ایضاح ترددات الشرائع جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

المؤلف: نجم الدين جعفر بن الزهدري الحلي

المحقق: السيد مهدي الرجائي

الناشر: منشورات مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي

المطبعة: مطبعة سيد الشهداء عليه السلام

الطبعة: 1

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1408 ه.ق

الصفحات: 351

المكتبة الإسلامية

مخطوطات مكتبة آية اللّه المرعشي العامة

(19)

إيضاح ترددات الشرائع

للفقيه الجليل

نجم الدين جعفر بن الزهدرئ الحلي

من أعلام القرن الثامن

الجزء الأول

تحقيق السيد مهدي الرجائي

اشراف السيد محمود المرعشي

المحرر الرقمي: محمد علي ملك محمد

‏سرشناسه : زهدري حلي، نجم‌الدين جعفر،‏ قرن ۸ق.

‏عنوان قراردادي : شرايع الاسلام في مسائل الحلال و الحرام. شرح

‏عنوان و نام پديدآور : ايضاح ترددات الشرايع/ لنجم‌الدين‌جعفربن‌الزهدري‌الحلي؛ تحقيق مهدي الرجائي؛ اشراف‌محمود المرعشي.

‏مشخصات نشر : قم: مكتبه آيه‌الله‌المرعشي‌العامه، ۱۳۶۶= ۱۴۰۸ق.

‏مشخصات ظاهري : ۲ ج. در يك مجلد: نمونه.

‏فروست : مخطوطات مكتبه آيه‌الله المرعشي العامه؛ ۱۹

‏شابك : چاپ دوم:‏978-964-8179-50-7

‏يادداشت : عربي

‏يادداشت : اين كتاب در حقيقت شرحي بركتاب " شرائع‌الاسلام في مسائل‌الحلال و الحرام " نوشته جعفربن‌حسن محقق‌حلي است.

‏يادداشت : چاپ دوم :۱۴۲۸ق=۲۰۰۷م=۱۳۸۶

‏موضوع : محقق حلي، جعفربن حسن، ۶۰۲ - ۶۷۶ق . شرايع‌الاسلام في مسائل‌الحلال والحرام -- نقد و تفسير

‏موضوع : فقه جعفري -- قرن ‏۷ق.‏

‏شناسه افزوده : رجايي، سيدمهدي، ‏۱۳۳۶ -‏، گردآورنده و مصحح

‏شناسه افزوده : مرعشي،سيد محمود، ‏۱۳۲۰ -

‏شناسه افزوده : محقق حلي، جعفربن حسن، ۶۰۲ - ۶۷۶ق . شرايع‌الاسلام في مسائل‌الحلال والحرام. شرح

‏رده بندي كنگره : ‏BP۱۸۲‏/م۳ش۴۰۲۱۴۶ ۱۳۶۶

‏رده بندي ديويي : ‏۲۹۷/۳۴

‏شماره كتابشناسي ملي : م‌۶۸-۳۶۲۲

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة المحقق

تمهيد :

لقد اتجه علماء الشيعة اتجاها ملحوظا في جميع الميادين العلمية منذ أقدم عصورهم ، وامتد نشاطهم وحركتهم الفكرية الى كل ما كان هناك من علوم معروفة وشمل نشاطهم الى جانب الفقه وأصوله والكلام وعلوم القرآن واللغة والادب سوى ذلك من العلوم الاخرى ، ونجد هذا النشاط بارزا على مؤلفاتهم الكثيرة التي تعكس اتجاههم العلمي ونشاطهم الفكري.

والانصاف يحتم علينا ان لا ننسى لهم ما قاموا به من الادوار الكبيرة في الحركة الثقافية في الاحقاب الاسلامية الماضية ، وما ساهم به اتجاههم هذا الممعن بحثا ، الذي جاب مناطق الانسان والحياة في بناء الحضارة الاسلامية ، واقامة دعائمها على أسس قويمة منتجة.

انه لمن المدهش حقا أن نجد كثيرا من مفكري الشيعة وعلمائهم قد سبقوا عصورهم بأجيال بمعلوماتهم ونظرياتهم وآثارهم ، وتركوا حقائق علمية مثيرة.

ومن مجاهيل علماء الشيعة الذين برزوا في هذه الميادين العلمية والثقافية هو الشيخ الفقيه المحقق الاصولي المتكلم المولى نجم الدين جعفر بن الزهدري الحلي

الذي كان من أجلة عصره في الفقه والاصول والكلام ، أسكنه اللّه بحبوحات جناته.

حياة المؤلف :

مع الاسف لم أعثر على ذكر وترجمة للمؤلف في كتب الاصحاب ، لا في كتب تراجمهم ، ولا في كتبهم الفقهية والاصولية والكلامية ، وأصبح ذكره وترجمته خامدا ، ولم يكشف التاريخ الغطاء عن ترجمته ، وبقي مخمول الذكر كأمثاله من الاعلام المجهولين في كل الاعصار والاجيال.

مع أنك سترى اقبال الاعلام وأفاضل عصره وممن تأخر عنه على كتابه هذا حتى استنسخ الكتاب في مدة سنتين مرتين على ما وصل إلينا ، واستنسخه أيضا المحقق العلامة الشيخ أحمد بن فهد الحلي المتوفى سنة (841) ه- بخطه الشريف كما يظهر من مقابلة احدى النسختين الموجودة عندي مع خطه الشريف ، وهذا مما يكشف عن جلالة المؤلف وكتابه في تلك الاجيال والعصور.

والظاهر أن الشهيد الثاني ينقل عن كتابه هذا ، كما يظهر من الذريعة.

أساتذته :

من المشهود في كتابه الايضاح أن المترجم له كان من أبرز تلامذة العلامة الحلي المتوفى سنة (726) ه-.

وأنه ألف كتابه هذا في زمن حياة العلامة ، حيث أنه يعبر عنه فيه بقوله « قال شيخنا دامت فضائله » وقوله « شيخنا دام ظله في المختلف ».

وأنه قرأ عليه كتاب الشرائع للمحقق الحلي المتوفى سنة (676) ه- كما يدل عليه كلامه في توجيه عبارة الشرائع حيث قال : أقول الذي سمعت من شيخنا وقت القراءة عليه أن المراد بالوجه الاخر هنا عدم صحة الخ.

وأنه كان ممن صاحبه كثيرا واعتنى باستاده كل العناية ، كما يدل عليه قوله

« ولقد سمعت شيخنا كثيرا ما يقول : قد يشير المصنف - أي : المحقق - تارة الى خلاف الجمهور وتارة الى ما يختاره الخ. ونقل في موارد قليلة جدا عن كتابه المختلف والمنتهى والقواعد.

هذا وقد عبر في موضع أو موضعين عن المحقق نجم الدين صاحب الشرائع والنكت بقوله « ذكره شيخنا نجم الدين في النكت » وهذا مما يتوهم في بادئ النظر أنه كان من أساتذته ، ولكن يبعد ذلك امور : منها تعبيره أيضا عن الشيخ المفيد والشيخ الطوسي قدس اللّه أسرارهما بقوله « شيخنا المفيد » و« شيخنا الطوسي » وهذا مما يوهن ذلك.

ومنها مناقشاته الكثيرة مع المحقق الابي صاحب كتاب كشف الرموز حيث أنه كان من تلامذة المحقق ، وقد صرح في مواضع من الكتاب أنه قرأ على المحقق كتاب الشرائع وأنه أعرف بكلام استاده ، وهذا مما يوهن أنه ما تلمذ عند المحقق ، والا ما كان يحيل الى صاحب كشف الرموز.

ومنها عدم تصريحه على أنه تلمذ عنده أو ما يدل على ذلك ، واللّه أعلم.

تآليفه القيمة :

1 - إيضاح ترددات الشرائع ، سيأتي البحث حوله.

2 - مناهج الوصول ، ان المؤلف حيث تعرض في كتابه هذا للمسائل الاصولية ذكر أنه حققه في كتب الاصولية ، أو أصول الفقه وغيرهما من التعبيرات الدالة على ذلك الى أن صرح في موضع واحد من الكتاب في مبحث انعقاد الاحرام للمتمتع والمفرد بالتلبية ، تعرض لمبحث الاستثناء ، ثم قال : وقد بينا ضعفه في كتاب مناهج الوصول. وهذا الكتاب أيضا من الكتب المجهولة التي لم يتعرض له الاصحاب حسب استقرائي.

3 - كتاب في علم الكلام ، وقد أشار إليه في الكتاب ، حيث يتعرض للمسائل الكلامية ويحيل إليه ، ولكن ما صرح باسم الكتاب في أي موضع من الكتاب.

حول الكتاب :

هذا الكتاب هو شرح على ترددات الشرائع ، حيث أنه قدس‌سره كشف الغطاء والابهام عن الترددات الموجودة في الشرائع المصرحة بقوله « فيه تردد » أو « على الاشبه » أو « على الاصح » وغيرها من الموارد التي تردد فيها صاحب الشرائع ، فالمؤلف بين وجه التردد وأدلة الطرفين واختار الوجه الصحيح عنده وهذا أول أثر يخرج الى عالم النور في شرح ترددات الشرائع.

ومن الجدير بالذكر أدبه البليغ بالنسبة الى الاقطاب الثلاث : السيد المرتضى والشيخ المفيد والشيخ الطوسي قدس اللّه أسرارهم ، حيث أنه يعبر عنهم بتعابير لم أر مثلها في كتب الاصحاب ، كقوله عنهم « كرم اللّه محله » وغيره من التعبيرات المشهودة في الكتاب.

ويتعرض كثيرا لآراء الشيخ المحقق ابن ادريس صاحب كتاب السرائر ويعبر عنه في الكتاب بقوله « المتأخر » ولكن خالف مسلكه في العمل بخبر الواحد وذهب الى حجيته ، ومع هذا يطرح أخبار الفطحية والواقفية وأمثالهما وان كانوا ثقاة.

ويتعرض كثيرا لكلام الشيخ الطوسي قدس اللّه سره في كتبه الممتعة وكذا لكلام السيد المرتضى كرم اللّه محله وكذا عن المحقق أبي الصلاح الحلبي وسلار وغيرهم ممن تقدمه.

ويتعرض أحيانا لكلام المحقق الابي في كتابه كشف الرموز ويناقش فيه ، كما لا يخفى على المراجع ، وصرح بأن له حاشية على الشرائع.

وينقل عن كتب كان عنده حين تأليف الكتاب ، منها المسائل الكمالية للمحقق الحلي ، ومنها المسائل الحائريات للشيخ الطوسي ، ومنها كتاب الواسطة وكتاب الرائع للراوندي وغيرها.

ولادته ووفاته :

لم أعثر في الكتاب على تاريخ يدل على ولادته ووفاته فيه ، ولكن من المسلم أنه كان من أعلام القرن الثامن الهجري.

ولعل اللّه يقيظ رجالا لاحياء ذكره وترجمته إن شاء اللّه تعالى.

فى طريق التحقيق :

قابلت الكتاب واستنسخته من نسختين نفيستين وهما :

1 - نسخة مخطوطة كاملة من أولها الى آخرها غير الورقة الاولى ، بخط النسخ الحلي ، وهي تقع في (350) صحيفة ، كل صفحة (25) سطرا ، كاتبها علي ابن حسن بن أحمد بن ابراهيم بن مظاهر ، استنسخها عن نسخة المؤلف بخطه تاريخ كتابتها سنة ( 754 ه- ) ترى نماذج النسخة في نهاية المقدمة ، والنسخة محفوظة في مكتبة آية اللّه العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي دام ظله الوارف برقم (5177) وجعلت رمز النسخة « م ».

2 - نسخة كاملة من أولها الى آخرها غير الورقة الاولى أيضا ، بخط النسخ الحلي أيضا ، وهي تقع في (282) صحيفة ، كل صفحة (22) سطرا ، وعلى هوامش النسخة علامة المقابلة والتصحيح ، وقوبل النسخة أيضا على نسخة المحقق المولى الشيخ أحمد بن فهد الحلي التي استنسخها بخطه الشريف ، كما أشار في مواضع في هوامش النسخة وأشرت الى ذلك في تعاليقي على الكتاب ، تاريخ كتابتها سنة (756) ، والنسخة محفوظة في مكتبة مجلس الشورى برقم (5508) وجعلت رمز النسخة « س ».

وقد بذلت الوسع والطاقة في استنساخ الكتاب ، حيث أن النسختين كانتا بالخط الحلي ، وهو من أصعب الخطوط المتداولة قراءة ، كما لا يخفى على أربابها

وحققت الكتاب حق التحقيق والتصحيح ، وعرضه على الاصول المنقولة عنها ، أو المصادر المأخوذة منها.

وأرجو من العلماء الافاضل والاعزاء الكرام الذين يراجعون الكتاب أن يتفضلوا علينا بما لديهم من الاطلاع على ترجمة المؤلف وسائر تأليفاته ، حتى نستدركها في الطبعة القادمة. وأيضا يمنوا علينا بما لديهم من النقد وتصحيح ما لعلنا وقعنا فيه من الاخطاء والاشتباهات والزلات.

وبالختام اني اقدم ثنائي العاطر لادارة المكتبة العامة التي أسسها سماحة المرجع الديني آية اللّه العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي دام ظله الوارف ، على اهتمامها في احياء آثار أسلافنا المتقدمين ، وأسأل اللّه تعالى أن يديم ظل سماحته المديد لرعاية هذه الحركة المباركة. وأطلب إليه جل وعز أن يزيد في توفيق ولده البار الرءوف العلامة السيد محمود المرعشي حفظه اللّه ، فانه خير ناصر ومعين.

والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه ، ونستغفره مما وقع من خلل وحصل من زلل ، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا والخيانة بالامانات ، وتضييع حقوق المؤمنين ، وزلات أقدامنا ، وعثرات أقلامنا فهو الهادي الى الرشاد ، والموفق للصواب والسداد ، والسلام على من اتبع الهدى.

13 - رجب المرجب - 1408 قم المشرفة

ص - ب 753 - 37185

السيد مهدى الرجائى

الصورة

9

الصورة

10

الصورة

11

الصورة

12

الصورة

13

الصورة

14

الصورة

15

الصورة

16

إيضاح ترددات الشرائع

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

اللّهم اني أحمدك حمدا يقل فى انتشاره حمد كل حامد ، ويضمحل باشتهاره جحد كل جاحد ، ويفل بغراره حسد كل حاسد ، ويحل باعتباره عقد كل كائد. وأشهد أن لا إله الا اللّه ، شهادة أعتد بها لدفع الشدائد ، واسترد بها شارد النعم الاوابد ، واصلي على سيدنا محمد ، الهادي الى أمتن العقائد وأحسن القواعد ، الداعي الى أنجح المقاصد وأرجح الفوائد ، وعلى آله الغر الاماجد ، المقدمين على الاقارب والاباعد ، المؤيدين فى المصادر والموارد ، صلاة تسمع كل غائب وشاهد ، وتقمع كل شيطان مارد (1).


1) هذه الخطبة انتخبتها من كتاب الشرائع.

فصل : ( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الطهارة )

اشارة

قال رحمه‌ اللّه : وأما المحقون ، فما كان منه دون الكر ، فانه ينجس بملاقاة النجاسة ، ويطهر بإلقاء كر عليه فما زاد دفعة ، ولا يطهر باتمامه كرا ، على الاظهر.

أقول : ذهب السيد (1)المرتضى الى أنه يطهر بالاتمام ، وتبعه ابن البراج وسلار والمتأخر ، والحق أنه لا يطهر ، وهو اختيار الشيخ فى الخلاف (2)وأبي علي ابن الجنيد.

لنا - أن الطهارة حكم شرعي ، فتقف على الدليل الشرعي. وحيث لا دلالة فلا حكم.

واحتجاج السيد بأن النجاسة الواقعة بعد البلوغ غير مؤثرة ، فكذا قبله لوجود الكرية الدافعة للنجاسة فى الصورتين ، ضعيف ، أما أولا فانه قياس ، وهو باطل عندنا. وأما ثانيا فلوجود الفارق ، اذ البالغ كرا ذو قوة دافعة ، بخلاف الباقى اذ هو قابل للانفعال ، واذ انفعل لم يبق له قوة دافعة.


1) من هنا يبدأ من نسخة « م ».

2) الخلاف 1 / 194. مسألة 149.

قال رحمه‌ اللّه : وأما البئر ، فانه ينجس بالتغير بالنجاسة اجماعا ، وهل ينجس بالملاقاة؟ فيه تردد ، والاظهر التنجيس.

أقول : وجه التردد تعارض أدلة الفريقين ، أعني القائلين بالطهارة والقائلين بالتنجيس ، ولنذكر أقوى ما يمسك به كل من الفريقين ليتضح المقصود.

أما القائلون بالنجاسة ، وهم الشيخ فى أحد قوليه ، والشيخ المفيد قدس روحه ، وسلار ، وابن ادريس حيث ادعى الاجماع على ذلك ، فقد احتجوا بروايات :

منها : رواية محمد بن اسماعيل الصحيحة قال : كتبت الى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا عليه ‌السلام فى البئر التى تكون فى المنزل ، فيقطر فيها قطرات من بول أو دم ، أو سقط فيها شي‌ء من العذرة كالبعرة أو غيرها ، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع عليه ‌السلام فى كتابه بخطه : ينزح منها دلاء (1).

وفي معناها رواية علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى عليه ‌السلام (2).

وأما القائلون بالطهارة ، فقد احتجوا بامور :

الاول : اصالة الطهارة ، وهي دليل قاطع ، فليعمل بها الى حين ظهور المزيل قطعا أو ظاهرا وليس.

الثاني : الاستصحاب ، وتقريره : ان الماء طاهر قبل ورود النجاسة ، فكذا بعده.

الثالث : الروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام واذا تعارض الدليلان تساقطا ، ووجب الرجوع الى مقتضى الاصل ، وهو الطهارة ، والاصل يخرج عنه للدليل وقد بيناه ، وكذا الاستصحاب.


1) فروع الكافى 3 / 5 ، ح 1.

2) تهذيب الاحكام 1 / 237 ، ح 17.

والروايات الدالة على التنجيس أكثر ، فتكون أرجح ، فيتعين العمل بها ، لوجوب العمل بالراجح واطراح المرجوح.

قال رحمه‌ اللّه : اختلاف أجناس النجاسة موجب لتضاعف النزح ، وفي تضاعفه مع التماثل تردد ، أحوطه التضعيف.

أقول : وجه التضاعف أن وقوع كل واحد منفردا موجب للنزح اجماعا ، فيجب التضاعف مع الكثرة والا لزم اجتماع العلل المستقلة على المعلول الواحد بالشخص ، وهو محال على ما بين فى علم المعقول.

ووجه العدم : ان النجاسة أمر واحد لا تقبل الشدة والضعف ، وبالاول حصلت فلا تيقن حينئذ لايجاب التضاعف ، اذ الثاني لم يؤثر نجاسة زائدة. وانما كان الاول أحوط ، لان مع اعتماده تحصل الطهارة قطعا ، بخلاف الثاني.

قال رحمه‌ اللّه : المستعمل فى الوضوء طاهر مطهر ، وما استعمل فى [ رفع ] الحدث الاكبر طاهر ، وهل يرفع [ به ] الحدث؟ فيه تردد ، والاحوط المنع.

أقول : منشؤه : النظر الى أنه ماء مطلق طاهر ، فيصح رفع الحدث. أما الصغرى فاجماعية ، وأما الكبرى فلعمومات الآيات والاخبار الدالة على جواز التطهير بالماء ، وهو اختيار السيد المرتضى قدس اللّه روحه وأتبعه المتأخر.

والالتفات الى أن المأخوذ على المكلف انما هو التطهير بالماء المتيقن طهارته وتطهيره ، وهو غير موجود هنا ، لوقوع الخلاف فى كون هذا الماء مطهرا ، ومع حصول الخلاف يرتفع اليقين ، لجواز كون الحق فى أحد الطرفين وهو اختيار الشيخين وابن بابويه.

ويؤيده رواية عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه ‌السلام (1)الدالة على المنع من


1) تهذيب الاحكام 1 / 221 ، ح 13.

الوضوء من المستعمل فى (1)غسل الجنابة.

قال رحمه‌ اللّه : والآسار كلها طاهرة ، عدا سور الكلب والخنزير والكافر ، وفي سؤر المسوخ تردد ، والطهارة أظهر.

أقول : منشؤه : النظر الى اصالة الطهارة ، ترك العمل بها فى تنجيس سور الثلاثة بالاجماع ، ولكونهم أنجاسا ، فبقى معمولا بها فيما عداها ، وهو اختيار المتأخر.

ويؤيده رواية أبي العباس الفضل قال : سألت أبا عبد اللّه عليه ‌السلام عن فضل الشاة والهرة والبقرة والابل والحمار ، فلم أترك شيئا الا سألت عنه ، فقال : لا بأس به حتى انتهيت الى الكلب والخنزير ، فقال : رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء ، واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء (2). وفي معناها رواية ابن شريح (3).

والالتفات الى أن المسوخ نجسة ، فتنجس الماء بشربها منه ، وهو اختيار الشيخ فى أكثر أقواله ، والصغرى ممنوعة.

قال رحمه‌ اللّه : من كان على [ بعض ] أعضاء طهارته جبائر - الى قوله : واذا زال العذر استأنف الطهارة ، على تردد فيه.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الطهارة الاولى رافعة للحدث اجماعا ، فلا معنى لوجوب الثانية ، الا عند انتقاض الاولى ، وهو غير موجود هنا ، لان موجبات الوضوء محصورة معدودة ، وليس هنا شي‌ء منها موجود.

والالتفات الى أن هذه الطهارة طهارة ضرورية ، فتزول بزوالها عملا بالعلية


1) من هنا يبدأ من نسخة « س ».

2) تهذيب الاحكام 1 / 225 ، ح 29.

3) تهذيب الاحكام 1 / 225 ، ح 30.

وهو اختيار الشيخ رحمه‌ اللّه فى المبسوط (1).

ويضعف بأن الضرورة علة الابتداء لا الدوام ، والا لزم تأثير المعدوم في الموجود.

قال رحمه‌ اللّه فى فصل الجنابة : فان جامع فى الدبر ولم ينزل ، وجب الغسل على الاصح.

أقول : ذهب الشيخ رحمه‌ اللّه فى النهاية (2)والاستبصار (3)الى عدم الوجوب تمسكا بالاصالة ، واستنادا الى رواية علي بن الحكم رفعه الى أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : اذا أتى الرجل المرأة في دبرها وهي صائمة ، لم تنتقض صومها وليس عليها غسل (4).

والحق الوجوب ، وهو اختيار أكثر الاصحاب ، لعموم قوله تعالى : « أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ » (5).

قال رحمه‌ اللّه فى فصل الحيض : ذات العادة تترك الصلاة والصوم برؤية الدم اجماعا ، وفي المبتدأة تردد ، والاظهر أنها تحتاط للعبادة حتى تمضي لها ثلاثة أيام.

أقول : منشؤه : النظر الى اصالة وجوب الصلاة والصوم على المكلف ، ترك العمل بها فى الصورة الاولى البس (6)الحيض اذا تأخرت العادة به بالمتيقن


1) المبسوط 1 / 23.

2) النهاية ص 19.

3) الاستبصار 1 / 112.

4) تهذيب الاحكام 4 / 319 - 320 ، ح 45.

5) سورة النساء : 43 ، والمائدة : 6.

6) الكلمة لم تقرأ فى النسختين.

فيبقى معمولا بها فيما عداها ، وهو اختيار علم الهدى فى المصباح (1)وأتبعه المتأخر.

والالتفات الى أن هذه العبادة يحتمل أن يكون ايقاعها حراما ، ويحتمل أن يكون حلالا ، فيغلب جانب التحريم.

أما المقدمة الاولى ، فلان هذا الدم الذي قد رأته المبتدأة يحتمل أن يكون حيضا ، فيكون ايقاع العبادة فيه حينئذ محرمة. ويحتمل أن لا يكون كذلك فيكون ايقاعها مباحا بل واجبا. والاحتمالان متساويان ، بل الاحتمال الاول آكد من الاحتمال الثاني.

وأما الثانية فلقوله عليه ‌السلام : ما اجتمع الحلال والحرام الا غلب الحرام الحلال (2)وهو اختيار الشيخ رحمه‌ اللّه ، واختاره شيخنا فى منتهى المطلب (3)والمختلف.

محتجا برواية معاوية بن عمار الصحيحة قال : قال أبو عبد اللّه عليه ‌السلام : ان دم الحيض والاستحاضة ليس يخرجان من مكان واحد ، وأن دم الاستحاضة بارد ، وأن دم الحيض حار (4).

وجه الاستدلال انه عليه ‌السلام وصف دم الحيض بما ذكره ليحكم به حيضا ، وقد بينا تحريم الصوم والصلاة على الحائض. وغير ذلك من الروايات. والقول الاول عندي أجود.

والبحث فى المضطربة كالبحث فى المبتدأة ، وقد سبق.

قال رحمه‌ اللّه فى فصل الاموات : وفي وضوء الميت تردد ، والاشبه أنه


1) المصباح للشريف المرتضى - مخطوط.

2) السنن الكبرى للبيهقى 7 / 169 ، وعوالى اللئالى 3 / 466 ، برقم : 17.

3) منتهى المطلب 1 / 109.

4) فروع الكافى 3 / 91 ، ح 2.

لا يجب.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الوضوء حكم شرعي ، فيكون وجوبه على الخطاب الشرعي وليس ، ويؤيده رواية السكوني ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه ‌السلام قال : غسل الميت مثل غسل الجنب (1).

وهو اختيار الشيخ فى المبسوط ، حتى أنه قال فيه : قد روي أنه يوضأ الميت قبل غسله (2). فمن عمل بها (3)كان جائزا ، أعني ان عمل الطائفة على ترك العمل بذلك (4)لان غسل الميت كغسل الجنابة.

قال ابن ادريس : واذا كان قال حينئذ فى المبسوط ان عمل الطائفة على ترك العمل بذلك لم يجز العمل بالرواية ، لان العامل بها يكون مخالفا للطائفة.

والالتفات الى قول الصادق عليه ‌السلام : فى كل غسل وضوء إلا غسل الجنابة (5).

وهو اختيار أبي الصلاح.

فرعان :

اذا قلنا بوجوب الوضوء أو استحبابه ، فلا بد من تقديمه على الغسل.

ولا تستحب المضمضة والاستنشاق هنا. وظاهر كلام الشيخ فى الخلاف (6)يؤذن بالتحريم. والحق التفصيل ، فان اعتقد بمضمضته (7)أنها مستحبة مشروعة


1) تهذيب الاحكام 1 / 447 ، ح 92 والاستبصار 1 / 208 ، ح 7.

2) المبسوط 1 / 178.

3) فى « س » : به ، وفى هامشها : بها.

4) فى هامش « س » : غير أن عمل الطائفة بذلك - خ ل.

5) تهذيب الاحكام 1 / 143 ، ح 94.

6) الخلاف 1 / 693 ، مسألة 472.

7) فى « س » : المضمضة.

كان ذلك حراما ، وان لم يعتقد ذلك كانت مباحة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو عدم الكافور والسدر غسل بالماء [ القراح ] وقيل : لا تسقط الغسلة بفوات ما يطرح فيها ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المأمور به انما هو الغسل بالماء مع السدر والكافور ، وهو مفقود هنا ، فيسقط الامر بالغسلتين الاولتين ، لعدم امكان الاتيان بهما ، ولاستحالة تكليف ما لا يطاق.

والالتفات الى أن الامر بالغسل بالسدر والكافور أمر بماهية مركبة من السدر والماء والكافور ، والامر بالماهية أمر بكل واحد من أجزائها ، فيكون الغسل بالماء مأمورا به ، فيجب الاتيان به عملا بالامر ، وهو اختيار الشيخ رحمه‌ اللّه.

ويضعف بجواز التلازم والامر به ، ولا يلزم الدور لانه دور معية (1).

قال رحمه‌ اللّه فى باب التيمم : ولا يصح [ التيمم ] قبل دخول الوقت ويصح مع تضيقه ، وهل يصح مع سعته؟ فيه تردد ، والاظهر (2)المنع.

أقول : منشؤه : النظر الى أن التيمم بدل من الطهارة المائية اجماعا ، والبدل انما يسوغ (3)فعله عند تعذر المبدل ، ولم يتحقق التعذر إلا مع تضيق الوقت ، لانه ما دام الوقت متسعا يجوز أن يحصل الماء ، وهو اختيار الشيخ والمرتضى وأتباعهما والمتأخر ، وظاهر كلام شيخنا المفيد قدس اللّه روحه ، ويؤيده الروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

والالتفات الى قوله تعالى « فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا » (4)فسوغ


1) فى « س » : معينة.

2) فى الشرائع المطبوع : والاحوط.

3) فى هامش « س » : سوغ - خ ل.

4) سورة النساء : 43.

تعالى التيمم عند عدم وجود الماء ، وهو حال السعة غير واجد الماء ، فيسوغ له التيمم عملا بالشرط ، وهو اختيار الشيخ أبي جعفر بن بابويه. وقال ابن الجنيد ان كان التيمم لعذر يرجى زواله قبل خروج (1)الوقت وجب التأخير ، والا فلا.

وما قاله رحمه‌ اللّه حسن ، اذ فيه جمع بين القولين.

فرع :

لو تيمم فى آخر الوقت وصلى ، ثم دخل وقت الصلاة الاخرى ، جاز له الدخول فى تلك الصلاة بذلك التيمم فى أول وقتها ، حكاه صاحب كشف الرموز (2)عن المصنف ، وهو مذهب الشيخ ، وفيه نظر (3)لوجود العلة المقتضية للتأخير هنا.

قال رحمه‌ اللّه : اذا اجتمع ميت ومحدث وجنب ، ومعهم من الماء ما يكفي أحدهم ، فان كان ملكا لاحدهم اختص به ، وان كان ملكا لجميعهم أولا مالك له أو مع مالك يسمح ببذله ، فالافضل تخصيص الجنب به. وقيل : بل يختص الميت به ، وفي ذلك تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المحدث والجنب والميت قد تساووا فى وجوب الاستعمال (4)فيكون لهم التخيير فى تخصيص من شاءوا ، وهو خيرة الشيخ فى الخلاف (5)والمبسوط (6).


1) فى هامش « س » : آخر - خ ل.

2) كشف الرموز للآبي - مخطوط.

3) فى « س » : لطف.

4) فى « م » : استعمال الماء.

5) الخلاف 1 / 166 ، مسألة 118.

6) المبسوط 1 / 34.

والالتفات الى أن الرواية الصحيحة (1)دالة على تخصيص الجنب ، وهو اختيار الشيخ في النهاية (2). وبتخصيص الميت رواية مقطوعة مرسلة (3).

وقال ابن ادريس : ان كان ملكا لاحدهم اختص به ، وان كان مباحا فلمن حازه فان تعين عليهما تغسيل الميت ولم يتعين أداء الصلاة ، فعليهما أن يغسلاه بالماء الموجود. فان خافا فوت الصلاة استعملاه وغسلا به الميت. وهذا انما يتأتى على أصله من جواز رفع الحدث ثانيا بالماء المستعمل فى رفع الحدث أولا.

قال المصنف فى المعتبر : البحث هنا فى الاولوية ، والتخيير غير سائغ فيه (4).

قال رحمه‌ اللّه فى باب النجاسات : وفي رجيع ما لا نفس له وبوله تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى العمومات الدالة على نجاسة ما لا يؤكل لحمه من غير فرق بين ماله نفس سائلة ، أي : دم سائل ، وبين ما ليس كذلك.

والالتفات الى أن الاصل الطهارة ، فيحكم بها الى حين ظهور الدليل الدال على التنجيس قطعا وليس ، ولان (5)رجيع ما لا نفس له سائلة يجري مجرى عصارة الثياب ، فلا يكون نجسا.

قال رحمه‌ اللّه : وفي مني ما لا نفس له سائلة تردد ، والطهارة أشبه.

أقول : منشؤه : من التمسك بالعموم.


1) من لا يحضره الفقيه 1 / 108 ، برقم : 223. وهى صحيحة عبد الرحمن بن أبى نجران.

2) النهاية ص 50.

3) تهذيب الاحكام 1 / 110 ، ح 20.

4) المعتبر 1 / 406.

5) فى هامش « س » : وان.

والالتفات الى الاصل ، فيحكم به الى حين وجود النجاسة ، وهذان الترددان ضعيفان جدا.

قال رحمه‌ اللّه : وفي الثعلب والارنب والفأرة والوزغة تردد ، والطهارة أظهر.

أقول : منشؤه : النظر الى الاصل القاضي بالطهارة ، ولانها لو كانت نجسة لحرم استعمال سؤرها ، والثاني باطل لما ذكرناه في مسألة الاسئار فالمقدم مثله.

وبيان الشرطية أن المقتضى لنجاسة السؤر انما هو لنجاسة الشارب ، وهو موجود هنا على تقدير النجاسة ، وهو اختيار شيخنا دام ظله (1).

والالتفات الى الروايات الدالة على التنجيس ، وتحمل على الاستحباب جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه فى باب الاواني : وفي جواز اتخاذ آنية الذهب والفضة لغير الاستعمال تردد ، والاظهر المنع.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم النهي عن اضاعة المال ، وهذا اضاعة مال فيكون منهيا عنه ، والنهي يقتضي التحريم ظاهرا ، لما بيناه في كتب الاصول ، وهو اختيار الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (2).

والالتفات الى الاصل الدال على الجواز ترك العمل به في صورة الاستعمال لورود النهي عليه عينا ، فيبقى معمولا به فيما عداه ، وهو اختيار شيخنا ، ولعله الاقرب ، ونمنع كون الاتخاذ اضاعة المال.


1) فى « س » : رحمه‌ اللّه ، وفى هامشها : دام ظله.

2) المبسوط 1 / 13.

فرع :

هل التحريم مقصور على استعمال أواني الذهب والفضة واتخاذها على الخلاف ، أو أواني (1)ما تتخذ منها كالملاعق وغيرها مما يستعمل؟ الاقرب الثاني للمشاركة في العلة ، وهي تضييع المال.


1) فى هامش « س » : الى جميع - خ ل.

فصل : ( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الصلاة )

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجوز لبس الحرير المحض للرجال ، ولا الصلاة فيه الا في الحرب ، وعند الضرورة كالبرد المانع من نزعه ، ويجوز للنساء مطلقا ، وفيما لا يتم الصلاة فيه منفردا كالتكة والقلنسوة تردد ، والاظهر الكراهية.

أقول : ينشأ : من النظر (1)الى أصل الجواز ، ترك العمل به في الصورة الاولى ، للنص والاجماع ، فيبقى معمولا به فيما عداها ، ولان هذه الاشياء لاحظ لها في الاجزاء ، فلا يكون لها تأثير في ابطال الصلاة ، وهو اختيار الشيخ رحمه‌ اللّه وأبي الصلاح ، وتبعهما المتأخر.

والالتفات الى عموم الادلة الدالة على النهي عن لبس الحرير ، ولان المقتضى للمنع في الثوب ، وهو كون الابريسم يحصل بلبسه التخيل موجود هنا ، فيثبت المنع عملا بالمقتضى ، وهو ظاهر كلام شيخنا المفيد وابن بابويه وابن الجنيد ، وقد صرح به أبو جعفر بن بابويه.

قال رحمه‌ اللّه : ولا تجوز الصلاة للمرأة الا في ثوبين درع وخمار ، ساترة


1) فى « س » : منشأ النظر.

جميع جسدها ، عدا الوجه والكفين وظاهر القدمين ، على تردد في القدمين.

أقول : منشؤه : النظر الى اصالة عدم الوجوب ، ترك العمل بها في وجوب ستر ما عدا هذه الثلاثة ، فيبقى الباقي على أصله ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (1)وأتبعه المتأخر ، ولانهن لو منعن من كشف أقدامهن لنقل ذلك ولو نقل لاشتهر لان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله.

والالتفات الى أن المرأة جميعها عورة ، فيجب عليها ستر القدمين ، وفي ظاهر كلام الشيخ فى الاقتصاد (2)، وظاهر كلام أبى الصلاح.

وأعلم أنه لا خلاف فى كشف الوجه وأما الكفان ، فظاهر اطلاق كلام الشيخ فى الاقتصاد (3)وأبي الصلاح يقتضي وجوب سترهما.

قال رحمه‌ اللّه : ولو صلى منفردا ولم يؤذن ساهيا رجع الى الاذان ، مستقبلا صلاته ما لم يركع ، وفيه رواية أخرى.

أقول : أشار الى ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال قلت له : رجل ينسى الاذان والاقامة حتى يكبر ، قال : يمضي على صلاته ولا يعيد (4)وفى معناها رواية أبي الصباح عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (5).

وبمضمونها أفتى الشيخ رحمه‌ اللّه فى النهاية (6)، فجوز الرجوع مع تعمد ترك الاذان والاقامة ما لم يركع ، ولم يسوغه مع النسيان ، وقد صرح به المتأخر.

والحق ما ذكره المصنف رحمه‌ اللّه تعالى ، وهو اختيار السيد المرتضى قدس


1) المبسوط 1 / 87.

2) الاقتصاد ص 258.

3) الاقتصاد ص 258.

4) تهذيب الاحكام 2 / 279 ، ح 8.

5) تهذيب الاحكام 2 / 279 ، ح 10

6) النهاية ص 65.

اللّه روحه ، لان الاذان والاقامة من أوكد السنن ، وذلك يقتضي تداركهما مع نسيانهما باستئناف الصلاة.

أما مع التعمد فلا ، لانه قد دخل فى صلاة (1)غير طالب الفضيلة ، فلا يجوز له الابطال ، عملا بظاهر قوله تعالى « ولا تبطلوا أعمالكم (2)».

قال رحمه‌ اللّه : روى أصحابنا أن « الضحى » و« ألم نشرح » سورة واحدة. وكذا « الفيل » و« لايلاف » فلا يجوز افراد احداهما عن صاحبتها في كل ركعة ، ولا يفتقر الى البسملة بينهما على الاظهر.

أقول : نقل عن بعض الاصحاب وجوب البسملة بين السورتين ، محتجا بأن البسملة آية من كل منها ، فتجب قراءتها بينهما. أما الصغرى فلثبوتها كذلك في المصحف. وأما الكبرى فاجماعية.

وقال الشيخ رحمه‌ اللّه فى الاستبصار : ولا يفصل بينهما (3)محتجا بأنهما سورة واحدة ، فلا تعاد البسملة بينهما. اما الصغرى ، فلان تحريم قراءة سورتين فى الركعة الواحدة مع تجويز قراءة الضحى وأ لم نشرح ، أو الفيل ولايلاف يستلزم وحدتهما. وأما الكبرى فاجماعية.

والحق الاول ، واحتجاج الشيخ ضعيف. أما الصغرى ، فللمنع من وحدتهما.

قوله : لان تسويغ قراءتهما مع المنع من قراءة السورتين في الركعة يقتضي ذلك.

قلنا : ممنوع ، لجواز استثناء هاتين (4)من عموم التحريم ان قلنا به ، والا


1) فى « س » : الصلاة.

2) سورة محمد : 33.

3) الاستبصار 1 / 317 ، ح 4.

4) فى « م » : استثنائها.

فلا ، كما هو مذهبه رحمه‌ اللّه فى أكثر أقواله. وأما الكبرى فممنوعة أيضا ، اذ لا تنافي بين كونهما سورة ، ووجوب اعادة البسملة بينهما ، كما في النمل ، وادعاء الاجماع هنا مكابرة.

قال رحمه‌ اللّه : يجب في الركوع التسبيح. وقيل : يكفي الذكر ولو كان تكبيرا أو تهليلا ، وفيه تردد.

أقول : ينشأ : من أصالة البراءة الدالة على عدم وجوب شي‌ء أصلا ، ترك العمل بها في وجوب الذكر ، للاجماع والنص ، فيبقى معمولا به فيما عداه ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (1)، وأتبعه المتأخر.

والالتفات الى ما رواه هشام بن سالم قال : سألت أبا عبد اللّه عليه ‌السلام عن التسبيح في الركوع والسجود ، قال : يقول في الركوع : « سبحان ربى العظيم وبحمده » وفي السجود : « سبحان ربى الاعلى » الفريضة من ذلك تسبيحة ، والسنة ثلاث والفضل سبع (2). وغير ذلك من الروايات ، وهو اختيار أكثر الاصحاب.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يجب التكبير للركوع؟ فيه تردد ، والاظهر الندب.

أقول : منشؤه : النطر الى أصالة براءة الذمة من واجب أو ندب ، طرح العمل بها في اثبات كون التكبير للركوع مندوبا لدليل أقوى ، فبقي معمولا بها فيما عداها ، وهو اختيار أكثر علمائنا.

والالتفات الى ظاهر رواية زرارة عن الباقر عليه ‌السلام (3)، وهو اختيار ابن أبي عقيل العماني. والوجه الاول ، وتحمل الرواية على الاستحباب ، أما أولا فلما


1) المبسوط 1 / 111.

2) تهذيب الاحكام 2 / 76 ، ح 50.

3) فروع الكافى 3 / 319 - 320 ، ح 1.

ذكرناه. وأما ثانيا فلاشتماله على الامر بأشياء (1)مستحبة غير واجبة.

قال رحمه‌ اللّه : وفي وجوب التكبير للاخذ في السجود والرفع منه تردد ، والاظهر الاستحباب.

أقول : ينشأ : من النظر الى الاصالة ، وتقرير الاستدلال به قد سبق غير مرة وهو اختيار أكثر علمائنا.

والالتفات الى ظاهر رواية الحلبي عن الصادق عليه ‌السلام (2). وهو اختيار ابن أبي عقيل وسلار أيضا ، وتحمل الرواية على الاستحباب جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه في قواطع الصلاة : الثاني - لا يبطلها الا عمدا ، وهو وضع اليمين على الشمال ، وفيه تردد.

أقول : ينشأ : من النظر الى قوله عليه ‌السلام : « صلوا كما رأيتموني أصلي » (3)ووجه الاستدلال به أنه عليه ‌السلام أوجب على أمته أن يصلوا مثل صلاته عليه ‌السلام.

فنقول : الصلاة التي صلاها النبي عليه ‌السلام : اما أن يكون قد فعل فيها ذلك أو لا والاول باطل ، والا لوجب فعله ، وليس كذلك بالاجماع ، فتعين الثاني ، فيكون الاتيان بهذا محرما ، لقوله عليه ‌السلام « من أدخل في شرعنا ما ليس منه كان مبدعا » (4).

والاخبار الدالة على تحريم شرعية ما لم يكن مشروعا أكثر من أن تحصى ، واذا ثبت أنه حرام كان مبدعا ، لعدم القائل بالفرق.

وهو اختيار الشيخ رحمه‌ اللّه ، واستدل عليه في الخلاف (5)باجماع الفرقة


1) فى « س » : فى أشياء.

2) تهذيب الاحكام 2 / 79 ، ح 63.

3) السنن الكبرى للبيهقى 2 / 124. عوالى اللئالى 1 / 198.

4) عوالى اللئالى 1 / 240 ، برقم : 160.

5) الخلاف 1 / 322 مسألة 74.

المحقة. وكذلك السيد المرتضى رحمه‌ اللّه ، وأتبعهما المتأخر ، ويؤيده الاخبار المشهورة المروية عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

والالتفات الى أصالة الجواز وعدم الابطال به ، وهو اختيار أبي علي ابن الجنيد وأبي الصلاح الحلبي ، ونمنع بقاء حكم الاصل مع قيام ما ذكرناه من الادلة (1).

قال رحمه‌ اللّه : وفي عقص الشعر للرجل تردد ، والاشبه الكراهية.

أقول : منشؤه : النظر الى الاصل القاضي بالجواز وعدم الابطال ، وهو اختيار أبي الصلاح والمتأخر ، وظاهر كلام شيخنا المفيد قدس اللّه روحه.

والالتفات الى الرواية المروية عن الصادق عليه ‌السلام (2)الدالة على ابطال الصلاة به ، وهو اختيار الشيخ رحمه‌ اللّه ، واستدل في الخلاف (3)عليه باجماع الفرقة ، والرواية ضعيفة السند ، لان في طريقها مصادف ، وهو ضعيف ، وقد قدح ابن الغضائري فيه. وأما دعوى الاجماع فلم يثبت.


1) فى « م » : الدلالة.

2) فروع الكافى 3 / 409 ، ح 5.

3) الخلاف 1 / 510 ، مسألة 255.

فصل : ( فى الترددات المذكورة فى فضل صلاة الجمعة )

قال رحمه‌ اللّه : وهل الطهارة شرط في الخطبتين؟ فيه تردد ، والاشبه أنها غير شرط.

أقول : منشؤه : النظر الى الاصل الدال على براءة الذمة ، وعدم (1)الاشتراط وهو اختيار المتأخر.

والالتفات الى أنهما بدل من الركعتين الاخيرتين ، فشرط فيهما (2)الطهارة كالمبدل ، ولان طريقة الاحتياط قاضية بذلك ، لانعقاد الاجماع على صحة الخطبتين مع حصول الطهارة ، وليس على صحتهما مع عدم الطهارة دليل ، وسلوك ما لا ريب فيه أولى من سلوك ما حصل فيه الريب ضرورة ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (3)والخلاف (4).


1) فى « س » : من عدم.

2) فى « س » : لهما.

3) المبسوط 1 / 147.

4) الخلاف 1 / 618 ، مسألة 386.

ويضعف الاول بأن المبدل لا يجب أن يكون مساويا للمبدل منه في كل حكم والا لزم الاتحاد ، وهو باطل ، والاحتياط معارض بأصالة البراءة. وأيضا فان الاحتياط لا يقتضي الوجوب ، فان اعتقاد ما ليس بواجب واجب خطأ ، فكيف يكون احتياطا؟.

قال رحمه‌ اللّه : ويجب أن يرفع صوته بحيث يسمع العدد المعتبر ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة من الوجوب.

والالتفات الى أن فائدة الخطبة - وهي ارتداع الحاضرين بالوعظ - انما يتم باسماع العدد ، فيكون الاسماع واجبا.

أما المقدمة الاولى فظاهرة. وأما الثانية فلعموم قوله تعالى « وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » (1)وظاهر الامر الوجوب ، ولانه لو لا وجوب الاسماع كان الاتيان بالخطبة عبثا ، وهو قبيح ، فتعين الوجوب.

قال رحمه‌ اللّه : ويراعى في الذين يجب عليهم الجمعة شروط - الى قوله : وكل هؤلاء لو تكلفوا الحضور وجبت عليهم الجمعة وانعقدت بهم ، سوى من خرج عن التكليف والمرأة ، وفي العبد تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الانعقاد حكم شرعي ، فيقف ثبوته على الدليل الشرعي ، وهو غير موجود هنا ، ولان وجوب هذه الجمعة على هذا المكلف غير منفك عن وجه قبح ، فكل ما لا ينفك عن القبيح قبيح.

أما الصغرى ، فلان العبد لا يجب عليه الحضور اجماعا ، ولا يجوز له الا باذن مولاه ، لانه تصرف في نفسه ، وهو ممنوع منه ، والاذن غير معلوم هنا ، والواجب عصمة مال الغير حتى يظهر الدليل المبيح لذلك ، فيحكم ظاهرا بمنعه


1) سورة الحج : 77.

من الحضور. فلو اعتد بحضوره في تكميل العدد لم ينفك هذا التكليف عن وجه قبح ، وهو التصرف في مال الغير بغير اذنه ظاهرا.

وأما الكبرى فظاهرة ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (1)، واختيار ابن حمزة.

والالتفات الى العمومات الدالة على العدد من غير فرق بين العبد وغيره. ولا يلزم من انتفاء وجوب الجمعة عنه مع عدم الحضور عدم وجوبها مع الحضور والانعقاد به ، كما في المريض ، وهو اختيار الشيخ في الخلاف (2)، واختاره المتأخر.

قال رحمه‌ اللّه : الاصغاء الى الخطبة هل هو واجب؟ فيه تردد ، وكذا تحريم الكلام في أثنائها ، لكن ليس بمبطل للجمعة.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة من الوجوب وعدم التحريم وهو اختيار الشيخ فى المبسوط (3)، وأحد قولي الشافعي.

والالتفات الى أن المقصود من الخطبة هو انزجار الحاضرين بالوعظ ، وذلك انما يكون بالكف عن الكلام والاصغاء الى الخطبة ، والا لم يكن للخطبة فائدة ، فيكون الاتيان بها عبثا ، وهو اختيار أكثر الاصحاب.

قال رحمه‌ اللّه : يعتبر في امام الجمعة كمال العقل والايمان والعدالة وطهارة المولد والذكورة ، ويجوز أن يكون عبدا ، وهل يجوز أن يكون أبرص أو أجذم؟ فيه تردد ، والاشبه الجواز ، وكذا الاعمى.

أقول : التردد يختص بالاولين ، ومنشؤه : النظر الى أن الابرص والاجذم ينفر القلوب منهما ، فلا يصلحان للامامة. والمقدمتان ظاهرتان ، وهو اختيار


1) المبسوط 1 / 145.

2) الخلاف 1 / 627 ، مسألة 398.

3) المبسوط 1 / 148.

الشيخ في النهاية (1).

والالتفات الى قضاء الاصل بالجواز ، وهو الاقرب ، وبمنع الاولى ، سلمنا لكن نمنع الملازمة.


1) النهاية ص 105.

فصل : ( فى ذكر الترددات المذكورة فى فضل صلاة العيد )

اشارة

قال رحمه‌ اللّه : والتكبير في الفطر عقيب أربع صلوات : أولها المغرب ليلة الفطر ، وآخرها صلاة العيد. وفي الاضحى عقيب خمس عشرة صلاة ، أولها الظهر يوم النحر. وفي الامصار عقيب عشر صلوات يقول : اللّه أكبر اللّه أكبر ، وفي الثالثة تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى اختلاف الاصحاب باختلاف الرواة في كيفيته ، فقال الشيخ رحمه‌ اللّه : يكبر مرتين في الاضحى. وهو قول ابن بابويه ، ورواه عن علي عليه ‌السلام (1). وقال البزنطي : يكبر في الاضحى ثلاثا. وهو اختيار ابن أبي عقيل.

قال الشيخ المصنف في المعتبر : لا ريب أن ذلك تعظيم اللّه وذكر مستحب ، فلا فائدة للمضايقة عليه. والحق عندي ما رواه النقاش عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام في صفة التكبير كيف أقول؟ قال : تقول في الفطر : « اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله الا اللّه


1) من لا يحضره الفقيه 1 / 518 ، برقم : 1484.

واللّه أكبر ولله الحمد ، اللّه أكبر على ما هدانا » (1).

وكيف قلنا فهذا التكبير مستحب. وقال علم الهدى وابن الجنيد بوجوبه.

قال رحمه‌ اللّه : التكبير الزائد هل هو واجب؟ فيه تردد ، والاشبه الاستحباب.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة عدم الوجوب ، وهو ظاهر كلام الشيخ في التهذيب (2)، ويؤيده رواية زرارة الصحيحة أن عبد الملك بن أعين سأل أبا جعفر عليه ‌السلام عن الصلاة في العيدين ، قال : الصلاة فيهما سواء يكبر الامام تكبيرة الصلاة قائما كما يصنع في الفريضة ثم يزيد في الركعة الاولى ثلاث تكبيرات ، وفي الاخرى ثلاث تكبيرات ، سوى تكبيرة الصلاة والركوع والسجود ، وان شاء ثلاثا وخمسا ، وان شاء خمسا وسبعا بعد أن تلحق ذلك.

قال الشيخ : ألا ترى جواز الاقتصار على الثلاث تكبيرات وعلى الخمس تكبيرات ، وهذا يدل على أن الاخلال بها لا يضر بالصلاة (3). ولانه تكبير في غير محل الاستفتاح ، فيكون مستحبا كغيره.

والالتفات الى أن النبي صلى ‌اللّه‌ عليه‌ [وآله] وسلم صلاها كذلك ، فيجب اتباعه عملا بظاهر قوله عليه ‌السلام « صلوا كما رأيتموني أصلي » (4)ولان الائمة عليهم ‌السلام نصوا على وجوب صلاة العيدين ، ثم بينوا كيفيتهما ، وذكروا التكبيرات الزائدة ، وهو اختيار باقي الاصحاب واختاره شيخنا دام ظله.

ويمكن الجواب عن الاول ، بأن الاصالة تخالف لقيام الدلالة وقد بيناها.

وعن الثاني بأن زيادة الثلاث لا ينافي زيادة الاكثر ، مع أنه قال في الاستبصار :


1) المعتبر 2 / 321 والرواية فى فروع الكافى 4 / 166 - 167.

2) تهذيب الاحكام 3 / 134.

3) تهذيب الاحكام 3 / 134 ، ح 23.

4) صحيح البخارى 1 / 154 ، وسنن الدار قطنى 1 / 346.

الوجه في هاتين الروايتين وما يشابههما التقية ، لموافقتهما مذهب العامة ، ولسنا نعمل بها ، واجماع الفرقة المحقة على ما قدمناه (1).

وعن الثالث بأن القياس باطل عندنا.

قال رحمه‌ اللّه : وبتقدير الوجوب هل القنوت واجب؟ الاظهر لا.

أقول : القائلون باستحباب التكبير يلزمهم استحباب القنوت ، لانه كيفية للتكبير ، ولا يعقل وجوب الكيفية مع استحباب ذي الكيفية ، ولقائل أن يمنع من كونه كيفية ، بل هو ذكر زائد على التكبير كذكر الركوع ، وكما لا يلزم من استحباب الذكر هناك استحباب ذكر الركوع فكذا هنا.

وأما القائلون بالوجوب ، فبعضهم نص على وجوبه كالسيد المرتضى ، وهو ظاهر كلام أبي الصلاح ، ونص في الخلاف (2)على استحبابه.

واستدل الموجبون بظاهر الخبر السابق ، وبرواية يعقوب الصحيحة قال : سألت العبد الصالح عليه ‌السلام عن التكبير في العيدين قبل القراءة أو بعدها ، وكم عدد التكبير - الحديث (3). وفي رواية اسماعيل عن الباقر عليه ‌السلام ثم يكبر خمسا يقنت بينهم (4).

احتج الشيخ بالاصل ، وبأن استحباب التكبير يستلزم استحباب أولوية استحباب القنوت. ويمكن حمل الروايتين على الاستحباب ، اذ أمر الخاص لا يأتي (5)عاما بالامر الا نادرا ، وانما كان القول بالاستحباب أظهر لما بيناه.


1) الاستبصار 1 / 448.

2) الخلاف 1 / 661 مسألة 433.

3) تهذيب الاحكام 3 / 132 ، ح 19.

4) تهذيب الاحكام 3 / 132 ، ح 20.

5) فى « س » : لا يتأتى.

قال رحمه‌ اللّه : وبتقدير وجوبه هل يتعين لفظا؟ الاظهر أنه لا يتعين وجوبا.

أقول : ذهب أبو الصلاح الى وجوب القنوت بالدعاء المذكور. والحق الاستحباب ، ولاصالة البراءة ، ورواية محمد بن مسلم الصحيحة عن أحدهما قال : سألته عن الكلام الذي يتكلم به بين التكبيرات في العيدين ، قال : ما شئت من الكلام الحسن (1).

احتج بظاهر الروايات الدالة على ذلك ، وتحمل على الاستحباب للجمع بين الادلة ، وخاصة مع اختلاف كيفية الفعل.

قال رحمه‌ اللّه : لو اتفق عيد وجمعة ، فمن حضر العيد كان بالخيار في حضور الجمعة ، وعلى الامام أن يعلمهم ذلك في خطبته.

وقيل : الترخيص مختص بمن كان نائيا عن البلد ، كأهل السواد دفعا لمشقة العود ، وهو الاشبه.

أقول : اختلف الاصحاب في هذه المسألة ، فذهب الشيخان الى سقوط الجمعة وجوبا عمن صلى العيد ، ورواه ابن بابويه في كتابه (2)، واختاره ابن ادريس وبه قال أحمد.

وقال ابن الجنيد : اذا اجتمع عيد وجمعة اذن الامام بالناس في خطبة العيد الاولى بأن يصلي بهم الصلاة ، فمن أحب أن ينصرف كان له مع قصي منزله ، واستحب له حضورها مع انتفاء الضرر عنه وعن غيره وفيه أشعار بما قاله المصنف رحمه‌ اللّه ، وهو قول لبعض الشافعية.

وقال أبو الصلاح لا تسقط : تمسكا بعموم الآية والاخبار ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ، وهو خيرة ابن البراج ، والحق ما اختاره أبو علي.


1) تهذيب الاحكام 3 / 288 ، ح 19.

2) من لا يحضره الفقيه 1 / 509 - 510.

لنا - ما رواه اسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام أنه كان يقول : اذا اجتمع عيدان في يوم واحد ، فانه ينبغي للامام أن يقول للناس في خطبته الاولى : انه قد اجتمع لكم عيدان في يوم وأنا أصليهما جميعا ، فمن كان منزله قاصيا وأحب أن ينصرف ، فقد أذنت له (1). ولان حصول المشقة فيه أكثر.

احتج الشيخان برواية سماعة عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام اجتمع عيد على عهد أمير المؤمنين عليه ‌السلام ، فخطب الناس ، فقال : هذا يوم اجتمع فيه عيدان ، فمن أحب أن يأتيه فليفعل ، وان شاء لم يفعل ، فان له رخصة (2).

ويضعف بأن خبرنا مقيد وخبركم مطلق ، فيحمل عليه توفيقا بين الدليلين.

فائدة :

لو قلنا بالسقوط مطلقا ، وجب على الامام الحضور ، قاله علم الهدى ، تمسكا بظاهر العموم السالم عن المعارض ، وظاهر كلام الشيخ في المبسوط (3)ليس بجيد.

قال رحمه‌ اللّه : اذا طلعت الشمس حرم السفر حتى يصلي صلاة العيد ، ان كان ممن تجب عليه ، وفي خروجه بعد الفجر وقبل طلوعها تردد ، والاشبه الجواز.

أقول : منشؤه : النظر الى الاصالة القاضية بالجواز ، وهو مذهب أكثر الاصحاب.

والالتفات الى أن ظاهر الرواية (4)دال على التحريم ، وهو اللائح من كلام الشيخ به. أما لو خرج قبل الفجر ، فلا كراهة ولا تحريم اجماعا.

قال رحمه‌ اللّه في صلاة الكسوف : اذا حصل الكسوف في وقت فريضة


1) تهذيب الاحكام 3 / 137 ، ح 36.

2) فروع الكافى 3 / 461 ، ح 8 ، والرواية فيه عن سلمة.

3) المبسوط 1 / 170.

4) تهذيب الاحكام 3 / 286 ، ح 9.

حاضرة ، كان مخيرا في الاتيان بأيهما شاء ما لم يتضيق الحاضرة ، فتكون أولى. وقيل : الحاضرة أولى ، والاول أشبه.

أقول : اذا اتفق الكسوف في وقت حاضرة : فاما أن يتضيقا ، أو يتضيق الحاضرة دون صلاة الكسوف أو بالعكس ، ففي الاول تتغير الحاضرة ، ثم ان كان فرط في صلاة الكسوف قضاها والا فلا ، وفي الثالث والرابع تتعين المضيقة اتفاقا ، ثم تجب الاخرى مع الاتساع اذا وقع التفريط قضاء بغير خلاف في ذلك.

وانما النزاع في القسم الثاني ، فذهب الشيخ في النهاية (1)الى وجوب الابتداء بالحاضرة ، وهو قول علم الهدى وأكثر الاصحاب. وقال في الجمل (2)بالتخيير وهو خيرة أبي الصلاح منا والشافعي ، وتردد في المبسوط (3).

والحق مختار الجمل ، لانهما فرضان اجتمعا ووقتهما متسع ، فيتخير المكلف بينهما ، اذ وجوب أحدهما يستلزم أحد محالين ، اما تضيق وقت ما فرض اتساع فيه ، أو كون ترك العبادة أولى من فعلها.

بيان الملازمة : ان تعين أحدهما للفعل ان كان لضيق الوقت لزم الامر الاول وان كان لقبح تقديم الاخرى ، لزم الثاني.

احتجوا بورود الامر بقطعها عند دخول الفريضة ، ولو ساغ فعلها لما جاز قطعها ، ونمنع ورود الامر بقطعها مطلقا ، بل مع تضيق (4)الوقت ، سلمنا لكن نمنع صدق التالي.


1) النهاية ص 137.

2) الجمل والعقود ص 194.

3) المبسوط 1 / 172.

4) فى « م » : ضيق.

قال رحمه‌ اللّه : يجوز أن يصلي صلاة الكسوف على ظهر الدابة وماشيا. وقيل : لا يجوز الا مع العذر ، وهو الاشبه.

أقول : الجواز مذهب أبي علي ابن الجنيد ، ومستنده الاصل ، ورواية علي بن فضل الواسطي قال : كتبت الى الرضا عليه ‌السلام اذا انكسفت الشمس أو القمر وأنا راكب لا أقدر على النزول. فكتب الي : صل على مركبك الذي أنت عليه (1).

وجه الاستدلال : ان الجواب وقع عاما ، فلا تخصيص بالسؤال بخصوص السبب. والحق المنع ، وهو مختار أكثر الاصحاب ، لانها واجبة ، فلا تصلى على الراحلة ، كغيرها من الفرائض ، عملا بالعموم الدال على الحرمة ، والاصل تخالف للدليل ، ونمنع عموم الجواز ، لوقوعه جوابا عن سؤال خاص فلا يتعداه ، وفارق السبب حيث كان اللفظ فيه عاما ، فلا يتخصص بالسبب.

قال رحمه‌ اللّه في فصل الصلاة على الاموات : ويرفع يديه في أول تكبيرة اجماعا ، وفي البواقي على الاظهر.

أقول : ذهب الشيخ في النهاية (2)والمبسوط (3)الى استحباب الرفع في الاولى فقط ، وهو مختار أكثر الاصحاب ، واختار في الاستبصار (4)الثاني ، وهو أقرب عند المصنف.

واحتج عليه في المعتبر (5)بأن رفع اليدين مراد لله في أول التكبيرة ، وهو دليل اختصاصه بالرجحان ، فيكون مشروعا في الباقي ، تحصيلا لتلك الارجحية وعندي


1) فروع الكافى 3 / 465 ، ح 7.

2) النهاية ص 145.

3) المبسوط 1 / 185.

4) الاستبصار 1 / 479.

5) المعتبر 2 / 314 - 315.

فيه نظر ، اذ لا يلزم (1)من رجحانه في بعض عموم الرجحان ، خصوصا مع بطلان القياس عندنا.

قال رحمه‌ اللّه في فصل النوافل : والاشهر في الروايات استحباب ألف ركعة في شهر رمضان ، زيادة على النوافل المرتبة ، يصلي في كل ليلة عشرين ركعة ، ثمان بعد المغرب ، واثنتا عشرة ركعة بعد العشاء على الاظهر.

أقول : اختلف الاصحاب في ترتيب هذه النوافل ، فذهب في المبسوط (2)الى ما ذكره المصنف ، وهو اختيار الاصحاب ، وخيره ابن الجنيد بين ذلك وبين صلاة اثنتا عشرة ركعة بعد المغرب والباقي بعد العشاء ، وهي رواية سماعة (3).

وكذا الخلاف في العشر الاواخر ، ففي رواية علي بن أبي حمزة (4)ثمان بعد المغرب وبعد العشاء ما بقي ، وفي رواية سماعة تصلي بعد المغرب اثنتين وعشرين ركعة والباقي بعد العشاء (5).

قال المصنف في المعتبر : طرق الروايات كلها ضعيفة ، لكن عمل الاصحاب أسقط اعتبار طريقها ، ولا رجحان بينهما ، فينبغي القول فيها بالتخيير (6).

قال رحمه‌ اللّه في الركن الرابع في التوابع : وأما السهو فان أخل بركن أعاد ، كمن أخل بالقيام حتى نوى ، أو بالنية حتى كبر ، أو بالتكبير حتى قرأ ، أو بالركوع حتى سجد ، أو بالسجدتين حتى ركع فيما بعد. وقيل : يسقط الزائد


1) فى « س » : اذ يلزم.

2) المبسوط 1 / 133.

3) تهذيب الاحكام 3 / 63 ، ح 17

4) تهذيب الاحكام 3 / 63 - 64 ، ح 18.

5) تهذيب الاحكام 3 / 63 ، ح 17.

6) المعتبر 2 / 370.

ويأتي بالفائت ويبنى. وقيل : هذا الحكم مختص بالاخيرتين ، ولو كان في الاوليين استأنف ، والاول أظهر.

أقول : القول الاول مذهب السيد المرتضى وسلار وأبي الصلاح وابن البراج واختاره في المعتبر (1)ومذهب مختار شيخنا أيضا ، لانه لم يأت بالمأمور به على وجهه ، فيبقى في عهده التكليف.

أما الصغرى ، فلانه مأمور بالاتيان بكل ركعة بركوعها ولم يأت به ، اذ هو التقدير. وأما الكبرى فظاهرة.

لا يقال : المقدمتان ممنوعتان ، أما الاولى بمنع كونه مأمورا حال النسيان ، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق. وأما الثانية فلا نسلم البقاء في عهدة التكليف ، لانه انما يلزم ذلك لو قلنا ان الاتيان بالمأمور به لا على وجهه يوجب الاعادة ، وهو ممنوع ، لافتقار الاعادة الى دليل ثان.

ولئن سلمنا المقدمتين ، لكن نمنع دلالتهما على محل النزاع ، اذ مذهبه بطلان الصلاة ، وهما لا يدلان عليه ، بل على بقاء التكليف بالركوع ، ونحن نقول بموجبه ، اذ مع ايجاب حذف السجدتين والاتيان بالركوع يكون التكليف باقيا فلا يخرج عن العهدة.

لانا نقول : الناسي لا يسقط عنه الفعل مطلقا ، بل الاثم ، وتكليف المحال انما يلزم لو قلنا انه مكلف حالة النسيان ، أما لو قلنا انه مكلف بأن يأتي حالة ذكره فلا ، وظاهر أن النسيان غير مسقط للتكاليف.

وأما دليل وجوب الاعادة فظاهر ، اذ الاتيان بالمأمور به لا على وجهه ليس


1) المعتبر 2 / 376.

اتيانا بالمأمور به (1).


1) فى النسختين هنا بياض بقدر الصفحة ، وقال فى هامش « س » : هذا البياض من هنا الى الفصل الثالث فى كتاب الزكاة وجد فى نسخة بخط شيخنا جمال الدين أحمد بن فهد رحمه‌ اللّه.

الفصل الثالث : ( فى ذكر الترددات والترجيحات المذكورة فى كتاب الزكاة )

اشارة

قال رحمه‌ اللّه : ويستحب الزكاة في غلات الطفل ومواشيه. وقيل : تجب وكيف قلنا فالتكليف بالاخراج يتناول الوالي عليه. وقيل : حكم المجنون حكم الطفل ، والاصح أنه لا زكاة في ماله الا في الصامت اذا اتجر له الولي استحبابا.

أقول : في وجوب الزكاة في غلات الطفل ومواشيه قولان :

الوجوب ، اختاره الشيخان وأبو الصلاح وابن البراج ، عملا برواية زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما‌السلام قالا : ليس في مال اليتيم العين شي‌ء ، فأما الغلات فعليهما الصدقة واجبة (1). وتحمل على الاستحباب ، جمعا بين الادلة.

الثاني : الاستحباب ، اختاره السيد المرتضى قدس اللّه روحه ، والحسن بن أبي عقيل وسلار وابن ادريس ، وهو الاقرب.

لنا - اصالة براءة الذمة ، والروايات الكثيرة المشهورة الدالة عليه.

وأما المجنون ، فقد ألحقه الشيخ بالصبي ، وهو ضعيف.


1) فروع الكافى 3 / 541 ، ح 5.

لنا - أنه ليس من أهل التكليف ، فلا يتناوله الامر ، ولا يلزم مثله في الصبي لورود النص عليه عينا.

احتج بأن المجنون مشارك للصبي في عدم العقل.

والجواب : المشاركة في المسلوب لا يوجب التماثل.

قال رحمه‌ اللّه : ولا تجب الزكاة في المال المغصوب ، ولا الغائب اذا لم يكن في يد وكيله أو وليه ، ولا الرهن على الاشبه.

أقول : قال في الخلاف : اذا استقرض ألفا ورهن عليها مثلها ، لزمه زكاة القرض اذا بقي في يده حولا (1)وتردد في زكاة الرهن ، فتارة أوجبها عليه ، لانه قادر على التصرف فيه بفكه ، وتارة اسقطها ، نظرا الى أنه ممنوع من التصرف فيه.

وله في المبسوط (2)كالقولين ، لكن الذي قواه في الخلاف الوجوب وهو الاصح ، ويحمل قول هذا الفاضل على ما اذا كان الراهن معسرا ، لتحقق المنع حينئذ.

قال رحمه‌ اللّه : ولا تجب الزكاة في الدين ، فان كان تأخره من جهة صاحبه قيل : تجب الزكاة على مالكه. وقيل : لا ، والاول أحوط.

أقول : ذهب الشيخ المفيد والشيخ أبو جعفر الى الاول ، وذهب ابن أبي عقيل الى الثاني ، واختاره ابن ادريس.

احتج بعموم قوله عليه ‌السلام « هاتوا ربع عشر أموالكم » (3)ترك العمل به في حصول التأخير من المدين ، للاجماع ، فيبقى حجة في الباقي.

والرواية الدالة على ذلك عن الصادق عليه ‌السلام قال : لا صدقة على الدين ، ولا


1) الخلاف 1 / 351 مسألة 128.

2) المبسوط 1 / 211.

3) عوالى اللئالى 3 / 115 ، برقم : 11.

على المال الغائب عنك حتى تقع في يدك (1). ولرواية الحلبي عن الصادق عليه ‌السلام قلت له في الدين زكاة؟ قال : لا (2). وترك الاستفصال في حكاية الحال يدل على العموم.

احتج الشيخ برواية درست عن الصادق عليه ‌السلام قال : ليس في الدين زكاة الا أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخره ، فاذا كان لا يقدر على أخذه ، فليس عليه زكاة حتى يقبضه (3).

والجواب ان صحت السند حمل على الاستحباب ، جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : وفي مال التجارة قولان ، أحدهما الوجوب ، والاستحباب أصح.

أقول : قال الشيخان والمرتضى وأبو الصلاح وابن البراج وسلار وابن أبي عقيل بالاستحباب ، وهو الحق. وقال بعضهم بالوجوب ، وهو الظاهر من كلام ابني بابويه.

لنا - الاصل ، وما رواه زرارة قال : كنت قاعدا عند أبي جعفر عليه ‌السلام وليس عنده غير ابنه جعفر ، فقال : يا زرارة ان أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول اللّه صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله وقال عثمان : كل مال من ذهب أو فضة يدار ويعمل به ويتجر به ففيه الزكاة اذا حال عليه الحول. وقال أبو ذر ما اتجر به أو دير وعمل به ، فليس فيه زكاة ، وانما الزكاة فيه اذا كان ركازا أو كنزا موضوعا ، فاذا حال عليه الحول ففيه الزكاة ، فاختصما في ذلك الى رسول اللّه صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله فقال عليه ‌السلام : القول ما قال


1) تهذيب الاحكام 4 / 31 ، ح 2.

2) تهذيب الاحكام 4 / 32 ، ح 4.

3) تهذيب الاحكام 4 / 32 ، ح 5.

أبو ذر (1).

احتج الموجبون بما رواه أبو الربيع الشامي عن الصادق عليه ‌السلام في رجل اشترى متاعا ، فكسب عليه متاعا (2)وقد كان زكى ماله قبل أن يشتري به هل عليه زكاة أو حتى يبيعه؟ قال : ان أمسكه التماس الفضل على رأس فعليه الزكاة (3).

والجواب الحمل على الاستحباب. قال رحمه‌ اللّه : ان سلم السند.

قال رحمه‌ اللّه في الغنم خمسة نصب : أربعون وفيه (4)شاة ، ثم مائة واحدى وعشرين وفيه شاتان ، ثم مائتان وواحدة ففيه ثلاث ، ثم ثلاثمائة وواحدة ، فاذا بلغت ذلك قيل : يؤخذ من كل مائة شاة ، وقيل : تجب أربع شياة ، حتى تبلغ أربعمائة فتؤخذ من كل مائة شاة ، بالغا ما بلغ ، وهو الاظهر. وتظهر الفائدة في الوجوب وفي الضمان.

أقول : ذهب السيد المرتضى وابنا بابويه وسلار وابن ادريس الى الاول ، لرواية محمد بن قيس عن الصادق عليه ‌السلام أنه قال : ليس فيما دون الاربعين شي‌ء ، فاذا كانت أربعين ففيها شاة الى عشرين ومائة ، فاذا زادت واحدة ففيها شاتان الى المائتين فاذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم الى ثلاثمائة ، فاذا كثر الغنم ففي كل مائة شاة - الحديث (5). تحصل الكثرة بانضمام واحدة إليها.

وذهب الشيخ وابن الجنيد الى الثاني ، لقول الباقر والصادق عليهم ‌السلام : فاذا بلغت


1) تهذيب الاحكام 4 / 70 - 71 ، ح 8.

2) فى التهذيب : فكسد عليه متاعه.

3) تهذيب الاحكام 4 / 68 ، ح 1.

4) وفى الشرائع : وفيها ، وكذا فى المواضع الآتية.

5) تهذيب الاحكام 4 / 25 ، ح 2.

ثلاثمائة ففيه مثل ذلك ثلاث شياة ، فاذا زادت واحدة ففيها أربع شياة - الحديث (1).

وقوله « وتظهر الفائدة في الوجوب » فعلى الاول - وهو قول المرتضى ومن وافقه - تجب ثلاث شياة. وعلى الثاني - وهو قول الشيخ ومن تبعه - تجب أربع شياة.

وقوله « وفي الضمان » أنه لو تلفت الواحدة من غير تفريط بعد الحول وقبل امكان الاداء ، فعلى الاول لا تسقط ، لان الواحدة الزائدة شرط في تعين الفرض ، وليست جزءا من محل الوجوب ، لتصريح الرواية بأن في كل مائة شاة ، فلم يتعلق الواجب بشي‌ء من الزائد.

وعلى الثاني تقسط الاربع شياة على ثلاثمائة جزء وجزء ، وتسقط منه أربعة أجزاء من ثلاثمائة جزء وجزء من شاة ، فيبقى الواجب عليه ثلاث شياة ومائتي جزء وسبعة وتسعون جزءا من ثلاثمائة جزء وجزء من شياة.

والضابط : أن التالف ان كان من الزائد على الفريضة ، لم تسقط شي‌ء بسبب التلف ، كخمسين تلف منها عشرة ، فالفريضة واجبة في الاربعين ، ولا عبرة بالتالف. وان كان من أصل الفرض ، سقط من الفرض بنسبته مائة وعشرين يتلف منها واحدة.

قال رحمه‌ اللّه : الشرط الثاني السوم ، فلا تجب الزكاة في المعلوفة ، ولا في السخال الا اذا استغنت عن الامهات بالرعي ، ولا بدّ من استمرار السوم طول (2)الحول ، فلو علفها بعضا ولو يوما ، استأنف الحول عند استئناف السوم ، ولا اعتبار باللحظة عادة. وقيل : يعتبر في اجتماع السوم والعلف الاغلب ، والاول أشبه.


1) تهذيب الاحكام 4 / 25 ، ح 1.

2) فى الشرائع : جملة.

أقول : ذهب جماعة من الفقهاء الى الاول ، وذهب الشيخ في الخلاف (1)الى الثاني. احتج الاولون بوجهين :

الاول : أن اصالة البراءة تنفي الوجوب ، ترك العمل بها في السائمة للاجماع فيبقى الباقي على اصالته.

الثاني : السوم شرط فى الوجوب اجماعا وقد انتفي ، فينتفى المشروط ، وهو وجوب الزكاة ، وفي الرواية المشهورة عن الباقر والصادق عليهما‌السلام قالا : ليس على المعلوفة شي‌ء ، انما ذلك على السائمة الراعية (2).

واحتجاجه رحمه‌ اللّه بأن الاغلبية معتبرة في سقي الغلات ، فتعتبر هنا قياسا عليها ، باطل. أما أولا ، فلان القياس ليس حجة عندنا. وأما ثانيا ، فلعدم الجامع بينهما.

قال رحمه‌ اللّه : ولو اختل أحد شروط الزكاة في أثناء الحول بطل الحول مثل أن نقصت عن النصاب فأتمها ، أو عاوضها بمثلها أو بجنسها على الاصح.

أقول : قال في المبسوط : اذا بادل جنسا بجنسه لزمته الزكاة ، مثل ذهب بذهب ، أو فضة بفضة ، أو غنم بغنم ، وما أشبه ذلك (3). والحق ما ذكره المصنف.

لنا - قوله عليه ‌السلام « لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول » (4).

احتج بعموم الاوامر. والجواب نعم يخص للدليل (5).

قال رحمه‌ اللّه : وقيل : اذا فعل ذلك فرارا وجبت الزكاة. وقيل : لا تجب.


1) الخلاف 1 / 323 ، مسألة 61.

2) تهذيب الاحكام 4 / 22 - 23 ، ح 4.

3) المبسوط 1 / 206.

4) المبسوط 1 / 193.

5) فى « س » : يخصص الدليل.

وهو الاظهر.

أقول : ذهب الشيخ أيضا أنه اذا بادل جنسا بغير جنسه فرارا من الزكاة وجبت محتجا بما تقدم. وجوابه ما سلف. ولنا الرواية السابقة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو تفاوتت الاسنان بأزيد من درجة واحدة ، لم يتضاعف التقدير الشرعي ، ورجع في التقاص الى قيمة السوق على الاظهر.

اقول : ذهب أبو الصلاح الحلبي الى تضاعف التقدير الشرعي ، فلو وجبت عليه بنت مخاض وليست عنده ، بل حقة دفعها واسترجع أربع شياة ، أو أربعين درهما [ وبالعكس يدفع ويخير بأربع شياة ، أو أربعين درهما ] (1)وكذا لو لم يجد حقة ووجد جذعة دفعها واستعاد ست شياة ، أو ستين درهما. وينعكس الفرض بانعكاس التقدير ، وكذا فيما عدا أسنان الابل.

واختار ابن ادريس ما ذكره المصنف رحمه‌ اللّه ، لان التقدير المذكور في الدرجة الواحدة على خلاف الاصل ، فيقتصر به على مورده ، لان التعدي قياس وهو باطل.

قال رحمه‌ اللّه : والشاة التي تؤخذ من الزكاة قيل : أقلها الجذع من الضأن أو الثني من المعز. وقيل : ما يسمى شاة ، والاول أظهر.

اقول : القول الاول هو المشهور بين الاصحاب ، ومستنده الحديث المروي عن النبي عليه ‌السلام (2). وأما الثاني فقد نقله المصنف في هذا الكتاب ، ولم احصل الآن القائل به. فان كان نقله حقا ، فمستنده اطلاق الاحاديث المشهورة.

قال رحمه‌ اللّه : ولا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين دينارا ، وفيه عشرة قراريط ، ثم ليس فى الزائد شي‌ء حتى يبلغ أربعة دنانير ، ففيها قيراطان ،


1) ما بين المعقوفتين من « س ».

2) سنن النسائى 5 / 30 وسنن أبى داود 2 / 137.

فلا زكاة فيما دون عشرين مثقالا ، ولا فيما دون أربعة [ دنانير ] ثم كل ما زاد المال أربعة ، ففيها قيراطان بالغا ما بلغ. وقيل : لا زكاة فى العين حتى يبلغ أربعين ففيه دينار ، والاول أشبه.

اقول : القول الاول هو المشهور بين علمائنا ، عملا بعموم قوله عليه ‌السلام « هاتوا ربع عشر أموالكم » (1)ترك العمل به فيما دون العشرين ، للاجماع ، فيبقى الباقي على عمومه ، وغير ذلك من الاحاديث المروية من طرقنا وطرق الجمهور أيضا.

والثاني ذكره ابن بابويه ، عملا بالاصل ، واستنادا الى ظاهر الرواية المروية عن الباقر والصادق عليهما‌السلام قالا : في الذهب في كل أربعين مثقالا مثقال ، وفي الورق في كل مائتي درهم خمسة دراهم ، وليس في أقل من أربعين مثقالا شي‌ء ، ولا في أقل من مائتي درهم شي‌ء (2). والاصل يخرج عنه للدليل ، والرواية معارضة بروايات كثيرة صحيحة السند.

وقال في التهذيب : يحمل قوله « ليس فيما دون أربعين مثقالا شي‌ء » على أن المراد بالشي‌ء دينار ، لان لفظة « الشي‌ء » يصح أن يكنى به عن كل شي‌ء (3).

قال المصنف في المعتبر : وهذا التأويل عندي بعيد (4).

وأقول : ما ذكره حسن (5)اذ النكرة في سياق النفي للعموم. أما أولا فلصحة الاستثناء التي (6)يخرج من الكلام ما لولاه لدخل. وأما ثانيا فلان قولنا « لا شي‌ء


1) عوالى اللئالى 3 / 115 ، برقم : 11.

2) تهذيب الاحكام 4 / 11 ، ح 17.

3) تهذيب الاحكام 4 / 11.

4) المعتبر 2 / 524.

5) فى « س » : تخصص.

6) فى « م » : الّذي.

فيه » مناقض لقولنا « فيه شي‌ء » ونقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية.

قال رحمه‌ اللّه : لا زكاة في السبائك والنقار. وقيل : اذا عملهما كذلك فرارا وجبت الزكاة ، ولو كان قبل الحول ، والاستحباب أشبه.

أقول : للاصحاب في هذه المسألة قولان ، أحدهما الوجوب ، واختاره الشيخ في أكثر كتبه ، وابنا بابويه والمرتضى قدس اللّه روحه.

والثاني الاستحباب ، وهو اختيار المفيد قدس اللّه روحه. والقول الاخر للسيد ، واختاره ابن أبي عقيل وفتوى ابن ادريس.

احتج الموجبون بالاحتياط ، وبرواية معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (1)ومثلها رواية محمد بن مسلم عنه عليه ‌السلام (2).

واحتج الآخرون باصالة براءة الذمة ، وبظاهر الروايات المشهورة وصريحها والاحتياط معارض بالاصالة ، والروايتان محمولتان على الاستحباب جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : وزكاة القرض على المقترض ان تركه حولا بحاله ، ولو شرطها على المقترض ، قيل : يلزم الشرط. وقيل : لا يلزم ، وهو الاشبه.

أقول : ذهب الشيخ في النهاية (3)الى اللزوم ، وأطبق باقي الاصحاب على خلافه ، وهو الحق.

لنا - اصالة براءة ذمة المقرض ، ولان الزكاة متعلقة بالعين ولا عين هنا ، انما العين في يد المقترض.

ويؤيده رواية يعقوب بن شعيب الصحيحة قال : سألت أبا عبد اللّه عليه ‌السلام عن


1) تهذيب الاحكام 4 / 9 ، ح 13.

2) تهذيب الاحكام 4 / 9 ، ح 12.

3) النهاية ص 176.

الرجل يقرض المال للرجل السنة والسنتين والثلاث أو ما شاء اللّه ، على من الزكاة؟ على المقرض أو المقترض؟ فقال : على المقترض ، لان له نفعه فعليه زكاته (1).

نص عليه ‌السلام على العلة ، فكانت أبلغ في التنصيص ، وأبلغ من هذه الرواية رواية زرارة عن أبي جعفر عليه ‌السلام (2).

احتج الشيخ رحمه‌ اللّه بعموم قوله عليه ‌السلام « المؤمنون عند شروطهم » (3)وبرواية منصور بن حازم الصحيحة عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام فى رجل استقرض مالا وحال عليه الحول وهو عنده ، فقال : ان كان الذي أقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه ، وان كان لا يؤدي أدى المستقرض (4). والعام يخص للدليل.

والرواية غير دالة على موضع النزاع ، بل يدل على سقوط الزكاة عن المقترض مع تبرع المقرض بالاداء ، والنزاع انما وقع في اللزوم.

قال رحمه‌ اللّه : لا تجب الزكاة في غير الاجناس الاربعة من الغلات : الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، لكن يستحب فيما عداها من الحبوب مما يدخله المكيال والميزان ، كالذرة والارز والعدس والسلت والماش والعلس. وقيل : السلت كالشعير ، والعلس كالحنطة في الوجوب ، والاول أشبه.

أقول : هذا القول ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه. وفسر السلت بأنه نوع من الشعير. والعلس بأنه نوع من الحنطة ، قال ويقال : انه اذا ديس بقي حبتين في كمام ، ثم لا يزال كذلك حتى يدق ، أو يطرح في رحى خفيفة ولا يبقى بقاء الحنطة ، وانما بقاؤه في كمامه ، ويزعم أهلها أنها اذا هرست ، أو طرحت في رحى


1) تهذيب الاحكام 4 / 33 ، ح 8.

2) تهذيب الاحكام 4 / 33 ، ح 9.

3) عوالى اللئالى 1 / 293 ، برقم : 173.

4) تهذيب الاحكام 3 / 32 - 33 ، ح 7.

خفيفة ، خرجت على النصف (1).

وما ذكره الشيخ من التفسير قد ذكره الجوهري (2).

والحق الاستحباب ، عملا باصالة البراءة السالمة عن المعارض ، ويؤيده رواية الحلبي عن الصادق عليه ‌السلام قال : الزكاة على تسعة أشياء : الذهب والفضة ، والحنطة والشعير والتمر والزبيب ، والابل والبقر والغنم ، وعفى رسول اللّه صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله عما سواهن (3). وغير ذلك من الروايات.

واحتجاجه بصدق اسم الشعير والحنطة عليهما ، فيدخلان تحت العموم الدال على وجوب الزكاة عليهما ضعيف ، لانا نمنع صدق اسم الشعير على السلت حقيقة وكذا صدق اسم العلس ، نعم يصدقان مجازا ، والمجاز لا يصار إليه بدون القرينة ولا قرينة هنا.

قال رحمه‌ اللّه : والحد الذي تتعلق به الزكاة من الاجناس أن يسمى حنطة أو شعيرا أو تمرا أو زبيبا. وقيل : بل اذا احمر ثمر النخل ، أو اصفر ، أو انعقد الحصرم ، والاول أشبه.

أقول : القول الاخير هو المشهور بين الاصحاب. وأما الاول ، فلا أعرف قائلا به من علمائنا ، وانما هو شي‌ء اختص به رحمه‌ اللّه في هذا الكتاب وغيره من مصنفاته ، عملا بظاهر النقل ، وتمسكا بمقتضى الاصل.

وتظهر فائدة الخلاف قبل صيرورته تمرا أو زبيبا أو حنطة أو شعيرا ، فعلى ما اختاره رحمه‌ اللّه لا يضمن. وعلى قول الاصحاب يضمن ، لتحقق الوجوب.

احتج الشيخ رحمه‌ اللّه بأن البسر يسمى تمرا لغة. قال صاحب الصحاح :


1) المبسوط 1 / 217.

2) صحاح اللغة 2 / 949.

3) تهذيب الاحكام 4 / 3 ، ح 4.

البسر أوله طلع ، ثم خلال ، ثم بلح ، ثم بسر ، ثم رطب ، ثم تمر (1)فتجب فيه الزكاة ، عملا بالروايات المشهورة الدالة على وجوب الزكاة في التمر.

والجواب : نسلم أنه يسمى تمرا لا حقيقة لكن مجازا ، بدليل سبق غيره الى الفهم ، والمجاز انما يصار إليه للقرينة ، ولا قرينة في الاحاديث دالة على إرادة البسر من لفظ التمر ، فأما دعواهم فيما عدا البسر فتحكم محض.

قال رحمه‌ اللّه : ولا تجب الزكاة الا بعد اخراج حصة السلطان والمؤن كلها على الاظهر.

أقول : ذهب أكثر الاصحاب الى أن زكاة الزرع بعد اخراج جميع مئونته كاجرة السقي والعمارة والحافظ والمعاون في صرام وحصاد وما أشبههما ، وقال في المبسوط (2)والخلاف (3): ان ذلك على رب المال دون الفقراء ، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد.

لنا - أن المئونة سبب النمو والحفظ ، فتكون على الجميع ، أعني : على المستحق والمالك ، اذ هو مشارك له.

الثاني : الاصل براءة ذمة المالك من وجوب الدفع ، ترك العمل به في صورة اخراج الزكاة للاجماع ، فيبقى الباقي على أصله.

الثالث : التمسك بظاهر قوله عليه ‌السلام « لا ضرر ولا اضرار » (4). احتجوا بقوله عليه ‌السلام : فيما سقت السماء العشر ، أو نصف العشر (5). فلو أخرجت المئونة


1) صحاح اللغة 2 / 589.

2) المبسوط 1 / 217.

3) الخلاف 1 / 329 مسألة 77.

4) عوالى اللئالى 1 / 383 و 2 / 74 و 3 / 210.

5) تهذيب الاحكام 4 / 14 ، ح 2.

لقصر نصيب الفقراء عن هذا الفرض ، والعام يخص للدليل ، وقد بيناه.

وأجاب عنه في المعتبر (1)بأنه غير متناول لصورة النزاع ، لان العشر مما يكون له نماء وفائدة ، فلا يتناول المئونة ، وأنت تعرف [ ضعف ] (2)هذا الجواب.

قال رحمه‌ اللّه : اذا كان له نخل تطلع مرة واخرى تطلع مرتين ، قيل : لا يضم الثاني الى الاول ، لانه في حكم ثمرة سنتين وقيل : يضم ، وهو الاشبه.

أقول : القول الاول ذكره الشيخ في المبسوط (3)، محتجا بما ذكره المنصف والحق أنها تضم ، كما لو اختلفت في الادراك ، أو الاطلاع ، أو فيهما ، وحجته منقوضة بعين ما ذكرناه من الدليل.

قال رحمه‌ اللّه : لو صارت الثمرة تمرا والمالك حي ، ثم مات ، وجبت الزكاة وان كان دينه يستغرق تركته. ولو ضاقت التركة عن الدين قيل : يقع التحاص بين أرباب الزكاة والديان ، وقيل : تقدم الزكاة ، لتعلقها بالعين قبل تعلق الدين بها ، وهو الاقوى.

أقول : القول الاول اختاره الشيخ في المبسوط (4)، محتجا بأنهما حقان على عين واحدة ولا أولوية ، فوجب التقسيط ، والثاني قول بعض علمائنا ، ولعله الاقرب لوجهين :

الاول : الزكاة واجبة في العين مطلقا ، والدين ثابت في الذمة ، وانما تعلق بالعين بعد موته ، ولا جرم أن الاول أسبق ، فكان أولى عملا بالمناسبة ، وهو


1) المعتبر 2 / 533.

2) الزيادة من هامش « س ».

3) المبسوط 1 / 215.

4) المبسوط 1 / 218.

جواب حجته.

الثاني : قوله عليه ‌السلام : دين اللّه أحق أن يقضى (1).

قال رحمه‌ اللّه : اذا ملك نخلا قبل بدو صلاحه ، فزكاته عليه. وكذا لو اشترى ثمرة على الوجه الذي يصح ، فان ملك الثمرة بعد ذلك ، فالزكاة على المملك ، والاولى الاعتبار بكونه تمرا لتعلق الزكاة بما يسمى تمرا لا بما يسمى بسرا.

أقول : هذه المسألة التى ذكرها مبنية على مسألة التعلق ، فكل من قال بتعلق الزكاة عند بدو الصلاح ، أوجب الزكاة هنا على المالك ، وكل من لم يقل به لم يوجبها عليه ، بل على المشتري.

ولما كان مذهبه تعلق الزكاة بما يسمى تمرا ، لا جرم لم ير وجوبها عليه ، بل على المشتري.

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان بيده نصاب بعض حول ، فاشترى به متاعا للتجارة ، قيل : كان حول العرض حول الاصل ، والاشبه استئناف الحول.

اقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ رحمه‌ اللّه ، فقال : اذا اشترى عرضا للتجارة بدراهم أو دنانير ، كان حول السلعة حول الاصل. والحق الاستئناف ، وهو اختياره في المعتبر (2).

لنا - أنه مال لم يحل عليه الحلول ، فلا تجب فيه الزكاة. أما الصغرى فظاهرة ، اذ التقدير ذلك. وأما الكبرى فلقوله عليه ‌السلام : لا زكاة فى مال حتى يحول عليه الحول (3). وقد بينا في الاصول أن النكرة في سياق النفي للعموم.

أحتج بأن زكاة التجارة متعلقة بالقيمة ، فكانا كالمال الواحد ، فلا يعتبر لها


1) صحيح البخارى 2 / 139.

2) المعتبر 2 / 547.

3) عوالى اللئالى 1 / 210 و 2 / 231.

حول بانفرادها. وهو منقوض بنصب الابل الخمسة ، فان الزكاة ثم متعلقة بالقيمة مع أن الحول معتبر فيها اجماعا.

قال رحمه‌ اللّه : اذا ملك أحد النصب الزكاتية ، سقطت زكاة التجارة ، ووجبت زكاة المال ، ولا تجتمع الزكاتان ، ويشكل ذلك على القول بوجوب زكاة التجارة.

أقول : الاشكال في تخصيص احداهما بالوجوب دون الاخرى ، لا في وجوبهما معا ، فان ذلك لم يقل به أحد ، فذهب الشيخ في المبسوط (1)والخلاف (2)الى وجوب زكاة العين ، لان وجوبها [ متفق عليه ، فكان أولى ، ولاختصاص وجوبها ] (3)

بالعين ، بخلاف زكاة التجارة. وذهب بعض فقهاء الجمهور الى وجوب زكاة التجارة ، ولانها أجزل حظا للمساكين.

ويضعف الاول بأن الاتفاق على الوجوب ليس بمرجح (4)عند القائل بوجوب زكاة التجارة. وكذا اختصاص وجوبها بالعين ، ولا نسلم أن مراعاة الحظ للمساكين لازمة ، ولو قيل بالتخيير كان وجها.

فرع :

ان كان عنده عبد أو عبيد للتجارة قيمتهم (5)نصاب ، وجبت عند حئول الحول زكاة الفطرة والتجارة ، لاختلاف التعلقين.

قال رحمه‌ اللّه : لو عاوض أربعين سائمة بأربعين سائمة للتجارة ، سقط


1) المبسوط 1 / 222.

2) الخلاف 1 / 343.

3) ما بين المعقوفتين من « س ».

4) فى « م » : مرجحا.

5) فى « س » : فقيمتهم.

وجوب المالية والتجارة ، واستأنف الحول فيهما ، وقيل : بل يثبت زكاة المال مع تمام الحول دون التجارة ، لان اختلاف العين لا يقدح في الوجوب مع تحقق النصاب في الملك ، والاول أشبه.

أقول : قد مر مثل هذه المسألة في أول باب الزكاة ، فلا حاجة الى التطويل فليطلب من هناك. ولو عكس الشيخ هنا كان أجود ، لان مال التجارة لا يشترط بقاء عينه طول الحول ، بناء على مذهبه من تعلق الزكاة بالقيمة هنا.

قال رحمه‌ اللّه : اذا ظهر في مال المضاربة الربح ، كانت زكاة الاصل على رب المال لانفراده بملكه ، وزكاة الربح بينهما ، يضم حصة المالك الى ماله ويخرج منه الزكاة ، لان رأس ماله نصاب. ولا يستحب في حصة الساعي زكاة الا أن يكون نصابا.

وهل يخرج قبل أن ينض المال؟ قيل : لا ، لانه وقاية لرأس المال. وقيل : نعم ، لان استحقاق الفقراء أخرجه عن كونه وقاية ، وهو أشبه.

أقول : هذه المسألة تردد فيها الشيخ في المبسوط (1)، من تعجيل الاخراج وتأخره الى القيمة.

ووجه الاول أن الربح نملك الفقراء منه قسطا بظهوره ، فيخرج عن كونه وقاية ، والا اجتمع النقيضان.

ووجه الثاني أن ربح العامل وقاية لرأس مال المضاربة اجماعا ، فيجب تأخير الاخراج حتى يقسم ، والا خرج عن كونه وقاية ، وقد فرضناه كذلك ، هذا خلف.

قال رحمه‌ اللّه : أصناف المستحقين للزكاة سبعة : الفقراء والمساكين ، وهم الذين تقصر أموالهم عن مئونتهم (2). وقيل : من يقصر ماله عن أحد النصب الزكاتية


1) المبسوط 1 / 223.

2) فى الشرائع : مئونة سنتهم.

ثم من الناس من جعل اللفظين بمعنى واحد ، ومنهم من فرق بينهما في الآية ، والاول أشبه.

أقول : ليس في تحقيق معنى المسكين والفقير فائدة في باب الزكاة ، وربما كان في غيرها ، لان الزكاة تدفع إليهما معا.

وانما الفائدة في تحقيق الضابط الذي باعساره يستحق الزكاة ، فذهب الشيخ في الخلاف (1)الى أن الضابط أن لا يكون مالكا لاحد النصب الزكاتية ، أو قيمته فمتى كان مالكا لشي‌ء من ذلك حرم عليه الاخذ.

وقال في المبسوط : وفي أصحابنا من قال : من ملك نصابا تجب فيه الزكاة تحرم عليه الصدقة ، وذلك قول أبي حنيفة (2).

وللشيخ قول آخر : ان الضابط أن لا يكون قادرا على تحصيل المئونة له ولعياله ، وهو الوجه ، واختاره في المعتبر (3).

لنا - قوله عليه ‌السلام : لا تحل الصدقة الا لثلاثة رجل أصابته فاقة حتى يجد سدادا من عيش ، أو قواما من عيش (4). والروايات المشهورة الصحيحة عنهم عليهم ‌السلام.

قال رحمه‌ اللّه في صفات العاملين : وفى اعتبار الحرية تردد.

أقول : ذهب الشيخ رحمه‌ اللّه الى اشتراط الحرية في العامل ، والوجه عدم الاشتراط ، وهو فتوى شيخنا.

لنا - انه نوع اجارة ، والعبد أهل لها.

احتج الشيخ أن العامل انما يستحق النصب بعمله ، والعبد ليس من أهله ،


1) الخلاف 1 / 372.

2) المبسوط 1 / 257.

3) المعتبر 2 / 566.

4) سنن أبى داود 2 / 120.

ومولاه لم يعمل.

والجواب : عمل العبد كعمل المولى.

قال رحمه‌ اللّه : ( وَفِي الرِّقابِ ) وهم ثلاثة : المكاتبون ، والعبيد تحت الشدة ، والعبد يشترى ويعتق وان لم يكن في شدة ، لكن بشرط عدم المستحق. وروي رابع ، وهو من وجب عليه كفارة ولم يجد ، فانه يعتق عنه ، وفيه تردد.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ رحمه‌ اللّه في النهاية (1)رواية.

وفي المبسوط : وأما سهم الرقاب ، فانه يدخل فيه المكاتبون اجماعا - وأراد بذلك اجماع الخاصة والعامة - وعندنا أنه يدخل فيه العبيد اذا كانوا في شدة فيشترون ويعتقون عن أهل الصدقات ، وتكون ولاؤه لارباب الصدقات. ولم يجز ذلك أحد من الفقهاء - وعنى بذلك فقهاء الجمهور - وروى أصحابنا أن من وجب عليه عتق رقبة في كفارة ولا يقدر على ذلك جاز أن يعتق عنه ، والاحوط أن يعطي ثمن الرقبة ، لكونه فقيرا ، فيشتري هو ويعتق عن نفسه (2).

ولم يذكر ذلك أحد من علمائنا غيره ، وما ذكره رحمه‌ اللّه حسن ، فيكون حينئذ اعطاؤه من سهم الغارمين ، لان القصد ابراء ذمته من الكفارة. ويحتمل اعطاؤه من سهم الرقاب ، اذ المقصود اعتاق الرقبة.

ووجه التردد تساوي الاحتمالين عنده رحمه‌ اللّه ، وهو اختياره في المعتبر (3).

قال رحمه‌ اللّه : ولو ادعى المكاتب أنه كوتب قيل : يقيل - وقيل : لا يقبل ، الا بالبينة أو يحلف ، والاول أشبه ، ولو صدقه مولاه قبل.

اقول : اذا ادعى العبد الكتابة ، ففيه صور ثلاث :


1) النهاية ص 184.

2) المبسوط 1 / 250.

3) المعتبر 2 / 574.

الاولى : أن ينضم الى دعواه تصديق المولى ، والاقوى القبول ، لانه اقرار في حقه ، فيكون نافذا. والمقدمتان ظاهرتان ، وحكى الشيخ أنه لا يقبل ، لجواز المواطاة. واختار الاول في من عرف أن له عبدا (1)، والثاني في من لا عرف له ذلك.

الثانية : أن يصادف دعواه انكار المولى ، فهذا لا يقبل قوله اجماعا ، الا أن يقيم البينة على ذلك.

الثالثة : أن تتعرى الدعوى عنهما جميعا ، فجزم الشيخ رحمه‌ اللّه بعدم القبول الا مع البينة ، عملا بأصالة بقاء الرق ، فيستصحب الى ظهور المنافي. والحق القبول ، وهو فتوى شيخنا.

لنا - أنه مسلم ادعى أمرا ممكنا ، ولم يظهر ما ينافيه ، فيصار الى دعواه.

قال رحمه‌ اللّه : والغارمون ، وهم المدينون في غير معصية اللّه ، فلو كان في معصية لم يقض عنه ، نعم لو تاب صرف إليه من سهم الفقراء ، وجاز أن يقضي هو. ولو جهل في ما ذا أنفقه قيل : يمنع. وقيل : لا ، وهو الاشبه.

أقول : القول الاول ذكره الشيخ في النهاية (2)، عملا بظاهر رواية محمد ابن مسلم عن الرضا (3)عليه ‌السلام قال قلت : فهو لا يعلم في ما ذا أنفقه في طاعة أم في معصية ، قال : يسعى في ماله فيرده عليه وهو صاغر (4).

ولان الانفاق في غير المعصية شرط في جواز الدفع ، وهو لا يتحقق مع الجهل


1) فى « س » : عرف له عبد.

2) النهاية ص 184.

3) كذا فى النسختين ، وفى المعتبر : رواية محمد بن سليمان عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا محمد عن الرضا عليه ‌السلام.

4) المعتبر 2 / 576.

والرواية ضعيفة السند ، والطاعة والمعصية من الامور الباطنة ، فيمتنع التكليف بالعلم بها ، بل يكفي غلبة الظن ، وهي حاصلة هنا.

والقول الثاني ذكره ابن ادريس ، وهو الحق ، تنزيلا لتصرف المسلم على المشروع.

قال رحمه‌ اللّه : ولو دفع الغارم ما دفع إليه من سهم الغارمين في غير القضاء ارتجع على الاشبه.

اقول : ذهب الشيخ في المبسوط (1)والخلاف (2)الى أنه لا يرتجع ، لحصول الملك بالقبض ، والحق الارتجاع لمخالفته قصد المالك. وقوله رحمه‌ اللّه « الملك حصل بالقبض » ممنوع ان أراد مطلق الملك ، بل ملكه ليصرفه في وجه خاص ، فلا يسوغ له غيره.

قال رحمه‌ اللّه : ولو ادعى أن عليه دينا الى آخره.

أقول : البحث في هذه المسألة كالبحث في مسألة المكاتب ، وقد استقصينا الكلام فيها ، فليطلب من هناك.

قال رحمه‌ اللّه : وفي سبيل اللّه ، وهو الجهاد خاصة. وقيل : يدخل فيه المصالح ، كبناء القناطر ، والحج ، ومساعدة الزائرين ، وبناء المساجد ، وهو الاشبه.

أقول : ذهب الشيخ رحمه‌ اللّه في النهاية (3)الى أن السبيل المذكور في الآية مختص بالجهاد ، اذ هو المتبادر الى الذهن عند الاطلاق ، ونمنع ذلك ، وهو قول المفيد رحمه‌ اللّه ، واختاره سلار.


1) المبسوط 1 / 251.

2) الخلاف 2 / 134.

3) النهاية ص 184.

وأطبق باقي الاصحاب عدا ابن الجنيد على الثاني. وأما ابن الجنيد ، فخصه بالمرابط والمجاهد وتعلم الآداب منصل بالدليل ، وهو الحق.

لنا - أن السبيل في اللغة هو الطريق ، فاذا أضيف الى الباري تعالى كان عبارة عن كل ما يكون وصلة إليه تعالى ، اذ الاضافة تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه ، ولا جرم أن ذلك غير مختص بالجهاد حقيقة ، والمجاز انما يصار إليه للقرينة وحيث لا قرينة فلا ضرورة.

قال رحمه‌ اللّه : الثاني العدالة ، وقد اعتبرها كثير ، واعتبر آخرون مجانبة الكبائر ، كالخمر والزنا ، دون الصغائر وان دخل بها في جملة الفساق ، والاول أحوط.

أقول : ذهب الشيخ رحمه‌ اللّه الى اعتبارها الا في المؤلفة ، وهو اختيار السيد المرتضى قدس اللّه روحه ، والظاهر من كلام شيخنا المفيد كرم اللّه محله ، واختاره أبو الصلاح وابن البراج وابن حمزة وابن ادريس. وذهب ابنا بابويه الى أن العدالة غير معتبرة ، واختاره سلار.

والاول أشبه ، وهو القول لابن ادريس ، واعتبر ابن الجنيد مجانبة الكبائر حسب.

احتج الاولون بوجوه :

الاول : الاحتياط ، اذ مع اعطائها من هذه صفته تحصل البراءة قطعا ، بخلاف الدفع الى الفاسق.

الثاني : التمسك بالظواهر من الآيات ، والسنة المقطوع بها الدال على النهي عن معونة الفاسق.

الثالث : ما رواه داود الصيرفي قال : سألته عن شارب خمر يعطى من الزكاة

شيئا ، قال : لا (1). وهذه الرواية هي حجة ابن الجنيد.

واحتج الاخر بظاهر الآية ، ترك العمل به في غير المؤمن ، للاتفاق عليه ، فيبقى الباقي على عمومه ، وغير ذلك من الاحاديث المشهورة من طرقنا وطرق الجمهور أيضا ، والاحتياط معارض بأصالة البراءة ، والآيات التي أشاروا إليها لم يذكروها.

ونحن ما رأينا في القرآن شيئا يدل على النهي عن ذلك ، لا قطعا ولا ظاهرا ، بل وجد ما يدل بظاهره على المنع من معاونة الفاسق على فسقه ، وهو غير صورة النزاع ، والرواية مقطوعة السند ، فلا حجة فيها.

قال رحمه‌ اللّه : والذين يحرم عليهم الصدقة الواجبة من ولد هاشم خاصة على الاظهر ، وهم الآن أولاد أبي طالب والعباس والحارث وأبي لهب.

اقول : المشهور أن الذين يمنعون الزكاة الواجبة من ولده عبد المطلب بن هاشم ، وهم اليوم أولاد أبي طالب والعباس والحارث وأبي لهب ، لقوله عليه ‌السلام : ان الصدقة لا تحل على بني عبد المطلب (2). وقول جعفر بن محمد عليهما‌السلام ان الصدقة لا تحل لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم (3).

وعلى تحريمها على هؤلاء اجماع الامامية ، بل اجماع الامة ، وهل يحرم على بني المطلب (4)؟ قال ابن الجنيد : نعم ، وهو ظاهر كلام المفيد في الرسالة العزية (5)، لانه سوغ لهم أخذ الخمس. وأطبق باقي علمائنا على خلافه ، وهو


1) تهذيب الاحكام 4 / 52 ، ح 9 ، وفيه عن داود الصرمى.

2) تهذيب الاحكام 4 / 58 ، ح 2.

3) تهذيب الاحكام 4 / 59 ، ح 5.

4) قال فى هامش « س » : فى نسخة الشيخ « عبد المطلب » وفيه ما فيه.

5) الرسالة العزية - مخطوط.

الوجه.

لنا - الاصل الجواز ، وعموم قوله تعالى « إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ » (1)ترك العمل به في بعض الصور ، فيجب العمل به في الباقي الى ظهور المخصص.

احتجا بقوله عليه ‌السلام : أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا اسلام ، نحن وهم شي‌ء واحد (2). ورواية زرارة الحسنة عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : لو كان عدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي الى صدقة ، ان اللّه جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم ولا يحل لاحد منهم (3). واذا كانوا مستحقين للخمس حرمت عليهم الزكاة ، اذ لا قائل بالفرق.

والحديث الاول غير دال على صورة النزاع ، اذ عدم الافتراق غير دال على المساواة في تحريم الزكاة ، بل المراد به الاتفاق في الكلمة ، اذ هو المتبادر عند الاطلاق. وأما الخبر المروي من طرقنا ، فضعيف السند ، فلا يخص به عموم القرآن.

فائدة :

هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل وأبو عمرو أولاد المغيرة ، وكنيته عبد مناف. فأما هاشم ، فأعقب جماعة منهم عبد المطلب ، وكلهم لم يعقبوا الا عبد المطلب ، فانه أعقب عشرة ، منهم الذكور ، وستا من الاناث.

ولم يعقب من أولاد عبد المطلب الذكور سوى خمسة ، وهم : عبد اللّه وأبو طالب والعباس والحارث وأبو لهب ، وانما سمي عبد المطلب بهذا الاسم ، لان


1) سورة التوبة : 60.

2) المعتبر 2 / 585.

3) تهذيب الاحكام 4 / 59 ، ح 6.

عمه كان اذا ركب أردفه خلفه ، فنسب إليه.

قال رحمه‌ اللّه : لو طلب الامام الزكاة وجب صرفها إليه ، ولو فرقها المالك والحال هذه قيل : لا يجزي. وقيل : يجزي وان أثم ، والاول أشبه.

أقول : ذهب الشيخ فى المبسوط (1)الى عدم الاجزاء ، وهو الحق. وذهب بعض الاصحاب الى أنه يجزي.

لنا - أنه لم يأت بالمأمور به على وجهه ، فيبقى فى عهده التكليف. أما الاولى فظاهرة ، اذ لا خلاف فى وجوب دفعها الى الامام عند طلبها. وأما الكبرى فاجماعية.

احتج الآخرون بأنه قد دفع المال الى مصرفه ، فخرج عن العهدة ، ونمنع المقدمة الاولى ، اذ مصرفها مع طلب الامام دفعه إليه ليفرقه فى أماكنه.

قال رحمه‌ اللّه : المملوك الذي يشترى من الزكاة اذا مات ولا وارث له ورثه أرباب الزكاة. وقيل : بل يرثه الامام ، والاول أظهر.

أقول : القول الاول هو المشهور بين الاصحاب ، بل لا أعرف له مخالفا منا وقد ادعى بذلك فى المعتبر ، حيث قال : وعليه علماؤنا (2).

ونقل صاحب كشف الرموز (3)القول الثاني عن ابن ادريس ، وهو غلط ، فان ابن ادريس لم يقل بذلك ، بل أفتى بما قلناه نحن.

ومستند هذا القول ما رواه عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد اللّه عليه ‌السلام عن رجل أخرج زكاة ماله ، فلم يجد لها موضعا ، فاشترى به مملوكا فأعتقه ، هل يجوز ذلك؟ قال : نعم لا بأس بذلك. قلت : فانه اتجر واحترف فأصاب مالا ،


1) المبسوط 1 / 233.

2) المعتبر 2 / 589.

3) كشف الرموز للآبي - مخطوط.

ثم مات وليس له وارث فمن يرثه؟ قال : يرثه الفقراء الذين يستحقون الزكاة لانه انما اشترى بمالهم (1).

والقول الثاني محتمل للاجماع ، على أن الامام وارث من لا وارث له ، ونمنع أنه انما اشترى بمالهم ، لانه أحد مصارفها ، والرواية ضعيفة السند ، فان في طريقها ابن فضال وهو فطحى ، وابن بكير (2)وهو مطعون فيه والاقوى عندي الاول.

قال رحمه‌ اللّه : اذا احتاجت الصدقة الى كيل ووزن ، كانت الاجرة على المالك. وقيل : يحسب من الزكاة ، والاول أشبه.

أقول : القولان للشيخ رحمه‌ اللّه. ولعل الثاني أقرب.

لنا - ان دفع الزكاة على المزكي واجب مطلقا ، ولا يتم الا بالكيل والوزن وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب ، والا لخرج الواجب عن كونه واجبا ، أو لزم تكليف ما لا يطاق ، والثاني بقسميه باطل ، فكذا المقدم.

احتج على الثاني باصالة براءة الذمة ، ولان ايجاب ذلك مخالف [ لظاهر الآية ، فلا يصار إليه الا بدليل قاطع ، والاصل يخالف ] (3)للدليل ، ومخالفة الظاهر انما يكون باثبات ما ينافيه ، أو ينفي ماهيته ، أما اثبات ما لا يدل عليه لفظ الآية لا اثباتا ولا نفيا بدليل آخر ، فليس لمخالفة الظاهر ، فافهمه.

لا يقال : التخصيص بالذكر يدل على نفي الحكم عما عدا المذكور.

لانا نقول : هذا بناء على قاعدة فاسدة ، قد بينا فسادها في كتب الاصول.

قال رحمه‌ اللّه : أقل ما يعطى الفقير ما يجب في النصاب الاول عشرة قراريط


1) فروع الكافى 3 / 557 ، ح 3.

2) والعجب من الطعن فيهما ، فانهما من عيون الثقات ، كما نص على ذلك أرباب الرجال.

3) ما بين المعقوفتين من « س ».

أو خمسة دراهم. وقيل : ما يجب في النصاب الثاني قيراطان أو درهم. والاول أكثر.

أقول : القول الاول مذهب أكثر الاصحاب ، ومستنده الاحاديث الصحيحة المروية عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

والقول الثاني مذهب السيد المرتضى فى المسائل المصرية (1).

وللاصحاب قول ثالث ، وهو عدم التقدير في جانب القلة أيضا ، وهو اختيار ابن ادريس ، عملا بظاهر الآيات الدالة على وجوب ايتاء الزكوات.

قال رحمه‌ اللّه : اذا قبض الامام الزكاة ، دعا لصاحبه وجوبا. وقيل : استحبابا وهو الاشهر.

أقول : القولان للشيخ رحمه‌ اللّه ، لكن الثاني أقوى ، عملا بالاصل.

احتج بقوله تعالى « وَصَلِّ عَلَيْهِمْ » (2)والمراد بالصلاة معنى الدعاء اجماعا ، والامر للوجوب.

والجواب : يحمل على الاستحباب جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه تعالى : اذا أهل الثاني عشر ، وجب دفع الزكاة ، ولا يجوز التأخير الا لمانع ، أو لانتظار من له قبضها. واذا عزلها جاز تأخيرها الى شهر أو شهرين.

والاشبه أن التأخير ان كان لسبب مبيح ، دام بدوامه ولا يتحدد. وان كان اقتراحا لم يجز ويضمن ان تلفت.


1) المسائل المصرية للشريف المرتضى - مخطوط.

2) سورة التوبة : 103.

أقول : هذا القول ذهب إليه الشيخ في النهاية (1)والمبسوط (2)استنادا الى رواية حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قلت : زكاتي يحل على شهر ، أفيصلح أن احبس منها شيئا؟ مخافة أن يجيئني من يسألني ، فقال : اذا حال الحول فأخرجها من مالك ، ولا تخلطها بشي‌ء ، وأعطها كيف شئت. قلت : وان أنا كتبتها وأثبتها أيستقيم لي ذلك؟ قال : نعم (3).

والحق ما ذكره المصنف ، وهو اختيار ابن بابويه وشيخنا المفيد قدس اللّه روحه وابن ادريس.

لنا - أنها عبادة موقتة بوقت ، فلا يجوز تأخيرها عن وقتها الا لعذر. أما الصغرى فظاهرة ، اذ لا خلاف فيها. وأما الكبرى فلانه لو لا ذلك لكان التوقيت عبثا ، والثاني باطل اجماعا فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة ، والرواية معارضة بالأحاديث الكثيرة الدالة على ما اخترناه ، ومع هذا فهي قابلة للتأويل.

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان النصاب يتم بالقرض ، لم تجب الزكاة ، سواء كانت عينه باقية أو تالفة ، على الاشبه.

أقول : قال الشيخ فى الخلاف (4)والمبسوط (5): اذا كان له أربعون شاة فعجل شاة وحال الحول ، جاز الاحتساب له بها من الزكاة ، اذ المعجل دين ومع التمكن من استعادته يكون كالحاصل عنده ، فلا يكون النصاب ناقصا حينئذ. والحق سقوط الزكاة.


1) النهاية ص 183.

2) المبسوط 1 / 227.

3) فروع الكافى 3 / 522 ، ح 3.

4) الخلاف 1 / 318 مسألة 45.

5) المبسوط 1 / 227 - 228.

لنا - انه مال ناقص عن النصاب ، فلا تجب فيه الزكاة. والمقدمتان ظاهرتان هذا تلخيص كلام المصنف.

وفيه نظر ، فان الشيخ رحمه‌ اللّه بنى ذلك على مذهبه من ايجاب زكاة الدين على صاحبه ، اذا كان التأخير من جهته ، ولا ريب أن هذا المعنى موجود هنا ، فيثبت الحكم ، لكن هذا قد بينا ضعفه فيما سلف.

قال رحمه‌ اللّه : وتتعين النية عند الدفع ، ولو نوى بعد الدفع لم أستبعد جوازه.

اقول : عندي في هذه المسألة نظر ، ينشأ : من قوله تعالى « وَما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ » (1)أمر بايقاع العبادة حالة الاخلاص ، وهو لا يتحقق (2)الا مع مقارنة النية للدفع.

لا يقال : لو لم يجز تأخير النية عن وقت الدفع ، لما جاز نقل الزكاة المخرجة عن المال الغائب الى غيره مع ظهور تلفه ، والثاني باطل ، فالمقدم مثله والشرطية ظاهرة ، اذ التقدير مع شرط السلامة أنه حال الدفع لم ينو الاخراج الا عن المال الغائب لا غيره.

لانا نقول : بموجبه ، كما هو مذهب الشيخ فى المبسوط (3)سلمنا لكن الفرق بين الصورتين ظاهر ، فان الظاهر عند الاطلاق التطوع ، فلا يجوز إنشاء النية بعد الدفع.

بخلاف هذه الصورة ، اذ الفقير لم يملك المدفوع زكاة بل قرضا ، اذ المالك انما نواه زكاة بتقدير سلامة المال ، ومع ظهور التلف يبقى مستحقا في يد الفقير


1) سورة البينة : 5.

2) فى هامش « س » : لا نسلم ذلك.

3) المبسوط 1 / 232.

للمالك ، فيجوز نقله الى غيره من أمواله ، بل ويجوز انتزاعه عملا بقوله عليه ‌السلام : الناس مسلطون على أموالهم (1).

قال رحمه‌ اللّه : ولو أخرج عن ماله الغائب ان كان سالما ، ثم بان تالفا ، جاز نقلها الى غيره ، على الاشبه.

اقول : قد تقدم البحث في هذه المسألة في المسألة السابقة مفصلا ، فلا وجه لاعادته.

قال رحمه‌ اللّه : ولو لم ينو رب المال ونوى الساعي أو الامام عند التسليم فان أخذها الساعي كرها جاز ، وان أخذها طوعا قيل : لا يجزي. والاجزاء أشبه.

أقول : قال في المبسوط : ولو نوى الامام ولم ينو رب المال ، فان كان أخذها منه كرها أجزأه ، لانه لم يأخذ الا الواجب. وان أخذها طوعا ولم ينو رب المال ، لم يجزه فيما بينه وبين اللّه تعالى ، غير أنه ليس للامام مطالبته دفعة ثانية (2).

والحق الاجزاء مع التطوع أيضا.

لنا - وجوه :

الاول : انه أتى بالمأمور به على وجهه ، فيخرج عن العهدة ، أما الاولى فلقوله تعالى « خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها » (3)ولا خلاف أن المراد بها الزكاة. وأما الثانية فظاهرة.

الثاني : اصالة براءة الذمة من وجوب الدفع ثانيا ، ترك العمل بها في بعض الاماكن للدليل ، فيبقى الباقي على أصله.


1) عوالى اللئالى 1 / 222 و 457 و 2 / 138 و 3 / 208.

2) المبسوط 1 / 233.

3) سورة التوبة : 103.

الثالث : عبادة قابلة للنيابة في الدفع اجماعا ، فأجزأه نيابة الامام في النية ، كاجزائه في الدفع ، كما في الحج.

فرع :

لو أخذ الزكاة الجائز ، ففي الاجزاء قولان.

قال رحمه‌ اللّه : لا تجب الفطرة على الفقير ، وهو من لا يملك أحد النصب الزكاتية. وقيل : من تحل له الزكاة. وضابطه : أن لا يملك قوت سنته له ولعياله ، وهو الاشبه.

أقول : ذهب الشيخ في النهاية (1)والمبسوط (2)الى الاول ، وهو قول السيد المرتضى ، واختاره ابن البراج. وقال في الخلاف : تجب زكاة الفطرة على من ملك نصابا زكاتيا أو قيمته (3).

وقال شيخنا المفيد قدس اللّه روحه : يشترط في وجوبها وجود الطول لها. ثم قال بعد : تجب على من عنده قوت السنة. وهو الحق ، واختاره في المعتبر (4).

لنا - ان وجود الكفاية يمنع من أخذها ، فتجب عليه. أما المقدمة الاولى ، فقد تقدم بيانها. وأما الثانية ، فلقول الصادق عليه ‌السلام : من حلت له لا تحل عليه ، ومن حلت عليه لا تحل له (5).

احتجوا بأصالة البراءة. وهو ضعيف ، لما مر من الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : الزوجة والمملوك تجب الزكاة عنهما ، وان لم يكونا في


1) النهاية ص 189.

2) المبسوط 1 / 239.

3) الخلاف 1 / 368 مسألة 28.

4) المعتبر 2 / 593.

5) تهذيب الاحكام 4 / 73 ، ح 11.

عياله ، اذا لم يعلهما غيره. وقيل : لا تجب الا مع العيلولة ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : هل الفطرة تابعة للعيلولة أو الملك والتزوج؟ فيه احتمال فان جعلناها تابعة للعيلولة ، لم تجب الاخراج هنا ، لاستحالة وجود التابع من حيث أنه تابع بدون المتبوع وان جعلناها تابعة للملك ، أو العقد الدائم مع الدخول ، وجبت.

ولعل الثاني أقرب ، لان السيد والزوج وان لم يعلهما حقيقة ، فهو عائل لهما حكما ، لان ما بيد العبد للمولى ، ونفقة الزوجة لازمة للزوج اجماعا ، فتجب عليه قضاؤها.

قال رحمه‌ اللّه : اذا أوصى له بعبد ، ثم مات الموصي ، فان قبل الوصية قبل الهلال ، وجبت عليه. وان قبل بعده سقطت. وقيل : تجب على الورثة. وفيه تردد.

أقول : ذهب الشيخ في المبسوط (1)والخلاف (2)الى أنه لا زكاة على الموصى له اذا قبل بعد الهلال ، ولا على الوارث ، أعني : وارث الموصي. وذهب بعض علمائنا الى وجوبها على الوارث هنا.

وهذه المسألة تبنى على أن قبول الموصى له هل هو كاشف أو ناقل ، فان قلنا بالاولى وجبت عليه. وان قلنا بالثاني ، وجبت على الوارث ، وسيأتي تحقيقه.

فرع :

وكذا البحث لو مات الموصى له أيضا قبل الهلال ، ثم قبل ورثته الوصية بعد الهلال ، سواء كان موته قبل موت الموصي على الاصح ، أو بعده.


1) المبسوط 1 / 240.

2) الخلاف 1 / 367 مسألة 25.

قال رحمه‌ اللّه : ولو وهب له ولم يقبض ، لم تجب الزكاة على الموهوب. ولو مات الواهب ، كانت على الورثة. وقيل : لو قبل ومات ، ثم قبض الورثة قبل الهلال ، وجبت عليهم ، وفيه تردد.

أقول : قال الشيخ في المبسوط : ولو وهب له عند قبل الهلال ، فقبله ولم يقبض حتى استهل شوال ، فالفطرة على الموهوب له ، لانه ملكه بالايجاب والقبول وليس القبض شرطا في انعقاده ، ومن جعله شرطا أوجبها على الواهب ، لبقاء ملكه. قال : وهو الصحيح عندنا (1).

فان قبل ومات قبل القبض وقبل الهلال وقبضه الورثة بعد دخول شوال ، الزم الورثة فطرته ، وفيما ذكره في الورثة خلل من وجهين :

الاول : في ايجاب الفطرة على الورثة. والحق بطلان الهبة ، لان القبض شرط ولم يحصل ، وقد سلم هو ذلك في المسألة السابقة.

الثاني : سلمنا أن القبض ليس شرطا ، كما اختاره في مسائل الخلاف ، لكن تقييد الايجاب بالقبض ليس بجيد ، لتحقق الملك الموجب للفطرة بالقبول ، فلا معنى لاشتراط القبض حينئذ.

والظاهر أن مقصوده ايجاب الزكاة على الورثة من غير تعليق له على القبض فتسقط الاعتراض الثاني اذن.

قال رحمه‌ اللّه : ولا تقدير في عوض الواجب ، بل يرجع الى قيمة السوق وقدره قوم بدرهم ، وآخرون بأربعة دوانيق فضة ، وليس بمعتمد ، وربما نزل على اختلاف الاسعار.

أقول : ظاهر قول بعض علمائنا يؤذن بهذا التقدير ، وربما كان تعويلا على


1) المبسوط 1 / 240.

رواية (1)شاذة.

والحق أن الحوالة في التقدير على القيمة السوقية ، وهو مذهب أكثر الاصحاب لرواية اسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال قلت له : جعلت فداك ما تقول في الفطرة؟ يجوز أن يؤديها فضة بقيمة هذه الاشياء التي سميتها ، قال : نعم ان ذلك أنفع له يشتري ما يريد (2).

قال رحمه‌ اللّه : تجب الفطرة بهلال شوال ، ولا يجوز تقديمها قبله ، الاعلى سبيل القرض ، على الاظهر.

أقول : ذهب الشيخ رحمه‌ اللّه الى جواز تقديم الفطرة في شهر رمضان من أوله ، واختيار ابني بابويه رحمهما‌اللّه.

وذهب شيخنا المفيد الى أنه لا يجوز الا على سبيل الاقتراض ، وهو ظاهر كلام سلار وابن البراج ، واختاره أبو الصلاح ، وهو فتوى ابن ادريس ، وظاهر كلام الشيخ في الاقتصاد (3).

احتج المجوزون بوجوه :

الاول : أن في تقديمها خيرا لحال الفقير ، فكان مشروعا. أما الاولى فظاهرة وأما الثانية ، فلان الاحكام منوطة بالمصالح عندنا ، ولا مصلحة أهم من هذه المصلحة.

الثاني : الاستناد الى ظاهر الرواية عن الباقر والصادق عليهما‌السلام (4)من طرق عدة.

الثالث : الاصل الجواز ، ترك العمل به فيما قبل شهر رمضان للاجماع ، فيبقى معمولا به فيما عداه.


1) المقنعة ص 41.

2) تهذيب الاحكام 4 / 86 ، ح 7.

3) الاقتصاد ص 285.

4) تهذيب الاحكام 4 / 76 ، ح 4.

واحتج المانعون بوجوه :

الاول : عبادة موقتة ، فلا يجوز فعلها قبل وقتها. والمقدمتان ظاهرتان.

الثاني : لو جاز التقديم في شهر رمضان لجاز قبله ، والتالي باطل اجماعا فكذا المقدم. بيان الشرطية : ان المقتضي للجواز جبر حال الفقير ، وهذا المعنى موجود هنا ، فيثبت (1)الحكم عملا بالمقتضي.

الثالث : الاستناد الى ظاهر رواية العيص عن الصادق عليه ‌السلام (2).

قال رحمه‌ اللّه : ويجوز اخراجها بعده ، وتأخيرها الى قبل صلاة العيد أفضل فان خرج وقت صلاة العيد وقد عزلها ، أخرجها واجبا بنية الاداء ، وان لم يكن عزلها سقطت. وقيل : يأتي بها قضاء. وقيل : أداء. والاول أشبه.

أقول : البحث في هذه المسألة تتضح بتقديم تقدم مقدمة ، لو أخر دفعها عن الزوال لغير عذر أثم اتفاقا منا ، ولانه تارك للمأمور به ، فيكون عاصيا ، والعاصي مستحق للعقاب.

أما الاولى فظاهرة ، اذ لا خلاف أنه مأمور بدفعها قبل الزوال.

وأما الثانية ، فلقوله تعالى « لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ » (3)« أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي » (4).

وأما الثالثة ، فلقوله تعالى « وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً » (5)أما لو كان لعذر ، فانه لا يأثم اجماعا منا.

اذا ثبت هذا فتقول : اذا أخر دفعها ، فاما أن يعزلها - أي : يفردها - عن


1) فى « س » : فثبت.

2) تهذيب الاحكام 4 / 75 - 76 ، ح 1.

3) سورة التحريم : 6.

4) سورة طه : 93.

5) سورة الجن : 23.

ماله أو لا ، فان عزلها أخرجها مع الامكان ، وهذا لا خلاف فيه أيضا. وان لم يعزلها قال المفيد رحمه‌ اللّه : سقط وجوبها ، ومثله قال في الخلاف (1). وهو ظاهر كلام أبي الصلاح وابن البراج ، وذهب الشيخ الى وجوب الاتيان بها أداء.

واحتج الاولون بوجوه :

الاول : أصالة براءة الذمة ، ترك العمل بها في وجوب الاخراج قبل الزوال للامر الدال عليه ، فيبقى معمولا به فيما عداه.

الثاني : الفطرة عبادة موقتة اجماعا ، وكل عبادة موقتة تفوت بفوات وقتها والقضاء انما يجب بأمر جديد ولم يوجد. أما الصغرى ، فاجماعية [ اذ لا خلاف في ذلك ، وان اختلفوا في أوله أو آخره. وأما الثانية فاجماعية ] (2)أيضا.

الثالث : ما رواه الاصحاب عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : الفطرة ان أعطيت قبل الخروج الى صلاة العيد فهي فطرة ، وان أعطيت بعد ما يخرج فهي صدقة (3).

واحتج الآخرون بالاحتياط ، اذ مع الاخراج تحصل براءة الذمة قطعا ، بخلاف الثاني ، وسلوك الطريق المأمون أولى من سلوك المخوف عقلا ، فيكون كذلك شرعا ، لقوله عليه ‌السلام : ما رآه المسلمون حسنا ، فهو عند اللّه حسن (4). وتعارض بمثله اذ اعتقاد ما ليس بواجب واجب (5)خطأ.

احتج ابن ادريس بأن الزكاة المالية والبدنية انما تجب بدخول وقتها ، فاذا دخل صار المكلف مخاطبا بأدائها الى أن يفعله ، وهو ضعيف ، لان وجوبها موقت أولا


1) الخلاف 1 / 372.

2) ما بين المعقوفتين من « س ».

3) تهذيب الاحكام 4 / 76 ، ح 3.

4) مسند أحمد بن حنبل 1 / 379.

5) فى « م » : واجبا.

وآخرا ، والا لما تضيقت عند الصلاة.

قال رحمه‌ اللّه : لو وجد كنزا في أرض موات من دار الاسلام ، فان لم يكن عليه سكة ، أو كان عليه سكة الاسلام ، قيل : يعرف كاللقطة. وقيل : يملكه الواجد وعليه الخمس. والاول أشبه.

اقول : قال الشيخ في المبسوط : وأما الكنوز التي توجد في بلاد الاسلام فان وجدت في ملك الانسان ، وجب أن يعرف أهله ، فان عرفه كان له. وان لم يعرفه ، أو وجدت في أرض لا مالك لها ، فهي على ضربين : فان كان عليها أثر الاسلام ، مثل أن يكون عليها سكة الاسلام ، فهي بمنزلة اللقطة سواء ، وسنذكر حكمها في بابها.

وان لم يكن عليها أثر الاسلام ، أو كان عليها أثر الجاهلية من الصور المجسمة أو غير ذلك ، فانه يخرج منها الخمس ، ويكون الباقي لمن وجدها (1).

وقال في الخلاف (2)بالقول الثاني ، اذا لم يكن عليه أثر ملك ، واختاره ابن ادريس. والحق الاول.

لنا - أنه مال ضائع ، لا بدّ لاحد عليه ، فتكون لقطة. أما الصغرى ، فلانه التقدير ، وأما الكبرى فاجماعية.

احتج في الخلاف بالعموم الدال على وجوب اخراج الخمس من الكنوز من غير فرق.

والجواب : العام يخص للدليل ، وقد بيناه.

قال رحمه‌ اللّه : الذمي اذا اشترى أرضا من مسلم ، وجب فيها الخمس ، سواء كانت مما فيه الخمس ، كالارض المفتوحة عنوة ، أو ليس فيه ، كالارض


1) المبسوط 1 / 236.

2) الخلاف 1 / 358 مسألة 148.

التي أسلم عليها أهلها.

اقول : قال المصنف قدس اللّه روحه : الظاهر أن مراد الاصحاب أرض الزراعة لا المساكن ، وعندي في هذا التخصيص نظر.

وقوله « الارض المفتوحة عنوة » فيه نظر ، سيأتي تحقيقه أيضا.

قال رحمه‌ اللّه : الخمس يقسم ستة أقسام. وقيل : بل خمسة. والاول أشهر.

اقول : القول الاول مذهب أكثر الاصحاب ، والثاني منقول عن بعض الاصحاب ، تعويلا على رواية (1)شاذة ، ومع هذا فهي غير دالة على المطلوب صريحا ، وهي مخالفة للمذهب ، فانه يتضمن قسمة الاخماس الذي بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل على الاول ، وعليه دلت ظاهر الآية (2)والرواية (3).

قال رحمه‌ اللّه : ويعتبر في الطوائف الثلاث انتسابهم الى عبد المطلب بالابوة فلو انتسبوا بالام خاصة ، لم يعطوا من الخمس شيئا ، على الاظهر.

اقول : للاصحاب في هذه قولان ، فذهب الشيخ الى اعتبار الانتساب بالاب في استحقاق الخمس ، واختاره ابن حمزة وابن ادريس ، ولم يعتبر السيد المرتضى ذلك ، بل جوز أن يكون منتسبا بالام أيضا. والحق الاول.

لنا - ان اطلاق النسب يقتضي الانتساب بالاب ، اذ لا يقال : تميمي الا لمن ينتسب الى تميم بالاب دون الام. ويؤيده قول الشاعر :

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد

وما روي عن العبد الصالح أبي الحسن الاول عليه ‌السلام قال : من كانت أمه من


1) تهذيب الاحكام 4 / 128 ، ح 1.

2) سورة الانفال : 41.

3) تهذيب الاحكام 4 / 126.

بني هاشم وأبوه من سائر قريش ، فان الصدقة تحل له ، وليس له من الخمس شي‌ء ، لان اللّه يقول « ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ » (1).

احتج المرتضى قدس اللّه روحه بقوله عليه ‌السلام عن الحسن والحسين عليهما‌السلام : هذان إمامان قاما أو قعدا (2). والاصل في الاطلاق الحقيقة ، وهو ضعيف ، فان الاطلاق انما يدل على الحقيقة مع عدم المعارض ، والمعارض هنا موجود.

قال رحمه‌ اللّه : مستحق الخمس - الى آخره.

أقول : هذه المسألة قد تقدم البحث فيها مستوفى.

قال رحمه‌ اللّه : هل يجوز أن يخص بالخمس طائفة؟ قيل : نعم. وقيل : لا وهو الاحوط.

أقول : المراد بالخمس هنا ما عدا حصة الامام عليه ‌السلام. وقد اختلف الاصحاب في قسمته ، فظاهر كلام الشيخ رحمه‌ اللّه يشعر بوجوب التشريك ، ونص أبو الصلاح على ذلك ، حيث قال : والشطر الاخر للمساكين واليتامى وأبناء السبيل لكل صنف ثلاثة (3).

ونقل صاحب كشف الرموز (4)عن ابن ادريس تفصيلا عجيبا ، ومضمونه بسط شطر الخمس على الاصناف الثلاثة بالسوية مع حضورهم ، وجواز التخصيص مع عدم حضور الجميع.

ومنشأ الاختلاف النظر الى الآية ، فانها يحتمل أن يكون اللام فيها للتخصيص فيكون لبيان المصرف كما في آية الزكاة. ويحتمل أن يكون للتمليك ، فتجب


1) تهذيب 4 / 128 - 129 والآية فى سورة الاحزاب : 5.

2) حديث متواتر عن النبي صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله رواه جمع من الفريقين ، ورواه العلامة المجلسى فى البحار 43 / 278.

3) الكافى للحلبى ص 173 - 174.

4) كشف الرموز للآبي - مخطوط.

قسمة الشطر على الاصناف الثلاثة حينئذ. ولعل الاول أقرب لوجهين :

الاول : أن التخصيص أعم من التمليك من غير عكس كلي ، واذا ثبت أن الاول أعم كان جعل اللام حقيقة فيه أولى ، لان الاحتياج الى الخاص يستلزم الاحتياج الى العام ، ولا ينعكس ، لان الاحتياج الى العام لا يستلزم الاحتياج الى الخاص ، وهو ظاهر ، وجعل اللفظ لما يكبر الحاجة الى التعبير عنه أولى من جعله لما ليس كذلك.

الثانى : الرواية المشهورة المأثورة عن أبي الحسن عليه ‌السلام (1).

قال رحمه‌ اللّه : هل يعتبر الفقر في اليتيم؟ قيل : نعم. وقيل : لا. والاول أحوط.

أقول : ذهب الشيخ في المبسوط (2)الى عدم اعتباره ، واختاره ابن ادريس ، نظرا الى عموم الآية ، ولان اعتبار الفقر فيه يستلزم تداخل الاقسام ، فيكون اليتيم داخلا تحت المساكين.

والوجه اعتباره ، لان الخمس خير ومساعدة ، فيخص به ذوو الخصاصة والمسكنة دون غيرهم. أما الصغرى ، فلرواية زرارة السابقة عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (3).

وأما الكبرى فظاهرة ، وإلا لزم تحصيل الحاصل ، وهو محال.

قال رحمه‌ اللّه : الايمان معتبر في المستحق على تردد.

أقول : وجه الجواز النظر الى عموم الآية.

ووجه الاعتبار الالتفات الى فتوى الاصحاب ، ولانه أحوط للبراءة ، ولان غير المؤمن محاد لله ولرسوله ، فلا يفعل معه ما يؤذن بالمودة.

قال رحمه‌ اللّه : والعدالة لا تعتبر على الاظهر.


1) تهذيب الاحكام 4 / 128 ، ح 2.

2) المبسوط 1 / 257.

3) تهذيب الاحكام 4 / 59 ، ح 6.

أقول : ذهب الشيخ في بعض كتبه الى اعتبار العدالة. والحق العدم ، عملا بعموم الآية وعليه الاكثر.

واعلم أن الشيخ رحمه‌ اللّه رجع عما قاله بعد ذلك بلا فصل.

قال رحمه‌ اللّه : ما يجب من الخمس يجب صرفه إليه مع وجوده ، ومع عدمه قيل : يكون مباحا. وقيل : يجب حفظه ، ثم يوصي به عند ظهور أمارة الموت. وقيل : يدفن. وقيل : يصرف النصف الى مستحقه ، ويحفظ ما يختص به بالوصاة أو الدفن.

وقيل : بل تصرف حصته الى الاصناف الموجودين أيضا ، لان عليه الاتمام عند عدم الكفاية ، فكما يجب ذلك مع وجوده ، فهو واجب عليه عند عدمه ، وهو أشبه.

أقول : ليس للاصحاب في هذه المسألة نص صريح ، وقد طال التشاجر بينهم بسبب ذلك ، لكن الحق ما رجحه المصنف ، لموافقته العقل ، ولدلالة ظواهر (1)النقل عليه.


1) فى « س » : ظاهر.

الفصل الرابع : ( فى إيضاح الترددات المذكورة فى كتاب الصوم )

اشارة

قال رحمه‌ اللّه : يكفي في رمضان أن ينوي أنه يصوم متقربا الى اللّه ، وهل يكفي ذلك في النذر المعين؟ قيل : نعم. وقيل : لا. وهو الاشبه.

اقول : البحث في هذه المسألة يقع في مقامين :

الاول : في كيفية نية القربة ، والفرق بينها وبين نية التعيين. أما كيفية نية القربة ، فقد فسرها الشيخ في المبسوط ، فقال : معنى نية القربة : أن ينوي أنه صائم فقط متقربا الى اللّه تعالى. ونية التعيين أن ينوي أنه صائم شهر رمضان. ثم قال : فان جمع بينهما في رمضان كان أفضل ، وان اقتصر على نية القربة أجزأه (1). ونحوه قال في الخلاف (2). وزاد ابن ادريس نية الوجوب فيهما ، وهو حسن.

اذا عرفت هذا فنقول : القدر الواجب في نية القربة شيئان : قصد التقرب ، والوجوب ، وفي نية التعيين ثلاثة أشياء : التقرب ، والوجوب أو الندب ، والقصد الى الصوم المخصوص.


1) المبسوط 1 / 276.

2) الخلاف 1 / 374.

المقام الثاني : قد وقع الاتفاق على أن نية القربة كافية في شهر رمضان ، ووقع أيضا على أنها غير كافية فيما عدا شهر رمضان والنذر المعين.

وحصل الاختلاف في الاكتفاء بها في النذر المعين ، فذهب الشيخ الى أنها غير كافية ، بل لا بدّ من نية التعيين ، لانه زمان لم يعينه الشارع في الاصل للصوم فافتقر الى التعيين ، ولانه أحوط.

وذهب المرتضى قدس اللّه روحه الى الاكتفاء بها ، ومنعه ابن ادريس ، لان الشرع وان لم يعين زمانه في الاصل ، فقد يعين بالنذر ، وكما لا يفتقر رمضان الى نية التعيين لتعين زمانه ، فكذا هنا ، ونمنع المساواة بين المعنيين.

سلمنا لكن التعيين ليس أمرا وجوديا ، فلا يصلح للعلية ، واذا كان كذلك لم يكن الاكتفاء بنية القربة في شهر رمضان معللا بالتعيين ، بل بعلة غير معلومة لنا.

سلمنا لكن التعدي قياس ، وهو باطل عند كثير ، وبالجملة فأنا في هذه المسألة من المتوقفين.

قال رحمه‌ اللّه : ولو زالت الشمس فات محل النية ، واجبا كان الصوم أو ندبا. وقيل : يمتد وقتها الى الغروب لصوم النافلة. والاول أشهر.

أقول : قد ذهب الى هذا القول بعض أصحابنا ، وهو اختيار السيد المرتضى وابن حمزة ، وتبعه ابن ادريس ، وبه روايات ، لكن الاول أنسب بالاصل وأظهر في النقل ، وعليه عمل أكثر الاصحاب.

وذهب أبو علي ابن الجنيد منا الى جواز ايقاع النية بعد الزوال لصوم الفرض أيضا ، ذاكرا كان أو ناسيا ، وهو قول شاذ وبه روايات أيضا.

قال رحمه‌ اللّه : وقيل : يختص رمضان بجواز تقديم نيته عليه ، ولو سها عند دخوله فصام ، كانت النية الاولى كافية.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ رحمه‌ اللّه في كتب الفتاوى خاصة ومنعها

ابن ادريس ، وهو الحق ، عملا بقوله تعالى « وَما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ » (1)وتقرير الاستدلال بها قد تقدم.

واحتجاجه بجواز تقديم النية من أول الليل وان تقدم الاكل أو غيره ضعيف أما أولا ، فلانه قياس ، وهو باطل عندنا. وأما ثانيا ، فلوجود الفارق ، وهو قوله عليه ‌السلام : لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (2).

قال رحمه‌ اللّه : وكذا قيل : يجزي نية واحدة لصيام الشهر كله.

أقول : هذه المسألة ذكرها الثلاثة قدس اللّه أرواحهم وأتباعهم ، ومنعها شيخنا دام ظله ، ورجحه المصنف في المعتبر (3).

احتج الاولون بالاجماع. واحتج السيد المرتضى قدس اللّه روحه بأنه عبادة واحدة ، فتكفي نية واحدة. أما الصغرى ، فلان حرمته واحدة ، وهو ظاهر ، ولانه يخرج منه بمعنى واحد ، وهو الافطار. وأما الكبرى فاجماعية ، والاجماع ممنوع والصغرى ممنوعة ، ونمنع اتحاد الحرمة. سلمنا ولكنه غير دال على المطلوب وكذا الوجه الثاني ، وهو ظاهر.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يقع في رمضان صوم غيره. ولو نوى غيره - ولو نوى غيره - واجبا كان أو ندبا - أجزأ عن رمضان دون ما نواه.

أقول : هذه المسألة لها صورتان :

الاولى : أن يكون عالما بشهر رمضان ، ثم ينوي غيره.

الثانية : أن يكون جاهلا.

أما الاولى ، فقد حكم جماعة من أكابر علمائنا ، كالشيخ والسيد وأتباعهما


1) سورة البينة : 5.

2) سنن البيهقى 4 / 213.

3) المعتبر 2 / 649.

بوقوعها عن شهر رمضان ، ومنع ابن ادريس ذلك وقال : لا يجزي عن رمضان ولا غيره يعني : الذي نواه. ولعله أقرب.

احتجا بأن النية المعتبرة - وهي نية القربة - حاصلة ، وانما قلنا انها حاصلة لدخولها تحت نية التعيين تضمنا ، فيكون الزائد لغوا. واذا كانت النية المعتبرة حاصلة ، كان الصوم واقعا بشرطه ، فيكون مجزيا ، لان الامر للاجزاء على ما بين في أماكنه.

وهو ضعيف جدا ، فانا لا نسلم الغاء الزيادة ، اذ جزئيات الكلي متضادة ، وإرادة أحد الضدين تنافي الضد الاخر.

احتج ابن ادريس بقوله عليه ‌السلام « الاعمال بالنيات ، وانما لامرئ ما نوى » (1)فحكم عليه ‌السلام بأن الاعمال تابعة للقصود ، والتقدير : انه لم يوقع النية عن شهر رمضان ، فلا ينصرف إليه ، وصرف الصوم الى غيره لا يصح اتفاقا ، فلا يجزي عن أحدهما.

وأما الثانية (2)، فقد حكم الشيخ رحمه‌ اللّه والسيد المرتضى قدس اللّه روحهما فيها بما حكما في الصورة الاولى ، ووافقهما ابن ادريس على ذلك ، وهو الظاهر من كلام الشيخ علي بن بابويه ، محتجين بما تقدم.

وعندي فيه اشكال ، منشؤه ما سلف من الجواب ، وانما خرجنا عن سبيلنا المألوف في هذا الكتاب ، ليكون هذه المسألة من امهات هذا الكتاب (3).

قال رحمه‌ اللّه : ولو صام آخر يوم من شعبان على أنه ان كان من رمضان كان واجبا ، والا كان مندوبا قيل : يجزي. وقيل : لا يجزي ، وعليه الاعادة ، وهو الاشبه.


1) تهذيب الاحكام 4 / 186.

2) فى هامش « س » عن نسخة : وأما النية.

3) فى « م » : الباب.

أقول : القولان للشيخ قدس اللّه روحه ، لكن الثاني أقرب ، وهو اختيار ابن ادريس ، واختار ابن حمزة الاول.

لنا - أن الجزم شرط في النية ولم يحصل.

واحتج على الاول بأن نية القربة كافية في رمضان وقد حصلت.

والجواب : هذه قاعدة قد بينا ضعفها في المسألة السابقة ، سلمنا لكن نية التعيين انما تسقط فيما علم أنه من شهر رمضان لا فيما لا علم.

قال رحمه‌ اللّه : ولو نوى الافطار في يوم من رمضان ، ثم جدد قبل الزوال قيل : لا ينعقد وعليه القضاء ، ولو قيل بانعقاده كان أشبه.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)، والانسب بمذهبه عدم ايجاب القضاء ، وذاك أنه قال : لو عزم على فعل ما ينافي الصوم ، أو نوى الافطار ، لم يبطل صومه.

وأما على قاعدتنا ، فلا وجه للصحة ، وذاك انما يوجب استمرار النية حكما ، وكذلك الفرع الاخر انما يتمشى على قاعدة الشيخ لا على قاعدتنا ، وان كان لا يفهم من كلامه رحمه‌ اللّه ذلك.

قال رحمه‌ اللّه : يجب الامساك عن الجماع في القبل اجماعا ، وفي دبر المرأة على الاظهر ، ويفسد صوم المرأة ، وفي فساد الصوم بوطي الغلام والدابة تردد وان حرم. وكذا القول في فساد صوم الموطوء ، والاشبه أنه يتبع وجوب الغسل.

أقول : الحق أن وجوب الامساك وفساد الصوم ولزوم القضاء والكفارة أحكام تابعة لوجوب الغسل ، فان قلنا بوجوبه ، لانهما معلولان علة واحدة ، يثبت هذه الاحكام ، والا فلا ، وقد استقصينا البحث عن ذلك في كتاب الجنابة.

واعلم أنه لا خلاف في فساد صوم الواطئ في جميع هذه الصور مع الانزال.


1) المبسوط 1 / 277.

قال رحمه‌ اللّه : وعن الكذب على اللّه وعلى رسوله وعلى الائمة عليهم ‌السلام وهل يفسد الصوم بذلك؟ قيل : نعم. وقيل : لا ، وهو الاشبه.

أقول : لا خلاف في وجوب الامساك عن ذلك مطلقا ، ويتأكد في شهر رمضان كسرقة. وانما الخلاف في افساد الصوم وايجاب الكفارة ، فذهب الشيخان رحمهما‌اللّه الى أنه يفسد ، ويوجب القضاء والكفارة ، واختاره المرتضى في الانتصار (1)، واختاره أبو الصلاح وابن البراج ، وعده ابن بابويه من المفطرات. وقال علم الهدى : انه لا يفسد ، نقله الشيخ عنه في الخلاف (2)، وهو أقرب.

لنا - أصالة صحة الصوم ، ورواية محمد بن مسلم الصحيحة عن أبي جعفر عليه ‌السلام قال : لا يضر الصائم ما صنع اذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب والارتماس (3).

واحتجاجهم بالروايات ضعيف ، لضعف سندها ، ولاشتمال بعضها على ما لا يقول به ، وهو نقض الوضوء أيضا ، ودعوى الاجماع مكابرة.

قال رحمه‌ اللّه : وعن الارتماس. وقيل : لا يحرم بل يكره ، والاول أشبه. وهل يفسد لفعله؟ الاشبه لا.

أقول : البحث في هذه تقع في مقامين :

الاول : ذهب الشيخان وأكثر الاصحاب الى أن الارتماس محرم ، عملا بالروايات الدالة عليه. وذهب السيد المرتضى الى أنه مكروه في أحد قوليه ، واختاره ابن أبي عقيل ، عملا بالاصل ، ويؤيده رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي


1) الانتصار ص 62.

2) الخلاف 1 / 401 مسألة 85.

3) تهذيب الاحكام 4 / 189 ، ح 2.

عبد اللّه عليه ‌السلام قال : أكره للصائم أن يرتمس في الماء (1).

والاصل يخالف لقيام الدليل ، وهو الروايات المشهورة الدالة على المنع ، والرواية ضعيفة السند ، مع أنها قابلة للتأويل ، فان المكروه يطلق على المحظور وعلى ترك الاولى ، وعلى المرجوح فعله بالاشتراك ، فيحمل على المحظور ، جمعا بين الادلة.

وأما المقام الثاني ، فذهب الشيخان الى أنه يوجب القضاء والكفارة أيضا ، عملا بالاحتياط ، وهو معارض بالاصل ، وقال أبو الصلاح بأنه يوجب القضاء فحسب.

وأطبق باقي الاصحاب القائلين بالتحريم على نفيهما ، وهو اختياره في الاستبصار (2)، وهو الحق ، عملا بأصالة براءة الذمة ، وأصالة العبادة ، ويؤيده رواية اسحاق بن عمار قال : قلت لابي عبد اللّه عليه ‌السلام : رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا أعليه قضاء ذلك اليوم؟ قال : ليس عليه قضاء ولا يعودن (3).

قال في المعتبر : ويمكن أن يكون الوجه في التحريم الاحتياط للصوم ، فان المرتمس في الاغلب لا ينفك أن يصل الماء الى جوفه فيحرم ، وان لم تجب عليه قضاء ولا كفارة إلا مع اليقين بابتلاعه ما يوجب الافطار (4).

قال رحمه‌ اللّه : وفي ايصال الغبار الغليظ الى الحلق خلاف ، والاظهر التحريم وفساد الصوم.

أقول : اضطرب قول الاصحاب في هذه المسألة ، لاضطراب الاحاديث ، فذهب الشيخ رحمه‌ اللّه الى أن ايصال الغبار الغليظ الى الحلق محرم ، يوجب


1) تهذيب الاحكام 4 / 209 ، ح 13.

2) الاستبصار 2 / 85.

3) الاستبصار 2 / 84 - 85 ، ح 6.

4) المعتبر 2 / 657.

القضاء والكفارة.

وحكى في المبسوط (1)عن بعض الاصحاب ايجاب القضاء فحسب ، وهو فتوى الشيخ المفيد قدس اللّه روحه ، عملا بأصالة البراءة ، وظاهر كلام أبي الصلاح واختاره ابن ادريس مع تعمد الكون من غير ضرورة ، وفي أخبارنا ما يدل على الجواز. والاقرب عند المصنف قول الشيخ.

لنا - أنه أوصل الى جوفه بفمه ما ينافي الصوم ، فكان مفسدا له. أما الصغرى فظاهرة ، اذ ايصال الغبار الى الحلق مناف للامساك ضرورة. وأما الكبرى فاجماعية ، وخلاف المرتضى غير معتبر لرجوعه عنه.

ويؤيده رواية سليمان بن حفص المروزي قال : سمعته يقول : اذا شم الصائم رائحة غليظة أو كنس بينا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين ، فان ذلك له فطر ، مثل الاكل والشرب والنكاح (2).

وفيه ضعف ، والرواية مقطوعة ، والاجماع انما انعقد على فساد ما يسمى مأكولا معتادا كان أو غيره ، كالحصى والبرد ، أو مشروبا كذلك لا مطلقا.

قال رحمه‌ اللّه : وعن البقاء على الجنابة عامدا حتى يطلع الفجر من غير ضرورة ، على الاشهر.

اقول : لا خلاف بين الاصحاب أن البقاء على ذلك محرم ، وانما الخلاف في أنه هل يوجب القضاء فحسب ، أم القضاء والكفارة؟ فذهب أكثر الاصحاب الى الثاني ، وذهب ابن أبي عقيل الى الاول ، عملا بأصالة براءة الذمة من الكفارة.

واختار ابن بابويه في المقنع (3)، ان لا قضاء ولا كفارة ، عملا بأصالة البراءة


1) المبسوط 1 / 271.

2) تهذيب الاحكام 4 / 214 ، ح 28.

3) المقنع ص 60.

ورواية حبيب الخثعمي عن الصادق عليه ‌السلام قال : كان رسول اللّه صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله يصلي صلاة الليل في شهر رمضان ، ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر (1).

لنا - أن الا نزال نهارا موجب للقضاء والكفارة ، فكذا استصحابه ، بل هذا آكد ، لان الاول قد انعقد صومه ابتداءً بخلاف الثاني.

ويؤيده رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ، ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح ، قال : يعتق رقبة ، أو يصوم شهر بن متتابعين ، أو يطعم ستين مسكينا قال : ولادائه لا أراه يدركه أبدا (2). وفي معناها رواية سليمان الجعفري (3)، والاصالة تخالف للدلالة بالروايتين ، ويحتمل وجوها :

الاول : أن يكون التأخير مقرونا بعذر.

الثاني : أن يكون المراد بالفجر الفجر الاول.

الثالث : أن يكون المقصود به التأخير الى قبل الطلوع بقليل ، بحيث يكون آخر جزء من الغسل مقارنا لاول جزء منه.

فرع :

لو طهرت الحائض أو النفساء ، فأخرتا الغسل الى طلوع الفجر ، وجب عليها القضاء والكفارة ، وأوجب ابن أبى عقيل القضاء فحسب ، بناء على قاعدته وقد عرفت ضعفها.

قال رحمه‌ اللّه : لو نظر الى امرأة فأمنى ، لم يفسد صومه على الاظهر ، وكذا لو استمع.


1) تهذيب الاحكام 4 / 213 ، ح 27.

2) تهذيب الاحكام 4 / 212 ، ح 23.

3) تهذيب الاحكام 4 / 212 ، ح 24.

أقول : هاتان المسألتان ذكرهما الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)، وأوجب القضاء فيهما ، بشرط كون المرأة محرمة ، وأن يكون بشهوة ، وهو خيرة المفيد قدس اللّه روحه ، وتبعه سلار. وقال السيد المرتضى : اذا تعمد استنزال الماء الدافق ، وجب عليه القضاء والكفارة ، وان كان بغير جماع. واختاره ابن البراج.

وقال في المسائل الناصرية : عندنا أنه اذا نظر الى ما يحل له النظر إليها ، فأنزل غير مستدع للانزال ، لم يفطر (2).

وقال في الخلاف (3)والنهاية (4)لا شي‌ء عليه ، واختاره ابن ادريس ، وأجود ما قيل هنا تفصيل السيد المرتضى أولا ، لصدق الاستمناء عليه حينئذ.

قال رحمه‌ اللّه : والحقنة بالجامد جائزة ، وبالمائع محرمة ، ويفسد بها الصوم على تردد.

اقول : هنا بحوث :

البحث الاول : أطبق أكثر الاصحاب على جواز الحقنة بالجامد على كراهية عملا بالاصل ، واستنادا الى رواية علي بن الحسن (5)، وهو اختيار أبي الصلاح عملا برواية البزنطي عن أبي الحسن عليه ‌السلام (6).

الثاني : الحقنة بالمائع ، ولا خلاف في تحريمها.

البحث الثالث : في افساد الصوم بهما. أما الحقنة بالجامد ، فمن ذهب الى أنها مكروهة لم يوجب شيئا ، ومن قال بتحريمها أوجب القضاء.


1) المبسوط 1 / 272 - 273.

2) المسائل الناصريات ص 243 ، مسألة : 129.

3) الخلاف 1 / 391 مسألة 50.

4) النهاية ص 157.

5) تهذيب الاحكام 4 / 204 ، ح 7.

6) تهذيب الاحكام 4 / 204 ، ح 6.

وأما الحقنة بالمائع ، فذهب الشيخ في المبسوط (1)والخلاف (2)وأكثر كتبه الى أنها يوجب القضاء ، ونفاه الباقون ، عملا بأصالة صحة الصوم ، ولانه صوم محكوم بصحته قبل الاحتقان ، فكذا بعده عملا بالاستصحاب ، والتحريم ليس بمستلزم للفساد.

احتجوا بأن التحريم لا لفائدة عيب ، وهو محال عليه تعالى ، فتعين أن يكون لفائدة ، وليست الفائدة الا كونه مفسدا للصوم.

والجواب : منع الحصر أنه منقوض بالارتماس.

وفيه نظر ، فان القائل بوجوبه قائل بوجوبه هناك.

قال رحمه‌ اللّه : من أكل ناسيا ، فظن فساد صومه ، فأفطر عامدا ، فسد صومه وعليه القضاء ، وفي وجوب الكفارة تردد ، والاشبه الوجوب.

اقول : وجه الوجوب التمسك بالعموم الدال على وجوب الكفارة على من أفطر متعمدا ، وهو الاقوى عندي ، واختاره الشيخ في المبسوط (3)والخلاف (4).

ووجه السقوط التمسك بالاصل ، ولانه لم يقصد هتك الحرمة ، فأشبه الناسي ونقله الشيخ في المبسوط عن بعض الاصحاب.

وهو ضعيف ، لان الاصل تخالف للدليل ، وقصد الهتك يتعمد الافطار ، وبه خالف الناسي ، والجهل ليس عذرا ، بل موجبا لازدياد العقوبة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو خوف فأفطر ، وجب القضاء على تردد ولا كفارة.

اقول : منشأ السقوط النظر الى قوله عليه ‌السلام : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان


1) المبسوط 1 / 272.

2) الخلاف 1 / 397 مسألة 73.

3) المبسوط 1 / 270.

4) الخلاف 1 / 388.

وما استكرهوا عليه (1). ورفع الحقيقة غير ممكن ، فلا بد من اضمار شي‌ء ، واضمار الحكم أولى من اضمار الاثم ، لانه أعم ، وبه أفتى الشيخ في الخلاف (2).

ووجه الوجوب الالتفات الى فتوى الشيخ في المبسوط (3)، وهو ضعيف ، فان احتج بأنه دفع عن نفسه الضرر يتناوله ، فكان عليه القضاء كالمريض.

قلنا : مقتضى الاصل أن لا قضاء في الموضعين ، لكن ترك العمل بالمقتضي في المريض للدليل ، فيبقى معمولا به فيما عداه.

قال رحمه‌ اللّه : الكفارة في رمضان عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو اطعام ستين مسكينا ، مخيرا في ذلك. وقيل : بل هي على الترتيب. وقيل : يجب بالافطار بالمحرم ثلاث كفارات ، وبالمحلل كفارة ، والاول أكثر.

اقول : القول الاول مذهب أكثر الاصحاب ، ومستنده الاصل ، والنقل المشهور عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

والقول الثاني ذهب إليه ابن أبي عقيل ، وتردد الشيخ في الخلاف (4)، ومستنده الاحتياط ، اذ مع اعتماده يحصل يقين البراءة ، بخلاف العكس ، وظاهر روايات مشهورة ، وتحمل على الاستحباب ، توفيقا بين الادلة.

والقول الثالث ذهب إليه الصدوق محمد بن بابويه في من لا يحضره الفقيه عملا برواية الحسين بن سعيد رضي‌اللّه‌عنه مما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (5)قدس اللّه روحه ، وبه قال ابن حمزة والشيخ رحمه‌ اللّه


1) عوالى اللئالى 1 / 232 ، برقم : 131.

2) الخلاف 1 / 390 مسألة 46.

3) المبسوط 1 / 273.

4) الخلاف 1 / 386.

5) من لا يحضره الفقيه 2 / 118.

حيث تأول رواية سماعة قال : يحتمل هذا الحديث وجهين :

الاول : أن يكون الواو بمعنى كقوله تعالى « مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ » (1).

الثاني : يجوز اختصاص ذلك بمن أتى أهله في وقت لا يحل له ذلك في غير حال الصوم ، أو يفطر على شي‌ء محرم (2). وهذا يدل على اختياره له.

قال رحمه‌ اللّه : اذا أفطر زمانا ونذر صومه - الى آخره.

أقول : سيأتي تحقيق القول في هذه إن شاء اللّه تعالى.

قال رحمه‌ اللّه : من أجنب ونام ناويا للغسل ، ثم انتبه ثم نام كذلك ، ثم انتبه ونام ثالثة ناويا حتى طلع الفجر ، لزمته الكفارة على قول مشهور ، وفيه تردد.

أقول : التمسك بالاصل ولعدم الظفر بدليل يوجب ذلك. والالتفات الى فتوى الاصحاب.

قال في المعتبر : لا حجة صريحة لما قاله الشيخان ، والاولى سقوط الكفارة مع تكرر النوم ، وايجابها مع التعمد (3).

قال صاحب كشف الرموز : ولعله يخرج منهما رحمهما‌اللّه نظرا الى دلالة الروايات على وجوب القضاء مع معاودة النوم ثانيا واذا كان هذا الحكم ثابتا في النومة الثانية ، فلا بد في الثالثة من حكم زائد ، والا لزم اجتماع العلل على المعلول الواحد ، ولا حكم زائد على القضاء في الصوم الا الكفارة ، قال : وسمعنا ذلك من شيخنا مذاكرة (4).

وأقول : هذا أوهن من بيت العنكبوت ، والحق عندي وجوب القضاء فحسب.


1) سورة النساء : 3.

2) تهذيب الاحكام 4 / 208 - 209.

3) المعتبر 2 / 675.

4) كشف الرموز للآبي - مخطوط.

قال رحمه‌ اللّه : لو تمضمض متداويا ، أو طرح في فمه خرزا ، أو غيره لغرض صحيح ، فسبق الى حلقه ، لم يفسد صومه ، ولو فعل ذلك عبثا قيل : عليه القضاء وقيل : لا ، وهو الاشبه.

أقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في المبسوط (1)والمصنف في المعتبر (2)والحق الثاني ، عملا بأصالة البراءة ، وأصالة صحة الصوم.

احتج بأنه فرط بتعريض الصوم للافساد ، فيلزمه القضاء كالمبرد.

وهو ضعيف أما أولا ، فلانه قياس ونحن لا نقول به. وأما ثانيا فلوجوب الفارق ، وهو حصول التلذذ بالتبرد بالماء ، بخلاف الخرز وغيره.

قال رحمه‌ اللّه : ما يخرج من بقايا الغذاء من بين الاسنان ، يحرم ابتلاعه للصائم ، فان ابتلعه عمدا وجبت عليه القضاء (3)، والاشبه القضاء والكفارة.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ رحمه‌ اللّه في الخلاف (4)والمبسوط (5)، وأوجب فيه القضاء لا غير. والحق ما قاله المصنف ، وهو اختياره في المعتبر (6).

لنا - أنه ازدرد المفطر عامدا ، فكان عليه القضاء والكفارة. أما الصغرى ، فظاهرة. وأما الكبرى فاجماعية.

واحتجاجه بتعسر الاحتراز عنه ضعيف ، لانا نتكلم على تقدير تعمد الابتلاع.

قال رحمه‌ اللّه : لا يفسد الصوم ما يصل الى الجوف بغير الحلق عدا الحقنة وقيل : صب الدواء في الاحليل حتى يصل الى الجوف يفسده ، وفيه تردد.


1) المبسوط 1 / 272.

2) المعتبر 2 / 678.

3) فى « س » : الكفارة.

4) الخلاف 1 / 381 مسألة 16.

5) المبسوط 1 / 272.

6) المعتبر 2 / 653.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ في المبسوط (1)، وأوجب فيها القضاء. وكذا لو طعن نفسه بالرمح حتى وصل جوفه ، أو طعنه غيره باذنه. وكذا لو داوى جرحه ، فوصل الدواء الى جوفه.

والحق أن لا قضاء في جميع هذه الصور ، عملا بالاصل السالم عن المعارض وبه أفتى في الخلاف (2).

احتج بأنه أوصل الى جوفه دواء ، فكان كالحقنة.

والجواب : بمنع الحكم في الاصل ، كما هو مذهبه في هذا الكتاب ، سلمنا لكنه قياس ، وهو باطل عنده.

قال رحمه‌ اللّه : ما له طعم كالعلك ، قيل : يفسد الصوم. وقيل : لا يفسده وهو الاشبه.

أقول : القول الاول اختيار الشيخ في النهاية (3)، وجعله في المبسوط (4)الاحوط ، وأوجب ابن الجنيد القضاء ، وروي وجوب الكفارة. والحق الكراهية وهو فتوى ابن ادريس.

لنا - أصالة براءة الذمة ، ولانه صوم محكوم بصحته قبل المضغ فكذا بعده عملا بالاستصحاب ، ويؤيده الحديث المروي عن الصادق عليه ‌السلام (5).

احتج بأن انتقال العرض محال ، فاذا وجد الطعم حكمنا بتخلل شي‌ء من أجزاء ذي الطعم ودخوله الحلق ، فكان مفطرا.

والجواب : الريق منفعل بكيفية ذي الطعم.


1) المبسوط 1 / 273.

2) الخلاف 1 / 397 مسألة 74.

3) النهاية ص 157.

4) المبسوط 1 / 273.

5) تهذيب الاحكام 4 / 324 ، ح 70.

قال رحمه‌ اللّه : تتكرر الكفارة بتكرر الموجب اذا كان في يومين ، وان كان في يوم واحد قيل : يتكرر مطلقا. وقيل : ان تخلله التكفير. وقيل : لا يتكرر وهو الاشبه ، سواء كان من جنس واحد أو مختلفا.

أقول : أما الحكم الاول ، فمتفق عليه بين علمائنا رضوان اللّه عليهم ، وسواء تغاير السبب أو لا.

وأما الثاني ، فقد اختلف الاصحاب فيه ، فذهب السيد المرتضى قدس اللّه روحه الى تكرر الكفارة بتكرر السبب مطلقا ، سواء تغاير السبب كالوطي والاكل أو اتحد ، وسواء كفر عن الاول أو لا ، عملا بالعمومات ودليل الاحتياط ، وقد روي عن الرضا عليه ‌السلام (1)تكرر الكفارة بتكرر الوطي.

وأما التفصيل ، فشي‌ء ذكره ابن الجنيد رحمه‌ اللّه ، محتجا على الحكم الاول بالعمومات (2)، ولان الجماع الاول مستقل بايجاب الكفارة اجماعا ، والثاني مساو له ، وحكم المثلين التساوي في جميع الاحكام اللازمة.

واذا ثبت هذا فنقول : الكفارة الواجبة اما أن تكون هي الاولى أو غيرها ، والاول محال ، لاستحالة تحصيل الحاصل ، فتعين الثاني.

وعلى الثاني بأن الحكم معلق على الماهية من حيث هي هي ، والاصل براءة الذمة ، ولان الكفارة موضوعة لتكفير الذنب ، والاولى كافية في اسقاطه ، فلا معنى لايجاب الثانية. وفي هذا الاستدلال الاخير نظر.

وذهب الشيخ رحمه‌ اللّه في الخلاف (3)والمبسوط (4)الى عدم التكرر مطلقا


1) الخصال ص 450 ، برقم : 54.

2) فى « م » : بالعموم.

3) الخلاف 1 / 387.

4) المبسوط 1 / 274.

نظرا الى البراءة الاصلية ، ولان الفعل الثاني لم يصادف صوما (1)صحيحا ، فلا تتعلق به كفارة ثانية ، كما لا تتعلق به قضاء ثان ، والتمسك بالعموم ضعيف ليفسده بالصائم ، ومع الجماع الاول يخرج عن كونه صائما.

وقولهم : الجماع سبب في ايجاب الكفارة. قلنا : متى اذا صادف صوما صحيحا أو مطلقا ، الاول مسلم ، والثاني ممنوع (2). ولا شك في أن الجماع الثاني لم يصادف صوما صحيحا بالاجماع ، وانما طولنا في هذه المسألة لكونها مهمة.

قال رحمه‌ اللّه : من فعل ما يجب به الكفارة ، ثم سقط فرض الصوم ، بسفر أو حيض وشبهه ، قيل : تسقط الكفارة. وقيل : لا ، وهو الاشبه.

أقول : القول الثاني هو المشهور بين الاصحاب ، وادعى الشيخ في الخلاف (3)عليه الاجماع ، والثاني أنسب بالصواب ، وتحقيق هذه المسألة في اصول الفقه.

فرع :

لو قلنا بالسقوط فانما نقول به اذا حصل المسقط من قبله تعالى ، أو من قبل المكلف اذا كان مضطرا إليه.

فرع آخر :

لو اعتقت ثم عرض المسقط ، فالاقرب بطلان العتق ، بناء على هذا القول ، وهل لها استرجاع الصدقة مع الاطلاق؟ اشكال ، ينشأ : من العمل بالقصد ، ومن قضاء الظاهر بالتطوع عند الاطلاق.


1) فى « م » : موضعا.

2) فى النسختين : الاول « م » والثانى « ع ».

3) الخلاف 1 / 400.

قال رحمه‌ اللّه : لو اكره امرأته يحمل عنها الكفارة. وكذا لو كان الاكراه لاجنبية. وقيل : لا يتحمل هنا. وهو الاشبه.

أقول : هنا مقامان :

أما المقام الاول ، فالاشهر بين الاصحاب وجوب التحمل. وقال ابن أبي عقيل : ولو أن امرأة استكرهها زوجها فوطأها ، فعليها القضاء وحده ، وعلى الزوج القضاء والكفارة ، وتجب عليها مع المطاوعة القضاء والكفارة. والحق الاول.

لنا - ان الجماع لو وقع باختيارهما أوجب الكفارتين اجماعا ، وهو فعل واحد في الحقيقة اقتضى هذا الحكم ، ومع الاكراه يكون مستندا في الحقيقة إليه ، فيجب حكمه عليه ، ثم فرقه بين وجوب الكفارة والقضاء ضعيف جدا ، ويؤيد ما قلنا رواية المفضل عن الصادق عليه ‌السلام (1).

وأما الثاني ، فقد تردد فيه الشيخ في المبسوط (2)، فتارة أوجب التحمل لعظم المأثم ، وللاحتياط. وتارة نفاه وأوجب واحدة عملا بأصالة البراءة.

وجزم ابن ادريس بالثاني ، وهو الاقوى ، لان ايجاب التحمل قياس ، وهو باطل. ومع هذا فالفارق موجود ، اذ الكفارة لتكفير الذنب ، وقد يغلظ الذنب فلا تؤثر الكفارة في اسقاطه ، بل ولا تخفيفه.

فروع :

الاول : قال الشيخ : لو وطأها نائمة يحمل عنها الكفارة أيضا. وعندي فيه اشكال ، ينشأ من اصالة البراءة ، والفرق بين المكرهة والنائمة ظاهر ، لامكان رضاها


1) تهذيب الاحكام 4 / 215 ، ح 2.

2) المبسوط 1 / 275.

لو كانت مستيقظة.

الثاني : قال رحمه‌ اللّه : فمكنته وجب عليها القضاء فحسب ولا كفارة. أما وجوب القضاء ، فلدفعها الضرر عن نفسها ، فأشبهت المريض. وأما سقوط الكفارة فلقولهم عليهم ‌السلام : لا كفارة على المكرهة (1).

والحق وجوب التحمل ، وأن صومها صحيح ، وهو ظاهر كلام ابن ادريس وقد تقدم البحث في مثل هذه المسألة مستقصى.

الثالث : قال ابن ادريس : لو أكره امته لم يتحمل عنها الكفارة ، لان حملها على الزوجة قياس ، ونحن لا نقول به ، وأوجب شيخنا التحمل ، محتجا بصدق اسم المرأة على الزوجة والامة ، وهو ممنوع.

الرابع : لو أكره المجنون زوجته ، لم يتحمل عنها الكفارة ولا شي‌ء عليها أما المسافر ، فتجب عليه الكفارة عنها لا عنه ، ويحتمل السقوط ، لكونه مباحا له ولا شي‌ء عليها على التقديرين.

قال رحمه‌ اللّه : ولو نذر يوما معينا ، فاتفق أحد العيدين ، لم يصح صومه ، وهل يجب قضاؤه؟ قيل : نعم. وقيل : لا ، وهو الاشبه. وكذا البحث في أيام التشريق لمن كان بمنى.

أقول : القولان للشيخ قدس اللّه روحه ، لكن الثاني أشبه بالمذهب ، وهو اختيار أبي الصلاح وابن البراج وابن ادريس.

لنا - أن وجوب القضاء تابع لوجوب الاداء ، ووجوب الاداء هنا منتف ، فينتفي وجوب القضاء.

واحتج الشيخ برواية مرسلة (2)، والمراسيل ليست حجة عندنا ، سلمنا لكنها


1) المعتبر 2 / 682.

2) تهذيب الاحكام 4 / 234 ، ح 61.

محمولة على الاستحباب ، جمعا بين الادلة ، ومع هذا فهي قابلة للتأويل.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يصح صوم المغمى عليه. وقيل : ان سبقت منه النية كان بحكم الصائم ، والاول أشبه.

أقول : ذهب الشيخ المفيد قدس اللّه روحه ، والسيد المرتضى كرم اللّه محله الى أن المغمى عليه ان سبقت منه النية ، كان صومه صحيحا ، لانا بينا أن النية الواحدة كافية في رمضان ، وان لم يسبق لزمه القضاء ، وتبعهما سلار وابن البراج عملا بعموم قوله تعالى « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ » (1)والاغماء مرض.

والحق أن صومه غير صحيح مع سبق النية على الاغماء ، وأن القضاء غير واجب عليه مع عدم السبق ، وهو اختيار الشيخ في بعض كتبه ، لاسقاط شرط التكليف وهو العقل ، ونمنع تناول اسم المريض للاغماء.

سلمنا لكن العام يخص للدليل وقد بيناه ، ويؤيده الروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

فرع :

لو أكل غذاء فآل الى الاغماء لم يقض. ولو أغمي عليه بشي‌ء من قبله كالمسكر ، لزمه القضاء.

قال رحمه‌ اللّه : ويصح صوم النذر المشروط سفرا وحضرا ، على قول مشهور.

أقول : هذا القول ذهب إليه الشيخان رحمهما‌اللّه ومن تبعهما ، محتجا بما رواه عبد الحميد عن أبي الحسن عليه ‌السلام قال : سألته عن الرجل يجعل عليه صوم يوم


1) سورة البقرة : 184.

مسمى ، قال : يصومه أبدا سفرا وحضرا.

قال الشيخ في التهذيب : يحمل هذا على من نذر يوما معينا وشرط صومه سفرا وحضرا ، محتجا برواية علي بن مهزيار قال : كتب بندار مولى ادريس يا سيدي نذرت أن أصوم كل سبت ، فان أنا لم أصمه ما الذي يلزمني من الكفارة فكتب وقرأته : لا تتركه الا من علة ، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض ، الا أن يكون نوبت ذلك (1).

قال في المعتبر : ولمكان ضعف هذه جعلناه قولا مشهورا (2).

فرعان :

الاول : قال علم الهدى : لو نذر يوما معينا ، فاتفق في حال السفر ، وجب قضاؤه ، عملا برواية ابراهيم بن عبد الحميد السابقة ، والمشهور المنع ، وبه رواية (3)أيضا.

الثاني : لو قلنا بالمنع من ذلك ، فهل يجب قضاؤه؟ قولان ، أحوطهما : القضاء.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يصوم مندوبا؟ قيل : لا. وقيل : نعم. وقيل : يكره ، وهو الاشبه.

أقول : انما كان أشبه ، لقوله عليه ‌السلام : ليس من البر الصيام في السفر (4). والاول مستنده ظاهر النقل. والثاني التمسك بالاصل ، وبالعموم الدال على رجحان الصوم


1) تهذيب الاحكام 4 / 235 ، ح 63 - 64.

2) المعتبر 2 / 684.

3) تهذيب الاحكام 4 / 234 ، ح 62.

4) عوالى اللئالى 1 / 204 و 2 / 81 و 226.

مطلقا.

قال رحمه‌ اللّه : البلوغ - الى آخره.

أقول : سيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء اللّه.

قال رحمه‌ اللّه : ومن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم ، الا أن يمضي من شعبان ثلاثون يوما ، أو يرى رؤية شائعة ، فان لم يتفق ذلك وشهد شاهدان قيل : لا تقبل. وقيل : تقبل مع العلة. وقيل : تقبل مطلقا ، وهو الاشهر ، سواء كانا من البلد أو خارجه.

أقول : اختلف علماؤنا في هذه ، فذهب الشيخ المفيد والسيد المرتضى قدس اللّه روحهما وابن الجنيد وابن ادريس الى قبول شهادة الشاهدين فيه سواء كان في السماء علة أو لا ، وسواء كانا من داخل البلد أو خارجه.

وهو الاقوى ، لان استقراء الشرع دل على أن النادر ملحق بالغائب ، ولا جرم أن جل الاحكام الشرعية يثبت بالشاهدين ، فيكون هذا ملحفا به الى حين ظهور المنافي ، وبه روايات مشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام مذكورة في مواضعها.

وقال الشيخ في النهاية : ان كان في السماء علة ، لم يثبت الا بشهادة خمسين من أهل البلد ، أو عدلين من خارجه. وان لم يكن علة لم يجب الصوم ، الا أن يشهد خمسون من خارج البلد أنهم رأوه (1).

ولم يتعرض لشهادة أهل البلد أصلا ، ولهذا قال الشيخ المصنف : قيل : لا تقبل ، أي قيل : لا تقبل عدلان من داخل وان كانت السماء عليلة ، واختاره ابن البراج ، وعليه دلت روايات ، منها رواية حبيب عن الصادق عليه ‌السلام (2).


1) النهاية ص 151.

2) تهذيب الاحكام 4 / 159 ، ح 20.

وقال في المبسوط : تقبل مع العلة عدلان ، سواء كانا من داخل أو خارج (1).

وقال في الخلاف : تقبل العدلان ، سواء كانا من داخل أو خارج. وأما في حال الصحو ، فلا تقبل الا خمسون نفسا من داخل ، وتقبل اثنان من خارج (2).

وتحمل الروايات بعد صحة سندها على الجهل لشرط قبول الشهادة ، وبه قال أبو الصلاح.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يثبت بشهادة الواحد على الاصح.

أقول : لما بين أولا الاقوال المشهورة ، شرع في ذكر القول الشاذ.

واعلم أن هذا قد ذكره سلار في رسالته فقال : تقبل شهادة الواحد في أوله محتجا بقبول النبي عليه ‌السلام شهادة الاعرابي وحده ، ولان فيه احتياطا للعبادة ، والرواية ليست من طرقنا ، فلا حجة فيها ، سلمناها لكنها حكاية حال ، فلعله عليه ‌السلام عرف ذلك من غيره ، والاحتياط معارض باستصحاب حال الشهر.

قال صاحب كشف الرموز : يلزم على هذا المذهب جواز الافطار بقول واحد وهو غير مذهبه ولا مذهب أحد منا ، وانما لزم ذلك لان ابتداء الصوم اذا كان بشهادة واحد وغمت السماء آخر الشهر ، فيعدل الى عد ثلاثين للفطر ضرورة ، وهو مبني على شهادة واحد ، والفطر مبني عليه ، والمبني على المبني على الشي‌ء مبني على ذلك الشي‌ء.

وأقول : هذا ليس يلازم لسلار ، حيث أنه لم يقبل الواحد الا في أوله ، وانما هو لازم لابي حنيفة حيث أطلق.

قال رحمه‌ اللّه : يستحب صوم الثلاثين من شعبان بنية الندب ، فان انكشف من الشهر أجزأه ، ولو صامه بنية رمضان لامارة قيل : يجزيه. وقيل : لا ، وهو


1) المبسوط 1 / 267.

2) الخلاف 1 / 379 ، مسألة 11.

الاشبه.

أقول : القول الاول ذكره الشيخ في المبسوط (1)، والحق الثاني. وقد مر البحث في مثل هذه المسألة في أول كتاب الصوم ، فلا وجه لاعادته. والمراد بالامارة ما يفيد الظن الضعيف ، كالاستناد الى خبر واحد وشبهه.

قال رحمه‌ اللّه : ولو غمت شهور السنة ، عد كل شهر منها ثلاثين. وقيل : ينقص منها لقضاء العادة بالنقيصة. وقيل : يعمل في ذلك برواية الخمسة ، والاول أشبه.

أقول : مذهب الشيخ في مسائل الخلاف (2)، واحتج عليه بالاخبار المروية عن النبي والائمة عليهم ‌السلام « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ » (3)فبين أن الاهلة يعرف بها مواقيت الشهور والحج. ومن ذهب الى الحساب والجدول لا يراعى الهلال أصلا ، وذلك خلاف القرآن.

وفي المبسوط : ويجوز عندي أن يعمل على هذه الرواية التي وردت بأنه يعد من السنة الماضية خمسة أيام ويصوم يوم الخامس (4)لان من المعلوم أنه لا يكون الشهور تامة. وهذا عندي حسن ، لان العادة قاضية بذلك.

وأما العمل بالعدد ، فقد حكاه الشيخ في الخلاف (5)عن بعض الاصحاب ، والمراد بالعدد أن يعد السنة شهرا تاما وشهرا ناقصا. وهذا وان كانت العادة قاضية به ، لكن ما اخترناه أكثر وجدانا ، فيكون أرجح.


1) المبسوط 1 / 268.

2) الخلاف 1 / 378 ، مسألة 8.

3) سورة البقرة : 189.

4) المبسوط 1 / 267. تهذيب الاحكام 4 / 4. ح 69.

5) الخلاف 1 / 378 ، مسألة : 8.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجب الصوم على الصبي والمجنون الا أن يكملا قبل طلوع الفجر ، ولو كملا بعد طلوعه لم يجب على الاظهر.

اقول : ذهب أكثر الاصحاب الى أن شرط الوجوب البلوغ قبل الفجر ، وذهب الشيخ في موضع من الخلاف (1)الى وجوب الصوم عليه مطلقا ، سواء حصل البلوغ قبل الفجر أو بعده.

لنا - أن الصوم عبادة لا تقبل التبعيض ، ولا خلاف أن التكليف لم يتناوله أولا فلا يتناوله ثانيا.

احتج بأنه بالغ مكلف ، فيدخل تحت الامر بالصوم ، كسائر البالغين.

والجواب : قد بينا الفرق بينه وبين غيره ، وكذا البحث في المجنون.

قال رحمه‌ اللّه : وكذا المغمى عليه - الى آخره.

أقول : قد استقصينا البحث في هذه المسألة.

قال رحمه‌ اللّه : والاقامة أو حكمها - الى قوله : - كان حكمه حكم المريض في الوجوب وعدمه.

اقول : معناه ان قدم قبل الزوال ولم يتناول شيئا وجب الصوم ، وإلا فلا.

قال رحمه‌ اللّه : والكافر وان وجب عليه ، لكن لا يجب القضاء ، الا ما أدرك فجره مسلما ، ولو أسلم في أثناء اليوم أمسك استحبابا ، ويصوم ما يستقبله وجوبا وقيل : يصوم اذا أسلم قبل الزوال ، وان ترك قضى ، والاول أشبه.

اقول : القولان للشيخ رحمه‌ اللّه ، والاستدلال عليهما قريب مما سبق ، فلا نطول باعادته.

قال رحمه‌ اللّه : ويستحب الموالاة في القضاء احتياطا للبراءة. وقيل : بل يستحب التفريق للفرق. وقيل : يتابع في ستة ويفرق الباقي للرواية ، والاول


1) الخلاف 1 / 393 ، مسألة : 57.

أشبه.

أقول : الاول ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه وأبو الصلاح وابن الجنيد ، عملا بالاحتياط ، اذ مع اعتماد ذلك تحصل البراءة قطعا ، بخلاف ما لو فرق ، ولان فيه مسابقة الى الخيرات ، فيكون أرجح. والثاني مستنده رواية عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (1). ولان الفرق بين القضاء والاداء ليس الا بذلك. والثالث مستنده هذه الرواية أيضا.

واعلم أنه لا كثير فائدة في هذه المسألة ، فلهذا اختصرنا البحث فيها.

قال رحمه‌ اللّه : ولو استمر به المرض الى رمضان آخر ، سقط قضاؤه على الاظهر ، وكفر عن كل يوم من السالف بمد من طعام.

أقول : للاصحاب في هذه قولان ، أحدهما : سقوط قضاء الاول ، والصدقة عن كل يوم منه بمد ، اختاره الشيخان ومن تبعهما وأبو علي ابن الجنيد وابنا بابويه.

والثاني وجوب القضاء فقط ، ذهب إليه ابن أبي عقيل وأبي الصلاح وابن ادريس. والحق الاول لوجوه :

الاول : أصالة براءة الذمة ينفي (2)وجوب القضاء ، ترك العمل بها في صورة عدم الاستمرار ، للنص والاجماع ، فيبقى معمولا بها فيما عداها.

الثاني : انه عذر استوعب وقت الاداء والقضاء فسقطا أما استيعابه وقت الاداء فظاهر ، اذ وفيه رمضان. وأما استيعابه لوقت القضاء ، فلان وفيه ما بين الماضي والآتي ، والتقدير استمراره من الماضي الى الآتي. وأما سقوطها حينئذ فظاهر ، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق ، وهو ايقاع الفعل في غير وقت.

واعلم أن هذا الدليل ضعيف ، لانا لا نسلم انحصار وقت القضاء فيما بين


1) تهذيب الاحكام 4 / 275 ، ح 4.

2) فى « س » : فيبقى.

الرمضانين ، والا لسقط القضاء مع البرء وقبل حضور الثاني وحصول الاعذار المانعة من الصوم غير المرض.

الثالث : الروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

احتجوا بعموم قوله تعالى « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ (1)».

والجواب : العام يخص للدليل ، وقد بيناه.

فرع :

واختلف في تقدير الفدية ، فقيل : مدان ، ومع التعذر (2)مد. وقيل : مد من غير تفصيل ، وهو أولى.

لا يقال : تخصيص الكتاب بخبر الواحد غير جائز.

لانا نمنع ذلك ، سلمنا لكن متى يكون ذلك اذا استفاضت الاخبار واشتهرت واعتضدت بعمل الاصحاب ، او اذا لم يعتضد الاول - ع م - (3).

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان [ له ] وليان أو أولياء متساوون في السن ، تساووا في القضاء ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه ، وعليه دلت رواية حماد ابن عثمان عن الصادق عليه ‌السلام (4)، والتمسك بالاصل ، ولان الولي هو أكبر الاولاد ، وهو غير متحقق مع تساويهم في السنن ، فلا يكون الخطاب متوجها الى أحدهم لعدم صدق هذا الاسم عليه ، واختار ابن ادريس الثاني.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يقضى عن المرأة ما فاتها؟ فيه تردد.


1) سورة البقرة : 184.

2) فى « س » : العذر.

3) فى هامش « س » : صوابه والاول م وب. من نسخة الشيخ أحمد بن فهد.

4) تهذيب الاحكام 4 / 246 - 247 ، ح 5.

اقول : منشؤه : وجه وجوب القضاء النظر الى المشاركة فيما يتوهم أنه علة وهي الاختصاص بالحباء ، وبه أفتى الشيخ رحمه‌ اللّه وابن البراج.

ويؤيده رواية محمد بن مسلم عن الصادق عليه ‌السلام في امرأة مرضت في شهر رمضان ، أو طمثت ، أو سافرت ، فماتت قبل أن يخرج رمضان هل يقضى عنها؟ قال : أما الطمث والمرض فلا ، وأما السفر فنعم (1). وظاهر رواية أبي بصير عنه عليه ‌السلام (2)يشعر بما قلناه.

ووجه السقوط الالتفات الى أصالة البراءة ، وهو فتوى ابن ادريس ، وأنكر الاول انكارا عظيما ، والاول عندي أقوى.

قال رحمه‌ اللّه : اذا نسي غسل الجنابة ومر عليه أيام أو الشهر كله ، قيل : يقضي الصلاة والصوم ، وقيل : يقضي الصلاة حسب ، وهو الاشبه.

أقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في النهاية (3)والمبسوط (4)وأبو علي ابن الجنيد ، ورواية ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه (5)عملا برواية حماد عن الحلبي عن الصادق عليه ‌السلام قال : سألته عن رجل أجنب في شهر رمضان ونسي أن يغتسل حتى خرج رمضان ، فقال عليه ‌السلام : عليه أن يقضي الصلاة والصيام (6).

ولانعقاد الاجماع على وجوب القضاء على المجنب اذا نام مع القدرة على الغسل ثم انتبه ثم نام ، واذا كان التفريط السابق مؤثرا في ايجاب القضاء ، وقد


1) تهذيب الاحكام 4 / 249 ، ح 15.

2) تهذيب الاحكام 4 / 248 ، ح 11.

3) النهاية ص 165.

4) المبسوط 1 / 288.

5) من لا يحضره الفقيه 2 / 119.

6) تهذيب الاحكام 4 / 311 ، ح 6.

حصل هنا تكرار النوم مع ذكر الجنابة أولا ، كان القضاء لازما.

والقول الثاني ذهب إليه ابن ادريس ، وهو الاقرب ، عملا بأصالة براءة الذمة من وجوب القضاء ، ولان الطهارة انما هي شرط مع الذكر لا مطلقا ، بدليل انه لو نام ناويا للغسل ولم ينتبه الى الصباح ، يصح صومه اتفاقا ، ولو كانت شرطا على الاطلاق لما صح ، والرواية محمولة على الاستحباب ، والقضاء انما وجب في تلك الصورة ، لتكرار النوم مع نية الاغتسال ، فيكون ذاكرا للغسل ومفرطا فيه في كل يوم ، فيلزمه القضاء لتفريطه. ولي في هذه المسألة نظر لا يليق ايراده هنا.

قال رحمه‌ اللّه : من وجب عليه صوم شهر متتابع غير معين بنذر ، فصام خمسة عشر يوما ثم أفطر ، لم يبطل صومه وبنى عليه. ولو كان قبل ذلك استأنف وألحق به من وجب عليه [ صوم ] شهر في كفارة قتل الخطأ أو الظهار لكونه مملوكا وفيه تردد.

اقول : منشؤه : الالتفات الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه ، ولمساواته الشهر المنذور ، ولدلالة مفهوم رواية موسى بن بكر عن الصادق عليه ‌السلام (1)تارة ، وعن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه ‌السلام اخرى قال : قال عليه ‌السلام في رجل جعل على نفسه صوم شهر ، فصام خمسة عشر يوما ، ثم عرض له أمر ، فقال : جاز له أن يقضي ما بقي عليه ، وان كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجز له حتى يصوم شهرا تاما (2).

قال شيخنا : الجعل قد يكون بالنذر ، وقد يكون بفعل ما يوجب الصوم ، كالظهار وقتل الخطأ. وفي هذا التأويل تعسف ، لان المتبادر الى الذهن انما هو الاول فقط ، والمجاز انما يصار إليه للقرينة ، ولا قرينة هنا.

والنظر الى أصالة وجوب التتابع ، ترك العمل به في الشهر المنذور للنص


1) تهذيب الاحكام 4 / 285 ، ح 36.

2) تهذيب الاحكام 4 / 285 ، ح 37.

والاجماع ، فيبقى معمولا بها فيما عداه ، وهو فتوى ابن ادريس.

قال رحمه‌ اللّه : ويكره صوم الضيف نافلة من غير اذن مضيفه ، والاظهر أنه لا ينعقد مع النهي.

أقول : لان لفظ الخبر (1)ورد مشتملا على النهي ، والنهي في العبادات يدل على الفساد. وتحقيق هذه المسألة في اصول الفقه.

قال رحمه‌ اللّه : والمحضور تسعة : صوم العيدين ، وأيام التشريق لمن كان بمنى على الاشهر.

اقول : انما قال « على الاشهر » لان رواية اسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (2)يدل على جواز صوم هذه الايام بدلا عن الهدى ، وبعض الاصحاب حرم صومها مطلقا.

قال رحمه‌ اللّه : الشرائط المعتبرة في قصر الصلاة معتبرة في قصر الصوم ، ويزيد على ذلك تبييت النية. وقيل : لا يعتبر ، بل يكفي خروجه قبل الزوال. وقيل : لا يعتبر أيضا ، بل يجب القصر ولو خرج قبل الغروب ، والاول أشبه.

أقول : المسافر اذا خرج الى السفر : فاما أن يكون خروجه قبل طلوع الفجر أو بعده ، والاول يجب عليه القصر اتفاقا منا.

وأما الثاني ، فقد اختلف الاصحاب فيه ، فقال الشيخ : انما يسوغ له الافطار اذا بيت النية ليلا وكان خروجه قبل الزوال ، ولو كان بعده أمسك وعليه القضاء وهو اختيار ابن البراج ، ولم يتعرض في المبسوط (3)للقضاء.

وقال المفيد وأبو علي ابن الجنيد رحمهما‌اللّه : المعتبر خروجه قبل الزوال


1) من لا يحضره الفقيه 2 / 80 ، رواية الزهرى عن السجاد عليه ‌السلام.

2) تهذيب الاحكام 4 / 297 ، عن زرارة.

3) المبسوط 1 / 277.

سواء بيت النية أو لا ، ولو خرج بعد الزوال أثم.

وقال علم الهدى : أي وقت خرج وجب عليه الافطار ولو قبل الغروب بلحظة. واختاره ابن ادريس ، وهو مذهب علي بن بابويه وابن أبي عقيل.

احتج الشيخ رحمه‌ اللّه بقوله تعالى « ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ » (1)وهو عام في كل صيام ، بدليل صحة الاستثناء الذي يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، ولاتفاق أهل اللغة عليه ، ترك العمل به مع تبييت نية السفر ، للاجماع والنص ، فيبقى حجة فيما عداه ، ويؤيده الروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

احتج المفيد برواية الحلبي عن الصادق عليه ‌السلام أنه سئل عن رجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم ، قال : ان خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم ، وان خرج بعد الزوال فليتم صومه (2). ويحمل على من بيت النية ، جمعا بين الادلة.

واحتج المرتضى برواية عبد اللّه بن بكير عن عبد الاعلى مولى آل سام في الفطر يريد السفر في رمضان ، قال : يفطر وان خرج قبل أن يغيب الشمس بقليل (3)وهي مقطوعة السند ، فلا حجة فيها.

وقوله « كل سفر يجب به قصر الصلاة » الى آخر الكلام.

قلنا : قد مر تحقيق هذا في كتاب الصلاة.

قال رحمه‌ اللّه : الهم والكبير وذو العطاش يفطرون في رمضان ، ويتصدقون عن كل يوم بمد من طعام ، ثم ان أمكن القضاء وجب ، والا سقط. وقيل : ان عجز الشيخ والشيخة ، سقط التكفير كما يسقط الصوم ، وان أطاقا بمشقة كفرا ، والاول


1) سورة البقرة : 187.

2) تهذيب الاحكام 4 / 228 - 229 ، ح 46.

3) تهذيب الاحكام 4 / 229 ، ح 49.

أظهر.

اقول : إيضاح هذه تتوقف على بحوث :

الاول : الشيخ والشيخة اذا عجزا عن الصوم أصلا أفطرا اجماعا ، وهل تجب الكفارة؟ قال الشيخ : نعم ، وهو اختيار ابن الجنيد وابن أبي عقيل وابنا بابويه عملا بظاهر الاحاديث المروية عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

وقال المفيد وعلم الهدى : لا تجب ، وتبعهما سلار وابن ادريس ، عملا بقوله تعالى « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ » (1)دل بمفهومه على سقوط الفدية عن غير المطيق ، لان عدم القدرة مسقط للتكليف. ودلالة المفهوم ضعيفة ، فلا يعارض المنطوق ، وعدم القدرة شرط للتكليف (2)بالصوم ، وليس البحث فيه.

لا يقال : الكفارة اما بدل عن واجب ، أو مسقطة لذنب صادر ، وكلاهما منفيان.

لانا نقول : لا نسلم الحصر.

الثاني : أن يطيقاه بمشقة ، فهنا يجب الصوم اجماعا منا.

الثالث : ذو العطاش اما أن يرجى برؤه أو لا ، فهنا قسمان : أما الثاني ، فذهب أكثر الاصحاب الى وجوب الكفارة عليه ، وقال سلار : لا تجب.

لنا - ما رواه محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر عليه ‌السلام يقول : الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطر في شهر رمضان ، ويتصدق كل واحد منهما بمد من طعام ، ولا قضاء عليهما ، وان لم يقدرا فلا شي‌ء عليهما (3). والقضاء انما تسقط عن الذي لا يرجى برؤه لعجزه.

احتج بأصالة البراءة ، وهي معارضة بالرواية المعتضدة بعمل الاعيان من


1) سورة البقرة : 184.

2) فى « س » : للتكاليف.

3) تهذيب الاحكام 4 / 238 ، ح 4.

الاصحاب. وأما الاول ، فذهب الشيخ رحمه‌ اللّه الى وجوب الكفارة عليه أيضا وتبعه سلار وابن البراج ، عملا بظاهر الرواية السابقة. وقال المفيد والسيد المرتضى : لا تجب ، وتبعهما ابن ادريس ، عملا باصالة البراءة ، ولانه مريض ، فلا يجب عليه القضاء لغيره من المرضى.

قال رحمه‌ اللّه : والمجنون والمغمى عليه - الى آخره.

أقول : قد مر البحث في هذه المسألة مستقصى.

قال رحمه‌ اللّه : من يسوغ له الافطار يكره له التملي من الطعام والشراب ، وكذا الجماع وقيل : يحرم. والاول أشبه.

اقول : الاول مذهب أبي علي ابن الجنيد ، وتبعه ابن ادريس ، عملا بقوله تعالى « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ » (1)قال المفسرون : معناه فليفطر وعليه عدة من أيام أخر ، ويؤيده الروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

والثاني ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه ، وتبعه أبو الصلاح ، محتجا بروايات كثيرة ، وتحمل على الكراهية الشديدة ، جمعا بين الاخبار.


1) سورة البقرة : 184.

الفصل الرابع : ( فى إيضاح الترددات المذكورة فى كتاب الاعتكاف )

اشارة

قال رحمه‌ اللّه : واذا مضى للمعتكف يومان ، وجب الثالث على الاظهر.

اقول : الاعتكاف : اما واجب ، أو ندب ، فالاول يلزم بالشروع فيه اكمال ثلاثة أيام ان لم يكن معينا اتفاقا منا. قال المصنف : والوجه صحة اتيانه بيوم من الواجب وآخرين من غيره ، نعم لا يجوز تفريق الساعات على الايام ، خلافا للشافعي.

وأما الثاني ، فقد اختلف الاصحاب فيه ، فقال الشيخ في المبسوط (1)يجب بالشروع اكمال ثلاثة أيام ، عملا بإطلاق الاحاديث الموجبة للكفارة على المعتكف وبه قال أبو الصلاح الحلبي كالحج.

وقال في النهاية (2)ان مضى عليه يومان وجب الثالث والا فلا ، وهو اختيار ابن الجنيد وابن حمزة ، عملا برواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه ‌السلام قال : اذا اعتكف يوما (3)ولم يكن اشترط ، فله أن يخرج ويفسخ اعتكافه ، فان أقام يومين


1) المبسوط 1 / 289.

2) النهاية ص 171.

3) قال فى هامش « س » : فى نسخة شيخنا رحمه‌ اللّه هنا « يومان » وفى هذه « يوم » وهو مناسب ، تحصيلا للفرق وعدم التكرار.

ولم يكن اشترط لم يكن له أن يخرج ويفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام (1).

وقال علم الهدى : لا يجب بالشروع ، سواء مضى يومان أو لم يمض ، واختاره ابن ادريس والمصنف في المعتبر (2)، وهو الاقوى عندي.

لنا - اصالة براءة الذمة ، ولان الوجوب حكم شرعي ، فيقف على الدليل الشرعي ، ولانها عبادة مندوبة ، فلا تجب بالشروع كغيرها ، والحج انما أوجبناه للدليل القطعي ، وهو قوله تعالى « وَأَتِمُّوا الْحَجَّ » (3)والمطلق لا عموم له ، فيكفي في العمل به تنزيله على صورة واحدة ، والرواية محمولة على تأكد الاستحباب جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : اذا نذر اعتكاف شهر معين ولم يشترط التتابع ، فاعتكف بعضه وأخل بالباقي ، صح ما فعل وقضى ما أهمل ، ولو تلفظ فيه بالتتابع استأنف.

أقول : الفرق بين الشهر المعين وبين المنذور متتابعا ، أن وجوب تتابعه لضرورة الوقت ، لا لان التتابع مقصود فيه بالذات ، فاذا اعتكف بعضه كان صحيحا مجزيا ، لوقوعه على الوجه المأمور به شرعا ، ويجب عليه قضاء الباقي فقط.

وأما المنذور متتابعا ، فقد صار التتابع مقصودا فيه بالذات. فاذا اعتكف بعضها وأخل ببعض ، وجب الاستئناف لاخلاله بالصفة.

واعلم أن تحقيق هذا المقام أن نقول : الشهر المنذور لا يخلو من أحد أمرين : اما أن ينذره مسمى ، كأن يقول : لله علي أن اعتكف شهر رمضان. أو لا ، كأن يقول : لله علي أن اعتكف شهرا ويطلق. والاول على أقسام :

الاول : أن يضيف الى ذلك التعيين فقط كأن يقول : شهر رمضان هذه السنة.


1) تهذيب الاحكام 4 / 290 ، ح 11.

2) المعتبر 2 / 737.

3) سورة البقرة : 196.

الثاني أن يضيف إليه التتابع فقط.

الثالث أن يضيف إليه التعيين والتتابع معا ، كأن يقول : رمضان هذه السنة متتابعا.

الرابع : أن ينذره مسمى ويطلق.

فالقسم الاول يجب التوالي فيه ، فان أخل ببعضه أو به جميعا ، فهل تجب القضاء؟ اشكال ، ينشأ : من أن النذر لم يتناول غير هذا الرمضان المعين ، والاصل براءة الذمة ، والقضاء فرض ثان يحتاج الى دليل ثان ، ومن أن نذر الشهر المعين قد يضمن شيئين : أحدهما اعتكاف شهر ، والثاني انحصار ذلك في رمضان هذه السنة ، وارتفاع أحد القيدين لا يستلزم الاخر ، فان أوجبناه فالوجه عدم وجوب قضاء الجميع ، بل انما يجب قضاء ما أهمل ، وهل يجب التوالي في القضاء؟ الوجه لا.

والبحث في القسم الثالث كالاول ، لكن الوجه هنا وجوب التتابع في القضاء.

وأما القسم الثاني والرابع ، فلا يتحقق فيهما القضاء ، بل أي شهر رمضان اعتكفه جميعا كان واقعا عن النذر. ولو اعتكفه بعضه ، وجب عليه استئناف الاعتكاف عند حضور آخر ، لان النذر مطلق غير معلق برمضان معين ، فأي رمضان حصل ذلك فيه كان واقعا عن النذر من رأس.

وأما القسم الثاني ، وهو أن ينذر شهرا مطلقا ، فاما أن يشترط فيه التتابع أو لا ، فان شرط وجب.

ولو اعتكف بعض شهر وأخل بالبعض الاخر ، وجب عليه الاستئناف من رأس ، للاخلال بالصفة. فلا يكون آتيا بالمنذور ، فيبقى في عهده التكليف ، وان لم يشترط جاز أن يعتكف ثلاثة ثلاثة ، بل يصح أن يأتي بيوم من المنذور وآخرين من غيره.

وقال في المعتبر : لكن على مذهبنا لا يصح أقل من ثلاثة (1).

هذا تحقيق ما عندي في هذا المقام.

قال رحمه‌ اللّه : والثاني لا يجب المضي فيه - الى آخره.

أقول : قد سبق البحث في هذه مستوفى.

قال رحمه‌ اللّه : انما يحرم على المعتكف [ ستة : ] النساء لمسا وتقبيلا وجماعا وشم الطيب على الاظهر.

أقول : للشيخ في تحريم شم الطيب على المعتكف قولان ، ومستند المنع ما رواه أبو عبيدة عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : المعتكف لا يشم الطيب ولا يتلذذ بالريحان ولا يماري ولا يشتري ولا يبيع (2).

ومستند الجواز أصالة الاباحة. والاول أقوى ، والاصل يخالف للدليل.

قال رحمه‌ اللّه : وقيل : يحرم عليه ما يحرم على المعتكف ، ولم يثبت ، فلا يحرم عليه لبس المخيط ، ولا ازالة الشعر ، ولا أكل الصيد ، ولا عقد النكاح ، ويجوز له النظر في معاشه ، والخوض في المباح.

أقول : القائل بهذا هو الشيخ في بعض كتبه ، وتبعه ابن البراج وابن حمزة وقال في المبسوط : وروي أنه يجتنب ما يجتنبه المحرم. وذلك مخصوص بما قلناه ، لان لحم الصيد لا يحرم عليه وعقد النكاح مثله (3). واختاره المتأخر ، وهو الحق ، عملا بالاصل.

احتج بأن القليل تابع للكثير ، ولا جرم أن أكثر ما يحرم على المحرم يحرم على المعتكف ، فيحرم عليه الجميع ، تغليبا للكثرة وبمنع التبعية.


1) المعتبر 2 / 728.

2) تهذيب الاحكام 4 / 288 ، ح 4.

3) المبسوط 1 / 293.

قال رحمه‌ اللّه : ومن مات قبل انقضاء اعتكافه الواجب ، قيل : يجب على الولي القيام به ، وقيل : يستأجر من يقوم به. والاول أشبه.

اقول : القولان قد حكاهما الشيخ في المبسوط عن الاصحاب ، واستدل عليهما بعموم ما روي أن من مات وعليه صوم واجب ، وجب على وليه القضاء عنه أو يتصدق عنه (1).

وقال في المعتبر : وما ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه ان ثبت كان دالا على وجوب قضاء الصوم ، أما الاعتكاف فلا (2).

وقلنا : اذا سلم أن على الولي قضاء جميع ما فات الميت من الصيام ، لزمه القول بوجوب قضاء هذا الصوم ، لانه صوم لزم الميت على هيئة مخصوصة ، ولا يمكن الاتيان بمثله الا على هذه الهيئة ، أعني : هيئة الاعتكاف ، وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب ، والا لزم تكليف ما لا يطاق ، أو خروج الواجب عن كونه واجبا وهما محالان.

فرع :

هذا الاستدلال انما يتمشى أن لو لم يكن عليه صوم حال نذر الاعتكاف ، أما لو كان عليه صوم سابق ، وجب عليه قضاء الصوم فحسب ، لان الاعتكاف لم يوجب صوما حينئذ.

قال رحمه‌ اللّه : كل ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف - الى قوله : - ومنهم من خص الكفارة بالجماع حسب ، واقتصر في غيره من المفطرات على القضاء وهو الاشبه.


1) المبسوط 1 / 293 - 294.

2) المعتبر 2 / 744.

اقول : لا خلاف في وجوب الكفارة بالجماع الحاصل بالاعتكاف الواجب وهل تجب بحصوله في الاعتكاف المندوب؟ ظاهر فتاوي علمائنا نعم ، وعندي فيه تردد.

وانما الخلاف في وجوب الكفارة بفعل ما عداه من المفطرات ، فقال المفيد والشيخ وعلم الهدى : تجب الكفارة بكل مفطر يوجب الكفارة في رمضان وهو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (1)، بناء على أن الاعتكاف المندوب يلزم بالشروع.

وقال في المعتبر : ان أرادوا الاعتكاف المنذور المقيد بزمان معين كان حسنا وان أرادوا الاطلاق فلا أعرف المستند ، فان كان تمسكا بإطلاق الاحاديث ، فهي مختصة بالجماع فحسب (2).

وما قاله حسن ، لان فطر النذر المعين موجب للكفارة منفردا عن الاعتكاف ، فمع انضمامه أولى.

ولو خصا ذلك - أعني : الشيخين - باليوم الثالث ، أو بالاعتكاف الواجب كان أنسب بمذهبهما ، لانهما لا يريان وجوب ما عداه ، اذ لا معنى لا تجب الكفارة مع جواز الرجوع ، وظاهر كلام ابن ادريس سقوط الكفارة مطلقا ، ونقله الشيخ في المبسوط (3)عن بعض الاصحاب ، وهو قوي.

لنا - أصالة براءة الذمة.

احتج الثلاثة بإطلاق الاحاديث ، وهي مختصة بالجماع فحسب ، والتعدي قياس ، ونحن لا نقول به.

قال رحمه‌ اللّه : وتجب كفارة واحدة ان جامع ليلا. وكذا ان جامع نهارا


1) المبسوط 1 / 294.

2) المعتبر 2 / 742.

3) المبسوط 1 / 294.

في غير رمضان ، وان كان فيه لزمه كفارتان.

أقول : اختلف الاصحاب في هذه المسألة ، فذهب بعضهم الى وجوب كفارتين بالوطء نهارا ، سواء كان في رمضان أو غيره ، وهذا قول علم الهدى.

ويمكن أن يحتج له بأن الجماع في الاعتكاف سبب في وجوب الكفارة ، وكذا في الصوم ، فعند اجتماعهما تجب الكفارتان. أما أولا ، فلاستحالة اجتماع العلل على المعلول الواحد. وأما ثانيا ، فلان التداخل على خلاف الاصل ، فلا يصار إليه الا لدليل ، ونمنع ايجاب الصوم للكفارة مطلقا ، بل انما يوجبه اذا كان معينا ، اما بالاصالة كرمضان ، أو بالنذر.

وذهب بعضهم الى وجوب كفارة واحدة وأطلق ، وهو ظاهر كلام شيخنا المفيد. والحق ما ذكره المصنف ، والاستدلال عليه قريب مما سبق. وأما الجماع ليلا ، فانه يوجب كفارة واحدة اجماعا.

فرع :

لو جامع المعتكف في النذر المعين ، وجب عليه كفارتان ، كما لو جامع في نهار رمضان.

قال رحمه‌ اللّه : الارتداد موجب للخروج من المسجد ، ويبطل الاعتكاف.

وقيل : لا يبطل ، وان عاد بنى ، والاول أشبه.

اقول : للاصحاب في هذه قولان :

أحدهما : بطلان الاعتكاف ذكره في الخلاف (1)، لان الارتداد اما عن فطرة أو غيرها ، والاول يجب به القتل ، فيجب اخراجه له. والثاني الاخراج من المسجد ، لان المتصف به نجس ، ولا يجوز ادخال النجاسة الى المساجد ووجوب


1) الخلاف 1 / 407 ، مسألة 20.

الاخراج مناف للاعتكاف ، فيبطل لاستحالة اجتماع المتنافيين.

والاخر : لا يبطل ، ولو عاد الى الاسلام بنى على اعتكافه ، ذكر ذلك الشيخ في المبسوط (1)، محتجا بأصالة صحة العبادة ، ولان المقتضي للبطلان قد زال ، فيزول بزواله ، والاصالة تخالف لقيام الدلالة وقد بيناها ، والاعتكاف الواحد غير قابل للتبعيض.

أما لو نذر اعتكافا معينا زائدا على الثلاثة ، ثم ارتد بعد اعتكاف ثلاثة فصاعدا صح ما فعل وقضى ما أهمل ان كان ثلاثة فصاعدا. ولو كان أنقص من ذلك أضاف إليه ما يتم به ثلاثة. ولو كان عوده قبل الخروج أتم ما بقي منه ان كان ثلاثة.

ولو كان أقل ، عقبه بالقضاء ليتم ثلاثا ، أو يضيف إليه ما يتم به ذلك ، ثم قضى الفائت بعد ان كان ثلاثة ، وان كان أقل عقبه بالاتمام ، أو يضيف إليه ما يتم به ثلاثة ، اذ لا اعتكاف أقل منها. وكذا لو كان النذر مطلقا ، الا أن القضاء هنا غير متحقق.

قال رحمه‌ اللّه : اذا أكره امرأته على الجماع ، وهما معتكفان نهارا في شهر رمضان ، لزمه أربع كفارات. وقيل : يلزمه كفارتان ، وهو الاشبه.

اقول : هذا التفصيل انما يتمشى على قاعدة من لا يوجب الكفارتين الا بالجماع في نهار شهر رمضان ، وأما من يوجبهما بالجماع في النهار مطلقا ، سواء كان في رمضان أو غيره ، فانه يلزمه ايجاب أربع كفارات مطلقا ، وقد التزم به في المبسوط قال : وان كان ليلا لزمه كفارتان ، على قول بعض أصحابنا (2).

وكذلك علم الهدى وابن الجنيد وابن البراج وابن حمزة وابن ادريس ، لكن لما كان هذا القول ضعيفا عنده عدل عن التفريع عليه ، وفرع على القول


1) المبسوط 1 / 294.

2) المبسوط 1 / 294.

القوي عنده.

وانما وجبت الاربع على المكره ، لان الجماع فعل واحد أوجب الكفارة على الفاعل ، ومع حصول الاكراه منه يكون الفعل في الحقيقة صادرا عنه فيتضاعف الكفارتان عليه.

وأما القول الثاني ، فلا أعرف به قائلا من الاصحاب ، لكن يتأتى على قول ابن أبي عقيل ، لانه لا يوجب تضاعف الكفارة على المكره امرأته في نهار رمضان بل يوجب عليه كفارة واحدة فقط ، ويوجب عليها القضاء حسب ، وقد عرفت ان الاجتهاد في مقابلة النص مردود. وكذا لو كان الاكراه في النذر المعين على اشكال.

أما لو كان الاكراه في غيرهما ، فالاقوى عدم التحمل ، عملا بأصالة براءة الذمة ، ولان التعدي قياس ، ونحن لا نقول به ، ولان المكره (1)لم يفطر ، فلا كفارة عليها ، فلا يتحقق التحمل حينئذ.

قال رحمه‌ اللّه : اذا طلقت المعتكفة رجعية خرجت.

أقول : ينبغي أن يقال : ان كان الاعتكاف مندوبا أو واجبا غير معين ، أو يكون معينا قد اشترط فيه الرجوع مع عروض العارض.

أما لو لم يكن معينا (2)ولم يشترط فيه ذلك ، فالاقوى وجوب الخروج ، لان الاعتداد في المنزل واجب ولا يتم الا بالخروج.

ويحتمل وجوب الاكمال ثم الخروج بعد ، فيكون أولى لانه دين ، لقوله عليه ‌السلام : دين اللّه أحق أن يقضى (3).

قال رحمه‌ اللّه : اذا باع أو اشترى بطل اعتكافه ، وقيل : يأثم ولا يبطل ، وهو


1) فى « م » : المفطرة.

2) فى « م » : أما لو كان معينا.

3) صحيح البخارى 2 / 139.

الاشبه.

اقول : قال الشيخ في المبسوط : لا يفسد الاعتكاف جدال ولا خصومة ولا شقاق ولا بيع ولا شراء ، وان كان لا يجوز له فعل ذلك أجمع (1). وظاهر كلام ابن ادريس أن ذلك يبطل الاعتكاف ما لم يضطر إليه. والحق الاول ، عملا بأصالة صحة العبادة.

احتج بأن الاعتكاف هو اللبث ، وهو ينافي الاشتغال بغيرها ، والجمع بين المتنافيين محال ، وانما سوغنا القدر المحتاج إليه للضرورة ، ونمنع اشتراط دوام العبادة ، والا بطل حالة النوم الذي لا يضطر إليه والسكوت ، والتالي باطل اجماعا فكذا المقدم ، بيان الشرطية للابطال هناك خلو بعض أجزاء الزمان عن العبادة ، وهذا المعنى موجود حالة النوم والسكوت.

فرع :

وهل يصح البيع؟ قال الشيخ : لا ، لانه منهي عنه ، والنهي يدل على الفساد وقد بينا ضعف هذه الحجة فيما سبق ، والوجه الصحة ، لانه عقد صدر من أهله في محله فيكون ماضيا.

قال رحمه‌ اللّه : اذا اعتكف ثلاثة متفرقة ، قيل : يصح ، لان التتابع لا يجب الا بالاشتراط ، وقيل : لا ، وهو الاصح.

اقول : قال في الخلاف : اذا نذر اعتكاف ثلاثة أيام متتابعات ، لزمه ثلاث بينها ليلتان ، وان لم يشترط التتابع جاز أن يعتكف نهارا ثلاثة أيام دون لياليها (2)وبمعناه قال في المبسوط (3).


1) المبسوط 1 / 295.

2) الخلاف 1 / 409 مسألة : 25.

3) المبسوط 1 / 291.

والوجه دخول الليالى ، وقد ذكر ذلك في هذا الكتاب أيضا ، أعني : الخلاف ، فقال : لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام بليلتين (1).

لنا - النصوص الدالة على أن أقل الاعتكاف ثلاثة أيام ، واليوم اذا أطلق دخل فيه الليلة وبالعكس.


1) الخلاف 1 / 405 مسألة : 11.

الفصل الخامس : ( فى إيضاح الترددات المذكورة فى كتاب الحج )

اشارة

قال رحمه‌ اللّه : ولو دخل الصبي المميز والمجنون في الحج ندبا ، ثم كمل كل واحد منهما وأدرك المشعر ، أجزأ عن حجة الاسلام ، على تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى فتوى الاصحاب ، ولانه زمان يصح إنشاء الحج فيه ، فكان مجزيا ، بأن يجدد نية الوجوب ، وبه قال الشافعي.

والالتفات الى أنه لم يوقع الاحرام والتلبية على الوجه المأمور به شرعا ، ولان الاصل أن الافعال المندوبة لا يجزي عن الافعال الواجبة ، والاول أقوى.

أما أولا ، فلموافقته فتوى الاصحاب. وأما ثانيا ، فلدلالة ظواهر الآيات والاخبار عليه.

فرع :

ولو دخلا متمتعين بالحج الى العمرة وكانا ممن يجب عليهما التمتع عند بلوغهما ، ثم كملا قبل أحد الموقفين ، ففي الاجزاء عن العمرة المتمتع بها والحج أيضا نظر ، لكن الاقوى العدم ، لفوات أكثر الافعال الواجبة ، فان قلنا به وجب عليه الاتيان بباقي الافعال لا غير ، وان لم يفعل به احتمل وجوب اكمال باقي أفعال

الحج ، ثم الاتيان بعمرة بعدها ، ان كانت أشهر الحج باقية ، ويسقط الترتيب للضرورة ، والا ففي العام المقبل.

وفي وجوب الحج حينئذ بعد اكمالها نظر ، ينشأ : من اصالة البراءة ، ومن قوله عليه ‌السلام : دخلت العمرة في الحج هكذا وشبك بين أصابعه صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله (1).

قال رحمه‌ اللّه : الثالث الزاد والراحلة ، وهما يفتقران في من يفتقر الى قطع المسافة.

اقول : ليس المراد وجود عين الزاد والراحلة ، بل يكفيه التمكن منهما ، اما عينا ، أو استيجارا للراحلة أو الزاد.

قال رحمه‌ اللّه : ويجب شراؤهما ولو كثر الثمن مع وجوده. وقيل : ان زاد عن ثمن المثل لم يجب ، والاول أصح.

اقول : هذا القول ذكره الشيخ في المبسوط (2)، وليس بجيد.

لنا - انه مستطيع ، فيجب عليه الحج ، والمقدمتان ظاهرتان.

احتج بأن فيه اضرارا ، فيكون منفيا لقوله عليه ‌السلام « لا ضرر ولا اضرار » (3)ولا ضرر مع القدرة على الثمن ، سلمنا لكن العام يخص للدليل ، وقد بيناه.

قال رحمه‌ اللّه : ولو بذل له زاد وراحلة ونفقة له ولعياله وجب عليه ، ولو وهب له مال لم يجب قبوله.

اقول : الفرق بين البذل والهبة أن البذل لا يفتقر الى قبول ، بخلاف الهبة فانها تفتقر إليه ، وهو غير واجب ، لانه تحصيل لشرط الوجوب ، وقد عرفت أن شرط الواجب المقيد غير واجب ، اذ لا يتحقق الوجوب بدونه ، فقبله لا يكون


1) سنن ابن ماجة 2 / 1024 ، برقم : 3074.

2) المبسوط 1 / 300.

3) عوالى اللئالى 1 / 383 و 2 / 74 و 3 / 210.

واجبا ، بخلاف المطلق ، لورود الامر هنا مطلقا بخلاف الاول.

وشرط ابن ادريس تمليك المبذول ، ويجب أن يطالب بدليل مدعاه ، فان الروايات مطلقة ، وكذا فتاوي الاصحاب.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجب على الولد بذل ماله لوالده في الحج.

اقول : ظاهر كلام الشيخ في النهاية (1)على الوجوب ، وتبعه ابن البراج ، محتجين برواية سعيد بن يسار عن الصادق عليه ‌السلام (2).

وقال في المبسوط والخلاف : روى أصحابنا أنه اذا كان له ولد وجب أن يأخذ من ماله ما يحج به ، ويجب عليه اعطاؤه (3).

ومنع ابن ادريس ، وهو الحق ، لان ملك الزاد والراحلة شرط اتفاقا ، وليس ملك الولد ملكا لوالده ، والرواية محمولة على جواز الاقتراض من مال ولده مع امكان القضاء.

قال رحمه‌ اللّه : ولو منعه عدو ، أو كان معضوبا لا يستمسك على الراحلة ، أو عدم المرافق مع اضطراره إليه ، سقط الفرض ، وهل تجب الاستنابة مع المانع من مرض أو عدو؟ قيل : نعم ، وهو المروي ، وقيل : لا.

اقول : الوجوب ذهب إليه الشيخ قدس اللّه روحه ، وتبعه أبو الصلاح وابن البراج ، واختاره ابن الجنيد وابن أبي عقيل ، استنادا الى رواية معاوية بن عمار الصحيحة عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : ان عليا عليه ‌السلام رأى شيخا لم يحج قط ولم يطق الحج من كبره ، فأمره أن يجهز رجلا فيحج عنه (4). وفي معناها رواية محمد بن


1) النهاية ص 204.

2) تهذيب الاحكام 5 / 15 ، ح 44.

3) المبسوط 1 / 299.

4) تهذيب الاحكام 5 / 14 ، ح 38.

مسلم عن أبي جعفر عليه ‌السلام (1).

وغير ذلك من الروايات ، واختار ابن ادريس الثاني ، وهو أقرب ، لان الاستطاعة شرط ولم يحصل ، وقد عرفت أن الواجب المقيد انما يجب عند حصول شرطه. ولاصالة براءة الذمة ولدلالة مفهوم الرواية المروية عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (2).

والروايات محمولة على الاستحباب ، أو على من استقر الحج في ذمته وعرض له ذلك بعد الاستقرار.

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان لا يستمسك خلقة - الى آخره.

اقول : البحث في هذه كالبحث في السابقة ، وقد مر مستقصى.

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان في الطريق عدو لا يندفع الا بمال ، قيل : يسقط وان قل ، ولو قيل : يجب التحمل مع المكنة. كان حسنا.

أقول : الاول ذهب إليه الشيخ في المبسوط (3)والمصنف في المعتبر (4)، وهو الاقوى ، لان تخلية السرب شرط وفاقا ولم يحصل ، وقد عرفت أن تحصيل شرط الواجب غير واجب. وأما الثاني ، فضعيف جدا.

قال رحمه‌ اللّه : ومن مات بعد الاحرام ودخول الحرم برأت ذمته. وقيل : يجتزئ بالاحرام. والاول أظهر. وان كان قبل ذلك ، قضيت عنه ان كانت مستقرة وسقطت ان لم يكن كذلك.

اقول : الحاج على ضربين : الاول من حج في عام الوجوب. الثاني من حج بعد استقرار الوجوب.


1) تهذيب الاحكام 5 / 14 ، ح 40.

2) تهذيب الاحكام 5 / 14.

3) المبسوط 1 / 301.

4) المعتبر 2 / 755.

والاول يسقط عنه الفرض بموته مطلقا ، سواء كان قبل الاحرام أو بعده ، وقبل دخول الحرم أو بعده.

وأما الثاني ، فقد اختلف فيه ، فقال في النهاية (1)والتهذيب (2)بالاول ، واقتصر في الخلاف (3)على الاحرام ، واختاره ابن ادريس ، والاول أحق.

لنا - اصالة بقاء الحج في الذمة ، ترك العمل بها فيما اذا أحرم ودخل الحرم للدليل ، فيبقى معمولا بها فيما عداها.

احتج بأن المقصود التلبس بالحج وقد حصل بالاحرام.

والجواب المنع من المقدمة الاولى ، بل المقصود قصد البيت ، وانما يحصل بما قلناه.

قال رحمه‌ اللّه : ولو حج المسلم ثم ارتد لم يعد على الاصح.

أقول : هذه اشارة الى ما قواه الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (4)من وجوب الاعادة ، بناء على أن المسلم لا يكفر ، وهذه القاعدة قد بينا فسادها في علم الكلام.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أحرم مسلما ثم ارتد.

اقول : البحث في هذه كالسابقة.

قال رحمه‌ اللّه : والمخالف اذا استبصر لا يعيد الحج ، الا أن يخل بركن منه.

أقول : المشهور ما ذكره ، وأوجب ابن الجنيد وابن البراج الاعادة مطلقا وهو ضعيف ، وتحمل الروايتان الدالتان عليها على الاستحباب ، جمعا بين الادلة.


1) النهاية ص 203 - 204.

2) التهذيب 5 / 15.

3) الخلاف 1 / 415.

4) المبسوط 1 / 303.

فائدة :

هل المراد بالركن ما هو ركن عندنا أو عندهم؟ الاقرب الاول ، لانه الظاهر عند الاطلاق بالنسبة إلينا.

قال رحمه‌ اللّه : وهل الرجوع الى كفاية من صناعة أو مال أو حرفة شرط في وجوب الحج؟ قيل : نعم ، لرواية أبي الربيع ، وقيل : لا ، عملا بعموم الآية ، وهو الاولى.

اقول : القول الاول مذهب الشيخ في المبسوط (1)والنهاية (2)والخلاف (3).

واحتج عليه بالاجماع ، وبأصالة البراءة ، وبرواية أبي الربيع الشامي قال : سئل أبو عبد اللّه عليه ‌السلام عن قول اللّه عزوجل « وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً » (4)فقال : ما يقول الناس فيه؟ قال فقيل له : الزاد والراحلة ، قال فقال أبو عبد اللّه عليه ‌السلام : قد سئل أبو جعفر عليه ‌السلام عن هذا ، فقال : هلك الناس اذن ، لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت به عياله ويستغني عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم اياه لقد هلكوا اذن.

فقيل له : ما السبيل ، قال فقال : السعة في المال اذا كان يحج ببعض ويبقي بعض لقوت عياله ، أليس قد فرض اللّه الزكاة ، فلم يجعلها الا على من ملك مأتي درهم (5).

والاصل تخالف للدليل ، وكيف يستدل بالاجماع مع وقوع هذا النزاع ،


1) المبسوط 1 / 296.

2) النهاية ص 203.

3) الخلاف 1 / 411 مسألة 2.

4) سورة آل عمران : 97.

5) تهذيب الاحكام 5 / 2 - 3 ، ح 1.

والرواية قاصرة عن افادة المطلوب ، بل انما تدل على اشتراط وجود ما يمونه ويمون عياله الى حين ايابه ، ونحن نقول به.

والثاني مذهب السيد المرتضى وابن أبي عقيل وابن الجنيد ، واختاره ابن ادريس ، حتى أنه ادعى الاجماع عليه ، ولعله أقرب ، لعموم قوله تعالى « وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً » (1)وهذا يصدق عليه أنه مستطيع.

ويؤيده قول الصادق عليه ‌السلام : من كان صحيحا في بدنه مخلا في سربه له زاد وراحلة ، فهو ممن يستطيع الحج (2). وفي معناها رواية الحلبي عنه عليه ‌السلام (3)ورواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه ‌السلام (4).

قال رحمه‌ اللّه : يقضى الحج من أقرب الاماكن ، وقيل : يستأجر من بلد الميت وقيل : ان اتسع المال فمن بلده ، والا فمن حيث يمكن ، والاول أشبه.

اقول : اختلف الاصحاب في هذه المسألة ، فذهب الشيخ في المبسوط (5)والخلاف (6)الى الاول ، وان كان الافضل اخراجه من بلده ، والمراد بأقرب الاماكن هنا الميقات ، عملا باصالة البراءة ، ولان الواجب ليس الا الحج ، وليس قطع المسافة جزءا منه ، بدليل أنه لو اتفق حضور المكلف بعض المواقيت لا لقصد الحج أجزأه الحج من الميقات اجماعا ، ولو كان قطع المسافة جزءا منه لما صح هذا. واذا لم يكن القطع جزءا ، لم يجب الاستيجار من البلد.


1) سورة آل عمران : 97.

2) تهذيب الاحكام 5 / 3 ، ح 2.

3) تهذيب الاحكام 5 / 3 ، ح 3.

4) تهذيب الاحكام 5 / 3 - 4 ، ح 4.

5) المبسوط 1 / 304.

6) الخلاف 1 / 416 مسألة 18.

والقول الثاني ذهب إليه ابن ادريس ، وظاهر كلام الشيخ في النهاية (1)، وهو فتوى ابن البراج ، عملا بالاحتياط ، ولان المخرج (2)عنه كان يجب عليه الحج من بلده ، ونفقة الطريق لازمة له ، فمع الموت تكون لازمة في ماله ، ونمنع وجوب الحج من بلده ، ويؤيده الفرض الذي قلناه.

والتفصيل الثالث منقول عن الشيخ رحمه‌ اللّه جوابا في مسائل سئل عنها. ويمكن أن يحتج له بما احتج به ابن ادريس ، والجواب هو الجواب.

قال رحمه‌ اللّه : ولو نذر الحج أو أفسد وهو معضوب ، قيل : يجب أن يستنيب. وهو حسن.

أقول : انما كان حسنا لشهادة الظاهر بأن فعل ذلك مع العلم بأن الافساد موجب للقضاء ، وأن النذر يوجب الوفاء ، يقتضي الالتزام باخراج ذلك من ماله وهذا القول ذكره الشيخ في المبسوط قال فيه : فان برئ فيما بعد تولاها بنفسه (3).

قال رحمه‌ اللّه : اذا نذر الحج ، فان نوى حجة الاسلام تداخلا ، وان نوى غيرها لم يتداخلا ، وان أطلق قيل : ان حج ونوى النذر أجزأ عن حجة الاسلام وان نوى حجة الاسلام لم يجز عن النذر. وقيل : لا يجزي احداهما عن الاخرى وهو الاشبه.

أقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه في النهاية (4)والتهذيب (5)اذا حج بنية النذر أجزأ عن حجة الاسلام ، ولم يتعرض للقسم الاخر.

مصيرا الى ما رواه رفاعة بن موسى النخاس عن الصادق عليه ‌السلام قال : سألته عن


1) النهاية ص 203.

2) فى « س » : المحجوج.

3) المبسوط 1 / 299.

4) النهاية ص 205.

5) التهذيب 5 / 13.

رجل نذر أن يمشي الى بيت اللّه الحرام ، فمشى هل يجزيه ذلك عن حجة الاسلام؟ قال : نعم. قلت : أرأيت لو حج عن غيره ولم يكن له مال وقد نذر أن يحج ماشيا أيجزي ذلك عن مشيه؟ قال : نعم (1).

والقول الثاني ذهب إليه ابن ادريس ، وهو القول الاخر للشيخ ، وهو الحق.

لنا - أن النذر لا بدّ له من متعلق ، وذلك المتعلق ليس الا حجة الاسلام ، اذ لو كان حجة الاسلام لزم تحصيل الحاصل ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله.

وبيان الشرطية ظاهر ، اذ وجوب حجة الاسلام سابق على النذر ، واذا ثبت التغاير لم يجز احداهما عن الاخرى ، لان التداخل خلاف الاصل.

لا يقال : لو وجب أن يكون متعلق النذر مغايرا لحجة الاسلام ، لما صح نذرها والتالي باطل اجماعا ، فالمقدم مثله.

لانا نلتزم ذلك ، وأي اجماع دل عليه ، بل انما دل على اجزاء حجة الاسلام مع نذرها ، وذلك لا يدل على صحة النذر ، سلمنا لكن النذر له فائدتان : احداهما ايجاب ما لم يكن واجبا. الثانية ايجاب الكفارة مع ترك الملتزم ، وانما صح نذر حجة الاسلام للفائدة الثانية.

لا يقال : فلم لا تحمله عند الاطلاق على حجة الاسلام بعين ما ذكرتم ، عملا بأصالة البراءة.

لانا نقول : حمله على ما تحصل به الفائدتان أولى من حمله على ما تحصل فيه احداهما فقط ، ولما أمكن ذلك عند الاطلاق صرنا إليه بخلاف التقييد.

وبالجملة فهذا الاعتراض قوي ، والجواز ضعيف ، والرواية سالمة عن المعارض ، فيجب العمل بها.


1) تهذيب الاحكام 5 / 13 ، ح 35.

فرع :

لو قلنا بعدم التداخل ، فقدم حجة النذر على حجة الاسلام ، فالاقوى أنه لا يجزئ عن احداهما ، أما عن حجة الاسلام فلعدم النية ، وأما عن المنذور فلعدم صلاحية الزمان ، لان وقته بعد حجة الاسلام اجماعا.

وكذا البحث لو نوى غير حجة الاسلام وقدم المنذورة ، ويجي‌ء على مذهب الشيخ قدس اللّه روحه انها تجزي عن حجة الاسلام ، وقد قواه في المبسوط (1)، ولا أعرف وجهه ، وهو مذهب الشافعي.

قال رحمه‌ اللّه : اذا نذر الحج ماشيا وجب ، ويقوم في مواضع العبور.

أقول : هل الوقوف في موضع العبور واجب أو مستحب؟ فيه وجهان :

الوجوب ، لما رواه السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه أن عليا عليه ‌السلام سئل عن رجل نذر أن يمشي الى بيت اللّه يمر بالمعبر ، قال : ليقم في المعبر حتى يجوز (2)وظاهر الامر المطلق الوجوب ، كما بيناه في كتاب الاصول. ولان الماشي جامع في مشيه بين القيام والحركة ، ضرورة كون المشى ماهية مركبة منهما ، ونذر المركب يستلزم نذر جميع أجزائه. واذا ثبت كون القيام منذورا وجب الوفاء به اجماعا.

والثاني : الاستحباب ، لان نذر المشي انما ينصرف الى ما يصح المشي فيه ، فيكون موضع العبور مستثنى عادة ، ويعضده أصالة البراءة.

قال رحمه‌ اللّه : فان ركب طريقه قضى ، وان ركب بعضا ، قيل : يقضي ويمشي مواضع ركوبه. وقيل : بل يقضي ماشيا ، لاخلاله بالصفة المشترطة. وهو أشبه.


1) المبسوط 1 / 303.

2) تهذيب الاحكام 5 / 478 ، ح 339.

أقول : لا خلاف في وجوب القضاء مع ركوب جميع الطريق اختيارا ، سواء كان الوقت معينا أولا. وتجب الكفارة في المعين للخلف.

أما لو أكره على الركوب ، فان كان الوقت معينا لم تجب عليه القضاء ، لعدم تناول النذر له ، وانما أوجب القضاء مع الاختيار للتفريط ، وان لم يكن معينا فاشكال ، ينشأ : من قوله عليه ‌السلام : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (1). ومن اقتضاء الحج ماشيا ولم يأت ، فيبقى في العهدة ، وهو أقوى. وكذا لو ركب البعض مكرها.

أما لو ركبه اختيارا ، قال الشيخ رحمه‌ اللّه في كتبه : قضى بأن يركب ما مشيه ويمشي ما ركبه. وقال ابن ادريس : يجب عليه القضاء ماشيا في العام المقبل ، ولعله أقرب.

لنا - أنه علق الحج على شرط المسمى ولم يوجد ، وقد عرفت أن عدم الشرط يستلزم عدم المشروط ، فيبقى في عهده التكليف ، ولانه أحوط.

ويمكن أن يحتج للشيخ رحمه‌ اللّه بأن مشي الطريق ليس جزءا من الحج ، واذا كان خارجا عنه لم يكن صفة له ، إذ المشي يتناول الطريق الموصل الى الحج فكأنه نذر أن يمشي تلك الطريق حاجا. واذا مشى في عامين حاجا ، فقد حصل الامتثال ، ولا يحمل النذر على أنه نذر ايقاع أفعال الحج ما شيا ، فان فرض كذلك لم يتحرج فتواه ، وهذا الوجه ذكره المصنف في نكت النهاية (2).

قال رحمه‌ اللّه : ولو عجز قيل : يركب ويسوق بدنة. وقيل : يركب ولا يسوق. وقيل : ان كان مطلقا توقع المكنة من الصفة ، وان كان معينا بوقت سقط فرضه لعجزه ، والمروي الاول ، والسياق ندب.


1) سنن ابن ماجة 1 / 659 ، برقم : 2043.

2) نكت النهاية ص 609.

أقول : القول الاول ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه ، مصيرا الى الروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

والقول الثاني ذكره المفيد ، نظرا الى سقوط النذر مع تحقق العجز ، عملا بالاصل ، استنادا الى ظاهر رواية صفوان عن ابن أبي عمير عن رفاعة بن موسى قال : سألت أبا عبد اللّه عليه ‌السلام - الحديث (1).

وأما التفصيل ، فقد ذكره المتأخر ، وهو حسن في المطلق.

واما سقوط فرض الحج المعين مع العجز عن المشي ، فليس بجيد ، لان الحج المنذور ماشيا قد يضمن شيئين : أحدهما الحج ، الثاني الاتيان به ماشيا ، وسقوط أحدهما للعجز لا يستلزم سقوط الاخر ، لوجود القدرة عليه ، ويحمل السياق على الندب ، توفيقا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : ولا تصح النيابة عن المسلم المخالف ، الا أن يكون أب النائب.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخان قدس اللّه روحهما.

قال المصنف في المعتبر : وربما كان التفاتهم الى تكفير من خالف الحق ، ولا تصح النيابة عمن اتصف بذلك (2).

ونحن نقول : ليس كل مخالف للحق لا تصح منه العبادة ، ونطالبهم بالدليل عليه ، ونقول : اتفقوا (3)على أنه لا يعيد عباداته التي فعلها مع استقامته سوى الزكاة.

والاقرب أن يقال : لا تصح النيابة عن الناصب ، ونعني به من يظهر العداوة والشنان لاهل البيت عليهم ‌السلام ، وينسبهم الى ما يقدح في العدالة ، كالخوارج ومن ماثلهم.


1) تهذيب الاحكام 5 / 403.

2) المعتبر 2 / 766.

3) فى « م » : اتفق.

ودل على ما قلناه رواية وهب بن عبد ربه عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قلت : أيحج الرجل عن الناصب؟ قال : لا ، قلت : ان كان أبي؟ قال : ان كان أبوك فنعم (1).

واعلم أن ابن ادريس منع الاستثناء ، مدعيا الاجماع على المنع مطلقا.

قال الشيخ نجم الدين : ولست أدري الاجماع الذي ادعاه أين هو؟ والتعويل ليس الا على المنقول عن أهل البيت عليهم ‌السلام ، وهو خبر واحد قد قبله الاصحاب ، وهو يتضمن الحكمين معا ، فقبول أحدهما ورد الاخر ودعوى الاجماع غلط ، قبله محكمات يرغب عنها.

وأقول : ما ذكره سديد.

قال رحمه‌ اللّه : وهل تصح نيابة المميز؟ قيل : لا ، لاتصافه بما يوجب رفع القلم. وقيل : نعم ، لانه قادر على الاستقلال بالحج ندبا.

اقول : الانسب بالمذهب أنه لا تصح نيابته ، لان حجه انما هو تمرين ، والحكم بصحته انما هو بالنسبة الى ما يراد من تمرينه ، لا لانه تقع مؤثرا في استحقاق الثواب ، اذ شرط التكليف منتف بالنسبة إليه.

قال رحمه‌ اللّه : ولا تصح نيابة من وجب عليه الحج واستقر - الى قوله : - ولو تطوع قيل : تقع عن حجة الاسلام ، وهو تحكم.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (2)، وهو مذهب الشافعي ، والاستدلال لنا عليها يعرف من الاستدلال على الفرع المذكور في مسألة النذر.

ويمكن أن يحتج الشيخ رحمه‌ اللّه بأن نية حجة التطوع يستلزم نية الحج المطلق ، ضرورة كون المطلق جزءا من المقيد ، واذا ثبت استلزامها لها ، وجب


1) تهذيب الاحكام 5 / 414 ، ح 87.

2) المبسوط 1 / 302.

صرف المطلق الى حجة الاسلام ، لثبوتها في الذمة والغاء الزيادة ، وهو غلط ، لان المطلق يستحيل وجوده الا في أخذ جزئياته وجزئياته متضادة.

واعلم أن الشيخ رحمه‌ اللّه في الخلاف (1)جوز التطوع لمن عليه حج واجب وهو وهم ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.

قال رحمه‌ اللّه : ومن استوجر فمات في الطريق - الى آخره.

أقول : البحث في هذه المسألة كالبحث في مسألة الاصيل ، وقد تقدم.

قال رحمه‌ اللّه : ويجب أن يأتي بما شرط عليه : من تمتع ، أو قران أو افراد وروي : اذا أمر أن يحج مفردا أو قارنا ، فحج متمتعا ، جاز لعدوله الى الافضل لا مع تعلق الغرض بالقران أو الافراد.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ رحمه‌ اللّه في كتبه ، قال : لانه عدل الى الافضل.

قال رحمه‌ اللّه : وكذا لو أمر أن يحج مفردا فقرن جاز أيضا ، لانه أتى بالافراد وزيادة ، تمسكا برواية أبي بصير عن أحدهما في رجل أعطى رجلا دراهم ليحج عنه حجة مفردة يجوز له أن يتمتع بالعمرة الى الحج؟ قال : نعم ، انما خالف الى الفضل والخير (2).

ولنا - أن الاجارة تناولت نوعا معينا ، فلا يجوز العدول الى غيره ، لانها لم يتناوله ، فالاتيان به اتيان بغير ما وقع عليه عقد الاجارة ، فلا يكون مبرءا للذمة.

وتحمل الرواية على من استوجر للتطوع ، وعلم أن قصد المستأجر الاتيان بالافضل ، فيعرف الاذن من قصده إرادة الافضل ، فيجوز الاتيان به لما ذكرناه ويخرج عن العهدة.


1) الخلاف 1 / 416 ، مسألة 19.

2) تهذيب الاحكام 5 / 416 ، ح 92 ، وفيه : والخبر الّذي رواه الخ.

وحملها الشيخ رحمه‌ اللّه في التهذيب (1)على من وجب عليه التمتع ، فلو أمر بالافراد عنه ، جاز له العدول عنه الى التمتع ، لانه فرض المحجوج عنه وان كان أمر بالافراد ، ومع هذا فهي معارضة برواية الحسن بن محبوب عن علي عليه ‌السلام (2).

قال رحمه‌ اللّه : ولو شرط الحج على طريق معين ، لم يجز العدول ان تعلق بذلك غرض. وقيل : يجوز مطلقا.

أقول : القائل بالجواز مطلقا هو الشيخ رحمه‌ اللّه ، تمسكا بالاصل ، ولان المقصود بالذات هو الحج وقد فعله ، فيكون مجزيا.

ونحن نقول : ان تعلق بالطريق المعين غرض صحيح لم يجز العدول عنه ، وان صح الحج ويرجع عليه بالتفاوت ، والا جاز.

أما الاول ، فلانه شرط سائغ ، فيجب الوفاء به. أما الاولى ففرضية ، وأما الثانية فاتفاقية. واذا ثبت وجوب الوفاء به ، حرم العدول عنه.

واما الرجوع عليه بالتفاوت ، فلان عقد الاجارة يقتضي تقسيط الاجرة على المسافة والافعال ، فاذا فعل بعض المسافة نقص من الاجرة بقدر ما نقص منها. وقال الشيخ : لا يرجع ، اذ لا دليل عليه وقد بيناه.

وأما صحة الحج مع العدول عن الطريق المعين ، فلاتيانه بالمعقود عليه ذاتا وعليه دلت رواية حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : سألت أبا عبد اللّه عليه ‌السلام عن رجل أعطى رجلا حجة يحج عنه من الكوفة ، فحج من البصرة ، قال : لا بأس (3).


1) التهذيب 5 / 416.

2) تهذيب الاحكام 5 / 416 ، ح 93.

3) تهذيب الاحكام 5 / 415 ، ح 91.

قال رحمه‌ اللّه : ولو صد قبل الاحرام ودخول الحرم ، استعيد من الاجرة بنسبة المتخلف ، ولو ضمن الحج في المستقبل لم يجب اجابته ، وقيل : يلزم.

اقول : القول الاول ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه ، والثاني اختاره المصنف.

والتحقيق أن نقول : الاجارة اما أن يكون معينة أو مطلقة ، فان كانت معينة وصد قبل الاحرام ودخول الحرم ، انفسخت الاجارة واستعيد من الاجرة ما قابل المتخلف ، وعلى المستأجر استيجاره ، أو غيره ان كان عليه حج واجب ، والا فلا فان قصد الشيخ ذلك فصواب والا فلا. وان كانت مطلقة في الذمة ، لم ينفسخ الاجارة ، وعليه الاتيان بها مع المكنة ، لثبوتها في الذمة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو حمله حامل فطاف به ، أمكن أن يحتسب كل منهما طوافه عن نفسه.

أقول : ألحق ابن الجنيد قيدا ، فقال : ما لم يكن الحامل أجيرا ، ولا بأس به ، لان سعيه حينئذ مستحق للمستأجر ، فلا يجوز صرفه في الطواف عن نفسه ، والمطلق يقيد للدليل ، وقد بيناه.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أفسد حجه حج من قابل ، وهل يعاد بالاجرة عليه؟ يبنى على القولين.

أقول : المراد بالقولين ما ذكره الاصحاب في من حج عن نفسه حجة الاسلام فأفسدها ، فان الاصحاب مختلفون فيها ، فذهب بعضهم الى أن الاولى حجة الاسلام والثانية عقوبة ، وآخرون عكسوا.

فان قلنا بالاول ، فقد برأت ذمة المستأجر مع كمالها ، وعليه القضاء في القابل (1)عقوبة ، ولا ينفسخ الاجارة.

وان قلنا بالثاني ، كان الجميع لازما للنائب ، ولا يجزئ عن المنوب ، ويستعاد


1) فى « س » : بالقابل.

منه الاجرة ان كانت الاجارة معينة ، وان كانت مطلقة كان على الاجير الحج عن المستأجر بعد حجة القضاء ، لانها تجب على الفور.

قال في المعتبر : ويمكن أن يقال : الحجة الثانية مجزية عن المستأجر ، لانها قضاء عن الحجة الفاسدة ، كما يجزئ عن الحاج نفسه (1).

وهذا القول موجود في أحاديث أهل البيت عليهم ‌السلام ، لاتيانه بالمعقود عليه ، وهو تحريج غير مستند الى رواية.

روى الحسين بن عثمان عن اسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام في رجل حج عن رجل ، فاجترح في حجه شيئا يلزمه فيه الحج من قابل والكفارة؟ قال : هي للاولى تامة ، وعلى هذا ما اجترح (2).

ومن طريق صفوان بن يحيى عن اسحاق بن عمار قلت : ان ابتلي بشي‌ء ففسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل ، أيجزئ عن الاول؟ قال : نعم قلت : ان الاجير ضامن للحج؟ قال : نعم (3).

وينبغي أن يكون العمل على هذا ، وهو الاقوى عندي.

واعلم أن الشيخ في المبسوط قال : ان أفسد النائب الحج ، فاما أن يكون السنة معينة أو مطلقة ، فان كانت معينة انفسخت الاجارة ، وعليه استيجار من ينوب عنه ، وان كانت مطلقة وجب عليه أن يأتي بحجة النيابة بعد اكمال الحجة الفاسدة وقضاها (4). وتبعه ابن ادريس. والمعتمد ما ذكرناه نحن.

قال رحمه‌ اللّه : ولو احصر تحلل بالهدي ولا قضاء عليه.


1) المعتبر 2 / 776.

2) تهذيب الاحكام 5 / 461 ، ح 252.

3) تهذيب الاحكام 5 / 417 - 418 ، ح 96.

4) المبسوط 1 / 322.

اقول : البحث في المحصر كالبحث في المصدود ، وقد مر مستوفى.

قال رحمه‌ اللّه : اذا أوصى أن يحج عنه ولم يعين الاجرة ، انصرف ذلك الى اجرة المثل ، وتخرج من الاصل اذا كانت واجبة ، ومن الثلث اذا كانت مندوبة (1)، ويستحقها الاجير بالعقد ، فان خالف ما شرط قيل : كان له اجرة المثل والوجه أنه لا اجرة.

أقول : انما كان الوجه عدم استحقاق الاجرة ، لان العقد انما يتناول شيئا معينا ، فاذا لم يفعله وفعل غيره ، يكون قد فعل ما لم يتناوله العقد ، فلا يستحق اجرة لانه يكون متبرعا بفعل ذلك النوع ، ولم أقف لاحد من الاصحاب في هذه المسألة على فتوى قائلها.

قال رحمه‌ اللّه : اذا عقد الاحرام عن المستأجر [ عنه ] ثم نقل النية الى نفسه لم يصح ، فاذا أكمل الحجة وقعت عن المستأجر عنه ، ويستحق الاجرة. ويظهر أنها لا تجزي عن أحدهما.

اقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ رحمه‌ اللّه في الخلاف (2)، واختارها المصنف في المعتبر (3).

والحق أن هذه الحجة لا تجزئ عن حجة النيابة ، ولا عن الاجير نفسه ، سواء كانت الاجارة معينة أو مطلقة في الذمة.

أما عن المنوب ، فلان استحضار النية عنه عند كل فعل أو استدامتها شرط ولم يحصل ، واذا بطل الشرط بطل المشروط.

وأما عن النائب ، فلان الحجة اذا كانت معينة ، فالزمان مستحق للمستأجر


1) فى « م » : ندبا.

2) الخلاف 1 / 476 مسألة 241.

3) المعتبر 2 / 770.

فلا يجوز في غير ما وقع عليه عقد الاجارة ، فاذا صرفه عن نفسه يكون قد فعل فعلا منهيا عنه ، والنهي في العبادات يدل على الفساد ، كما بين في أماكنه.

وأما اذا كانت مطلقة ، فلانه قد مضى بعض أفعال الحج ولم ينوه لنفسه ، فلا يكون واقعا عنه ، اذ الاعمال بالنيات ، أي : واقعة بحسب النيات. واذا لم يكن واقعا عنه ، لم يصح حجه عن نفسه ، اذ الحج لا يتبعض ، لانه عبادة واحدة ولا عن المستأجر ، لما ذكرنا من الاخلال بالشرط ، وهو : اما الاستحضار ، أو الاستدامة.

احتج الشيخ رحمه‌ اللّه بأن الاحرام انعقد عن المستأجر ، فلا يجوز العدول به الى نفسه ، واذا لم يجز العدول لم يصح النقل ، ولان أفعال الحج استحقت لغيره بالنية الاولى ، فلا يصح نقلها ، واذا لم يصح النقل ، فقد تمت الحجة لمن بدأ بالنية له.

والجواب : لا نزاع في أن النقل لا يصح ، ولا تأثير له في وقوع الحج عن الاجير ، ولكن لا يلزم من ذلك صحة الحجة عن المستأجر ، لانا انما أبطلناها لفوات شرطها ، وهو أما الاستحضار أو الاستدامة.

وانما طولنا الكلام في هذه المسألة لكونها من المهمات.

قال رحمه‌ اللّه : من عليه حجة الاسلام ونذر اخرى ، ثم مات بعد الاستقرار أخرجت حجة الاسلام من الاصل ، والمنذورة من الثلث. ولو ضاق المال الا عن حجة الاسلام اقتصر عليها ، ويستحب أن يحج عنه النذر.

ومنهم من سوى بين المنذورة وحجة الاسلام في الاخراج من الاصل والقسمة مع قصور التركة ، وهو أشبه ، وفي الرواية اذا نذر أن يحج رجلا ومات وعليه حجة الاسلام ، أخرجت حجة الاسلام من الاصل وما نذره من الثلث. والوجه التسوية لانهما دين.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه في كتبه ، مصيرا الى الرواية المروية عن أبي جعفر عليه ‌السلام قال : سألته عن رجل عليه حجة الاسلام ونذر في شكر ليحجن رجلا ، فمات الذي نذر قبل أن يحج حجة الاسلام وقبل أن يفي بنذره ، فقال : اذا ترك مالا حج عنه حجة الاسلام من جميع ماله ويخرج من ثلثه ما يحج عنه النذر ، وان لم يترك مالا الا بقدر حجة الاسلام حج عنه حجة الاسلام مما ترك وحج عنه وليه النذر فانما هو دين (1).

قال في التهذيب : حج الولي على الاستحباب ، لرواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام في رجل نذران عافا اللّه ابنه ليحجنه ، فعافى اللّه الابن ومات الأب قال : الحجة على الأب يؤديها عنه بعض ولده ، قلت : هي واجبة على الابن؟ قال : هي واجبة على الأب من ثلثه (2).

والقول الثاني ذهب إليه ابن ادريس ، محتجا بالعمومات الدالة على وجوب اخراج الدين من الاصل ، وهذا دين ، والاقوى الاول ، والعام يخص للدليل.

واعلم أن قوله « والقسمة مع قصور التركة » أي : اذا كان يمكن اخراج الحجتين من المال من أقرب الاماكن قسط عليهما ، أما لو لم يتسع الا لواحدة فقط أخرجت حجة الاسلام اتفاقا منا.

قال رحمه‌ اللّه تعالى : وهذا القسم فرض من كان بين منزله اثنا عشر ميلا فما زاد من كل جانب. وقيل : ثمانية وأربعون ميلا.


1) تهذيب 5 / 406 ، ح 59.

2) تهذيب الاحكام 5 / 406 ، ح 60.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في المبسوط (1)والجمل (2)والاقتصاد (3)وتبعه أبو الصلاح وابن ادريس.

والقول الثاني ذهب إليه الشيخ المفيد والشيخ في النهاية (4)والتهذيب ، تعويلا على رواية زرارة عن أبي جعفر عليه ‌السلام قال : قلت لابي جعفر عليه ‌السلام في قوله تعالى « ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » (5)قال عليه ‌السلام : يعني : أهل مكة ليس لهم متعة ، فكل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلا ذات عرق وعسفان وكل بدور حول مكة ، فهو ممن دخل في هذه الآية ، وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة (6).

وفي معناها رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (7).

والشيخ رحمه‌ اللّه كأنه قسم في المبسوط الثمانية والاربعين على الجوانب الاربعة ، فيكون كل جانب اثنا عشر ميلا ، وباقي الاصحاب عولوا على الاطلاق.

فرع :

لو كان على رأس اثنا عشر ميلا فقط من كل جانب ، أو ثمانية وأربعين على القول الاخر ، وجب التمتع قولا واحدا.

قال رحمه‌ اللّه : ولا بدّ من وقوع التمتع في أشهر الحج ، وهي شوال وذو


1) المبسوط 1 / 306.

2) الجمل والعقود ص 224.

3) الاقتصاد ص 298.

4) النهاية ص 206.

5) سورة البقرة : 196.

6) تهذيب الاحكام 5 / 33 ، ح 27.

7) تهذيب الاحكام 5 / 33 ، ح 28.

القعدة وذو الحجة ، وقيل : وعشر من ذي الحجة وقيل : والى طلوع الفجر من يوم النحر. وضابط وقت الانشاء ما يعلم أنه يدرك المناسك.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في النهاية (1)، واختاره ابن الجنيد ، لان باقي أفعال الحج يصح وقوعهما في طول ذي الحجة كالطواف والسعي وما شابههما لقوله تعالى « الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ » (2)أتى بصيغة الجمع ، وأقل الجمع ثلاثة كما بين في علم العربية. ويؤيده رواية معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (3).

والقول الثاني مذهب ابن أبي عقيل والسيد المرتضى قدس اللّه روحهما ، وتبعهما سلار ، لادراك الحج مع الوقوف بالمشعر في ذلك اليوم ولو قبل الزوال وسيأتي تحقيقه.

والقول الثالث مذهب الشيخ في الجمل (4)والاقتصاد (5)، وتبعه ابن البراج ، نظرا الى وقوع أعظم الاركان ، وهو الوقوف بعرفة فيه.

والقول الرابع مذهبه في أكثر كتبه ، وتبعه ابن حمزة ، نظرا الى أنه يصح إنشاء الاحرام بالحج فيه لمن عرف أنه يدرك المشعر اختيارا.

وقيل خامسا : شوال وذو القعدة وثمان من ذي الحجة ، نظرا الى ما ورد من الحث على الاحرام فيه.

واعلم أن هذا النزاع لفظي فقط ، والا فضابط وقت الانشاء ما يعلم ادراك


1) النهاية ص 207.

2) سورة البقرة : 197.

3) تهذيب الاحكام 5 / 445 ، ح 196.

4) الجمل والعقود ص 224.

5) الاقتصاد ص 298.

المناسك فيه في أوقاتها المحدودة لها ، وذلك يختلف بحسب اختلاف المكلفين في القوة والضعف والمكنة.

قال رحمه‌ اللّه : ويجب على الحاج الاحرام من الميقات مع الاختيار ، ولو أحرم بحج التمتع من غير مكة لم يجزيه ، ولو دخل باحرامه مكة على الاشبه وجب استئنافه منها.

أقول : لا أعرف في وجوب الرجوع الى مكة مع المكنة واستئناف الاحرام منها خلافا بين الاصحاب فأنقله ، وانما الجمهور جوزوا الاحرام قبل الميقات ، واختلفوا في الافضل ، فقال الشافعي : الافضل الميقات ، لان النبي عليه ‌السلام أحرم منه ولو كان مفضولا لما أحرم منه.

وقال أبو حنيفة : ما بعد الميقات أفضل ، وهو القول الاخر للشافعي ، لما روت أمّ سلمة عن رسول اللّه صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله قال : من أحرم بحج أو عمرة من المسجد الاقصى وحل منها بمكة غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (1).

واعلم أن في كلام الشيخ في المبسوط (2)اجمالا ، وأظنه الذي أوجب هذا الاحتراز.

ولقد سمعت شيخنا كثيرا ما يقول : قد يشير المصنف تارة الى خلاف الجمهور وتارة الى ما يختاره من غير أن يكون مذهبا لاحد ، فيظن أن فيه خلافا ، فاعلم ذلك.

قال رحمه‌ اللّه : ولو تعذر ذلك قيل : يجزيه ، والوجه أنه يستأنفه حيث أمكن ولو بعرفة ان لم يتعمد ذلك ، وهل يسقط الدم والحال هذه؟ فيه تردد.

أقول : قال في المبسوط : والمتمتع اذا أحرم بالحج من خارج مكة ، وجب عليه الرجوع إليها مع الامكان ، فان تعذر لم يلزمه شي‌ء وتم حجه ولا دم عليه ،


1) سنن البيهقى 5 / 30.

2) المبسوط 1 / 311.

سواء أحرم من الحل أو الحرم (1). وبمعناه قال في الخلاف (2).

والحق ما قاله المصنف ، وهو اختياره في المعتبر (3).

لنا - أن الاحرام عبادة شرعية موقتة بوقت شرعي ، فلا يجوز فعلها قبله ، كغيرها من العبادات ، وانما سوغنا الاحرام من أي موضع أمكن مع عدم التعمد للضرورة ، وليس لما قاله الشيخ وجه.

فرع :

لو خشي مع الرجوع فوت الحج أحرم من حيث لا يفوته. وأما سقوط الدم فشي‌ء ذهب إليه الشيخ في المبسوط والخلاف ، محتجا باصالة براءة الذمة.

وهل المراد بهذا الدم دم الهدي الواجب على المتمتع أو دم شاة؟ ظاهر كلام الشيخ في الخلاف الثاني.

وسمعت شيخنا يقول : المراد بالدم هنا دم هدي التمتع ، وذاك أن الفقهاء اختلفوا فيه ، فذهب الشافعي الى أنه وجب جبرا لما يصيب الحج من النقص ، وهو ايقاع الاحرام في غير الميقات ، ولهذا لو أحرم بالحج من الميقات سقط فرض الدم ، اذ لا نقص فلا جبران.

وذهب أبو حنيفة الى أنه نسك ، واختاره الشيخ في الخلاف (4)، واحتج بالاجماع ، وبقوله تعالى « وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ » (5)


1) المبسوط 1 / 312.

2) الخلاف 2 / 420 مسألة 31.

3) المعتبر 2 / 805.

4) الخلاف 1 / 422 مسألة 35.

5) سورة الحج : 36.

أخبر اللّه تعالى أنه من الشعائر ، أي : من جملة العبادات التي تعبدنا بها. وقيل : معناه من معالم اللّه وأمر بالاكل منها.

ولو كان جبرانا لما ساغ الاكل ، واذا كان اجماعنا منعقدا على أن الهدي نسك ليس بجبران ، فلا معنى للتردد حينئذ.

وان أراد بالدم دم شاة ، فلا معنى للتردد فيه أيضا ، اذ لا وجه لوجوبه ، أما لو تعمد الاحرام من غير مكة ، وجب عليه الرجوع الى مكة مع المكنة وإنشاء الاحرام منها ، كما قدمناه. فلو تعذر الرجوع ، فلا حج له بناء على قاعدتنا.

وقال في المبسوط في باب المواقيت : من أخر الاحرام عن الميقات عامدا وجب الرجوع إليه ، فان لم يمكن فلا حج له ، وقد قيل : انه يجبره بدم وقد تم حجه (1).

فان قلنا بهذا القول هنا قلنا به أيضا في من تعمد الاحرام من غير مكة ، لكنه قول شاذ مناف للاصل ، فاذن العمل على الاول.

وبالجملة فلا وجه للتردد في اسقاط الدم على جميع التقادير.

وانما طولنا الكلام في هذه المسألة لكونها من المهمات ، ولوقوع الاشتباه فيها أيضا.

قال رحمه‌ اللّه : والافراد والقران فرض أهل مكة ومن بينها وبينه دون اثنا عشر ميلا ، فان عدل هؤلاء الى التمتع اضطرارا جاز ، وهل يجوز اختيارا؟ قيل : نعم ، وقيل : لا ، وهو الاكثر ، ولو قيل بالجواز لم يلزمهم هدى.

أقول : لا خلاف بين علمائنا في تحريم العدول عن التمتع اختيارا ، وانما الخلاف في العدول إليه ، فذهب في النهاية (2)الى أنه لا يجوز ، واختاره المتأخر


1) المبسوط 1 / 312.

2) النهاية ص 206.

وهو فتوى ابن بابويه وابن أبي عقيل ، وذهب في المبسوط (1)والخلاف (2)الى الجواز ، والاول أحق.

ومنشأ الخلاف : النظر الى اسم الاشارة في الآية ، فانه كما يحتمل العود الى الجملة يحتمل العود الى الهدي ، فان جعلناه راجعا الى الجملة لم يسغ لهم التمتع ، وان جعلناه راجعا الى الهدي ساغ ، لكن لا يجب عليهم الهدي.

فرع :

هذا البحث كله في حجة الاسلام ، أما الحج المنذور فيجب أن يأتي فيه بما نواه حال النذر ، ولو لم ينو شيئا تخير في الاتيان بأي الانواع شاء ، فان تمتع وجب عليه الهدى.

ويحتمل الجواز أعني جواز العدول الى التمتع في حجة الاسلام ، وان جعلنا ذلك راجعا الى جميع ما تقدم ، لانه انما يدل على المنع في حاضري المسجد الحرام بمفهومه ، ودلالة المفهوم ضعيفة ، ويؤيد المنع رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه ‌السلام (3). والجواز رواية عبد الرحمن (4).

ويحتمل رجوع اسم الاشارة الى التمتع [ فقط ، فيجب الهدي على المكي ] (5).

واعلم أن الائمة عليهم ‌السلام احتجوا على المنع بالآية ، وقولهم عليهم ‌السلام حجة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو دخل القارن أو المفرد مكة وأراد الطواف جاز ، لكن يجددان التلبية عند كل طواف ، لئلا يحلا على قول. وقيل : انما يحل المفرد دون


1) المبسوط 1 / 306.

2) الخلاف 1 / 424.

3) تهذيب الاحكام 5 / 32 - 33 ، ح 26.

4) تهذيب الاحكام 5 / 33.

5) ما بين المعقوفتين من « س ».

السائق. والحق أنه لا يحل أحدهما الا بالنية ، لكن الاولى تجديد التلبية عقيب صلاة الطواف.

أقول : البحث هنا يقع في مواضع :

الاول : لا خلاف في جواز دخول القارن والمفرد الى مكة للطواف تطوعا ما لم يخش فوات الحج.

الثاني : اختلف الاصحاب في تقديم طوافهما وسعيهما على المضي الى عرفة في حال الاختيار ، فسوغه الاكثرون ، محتجين باصالة عدم وجوب الترتيب ، ولا منافي له من النقل ، فيصار إليه كما في التمتع.

ويؤيده رواية زرارة قال : سألت أبا جعفر عليه ‌السلام عن المفرد للحج يدخل مكة أيقدم طوافه أو يؤخره؟ قال : هما سواء عجله أو أخره (1).

ومنعه المتأخر مدعيا سبيله المألوف ، وهو الاجماع على وجوب ترتيب المناسك ، وكيف يستدل بالاجماع والخلاف أظهر من دكا (2)هنا ، والشيخ رحمه‌ اللّه استدل في الخلاف (3)على التسويغ بالاجماع ، ان هذا لشي‌ء عجيب.

وأما المقام الثالث ، فقد وقع النزاع فيه أيضا ، فذهب الشيخ في المبسوط (4)والنهاية (5)الى أن تجديد التلبية عند كل طواف شرط في البقاء على الاحرام ، ولو لم يجدداها انقلبت حجتهما عمرة.

وجعل المفيد وعلم الهدى قدس اللّه روحهما تجديد التلبية واجبا على القارن فقط.

وعكس في التهذيب وجعلها شرطا في البقاء على الاحرام ، مصيرا الى رواية


1) تهذيب الاحكام 5 / 45 ، ح 63.

2) كذا فى النسختين.

3) الخلاف 1 / 459 مسألة 175.

4) المبسوط 1 / 311.

5) النهاية ص 208.

يونس بن يعقوب عمن أخبره عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : ما طاف بين هذين الحجرين الصفا والمروة أحد الا أحل ، الا سائق هدي (1).

وقال ابن ادريس : تجديد التلبية ليس بواجب ، ولا تبطل الاحرام بتركها ، ولا انتقلت الحجة عمرة ، مستدلا بالروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام ، وهو ظاهر كلام الشيخ في الجمل (2)وموضع من المبسوط (3).

والتحقيق ما ذكره المصنف من أنه لا يحل الابنية التحلل لا بمجرد الطواف والسعي.

لنا - قوله عليه ‌السلام : الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى (4). ولانه قبل الطواف محرم فكذا بعده ، عملا بالاستصحاب ، وتحمل الروايات على ذلك جمعا بين الادلة.

قال في المعتبر : وكيف كان فتجديد التلبية أولى ، لتخرج به من الخلاف (5).

قال رحمه‌ اللّه : ولو أقام من فرضه التمتع بمكة سنة أو سنتين لم ينتقل فرضه الى قوله : فان دخل في الثالثة مقيما ثم حج ، انتقل الى القران أو الافراد.

أقول : هذا القول ذكره الشيخ في كتابي الاخبار. وقال في النهاية والمبسوط : لا تنتقل فرضه حتى يقيم ثلاثا (6). واختاره ابن ادريس ، وهو فتوى ابن ... (7)

والاول أقوى.


1) تهذيب الاحكام 5 / 44 - 45 ، ح 62.

2) الجمل والعقود ص 225.

3) المبسوط 1 / 308.

4) تهذيب الاحكام 4 / 186.

5) المعتبر 2 / 796.

6) النهاية ص 206. المبسوط 2 / 308.

7) بياض فى النسختين.

قال في المعتبر : والوجه في ذلك أن الاستيطان الذي يطلق على صاحبه النسبة الى اسم ذلك المحل مما يشتبه ، اذ ليس في اللغة له تقدير ، فلا بد من تقديره شرعا ، وقد روي تقديره عن أهل البيت عليهم ‌السلام بما قدرناه (1). فيتعين القول به.

واحتجاج الشيخ بأصالة عدم انتقال الفرض ، ترك العمل بها مع اقامة ثلاث سنين للاجماع ، فيبقى معمولا به فيما عداه ، ضعيف ، اذ لا اعتبار للاصل مع حصول النقل المستفيض عن أهل البيت عليهم ‌السلام ، والنقل انما ورد بما قلناه فقط ، وبتقديره تحكم محض ، وقد عرفت أن القول في الدين بمجرد التشهي باطل.

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان له منزلان - الى آخره.

أقول : هذه المسألة رواها زرارة عن أبي جعفر عليه ‌السلام (2).

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجوز القران بين الحج والعمرة بنية واحدة ، ولا ادخال أحدهما على الاخر ، ولا نية حجتين ولا عمرتين ، ولو فعل ذلك قيل : ينعقد واحدة وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه.

والالتفات الى أنه فعل فعلا منهيا عنه ، والنهي في العبادات يدل على الفساد كما بين في اصول الفقه ، فحينئذ لا ينعقد احرامه هذا بشي‌ء أصلا.

فروع :

قال في الخلاف : لا يجوز القران بين الحج والعمرة باحرام واحد ، ولا ادخال العمرة قط في احرام الحج ، محتجا باجماع الفرقة (3).


1) المعتبر 2 / 799.

2) تهذيب الاحكام 5 / 34 ، ح 30.

3) الخلاف 1 / 419 مسألة 27.

وقال ابن أبي عقيل : والعمرة تجب مع الحج في حال واحدة ، فالقارن وهو الذي يسوق في حج أو عمرة ويريد الحج بعد عمرة ، فانه يلزمه اقتران الحج مع العمرة ، ولا يحل من عمرته حتى يحل من حجه اذا طاف طواف الزيارة ، ولا يجوز قران الحج مع العمرة الا لمن ساق الهدي.

ولعل مستنده ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : ايما رجل قرن بين الحج والعمرة ، فلا يصلح الا أن يسوق الهدي قد أشعره.

وتأوله الشيخ في التهذيب بالقران في الثلاثة ، أي يقول : ان لم تكن حجة فعمرة ، ويكون الفرق بينه وبين المتمتع أن المتمتع وان قال هذا القول ، فانه يقدم العمرة على الحج ، ثم يحل بعد اكمالها ويحرم للحج ، والسائق يقدم الحج فان لم يتمكن جعله عمرة مبتولة (1)وهذا التأويل بعيد جدا.

لنا - أن الاحرام ركن من الحج ومن العمرة أيضا ، فلا يتبعض ، كما لا يجوز أن يكون لحجتين ولا لعمرتين ، بل يكون لكماله ركنا للعمرة ، كما يكون لكماله ركنا للحج.

الثاني : قال : لو أحرم بحج وعمرة ، لم ينعقد احرامه الا بالحج ، فان أتى بافعال الحج لم يلزمه دم ، وان أراد أن يأتي بأفعال العمرة ويجعلها متعة ، جاز ذلك ولزمه الدم ، والاقرب بطلان الاحرام لما سبق.

قال : وكذا لو أهل بحجتين انعقد احرامه بواحدة منهما ، وكان وجود الاخرى وعدمها سواء ، ولا يتعلق بها حكم ، فلا تجب قضاؤها. وهكذا من أهل بعمرتين فصاعدا ، والاقرب أيضا البطلان لما قلناه.

الثالث : قال : لا يجوز ادخال أحدهما على الاخر ، والوجه أيضا بطلان


1) تهذيب الاحكام 5 / 42 - 43.

الاحرامين السابق واللاحق. أما الاول ، فلعدم اكمال أفعاله. وأما المتأخر ، فلعدم صلاحية الزمان له ، اذ بالاحرام بالنسك الاول استحق أفعاله ، فلا يجوز صرفها الى غيره ، ولا يتركها فيه.

قال رحمه‌ اللّه : والمواقيت ستة : لاهل العراق العقيق ، وأفضله المسلخ ، ويليه غمرة ، وآخره ذات عرق.

أقول : ظاهر كلام علي بن بابويه يؤذن بأنه لا يجوز تأخير الاحرام الى ذات عرق الا لضرورة ، والمشهور الاول ، ويعضده الاصل.

قال رحمه‌ اللّه : ولو حج على طريق لا يفضي الى أحد المواقيت ، قيل : يحرم اذا غلب على ظنه محاذاة أقرب المواقيت الى مكة ، وكذا من حج في البحر.

أقول : قال ابن ادريس : ميقات أهل مصر ومن صعد من البحر جدة.

وقال ابن الجنيد : ومن سلك البحر أو أخذ طريقا لا يمر فيه على هذه المواقيت كان احرامه من مكة بقدر أقرب المواقيت إليها منه.

وقال الشيخ في المبسوط : ينظر الى ما يغلب في ظنه أنه يحاذي أحد المواقيت إليه فيحرم منه (1).

فان كان الموضع الذي ذكره ابن ادريس يحاذي أحد المواقيت صح ، والا فلا. أما لو لم يؤد الى المحاذاة ، احتمل إنشاء الاحرام من أدنى الحل ، واحتمل انشاءه أيضا من موضع يساوي أقرب المواقيت.

قال رحمه‌ اللّه : من أحرم قبل هذه المواقيت ، لم ينعقد احرامه ، الا لناذر بشرط أن يقع الحج في أشهره ، أو لمن أراد العمرة المفردة في رجب وخشي تقضيه.

اقول : لا خلاف بين أصحابنا في تحريم الاحرام قبل هذه المواقيت ، فانه


1) المبسوط 1 / 313.

غير صحيح اذا لم ينذر الاحرام قبلها.

أما لو نذر الاحرام قبلها ، قال الشيخ رحمه‌ اللّه : جاز له ذلك بشرط وقوعه في أشهر الحج ان كان الاحرام للحج أو العمرة المتمتع بها ، وان كان للمفردة وجب مطلقا ، عملا بالاصل.

واستنادا الى رواية علي بن أبي حمزة البطائني تارة عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام ، وتارة يقول : كتبت الى أبي عبد اللّه عليه ‌السلام أسأله عن رجل جعل عليه أن يحرم من الكوفة قال : يحرم من الكوفة (1).

وفي معناها رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الكريم عن سماعة عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (2).

والروايتان ضعيفتا السند ، فان علي بن أبي حمزة واقفي وكذا سماعة ، والاصل يخالف للدليل ، وتبعه ابن ادريس ، وهو الحق.

لنا - أنه نذر في معصية ، فلا يكون منعقدا. أما الصغرى ، فلوقوع الاجماع على حظر الاحرام قبل المواقيت. وأما الكبرى ، فاجماعية ، وأما المسألة الثانية فاتفاقية.

قال رحمه‌ اللّه : ولو نسي الاحرام ولم يذكر حتى أكمل مناسكه ، قيل : يقضي ان كان واجبا ، وقيل : يجزيه ، وهو المروي.

أقول : القول الاول ذهب إليه ابن ادريس عملا بقوله عليه ‌السلام « الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى » (3)وقوله عليه ‌السلام « لكل امرئ من عمله ما نواه » (4)شرط في وقوع العمل الاقتران ، وحيث لا نية فلا عمل.


1) تهذيب الاحكام 5 / 53 - 54 ، ح 9.

2) تهذيب الاحكام 5 / 54 ، ح 10.

3) تهذيب الاحكام 4 / 186.

4) تهذيب الاحكام 4 / 186.

والقول الثاني ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه ، تمسكا بقوله عليه ‌السلام « رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » (1).

ويضعف بأن المراد منه نفي المؤاخذة بالعرف ، ونحن نقول به ، ولانه مع استمرار النسيان يكون مأمورا بايقاع باقي الافعال والامر يقتضي الاجزاء.

ولما رواه جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما‌السلام في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى ، قال : يجزيه نيته اذا كان قد نوى ذلك وقد تم حجه وان لم يهل (2).

وهذه وان كانت مرسلة الا أن الاصحاب عاملون بمراسيل ابن أبي عمير.

وفي معناها رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما‌السلام (3).

قال المصنف في المعتبر : ولست أدري كيف يحل له هذا الاستدلال؟ وكيف يوجبه؟ فان كان يقول : ان الاخلال بالاحرام اخلال بالنية في بقية المناسك ، فنحن نتكلم على تقدير ايقاع نية كل منسك على وجهه ظانا أنه أحرم ، أو جاهلا بالاحرام ، فالنية حاصلة مع ايقاع كل منسك ، فلا وجه لما قاله (4).

قال رحمه‌ اللّه : ومقدمات الاحرام كلها مستحبة ، وهي توفير شعر رأسه من أول ذي القعدة اذا أراد التمتع ، ويتأكد عند هلال ذي الحجة على الاشبه.

اقول : قال المفيد قدس اللّه روحه : اذا أراد الحج فليوفر شعر رأسه في مستهل ذي القعدة ، فان خلفه فيه كان عليه دم يهريقه. وهو ظاهر كلام النهاية (5)


1) عوالى اللئالى 1 / 232 ، برقم : 131.

2) تهذيب الاحكام 5 / 61 ، ح 38.

3) الوسائل 8 / 245 ، ح 2.

4) المعتبر 2 / 810.

5) النهاية ص 206.

والاستبصار (1).

والحق الاستحباب ، وهو اختيار الشيخ في الجمل (2)، واختاره ابن ادريس أيضا.

لنا - الاصل ، ويؤيده رواية سماعة عن الصادق عليه ‌السلام (3).

احتجا برواية ابن عمار عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) الى آخره (4). وتحمل على الاستحباب ، جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أحرم بغير غسل أو صلاة ثم ذكر ، تدارك ما تركه وأعاد الاحرام.

اقول : هذا التدارك والاعادة على سبيل الاستحباب ، عملا بالاصل ، ولان غسل الاحرام ليس بواجب على ما سبق البحث فيه ، فلا معنى لايجاب الاعادة والتدارك.

واعلم أن ابن ادريس ناقش شيخنا أبا جعفر قدس اللّه روحه ، وقال : ان اراد أنه نوى الاحرام وأحرم ولبى من غير صلاة وغسل ، فقد انعقد احرامه ، فلا يكون لذكر الاعادة هنا معنى ، وان أراد به أحرم بالكيفية الظاهرة من دون النية والتلبية صح ذلك وكان لكلامه وجه.

وأقول : هذا تطويل بغير فائدة ، فان الشيخ قصد بالاعادة الاتيان بالاحرام ثانيا بصلاة وغسل استحبابا ، تحصيلا للفضيلة ، لان الاول غير مجزئ ، كما في صلاة المكتوبة اذا صلاها منفردا ، ثم حضر من يصليها جماعة ، فانه يستحب اعادتها ويكون قد أراد بالاعادة هنا المعنى اللغوي ، وهو الاتيان بالفعل ثانيا ، سواء وقع


1) الاستبصار 2 / 160.

2) الجمل والعقود ص 227.

3) تهذيب الاحكام 5 / 47 - 48.

4) تهذيب الاحكام 5 / 46 - 47.

الفعل مجزيا أولا ، لا المعنى الشرعي المختص بالثاني. وانما أتى بهذه اللفظة لورودها في الرواية (1)التي هي مستند الحكم.

فرع :

لو فعل شيئا يوجب الكفارة بين الاحرامين وجبت ، لانا بينا أن الاول منعقد.

قال رحمه‌ اللّه : يقرأ في الاولى - الى آخره.

اقول : الرواية (2)الاخرى بالعكس ، وهو فتوى ابن ادريس ، وكلاهما جائز.

قال رحمه‌ اللّه : ويوقع نافلة الاحرام تبعا له.

اقول : أي : تبعا للغسل.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أحرم بالحج أو العمرة وكان في أشهر الحج ، كان مخيرا بين الحج والعمرة ، اذا لم يتعين عليه أحدهما. وان كان في غير أشهر الحج تعين للعمرة. ولو قيل بالبطلان في الاول ولزوم تجديد النية كان أشبه.

أقول : قد بينا أن القران بين النسكين غير جائز ، وبينا أيضا أن الاحرام لا ينعقد بواحد منهما مستوفى ، ولا فرق عندنا بين أن يحرم لهما في أشهر الحج أو غيره ، وانما هذا شي‌ء ذكره الشيخ في المبسوط.

وقال أيضا : اذا أحرم مبهما ولم ينو لا حجا ولا عمرة ، كان مخيرا بين الحج والعمرة ، أيهما شاء فعل اذا كان في أشهر الحج وان كان في غيرها ، فلا ينعقد احرامه الا بالعمرة (3)والحق أيضا البطلان.

لنا - أن الاحرام عبادة يحتمل وجوبها ، فلا يخصص (4)لاحدها الا بالنية.


1) تهذيب الاحكام 5 / 78 - 79.

2) تهذيب الاحكام 2 / 74 ، ح 42.

3) المبسوط 1 / 316.

4) فى « م » : فلا يخص.

قال رحمه‌ اللّه : ولا ينعقد الاحرام للمتمتع والمفرد الا بالتلبية ، والقارن بالخيار ان شاء عقد احرامه بها ، وان شاء قلد أو أشعر على الاظهر ، وبأيهما بدأ كان الاخر مستحبا.

أقول : لا خلاف أن احرام المتمتع والمفرد لا ينعقد الا بالتلبية فحسب ، وانما الخلاف في القارن ، فذهب أكثر الاصحاب كالشيخ قدس اللّه روحه وابن الجنيد وسلار وأبي الصلاح أن احرامه ينعقد بأحد أمور ثلاثة : التلبية ، أو الاشعار أو التقليد ، عملا بأصالة براءة الذمة من وجوب أحدها عينا.

واعتمادا على ظاهر رواية معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام أنه قال في القارن لا يكون قرانا الا بسياق الهدي (1)وهو يدل بمنطوقه على تحقيق القران عند السياق ، اذ الاستثناء من النفي اثبات.

لا يقال : نمنع كون الاستثناء من النفي اثبات ، كما هو مذهب أبي حنيفة ، وحينئذ تكون فائدة الاستثناء نفي القران عن الاحرام الذي لم يسق الهدي فيه فقط من غير تعريض للاحرام الذي سيق فيه الهدي.

لانا نقول : هذا المذهب ضعيف ، وقد بينا ضعفه في كتاب مناهج الوصول ، ورواية حريز عنه عليه ‌السلام (2)نص في الباب ، وفي معناها رواية معاوية بن عمار عن الصادق عليه ‌السلام (3)أيضا ، ورواية عمر بن يزيد عنه عليه ‌السلام (4)أيضا.

وذهب السيد المرتضى الى وجوب التلبية عينا ، وألحق ابن البراج بالقارن المفرد ، وهو غلط ، وأن احرامه لا ينعقد الا بها ، وبه قال ابن ادريس.


1) تهذيب الاحكام 5 / 41 ، ح 51.

2) تهذيب الاحكام 5 / 43 ، ح 57.

3) تهذيب الاحكام 5 / 43 - 44 - ح 58.

4) تهذيب الاحكام 5 / 44 ، ح 59.

واحتج المرتضى بالاجماع ، ولانه أحوط ، اذ مع الاتيان بالتلبية يحصل الانعقاد قطعا ، بخلاف غيرها ، والاجماع ممنوع ، والاحتياط معارض بالاصل والنقل.

قال رحمه‌ اللّه : وصورتها : لبيك اللّهم لبيك ، [ لبيك ] لا شريك لك لبيك. وقيل : يضيف الى ذلك : ان الحمد والنعمة لك والملك لك لا شريك لك ، وقيل : بل يقول : لبيك اللّهم لبيك ، لبيك ان الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبيك. والاول أظهر.

أقول : القول الاول ذهب إليه السيد المرتضى قدس اللّه روحه وابنا بابويه واختاره ابن أبي عقيل وابن الجنيد وسلار.

والقول الثاني للمرتضى أيضا.

والقول الاخير ذكره الشيخ في المبسوط (1)والنهاية (2)، واختاره أبو الصلاح وابن البراج وابن حمزة وابن ادريس.

قال رحمه‌ اللّه : ويجزئ الاخرس الاشارة مع عقد قلبه بمعناها.

اقول : ظاهر كلام ابن الجنيد يؤذن بجواز النيابة للاخرس في التلبية ، والمشهور الاول ، وهو أحوط ، ويؤيده رواية السكوني (3).

قال رحمه‌ اللّه : ولو عقد الاحرام - الى قوله : وكذا لو كان قارنا ولم يشعر ولم يقلد.

أقول : ينبغي أن يقال : أو لم يلب ، لانا بينا أن الاحرام يحصل بأحدهما.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يجوز الاحرام في الحرير للنساء؟ قيل : نعم ، لجواز لبسهن له في الصلاة. وقيل : لا ، وهو أحوط.


1) المبسوط 1 / 316.

2) النهاية ص 215.

3) فروع الكافى 3 / 315 ، ح 17.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ المفيد قدس اللّه روحه في كتاب أحكام النساء ، وابن الجنيد ، واختاره ابن ادريس ، عملا بالاصل ، واعتمادا على الروايتين المرويتين عن الصادق عليه ‌السلام (1).

والثاني ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه ومن تبعه ، لانه أحوط ، ولرواية عيص ابن القاسم قال : قال أبو عبد اللّه عليه ‌السلام : المرأة المحرمة تلبس ما شاءت ، من الثياب غير الحرير والقفازين (2).

والاول أقوى ، وتحمل الرواية على الكراهية ، جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : واذا لم يكن مع الانسان ثوبا الاحرام وكان معه قباء ، جاز لبسه مقلوبا ، ويجعل ذيله على كتفيه.

اقول : هذا التفسير ذكره ابن ادريس ، وحكاه عن البزنطي لبعده عن شبه لبس المخيط ، ورواه الشيخ أيضا عن عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (3).

وظاهر كلام الشيخ يؤذن بالمعنى المتعارف من القلب ، وهو جعل الباطن ظاهرا ، وهو رواية الحلبي عن الصادق عليه ‌السلام (4). وروى ابن بابويه عن الباقر عليه ‌السلام قال : يلبس المحرم القباء اذا لم يكن له رداء ويقلب ظهره الى باطنه (5). وهذا نص.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أحرم متمتعا ودخل مكة وأحرم بالحج قبل التقصير ناسيا لم يكن عليه شي‌ء. وقيل : عليه دم ، وحمله على الاستحباب أظهر.

اقول : لا خلاف في صحة العمرة ، وأن الاحرام لا يجب اعادته ، لوقوعهما على الوجه المأمور به شرعا ، وهل يجب عليه دم؟ قال الشيخ وعلي بن بابويه :


1) تهذيب الاحكام 5 / 66.

2) تهذيب الاحكام 5 / 73 - 74 ، ح 51.

3) تهذيب الاحكام 5 / 70 ، ح 37.

4) تهذيب الاحكام 5 / 70 ، ح 36.

5) من لا يحضره الفقيه 2 / 340.

نعم ، واختاره ابن البراج ، عملا بالاحتياط.

وبرواية اسحاق بن عمار قال : قلت لابي عبد اللّه عليه ‌السلام : الرجل يتمتع فينسي أن يقصر حتى يهل بالحج ، فقال : عليه دم يهريقه (1). وتحمل على الاستحباب ، اذ الكفارة مرتبة على الاثم ، وحيث لا اثم فلا كفارة.

وقال سلار : لا ، واختاره المتأخر ، عملا بأصالة براءة الذمة ، واعتمادا على رواية معاوية بن عمار عن الصادق عليه ‌السلام قال : سألته عن رجل أهل بالعمرة ونسي أن يقصر حتى دخل الحج ، قال : يستغفر اللّه ولا شي‌ء عليه وتمت عمرته (2). والنكرة في سياق النفي يعم ، كما بين في أماكنه.

قال رحمه‌ اللّه : وان فعل ذلك عامدا ، قيل : بطلت عمرته وصارت حجته مبتولة. وقيل : بقي على احرامه وكان الثاني باطلا ، والاول هو المروي.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه ، عملا برواية أبي بصير عن الصادق عليه ‌السلام قال : المتمتع اذا طاف وسعى ثم لبى بالحج قبل أن يقصر ، فليس عليه أن يقصر وليس عليه متعة (3). قال في الاستبصار : تحمل هذه على التعمد (4)لئلا تنافي الروايات.

والقول الثاني ذهب إليه المتأخر ، وهو أنسب بالمذهب.

احتج بأن الاحرام عبادة. فلا يصح فعلها قبل دخول وقتها.

أقول : ويقوى عندي بطلانهما ، لما تقدم.

قال رحمه‌ اللّه : لو نوى الافراد ، ثم دخل مكة ، جاز أن يطوف ويسعى


1) تهذيب الاحكام 5 / 158 - 159 ، ح 52.

2) تهذيب الاحكام 5 / 159 ، ح 53.

3) تهذيب الاحكام 5 / 159 ، ح 54.

4) الاستبصار 2 / 176.

ويقصر ، ويجعلها عمرة يتمتع بها ما لم يلب ، فان لبى انعقد احرامه ، وقيل : لا اعتبار بالتلبية وانما هو بالقصد.

اقول : المراد أن المفرد يجوز له العدول بعد الطواف الى التمتع مع دخول مكة ما لم يلب ، فان لبى قال الشيخ في النهاية (1)والمبسوط (2): بقي على حجته عملا برواية اسحاق بن عمار عن أبي بصير قال : قلت لابي عبد اللّه عليه ‌السلام : الرجل يفرد الحج ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ، ثم يبدو له أن يجعلها عمرة ، قال : ان كان لبى بعد ما سعى قبل أن يقصر ، فلا متعة له (3).

وقال المتأخر : لا أرى لذكر التلبية هنا وجها ، وانما الحكم للنية ، لقوله عليه ‌السلام « الاعمال بالنيات » (4)وهو قوي ، لكن الحديث خاص.

قال رحمه‌ اللّه : اذا اشترط في احرامه أن يحله حيث حبسه ، ثم أحصر ، تحلل. وهل يسقط الهدي؟ قيل : نعم. وقيل : لا ، وهو الاشبه.

وفائدة الاشتراط جواز التحلل عند الاحصار. وقيل : يجوز التحلل من غير شرط ، والاول أظهر.

أقول : لا خلاف في جواز التحلل مع الاشتراط ، وانما الخلاف في سقوط الهدي ، فذهب الشيخ رحمه‌ اللّه وابن الجنيد الى أنه لا يسقط ، عملا بعموم الآية وتكون فائدة الاشتراط (5)حينئذ جواز التحلل عند حصول العذر مع نية التحلل من غير تربص ، كما في المصدود.


1) النهاية ص 215.

2) المبسوط 1 / 304.

3) تهذيب الاحكام 5 / 90 ، ح 103.

4) تهذيب الاحكام 4 / 186.

5) فى « م » : الشرط.

وقال السيد المرتضى وابن ادريس : يسقط. واحتج المرتضى في الانتصار (1)بالاجماع ، بأنه قد ورد الامر باستحباب الاشتراط ، ولا فائدة له الا سقوط الهدي ، وحمل الآية على من لم يشترط.

والاجماع ممنوع ، خصوصا مع مخالفة أكثر الاصحاب ، والفائدة متحققة ، وهي جواز التحلل من غير تربص ، بخلاف ما لو لم يشترط ، فيجب التربص الى ان يبلغ الهدي محله ، والتخصيص يحتاج الى دليل.

وقد ظهر من هذا أن السيد المرتضى يسوغ الاحلال مع حصول العذر من دون التربص ثم ان كان اشترط سقط الهدي والا فلا.

قال رحمه‌ اللّه : والمندوبات رفع الصوت بالتلبية للرجال.

اقول : المشهور الاستحباب مطلقا ، وذهب ابنا بابويه الى استحباب الاسرار بالتلبيات الاربع ، وذهب بعض الاصحاب الى وجوب الجهر بهن على الرجال مطلقا ، والمحصل ما ذكره المصنف.

قال رحمه‌ اللّه : ولو ذبح المحرم صيدا ، كان ميتة حراما على المحل والمحرم.

اقول : في تحريم الصلاة في جلد هذا الصيد اشكال ، ينشأ : من أصالة الاباحة ومن أن تشبيهه بالميتة مساواته في جميع الاحكام ، وهو أحوط.

قال رحمه‌ اللّه : وشهادة العقد واقامة ، ولو تحملها محلا ، ولا بأس به بعد الاحلال.

أقول : الظاهر أن مراد الاصحاب تحريم اقامة الشهادة التي وقعت على عقد : اما بين محرمين ، أو محل ومحرم ، أما لو وقعت بين محلين وتحملها محلا ، فالاقرب جواز اقامتها.


1) الانتصار ص 104 - 105.

لنا - عموم قوله تعالى « وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا (1)» وإليه أومى في المبسوط (2).

قال رحمه‌ اللّه : اذا اختلف الزوجان في العقد ، فادعى أحدهما وقوعه في حال الاحرام وأنكر الاخر ، فالقول قول من يدعي الاحلال ، ترجيحا لجانب الصحة ، ولكن ان كان المنكر المرأة كان لها نصف المهر ، لاعترافه بما يمنع من الوطي ، ولو قيل : لها المهر كله كان حسنا.

أقول : هنا بحثان :

الاول : اذا ادعت المرأة وقوع العقد حالة الاحرام وأنكر الزوج ، فالقول قوله ، تنزيلا لفعل المسلم على المشروع ، ولانه منكر ، ولانه أعرف بنفسه ، وعليها البينة ، فان أقامت البينة حكم بفساد العقد.

وان كان ذلك قبل الدخول ، فلا مهر ، لبطلان العقد الذي هو سبب فيه ، واذا بطل السبب بطل المسبب لا محالة. وان كان بعده ، كان لها مهر المثل مع جهلها بالحرمة لثبوته بالوطء.

هذا ان توهم الحل بهذا العقد ، ولو عرف أنه لا يبيحه : فاما أن تكون الزوجة عارفة بذلك أولا ، فان لم تكن عارفة كان لها المهر أيضا وان كانت عارفة ، فان كانت مطاوعة ، فلا شي‌ء ، والا فالمهر.

وان لم تقم البينة ، فقد قلنا ان القول قوله ، لكن ليس لها المطالبة بالمهر مع عدم القبض ان لم تكن وطأها ، لاعترافها بفساد العقد ، أو كان قد وطئها عالمة بالتحريم مطاوعة.

والا فلها المطالبة ، فان كان بقدر مهر المثل ، فلا يجب ، وان كان أكثر لم


1) سورة البقرة : 282.

2) المبسوط 1 / 317.

يكن لها أخذ الزائد ، وان كان أقل لم يلزمه أكثر من المسمى ، ولها أن تمنع نفسها باطنا.

البحث الثاني : لو انعكس الفرض كان القول قول المرأة لغير ما ذكرناه ما لم يقم البينة ، ثم ان وقع ذلك بعد الدخول ، كان عليه المهر كملا ، لثبوته بالوطء ثبوتا مستقرا. وان كان قبل الدخول ، قال الشيخ في المبسوط : كان لها نصف الصداق (1).

والحق وجوبه كملا ، لوجود المقتضي ، وهو العقد المحكوم بصحته شرعا.

احتج بأنه حرم عليه نكاحها قبل الدخول باعترافه ، فيجب لها نصف المهر كالطلاق.

والقياس عندنا باطل ، سلمنا لكن الفرق موجود ، اذ الطلاق يحصل معه البينونة ظاهرا ، بخلاف صورة النزاع. أما لو أقام البينة ، فالحكم ما تقدم.

وطولنا الكلام فيها ، لكونها من المهمات.

فرع :

لو أشكل زمان وقوع العقد ، فلم يعلم هل كان حال الاحلال أو حالة الاحرام؟

قال الشيخ في المبسوط : كان العقد صحيحا (2). والاحوط تجديده.

فرع آخر :

قال في المبسوط : ولو كانت المرأة محرمة ، فالحكم ما تقدم.


1) المبسوط 1 / 318.

2) المبسوط 1 / 317.

فرع ثالث :

قال : يكره للمحرم أن يخطب امرأة ليعقد عليها (1). وتبعه ابن حمزة ، وحرمه أبو علي. والحق الاول ، تمسكا بالاصل ، واقتصارا على النقل.

قال رحمه‌ اللّه : ويحرم الطيب على العموم ما خلا خلوق الكعبة ، ولو في الطعام. ولو اضطر الى أكل ما فيه طيب ، أو لبس ما فيه طيب ، قبض على أنفه.

وقيل : انما يحرم المسك والزعفران والعود والكافور والورس. وقد يقتصر بعض على أربعة : المسك والعنبر والزعفران والورس ، والاول أظهر.

اقول : ذهب أكثر الاصحاب الى الاول ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط الا أنه قال : وأغلظ الاجناس خمسة : المسك والعنبر والكافور والزعفران والعود وقد الحق بذلك الورس (2).

وقال ابن أبي عقيل : أغلظها أربعة : المسك والعنبر والورس والزعفران. وهو ظاهر كلام أبي علي ، عملا بظاهر الروايات.

وتخصيص بعض الاجناس بالذكر ، كما اشتملت عليه بعض الروايات ، غير مقيد لانتفاء التحريم عما عداه ، لان دلالة المفهوم بتقدير كونها حجة ضعيفة ، فلا يعارض المنطوق.

والقول الثاني ذكره في النهاية (3)، وهو ظاهر كلامه في الخلاف (4)، لانه لم


1) المبسوط 1 / 318.

2) المبسوط 1 / 319.

3) النهاية ص 219.

4) الخلاف 1 / 437 ، مسألة 88.

يوجب الكفارة باستعمال ما عدا هذه ، وتبعه ابن حمزة ، واقتصر في الجمل (1)على ما عدا الورس.

وقال في التهذيب : الذي يجب اجتنابه المسك والعنبر والكافور والورس وقال : وقد روي العود (2).

وابن البراج حرم المسك والزعفران والعنبر والورس ، عملا بالاصل ، واقتصارا على النقل. والاصل يخالف ، والحديث المشتمل على الزائد لا ينافي المشتمل على الاقل ، كما بيناه.

وأما قوله « ولو في الطعام » ينبغي أن يراد فيه مع بقاء رائحته ، اذ مع انتفائها ينتفي الحرمة.

قال رحمه‌ اللّه : ولبس المخيط للرجال ، وفي النساء خلاف ، والاظهر الجواز ، اضطرارا واختيارا. وأما الغلالة ، فجائزة للحائض اجماعا.

اقول : المشهور بين الاصحاب جوازه ، وحرمه في النهاية (3)وحكى الجواز رواية.

لنا - الاصل ، ولانه المشهور بين الاصحاب ، فيتعين اتباعه ، وما تقدم في رواية يعقوب (4).

احتج بعموم المنع ، وهو مخصوص بالرجال ، توفيقا بين الادلة ، ولان عمل المسلمين على ما قلناه.

قال رحمه‌ اللّه : والاكتحال بالسواد على قول ، وبما فيه طيب ، ويستوي في


1) الجمل والعقود ص 228.

2) تهذيب الاحكام 5 / 299.

3) النهاية ص 217.

4) فروع الكافى 4 / 340 ، ح 7.

ذلك الرجل والمرأة.

اقول : في تحريم الاكتحال بالسواد قولان : الجواز ، قاله في الخلاف (1)والاقتصاد (2)، تمسكا بالاصل.

والثاني التحريم ، ذهب إليه في النهاية (3)والمبسوط (4)، عملا برواية زرارة عن الصادق عليه ‌السلام (5)، وعليه الاكثر ، وجعله ابن بابويه مخصوصا بالمرأة اذا قصدت به الريبة.

وأطلق ابن الجنيد ، عملا برواية معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : لا تكتحل الرجل والمرأة المحرمان بالكحل الاسود الا من علة (6). وظاهر النهي التحريم ، كما بيناه في اصول الفقه ، والمشهور تحريم الاكتحال بما فيه طيب ، وجعله ابن الجنيد مكروها.

لنا - التمسك بالرواية.

قال رحمه‌ اللّه : وكذا النظر في المرآة على الاشهر.

أقول : للشيخ قولان : التحريم ، ذهب إليه في النهاية (7)والمبسوط (8)، وتبعه أبو الصلاح وابن ادريس ، عملا بالاحتياط وبالروايتين المرويتين عن الصادق


1) الخلاف 1 / 442 مسألة 106.

2) الاقتصاد ص 302.

3) النهاية ص 220.

4) المبسوط 1 / 321.

5) تهذيب الاحكام 5 / 301 ، ح 22.

6) تهذيب الاحكام 5 / 301 ، ح 21.

7) النهاية ص 220.

8) المبسوط 1 / 321.

عليه ‌السلام (1).

والاخر الجواز ، تمسكا بالاصل ، واختاره ابن البراج وابن حمزة.

قال رحمه‌ اللّه : ولبس الخفين وما يستر ظهر القدم ، فان اضطر جاز ، وقيل : يشقهما ، وهو متروك.

أقول : القائل بالشق ، أي : يشق ظاهر قدمهما ، هو الشيخ في المبسوط (2)وقال في الخلاف : يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين على جهتهما (3). محتجا بالاحتياط اذ مع الشق يحصل البراءة والصحة قطعا ، بخلاف العدم. وبمضمونه قال أبو علي ابن الجنيد.

وأما ابن حمزة ، فاختياره ما ذكره الشيخ في المبسوط ، واستحب قطع الساقين ، ولم يذكر في النهاية (4)الشق ، بل سوغ لبسه مع الضرورة واطلق ، وصرح ابن ادريس بالعدم.

لنا - أصالة براءة الذمة ، واطلاق الرواية (5).

لا يقال : ستر القدم حرام على المحرم اجماعا ، وانما يتحرز عنه بالشق ، وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب.

لانا نقول : متى يكون الستر محرما اذا اضطر الى لبس الخفين ، أو اذا لم يضطر ، الاول « م » والثاني « ع » والضرورة هنا متحققة فلا تحريم ، ويقوي عندي وجوب الشق ، عملا بالرواية المروية عن الباقر عليه ‌السلام (6)، وجواز اللبس لا ينافيه.


1) تهذيب الاحكام 5 / 302 ، ح 27 و 28.

2) المبسوط 1 / 320.

3) الخلاف 1 / 434 مسألة 75.

4) النهاية ص 218.

5) تهذيب الاحكام 5 / 70 ، ح 37.

6) من لا يحضره الفقيه 2 / 340.

قال رحمه‌ اللّه : والفسوق. وهو الكذب.

أقول : وقال بعضهم : وهو السباب أيضا ، ولا بأس به ، اذ لا ينفك عنه الا نادرا ، وخصصه ابن البراج بالكذب على اللّه ورسوله وأئمته عليهم ‌السلام ، وهو غريب.

قال رحمه‌ اللّه : والجدال ، وهو قول لا واللّه وبلى واللّه.

أقول : قال أبو علي : وما كان من يمين يريد بها طاعة اللّه وصلة رحم ، فمعفو عنه ما لم يدأب في ذلك ، وهو حسن.

فرع :

لو ادعى عليه بدعوى كاذبة ، ففي جواز دفعها بلفظ الجلالة اشكال ، ينشأ : من عموم المنع ، ومن أن فيه دفعا للضرر ، فيكون سائغا ، لقوله عليه ‌السلام : لا ضرر ولا اضرار (1).

قال رحمه‌ اللّه : وقتل هوام الجسد حتى القمل.

أقول : سوغ ابن حمزة قتل القملة على البدن ، والمشهور المنع ، عملا بالرواية (2).

قال رحمه‌ اللّه : واخراج الدم الا عند الضرورة ، وقيل : يكره.

أقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ المفيد قدس اللّه روحه ، الا مع الضرورة عملا برواية الحسن الصيقل عن الصادق عليه ‌السلام عن المحرم يحتجم ، قال : لا ، الا أن يخاف على نفسه التلف ولا يستطيع الصلاة ، وقال : اذا آذاه الدم فلا بأس به ويحتجم ولا يحلق الشعر (3).

وتحمل ما عداها مما تدل على الجواز الذي هو حجة القائلين على الضرورة


1) عوالى اللئالى 1 / 383 و 2 / 74 و 3 / 210.

2) تهذيب الاحكام 5 / 297 ، ح 4.

3) تهذيب الاحكام 5 / 306 ، ح 42.

جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : وكذا قيل في حك الجسد المفضي الى ادمائه ، وكذا في السواك ، والكراهية أظهر.

أقول : البحث في هاتين كالبحث في السابقة ، وقد تقدم.

واعلم أن السواك المحرم هو المفضي الى الادماء فقط.

قال رحمه‌ اللّه : ولبس السلاح لغير الضرورة ، وقيل : يكره (1)، وهو أشبه.

أقول : القول الاول هو المشهور بين الاصحاب ، فيتعين اتباعه دفعا للضرورة والثاني مستنده الاصل ، ويعارض بالاحتياط.

قال رحمه‌ اللّه : ويتأكد في السواد.

أقول : قال الشيخ في المبسوط : لا يجوز (2). والاقرب الكراهية ، عملا بالاصل ، والرواية (3)الدالة على الحرمة محمولة على الكراهية.

قال رحمه‌ اللّه : والنقاب للمرأة على تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصل الجواز.

والالتفات الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (4)، فانه أفتى بالتحريم ، وتبعه المتأخر ، وهو الحق عندي.

لنا - أن كشف وجهها واجب ، ولا يتم الا بترك النقاب ، وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب ، فيكون ترك النقاب واجبا ولا نعني بكونه محرما الا ذلك.

لا يقال : لو وجب كشف الوجه جميعا ، لما ساغ اسدال القناع الى طرف


1) فى « س » : مكروه.

2) المبسوط 1 / 319.

3) تهذيب الاحكام 5 / 66 ، ح 22.

4) المبسوط 1 / 320.

الانف ، لانه من جملة الوجه ، اذ الوجه عبارة عما يحصل به المواجهة ، واللازم باطل اتفاقا منا ، فالملزوم مثله.

بيان الملازمة : أن التحريم هناك انما هو لكون النقاب ساترا لبعض الوجه وهذا المعنى متحقق في اسدال القناع فيثبت التحريم.

لانا نقول : نحن لا نجوز ذلك مطلقا ، بل يشترط في جواز الاسدال عدم اصابة القناع للوجه ، وهذا غير ممكن في النقاب فافترقا.

على أن الشيخ قال في المبسوط : ويجوز لها أن تسدل على وجهها ثوبا اسدالا وتمنعه بيدها من أن يباشر وجهها أو بخشبة ، فان باشر وجهها الثوب الذي تسدله تعمدا كان عليها دم (1).

وروى الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : مر أبو جعفر عليه ‌السلام بامرأة متنقعة وهي محرمة ، فقال : احرمي واسفري وأرخي ثوبك من فوق رأسك ، فانك ان تنقبت لم يتغير لونك ، فقال رجل : الى أين ترخيه؟ فقال : تغطي عينيها ، قال قلت : يبلغ فمها؟ قال : نعم (2).

قال رحمه‌ اللّه : ولو أفاض قبل الغروب جاهلا أو ناسيا ، فلا شي‌ء عليه ، وان كان عامدا أجبره ببدنة ، وان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما.

أقول : هذا التقدير هو المشهور بين الاصحاب ، ومستنده النقل عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

قال رحمه‌ اللّه : اذا لم يتفق له الوقوف بعرفات نهارا ، فوقف ليلا ، ثم لم يدرك المشعر حتى تطلع الشمس فاته الحج ، وقيل : يدركه ولو قبل الزوال ، وهو حسن.


1) المبسوط 1 / 320.

2) تهذيب الاحكام 5 / 74 ، ح 53.

اقول : هذا القول ذكره السيد المرتضى قدس اللّه روحه ، محتجا بالاجماع وأن كل من قال بوجوب الوقوف بالمشعر اجتزأ به ، ولو كان الوقوف قبل الزوال بلا فصل ، مع فوات الوقوف بعرفة لعذر من نسيان أو غيره ، فالفرق بين المسألتين خلاف اجماع المسلمين.

وكلاهما ضعيف. أما الاول ، فلان جماعة من أكابر علمائنا ، كالشيخ رحمه‌ اللّه وأتباعه ، خالفوا في ذلك ، وحكموا بفوات الحج مع عدم ادراك أحدهما اختيارا ، محتجين بالاجماع وبالاخبار ، واذا تعارض الاجماعان تساقطا ، والا لزم الجمع بين النقيضين ، أو الترجيح من غير مرجح ، وهما محالان.

وأما الثاني ، فممنوع أيضا ، بل لو ادعي الاجماع المركب على خلافه أمكن اذ لم يدرك الوقوف الاختياري به.

اذا عرفت هذا ، فنقول : الحق أنه يدرك الحج مع الوقوف به ولو قبل الزوال لوجهين :

الاول : ايجاب الاعادة مشقة وحرج عظيم ، فيكون منتفيا بوجوه :

الاول : قوله تعالى « ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » (1)وقوله تعالى « يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » (2)الآية.

الثاني : قوله عليه ‌السلام « بعثت بالحنيفية السمحة السهلة » (3)وغير ذلك من الاخبار التي لا تحصى كثرة.

الثاني : ما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قال : من أدرك المشعر


1) سورة الحج : 78.

2) سورة البقرة : 185.

3) عوالى اللئالى 1 / 381 ، برقم : 3.

الحرام يوم النحر قبل زوال الشمس ، فقد أدرك الحج (1).

وفي اخرى : دخل اسحاق بن عمار على أبي الحسن عليه ‌السلام يسأله عمن لم يدرك الناس بالموقفين ، فقال له : اذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل أن يزول الشمس يوم النحر ، فقد أدرك الحج (2).

قال الشيخ في التهذيب : هذان الخبران يحتملان معنيين : أحدهما أن من أدرك مزدلفة قبل زوال الشمس ، فقد أدرك فضل الحج وثوابه ، دون أن يكون المراد بهما أن من أدركه فقد سقط عنه فرض الحج.

ويحتمل أيضا أن يكون هذا الحكم مخصوصا بمن أدرك عرفات ، ثم جاء الى المشعر قبل الزوال فقد أدرك الحج ، لانه أدرك أحد الموقفين اختيارا.

محتجا على هذا التأويل برواية (3)قاصرة عن افادة المطلوب ، ونقلهما في الخلاف (4)، وذلك ليس لهما تأويل.

احتج الشيخ بالروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام ، وتحمل على ما ذكرناه ، جمعا بين الادلة ، وتوهم المتأخر هنا وهما فتوق زلله (5).

فرع :

لو أدرك أحد الموقفين اضطرارا ، فالاقرب بطلان الحج ، لفوات أعظم الاركان.


1) تهذيب الاحكام 5 / 291 ، ح 25.

2) تهذيب الاحكام 5 / 291 - 292 ، ح 26.

3) التهذيب 5 / 292.

4) الخلاف 1 / 455.

5) كذا فى النسختين.

فرع آخر :

قال الشيخ في المبسوط : من فاته الوقوف بالمشعر لم يجزيه الوقوف بعرفة (1)وعنى به الوقوف الاختياري والاضطراري بعرفة.

لنا - قوله عليه ‌السلام « الحج عرفة » (2).

قال رحمه‌ اللّه : ولو نوى الوقوف ، ثم نام او جن أو اغمي عليه ، صح وقوفه. وقيل : لا ، والاول أشبه.

اقول : قال الشيخ في المبسوط : والمواضع التي تجب أن يكون الانسان فيها مفيقا أربعة : الاحرام ، والوقوف بالموقفين ، والطواف ، والسعي ، فان كان مجنونا أو مغلوبا على عقله ، لم ينعقد احرامه ، الا أن ينوي عنه وليه على ما قدمناه وما عداه يصح منه ، وصلاة الطواف حكمها حكم الاربعة ، وكذا طواف النساء ، وكذا حكم النوم سواء. والاولى أن نقول : تصح منه الوقوف بالموقفين وان كان نائما ، لان الغرض منه الكون فيه لا الذكر (3).

قال ابن ادريس : هذا غير واضح ، ولا بدّ من نية الوقوف بغير خلاف ، لما قدمناه من الادلة. وعنى بها الآية والخبر المشهور ، قال : والاجماع أيضا حاصل عليه.

والحق أن نقول : ان سبقت منه نية الوقوف في وقته صح حجه ، والا فلا.

لنا - على الاول أنه مع فعل ذلك يكون قد أتى بالمأمور به على وجهه فخرج عن عهدة التكليف.

أما الصغرى ، فلان المأمور به ليس الا الكون في الموضع المخصوص فقط اجماعا منا ، وليس الذكر جزءا منه ، بل انما هو مستحب ، ومع سبق النية


1) المبسوط 1 / 367.

2) سنن ابن ماجة 2 / 1003 ، برقم : 3015.

3) المبسوط 1 / 384.

على العذر في الوقت يكون ناويا للكون المأمور به ، فيكون آتيا به ، اذ الواجب ما يصدق عليه هذا الاسم فقط.

ومعنى قول الاصحاب وقت الوقوف ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس أي : ان هذا الزمان صالح لنية الكون ، ولا ريب في صدقه ، أعني : الوقوف بالمشعر ، لا بمعنى أنه يجب شغل جميع أجزاء هذا الزمان بالوقوف ، بمعنى أنه أي وقت منه نوى الوقوف فيه أجزأ ، كما في أوقات العبادات اليومية بعد حضور أول الوقت ناويا له.

وأما الثانية ، فلما بينا أن الامر للاجزاء ، اما اذا لم ينو أصلا ، أو نوى قبل دخول وقت الوقوف ، ثم حصل العذر ، لم يصح وقوفه ، لانه لم يأت بالمأمور به ، وهو ظاهر.

قال رحمه‌ اللّه : وتجب فيه شروط ثلاثة : أن يكون مما يسمى حجرا.

أقول : قال الشيخ في الخلاف : لا يجوز الرمي الا بالحجر وما كان من جنسه من الجواهر والبرام وأنواع الحجارة. ولا يجوز بغيره ، كالمدر والاجر والكحل والزرنيخ والملح ، وغير ذلك من الذهب والفضة (1).

وقال في المبسوط (2)والجمل (3): لا يجوز الرمي الا بالحصى ، وتبعه ابن ادريس ، وهو اختيار السيد المرتضى قدس اللّه روحه ، ونقله عن الشافعي أيضا ولعله أقرب.

لنا - أن الرمي عبادة شرعية ، فيقتصر منها على اذن الشارع.

واحتج المرتضى بالاجماع ، وطريقة الاحتياط ، اذ لا خلاف في اجزاء الرمي


1) الخلاف 1 / 455 ، مسألة 163.

2) المبسوط 1 / 369.

3) الجمل والعقود ص 234.

بالحجر ، وانما الخلاف فيما عداه.

وعارض الجمهور بما رووه عن الفضل بن عباس أنه قال : لما أفاض رسول اللّه صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله من عرفة وهبط وادي محسر ، قال : يا أيها الناس عليكم بحصى الخذف (1). والامر للوجوب.

احتج الشيخ بأن المقصود الرمي ، وهو يحصل بكل واحد من هذه الامور ونمنع ذلك ، سلمنا لكنه منقوض بالكحل والزرنيخ وما أشبههما ، فان مسمى الرمي يحصل بهما مع أنه لا يجزيه.

قال رحمه‌ اللّه : يستحب أن يرميها خذفا.

أقول : قال السيد المرتضى قدس اللّه روحه : ومما انفردت به الامامية القول بوجوب الخذف لحصى الجمار ، وهو أن يضع الرامي الحصاة على ابهام يده اليمنى ويدفعه بظهر اصبعه الوسطى : ولم يراع غيره ذلك ، وتبعه ابن ادريس ، وهو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (2).

احتج المرتضى قدس اللّه روحه بالاجماع ، وبأن النبي عليه ‌السلام في أكثر الروايات أمر بالخذف ، والخذف كيفية في الرمي مخالفة لغيرها.

وأقول : هذا القول ليس بعيدا من الصواب ، لكن الاول يعتضد بأصالة البراءة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو تمتع المكي وجب عليه الهدي.

أقول : قد مر البحث في هذه.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجزئ الواحد في الواجب الا عن واحد ، وقيل : يجزي مع الضرورة عن خمسة وعن سبعة ، اذا كانوا أهل خوان واحد ، والاول أشبه.

اقول : اختلفت الآراء في هذه المسألة بسبب اختلاف الروايات ، فذهب


1) سنن ابن ماجة 2 / 1008.

2) المبسوط 1 / 369.

الشيخ في كتابي الاخبار والنهاية (1)والمبسوط (2)الى القول الثاني ، قال أيضا : وعن سبعين ، عملا بالرواية المروية عن أبي جعفر عليه ‌السلام قال : ما خف فهو أفضل قلت : عن كم يجزئ؟ فقال : عن سبعين (3).

وذهب في الخلاف (4)الى الاول ، واختاره المتأخر ، ولعله أقرب.

لنا - عموم قوله تعالى « فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ » (5)وتحمل الرواية على التطوع ، جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : ويستحب أن يقسم الهدي أثلاثا : يأكل ثلثه ، ويتصدق بثلثه ويهدي ثلثه. وقيل : يجب الاكل منه ، وهو الاظهر.

اقول : قال الشيخ في المبسوط : ومن السنة أن يأكل من هديه لمتعته يأكل ثلثه ، ويطعم القانع والمعتر ثلثه ، ويهدي لاصدقائه ثلثه (6).

وقال ابن ادريس : فاما هدي التمتع والقارن ، فالواجب أن يأكل منه ولو قليلا ، ويتصدق على القانع والمعتر ولو قليلا ، لقوله تعالى « فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (7)» والامر عندنا يقتضي الوجوب والفور دون التراخي ، وهو الاقوى عندي ، وعليه دلت ظاهر الروايات.

قال رحمه‌ اللّه : ومن فقد الهدي ووجد ثمنه ، قيل : يخلفه عند من يشتريه طول ذي الحجة ، وقيل : ينتقل فرضه الى الصوم ، وهو الاشبه.


1) النهاية ص 258.

2) المبسوط 1 / 372.

3) تهذيب الاحكام 5 / 209 ، ح 42.

4) الخلاف 1 / 457.

5) سورة البقرة : 196.

6) المبسوط 1 / 374.

7) سورة الحج : 36.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في جميع كتبه. قال في المبسوط : فان لم يتفق شراؤه في ذي الحجة وجب ذبحه في العام المقبل في ذي الحجة (1)عملا بالاحتياط ، ولان العجز انما يتحقق بعدم الهدي وثمنه.

والقول الثاني ذهب إليه المتأخر ، عملا بأصالة براءة الذمة من وجوب التخلف ، وللآية ، لان اللّه لم ينقلنا عند عدم الهدي الا الى الصوم ولم يجعل واسطة ، فمن أثبتها فعليه الدلالة ، كما في العتق.

والعجز يتحقق بعدم الرقبة وان وجد الثمن ، كما يتحقق بعدم الثمن وان وجد الرقبة ، وانكار ذلك مكابرة محضة.

لا يقال : الفرق يطلق على واجد الثمن أنه واجد.

لانا نقول : نمنع ذلك ، سلمنا لكن الوجدان له معنيان عرفي وشرعي ، والمراد به المعنى الاخير ، ولا شك في انتفائه مع انتفاء أحد الوصفين ، ونقل صاحب كشف الرموز عن المصنف أنه كان يعني بالاول ، وهو الاحوط عندي.

قال رحمه‌ اللّه : ولو صام يومين وأفطر الثالث لم يجزيه واستأنف ، الا أن يكون ذلك هو العيد ، فيأتي بالثالث بعد النفر.

اقول : قال في المبسوط والجمل في كتاب الصوم : صوم دم المتعة ان صام يومين ثم أفطر بنى ، وان صام يوما ثم أفطر أعاد (2).

قال ابن ادريس : هذا الاطلاق ليس بصحيح ، الا في موضع واحد ، وعنى به هذه الصورة ، والذي ذكره المصنف ، ولعله أقرب.

لنا - أن الامر ورد بالتتابع ، ترك العمل به في هذه الصور بالاجماع ، فيبقى معمولا به فيما عداها.


1) المبسوط 1 / 370.

2) المبسوط 1 / 280.

واحتج الشيخ بأن تتابع الاكثر يجري مجرى تتابع الجميع ، كما في الشهرين والقياس ليس حجة عندنا.

قال رحمه‌ اللّه : وصوم السبعة بعد وصوله الى أهله ، ولا يشترط فيها الموالاة على الاصح.

أقول : ذهب أكثر الاصحاب الى عدم اشتراط المتابعة ، تمسكا بالاصل ، واعتمادا على المشهور من النقل ، فذهب أبو الصلاح الى وجوب الموالاة ، عملا بقوله تعالى « وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ (1)» والامر للفور ، ونمنع ذلك.

قال رحمه‌ اللّه : ولو مات من وجب عليه الصوم ولم يصم ، وجب على وليه الصوم عنه الثلاثة دون السبعة. وقيل : بوجوب قضاء الجميع ، وهو الاشبه.

اقول : قال الشيخ في المبسوط : فان مات من وجب عليه الهدي ولم يكن معه ثمنه ، ولا يكون صام أيضا ، صام عنه وليه الثلاثة أيام ، ولا يلزمه قضاء السبعة ، بل يستحب له ذلك.

هذا اذا كان يمكن من الصوم ولم يصم ، فاما ان لم يتمكن من الصوم أصلا لمرض ، فلا تجب القضاء عنه ، وانما يستحب ذلك على الولي.

وقال المتأخر بوجوب قضاء السبعة أيضا مع تمكن الميت من صيامها ، محتجا بالعمومات الدالة على أنه تجب قضاء ما فات الميت من الصيام مع تمكنه منه ، والاصل يخالف للدليل.

قال رحمه‌ اللّه : فاذا فرغ من الذبح ، فهو مخير ان شاء حلق وان شاء قصر والحلق أفضل ، ويتأكد في الصرورة ، ومن لبد شعره. وقيل : لا يجزيه الا الحلق والاول أظهر.


1) سورة البقرة : 196.

أقول : قال الشيخ في النهاية (1)والمبسوط (2): الصرورة والملبد أي : الذي جعل في رأسه عسلا أو صمغا ، لئلا يقمل أو يتسخ - لا يجزيهما غير الحلق.

واختاره شيخنا المفيد ، عملا برواية أبي بصير عن الصادق عليه ‌السلام قال : على الصرورة أن يحلق رأسه ولا يقصر ، انما التقصير لمن حج حجة الاسلام (3).

وفي معناها رواية بكر بن خالد عنه عليه ‌السلام (4).

وفي رواية معاوية بن عمار عنه عليه ‌السلام قال : ينبغي للصرورة أن يحلق وان كان قد حج ، فان شاء قصر وان شاء حلق ، قال : واذا لبد شعره أو عقصه ، فان عليه الحلق وليس له التقصير (5).

ولم يفرق في الجمل (6)بين كونه صرورة أو غيره ، لبد شعره أو لا ، لكن الحلق أفضل ، عملا بالاصل ، واستنادا الى الآية (7)، واختاره المتأخر ، وعليه الاكثر.

قال رحمه‌ اللّه : ويجب تقديم التقصير على زيارة البيت لطواف الحج والسعي فلو عكس عامدا جبره بشاة ، ولو كان ناسيا لم يجب عليه شي‌ء ، وعليه اعادة الطواف على الاظهر.

أقول : لا أعرف بين الاصحاب في هذه خلافا فأنقله.

قال رحمه‌ اللّه : وأن يكون مختونا.

اقول : ينبغي أن يراد فيه اذا أمكنه الختان. أما لو تعذر عليه ذلك ، جاز له


1) النهاية ص 262.

2) المبسوط 1 / 376.

3) تهذيب الاحكام 5 / 243 ، ح 12.

4) تهذيب الاحكام 5 / 243 ، ح 13.

5) تهذيب الاحكام 5 / 243 ، ح 14.

6) الجمل والعقود ص 236.

7) فى هامش « س » عن نسخة : الرواية.

الطواف ، وان كان الشيخ في المبسوط (1)أطلق.

قال رحمه‌ اللّه : وتجب البدأة بالحجر الاسود والختم به.

اقول : لا خلاف في البدأة بالحجر والختم به ، وانما نذكر هنا مسألة ، وهي أنه لو ابتدأ الطواف من غير الحجر ، فاما أن يبتدأ به من موضع قبله أو بعده.

فان ابتدأه من موضع قبله لم يعتد بذلك الشوط الى أن ينتهي الى أول الحجر فاذا انتهى إليه جعل ابتداء طوافه منه. هذا ان نوى قطع الشوط الاول عنده وابتدأ طواف الفريضة منه. ويحتمل ضعيفا البطلان.

ولو ابتدأ به من موضع بعده ، لم يعتد به أيضا ، وجدد نية الاستئناف عند الوصول الى أول الحجر ، مع احتمال ذلك أيضا.

فرع :

لو حاذى آخر الحجر ببعض بدنه في ابتداء الطواف ، فالاقوى البطلان ، وللشافعي وجهان حكاهما الغزالي في الوجيز.

قال رحمه‌ اللّه : الزيادة على سبع في الطواف الواجب محظورة على الاظهر وفي النافلة مكروهة.

اقول : ذهب أكثر الاصحاب الى أن تعمد الزيادة في طواف الفريضة محرم مبطل ، عملا بالاحتياط ، ولان الطواف مساو للصلاة ، فيبطله ما يبطلها ، ولا شك أن الزيادة مبطلة للصلاة ، فتكون مبطلة لمساويها ، أعني : الطواف.

أما الاولى ، فلقوله عليه ‌السلام « الطواف بالبيت صلاة » (2).

وأما الثانية ، فلما ثبت من وجوب تساوي المثلين في جميع الاحكام اللازمة


1) المبسوط 1 / 358.

2) عوالى اللئالى 2 / 167 ، برقم : 3.

واستنادا الى الروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

وقال المتأخر : انه مكروه شديد الكراهة ، واختاره الشيخ في الاستبصار (1)عملا بأصالة عدم التحريم ، وتمسكا برواية زرارة عن الصادق عليه ‌السلام قال : انما يكره أن يجمع الرجل بين الاسبوعين والطوافين في الفريضة ، فأما في النافلة فلا بأس (2). وفي معناها رواية عمر بن يزيد عنه عليه ‌السلام (3).

وتحمل الروايتان الاخريان على ذلك دفعا للتناقض.

قال رحمه‌ اللّه : يجب أن يصلي ركعتي الطواف.

أقول : المشهور وجوب ركعتي الطواف الواجب ومنهم من استحبها.

لنا - الآية والرواية. احتجوا بالاصل ، وهو معارض بما ذكرناه.

قال رحمه‌ اللّه : من طاف في ثوب نجس مع العلم لم يصح طوافه.

أقول : هذا هو المشهور بين علمائنا ، وظاهر كلام ابن الجنيد الكراهية.

لنا - ما تقدم في مسألة الزيادة ، ولان الطواف في الثوب النجس يستلزم ادخال النجاسة الى المسجد ، وهو منهي عنه ، واستنادا الى الرواية المروية عن الصادق عليه ‌السلام (4).

احتجا بالاصل ، ويعارض بما ذكرناه.

فرع :

والبحث في نجاسة البدن ، كالبحث في نجاسة الثوب.


1) الاستبصار 2 / 221.

2) الاستبصار 2 / 220 ، ح 1.

3) الاستبصار 2 / 220 ، ح 2.

4) تهذيب الاحكام 5 / 126 ، ح 87.

فرع آخر :

قال في الخلاف : ستر العورة شرط (1). وتبعه ابن زهرة ، عملا بالحديث الذي رويناه أولا. وفيه نظر.

قال رحمه‌ اللّه : ويستحب له استلام الحجر على الاصح.

أقول : المشهور الاستحباب ، تمسكا بالاصل. وقال سلار : انه واجب ، وهو ظاهر كلام شيخنا المفيد كرم اللّه محله ، عملا بالاحتياط ، وتعارض بما ذكرناه.

قال رحمه‌ اللّه : وأن يكون في طوافه داعيا ، ذاكرا اللّه سبحانه على سكينة ووقار ، مقتصدا في مشيه. وقيل : يرمل ثلاثا ويمشي أربعا.

أقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في النهاية (2)، واختاره أبو الصلاح وابن ادريس ، وهو مذهب ابن الجنيد وابن أبي عقيل ، عملا بالرواية عن الصادق عليه ‌السلام (3).

وقال في المبسوط : يستحب أن يرمل ثلاثا ، أي : يسرع ويمشي أربعا في الطواف ، هذا في طواف القدوم فحسب ، اقتداء بالنبي صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله كذا فعل ، رواه جعفر بن محمد عن أبيه عليهما‌السلام عن جابر. وليس على المريض والنساء رمل ، أعني : الرمل في الثلاثة الاول والمشي في الاربعة لا غير ، ولا على من يحمله أو يحمل ويطوف به (4).

وجعله ابن حمزة مستحبا في الطواف كله ، وخصوصا في طواف الزيارة.

قال رحمه‌ اللّه : ويستحب ثلاثمائة وستون طوافا ، فان لم يتمكن فثلاثمائة


1) الخلاف 1 / 446 مسألة 129.

2) النهاية ص 236.

3) تهذيب الاحكام 5 / 109 ، ح 24.

4) المبسوط 1 / 356.

وستون شوطا ، ويلحق الزيادة بالطواف الاخير ، وتسقط الكراهية هنا بهذا الاعتبار.

أقول : مستند هذه المسألة رواية معاوية بن عمار عن الصادق عليه ‌السلام قال : يستحب أن تطوف ثلاثمائة وستين اسبوعا عدد أيام السنة ، فان لم تستطع فما قدرت عليه من الطواف (1).

وهذه الرواية قبلها أكثر الاصحاب وأفتى بمضمونها ، وليس في طريقها طعن ومع تحقق الرواية ينتفى كراهية الزيادة على السبعة ، لما عرفت أن العام يخص لدليل أخص منه ، لانهما دليلان تعارضا. فاما أن لا يعمل بهما ، أو يعمل بهما ، أو يعمل بالعام أو بالخاص ، والاقسام الثلاثة الاول باطلة ، فتعين الرابع ، وتمام الاستدلال مذكور في أصول الفقه.

ونقول : يلحق الاشواط الثلاثة بالطواف الاخير ، تخلصا من الجمع بين الطوافين ، فيكون عدد أشواطه عشرا. وأما سلار ، فاستحب زيادة أربعة أشواط أخر ، تخلصا من كراهية الزيادة ، ولا بأس به.

قال رحمه‌ اللّه : ومن زاد على السبعة سهوا ، أكملها أسبوعين وصلى ركعتي الفريضة أولا وركعتي النافلة بعد الفراغ من السعي.

أقول : هذا هو المشهور بين الاصحاب ، عملا بأصالة براءة الذمة من وجوب الاعادة ، ولان الاعادة فرض ثان يفتقر الى دليل ، وحيث لا دلالة فلا اعادة ، ويؤيده رواية عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه ‌السلام (2).

وقال الصدوق بوجوب الاعادة ، وجعل فتوى الاصحاب رواية (3)، عملا


1) تهذيب الاحكام 5 / 135 ، ح 117.

2) تهذيب الاحكام 5 / 112 ، ح 31.

3) من لا يحضره الفقيه 2 / 396.

بالاحتياط ، واستنادا الى رواية أبي بصير عن الصادق عليه ‌السلام (1). والاحتياط معارض بالاصل ، والرواية محمولة على تعمد الزيادة ، جمعا بين الادلة.

فائدة :

أطلق الشيخ رحمه‌ اللّه الامر بالإضافة ولم يذكر أي الطوافين هو طواف الفريضة. وكذا ابن ادريس. أما ابن بابويه ، فانه جعل طواف الفريضة هو الثاني وجعل الركعتين الاولتين له ، والركعتين والطواف الاول ندب. وكذا ابن الجنيد.

والاليق بمذهب الشيخ قدس اللّه روحه أن يكون الاول هو الواجب والثاني المستحب ، اذ الزيادة انما تبطل عنده لو وقعت عمدا ، وانما يتمشى على قاعدة الصدوق رحمه‌ اللّه من ابطال الطواف بالزيادة مطلقا ، سواء وقعت عمدا أو سهوا.

قال رحمه‌ اللّه : من نسي طواف الزيارة حتى رجع الى أهله وواقع ، قيل : عليه بدنة والرجوع الى مكة للطواف. وقيل : لا كفارة عليه ، وهو الاصح. ويحمل القول الاول على من واقع بعد الذكر.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في النهاية (2)والمبسوط (3)، عملا بالروايات المشهورة عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

والقول الثاني ذهب إليه ابن ادريس ، وهو الاقوى.

لنا - أنه مع النسيان يكون ما فعله سائغا بالاجماع ، فلا يترتب عليه كفارة ، وتحمل الروايات على من واقع بعد الذكر ، لان الوطي حينئذ يكون محرما يترتب عليه الكفارة.

قال رحمه‌ اللّه : اذا نسي طواف النساء جاز أن يستنيب ، ولو مات قضاه


1) تهذيب الاحكام 5 / 111 ، ح 33.

2) النهاية ص 240.

3) المبسوط 1 / 359.

وليه وجوبا.

اقول : لا يشترط (1)هنا في جواز الاستنابة تعذر العود ، عملا بالاصل السالم عن معارضة النص.

فرع :

لا خلاف أن الرجل اذا ترك طواف النساء ، حرم عليه وطؤهن حتى يطوف أو يستنيب.

وانما الخلاف في المرأة لو تركته ، فذهب ابن بابويه الى تحريم الرجال عليها لو تركته حتى تأتي به ، أو يستنيب فيه كالرجل.

وليس بجيد ، أما أولا فلان أصالة البراءة تنفي ذلك ، ترك العمل بها في الصورة الاولى ، للاجماع والنص ، فيبقى معمولا بها فيما عداها.

وأما ثانيا ، فلان حملها على الرجل قياس ، ونحن لا نقول به.

فرع آخر :

أوجب هذا القائل طواف الوداع ، وجعله قائما مقام طواف النساء في التحليل.

وليس بصواب ، فان طواف الوداع مستحب ، فلا يجزئ ، عن الواجب ، وبما قاله رواية نادرة رواها اسحاق بن عمار عن الصادق عليه ‌السلام. وابن الجنيد يسمى طواف النساء طواف الوداع وأوجبه.

قال رحمه‌ اللّه : من طاف كان بالخيار في تأخير السعي الى الغد ، ثم لا يجوز مع القدرة.

اقول : قال في المبسوط : من طاف بالبيت جاز له أن يؤخر السعي الى بعد


1) فى « س » : الاشتراط.

ساعة ، ولا يجوز له أن يؤخره الى غد يومه (1)ودل على ما قال الشيخ رواية عبد اللّه ابن سنان عن الصادق عليه ‌السلام (2). وتبعه الجماعة.

وأما المصنف ، فظاهر عبارته يدل على جواز التأخير الى غده ، ثم لا يجوز التأخير عن الغد الا لضرورة ولا أرى لما قاله المصنف وجها.

قال صاحب كشف الرموز سألت المصنف عن هذا فاستدل بالآية ، فقلت : لو صح الاستدلال بها لجاز التأخير طول ذي الحجة ، فالتقدير هنا تحكم ، فأعرض عن الجواب.

وأقول : يحتمل أن يكون « ثم » هنا بمعنى الواو ، فلا مأخذ ، ويكون موافقا لما قاله الشيخ.

قال رحمه‌ اللّه : قيل : لا يجوز الطواف وعلى الطائف برطلة ، ومنهم من خص ذلك بطواف العمرة ، نظرا الى تحريم تغطية الرأس.

أقول : القول الاول ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه عملا برواية زياد بن يحيى عن الصادق عليه ‌السلام قال : لا تطف بالبيت وعليك برطلة (3)وفي معناها رواية يزيد بن أبي خليفة عنه عليه ‌السلام (4)وقال في التهذيب : انه مكروه (5).

وقال ابن ادريس : انه مكروه في طواف الحج ، محرم في طواف العمرة. وهو الصواب. أما الكراهية في طواف الحج ، فلظاهر الروايتين. وأما التحريم في طواف العمرة ، فلان تغطية الرأس فيها حرام اتفاقا منا ، ولا يتم الا بترك البرطلة فيكون فعلها حراما.


1) المبسوط 1 / 359.

2) تهذيب الاحكام 5 / 128 - 129 ، ح 95.

3) تهذيب الاحكام 1 / 134 ، ح 114.

4) تهذيب الاحكام 1 / 134 ، ح 115 وفيه : يزيد بن خليفة.

5) التهذيب 1 / 134.

فرعان :

الاول : لو قدم طواف الحج على الوقوف لضرورة ، وجب عليه كشف الرأس في الطواف ، وحرم لبس البرطلة لما ذكرناه.

الثاني : لو عصى وغطى رأسه ، فالاقوى صحة الطواف ، لان مماسة البرطلة للرأس ليس جزءا من الطواف فالطائف كذلك آت بالمأمور به على وجهه ، وقد بينا أن الامر للاجزاء ، بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة.

قال رحمه‌ اللّه : من نذر أن يطوف على أربع ، قيل : يجب عليه طوافان ، وقيل : لا ينعقد النذر ، وربما قيل بالاول اذا كان الناذر امرأة ، اقتصارا على مورد النقل.

اقول : القول الاول قاله الشيخ في النهاية (1)والمبسوط (2)قال : طواف ليديه والاخر لرجليه ، تمسكا برواية السكوني عن الصادق عليه ‌السلام قال قال أمير المؤمنين عليه ‌السلام في امرأة نذرت أن تطوف على أربع ، قال : تطوف أسبوعا ليديها وأسبوعا لرجليها (3). وفي معناها رواية أبي الجهم عنه عليه ‌السلام (4).

والقول الثاني ذهب إليه ابن ادريس ، ولعله أقرب.

لنا - أنه نذر غير مشروع ، فلا ينعقد ، والمقدمتان ظاهرتان.

والقول الثالث اختاره المصنف ، ولم أجد به قائلا سواه ، ولا بأس به اتباعا للنقل.

قال رحمه‌ اللّه : ومقدمات السعي كلها مندوبة.

اقول : ذهب أكثر الاصحاب الى أن الطهارة ليس شرطا بل مستحبة ، عملا


1) النهاية ص 242.

2) المبسوط 1 / 360.

3) تهذيب الاحكام 5 / 135 ، ح 118.

4) تهذيب الاحكام 5 / 135 ، ح 119.

بالاصل ، واستنادا الى ظاهر النقل. وقال ابن أبي عقيل : لا يجوز الطواف والسعي بين الصفا والمروة الا بطهارة.

محتجا برواية الحلبي قال : سألت أبا عبد اللّه عليه ‌السلام عن امرأة تطوف بين الصفا والمروة وهي حائض ، قال : لا ، لان اللّه تعالى يقول : « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ » (1)وفي معناها رواية ابن فضال عن أبي الحسن عليه ‌السلام (2).

وتحملان على الاستحباب ، جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : ويستحب أن يكون ماشيا ، ولو كان راكبا جاز.

أقول : هذا هو المشهور بين الاصحاب ، وان كان شاذا منهم بالتحريم الا مع الضرورة.

قال رحمه‌ اللّه : ولا بأس أن يجلس في خلال السعي للراحة.

أقول : قال أبو الصلاح : لا يجوز الجلوس بين الصفا والمروة ، ويجوز الوقوف عند الاعياء للاستراحة ، والجلوس على الصفا والمروة ، وتبعه ابن زهرة والمشهور بين الاصحاب الجواز ، للاصل : ولرواية الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (3).

احتج برواية عبد الرحمن عنه عليه ‌السلام قال : لا تجلس بين الصفا والمروة إلا من جهد (4). وتحمل على الكراهية ، جمعا بين الادلة.

قال رحمه‌ اللّه : وينعكس الحكم مع انعكاس الفرض.

أقول : معناه ان كان في المفرد على الصفا أعاد ، وان كان على المروة لم يعد ، لانه حينئذ يكون قد بدأ بالصفا.


1) تهذيب الاحكام 5 / 394 ، ح 19.

2) تهذيب الاحكام 5 / 154 ، ح 33.

3) فروع الكافى 4 / 437 ، ح 3.

4) فروع الكافى 4 / 437 ، ح 4.

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان متمتعا بالعمرة ، فظن أنه أتم ، فأحل وواقع النساء ثم ذكر ما نقص ، كان عليه دم بقرة على رواية ويتم النقصان. وكذا قيل : لو قلم أظفاره ، أو قص شعره.

أقول : هذه الرواية رواها سعيد بن يسار عن الصادق عليه ‌السلام قال : قلت له : رجل متمتع سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط ، ثم رجع الى منزله ، وهو يرى أنه قد فرغ منه فقلم أظفاره وأحل ، ثم ذكر أنه سعى ستة أشواط ، فقال : ان كان يحفظ أنه سعى ستة أشواط ، فليعد وليتم شوطا وليرق دما ، قلت : دم ما ذا؟ قال : دم بقرة (1).

وفي معناها رواية معاوية بن عمار عن الصادق عليه ‌السلام (2)وزاد أو قصر.

وعليها فتوى الشيخ في باب السعي ، وشيخنا المفيد أيضا ، وتبعهم المتأخر وقالوا جميعا في باب ما يجب على المحرم اجتنابه : انه يتم ولا كفارة. وهو الوجه عندي ، وتحمل الروايتان على الاستحباب ، اذ الكفارة لتكفير الذنب ، وحيث لا ذنب فلا تكفير.

قال صاحب كشف الرموز : والوجه أنه تختص الكفارة بالظان لا بالناسي ، جمعا بين الاقوال ، وقد صرح المتأخر بذلك. وهو غلط ، فان مع ظن الاتمام يكون ما فعله سائغا ، فلا يترتب عليه الكفارة.

قال رحمه‌ اللّه : يكره أن يمنع أحد من سكنى دور مكة ، وقيل : يحرم ، والاول أصح.


1) تهذيب الاحكام 5 / 153 ، ح 29.

2) تهذيب الاحكام 5 / 153 ، ح 28.

أقول : ظاهر كلام الشيخ في النهاية (1)والمبسوط (2)يقتضي التحريم ، وهو الظاهر من كلام ابن ادريس ، لكن الشيخ رحمه‌ اللّه احتج بقوله تعالى « سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ » (3).

وأما ابن ادريس ، فانه احتج بالاجماع ، ثم قال : فاما الاستشهاد بالآية ، فضعيف ، اذ الضمير راجع الى ما تقدم وليس الا المسجد الحرام ، ولا دلالة على الدور التي بمكة بشي‌ء من الدلالات ، بل اجماع أصحابنا منعقد وأخبارهم متواترة ، فان لم تكن متواترة ، فهي متلقاة بالقبول لم يدفعها أحد منهم ، فالاجماع هو الدليل القاطع على ذلك دون غيره.

والحق الجواز على كراهية. أما الجواز ، فللاخبار الدالة على أن الناس مسلطون على أموالهم. وأما الكراهية ، فلرواية صفوان عن الحسين بن أبي العلاء قال : ذكر أبو عبد اللّه عليه ‌السلام هذه الآية « سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ » فقال : كانت مكة ليس على شي‌ء منها باب ، وكان أول من علق على بابه المصراعين معاوية بن أبي سفيان ، وليس ينبغي لاحد أن يمنع الحاج شيئا من الدور ومنازلها (4).

ولفظة « لا ينبغي » يراد بها الكراهية ظاهرا ، فيحمل عليها.

واعلم أن هذا الخلاف مبني على تفسير المسجد الحرام ، قيل : المراد به المسجد نفسه ، فعلى هذا لا يحرم المنع. وقيل : المراد به الحرم كله.

فعلى هذا ان قلنا ان المراد بقوله تعالى « سواء » أي : العاكف أعني المقيم والبادي أي الآتي للحج والعمرة سواء بالنزول فيه ، كما فسره به بعضهم ، والا فلا.


1) النهاية ص 284.

2) المبسوط 1 / 384.

3) سورة الحج : 25.

4) فروع الكافى 4 / 243 - 244.

قال رحمه‌ اللّه : يحرم أن يرفع بناء فوق الكعبة ، وقيل : يكره ، وهو الاشبه.

أقول : ظاهر كلام الشيخ وابن ادريس التحريم ، والحق الجواز على كراهية. أما الجواز ، فلما قلناه في المسألة الاولى. وأما الكراهية ، فلما فيه من الجرأة على تلك البقعة المشرفة.

احتجا بأن لتلك البقعة حرمة ومزية على غيره يناسب تحريم رفع البناء فوقها ، وبما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه ‌السلام قال : لا ينبغي لاحد أن يرفع بناء فوق الكعبة (1).

وتحمل على الكراهية ، اذ لفظة « ينبغي » تدل عليها ظاهرا ، والحرمة لا توجب التحريم بل الكراهية.

قال رحمه‌ اللّه : اذا ترك الناس زيارة النبي عليه ‌السلام اجبروا عليها ، لما يتضمن من الجفاء المحرم.

اقول : قد نازع ابن ادريس في هذه المسألة ، نظرا الى أن الالزام بالمندوب غير جائز. وليس بشي‌ء ، اذ موجب الالزام هو الحذر من الجفاء ، ولا ريب أن جفاء النبي والمعصوم حرام ، لما فيه من ترك طاعته الواجبة ، فيكون ما يؤدي إليه حراما ، لقوله تعالى « وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ » (2).

فائدة :

انما يجب الاجبار اذا لم يكن في الزيارة مشقة مانعة ، أما لو حصل ذلك لم يجب الاجبار قولا واحدا.

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان ساق ، قيل : يفتقر الى هدي التحلل. وقيل : يكفيه


1) تهذيب الاحكام 5 / 463 ، ح 262.

2) سورة المائدة : 2.

ما ساقه ، وهو الاشبه.

اقول : الاول ذهب إليه علي بن بابويه رحمه‌ اللّه ، قال : واذا قرن الرجل بين الحج والعمرة وأحصر ، بعث هديا مع هديه ، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله.

قال المتأخر : والمراد بالقران هنا أن يأتي بهما منفردين في عام واحد ، أعني : الحج والعمرة ، ويقرن باحرام أحدهما هديا يشعره أو يقلده ، فيخرج عن ملكه بذلك ، وان لم يكن واجبا عليه بالاصالة.

قال : وأما قوله « بعث هديا مع هديه » فالمراد به أن الهدي المسوق لا يكفي عن هدي التحلل ، وكأنه نظر الى سبق وجوبه على الاحصار.

واذا كان وجوبه سابقا على الاحصار ، وجب بعث هدي آخر للتحلل.

أما أولا ، فلاصالة عدم التداخل.

وأما ثانيا ، فلاستحالة اجتماع العلل المستقلة على المعلول الواحد بالشخص اذ لا نزاع بيننا أن الاحصار موجب للهدي عند إرادة التحلل.

وأما ثالثا ، فلقوله تعالى « فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ » (1).

قال : وما قاله قوي معتمد ، غير أن باقي أصحابنا رضوان اللّه عليهم احتجوا بالاصل الدال على البراءة.

وبما رواه زرارة بن أعين عن الباقر عليه ‌السلام قال : اذا أحصر الرجل بعث بهديه فان أفاق ووجد من نفسه خفة ، فليمض ان ظن أن يدرك هديه قبل أن ينحر ، فان قدم مكة قبل أن ينحر هديه ، فليقم على احرامه حتى يقضي المناسك وينحر هديه ولا شي‌ء عليه ، وان قدم مكة وقد نحر هديه ، كان عليه الحج من قابل والعمرة ، قلت : فان مات قبل أن ينتهي الى مكة ، قال : ان كان حجة الاسلام يحج عنه ويعتمر


1) سورة البقرة : 196.

فانما هو شي‌ء عليه (1).

والتداخل يصار إليه للدليل وقد بيناه ، ونمنع كون الاحصار موجبا للهدي على الاطلاق ، بل انما هو يوجبه اذا لم يكن قد ساق المحصر هديا ، وهو الجواب عن الآية.

واعلم أن التحقيق هنا أن نقول : الهدي المسوق اما أن يكون واجبا بالنذر وشبهه أو لا ، فان كان واجبا افتقر الى هدي التحلل ، لان الهدي حق وجب بالاحرام ولا دليل على سقوطه ، فيجب الوفاء به. وان كان مندوبا جاز له التحلل به اذا نوى عند الذبح ذلك. ولو ذبحه مندوبا ، افتقر الى آخر للتحلل. هذا في المحصر.

وأما المصدود ، فان أوجبنا عليه هديا للتحلل - وهو المشهور بين الاصحاب كان حكمه حكم المحصر ، وان لم يوجب عليه هديا له ، كما هو مذهب المتأخر عملا باصالة براءة الذمة ، تمسكا بقوله تعالى « فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ » (2)دل بمفهومه على عدم وجوب الهدي على غير المحصر.

والتخصيص بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عدا المذكور ، كما بين في أماكنه ، لم يجب عليه شي‌ء سوى المسوق ، ان كان واجبا بأحد الاسباب الموجبة له.

اذا عرفت هذا ، فهنا بحثان :

الاول : ظاهر كلام المتأخر يقتضي أن هدي القران يخرج عن ملك سائقه بمجرد التقليد أو الاشعار. والمشهور خلاف ذلك ، وأنه لا يخرج عن ملكه الا بسوقه الى المنحر ، أو يعينه بالنذر وشبهه.

لنا - اصالة بقاء الملك على مالكه ، ترك العمل به في هذه الصور للاجماع فيبقى معمولا به فيما عداه.


1) تهذيب الاحكام 5 / 422 - 423 ، ح 112.

2) سورة البقرة : 196.

الثاني : ذهب جماعة من علماء التفسير الى أن المراد بالاحصار المذكور في الآية المنع مطلقا ، سواء كان من عدو ، أو مرض ، أو حصول خوف أو هلاك بوجه من الوجوه ، فعلى هذا يسقط احتجاج المتأخر بالكلية. وهذا القول مروي عن ابن عباس.

قال الشيخ في التبيان : وهو المروي في أخبارنا (1).

فيكون حينئذ بين الصد والحصر عموم مطلق ، اذ كل مصدود محصور ، ولا ينعكس كليا ، لصدق المحصور على الممنوع بالمرض من غير صدق المصدود عليه.

قال رحمه‌ اللّه : ولا بدل لهدي التحلل ، فلو عجز عنه وعن ثمنه بقي على احرامه ، ولو تحلل لم يحل.

اقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ في المبسوط (2)، وعندي فيها اشكال ، ينشأ : من قوله عليه ‌السلام « الاستغفار كفارة العاجز » وهذا عاجز ، ولان في البقاء على الاحرام ضررا وحرجا وعسرا ، فيكون منفيا بالآيات الدالة عليه.

لا يقال : العام يخص للدليل ، والتوصل (3)موجود هنا ، وهو قوله تعالى « وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ » (4).

لانا نقول : لا دلالة في الآية على أنه لا بدل لهدي التحلل ، بل انما يدل على وجوب تأخر الحلق الى حين بلوغ الهدي محله ، وذلك انما يتحقق في حق من أنفذ الهدي فقط دون غيره فاعرفه.

قال رحمه‌ اللّه : ولو لم يندفع العدو الا بالقتال - الى آخره.


1) التبيان 2 / 155.

2) المبسوط 1 / 332.

3) كذا.

4) سورة البقرة : 196.

أقول : قد مر البحث في هذه المسألة أيضا ، فلا وجه لاعادته.

قال رحمه‌ اللّه : والمعتمر اذا تحلل يقضي عمرته ، الى آخره.

اقول : هذا الخلاف مبني على مقدار ما يكون بين العمرتين ، وسيأتي تحقيقه إن شاء اللّه.

قال رحمه‌ اللّه : والقارن اذا أحصر فتحلل لم يحج في القابل الا قارنا ، وقيل : يأتي بما كان واجبا عليه. وان كان ندبا حج بما شاء من أنواعه ، وان كان الاتيان بما خرج منه أفضل.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه ، مصيرا الى رواية محمد ابن مسلم عن الباقر عليه ‌السلام ورفاعة عن الصادق عليه ‌السلام أنهما قالا : القارن يحصر وقد قال واشترط فحلني من حيث حبستني ، قال : يبعث بهديه ، قلت : هل يتمتع من قابل؟ قال : لا ولكن يدخل بمثل ما خرج منه (1).

وقال المتأخر : يحرم بما شاء في المستقبل ، عملا بأصالة براءة الذمة من وجوب البعث ، والحق ما ذكره المصنف.

لنا - أنه مع وجوب أحد الانواع ، يكون مكلفا بما هو الواجب عليه ، فلا يجزيه غيره ، واذا لم يجزيه غيره وجب عليه الاتيان به.

قال رحمه‌ اللّه : الصيد هو الحيوان الممتنع ، وقيل : يشترط أن يكون حلالا.

اقول : معناه حلالا أكله.

واعلم أن ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (2)يدل على اعتبار ذلك ، وليس بجيد ، فان الثعلب والارنب والضب صيود وليست مأكولا. والمراد بالممتنع الممتنع بالاصالة.


1) تهذيب الاحكام 5 / 423 ، ح 114.

2) المبسوط 1 / 338.

قال رحمه‌ اللّه : ولا كفارة في قتل السباع ، ماشية كانت أو طائرة ، الا الاسد فان على قاتله كبشا اذا لم يرده ، على رواية فيها ضعف.

اقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ في النهاية (1)وتبعه ابن حمزة ، وهو اختيار علي بن بابويه ، وجعلها في المبسوط (2)والخلاف (3)رواية ، والاقوى أنه لا شي‌ء فيه ، وهو اختيار ابن ادريس ، عملا بأصالة البراءة ، ولان ضرره أعظم من ضرر العقرب والحية وشبههما وقد جاز قتلهما ، فيجوز قتله بطريق الاولى.

احتج الشيخ رحمه‌ اللّه برواية أبي سعيد المكاري قال قلت لابي عبد اللّه عليه ‌السلام رجل قتل أسدا في الحرم ، فقال : عليه كبش يذبحه. قال رحمه‌ اللّه في التهذيب : تحمل هذه على أنه قتله ولم يرده ، ومتى كان الامر على ذلك لزمته الكفارة (4)محتجا على هذا التأويل بروايات مروية عن الصادق عليه ‌السلام دالة على جواز قتل السباع مع الإرادة.

واعلم أن هذه الرواية ضعيفة ، فان في طريقها أبا سعيد ، وهو فاسد العقيدة ، ومع هذا فتحمل على الاستحباب.

قال رحمه‌ اللّه : وكذا لا كفارة فيما تولد بين وحشي وانسي ، أو بين ما يحل للمحرم وما يحرم ، ولو قيل : يراعى الاسم ، كان حسنا.

أقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في المبسوط (5)، عملا بأصالة براءة الذمة ، والحق ما قاله المصنف ، وهو مراعاة الاسم ، فان صدق عليه اسم شي‌ء من الصيود المنصوص على تحريم صيدها حرم عملا بالنص ، والا فلا.


1) النهاية ص 229.

2) المبسوط 1 / 338.

3) الخلاف 1 / 488 مسألة 299.

4) تهذيب الاحكام 5 / 366.

5) المبسوط 1 / 338.

قال رحمه‌ اللّه : ولا بأس بقتل البرغوث ، وفي الزنبور تردد ، والوجه المنع ، ولا كفارة في قتله خطا ، وفي قتله عمدا صدقة ولو بكف من طعام.

اقول : منشؤه : النظر الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)، ولان العلة المبيحة للقتل ، وهي خوف الضرر موجودة فيه ، فيثبت الحكم ، عملا بالمقتضي.

والالتفات الى رواية معاوية بن عمار عن الصادق عليه ‌السلام عن محرم قتل زنبورا فقال : ان كان خطا فلا شي‌ء عليه ، قلت : بل عمدا ، قال : يطعم شيئا من الطعام (2)والمصنف رحمه‌ اللّه عول على هذه.

فرع :

لو قتل عظاية كان عليه كف من طعام ، قاله في التهذيب ، عملا برواية مروية عن الصادق عليه ‌السلام (3).

قال رحمه‌ اللّه : ويجوز شراء القماري والدباسي ، واخراجها من مكة على رواية ، ولا يجوز قتلها ولا أكلها.

اقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ في النهاية (4)والمبسوط (5)، وأفتى فيها بالجواز على كراهية ، ومنع ابن ادريس ، ولعله أقرب.

لنا - العمومات الدالة على تحريم اخراج الصيد من الحرم وهذا صيد ، ويؤيده رواية عيص بن القاسم قال : سألت أبا عبد اللّه عليه ‌السلام عن شراء القماري يخرج


1) المبسوط 1 / 339.

2) تهذيب الاحكام 5 / 365 ، ح 184.

3) تهذيب الاحكام 5 / 344 - 345.

4) النهاية ص 224.

5) المبسوط 1 / 341.

من مكة والمدينة ، فقال : ما أحب أن يخرج منهما شي‌ء (1).

احتج الشيخ رحمه‌ اللّه بالاصل الدال على الجواز ، والاصل يخالف للدليل ، وقد بيناه.

قال رحمه‌ اللّه : في قتل النعامة بدنة ، ومع العجز تقوم البدنة ويفض ثمنها على البر ويتصدق به لكل مسكين مدان ، ولا يلزم ما زاد على ستين ، وان عجز صام عن كل مدين يوما ، وان عجز صام ثمانية عشر يوما.

أقول : هنا مباحث :

الاول : هل هذه الكفارة مرتبة أو مخيرة ، سيأتي فيما بعد.

الثاني : هل يجب تقويم البدنة ويفض ثمنها على الحنطة أم لا؟ ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (2)نعم ، وتبعه ابن البراج وابن ادريس.

وقال أبو الصلاح : فان لم يجد البدنة بقيمتها ، فان لم يجد فض القيمة على البر ، وصام عن كل نصف صاع يوما.

وقال ابن بابويه وابن أبي عقيل والشيخ المفيد والسيد المرتضى وسلار : فان لم يجد البدنة فاطعام ستين.

والشيخ رحمه‌ اللّه عول على رواية أبي عبيدة عن الصادق عليه ‌السلام (3). وفي معناها رواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه ‌السلام (4).

واحتج الآخرون بروايات مطلقة دالة على وجوب اطعام ستين مسكينا عند فقد البدنة ، والمطلق يحمل على المقيد.


1) تهذيب الاحكام 5 / 349 ، ح 125.

2) المبسوط 1 / 340.

3) تهذيب الاحكام 5 / 341 ، ح 96.

4) تهذيب الاحكام 5 / 342 ، ح 97.

الثالث : أوجب الشيخ رحمه‌ اللّه لكل مسكين مدين ، عملا برواية أبي عبيدة وتبعه ابن البراج وابن حمزة وابن ادريس ، وأوجب ابن أبي عقيل وعلي بن بابويه لكل مسكين مدا ، عملا بأصالة براءة الذمة من وجوب الزائد ، واستنادا الى رواية معاوية بن عمار عن الصادق عليه ‌السلام (1). وأطلق المفيد والسيد المرتضى الامر باطعام الستين.

الرابع : لو نقصت القيمة عن اطعام الستين ، قال الشيخ : لم يلزمه أكثر من القيمة ، وتبعه ابن البراج وابن حمزة ، ولم يذكر ذلك باقي الاصحاب والشيخ عول على رواية جميل عن بعض أصحابنا عن الصادق عليه ‌السلام (2).

الخامس : لو عجز عن قيمة البدنة ، قال الشيخ : صام عن كل نصف صاع يوما ، وتبعه ابن البراج وابن حمزة وابن ادريس ، وهو فتوى شيخنا المفيد وعلم الهدى وسلار.

وأوجب ابن أبي عقيل وابن بابويه صوم ثمانية عشر يوما ، عملا بأصالة البراءة وبرواية أبي بصير عن الصادق عليه ‌السلام (3).

والاصالة تخالف لقيام الدلالة ، والروايات من طرقنا أكثر ، فتكون أرجح مع احتمال وقوع السؤال عمن لا يقدر على صوم الستين ، ولان ايجاب الزائد عسر ، والاعسار فيه ينفي الزائد ولا اثباته.

والشيخ رحمه‌ اللّه وأتباعه جعلوها مرتبة رابعة ، وجعل المفيد قدس اللّه روحه والسيد المرتضى كرم اللّه محله وسلار هذه الكفارة - أعني : صوم الشهرين والثمانية عشر - متتابعة في الصوم ، والشيخ رحمه‌ اللّه نص على أن التتابع يجب في صوم


1) تهذيب الاحكام 5 / 343 ، ح 100.

2) تهذيب الاحكام 5 / 342 ، ح 98.

3) تهذيب الاحكام 5 / 342 ، ح 99.

الجزاء.

فروع :

لو عجز عن صوم الثمانية عشر أصلا ، استغفر اللّه ولا شي‌ء عليه.

الثاني : لو عجز عن صوم الشهرين وقدر على صوم أكثر من ثمانية عشر ، احتمل وجوب المقدور ، لان ايجاب الجميع يستلزم ايجاب كل فرد من أفراده ، وانما سقط البعض للعجز عنه ، وهو منتف هنا.

ويحتمل وجوب الثمانية عشر فحسب ، عملا بأصالة البراءة ، وتمسكا بظاهر الرواية. وكذا لو عجز عن صوم الثمانية عشر وقدر على صوم بعضها.

الثالث : لو صام شهرا ، ثم تجدد العجز ، احتمل وجوب تسعة ، لان ايجاب الثمانية عشر عند العجز عن الشهرين يقتضي تقسيطها عليها. ويحتمل أن لا شي‌ء.

الرابع : لو قدر على صوم الشهرين متفرقة ، وجب على قولنا. وأما على قول من يوجب التتابع ، فاشكال ينشأ : من صدق العجز ، فينتقل الى صوم ثمانية عشر ، ومن أن وجوب الشهرين متتابعا قد تضمن الستين ، وسقوط أحدهما - وهو التتابع - للعجز عنه ، لا يستلزم سقوط الاخر لوجود شرطه.

قال رحمه‌ اللّه : وفي فرخ النعام روايتان ، احداهما مثل ما في النعام ، والاخرى من صغار الابل.

أقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه في النهاية (1)والمبسوط (2)، تمسكا بالاحتياط والرواية (3)، وجعل القول الاخر رواية (4).


1) النهاية ص 225.

2) المبسوط 1 / 342.

3) تهذيب الاحكام 5 / 355.

4) تهذيب الاحكام 5 / 356.

والقول الثاني اختاره الشيخ المفيد قدس اللّه روحه ، والشيخ في مسائل الخلاف (1)وأكثر الاصحاب ، وهو الاقوى.

لنا - قوله تعالى « فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ » (2)والمماثلة تقتضى المساواة في الذات والصفات ، والاحتياط معارض بالاصل ، والرواية بالآية والرواية فيحمل على الاستحباب.

قال رحمه‌ اللّه : وفي الثعلب والارنب شاة ، وهو المروي. وقيل : فيه ما في الظبي.

أقول : القول الاول ظاهر كلام ابن أبي عقيل وعلي بن بابويه والصدوق ، وعليه دلت رواية أبي بصير عن الصادق عليه ‌السلام (3). وفي معناها رواية أحمد بن محمد ابن أبي نصر عن أبي الحسن عليه ‌السلام (4).

والقول الثاني مذهب الشيخين قدس اللّه روحهما والسيد المرتضى والمتأخر وأوجب ابن الجنيد في الجميع شاة ، ولم يتعرض للابدال.

ويمكن أن يحتج لهم برواية محمد بن مسلم عن الباقر عليه ‌السلام قال : سألته عن قوله تعالى « أو عدل ذلك صياما » قال : عدل الهدي ما بلغ يتصدق به ، فان لم يكن عنده ، فليصم بقدر ما بلغ لكل طعام مسكين يوما (5).

قال رحمه‌ اللّه : والابدال في الاقسام الثلاثة على التخيير. وقيل : على الترتيب وهو الاظهر.


1) الخلاف 1 / 488 ، مسألة 297.

2) سورة المائدة : 95.

3) تهذيب الاحكام 5 / 343 ، ح 101.

4) تهذيب الاحكام 5 / 343 ، ح 102.

5) تهذيب الاحكام 5 / 342 ، ح 97.

أقول : القول الاول ذهب إليه المتأخر ، ونقله عن الشيخ في الجمل (1)والخلاف (2)، تمسكا بالآية ، فانها دالة على التخيير.

والقول الثاني ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه في النهاية (3)والمبسوط (4)، والسيد المرتضى وابن أبي عقيل ، وابن بابويه في المقنع (5)وأبو الصلاح ، وهو خيرة شيخنا المفيد قدس اللّه روحه ، وبه روايات.

منها رواية أبي عبيدة عن الصادق عليه ‌السلام قال : اذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد ، قوم جزاءه من النعم دراهم ، ثم قومت الدراهم طعاما لكل مسكين نصف صاع فان لم يقدر على الاطعام صام لكل نصف صاع يوما (6).

وأجاب المرتضى عن الآية بأنه يجوز العدول عن ظاهر القرآن للدليل ، كما في قوله تعالى « مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ » (7)والاول أولى ، والثاني أحوط.

قال رحمه‌ اللّه : في كسر بيض النعام اذا تحرك فيه الفرخ لكل بيضة بكارة من الابل لكل واحدة واحد.

اقول : المراد هنا بالبكارة جمع بكر ، وهو الفتى من الابل ، ويستعمل في غيره مجازا ، ويقال للانثى : بكرة ويجمع أيضا على بكار كفرخ وفراخ.

قال أبو عبيدة : البكر من الابل بمنزلة الفتى من الناس ، والبكرة بمنزلة الفتاة


1) الجمل والعقود ص 229.

2) الخلاف 1 / 482 مسألة 268.

3) النهاية ص 222.

4) المبسوط 1 / 339.

5) المقنع ص 78.

6) تهذيب الاحكام 5 / 341 - 342.

7) سورة النساء : 3.

والقلوص بمنزلة الجارية ، والبعير بمنزلة الانسان ، والحمل بمنزلة الرجل ، والناقة بمنزلة المرأة ، وتستعمل في القلة على أبكر.

قال رحمه‌ اللّه : في كسر بيض القطا والقبج اذا تحرك الفرخ من صغار الغنم وقيل : عن البيض مخاض من الغنم.

اقول : الاول ظاهر كلام ابن البراج وابن حمزة ، وهو المختار.

والقول الثاني ذهب إليه الشيخ وابن ادريس ، والمراد بالمخاض هنا ما من شأنه أن يكون ماخضا ، أعني : حاملا.

لنا - ما رواه سليمان بن خالد عن الصادق عليه ‌السلام قال : في كتاب علي عليه ‌السلام في بيض القطاة بكارة من الغنم اذا أصابه المحرم مثل ما في بيض النعام بكارة من الابل (1). وقد بينا أن البكارة جمع بكر ، وشرحناه مستوفى ، ولان الصغير من الغنم مماثل لما قيل ، فتكون الآية دالة عليه.

احتجا برواية سليمان بن خالد قال : سألته عن رجل وطئ بيض قطاة فشدخه قال : يرسل الفحل في عدد البيض من الغنم ، كما يرسل الفحل في عدد البيض من الابل ، ومن أصاب بيضة فعليه مخاض من الغنم.

قال الشيخ في التهذيب : قوله عليه ‌السلام « ومن أصاب بيضة فعليه مخاض من الغنم » لا ينافي الاخبار الاولة ، لانه انما يلزمه المخاض عينا مع التحرك (2). وعنى بالاخبار هذا.

التأويل ضعيف جدا ، اذ من المستبعد أن يكون في القطاة حمل ، وفي بيضها مع تحرك الفرخ مخاض. والاولى اطراح هذه الرواية لوجوه :

أحدها : أن الخبر مرسل ، اذ لم يسنده الى امام.


1) تهذيب الاحكام 5 / 355 ، ح 146.

2) تهذيب الاحكام 5 / 357.

وثانيها : أنه ذكر أن في البيضة مخاض ، أو لعله لا يريد بيض القطاة بل بيضة النعام ، لان الكلام مطلق ، وهذا الوجه ذكره شيخنا نجم الدين في النكت وليس من الصواب.

وثالثها : أنه معارض بالرواية التي تلوناها.

قال رحمه‌ اللّه : وقبل التحرك ارسال فحولة الغنم في اناث منها بعدد البيض فما نتج فهو هدي ، فان عجز كان كمن كسر بيض النعام.

اقول : هذه العبارة أوردها الشيخ رحمه‌ اللّه ، اتباعا لشيخنا المفيد قدس اللّه روحه.

قال المتأخر رحمه‌ اللّه : معناه أن النعام اذا كسر بيضة فيعذر الارسال ، وجب في كل بيضة شاة. وكذا بيض القطا مع تعذر الارسال ، فهذا وجه المشابهة بينهما فصار حكمه حكمه. ولا يمتنع ذلك اذا قام عليه دليل.

وقال ابن حمزة : ان تعذر الارسال تصدق عن كل بيضة قطاة بدرهم. والحق وجوب قيمة البيض مع تعذر الارسال.

لنا - وقوع الاجماع على أن كسر البيض موجب للكفارة ، والتقدير تحكم فوجب القول بالقيمة.

واعلم أن الذي ورد في هذا الباب من الاحاديث قاصرة عن افادة المطلوب فلا يصح التمسك بها.

قال رحمه‌ اللّه : الحمام اسم لكل طائر يهدر ويعب الماء ، وقيل : كل مطوق.

اقول : قال صاحب الصحاح : الحمام عند العرب ذوات الاطواق ، من نحو الفواخت والقماري وساق حر والقطا والوراشين وأشباه ذلك ، يقع على الذكر والانثى ، لان الهاء انما دخلته على أنه واحد من جنس ، لا للتأنيث. وعند العامة

أنها الدواجن فقط (1).

وأما التفسير الاول ، فقد ذكره الشيخ في المبسوط ، قال : والعب شرب الماء دفعة واحدة من غير أن يقطعه ، والهدر تواصل الصوت (2).

قال رحمه‌ اللّه : وفي قتل الجرادة ، تمرة ، والاظهر كف من طعام.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في النهاية (3)، وتبعه ابن البراج وابن حمزة وأكثر الاصحاب ، وخير في المبسوط (4)بينها وبين كف من طعام ، وأوجب علم الهدى كف الطعام فقط ، اتباعا لشيخه المفيد قدس اللّه روحه ، وتبعهما سلار وهو اختيار ابن أبي عقيل.

واعلم أن الاحاديث واردة بالتقديرين معا ، وانما كان الاظهر كفا من طعام ، لانه أعود للفقراء ، والاقرب عندي التخيير.

قال رحمه‌ اللّه : كل ما لا تقدير لفديته ففي قتله قيمته. وكذا القول في البيوض. وقيل : في البطة والاوزة والكركي شاة ، وهو تحكم.

اقول : هذا القول ذكره الشيخ في المبسوط (5)، عملا بالاحتياط ، اذ هو الغالب في القيمة ، فمع اعتماده تحصل البراءة قطعا ، قال رحمه‌ اللّه : ولو قلنا فيه القيمة اذ لا نص فيه كان جائزا. وأوجبها ابن حمزة في البطة والاوزة ، وجعلها في الكركي رواية.

وأوجب ابن بابويه الشاة في كل طير خلا النعامة عملا برواية ابن سنان عن


1) صحاح اللغة 5 / 1906.

2) المبسوط 1 / 346.

3) النهاية ص 228.

4) المبسوط 1 / 348.

5) المبسوط 1 / 346.

الصادق عليه ‌السلام أنه قال في محرم ذبح طيرا : ان عليه دم شاة يهريقه (1).

والاقوى عندي العمل بالرواية ، وقول المصنف وهو تحكم ليس بجيد ، لوجود النص الدال عليه.

قال رحمه‌ اللّه : لو قتل صيدا معيبا فداه بصحيح ، ولو فداه بمثله جاز.

اقول : ظاهر كلام أبي علي وجوب الافتداء بالصحيح ، وليس بجيد.

لنا - الآية. أحتج بأنه أحوط ، وهو معارض بالآية والاصالة.

قال رحمه‌ اللّه : قتل الصيد موجب لفديته ، فان أكله لزمه فداء آخر. وقيل يفدي ويضمن قيمة ما أكل ، وهو الوجه.

اقول : القول الاول ذكره الشيخ في النهاية (2)والمبسوط (3)، عملا برواية علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه ‌السلام (4). وفي معناها رواية عن الصادق عليه ‌السلام (5).

والقول الثاني ذهب إليه الشيخ في الخلاف (6)، ونقله المتأخر عن بعض الاصحاب ، وهو الوجه عند المصنف ، عملا بأصالة البراءة. وتحمل الروايتان (7)على الاستحباب ، جمعا بين الادلة أو على بلوغ قيمة المأكول شاة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو جرح الصيد ، ثم رآه سويا ، ضمن أرشه. وقيل : ربع القيمة.


1) تهذيب الاحكام 5 / 346 ، ح 114.

2) النهاية ص 226.

3) المبسوط 1 / 344.

4) تهذيب الاحكام 5 / 351 ، ح 134.

5) تهذيب الاحكام 5 / 352 ، ح 138.

6) الخلاف 1 / 484 ، مسألة 274.

7) فى هامش « س » عن نسخة : الروايات.

أقول : القول الاول ظاهر كلام الشيخ قدس اللّه روحه ، وهو الاولى (1). ومنعه أبو الصلاح ، وهو اختيار أبي علي ، والثاني ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه ، وتبعه ابن البراج والمتأخر.

واعلم أن الروايات الدالة على ربع الفداء انما وردت في كسر رجل الصيد أو يده بشرط رؤيته سويا ، فالشيخ رحمه‌ اللّه سوى بين الكسر والجرح وهو بعيد.

قال رحمه‌ اللّه : وروي في كسر قرني الغزال نصف قيمته ، وفي كل واحد ربع القيمة ، وفي عينيه كمال قيمته ، وفي كسر احدى يديه نصف قيمته. وكذا في كسر احدى رجليه ، وفي الرواية ضعف.

اقول : هذه الرواية رواها سماعة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه ‌السلام (2). وسماعة واقفي ، فلذلك كانت الرواية ضعيفة ، والشيخ رحمه‌ اللّه عمل بها ، والاقرب وجوب الارش ، وهو ظاهر كلام الشيخ المفيد قدس اللّه روحه وعلي بن بابويه وسلار.

قال رحمه‌ اللّه : ولا كذا لو صاده. الهاء راجعة الى المحرم.

قال رحمه‌ اللّه : من أغلق على حمام من حمام الحرم و[ له ] فراخ وبيض ، ضمن بالاغلاق. فان زال السبب وأرسلها سليمة سقط الضمان ، ولو هلكت ضمن الحمامة بشاة ، والفرخ بحمل ، والبيضة بدرهم ان كان محرما ، وان كان محلا ، ففي الحمامة درهم ، وفي الفرخ نصف ، وفي البيضة ربع.

وقيل : يستقر الضمان بنفس الاغلاق ، لظاهر الرواية ، والاول أشبه.

أقول : القول الاول هو المشهور بين الاصحاب ، وهو الحق.

لنا - أصل البراءة ، ترك العمل به في صورة التلف ، فيبقى معمولا به فيما عداه.


1) فى « س » : الاقوى.

2) تهذيب الاحكام 5 / 387 ، ح 267.

والقول الثاني منقول عن بعض الاصحاب ، وربما كان مستنده ظاهر الروايات فانها وردت مشتملة على ايجاب الجزاء مطلقة غير مقيدة ، وهي محمولة على التلف لاستبعاد ايجاب جزاء الاتلاف في الاغلاق مع السلامة.

نعم لو أغلق ولم يعلم حاله بعد الاغلاق ، وجب الفداء كملا ، كما لو رمى الصيد وأصابه ولم يعلم أثر فيه أم لا ، لانه فعل مظنة الاتلاف.

قال رحمه‌ اللّه : قيل : اذا نفر حمام الحرم ، فان عاد فعليه شاة واحدة ، وان لم يعد فعن كل حمامة شاة.

اقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في التهذيب : هذا القول ذكره علي بن الحسين ابن بابويه رحمه‌ اللّه في رسالته ، ولم أجد حديثا مسندا (1).

ولذلك قال المصنف رحمه‌ اللّه « قيل » لكن أكثر الاصحاب أفتوا به.

وقال أبو علي : من نفر طيور الحرم كان عليه عن كل طير ربع قيمته.

قال شيخنا في مسائل خلافه : والظاهر أن مقصوده مع الرجوع ، اذ مع عدمه يكون كالمتلف ، فيجب عليه لكل واحدة شاة.

فرعان :

الاول : لو عاد بعض حمام الحرم ولم يعد البعض الاخر ، وجب عن العائد شاة واحدة ، وعن غير العائد لكل واحد شاة ، لان الحمام اسم جنس يصدق على البعض الذي في الحرم وعلى الجميع.

الثاني : لو لم يكن في الحرم الا حمامة واحدة ، فنفرها ثم رجعت لم يكن عليه شي‌ء ، والاحوط التصدق بشي‌ء.

ولو لم يعد فاشكال ، ينشأ : من أن الحمام اسم جنس ، فيصدق عليه أنه نفر


1) تهذيب الاحكام 5 / 350 ، ح 130.

حمام الحرم ، فتجب الشاة.

ومن أن المتبادر الى الذهن عرفا عند اطلاق هذه اللفظة انما هو ما زاد على الواحدة من (1)هذا الجنس ، اذ لا يقال قد أكل تمرا لمن أكل تمرة واحدة ، فلا يجب شي‌ء مع تنفر الواحدة. لعدم صدق هذا الاسم عليه ، وهو أولى.

قال رحمه‌ اللّه : اذا رمى اثنان صيدا - الى آخره.

أقول : قد نازع المتأخر في هذه المسألة ولم يوجب على المخطئ شيئا الا أن يدل على الصيد فيقتل ، فيجب الفداء لاجل الدلالة لا للرماية.

وليس بجيد. أما أولا ، فلدلالة الروايتين المرويتين عن الباقر والصادق عليهما‌السلام (2). وأما ثانيا ، فلان اعانة الرامي أعظم من اعانة الدال ، واذا كانت هذه موجبة للفداء كانت تلك موجبة له بطريق الاولى ، وهو قد سلم وجوب الفداء على الدال.

قال رحمه‌ اللّه : يحرم من الصيد على المحل في الحرم ما يحرم على المحرم في الحل ، فمن قتل صيدا في الحرم كان عليه فداؤه.

أقول : هذه العبارة أوردها الشيخ رحمه‌ اللّه ، اتباعا للمفيد ، وتبعهما المصنف.

والمراد بالفداء هنا القيمة ، اذ المحل في الحرم انما يجب عليه القيمة فقط وان كان يجري في بعض عبارات الشيخ رحمه‌ اللّه أن من ذبح صيدا في الحرم وهو محل كان عليه دم لا غير ، وتابعه على هذه العبارة المتأخر ، وأبو الصلاح سوى بين المحرم في الحل وبين المحل في الحرم ، وجعل عليهما الفداء.

قال رحمه‌ اللّه : ولو اشترك جماعة في قتله ، فعلى كل واحد فداء ، وفيه تردد.

اقول : المراد بالفداء هنا القيمة كما تقدم.


1) فى « س » : مع.

2) تهذيب الاحكام 5 / 351 - 352.

وأما منشأ التردد ، فالنظر الى اصالة البراءة ، ترك العمل بها في صورة قتل الجماعة المحرمين للصيد ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، فيجب فداء واحد على الجميع.

والالتفات الى مشاركة الجماعة المحلين للمحرمين في العلة ، وهي الاقدام على قتل الصيد المحرم قتله ، فيجب على كل واحد القيمة ، والقولان للشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)، لكن الاول أقوى ، وهو الذي قواه للشيخ.

ولو كان بعضهم محرمين والبعض الاخر محلين ، وجب على المحرمين الفداء والقيمة وعلى المحلين في الحرم القيمة : اما قيمة واحدة ، أو على كل واحد قيمة كما بيناه.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يحرم الصيد وهو يؤم الحرم؟ قيل : نعم. وقيل : يكره وهو الاشبه.

أقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه ، عملا بالاحتياط ، واستنادا الى النقل.

والقول الثاني ذهب إليه المتأخر اتباعا للصدوق ، وهو الحق ، عملا بالاصل واستنادا الى رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق عليه ‌السلام في الرجل يرمي الصيد وهو يؤم الحرم ، ويصيبه الرمية ويتحامل حتى يدخل الحرم فيموت فيه ، قال : ليس عليه شي‌ء ، انما هو بمنزلة رجل نصب شبكة في الحل فوقع فيها صيد فاضطرب حتى دخل الحرم فمات فيه ، قلت : هذا قياس ، قال : لا انما شبهت لك شيئا بشي‌ء (2).

والاحتياط معارض بالاصل ، وتحمل الروايات على الاستحباب ، ومع هذا فهي قابلة للتأويل.


1) المبسوط 1 / 346.

2) تهذيب الاحكام 5 / 360 ، ح 165.

قال رحمه‌ اللّه : لكن لو أصابه ودخل الحرم فمات ضمنه ، وفيه تردد.

اقول : هذه المسألة مبنية علي المسألة السابقة ، فكل من حرم صيده إما أوجب فيه الفداء ، وكل من سوغه لم يوجب فيه شيئا.

قال رحمه‌ اللّه : ويكره الاصطياد بين البريد والحرم على الاشبه ، فلو أصاب صيدا فيه ففقأ عينه أو كسر قرنه كان عليه صدقة استحبابا.

اقول : البريد أربعة فراسخ ، والتحريم ذهب إليه الشيخان قدس اللّه روحهما عملا برواية الحلبي عن الصادق عليه ‌السلام قال : اذا كنت محلا في الحل ، فقتلت صيدا فيما بينك وبين البريد الى الحرم ، فان عليك جزاؤه ، فان فقأت عينه أو كسرت قرنه تصدقت بصدقة (1).

ونحن نمنع هذه الرواية ، لانها مخصصة لعموم الاحاديث الدالة على إباحة الصيد ، ولانتفاء السبب المانع ، وهو الاحرام أو الحرم ، ويمكن حملها على الاستحباب.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يجوز صيد حمام الحرم وهو في الحل للمحل؟ قيل : نعم ، وقيل : لا ، وهو أحوط.

أقول : القولان للشيخ رحمه‌ اللّه ، لكن الاول (2)أولى. أما أولا ، فلرواية علي ابن جعفر عن أخيه موسى عليه ‌السلام في حمام الحرم يصاد في الحل ، قال : لا يصاد حمام الحرم حيث كان اذا علم أنه من حمام الحرم (3).

وأما ثانيا ، فلان للحرم حرمة ليست لغيره ، يناسب تحريم الملتجئ إليه وان


1) تهذيب الاحكام 5 / 361 ح 168.

2) فى هامش « س » : الاول الّذي فى الشرح لا يناسب أول الماتن. وكذا الثانى لا يناسب الثانى ، فحينئذ المناسب تعاكس الاول والثانى.

3) تهذيب الاحكام 5 / 348 ، ح 122.

وأما ثالثا ، فلانه أحوط ، اذ مع اعتماده تحصل براءة الذمة قطعا ، بخلاف ما لو لم يعتمده.

والثاني مستنده التمسك بالاصل ، وهو اختيار المتأخر.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يدخل في ملك المحرم شي‌ء من الصيد على الاشبه. وقيل : يدخل وعليه ارساله ان كان حاضرا معه.

اقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط : اذا انتقل الصيد إليه بالميراث لا يملكه ، ويكون باقيا على ملك الميت الى أن يحل ، فاذا أحل ملكه ، قال : ويقوى في نفسي أنه اذا كان حاضرا معه ، فانه ينتقل إليه ويزول ملكه عنه ، وان كان في بلده بقي في ملكه (1).

والحق أنه لا ينتقل إليه شي‌ء ، بل يبقى على ملك الميت الى حين الاحلال.

لنا - قوله تعالى « وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً » (2)والاستدلال بهذه الآية يتوقف على مقدمتين :

الاولى : أن المراد بالصيد هنا المصيد والاصطياد ، وهو الظاهر من كلام أهل التفسير. وقال شيخنا أبو جعفر في التبيان : الصيد يعبر به عن الاصطياد ، فيكون مصدرا ، ويعبر به عن الصيد فيكون اسما. ويجب أن تحمل الآية على تحريم الجميع (3).

الثانية : أن التحريم والتحليل (4)المضافين الى الاعيان لا يقتضي الاجمال ، خلافا للكرخي ، بل يفيد بحسب العرف تحريم الفعل المطلوب من تلك الذات ، فيفهم من قوله « حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ » تحريم جميع أنواع التصرف الممكنة فيه من البيع


1) المبسوط 1 / 347.

2) سورة المائدة : 96.

3) التبيان 4 / 29.

4) فى هامش « س » عن نسخة : والتمليك.

والابتياع والهبة والاتهاب وما أشبه ذلك ، والدليل عليه وجوه :

الاول : أن السابق الى الفهم من قول القائل « هذا طعام حرام » تحريم أكله ومن قولهم « هذه امرأة حرام » تحريم وطأها ، وسبق المعنى الى الذهن دليل الحقيقة ، فيحمل عليه عند الاطلاق.

الثاني : أن النبي عليه ‌السلام قال : لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم ، فحملوها وباعوها (1). فدل على أن تحريم الشحم أفاد تحريم جميع أنواع التصرف ، والا لم يتوجه الذم على البيع.

الثالث : المفهوم من قولنا « فلان يملك الدار » قدرته على التصرف فيها بالسكنى والاسكان والبيع. ومن قولنا « يملك » قدرته على التصرف فيها بالوطء والبيع والاستخدام وما شاكل ذلك واذا جاز أن تختلف فائدة الملك باختلاف المضاف إليه ، جاز مثله في التحليل والتحريم.

احتج الكرخي بأن هذه الاعيان غير مقدورة لنا لو كانت معدومة ، اذ لا قدرة لنا على خلق الذوات ، فكيف اذا كانت موجودة؟ لاستحالة تحصيل الحاصل ، فاذن لا يمكن اجراء اللفظ على ظاهره ، فالمراد تحريم فعل من الافعال المتعلقة بتلك الاعيان ، وذلك الفعل غير مذكور. وليس اضمار بعض الافعال أولى من البعض الاخر. فاما أن يضمر الجميع ، وهو باطل ، اذ لا حاجة إليه ، أو لا يضمر شي‌ء ، وهو المطلوب.

والجواب : لا نزاع في عدم امكان اضافة التحريم الى الاعيان ، ولكن قوله « ليس اضمار البعض أولى من البعض » ممنوع ، فان العرف يقتضي اضافة التحريم الى الفعل المطلوب منه.

وانما طولنا الكلام في هذه المسألة ، لكونها من المهمات.


1) راجع عوالى اللئالى 1 / 181 و 233 و 396 و 2 / 110 و 243 و 328 و 3 / 472.

بقى هنا شي‌ء ، وهو أن المحل في الحرم هل يملك شيئا من الصيد؟ فنقول : لما ثبت أن المحل يجب عليه ارسال ما يدخله من الصيد الى الحرم ، فهل يدخل في ملكه وهو في الحرم شي‌ء من الصيود؟ الوجه أنه يدخل ، اذ لا منافاة بين التملك والارسال.

ويحتمل أن يقال : مع وجوب الارسال لا تظهر للملك فائدة ، فلا يدخل في ملكه ، وهو ضعيف ، اذ عدم الفائدة لا تمنع من التملك ، كما في العمودين ، والمحرمات عليه لشيئا ، فانهن يدخلن في ملكه مع عدم الفائدة لا يعتافهن (1)بنفس الدخول.

والوجه أن يقال : يدخل في ملكه ان كان الصيد ثابتا عنه ، ولا يدخل ان كان حاضرا ، كما في المحرم. وعلى هذا تظهر للتملك فائدة ، اذ لا يجب ارسال الصيد النائي عنه.

وقال صاحب كشف الرموز : وذهب الشيخ في الشرائع (2)الى أنه لا يملك وهو ضعيف ، وأظنه اعتقد أن الضمير في قوله « يملكه » عائد الى المحل ، فلذلك جعل المسألة راجعة الى المحل. وما قاله محتمل ، لكن الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (3)لم يذكر سوى المسألة السابقة ، واياه عنى بقوله « وقيل : يدخل وعليه ارساله ان كان حاضرا معه ».

قال رحمه‌ اللّه : وكلما تكرر الصيد من المحرم نسيانا ، وجب عليه ضمانه ولو تعمد وجبت الكفارة أو لا ، ثم لا تتكرر ، وهو ممن ينتقم اللّه منه. وقيل : تتكرر. والاول أشبه.


1) لم تقرأ فى النسختين مع علامة الاستفهام على الكلمة فى « س ».

2) كذا فى « م » وهامش « س » عن نسخة ، وفى « س » : الرائع.

3) المبسوط 1 / 343.

اقول : لا خلاف في وجوبها مع تكرر الصيد خطا ونسيانا. وانما الخلاف في تكررها مع تكرره عمدا ، فذهب الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)والخلاف (2)الى تكررها مع تكرره. وبه قال المتأخر ، وهو ظاهر كلام السيد المرتضى وابن الجنيد وأبي الصلاح وعلي بن بابويه.

وقال في النهاية : لا تتكرر الكفارة مع تكرره عمدا ، وهو ممن ينتقم اللّه منه (3). واختاره الصدوق في من لا يحضره الفقيه (4)والمقنع (5)، وتبعهما ابن البراج والاقرب الاول.

لنا - قوله « وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ » (6)وهو كما يتناول الاول يتناول الثاني والثالث وهلم جرا. وما رواه معاوية بن عمار عن الصادق عليه ‌السلام في المحرم يصيب الصيد قال : عليه الكفارة كلما أصاب (7). وفي معناها رواية الحسين بن سعيد (8).

احتجوا بقوله تعالى « ومن عاد فينتقم اللّه منه » جعل مجازاة العود الانتقام ، فتسقط الكفارة ، عملا بأصل البراءة وبرواية الحلبي عن الصادق عليه ‌السلام قال : المحرم اذا قتل الصيد فعليه جزاؤه ، ويتصدق بالجزاء على مسكين ، فان عاد فقتل صيدا


1) المبسوط 1 / 342.

2) الخلاف 1 / 480 مسألة 259.

3) النهاية ص 226.

4) من لا يحضره الفقيه 2 / 369 - 370.

5) المقنع ص 79.

6) سورة المائدة : 95.

7) تهذيب الاحكام 5 / 372 ، ح 208.

8) تهذيب الاحكام 5 / 372 ، ح 209.

آخر لم يكن عليه جزاؤه وينتقم اللّه منه ، والنقمة في الآخرة (1).

وفي معناها رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (2).

ولا تنافي بين الانتقام ووجوب الجزاء ، اذ لا استبعاد في الجمع بينهما مع العود عمدا يغطى الذنب ، ومع امكان الجمع كيف يحصل التنافي ، واصالة البراءة تخالف للدلالة ، والروايتان قابلتان للتأويل.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يدخل الصيد في ملك المحرم باصطياد ولا بابتياع ولا هبة ولا ميراث. هذا اذا كان عنده ، ولو كان في بلده فيه تردد ، والاشبه أنه يملك.

أقول : منشؤه : النظر الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه ، والتمسك بالاصل الدال على جواز التملك فيدخل.

والالتفات الى قوله « وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً » (3)فلا يدخل ، وهو أحوط.

قال رحمه‌ اللّه : وفي الاستمناء بدنة ، وهل يفسد الحج ويجب القضاء؟ قيل : نعم ، وقيل : لا ، وهو أشبه.

اقول : قال الشيخ في النهاية (4)والمبسوط : من عبث بذكره حتى أمنى كان حكمه حكم من جامع على السواء ، في اعتبار ذلك قبل الوقوف بالمشعر ، في أنه يلزمه الحج من قابل ، وان كان بعد ذلك لم يلزمه سوى الكفارة (5).

وتبعه ابن البراج وابن حمزة ، عملا برواية اسحاق بن عمار عن أبي الحسن


1) تهذيب الاحكام 5 / 372 ، ح 210.

2) تهذيب الاحكام 5 / 372 - 373.

3) سورة المائدة : 96.

4) النهاية ص 231.

5) المبسوط 1 / 337.

عليه ‌السلام قال قلت : ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى؟ قال : أرى عليه مثل ما على من أتى أهله وهو محرم بدنة والحج من قابل (1). ولانه أحوط.

واقتصر أبو الصلاح على وجوب البدنة ، واختاره المتأخر ، ونقله عن الشيخ في الاستبصار (2)والخلاف ، ولعله الاقرب.

لنا - اصالة براءة الذمة تنفي وجوب الكفارة وايجاب القضاء ، ترك العمل بها في صورة الجماع للاجماع ، وفي ايجاب الكفارة في هذه الصورة لرواية عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا الحسن عليه ‌السلام عن المحرم يعبث بأهله وهو محرم حتى يمنى من غير جماع ، أو يفعل ذلك في شهر رمضان ، ما ذا عليهما؟

فقال : عليهما الكفارة مثل ما على الذي يجامع (3). والرواية محمولة على الاستحباب.

قال رحمه‌ اللّه : واذا طاف المحرم من طواف النساء خمسة أشواط ثم واقع ، لم يلزمه الكفارة وبنى على طوافه. وقيل : يكفي في ذلك مجاوزة النصف والاول مروي.

أقول : هذا القول ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه ، عملا باصالة البراءة ، ولانه مع تجاوز النصف يكون قد أتى بالاكثر ، فيكون حكمه حكم من أتى بالجميع.

وقال المتأخر : أما اعتبار مجاوزة النصف في صحة الطواف والبناء عليه ، فصحيح. وأما سقوط الكفارة ، ففيه نظر ، اذ الاجماع حاصل على أن من جامع قبل طواف النساء وجبت عليه الكفارة ، وهذا جامع قبل طواف النساء ، والاحتياط يقتضي ايجاب الكفارة.


1) تهذيب الاحكام 5 / 324 ، ح 26.

2) الاستبصار 2 / 191.

3) تهذيب الاحكام 5 / 324 ، ح 27.

واعلم أن الرواية المروية عن الباقر عليه ‌السلام (1)التي هي هذا الحكم ، يدل على اعتبار الخمسة دون ما عداها.

لا يقال : رواية أبي بصير (2)يدل على ذلك.

لانا نقول : تلك مطلقة وهذه مقيدة ، والمطلق يحمل على المقيد ، لكن تقييد الافساد بالثلاثة يقتضي عدمه بدونها ، والا لم يكن للتخصيص فائدة.

قال رحمه‌ اللّه : واذا عقد المحرم لمحرم على امرأة ودخل [ بها ] المحرم فعلى كل منهما كفارة. وكذا لو كان العاقد محلا على رواية سماعة.

اقول : هذه الرواية رواها سماعة بن مهران عن الصادق عليه ‌السلام قال : لا ينبغي للرجل الحلال أن يزوج محرما وهو يعلم أنه لا يحل له ، قلت : فان فعل فدخل بها المحرم ، قال : ان كانا عالمين كان على كل واحد منهما بدنة ، وعلى المرأة ان كانت محرمة بدنة ، وان لم تكن محرمة ، فلا شي‌ء عليها ، الا أن تكون قد علمت أن الذي تزوجها محرم ، فان كانت قد علمت ثم تزوجته فعليها بدنة (3).

والاقرب سقوط الكفارة عن العاقد المحل ، عملا باصالة البراءة ، واستضعافا للرواية ، اذ في طريقها سماعة وهو واقفي. نعم يكون مأثوما ، لمساعدته المحرم على ما لا يسوغ. وكذا لا شي‌ء على المرأة اذا كانت محلة ، سواء كانت عالمة باحرامه أو جاهلة.

قال رحمه‌ اللّه : ومن جامع في احرام العمرة قبل السعي فسدت عمرته وعليه بدنه وقضاؤها.

أقول : العمرة اما مفردة أو متمتع بها الى الحج ، والمراد هنا الاولى. أما


1) تهذيب الاحكام 5 / 323 ، ح 23.

2) تهذيب الاحكام 5 / 325 ، ح 28.

3) تهذيب الاحكام 5 / 331 ، ح 51.

المتمتع بها ، فالاقوى أن حكمها حكم المفردة ، لتساويها في أكثر الاحكام.

ويحتمل بطلان العمرة والحج معا. لقوله عليه ‌السلام « دخلت العمرة في الحج هكذا » (1)وشبك بين أصابعه ، فحينئذ يجب اكمال العمرة والاتيان بالحج عقيبها وقضاؤهما في القابل ، وهو ظاهر كلام أبي الصلاح.

وينبغي أن يزاد في المتن : ووجب اكمالها.

قال رحمه‌ اللّه : حلق الشعر وفيه شاة ، أو اطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد. وقيل : ستة لكل مسكين مدان.

أقول : الاخير هو الاقوى ، لانه أحوط ، ولدلالة الروايتين المرويتين عن الصادق عليه ‌السلام (2)، والرواية الاخرى المروية عنه عليه ‌السلام (3)محمولة على ذلك ، اذ الغالب أن الاقل لا يشبع الا نادرا.

قال رحمه‌ اللّه : في قلع شجر الحرم. وفي الكبيرة بقرة وان كان محلا ، وفي الصغيرة شاة ، وفي أبعاضها قيمة ، وعندي في الجميع تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى اصالة البراءة ، فينتفي وجوب الكفارة. نعم يكون مأثوما ، لانه فعل فعلا منهيا عنه.

والالتفات الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (4).

وقال في النهاية (5)والتهذيب : في قلع الشجرة بقرة وأطلق عملا برواية موسى ابن القاسم قال : وروى أصحابنا عن أحدهما عليهما‌السلام أنه قال : اذا كان في دار


1) سنن ابن ماجة 2 / 1024.

2) تهذيب الاحكام 5 / 333 ، ح 60 و 61.

3) تهذيب الاحكام 5 / 334 ، ح 62.

4) المبسوط 1 / 354.

5) النهاية ص 234.

الرجل شجرة من شجر الحرم لم ينزع ، فان أراد نزعها نزعها وكفر بذبح بقرة يتصدق بلحمها على المساكين (1). وهذه مرسلة ، فلا يصح التمسك بها.

والاقوى وجوب القيمة ، وهو اختيار أبي علي ابن الجنيد ، وشيخنا دام ظله في المختلف (2)، وعليه دلت رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (3).

قال رحمه‌ اللّه : ولو قلع شجرة منه أعادها ، ولو جفت قيل : يلزمه ضمانها.

أقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط : من قلع شجرة من شجر الحرم وغرسها في غيره ، فعليه أن يردها الى مكانها ، فاذا فعل ، فان عادت الى ما كانت أولا فلا شي‌ء عليه ، وان جفت لزمه ضمانها (4).

واعلم أن هذا الفرع مبني على المسألة الاولى ، فان أوجبنا الكفارة بالقلع وجبت هنا ، لانها كالمقلوعة ، مع احتمال ما قاله الشيخ ، ويحتمل الارش ضعيفا.

قال رحمه‌ اللّه : ومن استعمل دهنا طيبا في احرامه ، ولو في حال الضرورة كان عليه شاة على قول. وكذا قيل في من قلع ضرسه ، وفي الجميع تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى اصالة براءة الذمة.

والالتفات الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه في النهاية (5)والخلاف (6)، واختاره المتأخر. وقال في الجمل : انه مكروه (7). وهو أقوى.


1) تهذيب الاحكام 5 / 381 ، ح 244.

2) المختلف ص 116 - 117 من كتاب الحج.

3) تهذيب الاحكام 5 / 379 - 380.

4) المبسوط 1 / 354.

5) النهاية ص 235.

6) الخلاف 1 / 438.

7) الجمل والعقود ص 229.

وأما الكفارة في قلع الضرس ، فشي‌ء انفرد به الشيخ في النهاية (1)، مصيرا الى رواية محمد بن عيسى عن عدة من أصحابنا ، عن رجل من أهل خراسان أن مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه فيها شي‌ء ، محرم قلع ضرسه ، فكتب عليه ‌السلام : يهريق دما (2).

وهي مجهولة السائل والمسئول ، ومشتملة على المكاتبة أيضا ، فلا اعتماد عليها.

قال رحمه‌ اللّه : تسقط الكفارة عن الجاهل والناسي والمجنون الا في الصيد فان الكفارة تلزم وان كان سهوا.

أقول : هذا هو المشهور بين الاصحاب. وقال ابن أبي عقيل : قد قيل في الصيد ان من قتله ناسيا فلا شي‌ء.

قال رحمه‌ اللّه : ويكره أن يأتي بعمرتين بينهما أقل من عشرة أيام. وقيل : يحرم. والاول أشبه.

أقول : للاصحاب في هذه أقوال أربعة :

الاول : قال في النهاية : لا يصح الاتباع بين العمرتين الا بعد مضي شهر يتحللهما (3).

الثاني : قال في الجمل : أقل ما يكون بين العمرتين عشرة أيام (4). مصيرا الى رواية يونس عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن عليه ‌السلام قال : ولكل شهر عمرة قال فقلت : كم يكون أقل؟ قال : يكون لكل عشرة أيام عمرة (5). ذكرها الشيخ في كتابي الاخبار.


1) النهاية ص 235.

2) تهذيب الاحكام 5 / 385 ، ح 257.

3) النهاية ص 280.

4) الجمل والعقود ص 239.

5) تهذيب الاحكام 5 / 435 ، ح 154.

الثالث : قال ابن أبي عقيل : أقل ما يكون سنة ، تمسكا برواية زرارة عن الباقر عليه ‌السلام قال : لا يكون في السنة عمرتان (1). وحملها الشيخ على العمرة المتمتع بها ، وهو حسن.

الرابع : عدم التقدير ، بل يصح أن يأتي كل يوم بعمرة مع الامكان ، وهو اختيار علم الهدى قدس اللّه روحه والمتأخر.

لنا - أن العمرة عبادة مشروعة ، وذكر مطلوب للشارع ، والتقدير منفي بالاصل ، والروايتان لا تدلان على تحريم التتابع ، فوجب القول بجوازها بالتوالي ولان عمومات القرآن دالة على ذلك.


1) تهذيب الاحكام 5 / 435 ، ح 158.

فصل : ( فى إيضاح الترددات المذكورة فى كتاب الجهاد )

اشارة

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان عليه دين حال وهو معسر قيل : له منعه ، وهو بعيد.

اقول : هذا القول ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)، وليس بجيد.

لنا - أنه معسر ، فتسقط سلطنة المدين عنه حتى اليسار ، عملا بالآية. وما ذكره الشيخ بناء على أن المدين المعسر يجوز لصاحب الدين مؤاجرته. وسيأتي تحقيقه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

قال رحمه‌ اللّه : لو تجدد العذر بعد التحام الحرب ، لم يسقط فرضه على تردد ، الا مع العجز عن القيام به.

اقول : منشأ التردد : النظر الى حصول العذر المسقط للجهاد عنه (2).

والالتفات الى عموم قوله تعالى « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا » (3)


1) المبسوط 2 / 6.

2) فى هامش « س » : ويعضده قوله تعالى « ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج » وهو عام فى حال الحرب وغيره.

3) سورة الانفال : 45.

وقوله تعالى « إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ » (1)فيجب عليه ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط. أما لو حصل العذر الذي يعجز معه عن القيام بالجهاد كالمرض والعمى ، سقط الجهاد عنه اجماعا.

فرع :

قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط : لو جدد العذر بعد الخروج وقبل الالتحام فان كان ذلك العذر من الغير ، مثل أن رجع صاحب الدين عن الاذن بعده ، أو يسلم أبواه ويمنعاه عن الجهاد ، فعليه الرجوع. وان كان العذر من قبل نفسه كالعرج والمرض ، فهو بالخيار ان شاء فعل وان شاء رجع (2).

ولو قيل انما يسوغ له الجهاد مع ظن السلامة وعدم التضرر به كان حسنا.

قال رحمه‌ اللّه : ومن عجز عن الجهاد بنفسه وكان موسرا ، وجب اقامة غيره ، وقيل : يستحب. وهو أشبه.

أقول : القول الاول ذكره الشيخ في النهاية (3)، وأتبعه المتأخر. والحق الثاني.

لنا - أصالة براءة الذمة ، ولان الجهاد من جملة العبادات البدنية.

احتجوا بأنه أحوط ، وبعموم الآيات الدالة على الامر بفعل الخيرات. والاحتياط معارض بالاصل ، والآيات مخصوصة بالقادر ، لانتفاء شرط التكليف في حق العاجز.

قال رحمه‌ اللّه : والهجرة باقية ما دام الكفر.


1) سورة الانفال : 15.

2) المبسوط 2 / 6.

3) النهاية ص 289.

أقول : هذا مذهب جميع علمائنا رضوان اللّه عليهم أجمعين.

قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط : فأما ما روي من قولهم عليهم ‌السلام « لا هجرة بعد الفتح » فمعناه : لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبله. وقيل : لا هجرة بعد الفتح من مكة ، لانها صارت دار الاسلام (1).

قال رحمه‌ اللّه : ولو نذر المرابطة ، وجبت مع وجود الامام وفقده.

اقول : لا خلاف في وجوب الوفاء بهذا النذر ، اذ هو من جملة الطاعات وان كانت المرابطة في زمان ظهور الامام أكثر ، فضلا منها في زمان استتاره ، ولكن اذا أتى بها في وقت استتاره ، نوى بها الدفع عن بيضة الاسلام وعن حوزته وعن ماله ، دون الجهاد الشرعي.

قال رحمه‌ اللّه : وكذا لو نذر أن يصرف شيئا في المرابطين على الاصح. وقيل : يحرم ويصرفه في وجوه البر ، الا مع خوف الشنعة ، والاول أشبه.

أقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (2)والنهاية (3): من نذر أن يصرف شيئا في المرابطين وكان حال ظهور الامام ، وجب الوفاء به. وان كان في حال انقباض يده واستتاره ، صرف في وجوه البر ، الا أن يكون قد نذره ظاهرا ، أو يخاف الشنعة من الاخلال به عليه ، فيصرفه إليهم حينئذ هبة.

والحق وجوب الوفاء من غير تفصيل ، وهو اختيار المتأخر.

لنا - أنه نذر في طاعة ، فوجب الوفاء به. أما الصغرى ، فلان المرابطة مستحبة مطلقا اتفاقا منا. واذا كانت مع ظهور الامام أكثر استحبابا ، فتكون المعاونة


1) المبسوط 2 / 4.

2) المبسوط 1 / 8 - 9.

3) النهاية ص 291.

عليها مستحبة ، اذ هي من جملة البر ، وقد قال اللّه تعالى « وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى » (1)وأما الثانية ، فاجماعية.

احتج الشيخ قدس اللّه روحه برواية علي بن مهزيار قال : كتب رجل من بني هاشم الى أبي جعفر الباقر عليه ‌السلام (2)اني كنت نذرت نذرا منذ سنتين أن أخرج الى ساحل البحر الى ناحيتنا مما يرابط فيه المتطوعة نحو مرابطتهم بجدة وغيرها من سواحل البحر فارابط ، أفترى حينئذ أن يلزمني الوفاء به أو لا يلزمني؟ أو أفترى الخروج الى ذلك الموضع بشي‌ء من أبواب البر لاصير إليه إن شاء اللّه تعالى.

فكتب إليه بخطه وقرأته : ان كان سمع نذرك منك أحد من المخالفين ، فالوفاء به ان كنت تخاف الشنعة ، والا فاصرف مانويت في وجوه البر (3).

والرواية مشتملة على المكاتبة ، مع أنها منافية للاصول ، فلا اعتماد عليها.

قال رحمه‌ اللّه : ولو آجر نفسه ، وجب عليه القيام بها ، ولو كان الامام مستورا ، وقيل : ان وجد المستأجر أو ورثته ردها ، والا قام بها ، والاولى الوجوب من غير تفصيل.

أقول : هذه المسألة مبنية على المسألة السابقة ، فكل من قال بوجوب الوفاء بالنذر هناك مطلقا قال بوجوب القيام بها هنا ، وكل من لم يوجبه مع استتار الامام الا على وجه لم يوجبه هنا الا عند عدم المستأجر أو وارثه ، لوجوب ايصال الحق الى مستحقه. وقد بينا في المسألة السابقة أن القول الاول أقوى ، فيكون الاولى وجوب الوفاء هنا.

وقال صاحب كشف الرموز : هذه المسألة مبنية على القولين ، فمن قال لا تلزم


1) سورة المائدة : 2.

2) كذا فى النسختين ، وفى التهذيب : أبى جعفر الثانى عليه ‌السلام.

3) تهذيب الاحكام 6 / 126 ، ح 4.

المرابطة مع عدم تمكن الامام قال بوجوب الاعادة ، ومن قال يلزم قال لا تجب الاعادة ، لان العقد : اما لازم كالاجارة ، أو جائزة كالجعالة.

فان قصد بالمرابطة مسألة من نذر صرف شي‌ء الى المرابطة فصحيح ، والا فغلط ، اذ لا خلاف في وجوب الاتيان بالمرابطة مع نذرها ، سواء كان الامام ظاهرا أو مستورا ، على ما تقدم مستوفى ، وقد صرح المتأخر بذلك.

وأما قول الشيخ المصنف في المختصر : وجاز له المرابطة أو وجب (1). فمعناه : جاز له المرابطة ان أخذ المال بعقد غير لازم كالجعالة ، ووجبت ان أخذه بعقد لازم كالاجارة.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يبدءون الا بعد الدعاء الى محاسن الاسلام.

أقول : المراد بمحاسن الاسلام عندنا الاقرار بالشهادتين والتوحيد والعدل والتزام جميع شرائع الاسلام.

قال رحمه‌ اللّه : أو تسويته لامته.

أقول : اللأمة بالهمز : الدرع ، وجمعها لأم ، ويجمع أيضا على لؤم مثال نغر. قال الجوهري : على غير قياس. فانه جمع لؤمة ، واستلأم الرجل ، أي : لبس اللأمة ، واللامة بالتشديد الدرع (2).

قال رحمه‌ اللّه : ولو غلب عنده الهلاك لم يجز الفرار ، وقيل : يجوز ، لقوله « وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » (3)والاول أظهر ، لقوله تعالى « إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا » (4).


1) مختصر النافع ص 134.

2) صحاح اللغة 5 / 2026.

3) سورة البقرة : 196.

4) سورة الانفال : 46.

أقول : القولان ذكرهما الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)، واختار الاول على الاولوية ، ويؤيده أن الآية الدالة على الامر بالثبات خاصة ، وأنه الحفظ عامة ، والخاص مقدم على العام ، فيعمل به في غير صورة الخاص.

ويضعف بأن العمل بالخاص وتقديمه على العام انما يجب اذا لم يمكن العمل بالخاص ، الا مع تخصيص العام. أما اذا أمكن اجراء العام على عمومه والعمل بالخاص من وجه دون وجه ، فلا يجب تقديمه عليه ، بل يكون عدم التقديم أولى اذ العمل بأحد الدليلين من كل الوجوه وبالآخر من وجه دون آخر أولى من العمل بكل منهما من وجه دون آخر ، لان العمل به من كل وجه تنزيل له على كل مفهوماته ، فيكون أكثر فائدة.

وفيه نظر ، اذ ليس اجراء آية الحفظ على عمومها وتخصيص آية الثبات أولى من العكس.

ويحتمل أن يقال : تخصيص آية الثبات أولى ، لقوله تعالى « إِنَّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ (2)» الآية ، فمدحهم تعالى على ذلك. ولو كان الثبات مع العطب منهيا عنه ، لما مدحهم على ذلك.

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان المسلمون أقل من ذلك لم يجب الثبات ، ولو غلب على الظن السلامة استحب ، ولو غلب العطب قيل : يجب الانصراف. وقيل : يستحب ، وهو أشبه.

أقول : القولان نقلهما الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (3)، واختار الثاني ، وانما كان أشبه لاعتضاده بالاصل.


1) المبسوط 2 / 10.

2) سورة التوبة : 111.

3) المبسوط 2 / 10.

والقول الاول عندي أقوى ، لان في الانصراف والحال هذه دفع ضرر لا يندفع الا به ، ودفع الضرر المظنون واجب عقلا عندنا ، وبالاجماع عند أهل السنة ، فقد ثبت اتفاق المسلمين على وجوب دفع الضرر.

فرع :

قال الشيخ في المبسوط : لو قصد رجلا رجل ، فغلب في ظنه أنه ان ثبت له قتله فعليه الذب (1).

قال رحمه‌ اللّه : ولو انفرد اثنان بواحد من المسلمين ، لم يجب الثبات ، وقيل : يجب ، وهو المروي.

اقول : قال الشيخ في المبسوط : كان في بدو الاسلام أن يضاف واحد بعشرة ثم نسخ بوقوف الواحد لاثنين بدليل الآية (2).

قال رحمه‌ اللّه : وليس المراد بذلك أن يقف الواحد بإزاء العشرة أو اثنين وانما يراد الجملة. وان جنس المسلمين اذا كان نصف جنس المشركين بلا زيادة وجب الثبات ، ويؤيده الاصل ، ولان الثبات هناك انما وجب لحصول القوة الاجماعية ، وهي غير موجودة حالة الانفراد. والقول الثاني ذكره الشيخ في النهاية (3)اعتمادا على الرواية (4)، وتبعه المتأخر ، والمعتمد عندي الاول.

قال رحمه‌ اللّه : ويحرم بإلقاء السم ، وقيل : يكره ، وهو أشبه ، فان لم يمكن الفتح الا به جاز.


1) المبسوط 2 / 10 وفيه : فعليه الهرب.

2) المبسوط 2 / 10.

3) النهاية ص 294.

4) تهذيب الاحكام 5 / 174 ، ح 20.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في النهاية (1)، وهو ظاهر كلام المتأخر مصيرا الى رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه ‌السلام أن النبي صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله نهى أن يلقى السم في بلاد المشركين (2). وظاهر النهي التحريم ، لقوله تعالى « وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (3)» أوجب الانتهاء عن المنهي ، ولا نعنى باقتضائه التحريم الا ذلك.

وقال في المبسوط : كره أصحابنا القاء السم في بلادهم (4)، ويؤيده أصالة الجواز.

والحق أن نقول : ان علم وظن أن في البلد أحد من المسلمين حرم الالقاء ، وإلا جاز. أما لو لم يمكن الفتح الا بالالقاء جاز قولا واحدا ، اذا لفتح واجب ولا يتم الا به ، وما لا يتم الواجب المطلق الا به فهو واجب ، على ما بين في كتب الاصول.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يلزم القاتل دية ، ويلزمه الكفارة. وفي الاخبار : ولا كفارة.

اقول : لا خلاف في سقوط الدية مع عدم امكان التحرز ، وفي الكفارة قولان للشيخ رحمه‌ اللّه ، أحدهما السقوط عملا بالاصل ، واستنادا الى النقل. والثاني الوجوب ، عملا بالآية ، وهو اختيار المتأخر وبه اعمل.

قال رحمه‌ اللّه : وتكره المبارزة بغير اذن الامام ، وقيل : يحرم.

أقول : القول الاول ظاهر كلامه في المبسوط (5)، عملا بالاصل وانما كرهه لجواز أن لا يرضى الامام عليه ‌السلام ذلك ، ولانه عليه ‌السلام أعرف بفرسان المسلمين وفرسان المشركين ، ومن يصلح للبراز ومن لا يصلح.


1) النهاية ص 293.

2) تهذيب الاحكام 5 / 143 ، ح 4.

3) سورة الحشر : 7.

4) المبسوط 2 / 11.

5) المبسوط 2 / 19.

والقول الثاني ذهب إليه في النهاية ، وأتبعه المتأخر ، عملا بالاحتياط ، اذ يجوز أن لا يرضى الامام بذلك ، فيكون حراما. أما لو منع ، حرم قولا واحدا.

قال رحمه‌ اللّه : المشرك اذا طلب المبارزة ولم يشترط جاز معونة قرنه.

اقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط : اذا بارز مشرك مسلما ، نظر فان بارز مطلقا ، جاز لكل أحد رميه وقتله ، لانه حربي لا أمان بيننا وبينه ، الا أن تكون العادة قد جرت أن لا يقاتل عند البراز الا المبارز وحده ، فيستحب حينئذ الكف (1).

ولو قيل بوجوب الكف كان حسنا ، اذ ما جرت العادة به كالمنطوق ، لا خلاف في وجوبه مع النطق.

فائدة :

القرن بالكسر كفوك في الشجاعة ، والقرن بالفتح كفوك في السن. وله معان أخر أضربنا عنها خوف الاطالة. والقرن بالتحريك الجعبة.

وقال الاصمعي : انها يكون من الجلود فقط تكون مشقوقة ثم تخرز ، وانما تسد ليصل الريح الى الريش فلا يفسد. وله أيضا عدة معان ، فليطلب من الكتب المطولة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو شرط أن لا يقاتله غيره ، وجب الوفاء له ، فان فر فطلبه الحربي جاز دفعه ، ولو لم يطلبه لم يجز محاربته ، وقيل : يجوز ما لم يشترط الامان حتى يعود الى فئته.

اقول : القول الاول هو المختار ، عملا بالشرط السائغ وظاهر كلام الشيخ في المبسوط (2)يعطي الثاني ، وليس بجيد. فان احتج بالاصل الدال على الجواز منعنا من دلالته على ذلك ، مع حصول الشرط السائغ اجماعا.


1) المبسوط 2 / 19.

2) المبسوط 2 / 19.

وفيه نظر ، فانا لا نسلم أن شرط الانفراد بالمقابلة سائغ ، كما ذهب إليه أبو علي ، محتجا بأن اللّه الزم المؤمن الدفع عن المؤمن ممن يريد البغي عليه ، ولا جرم أن طالب المقابلة باغ ، لكن هذا ليس ينافع للشيخ ، لانه أوجب الوفاء بهذا الشرط.

لا يقال : انما شرط الانفراد بالمقابلة في زمان حصول القتال بينهما ولا جرم في زواله مع فرار قرنه المسلم.

لانا نقول : نمنع ذلك ، بل انما شرط بشاهد الحال الانفراد ما دام في المبارزة وهي لا يزول الا بعد العود الى فئته.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أذم المراهق أو المجنون لم ينعقد ، لكن يعاد الى مأمنه.

اقول : هذا الحكم انما يصح اذا اعتقد الحربي الامان ، أما لو عرف أن أمان الصبي غير منعقد ثم دخل إلينا كان حربا ، ومراد المصنف الاول.

قال رحمه‌ اللّه : ويجوز أن يذم الواحد من المسلمين الآحاد من أهل الحرب فلا يذم عاما ولا لاهل اقليم ، وهل يذم لقرية أو حصن؟ قيل : نعم ، كما أجاز علي عليه ‌السلام ذمام الواحد لحصن من الحصون ، وقيل : لا ، وهو الاشبه ، وفعل علي عليه ‌السلام قضية في واقعة ، فلا يتعدى.

اقول : القول الاخير ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه ، وهو الحق.

لنا - أن صحة الامان حكم شرعي ، فيقف على الدليل الشرعي ، وحيث لا دلالة فلا حكم ولان ذلك من توابع النظر في المصالح ، وليس الا للامام أو نائبه. واحتجاج المجوزين بفعل علي عليه ‌السلام ضعيف ، لما ذكره المصنف.

قال رحمه‌ اللّه : ولو قال لا تخف أو لا بأس عليك ، لم يكن ذماما ما لم ينضم إليه ما يدل على الامان.

أقول : هذا القول ذكره الشيخ في المبسوط (1)، وعندي فيه اشكال اذ لا فرق


1) المبسوط 2 / 14.

بين قول القائل لا تخف أو لا بأس عليك ، وبين قوله أنت آمن أو آجرتك ، وقد حكم بأن هذا أمان صحيح (1)غير مفتقر الى القرينة ، ويلزمه القول بعدم احتياج هذا.

قال رحمه‌ اللّه : ويراعى في الحاكم كمال العقل والاسلام والعدالة ، وهل يراعى الذكورة والحرية؟ قيل : نعم ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل الدال على الجواز.

والالتفات الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه ، ولانه من المناصب الجليلة ، فلا يليق بحاله ، وهو الاقوى عندي. وكذا المرأة لقصور عقلها ورأيها.

قال رحمه‌ اللّه : ويكره قتل الاسير صبرا.

أقول : المراد بالصبر الحبس لاجل القتل.

قال رحمه‌ اللّه : ولو استرق الزوج - الى قوله - ولو قيل يتخير الغانم في الفسخ كان حسنا.

أقول : اعلم أن الشيخ رحمه‌ اللّه حكم في الصور الثلاث الاول بانفساخ النكاح لتجدد الملك المقتضي لثبوت السلطنة ، وحكم في الصورة الاخيرة بعدم الانفساخ ، كما ذكره المصنف ، والمصنف رحمه‌ اللّه مال الى التخيير ، وهو الوجه عندي.

لنا - أنه مالك تجدد ملكه ، فكان له التخيير كغيره من الملاك.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أعتق مسلم عبدا ذميا بالنذر ، فلحق بدار الحرب فأسره المسلمون جاز استرقاقه ، وقيل : لا ، لتعلق ولاء المسلم به ، ولو كان المعتق ذميا استرق اجماعا.

أقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه : ومتى أعتق مسلم عبدا مشركا وثبت له عليه ولاء ، فلحق بدار الحرب ، ثم وقع في الاسر لم يسترق ، لانه قد ثبت عليه ولاء


1) فى « س » : أمانا صحيحا.

للمسلم ، فلا يجوز ابطاله.

قال رحمه‌ اللّه : ولو قلنا انه يصح وتبطل ولاء المسلم كان قويا ، وان كان الولاء لذمي ثم لحق المعتق بدار الحرب فسبي استرق ، لان سيده لو لحق بدار الحرب استرق والبحث هنا يقع في مقامين :

الاول : في صحة عتق العبد المشترك ، وقد اختلف الاصحاب فيه ، فذهب قوم منهم الى أنه لا يصح مطلقا ، وقال آخرون : انما يصح مع النذر فقط ، ولا يصح فيما عداه ، والمصنف رحمه‌ اللّه فرع على هذا القول الاخير ، وهو يدل على الرضا به ، والشيخ رحمه‌ اللّه أطلق ، وهو يدل على اختيار القول.

المقام الثاني : في كيفية هذا الولاء ، ولا اشكال فيه على قول الشيخ قدس اللّه روحه ، حيث حكم بصحة عتق الكافر تبرعا ، فيثبت حينئذ عليه الولاء للمولى ، وانما يرد الاشكال على الشيخ المصنف قدس اللّه روحه ، حيث علق صحة العتق على النذر ، ثم أثبت الولاء للمعتق ، وهما حكمان متضادان.

ويمكن أن يتحمل له رحمه‌ اللّه ، بأن يقال : المراد بالولاء هنا ولا يضمن الجريرة الثابت بالتوالي الى المولى ، لا ولاء العتق ، وانما صح أن يتولاه وان كان معتقة ، لانه والحال هذه شائبة لا ولاء عليه ، اذ التقدير أنه معتق بالنذر.

واعلم أن هذا التأويل بعيد جدا ، اذ هو غير مفهوم من كلام المصنف ، لكنه محتمل.

لا يقال مثله في الذمي.

لانا نقول : الذمي لو لحق بدار الحرب استرق ، فكيف من له عليه حق ما.

قال رحمه‌ اللّه : اذا أسلم عبد الحربي في دار الحرب قبل مولاه ملك نفسه بشرط أن يخرج قبله. ولو خرج بعده ، كان على رقه ، ومنهم من لم يشترط خروجه ، والاول أصح.

اقول : لا خلاف في حصول الحرمة بالاسلام والخروج الى دار الاسلام قبل المولى ، وانما الخلاف لو أسلم فأقام في دار الحرب ، أو خرج بعد المولى ، فذهب الشيخ في النهاية (1)الى أنه باق على الرقية ، وهو اختيار أبي علي والمتأخر.

ويؤيده أصالة بقاء الملك على مالكه ، ترك العمل بها في تلك الصورة للاجماع فيبقى معمولا بها فيما عداها ، وقوله عليه ‌السلام « أيما عبد خرج إلينا قبل مولاه فهو حر ، وأيما عبد خرج بعد مولاه فهو عبد » (2).

وقال في المبسوط بعد ذكر هذا القول : والفرق بين المسألتين بحصول قهر العبد للسيد على نفسه ، فملكها في المسألة الاولى ، وبعدم حصوله في الثانية ، فيبقى على أصل الرق ، وان قلنا انه يصير حرا على كل حال كان قويا (3). والمعتمد الاول.

تذنيب :

قال في المبسوط : لو دخل الحربي إلينا بأمان ، فاشترى عبدا مسلما ، ثم لحق بدار الحرب ، فغنمه المسلمون ، فانه باق على ملك المسلم ، لان الشراء فاسد ، اذ الكافر لا يملك مسلما ، ويرد عليه المال الذي أخذه المسلم ثمنا في أمان ، فان تلف العبد كان لسيده قيمته وعليه رد ثمنه ، فيترادان الفضل (4).

قال رحمه‌ اللّه : لو وجد شي‌ء في دار الحرب ، يحتمل أن يكون للمسلمين ولاهل الحرب كالخيمة والسلاح فحكمه حكم اللقطة ، وقيل : يعرف سنة ثم يلحق بالغنيمة وهو تحكم.

أقول : الاخير ذكره الشيخ في المبسوط ، عملا بالظاهر ، اذ لو كان له صاحب


1) النهاية ص 295.

2) تهذيب الاحكام 6 / 152.

3) المبسوط 2 / 27.

4) المبسوط 2 / 27.

لظهر مطالبا ، وليس بجيد ، لان فيه تهجما على التصرف في الاموال المعصومة بغير سبب مبيح شرعا.

والحق ما قاله المصنف ، وهو اختيار شيخنا في المختلف (1).

لنا - أنه مال ضائع لا بدّ لاحد عليه ، فيكون لقطة.

قال رحمه‌ اللّه : ويبدأ بما يرضخه للنساء والعبيد والكفار ان قاتلوا باذن الامام فانه لا سهم للثلاثة.

اقول : قال أبو علي : يسهم للعبيد المأذون له فيه والمكاتب ، وهو حسن ، لانه نوع اكتساب وللمكاتب أهلية ذلك ، وكذا العبد المأذون ، والشيخ قال : لا سهم للعبيد ، سواء خرجوا باذن سيدهم أو بغير اذنه ، لان الاستغنام نوع التملك وليس العبد أهلا له على ما يأتي بيانه. وهو ضعيف. فانا لا نملكه شيئا ، بل ما يحصل له يكون لمولاه كغيره من وجوه الاكتسابات.

قال رحمه‌ اللّه : ثم يخرج الخمس ، وقيل : بل يخرج الخمس مقدما ، عملا بالآية ، والاول أشبه.

اقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط : والارضاخ يجوز أن يكون من أصل الغنيمة ، وهو الاولى ، وان أعطاه من ماله خاصة كان له.

قال رحمه‌ اللّه : وقال قوم : انه يكون من أربعة أقسام المقابلة ، والاول أصح لانهم يغتمونه. وبه قال في الخلاف محتجا بأن يقع هؤلاء ومعونتهم عائد على أهل الغنيمة طرا ، فتخصيص رضخهم بحصة قوم منهم دون قوم ترجيح من غير مرجح ، وهو باطل.

وظاهر كلام الشيخ في النهاية (2)يؤذن بالقول الاخر ، وهو اختيار المتأخر ،


1) المختلف ص 158 من كتاب الجهاد.

2) النهاية ص 198.

عملا بقوله تعالى « وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ » (1)الآية ، أوجب تعالى اخراج الخمس من جميع المغنوم ، ولا شك أن الرضخ من جملة المغنوم فيجب اخراج خمسه أولا ثم يرضخ ثانيا.

والجواب : الآية مخصوصة بما عدا الرضخ ، كما أنها مخصوصة بما عدا السلب المشترط للقاتل وما يحتاج إليه الغنيمة ولما قلناه.

قال رحمه‌ اللّه : ثم يعطى الراجل سهما والفارس سهمين ، وقيل : ثلاثة ، والاول أظهر.

اقول : القول الاول هو المشهور بين الاصحاب ، ونقل الشيخ في المبسوط (2)والخلاف (3)القول الثاني ، وهو اختيار أبي علي ابن الجنيد ، والاقرب الاول.

لنا - أصالة التساوي ، ترك العمل بها في السهمين ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، والتمسك بالأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

وبالقول الاول رواية عن أهل البيت عليهم ‌السلام أيضا ، وحملها الشيخ في الاستبصار على ذي الافراس ، مستدلا برواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليه ‌السلام (4).

قال رحمه‌ اللّه : من الخيل للقحم والرازح والضرع ، لعدم الانتفاع بها في الحرب ، وقيل : يسهم مراعاة للاسم ، وهو حسن.

اقول : القول الاول ذهب إليه أبو علي ابن الجنيد ، ونقله الشيخ رحمه‌ اللّه أيضا.

والقول الثاني ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه ، وهو أحوط ، عملا بعموم الاخبار.


1) سورة الانفال : 41.

2) المبسوط 2 / 70.

3) الخلاف 2 / 118 مسألة 24.

4) الاستبصار 3 / 3 - 4.

والقحم من الخيل بفتح القاف وتسكين الحاء الكبير الذي لا يمكن القتال عليه لكبر سنه ، قاله الشيخ رحمه‌ اللّه والمتأخر والشيخ ، القحم الهم ، ومثله الفجل والرازح الذي لا حراك به. والضرع بفتح الراء والضاد الصغير من الخيل.

قال رحمه‌ اللّه : المرصد للجهاد ، لا يملك رزقه من بيت المال الا بقبضه ، فان حل وقت العطاء ثم مات ، كان لوارثه المطالبة ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)، ولانه قد استحق المطالبة به ، فيكون لورثته ذلك ، عملا بعموم قوله تعالى « لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ » (2).

والالتفات الى أصالة عدم انتقال هذا المال إليه ، ترك العمل بها في صورة القبض مع حلول الحول ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، ولان شرط الملك القبض وهو منتف هنا ، فينتفي مشروطه ، واذا بطل الملك لم يستحق وارثه المطالبة ، لانها تابعة له.

قال رحمه‌ اللّه : قيل : ليس للاعراب من الغنيمة شي‌ء ، وان قاتلوا مع المهاجرين ، بل يرضخ لهم ، ونعني بهم من أظهر الاسلام ولم يصفه ، وصولح على اعفائه عن المهاجرة وترك النصيب.

أقول : هذا القول ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه ، ونازع فيه المتأخر ، وقال بعد كلام طويل : لا خلاف بين المسلمين أن كل من قاتل من المسلمين ، فانه من جملة المقاتلة ، وأن الغنيمة للمقاتلة ، فلا يخرج عن هذا الاجماع الا باجماع مثله. والحق ما قاله الشيخ.

لنا - أن النبي عليه ‌السلام صالحهم عن المهاجرة بترك النصيب ، فلا يستحقون فيه


1) المبسوط 2 / 73.

2) سورة النساء : 7.

شيئا.

قال رحمه‌ اللّه : لا يستحق أحد سلبا ولا نقلا ، في بدأة ولا رجعة ، الا أن يشترط له الامام.

اقول : السلب في اللغة المسلوب ، ومثله السليب ، والسلب أيضا مصدر سلبت الشي‌ء سلبا. وأما في الشرع ، فهو كل ما يد المقتول عليه ، وهو حثه للقتال أو سلاح له مثل القوس والبيضة والخوذة والجوشن والسيف والرمح والدرقة والثياب التي عليه وفرسه التي تحته.

وأما الذي لا يكون يده عليه ، كالمضرب والرحل والجنايب التي يساق خلفه وما شاكل ذلك ، فغنيمة وليس بسلب.

أما ما يده عليه وليس بجنة للقتال ، كالمنطقة والخاتم والسوار والطوق والنفقة التي معه ، ففي كونها غنيمة أو سلبا نظر ، ينشأ : من كون يده عليه ، فيكون سلبا مراعاة للوضع اللغوي. ومن أنه ليس بجنة.

قال الشيخ في المبسوط : والاولى أن نقول : انه سلب لعموم الخبر (1).

وهل يستحق بنفس الفعل ، أو بشرط الامام ، أو والي الجيش؟ أكثر الاصحاب على الثاني. وقال أبو علي : من قتل قتيلا ، فله سلبه خاصة ، سواء قال ذلك للعسكر أو لم يقله ، اذا كان ذا سهم في الغنيمة. أما لو لم يكن كذلك. أفتقر الى الشرط والمعتمد ما قاله الشيخ.

والنفل في اللغة الغنيمة ، يقال بتحريك الفاء وتسكينها ، والجمع الانفال.

قال لبيد :

ان نقوى ربنا خير نفل *** وباذن اللّه رمي وعجل

والمراد هنا ما يجعله الامام ، أو والي الجيش لبعض المجاهدين من الغنيمة


1) المبسوط 2 / 67.

ويجوز أن يكون من غيرها ، بشرط أن نقول : من يولي السرية فله كذا ، ومن دلني على القلعة الفلانية فله كذا ، من قتل فلانا من البطارقة فله كذا ، هذه اللفظة ذكرها الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1).

قال الجوهري : البطريق القائد من قواد الروم ، وهو معرب ، والجمع البطارقة (2).

وهو جائز مع الحاجة لا بدونها ، ولا تقدير له ، بل تقديره موكول الى نظر الامام عليه ‌السلام.

قال : وجعل النبي عليه ‌السلام في البدأة ، وهي السرية المنفذة أولا الى دار الحرب الربع ، وفي الرجعة وهي السرية الثانية التي تبعث بعد رجوع الاولى ، وقيل : هي المنفذة بعد رجوع الامام الى دار الاسلام ليس عاما ، بل لما رأى في ذلك من المصلحة.

فرع :

اذا قال الامام قبل لقاء العدو : من أخذ شيئا فهو له ، صح لانه معصوم ففعله حجة ، قاله الشيخ رحمه‌ اللّه ، وروي ان عليا عليه ‌السلام قال يوم : من أخذ شيئا فهو له.

قال رحمه‌ اللّه : الحربي لا يملك مال المسلم بالاستغنام ، ولو غنم المشركون أموال المسلمين [ وذراريهم ] ثم ارتجعوها ، فالاحرار لا سبيل عليهم. أما الاموال والعبيد ، فلاربابها قبل القسمة ولو عرفت بعد القسمة ، فلا ربابها القيمة من بيت المال ، وفي رواية : تعاد على أربابها بالقيمة. والوجه اعادتها على المالك ، ويرجع الغانم بقيمتها على الامام مع تفرق الغانمين.


1) المبسوط 2 / 68.

2) صحاح اللغة 4 / 1450.

اقول : اعلم أنه لا نزاع في وجوب رد الاولاد مطلقا من غير عوض مع قيام البينة بكونهم أولادا للمسلم. وانما النزاع في الاموال فقط.

اذا عرفت هذا فنقول : اختلف الاصحاب في هذه المسألة ، فذهب الشيخ في النهاية (1)الى تقويمها على المقاتلة ، ويدفع الامام قيمتها الى أربابها من بيت المال ، مصيرا الى رواية هشام بن سالم عن بعض الاصحاب عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام في السبي يأخذه العدو من المسلمين في القتال من أولاد المسلمين ومماليكهم ، فيتجرونه ، ثم ان المسلمين بعد قاتلوهم فظفروا بهم ، فسبوهم وأخذوا منهم ما أخذوا من مماليك المسلمين وأولادهم الذين كانوا أخذوهم من المسلمين ، فكيف نصنع بما كانوا أخذوه من أولادهم ومماليكهم؟ قال فقال : أما أولاد المسلمين ، فلا يقام في سهام المسلمين ، ولكن يرد الى أبيه ، أو الى أخيه ، أو الى وليه بشهود وأما المماليك ، فانهم يقامون في سهام المسلمين ويعطى مواليهم قيمة أثمانهم من بيت مال المسلمين (2).

وهي غير مسندة الى امام ، فلا حجة فيها.

وقال في المبسوط (3)والخلاف (4): ان عرفت قبل القسمة كانت لاربابها بغير ثمن ، وان كان بعدها ردت عليهم أيضا ، وأعطى الامام من حصل في سهمه قيمته من بيت المال ، لئلا تنتقص القسمة. وهو اختيار المتأخر ، عملا بقوله عليه ‌السلام : لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه (5).

والقول الذي ذكره المصنف منسوب الى ابن بابويه ، وهو ظاهر كلام الشيخ


1) النهاية ص 295.

2) تهذيب الاحكام 6 / 159 ، ح 1.

3) المبسوط 2 / 26.

4) الخلاف 2 / 121.

5) عوالى اللئالى 3 / 473.

في الاستبصار ، حيث تأول رواية ابن سالم عن الصادق عليه ‌السلام (1).

وأما الرواية التي أشار إليها المصنف رواية ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام في رجل كان له عبد ، فأدخل دار الشرك ، ثم أخذ سبيا الى دار الاسلام ، فقال : ان وقع عليه قبل القسمة فهو له ، وان جرت عليه القسمة فهو أحق به بالثمن (2). وفي معناها رواية الحلبي عنه عليه ‌السلام (3).

والحق ما اختاره المصنف ، وهو اختيار الشيخ في الاستبصار أخيرا ، عملا بالرواية عن الباقر عليه ‌السلام (4).

فرع :

لو أسلم الحربي بعد استغنام مال المسلم لم يملكه ، خلافا لابي حنيفة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو قتل الرجال قبل عقد الجزية ، فسأل النساء اقرارهن ببذل الجزية ، قيل : يصح ، وقيل : لا ، وهو الاصح. ولو كان بعد عقد الجزية ، كان الاستصحاب حسنا.

أقول : القولان نقلهما الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط ، فقال : فان قتل الرجال ، فسأل النساء أن يعقد لهن ليكن ذميات في دار الاسلام ، عقد لهن بشرط أن تجري أحكامنا عليهن ، وليس له سبيهن ولا أن يأخذ منهن شيئا ، فان أخذ شيئا رده. وقد قيل : انه يحتال عليهن حتى يفتحوا ، فيسبين ولا يعقد لهن الامان (5).

ولا يدل صريحا على ما نقله الشيخ المصنف رحمه‌ اللّه. وانما كان القول الثاني


1) الاستبصار 3 / 5 ، ح 2.

2) الاستبصار 3 / 5 ، ح 3.

3) الاستبصار 3 / 5 ، ح 4.

4) الاستبصار 3 / 5.

5) المبسوط 2 / 40.

أصح ، لان النساء لا يصح ضرب الجرية عليهن اجماعا منا ، فيكون هذا العقد قد تضمن شيئا باطلا ، فيكون باطلا ، لان الماهية المركبة تكفي في ارتفاعها بطلان أحد أجزائها.

وأما قوله « ولو كان بعد عقد الجرية كان الاستصحاب حسنا » معناه : اذا قتل الرجال بعد ضرب الجرية عليهم ، كان استدامة الامان للنساء من غير ضرب جزية عليهن حسنة ، لانهن قد ثبت لهن الامان مع الرجال ضمنا ، فيستحب الوفاء به.

قال رحمه‌ اللّه : ويجوز وضع الجزية على الرءوس ، أو على الارض ولا يجمع [ بينهما ] وقيل بجوازه ابتداءً ، وهو الاشبه.

اقول : الاول هو المشهور بين الاصحاب ، والقول الثاني ذهب إليه أبو علي ، واختاره أبو الصلاح. وانما كان أشبه ، لان الجمع أنسب بالصغار ، ولانه بمدلول الاصل.

قال رحمه‌ اللّه : واذا أسلم قبل الحول ، أو بعده قبل الاداء ، سقطت الجزية على الاظهر.

أقول : لا خلاف في سقوط الجزية بالاسلام قبل حوول الحول.

وانما الخلاف في الفرض الثاني ، فذهب الشيخ رحمه‌ اللّه وأكثر الاصحاب الى السقوط ، عملا بالاصل ، ولقوله عليه ‌السلام « الاسلام يجب ما قبله » (1)ولانه لا جزية على مسلم ، ولان أداها مشروط بالصغار ، ينتفي هنا اجماعا.

وظاهر كلام أبي الصلاح عدم السقوط ، لانه حق ثبت في الذمة بحؤول الحول ، فيجب أداؤه كغيره من الحقوق ، وليس بجيد ، لانها انما وجبت لمعنى وقد انتفى فينتفي بانتفائه.

قال رحمه‌ اللّه : اذا خرقوا الذمة في دار الاسلام ، كان للامام ردهم الى مأمنهم


1) الجامع الصغير للسيوطى 1 / 123.

وهل له قتلهم واسترقاقهم ومفاداتهم؟ قيل : نعم ، وفيه تردد.

اقول : القول للشيخ رحمه‌ اللّه. وأما التردد ، فمنشؤه : النظر الى الاصل الدال على الجواز ، ولان الامان انما هو للالتزام بشرائط الذمة وقد زال فيزول مشروطه.

والالتفات الى حصول الامان لهم في دار الاسلام ، فيجب ردهم للآية الى مأمنهم ، ثم يصيرون حربا بعد ذلك ، والاول أقوى عندي.

قال رحمه‌ اللّه : وأما المساكن ، فكل ما يستجده الذمي لا يجوز أن يعلو به على المسلمين من مجاوريه ، ويجوز مساواته على الاشبه.

اقول : لا خلاف في تحريم العلو. وانما الخلاف في المساواة ، فذهب الشيخ الى أنه لا يجوز ، وأتبعه المتأخر ، لانه أنسب بالصغار.

والحق الجواز ، عملا بعموم قوله عليه ‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم » (1)ترك العمل به في الصورة الاولى ، اما للدليل الدال عليه ، أو للاتفاق ، فيبقى معمولا به فيما عداها.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجوز لهم استيطان الحجاز على قول مشهور.

اقول : هذا القول ذكره الشيخ أبو جعفر ، وهو جيد لما فيه من تحقيق الصغار المأمور به شرعا ، ولم أقف لباقي الاصحاب على شي‌ء من ذلك.

قال رحمه‌ اللّه : وفي الاجتياز به والامتياز منه تردد ، ومن أجازه حده بثلاثة أيام.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل الدال على الجواز.

والالتفات الى أن المنع من ذلك أنسب بالصغار ، فيكون مطلوبا للشارع.


1) عوالى اللئالى 1 / 222 و 457 و 2 / 138 و 3 / 208.

فرع :

المراد بالحجاز هنا ما عدا الحرم ، فلا يجوز دخوله ، لا للاستيطان ولا لغيره عملا بقوله تعالى « إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ » (1)الآية. قال الشيخ رحمه‌ اللّه : فأما المسجد الحرام ، فهو عبارة عن الحرم عند الفقهاء ، فلا يدخل مشرك الحرم بحال.

قال رحمه‌ اللّه : ولا جزيرة العرب ، قيل : المراد بها مكة والمدينة واليمن ومخاليفها.

اقول : المراد بمخاليفها ما كان قريبا منها.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجوز أكثر من سنة على قول مشهور.

اقول : هذا القول ذكره الشيخ ، محتجا عليه بقوله تعالى « فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » (2)فاقتضى ذلك قتلهم بكل حال ، وخرج قدر الاربعة أشهر بدليل الآية الاولى ، وبقي ما عداه على عمومه ، فالوجه عندي مراعاة الاصلح للمسلمين.

قال رحمه‌ اللّه : لو قدم زوجها فطالب بالمهر ، فماتت بعد المطالبة ، دفع إليه مهرها. ولو ماتت قبل المطالبة ، لم يدفع إليه ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى تحقق السبب الموجب لدفع المهر ، وهو الامساك فيجب الدفع ، عملا بالمقتضي.

والالتفات الى أصالة البراءة ، ترك العمل بها في الصورة الاولى ، فيبقى معمولا بها فيما عداها.

واعلم أن هذا التردد ضعيف جدا ، لانا لا نسلم أن سبب الدفع مجرد الامساك بل شبيه الامساك الحاصل معه الحيلولة ، وهي منتفية هنا ، اذ لا يتحقق الحيلولة الا


1) سورة التوبة : 28.

2) سورة التوبة : 5.

مع المنع عقيب المطالبة لا مطلقا ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (1).

فرعان :

الاول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط : كل موضع يجب فيه رد المهر فانه يكون ذلك من بيت المال المعد للمصالح (2).

وقال أبو علي : ان كان ما دفعه الزوج باقيا معها وجب دفعه ، والا عوض عنه من سهم الغارمين. وتفصيله الاول جيد ، لظاهر الآية. أما الثاني فلا.

الثاني : قال رحمه‌ اللّه : هذا الحكم انما يكون اذا قدمت الى بلد الامام ، أو بلد خليفته ومنع من ردها. أما اذا قدمت الى غير بلدهما ، فمنع غير الامام أو غير خليفته من ردها ، فلا يلزم الامام أن يعطيهم شيئا ، سواء كان المانع من ردها العامة ، أو رجال الامام ، لان البدل يعطي الامام من المصالح ، فلا تصرف لغير الوالي فيه.

قال رحمه‌ اللّه : وان عاد الى دينه قيل : يقبل ، وقيل : لا ، وهو الاشبه.

اقول : القائل الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (3)، وانما كان الثاني أشبه ، لدلالة الآية والخبر عليه.

فرع :

وكذلك الحكم في من انتقل الى دين لا يقر أهله عليه ثم عاد.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أصر فقتل هل يملك أطفاله؟ قيل : لا ، استصحابا لحالهم الاولى.


1) المبسوط 2 / 53.

2) المبسوط 2 / 55.

3) المبسوط 2 / 57.

اقول : اعلم أن الاولاد : اما أكابر ، أو أصاغر. والاول يقرون على دينهم ان كان ممن يقر أهله عليه. وأما القسم الثاني ، فلا يخلو اما أن يكون أمتهم على دين يقر أهله عليه أولا ، فان كان الاول أقروا عليه ، سواء ماتت الام أو لا. وان لم يكن لهم أم ، أو كانت على دين لا يقر أهله عليه ، قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط أقروا لما سبق لهم من الذمة (1). ولو قيل للامام تملكهم والحال هذه كان حسنا.

لنا - انهم مال لم يوجف عليه بخيل ، فيكون فيئا.

قال رحمه‌ اللّه : اذا اشترى الكافر مصحفا لم يصح البيع ، وقيل : يصح ويرفع يده ، والاول أنسب باعظام الكتاب العزيز ، ومثل ذلك كتب أحاديث النبي صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله وقيل : يجوز على كراهية. وهو أشبه.

اقول : هنا مسألتان :

الاولى : في شراء المصاحف ، والاقوى البطلان لما ذكره.

الثاني : في ابتياع الكتب التي فيها أحاديث رسول اللّه صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله وآثار السلف وأقاويلهم. والاقوى الصحة هنا على كراهية ، خلافا للشيخ رحمه‌ اللّه.

لنا - الاصل الصحة ، ترك العمل به في الصورة الاولى ، لا عظام الكتاب العزيز فيبقى معمولا بها فيما عداه ، ولان حرمتها ليست كحرمة المصاحف ، فلا يتعدى الحكم.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يؤخذ ما حواه العسكر - الى آخره.

اقول : منشأ الخلاف في هذه المسألة واقعة علي عليه ‌السلام يوم الجمل ، فانه روي فيها الوجهان ، ولا ثمرة مهمة في تحقيقها.

قال رحمه‌ اللّه : والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان اجماعا ، ووجوبهما على الكفاية ، ويسقط من فيه كفاية ، وقيل : بل على الاعيان ، وهو أشبه.


1) المبسوط 2 / 58.

اقول : القول الاول ذهب إليه السيد المرتضى قدس اللّه روحه ، واختاره المتأخر ، عملا بالاصل ، ولان الغرض منهما ارتفاع القبح ووقوع الحسن ، وهو يحصل بقيام من فيه كفاية ، فلم يكن لتكليف الباقين به فائدة.

والقول الثاني ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه وأتباعه ، عملا بعموم الآيات والروايات ، وهو أقوى ، ونمنع خلو تكليف الباقين عن الفائدة ، والاصل يعارض بالآيات والروايات وهل يثبت الوجوب عقلا أو شرعا؟ فيه خلاف ، وتحقيقه في علم الكلام.

قال رحمه‌ اللّه : وهو يجب وجوبا مطلقا.

أقول : معناه من غير شرط ، بخلاف المرتبتين الاخريين.

قال رحمه‌ اللّه : ولو افتقر الى الجرح والقتل هل يجب؟ قيل : نعم ، وقيل : لا ، الا باذن الامام ، وهو الاظهر.

أقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في الاقتصاد : الظاهر من مذهب شيوخنا الامامية أن هذا الجنس من الانكار لا يكون الا للامام ، أو لمن يأذن له فيه.

قال رحمه‌ اللّه : والمرتضى يخالف فيه ويقول : يجوز فعل ذلك بغير اذنه ، لان ما يفعل باذنه ، يكون مقصودا ، وهذا بخلاف ذاك ، اذ هو غير مقصود ، انما القصد وقوع المعروف وارتفاع المنكر ، فان وقع ضرر فهو غير مقصود (1).

قال رحمه‌ اللّه : وهل يقيم الرجل الحد على زوجته وولده؟ فيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الحد حكم شرعي ، فلا يتولى اقامته الا الامام أو من ينصبه للنظر في ذلك ، كغيره من الاحكام وهو اختيار سلار والمتأخر.

والالتفات الى فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه وابن البراج.


1) الاقتصاد ص 150.

قال رحمه‌ اللّه : ولو ولي وال من قبل الجائر وكان قادرا على اقامة الحدود ، هل له اقامتها؟ قيل : نعم؟ بعد أن يعتقد أنه يفعل ذلك بأذن امام الحق. وقيل : لا ، وهو الاحوط.

أقول : البحث في هذه كالبحث في السابقة ، والاقرب الجواز للفقهاء.

فصل : ( فى إيضاح الترددات المذكورة فى المعاملات )

اشارة

وفيه مباحث :

البحث الاول : ( فى ذكر الترجيحات المذكورة فى باب وجوه الاكتساب )

قال رحمه‌ اللّه : وربما قيل بتحريم الابوال كلها الا أبوال الابل ، والاول أشبه.

أقول : القول الاول ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (1)، واختاره السيد المرتضى قدس اللّه روحه ، وتبعهما المتأخر ، عملا بالاصل ، واستنادا الى الرواية.

والقول الثاني ظاهر كلام الشيخ في النهاية (2)، وهو خيرة المفيد شيخنا وسلار ، والمستند عموم الروايات الواردة بالمنع من التصرف في الابوال. والعام يخص للدليل ، وقد بيناه.


1) المبسوط 2 / 166.

2) النهاية ص 364.

قال رحمه‌ اللّه : ويجوز بيع المسوخ ، برية كانت كالقرد والدب ، وفي الفيل تردد ، والاشبه جواز بيعه للانتفاع بعظمه.

أقول : منشؤه : النظر الى أصل الجواز ، ولانه عين طاهرة ينتفع بها ، فجاز بيعها كغيرها ، ويؤيده عموم الآية ، وهو فتوى شيخنا في المبسوط (1)، واختاره المتأخر.

والالتفات الى فتوى شيخنا المفيد وسلار ، وهو القول الاخر للشيخ.

قال رحمه‌ اللّه : ويحرم بيع السباع كلها الا الهر ، والجوارح طائرة كانت كالبازي أو ماشية كالفهد ، وقيل : يجوز بيع السباع كلها ، للانتفاع بجلدها أو عظمها وهو الاشبه.

اقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (2).

والقول الثاني ذهب إليه المتأخر ، وهو الحق لما ذكرناه في السابقة.

قال رحمه‌ اللّه : لا يجوز بيع شي‌ء من الكلاب الاكلب الصيد ، وفي كلب الماشية والزرع والحائط تردد ، والاشبه المنع ، نعم يجوز اجارتها ، ولكل واحد من هذه الاربعة دية لو قتله غير المالك.

اقول : لا خلاف في جواز بيع كلاب الصيد ، سلوقية وهي المنسوبة الى سلوق قرية باليمن ، وغير سلوقية.

وانما الخلاف في كلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع ، فذهب الشيخ في النهاية (3)والخلاف (4)الى التحريم ، وتبعه ابن البراج ، محتجا برواية جابر عن


1) المبسوط 2 / 166.

2) المبسوط 2 / 166.

3) النهاية ص 364.

4) الخلاف 1 / 586.

النبي عليه ‌السلام أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور الاكلب الصيد (1). وذهب سلار وابن حمزة الى الجواز ، وتبعهما المتأخر ، عملا بأصالة الاباحة ، ولان لها ديات مقدرة فيجوز بيعها.

أما الصغرى فاجماعية. وأما الكبرى ، فظاهرة ، اذ ملك الدية تابعة لملك العين ، واذا ثبت أنها مملوكة صح بيعها ، عملا بقوله عليه ‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم » (2)وفيه نظر ، اذ المنع من البيع لا ينافي الملك ، كما في أم الولد. والحق التمسك بالآية.

قال صاحب كشف الرموز : في تجويز الاجارة مع المنع من البيع اشكال منشؤه : أن جواز الاجارة لازم لصحة التملك المبيح للبيع.

وليس بجيد ، لما ذكرناه اعتراضا على دليل المتأخر ، ولان النهي انما ورد في البيع فقط ، فيبقى الباقي سليما عن المعارض.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يشترط تقديم الايجاب على القبول؟ فيه تردد ، والاشبه عدم الاشتراط.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة عدم الاشتراط ، وهو فتوى ابن البراج.

والالتفات الى أصالة بقاء الملك على مالكه ، ترك العمل به في صورة تقديم الايجاب على القبول ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، وهو فتوى الشيخ وابن حمزة وأتبعهما المتأخر.

وقال أبو حنيفة : ان كان القبول بلفظ الخبر مثل اشتريت منك صح ، وإلا فلا.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يصح بيع الصبي ولا شراؤه ، ولو بلغ عشرا عاقلا على الاظهر.


1) نحوه تهذيب الاحكام 7 / 136 ، ح 71.

2) عوالى اللئالى 1 / 222 و 457 و 2 / 138 و 3 / 208.

أقول : سيأتي البحث في هذه إن شاء اللّه.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أمره آمر أن يبتاع له نفسه من مولاه ، قيل : لا يجوز ، والجواز أشبه.

أقول : انما كان أشبه ، لاعتماده على الاصل ، ولانه يصح أن يكون وكيلا باذن مولاه ، والتقدير حصول الاذن في هذه الصور ، فيصح العقد.

قال رحمه‌ اللّه : ولو باع ملك غيره ، وقف على اجازة المالك أو وليه على الاظهر.

اقول : هذا القول هو المشهور بين الاصحاب ، وقال الشيخ في المبسوط والخلاف (1)بالبطلان ، وتبعه المتأخر ، والبحث في هذه المسألة مبني على أن النهي في المعاملات هل يدل على الفساد أم لا ، فان قلنا بالاول كان البيع باطلا ، والا كان موقوفا. وتحقيق ذلك في أصول الفقه.

قال رحمه‌ اللّه : والوكيل - الى قوله : وهو أشبه.

أقول : انما كان أشبه لقضاء الظاهر به ، ولان المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب اياه في أمر غيره.

قال رحمه‌ اللّه : وأن يكون المشتري مسلما - الى قوله : وهو أشبه.

اقول : انما كان الثاني أشبه ، لقوله تعالى « وَلَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً » (2)نفى السبيل للكافر على المؤمن ، ولا ريب أن التملك سبيل عظيم فيكون منفيا ، وهو اختيار الشيخ قدس اللّه روحه.

قال رحمه‌ اللّه : ولو ابتاع الكافر أباه المسلم هل يصح؟ فيه تردد ، والاشبه الجواز ، لانتفاء السبيل بالعتق.

اقول : منشؤه : النظر الى مقتضى الاصالة ، فيصح الشراء ، وإليه مال المصنف.


1) الخلاف 1 / 580 مسألة 275.

2) سورة النساء : 141.

والالتفات الى ظاهر الآية ، فلا يصح ، وهو اختيار الشيخ رحمه‌ اللّه ، وأتبعه ابن البراج ، والمصنف أجاب عن الآية ، بأن السبيل هنا منتف ، لانه ينعتق عليه بنفس دخوله في ملكه.

وكذا البحث في جميع المحرمات عليه نسبا ورضاعا على الخلاف.

قال رحمه‌ اللّه : وفي بيع بيوت مكة تردد ، والمروي المنع.

اقول : منشؤه : النظر الى مقتضى الاصل ، وعموم الآية.

والالتفات الى الروايات المروية عن أهل البيت عليهم ‌السلام الدالة على المنع ، وبه أفتى الشيخ في الخلاف (1)، مدعيا للاجماع ، ومحتجا بقوله تعالى « سواء العاكف فيه والباد » (2)وقد تقدم تقرير الاستدلال بها والاعتراض ، فلا وجه لاعادته وتحمل الروايات على المنع من بيع نفس الارض ، لان مكة فتحت عنوة دون الآثار ، وهو اختيار المتأخر.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يصح بيع الوقف ما لم يؤد بقاؤه الى خرابه ، لاختلاف بين أربابه ويكون البيع أعود على الاظهر.

أقول : الجواز مذهب الشيخ رحمه‌ اللّه ، والمنع مذهب المتأخر.

قال رحمه‌ اللّه : وفي اشتراط موت المالك تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة الجواز ، ترك العمل بها في الصورة الاولى للاتفاق عليها ، فيبقى معمولا بها فيما عداها.

والالتفات الى عموم النهي عن بيع أمهات الاولاد.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يمنع جناية العبد من عتقه ولا من بيعه ، عمدا كانت الجناية أو خطا ، على تردد.


1) الخلاف 1 / 589 ، مسألة 316.

2) سورة الحج : 25.

أقول : منشؤه : النظر الى مقتضى الاصل الدال على الجواز.

والالتفات الى تعلق حق المجني عليه برقبة العبد ، فلا يصح بيعه ولا عتقه ، لما فيه من ابطال الحق الثابت شرعا ، والاشبه الجواز في الخطأ دون العمد ، ويضمن المولى أرش الجناية حينئذ.

قال رحمه‌ اللّه : ولو باع ما يتعذر تسليمه الا بعد مدة ، فيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم الآية. والالتفات الى أن القدرة على التسليم شرط ولم يحصل.

قال رحمه‌ اللّه : وتكفي مشاهدة المبيع عن وصفه ، ولو غاب وقت الابتياع الا أن يمضي مدة جرت العادة بتغير المبيع فيها. وان احتمل التغير ، كفى البناء على الاول ، ويثبت له الخيار ان ثبت التغير ، فان اختلفا فيه فالقول قول المبتاع مع يمينه ، على تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة عدم التغير على عقد البيع ، فيكون القول قول البائع مع يمينه ، لاستناده الى هذا الاصل ، ولانه منكر لدعوى المشتري.

والالتفات الى أن المشتري غارم للثمن ، فيكون القول قوله مع يمينه ، اذ لا يجوز انتزاع مال الغير الا برضاه اجماعا ، ولا ريب أنه غير راض بأداء هذا القدر على تقدير حصول التغير ، وأصالة عدم التقدم معارضة بأصالة عدم الحدوث ، واللّه أعلم.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يصح شراؤه من غير اختبار ولا وصف ، على أن الاصل الصحة؟ فيه تردد ، والاولى الجواز.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل ، ويؤيده عموم الآية ، وأصالة السلامة.

والالتفات الى حصول الغرر المنهي عنه شرعا ، فلا يصح البيع ، وهو اختيار المتأخر. ونمنع حصول الغرر ، والرواية المروية عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام قاصرة

عن افادة المطلوب ، فلا يصح التمسك بها.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجوز بيع سمك الآجام ولو كان مملوكا لجهالته ، وان ضم إليه القصب على الاصح.

اقول : لا خلاف أن بيع المجهول لا يصح مطلقا ، الا أن الشيخ رحمه‌ اللّه جعل المجهول بمثابة المعلوم في صورة واحدة ، وهي مع انضمام المعلوم إليه في البيع ، تمسكا بروايات ضعيفة جدا ، لمنافاتها الاصل ، ولضعف سندها ، فلهذا جوز بيع سمك الاجمة مع بيع ما فيها من القصب ، ومع اصطياد شي‌ء منه وبيعه منضما الى ما فيها ، وتبعه على ذلك ابن البراج وابن حمزة.

وقال شيخنا في المختلف : والتحقيق أن نقول : المضاف الى السمك ان كان هو المقصود بالبيع ويكون السمك تابعا صح البيع والا فلا (1).

قال رحمه‌ اللّه : ويكره دخول المؤمن في سوم أخيه على الاظهر.

اقول : السوم في اللغة موضوع لمعان شتى ، وفي الشرع عبارة عن الزيادة في ثمن المبيع بعد انتهاء المزايدة وسكون نفس كل من المتبايعين على البيع بذلك الثمن.

اذا عرفت هذا ، فنقول : اختلف الاصحاب هنا ، فذهب الشيخ الى التحريم وأتبعه المتأخر ، عملا بقوله عليه ‌السلام « لا يسوم الرجل على سوم أخيه (2)» وهذا خبر أقيم مقام النهي ، كما في قوله عليه ‌السلام « لا شفاء في محرم (3)» والنهي يدل على التحريم ظاهرا ، والمصنف اختار الجواز على كراهية ، عملا بأصالة الاباحة.

قال رحمه‌ اللّه : وأن يتوكل حاضر لباد ، وقيل : يحرم ، والاول أشبه.


1) المختلف ص 209 كتاب التجارة.

2) رواه الصدوق فى الحديث المناهى فى من لا يحضره الفقيه.

3) عوالى اللئالى 2 / 149 و 333.

اقول : التحريم ذهب إليه الشيخ في المبسوط (1)والخلاف (2)، نظرا الى ظاهر الخبر (3)، والكراهية ذهب إليها الشيخ في النهاية ، عملا بالاصل واختاره المصنف.

قال رحمه‌ اللّه : والخيار فيه على الفور ، وقيل : لا يسقط الا بالاسقاط ، وهو أشبه.

أقول : انما كان الثاني أشبه ، لان الخيار حق يتملك ، فلا يسقط بالتأخير ، كغيره من الحقوق.

قال رحمه‌ اللّه : الاحتكار مكروه ، وقيل : حرام ، والاول أشبه.

أقول : القول الاول ذهب إليه الشيخ في النهاية (4)والمبسوط والمفيد في المقنعة ، وأتبعهما سلار ، والمستند التمسك بالاصل.

والقول الثاني ذهب إليه ابن بابويه وابن البراج وأحد قولي أبي الصلاح وظاهر كلام المتأخر ، والمستند ورود النهي عنه ، والنهي للتحريم ظاهرا.

قال رحمه‌ اللّه : ويجبر المحتكر على البيع ولا يسعر عليه وقيل : يسعر ، والاول أظهر.

اقول : لا خلاف في الاجبار على البيع ، لما في المنع من الضرر المنفي شرعا.

وانما الخلاف في التسعير ، فذهب الشيخ الى أنه لا يسعر عليه ، وأتبعه المتأخر وابن البراج ، عملا بالاصل ، ولان في التسعير منعا عن التسلط في المال فيكون منفيا ، لقوله عليه ‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم » وفي روايات باقي الاصحاب ما يدل على المنع من ذلك أيضا.

وقال المفيد بالثاني ، لكن بشرط أن لا يخسر أربابها فيها ، وأتبعه سلار ،


1) المبسوط 2 / 160.

2) الخلاف 1 / 581 مسألة 281.

3) تهذيب الاحكام 7 / 158.

4) النهاية ص 374.

وأوجب ابن حمزة مع الاجحاف ومنعه مع عدمه ، وهو اختيار الراوندي ، ولعله الاقرب.

البحث الثانى : ( فى ذكر الترددات المذكورة فى فصل الخيار )

اشارة

قال رحمه‌ اللّه : ولو خيره فسكت ، فخيار الساكت باق ، وكذا الاخر. وقيل : فيه يسقط. والاول أشبه.

أقول : انما كان أشبه لقوله عليه ‌السلام « البيعان بالخيار ما لم يفترقا » (1)ولانه انما اسقط خياره على تقدير رضا الاخر ولم يحصل ، فيكون خياره باقيا ، اذ لا يمكن حصول المشروط بدون الشرط.

قال رحمه‌ اللّه : وخيار الحيوان ثلاثة للمشتري خاصة على الاظهر.

اقول : ذهب السيد المرتضى قدس اللّه روحه الى أن هذا الخيار ثبت للمتبايعين معا ، والحق الاول.

لنا - أصالة عدم ثبوت الخيار ، ترك العمل بها في صورة ثبوته للمشتري ، لوجود الدليل الدال على ثبوته له ، فيبقى معمولا بها فيما سواه (2).

قال رحمه‌ اللّه : من باع ولم يقبض الثمن ولا سلم المبيع - الى قوله : ولو تلف كان من مال البائع في الثلاثة وبعدها على الاشبه.

اقول : لا خلاف في أن تلف هذا المبيع بعد الثلاثة من مال البائع ، وانما الخلاف في تلفه في أثناء الثلاثة ، فذهب الشيخ المفيد قدس اللّه روحه الى أنه


1) مسند أحمد بن حنبل 2 / 73.

2) فى « س » : عداه.

يكون من مال المشتري. والحق أنه من مال البائع في الحالين.

لنا - قوله عليه ‌السلام : كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.

واعلم أن تفصيل الشيخ في النهاية (1)في صورة حصول التلف بعد القبض غير وارد للزوم البيع بالقبض.

قال رحمه‌ اللّه : المبيع يملك بالعقد ، وقيل : به وبانقضاء الخيار. والاول أظهر.

اقول : القول الاخير مذهب الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (2)والخلاف (3).

والحق الاول ، للاتفاق على تسويغ التصرف المستلزم للملك ، ويستحيل وجود الملزوم من حيث أنه ملزوم بدون اللازم.

قال رحمه‌ اللّه : خيار الشرط يثبت من حين التفرق ، وقيل : من حين العقد ، وهو أشبه.

اقول : القول الاول مذهب الشيخ رحمه‌ اللّه ، وأتبعه المتأخر. وانما كان الثاني أشبه ، لان اطلاق المدة يقتضي الاتصال بالعقد.

قال رحمه‌ اللّه : والحدارة.

اقول : المراد بالحدارة هنا الغلظ ، ومنه الحادر للممتلئ.

قال رحمه‌ اللّه : ولو امتنع من أخذ حقه ، ثم هلك من غير تفريط ولا تصرف من المشتري ، كان من مال البائع على الاظهر.

اقول : أوجب الشيخ رحمه‌ اللّه : تسليم الحق الى الامام أو نائبه ليحفظه للمستحق ، هذا مع امتناع المستحق من قبضه أو ابراء ذمة من عليه منه ، وهو


1) النهاية ص 388.

2) المبسوط 2 / 86.

3) الخلاف 1 / 513.

ظاهر كلام المتأخر ، وما ذكره المصنف في المتن مذهب الشيخ في النهاية (1)وعليه الاكثر. والحق ما قاله في المبسوط (2)مع امكان الوصول الى الحاكم.

قال رحمه‌ اللّه : وفي دخول المفاتيح تردد ، ودخولها أشبه.

اقول : منشؤه : النظر الى كونها منقولة ، فلا يدخل في المبيع كغيرها ، ولان العقد انما وقع على الدار ، وليست المفاتيح جزءا منها.

والالتفات الى أن تسليم المبيع واجب ، ولا يتم الا بالمفاتيح ، ولقضاء العادة بدخولها.

قال رحمه‌ اللّه : الاحجار المخلوقة في الارض والمعادن تدخل في [ بيع ] الارض ، لانها من أجزائها ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة بقاء الملك على مالكه ، فلا يدخل الا ما وقع عليه العقد ، وليس الا الارض.

والالتفات الى كون ذلك جزءا منها فيدخل ، وهو فتوى الشيخ في المبسوط (3).

واعلم أن هذا التردد ضعيف جدا ، اذ لا يصدق اسم الارض على ذلك أصلا فلا يدخل قطعا ، الا أن عادة هذا الشيخ رحمه‌ اللّه التردد لمكان الخلاف ، وان لم يكن للقول الاخر وجه.

قال رحمه‌ اللّه : فان امتنعا من التسليم أجبرا ، وان امتنع أحدهما أجبر الممتنع وقيل : يجبر البائع أولا ، والاول أشبه.


1) النهاية ص 388.

2) المبسوط 2 / 190.

3) المبسوط 2 / 106.

اقول : القول الاخير مذهب الشيخ في المبسوط (1)والخلاف (2)، وأتبعه ابن البراج.

والقول الثاني ظاهر كلام أبي علي. وانما كان أشبه ، لان حال ما ينتقل المبيع الى المبتاع ينتقل الثمن الى البائع.

قال رحمه‌ اللّه : والقبض هو التخلية - الى قوله : والاول أشبه.

اقول : انما كان أشبه ، لانه قد استعمل في التخلية اجماعا ، فلا يستعمل في غيرها ، دفعا للاشتراك والمجاز اللذين هما على خلاف الاصل.

قال رحمه‌ اللّه : ولو نقصت قيمة المبيع بحدث فيه قبل قبضه ، كان للمشتري رده ، وفي الارش تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة البراءة ، ترك العمل بها في صورة حصول تلف المبيع جميعا قبل القبض ، للنص والاجماع ، فيبقى معمولا بها فيما عداه وهو فتوى الشيخ في الخلاف (3)، وقواه المصنف في النكت.

والالتفات الى أن الممتنع جميعا مضمون على البائع فكذا بعضه ، لاستلزام الكل جزؤه. وعلى هذا الدليل ذكره العلماء في سور السالبة الجزئية والمهملة أيضا ليس هذا موضع ذكره. وأجابوا عنه بجواب شاف.

قال رحمه‌ اللّه : وان لم يكن له قسط من الثمن - الى آخره.

أقول : هذه المسألة تدل على أنه يختار أن لا أرش فيما يحدث بعد البيع وقبل القبض.

قال رحمه‌ اللّه : لو باع شيئا فغصب - الى قوله : ولا يلزم البائع أجرة المدة


1) المبسوط 2 / 190.

2) الخلاف 1 / 598.

3) الخلاف 1 / 598.

على الاظهر.

أقول : منشأ الخلاف في هذه المسألة : من كون المبيع مضمونا على البائع الى حين تسليمه الى المشتري ، فيجب عليه ضمان المنفعة ، لانها تابعة لضمان العين ، وهو المراد بالاجرة. ومن أصالة البراءة ، ولان الغاصب هنا مباشر ، فيكون الضمان عليه فقط.

قال رحمه‌ اللّه : من ابتاع شيئا ولم يقبضه كره له بيعه - الى قوله : والاول أشبه.

أقول : القول الاول مذهب شيخنا المفيد قدس اللّه روحه والشيخ ، عملا بالاصل ، وتنزيلا للروايات على الكراهية ، لمعارضتها عموم القرآن ومنافاتها الاصل.

والقول الثاني ذكره في المبسوط (1)مدعيا للاجماع.

قال رحمه‌ اللّه : وكذا لو دفع إليه مالا - الى قوله : وفيه تردد.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ رحمه‌ اللّه ، وتبعه ابن البراج ، بناء على أن الشخص الواحد لا يجوز أن يكون موجبا قابلا ، وهي قضية ممنوعة ، وشيد المنع التمسك بمقتضى الاصل.

قال رحمه‌ اللّه : ولو باعه أرضا على أنها جربان معينة وكانت أقل ، فالمشتري بالخيار بين فسخ البيع وأخذها بحصتها من الثمن ، وقيل : [ بل ] بكل الثمن. والاول أشبه.

أقول : ان كان للبائع أرض بجنب تلك الارض ، وجب عليه أن يوقته تمام ما باعه منها ، تعويلا على رواية عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (2). وفيها ضعف لضعف سندها.


1) المبسوط 2 / 119.

2) تهذيب الاحكام 7 / 153 ، ح 24.

والقول الثاني ذهب إليه الشيخ في المبسوط ، وتبعه ابن البراج ، لان العقد انما وقع على هذا الثمن ، فلا يجوز نقضه للآية ، ويؤيده الاصل والاستصحاب.

وتقريره أن هذا الثمن كان ثابتا في ذمة المشتري قبل ظهور النقض فكذا بعده عملا بالاستصحاب. والاول أشبه عند المصنف ، لاعتماده على الرواية ، واعتضاده بالاصل الدال على براءة الذمة ، ترك العمل به في صورة عدم ظهور النقصان ، فيبقى معمولا به فيما عداه.

قال رحمه‌ اللّه : وكل ما يشترطه المشتري على البائع - الى آخره.

اقول : قال الجوهري : تأشير الاسنان تحزيزها وتحديد أطرافها يقال : بأسنانه أشر وأشر ، مثال شطب السيف وشطبه (1). والزجج دقة الحاجبين وطولها ، قال الشاعر :

اذا ما الغانيات خرجن يوما *** وزججن الحواجب والعيونا

قال الجوهري : أي وكحلن العيونا ، كما قال الاخر :

وعلقتها تبنا وماء باردا (2)

قال رحمه‌ اللّه : وتثبت التصرية في الشاة قطعا ، وفي الناقة والبقرة على تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أصالة لزوم البيع ، ترك العمل بها فيما عداها.

والالتفات الى أن العلة المقتضية لثبوت الخيار - وهي فوات معظم الفائدة المطلوبة منها ، أعني : اللبن - موجود هنا ، فيثبت الحكم عملا بالمقتضي ، وبه أفتى الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (3)والخلاف (4)مدعيا للاجماع وأبو علي ،


1) صحاح اللغة 2 / 579.

2) صحاح اللغة 1 / 319.

3) المبسوط 2 / 125.

4) الخلاف 1 / 551.

وتبعهما ابن البراج والمتأخر.

ويؤيده قوله عليه ‌السلام « من ابتاع محفلة فله الخيار ثلاثة أيام » (1)والمحفلة تقع على الناقة والبقرة اللتين ترك حلبها ربها تدليسا ، لوقوعه على الشاة من غير ترجيح.

قال رحمه‌ اللّه : تحمير الوجه ووصل الشعر تدليس ، يثبت به الخيار دون الارش. وقيل : لا يثبت به الخيار ، والاول أشبه.

اقول : القولان للشيخ رحمه‌ اللّه تعالى. وانما كان الاول أشبه ، لان التحمير والوصل تدليس اجماعا ، فيثبت معه الخيار كغيره.

ومستند القول الثاني التمسك بأصالة لزوم البيع ، وأصالة عدم كونه موجبا للخيار ، والاصل يخالف للدليل وقد بان.

قال رحمه‌ اللّه : اذا حدث العيب - الى آخره.

اقول : قد سبق البحث في هذه المسألة.

قال رحمه‌ اللّه : من باع غيره متاعا - الى آخره.

اقول : قد تقدم أيضا البحث في هذه.

قال رحمه‌ اللّه : ويجوز بيع المتجانسين وزنا بوزن نقدا. ولا يجوز مع زيادة ولا يجوز اسلاف أحدهما في الاخر على الاظهر.

أقول : هذا القول هو المشهور ، ويؤيده قوله عليه ‌السلام « انما الربا في النسيئة » (2)قال الشيخ في الخلاف : يجوز بيع بعض الجنس ببعض متماثلا يدا بيد ويكره نسيئة (3).

وليس بصريح في الكراهية ، اذ قد يطلق على المحرم اسم المكروه ، كما


1) سنن ابن ماجة 2 / 753 ، برقم : 2240.

2) سنن ابن ماجه 2 / 754 ، برقم : 2257.

3) الخلاف 1 / 524 مسألة 65.

بيناه أولا في هذا الكتاب ، وكثيرا ما يستعمل هو رحمه‌ اللّه ذلك في هذا الكتاب.

قال رحمه‌ اللّه : ولو اختلف الجنسان جاز التماثل والتفاضل نقدا ، وفي النسيئة تردد ، والاحوط المنع.

اقول : منشؤه : النظر الى أصل الجواز ، ويؤيده قوله عليه ‌السلام « اذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم (1)» وبه أفتى الشيخ في النهاية (2)والمبسوط (3)، وتبعه ابن حمزة والمتأخر.

والالتفات الى قوله عليه ‌السلام « انما الربا في النسيئة » وبه أفتى شيخنا المفيد وجماعة من الاصحاب.

قال رحمه‌ اللّه : والحنطة والشعير جنس واحد في الربا على الاظهر ، لتناول اسم الطعام لهما.

اقول : قد نازع المتأخر في كونهما جنسا واحدا ، وشنع تشنيعا عظيما. ولا التفات الى تشنيعه ، مع ورود الاخبار الصريحة الصحيحة المشهورة ، المؤيدة بعمل أكثر الاصحاب.

قال رحمه‌ اللّه : والخلول تتبع ما تعمل منه - الى قوله : ويجوز التفاضل بينهما نقدا ، وفي النسيئة تردد.

اقول : قد تقدم بحث هذه.

قال رحمه‌ اللّه : ويجوز بيع المعدود متفاضلا ، كالثوب بالثوبين ، والبيضة بالبيضتين والبيض نقدا ، وفي النسيئة تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أصالة الجواز ، ويعضده عموم الآية.


1) عوالى اللئالى 2 / 253 و 3 / 221.

2) النهاية ص 377.

3) المبسوط 2 / 89.

والالتفات الى قوله عليه ‌السلام « انما الربا في النسيئة (1)» وبه أفتى جماعة من الاصحاب رضوان اللّه عليهم.

قال رحمه‌ اللّه : ويثبت الربا في الطين الموزون كالارمني على الاشبه.

أقول : قال الشيخ في الخلاف : الطين الذي يأكله الناس حرام لا يحل أكله ولا بيعه (2)فعلى هذا لا معنى لثبوت الربا فيه وتبعه القاضي عبد العزيز.

وقال في المبسوط : يثبت الربا في الارمني فقط ، لانه من الموزون (3)، واختاره المصنف.

وانما كان أشبه ، لتناول أدلة تحريم الربا له ، ولان مع اعتماده تحصل البراءة قطعا ، بخلاف ما لم يعتمد.

قال رحمه‌ اللّه : وفي بيع الرطب بالتمر تردد ، والاظهر اختصاصه بالمنع ، اعتمادا على أظهر الروايتين.

اقول منشأ التردد : النظر الى الاصالة وعموم الآية ، وبه قال الشيخ في موضع من المبسوط (4)، واختاره المتأخر مشنعا على الشيخ تشنيعا لا طائل تحته ، وبه رواية عن الصادق عليه ‌السلام (5).

والالتفات الى رواية الحلبي عنه عليه ‌السلام (6)، وعليها الاكثر. والاولى ضعيفة السند فلا يصح التمسك بها.

قال رحمه‌ اللّه : اذا كانا في حكم الجنس الواحد ، وأحدهما مكيل والاخر


1) سنن ابن ماجة 2 / 754 ، برقم : 2257.

2) الخلاف 1 / 526 مسألة 69.

3) المبسوط 2 / 90.

4) المبسوط 2 / 93.

5) تهذيب الاحكام 7 / 97 ، ح 23.

6) تهذيب الاحكام 7 / 94 ، ح 4.

موزون ، كالحنطة والدقيق ، فبيع أحدهما بالآخر وزنا جائز ، وفي الكيل تردد ، والاحوط تعديلهما بالوزن.

اقول : منشؤه : النظر الى أصل الجواز ، ويؤيده عموم الآية.

والالتفات الى أن المساواة شرط في جواز هذا البيع ولم يحصل قطعا ولا ظاهرا ، وهو فتوى الشيخ وتبعه ابن البراج والمتأخر.

قال رحمه‌ اللّه : بيع العنب بالزبيب جائز - الى آخره.

اقول : هذا الخلاف مبني على أن القياس المنصوص على علته هل هو حجة أم لا؟ فان قلنا انه حجة - وهو اختيار الشيخ رحمه‌ اللّه في بعض أقواله ومنقول عن شيخنا المفيد - لم يجز البيع ، وإلا جاز.

وتحقيق القولين في أصول الفقه ، فليطلب من هناك.

قال رحمه‌ اللّه : ويثبت الربا بين المسلم والذمي على الاظهر.

اقول : للاصحاب في هذه المسألة قولان : الثبوت ، اختاره الشيخ رحمه‌ اللّه وتبعه ابن البراج والمتأخر ، عملا بعموم النهي عن الربا ، وهذا جزئي من جزئياته ، فيكون داخلا تحته ولان أموال أهل الذمة معصومة.

وعدمه ، اختاره شيخنا المفيد وعلم الهدى وابنا بابويه ، عملا بالاصل ، ترك العمل به في غير هذه الصورة ، فيبقى معمولا به فيها ، وبه رواية (1)، والاصل يخالف للدليل ، والرواية شاذة ، فلا ينهض معارضة لعموم القرآن والروايات.

قال رحمه‌ اللّه : والتقابض في المجلس شرط في صحة الصرف ، فلو افترقا قبله بطل على الاشهر.

أقول : لا أعرف مخالفا في هذه المسألة ، الا ابن بابويه فانه لا يشترط التقابض في المجلس ، فلا يفتي بالبطلان ، عملا بروايات ضعيفة تعارضها روايات صحيحة


1) من لا يحضره الفقيه 3 / 278.

كثيرة مؤيدة بعمل اكثر الاصحاب.

قال رحمه‌ اللّه (1): اذا اشترى دراهم بمثلها في الذمة - الى قوله : وله المطالبة بالبدل قبل التفرق قطعا ، وفيما بعد التفرق تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أصالة لزوم العقد ، فلا يكون له المطالبة بالابدال ترك العمل بها في الصورة الاولى ، لعدم انعقاد العقد شرعا ، فيبقى معمولا بها في الصورة الثانية ، ولان العقد لم يتناول البدل ، فلا يكون له المطالبة ، اذ لم يثبت غيره ناقلا شرعا.

والالتفات الى أن العقد انما وقع على دراهم صحيحة ثابتة في الذمة ولم يحصل فيكون له المطالبة بالصحيحة ، وهو المراد بقوله تعالى « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » (2)أوجب الوفاء بالعقود ، ولا نعني بالوفاء بها الا الاتيان بمقتضاها ، وهذا من جملة مقتضاها فيكون واجبا على البائع ، فكانت المطالبة بالبدل سائغة للمشتري ، وهو اختيار الشيخ وابن حمزة.

قال رحمه‌ اللّه : روي جواز بيع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم ، وهل يعدى الحكم؟ الاشبه لا.

اقول : اعلم أن الربا ثابت في هذه المسألة ، اذ هو بيع المتجانسين مع زيادة في أحدهما ، وهذا المعنى موجود هنا ، لكن الاصحاب اعتمدوا في تسويغ ذلك على الرواية المروية عن الصادق عليه ‌السلام (3). وهي صحيحة السند ، وصاحب الوسيلة منع من ذلك ، اعتمادا على عموم الآية والروايات ، والمتأخر تردد في العمل بالرواية.

اذا عرفت هذا فنقول : هل يتعدى الحكم؟ أي : هل يجوز اشتراط صياغة


1) كذا فى « س » وفى « م » : دام ظله.

2) سورة المائدة : 1.

3) تهذيب الاحكام 7 / 110 ، ح 77.

غير الخاتم؟ الوجه لا ، اقتصارا على مورد النص ، وتمسكا بعموم الآية ، وجوزه الشيخ رحمه‌ اللّه. وهو ضعيف ، اذ التعدي قياس ، وهو عنده باطل ، وتوجيه المتأخر لكلام الشيخ يعطي جواز ذلك ، وضعفه ظاهر ، فالاعراض عنه جدير.

قال رحمه‌ اللّه : أما النخل ، فلا يجوز بيع ثمرته قبل ظهورها عاما ، وفي جواز بيعها كذلك عامين [ فصاعدا ] تردد ، والمروي الجواز.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل الدال على جواز البيع ، ترك العمل به في الصورة الاولى ، للاتفاق على المنع فيها ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، ويؤيده عموم الآية ، والرواية المروية عن الصادق عليه ‌السلام (1)، وبه أفتى صاحب المقنع (2).

والالتفات الى تحقق الغرر المنهي عنه شرعا هنا ، فلا يصح البيع وعليه الاكثر حتى أن المتأخر ادعى عليه الاجماع ، ونسب القائل بذلك الى الغلط.

قال رحمه‌ اللّه : ولو بيعت عاما من دون الشروط الثلاثة ، قيل : لا يصح ، وقيل : يكره ، وقيل : يراعى السلامة والاول أظهر (3).

اقول : القول الاول مذهب الشيخ رحمه‌ اللّه في أكثر كتبه ، ومستنده الروايات.

والثاني مذهب شيخنا المفيد قدس اللّه روحه ، وهو القول الثاني للشيخ رحمه‌ اللّه ، واختاره المتأخر ، ومستنده التمسك بالاصل وعموم الآيات والاخبار ، وبه رواية مروية عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (4). وهو قوي ، اذ فيه توفيق بين الروايات.

والثالث منقول عن سلار.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أدركت ثمرة بستان لم يجز بيع [ ثمرة ] البستان الاخر


1) تهذيب الاحكام 7 / 85 ، ح 8.

2) المقنع ص 123.

3) فى الشرائع : أشهر.

4) تهذيب الاحكام 7 / 86.

ولو ضم إليه ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصالة ، ويؤيدها عموم الآية والرواية المروية عن الصادق عليه ‌السلام (1)، ولان أحد شروط الجواز هنا موجود ، فيصح البيع.

أما الاولى ، فلان البستان المدرك يصح كونه ضميمة ، وهي أحد الشروط المقتضية للجواز. وأما الثانية ، فاتفاقية.

والالتفات الى أن بعض المبيع مجهول ، وهو مقصود بالبيع ، فلا يصح البيع حينئذ ، وهو فتوى الشيخ في المبسوط (2)والخلاف (3).

قال رحمه‌ اللّه : وأما الاشجار - الى آخره.

أقول : هذه اشارة الى ما ذكره الشيخ في المبسوط (4)من اشتراط زيادات اخر في بدو صلاح ثمرة الشجرة ، سوى ما ذكره. وانما كان أشبه للاصل ، والاقتصار على مورد النقل.

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان التلف بعد القبض وهو التخلية ، لم يرجع على البائع بشي‌ء على الاشبه.

أقول : للشيخ قول بالرجوع ، وانما كان أشبه لقوله عليه ‌السلام « الخراج بالضمان » (5).

قال رحمه‌ اللّه : وتملك المرأة كل أحد ، عدا الاباء وان علوا ، والاولاد وان سفلوا نسبا ، وفي الرضاع تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أصالة جواز التملك ، خرج عنه الصورة الاولى للاتفاق عليها ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، وهو فتوى المفيد والمتأخر وقدماء


1) تهذيب الاحكام 7 / 85.

2) المبسوط 2 / 114.

3) الخلاف 1 / 542.

4) المبسوط 2 / 113.

5) المبسوط 2 / 126.

علمائنا.

والالتفات الى قوله عليه ‌السلام « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » (1)والتحريم المضاف الى الاعيان يفيد تحريم الفعل المقصود من تلك الذات ، وهو اختيار الشيخ والقول الاخر للمفيد.

قال رحمه‌ اللّه : اذا حدث في الحيوان عيب - الى آخره.

أقول : قد سبق تحقيق هذا البحث.

قال رحمه‌ اللّه : ولو حدث فيه بعد القبض عيب من غير جهة المشتري لم يكن ذلك العيب مانعا من الرد بأصل الخيار ، وهل يلزم البائع أرشه؟ فيه تردد والظاهر لا.

اقول : منشؤه : من حيث أنه مضمون على البائع ، وضمان الجملة يستلزم ضمان الابعاض. ومن أن فوائده للمشتري ، فيكون ضمانه عليه ، عملا بقوله عليه ‌السلام : الخراج بالضمان (2).

قال رحمه‌ اللّه : ولو باع الحامل ، فالولد للبائع على الاظهر ، الا أن يشترطه المشتري.

اقول : هذا هو المشهور ، وذهب الشيخ في المبسوط (3)الى دخول الحمل في بيع الحامل ، بناء على انه جزء منها ، وتبعه ابن البراج ، ونحن نمنع ذلك.

قال رحمه‌ اللّه : ولو قال له : الربح لنا ولا خسران عليك ، فيه تردد ، والمروي الجواز.

أقول : منشؤه : النظر الى قوله « المؤمنون عند شروطهم » (4)وهذا شرط ،


1) عوالى اللئالى 1 / 44.

2) المبسوط 2 / 126.

3) المبسوط 2 / 126.

4) عوالى اللئالى 1 / 235 و 293 و 2 / 275.

فيجب الوفاء به ، خصوصا مع وجود الرواية المروية عن أبي الحسن موسى عليه ‌السلام (1)بتسويغ ذلك ، وعليها فتوى الشيخ رحمه‌ اللّه في النهاية (2).

والالتفات الى أن الربح والخسران تابعان للاموال ، فلا يصح وضعهما على أحدهما دون الاخر ، اذ لا أولوية ، وهو فتوى المتأخر.

قال رحمه‌ اللّه : ويكره وطئ من ولد من الزنا بالملك والعقد ، على الاظهر.

أقول : قد نازع المتأخر في جواز وطئ من ولد من الزنا ، بناء على أن ولد الزنا كافر. ونحن نمنع دعواه ، ونطالبه بدليل ما ادعاه.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يقوم الجارية الموطوءة على الشريك بنفس الوطي على الاصح.

اقول : اعلم أن الشيخ رحمه‌ اللّه أوجب التقويم بنفس الوطي ، عملا برواية يونس عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (3). وهي ضعيفة السند.

وانما كان الاول أصح ، لاصالة براءة الذمة ، ولان التقويم خلاف مقتضى الاصل ، ترك العمل به في صورة الحبل ، فيبقى معمولا به في غيرها. نعم لو كانت بكرا كان عليه أرشها ، وهو ما بين قيمتها بكرا وثيبا.

وفي هذه المسألة بحث طويل أضربنا عنه خوف الاطالة.

قال رحمه‌ اللّه : ويجوز اشتراط الجيد والردي ، ولو شرط لم يصح لتعذره وكذا لو شرط الاردء ، ولو قيل في هذا بالجواز كان حسنا ، لامكان التخلص.

اقول : القول الاول مذهب الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (4). والثاني خرجه


1) تهذيب الاحكام 7 / 71 ، ح 18.

2) النهاية ص 411.

3) تهذيب الاحكام 7 / 72 ، ح 23.

4) المبسوط 2 / 175.

المصنف رحمه‌ اللّه ، لامكان التخلص بدفع الردي‌ء ، اذ هو أعلى صفة من الاردى ضرورة ، فيجب قبوله على المشترى.

قال شيخنا دامت فضائله : هذا القول ليس بجيد ، لان الشيخ رحمه‌ اللّه لم يبطله من حيث تعذر التسليم ، بل من حيث الجهالة ، فان الاردء لا ينضبط بالوصف ، فلهذا المعنى أبطله الشيخ خصوصا وقد بين رحمه‌ اللّه ذلك ، فقال : لو شرط الاجود والاردء لم يصح ، لانه لا يوقف عليه.

قال رحمه‌ اللّه : وفي جواز الاسلاف في الجلود تردد ، وقيل : يجوز مع المشاهدة ، وهو خروج عن السلم.

اقول : منشؤه : النظر الى عموم قوله تعالى « وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ » (1)وهذا جزئي من جزئياته ، فيدخل تحته.

والالتفات الى أن الجلود مما لا يمكن ضبطها بالوصف ، لاختلاف خلقته ، فلا يصح السلم فيها ، وهو أحد قولي الشيخ.

وأما التفصيل فشي‌ء ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه ، وهو مروي عن أهل البيت عليهم ‌السلام وهو خارج عن موضع النزاع ، اذ السلم ابتياع مال مضمون الى أجل معلوم كما حده المصنف.

قال رحمه‌ اللّه : وفي الاسلاف في جوز القز تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى مقتضى الاصل والآية.

والالتفات الى أن جوز القز مشتمل على ما لا يصح بيعه ، فلا يصح بيعه. أما الاولى ، فلانه مشتمل على الدود الذي لا يصح بيعه. أما حيا فلانه لا منفعة فيه بل يفسده ، لانه يقرض القز ويخرج منه. وأما ميتا ، فللنهي عن بيع الميتة وللاولوية. وأما الثانية فظاهرة ، اذ التقدير أن الاسلاف وقع على القز المشتمل على الدود.


1) سورة البقرة : 275.

لا يقال : لو لم يجز الاسلاف في ذلك ، لم يجز الاسلاف في الثمرة المشتمل على النوى ، والتالي باطل اجماعا. فالمقدم مثله. بيان الشرطية : أن اشتمال البيع على ما لا يصح بيعه ان كان مانعا من انعقاد البيع على المجموع كان مانعا في الموضعين وان لم يكن مانعا جاز البيع في الموضعين ، اذ التقدير أنه لا يبايع نواه.

لانا نقول : نمنع عدم صحة بيع النوى ، وما الدليل على ذلك؟ سلمنا لكن النوى وان لم يكن فيه منفعة ، فانه لا مفسدة فيه فافترقا ، فبطل القياس.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يشترط ذكر موضع التسليم على الاشبه ، وان كان في حمله مئونة.

اقول : أوجب الشيخ رحمه‌ اللّه في الخلاف (1)والمبسوط (2)ذكر موضع التسليم ، ان كان لنقل المسلم فيه أجرة ، عملا بالاحتياط ، اذ مع ذكره يحكم بالصحة قطعا ، بخلاف ما لو لم يذكر ، وأتبعه ابن حمزة ، وأنكره المتأخر ، ورجحه المصنف ، لاستناده الى أصالة البراءة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو دفع خمسين وشرط الباقي من دين له على المسلم إليه صح فيما دفع ، وبطل فيما قابل الدين ، وفيه تردد.

أقول : هذا التردد مبني على أن ثمن المسلم فيه هل يجوز أن يكون من دين على المسلم إليه أم لا ، فان قلنا بالجواز صح في الجميع ، والاصح في المقبوض ويبطل في الباقي.

قال رحمه‌ اللّه : اذا تقايلا - الى قوله : وفيه وجه آخر.

اقول : الذي سمعت (3)من شيخنا وقت القراءة عليه أن المراد بالوجه الاخر هنا عدم صحة التقايل لفقد العوض المتقايل عليه.


1) الخلاف 1 / 593 مسألة 9 من كتاب السلم.

2) المبسوط 2 / 173.

3) فى « س » : سمعته.

قال رحمه‌ اللّه : لا يجوز للملوك أن يتصرف في نفسه - الى قوله : وكذا لو أذن له المالك أن يشتري لنفسه ، وفيه تردد ، لانه يملك وطئ الامة المبتاعة مع سقوط التحليل في حقه.

اقول : اذا أذن المولى لمملوكه في الشراء لنفسه هل يملك بذلك؟ تردد فيه المصنف ، ومنشؤه : النظر الى عموم قوله تعالى « ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ » (1)وقد عرفت فيما مضى أن النكرة في سياق النفي يعم.

وفي الاستدلال بهذه الآية تعسف ، اذ لا يلزم من نفي القدرة على بعض المماليك نفيها عن الجميع ، وهو ظاهر.

ويمكن أن يقال : التمليك حكم شرعي ، فيقف على اذن الشرع ولا أذن هنا ، فلا ملك. واعتذر بعضهم بأن النكرة يعم لعدم مرجح فيخصصها ببعض المماليك دون بعض ، فاما أن يكون عامة للجميع وهو المطلوب ، أو لا يتناول أحدا ، وهو باطل قطعا. وفيه ضعف ظاهرة.

والالتفات الى أنه يستبيح وطئ الامة المأذون له في ابتياعها لنفسه ، ولا شي‌ء من الاسباب المبيحة للوطي موجودة هنا الا التملك ، فيلزم القول به.

أما الاولى ، فلان الاسباب المقتضية للاستباحة العقد ، وهو منتف هنا ، والتحليل ، وهو منتف أيضا ، لافتقاره الى اللفظ الدال عليه ، فلم يبق سوى الملك.

وأما الثانية ، فظاهرة ، لاستحالة وجود الملزوم من حيث هو ملزوم بدون لازمه ولو قيل بالمنع من الوطي أصلا - إلا مع صريح الاذن - كان وجها ، ولقائل أن يمنع انتفاء التحليل هنا ، اذ الاذن في الشراء مستلزم للاذن في الوطي ، وهذا انما يتأتى على قول من لم يجعل التحليل لفظا معينا.

قال رحمه‌ اللّه : ويسمع دعوى الراهن لو ادعى المواطاة على الاشهاد ويتوجه


1) سورة النحل : 75.

اليمين على المرتهن ، على الاشبه.

أقول : منشأ الخلاف في هذه المسألة : من أن ظاهر اقراره مكذب لدعواه فلا يسمع ، ومن قضاء الظاهر بما يدعيه فيسمع.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجوز تسليم المشاع الا برضا شريكه ، سواء كان مما ينقل أو لا ينقل ، على الاشبه.

أقول : ذهب بعض علمائنا الى جواز تسليم المشاع بدون اذن الشريك اذا كان مما لا ينتقل ، لانتفاء التصرف في مال الشريك الاخر حينئذ ، اذ التسليم هنا هو التخلية فقط ، والحق أنه لا يجوز ، وانتفاء التصرف في مال الشريك هنا ممنوع.

قال رحمه‌ اللّه : وفي رهن المدبر تردد ، والوجه أن رهن رقبته ابطال لتدبيره.

اقول : منشؤه : النظر الى عموم قوله عليه ‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم » (1)والمدبر مال فيصح رهنه.

والالتفات الى أن رهنه تعريض لابطال التدبير ، فلا يصح.

واعلم أن التدبير وصية يجوز الرجوع فيها اجماعا منا ، فان قصد برهن رقبته فسخ التدبير بطل التدبير وصح الرهن قطعا.

وان لم يقصد الفسخ ، فاشكال ، ينشأ : من أن نفس الرهن رجوع ، اذ فيه تسليط على البيع ، فيصح الرهن ويبطل التدبير ، ومن أنه لم يقصد الرجوع ، فيبطل الرجوع ، ويكون التدبير باقيا على صحته للاستصحاب.

قال رحمه‌ اللّه : ولو رهن الذمي عند مسلم خمرا لم يصح ، ولو وضعها على يد ذمي على الاشبه.


1) عوالى اللئالى 1 / 222 و 457 و 2 / 138 و 3 / 208.

اقول : ظاهر كلام الشيخ في المبسوط (1)والخلاف (2)يقتضي الجواز مع وضعها على يد الذمي ، وليس بجيد ، لان الذمي هنا وكيل للمسلم ، وكما لا يصح منه الارتهان مباشرة فكذا استنابة لانه أولى.

قال رحمه‌ اللّه : ويصح رهن العبد الجاني خطا ، وفي العمد تردد.

اقول : البحث في هذه قريب من البحث في مسألة بيعه وقد سبق.

قال رحمه‌ اللّه : واذا شرط المرتهن الوكالة في العقد لنفسه أو لغيره أو وضع الرهن على يد عدل معين لزم ، ولم يكن للراهن فسخ الوكالة ، على تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أن الوكالة عقد جائز من الطرفين قبل الشرط اجماعا منا ، فيجوز للراهن فسخها ، اذ الاصل بقاء ما كان عليه.

والالتفات الى قوله عليه ‌السلام « المؤمنون عند شروطهم » (3)ولانه شرط حصل في عقد لازم ، فلا يجوز فسخه ، كغيره من الشروط الواقعة في العقود اللازمة ، وعليه الشيخ وأتباعه.

قال رحمه‌ اللّه : والمرتهن أحق باستيفاء دينه من غيره من الغرماء ، سواء كان الراهن حيا أو ميتا ، على الاشهر (4).

اقول : ذهب بعض علمائنا الى أن المرتهن مساو لغيره من الغرماء في استيفاء دينه من الرهن اذا كان الراهن ميتا وكانت التركة قاصرة عن أداء الديون ، وليس بجيد.

لنا - أن الرهن وثيقة لدين المرتهن ، ولان حقه أسبق فيكون أولى.

قال رحمه‌ اللّه : وفي صحة عتق الراهن مع الاجازة تردد ، والوجه الجواز.


1) المبسوط 2 / 223.

2) الخلاف 1 / 613 ، مسألة 52.

3) عوالى اللئالى 1 / 235 و 293 و 2 / 275 و 3 / 217.

4) فى « س » : الاظهر.

أقول : منشؤه : النظر الى أن العتق نوع تصرف ، فيكون منهيا عنه ، والنهي يدل على الفساد في العبادات ، ولا تؤثر فيه الاجازة اللاحقة لتأخرها عنه ، وهو فتوى الشيخ في المبسوط (1).

والالتفات الى أن المانع من العتق انما هو تعلق حق المرتهن به ، فاذا أسقط حقه ارتفع المانع ، وبه أفتى في النهاية (2). أما لو سبق الاذن على العتق ، صح قولا واحدا.

قال رحمه‌ اللّه : وفي صحة عتق المرتهن مع اجازة الراهن تردد ، والوجه المنع ، لعدم الملك ما لم يسبق الاذن.

أقول : منشؤه : النظر الى أن شرط صحة العتق سبق الملك ولم يحصل فيكون العتق باطلا.

والالتفات الى أن الاجازة اللاحقة دالة على الرضا بالعتق ، فيكون صحيحا.

قال رحمه‌ اللّه : ولو حملت الشجرة أو الدابة أو المملوكة بعد الارتهان كان الحمل رهنا كالاصل على الاظهر.

اقول : اختلف آراء الاصحاب هنا ، والذي اختاره المصنف مذهب الشيخ في النهاية (3)، واختار في نكت النهاية أنه لا يدخل ، وهو مذهب الشيخ في المبسوط (4)والخلاف (5)، ولعله الاقرب.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يدخل الزرع ولا الشجر ولا النخل في رهن الارض ، ولو قال بحقوقها دخل ، وفيه تردد.


1) المبسوط 2 / 206.

2) النهاية ص 433.

3) النهاية ص 434.

4) المبسوط 2 / 241.

5) الخلاف 1 / 615.

اقول : منشؤه : النظر الى أصالة عدم الرهن ، ترك العمل بها في رهن الارض لوجود اللفظ الدال على رهنها ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، ولان عقد الرهن انما تناول الارش فقط ، وليس الزرع والنخل والشجر جزءا منها. والالتفات الى ظاهر الرواية (1).

قال رحمه‌ اللّه : ولو رهن من مسلم خمرا لم يصح ، فلو انقلب في يده خلا فهو له على تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أن هذا الخل هو الخمر بعينه ، وانما امتاز عنه بأوصاف عارضة له ، فيكون للراهن أخذه ، لقوله عليه ‌السلام « من وجد عين ماله كان له أخذها » (2).

والالتفات الى أن الخمر لا يدخل في ملك المسلم ، بمعنى أنه لا يصح له التصرف فيه ببيع أو هبة أو غير ذلك ، فاذا رهنه خرج عن ملكه وصار كالمباح يملكه المرتهن باجازته له ، وهو فتوى الشيخ.

وفي هذا الوجه ضعف ظاهر ، فاذن الوجه الاول هو المعتمد.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أقر المفلس بعين دفعت الى المقر له ، وفيه تردد ، لتعلق حق الغرماء بأعيان أمواله.

اقول : منشؤه : النظر الى قوله عليه ‌السلام « اقرار العقلاء على أنفسهم جائز » (3).

والالتفات الى أن حق الغرماء قد تعلق شرعا بأعيان ماله ، فلا يسمع اقراره لما فيه من تضييع الحقوق الثابتة شرعا.

قال رحمه‌ اللّه : ومن وجد عين ماله كان له أخذها ، ولو لم يكن سواها. وله


1) تهذيب الاحكام 7 / 173.

2) المعجم المفهرس لالفاظ الحديث النبوى 4 / 454.

3) عوالى اللئالى 1 / 223 و 2 / 257 و 3 / 442.

أن يضرب مع الغرماء بدينه ، سواء كان وفاء أو لم يكن على الاظهر.

اقول : ذهب الشيخ في النهاية (1)والاستبصار (2)الى عدم الاختصاص مع قصور أمواله عن أداء ديونه ، لما فيه من الاضرار بباقي الغرماء ، والاول مذهب الاكثر.

لنا - قوله عليه ‌السلام : من وجد عين ماله كان له أخذها (3).

قال رحمه‌ اللّه : ولو كان النماء متصلا ، كالسمن أو الطول ، فزادت لذلك قيمته ، قيل : له أخذه ، لان هذا النماء يتبع الاصل ، وفيه تردد.

اقول : القائل بهذا القول هو الشيخ أبو جعفر رضي‌اللّه‌عنه في المبسوط ، لان النماء المتصل تابع للاصل ، أي : ينتقل بانتقاله.

وأما منشأ التردد : فالنظر الى ان الزيادة حصلت في ملك المشتري اجماعا فتكون له كالنماء المنفصل ، ولقوله عليه ‌السلام « الخراج بالضمان » (4)فحينئذ يتخير البائع بين أخذه بقيمته ، ويرد على الغرماء الفاضل من القيمة عن الثمن. وبين الضرب مع الغرماء ، كما اختاره أبو علي.

والالتفات الى أن النماء المتصل (5)تابع في أكثر صور الانتقالات ، فيكون تابعا هنا ترجيحا للاغلبية.

قال رحمه‌ اللّه : الوصف الثاني - الرشد ، وهو أن يكون مصلحا لماله ، وهل يعتبر العدالة؟ فيه تردد.


1) النهاية ص 310.

2) الاستبصار 3 / 8.

3) المعجم المفهرس لالفاظ الحديث النبوى 4 / 454.

4) عوالى اللئالى 1 / 219.

5) فى « س » : المنفصل.

اقول : منشؤه : اختلاف التفسير في الرشد المذكور في الآية ، فان بعض المفسرين فسره باصلاح المال والعدالة ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط (1)، وبعضهم فسره باصلاح المال فقط ، وعن ابن عباس انه الوقار والحلم والعقل.

قال رحمه‌ اللّه : ويعلم رشده باختباره بما يلائمه من التصرفات ، ليعلم قوته على المكايسة في المبيعات.

اقول : المكايسة بالياء المنقطة من تحتها نقطتين المغالبة.

قال الجوهري : كايسته فكسته أي : غلبته ، وهو يكايسه في البيع (2).

قال رحمه‌ اللّه : لا يثبت حجر المفلس الا بحكم الحاكم ، وهل يثبت في السفيه بظهور سفهه؟ فيه تردد ، والوجه أنه لا يثبت.

اقول : منشؤه : النظر الى كون الحجر حكما شرعيا ، فيقف على اذن الحاكم كغيره من الاحكام ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط (3).

والالتفات الى أن تحقق السبب الموجب للحجر وهو السفه.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أودعه انسان وديعة فأتلفها ، فيه تردد ، والوجه أنه لا يضمن.

اقول : منشؤه : النظر الى أصالة البراءة ، ولان المودع أتلف ماله بايداعه السفيه ، فلا يستحق عليه شيئا ، كما لو أودعه الصبي والمجنون.

والالتفات الى كونه مباشرا للاتلاف ، فيجب عليه الضمان كغيره.

قال رحمه‌ اللّه : اذا حلف السفيه انعقدت يمينه ، ولو حنث كفر بالصوم ، وفيه تردد.

أقول : لا خلاف في انعقاد يمينه مع الاولوية ، أو تساوي الطرفين. وانما


1) المبسوط 2 / 281.

2) صحاح اللغة 2 / 970.

3) المبسوط 2 / 286.

الاشكال في الاقتصار على الصوم مع الحنث الذي تجب به الكفارة.

اذا عرفت هذا فنقول : منشأ التردد : النظر الى كونه ممنوعا من التصرف في أمواله ، فلا يجوز له التكفير بغير الصوم.

والالتفات الى أن كل واحد من خصال الكفارة مأذون في فعله شرعا ، فيجوز له التكفير به ، ونمنع عموم المنع من التصرف في المال ، بل انما نمنع من انفاق المال في غير الاعراض السديدة.

قال رحمه‌ اللّه : ولا عبرة برضا المضمون عنه ، لان الضمان كالقضاء ، ولو أنكر بعد الضمان لم يبطل ، على الاصح.

اقول : قال الشيخ في النهاية : متى تبرع الضامن بالضمان وقبل المضمون له ذلك ، صح الضمان وبرأت ذمة المضمون عنه ، الا أن ينكر ذلك ويأباه ، فيبطل ضمان المتبرع ويكون الحق باقيا على أصله ، لم ينتقل عنه بالضمان (1).

وهو فتوى شيخنا المفيد ، وتبعهما ابن البراج وابن حمزة ، وانما كان الاول أصح لوجوه :

الاول : أن الضمان يجري مجرى القضاء ، فلو قضى الاجنبي دين الغريم ورضي المدين ، برأت ذمة المدين اجماعا ولم يكن له رده ، فكذا هنا.

الثاني : أن عليا عليه ‌السلام ضمن عن الميت ولو كان رضي المضمون عنه معتبرا لما صح هذا الضمان. وفيه نظر ، لاحتمال الاختصاص بالميت.

الثالث : الضمان ناقل عندنا ، فاعادة المال الى ذمة المضمون عنه بعد انتقاله الى ذمة الضامن يحتاج الى دليل شرعي.

قال رحمه‌ اللّه : والضمان المؤجل جائز اجماعا ، وفي الحال تردد ، أظهره الجواز.


1) النهاية ص 314.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل الدال على الجواز ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط (1)، وأتبعه المتأخر.

والالتفات الى أن الضمان عقد شرع للارفاق ، ولا ارفاق في الحال ، وبه أفتى الشيخ في النهاية (2)، ولقائل أن يمنع المقدمتين.

قال رحمه‌ اللّه : الثاني - في الحق المضمون ، الى قوله : وكذا ما ليس بلازم لكن يؤول الى اللزوم ، كمال الجعالة قبل فعل ما شرط ، وكمال السبق والرماية على تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى كون الجعالة عقدا جائزا من الطرفين قبل الشروع فلا يصح ضمان مالها ، اذ هو ضمان ما لم يجب ، وبه أفتى الشيخ في الخلاف (3).

والالتفات الى الآية ، وعموم قوله عليه ‌السلام « الزعيم غارم » (4)ولان في الضمان مصلحة مقصودة للعقلاء لا يمكن حصولها الا به ، فيكون مشروعا ، لقوله عليه ‌السلام « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » (5)وبه أفتى الشيخ في المبسوط (6).

وأما عقد السبق والرماية ، فان قلنا انه عقد لازم كالاجارة ، صح ضمان ماله وان قلنا انه جائز كالجعالة ، كان البحث فيه كالبحث في الجعالة.

قال رحمه‌ اللّه : وفي ضمان الاعيان المضمونة ، كالغصب والمقبوض بالبيع الفاسد تردد ، والاشبه الجواز.

اقول : منشؤه : النظر الى مقتضى الاصل ، ولان في الضمان مصلحة مقصودة


1) المبسوط 2 / 323.

2) النهاية ص 315.

3) الخلاف 1 / 639.

4) سنن ابن ماجة 2 / 804 برقم : 2405.

5) عوالى اللئالى 1 / 381.

6) المبسوط 2 / 325.

فيكون مشروعا ، اذ الاحكام تابعة للمصالح عندنا ، ولانها أعيان مضمونة فيصح ضمانها.

والالتفات الى كونها غير ثابتة في الذمة ، اذ الواجب تسليمها فقط ، فلا يصح ضمانها ، اذ معناه انتقال المال من ذمة الى أخرى ، وهذا المعنى غير متحقق هنا.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يشترط العلم بكمية المال ، فلو ضمن ما في ذمته ، صح على الاشبه.

اقول : ذهب الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)والخلاف (2)الى اشتراط العلم بكمية المال المضمون ، دفعا للغرر والجهالة ، وتبعه ابن البراج في المهذب والمتأخر ، ولم يشترطه في النهاية (3)، عملا بالاصل ، وعليه الاكثر.

قال رحمه‌ اللّه : اذا ضمن عهدة الثمن ، لزمه دركه - الى قوله : أما لو طالب بالارش رجع على الضامن ، لان استحقاقه ثابت عند العقد ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة ، ولان ضمان عهدة الثمن عبارة عن الالزام باداء الثمن مع خروج المبيع مستحقا ، وهذا المعنى غير موجود هنا.

والالتفات الى أن دفع الثمن في مقابلة المبيع يقتضي تقسطه على جميع أجزائه ، فاذا ظهر به عيب سابق تبينا أن بعض الثمن لم يكن مستحقا للبائع ، فيكون له الرجوع على الضامن.

قال رحمه‌ اللّه : اذا كان الدين مؤجلا ، فضمنه حالا ، لم يصح ، وكذا لو كان الى شهرين ، فضمنه الى شهر ، لان الفرع لا يرجح على الاصل ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصل الصحة ، ولاشتماله على المنفعة المقصودة للعباد.


1) المبسوط 2 / 323.

2) الخلاف 1 / 638.

3) النهاية ص 316.

والالتفات الى أن الضامن فرع على المضمون عنه ، فلا يجوز أن يكون المال عليه أثقل مما كان على المضمون عنه ، اذ فيه ترجيح الفرع على الاصل ، وهو فتوى الشيخ في المبسوط (1)، ولما ضعف هذا الوجه ظاهرا ، كان الاعراض عنه حقيقا.

قال رحمه‌ اللّه : ويبرأ المحيل وان لم يبرأه المحتال ، على الاظهر.

أقول : اشترط الشيخ في براءة ذمة المحيل ابراء المحتال ، عملا بالرواية (2)وعليه دل ظاهر كلام الاكثر ، ولم يعتبر المتأخر ذلك ، لان الابراء اسقاط ما في الذمة ، وبالحوالة قد حصل سقوط ما في الذمة ، فلا معنى لاشتراط الابراء ، اذ هو تحصيل للحاصل ، وأنه محال.

قال رحمه‌ اللّه : ويشترط تساوي المالين جنسا ووصفا ، تفصيا من التسلط على المحال ، اذ لا يجب أن يدفع الامثل ما عليه ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أصالة عدم الاشتراط.

والالتفات الى أن في عدم اعتبار تساوي الحقين تسلطا على المحال عليه والاضرار به ، فيكون منفيا بالآية والرواية ، فيكون التساوي معتبرا ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط (3)، وأتبعه ابن البراج وابن حمزة. وهو ضعيف ، لانا نعتبر في صحة الحوالة رضا المحال عليه ، ومع رضاه بذلك يندفع هذا المقال.

قال رحمه‌ اللّه : اذا قال أحلتك عليه فقبض ، وقال المحيل : قصدت الوكالة ، وقال المحتال : انما أحلتني بمالي عليك فالقول قول المحيل ، لانه أعرف بلفظه وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى ظاهر اللفظ ، فيكون القول قول المحتال ، لاستناده


1) المبسوط 2 / 324.

2) تهذيب الاحكام 6 / 212.

3) المبسوط 2 / 337.

الى الظاهر.

والالتفات الى أن المتكلم أعرف بكلامه وقصده ، فيكون القول قوله عملا بقوله عليه ‌السلام « وانما لامرئ ، ما نوى » (1)

قال رحمه‌ اللّه : اذا أحال المشتري البائع بالثمن ، ثم رد المبيع بالعيب السابق ، بطلت الحوالة ، لانها تتبع البيع ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى كون الحوالة عقدا ، فيجب الوفاء بها. أما الصغرى فلان العقد اسم للايجاب والقبول ، ولا بدّ من اعتبارهما فيها ، وان وقع الخلاف في اعتبار رضا المحال عليه. وأما الكبرى ، فلقوله « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » (2).

والالتفات الى كونها تابعة للبيع هنا ومرتبة عليه وقد بطل بالرد ، فيبطل ، لاستحالة وجود التابع من حيث أنه تابع بدون المتبوع.

قال رحمه‌ اللّه : وتصح الحوالة حالة ومؤجلة على الاظهر.

اقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في النهاية : ولا يصح ضمان مال ولا نفس الا بأجل معلوم (3). والحق الجواز ، عملا بأصالتي الجواز وعدم الاشتراط ، وهو اختياره فى المبسوط (4)، واختاره المتأخر.

قال رحمه‌ اللّه : ولو قال : ان لم أحضره كان علي كذا ، لم يلزمه الا احضاره دون المال. ولو قال : علي كذا الى كذا ان لم أحضره ، وجب عليه ما شرط من المال.

أقول : حرف الشرط مقدم على الجزاء طبعا ، وتقديم الجزاء عليه لفظا جائز


1) تهذيب الاحكام 4 / 186.

2) سورة المائدة : 1.

3) النهاية ص 315.

4) المبسوط 2 / 339.

لكنه لا يخل بالمعنى ، لانه مؤخر تقديرا.

اذا عرفت هذا فنقول : الفارق في هذه المسألة ليس تقديم حرف الشرط وتأخيره كما زعم من يزعم انه ناقد خريت ، بل الفارق مستفاد من الخبر المتلقى بالقبول المأثور عن أبي عبد اللّه عليه ‌السلام (1).

قال رحمه‌ اللّه : اذا تكفل بتسليمه مطلقا ، انصرف الى بلد العقد ، وان عين موضعا لزم ، ولو دفعه في غيره لم يبرأ. وقيل : اذا لم يكن في نقله كلفة ولا في تسلمه ضرر وجب تسلمه ، وفيه تردد.

أقول : القائل هو الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (2)، وتبعه ابن البراج.

ومنشأ التردد : النظر الى اصالة براءة الذمة من وجوب التسليم ، ترك العمل بها في صورة تسليمه في الموضع المشروط تسليمه فيه ، فيبقى معمولا بها فيما سواها ولان تسليمه في غير الموضع المعين ليس حقا له ، فلا يجب عليه قبوله.

والالتفات الى أن في ذلك احسانا بالكفيل وارفاقا به ، ولا ضرر على المكفول فيه ، فيكون تسلمه واجبا. أما الصغرى ، فظاهرة. وأما الكبرى ، فلعموم قوله « وَأَحْسِنُوا » (3)وغير ذلك من الآيات الدالة على الامر بمساعدة الاخوان والارفاق بهم.

قال رحمه‌ اللّه : لا تصح كفالة المكاتب ، على تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أصل الصحة.

والالتفات الى أن صحة الكفالة بالنفس تابعة لصحة الكفالة بالمال الذي في ذمة الكفيل ، وضمان المال الذي في ذمة المكاتب لسيده لا يصح ، فكذا كفالته على


1) تهذيب الاحكام 6 / 210.

2) المبسوط 2 / 238.

3) سورة البقرة : 195.

تسليمه ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (1). ولقائل أن يمنع صحة ضمان المال عنه ، كما اختاره المصنف رحمه‌ اللّه.

قال رحمه‌ اللّه : ولو صالحه على دراهم بدنانير أو بدراهم صح ، ولم يكن فرعا للبيع. ولا يعتبر فيه ما يعتبر في الصرف على الاشبه.

اقول : هذه المسألة يبنى على أن الصلح هل هو عقد قائم بنفسه ، أو فرعا على غيره. فان قلنا بالاول ، وهو الذي قواه الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (2)، وعليه أكثر الاصحاب ، لم يعتبر في هذه المسألة ما اعتبر في الصرف من وجوب التقابض في المجلس.

وان قلنا بالثاني ، وهو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف (3)، حيث أورد مسألة دالة على ذلك ، أعتبر فائدة الذين قالوا : ان الصلح فرع على غيره ، فالولاية فرع على خمسة عقود : البيع والاجارة والابراء والعارية والهبة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أتلف على رجل ثوبا قيمته درهم ، فصالحه عنه على درهمين صح على الاشبه ، لان الصلح وقع عن الثوب لا عن الدرهمين.

اقول : ذهب الشيخ في الخلاف (4)الى بطلان هذا الصلح ، بناء على قاعدته ، فيفضي الى الربا حينئذ ، اذ هو بيع درهم بدرهمين.

ولما اخترنا القول الثاني لا جرم كان هذا الصلح عندنا صحيحا ، وهو اختيار المتأخر وقوله في المبسوط (5)، والمصنف سلم القاعدة ومنع ثبوت الربا حينئذ ، لان الصلح انما وقع عن الثوب دون الدرهم.


1) المبسوط 2 / 340.

2) المبسوط 2 / 289.

3) الخلاف 1 / 633.

4) الخلاف 1 / 633 مسألة 10.

5) المبسوط 2 / 290.

قال رحمه‌ اللّه : يجوز اخراج الرواشن والاجنحة الى الطرق النافذة اذا كانت عالية لا تضر بالمارة ، ولو عارض فيها مسلم ، على الاصح.

اقول : أوجب الشيخ رحمه‌ اللّه القلع مع معارضة واحد من المسلمين ، اذ الطريق حق لجميع المسلمين ، فلا يجوز الانتفاع بها مع انكار أحدهم كغيرها من الحقوق.

والحق أن القلع لا يجب ، عملا بالاصل ، اذ الطريق غير مملوكة ، فلا يكون مشتركة ، بل انما يملك منافعها ، أعني : الاستطراق والجلوس غير المضر ، وهي المشتركة بينهم.

قال رحمه‌ اللّه : ولو صالحهم على احداث روشن ، قيل : لا يصح ، لانه افراد الهواء بالبيع ، وفيه تردد.

اقول : هذا الخلاف مبني على الاختلاف في عقد الصلح ، فان جعلناه فرعا لم يصح ، والاصح.

قال رحمه‌ اللّه : اذا التمس وضع جذوعه - الى قوله : اما لو انهدم ، لم يعد الطرح الا باذن مستأنف ، وفيه قول آخر.

اقول : القول الاخر جواز الاعادة ، لان له الاستدامة فجاز له الاعادة لتساويهما

قال رحمه‌ اللّه : اذا خرجت أغصان الشجر - الى قوله : ولو صالحه على ابقائه في الهواء ، لم يصح على تردد.

اقول : البحث في هذا التردد ، كالبحث في التردد السابق ، وقد سلف.

قال رحمه‌ اللّه : لا تصح الشركة بالاعمال ، كالخياطة والنساجة ، نعم لو عملا معا لواحد بأجرة ، ودفع إليهما شيئا واحدا عوضا عن أجرتهما ، تحققت الشركة في ذلك الشي‌ء. ولا بالوجوه ، ولا شركة المفاوضة ، وانما تصح بالاموال.

اقول : أقسام الشركة أربعة :

الاول : شركة الاموال ، وهي المسماة ب- « شركة العنان » قال الشيخ في المبسوط : وانما سميت بذلك ، لانهما متساويان فيها ، ويتصرفان فيها بالسوية بينهما كالفارسين اذا سيرا دابتهما وتساويا في ذلك ، فان عنايتهما حالة السير سواء. قال الفراء : هي مشتقة من عن الشي‌ء اذا عرض ، يقال : عنت لي حاجة ، أي : عرضت ، سمي به الشركة ، لان كل واحد منهما يزعم أن له مشاركة صاحبه ، وقيل : انها مشتقة من المعاننة ، يقال : عاننت فلانا اذا عارضته بمثل ماله وفعاله ، وكل واحد من الشريكين يخرج في معارضة صاحبه بماله وتصرفه ، فيخرج مالا لصاحبه ويتصرف كتصرفه ، فسميت بذلك كذلك ، ثم قال : وهذا الاخير أصلح ما قيل فيه (1).

وقال الجوهري في الصحاح : وشركة العنان أن يشتركا في شي‌ء خاص دون سائر أموالهما ، كأنّه عنّ لهما شي‌ء فاشترياه فيشتركا فيه. قال النابغة الجعدي :

وشاركنا قريشا في تقاها *** وفي أحسابها شرك العنان (2)

وحكاه المتأخر في كتابه ، وهذه الشركة هي الصحيحة عندنا ، وباقي الاقسام بالاجماع الحاصل من الطائفة على بطلانها.

الثاني : شركة الاعمال ، ويقال : انها شركة الابدان أيضا ، وهي أن يشترك الصانعان على أن ما ارتفع لهما من كسبهما ، فهو بينهما على حسب ما يشترطانه ، وسواء كانا متفقي الصنعة ، كالنجارين والخبازين ، أو مختلفي الصنعة كالنجار والخباز.

هذا التفسير ذكره الشيخ في المبسوط (3)، وقال المتأخر : هي الاشتراك في اجرة العمل ، ومقصوده ما ذكره في المبسوط. وفيه تسامح يعلم مما ذكره المصنف في المتن ، وهذا التفسير ذكره الفقيه ابن حمزة وابن زهرة في الكيفية ، وقطب


1) المبسوط 2 / 347.

2) صحاح اللغة 6 / 2166.

3) المبسوط 2 / 348.

الدين الكيدري.

وهي باطلة عندنا ، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة : يصح مع الاتفاق والاختلاف ، الا في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد والاغتنام ، وجوز مالك في الجميع.

واحتج على بطلانها باجماع الفرقة ، وبأن العقود الشرعية تفتقر الى أدلة شرعية ، وحيث لا دلالة فلا شرع ، وبأن النبي عليه ‌السلام نهى عن الغرر ، وهذا غرر ، لان كلا منهما لا يعلم أتلف شيئا أم لا ، ولا قيمة المتلف.

الثالث : شركة الوجوه ، وهي أن يكون رجلان وجيهان في الشرف ولا مال لهما ، فيعقدان الشركة على أن يتصرف كل منهما بجاهه في ذمته ، ويكون ما ارتفع لهما بينهما.

وهذا التفسير ذكره الشيخ في المبسوط (1)، وتبعه المتأخر وابن زهرة والقطب الكيدري.

وقال الغزالي في الوجيز : هي أن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربحه ليكون له بعضه. واختاره شيخنا في القواعد (2). واحتج في الخلاف على بطلانها بما سبق في الاولى.

الرابع : شركة المفاوضة ، وهي أن يكون مالهما من كل شي‌ء يملكانه بينهما ذكره يعقوب بن السكيت ، ووافقه على ذلك مالك وأحمد واسحاق وأبو ثور ، وصححها أبو حنيفة وسفيان الثوري والاوزاعي بشروط :

الاول : أن يكون الشريكان مسلمين.

الثاني : أن يكونا حرين.


1) المبسوط 2 / 348.

2) القواعد 1 / 242.

الثالث : انفاق قدر المال الذي ينعقد الشركة في حقه ، كالدراهم والدنانير.

الرابع : أن يشارك كل منهما صاحبه فيما يكتسبه وان قل ، ومما يلزمه من الغرامات من غصب وكفالة بمال.

واحتج الشيخ في الخلاف (1)على بطلانها : بعدم الدليل الدال على الصحة وبأن الانعقاد حكم شرعي ، فيقف على مورد الشرع ولا دلالة ، فلا حكم ، ولان هذه الشروط التي ذكروها في اكتساب المال والغرامة باطلة ، فلا تصح معها الشركة ولعموم النهي عن الغرر ، ولا شك في حقيقة هذا.

فرع :

قال الشافعي : شركة المفاوضة وان كانت باطلة شرعا ، لكن لها حكم لغة.

قال رحمه‌ اللّه : لو باع أحد الشريكين سلعة بينهما ، وهو وكيل في القبض وادعى المشتري تسليم الثمن الى البائع وصدقه الشريك ، برئ المشتري من حقه ، وقبلت شهادته على القابض في النصف الاخر ، وهو حصة البائع ، لارتفاع التهمة عنه في ذلك القدر.

ولو ادعى تسليمه الى الشريك ، فصدقه البائع ، لم يبرأ المشتري من شي‌ء من الثمن ، لان حصة البائع لم تسلم إليه ولا الى وكيله والشريك ينكره ، فيكون القول قوله مع يمينه. وقيل : تقبل شهادة البائع. والمنع في المسألتين أشبه.

اقول : القائل هو الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (2)والخلاف (3)، واحتج عليه في المبسوط. لان شهادة البائع هنا لا تجر له نفعا ، ولا تدفع عنه مضرة ، فيجب قبولها. أما الصغرى ، فلان البائع يقول للمشتري : حقي ثابت عليك ، ولا يسقط


1) الخلاف 1 / 644 مسألة 5.

2) المبسوط 2 / 355.

3) الخلاف 1 / 647.

بالدفع الى شريكي. وأما حق شريكي ، فلا يرجع الي منه شي‌ء بحال أعطيته أو لم تعطه. وأما الكبرى ، فاجماعية.

واختار المصنف قبول الشهادة في الصورتين ، ولعله الانسب.

أما منع قبول شهادة الشريك على البائع فلانه شهد بقبض شي‌ء يصفه له ، ولو سمعنا شهادته فيه لاثبتنا حقه على البائع بقوله ، وجوزنا له انتزاعه منه ، وهو باطل قطعا ، والشهادة اذا منع بعضها منع سائرها ، وبه قال بعض القدماء.

وفيه نظر ، فانه لا يلزم من عدم سماعها في النصف المختص (1)به عدم سماعها في النصف الاخر ، وهو مذهب الشيخ في المبسوط (2). وأما منع قبول شهادة البائع على الشريك ، فلما في قبول هذه من دفع الضرر عنه ، اذ مع قبول الشهادة يثبت القبض ، فيختص بما يأخذه المشتري دون شريكه.

وهذا الاختصاص انما حصل باعتبار قبول هذه الشهادة ، فتكون مردودة ، لتحقق هذه التهمة المانعة من القبول.

قال (3)رحمه‌ اللّه : هل يفتقر المخير في تملك المباح الى نية التملك؟ قيل : لا ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أصالة عدم الاشتراط.

والالتفات الى كون التملك عملا يفتقر الى نية. أما الصغرى ، فظاهرة. وأما الكبرى. فلقوله عليه ‌السلام « لا عمل الا بنية » (4).

قال رحمه‌ اللّه : ولو شرط أن يشتري أصلا يشتركان في نمائه ، كالشجر والغنم قيل : يفسد ، لان مقتضاه التصرف في رأس المال ، وفيه تردد.


1) فى « س » : المخصص.

2) المبسوط 2 / 357.

3) الصحيح تقدمه على « قال » ما قبله.

4) تهذيب الاحكام 4 / 186.

اقول : القائل هو الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)، وأتبعه المتأخر.

وأما التردد ، فمنشؤه : النظر الى الاصل الدال على الجواز.

والالتفات الى كونه شرطا منافيا لمقتضى العقد ، فيكون باطلا. أما أنه مناف لمقتضاه ، فلان مقتضى المضاربة التصرف في رأس المال. وأما بطلانه حينئذ ، فبالاجماع ، ولعله الاقرب.

قال رحمه‌ اللّه : وينفق العامل في السفر كمال نفقته من أصل المال ، على الاظهر.

اقول : ذهب الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (2)الى أنه ليس للعامل أن ينفق من مال القراض ، لا سفرا ولا حضرا ، عملا بالاصل الدال على المنع ، وأفتى به في النهاية (3)والخلاف (4)بالاول ، مستدلا بالاجماع ، واختاره المتأخر وصاحب الواسطة.

ولو قيل : النفقة الزائدة على نفقة الحضر من أصل المال والباقي من العامل كان وجها ، وهو اختيار صاحب كشف الرموز.

قال رحمه‌ اللّه : ومن شرط مال القراض أن يكون عينا ، وأن يكون دراهم أو دنانير ، وفي القراض بالنقرة تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى كونها معتبرة بالقيمة ، فلا تصح المضاربة بها ، لانها كالثياب والحيوان.

والالتفات الى كونها أصلا للدراهم ، وقد جازت المقارضة بها ، فجواز المقارضة بالنقرة أولى ، لقبح ترجيح الفرع على الاصل ولاستلزامه اياه.


1) المبسوط 3 / 198.

2) المبسوط 3 / 172.

3) النهاية ص 430.

4) الخلاف 1 / 698 مسألة 5.

قال رحمه‌ اللّه : ويلزم الحصة بالشرط دون الاجرة ، على الاصح.

اقول : ذهب الشيخ في النهاية (1)الى أن العامل ليس له من الربح شي‌ء ، وانما له اجرة المثل على رب المال فقط ، وهو اختيار شيخنا المفيد وأبي الصلاح وسلار.

والحق الاول. وهو اختيار الشيخ في المبسوط (2)والخلاف (3)والاستبصار (4)واختاره المتأخر.

لنا - وجوه : الاول : قوله تعالى « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » (5)وهذا عقد.

الثاني : المؤمنون عند شروطهم ، قال المتأخر : هذا اخبار بمعنى الامر ومعناه يجب عليهم أن يوفوا بشروطهم.

الثالث : الروايات المروية عن أهل البيت عليهم ‌السلام.

قال رحمه‌ اللّه : ولا بدّ أن يكون الربح مشاعا ، فلو قال : خذه قراضا والربح لي فسد ، ويمكن أن يجعل بضاعة ، نظرا الى المعنى ، وفيه تردد. وكذا التردد لو قال : والربح لك.

أقول : منشأ التردد في هاتين المسألتين : من العمل بظاهر اللفظ ، فيكون قراضا فاسدا.

ومن الالتفات الى المعنى ، فيكون المال على التقدير الاول بضاعة وعلى الثاني قرضا.


1) النهاية ص 428.

2) المبسوط 3 / 171.

3) الخلاف 1 / 702.

4) الاستبصار 3 / 126.

5) سورة المائدة : 1.

قال رحمه‌ اللّه : ولو شرط لغلامه حصة معهما ، صح عمل الغلام أو لم يعمل ولو شرط لاجنبي وكان عاملا صح ، وان لم يكن عاملا فسد ، وفيه وجه آخر.

اقول : المراد بالغلام هنا مملوك رب المال ، وبالاجنبي ما عداه. والوجه الاخر يمكن أن يقال بصحة الشرط ، عملا بعموم قوله تعالى « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » (1).

لكن الشيخ رحمه‌ اللّه قال في المبسوط : اذا شرط رب المال الربح لغلامه فاما أن يكون حرا أو عبدا ، فان كان عبدا نظرت ، فان لم يكن من الغلام عمل صح قولا واحدا ، وان شرط عليه العمل فعلى وجهين. وان كان حرا أو أجنبيا ، فشرط له من الربح قسطا ، فان لم يشترط منه العمل بطل قولا واحدا ، وان شرط العمل صح قولا واحدا (2).

قال رحمه‌ اللّه : وقول العامل مقبول في التلف ، وهل يقبل في الرد؟ فيه تردد أظهره أنه لا يقبل.

اقول : منشؤه : النظر الى كونه مدعيا ، فلا يقبل قوله الا مع البينة ، عملا بقوله عليه ‌السلام « البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه » (3).

والالتفات الى كونه أمينا ، فيقبل قوله ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (4).

فرع :

الامناء على أقسام :

الاول : من يقبل قوله في الرد اجماعا ، وهو كل من قبض الشي‌ء لمصلحة مالكه فقط ، كالمودع والوكيل المتبرع.


1) سورة المائدة : 1.

2) المبسوط 3 / 169.

3) راجع عوالى اللئالى 1 / 244 و 453 و 2 / 258 و 345 و 3 / 523.

4) المبسوط 3 / 174.

الثاني : عكسه ، وهو كل من قبض الشي‌ء لمصلحته فقط ، كالمرتهن والمستأجر.

الثالث : من وقع الخلاف في قبول قوله ، وهو كل من قبض الشي‌ء لمصلحة مشتركة بينه وبين مالكه ، كالعامل في القراض والوكيل بجعل.

ومنشأ الخلاف : تعارض المصلحتين ، واذا تعارضتا وجب الترجيح وهو من طرفنا.

قال رحمه‌ اللّه : ولو مات رب المال وهو عروض ، كان له البيع ، الا أن يمنعه الوارث ، وفيه قول.

اقول : القول يمكن أن يقال : انه المنع من البيع ، لانفساخ المقارضة بالموت الا مع اذن الوارث.

قال رحمه‌ اللّه : اذا تلف مال القراض أو بعضه بعد دورانه في التجارة ، احتسب التالف من الربح. وكذا لو تلف قبل ذلك ، وفي هذا تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة ذمة العامل ، وعدم كون الربح وقاية لرأس المال ، ترك العمل بها في صورة التلف بعد دورانه في التجارة ، فيبقى معمولا بها فيما عداها.

والالتفات الى أن المال المدفوع قد صار مضاربة بنفس القبض ، فيكون الربح وقاية له ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (1)، وهذا الوجه ضعيف جدا.

قال رحمه‌ اللّه : اذا قارض اثنان واحدا - الى قوله : وفيه تردد.

أقول : هذا التردد مبني على أنه هل يجوز التفاضل في الربح والخسران مع تساوي المالين ، أو التساوي فيهما مع تفاضل المالين أم لا؟ فان قلنا بالجواز - كما هو مذهب السيد المرتضى - صح ذلك. وان قلنا بالبطلان - كما هو مذهب باقي الاصحاب - بطل.


1) المبسوط 3 / 190.

قال رحمه‌ اللّه : ولو مضت المدة والزرع باق ، كان للمالك ازالته على الاشبه سواء كان بسبب الزارع كالتفريط ، أو من قبل اللّه سبحانه كتأخير المياه وتغيير الاهوية.

اقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1): اذا استأجر أرضا للزراعة مدة معينة ، فاما أن يطلق أو يعين ، فان كان الاول زرع مهما شاء ، فان زرع ما يتأخر ادراكه عن المدة المضروبة ، كان للمالك منعه ابتداءً ، لحصول الضرر في قلعه انتهاء ، فان بادر لم يعارض الى حين انتهاء المدة ، فحينئذ يجوز القلع. وكذا الحكم لو أخر الزرع عن أول زمان الاجارة.

أما لو انتفي الامران واتفق تأخره عن المدة بسبب اضطراب الاهوية وشدة البرد ، فهل للمالك ازالته قبل بلوغه؟ فيه وجهان : جواز القلع ، لحصول التفريط من الزارع ، اذ كان من حقه الاحتياط في تقدير المدة.

الثاني العدم ، لما فيه من الاضرار ، ولان سبب التأخير ليس من جهته ، وهو الاقوى ، فعلى هذا يبقيه الى وقت الادراك ، وعليه أجرة تلك المدة. والبحث في المعينة كالبحث في المطلقة. والحق أن للمالك الازالة في جميع هذه الصور ، عملا بقوله عليه ‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم » (2).

قال رحمه‌ اللّه : وتصح المساقاة قبل ظهور الثمرة ، وهل تصح بعد ظهورها؟ فيه تردد ، والاظهر الجواز ، بشرط أن يبقى للعامل عمل وان قل ، ما يستزاد به الثمرة.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة الصحة ، ولان المقصود من المساقاة زيادة


1) المبسوط 3 / 257.

2) عوالى اللئالى 1 / 222 و 457 و 2 / 138 و 3 / 208.

النماء ، والتقدير أنه حاصل هنا ، وبه أفتى الشيخ في الخلاف (1)، محتجا بعمومات الاخبار الدالة على جواز المساقاة ، من غير فرق بين حال ظهور الثمرة ولا ظهورها.

والالتفات الى أن تجويز ذلك حكم شرعي ، فيقف على الاذن الشرعي ، وحيث لا اذن فلا حكم ، ولان معظم بيع المساقاة انما يكون قبل ظهور الثمرة لا بعده ، فلا يكون مشروعا ، لانتفاء فائدتها حينئذ ، وهو القول الاخر للشافعي.

قال رحمه‌ اللّه : ولا تبطل بموت المساقي ، ولا بموت العامل ، على الاشبه.

أقول : ذهب الشيخ في المبسوط (2)الى بطلان المساقاة بموت كل منهما.

واعلم أن البحث هنا مبني على البحث في بطلان الاجارة بموت أحد المتآجرين فان قلنا به بطلت المساقاة والا فلا.

قال رحمه‌ اللّه : تصح المساقاة على كل أصل ثابت ، له ثمرة ينتفع به مع بقائه ، كالنخل والكرم وشجر الفواكه ، وفيما لا ثمر له اذا كان له ورق ينتفع به كالتوت والحناء ، على تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل القاضي بالجواز ، وهو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف (3)، ويؤيده ما روى أن رسول اللّه صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله عامل أهل خيبر بالشطر مما يخرج من النخل والشجر (4).

قال الشيخ في الخلاف : وهذا عام في سائر الاشجار (5)ولانه ربما صدق على الورق اسم الثمرة ، فتصح المساقاة عليه ، لوجود المحل القابل للمساقاة شرعا حينئذ ، ولان تسويغ ذلك مشتمل على مصلحة مقصودة للعقلاء ، فيكون مشروعا.


1) الخلاف 1 / 706.

2) المبسوط 3 / 216.

3) الخلاف 1 / 705.

4) تهذيب الاحكام 7 / 194.

5) الخلاف 1 / 705.

والالتفات الى أن المساقاة على هذا النوع من الشجر حكم شرعي ، فيقف على الدلالة الشرعية ، وحيث لا دلالة فلا حكم ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (1)وظاهر كلام المتأخر ، ونمنع صدق اسم الثمرة على الورق حقيقة ، بل يجوز مجازا ، لكنه غير نافع ، اذ اللفظ عند اطلاقه انما يحمل على حقيقته دون مجازه.

قال الجوهري : التوت الفرصاد ، ولا تقل التوث (2).

قال رحمه‌ اللّه : ولو ساقى على ودي.

أقول : قال المتأخر : الودي بالواو المفتوحة والدال غير المعجمة المكسورة والياء المشددة النخل قبل أن يحمل.

قال رحمه‌ اللّه : ولو شرط أن يعمل غلام المالك معه جاز ، لانه ضم مال الى مال ، أما لو شرط أن يعمل الغلام لخاص العامل ، لم يجز ، وفيه تردد ، والجواز أشبه.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصالة القاضية بالجواز. ولانه شرط لا يمنع منه كتاب ولا سنة ، فيكون سائغا.

والالتفات الى أن في هذا الشرط منافاة لمقتضى العقد ، فيكون باطلا ، وهو اختيار صاحب المبسوط ، وضعفه ظاهر جدا.

قال رحمه‌ اللّه : ولو شرط مع الحصة من النماء حصة من الاصل الثابت لم يصح ، لان مقتضى المساقاة جعل الحصة من الفائدة ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل ، ويؤيده عموم قوله عليه ‌السلام « الشرط جائز


1) المبسوط 3 / 216.

2) صحاح اللغة 1 / 245.

بين المسلمين » (1)وقوله « المؤمنون عند شروطهم » (2).

والالتفات الى كونه شرطا منافيا لمقتضى العقد ، فيكون باطلا ، كما لو شرط في القراض حصة من رأس المال مضافة الى حصة من الربح ، وهو اختيار الشيخ والمتأخر ، وكأنه الاقرب.

قال رحمه‌ اللّه : ولو ساقاه بالنصف ان سقي بالناضح ، وبالثلث ان سقي بالسائح ، بطلت المساقاة ، لان الحصة لم تتعين ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل ، ولانه أمر مطلوب للعقلاء ، فيكون مشروعا.

والالتفات الى تطرق الجهالة في الحصة ، فتكون المساقاة باطلة ، ونمنع تطرق الجهالة.

قال رحمه‌ اللّه : اذا هرب العامل ، لم تبطل المساقاة - الى قوله : ولو لم يفسخ وتعذر الوصول الى الحاكم ، كان له أن يشهد أنه يستأجر عنه ، ويرجع عليه على تردد ، ولو لم يشهد لم يرجع.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة ذمة العامل ولا متبرع ، فلا يكون له الرجوع. أما الصغرى ، ففرضية ، اذ التقدير أن الحاكم لم يأذن له في ذلك ، وقد كان له وسيلة الى التخلص ، وهي فسخ عقد المساقاة ، وأما الكبرى ، فاجماعية.

والالتفات الى أنه موضع ضرورة ، فسوغ فيه الرجوع دفعا لضرر المنفق ، ولقائل أن يمنع تحقق الضرورة مع تسويغ التسلط على الفسخ ، والشيخ رحمه‌ اللّه حكى الوجهين ولم يختر شيئا ، لكن أحال على مسألة الجمال (3).

قال رحمه‌ اللّه : اذا أراد السفر فدفنها ضمن ، الا أن يخشى المعاجلة.


1) عوالى اللئالى 3 / 225 ، برقم : 103.

2) عوالى اللئالى 1 / 235 و 293 و 2 / 275 و 3 / 217.

3) المبسوط 3 / 214 - 215.

اقول : المراد بالمعاجلة هنا المسارعة الى أخذها ، ويجوز ان يراد به سبق الرفقة.

قال رحمه‌ اللّه : اذا أنكر الوديعة ، أو اعترف وادعى التلف ، او ادعى الرد ولا بينة ، فالقول قوله ، وللمالك احلافه على الاشبه.

اقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط : اذا ادعى التلف بسبب ظاهر ، كالغرق والحرق والنهب ، لم يقبل قوله إلا ببينة. أما لو ادعاه بسبب خفي ، كالسرقة والغصب أو مطلقا ، كان القول قوله مع يمينه ، والفرق خفاء الثاني وتعذر اقامة البينة عليه ، بخلاف الاول فانه لا يخفى ، ويمكن اقامة البينة عليه (1). واختار المصنف رحمه‌ اللّه أن القول قول الودعي مطلقا ، نظرا الى اصالة براءة الذمة ، ولانه أمين.

قال رحمه‌ اللّه : أما لو دفعها الى غير المالك وادعى الاذن ، فأنكر ، فالقول قول المالك مع يمينه ، ولو صدقه على الاذن ، لم يضمن وان ترك الاشهاد ، على الاشبه.

اقول : قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط : المأذون فيه اما دفع المال في اسقاط حق كالدين ، أو لا كالايداع من آخر. فان كان الاول ضمن المودع ، سواء صدقه المالك على الدفع أو لا ، لانه كان يلزمه الاشهاد عند الدفع ، فيكون شرطا تركه يلزمه الضمان (2).

واختار المصنف أن لا ضمان مطلقا مع تصديق المالك على الاذن ، لان الودعي حينئذ يكون قد أتى بالمأمور به على وجهه ، فيخرج عن العهدة. أما الصغرى فلان المأمور به انما هو الدفع فقط ، وليس الاشهاد جزءا منه ولا لازما له. وأما الكبرى ، فلما ثبت أن الامر للاجزاء.


1) المبسوط 4 / 141.

2) المبسوط 4 / 142.

قال رحمه‌ اللّه : اذا اعترف بالوديعة ثم مات وجهلت عينها ، قيل : يخرج من أصل تركته. ولو كان له غرماء وضاقت التركة ، حاصهم المستودع ، وفيه تردد.

اقول : التردد هنا يقع في مقامين :

الاول : في أصل الضمان مع جهل العين ، ومنشؤه : النظر الى أن احتمال تلف هذه الوديعة بعد الموت مساو لاحتمال تلفها قبل الموت ، فلا يثبت في الذمة شي‌ء مع تحقق هذا الاحتمال ، فيمتنع أخذها من المال مع سعة التركة ، والتحاص مع الضيق حينئذ.

والالتفات الى أن رد الوديعة الى أهلها واجب بيقين ، فلا يسقط الا بيقين مثله ، ولا يقين مع الشك في الهلاك ، ولان حصول الوديعة عنده متحقق هنا ، لكن جهلت عينها ، فوجب ضمانها ، كما لو كانت عنده وديعة فدفنها وسافر ولم يطلع عليها أحد ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (1)، محتجا بما ذكرناه ، وضعفه ظاهر.

الثاني : في كيفية الضمان مع القول بأصله ، ومنشؤه : النظر الى مساواتها الدين ، فنسبة عدم (2)التمييز متساوية في الحكم.

والالتفات الى أن بقاءها في التركة محكوم به ظاهرا ، فيؤخذ قدرها من أصل التركة ، عملا بالظاهر.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أذن له في البناء أو الغرس ، ثم أمره بالازالة ، وجبت الاجابة. وكذا في الزرع ولو قبل ادراكه على الاشبه.

اقول : قال الشيخ في المبسوط : اذا استعار أرضا للزراعة فزرع ، ثم رجع


1) المبسوط 4 / 147.

2) فى نسخة « م » شخط على كلمة « عدم ».

المعير قبل الادراك وطالب بالقلع ، أجبر على التبقية (1)والاشبه ما ذكره المصنف لعموم قوله عليه ‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم » (2).

قال رحمه‌ اللّه : ولو أعاره حائطا لطرح خشبة ، فطالبه بالازالة ، كان له ذلك الا أن تكون اطرافها الاخر مثبتة في بناء المستعير ، فيؤدي الى خرابه ، واجباره على ازالة جذوعه عن ملكه ، على تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى عموم قوله عليه ‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم » فيكون له ذلك.

والالتفات الى أن في هذه الازالة ضررا على المستعير ، فلا يكون سائغة ، لقوله عليه ‌السلام « لا ضرر ولا اضرار في الاسلام » (3).

قال رحمه‌ اللّه : يجوز للمستعير بيع غروسه وأبنيته في الارض المستعارة ، للمعير وغيره ، على الاشبه.

أقول : لا خلاف في صحة بيعها من المعير ، وهل يصح بيعها من غيره ، قال الشيخ في المبسوط : فيه وجهان ، بناء على الوجهين في الدخول لمصالحها : أحدهما لا يصح لتعذر التسليم ، والاخر يصح لامكان تسليمها وتسلمها (4).

والاول في الموضعين أقوى ، وانما كان القول الثاني أشبه لعموم الآية والخبر.


1) المبسوط 3 / 56.

2) عوالى اللئالى 1 / 222 و 457 و 2 / 138 و 3 / 208.

3) عوالى اللئالى 1 / 383 و 2 / 74 و 3 / 210.

4) المبسوط 3 / 56.

فصل : ( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الاجارة )

اشارة

قال رحمه‌ اللّه : ولو قال : بعتك هذه الدار ، ونوى الاجارة ، لم يصح. وكذا لو قال : بعتك سكناها سنة ، لاختصاص لفظ البيع بنقل الاعيان ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أن المبيع مستعمل في نقل الاعيان ، فلا يكون مستعملا في غيره ، دفعا للاشتراك والمجاز.

والالتفات الى أن العمل بالقصد.

قال رحمه‌ اللّه : والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر لا يضمنها الا بتعد أو تفريط ، وفي اشتراط ضمانها من غير ذلك ، تردد أظهره المنع.

اقول : منشؤه : النظر الى عموم قوله عليه ‌السلام « الشرط جائز بين المسلمين » (1).

والالتفات الى كونه منافيا لمقتضى عقد الاجارة ، فيكون شرطا باطلا.

قال رحمه‌ اللّه : ولو آجر الصبي غير المميز ، لم تنعقد اجارته ، وكذا المميز الا باذن وليه ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى الاصالة القاضية بالجواز.


1) عوالى اللئالى 3 / 225.

والالتفات الى أن الصبي محجور عليه ، فلا تصح اجارته ، كما لا يصح بيعه.

قال رحمه‌ اللّه : لو قال : ان عملت هذا العمل في اليوم ، فلك درهمان ، وفي غد درهم ، فيه تردد ، أظهره الجواز.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل ، ويؤيده عموم قوله « الشرط جائز بين المسلمين » واختاره الشيخ في الخلاف (1).

والالتفات الى تطرق الجهالة للاجرة ، فتكون الاجارة باطلة ، وهو اختيار المتأخر محتجا بما ذكرناه ، وبأن الاجارة حكم شرعي ، وحيث لا شرع فلا حكم ثم قال : وان قلنا هذه جعالة كان قويا ، ولقائل أن يمنع المقدمة الاولى.

قال رحمه‌ اللّه : ولو قدر المدة والعمل ، مثل أن يستأجره ليخيط هذا الثوب في هذا اليوم ، قيل : يبطل ، لان استيفاء العمل في المدة قد لا يتفق ، وفيه تردد.

اقول : القائل بهذا القول هو الشيخ في المبسوط (2)، ومنشأ التردد : النظر الى الاصل ، ويؤيده عموم قوله عليه ‌السلام وقد تقدم ، ومثله من استأجر دابة ليحمل عليها شيئا في وقت بعينه (3)مضاهية لهذه ، وهي جائزة بالاجماع ، فحينئذ ان اتفق حصول العمل في المدة المضروبة فلا بحث ، والا كان له اجرة المثل دون المسمى.

والالتفات الى محض الغرر المنهي عنه شرعا في هذه الصورة ، فتكون الاجارة باطلة ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط.

قال رحمه‌ اللّه : واذا سلم العين المستأجرة ومضت مدة يمكن فيها استيفاء المنفعة ، لزمته الاجرة ، وفيه تفصيل.

اقول : الظاهر أن المراد بهذا التفصيل ما ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط بعد هذا الكلام بلا فصل ، فانه قال : اذا كانت الاجارة معينة والمنفعة معلومة بتقدير


1) الخلاف 1 / 713.

2) المبسوط 3 / 221.

3) فى « س » : معين.

الزمان أو العمل أو بهما ، وأما اذا كانت في الذمة مثل أن يقول : استأجرت منك ظهرا للركوب ، ووصف الشرائط التي تضبط بها من ذكر الجنس والنوع وغيرهما جاز ذلك ، وعليه تسليم الظهر إليه على الصفات المشترطة ، وجوزها حالة ومؤجلة.

ثم قال : اذا ثبت هذا ، فاذا سلم إليه الظهر في وقته وتلف قبل استيفاء المنافع كان له الاستبدال ، لان العقد لم يتناول عينا ، كالثمن اذا كان في الذمة (1).

وأطلق القول في الخلاف (2)، باستقرار الاجرة مع مضي قدر ما يمكن استيفاء المنفعة فيه.

قال رحمه‌ اللّه : ويلزم مؤجر الدابة كل ما يحتاج إليه في امكان الركوب ، من الرحل والقتب وآلته والحزام والزمام ، وفي رفع المحمل وشده تردد ، أشبهه اللزوم.

أقول : منشؤه : النظر الى اصالة براءة ذمة المؤجر ، ترك العمل بها في الصورة الاولى ، فيبقى معمولا بها فيما عداها.

والالتفات الى أن التمكن من الركوب واجب على المؤجر ، ولا يتم الا برفع المحمل وشده ، وحكى الشيخ في المبسوط (3)الوجهين ، ولم يختر شيئا.

قال رحمه‌ اللّه : ولو اكترى دابة فسار عليها - الى قوله : أو كبحها.

أقول : الكبح بالباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة : جذب الزمام بعنف ، حتى يكون خارجا عن العادة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو حفرها فانهارت.

اقول : يقال انهارت البئر اذا انهدمت ، قال اللّه تعالى « فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ


1) المبسوط 3 / 231 - 232.

2) الخلاف 1 / 710.

3) المبسوط 3 / 228.

جَهَنَّمَ » (1).

قال رحمه‌ اللّه : ويجوز استئجار المرأة للرضاع مدة معينة باذن الزوج ، فان لم يأذن ، فيه تردد ، والجواز أشبه ، اذا لم يمنع الرضاع من حقه.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل الدال على الجواز.

والالتفات الى أن منافع المرأة مملوكة للزوج بالعقد ، فلا يصح التصرف فيها الا باذنه ، وهو اختيار المتأخر ، متبعا للشيخ في الخلاف (2)والمبسوط (3)، ونمنع كونها مملوكة مطلقا ، بل المملوك الوطي وما يتوقف عليه ، فحينئذ يجوز الاستيجار اذا لم يكن مانعا من الوطي. أما لو منع ، لم يجز قولا واحدا.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يشترط ذكر الموضع الذي ترضعه فيه؟ قيل : نعم ، وفيه تردد.

أقول : القائل الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (4)، والتردد منشؤه : النظر الى أصالتي الجواز من التعيين وعدم الاشتراط.

والالتفات الى ان الاغراض في ذلك تختلف ، وتتفاوت الاجر بسبب اختلاف محال الارضاع ، فان الارضاع في بيت المرضعة أسهل لها ، فيكون أقل اجرة من غيره ، وفي بيت الصبي أو غيره أشق عليها ، فيكون أكثر اجرة ، فيجب تعيين الموضع دفعا للغرر الناشي من ابهامه.

ولو أطلقاه ، بطل العقد ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط ، ولعله الاقرب.

قال رحمه‌ اللّه : ولو مات أبو الصبي هل يبطل العقد؟ يبنى على القولين.


1) سورة التوبة : 109.

2) الخلاف 1 / 714.

3) المبسوط 3 / 238.

4) المبسوط 3 / 238.

أقول : المراد بالقولين ما ذكره أولا ، من أن الاجارة هل تبطل بالموت أو لا؟ فان قلنا بالبطلان بطلت بموت المستأجر ، والا فلا.

قال رحمه‌ اللّه : وهل يجوز استئجار الحائط المزوق للتنزه؟ قيل : نعم ، وفيه تردد.

اقول : القائل بالجواز هو المتأخر ، ومنشأ التردد : النظر الى الاصل الدال على الجواز ، ولانه عين مملوكة يمكن الانتفاع به مع بقائه ، فتصح اجارته. أما الصغرى ، ففرضية. وأما الكبرى فاجماعية.

والالتفات الى أن التنزه ليس بغرض مقصود للعقلاء ، فيكون عبثا ، فتكون الاجارة باطلة ، لاشتمالها على وجه قبح ، وهو اختيار الشيخ في الخلاف (1)والمبسوط (2)، وجوزه المتأخر.

فرع :

قال الشيخ رحمه‌ اللّه : وكذا الحكم لو استأجر بناء محكما للتعلم منه والنظر إليه.

قال رحمه‌ اللّه : السادس - أن تكون المنفعة مقدورا على تسليمها ، فلو آجر عبدا آبقا لم تصح ، ولو ضم إليه ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن القدرة شرط ، وهي منتفية هنا ، فينتفي مشروطها وهو الاجارة.

والالتفات الى أن بيعه كذلك جائز ، فتكون اجارته أيضا كذلك جائزة لتساويهما.

قال رحمه‌ اللّه : ولو منعه المؤجر منه ، سقطت الاجارة ، وهل للمستأجر أن


1) الخلاف 1 / 716 مسألة 24.

2) المبسوط 3 / 238.

يلتزم ويطالب المؤجر بالتفاوت؟ فيه تردد ، الاظهر نعم.

اقول : منشؤه : النظر الى أن المستأجر يملك المنفعة بنفس العقد ، فاذا منعها المؤجر كان عاصيا ، فيكون للمستأجر مطالبته بأجرة المثل ، كما لو غصب غيرها من أعيان ماله.

والالتفات الى أن القبض شرط في صحة الاجارة ، بدليل بطلانها بتلف المعقود عليه قبل القبض ولم يحصل ، فتكون الاجارة باطلة.

قال رحمه‌ اللّه : واذا انهدم المسكن ، كان للمستأجر فسخ الاجارة ، الا أن يعيده صاحبه ويمكنه منه ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى الاستصحاب ، وتقريره : أن الانهدام موجب للتسلط على فسخ الاجارة قبل الاعادة ، هكذا بعدها.

والالتفات الى أن المقتضي للتسلط على الفسخ وهو الانهدام قد زال ، فيزوله معلوله وهو الفسخ.

قال رحمه‌ اللّه : ولو آجر الولي صبيا مدة يعلم بلوغه فيها ، بطلت في المتيقن وصحت في المحتمل ، ولو اتفق البلوغ فيه ، وهل للصبي الفسخ بعد بلوغه؟ قيل : نعم ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أن عقد الولي مأذون فيه شرعا ، فيكون لازما للصبي ولا يجوز له فسخه. أما المقدمة الاولى ، فلثبوت الولاية له عليه حينئذ. وأما الثانية فلقوله تعالى « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » (1)وهو الذي قواه الشيخ أولا.

والالتفات الى وجود البلوغ المقتضي للتسلط على النفس ، فيكون له الفسخ وهو الذي اختاره الشيخ ثانيا ، وثبوت ولاية الولي أولا لا ينافي ثبوت الخيار للصبي أخيرا.


1) سورة المائدة : 1.

قال رحمه‌ اللّه : وتصح الوكالة في الطلاق للغائب اجماعا ، وللحاضر على الاظهر.

اقول : ذهب الشيخ في النهاية (1)الى أنه لا يصح توكيل الحاضر في الطلاق عنه ، وتبعه أبو الصلاح وابن البراج ، عملا برواية (2)ضعيفة ، تعارضها روايات مشهورة صحيحة ، مؤيدة بعمل أكثر الاصحاب.

قال رحمه‌ اللّه : ويجوز أن تتوكل المرأة في طلاق غيرها ، وهل تصح في طلاق نفسها؟ قيل : لا ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل ، ولانه يصح أن تكون وكيلة في طلاق غيرها فكذا في طلاق نفسها ، اذ لا فرق.

والالتفات الى ظاهر قوله عليه ‌السلام « الطلاق بيد من أخذ بالساق » (3)دل بمفهومه على انتفاء وقوع الطلاق من غير الزوج ، ترك العمل به في بعض الصور للدليل فيبقى معمولا به فيما عداها ، وهو اختيار الشيخ والمتأخر.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يتوكل الذمي على المسلم للذمي ولا للمسلم ، على القول المشهور ، وهل يتوكل المسلم للذمي على المسلم؟ فيه تردد ، والوجه الجواز على كراهية.

اقول : اعلم أن الوكيل في مثل هذه الصور : اما مسلم ، أو ذمي ، فان كان الاول ، فمسائله أربع :

الاولى : أن يتوكل لمسلم على مسلم ، وجوازه ظاهر.

الثانية : أن يتوكل له على ذمي ، وهو ظاهر أيضا.


1) النهاية ص 317.

2) تهذيب الاحكام 6 / 214 ، ح 4.

3) سنن ابن ماجة 1 / 672 ، برقم : 2081.

الثالثة : أن يتوكل للذمي على مثله.

الرابعة : أن يتوكل له على مسلم ، وقد تردد فيه المصنف ، ومنشؤه : النظر الى الاصل الدال على الجواز ، وعليه أكثر الاصحاب.

والالتفات الى أن في هذه الوكالة ثبوت نوع سلطنة للكافر على المسلم ، اذ يد الوكيل يد الموكل الذي هو كافر ، فلا يصح عملا بالآية ، وهو ظاهر كلام الشيخ المفيد والشيخ وسلار.

وان كان الثاني ، فمسائله أربع :

الاولى : أن يتوكل لذمي على ذمي ، ولا خلاف في جوازه.

الثانية : أن يتوكل له على مسلم ، والمشهور منعه لما ذكرناه أولا.

الثالثة : أن يتوكل لمسلم على مسلم ، وهو غير جائز.

الرابعة : أن يتوكل له على ذمي ، وهو ظاهر الجواز.

قال رحمه‌ اللّه : ولو اختلفا في لفظ العقد ، بأن يشهد أحدهما بأن الموكل قال : وكلتك ، ويشهد آخر أنه قال : استنبتك ، لم تقبل ، لانها شهادة على عقدين اذ صيغة كل منهما مخالفة للاخرى ، وفيه تردد ، اذ مرجعه الى أنهما شهدا في وقتين.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن هذه الولاية حكم شرعي ، فيقف على دليله وليس ، ولان شرط قبول شهادة الشاهدين تواردهما على العقد ، وهو منتف هنا ، اذ العقد بقوله « وكلتك » غير بقوله « استنبتك » وهو خيرة الشيخ في المبسوط (1).

ومن الالتفات الى أن المعتبر في قبول الشهادة اتفاقهما على المعنى الواحد ، وهو موجود هنا ، اذ هما مترادفان ، ولان حاصل هذه الشهادة يرجع الى أن الشاهدين قد شهدا في وقتين ، وقد بينا قبول هذه لعدم الفرق. وفيه نظر ، فانا


1) المبسوط 2 / 376.

نمنع قبول تلك الشهادة ، كما هو رأي الشيخ.

قال رحمه‌ اللّه : لو ادعى الوكالة عن غائب في قبض ماله من غريم - الى قوله : وكذا لو كان الحق دينا ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الغريم مصدق لدعوى الوكالة ، فيجب عليه تسليم الحق الى من اعترف أنه وكيل ، لعموم قوله عليه ‌السلام « اقرار العقلاء على أنفسهم جائز » (1).

والالتفات الى أن تصادق الغريم والوكيل على الوكالة اثبات لنوع ولاية على التصرف في مال الغير ، فلا تسمع الا ببينة.

واعلم أن المتأخر أوجب التسليم الى الوكيل مع تصديق الغريم في دعوى الوكالة وأطلق ، والشيخ رحمه‌ اللّه لم يوجب التسليم مطلقا ، والتفصيل حسن ، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة.

قال رحمه‌ اللّه : الوكيل في الايداع - الى آخره.

أقول : قد مر ما يضاهي هذا البحث في كتاب الوديعة.

قال رحمه‌ اللّه : اذا أذن الموكل لوكيله في بيع ماله من نفسه فباع ، جاز وفيه تردد. وكذا في النكاح.

أقول : منشؤه : النظر الى الاصل. والالتفات الى أن الشخص الواحد لا يجوز أن يكون موجبا قابلا ، وهو اختيار الشيخ رحمه‌ اللّه ، واختاره ابن الجنيد والمتأخر.

قال رحمه‌ اللّه : لو وكل بقبض دينه من غريم له ، فأقر الوكيل بالقبض وصدقه الغريم وأنكر الموكل ، فالقول قول الموكل ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى كون الوكيل مدعيا والموكل منكرا ، فيكون


1) عوالى اللئالى 1 / 223 و 2 / 257 و 3 / 442.

القول قوله ، عملا بقوله عليه ‌السلام « واليمين على من أنكر » (1).

والالتفات الى كون الوكيل أمينا ، فيكون القول قوله ، ولانه أقر بماله أن يفعله.

قال رحمه‌ اللّه : وفي وقف من بلغ عشرا تردد ، والمروي جواز صدقته ، والاولى المنع ، لتوقف رفع الحجر على البلوغ والرشد.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل ، ويؤيده رواية زرعة عن سماعة قال : سألته عن طلاق الغلام ولم يحتلم وصدقته ، فقال : اذا طلق للسنة ووضع الصدقة في موضعها ، فلا بأس ، وهو جائز (2).

قال الشيخ رحمه‌ اللّه في الاستبصار : وقد حد ذلك بعشر سنين (3). وبه أفتى في النهاية.

والالتفات الى أن الحجر ثابت ، فيتوقف رفعه على ثبوت المزيل قطعا ، وهو اما بلوغ خمس عشر سنة ، أو الانبات ، أو الاحتلام ، وبه أفتى المتأخر ، وهو المختار ، وتحمل الرواية على من بلغ بأحد الامرين الاولين دون الثالث.

قال رحمه‌ اللّه : ولو وقف على من لا يملك ثم على من يملك ، فيه تردد ، والمنع أشبه.

اقول : منشؤه : النظر الى الاصل الدال على الصحة ، ترك العمل به في صورة حصول الوقف على من لا يملك فقط ، فيبقى معمولا به فيما عداه ، ويؤيده عموم قوله عليه ‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم » (4). وبه أفتى الشيخ رحمه‌ اللّه في الخلاف (5)، محتجا بالاصل وعدم الدليل على الابطال ، وبأن بطلانه في


1) عوالى اللئالى 1 / 244 و 453 و 2 / 258 و 345 و 3 / 523.

2) الاستبصار 3 / 303.

3) الاستبصار 3 / 303.

4) عوالى اللئالى 1 / 222 و 457 و 2 / 138 و 3 / 208.

5) الخلاف 2 / 9 مسألة 10.

أحدهما - وهو من لا يملك - لا يستلزم بطلانه في الاخر.

والالتفات الى أن صحة ذلك حكم شرعي ، فتقف على الدلالة الشرعية ، وحيث لا دلالة فلا حكم ، ولانه علق تمليك هؤلاء - أعني : الموجودين - على شرط ولم يوجد ، فيكون هذا التمليك منتفيا قضية للشرط.

قال الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط : هذا الذي يقتضيه مذهبنا (1). ثم قوى بعد القول بالصحة.

قال رحمه‌ اللّه : وفي صحة الوقف على الحربي تردد ، أشبهه المنع.

اقول : منشؤه : النظر الى مقتضى الاصل ، ويؤيده عموم قوله عليه ‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم ».

والالتفات الى عموم النهي عن موادة المحاد لله ولرسوله ، والوقف نوع موادة. وهذا شامل للذمي وغيره من أصناف الكفار ، ترك العمل به في صورة جواز الوقف على الذمي ، لوجود المخصص ، فيبقى معمولا به فيما عداه.

قال رحمه‌ اللّه : ولو وقف على أولاده الاصاغر - الى قوله : وفي الوصي تردد ، أظهره الصحة.

اقول : قد مر ما يضاهي هذه المسألة في باب الوكالة.

قال رحمه‌ اللّه : ولو وقف حصة من عبد ، ثم أعتقه - الى قوله : الشريك مضى العتق في حصته ولم يقوم عليه ، لان العتق لا ينفذ فيه مباشرة ، فأولى أن لا ينفذ سراية.

ويلزم من القول بانتقاله الى الموقوف عليه افتكاكه من الرق ، ويفرق بين العتق مباشرة وبينه سراية ، بأن العتق مباشرة يتوقف على انحصار الملك في المباشر ، أو فيه وفي شريكه ، وليس كذلك افتكاكه ، فانه ازالة للرق شرعا ، فيسري


1) المبسوط 3 / 293.

في باقيه ، ويضمن الشريك القيمة ، لانه يجري مجرى الاتلاف ، وفيه تردد.

أقول : القول الاول ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)، والفرق بين العتق مباشرة وبين العتق سراية من المصنف رحمه‌ اللّه.

ومنشأ تردده فيه : النظر الى كون عتق السراية (2)جاريا مجرى الاتلاف. والالتفات الى تعلق حق البطون به ، فلا يفيد فيه العتق سراية ، ولما فيه من الاضرار المنفي شرعا.

ولقائل أن يمنع قوة المباشرة ويدعي قوة السراية ، بدلالة انها مزيلة للرق مطلقا ، بخلاف المباشرة ، لتوقف ازالتها على سبق الملك على العتق ، ولا جرم أن الذي لا يتوقف مباشرته على شرط ، أقوى من المتوقف تأثيره عليه.

قال رحمه‌ اللّه : اذا آجر البطن الاول [ الوقف مدة ] ثم انقرضوا في أثنائها فان قلنا الموت تبطل الاجارة فلا كلام ، وان لم نقل فهل يبطل هنا؟ فيه تردد ، أظهره البطلان ، لانا بينا أن هذه المدة ليست للموجودين.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الاجارة عقد لازم ، فلا يجوز فسخها ، خصوصا مع القول بأن الموت لا تبطلها.

والالتفات الى أن قد بينا أنهم تصرفوا في حق الغير ، أعني : البطن الثاني ، فيكون له الفسخ ، وهو اختيار الشيخ في الخلاف (3)والمبسوط (4). وفي الجمع بين القول بعدم بطلان الاجارة بالموت وبطلانها في هذه الصورة ، تعسف ظاهر.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجوز للموقوف عليه وطء الامة الموقوفة ، لانه لا يختص بملكها. ولو أولدها كان حرا ولا قيمة عليه ، لانه لا يجب له على نفسه غرم ، وهل


1) المبسوط 3 / 288.

2) فى « س » : العتق بالسراية.

3) الخلاف 2 / 12 مسألة 24.

4) المبسوط 3 / 301.

تصير أم ولد؟ قيل : نعم وتنعتق بموته وتؤخذ القيمة من تركته لمن يليه من البطون وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى كونها أم ولده ، فتنعتق بموته ، كغيرها من امهات الاولاد.

والالتفات الى تعلق حق البطون بها أولا.

قال رحمه‌ اللّه : ولو قال له : لك سكنى هذه الدار ما بقيت أو ما حييت ، جاز ويرجع الى المسكن بعد موت الساكن ، على الاشبه.

اقول : حكى الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط في هذه المسألة قولين ، البطلان والصحة.

ثم القائلون بالصحة اختلفوا ، فذهب قوم أنها تكون للمعمر مدة بقائه ولورثته بعده ، وقال آخرون منهم : تكون له مدة حياته ، فاذا مات رجعت الى المعمر أو الى ورثته ان كان مات ، ثم قال رحمه‌ اللّه : وهذا هو الصحيح على مذهبنا (1).

قال رحمه‌ اللّه : ولو وهب ما في الذمة ، فان كان لمن عليه الحق ، لم يصح على الاشبه ، لانها مشروطة بالقبض.

اقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ في المبسوط (2)، وأفتى فيها بالصحة ، عملا بالاصالة الدالة على الجواز. والحق أن نقول : ان جعلنا القبض شرطا في صحة الهبة لم تصح هذه الهبة ، والا صحت بشرطين :

الاول : أن يكون من عليه الحق معينا.

الثاني : أن يكون قدر الدين معلوما.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يشترط في الابراء القبول على الاصح.


1) المبسوط 3 / 316.

2) المبسوط 3 / 314.

اقول : حكى الشيخ رحمه‌ اللّه في المبسوط (1)عن قوم من الفقهاء أن قبول المبرئ شرط في صحة الابراء ، ثم قال : وهو الذي يقوى في نفسي ، لان في ابرائه اياه من الحق الذي له عليه منة عليه ، ولا يجبر على قبول المنة. واختار المصنف أن القبول ليس بشرط ، وقواه الشيخ رحمه‌ اللّه أخيرا. لنا - وجوه :

الاول : قوله تعالى « وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ » (2)فاعتبر مجرد التصدق والذي هو عبارة عن الابراء هنا ، ولم يعتبر القبول فيبقى على أصله ، وهو عدم الاعتبار.

الثاني : قوله تعالى « وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلّا أَنْ يَصَّدَّقُوا » (3)وتقرير الاستدلال به كما سبق في الوجه الاول.

الثالث : انه قول أكثر علمائنا ، فيكون راجحا بالنسبة الى الاول.

والمتأخر اختار القول الاول ، وأجاب عن أدلة الثاني بأنها دليل الخطاب ، وهو غير معمول به. وهو غلط ، فانا لم نستدل بالآيات على عدم اشتراط القبول حتى يلزم ذلك ، بل استندنا في ذلك الى الاصل ، وذكرنا أن الآيات لا يدل على اشتراطه ، فافهمه.

قال رحمه‌ اللّه : ولا يجبر الموهوب [ له ] على دفع المشترط ، بل يكون بالخيار. ولو تلف والحال هذه أو عابت ، لم يضمن الموهوب له ، لان ذلك حدث في ملكه ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة ذمة الموهوب له ، ولانه حدث في


1) المبسوط 3 / 314.

2) سورة البقرة : 280.

3) سورة النساء : 92.

ملكه ، فلا يضمنه ، وهذه فتوى الشيخ في الخلاف (1)والمبسوط (2).

والالتفات الى أن جواز الرجوع في العين مع وجودها يقتضي التسلط على أخذ مثلها ، أو قيمتها مع عدمها ، وهو الاقوى عندي.

قال رحمه‌ اللّه : وفي اشتراط المبادرة والمحاطة تردد ، والظاهر أنه لا يشترط.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة عدم الاشتراط.

والالتفات الى أن عقد الرماية انما شرع لبعث العزم على الاستعداد للقتال ، وذلك انما يكون واقعا على الوجه الاكمل اذا شرط فيه : اما المبادرة ، واما المحاطة اذ ببلوغ الغاية فيهما يحصل الخذف بالرمي على أبلغ نظام ، لكونهما أشق أقسام الرماية. وحكى الشيخ في المبسوط (3)الوجهين ولم يرجح أحدهما.

قال رحمه‌ اللّه : وينتقل بالوصية الملك الى الموصى له بموت الموصي وقبول الموصى له ، ولا ينتقل بالموت منفردا عن القبول ، على الاظهر.

أقول : حكى الشيخ في المبسوط (4)في هذه المسألة أقوالا :

الاول : أن انتقال الملك الى الموصى له موقوف على شرطين ، وفاة الموصي وقبول الموصى له ، فاذا وجد الشرطان انتقل الملك عقيب القبول.

الثاني : انه مراعى ، فان قبل الوصية تبينا أنه انتقل إليه الملك بوفاته ، وان لم يقبل تبينا انتقاله الى الورثة.

الثالث : أنه ينتقل الى الموصى له بموت الموصي كالميراث ، ولا يدخل في ملك الورثة بوفاته ، فان قبل ذلك استقر ملكه عليه ، وان رد انتقل عنه الى ورثته


1) الخلاف 2 / 19.

2) المبسوط 3 / 311.

3) المبسوط 6 / 297 - 298.

4) المبسوط 4 / 28.

ثم قال رحمه‌ اللّه : وهذا القول ضعيف لا يتفرع عليه ، والتفريع على القولين الاولين.

والذي ضعفه هنا ما اختاره في الخلاف (1)، محتجا بأن الموصى به لا يجوز أن يبقى على ملك الموصي ، لانه قد مات والميت لا يملك شيئا ، ولا يجوز أن يدخل في ملك الورثة ، لقوله تعالى « مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ » (2)فجعل الميراث بعد الوصية ، فلم يبق الا أن يكون ملكا للموصى له بالموت.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أوصى بنصف ماله مثلا ، فأجاز الورثة ، ثم قالوا : ظننا أنه قليل ، قضي عليهم بما ظنوه وأحلفوا على الزائد ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة بقاء ملك الورثة على ما زاد على الثلث ، ترك العمل بها مع اجازتهم ، للنص والاجماع ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، ولا اجازة هنا.

ويؤيده أن الموصى له مدع للاجازة في قدر النصف ، والورثة ينكر الاجازة اذ التقدير انهم انما أجازوا الوصية في النصف على تقدير كونه قليلا ، فيكون القول قولهم ، عملا بقوله عليه ‌السلام « واليمين على من أنكر » (3)وهو اختياره في المبسوط (4).

والالتفات الى أن الورثة مكذبون لهذه الدعوى بظاهر اجازتهم ، فلا يسمع قولهم.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أوصى بسيف معين وفيه جفن ، دخل الجفن والحلية في الوصية - الى قوله : وفيه قول آخر بعيد.

اقول : أشار بالقول البعيد الى ما ذكره الشيخ رحمه‌ اللّه في النهاية بعد ايراد


1) الخلاف 2 / 94 - 95.

2) سورة النساء : 11.

3) عوالى اللئالى 1 / 244 و 453 و 2 / 258 و 345 و 3 / 523.

4) المبسوط 4 / 8.

هذه المسائل ، فانه قال بعدها بلا فصل : هذا اذا كان الموصي عدلا مأمونا ، فان لم يكن عدلا وكان متهما لم تنفذ الوصية في أكثر من ثلثه ، من الصندوق والسفينة والسيف والجراب وما فيها (1). وهذا القول في غاية البعد.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أوصى باخراج بعض ولده من الارث ، لم يصح - الى قوله : وفيه رواية بوجه آخر مهجورة.

أقول : لما كان ثبوت النسب سببا في ثبوت الميراث لم يكن بوصية الأب اعتبار ، والا لزم نقض الاحكام الشرعية ، ويؤيد ذلك رواية سعد بن سعد عن الرضا عليه ‌السلام (2).

والرواية المهجورة التي أشار إليها رحمه‌ اللّه ، هي ما رواه الوشاء عن محمد ابن يحيى عن وصي علي بن السري قال : قلت لابي الحسن عليه ‌السلام : ان علي بن السري توفي وأوصى الي ، وأن ابنه جعفر وقع على أم ولد له ، فأمرني أن أخرجه من الميراث ، فقال : اخرجه ، ان كنت صادقا سيصيبه خبل.

وهذه الرواية ذكرها الشيخ في التهذيب (3)وابن بابويه في من لا يحضره الفقيه وقالا : متى لم يحدث هذا الحدث لم يخرج عن الارث (4).

والاكثرون على القول الاول ، وهذه الرواية من حيث أن الوصي الذي هو الراوي مجهول الحال والاسم.

قال رحمه‌ اللّه : لو أوصى له بقوس ، انصرف الى قوس النشاب والنبل والحسبان.


1) النهاية ص 614.

2) تهذيب الاحكام 9 / 236 ، ح 11.

3) تهذيب الاحكام 9 / 235 ، ح 10.

4) من لا يحضره الفقيه 4 / 219 - 220.

اقول : الحسبان جمع حسبانة ، وهي السهم القصير ، حكاه المتأخر عن الجوهري في الصحاح (1).

وقال الشيخ في المبسوط : قوس الحسبان هو الذي يدفع النشاب في مجرى وهو الوتر مع المجرى ويرمى به (2).

اذا عرفت هذا ، فالشيخ رحمه‌ اللّه قال : اذا أوصى بقوس من قسيه ، انصرف اطلاق اللفظ الى هذه الثلاثة فقط ، فيتخير الورثة بين دفع ما شاءوا من هذه الثلاثة وأتبعه [ ... ] (3).

وقال المتأخر : اطلاق لفظة القوس ينصرف الى هذه الثلاثة مع قوس الجلاهق وهو قوس البندق ، لان الجلاهق جمع جلاهقة ، وهي البندقة وقوس النداف ، فيتخير الوارث بين دفع ما شاء من هذه الخمسة ، لان لفظ الموصي عام ، وتخصيصه يحتاج الى دليل.

قال رحمه‌ اللّه : ولا تثبت الوصية بالولاية الا بشاهدين ، ولا تقبل شهادة النساء في ذلك ، وهل تقبل شهادة الواحد مع اليمين؟ فيه تردد ، أظهره المنع.

اقول : منشؤه : النظر الى أن الشهادة حكم شرعي ، فيقف على الدليل الشرعي ، وحيث لا دلالة له فلا حكم ، ولان الوصية بالولاية ليست مالا ، ولا المقصود منها المال ، فلا تثبت الا بشاهدين. أما الصغرى ، فظاهرة. وأما الكبرى فاجماعية. وبه أفتى الشيخ في المبسوط (4)، وأتبعه المتأخر.

والالتفات الى الاصل ، ولان في قبول هذه الشهادة ارفاقا وتيسيرا ، فتكون مرادا


1) صحاح اللغة 1 / 111.

2) المبسوط 4 / 21.

3) كذا بياض فى النسختين.

4) المبسوط 4 / 61.

لصاحب الشرع. أما الصغرى فبينة ، وأما الكبرى فللآية والرواية (1).

قال رحمه‌ اللّه : وفي الوصية للحربي تردد ، أظهره المنع.

اقول : قد سبق بحث مثل هذه المسألة في الوقف.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أوصى لاخواله وأعمامه ، كانوا سواء على الاصح ، وفيه رواية مهجورة ، أما لو نص على التفضيل أتبع.

اقول : ذهب الشيخ في النهاية الى أن للاعمام الثلثين من القدر الموصى به ، وللاخوال الثلث (2). عملا برواية زرارة عن أبي جعفر عليه ‌السلام في رجل أوصى بثلث ماله لاعمامه وأخواله ، فقال : لاعمامه الثلثان ولأخواله الثلث (3).

وقال المتأخر : الخبر من الآحاد ، والتفضيل منفي بالاصل ، وحمله على الميراث قياس ، وهو باطل عندنا ، وهو الاصح عند المصنف.

قال رحمه‌ اللّه : لو أوصى لجيرانه - الى قوله : وفيه قول آخر مستبعد.

اقول : أشار به الى القول الذي ذكره في باب الوقف.

قال رحمه‌ اللّه : ولو أوصى الى اثنين - الى قوله : أما لو مات أحدهما أو فسق ، لم يضم الحاكم الى الاخر ، وجاز له الانفراد ، لانه لا ولاية للحاكم مع وجود وصي ، وفيه تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى قوله عليه ‌السلام « الحاكم ولي من لا ولي له » فشرط في ثبوت ولاية الحاكم انتفاء ولي الميت ، أعني : وصيه ، والتقدير أنه موجود هنا اذ كل واحد من الوصيين يصدق عليه أنه وصي ، فيبقى ولاية الحاكم قضية للشرط.

والالتفات الى أن الموصي انما رضي بهذا الوصي منضما الى غيره لا منفردا


1) فى هامش « م » : الآية « يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ » والرواية « يسروا ولا تعسروا ».

2) النهاية ص 614.

3) تهذيب الاحكام 9 / 214 ، ح 22.

فيجوز حينئذ للحاكم الضم ، اذ هو متصور للمصالح ، وهو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف (1)والمبسوط (2).

قال رحمه‌ اللّه : وفي شراء الوصي لنفسه من نفسه تردد ، والاشبه الجواز.

اقول : قد مر البحث في مثل هذه المسألة أولا.

قال رحمه‌ اللّه : ولو مات انسان ولا وصي له ، كان للحاكم النظر في تركته ولو لم يكن هناك حاكم ، جاز أن يتولاه من المؤمنين من يوثق به ، وفي هذا تردد.

اقول : منشؤه : النظر الى أن ثبوت الولاية في مال الغير حكم شرعي ، فلا يتولاه الا الحاكم ، أعني : الامام أو نائبه النظر في ذلك ، أو الفقيه المأمون من فقهاء الشيعة مع عدمهما ، وبه أفتى المتأخر.

والالتفات الى أن ذلك نوع احسان ومعاونه على البر ، فيكون سائغا لكل مؤمن يوثق به في القيام بذلك ، وبه أفتى الشيخ في النهاية (3).

قال رحمه‌ اللّه : اذا أوصى له بدار ، فانهدمت وصارت براحا ، ثم مات الموصي ، بطلت الوصية ، لخروجها عن اسم الدار ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الاعتبار في الوصية بما يصح عليه اسم الموصى به حين لزوم الوصية ، وما صارت براحا لا يقع عليه اسم الدار حين لزوم الوصية فتبطل الوصية ، كما لو أوصى بطعام ثم طحنه قبل وفاته ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (4).

والالتفات الى أن الوصية بالدار يتضمن بالبراح ، اذ هو من أجزائها ، فيكون لفظ الدار دالا عليها بالتضمن ، وبطلان الوصية في الجدار والسقف لعدمه لا يستلزم


1) الخلاف 2 / 94.

2) المبسوط 4 / 53.

3) النهاية ص 608.

4) المبسوط 4 / 38.

بطلان الوصية في البراح لوجوده حين لزوم الوصية ، وكأن هذا هو الاقوى.

قال رحمه‌ اللّه : لو أعتق أمته وقيمتها ثلث تركته ، ثم أصدقها الثلث الاخر ودخل بها ثم مات ، فالنكاح صحيح ويبطل المسمى ، لانه زائد على الثلث وترثه وفي ثبوت مهر المثل تردد ، وعلى القول الاخر يصح الجميع.

اقول : منشؤه : النظر الى عموم قوله عليه ‌السلام « المريض ممنوع من التصرف الا في ثلث ماله » ولا جرم ان كونه مهرا زائدا عن ثلث ماله ، وهو فتوى الشيخ في المبسوط (1).

والالتفات الى أن مهر المثل جار مجرى أروش الجنايات ، فيخرج من أصل التركة ، كما تخرج الاروش من أصلها.

واعلم أن الشيخ رحمه‌ اللّه منعها الارث ، والمصنف أثبته ، عملا بعموم آية ميراث الزوجات. وهذا البحث كله انما يتمشى على قول من يجعل منجزات المريض من الثلث فقط ، أما من يجعلها من الاصل ، فان الزواج صحيح ، وكذا العتق ، وتثبت لها المسمى والميراث.

قال في آخر نسخة « م » : تم الجزء الاول من ترددات شرائع الاحكام في معرفة الحلال والحرام ، من نسخة كتبت من خط شارحها الفقيه العالم الفاضل نجم الدين جعفر بن الزهدري الحلي قدس اللّه سره ، على يد كاتبها مالكها الفقير الى اللّه عبد اللّه والمؤمنين ، علي بن حسن بن أحمد بن ابراهيم بن مظاهر ، غفر اللّه له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات ولمن دعا لهم بذلك ، وذلك في يوم الجمعة حادي عشرين ذي الحجة الحرام ، من سنة أربع وخمسين وسبعمائة ، بالحلة السيفية ، عمرها اللّه بالصالحين من عباده واختمه بالخير. وصلى اللّه على أكرم المرسلين وخير خلقه أجمعين سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين.


1) المبسوط 4 / 57.

وقال في آخر نسخة « س » : تمت ترددات الجزء الاول ، واللّه الموفق للصواب بحمد اللّه تعالى ومنه وكرمه ، والتصديق برسوله ووصيه وذريته وأهل بيته ، وجميع رسله وأوصياء رسله وملائكته وكتبه على يد أضعف عباده ، وأحوجهم الى عفوه ومغفرته ورحمته ورضوانه ، علي بن حسن بن علي بن ... ، في يوم الاثنين سادس شهر صفر من شهور سنة ست وخمسين وسبعمائة ، بمدرسة البسط المعروفة بمدرسة سيدنا ومولانا صاحب الزمان محمد بن الحسن صلى ‌اللّه‌ عليه ‌وآله‌وسلم وعجل اللّهم في فرجه ، رحم اللّه من قرأ فيه ونظر فيه ودعا لصاحبه وكاتبه ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات بالمغرة والرحمة برحمتك يا أرحم الراحمين.

وتم استنساخ الجزء الاول من الكتاب تحقيقا وتصحيحا وتعليقا عليه على يد العبد مهدي بن محمد الرجائي في يوم السبت الرابع والعشرين من جمادي الاخر ، سنة ألف وأربعمائة وثمان هجرية ، في بلدة قم حرم أهل البيت عليهم ‌السلام.

فهرس الكتاب

مقدمة المحقق... 3

ذكر الترددات المذكورة في كتاب الطهارة... 20

حكم نجاسة ماء البئر... 21

الماء المستعمل في الوضوء... 22

حكم الاسئار... 23

أحكام الجنابة والحيض... 24

أحكام الاموات... 25

أحكام التيمم... 27

أحكام النجاسات... 29

حكم اتخاذ الاواني من الذهب والفضة... 30

ذكر الترددات المذكورة في كتاب الصلاة... 32

عدم جواز لبس الحرير للرجال ولا الصلاة فيه... 32

ما لو صلى منفردا ولم يؤذن ساهيا... 33

وجوب البسملة بين السورتين الا ما استثني... 34

ما يجب في الركوع... 35

قواطع الصلاة... 36

حكم عقص الشعر للرجل... 37

ذكر الترددات المذكورة في فضل صلاة الجمعة... 38

ذكر الترددات المذكورة في فضل صلاة العيد... 42

ما لو اتفق عيد وجمعة في يوم واحد... 45

حكم صلاة الكسوف... 46

في الصلاة على الاموات... 48

نوافل شهر رمضان... 49

توابع الصلاة... 49

ذكر الترددات والترجيحات المذكورة في كتاب الزكاة... 52

عدم وجوب الزكاة في الدين... 53

زكاة مال التجارة... 54

زكاة الغنم والانصاب... 55

اشتراط السوم في وجوب الزكاة... 56

ما لو اختل أحد شروط الزكاة أثناء الحول... 57

وجوب الزكاة في الذهب والفضة... 58

زكاة القرض على المقترض... 60

عدم وجوب الزكاة في غير الاجناس الاربعة من الغلات... 61

وجوب الزكاة بعد اخراج حصة السلطان... 63

حكم الثمرة لو صارت تمرا والمالك حي ثم مات... 64

ما لو ملك نخلا قبل بدو صلاحه... 65

ما لو ملك أحد النصب الزكاتية... 66

أصناف المستحقين للزكاة وصفاتهم... 67

حرمة الصدقة الواجبة على ولد هاشم... 73

ما لو طلب الامام الزكاة... 75

ما لو احتاجت الصدقة الى كيل ووزن... 76

وجوب دفع الزكاة عند اهلال الشهر الثاني عشر... 77

وجوب النية عند الدفع... 79

حكم زكاة الفطرة... 81

وقت وجوب زكاة الفطرة... 84

ما يجب فيه الخمس... 87

الخمس يقسم ستة أقسام وما يعتبر فيه... 88

إيضاح الترددات المذكورة في كتاب الصوم... 92

أحكام النية المعتبرة في الصوم... 92

ما يجب الامساك عنه... 96

حكم الحقنة... 101

حكم ما لو أكل ناسيا أو خوف فأفطر... 102

حكم الكفارة في شهر رمضان... 103

حكم من أجنب ونام ليلا... 104

حكم التمضمض وما يخرج من بقايا الغذاء... 105

تكرر الكفارة بتكرر الموجب... 107

من فعل ما يجب به الكفارة ثم سقط فرضه... 108

ما لو اكره امرأته في نهار رمضان... 109

ما لو نذر يوما معينا فاتفق أحد العيدين... 110

عدم صحة صوم المغمى عليه... 111

صحة صوم النذر المشروط... 111

ما يعتبر في ثبوت الهلال... 113

استحباب صوم الثلاثين من شعبان... 114

عدم وجوب الصوم على الصبي والمجنون... 116

استحباب الموالاة في القضاء... 116

ما لو استمر به المرض الى رمضان آخر... 117

هل يقضى عن المرأة ما فاتها؟... 118

حكم من نسى غسل الجنابة في شهر رمضان... 119

من وجب عليه صوم شهر متتابع فصام بعضه... 120

الشرائط المعتبرة في قصر الصلاة معتبرة في قصر الصوم... 121

الهم والكبير وذو العطاش يفطرون في رمضان... 122

كراهة التملي من الطعام والشراب لمن يسوع له... 124

إيضاح الترددات المذكورة في كتاب الاعتكاف... 125

حكم من نذر اعتكاف شهر معين فاعتكف بعضه... 126

من مات قبل انقضاء اعتكافه الواجب... 129

كل ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف... 129

وجوب كفارة واحدة ان جامع ليلا... 130

الارتداد موجب للخروج من المسجد... 131

ما لو اكره امرأته على الجماع وهما معتكفان... 132

اذا طلقت المعتكفة رجعية خرجت... 133

ما لو اعتكف ثلاثة متفرقة... 134

إيضاح الترددات المذكورة في كتاب الحج... 136

وجوب الحج ببذل الزاد والراحلة له... 137

سقوط الحج عمن منعه عدو أو كان معضوبا... 138

من مات بعد الاحرام ودخول الحرم... 139

هل الرجوع الى كفاية شرط في وجوب الحج... 141

يقضى الحج من أقرب الاماكن... 142

حكم نذر الحج... 143

حكم نذر الحج ماشيا... 144

عدم صحة النيابة عن المسلم المخالف... 147

عدم صحة نيابة من وجب عليه الحج واستقر... 148

وجوب الاتيان بما شرط عليه... 149

ما لو شرط الحج على طريق معين... 150

حكم الصد قبل الاحرام ودخول الحرم للمستنيب... 151

ما لو أفسد النائب حجه... 151

ما لو أوصى أن يحج عنه ولم يعين الاجرة... 153

حكم من عليه حجة الاسلام ونذر أخرى... 154

وجوب اتيان حج التمتع في أشهر الحج... 156

وجوب الاحرام من الميقات مع الاختيار... 158

حج الافراد والقران... 160

جواز الطواف للقارن والمفرد لو دخل مكة... 161

ما لو أقام من فرضه التمتع بمكة سنة أو سنتين... 163

عدم جواز القران بين الحج والعمرة بنية واحدة... 164

ما لو حج على طريق لا يفضي الى أحد المواقيت... 166

من أحرم قبل هذه المواقيت... 166

ما لو نسي الاحرام ولم يذكر حتى أكمل مناسكه... 167

مقدمات الاحرام... 168

ما لو أحرم بغير غسل أو صلاة ثم ذكر... 169

عدم انعقاد الاحرام للمتمتع والمفرد الا بالتلبية... 171

عدم جواز الاحرام في الحرير للنساء... 172

حكم الاشتراط في الاحرام... 175

ما لو اختلف الزوجان في ايقاع العقد... 177

حرمة الطيب على المحرم... 179

حرمة لبس المخيط للرجال وكذا الاكتحال بالسواد... 180

حكم لبس الخفين وما يستر ظهر القدم... 182

ما يحرم فعله للمحرم... 183

من لم يتفق له الوقوف بعرفات نهارا... 185

ما لو نوى الوقوف ثم نام أو جن أو أغمي عليه... 188

ما يعتبر في الرمي... 189

يستحب أن يقسم الهدي أثلاثا... 191

حكم من فقد الهدي ووجد ثمنه... 191

وجوب تقديم التقصير على زيارة البيت... 194

ما يعتبر في الطواف... 195

حكم من نسي طواف الزيارة... 199

من طاف كان بالخيار في تأخير السعي الى الغد... 200

أحكام السعي... 202

كراهة منع أحد من سكنى دور مكة... 204

حرمة أن يرفع بناء فوق الكعبة... 206

ما لو ساق هل يفتقر الى هدي التحلل أم لا؟... 207

لا بدل لهدي التحلل... 209

أحكام الصيد وكفارته... 210

لا يدخل في ملك المحرم شي‌ء من الصيد... 227

كلما تكرر الصيد من المحرم نسيانا وجب عليه ضمانه... 229

كفارة الاستمناء... 231

ما لو عقد المحرم لمحرم على امرأة ودخل... 233

حكم قلع شجر الحرم... 234

سقوط الكفارة عن الجاهل والناسي والمجنون... 236

إيضاح الترددات المذكورة في كتاب الجهاد... 238

حكم نذر المرابطة... 240

ما لو غلب عنده الهلاك في الحرب... 242

ما يجوز فيه الفرار في الحرب... 243

حرمة القاء السم... 244

كراهة المبارزة بغير اذن الامام... 245

يجوز أن يذم الواحد من المسلمين الآحاد من أهل الحرب... 247

ما لو أسلم عبد الحربي في دار الحرب قبل مولاه... 249

ما لو وجد شي‌ء في دار الحرب... 250

ليس للاعراب من الغنيمة شي‌ء... 253

لا يستحق أحد سلبا ولا نقلا... 254

الحربي لا يملك مال المسلم بالاستغنام... 255

ما لو قتل الرجال قبل عقد الجزية... 257

ما لو خرقوا الذمة في دار الاسلام... 258

عدم صحة بيع المصحف من الكافر... 262

وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر... 262

إيضاح الترددات المذكورة في المعاملات... 265

ما يحرم بيعه... 265

عدم اشتراط تقديم الايجاب على القبول... 267

تكفي مشاهدة المبيع عن وصفه... 270

ما يكره في البيع... 271

ذكر الترددات المذكورة في فصل الخيار... 273

أحكام القبض... 276

حكم ما يشترطه المشتري على البائع... 278

حرمة الربا وما يجري فيه... 279

التقابض في المجلس شرط في صحة الصرف... 282

حكم بيع ثمرة النخل قبل ظهورها... 284

حكم الاسلاف في الجلود وجوز القز... 288

لا يشترط ذكر موضع التسليم... 289

لا يجوز للمملوك أن يتصرف في نفسه... 290

أحكام الرهن... 291

ما لو أقر المفلس بعين... 294

حكم من وجد عين ماله... 295

ما لو أودعه انسان وديعة فأتلفها... 296

أحكام الضمان... 297

في ضمان الاعيان المضمونة... 298

حكم من ضمن عهدة الثمن... 299

أحكام الحوالة... 300

صحة الحوالة حالة ومؤجلة... 301

حكم من تكفل بتسليمه مطلقا... 302

عدم صحة كفالة المكاتب... 302

أحكام الصلح... 303

عدم جواز اخراج الرواشن والاجنحة الى الطرق... 304

أحكام الشركة... 304

مباحث الشركة... 307

اشتراط كون مال القراض عينا... 309

اشتراط كون الربح مشاعا... 310

قبول قول العامل في التلف... 311

ما لو قارض اثنان واحدا... 312

صحة المساقاة قبل ظهور الثمرة وبعده... 313

مباحث المساقاة... 314

مباحث الوديعة... 317

مباحث العارية... 319

ذكر الترددات المذكورة في كتاب الاجارة... 320

ما يلزم في اجارة الدابة... 322

ما يلزم في اجارة المرضعة... 323

اشتراط كون المنفعة مقدورا على تسليمها... 324

صحة الوكالة فى الطلاق... 326

لو اختلف الوكيل والموكل في لفظ العقد... 327

ما لو اذن الموكل لوكيله في بيع ماله... 328

مباحث الوقف... 329

ما لو وقف حصة من عبد ثم أعتقه... 330

ما لو آجر البطن الاول الوقف ثم انقرضوا... 331

عدم اشتراط القبول في الابراء... 332

انتقال الملك الى الموصى له بموت الموصي... 334

مباحث الوصية... 335

ما لو أوصى باخراج بعض ولده من الارث... 336

عدم ثبوت الوصية بالولاية الا بشاهدين... 337

ما لو أوصى لاخواله وأعمامه وجيرانه... 338

ما لو مات انسان ولا وصي له... 339

ما لو أعتق أمته وقيمتها ثلث تركته... 340

فهرس الكتاب... 342