله لأخيه محمّد بن الحنفية عشية خروجه من مكّة خائفاً يترقّب حذار أن يفتك به يزيد في حرم الله، فيهتك به حرمة الحرم- و كان أخوه يثبطه عن الخروج إلى الكوفة- فقال له في بعض قوله: قد شاء الله أن يراني قتيلاً.
فقال له: إذاً فما معنى حملك هذه النسوة.
1) [لعلّه عَلیْهِ السَّلام يعني بهم ذوبان الكوفة من أجناد بني أُُميّة، و عسلان: ، و عسلان: جمع عاسل؛ و هو الذئب، و كثيراً ما يجمع فاعل على فعلان؛ كراكب على ركبان؛ و فارس و فرسان، و المنصوص في اللغة أنّ جمع عاسل: عواسل و عُسل و لعلّ فعلان هو القياسي، و كلام الحسين عَلیْهِ السَّلام و هو سيد العرب و ابن ساداتها حجّة في اللّغة، و الله أعلم] ما بين المعقوفتين من المصنّف قُدِّس سِرُّه.)اُنظر: لسان العرب ج 9 ص 210 مادّة «عسل».
2) النّواويس: كانت مقبرة عامّة للنصارى قبل الفتح الإسلامي، و تقع في أراضي ناحية الحسينية قرب نينوى. (تراث كربلاء: ص 19، و أنظر: تاج العروس ج 9 ص 26 مادّة «نوس »).
3) راجع الملهوف: ص 126.
فقال: قد شاء الله أن يراهن سبايا (1)
و لو ذهبنا إلى تعداد ذلك طال بنا المقام، و خرجنا من فلسفة السياسة أو الدين إلى التاريخ؛ فإنّها بضميمة كلمات جدّه رسول الله و أبيه أمير المؤمنين و أخيه الحسن سلام الله عليهم جميعاً تنيف على مئة مورد (2)، و كلّها من الإخبار عن الله بالغيب؛ و هي من أعلام نبوة رسول الله وإحدى معجزاته التي لم يكن مثلها في الوفور و الكثرة لأحد الأنبياء.
و من جميع من ذلك يتضح جلياً أنّ الحسين عَلیْهِ السَّلام ما نهض بدافع السياسة و طلب الملك أبداً، و إنّما نهض كي يقتله بنو أُمية فيحيا الدين. إذاً فليحيا الحسين سلام الله عليه، و ليحيا دين التشيع الذي هو الدين الخالص لله، الخالص من لوثة السياسة، وحب الملك و الغلبة، الدين الذي به رسخت دعائم الإسلام، ولولاه لتداعى و انهدّ على أوّل عهوده.
و صفوة المخض أنّه قد تمّ لنا ما ادعيناه من أنّ أحداً من الأئمة الاثنى عشر لم ينهض بسياسة، و لا قام إلى طلب ملك و سلطة، فهو دين روحي، و مذهب إلهي، متصلب في الإلهية، متمحض في الروحية، و ليس فيه فرقة دينية، و فرقة سياسية ، كما يزعم الخابط فيه خبط الأعمى في وضح النهار.
فخذ إليك- يا أنستاس!- هاتين الصفعتين على الصفحتين؛ صفعة التقيّة، ثم صفعة السياسة.
و نصيحتي إليك- و قد يستفيد الظنّة المتنصح- (3)
(و كم سقت في آثاركم من نصيحة) راجع شرح ابن أبي الحديد ج 10 ص 45.
أن لا تعود إلىالخوض و التعرض لما (لا ناقة لك فيها و لا جمل) (1)
و أُعلم أنّي -و الله هو الشهيد- ما كنت أميل بطبعي إلى قوارص القول، و لكن ( ذكرتنى الطعن و كنت ناسياً) (2)
أمّا الآن فقد (علقت معالقها و صرّ الجندب) (3)
فأبى صاحب البئر و أمره بالحيل.
فقال: علقت ... أي جاء الحر و لا يمكنني الرحيل.
و الجندب: نوع من الجراد و يصرّ و يقفز و يطير و لا يظهر إلّا عند مجيء الصيف و قد كنّى بذلك عن الحرّ. (جمهرة الأمثال ج 2 ص 61، و مجمع الأمثال ج ص 339).
:و كنت إذا قوم رموني رميتهم *** فهل أنا في ذا يآل همدان ظالم
متى تجمع القلب الذّكي و صارماً *** و أنفاً حمياً تَجْتَنِبُك المظالمُ (4)
تقول سُليمى لا تعرض لتلفة *** و ليلك عن ليل الصعاليك نائمُ
الأغاني ج 21 ص 183، البيان و التبيين ج 2 ص 138 ذكر البيتين فقط و فيهما: «غزوني و غزوتهم» بدل «رموني و رميتهم».
و ما أقصى الغرض من جميع هذه المنافحة سوى الذب عن الحقيقة،
1) أصل المثل للحارث بن عباد قالهُ حين قتل جساس كليباً و هاجت الحرب بينهما، فقال: لا ناقتي في هذا و لا جملي. (مجمع الأمثال ج 3 ص 166، جمهرة الأمثال ج 2 ص 391).
2) يضرب مثلاً للشيء ينساه الإنسان و هو محتاج إليه، و فيه قصة ذكرها أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال ج 1 ص 463، و الميداني في مجمع الأمثال ج 2 ص 10، و ملخصها: إنّ رجلاً حمل على رجل ليقتله و كان في يد المحمول عليه رمح فأنساه الدهش و الجزع ما في يده، فقال له الحامل: ألق الرمح، فقال الآخر أنا رمحاً لا أشعر به؟ ذكر الطعن.
3) يضرب مثلاً للشيء ء يثبت و يتأكد أمره، و أصله: إنّ رجلاً انتهى إلى بئر و علق رشاءه برشائها، ثمّ صار إلى صاحب البئر فادعى جواره، فقال له صاحب البئر: و ما سبب ذلك؟ قال: علقت رشائي برشائك.
4) البيتان لعمرو بن براق [براقة] الهمداني من قصيدة مطلعها:
و جهاد الباطل؛ إخلاصاً لوجه الله سبحانه؛ و طلباً للمثوبة عنده، فهو غاية الغايات و منتهى الطلبات، و إليه أرغب في تصحيح نيتي، إنّه ولي التوفيق و الهداية، و به المستعان إن شاء الله.
ص 158: ذكر في هذا العصر ابن الرومي (1)، و البحتري (2)و غيرهما، و لم يميز بين شعراء الشيعة و غيرهم (3)، كما صنع في العصر الأوّل.
و قد عرفت- فيما سبق- إخلاله بالتنبيه على تشيّع كثير منهم في ذلك الدور؛ كأبي تمام (4)، و مسلم (5)، و غيرهما، كإخلاله هنا بالتقسيم و تعيين المتشيّع من غيره، و أكثر من ذكرهم هنا هم من الشيعة الصراح كابن الرومي، و البحتري، و البسامي (6)
تا الله إن كانت أُميّة قد أتت *** قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله *** هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا *** في قتله فتتبعوه رميما
و لابن بسام مصنفات منها: أخبار عمرو بن أبي ربيعة، و أخبار الأحوص، و مناقضات الشعراء، و كتاب المعاقرين، و ديوان رسائله. (راجع تاریخ بغداد ج 12 ص 63، وفيات الأعيان ج 3 ص 363، الأعلام ج 4 ص 324).
، و الخبز أرزي (7)1) تقدّمت ترجمته في ص 162.
2) تقدّمت ترجمته في ص 68.
3) ج 2 ص 465- 468.
4) تقدّمت ترجمته في ص 68.
5) تقدّمت ترجمته في ص 162.
6) أبو الحسن، علي بن محمّد بن نصر بن منصور الشاعر،المعروف بالبسامي ت 302 ه، كان من أعيان الشعراء و محاسن الظرفاء، لسناً مطبوعاً في الهجاء لم يسلم منه أمير و لا وزير و لا صغير و لا كبير، عالم بالأدب و الاخبار، نشأ فی بیت كتابة و تقلّد البريد و لمّا هدم المتوكل قبر الحسين عَلیْهِ السَّلام قال البسامي:
7) الخبز أرزي: نصر بن أحمد بن نصر بن مأمون البصري، أبو القاسم ت 327 ه، الخبز أرزي، شاعر غزل، علَت له شهرة، و كان أُُمّياً لا يتهجى و لا يكتب، و كان يخبز الأرز بمربد البصرة في دكان و ينشد أشعاره في الغزل و الناس يزدحمون عليه و يتطرفون باستماع شعره و يتعجبون من حاله و أمره، و كان ابن لنكك البصري الشاعر المشهور ينتاب دكانه ليسمع شعره، و اعتنى به و جمع له ديواناً، و انتقل نصر إلى بغداد و أقام بها دهراً، و أخباره كثيرة طريفة. (راجع تاريخ بغداد ج 13 ص 296، وفيات الأعيان ج 5 ص 376، الأعلام ج 8 ص 21).
ص 208 تحت عنوان: علماء الكلام، و أوّل من عدّه من علماء الكلام أبا حنيفة كما أنّ أقدم كتب الكلام «الفقه الأكبر» (1)
و إنّ هذا لمن الغريب المدهش أن يعدّ أبو حنيفة- و هو إمام الفقه و كبير الفقهاء- من علماء الكلام، و يعد كتابه- و اسمه « الفقه الأكبر»- من أقدم الكتب الكلامية.
إذاً فاللازم أن يعد الأشعري من أيمة الفقهاء، و كتابه «اللمع»(2)من أقدم كتب الفقه؛ و لكن دخالة المرء فيما ليس له و لا هو منه يوقع في مثل ذلك.
ثمّ ذكر بعض أكابر المعتزلة، كالعلاف (3)
(راجع ترجمته في تاريخ بغداد ج 3 ص 366، وفيات الأعيان ج 4 ص 265، الأعلام ج 7 ص 131 و عدّة مواضع من طبقات المعتزلة).
، و الجبائي (4)، و شيخ1) ج 2 ص 517.
2) کتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ و البدع، كتاب في العقائد .
3) محمّد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي، مولى عبد القيس، أبو الهذيل العلاف ت 235 ه، من أئمة المعتزلة، ولد في البصرة و اشتهر بعلم الكلام، له مقالات في الاعتزال و مجالس و مناظرات، قطعه هشام بن الحكم في مناظرة مشهورة جرت بينهما، كفّ بصره في آخر عمره، و توفي بسامراء، له كتب كثيرة.
4) محمّد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي، أبو علي ت 303 ه، من أئمة المعتزلة و إليه تنتسب الطائفة الجبائية، و جبى من قرى البصرة، له مقالات و آراء انفرد بها في المذهب، له تفسير حافل مطول، ردّ عليه الأشعري. (راجع ترجمته في وفيات الأعيان ج 4 ص 267، و الأعلام ج 6 ص 256).
الأ شاعرة أبا الحسن الأشعري (1)
(راجع : وفيات الأعيان ج 3 ص 284، الأعلام ج 4 ص 263، و مصادر أخرى.
، و لم يذكر أحداً من مشاهير الشيعة و متكلميهم كأنّ الشيعة ما كانت و لم تكن، أو كانت و لكن ليس لها متكلمون و حكماء، كما ليس فيها فقهاء يستحقون الذكر فيما يزعم.لقد فاتك- يا هذا !- علم كثير، وضيّعت على نفسك طرفاً من التاريخ كبير، و في الشيعة عدّة وافرة من مشاهير المتكلّمين من معاصري أبي حنيفة و ممن قبله قد صنفوا و ألّفوا و بحثوا في الكلام و الحكمة و نقبوا، و لهم المقالات الخطيرة و المباحثات الشهيرة مع مخالفيهم، و قد مرّ عليك أسماء طرف منهم: كأبان بن تغلب (2)، و أبان بن عثمان (3)، و محمّد بن سنان (4)، و هم أقدم من أبي حنيفة؛ و كهشام بن الحكم، و هشام بن
1) علي بن إسماعيل أبو الحسن الأشعري ت 324 و قيل 330 ه، و جدّه التاسع موسى الأشعري: و هو إمام الأشاعرة، كان في بداية أمره معتزلياً، ثمّ صعد يوماً المنبر في المسجد الجامع بالبصرة، و تبرأ من الاعتزال وردّ عليهم و قال: كنت أقول بخلق القرآن و إنّ الله لا تراه الأبصار، و أنّ أفعال الشر أنا أفعلها و أنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم و معايبهم، انتقل إلى أهل بغداد و تقرب من أهل الحديث، و أعلن أنّه يقول بقول الإمام أحمد بن حنبل، إلى أن استقلّ بآرائه، و كان يقول بقدم الصفات و يثبت بأنّ الله وجهاً و عيناً و يداً، و لكن يردفها بقوله (بلا كيف)، و تبنّى نظرية الكسب التي قال بها النجّار، و هي: إنّ الله خالق لفعل العبد و العبد كاسب- و هو كما ترى لا معنى محصل له و لا يخرجه عن دائرة الجبر-، من مصنفاته: «اللمع» و «الإبانة» و «مقالات الاسلاميين».
2) تقدّمت ترجمته في ص 69.
3) تقدّمت ترجمته في ص 168.
4) محمّد بن سنان: هذا الاسم مشترك بين محمّد بن سنان بن طريف، مولى بني هاشم أخو عبد الله بن سنان من أصحاب الصادق عَلیْهِ السَّلام، كما في رجال الشيخ (129). و ذكر ابن شهر آشوب أنّه كان على باب الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام، كما في المناقب ج 4 ص 302، و بين محمّد بن سنان أبو جعفر الزاهري الذي هو من أصحاب الإمام الكاظم و الرضا و الجواد، و قد ضعفه أصحابنا و الظاهر أنّ المقصود غيره
سالم (1)، و أبي جعفر محمد الأحول المعروف عند الشيعة بمؤمن الطاق (2)
قال النجاشي: فأمّا منزلته في العلم و حسن الخاطر فأشهر، و قد نسب إليه أشياء لم تثبت عندنا، لهُ كتب منها: «كتاب الإمامة» و كتاب «المعرفة» و كتاب «الرد على المعتزلة في إمامة المفضول» و كتاب «الجمل» و كتاب «إثبات الوصية» و كتاب «إفعل و لا تفعل» و كتاب «الكلام على الخوارج» و كتاب في «مجالسه مع أبي حنيفة»، و كانت لهُ مع أبي حنيفة حكايات و مواقف و نوادر كثيرة.
(راجع ترجمته في معجم رجال الحديث ج 18 ص 34، الأعلام ج 6 ص 271).
و كان لشدة عارضته و قوّة حجّته و سلاطة لسانه يلقّب عند غيرهم بشيطان الطاق، حسبك أن الشهرستاني على تحامله على أولئك الكرام الفطاحل و رميهم بكلّ عوراء، هم إلى الله منها براء، لم يستطع أخيراً إلا أن اعترف بغزارة علمهم و جلالة أقدارهم، و أشار إلى براءة ساحتهم من تلك التهم التي الصقت بهم، و أدرك منشأ تلك النسب و الأسباب التي أوهمت اعتزاءهم إلى تلك المزاعم الباطلة، فقال ما نصّه:و هذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأصول لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة؛ فإنّ الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، و دون ما يظهره من التشبيه؛ و ذلك أنّه ألزم العلّاف، فقال: إنك تقول: الباري عالم بعلم و علمه ذاته، فيشارك المُحْدَثات في أنّه عالم بعلم، و يباينها في أنّ
علمه ذاته، فيكون عالماً لا كالعالمين، فلم لا تقول: هو جسم لا كالأجسام، و صورة لا كالصور، و له قدر لا كالأقدار إلى غير ذلك (1) و ما أجلى هذه الحقيقة و أبينها، و أصحّها و أمتنها، و ليته أطرد القول عليها في غيره من أمثال هشام، و لكنّه ما لبث أن ذكر (الزرارية) أصحاب زرارة بن أعين (2)و (النعمانية) أصحاب محمّد بن النعمان الأحول مؤمن الطاق (3)، فخلط فيهم مثل ذلك الخلط الذي وصم به هشاماً، ثم رحضه (4)عنه بتلك الحقيقة التي أصابها و أنصف فيها.
و بالجملة: فهذه الفرق التي ذكرها كلّها فرقة واحدة و كلهم شيعة إمامية يضربون على وتر واحد و ينهجون على منهج فرد، و
هم دعايم مذهب الشيعة و أصول أركانه، و بوساطتهم انتقلت إلينا علوم آل محمّد علیهِِمُ السَّلامُ، لم تختلف عقايدهم، و لا تعدّدت مذاهبهم، لا في الأُصول و لا في الفروع؛ لأنّهم يمتاحون (5)من قليب (6)واحد و عين صافية، و لكن لقوة عارضتهم في مقام الحجاج مع خصومهم قد يلزمون الخصم بلازم فاسد و تالٍ باطلٍٍ، فيحسب الجاهل أو المتحامل أنّ ذلك قول لهم، فيبادر بالطعن عليهم و يجعل ذلك من معتقداتهم، و إلّا فأقوالهم و آراؤهم محفوظة عندنا ضمن أصولهم وكتبهم المتسلسلة رواية عنهم ليس
1) الملل و النحل ج 1 ص 189.
2) المصدر السابق ج 1 ص 189- 190.
3) المصدر السابق ج 1 ص 189- 190.
4) رحض الإناء بالماء رحضاً: غسلَهُ، و الرحيض: المغسول. (لسان العرب ج 5 ص 168 مادّة «رحض»).
5) متح الدّلو متحاً: جذبها مستقياً بها، و الماتح: المستقي من أعلى البئر. (لسان العرب ج 13 ص 13 مادّة «متح»).
6) القَليبُ: البئر قبل أن تُطوى. (لسان العرب ج 11 ص 272 مادّة «قلب»).
فيها شيء مما يرميهم به خصومهم و أغيارهم.
قال شيخنا النجاشي في أثناء ترجمة مؤمن الطاق: أمّا منزلته في العلم و حسن الخاطر فأشهر، و قد نسب إليه أشياء لم تثبت عندنا، و له کتاب «افعل و لا تفعل» رأيته عند أحمد بن الحسين كتاب كبير حسن، و قد أدخل فيه بعض المتأخرين أحاديث تدلّ فيه على فساد، و له كتاب «الاحتجاج على إمامة أمير المؤمنين» و كتاب «كلامه على الخوارج» و كتاب « مجالسه مع أبي حنيفة و المرجئة» و له مع أبي حنيفة حكايات كثيرة منها ثمّ ذكر الحكاية المعروفة (1)
و قد ذكر الشهرستاني بعض هذه الكتب وزاد فيها، فقال: و قد صنّف محمّد بن النعمان للشيعة كتباً جمة، منها: كتاب «افعل لم تفعل» و كتاب «افعل لا تفعل» (2)انتهى.
ثمّ إنّ هؤلاء و أضعافهم كلّهم من متخرجي الإمام جعفر بن محمّد الصادق، و أبيه محمّد الباقر صلوات الله على جدّهم و عليهم.
و من مشاهير المتكلمين في ذلك العصر المتخرجين على ذلك الإمام: المفضّل بن عمر الجعفي صاحب كتاب «التوحيد» المشهور بتوحيد المفضل (3)، الذي أملاه عليه الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام كدروس متسلسلة في أيام متوالية مشحونة بالأدلّة على إثبات الصانع و توحيده و العلوم الكونية و أسرار الوجود، و يحق أن يقال: إنّه أحسن ما قيل و ألّف في رد المعطلين
و الملحدين (أوّله):
روی محمّد بن سنان قال: حدّثنا المفضل بن عمر، قال:
كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر و المنبر- و أنا مفكر فيما خصّ الله به سيدنا محمد صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم من الشرف و الفضائل، و ما منحه وحباه مما لا يعرفه الجمهور من الأُمّة- فإنِّي لكذلك إذ أقبل ابن أبي العوجا (1)، فجلس بحيث أسمع كلامه، و إذا رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه فتكلّم ابن أبي العوجا، فقال: لقد بلغ صاحب هذا القبر العزّ بكماله و حاز الشرف بجميع خصاله، فقال له صاحبه: إنّه كان فيلسوفاً ادّعى المرتبة العظمى و المنزلة الكبرى، فلمّا استجاب لدعوته العقلاء و الفصحاء و الخطباء، و دخل الناس في دينه أفواجاً قرن اسمه باسم ناموسه، فصار يهتف به على رؤوس الصوامع في جميع البلدان و المواضع التي انتهت إليها دعوته براً و بحراً و سهلاً و جبلاً ليتجدد في كلّ ساعة ذكره ولا يحمل أمره، فقال ابن أبي العوجا: دع ذكر محمّد و حدثنا في الأصل، ثمّ ذكر بدء الأشياء، و زعم أنّ ذلك بإهمال لا صنعة فيه و لا تقدير و لا صانع ...
قال المفضل: فخرجت من المسجد محزوناً مفكراً فيما بلي به
1) عبد الكريم بن أبي العوجاء: خال معن بن زائدة، زنديق مغتر و هو من أشهر الزنادقة، له مناظرات مع الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام فضحهُ فيها، ذكرها الكليني في الكافي و المجلسي في «البحار»، قال ابن عدي لمّا أخذ ليضرب عنقه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال و أحلّ فيها الحرام، و في قول أفطرتكم في يوم صومكم وصوّمتكم في يوم فطركم، قتله محمّد بن سليمان العباسي على الزندقة. (راجع ميزان الاعتدال ج 4 ص 386، لسان الميزان ج 4 ص 50، الأغاني ج 3 ص 139).
الإسلام من كفر هذه العصابة و تعطيلها، فدخلت على مولاي صلوات الله عليه، فأخبرته بما سمعت، فقال : يا مفضل لألقين عليك من حكمة الباري- جل و علا- في خلق العالم و السباع و البهايم و الطير و الهوام و النبات، و الشجر، ما يعتبر به المعتبرون، و يسكن إلى معرفته المؤمنون، و يتحير فيه الملحدون، فبكّر علىّ غداً إن شاء الله.
ثمّ ساق الكلام في الكتاب إلى آخره، و هو ينتظم من أربعة مجالس في أربعة أيام من الغدوة إلى الزوال، و في آخرها يقول له الإمام:
انصرف إذا شئت مصاحباً مكلوءاً (1)فأنت منّا بالمكان الرفيع، و موضعك من قلوب المؤمنين موضع الماء من الصدى (2)و لا تسألن عمّا وعدتك به حتّى أُُحدث لك منه ذكراً.
قال المفضل: فانصرفت من عند مولاي بما لا ينصرف أحد بمثله، و الحمد لله رب العالمين (3)
و له- أيضاً- كتاب آخر على هذا النمط و الأُسلوب يعرف بكتاب «الإهليلجة» (4)
و أوّله: حدّثنا محرز بن سعيد النحوي بدمشق، قال: حدثني محمّد ابن أبي مسهر بالرملة، عن أبيه عن جدّه، قال: كتب المفضّل بن عمر إلى أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق علیهِِِما السَّلام يُعلمه أنّ أقواماً من أهل هذه
1) كلأَكَ الله كلأً و كِلاءةً: أي حفظك و حرسك، و المفعول منه مَكْلوءٌ. (لسان العرب ج 12 ص 132 مادّة «كلأ»).
2) الصدى: شدّة العطش. (لسان العرب ج 7 ص 311 مادّة «صدي»).
3) اُنظر: البحار ج 3 ص 57- 151 باب 4 الخبر المشتهر بتوحيد المفضّل بن عمر.
4) كتاب الإهليلجة في التوحيد، أدرجه المجلسي في البحار و طبع مستقلاً. (راجع الذريعة ج 2 ص 484).
الملّة يجحدون الربوبية، و يجادلون على ذلك، و يسأله أن يردّ عليهم قولهم، و يحتج على حسم ما ادّعوا حسب ما احتجّ على غيرهم، فكتب أبو عبد الله:
بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِ
وفقنا الله و إيّاك لطاعته، و أوجب لنا و لك رضوانه برحمته، ثمّ ساق الكلام إلى آخر الكتاب (1)و كلّه من كلام الصادق عَلیْهِ السَّلام، و فيه من مواد العلم و ينابيع الحكمة ما يشهد أنّه ما تدفق إلّا من ذلك الينبوع، و لا لمع إلّا من ذلك القبس، و لكن الناس لمّا انزووا عن بيت الرحمة، و هجروا مصابيح الهدى، حرموا أنفسهم الاقتباس من تلك العلوم و الاستضاءة بتلك الأنوار، إلّا من سبقت له العناية و سيقت له من الله الهداية.
و على أيٍّ فللمفضّل هذا من الفضل ما لا يسعه المقام، و له عدّة كتب غير هذه، منها: كتاب بدء الخلق (2)كتاب علل الشرايع (3)كتاب يوم و ليلة (4)، و لأصحابنا الإمامية فيه كلام طويل في الجرح و التعديل.
و الحق الذي لا غشاء عليه أنّه من أجل أصحاب الأيمة و أصحاب الأسرار و المعارف و المقامات العالية، كما ذهب إلى ذلك جماعة من باحثي علمائنا المتأخرين المتضلعين في نقد الرجال و معرفة الأحوال، منهم أستاذنا المحدّث النوري الطبرسي- طاب ثراه- في كتابه الشهير ب-«مستدرك
الوسائل» (1)
و من أكابر المشاهير في ذلك العصر من متكلّمي الشيعة و فقهائهم محمّد بن أبي عمير الأزدي (2)من موالي المهلب بن أبي صفرة، و هو من جلالة القدر و غزارة العلم بمكان حتّى عند غيرنا.
و قد تكرر ذكره في كتب الجاحظ، منها: في المفاخرة بين العدنانية و القحطانية، و قال في «البيان و التبيين»: حدثني إبراهيم بن داحية عن ابن أبي عمير و كان وجهاً من وجوه الرافضة انتهى (3)
و قد عرفت أننا لا نريد في هذا المقام أن نستوفي ذكر جميع أُُولئك الأيمة الأعلام، و قد سبق منّا الاعتراف بعجزنا و عجز المجال عن الاضطلاع
1) راجع خاتمة المستدرك، و منتهى المقال ج 6 ترجمة المفضل.
2) محمّد بن أبي عمير زياد بن عيسى الأزدي ت 217 ه، لقي أبا الحسن موسیٰ عَلیْهِ السَّلام و سمع منه أحاديث كنّاه في بعضها، فقال : يا أبا أحمد، و روى عن الرضا عَلیْهِ السَّلام، كان جليل القدر عظيم المنزلة عندنا و عند المخالفين، و قال الشيخ الطوسي: إنّه أوثق الناس عند الخاصة و العامّة، و أنسكهم نسكاً، و أورعهم و أعبدهم، حبس في أيام الرشيد ليَليَ القضاء، و قيل: إنّه ولّي بعد ذلك، و قيل: بل ليدلَّ على مواضع الشيعة و أصحاب موسى بن جعفر عَلیْهِ السَّلام، و روي أنّه ضُرب أسواطاً بلغت منه، و كاد أن يقرّ لعظم الألم، فسمع محمّد بن يونس بن عبد الرحمن و هو يقول: اتّق الله يا محمّد بن أبي عمير فصبر ففرج الله عنه، و قيل إنّ اخته دفنت كتبه في حال استتارها و كونه في الحبس أربع سنين فهلكت الكتب، و قيل: بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر، فحدّث من حفظه، و مما كان سلف له في أيدي الناس، فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله، عدّه الكشي من العصابة التي أجمعت الطائفة على تصديقهم و تصحيح ما يصحّ عنهم، و عرف بأنّه لا يرسل إلّا عن ثقة، من تصانيفه الباقية «المغازي» و «المعارف» و «اختلاف الحديث». (راجع رجال النجاشي: 326 رقم 887، رجال الشيخ: 388 رقم 26، و مواضع من رجال الكشي، الأعلام ج 6 ص 131).
3) البيان و التبيين ج 1 ص 84.
بهذا العبء الثقيل، و لكن كلمتنا التي نريد التسجيل عليها فيما ها هنا أنّه:
أليس من المزري بمدعي التضلع و الجالس على منصة الحكم و القابض في تأليفه- حسب زعمه- على دفّتي الرتق و الفتق ؛ إهمال مثل هؤلاء الأعاظم و الأساطين و الدعايم؟
أليس من الحيف و الجنف الفاحش عدم إيفائهم حقوقهم مع ما لهم من السوابق و المآثر في الإسلام- و قدامى التأليف و التصنيف- و المساعي التي تفوّقهم على كثير ممّن ذكر؛ فإنّ إهمالهم في ميدان أمثالهم لا يخلو إمّا لعدم الوقوف عليهم، أو للتهاون بأمرهم، و في كلا الأمرين من الانتقاد ما لا يخفى.
ص 209: (و أصحابها ثقة) (1)
لا یتم هذا التركيب على العربية و يبعد كونه من أغلاط الطبع.
ص 210 ذكر الصحاح الستة و ترجمة مؤلفيها (2)، و بخس نفسه في عدم الوقوف و الحظوة بأُصول الحديث من كتب الإمامية التي دونت في نفس ذلك العصر و ما يقاربه؛ ك«الكافي» الذي يحق أن يجعل في علية كتب الحديث و أرقاها؛ و هو من تأليف ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني، و قد جمعه في عشرين سنة، و شحنه بأبواب الحكمة و التوحيد و النبوّة و الإمامة و الأخلاق و آداب العشرة، و جعل ذلك في عدّة كتب و مجلدات يجمعها في الطبع مجلد واحد ضخم ، ثمّ الفروع من أبواب الطهارة إلى آخر الديات في مجلدين فخمین مطبوعين طبعة هندية
و طبعات إيرانية في غاية الحسن و الجودة و الإتقان، ثمّ الروضة؛ و هي مجلد مستقل (1)و لكن ليس كتلك فيه نوادر و فوايد كثيرة عن أهل البيت من حكايات و أقاصيص عن الأُمم الغابرة و الرسل السالفة.
ويليه في الفضل كتاب «من لا يحضره الفقيه» لمحمّد بن علي بن بابويه، و هو مطبوع في مجلدين طبعة جيدة في الهند و إيران (2)
و كذلك التهذيب و الاستبصار (3)لمحمّد بن الحسن الطوسي.
هذه هي الكتب الأربعة التي عليها معوّل الشيعة الإمامية من عهد عشرة قرون إلى اليوم، وكلّها من مصنّفات القرن الرابع للهجرة؛ و هی خلاصة الأُصول الأربع مئة التي ألفها أصحاب الأيمة من عصر الصادقين- أعني قرن الهجرة- إلى المئتين و خمسين.
و لعل آخر الأصول كتب محمّد بن الحسن الصفار (4)صاحب «بصاير الدرجات» و قد عدّ له النجاشي سوى ذلك ثلاثة و ثلاثين كتاباً، و ذكر أنّه توفي ب(قم) سنة تسعين و مئتين، و «بصائر الدرجات» شایع مشهور قد طبع في إيران طبعة قديمة جيدة (5)، و هناك كتب كثيرة من كتب الحديث
1) طبعت الأصول بجزءين، و الفروع بخمسة أجزاء و الروضة بجزء عدّة طبعات، و له شروحات كثيرة و يحتوي على أكثر من ستة عشر ألف حديث.
2) طبع أربع طبعات و يحوي ما يقرب من ستّة آلاف حديث.
3) طبع التهذيب بعشرة أجزاء و يحتوي على أكثر من ثلاثة عشر ألف حديث، و طبع الاستبصار بأربعة أجزاء يحتوي على أكثر من خمسة آلاف حديث.
4) محمّد بن الحسن بن فروخ الصفار، كان وجهاً في أصحابنا القمّيين، ثقة عظيم القدر، راجحاً، قليل السقط في الرواية (رجال النجاشي: 354 رقم 948، و الخلاصة: 157 رقم 112.
5) طبع طبعات كثيرة حديثة.
في القرن الثالث و الرابع.
راجع من النجاشي ترجمة محمّد بن أحمد بن الجنيد الكاتب الإسكافي (1)، و محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (2)فقد ذكر لكلّ واحد منهم ما ينيف على مئتي تصنيف ، و كثير من تصانيف ابن بابويه- اليوم- شايعة مشهورة، و ذكر لمحمّد بن مسعود العياشي السلمي (3)
(راجع ترجمته في رجال النجاشي: 350 رقم 944، الخلاصة: 145 رقم 37).
-و هو- قبلهما ما يناهز مئتي كتاب.هذا بعض ما تيسر لنا الإشارة إليه من كتب الحديث للإمامية في خصوص تلك العصور المتقدّمة، فما ظنّك بما بعدها من أوّل القرن الخامس إلى يومك هذا.
حسبك كتاب واحد منها و هو كتاب «البحار» للعلامة محمّد باقر المجلسي- من أعيان القرن الحادي عشر (4)-يبلغ قدر هذا المؤلف الفخم ضعف صحيح البخاري، أكثر من ثلاثين مرة، و قد طبعت- أوّلاً - متفرقات
1) محمّد بن أحمد بن الجنيد، أبو علي الكاتب الإسكافي، كان شيخ الإمامية، جيد التصنيف، وجهاً في أصحابنا، ثقة جليل القدر، صنّف فأكثر . (راجع رجال النجاشي: 385 رقم 1047، و الخلاصة: 145 رقم 35).
2) شيخنا و فقيهنا و وجه الطائفة بخراسان ت 381. (راجع ترجمته في رجال النجاشي: 389 رقم 1049).
3) محمّد بن مسعود بن محمّد بن عياش السلمي السمرقندي، المعروف بالعياشي، ثقة صدوق ، عين من عيون الطائفة و كبيرها، و قيل: إنّهُ من بني تميم، جليل القدر واسع الأخبار بصير بالرواية مضطلع بها، كان في أوّل عمره عامي المذهب، و سمع حديث العامّة و أكثر منه، ثمّ تبصر و عاد إلينا، أنفق على العلم تركة أبيه سائرها و كانت ثلاث مئة ألف دينار.
4) توفي سنة 1111 ه.
من أجزائه في (تبريز) و (طهران)، ثمّ طبعت تمام دورته في سبعة و عشرين مجلداً ضخماً في (طهران) بطبع حجري (1)و لكنّه في غاية الحسن و الإتقان، و كانت طبعته على نفقة أمين دار الضرب (ضرب النقدين)، ثمّ وزع هذا الكريم الشهم أكثر نسخه على أهل العلم مجاناً، و مع ذلك فقد بلغ ثمن الدورة الواحدة أكثر من عشرين ليرة عثمانية برهة من الأيام في العراق.
هذا أُُنموذج من مآثر الشيعة و مأثوراتهم فانظر ماذا أضعت على نفسك من متسع العلم و جليل الآثار!.
نعم، أضعت على نفسك جانباً مهماً من تاريخ العربية و الإسلام.
أفهل يسوغ لمن يتصدى لمثل ما تصديت له أن يسترسل كاستر سالك، و يغفل مثل غفلتك و يتهاون بأهم أُُمّة من الأُمم الإسلامية كتهاونك مع تيسر الأسباب، و توفر الدواعي، و تسهل الوسائل؟!
و قد حمل على هذا الفصل (أنستاس) فاختزله و نكله (2)- راجع صفحة 76 أيضاً ذلك العدد-.
و هكذا صنع في عدّة مواضع سوى ما نبهنا عليه، و من راجع نقودنا هذه و ما ورد في ذلك العدد ظهر له ذلك، و لا حاجة بعدُ إلى الدلالة و الإشارة إلى المواضع التي شنّ عليها الغارة، فليراجع من شاء.
ص 245: (أشهر شعراء هذا العصر) (3)- يعني العصر العباسي
الثالث- ثمّ ذكر المتنبي (1)و أبا فراس (2)و كشاجم (3)، و نظراءهم و نقدنا السابق يأتي عليه هنا أيضاً، فقد كان ينبغي بل يلزم على طرز سياقته الأُولى و طليعة افتتاحه هذا الجزء أن ينبّه على شعراء الشيعة، و يفردهم بالذكر عن غيرهم كما صنع في العصر الأوّل، إذ اللازم إمّا رفض هذا الأسلوب رأساً و تركه بتاتاً، و إمّا الجري على سياقته إلى غايته.
أمّا التفصيل فلا نعرف وجهه- كما قدّمنا- بيد أنّ أكثر شعراء هذا العصر و أدبائه، بل و ملوكه و وزرائه كانوا من تلك الطائفة الإسلامية- أعني الشيعة الإمامية- ناهيك بأبي فراس الحمداني صاحب القصيدة الذهبية الشهيرة التي شرحت بشروح كثيرة التي يقول في أوّلها:
الحقّ مغتنمٌ و الدين مهتضم *** وفيء آل رسول الله مُقْتَسمُ (4)
الدین مخترم و الحق مهتضم *** و فيء آل رسول الله مقتسم
1) تقدّمت ترجمته في ج 1 ص 10.
2) الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي، أبو فراس الحمداني ت 357 ه، أمير شاعر فارس، و هو ابن عم سيف الدولة الحمداني، كان الصاحب بن عباد يقول: بُدىء الشعر بملك و ختم بملك- يعني امرأ القيس و أبا فراس- و له وقائع كثيرة قاتل بها بين يدي سيف الدولة، أسره الروم و بقي في القسطنطينية أعواماً ثمّ فداه سيف الدولة بأموال عظيمة، ترجم له صاحب الأعيان ج 4 ص 307- 365 ترجمة وافية، و صاحب الغدير في آخر ج 3، و راجع نسمة السحر ج 2 ص 497، و الأعلام ج 2 ص 155.
3) محمود بن محمّد بن الحسين بن السندي بن شاهك، أبو الفتح الرملي المعروف بكشاجم ت 360 ه، شاعر متفنن، أديب، من كتاب الإنشاء، كان أسلافه الأقربون في العراق، تنقل بين القدس و دمشق و حلب و بغداد وزار مصر أكثر من مرّة، و استقرّ بحلب، فكان من شعراء والد سيف الدولة ثمّ ابنه سيف الدولة. (راجع الغدير ج 4 ص 19 - 40، الأعلام ج 7 ص 167).
4) ديوان أبي فراس: ص 255. و هو مطلع قصيدة يعارض بها ابن سكرة الهاشمی فی قصيدته التي يفتخر بها على الطالبيين و روايته:
و فيها من الحجاج و البراهين لتفضيل أبناء عليّ على من سواهم من العباسيين و غيرهم، و الاعتراف بإمامتهم ما يحق لها أن تجعل في ساقة الكتب الكلامية، على أنّها من أعلى طبقات الشعر في البلاغة تحسبها من السلاسة شعراً منثوراً أو حديثاً منشوراً مثل قوله:
ليس الرشيد كموسى في القياس و لا *** مأمونكم كالرضا لو أنصف الحكمُ (1)
و ظني أنّه لو ميزهم عن سواهم لم يبق له من غيرهم إلّا أقل مصاديق العدد، حسبك بكشاجم، و السري الرفا (2)
(راجع ترجمته في تاريخ بغداد ج 9 ص 194، وفيات الأعيان ج 2 ص 359، الأعلام ج 3 ص 81).
، و السلامي (3)1) الديوان: ص 258.
2) أبو الحسن السري بن أحمد بن السري الكندي الموصلي الشاعر المشهور ت 366 ه، كان في صباه يرفو و يطرز في دكان بالموصل، و هو مع ذلك يتولع بالأدب و ينظم الشعر و لم يزل حتّى جاد شعره و مهر فيه، قصد سيف الدولة بحلب فمدحهُ، و أقام عنده مدّة ثمّ انتقل بعد وفاته إلى بغداد، كان شاعراً مطبوعاً عذب الألفاظ مليح المأخذ كثير الافتتان في التشبيهات و الأوصاف له: ديوان شعر- ط.
3) محمّد بن عبد الله بن محمّد المخزومي القرشي، أبو الحسن السلامي ت 393 ه، قال الثعالبي في حقّه: هو من أشعر أهل العراق بالإطلاق و شهادة بالاستحقاق، قال الشعر و هو ابن عشر سنين ولد في كرخ بغداد و انتقل إلى الموصل ثمّ إلى أصبهان، فاتصل بالصاحب بن عباد فرفع منزلته و جعلهُ في خاصّته، ثمّ قصد عضد الدولة بشيراز فحظي عنده و نادمه و أقام في حضرته إلى أن مات، نسبته إلى دار السلام، لهُ: ديوان شعر- ط. (راجع تاريخ بغداد ج 2 ص 335، وفيات الأعيان ج 4 ص 403، الأعلام ج 6 ص 226).
و النامي (1)، فضلاً عن مثل الشريف الرضي (2)، و مهيار الديلمي (3)و ابن هاني الأندلسي (4)
بل و أبي العلاء المعري (5)- على رغم الزاعمين نزوغه عن الدين و مروقه عن صوب الصواب- و شواهدنا على ذلك من شعره و نثره في رسايله و رسالاته مما لا يحصى، و هو ممّا يمكن إفراده بالتأليف.
و لعل اللزوميات وحدها كافية بالتزام عدّه في علية الموحّدين، و من
1) أبو العباس أحمد بن محمّد الدارمي المصيصي المعروف بالنامي الشاعر المشهور ت 399 ه من أهل المصيصة (على ساحل البحر المتوسط قريبة من طرسوس) كان من الشعراء المفلقين، و من فحولة شعراء عصره، و خواص مداح سيف الدولة بن حمدان و كان عنده تلو المتنبي في المنزلة و الرتبة، و كان فاضلاً أديباً بارعاً عارفاً باللغة و الأدب كانت لهُ مع المتنبي معارضات اقتضاها اجتماعهما في حلب و قربهما من سيف الدولة مات في حلب (راجع ترجمته في وفيات الأعيان ج 1 ص 125. و الأعلام ج 1 ص 210).
2) تقدّمت ترجمته في ص 130.
3) أبو الحسن مهيار بن مَرْزَويه الديلمي : شاعر كبير، في معانيه ابتكار، و في أسلوبه قوّة، قال الحر العاملي: جمع مهيار بين فصاحة العرب و معاني العجم، و قال الزبيدي: شاعر زمانه، فارسي الأصل، من أهل بغداد أسلم و تخرّج على يد الشريف الرضي في الشعر و الأدب ت 428 ه. (راجع ترجمته في تاريخ بغداد ج 13 ص 276، وفيات الأعيان ج 5 ص 359، الأعلام ج 7 ص 317).
4) محمّد بن هاني بن محمّد بن سعدون الأزدي الأندلسي ت 362 ه، أشعر المغاربة على الإطلاق، و هو عندهم كالمتنبي عند أهل الشرق، و كانا متعاصرين، ولد بإشبيلية و حظي عند صاحبها و اتهمهُ أهلها بمذهب الفلاسفة، اتصل بالمعز العبيدي و أقام عنده في المنصورية بقرب القيروان مدّة قصيرة و رحل المعز إلى مصر بعد أن فتحها قائده جوهر الصقلِّي، فشيعه ابن هانئ و عاد إلى إشبيلية فأخذ عياله و قصد مصر لا حقاً بالمعز، فلمّا وصل برقة قتل فيها غيلة، له: (ديوان شعر مطبوع). (راجع ترجمته في وفيات الأعيان ج 4 ص 421، و الأعلام ج 7 ص 13).
5) تقدّمت ترجمته في ج 1 ص 97.
الراسخين في الإسلام و على هذه المناسبة يعجبني من كلماته في ذلك قوله من اللزوميات:
دعاكم إلى خير الأُمور محمّدٌ *** و ليس العوالي في القنا كالسوافلِِ
حداكُم على تعظيم من خَلقَ الضُحى *** و شهب الدجى من طالعاتٍ و آفِلِ
و ألزمكم ما ليس يعجز حمله *** أخا الضعف من فرض له و نوافلِِِِ
وحثّ على تطهير جسم و ملبس *** و عاقب في قذفِ النساء الغوافلِِِِِ
و حرّم خمراً خلت ألباب شربِها *** من الطيش ألباب النعام الجوافل
فصلى عليه الله ماذرَّ شارقٌ *** و ما فتَّ مسكاً ذكرُهُ في المحافلِ (1)
و له في اللزوميات و غيرها كثير من هذا و مثله.
أمّا الشواهد على كونه بالأخص من الأُمّة الإمامية، فهي- أيضاً- بمكان من الظهور و الوفور، و لعلك تجد كثيراً من تلك النوافح في رسالته البديعة المشهورة بالغفران، و يعجبني من «السقط» قوله في مدح بعض العلويين:
و على الدهرِِ من دماءِ الشهيدی *** ن عليّ و نجله شاهدان
1) اللزوميات ج 2 ص 322.
فهما في أواخر الليل فج *** ران و في أولياته شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء ال *** حشرَ مستعدياً إلى الرحمن
یا ابن مستعرض الصفوف ببدر *** و مبيد الجموع من غطفان
أحد الخمسة الذين هم الأغ *** راض في كلّ منطق و المعاني
و الشخوص التي أضاء سناها *** قبل خلق المريخ و الميزان
قبل أن تُخْلَقَ السموات (1)أو توء *** مَرَ أفلاكُهنَّ بالدوران (2)
قسماً بتلك الخمسة الشخوص إنّ هذا الشعر ما خرج إلّا من فؤاد شيعي بحت، و علوي محض، قد ضرب للتشيع جروته (3)، و عرف سره و سريرته، و جعله دينه و عقيدته، و هذا لحن يفهمه أهلوه، و ذوق يعرفه شاربوه.
نعم، و إنك لتعرف أن أبا العلاء و إن كان في علية الشعراء و لكن لم يكن هو ضارباً على و ترهم و لا آخذاً بجميع طرايقهم من التملق و الاستخذاء، و المبالغة و الإغراق في ممادحه و ممدوحيه طمعاً في جلب حطامهم أو خوفاً من سطوة انتقامهم ، و المرء إذا خلا من الخوف و الرجاء لم يبارح لا محالة جادة الصدق و البوح بحرية الضمير، و لم يحد لأحد أبداً
1) إشارة إلى حديث النور و الذي رواه جمع من الصحابة، و أخرجه جمع من الحفاظ منهم أحمد بن حنبل، و أبو حاتم، و ابن مردويه، و أبو نعيم،و ابن عبد البر، و الخطيب البغدادي، و ابن المغازلي، و الديلمي، و آخرين، و أفرد لهُ صاحب عبقات الأنوار جزءاً ذكر فيه رواته و طرقه و بحثه مفصّلاً.
2) شرح سقط الزند ج 1 ص 441 - 448.
3) الجِروة: النفس يقال: ضرب عليه جِروته أي نفسه، و يقال للرجل: إذا وَطّن نفسه على أمر: ضرب لذلك الأمر جِروته، أي صبر له و وَطّن عليه. (تاج العروس ج 19 ص 279 مادّة «جرو»).
عن محجة القول بالحق.
إنّ الرجل الذي يحرّم على نفسه تورّعاً مدّة عمره أكل اللحوم و اقتراب النساء حتّى يكتب على قبره
هذا جناه أبي عليَّ *** و ما جنيتُ على أحدْ (1) لم يكن ليبيح لنفسه المجاهرة بمثل قوله:
أحد الخمسة الذين هم الأغراض *** في كل منطق و المعاني
و الشخوص التي أضاء سناها *** قبل خلق المريخ و الميزان
ما كان ليقتحم هذه العويصة إغراقاً و مبالغة دون أن يراها حقيقة راهنة، و يجد لها مخرجاً في فلسفة الدين حسبما هو فيه من بعد غوره، و دقة أفكاره، و غامض إشارته و أسراره.
كلا! لا يقول ذلك من أجل إنتهاز قدر من فضلات الأرض يسمونه بالدرهم أو الدينار، لا فرق عند العارفين بينها و بين ساير الأحجار.
كلا! لا يقول ذلك إلّا عن عقيدة راسخة و معرفة ثابتة و نية خالصة تدفعه إلى المجاهرة بها رغماً عن كلّ العوايق و العقبات، و له من ذلك النظير كثير و ليس الغرض هنا سوى الإلماع و الإشارة بيد أنّ لنا على ما ذكره المؤلف في ترجمته (صفحة 260)و ما بعدها (2)ملاحظات حريّة بالذكر؛ أهمُّها التهافت في عدّه- أوّلاً- من اللاأدريين أو المعطّلين (3)مع تصريحه عقيب ذلك بأنّ اعترافه بالخالق و وحدانيته ظاهرة في كثير من أشعاره.
ثمّ من الهضم المؤسف و البخس للحقايق و صمه بأنّ أشعاره تمتاز
بصبغة سوداوية، و احتمال أن أسبابها اختلال عمل الهضم بتوالي الصوم و الاقتصار على نوع أو نوعين من الأطعمة، و إنْ هذه إلّا نزعة تشفُّ عن مماحكة الأديان و الغميزة في نواميس الشرايع. عصمنا الله و كافة أهل الفضل من الزيغ و النزغات إن شاء الله.
ص 253: ابن هاني الأندلسي و في ألفاظه قعقعة و أنين (1)
هذان اللفظان لا تناسب بينهما أصلاً إذ القعقعة يناسبها الغلظة و الأنين يناسبه الرقّة، فلو قال (قعقعة ورنين) لكان أولى.
ص 254: الو أواء الدمشقي (2و ما زال يشعر) (3)
استعمال يشعر بمعنى ينظم الشعر عامية ساقطة لم ترد في الفصيح، فكان الأولى بدلها (و ما زال يقول الشعر)، أو مثل ذلك.
1) ج 2 ص 563، و قد صحّح اللّفظ في الطبعات الحديثة.
2) محمّد بن أحمد الغساني الدمشقي، أبو الفرج، المعروف بالوأواء المتوفّى نحو 385 ه، شاعر مطبوع، حلو الألفاظ، في معانيه رقّة، كان مبدأ أمره منادياً بدار البطيخ في دمشق، له ديوان شعر- ط. (راجع ترجمته في الأعلام ج 5 ص 312).
3) ج 2 ص 563 و العبارة على حالها.
4) إسماعيل بن عباد بن العباس أبو القاسم الطالقاني: وزير غلب عليه الأدب، فكان من نوادر الدهر علماً و فضلاً و تدبيراً وجودة رأي، استوزره مؤيد الدولة ابن بويه الديلمي، ثمّ أخوه فخر الدولة، و لقب بالصاحب لصحبته مؤيد الدولة من صباه فكان يدعوه بذلك، و كان يرى تفضيل العرب على العجم، و يقول: ما رأيت أحداً فضل العجم على العرب إلّا و فيه عرق من المجوسية، توفّي بالريّ سنة 385 ه، و نقل إلى أصبهان فدفن فيها، له كتب كثيرة مخطوطة و مطبوعة و له ديوان شعر مطبوع. (راجع ترجمته في وفيات الأعيان ج 1 ص 228، الأعلام ج 1 ص 316، و ترجم له صاحب الأعيان ترجمة وافية).
5) ج 2 ص 565 و قد صحح.
سقطت هاء أصفهان من الطبع.
260: (المهيار الديلمي) (1)و له من جملة قصيدة:
إذا صوّرَ الإشفاق لي كيفَ أنتمُ *** و كيف إذا ما عنّ ذكري صبرتمُ (2) إلى ثلاثة بعده (3)
تنفست من عتب فؤادي مفصحٌ *** به و لساني للحفاظ مجمجمُ
و في فيَّ ماءٌ من بقايا و دادكم *** كثيراً به من ماء وجهي أرقتم
أضمُّ فمي صمتاً عليه و بينه *** و بينَ انكسابٍ ريثما أتكلمُ
و إنّ من الغريب اختياره لهذه الأبيات من كلّ شعر المهيار و مقاطيعه الشهيرة التي فيها المطرب المرقص، و المحزن المشجي، و الغزل الغرامي، و ما يقف عنده الوصف و ينكص عن تصويره القول.
ما أدري من أين جاء بهذه الأبيات الواهية البنا، المحلولة العرى، المشبعة بسوء الأساليب و ركاكة التركيب؛ فإنّ جَعْلَ (أنتم و صبرتم و أرقتم )، و مثالها من الضماير قوافياً لا يحسن بأوائل المبتدئين في نظم الشعر لاشتمالها على الإيطاء (4)، بل على أسوأ أقسامه.
و إذا كان اختيار المرء ترجمان فضله، و قطعة من عقله- و أبو تمام بما هو مختار أشعر منه بما هو شاعر- فهلّا كان المختار من شعر المهيار من
طراز قوله على الوزن و القافية- و شتان-:
أ أحبابنا (1)بالغور و الركب متهم *** أيعلم سال (2)كيف باتَ المتيَّمُ؟!
رحلتم و عمر الليل فينا و فيكم *** سواءٌ و لكن (3)ساهرون و نوّم
بكيت على الوادي فحرمت ماءهُ *** و كيف يحلُّ الماء أكثرُهُ دمُ (4)
هلا كان مثل قوله من غرامياته:
سألتك بالمودة يا ابن ودي *** فإنك بي من ابن أبي أحقُّ (5)
و إن شقَّ البكاء على المعافى *** فلم أسألك إلّا ما يشقُّ
أسِل بالجزع (6)دمعَك إنّ عيني *** متى استبررتها دمعاً تعقُّ (7)
أسل بالجزع عينك إنَّ عيني *** إذ استبررتها وقتاً تعقّ
(8)انظره على طلاوته و بداوته و غراميته و وجده، تجده مع حسن سبكه و رونق مائه لم تفته لباقة الصنعة من البديع، بل اشتمل على أغر أنواعه، و أعز أساليبه.
انظر كيف قابل (تعق) للبر و الجزع فجاءت متضمنة لمعنيين؛
1) في الديوان (أجيراننا) و هو مطلع قصيدة كتب بها إلى الكافي.
2) و فيه (خالٍ) .
3) و فيه (و فيكم).
4) دیوانه ج 3 ص 344.
5) في الديوان «نشدتك بالقرابة» بدل «سألتك بالمودّة»، و «لي» بدل « بي».
6) الجزع: منعطف الوادي حيث تقطعه، وناحيتاه جزعاه. (لسان العرب ج 2 ص 274 مادّة «جزع»).
7) في الديوان:
8) ديوانه ج 2 ص 357 من قصيدة كتب بها إلى زعيم الملك أبي الحسن بن عبد الرحيم في المهرجان.
العقيق (1)في مقابل الجزع (2)و العقوق في قبالة البرّ، فتمّت بها التورية، و استتبت له محاسن الصناعة، و لكن من حيث يخفى و لا يكاد أن یحس و هذا أمهر و أبهر.
نعم، و مما لا يخفى على الفطن الأريب ما يشفّ البيت عنه من حسن التعليل و دفع منقصة الجمود عن عينه مع دعوى الحب، كأنّه يقول لابن ودّه:
اسقِ بدمعك الدار فإنّي كلّما أردت سقياها بدمعي أسالت مقلتي عقيق الدموع فعقتني بما لا ينفع في السقيا.
و ما كنت لو لا أنّ دمعي من دم *** لأ حمل منّاً للسحاب بسقياه (3)
هبوا طيفكم أعدى على الناس مسراه *** فمن لمشوق أن يهوم جفناه
و هذا من أرقى معاني الشعر الخيالي و التصويرات المثالية، و القصارى أنّ من يريد أن يمثل الشاعر و مقدار شعوره بشعره فبالحري بل المحتم عليه أن ينتخب من منظومه أو منثوره ما ينبئ عن مقدار قرايحه و قصارى تصوراته و أبدع تمثيلاته، و إلّا فقد خان الأمانة فيه و بخس حقوقه.
و حقّاً إنّ الإمام في الانتخاب و القدوة في هذا الباب القاضي (ابن خلكان)؛ فإنّك تراه ينتخب ما لو كلّفت الشاعر نفسه أن ينتخب أجود شعره لما جاء بأحسن مما اختاره له.
ص 264: ابن زريق (1)
لا تعذليه فإنّ العذل يولعهُ *** قد قلت حقّاً و لكن ليس يسمعهُ
و لا يعرف له شعر غير هذه القصيدة. (تاج العروس ج 13 ص 192 مادّة «زرق»، و جواهر الأدب: ص 601).
لا تعزليه فإنّ العزل يولعه (2)قد تكررت في هذا الكتاب هذه اللثغة الشايعة، و حبذا لو تجنبها مثل المؤلف من مشاهير الكتاب و إذا كان مثل هذا المتضلع في التاريخ و العربية لا يسلم منها فما ظنك بغيره.
271: ظلت تظللني عن الشمس (3)
الموجود من رواية هذين البيتين في كتب البيان و البديع و الأدب ك-«المطول» و غيره على أجمل من هذه الصورة و هو هكذا :
قامت تظللني من الشمس *** نفسٌ أعزّ عليّ من نفسي
قامت تظللني و من عجب *** شمسٌ تظللني من الشمس (4)
288: الشريف المرتضى و من تصانيفه نهج البلاغة ... إلى قوله: و إن كنّا نرى كثيراً من تلك الخطب ليست لعلي ... إلى آخره (5)
الباحث الذي لم ينتفع من بحثه بمقدار أن يعرف مؤلف الكتاب من غيره، و لا يميزه من سواه، كيف يسوغ له و يرضى لنفسه أن يتربّع على منصة الحكم و يجلس في مجلس الفصل و القضاء؟!
1) محمّد بن زريق الكاتب البغدادي و يقال لهُ: الزريقي، شاعر معروف صاحب القصيدة العينية المعروفة و التي يقال لها قصيدة ابن زريق، و قالها نادماً على الإفراط فی طلب الدنيا، و كان قصد الأندلس في طلب الغنى فلم يرجع لبغداد، و مطلعها:
2) ج 2 ص 574، و قد صحح و هو مطلع قصيدة ابن زريق.
3) ج 2 ص 581.
4) البيتان لابن العميد كما في أسرار البلاغة: ص 280، و اليتيمة ج 3 ص 209.
5) ج 2 ص 598.
أقول ذلك؛ لأنّى ما كنت أحسب أنّه قد بقي في عصورنا هذه من لم تتضح له الحقيقة و لم يتجلّ له الواقع أنّ جامع النهج ليس هو الشريف المرتضى (1)، بل أخوه الشريف الرضي، و لئن كانت هذه الشبهة تخطر على بعض الأذهان في العهود الغابرة، فإنّما هي لقلة إنتشار الكتب و عدم تيسر المواصلات، أمّا في هذا العصر الذي يسمونه بعصر العلم و عصر النور فما كان في حسباني خفاء هذه الجليلة على من له أو هى مسيس من العلم، كيف و قد صدعت بها الشروح و الشارحون (2)و سطعت سطوع العضب (3)تصقله القيون (4)، و تستله الأغماد و الجفون؟!
بل هي شبهة داحضة من ذاتها لا تعتدل على أصل و لا تستند إلى سبب، و الشارح البحاث المتضلع ابن أبي الحديد قد أرسل نسبته إلى السيّد الرضي إرسال المسلمات، و لم يتعرض بتصريح و لا إشارة إلى وجود
1) الشريف المرتضى، أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى ابن إبراهيم بن موسى الكاظم عَلیْهِ السَّلام،نقيب الطالبيين كان إماماً في علم الكلام و الأدب و الشعر، و الفقه، ذكره ابن بسام الأندلسي في أواخر كتاب الذخيرة، فقال: كان هذا الشريف إمام أئمة العراق بين الاختلاف و الاتفاق، إليه فزع علماؤها وعنهُ أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، و جماع شاردها و آنسها، ممن سارت أخباره و عرفت له أشعاره و حمدت في ذات الله مآثره و آثاره، إلى تواليفه في الدين و تصانيفه في أحكام المسلمين، مما يشهد أنّه فرع تلك الأصول و من أهل ذلك البيت الجليل ... إلى آخره، توفي سنة 436. (وفيات الأعيان ج 3 ص 313،و مصادر أخری).
2) أنهى شروحات نهج البلاغة العلامّة الأميني إلى (81) شرحاً كما في الغدير ج 4 ص 215- 223 مبتدأ بالسيد علي بن الناصر المعاصر للشريف الرضي، و أنّهاها صاحب الذريعة إلى (148) شرحاً راجع ج 14 ص 111- 261، و في مجلة تراثنا العدد 35 ص 155 (210) شرحاً.
3) العضب: السيف القاطع. (لسان العرب ج 9 ص 252 مادّة « عضب»).
4) القَيْنُ: الحدّاد و الصانع. (لسان العرب ج 11 ص 376 مادّة «قين»).
مخالف في نسبته للسيّد (1)، مع أنّه كما يظهر من كتابه كان ممن يبحث عن الفتيل و النقير (2)، و يحاسب على القيراط (3)
(لسان العرب ج 11 ص 115 مادّة «قرط»، العروة ج 2 ص 109).
حساب القناطير (4)، فلو كان أدنى شبهة يعتد بها لأشار إليها.نعم، قد ذكر ابن خلّكان في ترجمة الشريف المرتضى أنّه وقع الاختلاف في نسبة النهج إليه أو إلى أخيه الرضي (5)، و لكنّها لفظة رمى بها من غير سدد، و جاء بها غير معول على سند، وابن خلكان ليس من رجال هذا الميدان؛ فإنّه بالأدب و الأدباء أعرف منه بالعلم و العلماء.
و على أي فإنّ الأمر اليوم قد صار أشهر و أجلى من النهار في رایعته و لكني بحرية أقول:
إنِّي أحسب أنّ الرجل لا يفرق بين السيد الرضي و المرتضى، و إلّا لما كان يرسل إرسال المتفق عليه المتسالم فيه أنّه للمرتضى في مقامين من كتابه في الجزء الأول و الثاني (6)، و لا يشير إلى احتمال أنّه لأخيه الرضي أو
1) راجع مقدّمة شرحه.
2) الفتيل: ما كان في شق النواة، و به سميت فتيلة، و النقير: النكتة في ظهر النواة، و هذه الأشياء تضرب كلّها أمثالاً للشيء التافه الحقير القليل. (لسان العرب ج 10 ص 178 مادّة «فتل»).
3) القيراط: جزء من أجزاء الدينار- الذهبي- و هو نصف عشره في أكثر البلاد- أي 20/1- و أهل الشام يجعلونه جزءاً من أربعة و عشرين- 24/1- و الدينار: مثقال شرعي و هو ثلاثة أرباع الصيرفي و المثقال بين 4- 5 غرامات باختلاف البلدان.
4) القنطار: معيار، قيل: وزن أربعين أوقية من ذهب، و قيل: مئة و عشرون رطلاً، و قيل: مئة أوقية من ذهب، و قيل ألف أوقية من ذهب. (لسان العرب ج 11 ص 320 مادّة «قنط»).
5) وفيات الأعيان ج 3 ص 313.
6) ج 1 ص 189، وج 2 ص 598.
القول بذلك، و لا وجه لهذا إلّا أحد أمرين؛ إمّا أنّ المؤلّف يكتب و لا يدري ما يكتب، أو أنّه لم يعرف- حتّى الآن- أنّ الرضي و المرتضى موجودان متباينان، و إن هما إلّا أخوان، و قد ذكر هو لكل واحد منهما ترجمة مستقلة، و لكنه نسي- و ما أكثر ما ينسى الإنسان-.
نعم، و أوّل ناس أوّل الناس (1)
نسيت وعدك و النسيان مغتفرٌ *** فاغفرْ فأول ناسٍٍ أوّلُ الناس
و ذكره ابن إياس الحنفي في بدائع الزهور: ص 43 و لم ينسبه.
و الغرض من كلّ هذه المقدّمة أن من لم يعرف إلى اليوم مؤلف «نهج البلاغة» و جامعه من هو، مع وضوح الأمر و صيرورته بعد عشرة قرون من الضروريات و البديهيات الأولى، أنّ شخصاً هذا مقامه و مركزه كيف يسوغ له أن يحكم قائلاً: و إن كنّا نرى كثيراً من تلك الخطب ليست لعلي؟! (2)
و هذا الأمر الذي ألقاه في الجزء الأوّل (3)على سبيل الظن قد صار هنا (4)جزمياً.
ألا هكذا فلتتجلّ الحقايق، و لتظهر المعارف، و لتتنزل موحيات العلوم في هذا العصر على أقلام الكتاب و المؤلفين، و حقّ لعصرنا أن يفتخر على ساير العصور بما ظهر فيه من نوابغ المؤلفين و المؤلفات و فلسفة تاريخ الآداب و اللغات.
صفحة 293: و جرت بين الطايفتين ثماني وقايع (5)
الصحيح ثمان بلا (ياء) (1)
أنظر: النحو الوافي ج 4 ص 537 هامش رقم 2.
.331: علم الكلام: نبغ غير واحد في هذا العصر من علماء الأدب لبعضهم مؤلفات جاء ذكرهم في أبوابها؛ كالشريف المرتضى (2)
عدُّ السيد المرتضى في الأدباء كان من الظلم الفاحش و سوء الترتيب، وعدم وضع الناس في مراتبهم و هضمهم حقوقهم، و لقد كان المرتضى يلقب بأبي الثمانين (3)فإنّ له ثمانين تصنيفاً كلّها في الحكمة و الكلام و التفسير و الفقه، منها:
كتاب «الشافي» في الردّ على أبي جعفر النقيب و عبد الجبار المعتزليين (4)و هو كتاب فخم ضخم طبع في إيران منذ زمان طبعة جيدة (5)، و ليتك تراه فتعرف كيف أنّك ظلمته حيث عددته من الأدباء، و الشخص يعدّ في أظهر ما يعرف به، و ما كان الأدب من السيّد إلّا من قبيل الفكاهة و التحميض، لا أنّه موضع عنايته و مطمح همته، و لكن البلية عناء المرء بما ليس من وظيفته، و دخوله بما ليس من شغله، و قيامه بما ليس أهلاً له.
1) إثبات الياء في العدد (ثمانٍ) حين كونه مضافاً مذكّراً رأي معمول به عند النحاة.
2) ج 2 ص 604، و قد صححها إلى (علماء الكلام) في طبعة دار الفكر 1426 ه 1996م.
3) و ذلك لما كان له من الكتب ثمانون ألف مجلد، و من القرى ثمانون قرية يجبى إليه إيرادها، و كذلك من غيرهما حتّى أن مدّة عمره كانت ثمانين سنة و ثمانية أشهر و صنّف كتاباً يقال لهُ: الثمانون، كما في الغدير ج 4 ص 312.
4) ردّ فيه على كتاب المغني للقاضي عبد الجبارت 415، الجزء المتعلق بالإمامة و هو الجزء 20 من المطبوع.
5) طبع عدّة طبعات هو و تلخيصهُ للشيخ الطوسي.
في هذه الصفحة أيضاً: و كيفية الوقوف على عجز القرآن (1)
هذه عبارة من قعد به العجز عن البيان، و كان حرياً به أن يتأخر عن التصدر للتأليف إلى العجز، و ما أدري أي عيٍٍّ و عجز يبلغ بالمرء إلى حيث يقعد به عن أن يقول العبارة الشايعة: الوقوف على إعجاز القرآن، و تلك العبارة تؤدي إلى خلاف القصد و سوء المعنى، كما لا يخفى.
ص 332: (التصوف): هو من العلوم التي نشأت و نضجت في هذا العصر، و خلاصة تاريخه: أنّه من العلوم الشرعية الحادثة.
ثمّ قال بعد أسطر: و عندنا أنّه مشتق من لفظة يونانية الأصل ﴿صوفيا.
و أيّد ذلك بأنّهم لم يظهروا بعلمهم هذا و لا عرفوه بهذه الصفة إلّا بعد ترجمة كتب اليونان إلى العربية، و جعل أصل اللفظ (فيلوصوفيا )؛ يعني محب الحكمة، و هي بالعربية (الفلسفة) ... إلى آخر كلامه (2)
و لا أحسب أنّ من له أدنى إلمام بهذه العلوم، أو وقف على أبسط تاريخها و مواضيعها و علمائها يخفى عليه مواضع الخلط و الخبط هنا، فضلاً عن التهافت بين جعله من العلوم الحادثة الشرعية تارة ثمّ جعله من علوم اليونان أخرى.
و من الوهم و الرجم بالغيب على غير خبرة عدّ التصوف من العلوم الشرعية؛ فإنّ العلوم الشرعية بحسب الاصطلاح (3)، بل و في الحقيقة الواقعية؛ إنّما هي علوم الفقه من العبادات و المعاملات و الحدود الخاصة
و الأحكام، و يجمعها أنّها النواميس التي جاءت بها هذه الشريعة، و تعبدت الداينين بها من دون أن تدرك أو تصاب بالعقول لو لا بيان الشريعة.
فتلك هي العلوم الشرعية لا الحقايق الراهنة الثابتة في ذاتها حسب الواقع، و للعقول والآراء مجال وسيع في إصابتها؛ كعلم الأخلاق و تهذيب النفس، و علوم التوحيد، و نواميس الاجتماع، فإنّها جميعاً أمور ثابتة في ذاتها و إن ذكرها الشارع و بحث عنها، و لكن لا بما هو شارع و لا على أن تكون من جعله و نواميسه و منشآته، بل هي كالعلوم الكونية و مباحث الطبيعة و أسرارها، فإنّ تعرّض الشارع لها و خوضه فيها لا يصيرها شرعية.
و أغرب و أعجب من هذا جعله علم التصوف هو علم الحكمة أو راجع إليه أو مأخوذ منه على حال أنّه لا مسیس لأحدهما بالآخر، و لا علاقة بينهما بوجه من الوجوه، لا في المبادي و لا المسائل و لا الغايات إلّا بمسافة بعيدة، فإنّ مبادي التصوف تبتني على الرياضة و مجاهدة النفس و النزوع عن الدنيا بكل شؤونها و علايقها حتّى يحصل للنفس من الصفاء ما تستعد به لمشاهدة الحقائق على وجه المكاشفة، و غايته الوصول إلى الحق ثمّ الفناء فيه فناء القطرة في البحر حيث لا يبقى لها اسم و لا رسم و لا تَعَيّن، و هذا من باب التمثيل و التقريب و الحقيقة عندهم من وراء ذلك.
أمّا الحكمة و الفلسفة فهما علم آخر مبني على مبادي فكرية و أصول نظرية و مباحث صناعية من المعرف و الحجّة و أنواع الأشكال و الأقيسة، و غايته معرفة حقايق الأشياء على ما عليه حسب الطاقة البشرية.
فأين هذا من ذاك؟! و ما هذا الخلط الغريب؟ و ما زالت الحرب و المطاعنة سجالاً بين الفريقين- أعني الحكماء و المتصوفين- كلّ يزعم أنّ الحق في جانبه و الصواب في صوبه.
نعم، قد حاول صدر المتألهين (1)أعظم فلاسفة الإمامية من المتأخرين أن يوفق في كتابه الشهير ب«الأسفار» و يصلح بين الفريقين؛ بدعوى التلازم بين الغايتين؛ كالتلازم بين نفس الطريقين، موعزاً إلى عدم غناء كلّ واحد عن الآخر، و أنّه لا بدّ منهما معاً في تحصيل الغاية المقصودة و الضالة المنشودة، و يوجد هذا في متفرقات مباحثه و أبوابه رمزاً و إيماءً لا صراحة و جهاراً.
و على أي فليس القصد هنا الخوض في هذه الملتويات العويصة و سلوك هذه الفجاج العميقة، و إنّما الغرض الإشارة إلى مواضع الخلط و الخطأ نصرة للحقايق و تمحيصاً لها الأغاليط، ثمّ إنّ الأعجب من الأعاجيب ما أيد به دعواه: من أنهم أي الصوفية ما ظهروا بعلمهم هذا و لا عرفوا بهذه الصفة إلّا بعد ترجمة كتب اليونان إلى العربية و دخول لفظ الفلسفة (2)
أفهل يقضي وجود الفلسفة في اليونانية و دخولها إلى العربية أن تکون هی التصوف، و أن لا يكونا لفظين لمعنيين و البحث فيه بحثاً فلسفياً لا يخوله إطلاق اسم الفلسفة، و إلّا لجرى ذلك في أكثر العلوم.
أمّا زعم أنّ الصوفية ما ظهروا بعلمهم هذا إلّا بعد ترجمة كتب اليونان، فهذا ذهول لعلنا نعذره فيه لعدم وقوفه على سلاسل الصوفية و غاياتها و لا ساقته البواعث على الإحاطة ببعض المؤلفات الكافية فيها و ما
عثر عليه من القشيرية (1)
(كشف الظنون ج 1 ص 882، معجم المؤلفين ج 2 ص 212).
و بين يدّي طبعة لها بتحقيق- معروف مصطفى زريق، و علي عبد الحميد- ط 3/ دار الخير سنة 1997م.
يظهر أنّه لم يستوفه تماماً.و بالجملة: فإنّ علم التصوف حدث في الإسلام، و عرفه المسلمون قبل أن يسمعوا أو يعثروا على كتب اليونان؛ فإنّ الترجمة كانت في الدولة العباسية (2)، و علم التصوف تلقاه المسلمون من الحسن البصري (3)، و كان قد اقتبسه من أمير المؤمنين علي عَلیْهِ السَّلام، و جميع الطرائق تنتهي إليه سوى طريقة النقشبندية (4)فإنّها تنتهي إلى الخليفة أبي بكر (رضوان الله علیه).
و قد كان جماعة من أصحاب أمير المؤمنين زهدوا في الدنيا و لازموا خدمته للاقتباس من علومه و معارفه، و كانوا يعرفون بأصحاب البرانس.
1) الرسالة القشيرية في التصوف لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك النيسابوري القشيري الشافعي ت 465 ه، و هي على أربعة و خمسين باباً و ثلاثة فصول، و هي عمدة هذا الفن، و شرحها القاضي زكريّا بن محمّد الأنصاري ت 910 ه، و من شروحها «الدلالة على فوائد الرسالة» لسديد الدين عبد المعطي اللخمي و شرحها علي القاري.
2) الذي أمر بترجمة الكتب اليونانية هو الخليفة المأمون كما هو مشهور.
3) أبو سعيد الحسن بن يسار البصري: تابعي، ولد سنة 21 ه، و كان أبوه من سبي ميسان، و يقال إنّه ولد على الرق، سكن البصرة، و كان رئيس القدرية، استكتبه الربيع بن زياد و الي خراسان في عهد معاوية، توفي سنة 110 ه و لم يشهد ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما. (راجع ترجمته في وفيات الأعيان ج 2 ص 69، الأعلام ج 2 ص 226، و رجال الكشي ج 1 ص 315).
4) ذكر أُصولها و شروطها أحمد النقشبندي الخالدي في جامع الأُصول في الأولياء ج 1ص 46، قال التمسك بعقائد أهل السنّة و ترك الرفض، و الأخذ بالعزائم، و دوام المراقبة و الإقبال على المولى و الإعراض عن زخارف الدنيا، بل و عن كلّ ما سوى الله .. إلى آخره.
و منهم: همام بن شريح (1)الذي سأل أمير المؤمنين أن يصف له المتقين، و كان ناسكاً عابداً و من شيعته و أوليائه، فتثاقل عن جوابه، فلمّا عزم عليه خطب له أمير المؤمنين تلك الخطبة الباهرة، فما أتم كلامه حتّى استقبل الرجل حِمامه، و فارقت روحه الدنيا.
و القصة مع الخطبة مذكورة في متن النهج (2)، و كان من الملازمين له سلام الله عليه الزهاد الثمانية، أربعة منهم من أوليائه و الخاصين به و المجاهدين في (صفين) بين يديه، و هم:
الربيع بن خيثم (3)..
و هرم بن حيان (4)..
و أُُُويس القرني (5)
الاحییت عنّا يا مدينا *** و هل ناسٌ تقول مسلّمينا
أويسٌ ذو الشفاعة كان منّا *** فيوم البعث نحن الشافعونا
و قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: خرج رجل بصفين من أهل الشام فقال فيكم أويس القرني؟ قلنا: نعم، قال: سمعت رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم يقول: خير التابعين أو من خير التابعين أويس القرني، ثمّ تحول إلينا، و هو تمام المئة الذين بايعوا أمير المؤمنين فی أحد أيام صفين على الموت، فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه، و قال فيه رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: خليلي من هذه الأمة أويس القرني. (راجع رجال الكشي ج 1 ص 315، أسد الغابة ج 1 ص 179، الإصابة ج 1 ص 219، طبقات ابن سعد ج 6 ص 205).
..1) همام بن شريح بن يزيد بن مرة بن عمرو بن جابر بن يحيى بن الأصهب بن كعب ابن الحارث بن سعد بن عمرو بن ذهل بن مروان بن صيفي بن سعد العشيرة، و كان همام هذا من شيعة أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام و أوليائه. (شرح نهج البلاغة ج 10 ص 134).
2) نهج البلاغة ج 2 ص 160، و شرح نهج البلاغة ج 10 ص 132.
3) الربيع بن خيثم بن عائذ بن عبد الله الثوري التميمي الكوفي ت 61 ه، و قيل 63 ه، ذكره الكشي في الزهاد الثمانية، و ذكر أنّه تخلّف عن قتال علي مع معاوية و شك في جواز ذلك، و عن الحلية: أنه تجنب عن أن يذكر يزيد بسوء حينما بلغه قتل الحسين عَلیْهِ السَّلام و قال: إلى الله إيابهم، و على الله حسابهم، فعدّه الأتقياء و من خواص أمير المؤمنين محل نظر. ( راجع ترجمته في رجال الكشي ج 1 ص 313، و معجم رجال الحديث ج 8 ص 174 و غيرها).
4) هرم بن حيان العبدي الأزدي، أحد الزهاد الثمانية، و عدّه صاحب القاموس صحابياً، ترجمه أبو نعيم في الحلية ج 2 ص 119، و أخرج عدّة أخبار في زهده و أخباره. (راجع سير أعلام النبلاء ج 4 ص 28، رجال الكشي ج 1 ص 313).
5) أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني المرادي: من حواري أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، و كان من الزهاد و ممن أبلته العبادة، و قال لهُ عمر بن الخطاب: يا أُُويس ! إنّ رسول الله أو دعني إليك رسالة، و هو يقرأ عليك السلام، و قد أخبرني أنك تشفع لمثل ربيعة و مضر، فخر ساجداً، و مكث طويلاً ما ترقا لهُ دمعة حتّى ظنوا أنّه قد مات،و إياه يعني دعبل بن علي الخزاعي في قصيدته التي مطلعها:
و عامر بن عبد قيس (1)..
و من الباقين الحسن البصري ، إلّا أنّ أعظمهم أُويس القرني الذي أهدى النبيّ سلامه إليه، و بشَّر به أُُمته قبل أن يراه، ثمّ من هؤلاء الثمانية (2)
و منهم: مسروق بن الأجدع فإنّه كان عشاراً لمعاوية، و مات في عمله ذلك بموضع أسفل من واسط على دجلة يقال له: الرصافة و قبره هناك، و هو مع ذلك من الزهاد. (رجال الكشي ج 1 ص 315، و حلية الأولياء ج 2 ص 95).
و منهم: الأسود بن يزيد النخعي، يعدّ من الزهاد الثمانية، و ذكروا أنّه حجّ ثمانين حجّة. (راجع اخباره في حلية الأولياء ج 2 ص 102).
- و على الأخص- الحسن البصري و أويس القرني عرف التصوف1) عامر بن عبد الله بن عبد قيس أحد الزهاد الثمانية و هو من بني العنبر و أوّل من عرف بالنسك، و اشتهر، وقال الحافظ أبو نعيم: و كان عامر بن عبد القيس ممن تخرج على أبي موسى الأشعري في النسك و التعبد، و منه تلقن القرآن و عنه أخذ الطريقة. (حلية الأولياء ج 2 ص 87- 94، رجال الكشي ج 1 ص 314).
2) و من الثمانية الباقين: أبو مسلم الخولاني: كان فاجراً مرائياً، و كان صاحب معاوية، و هو الذي كان يحث الناس على قتال علي عَلیْهِ السَّلام، و قال لعلي عَلیْهِ السَّلام: ادفع لنا الأنصار و المهاجرين حتّى نقتلهم بعثمان، فأبى على عَلیْهِ السَّلام ذلك، فقال أبو مسلم: الآن طاب الضراب، إنمّا كان وضع فخّاً و مصيدة و مع هذا فقد كان ناسكاً عابداً تروى له الكرامات العجيبة. (راجع اختيار الكشي ج 1 ص 314، و حلية الأولياء ج 2 ص 122- 131 فقد ذكر لهُ أبو نعيم من الكرامات التي لم يحصل عليها الأنبياء و الأولياء، و أن التوراة بشرت به و أنّه رفيق عيسى.
و ظهر به.
و كان هؤلاء الزهاد يلبسون برانس الصوف، ثمّ لبسوا مدارع الصوف تدريجاً، روى الكشي عن الأصبغ بن نباتة (1):
قال: كنّا مع علي ب(صفين) فبايعه تسعة و تسعون رجلاً.
فقال أين تمام المئة؟ لقد عهد إليّ رسول الله أن يبايعني في هذا اليوم مئة رجل، و إذا برجل عليه قباء صوف متقلداً بسيفين، فقال : ابسط يدك أبايِعْكَ على بذل مهجتي دونك.
فقال عَلیْهِ السَّلام: كن أُُُويساً.
فقال: أنا أويس.
قال: كن قرنياً.
قال: نعم، أُُويس القرني.
فلم يزل يقاتل حتّى قتل في رجاله (2)
و كان النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم قال في حقّه: يشفع لمثل ربيعة و مضر (3)
و قال صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: إنّي لأجد نفس الرحمان من جانب اليمن (4)
1) الأصبغ بن نباتة: من خواص أصحاب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام عدّه الكشي من شرطة الخميس و من المتفانين في طاعته. (راجع اختيار الكشي ج 1 ص 320).
2) اختيار الكشي ج 1 ص 315.
3) الكشي ج 1 ص 316، و أُسد الغابة ج 1 ص 179- 180، و الإصابة ج 1 ص 220.
4) رواه الطبراني في الكبير، كما في كنز العمال ج 12 ص 50 ح 33951.
و قال: الإيمان يمان، و الحكمة يمانية (1)
و قد ذكر بعض فضائل أُُويس في الصحيحين، فراجع (2)
و أمّا الحسن البصري؛ فحاله في ملازمة الصوف و ما خشن و جشب مشهور، و من هذا العصر صار كلّ من يدخل في هذه الطريقة- أعني طريقة الزهد و التقشف- يلبس الصوف، و يسمى الصوفي (3)
فأين هذا من ترجمة كتب اليونان و الأخذ منهم و التعويل عليهم؟!
و أين قولك: لم يظهروا بعلمهم هذا و لا عرفوه بهذه الصفة إلّا بعد الترجمة؟!
وها هم عرفوه بتمام صفته و أكمل معرفته، و سمّوه بهذا الاسم قبل الاشتغال بالترجمة بمئة عام.
نعم، أصابوا تلك الحقايق الراهنة- أعني حقايق التصوف- من عند أنفسهم و صفاء قرايحهم، كساير العلوم التي اخترعوها من دون اعتماد و استناد إلى غيرهم.
1) رواه البخاري، و مسلم، و ابن منيع، و الترمذي، و احمد، و الطبراني، و الخطيب البغدادي، و الديلمي في مسند الفردوس، و سعيد بن منصور في سننه و ابن عساكر و آخرين كما في كنز العمال ج 12 ص 48- 52 ح 33940- 33963 من طريق أبي هريرة و البراء و أبي كبشة و ابن مسعود و غيرهم.
2) راجع: صحيح مسلم ج 7 ص 188 كتاب الفضائل فضائل أويس القرني، كنز العمال ج 12 ص 74 عن البخاري و مسلم و الحاكم و آخرين من حديث 34058- 34070، مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 38، طبقات ابن سعد ج 6 ص 204- 207، مستدرك الحاكم ج 3 ص 455- 461 ح 5716- 5729، سير أعلام النبلاء ج 4 ص 33-19.
3) راجع حلية الأولياء ج 2 ص 87- 132 في تراجم الزهاد الثمانية.
أزيدك على ذلك أن ابن أبي جمهور الإحسائي (1)من أهل القرن الثامن إلى التاسع؛ و هو من مشاهير متصوفة الإمامية و فلاسفتهم و محدثيهم روى في كتابه «عوالي اللآلي» عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام أنّه قال: إنّ لفظ الصوفي مركب الأُصول من حروف ثلاثة: الصاد و الواو و الفاء ، فالصاد قايم على ثلاث دعايم: الصدق و الصبر و الصفاء، و الواو قائم على دعايم ثلاث: الود و الورد و الوفاء، و الفاء على دعايم ثلاث: الفرد و الفقر و الفناء، فمن وجدت فيه هذه المعاني فهو صوفي، و إلّا فكلب الكوفي خير من ألف صوفی (2)
أمليته- هكذا- من خاطري عن حفظ قديم و لعل فيه بعض التغيير أو الزيادة و النقص، و لكنّه على أي هو بهذا المضمون و ما يقرب منه.
إذاً فهذا العلم بهذا الاسم قد وجد في صدر الإسلام، فأين كانت كتب اليونان؟! و لكن المؤلف أصلحه الله لا يزال مع العربية و الإسلام على حد المثل:
رام نفعاً فضرّ من غير قصد *** و من البرّ ما يكون عقوقا (3)
فإنّا نحاشيه أن يقصدهما عمداً بسوء، و لكن:
1) محمّد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الإحسائي المتوفى نحو 880 ه، و قيل من تأليف «العوالي» سنة 895، و كان معاصراً للمحقق الكركي، قيل خلط في كتابه بين الغث و السمين، و له كتاب المجلي. (راجع ترجمته في الكنى و الألقاب ج 1 ص 192، و الأعلام ج 6 ص 288).
2) عوالي اللآلي ج 4 ص 105 ح 156، و لفظه (روي عنه عَلیْهِ السَّلام و قد سئل عن معنى التصوف؟ فقال عَلیْهِ السَّلام: التصوف مشتق من الصوف، و هو ثلاثة أحرف (ص، و، ف) فالصاد: صبر و صدق و صفاء، و الواو: ود، و ورد، و وفاء، و الفاء: فقر،و فرد و فناء).
3) ينسب البيت للشافعي. (راجع ديوانه ص 295، و وفيات الأعيان ج 4 ص 167).
يصيب و ما يدري و يخطي و ما درى *** و كيف يكون .. إلا كذلكا (1)
و كيف يكون النّوك إلّا كذلك، و النوك: الحمقى.
صفحة 339: (الكيميا): (و أوّل من اشتغل في نقلها إلى العربية خالد ابن يزيد (2)و عنه أخذ جعفر الصادق (3).. و بعده جابر بن حيان (4)
و قال علي بن يوسف القفطي في تاريخ الحكماء: كان متقدّماً و بارعاً في العلوم الطبيعية كما في صناعة الكيمياء، لهُ تصانيف كثيرة ، قيل: عددها 232 كتاباً، و قيل: بلغت 500، و قيل: 1300 کتاب.
و قال ابن خلكان في الوفيات ج 1 ص 327، و كان تلميذه- أي الصادق عَلیْهِ السَّلام- أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي قد ألف كتاباً يشتمل على ألف و رقة تتضمن رسائل جعفر الصادق و هي خمسمئة رسالة.
و قال برتلو المؤلف الفرنسي صاحب كتاب «تاريخ الكيمياء في القرون الوسطى»: إنّ اسمه ينزل في تاريخ الكيمياء منزلة اسم أرسطو طاليس في تاريخ المنطق، و قد عرف جابر بن حيان في العالم اللاتيني باسم (جبير) من كتبه: «أسرار الكيمياء - ط»، «علم الهيئة- ط»، «أصول الكيمياء- ط»، «و كتاب في السموم»، «و تصحيحات كتب أفلاطون»)، «الخمائر»، «كتاب الخواص الكبير» المعروف
بالمقالات الكبرى، «الرياض»، «صندوق الحكمة»، «العهد» في الكيمياء و غيرها. و قال برتلو: هو أوّل من استخرج حامض الكبريتيك و سمّاه زيت الزاج، و أوّل من اكتشف الصودا الكاوية، و أول من استخرج ماء الذهب، و ينسب إليه استحضار مركبات أُخرى مثل كاربونات البوتاسيوم، و كاربونات الصوديوم، و قد درس خصائص مركبات الزئبق و استحضرها.
و قال لوبون: تتألف من كتب جابر موسوعة علمية تحتوي على خلاصة ما وصل إليه علم الكيمياء عند العرب في عصره، و قد اشتملت كتبه على بيان مركبات كيماوية كانت مجهولة قبله، و هو أوّل من وصف أعمال التقطير و التبلور و التذويب و التحول ... الى آخره.
(راجع ترجمته في أعيان الشيعة ج 4 ص 30، و الأعلام ج 2 ص 103).
ثمّ1) البيت لأبي الأسود الدؤلي كما في الأغاني ج 12 ص 358، و عجزه:
2) هو خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي ت 90 ه، كان له اهتمام بالكيمياء و النجوم.
3) لا يخفى أنّ الإمام الصادق لم يخرج إلى الشام إلّا مرّة واحدة مع أبيه الباقر عَلیْهِ السَّلام و في خلافة هشام بن عبد الملك الذي تسلم الملك سنة 105 ه أي بعد وفاة خالد بعشرين عاماً على على أقل تقدير، العلم أنّ عمر الإمام عَلیْهِ السَّلام حين وفاة خالد بن يزيد لم يكن يزيد على سبعة أعوام حيث كانت ولادته عام 83ه، فكيف يكون قد درس عنده و أخذ عنه الكيمياء؟! (راجع البحار ج 46 ص 306، الإرشاد ج 2 ص 179).
4) جابر بن حيان بن عبد الله الطرسوسي الكوفي المعروف ب الصوفي ت 160 ه، أو 180 ه، و قيل غير ذلك، كان حكيماً رياضياً فيلسوفاً عالماً بالنجوم طبيباً منطقياً رصدياً مؤلفاً مكثراً فى جميع هذه العلوم و غيرها، كالزهد و المواعظ، من أصحاب الإمام جعفر الصادق عَلیْهِ السَّلام و أحد أبوابه و من كبار الشيعة.
هذه هي الطامة الكبرى التي ما جئتنا في كتابك هذا و لا غيره بأدهى منها و أمر، أيُّ طامة أدهى من أن يدّعى أنّ جعفر الصادق و هو ابن خمسة أيمة و أبو ستة أيمة- تعتقد أمة مهمة في العالم منذ اثني عشر قرناً فأكثر أنّهم أيمة معصومون طاعتهم فرض من الله و حتم على العباد، و أنهم عالمون بتعليم إلهي أغناهم عن كافة التعاليم البشرية- يدّعى أنّ مثل هذا
1) أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي، فيلسوف العرب و الإسلام في عصره، و أحد أبناء الملوك من كندة، نشأ في البصرة و انتقل إلى بغداد، فتعلم و اشتهر بالطب و الفلسفة و الهندسة و الفلك، و ترجم و شرح كتباً كثيرة، و ساعده التوفيق الإلهي على تحصيل الثقافة القرآنية الكاملة من الإمام الحسن العسكري ، عدّه ابن طاووس و صاحب الذريعة من علماء الشيعة، و لقي في حياته ما يلقاه أمثاله من فلاسفة الاُمم، فوشي به إلى المتوكل العباسي فضرب و أُخذت كتبه، ثمّ ردّت إليه، و كان يقول: لا يفلح الناس و عين تطرف رأت المتوكل، من كتبه «اختيارات الأيام»، «الأدوية المركبة» ترجمت إلى اللاتينية و طبعت بها، و «رسم المعمور و خرائط و صور عن الارض»، ذكره المسعودي، و «القول في النفس- ط»، و «المد و الجزر»، «حوادث» الجو- ط»، «النغم- ط »، و غيرها ت نحو 260 ه. (راجع ترجمته في أعيان الشيعة ج 10 ص 307، و الأعلام ج 8 ص 195).
2) ج 2 ص 648.
الإمام يطلب الكيمياء التي لا يطلبها إلّا السقَّاط و ضعفاء العقول حتّى عدّت من الخرافات؟! (1)
قال الدكتور قدري طوقان: رأى الكندي بثاقب نظره أنّ الاشتغال في الكيمياء للحصول على الذهب مضيعة للوقت و المال في عصر كان يرى فيه الكثيرون غير ذلك، و ذهب إلى أكثر من ذلك فقال- أي الكندي- إنّ الاشتغال في الكيمياء بقصد الحصول على الذهب يذهب العقل و الجهد، و المشتغل في ذلك يخدع الناس كما يخدع نفسه، و الكيمياء من هذه الناحية علم خادع و زائف. (أُنظر: الأعيان ج 10 ص 309- 310).
ثمّ ممن يطلبها؟! يطلبها من خالد بن يزيد بن معاوية؟!
عفا على العلم، متى كانت أداني بني هاشم تأخذ شيئاً من العلم عن بنی أُمية أو ترى لهم من الفضل حظاً؟!
فكيف بسيد بني هاشم و إمامهم و صادقهم؟!
بل متى كان عبد من عبيد بني هاشم يرى شأناً لكبار بني أُُمية، فضلاً عن أحداثهم و شبّانهم و مسخرة عبد الملك و ربيب مروان؟(2)
إنّ الدنيا- و إن أصبحت و لا تزال-:
قد بدّلت أعلى منازلها *** سفلاً و أصبح سفلها يعلو (3)
إني و ما نحروا غداة منىً *** عند الجمار تؤدّها العقلُ
لو بدّلت أعلى مساكِنها *** سفلاً و أصبح سفلها يعلو
1) لا يخفى أنّ الشيخ قُدِّس سِرُّه يقصد الكيمياء بمعناها العلمي المعروف اليوم و إلّا فهل يمكن عدّ شخص يدّعي بأنّ العلم خرافة عاقلاً و عالماً، بل من الواضح أنّه يقصد ما يعرف باصطلاح القدماء (بالصنعة)؛ و هي تحويل المعادن الخسيسة إلى الذهب، حتّى إن الكندي نفسه وضع رسالة سماها: ( رسالة في بطلان دعوى المدعين صنعة الذهب و الفضة و خدعهم).
2) راجع أخباره مع مروان بن الحكم و كيف كان يشتمه أقبح شتم في أمّه و كان يصغّره حتى قتلته أُم خالد و كان قد تزوجها، خنقته تحت الوسادة مع جواريها، و كذلك اخباره مع عبد الملك (في الأغاني ج 17 ص 347- 350).
3) البيت للحارث بن خالد المخزومي من أبيات ذكرها صاحب الأغاني في ج 3 ص 311 و ص 314 يقول فيها:
و لكن هيهات! فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (1)
و لقد كان عند جعفر الصادق بن محمّد من العلوم ما هو على الحقيقة و الواقع أعزُّ من الكيمياء و أعلى قدراً منها، كان يقول: عندنا الجفر الأحمر، و الجفر الأبيض، و كتاب علي بإملاء رسول الله، و مصحف فاطمة فيه علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة (2)
و قد ذكر هذا الجفر أبو العلاء المعري في شعره، فقال:
لقد عجبوا لأهل البيت لمّا *** غدوا و علومُهم في مسك جَفْرِِ
فمرآةُ المنجم و هي صغرى *** تُریهِ كلّ عامرةٍ و قفرِِ (3)
و قد تواتر عنه سلام الله عليه أنّه أخبر بني العباس عدّة مرات في أيّام بني أُُمية أنهم سينالون الخلافة حتّى نصّ على خصوص أبي العباس السفاح و أبي جعفر المنصور (4)في دولة بني أميّة يوم كان أكبر من في بني العباس يرى أن تناول السماء أدنى إليه من تناول أدنى الإمارات فضلاً عن الخلافة.
هذا أبو الفرج الأصبهاني في «مقاتل الطالبيين» المطبوع بأحسن طبع
1) سورة المائدة 5: 56.
2) راجع وسيلة النجاة للسهالوي: ص 349، و الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ص 223، و ينابيع المودة: ص 404، و ص 415، و نور الأبصار: ص 197، و راجع مناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 198، و البحار: ج 47 ص 270.
3) راجع دیوانه (لزوم ما لا يلزم) ج 1 ص 553، و نسمة السحر ج 1 ص 268، و وفيات الأعيان ج 3 ص 240.
4) راجع الصواعق المحرقة: ص 121، و ينابيع المودة: ص 332، و جامع کرامات الأولياء- للنبهاني - ج 2 ص 5.
حجري ذكر عدّة روايات مستفيضة هاك خلاصة مجموعها.
روى بأسانيده أنّ جماعة من بني هاشم اجتمعوا ب(الأبواء) و فيهم إبراهيم بن محمّد الإمام، و أخوه السفاح و المنصور و عبد الله بن الحسن، و ولداه محمّد و إبراهيم (1)و صالح بن علي (2)، فقال صالح: قد علمتم أنّكم الذين تمد الناس أعينها إليكم، و قد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعة لرجل منكم، و تواثقوا على ذلك حتى يفتح الله و هو خير الفاتحين.
ثمّ طلبوا حضور جعفر بن محمّد سلام الله عليهما، فلمّا جاء أوسع له عبد الله بن الحسن، ثمّ طلب البيعة منه لابنه محمّد- يعني صاحب النفس الزكية المعروف بقتيل أحجار الزيت-، فقال جعفر: لا تفعلوا، فإنّ هذا الأمر لم يأت بعد.
فلمّا ألحّ عليه عبد الله، قال له: لا و الله، لا ندعك و أنت شيخنا و نبايع ابنك .
فغضب عبد الله، و قال: لقد علمت خلاف ما تقول، و لكن يحملك على هذا الحسد.
فقال: ما و الله يحملني ذلك، و لكن هذا الأمر- و الله- ليس إليك و لا إلى ابنيك، و إنّما هو لهذا- يعني السفاح- ثمّ لهذا- يعني المنصور- ثم لولده لا يزال فيهم حتّى يؤمروا الصبيان و يشاوروا النساء.
فقال عبد الله بن الحسن: يا جعفر! و الله، ما أطلعك الله على غيبه، و ما قلت هذا إلّا حسداً.
فقال: و الله، ما حسدته و إن هذا- يعني أبا جعفر المنصور- يقتله على أحجار الزيت، ثمّ يقتل أخاه بعده، ثمّ قام- يعني الصادق-مغضباً يجرّ رداءه، فتبعه المنصور، فقال: أتدري ما قلت يا أبا عبد الله؟!
فقال: إي و الله أدريه، و إنّه لكائن.
و في واقعة أُُخرى قال لعبد الله بن الحسن لمّا طلب البيعة لابنه محمّد: أرأيت صاحب القباء الأصفر- يعني المنصور-؟
قال: نعم.
قال: فإنّا- و الله- نجده يقتله.
قال: أيقتل محمداً؟
قال: نعم، يقتل محمداً و أخاه.
قال راوي الحديث، فقلت في نفسي: حسده و رب الكعبة، ثمّ- و الله- ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما.
ثمّ لما حارب المنصور إبراهيم في (باخمرا) من نواحي الكوفة و ظهرت- أوّلاً- إمارات الغلب لجيش إبراهيم، جعل المنصور يقول: ويلك يا ربيع! كيف و لم ينلها أبناؤنا، فأين إمارة الصبيان؟!
هذا خلاصة ما ذكره في ذلك الكتاب (1)
و في غيره أنّه كان يقول: أين قول صادقهم تلعب بها صبيانهم على
1) راجع مقاتل الطالبيين: ص 185- 186، و إرشاد المفيد ج 2 ص 190- 193، و مروج الذهب ج 3 ص 254- 255، و البحار ج 47 ص 276- 278.
المنابر (1)؟
بل في بعض المصادر: أنّ أبا مسلم- صاحب الدعوة- حين طمحت نفسه إلى نقل الدولة إلى بني هاشم و تحويلها من بني أُميّة، أوّل ما بدأ بها الصادق، و دعاه إلى القيام بها، و أكثر عليه من الكتب، و الإمام عَلیْهِ السَّلام لا يجيبه بشيء، فأرسل إليه خصوصياً من يطالبه بالجواب.
فأخرج الإمام كتب أبي مسلم- و كانت في محضره الشريف شمعة مسرجة- فقال للرسول: هذه كتب صاحبك، ثمّ أدناها جميعاً من الذبالة (2)فأحرقها، و قال: قل له هذا جواب كتبك (3)
و يؤيد هذا ما ذكره الشهرستاني في كتابه الشهير ما نصّه: و كان أبو مسلم صاحب الدولة على مذهب الكيسانية في أوّل أمره و اقتبس من دعاتهم العلوم التي اختصوا بها، و أحسّ منهم أنّ هذه العلوم مستودعة فيهم و كان يطلب المستقر فيه، فأنفذ إلى الصادق جعفر بن محمّد: إني قد أظهرت الكلمة و دعوت الناس عن موالاة بني أُُمية إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فيها فلا مزيد عليك، فكتب إليه الصادق: ما أنت من رجالي و لا الزمان زماني، فحاد إلى أبي العباس بن محمّد و قلّده الخلافة (4)
نعم، و إنّه سلام الله عليه لم يرث ذلك عن كلالة (5)، و لا تلقف هذه
1) راجع بحار الأنوار ج 47 ص 176.
2) الذبالة: الفتيلة. (لسان العرب ج 5 ص 26 مادّة «ذبل»).
3) راجع مروج الذهب ج 3 ص 254، و الكافي ج 8 ص 274 ح 412، و مناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 249.
4) الملل و النحل ج 1 ص 153، و ينابيع المودة ج 3 ص 161.
5) الكلالة: ما لم يكن من النسب لَحّاً. (لسان العرب ج 12 ص 143 مادّة «كلل»).
العلوم عبطة (1)، بل هو متوارث بينهم خلف عن سلف إلى أبيهم أمير المؤمنين و جدّهم خاتم النبيين سلام الله عليهما.
و قد استفاض أنّ عبد الله بن العباس لمّا ولد له ابنه على جدّ المنصور و السفاح جاء به إلى أمير المؤمنين ليبارك عليه، فأخذه و كبّر في أذنه اليمنى و أقام في اليسرى ثمّ دفعه إليه و قال: خذ إليك أبا الأملاك (2)
و ذكر الدميري في كتابه الشهير حكاية خلاصتها: أنّ الأصمعي (3)حاور الأمين و المأمون يوماً ليختبر ما عندهما من العلم و الفضل، فلمّا رأى ما عجبه أطراهما عند الرشيد و أثنى عليهما فتحسر الرشيد و دمعت عيناه و قال: كيف بهما إذا تحاسدا و تنافسا على الملك حتى يقتل أحدهما الآخر: ثمّ ذكر بعض ما جرى بين الأمين و المأمون بعد عدّة أعوام، قال المأمون و كان أبي قد سمع كلّ ذلك من موسى بن جعفر علیهِِِِما السَّلام (4)
أنا و حرمة الإنسانية و ذمة الإنصاف لا أدري كيف أفصح لك في مضيق مقامي عن أوائل ذلك المقام الواسع، و بأي عبارة و بيان أستدني القريب من ذلك الخطر الشاسع.
و لكني و لا أزال أقول ليت الأسباب و الحظوظ ساعفتك بالوقوف على
1) العبْط: أخذك الشيء طريّاً. (تاج العروس ج 10 ص 332 و 333 مادّة «عبط»).
2) راجع ينابيع المودة ج 3 ص 149 نقلاً عن فصل الخطاب للخواجا بارساي البخاري.
3) عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي ت 216ه، راوية العرب و أحد أئمة العلم باللغة و الشعر و البلدان، نسبته إلى جدّه أصمع، مولده و وفاته بالبصرة كان كثير التطواف في البوادي، يقتبس علومها و يتلقّى أخبارها و يتحف بها الخلفاء، فيكافاً عليها بالعطايا الوافرة، و كان الرشيد يسميه (شيطان الشعر)، و اخباره كثيرة جداً. ( الأعلام ج 4 ص 162).
4) حياة الحيوان ج 1 ص 77.
شيء من المؤلفات التي تشتمل على ذرو (1)يسير من علوم جعفر بن محمّد من حكمه و حكمته في فلسفته الكونية و علومه الإلهية، فضلاً عن الأخلاقيات و الشرعيات و الأدعية و المناجاة و أمثالها، ليتك وقفت على شيء من ذلك ليحصل عندك في أمره ما يصدك عن أن تكيل له بالكيل الطفيف، أو أن تزنه بالوزن الخفيف.
معاذ الله بل إنّما تبخس وزنك، و تطفف كيلك، و تحط من الحظوة بمعالي العلوم و عليات العلماء مقامك، أمن النَّصف يا هذا! أن يكون كتابك هذا المشتمل جزاه على ما يناهز السبعمئة صفحة وفيه ذكر كلّ ما هبَّ ودبّ من كسير و عوير (2)و من ليس بذكره خير، و لكن لا ذكر فيه لجعفر بن محمّد إلّا في هذا المقام السخيف (تعلم الكيمياء)!!
ثمّ من البلوى التي ما عليها من مزيد، أن يتعلّمها من خالد بن يزيد. هب أنّك لا تدري بشيء من تلك الشؤون، و لا تعرف ما بين ذينك القبيلتين و لا التفاوت في المنزلة بين الشخصين، و لكن أفلا تدبّرت تاريخ عصريهما، و أنّها مزعمة يشهد زمانها ببطلانها و يشهد التاريخ ببهتانها، فإنّ خالد بن يزيد مات سنة 85 و الصادق عَلیْهِ السَّلام كان مولده الشريف سنة 83 فيكون عمره عَلیْهِ السَّلام عند موت خالد سنتين، أفهل كان تعلّمه الكيمياء في هاتين السنتين؟! أفدنا أيّها المؤرخ الباحث الشهير.
ثمّ هب أنّك لا إلمام لك بشيء من كتب الشيعة لتعرف شيئاً من مقامات ذلك الإمام و مركزه من المحيط الإسلامي، و لكن أفلا سنح لك
النظر في كتاب نحل الشهرستاني؟ الذي ما كنت أحسب ناظراً في التاريخ و باحثاً عن أحوال الأُمم إلّا و يتصفحه أوّلاً قبل كلّ كتاب.
خذ إليك ما ذَكَرَ به جعفر بن محمّد- على أنّه ممن لا يقول بإمامته، و لا يدين بعصمته- قال ما نصّه في الباقرية و الجعفرية: كما توقف القايلون بإمامة أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق، و هو ذو علم غزير في الدين و أدب كامل في الحكمة، و زهد بالغ في الدنيا، و ورع تام عن الشهوات، و قد أقام بالمدينة مدّة يفيد الشيعة المنتمين إليه، و يفيض على الموالين له أسرار العلوم، ثمّ دخل العراق و أقام بها مدّة ما تعرض للإمامة قطّ و لا نازع أحداً في الخلافة، و من غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، و من تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط؛ و قيل من أنس بالله توحش عن الناس و من استأنس بغير الله نهبه الوسواس، و هو من جانب الأب ينتسب إلى شجرة النبوة و من جانب الأم (1ينتسب إلى أبي بكر رَضی اللهُ عَنْهُ) (2)انتهى.
ثمّ ذكر تبرءه مما كان ينسب إليه بعض الغلاة و الرافضة (3)
نعم، و مذهب الشيعة الذي ينتمي إليه اليوم و يعرف بالمذهب الجعفري، يبرأ مما برأ منه سلام الله عليه، يبرأ من تلك الشنايع، من التناسخ و الحلول و التشبيه و أمثالها.
هذا و ما ذكره الشهرستاني و ذكرناه بغير مبالغة و لا إغراق من فضل جعفر بن محمّد و آبائه أهل البيت سلام الله عليهم، قطرة من سحاب و ذرة من هضاب، على أنّ فيه ما يغنيه عن تعلم الكيمياء من خالد بن يزيد بن
معاوية، و الله المستعان على دحض الباطل و تحقيق الحقايق، و هو حسبنا و نعم الوكيل.
342: في جمعية إخوان الصفا (1)(قد دوّنوا فلسفتهم في خمسين رسالة) (2)لا بل هي إحدى و خمسون حسب النسخة المطبوعة في بومباي (3)و هذه الواحدة كبرنامج حاوٍٍٍ لرؤوس تلك المباحث و الآراء.
344: (أشهرهم أي المنجمون بنو شاكر (4)) (5)، بل لعل أشهر منهم
1) قال بطرس البستاني في مقدّمة رسائلهم: تألفت هذه الجماعة في القرن الرابع الهجري، و كان موطنها البصرة، و لها فرع في بغداد و لم يعرف من أشخاصها إلّا خمسة، و هم كما في كشف الظنون ج 1 ص 902 أبو سليمان محمّد ابن نصر البستي المعروف بالمقدسي، و أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، و أبو أحمد النهرجوري، و العوفي، و زياد بن رفاعة، كلّهم حكماء اجتمعوا و صنفوا إحدى و خمسين رسالة.
2) ج 2 ص 651.
3) في طبعة دار صادر 52 رسالة مقسمة على النحو التالي: 14 رسالة القسم الرياضي، و 17 رسالة الجسمانيات الطبيعيات، و 10 رسائل النفسيات العقليات، و 11 رسالة فى العلوم الناموسية الإلهية و الشرعية، و الاخوان أنفسهم قسّموها هذا التقسيم في مقدّمة رسائلهم.
4) بنو موسیٰ بن شاكر، محمّد، و احمد، و الحسن، الاخوة الثلاثة الذين تنسب إليهم حيل بني موسى، و كانت لهم همّة عالية في تحصيل العلوم القديمة و كتب الأوائل، و أتعبوا أنفسهم في شأنها و أنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها لهم، فأظهروا عجائب الحكمة، و كان الغالب عليهم من العلوم: الهندسة، و الحيل، و الحركات، و الموسيقى، و النجوم و هو الأقل، و لبني موسى من الكتب (كتاب بني موسى في الفرسطون، كتاب الحيل لأحمد بن موسى، كتاب الشكل و المدور و المستطيل للحسن بن موسى، كتاب حركة الفلك الأُولى، مقالة لمحمد، كتاب المخروطات، كتاب ثلث لمحمّد، و كتب أخرى. (راجع فهرست ابن النديم: ص 434، وفيات الأعيان ج 5 ص 161).
5) ج 2 ص 652.
بنو نوبخت (1)و هي أسرة كبيرة واسعة الأطراف تسلسلت مع الخلافة العباسية، فإن جدّهم نوبخت عاصر المنصور.
و في «ربيع الأبرار»: لمّا فرغ المنصور من بناء بغداد سنة ست و أربعين و مئة أمر نوبخت المنجم أن يأخذ طالعها، فوجد المشتري في القوس، فحكم بظهور فضلها على ساير البلاد، فَسُرَّ المنصور بذلك ... ثمّ قال: و خصلة أُخرى أنّه لا يموت بها خليفة أبداً) انتهى (2)
و استمرت تلك القبيلة إلى أواخر الخلافة العباسية و فيهم نوابغ في الحكمة و الفلكيات و ساير العلوم و هم الذين قاموا مع بني شاكر بعمل الرصد المأموني أوّل رصد عمل في الإسلام (3)
و قد فات المؤلف أن يذكره و هو من أهم الآثار و الآداب العربية التي
1) نوبخت اسم فارسي لرجل فارسي اشتهر بعلم النجوم و عملها في أواخر الدولة الأموية و أوائل الدولة العباسية، عمّر أكثر من مئة سنة، فكان ينجم لخالد بن يزيد، ثمّ صحب المنصور فى الخلافة العباسية، و تولى معه بناء بغداد و هندسة رسومها و استخراج طوالعها و نجومها، و هو الذي عيّن ساعة الشروع في البناء يوم 23 تموز، و كان قد أسلم على يد المنصور فسمّاه عبد الله و حسن إسلامه و إسلام ولده أبي سهل الذي قام مقام أبيه في التنجيم، و عمّر أبو سهل زهاء ثمانين سنة و أدرك سبعة من الخلفاء و توفي سنة 202 ه في عصر المأمون و خلف سهلاً، و سليمان، و إسحاق، و إسماعيل، و هارون، و محمّد، و عبيد الله و غيرهم، وكلٌ كامل غير خامل الذكر، لهم الشهرة الواسعة في علم النجوم و ترجمة أُصوله و فصوله إلى العربية، و استمر بنو نوبخت إلى القرن الخامس الهجري و بيدهم مقاليد أبواب الأفلاك و أرصاد النجوم، و صاروا عيوناً لمراقبة الكواكب و ضبط حركتها، و خزان بيوت الحكمة، و منهم الفلاسفة و المتكلمون و العلماء. (راجع مقدّمة فرق النوبختي بقلم هبة الدين الشهرستاني).
2) ربيع الأبرار ج 1 ص 312.
3) راجع مقدّمة ابن خلدون ج 1 ص 540، و كشف الظنون ج 1 ص 905.
يجب ذكرها و البحث عن تاريخها، و لكن المؤلف أصلحه الله قد يطيل عناءه و يوسع نطاق البحث في أوهن موضوع ثمّ يضرب صفحاً عن أهم المواضيع و أسنى حسنات التاريخ، و من غريب أمره أنك تجده يبحث في بعض الموضوعات بحثاً مدققاً حتّى تحسبه وقف على الصميم منه و تجاوز الشغاف فيه، ثمّ غبّ يسير تقف على زلة فيه لا تقع إلّا ممن لا خبرة له بشيء منه.
(نموذج ذلك) إنك إذا نظرت في بحثه عن المعلقات و ترجمته لأربابها و كثير من شؤونها و أسبابها حسبت أن كلّ بيت من المعلقات، بل كلّ كلمة من تلك الأبيات مرتسمة على صحيفة خاطره حاضرة على طرف لسانه، فما ختم ذلك الجزء حتّى هفا هفوة من لم يقف على شيء من المعلقات حتى كأنّه لم يسمع بها، فإنّه ذكر في ترجمة زياد الأعجم (1)صفحة 276 أن من شعره أو حكمه قوله (2):
و كاين ترى من صامتٍ لك معجب *** زيادته أو نقصه بالتكلّم
لسانُ الفتى نصفٌ و نصفٌ فؤادهُ *** فلم يبق إلّا صورة اللحم و الدمِ (3)
أكان يسنح على خاطرك أيّها القارئ الكريم أن أديباً أو متأدباً أو
1) زياد بن سليمان [سليم] الأعجم، أبو أُمامة العبدي مولى بني عبد القيس، من شعراء الدولة الأموية، جزل الشعر فصيح الألفاظ، كانت في لسانه عجمة فلقب بالأعجم، ولد و نشأ في أصفهان و انتقل إلى خراسان فسكنها و طال عمره و مات فيها نحو 100 ه، عاصر المهلب بن أبي صفرة، و له فيه مدائح و مراث و كان هجاءً، و أكثر شعره في مدح أمراء عصره و هجاء بخلائهم، و امتدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. (راجع ترجمته في الأعلام ج 3 ص 54).
2) ج 1 ص 269.
3) البيتان لزهير بن أبي سلمى من معلقته المشهورة. (راجع شرح المعلقات للزوزني: ص 122، و ديوانه: ص 115).
شادياً في مبادي العلوم العربية لم يسمع بهذين البيتين، إن لم يكن قد حفظهما و حفظ أنّهما من معلقة زهير بن أبي سلمى الشهيرة ذات الحكم الباهرة و الآداب المحكمة التي قد ذكر المؤلف نفسه بعض أمثالها و محكمات حكمها في أوّل الجزء الأوّل من كتابه صفحة 29.
و من الغريب أن آخر ما نقله منها البيت المشهور (1):
و مهما تكن عند امريٍ من خليقةٍ *** و إن خالها تخفى على الناس تُعلمِ (2)
ثمّ البيتان اللذان نسبهما لزياد الأعجم بعد هذا البيت بلا فصل، فما ندري من أي تساهلاته في هذا الكتاب نعجب؟ أمن نسبة الأشعار إلى غير قائليها كما مرّ عليك غير مرّة؟ أو من نسبة الكتب إلى غير مصنفيها كما سمعت من نسبة النهج إلى الشريف المرتضى ثمّ إنكار كونه جميعاً لأمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام.
أما هذه المزعمة فقد كفانا الشارح ابن أبي الحديد مؤنة توسيع مخاضتها بما سجّل عليه في عدّة مواضع من كتابه استحضر منها الساعة على خاطري موضعين:
أحدهما: في الخطبة الشقشقية من الجزء الأول (3)
و الثاني: في الجزء الثاني صفحة 546 من طبعة مصر (4)و قد ذكر ذلك في سوى هذين الموضعين فليراجع (5)
و إلى هنا فقد انتهت ملاحظتنا بانتهاء مطالعتنا للكتاب و نحن واثقون أن مباحثنا هذه ستلقى ارتياحاً و قبولاً من المؤلف و غيره من أهل العلم إذا علموا (و يشهد الله و العلم على ذلك) إنّ يراعتنا ما رشحت بشيء من البيان هنا إلّا عن خالص نية و صافي طويّة و غيرة على الحقايق أن تمتزج بخلافها و تختلط بأضدادها، وهذا ما نرومه و نسعى إليه جميعاً نحن و المؤلف و ساير الباحثين إن شاء الله.
و للجميع منا تمام السلم و الموادعة، فإنّا على ما نقدناه و وجدناه نعرف عظيم عنائهم، و نقدر قدَر مجاهداتهم في أمثال هذه المشروعات و الموسوعات، و نسأله تعالى لهم التوفيق و المزيد و أن يصحح نياتنا و يصلح دخايلنا فما المستعان إلا به، و لا التكلان إلّا عليه.
هذا وقد فاتنا التنبيه على ملاحظات مهمة من ذلك الكتاب، و كان استعجالنا و حثيث سيرنا هو الذي حجبها عنّا في النظرة الأولى.
فمن ذلك ما ذكره في صفحة 42 من الجزء الثاني (أنّ بعضهم حبب إلى المنصور أن يستبدل الكعبة بما يقوم مقامها في العراق، و تكون حجّاً للناس و فعل و لم يفلح) انتهى (1)
و هذا من الغرابة بمكان، و لم نعثر عليه فيما نظرنا فيه من أُُمّهات التواريخ الشهيرة، و ما أدري من أين جاء به المؤلف سوى أن أحاله على تاريخ التمدن الإسلامي (2)تأليف المؤلف نفسه، و لم يحضرني الكتاب لأنظر فيه عسى أن يكون أسنده إلى أحد المصادر الوثيقة.
أما الإحالة على تاريخ التمدن- مع عدم بيان السند هنا- ففي غاية الظرافة، بيد أن المنصور و كل بني العباس كانوا أقصر باعاً و أضيق اضطلاعاً أن تسمو أنفسهم إلى هذا الأمر الخطير، و إلى تغيير هذا الركن الأساسي من الشريعة المقدّسة الإسلامية.
و لعلّ نظر المؤلف إلى حديث القبّة الخضراء التي بناها المنصور عند تمصير بغداد؛ و هي من العمارات التي لها دوي في الدنيا و شأن مهم عند
مؤرخي بغداد (1)، و يخطر لي أنّ هذه اللفظة (القبة الخضراء) قد ذكرها المؤلف إمّا في كتابه هذا أو غيره.
و على أيٍّ فقد عثرت على جملة أجزاء من تاريخ دار السلام للحافظ الخطيب البغدادي المتولد في أواخر القرن الرابع (2)و هو التاريخ الذي جمع فأوعى من شؤون بغداد، و لم يدع شارقة و لا بارقة إلّا و جاء بها، و قد ذكر القبّة الخضراء، هذه التي بناها المنصور في قصر الخلد و أطال الكلام فيها عن كلّ دقيق و جليل.
فمما ذكره هناك قال: أنبأنا إبراهيم بن مخلد القاضي، قال: سقط رأس القبة الخضراء خضراء أبي جعفر المنصور التي في قصره بمدينة السلام يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة تسع و عشرين و ثلث مئة، و كان ليلتئذ مطر عظيم و رعد هايل و برق شديد، و كانت هذه القبّة تاج بغداد و علم البلد و مأثرة من مآثر بني العباس عظيمة، بنيت أول ملكهم و بقيت إلى هذا الوقت انتهى (3)و ذكر تفاصيل بناء هذه القبة و عجايبها المدهشة التي تنبئ عن مقدار ما بلغ إليه الاسلام من العظمة في ذلك العصر، و لم يذكر إشارة و لا تلويحاً إلى تلك المزعمة الغريبة- أعني نقل الحج من مكّة إلى بغداد- على أنّه قد استوفى في ترجمتها ما يقرب من جزء من الكتاب فيها و في كيفية بناء دار السلام، فراجع الجزء الثاني (4)إن
1) ذكر أخبار بناء بغداد ابن الجوزي في المنتظم ج 5 ص 129- 142 في أحداث سنة 145 ه بصورة مفصّلة.
2) ولد الخطيب البغدادي سنة 392 ه و توفيّ سنة 463 ه.
3) تاريخ بغداد ج 1 ص 73، و أخرجها ابن الجوزي عن الخطيب في المنتظم ج 8 ص 202- 203 في أحداث سنة 329.
4) راجع تاریخ بغداد ج 1 ص 66- 120 ذكر فيه تفاصيل بناء بغداد.
تسنى لك العثور على ذلك التاريخ الباهر النادر الوجود.
و قد ذكر المؤلف في هذا الكتاب ترجمة الخطيب البغدادي مؤلفه صفحة 324 و أطرى عليه بما هو حقّه و ذكر أنّه لم يطبع بل و إنّ كلّه لا يوجد (1)
أمّا الأجزاء التي عثرنا عليها فقد كان تاريخ نسخها في سنة تسع و ثمان مئة بخط يقرب إلى الكوفي (2)
و بالجملة فنحن نطالب بالإشارة إلى مصدر تلك الدعوى و تعيين مأخذها.
صفحة 61 السيد الحميري (3)توفّى سنة 173 (4)
إنّ أبا الفرج الأصبهاني في السابع من الأغاني و إن ذكر الخلاف في عام وفاة السيد حيث ذكر عدّة روايات أولاً أنّه توفي في زمن الإمام جعفر الصادق عَلیْهِ السَّلام، ثمّ ذكر بعض من حدّثه أنّه توفي في زمن الرشيد (5)و لكن المرجّح بحسب الكثرة و قراين الأحوال من انقطاع آثاره و أشعاره بعد المنصور تقضي بالأوّل، و هو الذي تضافرت به روايات الإمامية عن أيمتهم علیهِِِِمُ السَّلام أنّه رحمه الله مات في زمن الصادق، و ما مات إلّا بعد أن رفض ما كان عليه من ذلك المذهب الفاسد- مذهب الكيسانية- و دخل في الحق من مذهب الإمامية، و قد ذكر بعض ذلك أبو الفرج و غيره (6)فليتدبر.
و ذكر في صفحة 118 من الجزء الثاني ترجمة ابن السكيت (1)و قال: إنّ المتوكل سلّ لسانه من قفاه، لأنّه سأله: يا يعقوب أيّهما أحب إليك أو أيهما أفضل ابناي هذان، أم الحسن و الحسين؟، فأجابه: إنّ قنبر خادم الحسنين خير منك و من ابنيك (2)، و كان يحسن أن يورد هنا البيتين المشهورين له و هما و قد يرويان لغيره:
يصابُ الفتى من عثرة بلسانه *** و ليس يصابُ المرء من عثرةِ الرجلِِ
فعثرتُهُ بالقول (3)تذهب رأسه *** و عثرته بالرجل تبرى على مهلِ (4)
فإن صحّ أنّهما له فالواقعة من غريب الاتفاق حيث أصيب بحكمته، و أصاب في قوله، و ذهب رأسه بعثرة لسانه لا بعثرة رجله ، و لقد كان له فی التقيّة التي يزنُّون (5)بها الشيعة مندوحة، و لكنّه رضوان الله عليه أعرف بالله
1) أبو يوسف يعقوب بن اسحاق بن السكّيت ت 244 ه، صاحب كتاب «إصلاح المنطق» الذي قيل فيه ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة مثل «إصلاح المنطق» و قال المبرد: ما رأيت للبغداديين كتاباً أحسن من كتاب يعقوب بن السكّيت في المنطق، و قال ثعلب: أجمع أصحابنا أنّه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكّيت، و قال النجاشي: كان متقدّماً عند أبي جعفر الثاني و أبي الحسن علیهِِِِما السَّلام، و كان وجهاً في علم العربية و اللغة، و قال الخطيب البغدادي، كان من أهل الفضل والدين، موثوقاً بروايته قتله المتوكل لأجل التشيع. (راجع ترجمته في تاريخ بغداد ج 14 ص 273، وفيات الأعيان ج 6 ص 395، رجال النجاشي: 144 رقم 1214، الأعلام ج 8 ص 195).
2) ج 2 ص 424.
3) (في القول) في الوفيات.
4) أخرجهما ابن خلكان فى وفيات الأعيان ج 6 ص 399 و نسبهما لابن السكّيت.
5) فلان يُزنُّ بكذا و كذا، أي يُتهم به. (لسان العرب ج 6 ص 95 مادّة «زنن»).
و بأوليائه و بموارد التقيّة، و هو من أعلام الشيعة و رواتها و علمائها الذين يحق لها أن تباهي بهم في العلوم الإسلامية و أفانين العربية.
و قد روي في الكافي عن أبي يعقوب البغدادي، قال: قال ابن السكيت لأبي الحسن عَلیْهِ السَّلام: لماذا بعث الله موسى بالعصا واليد البيضاء و آلة السحر، و بعث عيسى بآلة الطب، و بعث محمّداً صلوات الله عليه بالكلام و الخطب ... ثمّ ساق الحديث (1)
و أبو الحسن كنية للإمام الكاظم (2)و لابنه الرضا (3)سلام الله عليهما و على الأوّل فيكون ابن السكيت قد أدرك و صحب ثلاثة أئمة الكاظم و الرضا و الجواد و شيئاً من زمن الهادي (4)سلام الله عليهم.
1) أصول الكافي ج 1 ص 39 كتاب العقل و الجهل.
2) و يعرف بأبي الحسن الأوّل عَلیْهِ السَّلام باصطلاح أهل الحديث و الرواية.
3) و يعرف بأبي الحسن الثاني حسب الاصطلاح.
4) و يعرف بأبي الحسن الثالث عَلیْهِ السَّلام و من الواضح أنّه هو المعني سلام الله عليه في هذه الرواية لأنّ وفاة الإمام الكاظم سنة 183 ه و ولادة ابن السكيّت سنة 186 ه، و كذا لا يكون المعني الإمام الرضا عَلیْهِ السَّلام لأنّ عمره عند وفاته عَلیْهِ السَّلام حدود خمسة عشر عاماً و كان في خراسان، فالقدر المتيقن هو الإمام الهادي عَلیْهِ السَّلام فصحبته له 24 عاماً، و هو الصحيح إن شاء الله.
ما بلغنا خبر إنجاز هذا الجزء إلّا و كنّا في أشد الطلب للوقوف عليه، و ما تمكنت منه و تملكته حتى استوفيته بالنظر و تمليته ، ثمّ أعدت مطالعته ثانياً و ثالثاً و في كلّ ذلك أزداد عجباً و ارتياحاً بما للنقد من الفوائد، و حسن تأثيره و تهذيبه للمؤلفات و أربابها الذين هم مادة الحياة الأدبية للأُمم و ناشئتها.
من ينظر إلى هذا الجزء و يقيسه إلى سلفيه الجزءين السابقين، يجد جلي البرهان على تلك الحقيقة الراهنة، كما اعترف به حضرة المؤلف نفسه في أوائل هذا الجزء و مثله من يعترف بالحقّ.
و من أثر تلك الانتقادات على تلك الاجزاء، و فضل عناية الأفاضل بها في التنبيه على مواضع الخلل منها، جاء هذا الجزء و هو بمكان من الضبط و الإتقان و السلامة، مما اشتمل عليه أخواه من النقائص و الأوهام، و تحوير الحقائق، على أنّه قد بقي فيه مواضع للنقد غير خفيفة، و مواقع للأخذ ليست بطفيفة، و لو لا ما أحسسنا به (و كنّا على علم منه) من عظيم فوائد النقد،لما وجهنا إليها نظر العناية، سيما و الكثير منها من لوازم الطبيعة، و ضروريات الفطرة، و قد قيل:
من ذا الذي ما ساء قَطّ *** و مَنْ له الحُسنى فقَطْ (1)
سامح اخاك إذا خلط *** منه الإصابة بالغلط
(راجع وفيات الأعيان ج 3 ص 455، حدائق الأنس ج 1 ص 294، و جواهر الأدب: ص 698).
1) البيت للحريري من أبيات في الحكم و المواعظ و الأخلاق يقول في مطلعها:
و نحن طرداً لسياق الكلام على الأجزاء الغابرة، نذكر بعض ملاحظاتنا على شقيقهما، معترفين له بالمَزِِيّة و الميزة عليهما، و نحاول الاختصار ما استطعنا؛ فإنه أليق بفحوى النقد فرقاً بينه و بين الاستدراك، فإنّ ما فرط منّا كان إلى الثاني أقرب منه إلى الأوّل وَ لِكُلٍٍٍّ وِجْهَةٌ (1)
و أهم ما نؤاخذه به و ننقده عليه استعماله ألفاظاً ليس لها مخرج ظاهر على أصول العربية، و كان قد استعملها في غضون الجزءين السالفين، و انتقدناها عليه كغيرنا، و ذكرنا له وجه الشذوذ فيها، و قلنا سوف لا يعود إليها بعد توفر التنبيه عليها، فما هو إلّا أن وجدناها فاشية في هذا الجزء حتى أنّه قلّما يخلو باب و مبحث منها.
خذ من أوّل صفحة منه، صفحة 3 يقول: ظهرت الكتب الهامّة (2)إلى أواخره صفحة 335 سطر 7 في قوله و هو من الكتب الهامّة (3)، تجد من هذه اللفظة عدداً جمّاً و من العجب أنّه لم يغلط و لا مرّة واحدة بالصحيح فيها فيأتي ب«المهمة» بدل «الهامّة».
و قد جددت مراجعة هذه المادة في أُُمهات كتب اللغة من اللسان و غيره؛ فلم أجد لها مخرجاً صحيحاً و إنّما (الهامة) (4): الدابة مطلقاً، أو خصوص الفرس أو ذوات السموم، وهمّ بالأمر إذا قصده، و اسم فاعله
قياساً هام، مثل: عمّ فهو عام، و لكنّه لا يناسب ذلك المقام.
و مع التنازل و تسليم أنّ له تخريجاً في الأصول، و لكنني لا أعرف وجه العدول عن الشائع الفصيح، إلى الغريب الذي لا يستقيم إلّا بتخريج و تصحيح، ثمّ تلك الملازمة الشديدة له، و تكرار مثل هذا في مثل هذه الكتب الكثيرة الدوران مما يؤثر في لسان الناشئة التي تنطبع على ما تزاوله، فنحن نود أن تكون مثل هذه المؤلفات محبوكة بأفصح اللغى و أقوم العبارات.
صفحة 6 ذكر من المنتقدين عليه انتقاداً بتوقيع شيعي نجفي عاتبه على إهمال بعض الشيعة الإمامية، فاعتذر عن ذلك بأن أكثرهم لم يخلفوا آثاراً تفيد المطالعين (1)...
فواويلي لك أو عليك أيّها المؤلّف المحترم ما كنّا نأمل منك مثل هذا العذر الذي هو من قبيل عذر أسوَأ من ذنب على حدّ قولهم إن جرجر العَود فزده وِقرا (2)أيُّ آثار تفيد المطالعين أغزر و أكثر، و أبهى و أبهر من تلك الآثار التي قصصنا بعضها عليك و تلونا لك نموذجاً منها، و لو لا ما التزمناه من شريطة الإيجاز لجئناك بمُطفئَةِ الرّضفِ (3)، و لكنه منك قول لا عناج له (4)
و بعض القول ليس له عناج *** كسيل الماء ليس له إتاءُ
(لسان العرب ج 9 ص 418 مادّة «عنج»).
، فلا ينبغي التعريج عليه بأكثر من هذا.1) حذفت هذه العبارة من هذه الطبعة.
2) مثل يضرب في الشدّة و الإلحاح على البخيل و أصله في الايل و معناه لا تخفف عن البعير إذا تلكاً عن السير، بل زده في ثقله، و الوِقْر: الحمل. (المستقصى ج 1 ص 370 و ص 372، مجمع الأمثال ج 1 ص 38، جمهرة الأمثال ج 1 ص 113).
3) أي جاء بأمر أشد مما مضى، و أصل الرضف: الحجارة المحماة، و يضرب مثلاً للأمور العظام. (راجع مجمع الأمثال ج 1 ص 303).
4) أي: إذا أرسل على غير روية، قال قيس بن الخطيم:
أمّا قولك: و قد أخذنا على أنفسنا أن لا نذكر غير ما يمكن الرجوع إليه من الآثار، فهو لا حق بسابقه، فإنّنا قد ذكرنا لك فيما نشرنا أن أكثر تلك الآثار الباهرة قد طبعت ثمّ تكررت طبعاتها ليس في الصين و الچين و ما وراء القطب الجنوبي و المنجمد الشمالي، بل في أقرب البلاد إليك، و على رأس الثمام (1)منك في الهند و العراق و إيران، لكنّها تعلة لا تنفع، و توان لا يحمد.
أمّا أنّ قسماً كبيراً من انتقادنا قد ذكره في كتابه (الفلسفة اللغوية)، فو ربي أنّني ما عرفت ذلك الكتاب و لا بلغني شيء عنه ، ثمّ هب أنّه قد كان شيء من ذلك، و لكن إذا كان ما في الجزءين غير مطابق له فهو أتم في الحجّة، و ألزم في النقد (و الغاية) إنه ليس الغرض مما ذكرناه و نذكره من المناقشات إلّا إصابة الصواب، و توسيع النظر، و التعاون الأدبي في خدمة العلم، و مناصرة هذه اللغة الشريفة، و لا أرتاب أننا سواء في هذه الغاية، فما كنّا نأمل أن يبادر هنا بهذه الأعذار الباردة، و لا سيّما ما يشتمل منها على هضم حقوق أُُمّة خلت، و لها في العربية و غيرها مساعٍ مشكورة، و صنائع مبرورة.
و القصارى أنّني لا أحسب حضرة المؤلف لو تدبر ثانياً في قوله: إنّ أكثرهم لم يخلفوا آثاراً تفيد المطالعين، إلّا نادماً منها، عارفاً حيفه فيها، و حسبنا منه ذلك.
1) مثل يضرب للشيء الذي لا يعسر تناوله و يوصل إليه من غير مشقّة، و الثمام: نبات ضعيف سهل التناول يسد به خصاص البيوت. (مجمع الأمثال ج 3 ص 470 و ص 489 ، جمهرة الأمثال ج 2 ص 149 و ص 360، و لسان العرب ج 2 ص 131مادّة « ثمم»).
صفحة 10: و قتل أهلها مما لم يسبق له مثيل (1)
هذا النسق من التعبير أيضاً ممّا لا نعرف له وجهاً في العربية، و إن استعمله أرباب الصحف السيّارة، و إنّما حقّ العبارة هكذا: و قتل أهلها قتلاً لم يسبق له مثيل، و ما أشبه ذلك، و قد تكرر هذا الأسلوب في كتابه، فقال صفحة 38: و وفى الموضوع حقّه مما لم يسبقه أحد إلى مثله (2)، و ربما يوجد غيره.
و مما ينقد عليه أنّه ربّما يضع قاعدة كلّية من موارد جزئية، أو يستنبط حكماً يبادر إلى البت فيه و كأن السداد يقضي بالوقفة عنده، فمثال الأوّل ما ذكره صفحة 13 بقوله: و أتقنوا المقامات أيضاً، و هي من قبيل الصنايع اللفظية (3)، ثمّ عاد لمثله في صفحة 37 و فيه نضج علم المقامات بمقامات الحريري (4)(5)
فقد جعل المقامات علماً من العلوم و فناً من الفنون فلله هذا العلم الذي ما عرفنا حدّه و لا موضوعه و لا غايته و لا قواعده و أُصوله و لا رأينا
1) ج 3 ص 10 و العبارة على حالها، و المعني هو (هولاكو).
2) ج 3 ص 39.
3) ج 3 ص 12- 13.
4) القاسم بن علي بن محمّد بن عثمان، أبو محمّد الحريري البصري: الأديب الكبير صاحب المقامات الحريرية ت 516 ه، كان أحد أئمة عصره، و رزق الحظوة التامّة في عمل المقامات، و اشتملت على شيء كثير من كلام العرب من لغاتها و أمثالها و رموز أسرار كلامها، كان دميم الصورة غزير العلم و نسبته إلى عمل الحرير، من كتبه: «درة الغواص في أوهام الخواص- ط» و «ملحة الإعراب» و «المنظومة في النحو» و له شعر حسن في ديوان، و غيرها. (راجع وفيات الأعيان ج 4 ص 63، و الأعلام ج 5 ص 177).
5) ج 3 ص 37.
و لا سمعنا بمؤلف فيه ، و هل هو إلّا فرع من فروع الإنشاء و باب من أبوابه؟! على أنّ الإنشاء نفسه لم يستطع أن يكون علماً برأسه على كثرة ما ألفوا فيه و توسعوا و لا سيما في الأواخر كما صنع القلقشندي (1)
و لكن مهما بالغوا في مطه و مدّه لا تجده يخرج عن علوم العربية من المعاني و البيان و البديع بعد الأصول من النحو و الصرف و اللغة.
نعم، لا يبعد أن يكون بعض أرباب الموسوعات ممن يرغب في تكثير أسماء الفنون، قد عدّ المقامات علماً بنفسه كما عدّ الإنشاء كذلك.
و لكن لا ينبغي لأهل التحقيق مثل هذا، و لا سيما في هذه العصور التي تريد الوقوف على حقايق الأشياء و ترغب أن ترد الفروع إلى أصولها.
و مثال الثاني حكمه في صفحة 13 حيث يقول في آخرها: و مع اتساع المملكة الإسلامية و طول مدة هذا العصر (2)لم ينبغ فيه من الشعراء البلغاء نصف ما نبغ في سواه قبله (3)
فإنّي أرى أنّه قد تسرّع في أمرٍٍ كان أحرى به الأناة فإن عصراً جاء بمثل:
ابن منير (4)
قال ابن عساكر: و كان رافضياً خبيثاً يعتقد مذهب الإمامية، و كان هجاءً خبيث اللسان، سجنه بوري بن أتابك، ثمّ شفعوا فيه فنفاه، توفي في حلب سنة 548. (راجع: تاریخ دمشق ج 6 ص 32، وفيات الأعيان ج 1 ص 156).
..1) أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي: المؤرخ الأديب البحاثة، ولد في قلقشندة قرب القاهرة، و نشأ وناب في الحكم و توفي في القاهرة سنة 821 ه، و هو من دار علم، أفضل تصانيفه: «صبح الأعشى- ط) و «قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان- ط» و «نهاية الارب في معرفة أنساب العرب». ( الأعلام ج 1 ص 177).
2) ج 3 ص 13 و يقصد به العصر العباسي الرابع.
3) أي العصر العباسي الثالث.
4) أبو الحسين، أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي، مهذب الدين عين الزمان، الشاعر المشهور من أهل طرابلس، ولد بها سنة 473 ه، و قدم دمشق فسكنها، حفظ القرآن و تعلّم اللغة و الأدب، و أشعاره لطيفة فائقة.
و التعاويذي (1)
و في معجم الأدباء: كان شاعر العراق في وقته.
و قال العلامة الأميني: كان في الصدر من شعراء الشيعة، و في الطليعة من كُتّابها الأفذاذ، يزدهي العراق بشعره المبهج و أدبه المبتلج، و عمي في آخر عمره، و كان قد جمع ديوانه بنفسه قبل العمي.
(راجع ترجمته في وفيات الأعيان ج 4 ص 466، الغدير ج 5 ص 464، الأعلام ج 6 ص 260).
..و الطغرائي (2)
ذكره السمعاني في الأنساب و أثنى عليه، و أورد قطعة من شعره في صفة الشمعة. و له ديوان شعر جيد، و من محاسن شعره قصيدته المعروفة ب(لامية العجم) كان ينعت بالأُستاذ، و اتصل بالسلطان مسعود السلجوقي صاحب الموصل فولاه الوزارة، قتله السلطان محمود أخو مسعود بتهمة الإلحاد و الزندقة سنة 513 ه ظلماً.
(راجع وفيات الأعيان ج 2 ص 185، أنساب السمعاني ج 5 ص 393، الأعلام ج 2 ص 246).
..و الأرجاني (3):.
1) أبو الفتح، محمّد بن عبيد الله البغدادي، المعروف بابن التعاويذي ت 583 ه. قال ابن خلكان: شاعر وقته، لم يكن فيه مثله جمع شعره بين جزالة الألفاظ و عذوبتها ورقة المعاني و دقتها و هو في غاية الحسن و الحلاوة، و فيما اعتقده لم يكن قبله بمئتي سنة من يضاهيه.
2) العميد فخر الكتاب، أبو إسماعيل، الحسين بن علي بن محمّد بن عبد الصمد، الملقب مؤيد الدين، الأصبهاني المنشيء، المعروف بالطغرائي، كان غزير الفضل لطيف الطبع، فاق أهل عصره بصنعة النظم و النثر.
3) تقدّمت ترجمته في ج 1 ص 256.
و الأبيوردي (1)
فجدّي و هو عنبسة بن صخر *** بريءٌ من يزيد و من زياد
ولد في أبيورد بخراسان و مات مسموماً في أصفهان سنة 507 ه، كما في معجم الادباء و في الوفيات سنة 557 ه. (راجع معجم الادباء ج 5 ص 159، وفيات الأعيان ج 4 ص 444، الأعلام ج 5 ص 316، و فيه وفاته سنة 507).
..و الحاجري (2)..
و ابن الخياط (3)..
و ابن عفيف (4)
(راجع شذرات الذهب ج 5 ص 405، الأعلام ج 6 ص 150، كشف الظنون ج 2 ص 1786، الوافي بالوفيات ج 3 ص 129).
..1) أبو المظفر، محمّد بن أبي العباس أحمد بن محمّد القرشي الأموي الشاعر المشهور المعروف بالأبيوردي، كان من الأدباء المشاهير، راوية نسابة، و كان يكتب في نسبه المعاويّ نسبة إلى معاوية الأصغر، و كان فيه تيه و كبر معجباً بنفسه، و كان إذا صلّى يقول: اللّهم ملكني مشارق الأرض و مغاربها، و له قصيدة يرثي بها الحسين عَلیْهِ السَّلام و يقول فيها:
2) عيسى بن سنجر بن بهرام الحاجري حسام الدين ت 632 ه، شاعر رقيق الألفاظ حسن المعاني، تركي الأصل من أهل أربل ينسب إلى حاجر من بلاد الحجاز، و لم يكن منها، و إنّما أكثر من ذكرها في شعره، قتل غدراً باربل، قال ابن خلكان: كان صاحبي و أنشدني كثيراً من شعره. (الأعلام ج 5 ص 103، وفيات الأعيان ج 3 ص 501).
3) أحمد بن محمّد بن علي بن يحيى التغلبي، المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي الكاتب ت 517 ه، كان من الشعراء المجيدين، طاف البلاد و امتدح الناس، و دخل بلاد العجم، و أقام في حلب مدّة، له (ديوان شعر- ط) اشتهر في عصره. ( راجع وفيات الأعيان ج 1 ص 145، الأعلام ج 1 ص 214).
4) هو الشاب الظريف، شمس الدين محمّد بن عفيف الدين سليمان بن علي بن عبد الله التلمساني، و يقال له ابن العفيف، ولد بالقاهرة سنة 661 ه و كان شاعراً مجيداً نظم الغزل الرقيق، و أولع بالبديع فأحسن استعماله، و كان من الكتاب البارزين و شعره في غاية الحسن له (ديوان شعر- ط) و (مقامات العشاق)، توفي في دمشق سنة 688 ه.
و ابن الفارض (1)، و مئات من أمثالهم يطول المقام بتعدادهم، إنّ عصراً نبغ فيه أمثال هؤلاء لا ينبغي أن يحكم عليه بتّاً بأنّه لم ينبغ فيه نصف ما نبغ قبله، و لا أريد ترجيح هؤلاء على أولئك، أو بعضهم على أكثر من قبلهم، كما نقله عن ابن خلكان في حق السبط التعاويذي من زعمه، ترجيحه على من قبله إلى مئتي سنة (2)فإن هذا أيضاً إفراط و تطرف و كيف يرجح ابن التعاويذي على جهابذة فيهم المتنبيان (3)و الشريفان (4)و الصاحبان (5)و الخالديان (6)و أمثالهم من نوابغ الدهر و أفراد الزمن، و إنّما أُُريد الريث و الوقفة، و إنّه ليس من مظان الترجيح، و مواقع التفضيل؟! و إنّ لكلا الزمانين حسنات ناصعة، و نيّرات ساطعة، و من راجع كتب التراجم الاختصاصية لتلك العصور- أعني أواسط القرن الرابع إلى السادس- كالدمية للباخرزي، و الخريدة للعماد، و الذخيره لابن بسام، بل و حتى بعض شعراء اليتيمة ممن يدخل أو يقارب تلك الآونة، وجد الحجّة القويمة على ما نقول.
و مثل هذا التسرع في الحكم في غير موضعه، قوله في أوّل الصفحة
1) تقدّمت ترجمته في ج 1 ص 97.
2) وفيات الأعيان ج 4 ص 466.
3) هما أبو الطيب المتنبي، و ابن هاني الأندلسي الذي يسمى بمتنبي المغرب.
4) هما الشريف الرضي و المرتضى.
5) هما الصاحب بن عباد و صاحبه ابن العميد.
6) هما أبو بكر محمّد و أبو عثمان سعيد ابنا هاشم المعروفان بالخالديين، الشاعران المشهوران، و أبو بكر أكبرهما، و قد وصلا إلى حضرة سيف الدولة و مدحاه فأنزلهما و قام بواجب حقّهما.
14: و أصبح المنتجع من الشعراء لا يستنكف من الشكوى و طلب الرفد ... إلى آخره (1)،فإن هذه السخيمة (2)، عادة في الشعراء قديمة ، حتى في عصر الجاهلية، يوم كانت النفوس بمقام من العزة، و الشمم.
و لكن من ينظر في شعر المشاهير منهم لا يجدهم يتفاوتون عمن بعدهم، وإن قيل إنّه لم يستجدِ من شعراء الجاهلية بشعره سوى زهير و النابغة، و لكنه لا يعضده الفحص و لا يدعمه السبر، فإنّ لهم في ذلك أمثالاً (3)و أضراباً: كالأعشى، و عبيد بن الأبرص، و طرفة و المتلمس، فضلاً عن المخضرمين: كحسان، و الحطيئة، و النابغة الجعدي.
نعم لا ريب أن قسماً كبيراً من شعراء الجاهلية يوازي ذلك القسم أو يزيد عليه كانوا لا يمدحون و لايستجدون: كامرئ القيس، و المهلهل، و عمرو بن كلثوم، و عنترة، و حاتم وابن الطفيل، و لبيد (4)، ونظرائهم من الملوك و الأرداف (5)و رؤساء القبائل و الفصائل.
و مهما كان من أمر الجاهلية، فإن التفرقة بين العصور الإسلامية في الاستجداء بالشعر مما لا نجد له وجه صحّة بعد أن كان طلائع شعراء الإسلام: كجرير، و الفرزدق، و الأخطل (6)يستميحون و يستجدون، و إن
1) ج 3 ص 13 من هذه الطبعة.
2) السخيمة: الحقد و الضغينة الموجوده في النفس. (لسان العرب ج 6 ص 205 مادّة «سخم»).
3) راجع الأغاني ج 15 ص 40- 41، فقد ذكر مدح النابغة للنعمان بن المنذر و أنّه أعطاه مئة ناقة سوداء، و راجع ج 10 من الأغاني ص 353- 354 ذكر مدح زهير لهرم بن سنان و عطاءه له.
4) تقدّمت تراجم أغلب هؤلاء و الباقي شهرته تغني عن ترجمته.
5) يقال فلان رديف الملوك أي يردفه خلفه في ركوبه تعظيماً له.
6) تقدّمت تراجمهم.
شئت قل يسألون و يشحذون، و إن كنت أرى في ذلك جناية أدبية، فإنّما أجعلها في أعناق الملوك لا الشعراء، فإنّهم هم الذين حملوهم على ذلك و أدلوا به إليهم حتى أفسدوا عليهم عزة نفوسهم، و أفقدوهم شمم أخلاقهم، فلم يقنعوا منهم إلّا بإطرائهم و ثنائهم، و التذلل تحت أرائك عروشهم، و ذلك أيضاً من تلاعب أفانين السياسة، و تسويلات شياطين الملك.
فإن الرياسة هي أُُمّ بلايا العالم، و أُُسّ الفساد و الإفساد في الكون، يدلك على ما سبق حكاية الفرزدق يوم دخل على سليمان بن عبد الملك فاستنشده و هو يظن أنّه ينشده في مدحه، فأنشده شيئاً من حماسته و مآثر أبيه و قومه من أبياته الشهيرة التي يقول فيها:
و ركب كأنّ الريح تطلب عندهم *** لها ترةً من جذبِِِهم بالعصائبِ
إذا أبصروا ناراً يقولون: ليتها *** و قد خضرت أيديهم نار غالبِ (1)
فغضب سليمان و كان عنده نصيب الشاعر المشهور (2)فأنشده على الوزن و القافية في مدحه الأبيات التي يقول فيها:
قفوا خبروني عن سليمان إنني *** لمعروفهِ من أهل ودّانَ طالبُ (3)
فسري الغضب عن سليمان. و لها نظائر و أمثال، لا يتسع لها المجال.
و لم يزل الأمر على ذلك حتّى سرى الداء و استفحل، و استشرى الخطب و أعضل، فوصمة هذا العصر خصوصاً بتلك الوصمة، خلاف التدبر و الحكمة .
و مما استرسل فيه من دون تثبت قوله في صفحة 16 في ترجمة ابن سناء الملك (1)
له: «ديوان شعر- ط» و «روح الحيوان» اختصر كتاب الحيوان للجاحظ، توفي سنة 608 ه. (راجع وفيات الأعيان ج 6 ص 61، الأعلام ج 8 ص 71).
: أن من آثاره «دار الطراز» (2)و هو ديوان ... إلى آخره (3)مع أن دار الطراز مجموع منتخبات جمعها من شعر الشعراء لا ديوانه كما حدثني به السري أحمد بك تيمور (4)نفسه في القاهرة و ذكر أن المؤلف قد وهم في عدّه ديواناً، و ذلك الكتاب لا توجد منه نسخة معروفة في الشرق إلّا في تلك المكتبة التيمورية.
و من هذه الاسترسالات في الحكم قوله في ترجمة ابن الفارض صفحة 17: و يمتاز شعره بكثرة الجناس و البديع (5)، و قوله قبل ذلك
1) هبة الله بن جعفر بن سناء الملك السعدي: القاضي السعيد، الشاعر المشهور من النبلاء، مصري المولد و الوفاة، كان وافر الفضل جيد الشعر بديع الإنشاء، تولى ديوان الإنشاء بمصر مدّة، و ولاه الملك الكامل ديوان الجيش سنة 606 ه.
2) يحتوي دار الطراز على مقدّمة في الموشحات، و نماذج من موشحات الأندلسيين و بعض موشحات ابن سناء الملك.
3) ج 3 ص 16.
4) أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور، عالم بالأدب، باحث مؤرخ مصري من اعضاء المجمع العلمي العربي، مولده و وفاته بالقاهرة، كردي الأصل، مات أبوه و عمره ثلاثة أشهر، فربّته أخته عائشة تلقى مبادئ العلوم في مدرسة فرنسية، و أخذ الأدب عن علماء عصره و جمع مكتبة قيّمة، و له مصنّفات عديدة توفي سنة 1348 ه- 1930 م. (راجع ترجمته في الأعلام ج 1 ص 100).
5) ج 3 ص 17.
صفحة 15: و قد أجاد بعضهم في ذلك- يعني في الصناعة اللفظية- إلى حد الإعجاز و أشهر الأمثلة عليه ديوان ابن الفارض ... إلى آخره (1)
و نحن إذا نظرنا إلى ديوان ابن الفارض لا نجد فيه تلك الكثرة من الصناعة اللفظية فضلاً عن كونها بلغت إلى حد الإعجاز ، على أنّ موضع إعجاب البلغاء و الأدباء من شعره ليس هو إلّا قصائده المشهورة و غزلياته الإلهية، و كلّها خالية من تلك الصناعة جارية على غاية من الانسجام مثل التي أوّلها:
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل *** فما اختاره مضنى به و له عقلُ
وعش خالياً فالحب راحته عنا *** و أوله سقم و آخره قتلُ
نصحتك علماً بالهوى و الذي أرى *** مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو (2)
و هكذا، و نحن إذا أرسلنا رائد النظر و بريد الفكر في هذه القصيدة لم نجد فيها شيئاً من الجناس و البديع اللهم إلّا بويتات لا يحسُّ بها مثل قوله:
إذا أنعمتْ نعمٌ عليّ بنظرةٍ *** فلا أسعدتْ سعدى و لا أجملتْ جملُ (3)
و كذلك غزلياته الأخرى مثل التي أوّلها:
شَرِِبنا على ذكرِِ الحبيبِ مدامة *** سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرمُ (1)
و غراميته الأخرى التي أوّلها:
تِِهْ دلالاً فأنت أهلٌ لذاكا *** و تحكّم فالحسن قد أعطاكا
و لك الأمر فاقضِِ ما أنت قاضٍٍ *** فعليَّ الجمالُ قد ولّاكا (2)
و هكذا ينحدر إنحدار النمير العذب على القلب، لا تجد فيه عكراً و لا كدراً.
نعم، قد يأتي في عكنات (3)العشرة أبيات بيت واحد يشتمل على لطيف من الجناس و لكن يمر و لا يشعر الذهن به للطفه، مثل قوله:
و تلافي إن كان فيه ائتلافي *** بك، عَجِّل به جُعلت فداكا (4)
و بالجملة: فابن الفارض أخفّ من في طبقته في تكلّف الصناعة اللفظية و العناية بها، و إنّما هي لابن نباتة (5)، و لابن
1) الديوان: ص 179.
2) الديوان: ص 152.
3) العُكَن: الاطواء في البطن من السمن، و يقال: تعكّن الشيء تعكّناً إذا ركم بعضه على بعض و انثنى. (لسان العرب ج 9 ص 345 مادّة «عكن»).
4) الديوان ص 152.
5) عبد العزيز بن عمر بن محمّد بن نباتة التميمي السعدي، أبو نصر، من شعراء سيف الدولة، طاف البلاد و مدح الملوك، و اتصل بابن العميد، كان شاعراً مجيداً، جمع بين حسن السبك وجودة المعنى و معظم شعره جيد، و له (ديوان كبير- ط) توفّي في بغداد سنة 405 ه، و هو غير ابن نباتة الخطيب عبد الرحمن بن محمّد ابن إسماعيل الفارقي صاحب الخطب المشهورة المتوفى سنة 374 ه، (راجع وفيات الأعيان ج 3 ص 190، الأعلام ج 4 ص 23).
عفيف (1)، و لصفي الدين (2)، و ابن حجّة (3)و أضراب هؤلاء ممن لا يكاد يسلم بيت لهم من تكلّف الصناعة جناساً أو غيره، فكأن اللفظ عندهم هو الغرض الأقصى و المعنى طفيلي له.
ثمّ من الغريب نقل المؤلف بعض مزاعم الصوفية في زعمائهم من الغيبوبة و الاستغراق عشرة أيام لا يأكل و لا يشرب و لا يتحرك، فإنّ مثل هذا حري بالإعراض عنه و تناسي ذكره، و لو على سبيل القيل، و لا سيما في مثل هذه المؤلفات العصرية.
و في صفحة 20 ذكر ابن منير الطرابلسي فقال: و كان رافضياً كثير
1) تقدّمت ترجمته في ص 270.
2) عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم الحلي الطائي السنبسي، ولد و نشأ فی الحلّة و توفي في بغداد سنة 750 ه، قال الأميني: كان في الطراز الأوّل من شعراء لغة الضاد، فاق شعره بجزالة اللفظ ورقّة المعنى، و أشف بحسن الأسلوب و الإنسجام، و قد تفنّن بمحاولة المحسنات اللفظية مع المحافظة على المزايا المعنوية، فجاء مقدّماً في فنون الشعر، إماماً من أئمة الأدب كما أنّه كان معدوداً من علماء الشيعة المشاركين في الفنون، و قال ابن حجر في الدرر الكامنة ج 2 ص 225: تعانى الأدب فمهر في فنون الشعر كلّها و تعلم المعاني و البيان و صنّف فيها.. إلى آخره، له (ديوان شعر- ط) و مصنفات أخرى. (راجع ترجمته في الغدير ج 6 ص 61، الأعلام ج 4 ص 17).
3) أبو بكر بن علي بن عبد الله الحموي الأزراري، تقي الدين ابن حجّة ت 837 ه، إمام أهل الأدب في عصره، و كان شاعراً جيد الإنشاء من أهل حماة، ولد و نشأ و مات فيها، زار القاهرة و التقى بعلمائها و اتصل بملوكها، و كان طويل النفس في النظم و النثر، حسن الأخلاق و المروءة فيه شيء من الزهو و الإعجاب، اتخذ عمل الحرير و عقد الأزرار صناعة له في صباه فنسب إليها، مصنفاته كثيرة منها: «خزانة الأدب» في شرح بديعية له، و «ثمرات الاوراق- ط» و غيرها. (الأعلام ج 2 ص 67).
الهجاء خبيث اللسان، و كان السيّد المرتضى الموسوي نقيباً للأشراف في العراق و الشام، فلمّا كثر منه ذلك سجنه بوري بن أتابك (1)ثمّ شفعوا فيه فأطلقه (2)
و أنت ترى أن جملة السيد المرتضى معترضة لا ربط لها بالكلام و إنّما الكلام الأخير مرتبط بالأوّل، و الوسط زائد.
و قد مزج بين عبارة ابن خلكان (3)و عبارة الأنطاكي (4)و أدخل بعضاً في بعض من غير ربط لواحدة بالأخرى كما لا يخفى على من راجعهما.
ثمّ أشار إلى ما ذكره في (تزيين الأسواق) (5)من حكايته مع السيّد المرتضى في شأن مملوكه تتر (6)، و كان يجب هنا رفعاً للوهم الشايع أن ينبه على أنّ هذا الشريف المرتضى ليس الشريف المشهور أخا الشريف الرضي، فإن عصره متقدّم على عصر ابن منير بكثير، و ذلك أنّ وفاة السيّد المرتضى كانت في سنة 436، و ولادة ابن منير في سنة 473، فتكون ولادته بعد وفاة السيّد بما يناهز أربعين سنة، ثمّ كنية الشريف صاحب ابن منير (أبو مضر) في القصيدة:
1) تقدّم ذكر ذلك في ترجمة ابن منير الطرابلسي: ص 268.
2) ج 3 ص 20.
3) راجع وفيات الأعيان ج 1 ص 156.
4) تزيين الأسواق- للأنطاكي-: ص 174.
5) تزيين الأسواق- للانطاكي-: ص 174.
6) كان ابن منير قد أرسل هدية مع مملوكه تتر إلى الشريف فحسب أنّه من جملة الهدية فعزّ ذلك على ابن منير، و كان يهواه فكتب قصيدته المشهورة و سميت التترية باسمه، ذكرها بطولها ابن حجّة الحموي في ثمرات الأوراق ج 2 ص 38- 42 بهامش المستطرف، و هي مئة و ستة أبيات.
ما لي مضلٌّ في الورى *** إلّا الشريف أبو مضر (1)
و كنية الشريف المرتضى المشهور (أبو القاسم) و لم يذكر أحد له غير هذه الكنية.
و الغريب أنّ الشيخ الحرّ في (أمل الآمل) (2)ذكر هذه الواقعة مع السيد الرضي مع أنّ وفاة الرضي قبل أخيه المرتضى بثلاثين سنة [أي] قبل ولادة ابن منير بسبعين سنة تقريباً.
و يخطر لي أنني قبل برهة من الدهر قد بحثت في كتب التراجم لأقف على ترجمة هذا الشريف- أبي مضر- صاحب ابن منير فلم أعثر على ما تسكن إليه نفسي.
نعم ذكر بعض المترجمين من المتأخرين أنّ هذا الشريف هو السيد الجليل أبو الرضا نقيب الأشراف فضل الله بن علي بن الحسين الحسني القاشاني، الذي ذكره السمعاني في الأنساب في لفظة القاشاني فقال: أدركت بها السيّد الفاضل أبا الرضا فضل الله بن علي الحسني و كتبت عنه أحاديث و أقطاعاً من شعره و لمّا دخلت إلى باب داره ... رأيت مكتوباً عليه إنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطهيراً (3)انتهى (4)
أقول: و هو صاحب الكافي في التفسير (5)، و الموجز الكافي في
العروض و القوافي (1)وضوء الشهاب (2)و هو شرح الشهاب الذي جمع مؤلفه فيه ألف كلمة من جوامع الكلم الموجزة للنبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم.
و بالجملة: فهو من أعاظم الإمامية (3)في عصره، و له شعر كثير فيه المتوسط و الجيد مثل قوله:
هل لك يا مغرور من زاجر *** تنجو به من (4)جهلك الغامرِ
أمس تقضّى و غداً لم يجىء *** و اليوم يمضي لمحة الباصرِ
فذلك العمر انقضى ما انقضى *** ما أشبَهَ الآتي بالغابرِِِ (5)
و قوله مراسلاً الفاضل عبد الرحيم الشيباني البغدادي نزيل أصبهان (6):
شوقي إلى مولايَ عبد الرحيم *** عرّضَ قلبي للعذابِ الأليمْ
وا عجباً من جنّةٍ شوقُها *** يوقد في الأحشاءِِ نارَ الجحيمْ
1) الذريعة ج 17 ص 247.
2) الذريعة ج 15 ص 120.
3) فضل الله بن علي بن عبيد الله الحسني، أبو الرضا، ضياء الدين الراوندي مفسر إمامي، كان فاضلاً جليلاً رئيساً أديباً مصنّفاً له (ديوان شعر- ط) و هو من مشايخ ابن شهر آشوب، من أهل قاشان، و راوند من قراها، توفي حدود 570 ه. (راجع ترجمته في أعيان الشيعة ج 8 ص 408، و الأعلام ج 5 ص 152).
4) (فترعوي عن جهلك) في الأنساب.
5) أنساب السمعاني ج 4 ص 426- 427 و قال: أنشدني أبو الرضا العلوي القاساني لنفسه بقاسان و كتب لي بخطّه ... الأبيات، و راجع الأعيان ج 8 ص 408، و رياض العلماء ج 4 ص 369.
6) عبد الرحيم بن أحمد بن محمّد الشيباني، أبو الفضل بن الأخوة ت 548 ه، ناسخ من فقهاء الشافعية، أقام بأصفهان أربعين سنة، و كان سريع الكتابة و القراءة، و كان يقول: كتبت بخطي ألف مجلدة، و له شعر. (راجع ترجمته في الأعلام ج 3 ص 343).
فأجابه من أبيات:
سل عنه راوند فإنْ أنكرت *** فاسأل به البطحاءَ ثمّ الحطيمْ
و هل أتى فاسأل به ناطقاً *** عن ضئضيء المجد و بيتٍ صميمْ
ذلك فضل الله يؤتيه من *** يشاء و الفضل لديه عميمْ (1)
و بعد هذا كلّه فاحتمال أن يكون هذا الشريف هو صاحب ابن منير غير بعيد سيما مع أن عصرهما متفق، لأن هذا السيّد في عصر الشيخ الطوسي و يروي عن ولده أبي علي و هما في أواخر القرن الخامس و أوائل السادس، و لكن ينافي ذلك عدّة ملاحظات:
(الأوّل) أن كنية هذا الشريف (أبو الرضا) لا (أبو مضر).
(و الثاني) أنّه حسني لا موسوي، و ابن منير يقول في رواية الأنطاكي:
لئن الشريف الموسوي *** ابن الشريف أبي مضر (2)
و في «الأمل» هكذا:
لئن الشريف الموسوي *** أبو الرضا ابن أبي مضر (3)
و هذا الأخير مطابق لنسبته و لكن ينافيه (الموسوي).
(و الثالث) ما يظهر من ترجمة السيّد أنّه لم يخرج من قاشان و راوند، و المنقول في واقعة الهدية أنّها في بغداد.
(و الرابع) أنّ الشريف القاشاني لم يذكر أحد تلقيبه بالمرتضى.
و بالجملة: فلم يتسع لنا في الحاضر و نحن في طيات السفر تحقيق
هذه النظرية أكثر من هذا.
و نحن نقترح على الأفاضل ملتمسين أن يبدوا ما عندهم في حلّ هذه العقدة التاريخية (1)، و يذكروا ما يبدو لهم من وجه التوفيق فيها و بالله المستعان.
و من التحريف المخل ما أورده صفحة 31 من شعر (2)ابن سهل (3):
ردوا على طرفي النوم الذي سلب *** و خبروني بقلبي أيّةً ذهب
و هو نظير ما سبق منه:
ألا لا تلوماني كفى اللوم مابي *** فما لكما في اللومِ نفعٌ و لا لي (4)
و قد نبهنا عليه فيما تقدّم، وصحيح البيت الأوّل كما هو ظاهر:
ردوا على طرفي النوم الذي سلبا *** و خبروني بقلبي أيّة ذهبا (5)
1) قال الأنطاكي في (تزيين الأسواق) ص 174، كان نقيب الاشراف بالعراق و الشام و غالب الممالك و رئيس أهل هذا المذهب و غيرهم و كان بينه و بين مهذب الدين مودّة، و مهذب الدين هو أبو الحسن علي بن أبي الوفاء الموصلي الشاعر المقدّم توفي سنة 543 ه و الذي يظهر لي أنّه أحد أبناء أو أحفاد السيد عدنان بن الشريف الرضي ت 449 ه و الذي تولى نقابة الطالبيين بعد وفاة عمّه الشريف المرتضى سنة 436 ه..
2) ج 3 ص 31، و قد صحح في هذه الطبعة.
3) إبراهيم بن سهل الإشبيلي الأندلسي، أبو اسحاق ت 649 ه، شاعر غزل من الكتاب كان يهوديّاً و أسلم فتلقى الأدب و قال الشعر فأجاده، أصله من إشبيلية و سكن سبتة بالمغرب الأقصى، و كان مع ابن خلاص و الي سبتة في زورق فانقلب بهما فغرقا، له (ديوان شعر- ط). (راجع الأعلام ج 1 ص 42).
4) مطلع قصيدة لعبد يغوث الحارثي كما في (المفضليات ص 91 و قد صحّح قُدِّس سِرُّه قافيتها).
5) ديوان ابن سهل الأندلسي ص 74.
و من التحريف المطبعي صفحة 34 سيب العزف، طيب العرف (1)و صحيحه سيب العُرف طيب العَرف، بضم الأوّل في الأوّل و فتحه في الثاني و الأوّل من المعروف، و الثاني بمعنى الطيب (2)
صفحة 35 أمّا نقد الإنشاء البياني من حيث هو فنّ ذو قواعد فتصدى له الجرجاني (3)في كتابه «أسرار البلاغة في علم البيان»، و هو واضع أساس هذا العلم في العربية على قواعد راسخة (4)
ثمّ قال في الصفحة التي تليها: فالجرجاني واضع أُُسس هذا العلم ثمّ جاء السكاكي (5)و غيره فتوسعوا فيه إلى قوله: فوضعوا للبلاغة قواعد ترجع في الحقيقة إلى الذوق (6)
و أقول: إنّ للمؤلف في هذا الموضع آراء و اجتهادات كلّها موضع نظر، و قد ترسّل فيها على عادته من الاسترسال بالحكم في غير سدد.
أمّا (أولاً) فجعل نقد الإنشاء البياني فنّاً ذا قواعد ممّا لم يسبق إليه، بل و لا شاهد عليه، و هذا كجعله المقامات علماً من العلوم.
فإن أراد أن يجعل هذه المسائل الخاصّة علوماً مستقلّة، و يزيد في عدد علوم العربية فلا مانع و لا مشاحة، و لكن يلزم أن يفرد لها كتاباً يذكر الحد و الغاية و الموضوع و الأصول و الفروع، شأن كلّ واضع و مخترع.
و إن أراد أنّها من العلوم الموضوعة قبل، كما هو الظاهر من کلامه، فهذه دعوى بلا بيّنة، و قضية بلا برهان، و مجرد أن ابن قتيبة (1)أو الجرجاني قد انتقد الإنشاء عرضاً في غضون مؤلفاتهما، لا يصيّره علماً من العلوم و إلّا لكان نقد الشعر أولى بأن يجعل فناً مستقلاً في الفنون، فقد صُنِّفَت فيه مؤلفات جليلة ككتاب (نقد الشعر) لابن قدامة (2)الكاتب الشهير المعاصر لابن المعتز و نقد الشعر للكفر طابي (3)المتوفى سنة 503.
أمّا النقد الأدبي فقد سبق فيه أيضاً القاضي الجرجاني في كتابه «الوساطة» و محمّد بن عبد الله الخطيب الإسكافي (4)المعاصران للصاحب ابن عباد و للإسكافي في ذلك عدّة مؤلفات منها: «غلط كتاب العين»، و«كتاب الغرة في نقد أهل الأدب» ، و «كتاب نقد الشعر»، و القصارى أنّه ليس نقد فن من الفنون أو نقد مسائل منه إلّا بعض ذلك الفن.
و لعلّ الذي أوقعه بهذا الوهم، ما رآه في أوّل كتاب الجرجاني من ذكر
1) ابن قتيبة الدنيوري صاحب «أدب الكاتب»، و «المعارف»، و غيرها.
2) قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد صاحب «تاريخ قدامة»، أبو الفرج ت 377 ه، كاتب من البلغاء و الفصحاء المتقدمين في علم المنطق و الفلسفة، كان كتابيّاً فأسلم و صار شيعيّاً في عهد المكتفي العباسي، عاصر عبد الله بن المعتز العباسي الذي كتب في البديع و جمع سبعة عشر نوعاً منه، فجمع قدامة عشرين نوعاً، توارد مع ابن المعتز في سبعة منها ، فهما أوّل من كتب في البديع العربي. (الذريعة ج 24 ص 275، الإعلام ج 5 ص 191).
3) محمّد بن يوسف بن عمر الكفر طابي، و يعرف بابن المنيرة، نزيل شيزر، أبو عبدالله ت 553 ه، أديب نسبته إلى كفر طاب بين المعرّة و حلب، له شعر و صنّف كتباً منها «غريب القرآن» و «نقد الشعر» و «بحر النحو». (راجع الأعلام ج 7 ص 149).
4) أبو عبد الله: عالم بالأدب و اللغة، من أهل أصبهان كان إسكافاً ثمّ خطيباً بالري، من كتبه: «مبادئ اللغة»، و «نقد الشعر»، و «غلط كتاب العين»، و «الغرّة في بعض ما يغلط به أهل الأدب» توفي سنة 420 ه. (الأعلام ج 6 ص 227).
السبب الباعث له على تأليفه، و تذمره من فساد مَلكة الإنشاء و انصراف الكتّاب من المعاني إلى الألفاظ (1)
و أنت جد خبير أنّ هذا لا يخرجه عن فن الإنشاء و لا يصيّره فناً آخر، و أكثر المؤلفين في العلوم جرت عادتهم على مثل ذلك في طليعة مؤلفاتهم كما لا يخفى على أدنى ناظر في مؤلفات العصور الغابرة.
و أمّا (ثانياً) فإنّ أسرار البلاغة ليس في الإنشاء، و لا في نقده، بل هو في علم البيان- كما اعترف به- على أننا لا نرى للإنشاء فناً خاصاً و ما هو إلّا قائم بعلوم العربية الذي يسمّى مجموعها بعلم الأدب، و لعله أوسع من الأوّل لدخول التأريخ و نظائره فيه.
و أمّا (ثالثاً) فمن الوهم دعوى أنّ الجرجاني هو واضع أسس هذا العلم، فقد وضع الأعلام هذا العلم- أعني علم البلاغة و البيان- و ألفوا فيه قبل الجرجاني بأكثر من نصف قرن، فإنّ أوّل من بحث فيه ابن قتيبة و قدامة ابن جعفر في كتابه «صناعة الكتابة»، و أوّل من دوّنه و جعله علماً برأسه أبو عبيد الله المرزباني (2)المتوفى سنة 378 في كتابه المعروف «بالمفصل»، ثمّ الوزير العميدي (3)المتوفّى سنة 433 في كتابه «تنقيح البلاغة» و كلّ هؤلاء
1) أسرار البلاغة: ص 1- 3.
2) محمّد بن عمران بن موسى الكاتب المرزباني المولود في بغداد سنة 297 ه، صاحب التصانيف المشهورة و المجاميع الغريبة، كان راوية للأدب، صاحب أخبار، و تواليفه كثيرة، و كان ثقة في الحديث و مائلاً إلى التشيّع في المذهب، له كتب عجيبة أتي على وصفها ابن النديم، توفّي سنة 384 ه، و قيل 378 ه. (راجع وفيات الأعيان ج 4 ص 354، و الأعلام ج 6 ص 319).
3) محمّد بن أحمد بن محمّد العميدي، أبو سعد ت 433 ه، أديب من الكتاب سكن مصر، و ولي ديوان الترتيب فيها ثمّ ديوان الإنشاء في أيام المستنصر سنة 432 ه. من كتبه: «تنقيح البلاغة» عشر مجلدات، و «العروض» و «القوافي» و «الإبانة عن سرقات المتنبي- ط». (راجع الأعلام ج 5 ص 314).
قبل الجرجاني بكثير، نعم هو من أعلام هذا العلم و رافعي مناره و من مشيديه، لا من مخترعيه و مؤسسيه.
و أمّا (رابعاً) فقوله : إنّهم وضعوا له قواعد ترجع في الحقيقة إلى الذوق (1)
كلام يخالف الحقيقة و الذوق، فإنّ قواعد علمي البيان و المعاني جلّها أو كلّها تعود إلى قضايا ضرورية، و نواميس فطرية، فهي لا تعدو آخر الأمر أن ترجع إلى مبادئ عقلية و أصول جوهرية، مثلاً قولهم: إنّ المنكر يلزم أن يؤتى له بالكلام المقترن بأدوات التأكيد، و كلّما زاد السامع إنكاراً، زيد الكلام تأكيداً.
و قولهم: إنّ الكناية كقولك فلان كثير الرماد (2)أو طويل النجاد (3)أبلغ من التصريح؛ لأنّها كذكر الدعوى مع دليلها إلى أمثال ذلك من قواعد هذين العلمين العظيمين كلّها لمناسبات واقعية.
و التنبيه عليها كالتنبيه على أمور فطرية، هي كقولك للسالك في طريق إذا كنت لا تأمن فيه الخطر فاصحب معك سلاحاً كي تدافع به عند اللزوم نفسك فإنّك تنبهه على ما هو مركوز في غريزته و مجبول عليه في
فطرته، و لكنّه في حاجة إلى من يستثمره و يستثيره و يعرّف الناس كيفية استعماله.
و لو لا فضل تلك العلوم لذهب ذلك الجوهر من النفس و اندرس، أو بقي كامناً لا ينتفع به إلّا أُولو القرائح الوقادة، كما في بلغاء الجاهلية الذين كانوا يأتون بالكلام المطابق لمقتضى كلّ حالٍ بحسبه بدافع طباعهم السليمة، و قرائحهم القويمة، من غير تعلم و لا طلب.
(و الغاية): إنّ من يراجع ذا المقام من كلام المؤلف يرَ فيه من الخلط و فساد الاجتهاد ما يأسف فيه على تضييع الحقائق و تفشي الأوهام.
صفحة 41 فيها ترجمة كمال الدين الأنباري (1)و قد وقع الاشتباه من صاحب کشف الظنون (2)بين ابن الأنباري الأوّل المتوفّى سنة 328 (3)و بين الثاني المتوفّى سنة 577 (4)، و المؤلف أبقى الأمر على إجماله.
صفحة 42 ذكر في آخرها نهج البلاغة فغمز و همز، فقال المنسوب للإمام علي، ثمّ عادت إلى عترها لميس (5)، فقال: و جمعه الشريف المرتضى (6)
1) ج 3 ص 41- 42.
2) کشف الظنون ج 1 ص 130 نسب كتاب «الأغراب في جدل الأعراب» للأوّل و هو للثاني.
3) محمّد بن القاسم بن محمّد بن بشار، أبو بكر الأنباري صاحب شرح القصائد السبع الطوال.
4) عبد الرحمن بن محمّد بن عبيد الله الأنباري، أبو البركات، صاحب «نزهة الألباء»، و «أسرار العربية».
5) العتر: الأصل، و لميس : اسم امرأة، مثل يضرب لمن يرجع إلى عادة سوء تركها (راجع مجمع الأمثال ج 2 ص 321 و ص 370).
6) ج 3 ص 43.
هذا مع أننا قد تقدّمنا إليه في الكلام عن هذين الخطأين مرتين بما إذا لم يكن فيه دلالة مقنعة، فلا أقل من أنّه يوجب الوقفة و التردد في نسبته إلى الشريف المرتضى، و لكن كأن المؤلف أصلحه الله:
أبى الإذعان للحق *** و لو عاينه حسا
و إلّا فبعد شهادة مثل النجاشي المعاصر للشريفين و المتخرج عليهما، و شهادة ابن شهر آشوب و الشيخ الطوسي، و كلّ تلك الطبقة المعاصرة لهما، بل وجل من تأخر عنهما إلى أن انتهى الأمر إلى الشيخ الراوندي (1)و ابن أبي الحديد و الشيخ ميثم البحراني (2)و هؤلاء الثلاثة هم شراح النهج، و هم بالمكان الذي هم فيه من سعة الفضل و غزارة المادة، و هم في قرن واحد، فمع إطباقهم و إطباق من قبلهم و بعدهم على أن ما في النهج كلّه لأمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام و أنّ جامعه هو الشريف الرضي، و إرسالهم ذلك كإحدى القضايا الضرورية، فهل يكون التردد أو الجحود في واحدة منهما إلّا عناداً و مكابرة؟!.
اللهم إنّ العناد و الجحود أدواء دوية، و هي على الفضيلة و العلم أكبر رزية، و أنا أحاشي المؤلف أن يلمس الحق ثمّ يدفعه بيديه، بعد أن تقوم الحجّة عليه، أحاشيه أن يركن إلى نزعات بعض النواصب من بقايا حزب بني أُُمية المجبولين على عداوة أهل البيت جبلة الجعل على كراهة الورد (3)
1) قطب الدين الراوندي، صاحب «الخرائج و الجرائح» و «قصص الأنبياء» ت 573 ه.
2) كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، صاحب الشرح القيم لنهج البلاغة المتوفى سنة 679 ه.
3) [ألا ها هنا يستبين تفاوت مراتب الرجال، و اختلاف أقدارهم في نفوذ الخواطر و إصابة الحقائق، و لطائف القرائح، و قوة الحدس، و غزارة العلم و المعرفة و كبر الشأن- هذا الأستاذ الشيخ محمّد عبدة الذي له اليد الطولى في توسيع انتشار هذا الأثر الجليل في بلادي مصر و سوريا، انظر إلى مقدّمته البديعة التي صدر بها تعاليقه على ذلك الكتاب الشريف- تجده بحيث لو أنّ له شك أو ريبة بكلمة التوحيد لكان له شك أو ارتياب في أن هذا الكتاب من جمع الشريف الرضي ، و أنّ كل ما فيه لأمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام من غير لعثمة و لا تلكؤ ، أما حيث جاء دور الخلاط و الخباط و أمثالهما فهناك الخبط و الخلط و الشطط و الغلط] ما بين المعقوفتين من المصنّف قُدِّس سِرُّه.
أليس جامع النهج يقول: إنني لمّا جمعت (خصائص الأئمة) أحببت أن أجمع ما يختص بأمير المؤمنين (1)، و خصائص الأئمة مما لم يرتب أحد في أنه للرضي، كفاك أنّ ياقوتاً في الخامس من «معجم الادباء» ذكر في ترجمة الشريف المرتضى (2)أكثر كتبه و لم يذكر و لا على الاحتمال نهج البلاغة و الخصائص، فهل من يعد مثل «الشهاب في الشيب و الشباب» و هي رسالة صغيرة و نقض بعض أبيات المتنبي و هي صفحتان أو ثلاث، لا يذكر مثل «نهج البلاغة» و «الخصائص» لو كانتا له، و هكذا كلّ من تعرض لترجمة السيد المرتضى وعد مؤلفاته (3)
أمّا أنّ جميع ما فيه لأمير المؤمنين ليس إلّا، فذاك عند أهله المعنيين بهذا الأمر، و هم علماء الإمامية- شكر الله مساعيهم- أجلى من الشمس و كلّها مروية بطرق وثيقة عن أساطين هذه الفرقة من أساتيذ السيد الرضي- و مشايخه كالشيخ المفيد (4)، و ابن قولويه (5)، و ابن
1) نهج البلاغة ص 33 - شرح صبحي الصالح.
2) معجم الأدباء ج 4 ص 77.
3) راجع فهرست النجاشي، و فهرست الشيخ الطوسي (ترجمة الشريف المرتضى).
4) شيخ الأمّة محمّد بن محمد بن النعمان الحارثي البغدادي المتوفّى 413 ه.
5) أبو القاسم جعفر بن محمّد بن جعفر بن موسى بن قولويه المتوّفى 367 ه، صاحب كتاب «كامل الزيارة».
بابويه (1)و أبي يعقوب الكليني (2)و نظرائهم، و من أُصول هؤلاء جمع السيّد ما جمع و انتخب في نهجه ما انتخب، و هم المصادر و المصائر له، على أنّ أكثرها يوجد في غير كتب الإمامية ممن تقدّم على السيّد من جهابذة التاريخ و أساطين العربية، كأبي علي القالي في أماليه، و أبي العباس في كامله، و أبي جعفر الطبري في تاريخه و أمثال هؤلاء.
و عسى أن يوفق الله هذا الضعيف العاجز لإفراد كتاب يجمع أسانيد النهج، من كتب الفريقين، فإنّي أحس بشدة الحاجة إلى ذلك و قد اضطرّنا هذا الوقت و أعوزنا إلى مثله، على أنني لا أجد لنفسي كفاءة للقيام بمثل هذا العمل الجليل، فعسى أن يعنى له بعض الأفاضل فينهض بهذا المشروع الشريف الذي فات السلف الصالح أن يقوم به و كم ترك الأوّل للآخر.
و غير خفي على ذي لب أن من يقوم بهذه الصنيعة العظمى يكون قد سدّ فراغاً كبيراً في المعارف و العلوم و أسدى إلى الحقيقة يداً بيضاء يقطع بها ألسنة المعتدين، و يكعم فيها أفواه المتجاسرين، و أقلام المتطاولين على هذا السفر العظيم الذي لا ثاني له بعد كتاب الله العزيز كما يعترف به كلّ منصف من العارفين، و عسى أن لا يخيب رجاؤنا، و لا يفشل اقتراحنا و طلبتنا من أفاضلنا إن شاء الله (3)
صفحة 43 السبع العلويات (4)، و هي قصيدة 69 بيتاً يذكر فيها فتح
خیبر (1)
عمرك الله، إنّ هذا لمن الغريب المدهش، أن يكتب المؤلف و لا يدري ماذا يكتب، ما أدري كيف تكون السبع قصيدة واحدة، ثمّ كيف تكون 69؟! و الحال أنّ كل واحدة من السبع تنيف على الستين بيتاً، بل أكثرها تنيف كل واحدة منها على السبعين، فإن العينية و هي إحدى السبع و أوّلها يا رسم لا رسمتك ریح زعزع (2)تناهز الثمانين بيتاً، و لا تحضرني الساعة كلّ تلك القصائد كي أحصيها على اليقين، و لكني لا أظنها تنقص عن الثلاثمئة بيت فأكثر.
ثمّ الأغرب من ذلك قوله: يذكر فيها فتح خيبر، و هل فتح خيبر إلّا واحدة من مندرجاتها؟ و هذا كمن يريد أن يكتب عن البردة أو الهمزية للبوصيري (3)فيقول: يذكر فيهما غزوة بدر بدل أن يقول هما في مدح النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم، و تعداد معجزاته و دلائل نبوته و إرهاصاتها و ذكر غزواته من بدر و أُحد و غيرها إلى عامة سيرته و ترجمة حياته الشريفة.
و هكذا حال العلويات السبع؛ فإنّها أجمع في مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام و تعداد مناقبه و كراماته و عظيم سوابقه في الإسلام
1) ج 3 ص 43، و الأمر على حاله.
2) و تمام البيت: و سرت بليل في عراصك خِروع. راجع العلويات السبع لابن أبي الحديد المطبوع مع هاشميات الكميت: ص 133 تحت عنوان (الروضة المختارة) و راجع معادن الجوهر ج 3 ص 167.
3) محمّد بن سعيد بن حمّاد الصنهاجي البوصيري المصري المتوفّى 696 ه، شاعرحسن الديباجة، مليح المعاني نسبته إلى بوصير من أعمال بني سويف بمصر، أُمّه منها، و أصلهُ من المغرب، و وفاته بالاسكندرية له (ديوان شعر- ط) و أشهر شعره البردة و مطلعها: أمن تذكر جيران بذي سلم ... شرحها و عارضها كثيرون، و الهمزية و مطلعها: كيف ترقى رقيّك الأنبياء... الأعلام ج 6 ص 139.
و مواقفه المشهودة و مشاهده الباهرة و شجاعته المدهشة و علومه العصماء و بلاغته المعوزة و تنبأته المعجزة إلى غير ذلك من مآثره و عظيم مفاخره.
ثمّ كان ينبغي أن يذكر و لا سيما على عادته أنها طبعت عدّة مرات، و شرحت عدّة شروح، هكذا من أراد أن يكتب عن موضوع أو لا يكتب، و لكن المؤلف أصلحه الله تشفُّ كتابته في كثير من المواضع كما صدقني سن بكره (1)عن عدم معرفته ببعض ما يكتب لا بقليل منه و لا بكثير، ثمّ لا يراجع ما يكتب، و هذا لا يليق بمؤلف شهير مثله.
هذا و قد فاتنا فيما سبق أن نذكر من جملة السابقين في النقد الأدبي و المؤلفين فيه الحسن بن بشر الآمدي (2)صاحب كتاب «الموازنة بين الطائيين» فإن له عدّة كتب في ذلك منها «تبيين غلط قدامة بن جعفر في نقد الشعر» ، و «الرد على ابن عمّار (3)فيما خطأ فيه أبا تمام»، و «ما في عيار
1) يضرب مثلاً للرجل يكذب في الأمر، يدل بعض أحواله الصدق فيه، و البكر: الفتى من الإبل، و أصله أن رجلاً ساوم رجلاً ببعیر و سأل عن سنّه فأخبره أنه بكر ففر عنه فوجده هرماً. (جمهرة الأمثال ج 1 ص 575، و مجمع الأمثال ج 2 ص 212).
2) الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي أبو القاسم ت 370 ه عالم بالأدب راوية من الكتاب، له شعر، أصله من آمد و مولده و وفاته بالبصرة من كتبه ( المؤتلف و المختلف- ط) في أسماء الشعراء و كناهم و ألقابهم و أنسابهم و (الموازنة بين البحتري و أبي تمام- ط)و (معاني شعر البحتري) و (نثر المنظوم و غيرها). (راجع الأعلام ج 2 ص 185).
3) أحمد بن عبيد الله بن محمّد بن عمّار، أبو العباس الثقفي ت 314 ه كاتب مؤرخ أديب شيعي من أهل الكوفة، من كتبه «المبيضة» في مقاتل آل أبي طالب، و «الأنواء» في النجوم، و «الزيادات» في أخبار الوزراء، و «أخبار حجر بن عدي»، و «أخبار بني أُميّة»، و «أخبار أبي نواس»، و «أخبار ابن الرومي»، و «تفضيل بني هاشم و أوليائهم و ذم بني أميّة و أتباعهم»، و «أخبار أبي العتاهية»، و «أخبار عبد ابن معاوية بن جعفر». (راجع الأعلام ج 1 ص 166).
الشعر لابن طباطبا (1)من الخطأ». توفي في إحدى و سبعين بعد الثلاث مئة فهو قبل الجرجاني بقرن.
و الغاية: إنّ نقد الإنشاء أو النقد الأدبي لم يزل موجوداً منذ كان الأدب و الإنشاء، و لا يصح أن يقال إنّ واضعه فلان أو فلان، و لئن كانت تلك فنوناً (و ليست هناك) فهي مما جرت على ناموس النشوء و الارتقاء، و أقدم من نعرفه في الإسلام من الناقدين على أكابر الشعراء في عصره على طريقة الصناعة، هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (2)الذي نقد على الفرزدق و لحّنه بقوله (3)
وعض زمانٍ بابن مروان لم يدع *** من المال إلّا مسحتاً أو مجرّف
من قصيدة مطلعها:
عَزَفْتَ بأعشاشٍٍ و ما كدْت تعزف *** و أنكرت من حدراءَ ما كنت تعرفُ
و في خزانة الأدب ج 1 ص 235 (من المال إلّا مسحنا أو مجلف).
:وعض زمان يا ابن مروان لم يدع *** من الناس إلا مسحتاً أو مجلَّف (4)
فهجاه الفرزدق بقوله:
1) محمّد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن طباطبا الحسني العلوي أبو الحسن ت 322 ه، شاعر مفلق و عالم بالأدب مولده و وفاته بأصبهان له كتب منها «عيار الشعر ط» و «تهذيب الطبع» و «العروض» قيل لم يسبق إلى مثله، و أكثر شعره في الغزل و الآداب. ( الأعلام ج 5 ص 308).
2) عبد الله بن أبي إسحاق الزيادي الحضرمي ت 117 ه، نحوي من أهل البصرة، أخذ عنه كبار من النحاة كأبي عمرو بن العلاء، و عيسى بن عمر الثقفي. والاخفش، فرّع النحو وقاسه، و كان أعلم البصريين به. (الأعلام ج 4 ص 71).
3) البيت في ديوانه ج 2 ص 26، و روايته هكذا:
4) [جلفه و سحته بمعنى استأصله و حقّه بمقتضى العطف أن يكون بالنصب و يمكن تخريج الدفع على بعض الوجوه] من المصنّف قُدِّس سِرُّه.
فلو كان عبد الله مولى هجوته *** و لكن عبد الله مولى مواليا (1)
فقال له: و أيضاً لحنت و حقّه أن تقول مولى موالٍ، و كان الفرزدق يقول له: عليَّ أن أقول و عليك أن تعرب، و ربما يوجد من النقدة قبله فإنّي لم أستقص، و الله أعلم.
هذا ما سمحت به الفرص، و ما انتهزناه من أنياب الكوارث، و لم تفسح لنا الصروف باستيفاء ما أردناه من التعليقات إلى نهاية هذا الجزء، وقد بقيت عدّة مواضع يلزم التنبيه على مواضع الخلل فيها، و مواقع الخطأ منها، والدلالة على صوب الصواب بها، و لكنني علّقت هذه النُبذ و أنا في طيات أجنحة الأسفار تضمني بين قوادمها و خوافيها، محلِّقة فيّ تارة، و واقعة بي أُُخرى.
و إلى الله أرغب في سلامة النيّة، و صحيح القصد، لخدمة العلوم و المعارف، فإن لم أكن أتيت بالواجب، فلا أقل من عدم الإخلال بالميسور، و عسى أن تسنح الفرصة ثانياً فنستوفي تمام الكلام على هذا الجزء فيما يلي من أجزاء هذه المراجعات إن شاء الله.
1) طبقات فحول الشعراء ج 1 ص 18، و راجع خزانة الأدب ج 1 ص 234 ، وج 5 ص 144.
استدعاني ذات يوم- و أنا نزيل القاهرة- إلى منزله أحد العلماء من كبار مدرّسي (الأزهر)، فلمّا حضرت عنده احتفى بي و بمن معي كلّ الحفاوة و الإكرام كما يليق بكريم مثله، في حقّ عاشقٍ للفضيلة مثلي، و بعد معاقرة كؤوس المحاضرة، و تناول المرسوم من المشروب و المطعوم، أضاف إلى فضله فضلاً، فجمع كرماً و نبلاً، و أهداني تأليفاً له «الجواب المنيف لمدّعي التحريف في الكتاب الشريف»، و كان كتب عليه برسم الهدية فقرات التبجيل و التعظيم، و الإطراء و الثناء في حقّ هذا العاجز ممّا لا حاجة بنا إلى ذكره، و إنّما هو حسن ظنّ و كرم أخلاق، و ختم تلك الفقرات بهذا البيت:
ما أشوق الفضل إلى أهله *** و أشوق الفاضل للفضل
فأخذت الكتاب، و شغفي به كشغفي بكرم أخلاقه، و انعكفت على مطالعته و سبره إلى غايته، فوقعت في وسطه على كلام لمدّعي التحريف فی الكتاب الشريف يزعم فيه أنّ الشيعة ممن ترى هذا الرأي و تقول بهذا القول، و أورد عنهم سورةً زعم أنّهم يرون أنّها أنقصت من الكتاب الكريم.
فأفاض الفاضل في جوابه بما شاء من الطعن في تلك الطائفة، و القول فيها بما لم أكن أحتسبه من عارف مثله، و في مثل هذا الزمان الذي قد انكشفت الحقائق فيه بعض الانكشاف، و تزحزح لثام الأوهام
و المفتريات عن محيّا الوقائع و لو قليلاً ما، فأغضبني ذلك غضباً كاد ينفث به السم من قلمي فكتبت إليه:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحیمِ
یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا أَنْ تُصِیبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلی ما فَعَلْتُمْ نادِمِینَ (1) سلام عليك أيّها الأُستاذ الفاضل المحترم!
ما ضمّني و إيّاك ناديك، و لا انكفأت عنك إلّا و أنا أحسّ برسيس (2)هوى لك في قلبي، و علاقة ودِّ من لبيِِّ، نفثها فيّ ما يتجلّى فيك من لطيف منح الله سبحانه و شريف مواهب، و أيُّ موهبة للعبد أجمل به من سلامة الضمير، و صحة الطلب، و تحرّي الحقيقة، و عشق الفضيلة، و محالفة الإنصاف، و متانة القول و العمل؟!
و ذلك ما حداني عند تسلّم ما أهديتنيه من كتابك السَنيّ إلى إسامةِ (3)سَرْح النظر في رياضه، و اغتراف عاطش الفكر من حياضه، فما برحا يرتعان فيه، و يتمتعان به، حتّى وقعا في أوساطه، على مرتع و بيء، و مرعٍیً وبيل، ما أدري كيف زلّ فيه قلمك؟! و زلق به قدمك، ألا و هو ما نسبته إلى طائفة الشيعة من القول بتحريف كتاب الله العظيم، الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و مسترسلاً فيه، و لا أدري إلى نقل عدو للإسلام عنهم، أو معوّلاً على أصل معتمد وقفت عليه منهم؟!
ثمّ أتعبت نفسك، و أضعت وقتك في سرد سورة سمّيتها: سورة النورين، سحبت أذيال المقال في تفنيدها و نقدها، و كان الوقت أعز من إضاعته في أمثال ذلك، فإنّ هلجات (1)الصبيان، و تسجيعات الكهّان، لأقوى منها متناً، و أعلى معنىً، و ما فتأت أن (زدتَ ضِغثاً على إبالة) (2)، و ذررت الملح على الجرح، فنقلت عن الشيعة الطامّات الفظيعة، و المقالات الشنيعة، و ليتك اعتمدت على كتاب ثَبْتٍ من كتبهم، أو أصل سند من أصولهم، كما تقضى به أمانة النقل، و وثاقة العقل:
و الدعاوى إنْ لم تُقامَ عليها *** بيّناتٌ أبناؤها أدعياءُ (3)
كيف ترقى رقيك الأنبياء *** يا سماءً ما طاولتها سماءُ
نعم، عوّلت في ذلك على نقول ابن تيميّة (4)و ابن حزم (5)و هم من تَعْلَم تحاملهم على الشيعة، و ليست كتب النواصب و أحزابهم إلّا
1) الهلجات: جمع الهلجة؛ و هي ما لم يوقَن به من الأخبار، و الهَلْج: شيءٌ تراه في نومك ممّا ليس برؤيا صادقة. ( لسان العرب ج 15 ص 114 مادّة «هلج»).
2) يضرب مثلاً للرجل يحمل صاحبه المكروه، ثمّ يزيده منه، و الإيالة و الأيبالة: حزمة من الحطب، و الضغث: قبضة من حشيش مختلطة الرطب باليابس. (مجمع الأمثال ج 2 ص 260، جمهرة جمهرة الأمثال ج 2 ص 6).
3) البيت للبوصيري من قصيدته المشهورة في مدح النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم كما في ديوانه: ص 9 و التي مطلعها:
4) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، المعروف بابن تيمية: مات بسجن قلعة دمشق سنة 728 ه لآرائه و فتاواه التي شذّّ بها، سجن في الاسكندرية، و في دمشق، ثمّ أُطلق، ثمّ أعيد إلى أن مات، و أخباره مشهورة.
5) علي بن أحمد، المعروف بابن حزم الأندلسي الظاهري ت 456 ه، و الذي قيل فيه: سيف الحجاج و لسان ابن حزم شقيقان.
سفائن (1)كذب و افتراء على تلك الطائفة و أئمتها من أهل البيت سلام الله عليهم.
و ليتك تلبّثت في الحكم ريثما تستبين لك طوائف الشيعة، و تعرف الصحيح منها من المزيف، و الدخيل من الصميم، و العريق من اللّصيق، فلا تلقي الكلام على عواهنه، و ترمي به على رُسَيْلاته (2)، فتضع الخاص موضع العام، و تصم الكل بوصمة البعض، و قد قيل: إذا نقدت فتثبّت، و إذا نقلت فتحفّظ.
ثمّ ألسنا معاشر المسلمين اليوم في أشدّ الحاجة إلى جمع الكلمة، و لمّ شَعْثِ الأُمّة، و أن نتفق على ما اجتمعنا عليه من جوهريات الدين الإسلامي، و لا نتفرّق بما اختفلنا فيه من العَرَضيّات التي لا تقضي بشيء من كلّ تلك المنابذة، و قطع رحم الأخوّة الإيمانيّة؟!
فقد بلغ العدوُّ بنا مُناه *** وحلّ بقومنا و بنا الصغارُ
إذاً فما كان أغناك- و الحال هذه- عن نقل تلك الأساطير الجارحة، و السمادير (3)الفادحة، و الأكاذيب المختلقة التي لو صحَّت، فإنّما هي في شذاذ من الناس نزغوا (4)عن الدين و ألصقوا بهم ذلك الاسم، و ما هم منه و لا قُلامة ظفر؟!
1) السَّفائن: جمع السفينة. (تاج العروس ج 18 ص 282 مادّة «سفن»).
2) ألقى الكلام على رُسَيْلاته: أي تهاونَ به، تصغير رَسَلات، و هي جمعُ رَسَل؛ بمعنى السلاسة و الاسترسال في الشيء. (تاج العروس ج 14 ص 284 مادّة «رسل»).
3) تقدّم ذكر معناها.
4) النّزغ: الإغراء و الإفساد بين الناس، و نزغه: حرّكه أدنى حركة، و نزغ الشيطان بينهم: وسوسَ و أفسدَ، و مراد الشيخ هنا من لفظ (نزغوا)؛ أي مالوا و ابتعدوا بما وسوس لهم الشيطان. (لسان العرب ج 14 ص 108 مادّة «نزغ»).
ثمّ قد محق الله أكثرهم محقا: وَ ثَمُودَ فَما أَبْقى (1)، و لم يدع الحق من باطلهم عيناً و لا أثرا.
أمّا مسألة تحريف القرآن العزيز، فجمهور الشيعة الإمامية من أوّل القرون الإسلامية و إلى اليوم على عدم وقوع شيء من التحريف فيه لا زيادة و لا نقيصة، و لعلمائهم في ذلك مؤلفات شافية، و مقالات ضافية (2)
قال ما نصّه: أمّا الزيادة فيه؛ فمجمع على بطلانه، و أمّا النقصان منه؛ فقد روى جماعة من أصحابنا، و قوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغييراً و نقصاناً. و الصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، و هو الذي نصره المرتضى قدس الله روحه، و استوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب «المسائل الطرابلسيات»، و ذكر في مواضع: أنّ العلم بصحّة نقل القرآن ، كالعلم بالبلدان، و الحوادث الكبار، و الوقائع العظام، و الكتب المشهورة، و أشعار العرب المسطورة؛ فإنّ العناية اشتدت و الدواعي توفرت على نقله و حراسته، و بلغت إلى حدّ لم يبلغه ما ذكرناه؛ لأنّ القرآن معجزة النبوّة، و مأخذ العلوم الشرعية و الأحكام الدينية، و علماء المسلمين قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية، حتى عرفوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه، و قراءته، و حروفه، و آياته.
ثمّ أفاض في الاستدلال بما لا يتّسع المجال لنقله، إلى أن قال:
و ذكر رضي الله عنه أن القرآن كان على عهد رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن و استدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس و يحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له، و أنّه كان يعرض على النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و يتلى عليه، و إنّ جماعة من الصحابة؛ كابن مسعود؛ و أبي بن كعب و غيرهما ختموا القرآن على النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم عدّة ختمات، ثمّ أخذ في توطيد هذه الدعوة بما لا مزيد عليه. انتهى. (راجع مجمع البيان ج 1 ص 15- 16). و الكلام هنالك مسهب فمن أراده فليقف ثمّة عليه.
هؤلاء علماء الشيعة و تلك آراؤهم و أقوالهم، فليتثبت بعد ذلك الناقلون.] ما بين المعقوفتين من المصنّف قُدِّس سِرُّه.
و أقول: من البديهي أنّ آراء و معتقدات كلّ ملّة و نحلة تُسمع و تؤخذ من لسان و أقوال أعلامها و رؤسائها، لا ممّن جانبوا الصواب و حادوا عن الحقيقة، و لا من خصومها و المندسين بينها، فأعلام الطائفة اللسان المعبِّر عن معتقداتها و أصولها خصوصاً إذا كان المعتقد من الأُصول الأساسية و المعتقدات في الدين؛ كمسألة تحريف القرآن، و إليك بعضاً من علمائنا الأعلام و رؤساء المذهب الذين صرحوا بعدم التحريف و الزيادة و النقصان، و أن ما بين الدفتين هو كلام الله المنزل:
1- الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه ت 381 ه، فی اعتقاداته.
2- شيخ الأمّة و معلم البشر محمّد بن النعمان العكبري الحارثي (المفيد) ت 413 ه، في أوائل المقالات.
3- الشريف الرضي ت 406 ه، صاحب النهج و الخصائص.
4- علم الهدى الشريف المرتضى ت 436 ه، و قد تقدم ذكر استدلاله.
5- أبو جعفر الطوسي شيخ الطائفة ت 460 ه، في تبيانه.
6- الشيخ الطبرسي ت 548 ه، و قد تقدّم كلامه في مجمع البيان.
7- ابن شهر آشوب السروي ت 588 ه، صاحب المناقب.
8- ابن ادريس الحلّى ت 598 ه، صاحب السرائر.
9- العلّامة الحلّي ت 726 ه.
10- البياضي صاحب الصراط المستقيم ت 877 ه.
11- المحقق الكركي ت 940 ه، الذي ألّف في نفي النقيصة في القرآن الكريم.
12- القاضي التستري ت 1019 ه، صاحب الاحقاق.
13- الشيخ البهائي الحارثي العاملي ت 1030 ه.
14- العلّامة التوني صاحب الوافية في الأُصول ت 1071 ه.
15- الفيض الكاشاني ت 1091 ه صاحب الوافي.
16- الحر العاملي صاحب الوسائل ت 1104 ه.
17- الشيخ المجلسي صاحب البحارت 1111 ه.
18- السيد علي خان المدني صاحب السلافة و الدرجات الرفيعة ت 1118 ه.
19- السيد بحر العلوم ت 1212 ه.
20- الشيخ جعفر الكبير صاحب كشف الغطاء ت 1228 ه.
21- السيد محمّد حسين الشهرستاني له رسالة في (حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف).
22- الشيخ البلاغي صاحب الاء الرحمن في تفسير القرآن.
23- السيد محسن الأمين صاحب الأعيان.
24- السيد شرف الدين صاحب المراجعات.
25- الشيخ الأميني صاحب الغدير.
26- أغا بزرك الطهراني صاحب الذريعة له رسالة في نفي التحريف.
27- السيد هبة الدين الشهرستاني (له تنزيه التنزيل).
28- الشيخ المظفر صاحب العقائد.
29- السيد الطباطبائي صاحب تفسير الميزان.
30- السيد الخوئي له بحث نافع حول الموضوع في (البيان).
(راجع مقدّمة آلاء الرحمن، الفصول المهمة لشرف الدين، أجوبة مسائل جار الله، الميزان، البيان، و غيرها من المصادر الكثيرة.
إضافة إلى أضعاف هؤلاء الأعلام من المتقدمين و المتأخرين، تجد أقوالهم و آراءهم مبثوثة في مصنّفاتهم و رسائلهم، و من الواضح أنّ هؤلاء الأعلام هم مراجع تقليد الطائفة خلال هذه القرون الماضية في الاعتقادات و الفتيا.
و تتميماً للفائدة نذكر كلام العلّامة (رحمة الله الهندي) في كتابه القيم «إظهار الحق» ج 2 ص 113 في معرض ردّه على القسيسين في مسألة التحريف قال: و أمّا الجواب عنه تحقيقاً ؛ فلأنّ القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية محفوظ عن التغيير و التبديل، و من قال منهم بوقوع النقصان فيه فقوله مردود غير مقبول عندهم.
قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه- الذي هو من أعاظم علماء الإمامية الاثنى عشرية في رسالته الاعتقادية-: اعتقادنا في القرآن، أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه هو ما بين الدفتين، و هو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، و مبلغ سوره عند الناس مئة و أربع عشرة سورة، و عندنا و الضحى و ألم نشرح سورة واحدة، و لإيلاف و ألم تر كيف سورة واحدة، و من نسب إلينا أنّا نقول أنّه أكثر من ذلك فهو كاذب، انتهى.
ثمّ قال و في تفسير «مجمع البيان» الذي هو تفسير معتبر عند الشيعة- ثمّ ذكر كلام السيد المرتضى، و ذكر قول القاضي نور الله الشوشتري، و نقل قول الملا صادق في شرح الكليني، و نقل قول الحر العاملي ... إلى أن قال- فظهر أنّ المذهب الحقّ عند علماء الفرقة الإمامية الاثنى عشرية أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين و هو ما فى أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، و أنّه كان مجموعاً مؤلفا في عهد رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و حفظه و نقله ألوف من الصحابة و جماعة من الصحابة كعبد الله بن مسعود و أبي بن كعب و غيرهما ختموا القرآن على النبيّ عدّة ختمات، و يظهر القرآن و يشهر بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر سلام الله عليه، و الشرذمة القليلة التي قالت بوقوع التغيير، فقولهم مردود و لا اعتداد بهم فيما بينهم، و بعض الأخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته و هو حقّ، لأنّ خبر الواحد إذا اقتضى علماً و لم يوجد الأدلّة القاطعة ما يدلّ عليه، وجب ردّه على ما صرح به ابن المطهر الحلي في كتابه المسمى ب«مبادئ الوصول إلى علم الأُصول»، و قد قال الله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ في تفسير الصراط المستقيم الذي هو تفسير معتبر عند علماء الشيعة: أي إنا لحافظون له من التحريف و التبديل، و الزيادة و النقصان. انتهى كلام صاحب إظهار الحق الذي هو بحق أهم كتاب خرج إلى الناس في موضوعه، و الذي ينبئ بأنّ الرجل من أهل التحقيق و النظر، و التثبت و الإطلاع و الإنصاف.
(راجع إظهار الحقّ ج 2 ص 113- 115).
ثمّ أنّ الذي اكتشف بمنظاره سورة النورين المزعومة لِمَ لم يسرح نظره في الصحاح و غيرها من الكتب المعتبرة عنده ليرى ما سنتلوه عليك من بعض ما أخرجه الحفاظ على سبيل الاختصار فالمقام ليس بمقام تفصيل:
1- أخرج مالك بن أنس في الموطأ: ص 718 ح 10 كتاب الحدود في حديث عن أنّه قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم ... إلى أن قال: و الذي نفسي بيده لو لا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها ﴿الشيخ و الشيخة فارجموهما ألبتة فإنّا قد قرأناها. و روى هذا الحديث أصحاب الصحاح و المسانيد و المعاجم.
2- و أخرج هذا الحديث أحمد بن حنبل في مسنده ج 1 ص 36 و ص 40 و ص 43، و ص 55.
3- و رواه البخاري في الصحيح ج 8 ص 300 ح 24- 25 كتاب الحدود.
4- و روى مسلم في الصحيح ج 3 ص 100 كتاب الزكاة عن أبي موسى الأشعري فی حديث أنّه قال: و إنّا كنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها في الطول و الشدّة ببراءة فأنسيتها غیر أني قد حفظت منها لو كان لابن آدم و اديان من مالٍ لا بتغى وادياً ثالثاً، و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب، و كنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها بإحدى المسبحات ... الحديث.5- و روى الترمذي في سننه ج 5 ص 175- 176 حديث قراءة أبي الدرداء ﴿وَ اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَ الذَّكَرَ وَ الأُنثَى .. إلى أن قال: و هؤلاء يريدونني أن أقرأها و ما خلق فلا أتابعهم، و قال هذا حديث حسن صحيح.
و أخرج بعدهُ عن عبد الله بن مسعود، قال: أقرأني رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم إِنّی أنا اَلرَّزّاقُ ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ ح 2939 و 2940.
6- و روى ابن ماجة عن عائشة، قالت نزلت آية الرجم، و رضاعة الكبير عشراً، و لقد كان في صحيفة تحت سريري فلمّا مات رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و تشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها. (راجع سنن ابن ماجة ج 1 ص 625 ح 1944، كتاب النكاح).
7- ما روي عن زر بن حبيش، و عائشة، و حذيفة من أنّ سورة الأحزاب كانت تضاهي البقرة أو أطول منها فنسي منها سبعين آية، أو لم يبقَ منها إلّا ثلاثة و سبعين آية.
اخرجه الحافظ السيوطي عن البخاري و النسائي و عبد الرزاق و الطيالسي و الدارقطني و سعيد بن منصور و الحاكم و صححه و ابن المنذر و ابن الأنباري في المصاحف و الضياء في المختارة و الطبراني و آخرين، كما في الدر المنثور ج 5 ص 179، و راجع الإتقان له.
8- سورتي الخلع و الحفد كانتا في مصحف أُُبي و ابن عباس، و لا أثر لهما اليوم (راجع الاتقان في علوم القرآن ج 1 ص 226 عن جمع من الحفاظ).
9- ما رواه البخاري عن عمر في حديث أنّه قال: إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله ان لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو ... الحديث راجع صحيح البخاري ج 7 ص 302 ح 25.
10- ما رواه ابن أبي شيبة و الطبراني في الأوسط و أبو الشيخ و الحاكم و ابن مردويه عن حذيفة قال: التي تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب و الله ما تركت أحداً إلّا نالت منه، و لا تقرأون منها مما كنا نقرأ إلّا ربعها كما في الدر المنثور ج 3 ص 208.
هذه بعض الموارد التي اقتصرنا عليها، و توجد موارد أخرى كثيرة تركناها، روماً للاختصار، و قد أتى بها أرباب الصحاح و المسانيد و المعاجم و المصنّفات، و صححوا أكثر طرقها و حسنوها، و هي كما ترى أطفأت نور سورة النورين المزعومة، و التي لا يعرف لها ناقل معتبر أو موثق يركن إليه.
بقي شيء مهم و هو أنّه لا يوجد شيعي عاقل يقول بالتحريف لأنّ حديث الثقلين المتواتر يعتبر من الأركان الأساسية لمذهب الإمامية القائلين بعصمة الأئمة علیهِِمُ السَّلام، فإذا قیل بتحريف القرآن انتقضت العصمة بناءً على الملازمة.
، ليْتَكَوقفت على شيء منها، لتعرف ما للشيعة من العلم الغزير و الفضل الجم.
نعم، لا أمنع أن يكون هناك أفرادٌ خالفوا في ذلك و لكنّهم ممن لا يؤبه بهم و لا يُعبأ بشأنهم، و هم مخطَََّون عند جمهور علماء الشيعة.
أمّا ما نقلته عنهم، و استرسلت فيه لذلك الناقل من تلك السورة التي لا يليق أن تعدّ من الكلام، فضلاً عن كونها من الكلام المعجز، و الوحي الممتنع المعوز (1)، فإنني و عزّة دين الإسلام، قد ناهزت اليوم الأربعين، و قد نشأت و صرفت كلّ تلك البرهة في عاصمة بلاد الشيعة، و كعبة علمها التي تشدّ إليها الرّحال، و لها تضرب آباط الإبل، و عندها تناخ ركاب
1) لعل المراد منها المعجز.
الطالبين.
و في كلّ ذلك ما سمعت و لا رأيت شيئاً من تلك الهلجات، و ما وقع بصري على مخاريقها، حتّى وقفت عليها في كتابك الذي أهديتنيه اليوم، و ليتني لا رأيته، أو ليتني كالمتلمِّس حين لمسته ألقيته (1)
و المتلمِّس: لقب غلب عليه و اسمه جرير بن عبد المسيح، ينتهي نسبه إلى ضبيعة بن ربيعة بن نزار، و كان نازلاً عند أخواله بني يشكر، و هو من الشعراء المقلّين المفلقين و جعله ابن سلام في الطبقة السابعة من شعراء الجاهليّة.
توفّى نحو سنة 50 ق. ه نحو 569 م. (الأغاني ج 24 ص 216 و ما بعدها).
هب أيُّها الفاضل! أن ذلك العدو المتحامل، قد افترى على الشيعة أو عوّل على بعض المجاميع و السفائن المنبوذة، من ضيق الخناق، و فساد الأمانة في الأخلاق، و لكن هل ضاقت عليك فسحة القول، و انسدّ دونك باب الجواب، فتدحض مزعمته تلك بأنّها تهمة عارية عن السند، غير مأخوذة من أصل معتمد، و ترحض (2)عن إخوانك الشيعة، تلك اللوثة الشنيعة، أو تقول: لعل بعض جهلتهم أو الشذّاذ منهم، الذين لا تخلو فرقة عن وجود أمثالهم فيها؛ زاغ ذلك الزيغ، و نزع إلى تلك
1) إشارة إلى صحيفة الشاعر المتلمِّس التي كان فيها حتفه- و إلقائها في النهر في قصّة مشهورة، حيثُ وفد المتلمِّس مع ابن أخته الشاعر المشهور طرفة بن العبد البكري على الملك عمرو بن هند، فمدحاه ثمّ هجواه فكتب لكلّ واحد منهما كتاباً إلى عامله على البحرين ليأخذا الجائزة منه، فشكّ المتلمّس بالكتاب و أعطاه صبيّاً من أهل الحيرة يقرأه له، فعلم أنّ الملك أمر فيه عامله على البحرين بقطع يديه و رجليه و دفنه حيّاً، فألقى المتلمِّس الكتاب فى النهر و طلب من طرفة أن يفعل مثل فعله فأبى ذلك و ذهب إلى البحرين حيث قتله عاملها، و خرج المتلمِّس إلى الشام هارباً و نجا من القتل و أنشد أشعاراً في ذلك.
2) الرِِّحضْ: الغسل. رَحَضَ يده و الإناء و الثوب و غيرها يرحضها رحضاً: غسلها. (لسان العرب ج 5 ص 168 مادّة «رخص»).
النزعة؟!
أفما كان ذلك أحرى و أحزم، و أسد و أسلم، و لكنّها شنشنة نعرفها من أخزم (1)، سبق بها السلف، و جرى عليها الخلف،فياللأسف! ثمّ ياللأسف!
و حيث إنّي على علم من سلامة ضميرك، و مرير (2)إنصافك، و أنّ الحقيقة ضالتك، و الصدق محجَّتُك، فأنا واثق أنك سوف تستدرك هذه الهفوة، و تنفي هذه الدعوة، و تبرأ من هذه النسبة، وتبرأ قوماً هم منها براء، و لا تجعل على عنقك تبعتها، و في عاتقك ربقتها (3)، ودع القوم مع ابن تيمية، و ابن حزم، فإنّ لهم في محكمة العدل الإلهي موقفاً يقتص فيه المظلوم من الظالم، و المكذوب عليه من الكاذب.
و لا يغيبنّ عنك أنّك إنْ أردت أن تعرف مذاهب الشيعة، و تأخذ أقوالهم من كتب النواصب و من يضاهيهم، و سلف الأمويين و خلفهم، فإنّك تكون كمن يريد أن يأخذ الشريعة الإسلامية من كتب المبشِّرين و المُرْسَلين، و بالأخصِِّ المستأجرين و النفعييِِّن.
فإذا أردت النقل أو التوسع في أمر التشيّع، فاستحضر من كتب أساطينهم؛ كالشيخين المفيد و الطوسي، و السيدين المرتضى و الرضي،
1) مجمع الأمثال ج 2 ص 155.
2) المرّة: القوّة و شدّة العقل أيضاً، و رجلٌ مريرٌ؛ أي قويٌّ ذو مرّة، و أراد به الشيخ هنا: قوّة و شدّة إنصاف الدّجوي، على الإستعارة. (لسان العرب ج 13 ص 74 مادّة «مرر»).
3) الرِِِّبقة: الحبل و الحلقة تشدّ بها الغنم الصّغار لئلا ترضع، و الجمع: أرباق و رباق و رِِبق. (لسان العرب ج 5 ص 123 مادّة «رِبق»).
و الفاضلين المحقق (1)و العلّامة الحلي (2)، و أمثال هؤلاء من ينابيع العلم و مصابيح الهدى، ثمّ أنْعِمْ جولان الفكر فيها،فهناك تعرف كذب الكاذبين على الشيعة، و فرية المفترين.
و اقبل في الختام تحياتي الجزيلة، محفوفة بصدق الإخاء و صحة الولاء، و يشهد الله- سبحانه و تعالى- أنني لم أسق کلماتي هذه إليك إلّا على صفاء طوية، و خلوص نية، و خدمة للحقيقة، و غيرة على الفضيلة، و أنا واثق أنك سوف تعتد هذه الذكرى مني كلمة صحيحة، لا تخرج عن دائرة النصيحة، و ما النصيحة إلّا صنيعة مشكورة، ويد مبرورة، و الله- سبحانه- أسأل و إليه أرغب، أن يجمع كلمتنا على الهدى، و يلم شعث هذه الأُمّة التي أضاعت رشدها، ففقدت مجدها، و لا حول و لا قوة إلّا بالله. و لله أمر هو بالغه، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
محمّد الحسين النجفي
1) المحقِّق: نجم الدين جعفر بن الحسن بن أبي زكريا يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلي ت 676 ه، و المشتهر بلقب المحقق حتّى عادت هذه الكلمة وقفاً عليه، صاحب شرائع الإسلام الذي قال العلّامة الحلّي في حقّه: كان أفضل أهل عصره في الفقه.
2) الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي ت 726 ه، إمام المعقول و المنقول و العلّامة على الإطلاق و الذي شهد بفضله العام قبل الخاص، حتّى ابن تيمية نفسه عندما التقاه في الحج، و في مجمع البحرين 123/6 أنّه وجد بخطه خمس مئة مجلد من مصنفاته غير خط غيره من تصانيفه.
حضرة الأُستاذ الجليل!
السلام عليكم و رحمة الله بكلّ تجلّة و احترام، تقبّلت خطابك و قرأته، فإذا فيه من قوارص العتاب، و مزعجات الخطاب، ما يكاد يضيق عنه صدر الحليم، و تنحلّ له و شائج الإلفة؛ لو لا صداقة ودّ أسسناها لكم في الفؤاد، و رصين إخلاص بنيناه لكم في غيابات الضمير؛ و لولا ما نتلمّسه لكم عذراً من تلك العصبية المذهبية التي بينا أنتم لا بسوها، إذا أنتم تحاربوننا عليها، و ما كنت لأنتظر منكم ذلك الاسترسال إلى المرعى الوبيء، و المرتع الوبيل الذي زلّ فيه القلم و زلق به القدم (1)
نعم، ما كنت لأنتظر ذلك منكم؛ لأنني ما تعدّيت في كتابي فوق أن نقلت عن أساطين الخلافيين شيئاً مما يقول به بعض فرق الشيعة، و كلكم- و الناس أجمعون- تعلمون أنّ الشيعة فرق شتی ، تمزقت بهم الآراء كلّ ممزق إلى حيث اتسع الخلاف، و كفر المعتدلة منهم الغلاة، و هذه حقيقة واضحة يعلمها كلّ ذي بال، و لا يسعكم أن تنكروا أن منهم من بلغ به الهوس إلى ادعاء الألوهية في الإمام علي رضي الله عنه، بل غيره كما تعلمون.
أفلا يكون من يختلق سورة في مدحه أهون أمراً و أخف مقالاً؟!
فأين بعد ذلك منّي المرعى الوبيء و المرتع الوبيل؟!
1) نص كلام الشيخ قُدِّس سِرُّه له في رسالته للدجوي المتقدّم في ص 296.
بل أين ما لصقته بالشيعة عن آخرهم من الطامات الفظيعة و المقالات الشنيعة، حتّى أكون زدت ضغثاً على إبالة، و ذررت الملح على الجرح، و لم أتحرّ الأمانة.
اللّهم: إنّ الحلم و الأناة ليبلغان بصاحبهما إلى حيث يعتصم بالوفاق، و يحيدان به عن سوء التفاهم و سرعة الشقاق، إلّا أننّي- أيّها الفاضل المحترم- لمن أكثر الناس إنصافاً، و أعظمهم محبة للوفاق بين المسلمين، وكثيراً ما قرّرت أنّ أكثر الخلافات إنّما نشأت من ضيق النظر عن الإحاطة بالاعتبارات كلّها و أكثرها في الحقيقة إمّا لفظي أو عرضي لا يكاد يبلغ جوهر الدين، فأولى بأهل الإنصاف أن لا يرفعوا به رأساً، و لا يقيموا له وزناً، و كلّ ذلك لمزيد محبتي للإلفة، و عدم النفرة، وتحقّقي بمغزى قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (1)
بَيْد أنّي إذا اضطُررت إلى تحرير خلاف، لا أجد بدّاً من الإفصاح بما يخالج ضميري ممّا سطعت عليه شمس البرهان، و المَسَنيه الدليل من غير تعصّب و لا انحياز، و هذه ميزتي التي أفتخر بها، بل ميزة كلّ عاقل خلع من صدره الجمود على ما قيل من غير نظر و لا دليل.
و ما كنت في كتابي بصدد تفصيل مذاهب الشيعة و طوائفهم حتّى أعرف الدخيل من الصميم، و العريق من اللصيق، على أنني- أيها الفاضل المحترم- قد أحسست من تلك الحمية التي تصول بها علينا أن هناك فرقة معتدلة كلّ الاعتدال، لا يكاد يكون الخلاف بيننا و بينهم إلّا مذهبيّاً، و يسرني أن تكون تلك الفرقة هي الباقية الآن دون غيرها في بلادكم، كما
1) سورة الحجرات 10:49.
یسرني ذلك السعي الجهيد منكم في الإبانة عن اعتدالها، حتّى يزول الشقاق و يحل الوفاق، و نكون يداً على مَنْ سوانا.
و بناءً على ذلك سأتحرّى في كتابي في طبعه ثانياً ما لا يثير عاطفة، و لا يهيج خاطراً، و أعمل على تأييد الوفاق بين طائفتكم المعتدلة، و بين أهل السنّة، و سيكون ذلك قريباً، حيث إنّ الطبعة الأولى قد نفذت، و إن شاء الله ترى ما يسرك.
هذا، و لا يفوتني أن أنهي كلامي من غير أنْ أؤكد بيني و بينك- أيّها الفاضل- علاقة الودّ و الإخلاص، شاكراً لك ذلك التنبيه الذي استشعره ضميرك فأدّاه إليّ قلمك، و لم تطوه بين ثنايا صدرك بغضاً و كراهة.
و حقاً أقول إنّ هذا هو آية الإخلاص و الصدق، غير أني ألتمس بما أتيت في مكتوبي هذا أن يخفف عنكم صولة الاستياء حتّى يعود الود و الاطمئنان إلى مكانه.
و نسأل الله تعالى أن يفيض علينا من رحمته صادق الوفاق و السلام.
يوسف الدجوي (1)
مدرِِِّس الأزهر
1) يوسف بن أحمد بن نصر بن سويلم الدجوي المالكي الضرير: عالم ناقد مشارك في بعض العلوم، مدرس من علماء الأزهر، ولد بقرية (دجوه) من أعمال مديرية القليوبية بمصر سنة (1287 ه 1870م)، و كفّ بصره في طفولته بمرض الجدري و تعلم بالأزهر (1301- 1317 ه) و توفي بعزبة النخل من ضواحي القاهرة في 14 صفر سنة (1365 ه- 1946م) و دفن في عين شمس، من آثاره «خلاصة علم الوضع - ط» في الأخلاق و «الجواب المنيف في الردّ على مدّعي التحريف في الكتاب الشريف - ط» و «رسائل السلام و رسل الإسلام- ط» و «رسالة في تفسير: لا يسأل عمّا يفعل- ط» و «الرد على كتاب الإسلام و أصول الحكم» لعلي عبد الرزاق- ط. (راجع ترجمته في الأعلام ج 8 ص 216، و معجم المؤلفين ج 4 ص 143).
بِسْمِ اللّهِِ الرَّحْمنِ الرَّحیمِ
بعد الحمد لله و الصلاة على نبيه و آله و صحبه:
قد وقفت على مقالة ضافية، لعالم الشام الشيخ «جمال الدين القاسمي» (1)
إمام الشام في عصره عالم مشارك في أنواع العلوم و متضلع في فنون الأدب، ولد بدمشق، و نشأ و تعلم و توفي بها.
كان سلفي العقيدة لا يقول بالتقليد، انتدبته الحكومة للرحلة و إلقاء الدروس في القرى و البلاد السورية، فأقام في عمله هذا أربع سنوات (1308- 1312 ه)، ثمّ رحل إلى مصر، وزار المدينة، و لمّا عاد إلى الشام اتّهمه حسدته بتأسيس مذهب جديد في الدين، سمّوه (المذهب الجمالي)، فقبضت عليه الحكومة سنة 1313 ه، و سألته، فردّ التهمة،فأخلى سبيله، و اعتذر إليه و الي دمشق، فانقطع في منزله للتصنيف و إلقاء الدروس الخاصّة و العامّة في التفسير و علوم الشريعة و الأدب، و نشر بحوثاً كثيرة في المجلات و الصحف إلى أن توفّي.
من تصانيفه الكثيرة: «دلائل التوحيد- ط»، «ديوان خطب- ط»، «الفتوى في الإسلام- ط»، «إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق- ط»، «شرح لقطة العجلان- ط»، «نقد النصائح الكافية- ط»، «مذاهب الأعراب و فلسفة الإسلام في الجن- ط»،«موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين- ط»، «شذرة من السيرة المحمدية- ط»، «شرف الأسباط- ط»،«تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض و الواجب- ط»، «جوامع الآداب في أخلاق الأنجاب- ط»، «إصلاح المساجد من البدع و العوائد - طه»،«تعطير المشام في مآثر دمشق الشام- أربعة مجلدات»، «قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث- ط»، «محاسن التأويل في تفسير القرآن الكريم- ط في سبعة عشر مجلداً»، «حياة البخاري»، «ميزان الجرح و التعديل»، «الكناشة فی الفقه و الحديث و الأدب و التاريخ»، «الأراء الفلسفية في الموت»، «الطائر الميمون في حل لغز الكنز المدفون- ط»، «المسح على الجوربين- ط»، «النفحة الرحمانية- ط»، «كيف وجدت المذاهب و ما سبب اختلافاتها و تنوعها»، «أجوبة لمسائل منوعة»، شرح العقائد»، «كتيّب في الشاي و القهوة و الدخان»، «مقالة في القلب»، «مباحث أحكام الشريعة في الجماعة»، «ما قاله الأطباء المشاهير في علاج البواسير». «قاموس الصناعات الشامية» بالاشتراك مع والده و خليل العظم، و لابنه الأستاذ ظافر القاسمي كتاب «جمال الدين القاسمي و عصره- ط».
(راجع ترجمته في الأعلام ج 2 ص 135، و معجم المؤلفين ج 1 ص 504، معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين لعبد القادر عياش: ص 408).
، عنوانها: «ميزان الجرح و التعديل»، نشرتها مجلة «المنار»1) جمال الدين (أو محمّد جمال الدين) بن محمّد سعيد بن قاسم القاسمي الحلاق: من سلالة الإمام الحسين السبط (1283- 1332 ه = 1866- 1914 م).
الغرّاء في العدد الحادي عشر من هذا العام (1)
فسبرتُها سبر استفادة و تطفيل (2)، لا سبر جرح و تعديل، تعويلاً على ما هو عتيد (3)لديّ من شهرة هذا الرجل بالفضل، و ميزته بالتحقيق، فوجدت المقالة رهينة بالدلالة على مقامه، قمينة (4)ببيان فضله، شاهدة له بطول باع وسعة اطلاع.
و قد حاول فيها الانتصار لحقيقة جديرة بالنصر، حرية بالنشر، لازمة الإتباع، ضرورية في ناموس الاجتماع، ألا و هي عدم التسرع في الجرح بالتفسيق، فضلاً عن الطعن بالتكفير، هي أن لا يبادر المسلم- بل و غيره-
1) مجلة أصدرها محمّد رشيد رضا صاحب تفسير المنار، و جعل موضوعاتها الأولى الإصلاح الإسلامي و الإجتماعي. (راجع الأعلام ج 6 ص 126، معجم المؤلفين ج 3 ص 293).
2) التطفيل: السيرُ الرُّويد، و المراد به في كلام الشيخ: قراءته كتاب القاسمي بأناة و تركيز. (لسان العرب ج 8 ص 175 مادّة «طفل»).
3) عتيد: حاضر، مُعدّ، مهيّاً. (لسان العرب ج 9 ص 131 مادّة «عتد»).
4) قمين : حريّ، خليق، جدير. (لسان العرب ج 11 ص 310 مادّة «قمن»).
إلى رمي أخيه المسلم، بل الإنسان بالبدعة و المروق عن الدين، فيرد روايته، و يهدم عدالته، و يمزق جلباب ستاره و إهاب (1)صيانته.
و أكرم بها من حقيقة أخلاقية، و قاعدة اجتماعية، يلزم بها العقل و النقل، و الطبع و الشرع، و الأدب و الأخلاق، و لكن أصلح الله الإنسان- و هيهات أن يصلح أو يستقيم- كأنّه جُبِِل على التغالي و التطرف في كل شيء، حتّى في ذم التغالي و التطرف- بينا تراه- ينعى على الشيء و يزري به، إذ أبصرته طامحاً إليه، طائحاً فيه من حيث يدري و لا يدري، يتغالى و يتطرف حتّى حين يذم من يتغالى و يتطرف.
اندفعت أسلة يراعة (2)ذلك الفاضل و سالت على طرسه (3)، محبرة نفسه، باحثاً في المنشأ و الأسباب للنبز بالابتداع، و بحثها بحثاً فلسفياً، إلى أن قال وراء عنوان:
من شهر الرواية عن المبدعين، و قاعدة المحققين في ذلك، ما حرفه: كان من أعظم من صدع بالرواية عنهم الإمام البخاري رَضیَ اللهُ عَنهُ، و جزاه عن الإسلام و المسلمين أحسن الجزاء، فخرَّج عن کلّ عالم صدوق ثبت، من أي فرقة كان، حتّى و لو كان داعية؛ كعمران بن حطان (4)
(راجع الكامل للمبرد ج 2 ص 124 و ما بعدها، الاعلام ج 5 ص 70).
و داود بن1) الإهاب : الجلد مالم يدبغ. (لسان العرب ج 1 ص 252 مادّة «أهب»).
2) الأسلة: الشوكة، و طرف اللّسان و السِّنان، و اليراعة: القصبة في الأصل، و سُمِّي القلم بها لذلك، و أسلة اليراعة: طرف القلم التي يكتب بها. (لسان العرب ج 1 ص 144 مادّة «أسل»).
3) الطرس: الصحيفة. (لسان العرب ج 8 ص 143 مادّة «طرس»).
4) عمران بن حطّان بن ضبيان السدوسي، أبو سمّاك ت 84 ه، رأس القعدة من الصفرية، و فقيههم، و خطيبهم، و شاعرهم، لحق بالشراة فطلبه الحجاج، فهرب إلى الشام، فطلبه عبد الملك بن مروان، فرحل إلى عمان فكتب الحجاج إلى أهلها بالقبض عليه، فلجأ إلى قوم من الأزد، فمات عندهم إباضياً.
الحصين (1)
قال ابن حبّان: كان يذهب مذهب الشراة كعكرمة، و قد رميَ أيضاً بالقدر، و قال أبو حاتم: لو لا أن مالكاً روى عنه لترك حديثه، و قال ابن عيينة: كنا نتقي حديث داود، و ضعّفه الدوري. (ميزان الاعتدال ج 3 ص 6- 10، تهذيب التهذيب ج 3 ص 182-181).
، و ملأ مسلم صحيحه من الرواة الشيعة، فكان الشيخان عليهما الرحمة و الرضوان- بعملهما هذا- قدوة الإنصاف، و أسوة الحقّ الذي يجب الجري عليه؛ لأن مجتهدي كلّ فرقة من فرق الإسلام مأجورون، أصابوا أم أخطأوا بنص الحديث النبوي (2)ثمّ تبع الشيخين على هذا المحققون من بعدهما، حتّى قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في «شرح النخبة» (3): التحقيق أن لا يرد كلّ مكفر ببدعته؛ لأنّ كلّ طائفة تدّعي أن مخالفيها مبتدعة، و قد تبالغ فتكفّر. فلو أخذ ذلك على الإطلاق لا ستلزم تكفير جميع الطوائف.
قال: و المعتمد أنّ الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشريعة، معلوماً من الدين بالضرورة ، و اعتقد عكسه، و أمّا من لم يكن كذلك أو ينضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه- مع ورعه و تقواه- فلا مانع من
1) داود بن الحصين الأموي، مولاهم أبو سليمان المدني ت 135 ه.
2) راجع صحيح البخاري ج 9 ص 194 ح 120 كتاب الاعتصام، صحیح مسلم ج 5 ص 131 كتاب الأقضية، سنن أبي داود ج 3 ص 297 ح 3574 كتاب الأقضية، سنن النسائي ج 8 ص 224، سنن ابن ماجة ج 2 ص 776 ح 2314، مسند أحمد ج 4 ص 198 و 204.
3) شرح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر: ص 523- 525.
قبوله. انتهى ما نريد نقله کلامه (1)
ثمّ استوسع في البحث، و جال في عرض المسألة و طولها، و جاء على ما يناهز عشرين صفحة، أودعها رشيقاً من التحقيق و طرفاً من الإنصاف.
و لكن لم يخل جانب منها من موضع للنظر، و مجال للملاحظة، غير أنّنا لا نريد تعقيب كلّ ما ذكر، و تمحيص جميع ما سطر، فإنّها بحسب الجوهر أُُصولية، و إن كانت ببعض الملاحظات أخلاقية و اجتماعية، و لكنّنا نريد أن نقف على حافة هذه العقبة، و لا نتجاوزها قبل تعرّف حقيقتها، و بلوغ أقصى أثرها.
و لو لا أنّ المسألة بحال لا تخصّ طائفة دون أخرى، و لا ترتبط بمذهب دون مذهب، لما سمحنا لليراع أن يخوض فيها، و لا للفكر أن يمسها، و لكنها مسألة غير اختصاصية، بل يعم ظهور الحقيقة فيها عامة المسلمين، و الجميع فيها شرع سواء، لأنّا نريد أن ننظر هل كلّ أحد تقبل روايته، أم البعض من ضرورة الإسلام عدم قبول روايتهم؟!
إذاً فبدافع طلب الحقيقة، أعود إلى الفقرات التي تقدّم نقلها، و أقول سائلاً متعجباً:
أهل غاب عن شيخنا القاسمي- دام فضله- أنّ عمران بن حطّان، كان من رؤوس الخوارج، بل كان داعية لهذه الضلالة كما ذكر؟!
أم غاب عنه أنّ قاعدة مذهب الخوارج و أُُس دعامتها هي تكفير الصِّهرين (2)، و بغضهما و البراءة منهما، أم يجهل، و حاشاه؟!
إنّ محبّة أهل البيت و موالاتهم من ضرورات شريعة الإسلام، و إنّ مبغضهم مبغض لرسول الله صلوات الله عليه، و مبغض رسول الله مبغض لله جلّ شأنّه، و الله سبحانه و تعالى أشدّ بغضاً له، و هو عدوٌ لله لا يقبل منه صرفاً و لا عدلاً، كما ورد في صحيح الآثار (1)التي لا تغيب عن كلّ متشرّع، فضلاً عن علماء الشرع.
فإذا كان حبّ أهل البيت من ضرورات الشريعة الإسلامية، و كان عمران بن حطّان و ابن الحصين ينكرون هذا الضروري، و يتخذون أساس دينهم البراءة من آل رسول الله، و تكفيرهم و بغضهم، و الطعن فيهم و في سيّدهم أمير المؤمنين، فكيف- مع هذا كلّه- يحاول تصحيح روايتهم، و قبول أخبارهم، و إخراجهم من خطّة الفسق الذي أمر الله بالتثبت عنده،و عدم التعويل على خبر من اتّصف به (2)؟!
نعم، إنّ تلك دعاوٍٍ أرسلناها تباعاً من دون أدلتها و براهينها، و لكن لَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ (3)
يضرب مثلاً للتهديد بالحرب، و حمل رجل من قشير أُغيرَ على إبلهِ في الجاهلية فاستنقذها و ذكره الزمخشري في المستقصى ج 2 ص 278 رقم 969، و ذكر صدره أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال ج 2 ص 206 رقم 1546 و لم ينسباه لأحد، و استشهد به أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام في كتاب له إلى معاوية كما في نهج البلاغة ص 389 الكتاب رقم 28.
1) أنظر مجمع الزوائد ج 9 ص 129- 130، الصواعق المحرقة ص 261- 266.
2) إشارة إلى قوله تعالى: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا أَنْ تُصِیبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلی ما فَعَلْتُمْ نادِمِینَ سورة الحجرات 49: 6.
3) صدر بيت لحمل بن سعدانة بن حارثة بن معقل بن كعب بن عليم بن جناب الكلبي، و عجزه: ما أحسن الموت إذا حان الأجل و قد تمثل به سعد بن معاذ يوم الخندق كما في الاستيعاب ج 1 ص 376، و نسبه محمّد عبدة في شرح النهج ج 3 ص 35 لحمل بن بدر، و روى عجزه هكذا لا بأس بالموت إذا الموت نزل.
على رسلك حتّى يستبين موضع القول، ثمّ عسى أن نخوض في شاطئ الدليل دون أن نتلجج (1)فيه رعاية للمقام.
إنّ الذي أوقفني موقف الحيرة و الدهشة، و دفعني إلى بثِّ هذه النفثة هو ذهول شيخنا القاسميِِّ عن لازم ما نقله- مختاراً له- عن ابن حجر في «شرح النخبة» من قوله:
و المعتمد أنّ الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشريعة، معلوماً من الدين بالضرورة، و اعتقد عكسه. انتهى (2) يالله للعجب! يالله للمسلمين! ما أدري أي أمر أشدّ تواتراً فی الشريعة، و أكثر معلومية من الدين بالضرورة، من وجوب مودّة أُُولي القربى و أهل بيت النبوة؟!
و من جراء ذلك دفعتني الحيرة إلى العجب، و العجب الى الحيرة، و طفقت لا أدري هل أن القاسمي لا يرى هذا أمراً متواتراً من الشريعة، معلوماً من الدين بالضرورة؟!
أم أنّه لا يرى أنّ ابن حطّان كان لا يعتقد عكسه، و يدين بخلافه؟! و إلّا فمع بداهة هذين الأمرين وجوب الموالاة لأهل البیت بالضرورة ، و بغض ابن حطّان و کلّ خارجی لهم بالبداهة، کیف یحکم- أولاً-بتصحیح
التخريج عنه، و التعويل عليه؟! و هل هذا إلّا التدافع بعينه، و التهافت بحقيقته؟!
فنحن إذاً في حاجة- على آداب المناظرة- إلى إثبات هذين الأمرين؛ لتصح ملاحظتنا على ذلك الميزان، و إثبات الميل و الإنحراف فيه.
أما كون محبّة أهل البيت علیهِِمُ السَّلامُ من الواجبات الضرورية في الشريعة الإسلامية، فقل: لا أسألكم عليه دليلاً بعد قوله تعالى: قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا (1)، و لو لا أنّ هذه الجلية و المسألة البديهية؛ ألا و هي فريضة موالاة أهل البيت قد عادت بفضل انتشار الكتب، و اتّساع العلم، و تقلّص ظلّ العصيّات و التمويهات، و كتمان الحقائق.
نعم، و إتساع العلم، و تقلص ظل العصبيات قد أصبحت من الحقائق الراهنة، و الأمور المسلمة، التي قد تصافق المسلمون عليها اليوم و قبله يداً واحدة، و عادوا فيها شرعاً سواسية، لا يستطاع لها كتمان، و لا يختلف فيها اثنان.
لو لا ذلك لأوردنا من نصوص الكتاب الكريم، و محكمات السنّة النبويّة من الصحاح الستّة و غيرها من المسندات كمسند الإمام أحمد بن حنبل و غيره ما ينظمها في سلك أكبر الفرائض الإسلامية، و أساسيات الشريعة المحمدية؛ كوجوب الصوم و الصلاة و الحج و الزكاة.
و لست بناظر إلى جميع فضائل أهل البيت و ما ورد من منتشر الأحاديث الذائعة في كرامتهم و علو مقامهم و منزلتهم عند الله و رسوله، كلا؛ فإنّ محاولتي أن أجمع شعاع الشمس في يدي، و أضع النجوم في قبضتي
1) سورة الشورى 42: 23.
أهون عليّ من محاولة إحصاء تلك الأنباء و الإحاطة بهاتيك السعة، و لكني لا أتطامن لحرمان هذه الطروس و السطور من الحظوة بشيء من تلك الأحاديث الشريفة الدالّة على فضل أهل البيت سلام الله عليهم.
و خصوص أنّ مبغضهم و عدوهم عدو الله خارج عن الدين ليس بمسلم فضلاً عن كونه ليس بعدل و لا مقبول الشهادة و الرواية، و إنّما أورد لك من الأخبار ما هو الشائع المشهور الذي طرق كلّ سمع، و دخل في كلّ جمع، ثمّ نبحث قليلاً عن مفاد متنه و سطح مؤداه دون التوغل و التعمق في أغواره (1)و أنجاده (2)و شعفه (3)و وهاده (4)
إنّ من الأحاديث التي أخذت حظّها من الوثاقة و الشيوع و الشهرة و كادت أن تكون متواترة معنىً و لفظاً بأنحاء من البيان و أساليب من التعبير في أسانيد عديدة قريبة و بعيدة، قول النبيّ صلوات الله عليه: يَا عَلِيُّ! لاَ يُحِبُّكَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضُكَ إِلاَّ مُنَافِقٌ.
و قد روته أكابر المحدثين، و ثقات نقلة الأخبار من الصحاح الستّة، و غيرها.
فممن رواه مسلم في صحيحه و الترمذي و الحافظ أبو نعيم و النسائي
1) غور كلّ شيء: قعره، و الغور: المطمئن من الأرض. ( لسان العرب ج 10 ص 140 و 141 مادّة «غور»).
2) النجد من الأرض: قفافها و صلابتها و ما غلظ منها و أشرف و ارتفع و استوى. (لسان العرب ج 14 ص 145 مادّة « نجد»).
3) شعفة كلّ شيء: أعلاه، و شعفة الجبل رأسه. (لسان العرب ج 7 ص 139 مادّة «شعف»).
4) الوهد: و الوهدة: المطمئن من الأرض، و المكان المنخفض كانّه حفرة. (لسان العرب ج 15 ص 413 مادّة «وهد»).
و الإمام أحمد بن حنبل، و القاضي عياض في «الشفا»، و خلق كثير (1)
و كفاك أنّ الثقة الثبت و ينبوع معين الحديث و الوثاقة و التثبت الحافظ ابن عبد البر في «الاستيعاب» قال ما نصّه:
و روى طائفة من الصحابة أنّه قال: يَا عَلِيُّ! لاَ يُحِبُّكَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَ لاَ يُبْغِضُكَ إِلاَّ مُنَافِقٌ (2)و قال صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: مَن أَحَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَ مَن أَبغَضَ عَلِيّاً فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَ مَنْ آذَى عَلِيّاً فَقَدْ آذَانِي، وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ (3)
و روى- هو أيضاً- في صفحة «455» من طبعة الهند بسنده إلى ابن شأس، عن النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم أنّه قال: قال لي رسول الله: قَدْ آذَیْتَنِی فقلت: ما أحب أن أوذيك يا رسول الله، فقال صلوات الله عليه: مَنْ آذَی عَلِیّاً فَقَدْ آذَانِی (4)
أمّا مسلم، فقد روى الحديث السابق في الجزء الأوّل من صحيحه،
1) صحيح مسلم ج 1 ص 60- 61 كتاب الإيمان، سنن الترمذي ج 5 ص 601 ح 3736، حلية الأولياء ج 4 ص 185، و فضائل الصحابة لأبي 185، و فضائل الصحابة لأبي نعيم ص 76 ح 66، سنن النسائي ج 8 ص 116- 117 بشرح السيوطي و حاشية السندي و السنن الكبرى له ج 5 ص 47 ح 8153 و ص 137 ح 8485 و 8486، مسند أحمد ج 1 ص 84 و 95 و 128 وج 6 ص 292، الشفا للقاضي عياض ج 2 ص 48، و راجع مسند الحميدي ج 1 ص 30 ح 58، مصنّف ابن أبي شيبة ج 7 ص 494 ح 1 كتاب الفضائل و ص 503 ح 51 و 53، سنن ابن ماجة ج 1 ص 42 ح 114، مسند البزار ج 2 ص 182 ح 560، مسند أبي يعلى ج 1 ص 251 ح 291، وج 12 ص 331 ح 6904، و ص 362 ح 6931، معجم الطبراني الكبير ج 23 ص 374- 375 ح 885 و 886.
2) الاستيعاب ج 3 ص 1100 و 1101.
3) الاستيعاب ج 3 ص 1100 و 1101.
4) الاستيعاب ج 3 ص 1183 ترجمة عمر بن شأس.
عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر، قال علي: وَ الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُميِّ أَنْ لا يُحبَّنِي إِلّا مُؤْمِنٌ، وَ لاَ يُبْغِضَنِي إِلّا مُنَافِقٌ (1)
و رواه النسائي في «الخصائص»، عن أبي كريب محمّد بن العلاء الكوفي، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي عَلیْهِ السَّلام، قال: وَ الله اَلَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم أَنَّهُ لاَ يُحِبُّنِي إِلّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُنِي إِلّا مُنَافِقٌ، ثمّ رواه بطرق ثلاثة متقاربة (2)
و قال القاضي في «الشفاء» ما نصّه: قال النبي صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم في علي: مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاَهُ اللَّهُمَّ وَ الِ مَنْ وَالاَهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.
و قال فيه: لا یُحِبُّکَ إلّا مُؤمِنٌ و لا یُبِغضُکَ إلّا مُنافِقٌ (3)
و لو ذهبنا إلى سرد من نصّ على ورود هذا الخبر الشريف و روايته مرسلاً و مسنداً في الصحاح و المسندات حتّى ينتظم في عداد المتواترات التي لا شبهة في أنّه بلفظه من كلام ذلك الصادق الأمين لطال بنا المقام بما تضيق عن سعته هذه العجالة، و فيما ذكرناه من رواية أولئك الحفظة الأعلام كفاية لصحة سنده و حصول القطع بصدوره.
إذاً فلنعطف النظر على مفادِ متنهِ و مغزى دلالتهِ و لا أحسب أنّ العارف بحسن الأساليب و بلاغة التراكيب يخفى عليه أنّ هذا الحديث
الشريف من جوامع كلم النبيّ صلوات الله عليه التي أودع بها المعنى الكثير في اللفظ القليل.
كما أنّ معنى النفاق جلياً؛ هو إظهار الإيمان و استبطان الكفر، فهو صلوات الله عليه يشير إلى أنّ مبغض على عَلیْهِ السَّلام كافر بالله، قد أبطن الكفر و أظهر الإيمان و علامة كفره الباطني هو بغضه لعليّ عَلیْهِ السَّلام، فكأنّه يرمز بالحصر و بطرد القضية و عكسها (1)في الحبّ و البغض.
إن الله سبحانه قد أتم الحجّة في ولاء علي و لزوم حبه، فلم يبق فيها بشرع الإسلام مجال شبهة أو مظنة تأويل، فإنّ السفير عن الله قد قطع المعاذير، و أزاح العلل و المساتير، فمن يؤمن بالله و رسوله لا محالة لساطع الحجّة و قاطع العذر يحبّ علياً و يواليه و من يبغضه يكون بالضرورة غير مؤمن بالله و لا مصدّق برسوله، فإنّ التصديق بالرسول أن يأخذ على الأقل بالضروري من دينه، و لا شيء في دينه بأجلى و أشد ظهوراً و وضوحاً من وجوب الولاء و المحبة لتلك النفس التي هي نفس رسول الله بنص آية المباهلة (2)
فالحديث يوحي إلى أنّ مبغض علي كافر و إن أظهر الإيمان، فإنّ الإيمان الصحيح الواقعي لا يجتمع مع بغضه، فلا يصح أن يكون له سبب
1) طرد القضية: أي تكون مانعة من دخول الأغيار. عكس القضية: أي تكون شاملة لجميع الأفراد.
2) انظر صحیح مسلم ج 7 ص 120- 121، سنن الترمذي ج 5 ص 210 ح 2999 و ص 596 ح 3724، سنن النسائي الكبرى ج 5 ص 122- 123 ح 8439، مسند أحمد ج 1 ص 128، تفسير الطبري ج 3 ص 299، أحكام القرآن- للجصاص- ج 2 ص 23، مستدرك الحاكم ج 3 ص 163 ح 4719، السنن الكبرى- للبيهقي- ج 7 ص 63.
سوى الكفر، إذ التأثير بغير ذلك من أسباب البغض الاعتيادية حتى قتل الآباء و العشاير مما يغطي عليها الإيمان- لو كان- فتدبره بلطف كي لا تفوتك فائدة الحصر، و فذلكة النفي و الإثبات، فإنّه صلوات الله عليه ضمّن الجملتين الدعوى و الدليل و الطرد و العكس و السلب و الإيجاب.
على أنّ في ظاهر الكلام و سطحه الأوّل غنىً لإثبات الغرض عن هذه الأغوار و التعمقات، من ذا يشك أنّ المنافق حيثما أطلق في الكتاب و السنّة، فالمراد به من يؤمن بلسانه و هو كافر بجنانه.
و إذا عرضت لك وقفة في ذلك فخذ من أوّل مقام ذكر الله فيه المنافقين ناعتاً لهم بأوصافهم و شاراتهم و دخايلهم و مخايلهم و جميع ما دق و جلّ من أمرهم في جملة آيات، فإنّه جلّ شأنّه بعد أن ذكر المؤمنين و نعوتهم الكاملة بقوله تعالى: الَّذِینَ یُؤْمِنُونَ بِالْغَیْبِ وَ یُقِیمُونَ الصَّلَاةَ وَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ یُنفِقُونَ إلى تمام ثلاث آيات (1)
ثمّ تلاهم بذكر الكافرين و سخايمهم السافلة، فقال جلّ شأنّه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (2)
ثمّ شرح جلت عظمته في الإبانة عن النوع الثالث من الناس و هم المنافقون، فقال تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَ مَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ مَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم
وَ مَا يَشْعُرُونَ إلى تمام إحدى عشرة آية (1) ثمّ سر تباعاً على ذلك النهج في الكتاب الكريم وقف على كلّ كريمة ذكر فيها المنافق حتّى تصل إلى سورة المنافقين حيث يقول جلّ قائلاً: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (2)
فإذا انتهى السير بك إلى هنا فانظر هل تجد في ضميرك شكاً و ريبة بأنّ المنافق كافر عند الله؟ بل أعظم من الكافر لأنّه يخادع الله و رسوله و يكذب في شهادته أنّ النبيّ رسول الله لاعتقاده بخلافها، فهو يجمع كفراً بالله و مكراً، و خديعة و نكراً بخلاف الكافر المحض.
و من هنا صار المنافق في الدرك الأسفل من النار إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (3)من جملة آيات كثيرة في أخريات سورة النساء (4)يذكر فيها حال المنافقين- أيضاً- بما يجعلهم أشدّ جرأة على الله و أعظم بلية على رسوله من الكافرين المجاهرين، كيف و المنافق عدو داخلي و الكافر عدو خارجي، و العدو الداخلي أنكى و أضر و أدهى و أمر من العدو الخارجي؟!
فإمّا أن تكون أخي بصدق *** فأعرِِفَ منك غَثّي من سَميني
و إلّا فاطّرِ حني و اتّخذني *** عدوّاً اتّقيك و تتقيني (5)
و إلى هنا قد تحصل جلياً لدينا أنّ المنافق كافر في الشرع أو أسوأ حالاً منه.
ثمّ نرجع إلى مورد البحث خصوصياً، و نقول: إنّ ابن حطّان و إخوانه من عامّة الخوارج يبغضون علياً عَلیْهِ السَّلام بلا ريب، بل هو قاعدة مذهبهم و أساس ضلالتهم (1)، و ذلك مما يعلمه و يعترف به كلّ أحد حتّى شيخنا القاسمي.و مبغض علي منافق بنص ذلك الحديث المتواتر، و المنافق كافر أو أسوأ منه بنصوص تلك الآيات الكثيرة التي يعضد بعضها بعضاً و يُسجِلُ (2بعضها الآخر، فتنسيق هذه المقدّمات يقع بهذا النظم الذي يلي:)ابن حطّان و سائر الخوارج يبغضون علياً، و كلّ من يبغض علياً منافق، و كلّ منافق کافر، فابن حطّان كافر.و حينئذٍ فنسأل من شيخنا القاسمي، أيّ هذه المقدّمات المبرهنة يمكن المناقشة فيها و الخدشة بها؟ و على تقدير عدم الإمكان- كما لا ريب فيه- أفهل تصحّ رواية الكافر و الركون إليه؟! أم هل يصح التخريج عنه و جعله في صف العدول من المسلمين؟هذا ما نلقيه من الأسئلة على شيخنا القاسميّ، و هذا هو الذي أوجب
1) قال أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين ص 86: أجمعت الخوارج على اکفار علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، إن حكّم و هم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟. و راجع الملل و النحل للشهرستاني ج 1 ص 113- 114.
2) أسجلَهُ: أعطاه سجلاً أو سجلين، و السِّجل: الدّلو المملوءةُ ماءً، و منه المساجلة في الحرب و المفاخرة، و المساجلة في الأصل: أن يستقي ساقيان فيخرج كلّ واحد منهما في سَجْله مثل ما يُخرج الآخر.
هجوم الدهشة علينا و أوقفنا موقف الحيرة من نشرته تلك التي يحاول فيها تعديل ابن حطّان أو قبول روايته، هذا و قد اثبتنا كفر ابن حطّان من رواية واحدة عن النبيّ صلوات الله عليه و على آله و صحبه.أمّا لو توسعنا في النظر، و استبحرنا في النقل، و أوردنا- و لو النزر القليل- من كثير ما ورد في فضل أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام، و على الأخص الروايات التي تعرّض فيها النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم لحال أعدائه و شانئيه، لحططنا على ابن حطّان الطّم و الرّم (1و الدمار و البوار، و السيل و الويل، و الحرب و العطب، و التوى (2)و الهلاك.)أينسى المسلمون حديث الغدير الذي سارت به الريح إلى كل سمع و كتبته الشمس على صحيفة النهار بأنوارها و النجوم على أديم الليل البهيم بأضوائها؟!الحديث الذي رواه- و لا أُحصي من رواه- النسائي في «الخصائص» بما ينيف على عشرين طريقاً منها ما نصّه:أخبرنا أحمد بن المثنى، ثمّ أوصل السند إلى زيد بن أرقم، قال: لمّا دُفع (3صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ سَلَّم من حجّة الوداع و نزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: ﴿کَأَنِّی دُعِیتُ فَأَجَبْتُ وَ إِنِّی تَارِکٌ فِیکُمُ اَلثَّقَلَیْنِ أَحَدُهُمَا أَکْبَرُ مِنَ اَلْآخَرِ؛ کِتَابُ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِی أَهْلُ بَیْتِی، فَانْظُرُوا کَیْفَ تَخْلُفُونَنِی فِیهِمَا، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض).
ثمّ قال: إنّ اللَّه مَوْلایَ وأنا ولیُّ کُلِّ مُؤْمِنٍ .
ثمّ أنّه أخذ بيد علي رَضی اللهُ عَنهُ فقال: مَن کُنتُ وَلِیَّهُ فَهذا وَلِیُّهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ و عادِ مَن عاداهُ.
فقلت لزيد: سمعته من رسول الله؟ فوضع يديه على أذنيه، و قال: استكّتا (1)إن لم أسمعه و إنه ما كان في الدوحات أحد إلّا رآه بعينه و سمعه بأُذنه (2)، ثمّ رواه بطرق أُُخرى تقرب من ذلك (3)
و قد روى مسلم حديث الغدير، و لكن ببيان آخر، كما تجده في صحيحه (4)
و رواه الحافظ ابن عبد البر في «الاستيعاب»، و هذا نصّه: روى بريدة، و أبو هريرة، و جابر، و البراء بن عازب، و زيد بن أرقم، كلّ واحد منهم عن النبيّ أنّه قال يوم غدير خم: مَنْ کُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلَیٌّ مَوْلاهُ اللَّهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ وَ عادِ مَنْ عَادَاهُ (5)
و رواه الإمام أحمد بن حنبل بعدة طرق (6)، و أبو نعيم (7)، و القاضي
1) السكك: الصمم، و استكت مسامعه إذا صم. ( لسان العرب ج 6 ص 309 مادّة «سكك»).
2) خصائص النسائي: ص 69- 70 ح 74.
3) راجع الخصائص: ص 72- 74 ح 78- 83، و ص 78- 82 ح 88- 94.
4) صحیح مسلم ج 7 ص 122- 123 کتاب الفضائل.
5) الاستيعاب ج 3 ص 1099.
6) مسند أحمد ج 1 ص 84، 118، 119 وج 4 ص 281، 370، 372، وج 5 ص 366، 419، و مواضع أُخرى عديدة، و رواه في فضائل الصحابة ج 2 ص 849 ح 1167 و ص 878 ح 1206، و مواضع أُخرى.
7) و رواه أبو نعيم في تثبيت الإمامة ص 54 ج 5، و في معرفة الصحابة ج 3 ص 1170 ح 2966، وج 5 ص 2885 ح 6779 وج 6 ص 3155 ح 7263، و في حلية الأولياء ج 4 ص 23 وج 5 ص 364.
1) راجع الشفا للقاضي عياض ج 2 ص 48.
2) و منهم الترمذي في سننه ج 5 ص 591 ح 3713، و ابن ماجة في سننه ج 1 ص 43 ح 116 و ص 45 ح 121، و النسائي في السنن الكبرى ج 5 ص 130 ح 8464 و ص 131- 132 ح 8468- 8473 و ص 134- 135 ح 8478- 8481 و ص 136 ح 8483- 8484، و البخاري في تاريخه الكبير ج 1 ص 375 رقم 1191، و عبد الرزاق في مصنّفه ج 11 ص 225 ح 20388، و ابن أبي شيبة في المصنّف ج 7 ص 495 - 496 ح 9 و 10 و ص 499 ح 29، و ص 503 ح 55- المناقب، و البزار في مسنده ج 2 ص 133 ح 492، و ص 235 ح 632، وج 3 ص 171 ح 958، و أبو يعلى في مسنده ج 1 ص 428- 429 ح 567 وج 11 ص 307 ح 6423، و الطبراني في المعجم الكبير ج 3 ص 179 ح 3049 و ص 180 ح 3052، وج 4 ص 173 ح 4052 و 4053، وج 5 ص 166- 167 ح 4969- 4971 و ص 170- 171 ح 4981- 4986، و مواضع أخرى كثيرة و في المعجم الأوسط ج 2 ص 10 ح 1115 و ص 325 ح 1987، و ص 385- 386 ح 2130- 2131، وج 3 ص 36 ح 2275، وج 7 ص 106 ح 6882 وج 8 ص 254 ح 8434، و في المعجم الصغير ج 1ص 64- 65 و ص 71، و ابن حبان في صحيحه ج 9 ص 42 ح 6892، و ابن أبي عاصم في السنّة: ص 590- 593 ح 1354- 1376 و من طرق عديدة، و عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند: ص 413- 419 ح 197- 201، و الدولابي في الكنى و الأسماء ج 2 ص 61 و ص 88، و الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ج 2 ص 155- 156، و الطحاوي في مشكل الآثار ج 2 ص 211- 212 ح 1900- 1902، و ابن عبد ربّه في العقد الفريد ج 3 ص 312، و الشاشي في مسنده ج 1 ص 165- 166 ح 106، و الدار قطني في العلل ج 3 ص 224 س رقم 375 وج 4 ص 91 س رقم 446، و الباقلاني في التمهيد: ص 545، و الحاكم في المستدرك ج 3 ص 118- 119 ح 4577 و 4578، و ص 126 ح 4601، و ص 419 ح 5594، و القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة ص 766 و في المغني ج 20 ق 1 ص 144- 145، و الخطيب البغدادي في المتفق و المفترق ج 3 ص 1739 ح 1277، وفي موضح أوهام الجمع و التفريق ج 1 ص 185، و في الفصل للوصل ج 1 555 ح 58، و في تاريخ بغداد ج 7 ص 377 وج 14 ص 236 و مواضع آخر، و البغوي في مصابيح السنّة ج 4 ص 172 ح 4767، و انظر مجمع الزوائد ج 9 ص 103- 109 و من طرق كثيرة.
و لو ذهبنا إلى إحصاء رواة هذا الحديث لجمعنا أضخم كتاب و فتحنا أوسع باب قال السيد الكبير جمال الدين بن طاووس (1)في كتاب «الإقبال» ما نصّه:
«فصل» فيما نذكره من مختصر الوصف، مما رواه علماء السنّة عن يوم الغدير من الكشف، فمن ذلك ما صنّفه أبو سعید مسعود بن ناصر السجستاني (2)
(راجع ترجمته في أنساب السمعاني ج 3 ص 226، العبر- للذهبي- ج 2 ص 337- 338، مرآة الجنان- لليافعي- ج 3 ص 93).
المتفق على صحّة ما يرويه، صنّفَ كتاباً سماه «دراية حديث الولاية» و هو سبعة عشر جزء روى فيه حديث نص النبيّ على عليٍٍّ بالولاية يوم الغدير عن مئة و عشرين من الصحابة و من ذلك ما رواه محمّد بن جريرالطبري صاحب «التاريخ الكبير» (3)أقول: و حدثني السيّد الحبر الشريف ابن عقيل عند اجتماعي معه في القاهرة أنّه وقف على هذا الكتاب في بعض مكتبات الهند العمومية، و احسبه قال (حيدر آباد) و أنّه كتاب كبير جداً و اسمه أنباء الرواة في حديث من كنت مولاه فعلي مولاه] ما بين المعقوفتين من المصنّف. قُدِّس سِرُّه.
في كتاب الرد على1) هو السيّد رضي الدين، أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن أحمد ابن محمّد بن طاووس الحسني الحلّي المولود سنة 589، و المتوفّى سنة 664، صاحب المقامات السنيّة و الكرامات الباهرة، أبرز أعلام هذه الأسرة، و كان له ثلاثة أخوة شرف الدين أبو الفضل محمّد، و عز الدين الحسن، و جمال الدين أبو الفضائل أحمد، والد غياث الدين عبد الكريم و من مصنفاته المشهورة: الطرائف، اقبال الأعمال، الدروع الواقية، فلاح السائل، فرج المهموم و غيرها. (راجع ترجمته في الأعيان ج 8 ص 358).
2) أبو سعيد، مسعود بن ناصر بن أبي يزيد السجزي السجستاني الركاب: ت 477 ه، كان حافظاً متقناً فاضلاً، رحل إلى خراسان و الجبال و العراقين و الحجاز، و أكثر من الحديث و جمع الجمع، قال الدقاق: لم أرَ أجود إتقاناً و لا أحسن ضبطاً منه.
3) [قد ذكر الحموي في السادس من معجمه عند ترجمة الطبري في عدد مؤلفاته أن له كتاب فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه تكلم في أوّله بصحة الأخبار الواردة في غدير خُم، ثمّ تلاه بالفضائل و لم يتم، و أنّه رد فيه على بعض الشيوخ ببغداد ممن كذب حديث الغدير. (معجم الأدباء ج 5 ص 266 و ص 269 و نسبه إليه ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 7 ص 339).
الحرقوصية (1)روى فيه حديث الغدير من خمس و سبعين طريقاً. و من ذلك ما رواه أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني في کتاب سماه كتاب دعاء الهداة إلى أداء حقّ الموالاة (2)
و من ذلك الذي لم يكن مثله في زمانه، أبو العباس أحمد بن سعيد ابن عقدة الحافظ (3)، الذي زكّاه و شهد بعلمه الخطيب مصنّف «تاريخ بغداد» (4)فإنّه صنّف كتاباً سماه «حديث الولاية» (5)، وجدته بنسخة قد كتبت في زمن مصنّفه، تاريخها سنة ثلاثين و ثلث مئة، صحيح النقل ، عليه خط الطوسي و جماعة من شيوخ الإسلام، روى فيه حديث الغدير و نصّ
1) الحرقوصيّة: نسبة إلى حرقوص بن زهير السعدي، المعروف بذي الخويصرة و ذي الثدية، رأس الخوارج الذي خاطب رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم يوم توزيع غنائم معركة حنين بقوله: انك لم تعدل يا محمّد منذ اليوم! و قال في حقّه رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم دعوه فإنّ له أصحاباً يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، و أخبر بمقتله و مقتل أصحابه، قتل يوم النهروان كما أخبر رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم. (أنظر : الإشراف على مذاهب أهل العلم- لابن المنذر- ج 3 ص 255).
2) قال في شواهد التنزيل ج 1 ص 190 ذيل ح 246: و طرق هذا الحديث مستقصاة في كتاب دعاء الهداة إلى أداء حقّ الموالاة من تصنيفي في عشرة أجزاء.
3) المتوفي سنة 333 ه.
4) راجع ترجمته في تاريخ بغداد ج 5 ص 14 و ما بعدها.
5) ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 7 ص 339، و الكنجي في كفاية الطالب: ص 60، و المناوي في فيض القدير ج 6 ص 282 ح 9000.
النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم على أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام بالولاية من مئة و خمس طرق.
و إن عددت أسماء المصنفين من المسلمين في هذا الباب طال ذلك، و جميع هذه التصانيف عندنا الآن إلّا كتاب الطبري (1)
1- علي بن الحسن الطاطري له كتاب الولاية ذكره له الشيخ الطوسي، و عدّه من أصحاب الإمام الكاظم عَلیْهِ السَّلام، و هو من شيوخ الواقفة، و ثقة في الحديث.
2- أبو بكر، محمّد بن عمر الجعابي، المتوفّي 355 ه، له كتاب (من روى حدیث غدیر خم) كما في فهرست النجاشي: ص 281 و من مئة و خمسة و عشرين طريقاً كما في المناقب.
3- أبو طالب الأنباري الواسطي، ت 356، له كتاب (طرق حديث الغدير)، كما في فهرست النجاشي: ص 161.
4- علي بن بلال المهلبي، له كتاب (حديث الغدير) كما في مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 34.
5- أبو غالب، الزراري، ت 368، له جزء في خطبة الغدير ذكره في رسالته الزرارية.
6- أبو الفضل محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب الشيباني، ت 372، له كتاب (من روى حديث غدير خم) كما في فهرست النجاشي : ص 282.
7- الحافظ علي بن عمر الدار قطني صاحب السنن، ت 385، له جزء في طرق حديث الغدير كما في كفاية الطالب ص 60، و فيض القدير ج 6 ص 282.
8- الحسين بن عبيد الله الغضائري، ت 411، له كتاب (يوم الغدير) كما في فهرست النجاشي: ص 15.
9- علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن عروة الجرّاح القناتي، ت 413، له كتاب (طرق خبر الولاية) كما في فهرست النجاشي ص 192.
10- محسن بن الحسین بن أحمد النیسابوری الخزاعی له کتاب (بیان من کنت مولاه) كما في فهرست الشيخ منتجب الدين: ص 156 رقم 360.
11- منصور اللائي الرازي استخرج في كتابه أسماء رواته على حروف المعجم كما في مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 34.
12- أبو الفتح، محمّد بن علي بن عثمان الكراجكي، ت 449 ه له كتاب (دعوة البصير في حج يوم الغدير) ذكره العلّامة النوري في المستدرك.
13- الحافظ شمس الدين الذهبي، ت 748 له كتاب (طرق حديث من کنت مولاه) ذكره لنفسه في تذكرة الحفاظ ج 3 ص 1043.
، انتهى1) و من صنّف في حديث الغدير مضافاً إلى ما ذكر:
ملخصاً (1)
و حسبك أن السيّد السند خِرِِّيت (2)الحديث و السنّة السيد حامد حسين اللكناهوري صاحب «عبقات الأنوار» الذي هو بقدر تاريخ الطبري، قد خصص جزئين ضخمين لخصوص حديث الغدير؛ أحدهما في سنده، و الثاني في دلالته (3)
و عليه، فالخارجي الذي هو عدو أمير المؤمنين عدو الله بمقتضى قول النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: اللهُمَّ! عادِ مَنْ عاداهُ، و عدو الله لا تقبل روايته و لا يجوز التعويل على نقله و الاستناد إلى قوله ألبتة.
ثمّ ليت شعري، و لا أدري، أنه إذا كان الإمام من أيمة الحديث قد توسّع و تساهل حتّى صار يقبل رواية مثل عمران بن حطان و داود بن الحصين و مروان بن الحكم و نظرائهم و هم أعداء الله- كما عرفت- فما باله تضايق و تحرّج فلم يروِ عن مثل جعفر بن محمّد؟!
أتدري من جعفر بن محمّد؟
هو جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين بن الحسين
1) راجع اقبال الأعمال: ص 453.
2) الخرِِّيت: الدليل الحاذق بالدلالة، كأنّه ينظر في خرت الإبرة ، أو الماهر الذي يهتدي لأخرات المفاوز ؛ و هي طرقها الخفيّة و مضايقها، على الاستعارة هنا للناقد المتضلّع البصير بدقائق العلوم، و هو مأخوذ من الخرت، و هو ثقب الإبرة. (لسان العرب ج 4 ص 52 مادّة «خرت»).
3) نقله السيّد الميلاني إلى العربية، و طبع بأربعة أجزاء من 6- 9 ضمن موسوعة عبقات الأنوار.
الشهيد السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و ابن فاطمة الزهراء بضعة رسول الله و سيدة نساء العالمين سلام الله و تحياته المباركة عليهم جميعاً.
جعفر بن محمّد، هو الذي يقول عنه الإمام مالك- حسبما رواه القاضي في «الشفا»- قال: لقد كنت أرى جعفر بن محمّد الصادق و كان كثير التبسم فإذا ذكر عنده النبيّ أصفرّ و ما رأيته يحدّث عن رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم إلّا على طهارة، و قد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلّا على ثلاث خصال:
إمّا مصلياً و إمّا صامتاً و إمّا يقرأ القرآن، و لا يتكلم فيما لا يعنيه، و كان من العلماء و العبّاد الذين يخشون الله عزّ و جلّ ... انتهى (1)
فإذا كان المحدّث قد جمع كتاباً أو دعه عشرات الألوف من الأحاديث، و قد توسع فيها حتّى للرواية عن اللكع ابن اللكع عمران بن حطّان، و الوزغ بن الوزغ (2)
انظر: المستدرك ج 4 ص 526 ح 8477، و أخرجه الدميري في حياة الحيوان ج 2 ص 399، و ابن حجر في الصواعق المحرقة: ص 108.
مروان بن الحكم طريد رسول الله (3)فما باله لم1) راجع الشفا ج 2 ص 42.
2) إشارة إلى ما رواه الحاكم و صححه باسناده عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلّا أتي به النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم فدعا له، فأدخل عليه مروان بن الحكم، فقال: هو الوزغ بن الوزغ الملعون بن الملعون.
3) أخرج رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم الحكم بن أبي العاص من المدينة،و طرده عنها فنزل الطائف و معه ابنه مروان، لأنّه كان يتحيل و يستخفي و يتسمع ما يسره رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم، فكان يفشي ذلك، و كان يحكيه في مشيته و بعض حركاته فالتفت صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم يوماً فرآه يفعل ذلك، فقال صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم: « فكذلك فلتكن»، فكان الحكم مختلجاً يرتعش من يومئذ، و بقي في الطائف إلى خلافة عثمان فردّه. (راجع الاستيعاب ج 1 ص 359).
يرو و لا حديثاً عن بقية رسول الله و لحمه و دمه و صفوة أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا (1)، و أحد العترة الذين أمر رسول الله بالتمسك بها و قرنها مع التمسك بالقرآن، و قال: إنهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض (2)
1) روى نزول الآية فى أهل البيت أحمد في مسنده ج 1 ص 133، وج 3 ص 259، وج 6 ص 292 و مواضع أخرى، و مسلم في صحيحه ج 7 ص 130، و الترمذي في سننه ج 5 ص 327- 328 ح 3205، و ص 621 ح 3787، و ص 656 ح 3871، و النسائي في سننه الكبرى ج 5 ص 107- 108 ح 8399، و البخاري في تاريخه الكبير ج 8 كتاب الكنى ص 25- 26 رقم 205، و الطيالسي في مسنده: ص 274 ح 2059، و ابن أبي شيبة في المصنّف ج 7 ص 501 ح 39- 40، و ص 527 ح 4، و عبد بن حميد في مسنده: ص 173 ح 475 و ص 367- 1223، و ابن أبي عاصم فی السنّة: ص 589 ح 1351، و البزار في مسنده ج 3 ص 324 ح 1120، و أبو يعلى في مسنده ج 7 ص 60-59 ح 1223- 1224، وج 12 ص 313 ح 6888 و مواضع أخرى، و الطبراني في الكبير ج 3 ص 52- 56 ح 2662- 2673 و مواضع أخرى، و في المعجم الأوسط ج 2 ص 39 ح 2281 وج 7 ص 369 ح 7614 و ابن حبّان في صحيحه ج 9 ص 61 ح 6937 و غيرهم من الأئمة و الحفاظ.
2) رواه مسلم في الصحيح ج 7 ص 122- 123، و الترمذي في سننه ج 5 ص 621 -622 ح 3786 و 3788، و النسائي في سننه الكبرى ج 5 ص 45 ح 8148 و ص 130 ح 8464، و الدارمي في سننه ج 2 ص 292 ح 3311، و أحمد في مسنده ج 3 ص 14 و 17 و 26، وج 4 ص 371، وج 5 ص 181، و مواضع أخرى، و البزار في مسنده ج 3 ص 89 ح 864، و أبو يعلى في مسنده ج 2 ص 297 ح 1012، و ص 303 ح 1027، و ص 376 ح 1140، و ابن خزيمة في صحيحه ج 4 ص 62- 63 ح 2357، و الطبراني في المعجم الكبير ج 3 ص 65- 67 ح 2678- 2683، وج 5 ص 167-166 ح 4969- 4971، و ص 169- 170 ح 4980- 4982 و مواضع أُخرى و فى المعجم الأوسط ج 4 ص 81 ح 3439 و ص 155 ح 3542، و في المعجم الصغير ج 1 ص 131 و ص 135، و ابن أبي شيبة في المصنّف ج 7 ص 418 ح 41 و جمع كثير من الأئمة و الحفاظ، و أخرجه السيوطي و الشيخ نوح الحنفي في رسالتيهما في الأحاديث المتواترة.
ما بالنا نتسع تارة بأوسع مما بين الخافقين و نتضايق أُُخرى حتّى نكون أضيق من سم الخياط؟
ما بالنا نجعل الله من جانب شديد العقاب، و من جانب آخر غفوراً رحيما.
هذا ما أسأل شيخنا القاسمي عنه فلعل عنده فضل علم في ذلك يحل به عني هذه العقدة و يكشف هذه الشدّة و إن كنت جد عليم بثغرتها و موضع المفصل و المحز منها و لكن و كم سائل عن أمره و هو عالمُ.
و القصارى، إننا أردنا أن نستطرد ذكر شيء من فضائل أهل البيت و وجوب موالاتهم و الخروج عن الاسلام ببغضهم و الانحراف عنهم فوجدنا أننا في ذلك كمن يريد أن يدل على الشمس بشمعة، و يمد السيل بجرعة، فكان إكثارنا من القول فيها و سرد الادلة عليها لا يعدو أن يكون تحصيلاً لحاصل، و توضيحاً لواضح.
و لكن قد أضاء الصبح لذي عينين من الشذرة التي نقلناها و هي واحدة من أُلوف ما ورد في فضلهم و وجوب موالاتهم عن النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم قد تجلى واتضح منها ما أردناه من كون محبتهم و ولائهم فريضة من فرائض الإسلام الضرورية التي لا مساغ للاجتهاد و التأويل فيها، و ضروريات الدين كما يعلم كلّ فقيه و متفقه ليست معرضاً للاجتهاد و منكرها بأي وجه كان يعد خارجاً عن الدين.
ألا ترى لو أنّ طائفة من منتحلي الإسلام نبغت اليوم أو قبل هذا فاجتهدت في أمر الصلاة و زعمت أن اجتهادها دلّها على عدم وجوب الصلاة بهذا النحو المتفق عليه و تأوّلت ما ورد في الكتاب من قوله تعالى: أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ بأنّ المراد منها معناها اللغوي و هو إقامة الدعاء و الثناء
لله جلّ شأنّه، و أن ما ورد في السنّة كلّه أخبار آحاد لا تفيد علما و لا عملاً، و الكتاب غير صريح بتفاصيل هذه الصلاة، كما ينقل أنّ طائفة من المسلمين اليوم هكذا تزعم في الصلاة و الزكاة و تحملها على مطلق الصدقة على الفقراء و المساكين، فهل ترى أنّ سائر المسلمين يفسحون العذر لهذه الطائفة و يقولون إنّها مجتهدة و متأولة، أم يعدونها خارجة عن ربقة الإسلام بما أنها أنكرت ضرورياً من ضروريات الدين لا يقبل الاجتهاد و التأويل؟!
و ليس هذا من باب الحجر على حرية الأفكار و سد باب النظر كما لا يخفى على ذوي الفضل و المعرفة، بل هو من باب الكشف عن جحود ذلك المتأول لما يعلمه ضرورة و يعتقده باطناً أنّه من الدين، و لكنّه يريد أن لا يتقيد بدينه، و لا ينقاد لعلمه فيتستر ضارباً في عرض هذه التأويلات، و ولاية أهل البيت من هذا القبيل، و كلّ هذا جلي واضح،غني عن البيان يعلمه شيخنا القاسمي أحسن العلم- كما يعلم هو و كل أحد- وضوح حال ابن حطّان في بغض أهل البيت و تكفيرهم و استحلال قتلهم و دمائهم كاستحلاله دماء سائر المسلمين ممن ليس على شاكلته.
أليس ابن حطّان هذا هو شريك عبد الرحمن بن ملجم في قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه، أليس هو المحبذ لفعله، و المادح له على قتله و القائل فيه:
يا ضربةً من تقىٍٍّ ما أراد بها *** إلّا ليبلغَ من ذي العرشِ رضوانا
إنّي لأ ذكره يوماً فأحسبُهُ *** أو فى البريّة عند الله ميزانا (1)
أفيجهل أحد أنّ هذا الكلام كان أوجع لأمير المؤمنين و لقلب رسول
1) ذكرها المبرد في الكامل ج 2 ص 126، وأبو الفرج في الأغاني ج 18 ص 117، و ابن عبد البر في الاستيعاب ج 3 ص 1128.
الله من ضربة ذلك الحسام الذي خرّ منه الإمام صريعاً في محرابه و خضب كريمته من دم رأسه و هو في صلاته و بين يدي ربّه.
أليس تلتئم جراحات السنان و لا يلتئم ما جرح اللسان؟ (1)
جراحات اللسان لها التئام *** و لا يلتام ما جرح اللسان
أليس الفقيه الطبري (2)
(راجع وفيات الأعيان ج 2 ص 76، و الأعلام ج 2 ص 210).
-و هو من أعظم علماء السنّة الشريفة- يقول في ردّه كما ذكره المبرد في «الكامل» على ما أعهد:يا ضربةً من شقي ما أراد بها *** إلّا ليبلغ من ذي العرش خسرانا
إنّي لأ ذكره يوماً فألعنه *** و ألعن الكلب عمران بن حطانا (3)
أفهل أزيد شيخنا القاسمي علماً بفضايع الخوارج و شنايعهم في الإسلام و فعلاتهم الجافية القاسية التي تهد الجبال الرواسي و تقشعر منها ابشار البشرية و ينتكس من ذكرها رأس الحياء.
و ما أحسب أنّ مسلماً من المسلمين ينسى قتلهم لذلك العبد الصالح سليل الصحابي المكرّم عبد الله بن خبَّاب بن الأرت تلك القتلة الفظيعة (4)
(راجع ترجمته في اسد الغابة ج 3 ص 118- 119، و الإصابة ج 4 ص 73).
، بل لا أحسب أن مسلماً يذكرها أو تذكر له إلّا و يمتعض قلبه و يتألم لبُّه1) مأخوذ من قول الشاعر:
2) أبو علي، الحسن بن القاسم الطبري الفقيه الشافعي ت 305 ه، أصله من طبرستان، سكن بغداد و توفي بها، و صنّف كتاب «المحرر» في النظر، و هو أوّل كتاب صنّف في الخلاف المجرد و «الايضاح و العدّة» في عشرة أجزاء في فقه الشافعية.
3) الكامل : ج 2 ص 126، مع اختلاف في بعض في بعض الألفاظ.
4) عبد الله بن خبّاب بن الأرت التميمي: قيل هو أوّل مولود في الإسلام، لقيه الخوارج و هو متوجه إلى علي عَلیْهِ السَّلام بالكوفة، فذبحوه فسال دمه في الماء و بقروا بطن زوجته و هي حامل متم، و كان من سادات المسلمين.
و يبرأ إلى الله من ناعقهم و سائقهم، و صالحهم و طالحهم، و أولهم و آخرهم.
اتفق المؤرخون و المحدثون و علماء العربية كالمبرد و غيره (1)ممن استطرد لذكرها، و تعرض لنقلها قالوا: لقيهم عبد الله بن خباب و في عنقه مصحف و معه امرأته و هي حامل، فقالوا: إنّ هذا الذي في عنقك ليأمرنا بقتلك.
قال: ما أحيا القرآن فأحيوه، و ما أماته فأميتوه.
فوثب رجل منهم على رطبة فوضعها في فيه فصاحوا به فلفظها تورعاً، و عرض لرجل منهم خنزير فقتله، فقالوا: هذا فساد.
فقال عبد الله: ما عليّ منكم بأس إنّي لمسلم.
قالوا: حدثنا عن أبيك- و كان أبوه خباب من أعيان الصحابة و ذوي المقامات العالية -.
فقال: سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم يقول: تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه يمسي مؤمناً و يصبح كافراً فكن عبد الله المقتول و لا تكن القاتل.
قالوا: فما تقول في أبي بكر و عمر؟ فأثنى خيراً.
فقالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم، و في عثمان ست سنين؟ فأثنى خيراً.
قالوا: فما تقول في الحكومة و التحكيم؟
قال: أقول إنّ عليّاً أعلم بكتاب الله منكم، و أشدّ توقياً على دينه، و أنفذ بصيرة.
1) راجع كامل المبرد ج 2 ص 157- 158، تاريخ الطبري ج 3 ص 119، و تاريخ ابن الأثير ج 3 ص 218.
قالوا: إنك لست تتبع الهدى، إنّما تتبع الرجال على أسمائها.
ثمّ قادوه كما يقاد العنز، و ربطوه و قربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه صبراً أمام زوجته- و المصحف في عنقه- و هو يكثر من شهادة لا إله إلّا الله، فلمّا ذبحوه امذقرّ دمه: أي جرى في النهر مستطيلاً (1)، و ساموا نصرانياً بنخلة له، فقال: هي لكم بلا ثمن.
فقالوا: ما كنّا لنأخذها إلّا بثمن.
فقال: ما أعجب هذا أتقتلون الرجل الصالح عبد الله و لا تقبلون منّي جني نخلة؟!
و في رواية عبد الحميد شارح النهج بقروا بطن الحامل و أخرجوا جنينها (2)
و كان أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام قد نهى أن يبدأهم أحد بقتال و كلّما قيل له إنّهم خارجون عليك قال: لا أقاتلهم حتّى يقاتلوني.
و كان قد بعث إليهم أولاً نبع دوحته، و ملازم حضرته و المستقي من ينبوع علومه، الحبر «عبد الله بن عباس» فحاجهم حتّى دحض حجّتهم و قطع عن الجواب ألسنتهم حتّى اتّبعه منهم ألفان راجعين معه إلى عسكر علی عَلیْهِ السَّلام و أصرّ على العناد الباقون و هم أربعة آلاف استمروا على الحياد و العناد بغير حجّة و لا برهان و لا دليل و لا تأويل (3)و ذلك بعد أن خرج إليهم
الإمام عَلیْهِ السَّلام بذات نفسه مع صعصعة بن صوحان (1)و عالجهم بالحجّة و البيان فكان آخر كلامهم معه: أن تب إلى الله تعالى و استغفره نعد معك، فقال عَلیْهِ السَّلام استغفر الله من كلّ ذنبٍ فرجعوا و هم ستة آلاف، ثمّ كان من فتنة الأشعث بن قيس (2)
كان كهف النفاق، و رأس الفتن، و منبع الفساد، و هو الذي أفسد على أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام أمره، و ممن تواطأ مع ابن ملجم على قتله. (راجع ترجمته في أسد الغابة ج 1 ص 118، و الإستيعاب ج 1 ص 133، و أورد ابن أبي الحديد في شرحه كثيراً من أخباره راجع ج 2 ص 279).
و مكره ما هو مشهور (3)، فعادوا إلى الخروج على أمير المؤمنين و كان من محاورة ابن عبّاس معهم و انقطاعهم و رجوع ألفين منهم ما مرت الإشارة إليه.كلّ هذا كان قبل قتلهم عبد الله بن خباب، أمّا حين بلغ خبر مقتله لأمير المؤمنين اشتدّ به الغضب لله و نالت منه هذه الواقعة الفظيعة منالاً عظيماً، و مع ذلك لم يغلب الغضب عليه و لم يأخذ الغيظ على شكيمة ورعه سلام الله عليه، و لكن خرج إليهم بنفسه مع عدّة من أصحابه و قال لهم: ارجعوا و ادفعوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلّنا قتلهُ و شرك
1) تقدّمت ترجمته في ص 62.
2) الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، أسلم سنة عشر من الهجرة ثمّ ارتد بعد وفاة النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و أُسر فأحضر بين يدي أبي بكر فعفا عنه و زوّجه اخته، فولدت له ابنه محمّداً الذي شارك في قتل الإمام الحسين عَلیْهِ السَّلام، و ابنته جعدة سمّت الإمام الحسن عَلیْهِ السَّلام.
3) اخرج خبر فتنة الاشعث المبرد في الكامل ج 2 ص 156 و فيه فأتى الأشعث بن قيس علياً عَلیْهِ السَّلام، فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالاً و الإقامة عليها كفراً، فخطب علىّ الناس فقال: من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب، و من رآها ضلالاً فهو أضلّ، فخرجت الخوارج من المسجد فحكمت فأفسد الأمر بعد أن رجعت الخوارج.
في دمه.
فاحتدمت نار الحمية لله في نفسه الكريمة، و قال: و الله لو أن جميع أهل الأرض أقروا بدم. عبد الله لا ستبحت دماءهم- أو ما هو بمعناه- و أراد أصحابه أن يحملوا عليهم، فقال: لا تبدؤوهم بقتال.
فخرج رجل منهم و حمل على صفّ على عَلیْهِ السَّلام فقتل منهم ثلاثة و هو يقول:
أقتلهم و لا أرى عليّا *** و لو بدا أو جرته الخطيا (1)
الخطي: الرمح. (لسان العرب ج 4 ص 141 مادّة «خطا»)
. (2)و عن حبّة العُرني (3)قال: لمّا انتهينا إليهم رمونا، فقلنا لعلي عَلیْهِ السَّلام رمونا.
فقال: كفوا عنهم.
ثمّ رمونا، فقلنا له.
فقال: كفوا.
فلمّا كانت الثالثة قال: الآن طاب القتال، و عندها حمل عليهم و حمل أصحابه فكانت وقعة النهروان (4)التي أبادهم سلام الله عليه فيها و لم ينج منهم
1) الوجر: أن توجر ماء أو دواء في وسط حلق صبي، و أوجره إيّاه الرُّمح لا غير: طعنه به في فيه، أو جرتُ فلاناً بالرمح إذا طعنته في صدره. (لسان العرب ج 15 ص 220 مادّة «وجر»).
2) راجع الكامل للمبرد ج 2 ص 139، شرح ابن أبي الحديد ج 2 ص 272.
3) حبّة بن جوين العرني، و كنية حبّة أبو قدامة، و قيل ابن جوية العرني: من أصحاب على عَلیْهِ السَّلام كما في رجال الشيخ، و من أصحاب الحسن عَلیْهِ السَّلام و عدّه البرقي في أصحاب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام. (راجع معجم رجال الحديث ج 5 ص 192).
4) النهروان: كورة واسعة بين بغداد و واسط من الجانب الشرقي حدّها الأعلى متصل ببغداد. (معجم البلدان ج 5 ص 375).
بالفرار سوى تسعة كانوا هم الجرثومة و الأرومة لتلك الفتنة (1)
و الغرض من نقل هذه الجملة الوجيزة عن نشوء أولئك الطغام و الأوشاب (2)أن نذكر القراء الكرام أنّ أولئك المارقين- كما سماهم رسول الله صلوات الله عليه- (3)ما كانوا متأوّلين و لا مجتهدين و كانت قد تمت عليهم الحجّة، و انقطعت منهم أسباب المعذرة و انطبقت عليهم الآيات البينة، فليس هم إلا معاندين للحق، جاحدين للدين، عابدين للهوى، و إن كانوا بصورة أهل الدين، و لكن ليس غرضهم كما يشهد الله و رسوله إلّا الفتنة و الافساد في الارض و شق عصا المسلمين و ان تكون لهم امرة واثرة.
ثمّ هب أنهم مجتهدون و متأولون، كما يزعم الزاعمون، لكن أفليس قد أخبر النبيّ الصادق الأمين صلوات الله عليه: أنّهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، و أنّهم يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم أو تراقيهم (4)؟
1) شرح ابن أبي الحديد ج 2 ص 272.
2) الأوشاب: الأخلاط من الناس و الأوباش و الرعاع، واحدهم وِِشْب. (لسان العرب ج 15 ص 305 مادّة «وشب»).
3) سماهم رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم بالمارقين بقوله لعلي عَلیْهِ السَّلام: تقاتل بعدي الناكثين و القاسطين، و المارقين كما في المعجم الكبير للطبراني ج 10 ص 91 -92 ح 10053 و 10054، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 150 ح 4674 - 4675، و الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج 8 ص 340.
4) راجع مسند أحمد ج 1 ص 88، 92، 131، 147، وج 3 ص 5، 15، 33، وج 4 ص 145، 422، وج 5 ص 42، 167، و مواضع أخرى كثيرة، صحيح البخاري ج 5 ص 327 ح 349، وج 6، ص 339 ح 79 وج 8 ص 70 ح 186 وج 9 ص 29 -31 ح 12- 15، و مواضع أخرى، صحيح مسلم ج 3 ص 109- 117، و من عدّة طرق، سنن أبي داود ج 4 ص 243- 245 ح 4764 - 4768، سنن الترمذي ج 4 ص 417 - 418 ح 2188، سنن النسائي ج 5 ص 87- 88 وج 7 ص 118- 120، سنن ابن ماجة ج 1 ص 59- 61 ح 168- 172، الموطأ: ص 201 ج 10.
أفليس من الحقّ الصراح و الذي هو أجلى من فلق الصباح، أنّه إن [كان] (1)حديث قد تواتر بلفظه عن رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و لم يبق مؤرخ و لا محدّث و لا فقيه و لا أديب و لا مؤلف من مؤلفى العلوم العربية إلّا و قد ذكره بأساليب مختلفة متباعدة أو مؤتلفة و كلّها- على تباعدها و تقاربها- متكافئة على تلك الجملة الجلية، و نقل تلك الشذرة الذهبية: یمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية
صاح رسول الله صلوات الله عليه بهذه الكلمة في الأُمّة صيحة أسمعت الغافل و النائم، و القاعد و القائم، اسمعت الذر في الأصلاب، و النطف في الأرحام، و الأطفال في المهود، و الموتى في اللحود، و الرفات في القبور، و النساء في الخدور.
و لكن ما ذا كان من بعد كلّ هذا العناء؟! ما كان سوى أن جاء المتأولون من الأعراب فقالوا: هؤلاء مجتهدون متأولون فلا ضرر في الركون إليهم، و التعويل عليهم فإذا ضايقتهم فيما ورد فيهم عن النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم من المروق عن الدين، قالوا: مؤّلٌ أو محمول.
و نحن نورد الحديث النبوي بالنص الذي أورده الإمام البخاري «رضوان الله علیه» و نقتصر على ذلك و لا نطيل عليك بسرد طرقه و متونه و رواية كلّ راوٍ و محدث و مؤرخ له، فإننا لو أردنا جمع ذلك لعقدنا له كتاباً مفرداً بالتأليف، و لجاء كأكبر كتاب متوسط، و لكنّا نقنع من كلّ ذلك برواية شيخنا
1) كذا في المطبوع و الظاهر أنّها زائدة لعدم استقامة الكلام لفظاً و معنىً معها، و لعلّها من زيادة الطبّاع سهواً.
البخاري «رضوان الله علیه»؛ لأنّه لا يورد في صحيحه إلّا ما هو حجّة بينه و بين ربّه، كما يقولون.
قال: «في باب علامات النبوّة» ما نصه: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنّ أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و هو يقسم قسماً إذ أتاه ذو الخويصرة- و هو رجل من بني تميم-، فقال: يا رسول الله اعدل.
فقال: ويلك و من يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت و خسرت إن لم أكن أعدل.
فقال عمر: يا رسول الله إئذن لي فيه أضرب عنقه.
فقال: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم و صيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله (1)فلا يوجد فيه شيء ثمّ ينظر إلى رصافه (2)فلا يوجد شيء فيه ثمّ إلى نضيه و هو قدحه (3)فلا يوجد فيه ثمّ ينظر إلى قذذه (4)فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث (5)و الدم (6)آيتهم رجل
1) النّصل: حديدة السهم. (لسان العرب ج 14 ص 167 مادّة « نصل»).
2) الرّصفة: واحدة الرّصاف؛ و هي العقبة التي تكون فوق مدخل السهم إذا انكسر.(لسان العرب ج 5 ص 227 مادّة «رصف»).
3) النّضيُّ: نصل السهم، و قيل هو السهم قبل أن ينصل إذا كان قدحاً. ( لسان العرب ج 14 ص 183 مادّة «نضا»).
4) القذذ: ريش السهم، واحدة منها قذّة. (لسان العرب ج 11 ص 72 مادّة «قذذ».
5) الفرث: السِّرجين مادام في الكرش. (لسان العرب ج 10 ص 208 مادّة «فرث»).
6) سبق الفرث و الدّم: كناية عن سرعة السهم الذي شبّه به الخوارج في مروقهم من الدين بسرعته و نفوذه من الرّميّة، فلا يتلوّث بالفرث و الدّم.
أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة (1)تدردر (2)، و يخرجون على حين فرقة من الناس.
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و أشهد أنّ علي بن أبي طالب قاتلهم و أنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأُُتِيَ به حتّى نظرت إليه على نعت النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم الذي نعته. انتهى بحرفه من الصحيح (3)
و لكني أقول: صلى الله عليك يا رسول الله من نبيّ صديق، باهر المعجزات، قاهر الآيات، ظاهر البينات، سوى أني لا أهتدي إلى سر كلماتك الشريفة، و رموزك الدقيقة، و لا أدري لماذا ذلك التشديد و التأكيد و المبالغة، ينظر إلى نصله فلا يجد فيه شيء ثمّ إلى رصافه «و هو مغرز النصل من السهم» ثمّ إلى نضيه ثمّ إلى قذذه، فلا يجد في الجميع شيئاً.
لا أدري يا رسول الله ما الذي توعز إليه؟ و عمّا ذا تكني و تشير بذلك التكرير؟!
أكلّ ذلك إيعازاً لأُمّتك باجتناب تلك الطائفة و إنذاراً بأن لا شيء فيها من الخير و لا بصيص لها من النور و لا رصيص (4)بها من الانتفاع و الهدى؟!
أكلّ ذلك خوفاً على أُمتك مما وقعت فيه من الإنخداع بعبادتهم
1) البضعة: القطعة من اللّحم.
2) تَدردَر: أي تتدحرج، تجيء و تذهب، و الأصل: تَتَدردَرُ فحذف احدى التاءين تخفيفاً. (لسان العرب ج 4 ص 328 مادّة «درر»).
3) راجع صحيح البخاري ج 5 ص 48- 49 ح 114.
4) رصّه يرصّهُ رصّاً فهو مرصوص و رصيص و كلّ ما أُُحكم و جمع و ضُمّ بعضه إلى بعض فقد رصّ. (تاج العروس ج 9 ص 289 مادّة «رصص»).
و الإغترار بسود جباههم و الاستنامة (1)على نغمات قراءتهم و كثرة صلواتهم؟
أشهد يا رسول الله لقد أديت الأمانة، و نصحت للأُمّة و أتممت الحجّة، و نصبت الأعلام البينة و المنار الساطعة، و لكن إنّ من أُُمتك من يتولّون عن نصائحك و يتأولون.
أف لك يا دهر، و تعساً لك أيّها الزمان ما كنت أحسب أن يمتد بي زمني حتّى أرى للعلم دولة تقوم فيها الكتبة و الصحف للذب عن الخوارج و الكفاح دونهم و الجهاد في رفع سمة الفسق عنهم التي هي أقلّ ما يقال فيهم و التي هي دون ما يستحقونه بكثير، فإنّ حقيقة أمرهم و تمام ما هو حقيق فيهم ما قاله سيد أمناء الحقائق و أمين الله عليها رسول الله صلوات الله عليه أنّهم المارقون من الدين و هذا كما هو جلي فوق الفسق بكثير.
نعم، ما كنت أحسب أن يمتد بي زمني حتّى يدفعني إلى تلويث قلمي بنشر بعض سيئاتهم و فظائعهم و الكشف عمّا ليس بمستور من أحوالهم و كنت كالمستيقن أن هذا- أعني أمر الخوارج- شيء قد فُرغ منه و تسالم المسلمون فيه و ختموا عليه و انقادوا إلى قول نبيهم أنّ هؤلاء كاسمهم خوارج مارقون، و لا يعدون في عداد المسلمين.
ثمّ من عظيم البلية و كبير المحنة أن يخص من بين الخوارج خصوص عمران بن حطّان الذي هو أعظم جرماً عند الله من عبد الرحمن بن ملجم، فإنّ ضربته لا تزال تنكأ الجرح و تقرح قلوب المؤمنين إلى يوم الدين.
1) استنام إليه: سكن سكون النائم، و هو مجاز. (تاج العروس ج 17 ص 710 مادّة «نوم»).
و يشهد الله أني إنّما اندفعت لنشر هذه الحروف على أنّ الوقت و الحال لا يساعد على شيء من ذلك و لكن رأيت من القريب أن أرى يوماً قد نشرت فيه بعض الصحف تعديل عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلام و أبي لؤلؤة قاتل عمر «رضوان الله علیه» أو مروان بن الحكم و عمر بن سعد و يزيد قتلة الحسن و الحسين سيدي شباب أهل الجنّة (1)و ريحانتي (2)رسول الله صلوات الله عليه و على آله و صحبه الكرام.
إنّ تعديل ابن حطّان، أو تصحيح الرواية عنه ليس بدون تعديل هؤلاء، و لماذا يعدلون، لأنّ بعض المحدثين روى عنهم رواية، فمن أجل رواية واحدة نرفع اليد عن ضروري من ضروريات الدين، بل عدّة من الضروريات، منها: مروق الخوارج من الدين.
و منها: وجوب موالاة أهل البيت علیهِِمُ السَّلام الهلال و الخروج عن الإسلام ببغضهم. ثمّ إذا كان الإمام البخاري « رضوان الله علیه» هو راوي حديث مروق الخوارج من الدين في صحيحه و يعتقده حجّة بينه و بين ربّه فبماذا يعتذر شيخنا القاسمي في صحة تخريج الرواية عن رأس من رؤوس المارقين عن الدين
1) راجع سنن الترمذي ج 5 ص 614 ج 3768 و صححه، سنن ابن ماجة ج 1 ص 44 ح 118، و سنن النسائي الكبرى ج 5 ص 149 ح 8525- 8527، مسند أحمد ج 3 ص 3، 62، 64، 82، المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 38- 40 ح 2609- 2618، صحيح ابن حبّان ج 9 ص 55 ح 6920- 6921، مصنّف ابن أبي شيبة ج 7 ص 512 ح 2 و 3 و 5، كتاب الفضائل، مستدرك الحاكم ج 3 ص 182 ح 4778.
2) راجع صحيح البخاري ج 5 ص 102 ح 241 كتاب المناقب، و سنن الترمذي ج 5 ص 615 ح 3770، و سنن النسائي الكبرى ج 5 ص 150 ح 8529 و 8530، و مسند أحمد ج 2 ص 85 و 93، و مصنّف ابن أبي شيبة ج 7 ص 514 ح 16 ، المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 127 ح 2884، صحيح ابن حبّان ج 9 ص 58 ح 6930.
و داعية من دعاتهم حسب اعترافه فيما قدمنا نقله من نص عبارته (1)؟!
أفهل يسوغ أن يسمي رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم هؤلاء مارقين من الدين مروق السهم من الرمية و نجيء فنقول نعم قد مرقوا من الدين و لكن نأخذ بأخبارهم و نعتمد على نقلهم؛ لأنّهم أهل ورع و اجتهاد و زهد و عبادة؟
أم هل يعد التأول في الدين مروقاً من الدين؟ أم نحن أعلم بهم من رسول الله صلوات الله عليه؟ و قد أخبر عن تفاصيل شؤونهم قبل وجودهم بثلاثين عاماً و هي من أعلام نبوّته و دلائل بعثته.
و ما أقصى ما يذبّ عنهم المحامي لهم و المصحح للرواية عنهم إلّا أن يقول: إننا نرتاح إلى نقلهم و نسكن إلى روايتهم لما نعلمه من تحرّجهم عن الكذب و تصلبهم في الورع و تجافيهم عمّا يعلمون حرمته من ضرورة الكتاب و شعائر الإسلام التي لم تدخل عليهم شبهة فيه كما دخلت عليهم في غيره فنقلهم و رواياتهم لنا و بدعتهم عليهم.
و قد ورد مثله عن بعض أيمة أهل البيت علیهِِِمُ السَّلام حيث قال في بني فضال بعد أن زاغوا و وقفوا: خذوا ما رووا و ذروا مارأوا (2)
و بنو فضال من الفطحية الذين يقولون بإمامة عبد الله الأفطح، و بعضهم رجع إلى الإمامية، و اشتهر عنهم بأنّهم لا يروون إلّا عن ثقة.
و الخبر لا موضوعية له في نفسه و إنّما الغرض التوصل به إلى السنّة و كلام المعصوم فإذا حصل الوثوق جاز الاعتماد عليه أو تخريجه من أي
مخبر كان و اعتبار العدالة من أجل أنّها هي الطريق الغالب لتحصيل الوثوق لا لخصوصية فيها، هذا غاية ما في وسع المجالد عنهم و المكافح دونهم، قد قمنا عنه ببيانه و تشييد أركانه.
و لكن هل يخفى على اللبيب ما فيه من الخطأ و الخطل (1)و مواضع النظر و المماحكة (2)فإنّا بعد أن رأيناهم يتأولون في أعظم الضروريات حرمة عند الله، و يرتكبون أعظم الكبائر متأولين أو غير متأولين، فمن أين يبقى لنا وثوق بأنّهم لم يتأولوا كاذبين في خبر يروونه لغرض لهم لا نعلمه بعينه؛ إمّا لترويج باطل من أباطيلهم، أو لدخيلة من دخائلهم.
و هل حرمة الكذب أجلى و أظهر و أعظم و أكبر من قتل عبد الله بن خباب وشق بطن زوجته؟ فإذا جاز تأولهم في هذا فلماذا لا يجوز و لا يحتمل تأولهم في ذاك؟
أم هل تأولهم في تكفير الخليفة عثمان «رضوان الله علیه» و تكفير أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام (3)و استباحة دمه و قتله في محرابه، كان أسهل و أهون من کذبة في خبر يكذبونه؟!
نعم، «شنشنة أعرفها من أخزم» قد تورعوا من أكل الرطبة و أخذ النخلة عن رضا من مالكها بلا ثمن و لم ينفتح لهم باب التأويل انفتاحه في قتل ذلك الصحابي الطاهر البريء.
أمّا القياس على ما ورد من أهل البيت في بني فضال فما أشد البون و أبين الفرق، و أجلى المغايرة و المنافرة بين المقامين؛ فإنّ ذلك الإمام الذي تؤثر عنه تلك الفقرة كان قد سُئل عن أخبار مخصوصة، هو سلام الله عليه يعلم بأنّ بني فضّال كانوا قد رووها عن آبائه سلام الله عليهم، فلهذا أجاز لطائفته العمل بها و التعويل عليها.
و بنو فضال لم يرد فيهم أنّهم مرقوا من الدين حتّى يكون الأخذ برواياتهم و صحة التخريج عنهم اجتهاداً في مقابلة النص، بل الأمر على العكس فإن النص ورد بالجواز فأين هذا من ذاك؟ على أننا لو فتحنا ذلك الباب و قلنا بأنّ اعتبار العدالة طريق محض لا جهة موضوعية فيه أبداً، إذاً لا تّسع الأمر و جاز أن نعول في الشرعيات حتّى على خبر الكافر و هذا مما لا أظن مسلماً يقول به.
كيف، و هذا شيخنا القاسمي نفسه قد ذكر في ما ألّفه من حياة البخاري (رضوان الله علیه) قال في عنوان: شرط البخاري في جامعه، قال الحافظ ابن حجر عن الحافظ أبي بكر الحازمي: إنّ شرط الصحيح أن يكون إسناده متصلاً، و أن يكون راويه مسلماً صادقاً غير مدلّس (1)و لا مخلط (2)، متصفاً
1) المدلّس: هو أن يروي عمن لقيه أو عاصره ما لم يسمع منه على وجه يوهم أنّه سمع منه، أو يسقط شيخه الذي أخبره لكونه ضعيفاً أو صغير السن ليحسن الحديث بذلك، أو يروي عن شيخ و لا يحب معرفة ذلك الشيخ لغرض من الأغراض فيسميه أو يكنيه باسم أو كنية غير معروف بها. (راجع علوم الحديث ص 73، قواعد التحديث ص 132).
2) المخلط: هو أن يكون سوء الحفظ طارئاً على الراوي، إمّا لكبره أو لذهاب بصره أو خرفه، و قيل الذي لا يبالي عمّن يروي و عمّن يأخذ، یجمع بين الغث و السمين و العاطل و الثمين، و قيل لفساد عقيدته.(علوم الحديث- لابن صلاح-: 391، شرح شرح نخبة الفكر: 535، مقباس الهداية ج 2 ص 303).
بصفات العدالة، متحفظاً سليم الذهن، قليل الوهم، سليم الاعتقاد. انتهى (1)
يا لله و يا للمسلمين! ما أدري أين انطباق هذه الأوصاف على عمران ابن حطّان و ابن الحكم مروان و داود بن الحصين و كثير من أضرابهم؟!
أين الإسلام و قد مرقوا من الدين؟!
أين الصدق و قد كذّبوا على أمير المؤمنين في الرضا بالتحكيم؟!
أين الاتّصاف بالعدالة، و هم يقتلون النفوس المحترمة، و يسفكون الدماء المقدّسة، كدم عبد الله بن خَبّاب و يشقون بطن زوجته و هي حبلى؟!
أين التحفظ و سلامة الذهن و قلة الوهم؟!
أين سلامة الاعتقاد؟ أكل هذه النعوت الفاضلة قد اجتمعت متكاملة في أولئك الخوارج، و لم تجتمع و لا في واحد من رواة الشيعة، بل و لا في إمام الشيعة و سيدهم و سيد أهل البيت و بقية رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم.
اجتمعت في عمران بن حطّان و لم تجتمع في جعفر الصادق سلام الله عليه و لا في واحد من أولاده الأيمة و لا في واحد من رواة شيعته؟!
نعم، لم تجتمع فيهم لأنّ الشيعة يعملون بالتقيّة فيكذبون و يستدل على ذلك شيخنا القاسمي بكلام الذهبي ذاك الذي أحق ما يقال فيه قول أبي الطيب:
1) راجع شروط الأئمة الخمسة لأبي بكر محمّد بن موسى الحازمي المتوفي سنة 584: ص 39- 42 المطبوع مع شروط الأئمة الستّة للمقدسي في القاهرة- مكتبة القدسي سنة 1357 ه، و شرح النخبة لابن حجر: ص 274- 279، و حياة البخاري- للقاسمي-: 30.
سُميت بالذهبي اليوم تسميةً *** مشتقةً من ذهابِِ العقل لا الذهبِ (1)
لمّا نُسبتَ فكنت ابناً لغير أبٍِ *** ثمّ امتُحِنْتَ فلم ترجع إلى أدب
ديوان المتنبي ج 1 ص 341- شرح البرقوقي.
اجتمعت كلّ تلك الشروط في المرجئة (2)
و قال البعض: هم الذين أرجأوا أمر علي بن أبي طالب و من خرج معه و عليه إلى يوم القيامة، و عدم الحكم بشيء فيه من الإيمان و ضدّه.
و ممن اشتهر بالقول بالإرجاء، إبراهيم النخعي، و إبراهيم بن يزيد التميمي، و سفيان الثوري، و ابن المبارك، و وكيع، و هشام، و علي بن عاصم، و أبو حنيفة و أصحابه، و محمّد بن كرام و أصحابه، و بشير المرسي و أصحابه. (راجع الإيضاح لابن شاذان: ص 20، مقالات الإسلاميين: ص 132- 154، و ذكر لهم الشهرستاني في الملل و النحل ج 1 ص 137 ستة فرق و هم: اليونسية، العبيدية، الغسانية، الثوبانية، التومنية، الصالحية.
و القدرية (3)و لم تجتمع في بضعة رسول الله و سليله جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن فاطمة الزهراء بنت رسول الله و فلذة كبده و بقيته في أُُمته.1) البيت لأبي الطيّب المتنبّي من أبيات ثلاثة قالها في هجاء القاضي الذهبي مطلعها:
2) المرجئة: من الإرجاء و هو التأخير، و هم الذين يقولون بأن الإيمان قولٌ بلا عمل، و أنّه لا يزيد و لا ينقص، و أنّ مرتكب الكبيرة مؤمن حقاً، لكفاية التصديق القلبي، و لا يخلد بالنار، و إن لم يتب، و الإيمان حسنة لا تضر معها معصية،و الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة.
3) القدرية: اختلف في معنى القدرية، فقيل: هم الذين يثبتون القدر بمعنى ان كلّ فعل من الكفر و المعاصي و كبائر الذنوب هي بتقدير الله تعالى و قضائه و على وجه الاستقلال، و قيل: هم الذين ينفون ذلك، بمعنى أن للعبد دخلاً فی فعله و هم العدلية، و الكلّ يتبرأ من التسمية وينبز بها الطرف الآخر تحاشياً لما روي عن النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم القدرية مجوس هذه الأُمّة و لكن فقه الحديث يوجب النسبة للمثبت، و النسبة في لغة العرب من الإثبات لا النفي بمعنى أن من يقول بأن جميع أفعالنا هي بتقدير الله و ليس للعبد دخل فيها هو القدري، و أنّ من ينفي القدر لا يمكن أن يقال له قدري فقهاً و لغة. (الملل و النحل ج 1 ص 38).
لم يكن جعفر بن محمّد صادق أهل البيت سلام الله عليهم أهلاً لأن يروى عنه و لا حديث واحد في ضمن تسعة آلاف و نيف و ثمانين حديثاً.
نعم، لا يروى عنه، و لا عن شيعته، لأنّه كما روى شيخنا القاسمي في حياة البخاري عن الذهبي في «ميزان الاعتدال»- و ما أكثر ما تكذّب الأسماء أو تكون بعلاقة الضد- إنّه قال في ترجمة «علي بن هاشم الخزاز» (1): قال ابن حبان: غالٍ في التشيع، روى المناكير عن المشاهير (2)
و قال البخاري: كان هو و أبوه غاليين في مذهبهما (3)
و قال أبو داود: ثبت متشيع (4)و مع هذا فقد وثقّه ابن معين (5)و غيره. و روى عنه الإمام أحمد و مسلم و الأربعة (6)
قال الذهبي: و لغلوّه ترك البخاري إخراج حديثه فإنّه يتجنب الرافضة
1) علي بن هاشم بن البريد، هو أبو الحسن الكوفي الزبيدي الخزاز ت 189 ه، من أصحاب الإمام الصادق عَلیْهِ السَّلام، و ثقه ابن معين،و أبو زرعة، و العجلي، و غيرهم. (راجع ترجمته في تهذيب الكمال ج 13 ص 416 ترجمة رقم 4731، واضعاً له البخاري و مسلم و أصحاب السنن الأربعة إشارة لروايتهم عنه، و راجع معجم رجال الحديث ج 13 ص 234).
2) المجروحين ج 2 ص 110، إلّا أنّه ذكره في الثقات ج 7 ص 213.
3) راجع تاريخ البخاري الكبير ج 6 ص 300، و الأوسط ج 2 ص 177، و الصغير ج 2 ص 247 فقد ترجمه البخاري و ذكر وفاته و لم يذكر هذه العبارة في كتبه الثلاثة هذه.
4) راجع تهذيب الكمال ج 13 ص 418، و تهذيب التهذيب ج 5 ص 750 رقم 4960.
5) في كتاب التاريخ ج 2 ص 423 رقم 1292.
6) وضع له الذهبي رمز مسلم و الأربعة إشارة لروايتهم عنه في تهذيب الكمال كما تقدّم، و تهذيب التهذيب ج 5 ص 749 وضع له رمز البخاري و مسلم و الأربعة.
كثيراً، كان يخاف من تدينهم بالتقية، و لا يتجنب القدرية، و لا الخوارج، و لا الجهمية (1)، فإنّهم على بدعهم يلتزمون الصدق. انتهى ما نقله شيخنا القاسمي من عبارة الذهبي (2)
و كنت قد وقفت على هذه الفقر حينما نشرها الشيخ القاسمي في «العرفان» الأغر قبل سبعة أشهر تقريباً، و أنا اذ ذاك نزيل دمشق بلد الشيخ، فلمّا وقع نظري عليها يومئذ جاش صدري، و غلت نار الحمية للحق في فؤادي، و تنمر (3)قلبي، وفارت محبرتي بنفسي، و استعرض لي متصدياً طرسي، و تزاحمت تتراكم على ذهني وجوه النظر و البيان لرد هذه الفرية و البهتان.
ثمّ راجعت حلمي، و خفضت من زماعة (4)عزمي، و رأيت أننا في وقت هو في أشد الحاجة إلى دفن هذه النبائث (5)، و ستر تلك الهنابث (6)، و بث
1) الجهمية: أصحاب جهم بن صفوان ، الذي كان يقول بالجبر، و لا فعل و لا عمل لأحد غير الله تعالى، و إنما تنسب الاعمال الى المخلوقين على المجاز، و أنكر الاستطاعات كلّها، و زعم أنّ الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، و أنّ الجنّة و النار تبيدان و تفنيان. (راجع الملل و النحل للشهرستاني ج 1 ص 73 و غيره).
2) راجع میزان الاعتدال ج 5 ص 194، و حياة البخاري- للقاسمي- ص 37- 38.
3) تنمّر له: تنكّر و تغيّر و أوعده، لأنّ النمر لا يُلقى أبداً إلّا مُتنكِّراً غضبان. (تاج العروس ج 7 ص 562 مادّة «نمر»).
4) الزَّمعُ و الزّماع: المضاءُ في الأمر و العزم عليه، و الزميع: الشجاع المقدام الذي لا ينثني عن الأمر. (لسان العرب ج 6 ص 81 مادّة «زمع»).
5) النبائث: جمع النّبيثة؛ و هي کناسة البئر في الأصل، على الاستعارة هنا لدخائل الأمور و ما خفي منها ممّا يثير التعادي و الفِتن. (لسان العرب ج 14 ص 13 مادّة «نبث»).
6) الهنابث: الدواهي، و الأُمور و الأخبار المختلطة. (تاج العروس ج 3 ص 280 مادّة «هنبث»).
روح السلم و الموادعة و تأكيد روابط الجامعة.
و قلت: لعلّها غرة (1)من شيخنا القاسمي، أو عثرة من قلمه، و سوف ينتبه إلى خطرها و شروى (2)شرّها فلا يعود إلى نشر مثلها مما يجرح خواطر إخوانه، و يمس عواطفهم، فضربت عنها صفحاً و لم انشر فی معارضتها حرفا.
فما غبّ (3)غير قليل حتّى نشر لنا توثيق عمران بن حطّان الذي هو شريك في دم أمير المؤمنين سلام الله عليه، فرأينا ما لا يحسن السكوت و الصبر عليه، و لا نعذر عند الله- جلّ شأنه- و أوليائه بالتساهل فيه، و لا يسمح لنا الضمير و الحقيقة في الإغضاء عنه.
و لستُ بمطراب إذا شبت الوغى *** و لكن متى ما أدعَ للشرِِّ أركبِ (4)
و لستُ بمفراح إذا الدهرُ سرّني *** و لا جازع من صرفهِ المتقلبِ
و لا أبتغى الشًرَّ و الشرُّ تاركي *** و لكن متى أُحمل على الشرِِّ أركبِ
كما في كامل المبرد ج 2 ص 364، و الشعر و الشعراء ج 2 ص 694 بتقديم و تأخير.
فنشرنا هذه الحروف عن خالص نية، و مجرد نصرة للحقيقة، و الله -سبحانه- هو العليم بالسراير، و لا تخفى عليه خافية.
أمّا حديث التقيّة و عمل الشيعة به، فلو أن الظروف تسمح لي لعرّفت
1) الغِرّة: الغفلة. (لسان العرب ج 10 ص 45 مادّة «غرر»).
2) شري الشّر بينهم: استطار، و قيل: عظم و تفاقم. (تاج العروس ج 19 ص 568 مادّة «شرى»).
3) غَبَّ: بَعُدَ، و غبَّ الأمرُ: صارَ إلى آخره، و جئته غِبَّ الأمر: أي بعدهُ، و غَبّ الرجلُ: جاء زائراً بعد أيّام، و منه الحديث: زرْ غبّاً تزدد حبّاً. (لسان العرب ج 10 ص 6 مادّة «غبب»).
4) البيت لهدبة بن خشرم العذري و روايته هكذا:
الذهبي أو شيخنا القاسمي ما هي التقيّة؟ و كيف مقامها من الدين؟ و أنّها من غرايز العقول و بداية الفطرة في كلّ مذهب و ملّة بدافع الطبع و الجبلّة، و حيث إنّ دين الإسلام ما جاء بما يصادم العقول، و يخالف البديهيات فلذلك كانت التقيّة من إحدى ضرورياته.
نعم، لو أن الوقت يفسح لي لذكّرت الذهبي قوله تعالى: إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً (1)، و قوله عزّ شأنه: إِلاَّ مَنْ أُکْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِیمَانِ (2)، و قول إبراهيم عليه السلام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا (3)و كثير من نظاير ذلك في القرآن الكريم و السنة النبويّة (4)
نعم، لو سنحت لي الفرص، و اتسع معي الوقت لعرّفت الذهبي حيث يقول: كان يخاف من تدينهم بالتقيّة، و إنّ غيرهم يلتزمون الصدق، لعرّفته الصادق من الكاذب، و المحق من المبطل، و الناجي من الهالك، و لأ فصحت له عن أنّ هذه التقية التي نبز بها الشيعة ليس معرّتها و إثمها إلّا على أيمته من متآمري بنى أُُُمیّة و ملوكهم من معاوية و يزيد و من بعده، أولئك الذين سعوا في إطفاء مصابيح الهدى و طمس أعلام الحقّ، و تتبعوا شيعتهم يقتلونهم تحت كلّ حجر و مدر، و يصلبونهم على كلّ عود و شجر، و لأن يقال إذ ذاك لمن يوالي أهل البيت: يا كافر! خير من أن يقال له: یا ترابي (5)، لأنّه إذا قيل له يا ترابى هُجمت على الفور داره، و أُُسرت عياله و أُزهقت روحه؛ إمّا زجاً في أعماق السجون أو رفعاً إلى أعالي
الخشب (1)
المعرّة- أيُّها الحافظ الذهبي!- على من ضغط على الأفكار و حجر على العقول و سلب حرية النفوس و حال بين الحقايق و الأذهان، و لم يدع كلّ إنسان و ما يدين به بينه و بين ربّه، أولئك الذين سوّلت لهم شياطين سياستهم أن يمحقوا من الإسلام اسم أهل بيت النبوّة، و لا يتركوا لهم أثراً و لا عيناً، فلا يدعون ذاكراً يذكرهم، أو أحداً يعرفهم، فضلاً عن أن يواليهم أو يتشيع لهم.
حسبك ما فعل زياد بن أبيه و ابنه عبيد الله بن زياد و الحجاج و غيره، بل و حتّى الدوانيقي و المتوكل الذي تتبع رمم أهل البيت في أجداثهم و أسف أن لا يكون قد شارك قتلتهم في حياتهم (2)
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا *** في قتله فتتبعوه رميما (3)
فعار التقيّة و شنارها و سوء عاقبتها و وبالها على من اضطر الشيعة إلى استحياء رمقهم بها و الفزع إليها على أن التقيّة التي كانت عند الشيعة إنّما كانت في خصوص النقطة السياسية التي يحاذرها بنو أُمية أو بنو العباس، و هي خصوص ولاية أهل البيت علیهِِمُ السَّلام أو ما يؤدي إلى ذلك.
أما في سائر شرائع الدين فكانوا يجاهرون بها على صلابة الحقّ و لا تأخذهم فيها لومة لائم هذا أن التقيّة حتّى في الولاية كانت أشبه بالرخصة و الإباحة حفظاً للدماء و بقياً على النفوس و تأليفاً للكلمة، و حرصاً
على جامعة الإسلام، وصوناً لعقد نظام الأمّة أن ينثر من وسطه و أطرافه فتلتقطه الأغيار.
أمّا الأخصاء من رجال الله و ذوي المقامات العالية و المكانة الرفيعة إذا أمنوا الخطر على الإسلام، فقد كان لهم أن يجاهروا بالحق و يبرأوا من الباطل و يعلنوا حتّى بالولاية رغماً عن كلّ الاضطهادات و العقبات التي وضعتها متغلبة بني أُُُميّة.
و ناهيك حديث ميثم التمّار و رشيد الهجري (1)و أمثالهم من خاصّة أصحاب أمير المؤمنين سلام الله عليه و خزنة علومه و أسراره، أولئك الذين قبض عليهم زياد و ابنه و أمرهم بالبراءة من أمير المؤمنين فلم يفعلوا و بالعكس تبرأوا من فرعون بني أُميّة و جنوده حتّى صلبهم على جذوع النخل بكناسة الكوفة وسلّ ألسنتهم من أفواههم.
و قبل هذا ما كان من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي و حجر بن عدي (2)الكندي سيدَي الأوابين مع جماعة من أصحابهم حملوا من الكوفة إلى فرعون بني أُُميّة على أوعر محمل بغير راحلة و لا زاد من الكوفة إلى الشام فلمّا حضروا عنده و أمرهم بالبراءة أبوا ذلك و قدموا أنفسهم أضاحي على مذبح الحقّ و قرابين لدين الله قتلوا صبراً في مرج عذراء من الشام.
و حمل رأس عمرو بن الحمق الخزاعي؛ ذاك الصحابي الكريم الذي أثنى عليه النبيّ و ترضّى عنه في مواضع، حمل رأسه من الموصل إلى الشام، و هو أوّل رأس حمل في الإسلام (3)
هؤلاء رجال الشيعة- الذين يزعم الذهبي أن البخاري لا يروي عنهم، و يخاف منهم لتدينهم بالتقيّة و لا يخاف من الخوارج و الجهمية و القدرية- قد رأيت. كيف قدموا أعناقهم للضرب و أجسامهم للصلب دون كذبة واحدة، و هؤلاء قليل من كثير أمثالهم الذين لا يتسع المقام لتعداد أسمائهم فضلاً عن سرد أقاصيصهم و مساعيهم المشكورة للدين و مواقفهم الشهيرة أمام الظالمين، هؤلاء رجال الشيعة- أيها الحافظ الذهبي- فهل في رجالك من بني أُُميّة واحد منهم.
و لم أر أمثال الرجال تفاوتاً *** من الفضل حتى عُدّ ألف بواحد (1)
مثالك من طيف الخيال المعاود *** ألمّ بنا من افقه المتباعد
ديوان البحتري ج 1 ص 65 و فيه: (تفاوتت إلى الفضل) بدل (تفاوتاً من الفضل).
و لو أردنا أن نذكر لك نبذة وافية من عظيم ما جرى على الشيعة من الاضطهاد و الظلم و الجور، و المحن و الإحن (2)، و هم في كلّ ذلك ثابتون على مبادئهم، راسخون رسوخ الجبال على لا حب (3)منهاج أيمتهم سايرون على الصدق و الاستقامة على رغم كل تهديد و وعيد و بلاء شديد.
نعم، لو أردنا الخوض في ذكر ما جرى عليهم من العناء و البلاء لأسمعناك- أيّها الناظر! في هذه العجالة- ما يقشعر له بدنك و ترتعش منه مفاصلك و ينسيك حديث عاد و ثمود و فرعون و نمرود.
كل ذلك لماذا؟ لأنّهم يوالون أهل بيت نبيهم و يسيرون على منهاجهم و سنتهم و يبرؤون من أعدائهم عتاة بني أُُميّة و حزبهم.
هذا هو أكبر ذنوب الشيعة الذي من أجله لا يزال الحافظ الذهبي كلّما ذكر واحداً منهم في ميزانه ضعّفه و رماه بالغلو و الكذب و وصمهم بكل وصمة و نبزهم بكل حطّة، و منها هذه المقالة الشنعاء التي نحن في صددها.
و لعل الفرص تسنح لنا فنضع مشروعاً يفي بشرح هذه الشؤون و الأحوال و نوفيها حقّها من البيان، و نعرّف الناس الذهب المزيف من الخالص و المغشوش من السبيك، و على أي فنحن لا نستغرب صدور مثل ذلك من الذهبي؛ فإنّ نزعته معلومة ،و إنّما الغرابة ممن ينشر أقواله و يصغي لها أُذناً واعية بدخايلها و نزغاتها (1)
أمّا علي بن إبراهيم القمي الخزاز الذي هو موضع كلام الحافظ الذهبي (2)، فهيهات أن تقبل روايته، أو تصح عدالته، و لو أن مسلماً و الإمام أحمد بن حنبل و الأربعة من أرباب الصحاح و ابن معين جميعاً قد وثّقوه و رووا عنه، و لكن سيئته لا تغفر، و شهادة أولئك الأعاظم في حقّه لا تقبل.
كيف و هو من كبار رواة الشيعة و محدثيهم و هو أُستاذ شيخنا الكليني ثقة الإسلام صاحب «الكافي» رضوان الله عليه، كما أنّه لا غرابة في عدم رواية الإمام البخاري عنه بعد أن كان البخاري لم يرو حتّى عن سيّده و سيد أهل البيت جعفر بن محمّد الصادق سلام الله عليه.
1) النزعات: جمع النزعة؛ و هی المرّة من النزع؛ و هو الطعن و الفساد، و المراد بها هنا: میلان أقوال الذهبی عن الحقّ و طعنة فی رواة و علماء الشیعة بغیر وجه حقّ. (لسان العرب ج 14 ص 108 مادّة «نزع»).
2) ليس هذا موضع كلام الذهبي و إنّما هو علي بن هاشم الخزاز الكوفي و قد تقدّمت ترجمته في ص 353، أمّا هذا فهو علي بن ابراهيم بن هاشم القمي من مشايخ الكليني في الرواية و كان حيّاً سنة 307 ه فهو متأخر عن البخاري و مسلم بكثير و لا يمكن روايتهم عنه، فلتقارب الاسمين اشتبه الأمر على الشيخ قُدِّس سِرُّه.
و لیس علي بن إبراهيم إلّا قطرة من ذلك البحر، و فرعاً من ذلك الأصل، و شعلةً من ذلك الزند (1)، و شعبة من ذلك الرند (2)، و إذا كان الأصل متروكاً و مهجوراً أو مغموزاً فيه- معاذ الله-، فبالحري أن يترك الفرع و يهجر النبع.
نعم و على العلات و على ما في الحلق من الشجي، و ما في العين من القذى، فنحن لا نمس كرامة البخاري (رضوان الله علیه) و لا ننحي عليه باللائمة في عدم روايته عن دوحة رسول الله و نبعته و بقيته أُُمّته مع روايته عن أولئك المارقين من الدين بنص رسول الله صلوات الله عليه في رواية البخاري نفسه في صحيحه، كما تقدّم نقله، و نقول للاّئم: لعل لها عذراً و أنت تلومُ (3)
تأنّ و لا تعجل بلومك صاحباً *** لعل لهُ عذراً و أنت تلومُ
كما في مجمع الأمثال للميداني ج 3 ص 113 رقم 3334، و البيت في طبقات ابن المعتز: ص 115، و في فصل المقال: ص 68 أنّه صدر بيت لمنصور النمري و عجزه: و كم من ملومٍ و هو غير مليم.
و في الحيوان للجاحظ ج 1 ص 24 صدر بيت و عجزه و كم لائم قد لام و هو مليمُ و لم ينسبه لأحد.
و إذا كان ابن الدمينة (4)يقول في ذات حبّه.1) الزند: العود الأعلى الذي يقتدح به النار. (تاج العروس ج 4 ص 478 مادّة «زند»).
2) الرّند: شجر بالبادية طيب الرائحة يستاك به. (التاج ج 4 ص 465 مادّة «رند»).
3) عجز بيت و روايته:
4) عبد الله بن عبيد الله الخثعمي، أحد بنی عامر بن تيم الله توفي سنة 130 ه، و الدمينة أُمّه، شاعر بدوي من أرقّ الناس شعراً، قلّ أن يرى مادحاً و هاجياً، أكثر شعره الغزل و النسيب و الفخر، كان العباس بن الأحنف يطرب و يترنح لشعره، و أختار له أبو تمام في باب النسيب من ديوان الحماسة ستة مقاطع، اغتاله مصعب بن عمرو السلولي، و هو عائد من الحج في تبالة، له: ديوان شعر- ط من صنع ثعلب و ابن حبيب. (راجع ترجمته في الأغانى ج 17 ص 98. الأعلام ج 4 ص 102).
منَعتْ تحيتَها فقلتُ لصاحبي *** ما كان أكثرها لنا و أقلََّها
فدنا و قال لعلّها معذورةٌ *** من بعض رقبتها فقلتُ لعلّها (1)
فحري بنا أن نقول مثلها في ذلك الحافظ المتحمل لسنّة نبيّنا صلوات الله عليه على أننا لا نغالي و نتطرف، فنزعم أنه أمير المؤمنين (2)، و لا نلقبه أو غيره من المحدّثين بذلك كما ذكره شيخنا القاسمي في ما جمعه من حياة البخاري، بيد أنّ البخاري مهما كان فليس بممتنع عليه الخطأ و النسيان.
نعم، و إنّ العصمة الله و لمن اختصّه الله، و ليس الخطأ بمحال على الإنسان طالما لا يكون معصوماً، سوى أننا قد نحمل نشرة العتاب أو الملام، و لكن على أكفّ الكرامة و أجنحة الاحترام، و نضعها أمام شيخنا القاسمي قائلين:
إنّه قد كان الجدير بمثله حيث تعرض لنشر تلك الشذرة الأخلاقية أن يقف فيها على حدودها و لا يتطرف و يتغالي بها، و حيث أبى إلّا أن يتوسع فيها و لا يقف على نقطتها المركزية، و حقيقتها الجوهرية، فلقد كان من الحزم و الصرامة وسعة العلم و الكرامة أن لا يذكر ذلك الشقي عمران بن حطّان شريك ابن ملجم محمد ذلك النور الالهي الذي ما أضاء في ظلمات هذا الكون بعد النبيّ سلام الله عليه مصباح هدى مثله.
أليس من الحتم اللازم بمصلح مثله؛ طم هاتيك الرمايم، و محو تلک السخايم (3)و الابتعاد عن النبايش و الخوادش في كلّ زمان و على كلّ حال
فضلاً عن مثل هذه الأحوال الحرجة، و المآزق الضيقة.
و إنّ لنا اليوم عن إثارة الدفاين و نبش الضغائن؛ لشغلاً شاغلاً بالرزايا التي نزلت بالإسلام، و الأخطار التي أحدقت به من كلّ صوب و مكان حتّى أصبح على شفا جرف هار، و في قلب كلّ مسلم عليه جذوة نار، تدفع كلّ ذي مركز و مقام ، و غيرة و حمية أن يجعل الهموم همّاً واحداً، فلا يعاني و لا يزاول، و لا یهم و لا يحاول، و لا يجري قلمه و لا تهم هممه، و لا يصبح و يمسي و يغدو و يروح إلّا في بث روح الإخاء و الوحدة في نفوس المسلمين و تنبيه إحساساتهم و مشاعرهم إلى ما حلّ بهم من تلك المنابذات و المشاغبات التي تركتهم طعمة الطغام، و أكلَةً حتّى للحشرات و الهوام، فعسی أن تنشط عزائمهم من ذلك الخدر الذي تركهم كالميت، لا يحفظ موجوداً، و لا يرد مفقوداً.
و حسبي بالله شهيداً أني في نقدي هذا ما رفعت و وضعت القلم إلّا و أنا في أشد سأم و برم، اليراعة تنمق السطور،و زند الأسى يتقادح في الصدور، و لكنّها الحقيقة- يا أخا ودي- أبت إلّا أن تتجلى و تظهر، و لا تتسع لها ظروف الكتمان،في أي الظروف و الأزمان، الحقيقة كالنار المودعة في العود أو الحجر، يتطاير عند الاحتكاك و الصدام- لا محالة- منها الشرر.
و لعمر الحقيقة إنّ الانتصار لها ليس من التعصب في شيء و لَئنْ كان فهو من التعصب للحق الذي بودنا أن نكون من أهله، و أن لا نكون من المتساهلين فيه.
و على ذكر هذا أذكر كلاماً أورده شيخنا القاسمي في منشوره الذي
نحن فيه، في البحث الذي أصدره بعنوان «خطر النبز بالفسق» (1)فإنّه بعد أن جرى في شوط بعيد، و رمى و لا أعلم إن كان سديداً أو غير سديد، و لكنّه اندفع في حظره (2)يلف الحزون (3)بالسهول، كالساير العجول، جاء قائلاً: و لمّا لم يكن عند من يرمي أخاه بالفسق إلّا الظن جاء النهي عن سوء الظن إثر تلك الآية؛ يعني آية التنابز بالألقاب في قوله تعالى: یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا کَثِیرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم (4)﴾إلى آخرها.
و لما كان الرمي بالفسق مدعاة لتفرق القلوب، و إثارة الشحناء على عكس حكمة الله تعالى في خلقه الخلق للتعارف و التآلف، جاء على أثر ما تقدّم بقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثَى وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (5)
فليتدبر المتقي هذه الآيات الكريمة، و ليقف عند أوامرها و زواجرها، و ليعتبر و ليستعبر.
قال السيد الطباطبائي (6)في «المفاتيح»: الفسق أن يتحقق بفعل
1) راجع الجرح و التعديل- للقاسمي- ص 14.
2) أي في ممنوعه و محظوره.
3) الحَزنُ: ما غلظ من الأرض، و الجمع حزون. (لسان العرب ج 3 ص 159 مادّة «حزن»).
4) سورة الحجرات 49: 12.
5) سورة الحجرات 49: 13.
6) الطباطبائي: هو السيد محمّد بن الأمير سيد علي (صاحب الرياض) بن محمّد علي الطباطبائي الحائري المتوفى سنة 1242 ه صاحب «مفاتيح الأصول» الملقّب بالمجاهد، و ذلك لأنّه نهض بالجهاد ضد روسيا عند اعتدائها على بعض حدود إيران الشمالية. (راجع الذريعة ج 21 ص 300، و الأعيان ج 9 ص 443).
المعصية المخصوصة مع العلم بكونها معصية، أمّا مع عدمه، بل مع اعتقاده أنّه طاعة، بل من أُمّهات الطاعات فلا، و الأمر في المخالف للحق كذلك؛ لأنّه لا يعتقد المعصية، بل يزعم أنّ اعتقاده من أهم الطاعات سواء كان اعتقاده صادراً عن نظر، أو تقليد، و مع ذلك لا يتحقق الفسق، و إنّما يتفق ذلك ممن يعاند الحق مع علمه به، و هذا لايكاد يتفق، و إن توهمه من لا علم له»، انتهى ما نقله من «المفاتيح» (1)و فرّع عليه قوله: ﴿فترى من العجب بعد ما ذكرناه أن يوسم بالفسق من لا يحل وسمه به؛ لأنّ معناه لا ينطبق بوجه ما ثمّ أخذ في فضل رواة الأحاديث بعد أن علق على عبارة «المفاتيح» فی الحاشية ما حرفه: في النقل عن هذا السيد الإمامي الكبير رَحمَه اللهُ حجة على متعصبة الإمامية في تفسيقهم مخالفهم أيضاً. انتهى (2)
و نحن لا نريد أن نتعقب بنات رأيه واحدة واحدة، و لا نبدي الملاحظات على أقواله كلمة كلمة فإنّ ذلك يخرج عن تخوم هذه العجالة و يضيق وسعها عنه كما أنّه لا يحضرني في حاضر وقتي هذا- و أنا في لهوات الأسفار و ثنايا الاغتراب- كتاب «المفاتيح» للسيد المجاهد؛ لأنظر صدر العبارة و ذيلها و نرى ما حقيقة ما يريده السيد.
أمّا العبارة المنقولة فلا يخفى مواقع النظر منها على أوائل الأفاضل
فضلاً عن أعاليهم و لو فتحنا هذا الباب باب المدار على الاعتقاد على إطلاقه لَا تّسعَ الفتق و تعسر الرتق، و الغرض أننا لسنا بهذا الصدد و لكنا نريد أن نتدبر في قوله: حجة على متعصبة الإمامية، و نقول: ما المراد بمتعصبة الإمامية؟ إنْ أراد بهم من لا يقبل رواية ابن حطّان و الخوارج و نظرائهم و يبرأ منهم و يعاديهم في الله كما يحب علياً و أهل البيت في الله!
إن كان هذا تعصباً، فكل الإمامية، بل كل المسلمين يتعصبون هذا التعصب، و لا مندوحة لهم عنه بصفة كونهم مسلمين؛ فإنها أُُسوة منهم بنبيهم و انقياد لأمره و طاعة له؛ التي هي طاعة الله، فإنّ النبي صلوات الله عليه أوّل من تبرأ من أولئك القوم و أخبر أنهم يمرقون من الدين و أنهم من المنافقين (1)
و إن كان المراد بالمتعصبة من يفسِّق من خالفه في سائر الآراء و الاعتقادات التي هي مفسح الأنظار و الاجتهادات، عدا ذلك الأمر الضروري و الركن الركين من الدين، و هو ولاء أهل البيت و حفظ كرامتهم من الله و رسوله صلوات الله عليه، فحاشا عقلاء الإمامية و علماءهم من ذلك.
كيف و هم دون غيرهم لا يزال باب الاجتهاد مفتوحاً عندهم من أوّل الإسلام و إلى هذا اليوم لم يحجروا على الأفكار و لم يسدوا باب العلم و النظر، و يوسعون لكل إنسان عذره في العمل برأيه، و يحفظون كرامة أخوّته الإسلامية، و روابطه الدينية على حدود ما يلزم و يجب عقلا و شرعاً، و أدباً و ديناً.
و أمّا عدم أخذهم و عملهم بروايات من يروي عن مثل ابن حطّان،
1) راجع ص 343.
و مروان، و داود بن الحصين، و نظرائهم، فإنّهم يبدون وجهاً في ذلك لعله وجيه عند أهل المعرفة و الإنصاف و ذاك أنهم يقولون نحن في غنى عن تلك الروايات بما رواه لنا أهل البيت من علي و الحسن و الحسين و زين العابدين و الباقر و الصادق سلام الله عليهم عن جدّهم رسول الله صلوات الله عليه فإنهم هم أهل بيت النبوة و أهل البيت أدرى بما في البيت (1)
فإنّا وجدنا رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم بإجماع الفريقين قد أمرنا بالتمسك بهم كما أمرنا بالتمسك بالكتاب الكريم(2)، فنحن على يقين من البراءة في العمل برواياتهم و على شك من العمل بغيرها، و لا يسوغ عند العقل رفع اليد عن المتيقن إلى المشكوك .
و رواياتهم بحمد الله وافية كافية في كلّ أبواب الفقه و الأخلاق و المعاش و المعاد فضلاً عن التوحيد و النبوّة و المعارف الالهية و الأدعية و المناجاة و كلّ ما يسنح على الفكر و يخطر على البال.
فلا حاجة بنا إلى العمل بروايات المغيرة، و أبي هريرة شيخ المضيرة (3)و مروان، و ابن حطّان و فلان و فلان لو كانوا من أهل الدين فكيف و قد عرفنا علاقتهم من الدين و حجزتهم (4)من الشرع؟! هذا ما
1) ينسب هذا القول للإمام الباقر عَلیْهِ السَّلام و قد تقدّم ذكره.
2) إشارة إلى حديث الثقلين المتواتر و قد تقدّم تخريجه في ص 328 عن مسلم، و الترمذي، و النسائي، و الدارمي، و أحمد، و البزار، و أبي يعلى، و غيرهم.
3) عرف أبو هريرة بشيخ المضيرة لأنّه كان يحبها، و المضيرة: مريقة تطبخ باللبن و عند العرب: أن تطبخ اللحم باللبن. (تاج العروس ج 7 ص 486 مادّة «مضر»).
4) الحُجزة: معقد الإزار من الإنسان، وكل ما تشد به وسطك لتشمر به ثيابك فهو حجاز، و هو كناية عن العلقة و الارتباط بالشيء. (تاج العروس ج 8 ص 42 مادّة «حجز»).
عندهم و إلى الله سبحانه نرغب أن يجمع الكلمة و يلم شعث الأمّة.
«و كلمتي الأخيرة» التي هي الغرض و القصد من كلّ هذه العجالة: إنّ الشيخ القاسمي قد أحسن بتلك الحقيقة و أجاد بوضع ذلك الميزان للجرح و التعديل و لزوم التثبت و التحقيق في أمر الردّ و التفسيق، و لكنّه قد مال ميزانه بعض الميل، و بخس بعض الكيل، و لم يتعادل في أمر جرحه و تعديله، بل تجاوز و تطرف و توسع و تعسّف، و كان الأولى بمثله و الحري بفضله، أن يعدل السير و يتوسط، فإن الوسط هو الخير، و لا يذهب بنا إلى أن نوالي كلّ أحد حتّى من اتضح أنّه من أعداء الله و أنه عدو لأولياء الله و إلّا فأين الحب في الله و البغض في الله الذي هو أفضل شرائع الإسلام كما ورد في كثير من الصحاح (1)
و من قبل ذلك ما نقده الشيخ القاسمي على كتاب «النصايح الكافية» (2)ذلك الكتاب الذي يليق أن يُعد من أكبر حسنات هذا العصر و أنصع مآثره، تلك النصايح التي ما كنّا نخال فاضلاً كالقاسمي يحيد عنها و يحيف عليها بتلك النقود التي ليس لها من الحقيقة مسيس، و لا من المتانة و القوة رسيس (3)
1) اُنظر: صحيح البخاري ج 1 ص 13 أوّل كتاب الإيمان، سنن أبي داود ج 4 ص 219 ح 4681، سنن الترمذي ج 4 ص 578، ح 2521، مسند أحمد ج 3 ص 438 و ص 440، المعجم الكبير ج 8 ص 177 ح 7737، شرح السنّة ج 1 ص 44.
2) النصائح الكافية لمن يتولى معاوية- للشريف محمّد بن عقيل بن عبد الله بن عمر ابن يحيى العلوي- المتوفي سنة 1305 ه.
3) الرسيس: الشيء الثابت الذي قد لزم مكانه. (لسان العرب ج 5 ص 209 مادّة «رسس»).
و من نظر في «النصايح » ثمّ عقّبه بالنظر إلى نقدها (1)وجد جلياً أن كلّ تلك النقود قد ذكرها «السيّد الشريف» في نصايحه و دحضها بأقوى الحجج و البراهين، ثمّ جاء الناقد فأورد النقود و أغفل جواباتها، و هذا ما لا يليق بشيخ كالقاسمي.
فكان الحال في نقده ذاك كالحال في ميزانه هذا، و حيث أننا قد دللنا على بعض مواضع الميل و الانحراف في هذا الميزان، فحري بمقالتنا هذه أن نسميها «عين الميزان»، و نحن أوّلاً و آخراً نمد يد المصافحة بكلّ بجالة و كرامة لشيخنا القاسمي، و نقسم له بذي العزّة و الجلال أن ليس له عندنا إلّا الإخاء الصحيح و الولاء الصريح.
و ما دفعنا إلى تنميق هذه الأسطر على جري القلم إلا ما دفعه هو إلى وضع ميزانه من نصرة الحقيقة و تعديل الطريقة ، و حرية الفكر في نشر الآراء واثقين بارتياحه الى خالص الانتقاد المجرد عن الهوى و العصبية إن شاء الله، شأن ذوي الأخلاق الكاملة و النفوس الكريمة من أمثاله.
فليغنم منّا في الختام كريم التحيّة و السلام المزيج بالود الأكيد و الحسنى و المزيد، و الله على ما نقول شهيد.
هذا تمام ما نشر في المرة الأولى بنصه، و كان قد طبع من هذه الرسالة عدد يسير لا يتجاوز المئتين، و قد نفذ و توفر الطلب لها، فوجدناها لا تعدم مناسبة لو طُبعت في هذه الأجزاء و أدرجت في ضمن هذه
1) نقد النصائح الكافية من مصنّفات القاسمي.
المطالعات.
و كانت الصدف أو قفتني يوماً على نقد لتلك الرسالة لبعض تلامذة الشيخ القاسمي (1)
(راجع معجم المؤلفين ج 3 ص 922، الذريعة ج 4 ص 211، وج 15 ص 373 وج 24 ص 296).
زعم فيها أنّ أشغال أُستاذه و فيرة، و أعماله كثيرة تعوقه عن إبداء النظر فيها، و نشر الملاحظات عليها، هكذا اعتذر التلميذ عن أُُستاذه (2)و في أمثالهم إن الفرارَ بقراب أكيس و من تكلّف دفع المحكمات من العزائم، فقد كلّف نفسه (بيض السمائم) و حسن الاستمساك خير من سوء الصرعة] ما بين المعقوفتين من المصنّف قُدِّس سِرُّه.
و البيت للمتنبي كما في ديوانه ج 3 ص 271 بشرح البرقوقي من قصيدةٍ يمدح بها سيف الدولة كتب بها إليه من الكوفة، و مطلعها:
ما لنا كلّنا جوٍٍ یا رسول *** أنا أهوى و قلبك المتبول
و المثل الأول: إن الفرار بقراب أكيس معناه: إن الفرار السلامة أفضل من التورط في المكروه مع الثبات، و المثل لجابر بن عمرو المازني، و قيل لغيره.
و قال العسكري: قلت أراد ذو الفرار ، أي الذي يفرّ و معه قراب سيفه اذا فاته السيف أكيس ممّن يفيت القراب أيضاً.
(راجع مجمع الأمثال ج 2 ص 448، و جمهرة الأمثال ج 2 ص 93).
و السمائم: ضرب من الطير مثل الخطاف لا يقدر على بيضه (كما في مجمع الأمثال ج 3 ص 29.
و سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة معناه: إذا استمسك و ان لم يُحسن الركبة فهو خير من الذي يصرع صرعة لا تضره؛ لأنّ الذي يتماسك قد يَلحق و الذي يُصرع لا يبلغ. (راجع لسان العرب ج 7 ص 326). و في جمهرة الأمثال ج 1 ص 525 معناه: لأنْ أُدعى جباناً و أنجو خير من أنْ أُدعى شجاعاً و أُُُقتل قاله بعض الفرس.
1) و نقد الشيخ محمّد بهجت البيطار الدمشقي أحد تلامذة القاسمي «عين الميزان» برسالة سمّاها «نقد عين الميزان»، و كتب الشيخ منير عسيران العاملي رسالة محاكمة في التوفيق بين الردود التي جرت بين القاسمي و كاشف الغطاء، و البيطار سمّاها «تعديل الميزان» طبعت في صيدا سنة 1332 ه، و قد تقدّمت الإشارة إلى ذلك.
2) [و كثيرٌ من السؤالِ اشتياق *** و كثير من ردّه تعليل
و ما أدري إن كان أُستاذه يشكره على ذلك أم لا؟ و لكن كان يلزمه عرضها عليه و الاستظهار به لاصلاح بعض مفرداتها و تراكيبها اللفظية لا أقل، بله (1)الأدلة و الحجج، و أُصول الجدل و المناظرة، كي لا يقع في مثل تسليم المقدمات و إنكار النتائج مع التمحلات الباردة، و المحامل البعيدة التي تفسد الذوق العربي، و تخمد شعلة الفهم القويم.
و حسن بالإنسان أن ينقد أو يجيب و لكن غير حسن منه أن يتكلّف النقد أو الجواب، و كيف كان الأمر أو يكون؟ فنحن نعتذر عن إيضاح مواضع الخطأ منها، و الدلالة على مواقع السقطات فيها بمثل ما اعتذر به ذلك التلميذ عن أُستاذه.
فإنّ شواغلنا أكثر، و أعمالنا أوفر، و وقتنا أعزّ و أنفس سيما و نحن -كما سبق- لا نبرح في طيات أسفار و مناوبة حط و ترحال، على أن الأمر في غنى عن ذلك، و الرسالتان بذاتهما يناديان بموضع الحقّ منهما، بحيث لا يخفى على كلّ ذي سمع و بصر.
و وراء هذا ، فربما يقوم بهذه الوظيفة الخفيفة من يجد في وقته فراغاً لها و فسحة، فإن الحق ينصر نفسه، و يدعم ذاته، و طالما أنشأ أقواماً و سخّر له أقلاماً، و لكني أرغب أن أردف رسالتي تلك بكلمة أرجو أن لا تفوتها الغاية الحسنى، و لا تعدو الصواب لفظاً و معنى.
وها أنا ذا أستفتح مقالتي- أولاً- بذكر أبيات للكميت (2)، شاعر أهل
البيت من هاشمياته الطائرة الذكر، الأريجة العطر، سيما البائية منها التي يقول في أوّلها:
طربت و ما شوقاً إلى البيض أطرب *** و لا لعباً منّي و ذو الشيب يلعبُ
إلى قوله:
و لكن إلى أهل الفضائل و التقى *** و خير بني حواء و الخير يطلبُ
إلى النفر البيض الذين بحبهم *** إلى الله فيما نابني اتقربُ
بني هاشم رهط النبي و أهله *** بهم و لهم أرضى مراراً و أغضبُ
فمالي إلّا آل أحمد شيعة *** و مالي إلّا مذهب الحق مذهبُ
بأي كتاب أم بأية سنة *** ترى حبّهم عاراً عليَّ و تحسبُ؟!
وجدنا لكم في آل حاميم آية (1)*** تأوّلها منّا تقي و معربُ
على أي جرم أم بأية سيرة *** أعنّف في تقريظهم و أكذّبُ؟!
ألم ترني من حبّ آل محمّد *** أروح و أغدو خائفاً اترقّبُ
فطائفة قد أكفرتني بحبهم *** و طائفة قالت مسيء و مذنبُ (2)
و أقول: إذا كان الكميت و هو في القرن الأوّل قد بلغ به الأمر أن يروح و يغدو خائفاً يترقب في حبّ آل محمّد و طائفة من الناس قد أكفرته بحبّهم و أخرى تعدّه مسيئاً و مذنباً من أجلهم ثمّ يشتدّ البلاء و الاضطهاد حتّى يقول الآخر:
1) [هي آية قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى التي ضرب فيها ذلك الكتاب اخماساً في أسداس و خلط أقوال الثقات بأقوال النواصب من الناس] ما بين المعقوفتين من المصنّف قُدِّس سِرُّه.
2) راجع القصيدة في الهاشميات: ص 25 و ما بعدها مع تقديم و تأخير و بعض الاختلاف اليسير، و الاغاني ج 17 ص 30- 31.
حبّ علي كلّه ضربُ *** يرجفُ من تذكاره القلب (1)
ثمّ يتمشى الأمر على هذا و مثله حتّى يقول الطغرائي (2)الشهير كما في ديوانه:
حبُ اليهود لآل موسى ظاهرٌ *** و ولاؤهم لبني أخيه بادي
و إمامهم من نسل هارون الأولى *** بهم اهتدوا و لكل قوم هادِ
و كذا النصارى يكرمون محبّة *** لمسيحهم نجرا من الأعوادِ
و متى يوالي آل أحمد مسلم *** قتلوه أو شتموه بالإلحادِ
هذا هو الداء العضال لمثله *** ضلّت عقول حواضر و بوادِ
لم يحفظوا حقّ النبيّ محمّد *** في آله و الله بالمرصاد (3)
و الشعبي (4)- و هو علّامة دولة عبد الملك (5)- يقول: ما لقينا من علي بن أبي طالب، إن أحببناه قُتلنا، و إن أبغضناه هلكنا (6)؟!
و معاوية كما ذكر ابن أبي الحديد و غيره يضع السمرة بن جندب (7)
(راجع تاريخ الطبري ج 3 ص 208 احداث سنة 50 ه، شرح ابن أبي الحديد ج 4 ص 77- 78، الكافي ج 5 كتاب المعيشة 2 باب الضرار 149 ح 2، و روضة الكافي ح 515، مجمع الزوائد ج 5 ص 243).
1) تمام المتون- للصفدي- ص 251 و قائله أبو بكر بن أحمد بن سعيد الطائي، و فيه «خيفته» بدل «تذکاره».
2) تقدّمت ترجمته.
3) راجع ديوانه: ص 137، و نسمة السحر ج 2 ص 6 مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ.
4) تقدّمت ترجمته في ص 198.
5) تقدّمت ترجمته.
6) راجع الأمالي- لأبي علي القالي- ج 3 ص 174، و فيه (و إن أبغضناه كفرنا)، و ربيع الأبرار ج 1 ص 494.
7) سمرة بن جندب بن هلال الفزاري ت 60 ه، كان من المنحرفين عن علي عَلیْهِ السَّلام و كان أيام مسیر الحسين عَلیْهِ السَّلام إلى الكوفة على شرطة عبيد الله بن زياد و كان يحرض الناس على الخروج إلى الحسين عَلیْهِ السَّلام و قتاله، و ولي البصرة لزياد و قتل ثمانية آلاف من الناس و قتل في غداة سبعة و أربعين رجلاً قد جمع القرآن، و كانت له في زمن رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم عذق في حائط لرجل من الأنصار، و كان منزل الأنصاري في باب البستان، و كان يمر إلى النخلة و لا يستأذن فكلّمه الانصاري فأبى فشكاه إلى رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم فأرسل إليه صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم و قال له ان اردت الدخول فاستأذن فأبى، فلمّا أبي ساومه حتّى بلغ من الثمن ما شاء الله، فأبى أن يبيع، فقال لك بها عذق يمد لك في الجنّة، فأبى أن يقبل، فقال رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم للأنصاري: إِذهب فاقلعها و ارم بها إليه، فانه لا ضرر و لا ضرار، و كان يبيع الخمر و قد حرمها الله، و ضرب يوماً ناقة رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم القصواء فشج رأسها فخرجت إلى النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم فشكته، و هو آخر الثلاثة موتاً، و قد قال لهم رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم آخركم موتاً في النار.
مئة ألف درهم على أن يروي عن النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم أن آية: وَ مِنَ النّاس مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا إلى آخره (1)نزلت في علي بن أبي طالب، و أن آية وَ مِن النّاسِ مَنْ یَشْری نَفَسهُ ابْتِغاءَ مَرضاةِ الله إلى آخره (2)نزلت في ابن ملجم قاتل علي سلام الله عليه، فأبى فجعلها مئتي ألف درهم فلم يقتنع منه إلّا بأربعمئة ألف فأخذ منه ذلك و روى للناس ما سوّل له شيطانه (3)إلى أمثال ذلك- ما لو شرحناه فضحنا الكتبا-.
هذا كلّه و العهد قريب و الإسلام غض جديد، و شخص النبيّ الكريم نصب العيون، و صدى صوته الشريف ملء الأسماع، و قد تمّ على أهل بيته ما تمّ، و جرى عليهم ما جرى، فعلاً و قولاً و إبادة و قتلاً، و رضخاً رضخاً،
و سلخا سلخاً، و مثابرة و تعقيباً، حتى إنّ من إحدى المعجزات، و أكبر الكرامات أن يبقى لرسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم نسل و عقب على وجه الارض على رغم تلك العوامل الفعالة و المعاول المسممة على إبادتهم و استئصال شأفتهم لو لا كلمة من الله سبقت، و حكمة منه لطفت، و أنّ بقية السيف- كما قال ولي الله- أنمي عدداً، و أكثر ولدا (1)
فإذا كان الأمر على هذا و هو شجن من عظيم دوح، و شجو من طويل نوح.
إذاً، فهل يبقى موضع للعجب لو أنكرت لأهل البيت فضائلهم، و مُحيت مناقبهم، و جحدت كلمات أبيهم في حقّهم، و حُرفت كلمات الله عن مواضعها فيهم، و رويت فيها الروايات المعكوسة، و حملت على المعاني المقلوبة، ظهراً لبطن، و وجهاً إلى قفا كما في آية أولي القربى و غيرها- لا اللهم لا عجب- أن يُبدل معنى آية، أو توضع فيه رواية، بعد أن كانت نفس تلك الوجودات الكريمة على الله، تزهق و ترهق، و تمحى من لوح صحيفة الوجود و تمحق.
إنّما العجب كلّه أن تروى رواية في فضلهم، أو يذكر أحد شيئاً من شأنهم، و الناس- كما تعلم- عبيد الدنيا و الدين خفيف على ألسنتهم ، ثقيل على أنفسهم فإذا محصوا بالبلاء قلّ الديانون.
أفهل يشك ذو وجدان أن رواية واحدة في مثل تلك الشدّة و مع اقتحام تلك الأخطار المهولة و ظلمات الظلم العتيدة (2)حيث لا مانع و لا
وازع، و لا طمع يسوق، و لا عيش يروق تعدل مئات من الروايات، لو كانت على خلافها.
أفليس الاعتبار و التدبر يقضيان بأن الرواية الواحدة المحفوفة بتلك الأحوال .. تفيد العلم العادي بصدق مضمونها و صحة صدورها، للتجرد عن الغاية و الغرض حيث يكون السامع- أيضاً- سليم دواعي الصدر غير عليل القلب بشبهة، و لا مريض الفؤاد بعلّة.
هذا إذا كانت رواية واحدة أو روايات معدودة ، فما ظنك بها إذا استفاضت كثرة، و طفحت بها الكتب و فوراً و عدّة،بحيث يعوزها العدّ، و تفوت الحصر، حتّى قال القائل، و ما ألطف ما قال:
لقد كتمت آثار آل محمّد *** محبوهم خوفاً و اعداؤهم بغضا
و قد شاع من بين الفريقين نبذة *** بها ملأ الله السموات و الأرضا (1)
الكنى و الألقاب ج 2 ص 350 و فيه «فأبرز» بدل «و قد شاع».
و أنت إذا تدبرت- أيّها اللبيب- في لباب بعض ما فتحنا لك بابه و دللناك عليه، تعرف جلياً أنّ ولاية أهل البيت و مودتهم، و فضلهم و مزاياهم، من ضروريات الشريعة الإسلامية التي هي فوق مقام المتواترات القطعية من الصوم و الصلاة والحج و الزكاة (2)
1) البيتان للسيّد تاج الدين العاملي و قد أخذ معناها من قول الشافعي عندما قال في جواب من سأله عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام؟: ما أقول في رجل أسرّ أولياءه مناقبه تقيّة و كتمها أعداؤه حنقاً و عداوة، و مع ذلك قد شاع ما ملأت الخافقين.
2) و هو ما روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله علیهِِِِما السَّلام و أبي سعيد الخدري من ان الإسلام بني على خمس: على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الولاية، و في لفظ شهادة أن لا إله إلّا الله و أن محمّداً رسول الله، و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و حج البيت من استطاع إليه سبيلا وصوم شهر رمضان و الولاية كما في الكافي ج 2 ص 42 باب دعائم الإسلام، تفسير العياشي ج 1 ص 191 ح 109، فضائل شاذان بن جبريل: ص 127، أمالي المفيد ج 4 ص 353.
فإنّ هذه الأمور لم تعرض لها أسباب تقضي بجحدها و كتمانها، و ما انفجر عليها يوماً بركان السياسة فينسفها نسفا، و يذرها قاعاً صفصفا (1)، بخلاف الحال في أمر الولاية؛ فإنّها صبرت على كلّ تلك المحن و الإحن و خرجت منها ناصعة بيضاء و انسلت انسلال فلق الصبح من تحت أذيال الدجى، فحقاً حقا إنّها لأشد تواتراً من وجوب الصوم و الصلاة كما أنّها من ضروريات الدين التي لا تقبل الشبهة و لا الاجتهاد، فمنكرها لا محالة كافر، و ليس لازم التواتر (2)أن لا ينكره و يجحده أحد، و أن يتساوى الكلّ فيه، فإنّ هذا عبء ثقيل عليه أو تحوير له عن معناه.
كيف و أوّل المتواترات عند كلّ أُمّة معجزات نبيّها الخاص بها مع أنّ غيرها لا يعترف لها بشيء منه؟!
فاليهود لا تعترف بمعجزة عيسى، و لا النصارى بمعجزة محمّد سلام الله عليهما و لهذا أشباه و نظائر لا تخفى.
أمّا روايات البخاري (رضوان الله علیه) و حاله مع ذوي القربى.
فدع عنك نهباً صيح في حجراته *** و لكن حديث ما حديث الرواحل (3)
إنما عقدة الإشكال، والداء العضال، هو ما نجده من حالة بعض المسلمين اليوم و ما قبله بعد أن سطعت شموس تلك الحقائق لها، و تكشفت أغشية الأوهام عنها، و لم يبق في قوس المغالطات منزع، و لا في أفق الإقناع بالتمويهات لبدر المقنّع مطلع.
و شالت نعامة (1)تلك العصور التي قضت طبيعة الوقت فيها بما قضت و تولت إلى حيث ال ... (2)
و الشعر لزهير بن أبي سلمى من معلّقته المشهورة التي مطلعها:
أمِنْ أمِّ أوفى دمنة لم تكلّم *** بحومانة الدّراج فالمتثلِّمِ
حيث يقول فيها:
فشدّ و لم تقرع بيوتٌ كثيرةٌ *** لدى حيث ألقت رحلها أمُّ قشعمِ
و أمّ قشعم: الحرب، و قيل الذلّة، أو المنيّة، و قل: الضّبع.
ديوان زهير بن أبي سلمى: 21 صنعة الأعلم الشَّنتمري، لسان العرب ج 11 ص 174 مادّة «قشعم»).
و لم يبق لا خوف عائق، و لا طمع سائق.و مع ذلك فقد يأتي الحديث المشتمل على فضيلة لأهل البيت سلام الله عليهم المروي بالطرق الوثيقة و المأخوذة من المصادر المتينة، كابن عباس، و سعيد بن جبير (3)، و عمرو بن شعيب (4)، و نظرائهم.
1) شالت نعامتهم: أي تفرقوا و ذهبوا، و يقال أيضاً: خفت نعامتهم، يضرب مثلاً لسرعة إنهزام القوم. (راجع جمهرة الأمثال ج 1 ص 397، و المستقصى ج 2 ص 125 رقم 432).
2) إلى حيث أل...: مرادهُ قُدِّس سِرُّه عجز البيت المشهور الجاري على الألسنة كثيراً، و الذي يُتمثّل به عند عدم التأسف أو الدعاء على من لا يستحقّ الذكر، و هو: إلى حيث ألقت رحلها أُمُّ قشعم، و لم يذكره بتمامه جرياً على عادّة المتأدّبين في ذلك، و كما قيل: فالكناية أبلغ من التصريح.
3) تقدّمت ترجمته.
4) عمرو بن شعيب بن محمّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمی، و روى عن أبيه و طاووس و غيرهم، و ثقه ابن معين، و ابن راهويه، و صالح بن جزرة، و الأوزاعي، توفي سنة 118 ه. (راجع ترجمته في ميزان الاعتدال ج 5 ص 319 رقم 6389).
ثمّ تأتي على خلافها رواية دونها في الوثاقة بمراتب من معلوم الدخل (1)، واغر (2)الصدر بالذحل (3)، منحرف الصحة بإحدى الأسباب و العلل، فينعطفون على هذه و ينحرفون عن تلك من غير ما سبب ظاهر و لا وجه مكشوف سوى الانخداع و الاغترار بنأمة (4)ابن تيمية و ابن حزم و من حذا حذوهم و استجاد جادتهم مثل الذهبي و الصواعق المحرقة لابن حجر، و أمثال هؤلاء ممن يجمعهم الإنحراف و الشدّة على آل محمّد سلام الله عليه و عليهم جزاءً له على عظيم عنائه، و أخذاً بقاعدة: المرء يحفظ في أبنائه (5)، نعم:
و قد ينبت المرعى على دمن الثرى *** و تبقى حزازات النفوس كما هيا (6)
جير (7)و كل هذا ليس من صميم الغرض في شيء و ما كان سوى
1) الدَّخلُ: العيبُ و الغشّ و الريبة، و المراد به هنا: فساد الدِّين و النّفاق. (لسان العرب ج 4 ص 308 مادّة «دخل»).
2) وَ غِرَ صَدْرَهُ و غراً فهو واغر: امتلأ غيظاً و حِقداً، و الوغر: شدّة توقّد الحرّ في الأصل.
3) الذحل: العداوة و الحقد. (لسان العرب ج 5 ص 27 مادّة «ذحل»).
4) النامة: الصوت، و قيل: الصوت الضعيف الخفي. (لسان العرب ج 14 ص 6 مادّة «نأم»).
5) اُنظر: بلاغات النساء: ص 63، شرح نهج البلاغة ج 16 ص 212، و هو حديث نبوي استشهدت به الزهراء سلام الله عليها عند احتجاجها على أبي بكر.
6) البيت لزفر بن الحارث الكلابي كما في الأغاني ج 8 ص 307 وج 19 ص 211 من أبيات يندب بها قتلى يوم مرج راهط ابّان فتنة ابن الزبير .
7) جير: بمعنى نعم، و أجل. (لسان العرب ج 2 ص 434 مادّة «جير») و قد تقدّم ذكر معناها.
استطراد و تمهيد، و إنّما كلمتي الخصوصية التي أمتاحها (1)من ينبوع الإخلاص و الصميم و بهذا أرجو أن تعتدل و تستقيم، و هي أنني أقول:
يا معشر المسلمين و يا أبناء الشهادتين قد كاد أن يلمس كلّ واحد منكم بكفه، و يبصر بطرفه مسيس الحاجة و شدّة العوز إلى الوفاق و الوئام بينكم، و كلّنا أصبح يعرف حقيقة المرض و العلاج، و يصف تمام الداء و الدواء، و لكن الله المستعان على ألسنة تصف، و أعمال تخالف، و قلوب تختلف،حتى لقد بعدت الشقّة في نجاح ذلك الأمل، حين اتسعت مسافة الخلف بين القول و العمل، و لكن هنا « أمران» لعل علماء المسلمين و أُُولي الفضيلة منهم لو دانوا لهما و التزموا بهما خفّت تلك الشدّة و لو يسيراً، و قربت المسافة بين الفرق المتباعدة و لو قليلاً و أول الغيث قطر (2)
لله في ملككم سر سيظهره *** و أوّل الغيث قطر ثمّ ينهمر
من قصيدة بها الملك الاشرف موسى بن العادل و يهنئه باجتماعه بأخيه الملك المعظم عيسى بن العادل صاحب دمشق، و مطلعها:
يا رائد القوم هذا النبت و الزهر *** يا شائم البرق هذا البحر و المطرُ
الأوّل: أن تتساهل الشيعة في شيء و غيرهم في الآخر، حتّى تخف و طأة هذه الشقاقات المذهبية، و الاختلافات العرضية، فتعاقد الشيعة على التزام حفظ كرامة السلف و أهل المآثر و السوابق في الاسلام و ذوي المساعي المشكورة في خدمة الجامعة الاسلامية و توسيع نطاقها بالفتوح على عهدها الأوّل، يوم كانت خلافة اسلامية لا ملكاً عضوضاً (3)
1) متَحَ الدّلو متحاً: جذبها متسقياً بها، و الماتح: المستقي من أعلى البئر، على الاستعارة هنا. (لسان العرب ج 13 ص 13 مادّة «متح»).
2) عجز بيت لابن النبيه كما في ديوانه ص 349، و تمامه:
3) إشارة إلى ما روي عنه صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم من: أنّ الخلافة بعده ثلاثون عاماً ثمّ ملكاً عضوضاً و قد تقدّم تخريجه.
ثمّ بإزاء ذلك يلتزم إخواننا السنيون بالرجوع إلى طريقة السلف في ما يجب من مودة أهل البيت و صدق ولائهم، و لا يتم ذلك فيما أحسب إلّا برفض كتب المنحرفين عنهم، و المؤلبين معنى عليهم، كابن تيمية و ابن حزم و سلفهم من بني أُُميّة و حزبهم، و لا يتأبوا من أن يكونوا روافض بهذا المعنى، كما لم يأب الإمام الشافعي من أن يكون أرفض العباد في قوله:
إن كان حبّ الوصي رفضاً *** فإنني أرفض العباد (1)
قالوا ترفضت قلت: کلا *** ما الرفض ديني و لا اعتقادي
لكن توليت غير شك *** خير إمام و خير هادي
إن كان حبّ الوليّ رفضاً *** ......
و قول فليشهد الثقلان إنّي رافضي (2)
إن كان رفضاً حبّ آل محمّد *** فليشهد الثقلان أني رافضي
و أنت- أصلحك الله- تعلم أن الولاء لمن تحب لا يصدق حتّى تبرأ من عدوه: و لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ (3)
تودُّ عدوي ثمّ تزعم أنني *** صديقكَ إن الرأي عنك لعازب (4)
و أبرأ ممن يعاديكم *** فإن البراءة شرط الولا (1)
سلا من سلا من بنا استبدلا *** و كيف محا الاخر الأوّلا
أما أهل الشذوذ و المروق عن جمهرة الإسلام إفراطا كالغلاة و أضرابهم أو تفريطاً كالخوارج و النواصب فعوض أن نقرهم على خطئهم و نتغاضى عن خطتهم المنحرفة، و طريقتهم المتطرفة، الأحسن من ذلك أن ندعوهم إلى التوسط و الاعتدال و لكن بكل مجاملة و مودة، ولين و رأفة، فإنّ المجادلة بالتي هي أحسن وراء كونها هي المأمور بها شرعاً فإنها أنجع و أنفع، و أقرب إلى بلوغ الغاية المقصودة.
الثاني: أنْ يرفض المسلمون كلّهم- أيضاً - النزاع و الجدال في مباحث الخلافة و الإمامة و أحوال كلّ خليفة، و ما وقع يوم السقيفة؛ فإن الرأي الحازم و اللازم المتعين ترك الخوض اليوم في هذه الشؤون ريثما تعود إلى الإسلام حوباؤه (2)و تستقر من هذا الضعف و الاضطراب أحشاؤه، فإنّه أصبح بحال لا يحتمل كلّ هذا الضرب الداخل و الخارج عليه.
و ليست تلك المباحث فى حالنا الحاضرة إلّا سُمّاً قاتلاً له، و مخلاً (3)قالعاً لأشلاخ (4)أُُصوله من أعماق الثرى، فالشرعة العقلية والإلهية تحتم بتركها مذاكرة و محاضرة، فضلاً عن النشر على صفحات المؤلفات
1) قائله: مهيار الديلمي، كما في ديوانه ج 3 ص 52، و فيه «أصل» بدل «شرط»، من قصيدة في مدح اهل البيت عليهم السلام، و مطلعها:
2) الحوباء: النفس، و قيل: روح القلب. (تاج العروس ج 2 ص 446 مادّة «حوب»).
3) المخلُ: جذبُ الشيء في استلال؛ كالملخ، و المالخ و الماخل: الهارب، و هو من الغريب الذي لم تتبسط في شرحه المعاجم اللّغويّة.
4) الأشلاخ: جمع الشلخ؛ و هو الأصل و العرق. (لسان العرب ج 7 ص 182 مادّة «شلخ»).
و الصحف، اللّهم إلّا لأفراد مخصوصة في مواقع مخصوصة، يعرفها النطاسي (1)الحاذق الخبير بموارد الأمن من الضرر و سوء المغبة و وخيم العاقبة على ذماء (2)الإسلام.
أمّا نحن، فيشهد الله أننا في كلّ ما ننشر و نؤلف- إن في مناظرة المسيحيين و إن في مراجعة المسلمين- لا نكتب إلّا بصفة كوننا مدافعين لا مهاجمين، و نحن اليوم قوم لو تُركنا تركنا، و لو لم يُسأ إلينا لم نُسِئ سوانا.
و لو لا حبّ الدعة و السلامة، و الوفاق و الوئام، و أن لا نعيد جذعة (3)حروب الأقلام، التي مزقت حشاشة الإسلام، لو لا ذلك لوجدتنا غير قاصرين عن جواب ابن تيمية و ابن حزم و بيان أغاليطهم و مفترياتهم على الشيعة.
لكن قومي و إن كانوا ذوي عدد *** ليسوا من الشر في شيء و إن هانا (4)
لو كنت من مازنٍ لم تستبح إبلي *** بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
كما في شرح الحماسة ج 1 ص 359 للشنتمري.
و ذانك الأمران أهم الخطوات الى ما نروم من تقريب تلك الفرق الشاسعة، و وصل تلك الأعضاء المتقاطعة. هذا رأيي، و لكلّ رأيه، و الله المستعان على ما نصف و نقول، و هو حسبنا و نعم الوكيل.
1) النطاسي: العالم بالأمور الدقيق النظر. ( لسان العرب ج 14 ص 185 مادّة «نطس»).
2) الذماء: بقية الروح. (تاج العروس ج 19 ص 432 مادّة «ذمى»).
3) عادت الحرب جذعة: أي في أوّل ابتداء أمرها، و هذا الأمرُ جذعٌ: إذا أخذ فيه حديثاً.
4) البيت لرجل من بلعنبر بن عمرو بن تميم، و يقال: إنّها لأبي الغول الطهوي من أبيات مطلعها:
(1)
ذکرنا في صفحة 111: أنّ لنهج البلاغة ثلاثة شروح:
أحدها: لقطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي.
ثانيها: لعبد الحميد بن أبي الحديد.
ثالثها: للشيخ ميثم البحراني، و له ثلاثة شروح كبير و صغير و متوسط و الظاهر أنّ المطبوع منها هو الكبير و ليس مرادنا حصر شراح النهج في هؤلاء الثلاثة، بل له عدّة شروح تنيف على العشرة بل قد تبلغ العشرين (1)بضميمة الشروح الفارسية و لكن المشهور بعد تلك الثلاثة اثنان.
أولهما: لقطب الدين الكيدري محمّد بن الحسين، و قد سمى شرحه ب «حدائق الحقائق» (2)
و ثانيهما: لعبد الرحمن بن إبراهيم العتائقي الحلي (3)من أواسط
1) تقدّم الكلام عن شروحات نهج البلاغة في ص 88 و إنها بلغت أكثر من مئتي شرح.
2) حدائق الحقائق في دقائق أحسن الخلائق: شرح لنهج البلاغة للشيخ أبي الحسن محمّد بن الحسين بن الحسن البيهقي النيسابوري، المعروف بقطب الدين الكيدري، فرغ من تأليفه سنة 576 ه- قال صاحب الروضات: إنّه مشتمل على نوادر اللغة و الأمثال و دقائق النحو و البلاغة و ملح التواريخ و غوامض علم الكلام و علوم الأوائل و أصول اللغة و آداب الشريعة و علم الأخلاق و الطب و الهيئة و غير ذلك. (راجع الذريعة ج 6 ص 285).
3) شرح النهج: للشيخ كمال الدين عبد الرحمن بن محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن يوسف العتائقي الحلي، من أعلام القرن الثامن، كان حيّاً سنة 781 ه، كان عالماً محققاً جامعاً للفنون، له شرحه الكبير في أربعة مجلدات. (راجع الذريعة ج 14 ص 133-131).
القرن الثامن متأخر عن كلّ أولئك و قد جمع في شرحه كلّ تلك الشروح و زاد عليها فجاء عدّة مجلدات و كان تحصيله و وفاته بالنجف الأشرف و قد وقفت قبل برهة على مجلد منه بخطه في خزانة الكتب الموقوفة على ذلك المشهد الشريف و هي من نفائس الكتب المخطوطة على أنّه لم يبق منها إلّا أنقاضها و صبابتها (1)و ذلك الذماء الضعيف.
ما أدري ماذا جنى في عادي عمره حتى قضي عليه بحبس الأبد، لا ينتفع به طالب، و لا ينظر فيه ناظر، و ربما يتلاشى و ينقضي عمره في هذا السجن المؤبد.
(2)
كنت أنظر يوماً في كتاب «المجازات النبوية» الشهير المطبوع الذي لا كلام في أنه للشريف الرضي، فوقع بصري على ثلاثة مواضع صرح فيها أنّ نهج البلاغة من مؤلفاته و أحال عليه:
1) الصبابة: البقية اليسيرة تبقى في الاناء من الماء و الشراب (تاج العروس ج 2 ص 136 مادّة «صبب»).
2) أطولُكّن يداً: أي بالعطاء و الصدقة؛ من الطَّوْلِ، و هو الفضل و العلوّ و السعةُ و الغنى، و كان أوّل نسائه لحوقاً به صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم زینب بنت جحش؛ حيث كانت تعمل بيدها و تتصدّق. (لسان العرب ج 8 ص 229 مادّة « طول»).
3) رواه مسلم في صحيحه ج 7 ص 44 كتاب الفضائل، و البزار في مسنده ج 1 ص 360 ح 241، و الحاكم في المستدرك ج 4 ص 26 ح 6776، و راجع المجازات النبوية: ص 59.
فقال: و هذا مثل قول أمير المؤمنين: مَنْ یُعْطِ بِالْیَدِ اَلْقَصِیرَةِ یُعْطَ بِالْیَدِ اَلطَّوِیلَةِ (1)
إلى أن قال: و قد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم «بنهج البلاغة» (2)
ثانيها: في حديث القرآن: لكلِّ حَرفٍ حَدُّ و لكلِّ حَدٌ مَقطَع (3)
فقال الشريف: إنّ القرآن يحتمل ضروباً من التأويلات كما وصفه أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام: اَلْقُرْآنُ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ (4)و قد ذكرنا ذلك في كتابنا «النهج» (5)
ثالثها: في حديث: القلوب أوعية (6)فقال: و ربّما نسب هذا الكلام إلى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلام و قد ذكرناه في كتاب «النهج» (7)و ربّما يوجد غير هذه المواضع، و ليس بعد هذا في الحجة و تمزيق الأوهام من كلام، و لا على هذا التأكيد من مزيد.
1) المجازات النبويّة: ص 60.
2) راجع نهج البلاغة: ص 509 قصار الحكم رقم 232.
3) رواه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد ج 7 ص 153 و فيه (و لكلّ حد مطلع) كما رواه أبو يعلى في مسنده، و البزار في مسنده عن ابن مسعود كما في الاتحاف ج 4 ص 527 مثل الطبراني.
4) المجازات النبويّة: 239- 240.
5) نهج البلاغة: ص 465 الكتب رقم 77.
6) رواه أحمد في مسنده ج 2 ص 177، و الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد ج 10 ص 148.
7) نهج البلاغة ص 495 قصار الحكم رقم 147، و راجع المجازات النبويّة: ص 355.
(3)
ذكرنا في صفحة 107 (1)أنّ الواقعة التترية لا يصح أن تكون بين ابن منير الطرابلسي و بين الشريف المرتضى الموسوي المشهور كما لا ينطبق تماماً أن تكون بينه و بين الشريف القاشاني و إن تعاصرا، و قد وجدنا جماعة يلقبون بلقب المرتضى من الشرفاء و بعضهم يوافق عصر ابن منير منهم السيد أبو الحسن المرتضى ذو المجدين علي بن أبي الفضل الديباجي (2)نقیب العلويين في عصره، و كان من كبار سادات العراق و صدور الاشراف قرأ على الشيخ الطوسي، ذكره الشيخ منتجب الدين في «الفهرست».
و منهم: السيد جمال الدين المرتضى بن حمزة الحسيني الموسوي (3)
و أفراد أُُخر في هذه الطبقة، و لكن أنسبهم بالواقعة الأوّل.
(4)
إننا قد أشرنا في أوّل هذا الجزء (4)، أن البعض قد وسوس في صحة
1) في ص 278 من هذه الطبعة.
2) راجع ترجمته في فهرست الشيخ منتجب الدين: ص 140 رقم 323، أمل الآمل ج 2 ص 174 رقم 521، رياض العلماء ج 3 ص 338، طبقات أعلام الشيعة ج 2 ص 179، كلهم عن الشيخ منتجب الدين.
3) راجع ترجمته في فهرست الشيخ منتجب الدين: ص 186 رقم 484، أمل الآمل ج 2 ص 319 رقم 976، رياض العلماء ج 5 ص 207، طبقات أعلام الشيعة ج 2 ص 297، كلهم عن الفهرست.
4) راجع ص 8.
جمع (نقد) بمعنى التمحيص على نقود، و قد وقفت أخيراً على أسماء مؤلفات لجماعة من علماء القرون الوسطى قد اسمتها بهذا الاسم.
منها: كتاب «النقود و الردود» لحبيب الله الباغنوي (1)، المتكلم الأشعري الذي علقه على «شرح المختصر» للعضدي.
و منها: كتاب «النقود» لغيره، راجع كشف الظنون (2)
و لا أزيدك علماً بأن النقد في كلا الموردين يرجعان إلى معنى واحد، و إن اختلف موضع الاستعمال، فلا تغفل.
(5)
قال المبرد في أخريات الجزء الثاني من كامله: قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿إنْ یَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إنَاثاً (3)قالوا: الموات و كلّ ما خرج عمّا يعقل فجمعه بالتأنيث، و فعله عليه لا يكون إلّا ذلك، إلّا ما كان من باب المنقوص، نحو سنين و عزين﴾. انتهى (4)، فاحتفظ به ينفعك.
1) حبيب الله بن عبد الله الباغنوي المشتهر بملا ميرزا جان الشيرازي الأشعري الشافعي المتوفّى 994 ه، عالم مشارك في أنواع من العلوم، و متكلم أصولي منطقي، نسبته إلى (باغنو) محلة بشيراز ، و كان معاصراً لجلال الدين الدواني و له حاشية على رسالته «إثبات الواجب القديم» راجع ترجمته في أعلام الزركلي ج 2 ص 167، و هدية العارفين ج 5 ص 262، و معجم المؤلفين ج 1 ص 527.
2) راجع كشف الظنون ج 2 ص 1976، و ايضاح المكنون ج 4 ص 675، و أعلام الزركلي ج 2 ص 167.
3) سورة النساء 4: 117.
4) كامل المبرد ج 2 ص 378.
(6)
لم نجد في مراجعة هذا الجزء- ثانياً- أغلاطاً تهم سوى ما في صفحة 109: (الكفر طائي) المتوفّى سنة 503، و الصواب: 533 (1)
و في صحفة 116: والدعاوى إن لم يقام عليها و مثله في الجزء الأوّل.
و الأصح: والدعاوى ان لم يقيموا عليها (2)
و صفحة 152: لا تَجِدُ قَوْماً یُؤْمِنُونَ بِاللّهِ، و صوابها: یُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ اَلْیَوْمِ اَلْآخِرِ
و قد يوجد سوى ذلك مما لا يخفى على الأفاضل، و نسأله تعالى حسن الختام و التوفيق للكمال و التمام إن شاء الله.
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث القدسيّة
فهرس الأحاديث الشريفة
فهرس الأعلام
فهرس الكنى و الألقاب
فهرس الاُمم و الشعوب و القبائل و الجماعات
فهرس الفرق و الطوائف
فهرس الأمكنة و البقاع
فهرس الوقائع و الأيام
فهرس الأشعار
فهرس الأمثال
فهرس مصادر التحقيق
فهرس الموضوعات
فهرس الآیات القرآنیة
الآیة رقمها الجزء و الصفحة
سورة البقرة (2)
الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة 3 323/2
إنّ الذين كفروا سواءٌ عليهم أ أنذرتهم 6 323/2
ختم الله على قلوبهم و على سمعهم 7 323/2
و من الناس من يقول آمنا بالله و باليوم الآخر 8 324-323/2
و علّم آدم الأسماء 31 79/2
و لا تعثوا في الأرض مفسدين 60 129/1
إنّ الذين آمنوا و الذين هادوا و النصارى 62 67/1
بلى من أسلم وجهه لله و هو محسن 112 87/1
كن فيكون 117 219/1
فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم 137 177/1
و كذلك جعلناكم أُمّة وسطاً 143 103/2
و لكلّ وجهة 148 264/2
صم بكم عمي فهم لا يعقلون 171 212/1
و من الناس من يعجبك قوله 204 374/2
و من الناس من يشري نفسه ابتغاء 207 374/2
لا تكلّف نفسٌ إلا وسعها 233 87/1
أنفقوا ممّا رزقناكم 254 87/1
قول معروف و مغفرة خير من صدقة 263 87/1
و ما تنفقون إلّا ابتغاء وجه الله 272 87/1
يمحق الله الربا و يربي الصدقات 276 87/1
سورة آل عمران (3)
و ما يعلم تأويله إلّا الله و الراسخون في العلم 7 102/1
إنّ الدين عند الله الإسلام 19 280/1
إلّا أن تتقوا منهم تقاة 28 2 / 181 و 356
كن فيكون 47 و 59 219/1
قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء 64 148/1
فبما رحمة من الله لنت لهم 159 241/1
إنّ في خلق السموات و الأرض 190 172/1
سورة النساء (4)
إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً 10 87/1
ما أصابك من حسنة فمن الله 79 87/1
إن يدعون من دونه إلّا إناثاً 117 388/2
إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار 145 324/2
يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم 171 148/1
سورة المائدة (5)
من قتل نفساً بغير نفس 32 87
فإنّ حزب الله هم الغالبون 56 246/2
سورة الأنعام (6)
و لا طائر يطير بجناحيه 38 129/1
كن فيكون 73 219/1
من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها 160 87/1
و لا تزر وازرة وزر أُخرى 164 138/1 و 164
سورة الأعراف (7)
فأخذناهم بغتة و هم لا يشعرون 95 129/1
سورة التوبة (9)
و منهم من يلمزك في الصدقات 58 1/ 254
وعد الله المؤمنين و المؤمنات جنات 72 156/1
سورة هود (11)
و كان عرشه على الماء 7 171/1
و لو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة 118 168/1
إلّا من رحم ربِّك و لذلك خلقهم 119 8/1
سورة الرعد (13)
و لكلّ قوم هاد 7 99/1
لكلّ أجل كتاب 38 95/1
سورة إبراهيم (14)
أصلها ثابت و فرعها في السماء 24 12/1
تؤتي أُُكلها كلّ حين 25 12/1
سورة الحجر (15)
إنّا نحن نزلنا الذكر و إنّا له لحافظون 9 1/ 10 و 177
و أرسلنا الريّاح لواقح 22 172/1
و نزعنا ما في صدورهم من غلٍٍّ 47 277/1
لا يمسُّهم فيها نصب و ما هم منها 48 277/1
سورة النحل (16)
فخرَّ عليهم السقف من فوقهم 26 129/1
كن فيكون 40 219/1
و لله المثل الأعلى 60 174/1
إلّا من أُكره و قلبه مطمئن بالإيمان 106 181/2 و 356
أدع إلى سبيل ربّك بالحكمة و الموعظة 125 88/1
سورة الإسراء (17)
و اخفض لهما جناح الذّل من الرحمة 24 226/1
و يخرّون للأذقان 109 172/1
سورة مريم (19)
ربّ إنّي و هن العظم منّي و اشتعل الرأس 4 19/2
كن فيكون 35 219/2
و يزيد الله الذين اهتدوا هدىً 76 276/2
سورة الأنبياء (21)
إنّ السموات و الأرض كانتا رتقاً 30 171/1
و نضع الموازين القسط ليوم القيامة 47 173/1
قال بل فعله كبيرهم هذا 63 181/2 و 356
سورة الحج (22)
أفلم يسيروا في الأرض 46 1/ 170
سورة المؤمنون (23)
و لقد خلقنا الإنسان من سلالة 12 1/ 170
ثمّ جعلناه نطفة في قرار 13 1/ 171
ثمّ خلقنا النّطفة علقةً 14 1/ 171
ادفع بالتي هي أحسن 96 87/1
سورة النور (24)
إنّ الذين جاؤوا بالإفك عُصبةٌ 11 /149
لو لا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون 12 153/1
لو لا جاؤوا عليه بأربعة شهداء 13 153/1
و لو لا فضل الله عليكم 14 153/1
لو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا 16 153/1
إنّ الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة 19 153/1
يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار 35 174/1 و 175
و ينزّل من السماء من جبالٍ فيها 43 172/1
سورة الفرقان (25)
إن هم إلّا كالأنعام بل هل أضلُّ سبيلاً 44 140/1
سورة النمل (27)
و ترى الجبال تحسبها جامدة 88 174-173/1
سورة القصص (28)
سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين 55 251/1
سورة الروم (30)
أو لم يسيروا في الأرض فينظروا 9 170/1
فانظروا إلى آثار رحمة الله 50 170/1
سورة السجدة (32)
فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم 17 157/1
سورة الأحزاب (33)
إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت 33 279/2
و خاتم النبيين 40 1/ 184
سورة فاطر (35)
أو لم يسيروا في الأرض فينظروا 44 170/1
سورة يس (36)
و الشمس تجري لمستقر 38 172/1
و القمر قدرناه منازل 39 172/1
كن فيكون 82 219/1
سورة غافر (40)
كن فيكون 68 219/1
سورة فصلت (41)
ثمّ استوى إلى السماء و هي دخان 11 171/1
سورة الشورى (42)
قل لا أسألكم عليه أجراً 23 318/2
و هو على جمعهم إذا يشاء قدير 29 279/1
سورة الجاثية (45)
ما أنزل من السماء من رزق 5 171/1 - 172
سورة الفتح (48)
إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً 1 1/ 89 و 141
ليغفر الله لك ما تقدّم من ذنبك 2 89/1
سورة الحجرات (49)
يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق 6 296/2
إنّما المؤمنون إخوة 10 309/2
و لا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق 11 87/1
يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا 12 87/1 و 2 / 364
يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر و أُنثى 13 32/1
سورة النجم (53)
ليس للإنسان إلّا ما سعى 39 87/1
و ثمود فما أبقى 51 299/2
سورة القمر (54)
في مقعد صدق عند مليك مقتدر 55 157/1
سورة الواقعة (56)
في سدر مخضود * و طلح منضود * و ظل 28 -30 216/1 و 217
سورة الحديد (57)
لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات و أنزلنا معهم 25 30/1
سورة المجادلة (58)
و لا تجد قوماً يؤمنون بالله 22 381/2
سورة الممتحنة (60)
يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا عدوّي 1 1 / 153 - 154
لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم 8 154/1
إنّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم 9 154/1
سورة الجمعة (62)
و إذ رأوا تجارةً أو لهواً انفضّوا 11 117/1
سورة المنافقون (63)
إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك 1 324/2
سورة الطلاق (65)
الله الذي خلق سبع سموات 12 170/1
سورة الحاقة ( 69)
ما أغنى عنّي ماليه * هلك عنّي سُلطانيه 29-28 /217
فهرس الأحاديث القدسية
الحديث القدسي الجزء و الصفحة
لا يزال عبدي متقرب إليَّ حتّى أحبه 158/1
فهرس الأحاديث الشريفة
الحديث و الأثر الجزء و الصفحة
ادّوا لهم حقوقهم 13/2
إذا تغوّلت الغول فنادوا بالأذان 155/2
الأرواح جند مجندة 217/1
أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يدا 385/2
اللّهمّ أرنا حقائق الأشياء 204/1
اللّهمّ عادِ من عاداه 332/2
إنّ الله مولاي و أنا ولي كلّ مؤمن 327/2
إنّكم سترون بعدي إثرة 13/2
إنّهم يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم 342/2
إنّهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية 342/2
إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر 326/2
إنّي لأجد نفس الرحمان من جانب اليمن 240/2
الأيمان يمان، و الحكمة يمانية /241
تقتلك الفئة الباغية 195/2
التقيّة ديني و دين أبائي (الصادق و الباقر علیهِِما السَّلام) 179/1
تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل 338/2
دعه فإنّه له أصحاباً 344/2
سيأتيكم ركب مبغضون 12/2
على الإسلام السلام إن كان يزيد (الإمام الحسين علیْهِِ السَّلام) 201/2
عليّ قائد البررة و قاتل الكفرة 196/2
علىّ ليس هناك، أو ليس عنده ذاك 127/2
فرّ من المجذوم فرارك من الأسد 155/2
قد شاء الله أن يراهم سبايا (الإمام الحسين علیْهِِ السَّلام) 203/2
قد علم أولوا الألباب ( أحد أئمتنا علیهِِِمُ السَّلام) 157-156/2
كأنّي دعيت فأجبت، و إنّي تارك فيكم الثقلين 326/2
كن أويساً 240/2
كن قرنياً 240/2
لا يبيتن أحدكم إلّا و وصيته تحت رأسه (الصادق علیْهِِ السَّلام) 67/1
لا يحبك إلّا مؤمن و لا يبغضك إلّا منافق 321/2
لو أنّ أبا طالب ولد الناس جميعاً 109/2
لو لا قومك حديثي عهد بالإسلام 182-181/2
ما أعطى الله أحداً علماً 133/1 و 146
ما عبدتك طمعاً في جنتك، و لا خوفاً من نارك (علي علیْهِِ السَّلام) 157/1
من آذى عليّاً فقد آذاني 320/2
من أحبّ عليّاً فقد أحبّني، و من أبغض عليّاً 320/2
من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه 321/2
من كنت مولاه فعلي مولاه 327/2
من كنت وليه فهذا وليه، اللّهم والِ من ولاه 327/2
نحن المجادلون في دين الله 5/1
و الله لهي عندي خير من إمارتكم هذه (علي علیْهِِ السَّلام) 194/2
و الله الذي خلق الحبّة و برأ النسمة (علي علیْهِِ السَّلام) 321/2
و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة إنّه لعهد النبيّ (علي علیْهِِ السَّلام) 321/2
و إنّما حظ أحدكم من الأرض، ذات الطول (علي علیْهِِ السَّلام) 218/1
و كأنّي بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات (الحسين علیْهِِ السَّلام) 202/2
ويلك و من يعدل إذا لم أعدل 344/2
يا ابن عبّاس ما قيمة هذه النعل (علي علیْهِِ السَّلام) 194/2
يا عليّ إنّك ستقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين 195/2
يا عليّ لا يحبّك إلّا مؤمن و لا يبغضك إلّا منافق 2 /319، 320
يشفع لمثل ربيعة و مضر 240/2
يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم 344/2
يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة 343/2
فهرس الأعلام
العلم الجزء و الصفحة
(آ - أ)
آدم علیْهِِ السَّلام 79/2،152،150،19،7/1
أبان بن تغلب 207،179،172،69/2
أبان بن عثمان 72/2 ،207،179
إبراهيم علیْهِِ السَّلام 356،102،89،77/2،150/1
إبراهيم باشا 57/1
إبراهيم بن دحية 214/2
إبراهيم بن العباس الصولي 239/1
إبراهيم بن عبد الله بن الحسن 57/2، 169 ،247، 248
إبراهيم بن محمّد 247/2
إبراهيم المبارك 40/1
إبليس 152،150،122،7/1
أحمد بن إدريس 56/1
أحمد بن الحسين 210/2
أحمد بن حنبل 360، 353،327،320،318،185/2،
أحمد بن المثنى 326/2
أحمد بن محمّد بن الحسين القمي 55/2
أحمد بن محمّد بن خالد البرقي 15/2
أحمد بك تيمور 274/2
أحمد الشيرازي 14/1
أحمد ضيف 61/1
أحمد طبارة 16/1
أحمد كاشف الغطاء 14/1
أدال 55،46/1
أدوين ماركهام 54/1
أردشير 134/2
إسرائيل 27/1
أسعد 55،46/1
أسعد رزوق 72/1
أرسطو 234/1
إسماعيل علیْهِِ السَّلام 102،82،77/2
الأشجع السلمي 165/2
الأشعث بن قيس 340/2
الأصبغ بن نباتة 240/2
أعشى ثقيف 164/1
أعشى همدان (عبد الرحمن) 165،164/1
أعشى وائل (ميمون) 164/1
أغناطيوس كراتشكو فسكي 75/1
أفلاطون 1/ 54 ، 69، 234 ،157/2
ألبرت 73،72،65،55،49،47،46/1
أكثم بن صيفي 145،60-59/2
أمرؤ القيس 272،128/2
أمرسون 48/1
أُُميّة بن أبي الصلت 101،94،59/2
أمين الحسيني 323،63/1
أنغرسول 49/1
أنوشروان 145،134/2
أوريا الحثي 88/1
أو غسطينوس 176،169،101/1
أويس القرني 241،239،238/2
إيليا الحاماتي 35/2
أيوب علیْهِِ السَّلام 161،96/1
(ب)
باتروبادي 16/1
بالمر 62/1
بایرون 48/1
بخنر = بوخنر 108،49/1
بدر الدين الصائغ العاملي 40/1
بدر شاكر السياب 65/1
البراء بن عازب 327/2
برثا 60/1
برهما 142/1
بريدة 327/2
بريدة بن معاوية العجلي 175/2
بطرس البستاني 50/1
بكير بن أعين 174/2
بلال الحبشي 19/1
بلفور 62/1
بوب 49/1
بوذا 142/1
بوري بن أتابك 278/2
بيلاطس 30/2
بيكاسو 60/1
(ت)
تأبّط شراً 239/1
توماس هكسلي 49/1
توم باین 49/1
تیمن 65/1
(ج)
جابر 327/2
جابر بن حيّان 243/2
جابر الجعفي 172/2
جبران خلیل جبران 57/1
جبلة بن الأيهم 92/2
جديس 81/2
جرهم 82/2
جرير 272،120،119،106/2
جساس 116،115/2
الإمام جعفر بن محمّد الصادق علیْهِِ السَّلام 244،243،213،210،199،177، 176،171،170،63،57/2 333،332،260،360،،351، 353،352 ،247،246، 252،251،249،248 جعفر الجواهري 62/1
جعفر الحلّي 32/1
جعفر حمندي 22/1
جعفر كمال الدين الحلّي 42/1
جمال الدين بن طاووس 329/2
جمال الدين الأفغاني 36/2
جمال الدين القاسمي = القاسمي 311،11،6/1
جمال الدين المرتضى ابن حمزة 387/2
جميل المدفعي 24/1
جندب بن جنادة 196/2
جندب بن عمرو 100/2
(ح)
حاتم الطائي 163/1،272 ، 164، 2/ 94، 124، 125
حاجب بن زرارة 146/2
الحارث بن ظالم 109/2، 116، 146
حارثة بن جهينة 149/2
حاطب بن بلتعة 152،150،149،94/1
حامد حسين اللكناهوري 332/2
حبّة العُرني 341/2
حبیب الله الباغنوي 388/2
الحجّاج 357،62/2
حجر بن عدي الكندي 358،186/2
حذيفة بن اليمان 191/2
حسان = حسان بن ثابت 272،148،61/2
الإمام الحسن علیْهِِ السَّلام 262،261،203،200،56/2،367،347
الحسن بن بشر الآمدي 292/2
الحسن البصري 241،239،237/2
حسن الخويبراوي 40/1
حسن الشيخ موسى الشميساوي 40/1
الإمام الحسين بن علي علیْهِِ السَّلام 367، 201 ،347،332،261،203،202، 170،141،57/2،69،33/1
الحسين بن علي (الشريف) 61/1
الحسين النوري (الميرزا) 14/1
الحسنين علیهِِمُ السَّلام 261/2
الحرّ 279/2
الحطيئة 272/2
حماد بن محمّد الأنصاري 11/1
حماد عجرد 158/2
حمران 174/2
حمزة بن عبد المطلب 2/ 61 - 62 ،108
حمورابي 89،76/2
حمير 86/2،91/1
حنظلة 102/2
(خ)
خالد 58/1
خالد بن حنظلة 163/1
خالد بن سعيد بن العاص 73/2 - 74 ،192
خالد بن سنان العبسي 102/2
خالد بن صفوان 60/2
خالد بن يزيد بن معاوية 243/2 ،245 ،251 ،252 ،253
خزعل 61/1
خضر بن يحيى المالكي 12/1
خلف الأحمر 29/1
خليل بن أحمد الفراهيدي 67،29/1
خليل بن أيبك الصفدي 244/1
خير الله 56/1
(د)
داود علیْهِِ السَّلام 140،88/1
داود بركات 61/1
داود بن الحصين 314-313/2 ،367،351،332،
دانته 1/ 48، 98
دعبل 161/2
دغفل 61/2
دموس 49/1
ديك الجن 161/2
(ر)
ربیز 74/1
الربيع بن خيثم 238/2
الرشيد 2/ 162، 250، 260
رشيد الهجري 2/ 185 - 186، 358
الرضا = علي بن موسى الرضاء علیْهِِ السَّلام 17/1
رضا الهمداني 14/1
روبرت انغرسول 49/1
روبسبير 49/1
روزفلت 63/1
روسو /49
(ز)
زرارة بن أعين 2/ 174، 209
زر = زر بن حبيش 321/2
زهير = زهير بن أبي سلمى 256/2، 272
زياد = زياد بن أبيه 197،196،143/2، 358،357
زید (زوج زینب) 146/1
زيد بن أرقم 326/2 ،327
زيد بن حارثة 90/1
زيد بن علي 57،52/2
زید بن عمر بن نفیل 101/2
زين العابدين = علي بن الحسين علیْهِِ السَّلام 170،141،118/2، 332، 367
(س)
ساطع الحصري 61/1
سام 110،79/2
سترلنغ 49/1
سحبان وائل (سحبان بن زفر) 165/1
سحيم 165/1
السري الرفا 220/2
سطیح 149/2، 156
سعدي 46/1
سعيد بن جبير /378
سعيد الكرمي 61/1
سلمان الفارسي 196،190،19/1
سلمون 55،54/1
سليمان أبو العز 57/1
سلیمان بن عباد الصيمري 79/2
سلیمان بن عبد الملك 273،119/2
سليم البشري 11/1
سمرة بن جندب 373/2
سهل بن عبد الله 234/1
سوفوكليس 49/1
سیبویه 230،29/1
سیزان 60/1
سيف بن ذي يزن 91/2، 147
(ش)
شاحم 220،219/2
شبلي بن إبراهيم شميل = شميل 124،110،108،95/1
شریح 61/2
شريف أفندي 58/1
شعیب 344/2
شق 149/2، 156
شكسبير 1/ 48، 98
شوبنهاور 49/1
شهاب الدين السهروردي 135/2
(ص)
صاحب بن عباد 284/2
الصادق = جعفر بن محمّد علیْهِِ السَّلام 367/2
صالح جبر 322/1
صالح بن علي (عم السفّاح) 247/2
صدقة بن مزید 72/2
صعصعة = صعصعة بن صوحان 62/2، 340
صفي الدين الحلّي 277/2
صهيب الرومي 19/1
(ض)
ضرار بن ضمرة الكناني 197/2
(ط)
طه حسین 44/1
(ع)
عامر بن طفیل 146/2 - 147
عامر بن قيس 239/2
العبّاس بن عبد المطلب 57/2
عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي 293/2
عبد الله بن جدعان 94/2
عبد الله بن جعفر 95/2
عبد الله بن الحسن 248/2
عبد الله خباب بن الأرت 349،341،340،338،337/2،351
عبد الله بن الزبير 110/2
عبد الله بن العبّاس 57/2، 250، 339
عبد الله بن محمّد بن صديق الغماري 11/1
عبد الحسين شرف الدين 11/1
عبد الحسين القرملي 40/1
عبد الحسين مطر 25/1
عبد الحكيم الموسوي الصافي 18/1، 19 ،31،30، 325، 326
عبد الحميد 58/1
عبد الحميد = عبد الحميد بن أبي الحديد 83/2، 131، 170، 339، 384
عبد الحميد الحظي 1/ 40
عبد الرحمن، جدّ أحمد البرقي 52/2
عبد الرحمن بن إبراهيم العتائقي الحلّي 384/2
عبد الرحمن بن ملجم 336/2 ،347
عبد الرحيم الشيباني البغدادي 280/2
عبد الرضا كاشف الغطاء 40/1
عبد الرّزاق الحسيني 45/1
عبد الرّزاق الحصّان 22/1
عبد العزيز آل سعود 61/1، 62، 63
عبد العزيز بن يحيى الجلودي الأزدي 55/2
عبد الغني الخضري 40/1
عبد الغني العريبي 16/1
عبد الكريم الخليل 16/1
عبد المحسن السعدون 61/1
عبد المطلب بن هاشم 147/2
عبد الملك 373،245،198/2
عبد المنعم الفرطوسي 295/1
عبد المهدي عبد الحسين مطر 40/1
عبد الواحد بن أحمد المظفّر 40/1
عبدة 47/1
عبد يغوث 121/2
عبيد الأبرص 2/ 154، 272
عبد الله بن أبي رافع 145/2
عبید الله بن زیاد 357،183/2
عثمان 56/2، 60، 61، 338، 349
عدي 140/2
عدي بن ثابت 321/2
عدي بن زيد 121،119/2
عروة بن الزبير 198/2
عقیل 63/2
العكوك 164/2
علي بن أبي طالب= علي = أمير المؤمنين علیْهِِ السَّلام 55/2 ،127،111،109،70 218،157،56،20،12/1، ،170،145،144،143،138،136 ،133،132،131،130،129،128
196،195،194،193،185،180،220،210،203،200،198،197،242،240،238،237،232،229،291،289،288،287،
256،250،325،322،321،316،308،293،336،333،331،329،327،326،335،349،345،341،340،339،374،373،
367،366،362،358،386
علی بن أبي رافع 2/ 144، 145
علي بن إبراهيم القمّي الخزاز 360/2، 361
علی بن أحمد ثامر 40/1
علي بن الحسين علیْهِِ السَّلام 352،57/2
علي بن موسى = الرضاء علیْهِِ السَّلام 63/2، 199
علي بن هاشم الخراز 353/2
على البازي 39/1
علي الحسيني 57/1
علي الصغير 301/1
علي محيي الدین 44/1
عمر 60/2 ،61 ،338، 347
عمر بن سعد 347/2
عمّار = عمّار بن ياسر 195،191،181،133/2
عمران بن حطان 362،355،351 ،346،333،332،315،313/2
عمرو بن الحمق الخزاعي 358،186/2
عمرو بن شعیب 378/2
عمرو بن كلثوم 272/2
عمرو بن معد يكرب 167/2
عمرو بن يربوع 153/2
عنترة العبسي = عنترة 1 /164، 165، 123/2 ،272
عنز بن سلمة 150-149/2
عيسى علیْهِِ السَّلام 377،262/2
عيسى رزوق 56/1
(غ)
غازي 63/1
غالب بن صعصعة 95-94/2
غاندي 64،61/1
(ف)
فارس انطوان الريحاني 46/1
فالح السعدون 31/1
فختة (فيلسوف) 49/1
فخر الدين ( أبو الحسن) 76/1
فرانکو 64/1
فرعون 30/2،52/1، 358
فشر 55/1
فضل الله بن علي بن الحسين = القاشاني 279/2
فولتير = فلتر 235،135،49،48/1
فيصل الأوّل 322،71،62،23/1
فيكتور هيكو = هيجو = هوجو 325/1
فیلد 49/1
فيلوصوفيا 234/2
(ق)
قدامة بن جعفر 2 /285، 292
قُسّ = قُسّ بن ساعدة الأيادي 42،41،37/2،163،131/1،102،101،45،43
قسطنطين الكبير 188/2
قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي 384/2
قطب الدين الكيدري (محمّد بن الحسين) 2 / 384
القطب الشيرازي 135/2
قنبر 61/2، 261
قیدار 82/2
قيس بن سعد بن عبادة 192/2
قيس بن عاصم 2/ 94، 124، 125
قيس بن مسعود 146/2
قیصر 107/2
(ک)
کارلیل = توماس کارلیل 99،56/1
کارلند ایفانز 27/1
كاظم الخراساني 14/1
كاظم اليزدي 14/1
كانساس 48/1
كرد علي أفندي 201/1
کسریٰ 147،145،114،107/2
كعب بن مامة الإيادي 94/2،163/1
كليب 115/2، 117،116
كمال الدين الأنباري 287/2
الكميت 372،371،106/2
کمیل بن زیاد 180/2
كنفوشيوس 265/1
(ل)
لبيد 272،110،32/1
لقمان بن عاد 58/2
لقمان الحكيم 58/2
لوط 140/1
لويد جورج 62/1
لويس شيخو 252،51/1
(م)
ماء السماء 92/2
ماتيس 60/1
مارتوما الأكويني 93/1
مالك = مالك بن أنس 333،136،170/2
مالك الأشتر 12/1
المأمون 250،199،185،72/2
المتوكل 357،261/2
محرز بن سعيد النحوي 212/2
محسن الأمين العاملي 11،6/1
محمد = رسول الله = النبيّ صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم 98،96،95،89،88،77،56/1،141،135،134،103،101،99،
217،204،184،144،143،61،60،58،55،45،13،12/2،160،147،144،128،127،109،200،196،194،193،190،170
246،240،239،211،203،201،324،322،316،291،280،262،335،334،333،331،329،326،347،346،345،343،
342،338،367،366،362،352،351،348،377،375،374
محمّد الباقر علیْهِِ السَّلام 75/2، 367،332،210،170
محمّد بن أبي عمير الأزدي 214/2
محمّد بن أبي مسهر 212/2
محمّد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي 217/2
محمّد بن جرير الطبري 329/2
محمّد بن الحسن الصفّار 216/2
محمّد بن الحسن الطوسي // 216
محمّد بن الحنفية 202،57/2
محمّد بن سنان 211،207/2
محمّد بن عبد الله بن الحسن 57/2، 169، 247، 248
محمّد بن عبد الله الخطيب الإسكافي 284/2
محمّد بن عبد الملك السلمي الطبري 423/1
محمّد بن عبد الوهاب 11/1
محمّد بن علي بن بابويه 216/2
محمّد بن علي بن الحسين القمّي 217/2
محمّد بن كاظم اليزدي 21/1
محمّد بن مروان 63/2
محمّد بن مسعود العياشي 217/2
محمّد بن مسلم 175/2
محمّد بن النعمان الأحول (مؤمن الطاق) 210،209/2
محمّد بن يعقوب 215/2
محمّد باقر الاصطهباناتي 14/1
محمّد باقر المجلسي 217/2
محمّد تقي الشيرازي 20/1
محمّد جواد الغريفي 40/1
محمّد جواد مغنية العاملي 40/1
محمّد حسين الزين 40/1
محمّد حسين اليعقوبي 314/1
محمّد خزانة 18/1
محمّد رضا بن قاسم العزاوي 40/1
محمّد رضا الشبيبي 61/1
محمّد رضا النجف آبادي 14/1
محمّد طاهر الخاقاني 40/1
محمّد عبدة المصري 230/1، 36/2
محمّد علي القاضي 40/1
محمّد علي القزويني 30،29/1
محمّد علي نعمة العاملي 40/1
محمّد الغروي 18/1
محمّد كرد علي 57/1
محمّد مهدي الجواهري 317،45،21/1
محمّد مهدي القزويني 11/1
محمّد هادي المرعشي 18/1
محمود كروب 75/1
محيي الدين العطّار 57/1
المر 62/1
مروان 139/2
مروان = مروان بن الحكم 351،347،333،332،245/2،367
مسحل 154/2
مسلم 145/2 ،353،320،319
مسلم = مسلم بن الوليد 205،162/2
مسلم بن حمود الحلي 40/1
مسلم بن معاذ 29/1
المسيح علیْهِِ السَّلام 126،89،30/2،54،41/1
مسيلمة 232/1
مطيع بن إياس 158/2
معاوية 373،200،197،196/2
المعتصم 185/2
معروف الرصافي 306/1
المعزّ 71/2
معن زيادة 75،66/1
المغيرة 367/2
المفضل = المفضل بن عمر الجعفي 213،212،211،210/2
المقداد 191/2
المقوقس 89/1
مكدونالد 62/1
الملا صدرا 43/1
منتجب الدين 387/2
المنتصر 72/2
المنصور = أبو جعفر المنصور 254 ،258، 259، 260 ، 250،248،247،169،168/2
منصور النمری 165/2
مهدي بن علي آل صحين الساعدي 41/1
المهلب بن أبي صفرة 214/2
المهلل 272،116،115/2
مهيار الديلمي 225،221/2
موسى علیْهِِ السَّلام 30/2، 76، 89، 262
موسى بن جعفر علیْهِِ السَّلام 250/2
موسى الطالقاني 13/1
مونتاین 48/1
ميثم البحراني 2 / 288، 384
ميثم التمار 2/ 185، 358
میرابو 49/1
(ن)
النابغة الجعدي 164/1
النابغة الذبياني 164/1
الناصر 73/2
ناصيف اليازجي 52،51/1
نبوخذ نصر 58/1
نصیب 1/ 119/2،65
النعمان بن المنذر 28/2، 145، 148
نعّوم مكرزل 50،47/1
نمرود 1/ 150، 152
نوبخت 254/2
نوح علیْهِِ السَّلام 251/1
نیرون 106/1
(ه)
هارولد جاكوب 56/1
هارون 152/1
هاشم العربي 145/1
هامان 150/1
هربرت هوفر 62/1
هرم بن حيّان 238/2
هشام بن الحكم 209،208،207،176،173/2
هشام بن سالم الجواليقي 208-207،176،73/2
هشام بن عبد الملك 118/2
همام بن شریح 238/2
هوميروس 97/1
هيغل 49/1
هيفو 51،48/1
(و)
واصل بن عطاء 111/2
الوأواء الدمشقي 225/2
وجیه رضوان 75/1
وولت 65/1
الوليد بن عقبة بن أبي معيط 159/2
الوليد بن يزيد بن عبد الملك 158/2
(ی)
ياسين الهاشمي 24/1، 25، 26، 322
ياقوت الحموي = ياقوت 75/2، 289
يحيى بن أكثم 158/2
يعرب بن قحطان 79/2
يعقوب = ابن السكيت 261/2
يوسف 46/1، 54، 55
يوسف بن عمر الثقفي 52/2
يوسف الدجوي 310/2،11،10،6/1
یوسف صادر 261/1
یزید 347،202،201،200/2
فهرس أعلام النساء
العلم الجزء و الصفحة
أسماء بنت أبي بكر 110/2
أم جميل (بثينة) 126/2
أنيسة (والدة الريحاني) 1/ 55، 63
أنيسة جفّال طعمة 46/1
أُم عروة ( عفراء) 126/2
أُم غيلان (ميّة) 126/2
أُم فارس (جدّة أمين الريحاني) 50/1
أُم قيس (لبنى) 126/2
أم قيس (ليلى) 126/2
أم هاني بنت أبي طالب 57/2، 109/2
البلجاء 183/2
بهية شومان 72/1
جليلة 166/1
جهان 71/1
حبابة 159/2
خديجة (أم المؤمنين) 56/2
الخنساء 156/1، 109/2
زينب بنت جحش (امرأة زيد) 146،89/1
سجاح 232/1
سُعدي (شقيقة الريحاني) 55/1
سلمى بنت عمرو 108/2
سميّة 154/2
سهيلة 232/2
عائشة زوج الرسول صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم 110/2، 153،152،150،149،94/1
عزّة 126/2
الفاختة 232/1
فاطمة الزهراء علیهِِا السَّلام 56/2، 170 ،246 ،333 ،352
لويزة 328/1
ليلى الأخيليّة 166/1
مارية القبطية 146/1
مریم 89/1
مي زيادة 61/1
هند بنت عتبة 108/2
هيلانة 188/2
فهرس الكني
الكنية الجزء و الصفحة
ابن أبي بلتعة 153/1، 154
ابن أبي جمهور الإحسائي 242/2
ابن أبي الحديد 373،230،228/2
ابن أبي رافع 136/2
ابن أبي عمير 214/2
ابن أبي العوجاء 211/2
ابن الأنباري 287،7/2
ابن بابویه 290،289،271/2
ابن تيمية 383،381 ،379،306،297،271/2،11/1
ابن جبير 56/1
ابن الجهم 70/2
ابن الحاجب 6/2
ابن حبّان 353/2
ابن حجّة 277/2
ابن حجر العسقلاني 350،317،314/2
ابن حجر (صاحب الصواعق) 379/2
ابن حزم 381،397،306،297/2
ابن حطّان 347،336،326،325،317/2
366، 367
ابن الحكم 351/2
ابن خلدون 51/1، 55
ابن خلّكان 278،231،228،143،70،67/2
ابن الخياط 270/2
ابن الدمينة 361/2
ابن الراوندي 10/1
ابن رشد 91/1
ابن الرومي 162/2، 205
ابن زريق 229،228/2
ابن سعود 72/1
ابن السكيت 261/2، 262
ابن سناء الملك 274/2
أبو سهل 282/2
ابن شأس 320/2
ابن شهر آشوب 2/ 65- 66، 228
ابن الصمّة 249/1
ابن طباطبا 293/2
ابن الطفيل 293/2
ابن عباد 65/1
ابن عبّاس 58/2، 194، 340، 378
ابن عبد البر 327،320/2
ابن القدوس 167/2
ابن عربي /66
ابن عفیف 270/2 ،276 -277
ابن عمّار 292/2
ابن فارس 7/2
ابن الفارض 276،275 ،274،271/2،162،97،57/1
ابن قتيبة 43/1 ،2/ 284، 285
ابن قدامة 284/2
ابن قولویه 289/2
ابن مالك 6/2
ابن مسعود 13/2
ابن المعتز 284/2
ابن معد يكرب 59/2
ابن معین 2 /353/،360
ابن المقفع 83/2
ابن ملجم 362/2، 274
ابن منير الطرابلسي 387 ،281،279،278،277،268/2
ابن نباتة 244/1، 276/2
ابن النديم 53،51/2، 64
ابن هاني الأندلسي 221/2، 225
ابن هشام 6-5/2
أبو أحمد الجلودي 64/2
أبو الأسود الدؤلي 196 ،197، 168،143،138،59/2،29/1
أبو أيوب الأنصاري 192/2
أبو بصير ليث المرادي 175/2
أبو بكر 338،237،252،61،60/2
أبو بكر الحازمي 350/2
أبو بلال مرداس 182/2
أبو تمّام ،205، 226 ،292، 163،125،68-67/2،226/1،
أبو جعفر الأحول (مؤمن الطاق) 208/2
أبو جعفر الإسكافي 10/1
أبو جعفر الطبري 290/2
أبو جعفر المنصور 259،248،246/2
أبو جعفر النقيب 233/2
ابو الحسن الأشعري 10/1، 206/2 - 207
أبو الحسن (الرضا) علیْهِِ السَّلام 262/2
أبو الحسن (الكاظم) علیْهِِ السَّلام 262/2
أبو الحسن المرتضى الديباجي 387/2
أبو حنيفة 207،206،170،169،168،6/2،210،
أبو داود (صاحب السنن) 353،13،12/2
أبو دلف 164/2
أبو ذرّ 196،190،19/1
أبو رافع مولى رسول الله صَلَّی اللهُ عَلَیْه وَ آله و سَلَّم 144/2
أبو الرضا = فضل الله بن علي الحسني 281/2
أبو سعيد الخدري 344/2، 345
أبو سعيد السجستاني 329/2
أبو سفيان 108/2
أبو سلمة بن عبد الرحمن 344/2
أبو الطيب 229،228،175/1، 274، 351/2،
أبو العبّاس السفّاح 246/2، 249
أبو العبّاس الحافظ = أحمد بن سعيد 330/2
أبو العباس المبرد 290/2
أبو عبد الله جعفر الصادق علیْهِِ السَّلام 252،248،213،212/2
أبو عبد الله الحسين علیْهِِ السَّلام 200/2
أبو عبيد الله المرزباني 285/2
أبو العلاء المعري 221/2،97،72،56،52،51/1،246،223
أبو علي 281/2
أبو علي القالي 290/2
أبو فراس الحمداني 219/2
أبو الفرج الأصفهاني 260،246،169،163،138،74/2
أبو القاسم الحسكاني 330/2
أبو كريب الكوفي 321/2
أبو لؤلؤة 347/2
أبو لهب 94/1، 149، 150
أبو مسلم الخراساني 199/2، 249
أبو مضر 279/2
أبو المعالي الجويني 11/1
أبو معاوية 321/2
أبو نواس 60/2، 164،158،157،127
أبو نعيم 327،319/2
أبو هريرة 367،327/2
أبو يعقوب البغدادي 262/2
أبو يعقوب الكليني 290/2
أبو اليمان 344/2
فهرس الألقاب
اللقب الجزء و الصفحة
الأبيوردي 270/2
الأخطل 272/2
الأرجاني 269/2
الأشعري 256/1، 206/2
الأصبهاني 143/2
الأصمعي 29/1، 250
الأعشى 154،104،209/1، 272
الأعمش 321/2،209/1
الأمين 250/2
الأنبارى 143/2
الأنصاري 43/1
الأنطاكي 281،278/2
الباخرزي 271/2
البخاري 377،361،360،359،353،350، 145/2 ،343،313،217،، 344، 347
البحتري 2/ 68، 163، 168، 205
بديع الزمان الهمداني 43/2
البسامي 205/2
البوصيري 291/2
البيضاوي 278/1
الترمذي 319/2
التعاويذي 269/2
الثعلبي 196/2
الثقفي = أُمُيّة بن أبي الصلت 102/2
الجاحظ 10/1، 214/2
الجبائي 206/2
الجرجاني 227/1 ،283/2 ،284 ،285، 286، 293
الجواد علیْهِِ السَّلام 262/2
الحاجري 270/2
الحافظ الشيرازي 97/2
الحبوبي 32/1
الحريري 267/2،65،51/1
الحلّي (العلّامة) 307،6/2،42/1
الحموي (صاحب معجم البلدان) 240/1، 138/2
الحميري 2/ 160، 260
الخبز أرزي 205/2
الخطيب البغداي 259/2، 260
الخوارزمي = محمّد بن العبّاس 179/1، 44/2
الخوري 51/1
الدميري 250/2
الدوانيقي 357/2
الخيّاط 10/1
ذو الخُويصرة 344/2
ذو الشهادتين = خزيمة بن ثابت 192/2
ذو الرمّة 141/2
الذهبي 357،356،354،353،170،69/2،360،359
الراوندي 288/2
الرصافي 310/1
الرضي = الشريف الرضي 306،289،279،232،131،123/2
الزجّاج 143،138/2
الزمخشري 198،109/2
الزهري 344/2
السفاح 247/2، 250
السكاكي 283/2
السلامي 220/2
السمعاني 279/2
سيف الدولة 71/2
الشافعي 381،6/2
الشريف الرضي = السيّد 288،230،221،132،130/2،33/1،386،385
الشريف القاشاني 387،281/2
الشريف المرتضى = السيّد 233،231،229/2،11/1، 256، 279
الشريف المرتضى (أبو مضر) 278/2، 289، 306 ،387
الشعبي 373،198/2
الشهرستاني 252،249،210،208،176/2
الصاحب 225/2
الطباطبائي 364/2
الطبري = ابن جرير 233،331/2
الطبري الفقيه 337/2
الطغرائي 269/2، 373
الطوسي 387،330،306،288،281/2
العدوي = زين بن عمرو 102/2
عضد الدولة 71/2
العضدي 388/2
العلاف 206/2
العماد 271/2
العميدي (الوزير) 285/2
الغزالي ،278،169،100،93،92،91/1
الفارابي 69/1
الفرّاء 29/1
الفراهيدي 178،9/1
الفرزدق 272،141،119،118،106،63/2،294،293،273
القاسمي = جمال الدين 370،369،368 ،356،355،354،353،351،350،347 ،337،336،335،325،317،315/2 363،362
القاشاني 279/2
القاضي = عبد الجبار 233/2
القاضي = عياض 327،321،320/2
القالي 242/1، 198/2
القلقشندي 568/2
الكشي 240/2
كفر طابي 284/2
الكليني 360/2
الكندي 244/2
المبرد ،388،338/2،242/1
المتنبي = أبو الطيب 227،162،161،133،96،52/1،219/2،
المتوكل 180/2
المرتضى (صاحب الأمالي) 43/1
المرتضى = الشريف = السيّد 232/2
المعري = أبو العلاء 264،162،161،113،66،57،56/1،153/2
المفيد 289/2، 306
المهدي العباسي 57/2
المويلحي 35/2
النابغة (الشاعر) 272،148/2
النامي 220/2
النجاشي (صاحب كتاب الرجال) 64/2، 210، 216، 217
النسائي 326،321،319/2
النسفي 6/2
النوري 213،54/2
الهادي علیْهِ السَّلام 262/2
الهروي 178/1
الهمداني 65/1
فهرس الأمم و الشعوب و القبائل و الجماعات
الأمم و الشعوب و القبائل و الجماعات الجزء و الصفحة
آل جفنة 148/2
آل الرسول = آل محمّد = أهل البيت علیهِم السَّلام 335،319،318،317،316،288، 163/2 ،169 ،209 ،249، 252، 356،351،350،348،347،336،372،371،367،366،360،357،381،379،378،376،375
آل قريش 94/1، 143
آل كاشف الغطاء 13،6/1
الأزد 61/2
الاوربيون 16/2
الاموييون 190،73/2
الايرانيون 184/2
بنو اسرائیل 98/1
بنو أعين 174/2
بنو أميّة 245،203،202،359،358،357،356، 246، 288،249 ،201،199،198،194،73،69/2
بنو تیم 344/2
بنو خاقان 24/2
بنو دبیس 72/2
بنو شاکر 253/2
بنو العبّاس 258،246،218،200،162/2،357،259
بنو فضال 348/2، 350
بنو موسى 254/2
بنو ناجية 56/2
بنو النجار 140،108/2
بنو نوبخت 254/2
بنو هاشم 245/2، 247، 249
البويهية 184/2
البويهيون 71/2
ثمود 82/2
الحمدانيون 71/2
الحمورابيون 76/2
ربيعة 240/2
عاد 82/2
العباسية 237/2
العباسييون 220،73/2
عدنان 81/2
العدنانية 133/2
العراقييون 77/2
العرب 105،103 ،101،96،78،77،63،58/2
العلوييون 222،71،69/2
الغسانييون 92
الفاطمية 184/2
الفاطمييون 190/2
الفرس 136،134،114،103،63،61/2
قریش 58/2، 94، 95، 140، 147
اللخمييون 92/2
المسيحيون 186/2
مضر 240/2
اليابانييون 16/2
فهرس الفرق و الطوائف
الفرق و الطوائف الجزء و الصفحة
اللاأدرية 1/ 108 و 132، 2/ 100
الاصفهبذية 134/2
أهل السنّة 310،184،181/2
البروتستانتية 93/1
الجمشيدية 135/2
الجهمية 354/2، 359
الخوارج 366،359 ،382، 325،315،182/2،283/1، 346، 347، 351، 354،
الزرادشتية 135/2
الشيعة الإمامية ، 104،70،69،67،66،65،51/2،11،10/1،180،178،172،171،162،160،144،112
218،217،216،215،214،209 ،236،219 ،189،188،184، 190، 205،196 ،208،207
304،299،298،296،295،290،289،280 ،252،251،242، 260، 261، 262، 265، 266،
383،380،366،365،360،359،357 ،355،351،314،309،308،307،306،305،
الصابئة 1/ 215، 216، 77/2
الصوفية = المتصوفة 236/2 ،242 ،277
العدلية 2/ 104
القدرية 352/2، 354، 359
الكاثوليكية 93/1
الكيسانية 249/2 ، 260
المرجئة 210/2 ، 352
المعتزلة 208،206،108/2
المعطّلة 132،113/1
المندائية 215/1
النصارى 377،100/2
الوهابية 283/1
فهرس الأمكنة و البقاع
الأمكنة و البقاع الجزء و الصفحة
آسيا الصغرى 268/1
الأبواء 247/2
أحجار الزيت 2/247 ، 248
الأرجنتين 16،6/1
الأزهر 295/2،11،10/1
أسبانيا 63/1
أسكندرية 258/1
أصفهان 2/ 225 ،280، 226
أمريكا 27/1 ،28 ،47،41، 49، 35/2،63،
الأندلس 64/1
أور 24/1، 30
أوربا 23/1، 268، 2 /16
أهرام مصر 114/2
إيران 294،38،17/1 ،2 /54، 55، 64، 172، 216، 266
إيوان كسرى 114/2
باب السيف 31/1
بابل 42/1
با خمرا 2/ 169، 248
باريس 70،60،57/1
بئر زمزم 196/2
باکستان 41،19،18/1 ،294 ،295 ،325،
بجة 46/1
بحمدون 27/1، 28، 41
برق رود 52/2
برلین 54/2
بريطانيا 27/1، 41، 48
البصرة 55/2،29،19،18/1
بغداد 258،254،184/2،310 ،294،252،232،63،38،31،26،22،21/1،281،259
بلاد جبيل 46/1
البلقاء 148/1
بوسطن 59/1
بوشهر 17/1
بومباي 2/ 64، 172، 253
بیروت 6/1،328،306،270، 16، 53، 58، 61، 62، 63، 64، 70، 74
بیشاور 19/1
تبریز 218/2
جبال فاران 190/2
جبل عامل 179/2
جبل لبنان 46/1
الجزيرة 86/2
الجمهورية اللبنانية 27/1
جناجة 12/1
الحجاز 25/1، 43، 61، 69، 294، 91/2
الحضر 92/1
حلب 190،184،135/2،61/1
الحلة 30،29،24،12/1
حيفا 17/1، 62
خراسان 17/1
خیبر 291/2
دار السلام 259/2
دمشق 259،354،212/2،75،61،16،15،6/1
الديوانية 24/1 ،30، 294
ذوقار 194/2
ذو الكفل 221/1
راولبندي 19/1
راوند 281/2
الرملة 212/2
الرميثة 24/1
روسيا 59/1
الرومللي 268/1
زحلة 61/1
الزبير 29/1
ستراسبورغ 70/1
السليمانية 62/1
السنديانة 47/1
سوريا 43،26/1 ،64،17،2،293،77،58،57
سوق الشيوخ 24/1
الشام 358،278،101،92،69/2،294،201،57/1
الشاوية 50،46/1
الشعيبة 21/1
شیراز 17/1
صيدا 16/1، 17/2،61
طهران 218/2،17/1
ظفر آباد 19/1
عبادان 17/1
العراق 1/ 20، 23، 56، 61، 62، 63، 71 ،244 ،245، 252
170،141،101،66،64،55،54/2،294،293
387،278،266،258،252،218،172
عزبة الشهوان 50/1
العكيكة 24/1
علوية 184/2
غدير خُمّ 52/2، 161، 326 ،330،329،327
غرزوز 64/1
الفرات 24/1
الفريكة 269،200،158،117،105 ،283، 46/1 ،50، 55، 63، 66 ،85،75،74،71،69،
فلسطين 323،341،292،72،63،27،17،16/1
قاشان 281/2
القاهرة 16/1، 76/2،70، 274، 295
القدس 16/1، 17، 62 ، 63، 323
قم 216/2
الكازرون 17/1
كاليفورنيا 70
كراتشي 18/1
كربلاء 202/2،314،39،38،24/1
الكرخ 38،31/1
كركوك 62/1
کرمنشاه 17/1
کرند 17/1، 36، 38
الكعبة 2/ 160، 201، 241، 258
كناسة الكوفة 358/2
الكوت 21/1
الكوفة 248،202،197،169،159،144،141/2،294/1،358
لاهور 19/1
لبنان 105،85،72 ،294، 50/1 ،53، 54، 55، 56، 58، 62، 63، 64، 69
لندن 156،100،70،62،58/1
لیدن 54/2
لينغراد 70/1
مار مارون 47/1
مانهاتن 47/1
المحمرة 61،17/1
مدرید 64/1
مدينة السلام 259/2
مراکش 63/1
مرجعيون 61/1
المسجد الحرام 15/1
مسجد الكوفة 159/2
مصر 295،184،114/2،294،133،61،53،43/1
المعقل 325،287،19،18/1
المغرب 192،63/2
مكّة 143/1، 202/2، 259
المكسيك 54/1
الموصل 358/2،62/1
نابلس 17/1
نابولي 64/1
الناصرية 24/1، 30، 31
نجد 61/1، 91/2،71
النجف 26،24،22،21،19،13،12/1،385،54/2،324،314،158،45 ،39،38،37
نهر الهندية 221/1
نيويورك = نويرك 47،27/1 ،48، 53،52،50،49 ،54، 55، 56،
59،58،40 ،60 ،63 ،17،15/2،122،100،67،65،
همدان 17/1
الهند 172،64،55/2،265،177،176،101،61/1،320،266،216
واشنطن 65،62،47/1
يافا 17/1
اليمن 91،86/2،56/1، 240
اليونان 241،237 ،242، 236،234،135،134،103،102،100/2،100/1
فهرس الوقائع و الأيام
الواقعة و اليوم الجزء و الصفحة
أُُحد 291،129/2
بدر 291،129/2
الجمل 5/2
حرب البسوس 115/2
صفّين 56/2، 238 ، 240
القادسية 109/2
وقعة الحرّة 201/2
وقعة النهروان 341/2
وقعة الهدية 281/2
يوم الأحزاب 129/2
يوم الحرّة 160/2
يوم الفتح 109/2
فهرس الأشعار
القافية القائل عدد الأبيات الجزء و الصفحة
(الهمزة)
أساءَ أبو العلاء المعري 1 218/1
سفاءَها قيس بن الخطيم 2 125/2
أدعياءُ محمّد البوصيري 1 297/2،138/1
الأنواء محمّد حسين كاشف الغطاء 4 33/1
الأعضاء __ 1 291/1
الألاء محمّد سعيد السويدي 2 245/1
الفضاء __ 3 289/1
سجرائي أبو تمام 2 226/1
(الباء)
حجبْ أبو العلاء المعري 2 264/1
ذهب ابن سهل الأندلسي 1 282/2
الكثيب محمّد حسین كاشف الغطاء 7 35-34/1
غابا الحسن بن رجاء الشافعي 1 128/2
العواقبا إبراهيم بن العبّاس 1 240/1
المهذبا مهيار الديلمي 1 183/1
قاضبا معروف الرصافي 32 310-306/1
الاربُ محمّدحسین كاشف الغطاء 6 35/1
جواب جمیل 1 257/1
السلب __ 1 37/2
طالبُ الفرزدق 1 273/2
خراب أبو فراس الحمداني 1 177/2
لعازب النابغة الذبياني 1 381/2
الحقائب نصیب 1 119/1
أرغب الشريف الرضي 1 123/2
کوکب __ 1 12/1
غضاب أبو فراس الحمداني 2 128-127/1
القلب أبو بكر أحمد الطائي 1 373/2
يلعب الكميت 10 372/2
بالأحباب الغزالي 3 186،158/2
كثب مطيع بن إياس 1 166/2
الكائنات محمّد حسین كاشف الغطاء 19 29-27/2
لا الذهب أبو الطیب المتنبي 1 352/2
بالعصائب الفرزدق 2 273/2
أركب هدبة بن خشرم 1 355/2
غالب الفرزدق 1 120/2
المحبوب محمّد عبد الحكيم الصافي 3 287/1
(الجيم)
و أعوج ابن الرومي 1 163/2
(الحاء)
و الأرواحا محمّد عبد الحكيم الصافي 3 287/1
مزاح جعفر الحلي 1 137/1
راحِِِِِِِ جرير 1 120/2
(الدال)
أحدْ أبو العلاء المعري 1 224/2
وعدْ محمّد حسین كاشف الغطاء 5 34/1
الوردِ حاتم الطائي 1 124/2
بواحدِ البختری 1 359/2
ينادي أميّة بن أبي الصلت 2 94/2
بادي الطغرائي 6 373/2
الإنشادِ محمّد مهدي الجواهري 46 321-317/1
العبادِ الشافعي 1 381/2
بقيد أبو الطمحان القيني 1 249/1
(الراء)
خبرْ محمّد حسين كاشف الغطاء 20 34-32/2
المطر __ 5 23/2
المؤتمرْ محمّد عبد الحكيم الصافي 1 294/1
صخرَه محمّد حسین كاشف الغطاء 9 36/1
اختیاره __ 1 247/1
ناشرا أبو العلاء المعري 1 270/1
الصفارُ __ 1 298/2
بصائر قس بن ساعدة 1 37/2
الفكر محمّد عبد الحكيم الصافي 2 291/1
و الزجرُ أبو تمام 3 163/2
شاکر __ 2 23/1
يتكرر علي الصغير 82 305-301/1
أمرُ الأرجاني 1 256/1
جَفْرِِِ أبو العلاء المعري 2 246/2
الصغرِ أبو العلاء المعري 1 171/2
عمري ابن أبي الحديد 3 101/2
الآخرِ __ 1 236/1
الغامر فضل الله بن علي 3 280/2
اعتصاري عدي بن زيد العبادي 1 41/2
أبي مضرِِ ابن منير 1 281،279/2
السورِ محمّد عبد الكريم الصافي 3 290/1
(السين)
حسا 1 288/2
العباسِِ مسلم بن الوليد 1 162/2
نفسي ابن العميد 2 229/2
(الضاد)
بغضا تاج الدين العاملي 2 376/2
(الطاء)
فقط الحريري 1 263/2
(العين)
البدعا أوس بن حجر 1 /129
معا متمم بن نويرة 1 173/1
المجامع الفرزدق 1 120/2
هجوع عمرو بن معد يكرب 1 167/2
تبوع عمرو بن معد يكرب 1 168/2
تستطيعُ عمرو بن معد يكرب 1 167/2
صانعُ أُُميّة بن أبي الصلت 1 182/1
القريعُ ابن هرمة الفهري 3 168/2
(الفاء)
و الكلفْ محمّد حسین كاشف الغطاء 24 21-19/2
لا أعرفه __ 1 111/1
أسفه علي بن أبي طالب علیْهِ السَّلام 1 23/2
مصحفُ عبد المنعم الفرطوسي 86 300-295/1
محلّف عبد الله بن أبي اسحاق الحضرمي 1 193/2
و الأوصاف أبو العلاء المعري 1 83/1
(القاف)
عقوقا الشافعي 1 242/2
أحقُّ المهيار الديلمي 3 227/2
صدق محمّد حسین كاشف الغطاء 2 53/2
(الكاف)
يداجيكا كلثوم بن عمرو العتابي 2 9/2
أعطاكا ابن الفارض 3 276/2
إلّا كذلكا أبو الأسود الدوءلي 1 243
شجواكِ __ 4 246/1
معرفتك ابن سينا 1 111/1
جرعاك عبد الرحمن السويدي 1 245/1
(اللام)
نزلْ عبد الله بن الزبعري 1 200/2
دليلا محمّد عبد الحكيم الصافي 2 290/1
الولا مهيار الديلمي 1 382/2
الرجلا الأعشى 1 104/2
باطلا المتنبي 1 75/2
عاملُ لبيد بن ربيعة العامري 1 283/1
عقلُ ابن الفارض 3 275/2
ملولُ __ 1 129/1
المناهلُ محمّد حسین كاشف الغطاء 2 36/1
يقولُ __ 3 204-203/1
جملُ ابن الفارض 1 275/2
الزللُ __ 1 40/2
يعلو الحارث بن خالد المخزومي 1 245/2
المشاكل محمّد حسین كاشف الغطاء 5 34/1
الرجل ابن السكيت 2 261/2
الرواحل امرؤ القيس 1 377/2
سعالي المثقب العبدي 2 324/2
ولالي عبد يغوث 2 121/2
كالسوافل أبو العلاء المعري 6 222/2
للفضل __ 1 295/2
الناقل أبو الطيب المتنبي 1 175/1
بالنزال الحارث بن عباد 1 117/2
القليل __ 1 137/1
(المیم)
الحطيم عبد الرحيم الشيباني 3 281/2
الأليم فضل الله بن علي 2 280/2
رميما علي بن محمّد بن سام 1 357/2
ظالم عمرو بن براق الهمداني 2 204/2
فم محمّد مهدي الجواهري 1 21/1
الدمُ أبو الطيب المتنبي 1 274/1
تجرّم __ 1 241/1
المنامُ لجيم بن صعب 1 178/2
المتيّمُ المهيار الديلمي 3 227/2
مقتسمُ أبو فراس الحمداني 1 219/2
و الحرمُ الفرزدق 4 120-118/2
الأجسامُ أبو الطيب المتنبي 1 15/1
الأيام محمّد حسين اليعقوبي 47 316-314/1
صبرتم المهيار الديلمي 1 226/2
الحكمُ أبو فراس الحمداني 1 220/2
حزامُ لجيم بن صعب 1 124/2
يتهدمُ __ 1 37/1
الكرمُ ابن الفارض 1 276/2
الرحم __ 10 248-247/2
السقم محمّد سعيد السويدي 1 245/1
سلمي محمّد حسين كاشف الغطاء 1 241/1
البهائم أبو الطيب المتنبي 1 115/1
و الفهوم أبو الطيب المتنبي 1 42/2
بالتكلّم زهير بن أبي سلمى 2 255/2
تعلمِ زهير بن أبي سلمى 1 26/2
(النون)
السمن الأفوه الأودي 2 197/2
خسرانا الطبري الحسن بن القاسم 2 337/2
رضوانا ابن حطان 2 336/2
قتلانا جرير 2 120/2
هانا ابو الغول الطهوي 1 383/2
فتؤذونا الفضل بن العباس 1 125/1
برهانا محمّد عبد الحكيم الصافي 1 289/1
الطامحينا __ 1 15/1
الريحان أبو الطيب المتنبي 1 115/1
عين علي البازي 5 39/1
المغربين موسى الطالقاني 3 13/1
مني الشريف الرضي 2 33/1
خذيني محسن أبو الحب 1 201/2
فيأتلفان ابن العربي 1 284/1
و المعاني أبو العلاء المعري 2 224/2
سميني المثقب العبدي 2 324/2
السنان جعفر الحلّي 2 8/2
شاهدان أبو العلاء المعري 7 /223-222
(الهاء)
و أقلّها عروة بن أُُُذينة 2 362/2
أشبه علي بن أبي طالب علیْهِ السَّلام 2 255/1
بسقياه ابن الخياط 1 228/2
نخيله معروف الرصافي 47 313-310/1
دُنبه محمّد حسین كاشف الغطاء 1 208/1
(الياء)
الخطايا 1 341/2
حيا أبو العتاهية 1 157/2
مواليا الفرزدق 1 294/2
فهرس أجزاء الأبيات
جزء البيت القائل الجزء و الصفحة
أأفاق صبّ من هوى فأُُفيقا البحتري 164/2
أبو أمّه حيٌّ أبوهُ يقاربه الفرزدق 118،43/2
أشوقاً و لم تمضِ لي غير ليلة سحيم مولى بني الحسحاس 129/2
إنّ بني عمك فيهم سلاحُ حجل بن نضلة 141/1
إن نكح الحب فسد اعرابية 127/2
البرُّ أوسع و الدنيا لمن غلبا أبو الطيب المتنبي 119/1
بلادي و إن جارت عليَّ عزيزةٌ الشريف قتادة 15/2
بمطرد المتنين منتبر الخصرِِ الأخطل 140/2
فدارهم مازلت في دارهم ابن شريف القيرواني 266/1
العجز عن درك الإدراك إدراك علي بن أبي طالب علیْهِ السَّلام 101/2
عرفت شيئاً و غابت عنك أشياءُ أبو نوءاس 107/1
عمرك الله كيف يجتمعان عمر بن أبي ربيعة 251/1
فأفنيت علاتي فكيف أقول ابن الدمينة 117/2
فخر صريعاً لليدين و للفم __ 172/1
في الناس بوقات لها و طبولُ أبو الطيب المتنبي 227/1
فليشهد الثقلان أنّي رافضي الشافعي 381/2
فياليل كم من حاجة لي مهمة مجنون لیلی 113/2
فی كفه خيزران ريحها عبق الفرزدق 141/2
كثير الهوى شتّى النوى و المسالك تأبّط شراً 239/1
لا تعذليه فإنّ العذل يولعه ابن زريق 229/2
جزء البيت القائل الجزء و الصفحة
لبث قليلاً يلحق الهيجا حَمل حمل بن سعدانة 316/2
لعلّ لها عذراً وأنت تلوم منصور النمري 361/2
و إذا استطال الشيء قام بنفسه المتنبي 219/1
و أوّل الغيث قطر ابن نبيه 380/2
و أوّل ناسٍٍ أوّل الناس أبو الفتح البستي 232/2
و خذوا مساحيكم بني النجار الأخطل 140/2
و ربّما استعبد الإنسان احسانُ __ 223/1
و قد يستفيد الظنّة المتنصحُ اعرابي 203/2
و قلبي إلى البيت الذي لا أزورُ الأحوص 141/2
وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه المتنبيّ 249/1
و لكن عين السخط تبدي المساويا عبد الله بن معاوية 220/1
و ما آفة الأخبار إلّا رواتها الشريف الرضي 177/2
و من لم يكرّم نفسه لم يُكرّم زهير بن أبي سلمى 125/1
و هل ترى من أديب غير شيعي ابن هاني الأندلسي 70/2
هزجاً يحك ذراعه بذراعه عنترة 171/2
یا رسم لا رسمتك ريح زعزعُ ابن أبي الحديد 291/2
فهرس الأمثال
الأمثال الجزء و الصفحة
اختلط الحابل بالنابل 178/2
أضئ لي أقدح لك 212/2
إن جرجر العود فزده وقرا 265/2
ثمّ عادت إلى عترها لميس 287/2،212/1
حنَّ قدحٌ ليس منها 224/1
خبط خبط عشواء 157/2،263/1
ذكرتني الطعن و كنت ناسياً 204/2
زدت ضعثاً على إبالة 297/2
شنشة نعرفها من أخرم 306/2
علقت معالقها وصرّ الجندب 204/2
كحاطب ليل 178/2
لا ناقتي في هذا و لا جملي 204/2
ليس هذا بعشّك فأدرجي 224/1
من سلك الجددَ ليأمن العثار 147/1
و النقد عند الحافرة 259/1
و كفى برغائها مناديا 225/1
يا طبيب طب لنفسك 189/2
يُسرُّ لهم حسواً في ارتغاءٍ 152/2
مصادر التحقيق
1- القرآن الكريم.
2- الاتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي عبد الرحمن (ت 911)، نشر دار إحياء العلوم، بيروت، 1414 ه.
3- اتحاف السادة المتّقين، للزبيدي محمّد بن محمّد (ت 1205)، نشر دار الفكر.
4- الاحتجاج، لأحمد بن علي الطبرسي، (من علماء القرن السادس)، نشر دار الاسوة للطباعة، إيران 1416 ه.
5- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان، لعلي بن بلبان (ت 739)، نشر دار الفكر، بيروت 1407 ه.
6- الإحكام في أُصول الأحكام، لعليّ بن أبي علي الآمدي (ت 631)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
7- الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الظاهري علي بن أحمد (ت 456)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
8- أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الجصاص (ت 370)، نشر دار الفكر، بيروت 1414 ه.
9- إحياء علوم الدين، لمحمّد بن محمّد، أبو حامد الغزالي (ت 505)، نشر دار الجيل، بيروت 1412 ه.
10- إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، لأبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460)، نشر مؤسسة آل البيت علیهِِمُ السَّلام، قم 1404 ه.
11- الأدب المفرد، لمحمّد بن إسماعيل البخاري (ت 256)، نشر دار المعرفة، بيروت 1416 ه.
12- الأربعين، للغزالي أبو حامد محمّد بن محمّد (ت 505)، نشر دار
الجيل، بيروت.
13- الأربعين في أُصول الدين، لفخر الدين الرازي محمّد بن عمر (ت 606)، نشر مكتبة الكليّات، القاهرة 1406ه.
14- الإرشاد، للمفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (ت 413)، نشر دار المفيد، بيروت.
15- إرشاد الفحول، للشوكاني محمّد بن علي (ت 1250)، دار الفكر، بیروت 1413 ه.
16- أساس البلاغة ، لمحمّد بن عمر الزمخشري (ت 538)، نشر دار الفكر، بيروت 1415 ه.
17 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد الله (ت 463)، نشر دار الجيل، بيروت 1412 ه.
18- أُسد الغابة في معرفة الصحابة، لعز الدين بن الأثير الجزري (ت 630)، نشر دار الفكر، بيروت 1409 ه.
19- أسرار البلاغة، لعبد القادر عبد الرحمن الجرجاني (ت 471)، نشر دار الفكر، بيروت.
20- الاشتقاق، لمحمّد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت 321)، مكتبة المتنبي، بغداد 1399 ه.
21- الاشراف على مذاهب أهل العلم، لمحمّد بن إبراهيم النيسابوري (ت 309)، نشر دار الفکر، بيروت 1414 ه.
22- الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني (ت 852)، نشر دار الجيل، بيروت 1412 ه.
23 - الأصمعيات، لعبد الملك بن قريب الأصمعي (ت 213)، دار و مكتبة الهلال، بيروت 1419 ه.
24- إظهار الحق، رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي (ت 1306)، نشر دار الجيل، بيروت 1408 ه.
25 - الأعلام، لخير الدين الزركلي، نشر دار العلم للملايين، بيروت 1997 م.
26- أعلام النبوّة، لأبي حاتم الرازي أحمد بن حمدان (ت 322)، انتشارات أنجمن، طهران 1397 ه.
27- الأعمال العربية الكاملة للريحاني (ت 1940)، نشر المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بیروت 1982 م.
28- أعيان الشيعة، لمحسن الأمين (ت 1371)، نشر دار التعارف للمطبوعات، بيروت 1406 ه.
29- الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني (ت 356)، نشر دار الكتب العلمية، بیروت 1412 ه.
30- أقرب الموارد، لسعيد الخوري الشرتوني.
31- ألف باء الأعشاب، لسلام فوزي، نشر دار الفكر، بيروت 1415 ه.
32- الأمالي، لأبي علي إسماعيل بن القاسم القالي (ت 356)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1416ه.
33- الأمالي، لأبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460)، نشر مؤسسة البعثة، قم 1414 ه.
34- أمل الآمل، للحر العاملي محمّد بن الحسن (ت 1104)، مؤسسة الوفاء، بيروت 1403 ه.
35- أمين الريحاني رائد نهضوي، لمعن زيادة.
36- الأنساب، للسمعاني عبد الكريم بن محمّد (ت 562)، دار الجنان، بیروت 1408 ه.
37- الإيضاح، للفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري (ت 260)، نشر مؤسسة الأعلمي، بيروت 1402 ه.
38- بحار الأنوار، لمحمّد باقر المجلسي (ت 111)، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت 1403 ه.
39- البحث عن الحقيقة الكبرى، لعصام قصّاب، نشر دار الفكر، دمشق
1999 م.
40- بدائع الزهور في وقائع الدهور، لمحمّد بن أحمد الحنفي (ت 930)، نشر المكتبة الحديثة، بيروت 1412ه.
41- البداية و النهاية، لابن كثير إسماعيل بن عمر (ت 771)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1415 ه.
42- بلاغات النساء، لابن طيفور أحمد بن طاهر (ت 280)، نشر دار الفضيلة، القاهرة.
43- البيان و التبيين، للجاحظ عمر بن بحر (ت 255)، نشر دار الجيل، بيروت.
44- تاج العروس، للزبيدي محمّد مرتضى الواسطي (ت 1205)، نشر دار الفكر، بيروت 1414 ه.
45- تاريخ آداب اللغة العربية، لجرجي زيدان نشر دار مكتبة الحياة، بيروت.
46- التاريخ الأوسط، للبخاري محمّد بن إسماعيل (ت 256)، دار الصميعي، الرياض 1418 ه.
47- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي أحمد بن علي (ت 463)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
48- تاريخ الخلفاء، لجلال الدين السيوطي (ت 911)، نشر دار الجيل، بیروت 1415 ه.
49- تاريخ الخميس، للديار بكري حسين بن محمّد (ت 996)، نشر مؤسسة شعبان، بيروت.
50- تاريخ الشعوب الإسلامية، لكارل بروكلمن، نشر دار العلم للملايين، بیروت 1998م.
51- تاريخ الطبري، لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري (ت 310)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
52- تاريخ الفلسفة، جميل صليبا، نشر دار الكتاب اللبناني، بيروت
1981 م.
53- التاريخ الكبير، للبخاري محمّد بن إسماعيل (ت 256)، دار الكتب العلمية، بيروت.
54- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر علي بن الحسين الشافعي (ت 571)، نشر دار الفكر.
55- تاريخ المدينة، للسخاوي محمّد بن عبد الصمد (ت 902)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
56- تاريخ اليعقوبي، لأحمد بن أبي يعقوب الكاتب (ت 292)، نشر مؤسسة الأعلمي، بيروت 1413 ه.
57- تذكرة الخواص، للسبط ابن الجوزي (ت 654)، منشورات الشريف الرضي، قم 1418 ه.
58- تفسير الحسن البصري، للحسن البصري (ت 110)، نشر دار الحدیث، مصر.
59- تفسير الرازي، لفخر الدين محمّد بن عمر الرازي (ت 604)، نشر دار الفكر، بيروت 1414 ه.
60- تفسير الطبري، لمحمّد بن جرير الطبري (ت 310)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1412 ه.
61- تفسير العياشي، لمحمّد بن مسعود بن عياش (حدود 320ه)، نشر دار الأعلمي، بيروت 1411 ه.
62- تفسير القرطبي، للقرطبي محمّد بن أحمد (ت 671)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1417 ه.
63- تقسير القمّي، لعلي بن إبراهيم (من أعلام القرن الثالث)، منشورات الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1412 ه.
64- التقريب و الإرشاد، لمحمّد بن الطيب الباقلاني (ت 403)، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت 1413 ه.
65- التكامل في الإسلام، لأحمّد أمين، نشر مؤسسة الأعلمي، بيروت.
66- التمهيد، لمحمّد الطيب الباقلاني (ت 403)، نشر مؤسسة الكتب العلمية، بيروت 1407 ه.
67- تنزيه الأنبياء، للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي (ت 436)، نشر دار الأضواء، بيروت 1409 ه.
68- تنزيه الأنبياء مما نَسب إليهم حثالة الأغبياء، لابن حمير علي بن أحمد السبتي، نشر دار الفكر، بيروت 1411 ه.
69- تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني أحمد بن علي (ت 852)، نشر دار الفكر، دمشق 1415 ه.
70- تهذيب الكمال، للمزي يوسف بن عبد الرحمن (ت 742)، نشر دار الفكر، بيروت.
71- الثقات، لابن حبّان محمّد بن حبان البستي (ت 354)، نشر دار الفكر، بيروت.
72- ثمرات الأوراق، للحموي القادري تقي الدين أبي بكر بن علي، نشر دار إحياء التراث العربي، مرفق مع « المستطرف».
73- جامع الدروس العربية، لمصطفى الغلاييني، انتشارات ناصر خسرو، طهران.
74- جامع الكرامات، يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت 1350)، نشر دار الفكر، بيروت 1414 ه.
75- الجرح و التعديل، لابن أبي حاتم عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327)، نشر دار الكتب العلمية.
76- الجرح و التعديل، للقاسمي محمّد جمال الدين بن محمّد (1332)، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت 1408 ه
77- جمهرة أشعار العرب في الجاهلية و الإسلام، لمحمّد بن أبي الخطّان القرشي.
78- جمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري (ت 395)، نشر دار الجيل، بيروت.
79- جمهرة أنساب العرب، لابن حزم الأندلسي علي بن أحمد (ت 456)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1418ه.
80- جمهرة النسب، للكلبي هشام بن محمّد السائب (ت 204)، نشر دار اليقظة العربية، دمشق.
81- جواهر الأدب، أحمد الهاشمي، نشر دار الفكر، بيروت.
82- الجواهر السنيّة في الأحاديث القدسية، لمحمّد بن الحسن العالمي (ت 1104)، نشر مكتبة المفيد، قم.83- حدائق الأنس، لعباس الحسيني الكاشاني، نشر مطبعة الخيام، قم 1400ه.
84- حلية الأولياء، لأبي نعيم، أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت 430)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
85- حياة البخاري، للقاسمي محمّد جمال الدين بن محمّد (ت 332) نشر دار النفائس.
86- حياة الحيوان، للدميري كمال الدين (ت 808)، نشر دار الفكر، بيروت.
87- الحيوان، للجاحظ عمر بن بحر (ت 255)، نشر دار الهلال، بيروت 1418 ه.
88- خريدة القصر و جريدة العصر، لعماد الدين الأصفهاني (ت 597)، نشر مرآة التراث، طهران 1419 ه.
89- خزانة الأدب، لعبد القادر بن عمر البغدادي (ت 1093)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1418.
90- الخصائص، للنسائي أحمد بن شعيب (ت 303)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
91- الخلاصة، لعبد الهادي الفضلي، نشر دار المؤرخ العربي، بيروت 1414ه.
92- دائرة المعارف الإسلامية، جمع من المترجمين، انتشارات جهان، طهران.
93- دائرة معارف القرن العشرين، لمحمّد فريد وجدي، نشر دار الفكر، بیروت.
94- الدرجات الرفيعة، لعلي خان مدني (ت 1118)، نشر مؤسسة الوفاء، بیروت.
95- الدرّ المنثور، لجلال الدين السيوطي (ت 911)، نشر دار الفكر، بیروت 1414 ه.
96- دميّة القصر، لأبي الحسن الباخرزي (ت 467)، نشر دار العروبة للنشر و التوزيع، الكويت 1405 ه.
97- دول الإسلام، للذهبي محمّد بن أحمد (ت 747)، نشر دار الأعلمي، بیروت 1405 ه.
98- ديوان ابن الفارض، لعمر بن الحسين (ت 632)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1410 ه.
99- ديوان ابن هاني الأندلسي، أبو القاسم محمّد بن هاني، نشر دار صادر، بیروت.
100- ديوان أبي تمام، تقديم و شرح محبي الدين صبحي، نشر دار صادر، بیروت.
101- ديوان أبي فراس، الحارث بن سعيد الحمدون (ت 357)، نشر دار صادر، بیروت.
102- ديوان أبي العتاهية، نشر دار صعب، بيروت.
103- ديوان الأعشى، نشر دار صادر، بیروت.
104- ديوان الإمام علي علیْهِ السَّلام، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1416.
105- ديوان الشافعي، محمّد بن ادريس الشافعي (ت 204)، دار الفكر، بیروت 1415 ه.
106- ديوان الشريف الرضي (406)، دار صادر، بیروت 1994م.
107- دیوان عمر بن معد يكرب، للزبيدي عمر بن معد يكرب، نشر مجمع اللغة العربية.
108- ديوان عنترة، نشر مؤسسة النور، و مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1419 ه.
109- دیوان لبيد، نشر دار صادر، بیروت.
110- ديوان مهيار الديلمي، منشورات الشريف الرضي، قم 1413 ه.
111- الدين و الإسلام، لمحمّد الحسين كاشف الغطاء (ت 1373)، نشر دار العرفان، صيدا 1330 ه.
112- دلائل النبوّة، للبيهقي أحمد بن الحسين (ت 458)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1405 ه.
113- الذريعة، للطهرانی آقا بزرك ت (1389)، منشورات المكتبة الإسلامية، طهران 1398ه.
114- ربيع الأبرار، للزمخشري محمود بن عمر (ت 538) منشورات دار الذخائر، قم 1410 ه.
115- الرحلة المدرسية، للبلاغي محمّد جواد (ت 1353)، نشر دار المرتضیٰ، بیروت 1993م.
116- رسالة الغفران، لأبي العلاء المعري (ت 449)، نشر دار صادر، بيروت.
117- الروض الأنف، للسهيلي عبد الرحمن بن عبد الله (ت 581)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1418ه.
118- رياض العلماء، للأصبهاني عبد الله أفندي (القرن الثاني عشر)، نشر مطبعة الخيام، قم 1401 ه.
119- سبائك الذهب، للسويدي محمّد أمين (ت 1246)، نشر دار القلم، بيروت.
120- سحر بابل و سجع البلابل، لجعفر الحلي النجفي (ت 1315)، منشورات الشريف الرضي، قم 1411 ه.
121- سقط الزند، لأبي العلاء المعري (ت 449)، نشر دار صادر، بيروت 1980 م.
122- السنّة، لابن أبي عاصم أحمد بن عمر الشيباني (ت 387)، نشر المكتب الإعلامي، بيروت 1413 ه.
123- سنن ابن ماجة، لمحمّد بن يزيد القزويني (ت 275)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
124- سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275)، نشر دار الجيل، بيروت 1412 ه.
125- سنن الترمذي، لمحمّد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت 279)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
126- سنن النسائي، لأحمد بن شعيب النسائي (ت 303)، نشر دار الجيل، بيروت.
127- السنن الكبرى للنسائي، لأحمد بن شعيب النسائي (ت 303)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1411 ه.
128- سير أعلام النبلاء، للذهبي محمّد بن أحمد بن عثمان (ت 748)، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت 1414ه.
129- السيرة النبوّية، لابن هشام عبد الملك بن هشام المعافري (ت 213)، نشر مؤسسة دار الجيل، بيروت.
130- شرح الأصول الخمسة، لعبد الجبار القاضي المعتزلي (ت 415)، نشر مكتبة و هبة، القاهرة 1408 ه. 131- شرح تحفة الخليل، لعبد الحميد الراضي، نشر مؤسسة الرسالة،
بیروت 1395 ه.
132- شرح حماسة أبي تمام، للشنتمري يوسف بن سليمان (ت 476)، نشر دار الفكر، بيروت 1413 ه.
133- شرح ديوان المتنبي، وضعه عبد الرحمن البرقوني، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.
134- شرح شرح نخبة الفكر، لعلي بن سلطان الهروي القاري (ت 1014)، نشر دار الأرقم، بیروت.
135- شرح شعر ابن أبي سلمى، لابن العبّاس.
136- شرح قطر الندى، لجمال الدين بن هشام الأنصاري (ت 761)، نشر دار الفكر، بيروت 1414 ه.
137- شرح المعلقات، للزوزني الحسين بن أحمد، نشر دار الفكر، بيروت.
138- شرح المقاصد، للتفتازاني مسعود بن عمر (ت 793)، منشورات الشريف الرضي، قم 1409 ه.
139- شرح المنظومة، لمنبع تاب، طبع حجري.
140- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد عز الدين هبة الله المدائني (ت 656)، نشر دار الجيل، بيروت 1416 ه.
141- شرح نهج البلاغة، لمحمّد عبدة، نشر دار الفكر، بيروت.
142- شعراء الغري، لعلي الخاقاني، نشر مكتبة آية الله المرعشي، قم 1373 (أُُفسيت).
143- الشعر و الشعراء، لابن قتيبة (ت 276)، نشر دار الحديث، القاهرة 1471 ه.
144- شواهد التنزيل، للحسكاني عبيد الله بن عبد الله (القرن الخامس الهجري)، نشر دار الأعلمي، بیروت 1393 ه.
145- الصحاح، للجوهري إسماعيل بن حماد (ت 398)، نشر دار العلم للملايين، بيروت 1404 ه.
146- صحيح ابن خزيمة، لمحمّد بن إسماعيل السلمي (ت 739)، نشر المكتب الإسلامي، بيروت 1412 ه.
147- صحيح البخاري، لمحمّد بن إسماعيل البخاري (ت 256)، نشر المكتبة الثقافية، بيروت.
148- صحيح مسلم، لمسلم القشيري النيسابوري (ت 261)، نشر دار الجيل، بيروت.
149- الصواعق المحرقة، للهيثمي أحمد بن حجر (ت 974)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1414 ه.
150- طبقات أعلام الشيعة، آقا بزرك الطهراني (ت 1389)، نشر مؤسسة إسماعيليان، قم.
151- طبقات الشافعية، للسبكي عبد الوهاب بن علي (ت 771)، نشر دار هجرة، مصر 1413 ه.
152- طبقات فحول الشعراء، لمحمّد بن سلام الجمحي (ت 331)، نشر دار المدني، جدة.
153- الطبقات الكبرى، لابن سعد محمّد بن سعد (ت 230)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1410 ه.
154- طبقات المعتزلة، لأحمد بن يحيى المرتضى (ت 840)، نشر دار مكتبة الحياة، بيروت.
155- العبر في خبر من غبر، للذهبي محمّد بن أحمد بن عثمان (ت 748)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت. 156- العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية، لمحمّد الحسين كاشف الغطاء (ت 1373)، بيسان للنشر و التوزيع، بيروت 1418 ه.
157- العقد الفريد، لابن عبد ربّة أحمد بن محمّد الأندلسي (ت 327)، نشر دار الأندلس، بيروت 1416 ه.
158- علوم الحديث لابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن (ت 643)، نشر دار
الفكر، دمشق 1404 ه.
159- العمدة، لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني (ت 456)، نشر دار مكتبة الهلال، بيروت 1416 ه.
160- عوالي اللآلي، لابن جمهور الإحسائي.
161- عيون الأخبار، لابن قتيبة الدينوري عبد الله بن مسلم (ت 276)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
162- عيون أخبار الرضا علیْهِ السَّلام، للصدوق محمّد بن علي (ت 381)، نشر دار الأعلمي، بيروت 1404.
163- الغارات، لابن هلال الثقفي إبراهيم بن محمّد (ت 283)، نشر دار الأضواء، بيروت 1407 ه.
164- الغدير، للأميني عبد الحسين أحمد (ت 1390)، نشر مركز الغدير للدراسات الإسلامية، قم 1416 ه.
165- غرر الحكم و درر الكلم، لعبد الواحد الآمدي، منشورات مؤسسة الأعلمى، بیروت 1407 ه.
166- فرائد السمطين، للجويني إبراهيم بن محمّد (ت 730)، نشر مؤسسة المحمودي، بيروت 1400 ه.
167- الفخري في الآداب السلطانية، للطقطقي محمّد بن علي بن طباطبا (ت 709)، نشر دار القلم، بيروت 1418 ه.
168- الفصل في الملل و النحل، لابن حزم علي بن أحمد الظاهري (ت 456)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1416ه.
169- الفصل للوصل، للخطيب البغدادي أحمد بن علي (ت 463)، نشر دار ابن الجوزي، الرياض 1418ه.
170- الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة، لابن الصباغ المالكي علي بن محمّد (ت 855)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
171- فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل ( ت 241)، نشر دار ابن الجوزي،
الرياض 1420 ه.
172- فلسفة النشوء و الارتقاء، نشر دار مارون عبود، بیروت.
173- الفهرست، لابن النديم محمّد بن يعقوب (ت 380)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1416 ه.
174- فهرست أسماء علماء الشيعة و مصنفيهم، لمنتجب الدين علي بن عبيد (القرن الخامس)، نشر دار الأضواء، بيروت 1406 ه.
175- فهرست كتب الشيعة و أصولهم و أسماء المصنفين، للطوسي محمّد بن الحسن (ت 460)، نشر مكتبة المحقق الطباطبائي، قم 1420 ه.
176- فيض القدير، للمناوي محمّد بن عبد الرؤوف (ت 1031)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1415 ه.
177- قاموس العلوم العقلية.
178- قاموس الكتاب المقدّس، نخبة من الاساتذة، نشر دار الثقافة، بيروت.
179- القاموس المحيط، للفيروز آبادي محمّد بن يعقوب (ت 817)، نشر دار الجيل، بيروت.
180- قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب، نشر مطبعة لجنة التأليف و النشر، القاهرة 1968 م.
181- قواطع الأدلّة في الأصول، للسمعاني منصور بن محمّد (ت 389)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1418 ه.
182- الكافي، للكليني محمّد بن يعقوب (ت 328)، نشر دار الأُسوة الإسلامية، طهران 1418.
183- الكامل في التاريخ، لابن الأثير، محمّد بن محمّد بن الجزري (ت 620)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1415 ه.
184- الكامل في اللغة، للمبرد محمّد بن يزيد (ت 285)، نشر مؤسسة المعارف، بيروت.
185- الكتاب المقدّس، نشر دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط 1989م.
186- كشف الخفاء، للعجلوني إسماعيل بن محمّد (ت 1162)، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت 1351 ه.
187- كشف الظنون، لحاجي خليفة مصطفى بن عبد الله الرومي (ت 1067)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1413 ه.
188- الكشكول، لبهاء الدين محمّد العاملي (ت 1031)، نشر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1403 ه.
189- كفاية الطالب، للكنجي محمّد بن يوسف الشافعي (ت 658)، نشر دار إحياء تراث أهل البيت، طهران 1404 ه.
190- الكنى و الأسماء، للدولابي محمّد بن أحمد (ت 310)، نشر دار المعارف الإسلامية، الهند 1322 ه.
191- كنز العمال، للمتّقي الهندي (ت 975)، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت 1413 ه.
192- اللزوميات، أبو العلاء المعري (ت 449)، نشر دار صادر و مؤسسة الأعلمي، بيروت.
193- لسان العرب، لابن منظور محمّد بن مكرم (ت 711)، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت 1408 ه.
194- لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني أحمد بن علي (ت 852)، نشر دار الأعلمي، بیروت 1406 ه.
195- المتفق و المفترق، للخطيب البغدادي (ت 463)، نشر دار القادري، دمشق 1417 ه.
196- المجروحين من المحدّثين و الضعفاء و المتروكين، لابن حبّان محمّد بن حبّان البستي (ت 354)، نشر دار الوعي، حلب 1402 ه.
197- مجلة الأعتدال النجفية، العدد الرابع، السنّة الثانية، 1 أيلول 1934 م.
198- مجمع الأمثال، للميداني أحمد بن محمّد (ت 518)، نشر دار الجيل، بیروت 1407 ه.
199- مجمع البحرين للطريحي فخر الدين بن محمّد علي (ت 1058)، نشر دار الوفاء، بيروت 1403 ه.
200- مجمع البيان، للطبرسي الفضل بن الحسن (القرن السادس)، نشر دار الفكر، بيروت 1414 ه.
201- مجمع الحكم و الأمثال في السفر العربي، لأحمد قبش، نشر دار العروبة، بيروت.
202- مجمع الزوائد، للهيثمي علي بن أبي بكر (ت 807)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1408 ه.
203- المحاسن، للبرقي أحمد بن محمّد (ت 274 أو 280)، نشر المجمع العالمي لأهل البيت، بيروت 1416 ه.
204- المحصول في علم أصول الفقه، للرازي فخر الدين محمّد بن عمر (ت 606)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1408 ه.
205- مختصر المعاني، للتفتازاني، انتشارات وفا، طهران.
206- المخصص، لابن سيدة علي بن إسماعيل النحوي (ت 458)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
207- مرآة الجنان و عبرة اليقظان، لليافعي عبد الله بن أسعد (ت 768)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1417 ه.
208- مراصد الاطلاع، لعبد المؤمن بن عبد الحقِّ البغدادي (ت 739)، نشر دار الجيل، بيروت 1412 ه.
209- مروج الذهب، للمسعودي علي بن الحسين (ت 346)، نشر دار الأندلس، بیروت 1416 ه.
210- المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري محمّد بن عبد الله (ت 403)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1411 ه.
211- المستصفى من علم الأصول، للغزالي محمّد بن محمّد (ت 505)، نشر دار الفكر، دمشق.
212 - المستطرف في كل فن مستظرف، للابشيهي محمّد بن أحمد (ت 850)، نشر دار إحياء التراث العربي،بيروت.
213- المستقصى في أمثال العرب، للزمخشري جار الله محمود بن عمر (ت 538)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1408ه.
214- مسند أبي يعلى، لأبي يعلى الموصلي أحمد بن علي (ت 307)، نشر دار المأمون، دمشق 1410 ه.
215- مسند أحمد، لأحمد بن حنبل (ت 241)، نشر دار صادر، بیروت.
216- مسند البزّار، لأحمد بن عمرو العتكي البزّار (ت 292)، مؤسسة علوم القرآن، بيروت 1409 ه.
217- مسند الشاشي، لهيثم بن كليب الشاشي (ت 235)، نشر مكتبة العلوم و الحكم، المدينة المنورة 1410 ه.
218- مسند الطيالسي، لأبي داود الطيالسي سليم بن داود (ت 204)، نشر دار المعرفة، بيروت.
219- مسند عبد بن حميد، لعبد بن حميد (ت 249)، نشر عالم الكتب، بیروت 1408 ه.
220- مشكل الآثار، للطحاوي أحمد بن محمّد (ت 321)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1415 ه.
221- مصابيح السنّة، للبغوي الحسين بن مسعود (ت 516)، نشر دار المعرفة بیروت 1407 ه.
222- المصباح المنير، للفيومي أحمد بن محمّد (ت 770)، نشر مكتبة لبنان، بیروت.
223- المصنّف، لابن أبي شيبة محمّد الكوفي (ت 235)، نشر دار الفكر، بیروت 1409 ه.
224- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، للنصيبي محمّد بن طلحة الشافعي (ت 652)، نشر مؤسسة البلاغ، بيروت 1419 ه.
225- معادن الجواهر و نزهة الخواطر، لمحسن الأمين (ت 1371)، نشر دار الزهراء، بيروت 1401 ه.
226- معجم الأدباء، للحموي ياقوت بن عبد الله (ت 626)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1411 ه.
227- المعجم الأوسط، للطبراني سليمان بن أحمد (ت 360)، نشر دار الحديث، القاهرة 1417 ه.
228- معجم البلدان، للحموي ياقوت بن عبد الله (ت 626)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
229- معجم رجال الحديث، لأبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1403)، الطبعة الخامسة 1413 ه.
230- معجم الشعراء الجاهليين، لعزيزة فوال بابتي، نشر دار صادر، بیروت 1998 م.
231- المعجم الصغير، للطبراني سليمان بن أحمد (ت 360)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1403 ه.
232- معجم مصطلحات العروض و القافية، لمحمّد علي الشوابكة، نشر دار البشر، عمان 1412ه.
233- معجم المطبوعات العربية المصرية، يوسف سيركن، مطبعة سيركن، مصر 1339 ه.
234- المعجم الكبير، للطبراني سليمان بن أحمد (ت 360)، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.
235- معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت 1414 ه.
236- معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين، لعبد القادر عياش، نشر دار الفكر، دمشق 1405 ه.
237- معرفة الصحابة، لأبي نعيم الأصبهاني أحمد بن عبد الله (ت 430)،
نشر دار الوطن، الرياض 1419 ه.
238- المعمرين من العرب، للسجستاني، طبع في ليدن 1899 م.
239- المعيار و الموازنة، للإسكافي محمّد بن عبد الله المعتزلي (ت 220)، ط/1402 ه.
240- المغني، للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ت 415)، نشر الدار المصرية للتأليف، مصر.
241- مغني اللبيب ، لأبن هشام محمّد بن عبد الله (ت 761)، نشر الدار المصرية، بيروت 1412 ه.
242- المفضليات، للمفضل بن محمّد بن يعلى الضبي (ت 168)، نشر دار مكتبة الهلال، بیروت 1998 م.
243- مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني علي بن الحسين (ت 356)، نشر دار الأعلمي، بيروت 1408 ه.
244- مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري علي بن إسماعيل (ت 330)، نشر دار فزانز، ألمانيا 1400 ه.
245- مقباس الهداية في علم الدارية، لعبد الله المامقاني (ت 1351)، نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت 1411 ه.
246- مقتل الحسين، للخوارزمي الموفق بن أحمد المكي (ت 568)، نشر دار أنوار الهدى، إيران 1418 ه.
247- مقدّمة ابن خلدون، لعبد الرحمن بن محمّد بن خلدون الحضرمي (ت 808)، نشر دار الكتب العلميّة، بيروت 1413 ه.
248- الملل و النحل، للشهرستاني محمّد بن عبد الكريم (ت 548)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
249- الملهوف، لابن طاووس علي بن موسى (ت 664)، نشر دار الاسوة، قم 1414 ه.
25- الموسوعة العربية الميسرة، نشر دار الشعب و مؤسسة فرانكلين للطباعة
الكتب العلمية، بيروت.
253- الملهوف، لابن طاووس علي بن موسى (ت 664)، نشر دار الاسوة، قم 1414 ه.
254- الموسوعة العربية الميسرة، نشر دار الشعب و مؤسسة فرانكلين للطباعة و النشر، القاهرة.
255- موسوعة الفلسفة، عبد الصمد بدوي، نشر المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت.
256- الموسوعة الفلسفية المختصرة، نقلها إلى العربية فؤاد كامل و زكي نجيب و غيرهم، دار القلم، بيروت.
257- موسوعة كشاف اصطلاحات الفتون و العلوم، رفيق العجم، نشر مكتبة لبنان، بيروت 1996 م.
258- موسوعة المورد، للبعلبكي، نشر دار العلم للملايين، بيروت.
259- الموسوعة الميسرة في الأديان و المذاهب المعاصرة، نشر دار الهلال، بیروت.
260- مناقب آل أبي طالب، لشهر آشوب محمّد بن علي المازندراني (ت 588)، نشر دار الأضواء، بيروت 1412 ه.
261- مناقب أمير المؤمنين علیْهِ السَّلام، للخوارزمي الموفق بن أحمد المكيّ (ت 568)، نشر مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1411 ه.
262- المنتظم، لابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (ت 597)، نشر دار الفكر، بيروت 1415 ه.
263- منتهى المقال في أحوال الرجال، المازندراني محمّد بن إسماعيل (1216)، نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم 1416 ه.
264- منتهى الوصول، لابن الحاجب جمال الدين بن عمرو المقري (ت 751)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1405 ه.
265- المنجد في اللغة، للويس معلوف نشر دار المشرق، بيروت.
الكتب العلمية، بيروت 1416 ه.
264- النحو الوافي، لعباس حسن، نشر دار المعارف، مصر 1119 ه.
265- نسمة السحر بذكر من تشيّع و شعر، يوسف بن يحيى الحسني اليمني (ت 1121)، نشر دار المؤرخ العربي، بيروت 1420 ه.
266- النصائح الكافية، لمحمّد بن عقيل العلوي (ت 1350)، نشر مؤسسة الفجر، بيروت 1412 ه.
267- النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير الجزري مبارك بن محمّد (ت 606)، نشر دار المكتبة العلمية، بيروت.
268- نهج البلاغة، شرح صبحي الصالح، نشر دار الكتاب العربي و دار الكتاب اللبناني، القاهرة و بيروت 1411 ه.
269- نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول، للحكيم الترمذي محمّد بن علي (ت 320)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1413 ه.
270- نور الأبصار، للشبلنجي مؤمن بن حسن (ت 1308)، نشر دار الفكر.
271- نور اليقين في أصول الدين، لحسن كافي الاقحصاري البوسنوي (ت 1024)، نشر دار العبيكان، الرياض 1418 ه.
272- الهدى إلى دين المصطفى، لمحمّد جواد البلاغي (ت 1353)، نشر موسوعة الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1405 ه.
273- هدية العارفين، لإسماعيل بن محمّد الباباني البغدادي (ت 1339)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1413 ه.
274- وسيلة النجاة، لأبي الحسن الموسوي الأصفهاني (ت 1365).
275- وفيات الأعيان، لابن خلّكان أحمد بن محمّد (ت 681)، نشر دار صادر، بیروت.
276- يتيمة الدهر، للثعالبي عبد الملك بن محمّد (ت 429)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1403 ه.
277- ينابيع المودّة، للقندوزي سليمان بن إبراهيم (ت 1294)، دار الأسوة، قم 1416ه.
مقدّمة الشيخ كاشف الغطاء ... 9-5
المقالة الثالثة: من مغرس الأستاذ ... 14-10
رسائل أمين الريحاني من محل هجرته
الرسالة الأولى ... 16-15
الرسالة الثانية ... 18-17
• مقالات تتعلق بالريحاني نشرها «المراقب الأغر»
المقالة الأولى: ساعة الوداع ... 21-19
المقالة الثانية: مناجاة للمحبين، و فيها:
المقالة الأولى: بذور للمزارعين ... 24-22
المقالة الثانية ... 29-25
المقالة الثالثة ... 34-30
مقالة إيليا الحاماتي التي نشرتها مجلة «الفنون» ... 39-35
ردّ الشيخ على مقالة الحاماتي
فكرة بطيئة في النظرة السريعة ... 47-40
نقد تاريخ آداب اللغة العربية ج 1 ... 142-48
نقد تاریخ آداب اللغة العربية ج 2 ... 257-143
استدراك ... 262-258
نقد تاریخ آداب اللغة العربية ج 3 ... 294-263
ردّ الشيخ كاشف الغطاء على الأستاد يوسف الدجوي
مراجعة في مصر ... 307-295
جواب الأستاذ يوسف الدجوي ... 310-308
• نقد ميزان الجرح و التعديل ... 383-311
استدراك أُُُمور ... 389-384
الفهارس العامّة ... 486-391
فهرس الموضوعات ... 488-487